Advertisement

المنثور في القواعد الفقهية 002


[حَرْفُ الْجِيمِ] [الْجَائِزُ]
(الْجَوَازُ) يُطْلَقُ فِي أَلْسِنَةِ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ عَلَى أُمُورٍ.
أَحَدُهَا: عَلَى رَفْعِ الْحَرَجِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا أَوْ مَكْرُوهًا.
الثَّانِي: عَلَى مُسْتَوَى الطَّرَفَيْنِ، وَهُوَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ.
الثَّالِثُ: عَلَى مَا لَيْسَ بِلَازِمٍ وَهُوَ اصْطِلَاحُ الْفُقَهَاءِ فِي الْعُقُودِ، فَيَقُولُونَ الْوَكَالَةُ وَالشَّرِكَةُ وَالْقِرَاضُ عَقْدٌ جَائِزٌ، وَيَعْنُونَ بِهِ مَا لِلْعَاقِدِ فَسْخُهُ بِكُلِّ حَالٍ، إلَّا أَنْ يُؤَوَّلَ إلَى اللُّزُومِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابِهِ فِي الْأُصُولِ وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْبَيْعُ الْمَشْرُوطُ فِيهِ الْخِيَارُ وَإِذَا كَانَ فِي الْمَبِيعِ عَيْبٌ، فَإِنَّهُ يُؤَوَّلُ إلَى اللُّزُومِ، وَكَذَلِكَ الرَّهْنُ، فَإِنَّهُ مِنْ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ، لِأَنَّهُ يُؤَوَّلُ لِلُّزُومِ.
وَقَدْ يَجْرِي فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ: جَازَ كَذَا وَلِلْوَلِيِّ أَنْ يَفْعَلَ كَذَا وَيُرِيدُونَ بِهِ الْوُجُوبَ وَذَلِكَ ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا كَانَ الْفِعْلُ دَائِرًا بَيْنَ الْحُرْمَةِ وَالْوُجُوبِ فَيُسْتَفَادُ بِقَوْلِهِمْ يَجُوزُ رَفْعُ الْحُرْمَةِ، فَيَبْقَى الْوُجُوبُ.
(2/7)

وَلِهَذَا لَا يَحْسُنُ قَوْلُهُمْ فِيمَنْ عَلِمَ دُخُولَ شَهْرِ (رَمَضَانَ) بِالْحِسَابِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الصَّوْمُ، لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْفِعْلَ لَا يُتَنَفَّلُ بِهِ، وَكَذَا قَوْلُهُمْ فِي الصَّبِيِّ: لَا يَصِحُّ إسْلَامُهُ، لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَوَجَبَ.

[الْجُبْرَان]
يَكُونُ فِي مَوَاضِعَ:
أَحَدُهَا: مَا لَا يُجْبَرُ، إلَّا بِالْعَمَلِ الْبَدَنِيِّ، كَالْخَلَلِ الْوَاقِعِ فِي الصَّلَاةِ بِالسُّجُودِ فِي تَرْكِ مَأْمُورٍ بِهِ مَخْصُوصٍ أَوْ ارْتِكَابِ مَنْهِيٍّ عَنْهُ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَبْرُ فِي كُلِّ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ وَلَا فِي الْوَاجِبِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْإِتْيَانِ بِعَيْنِهِ وَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ «النَّوَافِلَ جَوَابِرُ لِلْفَرَائِضِ» ، فَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ مَعْنَى (تَكْمِيلِ) الْفَرَائِض بِهَا أَنَّهَا تَجْبُرُ السُّنَنَ الَّتِي فِي الْفَرَائِضِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُعَدِّلَ شَيْءٌ مِنْ السُّنَنِ وَاجِبًا أَبَدًا، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: «وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ أَحَدٌ بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْت عَلَيْهِ» .
(2/8)

الثَّانِي: مَا لَا يُجْبَرُ، إلَّا بِالْمَالِ فَقَطْ، كَمَا فِي سِنِّ الزَّكَاةِ الْأَعْلَى، فَخَرَجَ بِالْأَوَّلِ، مَا لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ بِنْتُ مَخَاضٍ، فَأَخْرَجَ فَصِيلًا مَعَ الْجُبْرَانِ، لَمْ يَجُزْ، بِلَا خِلَافٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَسْنَانِ الزَّكَاةِ، وَلَا هُوَ مِمَّا يُجْزِئُ فِيهَا، بِخِلَافِ الثَّنِيَّةِ، فَإِنَّهَا تُجْزِئُ فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ أَسْنَانِهَا.
وَخَرَجَ بِالثَّانِي، مَا لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ بِنْتُ لَبُونٍ، وَلَمْ يَجِدْهَا وَوَجَدَ ابْنَ لَبُونٍ فَهَلْ يُقْبَلُ مَوْضِعُ الْجُبْرَانِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ، لِأَنَّ ابْنَ اللَّبُونِ بَدَلٌ وَالْجُبْرَانُ يَدْخُلُ مَعَ الْأُصُولِ، لَا مَعَ الْأَبْدَالِ.
وَمِنْهُ جَبْرُ الصَّوْمِ فِي حَقِّ الشَّيْخِ الْهَرِمِ بِالْإِطْعَامِ، وَكَذَلِكَ الْمُرْضِعُ وَالْحَامِلُ وَمُؤَخِّرُ قَضَاءِ (رَمَضَانَ) حَتَّى دَخَلَ آخَرُ.
(الثَّالِثُ) : مَا يُجْبَرُ تَارَةً بِالْعَمَلِ الْبَدَنِيِّ، وَتَارَةً بِالْمَالِ وَهُوَ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ، فَإِنَّهُمَا يُجْبَرَانِ تَارَةً بِالصَّوْمِ فِي التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، وَتَارَةً بِالْمَالِ كَذَبْحِ النُّسُكِ فِيهِ وَتَارَةً يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا كَارْتِكَابِ بَعْضِ الْمَحْظُورَاتِ.
وَمِنْهُ الصَّوْمُ تَارَةً يُجْبَرُ بِمِثْلِهِ كَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ، وَبِالْمَالِ كَالشَّيْخِ الْهَرِمِ، وَتَارَةً يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا، كَمَا فِي الْحَامِلِ.
(2/9)

[الْجَعَالَةُ كَالْإِجَارَةِ إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ]
ِ: إحْدَاهُمَا: تَعْيِينُ الْعَامِلِ وَثَانِيهِمَا: الْعِلْمُ بِمِقْدَارِ الْعَمَلِ.

[الْجِلْسَاتُ فِي الصَّلَاةِ]
ِ أَرْبَعٌ ثِنْتَانِ وَاجِبَتَانِ: وَهُمَا الْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَالتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ.
وَثِنْتَانِ سُنَّتَانِ: وَهُمَا جِلْسَةُ الِاسْتِرَاحَةِ وَالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ.
فَأَمَّا جِلْسَةُ الِاسْتِرَاحَةِ فَفِي التَّتِمَّةِ، أَنَّهَا قَدْرُ مَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ الرَّافِعِيِّ، أَنَّهَا خَفِيفَةٌ، وَلِقَوْلِ النَّوَوِيِّ فِي مَجْمُوعِهِ: خَفِيفَةٌ جِدًّا.
وَيُسْتَثْنَى صَلَاةُ التَّسْبِيحِ، وَقَطَعَ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّهَا لِلْفَصْلِ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ، وَحَكَى النَّوَوِيُّ وَجْهًا أَنَّهَا مِنْ الثَّانِيَةِ، وَأَبْدَى صَاحِبُ الذَّخَائِرِ (ثَالِثًا) أَنَّهَا مِنْ (الْأُولَى) وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي تَعْلِيقِ الْيَمِينِ بِشَيْءٍ مِنْهَا، وَقَدْ يَظْهَرُ فِي أَنَّهُ يُكَبِّرُ تَكْبِيرَتَيْنِ أَوْ وَاحِدَةً، وَقَدْ حَكَاهُ (صَاحِبُ الْإِقْلِيدِ) ، فَإِنْ قُلْنَا فَأَصْلُهُ كَبَّرَ ثِنْتَيْنِ
(2/10)

وَاحِدَةً لَهَا وَأُخْرَى لِقِيَامِهِ، وَإِنْ قُلْنَا مِنْ الثَّانِيَةِ لَمْ يُكَبِّرْ إلَّا وَاحِدَةً، لِأَنَّ جُزْءَ الرُّكْنِ لَا يُكَبَّرُ لَهُ.
قَالَ الْأَصْحَابُ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا، لَا تُشْرَعُ فِي حَقِّهِ جِلْسَةُ الِاسْتِرَاحَةِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ جَالِسٌ. قُلْت: يَنْبَغِي تَقْدِيرُهَا فِي حَقِّهِ، كَمَا فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَمِنْ
خَصَائِصِهَا أَنَّهُ لَا يَدْعُو فِيهَا بِشَيْءٍ، إلَّا فِي صَلَاةِ التَّسْبِيحِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرٌ مَخْصُوصٌ. وَأَمَّا الَّتِي بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَهَلْ هِيَ رُكْنٌ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ، أَوْ لِلْفَصْلِ؟ وَجْهَانِ: صَحَّحَ الدَّارِمِيُّ الْأَوَّلَ.
وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِيمَا لَوْ قَامَ إلَى ثَانِيَةٍ سَهْوًا ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ الْأُولَى وَلَمْ يَكُنْ جَلَسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فَهَلْ يَجْلِسُ مُطَمْئِنًا، ثُمَّ يَسْجُدُ عَقِبَهُ أَوْ لَا يَجِبُ الْجُلُوسُ بَلْ (الْقِيَامُ) يَقُومُ (عِنْدَ السَّهْوِ مَقَامَ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ؟ أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ، وَإِنْ قُلْنَا: مَقْصُودٌ كَالسُّجُودِ، لَمْ يَقُمْ عَنْهُ) الْقِيَامَ، وَإِنْ قُلْنَا (بِالْفَصْلِ) كَفَى. وَقَدْ أَشَارَ الْإِمَامُ إلَى هَذَا الْبِنَاءِ وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى النَّوَوِيِّ، فَإِنَّهُ رَجَّحَ الْفَصْلَ مَعَ أَنَّهُ أَوْجَبَ الْجُلُوسَ بَيْنَهُمَا.

[الْجِمَاعُ وَدَوَاعِيهِ]
ِ (قَسَّمَهُ) الْإِمَامُ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) فِي كِتَابِ الظِّهَارِ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
(2/11)

أَحَدُهَا: مَا يَحْرُمَانِ (فِيهِ) ، كَالْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ وَالْمُعْتَدَّةِ، وَالرَّجْعِيَّةِ، وَالْمُسْتَبْرِئَة غَيْرِ الْمَسْبِيَّةِ.
ثَانِيهَا: مَا يَحْرُمُ دُونَ دَوَاعِيهِ، كَالْحَيْضِ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْقُبْلَةِ، وَاللَّمْسِ، وَنَحْوِهِ (فِي) (الْمُسْتَبْرِئَةِ) الْمَسْبِيَّةِ.
ثَالِثُهَا: مَا يَمْنَعُ الْجِمَاعَ، وَفِي دَوَاعِيهِ قَوْلَانِ وَهُوَ الِاعْتِكَافُ.
رَابِعُهَا: مَا يَحْرُمُ وَلَا تَحْرُمُ دَوَاعِيهِ، إذَا لَمْ يُحَرِّكْ الشَّهْوَةَ وَهُوَ الصَّوْمُ، لَا يُكْرَهُ إذَا لَمْ يَخَفْ الْإِنْزَالَ، وَلَا يُفْسِدُهُ إذَا لَمْ يُنْزِلْ.

[الْجَمْعُ أَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ]
ٌ فَلَوْ قَالَ عَلَيَّ دَرَاهِمُ وَفَسَّرَهَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ لَا يُقْبَلُ عِنْدَنَا، وَكَذَا لَوْ قَالَ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِدَرَاهِمَ، لَا يُخْرِجُ عَنْ نَذْرِهِ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَهَكَذَا فِي الْيَمِين، لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ مَا لِي دَرَاهِمُ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ.
وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ أَيَّامٍ لَزِمَهُ ثَلَاثَةٌ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ بِعْتُكَهُ بِدَرَاهِمَ، لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ، لِأَنَّ الثَّمَنَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَبِيعِ، فَيَكُونُ مَجْهُولًا، وَالْبَيْعُ لَا يَقْبَلُ (الْغُرُورَ) ، وَحَكَى الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَجْهًا أَنَّهُ يَصِحُّ الْبَيْعُ، وَيُحْمَلُ عَلَى ثَلَاثَةٍ.

[الْجَهْلُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ]
ُ الْأَوَّلُ: فِي مَعْنَاهُ: قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي كَلَامِهِ عَلَى قَاعِدَةِ (مُدِّ عَجْوَةٍ) مَعْنَاهُ الْمَشْهُورُ الْجَزْمُ بِكَوْنِ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ (عَدَمُ) الْعِلْمِ.
(2/12)

قُلْت: وَالْأَوَّلُ يُسَمَّى الْمُرَكَّبُ وَالثَّانِي الْبَسِيطُ، وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ قَيْدٍ وَهُوَ عَدَمُ الْعِلْمِ (عَمَّا) شَأْنُهُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا، لَا عَدَمُ الْعِلْمِ مُطْلَقًا، وَإِلَّا لَوُصِفَتْ الْجَمَادَاتُ بِكَوْنِهَا جَاهِلَةً.

(الثَّانِي) : الْجَهْلُ بِالصِّفَةِ هَلْ هُوَ جَهْلٌ بِالْمَوْصُوفِ مُطْلَقًا أَوْ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ؟ الْمُرَجَّحُ الثَّانِي، (لِأَنَّهُ) جَاهِلٌ بِالذَّاتِ مِنْ حَيْثُ صِفَاتِهَا، لَا مُطْلَقًا. وَمِنْ ثَمَّ لَا نُكَفِّرُ (أَحَدًا) مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ (الْإِمَامِ) الشَّافِعِيِّ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) فِيمَا، إذَا نَكَحَ وَشَرَطَ فِيهَا الْإِسْلَامَ، أَوْ فِي أَحَدِهِمَا النَّسَبَ أَوْ الْحُرِّيَّةَ، فَاخْتُلِفَ هَلْ يَصِحُّ النِّكَاحُ؟ وَالْقَوْلُ بِالصِّحَّةِ، وَهُوَ الْجَدِيدُ مَأْخَذُهُ، أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مُعَيَّنٌ، لَا يَتَبَدَّلُ بِالْخُلْفِ فِي الصِّفَةِ وَالْقَوْلُ بِالْفَسَادِ مَأْخَذُهُ أَنَّ اخْتِلَافَ الصِّفَةِ، كَاخْتِلَافِ (الْعَيْنِ) .
وَاعْلَمْ أَنَّ ابْنَ الرِّفْعَةِ، أَخَذَ مِنْ هَذَا الْخِلَافِ خِلَافًا فِي تَكْفِيرِ مُنْكِرِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، (وَقَضِيَّتُهُ) تَرْجِيحُ عَدَمِ التَّكْفِيرِ، قَالَ، لَكِنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْبَيْعِ، إذَا قَالَ بِعْتُك هَذَا الْفَرَسَ، (وَكَانَ) بَغْلًا، لَا يَصِحُّ فِي الْأَصَحِّ.

الثَّالِثُ: الْجَهْلُ بِمَعْنَى اللَّفْظِ مُسْقِطٌ لِحُكْمِهِ.
فَإِذَا نَطَقَ الْأَعْجَمِيُّ بِكَلِمَةِ (كُفْرٍ) ، أَوْ إيمَانٍ، أَوْ طَلَاقٍ، أَوْ إعْتَاقٍ، أَوْ بَيْعٍ، أَوْ شِرَاءٍ، أَوْ نَحْوِهِ، وَلَا يَعْرِفُ مَعْنَاهُ، لَا يُؤَاخَذُ بِشَيْءٍ مِنْهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ مُقْتَضَاهُ، (وَكَذَلِكَ) ، إذَا نَطَقَ الْعَرَبِيُّ بِمَا يَدُلُّ عَلَى هَذِهِ (الْعِبَارَةِ)
(2/13)

بِلَفْظٍ أَعْجَمِيٍّ لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهُ: نَعَمْ، لَوْ قَالَ الْأَعْجَمِيُّ، أَرَدْت بِهِ مَا يُرَادُ عِنْدَ أَهْلِهِ: فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ، إذَا لَمْ يَعْرِفْ مَعْنَى اللَّفْظِ، لَمْ يَصِحَّ قَصْدُهُ.
وَمِثْلُهُ، لَوْ قَالَ طَلْقَةً فِي طَلْقَتَيْنِ، وَجَهِلَ الْحِسَابَ، وَلَكِنْ قَصَدَ مَعْنَاهُ وَقَعَتْ طَلْقَةً وَقِيلَ طَلْقَتَانِ.
وَلَوْ نَطَقَ الْعَرَبِيُّ بِكَلِمَاتٍ عَرَبِيَّةٍ، لَكِنَّهُ لَا يَعْرِفُ مَعَانِيَهَا فِي الشَّرْعِ، مِثْلَ قَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ، أَوْ لِلْبِدْعَةِ، وَهُوَ جَاهِلٌ بِمَعْنَى اللَّفْظِ أَوْ نَطَقَ بِلَفْظِ الْخُلْعِ، أَوْ النِّكَاحِ، فَفِي الْقَوَاعِدِ لِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، أَنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ بِشَيْءٍ إذْ لَا شُعُورَ لَهُ بِمَدْلُولِهِ حَتَّى يَقْصِدَهُ إلَى اللَّفْظِ، قَالَ وَكَثِيرًا مَا يُخَالِعُ الْجُهَّالُ بَيْنَ (الْأَغْبِيَاءِ) الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ مَدْلُولَ لَفْظِ الْخُلْعِ، وَيَحْكُمُونَ بِصِحَّتِهِ لِلْجَهْلِ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ، (وَقَدْ) قَالُوا فِيمَا لَوْ قَالَ زَنَأْت (بِالْهَمْزِ) فِي الْجَبَلِ أَنَّهُ كِنَايَةٌ، لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الصُّعُودِ سَوَاءٌ كَانَ قَائِلُهُ عَامِّيًّا أَوْ غَيْرَهُ وَعَنْ (ابْنِ سَلَمَةَ) أَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْعَامِّيِّ الَّذِي لَا يَعْرِفُ اللُّغَةَ دُونَ غَيْرِهِ، فَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ، إنَّمَا يَظْهَرُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ.
وَمِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، لَوْ قَالَ أَلَيْسَ لِي (عَلَيْك) أَلْفٌ؟ فَقَالَ بَلَى أَوْ نَعَمْ فَإِقْرَارٌ، وَقِيلَ، لَا يَلْزَمُهُ فِي نَعَمْ، وَهُوَ قِيَاسُ النَّحْوِ، وَلَمْ يَفْصِلُوا بَيْنَ الْعَامِّيِّ
(2/14)

وَالنَّحْوِيِّ) نَعَمْ فَصَلُوا بَيْنَهُمَا، فِيمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْ لَمْ تَدْخُلْ الدَّارَ بِفَتْحِ أَنْ، فَإِنَّهُ يَقَعُ فِي الْحَالِ إنْ كَانَ قَائِلُهُ نَحْوِيًّا، بِخِلَافِ الْعَامِّيِّ، فَإِنَّهُ لَا يَقْصِدُ إلَّا التَّعْلِيقَ.

(الرَّابِعُ) : الْجَهْلُ بِالتَّحْرِيمِ مُسْقِطٌ لِلْإِثْمِ وَالْحُكْمُ فِي الظَّاهِرِ لِمَنْ (يَخْفَى) عَلَيْهِ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَ (الْمُرَتَّبَ عَلَيْهِ لَمْ يُعْذَرْ. وَلِهَذَا، لَوْ جَهِلَ تَحْرِيمَ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ عُذِرَ، وَلَوْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ وَجَهِلَ) الْإِبْطَالَ بَطَلَتْ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ جِنْسَ الْكَلَامِ يَحْرُمُ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ التَّنَحْنُحَ وَالْمِقْدَارَ الَّذِي نَطَقَ بِهِ (مُحَرَّمٌ) فَمَعْذُورٌ فِي الْأَصَحِّ.
وَمِنْهَا، لَوْ جَهِلَ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ عُذِرَ، وَلَمْ يُحَدَّ، فَلَوْ قَالَ عَلِمْت التَّحْرِيمَ وَجَهِلْت الْحَدَّ حُدَّ وَإِنْ قَالَ عَلِمْت الْحَدَّ، وَلَكِنْ ظَنَنْت أَنَّ (ذَلِكَ) الْقَدْرَ لَا يُسْكِرُ حُدَّ وَلَزِمَهُ قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ الْفَائِتَةِ فِي السُّكْرِ.
وَمِنْهَا لَوْ تَطَيَّبَ الْمُحْرِمُ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ فَلَا فِدْيَةَ، خِلَافًا لِلْمُزَنِيِّ، وَلَوْ عَلِمَ تَحْرِيمَ الِاسْتِعْمَالِ، وَجَهِلَ وُجُوبَ الْفِدْيَةِ وَجَبَتْ، وَلَوْ عَلِمَ تَحْرِيمَ الطِّيبِ وَجَهِلَ كَوْنَ الْمَمْسُوسِ طِيبًا، فَلَا فِدْيَةَ عَلَى الْمَذْهَبِ وَلَوْ مَسَّ طِيبًا رَطْبًا وَهُوَ يَظُنُّهُ يَابِسًا لَا يَعْلَقُ (بِهِ مِنْهُ) شَيْءٌ، فَفِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ قَوْلَانِ، وَذَكَرَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ أَنَّ الْجَدِيدَ عَدَمُ الْوُجُوبِ وَمِنْهَا الرَّدُّ بِالْعَيْبِ عَلَى الْفَوْرِ، فَلَوْ أَخَّرَ وَقَالَ لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ لِي الرَّدَّ، قُبِلَ إنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالْإِسْلَامِ أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ، وَلَوْ قَالَ لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ يَبْطُلُ بِالتَّأْخِيرِ قُبِلَ، لِأَنَّهُ مِمَّا يَخْفَى عَلَى الْعَوَامّ، قَالَ النَّوَوِيُّ (وَهَذَا)
(2/15)

بِشَرْطِ) أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَخْفَى عَلَيْهِ مِثْلُهُ، وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي الشُّفْعَةِ. وَمِنْهَا لَوْ (عَتَقَتْ) الْأَمَةُ تَحْتَ الْعَبْدِ وَقَالَتْ جَهِلْت الْخِيَارَ عُذِرَتْ فِي الْأَظْهَرِ.
وَمِنْهَا، لَوْ قَالَ عَلِمْت تَحْرِيمَ الْجِمَاعِ وَجَهِلْت وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ وَجَبَتْ بِلَا خِلَافٍ ذَكَرَهُ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَهُوَ رَاجِحٌ.
وَمِنْهَا لَوْ أَكَلَ الصَّائِمُ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ، وَكَانَ يَجْهَلُ مِثْلَ ذَلِكَ لَمْ يُفْطِرْ، وَإِلَّا أَفْطَرَ، وَقَدْ اسْتَشْكَلَ (تَصْوِيرُ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ الصَّوْمِ هُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ، فَمَتَى لَمْ يَعْرِفْ الصَّائِمُ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ، وَحِينَئِذٍ فَكَيْفَ يَتَعَمَّدُ الْفِطْرَ مَعَ الْجَهْلِ بِتَحْرِيمِ الْإِفْطَارِ. وَيُمْكِنُ (تَصْوِيرُهَا) بِمَا إذَا أَكَلَ نَاسِيًا وَقُلْنَا لَا يُفْطِرُ فَظَنَّ أَنَّهُ أَفْطَرَ بِهَذَا الظَّنِّ مُتَعَمِّدًا جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ.
وَمِنْهَا لَوْ سَبَقَ الْإِمَامُ بِرُكْنَيْنِ عَمْدًا مَعَ الْعِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، (فَإِنْ) كَانَ جَاهِلًا لَمْ تَبْطُلْ، لَكِنْ لَا يُعْتَدُّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ، فَيَتَدَارَكُهَا بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ. تَنْبِيهَانِ
(الْأَوَّلُ) : هَذَا لَا يَخْتَصُّ بِحُقُوقِ اللَّهِ (تَعَالَى) ، بَلْ يَجْرِي فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، فَفِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ، لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ رَجُلًا وَادَّعَى الْجَهْلَ بِتَحْرِيمِ الْقَتْلِ وَكَانَ مِثْلُهُ يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي إسْقَاطِ الْقِصَاصِ وَعَلَيْهِ الدِّيَةُ مُغَلَّظَةً، وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ قَوِيٌّ.
(الثَّانِي) : إعْذَارُ الْجَاهِلِ مِنْ بَابِ التَّخْفِيفِ، لَا مِنْ حَيْثُ جَهْلُهُ.
(2/16)

وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) : لَوْ عُذِرَ الْجَاهِلُ، لِأَجْلِ جَهْلِهِ لَكَانَ الْجَهْلُ (خَيْرًا) مِنْ الْعِلْمِ (إذْ) كَانَ يَحُطُّ عَنْ الْعَبْدِ أَعْبَاءَ التَّكْلِيفِ (وَيُرِيحُ) قَلْبَهُ (مِنْ) ضُرُوبِ التَّعْنِيفِ، فَلَا (حُجَّةَ) لِلْعَبْدِ فِي جَهْلِهِ (بِالْحُكْمِ) بَعْدَ التَّبْلِيغِ وَالتَّمْكِينِ، (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) .

(الْخَامِسُ) : الْجَهْلُ بِالشَّرْطِ مُبْطِلٌ وَإِنْ صَادَفَهُ.
فَمَنْ صَلَّى جَاهِلًا بِكَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ، وَإِنْ أَصَابَ كَمَا أَنَّ (مَنْ) فَسَّرَ كِتَابَ اللَّهِ (تَعَالَى) بِغَيْرِ عِلْمٍ أَثِمَ، وَإِنْ أَصَابَ (وَكَمَا أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا حَكَمَ وَهُوَ جَاهِلٌ بِحُكْمِ اللَّهِ يَدْخُلُ النَّارَ، وَإِنْ أَصَابَ) ، وَكَذَا قَالَ فِي الْمَطْلَبِ فِي بَابِ الْقَضَاءِ مَنْ اعْتَقَدَ التَّوْحِيدَ عَمَّا ظَنَّهُ دَلِيلًا وَلَيْسَ بِدَلِيلٍ فِي الْحَقِيقَةِ فَهُوَ غَيْرٌ عَارِفٍ بِالتَّوْحِيدِ (كَمَنْ) اعْتَقَدَهُ (لَا عَنْ دَلِيلٍ) أَصْلًا. وَلِهَذَا امْتَنَعَ عَلَى الشَّاهِدِ إذَا كَانَ فَاسِقًا مِنْ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ حَمَلَ الْحَاكِمَ عَلَى الْبَاطِلِ، وَلَا يُقَالُ إنَّ الْحَاكِمَ قَضَى بِالْحَقِّ فَكَيْفَ يَكُونُ بَاطِلًا، لِأَنَّا نَقُولُ السَّبَبُ الَّذِي اسْتَنَدَ إلَيْهِ الْقَضَاءُ إذَا كَانَ بَاطِلًا (شَرْعًا) كَانَ
(2/17)

الْقَضَاءُ) بَاطِلًا وَإِنْ صَادَفَ الْحَقَّ. انْتَهَى.
وَكَمَا أَنَّ «مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ يَضْمَنُ وَإِنْ أَصَابَ» (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ) ، وَعَلَى هَذَا لَوْ وَصَفَ وَهُوَ طَبِيبٌ دَوَاءً لِأَبِيهِ فَاسْتَعْمَلَهُ فَمَاتَ لَمْ يَرِثْهُ، إنْ كَانَ جَاهِلًا بِالطِّبِّ، لِأَنَّهُ يُعَدُّ قَاتِلًا، وَإِنْ كَانَ عَارِفًا، فَلَا، لِأَنَّهُ لَمْ يَغُشَّهُ، (قَالَ) الرَّافِعِيُّ، لَوْ سَقَى مُوَرِّثَهُ الصَّبِيُّ دَوَاءً (أَوْ بَطَّ) ، جُرْحَهُ عَلَى سَبِيلِ الْمُعَالَجَةِ وَمَاتَ لَمْ يَرِثْهُ، (وَفِيهِ) وَجْهٌ حَكَاهُ (ابْنُ اللَّبَّانِ) عَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ، وَالتَّقْيِيدُ بِالصَّبِيِّ يُخْرِجُ الْبَالِغَ.
(2/18)

السَّادِسُ) : الْجَهْلُ وَالنِّسْيَانُ يُعْذَرُ بِهِمَا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى الْمَنْهِيَّاتِ دُونَ الْمَأْمُورَاتِ وَالْأَصْلُ فِيهِ (حَدِيثُ) «مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ، لَمَّا تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِالْإِعَادَةِ لِجَهْلِهِ بِالنَّهْيِ» وَحَدِيثُ «يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ حَيْثُ أَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَزْعِ الْجُبَّةِ عَنْ الْمُحْرِمِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْفِدْيَةِ لِجَهْلِهِ» ، (وَاحْتَجَّ) (بِهِ) (الْإِمَامُ) الشَّافِعِيُّ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) عَلَى أَنَّ مَنْ وَطِئَ فِي الْإِحْرَامِ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْمَأْمُورَاتِ إقَامَةُ مَصَالِحِهَا وَذَلِكَ
(2/19)

لَا يَحْصُلُ، إلَّا بِفِعْلِهَا، وَالْمَنْهِيَّاتِ مَزْجُورٌ عَنْهَا (بِسَبَبِ) مَفَاسِدِهَا امْتِحَانًا لِلْمُكَلَّفِ بِالِانْكِفَافِ عَنْهَا، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِالتَّعَمُّدِ لِارْتِكَابِهَا وَمَعَ النِّسْيَانِ وَالْجَهَالَةِ لَمْ يَقْصِدْ الْمُكَلَّفُ ارْتِكَابَ (الْمَنْهِيِّ) فَعُذِرَ بِالْجَهْلِ فِيهِ.
(وَمِنْ فُرُوعِهَا) وَلَوْ جَاوَزَ الْمُرِيدُ لِلْإِحْرَامِ الْمِيقَاتَ نَاسِيًا لَزِمَهُ الدَّمُ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَطَيَّبَ نَاسِيًا، لِأَنَّ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ مَأْمُورٌ بِهِ، وَالطِّيبُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، لَكِنْ يَشْكُلُ عَلَى هَذَا قَصُّ (الْأَظَافِرِ) ، فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَلَوْ فَعَلَهُ نَاسِيًا، لَزِمَهُ الدَّمُ، وَلَوْ نَسِيَ التَّرْتِيبَ فِي الْوُضُوءِ لَا يَجْزِيه عَلَى الْجَدِيدِ (وَكَذَا) ، لَوْ تَرَكَ الْفَاتِحَةَ نَاسِيًا، قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُمَا جَارِيَانِ فِيمَا لَوْ نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ (وَصَلَّى) بِالتَّيَمُّمِ، وَكَذَا لَوْ صَلَّى أَوْ صَامَ أَوْ تَوَضَّأَ بِالِاجْتِهَادِ، فَصَادَفَ قَبْلَ الْوَقْتِ أَوْ بِالْإِنَاءِ النَّجَسَ، أَوْ تَيَقَّنَ الْخَطَأَ فِي الْقِبْلَةِ أَوْ صَلَّى بِالنَّجَاسَةِ نَاسِيًا (أَوْ رَأَوْا سَوَادًا) ظَنُّوهُ عَدُوًّا، فَصَلَّوْا صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ أَوْ دَفَعَ الزَّكَاةَ لِمَنْ ظَنَّهُ فَقِيرًا فَبَانَ غَنِيًّا أَوْ مَرِضَ وَقَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ إنَّهُ مَعْضُوبٌ، فَأَحَجَّ عَنْ نَفْسِهِ فَبَرِئَ أَوْ غَلِطُوا فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَوَقَفُوا (فِي) الثَّامِنِ أَوْ بَاعَهُ حَيَوَانًا، عَلَى أَنَّهُ بَغْلٌ فَبَانَ حِمَارًا، أَوْ بِالْعَكْسِ، فَإِنَّ الْخِلَافَ ثَابِتٌ فِي الْجَمِيعِ (قَالَ) ، لَكِنْ صَحَّحُوا الصِّحَّةَ فِي صُوَرٍ أُخْرَى، كَمَا لَوْ نَوَى الصَّلَاةَ خَلْفَ زَيْدٍ (هَذَا) ، فَبَانَ (عَمْرًا) أَوْ
(2/20)

عَلَى هَذَا الْمَيِّتِ زَيْدٍ (فَبَانَ) (عَمْرًا) أَوْ بَاعَ مَالَ مُوَرِّثِهِ ظَانًّا حَيَاتَهُ، فَبَانَ مَيِّتًا أَوْ شُرِطَ فِي أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَصْفًا فَبَانَ خِلَافُهُ سَوَاءٌ كَانَ أَعْلَى مِنْ الْمَشْرُوطِ أَوْ دُونَهُ، وَلَوْ حَلَفَ لَا تَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِهِ فَأَذِنَ وَلَمْ تَسْمَعْ فَخَرَجَتْ فَالْأَصَحُّ لَا حِنْثَ، لِأَنَّ الْإِذْنَ قَدْ حَصَلَ.
(أَمَّا فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فَقَدْ لَا يُعْذَرُ، كَمَا لَوْ ضَرَبَ مَرِيضًا جَهِلَ مَرَضَهُ ضَرْبًا يَقْتُلُ الْمَرِيضَ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْأَصَحِّ بِخِلَافِ مَا لَوْ حَبَسَ مَنْ بِهِ جُوعٌ وَعَطَشٌ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِحَالِهِ مُدَّةً لَا يَمُوتُ فِيهَا الشَّبْعَانُ عِنْدَ الْحَبْسِ لَا قِصَاصَ، وَكَأَنَّ الْفَرْقَ أَنَّ أَمَارَاتِ الْمَرَضِ، لَا تَخْفَى، بِخِلَافِ الْجُوعِ. وَلَوْ شَهِدَا بِقَتْلٍ ثُمَّ رَجَعَا، وَقَالَا تَعَمَّدْنَا، وَلَكِنْ مَا عَرَفْنَا أَنَّهُ يُقْتَلُ بِشَهَادَتِنَا فَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ، فِي الْأَصَحِّ إذْ لَمْ يَظْهَرْ تَعَمُّدُهُمْ لِلْقَتْلِ. وَلَوْ سَرَقَ ثَوْبًا رَثًّا لَا يُسَاوِي رُبُعَ دِينَارٍ، وَكَانَ فِي جَيْبِهِ تَمَامُ الرُّبُعِ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ قُطِعَ فِي الْأَصَحِّ) .
(2/21)

(وَمِنْهَا فِي حِنْثِ الْجَاهِلِ وَالنَّاسِي قَوْلَانِ: أَرْجَحُهُمَا الْمَنْعُ) .
وَمِنْ صُوَرِ الْجَهْلِ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّ الشَّيْءَ الْفُلَانِيَّ لَمْ يَكُنْ أَوْ كَانَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ كَذَلِكَ، فَبَانَ أَنَّهُ (عَلَى) خِلَافِ مَا ظَنَّهُ، وَبِهَاتَيْنِ صَوَّرَهَا ابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ صُورَتُهُ أَنَّهُ يُعَلِّقُ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ، فَيَفْعَلُهُ نَاسِيًا لِلْيَمِينِ، أَوْ جَاهِلًا بِأَنَّهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
وَقَدْ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ (لَوْ) جَلَسَ مَعَ جَمَاعَةٍ فَقَامَ وَلَبِسَ خُفَّ غَيْرِهِ، فَقَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ اسْتَبْدَلْت بِخُفِّك وَلَبِسْت خُفَّ غَيْرِك، فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَإِنْ خَرَجَ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا مَا لَبِسَهُ لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ بَقِيَ غَيْرُهُ (فَقَالَ) الرَّافِعِيُّ طَلُقَتْ قَالَ النَّوَوِيُّ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ إنْ خَرَجَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ وَقَصَدَ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ بَدَلَهُ حَنِثَ إنْ كَانَ (عَالِمًا) وَإِلَّا فَقَوْلَا النَّاسِي.
تَنْبِيهَاتٌ
(الْأَوَّلُ) : لَا فَرْقَ فِي الْجَاهِلِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْيَمِينُ عَلَى الْمَاضِي أَوْ الْمُسْتَقْبَلِ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَقَالَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ إذَا حَلَفَ أَنَّ (هَذَا) ذَهَبُهُ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْ فُلَانٍ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ (أَنَّهُ لَيْسَ ذَهَبُهُ) حَنِثَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى نَفْيٍ (لِأَنَّهُ يُمْكِنُ) الْإِحَاطَةُ بِهِ.
(2/22)

(الثَّانِي) : إذَا قُلْنَا لَا يَحْنَثُ النَّاسِي صَدَقَ فِي دَعْوَاهُ النِّسْيَانَ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَخْرُجَ عَلَى قَوْلَيْ تَعَارُضِ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ.
وَيَشْهَدُ لَهُ مَا فِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ فِيمَا لَوْ قَالَ (لَهَا) إنْ ضَرَبْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَضَرَبَ امْرَأَةً غَيْرَهَا أَوْ نَفْسَهُ فَأَصَابَهَا فَهُوَ ضَارِبٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَكُونُ (قَاتِلًا تَجِبُ) بِهِ الدِّيَةُ، وَهَلْ يَحْنَثُ؟ فَعَلَى قَوْلَيْ الْمُكْرَهِ: فَإِنْ قُلْنَا لَا يَحْنَثُ الْمُكْرَهُ فَادَّعَى أَنِّي قَصَدْت ضَرْبَ غَيْرِهَا أَوْ ضَرْبَ نَفْسِي فَأَصَابَهَا لَمْ يُقْبَلْ لِأَنَّ الضَّرْبَ (تَعَيَّنَ) ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْبَلَ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ انْتَهَى.
وَالْأَشْبَهُ التَّفْصِيلُ (بَيْنَ مَا) يَتَعَلَّقُ بِهِ (حَقُّ) الْغَيْرِ أَوْ لَا وَبِهِ صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ فِي نَظِيرِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ لَوْ حَلَفَ وَقَالَ لَمْ أَقْصِدْ الْيَمِينَ بِهِ صُدِّقَ إلَّا فِي طَلَاقٍ أَوْ (عَتَاقٍ) وَإِيلَاءٍ فَلَا يُصَدَّقُ ظَاهِرًا لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ.
(الثَّالِثُ) : قَدْ يَحْنَثُ النَّاسُ كَمَا لَوْ (حَلَفَ) لَا يَفْعَلُ كَذَا عَالِمًا وَلَا نَاسِيًا فَفَعَلَهُ نَاسِيًا انْحَلَّتْ يَمِينُهُ جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ وَعَلَّلَهُ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّ مَقْصُودَ الْيَمِينِ وُجُودُ الدَّاعِي إلَى (فِعْلِهِ) فَإِذَا وُجِدَ الْفِعْلُ حَصَلَ الْمَقْصُودُ (الْأَصْلِيُّ) .
(2/23)

[حَرْفُ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ] [الْحَاجَةُ الْعَامَّةُ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ الْخَاصَّةِ فِي حَقِّ آحَادِ النَّاسِ]
الْحَاجَةُ الْعَامَّةُ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ الْخَاصَّةِ فِي حَقِّ آحَادِ النَّاسِ كَرَّرَهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ الْبُرْهَانِ وَكَذَا فِي النِّهَايَةِ. فَقَالَ فِي بَابِ الْكِتَابَةِ إنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ وَالْجَعَالَةِ وَالْإِجَارَةِ وَنَحْوِهَا جَرَتْ عَلَى حَاجَاتٍ (خَاصَّةٍ) (تَكَادُ) تَعُمُّ، وَالْحَاجَةُ إذَا عَمَّتْ (كَانَتْ) كَالضَّرُورَةِ فَتَغْلِبُ فِيهَا الضَّرُورَةُ الْحَقِيقِيَّةُ.
(مِنْهَا) : مَشْرُوعِيَّةُ الْإِجَارَةِ مَعَ أَنَّهَا وَرَدَتْ عَلَى مَنَافِعَ مَعْدُومَةٍ قَالَ شَارِحُهُ الْإِبْيَارِيُّ يَعْنِي بِهِ أَنَّ الشَّرْعَ كَمَا اعْتَنَى (بِدَفْعِ ضَرُورَةِ) الشَّخْصِ الْوَاحِدِ فَكَيْفَ لَا (يَعْتَنِي) بِهِ مَعَ حَاجَةِ (الْجِنْسِ) وَلَوْ مَنَعَ (الْجِنْسَ) (مِمَّا) تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ لَنَالَ آحَادُ (الْجِنْسِ) ضَرُورَةً تَزِيدُ عَلَى ضَرُورَةِ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ فَهِيَ بِالرِّعَايَةِ أَوْلَى.
وَمِنْ فُرُوعِهَا: شَرْعِيَّةُ ضَمَانِ الدَّرَكِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِقِيَاسِ الْأُصُولِ فَإِنَّ
(2/24)

الْبَائِعَ إذَا بَاعَ مِلْكَ نَفْسِهِ فَمَا أَخَذَهُ مِنْ الثَّمَنِ فَلَيْسَ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ حَتَّى يَضْمَنَهُ.
(وَمِنْهَا) : مَسْأَلَةُ الْجُعْلِ وَدَلَالَتُهُ عَلَى الْجُعْلَةِ بِجَارِيَةٍ مِنْهَا يَصِحُّ لِلْحَاجَةِ مَعَ أَنَّ الْجُعْلَ الْمُعَيَّنَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ مَمْلُوكًا وَهُوَ مَفْقُودٌ هُنَا.
وَكَذَلِكَ الْجَعَالَةُ وَالْقِرَاضُ وَغَيْرُهُمَا (مِمَّا) جُوِّزَ لِلْحَاجَةِ وَكَذَلِكَ إبَاحَةُ النَّظَرِ لِلْعِلَاجِ وَنَحْوِهِ.

[الْحَاجَةُ الْخَاصَّةُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَ]
َ (كَتَضْبِيبِ) الْإِنَاءِ لِلْحَاجَةِ قَالُوا لَا يُعْتَبَرُ الْعَجْزُ عَنْ التَّضْبِيبِ بِغَيْرِ النَّقْدَيْنِ فَإِنَّ الْعَجْزَ يُبِيحُ أَصْلَ الْإِنَاءِ مِنْهُمَا قَطْعًا، بَلْ الْمُرَادُ الْأَغْرَاضُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالتَّضْبِيبِ (سِوَى التَّزْيِينِ) (كَإِصْلَاحِ) مَوْضِعِ الْكَسْرِ كَالشَّدِّ وَالتَّوَثُّقِ وَكَذَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَذَكَرَ الْإِمَامُ فِي تَفْسِيرِهَا احْتِمَالَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ عَلَى قَدْرِ الشَّعْبِ. وَثَانِيهِمَا: الْعَجْزُ عَنْ غَيْرِ النَّقْدَيْنِ سَوَاءٌ عَجَزَ عَنْ إنَاءٍ (آخَرَ) أَمْ لَا.
(وَمِنْهَا) : الْأَكْلُ مِنْ طَعَامِ الْكُفَّارِ فِي دَارِ الْحَرْبِ جَائِزٌ لِلْغَانِمِينَ رُخْصَةً لِلْحَاجَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ مَعَهُ طَعَامٌ آخَرُ بَلْ يَأْخُذُ قَدْرَ كِفَايَتِهِ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ.
(وَمِنْهُ) : لُبْسُ الْحَرِيرِ (لِحَاجَةِ الْجَرَب) وَالْحَكَّةِ وَدَفْعِ الْقَمْلِ وَسَكَتُوا (عَنْ) اشْتِرَاطِ وُجْدَانِ مَا يُغْنِي (عَنْهُ) مِنْ دَوَاءٍ أَوْ لُبْسٍ كَمَا فِي التَّدَاوِي
(2/25)

بِالنَّجَاسَةِ وَقِيَاسُ مَا سَبَقَ عَدَمُ اعْتِبَارِهِ.
(وَمِنْهُ) : إبَاحَةُ تَحْلِيَةِ آلَاتِ الْحَرْبِ غَيْظًا (لِلْمُشْرِكِينَ) ، وَحَكَوْا فِي (بُرَّةِ) النَّاقَةِ وَجْهَيْنِ وَصَحَّحُوا الْمَنْعَ وَالْمُخْتَارُ الْإِبَاحَةُ (فَإِنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُهْدِيَ جَمَلًا فِي أَنْفِهِ بُرَّةٌ مِنْ فِضَّةٍ» ) .
(وَمِنْهُ) : الْخِضَابُ بِالسَّوَادِ لِلْجِهَادِ لِمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَكَذَلِكَ (التَّبَخْتُرُ) بَيْنَ الصَّفَّيْنِ «وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ رَآهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ هَذِهِ مِشْيَةٌ يَبْغُضُهَا اللَّهُ إلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ» .

[الْحَالُّ لَا يَتَأَجَّلُ]
قَالَ الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ: إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ: (إحْدَاهُمَا) : إذَا قَالَ صَاحِبُ الدَّيْنِ عِنْدَ حُلُولِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أُطَالِبَهُ إلَّا بَعْدَ شَهْرٍ لَزِمَ
(2/26)

وَفِي تَصْوِيرِهِ إشْكَالٌ لِأَنَّ الصُّورَةَ إنْ كَانَتْ فِي مُعْسِرٍ فَالْإِنْظَارُ وَاجِبٌ وَالْوَاجِبُ لَا يَصِحُّ نَذْرُهُ وَإِنْ كَانَتْ فِي مُوسِرٍ (قَاصِدٍ) لِلْأَدَاءِ لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا لِأَنَّ أَخْذَهُ مِنْهُ وَاجِبٌ (وَلَا) يَصِحُّ (إبْطَالُ) الْوَاجِبِ بِالنَّذْرِ.
(الثَّانِيَةُ) : إذَا (أَوْصَى) مَنْ لَهُ الدَّيْنُ الْحَالُّ أَنْ لَا يُطَالِبَ إلَّا بَعْدَ شَهْرٍ فَإِنَّهُ تَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ وَقَالَ فِي الْمَطْلَبِ (قَبْلَ بَابِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ) لَا بُدَّ لِلْمَسْأَلَةِ مِنْ قَيْدٍ وَهُوَ أَنْ يُخْرِجَ قَدْرَ الدَّيْنِ مِنْ ثُلُثِهِ لِأَنَّهُمْ قَالُوا إنَّ الْبَيْعَ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ يُحْسَبُ كُلُّهُ مِنْ الثُّلُثِ إذَا لَمْ يَحِلَّ مِنْهُ شَيْءٌ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي لِأَنَّهُ مَنَعَ الْوَرَثَةَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ فَكَانَ كَإِخْرَاجِهِ عَنْ (مِلْكِهِمْ وَهَذَا) مِثْلُهُ. قُلْت: هَذَا الْقَيْدُ حَكَاهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ عَنْ وَالِدِهِ (ثُمَّ خَالَفَهُ) . وَزَادَ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَيْضًا (ثَالِثَةً) وَهِيَ مَا لَوْ بَاعَهُ شَيْئًا ثُمَّ ذَكَرَ الْأَجَلَ فِي مَجْلِسِ (الْعَقْدِ) (وَفَرَّعْنَا) عَلَى الْأَصَحِّ وَهُوَ الْتِحَاقُ الزِّيَادَةِ بِالْعَقْدِ وَأَنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ فِي (الْمَبِيعِ فِي) زَمَانِ الْخِيَارِ لِأَنَّ الدَّيْنَ كَانَ حَالًّا وَقَدْ تَأَجَّلَ (بَلْ هَذِهِ بِالْفَرْضِ أَوْلَى
(2/27)

لِأَنَّ مَا كَانَ حَالًّا لَا يُؤَجَّلُ) وَفِيمَا عَدَاهَا قَدْ يُقَالُ إنَّ الدَّيْنَ بَاقٍ بِصِفَتِهِ وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْ طَلَبِهِ مَانِعٌ (كَالْإِعْسَارِ) .
وَهُوَ كَمَا قَالَ وَلَا مَعْنَى لِلِاسْتِثْنَاءِ لِأَنَّ فِي الصُّورَتَيْنِ الدَّيْنُ لَمْ يُؤَجَّلْ وَإِنَّمَا هُوَ حَالٌّ وَلَكِنْ مَنَعَ مِنْ الْمُطَالَبَةِ مَانِعٌ وَقَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ فِي كِتَابِ الضَّمَانِ إنَّهُ يَصِحُّ ضَمَانُ الْحَالِّ مُؤَجَّلًا فَلَا يُطَالِبُ إلَّا كَمَا الْتَزَمَ وَثَبَتَ الْأَجَلُ فِي الْأَصَحِّ وَلَا يُقَالُ إنَّهُ (يُسْتَثْنَى) مَعَ الْقَاعِدَةِ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْحُلُولِ إلَّا أَنَّهُ مَنَعَ مِنْهُ مَانِعٌ وَهُوَ الْتِزَامُهُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ.

[الْحَجْرُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ]
(الْأَوَّلُ) بِالنِّسْبَةِ لِثُبُوتِهِ وَارْتِفَاعِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ ذَكَرَهَا الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ: (أَحَدُهَا) مَا (يَثْبُتُ) بِلَا حَاكِمٍ (وَيَنْفَكُّ بِغَيْرِهِ) وَهُوَ الْمَجْنُونُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ.
(الثَّانِي) : لَا يَثْبُتُ إلَّا (بِالْحَاكِمِ) وَلَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِهِ وَهُوَ السَّفِيهُ.
(الثَّالِثُ) لَا يَثْبُتُ إلَّا بِحَاكِمٍ وَفِي انْفِكَاكِهِ بِغَيْرِهِ وَجْهَانِ وَهُوَ (الْمُفْلِسُ) .
(2/28)

(الرَّابِعُ) : (وَهُوَ) مَا (يَثْبُتُ) بِغَيْرِ حَاكِمٍ وَهَلْ يَنْفَكُّ بِحَاكِمٍ عَلَى؟ وَجْهَيْنِ وَهُوَ الصَّبِيُّ يَبْلُغُ رَشِيدًا هَلْ يَزُولُ الْحَجْرُ عَنْهُ (يَعْنِي) (بِفَكِّ) مَنْ لَهُ عَلَيْهِ الْوِلَايَةُ مِنْ أَبٍ أَوْ حَاكِمٍ وَجْهَانِ قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَقِيلَ إنَّهُمْ سِتَّةٌ.
وَ (الْخَامِسُ) : الْمَرِيضُ يَصِيرُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ مِنْ غَيْرِ الْحَاكِمِ وَإِذَا أَزَالَ الْمَرَضَ زَالَ الْحَجْرُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُمْ.
(السَّادِسُ) : الْمُرْتَدُّ هَلْ يَصِيرُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ أَوْ (لَا بُدَّ) مِنْ حَجْرِ الْحَاكِمِ؟ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا أَبُو حَامِدٍ فِي الْجَامِعِ (وَإِذَا أَسْلَمَ) زَالَ الْحَجْرُ بِلَا خِلَافٍ.
(الثَّانِي) : يَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارٍ آخَرَ إلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ:
(أَحَدُهَا) : مَا لَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ تَحَقُّقِ سَبَبِهِ قَطْعًا وَهُوَ حَجْرُ الصَّبِيِّ (وَالْمَجْنُونِ)
(2/29)

(ثَانِيهَا) : مَا يَجُوزُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ قَطْعًا وَهُوَ السَّفَهُ.
(ثَالِثُهَا) : مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ جَوَازُهُ وَهُوَ الْمُفْلِسُ إذَا ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ الْإِفْلَاسِ.
(الثَّالِثُ) : يَنْقَسِمُ أَيْضًا لِمَا هُوَ لِحَقِّ نَفْسِهِ وَهُوَ حَجْرُ الصَّبِيِّ (وَالْمَجْنُونِ) وَالسَّفِيهِ وَمَا لِحَقِّ الْغَيْرِ وَهُوَ أَنْوَاعٌ:
أَحَدُهَا: حَجْرُ الْمُفْلِسِ لِلْغُرَمَاءِ.
الثَّانِي: الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ.
الثَّالِثُ: الْمَرِيضُ لِلْوَرَثَةِ.
الرَّابِعُ: الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ.
الْخَامِسُ: الْمُرْتَدُّ لِلْمُسْلِمِينَ.
السَّادِسُ: الْحَجْرُ لِلْغَرِيبِ.
السَّابِعُ: إذَا امْتَنَعَ مَعَ الْيَسَارِ مِنْ الْبَيْعِ (لِوَفَاءِ) الدَّيْنِ فَلِلْحَاكِمِ الْحَجْرُ عَلَيْهِ بِالْتِمَاسِ الْغُرَمَاءِ.
الثَّامِنُ: الْحَجْرُ عَلَى الْمُكَاتَبِ.
التَّاسِعُ: الْحَجْرُ عَلَى الْمَالِكِ فِي الْعَبْدِ الْجَانِي.
الْعَاشِرُ: الْحَجْرُ عَلَى الْمَالِكِ قَبْلَ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ وَعَلَى الْوَارِثِ فِي التَّرِكَةِ قَبْلَ (وَفَاءِ
(2/30)

الدَّيْنِ)
الْحَادِيَ عَشْرَ الْحَجْرُ عَلَى الْمَالِكِ فِي الْعَيْنِ الْمُوصَى بِهَا قَبْلَ الْقَبُولِ
الثَّانِيَ عَشَرَ (الْحَجْرُ) عَلَى الشَّرِيكِ فِي حِصَّتِهِ قَبْلَ أَخْذِ قِيمَتِهَا، إذَا أَعْتَقَ شَرِيكُهُ حِصَّتَهُ (وَقُلْنَا) (يَتَوَقَّفُ الْعِتْقُ) عَلَى أَدَاءِ (الْقِيمَةِ) .
الثَّالِثَ عَشَرَ. - الْعَبْدُ الْمُسْتَحِقُّ عِتْقُهُ بِالشَّرْطِ فِي الْبَيْعِ، (إنْ قُلْنَا) الْحَقُّ فِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ قُلْنَا لِلْبَائِعِ فَيَمْتَنِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي التَّصَرُّفُ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِ الْبَائِعِ أَيْضًا، وَقَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ تَفْرِيعًا عَلَيْهِ أَنَّهُ، إذَا أَعْتَقَهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ بِغَيْرِ إذْنِ الْبَائِعِ لَمْ يُجْزِهِ، وَإِلَّا أَجْزَأَ عَنْهَا عَلَى الْأَصَحِّ.
الرَّابِعَ عَشَرَ - إذَا قَصَّرَ ثَوْبًا أَوْ خَاطَهُ بِأُجْرَةٍ، فَإِنَّ لَهُ حَبْسُهُ عَلَى الصَّحِيحِ حَتَّى يَقْبِضَ الْأُجْرَةَ (فَيَمْنَعُ) الْمَالِكَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ.
الْخَامِسَ عَشَرَ - إذَا اشْتَرَى شَيْئًا شِرَاءً (فَاسِدًا) وَأَقْبَضَ ثَمَنَهُ، فَإِنَّ لَهُ حَبْسُهُ
(2/31)

إلَى اسْتِرْدَادِ ثَمَنِهِ عَلَى قَوْلٍ فَيَمْتَنِعْ عَلَى هَذَا، عَلَى مَالِكِهِ التَّصَرُّفَ (فِيهِ) قَبْلَ رَدِّ الثَّمَنِ.
(السَّابِعَ عَشَرَ) ، إذَا أَخَذَ قِيمَةَ الْمَغْصُوبِ (لِلْحَيْلُولَةِ) ، ثُمَّ ظَفِرَ الْغَاصِبُ بِهِ، فَلَهُ حَبْسُهُ لِيَقْبِضَ الْقِيمَةَ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ (الْإِمَامُ) الشَّافِعِيُّ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) كَمَا حَكَاهُ الْقَاضِي (الْحُسَيْنُ) ، فَلْيَمْتَنِعْ عَلَى الْمَالِكِ بَيْعُهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى انْتِزَاعِهِ (حِسًّا) حَتَّى يَرُدَّ الْقِيمَةَ.
(الثَّامِنَ عَشَرَ) ، إذَا رَكِبَ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ الدُّيُونُ، فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ عَلَى السَّيِّدِ التَّصَرُّفَ بِغَيْرِ إذْنِ الْغُرَمَاءِ، وَكَذَا بِغَيْرِ إذْنِ الْعَبْدِ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الرَّوْضَةِ.
(التَّاسِعَ عَشَرَ) - نَفَقَةُ الْجَارِيَةِ، إذَا أَخَذَتْهَا مِنْ زَوْجِهَا لِلسَّيِّدِ فِيهَا حَقُّ الْمِلْكِ وَلَهَا حَقُّ التَّوَثُّقِ، كَمَا أَنَّ نَفَقَةَ زَوْجَةِ الْعَبْدِ تَتَعَلَّقُ بِأَكْسَابِهِ، وَالْمِلْكُ فِيهَا لِلسَّيِّدِ، وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ بَيْعُ الْمَأْخُوذِ قَبْلَ تَسْلِيمِ الْبَدَلِ.
(الْعِشْرُونَ) - بَدَلُ الْمُوصَى (بِمَنْفَعَتِهِ) ، إذَا أَتْلَفَ يَمْتَنِعُ عَلَى الْوَارِثِ التَّصَرُّفَ فِيهِ لِاسْتِحْقَاقِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ.

[الْحُجَّةُ الَّتِي يَسْتَنِدُ إلَيْهَا الْقَاضِي فِي قَضَائِهِ]
ِ قِسْمَانِ تَحْقِيقِيَّةٌ - كَالْإِقْرَارِ - وَالشَّاهِدَيْنِ - وَالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ.
وَتَقْدِيرِيَّةٌ - وَهِيَ الْيَمِينُ الْمَرْدُودَةُ، فَإِنَّهَا فِي تَقْدِيرِ الْبَيِّنَةِ أَوْ الْإِقْرَارِ عَلَى الْخِلَافِ وَالْقَضَاءُ بِعِلْمِهِ فِي تَقْدِيرِ الْبَيِّنَةِ.
(2/32)

[حَدِيثُ النَّفْسِ لَهُ خَمْسُ مَرَاتِبَ]
َ (الْأُولَى) : (الْهَاجِسُ) وَهُوَ مَا يُلْقَى فِيهَا وَلَا مُؤَاخَذَةَ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ، لِأَنَّهُ وَارِدٌ مِنْ اللَّهِ (تَعَالَى) ، لَا يَسْتَطِيعُ الْعَبْدُ دَفْعَهُ.
الثَّانِيَةُ: الْخَاطِرُ - وَهُوَ جَرَيَانُهُ فِيهَا.
الثَّالِثَة: حَدِيثُ نَفْسِهِ وَهُوَ مَا يَقَعُ (مَعَ) التَّرَدُّدِ، هَلْ يَفْعَلُ (أَوْ) لَا، وَهَذَانِ أَيْضًا مَرْفُوعَانِ عَلَى الصَّحِيحِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتَيْ مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ» ، فَإِذَا ارْتَفَعَ حَدِيثُ النَّفْسِ ارْتَفَعَ مَا قَبْلَهُ بِطَرِيقِ (الْأَوْلَى) .
(2/33)

قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ - فِيمَا لَوْ نَوَى الْمُودِعُ الْأَخْذَ، وَلَمْ يَأْخُذْ لَا (ضَمَانَ) فِي الْأَصَحِّ، الْمُرَادُ بِالنِّيَّةِ تَجْرِيدُ (الْقَصْدِ) . فَأَمَّا مَا يَخْطِرُ بِالْبَالِ وَدَاعِيَةُ (الذِّهْنِ) تَدْفَعُهُ، فَلَا حُكْمَ لَهُ، (وَإِنْ تَرَدَّدَ) الرَّأْيُ وَلَمْ (يَجْزِمْ) قَصْدًا، فَالظَّاهِرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا حُكْمَ لَهُ حَتَّى يُجَرِّدَ قَصْدَهُ فِي الْعُدْوَانِ. وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي نِيَّةِ الصَّلَاةِ، لَوْ تَرَدَّدَ فِي أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ الصَّلَاةِ أَوْ يَسْتَمِرُّ بَطَلَتْ وَالْمُرَادُ بِالتَّرَدُّدِ أَنْ يَطْرَأَ شَكٌّ مُنَاقِضٌ لِلْجَزْمِ، وَلَا عِبْرَةَ بِمَا يَجْرِي فِي الْفِكْرِ أَنَّهُ لَوْ تَرَدَّدَ فِي الصَّلَاةِ (كَيْفَ) يَكُونُ الْحَالُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُبْتَلَى بِهِ الْمُوَسْوِسُ، وَقَدْ يَقَعُ ذَلِكَ فِي الْإِيمَانِ (بِاَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى) ، فَلَا مُبَالَاةَ بِذَلِكَ - قَالَهُ إمَام الْحَرَمَيْنِ انْتَهَى. وَقَالَ الْعَبَّادِيُّ فِي الزِّيَادَاتِ: لَا خِلَافَ أَنَّ الْآدَمِيَّ يُؤَاخَذُ بِعَمَلِ اللِّسَانِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ. قُلْت، إلَّا مَا سَبَقَ (بِهِ) لِسَانُهُ، أَوْ نَظَرَ الْفَجْأَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ «لَا تُتْبِعْ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّمَا لَك الْأُولَى» ، قَالَ أَمَّا الْفُؤَادُ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا} [الإسراء: 36] فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ
(2/34)

يُؤَاخَذُ بِمَا يَسْعَى بِهِ (الْبَاطِنُ) ، (إلَّا أَوَّلَ خَطْرَةً) وَهُوَ الْهَاجِسُ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ (بِسَاعِي الْبَاطِنِ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا» وَقِيلَ إنْ اتَّصَلَ بِالْعَمَلِ يُؤَاخَذُ بِالْكُلِّ انْتَهَى.
(فَتَحَصَّلْنَا) عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ وَالصَّحِيحُ عَدَمُ الْمُؤَاخَذَةِ مُطْلَقًا.
قَالَ الْمُحَقِّقُونَ وَهَذِهِ الْمَرَاتِبُ (الثَّلَاثَةُ) أَيْضًا، لَوْ كَانَتْ فِي الْحَسَنَاتِ لَمْ يُكْتَبْ لَهُ بِهَا (أَجْرَهُ) ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الثَّانِي وَالثَّالِثُ فَلِعَدَمِ الْقَصْدِ.
الرَّابِعَةُ - الْهَمُّ - وَهُوَ (تَرْجِيحُ قَصْدِ) الْفِعْلِ وَهُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى الصَّحِيحِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ} [آل عمران: 122] الْآيَةَ وَلَوْ كَانَتْ مُؤَاخَذَةً لَمْ يَكُنْ اللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ» .
(2/35)

الْخَامِسَةُ - الْعَزْمُ وَهُوَ قُوَّةُ الْقَصْدِ وَالْجَزْمِ بِهِ وَعَقْدُ الْقَلْبِ، وَهَذَا يُؤَاخَذُ بِهِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، «إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ، قَالَ إنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ» .
فَعَلَّلَ بِالْحِرْصِ (وَلِلْإِجْمَاعِ) عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ بِأَعْمَالِ الْقُلُوبِ كَالْحَسَدِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهُ مَرْفُوعٌ كَالْهَمِّ لِعُمُومِ حَدِيثِ (التَّجَاوُزِ) عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ الْحِرْصِ بِأَنَّهُ (قَارَنَهُ) فِعْلٌ وَسَبَقَ عَنْ الْعَبَّادِيِّ تَرْجِيحُهُ، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) فِي الْأُمِّ حَيْثُ قَالَ فِي (بَابِ) الرَّجْعَةِ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي نَفْسِهِ، وَلَمْ يُحَرِّكْ لِسَانَهُ لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا، وَكَذَا كُلُّ مَا لَمْ يُحَرِّكْ لِسَانَهُ فَهُوَ حَدِيثُ (النَّفْسِ) الْمَوْضُوعُ عَنْ بَنِي آدَمَ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ حَدِيثُ النَّفْسِ الَّذِي يُمْكِنُ دَفْعُهُ، لَكِنَّ فِي دَفْعِهِ مَشَقَّةً لَا إثْمَ فِيهِ، لِقَوْلِهِ «إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا» ، وَهَذَا عَامٌّ فِي
(2/36)

جَمِيعِ حَدِيثِ النَّفْسِ.
وَإِذَا تَعَلَّقَ (هَذَا) النَّوْعُ بِالْخَيْرِ (أُثِيبَ) عَلَيْهِ وَيَجْعَلُ تِلْكَ الْمَشَقَّةَ مُوجِبَةً لِلرُّخْصَةِ دُونَ إسْقَاطِ اعْتِبَارِ الْكَسْبِ وَإِلَّا كَانَ يُقَالُ إنَّمَا (سَقَطَ) التَّكْلِيفُ بِهِ فِي طَرَفِ (الشَّرِّ) لِمَشَقَّةِ اكْتِسَابِ دَفْعِهِ فَصَارَ كَالضَّرُورِيِّ وَالضَّرُورِيُّ يُثَابُ (عَلَيْهِ) وَلَا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ (كَذَلِكَ) هَذَا.
تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ عَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ بِالْخَطْرَةِ مَا إذَا تَعَمَّدَهَا كَمَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ فَقَالَ نَقْلًا عَنْ (الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيِّ) وَذَكَرَ (مِمَّا) لَا يُؤَاخَذُ بِهِ حَدِيثُ النَّفْسِ ثُمَّ قَالَ وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى مَا رَوَى «لَك النَّظْرَةُ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَك الثَّانِيَةُ» إذَا كَانَتْ الْأُولَى لَا عَنْ قَصْدٍ وَتَعَمُّدٍ فَإِذَا أَعَادَ النَّظَرَ فَهُوَ كَمَنْ حَقَّقَ الْخَطْرَةَ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَإِذَا تَعَمَّدَ الْخُطْوَةَ فَهُوَ كَمَنْ حَقَّقَ (النَّظْرَةَ) وَذَكَرَ
(2/37)

الْمَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تُتْبِعْ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ احْتِمَالَيْنِ أَحَدُهُمَا لَا تُتْبِعْ نَظَرَ عَيْنِك نَظَرَ قَلْبِك وَالثَّانِي لَا تُتْبَعْ النَّظْرَةَ الَّتِي وَقَعَتْ سَهْوًا النَّظْرَةَ الَّتِي وَقَعَتْ عَمْدًا قَالَ وَيَنْبَنِي عَلَيْهِمَا أَنَّ مَنْ نَظَرَ لَا عَنْ قَصْدٍ ثُمَّ نَظَرَ مَرَّةً أُخْرَى هَلْ يَأْثَمُ وَتَسْقُطُ عَدَالَتُهُ؟ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا تَسْقُطُ وَعَلَى الثَّانِي تَسْقُطُ وَلَا يُقْبَلُ حَتَّى يَتُوبَ.

[الْحُدُودُ يَتَعَلَّقُ بِهَا مَبَاحِثُ]
(الْأَوَّلُ) . تَنْقَسِمُ إلَى ضَرْبَيْنِ. مَا يَجِبُ لِلَّهِ، وَمَا يَجِبُ لِلْآدَمِيِّ. وَاَلَّذِي لِلْآدَمِيِّ ضَرْبَانِ:
(أَحَدُهُمَا) : مَا يَجِبُ لِحِفْظِ النُّفُوسِ وَهُوَ الْقِصَاصُ.
(وَثَانِيهِمَا) : لِلْأَعْرَاضِ وَهُوَ حَدُّ الْقَذْفِ فَإِنَّهُ عِنْدَنَا حَقٌّ لِلْآدَمِيِّ وَلِهَذَا يُورَثُ عَنْهُ وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ اقْذِفْنِي فَقَذَفَهُ لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ.
وَاَلَّذِي لِلَّهِ تَعَالَى ثَلَاثَةٌ:
(أَحَدُهَا) : يَجِبُ لِحِفْظِ (الْأَنْسَابِ) وَهُوَ حَدُّ الزِّنَى وَاللِّوَاطِ.
(2/38)

(ثَانِيهَا) : لِحِفْظِ الْأَمْوَالِ وَهُوَ السَّرِقَةُ وَقَطْعُ الطَّرِيقِ وَإِنْ (اخْتَلَفَ) هَلْ يَغْلِبُ فِيهِ مَعْنَى الْقِصَاصِ أَوْ الْحَدِّ وَرَجَّحُوا الْأَوَّلَ لَكِنْ قَالُوا لَوْ عَفَا الْوَلِيُّ عَلَى مَالٍ وَجَبَ الْمَالُ (وَيَسْقُطُ) الْقِصَاص وَيُقْتَلُ حَدًّا.
(وَالثَّالِثُ) : مَا يَجِبُ لِحِفْظِ الْعُقُولِ وَالْأَمْوَالِ وَهُوَ حَدُّ الْخَمْرِ فَإِنَّهَا حُرِّمَتْ (حِفْظًا) لِلْعُقُولِ وَصِيَانَةً لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عَمَّا يُشْغِلُهُمَا فَإِنَّهُمَا لَا يُدْرِكَانِ إلَّا بِوُجُودِ الْعَقْلِ حَتَّى حَرَّمَ أَبُو حَنِيفَةَ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) التَّوَاجُدَ وَتَعَاطِي أَسْبَابِهِ مِنْ الْمُطْرِبَاتِ وَالْمَسْمُوعَاتِ الْمُلْهِيَاتِ نَقَلَهُ (الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ بْنُ الْعَطَّارِ) فِي كِتَابِ أَحْكَامِ النِّسَاءِ قَالَ وَيَجِب (أَنْ يُفَرَّقَ) بَيْنَ الْأَمْرِ الْحَامِلِ عَلَى الْحُضُورِ وَالْغَيْبَةِ (عَمَّا) ذَكَرْنَا سَوَاءٌ كَانَ يُلَائِمُ النَّفْسَ (أَوْ لَا يُلَائِمُهَا) مِمَّا تَحْصُلُ مَعَهُ الْغَيْبَةُ الْمُسْتَغْرِقَةُ (مُطْلَقًا) قَالَ وَهَذَا الْمَعْنَى لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْعُلَمَاءِ يُخَالِفُ فِيهِ.
(2/39)

(الثَّانِي) أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ إلَّا فِي أَرْبَعِ صُوَرٍ (سَبَقَتْ فِي فَصْلِ التَّوْبَةِ) .
الثَّالِثُ: أَنَّهَا تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ وَتَحْقِيقُهَا يَأْتِي فِي حَرْفِ الشَّيْنِ.
(الرَّابِعُ) : فِي سُقُوطِهَا بِالرُّجُوعِ إنْ (كَانَتْ) مَحْضَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَالزِّنَا، وَالشُّرْبِ سَقَطَ قَطْعًا. وَإِنْ كَانَتْ مَحْضَ حَقِّ الْآدَمِيِّ كَالْقَذْفِ لَمْ يَسْقُطْ قَطْعًا وَإِنْ اشْتَمَلَ عَلَى النَّوْعَيْنِ كَالسَّرِقَةِ فَلَا يُقْبَلُ فِي رُجُوعِهِ عَنْ الْغُرْمِ وَفِي (قَبُولِ) رُجُوعِهِ فِي سُقُوطِ الْقَطْعِ قَوْلَانِ، وَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّ حَقَّ اللَّهِ (تَعَالَى) فِي الْقَطْعِ (ثَبَتَ) تَبَعًا لِحَقِّ الْآدَمِيِّ.
(الْخَامِسُ) : حَيْثُ انْتَفَى الْحَدُّ فِي الْوَطْءِ ثَبَتَ الْمَهْرُ إلَّا فِي وَطْءِ السَّفِيهِ بِغَيْرِ إذْنِ (الْوَلِيِّ) فَلَا حَدَّ وَلَا مَهْرَ.
(2/40)

[الْحَدَثُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ]
ُ (الْأَوَّلُ فِي حَقِيقَتِهِ) : وَهُوَ عِنْدَ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ الْمَنْعُ مِنْ الصَّلَاةِ، وَعِنْدَ (آخَرِينَ وَهُوَ) الْأَشْبَهُ بِالْمَذْهَبِ حُلُولُ مَعْنًى عَلَى كُلِّ (الْجَسَدِ) أَوْ بَعْضِهِ يَمْنَعُ بَقَاؤُهُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى زَوَالِهِ بِالْمَاءِ الْإِقْدَامَ عَلَى الصَّلَاةِ. وَمَا الطَّهَارَةُ فِيهِ شَرْطٌ. " وَاعْلَمْ " أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْخَارِجِ وَعَلَى الْمَنْعِ (الْمُتَرَتِّبِ) عَلَيْهِ وَعَلَى مَعْنًى يَتَوَسَّطُ بَيْنَهُمَا وَهُوَ مَعْنًى (يَقْدِرُ) عَلَى الْأَعْضَاءِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ (النَّجَاسَةِ) الْحِسِّيَّةِ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ وَالْمُرَادُ هُنَا الثَّانِي وَهُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ. وَأَمَّا الْمَعْنَى الْمُتَوَسِّطُ فَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَهُ وَتَصِحُّ إرَادَتُهُ وَبَنَوْا عَلَيْهِ فُرُوعًا كَثِيرَةً: (مِنْهَا) : تَبْعِيضُ الطَّهَارَةِ وَتَفْرِيقُ النِّيَّةِ، وَارْتِفَاعُ الْحَدَثِ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ وَتَقْرِيرُ كَوْنِ التَّيَمُّمِ مُبِيحًا لَا رَافِعًا وَغَيْرُهُ.
وَهُوَ يَنْقَسِمُ إلَى أَصْغَرَ وَهُوَ مَا أَوْجَبَ الْوُضُوءَ وَأَكْبَرَ وَهُوَ مَا أَوْجَبَ الْغُسْلَ وَجَعَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْحَيْضَ (أَكْبَرَ) (وَالْجَنَابَةَ) أَوْسَطَ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ (مِنْ) تَصَرُّفِهِمْ أَنَّهُ مَرَاتِبُ: أَكْبَرُ وَهُوَ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ
(2/41)

وَالْغُسْلَ وَكَبِيرٌ وَهُوَ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ فَقَطْ وَصَغِيرٌ وَهُوَ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ فَقَطْ وَأَصْغَرُ وَهُوَ مَا يُوجِبُ غُسْلَ الرِّجْلَيْنِ فَقَطْ فِي نَزْعِ الْخُفِّ.
(الثَّانِي) : لَا خِلَافَ أَنَّ الْأَكْبَرَ يَحِلُّ (بِجَمِيعِ) الْبَدَنِ وَاخْتُلِفَ فِي الْأَصْغَرِ هَلْ هُوَ كَذَلِكَ أَوْ (يَخْتَصُّ) بِالْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ الثَّانِي، وَبَنَى عَلَيْهِمَا الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْمُتَوَلِّي مَا لَوْ غَطَسَ (الْمُتَوَضِّئُ) وَلَمْ يَمْكُثْ زَمَنًا يُقَدِّرُ فِيهِ التَّرْتِيبَ إنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ صَحَّ (أَوْ بِالثَّانِي) فَلَا.
(الثَّالِثُ) : قِيلَ إنَّهُ يُوجِبُ الْوُضُوءَ بِنَفْسِهِ لِتَحْرِيمِهِ الصَّلَاةَ لَكِنْ مُوَسَّعًا إلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ إنَّمَا يُوجِبُهُ فِي الْوَقْتِ لِأَنَّهُ لَا يُخَاطَبُ بِهِ قَبْلَهُ (حَكَاهَا) ابْنُ يُونُسَ فِي شَرْحِ الْوَجِيزِ وَقَالَ الرُّويَانِيُّ قِيلَ تَجِبُ الطَّهَارَةُ عِنْد دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَلِأَنَّهَا (تُرَادُ) لَهَا وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا تَجِبُ بِالْحَدَثِ لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَجِبْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ (لَمَا) جَازَ فِعْلُهَا فَإِنَّ عِبَادَاتِ الْأَبَدَانِ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا مَقْصُودَةً عَلَى وَقْتِ دُخُولِهَا.
(الرَّابِعُ) : أَنَّ الْوُضُوءَ هَلْ يَبْطُلُ بِالْحَدَثِ أَوْ تَنْتَهِي (مُدَّتُهُ) كَانْتِهَاءِ مُدَّةِ (الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ) وَجْهَانِ صَحَّحَ النَّوَوِيُّ الثَّانِيَ وَاعْتَرَضَ عَلَى مَنْ (عَبَّرَ) بِنَوَاقِضِ الْوُضُوءِ وَقَالَ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ لَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ الطَّهَارَةُ (بَطَلَتْ بِالْحَدَثِ
(2/42)

لَوَجَبَ) أَنْ يُقَالَ (إنَّ) الصَّلَاةَ الَّتِي أَدَّاهَا (بِهَا) بَطَلَتْ.
وَقَالَ فِي التَّتِمَّةِ الْحَدَثُ فِي الدَّوَامِ (لَا يُبْطِلُ الْمَاضِيَ) وَإِنَّمَا يُوجِبُ طَهَارَةً أُخْرَى بِدَلِيلِ الْحَائِضِ لَوْ انْقَطَعَ دَمُهَا وَلَمْ تَجِدْ مَاءً وَ (تَيَمَّمَتْ) يُبَاحُ لِلزَّوْجِ وَطْؤُهَا فَلَوْ (أَحْدَثَتْ) لَمْ يَحْرُمْ وَطْؤُهَا وَلَوْ كَانَ الْحَدَثُ مُبْطِلًا لِلطُّهْرِ السَّابِقِ (لَحَرُمَ) وَطْؤُهَا.
الْخَامِسُ: يَنْقَسِمُ إلَى حَدَثٍ مُنْقَطِعٍ وَدَائِمٍ كَالِاسْتِحَاضَةِ وَالسَّلَسِ وَيَخْتَصُّ الْحَدَثُ الدَّائِمُ (بِسِتَّةِ) شُرُوطٍ الشَّدُّ، وَالتَّعْصِيبُ وَالْوُضُوءُ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَتَجْدِيدُ الْعِصَابَةِ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ، وَنِيَّةُ الِاسْتِبَاحَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَالْمُبَادَرَةُ إلَى الصَّلَاةِ فِي الْأَصَحِّ.

[الْحُرُّ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْيَدِ وَالِاسْتِيلَاءِ]
ِ وَلِهَذَا لَوْ حَبَسَ حُرًّا وَلَمْ يَمْنَعْهُ الطَّعَامَ حَتَّى مَاتَ لَمْ يَضْمَنْهُ.
(وَلَوْ) وَطِئَ حُرَّةً بِالشُّبْهَةِ وَمَاتَتْ بِالْوِلَادَةِ، لَمْ تَجِبْ الدِّيَةُ فِي الْمَشْهُورِ، وَلَوْ كَانَتْ أَمَةً وَجَبَتْ الْقِيمَةُ، قَالَ الْمَحَامِلِيُّ، وَالْفَرْقُ أَنَّ ضَمَانَ الْأَمَةِ أَوْسَعُ، فَإِنَّهَا تُضْمَنُ بِالْيَدِ
(2/43)

وَالْجِنَايَةِ، وَالْحُرَّةُ إنَّمَا تُضْمَنُ بِالْجِنَايَةِ، وَلَا تُضْمَنُ بِالْيَدِ.
وَلَوْ حَبَسَ أَمَةَ غَيْرِهِ ضَمِنَ (بِأَدَاءِ) مَنْفَعَةِ الْبَدَنِ، وَلَا يَضْمَنُ مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ، لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ لَيْسَتْ بِمَالٍ، وَمَنْفَعَةُ الْبَدَنِ مَالٌ، وَلِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ لَا تَثْبُتُ عَلَيْهَا الْيَدُ بِدَلِيلِ أَنَّ السَّيِّدَ يُزَوِّجُ الْأَمَةَ الْمَغْصُوبَةَ، (فَلَمْ) يُوجَدْ لِلضَّمَانِ سَبَبٌ، بِخِلَافِ مَنْفَعَةِ الْبَدَنِ، فَإِنَّ الْيَدَ تَثْبُتُ عَلَيْهَا، وَلِهَذَا لَا يُؤَجَّرُ الْعَبْدُ الْمَغْصُوبُ، كَمَا لَا يَبِيعُهُ، قَالَهُ الْمُتَوَلِّي.
وَلَوْ نَامَ (عَبْدٌ) عَلَى بَعِيرٍ فَقَادَهُ وَأَخْرَجَهُ عَنْ الْقَافِلَةِ قَطْعٌ أَوْ حَرٌّ فَلَا فِي الْأَصَحِّ لِمَا (ذَكَرْنَا) .
وَلَوْ وَضَعَ صَبِيًّا (حُرًّا) فِي مَسْبَعَةٍ، فَأَكَلَهُ سَبُعٌ فَلَا ضَمَانَ فِي الْأَصَحِّ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ عَبْدًا.
وَلَوْ كَانَتْ امْرَأَةً تَحْتَ رَجُلٍ وَادَّعَى أَنَّهَا زَوْجَتُهُ، فَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى عَلَيْهَا لَا عَلَى الرَّجُلِ، لِأَنَّ الْحُرَّةَ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْيَدِ.
وَلَوْ أَقَامَ رَجُلَانِ (كُلٌّ) مِنْهُمَا بَيِّنَةً عَلَى امْرَأَةٍ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ لَمْ تُقَدَّمْ بَيِّنَةُ مَنْ هِيَ تَحْتَهُ لِمَا ذَكَرْنَا، بَلْ هُمَا كَاثْنَيْنِ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً عَلَى نِكَاحِ خَلِيَّةٍ.
وَلَوْ كَانَ فِي يَدِ الْمُدَبَّرِ مَالٌ وَقَالَ كَسَبْته بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ فَهُوَ لِي، وَقَالَ الْوَارِثُ بَلْ قَبْلَهُ (فَهُوَ) لِي، صُدِّقَ الْمُدَبَّرُ بِيَمِينِهِ، لِأَنَّ الْيَدَ لَهُ، بِخِلَافِ دَعْوَاهُمَا الْوَلَدَ، لِأَنَّهَا تَزْعُمُ أَنَّهُ حُرٌّ وَالْحُرُّ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْيَدِ.
(2/44)

وَلَوْ (أَفْضَى) امْرَأَةً مُكْرَهَةً فَمَهْرُ (مِثْلِهَا) ثَيِّبًا، وَأَرْشُ بَكَارَةٍ، وَقِيلَ مَهْرُ بِكْرٍ وَفَصَّلَ الْمَاوَرْدِيُّ، فَجَعَلَ فِي الْأَمَةِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ يَجِبُ مَهْرُ بِكْرٍ وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ وَقَالَ فِي الْحُرَّةِ الْبِكْرِ إذَا وُطِئَتْ يَجِبُ مَهْرُ بِكْرٍ بِدُونِ أَرْشٍ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْحُرَّةَ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْيَدِ، بِخِلَافِ الْأَمَةِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِنَصِّ (الْإِمَامِ) الشَّافِعِيِّ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) فِي الْأُمِّ، فَإِنَّهُ أَوْجَبَ الْأَرْشَ فِي الْحُرَّةِ.
وَأَمَّا ثِيَابُ الْحُرِّ الْبَالِغِ وَمَا فِي يَدِهِ مِنْ الْمَالِ فَلَا (تَدْخُلُ) فِي ضَمَانِ الْغَاصِبِ، لِأَنَّهَا فِي يَدِ الْحُرِّ حَقِيقَةً، فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا، (أَوْ مَجْنُونًا فَكَذَلِكَ) فِي الْأَصَحِّ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ السَّرِقَةِ.

الْحُرُّ (ضَرْبَانِ) ضَرْبٌ اسْتَقَرَّتْ لَهُ الْحُرِّيَّةُ فَذَاكَ.
وَضَرْبٌ يُحْكَمُ بِحُرِّيَّتِهِ ظَاهِرًا (كَاللَّقِيطِ) - فَفِي إعْطَائِهِ أَحْكَامَ الْحُرِّ مُطْلَقًا خِلَافٌ، وَالْأَصَحُّ نَعَمْ، وَكَذَلِكَ (الْمُعْتَقُ) فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِحُرِّيَّتِهِ الْآنَ ظَاهِرًا، وَإِذَا قَتَلَهُ قَاتِلٌ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ، ثُمَّ لَمْ يَحْصُلْ عِتْقُ شَيْءٍ مِنْهُ، لِوُجُودِ الدَّيْنِ وَعَدَمِ الْإِجَازَةِ مِنْ أَصْحَابِ الدُّيُونِ أَوْ لَمْ يَحْصُلْ عِتْقُ كُلِّهِ، لِعَدَمِ إجَازَةِ الْوَارِثِ فِي الزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ وَنَحْوِ ذَلِكَ أَوْ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ وَفَرَّعْنَا عَلَى أَنَّ الْعِتْقَ
(2/45)

فِي الْمَرَضِ، إذَا لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهُ إذَا مَاتَ قَبْلَ مَوْتِ (الْمُعْتِقِ) يَكُونُ رَقِيقًا أَوْ مُبَعَّضًا، فَإِنْ قُلْنَا يَمُوتُ حُرًّا تَكَمَّلَتْ فِيهِ الدِّيَةُ، وَهَذَا يُتَصَوَّرُ مَعَ (وُجُوبِ) دِيَتِهِ، إذَا كَانَتْ الدِّيَةُ مُؤَجَّلَةً عَلَى الْعَاقِلَةِ، فَإِنَّ الْمُؤَجَّلَ كَالْعَدَمِ.
وَلَوْ زَنَى هَذَا الْمَذْكُورُ لَمْ يُجْلَدْ مِائَةً، وَلَمْ يُغَرَّبْ عَامًا لِجَوَازِ أَنْ يَظْهَرَ رِقُّهُ (فَنَكُونُ) قَدْ زِدْنَا عَلَى الْوَاجِبِ.

[الْحَرِيمُ يَدْخُلُ فِي الْوَاجِبِ وَالْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ]
ِ، فَكُلُّ (مُحَرَّمٍ) لَهُ حَرِيمٌ يُحِيط بِهِ كَالْفَخِذَيْنِ (فَإِنَّهُمَا) حَرِيمٌ لِلْعَوْرَةِ الْكُبْرَى، وَالْحَرِيمُ هُوَ الْمُحِيطُ بِالْحَرَامِ وَكُلُّ وَاجِبٍ دَخَلَ فِي بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ كَغَسْلِ الْوَجْهِ لَا يَتَحَقَّقُ، إلَّا بِغَسْلِ شَيْءٍ مِنْ الرَّأْسِ مِنْ بَابِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، إمَّا جَزْمًا كَمَسْأَلَتِنَا أَوْ عَلَى الْأَصَحّ، كَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ لَا يَكْفِيه لِطَهَارَتِهِ إلَّا بِتَكْمِيلِهِ بِمَائِعٍ يُسْتَهْلَكُ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَأَمَّا الْإِبَاحَةُ، فَلَا (حَرِيمَ) لَهَا لَسَعَتِهَا وَعَدَمِ الْحَجَرِ فِيهَا.

[الْحَشَفَةُ]
ُ أَحْكَامُ الْوَطْءِ تَتَعَلَّقُ بِقَدْرِهَا، وَلَا يُشْتَرَطُ الْجَمِيعُ، إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ وُجُوبُ الدِّيَةِ.

[الْحَصْرُ وَالْإِشَاعَةُ]
ُ هِيَ (عَلَى) أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
(2/46)

الْأَوَّلُ: مَا نَزَّلُوهُ عَلَى الْإِشَاعَةِ قَطْعًا، كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَأَعْطَاهُ عَشَرَةً عَدَدًا، فَوُزِنَتْ (وَكَانَتْ) أَحَدَ عَشَرَ كَانَ الزَّائِدُ لِلْمَقْبُوضِ مِنْهُ عَلَى الْإِشَاعَةِ وَيَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ قَبَضَهُ لِنَفْسِهِ جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ، فِي بَابِ الرِّبَا، وَأَفْتَى بَعْضُ فُقَهَاءِ الْعَصْرِ فِيمَا لَوْ اقْتَرَضَ مِنْ شَخْصٍ (أَلْفًا) وَخَمْسَمِائَةٍ فَوَزَنَ لَهُ أَلْفًا وَثَمَانِمِائَةٍ غَلَطًا، ثُمَّ عَلِمَا بِذَلِكَ، وَادَّعَى الْمُقْتَرِضُ تَلَفَ الثَّلَاثِ مِائَةٍ الزَّائِدَةٌ، أَنَّهُ إذَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَقْصِيرٌ فَاللَّازِمُ لَهُ (عَنْ) الْمَبْلَغِ الَّذِي أَحْضَرَهُ (مِائَتَا دِرْهَمٍ) وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا، لِأَنَّ كُلَّ مِائَةٍ خَمْسَةُ أَسْدَاسِهَا مَقْبُوضٌ وَسُدُسُهَا أَمَانَةٌ شَرْعِيَّةٌ، فَالذَّاهِبُ عَلَى حُكْمِ الْأَمَانَةِ سُدُسُ الثَّلَثِمِائَةِ الْمُقَرَّرَةِ وَالْبَاقِي لَازِمٌ لَهُ طَرِيقُ الْقَرْضِ وَاسْتَشْهَدَ لَهَا بِصُورَةِ الْإِقْرَاضِ الْآتِيَةِ، وَلَمْ يَسْتَحْضِرْ النَّقْلَ الْمَذْكُورَ.

وَمِنْهَا لَوْ أَوْصَى بِمُبَعَّضٍ (لِمُوَرِّثِهِ) ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا (مُهَايَأَةٌ) ، فَإِنْ قُلْنَا لَا تَدْخُلُ النَّادِرَةُ فِي الْمُهَايَأَةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ، فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ إنْ انْتَهَيْنَا إلَى ذَلِكَ أَبْطَلْنَا الْوَصِيَّةَ أَيْضًا، فَإِنَّ الْمُبَعَّضَ فِيهَا (يَتَصَرَّفُ) لِمَالِك الرَّقَبَةِ وَهُوَ الْوَارِثُ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ فَبَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ، وَأَشَارَ الْإِمَامُ احْتِمَالًا إلَى أَنَّهَا تَبْطُلُ فِي حِصَّةِ الْوَارِثِ وَتَصِحُّ فِي حِصَّةِ الشَّخْصِ فَإِنَّ التَّبْعِيضَ لَيْسَ بِدْعًا فِي الْقَضَايَا.

الثَّانِي: مَا نَزَّلُوهُ عَلَى الْإِشَاعَةِ فِي الْأَصَحِّ، كَمَا إذَا بَاعَ صَاعًا مِنْ صُبْرَةٍ، (يَعْلَمُ) - صِيعَانَهَا صَحَّ الْبَيْعُ ثُمَّ قَالَ الْأَكْثَرُونَ يُنَزَّلُ عَلَى الْإِشَاعَةِ، فَلَوْ كَانَتْ عَشَرَةُ آصَاعٍ
(2/47)

وَتَلِفَ الْعُشْرُ تَلِفَ مِنْ الْمَبِيعِ بِقَدْرِهِ وَهُوَ الْعُشْرُ، وَقِيلَ يُنَزَّلُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى لَوْ تَلِفَ شَيْءٌ بَقِيَ الْمَبِيعُ، وَلَوْ بَقِيَ صَاعٌ، قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَحَتَّى، لَوْ صَبَّ عَلَيْهَا صُبْرَةً أُخْرَى، ثُمَّ تَلِفَ الْجَمِيعُ، إلَّا صَاعًا (يُعَيَّنُ) أَيْضًا.
وَمِنْهَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ كِيسٌ فِي يَدِ رَجُلَيْنِ فِيهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لَك نِصْفُ (مَا فِي هَذَا الْكِيسِ فَيُحْمَلُ إقْرَارُهُ عَلَى النِّصْفِ الَّذِي فِي يَدِهِ، أَوْ عَلَى نِصْفِ) مَا فِي يَدِهِ وَهُوَ رُبُعُ الْجَمِيعِ فِيهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي إقْرَارِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ بِدَيْنٍ مَعَ إنْكَارِ الْبَعْضِ، هَلْ يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الدَّيْنِ أَوْ قَدْرُ حِصَّتِهِ، وَجْهَانِ، وَالْأَصَحُّ الثَّانِي.
وَفِي الْحَاوِي عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ رَجَاءٍ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ حَكَى عَنْ (الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ) ، أَنَّ مَذْهَبَهُ سُؤَالُ الْمُقِرِّ فَإِنْ قَالَ لَا شَيْءَ (لِي) فِيهِ نَزَلَ إقْرَارُهُ (فِيهِ) عَلَى مَا يَمْلِكُهُ، وَإِنْ قَالَ لِي نِصْفُهُ نَزَلَ الْإِقْرَارُ عَلَى الرُّبُعِ مُشَاعًا، وَكَانَ الرُّبُعُ الْآخَرُ لَهُ وَالنِّصْفُ لَلشَّرِيكِ، لِأَنَّ الْمُقِرَّ أَقَرَّ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ شَرِيكِهِ فَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ.

وَمِنْهَا فِي الْقِرَاضِ لَوْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ مِائَةً وَالرِّبْحُ عِشْرِينَ، فَاسْتَرَدَّ الْمَالِكُ عِشْرِينَ بَعْدَ الرِّبْحِ، فَالْمُسْتَرَدُّ يَكُونُ شَائِعًا فِي الرِّبْحِ وَرَأْسِ الْمَالِ لِعَدَمِ التَّمْيِيزِ، قَطَعَ بِهِ الرَّافِعِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ إنَّ طَرِيقَةَ الْعِرَاقِيِّينَ تَقْتَضِي انْحِصَارَ الْمُسْتَرَدِّ فِي رَأْسِ الْمَالِ.

وَمِنْهَا أَصْدَقَهَا عَيْنًا (وَقَبَضَتْهَا) فَوَهَبَتْ لِلزَّوْجِ نِصْفَهَا ثُمَّ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَهُ نِصْفُ الْبَاقِي أَيْ وَهُوَ الرُّبُعُ وَرُبُعُ بَدَلِ كُلِّهِ، لِأَنَّ (الْهِبَةَ) وَرَدَتْ عَلَى مُطْلَقِ الْجُمْلَةِ (فَيَشِيعُ) (فِيمَا) أَخْرَجَتْهُ وَمَا أَبْقَتْهُ وَمَجْمُوعُ الرُّبُعَيْنِ عَيْنُ
(2/48)

قِيمَةِ النِّصْفِ، وَفِي قَوْلٍ (نِصْفُ) الْبَاقِي، لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ النِّصْفَ بِالطَّلَاقِ، وَقَدْ وُجِدَ فَيَنْحَصِرُ الرُّجُوعُ فِيهِ وَعَلَى هَذَا فَتَنْحَصِرُ هِبَتُهَا فِي نِصْفِهَا تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِهَا.

وَمِنْهَا اشْتَرَكَ اثْنَانِ فِي التَّضْحِيَةِ بِشَاتَيْنِ، لَا يَجْزِي فِي الْأَصَحِّ.

الثَّالِثُ: مَا نَزَّلُوهُ عَلَى الْحَصْرِ قَطْعًا.
فَمِنْهُ لَوْ قَالَ اُعْطُوهُ عَبْدًا مِنْ رَقِيقِي فَمَاتَ وَمَاتُوا كُلُّهُمْ، إلَّا وَاحِدًا، تَعَيَّنَتْ الْوَصِيَّةُ فِيهِ فَلَمْ يُنَزِّلُوهُ عَلَى الْإِشَاعَةِ، كَمَا قَالُوا فِي الْبَيْعِ فِي مَسْأَلَةِ الصَّاعِ السَّابِقَةِ.

وَمِنْهَا (لَوْ) أَوْصَى بِثُلُثِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ فَاسْتَحَقَّ ثُلُثَاهُ تَنَاوَلَ الثُّلُثَ الْمَمْلُوكَ إنْ وَفَّى بِهِ ثُلُثُ مَالِهِ نَصَّ عَلَيْهِ (الْإِمَامُ) الشَّافِعِيُّ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) ، وَقَالَ (أَبُو ثَوْرٍ) يُرَدُّ إلَى ثُلُثِ الثُّلُثِ.
وَكَأَنَّهُ أَوْصَى بِالثُّلُثِ مِنْ كُلِّ (جُزْءٍ) نَقَلَهُ فِي الْبَسِيطِ (وَقَالَ) فِي نَظِيرِهِ مِنْ (الْمَبِيعِ) خِلَافٌ فِي (الْمَذْهَبِ أَنَّا) نَحْصُرُ أَمْ نُشِيعُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَصِيَّةَ وَإِنْ تَرَدَّدَتْ تُحْمَلُ عَلَى الصِّحَّةِ، كَالْوَصِيَّةِ بِالطَّبْلِ يُحْمَلُ
(2/49)

عَلَى طَبْلِ الْحَرْبِ مَيْلًا إلَى الصِّحَّةِ، وَالصَّحِيحُ الْحَصْرُ فِي الْبَيْعِ أَيْضًا، لِأَنَّهُ بَاعَ النِّصْفَ، وَمَلَكَ النِّصْفَ، وَذَهَبَ ابْنُ سُرَيْجٍ إلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَصِحُّ فِي جُزْءٍ مِنْ (حِصَّتِهِ) ، وَيُخَالِفُ الْبَيْعَ فَإِنَّهُ (يَفْسُدُ) بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَالْوَصِيَّةُ لَا تَفْسُدُ، فَأَمْكَنَ تَفْرِيقُهَا.

وَمِنْهَا لَوْ مَلَكَ نِصَابَيْنِ مِنْ الْإِبِلِ مَثَلًا فَوَاجِبُ كُلِّ نِصَابٍ يَنْحَصِرُ فِيهِ. كَذَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ أَنَّ الْمَشَايِخَ قَالُوهُ، وَزَعَمُوا أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْقَوْلَانِ فِي النِّصَابِ وَالْوَقْصِ، (قَالَ) وَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ وَاجِبُ النِّصَابَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِجَمِيعِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ انْحِصَارٍ وَاخْتِصَاصٍ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ بِنْتَ الْمَخَاضِ وَاجِبُ نَصِيبٍ (وَهِيَ الْأَخْمَاسُ) ، (ثُمَّ لَا وَجْهَ إلَّا إضَافَةُ) بِنْتِ الْمَخَاضِ إلَى جَمِيعِ الْخَمْسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ وَحَصْرٍ، وَكَذَلِكَ إذَا وَجَبَ فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ فَالْوَجْهُ إضَافَتُهَا (إلَى جَمِيعِ) الْمَالِ ثُمَّ (إذَا صَحَّ هَذَا) فِي الْأَسْنَانِ وَجَبَ طَرْدُهُ حَيْثُ تَكُونُ الزِّيَادَةُ بِالْعَدَدِ فَالْوَجْهُ إضَافَةُ الْكُلِّ إلَى الْكُلِّ.

الرَّابِعُ: مَا نَزَّلُوهُ عَلَى الْحَصْرِ فِي الْأَصَحِّ.
(فَمِنْهُ) ، لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ عَبْدٍ، لَا يَمْلِكُ مِنْهُ، (إلَّا) الثُّلُثَ، فَاَلَّذِي
(2/50)

نَقَلَهُ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ أَنَّهُ يَصِحُّ فِيمَا مَلَكَهُ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ الْمَعْقُولَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ (إنَّمَا) أَرَادَ بِمَا يَمْلِكُهُ مِنْهُ، وَكَأَنَّهُ قَالَ أَوْصَيْت بِنَصِيبِي مِنْهُ، وَحَكَى وَجْهًا (آخَرَ) ، أَنَّهُ يَجْعَلُ ذَلِكَ جَامِعًا لِلنَّصِيبَيْنِ، لِأَنَّ الثُّلُثَ مُشَاعٌ فِي الْجُمْلَةِ، فَعَلَى هَذَا، لَا يَحْصُلُ إلَّا ثُلُثُ الثُّلُثِ، الَّذِي هُوَ مَالِكُهُ مِنْ الْعَبْدِ، وَهُوَ (تُسْعُ) جَمِيعِ الْعَبْدِ، قَالَ، وَقَدْ أَشَارَ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَى هَذَا الْمَعْنَى فِي الْإِمْلَاءِ فِي الْمَرْأَةِ إذَا اخْتَلَعَتْ بِنِصْفِ مَهْرِهَا، قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا.

وَمِنْهَا - عَبْدٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مَالِكَيْنِ وَكَّلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فِي عِتْقِ نَصِيبِهِ، فَقَالَ نِصْفُك حُرٌّ وَلَمْ (يُرِدْ) نَصِيبَهُ، وَلَا نَصِيبَ شَرِيكِهِ، بَلْ أَطْلَقَ (فَعَلَى) أَيِّ النِّصْفَيْنِ يُحْمَلُ؟ وَجْهَانِ: قَالَ النَّوَوِيُّ لَعَلَّ أَقْوَاهُمَا الْحَمْلُ عَلَى الْمَمْلُوكِ، لَا الْمُوَكَّلِ فِيهِ. قُلْت وَقَدْ (يُوَجَّهُ) بِأَنَّ (تَصَرُّفَهُ) فِيمَا هُوَ مِلْكُهُ أَتَمُّ، (وَكَانَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ أَنْسَبُ) .
وَلَوْ قَالَ: أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ أَعْتَقْت مِنْ هَذَا الْعَبْدِ النِّصْفَ، فَهَلْ يَخْتَصُّ بِجَانِبِهِ أَوْ يَشِيعُ فِي الْجَانِبَيْنِ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ، وَلَا تَظْهَرُ لَهُ فَائِدَةٌ هُنَا، لِأَنَّهُ إذَا أَعْتَقَ شَيْئًا مِنْ مِلْكِهِ سَرَى إلَى بَقِيَّةِ نَصِيبِهِ وَإِلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ، إلَّا إذَا كَانَ مُعْسِرًا، وَنَظِيرُ الْمَسْأَلَةِ وَكِيلُ الْمَرْأَةِ فِي الْخُلْعِ، إذَا أَطْلَقَ وَلَمْ يُضِفْ إلَيْهَا وَلَا إلَى نَفْسِهِ، وَلَا نَوَى شَيْئًا، قَالَ الْغَزَالِيُّ (تُحْمَلُ عَلَى الْوَكَالَةِ) وَلِلرَّافِعِيِّ فِيهِ بَحْثٌ وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ، لِأَنَّ خُلْعَ الْأَجْنَبِيِّ نَادِرٌ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ.
(2/51)

وَمِنْهَا، لَوْ مَلَكَ (نِصْفًا) مِنْ عَبْدٍ، أَوْ دَارٍ، وَقَالَ بِعْتُك النِّصْفَ مِنْهُ، وَلَمْ يُضِفْ إلَى مِلْكِهِ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ النَّوَوِيِّ يَنْصَرِفُ إلَى نِصْفِهِ الْمَمْلُوكِ وَالثَّانِي إلَى نِصْفِ الْعَبْدِ شَائِعًا، وَصَحَّحَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ فِي بَابِ الشَّرِكَةِ، فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي نِصْفِ ذَلِكَ النِّصْفِ (بِمُصَادَقَتِهِ) مِلْكَ الشَّرِيكِ، وَيَجْرِي فِي نِصْفِ النِّصْفِ قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
قَالَ الْإِمَامُ (وَلَوْ) أَقَرَّ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ بِنِصْفِ الْعَبْدِ (الْمُشْتَرَكِ) ، يَجْرِي فِيهِ الْوَجْهَانِ، لَكِنَّهُ فِي نِصْفِ نَصِيبِهِ يَصِحُّ قَوْلًا وَاحِدًا، لِأَنَّ (الْإِقْرَارَ) لَيْسَ (بِعَقْدٍ فَيَتَفَرَّقُ) .

وَمِنْهَا، لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى نِصْفِ صَدَاقِك، إمَّا أَنْ يَقُولَ الَّذِي تَمْلِكِينَهُ الْآنَ، أَوْ الَّذِي أَمْلِكُهُ أَوْ يُطْلِقُ فَإِنْ أَطْلَقَ، فَفِيهَا قَوْلَا الْحَصْرِ وَالْإِشَاعَةِ وَالْأَصَحُّ قَوْلُ الْحَصْرِ، فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ فِي نِصْفِهَا وَيَقَعُ الطَّلَاقُ (وَيَرْجِعُ) فِي جَمِيعِ الصَّدَاقِ (النِّصْفُ) بِالطَّلَاقِ وَالنِّصْفُ بِالْخُلْعِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْإِشَاعَةِ رَجَعَ لَهُ النِّصْفُ وَهُوَ قَدْ خَالَعَهَا عَلَى شَيْءٍ يَمْلِكُهُ وَشَيْءٍ لَا يَمْلِكُهُ، فَرَجَعَ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ.

وَمِنْهَا إذَا ابْتَاعَ ذِرَاعًا مِنْ أَرْضٍ (يَعْلَمُ) أَنَّهَا عَشَرَةُ أَذْرُعٍ صَحَّ، وَكَأَنَّهُ بَاعَ (الْعَشْرَ) (فَهُوَ تَنْزِيلٌ عَلَى الْإِشَاعَةِ) ، قَالَ الْإِمَامُ، إلَّا أَنْ يُعَيِّنَ مُعَيَّنًا، فَيَبْطُلُ كَمَسْأَلَةِ الْقَطِيعِ.
وَلَوْ اخْتَلَفَا، فَقَالَ الْمُشْتَرِي أَرَدْت الْإِشَاعَةَ فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ، وَقَالَ الْبَائِعُ، بَلْ أَرَدْت مُعَيَّنًا فَفِي الْمُصَدَّقِ احْتِمَالَانِ أَرْجَحُهُمَا عِنْدَ
(2/52)

النَّوَوِيِّ تَصْدِيقُ الْبَائِعِ.

وَمِنْهَا، إذَا قَالَ قَارَضْتُك عَلَى أَنَّ نِصْفَ الرِّبْحِ لَك صَحَّ فِي الْأَصَحِّ أَوْ لَا؟ لَمْ يَصِحَّ (فِي الْأَصَحِّ) ، فَلَوْ قَالَ خُذْ الْمَالَ قِرَاضًا بِالنِّصْفِ وَأَطْلَقَ، فَكَلَامُ سُلَيْمٍ فِي الْمُجَرَّدِ يَقْتَضِي أَنَّ فِيهِ وَجْهَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْمَطْلَبِ الْأَشْبَهُ الصِّحَّةُ تَنْزِيلًا عَلَى شَرْطِ النِّصْفِ لِلْعَامِلِ قَالَ سُلَيْمٌ، وَإِذَا قُلْنَا بِالصِّحَّةِ، فَقَالَ رَبُّ الْمَالِ أَرَدْت أَنَّ النِّصْفَ لِي فَيَكُونُ فَاسِدًا وَادَّعَى الْعَامِلُ الْعَكْسَ صُدِّقَ الْعَامِلُ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ وَهَذَا (يُخَالِفُ) تَرْجِيحَ النَّوَوِيُّ فِي الَّتِي قَبْلَهَا.

(وَمِنْهَا) : مَلَكَ أَرْبَعِينَ شَاةً وَحَال عَلَيْهَا الْحَوْلُ فَهَلْ وَجَبَ لِلْفُقَرَاءِ شَاةٌ مُبْهَمَةٌ أَمْ وَجَبَ لَهُمْ جُزْءٌ شَائِعٌ مِنْ أَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ بِلَا تَرْجِيحٍ.

(وَمِنْهَا) : رَجُلٌ لَهُ زَوْجَتَانِ أَوْ أَكْثَرُ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ وَلَمْ يُعَيِّنْ وَاحِدَةً (مِنْهُنَّ) وَحَنِثَ أَفْتَى النَّوَوِيُّ لَهُ التَّعْيِينُ فِي (وَاحِدَةٍ) مِنْهُنَّ وَلَا طَلَاقَ عَلَى الْبَاقِيَاتِ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الطَّلَاقَ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِطَلَاقِ وَاحِدَةٍ فَلَا يُكَلَّفُ زِيَادَةً وَخَالَفَهُ (الْبَاجِيُّ) ، وَقَالَ يَقَعُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ طَلْقَةٌ لِأَنَّهُ يَقَعُ بِالْحِنْثِ طَلْقَةٌ عَلَيْهِنَّ عَلَى
(2/53)

كُلِّ وَاحِدَةٍ بَعْضُهَا وَتَكْمُلُ.

(وَمِنْهَا) : (لَوْ) قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَتَيْنِ تَقَعُ عَلَيْهِ وَاحِدَةٌ فِي الْأَصَحِّ، وَالثَّانِي طَلْقَتَانِ حَمْلًا لَهُ عَلَى الْإِشَاعَةِ كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ نِصْفُ هَذَيْنِ الْكِيسَيْنِ فَلَهُ مِنْ كُلِّ كِيسٍ نِصْفُهُ وَإِذَا وَقَعَ نِصْفُ طَلْقَةٍ تَكْمُلُ.

[الْحُقُوقُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ]
ٍ (الْأَوَّلُ) : مَا لَا يَقْبَلُ الْإِسْقَاطَ وَلَا النَّقْلَ وَلَا الْإِرْثَ كَحَقِّ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ، وَحَقِّ الزَّوْجِ فِي الِاسْتِمْتَاعِ، وَحَقِّ الْعَاقِلَةِ فِي (التَّأْجِيلِ) ، وَحَقِّ الْإِرْثِ وَحَقِّ وِلَايَةِ النِّكَاحِ، وَحَقِّ الْحَضَانَةِ، وَحَقِّ التَّقَدُّمِ فِي الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى، وَحَقِّ تَفْضِيلِ الذُّكُورِ عَلَى الْإِنَاثِ فِي تَقْدِيمِهِمْ عَلَيْهِنَّ (وَاسْتِحْقَاقِ التَّدْرِيسِ) ، وَحَقِّ سِرَايَةِ الْعِتْقِ.
(الثَّانِي) : يَقْبَلُ الْإِسْقَاطَ وَالْإِرْثَ دُونَ النَّقْلِ كَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَالْوَصَايَا، وَالْوِلَايَاتِ وَنَحْوِهَا.
(الثَّالِثُ) : (مَا) لَا يَقْبَلُ النَّقْلَ وَلَا الْإِرْثَ كَحَقِّ الْوَالِدَيْنِ.
(2/54)

(الرَّابِعُ) : مَا لَا يَقْبَلُ النَّقْلَ وَلَا الْإِرْثَ وَيَقْبَلُ الْإِسْقَاطَ كَالسَّبْقِ إلَى مَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ وَكَذَا حَقُّ التَّقْدِيمِ فِي (الْحِلَقِ) .
(الْخَامِسُ) :
مَا لَا يَقْبَلُ النَّقْلَ وَيَقْبَلُ الْإِسْقَاطَ وَكَذَا الْإِرْثُ عَلَى الْأَصَحِّ كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ، وَأَمَّا خِيَارُ الثَّلَاثِ فَيَقْبَلُ الْإِرْثَ قَطْعًا وَالْإِسْقَاطَ دُونَ النَّقْلِ.

[الْحُقُوقُ تُوَرَّثُ كَمَا يُوَرَّثُ الْمَالُ]
ُ) بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ تَرَكَ حَقًّا فَلِوَرَثَتِهِ» وَأَوْرَدَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الِاصْطِلَامِ بِلَفْظِ «مَالًا أَوْ حَقًّا» فَيُوَرَّثُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَخِيَارُ الشَّرْطِ وَخِيَارُ الْعَيْبِ وَأَمَّا الْأَجَلُ فَإِنَّمَا لَا يُوَرَّثُ لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ لَا لَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَتَأَخَّرُ حَقُّهُ مِنْ التَّرِكَةِ لِيَقْضِيَ الدُّيُونَ وَلَا يُتَصَوَّرُ إرْثٌ لِحَقٍّ يَكُونُ عَلَيْهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْأَجَلَ وَإِنْ كَانَ حَقًّا مَالِيًّا لِأَنَّهُ صِفَةٌ لِلدَّيْنِ وَالدَّيْنُ لَا يُوَرَّثُ وَكَيْفَ يُوَرَّثُ (الْأَجَلُ) وَمَتَى يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ عَلَى شَخْصٍ (وَالْأَجَلُ لِغَيْرِهِ) فَإِنْ قِيلَ (لِمَ لَا) وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ بَاقِيًا عَلَى الْمَيِّتِ فِي ذِمَّتِهِ (بِأَجَلِهِ) ؟
(2/55)

قُلْنَا: لَيْسَ هَذَا مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي شَيْءٍ وَإِنَّمَا لَمْ يَبْقَ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ فِي سُقُوطِ الْأَجَلِ وَقَضَاءِ الدَّيْنِ (يُفَرِّغُ) ذِمَّتَهُ، وَإِذَا كَانَ الْأَجَلُ لِنَفْسِهِ فَمَتَى كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ فِي سُقُوطِهِ سَقَطَ.
(وَالضَّابِطُ) : أَنَّ مَا كَانَ تَابِعًا (لِلْمَالِكِ) يُوَرَّثُ عَنْهُ كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ وَسُقُوطِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَحَقِّ الشُّفْعَةِ وَكَذَلِكَ مَا يَرْجِعُ لِلتَّشَفِّي كَالْقِصَاصِ لِأَنَّهُ قَدْ يُؤَوَّلُ إلَى الْمَالِ وَكَذَا حَدُّ الْقَذْفِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا يَرْجِعُ (لِلشِّهْوَةِ) وَالْإِرَادَةِ كَخِيَارِ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ الْعَدَدِ الشَّرْعِيِّ لَا يَقُومُ الْوَارِثُ مَقَامَهُ فِي التَّعْيِينِ.
(وَكَذَلِكَ) إذَا طَلَّقَ (إحْدَى) امْرَأَتَيْهِ لَا (بِعَيْنِهَا) ثُمَّ مَاتَ.
وَكَذَا اللِّعَانُ إذَا قَذَفَ (الْمُورِثُ) زَوْجَتَهُ ثُمَّ مَاتَ لَمْ يَقُمْ الْوَارِثُ مَقَامَهُ فِي اللِّعَانِ لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ النِّكَاحِ وَهُوَ أَيْضًا يَرْجِعُ لِلشَّهْوَةِ.

وَقَالَ فِي التَّتِمَّةِ: خِيَارُ الرُّؤْيَةِ يَنْتَقِلُ لِلْوَرَثَةِ فِي صُورَتَيْنِ:
(إحْدَاهُمَا) : إذَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى الْعَيْبِ.
(وَالثَّانِيَةُ) : إذَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الْفَسْخِ حَتَّى مَاتَ وَقُلْنَا يَجُوزُ (تَأْخِيرُ) الْفَسْخِ إلَى وَقْتِ التَّمْكِينِ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ وَالْحَاكِمِ، وَأَمَّا إذَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُفْسَخْ مَعَ التَّمْكِينِ بَطَلَ حَقُّهُ، فَأَمَّا خِيَارُ الْقَبُولِ لَا يُوَرَّثُ كَمَا لَوْ أَوْجَبَ الْبَيْعَ لِإِنْسَانٍ فَقَبْلَ أَنْ يَقْبَلَ مَاتَ الْمُشْتَرِي وَوَارِثُهُ حَاضِرٌ فَأَرَادَ الْقَبُولَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ خِيَارَ الْقَبُولِ لَيْسَ بِلَازِمٍ.
(2/56)

وَاعْلَمْ: أَنَّ الْحُقُوقَ لَا تُوَرَّثُ مُجَرَّدَةٌ ابْتِدَاءً وَإِنَّمَا (تُوَرَّثُ) تَبَعًا (لِلْأَمْوَالِ كَمَا فِي الْخِيَارِ) وَنَحْوِهِ فَلَوْ لَمْ يَرِثْ الْمَالَ لِمَانِعٍ قَامَ بِهِ لَمْ يَنْتَقِلْ إلَيْهِ شَيْءٌ كَمَا إذَا وَهَبَ (لِوَلَدِهِ) ثُمَّ مَاتَ الْوَاهِبُ وَوَارِثُهُ أَبُوهُ لِكَوْنِ الْوَلَدِ مُخَالِفًا لَهُ فِي الدِّينِ فَلَا رُجُوعَ لِلْجَدِّ الْوَارِثِ لِأَنَّ الْحُقُوقَ إنَّمَا تُوَرَّثُ تَبَعًا لِلْأَمْوَالِ وَهُوَ لَا يَرِثُ.
وَكَذَا لَوْ وَهَبَ لِوَلَدِهِ ثُمَّ مَاتَ لَمْ يَكُنْ (لِوَارِثٍ غَيْرِهِ) الرُّجُوعُ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ (تَوَابِعِ) الْمَالِ لِأَنَّ الْمَوْهُوبَ غَيْرُ مَوْرُوثٍ عَنْهُ وَحَقُّ الرُّجُوعِ مُتَعَلِّقٌ بِصِفَةِ الْأُبُوَّةِ وَقَدْ مَاتَ. وَأَمَّا الْوَلَاءُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ غَيْرُ مَوْرُوثٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُوَرَّثُ لَكِنْ لَلْعَصَبَاتِ خَاصَّةً.
قُلْت: قَالَ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ هَذَا الَّذِي (يَقُولُهُ) الْفُقَهَاءُ أَنَّ فُلَانًا وَارِثُ الْوَلَاءِ وَفُلَانًا لَمْ يَرِثْهُ إنَّمَا هُوَ (تَجَوُّزٌ فِي الْعِبَارَةِ) لِأَنَّ الْوَلَاءَ لَا يُوَرَّثُ بَلْ يُوَرَّثُ بِهِ.

[الْحُقُوقُ الْمُوَرَّثَةُ]
ُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ (أَحَدُهَا) : مَا ثَبَتَ لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِتَمَامِهِ وَهُوَ حَدُّ الْقَذْفِ فِي الْأَصَحِّ فَإِذَا عَفَا بَعْضُهُمْ فَلِلْبَاقِي (الِاسْتِيفَاءُ) كَامِلًا لِأَنَّهُ إنَّمَا شُرِعَ لِدَفْعِ (مَعَرَّةِ) الْمَيِّتِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقُومُ مَقَامَ صَاحِبِهِ فِيهِ وَلَا يُدْفَعُ (الْعَارُ) إلَّا بِتَمَامِ الْحَدِّ.
(2/57)

(الثَّانِي) : مَا ثَبَتَ لِجَمِيعِهِمْ عَلَى الِاشْتِرَاكِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ (حِصَّتُهُ) سَوَاءٌ تَرَكَ شُرَكَاؤُهُ حُقُوقَهُمْ أَوْ لَا وَهُوَ حَقُّ (الْمَالِ) .
(الثَّالِثُ) : مَا ثَبَتَ لِجَمِيعِهِمْ عَلَى الِاشْتِرَاكِ وَلَا يَمْلِكُ أَحَدُهُمْ عَلَى الِانْفِرَادِ شَيْئًا مِنْهُ وَهُوَ الْقِصَاصُ إذَا عَفَا أَحَدُهُمْ يَسْقُطُ الْكُلُّ.
(الرَّابِعُ) : مَا ثَبَتَ لَهُمْ عَلَى الِاشْتِرَاكِ وَإِذَا عَفَى بَعْضُهُمْ (يُوَفِّرُ) الْحَقَّ عَلَى الْبَاقِينَ وَهُوَ حَقُّ الشُّفْعَةِ وَنَحْوُ ذَلِكَ (الْغَنِيمَةُ) .

[حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ]
ٍ (الْأَوَّلُ) : عِبَادَاتٌ مَحْضَةٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا نَيْلُ الدَّرَجَاتِ وَالثَّوَابِ (وَتَتَعَلَّقُ) بِأَسْبَابٍ مُتَأَخِّرَةٍ كَالنِّصَابِ وَالزَّكَاةِ وَالْوَقْتِ لِلصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ.
(الثَّانِي) : عُقُوبَاتٌ مَحْضَةٌ تَتَعَلَّقُ (بِمَحْظُورَاتٍ) هِيَ عَنْهَا زَاجِرَةٌ.
(الثَّالِثُ) : كَفَّارَاتٌ وَهِيَ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ الْعُقُوبَةِ وَالْعِبَادَةِ ثُمَّ غَالِبُ الْكَفَّارَاتِ يَكُونُ عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ كَمَا (لَوْ وَاقَعَ) فِي رَمَضَانَ، وَالْإِمْسَاكِ فِي الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ وَقَدْ يَكُونُ فِي
(2/58)

غَيْرِ مُحَرَّمٍ لَكِنَّ فِيهِ مُشَابَهَةً (لِكَفَّارَةِ) الْيَمِينِ فَإِنَّ الْحِنْثَ وَإِنْ جَازَ لَكِنْ يَقْتَضِي الدَّلِيلُ حُرْمَتَهُ فَإِنَّهُ (إخْلَالٌ) بِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى.

[حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَامَحَة]
ِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَنْ يَلْحَقَهُ ضَرَرٌ فِي شَيْءٍ.
وَمِنْ ثَمَّ قُبِلَ الرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالزِّنَى وَيَسْقُطُ الْحَدُّ بِخِلَافِ حَقِّ الْآدَمِيِّينَ فَإِنَّهُمْ (يَتَضَرَّرُونَ) وَالْحُقُوقُ الْمَالِيَّةُ الْوَاجِبَةُ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
(أَحَدُهَا) : مَا يَجِبُ لَا بِسَبَبِ مُبَاشَرَةٍ مِنْ الْعَبْدِ كَزَكَاةِ الْفِطْرِ فَإِذَا عَجَزَ (عَنْهَا) وَقْتَ الْوُجُوبِ لَمْ تَثْبُتْ فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى (لَوْ أَيْسَرَ) بَعْدُ لَمْ يَلْزَمْهُ.
(الثَّانِي) : (مَا) يَجِبُ بِسَبَبِ [مُبَاشَرَتِهِ] عَلَى جِهَةِ الْبَدَلِ إمَّا عَنْ إتْلَافٍ كَجَزَاءِ الصَّيْدِ فَإِذَا عَجَزَ وَقْتَ (وُجُوبِهِ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ) تَغْلِيبًا لِمَعْنَى الْغَرَامَةِ، وَإِمَّا عَنْ
(2/59)

الِاسْتِمْتَاعِ) كَكَفَّارَةِ اللِّبَاسِ (وَالطِّيبِ) (فَكَذَلِكَ) عَلَى الصَّحِيحِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
(الثَّالِثُ) : مَا يَجِبُ لَكِنْ لَا عَلَى جِهَةِ الْبَدَلِ كَكَفَّارَةِ الْجِمَاعِ وَالْيَمِينِ وَالْقَتْلِ وَالظِّهَارِ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ عِنْدَ الْعَجْزِ.
وَأَمَّا حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ الْمَالِيَّةُ فَإِنَّمَا تَجِبُ بِسَبَبِ مُبَاشَرَتِهِ مِنْ الْتِزَامٍ أَوْ إتْلَافٍ وَلَا تَسْقُطُ بِالْعَجْزِ أَصْلًا، ثُمَّ إنْ كَانَتْ مُؤَجَّلَةً فَلَا تُسْتَحَقُّ إلَّا بِحُلُولِ الْأَجَلِ وَإِنْ كَانَتْ حَالَّةً فَهَلْ يَجِبُ أَدَاؤُهُ قَبْلَ الطَّلَبِ؟ فِيهِ (خَمْسَةُ) (أَوْجُهٍ) سَبَقَتْ فِي حَرْفِ الْهَمْزَةِ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ.

[حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى إذَا اجْتَمَعَتْ]
ْ فَهِيَ عَلَى أَقْسَامٍ
(الْأَوَّلُ) : مَا يَتَعَارَضُ وَقْتُهُ فَيُقَدَّمُ آكَدُهُ.
(فَمِنْهُ) : تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ آخِرَ وَقْتِهَا عَلَى رَوَاتِبِهَا وَكَذَلِكَ عَلَى (الْمَقْضِيَّةِ) إذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ الْوَقْتِ إلَّا مَا يَسَعُ الْحَاضِرَةَ فَإِنْ كَانَ يَسَعُ الْمُؤَدَّاةَ وَالْمَقْضِيَّةَ (فَالْفَائِتَةُ) أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ مُرَاعَاةً لِلتَّرْتِيبِ.
(وَمِنْهَا) : تَقْدِيمُ النَّوَافِلِ الْمَشْرُوعُ فِيهَا الْجَمَاعَةُ كَالْعِيدَيْنِ عَلَى الرَّوَاتِبِ
(2/60)

نَعَمْ تُقَدَّمُ الرَّوَاتِبُ عَلَى التَّرَاوِيحِ فِي الْأَصَحِّ (وَتَقْدِيمُ الرَّوَاتِبِ عَلَى النَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ وَتَقْدِيمُ الْوِتْرِ عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فِي الْأَصَحِّ) وَتَقْدِيمُ الزَّكَاةِ عَلَى صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَالصِّيَامِ الْوَاجِبِ عَلَى نَفْلِهِ وَالنُّسُكِ الْوَاجِبِ عَلَى غَيْرِهِ وَإِذَا تَيَقَّنَ الْمُسَافِرُ وُجُودَ الْمَاءِ آخِرَ الْوَقْتِ فَتَأْخِيرُ الصَّلَاةِ لِانْتِظَارِهِ أَفْضَلُ مِنْ التَّقْدِيمِ بِالتَّيَمُّمِ.
وَلَوْ أَوْصَى بِمَاءٍ لِأَوْلَى النَّاسِ (بِهِ) قُدِّمَ غُسْلُ الْمَيِّتِ عَلَى غَيْرِهِ، وَغَسْلُ النَّجَاسَةِ عَلَى الْحَدَثِ لِأَنَّهُ لَا بَدَلَ لَهُ وَفِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ (وَالْحَيْضِ) ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ثَالِثُهَا أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فَيَقْرَعُ، وَيُقَدِّمُ (غُسْلَ الْمَيِّتِ) وَالْجُمُعَةِ عَلَى غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَغْسَالِ وَأَيَّهُمَا يُقَدِّمُ؟ قَوْلَانِ: فَصَحَّحَ الْعِرَاقِيُّونَ الْغُسْلَ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ، لِأَنَّ (الْإِمَامَ) الشَّافِعِيَّ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) عَلَّقَ الْقَوْلَ بِوُجُوبِهِ عَلَى صِحَّةِ (الْحَدِيثِ) ، وَصَحَّحَ الْخُرَاسَانِيُّونَ (وَتَابَعَهُمْ) النَّوَوِيُّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ، لِصِحَّةِ (أَحَادِيثِهِ) .
وَمِنْهَا قَاعِدَةُ الْمُحَافَظَةِ عَلَى فَضِيلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ أَوْلَى مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى فَضِيلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِمَكَانِهَا.
(2/61)

الثَّانِي: مَا يَتَسَاوَى (فِيهِ) لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ، كَمَنْ عَلَيْهِ فَائِتٌ مِنْ (رَمَضَانَيْنِ) ، فَإِنَّهُ (يَبْدَأُ) بِأَيِّهِمَا شَاءَ، وَكَذَلِكَ الشَّيْخُ الَّذِي عَلَيْهِ فِدْيَةُ (أَيَّامٍ) مِنْ (رَمَضَانَيْنِ) وَمَنْ عَلَيْهِ شَاتَانِ مَنْذُورَتَانِ فَلَمْ يَقْدِرْ إلَّا عَلَى (إحْدَاهُمَا) ، أَوْ نَذَرَ حَجًّا (أَوْ عُمْرَةً) قِرَانًا، فَإِنَّهُ (يَبْدَأُ) بِأَيِّهِمَا شَاءَ.

الثَّالِثُ:
(مَا تَفَاوَتَتْ) ، (فَيُقَدَّمُ) الْمُرَجَّحُ، كَالدَّمِ الْوَاجِبِ فِي الْإِحْرَامِ، وَالزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ، فَإِذَا اجْتَمَعَا فِي شَاةٍ، فَالزَّكَاةُ أَوْلَى، وَمِثْلُهُ زَكَاةُ (التِّجَارَةِ) وَالْفِطْرَةِ، إذَا اجْتَمَعَا فِي مَالٍ يَقْصُرُ عَنْهُمَا، (فَالْفِطْرَةُ) أَوْلَى، (لِتَعَلُّقِهِمَا) بِالْعَيْنِ.
وَلَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ، وَوَجَدَ الْإِطْعَامَ لِإِحْدَاهُمَا وَهُوَ (مِنْ أَهْلِهِ، وَقُلْنَا) (بِالْإِطْعَامِ) فِي الْقَتْلِ، فَالظِّهَارُ أَوْلَى.
(2/62)

الرَّابِعُ: مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ كَالْعَارِي (هَلْ يُصَلِّي قَائِمًا؟) ، (وَيُتِمُّ) الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ مُحَافَظَةً عَلَى الْأَرْكَانِ، أَوْ يُصَلِّي قَاعِدًا مُومْيَا (مُحَافَظَةً عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ) أَوْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا؟ وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ، وَكَذَا الْمَحْبُوسُ بِمَكَانٍ نَجَسٍ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ وَلَا يَجْلِسُ، بَلْ يَنْحَنِي لِلسُّجُودِ إلَى الْقَدْرِ الَّذِي لَوْ زَادَ عَلَيْهِ لَاقَى النَّجَاسَةَ.
وَلَوْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ وَمَعَهُ ثَوْبٌ، فَهَلْ يَبْسُطُهُ وَيُصَلِّي عُرْيَانًا أَوْ يُصَلِّي فِيهِ أَوْ (يَتَخَيَّرُ) بَيْنَهُمَا؟ فِيهِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ، وَلَوْ لَمْ يَجِدْ، إلَّا ثَوْبَ حَرِيرٍ، فَالْأَصَحُّ تَجِبُ الصَّلَاةُ فِيهِ.
وَلَوْ اجْتَمَعَ عُرَاةٌ فَهَلْ يُسْتَحَبُّ أَنْ (يُصَلُّوا) فُرَادَى أَوْ جَمَاعَةً (أَوْ يَتَخَيَّرُوا أَمْ هُمَا) سَوَاءٌ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
وَمِنْهُ (مَسْأَلَةُ) ابْتِلَاعِ الْخَيْطِ فِي (رَمَضَانَ) ، وَالْأَصَحُّ مُرَاعَاةُ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ (سَبَقَتْ فِي فُصُولِ التَّعَارُضِ) .

الْقِسْمُ الثَّانِي: حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ إذَا اجْتَمَعَتْ:
(2/63)

فَتَارَةٌ، تَسْتَوِي كَالْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ، وَتَسَاوِي أَوْلِيَاءِ النِّكَاحِ فِي دَرَجَةٍ، وَتَسْوِيَةِ الْحُكَّامِ (بَيْنَ) الْخُصُومِ فِي الْمُحَاكَمَاتِ، وَتَسَاوِي الشُّرَكَاءِ فِي الْقِسْمَةِ (وَالْإِجْبَارِ) عَلَيْهَا، وَالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ السَّابِقِينَ إلَى مُبَاحٍ.
وَتَارَةٌ، يَتَرَجَّحُ أَحَدُهُمَا كَنَفَقَةِ نَفْسِهِ عَلَى نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ وَقَرِيبِهِ، وَتَقْدِيمِ نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ عَلَى نَفَقَةِ قَرِيبِهِ، وَتَقْدِيمِ غُرَمَائِهِ عَلَيْهِ فِي بَيْعِ مَالِهِ، وَقَضَاءِ دَيْنِهِ، وَتَقْدِيمِهِ عَلَى غُرَمَائِهِ بِنَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ وَكُسْوَتِهِمْ فِي مُدَّةِ الْحَجْرِ، وَتَقْدِيمِ الْمُضْطَرِّ عَلَى غَيْرِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ، وَتَقْدِيمِ ذَوِي الضَّرُورَاتِ عَلَى ذَوِي الْحَاجَاتِ، وَالتَّقْدِيمِ بِالسَّبَقِ، إلَى الْمَسَاجِدِ وَمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ وَتَقْدِيمِ حَقِّ الْبَيْعِ عَلَى (حَقِّ) الشِّرَى، وَالتَّقْدِيمِ فِي الْإِرْثِ بِالْعُصُوبَةِ وَقُرْبِ الدَّرَجَةِ وَفِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ بِالْأُبُوَّةِ وَالْجُدُودَةِ، ثُمَّ بِالْعُصُوبَةِ، ثُمَّ بِالْوَلَاءِ وَتَقْدِيمِ حَقِّ الْجِنَايَةِ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، وَإِذَا اجْتَمَعَ عَلَى الْمُكَاتَبِ دُيُونٌ، فَالْأَصَحُّ تَقْدِيمُ دَيْنِ الْأَجْنَبِيِّ عَلَى دَيْنِ الْكِتَابَةِ، وَالْحَقُّ الثَّابِتُ لِمُعَيَّنٍ أَقْوَى مِنْ الْحَقِّ الثَّابِتِ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ وَلِهَذَا تَجِبُ زَكَاةُ الْمَالِ الْمَوْقُوفِ عَلَى مُعَيَّنٍ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ، وَالْحَقُّ الْمُتَعَلِّقُ بِالْعَيْنِ أَقْوَى مِنْ الْمُتَعَلِّقِ بِالذِّمَّةِ وَلِهَذَا قُدِّمَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُفْلِسِ بِالسِّلْعَةِ عَلَى الْغُرَمَاءِ وَكَذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ يُقَدَّمُ (بِالْمَرْهُونِ وَيُقَدَّمُ) مَا لَهُ مُتَعَلِّقٌ وَاحِدُ، عَلَى مَا لَهُ مُتَعَلَّقَانِ،، كَمَا لَوْ جَنَى الْمَرْهُونُ يُقَدَّمُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، لِأَنَّهُ لَا (مُتَعَلِّقَ) لَهُ سِوَى الرَّقَبَةِ، وَحَقُّ الْمُرْتَهِنِ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ.
(2/64)

الثَّالِثُ: أَنْ يَجْتَمِعَ حَقُّ اللَّهِ (تَعَالَى) وَحَقُّ الْآدَمِيِّ (وَهُوَ) ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
(الْأَوَّلُ) : مَا قُطِعَ فِيهِ بِتَقْدِيمِ حَقِّ اللَّهِ (تَعَالَى) ، كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ، فَإِنَّهَا تُقَدَّمُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا عَلَى سَائِرِ أَنْوَاعِ التَّرَفُّهِ وَالْمَلَاذِّ تَحْصِيلًا لِمَصْلَحَةِ الْعَبْدِ فِي الْآخِرَةِ، وَكَذَلِكَ تَحْرِيمُ وَطْءِ الْمُتَحَيِّرَةِ، وَإِيجَابُ الْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ.
(الثَّانِي) : مَا قُطِعَ فِيهِ بِتَقْدِيمِ حَقِّ الْآدَمِيِّ كَجَوَازِ التَّلَفُّظِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ عِنْدَ الْإِكْرَاهِ وَلُبْسِ الْحَرِيرِ عِنْدَ الْحَكَّةِ، (وَكَتَجْوِيزِ) التَّيَمُّمِ بِالْخَوْفِ مِنْ الْمَرَضِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَعْذَارِ، وَكَذَلِكَ الْأَعْذَارُ الْمُجَوِّزَةُ لِتَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ، وَالْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ، وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَغَيْرِهَا، وَالتَّدَاوِي بِالنَّجَاسَاتِ غَيْرِ الْخَمْرِ وَإِذَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ قَتْلُ قِصَاصٍ وَرِدَّةٍ قُدِّمَ قَتْلُ الْقِصَاصِ وَجَوَازُ التَّحَلُّلِ بِإِحْصَارِ الْعَدُوِّ.
(الثَّالِثُ) : مَا فِيهِ خِلَافٌ (بِحَقِّهِ) .
فَمِنْهَا إذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ زَكَاةٌ وَدَيْنُ آدَمِيٍّ وَفِيهِ أَقْوَالٌ - ثَالِثُهَا يَتَسَاوَيَانِ وَالْأَصَحُّ تَقْدِيمُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى.
وَمِنْهَا الْحَجُّ وَالْكَفَّارَةُ، وَكَذَلِكَ حَقُّ سِرَايَةِ الْعِتْقِ مَعَ الدُّيُونِ. وَالْأَصَحُّ تَقْدِيمُ الْحَجِّ وَالْكَفَّارَةِ وَالسِّرَايَةِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ، وَلَا تَجْرِي هَذِهِ الْأَقْوَالُ فِي حَقِّ الْمَحْجُورِ، بَلْ يُقَدَّمُ حَقُّ الْآدَمِيِّ وَيُؤَخَّرُ حَقُّ اللَّهِ (تَعَالَى) مَا دَامَ حَيًّا، وَمُرَادُهُ (الْحُقُوقُ الْمُسْتَرْسِلَةُ) فِي الذِّمَّةِ دُونَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ
(2/65)

حَيًّا وَمَيِّتًا، وَلِهَذَا الزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ فِي الْمَرْهُونِ تُقَدَّمُ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، (وَإِذَا) اجْتَمَعَ عَلَى التَّرِكَةِ دَيْنُ آدَمِيٍّ وَجِزْيَةٌ، فَالصَّحِيحُ تَسَاوِيهِمَا، وَالْفَرْقُ (بَيْنَهَا) وَبَيْنَ الزَّكَاةِ أَنَّ الْمُغَلَّبَ فِي الْجِزْيَةِ حَقُّ الْآدَمِيِّ، فَإِنَّهَا عِوَضٌ عَنْ (سُكْنَى) الدَّارِ، فَأَشْبَهَتْ غَيْرَهَا مِنْ دُيُونِ الْآدَمِيِّينَ، وَلِهَذَا، لَوْ أَسْلَمَ أَوْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ، لَا تَسْقُطُ الْجِزْيَةُ، وَلَوْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ، لَمْ تَجِبْ الزَّكَاةُ. وَأَيْضًا، فَإِنَّ الْجِزْيَةَ تَجِبُ (فِي أَوَّلِ الْوُجُوبِ وُجُوبًا) مُوَسَّعًا، وَالزَّكَاةُ لَا تَجِبُ، إلَّا بِآخِرِ الْحَوْلِ.
وَمِنْهَا إذَا وَجَدَ الْمُضْطَرُّ مَيْتَةً وَطَعَامَ الْغَيْرِ، فَأَقْوَالٌ؟ الثَّالِثُ يَتَخَيَّرُ، (وَالْأَصَحُّ) عِنْدَ الرَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، فَيُقَدَّمُ حَقُّ الْآدَمِيِّ.
وَمِنْهَا لَوْ بَذَلَ لَهُ الْوَلَدُ الطَّاعَةَ فِي الْحَجِّ وَجَبَ عَلَى الْأَبِ قَبُولَهَا، وَكَذَا لَوْ بَذَلَ لَهُ الْأُجْرَةَ عَلَى وَجْهٍ وَلَمْ نُوجِبْ عَلَيْهِ الْقَبُولَ فِي دَيْنِ الْآدَمِيِّ، بِلَا (خِلَافٍ) .
فَائِدَةٌ:
قَالَ فِي الْبَحْرِ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ - اعْلَمْ أَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى - كَحَدِّ (الزِّنَى) وَالشُّرْبِ (لَا يَلْزَمُ) الْإِقْرَارُ بِهِ، بَلْ هُوَ مَنْدُوبٌ إلَى سَتْرِهِ وَالتَّوْبَةِ مِنْهُ، وَأَمَّا حَقُّ
(2/66)

الْآدَمِيِّ كَالْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ فَعَلَيْهِ الْإِقْرَارُ بِهِ وَالتَّمْكِينُ مِنْ اسْتِيفَائِهِ.
(وَأَمَّا) حَقُّ اللَّهِ (تَعَالَى) (الْمَالِيُّ) ، كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ، لَا يَلْزَمُهُ الْإِقْرَارُ، بَلْ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ عَنْ إقْرَارِهِ (أَمَّا) حَقُّ الْآدَمِيِّ مِنْ الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ، وَالْحَقِّ كَالشُّفْعَةِ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ كَانَ مُسْتَحِقُّهُ عَالِمًا بِهِ لَزِمَهُ أَدَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ إقْرَارٍ عَيْنًا، إذْ لَا تَدَارُكَ فِيهِ مَا لَمْ يَقَعْ مِنْهُ تَنَاكُرٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ بِهِ لَزِمَهُ الْإِقْرَارُ بِالتَّصَادُقِ وَالِاتِّفَاقِ فِي الْإِقْرَارِ بِهِ وَالْأَدَاءِ.

[الْحُكْمُ هُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ]
ٍ (الْأَوَّلُ) :
مَا يُؤَاخَذُ بِهِ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ - وَهُوَ مَسَائِلُ التَّدْيِينِ فِي الطَّلَاقِ. (الثَّانِي) :
(مَا يُؤَاخَذُ بِهِ) فِي الْبَاطِنِ دُونَ الظَّاهِرِ، كَمَا لَوْ بَاعَ الْمَالَ الزَّكَوِيِّ فِرَارًا مِنْ الزَّكَاةِ يَسْقُطُ عَنْهُ فِي الظَّاهِرِ، وَهُوَ مُطَالَبٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ (تَعَالَى) ، وَكَذَلِكَ، إذَا طَلَّقَ الْمَرِيضُ زَوْجَتَهُ فِرَارًا مِنْ الْإِرْثِ، وَكَذَا، لَوْ أَقَرَّ لِوَارِثِهِ لِحِرْمَانِ
(2/67)

الْبَاقِي وَكَذَا لَوْ سَعَى (رَجُلٌ) إلَى ظَالِمٍ، (فَأَخَذَ) مِنْهُ (مَالًا) ، وَقِيلَ يَضْمَنُهُ بَاطِنًا لَا ظَاهِرًا، حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ وَزَيَّفَهُ، (فَإِنَّ) الضَّمَانَ، لَوْ وَجَبَ فِي الْبَاطِنِ لَوَجَبَ فِي الظَّاهِرِ، وَكَذَا إقْرَارُ السَّفِيهِ بِالْمَالِ لَا يَلْزَمُهُ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ
الثَّالِثُ: مَا يُؤَاخَذُ بِهِ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ وَهُوَ كَثِيرٌ.

[حُكْمُ الْحَاكِمِ]
الْأَوَّلُ:
فِي الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ - هَلْ يُغَيَّرُ الْحُكْمُ بَاطِنًا؟ فِيهِ وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) ، كَمَا (قَالَهُ) الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْقَسَامَةِ، إنَّ (الَّذِي) إلَيْهِ مِيلُ الْأَئِمَّةِ الْحِلُّ بَاطِنًا.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهَا فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ: (مِنْهَا) لِلشَّافِعِيِّ طَلَبُ شُفْعَةِ الْجِوَارِ مِنْ حَنَفِيٍّ مَثَلًا، وَفِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْحِلُّ.
(2/68)

الثَّانِي) :
قَالُوا حُكْمُ الْحَاكِمِ فِي الْمَسَائِلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ، وَهَذَا مُقَيَّدٌ بِمَا لَا يُنْقَضُ فِيهِ حُكْمُ الْحَاكِمِ، أَمَّا مَا يُنْقَضُ فِيهِ فَلَا.
الثَّالِثُ: (مَدَارُ نَقْضِ الْحُكْمِ) عَلَى (تَبَيُّنِ) الْخَطَأِ، وَالْخَطَأُ إمَّا فِي اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ فِي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ (حَيْثُ) تَبَيَّنَ النَّصُّ أَوْ الْإِجْمَاعُ أَوْ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ بِخِلَافِهِ وَيَكُونُ الْحُكْمُ مُرَتَّبًا عَلَى سَبَبٍ صَحِيحٍ، وَإِمَّا فِي السَّبَبِ، حَيْثُ يَكُونُ الْحُكْمُ مُرَتَّبًا عَلَى سَبَبٍ بَاطِلٍ، كَشَهَادَةِ الزُّورِ (وَفِي) الْقِسْمَيْنِ (تَبَيَّنَ) أَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَنْفُذْ فِي الْبَاطِنِ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي (الثَّانِي) فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ، وَأَمَّا الْحُكْمُ الصَّادِرُ عَلَى سَبَبٍ صَحِيحٍ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِحُكْمِ الشَّرْعِ إجْمَاعًا أَوْ نَصًّا أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا، فَنَافِذٌ قَطْعًا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَالصَّادِرُ عَلَى سَبَبٍ صَحِيحٍ، وَلَكِنَّهُ فِي مَحَلٍّ مُخْتَلَفٍ فِيهِ أَوْ مُجْتَهَدٍ فِيهِ (مُتَقَدِّمٌ) فِيهِ خِلَافٌ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى رَدِّهِ (فَنَافِذٌ) ظَاهِرًا (وَبَاطِنًا) أَيْضًا، وَقِيلَ، لَا يَنْفُذُ بَاطِنًا فِي حَقِّ مَنْ لَا يَعْتَقِدُهُ. وَمِثَالُهُ - شُفْعَةُ الْجِوَارِ، إذَا حَكَمَ بِهَا حَنَفِيٌّ وَالْأَصَحُّ (حِلُّهَا) عَلَى مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ.
وَرَجُلٌ مَاتَ عَنْ ابْنَيْنِ فَادَّعَى رَجُلٌ عَلَيْهِ دَيْنًا فَأَقَرَّ بِهِ أَحَدُهُمَا
(2/69)

وَأَنْكَرَهُ) الْآخَرُ (فَقَضَى) الْقَاضِي عَلَى الْمُقِرِّ بِكُلِّ الدَّيْنِ، قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ نَفَذَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، لِأَنَّ السَّبَبَ مَوْجُودٌ، وَهُوَ (وُجُودُ) الدَّيْنِ عَلَى (أَبِيهِ) ، وَالْوَارِثُ الْمُقِرُّ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ التَّرِكَةِ، إلَّا بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا يَنْفُذُ فِيهَا قَضَاءُ الْقَاضِي، إلَّا ظَاهِرًا لِأَنَّ السَّبَبَ غَيْرُ مَوْجُودٍ (هُنَاكَ) .

[الْحَلَالُ]
ُ عِنْدَ (الْإِمَامِ) الشَّافِعِيِّ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) : مَا لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) : مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى حِلِّهِ.
وَأَثَرُ الْخِلَافِ يَظْهَرُ فِي الْمَسْكُوتِ عَنْهُ - فَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) هُوَ مِنْ الْحَلَالِ (وَعَلَى قَوْلِ) أَبِي حَنِيفَةَ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) هُوَ مِنْ الْحَرَامِ (وَيُعَضِّدُ) (قَوْلَ) الشَّافِعِيِّ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) قَوْله تَعَالَى
(2/70)

{قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} [الأنعام: 145] . الْآيَةَ، (وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ، فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا» .
وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، يَتَخَرَّجُ كَثِيرٌ مِنْ الْمَسَائِلِ (الْمُشْكِلِ) (حَالُهَا) وَبِهِ يَظْهَرُ وَهْمُ مَنْ خَرَّجَهَا عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْحِلُّ أَوْ الْإِبَاحَةُ.
وَمِنْهَا الْحَيَوَانُ الْمُشْكِلُ أَمْرُهُ وَفِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْحِلُّ، وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي (كِتَابِ) الْأَطْعِمَةِ، أَنَّ فِي مَوْضِعِ الْإِشْكَالِ يَمِيلُ الشَّافِعِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) إلَى الْإِبَاحَةِ وَيَمِيلُ (أَبُو حَنِيفَةَ) (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) إلَى التَّحْرِيمِ.
وَمِنْهَا النَّبَاتُ الْمَجْهُولُ (تَسْمِيَتُهُ) ، قَالَ الْمُتَوَلِّي يَحْرُمُ أَكْلُهُ، وَخَالَفَهُ النَّوَوِيُّ وَهُوَ الْأَقْرَبُ الْمُوَافِقُ لِلْمَحْكِيِّ عَنْ الشَّافِعِيِّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَاَلَّذِي قَالَهُ الْمُتَوَلِّي يُشْبِهُ الْمَحْكِيَّ (فِيهَا) عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) .
(2/71)

وَمِنْهَا إذَا لَمْ يُعْرَفْ حَالُ (النَّهْرِ) هَلْ هُوَ مُبَاحٌ أَوْ مَمْلُوكٌ، هَلْ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْإِبَاحَةِ أَوْ الْمِلْكِ حَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ (مَبْنِيِّينَ) عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ الْحَظْرُ أَوْ الْإِبَاحَةُ.

[الْحَلِفُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ]
الْأَوَّلُ: هُوَ (مَا تَعَلَّقَ) بِهِ حِنْثٌ أَوْ مَنْعٌ أَوْ تَحْقِيقُ خَبَرٍ، وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِك فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ (تَعَالَى) ، قَالَ صَاحِبُ الْكَافِي: قِيَاسُ مَذْهَبِنَا (أَنَّهُ) لَا يَقَعُ، لِأَنَّهُ حَلَفَ بِطَلَاقِهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ وُجُودَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَامْتَنَعَ الْحِنْثُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَلِفَ لَيْسَ بِيَمِينٍ، وَالْيَمِينُ (حَيْثُ) (أُطْلِقَتْ) ، إنَّمَا يُرَادُ بِهَا الْمُوجِبَةُ لِلْكَفَّارَةِ، وَالْحَلِفُ قَدْ يَكُونُ كَذَلِكَ وَقَدْ لَا (يَكُونُ، كَمَا) فِي التَّعْلِيقِ عَلَى الْحَثِّ أَوْ الْمَنْعِ أَوْ التَّحْقِيقِ.
وَقَدْ غَايَرَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْإِيلَاءِ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ (فِيمَا) ، إذَا حَلَفَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَمَا دُونَهَا، لَا يَكُونُ
(2/72)

مُولِيًا، وَاَلَّذِي جَرَى مِنْهُ يَمِينٌ أَوْ تَعْلِيقٌ فَافْهَمْ أَنَّ التَّعْلِيقَ لَيْسَ بِيَمِينٍ.

الثَّانِي:
الْحِنْثُ فِي الْحَلِفِ الْوَاحِدِ بِاَللَّهِ تَعَالَى لَا يُوجِبُ إلَّا كَفَّارَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ تَعَدَّدَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ، (وَمَتَى) وُجِدَ الْحِنْثُ مَرَّةً انْحَلَّتْ الْيَمِينُ وَلَا تُعَادُ مَرَّةً ثَانِيَةً.
وَإِنْ شِئْتَ فَقُلْ الْحَلِفُ الْوَاحِدُ عَلَى الْمُتَعَدِّدِ يُوجِبُ تَعَلُّقَ الْحِنْثِ بِأَيِّ وَاحِدٍ وَقَعَ، وَلَا تَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ، لِأَنَّ الْيَمِينَ (الْوَاحِدَةَ) ، لَا يَتَبَعَّضُ فِيهَا الْحِنْثُ، بَلْ مَتَى حَصَلَ (حِنْثٌ) حَصَلَ الِانْحِلَالُ، وَإِذَا قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَاتَيْنِ الدَّارَيْنِ، فَدَخَلَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا حِنْثَ وَسَقَطَتْ الْيَمِينُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ خِلَافًا (لِصَاحِبِ الْإِفْصَاحِ) ، كَمَا قَالَهُ فِي الْبَحْرِ، وَفِيهِ رَدٌّ لِقَوْلِ الرَّافِعِيِّ فِي بَابِ الْإِيلَاءِ أَنَّهُ، إذَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَا أُجَامِعُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْكُنَّ تَخْصِيصَ كُلِّ وَاحِدَةٍ (بِالْإِيلَاءِ) عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِصَوَاحِبِهَا أَنَّهُ إذَا وَطِئَ وَاحِدَةً لَا يَرْتَفِعُ الْيَمِينُ، وَقَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ (- رَحِمَهُمُ اللَّهُ -) فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ أَنَّ تَقْدِيرَ (الْمُقْسَمِ) بِهِ، لَا يَقْتَضِي يَمِينًا، وَلَوْ نَوَاهُ الْحَالِفُ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ قَالَ حَلَفْت
(2/73)

لَأَفْعَلَنَّ كَذَا (أَوْ أَقْسَمْت) لَأَفْعَلَنَّ (لَيْسَ) بِيَمِينٍ، وَإِنْ نَوَاهُ، وَغَايَةُ التَّقْدِيرِ الَّذِي قَدَّرَهُ الْإِمَامُ وَالرَّافِعِيُّ أَنْ يَكُونَ (كَهَذَا) (وَلَا) أَثَرَ لَهُ فِي إلْزَامِ الْكَفَّارَةِ، (أَمَّا مَنْ) قَالَ وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ زَيْدًا وَلَا (عَمْرًا) ، فَفِيهَا احْتِمَالَانِ - أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، إلَّا بِالْمَجْمُوعِ وَهُوَ مَا فِي الْوَسِيطِ، وَكَأَنَّ " لَا " عِنْدَهُ زَائِدَةً لِتَوْكِيدِ النَّفْي.
وَالثَّانِي: وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ (أَنَّهُ يَحْنَثُ) بِأَيِّ وَاحِدٍ كَلَّمَهُ، وَفِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ (بِكَلَامِ) كُلٍّ مِنْهُمَا الْخِلَافُ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْحَلِفِ بِاَللَّهِ، أَمَّا لَوْ كَانَ بِالطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ مِنْ صُوَرِ الْإِيلَاءِ - فَإِنْ نَوَى (تَعَدُّدَ) الطَّلَاقِ كَانَ مُتَعَدِّدًا، وَإِنْ أَطْلَقَ، (فَالْأَقْرَبُ) أَنَّهُ لَا يَتَعَدَّدُ، وَلَا يَلْزَمُهُ، إلَّا طَلَاقٌ (وَاحِدٌ) .
أَمَّا الْحَلِفُ الْمُتَعَدِّدُ، فَالْأَصْلُ فِيهِ تَعَدُّدُ مُوجِبِهِ.
وَلِهَذَا، لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَكَرَّرَهُ، وَأَطْلَقَ حَنِثَ بِتَعَدُّدِهِ فِي الْأَصَحِّ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَرَّرَ لَفْظَ (الظِّهَارِ) ، وَأَطْلَقَ فَالْأَصَحُّ، خِلَافًا (لِلْحَاوِي الصَّغِيرِ) أَنَّهُ تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الطَّلَاقِ مُوجِبَ اللَّفْظِ الثَّانِي غَيْرُ الْأَوَّلِ، بِخِلَافِ الظِّهَارِ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي التَّحْرِيمِ، وَلَا نَظَرَ إلَى تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ، لِأَنَّ تَعَدُّدَهَا مِنْ حَيْثُ الْعَدَدِ لَا مِنْ حَيْثُ مُجَرَّدِ اللَّفْظِ، وَلَوْ قَالَ كُلُّ مَا أَمْلِكُهُ حَرَامٌ عَلَيَّ، وَلَهُ زَوْجَاتٌ وَإِمَاءٌ، (وَنَوَى) التَّحْرِيمَ
(2/74)

فِيهِنَّ) أَوْ طَلَّقَ، وَجَعَلْنَاهُ صَرِيحًا كَفَاهُ لِلْجَمِيعِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْأَصَحِّ.
وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ قَالَ لِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ أَنْتُنَّ حَرَامٌ عَلَيَّ، وَلَوْ قَالَ (أَنْتُنَّ) (عَلَيَّ حَرَامٌ) وَنَوَى التَّحْرِيمَ (أَوْ أَطْلَقَ) ، فَإِنْ (قَالَهَا) فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ كَفَتْهُ (كَفَّارَةٌ) وَاحِدَةٌ، وَإِنْ تَعَدَّدَ الْمَجْلِسُ، وَأَرَادَ التَّكْرَارَ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادَ الِاسْتِئْنَافَ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ (وَاحِدَةٍ) كَفَّارَةٌ، وَقِيلَ يَكْفِي كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَقَوْلَانِ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ فِي فَصْلِ الْكِنَايَةِ، بِلَا تَرْجِيحٍ، وَالْأَرْجَحُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، كَمَا فِي الْأَيْمَانِ، وَهُوَ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَتَهَا.
وَلَوْ كَرَّرَ " أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا " (بِلَا نِيَّةٍ لَهُ وَقَعَ الثَّلَاثُ. نَعَمْ لَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ أَعَادَ ثَلَاثًا) بِلَا نِيَّةٍ لَهُ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَقَعُ بِالدُّخُولِ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَمِثْلُهُ: وَاَللَّهِ لَا دَخَلْت الدَّارَ فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ، وَفَعَلَهُ، لَزِمَهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِنْ أَطْلَقَ أَوْ نَوَى الِاسْتِئْنَافَ كَمَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ مِنْ زَوَائِدِهِ، وَالِاتِّحَادُ عِنْدَ الِاسْتِئْنَافِ مُشْكِلٌ.
(2/75)

(الثَّالِثُ) : الْحَلِفُ يَكُونُ عَلَى الْبَتِّ فِي فِعْلِ نَفْسِهِ إثْبَاتًا وَنَفْيًا، وَأَمَّا عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ، فَإِنْ كَانَ إثْبَاتًا، حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ، وَإِنْ كَانَ نَفْيًا فَعَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، إلَّا فِي صُورَتَيْنِ:
(إحْدَاهُمَا) - جَنَتْ بَهِيمَتُك، (فَتَحْلِفُ) عَلَى الْبَتِّ قَطْعًا.
الثَّانِيَةُ - جَنَى عَبْدُك، فَتَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّ فِعْلَ بَهِيمَتِهِ، وَفِعْلَ عَبْدِهِ كَفِعْلِهِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لَا اسْتِثْنَاءَ. نَعَمْ قَدْ يَشْكُلُ عَلَى الْقَاعِدَةِ صُوَرٌ: مِنْهَا مَسْأَلَةُ الْغُرَابِ، إذَا قَالَ (لِإِحْدَاهُمَا) ، إنْ كَانَ غُرَابًا، فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ - حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ (أَنَّهُ) ، لَمْ يَكُنْ غُرَابًا وَلَا يَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الدُّخُولِ، لَوْ عَلَّقَ عَلَى دُخُولِهَا، أَوْ دُخُولِ غَيْرِهَا، (فَتَنَازَعَا) اكْتَفَى مِنْهُ بِيَمِينٍ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِالدُّخُولِ، قَالَ فِي الْبَسِيطِ، كَذَا قَالَهُ إمَامِي وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ أَصْلًا. بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ (وَعَلَيْهِ) يَمِينٌ جَازِمَةٌ (أَوْ نُكُولٌ) فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا.
قَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ: وَمِنْ الْعَجَبِ (يُوَجَّهُ) بِالْعَجْزِ عَنْ الْفَرْقِ، وَعِنْدِي أَنَّهُ ظَاهِرٌ جِدًّا، لِأَنَّ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ عَلَى دُخُولِ زَيْدٍ الدَّارَ تَعْلِيقٌ عَلَى فِعْلٍ (يَتَجَدَّدُ) مِنْ زَيْدٍ قَطْعًا، (يَحْلِفُ) نَافِيهِ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْغُرَابِ فَلَيْسَتْ تَعْلِيقًا عَلَى فِعْل الْغَيْرِ مُطْلَقًا، بَلْ (تَعْلِيقًا)
(2/76)

عَلَى كَوْنِ هَذَا الطَّائِرِ الْمُشَاهَدِ (بِصِفَةِ) كَوْنِهِ غُرَابًا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ تَعْلِيقًا عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ وَوُجُودِهِ، بَلْ عَلَى مَحْضِ كَوْنِهِ (غُرَابًا حَلَفَ) مَنْ يَنْفِي وُجُودَ الصِّفَةِ الْمُحَقَّقَةِ عَلَى الْبَتِّ، (كَأَنَّ) هَذِهِ الصِّفَةَ لَمْ تُوجَدْ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَنْفِي فِعْلَ غَيْرِهِ. قُلْت: وَالْإِمَامُ (قَدْ فَرَّقَ) ، كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّ الدُّخُولَ هُنَاكَ فِعْلُ الْغَيْرِ، وَالْحَلِفُ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ يَكُونُ عَلَى الْعِلْمِ، وَنَفْيُ الْغَرَابِيَّةِ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ نَفْيُ صِفَةٍ (عَنْ) الْغَيْرِ وَنَفْيُ الصِّفَةِ (كَثُبُوتِهَا) فِي إمْكَانِ الِاطِّلَاعِ، وَإِذَا كَانَ الشَّيْءُ مِمَّا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ لَمْ تَتَغَيَّرْ الْقَاعِدَةُ فِيهِ مِنْ تَعَذُّرٍ أَوْ (تَعَسُّرٍ) .
وَمِنْهَا مَسْأَلَةُ الْوَدِيعَةِ مَالٌ فِي يَدِ رَجُلٍ، فَادَّعَى اثْنَانِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْدَعَهُ (إيَّاهُ) وَقَالَ: هُوَ لِأَحَدِكُمَا (وَنَسِيت) عَيْنَهُ، وَكَذَبَاهُ، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ عَلَيْهِ، أَنَّهُ الْمَالِكُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُودِعِ بِيَمِينِهِ، وَيَكْفِيه يَمِينٌ وَاحِدَةٌ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، لِأَنَّ (الْمُدَّعَى شَيْءٌ وَاحِدٌ) وَهُوَ عِلْمُهُ، كَذَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ.

[الْحَمْلُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ]
ُ الْأَوَّلُ: هَلْ يُعْلَمُ أَمْ لَا قَوْلَانِ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى (أَنَّهُ) يُفْرَضُ مَعْلُومًا، بَلْ يُعْطَى حُكْمُ الْمَعْلُومِ.
(2/77)

اعْلَمْ) أَنَّهُمْ قَطَعُوا فِي مَوَاضِعَ بِإِعْطَائِهِ حُكْمَ الْمَعْلُومِ وَفِي مَوَاضِعَ حُكْمَ الْمَعْدُومِ وَأَجْرَوْا فِي مَوَاضِعَ قَوْلَيْنِ: فَمَا أُعْطِيَ حُكْمَ الْمَعْلُومِ قَطْعًا إبِلُ الدِّيَةُ، يَجِبُ فِيهَا الْحَوَامِلُ، وَفِي الزَّكَاةِ إذَا كَانَتْ الْإِبِلُ إحْدَى وَسِتِّينَ حَوَامِلَ، لَا يُؤْخَذُ فِيهَا حَامِلٌ، لِأَنَّهَا فِي التَّقْدِيرِ اثْنَانِ، وَلَا يَخْرُجُ اثْنَانِ عَنْ وَاحِدٍ، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إخْرَاجُ الْحَامِلِ، وَإِنَّمَا قَطَعُوا هَا هُنَا، بِأَنَّ (لِلْحَمْلِ) حُكْمَ الْمَعْلُومِ، لِأَنَّ الْبَهِيمَةَ لَا يَكَادُ يَطْرُقُهَا الْفَحْلُ، إلَّا وَهِيَ تَحْبَلُ، فَجُعِلَ كَالْمُحَقَّقِ، وَلِهَذَا لَا يُؤْخَذُ فِي الزَّكَاةِ مَا طَرَقَهَا الْفَحْلُ.
وَمِثْلُهُ لَوْ ادَّعَتْ (الْحَائِضُ) أَنَّهَا حَامِلٌ لَمْ تُقْتَلْ، وَتُؤَخَّرُ لِلْوَضْعِ قَطْعًا خَشْيَةَ قَتْلِ الْجَنِينِ الْمُحْتَمَلِ وُجُودُهُ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ: وَإِذَا مَاتَتْ الْمَرْأَةُ بَعْدَ اجْتِمَاعِ خَلْقِ الْحَمْلِ، فَهِيَ شَهِيدَةٌ فِي ثَوَابِ الْآخِرَةِ، لَا فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا.
وَمِثْلُهُ تَحْرِيمُ وَطْءِ الْأَمَةِ الْحَامِلِ إذَا مَلَكَهَا حَتَّى تَضَعَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ» ، وَكَذَلِكَ لَوْ خَرَجَتْ الْجَارِيَةُ الْمُشْتَرَاةُ حَامِلًا يَثْبُتُ لَهُ الرَّدُّ قَطْعًا.
(2/78)

وَمِمَّا) نَزَلَ فِيهِ مَنْزِلَةَ (الْمَوْجُودِ) وَقْفُ مِيرَاثِهِ (وَوُجُوبُ) النَّفَقَةِ إذَا طَلَّقَهَا وَهِيَ حَامِلٌ، وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّ النَّفَقَةَ لَهَا، أَوْ لِلْحَمْلِ، وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ؛ وَفِي حُصُولِ الثَّمَنِ فِي مُقَابَلَتِهِ فِي بَيْعِ الْحَامِلِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ (لَهُ) ، لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ (بِالْمُسْتَقْبَلِ) ، بِخِلَافِ الْوَقْفِ، لِأَنَّهُ (تَسْلِيطٌ) فِي الْحَالِ، وَهَلْ تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ عَلَيْهِ؟ إنْ كَانَ تَبَعًا جَازَ قَطْعًا، وَهَلْ يُفْرَدُ، قَالَ فِي الذَّخَائِرِ: وَعَنْ الْبَحْرِ لَا وَهُوَ الْأَشْبَهُ، لِأَنَّ الْأَبَ، لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ، (فَكَيْفَ) يَنْقُلُهَا لِلْغَيْرِ.

وَلَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى الْحَمْلِ، وَكَانَ هُنَاكَ حَمْلٌ ظَاهِرٌ فَقَطَعَ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ بِالْوُقُوعِ، لِوُجُودِ الشَّرْطِ، لَكِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، أَنَّهُ لَا يَقَعُ فِي الْحَالِ وَيُنْتَظَرُ (الْوَضْعُ) لِلشَّكِّ الْقَائِمِ وَالْأَصْلُ بَقَاءُ النِّكَاحِ، وَلَعَلَّ مَأْخَذَ الْخِلَافِ فِي أَنَّهُ هَلْ لَهُ حُكْمٌ أَمْ لَا، وَإِذَا ظَهَرَ بِالْمُطَلَّقَةِ حَمْلٌ، فَهَلْ يَجِبُ تَسْلِيمُ النَّفَقَةِ إلَيْهَا يَوْمًا فَيَوْمًا أَوْ تُؤَخَّرُ (إلَى) الْوَضْعِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا التَّعْجِيلُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 6] ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَالْقَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْحَمْلَ، هَلْ يُعْرَفُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ (لَا) يُعْرَفُ، (فَلَوْ) كَانَ الْحَمْلُ مُوسِرًا، وَقُلْنَا النَّفَقَةُ لَهُ، وَأَنَّ التَّعْجِيلَ
(2/79)

يَجِبُ فَلَا تُؤْخَذُ (مِنْ مَالِ الْحَمْلِ) ، كَمَا لَا نُوجِبُ فِيهِ الزَّكَاةَ، وَلَكِنْ يُنْفِقُ الْأَبُ عَلَيْهَا، فَإِذَا وَضَعَتْ فَفِي رُجُوعِهِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَجْهَانِ.
وَلَوْ مَاتَتْ ذِمِّيَّةٌ، (وَفِي) بَطْنِهَا جَنِينٌ مُسْلِمٌ جُعِلَ ظَهْرُهَا إلَى الْقِبْلَةِ، لِيَتَوَجَّهَ الْجَنِينُ إلَى الْقِبْلَةِ، لِأَنَّ وَجْهَ الْجَنِينِ عَلَى مَا ذُكِرَ إلَى ظَهْرِ الْأُمِّ، ثُمَّ الْأَصَحُّ تُدْفَنُ بَيْنَ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ، وَقِيلَ فِي مَقَابِرِ الْكُفَّارِ، وَلَعَلَّهُ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ - الْحَمْلَ لَا حُكْمَ لَهُ. وَيَنْبَغِي جَرَيَانُهُ فِيمَا (قَبْلَهُ) .
وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فَنَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ أَنَّا إنْ قُلْنَا بِالْقَدِيمِ أَنَّ السَّقَطَ الَّذِي لَمْ يَسْتَهِلَّ يُصَلَّى عَلَيْهِ صُلِّيَ عَلَيْهَا وَنُوِيَ بِالصَّلَاةِ الْوَلَدُ الَّذِي فِي جَوْفِهَا (وَقَضِيَّتُهُ) أَنَّ الْأَصَحَّ لَا يُصَلَّى عَلَيْهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ شَرْطَ ثُبُوتِ الْأَحْكَامِ لَهُ ظُهُورُهُ وَلَمْ يُوجَدْ.

وَلَوْ بَاعَ الدَّابَّةَ بِشَرْطِ كَوْنِهَا حَامِلًا، فَقَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا يَصِحُّ وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ، هَلْ يَأْخُذُ قِسْطًا مِنْ الثَّمَنِ؟ وَفِيهِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي كَلَامِهِ عَلَى الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَحَكَى فِي الثَّمَرَةِ (غَيْرِ الْمُؤَبَّرَةِ) طَرِيقِينَ أَظْهَرُهُمَا: أَنَّهُ (عَلَى) خِلَافِ الْحَمْلِ تَشْبِيهًا (لِلثَّمَرَةِ) فِي الْكِمَامِ بِالْحَمْلِ فِي الْبَطْنِ، وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِأَنَّهَا تَأْخُذُ قِسْطًا مِنْ الثَّمَنِ، لِأَنَّهَا مُشَاهَدَةٌ مُتَيَقَّنَةٌ، أَمَّا اللَّبَنُ فَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ يَأْخُذُ قِسْطًا مِنْ الثَّمَنِ، وَحَكَى الرَّافِعِيُّ، فِي بَابِ الْمُصَرَّاةِ وَجْهًا أَنَّهُ لَا
(2/80)

يَأْخُذُ وَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ تَخْرِيجًا لَهُ (عَلَى الْحَمْلِ) وَهُوَ مَرْدُودٌ بِالنَّصِّ، فَإِنَّ الشَّارِعَ جَعَلَهُ فِي التَّصْرِيَةِ مُقَابِلًا لِقِسْطٍ مِنْ الثَّمَنِ، فَلَا مَعْنَى لِلْخِلَافِ فِيهِ.
وَمِمَّا يَنَزَّلُ فِيهِ مَنْزِلَةَ الْمَعْدُومِ، لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ، وَلَا يَجُوزُ عِتْقُهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي الْبَسِيطِ (لِلْغَزَالِيِّ) أَنَّ فِي كَلَامِ الْعِرَاقِيِّينَ (تَرَدُّدًا) فِيهِ مِنْ كَوْنِ الْحَمْلِ يُعْلَمُ. قَالَ (صَاحِبُ الْوَافِي) وَلَمْ أَرَهُ فِي كُتُبِهِمْ.
وَلَوْ أُسِرَتْ حَرْبِيَّةٌ فِي بَطْنِهَا مُسْلِمٌ اُسْتُرِقَّتْ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ كَانَ بَيْنَ اثْنَيْنِ دَارٌ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا (عَنْ) ، حَمْلٍ، ثُمَّ بَاعَ الْآخَرُ (نَصِيبَهُ) فَلَا شُفْعَةَ لِلْحَمْلِ، لِأَنَّهُ (لَا) يُتَيَقَّنُ وُجُودُهُ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ الشُّفْعَةِ، ثُمَّ قَالَ فَلَوْ وِرْثَ الْحَمْلُ الشُّفْعَةَ عَنْ مُوَرِّثِهِ فَهَلْ لِأَبِيهِ أَوْ جَدِّهٍ الْأَخْذُ قَبْلَ انْفِصَالِهِ؟ وَجْهَانِ، وَجْهُ الْمَنْعِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ، أَنَّهُ لَا يُتَيَقَّنُ وُجُودُهُ.
وَلَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَعَلَى مَنْ يَحْدُثُ مِنْهُمْ دَخَلَ الْحَدَثُ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَقُلْ وَعَلَى مِنْ يَحْدُثُ مِنْهُمْ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمْ حَمْلًا عِنْدَ الْوَقْفِ، هَلْ يَدْخُلُ حَتَّى يُوقَفَ لَهُ (شَيْءٌ
(2/81)

فَوَجْهَانِ) أَصَحُّهُمَا - (لَا) - لِأَنَّهُ قَبْلَ الِانْفِصَالِ لَا يُسَمَّى وَلَدًا، وَأَمَّا (غَلَّتُهُ) بَعْدَ الِانْفِصَالِ (فَيَسْتَحِقُّهَا) ، إلَّا إذَا قُلْنَا الْأَوْلَادُ الْأَدْنَوْنَ لَا يَسْتَحِقُّونَ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ (وَمِمَّا يَتَفَرَّعُ) عَلَى الصَّحِيحِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ مُدَّةَ الْحَمْلِ (أَنَّهُ) لَوْ كَانَ الْمَوْقُوفُ غَلَّةَ (نَخْلَةٍ) ، (فَخَرَجَتْ) ثَمَرَتُهَا قَبْلَ خُرُوجِ الْحَمْلِ لَا يَكُونُ لَهُ مِنْ تِلْكَ الثَّمَرَةِ شَيْءٌ.
قَطَعَ بِهِ الْفُورَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ، وَقَالَ الدَّارِمِيُّ فِي الثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ تُؤَبَّرْ - قَوْلَانِ - هَلْ لَهَا حُكْمُ الْمُؤَبَّرِ، فَتَكُونُ لِلْبَطْنِ الْأَوَّلِ أَوْ لَا تَكُونُ لِلْبَطْنِ الْأَوَّلِ؟ قَالَ وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ يَجْرِيَانِ هُنَا، وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِالتَّفْرِيعِ.

الثَّانِي: الْحَمْلُ يَنْدَرِجُ فِي كُلِّ عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ صَدَرَ (بِالِاخْتِيَارِ) كَالْبَيْعِ، فَلَوْ انْتَفَى الِاخْتِيَارُ كَبَيْعِ الْحَامِلِ الْمَرْهُونَةِ فِي الرَّهْنِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالرُّجُوعِ بِسَبَبِ الْفَلَسِ وَرُجُوعِ الْوَالِدِ فِي هِبَةِ وَلَدِهِ، وَفِي السَّفِيهِ قَوْلَانِ (أَوْ) انْتَفَى الْعِوَضُ كَالرَّهْنِ وَالْهِبَةِ فَفِي التَّبَعِيَّةِ قَوْلَانِ، وَنَقَلَ الْإِمَامُ فِي الْهِبَةِ أَنَّ الْجَدِيدَ فِيهَا عَدَمُ الِانْدِرَاجِ، وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ يَقْتَضِي الْجَزْمَ فِيهَا بِالِانْدِرَاجِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ، لَوْ أَعْتَقَ حَامِلًا عَتَقَ الْحَمْلُ، وَلَوْ دَبَّرَ حَامِلًا ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ التَّدْبِيرِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَوْ مَاتَتْ أَوْ رَجَعَ فِي تَدْبِيرِهَا دَامَ تَدْبِيرُ الْوَلَدِ، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ تَابِعًا فِي التَّدْبِيرِ دُونَ الرُّجُوعِ تَغْلِيبًا
(2/82)

لِلْحُرِّيَّةِ، وَفِي الرَّهْنِ الْأَصَحُّ الِانْدِرَاجُ، وَفِي الرُّجُوعِ (فِي الْهِبَةِ) بَنَاهُ الرَّافِعِيُّ عَلَى الْإِقَالَةِ، كَمَا فَعَلَ (فِي الرَّدِّ) بِالْعَيْبِ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْأَصَحَّ عَدَمُ الِانْدِرَاجِ، وَلَكِنَّ الْمَنْصُوصَ (لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ) فِي (الْمُفْلِسِ) التَّبَعِيَّةُ، وَأَمَّا الثَّمَرَةُ الْمُؤَبَّرَةُ فَالْأَصَحُّ (فِيهَا الِانْدِرَاجُ) وَأَمَّا غَيْرُ الْمُؤَبَّرَةِ فَتَتْبَعُ فِي الْبَيْعِ وَالصُّلْحِ وَالصَّدَاقِ وَالْخُلْعِ وَالْأُجْرَةِ قَطْعًا، وَلَا تَتْبَعُ (فِي) الرُّجُوعِ بِالطَّلَاقِ قَطْعًا وَهَلْ تَتْبَعُ فِي الرُّجُوعِ بِالْفَلَسِ أَوْ بَيْعِ الْمَرْهُونِ قَهْرًا؟ (وَجْهَانِ، أَجْرَاهُمَا) الْجُرْجَانِيُّ فِي بَيْعِ نَخِيلِ (الْمُفْلِسِ) فِي دَيْنِهِ، وَهَلْ تَتْبَعُ فِي الْوَصِيَّةِ وَالْهِبَةِ وَرُجُوعِ الْوَلَدِ؟ وَجْهَانِ.
وَأَمَّا الصُّوفُ وَاللَّبَنُ الَّذِي حَدَثَ، وَلَمْ (يُؤْخَذْ) فَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ إنَّهُمَا لِلْمُشْتَرِي لَا يَتْبَعَانِ فِي الرَّدِّ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُمَا يَتْبَعَانِ كَالْحَمْلِ، وَيَلْزَمُ الرَّافِعِيَّ أَنْ يَقُولَ لَا يَتْبَعَانِ كَالْحَمْلِ عِنْدَهُ، بَلْ أَوْلَى، وَقَدْ (قَالَ) أَنَّهُ يُرَدُّ الصُّوفُ وَلَمْ يَذْكُرْ مَسْأَلَةَ اللَّبَنِ.

الثَّالِثُ:
اُخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ نَقْصٌ أَوْ زِيَادَةٌ، وَذَكَرَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِيهِ اضْطِرَابًا وَالتَّحْقِيقُ خِلَافُهُ، بَلْ الْحَمْلُ فِي الْبَهَائِمِ زِيَادَةٌ بِدَلِيلِ قَبُولِهَا فِي الزَّكَاةِ، وَأَنَّ دِيَاتِ الْإِبِلِ تُغَلَّظُ بِهَا، وَتُخَفَّفُ بِعَدَمِهِ.
(وَلَوْ) شَرَطَ فِي الْبَيْعِ كَوْنَ الدَّابَّةِ حَامِلًا، (فَأَخْلَفَ) (ثَبَتَ)
(2/83)

الْخِيَارُ وَلَوْلَا أَنَّهُ زِيَادَةٌ لَمْ (يَثْبُتْ) ، (قِيلَ) لَكِنْ لَا تُقْبَلُ الْحَامِلُ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ، وَلَا مَوْطُوءَةٌ لَمْ يَتَحَقَّقْ حَبَلُهَا كَمَا (قَالَهُ) صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ. قُلْت لَكِنْ فِي الْبَحْرِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ: " لَوْ ضَرَبَ الْفَحْلُ، فَلَمْ نَدْرِ أَحَمَلَتْ أَمْ لَا، لَا يَأْخُذُهَا جَبْرًا، وَلَوْ جَاءَ الْجَانِي (بِغُرَّةٍ) ، (وَقَالَ) وُطِئَتْ قَبِلْنَاهَا، لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ الضِّرَابِ الْحَمْلَ، بِخِلَافِ بَنَاتِ آدَمَ " انْتَهَى.
وَالْحَمْلُ فِي بَنَاتِ آدَمَ نَقْصٌ، وَلِهَذَا، لَوْ اشْتَرَى أَمَةً فَظَهَرَ أَنَّهَا حَامِلٌ ثَبَتَ لَهُ الرَّدُّ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي الصَّدَاقِ أَنَّ حَمْلَ الْأَمَةِ زِيَادَةٌ (وَنَقْصٌ) .

الرَّابِعُ: ظُهُورُ الْحَمْلِ يُعْرَفُ بِقَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ فِي الْآدَمِيِّ وَغَيْرِهِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ، وَتُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسْوَةِ، وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُنَّ، إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَالْجُمْهُورُ لَمْ يَشْتَرِطُوهُ.

[الْحَوَاسُّ خَمْسَةٌ]
ٌ السَّمْعُ، وَالْبَصَرُ، وَالشَّمُّ، وَالذَّوْقُ، وَاللَّمْسُ، وَجَعَلَهَا بَعْضُهُمْ ثَمَانِيَةً، لِأَنَّ اللَّمْسَ عِنْدَهُ مُدْرِكٌ لِلْقُوَى الْأَرْبَعِ، لَكِنَّهَا لَمَّا اجْتَمَعَتْ كُلُّهَا فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ ظُنَّ أَنَّ الْجَمِيعَ قُوَّةٌ وَاحِدَةٌ، فَتَكُونُ الْقُوَى (الْمُدْرِكَةُ) فِي الظَّاهِرِ عَلَى هَذَا (ثَمَانِيًا) ، (وَمِنْ) الْمُهِمِّ الْبَحْثُ عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْأَحْكَامِ، وَقَدْ تَعَرَّضَ
(2/84)

لِجَمِيعِ ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَصَاحِبُهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ.
فَأَمَّا اللِّسَانُ فَالْمَعَاصِي الْمُتَعَلِّقَةُ بِهِ ظَاهِرَةٌ (فَاشِيَةٌ) ، كَالْقَذْفِ (وَالْغِيبَةِ) وَالنَّمِيمَةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، إلَّا مَا سَبَقَ بِهِ اللِّسَانُ، أَوْ وَقَعَ عَلَى جِهَةِ السَّهْوِ (وَالنِّسْيَانِ) ، وَهَذَا يَرْفَعُ الْإِثْمَ دُونَ الضَّمَانِ.
وَأَمَّا (حَاسَّةُ) الْبَصَرِ فَيَتَعَلَّقُ بِهَا الْإِثْمُ، إمَّا بِارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ كَالنَّظَرِ إلَى الْعَوْرَاتِ وَالصُّوَرِ الْمُشْتَهَاةِ كَالْأَجْنَبِيَّاتِ وَالْمُرْدِ، وَإِمَّا بِاجْتِنَابِ الْمَأْمُورَاتِ، كَتَرْكِ الْحِرَاسَةِ الْوَاجِبَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَتَرْكِ حِرَاسَةِ الْأَجِيرِ مَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَى (حِرَاسَتِهِ) ، وَتَرْكِ مَا وَجَبَ عَلَى الشُّهُودِ النَّظَرُ إلَيْهِ لِإِثْبَاتِ الْحُقُوقِ وَإِسْقَاطِهَا فِي الدَّعَاوَى وَالْخُصُومَاتِ، وَأَمَّا حَاسَّةُ اللَّمْسِ فَلِعُمُومِهَا لِلْبَدَنِ تَعَلُّقٌ بِالْوَجْهِ مِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَاسَّةِ إمَّا فِي تَرْكِ الْوَاجِبِ، كَتَرْكِ إمْسَاسِ الْجَبْهَةِ الْأَرْضَ فِي السُّجُودِ، وَإِمَّا فِعْلِ الْمَحْظُورِ كَإِمْسَاسِ الْوَجْهِ (الْمُحَرَّمِ) ، لَا سِيَّمَا بِالْقُبْلَةِ، وَإِمَّا فِعْلِ الْمَمْنُوعَاتِ، كَلَمْسِ عَوْرَاتِ الْأَجَانِبِ وَلَمْسِ مَا خَرَجَ مِنْ الْعَوْرَةِ كَأَبْدَانِ النِّسَاءِ الْأَجَانِبِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يُخَافُ الِافْتِتَانُ بِمَسِّهِ، وَكَالْمُلَامَسَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ الْمُحْرِمَيْنِ بِشَهْوَةٍ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ.
وَأَمَّا الْيَدَانِ فَتَعَلُّقُ الْإِثْمِ بِهِمَا ظَاهِرٌ، أَمَّا تَرْكُ الْوَاجِبِ (فَبِتَرْكِ) كُلِّ بَطْشٍ مَأْمُورٍ بِهِ كَالْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالرَّجْمِ وَالْجَلْدِ فِي الْحُدُودِ، وَمَا يَجِبُ مِنْ التَّعْزِيرَاتِ، وَكَذَلِكَ تَرْكُ (كِتَابَةِ) مَا يَجِبُ كِتَابَتُهُ، وَتَرْكُ كُلِّ مَا لَا يَتَأَتَّى الْقِيَامُ بِالْوَاجِبِ فِيهِ، إلَّا (بِاسْتِعْمَالِهِمَا) كَالرَّمْيِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِمَّا بِارْتِكَابِ الْمُحَرَّمِ (كَبَسْطِهِمَا) لَفِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ كَالْبَطْشِ وَالضَّرْبِ وَالْإِعَانَةِ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ
(2/85)

الْحَرَامَ) بِالْمُنَاوَلَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الرَّأْسُ، فَيُمَثَّلُ (تَرْكُ) الْوَاجِبِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ بِتَرْكِ غَسْلِهِ الْوَاجِبِ مِنْ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ، وَكَالْمَسْحِ فِي (الْوُضُوءِ) وَتَرْكِ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
وَيُمَثَّلُ فِعْلُ الْمُحَرَّمِ بِتَرْكِ سَتْرِهِ فِي الْإِحْرَامِ (وَكَالدُّهْنِ) ، وَيَدْخُلُ فِيهِ مَا يَدْخُلُ فِي مَمْنُوعَاتِ اللَّمْسِ أَيْضًا، لِمَا (ذَكَرْنَاهُ) مِنْ عُمُومِ هَذِهِ (الْحَاسَّةِ) (لِلْبَدَنِ) .
وَأَمَّا الْأَرْجُلُ (فَتَعَلُّقُ الْإِثْمِ بِهَا ظَاهِرٌ) ، إمَّا فِي تَرْكِ الْوَاجِبِ فَكَتَرْكِ الْمَشْيِ إلَى الْجِهَادِ الْمُتَعَيِّنِ وَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَتَشْيِيعِ الْجِنَازَةِ (الْمُتَعَيِّنَةِ) ، (وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ) الْوَاجِبَيْنِ، وَتَرْكِ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ، (وَكَشْفِهَا) فِي الْإِحْرَامِ وَتَرْكِ الْمَشْيِ عِنْدَ الدُّعَاءِ إلَى الشَّهَادَةِ حَيْثُ يَتَعَيَّنُ الْأَدَاءُ وَالْمَشْيُ.
وَأَمَّا فِي (ارْتِكَابِ) الْمَحْظُورَاتِ فَكَالْمَشْيِ إلَى كُلِّ مُحَرَّمٍ مَقْصُودٍ، (أَوْ تَوَسُّلًا) إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَالْمَقْصُودُ التَّمْثِيلُ لَا الْحَصْرُ.
وَأَمَّا الْفَمُ، فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ اللِّسَانُ، وَيَتَعَلَّقُ بِحَاسَّةِ الذَّوْقِ، فَمِنْهُ ذَوْقُ
(2/86)

الْحَرَامِ وَتَرْكُ ذَوْقِ مَا يَتَوَقَّفُ (إيصَالُ) الْحَقِّ بِهِ عِنْدَ التَّخَاصُمِ مِنْ الْحَاكِمِ، أَوْ الشُّهُودِ.
وَأَمَّا (الْخَيَاشِيمُ) فَإِثْبَاتُ الْخَطَايَا فِيهَا أَغْمَضُ مِنْ إثْبَاتِهِ فِي غَيْرِهَا، فَيُمَثَّلُ الْإِثْمُ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ (كَتَرْكِ) الشَّمِّ الْوَاجِبِ عَلَى الْحَاكِمِ أَوْ (الشُّهُودِ الْمَأْمُورَيْنِ) بِالشَّمِّ لِأَجْلِ الْخُصُومَاتِ الْوَاقِعَةِ فِي رَوَائِحِ الْمَشْمُومِ حَيْثُ يُقْصَدُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ أَوْ يُقْصَدُ (مَنْعُ الرَّدِّ) إذَا حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، وَيُمَثَّلُ الْإِثْمُ بِارْتِكَابِ الْمُحَرَّمِ (بِتَرْكِ) شَمِّ الطِّيبِ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ (وَتَحْرِيمِ) إشْمَامِ طِيبِ النِّسَاءِ الْأَجْنَبِيَّاتِ (الَّذِي يَدْعُو) إلَى الْمَفْسَدَةِ.
وَأَمَّا شَمُّ مَا لَا يَمْلِكُهُ الْإِنْسَانُ، كَشَمِّ الْإِمَامِ الطِّيبِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِالْمُسْلِمِينَ، إذَا لَمْ يَتَصَرَّفْ فِي (جُرْمِهِ) ، فَإِنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ بَعْضِ الْأَكَابِرِ (وَهُوَ عُمَرُ) بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ، وَيُعَلَّلُ بِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ مِنْهُ إلَّا بِرِيحِهِ، (وَقَدْ قِيلَ) إنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، (بَلْ رَدَّ) ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، فَقَالَ إنَّ فِي كَوْنِهِ وَرَعًا نُظِرَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ شَمَّهُ لَا يُؤَثِّرُ نَقْصًا وَلَا (عَيْبًا) ، فَيَكُونُ إدْرَاكُ الشَّمِّ لَهُ بِمَثَابَةِ النَّظَرِ إلَيْهِ، بِخِلَافِ وَضْعِ الْيَدِ عَلَيْهِ.
وَلَوْ نَظَرَ إنْسَانٌ إلَى (مَسَاكِنِ) النَّاسِ وَغُرَفِهِمْ (وَدُورِهِمْ) ، (لَمْ) يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ، إلَّا إذَا خَشِيَ الِافْتِتَانَ بِالنَّظَرِ إلَى أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ، وَكَذَلِكَ لَوْ
(2/87)

(مَسَّ) جِدَارَ إنْسَانٍ لَمْ يُمْنَعْ (مِنْ مَسِّهِ) ، وَلَوْ اسْتَنَدَ إلَى جِدَارِهِ جَازَ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَأْذُونٌ فِيهِ بِحُكْمِ الْعُرْفِ.
وَلَوْ مَنَعَهُ مِنْ الِاسْتِنَادِ إلَى (جِدَارِهِ) ، فَقَدْ اُخْتُلِفَ (فِيهِ) إذَا كَانَ الِاسْتِنَادُ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْجِدَارِ أَلْبَتَّةَ.
وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَطَّرِدَ ذَلِكَ فِي شَمِّ رِيحِ الْمُتَطَيِّبِ إذَا جَالَسَ مُتَطَيِّبًا، وَقَالَ الشَّيْخُ (تَقِيُّ الدِّينِ) بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: أَمَّا النَّظَرُ فِي كَوْنِهِ وَرِعًا فِيمَا فَعَلَهُ ذَلِكَ (الْكَثِيرُ) ، وَاسْتِبْعَادِ كَوْنِهِ وَرِعًا (فَيَبْعُدُ) عِنْدِي، وَلَيْسَ كَمَا اُسْتُبْعِدَ كَوْنُهُ وَرِعًا مِنْ أَكْلِ طَعَامٍ حَلَالٍ حَمَلَهُ ظَالِمٌ، وَلَا سِيَّمَا الطَّعَامُ الْمَنْدُوبُ إلَيْهِ كَطَعَامِ الْوَلَائِمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ إلَى الِاسْتِبْعَادِ مِنْ حَدِيثِ الطِّيبِ. فَائِدَةٌ
دَاخِلُ الْفَمِ وَالْأَنْفِ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ وَهُوَ وُجُوبُ غَسْلِهِ إذَا (تَنَجَّسَ) ، وَأَنَّهُ، لَوْ ابْتَلَعَ مِنْهُ نُخَامَةً أَوْ خَرَجَ إلَيْهِ الْقَيْءُ بَطَلَ صَوْمُهُ.
وَلَوْ وَضَعَ فِيهِ شَيْئًا لَا يَبْطُلُ وَفِي حُكْمُ الْبَاطِنِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ.
وَلَوْ ابْتَلَعَ (مِنْهُ) الرِّيقَ لَا يَبْطُلُ صَوْمُهُ.
(2/88)

[الْحَيْلُولَةُ بَيْنَ الْمُسْتَحِقِّ وَحَقِّهِ]
ِ ضَرْبَانِ قَوْلِيَّةٌ وَفِعْلِيَّةٌ: فَالْفِعْلِيَّةُ تُوجِبُ الضَّمَانَ قَطْعًا، كَالْغَصْبِ، وَفِي الْقَوْلِيَّةِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، كَمَا لَوْ قَالَ هَذِهِ الدَّارُ لِزَيْدٍ، بَلْ لِعَمْرٍو (فَإِنَّا نَحْكُمُ) ، بِكَوْنِهَا لِزَيْدٍ وَيَغْرَمُ لِعَمْرٍو قِيمَتَهَا فِي الْأَصَحِّ، وَكَمَا لَوْ ادَّعَى عَلَى شَخْصٍ وَقَفِيَّةَ مِلْكٍ لَهُ (وَأَخْبَرَ) أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ، فَأَقَرَّ (بِالْوَقْفِ) ، هَلْ يَحْلِفُ لِلْآخَرِ؟ قَوْلَانِ، أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، رَجَاءَ أَنْ يُقِرَّ فَيَلْزَمُهُ الْغُرْمُ وَهُمَا مُطَرَّدَانِ فِي سَائِرِ الصُّوَرِ مِنْ الْأَقَارِيرِ وَغَيْرِهَا، إلَّا فِي الشُّهُودِ الرَّاجِعِينَ فِي الطَّلَاقِ الْبَائِنِ وَالْعِتْقِ فَيَغْرَمُونَ قَطْعًا، لِأَنَّهُ (لَا مُسْتَدْرَكَ) لَهُ قَالَهُ الْإِمَامُ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ التَّغْرِيمُ إلَّا فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ مَا لَوْ ادَّعَى اثْنَانِ عَلَى وَاحِدٍ أَنَّك (رَهَنَتْنَا) هَذَا الْعَبْدَ بِمِائَةٍ وَ (أَقَبَضْته) فَصَدَّقَ أَحَدَهُمَا، فَالرَّهْنُ لَلْمُصَدِّقِ، وَلَيْسَ (لِلْمُكَذِّبِ) تَحْلِيفُهُ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا يَغْرَمُ (لَهُ) شَيْئًا، لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَثِيقَةِ (وَمَرْجِعُ) الدَّيْنِ إلَى الذِّمَّةِ، فَحَصَلَ أَنَّ الْفِعْلِيَّةَ تُضْمَنُ قَطْعًا، وَكَذَا الْقَوْلِيَّةُ إنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُسْتَدْرَكُ وَإِنْ أَمْكَنَ تَدَارُكُهُ بِالتَّصَادُقِ (فَالْقَوْلَانِ) أَصَحُّهُمَا الْغُرْمُ، إلَّا فِي صُورَةِ الرَّهْنِ، (فَإِذَا رَجَعَ الشَّاهِدَانِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ)
(2/89)

ضَمِنَا) إذْ لَا تَدَارُكَ بِالتَّصَادُقِ وَالِاتِّفَاقِ، وَكُلُّ مَنْ حَالَ بَيْنَ رَجُلٍ وَبُضْعِهِ غَرِمَ مَهْرَ الْمِثْلِ، كَالرِّضَاعِ وَالشُّهُودِ الرَّاجِعِينَ، إلَّا فِي الْهُدْنَةِ فَإِنَّا لَا نَرُدُّ (الْمُسْلِمَةَ) وَنُغَرِّمُ الْمُسَمَّى.
وَاعْلَمْ أَنَّ (الْإِمَامَ) الشَّافِعِيَّ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) نَصَّ (عَلَى) أَنَّ مَنْ أَفْسَدَ عَلَى الزَّوْجِ النِّكَاحَ بِالرَّضَاعِ، يَلْزَمُهُ نِصْفُ (مَهْرِ) (مِثْلِهَا) ، وَنَصَّ فِي شُهُودِ الطَّلَاقِ، إذَا رَجَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِلُزُومِ (غُرْمِ) جَمِيعِ الْمَهْرِ فَقِيلَ قَوْلَانِ (بِنَاءً) أَوْ تَخْرِيجًا.
وَحَاصِلُ الْخِلَافِ أَنَّ الشُّهُودَ وَالْمُرْضِعَةَ، هَلْ تَغْرَمُ قَدْرَ مَا غَرِمَ الزَّوْجُ أَوْ قِيمَةَ مَا فَاتَ؟ فِيهِ قَوْلَانِ، وَالصَّحِيحُ تَقْرِيرُ النَّصَّيْنِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ شُهُودَ الطَّلَاقِ حَالُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ وَلَمْ يَقْطَعُوا بِنِكَاحِهِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونُوا كَاذِبِينَ فِي الرُّجُوعِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ الَّتِي أَفْسَدَتْ نِكَاحَ الرَّجُلِ بِالرِّضَاعِ، فَقَدْ قَطَعَتْ الْعِصْمَةَ وَقَطْعُ الْعِصْمَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ يُوجِبُ نِصْفَ الْمَهْرِ، بِخِلَافِ الْحَيْلُولَةِ فِي الشَّهَادَةِ، وَكُلُّ مَنْ حَالَ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَبَيْنَ مِلْكِهِ لَزِمَهُ قِيمَةُ مَا حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَقَدْ يَخْطُرُ بِالْبَالِ أَنَّ الْفَرْقَ عَلَى الْعَكْسِ أَوْلَى، فَإِنَّ قَطْعَ النِّكَاحِ أَقْوَى مِنْ الْحَيْلُولَةِ، فَإِذَا وَجَبَ فِي الْحَيْلُولَةِ جَمِيعُ الْمَهْرِ، (فَلَأَنْ) يَجِبَ فِي قَطْعِ النِّكَاحِ بِالرَّضَاعِ أَوْلَى، لَكِنْ يُجَابُ عَنْهُ، بِأَنَّ قَطْعَ النِّكَاحِ قَدْ ثَبَتَ لَهُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ الْحُكْمُ بِنِصْفِ الْمَهْرِ فِي الْغُرْمِ قَبْلَ الدُّخُولِ،
(2/90)

بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الشُّهُودِ عَلَى الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَقْطَعُوا النِّكَاحَ، لِجَوَازِ كَذِبِهِمْ فِي الشَّهَادَةِ بِالرُّجُوعِ، وَالثَّابِتُ فِي قَوَاعِدِ الشَّرْعِ أَنَّ مَنْ حَالَ بَيْنَ شَخْصٍ وَبَيْنَ مِلْكِهِ لَزِمَهُ جَمِيعُ الْقِيمَةِ، كَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا، فَأَبَقَ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْقِيمَةُ لِلْحَيْلُولَةِ، فَإِذَا عَادَ الْعَبْدُ رَدَّ الْمَالِكُ الْقِيمَةَ وَاسْتَرْجَعَ الْعَبْدَ.

وَلَك أَنْ تُقَسِّمَ مَسَائِلَ الْحَيْلُولَةِ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: (أَحَدُهَا) : مَا يَغْرَمُ (الْحَائِلُ) قَطْعًا وَعَكْسُهُ، وَمَا يَغْرَمُ فِيهِ عَلَى الْأَصَحِّ وَعَكْسُهُ.
فَالْأَوَّلُ كَالْحَيْلُولَةِ الْفِعْلِيَّةِ فِي الْأَمْوَالِ وَمِنْهُ إذَا ادَّعَى عَيْنًا غَائِبَةً عَنْ الْبَلَدِ وَسَمِعَ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ، وَكَتَبَ بِهَا إلَى قَاضِي بَلَدِ (الْعَيْنِ) لِيُسَلِّمَهَا لِلْمُدَّعِي بِكَفِيلٍ لِتَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ عَلَى عَيْنِهَا، وَفِي هَذَا حَيْلُولَةٌ بَيْنَ الرَّجُلِ وَمَالِهِ قَبْلَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، قَالَ الْفُورَانِيُّ: وَيُؤْخَذُ مِنْ الطَّالِبِ الْقِيمَةُ لِلْحَيْلُولَةِ، وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ أَيْضًا.
(وَالثَّانِي) : كَالْحَيْلُولَةِ الْفِعْلِيَّةِ فِي الْقِصَاصِ، كَمَا إذَا حَالَ بَيْنَ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَمُسْتَحِقُّ الدَّمِ.
(الثَّالِثُ) : كَغَالِبِ أَحْوَالِ الْحَيْلُولَةِ الْقَوْلِيَّةِ عَلَى مَا سَبَقَ.
(الرَّابِعُ) : كَمَا إذَا قَطَعَ صَحِيحُ الْأُنْمُلَةِ الْوُسْطَى (مَنْ) لَا عُلْيَا لَهُ، فَهَلْ لَهُ طَلَبُ
(2/91)

الْأَرْشِ لِلْحَيْلُولَةِ؟ (وَجْهَانِ) ، قَالَ الرَّافِعِيُّ وَقَدْ يَعْفُو عَنْ الْجَانِي، فَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ هَلْ يَكُونُ عَفْوًا عَنْ الْقِصَاصِ، وَإِذَا سَقَطَتْ الْعُلْيَا، هَلْ يَرُدُّهُ وَيَقْتَصُّ، حَكَى الْمُتَوَلِّي وَجْهَيْنِ وَبَنَاهُمَا عَلَى مَا لَوْ أَخَذَ الْقِيمَةَ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْمِثْلِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ الْقِيمَةَ وَيُطَالِبُ بِالْمِثْلِ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ أَنَّ الْإِمَامَ شَبَّهَ الْوَجْهَيْنِ بِالْوَجْهَيْنِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَبِالْوَجْهَيْنِ فِي أَنَّ مَنْ أَخَذَ أَرْشَ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ لِامْتِنَاعِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ الْحَادِثِ ثُمَّ زَالَ الْعَيْبُ الْحَادِثُ، (فَهَلْ) لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْمَبِيعَ (وَالْأَرْشَ) وَيَسْتَرِدَّ الثَّمَنَ.
وَلَوْ ثَبَتَ الْقِصَاصُ عَلَى حَامِلٍ، وَأَخَّرْنَا الِاسْتِيفَاءَ لِلْوَضْعِ وَطَلَبَ الْمُسْتَحِقُّ الْمَالَ لِلتَّأْخِيرِ فَفِي إعْطَائِهِ مِنْ غَيْرِ عَفْوٍ وَجْهَانِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ وَالظَّاهِرُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَخْذُ الْمَالِ، إذَا لَمْ يَعْفُ، وَقَالُوا إنَّ أَخْذَهُ الدِّيَةِ، عَفْوٌ عَنْ الْقِصَاصِ.
وَمِنْهُ لَوْ وَجَدَ الْمُسْلِمُ، الْمُسْلَمَ، إلَيْهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ التَّسْلِيمِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْأَدَاءُ إنْ كَانَ لِنَقْلِهِ مَئُونَةٌ، وَلَا يُطَالِبُهُ بِقِيمَتِهِ لِلْحَيْلُولَةِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَلَوْ أَحْبَلَ الْأَبُ جَارِيَةَ الِابْنِ امْتَنَعَ بَيْعُهَا عَلَى الِابْنِ، لِأَنَّهَا حَامِلٌ بِحُرٍّ، وَفِي وَجْهٍ عَلَى الْأَبِ قِيمَتُهَا فِي الْحَالِ، ثُمَّ يَسْتَرِدُّ عِنْدَ الْوَضْعِ، وَالْأَصَحُّ لَا، لِاسْتِمْرَارِ يَدِ الْوَلَدِ عَلَيْهَا وَانْتِفَاعِهِ بِالِاسْتِخْدَامِ وَغَيْرِهِ.
وَلَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ ثَمَنُ عَبْدٍ وَصَدَّقَهُ سُلِّمَ الْعَبْدُ إلَيْهِ وَقَبَضَ مِنْهُ الثَّمَنَ وَإِنْ كَذَّبَهُ حَلَفَ الْمَالِكُ وَبَرِئَ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُدَّعِي وَحُكِمَ لَهُ بِالْعَبْدِ، وَأَخَذَ مِنْهُ الْأَلْفَ، وَهَلْ يَمْلِكُهَا السَّيِّدُ؟ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: (نَعَمْ) (كَحُكْمِ) الْحَاكِمِ الثَّانِي يَكُونُ كَالْمُحْتَالِ عَلَى حَقِّهِ أَيْ كَالْحَيْلُولَةِ كَذَا قَالَهُ الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ.
(2/92)

[الْحِيَلُ]
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي أَوَاخِرِ الصَّدَاقِ مِنْ تَعْلِيقِهِ: الْحِيَلُ جَائِزَةٌ فِي الْجُمْلَةِ قَالَ (اللَّهُ) تَعَالَى فِي قِصَّةِ إبْرَاهِيمَ {مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 59] ، {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63] (وَخَلَّصَ) بِهِ (نَفْسَهُ) ، وَاحْتَالَ لِصِدْقِهِ وقَوْله تَعَالَى فِي قِصَّةِ أَيُّوبَ {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ} [ص: 44] .
وَمِنْ السُّنَّةِ مَا رَوَاهُ سُوَيْدُ بْنُ حَنْظَلَةَ، قَالَ: «خَرَجْنَا وَمَعَنَا وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ نُرِيد النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخَذَهُ أَعْدَاءٌ لَهُ فَحَرِجَ الْقَوْمُ أَنْ يَحْلِفُوا وَحَلَفْت أَنَّهُ أَخِي فَخَلَّى عَنْهُ الْعَدُوُّ فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ صَدَقْت الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمُ» فَأَجَازَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِعْلَهُ
(2/93)

قُلْت وَاحْتَجَّ غَيْرُهُ (بِحَدِيثِ بِلَالٍ فِي شِرَاءِ التَّمْرِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «بِعْ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ اشْتَرِ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» ، وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ (الشِّرَى) مِنْ ذَلِكَ الْمُشْتَرِي أَوْ غَيْرِهِ وَلَا بَيْنَ أَنْ يَقَعَ الْعَقْدُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ الَّذِي فِي ذِمَّتِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَتَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ يَقْتَضِي الْعُمُومَ، وَإِلَّا يَلْزَمُ مِنْهُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ. وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ حَدِيثَ عَائِشَةَ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -)
(2/94)

«إذَا أَحْدَثَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْخُذْ عَلَى أَنْفِهِ وَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ» (هُوَ) حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ (سَمِعْت) (الدَّارَقُطْنِيّ) يَقُولُ (سَمِعْت) أَبَا بَكْرٍ الشَّافِعِيَّ الصَّيْرَفِيَّ يَقُولُ كُلُّ مَنْ أَفْتَى مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْحِيَلِ إنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ (هَذَا الْحَدِيثِ) ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي وَإِنَّمَا يَجُوزُ مِنْ الْحِيَلِ مَا كَانَ مُبَاحًا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى مُبَاحٍ فَأَمَّا فِعْلُ (الْمَحْظُورِ لِيَصِلَ بِهِ إلَى الْمُبَاحِ) ، فَلَا يَجُوزُ وَقَدْ أَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ الْحِيلَةَ الْمَحْظُورَةَ لِيَصِلَ بِهَا إلَى الْمُبَاحِ، (وَقَدْ رَوَى) ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) أَنَّ امْرَأَةً شَكَتْ إلَيْهِ زَوْجَهَا، وَأَنَّهُ قَالَ لَهَا ارْتَدِّي لِيُفْسَخَ النِّكَاحُ، وَحُكِيَ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ قَبِّلْ أُمَّ امْرَأَتَك
(2/95)

بِشَهْوَةٍ فَإِنَّ نِكَاحَ زَوْجَتِك يَنْفَسِخُ.
وَالدَّلِيلُ (عَلَى) (أَنَّ) مِثْلَ هَذَا لَا يَجُوزُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَاقَبَ مِنْ احْتَالَ بِحِيلَةٍ مَحْظُورَةٍ فَقَالَ (تَعَالَى) {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ} [الأعراف: 163] وَكَانَ اللَّهُ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ صَيْدَ السَّمَكِ يَوْمَ السَّبْتِ، وَكَانَ السَّمَكُ لَا يَدْخُلُ مَوْضِعَ (يَصْطَادُونَهُ) فِيهِ، إلَّا يَوْمَ السَّبْتِ فَاحْتَالُوا بِأَنْ وَضَعُوا الشِّبَاكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَدَخَلَ السَّمَكُ يَوْمَ السَّبْتِ وَأَخَذُوهُ يَوْمَ الْأَحَدِ فَمَسَخَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى قِرَدَةً.
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَجَمَّلُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا» (وَلَمَّا نَظَرَ) مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إلَى هَذَا قَالَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَوَصَّلَ إلَى الْمُبَاحِ بِالْمَعَاصِي، ثُمَّ نَاقَضَ فِي الْمَشْهُودِ لَهُ بِنِكَاحِ امْرَأَةٍ يَعْلَمُ أَنَّهَا غَيْرُ زَوْجَتِهِ (فَقَالَ) (إنَّهَا تَحِلُّ) لَهُ (وَكَذَلِكَ) قَالَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ فِي مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ (يَحْرُمُ) مُعَالَجَةُ الْخَمْرِ بِمَا يَصِيرُ بِهِ خَلًّا، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّسَبُّبِ إلَى الْمُحَرَّمِ
(2/96)

بِالْعِلَاجِ وَالِاحْتِيَالِ فَهُوَ كَمَا حَكَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَصْحَابِ السَّبْتِ.

قَالَ الْقَاضِي فَأَمَّا الْحِيلَةُ فِي الْأَيْمَانِ فَضَرْبَانِ. حِيلَةٌ تَمْنَعُ الْحِنْثَ وَحِيلَةٌ تَمْنَعُ الِانْعِقَادَ: فَاَلَّتِي تَمْنَعُ الْحِنْثَ ضَرْبَانِ: (أَحَدُهُمَا) : الْخُلْعُ فِي النِّكَاحِ وَإِزَالَةُ الْمِلْكِ فِي الرَّقِيقِ، فَإِذَا قَالَ لَهَا إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ (ثَلَاثًا) ، فَالْحِيلَةُ فِي دُخُولِهَا أَنْ يُخَالِعَهَا فَتَبِينُ، ثُمَّ تَدْخُلُ الدَّارَ فَتَنْحَلُّ الْيَمِينُ، وَيَعْقِدُ النِّكَاحَ عَلَيْهَا.
وَإِذَا قَالَ (لِعَبْدِهِ) إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَبِيعَهُ ثُمَّ يَدْخُلُ الدَّارَ فَتَنْحَلُّ الْيَمِينُ، ثُمَّ يَشْتَرِيَهُ.
وَالْحِيلَةُ الْعَامَّةُ أَسْهَلُ (فِي) هَذِهِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِزَوْجَتِهِ: كُلَّمَا وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا (فَإِنْ) دَخَلَتْ (الدَّارَ) لَمْ تَطْلُقْ وَفِي (الرِّقِّ) (يَقُولُ) لِعَبْدِهِ: كُلَّمَا وَقَعَ عَلَيْك عِتْقِي (فَأَنْتَ حُرٌّ قَبْلَهُ) فَيَدْخُلُ الدَّارَ وَلَا يَعْتِقُ.
(2/97)

قُلْت أَمَّا مَسْأَلَةُ الْخُلْعِ فَقَدْ ذَكَرَهَا الْأَصْحَابُ وَأَخَذُوهُ مِنْ أَنَّهُ، لَوْ وَقَعَ لَكَانَ تَعْلِيقًا قَبْلَ الْمِلْكِ وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهَا تَعُودُ بِمَا بَقِيَ مِنْ عَدَدِ الطَّلَاقِ (فَالطَّلَاقُ) لَوْ قِيلَ بِوُقُوعِهِ فَهُوَ الْمَمْلُوكُ الَّذِي كَانَ فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ تَعْلِيقًا قَبْلَ الْمِلْكِ، فَالْقَوْلُ بِعَدَمِ عَوْدِ الصِّفَةِ فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ التَّعْلِيقَ وَالصِّفَةَ كِلَاهُمَا حَالُ الْمِلْكِ وَإِنَّمَا تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا فَلْيُنْظَرْ إلَى أَنَّهَا هَلْ (تَمْنَعُ) الْوُقُوعَ أَمْ لَا.
قَالَ الْقَاضِي: وَأَمَّا الْحِيلَةٌ الْمَانِعَةُ لِانْعِقَادِ الْيَمِينِ، فَكَمَنْ حَلَفَ كَانَ يَمِينُهُ عَلَى نِيَّتِهِ دُونَ مَا يُظَنُّ بِهِ، إلَّا إذَا حَلَّفَهُ الْحَاكِمُ.
هَذَا إذَا كَانَ (فِيمَا) هُوَ حَقٌّ عِنْدَهُمَا، فَأَمَّا مَا هُوَ حَقٌّ عِنْدَ الْحَاكِمِ ظُلْمٌ عِنْدَ الْحَالِفِ كَالْحَنَفِيِّ يَعْتَقِدُ شُفْعَةَ الْجِوَارِ وَالْحَالِفُ لَا يَعْتَقِدُهَا يَحْلِفُ (لَا يَسْتَحِقُّ) عَلَى الشُّفْعَةِ، وَيَنْوِي عَلَى قَوْلِ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ بَارًّا فِي يَمِينِهِ قَالَ: وَعَلَى هَذَا كُلُّ الْأَيْمَانِ عِنْد الْحَاكِمِ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ (إنَّ) النِّيَّةَ (فِيهِ) (نِيَّةُ) الْمُسْتَحْلِفِ أَبَدًا، وَهَذَا غَلَطٌ.
وَأَمَّا مَنْ حَلَفَ لِنَفْسِهِ فَالنِّيَّةُ نِيَّتُهُ أَبَدًا، فَإِذَا نَوَى غَيْرَ مَا نَطَقَ بِهِ، وَكَانَ (سَائِغًا) بَرَّ فِي يَمِينِهِ، فَكُلُّ مَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلٍ كَانَ قَدْ فَعَلَهُ أَنَّهُ مَا فَعَلَهُ وَنَوَى أَنَّهُ مَا فَعَلَهُ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ كَانَ بَارًّا فِي يَمِينِهِ، وَكَذَا غَيْرُ هَذَا مِمَّا لَهُ اسْمٌ فِي اللُّغَةِ، فَقَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَنِسَائِي طَوَالِقُ، وَنَوَى (نِسَاءً لَا امْرَأَتَهُ) ، أَوْ قَالَ كُلُّ جَارِيَةٍ لِي حُرَّةٌ وَنَوَى بِذَلِكَ السُّفُنَ صَحَّ (فَلَوْ) قَالَ لَهَا إنْ تَزَوَّجْت عَلَيْك فَأَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى بِعَلَيْك
(2/98)

عَلَى ظَهْرِك أَوْ عَلَى رَقَبَتِك لَمْ يَحْنَثْ، فَإِنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ: اللَّهُ يَعْلَمُ مَا فَعَلَ شَيْئًا، وَجَعَلَ مَا بِمَعْنَى الَّذِي، لَا النَّافِيَةِ صَحَّ.
(وَلَوْ) قَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ: طَلَّقْت فُلَانَةَ ثَلَاثًا، فَقَالَ: نَعَمْ وَنَوَى بِنَعَمْ إبِلَ بَنِي فُلَانٍ، لَمْ تَطْلُقْ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: نَعَامٌ، يَعْنِي نَعَامَ الْبَرِّ صَحَّ، وَإِذَا حَلَفَ مَا كَاتَبْت فُلَانًا وَلَا عَرَفْته وَلَا شَفَعْت لَهُ وَلَا سَأَلْته حَاجَةً قَطُّ، وَنَوَى بِالْكِتَابَةِ كِتَابَةَ الْعَبِيدِ، وَمَا جَعَلْته عَرِيفًا، (وَمَا شَفَعْت شُفْعَتَهُ) وَمَا (سَأَلْته) حَاجَةً يَعْنِي (شَجَرَةً) صَغِيرَةً فِي الْبِئْرِ يُقَالُ لَهَا الْحَاجَةُ لَمْ يَحْنَثْ. هَذَا آخَرُ كَلَامِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ.
وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي التَّلْخِيصِ: الْحِيلَةُ فِي إبْطَالِ شُفْعَةِ الْجِوَارِ مُبَاحَةٌ قَبْلَ الْعَقْدِ وَبَعْدَهُ، لِأَنَّهَا حِيلَةٌ فِي إبْطَالِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبِ.
وَأَمَّا الْحِيلَةُ فِي إبْطَالِ الشُّفْعَةِ بِالْمُشَارَكَةِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ وُجُوبِهَا لَا يَحِلُّ لَهُ، (وَإِنْ) كَانَ قَبْلَ (وُجُوبِهَا) قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ يُكْرَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ صَحَّ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ (يُبَاحُ) ، وَقَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ فِي الْمُعْتَمَدِ تَجُوزُ الْحِيلَةُ فِي إسْقَاطِ الشُّفْعَةِ، وَقَالَ آخَرُ: لَا تَجُوزُ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِدَفْعِ (الضَّرَرِ) ، وَالْحِيلَةُ تَمْنَعُ دَفْعَ (الضَّرَرِ) ، قُلْنَا إنَّمَا يَجِبُ زَوَالُ الضَّرَرِ عَنْ الشَّفِيعِ بِالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ عِنْدَ وُجُودِهَا (بِكَمَالِهَا) ، (فَأَمَّا) إذَا لَمْ تُوجَدْ، فَلَا يُقَالُ إنَّ
(2/99)

فِي ذَلِكَ مَنْعًا لِزَوَالِ الضَّرَرِ عَنْ الْمُشْتَرِي.
حِيلَةٌ فِي الْبَرَاءَةِ عَنْ الْمَجْهُولِ: طَرِيقُهُ أَنْ يَذْكُرَ غَايَةً يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا، وَقَدْ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) فِي الْبُوَيْطِيِّ إلَى ذَلِكَ، فَقَالَ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا حَلَّلَ رَجُلًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَجَبَ لَهُ عَلَيْهِ لَمْ يَبْرَأْ، حَتَّى يُبَيِّنَ فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ قَدْرَهُ حَلَّلَهُ مِنْ كَذَا إلَى كَذَا انْتَهَى.
لَيْسَ (لِأَبِي الزَّوْجَةِ الْعَفْوُ) عَنْ الصَّدَاقِ، فَإِنْ أَرَادَهُ فَطَرِيقُهُ فِي إبْرَاءِ الزَّوْجِ مِنْ الصَّدَاقِ أَنْ تُخَالِعَ زَوْجَهَا (عَلَى الصَّدَاقِ) فِي ذِمَّةِ الْأَبِ (فَيَصِيرُ لِلزَّوْجِ) فِي ذِمَّةِ الْأَبِ أَلْفٌ مَثَلًا وَلَهَا فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ أَلْفٌ فَيُحِيلُ (الزَّوْجُ) بِنْتَه عَلَيْهِ فَيَسْقُطُ مِنْ ذِمَّةِ الزَّوْجِ وَيَبْقَى فِي ذِمَّةِ الْأَبِ، وَلَا يَتَخَلَّصُ بِالضَّمَانِ إذْ لَا (أَصِيلَ) هَا هُنَا.
حِيلَةٌ تُسْقِطُ الِاسْتِبْرَاءَ عَلَى الْمَذْهَبِ: وَهِيَ أَنْ يَسْتَبْرِئَ الْبَائِعُ قَبْلَ (الْبَيْعِ) ثُمَّ يُعْتِقُهَا الْمُشْتَرِي بَعْدَ الشِّرَاءِ، فَيَجُوزُ لَهُ (تَزْوِيجُهَا) ، كَمَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ، وَتَجِيءُ صُورَةٌ عَلَى وَجْهٍ وَهِيَ أَنْ (يَشْتَرِيَهَا) ثُمَّ يُزَوِّجَهَا لِغَيْرِهِ فَيُطَلِّقَهَا الزَّوْجُ فِي الْحَالِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَتَحِلُّ لِلسَّيِّدِ عَلَى وَجْهٍ، قَالَ بِهِ أَبُو يُوسُفَ، وَيُقَالُ
(2/100)

أَنَّهُ عَلَّمَهُ (لِلرَّشِيدِ) فِي أَمَةٍ أَرَادَ وَطْئَهَا. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ كُنْت فِي مَجْلِسِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ الشَّاشِيِّ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ أَنَّهُ حَلَفَ لَا يَلْبِسُ هَذَا الثَّوْبَ وَقَدْ احْتَاجَ لِلُبْسِهِ، فَقَالَ (سُلَّ مِنْهُ خَيْطًا فَسَلَّ مِنْهُ) قَدْرَ الْأُصْبُعِ أَوْ الشِّبْرِ، ثُمَّ قَالَ الْبَسْ لَا شَيْءَ عَلَيْك وَأَيَّدَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ} [ص: 44] لِأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى اعْتِبَارِ اللَّفْظِ لَا الْمَعْنَى الْمَفْهُومِ فِي الْعُرْفِ.
(حَلَفَ) لَا بِعْت هَذَا الثَّوْبَ لِزَيْدٍ فَبَاعَهُ النِّصْفَ، وَوَهَبَهُ النِّصْفَ لَمْ يَحْنَثْ (لِأَنَّ الْيَمِينَ وَقَعَتْ عَلَى بَيْعِ الْجَمِيعِ، فَلَمْ يَحْنَثْ) بِبَعْضِهِ.
حَلَفَ (لَيَشْتَرِيَنَّ) جَارِيَةً فَاشْتَرَى سَفِينَةً (بَرَّ) ، حَكَاهُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ عَنْ (الْإِمَامِ) الشَّافِعِيِّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) . رَجُلٌ لَهُ دَيْنٌ عَلَى آخَرَ فَقَالَ إنْ لَمْ آخُذْهُ مِنْك الْيَوْمَ، فَامْرَأَتِي طَالِقٌ، وَقَالَ صَاحِبُهُ إنْ (أَعْطَيْته) (الْيَوْمَ) ، فَامْرَأَتِي طَالِقٌ، فَالطَّرِيقُ أَنْ (يَأْخُذَهُ)
(2/101)

مِنْهُ صَاحِبُ الْحَقِّ جَبْرًا، وَلَا يَحْنَثَانِ، قَالَهُ صَاحِبُ الْكَافِي.
الْحِيلَةُ فِيمَا (إذَا) ادَّعَى (أَدَاءَ) عَلَيْهِ وَأَرَادَ دَعْوَى الْإِبْرَاءِ (بِحَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ) أَنْ يَقُولَ: هَذَا الْمُدَّعِي قَدْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ أَبْرَأَنِي، كَذَا قَالَهُ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إقْرَارًا مِنْهُ، بِخِلَافِ دَعْوَى الْإِبْرَاءِ وَالِاسْتِيفَاءِ.
الْحِيلَةُ فِي أَنَّهُ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ الْمَبِيعَ بِالْعَيْبِ، إذَا جَاءَ إلَيْهِ أَنْ يَقُولَ اعْرِضْهُ عَلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ، فَإِنْ قَالُوا لَا يُسَاوِي هَذَا الثَّمَنَ فَرُدَّهُ فَعَرَضَهُ عَلَيْهِمْ، وَرَجَعَ وَأَرَادَ الرَّدَّ قَالَ الْقَفَّالُ، لَيْسَ لَهُ الرَّدُّ، لِأَنَّهُ قَصَّرَ فِي الرَّدِّ (بِلَا شَكٍّ) . قُلْت، وَلَا شَكَّ فِي التَّحْرِيمِ عَلَيْهِ، لِإِبْطَالِ حَقِّهِ.
(لَوْ) صَالَحَ عَلَى (أَنَّهُ) يَسْقِي دَوَابَّهُ الْمَاءَ مِنْ بِئْرِهِ لَا يَجُوزُ، (قَالَ) الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يَبِيعَ سَهْمًا مِنْ الْقَنَاةِ، ثُمَّ الْمَاءُ (يَسْتَتْبِعُ) الْقَنَاةَ.

وَلَوْ بَاعَ الْمَرْعَى لَا يَجُوزُ، وَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يَبِيعَ الْكَلَأَ بِدِينَارٍ ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ فِي رَعْيِ الْمَاشِيَةِ (فِي الْمَرْعَى) ، (قَالَ) الْمُتَوَلِّي فِي بَابِ الصُّلْحِ، إذَا مَلَكَ أَرْضًا لَهَا حَشِيشٌ فَصَالَحَ مِنْ ذَلِكَ الْحَشِيشِ عَلَى مَالٍ لِتَرْعَى فِيهِ الْمَوَاشِي لَا يَصِحُّ، إلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ أَوْ الْقَلْعِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ الْحَشِيشَ رَطْبًا، لِتَأْكُلَهُ الْمَوَاشِي. فَطَرِيقُهُ أَنْ
(2/102)

يَشْتَرِيَ بِشَرْطِ الْقَطْعِ، ثُمَّ يَسْتَأْجِرُ الْأَرْضَ حَتَّى تَكُونَ الْعُرُوقُ مَمْلُوكَةً لَهُ فَمَا يَحْدُثُ مِنْ الزِّيَادَةِ (يَكُونُ مِلْكًا لَهُ وَأَمَّا إذَا اشْتَرَى لَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ فَمَا يَحْدُثُ مِنْ الزِّيَادَةِ) يَكُونُ لِلْبَائِعِ، (فَإِذَا) لَمْ يَقْطَعْ وَحَدَثَتْ زِيَادَةٌ تَكُونُ مَسْأَلَةُ اخْتِلَاطِ الْمَبِيعِ بِغَيْرِهِ.
إذَا (شَهِدَا) عِنْدَ قَاضٍ أَنَّك حَكَمْت بِكَذَا (وَلَمْ) يَتَذَكَّرْ لَمْ يَعْتَمِدْهَا، وَالطَّرِيقُ أَنْ (يُجَدِّدَ) الْمُدَّعِي الدَّعْوَى، وَيَشْهَدَانِ لَهُ بِالْحَقِّ.
لَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى النَّسَبِ حِسِّيَّةٌ، وَقُلْنَا بِالْأَصَحِّ أَنَّهَا تُقْبَلُ (أَثْبَتَ الْقَاضِي النَّسَبَ وَأَسْجَلَ لَهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ) ، فَالطَّرِيقُ أَنْ يَنْظُرَ الْقَاضِي مَنْ يَدَّعِي عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ فَتُنْكِرُ هِيَ فَيُقِيمُ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى الِاسْمِ وَالنَّسَبِ، وَتَجُوزُ هَذِهِ الْحِيلَةُ لِلْحَاجَةِ. وَقِيلَ لَا تَجُوزُ، لِأَنَّ الدَّعْوَى الْبَاطِلَةَ لَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَأْمُرَ بِهَا.
حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بَيْضًا ثُمَّ حَلَفَ عَلَى أَكْلِ مَا فِي كُمِّ زَيْدٍ وَكَانَ فِيهِ بَيْضٌ، فَطَرِيقُ الْبَرَاءَةِ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي الْحَلْوَى، وَيَأْكُلَهَا وَيُقَالُ إنَّ الْقَفَّالَ سُئِلَ (عَنْهَا) وَهُوَ فَوْقَ الْمِنْبَرِ فَتَوَقَّفَ فَأَجَابَ الْمَسْعُودِيُّ بِهَذَا، فَمِنْ ثَمَّ قِيلَ قُفِلَ (عَلَى) الْقَفَّالِ، وَسَعِدَ بِهَا الْمَسْعُودِيُّ.
يَجُوزُ الِاشْتِرَاكُ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَلَوْ أَرَادَ بَعْضُهُمْ اللَّحْمَ وَبَعْضُهُمْ الْقُرْبَةَ جَازَ
(2/103)

وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَبَعْضُهُمْ مُسْلِمٌ، وَنَوَى التَّضْحِيَةَ بِحِصَّتِهِ جَازَ وَطَرِيقُ قِسْمَةِ اللَّحْمِ إنْ جَعَلْنَاهَا بَيْعًا أَنْ (يُعَيِّنُوا) اللَّحْمَ أَجْزَاءً، وَيُعَيِّنُوا بِاسْمِ كُلِّ وَاحِدٍ (مِنْهَا) جُزْءًا ثُمَّ يَبِيعُ صَاحِبُ كُلِّ جُزْءٍ نَصِيبَهُ مِنْ سَائِرِ الْأَجْزَاءِ بِالدَّرَاهِمِ وَيَشْتَرِي مَا لِأَصْحَابِهِ مِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ بِالدَّرَاهِمِ وَيَتَقَاصُّوا.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ، إذَا أَرَدْت الْحِيلَةَ فِي قَسْمِ (الْفَاكِهَةِ) الرَّطْبَةِ، وَقُلْنَا الْقِسْمَةُ بَيْعٌ، فَإِنَّك تَجْعَلُهَا جُزْأَيْنِ، وَيَبْتَاعُ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ الْآخَرِ نِصْفَ (الْجُزْءِ) الَّذِي اخْتَارَهُ بِدِينَارٍ (وَيَبِيعُ) عَلَى شَرِيكِهِ نِصْفَ (الْجُزْءِ) الْآخَرِ وَيَتَقَاصَّانِ الدِّينَارَ بِالدِّينَارِ، وَيَسْتَقِرُّ (مِلْكُ) كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِصَّتِهِ.
إذَا صَرَفَ مِنْهُ (دِينَارًا) بِعِشْرِينَ وَمَعَهُ عَشَرَةٌ، فَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يَسْتَقْرِضَهُ مِنْ مَالٍ (آخَرَ) ، فَلَوْ اسْتَقْرَضَهُ (مِمَّا) أَخَذَ مِنْهُ إنْ كَانَ قَبْلَ التَّخَايُرِ لَا يَجُوزُ (لِأَنَّ) التَّصَرُّفَ فِيهِ قَبْلَ انْبِرَامِ الْعَقْدِ بَيْنَهُمَا بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ التَّخَايُرِ يَجُوزُ إنْ قُلْنَا أَنَّ التَّخَايُرَ لَا يُجْعَلُ بِمَنْزِلَةِ التَّفَرُّقِ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ، قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَغَيْرُهُ.

حِيلَة فِي نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ أَنْ يَشْتَرِيَ عَبْدًا صَغِيرًا وَيُزَوِّجَهَا مِنْهُ (بِرِضَاهَا) (ثُمَّ
(2/104)

يَسْتَدْخِلُ) حَشَفَتَهُ ثُمَّ يَبِيعُ الْعَبْدَ مِنْهَا (فَيَنْفَسِخُ) النِّكَاحَ، وَيَحْصُلُ التَّحْلِيلُ قَالُوا وَهَذَا مِنْ لَطَائِفِ الْحِيَلِ، لِأَنَّهُ يَخْشَى مِنْ الزَّوْجِ أَنْ لَا يُطَلِّقَ، وَأَنْ يَحْصُلَ بِوَطْئِهِ الْعُلُوقُ وَهَذِهِ حِيلَةٌ فِي عَدَمِ التَّوَقُّفِ عَلَى الطَّلَاقِ وَعَدَمِ الْعُلُوقِ.

[الْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ وَالْمُسْتَمِرَّةُ وَعَيْشُ الْمَذْبُوحِ]
اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ تَقَعُ فِي عِبَارَاتِهِمْ وَيُحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ (بَيْنَهَا) فَأَمَّا الْمُسْتَمِرَّةُ فَهِيَ الْبَاقِيَةُ إلَى انْقِضَاءِ الْأَجَلِ إمَّا بِمَوْتٍ أَوْ قَتْلٍ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي الثَّانِي.
وَالْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ هِيَ أَنْ تَكُونَ الرُّوحُ فِي الْجَسَدِ (وَمَعَهَا) الْحَرَكَةُ الِاخْتِيَارِيَّةُ دُونَ (الِاضْطِرَارِيَّةِ) كَالشَّاةِ، إذَا أَخْرَجَ الذِّئْبُ حَشْوَتَهَا وَأَبَانَهَا (حَرَّكَتْهَا) حَرَكَةً اضْطِرَارِيَّةً، فَلَا تَحِلُّ إذَا ذُبِحَتْ كَمَا لَوْ كَانَ إنْسَانًا لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ بِقَتْلِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَإِنْ عَضَّهَا الذِّئْبُ، فَقَوَّرَ بَطْنَهَا، وَلَمْ يَنْفَصِلْ كِرْشُهَا فَحَيَاتُهَا مُسْتَقِرَّةٌ (لِأَنَّ حَرَكَتَهَا الِاخْتِيَارِيَّةَ) مَوْجُودَةٌ.
وَلِهَذَا لَوْ طُعِنَ إنْسَانٌ وَقُطِعَ (بِمَوْتِهِ) بَعْدَ سَاعَةٍ أَوْ يَوْمٍ وَقَتَلَهُ إنْسَانٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَجَبَ الْقِصَاصُ لِأَنَّ حَيَاتَهُ مُسْتَقِرَّةٌ، وَحَرَكَتُهُ الِاخْتِيَارِيَّةُ مَوْجُودَةٌ، وَلِهَذَا أَمْضَوْا وَصِيَّةَ (أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ) عُمَرَ (بْنِ الْخَطَّابِ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، بِخِلَافِ مَا إذَا أُبِينَتْ الْحَشْوَةُ؛ لِأَنَّ مَجَارِيَ النَّفْسِ قَدْ ذَهَبَتْ وَصَارَتْ الْحَرَكَةُ اضْطِرَارِيَّةً، وَقَدْ
(2/105)

تَكُونُ الْحَوَاسُّ سَلِيمَةً وَالْحَيَاةُ مُسْتَقِرَّةً وَالْحَرَكَةُ اخْتِيَارِيَّةً، وَيُعْطَى الْإِنْسَانُ فِيهَا حُكْمَ الْأَمْوَاتِ كَالْوَاقِعِ فِي بَحْرٍ لَا يَنْجُو مِنْهُ (وَتَابَ) فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، (فَإِنَّهُ) لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَيُقَسَّمُ مَالُهُ وَتُنْكَحُ نِسَاؤُهُ، وَلَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ، وَلِهَذَا لَمْ يُقْبَلْ إيمَانُ فِرْعَوْنَ، وَفِي مِثْلِهَا لَوْ أَشْرَفَ إنْسَانٌ عَلَى الْغَرَقِ وَقَتَلَهُ قَاتِلٌ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ.
وَلَوْ كَانَتْ شَاةً فَذَبَحَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ حَلَّتْ (وَأَمَّا حَيَاةُ عَيْشِ الْمَذْبُوحِ وَهِيَ الَّتِي لَا يَبْقَى مَعَهَا) (إبْصَارٌ) وَلَا نُطْقٌ وَلَا حَرَكَةٌ اخْتِيَارِيَّةٌ، فَإِذَا انْتَهَى الْإِنْسَانُ إلَى ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ بِجِنَايَةِ جَانٍ وَقَتَلَهُ آخَرُ فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ، وَالْقِصَاصُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَإِنْ انْتَهَى إلَى هَذِهِ الْحَالَةِ بِمَرَضٍ وَقَتَلَهُ قَاتِلٌ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، قَالَ الْإِمَامُ لَوْ انْتَهَتْ الشَّاةُ بِالْمَرَضِ إلَى أَدْنَى الرَّمَقِ فَذُبِحَتْ (حَلَّتْ) لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ سَبَبٌ يُحَالُ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ، بِخِلَافِ مَا إذَا افْتَرَسَهَا سَبُعٌ، فَوَصَلَتْ إلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، قَالَ وَلَوْ أَكَلْت الشَّاةُ نَبَاتًا مُضِرًّا، فَصَارَتْ إلَى أَدْنَى الرَّمَقِ، فَذُبِحَتْ فَقَدْ ذَكَرَ شَيْخِي فِيهِ وَجْهَيْنِ ثُمَّ قَطَعَ فِي كَثِيرٍ بِنَفْيِ (الْحِلِّ) لِأَنَّهُ وُجِدَ سَبَبٌ يُحَالُ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ، فَصَارَ كَجُرْحِ السَّبُعِ.
وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ الشَّاةَ إذَا انْتَهَتْ بِالْمَرَضِ إلَى حَالَةِ عَدَمِ الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ، وَذُبِحَتْ حَلَّتْ وَهُوَ نَظِيرُ إيجَابِ الْقِصَاصِ عَلَى (قَاتِلِ) الْمَرِيضِ، حَتَّى قَالَ الْإِمَامُ إنَّ الْمَرِيضَ لَوْ انْتَهَى إلَى سَكَرَاتِ الْمَوْتِ، (وَبَدَتْ) مَخَايِلُهُ وَتَغَيَّرَتْ الْأَنْفَاسُ فِي (الشَّرَاسِفِ) لَا يُحْكَمُ لَهُ بِالْمَوْتِ حَتَّى يَجِبَ الْقِصَاصُ عَلَى قَاتِلِهِ،
(2/106)

وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَشْخَصَ بَصَرُ الْمَيِّتِ أَمْ لَا وَحَالَةُ شُخُوصِ الْبَصَرِ هُوَ الْحَالَةُ الَّتِي يُشَاهِدُ فِيهَا (الْمَيِّتُ) مَلَكَ الْمَوْتِ. وَهَذِهِ الْحَالَةُ (هِيَ) الَّتِي لَا تُقْبَلُ فِيهَا التَّوْبَةُ قَالَ (اللَّهُ) تَعَالَى {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ} [النساء: 18] وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَيَاةَ الْمُسْتَقِرَّةَ لَا يُعْتَبَرُ تَحَقُّقُ حُصُولِهَا فِي الشَّاةِ الْمَرِيضَةِ وَيُعْتَبَرُ فِي (أَكِيلَةِ) السَّبُعِ وَنَحْوِهِ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا فَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ أَنْ تَكُونَ الْحَيَاةُ (الْمُسْتَقِرَّةُ) بِحَيْثُ لَوْ تُرِكَ (لَبَقِيَ) يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ وَغَيْرُ (الْمُسْتَقِرَّةِ) لَوْ تُرِكَ لَمَاتَ فِي الْحَالِ، وَقَالَ (غَيْرُهُ) الْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ أَنْ لَا تَنْتَهِيَ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، وَقَالَ فِي الْمُرْشِدِ تُعْرَفُ الْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةِ بِشَيْئَيْنِ (أَحَدُهُمَا - أَنْ تَكُونَ حَالَةُ وُصُولِ السِّكِّينِ إلَى الْحُلْقُومِ
(2/107)

يَطْرِفُ عَيْنُهُ أَوْ يَتَحَرَّكُ ذَنَبُهُ لِأَنَّ) الْحَيَاةَ إذَا زَالَتْ مِنْ أَسْفَلَ لَمْ يَتَحَرَّكْ ذَنَبُهُ، وَيَشْخَصُ بَصَرُهُ - وَالثَّانِي - أَنْ لَا يَتَحَرَّكَ فِيهِ شَيْءٌ بَعْدَ إبَانَةِ الرَّأْسِ، وَلَا (عِبْرَةَ) بِالِاخْتِلَاجِ بَعْدَ الذَّبْحِ، وَكَذَا إنْهَارُ الدَّمِ يَعْنِي مِنْ غَيْرِ حَرَكَةٍ، وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ انْفِجَارَ الدَّمِ بَعْدَ الذَّبْحِ وَتَدَفُّقَهُ مَعَ وُجُودِ الْحَرَكَةِ الشَّدِيدَةِ مِنْ أَمَارَاتِ بَقَاءِ الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ. وَأَنَّ الْحَرَكَةَ الشَّدِيدَةَ (وَحْدَهَا) كَذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ، قَالَ فِي الْكِفَايَةِ وَعَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ أَنَّ مُجَرَّدَ خُرُوجِ الدَّمِ دَلِيلٌ (عَلَى) اسْتِقْرَارِ الْحَيَاةِ (وَقَالَ) فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ قَدْ وَقَعَتْ (هَذِهِ) الْمَسْأَلَةُ فِي الْفَتَاوَى مَرَّاتٍ فَكَانَ الْجَوَابُ فِيهَا أَنَّ الْحَيَاةَ الْمُسْتَقِرَّةَ تُعْرَفُ بِقَرَائِنَ يُدْرِكُهَا النَّاظِرُ، مِنْ عَلَامَاتِهَا الْحَرَكَةُ الشَّدِيدَةُ بَعْدَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ وَجَرَيَانُ الدَّمِ، فَإِذَا حَصَلَتْ قَرِينَةٌ مَعَ (إحْدَاهَا) حَلَّ الْحَيَوَانُ وَالْمُخْتَارُ الْحِلُّ بِالْحَرَكَةِ الشَّدِيدَةِ وَحْدَهَا، فَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي نَعْتَمِدُهُ انْتَهَى.
وَاسْتَفَدْنَا مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْحَرَكَةَ الشَّدِيدَةَ، لَا تَحْتَاجُ إلَى قَرِينَةٍ مَعَهَا، بِخِلَافِ انْفِجَارِ الدَّمِ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى قَرِينَةِ الْحَيَاةِ.
قَالَ وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَالْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ الْحَيَاةَ الْمُسْتَقِرَّةَ مَا يَجُوزُ أَنْ تَبْقَى مَعَ الْحَيَوَانِ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ (فَإِنْ) شُقَّ جَوْفُهَا وَظَهَرَتْ الْأَمْعَاءُ وَلَمْ تَنْفَصِلْ (إذَا) (ذُكِّيَتْ) حَلَّتْ،
(2/108)

وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ (مُنَزَّلٌ) عَلَى (مَا قَدَّمْنَاهُ) ، قَالَ وَإِذَا جُرِحَتْ الشَّاةُ (وَوَصَلَتْ) إلَى أَدْنَى الرَّمَقِ (فَذُبِحَتْ) ، فَإِنَّهَا تَحِلُّ بِلَا خِلَافٍ، وَحَكَى صَاحِبُ الْفُرُوعِ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهَا مَا دَامَتْ تَضْرِبُ بِيَدِهَا وَتَفْتَحُ عَيْنَهَا حَلَّتْ بِالذَّكَاةِ، قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْحَيَاةَ فِيهَا غَيْرُ مُسْتَقِرَّةٍ، فَإِنَّ (حَرَكَتَهَا) حَرَكَةُ مَذْبُوحٍ، (فَلَا) تَحِلُّ، وَالْمَذْهَبُ مَا سَبَقَ.

فَرْعٌ شَكَّ فِي الْمَذْبُوحِ هَلْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ بَعْدَ الذَّبْحِ، فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا الْحِلُّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ، وَأَصَحُّهُمَا التَّحْرِيمُ لِلشَّكِّ فِي الذَّكَاةِ الْمُبِيحَةِ فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ بَقَاءُ الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ حَلَّتْ، وَهَذَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي فَرَّقُوا فِيهَا بَيْنَ الظَّنِّ وَالشَّكِّ.

تَنْبِيهٌ كَلَامُ الْإِمَامِ يَقْتَضِي أَنَّ الْحَيَاةَ الْمُسْتَقِرَّةَ يُعْتَبَرُ وُجُودُهَا عِنْدَ أَوَّلِ الْقَطْعِ لَا بَعْدَهُ، فَإِنَّهُ قَالَ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ عِنْدَ ابْتِدَاءِ قَطْعِ الْمَرِيءِ، وَلَكِنْ لَمَّا قُطِعَ بَعْضُ الْحُلْقُومِ انْتَهَى إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، لِمَا (نَالَهُ) مِنْ (قَبْلُ) (بِسَبَبِ) قَطْعِ الْقَفَا فَهُوَ حَلَالٌ؛ لِأَنَّ (الْمَعْنَى بِمَا) وَقَعَ التَّعَبُّدُ بِهِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ عِنْدَ الِابْتِدَاءِ (بِقَطْعِ) (الْمَذْبَحِ) انْتَهَى، وَنَقَلَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ كَلَامَ الْإِمَامِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَقَالَ فِي الْكِفَايَةِ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ
(2/109)

أَيْضًا بَعْدَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ الَّذِي يَقَعُ الِابْتِدَاءُ بِقَطْعِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْمَرِيءُ - وَالثَّانِي - (عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ الَّذِي يَقَعُ الِابْتِدَاءُ بِقَطْعِهِ فِي هَذِهِ) (الصُّورَةِ) الْحُلْقُومُ أَنَّ (الْمَذْهَبَ) الِاكْتِفَاءُ بِكَوْنِ الْحَيَاةِ مُسْتَقِرَّةً عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي قَطْعِ الْحُلْقُومِ، (وَقِيَاسُهُ) أَنْ يَكْتَفِيَ بِكَوْنِ الْحَيَاةِ مُسْتَقِرَّةً فِيمَا إذَا ابْتَدَأَ الْقَطْعَ (مِنْ) مُقَدَّمِ الْعُنُقِ عِنْدَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ خَاصَّةً أَيْضًا وَعَلَيْهِ يَنْطَبِقُ قَوْلُ الْإِمَامِ فِي أَنَّ الْحَيَاةَ، لَوْ كَانَتْ مُسْتَقِرَّةً عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي (قَطْعِ) الْمَرِيءِ وَالْحُلْقُومِ تَحِلُّ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ عِنْدَ تَمَامِ (قَطْعِهِمَا) إذَا وُجِدَ الْإِسْرَاعُ عَلَى النَّسَقِ الْمُعْتَادِ لَكِنَّ الَّذِي حَكَاهُ الْمُزَنِيّ عَنْ (الْإِمَامِ) الشَّافِعِيِّ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) فِي الْمُخْتَصَرِ أَنَّهَا إنْ تَحَرَّكَتْ بَعْدَ قَطْعِ رَأْسِهَا أُكِلَتْ وَإِلَّا لَمْ تُؤْكَلْ، وَفَسَّرَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَجُمْهُورُ الْأَصْحَابِ ذَلِكَ، بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) قَالَ إنَّمَا تُعْلَمُ الْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ بِشِدَّةِ الْحَرَكَةِ، فَإِنْ كَانَتْ الْحَرَكَةُ شَدِيدَةً بَعْدَ قَطْعِ الرَّقَبَةِ (فَالْحَيَاةُ مُسْتَقِرَّةٌ) ، وَكَلَامُ الْغَزَالِيِّ يَقْتَضِي اعْتِبَارَ اسْتِقْرَارِ الْحَيَاةِ إلَى انْتِهَاءِ مَا يَجِبُ قَطْعُهُ بِالذَّكَاةِ، وَهُوَ (يُوَافِقُ) مَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ النَّصِّ. (قُلْت) وَبِذَلِكَ يَحْصُلُ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثُ احْتِمَالَاتٍ انْتَهَى.
(2/110)

وَيَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ، لَوْ ذَبَحَ الشَّاةَ مِنْ مُقَدَّمِ عُنُقِهَا فَانْتَهَتْ بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، لَمْ تَحِلَّ، وَإِنْ انْتَهَتْ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ بَعْدَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَبَعْضِ الْمَرِيءِ حَلَّتْ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ، وَلَمْ تَحِلَّ عَلَى ظَاهِرِ النَّصِّ وَاخْتِيَارِ الْغَزَالِيِّ، وَكَذَا لَوْ قَطَعَ الْبَعْضَ فَمَاتَتْ يَكُونُ مَوْتُهَا كَانْتِهَائِهَا إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، وَهَذَا قِيَاسُ مَا قَالُوهُ فِي الذَّبْحِ مِنْ الْقَفَا (وَيُحْتَمَلُ الْفَرْقُ فَتَحِلُّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَإِنْ انْتَهَتْ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ قَبْلَ قَطْعِ شَيْءٍ مِنْ الْمَرِيءِ، بِخِلَافِ الذَّبْحِ مِنْ الْقَفَا) لِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ هُنَاكَ بِعِصْيَانِهِ بِالذَّبْحِ مِنْ الْقَفَا، لَكِنْ قَالَ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ يَجِبُ أَنْ يُسْرِعَ الذَّابِحُ فِي الْقَطْعِ، فَلَا يَتَأَتَّى بِحَيْثُ يَظْهَرُ انْتِهَاءُ الشَّاةِ قَبْلَ اسْتِتْمَامِ قَطْعِ الْمَذْبَحِ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهَذَا يُخَالِفُ مَا سَبَقَ أَنَّ الْمُتَعَبَّدَ بِهِ كَوْنُ الْحَيَاةِ مُسْتَقِرَّةً عِنْدَ الِابْتِدَاءِ فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ هُنَا، إذَا تَبَيَّنَ مَصِيرُهُ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ وَهُنَاكَ، إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ الْحَالُ، قَالَ النَّوَوِيُّ (وَهَذَا الَّذِي) قَالَهُ خِلَافُ مَا سَبَقَ تَصْرِيحُ الْإِمَامِ بِهِ، بَلْ الْجَوَابُ أَنَّ هَذَا مُقَصِّرٌ فِي الثَّانِي فَلَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ لَا تَقْصِيرَ فِي حَقِّهِ، فَلَوْ لَمْ يُحَلِّلْهُ أَدَّى إلَى حَرَجٍ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ أَنْ يَذْبَحَ بِسِكِّينٍ غَيْرِ كَالٍّ، وَيُسْرِعَ فَتَحِلَّ ذَبِيحَتُهُ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ تَمَامِ الْقَطْعِ، وَبَيْنَ أَنْ يَذْبَحَ بِسِكِّينٍ (كَالَّةٍ) ، فَلَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ، كَمَا لَوْ تَبَاطَأَ فِي الذَّبْحِ بِالسِّكِّينِ غَيْرِ (الْكَالِّ) .
قَالَ النَّوَوِيُّ، وَلَوْ أَمَرَّ السِّكِّينَ مُلْصَقًا بِاللَّحْيَيْنِ فَوْقَ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ وَأَبَانَ الرَّأْسَ، فَلَيْسَ هَذَا بِذَبْحٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْطَعْ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ وَلَوْ أَخَذَ الذَّابِحُ فِي قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ، وَأَخَذَ آخَرُ فِي نَزْعِ حَشْوَتِهِ (أَوْ نَخْسِ خَاصِرَتِهِ) لَمْ يَحِلَّ،
(2/111)

لِأَنَّ التَّذْفِيفَ لَمْ يَتَمَحَّضْ لِلْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ، (وَإِذَا) اقْتَرَنَ قَطْعُ الْحُلْقُومِ بِقَطْعِ رَقَبَةِ الشَّاةِ مِنْ قَفَاهَا، بِأَنْ يُجْرِيَ سِكِّينًا مِنْ الْقَفَا وَسِكِّينًا مِنْ الْحُلْقُومِ حَتَّى الْتَقَيَا فَهِيَ مَيْتَةٌ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَقَدَّمَ قَطْعُ الْقَفَا وَبَقِيَتْ الْحَيَاةُ مُسْتَقِرَّةً إلَى وُصُولِ السِّكِّينِ الْمَذْبَحِ وَإِنَّمَا أَطَلْت فِي هَذَا الْفَصْلِ لِأَنَّهُ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ، وَقَلَّ مَنْ أَتْقَنَهُ.

[الْحَيَوَانُ يَتَعَلَّقُ بِهِ أُمُورٌ]
الْأَوَّلُ:
كُلُّهُ طَاهِرٌ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، إلَّا الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ وَالْمُتَوَلِّدَ مِنْهُمَا، وَفِي الْخِنْزِيرِ قَوْلٌ قَدِيمٌ، اُخْتِيرَ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ، وَيَلْتَحِقُ بِهِمَا الْجَلَّالَةُ عَلَى رَأْيِ الرَّافِعِيِّ، أَمَّا بَعْدَ الْمَوْتِ فَمَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ الذَّكَاةُ عِنْدَنَا، بَلْ هُوَ مَيْتَةٌ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) ، وَمَنَاطُ حِلِّ أَكْلِ الذَّبِيحَةِ هَلْ هُوَ جَوَازُ الذَّبْحِ أَوْ قَصْدُ الْأَكْلِ فِيهِ خِلَافٌ تَظْهَرُ فَائِدَتُهُ مِنْ الصَّائِلَةِ إذَا قُتِلَتْ بِالصِّيَالِ تَرَدَّدَ ابْنُ كَجٍّ فِي حِلِّ أَكْلِهَا وَقَالَ الْمَرْوَزِيُّ، إنْ لَمْ يُصِبْ الْمَذْبَحَ لَمْ تَحِلَّ، وَإِنْ أَصَابَ فَوَجْهَانِ.
وَمِنْهَا: تَذْكِيَةُ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ وَالْمَجْنُونِ، وَالْأَصَحُّ الْحِلُّ، وَالدَّابَّةُ الْمَوْطُوءَةُ إذَا قُلْنَا تُقْتَلُ، فَذُبِحَتْ فَفِي حِلِّ أَكْلِهَا وَجْهَانِ وَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّهَا بِوُجُوبِ قَتْلِهَا الْتَحَقَتْ بِالْمُؤْذِيَاتِ.
الثَّانِي: فِي قَتْلِهِ وَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا فِيهِ نَفْعٌ بِلَا ضَرَرٍ (فَيَحْرُمُ) قَتْلُهُ.
(2/112)

ثَانِيهَا: مَا فِيهِ ضَرَرٌ بِلَا نَفْعٍ فَيُسْتَحَبُّ قَتْلُهُ كَالْحَيَّاتِ وَالسِّبَاعِ الْمُؤْذِيَةِ وَالْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ وَمِنْهُ الْعَنَاكِبُ لِأَنَّهَا مِنْ ذَوَاتِ السَّمُومِ، كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْعَوَامّ (مَنْ) يَمْتَنِعُ مِنْ قَتْلِهَا لِأَنَّهُ عَشَّشَ فِي فَمِ الْغَارِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهَذَا يَلْزَمُهُ أَنْ لَا يَذْبَحَ الْحَمَامُ.
ثَالِثُهَا: مَا فِيهِ نَفْعٌ مِنْ وَجْهٍ، كَالصَّقْرِ وَالْبَازِيِّ وَالشَّاهِينِ وَالْعُقَابِ وَنَحْوِهَا، (وَكَالْفَهْدِ) ، وَسَائِرِ أَنْوَاعِ السِّبَاعِ الَّتِي تَصِيدُ، فَلَا يُسْتَحَبُّ قَتْلُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ، وَلَا يُكْرَهُ قَتْلُهُ لِلضَّرَرِ، وَذُكِرَ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُ يَحْرُمُ قَتْلُ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ وَهُوَ خِلَافُ مَا فِي الْأُمِّ.
رَابِعُهَا: مَا لَا نَفْعَ فِيهِ وَلَا ضَرَرَ كَالْخَنَافِسِ وَالدِّيدَانِ (وَالْجُعَلِ) وَالْفَرَاشِ وَغَيْرِهَا فَلَا يَحْرُمُ قَتْلُهَا لِعَدَمِ نَفْعِهَا، وَلَا يُسْتَحَبُّ لِعَدَمِ (ضَرَرِهَا) .

قَاعِدَةٌ: مَنْ مَلَكَ صَيْدًا حُرِّمَ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ إلَّا فِي صُوَرٍ: أَنْ يُحْرِمَ، أَوْ يَكُونَ لِلطَّائِرِ فَرْخٌ يَمُوتُ (بِحَبْسِهِ) ، أَوْ لَمْ يَجِدْ مَا يُطْعِمُهُ أَوْ مَا يَذْبَحُهُ (بِهِ) فَيَجِبُ إرْسَالُهُ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ حُرِّمَ، قَالَ الْقَفَّالُ (يَحْسِبُونَهُ) قُرْبَةً وَهُوَ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ سَوَائِبَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقِيلَ يُبَاحُ ذَلِكَ وَيَزُولُ الْمِلْكُ (كَالْعِتْقِ) (فِي الْعَبْدِ) وَعَلَى الْأَصَحِّ: لَا يَزُولُ مِلْكُهُ بِإِرْسَالِهِ، وَلَيْسَ لِغَيْرِ الْمَالِكِ اصْطِيَادُهُ، إلَّا أَنْ يُبِيحَهُ الْمَالِكُ لِمَنْ أَخَذَهُ.
(2/113)

الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ لَهُ اخْتِيَارًا. وَلِهَذَا لَوْ فَتَحَ قَفَصًا (عَنْ) طَائِرٍ فَوَقَفَ، ثُمَّ طَارَ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ طَارَ عَقِبَ الْفَتْحِ فَقَوْلَانِ نَظِيرُهُ مَا لَوْ نَفَرَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا فَعَثَرَ فَمَاتَ (عَقِبَ التَّنْفِيرِ ضَمِنَهُ) ، وَإِنْ (نَفَرَهُ) فَسَكَنَ، ثُمَّ عَثَرَ (فَمَاتَ لَا ضَمَانَ) ، وَمَا لَوْ أَكَلَ الْجَارِحُ مِنْ الصَّيْدِ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ.
(قَالَ) الْإِمَامُ وَدِدْت لَوْ فَصَلَ بَيْنَ أَنْ يَقِفَ زَمَانًا، ثُمَّ يَأْكُلَ، وَبَيْنَ أَنْ يَأْكُلَ بِنَفْسِ الْأَخْذِ، لَكِنْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ، قَالَ النَّوَوِيُّ قَدْ تَعَرَّضَ لَهُ الْجُرْجَانِيُّ فِي مَسْأَلَةِ، لَوْ وَضَعَ السَّارِقُ الْمَتَاعَ فِي الْحِرْزِ عَلَى ظَهْرِ دَابَّةٍ (وَسَيَّرَهَا) حَتَّى خَرَجَتْ قُطِعَ، وَإِنْ مَشَتْ بِنَفْسِهَا حَتَّى خَرَجَتْ فَلَا قَطْعَ فِي الْأَصَحِّ، وَقِيلَ إنْ سَارَتْ عَلَى الْفَوْرِ قُطِعَ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، وَقِيلَ بِالْعَكْسِ.
وَلَوْ عَلَّمَ قِرْدًا إخْرَاجَ الْمَتَاعِ (بِنَقْبٍ) وَأَرْسَلَهُ، حَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْطَعَ لِشُبْهَةِ اخْتِيَارِ الْحَيَوَانِ، (وَلَكِنْ) لَوْ أَمْسَكَ إنْسَانًا وَعَرَّضَهُ لِلسَّبُعِ وَجَبَ الْقِصَاصُ قَطْعًا لِأَنَّهُ آلَةٌ (لَهُ) فَكَانَ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِالسَّيْفِ، وَمِثْلُهُ (الْحَيَوَانُ) الضَّارِي بِطَبْعِهِ.
(2/114)

وَلَوْ رَمَى مِنْ الْحِلِّ صَيْدًا فِي الْحِلِّ فَقَطَعَ السَّهْمُ فِي مُرُورِهِ (هَوَاءَ) الْحَرَمِ فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا يَضْمَنُهُ، كَمَا لَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا (فِي) الْحِلِّ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ، فَتَخَطَّى طَرَفَ الْحَرَمِ، فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ (وَأَصَحُّهُمَا) يَضْمَنُ بِخِلَافِ الْكَلْبِ لِأَنَّ لِلْكَلْبِ اخْتِيَارًا بِخِلَافِ السَّهْمِ، (وَلِهَذَا) قَالَ الْأَصْحَابُ، لَوْ رَمَى صَيْدًا فِي الْحِلِّ فَلَمْ يُصِبْهُ وَأَصَابَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ وَجَبَ الضَّمَانُ، (وَمِثْلُهُ) ، لَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا لَا يَجِبُ وَلَوْ سَرَقَ دَابَّةً لَا تُسَاوِي نِصَابًا فَتَبِعَهَا وَلَدُهَا، فَلَا قَطْعَ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّ لِلْحَيَوَانِ اخْتِيَارًا
(2/115)

[حَرْفُ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ] [الْخَبَرُ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَنْ خَاصٍّ أَوْ عَامٍّ]
الْخَبَرُ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَنْ خَاصٍّ أَوْ عَامٍّ.
(الْأَوَّلُ) مُنْحَصِرٌ فِي ثَلَاثَةٍ: الْإِقْرَارُ، وَالْبَيِّنَةُ، وَالدَّعْوَى لِأَنَّهُ إنْ كَانَ بِحَقٍّ عَلَى الْمُخْبِرِ فَهُوَ الْإِقْرَارُ، أَوْ عَلَى غَيْرِهِ فَهُوَ الدَّعْوَى، أَوْ لِغَيْرِهِ فَهُوَ الشَّهَادَةُ. وَضَبَطَهَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِضَابِطٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْقَوْلَ إنْ كَانَ ضَارًّا لِقَائِلِهِ فَهُوَ الْإِقْرَارُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ضَارًّا بِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ نَافِعًا لَهُ أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ (هُوَ) الدَّعْوَى، وَالثَّانِي الشَّهَادَةُ. انْتَهَى.
(وَالثَّانِي) وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُخْبَرُ عَنْهُ عَامًّا، لَا يَخْتَصُّ (بِمُعَيَّنٍ) ، وَيَنْحَصِرُ أَيْضًا فِي ثَلَاثَةٍ: الرِّوَايَةُ، وَالْحُكْمُ، وَالْفَتْوَى لِأَنَّهُ إنْ كَانَ خَبَرًا عَنْ مَحْسُوسٍ فَهُوَ الرِّوَايَةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَإِنْ كَانَ فِيهِ إلْزَامٌ فَهُوَ الْحُكْمُ، وَإِلَّا فَالْفَتْوَى.
وَعُلِمَ مِنْ هَذَا ضَابِطُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ السِّتَّةِ.
وَمِنْ الْمُشْكِلِ اشْتِرَاطُهُمْ لَفْظَ الشَّهَادَةِ فِي رُؤْيَةِ هِلَالِ (شَهْرِ) رَمَضَانَ، وَفِي الْمُتَرْجِمِ (وَالْمُسْمِع) أَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالْعُمُومِ فَكَيْفَ تَلْحَقُ بِالشَّهَادَةِ الْخَاصَّةِ
(2/116)

الْخَبَرُ مَا احْتَمَلَ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: مَنْ أَخْبَرَتْنِي مِنْكُمَا بِكَذَا فَهِيَ طَالِقٌ، فَإِذَا أَخْبَرَتَا طَلُقَتَا صَدَقَتَا أَوْ كَذَبَتَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَقْرُونِ بِالْبَاءِ وَغَيْرِهَا.
وَقَالَ الْفُورَانِيُّ، لَوْ قَالَ مَنْ أَخْبَرَتْنِي مِنْكُمَا بِقُدُومِ زَيْدٍ لَمْ يَقَعْ، إلَّا إذَا أَخْبَرَتْهُ صَادِقَةً لِأَنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ فَصَارَ فِي مَعْنَى شَرْطِ الْقُدُومِ فِي الْإِخْبَارِ.

وَمَنْ أَخْبَرَ بِبَعْضِ الْوَاقِعِ هَلْ يُسَمَّى كَاذِبًا، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَأَخْبَرَ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِتِسْعِينَ فَهَلْ يَكُونُ كَاذِبًا فِي إخْبَارِهِ، وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا - لِدُخُولِ التِّسْعِينَ فِي الْمِائَةِ، فَعَلَى هَذَا لَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي، لِذَا عُلِمَ الْحَالُ وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَاذِبٌ لِأَنَّ التِّسْعِينَ بَعْضُ الثَّمَنِ، وَفِي مُقَابَلَةِ جَمِيعِ (الْبَيْعِ) ، وَعَلَى هَذَا فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ.

وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً، ثُمَّ قَالَ كَذَبْت أَوْ هِيَ مُبْطَلَةٌ امْتَنَعَ الْحُكْمُ بِهَا، وَفِي بُطْلَانِ دَعْوَاهُ وَجْهَانِ (اخْتَارَ) صَاحِبُ التَّقْرِيبِ الْبُطْلَانَ لِأَنَّ الْكَذِبَ عِنْدَ الْأَشْعَرِيَّةِ عَدَمُ مُطَابَقَةِ الْخَبَرِ لِمَا فِي الْخَارِجِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الشَّخْصُ ذَلِكَ، وَعَنْ صُورَةِ الْجَهْلِ احْتَرَزَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» ، وَإِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمُنَافِقِينَ
(2/117)

{وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1] لِأَنَّهُمْ قَالُوا إنَّهُمْ يَشْهَدُونَ بِالرِّسَالَةِ وَهُمْ لَا يَشْهَدُونَ بِهَا لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِهَا اعْتِقَادُهَا أَوْ الْإِخْبَارُ بِهَا عَلَى وَجْهِ الِانْقِيَادِ وَمُوَاطَأَةُ الظَّاهِرِ لِلْبَاطِنِ وَأَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرِيدَ بِكَذِبِ الشُّهُودِ أَنَّهُمْ أَخْبَرُوا عَنْ غَيْرِ عِلْمٍ فَلَهُمْ حُكْمُ الْكَاذِبِينَ (إذْ) رَضُوا بِخَبَرٍ يُجَوِّزُونَ كَذِبَهُ جَوَازًا غَيْرَ بَعِيدٍ، (فَذَلِكَ) رِضًا بِالْكَذِبِ، وَهَذَا فِي قَوْلِهِ مُبْطِلِينَ غَيْرُ مُنَافٍ لِلظَّاهِرِ، فَيَجِبُ الْقَطْعُ بِهِ.

[الْخِبْرَةُ الْبَاطِنَة]
ُ قَالَ الْإِمَامُ: قَالَ الْأَئِمَّةُ: تُعْتَبَرُ فِي ثَلَاثِ شَهَادَاتٍ: الشَّهَادَةِ عَلَى أَنْ لَا وَارِثَ لَهُ وَالشَّهَادَةِ عَلَى الْعَدَالَةِ، وَعَلَى الْإِعْدَامِ. قُلْت: وَالْأُولَيَانِ مِنْ مَنْصُوصَاتِ الْأُمِّ، وَشَرْطُ الثَّانِيَةِ أَنْ تَكُونَ مَعْرِفَتُهُ مُتَقَادِمَةً، قَالَ الْإِمَامُ، وَإِنَّمَا (شَرَطْنَاهَا) فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِأَنَّ مُسْتَنَدَ الشَّهَادَةِ فِيهَا (السَّتْرُ) عَلَى وَجْهٍ لَا يُسْتَيْقَنُ، وَلَكِنْ مَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَى قَبُولِ الْبَيِّنَةِ فِي هَذِهِ الْمَنَازِلِ، وَالِاكْتِفَاءِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ، وَإِلَّا لَتَعَطَّلَ تَعْدِيلُ الشُّهُودِ وَتَسْلِيمُ التَّرِكَاتِ لِلْوَرَثَةِ، وَالِاكْتِفَاءُ وَلَتَخَلَّدَ الْحَبْسُ عَلَى الْمُعْسِرِ. قَالَ: ثُمَّ أَهْلُ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ مَنْ عَاشَرَهُ سَفَرًا وَحَضَرًا، وَكَانَ يَطَّلِعُ عَلَى بَاطِنِ حَالِهِ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ الْقَاضِي خِبْرَتَهُمْ بِإِخْبَارِهِمْ، وَلَا يُشْتَرَطُ (ذِكْرُهُ) فِي صِيغَةِ الشَّهَادَةِ، وَلَوْ عَلِمَ الْقَاضِي بِهِ فَلَا إشْكَالَ.
وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ صُورَةً رَابِعَةً، وَهِيَ إذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ غَيْبَةَ وَلِيِّهَا، فَنَصَّ الشَّافِعِيُّ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) ، أَنَّهُ لَا يُزَوِّجُهَا السُّلْطَانُ حَتَّى يَشْهَدَ
(2/118)

شَاهِدَانِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا وَلِيٌّ (خَاصٌّ حَاضِرٌ) ، وَأَنَّهَا خَلِيَّةٌ مِنْ النِّكَاحِ وَالْعِدَّةِ وَهَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ؟ وَجْهَانِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ وَلَا تُقْبَلُ فِي (هَذِهِ) إلَّا شَهَادَةُ مَنْ يَطَّلِعُ عَلَى حَالِهَا، كَمَا فِي شَهَادَةِ الْإِعْسَارِ وَحَصْرِ الْوَرَثَةِ.
وَخَامِسَةٌ ذَكَرَهَا الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ وَهِيَ الشَّهَادَةُ عَلَى الْبُلُوغِ بِالسِّنِّ.
(وَسَادِسَةٌ) مَنْصُوصَةٌ فِي الْمُخْتَصَرِ (وَهِيَ) الشَّهَادَةُ بِالرُّشْدِ.

[الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ]
«الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» (هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَمَعْنَاهُ مَا خَرَجَ مِنْ الشَّيْءِ مِنْ عَيْنٍ وَمَنْفَعَةٍ (وَغَلَّةٍ) فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي عِوَضَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ ضَمَانِ الْمِلْكِ، فَإِنَّهُ لَوْ تَلِفَ الْمَبِيعُ كَانَ مِنْ ضَمَانِهِ، فَالْغَلَّةُ لَهُ، لِيَكُونَ الْغُنْمُ فِي مُقَابَلَةِ الْغُرْمِ.
وَقَدْ ذَكَرُوا عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ سُؤَالَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْخَرَاجُ فِي مُقَابَلَةِ الضَّمَانِ لَكَانَتْ الزَّوَائِدُ قَبْلَ الْقَبْضِ لِلْبَائِعِ تَمَّ الْعَقْدُ أَوْ انْفَسَخَ إذْ لَا ضَمَانَ حِينَئِذٍ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ (مِنْهُمْ) بِذَلِكَ، (وَإِنَّمَا) يَكُونُ لَهُ إذَا تَمَّ الْعَقْدُ حِينَئِذٍ.
(2/119)

وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْخَرَاجَ يُعَلَّلُ قَبْلَ الْقَبْضِ بِالْمِلْكِ وَبَعْدَهُ بِالضَّمَانِ وَالْمِلْكِ جَمِيعًا، وَاقْتَصَرَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى التَّعْلِيلِ بِالضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ أَظْهَرُ عِنْدَ الْبَائِعِ، وَأَقْطَعُ لِطَلَبِهِ وَاسْتِبْعَادِهِ أَنَّ الْخَرَاجَ لِلْمُشْتَرِي (يَبْذُلُهُ) ، (فَقِيلَ لَهُ) إنَّ الْغُنْمَ فِي مُقَابَلَةِ الْغُرْمِ.
الثَّانِي: لَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ (الضَّمَانَ) لَزِمَ أَنْ تَكُونَ الزَّوَائِدُ لِلْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَهُ أَشَدُّ مِنْ ضَمَانِ غَيْرِهِ، وَمَتَى كَانَتْ الْعِلَّةُ أَشَدَّ كَانَ الْحُكْمُ فِيهَا أَوْلَى وَبِهَذَا اُحْتُجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) (فِي) أَنَّ الْغَاصِبَ لَا يَضْمَنُ مَنَافِعَ الْمَغْصُوبِ.
وَأُجِيبَ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِذَلِكَ فِي ضَمَانِ الْمِلْكِ وَجَعَلَ الْخَرَاجَ لِمَنْ هُوَ مَالِكُهُ إذَا تَلِفَ» (تَلِفَ) عَلَى مِلْكِهِ وَهُوَ الْمُشْتَرِي وَالْغَاصِبُ لَا يَمْلِكُ الْمَغْصُوبَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْخَرَاجَ هُوَ الْمَنَافِعُ جَعَلَهَا لِمَنْ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْغَاصِبَ لَا يَمْلِكُ الْمَنَافِعَ، بَلْ إذَا أَتْلَفَهَا، (فَالْخِلَافُ) فِي ضَمَانِهَا عَلَيْهِ، فَلَا يَتَنَاوَلُ مَوْضِعَ الْخِلَافِ، وَهَذَا جَوَابُ (الْإِمَامِ) الشَّافِعِيِّ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) .
(2/120)

نَعَمْ، خَرَجَ عَنْ (هَذَا مَسْأَلَةٌ) ، وَهِيَ مَا لَوْ أَعْتَقَتْ الْمَرْأَةُ عَبْدًا، فَإِنَّ وَلَاءَهُ يَكُونُ (لِابْنِهَا) ، وَلَوْ جَنَى (جِنَايَةً) خَطَأً فَالْعَقْلُ عَلَى عَصَبَتِهَا دُونَهُ وَقَدْ يَجِيءُ مِثْلُهُ فِي بَعْضِ الْعَصَبَاتِ يَعْقِلُ وَلَا يَرِثُ.

[الْخُطَبُ اثْنَتَا عَشْرَةَ]
َ أَرْبَعٌ فِي الصَّلَاةِ، وَأَرْبَعٌ فِي الْحَجِّ، وَأَرْبَعٌ فِي النِّكَاحِ.
فَالْأُوَلُ: خُطْبَتَا الْجُمُعَةِ وَهُمَا فَرْضَانِ، وَخُطْبَتَا الْعِيدَيْنِ، وَهُمَا سُنَّةٌ، وَكَذَلِكَ خُطْبَتَا الْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَكُلُّهَا مَثْنَى إلَّا الْكُسُوفَ فَتُجْزِئُ (فِيهَا) وَاحِدَةٌ عَلَى النَّصِّ، حَكَاهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ.
وَالثَّانِي: يَوْمَ سَابِعِ ذِي الْحِجَّةِ بَعْدَ الظُّهْرِ وَهِيَ فَرْدَةٌ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ بِمِنًى بَعْدَ الزَّوَالِ (خُطْبَتَيْنِ) قَبْلَ الظُّهْرِ وَخُطْبَةٌ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الزَّوَالِ.
(وَخُطْبَةُ يَوْمِ النَّفْرِ الْأَوَّلِ بَعْدَ الظُّهْرِ وَالْجَمْعِ بَعْدَ الصَّلَاةِ) ، إلَّا خُطْبَةَ عَرَفَةَ، فَإِنَّهَا قَبْلَهَا كَالْجُمُعَةِ.
وَالثَّالِثُ: الْخُطْبَةُ عِنْدَ الْخِطْبَةِ، وَعِنْدَ إجَابَةِ الْوَلِيِّ وَعِنْدَ الْعَقْدِ وَخُطْبَةُ الزَّوْجِ عِنْدَ الْقَبُولِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ سُرَاقَةَ فِي كِتَابِ الْأَعْدَادِ، فَقَالَ: كُلُّهَا سُنَّةٌ، إلَّا الْجُمُعَةُ وَخُطْبَةُ عَرَفَةَ (فَهُمَا فَرْضٌ يُفْعَلَانِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَ الزَّوَالِ) وَكَذَا قَالَ
(2/121)

الْمَاوَرْدِيُّ فِي بَابِ صَلَاةِ (الْعِيدِ كُلُّهَا) (تَتَعَقَّبُ) الصَّلَاةَ، إلَّا الْجُمُعَةَ وَعَرَفَةَ قَالَ وَمَا يَتَقَدَّمُ الصَّلَاةَ وَاجِبٌ، وَمَا يَتَعَقَّبُهَا سُنَّةٌ.

[الْخَطَأُ يَرْفَعُ الْإِثْمَ]
َ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» ، أَمَّا فِي الْحُكْمِ فَإِنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ الْعَامِدُ وَالْمُخْطِئُ فِيهَا سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ فِي بَعْضِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى كَقَتْلِ الصَّيْدِ وَالْخَطَأِ فِي الْعِبَادَةِ مَرْفُوعٌ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْقَضَاءِ، إنْ لَمْ يُؤْمَنْ (وُقُوعُ) مِثْلِهِ فِي الْمَفْعُولِ ثَانِيًا، كَمَا لَوْ أَخْطَأَ الْحَجِيجُ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَوَقَفُوا الْعَاشِرَ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ لَا يُؤْمَنُ فِي السِّنِينَ الْمُسْتَقْبَلَةِ.
وَمِثْلُهُ الْأَكْلُ فِي الصَّوْمِ نَاسِيًا وَمُفْسِدُ الْحَجِّ بِالْجِمَاعِ، إذَا أَفْسَدَ الْقَضَاءَ بِالْجِمَاعِ، لَمْ يَلْزَمْهُ غَيْرُ قَضَاءٍ وَاحِدٍ.
وَلَوْ اجْتَهَدُوا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَأَحْرَمُوا، ثُمَّ بَانَ الْخَطَأُ عَامًّا، فَهَلْ يَنْعَقِدُ حَجًّا كَمَا لَوْ وَقَفُوا الْعَاشِرَ (أَوْ عُمْرَةً) ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الرُّويَانِيُّ، أَمَّا إذَا أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَلَا يَكُونُ الْخَطَأُ عُذْرًا فِي إسْقَاطِ الْقَضَاءِ، كَمَا إذَا أَخْطَأَ الْحَجِيجُ فِي الْمَوْقِفِ فَوَقَفُوا فِي غَيْرِ عَرَفَةَ، فَيَلْزَمُهُمْ الْقَضَاءُ سَوَاءٌ كَانُوا جَمْعًا كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا، قَالَهُ الْجُرْجَانِيُّ فِي الْمُعَايَاةِ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ فِي الْمَوْقِفِ يُؤْمَنُ مِثْلُهُ فِي الْقَضَاءِ.
(2/122)

وَكَالْحَاكِمِ يَحْكُمُ بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ يَجِدُ النَّصَّ بِخِلَافِهِ، لَا يُعْتَدُّ بِحُكْمِهِ.
وَلَوْ صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ تَيَقَّنَ الْخَطَأَ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الْأَصَحِّ.
وَلَوْ اجْتَهَدَ فِي أَوَانِ أَوْ ثِيَابٍ ثُمَّ بَانَ أَنَّ الَّذِي (تَوَضَّأَ بِهِ أَوْ لَبِسَهُ) كَانَ نَجِسًا لَزِمَهُ الْإِعَادَةُ.
وَلَوْ صَلَّى بِنَجِسٍ لَمْ يَعْلَمْهُ، وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الْجَدِيدِ،
وَلَوْ صَلَّتْ الْأَمَةُ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ، ثُمَّ أُعْتِقَتْ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، وَكَانَ لَهَا سُتْرَةٌ وَلَمْ تَعْلَمْ بِالْعِتْقِ، إلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ فَقَوْلَانِ، كَالَّتِي قَبْلَهَا.
وَلَوْ تَرَكَ الْفَاتِحَةَ نَاسِيًا وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الْجَدِيدِ
وَلَوْ أَكَلَ الصَّائِمُ أَوْ جَامَعَ بِاجْتِهَادٍ مُعْتَقِدًا أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ، وَكَانَ قَدْ (طَلَعَ) ، أَوْ ظَنَّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ وَلَمْ (تَغْرُبْ) لَزِمَهُ الْقَضَاءُ وَلَوْ اجْتَهَدَ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ (أَوْ اجْتَهَدَ) فِي الصِّيَامِ فَوَافَقَ شَعْبَانَ وَتَبَيَّنَ الْحَالَ بَعْدَ انْقِضَاءِ رَمَضَانَ أَوْ أَحَجَّ عَنْ نَفْسِهِ، لِكَوْنِهِ مَعْضُوبًا فَبَرِئَ، أَوْ غَلِطُوا (فَوَقَفُوا) بِعَرَفَةَ الثَّامِنَ، أَوْ رَأَوْا سَوَادًا (فَظَنُّوهُ) عَدُوًّا، فَصَلَّوْا صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ فَبَانَ خِلَافُهُ أَوْ دَفَعَ الزَّكَاةَ لِمَنْ ظَنَّهُ فَقِيرًا، فَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ (قَوْلَانِ وَبَعْضُهُ مُرَتَّبٌ عَلَى بَعْضٍ أَوْ أَقْوَى، وَالصَّحِيحُ فِي الْجَمِيعِ أَنَّهُ لَا يَجْزِيهِ) .
(2/123)

[الْخَلْطُ بِمَا لَا يَتَمَيَّزُ بِمَنْزِلَةِ الْإِتْلَافِ]
ِ وَلِهَذَا لَوْ خَلَطَ الْوَدِيعَةَ بِمَالِهِ وَلَمْ تَتَمَيَّزْ ضَمِنَ.
وَلَوْ غَصَبَ حِنْطَةً أَوْ زَيْتًا وَخَلَطَهَا بِمِثْلِهَا فَهُوَ إهْلَاكٌ، حَتَّى يَنْتَقِلَ (ذَلِكَ) الْمَالُ إلَيْهِ وَيَتَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِهِ بَدَلُهُ، وَحِينَئِذٍ فَيَضْمَنُ ضَمَانَ الْمَغْصُوبِ وَلَمْ يَجْعَلُوهُ هَلَاكًا فِي (الْفَلَسِ) ، فَإِذَا خَلَطَ الْمُشْتَرِي صَاعُ (الْبَائِعِ) بِصَاعٍ مِثْلِهِ، ثُمَّ حُجِرَ عَلَيْهِ بِالْفَلَسِ أَخَذَ الْبَائِعُ صَاعًا مِنْهُ مُقَدَّمًا عَلَى الْغُرَمَاءِ وَلَمْ يَسْلُكُوا بِهِ فِي الْبَيْعِ مَسْلَكَ الْغَصْبِ، وَلَا الْفَلَسِ، بَلْ جَعَلُوهُ (تَعْيِيبًا) ، فَقَالُوا: لَوْ بَاعَ فَاخْتَلَطَتْ بِغَيْرِهَا قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ فِي الْأَصَحِّ لِبَقَاءِ (الْمَبِيعِ) ، وَيَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي.
وَلَوْ اخْتَلَطَ الثَّوْبُ بِأَمْثَالِهِ وَالشَّاةُ الْمَبِيعَةُ بِأَمْثَالِهَا، فَالصَّحِيحُ الِانْفِسَاخُ.
وَفِي فَتَاوَى النَّوَوِيِّ، لَوْ غَصَبَ دَرَاهِمَ أَوْ حِنْطَةً مِنْ جَمَاعَةٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ شَيْئًا مُعَيَّنًا، ثُمَّ خَلَطَ الْجَمِيعَ، وَلَمْ يَتَمَيَّزْ، ثُمَّ فَرَّقَ عَلَيْهِمْ جَمِيعَ الْمَخْلُوطِ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ يَحِلُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ قَدْرُ حَقِّهِ، وَإِنْ (فَرَّقَ) عَلَى بَعْضِهِمْ لَزِمَ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ أَنْ يُقَسِّمَ الْقَدْرَ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْهِ وَعَلَى (الْبَاقِينَ) بِالنِّسْبَةِ إلَى قَدْرِ أَمْوَالِهِمْ وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ يَصِيرُ مُشْتَرَكًا لَا مُسْتَهْلَكًا.
وَلَوْ أَوْصَى بِحِنْطَةٍ مُعَيَّنَةٍ، ثُمَّ خَلَطَهَا كَانَ رُجُوعًا فِي الْأَصَحِّ، وَقِيلَ إنْ خَلَطَ بِأَجْوَدَ فَرُجُوعٌ.
(2/124)

وَلَوْ أَوْصَى بِصَاعٍ مِنْ صُبْرَةٍ، ثُمَّ خَلَطَهَا بِأَجْوَدَ مِنْهَا فَرُجُوعٌ فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّهُ أَحْدَثَ بِالْخَلْطِ زِيَادَةً لَمْ يَرْضَ بِتَسْلِيمِهَا، أَوْ بِمِثْلِهَا فَلَا إذْ الْمُوصَى بِهِ كَانَ مُشَاعًا، فَلَا تَضُرُّهُ زِيَادَةُ الْخَلْطِ وَكَذَا بِأَرْدَأَ فِي الْأَصَحِّ.
وَفِي تَرْتِيبِ الْأَقْسَامِ لِلْمَرْعَشِيِّ، ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُ، لَوْ خَلَطَ الْحِنْطَةَ وَالشَّعِيرَ وَغَيْرَهَا مِنْ الْحُبُوبِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا (كَذَلِكَ) وَهُوَ عِنْدِي جَائِزٌ، لِإِمْكَانِ تَمْيِيزِهَا، وَإِنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ (مِنْهُمَا) بَقِيَّةً، وَلَكِنْ إذَا كَانَتْ فِضَّةً مُخْتَلِطَةً بِشَيْءٍ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ مَجْهُولٌ فَهُوَ كَتُرَابِ الْمَعْدِنِ الَّذِي نَصَّ الشَّافِعِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) عَلَى بُطْلَانِ بَيْعِهِ، وَكَأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى مَنْعِ الْمُعَامَلَةِ بِالْمَغْشُوشِ.

[الْخُلْفُ فِي الصِّفَةِ]
ِ (هَلْ) يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ (خُلْفِ) الْعَيْنِ الضَّابِطُ فِيهِ أَنَّ مَا قَامَ الْوَصْفُ فِيهِ مَقَامَ الرُّؤْيَةِ فَهُوَ مَحَلُّ الْقَوْلَيْنِ كَالنِّكَاحِ، فَإِذَا شَرَطَ فِي أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَصْفَ إسْلَامٍ أَوْ حُرِّيَّةٍ فَأَخْلَفَ فَالْأَظْهَرُ الصِّحَّةُ، وَيَتَخَيَّرُ إنْ بَانَ دُونَ الْمَشْرُوطِ.
وَأَمَّا مَا لَا يُغْنِي فِيهِ الْوَصْفُ عَنْ الرُّؤْيَةِ كَالْبَيْعِ، فَلَا يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ خُلْفِ الْعَيْنِ قَطْعًا، فَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا بِشَرْطِ أَنَّهُ كَاتِبٌ، فَبَانَ خِلَافَهُ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ قَطْعًا، وَلَكِنْ يَثْبُتُ فِيهِ الْخِيَارُ، وَمِنْ ذَلِكَ بَدَلُ الْخُلْعِ، فَإِذَا قَالَ خَالَعْتُكِ عَلَى هَذَا الثَّوْبِ الْمَرْوِيِّ، أَوْ عَلَى شَرْطِ أَنَّهُ مَرْوِيٌّ، وَكَانَ هَرَوِيًّا فَقَبِلَتْ طَلُقَتْ، قَالَ الْإِمَامُ، وَقَطَعَ الْأَئِمَّةُ
(2/125)

أَجْوِبَتَهُمْ بِهِ، فَإِنَّ الْفُرْقَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَلَا نَظَرَ إلَى خُلْفِ الصِّفَةِ الْمُشْتَرَطَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ خَالَعْتُكِ عَلَى هَذَا الْخَلِّ أَوْ هَذَا الْعَبْدِ فَبَانَ خَمْرًا أَوْ حُرًّا، فَالْفُرْقَةُ وَاقِعَةٌ، فَإِذَا كَانَ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَالِيَّةِ لَا يَمْنَعُ وُقُوعَ الْفُرْقَةِ، فَخُلْفُ الصِّفَةِ أَوْلَى.
وَمِنْ هَا هُنَا يَظْهَرُ ضَعْفُ مَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ (السَّرَخْسِيِّ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ لِحَاظِ أَنَّ الْخُلْفَ فِي الصِّفَةِ هَلْ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ خُلْفِ الْعَيْنِ أَمْ لَا.
وَمِنْهَا، لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ الْقَتْلَ (عَمْدًا، فَأَقَرَّ) بِالْقَتْلِ وَنَفَى الْعَمْدَ، فَهَلْ تُغَلَّظُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، كَمَا فِي أَصْلِ الْقَتْلِ.
وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّ الْمَوْصُوفَ آكَدُ مِنْ الصِّفَةِ، فَإِذَا حَلَفَ فَهَلْ لِلْمُدَّعِي طَلَبُ الدِّيَةِ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: فِيهِ قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ فِي الْخَطَأِ تَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ ابْتِدَاءً (أَمْ) تَلَقِّيًا، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَيْسَ لَهُ طَلَبُ الدِّيَةِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي فَيَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْخُلْفَ فِي الصِّفَةِ، هَلْ هُوَ كَالْخُلْفِ فِي الْمَوْصُوفِ، وَفِيهِ قَوْلَانِ مِنْ النِّكَاحِ، إنْ قُلْنَا نَعَمْ فَكَأَنَّهُ ادَّعَى مَالًا وَاعْتَرَفَ بِمَالٍ آخَرَ لَا يَدَّعِيهِ، وَإِنْ قُلْنَا لَا، طَالَبَ بِالدِّيَةِ، وَنَازَعَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ بِمَا يُوقَفُ عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِهِ.
أَمَّا اخْتِلَافُ الْجِنْسِ، فَهَلْ هُوَ (كَاخْتِلَافِ) الْعَيْنِ أَوْ الصِّفَةِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ.
(2/126)

وَلِهَذَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَى ثَوْبٍ بِعَيْنِهِ عَلَى أَنَّهُ كَتَّانٌ فَبَانَ قُطْنًا (أَوْ عَكْسَهُ) فَالْأَصَحُّ فَسَادُ الْعِوَضِ لِمَا (ذَكَرْنَاهُ) فَأَشْبَهَ مَا لَوْ خَالَعَ عَلَى عَبْدٍ فَقَبَضَ أَمَةً قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهَؤُلَاءِ قَالُوا: لَوْ بَاعَ ثَوْبًا عَلَى أَنَّهُ كَتَّانٌ فَبَانَ قُطْنًا فَسَدَ الْبَيْعُ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْمُصَحِّحَ لِلْعِوَضِ يُصَحِّحُ صُورَةَ الْبَيْعِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ.
وَلَوْ رَدَّ الْعَقْدَ فِي الصَّرْفِ عَلَى مُعَيَّنٍ، وَخَرَّجَ أَحَدُهُمَا نُحَاسًا بَطَلَ الْعَقْدُ، وَقِيلَ لَا تَغْلِيبًا لِلْإِشَارَةِ، وَيَحْتَاجُ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا (إذَا) اشْتَرَى زُجَاجَةً ظَنَّهَا جَوْهَرَةً يَصِحُّ وَلَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ.
وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي الْجِهَةِ فَلَا يَضُرُّ عَلَى الْمَذْهَبِ، كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ، فِيمَا إذَا قَالَ أَنْتَ أَعْتَقْت هَذَا الْعَبْدَ فَأَنْكَرَ ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُ وَذَكَرَ فِي بَابِ الْعَارِيَّةِ فِيمَا إذَا قَالَ الرَّاكِبُ أَعَرْتنِي هَذِهِ الدَّابَّةَ، وَقَالَ الْمَالِكُ (غَصَبْتهَا) خَرَّجَهُ الْبَغَوِيّ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الْجِهَةِ، وَقَالَ الْإِمَامُ لَا يُخَرَّجُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ مُتَّحِدَةٌ، وَلَا أَثَرَ لِلِاخْتِلَافِ فِي الْجِهَةِ مَعَ اتِّحَادِ الْعَيْنِ، وَلَوْ أَقَرَّ بِأَلْفٍ عَنْ ضَمَانٍ فَقَالَ الْمُقِرُّ لَهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى لَزِمَهُ فِي الْأَصَحِّ وَاخْتِلَافُ الْجِهَةِ لَا يَمْنَعُ (الْأَخْذَ) ، لَكِنَّ الرَّافِعِيَّ صَحَّحَ فِيمَا إذَا شَهِدَ شَاهِدٌ بِأَلْفٍ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ، وَآخَرُ عَلَى إقْرَارِهِ عَنْ قَرْضٍ عَدَمَ اللُّزُومِ وَبَنَاهُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ، وَهُوَ بِنَاءٌ لَا يَصِحُّ، وَوَجْهُ الْمَنْعِ فِي صُورَةِ الشَّهَادَةِ عَدَمُ تَوَارُدِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ.

[الْخِلَافُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ]
ُ الْأَوَّلُ: يُسْتَحَبُّ الْخُرُوجُ مِنْهُ بِاجْتِنَابِ مَا اُخْتُلِفَ فِي تَحْرِيمِهِ وَفِعْلِ مَا اُخْتُلِفَ فِي
(2/127)

وُجُوبِهِ، إنْ قُلْنَا كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُصِيبُ، وَكَذَا إنْ قُلْنَا إنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ إذَا كَانَ يُجَوِّزُ خِلَافَ مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وَنَظَرَ فِي مُتَمَسِّكِ مُخَالِفِهِ، فَرَأَى لَهُ مَوْقِعًا، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُرَاعِيَهُ عَلَى وَجْهٍ، وَكَذَا الْخِلَافُ بَيْنَ الْمُجْتَهِدَيْنِ، إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا إمَامًا لِمَا فِي الْمُخَالَفَةِ مِنْ الْخُرُوجِ (عَلَى) الْأَئِمَّةِ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) أَنَّهُ عَابَ عَلَى عُثْمَانَ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) صَلَاتَهُ بِمِنًى أَرْبَعًا وَصَلَّى مَعَهُ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: الْخِلَافُ شَرٌّ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْقَوَاعِدِ أَطْلَقَ بَعْضُ أَكَابِرِ الْأَصْحَابِ، قِيلَ وَيَعْنِي بِهِ (ابْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ) أَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الْخِلَافِ حَيْثُ وَقَعَ أَفْضَلُ مِنْ التَّوَرُّطِ فِيهِ، وَلَيْسَ كَمَا أَطْلَقَهُ، بَلْ الْخِلَافُ أَقْسَامٌ.
الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ فَالْخُرُوجُ مِنْ الْخِلَافِ (بِالِاجْتِنَابِ) أَفْضَلُ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ فِي الِاسْتِحْبَابِ وَالْإِيجَابِ، فَالْفِعْلُ أَفْضَلُ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ فِي الشَّرْعِيَّةِ، كَقِرَاءَةِ الْبَسْمَلَةِ فِي الْفَاتِحَةِ، فَإِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) وَاجِبَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) ، (وَكَذَلِكَ صَلَاةُ
(2/128)

الْكُسُوفِ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَنْقُولَةِ فِي الْحَدِيثِ) ، فَإِنَّهَا سُنَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) وَأَنْكَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - "، " فَالْفِعْلُ أَفْضَلُ ".
قَالَ وَالضَّابِطُ أَنَّ مَأْخَذَ الْخِلَافِ، إنْ كَانَ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ، فَلَا نَظَرَ إلَيْهِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ مِمَّا يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِمِثْلِهِ، وَإِنْ تَقَارَبَتْ الْأَدِلَّةُ، بِحَيْثُ لَا يَبْعُدُ قَوْلُ الْمُخَالِفِ كُلَّ الْبُعْدِ، فَهَذَا مِمَّا يُسْتَحَبُّ الْخُرُوجُ مِنْهُ حَذَرًا مِنْ كَوْنِ الصَّوَابِ مَعَ الْخَصْمِ انْتَهَى.
قُلْت: لِمُرَاعَاتِهِ شُرُوطٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَأْخَذُ الْمُخَالِفِ قَوِيًّا، فَإِنْ كَانَ وَاهِيًا لَمْ " يُرَاعَ " - كَالرِّوَايَةِ الْمَنْقُولَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِرَفْعِ الْيَدَيْنِ، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ أَنْكَرَهَا وَبِتَقْدِيرِ ثُبُوتِهَا لَا يَصِحُّ لَهَا مُسْتَنَدٌ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مُعَارِضَةٌ
(2/129)

لَهَا، وَكَذَلِكَ مَا نُقِلَ عَنْ " عَطَاءٍ " مِنْ إبَاحَةِ وَطْءِ الْجَوَارِي بِالْعَارِيَّةِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الرَّافِعِيِّ: إنَّمَا وَجَبَ الْحَدُّ، "؛ لِأَنَّهُمْ " لَمْ يُصَحِّحُوا النَّقْلَ عَنْهُ " فَإِنَّا " نَقُولُ وَلَوْ صَحَّ فَشُبْهَتُهُ " ضَعِيفَةٌ، لَا أَثَرَ لَهَا "، فَإِنَّ الْأَبْضَاعَ لَا تُبَاحُ بِالْإِذْنِ، كَمَا فِي بِضْعِ الْحُرَّةِ فَصَارَ كَشُبْهَةِ الْحَنَفِيِّ فِي النَّبِيذِ، فَإِنَّهُ لَا أَثَرَ لَهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الْمَذَاهِبِ السَّالِفَةِ، كَمَا ذَكَرْنَا أَوْ فِي مَذْهَبِنَا كَخِلَافِ الْإِصْطَخْرِيِّ فِي تَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ وَقَوْلُهُ إنَّمَا حُرِّمَ لِقُرْبِ عَهْدِ النَّاسِ " بِالْأَصْنَامِ ".
وَاعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْقَفَّالِ مُرَاعَاةُ الْخِلَافِ، وَأَنَّ ضَعْفَ الْمَأْخَذِ إذَا كَانَ فِيهِ احْتِيَاطٌ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي فَتَاوِيهِ، إذَا نَقَصَ " مِنْ " " الْقُلَّتَانِ " شَيْءٌ يَسِيرٌ " وَوَقَعَ فِيهِمَا " نَجَاسَةٌ، قَالَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَلِّدَ مَنْ يَقُولُ الْقُلَّتَيْنِ خَمْسُمِائَةِ " رَطْلٍ " تَحْدِيدًا، فَإِذَا نَقَصَ شَيْءٌ وَوَقَعَ فِيهَا نَجَسٌ تَأَثَّرَتْ وَحِينَئِذٍ يَتَيَمَّمُ ثُمَّ يَقْضِي بِنَاءً عَلَى الْمَذْهَبِ وَهُوَ أَنَّ هَذَا لَا يَتَأَثَّرُ بِالنَّجَاسَةِ، وَكَأَنَّهُ رَأَى اسْتِحْبَابَ الْإِعَادَةِ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ.
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي فِي التَّتِمَّةِ يُسْتَحَبُّ " التَّحْجِيلُ " فِي
(2/130)

التَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّ عِنْدَ " الْأَزْهَرِيِّ "، مَسْحَ جَمِيعِ " الْيَدِ " وَاجِبٌ لِيَخْرُجَ بِذَلِكَ عَنْ الْخِلَافِ، هَذَا مَعَ ثُبُوتِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بِالِاقْتِصَادِ عَلَى الْكَفَّيْنِ.
الثَّانِي: أَنْ لَا تُؤَدِّيَ مُرَاعَاتُهُ إلَى خَرْقِ الْإِجْمَاعِ، كَمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ كَانَ يَغْسِلُ أُذُنَيْهِ مَعَ الْوَجْهِ وَيَمْسَحُهُمَا مَعَ الرَّأْسِ وَيُفْرِدُهُمَا بِالْغَسْلِ مُرَاعَاةً لِمَنْ قَالَ إنَّهُمَا مِنْ الْوَجْهِ أَوْ الرَّأْسِ أَوْ عُضْوَانِ مُسْتَقِلَّانِ فَوَقَعَ فِي خِلَافِ الْإِجْمَاعِ، " إذْ " لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِالْجَمْعِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ مَنْ غَلَّطَهُ فِي ذَلِكَ فَغَالَطَ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " وَالْأَصْحَابَ اسْتَحَبُّوا غَسْلَ " النَّزْعَتَيْنِ " مَعَ الْوَجْهِ مَعَ أَنَّهُمَا يُمْسَحَانِ فِي الرَّأْسِ أَيْ لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ مَنْ قَالَ هُمَا مِنْ الْوَجْهِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ " بِوُجُوبِ " غَسْلِهِمَا وَمَسْحِهِمَا، وَمَعَ ذَلِكَ اسْتَحَبُّوهُ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ مُمْكِنًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَلَا يُتْرَكُ الرَّاجِحُ
(2/131)

عِنْدَ مُعْتَقَدِهِ لِمُرَاعَاةِ الْمَرْجُوحِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عُدُولٌ عَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ اتِّبَاعِ مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ قَطْعًا.
وَمِثَالُهُ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي اشْتِرَاطِ الْمِصْرِ الْجَامِعِ فِي انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ، لَا يُمْكِنُ مُرَاعَاتُهُ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ إنَّ أَهْلَ الْقُرَى إذَا بَلَغَتْ الْعَدَدَ الَّذِي يَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ لَزِمَتْهُمْ، وَلَا " يَجْزِيهِمْ " الظُّهْرُ فَلَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ.
وَمِثْلُهَا أَيْضًا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا إنَّ مَنْ تَقَدَّمَ الْإِمَامَ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ إعَادَتُهَا، فَإِنَّ الْقَائِلَ بِهَذَا الْوَجْهِ، لَا يُمْكِنُ مَعَهُ مُرَاعَاةُ الْقَائِلِ بِأَنَّ تَكْرَارَ الْفَاتِحَةِ مَرَّتَيْنِ مُبْطِلٌ، إلَّا أَنْ يَخُصَّ الْبُطْلَانَ بِغَيْرِ " الْعُذْرِ ".
" وَمِثْلُهَا " أَيْضًا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ مَصِيرُ ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَيْهِ، وَقَوْلُ الْإِصْطَخْرِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا إنَّ هَذَا آخِرُ وَقْتِ الْعَصْرِ مُطْلَقًا وَيَصِيرُ بَعْدَهُ قَضَاءٌ، وَإِنْ كَانَ هَذَا وَجْهًا ضَعِيفًا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْخُرُوجُ مِنْ خِلَافِهِمَا جَمِيعًا، وَكَذَلِكَ الصُّبْحُ، فَإِنَّ عِنْدَ الْإِصْطَخْرِيِّ " أَنْ " يَخْرُجَ وَقْتُ الْجَوَازِ بِالْأَسْفَارِ وَذَلِكَ الْوَقْتُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " هُوَ الْأَفْضَلُ قُلْت يُمْكِنُ " بِفِعْلِهَا " مَرَّتَيْنِ فِي الْوَقْتَيْنِ وَكَذَلِكَ أَيْضًا يَضْعُفُ الْخُرُوجُ مِنْ الْخِلَافِ، إذَا أَدَّى " الْمَنْعَ " مِنْ الْعِبَادَةِ لِقَوْلِ الْمُخَالِفِ بِالْكَرَاهَةِ أَوْ الْمَنْعِ كَالْمَشْهُورِ مِنْ قَوْلِ
(2/132)

مَالِكٍ إنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَتَكَرَّرُ فِي السَّنَةِ، وَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " إنَّهَا تُكْرَهُ " لِلْمُقِيمِ بِمَكَّةَ " فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَلَيْسَ التَّمَتُّعُ مَشْرُوعًا لَهُ وَرُبَّمَا قَالُوا إنَّهَا تُحَرَّمُ فَلَا يَنْبَغِي لِلشَّافِعِيِّ مُرَاعَاةُ ذَلِكَ، لِضَعْفِ مَأْخَذِ الْقَوْلَيْنِ، وَلِمَا يُفَوِّتُهُ مِنْ كَثْرَةِ الِاعْتِمَارِ، وَهُوَ مِنْ الْقُرُبَاتِ الْفَاضِلَةِ.
أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَيَنْبَغِي الْخُرُوجُ مِنْ الْخِلَافِ، لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ فِيهِ زِيَادَةُ تَعَبُّدٍ كَالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ يَجِبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَكَذَلِكَ الِاسْتِنْشَاقُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغَسْلِ مِنْ وُلُوغِ كَلْبٍ ثَمَانِي مَرَّاتٍ وَالْغَسْلُ مِنْ سَائِرُ النَّجَاسَاتِ ثَلَاثًا " لِخِلَافِ " أَبِي حَنِيفَةَ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَسَبْعًا لِخِلَافِ أَحْمَدَ، وَالتَّسْبِيحُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِخِلَافِ أَحْمَدَ فِي وُجُوبِهَا، وَالتَّبْيِيتُ فِي نِيَّةِ صَوْمِ النَّفْلِ فَإِنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " وُجُوبُهُ، وَإِتْيَانُ الْقَارِنِ بِطَوَافَيْنِ وَسَعْيَيْنِ مُرَاعَاةً لِخِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - "، وَالْمُوَالَاةُ بَيْنَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) يُوجِبُهَا وَكَذَلِكَ التَّنَزُّهُ عَنْ بَيْعِ الْعِينَةِ وَنَحْوُهُ " مِنْ " الْعُقُودِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا.
وَأَصْلُ هَذَا الِاحْتِيَاطِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ: فَأَمَّا أَنَا فَأُحِبُّ أَنْ لَا أَقْصُرَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ احْتِيَاطًا عَلَى نَفْسِي.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ أَفْتَى بِمَا قَامَتْ الدَّلَالَةُ عِنْدَهُ عَلَيْهِ أَيْ مِنْ مَرْحَلَتَيْنِ ثُمَّ احْتَاطَ لِنَفْسِهِ اخْتِيَارًا لَهَا، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ أَرَادَ خِلَافَ أَبِي حَنِيفَةَ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " وَهُوَ كَقَوْلِهِ فِي
(2/133)

الصَّلَاةِ خَلْفَ الْمَرِيضِ الْقَاعِدِ قَائِمًا الْأَفْضَلُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ صَحِيحًا يُصَلِّي بِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ وَكَقَوْلِهِ إذَا حَلَفَ فَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يُكَفِّرَ بِالْمَالِ إلَّا بَعْدَ الْحِنْثِ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ وَقَدْ أُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ شَرَطَ لِلْقَصْرِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهِنَّ فَكَانَ يَنْبَغِي اعْتِبَارُهُ وَالْجَوَابُ ضَعْفُ دَلِيلَ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا وَقُوَّةُ دَلِيلِهَا.
وَمِنْ هُنَا كَانَ الصَّوْمُ أَفْضَلَ لِلْمُسَافِرِ إنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ " بِهِ " وَإِنْ كَانَتْ الظَّاهِرِيَّةُ لَا يَرَوْنَهُ جَائِزًا إذْ لَا يُعْتَبَرُ خِلَافُهُمْ فِيمَا ضَعُفَ مَأْخَذُهُ وَأَمَّا قَوْلُ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ إنَّ الشَّافِعِيَّ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " اعْتَبَرَ خِلَافَ " دَاوُد " فِي الْكِتَابَةِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْقُوَّةِ وَالْأَمَانَةِ فَقَدْ " غَلَّطَهُ " فِيهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ فَإِنَّ دَاوُد لَمْ يُدْرِكْ زَمَنَ الشَّافِعِيِّ " رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ ".
قُلْت: إنَّمَا أَرَادَ دَاوُد بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَطَّارَ " " أَحَدَ أَشْيَاخِ " الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " سَمِعْت ذَلِكَ " عَنْ " بَعْضِ الْأَشْيَاخِ.
سُؤَالٌ: " لِمَ اعْتَبَرْتُمْ " الْخِلَافَ وَإِنْ وَهِيَ عَلَى رَأْيٍ ضَعِيفٍ فِي مَسْأَلَةِ عَطَاءٍ فِي
(2/134)

إبَاحَةِ الْجَوَارِي فَلَمْ تُوجِبُوا الْحَدَّ عَلَى وَجْهٍ وَلَمْ تَعْتَبِرُوا خِلَافَ أَبِي حَنِيفَةَ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ بَلْ أَوْجَبْتُمْ الْقِصَاصَ جَزْمًا فَهَلَّا أَجْرَيْتُمْ خِلَافًا كَمَا أَجْرَيْتُمْ فِي مَسْأَلَةِ عَطَاءٍ وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ.
وَأَجَابَ بَعْضُ مَنْ لَا تَحْقِيقَ عِنْدَهُ بِأَنَّ عَطَاءً أَجَلُّ مِنْ الْمُخَالِفِينَ فِي مَسْأَلَةِ الْمُثْقَلِ فَمِنْ ثَمَّ اُعْتُبِرَ عَلَى رَأْيٍ وَإِنْ ضَعُفَ وَهَذَا جِوَابُ بِالْجَاهِ فَإِنَّا لَا نَنْظُرُ إلَى الْقَائِلِينَ وَإِنَّمَا نَنْظُرُ إلَى الْأَقْوَالِ وَمَآخِذِهَا.
" وَإِنَّمَا الْجَوَابُ " أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " لَمْ يَقُلْ بِحِلِّ قَتْلِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِالْمُثْقَلِ بَلْ هُوَ عِنْدَهُ عَظِيمٌ مِنْ الْوِزْرِ وَإِنَّمَا خَالَفَ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ بِهِ وَعَطَاءٌ أَبَاحَ الْجَوَارِي بِالْعَارِيَّةِ فَلَوْ أَبَاحَ أَبُو حَنِيفَةَ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " فِي الْمُثْقَلِ مَا أَبَاحَهُ عَطَاءٌ فِي الْجَوَارِي لَرُوعِيَ خِلَافُهُ وَإِنَّمَا هُوَ مُوَافِقٌ لَنَا عَلَى التَّحْرِيمِ وَمَنْ عَلِمَ حُرْمَةَ شَيْءٍ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ الْحَدُّ وَجَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ لَمْ يَنْفَعْهُ جَهْلٌ بِالْحَدِّ بِخِلَافِ مَنْ جَهِلَ الْحُرْمَةَ أَوْ يُنَازِعُ فِيهَا.
فَائِدَةٌ قَالُوا يَجِبُ الْحَدُّ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ إنْ صَحَّ رُجُوعُ " ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - "
(2/135)

لِحُصُولِ الْإِجْمَاعِ وَاسْتَشْكَلَهُ الرَّافِعِيُّ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُمْ نَقَلُوا عَنْ " زُفَرَ " " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " أَنَّهُ أَلْغَى التَّأْقِيتَ وَصَحَّحَ النِّكَاحَ مُؤَبَّدًا فَيَسْقُطُ الْحَدُّ لِذَلِكَ وَيُعَضِّدُهُ أَنَّهُ صَحَّ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ السَّلَفِ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - " وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ الرُّجُوعُ فَإِنْ لَمْ نُصَحِّحْ رُجُوعَ ابْنِ عَبَّاسٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - " فَقَدْ أَجْمَعُوا بَعْدَهُ عَلَى بُطْلَانِهَا.
فَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ إذَا اخْتَلَفَ أَهْلُ عَصْرٍ فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى قَوْلَيْنِ ثُمَّ اتَّفَقَ مَنْ بَعْدَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ يَصِيرُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ (وَجَبَ) الْحَدُّ وَإِلَّا فَلَا كَالْوَطْءِ فِي سَائِرِ الْأَنْكِحَةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا وَهُوَ الْأَصَحُّ.
وَقَدْ يُقَالُ فِي الْجَزْمِ بِوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ مُحَقَّقٌ وَإِنْ ادَّعَى الْأَوَّلُ نَفْيَهُ.
وَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ إذَا أَذِنَ " الرَّاهِنُ " لِلْمُرْتَهِنِ فِي وَطْءِ الْمَرْهُونَةِ فَوَطِئَهَا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ قِيلَ لَا يُحَدُّ لِخِلَافِ عَطَاءٍ.
وَالصَّحِيحُ وُجُوبُهُ فَقِيلَ إنَّ هَذَا يَبْطُلُ " بِنِكَاحِ " الْمُتْعَةِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِالْوَطْءِ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ قَائِلٌ الْيَوْمَ فَقَالَ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بِهِ قَوْمٌ مِنْ بَعْدِ الْخِلَافِ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ وَالْأَخْبَارُ فِيهِ كَثِيرَةٌ بِخِلَافِ هَذَا.
قِيلَ لَهُ: فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ وَبَيْنَ شُرْبِ الْمُسْكِرِ حَيْثُ أُوجِبَ الْحَدُّ هُنَاكَ وَلَمْ يُوجَبْ هَا هُنَا فَقَالَ:؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ
(2/136)

هُنَاكَ وَقَعَ فِي الْحَدِّ، وَالْخِلَافُ فِي الْحَدِّ لَا يُسْقِطُ الْحَدَّ كَمَا أَنَّ الْخِلَافَ فِي الشَّيْءِ الْمَسْرُوقِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْقَطْعِ وَلَا نَظَرَ إلَى الْخِلَافِ كَذَا هَا هُنَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ وَقَعَ فِي إبَاحَةِ ذَلِكَ الْوَطْءِ وَفِي انْعِقَادِ النِّكَاحِ قِيلَ لَهُ وَكَذَلِكَ هَا هُنَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي أَنَّ شُرْبَهُ مُبَاحٌ أَمْ لَا فَعِنْدَنَا لَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " مُبَاحٌ، فَلَمْ يَنْفَصِلْ عَنْهُ بِشَيْءٍ.
وَكَتَبَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ دُوَيْرٌ الْكَرْخِيُّ عَلَى الْحَاشِيَةِ جَوَابًا عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ فَقَالَ: حَدُّ الْخَمْرِ لِلْجِنَايَةِ عَلَى الْعَقْلِ الْمُفْضِيَةِ إلَى الْمَفَاسِدِ وَالْقَلِيلُ يَدْعُو إلَى الْكَثْرَةِ الْمُفْسِدَةِ فَزُجِرَ عَنْهُ تَأْكِيدًا وَهُوَ أَمْرٌ حِسِّيٌّ كَمَا فِي الْخَمْرِ وَحَدُّ الزِّنَى لِإِفْسَادِ الْفَرْشِ فِي مَوْضِعِ " إتْيَانِ " الْأَمَةِ وَذَلِكَ حُكْمٌ لَمْ يَثْبُتْ هَا هُنَا مَعَ إجَازَةِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ مُضَافًا إلَى الشَّرْعِ بِالدَّلِيلِ فَلِذَلِكَ " سَقَطَ " " وَلِهَذَا " لَا يَمْنَعُ الشَّهَادَةَ.

الثَّانِي: إذَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي وُجُوبِ شَيْءٍ فَأَتَى بِهِ مَنْ لَا يَعْتَقِدُ وُجُوبَهُ احْتِيَاطًا كَالْحَنَفِيِّ يَنْوِي فِي الْوُضُوءِ وَيُبَسْمِلُ فِي الصَّلَاةِ فَهَلْ يَخْرُجُ مِنْ الْخِلَافِ وَتَصِيرُ الْعِبَادَةُ مِنْهُ صَحِيحَةً بِالْإِجْمَاعِ؟ قَالَ " الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ " لَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ الْخِلَافِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ
(2/137)

يَأْتِ بِهِ عَلَى اعْتِقَادِ وُجُوبِهِ، وَمَنْ اقْتَدَى بِهِ " مِمَّنْ يُخَالِفُهُ " لَا تَكُونُ صَلَاتُهُ صَحِيحَةً بِالْإِجْمَاعِ وَقَالَ الْجُمْهُورُ بَلْ يَخْرُجُ لِأَجَلِ وُجُودِ الْفِعْلِ وَعَلَى هَذَا فَلَوْ كَانَ هُنَاكَ حَنَفِيٌّ هَذَا حَالُهُ وَآخَرُ يَعْتَقِدُ وُجُوبَهُ فَالصَّلَاةُ خَلْفَ الثَّانِي أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِالْأَوَّلِ عَنْ الْخِلَافِ بِالْإِجْمَاعِ فَلَوْ قَلَّدَ فِيهِ " فَكَذَلِكَ " لِلْخِلَافِ فِي امْتِنَاعِ التَّقْلِيدِ.
فَإِنْ قِيلَ هَلْ مِنْ طَرِيقٍ فِي الْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ فِي الصَّلَاةِ بِالْإِجْمَاعِ. قُلْت قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْإِتْيَانَ بِهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادِ إيجَابِهِ لَا يَكْفِي عَلَى رَأْيٍ، وَتَقْلِيدُ مَنْ يَرَى الْوُجُوبَ " فِيهِ " وَاعْتِقَادَ " حَقِيقَتِهِ " لَا يَكْفِي أَيْضًا؛ لِأَنَّ فِي الِانْتِقَالِ مِنْ الْمَذَاهِبِ خِلَافٌ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَدِّرَ فِعْلَ ذَلِكَ لِيَقَعَ وَاجِبًا وَلَوْ مَسَحَ الشَّافِعِيُّ جَمِيعَ رَأْسِهِ فِي الْوُضُوءِ وَصَلَّى خَلْفَهُ الْمَالِكِيُّ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ الْخِلَافِ وَلَا يَجْرِي فِيهِ خِلَافُ أَبِي إِسْحَاقَ لِأَمْرَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إذَا مَسَحَ الْجَمِيعَ يَقَعُ وَاجِبًا عَلَى رَأْيٍ عِنْدَنَا.
الثَّانِي: أَنَّ " الْإِمَامَ " الشَّافِعِيَّ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " " بَدَأَ " فِي " نِيَّةِ " الْوُضُوءِ بِإِجْمَاعٍ وَهَذِهِ النِّيَّةُ اقْتَضَتْ عِنْدَ مَالِكٍ " - رَحِمَهُ اللَّهُ -، " وُجُوبَ مَسْحِ الرَّأْسِ فَوَقَعَ مَسْحُ
(2/138)

الرَّأْسِ بِنِيَّةٍ وَاجِبَةٍ؛ لِأَنَّ تَفْصِيلَ النِّيَّةِ عِنْدَ كُلِّ عُضْوٍ " غَيْرُ " وَاجِبٍ لِدُخُولِهِ فِي النِّيَّةِ الْمُطْلَقَةِ فَظَهَرَ أَنَّهُ إذَا مَسَحَ جَمِيعَ رَأْسِهِ خَرَجَ مِنْ خِلَافِ مَالِكٍ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " وَإِنْ اعْتَقَدَ النَّدْبَ فِي مَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ.
" نَعَمْ " يَنْبَغِي أَنْ يَمْسَحَ الْجَمِيعَ بِنِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ، فَإِنْ مَسَحَ بِنِيَّةِ النَّدْبِ كَانَ صَارِفًا عَنْ وُقُوعِهِ عَنْ الْإِيجَابِ عِنْدَ مَالِكٍ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - ".
وَاعْلَمْ أَنَّ كَلَامَ الْقَفَّالِ يَقْتَضِي مُوَافَقَةَ الْأُسْتَاذِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي فَتَاوِيهِ اخْتِيَارِي أَنْ أُوتِرَ بِرَكْعَةٍ. فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ وَيَكُونَ احْتِيَاطًا كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " فِي الْقَصْرِ فِي " ثَلَاثٍ " قُلْنَا: هَذَا لَا يُشْبِهُ ذَاكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ وَقَعَدَ فِي " الثَّانِيَةِ " لِلتَّشَهُّدِ كَمَا يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " لَا يَكُونُ ذَلِكَ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَنْوِي بِهِ التَّطَوُّعَ وَإِنْ اتَّفَقَ الْفِعْلَانِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " يُؤَدِّي الْوِتْرَ بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ وَإِنْ نَوَى بِتِلْكَ الصَّلَاةِ الْوِتْرَ فَقَطْ لَا يَكُونُ أَيْضًا خُرُوجًا بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ اعْتِقَادَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْوِتْرَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَهُوَ وَإِنْ نَوَى الْوِتْرَ لَا يَكُونُ (تَامًّا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ الْخِلَافِ لِتَضَادِّ الِاعْتِقَادِ وَفِيمَا دُونَ ثَلَاثِ مَرَاحِلَ الْإِتْمَامُ) أَوْلَى مِنْ الْقَصْرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَنْبَنِي عَلَى أَصْلٍ، وَإِذَا بَلَغَ ثَلَاثَ مَرَاحِلَ حِينَئِذٍ نَأْمُرُهُ بِالْقَصْرِ فَيَنْتَقِلُ مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ بِيَقِينٍ.
(2/139)

الثَّالِثُ: أَنَّ الْإِنْكَارَ مِنْ الْمُنْكِرِ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا " اُجْتُمِعَ " عَلَيْهِ فَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ فَلَا إنْكَارَ فِيهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، أَوْ الْمُصِيبُ وَاحِدٌ وَلَا نَعْلَمُهُ، وَلَمْ يَزَلْ " الْخِلَافُ " بَيْنَ السَّلَفِ فِي الْفُرُوعِ وَلَا يُنْكِرُ أَحَدٌ عَلَى غَيْرِهِ مُجْتَهَدًا فِيهِ وَإِنَّمَا يُنْكِرُونَ مَا خَالَفَ نَصًّا أَوْ إجْمَاعًا قَطْعِيًّا أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا وَهَذَا إذَا كَانَ الْفَاعِلُ لَا يَرَى تَحْرِيمَهُ فَإِنْ كَانَ يَرَاهُ فَالْأَصَحُّ الْإِنْكَارُ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْوَلِيمَةِ.
فَإِنْ قِيلَ فَلَوْ شَرِبَ الْحَنَفِيُّ النَّبِيذَ حَدَدْنَاهُ وَأَيُّ إنْكَارٍ أَعْظَمُ مِنْ الْحَدِّ، قُلْنَا: لِأَنَّ الْحَدَّ إلَى الْإِمَامِ فَاعْتُبِرَ فِيهِ عَقِيدَتُهُ وَالْإِنْكَارُ " يَعْتَمِدُهُ " عَقِيدَةُ الْفَاعِلِ وَلِهَذَا لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ.

الرَّابِعُ: قَدْ يُرْتَكَبُ فِي الْمُنَاظَرَةِ الْخِلَافُ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ وَقَدْ يَكُونُ صَاحِبُهُ فِي مُهْلَةِ النَّظَرِ فَلَا يَنْبَغِي نَقْلُهُ إلَّا إذَا تَحَقَّقَ اسْتِقْرَارُهُ عَلَيْهِ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَحْسُنْ نَقْلُ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ وَجْهًا فِي صَوْمِ النَّفْلِ بَعْدَ الْأَكْلِ قَبْلَ الزَّوَالِ عَنْ أَبِي زَيْدٍ فَإِنَّهُ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسِ " الْمُرَافَعَةِ "، كَمَا حَكَاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَغَيْرُهُ، وَكَذَلِكَ نَقْلُهُ عَنْ " أَبِي يَعْقُوبَ الْأبِيوَرْدِيِّ " جَوَازَ طَوَافِ الْوَدَاعِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ، قَالَ الْإِمَامُ، وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا
(2/140)

مِنْ حَيْثُ " إنَّهُ " أَلْزَمُ وَقِيلَ لَهُ: لَوْ جَازَ جَبْرُ طَوَافِ " الْوَدَاعِ بِالدَّمِ " لَجَازَ جَبْرُ الطَّهَارَةِ " بِهِ " كَالدَّمِ فَارْتَكَبَهُ، وَقَالَ يُجْبَرُ بِالدَّمِ، وَهَذَا غَلَطٌ، فَإِنَّ الْجَبْرَ لِلطَّوَافِ لَا لِلطَّهَارَةِ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُ الْأَصْحَابِ إنَّ الْمَنْصُورَ فِي الْخِلَافِ أَنَّ الْخُلْعَ فَسْخٌ، وَإِنْ كَانَ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ طَلَاقٌ.

الْخَامِسُ: ذَكَرَ " ابْنُ هُبَيْرَةَ " فِي مَسَائِلِ الْإِجْمَاعِ أَنَّهُ " قَدْ " يَتَعَذَّرُ الْخُرُوجُ مِنْ الْخِلَافِ، كَمَا فِي الْبَسْمَلَةِ فَإِنَّ الْجَهْرَ بِهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " هُوَ السُّنَّةُ (وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " وَأَحْمَدَ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " الْإِسْرَارُ هُوَ السُّنَّةُ) ، وَعِنْدَ مَالِكٍ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " التَّرْكُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَقَدْ يُقَالُ إذَا كَانَ الْمَنْعُ مَعَ الْأَكْثَرِ كَانَ هُوَ الْأَوْلَى، هَذَا فِي الْمُقَلِّدِ، فَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ فَمَعَ اجْتِهَادِهِ، قَالَ: عَلَى أَنَّ الْمُجْتَهِدَ الْيَوْمَ لَا يُتَصَوَّرُ لِاجْتِهَادِهِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الَّتِي قَدْ تَحَرَّرَتْ فِي الْمَذَاهِبِ ثَمَرَةٌ؛ لِأَنَّ الْفُقَهَاءَ " - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - " الْمُتَقَدِّمِينَ قَدْ فَرَغُوا مِنْ ذَلِكَ وَأَتَوْا بِمَبَالِغِ الْأَقْسَامِ لَهَا فَلَا يُؤَدِّي اجْتِهَادُ الْمُجْتَهِدِ، إلَّا إلَى مِثْلِ مَذْهَبِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ انْتَهَى.
(2/141)

وَمِنْ هَذَا " أَيْضًا " قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ قَدْ يَتَعَذَّرُ الْوَرَعُ عَلَى الْحَاكِمِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ، كَمَا إذَا كَانَ لِيَتِيمٍ عَلَى يَتِيمٍ حَقٌّ مُخْتَلَفٌ فِي وُجُوبِهِ، فَلَا " يُمْكِنُهُ " الصُّلْحُ هَا هُنَا " إذْ لَا " يَجُوزُ الْمُسَامَحَةُ بِمَالِ أَحَدِهِمَا، وَعَلَى الْحَاكِمِ التَّوَرُّطُ فِي الْخِلَافِ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ.

السَّادِسُ: إذَا اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي إيقَاعِ الْعِبَادَاتِ عَلَى أَوْجُهٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَمِنْ الْعُلَمَاءِ (- رَحِمَهُمُ اللَّهُ -) مَنْ سَلَكَ طَرِيقَةَ التَّرْجِيحِ بِاخْتِيَارِ " أَحَدِهِمَا "، وَهِيَ طَرِيقَةُ " الْإِمَامِ " الشَّافِعِيِّ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " غَالِبًا.
وَمِنْهُمْ مَنْ سَلَكَ طَرِيقَةَ الْجَمْعِ بِفِعْلِهَا فِي أَوْقَاتٍ وَيَرَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ مِنْ الْجِنْسِ الْمُبَاحِ، وَهُوَ رَأْيُ ابْنِ سُرَيْجٍ، وَلِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ: مِنْهَا " الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي دُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ "، وَرَجَّحَ الشَّافِعِيُّ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " " حَدِيثَ التَّوَجُّهِ " لِمُوَافَقَتِهِ لِلْقُرْآنِ.
(2/142)

وَمِنْهَا " أَحَادِيثُ التَّشَهُّدِ " وَرَجَّحَ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " " أَحَادِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ، لِمُوَافَقَتِهِ لِلْقُرْآنِ، وَلِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَحْدَثِ.
وَمِنْهَا كَيْفِيَّةُ قَبْضِ أَصَابِعِ الْيُمْنَى عَلَى الرُّكْبَةِ فِي التَّشَهُّدِ " فِيهِ أَوْجُهٌ " لِاخْتِلَافِ " الْأَحَادِيثِ "، " وَأَصَحُّهَا أَنَّهُ يَضَعُهَا تَحْتَ الْمِسْبَحَةِ، كَأَنَّهُ عَاقِدٌ ثَلَاثًا وَخَمْسِينَ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ: وَكَيْفَ مَا فَعَلَ مِنْ هَذِهِ الْهَيْئَاتِ،
(2/143)

فَقَدْ أَتَى بِالسُّنَّةِ؛ لِأَنَّ الْأَخْبَارَ قَدْ وَرَدَتْ بِهَا جَمِيعًا وَكَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَصْنَعُ هَكَذَا مَرَّةً وَهَكَذَا مَرَّةً، كَذَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ وَنَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ فِي شَرْحِ الْوَجِيزِ عَنْ الْمُحَقِّقِينَ.
وَمِنْهَا الْجَمْعُ فِي إجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ بَيْنَ الْحَيْعَلَةِ وَالْحَوْقَلَةِ عَمَلًا " بِحَدِيثِ التَّفْصِيلِ " " وَالْإِطْلَاقِ "، " لَكِنَّ " الْإِمَامَ " الشَّافِعِيَّ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " أَخَذَ بِحَدِيثِ التَّفْصِيلِ "؛ لِأَنَّهُ مُفَسِّرٌ مُبَيِّنٌ وَهُوَ قَاضٍ عَلَى " الْمُجْمَلِ "
وَمِنْهَا الْخِلَافُ فِي تَثْنِيَةِ الْأَذَانِ وَإِفْرَادِ الْإِقَامَةِ نَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي الْمُبَاحِ، وَلَيْسَ بَعْضُهُ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ، ثُمَّ قَالَ وَهَذَا قَوْلٌ " مُنْطَرِحٌ " بِإِجْمَاعِ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى أَنَّ الْخِلَافَ فِي أَوْلَاهُ وَأَفْضَلِهِ وَنَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ
(2/144)

ابْنِ خُزَيْمَةَ " نَحْوَ مَا قَالَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ.
وَمِنْهَا الِاخْتِلَافُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ " وَبَعْدَهُ "، وَرَجَّحَ الشَّافِعِيُّ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " قَبْلَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ أَحْدَثُ الْأَمْرَيْنِ وَفِي مَوْضِعٍ جَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَحُمِلَ مَا قَبْلَهُ عَلَى مَا إذَا كَانَ بِنَقْصٍ وَبَعْدَهُ عَلَى مَا إذَا كَانَ بِزِيَادَةٍ وَحُمِلَ اخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ عَلَيْهِ.
وَمِنْهَا صَلَاةُ الْخَوْفِ فِي الْأَنْوَاعِ الْمَشْهُورَةِ، وَنَزَّلَهَا الشَّافِعِيُّ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " عَلَى كَوْنِ الْعَدُوِّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ تَارَةً، وَعَلَى " مَا إذَا " " لَمْ يَكُنْ " أُخْرَى وَأَخَذَ فِي صَلَاةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ " بِرِوَايَةِ سَهْلٍ " وَقَدَّمَهَا عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ؛ لِأَنَّهَا أَحْوَطُ
(2/145)

لِلْحَرْبِ وَأَقَلُّ مُخَالَفَةً لِقَاعِدَةِ الصَّلَاةِ وَمِنْهَا عَدَدُ التَّكْبِيرَاتِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ مَا وَرَدَ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا مِنْ الِاخْتِلَافِ الْمُبَاحِ، وَالْجَمِيعُ سَائِغٌ، وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ وَقَالُوا كَانَ فِيهِ خِلَافٌ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْأَرْبَعِ. نَعَمْ، لَوْ خَمْسٌ عَمْدًا لَمْ تَبْطُلْ فِي الْأَصَحِّ، " لِثُبُوتِهَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ "، وَهُوَ ظَاهِرٌ إذَا فَعَلَهُ عَنْ اجْتِهَادٍ أَوْ تَقْلِيدٍ، وَإِلَّا فَيَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ كَالْعَابِثِ.
وَمِنْهَا " قَوْلُهُ " اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ، وَيُرْوَى " بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ "، قَالَ النَّوَوِيُّ وَيَنْبَغِي الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَهُوَ بَعِيدٌ، بَلْ الْأَوْلَى تَنْزِيلُهُ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ، فَتَقُولُ هَذَا مَرَّةً وَهَذَا مَرَّةً.

[الْخِيَارُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ]
ُ الْأَوَّلُ: شُرِعَ لِدَفْعِ الْغَبْنِ، وَهُوَ إمَّا لِدَفْعِ ضَرَرٍ مُتَوَقَّعٍ، وَهُوَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ، وَالشَّرْطِ، فَإِنَّهُمَا إنَّمَا ثَبَتَا لِضَرَرٍ يَتَوَقَّعُ الْعَاقِدُ حُصُولَهُ فَيَسْتَدْرِكُهُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ أَوْ مُدَّةِ الْخِيَارِ وَيَتَخَلَّصُ مِنْهُ.
(2/146)

وَإِمَّا لِدَفْعِ ضَرَرٍ وَاقِعٍ كَخِيَارِ الْعَيْبِ وَالشُّفْعَةِ وَخِيَارِ الشَّرْطِ، وَخِيَارِ عُيُوبِ النِّكَاحِ وَنَحْوِهِ.
ثُمَّ الْخِيَارُ إنْ كَانَ مُقَدَّرًا مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ، كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ وَالشَّرْطِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَخِيَارِ التَّصْرِيَةِ، إذَا قَدَّرْنَاهُ بِهَا فَلَا يُوصَفُ بِفَوْرٍ وَلَا بِتَرَاخٍ.
وَإِمَّا أَنْ لَا يُقَدَّرَ، وَالضَّابِطُ فِيهِ، إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي تَأْخِيرِ الِاخْتِيَارِ ضَرَرٌ عَلَى " مَنْ يُقَابِلُهُ "، فَهُوَ عَلَى الْفَوْرِ، وَإِلَّا فَهُوَ عَلَى التَّرَاخِي، وَهُوَ يَنْقَسِمُ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: الْإِجَارَةُ، كَمَا إذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِزِرَاعَةٍ فَانْقَطَعَ مَاؤُهَا ثَبَتَ الْخِيَارُ لِلْعَيْبِ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ عَلَى التَّرَاخِي؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ تَعَذُّرُ نَقْصِ الْمَنْفَعَةِ وَذَلِكَ يَتَكَرَّرُ بِمُرُورِ الزَّمَانِ وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الرَّافِعِيِّ، لَوْ أَجَازَ ثُمَّ بَدَا لَهُ مُكِّنَ مِنْ الْفَسْخِ إنْ كَانَ يَرْجُو زَوَالَهُ، وَقَدْ غَلَطَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ جَمَاعَةٌ، فَأَفْتَوْا بِأَنَّ خِيَارَ الْمُسْتَأْجِرِ، إذَا وَجَدَ عَيْبًا عَلَى الْفَوْرِ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ مِنْهُمْ ابْنُ الْجُمَّيْزِيِّ وَابْنُ السُّكَّرِيِّ
(2/147)

الثَّانِيَةُ:
كُلُّ مَقْبُوضٍ عَمَّا فِي الذِّمَّةِ مِنْ سَلَمٍ أَوْ كِتَابَةٍ إذَا قَبَضَهُ فَوَجَدَهُ مَعِيبًا قَالَ الْإِمَامُ إنْ قُلْنَا بِمِلْكِهِ بِالرِّضَا، فَلَا شَكَّ أَنَّ الرَّدَّ (لَيْسَ) عَلَى الْفَوْرِ، وَأَنَّ الْمِلْكَ مَوْقُوفٌ عَلَى الرِّضَا، وَإِنْ قُلْنَا يُمْلَكُ بِالْقَبْضِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ الرَّدُّ عَلَى الْفَوْرِ، كَمَا فِي شِرَاءِ الْأَعْيَانِ وَالْأَوْجَهُ الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ " مَعْقُودًا " عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْفَوْرُ فِيمَا يُؤَدِّي رَدُّهُ إلَى رَفْعِ الْعَقْدِ إبْقَاءً لِلْعَقْدِ.
وَمِمَّا يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ خِيَارُ النَّقِيصَةِ وَالْخُلْفِ وَإِذَا شَرَطَ الرَّهْنَ وَالضَّمِينَ فَلَمْ يَفِ بِهِ وَكَذَا الْعِتْقُ فِي الْعَبْدِ الْمَبِيعِ وَلَمْ يَفِ وَقُلْنَا الْعِتْقُ حَقٌّ لِلْبَائِعِ وَفِي " صُوَرِ " تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ إذَا أَثْبَتْنَا فِيهِ الْخِيَارَ. الثَّانِي: مَا هُوَ عَلَى التَّرَاخِي قَطْعًا كَخِيَارِ الْوَالِدِ فِي الرُّجُوعِ، وَخِيَارِ مَنْ أَبْهَمَ الطَّلَاقَ بَيْنَ زَوْجَتَيْهِ " أَوْ الْعِتْقَ " بَيْنَ أَمَتَيْهِ، وَخِيَارِ التَّعْيِينِ لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَى الزَّائِدِ عَلَى الْعَدَدِ الشَّرْعِيِّ، وَخِيَارِ امْرَأَةِ الْمَوْلَى، وَامْرَأَةِ الْمُعْسِرِ بِالنَّفَقَةِ، وَخِيَارِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ إذَا " تَشَطَّرَ " الصَّدَاقُ، وَهُوَ زَائِدٌ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً أَوْ نَاقِصٌ، فِي الرُّجُوعِ إلَى نِصْفِهِ " أَوْ إلَى نِصْفِ قِيمَتِهِ، وَخِيَارِ الْمُشْتَرِي إذَا أَبَقَ الْعَبْدُ قَبْلَ قَبْضِهِ قَالَهُ " صَاحِبُ الْعُدَّةِ "
(2/148)

وَتَخْيِيرِ وَلِيِّ الدَّمِ بَيْنَ الْعَفْوِ وَالْقِصَاصِ.
الثَّالِثُ: مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ كَخِيَارِ تَلَقِّي الرُّكْبَانَ وَالْبَائِعِ فِي الرُّجُوعِ لَعَيْنِ مَتَاعِهِ بِإِفْلَاسِ الْمُشْتَرِي وَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ وَالْفَسْخِ بِعَيْبِ النِّكَاحِ وَخِيَارِ الْخُلْفِ فِي النِّكَاحِ وَخِيَارِ الْغُرُورِ وَالْفَسْخِ بِالْإِعْسَارِ بِالْمَهْرِ.
الرَّابِعُ: مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي كَخِيَارِ السَّلَمِ إذَا انْقَطَعَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ عِنْدَ مَحَلِّهِ لِجَائِحَةٍ وَفِيهِ وَجْهٌ فِي التَّتِمَّةِ وَخِيَارِ الرُّؤْيَةِ إذَا جَوَّزْنَا بَيْعَ الْغَائِبِ عِنْدَ امْتِدَادِ مَجْلِسِ الرُّؤْيَةِ.

الْبَحْثُ الثَّانِي: مُدَّةُ الْخِيَارِ فِي الْعَقْدِ هَلْ تُجْعَلُ كَابْتِدَائِهِ؟ هُوَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ فَيَلْحَقُ بِهِ كَمَا إذَا زَادَ فِي الثَّمَنِ " أَوْ الْمُثَمَّنِ أَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ أَوْ الْأَجَلَ " أَوْ قَدْرَهُمَا " عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ وَلِأَنَّ مَجْلِسَ الْعَقْدِ
(2/149)

كَنَفْسِ الْعَقْدِ إذْ يَصِحُّ فِيهِ تَعْيِينُ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ وَالْعِوَضِ فِي عَقْدِ الصَّرْفِ.
وَمِنْهُ لَوْ أَلْحَقَ بِالْعَقْدِ شَرْطًا فَاسِدًا فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فَعَلَى الْخِلَافِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُفْسِدُ الْعَقْدَ كَالْمُقَارَنِ لَهُ.
وَمِنْهُ إذَا " أَطْلَقَا " عَقْدَ السَّلَمِ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْحُلُولِ فَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى التَّأْجِيلِ فِي الْمَجْلِسِ جَازَ " عَلَى " الْأَصَحِّ وَكَذَا لَوْ عَقَدَاهُ مُؤَجَّلًا ثُمَّ إنْ أَسْقَطَا فِي الْمَجْلِسِ صَارَ حَالًّا.
الثَّانِي: الْعَقْدُ الْفَاسِدُ لِاقْتِرَانِ شَرْطٍ بِهِ لَوْ " حَذَفَاهُ " فِي الْمَجْلِسِ لَمْ يَنْقَلِبْ الْعَقْدُ صَحِيحًا فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الْفَاسِدَ لَا عِبْرَةَ بِهِ فَلَا يَكُونُ لِمَجْلِسِهِ حُكْمٌ وَكَمَا لَوْ كَانَ لَهُ فِي ذِمَّةِ الْغَيْرِ دَرَاهِمُ فَقَالَ أَسْلَمْت إلَيْك الدَّرَاهِمَ الَّتِي فِي ذِمَّتِك فِي كَذَا فَإِنْ شَرَطَ فِيهِ الْأَجَلَ كَانَ بَاطِلًا؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، " وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ حَالًّا " وَلَمْ يَقْبِضْ الْمُسَلَّمَ فِيهِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، وَإِنْ أَحْضَرَهُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ " وَسَلَّمَهُ " فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يَصِحُّ كَمَا لَوْ صَالَحَ مِنْ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ عَلَى دَنَانِيرَ وَسَلَّمَهَا فِي الْمَجْلِسِ وَأَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ قَبْضَ الْمُسَلَّمِ فِيهِ لَيْسَ بِشَرْطٍ كَمَا أَنَّهُ لَوْ بَاعَ طَعَامًا بِطَعَامٍ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ تَبَرُّعًا بِالْإِحْضَارِ وَالْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ لَمْ يَنْقَلِبْ الْعَقْدُ صَحِيحًا.

الثَّالِثُ: قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: إذَا انْعَقَدَ الْبَيْعُ لَمْ يَتَطَرَّقْ إلَيْهِ الْفَسْخُ إلَّا بِأَحَدِ سَبْعَةِ أَشْيَاءَ
(2/150)

وَهِيَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ، وَخِيَارُ الشَّرْطِ، وَخِيَارُ الْخُلْفِ كَأَنْ شَرَطَهُ الْبَائِعُ كَاتِبًا فَلَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَخِيَارُ الْعَيْبِ "، وَالْإِقَالَةُ، وَالتَّحَالُفُ، وَتَلَفُ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ.
وَأَمَّا خِيَارُ الرُّؤْيَةِ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ إذَا جَوَّزْنَاهُ فَهُوَ مُلْحَقٌ فِي الْمَعْنَى بِخِيَارِ الشَّرْطِ وَخِيَارِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَخِيَارُ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ يَرْجِعُ لِلْعَيْبِ وَخِيَارُ الِامْتِنَاعِ مِنْ الْعِتْقِ الْمَشْرُوطِ يَرْجِعُ لِلْخُلْفِ فِي الشَّرْطِ وَقَدْ " تُرَدُّ " هَذِهِ الْخِيَارَاتُ الْأَرْبَعُ إلَى اثْنَيْنِ فَيُقَالُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ وَخِيَارُ النَّقِيصَةِ فَيَدْخُلُ فِي الْأَوَّلِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَالشَّرْطِ وَرُؤْيَةِ الْمَبِيعِ الْغَائِبِ وَفِي الثَّانِي الْعَيْبُ وَالْخُلْفُ. وَقَدْ يَرِدُ عَلَى الْحَصْرِ صُوَرٌ مِنْهَا اخْتِلَاطُ الْمَبِيعِ بِغَيْرِهِ.
وَمِنْهَا خِيَارُ تَعَذُّرِ قَبْضِ الثَّمَنِ فِي الْأَصَحِّ وَخِيَارُ الرُّجُوعِ فِي الْمَبِيعِ عِنْدَ فَلَسِ الْمُشْتَرِي وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ الْبَائِعَ وَكِيلٌ، أَوْ أَمِينٌ حَاكِمٌ، أَوْ وَصِيٌّ، أَوْ أَبٌ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ، فَهَلْ " يُرَدُّ " بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ؟ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا نَعَمْ لِمَا يُخَافُ مِنْ فَسَادِ النِّيَابَةِ وَاسْتِحْقَاقِ الدَّرْكِ، وَالْأَصَحُّ لَا، لِجَوَازِ " تَبَرُّعِهِمْ " وَحَكَى فِي الْبَحْرِ وَجْهًا ثَالِثًا أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ الْوَلِيُّ ثِقَةً ظَاهِرًا فَلَهُ الْخِيَارُ.

الرَّابِعُ بِالنِّسْبَةِ إلَى عَوْدِهِ بَعْدَ إسْقَاطِهِ
ضَابِطُهُ: أَنَّ الْخِيَارَ يَسْتَدْعِي وُجُودَ سَبَبِهِ فَمَتَى وُجِدَ ثَبَتَ الْخِيَارُ ثُمَّ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ مَا ثَبَتَ بِهِ الْخِيَارُ شَيْئًا وَاحِدًا " يُوجَدُ " جُمْلَةً وَيَظْهَرُ نَفْعُهُ وَضَرَرُهُ حَالَةَ ظُهُورِهِ كَالْعَيْبِ وَالْقِصَاصِ فَمَتَى وُجِدَ الرِّضَا بِالْعَيْبِ وَإِسْقَاطُ الْقِصَاصِ فَلَا رُجُوعَ، وَكَذَا لَوْ رَضِيَتْ بِإِعْسَارِهِ بِالصَّدَاقِ لَمْ يَكُنْ لَهَا الْعَوْدُ إلَى الْفَسْخِ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ لَا يَتَجَدَّدُ وَإِنْ كَانَ مَا ثَبَتَ بِهِ الْخِيَارُ يَثْبُتُ فِي الْأَزْمِنَةِ وَيَتَجَدَّدُ كَالْخِيَارِ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ بِالْإِعْسَارِ
(2/151)

بِالنَّفَقَةِ وَالْإِيلَاءِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلضَّرَرِ الْحَاصِلِ بِانْقِطَاعِ النَّفَقَةِ وَالْوَطْءِ وَهُوَ يَتَجَدَّدُ فِي كُلِّ وَقْتٍ فَإِنَّ لِكُلِّ زَمَانٍ نَفَقَةً وَوَطْئًا.
فَإِذَا رَضِيَ فِي زَمَنٍ ثَبَتَ الْخِيَارُ فِي الزَّمَنِ الْآخَرِ لَكِنْ إذَا " عَادَتْ " فِي النَّفَقَةِ اُسْتُؤْنِفَتْ الْمُدَّةُ بِنَاءً عَلَى " قَوْلِ " الْإِمْهَالِ بِخِلَافِ مَا إذَا رَضِيَتْ بِتَرْكِ الْمُطَالَبَةِ بِالْفَيْئَةِ ثُمَّ عَادَتْ " فَطَلَبَتْ " لَا تَحْتَاجُ لِضَرْبِ الْمُدَّةِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُدَّةَ تُضْرَبُ بِطَلَبِهَا فَسَقَطَتْ بِإِسْقَاطِهَا وَالْمُدَّةُ فِي الْإِيلَاءِ تُضْرَبُ بِغَيْرِ طَلَبِهَا " وَمِثْلُهُ " انْقِطَاعُ الْمُسَلَّمِ فِيهِ يُوجِبُ الْخِيَارَ فَلَوْ أَجَازَ ثُمَّ بَدَا لَهُ مُكِّنَ مِنْ الْفَسْخِ " كَزَوْجَةِ " الْمَوْلَى، وَوَجَّهَهُ الْإِمَامُ بِأَنَّ هَذِهِ الْإِجَازَةَ إنْظَارٌ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَقَدْ يَتَوَقَّفُ النَّاظِرُ فِي كَوْنِهَا إنْظَارًا وَيَمِيلُ إلَى أَنَّهَا إسْقَاطُ حَقٍّ كَإِجَازَةِ زَوْجَةِ الْعِنِّينِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ فِيهِ وَجْهَانِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ حَكَى وَجْهَيْنِ فِي أَنَّهُ لَوْ صُرِّحَ بِإِسْقَاطِ حَقِّ الْفَسْخِ هَلْ يَسْقُطُ وَقَالَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ.
وَمِثْلُهُ السَّيِّدُ لَوْ فَسَخَ الْكِتَابَةَ إذَا عَجَزَ الْعَبْدُ نَفْسُهُ فَلَوْ أَنْظَرَهُ ثُمَّ بَدَا لَهُ جَازَ الْفَسْخُ قَالَهُ الْإِمَامُ فِي " بَابِ " الْكِتَابَةِ.
وَمِثْلُهُ إذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لَهَا مَاءٌ فَانْقَطَعَ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ فَإِنْ أَجَازَ ثُمَّ نَدِمَ وَأَرَادَ الْفَسْخَ فَلَهُ ذَلِكَ فَإِنَّ إجَازَتَهُ مَحْمُولَةٌ عَلَى تَوَقُّعِ الْعَوْدِ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَفْسَخَ بَعْدَ مَا قَدَّمَ الْإِجَازَةَ قَالَ الْإِمَامُ وَهَذَا شَبَّهَهُ " الْأَصْحَابُ " فِي خِيَارِ الْمَرْأَةِ بِالنَّفَقَةِ وَالْإِيلَاءِ.
وَمِثْلُهُ إذَا قَتَلَ الْأَجْنَبِيُّ الْعَبْدَ فِي يَدِ الْبَائِعِ تَخَيَّرَ الْمُشْتَرِي فَإِنْ قَالَ أَبْتَعُ هَذَا الْجَانِي بِالْقِيمَةِ وَرَضِيت بِهِ وَلَا أَفْسَخُ الْبَيْعَ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ أَنَا أَفْسَخُ الْبَيْعَ قَالَ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ لَهُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ غَصَبَ الْمَبِيعَ مِنْ يَدِ الْبَائِعِ فَإِنَّ لِلْمُشْتَرِي الْفَسْخَ فَلَوْ
(2/152)

أَجَازَ وَقَالَ رَضِيت بِمُطَالَبَةِ الْغَاصِبِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ بَدَا لَهُ الْفَسْخُ كَانَ لَهُ ذَلِكَ.
فَقِيلَ لَهُ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِأَنَّ رِضَاهُ بِالْقِيمَةِ فِي " ذِمَّةِ " الْجَانِي كَالْمَقْبُوضِ " لِلْمُشْتَرِي كَمَا فِي الْمُحْتَالِ لَا يَرْجِعُ بَعْدَ الْحَوَالَةِ، وَيَدُلُّ عَلَى اسْتِقْرَارِ الْقِيمَةِ فِي ذِمَّتِهِ وَأَنَّهَا كَالْمَقْبُوضَةِ لَهُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَبْدِلَ عَنْ تِلْكَ الْقِيمَةِ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا مَقْبُوضَةٌ " حُكْمًا قَالَ " الشَّيْخُ فِي الِاسْتِبْدَالِ نَظَرٌ، قِيلَ: وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْغَصْبِ أَنَّ الْخِيَارَ فِي مَسْأَلَةِ الْإِتْلَافِ لِأَجْلِ الْعَيْبِ " سَقَطَ " بِالرِّضَا وَفِي الْغَصْبِ لِعَدَمِ الْقَبْضِ وَتَعَذُّرِهِ وَالْقَبْضُ مُسْتَحَقٌّ فِي كُلِّ زَمَانٍ لَا يَسْقُطُ بِالْإِسْقَاطِ.
" وَمِنْهُ " الْمُمَيِّزُ إذَا اخْتَارَ أَحَدَ الْأَبَوَيْنِ كَانَ عِنْدَهُ، فَلَوْ اخْتَارَ بَعْدَهُ الْآخَرَ حُوِّلَ إلَيْهِ.

الْخَامِسُ: إذَا اجْتَمَعَ أَنْوَاعٌ مِنْ الْخِيَارِ كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ وَالشَّرْطِ وَالْعَيْبِ فَفَسَخَ الْعَاقِدُ قَالَ الدَّارِمِيُّ فِي كِتَابِهِ جَامِعِ الْجَوَامِعِ يُنْظَرُ إنْ صَرَّحَ بِالْفَسْخِ بِجَمِيعِهَا انْفَسَخَ بِالْجَمِيعِ وَإِنْ صَرَّحَ بِالْبَعْضِ انْفَسَخَ بِهِ وَإِنْ أَطْلَقَ يَنْفَسِخُ بِالْجَمِيعِ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بَعْضُهَا أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ قُلْت: وَيُحْتَمَلُ انْصِرَافُهُ لِلْمُتَقَدِّمِ إنْ تَرَتَّبَتْ " فِي ذِمَّتِهِ ".
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمِلْكَ فِي زَمَنِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ مَوْقُوفٌ وَأَمَّا فِي زَمَنِ خِيَارِ الشَّرْطِ فَفِيهِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ فَالْمِلْكُ لَهُ أَوْ لِلْمُشْتَرِي فَلَهُ أَوَّلُهُمَا فَمَوْقُوفٌ فَإِذَا
(2/153)

اجْتَمَعَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ " وَخِيَارُ الشَّرْطِ لِأَحَدِهِمَا فَقَدْ تَنَافَيَا؛ لِأَنَّ قَضِيَّةَ خِيَارِ الْمَجْلِسِ " تُعْطِي كَوْنَ الْمِلْكِ مَوْقُوفًا وَقَضِيَّةَ كَوْنِهِ لِأَحَدِهِمَا تُعْطِي كَوْنَهُ لِوَاحِدٍ مُعَيَّنٍ فَمَا الْمُغَلَّبُ؟ الظَّاهِرُ تَغَلُّبُ خِيَارِ الشَّرْطِ لِثُبُوتِهِ بِالْإِجْمَاعِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَثَرُهُ وَحِينَئِذٍ فَلَوْ انْقَطَعَ خِيَارُ الشَّرْطِ وَهُمَا مُجْتَمِعَانِ فَالظَّاهِرُ بَقَاءُ خِيَارِ الْمَجْلِسِ لِعَدَمِ التَّفَرُّقِ وَخِيَارُ الشَّرْطِ إنَّمَا رَفَعَ الْمُدَّةَ لَا أَصْلَ الْخِيَارِ.
(2/154)

[حَرْفُ الدَّالِ] [الدَّفْعُ أَقْوَى مِنْ الرَّفْعِ]
الدَّفْعُ أَقْوَى مِنْ الرَّفْعِ وَلِهَذَا " الْمُسْتَعْمَلُ " إذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ هَلْ يَعُودُ طَهُورًا؟ بِهِ وَجْهَانِ، وَلَوْ اسْتَعْمَلَ الْقُلَّتَيْنِ ابْتِدَاءً لَمْ يَصِرْ مُسْتَعْمِلًا بِلَا خِلَافٍ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَاءَ إذَا اُسْتُعْمِلَ وَهُوَ قُلَّتَانِ كَانَ دَافِعًا لِلِاسْتِعْمَالِ وَإِذَا جُمِعَ كَانَ رَافِعًا وَالدَّفْعُ أَقْوَى مِنْ الرَّفْعِ.
وَمِنْهَا: مَنْعُ تَخْمِيرِ الْخَلِّ ابْتِدَاءً بِأَنْ يُوضَعَ " فِيهِ " خَلٌّ " فَمَنْعُ " تَخْمِيرِهَا مَشْرُوعٌ وَتَخْلِيلُهَا بَعْدَ تَخْمِيرِهَا مَمْنُوعٌ.
وَمِنْهَا: السَّفَرُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصِّيَامِ يُبِيحُ الْفِطْرَ وَلَوْ سَافَرَ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ لَا يُبِيحُهُ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الزَّوْجَ يَمْلِكُ مَنْعَ زَوْجَتِهِ مِنْ حَجِّ الْفَرْضِ، فَإِنْ شَرَعَتْ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَفِي جَوَازِ تَحْلِيلِهَا قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا: نَعَمْ.
وَمِنْهَا: وُجُودُ الْمَاءِ بَعْدَ التَّيَمُّمِ وَقَبْلَ الصَّلَاةِ يَمْنَعُ " الدُّخُولَ " فِيهَا، وَلَوْ دَخَلَ فِيهَا بِالتَّيَمُّمِ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ فِي صَلَاةٍ، لَا تَسْقُطُ بِهِ بَطَلَتْ.
(2/155)

وَمِنْهَا: اخْتِلَافُ الدِّينِ الْمَانِعُ مِنْ النِّكَاحِ يَمْنَعُهُ ابْتِدَاءً، وَلَا يَفْسَخُهُ فِي الدَّوَامِ.

[الدَّوْرُ قِسْمَانِ]
ِ: حُكْمِيٌّ: وَهُوَ أَنْ يُوجِبَ شَيْءٌ " حُكْمَيْنِ شَرْعِيِّينَ مُتَمَانِعَيْنِ " يَنْشَأُ الدَّوْرُ مِنْهُمَا. وَلَفْظِيٌّ: وَهُوَ أَنْ يَنْشَأَ الدَّوْرُ مِنْ لَفْظِ اللَّافِظِ، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ السُّرَيْجِيَّةِ وَمَسْأَلَةِ تَعْلِيقِ الْعَزْلِ بِإِدَارَةِ الْوَكَالَةِ.
وَمِنْ الْأَوَّلِ: لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ ابْنٌ مَمْلُوكٌ فَأَوْصَى لَهُ سَيِّدُهُ بِهِ وَمَاتَ الْمُوصِي، ثُمَّ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ قَبُولِ الْوَصِيَّةِ، وَوَرِثَهُ أَخُوهُ فَقَبِلَ أَخُوهُ الْوَصِيَّةَ عَتَقَ الِابْنُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَا يَرِثُ، لِأَنَّهُ، لَوْ وَرِثَ لَحَجَبَ الْأَخَ وَبَطَلَ قَبُولُهُ فَلَمْ يُعْتَقْ فَيَلْزَمُ مِنْ تَوْرِيثِهِ عَدَمُ تَوْرِيثِهِ ".
وَمِنْهَا: شَهِدَ شَاهِدَانِ بِعِتْقِ عَبْدَيْنِ فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِعِتْقِهِمَا، ثُمَّ " شَهِدَ " الْعَتِيقَانِ بِجَرْحِ الشَّاهِدَيْنِ لَمْ يُقْبَلْ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ " قَبُولِهَا " رَدُّ شَهَادَتِهِمَا بِالْعِتْقِ.
(2/156)

قَالَ لِأَمَتِهِ إنْ زَوَّجْتُك فَأَنْتِ حُرَّةٌ، فَزَوَّجَهَا عَبْدًا لَمْ تُعْتَقْ، لِأَنَّ فِي إيقَاعِ الْحُرِّيَّةِ إبْطَالَهَا، لِأَنَّا لَوْ قُلْنَا صَارَتْ حُرَّةً فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بَطَلَ تَزْوِيجُهَا، وَإِذَا بَطَلَ تَزْوِيجُهَا بَطَلَتْ حُرِّيَّتُهَا، لِأَنَّهُ لَمْ يُحَرِّرْهَا، إلَّا " بِصِفَةِ " التَّزْوِيجِ وَقَالَ " ابْنُ أَبِي أَحْمَدَ " يَثْبُتُ النِّكَاحُ وَتَبْطُلُ الْحُرِّيَّةُ.

مُرَاهِقٌ قَذَفَ رَجُلًا فَقَالَ الْمَقْذُوفُ هُوَ بَالِغٌ، وَأَنْكَرَ الْقَاذِفُ، فَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ لَمْ يَحْلِفْ الْمُرَاهِقُ أَنَّهُ غَيْرُ بَالِغٍ، لِأَنَّا لَوْ حَكَمْنَا بِيَمِينِهِ أَنَّهُ غَيْرُ بَالِغٍ، لَحَكَمْنَا بِبُطْلَانِ الْيَمِينِ، لِأَنَّ الْيَمِينَ مِنْ غَيْرِ الْبَالِغِ لَا مَعْنَى " لَهَا "
" وَلَوْ " دَفَعَ إلَى رَجُلٍ زَكَوَاتٍ فَاسْتَغْنَى بِهَا لَمْ يَسْتَرْجِعْ مِنْهُ لِأَنَّ الِاسْتِرْجَاعَ مِنْهُ يُوجِبُ " دَفْعًا " ثَانِيًا، لِأَنَّهُ يَصِيرُ فَقِيرًا بِالِاسْتِرْجَاعِ.

قَالَ إنْ طَلَّقْتُك غَدًا " طَلْقَةً " فَأَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ ثَلَاثًا، ثُمَّ طَلَّقَ مِنْ الْغَدِ وَاحِدَةً طَلُقَتْ وَاحِدَةً وَلَمْ تَقَعْ الثَّلَاثُ، لِأَنَّا لَوْ أَوْقَعْنَا الثَّلَاثَ بَطَلَتْ الْوَاحِدَةُ وَإِذَا بَطَلَتْ الْوَاحِدَةُ بَطَلَتْ الثَّلَاثُ، فَفِي إثْبَاتِ الثَّلَاثِ إبْطَالُهَا.
وَوَافَقَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَقَالَ غَيْرُهُ: تَقَعُ الْوَاحِدَةُ وَثِنْتَانِ مِنْ الثَّلَاثِ " كَقَوْلِهِ إنْ طَلَّقْتُك وَاحِدَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ عَشْرًا وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ وَثِنْتَانِ مِنْ الْعَشَرَةِ ".
(2/157)

[الدَّيْنُ ضَرْبَانِ حَالٌّ وَمُؤَجَّلٌ]
ٌ الْأَوَّلُ: الْمُؤَجَّلُ وَيَحِلُّ بِانْقِضَاءِ الْأَجَلِ وَلَوْ اتَّفَقَ الْمُتَعَاقِدَانِ عَلَى إسْقَاطِ الْأَجَلِ لَمْ يَسْقُطْ فِي الْأَصَحِّ وَيَحِلُّ بِمَوْتِ الْمَدْيُونِ بِلَا خِلَافٍ إلَّا فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ: الْأُولَى.
الْمُسْلِمُ إذَا لَزِمَتْهُ الدِّيَةُ وَلَا مَالَ لَهُ وَلَا عَصَبَةَ تَحَمَّلَ عَنْهُ بَيْتُ الْمَالِ فَلَوْ مَاتَ أُخِذَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مُؤَجَّلًا وَلَا يَحِلُّ لِأَنَّ الدِّيَةَ تُلَازِمُ التَّأْجِيلَ وَصُورَتَانِ عَلَى وَجْهٍ:
إحْدَاهُمَا إذَا لَزِمَتْ الدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ الْجَانِيَ كَمَا لَوْ " اعْتَرَفَ " وَأَنْكَرَتْ الْعَاقِلَةُ فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْ الْجَانِي مُؤَجَّلَةً، فَلَوْ مَاتَ هَلْ تَحِلُّ الدِّيَةُ حَتَّى يُؤْخَذَ مِنْ تَرِكَتِهِ حِينَئِذٍ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ وَالثَّانِي.
لَا تَحِلُّ بِمَوْتِهِ لِأَنَّ الدِّيَةَ " يُلَازِمُهَا " الْأَجَلُ وَلَا يَجْرِي مِثْلُ ذَلِكَ فِيمَا إذَا مَاتَ بَعْضُ الْعَاقِلَةِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ حَيْثُ كَانَتْ الدِّيَةُ تُؤْخَذُ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَمَّنْ مَاتَ وَلَا يَأْتِي الْوَجْهَانِ حِينَئِذٍ.
الثَّانِيَةُ: ضَمِنَ دَيْنًا مُؤَجَّلًا وَمَاتَ الضَّامِنُ لَا يَحِلُّ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فِي وَجْهٍ وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ.
وَلَوْ مَاتَ الْأَصِيلُ حَلَّ عَلَيْهِ الدَّيْنُ وَلَمْ يَحِلَّ عَلَى الضَّامِنِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَهَا هُنَا غَرِيبَتَانِ أَيْضًا:
(2/158)

إحْدَاهُمَا: أَنَّ الدُّيُونَ لَا تَحِلُّ بِمَوْتِ صَاحِبِ الدَّيْنِ بِلَا خِلَافٍ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى وَجْهٍ وَهِيَ مَا لَوْ خَلَعَ زَوْجَتَهُ عَلَى طَعَامٍ فِي ذِمَّتِهَا وَوَصَفَهُ بِصِفَاتِ السَّلَمِ وَأَذِنَ لَهَا أَنْ تَدْفَعَهُ لِوَلَدِهِ مِنْهَا أَوْ خَالَعَهَا عَلَى الْإِرْضَاعِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً ثُمَّ مَاتَ الْمُخَالِعُ الْمَذْكُورُ فَإِنَّ فِيهِ وَجْهًا بِحُلُولِ ذَلِكَ بِمَوْتِهِ لِأَنَّ الْخُلْعَ عَلَى مَا " ذُكِرَ " إنَّمَا كَانَ مِنْ أَجْلِ " الصَّغِيرِ " وَقَدْ سَقَطَ حَقُّهُ عَنْ أَبِيهِ بِالْمَوْتِ " فَلْيَسْقُطْ " الْأَجْلُ حِينَئِذٍ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ مَاتَ الصَّبِيُّ نَفْسُهُ فَفِي حِلِّ مَا ذُكِرَ بِمَوْتِ الصَّبِيِّ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا لَا يَحِلُّ " هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ " بِالْمَوْتِ، وَأَمَّا الْفَلَسُ فَلَا تَحِلُّ بِهِ الدُّيُونُ عَلَى الْأَظْهَرِ " وَلَا بِالْجُنُونِ عَلَى الْأَصَحِّ " وَمَا وَقَعَ فِي الرَّوْضَةِ خِلَافُهُ مَرْدُودٌ.
وَلَا تَحِلُّ الدُّيُونُ بِالسَّفَهِ وَلَا بِالرِّقِّ كَمَا لَوْ اُسْتُرِقَّ الْحَرْبِيُّ فِي الْأَصَحِّ
الضَّرْبُ الثَّانِي: الْحَالُّ " لَا "، يُؤَجَّلُ وَقَدْ سَبَقَ فِي حَرْفِ الْحَاءِ.

فَائِدَةٌ: لَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ دَيْنٌ لَا يَكُونُ إلَّا مُؤَجَّلًا إلَّا الْكِتَابَةُ وَالدِّيَةُ وَلَيْسَ فِيهَا دَيْنٌ لَا يَكُونُ إلَّا حَالًّا إلَّا فِي " الْقِرَاضِ " وَرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ وَعَقْدِ الصَّرْفِ وَالرِّبَا فِي الذِّمَّةِ وَكُلِّ مُقَابَلَةٍ بِإِتْلَافٍ قَهْرِيٍّ إلَّا دِيَةَ الْخَطَأِ وَشِبْهَ الْعَمْدِ وَالْأُجْرَةَ فِي إجَارَةٍ الذِّمَّةِ
(2/159)

وَفَرْضُ الْقَاضِي مَهْرَ الْمِثْلِ عَلَى الْمُمْتَنِعِ فِي الْمُفَوَّضَةِ وَعَقْدُ كُلِّ نَائِبٍ أَوْ وَلِيٍّ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي التَّأْجِيلِ لَفْظًا أَوْ شَرْعًا.
الدَّيْنُ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ زَكَاةِ الْمَالِ " وَكَذَا " زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى الْمُرَجَّحِ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَيُؤَيِّدُهُ نَصُّ " الْإِمَامِ " الشَّافِعِيِّ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " عَلَى أَنَّ الْفِطْرَةَ تُقَدَّمُ عَلَى الدُّيُونِ وَلَا يَمْنَعُ السِّرَايَةَ فِي الْعِتْقِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ فِي الْأَظْهَرِ وَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْوَصِيَّةِ " دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ " وَحَكَى الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي الْأَسْرَارِ فِيهِ وَجْهَيْنِ مُخَرَّجَيْنِ " مِمَّا " لَوْ أَوْصَى بِزَائِدٍ عَلَى الثُّلُثِ وَلَا يَمْنَعُ أَخْذَ الزَّكَاةِ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ وَقَالَ الْبَغَوِيّ لَا يُصْرَفُ إلَيْهِ شَيْءٌ حَتَّى يَصْرِفَهُ إلَى الدَّيْنِ.
وَلَوْ اشْتَرَى قَرِيبَهُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَقِيلَ لَا يَصِحُّ الشِّرَاءُ.
وَالْأَصَحُّ صِحَّتُهُ وَلَا يُعْتَقُ بَلْ يُبَاعُ " فِي الدَّيْنِ ".
أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ عَبْدًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَ عِتْقِ ثُلُثِهِ " فَإِنْ " كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ لَنْ يُعْتَقَ " مِنْهُ شَيْءٌ "
الدَّيْنُ هَلْ هُوَ مَالٌ فِي الْحَقِيقَةِ أَوْ هُوَ حَقُّ مُطَالَبَةٍ يَصِيرُ مَالًا فِي الْمَآلِ فِيهِ طَرِيقَانِ حَكَاهُمَا الْمُتَوَلِّي فِي كِتَابِ الصُّلْحِ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ حُكْمُ الْيَسَارِ حَتَّى تَلْزَمَهُ نَفَقَةُ الْمُوسِرِينَ وَكَفَّارَتُهُمْ وَلَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ " وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ الْمَالِيَّةَ مِنْ صِفَاتِ
(2/160)

الْمَوْجُودِ " وَلَيْسَ هَا هُنَا شَيْءٌ مَوْجُودٌ قَالَ وَإِنَّمَا اُسْتُنْبِطَ هَذَا مِنْ قَوْلِ " الْإِمَامِ " الشَّافِعِيِّ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فَمَنْ مَلَكَ دُيُونًا عَلَى النَّاسِ هَلْ تَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ " الْمَذْهَبُ " الْوُجُوبُ وَفِي الْقَدِيمِ قَوْلٌ أَنَّهَا لَا تَجِبُ. وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ فُرُوعٌ:
مِنْهَا: هَلْ يَجُوزُ بَيْعُ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ إنْ قُلْنَا " إنَّهُ " مَالٌ جَازَ أَوْ حَقٌّ فَلَا لِأَنَّ الْحُقُوقَ لَا تَقْبَلُ النَّقْلَ إلَى الْغَيْرِ.
وَمِنْهَا أَنَّ الْإِبْرَاء عَنْ الدَّيْنِ إسْقَاطٌ أَوْ تَمْلِيكٌ.
وَمِنْهَا: حَلَفَ لَا مَالَ لَهُ وَلَهُ دَيْنٌ حَالٌّ عَلَى مَلِيءٍ حَنِثَ عَلَى الْمَذْهَبِ وَكَذَا الْمُؤَجَّلُ أَوْ عَلَى الْمُعْسِرِ فِي الْأَصَحِّ.
(2/161)

[حَرْفُ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ] [الذَّهَبُ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى الرِّجَالِ]
الذَّهَبُ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى الرِّجَالِ وَأَمَّا فِي الْأَوَانِي فَيَشْتَرِكُ النَّوْعَانِ فِي التَّحْرِيمِ. وَيُسْتَثْنَى مَوَاضِعُ:
أَحَدُهَا: مَنْ جُدِعَ أَنْفُهُ جَازَ لَهُ اتِّخَاذُ أَنْفٍ مِنْ ذَهَبٍ تَغْيِيرًا لِقُبْحِ الْوَجْهِ بِفَقْدِهِ وَإِنْ أَمْكَنَ اتِّخَاذُهُ مِنْ فِضَّةٍ وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ «إنَّ عَرْفَجَةَ أُصِيبَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلَابِ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَتَّخِذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ» وَقَالَ (التِّرْمِذِيُّ) (حَدِيثٌ) (حَسَنٌ) غَرِيبٌ.
(2/162)

وَفِي مَعْنَى الْأَنْفِ السِّنُّ وَالْأُنْمُلَةُ فَإِنْ " نَبَتَ " فِيهِ الْعُضْوُ وَتَرَاكَمَ عَلَيْهِ اللَّحْمُ صَارَ مُسْتَهْلَكًا فَلَا زَكَاةَ فِيهِ وَإِلَّا فَحَيْثُ أَمْكَنَ نَزْعُهُ فَفِي زَكَاتِهِ الْقَوْلَانِ فِي الْحُلِيِّ الْمُبَاحِ وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ قُطِعَتْ كَفُّهُ أَوْ إصْبَعُهُ أَنْ يَتَّخِذَ بَدَلَهَا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لِأَنَّهَا لَا تَعْمَلُ بِخِلَافِ الْأُنْمُلَةِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ تَحْرِيكُهَا هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ جَزَمَ الرَّافِعِيُّ وَحَكَى الْقَاضِي الْحُسَيْنُ " وَجْهًا " أَنَّهُ يَجُوزُ.
الثَّانِي: إذَا صَدِئَ قَطَعَ بِهِ فِي الْمُهَذَّبِ وَالتَّنْبِيهِ وَغَيْرِهِمَا، لِعَدَمِ ظُهُورِ السَّرَفِ وَفِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْبَنْدَنِيجِيِّ أَنَّ أَصْحَابَنَا أَلْحَقُوا بِهِ طِرَازَ الذَّهَبِ إذَا اتَّسَخَ وَذَهَبَ حُسْنُهُ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ " الذَّهَبُ " لَا يَصْدَأُ، وَرُدَّ بِأَنَّ مِنْهُ مَا يَصْدَأُ وَهُوَ مَا يُخَالِطُهُ غَيْرُهُ بِخِلَافِ الْخَالِصِ.
الثَّالِثُ: إذَا طُلِيَ الذَّهَبُ بِغَيْرِهِ بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
الرَّابِعُ: التَّمْوِيهُ الَّذِي لَا يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ فِي الْخَاتَمِ وَالسَّيْفِ وَغَيْرِهِمَا لِأَنَّهُ يُسْتَهْلَكُ وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ التَّحْرِيمَ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ.
(2/163)

[حَرْفُ الرَّاءِ] [الرُّخَصُ يَتَعَلَّقُ بِهَا مَبَاحِثُ]
الرُّخَصُ يَتَعَلَّقُ بِهَا مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ: تَنْقَسِمُ إلَى أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: رُخْصَةٌ وَاجِبَةٌ كَحِلِّ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ الْأَكْلُ بَلْ لَهُ الصَّبْرُ حَتَّى يَمُوتَ وَقَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيُّ فِي كِتَابِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ: الصَّحِيحُ عِنْدَنَا أَنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ عَزِيمَةٌ لَا رُخْصَةٌ، كَالْإِفْطَارِ " فِي رَمَضَانَ لِلْمَرِيضِ " انْتَهَى وَكَذَلِكَ إسَاغَةُ اللُّقْمَةِ بِالْخَمْرِ إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا وَأَشَارَ الْإِمَامُ إلَى أَنَّ الْوَجْهَ فِي الْمَيْتَةِ لَا يَأْتِي هُنَا لِأَنَّا وَجَّهْنَاهُ بِالتَّرَدُّدِ فِي دَفْعِ الضَّرَرِ، وَإِسَاغَةُ اللُّقْمَةِ مَعْلُومَةٌ.
وَمِنْهُ وُجُوبُ اسْتِدَامَةِ لُبْسُ الْخُفِّ " إنْ " لَمْ يَجِدْ مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِيهِ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمُحْدِثُ لَابِسَ الْخُفِّ بِشَرَائِطِهِ وَدَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَوَجَدَ مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِيهِ لَوْ مَسَحَ عَلَى الْخُفِّ وَلَا يَكْفِيهِ لَوْ غَسَلَ " رِجْلَيْهِ " فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ قَطْعًا كَمَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الطَّهَارَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، وَلَمْ يَقِفْ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَلَيْهِ نَقْلًا " فَذَكَرَهُ " تَفَقُّهًا وَقَالَ: الَّذِي يَظْهَرُ وُجُوبُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَابِسًا وَلَكِنَّهُ " كَانَ " عَلَى طَهَارَةٍ وَأَرْهَقَهُ الْحَدَثُ وَمَعَهُ مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِيهِ
(2/164)

لِلْمَسْحِ دُونَ الْغُسْلِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي التَّيَمُّمِ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ.
وَمِنْهُ التَّيَمُّمُ لِفَقْدِ الْمَاءِ أَوْ لِلْخَوْفِ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ إذَا جَعَلْنَاهُ رُخْصَةً وَهُوَ مَا أَوْرَدَهُ الْإِمَامُ وَالرَّافِعِيُّ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَزِيمَةٌ وَهُوَ مَا أَوْرَدَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ التَّيَمُّمِ لِعَدَمِ الْمَاءِ فَعَزِيمَةٌ أَوْ لِلْمَرِيضِ أَوْ بُعْدِ الْمَاءِ عَنْهُ أَوْ بَيْعِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ فَرُخْصَةٌ وَهُوَ مَا أَوْرَدَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى وَيَبْنِي عَلَيْهِ مَا إذَا كَانَ يَرْجُو الْمَاءَ آخِرَ الْوَقْتِ هَلْ الْأَفْضَلُ تَعْجِيلُ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ أَوْ التَّأْخِيرُ فَعَلَى الْأَوَّلِ التَّأْخِيرُ أَفْضَلُ وَعَلَى الثَّانِي التَّقْدِيمُ أَفْضَلُ كَالْوُضُوءِ وَإِنْ صَحَّ هَذَا " الْبِنَاءُ " أَمْكَنَ أَنْ يُؤْخَذَ الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ رُخْصَةٌ أَوْ عَزِيمَةٌ مِنْ الْخِلَافِ فِي التَّقْدِيمِ أَفْضَلُ " أَمْ " التَّأْخِيرُ وَكَذَلِكَ مِنْ فَوَائِدِهِ التَّيَمُّمُ بِالتُّرَابِ الْمَغْصُوبِ " يَجُوزُ " إنْ قُلْنَا عَزِيمَةٌ وَإِنْ قُلْنَا رُخْصَةٌ فَوَجْهَانِ.

الثَّانِي: رُخْصَةٌ فِعْلُهَا أَفْضَلُ كَالْقَصْرِ لِمَنْ بَلَغَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا " وَعَدَّ " بَعْضُهُمْ مِنْهُ مَسْحَ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ أَفْضَلَ مِنْ الْغُسْلِ مَعَ أَنَّهُ رُخْصَةٌ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ قُلْت: لَكِنْ صَرَّحَ " الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْفُرُوقِ بِأَنَّهُ عَزِيمَةٌ " نَعَمْ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ رُخْصَةٌ، وَعَدَّ النَّوَوِيُّ مِنْهُ فِي كِتَابِ الْأُصُولِ وَالضَّوَابِطِ الْإِبْرَادَ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ.
(2/165)

قَالَ " الشَّيْخُ صَدْرُ الدِّينِ بْنُ الْوَكِيلِ وَهُوَ غَلَطٌ " صَرِيحٌ، فَإِنَّ فِي الْإِبْرَادِ وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا سُنَّةٌ، " فَيُسْتَحَبُّ " التَّأْخِيرُ - وَالثَّانِي رُخْصَةٌ " وَهُوَ " عَلَى هَذَا، لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِبْرَادُ، وَإِذَا قَدَّمَ الصَّلَاةَ كَانَ أَفْضَلَ فَاسْتِحْبَابُ الْإِبْرَادِ وَكَوْنُهُ رُخْصَةً مِمَّا لَا يَجْتَمِعَانِ، فَلَا يَصِحُّ جَعْلُهُ رُخْصَةً، وَأَنَّهَا " مُسْتَحَبَّةٌ "
قُلْت: بَلْ هُوَ صَحِيحٌ وَالْوَجْهَانِ مُتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّهُ رُخْصَةٌ لِثُبُوتِهِ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ، لِعُذْرِ الْحَرِّ، وَإِنَّمَا الْوَجْهَانِ فِي أَنَّهُ رُخْصَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ أَوْ مُبَاحَةٌ، فَعَلَى الْأَصَحِّ مُسْتَحَبَّةٌ، وَالتَّقْدِيمُ خِلَافُ الْأَفْضَلِ، وَعَلَى مُقَابِلِهِ رُخْصَةٌ مُبَاحَةٌ، وَالتَّقْدِيمُ أَفْضَلُ.
وَعِبَارَةُ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ: الْإِبْرَادُ مُسْتَحَبٌّ، وَهَلْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ التَّعْجِيلِ " وَجْهَانِ "، وَهُوَ يَقْتَضِي الِاتِّفَاقَ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْآكَدِ لِتَعَارُضِ " فَضِيلَتَيْنِ " أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَتَحْصِيلِ الْخُشُوعِ بِالتَّأْخِيرِ.

الثَّالِثُ: رُخْصَةٌ تَرَكَهَا أَفْضَلُ كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ، وَالتَّيَمُّمِ لِمَنْ وَجَدَ الْمَاءَ يُبَاعُ بِأَكْثَرَ
(2/166)

مِنْ " ثَمَنِ الْمِثْلِ "، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ، وَالْفِطْرُ لِمَنْ لَا يَتَضَرَّرُ بِالصَّوْمِ. وَعَدَّ الْمُتَوَلِّي وَالْغَزَالِيُّ مِنْ هَذَا الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " يُوجِبُ الْقَصْرَ وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ إلَّا بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ.

الْبَحْثُ الثَّانِي:
تَنْقَسِمُ الرُّخْصَةُ إلَى كَامِلَةٍ وَهِيَ الَّتِي لَا بَدَلَ " لَهَا " بَعْدَ فِعْلِهَا كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ وَإِلَى نَاقِصَةٍ وَهِيَ بِخِلَافِهِ كَالْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ، وَهَذَا " أَخَذْته " مِنْ كَلَامِ " الْإِمَامِ " الشَّافِعِيِّ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي الْأُمِّ، فَإِنَّهُ قَالَ وَالْمَسْحُ رُخْصَةُ كَمَالٍ وَعَلَى هَذَا فَالتَّيَمُّمُ لِعَدَمِ الْمَاءِ فِيمَا لَا يَجِبُ مَعَهُ الْقَضَاءُ رُخْصَةٌ كَامِلَةٌ وَفِيمَا يَجِبُ مَعَهُ الْقَضَاءُ رُخْصَةٌ نَاقِصَةٌ.

الثَّالِثُ: الرُّخَصُ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي. وَمِنْ ثَمَّ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ لَا يَتَرَخَّصُ " بِالْفِطْرِ وَالْقَصْرِ " وَالْجَمْعِ، وَلَا يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَلَا يَمْسَحُ مُدَّةَ " الْمُسَافِرِ " قَطْعًا، وَلَا مُدَّةَ الْمُقِيمِ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ الْجُمُعَةُ بِسَفَرِهِ وَلَا يُبَاحُ لَهُ التَّطَوُّعُ رَاكِبًا وَمَاشِيًا، لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ.
وَلَوْ زَالَ عَقْلُهُ بِسَبَبٍ مُحَرَّمٍ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الصَّلَاةُ.
(2/167)

وَلَوْ اسْتَنْجَى بِمُحَرَّمٍ أَوْ بِمَطْعُومٍ، فَالْأَصَحُّ لَا يَجْزِيهِ، لِأَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْأَحْجَارِ رُخْصَةٌ، وَالرُّخَصُ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي.
وَلَوْ عَدِمَ الْمَاءَ " لَمْ " يَتَيَمَّمْ عَلَى وَجْهٍ وَالْأَصَحُّ جَوَازُهُ، لَكِنْ إذَا صَلَّى بِهِ وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الْأَصَحِّ، وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ الرُّخَصِ أَنَّ الرُّخَصَ " يَتَخَيَّرُ " بَيْنَ فِعْلِهَا وَتَرْكِهَا، وَالتَّيَمُّمُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ. وَلَوْ تَرَكَهُ عَصَى. وَتَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ رُخْصَةٌ وَفِي الْحِنْثِ " بِمَعْصِيَتِهِ " وَجْهَانِ، لِأَنَّ الرُّخَصَ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي، وَقَدْ تَوَسَّعَ الْإِصْطَخْرِيُّ فِي طَرْدِ هَذَا الْأَصْلِ فِي الْمُقِيمِ الْعَاصِي، وَقَالَ " لَا يَسْتَبِيحُ " شَيْئًا مِنْ الرُّخَصِ. كَالْمُسَافِرِ.
وَذَهَبَ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُ يَسْتَبِيحُهَا، وَيُخَالِفُ الْمُسَافِرَ " فَإِنَّ " الْإِقَامَةَ نَفْسَهَا، لَيْسَتْ مَعْصِيَةً، لِأَنَّهَا كَفٌّ، وَإِنَّمَا الْفِعْلُ الَّذِي يُوقِعُهُ فِي الْإِقَامَةِ مَعْصِيَةٌ، وَالسَّفَرُ فِي نَفْسِهِ مَعْصِيَةٌ. قَالَ الْإِمَامُ: وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ أَعْنِي أَنَّ الْمَعَاصِيَ، إنَّمَا " تُنَافِي " الرُّخَصَ، إذَا كَانَتْ الْمَعْصِيَةُ بِسَبَبِ التَّرَخُّصِ، كَالْعَبْدِ الْآبِقِ، لَا يَتَرَخَّصُ بِرُخَصِ الْمُسَافِرِ.
أَمَّا إذَا لَمْ تَكُنْ الْمَعْصِيَةُ بِسَبَبِ الرُّخْصَةِ فَلَا، فَمَنْ سَافَرَ وَعَصَى فِي سَفَرِهِ كَانَ لَهُ التَّرَخُّصُ، لِأَنَّهُ عَاصٍ فِي سَفَرِهِ لَا بِسَفَرِهِ " ثُمَّ " اُسْتُشْكِلَ عَلَى هَذَا مَا لَوْ جُنَّ الْمُرْتَدُّ، ثُمَّ أَفَاقَ وَأَسْلَمَ لَزِمَهُ قَضَاءُ الْفَائِتَةِ زَمَنَ جُنُونِهِ مَعَ أَنَّ سُقُوطَ الْقَضَاءِ " عَنْ الْمَجْنُونِ تَخْفِيفًا " وَالْمُرْتَدُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّخْفِيفِ، وَحِينَئِذٍ فَالْجُنُونُ لَا مَعْصِيَةَ فِيهِ، فَكَانَ يَنْبَغِي إسْقَاطُ الْقَضَاءِ.
(2/168)

وَقَدْ " اُسْتُثْنِيَ " مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ صُوَرٌ: مِنْهَا: لَوْ شَرِبَتْ دَوَاءً فَأَسْقَطَتْ " وَصَارَتْ " نُفَسَاءَ، لَا تَقْضِي " الصَّلَاةَ أَيَّامَ نِفَاسِهَا " وَإِنْ كَانَتْ عَاصِيَةً فِي الْأَصَحِّ، إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ سُقُوطَ الصَّلَاةِ عَنْ " النُّفَسَاءِ " عَزِيمَةٌ.
وَمِنْهَا: جَوَازُ الِاسْتِنْجَاءِ بِقِطْعَةِ ذَهَبٍ أَوْ حَرِيرٍ يَجُوزُ فِي الْأَصَحِّ ".
وَمِنْهَا: صِحَّةُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ الْمَغْصُوبِ وَالْمَسْرُوقِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا " سَبَقَ " أَنَّ الْمُسَافِرَ الْعَاصِيَ لَا يَسْتَبِيحُ الْمَسْحَ، وَلِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ هُنَا لَا تَخْتَصُّ بِاللُّبْسِ، وَلِهَذَا، لَوْ تَرَكَ لُبْسَهُ لَمْ يَتْرُكْ الْمَعْصِيَةَ وَهُنَاكَ الْمَعْصِيَةُ بِالسَّفَرِ.
وَمِنْهَا: إذَا صَبَّ الْمَاءَ بَعْدَ الْوَقْتِ لِغَيْرِ غَرَضٍ وَتَيَمَّمَ، فَقِيلَ تَجِبُ الْإِعَادَةُ لِعِصْيَانِهِ، وَالْأَصَحُّ لَا، لِأَنَّهُ فَاقِدٌ.
وَمِنْهَا: صِحَّةُ التَّيَمُّمِ بِتُرَابٍ مَغْصُوبٍ، كَمَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مَعَ أَنَّ التَّيَمُّمَ رُخْصَةٌ عَلَى رَأْيٍ. وَمِنْهَا: جِلْدُ الْآدَمِيِّ إذَا حَكَمْنَا بِنَجَاسَتِهِ بِالْمَوْتِ، قِيلَ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ، لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ مَعْصِيَةٌ، وَالرُّخَصُ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي، وَالْأَصَحُّ يَطْهُرُ كَغَيْرِهِ وَتَحْرِيمُهُ لَيْسَ لِعَيْنِهِ، بَلْ لِلِامْتِهَانِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ، وَلِأَنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ وَإِنْ قُلْنَا بِطَهَارَتِهِ.
تَنْبِيهٌ: مَعْنَى قَوْلِ الْأَئِمَّةِ " أَنَّ " الرُّخَصَ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي أَنَّ فِعْلَ الرُّخْصَةِ مَتَى
(2/169)

تَوَقَّفَ عَلَى وُجُودِ شَيْءٍ نُظِرَ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ فَإِنْ كَانَ تَعَاطِيهِ فِي نَفْسِهِ حَرَامًا امْتَنَعَ مَعَهُ فِعْلُ الرُّخْصَةِ، وَإِلَّا فَلَا.
مِثَالُ الْأَوَّلِ: السَّفَرُ الْمَوْصُوفُ بِالْمَعْصِيَةِ، كَإِبَاقِ الْعَبْدِ مِنْ سَيِّدِهِ، " وَالْأَجِيرِ " عَيْنِهِ مِنْ " مُسْتَأْجِرِهِ "، وَالْمَرْأَةِ مِنْ زَوْجِهَا، لَمَّا كَانَتْ رُخْصَةُ " الْقَصْرِ " وَالْفِطْرِ مُتَوَقِّفَةً عَلَى وُجُودِ السَّفَرِ، اُشْتُرِطَ " فِي " إبَاحَةِ فِعْلِهَا أَنْ لَا يَكُونَ السَّفَرُ فِي نَفْسِهِ مَعْصِيَةً، وَكَذَلِكَ الِاسْتِنْجَاءُ " بِغَيْرِ الْمَاءِ " رُخْصَةٌ، " وَلَمَّا " تُوُقِّفَ عَلَى اسْتِعْمَالِ جَامِدٍ اُشْتُرِطَ فِي الْجَامِدِ كَوْنُ اسْتِعْمَالِهِ مُبَاحًا فَيَمْتَنِعُ " بِمَا " اسْتِعْمَالُهُ مَعْصِيَةٌ.
وَمِثَالُ الثَّانِي: مَا إذَا غَصَبَ الْمُسَافِرُ فِي " سَفَرٍ مُبَاحٍ " " ثَوْبًا وَصَلَّى فِيهِ، فَإِنَّهُ " لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ عَدَمُ التَّرْخِيصِ "، لَمَّا كَانَ قَصْرُ الصَّلَاةِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى هَذَا الثَّوْبِ وَالْمَعْصِيَةُ لَا تَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ.

الرَّابِعُ: تَعَاطِي " سَبَبِ " التَّرَخُّصِ لِقَصْدِ التَّرَخُّصِ، لَا يُبِيحُ، كَمَا إذَا سَلَكَ الطَّرِيقَ الْأَبْعَدَ لِغَرَضِ الْقَصْرِ لَمْ يَقْصُرْ فِي الْأَصَحِّ
، وَكَمَا لَوْ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْقَصِيرَ، وَمَشَى يَمِينًا وَشِمَالًا حَتَّى بَلَغَتْ الْمَرْحَلَةُ مَرْحَلَتَيْنِ.
وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فِي أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ لِقَصْدِ صَلَاةِ التَّحِيَّةِ لَا يَصِحُّ.
(2/170)

وَمِثْلُهُ لَوْ أَحْرَمَ مَعَ الْإِمَامِ، فَلَمَّا قَامَ إلَى الثَّانِيَةِ نَوَى مُفَارَقَتَهُ، وَاقْتَدَى بِإِمَامٍ آخَرَ قَدْ رَكَعَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَصِحَّ الْقُدْوَةُ، إذَا فَعَلَ ذَلِكَ لِقَصْدِ إسْقَاطِ الْفَاتِحَةِ، وَإِنْ اقْتَدَى بِهِ لِغَرَضٍ آخَرَ صَحَّ وَسَقَطَتْ عَنْهُ الْقِرَاءَةُ، وَلَيْسَ هَذَا كَمَنْ سَافَرَ لِقَصْدِ الْقَصْرِ وَالْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ، فَإِنَّ هَذَا قَاصِدٌ أَصْلَ السَّفَرِ، وَهَذَا " كَالْقَاصِدِ " فِي أَثْنَاءِ السَّفَرِ، وَإِنَّمَا نَظِيرُهُ أَنْ يَقْصِدَ بِأَصْلِ الِاقْتِدَاءِ سُجُودَ السَّهْوِ " وَتَحَمُّلَ الْفَاتِحَةِ فَإِنَّهُ يَسْتَبِيحُ ذَلِكَ "،
وَقَالُوا لَوْ نَذَرَ " صَوْمَ " الدَّهْرِ فَأَفْطَرَ يَوْمًا، فَلَا سَبِيلَ إلَى قَضَائِهِ، وَأَخَذَ الرَّافِعِيُّ مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ أَنَّهُ إذَا سَافَرَ يَقْضِي مَا يُفْطِرُ بِهِ " مُتَعَدِّيًا "، قَالَ وَيَنْسَاقُ النَّظَرُ إلَى أَنَّهُ هَلْ يَلْزَمُهُ " أَنْ يُسَافِرَ لِيَقْضِيَ ".
قُلْت: وَقِيَاسُ مَسْأَلَةِ الْقَصْرِ أَنَّهُ إذَا سَافَرَ لِقَصْدِ التَّرَخُّصِ بِتَرْكِ " الْمَنْذُورِ " " أَنَّهُ لَا " يَسْتَبِيحُ تَرْكَهُ، وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا " مَا " لَوْ حَلَفَ لَيَطَأَن زَوْجَتَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَقَالَ النَّوَوِيُّ وَابْنُ الصَّلَاحِ الْجَوَابُ فِيهَا مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " " لِسَائِلٍ سَأَلَهُ " عَنْ " ذَلِكَ أَنَّهُ يُسَافِرُ.

الْخَامِسُ: مَتَى قَارَنَهَا " الْمَنْعُ " لَا تَحْصُلُ بِدُونِ قَصْدٍ لَهَا لِتَتَمَيَّزَ، وَيَتَّضِحَ بِصُوَرٍ: مِنْهَا: لَوْ أَخَّرَ الْمُسَافِرُ الظُّهْرَ إلَى الْعَصْرِ بِنِيَّةِ الْجَمْعِ كَانَ لَهُ الْجَمْعُ، وَلَوْ أَخَّرَهَا عَامِدًا غَيْرَ قَاصِدٍ لِلتَّرَخُّصِ، وَلَمْ يَنْوِ الْجَمْعَ لَمْ يَجُزْ لَهُ، وَلَوْ فَعَلَ كَانَ عَاصِيًا.
(2/171)

وَمِنْهَا: أَنَّ أَصْحَابَ الْأَعْذَارِ مِنْ مَرَضٍ وَسَفَرٍ وَنَحْوِهِ إنَّمَا يُبَاحُ لَهُمْ الْفِطْرُ بِشَرْطِ نِيَّةِ التَّرَخُّصِ، كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي، فَقَالَ لَوْ جَامَعَ الْمَرِيضُ أَوْ الْمُسَافِرُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِدَ نِيَّةَ التَّرَخُّصِ عَصَى.
وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ يُوَافِقُهُ حَيْثُ قَالَ إنْ قَصَدَ بِهِ التَّرَخُّصَ لَمْ تَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ، يَعْنِي بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ لَمْ " يَقْصِدْهُ " فَوَجْهَانِ، وَكَانَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، يَسْتَشْكِلُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الْعِبَادَةِ مِنْ بَابِ " التُّرُوكِ "، لَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ، وَلِهَذَا لَا تَجِبُ نِيَّةُ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقَدْ قَالُوا: لِلْمُنْفَرِدِ الْخُرُوجُ مِنْ الْفَرْضِ لِيَفْعَلَهُ فِي جَمَاعَةٍ فَلَمْ يُلْزِمُوهُ نِيَّةَ الْخُرُوجِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ بِأَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا شَرَعَ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ جَازَ لَهُ الْفِطْرُ، وَلَا يَسْتَدْعِي الْفِطْرُ نِيَّةً، بِخِلَافِ إتْمَامِ الصَّلَاةِ.

السَّادِسُ: الْتِزَامُ إبْطَالِ الرُّخْصَةِ مَمْنُوعٌ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِصَدَقَةٍ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» ، فَإِذَا نَذَرَ صَلَاةَ النَّفْلِ قَائِمًا أَوْ أَنْ يَصُومَ فِي السَّفَرِ أَوْ " إتْمَامَ " الصَّلَاةِ فِيهِ أَوْ غَسْلَ الرِّجْلِ، وَلَا يَمْسَحُ الْخُفَّ أَوْ اسْتِيعَابَ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ أَوْ التَّثْلِيثَ فِي الطَّهَارَةِ وَنَحْوَهُ لَمْ يَنْعَقِدْ، وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْبَغَوِيُّ يَنْعَقِدُ، لِأَنَّهُ أَفْضَلُ لِكَثْرَةِ الْمَشَقَّةِ قَالَ الْقَاضِي: وَلَوْ نَذَرَ خَصْلَةً مِنْ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ الْمُخَيَّرَةِ لَمْ تَتَعَيَّنْ لِمَا فِيهِ مِنْ تَغْيِيرِ الشَّرْعِ.
(2/172)

السَّابِعُ: رُخَصُ السَّفَرِ أَقْسَامٌ:
أَحَدُهُمَا: مَا يَخْتَصُّ بِالطَّوِيلِ قَطْعًا وَهِيَ ثَلَاثَةٌ " الْفِطْرُ وَالْقَصْرُ " وَالْمَسْحُ - نَعَمْ لَوْ اجْتَمَعَ الْخَوْفُ مَعَ قَلِيلِ السَّفَرِ فَفِي الْقَصْرِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا " ابْنُ الْقَاصِّ " لِأَنَّ الْخَوْفَ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ أَلْحَقَهُ بِالطَّوِيلِ، وَتَوَقَّفَ السِّنْجِيُّ فِي " ثُبُوتِهِمَا " وَقَطَعَ بِالْمَنْعِ، لِأَنَّ مَا لَا يُبَاحُ فِي " الْقَصِيرِ " لَا يُبَاحُ مَعَ الْخَوْفِ " مِنْهُ "، كَالْفِطْرِ وَالْمَسْحُ أَكْثَرُ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ.
الثَّانِي مَا لَا يَخْتَصُّ بِالطَّوِيلِ قَطْعًا، وَهُوَ شَيْئَانِ أَكْلُ الْمَيْتَةِ وَتَرْكُ الْجُمُعَةِ.
الثَّالِثُ: مَا فِيهِ قَوْلَانِ، وَالْأَصَحُّ عَدَمُ اخْتِصَاصِهِ وَهُوَ شَيْئَانِ إسْقَاطُ الْفُرُوضِ بِالتَّيَمُّمِ وَالتَّنَفُّلِ عَلَى الرَّاحِلَةِ. وَاسْتَدْرَكَ بَعْضُهُمْ ثَالِثَةً وَهِيَ مَا إذَا كَانَ لَهُ نِسْوَةٌ، وَأَرَادَ السَّفَرَ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ، وَأَخَذَ مَنْ خَرَجَتْ لَهَا الْقُرْعَةُ، لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ لِضَرَّاتِهَا، إذَا رَجَعَ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالسَّفَرِ الطَّوِيلِ فِي الْأَصَحِّ، خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ.
الرَّابِعُ: مَا فِيهِ قَوْلَانِ وَالْأَصَحُّ اخْتِصَاصُهُ بِالطَّوِيلِ وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ.
(2/173)

وَاعْلَمْ أَنَّ " عَدَّ " أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَالتَّيَمُّمِ مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ فِيهِ تَجَوُّزٌ فَإِنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِنَفْسِ السَّفَرِ إذْ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِلْمَرِيضِ وَالْجَرِيحِ مَعَ الْإِقَامَةِ وَيَجُوزُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ فِي الْحَضَرِ لِلْمُضْطَرِّ.
وَقَدْ نَازَعَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ فِي الْأُولَى وَقَالَ لَا تَخْتَصُّ بِالسَّفَرِ وَقَدْ يُقَالُ إنَّمَا عُدَّ رُخْصَةً إذَا كَانَ الِاضْطِرَارُ وَفَقْدُ الْمَاءِ " نَاشِئَيْنِ " مِنْ السَّفَرِ وَالْغَالِبُ فِيهِمَا أَنَّهُمَا يَنْشَآنِ مِنْ السَّفَرِ " فَعَدُّوهُمَا " بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ أَنَّ لِلْغَانِمِينَ التَّبَسُّطَ فِي الْغَنِيمَةِ مِنْ الطَّعَامِ قَالَ الْإِمَامُ وَنَزَّلُوا دَارَ الْحَرْبِ فِي إبَاحَةِ الطَّعَامِ مَنْزِلَةَ السَّفَرِ فِي " التَّرَخُّصِ " فَإِنَّهَا وَإِنْ ثَبَتَتْ بِمَشَقَّةِ السَّفَرِ فَالْمُتَرَفِّهُ الَّذِي لَا كُلْفَةَ عَلَيْهِ يُشَارِكُ فِيهَا.

[الرِّدَّةُ لَا تُحْبِطُ الْعَمَلَ]
َ عِنْدَنَا بِمُجَرَّدِهَا بَلْ إذَا مَاتَ عَلَيْهَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الشَّامِلِ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ أَنَّهَا لَا تُحْبِطُ الْعَمَلَ.
وَتَأْثِيرُهَا يَظْهَرُ فِي تَخْفِيفِ الْعَذَابِ عَنْهُ وَأَوَّلَ قَوْله تَعَالَى {لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] أَيْ مَقْصُودُك مِنْ عَمَلِك فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ كَانَ " دُخُولُ " الْجَنَّةِ لَا تَخْفِيفُ الْعَذَابِ.
وَقَالَ فِي الْأَسَالِيبِ: الْحَجُّ عِنْدَك لَا يَحْبَطُ فِي حَقِّ مَنْ مَاتَ مُرْتَدًّا وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِقَوْلِنَا إنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِالْفُرُوعِ وَلَوْ لَمْ نَقْطَعْ بِذَلِكَ فِي الْمَأْمُورَاتِ قَطَعْنَا بِهِ فِي الْمَنْهِيَّاتِ فَلَا شَكَّ أَنَّ الْكَافِرَ الَّذِي قَتَلَ الْأَنْبِيَاءَ وَهَتَكَ الْحُرُمَاتِ وَسَفَكَ الدِّمَاءَ أَشَدُّ
(2/174)

عِقَابًا مِنْ مُتَرَهَّبٍ مُتَعَلِّقٍ " بِقُلَّةِ " جَبَلٍ لَا يَنْفَعُ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَضُرُّهُمْ فَنَقُولُ بِنَاءً عَلَى هَذَا: إذَا حَجَّ مُسْلِمًا ثُمَّ ارْتَدَّ وَمَاتَ مُرْتَدًّا فَحَجُّهُ ثَابِتٌ وَيُفِيدُهُ الْحَجُّ التَّحْصِينَ مِنْ الْعُقُوبَةِ وَلَوْ لَمْ يَحُجَّ لَعُوقِبَ عَلَى تَرْكِ الْحَجِّ وَلَكِنَّهُ لَا يُفِيدُ ثَوَابًا فَإِنَّ دَارَ الثَّوَابِ الْجَنَّةُ وَهُوَ لَا يَدْخُلُهَا لِأَنَّهُ كَافِرٌ.
هَذَا قَوْلُنَا فِيمَنْ يَمُوتُ مُرْتَدًّا فَأَمَّا إذَا مَاتَ مُسْلِمًا وَالْحَجُّ قَدْ مَضَى عَلَى الصِّحَّةِ وَالْمَيِّتُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالثَّوَابِ غَيْرُ مُتَعَذِّرٍ فَلَا مَعْنَى " لِلْإِحْبَاطِ " فِي حَقِّهِ أَصْلًا
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الزِّنَا إذَا ارْتَدَّ " الشَّخْصُ " " الزَّانِي " لَا يَبْطُلُ إحْصَانُهُ حَتَّى لَوْ زَنَى فِي الرِّدَّةِ أَوْ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَعَلَيْهِ الرَّجْمُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الْأَصْحَابُ: لَوْ تَطَهَّرَ ثُمَّ ارْتَدَّ لَا تَبْطُلُ طَهَارَتُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ تَيَمَّمَ ثُمَّ ارْتَدَّ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ إبَاحَةٌ وَبِالرِّدَّةِ خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْإِبَاحَةِ.
وَقَالُوا لَوْ ارْتَدَّ فِي خِلَالِ أَذَانِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ كَانَ لَهُ الْبِنَاءُ عَلَى الْأَصَحِّ إذَا لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ فَإِنْ طَالَ بَطَلَ وَكَانَ يَنْبَغِي جَرَيَانُ هَذَا التَّفْصِيلِ فِي الْحَجِّ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّهُ شَدِيدُ الْإِلْزَامِ لَكِنَّهُمْ أَبْطَلُوهُ طَالَ زَمَنُ الرِّدَّةِ أَوْ قَصُرَ.

[الرِّشْوَةُ أَخْذُ الْمَالِ لِيُحِقَّ بِهِ الْبَاطِلَ أَوْ يُبْطِلَ الْحَقَّ]
َّ، فَأَمَّا إذَا كَانَ مَظْلُومًا فَبَذْلٌ لِمَنْ يُتَوَسَّطُ لَهُ عِنْدَ السُّلْطَانِ فِي خَلَاصِهِ وَسَتْرِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِإِرْشَاءٍ حَرَامٍ بَلْ جَعَالَةٌ مُبَاحَةٌ حَكَاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي بَابِ الرِّبَا مِنْ تَعْلِيقِهِ عَنْ الْقَفَّالِ وَنَقَلَهُ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ مُقْتَصِرًا
(2/175)

عَلَيْهِ لَكِنَّ فِي الْمِنْهَاجِ لِلْحَلِيمِيِّ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَحَدٍ مَالًا عَلَى دَفْعِ ظُلْمٍ عَنْهُ أَوْ عَلَى رَدِّ مَالٍ لَهُ فِي يَدِهِ وَإِنْ جَازَ لِلْمَظْلُومِ وَصَاحِبُ الْمَالِ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْدَفِعُ الظُّلْمُ عَنْهُ أَوْ لَا يَصِلُ إلَى مَالِهِ " إلَّا بِشَيْءٍ " " يَرْضَخُهُ أَوْ يُعْطِيهِ " وَهَذَا كَالْأَسِيرِ أَوْ الْمَحْبُوسِ بِغَيْرِ حَقٍّ إذَا لَمْ يُطْلَقْ إلَّا بِشَيْءٍ فَلَهُ إعْطَاؤُهُ وَيَحْرُمُ عَلَى الْآخِذِ " الْأَخْذُ ".

[الرِّضَا بِالشَّيْءِ رِضًا بِمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ]
ُ مِنْهَا: رِضَا أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ بِعَيْبِ صَاحِبِهِ فَإِنْ " زَادَ " الْعَيْبُ فَلَا خِيَارَ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَمِنْهَا: ادَّعَتْ الْمَنْكُوحَةُ بِرِضَاهَا حَيْثُ يُعْتَبَرُ إذْنُهَا أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّوْجِ مَحْرَمِيَّةً لَمْ يُقْبَلْ لِأَنَّ رِضَاهَا بِالنِّكَاحِ يَتَضَمَّنُ اعْتِرَافَهَا " بِحُكْمِهِ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا " إلَّا إذَا ذَكَرَتْ عُذْرًا كَنِسْيَانٍ وَنَحْوِهِ.
وَمِنْهَا: عَلِمَتْ بِإِعْسَارِهِ بِالْمَهْرِ وَأَمْسَكَتْ عَنْ الْمُحَاكَمَةِ بَعْدَ طَلَبِ الْمَهْرِ كَانَ رِضَاءً بِالْإِعْسَارِ مُسْقِطًا لِلْخِيَارِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ قَبْلَ الطَّلَبِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ التَّأْخِيرَ لِتَوَقُّعِ النِّسْيَانِ.
وَمِنْهَا: لَوْ ادَّعَتْ بَعْدَ الدُّخُولِ وَهِيَ مُعْتَبَرَةُ الْإِذْنِ أَنَّهَا " زُوِّجَتْ " بِغَيْرِ إذْنِهَا قَالَ الْبَغَوِيّ لَا يُقْبَلُ قَالَ الرَّافِعِيُّ كَأَنَّهُ نَزَلَ الدُّخُولُ مَنْزِلَةَ الرِّضَا.
وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ لِرَشِيدٍ اقْطَعْنِي فَفَعَلَ فَسَرَى فَهَدَرٌ وَفِي قَوْلٍ يَجِبُ الْغُرْمُ.
(2/176)

وَمِنْهَا لَوْ أَذِنَ الْمُرْتَهِنُ لِلرَّاهِنِ فِي ضَرْبِ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ فَهَلَكَ فِي الضَّرْبِ فَلَا ضَمَانَ لِأَنَّهُ تَوَلَّدَ مِنْ مَأْذُونٍ فِيهِ كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي الْوَطْءِ فَأَحْبَلَ.
(2/177)

[حَرْفُ الزَّاي] [الزَّائِلُ الْعَائِدُ كَاَلَّذِي لَمْ يَزُلْ]
الزَّائِلُ الْعَائِدُ كَاَلَّذِي لَمْ يَزُلْ وَ " كَاَلَّذِي " لَمْ يَعُدْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
الْأَوَّلُ: مَا هُوَ كَاَلَّذِي لَمْ يَعُدْ قَطْعًا.
فَمِنْهُ: لَوْ زَالَ الْمِلْكُ عَنْ الْعَبْدِ قَبْلَ " لَيْلَةِ " هِلَالِ شَوَّالٍ ثُمَّ تَمَلَّكَهُ بَعْدَ الْغُرُوبِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ فِطْرَتُهُ قَطْعًا.
وَلَوْ تَغَيَّرَ الْمَاءُ ثُمَّ زَالَ فَإِنَّهُ يَعُودُ طَهُورًا فَلَوْ عَادَ التَّغَيُّرُ بَعْدَ زَوَالِهِ فَإِنَّهُ يَبْقَى عَلَى طَهُورِيَّتِهِ قَطْعًا فَكَأَنَّ التَّغَيُّرَ " لَمْ يَعُدْ " " هَذَا " إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ حُكْمِيَّةً فَإِنْ كَانَتْ جَامِدَةً وَزَالَ التَّغَيُّرُ ثُمَّ عَادَ وَهِيَ بَاقِيَةٌ فَإِنَّهُ يَعُودُ التَّنْجِيسُ.
هَذَا حَاصِلُ مَا فِي الْكِفَايَةِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
وَلَوْ سَمِعَ الْقَاضِي بَيِّنَةً ثُمَّ عَزَلَ قَبْلَ الْحُكْمِ ثُمَّ عَادَ فَلَا بُدَّ مِنْ إعَادَتِهَا قَطْعًا.
وَلَوْ فَسَقَ شُهُودُ الْأَصْلِ بَطَلَتْ شَهَادَةُ الْفَرْعِ فَإِنْ تَابُوا صَحَّتْ شَهَادَتُهُمْ وَلَا تَعُودُ شَهَادَةُ الْفُرُوعِ، قَالَهُ الْهَرَوِيُّ.
وَلَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت دَارَ فُلَانٍ مَا دَامَ فِيهَا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَتَحَوَّلَ فُلَانٌ عَنْهَا ثُمَّ عَادَ
(2/178)

إلَيْهَا لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ لِأَنَّ إدَامَةَ الْمَقَامِ الَّتِي انْعَقَدَ عَلَيْهَا الْيَمِينُ قَدْ انْقَطَعَتْ وَهَذَا عَوْدٌ جَدِيدٌ وَإِدَامَتُهُ " إقَامَةٌ " مُسْتَأْنَفَةٌ نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الطَّلَاقِ عَنْ الْبُوشَنْجِيِّ " وَلَمْ يَحْكِ خِلَافَهُ.
وَحَكَى فِيهِ أَيْضًا فِيمَا إذَا قَالَ لِأَبَوَيْهِ إنْ تَزَوَّجْت مَا دُمْتُمَا حَيَّيْنِ فَزَوْجَتُهُ طَالِقٌ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا وَتَزَوَّجَ لَا يَقَعُ وَجَزَمَ صَاحِبُ الْكَافِي بِعَدَمِ الْحِنْثِ فِي الْأُولَى فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ أَيْضًا.
وَلَوْ قَلَعَ سِنَّ غَيْرِهِ وَلَيْسَتْ تِلْكَ السِّنُّ لَهُ فَلَا قِصَاصَ وَإِنْ نَبَتَتْ بَعْدَهُ.
الثَّانِي: مَا هُوَ كَاَلَّذِي لَمْ يَزُلْ قَطْعًا.
فَمِنْهُ: مَا لَوْ اشْتَرَى مَعِيبًا ثُمَّ بَاعَهُ ثُمَّ عَلِمَ الْعَيْبَ فَلَا أَرْشَ لَهُ فَلَوْ رُدَّ عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ فَلَهُ رَدُّهُ قَطْعًا.
وَمِنْهُ: " لَوْ " فَسَقَ نَاظِرُ الْوَقْفِ ثُمَّ صَارَ عَدْلًا فَإِنْ كَانَتْ وِلَايَتُهُ مَشْرُوطَةً فِي أَصْلِ الْوَقْفِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ عَادَتْ وِلَايَتُهُ وَإِلَّا فَلَا " أَفْتَى بِهِ النَّوَوِيُّ وَوَافَقَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَسَكَتَ النَّوَوِيُّ عَمَّنْ " اسْتَحَقَّ " النَّظَرَ مُدَّةَ الْخَلَلِ " وَقَالَ " ابْنُ الرِّفْعَةِ: الْأَشْبَهُ أَنَّهُ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ النَّظَرَ بَعْدَهُ كَمَا فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ وَاسْتَبْعَدَهُ بَعْضُهُمْ إذَا لَمْ يَنُصَّ الْوَاقِفُ عَلَيْهِ وَقَالَ: النَّظَرُ لِلْحُكَّامِ " حِينَئِذٍ " وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النِّكَاحِ بِأَنَّ الثَّانِيَ لَيْسَ لَهُ حَقٌّ إلَّا بَعْدَ الْأَوَّلِ بِخِلَافِ وِلَايَةِ النِّكَاحِ فَإِنَّ
(2/179)

سَبَبَهَا الْقَرَابَةُ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ مَعَ وُجُودِ الْأَوَّلِ فَإِذَا خَرَجَ الْأَوَّلُ عَنْ كَوْنِهِ أَهْلًا انْتَقَلَ إلَى الْأَبْعَدِ.
الثَّالِثُ: مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ كَاَلَّذِي لَمْ يَزُلْ.
فَمِنْهُ " لَوْ " طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَدْ زَالَ مِلْكُهَا عَنْهُ فَلَهُ نِصْفُ بَدَلِهِ فَلَوْ زَالَ وَعَادَ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى حَقِّهِ وَإِذَا طَلُقَتْ الْمَرْأَةُ عَادَ حَقُّهَا فِي الْحَضَانَةِ.
وَقَالَ الْمُزَنِيّ: إنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا لَمْ يَعُدْ حَقُّهَا.
وَلَوْ تَخَمَّرَ الْعَصِيرُ الْمَرْهُونُ بَعْدَ الْقَبْضِ ارْتَفَعَ حُكْمُ الرَّهْنِ فَلَوْ عَادَ عَادَ الرَّهْنُ فِي الْأَصَحِّ.
وَلَوْ اشْتَرَى مَعِيبًا ثُمَّ بَاعَهُ ثُمَّ عَلِمَ الْعَيْبَ فَلَا أَرْشَ لَهُ فَلَوْ عَادَ إلَيْهِ بِإِرْثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ إقَالَةٍ فَلَهُ الرَّدُّ فِي الْأَصَحِّ.
وَلَوْ اشْتَرَى شَيْئًا وَلَمْ يَدْفَعْ ثَمَنَهُ وَزَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ ثُمَّ حُجِرَ عَلَيْهِ وَعَادَ إلَيْهِ بِالْإِرْثِ فَالْأَصَحُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ أَنَّ لِصَاحِبِهِ الرُّجُوعَ وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِهِ فِي الْكَبِيرِ فَإِنَّهُ شَبَّهَهُ بِنَظِيرِهِ مِنْ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ لَكِنَّ الْأَصَحَّ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ، أَيْ " لِتَلَقِّي " الْمِلْكِ مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا فِي الْهِبَةِ.
وَلَوْ عَجَّلَ زَكَاتَهُ فَشَرْطُ أَجْزَائِهَا كَوْنُ الْقَابِضِ فِي آخِرِ الْحَوْلِ مُسْتَحِقًّا فَلَوْ خَرَجَ عَنْ الِاسْتِحْقَاقِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ ثُمَّ عَادَ أَجْزَأَتْ فِي الْأَصَحِّ وَلَوْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَقَامَ ثُمَّ سَافَرَ قَصَرَهَا فِي الْأَصَحِّ.
وَلَوْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ ثُمَّ عَادَ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ عَادَ قَبْلَ تَلَبُّسِهِ بِنُسُكٍ سَقَطَ الدَّمُ وَإِلَّا فَلَا.
وَلَوْ فَارَقَ عَرَفَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ أَرَاقَ دَمًا فَلَوْ عَادَ فَكَانَ بِهَا عِنْدَ الْغُرُوبِ فَلَا دَمَ
(2/180)

وَلَوْ اشْتَرَى عَصِيرًا فَصَارَ خَمْرًا فِي يَدِ الْبَائِعِ ثُمَّ صَارَ خَلًّا هَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ قَالَ فِي الْبَحْرِ فِي الْفُرُوعِ الْمَنْثُورَةِ آخِرَ الرِّبَا: فِيهِ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّهُ إذَا عَادَ خَلًّا، هَلْ يَعُودُ الْمِلْكُ الْآنَ أَوْ يَتَبَيَّنُ بَقَاءُ الْمِلْكِ حَالَ كَوْنِهِ خَمْرًا، وَهُمَا كَالْقَوْلَيْنِ فِي الرَّهْنِ، وَالْأَصَحُّ الثَّانِي، لِأَنِّي لَا أَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ وَتَرَكَ خَمْرًا، وَصَارَتْ خَلًّا يُقْضَى مِنْ ثَمَنِهِ دَيْنُ الْمَيِّتِ، وَتَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ. وَنَظِيرُهُ أَنْ يَبِيعَ عَبْدًا فَأَبَقَ قَبْلَ الْقَبْضِ هَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ قَوْلَانِ الْأَصَحُّ لَا يَبْطُلُ وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ " وَعِنْدِي " أَنَّهُ يَبْطُلُ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ، لِأَنَّ الْمَالِيَّةَ زَالَتْ بِمَصِيرِهَا خَمْرًا فَيَسْتَحِيلُ بَقَاءُ الْبَيْعِ، وَإِذَا بَطَلَ الْبَيْعُ لَا يَعُودُ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدٍ.
الرَّابِعُ: مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ كَاَلَّذِي لَمْ يَعُدْ.
فَمِنْهُ، لَوْ زَالَ مِلْكُ الْمَوْهُوبِ ثُمَّ عَادَ لَمْ يَرْجِعْ الْأَبُ فِي الْأَصَحِّ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صُورَةِ الصَّدَاقِ السَّابِقَةِ أَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ فِي الْعَيْنِ وَالْمَالِيَّةِ أَيْ الْبَدَلِ وَحَقِّ الْأَبِ فِي الْعَيْنِ فَقَطْ، وَالْأَوَّلُ آكَدُ.
وَلَوْ اشْتَرَى عَيْنًا وَزَالَ مِلْكُهُ عَنْهَا، ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ بِمِلْكٍ آخَرَ ثُمَّ حُجِزَ عَلَيْهِ " بِالْفَلَسِ "، فَلَيْسَ لِبَائِعِهِ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ.
وَلَوْ أَعْرَضَ عَنْ جِلْدِ مَيْتَةٍ أَوْ خَمْرٍ فَتَحَوَّلَ بِيَدِ غَيْرِهِ لَمْ يَعُدْ الْمِلْكُ فِي الْأَصَحِّ.
وَلَوْ رَهَنَ شَاةً، فَمَاتَتْ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ بَطَلَ الرَّهْنُ، فَلَوْ دُبِغَ الْجِلْدُ لَمْ يَعُدْ رَهْنًا فِي الْأَصَحِّ، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ التَّخْمِيرِ.
وَلَوْ جُنَّ قَاضٍ أَوْ ذَهَبَتْ أَهْلِيَّتُهُ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ، فَلَوْ زَالَتْ هَذِهِ الْأَسْبَابُ لَمْ تَعُدْ وِلَايَتُهُ فِي الْأَصَحِّ.
(2/181)

وَلَوْ قُلِعَ سِنٌّ " مَثْغُورٌ " وَجَبَ الضَّمَانُ، فَلَوْ عَادَتْ لَمْ يَسْقُطْ فِي الْأَظْهَرِ وَمِثْلُهُ " لَوْ " الْتَحَمَتْ الْجَائِفَةُ أَوْ نَبَتَ اللِّسَانُ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ وَمِنْهُ عَوْدُ الْيَمِينِ بِعَوْدِ الصِّفَةِ، وَالْأَصَحُّ عَدَمُ الْعَوْدِ. وَلَوْ قَطَعَ أُذُنَهُ، فَأَلْصَقَهَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فِي حَرَارَةِ الدَّمِ فَالْتَصَقَتْ لَمْ يَسْقُطْ الْقِصَاصُ، وَقَدْ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهَا مِنْ خِلَافٍ مَبْنِيٍّ عَلَى نَجَاسَةِ الْعُضْوِ الْمُبَانِ مِنْ الْآدَمِيِّ.
وَلَوْ هَزَلَتْ الْمَغْصُوبَةُ عِنْدَ الْغَاصِبِ ثُمَّ سَمِنَتْ، لَمْ يُجْبَرْ " فِي الْأَصَحِّ " بَلْ يَضْمَنُ النُّقْصَانَ، وَهَذِهِ نِعْمَةٌ جَدِيدَةٌ.
وَالضَّابِطُ أَنَّ مَا كَانَ " الْمُعَلَّقُ " فِيهِ شَرْعِيًّا، إذَا عَادَ فَهُوَ كَاَلَّذِي لَمْ يَزُلْ كَالْمُفْلِسِ إذَا حُجِرَ عَلَيْهِ قَبْلَ إقْبَاضِ الثَّمَنِ، وَكَانَ قَدْ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ ثُمَّ عَادَ، وَإِنْ كَانَ وَضْعِيًّا فَكَاَلَّذِي لَمْ يَعُدْ، كَمَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى الدُّخُولِ، ثُمَّ أَبَانَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَعَادَتْ، لَا يَقَعُ فِي الْأَصَحِّ.

[الزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ تَتْبَعُ الْأَصْلَ]
َ فِي سَائِرُ الْأَبْوَابِ مِنْ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالْفَلَسِ وَغَيْرِهِمَا، إلَّا فِي الصَّدَاقِ، فَإِنَّ الزَّوْجَ، إذَا طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ، لَا يُرْجَعُ إلَى النِّصْفِ الزَّائِدِ، إلَّا بِرِضَا الْمَرْأَةِ.
(2/182)

وَالزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ لَا تَتْبَعُ الْأَصْلَ فِي الْكُلِّ.
وَعَبَّرَ الْمَاوَرْدِيُّ فَقَالَ حُكْمُ الزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ أَنْ تَتْبَعَ الْمَالِكَ دُونَ الْمِلْكِ فَرَدُّ الْأَصْلِ بِالْعَيْبِ لَا يُوجِبُ رَدَّ زِيَادَتِهِ " وَالزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ تَتْبَعُ الْمِلْكَ دُونَ الْمَالِكِ، كَمَا أَنَّ رَدَّ الْأَصْلِ بِالْعَيْبِ يُوجِبُ رَدَّ زِيَادَتِهِ " الْمُتَّصِلَةِ.
وَفَرَّقَ الْأَصْحَابُ بَيْنَ الصَّدَاقِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّ الطَّلَاقَ إنْشَاءُ تَصَرُّفٍ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ فِي مِلْكِهِ، فَيَحْدُثُ بِهِ الْمِلْكُ عَلَى نِصْفِ مَا سَمَّاهُ فِي الْعَقْدِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ الرُّجُوعُ فِي نِصْفِ الْعَيْنِ، لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الْمُسَمَّى، فَانْتَقَلَ إلَى الْبَدَلِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا " فَسْخُ " الْعَقْدِ لِمَعْنًى ظَهَرَ مِنْ بَعْدُ فَاسْتَنَدَ إلَى حَالِ الْعَقْدِ حُكْمًا، وَجُعِلَ كَأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَكُنْ كَالْوَاهِبِ يَرْجِعُ فِي الْهِبَةِ، وَالْبَائِعُ يَرُدُّ " الْعَيْنَ بِالْعَيْبِ " وَقَدْ يُضَافُ لِصُورَةِ الصَّدَاقِ الْمُسْتَثْنَاةِ: الْعَيْنُ " الْمَوْهُوبَةُ " لِلْوَلَدِ عَلَى وَجْهٍ وَكَذَلِكَ اللُّقَطَةُ، إذَا زَادَتْ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً ثُمَّ ظَهَرَ مَالِكُهَا، فَإِنَّهُ يَنْحَصِرُ حَقُّهُ فِي قِيمَتِهَا عَلَى مَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.

[الزِّيَادَةُ الْيَسِيرَةُ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ لَا أَثَرَ لَهَا]
، وَإِنْ كَانَ فِيهَا غَبْنٌ مَا، كَمَا فِي الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَعَدْلِ الرَّهْنِ " وَنَحْوِهِ، إلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مَا كَانَ شَرْعِيًّا عَامًّا، كَمَا فِي الْمُتَيَمِّمِ، إذَا وَجَدَ الْمَاءَ يُبَاعُ بِزِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ، لَا تَلْزَمُهُ
(2/183)

فِي " الْأَصَحِّ، وَقِيلَ إنْ كَانَتْ مِمَّا يُتَغَابَنُ بِمِثْلِهَا وَجَبَ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَالْفَرْقُ " بَيْنَهُ " وَبَيْنَ غَيْرِهِ أَنَّ مَا وَضَعَهُ الشَّارِعُ، وَهُوَ حَقٌّ لَهُ " بُنِيَ " عَلَى الْمُسَامَحَةِ.
أَمَّا وِجْدَانُ الْوَاجِبِ بِأَكْثَرَ مِنْ الْمُعْتَادِ، فَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْعَدَمِ، كَمَا لَوْ وَجَدَ الْغَاصِبُ الْمِثْلَ يُبَاعُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ، لَا يُكَلَّفُ تَحْصِيلُهُ فِي الْأَصَحِّ.
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْجَانِي إبِلٌ، وَفِي إبِلِ الْبَلْدَةِ، غَالِبٌ، وَلَكِنَّهُ يُبَاعُ بِزَائِدٍ عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ شِرَاؤُهُ، وَيَكُونُ كَالْمَعْدُومِ قَطْعًا، وَلَمْ " يُجْرُوا " فِيهِ خِلَافَ الْغَصْبِ وَلَا يَبْعُدُ التَّعَدِّيَةُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
وَلَوْ وَجَدَ الْمُكَفِّرُ الرَّقَبَةَ تُبَاعُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، لَا يَجِبُ الشِّرَاءُ، بَلْ يَصُومُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَلِهَذَا " إذَا " كَانَ الزَّادُ يُبَاعُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ لَا يَجِبُ الْحَجُّ.
وَلَوْ وَجَدَ حُرَّةً بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ لَهُ الْعُدُولُ إلَى الْأَمَةِ فِي الْأَصَحِّ.
وَلَوْ وَجَدَ الْمُضْطَرُّ طَعَامًا يُبَاعُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ، قَالَ الْبَغَوِيّ يَجِبُ الشِّرَاءُ، وَلَا يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ.

[الزِّيَادَةُ عَلَى الْعَدَدِ إذَا لَمْ تَكُنْ شَرْطًا فِي الْوُجُوبِ]
" الزِّيَادَةُ " عَلَى الْعَدَدِ إذَا لَمْ تَكُنْ شَرْطًا فِي الْوُجُوبِ شَرْعًا، لَا يُتَأَثَّرُ بِفَقْدِهِ وَلِهَذَا لَوْ شَهِدَ ثَمَانِيَةٌ عَلَى شَخْصٍ بِالزِّنَا، فَرُجِمَ ثُمَّ رَجَعَ " أَرْبَعَةٌ " عَنْ
(2/184)

الشَّهَادَةِ، لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ، فَلَوْ رَجَعَ مِنْهُمْ خَمْسَةٌ ضَمِنُوا " لِنُقْصَانِ " مَا بَقِيَ مِنْ الْعَدَدِ الْمَشْرُوطِ، لَكِنْ خَالَفُوا هَذَا فِيمَا لَوْ مَلَكَ تِسْعَةً مِنْ الْإِبِلِ وَحَالَ " عَلَيْهَا " الْحَوْلُ، ثُمَّ تَلِفَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ أَرْبَعٌ، فَإِنْ قُلْنَا الْوَقْصُ عَفْوٌ كَمَا الْأَصَحُّ فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَإِنْ قُلْنَا الْوَاجِبُ سَقَطَ عَلَى الْجَمِيعِ فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا كَذَلِكَ، لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الزِّيَادَةَ لَمَّا " لَمْ " تَكُنْ شَرْطًا فِي وُجُودِ الشَّاةِ لَمْ يَسْقُطْ شَيْءٌ بِتَلَفِهَا.
وَالْأَصَحُّ " أَنَّهُ " عَلَيْهِ خَمْسَةُ أَتْسَاعِ شَاةٍ لِأَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِجَمِيعِ التِّسْعِ، فَحِصَّةُ كُلِّ بَعِيرٍ " مِنْهَا " تُسْعٌ، فَيَسْقُطُ بِتَلَفِ الْأَرْبَعِ أَرْبَعَةُ أَتْسَاعٍ وَيَبْقَى الْبَاقِي.

[الزَّرْعُ النَّابِتُ فِي أَرْضِ الْغَيْرِ]
ِ أَقْسَامٌ
" الْأَوَّلُ ": أَنْ يُزْرَعَ تَعَدِّيًا فَيُقْلَعَ مَجَّانًا، وَلَيْسَ لِعَرَقِ ظَالِمٍ حَقٌّ، وَفِي الْحَدِيثِ «مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ، فَلَيْسَ لَهُ مِنْ الزَّرْعِ شَيْءٌ وَلَهُ نَفَقَتُهُ»
(2/185)

نَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ " الْبُخَارِيِّ " أَنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
قَالَ: وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ "، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ بِهِ أَحْمَدُ مَا دَامَ الزَّرْعُ فِي الْأَرْضِ، فَإِنْ " كَانَ " حُصِدَ فَإِنَّمَا لَهُمْ الْأُجْرَةُ.
وَقَالَ الْجُمْهُورُ: الْخَبَرُ إمَّا مَنْسُوخٌ أَوْ مُؤَوَّلٌ عَلَى أَنَّهُ زَرْعُ أَرْضِهِمْ بِبَذْرِهِمْ عَلَى خِلَافِ شَرْطِهِمْ، فَالزَّرْعُ لَهُمْ، وَعَلَيْهِمْ أُجْرَةُ مِثْلِ عَمَلِهِ، وَقَالَ " الطَّحَاوِيُّ " فِي مُشْكِلِ الْآثَارِ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، إلَّا " شَرِيكَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيّ، وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ.
وَوَقَعَ فِي الْفَتَاوَى أَرْضٌ تُؤْجَرُ وَقْتَ الزِّرَاعَةِ بِعِشْرِينَ الْفَدَّانِ، وَإِذَا أَوْجَرْت بِأُجْرَةٍ مُؤَجَّلَةٍ إلَى الْمَغْلِ أَوْجَرْت بِأَرْبَعِينَ، فَغَصَبَهَا غَاصِبٌ وَزَرَعَهَا، وَلَمْ يُطَالِبْهُ
(2/186)

صَاحِبُهَا إلَى أَوَانِ الْمَغْلِ، وَالْوَاقِعُ فِي الْأَرْضِ أَنَّ الزَّرْعَ يَبْطُلُ مَنْفَعَتُهَا فَلَا يَتَأَتَّى اعْتِبَارُ كُلِّ مُدَّةٍ " فِي نَحْوِهَا ".
وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ، إنَّمَا تَكُونُ حَالَّةً فَهَلْ يَضْمَنُ الْعِشْرِينَ فَقَطْ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ " عَلَيْهِ " وَقْتَ زِرَاعَتِهِ حَالَّةً؟ وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ " هُنَا ضَمَانَيْنِ ":
أَحَدُهُمَا ضَمَانُ " جِنَايَتِهِ " بِإِبْطَالِهِ مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ بِزَرْعِهِ فَيَضْمَنُهُ بِقِيمَةِ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ حَالًّا، وَثَبَتَتْ فِي ذِمَّتِهِ سَوَاءٌ " طَلَبَ " أَمْ لَا.
وَالثَّانِي ضَمَانُ أُجْرَةِ بَقَاءِ الْأَرْضِ فِي يَدِهِ إمَّا " لِاسْتِمْرَارِ " زَرْعِهِ " فِيهَا أَوْ لِغَيْرِهِ.
وَهَذَا يَجِبُ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَأَيُّ وَقْتٍ حَضَرَ الْمَالِكُ لَهُ مُطَالَبَتُهُ بِالْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا ضَمَانَ الْمَنْفَعَةِ الْفَائِتَةِ بِجِنَايَتِهِ " وَوَقْتِ " تَفْوِيتِهَا وَضَمَانِ أُجْرَةِ " مِثْلِ " الْمُدَّةِ الَّتِي أَقَامَتْ فِي يَدِهِ.
" الثَّانِي " زَرَعَهَا بِعَقْدٍ فَاسِدٍ وَقَدْ " سَبَقَتْ "
" الثَّالِثُ ": أَنْ يَنْبُتَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، كَمَا لَوْ حَمَلَ السَّيْلُ بَذْرًا إلَى أَرْضِ الْغَيْرِ فَنَبَتَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ فَيَجِبُ رَدُّهُ إنْ كَانَ لَهُ قِيمَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَحَبَّةٍ أَوْ نَوَاةٍ، فَهَلْ النَّابِتُ لِمَالِكِ الْأَرْضِ أَوْ لِصَاحِبِ الْحَبِّ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي.
(2/187)

وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى قَلْعِهِ إذْ لَا تَسْلِيطَ مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ
" الرَّابِعُ ": أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِي شَيْءٍ " فَزَرَعَ " مَا ضَرَرُهُ أَعْظَمُ مِنْهُ " كَمَا " لَوْ اسْتَأْجَرَ لِزِرَاعَةِ حِنْطَةٍ فَزَرَعَ الْقُطْنَ فَلِلْمَالِكِ الْقَطْعُ مَجَّانًا فَإِنْ مَضَتْ لِمِثْلِهَا أُجْرَةٌ فَفِي الْمَطْلَبِ إنْ قُلْنَا فِي نَظِيرِهِ " مِنْ " الْأُجْرَةِ تَجِبُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فَكَذَا هُنَا وَإِنْ قُلْنَا يَسْتَحِقُّ مَا زَادَ عَلَى الْمُسَمَّى مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ " فَهُنَا " تَرَدُّدٌ.
" الْخَامِسُ ": أَنْ يَزْرَعَ الْمَأْذُونَ فِيهِ بِبَذْرِهِ فَالزَّرْعُ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فَلَّاحًا يَزْرَعُ بِالْمُقَاسَمَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِ الْأَرْضِ كَعَادَةِ الشَّامِ فَإِنَّ الزَّرْعَ يَكُونُ فِي حُكْمِ الْمُقَاسَمَةِ عَلَى مَا عَلَيْهِ " أَهْلُ " الشَّامِ " وَأَجَازَهُ " بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ قَالَ وَوَجْهُهُ مِنْ جِهَةِ الْفِقْهِ أَنَّ الْفَلَّاحَ كَأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ الْبَذْرِ " لِصَاحِبِ " الْأَرْضِ بِالشَّرْطِ الْمَعْلُومِ بَيْنَهُمَا " فَثَبَتَتْ " عَلَى ذَلِكَ وَإِذَا عَرَفْت هَذَا وَتَعَدَّى شَخْصٌ عَلَى أَرْضٍ " وَغَصَبَهَا " وَهِيَ فِي يَدِ الْفَلَّاحِ فَزَرَعَهَا عَلَى عَادَتِهِ لَا نَقُولُ الزَّرْعُ لِلْغَاصِبِ بَلْ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ عَلَى حُكْمِ الْمُقَاسَمَةِ وَهَذِهِ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ تَنْفَعُ فِي الْأَحْكَامِ.
" فَائِدَةٌ أَعَارَ أَرْضًا لِلزَّرْعِ فَزَرَعَ وَرَجَعَ الْمُعِيرُ " فَهَلْ " لَهُ مُطَالَبَتُهُ بِالْقَلْعِ قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي الْمُطَارَحَاتِ إنْ كَانَ مِمَّا يُؤْخَذُ فَصِيلًا فِي الْعُرْفِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ بِقَطْعِهِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا " يَسْتَحْصِدُهُ " لَمْ يَكُنْ لَهُ مُطَالَبَتُهُ وَيُقَالُ لَهُ " إنْ شِئْت "
(2/188)

أَذِنْت فَأَعْطِهِ قِيمَةَ زَرْعِهِ قَائِمًا وَإِنْ امْتَنَعَ الْمُسْتَعِيرُ كَانَ عَلَيْهِ " أُجْرَةُ " مِثْلِ الْأَرْضِ إلَى الْحَصَادِ.
(2/189)

[حَرْفُ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ] [السَّبَبُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ]
ِ السَّبَبُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ: قِيلَ فِي حَقِيقَتِهِ: مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى الْحُكْمِ وَيَكُونُ طَرِيقًا فِي ثُبُوتِهِ كَالنِّصَابِ فِي الزَّكَاةِ وَالْحَوْلُ شَرْطٌ فَإِنْ قِيلَ هَلَّا عُكِسَ قِيلَ لِأَنَّ الشَّارِعَ إذَا رَتَّبَ حُكْمًا عَقِبَ أَوْصَافٍ فَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا " مُنَاسَبَةً " فَالْجَمِيعُ عِلَّةٌ كَالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ وَإِنْ نَاسَبَ الْبَعْضَ فِي ذَاتِهِ دُونَ الْبَعْضِ فَالْمُنَاسِبُ فِي ذَاتِهِ سَبَبٌ وَالْمُنَاسِبُ فِي غَيْرِهِ شَرْطٌ فَالنِّصَابُ يَشْتَمِلُ عَلَى " الْغَنِيِّ " وَنِعْمَةُ الْمِلْكِ فِي نَفْسِهِ وَالْحَوْلُ مُكَمِّلٌ لِنِعْمَةِ الْمِلْكِ " فَالتَّمْكِينُ " " بِالتَّنْمِيَةِ " فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ فَهُوَ شَرْطٌ " لَهُ " وَقَدْ يُطْلِقُهُ الْفُقَهَاءُ فِي الْجِنَايَاتِ فِي مُقَابَلَةِ الْمُبَاشَرَةِ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ كُلُّ مَا يَحْصُلُ الْهَلَاكُ مَعَهُ فَأَمَّا أَنْ يَحْصُلَ بِهِ فَيَكُونَ عِلَّتُهُ كَالتَّرْدِيَةِ فِي الْبِئْرِ أَوْ يَحْصُلَ عِنْدَهُ لِعِلَّةٍ أُخْرَى لَكِنْ لَوْلَاهُ لَمْ تُؤَثِّرْ الْعِلَّةُ كَحَفْرِ الْبِئْرِ مَعَ التَّرْدِيَةِ فَهُوَ سَبَبٌ وَأَمَّا أَنْ يَحْصُلَ مَعَهُ وِفَاقًا وَلَا يَقِفُ الْعَمَلُ عَلَى وُجُودِهِ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ كَمَا إذَا ضَرَبَهُ ضَرْبَةً خَفِيفَةً فَمَاتَ فَهَذَا لَا يُجْعَلُ سَبَبًا بَلْ هُوَ مُوَافَقَةُ قَدَرٍ.

الثَّانِي: يَنْقَسِمُ السَّبَبُ إلَى قَوْلِيٍّ وَفِعْلِيٍّ
(2/190)

فَالْقَوْلِيُّ كَالتَّحَرُّمِ بِالصَّلَاةِ وَنِيَّةِ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَغَيْرِهِ وَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْإِجَارَةِ وَسَائِرِ الْعُقُودِ وَالتَّلَفُّظِ بِالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالظِّهَارِ وَالرَّجْعَةِ.
وَالْفِعْلِيُّ كَالِاصْطِيَادِ وَالِاحْتِطَابِ وَالْإِحْيَاءِ وَقَتْلِ الْحَرْبِيِّ وَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَالْقَتْلِ الْمُحَرَّمِ وَالْوَطْءِ الْمُقَرِّرِ لِكَمَالِ الْمَهْرِ وَنَحْوِهِ.
فَالْأَوَّلُ هَلْ يَثْبُتُ حُكْمُهُ مَعَ آخِرِ جُزْءٍ مِنْ الصِّيغَةِ أَمْ بِتَمَامِهَا فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ بِالنِّسْبَةِ لِلْبَيْعِ وَالْعِتْقِ وَنَحْوِهِ وَحَكَى الرُّويَانِيُّ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ " أَنَّهُ " هَلْ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ بِأَوَّلِ التَّكْبِيرِ أَوْ بِالْفَرَاغِ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ دَخَلَ مِنْ أَوَّلِهِ وَجْهَانِ يَبْنِي عَلَيْهِمَا مَا لَوْ رَأَى الْمُتَيَمِّمُ الْمَاءَ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ التَّكْبِيرِ وَعَلَى قِيَاسِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ فِي الْبَيْعِ وَجْهٌ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ بِأَوَّلِ لَفْظِ الْقَبُولِ وَعَلَى هَذَا تَحْصُلُ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
" وَقَالَ " ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْأَشْعَرِيَّةِ وَالْحُذَّاقِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " أَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ تَقْتَرِنُ بِآخِرِ حَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ أَسْبَابِهَا فَتَقْتَرِنُ الْحُرِّيَّةُ بِالرَّاءِ مِنْ أَنْتَ حُرٌّ وَالطَّلَاقُ بِالْقَافِ مِنْ أَنْتِ طَالِقٌ، قَالَ وَهُوَ يَطَّرِدُ فِي جَمِيعِ أَلْفَاظِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَإِذَا قَالَ اُقْعُدْ كَانَ أَمْرًا مَعَ الدَّالِ وَكَذَلِكَ لَا تَقْعُدْ.
" وَقَالَ " الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْكَفَّارَةِ: اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي أَنَّ الطَّلَاقَ وَالْعِتْقَ وَسَائِرَ الْأَلْفَاظِ هَلْ يَثْبُتُ " حُكْمُهَا " مَعَ " الْجُزْءِ " الْأَخِيرِ مِنْ اللَّفْظِ أَمْ " عَقِبَ " " تَمَامِ " أَجْزَائِهِ عَلَى الِاتِّصَالِ؟ وَجْهَانِ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الثَّانِي.
انْتَهَى.
(2/191)

" وَأَمَّا الثَّانِي " وَهُوَ الْفِعْلِيُّ فَفِيهِ الْخِلَافُ " السَّابِقُ أَيْضًا ".
وَقَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِيمَا لَوْ ارْتَضَعَ الصَّبِيُّ خَمْسَ رَضَعَاتٍ حَتَّى يَحْصُلَ التَّحْرِيمُ بِانْفِسَاخِ النِّكَاحِ هَلْ يَثْبُتُ ذَلِكَ مَعَ الرَّضْعَةِ الْخَامِسَةِ أَوْ عَقِبَهَا فِيهِ وَجْهَانِ.
وَبَقِيَ قِسْمٌ ثَالِثٌ يَتَقَدَّمُ الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى سَبَبِهِ كَالدِّيَةِ " فَإِنَّا " نُقَدِّرُ دُخُولَهَا فِي مِلْكِ الْقَتِيلِ قُبَيْلَ آخِرِ جُزْءٍ مِنْ حَيَاتِهِ وَإِلَّا لَمْ تُوَرَّثْ عَنْهُ وَلَمْ تُنَفَّذْ " فِيهَا " وَصَايَاهُ وَدُيُونُهُ. وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا يَمْتَدُّ زَمَانُهُ.
فَأَمَّا إذَا كَانَ السَّبَبُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ لَهُ أَوَّلٌ وَآخِرُ وَحَقِيقَةٌ تَتِمُّ بِآخِرِهِ كَالْحَيْضِ يُوجِبُ الْغُسْلَ بِخُرُوجِهِ أَوْ بِانْقِطَاعِهِ أَوْ بِالْمَجْمُوعِ فَيَجِبُ بِخُرُوجِهِ وَلَا يَتَحَقَّقُ إلَّا عِنْدَ انْقِطَاعِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا الثَّالِثُ كَذَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الثَّانِيَ، وَزَادَ وَجْهًا رَابِعًا وَهُوَ " بِالْقِيَامِ " إلَى الصَّلَاةِ وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ الثَّانِي مَعَ الثَّالِثِ فَإِنَّهُ هُوَ هُوَ، فَإِنَّ الْقَائِلَ بِالْخُرُوجِ يُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا عِنْدَ الِانْقِطَاعِ وَجَوَابُهُ أَنَّ الِانْقِطَاعَ " شَرْطٌ " فِي الثَّانِي " وَشَرْطٌ " فِي الثَّالِثِ.
وَنَظِيرُهُ الْخِلَافُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ هَلْ سَبَبُهَا الْحِنْثُ وَالْيَمِينُ جَمِيعًا أَوْ سَبَبُهَا الْيَمِينُ وَالْحِنْثُ شَرْطٌ، أَوْ سَبَبُهَا الْحِنْثُ وَحْدَهُ؟ وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي صُورَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: إذَا اُسْتُشْهِدَتْ الْحَائِضُ فَإِنْ قُلْنَا لَا يَجِبُ بِالْخُرُوجِ فَلَا تُغَسَّلُ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ
(2/192)

الثَّانِيَةُ: إذَا قُلْنَا الْحَائِضُ لَا تُمْنَعُ الْقِرَاءَةَ فَأَجْنَبَتْ فَإِنْ قُلْنَا غُسْلُ الْحَيْضِ لَا يَجِبُ بِالْخُرُوجِ اغْتَسَلَتْ عَنْ الْجَنَابَةِ وَإِلَّا فَلَا.

الثَّالِثُ: هَلْ يَجِبُ التَّعَرُّضُ لَهُ " فِي الْإِخْبَارَاتِ " وَالْإِنْشَاءَاتِ.
الْأَصْلُ أَنَّ مَا لَزِمَ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى التَّعَرُّضِ لِسَبَبِهِ وَمَا اخْتَلَفَ أَمْرُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ.
وَلِهَذَا يَجِبُ ذِكْرُ سَبَبِ الْجَرْحِ دُونَ التَّعْدِيلِ عَلَى الْأَصَحِّ وَلَزِمَ بَيَانُ السَّبَبِ فِي الْإِخْبَارِ بِالنَّجَاسَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُظَنَّ " أَنَّ " مَا لَيْسَ بِنَجِسٍ نَجِسًا وَالشَّهَادَةُ بِالرِّدَّةِ مُلْحَقَةٌ " بِالْجَرْحِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ فَلَا يُقْبَلُ خِلَافًا لِتَرْجِيحِ الرَّافِعِيِّ.
" وَلَا بُدَّ مِنْ " التَّفْصِيلِ لِأَنَّهُ قَدْ يَعْتَقِدُ مَا لَيْسَ بِكُفْرٍ كُفْرًا، وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ قَتَلَ مُوَرِّثَهُ فَيَذْكُرُ أَنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ أَوْ شُورِكَ وَأَنَّهُ عَمْدٌ أَوْ خَطَأٌ أَوْ شِبْهُ عَمْدٍ.
قَالَ الدَّبِيلِيُّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ " لَوْ " شَهِدُوا أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ مُطَلَّقَةٌ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ لَمْ يُسْمَعْ حَتَّى يَذْكُرُوا لَفْظَ الزَّوْجِ بِالطَّلَاقِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ " قَالَ لَهَا يَا بَائِنَةُ " أَوْ حَلَالُ اللَّهِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَنَحْوُهُ مِنْ الْكِنَايَاتِ وَكَانَ. عِنْدَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ " طَلَاقٌ ".
(2/193)

وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ ضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ فَأَوْضَحَ رَأْسَهُ جَزَمَ الْجُمْهُورُ بِالْقَبُولِ وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ لَا بُدَّ مِنْ " التَّعَرُّضِ " لِإِيضَاحِ الْعَظْمِ لِأَنَّ الْإِيضَاحَ لَيْسَ مُخَصَّصًا بِذَلِكَ ".
وَلَوْ شَهِدَا بِدَيْنٍ أَوْ مِلْكٍ " يَثْبُتُ " الدَّيْنُ وَالْمِلْكُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرَا سَبَبًا.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَسْبَابِ الْمُثْبِتَةِ لِلدَّيْنِ وَالْمِلْكِ.
قُلْت إنَّمَا تُقْبَلُ مُطْلَقَةً عِنْدَ عَدَمِ الْمُنَازِعِ، وَأَمَّا عِنْدَ ذِكْرِ " الِانْتِقَالِ " مِنْ مَالِكٍ آخَرَ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ السَّبَبِ فِي الْأَصَحِّ.
وَلَوْ ادَّعَى نِكَاحَ امْرَأَةٍ لَا يَكْفِيهِ الْإِطْلَاقُ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ التَّفْصِيلِ وَالتَّعَرُّضِ لِشَرَائِطِ النِّكَاحِ بِخِلَافِ دَعْوَى الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ.
وَمِمَّا يُشْتَرَطُ فِيهِ بَيَانُ " السَّبَبِ قَطْعًا لَوْ " شَهِدَ بِاسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ لَمْ يُسْمَعْ قَطْعًا بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَ سَبَبَ " الِاسْتِحْقَاقِ " مِنْ شَرِكَةٍ أَوْ جِوَارٍ.
وَلَوْ شَهِدَا بِأَنَّ هَذَا وَارِثُهُ لَمْ تُسْمَعْ أَيْضًا، لِاخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ فِي تَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَلِاخْتِلَافِ قَدْرِ التَّوْرِيثِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَا جِهَةَ الْمِيرَاثِ مِنْ أُبُوَّةٍ أَوْ بُنُوَّةٍ وَغَيْرِهِ، وَنَظِيرُهُ إذَا أَقَرَّ بِوَارِثٍ " مُطْلَقًا " لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى إقْرَارِهِ شَيْءٌ حَتَّى يُعَيِّنَ جِهَةَ الْإِرْثِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَإِنَّهُ تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةُ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ السَّبَبَ " خِلَافًا لِلْهَرَوِيِّ "، لِأَنَّ الْإِقْرَارَ حَقٌّ عَلَيْهِ، فَيُحْتَاطُ هُوَ لِنَفْسِهِ،
(2/194)

بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ فَإِنَّهُ حَقٌّ عَلَى وَرَثَتِهِ أَوْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
وَلَوْ شَهِدَا أَنَّ بَيْنَهُمَا رَضَاعًا مُحَرِّمًا، فَالْأَصَحُّ لَا يُقْبَلُ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ إنْ كَانَ الشَّاهِدُ فَقِيهًا مُوَافِقًا قُبِلَ وَإِلَّا فَلَا، وَلَا يَصِحُّ التَّحَمُّلُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّاهِدِ حَتَّى يَسْتَرْعِيَهُ الْأَصْلُ أَوْ يُصْغِيَ إلَيْهِ فِي مَجْلِسِ حَاكِمٍ أَوْ مُحَكَّمٍ أَوْ يُبَيِّنُ سَبَبَهُ مِنْ قَرْضٍ أَوْ إتْلَافٍ أَوْ ثَمَنِ مَبِيعٍ، وَقِيلَ لَا يَكْفِي الِاسْتِنَادُ لِسَبَبٍ وَرَجَّحَهُ الْإِمَامُ.
تَنْبِيهٌ: اسْتَثْنَوْا مِمَّا يُشْتَرَطُ فِيهِ بَيَانُ السَّبَبِ مَا لَوْ كَانَ الْمُطَلِّقُ فَقِيهًا مُوَافِقًا فَلَا يَحْتَاجُ لِبَيَانِ السَّبَبِ، كَمَا فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ وَنَحْوِهِ، وَالْقِيَاسُ إلْحَاقُ بَقِيَّةِ نَظَائِرِهِ بِهِ، وَقَدْ قَالُوا لِيُبَيِّنَ شَاهِدُ الْفَرْعِ عِنْدَ الْأَدَاءِ جِهَةَ التَّحَمُّلِ فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ، وَوَثِقَ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ فَلَا بَأْسَ، وَبَحَثَ الرَّافِعِيُّ ذَلِكَ فِي شَاهِدَيْ الْجَرْحِ أَيْضًا
فَائِدَةٌ: الِاخْتِلَافُ فِي السَّبَبِ غَيْرُ مُضِرٍّ فِي الْإِقْرَارِ، فَإِذَا قَالَ لَهُ عِنْدِي أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ، فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: لَا، بَلْ مِنْ دَارِ، لَمْ يَضُرَّ، وَيُحْتَمَلُ الِاخْتِلَافُ فِي غَيْرِ السَّبَبِ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ.
وَلَوْ ذَكَرَ الْمُدَّعِي " سَبَبًا، وَالشُّهُودُ " سَبَبًا آخَرَ ضَرَّ عَلَى الصَّحِيحِ فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ لِمُنَاقَضَتِهَا الدَّعْوَى.

الرَّابِعُ: مَا تَوَقَّفَ عَلَى السَّبَبِ تَارَةً بِسَبَبٍ وَاحِدٍ وَتَارَةً بِسَبَبَيْنِ وَتَارَةً بِثَلَاثَةٍ فَالْأَوَّلُ: يَمْتَنِعُ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ، " لِأَنَّ الْمُسَبَّبَ يَسْتَدْعِي وُجُودَ السَّبَبِ " كَزَكَاةِ الْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ مِمَّا لَا يُشْتَرَطُ " فِيهِ " الْحَوْلُ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْحَوْلِ وَكَذَا زَكَاةُ الثِّمَارِ
(2/195)

وَنَازَعَ الرَّافِعِيُّ فِيهِ، وَقَالَ بَلْ لَهَا سَبَبَانِ ظُهُورُ الثَّمَرَةِ وَإِدْرَاكُهَا وَالْإِدْرَاكُ تَمَامُهُ حَوَلَانُ الْحَوْلِ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَمِنْهُ كَفَّارَةُ الْمُجَامِعِ لَا تَجُوزُ قَبْلَ الْوِقَاعِ فِي الْأَصَحِّ، وَدَمُ جَزَاءِ الصَّيْدِ قَبْلَ جُرْحِهِ لَا يَجُوزُ، وَالْإِحْرَامُ لَيْسَ سَبَبًا لِلْجَزَاءِ وَمِثْلُهُ لَا يَجُوزُ " تَقْدِيمُهُ " عَلَى الْجُرْحِ بِحَالٍ وَعَنْ أَبِي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ احْتِمَالٌ " فِيهِ " تَنْزِيلًا لِلْعِصْمَةِ مَنْزِلَةَ أَحَدِ السَّبَبَيْنِ.
وَلَوْ نَذَرَ أُضْحِيَّةً لَا يَجُوزُ ذَبْحُهَا قَبْلَ وَقْتِهَا قَطْعًا، وَإِذَا أَرَادَ الشَّيْخُ الْهَرِمُ إخْرَاجَ الْفِدْيَةِ قَبْلَ دُخُولِ " شَهْرِ " رَمَضَانَ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ " مِنْ يَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ " أَجْزَأَهُ عَنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَإِنْ " أَدَّاهَا قَبْلَ الْفَجْرِ "، فَفِيهِ احْتِمَالَانِ لِوَالِدِ الرُّويَانِيِّ، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَقَطَعَ الدَّارِمِيُّ بِالْجَوَازِ وَهُوَ الصَّوَابُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَلَا يَجُوزُ التَّقْدِيمُ فِي السَّبَبِ الْوَاحِدِ، إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ إذَا اُضْطُرَّ الْمُحْرِمُ إلَى صَيْدٍ فَقَدَّمَ الْجَزَاءَ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " جَوَّزَهُ قَالَ: وَكَأَنَّهُ جَعَلَ الْإِحْرَامَ أَحَدَ سَبَبَيْهِ فَلِذَلِكَ " جَوَّزَهُ " وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَجَوَّزَهُ قَبْلَ الْجُرْحِ، إذَا لَمْ يُضْطَرَّ إلَيْهِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ عَلَى أَنَّ الرَّافِعِيَّ حَكَى هَذَا وَجْهًا عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ كَجٍّ، وَجَعَلَ الْمَذْهَبَ جَوَازَ تَقْدِيمِهِ بَعْدَ الْجُرْحِ لِوُجُودِ سَبَبِ الْقَتْلِ وَامْتِنَاعِهِ قَبْلَهُ سَوَاءٌ قَتَلَهُ مُضْطَرًّا أَوْ مُخْتَارًا، لِأَنَّهُ " لَمْ " يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ أَسْبَابِهِ، وَقِيلَ يَجُوزُ لِوُجُودِ الْإِحْرَامِ نَعَمْ الَّذِي يَنْبَغِي اسْتِثْنَاؤُهُ مَا لَوْ
(2/196)

احْتَاجَ الْمُحْرِمُ لِلُّبْسِ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ إلَى الطِّيبِ وَالْحَلْقِ لِمَرَضٍ، فَقَدَّمَ الْفِدْيَةَ عَلَيْهِ جَازَ فِي الْأَصَحِّ، إذَا لَمْ يُجْعَلْ الْإِحْرَامُ سَبَبًا، وَكَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صُورَةِ الصَّيْدِ أَنَّ الِاضْطِرَارَ بِصِيَالِ الصَّيْدِ عَلَيْهِ مَظْنُونٌ لِجَوَازِ انْصِرَافِهِ عَنْهُ.
" وَالثَّانِي " أَنْ يَجِبَ " بِسَبَبَيْنِ " يَخْتَصَّانِ بِهِ، فَيَجُوزُ بَعْدَ وُجُودِ أَحَدِهِمَا، وَتَقْدِيمِهِ عَلَى الْآخَرِ "، إذَا كَانَ مَالِيًّا، فَخَرَجَ " بِالْمَالِيِّ " الْبَدَنِيُّ، فَإِنَّهُ إمَّا مُؤَقَّتٌ كَالصَّلَاةِ فَلَا يَتَقَدَّمُ وَقْتُهُ وَجَمْعُ التَّقْدِيمِ لَيْسَ " يَتَقَدَّمُ " عَلَى الْوَقْتِ، بَلْ هُوَ الْوَقْتُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، " وَلِهَذَا يَقَعُ " أَدَاءً، " وَكَذَلِكَ " التَّأْذِينُ لِلصُّبْحِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَالصَّبِيُّ إذَا بَلَغَ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ بَعْدَمَا صَلَّى يُجْزِئُهُ وَلَيْسَ تَقْدِيمًا. وَمِثْلُهُ الْفَقِيرُ يَحُجُّ قَبْلَ الِاسْتِطَاعَةِ.
وَإِمَّا غَيْرُ مُؤَقَّتٍ كَالصِّيَامِ فِي الْكَفَّارَاتِ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى سَبَبِهِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ التَّكْفِيرُ بِالصَّوْمِ قَبْلَ الْحِنْثِ، وَقَوْلُنَا: يَخْتَصَّانِ بِهِ، احْتِرَازٌ مِنْ الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ، فَإِنَّهُمَا لَا يَخْتَصَّانِ بِهِ، كَمَا لَا يَجِبُ بِهِ كَزَكَاةِ الْفِطْرِ، لَيْسَ لِلْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ فِيهَا خُصُوصِيَّةٌ بَلْ " الزَّكَاةُ " كَذَلِكَ وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِ تَقْدِيمِ هَذَا النَّوْعِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ بَعْدَ عَقْدِ الْيَمِينِ، وَقَبْلَ الْحِنْثِ، وَقِيسَ عَلَيْهِ الْبَاقِي. وَمِنْهُ زَكَاةُ الْمَوَاشِي وَالنَّقْدَيْنِ تَجِبُ بِسَبَبَيْنِ يَخْتَصَّانِ بِهَا، وَهُمَا النِّصَابُ
(2/197)

وَالْحَوْلُ، وَيَجُوزُ التَّقْدِيمُ بَعْدَ وُجُودِ النِّصَابِ وَقَبْلَ الْحَوْلِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْحُكْمَ لَهُ " اسْتِنَادٌ " إلَى السَّبَبِ وَهُوَ مُرَكَّبٌ وَقَدْ وُجِدَ جُزْؤُهُ وَالْآخَرُ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ، قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي بَابِ الزَّكَاةِ: وَأَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الْمُتْعَةَ تَجِبُ بِالطَّلَاقِ ثُمَّ لَوْ أَعْطَى الْمُتْعَةَ قَبْلَ الطَّلَاقِ ثُمَّ طَلَّقَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَيَقَعُ عَنْ الْمُتْعَةِ، فَكَذَلِكَ الزَّكَاةُ.
وَمِنْهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ يَجُوزُ تَعْجِيلُهَا فِي جَمِيعِ رَمَضَانَ، لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِأَمْرَيْنِ يَخْتَصَّانِ بِهَا: إدْرَاكُ رَمَضَانَ وَالْفِطْرُ.
وَلَا يَجُوزُ قَبْلَ رَمَضَانَ " لِلتَّقَدُّمِ " عَلَى السَّبَبِ وَيَجُوزُ لِلْحَامِلِ تَقْدِيمُ الْفِدْيَةِ عَلَى الْفِطْرِ، وَلَا تَدْفَعُ إلَّا فِدْيَةَ يَوْمٍ وَاحِدٍ كَمَا لَا يُعَجَّلُ إلَّا زَكَاةُ عَامٍّ، نَعَمْ لَوْ أَرَادَ تَعْجِيلَ الْفِدْيَةِ " لِتَأَخُّرِ " قَضَاءِ رَمَضَانَ إلَى مَا بَعْدَ رَمَضَانَ آخَرَ قَبْلَ مَجِيءِ ذَلِكَ الثَّانِي، فَفِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ كَتَعْجِيلِ كَفَّارَةِ الْحِنْثِ " لِمَعْصِيَةٍ ".
وَالثَّالِثُ: أَنْ تَجِبَ بِأَسْبَابٍ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَبَتْ بِثَلَاثَةِ أَسْبَابٍ: عَقْدِ النِّكَاحِ وَالظِّهَارِ وَالْعَوْدِ، وَيَمْتَنِعُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الظِّهَارِ وَالْعَوْدِ، وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ وَقَالُوا تَجِبُ بِالْعَوْدِ وَالظِّهَارُ شَرْطٌ أَوْ عَكْسُهُ أَوْ بِهِمَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ فَإِنْ قُلْنَا " بِهِمَا فَلَا يَجُوزُ " تَقْدِيمُهَا عَلَى الظِّهَارِ، وَيَجُوزُ عَلَى الْعَوْدِ.
وَمِثْلُهُ وُجُوبُ الْغُسْلِ مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ بِأَسْبَابٍ ثَلَاثَةٍ بِالْخُرُوجِ وَالِانْقِطَاعِ وَالْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ عَلَى وَجْهٍ حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ " بِسَبَبَيْنِ " كَمَا سَبَقَ.

الْبَحْثُ الْخَامِسُ: " إذَا زَالَ " السَّبَبُ هَلْ يَزُولُ مُسَبِّبُهُ إنْ كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ " تَعَالَى " لَمْ
(2/198)

يَزُلْ، وَإِلَّا زَالَ غَالِبًا.
فَمِنْ الْأَوَّلِ: الْمُحْرِمُ يَجِبُ عَلَيْهِ إرْسَالُ الصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ لَهُ، فَلَوْ لَمْ يُرْسِلْهُ حَتَّى تَحَلَّلَ وَجَبَ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْإِرْسَالَ، فَلَا يَرْتَفِعُ هَذَا الِاسْتِحْقَاقُ بِتَعَدِّيهِ بِالْإِمْسَاكِ.
وَمِنْهُ: لَوْ ذَبَحَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا وَقُلْنَا بِالْقَدِيمِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَيْتَةً فَيَحِلُّ لِغَيْرِهِ وَهَلْ يَحِلُّ لَهُ بَعْدَ زَوَالِ الْإِحْرَامِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا لَا.
وَمِنْهُ: الْخَمْرُ الَّذِي يَجِبُ إرَاقَتُهَا، إذَا خُلِّلَتْ بِصَنْعَةِ آدَمِيٍّ لَا تُسْقِطُ وُجُوبَ الْإِرَاقَةِ، بَلْ يَدُومُ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِاسْتِحْقَاقِ الْإِزَالَةِ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَقِيَاسُهُ فِيمَا لَوْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِهَدْمِ الدَّارِ " الَّتِي " أَعْلَاهَا الذِّمِّيُّ عَلَى الْمُسْلِمِ " فَبَاعَهَا مِنْ مُسْلِمٍ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ حَقُّ الْهَدْمِ، لَكِنْ لَوْ أَسْلَمَ عَبْدٌ لِكَافِرٍ ثُمَّ أَسْلَمَ السَّيِّدُ لَا نَأْمُرُهُ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ عَنْهُ لِزَوَالِ الْمَانِعِ بِالْإِسْلَامِ.
وَمِنْ الثَّانِي: مَا لَوْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ بَعْدَ زَوَالِهِ، وَخِيَارِ الْعَتِيقَةِ بَعْدَ عِتْقِ زَوْجِهَا وَثُبُوتِ الشُّفْعَةِ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِ الشَّفِيعِ، كُلُّ ذَلِكَ يُسْقِطُ الْحَقَّ فِي الْأَصَحِّ لِزَوَالِ الضَّرَرِ، وَكَانَ يَنْبَغِي فِيمَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالْعَيْبِ حَتَّى زَالَ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ الرَّدُّ وَلَا نَظَرَ إلَى مَا طَرَأَ مِنْ الزَّوَالِ، لِأَنَّهُ لَمَّا زَالَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي كَانَ نِعْمَةً حَدَثَتْ فِي مِلْكِهِ، وَالْخِلَافُ الْحَاصِلُ بِالْعَيْبِ قَدْ قَابَلَهُ جُزْءٌ مِنْ الثَّمَنِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا بَذَلَ الثَّمَنَ فِي مُقَابَلَةِ سَلِيمٍ، وَلَمْ يَحْصُلْ.
وَقَطَعُوا فِي عُيُوبِ النِّكَاحِ بِنَفْيِ الْخِيَارِ إذَا زَالَتْ قَبْلَ الْفَسْخِ، وَأَجْرَوْا خِلَافًا فِي عُيُوبِ " الْبَيْعِ " وَمِنْهُ لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي أَرْضِ غَيْرِهِ تَعَدِّيًا ضَمِنَ مَا وَقَعَ فِيهَا، إلَّا أَنْ يَنْقَطِعَ الْعُدْوَانُ بِأَنْ اشْتَرَاهَا مِنْ مَالِكِهَا " أَوْ رَضِيَ " الْمَالِكُ
(2/199)

بِإِبْقَائِهَا " عَلَى الْأَصَحِّ، أَوْ يَمْنَعُهُ مِنْ الطَّمِّ عِنْدَ الْمُتَوَلِّي خِلَافًا لِلْإِمَامِ، وَلَا يَرْتَفِعُ عَنْهُ الضَّمَانُ بِإِبْرَاءِ الْمَالِكِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ حَفَرَهَا فِي الطَّرِيقِ لِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ إذْنِ الْإِمَامِ، فَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ ثُمَّ أَقَرَّهُ الْإِمَامُ عَلَى ذَلِكَ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْحَفْرِ ابْتِدَاءً حَتَّى لَا يَضْمَنَ بِالْوَاقِعِ فِيهَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ، وَمِثْلُهُ مَا إذَا حَفَرَهَا لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ، ثُمَّ أَذِنَ الْإِمَامُ وَلَا فَرْقَ.

[السِّرَايَةُ حَقِيقَتُهَا]
" النُّفُوذُ " فِي الْمُضَافِ إلَيْهِ، ثُمَّ تَسْرِي إلَى بَاقِيهِ، كَمَا فِي الْعِتْقِ بِالِاتِّفَاقِ، وَكَذَا فِي الطَّلَاقِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ " إنَّهُ " مِنْ بَابِ التَّعْبِيرِ " بِالْبَعْضِ عَنْ الْكُلِّ " وَأَيَّدَ الرَّافِعِيُّ الْأَوَّلَ، بِأَنَّهُ لَوْ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى عُضْوٍ مُبَانٍ مِنْهَا لَا يَقَعُ وَلَوْ كَانَ بِطَرِيقِ التَّعْبِيرِ بِالْبَعْضِ عَنْ الْكُلِّ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ الْبَائِنِ، وَالْمُتَّصِلِ، وَقَدْ يُقَالُ فِي جَوَابِهِ الْمُرَادُ بِالتَّعْبِيرِ بِالْجُزْءِ عَنْ الْكُلِّ بِجُزْئِهَا الْحَقِيقِيِّ. وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ بِدَلِيلِ عَدَمِ نَقْضِ الْوُضُوءِ بِهِ.
فَإِنْ قُلْت: إنَّهُ جُزْؤُهَا مَجَازًا بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ " بِدَلِيلِ تَحْرِيمِ النَّظَرِ لِعُضْوِهَا الْمُبَانِ.
قِيلَ: كَانَ الْأَصْلُ التَّحْرِيمَ فِي أَعْضَائِهَا، فَاسْتُصْحِبَ التَّحْرِيمُ، وَأَمَّا فِي الطَّلَاقِ فَالْأَصْلُ الْعِصْمَةُ، وَلَا يَنْشَأُ " عَدَمُهَا " بِمَجَازٍ ضَعِيفٍ، " وَمِمَّا "
(2/200)

يُؤَيِّدُهُ، أَنَّ الْبَغَوِيَّ قَالَ لَوْ أُبِينَ شَعْرَ الْأَمَةِ، ثُمَّ عَتَقَتْ لَمْ يَكُنْ عَوْرَةً، وَالْعِتْقُ لَا يَتَعَدَّى إلَى الْمُنْفَصِلِ، وَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ، لَا يَقَعُ عَلَى الْمُنْفَصِلِ، " وَقَدْ يَسْرِي الرِّقُّ " فِيمَا إذَا اخْتَارَ الْإِمَامُ رِقَّ بَعْضِ أَسِيرٍ، لِلْمَصْلَحَةِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي الْأَصَحِّ فَإِنْ مَنَعْنَا سَرَى الرِّقُّ لِبَاقِيهِ " قَالَ الرَّافِعِيّ "، وَكَانَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَا يَرِقُّ شَيْءٌ.
وَلَوْ عُفِيَ عَنْ بَعْضِ الْقِصَاصِ سَقَطَ كُلُّهُ.
وَمِثْلُهُ لَوْ عُفِيَ عَنْ بَعْضِ الْمَأْخُوذِ بِالشُّفْعَةِ سَقَطَتْ كُلُّهَا، وَلَا يَتَبَعَّضُ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْقَاءِ الضَّرَرِ، ثُمَّ قَالَ الْأَصْحَابُ: مَا قَبْلَ التَّعْلِيقِ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ صَحَّ إضَافَتُهُ إلَى بَعْضِ مَحَلِّ " ذَلِكَ " التَّصَرُّفِ كَالْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ وَمَا لَا فَلَا، كَالنِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ.
قَالَ الْإِمَامُ: إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ الْإِيلَاءُ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ التَّعْلِيقُ، وَلَا تَصِحُّ إضَافَتُهُ إلَى بَعْضِ الْمَحَلِّ، إلَّا " فِي " الْفَرْجِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لَا يُسْتَدْرَكُ لِأَنَّ مُرَادَهُمْ صِحَّةُ " الْإِضَافَةِ " إلَى الْبَعْضِ فِي الْجُمْلَةِ، " لَا " فِي جَمِيعِ آحَادِهِ، وَالْإِيلَاءُ يُضَافُ إلَى بَعْضٍ خَاصٍّ، وَاسْتَدْرَكَ " الْقَاضِي الْبَارِزِيُّ الْوَصِيَّةَ "، فَإِنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا، وَلَا يَصِحُّ أَنْ تُضَافَ إلَى بَعْضِ الْمَحَلِّ، ذَكَرَهُ " فِي " التَّمْيِيزِ وَيُسْتَدْرَكُ " عَلَيْهَا " صُوَرٌ:
مِنْهَا: إنَّ تَعْلِيقَ الْفَسْخِ لَا يَجُوزُ، فَإِذَا اشْتَرَى عَبْدَيْنِ فَوَجَدَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا وَقُلْنَا لَا يَجُوزُ إفْرَادُ الْمَعِيبِ بِالرَّدِّ، فَلَوْ رَدَّهُ كَانَ رَدًّا لَهُمَا عَلَى وَجْهٍ.
(2/201)

وَمِنْهَا " الْكَفَالَةُ "، لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا وَيَصِحُّ أَنْ تُضَافَ إلَى بَعْضِ الْمَحَلِّ عَلَى خِلَافٍ فِيهَا.
وَمِنْهُمَا التَّدْبِيرُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ، وَلَوْ قَالَ دَبَّرْت يَدَك أَوْ رِجْلَك لَمْ يَصِحَّ التَّدْبِيرُ عَلَى وَجْهٍ.
وَمِنْهَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الرُّجُوعِ فِي التَّدْبِيرِ، إنْ قُلْنَا يَرْجِعُ " بِالْقَوْلِ " فِيهِ، كَمَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ، وَلَوْ قَالَ رَجَعْت فِي رَأْسِك، فَهَلْ يَكُونُ رُجُوعًا فِي جَمِيعِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ فِي الْحَاوِي.
وَمِنْهَا: الْإِبْرَاءُ، لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ، وَلَوْ قَالَ الْمُسْتَحِقُّ لِلدِّيَةِ، عَفَوْت عَنْ بَعْضِ دَمِك، قَالَ فِي الْبَحْرِ قُبَيْلَ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ إنْ قُلْنَا الْبَرَاءَةُ عَنْ الْمَجْهُولِ تَجُوزُ، فَهَذَا أَجْوَزُ، وَإِنْ قُلْنَا تَمْتَنِعُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ تَجُوزُ، لِأَنَّ الْعَفْوَ عَنْ الْبَعْضِ مِنْهُ كَالْعَفْوِ عَنْ الْكُلِّ.
وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ زَانٍ، لَا يَكُونُ " قَاذِفًا ".
وَلَوْ قَالَ زَنَى قُبُلُك أَوْ دُبُرُك كَانَ قَاذِفًا السِّرَايَةُ فِي الْأَشْقَاصِ لَا فِي الْأَشْخَاصِ
وَلِهَذَا لَوْ أَعْتَقَ أَمَتَهٌ الْحَامِلَ بِمَمْلُوكٍ لَهُ عِتْقُ الْحَمْلِ لَا بِالسِّرَايَةِ، بَلْ بِالتَّبَعِيَّةِ، كَمَا يَتْبَعُهَا فِي الْبَيْعِ، " وَهَذَا " يَرُدُّ قَوْلَ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ: لَا يَسْرِي الْعِتْقُ
(2/202)

عَنْ " شَخْصٍ إلَى آخَرَ، إلَّا عَتَاقَ الْأَمَةِ الْحَامِلِ، فَإِنَّهُ يَسْرِي إلَى جَنِينِهَا.
وَلَوْ مَلَكَ شِقْصًا مِنْ عَبْدٍ فَأَعْتَقَهُ، وَهُوَ مُوسِرٌ سَرَى إلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ.
وَلَوْ مَلَكَ أَمَةً وَمَلَكَ الْآخَرُ حَمْلَهَا، فَأَعْتَقَهَا لَمْ يَسْرِ الْعِتْقُ إلَى الْحَمْلِ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ نَصِيبِ الْغَيْرِ تَنْفُذُ السِّرَايَةُ فِيهِ مَعَ الْيَسَارِ، وَلَا تَنْفُذُ فِي حَمْلِ الْغَيْرِ مَعَ الْيَسَارِ إنَّ مِلْكَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الشَّرِكَةِ " مُخْتَلِطٌ " بِمِلْكِ صَاحِبِهِ وَمَا مِنْ جُزْءٍ إلَّا وَهُوَ شَائِعٌ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا نَوَى الشُّرُوعَ مَرَّتْ الْحُرِّيَّةُ إلَى الْبَاقِي، فَأَمَّا الْحَمْلُ، وَإِنْ كَانَ فِي بَطْنِ الْأُمِّ " فَهُوَ " نَفْسٌ " يَنْفَرِدُ " عَنْ الْأَصْلِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ " يَنْفَصِلُ إلَى مُدَّةٍ وَيَكُونُ لَهُ حُكْمُ نَفْسِهِ دُونَ الْأُمِّ.
وَأَمَّا نَصِيبُ الشَّرِيكِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْفَكَّ " قَطُّ " عَنْ نَصِيبِهِ، وَيَكُونُ لَهُ حُكْمُ نَفْسِهِ، فَلِذَلِكَ افْتَرَقَا.

[السَّفَرُ قِسْمَانِ طَوِيلٌ وَقَصِيرٌ]
ٌ: فَالطَّوِيلُ مَرْحَلَتَانِ، وَالْقَصِيرُ مَا دُونَ ذَلِكَ.
وَضَبَطَهُ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ، بِأَنْ يُفَارِقَ الْبَلَدَ إلَى مَوْضِعٍ لَوْ كَانَ مُقِيمًا لَمْ تَلْزَمْهُ الْجُمُعَةُ لِعَدَمِ سَمَاعِهِ النِّدَاءَ، وَضَبَطَهُ غَيْرُهُ بِمِيلٍ، وَبِهِ جَزَمَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي
(2/203)

اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ النَّوَوِيُّ فِي بَابِ الْحَجِّ مِنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَالْأَشْبَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ يُشِيرُ إلَيْهِ.
" وَيَخْرُجُ " عَلَى ذَلِكَ مَا لَوْ حَلَفَ لَيُسَافِرَنَّ يَبَرُّ بِمَاذَا، وَرُخَصُ السَّفَرِ سَبَقَتْ فِي حَرْفِ الرَّاءِ.

[السَّفِيهُ تَصَرُّفَاتُهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ]
أَحَدُهَا مَا يَمْتَنِعُ مِنْهُ، وَلَوْ أَذِنَ الْوَلِيُّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَهُوَ غَالِبُ تَصَرُّفِهِ الْمَالِيِّ.
ثَانِيهَا - مَا يَصِحُّ بِإِذْنِهِ وَهُوَ النِّكَاحُ.
ثَالِثُهَا - مَا يَصِحُّ مِنْهُ سَوَاءٌ أَذِنَ الْوَلِيُّ أَمْ لَا، وَهُوَ عِبَادَاتُهُ، وَبَعْضُ تَصَرُّفِهِ الْمَانِعِ، كَالْتِزَامِهِ الْجِزْيَةَ، وَمُصَالَحَتِهِ عَنْ الْقِصَاصِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، وَنِكَاحِهِ الْأَمَةَ عِنْدَ خَوْفِ الْعَنَتِ، وَمَنْعِهِ الْوَلِيَّ يَصِحُّ فِي الْأَصَحِّ، كَمَا قَالَهُ فِي الْمَطْلَبِ.
وَلَوْ حَفَّتْ حَاجَتُهُ إلَى الْمَطَاعِمِ وَنَحْوِهَا، وَامْتَنَعَ الْوَلِيُّ وَعَسُرَتْ مُرَاجَعَةُ الْحَاكِمِ، قَالَ الْإِمَامُ فَفِي صِحَّةِ شِرَائِهِ تَرَدُّدٌ لِلْعِرَاقِيِّينَ فَإِنْ انْتَهَى الْأَمْرُ إلَى الضَّرُورَةِ، فَالْوَجْهُ الْقَطْعُ بِتَجْوِيزِ تَصَرُّفَاتِهِ، وَذُكِرَ فِي نِكَاحِهِ نَحْوُهُ، " وَتَصِحُّ مِنْهُ " الْوَصِيَّةُ وَالتَّدْبِيرُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَيَنْعَقِدُ نَذْرُهُ الْمَالِيُّ فِي الذِّمَّةِ.
هَذَا كُلُّهُ فِي الدَّفْعِ.
أَمَّا الْجَلْبُ، فَيَصِحُّ مِنْهُ الْخُلْعُ وَتَمَلُّكُ الْمُبَاحَاتِ وَقَبُولُهُ الْهِبَةَ وَالْوَصِيَّةَ عَلَى الْأَصَحِّ، لَكِنْ لَا يُسَلَّمُ إلَيْهِ، فَإِنْ " تَسَلَّمَهَا " غَرِمَ مَنْ أَقْبَضَهُ الْوَصِيَّةَ دُونَ
(2/204)

الْهِبَةِ، لِأَنَّ مِلْكَ الْوَصِيَّةِ بِقَبُولِهِ بِخِلَافِ الْهِبَةِ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.

[السَّكْرَانُ فِي سَائِرِ أَحْوَالِهِ كَالصَّاحِي]
عَلَى الْمَذْهَبِ، إلَّا فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ.

[السُّكُوتُ ضَرْبَانِ]
ِ " الْأَوَّلُ " أَنْ يَكُونَ بِمُجَرَّدِهِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ التَّصْرِيحِ بِالنُّطْقِ فِي حَقِّ مَنْ تَجِبُ لَهُ الْعِصْمَةُ.
وَلِهَذَا كَانَ تَقْرِيرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ شَرْعِهِ، وَكَانَ الْإِجْمَاعُ السُّكُوتِيُّ حُجَّةً عِنْدَ كَثِيرِينَ، لِأَنَّهُ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ النَّصِّ، فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ مَشْهُودٌ لَهُ بِالْعِصْمَةِ، وَأَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ لَا إطْعَامَ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، لِأَنَّهُ مَسْكُوتٌ عَنْهُ فِي الْآيَةِ، وَالْمَسْكُوتُ لَا يَكُونُ لَهُ حُكْمُ الْمَنْطُوقِ، وَهَذَا عَلَى رَأْيِ مَنْ يَقُولُ أَنَّ السُّكُوتَ عَنْ الْحُكْمِ مُنَاسِبٌ لِانْتِفَائِهِ فَيَلْزَمُ مِنْهُ خِلَافُ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ فِي جَانِبِ " الْمَسْكُوتِ عَنْهُ لِكَوْنِ التَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ " مُقَيَّدًا " مِنْ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ.
أَمَّا إذَا عُلِمَ أَنَّ " الْمَسْكُوتَ " أَشَدُّ مُنَاسَبَةً لِلْحُكْمِ فِي الْمَنْطُوقِ، كَمَا فِي الضَّرْبِ مَعَ التَّأْفِيفِ، وَكَمَا فَوْقَ الدِّينَارِ " وَدُونَ " الْقِنْطَارِ " انْعَكَسَ الْحُكْمُ "، وَكَانَ مِنْ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ، وَيَتَأَكَّدُ بِذَلِكَ " الْقَوْلُ " " بِشَرْعِيَّةِ الْإِطْعَامِ " فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ.
(2/205)

وَالثَّانِي غَيْرُ الْمَعْصُومِ، فَالْأَصْلُ أَنْ لَا يَنْزِلَ مَنْزِلَةَ نُطْقِهِ، " لَا سِيَّمَا " إذَا كَانَ السُّكُوتُ " مُحَرَّمًا ".
وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ " - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - "، لَا يُنْسَبُ إلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ. نَعَمْ، " إذَا " قَامَ دَلِيلٌ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِهِ كَسُكُوتِ الْبِكْرِ عِنْدَ الِاسْتِئْذَانِ فِي التَّزْوِيجِ.
" وَلِهَذَا " اكْتَفَى بِهِ " وَكَذَلِكَ إذَا قَامَتْ قَرَائِنُ تَدُلُّ عَلَى " رِضَاهُ " فَيَنْزِلُ مَنْزِلَةَ النُّطْقِ.
وَالْأَحْوَالُ بِحَسَبِ ذَلِكَ أَرْبَعَةٌ:
" الْأَوَّلُ ": مَا يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ النُّطْقِ قَطْعًا كَالسُّكُوتِ مِنْ الْبِكْرِ فِي الْإِذْنِ فِي النِّكَاحِ إذَا اسْتَأْذَنَهَا الْأَبُ أَوْ الْجَدُّ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا سَكَتَ عَنْ الْجَوَابِ بَعْدَ عَرْضِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ جُعِلَ كَالْمُنْكَرِ النَّاكِلِ فَتُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي.

وَلَوْ نَقَضَ " بَعْضُ " أَهْلِ " الْهُدْنَةِ "، وَلَمْ يُنْكِرْ الْبَاقُونَ بِقَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ، انْتَقَضَ فِي السَّاكِتِينَ أَيْضًا.
وَلَوْ تَبَارَزَ اثْنَانِ وَشَرَطْنَا الْأَمَانَ إلَى انْقِضَاءِ الْقِتَالِ، فَأَعَانَ " الْكَافِرَ " جَمَاعَةٌ مِنْ صَفِّهِ بِغَيْرِ " اسْتِجَارَةٍ "، وَسَكَتَ " وَلَمْ " يَمْنَعْهُمْ انْتَقَضَ أَمَانُهُ،
(2/206)

وَجَازَ لِغَيْرِ الْمُبَارِزِينَ قَتْلُهُ.

وَلَوْ رَأَى السَّيِّدُ عَبْدَهُ يُتْلِفُ مَالًا لِغَيْرِهِ، وَسَكَتَ عَنْهُ، فَإِنَّ السَّيِّدَ " يَضْمَنُهُ " ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْتِقَاطِ الْعَبْدِ.

وَلَوْ الْتَقَطَ الصَّبِيُّ وَصَحَّحْنَاهُ فَرَآهُ الْوَلِيُّ، فَلَمْ يَنْزِعْهُ، فَتَلِفَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ، كَمَا وَلَوْ احْتَطَبَ وَرَآهُ مَعَهُ فَلَمْ يَأْخُذْهُ.

الثَّانِي: مَا يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ فِي الْأَصَحِّ، وَهُوَ السُّكُوتُ فِي الْبِكْرِ " الْبَالِغِ " إذَا اسْتَأْذَنَهَا الْعَصَبَةُ أَوْ الْحَاكِمُ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا تَظْهَرَ قَرِينَةٌ بِالْمَنْعِ، فَلَوْ بَكَتْ مَعَ صِيَاحٍ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ.

" وَلَوْ حَلَقَ الْحَلَالُ رَأْسَ مُحْرِمٍ " وَهُوَ سَاكِتٌ، فَلَمْ يَمْنَعْهُ مَعَ الْقُدْرَةِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ كَمَا لَوْ حَلَقَ بِأَمْرِهِ فَتَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ، وَعَلَّلَهُ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّ الشَّعْرَ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ أَوْ عَارِيَّةٌ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَيَجِبُ الدَّفْعُ عَنْهُ، قِيلَ وَمُقْتَضَى هَذَا، أَنَّهُ لَوْ أَتْلَفَ مُكَلَّفٌ الْوَدِيعَةَ، وَالْمُودِعُ سَاكِتٌ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى دَفْعِهِ أَنَّهُ يَكُونُ ضَامِنًا، وَيَنْزِلُ سُكُوتُهُ مَنْزِلَةَ الْإِذْنِ فِي الْإِتْلَافِ.

وَمِنْهُ: لَوْ بَاعَ الْعَبْدُ الْبَالِغُ وَهُوَ سَاكِتٌ صَحَّ الْبَيْعُ فِي الْأَصَحِّ، وَقِيلَ لَا بُدَّ أَنْ يَعْتَرِفَ " بِأَنَّ " الْبَائِعَ سَيِّدُهُ.

وَمِنْهُ: الْقِرَاءَةُ عَلَى الشَّيْخِ، وَهُوَ سَاكِتٌ " يَسْمَعُ " تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ نُطْقِهِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ " يُشْتَرَطُ " أَنَّهُ لَوْ عَرَضَ مِنْ الْقَارِئِ " تَصْحِيفٌ " وَتَحْرِيفٌ لَرَدَّهُ
(2/207)

الشَّيْخُ، فَسُكُوتُهُ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ قِرَاءَتِهِ " قَطْعًا ".
وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الْعِنْوَانِ، إذَا سَكَتَ الشَّيْخُ " مُقِرًّا " عَلَى مَا قُرِئَ عَلَيْهِ، فَهَلْ يَجُوزُ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ " يُقَالَ " أَخْبَرَنَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَقَطَعَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ " الْإِمَامِ " الشَّافِعِيِّ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ اللَّائِقُ بِمَذْهَبِهِ، لِتَرَدُّدِ السُّكُوتِ بَيْنَ الْإِخْبَارِ وَعَدَمِهِ، وَقَدْ قَالَ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - "، لَا يُنْسَبُ لِسَاكِتٍ قَوْلٌ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَقِيلَ يَجُوزُ اعْتِمَادًا عَلَى الْقَرَائِنِ وَظَاهِرِ الْحَالِ.

الثَّالِثُ: مَا لَا يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ قَطْعًا، كَمَا لَوْ سَكَتَ عَنْ وَطْءِ أَمَتِهِ، لَا يَسْقُطُ بِهِ الْمَهْرُ، وَكَذَا لَوْ سَكَتَ عَنْ قَطْعِ عُضْوٍ مِنْهُ أَوْ إتْلَافِ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ مِنْهُ، لَا يَسْقُطُ ضَمَانُهُ، وَكَذَا لَوْ اُسْتُؤْذِنَتْ " الثَّيِّبُ " فِي النِّكَاحِ، (فَسَكَتَتْ) " لَا أَثَرَ لَهُ. وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْوَلِيَّ لَا يَمْلِكُ قَبْضَ مَهْرِ الْبِكْرِ الرَّشِيدَةِ، إلَّا بِإِذْنِهَا، فَلَوْ اسْتَأْذَنَهَا فَسَكَتَتْ، لَمْ يُسْتَفَدْ بِسُكُوتِهَا " الْإِذْنُ " فِي الْقَبْضِ قَطْعًا، وَحَاوَلَ الرَّافِعِيُّ تَخْرِيجَ وَجْهٍ فِيهِ ذَكَرَهُ فِي " بَابِ " النِّزَاعِ " مِنْ " الصَّدَاقِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَنَحْكِيهِ عَنْ فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ.

الرَّابِعُ: مَا لَا يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ فِي الْأَصَحِّ.
فَمِنْهُ: إذَا عَلِمَ الْبَائِعُ أَنَّ الْمُشْتَرِي " يَطَأُ " الْجَارِيَةَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لَا يَكُونُ
(2/208)

مُجِيزًا لِلْعَقْدِ بِسُكُوتِهِ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ حُمِلَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي مَجْلِسِ الْخِيَارِ فَأُخْرِجَ وَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ الْكَلَامِ فَالْأَصَحُّ أَنَّ خِيَارَهُ لَا يَبْطُلُ، لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ فِي الْمُفَارَقَةِ.

وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ الدَّارَ، فَحُمِلَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الدَّفْعِ لَا يَحْنَثُ.

وَلَوْ اسْتَلْحَقَ بَالِغًا وَلَمْ يُكَذِّبْهُ وَسَكَتَ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ وَالشَّرْطُ التَّصْدِيقُ نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ " ثُمَّ ذَكَرَ فِي فَصْلِ التَّسَامُحِ فِي الشَّهَادَةِ أَنَّ سُكُوتَ الْبَالِغِ فِي النَّسَبِ " كَالْإِقْرَارِ بِهِ.
قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ، وَإِنَّمَا أَقَامُوا السُّكُوتَ فِي النَّسَبِ مَقَامَ النُّطْقِ، لِأَنَّ الْإِقْرَارَ عَلَى الْأَنْسَابِ الْفَاسِدَةِ لَا يَجُوزُ، وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ فِي ذَلِكَ أَنْ يَتَكَرَّرَ الْحَالُ.

وَلَوْ اُسْتُؤْذِنَتْ الْبِكْرُ فِي أَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ فِي غَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ فَسَكَتَتْ، لَمْ يَكُنْ إذْنًا، لِأَنَّهُ مَالٌ، فَلَا يَكْفِي سُكُوتُهَا " كَبَيْعِ " مَا لَهَا، قَالَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَكِنَّ كَلَامَ الْبَغَوِيِّ فِي فَتَاوِيهِ يَقْتَضِي الِاكْتِفَاءَ بِهِ.

وَلَوْ عَقَدَ عَلَى امْرَأَةٍ وَلَمْ تُزَفَّ إلَيْهِ، بَلْ بَقِيَتْ سَاكِتَةً، وَلَمْ تَعْرِضْ نَفْسَهَا فَلَا نَفَقَةَ " لَهَا "، إنْ قُلْنَا " إنَّهَا تَجِبُ " بِالتَّمْكِينِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْعَقْدِ وَجَبَتْ. تَنْبِيهٌ حَيْثُ قُلْنَا لَا يُنْسَبُ لَهُ قَوْلٌ فَلَا يُنْسَبُ لَهُ فِعْلٌ.
(2/209)

وَلِهَذَا لَوْ كَانَ تَحْتَهُ صَغِيرَةٌ وَكَبِيرَةٌ فَارْتَضَعَتْ الصَّغِيرَةُ، وَهِيَ سَاكِتَةٌ فَهُوَ كَمَا " لَوْ كَانَتْ " نَائِمَةً أَوْ لَا وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ.
وَلَوْ قَصَدَ رَجُلٌ قَطْعَ يَدِ آخَرَ ظُلْمًا، فَلَمْ يَدْفَعْهُ الْمَقْطُوعُ وَسَكَتَ حَتَّى قَطَعَ لَا يَكُونُ إهْدَارًا فِي الْأَصَحِّ.

[السُّنَّةُ يَتَعَلَّقُ بِهَا مَبَاحِثُ]
ُ: الْأَوَّلُ: أَنَّهَا تَنْقَسِمُ إلَى سُنَّةِ عَيْنٍ " وَإِلَى سُنَّةِ " كِفَايَةٍ، كَمَا فِي الْفَرْضِ، وَنَقَلَ الشَّاشِيُّ عَنْ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ " لَيْسَ لَنَا سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، إلَّا الِابْتِدَاءُ بِالسَّلَامِ، وَهُوَ " مُسْتَدْرَكٌ " بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالتَّسْمِيَةِ عَلَى الْأَكْلِ وَشَاةِ الْأُضْحِيَّةِ، فَإِذَا ضَحَّى وَاحِدٌ فِي بَيْتِهِ أَقَامَ شِعَارَ السُّنَّةِ وَتَشْمِيتَ الْعَاطِسِ وَمَا يُفْعَلُ بِالْمَيِّتِ مِمَّا نُدِبَ إلَيْهِ.

الثَّانِي: إذَا تَرَكَ الْمُصَلِّي سُنَّةً ثُمَّ ذَكَرَهَا، فَإِنْ فَاتَ مَحَلُّهَا، فَلَا تَدَارُكَ، كَمَا إذَا تَذَكَّرَ أَنَّهُ " تَرَكَ " رَفْعَ الْيَدَيْنِ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ بَعْدَ فَرَاغِهَا، وَإِنْ لَمْ يَفُتْ فَإِنْ لَمْ يَتَلَبَّسْ بِغَيْرِهَا، نُدِبَ الْعَوْدُ إلَيْهَا، وَإِنْ تَلَبَّسَ لَمْ يَعُدْ سَوَاءٌ تَلَبَّسَ بِفَرْضٍ أَوْ سُنَّةٍ.
فَالْأَوَّلُ: كَمَا لَوْ تَرَكَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ ثُمَّ ذَكَرَهُ بَعْدَ الْقِيَامِ، هَذَا فِي الْفَرْضِ
(2/210)

الْفِعْلِيِّ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَمِثْلُهُ الْقَوْلِيُّ، إنْ قُلْنَا " تَكَرُّرُهُ " مُبْطِلٌ، وَإِلَّا فَيَنْبَغِي أَنْ يَعُودَ إلَى الْمَتْرُوكِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ، فَقَالُوا: إذَا ذَكَرَ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الْفَاتِحَةِ، كَانَ " لَهُ الْعَوْدُ إلَيْهَا " عَلَى " الْقَوْلِ " الْقَدِيمِ.
وَالثَّانِي " لَا "، كَمَا لَوْ تَرَكَ دُعَاءَ الِاسْتِفْتَاحِ فَذَكَرَهُ بَعْدَ التَّعَوُّذِ لَا يَعُودُ إلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ، وَيُمْكِنُ جَعْلُ هَذَا مِنْ الْقَسَمِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ مَحَلَّ الِاسْتِفْتَاحِ أَوَّلُ الصَّلَاةِ وَبِالتَّعَوُّذِ أَوَّلَهُ تَزُولُ الْأَوْلَوِيَّةُ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْقِسْمِ مَا " إذَا " تَرَكَ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ، فَذَكَرَهَا بَعْدَ التَّعَوُّذِ، وَقَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْفَاتِحَةِ، فَيَأْتِي بِهِنَّ قَطْعًا، كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، لِأَنَّ مَحَلَّهُنَّ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَتَقْدِيمَهُنَّ عَلَى " التَّعَوُّذِ " سُنَّةٌ لَا شَرْطٌ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْأَوَّلِ مَا لَوْ صَلَّى قَاعِدًا لِعُذْرٍ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ السُّجُودِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، " وَقَعَدَ " " ابْتَدَأَ " الْفَاتِحَةَ، فَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ، أَنَّهُ إنْ عَلِمَ " أَنَّهُ " مَحَلُّ التَّشَهُّدِ، لَكِنْ جَرَتْ الْفَاتِحَةُ عَلَى لِسَانِهِ عَادَ لِلتَّشَهُّدِ، وَجَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ بِخِلَافِ مَا لَوْ ظَنَّ أَنَّهُ قَرَأَ التَّشَهُّدَ وَفَرَغَ مِنْهُ ثُمَّ شَرَعَ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، ثُمَّ تَذَكَّرَ فَإِنَّهُ لَا يَعُودُ إلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ.
(2/211)

ثُمَّ قَالَ الْبَغَوِيّ: " وَلَوْ " نَسِيَ الْجُلُوسَ فَاشْتَغَلَ بِالْفَاتِحَةِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ مَحَلُّ قِيَامٍ، هَلْ يَعُودُ إلَى التَّشَهُّدِ فِيهِ احْتِمَالُ وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا لَا، لِأَنَّ هَذَا الْقُعُودَ بَدَلٌ عَنْ الْقِيَامِ، كَمَا " ذَكَرْنَاهُ ".

وَمِنْهَا لَوْ قَرَأَ الْمُصَلِّي آيَةَ السَّجْدَةِ فَلَمْ يَسْجُدْ وَرَكَعَ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَسْجُدَ، فَقَالَ الْمَسْعُودِيُّ لَيْسَ " لَهُ " ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ شَرَعَ فِي الْفَرْضِ، قَالَ صَاحِبُ " الْخَوَاصِّ الشَّرْعِيَّةِ "، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لَهُ أَنْ يَسْجُدَ " مَهْمَا " شَاءَ، لِقِيَامِ سُنَّةِ السُّجُودِ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَرَكَ التَّشَهُّدَ وَقَامَ لَا يَعُودُ إلَى التَّشَهُّدِ، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَوْ عَادَ لَكَانَ فِي ذَلِكَ " زِيَادَةُ رُكْنٍ "، وَلَيْسَ فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ تَرْتِيبٌ حَتَّى " يُعِيدَ " الرُّكْنَ.

أَمَّا إذَا تَرَكَ السُّنَّةَ وَتَلَبَّسَ بِفَرْضٍ وَعَارَضَهُ فَرْضُ الْمُتَابَعَةِ، كَمَا لَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ نَاسِيًا، فَتَابَعَهُ الْمَأْمُومُ، ثُمَّ عَادَ الْإِمَامُ قَبْلَ الِانْتِصَابِ وَالْمَأْمُومُ قَدْ انْتَصَبَ، فَهَلْ يَعُودُ الْمَأْمُومُ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ، لِأَنَّ مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ فَرْضٌ بِخِلَافِ الْإِمَامِ " وَالْمُنْفَرِدِ " فَإِنَّهُمَا لَوْ رَجَعَا لَرَجَعَا مِنْ فَرْضٍ إلَى سُنَّةٍ.
وَقَدْ يُقَالُ تَعَارَضَ فِيهِ فَرْضَانِ، لِأَنَّهُ قَدْ تَلَبَّسَ بِفَرْضٍ، وَهُوَ الْقِيَامُ وَالْقُدْوَةُ وَاجِبَةٌ، وَمُضِيُّهُ فِيمَا تَلَبَّسَ بِهِ أَوْلَى مِنْ إبْطَالِهِ " وَالشُّرُوعِ " فِي غَيْرِهِ.
(2/212)

وَيُجَابُ بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ تَلَبُّسَهُ بِالْقُدْوَةِ سَابِقٌ، فَلِذَلِكَ جَوَّزَ لَهُ الْعَوْدَ إلَيْهَا.
وَالثَّانِي أَنَّ الْقُدْوَةَ آكَدُ، وَلِهَذَا " يَسْقُطُ " فِيهَا الْقِيَامُ وَالْقِرَاءَةُ عَنْ الْمَسْبُوقِ إلَى الرُّكُوعِ.
وَهَذَا فِيمَا إذَا قَامَ نَاسِيًا، أَمَّا إذَا قَامَ ظَانًّا قِيَامَ إمَامِهِ، فَبَانَ خِلَافُهُ، " وَأَنَّهُ " قَعَدَ لِلتَّشَهُّدِ، " فَهُوَ " يَتَخَيَّرُ.

الثَّالِثُ: إذَا فَاتَتْ السُّنَّةُ فِي مَحِلِّهَا جَازَ قَضَاؤُهَا فِي مِثْلِ مَحِلِّهَا، إذَا لَمْ يَكُنْ فِي قَضَائِهَا تَرْكُ سُنَّةٍ أُخْرَى.
وَيَتَّضِحُ ذَلِكَ بِصُوَرٍ:
مِنْهَا: مَا أَدْرَكَهُ الْمَسْبُوقُ، فَهُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ، فَلَوْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ الرَّكْعَتَيْنِ " الْأَخِيرَتَيْنِ " مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ، فَالنَّصُّ أَنَّهُ يَقْرَأُ السُّورَةَ فِي " الْأَخِيرَتَيْنِ "، وَإِنْ قُلْنَا لَا يُسْتَحَبُّ " فِيهِمَا "، لِأَنَّهَا فَضِيلَةٌ فَاتَتْ فِي أُولَيَيْنِ، فَلَا يَفُوتُهَا.
وَمِنْهَا: نَصَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ قِرَاءَةَ السُّورَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ " يَقْضِيهَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ ".
وَمِنْهَا: إذَا قَرَأَ الْإِمَامُ فِي الْجُمُعَةِ فِي الْأُولَى " سُورَةَ " الْمُنَافِقِينَ، وَتَرَكَ الْجُمُعَةَ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ فِي الثَّانِيَةِ قَضَاءُ سُورَةِ الْجُمُعَةِ وَإِتْبَاعُهَا بِالْمُنَافِقِينَ.
وَمِنْهَا إذَا قُلْنَا لَا يُسَنُّ " التَّعَوُّذُ "، إلَّا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، فَلَوْ تَرَكَهُ فِي الْأُولَى عَمْدًا أَوْ سَهْوًا تَدَارَكَهُ فِي الثَّانِيَةِ، بِخِلَافِ دُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ، وَقَوْلُنَا، إذَا لَمْ
(2/213)

يَكُنْ " " احْتِرَازًا " عَمَّنْ " فَاتَهُ الْجَهْرُ " " فِي الْأُولَيَيْنِ مِنْ الْعِشَاءِ، " لَا " يُسْتَحَبُّ لَهُ الْجَهْرُ فِي " الْأَخِيرَتَيْنِ "، وَكَذَا مَنْ تَرَكَ الرَّمَلَ فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ، لَا يَقْضِيه فِي الْأَرْبَعَةِ الْبَاقِيَةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى تَرْكِ السُّنَّةِ فِي الْأَرْبَعَةِ، وَتُكْرَهُ الْإِشَارَةُ فِي التَّشَهُّدِ بِمُسَبِّحَةِ الْيُسْرَى، فَلَوْ كَانَ أَقْطَعَ " الْيُمْنَى "، لَمْ يُشِرْ بِمُسَبِّحَةِ الْيُسْرَى، لِأَنَّ سُنَّتَهَا الْبَسْطُ دَائِمًا.

[السُّؤَالُ مَعَادٌ فِي الْجَوَابِ]
ِ فَلَوْ قَالَ بِعْتُك بِأَلْفٍ، فَقَالَ اشْتَرَيْت " صَحَّ بِالْأَلْفِ " فِي " الْأَظْهَرِ ".

وَلَوْ قَالَتْ الْمَرْأَةُ طَلِّقْنِي عَلَى أَلْفٍ فَأَجَابَهَا، وَأَعَادَ ذِكْرَ الْمَالِ لَزِمَ، وَكَذَا إنْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ طَلَّقْتُك فِي الْأَصَحِّ " كَذَا يُصْرَفُ " إلَى السُّؤَالِ، وَقِيلَ يَقَعُ رَجْعِيًّا وَلَا مَالَ.

وَلَوْ سَأَلَتْ بِكِنَايَةٍ " فَقَالَتْ " أَبِنِّي بِأَلْفٍ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَتْ الْمَرْأَةُ لَمْ أَنْوِ شَيْئًا، فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَى الْمَشْهُورِ، لِأَنَّ السُّؤَالَ يُعَادُ فِي الْجَوَابِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَلْفٍ، وَحِينَئِذٍ فَلَا تَطْلُقُ مَا لَمْ يَلْزَمْهَا الْأَلْفُ.

وَلَوْ قَالَ طَلِّقِي نَفْسَك، وَنَوَى الثَّلَاثَ، فَقَالَتْ طَلَّقْت نَفْسِي وَنَوَتْ الثَّلَاثَ
(2/214)

وَقَعَتْ، كَمَا لَوْ صَرَّحَا بِهِ لَفْظًا.

وَلَوْ قَالَ طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا فَقَالَتْ طَلَّقْت نَفْسِي وَلَمْ تَتَلَفَّظْ بِعَدَدٍ وَلَا نَوَتْهُ وَقَعَ الثَّلَاثُ، لِأَنَّ قَوْلَهَا جَوَابٌ لِسُؤَالِهِ، فَهُوَ كَالْمُعَادِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَتَلَفَّظْ هُوَ بِالْعَدَدِ، بَلْ نَوَاهُ، لِأَنَّ الْمَنْوِيَّ، لَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ عَوْدِهِ فِي الْجَوَابِ، فَإِنَّ " التَّخَاطُبَ " بِاللَّفْظِ لَا بِالنِّيَّةِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ لَا يَقَعُ، إلَّا وَاحِدَةٌ، قَالَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا خِلَافًا فِيمَا إذَا نَوَى الزَّوْجُ الْعَدَدَ، وَلَمْ تَنْوِهِ الْمَرْأَةُ، فَمَنْ قَالَ " وَقَعَ " هُنَاكَ الْعَدَدُ، فَلَهُ أَنْ " يَعْتَضَّ " بِهَذِهِ الصُّورَةِ.

وَيُسْتَثْنَى مَا لَوْ قَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ طَلِّقْنِي وَطَلِّقْنِي وَطَلِّقْنِي فَقَالَ طَلَّقْتُك فَفِي الرَّافِعِيِّ قَبْلَ فَصْلِ التَّعْلِيقِ إنْ نَوَى ثَلَاثًا أَوْ وَاحِدَةً وَقَعَ مَا نَوَاهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ يَقَعُ وَاحِدَةٌ.

وَلَوْ فَعَلَ شَيْئًا وَأَنْكَرَهُ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ، إنْ كُنْت " صَادِقًا " فَامْرَأَتُك طَالِقٌ، فَقَالَ طَالِقٌ وَقَعَ الطَّلَاقُ، فَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ فَيُقْبَلُ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَسْمِيَةٌ لَهَا، وَلَا إشَارَةٌ إلَيْهَا، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي أَثْنَاءِ أَرْكَانِ الطَّلَاقِ.

وَلَوْ قَالَ الْوَلِيُّ زَوَّجْتُك بِنْتِي عَلَى صَدَاقٍ بِأَلْفٍ فَقَبِلَ الزَّوْجُ النِّكَاحَ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلصَّدَاقِ فَهَلْ نَقُولُ: الْقَبُولُ مُنَزَّلٌ عَلَى الْإِيجَابِ، فَيَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِالْمُسَمَّى الْمَذْكُورِ، كَمَا فِي الْبَيْعِ، أَوْ نَقُولُ إنَّ الصَّدَاقَ لَيْسَ رُكْنًا فِي النِّكَاحِ فَلَا يَحْتَاجُ فِي الصِّحَّةِ إلَى تَنْزِيلِ الْقَبُولِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ، فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ الْبَيْعُ بِالْمُسَمَّى، وَيَصِحُّ النِّكَاحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ بِالثَّانِي فِي بَابِ الْكَلَامِ الَّذِي يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ، وَفِي الْمَطْلَبِ أَنَّ الْمَاوَرْدِيَّ، قَالَ فِي كِتَابِ الْخُلْعِ إنَّهُ أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ.
(2/215)

وَذَكَرَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ قَوْلِهِ قَبِلْت نِكَاحَهَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ قَبِلْت هَذَا النِّكَاحَ، فَيَلْزَمُ مَهْرُ الْمِثْلِ فِي الْأُولَى عِنْدَ مَنْ يَرَى صِحَّةَ النِّكَاحِ وَيَلْزَمُ الْمُسَمَّى فِي الثَّانِيَةِ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْإِشَارَةَ وَقَعَتْ لِلنِّكَاحِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الصَّدَاقِ الْمُسَمَّى فِيهِ فَيَنْصَرِفُ الْقَبُولُ إلَى النِّكَاحِ، وَالْمُسَمَّى مِنْ أَجْلِ الْإِشَارَةِ إلَى صُورَةِ عَدَمِ ذِكْرِ الزَّوْجِ الْمُسَمَّى فِي قَبُولِهِ.
تَنْبِيهٌ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ قَيْدٌ وَهُوَ أَنْ لَا يُقْصَدَ بِالْجَوَابِ الِابْتِدَاءُ.
وَلِهَذَا لَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي لَمْ أَقْصِدْ بِقَوْلِي اشْتَرَيْت جَوَابَك، فَالظَّاهِرُ، كَمَا قَالَهُ فِي الْبَحْرِ الْقَبُولُ.

وَلَوْ قَالَتْ طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ فَقَالَ " طَلَّقْتُك "، وَقَالَ قَصَدْت الِابْتِدَاءَ دُونَ الْجَوَابِ قُبِلَ، وَكَانَ رَجْعِيًّا قَطَعَ بِهِ الرَّافِعِيُّ، " لَكِنْ " يَذْكُرُ عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ فِيمَا لَوْ قَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ وَاسْمُهَا فَاطِمَةُ طَلِّقْنِي فَقَالَ طَلَّقْت فَاطِمَةَ، ثُمَّ قَالَ نَوَيْت فَاطِمَةَ " أُخْرَى طَلُقَتْ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِدَلَالَةِ الْحَالِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ ابْتِدَاءً طَلَّقْت [فَاطِمَةَ] ، ثُمَّ قَالَ نَوَيْت " فَاطِمَةَ " أُخْرَى. فَائِدَةٌ لَيْسَ كُلُّ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ يُمْنَحُ فِيهِ بِالْجَوَابِ، وَإِنْ حَفَّتْ الضَّرُورَةُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَقَابَلَ رَاكِبَانِ عَلَى قَنْطَرَةٍ لَا يُفْتَى لِأَحَدِهِمَا بِإِلْقَاءِ دَابَّةِ الْآخَرِ فِي الْمَاءِ، لَكِنْ أَيُّهُمَا ابْتَدَرَ إلَى " إلْقَاءِ " دَابَّةِ صَاحِبِهِ فِي الْمَاءِ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ.
(2/216)

وَلَوْ ابْتَلَعَتْ دَجَاجَةُ " إنْسَانٍ " لُؤْلُؤَةً لِآخَرَ لَا يُفْتَى لَهُ بِذَبْحِهَا، فَإِنْ فَعَلَ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى، وَغَرِمَ النَّقْصَ، وَتُوَصِّلَ إلَى عَيْنِ مَالِهِ. " ذَكَرَهَا " الْأَصْحَابُ فِي مَسْأَلَةِ ابْنِ الْحَدَّادِ فِي الْحَجِّ، وَهِيَ مِنْ مَنَاصِيصِ " الْإِمَامِ " الشَّافِعِيِّ " رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ "، فَرَوَى " الْهَرَوِيُّ صَاحِبُ الْحَاكِمِ " فِي مَنَاقِبِ الْإِمَامِ " الشَّافِعِيِّ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " بِسَنَدِهِ إلَى ابْنِ خُزَيْمَةَ عَنْ الْمُزَنِيِّ سُئِلَ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " عَنْ نَعَامَةٍ ابْتَلَعَتْ جَوْهَرَةً " لِآخَرَ "، فَقَالَ لَسْت آمُرُهُ بِشَيْءٍ.
وَلَكِنْ إنْ كَانَ صَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ كَيِّسًا عَدَا عَلَى النَّعَامَةِ فَذَبَحَهَا وَاسْتَخْرَجَ جَوْهَرَتَهُ، ثُمَّ يَضْمَنُ لِصَاحِبِ النَّعَامَةِ مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا حَيَّةً وَمَذْبُوحَةً.

[سَلَامَةُ الْعَاقِبَةِ]
ِ كَثِيرٌ مِنْ كَلَامِهِمْ يَجُوزُ كَذَا بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ، وَاسْتَشْكَلَ " لِأَنَّهَا " مَسْتُورَةٌ عَنَّا، فَكَيْفَ يُحَالُ الْحُكْمُ " عَلَى " مَجْهُولٍ " وَقَدْ قَالَ " الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ اشْتِرَاطَ السَّلَامَةِ فِي نَفْسِ " الْجَوَازِ " حَتَّى إذَا " لَمْ
(2/217)

تُسَلَّمْ الْوَدِيعَةُ " " تَبَيَّنَ " عَدَمُ الْجَوَازِ كَيْفَ وَالسَّلَامَةُ أَوْ عَدَمُهَا " تَبَيَّنَ " آخِرًا.
" وَنَحْنُ " نُجَوِّزُ لَهُ التَّأْخِيرَ فِي الْحَالِ، وَلَكِنَّ الْمُرَادَ أَنَّا نُجَوِّزُ لَهُ التَّأْخِيرَ، " وَنَشْتَرِطُ " عَلَيْهِ الْتِزَامَ خَطَرِ الضَّمَانِ انْتَهَى.
وَذَكَرُوا فِي بَابِ التَّعْزِيرِ، أَنَّهُ إنَّمَا يُبَاحُ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ، وَأَشَارَ الْغَزَالِيُّ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " هُنَاكَ إلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْغَالِبُ السَّلَامَةَ وَالْهَلَاكُ نَادِرًا، وَيَلْتَحِقُ بِهِ الْحُدُودُ الَّتِي لَا يُقْصَدُ بِهَا الْقَتْلُ، يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ تَعَدَّى بِهِ فِي غَيْرِ الْحَدِّ مُتَعَدٍّ سَبِيلَ الْجِنَايَةِ لَمْ يَجِبْ فِيهِ قِصَاصٌ، لِكَوْنِهِ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ هَذَا، إلَّا فِي التَّعْزِيرِ، أَمَّا الْحَدُّ الَّذِي هُوَ دُونَ الْقَتْلِ كَالْجَلْدِ وَنَحْوِهِ، فَقَدْ يَكُونُ " قَاتِلًا " وَقَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ لَوْ حَدَثَ مِثْلُهُ مِنْ " جَانٍ " مُتَعَدٍّ لَتَعَلَّقَ بِهِ الْقِصَاصُ، وَإِذَا مَاتَ بِهِ الْمَحْدُودُ فَالْحَقُّ قَتْلُهُ وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا حَدُّ " الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ " قُلْت وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا أَنَّ كُلَّ مَا أَفْضَى إلَى الضَّمَانِ فَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ إذْ جَوَازُهُ " مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ " الْعَاقِبَةِ، وَلَمْ يَحْصُلْ الشَّرْطُ، فَكَذَا شُرُوطُهُ، وَكَانَ مُقْتَضَى ذَلِكَ الْحُكْمِ الْآنَ بِالْمَنْعِ، لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الشَّرْطِ بَلْ قَدْ يَكُونُ الْأَصْلُ عَدَمَ الشَّرْطِ، كَمَا فِي تَأْخِيرِ الْحَجِّ عِنْدَ الِاسْتِطَاعَةِ، وَلَا أَقَلَّ مِنْ التَّوَقُّفِ، فَلَا يُحْكَمُ بِجَوَازٍ وَلَا مَنْعٍ عَمَلًا بِحُكْمِ الشَّرْطِ.
(2/218)

[السَّهْوُ]
ُ مَا كَانَ مَأْمُورًا بِهِ وَطَرِيقُهُ الْفِعْلُ، لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ السَّهْوُ وَالْعَمْدُ، كَتَرْكِ النِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ. وَمَا كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ، وَطَرِيقُهُ التَّرْكُ خُولِفَ فِيهِ بَيْنَ السَّهْوِ وَالْعَمْدِ، كَالْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ وَالْأَكْلِ فِي الصَّوْمِ، وَسَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي حَرْفِ الْجِيمِ فِي الْجَهْلِ. وَقَدْ لَا يُعْفَى عَنْ السَّهْوِ فِي الْمَنْهِيَّاتِ فِي صُورَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: إذَا وَقَعَ بَعْدَ عَمْدٍ لِوُقُوعِهِ فِي ضِمْنِهِ، كَمَا لَوْ أَكَلَ الصَّائِمُ نَاسِيًا فَظَنَّ بُطْلَانَ صَوْمِهِ فَجَامَعَ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ فِي الْأَصَحِّ، لَكِنْ لَا كَفَّارَةَ فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ وَطِئَ وَهُوَ مُعْتَقِدٌ أَنَّهُ غَيْرُ صَائِمٍ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا مَا لَوْ سَلَّمَ مِنْ الظُّهْرِ نَاسِيًا وَتَكَلَّمَ عَامِدًا، لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ فَلْيَنْظُرْ فِي الْفَرْقِ.
الثَّانِيَةُ: إذَا كَثُرَ وَطَالَ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ " الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْبُوَيْطِيِّ، إذَا صَلَّى الرَّجُلُ نَافِلَةً ثُمَّ سَهَا فَأَحْرَمَ فِي مَكْتُوبَةٍ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَإِنْ ذَكَرَ ذَلِكَ قَرِيبًا جَلَسَ، فَفَرَغَ مِنْ النَّافِلَةِ " وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ وَابْتَدَأَ الْمَكْتُوبَةَ وَإِنْ تَطَاوَلَ قِيَامُهُ فِي الْمَكْتُوبَةِ أَوْ رَكَعَ " وَسَجَدَ لَهَا بَطَلَتْ النَّافِلَةُ وَالْمَكْتُوبَةُ وَكَانَ عَلَيْهِ ابْتِدَاءُ الْمَكْتُوبَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ سَهَا فِي مَكْتُوبَةٍ حَتَّى دَخَلَ فِي نَافِلَةٍ فَإِنْ كَانَ " مَا عَمِلَهُ " فِي النَّافِلَةِ قَرِيبًا رَجَعَ إلَى الْمَكْتُوبَةِ وَأَتَمَّهَا وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا تَطَاوَلَ وَرَكَعَ مِنْهَا
(2/219)

رَكْعَةً " بَطَلَتْ الْمَكْتُوبَةُ وَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهَا " انْتَهَى " وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ كَثْرَةَ الْأَفْعَالِ تُبْطِلُ (مَعَ النِّسْيَانِ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا لَا يُؤَثِّرُ الْفِعْلُ الْكَثِيرُ) مَعَ النِّسْيَانِ إذَا أَتَى بِهِ عَلَى ظَنِّ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ، فَلَا يَكُونُ حِينَئِذٍ مُخَالِفًا لِكَلَامِ الْأَصْحَابِ.

[السَّهْوُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ]
ِ لَا يَقْتَضِي السُّجُودَ وَالسَّهْوُ لِسُجُودِ السَّهْوِ يَقْتَضِي السُّجُودَ فَالْأَوَّلُ، كَمَا لَوْ تَكَلَّمَ فِي سَجْدَتَيْ السَّهْوِ أَوْ إحْدَاهُمَا أَوْ سَلَّمَ بَيْنَهُمَا لَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ وُقُوعَ مِثْلِهِ فِي السُّجُودِ الثَّانِي فَيُؤَدِّي إلَى مَا لَا يَتَنَاهَى كَمَا يُقَالُ فِي اللُّغَةِ " الْمُصَغَّرُ " لَا يُصَغَّرُ، وَقَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ إذَا سَهَا بَعْدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ سَجَدَ. وَالثَّانِي كَمَا لَوْ شَكَّ " هَلْ " فَعَلَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ أَوْ هَلْ قَنَتَ فَسَجَدَ لِلسَّهْوِ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ أَتَى بِهِ يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْجُدَ ثَانِيًا، لِأَنَّ سَهْوَهُ هَذَا لِلسُّجُودِ فَعَلَيْهِ جَبْرُهُ.

[السَّيِّدُ لَا يَثْبُتُ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنٌ ابْتِدَاءً]
ً إلَّا فِي الْكِتَابَةِ وَلِهَذَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ لَا يَثْبُتُ الْأَرْشُ.
وَلَوْ أَتْلَفَ مَالًا لَهُ لَا يَضْمَنُهُ لَا فِي الْحَالِ وَلَا بَعْدَ الْعِتْقِ. وَلَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ " لِعَبْدِهِ " لَمْ يَجِبْ مَهْرٌ وَعَنْ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ حِكَايَةُ وَجْهَيْنِ
(2/220)

فِي أَنَّهُ يَجِبُ الْمَهْرُ، ثُمَّ يَسْقُطُ لِئَلَّا يَعْرَى النِّكَاحُ عَنْ الْمَهْرِ أَوْ لَمْ يَجِبْ أَصْلًا وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ يَجِبُ وَيَدُومُ.
أَمَّا فِي الدَّوَامِ " فَيَثْبُتُ " كَمَا إذَا اشْتَرَى عَبْدًا لَهُ فِي ذِمَّتِهِ دَيْنٌ فَلَا يَسْقُطُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَخَرَجَ عَلَيْهِمَا الْمَاوَرْدِيُّ مَا إذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ بِعَبْدِ غَيْرِهِ " ثُمَّ اشْتَرَاهُ، فَإِنْ قُلْنَا يَسْقُطُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُطَالَبَةُ الْعَبْدِ بِالْمَهْرِ بَعْدَ بَيْعِهِ لِغَيْرِهِ " أَوْ عِتْقِهِ، وَإِنْ قُلْنَا لَا يَسْقُطُ يُمَكَّنُ مِنْ مُطَالَبَةِ الْعَبْدِ بِالْمَهْرِ بَعْدَ بَيْعِهِ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ عِتْقِهِ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الصَّدَاقِ أَنَّ الرِّقَّ الْمُقَارِنَ لِلْعَقْدِ دَفَعَ الْمَهْرَ بَعْدَ جَرَيَانِ مُوجِبِهِ فَلَمْ يَكُنْ " تَعْرِيَةً " لِلْعَقْدِ عَنْ الْمَهْرِ، بَلْ جَرَى الْمُوجِبُ وَاقْتَرَنَ بِهِ " الدَّفْعُ " فَانْدَفَعَ وَالِانْدِفَاعُ فِي مَعْنَى الِانْقِطَاعِ أَوْ فِي مَعْنَى الِامْتِنَاعِ " قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَهِيَ مُبَاحَثَةٌ جَلِيلَةٌ تَلَقَّاهَا الْغَزَالِيُّ فِيمَا حَكَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ فِيمَنْ اشْتَرَى قَرِيبَهُ أَنَّهُ يَنْدَفِعُ مِلْكُهُ بِمُوجَبِ الْعِتْقِ لَا أَنَّهُ حَصَلَ ثُمَّ انْقَطَعَ "، قَالَ وَفَائِدَةُ ذَلِكَ تَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِي أَنَّ الْأَمَةَ إذَا بِيعَتْ أَوْ عَتَقَتْ قَبْلَ الْوَطْءِ وَوُجِدَ الْوَطْءُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا نَقُولُ يَثْبُتُ لَهَا " وَلِسَيِّدِهَا " الْمَهْرُ، وَالرَّافِعِيُّ حَكَى عَنْ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ، إذَا قُلْنَا بِوَجْهِ الثُّبُوتِ ثُمَّ السُّقُوطِ لَا يَثْبُتُ لَهَا الْمَهْرُ، كَمَا لَوْ أَبْرَأَتْ مِنْهُ الْحُرَّةُ ثُمَّ وُجِدَ الدُّخُولُ، لَا يَثْبُتُ لَهَا الْمَهْرُ فَأَمَّا عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إذَا عَتَقَتْ أَوْ عَتَقَ الزَّوْجُ يَجِبُ الْمَهْرُ، كَمَا فِي الْمُفَوِّضَةِ.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَمَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ مِنْ التَّقْرِيرِ يَدْفَعُهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْمَرَاتِبُ ثَلَاثَةٌ:
(2/221)

أَحَدُهَا ثُبُوتُ دَيْنِ " السَّيِّدِ " عَلَى عَبْدِهِ ابْتِدَاءً بِسَبَبٍ قَارَنَ مِلْكَهُ فَيَمْتَنِعُ قَطْعًا أَيْ أَنْ يَثْبُتَ وَيَدُومَ، إذَا لَمْ يَكُنْ مَرْهُونًا، فَإِنْ كَانَ " فَكَذَلِكَ " خِلَافًا لِابْنِ سُرَيْجٍ.
الثَّانِيَةُ - دَوَامُ دَيْنٍ " ثَبَتَ " لَهُ عَلَيْهِ قَبْلَ مِلْكِهِ وَالْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " الثُّبُوتُ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
الثَّالِثَةُ - دَوَامُ مَا ثَبَتَ لِمُوَرِّثِهِ مِنْ الْمَالِ عَلَى عَبْدِهِ بَعْدَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ.
(2/222)

[حَرْفُ الشَّيْنِ الْمُعْجَمَةِ] [الشَّبَهُ]
ِ الشَّبَهُ اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا أُنِيطَ الْحُكْمُ بِأَصْلٍ " يَتَعَذَّرُ " انْتَقَلَ إلَى أَقْرَبِ شَبَهٍ بِهِ.
ثُمَّ تَارَةً يَكُونُ الشَّبَهُ مَعْنَوِيًّا كَمَا فِي قِيَاسِ الشَّبَهِ، فَإِنَّ الْكِتَابَ أَصْلٌ فِي الدَّلَالَةِ، وَكَذَلِكَ " السُّنَّةُ "، فَإِذَا فُقِدَا عَلَى الْمُجْتَهِدِ انْتَقَلَ لِلْقِيَاسِ.
وَتَارَةً يَكُونُ " صُورِيًّا " كَجَزَاءِ الصَّيْدِ.
وَلِهَذَا يَجِبُ فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ، لِأَنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنْهَا صُورَةً، وَكَذَا فِي الْغَزَالِ عَنْزٌ وَفِي الْأَرْنَبِ عَنَاقٌ، وَتَجِبُ الْبَقَرَةُ الْإِنْسِيَّةُ فِي الْوَحْشِيَّةِ.
وَمِنْهَا: إلْحَاقُ الْهِرَّةِ الْوَحْشِيَّةِ بِالْإِنْسِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ فِي التَّحْرِيمِ، بِخِلَافِ الْحُمُرِ الْوَحْشِيَّةِ لَا تَلْتَحِقُ بِالْإِنْسِيَّةِ " مِنْهَا " لِاخْتِلَافِ أَلْوَانِ تِلْكَ وَاتِّحَادِ هَذِهِ.
وَمِنْهَا: حَيَوَانُ الْبَحْرِ الصَّحِيحُ حِلُّ أَكْلِهِ مُطْلَقًا، وَقِيلَ يُعْتَبَرُ الشَّبَهُ الصُّورِيُّ، فَمَا أُكِلَ شَبَهُهُ مِنْ الْبَرِّيِّ أُكِلَ شَبَهُهُ مِنْ الْبَحْرِيِّ.
وَعَلَى هَذَا قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْبَغَوِيُّ " حِمَارُ " الْبَحْرِ لَا يُؤْكَلُ، فَأَلْحَقُوهُ بِشَبَهِ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ دُونَ الْوَحْشِيِّ وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ الْأَصْلَ فِي حَيَوَانِ الْبَحْرِ الْحِلُّ.
(2/223)

وَمِنْهَا: اقْتِرَاضُ الْحَيَوَانِ فَفِي رَدِّ مِثْلِهِ وَجْهَانِ أَشْبَهُهُمَا بِالْحَدِيثِ الْمِثْلُ «اقْتَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَكْرًا وَرَدَّ بَازِلًا» ، وَالْقِيَاسُ الْقِيمَةُ.
وَمِنْهَا: إيجَابُ قِيمَةِ شَاةٍ " أَوْ " عِجْلٍ عِوَضًا عَنْ خِنْزِيرٍ، وَإِيجَابُ قِيمَةِ عَصِيرٍ أَوْ خَلٍّ عِوَضًا عَنْ خَمْرٍ فِي نَحْوِ صَدَاقٍ أَوْ صُلْحٍ عَنْ دَمٍ وَنَحْوِهِ.
وَمِنْهَا: فِي بَابِ الرِّبَا، إذَا كَانَ لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ فَيُعْتَبَرُ بِأَقْرَبِ الْأَشْيَاءِ شَبَهًا بِهِ عَلَى أَحَدِ الْأَوْجُهِ.
وَمِنْهَا: الِانْتِقَالُ إلَى أَقْرَبِ الْبِلَادِ فِي إبِلِ الْعَاقِلَةِ وَزَكَاةِ الْفِطْرِ فِي الْقُوتِ وَكَذَا لَوْ خَرِبَ مَسْجِدٌ وَمَا حَوْلَهُ نُقِلَ إلَى أَقْرَبِ مَوْضِعٍ صَالِحٍ لَهُ.
وَمِنْهَا: إذَا وَجَدْنَا حَيَوَانًا وَلَا يُعْرَفُ لَهُ " شَبَهٌ يُوقَفُ ".
(2/224)

[الشُّبْهَةُ فِيهَا مَبَاحِثُ]
" الشُّبْهَةُ " فِيهَا مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ:
أَنَّهَا مُسْقِطَةٌ لِلْحَدِّ وَهِيَ ثَلَاثٌ فِي الْفَاعِلِ كَمَنْ وَطِئَ امْرَأَةً وَظَنَّهَا زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ، وَفِي الْمَوْطُوءَةِ بِأَنْ يَكُونَ لِلْوَاطِئِ فِيهَا مِلْكٌ أَوْ شُبْهَةُ مِلْكٍ، كَالْأَمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَأَمَةِ " ابْنِهِ " أَوْ مُكَاتَبِهِ، وَفِي الطَّرِيقِ بِأَنْ يَكُونَ حَلَالًا عِنْدَ قَوْمٍ حَرَامًا عِنْدَ آخَرِينَ، كَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَالنِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ.
وَمِنْ ثَمَّ لَوْ شَرِبَ الْخَمْرَ لِلتَّدَاوِي وَحَكَمْنَا بِالتَّحْرِيمِ فَلَا حَدَّ فِي الْأَصَحِّ لِشُبْهَةِ الْخِلَافِ، وَيُشْتَرَطُ فِي مَأْخَذِ الْخِلَافِ أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا، كَمَا سَبَقَ فِي حَرْفِ الْخَاءِ. وَلَوْ سَرَقَ وَادَّعَى أَنَّهُ مِلْكُهُ سَقَطَ الْقَطْعُ عَلَى النَّصِّ وَأُلْحِقَ بِهِ دَعْوَى الزَّوْجِيَّةِ فِيمَا لَوْ وَطِئَ " مَنْ " لَمْ يُعْرَفْ بَيْنَهُمَا زَوْجِيَّةٌ. وَالْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْوَطْءِ الْمُخْتَلِفُ حُكْمُهَا بِالشُّبْهَةِ وَعَدَمِهَا خَمْسَةٌ: النَّسَبُ وَالْعِدَّةُ " وَاعْتِبَارُهُمَا " بِالرَّجُلِ فَإِنْ ثَبَتَتْ الشُّبْهَةُ فِي حَقِّهِ ثَبَتَا، وَإِلَّا فَلَا.
" وَالثَّالِثُ ": الْمَهْرُ وَهُوَ مُعْتَبَرٌ بِالْمَرْأَةِ.
وَالرَّابِعُ: - الْحَدُّ وَهُوَ مُعْتَبَرٌ " بِمَنْ " " وُجِدَتْ الشُّبْهَةُ فِي حَقِّهِ مِنْهُمَا ".
وَالْخَامِسُ: - حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ، فَإِنْ " شَمِلَتْهَا " الشُّبْهَةُ " تَثْبُتُ "، وَإِنْ
(2/225)

اخْتَصَّتْ بِأَحَدِهِمَا، فَالْأَصَحُّ اعْتِبَارُهَا بِالرَّجُلِ، وَقِيلَ بِهِمَا، وَقِيلَ " بِمَنْ " وُجِدَتْ مِنْهُ، وَلَا تَسْقُطُ التَّعْزِيرَاتُ بِالشُّبْهَةِ، قَالُوا لَوْ وَطِئَ الرَّجْعِيَّةَ يُعَزَّرُ مُعْتَقِدُ التَّحْرِيمِ مَعَ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " أَنَّهُ رَجْعَةٌ.
وَهَذَا أَحَدُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُفَارِقُ فِيهَا التَّعْزِيرُ الْحَدَّ.

وَهَلْ تَسْقُطُ الْكَفَّارَةُ بِالشُّبْهَةِ ذَكَرَ الْمُتَوَلِّي تَبَعًا لِلْقَاضِي الْحُسَيْنِ أَنَّ كَفَّارَةَ الصَّوْمِ تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْحَجِّ.
وَلِهَذَا لَوْ وَطِئَ الصَّائِمُ عَلَى ظَنِّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ فَبَانَ خِلَافُهُ قَضَى، وَلَا كَفَّارَةَ.
وَلَوْ وَطِئَ الْمُحْرِمُ نَاسِيًا وَقُلْنَا إنَّهُ فَسَدَ حَجُّهُ " وَجَبَتْ " عَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَيُؤَيِّدُهُ نَصُّ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " " عَلَى " أَنَّهُ لَوْ أَكَلَ نَاسِيًا ثُمَّ جَامَعَ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ صَارَ مُفْطِرًا بِالْأَكْلِ نَاسِيًا لَمْ " تَلْزَمْهُ " الْكَفَّارَةُ لِلشُّبْهَةِ، وَكَذَا " لَوْ أَصْبَحَ مُجَامِعًا وَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ الْفَجْرَ قَدْ طَلَعَ، ثُمَّ بَانَ طُلُوعُهُ لَا كَفَّارَةَ، لَكِنْ قَالُوا " لَوْ أَصْبَحَ مُقِيمًا ثُمَّ سَافَرَ لَمْ يُفْطِرْ خِلَافًا لِلْمُزَنِيِّ.
وَلَوْ أَفْطَرَ بِالْجِمَاعِ لَزِمَهُ الْكَفَّارَةُ خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، فَلَمْ يُرَاعُوا شُبْهَةَ الْخِلَافِ فِي سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ عَنْهُ. أَمَّا الْفِدْيَةُ فَلَا تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ، لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ " غَرَامَةً "، بِخِلَافِ الْكَفَّارَةِ
(2/226)

فَإِنَّهَا تُشْبِهُ الْعُقُوبَةَ، فَالْتَحَقَتْ بِالْحَدِّ فِي الْإِسْقَاطِ، قَالَهُ الْقَفَّالُ.

الثَّانِي: هَلْ تُسْقِطُ الْإِثْمَ وَالتَّحْرِيمَ.
أَمَّا الشُّبْهَةُ فِي الْمَحَلِّ كَوَطْءِ " الْجَارِيَةِ " الْمُشْتَرَكَةِ وَفِي الطَّرِيقِ كَالْوَطْءِ بِبَيْعٍ وَنِكَاحٍ فَاسِدٍ فَحَرَامٌ.
" وَأَمَّا فِي الْفَاعِلِ " كَوَطْءِ مَنْ ظَنَّهَا زَوْجَتَهُ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا: حَرَامٌ وَلَا إثْمَ لِعَدَمِ الْقَصْدِ وَعَلَيْهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّهُ الَّذِي عَلَيْهِ كَلَامُ الْأَئِمَّةِ.
وَالثَّانِي: لَيْسَ بِحَرَامٍ إذْ لَا إثْمَ فِيهِ.
وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ النَّوَوِيِّ أَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِحِلٍّ وَلَا " بِحُرْمَةٍ ".
الثَّالِثُ: «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الشُّبْهَةَ وَسَطًا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ» .
(2/227)

قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ فِي الْوَدَائِعِ " أَمَّا " الشُّبْهَةُ " فَهِيَ " الشَّيْءُ الْمَجْهُولُ تَحْلِيلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَتَحْرِيمُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَيَجِبُ فِيمَا هَذَا شَأْنُهُ التَّوَقُّفُ " عَنْ " التَّنَاوُلِ لَهَا فَإِذَا لَمْ يَجِدْ غِنًى عَنْهَا تَنَاوَلَ " مِنْهَا " عَلَى حَسَبِ الْكِفَايَةِ " لَا عَلَى " حَسَبِ الِاسْتِكْثَارِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ الْمَيْتَةَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ فَالشُّبْهَةُ دُونَهَا انْتَهَى.
وَتَوَسَّعَ الْعَبَّادِيُّ فَقَالَ فِي الزِّيَادَاتِ سُئِلْت عَنْ الشُّبْهَةِ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَقُلْت هَذَا لَيْسَ زَمَانَ الشُّبْهَةِ اجْتَنِبْ مَا عَرَفْته حَرَامًا يَقِينًا.
وَالتَّحْقِيقُ انْقِسَامُ الشُّبْهَةِ إلَى مَا يَجِبُ اجْتِنَابُهُ وَإِلَى مَا لَا يَجِبُ، فَالْأَوَّلُ مَا أَصْلُهُ التَّحْرِيمُ، وَأَشْبَهَ التَّحْلِيلَ فَرَجَعَ لِلْأَصْلِيِّ، وَالثَّانِي مَا أَصْلُهُ الْحِلُّ، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْغُرَابِ إذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِهِ وَعَدِمَهُ رَجُلَانِ، وَجَهِلَ لَا يُحْكَمُ بِطَلَاقِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَا يَلْزَمُهُمَا اجْتِنَابُهُمَا، لِأَنَّ " الْحِلَّ "، كَانَ مَعْلُومًا، لَكِنَّ الْوَرَعَ الِاجْتِنَابُ وَعَدَّ الْحَلِيمِيُّ مِنْ " الشُّبْهَةِ " " التَّنَاهُدَ "، وَهُوَ أَنْ يُخْرِجَ كُلٌّ مِنْ الرُّفْقَةِ نَفَقَةً عَلَى قَدْرِ نَفَقَةِ صَاحِبِهِ وَقَالَ لَا بَأْسَ بِهَا، إلَّا أَنَّ تَرْكَهَا أَشْبَهَ بِالْوَرَعِ،
(2/228)

قَالَ وَإِنْ اجْتَمَعَتْ الرُّفْقَةُ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى طَعَامٍ " فَذَلِكَ " أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ " النَّهْدِ ".
" وَقَالَ " النَّوَوِيُّ فِي آخِرِ الشَّرِكَةِ مِنْ الرَّوْضَةِ يُسْتَحَبُّ الِاشْتِرَاكُ " لِلْمُسَافِرِينَ " فِي الزَّادِ مَجْلِسًا مَجْلِسًا، قَالَهُ الْأَصْحَابُ وَصَحَّتْ فِيهِ " الْأَحَادِيثُ ".

وَمَنَاطُ الِاشْتِبَاهِ أَنْوَاعٌ:
أَحَدُهَا: تَعَارُضُ ظَوَاهِرِ الْأَدِلَّةِ. ثَانِيهَا: تَعَارُضُ الْأُصُولِ الْمُخْتَلِفَةِ، بِأَنَّهَا تُلْحَقُ. ثَالِثُهَا: اخْتِلَاطُ الْحَلَالِ بِالْحَرَامِ وَعُسْرُ التَّمْيِيزِ بَيْنَهُمَا. رَابِعُهَا: اخْتِلَافُ الْأَئِمَّةِ وَمَا عَدَا هَذَا فَالشُّبْهَةُ فِيهِ مِنْ بَابِ الرِّبَا لَا الْوَرَعِ.
وَلِهَذَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَنْ تَرَكَ النِّكَاحَ فِي بَلَدٍ كَبِيرَةٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ " يَكُونَ " فِيهَا
(2/229)

مَحْرَمًا لَهُ مَكْرُوهٌ.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الْإِلْمَامِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَرَعِ وَالْوَسْوَاسِ دَقِيقٌ عَسِرٌ، فَالْمُتَسَاهِلُ يَجْعَلُ بَعْضَ الْوَرَعِ وَسْوَاسًا وَالْمُتَشَدِّدُ يَجْعَلُ بَعْضَ الْوَسْوَاسِ وَرَعًا وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ " رَخَّصَ مَنْزِلَةً وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلَّ مَا " رَجَعَ " إلَى الْأُصُولِ الشَّرْعِيَّةِ فَلَيْسَ بِوَسْوَاسٍ، وَلَا أُرِيدُ الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ الْمُفِيدَةَ " لِلْعُمُومِ.

فُرُوعٌ: نَقَلَهَا النَّوَوِيُّ فِي الْبَيْعِ مِنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ إحْيَاءِ الْغَزَالِيِّ: قَالَ: لَوْ امْتَنَعَ مِنْ أَكْلِ طَعَامٍ حَلَالٍ، " لِكَوْنِهِ " حَمَلَهُ كَافِرٌ أَوْ فَاسِقٌ، لَمْ يَكُنْ هَذَا وَرَعًا، بَلْ وَسْوَاسٌ " مُتَنَطِّعٌ " مَذْمُومٌ.

قَالَ: وَلَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ غَزْلَ زَوْجَتِهِ فَبَاعَتْ غَزْلَهَا وَوَهَبَتْهُ الثَّمَنَ لَمْ يُكْرَهْ أَكْلُهُ، فَإِنْ تَرَكَهُ فَلَيْسَ بِوَرَعٍ، بَلْ وَسْوَاسٍ.

قَالَ: وَمِنْ الْوَرَعِ الْمَحْبُوبِ تَرْكُ مَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي إبَاحَتِهِ اخْتِلَافًا مُحْتَمَلًا وَيَكُونُ يَعْتَقِدُ مَذْهَبَ مَنْ أَبَاحَهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ دَلِيلُ الْمُبِيحِ حَدِيثًا " قَوِيًّا ".

" وَالْأَرْضُ " الْمَغْصُوبَةُ إذَا جُعِلَتْ شَارِعًا لَمْ يَجُزْ الْمُرُورُ فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَالِكٌ مُعَيَّنٌ جَازَ، وَالْوَرَعُ اجْتِنَابُهُ إنْ أَمْكَنَ الْعُدُولُ عَنْهَا. فَإِنْ " كَانَتْ " الْأَرْضُ " مُبَاحَةً "، وَعَلَيْهَا سَابَاطٌ مَغْصُوبُ الْأَخْشَابِ وَغَيْرِهَا جَازَ
(2/230)

الْمُرُورُ تَحْتَهُ، فَإِنْ قَعَدَ تَحْتَهُ لِدَفْعِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ مَطَرٍ وَغَيْرِهِ فَهَذَا حَرَامٌ، لِأَنَّ السَّقْفَ لَا يُرَادُ إلَّا لِهَذَا.

قَالَ وَكَذَا لَوْ كَانَتْ أَرْضُ الْمَسْجِدِ مُبَاحَةً وَسُقِّفَ بِحَرَامٍ جَازَ الْمُرُورُ فِيهِ وَلَا يَجُوزُ الْجُلُوسُ لِدَفْعِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِالْحَرَامِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُحَرَّمُ الْقُعُودُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ، وَهُوَ " مِنْ بَابِ " الِانْتِفَاعِ بِضَوْءِ سِرَاجِ غَيْرِهِ وَالنَّظَرُ فِي مَرَآتِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْهَا وَهُمَا جَائِزَانِ بِلَا خِلَافٍ.

قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَإِذَا كَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ حَلَالٌ وَفِي بَعْضِهِ شُبْهَةٌ وَلَهُ عِيَالٌ وَلَا يَفْضُلُ " عَنْ " حَاجَتِهِ، " فَلْيَخُصَّ " نَفْسَهُ بِالْحَلَالِ ثُمَّ مَنْ يَعُولُ، " وَلْيَخُصَّ " بِالْحَلَالِ " قُوتَهُ " وَلِبَاسَهُ ثُمَّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ أُجْرَةِ حَجَّامٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ تَعَارَضَ اللِّبْسُ " وَالْقُوتُ " فَيُحْتَمَلُ تَخْصِيصُ " الْقُوتِ " بِالْحَلَالِ، لِأَنَّهُ " يَمْتَزِجُ " بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ وَلِأَكْلِ الْحَرَامِ وَالشُّبْهَةُ أَثَرٌ فِي قَسَاوَةِ الْقَلْبِ، وَأَمَّا الْكِسْوَةُ فَفَائِدَتُهَا دَفْعُ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَذَلِكَ يَحْصُلُ، وَقَالَ " الْمُحَاسِبِيُّ " يَخْتَصُّ الْكِسْوَةَ بِالْحَلَالِ، لِأَنَّهَا تَبْقَى مُدَّةً.
(2/231)

وَهَذَا مُحْتَمَلٌ، وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَظْهَرُ.

قَالَ الْغَزَالِيُّ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ إلَّا مَالٌ حَرَامٌ مَحْضٌ، فَلَا حَجَّ عَلَيْهِ وَلَا تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ مَالِيَّةٌ، " فَإِنْ كَانَتْ " شُبْهَةٌ لَزِمَهُ، لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِأَنَّهُ مِلْكُهُ.

[الشَّرْطُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ]
ُ الْأَوَّلُ: وَضْعُهُ التَّأْثِيرَ بِأَنْ يَكُونَ مُؤَسِّسًا لَا مُؤَكِّدًا، وَقَدْ يَرِدُ مُؤَكِّدًا، إذَا لَمْ يُوجَدْ مَا يُؤَثِّرُ فِيهِ، كَمَا لَوْ شَرَطَ فِي الْبَيْعِ مُقْتَضَاهُ مِنْ التَّسْلِيمِ وَنَحْوِهِ وَقَدْ يَجِيءُ خِلَافٌ فِي تَأْثِيرِهِ كَمَا لَوْ شَرَطَ الْمُحْرِمُ عِنْدَ إحْرَامِهِ أَنَّهُ يَتَحَلَّلُ إذَا أُحْصِرَ فَفِي تَأْثِيرِ هَذَا الشَّرْطِ فِي إسْقَاطِ الدَّمِ طَرِيقَانِ أَصَحُّهُمَا الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ لِأَنَّ التَّحَلُّلَ بِالْإِحْصَارِ جَائِزٌ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ فَالشَّرْطُ لَا يُبِيحُ لَهُ، فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.

الثَّانِي: الشَّرْطُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأُمُورِ الْمُسْتَقْبَلَةِ، أَمَّا الْمَاضِيَةُ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِيهَا. وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْإِقْرَارِ بِالشَّرْطِ، لِأَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ مَاضٍ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " فِي بَابِ " الْكِتَابَةِ "، وَفِي " الطَّبَقَاتِ لِلْعَبَّادِيِّ " عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ فِيمَا إذَا قَالَ: يَا زَانِيَةُ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ " شَاءَ " اللَّهُ " تَعَالَى "، لَا تَطْلُقُ وَهُوَ قَاذِفٌ، لِأَنَّ قَوْلَهُ يَا زَانِيَةُ اسْمٌ لَهَا وَخَبَرٌ عَنْ عَمَلٍ وَالِاسْتِثْنَاءُ لَا يَرْجِعُ إلَى الِاسْمِ. وَلَوْ قَالَ يَا زَانِيَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ، لِأَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ فِعْلٍ مَاضٍ وَهُوَ
(2/232)

وَاقِعٌ وَيَسْتَحِيلُ تَعْلِيقُ وُقُوعِهِ بِمَشِيئَةٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَإِذَا قَالَ أَنْتِ زَانِيَةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ " تَعَالَى " اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقِيلَ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى التَّشْكِيكِ فِي الْخَبَرِ، كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ زَانِيَةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ " تَعَالَى " انْتَهَى.

" قَالَ " الْبَغَوِيّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ كَرِهُوا أَنْ يَقُولَ أَنَا مُؤْمِنٌ حَقًّا، بَلْ يَقُولُ أَنَا مُؤْمِنٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ " تَعَالَى " لَا عَلَى مَعْنَى الشَّكِّ فِي إيمَانِهِ، بَلْ عَلَى " مَعْنَى نَفْيِ " الْخَوْفِ مِنْ سُوء الْعَاقِبَةِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ يَكُونُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ "، " فِيمَا " خَفِيَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ لَا فِيمَا مَضَى وَظَهَرَ فَإِنَّهُ لَا يَسُوغُ فِي اللُّغَةِ لِمَنْ " تَيَقَّنَ " أَنَّهُ أَكَلَ " وَشَرِبَ " أَنْ يَقُولَ: أَكَلْت إنْ شَاءَ اللَّهُ " وَشَرِبْت إنْ شَاءَ اللَّهُ " " وَيَصِحُّ أَنْ يَقُولَ " آكُلُ وَأَشْرَبُ إنْ شَاءَ اللَّهُ " " انْتَهَى ".
وَمِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ " يُعْلَمُ فَسَادُ مَا أَفْتَى " بِهِ " الْبَارِزِيُّ "، فِيمَا لَوْ فَعَلَ
(2/233)

شَيْئًا ثُمَّ قَالَ وَاَللَّهِ مَا فَعَلْته إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، قَالَ، لِأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّقْ الْفِعْلَ عَلَى الْمَشِيئَةِ، وَإِنَّمَا عَلَّقَ قَسَمَهُ، وَاسْتَشْهَدَ لِذَلِكَ بِقَوْلِ الْأَصْحَابِ فِي الدَّعَاوَى أَنَّهُ لَوْ حَلَّفَهُ الْحَاكِمُ فِي " نَفْيِ الْغَصْبِ فَقَالَ وَاَللَّهِ مَا غَصَبْته إنْ شَاءَ اللَّهُ " تَعَالَى " يُعَدُّ نَاكِلًا وَيُعَادُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ ثَانِيًا، فَلَوْلَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ " يَقَعُ " فِي الْمَاضِي لَمَا جَعَلُوهُ نَاكِلًا وَلَا شَكَّ أَنَّ نُكُولَهُ مِنْ جِهَةِ الْمُخَالَفَةِ الدَّالَّةِ عَلَى عَدَمِ جَوَابِ الْحَاكِمِ.
وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: قُلْ: بِاَللَّهِ، فَقَالَ: بِالرَّحْمَنِ عُدَّ " نَاكِلًا وَإِنْ " لَمْ تَحْصُلْ الْمُخَالَفَةُ، إلَّا فِي اللَّفْظِ.

الثَّالِثُ: كُلُّ مَا لَوْ شَرَطَاهُ فِي الْعَقْدِ " أَبْطَلَ " فَإِذَا نَوَيَاهُ فِي حَالِ الْعَقْدِ كَانَ مَكْرُوهًا نَصَّ عَلَيْهِ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " فِي الصَّرْفِ وَهِيَ " كَرَاهَةُ " تَنْزِيهٍ وَقِيلَ تَحْرِيمٍ حَكَاهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَاسْتَحْسَنَهُ وَاخْتَارَهُ " ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ ".
(2/234)

وَمِنْهُ: نِكَاحُ الْمُحَلِّلِ.
وَمِنْهُ: الْحِيلَةُ فِي التَّفَرُّقِ " مِنْ تَقَابُضٍ فِي الرِّبَوِيِّ ".
وَمِنْهُ: إذَا وَاطَأَ غُلَامَهُ الْحُرَّ أَوْ صَدِيقَهُ فَبَاعَ مِنْهُ بِعَشَرَةٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِعِشْرِينَ " أُجْبِرَ " بِالْعِشْرِينَ فَأَمَّا الْعَقْدُ مَعَ الْغُلَامِ " فَمَكْرُوهُ " لِمَا ذَكَرْنَا. وَأَمَّا " الْعَقْدُ الثَّانِي " وَالْإِجْبَارُ فَقَالَ الْأَكْثَرُ يَحِلُّ وَيُكْرَهُ، وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ النَّصِّ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالرُّويَانِيُّ يُحَرَّمُ، وَقَالَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ تَفَقُّهًا، لِأَنَّهُ غِشٌّ وَخِدَاعٌ، ثُمَّ إنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي الْحَالَ ثَبَتَ " لَهُ " الْخِيَارُ عَلَى أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ فِي الرَّوْضَةِ.
" وَلَوْ لَمْ " تَجْرِ مُوَاطَأَةٌ، وَلَكِنْ جَرَى الْعَقْدَانِ " فِيهِ " بِهَذَا الْقَصْدِ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ.

الرَّابِعُ: الشَّرَائِطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْعَقْدِ، هَلْ يُشْتَرَطُ عِلْمُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِهَا أَمْ يُكْتَفَى بِوُجُودِهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. هَذَا مِنْ الْقَوَاعِدِ " الْمُهِمَّةِ " وَقَدْ اضْطَرَبَ فِيهِ كَلَامُ الْأَصْحَابِ فَذَكَرَ
(2/235)

الرَّافِعِيِّ فِي بَابِ الرِّبَا، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الرِّبَوِيِّ بِجِنْسِهِ جُزَافًا، وَلَا بِالتَّخْمِينِ.
وَلَوْ بَاعَ صُبْرَةَ حِنْطَةٍ بِصُبْرَةٍ أَوْ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ جُزَافًا فَخَرَجَا مُتَمَاثِلَيْنِ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ، لِأَنَّ التَّسَاوِيَ شَرْطٌ، وَشُرُوطُ الْعَقْدِ يُعْتَبَرُ الْعِلْمُ بِهَا عِنْدَ الْعَقْدِ، وَلِهَذَا لَوْ نَكَحَ امْرَأَةً لَا يَعْلَمُ أَهِيَ أُخْتُهُ أَمْ مُعْتَدَّةٌ أَمْ لَا، لَمْ يَصِحُّ النِّكَاحُ.
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَسْأَلَةَ النِّكَاحِ الْمُسْتَشْهَدَ بِهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَفِي الْبَحْرِ " قُبَيْلَ " بَابِ " الرِّبَا " لَا يَحْرُمُ " الْحَلَالُ ". لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً يَعْتَقِدُ أَنَّهَا أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ، ثُمَّ تَبَيَّنَّ خَطَؤُهُ صَحَّ النِّكَاحُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَحَكَى أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ النِّكَاحُ، وَيَلْزَمُهُ الْحَدُّ إذَا وَطِئَهَا.
وَهَكَذَا لَوْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ يَلْزَمُهُ الْحَدُّ وَعِنْدِي هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ انْتَهَى.

وَحَكَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ، أَنَّهُ إذَا عَقَدَ عَلَى امْرَأَةٍ عَقْدًا فَاسِدًا، ثُمَّ عَقَدَ عَلَى أُخْتِهَا، فَإِنْ عَلِمَ فَسَادَ الْأَوَّلِ صَحَّ الثَّانِي، عَلِمَ بِإِخْوَةِ الثَّانِيَةِ أَمْ لَا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَسَادَ الْأَوَّلِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِأُخُوَّةِ الثَّانِيَةِ، فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ، وَإِنْ عَلِمَ ذَلِكَ فَعَقَدَ عَلَيْهَا مَعَ اعْتِقَادِ صِحَّةِ الْأَوَّلِ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ اعْتِبَارًا بِاعْتِقَادِهِ ظَاهِرًا، قَالَ الرُّويَانِيُّ وَعِنْدِي أَنَّهُ يَنْعَقِدُ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ بِكُلِّ حَالٍ، لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ هَزْلٌ بِهَذَا النِّكَاحِ، وَهَزْلُ النِّكَاحِ جِدٌّ لِلْحَدِيثِ انْتَهَى.
(2/236)

وَفِي الْحَاوِي لَوْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا وَلَهَا أُخْتٌ فَعَقَدَ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَلَمْ يَدْرِ أَهِيَ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا أَوْ أُخْتُهَا لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ بَانَ أَنَّهَا " غَيْرُ " الْمُطَلَّقَةِ.

وَقَالَ الْجُرْجَانِيُّ لَوْ تَزَوَّجَ مَنْ تَحِلُّ لَهُ ظَانًّا أَنَّهَا تُحَرَّمُ عَلَيْهِ بِعِدَّةٍ أَوْ لِعَانٍ، ثُمَّ بَانَ خِلَافُهُ لَمْ يَنْعَقِدْ النِّكَاحُ لِاعْتِقَادِهِ وَذَكَرَ صَاحِبُ " الْبَحْرِ " فِي الْبُيُوعِ أَنَّهُ، لَوْ بَاعَ دِينَارًا بِدِينَارَيْنِ مِنْ مُكَاتَبِهِ كِتَابَةً فَاسِدَةً لَمْ يَعْلَمْ فَسَادَهَا، لَا يَجُوزُ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ ظَاهِرًا، ثُمَّ انْكَشَفَ أَنَّهَا تَحِلُّ لَهُ لَا يَصِحُّ النِّكَاحُ، وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ، أَنَّهُ لَوْ " تَزَوَّجَ " أَمَةَ أَبِيهِ عَلَى ظَنِّ حَيَاتِهِ فَبَانَ " مَيِّتًا " صَحَّ النِّكَاحُ فِي الْأَظْهَرِ، وَقَالَ فِي بَابِ الْعَدَدِ فِي زَوْجَةِ الْمَفْقُودِ، إذَا تَرَبَّصَتْ أَرْبَعَ سِنِينَ فَاعْتَدَّتْ وَتَزَوَّجَتْ فَبَانَ " حَيًّا " عِنْدَ التَّزْوِيجِ، فَعَلَى الْقَدِيمِ لَا إشْكَالَ وَعَلَى الْجَدِيدِ يَخْرُجُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِيمَا لَوْ بَاعَ مَالَ أَبِيهِ يَظُنُّ حَيَاتَهُ فَبَانَ مَيِّتًا، وَذَكَرَ فِي بَابِ الْقَضَاءِ أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ وَلَّى رَجُلًا الْقَضَاءَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَهْلِيَّتَهُ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ ظَهَرَتْ أَهْلِيَّتُهُ مِنْ بَعْدُ.

وَذَكَر النَّوَوِيُّ مِنْ زَوَائِدِهِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، أَنَّهُ لَوْ عَقَدَ بِشَهَادَةِ خُنْثَيَيْنِ فَبَانَا ذَكَرَيْنِ صَحَّ فِي الْأَصَحِّ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا لَوْ صَلَّى خَلْفَ خُنْثَى فَبَانَ رَجُلًا لَمْ يَسْقُطْ الْقَضَاءُ فِي الْأَظْهَرِ بِأَنَّ النِّيَّةَ فِي الصَّلَاةِ مُعْتَبَرَةٌ.

وَفِي فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " لَوْ زَوَّجَ الْقَاضِي امْرَأَةً عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ لَا وَلِيَّ لَهَا، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهَا ابْنَتُهُ لِصُلْبِهِ لَا يَصِحُّ فِي الْأَظْهَرِ، لِأَنَّ الرِّضَا مُعْتَبَرٌ، وَلَا دَلَالَةَ تَدُلُّ عَلَيْهِ، " وَجَزَمَ " ابْنُ الرِّفْعَةِ بِالصِّحَّةِ وَهُوَ قِيَاسُ الْبَيْعِ، وَقَرِيبٌ مِنْ
(2/237)

مَسْأَلَةِ الْقَاضِي مَا لَوْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِحُكْمٍ ثُمَّ بَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ أَنَّ مُسْتَنَدَهُ خَطَأٌ، " ثُمَّ بَانَ " لَهُ مُسْتَنَدٌ غَيْرُهُ يَجُوزُ الْحُكْمُ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي صِحَّةِ الْحُكْمِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْعُقُودِ الَّتِي تَعْتَمِدُ الظُّنُونَ، وَقَالَ غَيْرُهُ لَا يَصِحُّ، وَلَا يَكْفِي وُجُودُ " الْمُسْتَنَدِ " فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.

وَفِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ، قَالَ زَوَّجْتُك بِنْتِي عَائِشَةَ فَقَبِلَ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الْمُسَمَّاةَ بِنْتُ ابْنِ الْمُزَوِّجِ، وَهُوَ جَدُّهَا لِأَبِيهَا، هَلْ يَصِحُّ؟ أَجَابَ إنْ عَيَّنَاهَا بِالْإِشَارَةِ وَنَحْوِهَا صَحَّ وَكَذَا بِالنِّيَّةِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِلَّا فَيَجُوزُ " إطْلَاقُ " الْبِنْتِ عَلَى بِنْتِ الِابْنِ، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ لِصُلْبِهِ بِنْتٌ اسْمُهَا عَائِشَةُ صَحَّ النِّكَاحُ وَإِلَّا فَلَا.
وَالضَّابِطُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ يُقَالَ مَا كَانَ الْأَصْلُ فِيهِ التَّحْرِيمَ كَالْأَبْضَاعِ وَالرِّبَا فَيُحْتَاطُ فِيهِ وَيُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِالْمَشْرُوطِ، وَإِنَّمَا خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ تَزْوِيجُ أَمَةِ أَبِيهِ عَلَى ظَنِّ حَيَاتِهِ وَشَهَادَةُ الْخُنْثَى، وَكَذَا لَوْ تَزَوَّجَتْ امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ عَلَى الْقَدِيمِ ثُمَّ بَانَ مَوْتُهُ قَبْلَ " الْعِدَّةِ " فَفِي صِحَّةِ النِّكَاحِ تَفْرِيعًا عَلَى الْجَدِيدِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الصِّحَّةُ وَوَجْهُ " خُرُوجِهَا " عَنْ " هَذِهِ " الْقَاعِدَةِ أَنَّ الْخَلَلَ فِيهَا مِنْ جِهَةِ الشَّرْطِ لَا مِنْ جِهَةِ الرُّكْنِ، فَكَانَ أَخَفَّ.
وَلِهَذَا لَوْ تَزَوَّجَ بِخُنْثَى ثُمَّ بَانَ " أَنَّهَا " امْرَأَةٌ، لَا يَصِحُّ النِّكَاحُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَهَادَةِ الْخُنْثَى إذَا بَانَ رَجُلًا مَا ذَكَرْنَا وَمَسْأَلَةُ الْقَاضِي إذَا وَلِيَ ثُمَّ بَانَ أَهْلِيَّتُهُ مِثْلُ مَسْأَلَةِ الزَّوْجَةِ الْمَجْهُولِ حَالُهَا سَوَاءٌ، فَإِنَّهُ كَمَا يُحْتَاطُ فِي
(2/238)

الْأَبْضَاعِ يُحْتَاطُ فِي الْقَاضِي، لِتَعَلُّقِهِ بِالْأَمْرِ الْعَامِّ، وَيَدُلُّ عَلَى اسْتِوَاءِ الْبَابَيْنِ فِي قُوَّةِ الْمَأْخَذِ قَوْلُ الرُّويَانِيِّ لَوْ وَقَعَ الْحَاكِمُ إلَى فَقِيهٍ " لِيُزَوِّجَهُ " فُلَانَةَ وَعِنْدَهُ أَنَّ الْمُوَقِّعَ إلَيْهِ الْمَذْكُورَ هُوَ فُلَانٌ بِعَيْنِهِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ غَيْرَهُ، فَلَا يَكُونُ إذْنًا قِيَاسًا، عَلَى مَا لَوْ صَلَّى خَلْفَ رَجُلٍ وَعِنْدَهُ أَنَّهُ زَيْدٌ فَكَانَ عَمْرًا لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ.

الْخَامِسُ: الشُّرُوطُ فِي الْبَيْعِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يُبْطِلُ الْبَيْعَ وَالشَّرْطَ، وَقِسْمٌ يُصِحُّ الْبَيْعَ وَيُبْطِلُ الشَّرْطَ، وَقِسْمٌ يُصِحُّ الْبَيْعَ وَالشَّرْطَ، وَالرَّابِعُ: شَرْطٌ ذِكْرُهُ شَرْطٌ.
فَالْأَوَّلُ: كَمَا فِي الشُّرُوطِ الْمُنَافِيَةِ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ كَشَرْطِ أَنْ لَا " يَتَسَلَّمَهُ " أَوْ لَا يَنْتَفِعَ بِهِ، وَيُسْتَثْنَى الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْعَيْبِ، إذَا قُلْنَا لَا يَبْرَأُ فَلَا يَفْسُدُ الْبَيْعُ فِي الْأَصَحِّ، قَالَ الرَّافِعِيُّ، وَإِنَّمَا خَرَجَ عَنْ قَاعِدَةِ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ، لِاشْتِهَارِ " الْقَضِيَّةِ " بَيْنَ الصَّحَابَةِ، بِخِلَافِ شَرْطِ نَفْيِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَنَحْوِهِ.
وَالثَّانِي: كَمَا إذَا شَرَطَ مَا لَا يُنَافِيه وَلَا يَقْتَضِيه وَلَا غَرَضَ فِيهِ، كَشَرْطِ أَنْ لَا يَأْكُلَ أَوْ لَا يَلْبَسَ إلَّا كَذَا وَقَالَ الْمُتَوَلِّي يَبْطُلُ الْبَيْعُ وَعَزَّى لِنَصِّ " الْإِمَامِ " الشَّافِعِيِّ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " " وَلَيْسَ كَذَلِكَ ".
وَقَالَ الْقَفَّالُ لَوْ قَالَ بِعْتُك الطَّعَامَ عَلَى أَنْ تَأْكُلَهُ وَالْأَمَةَ عَلَى أَنْ تَطَأَهَا
(2/239)

إنْ قَصَدَ بِهِ الِاشْتِرَاكَ بَطَلَ الْبَيْعُ، وَإِنْ أَرَادَ وَلَك ذَلِكَ صَحَّ " الْبَيْعُ ".
وَالثَّالِثُ: كَمَا إذَا شَرَطَ مَا يَقْتَضِيه الْعَقْدُ وَمَصَالِحُهُ، كَشَرْطِ " الْخِيَارِ " وَالْأَجَلُ وَالرَّهْنُ وَالْكَفِيلُ وَالْإِشْهَادُ، قَالَ فِي الْمَطْلَبِ: وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَكُونُ صَحِيحًا مُؤَكَّدًا، وَفِي كَلَامِ غَيْرِهِ أَنَّهُ لَاغٍ حَتَّى قَالَ الْإِمَامُ: إنَّ الشَّرْطَ الَّذِي يَقْتَضِي زِيَادَةً عَلَى مُقْتَضَى الْعَقْدِ، قَالَ وَهَذَا بَحْثٌ لَفْظِيٌّ.
قُلْت: يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ لَهُ فَائِدَةٌ وَهُوَ " مَا لَوْ اخْتَلَفَ " الشَّرْطُ، وَقُلْنَا أَنَّهُ صَحِيحٌ، كَانَ لَهُ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا الرَّفْعُ إلَى الْحَاكِمِ، وَالثَّانِي " يُفْسَخُ " بِنَفْسِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا قُلْنَا أَنَّهُ لَاغٍ، فَإِنَّهُ لَا طَرِيقَ لَهُ إلَّا الرَّفْعُ إلَى الْحَاكِمِ لِيُجْبِرَ الْبَائِعَ عَلَى فِعْلِ الْمُمْتَنَعِ مِنْهُ.
وَالرَّابِعُ: بَيْعُ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ شَرْطُ الْقَطْعِ، وَلَوْ بِيعَتْ مِنْ مَالِكِ الْأَصْلِ " وَكَذَا الزَّرْعُ الْأَخْضَرُ، لَكِنْ إذَا بِيعَتْ مِنْ مَالِكِ الْأَصْلِ " لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ، وَلَيْسَ لَنَا شَرْطٌ يَجِبُ ذِكْرُهُ لِتَصْحِيحِ الْعَقْدِ وَلَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ إلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.

وَاعْلَمْ أَنَّ التَّعْلِيقَ فِي الْبَيْعِ مُبْطِلٌ، إلَّا فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ:
" إحْدَاهَا ": بِعْتُك إنْ شِئْت.
الثَّانِيَةُ: إنْ كَانَ مِلْكِي فَقَدْ بِعْتُكَهُ، وَكَانَ مَالِكًا لَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ " وَمِثْلُهُ
(2/240)

مَسْأَلَةُ " التَّنَازُعِ بَيْنَ الْوَكِيلِ وَمُوَكِّلِهِ - وَقَوْلُهُ إنْ كُنْت أَمَرْتُك بِعِشْرِينَ فَقَدْ بِعْتُكهَا " بِهَا ".
الثَّالِثَةُ: الْبَيْعُ الضِّمْنِيُّ إذَا قَالَ أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي عَلَى مِائَةٍ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ وَقَاعِدَةُ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ أَنْ يَفْسُدَ الْعَقْدُ، إلَّا فِيمَا سَبَقَ فِي صُورَةِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْعُيُوبِ، وَإِلَّا فِي الْقَرْضِ إذَا شَرَطَ فِيهِ " مُكَسَّرًا " عَنْ صَحِيحٍ أَوْ أَنْ " يُقْرِضَهُ " غَيْرُهُ لَغَا الشَّرْطُ، وَلَا " يَفْسُدُ " الْعَقْدُ فِي الْأَصَحِّ.
" فَائِدَةٌ " قَالَ الْإِمَامُ " فِي بَابِ الْقِرَاضِ قَبُولُ الشَّرْطِ شَرْطٌ مِنْ الْقَابِلِ وَكَأَنَّهُ شَرْطُهُ ".

[شَرْطُ الْعِلَّةِ هَلْ يَجْرِي مَجْرَى شَطْرِ الْعِلَّةِ]
" شَرْطُ الْعِلَّةِ هَلْ يَجْرِي مَجْرَى شَطْرِ الْعِلَّةِ فِيهِ جَوَابَانِ خَرَّجَهُمَا الْقَاضِي الْحُسَيْنُ
أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، لِأَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَحْصُلْ، إلَّا " بِهَا ".
وَالثَّانِي: لَا، بَلْ الْحُكْمُ صَادِرٌ عَنْ الْعِلَّةِ، وَهَذَا شَرْطٌ " فَيُضَمُّ " إلَى الْعِلَّةِ فَيَقْوَى بِهَا وَالْحُكْمُ ثَابِتٌ بِأَصْلِ الْعِلَّةِ. وَيَتَخَرَّجُ عَلَيْهَا فُرُوعٌ:
(2/241)

مِنْهَا: لَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِزِنَاهُ وَاثْنَانِ بِإِحْصَانِهِ لَهُ فَقُتِلَ، ثُمَّ رَجَعُوا، فَهَلْ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى شُهُودِ الْإِحْصَانِ أَيْضًا وَجْهَانِ مَأْخَذُهُمَا هَذَا الْأَصْلُ.
وَمِنْهَا: شُهُودُ التَّعْلِيقِ وَشُهُودُ الصِّفَةِ، إذَا رَجَعُوا فَعَلَى مَنْ يَجِبُ الْغُرْمُ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا عَلَى شُهُودِ التَّعْلِيقِ وَالثَّانِي عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ.
تَنْبِيهٌ الْفَرْقُ بَيْنَ شَطْرِ الْعِلَّةِ وَشَرْطِهَا أَنَّ شَطْرَ الْعِلَّةِ الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ أَوْ الْمُتَضَمِّنُ لِمَعْنًى مُنَاسِبٍ، وَمَا يَقِفُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ وَلَا يُنَاسِبُ هُوَ الشَّرْطَ قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي شِفَاءِ الْعَلِيلِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الشَّرْطَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَأْثِيرٌ " مُؤَثِّرٌ "، لَيْسَ نَفْسَ الْمُؤَثِّرِ وَلَا جُزْأَهُ.

[الشُّرُوعُ لَا يُغَيِّرُ حُكْمَ الْمَشْرُوعِ فِيهِ]
ِ وَلِهَذَا لَوْ شَرَعَ فِي صَلَاةٍ أَوْ صَوْمِ نَفْلٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إتْمَامُهُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِمَا ذَكَرْنَا، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْ " صَلَاةِ " الْجَمَاعَةِ إلَى الِانْفِرَادِ وَلِطَالِبِ الْعِلْمِ التَّرْكُ فِي الْأَصَحِّ وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا صُوَرٌ:
" إحْدَاهَا ": الْحَجُّ إذَا شَرَعَ فِيهِ لَزِمَهُ " إتْمَامُهُ "، لِأَنَّهُ يَجِبُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ فَكَيْفَ فِي صَحِيحِهِ.
(2/242)

الثَّانِيَةُ: الْأُضْحِيَّةُ فَإِنَّهَا سُنَّةٌ، وَإِذَا ذُبِحَتْ لَزِمَتْ بِالشُّرُوعِ ذَكَرَهُ الْبَاجِيُّ فِي نُصُوصِ " الْإِمَامِ " الشَّافِعِيِّ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - ". . الثَّالِثَةُ: الْجِهَادُ يَجِبُ إتْمَامُهُ عَلَى الشَّارِعِ فِيهِ. الرَّابِعَةُ: صَلَاةُ الْجِنَازَةِ " خِلَافًا " لِلْإِمَامِ حَيْثُ قَالَ الَّذِي أَرَاهُ أَنَّ لَهُ قَطْعَهَا. إذَا كَانَتْ لَا تَتَعَطَّلُ بِقَطْعِهِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَقَالَ الرُّويَانِيُّ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ صَلَّى عَلَيْهَا " مَرَّةً "، فَلَوْ صَلَّى عَلَيْهَا مَرَّةً " فَسَقَطَ " الْفَرْضُ، ثُمَّ صَلَّى آخَرُونَ فَفِي جَوَازِ الْخُرُوجِ لَهُمْ " احْتِمَالَانِ " لِوَالِدِي بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا تَقَعُ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا قَالَ وَالْقِيَاسُ عِنْدِي أَنَّهَا لَيْسَتْ بِفَرْضٍ. الْخَامِسَةُ: لَوْ شَرَعَ الْمُسَافِرُ فِي الصَّلَاةِ بِنِيَّةِ الْإِتْمَامِ لَزِمَهُ وَلَا " يَسُوغُ " لَهُ الْقَصْرُ بَعْدَ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ شَرَعَ فِي الصِّيَامِ لَهُ الْفِطْرُ عَلَى الصَّحِيحِ خِلَافًا لِلشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ.
قَالَ الْقَفَّالُ: وَالْفَرْقُ أَنَّ الْقَضَاءَ فِي الصَّوْمِ كَالْأَدَاءِ فِي [كَوْنِهِ بِيَوْمٍ] تَامٍّ ظَرْفًا لَهُمَا، وَالْقَصْرُ جُزْءٌ مِنْ الْإِتْمَامِ، وَفَرَّقَ الْغَزَالِيُّ فِي تَدْرِيسِهِ " بِأَنَّ الصَّوْمَ يَجِبُ فِعْلُهُ " فِي أَحَدِ " الْوَقْتَيْنِ " أَمَّا " رَمَضَانُ " أَوْ مَا بَعْدَهُ "، فَإِذَا عُيِّنَ هَذَا
(2/243)

الْيَوْمُ لَا يَلْزَمُ، وَالصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ " فِي الْوَقْتِ "، وَالْإِتْمَامُ صِفَةٌ، فَإِذَا شَرَعَ فِيهَا بِصِفَةٍ لَزِمَتْ الصِّفَةُ، قَالَ: وَلَا يُرَدُّ إذَا شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ قَصْرًا ثُمَّ أَتَمَّ فَإِنَّهُ لَمْ [يُبَدِّلْ صِفَةً] ، بَلْ زَادَ شَيْئًا آخَرَ انْتَهَى.

" أَمَّا " الشَّارِعُ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ، إذَا أَرَادَ قَطْعَهُ فَإِنْ كَانَ يَلْزَمُ مِنْ قَطْعِهِ بُطْلَانُ مَا مَضَى مِنْ الْفِعْلِ حُرِّمَ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَإِلَّا فَإِنْ لَمْ تَفُتْ بِقَطْعِهِ الْمَصْلَحَةُ الْمَقْصُودَةُ لِلشَّارِعِ، بَلْ حَصَلَتْ بِتَمَامِهَا، كَمَا إذَا شَرَعَ فِي إنْقَاذِ غَرِيقٍ ثُمَّ حَضَرَ آخَرُ لِإِنْقَاذِهِ جَازَ قَطْعًا.
نَعَمْ ذَكَرُوا فِي اللَّقِيطِ أَنَّ مَنْ الْتَقَطَ لَيْسَ لَهُ نَقْلُهُ إلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ، لَكِنْ لَا عَلَى التَّمَامِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ لَهُ الْقَطْعَ أَيْضًا كَالْمُصَلِّي فِي جَمَاعَةٍ يَنْفَرِدُ، وَإِنْ قُلْنَا الْجَمَاعَةُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَالشَّارِعُ فِي الْعِلْمِ فَإِنَّ قَطْعَهُ لَهُ لَا يَجِبُ " بِهِ " بُطْلَانُ مَا عَرَفَهُ أَوَّلًا، لِأَنَّ بَعْضَهُ لَا يَرْتَبِطُ بِبَعْضٍ، وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ قَائِمٌ بِغَيْرِهِ، " فَالصُّوَرُ " ثَلَاثَةٌ: قَطْعٌ يُبْطِلُ الْمَاضِيَ فَيَبْطُلُ قَطْعًا، وَقَطْعٌ لَا يُبْطِلُهُ وَلَا يَفُوتُ الشَّاهِدُ فَيَجُوزُ قَطْعًا، " وَقَطْعٌ لَا يُبْطِلُ " أَصْلَ الْمَقْصُودِ، وَلَكِنْ يُبْطِلُ " أَمْرًا " مَقْصُودًا " عَلَى " الْجُمْلَةِ، فَفِيهِ خِلَافٌ.
هَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ فَرْضِ الْعَيْنِ.

أَمَّا فَرْضُ الْعَيْنِ إذَا شَرَعَ فِيهِ فَإِنْ ضَاقَ وَقْتُهُ لَزِمَ وَامْتَنَعَ الْخُرُوجُ مِنْهُ بِلَا
(2/244)

خِلَافٍ، وَإِنْ اتَّسَعَ تَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ مِنْ التَّرَاخِي إلَى الْفَوْرِيَّةِ، فَإِذَا شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ أَوَّلَ الْوَقْتِ أَوْ فِي الْقَضَاءِ الْوَاجِبِ عَلَى التَّرَاخِي تَعَيَّنَ " بِالشُّرُوعِ " حَتَّى لَا يَجُوزَ الْخُرُوجُ " مِنْهُ " نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ " فَقَالَ: وَمَنْ دَخَلَ فِي صَوْمٍ وَاجِبٍ عَلَيْهِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ أَوْ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ صَلَّى مَكْتُوبَةً فِي وَقْتِهَا أَوْ قَضَاهَا أَوْ صَلَاةً نَذَرَهَا أَوْ صَلَاةَ طَوَافٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْ صَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ مَا كَانَ مُطِيقًا لِلصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ عَلَى طَهَارَةٍ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ وَاحِدٍ " مِنْهَا ".
بِلَا عُذْرٍ مِمَّا وُصِفَتْ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ عَامِدًا كَانَ مُفْسِدًا آثِمًا عِنْدَنَا. انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ الْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ الْبَسِيطِ عَنْ الْأَصْحَابِ، وَخَالَفَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَقَالَ: الَّذِي أَرَاهُ أَنَّ هَذَا جَائِزٌ، وَكَذَا " الْمُضِيَّةُ " عَلَى التَّرَاخِي يَجُوزُ قَطْعُهَا بِلَا عُذْرٍ، لِأَنَّ الْوَقْتَ مُوَسَّعٌ قَبْلَ الشُّرُوعِ " هَكَذَا " بَعْدَ الشُّرُوعِ، كَمَا لَوْ أَصْبَحَ الْمُسَافِرُ صَائِمًا ثُمَّ أَرَادَ الْفِطْرَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ، وَتَمَسَّكَ بِالنَّصِّ الْآتِي فِي الْمُصَلِّي مُنْفَرِدًا ثُمَّ يَجِدُ جَمَاعَةً لَهُ الْخُرُوجُ، لِيُدْرِكَ الْجَمَاعَةَ وَتَابَعَهُ فِي الْوَسِيطِ وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ، وَلَا دَلِيلَ فِيمَا اسْتَشْهَدَ بِهِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ مَنْ يُحْرِمُ بِالصَّلَاةِ مُنْفَرِدًا أَوْ بِالتَّيَمُّمِ ثُمَّ وُجِدَ الْمَاءُ أَوْ الْجَمَاعَةُ، فَهُوَ مَعْذُورٌ فِي قَطْعِهَا لِإِحْرَازِ الْفَضِيلَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَطَعَهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ بِلَا عُذْرٍ فَإِنَّهُ عَابِثٌ وَلَيْسَ هَذَا كَالْمُسَافِرِ فَإِنَّ عُذْرَهُ مُسْتَمِرٌّ قَبْلَ الشُّرُوعِ وَبَعْدَهُ فَجَازَ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْ الصَّوْمِ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ، إذَا " أَقَامَ " أَوْ أَحْرَمَ بِهِ فِي الْإِقَامَةِ ثُمَّ سَافَرَ، فَإِنْ قِيلَ إذَا أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ قَاصِرًا لَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ، مَعَ أَنَّ الْعُذْرَ مَوْجُودٌ.
(2/245)

" قُلْنَا " الْفَرْقُ أَنَّ زَمَنَ الصَّلَاةِ قَصِيرٌ وَزَمَنَ الصَّوْمِ طَوِيلٌ.
" وَسَبَقَ " عَنْ الْقَفَّالِ فَرْقٌ آخَرُ، وَفِي الْقَضَاءِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْفَوْرِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ قَطْعُهُ، لِتَبَرُّعِهِ بِالشُّرُوعِ.
" هَذَا " كُلُّهُ فِي الْعِبَادَةِ الْوَاحِدَةِ.

أَمَّا الْمُكَفِّرُ إذَا شَرَعَ فِي صَوْمِ الشَّهْرَيْنِ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ بِنِيَّةِ الِاسْتِئْنَافِ؟ قَالَ الْإِمَامُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: لَهُ أَنْ يَخْرُجَ بِأَنْ لَا يَنْوِيَ صَوْمَ الْغَدِ، أَمَّا إذَا خَاضَ فِي صَوْمِ يَوْمٍ فَيَبْعُدُ أَنْ يَتَسَلَّطَ عَلَى إبْطَالِهِ بِخِلَافِ تَرْكِ الصَّوْمِ فِي بَقِيَّةِ الشَّهْرَيْنِ إذْ لَيْسَ فِيهِ " تَعَرُّضٌ " لِإِفْسَادِ الْعِبَادَةِ، وَيُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ لَيْسَ لَهُ " ذَلِكَ "، وَرَجَّحَ الْغَزَالِيُّ جَوَازَ التَّرْكِ، وَقَالَ الرُّويَانِيُّ: الَّذِي يَقْتَضِيه الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ صَوْمَ الشَّهْرَيْنِ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ كَصَوْمِ يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَيَكُونُ قَطْعُهُ كَقَطْعِ فَرِيضَةٍ شَرَعَ فِيهَا وَأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهَذَا أَحْسَنُ. قُلْت: بَلْ هُوَ الْمَذْهَبُ كَمَا سَبَقَ عَنْ نَصِّ الْأُمِّ، وَمَا رَجَّحَهُ الْغَزَالِيُّ بَنَاهُ عَلَى اخْتِيَارِهِ أَنَّ الْوَقْتَ إذَا كَانَ مُتَّسِعًا فَالشُّرُوعُ " غَيْرُ " مُلْزِمٍ. وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَا عُذْرَ، لِيَخْرُجَ ثَلَاثُ صُوَرٍ:
" إحْدَاهَا ": لَوْ شَرَعَ فِي الْفَائِتَةِ مُعْتَقِدًا أَنَّ فِي الْوَقْتِ سَعَةً فَبَانَ ضِيقُهُ وَجَبَ قَطْعُهَا وَالشُّرُوعُ فِي الْحَاضِرَةِ. قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَعَلَى الشَّاذِّ يَجِبُ إتْمَامُ " الْفَائِتَةِ ".
" الثَّانِيَةُ ": إذَا تَحَرَّمَ بِالْفَرْضِ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ وَجَدَ جَمَاعَةً، فَقَالَ " الْإِمَامُ "
(2/246)

الشَّافِعِيُّ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - "، أَحْبَبْت أَنْ يُكْمِلَ رَكْعَتَيْنِ وَيُسَلِّمَ فَتَكُونَ لَهُ نَافِلَةً وَيَبْتَدِئَ الصَّلَاةَ مَعَ " الْإِمَامِ " وَمَعْنَاهُ أَنْ يَقْطَعَ الْفَرِيضَةَ وَيَقْلِبَهَا نَافِلَةً، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي هَذَا إذَا تَحَقَّقَ إتْمَامُهَا فِي الْوَقْتِ، وَإِلَّا " حَرُمَ " أَيْ وَإِنْ قُلْنَا كُلُّهَا أَدَاءٌ.

" الثَّالِثَةُ ": " إذَا " رَأَى الْمُسَافِرُ الْمُتَيَمِّمُ الْمَاءَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَقُلْنَا لَا تَبْطُلُ وَكَانَتْ فَرْضًا، فَالْأَصَحُّ: أَنَّ قَطْعَهَا لِيَتَوَضَّأَ أَفْضَلُ، وَالثَّانِي: أَنَّ الِاسْتِمْرَارَ أَفْضَلُ، وَالثَّالِثُ: يَقْلِبُهَا نَفْلًا وَيُسَلِّمُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فَهُوَ أَفْضَلُ " وَالرَّابِعُ: يَحْرُمُ قَطْعُهَا " وَإِنْ أَرَادَ إبْطَالَهَا مُطْلَقًا فَالِاسْتِمْرَارُ أَفْضَلُ " مُطْلَقًا، وَالْخَامِسُ إنْ ضَاقَ الْوَقْتُ حَرُمَ الْخُرُوجُ، وَإِلَّا لَمْ " يَحْرُمْ "، قَالَهُ الْإِمَامُ وَطَرَدَهُ فِي كُلِّ مُصَلٍّ وَسَوَاءٌ الْمُتَيَمِّمُ وَغَيْرُهُ، وَتَمَسَّكَ بِنَصِّ " الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ السَّابِقِ فِي الْخُرُوجِ إلَى الْجَمَاعَةِ، وَقَالَ لَوْ كَانَ الْخُرُوجُ مُمْتَنِعًا، لَمَا جَازَ بِسَبَبِ إدْرَاكِ فَضِيلَةٍ، وَقَالَ وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ لَهُ التَّحَلُّلُ مِنْهَا إذَا كَانَتْ لَا تَتَعَطَّلُ بِتَحَلُّلِهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " وَالْأَصْحَابُ عَلَى الْمَنْعِ.

وَلِهَذَا الْأَصْلِ أَعْنِي التَّضْيِيقَ بِالشُّرُوعِ، قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ: لَوْ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ أَفْسَدَهَا لَزِمَهُ أَنْ يُعِيدَهَا فِي الْوَقْتِ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ مُوَجِّهِينَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْوَقْتَ، وَإِنْ كَانَ مُوَسَّعًا فَتَعْيِينُهُ مَوْكُولٌ إلَى الْمُكَلَّفِينَ، فَلَمَّا أَحْرَمَ
(2/247)

فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ تَضِيقُ وَأَيَّدَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ بِنَصِّ " الْإِمَامِ " الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ " عَلَى " عَدَمِ جَوَازِ الْخُرُوجِ مِنْ الْفَرْضِ، وَقَدْ وَجَّهَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ، حَيْثُ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ، وَمِثْلُهُ فِي الْقَضَاءِ وَإِنْ كَانَ وَقْتُهُ مُوَسَّعًا، وَقَالَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ فِيمَا قَالُوهُ نَظَرٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْوِيَ الْقَضَاءَ فَكَيْفَ يَقْضِي مَعَ بَقَاءِ الْوَقْتِ. وَالْقَضَاءُ عِبَارَةٌ عَنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ خَارِجَ الْوَقْتِ، " وَأَيَّدَ " مَا ذَكَرَ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ بَعْدَ الْإِفْسَادِ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ، وَلَوْ كَانَتْ قَضَاءً لَا يَسَعُ وَقْتٌ فَعَلَهَا عَلَى الْمَذْهَبِ " أَوْ لَوْ " وَجَبَ قَضَاؤُهَا عَلَى الْفَوْرِ عَلَى وَجْهٍ قَالَ، وَلَمْ أَرَ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ تَعَاطِيهَا عَلَى الْفَوْرِ عَقِبَ الْإِفْسَادِ، وَلَا قَائِلَ بِأَنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِتَعَاطِيهَا عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ.
قُلْت: صَرَّحَ هَؤُلَاءِ بِأَنَّهُ إذَا شَرَعَ فِيهَا يَضِيقُ وَقْتُهَا فَيَكُونُ وَقْتَ أَدَائِهَا: زَمَنٌ يَسَعُهَا، وَقِيلَ يَلْزَمُهُمْ عَلَى هَذَا، أَنَّهُ إذَا أَعَادَهَا بَعْدَ " الْإِفْسَادِ " أَنْ يُخَرِّجُوهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الَّتِي يُفْعَلُ بَعْضُهَا فِي الْوَقْتِ وَبَعْضُهَا خَارِجَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[الشَّفَاعَةُ ضَرَاعَةٌ عِنْدَ الْمَشْفُوعِ عِنْدَهُ]
ُ، سُمِّيَتْ بِهِ، " لِأَنَّهُ يَشْفَعُ " الْكَلَامَ الْأَوَّلَ وَهِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَقَدْ صَحَّ «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ» وَلِمَا فِيهِ مِنْ إغَاثَةِ الْمُسْلِمِ، وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ.
(2/248)

وَلَا تَكُونُ فِي حَدٍّ وَلَا حَقٍّ لَازِمٍ، وَإِنَّمَا هِيَ لِلذَّنْبِ الَّذِي يُمْكِنُ الْعَفْوُ عَنْهُ وَقَدْ شَفَعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مِسْطَحٍ " لَمَّا حَلَفَ الصِّدِّيقُ أَنْ لَا يُنْفِقَ عَلَيْهِ فَقَالَ تَعَالَى {وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ} [النور: 22] الْآيَةَ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَأَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِ الشَّفَاعَةِ فِي " الْحُدُودِ " بَعْدَ بُلُوغِهِ الْإِمَامَ وَأَنَّهُ يَحْرُمُ " التَّشْفِيعُ " فِيهِ، فَأَمَّا قَبْلَ بُلُوغِهِ الْإِمَامَ أَجَازَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَشْفُوعُ فِيهِ صَاحِبَ شَرٍّ وَأَذًى لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يُشْفَعْ فِيهِ.

أَمَّا الْمَعَاصِي الَّتِي لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ وَوَاجِبُهَا التَّعْزِيرُ، فَتَجُوزُ الشَّفَاعَةُ فِيهَا " وَالتَّشْفِيعُ " سَوَاءٌ بَلَغَتْ الْإِمَامَ أَمْ لَا، لِأَنَّهَا أَهْوَنُ، ثُمَّ الشَّفَاعَةُ فِيهَا مُسْتَحَبَّةٌ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَشْفُوعُ " فِيهِ " صَاحِبَ أَذًى.
قُلْت: وَإِطْلَاقُ " اسْتِحْبَابِ " الشَّفَاعَةِ فِي التَّعْزِيرِ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ إذَا أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ التَّعْزِيرِ كَانَ لِلْإِمَامِ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِلْإِصْلَاحِ وَقَدْ يَرَى ذَلِكَ فِي إقَامَتِهِ وَفِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَنْبَغِي اسْتِحْبَابُهَا.
(2/249)

[الشَّرِكَةُ يَتَعَلَّقُ بِهَا مَبَاحِثُ]
ُ الْأَوَّلُ: تَثْبُتُ الْمُطَالَبَةُ لِكُلٍّ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ بِالْمُشْتَرَكِ فِيهِ، لَكِنْ إذَا انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِقَبْضِ شَيْءٍ، هَلْ يُشَارِكُهُ الْآخَرُ فِيهِ هُوَ عَلَى أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: مَا يُشَارِكُهُ فِيهِ قَطْعًا كَرِيعِ الْوَقْفِ عَلَى جَمَاعَةٍ، لِأَنَّهُ مُشَاعٌ. الثَّانِي: " مَا يُشَارِكُهُ " فِيهِ عَلَى الْأَصَحِّ، كَمَا لَوْ قَبَضَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ مِنْ الدَّيْن قَدْرَ حِصَّتِهِ، فَلِلْآخَرِ مُشَارَكَتُهُ فِي الْأَصَحِّ، كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ بَابِ الشَّرِكَةِ، وَقِيلَ لَا يُشَارِكُهُ، إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ الْمَدْيُونُ فِي الرُّجُوعِ عَلَيْهِ أَوْ لَا يَجِدُ مَالًا سِوَاهُ وَوَجَّهَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي فَتَاوِيهِ الْمُشَارَكَةَ بِأَنَّهُمَا يَقْبِضَانِ ذَلِكَ بِنِيَابَةِ الْأَبِ لَا لِأَنْفُسِهِمَا.
وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ رَجُلَانِ اشْتَرَيْنَا مِنْك شَيْئًا بِكَذَا وَصَدَقَ أَحَدُهُمَا فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْإِرْثِ.
وَمِنْهَا: وَلَوْ ادَّعَى اثْنَانِ اتِّهَابَهُمَا عَيْنًا مِنْ رَجُلٍ وَأَنَّهُ وَهَبَهُ مِنْهُمَا وَسَلَّمَهُ إلَيْهِمَا فَصَدَّقَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَحَدَهُمَا وَكَذَّبَ الثَّانِيَ فَيُسَلِّمُ لِلْمُصَدِّقِ النِّصْفَ، وَهَلْ يُشَارِكُهُ فِيهِ الْمُكَذِّبُ لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ شَرِيكُهُ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْإِمَامُ فِي بَابِ الرَّهْنِ وَقَالَ إنَّهُمَا يَجْرِيَانِ فِي كُلِّ مِلْكٍ وَحَقٍّ يَتَلَقَّى مِنْ عَقْدٍ عَلَى سَبِيلِ الشُّيُوعِ.
وَمِنْهَا: الدُّيُونُ الْمُشْتَرَكَةُ فِي ذِمَمِ النَّاسِ، إذَا أَذِنَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لِلْآخَرِ فِي قَبْضِ مَا " لَهُ " عَلَى زَيْدٍ عَلَى أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ، فَهَلْ يَخْتَصُّ بِهِ إذَا قَبَضَ قَوْلَانِ
(2/250)

أَظْهَرُهُمَا الْمَنْعُ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ " آخِرَ الْقِسْمَةِ عَنْ السَّرَخْسِيِّ.
وَمِنْهَا: لَوْ ادَّعَيَا دَارًا إرْثًا فَصَدَّقَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَحَدَهُمَا " فِي نَصِيبِهِ فَإِنَّهُ يُشَارِكُهُ الْمُكَذَّبُ عَلَى الْمَنْصُوصِ " وَخَرَّجَ " الْغَزَالِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ، وَأَشَارَ الرَّافِعِيُّ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِتَفَرُّدِهِ.
" الثَّالِثُ " مَا لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ " قَطْعًا "، كَمَا " لَوْ " ادَّعَى عَلَى وَرَثَةٍ أَنَّ مُوَرِّثَكُمْ أَوْصَى لِي وَلِزَيْدٍ بِكَذَا، وَأَقَامَ شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ وَأَخَذَ نَصِيبَهُ لَا يُشَارِكُهُ " فِيهِ " الْآخَرُ قَطَعَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّهَادَاتِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجِيءَ فِيهِ خِلَافُ مَا لَوْ قَالَا اشْتَرَيْنَاهُ مِنْك بِكَذَا وَصَدَّقَ أَحَدَهُمَا، فَلَوْ أَقَامَ الْوَارِثُ الْخَاصُّ شَاهِدَيْنِ أَخَذَ نَصِيبَهُ وَلَا يُشَارِكُهُ " فِيهِ " الْآخَرُ، وَوَقَعَ فِي الْحَوَادِثِ رَجُلٌ آجَرَ نَصِيبَهُ مِنْ دَارِ وَقَبَضَ الْأُجْرَةَ فَسَكَنَ الْمُسْتَأْجِرُ جَمِيعَ الدَّارِ وَتَعَذَّرَ عَلَى شَرِيكِهِ أَخْذٌ أُجْرَةِ نَصِيبِهِ مِنْهُ، فَقِيلَ يُشَارِكُهُ، " وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُشَارِكَهُ " لِأَنَّ الْمُؤَجِّرَ اسْتَفَادَ حَقَّهُ بِعَقْدٍ يَخْتَصُّ بِهِ، وَيَرْجِعُ شَرِيكُهُ بِأُجْرَةِ " حِصَّتِهِ " عَلَى الْغَاصِبِ، وَتَشْهَدُ لَهُ " صُوَرُ " الْبَيْعِ الْآتِيَةِ.
الرَّابِعُ: مَا لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ عَلَى الْأَصَحِّ، كَمَا لَوْ ادَّعَى الْوَرَثَةُ دَيْنًا لِمُوَرِّثِهِمْ وَأَقَامُوا شَاهِدًا وَحَلَفَ بَعْضُهُمْ فَإِنَّ الْحَالِفَ يَأْخُذُ نَصِيبَهُ وَلَا " يُشَارِكُهُ " فِيهِ مَنْ لَمْ
(2/251)

يَحْلِفْ عَلَى " الصَّحِيحِ " الْمَنْصُوصِ، لِأَنَّ الْيَمِينَ لَا تُجْزِئُ فِيهَا النِّيَابَةُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ مَا إذَا ادَّعَيَا دَارًا إرْثًا وَصَدَقَ أَحَدُهُمَا كَمَا سَبَقَ أَنَّ الْحَقَّ هُنَا إنَّمَا يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، فَلَوْ شَرَكِنَا النَّاكِلَ لَمَلَّكْنَاهُ بِيَمِينِ غَيْرِهِ، وَفِي الْأُولَى إنَّمَا يَثْبُتُ بِإِقْرَارِ " الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ثُمَّ يَتَرَتَّبُ عَلَى إقْرَارِهِ " إقْرَارُ الْمُصَدَّقِ بِأَنَّهُ إرْثٌ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ.

وَفِي الْمُعَايَاةِ: لَوْ ادَّعَى الْوَرَثَةُ دَيْنًا لِمُوَرِّثِهِمْ وَأَقَامُوا شَاهِدًا وَاحِدًا وَحَلَفُوا اسْتَحَقُّوا فَإِنْ امْتَنَعَ بَعْضُهُمْ مِنْ الْيَمِينِ فَالْحَالِفُ يَأْخُذُ قَدْرَ نَصِيبِهِ وَلَا يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ فِيهِ. وَلَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى " فِي دَارٍ أَوْ ثَوْبٍ "، وَحَلَفَ بَعْضُهُمْ شَارَكَهُ الْبَاقُونَ " فِيمَا يَخْلُصُ " وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الدَّيْنَ فِي الذِّمَّةِ فَكُلُّ مَنْ حَلَفَ أَثْبَتَ حَقَّهُ فِيهَا، وَمَنْ لَمْ يَحْلِفْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حَقٌّ وَالدَّارُ مُعَيَّنَةٌ " فَمَا يَخْلُصُ مِنْهَا " يَشْتَرِكُونَ فِيهِ، وَكَأَنَّ الْبَاقِيَ مَغْصُوبٌ مِنْ جَمَاعَتِهِمْ.

وَمِنْهَا: لَوْ بَاعَ الْعَبْدَ مَالِكَاهُ فَهَلْ يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِقَبْضِ حِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ؟ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا، فَلَوْ قَبَضَ شَيْئًا شَارَكَهُ الْآخَرُ كَالْمِيرَاثِ، وَأَصَحُّهُمَا نَعَمْ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِالْبَيْعِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يُشَارِكُهُ، ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ الشَّرِكَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الدَّيْنِ.

أَمَّا الْعَيْنُ فَحَكَى فِي الْمَطْلَبِ عِنْدَ نِكَاحِ السَّفِيهِ وَجْهَيْنِ فِيمَا لَوْ كَانَ بَيْنَ اثْنَيْنِ صُبْرَةُ قَمْحٍ فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ جَازَ فِي وَجْهٍ، لِأَنَّهُ لَوْ طَلَبَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُهُ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي الصَّيْدِ عَنْ الْبَغَوِيِّ: لَوْ اخْتَلَطَ
(2/252)

حَمَامُهُ بِحَمَامَةِ الْغَيْرِ فَلَهُ الْأَكْلُ بِالِاجْتِهَادِ إلَى أَنْ يَبْقَى وَاحِدَةٌ كَمَا لَوْ اخْتَلَطَتْ " تَمْرَةٌ بِتَمْرِ الْغَيْرِ "، قَالَ الرُّويَانِيُّ لَيْسَ لَهُ أَكْلُ وَاحِدَةٍ حَتَّى يُصَالِحَ الْغَيْرَ أَوْ يُقَاسِمَهُ.

وَلَوْ انْصَبَّ حِنْطَةٌ لَهُ أَوْ مَائِعٌ لَهُ عَلَى مِثْلِهِ لِغَيْرِهِ وَجَهِلَ قَدْرَهَا فَكَاخْتِلَاطِ الْحَمَامِ.

وَلَوْ اخْتَلَطَ دِرْهَمٌ أَوْ دَرَاهِمُ حَرَامٌ " بِدَرَاهِمَ لَهُ، وَدَهَنَ " بِدُهْنٍ وَنَحْوِهِ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ: فَصَلَ قَدْرَ الْحَرَامِ وَصَرَفَهُ لِمَنْ هُوَ لَهُ وَالْبَاقِي لَهُ.

وَقَالَ فِي الْبَحْرِ لَوْ كَانَتْ الصُّبْرَةُ بَيْنَهُمَا قِسْمَيْنِ فَاقْتَسَمَا أَخَذَ هَذَا قَفِيزًا وَهَذَا قَفِيزًا " فَقَدْ " جَازَ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَسْتَوْفِيَ كُلَّ حَقِّهِ مِنْهَا ثُمَّ يُكَالُ لِلْآخَرِ مَا بَقِيَ، لِجَوَازِ أَنْ يَتْلَفَ الْبَاقِي قَبْلَ أَنْ يُكَالَ لَلشَّرِيك الْآخَرِ، لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْمِلْكِ فَيَسْتَوِيَانِ فِي الْقَبْضِ، قَالَ: وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى الْمُبْتَدِئِ مِنْهُمَا بِأَخْذِ الْقَفِيزِ الْأَوَّلِ " جَازَ، وَلَوْ لَمْ يَتَّفِقَا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا فِي أَخْذِهِ وَيَكُونُ اسْتِقْرَارُ مِلْكِ الْأَوَّلِ " عَلَى مَا أَخَذَهُ مَوْقُوفًا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ الْآخَرُ مِثْلَهُ، فَلَوْ أَخَذَ الْأَوَّلُ قَفِيزًا مِنْ تِلْكَ الصُّبْرَةِ رَدَّ نِصْفَ الْقَفِيزِ.

الْبَحْثُ " الثَّانِي " إطْلَاقُ الشَّرِكَةِ، هَلْ يَنْزِلُ عَلَى الْمُنَاصَفَةِ أَوْ هُوَ مُبْهَمٌ يَفْتَقِرُ إلَى " تَفْسِيرٍ " فِيهِ خِلَافٌ فِي صُوَرٍ:
" مِنْهَا ": لَوْ اشْتَرَى سِلْعَةً ثُمَّ قَالَ لِغَيْرِهِ أَشْرَكْتُك مَعِي وَأَطْلَقَ فَقِيلَ يَفْسُدُ الْعَقْدُ لِلْجَهَالَةِ، وَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ، وَيَنْزِلُ عَلَى الْمُنَاصَفَةِ، وَلَوْ تَعَدَّدَ الشُّرَكَاءُ،
(2/253)

فَهَلْ يَسْتَحِقُّ " الشَّرِيكُ " نِصْفَ مَا لَهُمْ أَوْ مِثْلَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، كَمَا لَوْ اشْتَرَيَا شَيْئًا ثُمَّ أَشْرَكَا ثَالِثًا فِيهِ فَهَلْ لَهُ نِصْفُهُ أَوْ ثُلُثُهُ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ وَالْأَشْبَهُ الثَّانِي.
وَمِنْهَا لَوْ أَوْصَى " بِمِائَةٍ لِزَيْدٍ " وَبِمِائَةٍ لِعَمْرٍو، وَقَالَ لِخَالِدٍ أَشْرَكْتُك مَعَهُمَا فَلَهُ نِصْفُ مَا فِي يَدِهِمَا فِي قَوْلٍ قَالَهُ الْهَرَوِيُّ فِي الْإِشْرَافِ.

وَمِنْهَا لَوْ قَالَ أَنَا وَفُلَانٌ " شَرِيكَانِ " فِي هَذِهِ الدَّارِ أَوْ فِي هَذَا الْمَالِ، قَالَ الدَّبِيلِيُّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بَيْنَهُمَا " نِصْفَيْنِ "، فَلَوْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ " الْمُقِرَّ لَهُ الرُّبْعُ أَوْ الْخَمْسُ أَوْ الْعُشْرُ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ " أَنَّهُ " يُسْمَعُ وَيَحْلِفُ مَعَهُ، لِأَنَّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ، قَالَ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ، " لَكِنَّ النَّاسَ " يُطْلِقُونَ هَذَا اللَّفْظَ لِمَنْ لَهُ أَدْنَى جُزْءٍ فِي الْمُقَرِّ بِهِ فَيَقُولُ زَيْدٌ شَرِيكِي فِي كَذَا وَيُرِيدُونَ بِهِ أَصْلَ الشَّرِكَةِ وَتَفَاوُتَ الْأَجْزَاءِ فَالْمُخْتَارُ الْقَبُولُ، أَمَّا لَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ زَيْدًا وَعَمْرًا شَرِيكَانِ فِي كَذَا وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْبَيِّنَةَ تَسْتَفْسِرُ عَنْ مِقْدَارِ النَّصِيبَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنَا وَالْعَيْنُ بِيَدِهِمَا جُعِلَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ بِيَدِ أَحَدِهِمَا، فَهَلْ يَرْجِعُ فِي مِقْدَارِ نَصِيبِ الْآخَرِ إلَيْهِ أَوْ يَقْضِي بِالنِّصْفِ فِيهِ نَظَرٌ.

وَمِنْهَا قَالَ الْمُزَنِيّ فِي الْمَنْثُورِ قَالَ الشَّافِعِيُّ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " لَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ لِأُخْرَى أَنْتِ شَرِيكَتُهَا فِي هَذَا الطَّلَاقِ، ثُمَّ قَالَ لِأُخْرَى أَنْتِ شَرِيكَتُهُمَا فِي هَذَا الطَّلَاقِ تَطْلُقُ الْأُولَى ثَلَاثًا وَالثَّانِيَةُ اثْنَتَيْنِ وَالثَّالِثَةُ وَاحِدَةً، " لِأَنَّهُ يَحْصُلُ "
(2/254)

فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ طَلْقَةٌ وَنِصْفٌ وَالطَّلَاقُ لَا يَتَبَعَّضُ فَيَكْمُلُ فَيُحَصِّلُ طَلْقَتَيْنِ، قَالَ الْمُزَنِيّ وَعِنْدِي تَطْلُقُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَلَاثًا لِظَاهِرِ التَّشْرِيكِ.

[الشَّكُّ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ]
ُ الْأَوَّلُ: فِي حَقِيقَتِهِ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ مُطْلَقُ التَّرَدُّدِ وَفِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ تَسَاوِي الطَّرَفَيْنِ فَإِنْ رَجَحَ كَانَ ظَنًّا وَالْمَرْجُوحُ وَهْمًا، وَأَمَّا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَزَعَمَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ كَاللُّغَةِ فِي سَائِرِ الْأَبْوَابِ، لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسَاوِي وَالرَّاجِحِ وَهَذَا إنَّمَا قَالُوهُ فِي الْأَحْدَاثِ وَقَدْ فَرَّقُوا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ " بَيْنَهُمَا "
" وَمِنْهَا " فِي بَابِ الْإِيلَاءِ لَوْ قُيِّدَ بِمُسْتَبْعَدِ الْحُصُولِ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ كَنُزُولِ عِيسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمُولٍ وَإِنْ ظَنَّ حُصُولَهُ قَبْلَهَا فَلَيْسَ بِمُولٍ قَطْعًا وَإِنْ شَكَّ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا كَذَلِكَ.
وَمِنْهَا: مَا سَبَقَ فِي الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ شَكَّ فِي الْمَذْبُوحِ هَلْ فِيهِ حَيَاةٌ بَعْدَ الذَّبْحِ حَرُمَ لِلشَّكِّ فِي الْمُبِيحِ وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ بَقَاؤُهَا حَلَّتْ.
وَمِنْهَا: فِي " بَابِ الْقَضَاءِ بِالْعِلْمِ لَمْ يَجْعَلُوا لِلتَّسَاوِي أَثَرًا وَاعْتَبَرُوا الظَّنَّ الْمُؤَكَّدَ وَكَذَلِكَ فِي الصَّيْدِ إذَا تَوَارَدَ عَلَيْهِ اثْنَانِ فِي بَعْضِ " صُورَةٍ ".
وَمِنْهَا: فِي الْأَكْلِ مِنْ مَالِ الْغَيْرِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الرِّضَا جَازَ، وَإِنْ شَكَّ فَلَا وَمِثْلُهُ وُجُوبُ رُكُوبِ الْبَحْرِ فِي الْحَجِّ إنْ غَلَبَتْ السَّلَامَةُ وَإِنْ شَكَّ فَلَا وَمِثْلُهُ فِي الْمَرَضِ الْمَخُوفِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ كَوْنُهُ مَخُوفًا نَفَذَ التَّصَرُّفُ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ شَكَكْنَا فِي كَوْنِهِ
(2/255)

مَخُوفًا " لَمْ يَنْفُذْ إلَّا بِقَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ.
وَمِنْهَا قَالُوا فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ إنَّهُ لَا يَقَعُ بِالشَّكِّ " فَأَرَادُوا " بِهِ الطَّرَفَ الْمَرْجُوحَ، " وَلِهَذَا " قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي " بَابِ " الِاعْتِكَافِ قَوْلَهُمْ، لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِالشَّكِّ مُسَلَّمٌ لَكِنَّهُ يَقَعُ بِالظَّنِّ الْغَالِبِ. انْتَهَى.
وَيَشْهَدُ لَهُ: لَوْ قَالَ إنْ كُنْت " حَامِلًا " فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِذَا مَضَتْ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ مِنْ وَقْتِ التَّعْلِيقِ وَقَعَ الطَّلَاقُ مَعَ أَنَّ الْأَقْرُؤَ لَا تُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ وَلِهَذَا أَبْدَى الْإِمَامُ احْتِمَالًا بِعَدَمِ الْوُقُوعِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَنْ حِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ فَحَاضَتْ وَقَعَ الطَّلَاقُ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الدَّمِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مُضِيِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَفِيهِ وَجْهٌ بِتَوَقُّفِهِ عَلَيْهَا " إذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ لَيْسَ دَمَ فَسَادٍ، وَالطَّلَاقُ لَا يَقَعُ إلَّا بِالْيَقِينِ " وَهُوَ يُؤَيِّدُ " احْتِمَالَ الْإِمَامِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا.
وَقَالُوا: لَوْ عَصَرَ عِنَبًا ثُمَّ قَالَ " إنْ لَمْ يَكُنْ " تَخَمَّرَ ثُمَّ تَخَلَّلَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ إنَّهُ وَجَدَهُ خَلًّا وَقَعَ الطَّلَاقُ، لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَتَخَلَّلُ إلَّا بَعْدَ التَّخَمُّرِ.
وَمِنْهَا " سُئِلَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ عَمَّنْ قَنَتَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ عَلَى اعْتِقَادِ " أَنَّهُمَا " فَرْضٌ ثُمَّ تَذَكَّرَ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ " قَالَ " صَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ، لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ شَكَّ فِي النِّيَّةِ أَنَّهُ نَوَى الْفَرْضَ أَوْ النَّفَلَ وَإِتْيَانُ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ عَلَى الشَّكِّ يَقْتَضِي الْبُطْلَانَ " قَالَ صَاحِبُ الْكَافِي وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ أَلْحَقَ الظَّنَّ بِالشَّكِّ وَالشَّكُّ يَقْتَضِي
(2/256)

التَّرَدُّدَ وَإِتْيَانُ شَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ مَعَ التَّرَدُّدِ فِي النِّيَّةِ يَقْتَضِي الْبُطْلَانَ ". وَالظَّنُّ لَا يَقْتَضِي التَّرَدُّدَ، بَلْ غَايَةُ " مَا " فِيهِ أَنْ يَكُونَ خَطَأً وَسَهْوًا وَالْخَطَأُ فِي الصَّلَاةِ لَا يُفْسِدُهَا.

الثَّانِي: الشَّكُّ الطَّارِئُ بَعْدَ الشُّرُوعِ لَا أَثَرَ لَهُ فِي مَوَاضِعَ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَتَذَكَّرَ الْمَشْكُوكَ فِيهِ عَلَى قُرْبٍ كَمَا لَوْ شَكَّ فِي أَصْلِ النِّيَّةِ وَتَذَكَّرَ عَلَى الْقُرْبِ قَبْلَ مُضِيِّ قَدْرِ رُكْنٍ تَصِحُّ صَلَاتُهُ، وَكَذَا لَوْ شَكَّ الصَّائِمُ فِي النِّيَّةِ وَتَذَكَّرَ قَبْلَ مُضِيِّ أَكْثَرِ النَّهَارِ صَحَّ صَوْمُهُ.
وَيُسْتَثْنَى صُورَتَانِ: إحْدَاهُمَا - مَا لَوْ صَلَّى الْمُسَافِرُ وَشَكَّ هَلْ نَوَى الْقَصْرَ أَمْ لَا؟ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ، وَإِنْ تَذَكَّرَ فِي الْحَالِ أَنَّهُ نَوَى الْقَصْرَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ، وَتَابَعُوهُ.
الثَّانِيَةُ - إذَا صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ الْخَطَأُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الصَّوَابِ بِالِاجْتِهَادِ " عَلَى " الْقُرْبِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ عَلَى الْقُرْبِ فَإِنَّهُ يَسْتَأْنِفُ عَلَى الصَّوَابِ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ.

ثَانِيهَا " الشَّكُّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعِبَادَةِ، قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي الْمُطَارَحَاتِ، " فَرَّقَ " " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ بَيْنَ الشَّكِّ فِي الْفِعْلِ وَبَيْنَ الشَّكِّ بَعْدَ الْفِعْلِ فَلَمْ يُوجِبْ إعَادَةَ الثَّانِي، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْمَشَقَّةِ، فَإِنَّ الْمُصَلِّيَ لَوْ كُلِّفَ أَنْ
(2/257)

يَكُونَ ذَاكِرًا لَمَا صَلَّى لَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلَمْ يُطِقْهُ أَحَدٌ فَسُومِحَ فِيهِ وَبَيَانُهُ بِصُوَرٍ:
مِنْهَا: لَوْ شَكَّ بَعْدَ السَّلَامِ فِي تَرْكِ فَرْضٍ لَمْ يُؤَثِّرْ عَلَى الْمَشْهُورِ نَعَمْ إنْ كَانَ الْمَشْكُوكُ فِيهِ هُوَ النِّيَّةُ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَكَذَا لَوْ شَكَّ فِي الطَّهَارَةِ فِي الْأَصَحِّ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّكَّ فِي الْأَرْكَانِ يَكْثُرُ لِكَثْرَتِهَا بِخِلَافِ الطَّهَارَةِ، وَقِيَاسُهُ كَذَلِكَ فِي بَاقِي الشُّرُوطِ، لَكِنْ سَيَأْتِي عَنْ النَّصِّ عَدَمُ الْإِعَادَةِ فِي صُورَةِ الطَّهَارَةِ لِلطَّوَافِ، فَلَا يَحْتَاجُ لِلْفَرْقِ.
وَمِنْهَا: لَوْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ ثُمَّ شَكَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا فِي حَرْفٍ فَلَا أَثَرَ لَهُ، كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ.
وَكَأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّاكِّ فِي تَرْكِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ " الصَّلَاةِ أَنَّهَا " يَسِيرَةٌ مَضْبُوطَةٌ فَلَا مَشَقَّةَ فِي ضَبْطِهَا بِخِلَافِ حُرُوفِ الْفَاتِحَةِ وَتَشْدِيدَاتِهَا فَإِنَّهَا كَثِيرَةٌ فَلَمْ يُؤَثِّرْ الشَّكُّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا فِي تَرْكِ بَعْضِ حُرُوفِهَا لِلْمَشَقَّةِ، وَقِيَاسُ التَّشَهُّدِ، " إلْحَاقُهُ " بِالْفَاتِحَةِ.
وَمِنْهَا: فِي فَتَاوَى النَّوَوِيِّ تَوَضَّأَ الْمُحْدِثُ وَصَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ نَسِيَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ وَصَلَّى فَأَعَادَهَا ثُمَّ عَلِمَ تَرْكَ سَجْدَةٍ فِي إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ وَمَسْحَ الرَّأْسِ فِي إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ فَطَهَارَتُهُ صَحِيحَةٌ الْآنَ، وَعَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ تَرَكَ الْمَسْحَ مِنْ الْأُولَى وَالسَّجْدَةَ مِنْ الثَّانِيَةِ، وَنَظِيرُهُ مَا حَكَاهُ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي الْمُطَارَحَاتِ فِيمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ وَصَلَّى الْخَمْسَ ثُمَّ عَلِمَ تَرْكَ سَجْدَةٍ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْ الْخَمْسِ الَّتِي صَلَّاهَا، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ ثَانِيًا وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ بِأَمْرَيْنِ: " أَحَدُهُمَا " أَنَّ السَّجْدَةَ لَمْ نَتَحَقَّقْ أَنَّهَا مَتْرُوكَةٌ مِنْ الصَّلَاةِ الْمَتْرُوكَةِ، بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ غَيْرِ الْمَتْرُوكَةِ وَهُوَ الْأَكْثَرُ وُقُوعًا، لِأَنَّ وُقُوعَ وَاحِدٍ مِنْ أَرْبَعٍ أَكْثَرُ مِنْ وُقُوعِ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ.
(2/258)

وَالثَّانِي " أَنَّا لَوْ أَوْجَبْنَا الْإِعَادَةَ ثَانِيًا لَمْ نَأْمَنْ وُقُوعَ مِثْلِ ذَلِكَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ كَمَا قَالُوهُ فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ قَضَاءُ الْحَجِّ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْإِفْسَادُ مَرَّةً ثَانِيَةً.
وَمِنْهَا: لَوْ شَكَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْوُضُوءِ فِي تَرْكِ مَسْحِ الرَّأْسِ أَوْ غَيْرِهِ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا " لَا يُؤَثِّرُ "، كَمَا لَوْ شَكَّ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا.
قِيلَ " لِلشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ " فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ بِطَهَارَةٍ مَشْكُوكٍ فِيهَا، قَالَ: يَجُوزُ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ شَكَّ هَلْ أَحْدَثَ أَمْ لَا.
وَفَرَّقَ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ " ثُمَّ " تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ بَعْدَ أَنْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ " وَهَا هُنَا تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي أَنَّهُ زَالَ أَمْ لَا وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ ".
وَمِنْهَا: لَوْ شَكَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ غَسْلِ النَّجَاسَةِ عَنْ الثَّوْبِ أَوْ الْبَدَنِ هَلْ اسْتَوْعَبَهُ وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا.
وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ لَوْ اسْتَجْمَرَ وَصَلَّى وَشَكَّ هَلْ اسْتَعْمَلَ حَجَرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ بَعْدَ الْوُضُوءِ شَكَّ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ وَصَلَّى ثُمَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ شَكَّ فِي رُكْنٍ وَفِيهِ خِلَافٌ، فَإِنْ قُلْنَا لَا تَجِبُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ فَهَا هُنَا لَا يُعِيدُ هَذِهِ الصَّلَاةَ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ صَلَاةً أُخْرَى بَعْدَ الشَّكِّ مَا لَمْ " يَسْتَكْمِلْ " الِاسْتِنْجَاءَ، " لِأَنَّهُ " حَالَةَ شُرُوعِهِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ وَعَدَمِهَا، وَلَوْ وَقَعَ هَذَا الشَّكُّ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَتَمَّهَا. قُلْت: وَيَجِيءُ مِثْلُهُ فِي صُورَةِ الْوُضُوءِ، وَمَا سَبَقَ مِنْ التَّصْحِيحِ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الرَّوْضَةِ.
وَفِي كِتَابِ الْحِيَلِ لِلْقَزْوِينِيِّ: لَوْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ أَحْدَثَ وَشَكَّ هَلْ مَسَحَ رَأْسَهُ
(2/259)

فِي ذَلِكَ الْوُضُوءِ أَمْ لَا: تَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ.
وَلَوْ أَنَّهُ صَامَ ثُمَّ لَمَّا دَخَلَ اللَّيْلُ شَكَّ هَلْ كَانَ نَوَى فِيهِ أَمْ لَا، لَمْ " يَضُرَّهُ "، لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَوْ اعْتَرَضَهُ الشَّكُّ فِي الْوُضُوءِ قَبْلَ الْحَدَثِ بَطَلَ الْوُضُوءُ وَالصَّلَاةُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُعَوَّلِ وَكَذَلِكَ لَوْ اعْتَرَضَهُ الشَّكُّ قَبْلَ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّوْمِ.
وَمِنْهَا لَوْ شَكَّ الصَّائِمُ فِي النِّيَّةِ بَعْدَ الْغُرُوبِ فَلَا أَثَرَ لَهُ " وَقَدْ تَعَرَّضَ لَهُ " فِي الرَّوْضَةِ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ.
وَمِنْهَا لَوْ طَافَ لِلْعُمْرَةِ ثُمَّ شَكَّ هَلْ طَافَ بِطَهَارَةٍ أَمْ لَا لَمْ يَلْزَمْهُ إعَادَةُ الطَّوَافِ، لِأَنَّهُ أَدَّى الْعِبَادَةَ فِي الظَّاهِرِ، فَلَا يَسْقُطُ حُكْمُ ذَلِكَ بِالشَّكِّ.
نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ رِوَايَةِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ عَنْ النَّصِّ، وَحَكَاهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ عَنْ نَصِّ الْأُمِّ، قَالَ: وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْمُصَلِّي يَشُكُّ بَعْدَ الْفَرَاغِ.
وَمِنْهَا لَوْ صَامَ يَوْمَيْنِ أَحَدُهُمَا فَرْضٌ وَالْآخَرُ نَفْلٌ وَعَلِمَ أَنَّهُ تَرَكَ النِّيَّةَ فِي أَحَدِهِمَا وَجَبَتْ إعَادَةُ الْفَرْضِ، وَقَالَ وَالِدُ الرُّويَانِيِّ: لَا يَجِبُ لِلشَّكِّ، قَالَهُ فِي الْبَحْرِ.

" ثَالِثُهَا ": الشَّكُّ فِي الْمَانِعِ.
وَذَلِكَ أَنَّا نَقُولُ مَا كَانَ وُجُودُهُ شَرْطًا كَانَ عَدَمُهُ مَانِعًا، فَالشَّرْطُ فِي الْبَيْعِ وَالسَّلَمِ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ وَالْعَجْزُ مَانِعٌ، وَإِذَا شَكَكْنَا فِي الشَّرْطِ، لَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ، وَإِذَا شَكَكْنَا فِي الْمَانِعِ مِنْهُ " أَثْبَتْنَا " الْحُكْمَ عَمَلًا بِالْأَصْلِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: يَلْزَمُ مِنْ هَذَا التَّنَاقُضِ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عِنْدَ الشَّكِّ فِي الشَّرْطِ أَنْ لَا يَتَرَتَّبَ الْحُكْمُ لِأَجْلِ الشَّكِّ فِي الشَّرْطِ وَإِنْ " تَرَتَّبَ "، لِأَنَّهُ شَكٌّ فِي الْمَانِعِ وَذَلِكَ مُحَالٌ.
(2/260)

وَالْجَوَابُ " قَالَ " ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّا لَا نُرَتِّبُ الْحُكْمَ عِنْدَ الشَّكِّ فِي الشَّرْطِ إذَا كَانَ وُجُودِيًّا كَمَا إذَا شَكَّ هَلْ تَطْهُرُ أَمْ لَا، " لِأَنَّ " الطَّهَارَةَ شَرْطٌ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا، أَمَّا إذَا كَانَ عَدَمِيًّا، فَالْأَصْلُ الْعَدَمُ فَتَرَتَّبَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا " - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - ": إذَا قَالَ إنْ خَرَجْت بِغَيْرِ إذْنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَخَرَجَتْ وَادَّعَى أَنَّهُ أَذِنَ وَأَنْكَرَتْ الْإِذْنَ " فَالْقَوْلُ " قَوْلُهَا وَيَقَعُ الطَّلَاقُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَمَنْ لَمْ يُوقِعْهُ يَتَمَسَّكْ بِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ، وَكَذَا يُقَالُ هُنَا إنَّمَا رَتَّبْنَا الْحُكْمَ عِنْدَ الشَّكِّ فِي وُجُودِ الْمَانِعِ، إذَا كَانَ " الْمَانِعُ " وُجُودِيًّا، كَمَا إذَا تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ فَإِنَّهُ مَانِعٌ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ فَإِنْ كَانَ عَدَمِيًّا فَلَا " يَتَرَتَّبُ " الْحُكْمُ، وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ أَنْتَجَ أَنَّ مَا كَانَ وُجُودُهُ شَرْطًا فَعَدَمُهُ مَانِعٌ وَعِنْدَ الشَّكِّ " فِي وُجُودِهِ " لَا " يَتَرَتَّبُ " الْحُكْمُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُودِ ذَلِكَ الشَّرْطِ، وَالْأَصْلُ وُجُودُ الْمَانِعِ فَلَا " تَنَاقُضَ ".

رَابِعُهَا: أَنْ يُعَارِضَهُ أَصْلٌ " ضَعِيفٌ " فَيَضْعُفُ الشَّكُّ حِينَئِذٍ.
وَيَتَّضِحُ بِصُوَرٍ:
" إحْدَاهَا " لَوْ أَحْرَمَ وَتَزَوَّجَ وَشَكَّ هَلْ كَانَ تَزْوِيجُهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، أَوْ
(2/261)

بَعْدَهُ فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ نَصَّ عَلَيْهِ " الشَّافِعِيُّ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " فِيمَا نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ " وَوَجْهُهُ " أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ " الْإِحْرَامِ "، وَقَالَ الدَّارِمِيُّ نَصُّ الشَّافِعِيِّ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " " أَيْ " مِنْ جِهَةِ الْوَرَعِ عَلَى إيقَاعِ طَلْقَةٍ، وَيُعْطِي نِصْفَ الصَّدَاقِ إنْ سَمَّى وَالْمُتْعَةَ إنْ لَمْ يُسَمِّ، قَالَ وَفِي الْحُكْمِ النِّكَاحُ صَحِيحٌ وَخَرَجَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا قَوْلًا أَنَّهُ بَاطِلٌ " بِنَاءً " عَلَى الْمَلْفُوفِ.
" الثَّانِيَةُ " لَوْ أَرَادَ الْمُعْتَمِرُ إدْخَالَ الْحَجِّ قَبْلَ الطَّوَافِ جَازَ وَبَعْدَهُ: يَمْتَنِعُ، فَلَوْ شَكَّ هَلْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ الطَّوَافِ أَوْ بَعْدَهُ، قَالَ " الْأَصْحَابُ الْأَصْلُ " يَجْزِيهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ جَوَازُ إدْخَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ، إلَّا أَنْ يَتَيَقَّنَ " مَا يَمْنَعُ "، حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ أَيْضًا.
" الثَّالِثَةُ " أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَشَكَّ هَلْ أَحْرَمَ بِهِ قَبْلَ أَشْهُرِهِ أَوْ بَعْدَهَا كَانَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ نَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ " الْعُمَرِيِّ "، قَالَ لِأَنَّهُ عَلَى يَقِينٍ " مِنْ هَذَا الزَّمَانِ، وَفِي شَكٍّ " مِمَّا " تَقَدَّمَ.
(2/262)

وَمِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يُؤْخَذُ " أَنَّ " صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا " لَوْ " تَيَقَّنَ دُخُولَ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِنْ شَكَّ هَلْ دَخَلَتْ أَمْ لَا " انْعَقَدَ " عُمْرَةً.
وَلِهَذَا قَالَ: لَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ شَكَّ هَلْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَهُوَ عُمْرَةٌ "، لِأَنَّهُ لَا شَكَّ فِيهِ، وَفِي الْبَحْرِ لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ شَكَّ وَهُوَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، هَلْ أَحْرَمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ قَبْلَهَا هَلْ يَلْزَمُهُ الْحَجُّ أَوْ الْعُمْرَةُ " أَوْ " هُمَا؟ وَجْهَانِ عَنْ وَالِدَيْ أَحَدُهُمَا يَجْتَهِدُ وَيَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ وَالثَّانِي يَأْتِي بِالْحَجِّ " فَيَتَيَقَّنُ " سُقُوطَ الْفَرْضِ.
وَأَصْلُهَا إذَا أَحْرَمَ فِي وَقْتِهِ ثُمَّ نَسِيَ بِمَاذَا أَحْرَمَ مَا الَّذِي يَلْزَمُهُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ، هَذَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ وَقْتَ الْإِحْرَامِ وَوَقْتَ دُخُولِ الْأَشْهُرِ، وَشَكَّ فِي وَقْتِ الْإِحْرَامِ مِنْ الْأَشْهُرِ فَإِنْ عَلِمَ وَقْتَ الْإِحْرَامِ وَشَكَّ فِي وَقْتِ دُخُولِ الْأَشْهُرِ لَزِمَهُ الْعُمْرَةُ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْأَشْهُرَ لَمْ تَدْخُلْ.
الرَّابِعَةُ: إذَا قُلْنَا لَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الشَّافِعِيِّ بِالْحَنَفِيِّ إذَا تَرَكَ وَاجِبًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْأَكْثَرِينَ فَلَوْ شَكَّ هَلْ تَرَكَ أَوْ أَتَى بِهِ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا فِي الرَّوْضَةِ الْجَوَازُ، كَمَا لَوْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ أَتَى بِهِ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَيَحْتَمِلُ بِنَاؤُهَا عَلَى الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ. وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا لَوْ شَكَّ فِي إدْرَاكِ حَدِّ الْأَجْزَاءِ فِي الرُّكُوعِ، لَا تُحْسَبُ رَكْعَةٌ فِي الْأَظْهَرِ.
الْخَامِسَةُ: إذَا شَكَّ فِي " التَّقَدُّمِ " عَلَى إمَامِهِ فِي الْمَوْقِفِ لَمْ يَضُرَّهُ عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ، وَقِيلَ إنْ جَاءَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ الْإِمَامِ ضُرَّ، وَإِلَّا فَلَا وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَلَكِنَّ
(2/263)

وَجْهَ النَّصِّ أَنَّ الصَّلَاةَ انْعَقَدَتْ عَلَى الصِّحَّةِ، وَالشَّكُّ فِي الْمُبْطِلِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
وَاسْتَشْكَلَ عَلَيْهِ مَا لَوْ صَلَّى وَشَكَّ هَلْ تَقَدَّمَ عَلَى الْإِمَامِ بِالتَّكْبِيرِ أَمْ لَا لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ الصِّحَّةَ فِي الْمَوْقِفِ أَكْثَرُ وُقُوعًا فَإِنَّهَا تَصِحُّ فِي صُورَتَيْنِ وَتَبْطُلُ فِي وَاحِدَةٍ: فَتَصِحُّ مَعَ التَّأْخِيرِ وَالْمُسَاوَاةِ وَتَبْطُلُ مَعَ التَّقْدِيمِ خَاصَّةً، وَالصِّحَّةُ فِي التَّكْبِيرِ أَقَلُّ وُقُوعًا فَإِنَّهَا تَبْطُلُ بِالْمُقَارَنَةِ وَالتَّقَدُّمِ، وَتَصِحُّ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ التَّأْخِيرُ.
السَّادِسَةُ: لَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ مِائَةَ سَوْطٍ فَشَدَّ مِائَةً وَضَرَبَهُ بِهَا " ضَرْبَةً " بَرَّ إنْ عَلِمَ إصَابَةَ الْكُلِّ، وَإِنْ شَكَّ فِي إصَابَتِهِ، فَالنَّصُّ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ وَنَصَّ فِيمَا إذَا حَلَفَ لَيَدْخُلَنَّ الدَّارَ الْيَوْمَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ وَلَمْ يَدْخُلْ وَمَاتَ زَيْدٌ، وَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ شَاءَ أَمْ لَا، " أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ "، وَفِيهِ طَرِيقَانِ " أَصَحُّهُمَا تَقْرِيرُ " النِّصْفَيْنِ " وَالْفَرْقُ أَنَّ الضَّرْبَ سَبَبٌ ظَاهِرٌ فِي الِانْكِبَاسِ وَالتَّثْقِيلِ " فَيَكْتَفِي " فِيهِ " وَلَا إمَارَةَ هُنَا تَدُلُّ عَلَى مَشِيئَتِهِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا " قَالَ " النَّوَوِيُّ ذَكَرَ الدَّارِمِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي أَنَّهُ " إذَا " شَكَّ حَنِثَ، وَإِنَّمَا " لَمْ " يَحْنَثْ عَلَى الْمَنْصُوصِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ إصَابَةُ الْجَمِيعِ وَهُوَ أَحْسَنُ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ، لِأَنَّهُ بَعْدَ هَذَا الضَّرْبِ شَكَّ فِي الْحِنْثِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. انْتَهَى. قُلْت: قَدْ قَطَعَ الْإِمَامُ بِاشْتِرَاطِ غَلَبَةِ الظَّنِّ وَقَالَ لَا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ.
السَّابِعَةُ: لَمَسَ امْرَأَةً وَشَكَّ هَلْ هِيَ مَحْرَمٌ أَوْ أَجْنَبِيَّةٌ فَتَحْرُمُ وَكَذَا لَوْ شَكَّ
(2/264)

أَلَامِسٌ هُوَ " أَمْ " مَلْمُوسٌ " فَمَلْمُوسٌ " جَزَمَ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ.
وَلَوْ تَيَقَّنَ بَعْدَ الطَّهَارَةِ أَنَّهُ رَأَى رُؤْيَا وَشَكَّ هَلْ كَانَ النَّوْمُ الَّذِي رَأَى " فِيهِ " تِلْكَ الرُّؤْيَا عَلَى هَيْئَةِ الِاضْطِجَاعِ أَوْ الْقُعُودِ، قَالَ الْبَغَوِيّ يُحْكَمُ بِحَدَثِهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ وَالصَّوَابُ عَدَمُ الِانْتِقَاضِ لِلشَّكِّ فِي الْمُوجِبِ.
الثَّامِنَةُ: لَوْ انْتَبَهَ فَرَأَى بَلَلًا وَشَكَّ أَنَّهُ " وَدْيٌ " أَوْ مَنِيٌّ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ فَلَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مَنِيٌّ لِكَوْنِ الْوَدْيِ لَا يَلِيقُ بِطَبْعِهِ " أَوْ لِتَذَكُّرٍ " وِقَاعِ تَخَيُّلِهِ فِي النَّوْمِ قَالَ الْإِمَامُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ يَسْتَصْحِبُ يَقِينَ الطَّهَارَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَحْمِلَ الْأَمْرَ عَلَى غَالِبِ الظَّنِّ، " قَالَ " الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْغُسْلِ وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ أَوْفَقُ لِكَلَامِ الْمُعْظَمِ انْتَهَى، وَفِي هَذَا أَعْمَالُ الطَّرَفِ الْمَرْجُوحِ.
التَّاسِعَةُ: وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ فِي مَاءٍ " وَشَكَّ " هَلْ هُوَ قُلَّتَانِ فَالْمَنْقُولُ نَجَاسَتُهُ وَالْإِمَامُ احْتِمَالُ أَنَّهُ طَهُورٌ، قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلشَّكِّ فِي التَّنْجِيسِ.
الْعَاشِرَةُ: أَدْخَلَ الْكَلْبُ فَاهُ فِي إنَاءٍ وَخَرَجَ بِلَا رُطُوبَةٍ لَمْ يُحْكَمْ بِنَجَاسَةِ الْإِنَاءِ وَلَوْ خَرَجَ وَعَلَيْهِ رُطُوبَةٌ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا كَذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِنْ لُعَابِهِ، وَالْأَصْلُ طَهَارَةُ الْإِنَاءِ.
أَمَّا إذَا لَمْ يَعْتَضِدْ مُقَابِلَهُ بِأَصْلٍ فَيَنْتَهِضُ الشَّكُّ كَمَا لَوْ شَكَّ بَعْدَ الْفَجْرِ هَلْ نَوَى أَمْ لَا لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ وَيَلْزَمُهُ الْإِمْسَاكُ وَالْقَضَاءُ، وَفِي الْبَحْرِ أَنَّهُ يَصِحُّ وَهُوَ بَعِيدٌ.
وَلَوْ شَكَّ هَلْ كَانَتْ نِيَّتُهُ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ، قَطَعَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ،
(2/265)

قَالَ النَّوَوِيُّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِيءَ فِيهِ خِلَافٌ، وَكَذَا لَوْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ وَشَكَّ هَلْ هُوَ مَانِعٌ أَوْ مَاءٌ لَمْ يَصِحَّ لِوُجُوبِ النِّيَّةِ وَشَرْطُهَا الْجَزْمُ وَهُوَ مَفْقُودٌ.
وَلَوْ اسْتَنْجَى بِشَيْءٍ وَشَكَّ هَلْ هُوَ عَظْمٌ أَوْ مَطْعُومٌ أَوْ غَيْرُهُ مِمَّا يَمْتَنِعُ الِاسْتِنْجَاءُ " بِهِ فَهَلْ يُجْزِئُهُ؟ " قَوْلَانِ ": وَلَوْ مَسَّ مَنْ لَهُ كَفَّانِ عَامِلَتَانِ أَوْ غَيْرَ عَامِلَتَيْنِ " بِإِحْدَاهُمَا "، فَإِنَّهُ يَنْتَقِضُ مَعَ الشَّكِّ فِي أَنَّهَا أَصْلِيَّةٌ أَوْ زَائِدَةٌ وَكَذَا " الذَّكَرَانِ "، كَمَا يُفْهِمُهُ كَلَامُ الرَّوْضَةِ فِي بَابِ اللَّمْسِ، وَحَكَى فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْبَيَانِ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ أَحَدُ الْعَامِلِينَ كَالْخُنْثَى وَهُوَ الْقِيَاسُ.

الْبَحْثُ الثَّالِثُ: إذَا " أَقْدَمَ " شَاكًّا فِي حُصُولِ الشَّرْطِ، ثُمَّ بَانَ مُصَادَفَتُهُ هَلْ يَجْزِيهِ " هُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ النِّيَّةُ أَوْ بَنَى عَلَى الِاحْتِيَاطِ، فَلَا يَجْزِيهِ "، كَمَا لَوْ صَلَّى شَاكًّا فِي دُخُولِ الْوَقْتِ ثُمَّ بَانَ دُخُولُهُ، وَكَمَا لَوْ تَوَضَّأَ بِالْإِنَاءِ الْمُشْتَبَهِ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ كَانَ طَاهِرًا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَلَا وُضُوءُهُ، فَلَوْ غَسَلَ بِهِ نَجَاسَةً لَمْ يَصِحَّ بِنَاءً عَلَى نِيَّتِهِ قَبْلَ التَّبْيِينِ وَتَصِحُّ بَعْدَ التَّبْيِينِ بِنَاءً عَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ لَا تَفْتَقِرُ لِلنِّيَّةِ.
(2/266)

وَلَوْ شَكَّ فِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ فَمَسَحَ ثُمَّ تَيَقَّنَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْمَسْحِ، وَيَقْضِي مَا صَلَّى بِهِ.
وَلَوْ تَيَمَّمَ وَهُوَ شَاكٌّ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ فِي الْوَقْتِ لَمْ يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ وَكَذَا لَوْ طَلَبَ الْمَاءَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنْ لَا مَاءَ، لَمْ يُحْسَبْ تَيَمُّمُهُ.
وَلَوْ ظَنَّ أَنَّ عَلَيْهِ فَائِتَةً وَلَمْ يَتَحَقَّقْهَا فَتَيَمَّمَ لَهَا، ثُمَّ تَذَّكَّرَهَا، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَلِّيَهَا بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ، لِأَنَّ وَقْتَ الْفَائِتَةِ " بِالتَّذَكُّرِ ".
قَالَ الشَّاشِيُّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَنْ تَوَضَّأَ " مُحْتَاطًا " " بِمَاءٍ طَاهِرٍ "، ثُمَّ تَبَيَّنَ حَدَثَهُ، وَكَذَا لَوْ صَامَ الْأَسِيرُ فِي " مَطْمُورَةٍ " مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ صَامَ فِي الْوَقْتِ لَمْ يَصِحَّ، أَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فَصَلَّى بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ صَلَّى لِلْقِبْلَةِ، وَكَذَا لَوْ حَكَمَ الْقَاضِي بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ ثُمَّ " بَانَ مُصَادَفَتُهُ " لِلْمُسْتَنَدِ لَا يَصِحُّ.
وَلَوْ وَلَّى الْإِمَامُ قَاضِيًا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ اتِّصَافَهُ بِالْأَهْلِيَّةِ لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ " كَانَ أَهْلًا "، وَمَنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا " لَوْ وُلِّيَ " وَحَكَمَ لَمْ تَنْفُذْ أَحْكَامُهُ وَإِنْ كَانَتْ صَوَابًا، قَالَهُ الدَّبِيلِيُّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ، وَحَكَى " ابْنُ عَبْدَانِ " فِي الشَّرَائِطِ مَنْ
(2/267)

وَلِيَ " الْقَضَاءَ " مِنْ غَيْرِ أَهْلِيَّةٍ فَوَافَقَ الْحَقَّ فِي حُكُومَةٍ نُفِّذَتْ تِلْكَ الْحُكُومَةُ عِنْدَ الْإِصْطَخْرِيِّ، قَالَ وَخَالَفَ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ.
وَلَوْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ شَكَّ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ، كَالْخُنْثَى، ثُمَّ بَانَ لَمْ يَصِحَّ.
وَلَوْ قَالَ إنْ كُنْت حَلَفْت فَعَبْدِي هَذَا حُرٌّ عَنْ ظِهَارِي، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ ظَاهَرَ لَا يُعْتَقُ.
" وَمِنْهَا " لَوْ أَذِنَتْ لِوَلِيِّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ زَيْدٍ فَوَكَّلَ الْوَلِيُّ فِي تَزْوِيجِهَا، وَأَطْلَقَ فَزَوَّجَهَا الْوَكِيلُ مِنْ الَّذِي عَيَّنَتْهُ هِيَ لِوَلِيِّهَا فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ.
وَلَوْ ارْتَابَتْ فِي الْعِدَّةِ قَبْلَ انْقِضَائِهَا " لَمْ تُنْكَحْ بَعْدَ " الْأَقْرَاءِ إنْ اسْتَمَرَّتْ الرِّيبَةُ فَلَوْ نُكِحَتْ بَطَلَ، وَإِنْ بَانَ بِمُصَادَفَتِهِ لِلْبَيْنُونَةِ.
وَلَوْ بَاعَ صُبْرَةً بِصُبْرَةٍ جُزَافًا وَخَرَجَتَا سَوَاءٌ لَمْ يَصِحَّ، وَكَذَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا أُخْتُهُ أَمْ أَجْنَبِيَّةٌ أَمْ مُعْتَدَّةٌ فَبَانَتْ أَجْنَبِيَّةً خَلِيَّةً.
وَلَوْ شَكَّ بَعْدَ الْوَقْتِ هَلْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ أَمْ لَا " لَمْ " يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهَا، وَلَوْ قَضَاهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا كَانَتْ عَلَيْهِ لَمْ يُجْزِئُهُ بِلَا خِلَافٍ، كَمَا قَالَهُ فِي بَابِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ مِنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَالْقِيَاسُ تَخْرِيجُهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَنْ شَكَّ فِي حَدَثِهِ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ بَانَ حَدَثُهُ لَا يَرْتَفِعُ فِي الْأَصَحِّ.

الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فَيُجْزِئُهُ فِي صُوَرٍ: إحْدَاهَا لَوْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ شَاكًّا فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ طَلَعَ فَإِنَّ وُقُوفَهُ صَحِيحٌ مُسْقِطٌ لِلْفَرْضِ، قَالَهُ الشَّاشِيُّ فِي الْمُعْتَمَدِ.
(2/268)

الثَّانِيَةُ: " إذَا " أَحْرَمَ بِالْحَجِّ شَاكًّا فِي دُخُولِ الْوَقْتِ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ دَخَلَ فَيَنْبَغِي الصِّحَّةُ، لِأَنَّهُ شَدِيدُ اللُّزُومِ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا سَبَقَ فِي فَصْلِ الْخَطَأِ أَنَّهُمْ لَوْ اجْتَهَدُوا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَأَحْرَمُوا " وَبَانَ " الْخَطَأُ عَامًّا أَنَّهُ يَنْعَقِدُ حَجًّا، كَمَا لَوْ وَقَفُوا الْعَاشِرَ " أَوْ عُمْرَةً " وَجْهَانِ.
الثَّالِثَةُ: قَالَ الدَّارِمِيُّ: لَوْ شَكَّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَهُ الْأَكْلُ، فَإِنْ بَانَ أَنَّهُ أَكَلَ " مِنْ " قَبْلِ الْفَجْرِ " أَوْ لَمْ " يَبِنْ فَلَا شَكَّ عَلَيْهِ أَوْ بَعْدَهُ أَعَادَ، وَإِنْ شَكَّ فِي غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ لَمْ يَأْكُلْ فَإِنْ أَكَلَ فَعَلِمَ أَنَّهَا كَانَتْ غَائِبَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا لَمْ تَغِبْ أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ أَعَادَ.
قُلْت وَعَلَى هَذَا فَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا إذَا شَكَّ فِي الْغُرُوبِ ثُمَّ بَانَ أَنَّهَا غَرَبَتْ حَيْثُ لَا يُعِيدُ لِأَنَّهُ صَادَفَ اللَّيْلَ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ أَنَّ الْعِبَادَةَ هُنَا وَقَعَتْ عَلَى الصِّحَّةِ، ثُمَّ شَكَّ فِي الْمُفْسِدِ بِخِلَافِهِ ثَمَّ فَإِنَّ ابْتِدَاءَهَا وَقَعَ عَلَى الشَّكِّ
الرَّابِعَةُ: شَكَّ الصَّائِمُ فِي أَنَّهُ نَوَى قَبْلَ الْفَجْرِ فَقَطَعَ الصَّيْمَرِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ " وَالْعِمْرَانِيُّ " بِمَنْعِ الصِّحَّةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ وَيَحْتَمِلُ مَجِيءُ وَجْهٍ مِنْ الشَّكِّ فِي إدْرَاكِ رُكُوعِ الْإِمَامِ وَإِنْ تَذَكَّرَ " بَعْدَ " مُضِيِّ أَكْثَرِ النَّهَارِ التَّبْيِيتَ صَحَّ قَطْعًا.
الْخَامِسَةُ: أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ آخِرَ وَقْتِ الْجُمُعَةِ وَنَوَى الْجُمُعَةَ إنْ كَانَ وَقْتُهَا بَاقِيًا،
(2/269)

وَإِلَّا فَالظُّهْرَ، " ثُمَّ بَانَ " بَقَاءُ " الْوَقْتِ "، وَمِثْلُهُ نِيَّةُ الصَّوْمِ عَنْ رَمَضَانَ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَان إذَا اعْتَقَدَ كَوْنَهُ مِنْهُ.
السَّادِسَةُ: بَاعَ مَالَ أَبِيهِ يَظُنُّ حَيَاتَهُ فَبَانَ مَيِّتًا صَحَّ فِي الْأَظْهَرِ.
السَّابِعَةُ: عَقَدَ النِّكَاحَ بِخُنْثَيَيْنِ فَبَانَا ذَكَرَيْنِ صَحَّ فِي الْأَصَحِّ.
الثَّامِنَةُ: امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ عَلَى الْقَدِيمِ تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ لِوَفَاتِهِ وَتَنْكِحُ، فَلَوْ نَكَحَتْ بَعْدَ التَّرَبُّصِ وَالْعِدَّةِ فَبَانَ مَيِّتًا صَحَّ عَلَى الْجَدِيدِ فِي الْأَصَحِّ.
التَّاسِعَةُ: صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ظُهْرًا بِنِيَّةِ الْفَائِتَةِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ، قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ قَالَ وَالِدِي يَجُوزُ عَنْ فَرْضِهِ الْفَائِتِ، لِأَنَّ بِالْإِجْمَاعِ لَوْ صَلَّى الظُّهْرَ وَفَرَغَ " مِنْهُ " ثُمَّ شَكَّ فِي بَعْضِ فَرَائِضِهِ " يُسْتَحَبُّ " الْإِعَادَةُ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ فَلَوْلَا أَنَّ الْأُولَى إذَا تَبَيَّنَ " فَسَادُهَا " " تَقَعُ " الثَّانِيَةُ عَنْ فَرْضِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْإِعَادَةِ مَعْنًى وَبَانَ " بِذَلِكَ " أَنَّ شَكَّهُ فِي وُجُوبِهِ عَلَيْهِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ فِعْلِهِ، وَقَدْ صَحَّ أَيْضًا أَنْ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ خَمْسِ صَلَوَاتٍ يُؤَدِّيهَا كُلَّهَا وَفِي كُلِّ صَلَاةٍ مِنْهَا لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ بِعْنِيهَا فَبَانَ بِهَذَا أَنَّ هَذِهِ الْمَعْرِفَةَ لَا تَكُونُ شَرْطًا فِيمَا يُؤَدِّيه مِنْ الصَّلَوَاتِ. قُلْت وَالْمُتَّجَهُ جَعْلُ هَذِهِ الصُّورَةِ مِنْ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَبَقَ فِيمَنْ شَكَّ هَلْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ فَفَعَلَهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا عَلَيْهِ لَا تُجْزِئُهُ.
الْعَاشِرَةُ: لَوْ ظَنَّ أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا فَأَعْطَاهُ قَدْرَ الدَّيْنِ، وَقَالَ إنْ كَانَ " عَلَيْهِ " دَيْنٌ
(2/270)

فَهَذَا مِنْ قَبْلِ الدَّيْنِ " وَإِنْ لَمْ " يَكُنْ فَهُوَ تَبَرُّعٌ وَهِبَةٌ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَقَعُ مَحْسُوبًا، قَالَهُ الْمُتَوَلِّي، وَفَرَّقَ " بَيْنَهَا " وَبَيْنَ مَا سَبَقَ " بِأَنَّ " النِّيَّةَ " هُنَا " لَيْسَتْ بِشَرْطٍ حَتَّى " أَنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ لَوْ أَخَذَ " قَدْرَ حَقِّهِ مِنْ مَالِهِ تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ.
تَنْبِيهٌ قَيَّدَ بَعْضُهُمْ " هَذَا " الضَّابِطَ فَقَالَ مَا أَتَى بِهِ الْمُكَلَّفُ فِي حَالِ الشَّكِّ لَا عَلَى وَجْهِ الِاحْتِيَاطِ " وَلَا " لِامْتِثَالِ الْأَمْرِ فَوَافَقَ الصَّوَابَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ لِأَجْلِ اشْتِرَاطِ الْجَزْمِ بِالنِّيَّةِ.
قَالَ وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا " لَا عَلَى وَجْهِ الِاحْتِيَاطِ " صُوَرٌ:
" أَحَدُهَا ": إذَا شَكَّ هَلْ أَصَابَ الثَّوْبَ نَجَاسَةٌ أَمْ لَا فَغَسَلَهُ احْتِيَاطًا ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ نَجِسًا، فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ.
قُلْت: هَذَا إنَّمَا يَجِيءُ عَلَى وَجْهِ ابْنِ سُرَيْجٍ الْمُوجِبِ لِلنِّيَّةِ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ.
الثَّانِيَةِ: الْمُحْدِثُ إذَا شَكَّ هَلْ تَوَضَّأَ أَمْ لَا فَتَوَضَّأَ احْتِيَاطًا ثُمَّ بَانَ حَدَثُهُ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ وُضُوءُهُ قَطْعًا، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَدَثِ " فَلَمْ " يَكُنْ لِلتَّرَدُّدِ هُنَا تَأْثِيرٌ.
قُلْت: وَتَصْوِيرُهُ مُشْكِلٌ، لِأَنَّهُ إمَّا مُتَطَهِّرٌ أَوْ مُحْدِثٌ، فَإِنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا فَلَا
(2/271)

اعْتِبَارَ بِهِ إذْ لَمْ يَنْوِ التَّجْدِيدَ، بَلْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَلَا يَصِحُّ، لِعَدَمِ جَزْمِ نِيَّتِهِ.
وَيَظْهَرُ تَصْوِيرُهُ فِيمَا إذَا قَالَ نَوَيْت رَفْعَ " الْحَدَثِ إنْ " كَانَ عَلَيَّ حَدَثٌ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ حَدَثٌ ارْتَفَعَ، وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، وَيُغْتَفَرُ التَّعْلِيقُ هُنَا، كَالْمُسَافِرِ إذَا نَوَى خَلْفَ مَنْ شَكَّ فِي " نِيَّةِ " الْقَصْرِ، فَقَالَ، إنْ قَصَرَ قَصَرْت.
الثَّالِثَةُ: إذَا نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ وَلَمْ يَعْرِفْ عَيْنَهَا، فَإِنَّهُ يُصَلِّي الْخَمْسَ وَيَبْرَأُ مِمَّا عَلَيْهِ مَعَ الشَّكِّ فِي كُلِّ صَلَاةٍ، لِأَنَّهُ أَتَى بِهَا عَلَى وَجْهِ الِاحْتِيَاطِ.
قُلْت: فَلَوْ تَذَكَّرَ الْمَنْسِيَّةَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ النَّوَوِيُّ لَمْ أَرَ فِيهَا نَقْلًا وَيَنْبَغِي أَنْ " يَتَخَرَّجَ " عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي وُضُوءِ الِاحْتِيَاطِ. انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ الْقَطْعُ بِعَدَمِ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ وَبِهِ جَزَمَ صَاحِبُ الْبَحْرِ، وَالْفَرْقُ " بَيْنَهَا " وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْحَدَثِ تَحَقُّقُ شَغْلِ الذِّمَّةِ، فَهُوَ جَازِمٌ " بِهِ " بِقَصْدِ الْبَرَاءَةِ، وَلَا طَرِيقَ إلَى مَعْرِفَةِ الْيَقِينِ حِينَئِذٍ، بِخِلَافِ صُورَةِ الشَّكِّ فِي الْحَدَثِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ جَازِمًا بِالشَّغْلِ فَافْتَرَقَا.
وَقَوْلُنَا " وَلَا " لِامْتِثَالِ الْأَمْرِ " احْتِرَازًا " مِمَّا إذَا اجْتَهَدَ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ بِالِاجْتِهَادِ شَيْءٌ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَعَاطِيهِ، وَإِنْ كَانَ " الشَّكُّ " بَعْدُ قَائِمًا لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْعَمَلِ بِمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ.
نَعَمْ، إذَا تَيَقَّنَ الْخَطَأَ بَعْدَ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّدَارُكُ وَمَتَى تَجَرَّدَ فِعْلُ الْعِبَادَةِ مَعَ الشَّكِّ " مِنْ " هَذَيْنِ الْقَيْدَيْنِ كَانَ غَيْرَ مُجْزِئٍ، كَمَا فِي الصُّوَرِ السَّابِقَةِ.
(2/272)

الرَّابِعُ: الشَّكُّ فِي أَثْنَاءِ الْعِبَادَةِ لَا يَرْفَعُهُ إلَّا الْيَقِينُ، وَلَا يَجُوزُ مَعَهُ إلَّا الِاجْتِهَادُ، كَالْمُصَلِّي يَشُكُّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ، لِيَتَحَقَّقَ الْخُرُوجُ عَمَّا شَرَعَ فِيهِ، وَكَمَا إذَا أَحْرَمَ بِنُسُكٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ نَسِيَهُ فَالْجَدِيدُ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجْتَهِدُ وَطَرِيقُهُ " أَنْ " يَنْوِيَ الْقِرَانَ، وَيَأْتِيَ بِأَعْمَالِ النُّسُكَيْنِ، لِأَنَّ بِهِ يَخْرُجُ عَمَّا عَلَيْهِ بِيَقِينٍ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ قَدْ نَوَاهُ لَمْ تَضُرَّ نِيَّتُهُ ثَانِيًا كَأَنْ نَوَى عُمْرَةً فَإِدْخَالُ الْحَجِّ عَلَيْهَا جَائِزٌ وَإِنْ كَانَ نَوَى حَجًّا فَإِدْخَالُ الْعُمْرَةِ عَلَيْهِ لَا يَقْدَحُ وَإِنْ كَانَ فِي " صِحَّتِهَا " خِلَافٌ، وَفِي الْقَدِيمِ يَجْتَهِدُ لِإِمْكَانِ ادِّرَاكِهِ بِالتَّحَرِّي، كَمَا فِي الْقِبْلَةِ وَالْأَوَانِي، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ التَّحَرِّيَ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَإِنَّهُ شَكٌّ فِي فِعْلِ نَفْسِهِ لَا إمَارَةَ عَلَيْهِ، وَالِاجْتِهَادُ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ الْإِمَارَاتِ، وَلِأَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ أَمْكَنَ أَدَاؤُهَا بِيَقِينٍ لَا يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ فِيهَا، وَلَا " يُرَدُّ " الِاجْتِهَادُ.
فِي الْقِبْلَةِ وَالْأَوَانِي وَالثِّيَابِ وَالْوَقْتِ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَحْصُلُ بِهَا بِيَقِينٍ، إلَّا بَعْدَ فِعْلٍ مَحْظُورٍ، وَهُوَ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَيَتَوَضَّأَ بِمَاءٍ نَجِسِ وَيُصَلِّيَ فِي ثَوْبٍ نَجِسٍ وَيُصَلِّيَ قَبْلَ الْوَقْتِ، " فَلِذَلِكَ " جَازَ الِاجْتِهَادُ.
وَقَالُوا لَوْ اجْتَهَدَ جُمِعَ فِي أَوَانِ فِيهَا إنَاءَانِ طَاهِرَانِ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّ كُلٍّ وَاحِد " مِنْهُمْ " طَهَارَةُ وَاحِدٍ هَلْ يَجُوزُ اقْتِدَاءُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَجِّ، حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، " قَالَ " وَهَذَا خِلَافٌ فِي " أَنَّ " الِاقْتِدَاءَ هَلْ يَجُوزُ بِالتَّحَرِّي وَالِاجْتِهَادِ؟ نَعَمْ يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ لِلصَّائِمِ آخِرَ النَّهَارِ خِلَافًا لِلْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ حَيْثُ قَالَ لَا يُفْطِرُ إلَّا بِيَقِينٍ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ كَأَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَخِلَافُهُ جَارٍ فِيهَا أَيْضًا.
(2/273)

الْخَامِسُ: إذَا شَكَّ هَلْ فَعَلَ أَمْ لَا فَالْأَصْلُ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ.
وَمِنْ ثَمَّ لَوْ شَكَّ هَلْ " رَضَعَ " خَمْسًا أَوْ أَقَلَّ أَوْ هَلْ رَضَعَ فِي الْحَوْلَيْنِ أَمْ بَعْدُ لَمْ يَثْبُتْ التَّحْرِيمُ.
" وَلَوْ لَمْ يَتَحَقَّقْ " الْمُتَوَضِّئُ خُرُوجَ شَيْءٍ مِنْهُ، وَلَكِنْ شَكَّ هَلْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ هُوَ " مَنِيّ " أَمْ لَا، فَلَا خِلَافَ، كَمَا قَالَهُ فِي الْمَطْلَبِ، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ خُرُوجِ شَيْءٍ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَغْتَسِلَ لِاحْتِمَالِ خُرُوجِ الْمَنِيِّ، وَقَدْ مُثِّلَ هَذَا بِمَنْ يَرَى فِي نَوْمِهِ أَنَّهُ قَدْ احْتَلَمَ وَلَا يَرَى فِي ثَوْبِهِ بَلَلًا، وَقَالَ وَقَضِيَّةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " فَمَا إذَا شَكَّ هَلْ أَحْدَثَ أَمْ لَا " أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْوُضُوءُ " أَنَّهُ يَلْزَمُهُ فِي هَذِهِ " الْحَالَةِ " الْغُسْلُ وَإِذَا فَعَلَ ثُمَّ شَكَّ هَلْ " تَرَكَ فِعْلًا فَالْأَصْلُ " أَنَّهُ فَعَلَ، " لِأَنَّ الصُّورَةَ أَنَّهُ فَعَلَ " يَقِينًا، فَلَا يَبْطُلُ بِالشَّكِّ فِي مُبْطِلِهِ.
وَمِنْ ثَمَّ لَوْ صَلَّى ثُمَّ شَكَّ هَلْ تَرَكَ بَعْضًا لَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ.
وَلَوْ شَكَّ هَلْ تَقَدَّمَ عَلَى الْإِمَامِ أَمْ لَا صَحَّتْ صَلَاتُهُ عَلَى " النَّصِّ "، لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ الْفِعْلَ وَشَكَّ فِي الْمُبْطِلِ، وَكَذَا لَوْ شَكَّ فِي " إصَابَةِ " الْجَمِيعِ فِي مَسْأَلَةِ الْيَمِينِ.
(2/274)

وَلَوْ أَدْرَكَ الصَّيْدَ وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ وَتَعَذَّرَ ذَبْحُهُ حَتَّى مَاتَ حَلَّ فَإِنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ لَمْ يَحِلَّ، وَكَذَا لَوْ شَكَّ بَعْدَ مَوْتِهِ، هَلْ تَمَكَّنَ مِنْ ذَكَاتِهِ فَيَحْرُمُ أَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ فَيَحِلُّ فَقَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا الْحِلُّ.

السَّادِسُ: إذَا تَيَقَّنَ الْفِعْلَ وَشَكَّ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ حَمَلَ عَلَى الْقَلِيلِ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ. كَمَا لَوْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ يَبْنِي عَلَى وَاحِدَةٍ وَلَا يَخْفَى الْوَرَعُ.
وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَشَكَّ فِي قَدْرِهِ لَزِمَهُ إخْرَاجُ الْمُتَيَقَّنِ فَقَطْ قَطَعَ بِهِ الْإِمَامُ فِي " بَابِ " زَكَاةِ النَّقْدِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَشْتَغِلَ الذِّمَّةُ بِالْأَصْلِ فَلَا تَبْرَأُ إلَّا بِيَقِينٍ، كَمَا لَوْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ يَلْزَمُهُ الْخَمْسُ.
وَلَوْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا وَأَشْكَلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الرُّكْنُ لَا يَدْرِي أَنَّهُ الْقِرَاءَةُ أَوْ الرُّكُوعُ أَوْ الِاعْتِدَالُ، فَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي الْحُسَيْنِ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ بِأَسْوَأِ " الْأَحْوَالِ "، وَيَرْجِعُ إلَى الْقِرَاءَةِ وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ وَلَمْ يَدْرِ هَلْ هِيَ بَقَرَةٌ أَوْ شَاةٌ فَإِنَّهُمَا تَجِبَانِ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ " وَقَاسَهُ " عَلَى الصَّلَاةِ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ تَصْوِيرُهَا بِمَا " إذَا " وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَمْرَانِ، وَأَخْرَجَ أَحَدَهُمَا وَشَكَّ فِيهِ أَمَّا إذَا وَجَبَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ وَشَكَّ فِي عَيْنِهِ فَيُتَّجَهُ إلْحَاقُهَا بِمَا إذَا شَكَّ فِي الْخَارِجِ هَلْ هُوَ مَنِيٌّ أَوْ مَذْيٌ، وَقِيلَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ " بِمُوجِبِهِمَا "، وَالصَّحِيحُ التَّخْيِيرُ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ: لَوْ كَانَتْ لَهُ أَمْوَالٌ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ
(2/275)

وَالنَّقْدِ فَشَكَّ فِي أَنَّ عَلَيْهِ " زَكَاةَ " جُمْلَتِهَا أَوْ بَعْضِهَا لَزِمَهُ زَكَاةُ الْكُلِّ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ زَكَاتِهِ " عَلَيْهِ "، كَمَا لَوْ شَكَّ فِي الصِّيَامِ وَقَالَ أَنَا شَاكٌّ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ هَلْ عَلَيَّ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْهُ أَوْ صَوْمُ جَمِيعِهِ لَزِمَهُ قَضَاءُ جَمِيعِهِ.
قَالَ وَيُفَارِقُ هَذَا مَا لَوْ شَكَّ فِي أَنَّ عَلَيْهِ دِرْهَمًا مِنْ جُمْلَةِ الزَّكَاةِ أَوْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَلَا يَعْرِفُ عَيْنَ " ذَلِكَ " الْمَالِ، وَلَا يُشِيرُ إلَيْهِ فَإِنَّ هَا هُنَا عَلَيْهِ الْأَقَلُّ. " وَقَالَ " فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، لَوْ كَانَ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ " فِي كِيسٍ وَمِائَتَانِ أُخْرَى فِي كِيسٍ فَشَكَّ هَلْ بَقِيَ عَلَيْهِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ " مِنْ جُمْلَةِ زَكَاةِ هَذِهِ الدَّرَاهِمِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ شَكَّ فِي مِائَتَيْنِ فِي كِيسٍ بِعَيْنِهِ هَلْ أَخْرَجَ زَكَاتَهُ أَمْ لَا، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ وَعَلَيْهِ إخْرَاجُهُ.
وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ مِنْ ظِهَارٍ أَوْ عَلَيْهِ عَشْرُ كَفَّارَاتٍ فَأَعْتَقَ رِقَابًا ثُمَّ شَكَّ هَلْ بَقِيَ عَلَيْهِ وَاحِدَةٌ " مِنْهَا " أَمْ لَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ شَكَّ فِي ظِهَارٍ بِعَيْنِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ أَشُكُّ فِي الظِّهَارِ الَّذِي كَانَ " فِي " يَوْمِ " جُمُعَةٍ " هَلْ كَفَّرْته أَمْ لَا، فَهَا هُنَا الْأَصْلُ وُجُوبُهَا عَلَيْهِ " فَتَلْزَمُهُ " انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ شَكَّ " أَنَّ " عَلَيْهِ " زَكَاةَ خَمْسَةٍ " أَوْ عَشَرَةً لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا خَمْسَةٌ.
قَالَ الصَّيْمَرِيُّ وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ عَلَيْهِ صَوْمًا وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ نَذْرٌ أَوْ
(2/276)

كَفَّارَةٌ فَنَوَى صِيَامًا أَجْزَأَهُ كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ خَمْسٍ وَقِيلَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا بِاسْتِصْحَابِ الْأَصْلِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ وَهُنَا بِخِلَافِهِ ثُمَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ يَكْفِيه يَوْمٌ وَاحِدٌ، وَتُجْزِئُهُ هَذِهِ النِّيَّةُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَبْرَأَ " بِيَقِينٍ " إلَّا أَنْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، كَمَا هُوَ قِيَاسُ نِسْيَانِ الصَّلَاةِ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي الِاسْتِقْصَاءِ أَنَّهُ يَنْوِي صَوْمَ الْيَوْمِ الَّذِي عَلَيْهِ وَيُجْزِئُهُ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ عِتْقٌ وَلَمْ يَدْرِ هَلْ هُوَ عَنْ قَتْلٍ أَوْ ظِهَارٍ، " فَأَعْتَقَ " رَقَبَةً وَنَوَى بِهَا مَا عَلَيْهِ مِنْ الْعِتْقِ، فَإِنَّهُ " يُجْزِئُهُ "، كَذَلِكَ هَا هُنَا.
وَيُفَارِقُ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ، لِأَنَّ تَعْيِينَهَا بِالنِّيَّةِ وَاجِبٌ، وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِأَنْ يُصَلِّيَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ بِخَمْسِ نِيَّاتٍ انْتَهَى.
وَمَسْأَلَةُ الْعِتْقِ نَقَلَهَا الْإِمَامُ عَنْ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ وَقَالَ يَنْوِي بِهَا الْعِتْقَ الْوَاجِبَ وَقِيَاسُ مَا سَبَقَ وُجُوبُ رَقَبَتَيْنِ إذْ التَّرَدُّدُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ وَهُوَ مَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ بَعْضِ الْعِرَاقِيِّينَ.
وَلَوْ تَحَقَّقَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّ عَلَيْهَا عِدَّةً وَشَكَّتْ هَلْ هِيَ عِدَّةُ طَلَاقٍ أَوْ وَفَاةٍ لَزِمَهَا الْأَكْثَرُ.
وَمِثْلُهُ لَوْ اتَّخَذَ إنَاءً مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَجَهِلَ الْأَكْثَرَ مِنْهُمَا وَلَمْ يُمْكِنْ تَمْيِيزُهُ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَ الْأَكْثَرَ ذَهَبًا وَفِضَّةً، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْأَكْثَرُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ، لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ فِيهِمَا يُنْسَبُ إلَى التَّقْصِيرِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ رَأَى بَلَلًا وَشَكَّ حَيْثُ يَتَخَيَّرُ.

" السَّابِعُ " إذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ عَنْ الشَّكِّ اسْتَعْمَلَ الْوَرَعَ وَهُوَ تَنْزِيلُ الْأَمْرِ عَلَى أَسْوَأِ
(2/277)

الْأَحْوَالِ، وَيَدَعُ مَا يَرِيبُهُ إلَى مَا لَا يَرِيبُهُ وَفِيهِ صُوَرٌ:
" إحْدَاهَا " الْمُتَطَهِّرُ إذَا شَكَّ فِي الْحَدَثِ فَالْوَرَعُ أَنْ يُحْدِثَ ثُمَّ يَتَطَهَّرَ فَإِنْ تَطَهَّرَ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْوَرَعَ لَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ لِعَجْزِهِ عَنْ جَزْمِ النِّيَّةِ بِرَفْعِ الْحَدَثِ، لِأَنَّ بَقَاءَ الطَّهَارَةِ يَمْنَعُهُ، كَمَا أَنَّ بَقَاءَ شَعْبَانَ يَمْنَعُ مِنْ جَزْمِ نِيَّةِ صَوْمِ رَمَضَانَ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ، قَالَ وَهَذَا هُوَ الْجَارِي عَلَى أُصُولِ " الْإِمَامِ " الشَّافِعِيِّ " - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - " مِنْ جِهَةِ أَنَّ اسْتِصْحَابَ الْأَصْلِ قَدْ يَمْنَعُ مِنْ الْجَزْمِ.
وَمِثْلُهُ لَوْ شَكَّ فِي الْخَارِجِ مِنْهُ " هَلْ هُوَ " مَنِيٌّ أَوْ مَذْيٌ فَإِنَّهُ يَتَخَيَّرُ فِي الْأَصَحِّ، فَإِذَا اغْتَسَلَ كَيْف يَخْرُجُ " مِنْ الْخِلَافِ " بِيَقِينٍ، لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى جَزْمِ النِّيَّةِ فَطَرِيقُهُ أَنْ يُجَامِعَ ثُمَّ يَغْتَسِلَ، وَكَانَ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ يَسْتَشْكِلُ قَوْلَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بِالْأَمْرِ بِالْجِمَاعِ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ الْعِبَادَةِ " وَسَدِّ " بَابِ الْوَرَعِ عَلَى غَيْرِ وَاجِدِ الْبُضْعِ الْحَلَالِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي تَعْلِيقِهِ أَنَّهُ إذَا احْتَجَمَ الْمُتَوَضِّئُ أَوْ افْتَصَدَ بَعْدَ أَنْ صَلَّى فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ لِيَخْرُجَ مِنْ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ " - رَحِمَهُ اللَّهُ - " فَإِنَّهُمَا نَاقِضَانِ لِلْوُضُوءِ عِنْدَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ صَلَّى بِهِ شَيْئًا فَإِنَّهُ يُكْرَهُ " لَهُ " التَّجْدِيدُ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْغَسْلَةِ الرَّابِعَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، قَالَ وَكَانَ ابْنُ سُرَيْجٍ فِي هَذِهِ
(2/278)

الْحَالَةِ يَمَسُّ فَرْجَهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ " وَهُوَ " يُؤَيِّدُ مَقَالَةَ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ.

الثَّانِيَةُ:
" إذَا " شَكَّ الْمُتَوَضِّئُ هَلْ غَسَلَ مَرَّتَيْنِ أَوْ " ثَلَاثًا "، قِيلَ يَأْخُذُ بِالْأَكْثَرِ وَلَا يَغْسِلُ أُخْرَى " كَيْ لَا " يَقَعَ فِي بِدْعَةٍ بِتَقْدِيرِ الزِّيَادَةِ، وَالْأَصَحُّ " بِالْأَقَلِّ فَإِنَّهُ إنَّمَا " يَكُونُ بِدْعَةً بِتَقْدِيرِ تَحَقُّقِ " الزِّيَادَةِ ".

الثَّالِثَةُ: مَنْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَ أَمْ لَا أَخَذَ بِالْأَغْلَظِ إذَا أَرَادَ دَوَامَ النِّكَاحِ قَالَ الشَّيْخُ وَطَرِيقُ الْوَرَعِ أَنْ يُطَلِّقَ طَلْقَةً مُعَلَّقَةً عَلَى نَفْيِ الطَّلْقَةِ الثَّانِيَةِ بِأَنْ يَقُولَ إنْ لَمْ أَكُنْ طَلَّقْتهَا فَهِيَ طَالِقٌ كَيْ لَا يَقَعَ عَلَيْهِ طَلْقَتَانِ.
قَالَ وَلَوْ شَكَّ فِي الطَّلْقَةِ أَرَجْعِيَّةٌ هِيَ أَمْ خُلْعٌ فَلْيَرْتَجِعْ وَلْيُجَدِّدْ النِّكَاحَ، لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً، فَقَدْ تَلَافَاهَا بِالرَّجْعَةِ، وَإِنْ " كَانَتْ " خُلْعًا فَقَدْ تَلَافَاهَا بِالنِّكَاحِ.
وَلَوْ شَكَّ أَطَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَمْ بَعْدَهُ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَلْيُجَدِّدْ رَجْعَةً وَنِكَاحًا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ انْقِضَائِهَا، فَلْيُجَدِّدْ النِّكَاحَ. انْتَهَى.
وَرَوَى ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي أَمَالِيهِ حِكَايَةً فِيمَنْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَمْ لَا فَقَالَ لَهُ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا طَلَاقَ، وَقَالَ لَهُ الثَّوْرِيُّ: رَاجِعْهَا، وَقَالَ لَهُ شَرِيكٌ: طَلِّقْهَا ثُمَّ رَاجِعْهَا، وَجَاءَ إلَى زُفَرَ بْنِ الْهُذَيْلِ: فَقَالَ " لَهُ " سَأَضْرِبُ لَك مَثَلًا رَجُلٌ
(2/279)

مَرَّ " بِشِعْبٍ يَسْأَلُ "، قَالَ لَك أَبُو حَنِيفَةَ: ثَوْبُك طَاهِرٌ وَصَلَاتُك تَامَّةٌ حَتَّى تَسْتَيْقِنَ أَثَرَ الْمَاءِ، وَقَالَ لَك سُفْيَانُ: اغْسِلْهُ فَإِنْ يَكُنْ نَجِسًا، فَقَدْ طَهَّرْته وَإِنْ يَكُنْ طَاهِرًا فَقَدْ زِدْته طَهَارَةً إلَى طَهَارَةٍ، وَقَالَ لَك شَرِيكٌ: بَلْ عَلَيْهِ ثُمَّ اغْسِلْهُ، قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَمَا قَالَهُ شَرِيكٌ عِنْدِي أَصَحُّ، لِأَنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ خَارِجٌ عَنْ الِاحْتِيَاطِ، وَقَوْلُ سُفْيَانَ يَقْتَضِي مُرَاجَعَةً عَلَى الشَّكِّ.
قُلْت: وَلَمْ يُصِبْ مَنْ أَدْخَلَ قَوْلُهُ فِي أَخْبَارِ " الْمُغَفَّلِينَ " لِخَفَاءِ مَأْخَذِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ أَنَّ الرَّجْعَةَ مَعَ الشَّكِّ فِي الطَّلَاقِ يُصَيِّرُهَا كَالْمُعَلَّقَةِ عَلَى شَرْطٍ فَلَا يَصِحُّ، وَمِنْ هَا هُنَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَمْثِيلُ قَوْلِهِ بِمَنْ " شَكَّ " فِي نَجَاسَةِ ثَوْبِهِ فَنَجَّسَهُ ثُمَّ غَسَلَهُ.

الرَّابِعَةُ: وَهِيَ مَسْأَلَةٌ أُصُولِيَّةٌ، إذَا صَدَرَ مِنْ الْمُكَلَّفِ ذَنْبٌ وَنَسِيَهُ فَأَرَادَ التَّوْبَةَ عَنْهُ.
قَالَ " ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ " " فِي الْمُرْشِدِ "، فَإِنْ عَيَّنَ ذُنُوبَهُ فِي الْجُمْلَةِ وَعَزَمَ أَنْ لَا يَعُودَ إلَى ذَنْبٍ لَمْ تَصِحَّ تَوْبَتُهُ مِمَّا نَسِيَهُ، وَمَا دَامَ نَاسِيًا لَا يَكُونُ مُطَالَبًا بِالتَّوْبَةِ، لَكِنْ يَلْقَى اللَّهُ " تَعَالَى " وَهُوَ مُطَالَبٌ بِتِلْكَ الزَّلَّةِ، وَهَذَا كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ
(2/280)

لِآدَمِيٍّ " وَنَسِيَ الْمُدَايِنَ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْأَدَاءِ فَهُوَ فِي الْحَالِ غَيْرُ مُطَالَبٍ مَعَ النِّسْيَانِ، وَلَكِنْ يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى " وَهُوَ مُطَالَبٌ، قَالَ وَهَذَا مَأْخَذٌ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ " التَّوْبَةَ " نَدَمٌ، وَالنَّدَمُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ مَعَ الذِّكْرِ " لِمَا " فَعَلَهُ حَتَّى يُتَصَوَّرَ النَّدَمُ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ إنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ التَّفْصِيلَ يَقُولُ إنْ كَانَ لِي ذَنْبٌ لَمْ أَعْلَمْهُ فَإِنِّي تَائِبٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْهُ، وَلَعَلَّهُ قَالَ هَذَا إذَا عَلِمَ أَنَّ لَهُ ذُنُوبًا، وَلَكِنَّهُ لَا يَتَذَكَّرُهَا، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ لِنَفْسِهِ ذَنْبًا فَالنَّدَمُ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ مُحَالٌ، وَذَكَرَ الْمُحَاسِبِيُّ أَنَّهُ يُعَيِّنُ كُلَّ ذَنْبٍ عَلَى انْفِرَادِهِ، وَلَا يَخْفَى إشْكَالُهُ.
قُلْت: وَقَوْلُ الْمُحَاسِبِيِّ غَايَةُ الْوَرَعِ.

الْخَامِسَةُ: نَذَرَ شَيْئًا إنْ رَدَّهُ اللَّهُ " تَعَالَى " سَالِمًا، ثُمَّ شَكَّ أَوْ لَمْ يَدْرِ أَنَذَرَ صَدَقَةً أَمْ عِتْقًا أَمْ صَلَاةً أَمْ صَوْمًا، قَالَ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ بِجَمِيعِهَا كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ يَجْتَهِدُ. بِخِلَافِ الصَّلَاةِ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا هُنَاكَ وُجُوبَ الْكُلِّ عَلَيْهِ فَلَا يَسْقُطُ إلَّا بِالْيَقِينِ " وَهُنَا " تَيَقَّنَّا أَنَّ الْكُلَّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إنَّمَا " وَجَبَ وَاحِدٌ " " وَاشْتَبَهَ " فَيَجْتَهِدُ كَالْقِبْلَةِ وَالْأَوَانِي انْتَهَى.
وَلَوْ حَلَفَ يَمِينًا وَلَمْ يَدْرِ هَلْ حَلَفَ بِاَللَّهِ أَوْ بِالطَّلَاقِ أَوْ بِالْعَتَاقِ فِي نَذْرِ اللَّجَاجِ "، فَفِي التَّبْصِرَةِ " لِلَّخْمِيِّ " مِنْ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ كُلَّ يَمِينٍ لَمْ يَعْتَدَّ
(2/281)

الْحَلِفَ بِهَا لَا يَدْخُلُ فِي يَمِينِهِ مَعَ الشَّكِّ وَهُوَ يُشْبِهُ عِنْدَنَا " الْأَخْذَ " بِالْحَدَثِ فِيمَنْ لَا يَعْتَادُ تَجْدِيدَ الطُّهْرِ، وَقِيَاسُ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ يَنْزِلُ عَلَى مَا لَا كَفَّارَةَ فِيهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ شَغْلِ الذِّمَّةِ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَحِلَّ الزَّوْجَةُ، لِعَدَمِ تَحَقُّقِ يَمِينِ الطَّلَاقِ.
أَمَّا لَوْ حَلَفَ يَمِينًا وَحَنِثَ فِيهَا وَلَمْ " يَذْكُرْ " هَلْ هِيَ بِاَللَّهِ أَوْ بِالظِّهَارِ أَوْ بِالطَّلَاقِ فَلَا تَحْرُمُ الزَّوْجَةُ بِالشَّكِّ، كَمَا لَوْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَ، وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَجِبَ فِي الْحَالِ فَإِذَا أَعْتَقَ رَقَبَةً بَرِئَ، لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ بِاَللَّهِ أَوْ بِالظِّهَارِ أَوْ يَمِينِ اللَّجَاجِ، فَالرَّقَبَةُ تَجِبُ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ وَلَا يَضُرُّ عَدَمُ " التَّعْيِينِ "، لِأَنَّ تَعْيِينَ الْجِهَةِ " لَا يَجِبُ "، بِخِلَافِ مَا لَوْ أُطْعِمَ أَوْ كُسِيَ، لِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ لَا تَشْتَرِكُ فِيهِ الْكَفَّارَاتُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْحَالِ، لِعَدَمِ تَحَقُّقِ شَغْلِ الذِّمَّةِ بِالْكَفَّارَةِ، وَلَا تَحْرُمُ الزَّوْجَةُ عَمَلًا بِالْأَصْلِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
وَنَظِيرُهُ مَا لَوْ شَكَّ هَلْ الْخَارِجُ مِنْ ذَكَرِهِ مَنِيٌّ أَوْ مَذْيٌ، لَا يَجِبُ الْغُسْلُ.

الثَّامِنُ: إذَا شَكَّ فِي النِّيَّةِ أَوْ شَرْطِهَا ثُمَّ تَذَكَّرَ فَإِنْ قَصَرَ لَمْ يَضُرَّ وَإِنْ مَضَى رُكْنٌ بَطَلَتْ إنْ كَانَ فِعْلِيًّا قَطْعًا، وَكَذَا الْقَوْلِيُّ فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّ إتْيَانَهُ بِهِ عَلَى الشَّكِّ " جَزْمٌ " مِنْهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ فَيَبْطُلُ وَهَلْ يُلْحَقُ بَعْضُ الرُّكْنِ بِهِ عَنْ صَاحِبِ الْكَافِي أَنَّ بَعْضَ الْفَاتِحَةِ أَوْ التَّشَهُّدِ " كَجَمِيعِهِ " فِي الْأَصَحِّ، وَنَقَلَهُ عَنْ النَّصِّ.
(2/282)

وَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي الْحُسَيْنِ، لَوْ قَرَأَ الْمُصَلِّي بَعْضَ الْفَاتِحَةِ، ثُمَّ شَكَّ هَلْ نَوَى الصَّلَاةَ " أَوْ " لَا، وَأَتَمَّ الْفَاتِحَةَ عَلَى هَذَا الشَّكِّ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ نَوَى لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَمَا قَرَأَهُ فِي حَالِ الشَّكِّ " لَا يَكُونُ مَحْسُوبًا وَمَا بَقِيَ صَحِيحٌ، وَلَعَلَّ الْقَاضِيَ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ فِعْلَ الرُّكْنِ الْقَوْلِيِّ عَلَى الشَّكِّ " لَا يَضُرُّ، كَمَا هُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ، لَوْ مَضَى بَعْدَ الرُّكْن عَلَى الشَّكِّ فَإِنْ كَانَ الرُّكُوعُ أَوْ السُّجُودُ أَوْ الِاعْتِدَالُ وَلَمْ تَحْصُلْ طُمَأْنِينَةٌ مَحْسُوبَةٌ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ أَيْ إذَا اطْمَأَنَّ عَلَى الشَّكِّ، قَالَ، وَكَذَا لَوْ تَرَدَّدَ فِي أَوَّلِ الرُّكُوعِ ثُمَّ زَالَ فِي أَثْنَائِهِ كَمَا لَوْ كَانَ فِي بَعْضِ الِانْحِنَاءِ مَثَلًا، فَإِنْ عَادَ مُنْتَصِبًا وَرَكَعَ صَلَاتَهُ، وَإِنْ تَمَّمَ الرُّكُوعَ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَصِحَّ " صَلَاتُهُ "، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِرُكُوعٍ تَامٍّ. انْتَهَى.
وَمَا قَالَهُ فِي الطُّمَأْنِينَةِ بَنَاهُ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ رُكْنًا مُسْتَقِلًّا، فَإِنْ قُلْنَا " رُكْنٌ " فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي كَلَامِهِمْ.
وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ لَا يَضُرُّ فِيهَا إحْدَاثُ الْفِعْلِ مَعَ الشَّكِّ: إحْدَاهَا: إذَا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ ثُمَّ ظَنَّ فِي الثَّالِثَةِ مَثَلًا أَنَّهَا الْعَصْرُ ثُمَّ تَذَكَّرَ فِي الرَّابِعَةِ فَإِنَّ ظُهْرَهُ صَحِيحَةٌ، لِأَنَّ مَا لَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُهُ لَا يَضُرُّ الْخَطَأُ فِيهِ، وَقَالَ الْبَغَوِيّ يَنْبَغِي أَنْ لَا " يَحْسِبَ " مَا أَتَى بِهِ عَلَى اعْتِمَادِ أَنَّهُ عَصْرٌ، لِأَنَّ تَعْيِينَ النِّيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ " فَاسْتِدَامَةُ حُكْمِهَا " مِمَّا يَجِبُ وَحُكْمُ الِاسْتِدَامَةِ بَطَلَ بِخِطَابِهِ، كَمَا لَوْ شَكَّ فِي أَصْلِ النِّيَّةِ وَفَعَلَ فِعْلًا عَلَى الشَّكِّ، قَالَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ: وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ إذْ الصَّلَاةُ تَمَيَّزَتْ بِكَوْنِهَا ظُهْرًا أَوْ عَصْرًا بِالنِّيَّةِ الْأُولَى، وَلَمْ
(2/283)

يَصْرِفْهَا عَمَّا كَانَتْ، وَالظَّنُّ الْحَادِثُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ فِي " صَلَاتِهِ "، وَإِذَا أَتَى بِفِعْلٍ عَلَى الشَّكِّ فَهُوَ ظَانٌّ فِي إتْيَانِهِ بِهِ عَلَى الشَّكِّ أَنَّهُ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ، قَالَ وَسُئِلَ الْقَاضِي عَمَّنْ شَرَعَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ " فَقَنَتَ " ظَانًّا أَنَّهُ فِي الصُّبْحِ فَلَمَّا سَلَّمَ تَذَكَّرَ وَأَجَابَ بِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ، لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ شَكَّ فِي أَصْلِ النِّيَّةِ هَلْ نَوَى الْفَرْضَ أَوْ النَّفَلَ، وَقَدْ أَحْدَثَ أَفْعَالًا قَبْلَ " التَّذَكُّرِ ".
" قُلْت " وَهَذَا يَقْتَضِي الْبُطْلَانَ فِي صُورَةِ الْبَغَوِيِّ، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ فَرْقٌ بَيْنَهُمَا حَصَلَ وَجْهَانِ.

الثَّانِيَة: لَوْ سَجَدَ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ شَكَّ هَلْ " رَكَعَ " أَمْ لَا فَقَامَ عَلَى هَذَا الشَّكِّ، ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ رَكَعَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، قَالَهُ الْقَاضِي فِي فَتَاوِيهِ.

الثَّالِثَةُ: لَوْ شَكَّ الصَّائِمُ هَلْ نَوَى مِنْ اللَّيْلِ أَوْ لَا فَمَضَى أَكْثَرُ النَّهَارِ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ نَوَى لَمْ يَضُرَّهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ فَعَلَ فِعْلًا فِي الصَّلَاةِ عَلَى الشَّكِّ قَالَهُ الْقَاضِي أَيْضًا.
" قَالَ "، وَلَوْ جَامَعَ " حَالَةَ الشَّكِّ " فَذَكَرَ أَنَّهُ صَائِمٌ بَطَلَ صَوْمُهُ وَلَا كَفَّارَةَ، لِأَنَّهَا تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ.

التَّاسِعُ: قَدْ " يَنْبَنِي " الْحُكْمُ عَلَى الشَّكِّ لِتَعَذُّرِ " التَّحَقُّقِ " فِي صُوَرٍ:
(2/284)

مِنْهَا: الرَّجْعَةُ فِي عِدَّةِ نِكَاحٍ شَكَّ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِيهِ فَإِنَّهَا رَجْعَةٌ صَحِيحَةٌ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الطَّلَاقِ كَمَا سَبَقَ قَرِيبًا، وَكَذَا الرَّجْعَةُ مَعَ الشَّكِّ فِي حُصُولِ الْإِبَاحَةِ بِهَا، كَمَنْ طَلَّقَ وَشَكَّ هَلْ طَلَّقَ ثَلَاثًا أَوْ وَاحِدَةً، ثُمَّ رَاجَعَ فِي الْعِدَّةِ يَصِحُّ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ، وَقَدْ شَكَّ فِي انْقِطَاعِهِ.
وَلَوْ طَلَّقَ إحْدَى امْرَأَتَيْهِ مُبْهِمًا، فَقَبْلَ أَنْ يُعَيِّنَ الْمُطَلَّقَةَ رَاجَعَهَا، فَقَالَ رَاجَعْت الْمُطَلَّقَةَ مِنْكُمَا فَفِي صِحَّةِ الرَّجْعَةِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الرَّجْعَةِ، بَلْ طَرِيقُهُ أَنْ يُبَيِّنَ الْمُطَلَّقَةَ ثُمَّ يُرَاجِعَ.
وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الْإِيلَاءِ أَنَّهُ إذَا آلَى مِنْ إحْدَى امْرَأَتَيْهِ وَامْتَنَعَ فَطَلَّقَ الْقَاضِي إحْدَاهُمَا فَقَالَ الزَّوْجُ رَاجَعْت الَّتِي وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا فَوَجْهَانِ سَبْقًا فِي بَابِ الرَّجْعَةِ وَهَذَا وَهْمٌ، بَلْ هَذِهِ تَصِحُّ رَجْعَتُهَا قَطْعًا إذْ لَا إبْهَامَ فِيهَا عِنْدَ الْمُرْتَجِعِ، لِأَنَّهَا هِيَ الْمُولَى مِنْهَا وَلَيْسَتْ هِيَ السَّابِقَةُ فِي الرَّجْعَةِ، لِإِبْهَامِ تِلْكَ وَتَعْيِينِ هَذِهِ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَوْ قَالَ لَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ قَدِمَ فُلَانٌ فَلَمْ " يَعْلَمْ " هَلْ قَدِمَ أَمْ لَا فَرَاجَعَ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ قَدِمَ، فَفِي صِحَّةِ الرَّجْعَةِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ، وَأَصْلُهُ " مَنْ " بَاعَ مَالَ مُوَرِّثِهِ ظَانًّا حَيَاتَهُ.

وَمِنْهَا: الْحُكْمُ بِإِسْلَامِ مَنْ اُتُّهِمَ بِالرِّدَّةِ، إذَا أَنْكَرَ وَأَقَرَّ بِالشَّهَادَتَيْنِ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ وَإِنْ حَصَلَ التَّرَدُّدُ فِي مُسْتَنَدِهِ هَلْ هُوَ الْإِسْلَامُ السَّابِقُ أَوْ الْإِسْلَامُ الْمُجَدَّدُ " عَلَى " تَقْدِيرِ صِحَّةِ مَا اُتُّهِمَ بِهِ، " وَلِأَنَّ " هَذَا يَثْبُتُ بِهِ إسْلَامُ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ فَالْمُرْتَدُّ كَذَلِكَ.
وَقَدْ قَالَ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْقَاصِّ فِي
(2/285)

أَدَبِ الْقَضَاءِ لَمْ أَكْشِفْ عَنْ حَقِيقَةِ الْحَالِ، وَقُلْت " قُلْ " أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ أَمْرٍ خَالَفَ الْإِسْلَامَ انْتَهَى.
وَنَقَلَ عَنْ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ لِلْحَاكِمِ الْحُكْمُ بِعِصْمَةِ دَمِهِ حَتَّى يَعْتَرِفَ " أَوْ تَنْهَضَ بَيِّنَةٌ " فِي مُقَابَلَةِ إنْكَارِهِ. وَالصَّوَابُ خِلَافُهُ.

الْعَاشِرُ: اشْتَهَرَ مِنْ قَوَاعِدِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْيَقِينَ لَا يُرْفَعُ بِالشَّكِّ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ فِي الْأُصُولِ وَفِي النِّهَايَةِ فِي بَابِ الشَّكِّ " فِي الطَّلَاقِ " فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ تَجَوُّزٌ إذْ الْيَقِينُ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ الشَّكِّ، وَإِذَا طَرَأَ الشَّكُّ فَلَا يَقِينَ وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّ الْيَقِينَ " السَّابِقَ " لَا يُتْرَكُ بِالشَّكِّ الطَّارِئِ فَلَيْسَ هَذَا عَلَى الْإِطْلَاقِ، بَلْ إذَا طَرَأَ الشَّكُّ لَمْ يَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَرْتَبِطَ بِعَلَامَةٍ بَيِّنَةٍ " فَيَتْبَعُ " فِيهِ الِاجْتِهَادُ، وَلَا نَظَرَ إلَى الْمُتَقَدِّمِ كَاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَى مَنْ " شَكَّ أَنَّهُ " طَلَّقَ فَامْتَنَعَ الِاجْتِهَادُ، وَلَا حُكْمَ لِلنِّكَاحِ السَّابِقِ، وَمَا سَبَقَ مِنْ بَعْضِ انْعِقَادِهِ.
الثَّانِي: أَنْ يَثْبُتَ بِعَلَامَةٍ خَفِيَّةٍ، كَعَلَامَةِ تَمَيُّزِ الطَّاهِرِ مِنْ النَّجِسِ فِي الْأَوَانِي وَالثِّيَابِ، فَإِنْ عَلِمَ نَجَاسَةَ أَحَدِهِمَا وَطَهَارَةَ الْآخَرِ تَعَارَضَ الْيَقِينَانِ فَلَا سَبِيلَ إلَى
(2/286)

تَرْكِ " الْإِنَاءَيْنِ أَوْ الْأَخْذِ " بِأَحَدِهِمَا، وَلَا سَبِيلَ إلَى التَّرْكِ فَتَعَيَّنَ الِاجْتِهَادُ إذْ لَيْسَ أَحَدُ الْأَصْلَيْنِ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ، وَإِنْ تَحَقَّقْنَا الطَّهَارَةَ وَشَكَكْنَا فِي طَرَيَانِ النَّجَاسَةِ، كَمَا إذَا كَانَ عِنْدَهُ إنَاءٌ وَاحِدٌ فِيهِ مَاءٌ فَشَكَّ فِي طَرَيَانِ النَّجَاسَةِ عَلَيْهِ، وَغَلَبَتْ عِنْدَهُ عَلَامَاتُهَا، فَهَلْ يَحِلُّ التَّمَسُّكُ بِالْعَلَامَاتِ أَمْ يَسْتَصْحِبَ الْيَقِينَ السَّابِقَ لِضَعْفِ الْعَلَامَةِ فِيهِ قَوْلَانِ.
وَهَذَا هُوَ اسْتِصْحَابُ الْحَالِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ.
الثَّالِثُ: أَنْ لَا تَكُونَ عَلَامَةً جَلِيَّةً وَلَا خَفِيَّةً وَسَبَبُهُ ارْتِفَاعُ الْعَلَامَاتِ، كَمَا فِي الْأَحْدَاثِ.
قَالَ فِي النِّهَايَةِ " وَإِذَا " انْحَسَمَ الِاجْتِهَادُ وَطَرَأَ الشَّكُّ فَعِنْدَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ يَرَى التَّمَسُّكَ بِالْيَقِينِ السَّابِقِ وَلَا " يَتَيَمَّمُ " لِلشَّكِّ " فِيهِمَا " لِأَنَّ الشَّكَّ يَتَعَلَّقُ " بِمُعْتَقَدَيْنِ " مُتَعَارِضَيْنِ لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ وَلَا يَخْلُو الْإِنْسَانُ غَالِبَ الْأَمْرِ عَنْ الشَّكِّ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ الشَّكُّ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: شَكٌّ طَرَأَ عَلَى أَصْلٍ حَرَامٍ، كَشَاةٍ مَذْبُوحَةٍ فِي بَلَدٍ فِيهِ فِيهِ مُسْلِمُونَ وَمَجُوسٌ لَا يَغْلِبُ أَحَدُهُمَا الْآخَرُ فَلَا تَحِلُّ، لِأَنَّ أَصْلَهَا حَرَامٌ.
وَشَكٌّ طَرَأَ عَلَى أَصْلٍ مُبَاحٍ، " كَمَا لَوْ وَجَدَ مَاءً مُتَغَيِّرًا "، وَاحْتَمَلَ أَنْ
(2/287)

يَكُونَ تَغَيُّرُهُ بِنَجَاسَةٍ أَوْ بِطُولِ الْمُكْثِ فَيَحِلُّ اسْتِعْمَالُهُ مَعَ الشَّكِّ عَمَلًا بِأَصْلِ الطَّهَارَةِ.
وَكَذَلِكَ الشَّكُّ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَنَحْوِهِمَا.
وَشَكٌّ لَا يَعْرِفُ أَصْلَهُ، " كَمُبَايَعَةِ " مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ، فَلَا يَحْرُمُ، لِإِمْكَانِ الْحَلَالِ وَيُكْرَهُ خَوْفُ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ.

الْحَادِي عَشَرَ: مُسْتَنْبَطٌ مِنْ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «لَا يَخْرُجُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» يَنْبَنِي " عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الْأَحْكَامِ وَهِيَ اسْتِصْحَابُ الْيَقِينِ وَالْإِعْرَاضُ عَنْ الشَّكِّ كَمَا فِي صُورَتَيْ يَقِينِ الْحَدَثِ وَالطَّهَارَةِ، وَكَمَا لَوْ شَكَّ الزَّوْجُ هَلْ طَلَّقَ أَمْ لَا فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى يَقِينِ النِّكَاحِ وَيَطْرَحُ الشَّكَّ.
وَقَدْ اسْتَثْنَى ابْنُ الْقَاضِي فِي تَلْخِيصِهِ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ إحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً وَرَدَّ عَلَيْهِ الْقَفَّالُ الْكُلَّ، وَالْأَرْجَحُ مَعَ ابْنِ الْقَاصِّ فِي كَثِيرٍ.
" إحْدَاهَا ": شَكَّ مَاسِحُ الْخُفِّ هَلْ انْقَضَتْ مُدَّتُهُ أَمْ لَا فَإِنَّهُ يَأْخُذُ " بِأَنَّهُ " انْقَضَتْ وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ بَقَاءَهَا.

الثَّانِيَةُ: شَكَّ هَلْ مَسَحَ فِي الْحَضَرِ أَوْ فِي السَّفَرِ يَأْخُذُ بِأَنَّهُ مَسَحَ فِي الْحَضَرِ وَرَدَّ ذَلِكَ الْقَفَّالُ بِأَنَّهُ لَمْ يَزُلْ الْيَقِينُ بِالشَّكِّ، بَلْ لِأَنَّ الْأَصْلَ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ فَلَا يَعْدِلُ إلَى الْمَسْحِ إلَّا بِيَقِينٍ، وَالْأَرْجَحُ مَعَ ابْنِ الْقَاصِّ.
(2/288)

الثَّالِثَةُ: إذَا أَحْرَمَ الْمُسَافِرُ بِنِيَّةِ الْقَصْرِ خَلْفَ مَنْ لَا يَدْرِي أَهُوَ مُسَافِرٌ أَمْ مُقِيمٌ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ وَرَدَّ بِأَنَّهُ لَيْسَ تَرَكَ يَقِينٍ بِشَكٍّ، بَلْ لِأَنَّ الْقَصْرَ رُخْصَةٌ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ شَرْطُهُ.

الرَّابِعَةُ: بَالَ حَيَوَانٌ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ " وَوُجِدَ " مُتَغَيِّرًا وَلَمْ نَدْرِ أَتَغَيَّرَ بِالْبَوْلِ أَمْ بِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ نَجِسٌ عَلَى النَّصِّ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ " تَغَيُّرِهِ " بِالْبَوْلِ.
وَرُدَّ بِأَنَّ إحَالَةَ التَّغَيُّرِ عَلَى الْبَوْلِ الْمُتَيَقَّنِ أَوْلَى مِنْ إحَالَتِهِ عَلَى طُولِ الْمُكْثِ فَإِنَّهُ مَظْنُونٌ فَيُقَدَّمُ الظَّاهِرُ عَلَى الْأَصْلِ.

الْخَامِسَةُ: الْمُتَحَيِّرَةُ يَلْزَمُهَا الْغُسْلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ تَشُكُّ انْقِطَاعَ الدَّمِ قَبْلَهَا مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ انْقِطَاعِهِ، وَرُدَّ بِأَنَّ " الصَّلَاةَ فِي الذِّمَّةِ "، فَإِذَا شَكَّتْ فِي الِانْقِطَاعِ وَجَبَ الْغُسْلُ، وَالْأَرْجَحُ مَعَ ابْنِ الْقَاصِّ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ صُورَةِ الشَّكِّ فِي الْحَدَثِ، لَكِنَّ " الْأَمْرَ " بِالِاحْتِيَاطِ هُنَاكَ اقْتَضَى ذَلِكَ.

السَّادِسَةُ: مَنْ شَكَّ فِي مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ مِنْ الثَّوْبِ يَغْسِلُهُ كُلَّهُ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْ الثَّوْبِ الطَّهَارَةُ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ الصَّلَاةِ وَلَا تَتَحَقَّقُ الطَّهَارَةُ، إلَّا بِغَسْلِ الْجَمِيعِ.

السَّابِعَةُ وَالثَّامِنَةُ: شَكَّ مُسَافِرٌ أَوَصَلَ بَلَدَهُ أَمْ لَا " أَوْ نَوَى " الْإِقَامَةَ أَمْ لَا لَمْ يَتَرَخَّصْ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ السَّفَرِ وَعَدَمُ وُصُولِهِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِتْمَامُ وَالْقَصْرُ رُخْصَةٌ فَلَا يَعْدِلُ إلَى الرُّخْصَةِ، إلَّا بِيَقِينٍ وَحَكَى الْقَفَّالُ فِي السَّابِعَةِ وَجْهًا بِالْجَوَازِ
(2/289)

وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الثَّامِنَةِ، وَذَكَرَهُ الْإِمَامُ نَقْلًا عَنْ حِكَايَةِ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ.

التَّاسِعَةُ: مَنْ بِهِ حَادِثٌ دَائِمٌ إذَا تَوَضَّأَ ثُمَّ شَكَّ هَلْ انْقَطَعَ حَدَثُهُ أَمْ لَا فَصَلَّى بِطَهَارَتِهِ لَمْ يَصِحَّ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ الِاسْتِمْرَارُ، وَرُدَّ بِأَنَّ طَهَارَتَهُ ضَرُورَةٌ فَإِذَا شَكَّ فِي الِانْقِطَاعِ فَقَدْ شَكَّ فِي السَّبَبِ الْمُجَوِّزِ فَيَرْجِعُ إلَى الْأَصْلِ وَالْأَرْجَحُ مَعَ ابْنِ الْقَاصِّ.

الْعَاشِرَةُ: الْمُتَيَمِّمُ إذَا تَوَهَّمَ الْمَاءَ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَإِنْ بَانَ أَنْ لَا مَاءَ وَرُدَّ بِأَنَّ تَوَهُّمَ الْمَاءِ يُوجِبُ الطَّلَبَ وَذَلِكَ مُبْطِلٌ لِلتَّيَمُّمِ وَالْأَرْجَحُ مَعَ ابْنِ الْقَاصِّ فَإِنَّ مُجَرَّدَ الْوَهْمِ قَدْ " أَعْمَلْنَاهُ " فِي إبْطَالِ الْمُتَيَقَّنِ وَهُوَ الطَّهَارَةُ وَسَبَبُ رُجْحَانِ كَلَامِ ابْنِ الْقَاصِّ فِيمَا سَبَقَ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْأَصْلَ الْمَوْجُودَ أَسْقَطْنَاهُ بِالشَّكِّ ".

الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ": رَمَى صَيْدًا فَجَرَحَهُ ثُمَّ غَابَ فَوَجَدَهُ مَيِّتًا وَشَكَّ هَلْ أَصَابَهُ شَيْءٌ آخَرُ مِنْ رَمْيَةٍ أَوْ حَجَرٍ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ، وَكَذَا فِي إرْسَالِ الْكَلْبِ.
وَرُدَّ بِأَنَّ فِيهَا قَوْلَيْنِ فَإِنْ أَجَزْنَا أَكْلَهُ فَلَا اسْتِثْنَاءَ وَإِنْ مَنَعْنَاهُ فَالْأَصْلُ التَّحْرِيمُ، وَقَدْ شَكَكْنَا فِي الْحِلِّ.
وَهَذَا رَدٌّ جَيِّدٌ وَقَدْ رَجَّحَ جَمَاعَةٌ الْحِلَّ وَهُوَ الْأَرْجَحُ فِي الدَّلِيلِ وَإِنْ كَانَ الْجُمْهُورُ صَحَّحُوا التَّحْرِيمَ " وَمَحَلُّ " ذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ الْجُرْحُ لَا يَنْتَهِي إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ فَإِنْ انْتَهَى حَلَّ قَطْعًا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ وَالْغَزَالِيَّ ذَكَرَا أَرْبَعَ مَسَائِلَ مُسْتَثْنَيَاتٍ وَنَسَبَاهَا لِصَاحِبِ التَّلْخِيصِ وَقَالَ الْإِمَامُ أَنَّهُ حَذِقٌ وَأَنَّ هَذِهِ مِمَّا تُسْتَفَادُ وَقَدْ ذَكَرَا الْأُولَى وَالسَّابِعَةَ وَالثَّامِنَةَ وَنَقَلَا وَاحِدَةً عَنْ ابْنِ الْقَاصِّ صَدَّرَا بِهَا لَمْ أَرَهَا فِي كَلَامِهِ وَهِيَ أَنَّ النَّاسَ لَوْ شَكُّوا فِي " انْقِضَاءِ وَقْتِ " الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُمْ يُصَلُّونَ الظُّهْرَ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ بَقَاءَ الْوَقْتِ وَبِذَلِكَ يَتِمُّ الْمُسْتَثْنَى " اثْنَتَيْ عَشْرَةَ " مَسْأَلَةً.
(2/290)

قَالَ الْإِمَامُ إنَّ الشَّيْخَ أَبَا عَلِيٍّ لَمْ يَذْكُرْ الْخِلَافَ فِي الْجُمُعَةِ وَالْمَسْحِ وَذَكَرَ الْخِلَافَ فِي صُورَتَيْ الْمُسَافِرِ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ انْقِضَاءَ وَقْتِ الْمَسْحِ لَيْسَ " مِمَّا " يَتَعَلَّقُ بِاخْتِيَارِهِ، وَإِذَا " شَكَّ فِيهِ تَعَيَّنَ الرَّدُّ " لِلْأَصْلِ بِخِلَافِ الِانْتِهَاءِ لِدَارِ الْإِقَامَةِ وَالْعَزْمِ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالشَّاكِّ فَجَاءَ وَجْهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْهُ طَرَحَهُ.
وَاسْتَثْنَى النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الشَّكَّ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَالشَّكِّ فِي أَرْكَانِ الصَّلَاةِ بَعْدَ السَّلَامِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُؤَثِّرٌ " فِيهِمَا " عَلَى الْأَصَحِّ.
وَفِي الِاسْتِثْنَاءِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْعِبَادَةَ مَضَتْ كَامِلَةً عَلَى غَلَبَةِ ظَنِّ الْمُكَلَّفِ وَهُوَ الْمُكَلَّفُ بِهِ فَلَا أَثَرَ لِمَا يَحْدُثُ مِنْ الشَّكِّ. وَبَقِيَتْ مَسَائِلُ أُخَرُ تُضَافُ " لِمَا " ذُكِرَ.
مِنْهَا: الْمَقْبَرَةُ إذَا شُكَّ نَبْشُهَا فَإِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ " الصَّلَاةُ " فِيهَا مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النَّبْشِ.

وَمِنْهَا: إذَا جُومِعَتْ الْمَرْأَةُ وَقَضَتْ شَهْوَتَهَا ثُمَّ اغْتَسَلَتْ وَخَرَجَ مِنْهَا مَنِيُّ الرَّجُلِ أَعَادَتْ لِأَنَّ الظَّاهِرَ اخْتِلَاطُ مَنِيِّهَا مَعَهُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ ذَلِكَ.

وَمِنْهَا: لَوْ رَأَى مَنِيًّا فِي ثَوْبِهِ أَوْ فَرْشِهِ " الَّذِي لَا يَنَامُ " فِيهِ غَيْرُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ احْتِلَامًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْغُسْلُ عَلَى الْأَصَحِّ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ " الْحَدَثِ ". فَإِنْ قُلْت " إنَّمَا " وَجَبَ الْغُسْلُ إحَالَةً عَلَى مَا ظَهَرَ الْمَنِيُّ.
(2/291)

قُلْت: وَفِي بَوْلِ الْحَيَوَانِ كَذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ اسْتَثْنَى.

وَمِنْهَا: إذَا نَامَ غَيْرَ مُمَكِّنِ الْمَقْعَدَةِ مِنْ الْأَرْضِ فَإِنَّهُ يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ خُرُوجِ الرِّيحِ.

وَمِنْهَا: الْهِرَّةُ إذَا تَنَجَّسَ فَمُهَا ثُمَّ غَابَتْ وَاحْتُمِلَ زَوَالُ النَّجَاسَةِ فَإِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَنْجَسُ مَا لَاقَاهُ مِنْ مَاءٍ وَمَائِعٍ، مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ نَجَاسَةٍ فَمِهَا وَقَدْ " رَفَعْنَاهُ " بِالشَّكِّ.
لَا يُقَالُ لَا يُسْتَثْنَى، لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ فِيمَا بَلَغَ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ، لِأَنَّا نَقُولُ الْغَرَضُ طَرْحُ يَقِينِ النَّجَاسَةِ فَالشَّكُّ اعْتَضَدَ بِأَصْلٍ آخَرَ وَذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ.

وَمِنْهَا: لَوْ وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ فِي مَاءٍ وَشَكَّ هَلْ هُوَ قُلَّتَانِ أَمْ لَا فَقَدْ جَزَمَ جَمَاعَةٌ بِنَجَاسَتِهِ إعْمَالًا لِلشَّكِّ وَطَرَحَ أَصْلَ الطَّهَارَةِ.
لَا يُقَالُ أَنَّ الْقُلَّةَ هِيَ الْأَصْلُ، لِأَنَّا نَقُولُ الْمَاءُ الْمُشَخَّصُ لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ بِقُلَّةٍ فَكَيْفَ يَدَّعِي أَنَّ الْأَصْلَ الْقِلَّةُ، لَا جَرَمَ رَجَّحَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ طَهُورٌ " فَلَا اسْتِثْنَاءَ عَلَى طَرِيقَةِ مَنْ جَزَمَ ".

وَمِنْهَا: لَوْ شَكَّ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ صَوْمِ يَوْمٍ فِي الْكَفَّارَةِ، هَلْ نَوَى فِيهِ أَمْ لَا لَمْ يُؤَثِّرْ عَلَى الصَّحِيحِ، كَمَا نَقَلَهُ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ عَنْ الرُّويَانِيِّ، مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ لَمْ يَنْوِ وَقَضِيَّتُهُ طَرْدُ مِثْلِ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ، لَكِنْ الْبَغَوِيّ صَرَّحَ فِيهَا بِالتَّأْثِيرِ.

وَمِنْهَا: اقْتَدَى بِإِمَامٍ فَسَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ ثُمَّ شَكَّ هَلْ كَانَ نَوَى الِاقْتِدَاءَ أَمْ لَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النِّيَّةِ.
(2/292)

وَمِنْهَا: مَنْ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ " فَشَكَّ " فِي قَضَائِهَا، فَإِنَّهُ لَا " يَلْزَمُهُ " قَضَاؤُهَا، كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهَا.

وَمِنْهَا: إذَا أَكَلَ مِنْ مَالِ صَدِيقِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَكْرَهُ ذَلِكَ جَازَ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ.

وَمِنْهَا: الْمَفْقُودُ إذَا مَضَتْ مُدَّةٌ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ (فَوْقَهَا) يَجْتَهِدُ الْحَاكِمُ " فِي الْحُكْمِ " بِمَوْتِهِ وَيُعْطِي مَالَهُ " لِوَرَثَتِهِ " مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ الْحَيَاةُ.

وَمِنْهَا: قُدَّ مَلْفُوفًا فِي ثَوْبٍ نِصْفَيْنِ، وَشَكَّ فِي حَيَاتِهِ " وَمَوْتِهِ "، وَادَّعَى الضَّارِبُ أَنَّهُ كَانَ مَيِّتًا وَلَمْ يَعْلَمْ لَهُ حَيَاةً قَبْلَ ذَلِكَ، فَمُقْتَضَى إطْلَاقِ مَنْ صَحَّحَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْوَلِيِّ لِلْعَمَلِ بِالشَّكِّ وَطَرْحُ الْأَصْلِ وَهُوَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ وَهُوَ مِنْ مُشْكِلَاتِ الْفِقْهِ.

وَمِنْهَا: الْجُرْحُ الَّذِي احْتَمَلَ الزَّهُوقَ " لِغَيْرِهِ " فَإِنَّهُ يَجْرِي الْحُكْمُ عَلَيْهِ إحَالَةً عَلَى السَّبَبِ الظَّاهِرِ وَقَدْ ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ فِي صُورَةِ بَوْلِ الْحَيَوَانِ.

وَمِنْهَا: جَوَازُ الْإِقْدَامِ عَلَى الْحَلِفِ أَنَّ " لِمُوَرِّثِهِ " عِنْدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَذَا وَهُوَ لَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ، بَلْ " بِغَلَبَةِ " الظَّنِّ " مِمَّا " يَجِدُهُ " مِنْ خَطِّ مُوَرِّثِهِ الْمَوْثُوقِ بِهِ " وَنَحْوِ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ قَدْ " يَشُكُّ "، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَقَدْ أُجِيزَ لَهُ
(2/293)

الْعَمَلُ بِالشَّكِّ الْمُؤَيَّدِ بِمَا " ذَكَرَهُ " مَعَ مُخَالَفَةِ الْأَصْلِ الْمُتَيَقَّنِ.

وَمِنْهَا: الشَّكُّ فِي عَدَدِ غَسَلَاتِ الْوُضُوءِ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ، لِئَلَّا يَرْتَكِبَ الزَّائِدَ وَخَالَفَهُ الْأَكْثَرُ.

وَمِنْهَا: اقْتِصَاصُ الْوَكِيلِ فِي الْغَيْبَةِ يَمْنَعُ مِنْهُ عَلَى رَأْيٍ لِاحْتِمَالِ الْعَفْوِ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْوَكَالَةِ، لَكِنْ " لِخَطَرِهِ " عُمِلَ بِالشَّكِّ عَلَى رَأْيٍ.

[الشَّلَلُ هَلْ هُوَ مَوْتٌ أَوْ تَيَبُّسٌ]
ٌ؟ قَوْلَانِ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الْعُضْوَ الْأَشَلَّ تَحِلُّهُ الْحَيَاةُ. وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلَافِ فِي صُوَرٍ: (إحْدَاهَا) إذَا كَانَ فِي الشَّاةِ الْمُذَكَّاةِ عُضْوٌ أَشَلُّ هَلْ يَحِلُّ أَكْلُهُ إنْ قُلْنَا مَوْتٌ لَمْ يُؤْكَلْ، لِأَنَّ الذَّكَاةَ لَا تَعْمَلُ فِي الْمَيِّتِ، " وَإِلَّا " أُكِلَتْ وَهُوَ الْأَصَحُّ. (الثَّانِيَةُ) لَوْ مَسَّ بِيَدٍ شَلَّاءَ انْتَقَضَ الْوُضُوءُ إنْ قُلْنَا الْحَيَاةُ تَحِلُّهَا وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَإِلَّا فَلَا يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ بِهَا، كَالْيَدِ الْمَقْطُوعَةِ، وَكَذَا لَوْ " لَمَسَ " ذَكَرًا أَشَلَّ يُنْقَضُ فِي الْأَصَحِّ "، كَمَا لَوْ " مَسَّهُ " مَقْطُوعًا. (الثَّالِثَةُ) لَا يُقْطَعُ الْعُضْوُ الصَّحِيحُ بِالْأَشَلِّ فِي الْأَصَحِّ "، وَإِنْ رَضِيَ الْجَانِي. قَالَ الرَّافِعِيُّ وَالشَّلَلُ بُطْلَانُ الْعَمَلِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ ذَهَابُ الْحِسِّ وَالْحَرَكَةِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الشَّلَلُ ذَهَابُ الْحِسِّ وَالْحَرَكَةِ.
(2/294)

[حَرْفُ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ] [الصَّبِيُّ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ]
ِ الصَّبِيُّ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ
الْأَوَّلُ: بِالنِّسْبَةِ " لِأَقْوَالِهِ " وَهِيَ مُلْغَاةٌ فَلَا تَصِحُّ عُقُودُهُ، وَفِي وَصِيَّتِهِ وَتَدْبِيرِهِ قَوْلٌ، وَلَا يَصِحُّ إسْلَامُهُ وَلَا رِوَايَتُهُ مُطْلَقًا عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ.
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي وَتَابَعَهُ النَّوَوِيُّ فِي مَوْضِعٍ يُقْبَلُ فِيمَا طَرِيقُهُ الْمُشَاهَدَةُ دُونَ الْإِخْبَارِ، كَرُؤْيَةِ النَّجَاسَةِ، وَدَلَالَةِ الْأَعْمَى عَلَى الْقِبْلَةِ، وَخُلُوِّ الْمَوْضِعِ عَنْ الْمَاءِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ " وَالشَّمْسِ " وَغُرُوبِهَا، بِخِلَافِ مَا طَرِيقُهُ الِاجْتِهَادُ، كَالْإِفْتَاءِ وَالْإِخْبَارِ عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِالطِّبِّ وَرِوَايَةِ الْأَحَادِيثِ وَالتَّنْجِيسِ عَنْ غَيْرِهِ.
وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ:
إحْدَاهَا: إذْنُهُ فِي دُخُولِ الدَّارِ " وَإِيصَالُ الْهَدِيَّةِ ".
الثَّانِيَةُ: إخْبَارُهُ بِطَلَبِ صَاحِبِ الدَّعْوَةِ، فَإِنَّ الْمَدْعُوَّ تَلْزَمُهُ الْإِجَابَةُ، كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَشَرَطَا أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِهِ صِدْقُ الصَّبِيِّ.
الثَّالِثَةُ: فِي اخْتِيَارِهِ أَحَدَ أَبَوَيْهِ " فِي " الْحَضَانَةِ إذَا بَلَغَ سِنَّ التَّمْيِيزِ.
(2/295)

وَكَذَلِكَ الْخُنْثَى " يُخْتَبَرُ " فِي سِنِّ التَّمَيُّزِ بِمَيْلِهِ إلَى أَحَدِ الْجِنْسَيْنِ يَعْتَمِدُ عَلَى وَجْهٍ وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ، لِأَنَّ " اخْتِيَارَ " الْخُنْثَى لَازِمٌ وَلَا حُكْمَ لَهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ كَالْوَلَدِ يَتَدَاعَاهُ اثْنَانِ لَا يَصِحُّ انْتِسَابُهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَالِاخْتِيَارُ فِي الْحَضَانَةِ لَيْسَ بِلَازِمٍ.
الرَّابِعَةُ: دَعْوَاهُ اسْتِعْجَالَ الْإِنْبَاتِ بِالدَّوَاءِ نَصَّ عَلَيْهِ، زَادَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْقَاضِي الْحُسَيْنُ بِيَمِينِهِ لِأَجْلِ حَقْنِ دَمِهِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ إذَا ادَّعَى أَنَّهُ صَبِيٌّ " فَلَا " يَحْلِفُ الْخَامِسَةُ: فِي إرْسَالِهِ لِقَضَاءِ الْحَوَائِجِ الْمُحَقَّرَاتِ وَقَدْ نَقَلَ عَنْ الْجُورِيِّ " حِكَايَةَ " الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ وَعَلَى صِحَّةِ شِرَائِهِ " لَهَا "، وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ، بِلَا نَكِيرٍ.
السَّادِسَةُ " إخْبَارُهُ " بِبَيْعِ الشَّرِيكِ حِصَّتَهُ مِنْ الْعَقَارِ إذَا وَقَعَ فِي نَفْسِ الشَّرِيكِ صِدْقَهُ، حَتَّى إذَا أَخَّرَ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ لَا يَحِلُّ " لَهُ " أَخْذُهَا فِي الْبَاطِنِ قَالَهُ " فِي " الْحَاوِي، قَالَ وَكَذَا خَبَرُ الْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ فَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ " إلَى الظَّاهِرِ " فَلَهُ الْأَخْذُ.
السَّابِعَةُ: عَمْدُهُ فِي الْعِبَادَاتِ، كَمَا لَوْ تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ بَطَلَتْ أَوْ سَلَّمَ عَلَى أَحَدٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ.
(2/296)

الثَّانِي ": أَفْعَالُهُ وَهُوَ أَنْوَاعٌ: مِنْهَا الْعِبَادَاتُ وَهُوَ فِيهَا كَالْبَالِغِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَمِنْ ثَمَّ يَحْكُمُ عَلَى مَائِهِ بِالِاسْتِعْمَالِ فِي الْأَصَحِّ وَطَهَارَتُهُ كَامِلَةٌ حَتَّى لَوْ تَوَضَّأَ فِي صِغَرِهِ ثُمَّ بَلَغَ وَصَلَّى صَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَكَذَا لَوْ وَطِئَهَا زَوْجُهَا قَبْلَ بُلُوغِهَا فَاغْتَسَلَتْ ثُمَّ بَلَغَتْ فَغُسْلُهَا صَحِيحٌ وَلَا تُعِيدُ.
وَذَكَرَ الْمُزَنِيّ فِي الْمَنْثُورِ أَنَّ طَهَارَةَ الصَّبِيِّ نَاقِصَةٌ فَإِذَا بَلَغَ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ حَكَاهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ.
وَهَذَا فِي غَيْرِ طَهَارَةِ الْحَاجَةِ، أَمَّا لَوْ تَيَمَّمَ ثُمَّ بَلَغَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ فَرْضًا فِي الْأَصَحِّ فِي التَّحْقِيقِ وَهُوَ قِيَاسُ الْمُسْتَحَاضَةِ إذَا شُفِيَتْ، لِأَنَّ طَهَارَتَهَا لِلْحَاجَةِ، وَقَدْ زَالَتْ الْحَاجَةُ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مَكْتُوبَتَيْنِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ عَلَى الْمَذْهَبِ قَالَ الرَّافِعِيُّ، لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا بِهِ لَكِنَّ مَا يُؤَدِّيهِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْفَرْضِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَنْوِي " بِصَلَاتِهِ " " الْفَرْضِيَّةَ " قُلْت هَذَا فِيهِ نِزَاعٌ، وَقَدْ حَكَى عَنْ الْبَيَانِ أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَلَا يُقْصَرُ، لِأَنَّ الْقَصْرَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْفَرَائِضِ، قَالَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الظَّاهِرُ هُنَا الْجَوَازُ، لِأَنَّهُمَا نَفْلَانِ.
قُلْت سَيَأْتِي عَنْ الْعَبَّادِيِّ مَا يَقْتَضِي تَجْوِيزَ الْجَمْعِ لَهُ.
وَلَوْ صَلَّى ثُمَّ بَلَغَ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَذَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ جَمْعَ تَقْدِيمٍ قَالَهُ الْعَبَّادِيُّ، وَفِي وُجُوبِ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ عَلَيْهِ خِلَافٌ " تَرْجِيحٌ " بَيْنَ " الرَّافِعِيِّ وَالنَّوَوِيِّ وَرَجَّحَ النَّوَوِيُّ، أَنَّهَا لَا تَجِبُ مَعَ " " مُوَافَقَتِهِ "
(2/297)

الرَّافِعِيُّ " عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ نِيَّةُ التَّبْيِيتِ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ. وَلَوْ دَخَلَ فِي صَلَاةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا، ذَكَرَهُ فِي الْكِفَايَةِ عِنْدَ كَفَّارَةِ الْمُجَامِعِ، وَهُوَ " يُؤَيِّدُ " مَا سَبَقَ أَنَّ لِصَلَاتِهِ حُكْمَ الْفَرْضِ، وَحَكَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَجْهَيْنِ أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ لَهُ صَلَاةُ الْفَرْضِ قَاعِدًا وَيَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْبَالِغِ بِهِ نَعَمْ الْبَالِغُ فِيهِ أَوْلَى مِنْهُ وَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ أَقْرَأَ " أَوْ أَفْقَهَ "، كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ، بِخِلَافِ الصَّبِيِّ، بَلْ نَصَّ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - " فِي الْبُوَيْطِيِّ عَلَى كَرَاهَةِ إمَامَةِ الصَّبِيِّ، نَعَمْ " لَوْ " أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ وَكَانَ الْإِمَامُ صَبِيًّا " نَصَّ " الرُّويَانِيِّ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّحَمُّلُ، إلَّا لِمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ.
وَلَوْ اسْتَنَابَ الْوَلِيُّ فِي حَجِّ الْفَرْضِ عَنْ الْمَيِّتِ صَبِيًّا لَمْ يَصِحَّ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْبُلُوغِ، وَقِيَاسُهُ كَذَلِكَ فِي الصَّوْمِ عَنْهُ.

وَمِنْهَا الْجِنَايَاتُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ عَمْدَهُ عَمْدٌ فَتَغْلُظُ الدِّيَةُ عَلَيْهِ إذَا قَتَلَ عَمْدًا وَيَحْرُمُ إرْثُ مَنْ " قَتَلَهُ " إذَا قُلْنَا قَاتِلُ الْخَطَأِ يَرِثُ دُونَ الْعَامِدِ.
وَلَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَجَامَعَ فَسَدَ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فِي الْأَصَحِّ.
وَلَوْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً وَقُلْنَا عَمْدُهُ عَمْدٌ فَهُوَ زِنًى، إلَّا أَنَّهُ لَا حَدَّ فِيهِ لِعَدَمِ التَّكْلِيفِ، وَإِلَّا فَكَالْوَطْءِ فِي الشُّبْهَةِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا جَعَلْنَاهُ زِنًى.
(2/298)

وَلَوْ حَجَّ وَبَاشَرَ شَيْئًا مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ كَاللِّبَاسِ وَالطِّيبِ عَمْدًا وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ فِي مَالِهِ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ " أَنَّ " عَمْدَهُ عَمْدٌ.
" وَلَوْ " حَلَقَ أَوْ قَلَّمَ أَوْ قَتَلَ صَيْدًا عَمْدًا وَقُلْنَا عَمْدُ هَذِهِ الْأَفْعَالِ وَسَهْوُهَا " سَوَاءٌ " وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ، وَإِلَّا فَهُوَ كَالطِّيبِ وَاللِّبَاسِ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْقِسْمِ جِمَاعُهُ فِي " نَهَارِ " رَمَضَانَ عَمْدًا لَا كَفَّارَةَ فِيهِ عَلَى الْأَصَحّ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الصَّوْمِ فِي حَقِّهِ نَاقِصَةٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ جِمَاعِ الْمُحْرِمِ وَنَحْوِهِ أَنَّهُ اخْتَلَفَ فِي هَذِهِ الْمَحْظُورَاتِ هَلْ تَجِبُ فِي مَالِهِ أَوْ مَالِ الْوَلِيِّ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا فِي مَالِ الْوَلِيِّ، فَيَكُونُ فِعْلُ الصَّبِيِّ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ " نَصَبَ " سَبَبًا لِلْإِيجَابِ مِنْ مَالِ الْوَلِيِّ.

وَمِنْهَا الِاكْتِسَابُ وَهُوَ كَالْبَالِغِ. وَلِهَذَا " يَتَمَلَّكُ " الْمَوَاتَ " بِالْإِحْيَاءِ وَالِاصْطِيَادِ "، قَالَهُ فِي الْحَاوِي وَيَصِحُّ الْتِقَاطُهُ فِي الْأَصَحِّ، وَيَجُوزُ السَّبْيُ وَيَمْلِكُهُ وَيَتْبَعُهُ فِي الْإِسْلَامِ، كَمَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ " - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - " فِي بَابِ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ.
وَقَالَ فِي الْوَلِيمَةِ: لَوْ أَخَذَ الصَّبِيُّ " النِّثَارَ " مَلَكَهُ.
(2/299)

وَلَوْ رُدَّ الْآبِقُ بَعْدَ " سَمَاعِهِ " النِّدَاءَ " فَفِي اسْتِحْقَاقِهِ " الْجُعْلَ وَجْهَانِ مِنْ اخْتِلَافِ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ عَلَى هَذَيْنِ الْحَالَيْنِ.
وَمِنْهَا وَطْؤُهُ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا، كَالْبَالِغِ فِي التَّحْلِيلِ عَلَى الْمَشْهُورِ، إذَا كَانَ يَتَأَتَّى مِنْهُ الْجِمَاعُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلَا، خِلَافًا لِلْقَفَّالِ.
وَمِثْلُهُ لَوْ كَانَتْ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا صَغِيرَةً، فَوَطِئَهَا زَوْجٌ حَلَّتْ قَطْعًا، وَنُقِلَ فِي الَّتِي لَا تُشْتَهَى وَجْهَانِ كَتَحْلِيلِ الصَّبِيِّ.

وَمِنْهَا قَبْضُهُ فَلَا يَصِحُّ، كَمَا لَا يَصِحُّ الْقَبْضُ مِنْهُ، إلَّا فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ: " إحْدَاهَا " إذَا خَالَعَ زَوْجَتَهُ عَلَى طَعَامٍ وَأَذِنَ لَهَا فِي صَرْفِهِ إلَى الْوَلَدِ فَصَرَفَتْهُ إلَيْهِ عِنْدَ حَاجَتِهِ " إلَيْهِ " " أَنَّهَا " تَبْرَأُ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَأَبْدَى لِنَفْسِهِ احْتِمَالًا بِالْمَنْعِ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ قَالَ مَنْ لَهُ الْوَدِيعَةُ لِلْمُودِعِ سَلِّمْهَا لِلصَّبِيِّ فَفَعَلَ بَرِئَ، كَمَا لَوْ قَالَ أَلْقِهَا فِي النَّارِ فَفَعَلَ، حَكَاهُ الْإِمَامُ عَنْ الْأَئِمَّةِ، قَالَ فِي الْمَطْلَبِ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ الْبَرَاءَةَ وَإِنْ حَصَلَتْ فَالتَّسْلِيمُ حَرَامٌ كَالْإِلْقَاءِ فِي النَّارِ، وَحِينَئِذٍ لَوْ امْتَنَعَ الْمُودَعُ مِنْ دَفْعِهَا إلَى الصَّبِيِّ فَتَلِفَتْ لَا يَضْمَنُهَا، لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ شَرْعًا، وَعَلَّلَ بَعْضُهُمْ الْوَدِيعَةَ بِكَوْنِهَا مُعَيَّنَةً وَالْمِلْكُ فِيهَا مُسْتَقَرٌّ وَلَيْسَتْ بِمَضْمُونَةٍ عَلَى مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ لِيَخْرُجَ بِذَلِكَ الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ.
وَقَضِيَّةُ هَذَا أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ وَالْغَاصِبَ إذَا سَلَّمَا الْعَيْنَ إلَى الصَّبِيِّ بِالْإِذْنِ " أَنَّهُ " يَكُونُ فِي الْبَرَاءَةِ تَرَدُّدٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمِلْكَ مُسْتَقَرٌّ، لَكِنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَى مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ، وَلِذَلِكَ أَبْدَى فِيهِ احْتِمَالَيْنِ وَقَالَ الْأَشْبَهُ أَنَّهُ يَبْرَأُ.
(2/300)

الثَّالِثَةُ: لَوْ دَفَعَ الزَّكَاةَ إلَى صَبِيٍّ لِيَدْفَعَهَا إلَى الْمُسْتَحَقِّ وَعَيَّنَ " الْمَدْفُوعَ لَهُ " جَازَ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ، قَالَهُ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ.
وَقِيَاسُهُ فِي الْحُقُوقِ الْمُعَيَّنَةِ مِنْ الدُّيُونِ وَالْوَصَايَا كَذَلِكَ، لَكِنْ فِي فَتَاوَى الْقَاضِي الْحُسَيْنِ أَنَّ " الْبَائِعَ "، لَوْ دَفَعَ الْمَبِيعَ إلَى الصَّبِيِّ بِإِذْنِ الْمُشْتَرِي لَا تَخْرُجُ الْعَيْنُ مِنْ ضَمَانِهِ، وَلَوْ هَلَكَ فِي يَدِ الصَّبِيِّ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ، لِأَنَّ وَكَالَةَ الصَّبِيِّ بِالْقَبْضِ فَاسِدَةٌ، نَعَمْ إنْ أَخَذَهُ الْمُشْتَرِي وَقَعَ الْمَوْقِعَ.
وَهَذَا كُلُّهُ " فِي الْمُمَيَّزِ، أَمَّا غَيْرُ الْمُمَيَّزِ فَهُوَ مَسْلُوبُ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ "، إلَّا فِي طَوَافِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْوُقُوفِ وَالسَّعْيِ إذَا سَبَقَ إحْرَامَ الْوَلِيِّ عَلَى الْأَصَحِّ.

قَاعِدَةٌ " الْخِلَافُ فِي أَنَّ عَمْدَ الصَّبِيِّ عَمْدٌ أَوْ خَطَأٌ، وَالْأَصَحُّ " أَنَّهُ عَمْدٌ " هُوَ فِي الْمُمَيَّزِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَمْدُهُ خَطَأٌ قَطْعًا " وَهَذَا فِي جِنَايَتِهِ.
قَالَ الْإِمَامُ وَأَمَّا عَمْدُ الْمُمَيَّزِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِفْسَادِ الْعِبَادَاتِ فَعَمْدٌ قَطْعًا "، كَالْبَالِغِ حَتَّى لَوْ تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ أَكَلَ فِي الصَّوْمِ عَامِدًا " فَسَدَا " قَطْعًا.
وَيُرَدُّ عَلَى الْإِمَامِ صُوَرٌ: مِنْهَا: مَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا جَامَعَ لَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ بِحَالٍ وَهَلْ
(2/301)

يَبْطُلُ صَوْمُهُ؟ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي أَنَّ عَمْدَهُ عَمْدٌ أَوْ خَطَأٌ، وَلَك أَنْ تَسْأَلَ عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَ أَكْلِهِ حَيْثُ يُفْسِدُ الصَّوْمَ قَطْعًا، وَفِي جِمَاعِهِ " الْوَجْهَانِ "، وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ شَهْوَةَ الصَّبِيِّ الْأَكْلُ " كَشَهْوَةِ " الْبَالِغِ، بَلْ آكَدُ، وَلَا كَذَلِكَ الْجِمَاعُ فَإِنَّهُ إنَّمَا أَفْطَرَ الْبَالِغُ، لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْإِنْزَالِ وَهُوَ مَقْصُودُ الْجِمَاعِ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ بِمَثَابَةِ الْمُبَاشَرَةِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ إذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهَا الْإِنْزَالُ، لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْفَرْقِ أَنْ لَا يَسْلُكَ بِهِ مَسْلَكَ الْجِمَاعِ فِي " الْأَحْكَامِ مِنْ " الْغُسْلِ وَغَيْرِهِ.
وَمِنْهَا جِمَاعُهُ عَمْدًا فِي الْحَجِّ هَلْ يُفْسِدُ الْحَجَّ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى مَا " ذَكَرْنَا "، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ " يُفْسِدُهُ "، وَإِنَّمَا جَرَى فِيهِ الْخِلَافُ، لِأَنَّ الْوَطْءَ مُلْحَقٌ بِالْجِنَايَاتِ، وَالْخِلَافُ فِيهَا ثَابِتٌ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْوَافِي الْفَرْقُ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ حَيْثُ إنَّ عَمْدَهُ فِي الصَّلَاةِ قَطْعًا وَفِي الْحَجِّ قَوْلَانِ مُشْكِلٌ، إلَّا أَنْ يُقَالَ الْقَوْلَانِ فِي الْأَفْعَالِ.
أَمَّا أَقْوَالُهُ فَعَمْدُهُ فِيهَا عَمْدٌ فِي الْعِبَادَاتِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَهُوَ بَعِيدٌ، " قَالَ " وَقَدْ فَرَّقَ " صَاحِبُ التَّعْلِيقَةِ " فِيمَا إذَا طَرَأَ الْجُنُونُ عَلَى الْمُصَلِّي تَبْطُلُ " صَلَاتُهُ " وَعَلَى الْحَاجِّ لَا يُبْطِلُهُ " فَإِنَّ " الصَّلَاةَ شَرْطُهَا الطَّهَارَةُ وَيَبْطُلُ بِالْجُنُونِ وُضُوءُهُ، لِأَنَّهُ لَا يَمْضِي فِي فَاسِدِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُعْقَدُ عَلَى الصَّبِيِّ صِيَامٌ وَيُعْقَدُ عَلَيْهِ إحْرَامُ الْحَجِّ.
(2/302)

قَالَ، وَإِذَا عُلِمَ هَذَا فَرَّقْنَا بِهِ هَا هُنَا فَنَقُولُ أَمْرُ الصَّلَاةِ أَقْوَى اعْتِبَارًا فِي بُطْلَانِهِ وَفَسَادِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ اُعْتُبِرَ فِيهَا شَرْطُ الطَّهَارَةِ، وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِحَدَثِهِ، فَكَذَلِكَ بِأَقْوَالِهِ الْعَامِدَةِ فِيهَا " وَأَفْعَالِهِ ".

فَرْعٌ زَنَى بِامْرَأَةٍ وَعِنْدَهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِبَالِغٍ فَبَانَ أَنَّهُ كَانَ بَالِغًا هَلْ يَلْزَمُهُ الْحَدُّ وَجْهَانِ فِي الْبَحْرِ.

[الصِّحَّةُ وَالْجَوَازُ وَالِانْعِقَادُ فِي بَابِ الْعُقُودِ]
ِ " بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَكُلُّ صَحِيحٍ مُنْعَقِدٍ وَكُلُّ مُنْعَقِدٍ صَحِيحٌ. وَهُوَ مَا وَافَقَ الشَّرْعَ أَوْ " مَا " أَفَادَ حُكْمُهُ، وَقِيلَ الْمُنْعَقِدُ عِبَارَةٌ عَنْ ارْتِبَاطِ الْإِيجَابِ بِالْقَبُولِ بِحَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ يُصَحَّحَ وَأَنْ لَا يُصَحَّحَ، كَبَيْعِ الْفُضُولِيِّ " فَيُعْقَدُ " عِنْدَ قَوْمٍ " لَهُ " بِمَعْنَى أَنَّهُ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْإِجَازَةُ مِنْ الْمَالِكِ يَصِحُّ كَالْإِيجَابِ قَبْلَ الْقَبُولِ، وَإِلَّا فَلَا، " وَإِنَّمَا " الصِّحَّةُ اعْتِبَارُ " التَّصَرُّفِ " جَزْمًا، وَأَمَّا الْمَعْقُودُ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ انْعِقَادٍ يُؤَثِّرُ فِي الْمَحَلِّ " مُثْبِتًا لِحُكْمِهِ ".
فَإِنْ قُلْت فَقَدْ قَالُوا انْعَقَدَ فَاسِدًا، وَغَيْرَ صَحِيحٍ فَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُقَالَ كُلُّ مُنْعَقِدٍ صَحِيحٌ.
قُلْت هُوَ مَجَازٌ، وَأَمَّا عِنْدَ إطْلَاقِ الِانْعِقَادِ فَيُصْرَفُ إلَى الصَّحِيحِ وَعِنْدَ إرَادَةِ
(2/303)

الْمَجَازِ " فَيُقَيَّدُ " كَقَوْلِهِ تَعَالَى {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: 21] ، وَيُطْلَقُ الْجَائِزُ فِي مُقَابَلَةِ اللَّازِمِ فَاللَّازِمُ مَا " لَا " يَقْبَلُ الْفَسْخَ أَوْ مَا " لَا " يُمْكِنُ الْغَيْرُ إبْطَالَهُ، وَالْجَائِزُ عَكْسُهُ، وَالْفَسْخُ حَلُّ ارْتِبَاطِ الْمَعْقُودِ.
وَأَمَّا فِي الْعِبَادَاتِ فَنَقَلَ " الْإِمَامُ " فِي الْمَحْصُولِ عَنْ " الْفُقَهَاءِ " أَنَّهُمْ فَسَّرُوا الصِّحَّةَ بِمَسْقَطِ الْقَضَاءِ وَهُوَ يُنْتَقَضُ بِصَلَاةِ الْمُتَيَمِّمِ فِي الْحَضَرِ، لِعَدَمِ الْمَاءِ وَالتَّيَمُّمِ لِشِدَّةِ الْبَرْدِ وَوَضْعُ الْجَبَائِرِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ وَفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ مَعَ وُجُوبِ الْقَضَاءِ، وَأَيْضًا فَالْجُمُعَةُ تُوصَفُ بِالصِّحَّةِ وَلَا يَدْخُلُهَا قَضَاءٌ.
" وَأَمَّا الصِّحَّةُ فِي الْعُقُودِ " " فَقِيلَ " اسْتِتْبَاعُ الْغَايَةِ وَقِيلَ تَرَتُّبُ الْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ مِنْ الشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ، وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِهَا مَا احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ " يَعْنِي " الصِّحَّةَ وَعَدَمَهَا، وَأَمَّا مَا لَا يَحْتَمِلُ إلَّا وَجْهًا وَاحِدًا فَلَا كَرَدِّ الْوَدِيعَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ، " وَقَدْ يُؤْمَرُ بِمَا لَا يُوصَفُ بِالصِّحَّةِ تَشَبُّهًا "، كَالْمُمْسِكِ فِي رَمَضَانَ وَصَلَاةِ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ، وَمِنْ ذَلِكَ الرَّجْعَةُ فِيمَا إذَا جَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بِلَادِ الْهُدْنَةِ مُسْلِمَةً، وَقُلْنَا
(2/304)

يَغْرَمُ " لِزَوْجِهَا " الْكَافِرِ الْمَهْرَ عَلَى الْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ، فَلَوْ كَانَ قَدْ طَلَّقَ طَلَاقًا رَجْعِيًّا لَمْ يَغْرَمْ لَهُ الْمَهْرَ حَتَّى يُرَاجِعَ لِتَظْهَرَ رَغْبَتُهُ.
وَهَذِهِ صُورَةُ رَجْعَةٍ لَا لِحَقِيقَتِهَا، بَلْ لِمَعْنًى آخَرَ وَهُوَ ظُهُورُ " رَغْبَتِهِ " لِيَغْرَمَ لَهُ الْمَهْرَ وَهِيَ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُرَاجِعَ الْمُسْلِمَةَ، وَحَكَى الْإِمَامُ أَنَّ الْمُحَقِّقِينَ خَرَّجُوا قَوْلًا أَنَّهُ لَا " تُعْتَبَرُ " رَجْعَةً، لِأَنَّهَا غَيْرُ صَحِيحَةٍ فَلَا مَعْنَى لِاعْتِبَارِهَا.
وَأَمَّا الرِّدَّةُ " فَإِنَّ " الْقِيَاسَ " أَنَّهُ " لَا تُوصَفُ بِالصِّحَّةِ كَغَيْرِهَا مِنْ الْمَعَاصِي، " لَكِنَّهَا " لَمَّا حَلَّتْ الْعَقْدَ الْعَظِيمَ وَهُوَ الْإِسْلَامُ وُصِفَتْ بِذَلِكَ فَيُقَالُ تَصِحُّ الرِّدَّةُ مِنْ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي أَنَّ الصِّحَّةَ وَالْحُكْمَ بِهَا عَقْلِيَّانِ أَوْ شَرْعِيَّانِ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي أَنَّ الْعُقُودَ إذَا أُطْلِقَتْ هَلْ تُحْمَلُ عَلَى الصَّحِيحِ " أَوْ الْفَاسِدِ "، حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي " كَلَامِهِ عَلَى " الْمَسْأَلَةِ السُّرَيْجِيَّةِ، وَالْأَصَحُّ اخْتِصَاصُهَا بِالصَّحِيحِ.
وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ لَا يَحْنَثُ بِالْفَاسِدِ.
وَأَمَّا الْعِبَادَاتُ فَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ سَيَأْتِي خِلَافٌ فِي أَنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى الصَّحِيحِ أَوَّلًا، كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يُصَلِّي وَلَا يَصُومُ، وَقَدْ اُسْتُنْكِرَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَلَا خِلَافَ عِنْدَنَا فِي اخْتِصَاصِهَا بِالصَّحِيحِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْعُقُودِ.
قُلْت وَاَلَّذِي نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ صَحِيحٌ وَمِمَّنْ حَكَاهُ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ أَوْضَحْته فِي خَادِمِ الرَّافِعِيِّ.
(2/305)

[الصَّرِيحُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ]
ُ الْأَوَّلُ:
فِي حَقِيقَتِهِ: اعْلَمْ أَنَّ أَلْفَاظَ الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا تَنْقَسِمُ إلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ.
وَالضَّابِطُ، كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ إنَّ مَا وَرَدَ فِي الشَّرْعِ إمَّا أَنْ يَتَكَرَّرَ أَوْ لَا، فَإِنْ تَكَرَّرَ حَتَّى اُشْتُهِرَ كَالْبَيْعِ وَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ فَهُوَ صَرِيحٌ، وَإِنْ لَمْ يَشِعْ فِي الْعَادَةِ، فَإِنَّ عُرْفَ الشَّرْعِ " هُوَ " الْمُتَّبَعُ، وَعَلَيْهِ " بَيَّنَّا ". حَمْلَ الدَّرَاهِمِ فِي الْأَقَارِيرِ عَلَى النَّقْرَةِ الْخَالِصَةِ قَطْعًا، وَإِنْ غَلَبَ الْعُرْفُ " بِخِلَافِهَا "، وَعَلَيْهِ أَلْحَقْنَا الْفِرَاقَ وَالسَّرَاحَ بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ لِتَكَرُّرِهَا شَرْعًا، وَإِمَّا أَنْ لَا يَتَكَرَّرَ، بَلْ " ذُكِرَ " فِي الشَّرْعِ مَرَّةً وَلَمْ يَشِعْ عَلَى لِسَانِ حَمَلَةِ الشَّرْعِ كَالْمُفَادَاةِ فِي الْخُلْعِ فِي قَوْله تَعَالَى {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229] ، وَالْفَكُّ فِي الْعَتَاقِ فِي قَوْله تَعَالَى {فَكُّ رَقَبَةٍ} [البلد: 13] ، وَالْإِمْسَاكُ فِي الرَّجْعَةِ قَوْله تَعَالَى {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة: 231] "، فَوَجْهَانِ " أَيْ وَالْأَصَحُّ الْتِحَاقُهُ بِالصَّرِيحِ فِي الْكُلِّ.
" وَأَمَّا " مَا لَمْ يَرِدْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَكِنْ شَاعَ فِي الْعُرْفِ كَقَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَرِدْ شَرْعًا فِي الطَّلَاقِ " وَشَاعَ الْعُرْفُ " فِي إرَادَتِهِ فَوَجْهَانِ " أَيْ وَالْأَصَحُّ " الْتِحَاقُهُ بِالْكِنَايَةِ،
(2/306)

فَإِنْ قِيلَ: قَطَعْتُمْ بِأَنَّ لَفْظَ الْخُلْعِ صَرِيحٌ عَلَى قَوْلِ الْفَسْخِ فَهُوَ يَخْرِمُ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي " الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ ".
قِيلَ: الْخُلْعُ جَرَى " عَلَى " لِسَانِ حَمَلَةِ الشَّرْعِ حَتَّى كَأَنَّهُمْ " مَجْبُولُونَ " عَلَى " التَّلَفُّظِ " بِهِ، وَإِذَا نَطَقُوا رَأَوْهُ الْأَصْلَ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ " الْبَعِيدُ " كَالنِّكَاحِ فَاعْتَمَدَ فِيهِ مَا وَرَدَ فِي الشَّرْعِ " هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ وَهَذَا مِنْهُ بِنَاءً عَلَى مَا قَالَهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ أَنَّ لَفْظَ الْخُلْعِ لَمْ يَرِدْ فِي الشَّرْعِ " وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَفِي قَضِيَّةِ حَبِيبَةَ جَرَيَانُ الْخُلْعِ " وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ» وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ ".
ثُمَّ إنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ نَاقِصٌ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ وَمَا لَمْ يَرِدْ عَلَى " لِسَانِ " الشَّارِعِ، وَلَكِنْ شَاعَ عَلَى " أَلْسِنَةِ " حَمَلَتِهِ، وَكَانَ هُوَ الْمَقْصُودَ مِنْ الْعَقْدِ فَفِي كَوْنِهِ صَرِيحًا وَجْهَانِ وَالْأَصَحُّ صَرَاحَتُهُ.
وَهَذَا كَلَفْظِ التَّمْلِيكِ فِي الْبَيْعِ وَالْفَسْخِ فِي الْخُلْعِ، لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ فِيهِمَا فَإِذَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ كَانَ صَرِيحًا فِيهِ لَكِنْ يُقَدَّمُ فِي هَذَا " لَفْظُ " التَّحْرِيمِ " وَالْإِبَانَةِ " فَإِنَّهُمَا مَقْصُودَا
(2/307)

الطَّلَاقِ مَعَ أَنَّهُمَا كِنَايَةٌ فِيهِ.
وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَيْضًا قَوْلَ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّ قَوْلَهُ لَا أُجَامِعُك كِنَايَةٌ فِي الْإِيلَاءِ مَعَ شُيُوعِهِ عَلَى لِسَانِ حَمَلَةِ الشَّرْعِ وَلَفْظُ " الْمَسِّ " مُتَكَرِّرٌ فِي الْقُرْآنِ، " وَعَلَى " لِسَانِ حَمَلَةِ الشَّرْعِ؛ لِإِرَادَةِ الْجِمَاعِ وَالْجَدِيدُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ فِيهِ، وَفِي لَفْظِ الْإِمْسَاكِ فِي الرَّجْعَةِ وَجْهَانِ " وَهُوَ " مِمَّا " تَكَرَّرَ " فِي الْقُرْآنِ.

الثَّانِي: أَنَّ فِيهِ مَعْنَى التَّعَبُّدِ وَلِهَذَا تَكَلَّمُوا فِي حَصْرِهِ فِي مَوَاضِعَ كَالطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ عَمّ فِي نَاحِيَةٍ اسْتِعْمَالُ الطَّلَاقِ فِي إرَادَةِ التَّخَلُّصِ عَنْ الْوَثَاقِ وَنَحْوِهِ فَخَاطَبَهَا الزَّوْجُ بِالطَّلَاقِ، وَقَالَ: أَرَدْت بِهِ ذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ كَمَا سَبَقَ عَنْ الْإِمَامِ فِي أَنَّ الِاصْطِلَاحَ الْخَاصَّ لَا يَرْفَعُ الْعَامَّ.

الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَصِيرُ كِنَايَةً بِالْقَرَائِنِ اللَّفْظِيَّةِ، فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَثَاقٍ أَوْ فَارَقْتُك بِالْجِسْمِ أَوْ سَرَّحْتُك مِنْ الْيَدِ أَوْ إلَى السُّوقِ لَمْ " تَطْلُقْ " فَإِنَّ أَوَّلَ اللَّفْظِ " مُرْتَبِطٌ " بِآخِرِهِ، " قَالَ " الْإِمَامُ: وَهَذَا يُضَاهِي الِاسْتِثْنَاءَ.
قُلْت وَهَذَا حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي صُورَةِ سُؤَالٍ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدَّمَ
(2/308)

صَرِيحَ الطَّلَاقِ بِقَوْلِهِ طَلَّقْتُك، فَقَدْ " يَتَعَقَّبُهُ " نَدَمٌ فَيَصِلُهُ بِقَوْلِهِ مِنْ وَثَاقٍ، وَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِهَذَا التَّوَهُّمِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ الْمُتَّصِلَ يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِجَمِيعِهِ لَا بِبَعْضِهِ " كَقَوْلِهِ " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَلَا يُقَالُ فِيهَا أَنَّهُ نَفَى الْإِلَهَ أَوَّلًا فَخَافَ فَاسْتَدْرَكَ بِالْإِثْبَاتِ ثَانِيًا.
وَانْبَنَى عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فَرْعَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إذَا نَوَى بِهَا الطَّلَاقَ وَقَعَ؛ لِأَنَّا جَعَلْنَاهَا كِنَايَةً وَلَا شَكَّ " أَنَّ فِي " النِّكَاحِ نَوْعُ وَثَاقٍ، وَنَوْعُ يَدٍ وَنَوْعُ اخْتِلَاطٍ.
الثَّانِي: اعْتِبَارُ النِّيَّةِ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْمُتَوَلِّي فَقَالَ " أَمَّا "، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الْأَقْوَالِ " اللَّفْظُ وَإِنْ كَانَ صَرِيحًا فِي التَّصْدِيقِ، فَقَدْ تَنْضَمُّ إلَيْهِ قَرَائِنُ تَصْرِفُهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ إلَى الِاسْتِهْزَاءِ كَتَحْرِيكِ الرَّأْسِ عَلَى شِدَّةِ التَّعَجُّبِ وَالْإِنْكَارِ، قَالَ وَيُشْبِهُ حَمْلَ قَوْلِ الْأَصْحَابِ فِيمَا إذَا قَالَ لَهُ لِي عَلَيْك أَلْفٌ فَقَالَ صَدَقْت أَوْ نَحْوَهُ عَلَى انْتِفَاءِ الْقَرِينَةِ فَإِنْ احْتَفَّتْ بِاللَّفْظِ الْقَرَائِنُ الْمَذْكُورَةُ فَلَا تُجْعَلُ إقْرَارًا " وَيَأْتِي " فِيهِ " خِلَافُ " تَعَارُضِ اللَّفْظِ وَالْقَرِينَةِ.
وَمِمَّا يُعَارِضْ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ أَنَّ السُّؤَالَ لَا يَلْحَقُ الْكِنَايَةَ بِالصَّرِيحِ، إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ، وَهِيَ مَا لَوْ قَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ وَاسْمُهَا فَاطِمَةُ: طَلِّقْنِي فَقَالَ: طَلَّقْت فَاطِمَةَ، ثُمَّ قَالَ نَوَيْت فَاطِمَةً أُخْرَى طَلَقَتْ وَلَا يُقْبَلُ؛ لِدَلَالَةِ الْحَالِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ ابْتِدَاءً: طَلَّقْت فَاطِمَةَ، ثُمَّ قَالَ: نَوَيْت أُخْرَى حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ " فِي الشَّرْحِ " عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ.
(2/309)

الرَّابِعُ: الصَّرِيحُ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ، وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ هَذَا بِقَوْلِهِمْ يُشْتَرَطُ قَصْدُ حُرُوفِ الطَّلَاقِ لِمَعْنَى الطَّلَاقِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ، وَقَدْ تَكَلَّمُوا فِي وَجْهِ الْجَمْعِ بِكَلَامٍ كَثِيرٍ، وَأَقْرَبُ مَا يُقَالُ فِيهِ: أَنَّ مَعْنَى " قَوْلِهِمْ الصَّرِيحُ " لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ أَيْ: نِيَّةِ الْإِيقَاعِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لَهُ فَاسْتَغْنَى عَنْ النِّيَّةِ.
أَمَّا قَصْدُ اللَّفْظِ " فَيُشْتَرَطُ " لِتَخْرُجَ مَسْأَلَةُ سَبْقِ اللِّسَانِ، وَمِنْ هَا هُنَا يَفْتَرِقُ الصَّرِيحُ وَالْكِنَايَةُ، فَالصَّرِيحُ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَمْرٌ وَاحِدٌ وَهُوَ قَصْدُ اللَّفْظِ، وَالْكِنَايَةُ يُشْتَرَطُ فِيهَا أَمْرَانِ قَصْدُ اللَّفْظِ، وَنِيَّةُ الْإِيقَاعِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: أَنْ يَقْصِدَ حُرُوفَ الطَّلَاقِ لِلْمَعْنَى الْمَوْضُوعِ لَهُ لِيَخْرُجَ أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَثَاقٍ.

الْخَامِسُ: الصَّرَائِحُ تَعْمَلُ بِنَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِدْعَاءٍ بِلَا خِلَافٍ إلَّا فِيمَا إذَا قِيلَ: لِلْكَافِرِ قُلْ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَقَالَهَا حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ قَالَهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِدْعَاءٍ فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ أَصَحُّهُمَا: يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ وَوَجْهُ الْمَنْعِ احْتِمَالُ قَصْدِ الْحِكَايَةِ.

السَّادِسُ: كُلُّ تَرْجَمَةٍ " نُصِبَتْ عَلَى " بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الشَّرِيعَةِ فَالْمُشْتَقُّ مِنْهَا صَرِيحٌ بِلَا خِلَافٍ، إلَّا فِي أَبْوَابٍ فَفِي بَعْضِهَا لَا تَكْفِي عَلَى الْأَصَحِّ، وَفِي بَعْضِهَا تَكْفِي عَلَى وَجْهٍ.
(2/310)

الْأُولَى: " الشَّرِكَةُ " لَا يَكْفِي " مُجَرَّدُ " اشْتَرَكْنَا.
الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ: " الْمُتَيَمِّمُ "، لَوْ قَالَ: نَوَيْت التَّيَمُّمَ لَا يَكْفِي، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْفَرْضِ مَعَهُ فِي الْأَصَحِّ، وَكَذَا الْوُضُوءُ عَلَى وَجْهٍ " صَحَّحَهُ الشَّاشِيُّ "، لَكِنَّ الْأَصَحَّ فِيهِ الصِّحَّةُ.
الرَّابِعَةُ: الْكِتَابَةُ فَبِمُجَرَّدِ كَاتَبْتُك لَا تَصِحُّ حَتَّى يَقُولَ، وَأَنْتَ حُرٌّ إذَا أَدَّيْت.
الْخَامِسَةُ: التَّدْبِيرُ عَلَى قَوْلٍ.
السَّادِسَةُ: الْخُلْعُ.

" السَّابِعُ ": الصَّرِيحُ فِي " بَابِهِ " إذَا وَجَدَ نَفَاذًا فِي " مَوْضِعِهِ " لَا يَكُونُ كِنَايَةً فِي " غَيْرِهِ وَمَعْنَى " وَجَدَ نَفَاذًا أَيْ أَمْكَنَ تَنْفِيذُهُ، " كَمَا عَبَّرَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي الطَّلَاقِ، وَالْمُرَادُ أَمْكَنَ تَنْفِيذُهُ " صَرِيحًا.
وَهَذَا كَالطَّلَاقِ لَا يَكُونُ ظِهَارًا " وَفَسْخًا " بِالنِّيَّةِ، وَبِالْعَكْسِ فَلَوْ قَالَ: وَهَبْت مِنْك وَنَوَى الْوَصِيَّةَ لَا تَكُونُ وَصِيَّةً فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ تَنْفِيذُهُ فِي مَوْضُوعِهِ الصَّرِيحِ وَهُوَ التَّمْلِيكُ النَّاجِزُ.
وَلَوْ قَالَ فِي الْإِجَارَةٍ بِعْتُك مَنْفَعَتَهَا لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ مَوْضُوعٌ لِمِلْكِ الْأَعْيَانِ فَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَنَافِعِ، كَمَا لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ.

وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ:
(2/311)

إحْدَاهَا: إذَا جَعَلْنَا الْخُلْعَ صَرِيحًا فِي الْفَسْخِ هَلْ يَكُونُ كِنَايَةً فِي الطَّلَاقِ حَتَّى إذَا نَوَيَا بِهِ الطَّلَاقَ يَكُونُ طَلَاقًا يَنْقُصُ بِهِ الْعَدَدُ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا مِنْ حَيْثُ " النَّقْلُ يَكُونُ " طَلَاقًا.

الثَّانِيَةُ: لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ " وَعَنَى بِهِ " الطَّلَاقَ فَإِنَّهُ يَقَعُ مَعَ أَنَّ لَفْظَ التَّحْرِيمِ صَرِيحٌ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ، فَقَدْ يُعَدُّ كِنَايَةً مَعَ كَوْنِهِ وَجَدَ نَفَاذًا فِي مَوْضُوعِهِ "، وَقَدْ يُجَابُ " عَنْ هَذَا بِأَنَّ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ بِهِ لَا يَخْتَصُّ بِالنِّكَاحِ، بَلْ يَجْرِي فِي مِلْكِ الْيَمِينِ إذَا قَالَ لِأَمَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، وَإِذَا لَمْ يَخْتَصَّ بِالنِّكَاحِ لَمْ يَبْعُدْ صَرْفُهُ إلَى حُكْمٍ آخَرَ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ.

الثَّالِثَةُ: لَوْ قَالَ: بِعْتُك نَفْسَكِ بِكَذَا " وَقَالَتْ: " اشْتَرَيْت فَكِنَايَةُ خُلْعٍ.

الرَّابِعَةُ: قَالَ السَّفِيهُ لِعَبْدِهِ أَعْتِقْ نَفْسَك فَنَصَّ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - " فِي بَابِ الْكِتَابَةِ مِنْ الْأُمِّ أَنَّهُ كِنَايَةٌ فِي الْعِتْقِ إنْ نَوَى عِتْقَهُ وَقَعَ مَعَ أَنَّهُ صَرِيحٌ فِي التَّفْوِيضِ، وَقَدْ جَعَلَهُ كِنَايَةً فِي التَّنْجِيزِ.

الْخَامِسَةُ: لَوْ قَالَ: مَالِي طَالِقٌ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ الصَّدَقَةَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ نَوَى صَدَقَةَ مَالِهِ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَقْصِدَ قُرْبَةً.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَعَلَى هَذَا فَهَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِهِ أَوْ يَتَخَيَّرَ بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَكَفَّارَةِ يَمِينٍ وَاحِدَةٍ؟ وَجْهَانِ.

السَّادِسَةُ: صَرَائِحُ الطَّلَاقِ كِنَايَةٌ فِي الْعِتْقِ فَلَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى الْعِتْقَ عَتَقَتْ وَعَكْسُهُ، قَالَ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ: وَلَوْ كَانَ مُتَزَوِّجًا بِأَمَتِهِ فَوَكَّلَ سَيِّدَهَا
(2/312)

فِي طَلَاقِهَا فَقَالَ قَدْ أَعْتَقْتُك، وَنَوَى الطَّلَاقَ وَقَعَ.

السَّابِعَةُ: أَحَالَهُ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ ثُمَّ قَالَ أَرَدْت بِذَلِكَ التَّوْكِيلَ، قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: لَا يُقْبَلُ عَلَى الْقَاعِدَةِ، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِنِيَّتِهِ.

الثَّامِنَةُ: لَوْ رَاجَعَ بِلَفْظِ النِّكَاحِ " أَوْ التَّزْوِيجِ "، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ كِنَايَةٌ " تَنْفُذُ " بِالنِّيَّةِ؛ لِإِشْعَارِهِ بِالْمَعْنَى.

التَّاسِعَةُ: قَالَ لِعَبْدِهِ وَهَبْتُك نَفْسَك، وَأَطْلَقَ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ فِي الْمَجْلِسِ فَإِنْ نَوَى بِهِ الْعِتْقَ عَتَقَ فِي الْحَالِ.

الْعَاشِرَةُ: إذَا ثَبَتَ لِلزَّوْجِ فَسْخُ النِّكَاحِ بِعَيْبٍ أَوْ بِإِسْلَامِهِ عَلَى الْأَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ فَقَالَ: فَسَخْت نِكَاحَك، وَأَطْلَقَ أَوْ نَوَاهُ حَصَلَ الْفَسْخُ، وَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ طَلَقَتْ فِي الْأَصَحِّ.

الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: قَالَ ": أَعَرْتُك " حِمَارِي " لِتُعِيرَ لِي " فَرَسَك فَإِجَارَةٌ فَاسِدَةٌ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ.
وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْإِعَارَةَ كِنَايَةٌ فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ، وَالْفَسَادُ جَاءَ مِنْ اشْتِرَاطِ " الْعَارِيَّةِ " فِي الْعَقْدِ.

[الصِّفَةُ فِي الْمَعْرِفَةِ لِلتَّوْضِيحِ]
نَحْوُ زَيْدٌ الْعَالِمُ وَمِنْهُ {وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: 238] " وَيُسَمِّيهِ الْبَيَانِيُّونَ "
(2/313)

الصِّفَةَ الْفَارِقَةَ.
وَفِي النَّكِرَةِ لِلتَّخْصِيصِ نَحْوُ مَرَرْت بِرَجُلٍ فَاضِلٍ.
وَمِنْهُ {آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} [آل عمران: 7] وَيُعَبَّرُ عَنْهَا أَيْضًا بِالشَّرْطِ؛ لِأَنَّ تَخْصِيصَ الْمَوْصُوفِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاطِهِ " فِيهِ ".
وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مَا لَوْ قَالَ: إنْ ظَاهَرْتُ مِنْ فُلَانَةَ الْأَجْنَبِيَّةِ فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَخَاطَبَهَا بِالظِّهَارِ لَمْ يَصِرْ مُظَاهِرًا مِنْ الزَّوْجَةِ، وَإِنْ نَكَحَهَا وَظَاهَرَ مِنْهَا صَارَ، وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ " الْأَجْنَبِيَّةِ " عَلَى التَّعْرِيفِ لَا الشَّرْطِ، " وَقِيلَ: " لَا يَصِيرُ مُظَاهِرًا، وَإِنْ نَكَحَهَا حَمْلًا لَهُ عَلَى الشَّرْطِ.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِيمَا إذَا قَالَ لِحَوَامِلَ: مَتَى وَلَدَتْ وَاحِدَةٌ مِنْكُنَّ " فَصَوَاحِبُهَا " طَوَالِقُ أَنَّهُ يُرَاجَعُ الزَّوْجُ فَإِنْ أَرَادَ " بِصَوَاحِبِهَا " الشَّرْطَ تَعَيَّنَ الثَّانِي " أَوْ التَّعْرِيفَ " فَالْأَوَّلُ قَطْعًا "، وَإِنْ أَطْلَقَ أَوْ مَاتَ " وَلَمْ تُعْرَفُ إرَادَتُهُ حُمِلَ عَلَى التَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّ الشُّرُوطَ عُقُودٌ، لَا تَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ، وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ فِي صُورَةِ الظِّهَارِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ.
وَلَوْ قَالَ لِوَكِيلِهِ: اسْتَوْفِ دَيْنِي الَّذِي " لِي " عَلَى فُلَانٍ فَمَاتَ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ مِنْ وَارِثِهِ؟ وَجْهَانِ إنْ جَعَلْنَا " الصِّفَةَ " وَهِيَ قَوْلُهُ الَّذِي عَلَى فُلَانٍ لِلتَّعْرِيفِ كَانَ لَهُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الْوَارِثِ، وَإِنْ جَعَلْنَاهَا لِلشَّرْطِ فَلَا.
(2/314)

تَنْبِيهٌ: " مَا ذَكَرْنَاهُ "، فِي الصِّفَةِ الْفَارِقَةِ هُوَ الْمَشْهُورُ، " وَقَالَ ابْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ " فِي الْبُرْهَانِ: إذَا دَخَلَتْ الصِّفَةُ عَلَى اسْمِ الْجِنْسِ الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ كَانَتْ لِلتَّخْصِيصِ لَا لِلتَّوْضِيحِ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ الْكُلِّيَّةَ لَوْ أُرِيدَتْ بِاسْمِ الْجِنْسِ مِنْ حَيْثُ هِيَ " هِيَ " كَانَ الْوَصْفُ " بِهَا نَسْخًا " فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مَعْنِيًّا بِهَا الْخَاصُّ ثُمَّ الصِّفَةُ تَأْتِي مُبَيِّنَةً لِمُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا، لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَشْرَبُ الْمَاءَ الْبَارِدَ فَشَرِبَ الْحَارَّ لَمْ يَحْنَثْ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: لَا كَلَّمْت زَيْدًا الرَّاكِبَ فَكَلَّمَهُ وَهُوَ مَاشٍ " يَحْنَثُ " إذْ لَمْ تُفِدْ الصِّفَةُ فِيهِ تَقْيِيدًا.

[صِفَاتُ الْحُقُوقِ لَا تُفْرَدُ بِالْإِسْقَاطِ]
وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أَسْقَطَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ الْأَجَلَ هَلْ يَسْقُطُ حَتَّى يَتَمَكَّنَ الْمُسْتَحِقُّ مِنْ مُطَالَبَتِهِ فِي الْحَالِ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا يَسْقُطُ لِأَنَّ الْأَجَلَ صِفَةٌ تَابِعَةٌ، وَالصِّفَةُ لَا " تُفْرَدُ " " بِالْإِسْقَاطِ ".
(2/315)

وَلَوْ أَنَّ مُسْتَحِقَّ الْحِنْطَةِ الْجَيِّدَةِ وَالدَّنَانِيرِ الصِّحَاحِ أَسْقَطَ صِفَةَ الْجُودَةِ أَوْ الصِّحَّةِ لَمْ تَسْقُطْ " بِالْإِسْقَاطِ "، ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْمَنَاهِي.
نَعَمْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ إذَا بَاعَ شَيْئًا بِشَرْطِ الرَّهْنِ وَالْكَفِيلِ فَلَا يَسْقُطُ بِالْإِسْقَاطِ كَالْأَجَلِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ.
وَيَقْرُبُ مِنْهُ إسْقَاطُ الْبَائِعِ حَقَّ الْعِتْقِ إذَا جَعَلْنَا الْحَقَّ لَهُ، وَجَزَمَ الرَّافِعِيُّ بِالسُّقُوطِ، وَهَذِهِ " الصُّوَرُ " لَا تَرِدُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ؛ لِأَنَّ شَرْطَهَا أَنْ لَا يَكُونَ الْوَصْفُ مِمَّا يُفْرَدُ بِالْعَقْدِ كَالرَّهْنِ وَالْكَفِيلِ، وَالْعِتْقُ بِخِلَافِ الْأَجَلِ فَإِنَّهُ وَصْفٌ لَازِمٌ لَا يُمْكِنُ إنْشَاؤُهُ بِعَقْدٍ مُسْتَقِلٍّ.
وَقَضِيَّةُ هَذَا " أَنَّهُ "، لَوْ اشْتَرَى شَاةً بِشَرْطِ أَنَّهَا لَبُونٌ وَصَحَّحْنَاهُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَوْ أَسْقَطَ خِيَارَهُ إذَا خَرَجَتْ غَيْرَ لَبُونٍ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ؛ لِأَنَّهُ صِفَةٌ لَازِمَةٌ.
(2/316)

[حَرْفُ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ] [الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ]
الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ
وَمِنْ ثَمَّ أُبِيحَتْ الْمَيْتَةُ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ، وَإِسَاغَةُ اللُّقْمَةِ بِالْخَمْرِ لِمَنْ غَصَّ، وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا، وَأُبِيحَتْ كَلِمَةُ الْكُفْرِ لِلْمُكْرَهِ، وَكَذَلِكَ إتْلَافُ الْمَالِ، وَكَذَلِكَ أَخْذُ مَالِ الْمُمْتَنِعِ مِنْ الدَّيْنِ بِغَيْرِ إذْنِهِ إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ وَلَوْ كَانَ بِكَسْرِ بَابِهِ.
وَلَوْ صَالَ الصَّيْدُ عَلَى مُحْرِمٍ فَقَتَلَهُ دَفْعًا لَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّهُ بِالصِّيَالِ الْتَحَقَ بِالْمُؤْذِيَاتِ، وَإِذَا عَمّ الْحَرَامُ قُطْرًا بِحَيْثُ لَا يُوجَدُ فِيهِ حَلَالٌ إلَّا نَادِرًا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ، وَلَا يُقْتَصَرُ عَلَى الضَّرُورَةِ، قَالَ الْإِمَامُ: (وَلَا يَتَبَسَّطُ فِيهِ كَمَا يَتَبَسَّطُ) فِي الْحَلَالِ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ دُونَ أَكْلِ الطَّيِّبَاتِ وَنَحْوِهَا مِمَّا هُوَ كَالتَّتِمَّاتِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَتَوَقَّعَ مَعْرِفَةَ الشَّخْصِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، أَمَّا عِنْدَ الْإِيَاسِ فَلَا يُتَصَوَّرُ الْمَسْأَلَةُ (كَأَنَّهُ) حِينَئِذٍ يَكُونُ الْمَالُ لِلْمَصَالِحِ، (لِأَنَّ مِنْ) جُمْلَةِ (أَمْوَالِ) بَيْتِ الْمَالِ مَا جُهِلَ مَالِكُهُ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ مِنْ شَرْحِ التَّلْخِيصِ وَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى مَالِ غَيْرِهِ وَتَرَكَ الْأَكْلَ هَلْ يَعْصِي؟ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: نَعَمْ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ إحْيَاءَ نَفْسِهِ، وَالثَّانِي لَهُ أَنْ يَسْتَسْلِمَ لِلْهَلَاكِ، كَمَا لَوْ قَصَدَ مُسْلِمٌ لِقَتْلِهِ قَالَ: وَهَكَذَا الْوَجْهَانِ فِيمَا لَوْ احْتَاجَ لِشُرْبِ الْخَمْرِ لِلْعَطَشِ، وَيَجُوزُ إتْلَافُ شَجَرِ الْكُفَّارِ وَبِنَائِهِمْ لِحَاجَةِ الْقِتَالِ، وَكَذَا إتْلَافُ الْحَيَوَانِ (الَّذِينَ) يُقَاتِلُونَ عَلَيْهِ؛ لِدَفْعِهِمْ أَوْ (ظَفْرٍ
(2/317)

بِهِمْ) ، وَيَجُوزُ نَبْشُ الْمَيِّتِ بَعْدَ دَفْنِهِ لِلضَّرُورَةِ بِأَنْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ أَوْ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ، أَوْ فِي أَرْضٍ أَوْ ثَوْبٍ مَغْصُوبٍ لَا لِلتَّكْفِينِ فِي الْأَصَحِّ؛ وَلَا لِيُدْفَنَ عَلَيْهِ آخَرُ.
وَيَجُوزُ غَصْبُ الْخَيْطِ لِخِيَاطَةِ جُرْحِ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ إذَا لَمْ يَجِدْ خَيْطًا حَلَالًا.
هَذَا إذَا كَانَ الْحَيَوَانُ غَيْرَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ فَإِنْ كَانَ فَوَجْهَانِ.
وَالنَّجَاسَاتُ إذَا عَمَّتْ الْبَلْوَى بِهَا يَرْتَفِعُ حُكْمُهَا.
وَمِنْهُ الْمَاءُ الَّذِي يَسِيلُ مِنْ فَمِ النَّائِمِ إذَا حَكَمْنَا بِنَجَاسَتِهِ وَعَمَّتْ (بَلْوَى) شَخْصٍ بِهِ، فَالظَّاهِرُ الْعَفْوُ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ.
قَالَ: وَلَوْ عَمَّتْ الْبَلْوَى بِذَرْقِ (الطَّيْرِ) ، وَتَعَذَّرَ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ عُفِيَ عَنْهُ كَطِينِ الشَّارِعِ، وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَهُ.
وَفِي النُّكَتِ لِلشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ يُعْفَى عَنْ ذَرْقِ الطُّيُورِ فِي الْمَسَاجِدِ.
وَحَكَاهُ عَنْهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ ذَرْقُ الْعُصْفُورِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ وَهَذَا (تَصَرُّفٌ) بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ فَإِنَّ الشَّيْخَ عَمَّ الطُّيُورَ وَخَصَّ الْمَسَاجِدَ، وَالرَّافِعِيُّ عَكَسَ النَّقْلَ عَنْهُ (فَخَصَّ) الْعُصْفُورَ وَعَمَّ (الْعَفْوَ) (وَكَالْعَفْوِ) عَنْ أَثَرِ الِاسْتِنْجَاءِ وَسَلَسِ الْبَوْلِ.
وَلَوْ وَلِيَ الْإِمَامَ غَيْرُ أَهْلٍ نَفَذَ قَضَاؤُهُ؛ لِلضَّرُورَةِ، وَأَلْحَقَهُ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ بِقَاضِي أَهْلِ الْبَغْيِ، وَنَازَعَ فِيهِ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْكَتَّانِيُّ (فَإِنَّ) الْمَنْقُولَ فِي
(2/318)

قَاضِي أَهْلِ الْبَغْيِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْأَهْلِ وَغَيْرِهِ، قَالَ وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى حَتَّى (يَنْفُذَ) ، أَلَا تَرَى أَنَّ بَيْعَ الْمُعَاطَاةِ قَدْ غَلَبَ فِي هَذَا الزَّمَانِ.
وَلَوْ رُفِعَ إلَى حَاكِمٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ تَصْحِيحُهُ؛ لِأَنَّ مَا خَالَفَ قَوَاعِدَ الشَّرْعِ لَا أَثَرَ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ.
فَائِدَةٌ: جَعَلَ بَعْضُهُمْ الْمَرَاتِبَ خَمْسَةً ضَرُورَةٌ، وَحَاجَةٌ، وَمَنْفَعَةٌ، وَزِينَةٌ، وَفُضُولٌ.
فَالضَّرُورَةُ: بُلُوغُهُ حَدًّا إنْ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْمَمْنُوعَ هَلَكَ أَوْ قَارَبَ كَالْمُضْطَرِّ لِلْأَكْلِ وَاللُّبْسِ بِحَيْثُ لَوْ بَقِيَ جَائِعًا أَوْ عُرْيَانًا لَمَاتَ أَوْ تَلِفَ مِنْهُ عُضْوٌ.
وَهَذَا يُبِيحُ تَنَاوُلَ الْمُحَرَّمِ.
وَالْحَاجَةُ: كَالْجَائِعِ الَّذِي لَوْ لَمْ يَجِدْ مَا يَأْكُلُ لَمْ يَهْلِكْ غَيْرَ أَنَّهُ يَكُونُ فِي جَهْدٍ وَمَشَقَّةٍ، وَهَذَا لَا يُبِيحُ الْمُحَرَّمَ.
، وَأَمَّا الْمَنْفَعَةُ: فَكَاَلَّذِي يَشْتَهِي خُبْزَ الْحِنْطَةِ وَلَحْمَ الْغَنَمِ، (وَالطَّعَامَ) الدَّسِمَ.
وَأَمَّا الزِّينَةُ: فَكَالْمُشْتَهِي (الْحُلْوَ) الْمُتَّخَذَ مِنْ (اللَّوْزِ وَالسُّكَّرِ) وَالثَّوْبَ الْمَنْسُوجَ مِنْ
(2/319)

حَرِيرٍ وَكَتَّانٍ.
وَأَمَّا الْفُضُولُ: (فَهُوَ) التَّوَسُّعُ بِأَكْلِ الْحَرَامِ أَوْ الشُّبْهَةِ، كَمَنْ يُرِيدُ اسْتِعْمَالَ أَوَانِي الذَّهَبِ أَوْ شُرْبَ الْخَمْرِ إذَا عَلِمْت هَذَا فَلِلْقَنُوعِ مَرْتَبَتَانِ: (إحْدَاهُمَا) يَقْنَعُ بِدَفْعِ الْحَاجَةِ فَلَا يَأْكُلُ إلَّا عِنْدَ الْجُوعِ بِقَدْرِ مَا يَدْفَعُهُ وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ دَافِعٍ وَدَافِعٍ.
وَدُونَهَا مَرْتَبَةُ مَنْ يَقْنَعُ (بِاسْتِيفَاءِ) الْمَنْفَعَةِ فَيَأْكُلُ الطَّيِّبَ، وَلَكِنْ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ صِنْفٍ وَصِنْفٍ (فَإِذَا) اشْتَهَى (الْحُلْوَ) اسْتَوَى عِنْدَهُ الدِّبْسُ وَالسُّكَّرُ، وَإِذَا أَرَادَ اللُّبْسَ اسْتَوَى عِنْدَهُ الْقُطْنُ وَالصُّوفُ.
وَأَمَّا مَنْ دُونَهُ وَهُوَ الْقَنُوعُ بِسَدِّ الرَّمَقِ الصَّابِرُ عَلَى مَضَضِ الْجُوعِ، وَكَانَ الْقَانِعُ يَسْتُرُ وَجْهَ الْحَاجَةِ بِسَتْرٍ خَفِيفٍ، كَمَا أَنَّ (الْمِقْنَعَةَ) تَسْتُرُ وَجْهَ لَابِسِهَا بَعْضَ السِّتْرِ، وَلَا يُقَالُ لِمَنْ جَلَسَ خَلْفَ حَائِطٍ مِنْ الشَّمْسِ أَنَّهُ تَقَنَّعَ بِالْحَائِطِ.

[قَاعِدَةٌ مَا أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ يُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا]
وَمِنْ ثَمَّ لَا يَأْكُلُ مِنْ الْمَيْتَةِ إلَّا قَدْرَ سَدِّ الرَّمَقِ، فَإِذَا اُسْتُشِيرَ فِي خَاطِبٍ ذَكَرَ مَسَاوِئَهُ، قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ فَإِنْ اكْتَفَى بِالتَّعْرِيضِ كَقَوْلِهِ لَا يَصْلُحُ لَك لَمْ
(2/320)

يَعْدِلْ إلَى التَّصْرِيحِ، وَيَجُوزُ أَخْذُ نَبَاتِ الْحَرَمِ؛ لِعَلَفِ الْبَهَائِمِ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُهُ؛ لِبَيْعِهِ لِمَنْ يَعْلِفُ.
وَمِثْلُهُ الطَّعَامُ فِي دَارِ الْحَرْبِ يُؤْخَذُ عَلَى (حَسَبِ) الْحَاجَةِ؛ لِأَنَّهُ أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ، وَيُعْفَى عَنْ مَحَلِّ اسْتِجْمَارِهِ، وَلَوْ حَمَلَ (مُسْتَجْمَرًا فِي الصَّلَاةِ) (بَطَلَتْ) فِي الْأَظْهَرِ، وَيُعْفَى عَنْ الطُّحْلُبِ فِي الْمَاءِ، فَلَوْ أُخِذَ وَدُقَّ وَطُرِحَ فِيهِ وَغَيَّرَهُ ضَرَّ.
وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ: لَوْ كَانَ عِنْدَهُ ثَوْبٌ فِيهِ دَمُ بَرَاغِيثَ (مُسْتَغْنِيًا) عَنْ لُبْسِهِ فَلَبِسَهُ فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ، وَالْمَاءُ الَّذِي غَسَلَ بِهِ (النَّجَاسَةَ الْمَعْفُوَّ) عَنْهَا مُسْتَعْمَلٌ قَطْعًا؛ لِزَوَالِ النَّجَاسَةِ.
قَالَ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ وَالْمَرْأَةُ إذَا فَصَدَهَا أَجْنَبِيٌّ عِنْدَ فَقْدِ (امْرَأَةٍ) أَوْ مَحْرَمٍ لَمْ يَجُزْ (لَهَا) كَشْفُ جَمِيعِ سَاعِدِهَا، بَلْ عَلَيْهَا أَنْ تَلُفَّ عَلَى يَدِهَا ثَوْبًا وَلَا تَكْشِفَ إلَّا الْقَدْرَ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْ كَشْفِهِ لِلْفَصْدِ، وَلَوْ زَادَتْ عَلَيْهِ عَصَتْ اللَّهَ تَعَالَى.

[الضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ]
ِ كَذَا (أَطْلَقُوهُ) وَاسْتَدْرَكَ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْكَتَّانِيُّ فَقَالَ: لَا بُدَّ مِنْ النَّظَرِ لِأَخَفِّهِمَا، وَأَغْلَظِهِمَا انْتَهَى.
(2/321)

وَلِهَذَا لَوْ كَانَ لَهُ عَلَى شَخْصٍ دَيْنٌ، وَمَعَهُ قَدْرُهُ فَقَطْ فَإِنَّهُ (يُؤْخَذُ، وَإِنْ) تَضَرَّرَ الْمَدْيُونُ، وَلَوْ كَانَ لَهُ عُشْرُ دَارٍ (لَا) يَصْلُحُ لِلسُّكْنَى وَالْبَاقِي لِآخَرَ، وَطَلَبَ صَاحِبُ الْأَكْثَرِ الْقِسْمَةَ أُجِيبَ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرُ شَرِيكِهِ، وَمِنْ هَذَا ثُبُوتُ الشُّفْعَةِ فِي الشِّقْصِ وَيَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي مَوْقُوفًا عَلَى إسْقَاطِ الشُّفْعَةِ.
وَلَوْ بَاعَهُ شَيْئًا وَسَلَّمَهُ إلَى الْمُشْتَرِي فَرَهَنَهُ ثُمَّ أَفْلَسَ فَلَيْسَ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِي عَيْنِ مَالِهِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إضْرَارًا بِالْمُرْتَهِنِ وَالضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ، وَلَوْ اشْتَرَى أَرْضًا (فَغَرَسَ) فِيهَا أَوْ بَنَى، ثُمَّ أَفْلَسَ فَلَيْسَ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِيهَا، وَيَبْقَى الْغِرَاسُ وَالْبِنَاءُ لِلْمُفْلِسِ فِي الْأَظْهَرِ؛ لِأَنَّهُ يُنْقِصُ قِيمَتَهَا، وَيَضُرُّ بِالْمُفْلِسِ وَالْغُرَمَاءِ (، وَالضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ) ، وَلَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ ضَيِّقَةَ الْمَحَلِّ، وَالرَّجُلُ كَبِيرَ الْآلَةِ لَا يُمْكِنُهُ وَطْؤُهَا إلَّا بِإِفْضَائِهَا لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ الْوَطْءِ.

[أَسْبَابُ الضَّمَانُ]
ِ أَرْبَعَةٌ.: عَقْدٌ، وَيَدٌ وَإِتْلَافٌ، وَحَيْلُولَةٌ.
(2/322)

الْأَوَّلُ: الْعَقْدُ كَالْبَيْعِ وَالثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَالسَّلَمِ وَالْإِجَارَةِ وَنَحْوِهَا.

الثَّانِي: (الْيَدُ) وَهِيَ ضَرْبَانِ: يَدٌ غَيْرُ مُؤْتَمَنَةٍ كَيَدِ الْغَاصِبِ وَالْمُسْتَامِ وَالْمُسْتَعِيرِ وَالْمُشْتَرِي فَاسِدًا، (وَكَذَلِكَ) الْأَجِيرُ عَلَى قَوْلٍ.
وَيَدُ أَمَانَةٍ كَالْوَدِيعَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْوَكَالَةِ وَنَحْوِهَا إذَا وَقَعَ مِنْهَا التَّعَدِّي صَارَتْ الْيَدُ يَدَ ضَمَانٍ فَيَضْمَنُ إذَا تَلِفَتْ بِنَفْسِهَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مُؤْتَمَنًا.
قَالَ الْجُرْجَانِيُّ؛ فِي التَّحْرِيرِ الْمُوجِبُ لِضَمَانِ الْمَالِ خَمْسَةٌ: أَحَدُهَا: الْقَبْضُ لِلسَّوْمِ.
الثَّانِي: الْقَبْضُ عَنْ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ.
الثَّالِثُ: الْعَارِيَّةُ.
الرَّابِعُ: (الْإِتْلَافَاتُ) بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ (سَبَبٍ) .
الْخَامِسُ: التَّعَدِّي بِالْغَصْبِ أَوْ (بِالتَّصَرُّفِ) فِي الْأَمَانَةِ أَوْ (بِالتَّفْرِيطِ) فِي رَدِّهَا انْتَهَى.
(2/323)

وَأَمَّا الْأَمَانَاتُ الشَّرْعِيَّةُ فَإِنَّهَا تُضْمَنُ بِالتَّفْوِيتِ وَهَلْ تُضْمَنُ بِالْفَوَاتِ فِيهِ خِلَافٌ، وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ، كَمَا إذَا خَلَّصَ الْمُحْرِمُ (الصَّيْدَ) مِنْ جَارِحِهِ؛ لِيُدَاوِيَهُ فَتَلِفَ (عِنْدَهُ أَوْ أَخَذَ الْوَدِيعَةَ مِنْ صَبِيٍّ صِيَانَةً لَهَا؛ لِيَرُدَّهَا لِوَلِيِّهِ فَتَلِفَتْ) فِي يَدِهِ أَوْ الْتَقَطَ مَا لَا يَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ؛ لِلْحِفْظِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ لِلْآحَادِ ذَلِكَ وَهُوَ (الصَّحِيحُ) الْمَنْصُوصُ.
وَمِثْلُهُ لَوْ أَطَارَتْ الرِّيحُ ثَوْبًا إلَى دَارِهٍ فَأَخَذَهُ؛ لِيَرُدَّهُ لِمَالِكِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَيُسْتَثْنَى مَا لَوْ ظَفِرَ بِغَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ، وَقُلْنَا بِالْأَصَحِّ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِنَفْسِهِ وَيَسْتَوْفِي ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَوْ تَلِفَ قَبْلَ تَمَلُّكِهِ ضَمِنَ، وَلَوْ نَقَصَ ضَمِنَ نَقْصَهُ، وَإِنَّمَا ضَمِنَ هُنَا، وَإِنْ كَانَ مُؤْتَمَنًا؛ لِتَقْصِيرِهِ بِالتَّأْخِيرِ، وَلَا يُسْتَثْنَى مَا لَوْ انْتَزَعَ الْمَغْصُوبَ مِنْ الْغَاصِبِ؛ لِيَرُدَّهُ عَلَى مَالِكِهِ فَتَلِفَ عِنْدَهُ يَضْمَنُهُ فِي الْأَصَحِّ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْآحَادِ (الِانْتِزَاعُ) فَإِنَّ الْقَاضِيَ نَائِبُ (الْغَائِبِينَ) وَلَيْسَ هُوَ بِمُؤْتَمَنٍ شَرْعًا.

الثَّالِثُ: الْإِتْلَافُ فِي النَّفْسِ أَوْ الْمَالِ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ، وَضَمَانُ الْأَمْوَالِ مَبْنِيٌّ عَلَى (جَبْرِ الْفَائِتِ) ، وَضَمَانُ (النَّفْسِ) مَبْنِيٌّ عَلَى شِفَاءِ الْغَلِيلِ انْتَهَى.
وَيَفْتَرِقُ ضَمَانُ الْإِتْلَافِ وَالْيَدُ فِي أَنَّ ضَمَانَ الْإِتْلَافِ يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ فِيهِ (بِالْمُبَاشَرَةِ) دُونَ السَّبَبِ فِي الْأَظْهَرِ وَضَمَانُ الْيَدِ مُتَعَلِّقٌ بِهِمَا؛ لِوُجُودِهِ فِي كُلِّ
(2/324)

مِنْهُمَا، (ثُمَّ عِنْدَنَا) أَنَّ ضَمَانَ الْيَدِ فِي مُقَابَلَةِ فَوَاتِ يَدِ الْمَالِكِ، وَالْمِلْكُ بَاقٍ لِحَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجُرَّ نَاقِلٌ عَنْ مِلْكِهِ (وَالْفَائِتُ) عَلَيْهِ هُوَ الْيَدُ (وَالتَّصَرُّفُ) فَيَكُونُ الضَّمَانُ فِي مُقَابَلَةِ مَا فَاتَ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الضَّمَانَ فِي مُقَابَلَةِ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي وَجَبَ رَدُّهَا، فَالضَّمَانُ بَدَلٌ عَنْهَا وَبَنَوْا (عَلَيْهِ) فُرُوعًا: مِنْهَا: إذَا غَصَبَ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا أَوْ ثَوْبًا فَخَاطَهُ أَوْ شَاةً فَذَبَحَهَا لَا يَمْلِكُ الْمَغْصُوبَ بِذَلِكَ، وَعِنْدَهُمْ (يَمْلِكُ) الْعَيْنَ، وَيَنْتَقِلُ حَقُّ الْمَالِكِ إلَى الْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ.
وَمِنْهَا: إذَا ضَمِنَ بَدَلَ الْمَغْصُوبِ ثُمَّ ظَفِرَ بِهِ الْمَالِكُ كَانَ لَهُ وَيَرُدُّ إلَى الْغَاصِبِ مَا أَخَذَهُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُمْ يَمْلِكُ الْمَغْصُوبَ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ حَتَّى لَوْ كَانَ قَرِيبَهُ عَتَقَ عَلَيْهِ، وَمِنْهَا: أَنَّ الْجِنَايَةَ الْمُوجِبَةَ لِقِيمَةٍ الْعَبْدِ كَقَطْعِ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ لَا تَقْتَضِي مِلْكَ الْجَانِي لِلْعَبْدِ وَعِنْدَهُمْ تَقْتَضِي ذَلِكَ.

الرَّابِعُ: الْحَيْلُولَةُ كَمَا لَوْ غَصَبَ عَبْدًا فَأَبَقَ أَوْ ثَوْبًا فَضَاعَ أَوْ نَقَلَهُ إلَى بَلَدٍ آخَرَ فَيَغْرَمُ الْغَاصِبُ (الْقِيمَةُ؛ لِلْحَيْلُولَةِ بَيْنَ الْمَالِكِ وَمِلْكِهِ، كَمَا يَغْرَمُ لَوْ ظَفِرَ بِهِ فِي غَيْرِ بَلَدِ الْغَصْبِ) مَعَ بَقَاءِ الْعَبْدِ، وَكَمَا لَوْ شَهِدُوا بِمَالٍ فَرَجَعُوا (فَإِنَّهُمْ) يَغْرَمُونَ
(2/325)

لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ فِي الْأَظْهَرِ؛ لِحُصُولِ الْحَيْلُولَةِ بِشَهَادَتِهِمْ وَالثَّانِي لَا لِأَنَّ الضَّمَانَ بِالْيَدِ أَوْ (بِالْإِتْلَافِ) ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَإِنْ أَتَوْا بِمَا يَقْتَضِي الْفَوَاتَ، كَمَنْ حَبَسَ الْمَالِكَ عَنْ مَاشِيَتِهِ حَتَّى ضَاعَتْ وَمَسَائِلُ الْحَيْلُولَةِ سَبَقَتْ فِي حَرْفِ الْحَاءِ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ فِي كِتَابِ الدَّلَائِلِ وَالْأَعْلَامِ: الْمَضْمُونَاتُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: بِالتَّعَدِّي وَمِنْهُ الْجِنَايَاتُ وَالْإِتْلَافَاتُ، وَالثَّانِي: بِالْمُرَاضَاةِ كَالْبُيُوعِ وَالضَّمَانِ.
وَالْأَوَّلُ يَسْتَوِي فِي إيجَابِ الضَّمَانِ فِيهِ الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ؛ لِأَنَّ النِّسْيَانَ إنَّمَا يَسْقُطُ عَنْ الْإِنْسَانِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِهِ لَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ فَلَيْسَ عَلَى غَيْرِهِ نِسْيَانُهُ وَخَطَؤُهُ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَتَدَاعَى النَّاسُ (النِّسْيَانَ) وَتَسَاقَطَتْ الْحُقُوقُ إلَّا أَنَّ الْعَامِدَ يَغْرَمُ الْبَدَلَ، وَعَلَيْهِ الْإِثْمُ وَالْمُخْطِئُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ، وَكَانَتْ حُرْمَةُ النُّفُوسِ فِي ذَلِكَ أَقْوَى مِنْ الْأَمْوَالِ فَوَجَبَ عَلَى الْقَاتِلِ خَطَأً الْكَفَّارَةُ، وَمَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ عَنْهُ لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ مِنْ الدِّيَةِ، وَعَلَى الْقَاتِلِ الْمُكَافِئِ (عَمْدًا) الْقِصَاصُ؛ لِيَكُفَّ عَنْ الْقَتْلِ وَيَقَعَ التَّحَفُّظُ (بِهِ) .
قَالَ (وَأَمَّا) الْقُرُوضُ وَالْعَوَارِيّ فَإِنَّمَا صَارَتْ مَضْمُونَةً، وَإِنْ سَمَحَ (بِهَا) صَاحِبُهَا، وَأَذِنَ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْآخِذَ أَخَذَهُ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَالشَّيْءُ الَّذِي أُبِيحَ لَهُ هُوَ الْمَنْفَعَةُ فَلَمْ يَرْتَفِعْ ضَمَانُ الْعَيْنِ مِنْ أَجْلِ إبَاحَةِ الْمَنْفَعَةِ، قَالَ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ: أَنَّ الْمُودَعَ إنَّمَا يَدُهُ يَدُ الْمُودِعِ فَكَانَ حُكْمُهُ فِي الْيَدِ أَقْوَى مِنْ حُكْمِ الْوَكِيلِ الَّذِي يَأْخُذُ الْجُعْلَ عَلَى الْعَمَلِ بِأَمْرِ الْوَكِيلِ، وَمَتَى كَانَتْ الْيَدُ تَخْلُفُ يَدَ الْمَالِكِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى وَفَارَقَ الْمُسْتَأْجِرَ فِي ضَمَانِ الْعَيْنِ؛ لِأَخْذِهِ الْعِوَضَ عَلَى الْمَنْفَعَةِ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى الِانْتِفَاعِ،
(2/326)

إلَّا بِأَنْ يَخْلُفَ الْمَالِكَ فِي الْيَدِ فَلَا يَضْمَنُ إلَّا بِالتَّعَدِّي وَفَارَقَ صَاحِبَ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الْوَثِيقَةَ فِي الْعَقْدِ بِأَنْ يَكُونَ أَحَقَّ مِنْ الْغُرَمَاءِ وَالْمَنَافِعُ لِلْمَالِكِ فَلَا ضَمَانَ.
قَالَ ثُمَّ (إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى عَلَى أَرْبَابِ الْمَوَاشِي حِفْظَهَا بِاللَّيْلِ) ؛ لِأَنَّهَا لَوْ أُرْسِلَتْ بِاللَّيْلِ لَمْ يَكُنْ (مَانِعًا) لَهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ (تَعَالَى) {وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا} [الأنعام: 96] لِكُلِّ أَحَدٍ، وَلَوْ مَنَعَهُمْ مِنْ إرْسَالِهَا بِالنَّهَارِ لَسَقَطَتْ مَنَافِعُهُمْ فِي (الرَّعْيِ) وَالْكَلَأِ، فَإِذَا أَرْسَلُوا بِاللَّيْلِ ضَمِنُوا، وَإِذَا أَرْسَلُوا بِالنَّهَارِ لَمْ يَضْمَنُوا، وَكَانَ التَّحَفُّظُ عَلَى أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ.
وَمِنْ هَذَا مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ فَدَخَلَ إلَيْهِ دَاخِلٌ فَسَقَطَ فِي الْبِئْرِ لَمْ يَضْمَنْ، وَمَنْ حَفَرَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ ضَمِنَ، وَلَوْ حَفَرَ فِي الصَّحْرَاءِ لَمْ يَضْمَنْ، وَكَذَلِكَ الدَّابَّةُ إذَا " انْقَلَبَتْ وَلَا " ضَمَانَ، وَمَتَى كَانَ عَلَيْهَا سَائِقٌ أَوْ قَائِدٌ فَعَلَيْهِ حِفْظُهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ.
قَالَ: وَالضَّابِطُ أَنَّ (التَّعَدِّيَ) مَضْمُونٌ أَبَدًا، إلَّا مَا قَامَ دَلِيلُهُ، وَفِعْلُ الْمُبَاحِ سَاقِطٌ أَبَدًا، إلَّا مَا قَامَ دَلِيلُهُ، وَالْمُتَوَلِّدُ مِنْ (التَّعَدِّي) فِي حُكْمِ (التَّعَدِّي)
(2/327)

كَالْجِرَاحَةِ إذَا سَرَتْ إلَى النَّفْسِ.

قَالَ، وَأَمَّا رَدُّ الْمَضْمُونِ فَأَقْسَامٌ: الْأَوَّلُ: مَا عَيْنُهُ مَوْجُودَةٌ فَيُكَلَّفُ رَدَّهُ إلَّا أَنْ يَخْتَارَ الْمَالِكُ خِلَافَهُ.
الثَّانِي: أَنْ تَنْقُصَ الْعَيْنُ فَيَرُدُّهَا وَقِيمَةَ نَقْصِهَا، إنْ لَمْ يُوجَدْ مِثْلُ النَّقْصِ كَحِنْطَةٍ نَقَصَ مِنْهَا جُزْءٌ.
الثَّالِثُ: أَنْ تَفُوتَ الْعَيْنُ فَيَلْزَمُهُ مِثْلُهَا كَالْحِنْطَةِ (وَالزَّيْتِ) ؛ لِأَنَّ الْمِثْلَ مَوْجُودٌ فِي نَفْسِهِ، وَيَسْقُطُ الِاجْتِهَادُ فِي الْقِيمَةِ، وَمَا لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ أَوْ لَا يُمْكِنُ فِعْلُ الْمِثْلِ كَشَقِّ ثَوْبِ رَجُلٍ فَلَا يَشُقُّ ثَوْبَ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فَسَادٌ عَلَيْهِمَا فِي الْأَمْوَالِ، وَكُلُّ مَا كَانَ مِثْلُهُ مِنْ جِنْسِهِ يَتَفَاضَلُ وَلَا يَتَحَصَّلُ (فَالرُّجُوعُ) إلَى الْقِيمَةِ كَالْإِحْرَاقِ بِالنَّارِ وَالرَّمْيِ بِالشَّيْءِ فِي الْبَحْرِ.
قَالَ: وَأَمَّا الْجِنَايَاتُ فِي النُّفُوسِ فَإِنَّ الْمِثْلَ فِيهَا مَعْدُومٌ فَيَعْدِلُ إلَى الْقِيمَةِ، وَمِنْهُ الدِّيَةُ فِي الْأَحْرَارِ، وَالْقِيمَةُ فِي الْعَبِيدِ.

قَالَ: وَالْمَضْمُونُ فِي الْجِنَايَةِ وَغَيْرِهَا ضَرْبَانِ: ضَرْبٌ (يَتَوَقَّفُ) (لَا يَتَجَاوَزُهُ) كَالْخَمْسِ مِنْ الْإِبِلِ فِي الْمُوضِحَةِ
(2/328)

وَنَحْوِهِ، وَكَذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ كَصَاعِ الْمُصَرَّاةِ.
وَضَرْبٌ يُرَدُّ إلَى الِاجْتِهَادِ وَالتَّقْوِيمِ فَيُرَدُّ إلَى أَهْلِ (صِنَاعَتِهِ) ، وَأَهْلِ الْخِبْرَةِ، وَإِلَّا لَبَطَلَتْ مَعْرِفَتُهُ، فَإِذَا وَجَبَ أَرْشُ جُرْحٍ (مِنْ) حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ وَلَا تَوْقِيفَ فِيهِ نُظِرَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْأَخْيَلِ وَالتَّمْثِيلِ فَأُجْرِيَ عَلَيْهِ وَالْقَوْلُ (بِالتَّبْخِيتِ) (فِيهِ) بَاطِلٌ انْتَهَى.

وَاعْلَمْ أَنَّهُ سَيَأْتِي فِي حَرْفِ الْمِيمِ قَوَاعِدُ (مُهِمَّةٌ) (تَتَعَلَّقُ بِالْمَضْمُونَاتِ) وَهَا هُنَا أَيْضًا قَوَاعِدُ تَتَعَلَّقُ بِالْمَضْمُونَاتِ.:
الْأُولَى: هَلْ تَثْبُتُ يَدُ الضَّمَانِ مَعَ ثُبُوتِ يَدِ الْمَالِكِ؟ (قَالَ) الْأَصْحَابُ فِي بَابِ الْغَصْبِ: لَوْ أَتْلَفَ مَالًا فِي يَدِ مَالِكِهِ ضَمِنَهُ إلَّا الْعَبْدَ الْمُرْتَدَّ وَالْحَيَوَانَ الصَّائِلَ وَالْمُقَاتِلَ حِرَابَةً، وَمَا إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ الْمُنْكِرُ مِنْ إرَاقَةِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ، إلَّا بِكَسْرِ آنِيَةٍ، وَمَا إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ (مِنْ) دَفْعِ الصَّائِلِ وَقَاطِعِ الطَّرِيقِ، إلَّا بِعَقْرِ جَوَادِهِ وَكَسْرِ سِلَاحِهِ، وَمَا يُتْلِفُهُ الْعَادِلُ عَلَى الْبَاغِي حَالَةَ الْحَرْبِ وَعَكْسُهُ وَمَا (يُتْلِفُهُ) الْحَرْبِيُّونَ عَلَيْنَا،
(2/329)

وَالْعَبْدُ فِي يَدِ سَيِّدِهِ عَلَى سَيِّدِهِ.
أَمَّا لَوْ (تَلِفَ) فَقَدْ ذَكَرُوا فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ أَنَّهُ لَوْ سَخَّرَ دَابَّةً وَمَعَهَا مَالِكُهَا فَتَلِفَتْ لَا (يَضْمَنُهَا) ، وَقَالُوا: لَوْ اسْتَوْلَى عَلَى حُرٍّ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ لَا يَضْمَنُهُ نَعَمْ إنْ كَانَ سَبَبُ التَّلَفِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ ضَمِنَ، كَمَا لَوْ أَكْرَى دَابَّةً؛ لِحَمْلِ مِائَةٍ فَحَمَلَ مِائَةً وَعَشَرَةً، وَتَلِفَتْ بِذَلِكَ وَصَاحِبُهَا مَعَهَا ضَمِنَ قِسْطَ الزِّيَادَةِ عَلَى الصَّحِيحِ وَفِي قَوْلٍ قِيمَتَهَا، وَمِنْهَا الْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ إذَا أَتْلَفَ الْمَالَ بِحُضُورِ الْمَالِكِ لَا (يَضْمَنُ) فِي الصَّحِيحِ.

الثَّانِيَةُ: الْمَضْمُونُ قِسْمَانِ: مَا يُضْمَنُ بِالتَّلَفِ وَالْإِتْلَافِ، وَمَا لَا يُضْمَنُ بِالتَّلَفِ، وَيُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ، فَمِنْ الْأَوَّلِ: الزَّكَاةُ إذَا تَلِفَ الْمَالُ قَبْلَ دَفْعِهَا ضَمِنَهُ، وَكَذَا الصَّيْدُ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ
وَمِنْ الثَّانِي: الْعَبْدُ الْجَانِي إذَا أَتْلَفَهُ السَّيِّدُ أَوْ أَعْتَقَهُ ضَمِنَهُ، وَلَوْ تَلِفَ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَلَوْ نَذَرَ عِتْقَ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُعْتِقَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ عِتْقُ غَيْرِهِ، وَلَوْ أَتْلَفَهُ ضَمِنَهُ، وَكَذَا الْأَمَانَاتُ الشَّرْعِيَّةُ عَلَى مَا سَبَقَ.

الثَّالِثَةُ: إذَا وَجَبَتْ قِيمَةُ الْمُتْلَفِ اُعْتُبِرَ بِمَحَلِّ الْإِتْلَافِ، كَمَا يُعْتَبَرُ فِي الْمُتْلَفَاتِ بِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ التَّلَفُ وَالْإِتْلَافُ، إلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَهُوَ إبِلُ
(2/330)

الدِّيَةِ، فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ إبِلُ بَلَدِ إقَامَةِ الْجَانِي لَا مَحَلُّ جِنَايَتِهِ.
وَلِهَذَا اعْتَبَرُوا بَلَدَ الْعَاقِلَةِ وَالْعَاقِلَةُ لَا جِنَايَةَ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ بِمَحَلِّ إقَامَتِهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمَطْلَبِ: إنَّ ذَلِكَ خَرَجَ عَنْ قِيَاسِ الْقَاعِدَةِ.

الرَّابِعَةُ: قَدْ يَكُونُ الْفِعْلُ مُبَاحًا وَهُوَ مَضْمُونٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ، وَذَلِكَ فِي التَّعْزِيرِ مِنْ الْمُتَيَقَّنِ.

وَمِنْهَا: أَكْلُ الْمُضْطَرِّ طَعَامَ الْغَيْرِ يُبَاحُ لَهُ وَيَضْمَنُ بَدَلَهُ، وَلِلْمُحْرِمِ ذَبْحُ الصَّيْدِ لِلِاضْطِرَارِ وَيَضْمَنُهُ، وَلَوْ نَصَبَ مِيزَابًا فَتَقَصَّفَ مِنْ الْخَارِجِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَأَتْلَفَ إنْسَانًا تَجِبُ الدِّيَةُ مَعَ إنَّهُ يُبَاحُ لَهُ نَصْبُهُ.
وَلَوْ أَرْسَلَ سَهْمًا عَلَى حَرْبِيٍّ فَأَسْلَمَ ثُمَّ وَقَعَ السَّهْمُ فَقَتَلَهُ فَإِنَّهُ تَلْزَمُهُ دِيَةُ الْمُسْلِمِ، وَلَوْ سَقَطَتْ عَلَيْهِ جَرَّةٌ مِنْ سَطْحٍ فَكَسَرَهَا ضَمِنَهَا مَعَ أَنَّ لَهُ دَفْعَهَا.
وَقَدْ يَكُونُ الْفِعْلُ حَرَامًا وَلَا ضَمَانَ، كَقَوْلِهِ: اقْطَعْ يَدِي فَقَطَعَهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: اُقْتُلْنِي فَقَتَلَهُ فَلَا قِصَاصَ (وَلَا دِيَةَ) ، وَلَوْ غَصَبَ شَيْئًا مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ كَجِلْدِ مَيْتَةٍ أَوْ سِرْقِينٍ فَتَلِفَ فِي يَدِهِ فَلَا ضَمَانَ مَعَ أَنَّ فِعْلَهُ حَرَامٌ.
وَلَوْ كَانَ الْفِعْلُ سَبَبًا لِلْهَلَاكِ، كَمَا إذَا فَتَحَ زِقًّا فِيهِ مَائِعٌ فَانْصَبَّ مَا فِيهِ بِالرِّيحِ أَوْ (فَتَحَ) قَفَصًا عَنْ طَائِرٍ فَوَقَفَ ثُمَّ طَارَ فَإِنَّ الْفِعْلَ حَرَامٌ، وَلَا ضَمَانَ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَضَعَ صَبِيًّا فِي مَسْبَعَةٍ فَأَكَلَهُ سَبُعٌ فَلَا ضَمَانَ.
(2/331)

الْخَامِسَةُ: مَا وَجَبَ ضَمَانُهُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا هُوَ ضَمَانُ عَقْدٍ (قَطْعًا) وَهُوَ ضَمَانُ الْعِوَضِ الْمُعَيَّنِ فِي عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ الْمَحْضَةِ، (كَالْمَبِيعِ) وَالثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَكَذَلِكَ السَّلَمُ فِي رَأْسِ الْمَالِ الْمُعَيَّنِ، وَكَذَلِكَ أُجْرَةُ الْإِجَارَةِ الْمُعَيَّنَةِ وَجُعْلُ الْجَعَالَةِ كَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ كَالْأُجْرَةِ لَكِنْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي مَسْأَلَةِ (الْعِلْجِ) قَوْلَيْنِ فِي أَنَّ جُعْلَ الْجَعَالَةِ الْمُعَيَّنِ مَضْمُونٌ ضَمَانَ عَقْدٍ أَوْ ضَمَانَ يَدٍ كَالصَّدَاقِ.
الثَّانِي: ضَمَانُ يَدٍ قَطْعًا، كَالْمَغْصُوبِ وَالْمُسْتَعَارِ وَالْمُسْتَامِ وَالْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا وَلَا خِلَافَ فِيهِ إلَّا فِي صُورَةٍ: (وَهِيَ) مَا لَوْ أَصْدَقَهَا قِصَاصًا وَجَبَ لَهُ عَلَيْهَا، فَالْأَصَحُّ يَضْمَنُ (بِنِصْفِ) الْأَرْشِ عَلَى الْقَاعِدَةِ، وَقِيلَ: بِنِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ.
الثَّالِثُ: مَا فِيهِ خِلَافٌ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ ضَمَانُ عَقْدٍ كَالصَّدَاقِ وَبَدَلِ الْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ الدَّمِ وَالْعِتْقِ عَلَى الْمَنَافِعِ، وَمِنْهُ جُعْلُ الْجَعَالَةِ عَلَى طَرِيقِهِ.
الرَّابِعُ: مَا فِيهِ خِلَافٌ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ ضَمَانُ يَدٍ، كَمَسْأَلَةِ الْعِلْجِ، وَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ مَنْ دَلَّنِي عَلَى قَلْعَةٍ فَلَهُ (مِنْهَا) جَارِيَةٌ (فَإِذَا) مَاتَتْ فَهَلْ يُعْطِي قِيمَتَهَا أَوْ أُجْرَةَ الْمِثْلِ قَوْلَانِ، (الصَّحِيحُ) أَنَّهُ يُعْطِي الْقِيمَةَ، وَهَذَا تَرْجِيحٌ لِضَمَانِ الْيَدِ.
(2/332)

وَالْفَرْقُ بَيْنَ ضَمَانِ الْعَقْدِ وَضَمَانِ الْيَدِ أَنَّ ضَمَانَ الْعَقْدِ هُوَ الْمَضْمُونُ بِمَا يُقَابِلُهُ مِنْ الْعِوَضِ الَّذِي اتَّفَقَا عَلَيْهِ (إذْ) جُعِلَ مُقَابِلُهُ شَرْعًا، كَالْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ بِالثَّمَنِ لَوْ تَلِفَ لَا بِالْبَدَلِ مِنْ الْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ.
وَكَذَلِكَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ فَإِنَّهُ لَوْ فَسَخَ أَوْ انْفَسَخَ رَجَعَ إلَى رَأْسِ الْمَالِ لَا إلَى قِيمَةِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ.
وَأَمَّا ضَمَانُ الْيَدِ فَهُوَ مَا يُضْمَنُ عِنْدَ التَّلَفِ بِالْبَدَلِ مِنْ مِثْلٍ أَوْ قِيمَةٍ، وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ فِي ضِمْنِ تَعْلِيلِ (الْقَدِيمِ) فِي ضَمَانِ الصَّدَاقِ أَنَّ مَا لَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِتَلَفِهِ فِي يَدِ الْعَاقِدِ يَكُونُ مَضْمُونًا ضَمَانَ يَدٍ، كَمَا لَوْ غَصَبَ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ مِنْ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْقَبْضِ يَضْمَنُهُ ضَمَانَ الْيَدِ، وَكَذَا النِّكَاحُ لَا يَنْفَسِخُ بِتَلَفِ الصَّدَاقِ، فَلْيَكُنْ مَضْمُونًا ضَمَانَ يَدٍ.

السَّادِسَةُ: الْمَضْمُونُ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ يُضْمَنَ بِالْبَدَلَيْنِ الْمِثْلِ وَالْقِيمَةَ جَمِيعًا، وَذَلِكَ فِي الصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ إذَا قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ أَوْ الْحَلَالُ فِي الْحَرَمِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ بِالْقِيمَةِ لِلْمَالِكِ بِالْمِثْلِ الصُّورِيِّ لَحِقَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَصُورَتُهُ فِي الْمُحْرِمِ إذَا اسْتَعَارَ صَيْدًا مَمْلُوكًا مِنْ حَلَالٍ، وَتَلِفَ عِنْدَهُ فَإِنْ كَانَ مَغْصُوبًا، وَتَلِفَ عِنْدَهُ بَعْدَ الِاسْتِعْمَالِ لَزِمَهُ مَعَ ذَلِكَ الْأُجْرَةُ فَيَزْدَادُ (وَجْهُ) الضَّمَانِ.

الثَّانِي: مَا يُضْمَنُ بِالْقِيمَتَيْنِ وَذَلِكَ فِي صُورَتَيْنِ:
(2/333)

أَحَدَاهُمَا: إذَا أَتْلَفَ الْمُحْرِمُ مَا لَا مِثْلَ لَهُ مِنْ النَّعَمِ كَالْعَصَافِيرِ الْمَمْلُوكَةِ فَتَجِبُ لِلَّهِ (تَعَالَى) ، وَقِيمَتُهُ لِمَالِكِهِ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَغْصِبَ عَبْدًا ثُمَّ يَجْنِي جِنَايَةً عَلَى غَيْرِهِ، وَتَكُونُ الْجِنَايَةُ مُسَاوِيَةً لِقِيمَةٍ الْعَبْدِ ثُمَّ يَتْلَفُ الْعَبْدُ عِنْدَهُ فَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ لِمَالِكِهِ، وَيَغْرَمُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ قِيمَتَهُ إنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَضَمِنَ ثَانِيًا إنْ أَخَذَ (مَا أَخَذَ) لِلْجِنَايَةِ، وَلَيْسَ لَنَا مَوْضِعٌ يَغْرَمُ فِيهِ بَدَلَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مُتْلَفٍ وَاحِدٍ، إلَّا فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ: هَاتَانِ، وَالثَّالِثَةُ: إذَا وَطِئَ (زَوْجَةَ) أَصْلِهِ أَوْ فَرْعِهِ بِشُبْهَةٍ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ مَهْرَيْنِ إنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ وَمَهْرًا وَنِصْفًا إنْ كَانَ قَبْلَهُ.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إيجَابُ بَدَلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي (مُتْلَفٍ) وَاحِدٍ مُمْتَنِعٌ إنْ كَانَا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا يَمْتَنِعُ مَعَ اخْتِلَافِ جِهَةِ ضَمَانِهِمَا، كَالْقَتْلِ يُضْمَنُ بِبَدَلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ.
قُلْت وَكَذَا قَتْلُ الْعَبْدِ يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ وَالْكَفَّارَةِ، وَإِذَا وَطِئَ امْرَأَةً مُكْرَهَةً، وَأَفْضَاهَا لَزِمَهُ الدِّيَةُ وَالْمَهْرُ، وَلَوْ جَرَحَ صَيْدًا فَأَزَالَ امْتِنَاعَهُ وَانْدَمَلَ الْجُرْحُ لَزِمَهُ جَزَاءٌ (كَامِلٌ) فِي الْأَصَحِّ فَلَوْ جَاءَ مُحْرِمٌ آخَرُ وَقَتَلَهُ لَزِمَهُ جَزَاؤُهُ زَمَنًا وَبَقِيَ الْجَزَاءُ عَلَى الْأَوَّلِ بِحَالِهِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُ الْأَوَّلَ قَدْرُ النُّقْصَانِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ إيجَابُ جَزَاءَيْنِ لِمُتْلَفٍ وَاحِدٍ.

الثَّالِثُ: مَا لَا يُضْمَنُ بِالْمِثْلِ وَلَا بِالْقِيمَةِ وَهُوَ لَبَنُ الْمُصَرَّاةِ إذَا تَلِفَ فَإِنَّهُ لَا
(2/334)

يَضْمَنُهُ إذَا تَلِفَ (لَا) بِمِثْلِهِ وَلَا بِقِيمَتِهِ، بَلْ بِالثَّمَنِ؛ وَلَا مَا لَا يُضْمَنُ أَصْلًا كَحَبَّةِ حِنْطَةٍ وَزَبِيبَةٍ وَتَمْرَةٍ لَمْ يَدْخُلْ فِي هَذَا الضَّابِطِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمِثْلِيٍّ وَلَا مُتَقَوِّمٍ.

الرَّابِعُ: مَا يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ دُونَ الْمِثْلِ وَهُوَ الْمُتَقَوِّمُ كَالدُّورِ وَالْعَقَارِ وَالْحَيَوَانِ وَالسِّلَعِ وَالْمَنَافِعِ، إلَّا فِي صُوَرٍ: (إحْدَاهَا) جَزَاءُ الصَّيْدِ.
الثَّانِيَةُ: إذَا اقْتَرَضَ مُتَقَوِّمًا فَإِنَّهُ يَرُدُّ (مِثْلَهُ) صُورَةً فِي الْأَصَحِّ؛ (لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اقْتَرَضَ بَكْرًا وَرَدَّ بَازِلًا) ، وَقِيلَ: الْقِيمَةَ، وَهُوَ الْقِيَاسُ.
الثَّالِثَةُ: إذَا هَدَمَ جِدَارَ الْغَيْرِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَتُهُ، كَمَا أَجَابَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ وَنَقَلَ عَنْ النَّصِّ لِقِصَّةِ جُرَيْجٍ، وَقِيلَ: إنَّهُ مَذْهَبُ (الْإِمَامِ) الشَّافِعِيِّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ وَبِهِ الْفَتْوَى، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ يَلْزَمُهُ أَرْشُ نَقْصِهِ لَا بِنَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلِيًّا، الرَّابِعَةُ: طَمُّ الْأَرْضِ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ.
الْخَامِسَةُ: إذَا ضَمِنَ عَنْ غَيْرِهِ (حَيَوَانًا فِي الذِّمَّةِ) ، وَأَعْطَاهُ لِلْمَضْمُونِ لَهُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِالْمِثْلِ الصُّورِيِّ دُونَ الْقِيمَةِ.
السَّادِسَةُ: إذَا أَتْلَفَ رَبُّ الْمَالِ الْمَاشِيَةَ كُلَّهَا بَعْدَ الْحَوْلِ، وَقَبْلَ الْإِخْرَاجِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الشَّاةَ بِشَاةٍ أُخْرَى لَا بِقِيمَتِهَا، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الزَّكَاةَ تَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ تَعَلُّقَ
(2/335)

الشَّرِكَةِ) ، وَإِنَّ الْفُقَرَاءَ شُرَكَاءُ رَبِّ الْمَالِ عَلَى الصَّحِيحِ قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي زَكَاةِ الْمُعَشَّرَاتِ، وَتَابَعَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ إخْرَاجَهُ جَائِزٌ مَعَ بَقَاءِ الْمَالِ (فَتَعَيَّنَ) عِنْدَ عَدَمِهِ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ.

(الْخَامِسُ) مَا يُضْمَنُ بِالْمِثْلِ دُونَ الْقِيمَةِ وَهُوَ الْمِثْلِيُّ كَالنَّقْدَيْنِ وَالْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ، وَهُوَ يَنْقَسِمُ إلَى (مِثْلِيٍّ) صُورِيٍّ وَتَقْدِيرِيٍّ، وَالصُّورِيُّ يَنْقَسِمُ إلَى حِسِّيٍّ (وَمَعْنَوِيٍّ) ، وَالتَّقْدِيرِيُّ مَا حَصَرَهُ كَيْلٌ أَوْ وَزْنٌ وَجَازَ السَّلَمُ فِيهِ.
وَقَدْ يُضْمَنُ هَذَا النَّوْعُ بِالْقِيمَةِ وَذَلِكَ فِي صُوَرٍ: (إحْدَاهَا) : عِنْدَ (تَعَذُّرِ) الْمِثْلِ وَالْوَاجِبُ قِيمَةُ الْمِثْلِ، كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ فِي التَّنْبِيهِ وَقِيلَ: قِيمَةُ الْمَغْصُوبِ.
فَإِنْ قِيلَ: قِيمَةُ الْمَغْصُوبِ هِيَ قِيمَةُ مِثْلِهِ أَلَا تَرَى أَنَّا نَقُولُ (قِيمَةُ الْمِثْلِ) وَنَعْنِي بِهِ قِيمَةَ الشَّيْءِ قُلْنَا لَا (وَصَوَابُ الْعِبَارَةِ) أَنَّا إذَا قَوَّمْنَا (شَيْئًا أَنْ نَقُولَ) قِيمَتُهُ لَا قِيمَةَ مِثْلِهِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْغَصْبِ.
الثَّانِيَةُ: (أَنْ) لَا يُوجَدَ الْمِثْلُ، إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ تَحْصِيلُهُ،
(2/336)

وَيَصِيرُ كَالْعَدَمِ عَلَى الْأَصَحِّ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ.
الثَّالِثَةُ: إذَا ظَفِرَ بِهِ الْمَالِكُ فِي غَيْرِ بَلَدِ التَّلَفِ (وَكَانَ الْمَغْصُوبُ مِمَّا يَزْدَادُ بِالِانْتِقَالِ فَطَالَبَهُ فِي مَوَاضِعِ الزِّيَادَةِ فَلَا يَغْرَمُ الْمِثْلَ، وَلَهُ تَغْرِيمُهُ قِيمَةَ بَلَدِ التَّلَفِ) .
الرَّابِعَةُ: إذَا كَانَ لِلْأَصْلِ قِيمَةٌ حِينَ الْأَخْذِ، وَالْمِثْلُ لَا قِيمَةَ لَهُ عِنْدَ الرَّدِّ وَيَدْخُلُ فِيهِ صُوَرٌ: مِنْهَا: إذَا غَصَبَ مَاءً (لِوُضُوئِهِ) فِي الْمَفَازَةِ، وَظَفِرَ بِهِ عَلَى الشَّطِّ فَإِنَّ الْمُطَالَبَةَ هُنَا تَكُونُ بِقِيمَةِ الْمَفَازَةِ لَا بِالْمِثْلِ؛ لِحَقَارَتِهِ حِينَئِذٍ، فَلَوْ أَخَذَ الْقِيمَةَ ثُمَّ اجْتَمَعَا بَعْدُ فِي مَوْضِعٍ لَهُ قِيمَةٌ كَالْمَفَازَةِ فَهَلْ يَجِبُ (رَدُّ) الْقِيمَةِ وَاسْتِرْدَادُ الْمِثْلِ وَجْهَانِ؟ فِي التَّتِمَّةِ إنْ قُلْنَا نَعَمْ فَلَا اسْتِثْنَاءَ فَإِنَّ الْقِيمَةَ حِينَئِذٍ لِلْحَيْلُولَةِ.
وَمِنْهَا: لَوْ أَطْعَمَ الْمُضْطَرُّ مِثْلِيًّا فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ بِقِيمَتِهِ فِي الْمَخْمَصَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَمِنْهَا: الْمَاءُ الْمَبْذُولُ (لِطَالِبِهِ) فِي الْمَفَازَةِ (يُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ) هُنَاكَ.
وَمِنْهَا: الْجَمْدُ فِي الصَّيْفِ كَالْمَاءِ فِي الْمَفَازَةِ فَإِذَا غَصَبَ جَمْدًا فِي الصَّيْفِ وَتَلِفَ وَظَفِرَ بِهِ فِي الشِّتَاءِ فَإِنَّهُ تَجِبُ قِيمَتُهُ مُعْتَبَرًا فِي الصَّيْفِ، وَمِنْهَا: إذَا غَصَبَ وَرَقَ التُّوتِ فِي أَوَانِهِ وَتَلِفَ ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ فَإِذَا انْقَضَى أَوَانُهُ (ضَمِنَهُ) بِقِيمَتِهِ أَيْ لِنُقْصَانِ قِيمَتِهِ حِينَئِذٍ قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي فَتَاوِيهِ، وَفِي الْمُسْكِتِ لِلزُّبَيْرِيِّ.
لَوْ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ بَارِدٌ فِي الصَّيْفِ فَوَضَعَ إنْسَانٌ فِيهِ حِجَارَةٌ مُحْمَاةٌ
(2/337)

حَتَّى سَخَّنَتْهُ أَوْ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ سُخْنًا فِي الشِّتَاءِ فَبَرَّدَهُ عَلَيْهِ بِصَبِّ مَاءٍ وَنَحْوِهِ، (وَحَكَى) فِيهَا اخْتِلَافَ أَجْوِبَةٍ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ (أَرْشُ النَّقْصِ وَيَقْرُبُ مِنْهُ تَسْخِينُ الْمَاءِ بِحَطَبٍ وَغَيْرِهِ أَوْ حَمَى الْوَطِيسَ فَبَرَّدَهُ عَلَيْهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَهُوَ) أُجْرَةُ مَا يَخْبِزُ وَيَشْوِي فِيهِ مِنْ اللَّحْمِ دُونَ قِيمَةِ الْحَطَبِ.
وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ لَوْ حَمَى الْوَطِيسُ فَجَاءَ إنْسَانٌ فَخَبَزَ فِيهِ خُبْزًا (لَزِمَهُ) أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ مَا إذَا (أَفْسَدَتْ) الْمَرْأَةُ طَهَارَةَ الرَّجُلِ أَوْ بِالْعَكْسِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي النَّفَقَاتِ يَجِبُ مَاءِ الْوُضُوءِ عَلَى الزَّوْجِ (، وَإِنْ) كَانَ هُوَ اللَّامِسَ.
(وَكَذَلِكَ) ثَمَنُ مَاءِ الْغُسْلِ مِنْ الْوَطْءِ وَالْوِلَادَةِ وَالنِّفَاسِ، وَهَذَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ مَنْسُوبًا إلَيْهِ فَإِنْ نَفَاهُ بِاللِّعَانِ لَمْ يَجِبْ، وَعَلَى هَذَا فَلَوْ لَمَسَتْ (الْمَرْأَةُ) أَجْنَبِيًّا أَوْ بِالْعَكْسِ وَجَبَ عَلَيْهِ ثَمَنُ مَاءِ الْوُضُوءِ.
الْخَامِسَةُ: لَحْمُ الْأُضْحِيَّةِ إذَا أَتْلَفَهُ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ قِيمَتَهُ، كَمَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي أَنَّهُ مِثْلِيٌّ.
السَّادِسَةُ: الْحُلِيُّ أَوْ آنِيَةِ النَّقْدِ إذَا أَتْلَفَهُ لَا يَضْمَنُهُ بِمِثْلِهِ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُهُ مَعَ صَنْعَتِهِ بِنَقْدِ الْبَلَدِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ (وَلَا رِبًا لِاخْتِصَاصِهِ) بِالْعُقُودِ.
(2/338)

السَّابِعَةُ: الْمُسْتَعَارُ إذَا كَانَ مِثْلِيًّا، وَقُلْنَا: يُضْمَنُ (بِقِيمَتِهِ) يَوْمَ التَّلَفِ، كَمَا هُوَ الْأَصَحُّ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ، (كَمَا) صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَصَاحِبُ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرُهُمَا، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمِثْلِيَّ رُبَّمَا يَنْقُصُ بِالِاسْتِعْمَالِ فَلَوْ ضَمَّنَّا الْمِثْلَ لَكُنَّا قَدْ أَوْجَبْنَا الْأَجْزَاءَ الْمُسْتَحَقَّةَ، لَكِنْ جَزَمَ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ فِي الْمُرْشِدِ بِوُجُوبِ الْمِثْلِ فِي الْمِثْلِيِّ، وَقَالَ فِي (الِانْتِصَارِ) أَنَّهُ أَصَحُّ الطَّرِيقَيْنِ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي أَنَّهُ يُبْنَى عَلَى أَنَّ الْمُتَقَدِّمَ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ فَإِنْ اعْتَبَرْنَا قِيمَةَ يَوْمِ التَّلَفِ ضَمِنَ (الْمِثْلَ) بِالْقِيمَةِ، وَإِنْ اعْتَبَرْنَا الْأَكْثَرَ مِنْ النَّقْصِ إلَى التَّلَفِ ضَمِنَهُ بِالْمِثْلِ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا صُورَةُ الْمُسْتَعَارِ الْمِثْلِيِّ؟ (قُلْت) فِيمَا إذَا أَعَارَهُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ وَجَوَّزْنَاهُ.
الثَّامِنَةُ: الْمُسْتَامُ.
التَّاسِعَةُ: الْمَبِيعُ الْمَفْسُوخِ لَا يُضْمَنُ بِالْمِثْلِ، بَلْ بِالْقِيمَةِ بِلَا خِلَافٍ قَالَهُ فِي الْبَحْرِ.
الْعَاشِرَةُ: الْمَبِيعُ بَيْعًا فَاسِدًا عَلَى (مَا أَطْلَقَهُ) الرَّافِعِيُّ وُجُوبُ الْقِيمَةِ وَلَمْ يُفَصِّلْ بَيْنَ
(2/339)

مِثْلِيٍّ وَمُتَقَوَّمٍ، وَبِهِ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ، قَالَ: لِأَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْهُ وَقْتَ النَّقْصِ بِالْمِثْلِ، وَإِنَّمَا ضَمِنَهُ بِالْعِوَضِ، بِخِلَافِ الْغَصْبِ وَطَرْدُ ذَلِكَ فِي الْمَقْبُوضِ بِالسَّوْمِ وَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَكُلِّ عَقْدٍ مَفْسُوخٍ.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ضَعِيفٌ نَقْلًا وَتَوْجِيهًا: أَمَّا التَّوْجِيهُ؛ فَلِأَنَّ ضَمَانَهُ بِالْعِوَضِ زَالَ بِالْفَسْخِ، وَصَارَ كَمَا لَوْ (لَمْ) يَرِدْ عَلَيْهِ (عَقْدٌ فَاسِدٌ) وَأَمَّا النَّقْلُ (فَإِنَّ) (الْإِمَامَ) الشَّافِعِيَّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) نَصَّ فِي مَوَاضِعَ مِنْ الْأُمِّ عَلَى وُجُوبِ الْمِثْلِ.
وَمِنْهَا: قَوْلُهُ لَوْ اشْتَرَى ثَمَرَةً لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، وَقَطَعَ مِنْهَا غُصْنًا إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ رَدَّ مِثْلَهُ، وَلَا أَعْلَمُ لَهُ مِثْلًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيمَتُهُ.
الْحَادِيَةَ عَشْرَ: إذَا جَوَّزْنَا الْمُعَامَلَةَ بِالْمَغْشُوشَةِ فَهِيَ مِثْلِيَّةٌ، وَإِذَا تَلِفَتْ لَا يُضْمَنُ (مِثْلُهَا) ، بَلْ تُضْمَنُ قِيمَةُ الدَّرَاهِمِ (ذَهَبًا) وَقِيمَةُ الْمَغْشُوشَةِ كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ، وَهُوَ يُشْبِهُ قَوْلَ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَغَيْرِهِ فِي الدَّعْوَى بِهَا بِذِكْرِ قِيمَتِهَا مِنْ النَّقْدِ الْآخَرِ.

السَّابِعَةُ: قَدْ يُضْمَنُ (الْمِثْلُ) الصُّورِيُّ بِوَاسِطَةٍ، وَهُوَ مَا إذَا أَتْلَفَ الشَّاةَ الْمَنْذُورَةَ
(2/340)

فَإِنَّهُ يَشْتَرِي بِقِيمَتِهَا مِثْلَهَا، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُ مِنْ الصُّوَرِ.
وَقَدْ يُضْمَنُ الْمُتَقَوِّمُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، وَذَلِكَ فِيمَا إذَا اسْتَعَارَ عَيْنًا لِلرَّهْنِ وَبَاعَهَا فِيهِ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا بِمَا بَاعَهَا بِهِ فِي الْأَصَحِّ فِي الرَّوْضَةِ.
وَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ الْأَكْثَرِينَ وُجُوبَ الْقِيمَةِ وَهُوَ الْقِيَاسُ.
وَلَوْ أَكَلَ جَمِيعَ لَحْمِ (الْأُضْحِيَّةِ) الْمُتَطَوَّعِ بِهَا، وَقُلْنَا: يَجِبُ التَّصَدُّقُ (مِنْهَا) وَهُوَ الْأَصَحُّ فَفِيمَا يَضْمَنُهَا أَوْجُهٌ: أَصَحُّهَا: يَضْمَنُ الْقَدْرَ الَّذِي لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً أَجْزَأَهُ، وَالثَّانِي يَضْمَنُ الْقَدْرَ الْمُسْتَحَبَّ وَهُوَ الثُّلُثُ (وَالرُّبُعُ) وَعَلَى هَذَا يُقَالُ يُضْمَنُ الْمِثْلُ (بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ أَوْ بِإِضْعَافِهِ. وَالثَّالِثُ أَنَّهُ يَضْمَنُ بِحَيَوَانٍ آخَرِ يَذْبَحُهُ، وَعَلَى هَذَا فَيُضْمَنُ الْمِثْلُ) التَّقْدِيرِيُّ بِالْمِثْلِ الصُّورِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ كَجٍّ وَالْمَاوَرْدِيِّ، وَقَدْ يُضْمَنُ الْبَعْضُ بِأَكْثَرَ مِمَّا يُضْمَنُ الْكُلُّ، وَذَلِكَ فِي إتْلَافِ الْعَبْدِ قِيمَتَهُ، وَلَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَجَبَتْ قِيمَتَانِ، وَيَزِيدُ الْغُرْمُ بِزِيَادَةِ قَطْعِ الْأَعْضَاءِ.
وَكَذَلِكَ الْحُرُّ فِيهِ الدِّيَةُ وَفِي أَبْعَاضِهِ دِيَاتٌ.

وَقَدْ يَخْتَلِفُ الْمَضْمُونُ بِاخْتِلَافِ الضَّامِنِ، كَمَا إذَا افْتَضَّ بِكْرًا بِشُبْهَةٍ أَوْ (بِنِكَاحٍ) فَاسِدٍ، وَكَانَ مِنْ عَادَةِ نِسَائِهِمْ مُسَامَحَةُ الْعَشِيرَةِ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ مِنْهُمْ سُومِحَ، وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَلَيْسَ لَنَا مَضْمُونٌ مُخْتَلِفٌ إلَّا هَذَا.
قُلْت يَرِدُ عَلَيْهِ صُوَرٌ:
(2/341)

إحْدَاهَا: مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَاةٌ فِي أَرْبَعِينَ فَأَتْلَفَهَا لَزِمَهُ شَاةٌ وَلَوْ أَتْلَفَهَا أَجْنَبِيٌّ لَزِمَتْ الْقِيمَةُ لِلْفُقَرَاءِ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ أَتْلَفَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا مَمْلُوكًا ضَمِنَهُ بِالْجَزَاءِ أَوْ الْقِيمَةِ (وَلَوْ أَتْلَفَهُ غَيْرُهُ ضَمِنَهُ بِالْقِيمَةِ) فَقَطْ.
الثَّالِثَةُ: إذَا أَتْلَفَ الْمَالِكُ الثِّمَارَ قَبْلَ الْخَرْصِ وَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُ عَيْنِ الرُّطَبِ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ لَزِمَهُ عُشْرُ قِيمَةِ مَا أَتْلَفَهُ لِلْمَسَاكِينِ؛ لِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُجَفِّفَ ذَلِكَ الرُّطَبَ وَالْمَالِكُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فَأَلْزَمْنَاهُ (مِثْلَ) مَا كَانَ يَفْعَلُهُ.
الرَّابِعَةُ: قَاتِلُ رَحِمِهِ خَطَأً تَغْلُظُ فِيهِ الدِّيَةُ وَفِي الْأَجْنَبِيِّ تُخَفَّفُ.
الْخَامِسَةُ: الْبَائِعُ إذَا أَتْلَفَ السِّلْعَةَ قَبْلَ قَبْضَ الْمُشْتَرِي يُخَالِفُ حُكْمُهُ إتْلَافَ الْأَجْنَبِيِّ.
السَّادِسَةُ: الْغَاصِبُ إذَا قَطَعَ يَدَ الْمَغْصُوبِ فَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ (أَوْ مَا) نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ، وَإِذَا قَطَعَهَا غَيْرُهُ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْقِيمَةِ.
(2/342)

السَّابِعَةُ: قَدْ يَضْمَنُ الْإِنْسَانُ مَا أَتْلَفَهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، إمَّا لِتَعَلُّقِ حَقِّ اللَّهِ (تَعَالَى) بِهِ أَوْ حَقِّ الْآدَمِيِّ.
فَمِنْ الْأَوَّلِ: الْمُحْرِمُ إذَا قَتَلَ صَيْدَ نَفْسِهِ أَوْ قَطَعَ شَعْرَ نَفْسِهِ أَوْ حَلَقَهُ وَالسَّيِّدُ إذَا قَتَلَ عَبْدَهُ تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ، وَكَذَا إذَا قَتَلَ نَفْسَهُ.
وَمِنْ الثَّانِي: الرَّاهِنُ إذَا أَتْلَفَ الْمَرْهُونَ يَضْمَنُهُ بِالْبَدَلِ، وَيَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهُ وَسَيِّدُ الْعَبْدِ الْجَانِي إذَا قَتَلَهُ عَلَيْهِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ، وَسَيِّدُ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ، إذَا قَتَلَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ غَرِمَ مَهْرَ مِثْلِهَا لِزَوْجِهَا عَلَى قَوْلٍ.
وَقَدْ يَضْمَنُ غَيْرُهُ مَا بَاشَرَ هُوَ إتْلَافُهُ مِنْ مِلْكِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ أَلْقِ مَتَاعَك فِي الْبَحْرِ وَعَلَيَّ ضَمَانُهُ أَوْ أَمَرَهُ بِعِتْقِ عَبْدِهِ أَوْ طَلَاقِ زَوْجَتِهِ عَلَى مَالٍ أَوْ (أَمَرَهُ) بِقَطْعِ (ثَوْبٍ) ، فَإِذَا هُوَ لِلْقَاطِعِ أَوْ ذَبْحِ (حَيَوَانٍ) فَإِذَا هُوَ لِلذَّابِحِ (عَلَى الْمَذْهَبِ) بِخِلَافِ مَا لَوْ أَكَلَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ ذَبَحَ لِلْغَاصِبِ، (وَذَلِكَ) (انْتَفَعَ) بِأَكْلِهِ.
وَلَوْ جَنَى الْعَبْدُ الْمَغْصُوبُ عَلَى مَالِكِهِ فَقَتَلَهُ الْمَالِكُ لِلدَّفْعِ لَمْ يَبْرَأْ الْغَاصِبُ سَوَاءٌ عِلْم أَنَّهُ عَبْدُهُ أَمْ لَا عَلَى الْأَصَحِّ " (؛ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ) بِهَذِهِ الْجِهَةِ كَإِتْلَافِ الْعَبْدِ نَفْسَهُ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ الْعَبْدُ لِغَيْرِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ.
(2/343)


الثَّامِنَةُ: سَائِرُ الْمُتْلَفَاتِ تُعْتَبَرُ فِيهَا قِيمَةٌ الْمُتْلَفِ إلَّا (فِي) الصَّيْدِ الْمِثْلِيِّ فَإِنَّهُ تُعْتَبَرُ قِيمَةُ مِثْلِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْغَصْبِ وَفِي الدِّيَةِ.
التَّاسِعَةُ: مَا ضُمِنَ كُلُّهُ بِالْقِيمَةِ عِنْدَ التَّلَفِ ضُمِنَ بَعْضُهُ بِبَعْضِهَا، كَالْغَاصِبِ، وَكَمَا إذَا تَحَالَفَ الْبَيِّعَانِ وَالْمَبِيعُ تَالِفٌ فَيَغْرَمُهُ فَلَوْ (وُجِدَ) ، لَكِنَّهُ نَاقِصٌ غَرِمَ الْأَرْشَ فِي الْأَصَحِّ.
وَلَوْ ظَهَرَ مَالِكُ اللُّقَطَةِ وَهِيَ تَالِفَةٌ غَرِمَهَا الْمُلْتَقِطُ أَوْ نَاقِصَةٌ ضَمِنَ الْأَرْشَ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْقَاعِدَةِ صُوَرٌ: إحْدَاهَا: الشَّاةُ الْمُعَجَّلَةُ (عَنْ) الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا لَوْ تَلِفَتْ، وَخَرَجَ الْمَالِكُ عَنْ كَوْنِهِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ بِأَنْ تَلِفَ مَالُهُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْفَقِيرِ بِقِيمَةِ الشَّاةِ، وَإِنْ تَعَيَّبَتْ فِي يَدِهِ فَفِي الْأَرْشِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا لَا.
الثَّانِيَةُ: لَوْ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالصَّدَاقُ تَالِفٌ فَلَهُ بَدَلُهُ فَلَوْ كَانَ مَعِيبًا فَلَا أَرْشَ لَهُ إنْ رَجَعَ فِي نِصْفِهِ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ إلَى قِيمَةِ نِصْفِهِ.
الثَّالِثَةُ: رَدَّ (الْبَائِعِ) الْمَبِيعَ بِالْعَيْبِ، وَقَدْ نَقَصَ الثَّمَنُ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَإِنْ شَاءَ رَجَعَ (فِيهِ) نَاقِصًا بِلَا أَرْشٍ فِي وَجْهٍ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ إلَى بَدَلِهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ حَقُّهُ فِيهِ نَاقِصًا مِنْ غَيْرِ أَرْشٍ، وَلَا خِيَارَ قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ وَالْبَيْعِ.
(2/344)

الرَّابِعَةُ: رَجَعَ الْبَائِعُ فِي الْمَبِيعِ عِنْدَ إفْلَاسِ الْمُشْتَرِي، وَوَجَدَهُ نَاقِصًا بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ بِإِتْلَافِ الْبَائِعِ، وَأَرَادَ الرُّجُوعَ فِيهِ فَلَا أَرْشَ لَهُ فِي الْأُولَى قَطْعًا، وَلَا فِي الثَّانِيَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ فِي الرَّوْضَةِ.
الْخَامِسَةُ: الْقَرْضُ إذَا تَعَيَّبَ فِي يَدِ الْمُقْتَرَضِ ثُمَّ رَجَعَ (الْمُقْرِضُ) فَإِنَّهُ يَتَخَيَّرُ إنْ شَاءَ رَجَعَ فِيهِ نَاقِصًا، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ بِمِثْلِهِ (إنْ) كَانَ مِثْلِيًّا، كَذَا جَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ، وَحَكَى فِيمَا إذَا كَانَ الْوَاجِبُ رَدَّ الْقِيمَةِ خِلَافَ ذَلِكَ.
وَقَرِيبٌ مِنْهُ نَصُّ (الشَّافِعِيِّ) (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) فِيمَا لَوْ تَعَيَّبَتْ الْعَيْنُ الْمَبِيعَةُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ وَغَرِمَ أَرْشَهَا لِمَالِكِهَا أَنَّهُ يَرْجِعُ (بِهِ) عَلَى الْبَائِعِ، وَلَوْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ وَغَرِمَ قِيمَتَهَا لَمْ يَرْجِعْ بِهَا.
وَزَعَمَ الْإِمَامُ انْعِكَاسَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَا لَا يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ إذَا أُتْلِفَ لَا يُضْمَنُ (الْجُزْءُ) إذَا أُتْلِفَ كَالْبَائِعِ يَتَعَيَّبُ الْمَبِيعُ بِيَدِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ.
قُلْت: وَالْمُكَاتَبُ فَإِنَّ سَيِّدَهُ لَوْ قَطَعَ يَدَهُ ضَمِنَهَا وَلَوْ قَتَلَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَالْجِنَايَةُ عَلَى بَعْضِهِ كَقَطْعِ يَدِهِ، وَأَيْضًا لَوْ غَرَّمَ الْمَالِكُ لِلْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ مُشْتَرِيَهَا مِنْ الْغَاصِبِ قِيمَتَهَا (لِلتَّلَفِ) لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى الْبَائِعِ، وَإِنْ (تَعَيَّبَتْ) فِي يَدِهِ فَأَخَذَهَا الْمَالِكُ مَعَ الْأَرْشِ رَجَعَ بِالْأَرْشِ عَلَى الْبَائِعِ قَالَهُ فِي الْوَسِيطِ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَهَذَا الْأَصْلُ يُسْتَثْنَى مِنْهُ مَسَائِلُ.
(2/345)

وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَاوَرْدِيَّ عَبَّرَ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي كِتَابِ التَّفْلِيسِ بِقَوْلِهِ (مَنْ لَمْ يَضْمَنْ) الشَّيْءَ بِقِيمَتِهِ لَا يَضْمَنُ أَرْشَ نَقْصِهِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ الْعَيْنِ مِنْ يَدِهِ كَالْبَائِعِ لَمَّا ضَمِنَ الْمَبِيعَ لِلْمُشْتَرِي بِثَمَنِهِ دُونَ قِيمَتِهِ لَمْ يَضْمَنْ أَرْشَ مَا حَدَثَ مِنْ نَقْصِهِ فِي يَدِهِ، وَكَمَا لَوْ بَاعَ شَيْئًا وَلَمْ يَقْبِضْ ثَمَنَهُ حَتَّى حُجِرَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْفَلَسِ فَوَجَدَهُ نَاقِصًا بِآفَةٍ فَإِنْ رَضِيَ بِهِ فَذَاكَ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِأَرْشِ نَقْصِهِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَضْمَنُهُ بِثَمَنِهِ، وَأَمَّا مَنْ ضَمِنَ الشَّيْءَ بِقِيمَتِهِ فَيَضْمَنُ أَرْشَ مَا حَدَثَ مِنْ النُّقْصَانِ فِي يَدِهِ كَالْغَاصِبِ.
الْعَاشِرَةُ: إنَّمَا يُضْمَنُ الْمُتَمَوَّلُ أَمَّا مَا لَيْسَ بِمُتَمَوَّلٍ فِي الْحَالِ، لَكِنَّهُ يَئُولُ إلَى الْمَالِ فَلَا.
وَلِهَذَا لَوْ قَتَلَ (رَجُلٌ) الْأَسِيرَ قَبْلَ أَنْ يَضْرِبَ الْإِمَامُ عَلَيْهِ الرِّقَّ لَمْ يَضْمَنْهُ وَلَا يُقَالُ: إنَّهُ فَوَّتَ الْإِرْقَاقَ فَهَلَّا كَانَ بِمَثَابَةِ تَفْوِيتِ الرِّقِّ بِالْغُرُورِ وَالْمَغْرُورُ (يَلْتَزِمُ الْقِيمَةَ كَقَطْعِ الرِّقِّ مِنْ الْحُرِّ إنْ قُلْنَا ذَاكَ الرِّقُّ كَانَ يَجْرِي لَا مَحَالَةَ لَوْلَا الْغُرُورُ فَالْمَغْرُورُ) دَفَعَ الرِّقَّ الَّذِي لَا حَاجَةَ لِتَحْصِيلِهِ وَالرِّقُّ لَا يَجْرِي عَلَى الْأَسِيرِ مِنْ غَيْرِ ضَرْبٍ، كَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ قَالَ، وَأَشْبَهَ الْأَشْيَاءِ بِمَا نَحْنُ فِيهِ إتْلَافُ الْجِلْدِ الْقَابِلِ لِلدِّبَاغِ قَبْلَ الدِّبَاغِ فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ مَعَ تَهَيُّئِهِ لِلدِّبَاغِ ابْتِدَاءً فَإِنْشَاءُ الدِّبَاغِ كَإِنْشَاءِ الْإِرْقَاقِ.
وَهَذَا بِخِلَافِ الْخَمْرَةِ الْمُحْتَرَمَةِ فَإِنَّهَا تُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ عَلَى وَجْهٍ؛ لِأَنَّهَا لَوْ تُرِكَتْ فَإِلَى التَّخْلِيلِ مَصِيرُهَا.
(2/346)

[حَرْفُ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ] [الطَّارِئُ هَلْ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْمُقَارِنِ]
الطَّارِئُ هَلْ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْمُقَارِنِ هُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: مَا يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ قَطْعًا كَمَا لَوْ طَرَأَ مُؤَيِّدُ تَحْرِيمٍ عَلَى نِكَاحٍ قَطَعَهُ فَلَوْ نَكَحَ امْرَأَةً فَوَطِئَهَا أَبُوهُ أَوْ ابْنُهُ بِشُبْهَةٍ أَوْ وَطِئَ هُوَ أُمَّهَا (أَوْ بِنْتَهَا) انْفَسَخَ النِّكَاحُ.
وَلَوْ مَلَكَ زَوْجَتَهُ أَوْ بَعْضَهَا انْفَسَخَ نِكَاحُهُ، وَإِنَّمَا كَانَتْ مَوَانِعُ (النِّكَاحِ) تَمْنَعُ فِي الِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ؛ لِتَأَبُّدِهَا وَاعْتِضَادِهَا بِكَوْنِ الْأَصْلِ فِي الْأَبْضَاعِ هُوَ الْحُرْمَةَ، وَكَذَلِكَ عَيْبُ النِّكَاحِ إذَا كَانَ بِالزَّوْجِ وَقَارَنَهُ تَخَيَّرَتْ الزَّوْجَةُ، وَكَذَلِكَ إذَا حَدَثَ فِي دَوَامِ النِّكَاحِ.
وَمِنْهُ الْحَدَثُ يَمْنَعُ صِحَّةَ ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ، فَإِذَا طَرَأَ عَمْدُهُ (عَلَيْهِمَا قَطَعَهُمَا) .
وَمِنْهُ بُلُوغُ الْمَاءِ قُلَّتَيْنِ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ لَمْ يُؤَثِّرْ.
وَلَوْ تَنَجَّسَ الْقَلِيلُ ثُمَّ بَلَغَ قُلَّتَيْنِ انْدَفَعَ حُكْمُ النَّجَاسَةِ بِالْكَثْرَةِ فِي ثَانِي الْحَالِ كَالِابْتِدَاءِ
(2/347)

وَمِنْهُ قَصْدُ الِاسْتِعْمَالِ (الْمُبَاحِ فِي الْحُلِيِّ) ، إذَا قَارَنَ ابْتِدَاءَ (الصِّيَاغَةِ) أَسْقَطَ الزَّكَاةَ.
وَكَذَلِكَ إذَا طَرَأَ هَذَا الْقَصْدُ بَعْدَ أَنْ كَانَ لِمُحَرِّمٍ فَإِنَّهُ يُسْقِطُهَا أَيْضًا.

الثَّانِي: مَا لَا يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ قَطْعًا، كَمَا لَوْ أَحْرَمَ الْمُتَزَوِّجُ لَمْ يَمْنَعْ اسْتِمْرَارَ النِّكَاحِ، وَإِنْ كَانَ لَوْ قَارَنَ ابْتِدَاءَهُ مَنَعَ، وَكَذَلِكَ الْعِدَّةُ فَإِذَا طَرَأَتْ عَلَّقَ الشُّبْهَةَ عَلَى مَنْكُوحَةٍ لَمْ يَبْطُلْ نِكَاحُهَا، وَكَذَا خَوْفُ الْعَنَتِ يُشْتَرَطُ فِي ابْتِدَاءِ نِكَاحِ الْأَمَةِ، وَإِذَا زَالَ فِي أَثْنَائِهِ لَمْ يَقْطَعْهُ، وَإِذَا اشْتَرَى عَرْضًا لِلْقُنْيَةِ، ثُمَّ نَوَى بِهِ التِّجَارَةَ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ لَمْ يَنْعَقِدْ الْحَوْلُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَارِنْ الشِّرَاءَ، وَكَذَلِكَ طَرَيَانُ الْإِسْلَامِ لَا يَمْنَعُ دَوَامَ الشَّيْءِ قَطْعًا، وَإِنْ (مَنَعَ) ابْتِدَاءَهُ.
وَتَوْقِيتُ النِّكَاحِ يَمْنَعُ صِحَّةَ ابْتِدَاءَهُ، وَإِذَا طَرَأَ فِي أَثْنَائِهِ لَمْ يَمْنَعْهُ بِأَنْ يَقُولَ أَنْتِ طَالِقٌ بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ، وَرُؤْيَةُ الْمَاءِ (مَانِعَةٌ) مِنْ ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ، وَإِذَا رَآهُ فِي أَثْنَائِهَا لَمْ يُبْطِلْهَا، إذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ مِمَّا يَسْقُطُ فَرْضُهَا بِالتَّيَمُّمِ وَوِجْدَانُ الرَّقَبَةِ يَمْنَعُ إجْزَاءَ التَّكْفِيرِ بِالصِّيَامِ فِي الْكَفَّارَةِ الْمُرَتَّبَةِ، وَإِذَا شَرَعَ فِي الصَّوْمِ؛ لِعَدَمِهَا ثُمَّ وَجَدَهَا لَمْ تَمْنَعْ مِنْ (دَوَامِهِ، وَإِجْزَائِهِ) .
وَالْإِبَاقُ يَمْنَعُ صِحَّةَ عَقْدِ الرَّهْنِ إذَا قَارَنَهُ (فَلَوْ) رَهَنَ عَبْدًا فَأَبَقَ لَمْ يَبْطُلُ رَهْنُهُ، وَاَلَّذِي لَا يَصِحُّ جَعْلُهُ رَهْنًا ابْتِدَاءً، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَرْهُونًا فِي ثَانِي الْحَالِ، كَمَا إذَا أَتْلَفَ الْمَرْهُونَ أَجْنَبِيٌّ، وَوَجَبَتْ قِيمَتُهُ فِي ذِمَّتِهِ فَإِنَّهَا تَصِيرُ رَهْنًا مَكَانَهُ.
وَلَوْ وَقَفَ وَشَرَطَ النَّظَرَ لِلْأَفْضَلِ مِنْ أَوْلَادِهِ فَتَصَرَّفَ أَفْضَلُهُمْ ثُمَّ حَدَثَ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ (مِنْهُ) لَمْ يَكُنْ لَهُ النَّظَرُ قَطَعَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ.
(2/348)

الثَّالِثُ: مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ تَنْزِيلُهُ مَنْزِلَتَهُ، كَالِاسْتِعْمَالِ فِي الْمَاءِ تَدْفَعُهُ الْكَثْرَةُ ابْتِدَاءً، وَهَلْ تَدْفَعُهُ فِي الدَّوَامِ إذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ؟ وَجْهَانِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَعُودُ طَهُورًا، وَكَمَا لَوْ أَحْرَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ (وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ) فَالْأَصَحُّ بُطْلَانُ نُسُكِهِ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَ مُرْتَدًّا، وَلَوْ أَنْشَأَ السَّفَرَ مُبَاحًا ثُمَّ (صَرَفَهُ) إلَى مَعْصِيَةٍ لَمْ يَتَرَخَّصْ (فِي الْأَصَحِّ) فَجَعَلُوا طَارِئَ الْمَعْصِيَةِ كَالْمُقَارِنِ فِي الْأَصَحِّ
وَمِثْلُهُ لَوْ أَنْشَأَ السَّفَرَ بِمَعْصِيَةٍ ثُمَّ تَابَ وَغَيَّرَ قَصْدَهُ فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: (يَكُونُ) (ابْتِدَاءُ سَفَرِهِ) مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَإِنْ كَانَ مِنْهُ إلَى مَقْصِدِهِ مَسَافَةُ الْقَصْرِ تَرَخَّصَ، وَإِلَّا فَلَا.
وَالصَّيْدُ لَا يَصِحُّ مِنْ الْمُحْرِمِ ابْتِدَاءُ تَمَلُّكُهُ، وَإِذَا أَحْرَمَ وَهُوَ فِي مِلْكِهِ زَالَ (مِلْكُهُ عَنْهُ) وَلَزِمَهُ إرْسَالُهُ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ وَجَدَ الزَّوْجُ بِالْمَرْأَةِ أَحَدَ الْعُيُوبِ الْخَمْسَةِ تَخَيَّرَ، وَلَوْ حَدَثَ بِهَا فِي الدَّوَامِ فَكَذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ (كَالِابْتِدَاءِ) .
وَلَوْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَ الْمُفْلِسِ وَكَانَ حَالًّا يَرْجِعُ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ مُؤَجَّلًا وَحَلَّ فِي أَثْنَاءِ الْحَالِ فَكَذَا فِي الْأَصَحِّ وَالْعَدَدُ فِي الْجُمُعَةِ شَرْطٌ فِي الِابْتِدَاءِ قَطْعًا وَكَذَلِكَ فِي الدَّوَامِ فِي الْأَصَحِّ، حَتَّى لَوْ انْفَضُّوا فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ أَتَمَّهَا ظُهْرًا.
(2/349)

الرَّابِعُ: مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ (أَنَّهُ لَا) يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ.
فَمِنْهُ: وُجُودُ الْحُرَّةِ مَانِعٌ مِنْ ابْتِدَاءِ نِكَاحِ الْأَمَةِ، فَلَوْ نَكَحَ أَمَةً؛ لِعَدَمِ الْحُرَّةِ ثُمَّ أَيْسَرَ أَوْ نَكَحَ عَلَيْهَا حُرَّةً لَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُ الْأَمَةِ عَلَى الصَّحِيحِ لِقُوَّةِ الدَّوَامِ، وَكَذَا لَوْ نَكَحَ الْأَبُ جَارِيَةَ أَجْنَبِيٍّ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ ثُمَّ مَلَكَهَا ابْنُهُ وَالْأَبُ بِحَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِ الْأَمَةِ لَمْ يَنْفَسِخْ النِّكَاحُ فِي الْأَصَحِّ؛ لِقُوَّةِ الدَّوَامِ.
وَمِنْهُ: لَوْ تَيَمَّمَ ثُمَّ وَقَعَ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيِّ يَبْطُلُ كَمَا لَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّيَمُّمِ فَإِنَّهَا تَمْنَعُ تَيَمُّمَهُ؛ إلْحَاقًا لِلطَّارِئِ بِالْمُقَارِنِ؛ وَقِيَاسًا عَلَى (الرِّدَّةِ؛ لِخُرُوجِهِ) عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْإِبَاحَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ مَعْصِيَةٌ بِخِلَافِ وُقُوعِ النَّجَاسَةِ، وَقَدْ عَدَّ الْأَصْحَابُ مُبْطِلَاتِ التَّيَمُّمِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا (فِيهَا هَذَا) .
وَلَوْ ثَبَتَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى عَبْدِ غَيْرِهِ ثُمَّ تَمَلَّكَهُ (فَهَلْ) يَسْقُطُ الدَّيْنُ؟ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا نَعَمْ، كَمَا لَا يَثْبُتُ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنٌ ابْتِدَاءً،، وَأَصَحُّهُمَا: يَبْقَى كَمَا كَانَ؛ لِأَنَّ (لِلدَّوَامِ) مِنْ الثَّمَرَةِ مَا لَيْسَ لِلِابْتِدَاءِ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي فَصْلِ نِكَاحِ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ، لَكِنْ ذَكَرَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ فِي بَابِ الرَّهْنِ أَنَّهُ لَوْ جَنَى الْمَرْهُونُ عَلَى طَرَفِ مَنْ يَرِثُهُ السَّيِّدُ (كَابْنِهِ) ثَبَتَ الْمَالُ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ، وَوَرِثَهُ السَّيِّدُ فَوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ يَسْقُطُ كَمَا انْتَقَلَ إلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ اسْتِدَامَةُ الدَّيْنِ، كَمَا لَا يَجُوزُ ابْتِدَاؤُهُ.
(2/350)

وَلَوْ قَتَلَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ الْقَاتِلُ ثُمَّ مَاتَ وَلِيَ " دَمَ " الْمَقْتُولِ (وَوَرِثَهُ) ذِمِّيٌّ فَالصَّحِيحُ وُجُوبُ الْقِصَاصِ لِهَذَا الْوَارِثِ، وَإِنْ كَانَ انْتَقَلَ إلَيْهِ بَعْدَ إسْلَامِ الْقَاتِلِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الدَّوَامِ (بِالْإِرْثِ) .

[الطَّهَارَةُ تَثْبُتُ بِالتَّبَعِيَّةِ فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ]
ٍ: إحْدَاهَا: إذَا غَلَتْ الْخَمْرَةُ فِي الدَّنِّ ثُمَّ سَكَنَتْ وَانْقَلَبَتْ خَلًّا، فَالْمَكَانُ الَّذِي (ارْتَفَعَ) إلَيْهِ الْخَمْرُ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ تَبَعًا، وَعَلَى هَذَا لَوْ صَبَّ الْخَلَّ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ مِنْ الدَّنِّ لَا يَضُرُّ مُرُورُهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي ارْتَفَعَ إلَيْهِ الْخَمْرُ.
الثَّانِيَةُ: بَاطِنُ الدَّنِّ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ تَبَعًا لِلْخَلِّ.
الثَّالِثَةُ: الْقَلِيلُ مِنْ الشَّعْرِ إذَا بَقِيَ عَلَى جِلْدِ الْمَيْتَةِ (بَعْدَ) الدِّبَاغِ.
(2/351)

[حَرْفُ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ] [ظُهُورُ أَمَارَاتِ الشَّيْءِ هَلْ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ تَحَقُّقِهِ]
ظُهُورُ (أَمَارَاتِ) الشَّيْءِ هَلْ تَنْزِلُ مَنْزِلَ تَحَقُّقِهِ
(لَوْ) ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ الْإِفْلَاسِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَسُوبًا، وَهُوَ يُنْفِقُ مِنْ مَالِهِ أَوْ لَمْ يَفِ كَسْبُهُ بِنَفَقَتِهِ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّهُ لَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَفَاءَ حَاصِلٌ وَهُمْ (يَتَمَكَّنُونَ) مِنْ الْمُطَالَبَةِ فِي الْحَالِ، وَرَجَّحَ الْإِمَامُ مُقَابِلَهُ.
وَمِنْهَا: لَوْ ظَهَرَ عَلَى السَّفِيهِ أَمَارَاتُ (التَّبْذِيرِ) حُجِرَ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ، وَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ.
وَمِنْهَا: لَوْ عَلِمَ الْمُسَلِّمُ قَبْلَ الْمَحِلِّ بِانْقِطَاعِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ عِنْدَ الْحُلُولِ فَهَلْ يَثْبُتُ الْفَسْخُ؟ وَجْهَانِ (: أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ) .
وَمِنْهَا: لَوْ تَوَسَّمَ (الْوَالِدُ) الْمَعْضُوبُ مِنْ (ابْنِهِ) الطَّاعَةَ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْأَمْرُ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ لِحُصُولِ الِاسْتِطَاعَةِ.
وَمِنْهَا: لَوْ (وَلِيَ) شَخْصٌ لِلْقَضَاءِ فَهَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَبُولُ الْهَدِيَّةِ مِمَّنْ لَمْ تَجْرِ
(2/352)

عَادَتُهُ، كَانَ بَعْضُ مَنْ أَدْرَكْنَا يُبْدِي (فِيهَا) تَرَدُّدًا عَمَّنْ لَقِيَ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَلَا يَخْفَى (مَأْخَذُهُ مِمَّا) ذَكَرْنَا، وَمِنْهَا (ظَهَرَتْ) أَمَارَاتُ نُشُوزِ (الْمَرْأَةِ) لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ (حُكْمُهُ) حَتَّى يَتَحَقَّقَ.
وَمِنْهَا لَوْ (بَدَتْ) تَبَاشِيرُ الْهِدَايَةِ عَلَى الْكَافِرِ فَابْتَدَرَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ أَقْبَلَ، وَأَسْلَمَ فِي الْحَالِ، وَقُلْنَا: لَا يَصِحُّ غُسْلُهُ فِي حَالِ كُفْرِهِ صَحَّ هُنَا عَلَى أَحَدِ احْتِمَالَيْ الْإِمَامِ.

[الظَّنُّ إذَا كَانَ كَاذِبًا فَلَا أَثَرَ لَهُ]
ُ وَلَا عِبْرَةَ بِالظَّنِّ الْبَيِّنِ خَطَؤُهُ، وَلِهَذَا لَوْ ظَنَّ (الْمُكَلَّفُ) فِي الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ إلَى آخِرِهِ (تَضَيَّقَ) عَلَيْهِ، فَلَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ ثُمَّ عَاشَ وَفَعَلَهُ فَأَدَاءٌ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَلَوْ ظَنَّ أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ فَصَلَّى ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ الْحَدَثُ أَوْ ظَنَّ دُخُولَ الْوَقْتِ (فَصَلَّى ثُمَّ) تَبَيَّنَ أَنَّهُ (صَلَّى) قَبْلَ الْوَقْتِ أَوْ طَهَارَةَ الْمَاءِ فَتَوَضَّأَ (بِهِ) ثُمَّ تَبَيَّنَ نَجَاسَتُهُ، أَوْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَظُنُّهُ مُسْلِمًا فَأَخْلَفَ ظَنَّهُ (أَوْ دَفَعَ) الزَّكَاةَ مِنْ مَالٍ يَظُنُّهُ لَهُ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لِغَيْرِهِ أَوْ ظَنَّ بَقَاءَ اللَّيْلِ فِي الصَّوْمِ فَتَسَحَّرَ أَوْ غُرُوبَ الشَّمْسِ فَأَفْطَرَ ثُمَّ تَبَيَّنَ خِلَافُهُ لَمْ يُؤَثِّرْ (أَيْ الظَّنُّ) .
(2/353)

وَمِنْهُ إذَا أَنْفَقَ عَلَى الْبَائِنِ (الْحَائِلِ) ظَانًّا حَمْلَهَا (ثُمَّ تَبَيَّنَ) خِلَافُهُ فَإِنَّهُ (يَسْتَرِدُّهُ) ، وَشَبَّهَهُ الرَّافِعِيُّ بِمَا إذَا ظَنَّ أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا فَأَدَّاهُ (ثُمَّ بَانَ) خِلَافُهُ وَمَا إذَا أَنْفَقَ عَلَى ظَنِّ (إعْسَارِهِ لِمُدَّةٍ) ثُمَّ بَانَ يَسَارُهُ.
وَلَوْ سَرَقَ دَنَانِيرَ ظَنَّهَا فُلُوسًا قُطِعَ، (وَهَذَا) بِخِلَافِ مَا لَوْ سَرَقَ مَالًا يَظُنُّهُ مِلْكَهُ أَوْ مِلْكَ (أَبِيهِ) فَلَا قَطْعَ (كَمَا) لَوْ وَطِئَ امْرَأَةً يَظُنُّهَا زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مُشْكِلٌ فَإِنَّهُمْ اُعْتُبِرُوا فِي الْأُولَى مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا مَا فِي ظَنِّهِ، وَعَكَسُوا فِي الْأُخْرَى.
وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ: مِنْهَا: لَوْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَظُنُّهُ مُتَطَهِّرًا فَبَانَ حَدَثُهُ تَصِحُّ صَلَاتُهُ، وَلَوْ رَأَى الْمُتَيَمِّمُ الْمُسَافِرُ رَكْبًا فَظَنَّ أَنَّ مَعَهُمْ مَاءً فَإِنَّ تَيَمُّمَهُ يَبْطُلُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ مَاءٌ لِتَوَجُّهِ الطَّلَبِ عَلَيْهِ.
وَلَوْ خَاطَبَ (امْرَأَتَهُ) بِالطَّلَاقِ يَظُنُّ أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةُ فَكَانَتْ زَوْجَتَهُ نَفَذَ الطَّلَاقُ، وَلَا أَثَرَ لِظَنِّهِ الْخَطَأِ، وَكَذَا لَوْ (أَعْتَقَ) عَبْدًا يَظُنُّهُ لِغَيْرِهِ فَكَانَ لَهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى الْيَقِينِ هَلْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالظَّنِّ يُنْظَرُ إنْ كَانَ مِمَّا (يَعْتَدُّ) فِيهِ بِالْقَطْعِ لَمْ يَجُزْ قَطْعًا كَالْمُجْتَهِدِ الْقَادِرِ عَلَى النَّصِّ لَا يَجْتَهِدُ، وَكَذَا إنْ
(2/354)

كَانَ بِمَكَّةَ لَا يَجْتَهِدُ فِي الْقِبْلَةِ.
وَلَوْ اسْتَقْبَلَ الْمُصَلِّي (حِجْرَ) الْكَعْبَةِ وَحْدَهُ دُونَ الْبَيْتِ وَصَلَّى لَمْ تَصِحَّ (صَلَاتُهُ) ، وَإِنْ جَعَلْنَاهُ مِنْ الْبَيْتِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مِنْ الْبَيْتِ ظَنِّيٌّ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَتَعَبَّدْ فِيهِ بِهِ جَازَ، كَالِاجْتِهَادِ بَيْنَ الطَّاهِرِ وَالنَّجَسِ مِنْ الثِّيَابِ وَالْأَوَانِي، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى طَاهِرٍ بِيَقِينٍ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ اجْتَهَدَ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ جَازَتْ الصَّلَاةُ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ عِلْمِهِ فِي الْأَصَحِّ.
(2/355)

[حَرْفُ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ] [الْعَادَةُ فِيهَا مَبَاحِثُ]
(الْعَادَةُ) فِيهَا مَبَاحِثُ (الْأَوَّلُ) :
أَنَّهَا تَحْكُمُ فِيمَا لَا ضَبْطَ لَهُ شَرْعًا، وَعَلَيْهِ اعْتَمَدَ الشَّافِعِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) فِي أَقَلِّ (سِنِّ) الْحَيْضِ وَالْبُلُوغِ، وَفِي قَدْرِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ أَقَلَّ وَأَكْثَرَ وَغَالِبٍ، وَكَذَلِكَ فِي إحْرَازِ الْمَالِ الْمَسْرُوقِ، وَفِي ضَابِطِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فِي الضَّبَّةِ مِنْ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ، وَفِي قِصَرِ الزَّمَانِ وَطُولِهِ عِنْدَ مُوَالَاةِ الْوُضُوءِ، وَفِي الْبِنَاءِ عَلَى الصَّلَاةِ، وَفِي الِاسْتِئْنَافِ (وَكَثْرَةِ) الْأَفْعَالِ (الْمُنَافِيَةِ) لِلصَّلَاةِ، وَفِي التَّأْخِيرِ الْمَانِعِ مِنْ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَفِي الشُّرْبِ وَسَقْيِ الدَّوَابِّ مِنْ الْجَدَاوِلِ، وَالْأَنْهَارِ الْمَمْلُوكَةِ الْمَجْرَى إذَا كَانَ لَا يُضِيرُ مَالِكُهَا، إقَامَةً (لِلْعُرْفِ) مَقَامَ الْإِذْنِ اللَّفْظِيِّ، وَكَذَا الثِّمَارُ السَّاقِطَةُ مِنْ الْأَشْجَارِ الْمَمْلُوكَةِ، وَفِي عَدَمِ رَدِّ ظَرْفِ الْهَدِيَّةِ إذَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ، وَمَا جُهِلَ حَالُهُ فِي الْوَزْنِ وَالْكَيْلِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَعَ فِيهِ إلَى عَادَةِ بَلَدِ الْبَيْعِ فِي الْأَصَحِّ.
نَعَمْ لَمْ يَعْتَبِرْهَا (الْإِمَامُ) الشَّافِعِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) فِي صُورَتَيْنِ:
(2/356)

إحْدَاهُمَا: اسْتِصْنَاعُ الصُّنَّاعِ (الَّذِينَ) جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِأَنَّهُمْ لَا يَعْمَلُونَ إلَّا (بِالْأُجْرَةِ) ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْهُ) : إذَا لَمْ (يَجْرِ) مِنْ الْمُسْتَصْنِعِ اسْتِئْجَارٌ لَهُمْ لَا يَسْتَحِقُّونَ شَيْئًا.
الثَّانِيَةُ: عَدَمُ صِحَّةِ الْبَيْعِ بِالْمُعَاطَاةِ عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَإِنْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِعَدِّهِ (بَيْعًا) ، وَإِنْ كَانَ الْمُخْتَارُ خِلَافَهُ فِي الصُّورَتَيْنِ.
تَنْبِيهٌ قَالَ الْإِمَامُ فِي بَابِ الْمُسَابَقَةِ: نَقَلَ الْأَئِمَّةُ (تَرَدُّدًا) (لِلشَّافِعِيِّ) (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) فِي أَنَّ الْمُتَّبَعَ الْقِيَاسُ أَوْ الْعَادَةُ الَّتِي تَجْرِي بَيْنَ الرُّمَاةِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ حُجَّةٌ (فِي الشَّرْعِ فَإِنْ كَانَتْ الْعَادَةُ مُوَافِقَةً) لِمُوجَبِ (الشَّرْعِ فَلَا مَعْنَى لِلتَّرَدُّدِ، وَالْمُتَّبَعُ الشَّرْعُ وَقِيَاسُهُ. وَإِنْ كَانَ لِلرُّمَاةِ عَادَةٌ يُنَاقِضُهَا)
الْقِيَاسُ الشَّرْعِيُّ فَلَا مَعْنَى لِاتِّبَاعِ عَادَتِهِمْ فَالْوَجْهُ الْقَطْعُ بِالتَّعَلُّقِ بِالْحُجَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ: أَرَادَ الشَّافِعِيُّ عَادَةَ الْفُقَهَاءِ.

الثَّانِي:
بِمَاذَا تَسْتَقِرُّ الْعَادَةُ؟ اعْلَمْ أَنَّ مَادَّةَ الْعَادَةِ تَقْتَضِي تَكَرُّرَ الشَّيْءِ وَعَوْدَهُ (تَكَرُّرًا) كَثِيرًا يَخْرُجُ عَنْ
(2/357)

كَوْنِهِ وَقَعَ بِطَرِيقِ الِاتِّفَاقِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْقَاضِي (أَبُو بَكْرٍ الْأُصُولِيُّ) وَغَيْرُهُ وَقَالُوا: الْإِنْسَانُ إذَا تَعَسَّرَ فَأَخَذَ السَّقَمُونْيَا (فَأَسْهَلَتْهُ) ثُمَّ أَخَذَهُ مَرَّةً أُخْرَى، وَهَكَذَا وَقَعَ الْعِلْمُ عِنْدَهُ بِأَنَّهُ مَتَى شَرِبَهَا (أَسْهَلَتْهُ) ، وَهِيَ عِنْدَهُمْ تُفِيدُ الْعِلْمَ (الضَّرُورِيَّ) ، وَلِهَذَا كَانَ خَرْقُ الْعَوَائِدِ عِنْدَهُمْ لَا يَجُوزُ إلَّا مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ أَوْ كَرَامَةً لِوَلِيٍّ.
وَأَمَّا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَيَخْتَلِفُ الْأَمْرُ بِحَسَبِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَمِنْهَا الْعَادَةُ فِي وُجُودِ أَقَلِّ الطُّهْرِ إذَا خَالَفَتْ الْعَادَةُ الْمُعْتَادَةَ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِثَلَاثٍ مُتَوَالِيَةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ فِي الْأُمِّ إذْ قَالَ: لَوْ عَلِمْنَا أَنَّ (طُهْرَ الْمَرْأَةِ) أَقَلُّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ (يَوْمًا) قَبِلْنَا قَوْلَهَا فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: (إمَّا) أَنْ يَتَكَرَّرَ طُهْرُ الْمَرْأَةِ مِرَارًا مُتَوَالِيَةً أَقَلُّهَا ثَلَاثُ مَرَّاتٍ مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ، (فَإِنْ تَفَرَّقَ) وَلَمْ يَتَوَالَ لَمْ (يَصِرْ) عَادَةً، أَوْ يُوجَدُ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ (جَمَاعَةِ) نِسَاءٍ أَقَلُّهُنَّ (ثَلَاثٌ) .
(2/358)

وَحَكَى الرُّويَانِيُّ فِي بَابِ الْعِدَدِ وَجْهًا أَنَّهَا تَثْبُتُ بِمَرَّتَيْنِ (وَقَالَ) وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي أَنَّهَا لَا تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ، وَمِنْهَا الِاسْتِحَاضَةُ، وَهِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا يَثْبُتُ بِالْمَرَّةِ قَطْعًا وَهِيَ أَصْلُ الِاسْتِحَاضَةِ فِي الْمُبْتَدَأَةِ إذَا فَاتَحَهَا الدَّمُ الْأَسْوَدُ خَمْسَةَ أَيَّامٍ (مَثَلًا ثُمَّ تَغَيَّرَ) إلَى الضَّعِيفِ فَلَا تَغْتَسِلُ وَلَا تُصَلِّي بَلْ تَتَرَبَّصُ فَلَعَلَّ الضَّعِيفَ يَنْقَطِعُ دُونَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ فَيَكُونُ الْكُلُّ حَيْضًا، فَإِنْ (جَاوَزَ) الْخَمْسَةَ عَشَرَ تَدَارَكَتْ مَا فَاتَ (فَإِنْ) كَانَ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي، فَكَمَا انْقَلَبَ الدَّمُ إلَى الضَّعِيفِ تَغْتَسِلُ (إذْ) بَانَ اسْتِحَاضَتُهَا فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ، وَالِاسْتِحَاضَةُ عِلَّةٌ مُزْمِنَةٌ فَالظَّاهِرُ (أَنَّهَا إذَا وَقَعَتْ دَامَتْ) .
ثَانِيهَا: مَا (تَثْبُتُ) بِمَرَّةٍ عَلَى الْأَصَحِّ، وَهُوَ الْحَيْضُ وَالطُّهْرُ فِي الْمُعْتَادَةِ الَّتِي سَبَقَ لَهَا حَيْضٌ وَطُهْرٌ فَتَرُدُّ إلَيْهِمَا قَدْرًا وَوَقْتًا وَتَثْبُتُ الْعَادَةُ بِمَرَّةٍ فِي الْأَصَحِّ.
وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ مَرَّتَيْنِ، وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثٍ، وَإِنَّمَا جَرَى الْخِلَافُ هُنَا، لِأَنَّ اسْتِقْرَارَ الْحَيْضِ بِمَرَّةٍ (لَا يُوثَقُ بِهِ فَقِيلَ: لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّكْرَارِ) .
ثَالِثُهَا: (مَا لَا يَثْبُتُ بِالْمَرَّةِ) وَلَا بِالْمَرَّاتِ الْمُتَكَرِّرَةِ قَطْعًا، وَهِيَ إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا فَرَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا نَقَاءً، وَاسْتَمَرَّتْ بِهَا الْأَدْوَارُ هَكَذَا، وَقُلْنَا بِقَوْلِ اللَّقَطِ فَأَطْبَقَ الدَّمُ عَلَى لَوْنٍ وَاحِدٍ فَإِنَّا لَا نَلْتَقِطُ لَهَا (نَظِيرَ) أَيَّامِ الدَّمِ قَطْعًا، وَإِنَّمَا (نُحَيِّضُهَا) مِنْ أَوَّلِ الدَّمِ عَلَى الْوَلَاءِ مَا كُنَّا (نَجْعَلُهُ) حَيْضًا بِالتَّلْفِيقِ حَتَّى لَوْ
(2/359)

كُنَّا نَلْتَقِطُ (لَهَا) خَمْسَةَ أَيَّامٍ مَثَلًا مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ثُمَّ أَطْبَقَ الدَّمُ (فَنُحَيِّضُهَا) خَمْسَةً وَلَاءً مِنْ أَوَّلِ الدَّمِ الْمُطْبَقِ.
قَالَ الْإِمَامُ وَلِلِاحْتِمَالِ فِيهِ مَجَالٌ، وَكَذَا لَوْ وَلَدَتْ مِرَارًا، وَلَمْ تَرَ نِفَاسًا ثُمَّ وَلَدَتْ، وَأَطْبَقَ الدَّمُ وَجَاوَزَ سِتِّينَ يَوْمًا فَإِنَّ عَدَمَ النِّفَاسِ لَا (يَصِيرُ) عَادَةً لَهَا بِلَا خِلَافٍ، بَلْ (هَذِهِ) مُبْتَدَأَةٌ فِي النِّفَاسِ.
رَابِعُهَا: مَا لَا تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ وَلَا مَرَّاتٍ عَلَى الْأَصَحِّ وَهُوَ التَّوَقُّفُ بِسَبَبِ تَقَطُّعِ الدَّمِ، إذَا كَانَتْ تَرَى يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا نَقَاءً فَإِنَّ الِانْقِطَاعَ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ وَمَا بَعْدَهُ إلَى آخَرِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ، لَا يَتَخَرَّجُ عَلَى الْخِلَافِ فِي ثُبُوتِ الْعَادَةِ بِالْمَرَّةِ وَهِيَ (الِانْقِطَاعُ) الْأَوَّلُ بَلْ تُؤْمَرُ بِمَا تُؤْمَرُ بِهِ (الطَّاهِرَاتُ بِمُجَرَّدِ) الِانْقِطَاعِ، بِخِلَافِ الشَّهْرِ الثَّانِي فَإِنَّهُ يَتَخَرَّجُ عَلَى الْخِلَافِ، لِأَنَّ الشَّهْرَ الْأَوَّلَ قَدْ (أُثْبِتَ) عَادَةً فِي الِانْقِطَاعِ.
وَمِنْهَا اخْتِبَارُ الصَّبِيِّ قَبْلَ الْبُلُوغِ بِالْمُمَاكَسَةِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ يَكُونُ بِمَرَّتَيْنِ فَصَاعِدًا حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ رُشْدُهُ.
وَمِنْهَا اخْتِبَارُ الْجَارِحَةِ فِي الصَّيْدِ لَا بُدَّ مِنْ تَكْرَارٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ حُصُولُ (التَّعَلُّمِ) ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ ثَلَاثٌ، وَقِيلَ: (يُكْتَفَى) بِمَرَّتَيْنِ.
(2/360)

وَمِنْهَا الْقَائِفُ هَلْ يُشْتَرَطُ بِثَلَاثٍ أَوْ يُكْتَفَى بِمَرَّتَيْنِ (رَجَّحَ) الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَأَتْبَاعُهُ الْأُوَلَ، وَقَالَ الْإِمَامُ: لَا بُدَّ مِنْ تَكْرَارٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ عَارِفٌ.

الثَّالِثُ:
الْعَادَةُ إذَا اطَّرَدَتْ يَنْزِلُ اللَّفْظُ فِي الْعُقُودِ عَلَيْهَا، وَإِذَا اضْطَرَبَتْ لَمْ تُعْتَبَرْ وَوَجَبَ الْبَيَانُ، (وَإِذَا) تَعَارَضَتْ الظُّنُونُ فِي اعْتِبَارِهَا فَخِلَافٌ.
وَهَذَا الْأَصْلُ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ فِي بَابِ بَيْعِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ، فَقَالَ كُلُّ مَا يَتَّضِحُ فِيهِ اضْطِرَادُ الْعَادَةِ فَهُوَ (الْمُحْكَمُ) وَمُضْمَرُهُ (كَالْمَذْكُورِ) صَرِيحًا، وَكُلُّ مَا يُعَارِضُ الظُّنُونَ بَعْضَ التَّعَارُضِ فِي حُكْمِ الْعَادَةِ فِيهِ فَهُوَ مَثَارُ الْخِلَافِ انْتَهَى.
فَإِذَا بَاعَ بِدَرَاهِمَ، وَأَطْلَقَ (يَنْزِلُ) عَلَى النَّقْدِ الْغَالِبِ، وَلَوْ اضْطَرَبَتْ الْعَادَةُ فِي الْبَلَدِ فَإِطْلَاقُ الدَّرَاهِمِ فَاسِدٌ، بَلْ لَوْ غَلَبَتْ الْمُعَامَلَةُ بِجِنْسٍ مِنْ الْعُرُوضِ أَوْ بِنَوْعٍ مِنْهُ (انْصَرَفَ) الثَّمَنُ إلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فِي الْأَصَحِّ "، كَالنَّقْدِ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ لِلْخِيَاطَةِ أَوْ النَّسْخِ أَوْ الْكُحْلِ، فَفِي وُجُوبِ الْخَيْطِ (وَالْحِبْرِ) وَالْكُحْلِ عَلَى مَنْ خِلَافٌ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَصَحَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي (الشَّرْحِ الصَّغِيرِ) الرُّجُوعَ فِيهِ إلَى الْعَادَةِ فَإِنْ اضْطَرَبَتْ وَجَبَ الْبَيَانُ، وَإِلَّا فَتَبْطُلُ الْإِجَارَةُ.
وَمِنْ هَذَا الْوَكِيلُ فِي الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ يَتَقَيَّدُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، وَغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ، وَالْإِذْنُ فِي النِّكَاحِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَفِي بَيْعِ الثَّمَرَةِ الَّتِي بَدَا صَلَاحُهَا (يَجِبُ) (إبْقَاؤُهَا) إلَى
(2/361)

أَوَانِ الْقِطَافِ وَالتَّمَكُّنِ مِنْ السَّقْيِ بِمَائِهَا عَمَلًا بِالْعُرْفِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ بِاللَّفْظِ، وَكَذَلِكَ الرُّجُوعُ إلَيْهَا فِي أَلْفَاظِ الْوَاقِفِ وَالْمُوصِي، وَكَذَلِكَ فِي أَلْفَاظِ الْأَيْمَانِ الَّتِي تَخْتَلِفُ (عَادَةُ) النَّاسِ فِي الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الرُّءُوسِ وَنَحْوِهِ.
وَمَنْ أَتْلَفَ لِغَيْرِهِ شَيْئًا مُتَقَوِّمًا لَزِمَهُ قِيمَتُهُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ، وَمَنْ مَلَكَ خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ لَزِمَهُ شَاةٌ مِنْ غَالِبِ شِيَاهِ الْبَلَدِ، وَالْفِدْيَةُ فِي الْحَجِّ وَجَزَاءُ الصَّيْدِ، وَالْكَفَّارَةُ كَذَلِكَ، وَإِبِلُ الدِّيَةِ فِي مَالِ الْجَانِي، وَعَلَى الْعَاقِلَةِ تَجِبُ مِنْ غَالِبِ الْبَلَدِ أَوْ مِنْ أَغْلَبِهَا كَذَلِكَ.
وَلَوْ أَذِنَ الْإِمَامُ لِلْحَرْبِيِّ فِي الدُّخُولِ لِدَارِ الْإِسْلَامِ بِلَا شَرْطٍ فَهَلْ يَأْخُذُ مِنْهُ الْعُشْرَ حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ عَلَى الْمَعْهُودِ أَمْ لَا؛ لِعَدَمِ الشَّرْطِ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: فِي الْوَجِيزِ الثَّانِي.

الرَّابِعُ:
الْعَادَةُ الْمُطَّرِدَةُ فِي نَاحِيَةٍ نَزَّلَهَا الْقَفَّالُ مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ فَقَالَ إذَا عَمَّ النَّاسَ اعْتِيَادُ إبَاحَةِ مَنَافِعِ الرَّهْنِ لِلْمُرْتَهِنِ فَاطِّرَادُ الْعَادَةِ فِيهِ (بِمَثَابَةِ شَرْطِ عَقْدٍ فِي عَقْدٍ حَتَّى يَفْسُدَ الرَّهْنُ، وَجَعَلَ الِاصْطِلَاحَ الْخَاصَّ) بِمَثَابَةِ الْعَادَةِ الْعَامَّةِ وَلَمْ يُسَاعِدْهُ الْجُمْهُورُ فِيهِمَا.
وَلَوْ جَرَتْ عَادَةٌ أَنَّ الْمُقْتَرِضَ يَرُدُّ أَزْيَدَ مِمَّا اقْتَرَضَ، فَقِيلَ: لَا يَجُوزُ إقْرَاضُهُ وَيَجْرِي مَجْرَى الشَّرْطِ، وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ، إلَّا أَنَّهُ إذَا قَصَدَ ذَلِكَ لِلْعَادَةِ الْجَارِيَةِ فَفِي كَرَاهَتِهِ وَجْهَانِ، وَكَذَا لَوْ جَرَتْ عَادَةُ قَوْمٍ بِقَطْعِ الْحِصْرِمِ قَبْلَ النُّضْجِ فَهَلْ تَنْزِلُ عَادَتُهُمْ مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ حَتَّى يَصِحَّ بَيْعُهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: لَا، وَقَالَ الْقَفَّالُ نَعَمْ، وَكَذَا بَيْعُ الْعِينَةِ بِأَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا مُؤَجَّلًا بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَهُ نَقْدًا إذَا صَارَ
(2/362)

ذَلِكَ عَادَةً، (وَقَالَ) الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ يَبْطُلُ الْعَقْدَانِ جَمِيعًا وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ، لَكِنْ يُكْرَهُ.
قَالَ الْإِمَامُ وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِمَا نَحْنُ فِيهِ أَنَّ الشَّيْءَ إذَا فُرِضَ نُدُورُهُ فِي قُطْرٍ ثُمَّ تُصُوِّرَ اطِّرَادُهُ، وَالْحُكْمُ بِالْعَادَةِ فَفِيهِ خِلَافٌ (، وَمِنْهُ) (مَنْشَأُ) اخْتِلَافِهِمْ فِي (كَثْرَةِ) دَمِ الْبَرَاغِيثِ فِي بَعْضِ (الصِّقَاعِ) فِي حُكْمِ الْعَفْوِ عَنْ النَّجَاسَةِ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ صُوَرٌ: مِنْهَا مَا لَوْ بَارَزَ كَافِرٌ مُسْلِمًا، وَشَرَطَ الْأَمَانَ فَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ إعَانَةُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ اطَّرَدَتْ عَادَةُ الْمُبَارَزَةِ بِالْأَمَانِ، فَفِي كَوْنِهِ كَالْمَشْرُوطِ (وَجْهَانِ وَاَلَّذِي أَوْرَدَهُ الرُّويَانِيُّ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ أَنَّهُ كَالْمَشْرُوطِ) قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي السِّيَرِ، وَقَالَ فِي الْمَطْلَبِ: عَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ، وَحَكَوْهُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) .
وَمِنْهَا أَمْرُ السُّلْطَانِ ذِي السَّطْوَةِ، وَعَادَتُهُ أَنْ يَسْطُوَ بِمَنْ يُخَالِفُهُ يَقُومُ (مَقَامَ) التَّوَعُّدِ (نُطْقًا) وَنَازِلٌ مَنْزِلَةَ الْإِكْرَاهِ فِي الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ، كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ
(2/363)

حَتَّى يَأْتِيَ فِي (وُجُوبِ) الْقِصَاصِ عَلَى مَأْمُورِهِ (إذَا عَلِمَ أَنَّهُ) مُبْطِلٌ الْقَوْلَانِ فِي الْمُكْرَهِ.
وَفِي أَمْرِ غَيْرِهِ إذَا كَانَ يَخَافُ مِنْهُ ذَلِكَ طَرِيقَانِ: أَحَدَاهُمَا: عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَالثَّانِيَةُ: عَلَى الْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَيْسَ (بِإِكْرَاهٍ) فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَوَدُ جَزْمًا حَكَاهُمَا فِي الْمَطْلَبِ.

الْخَامِسُ: الْعَادَةُ إنَّمَا (تُقَيِّدُ) اللَّفْظَ الْمُطْلَقَ إذَا تَعَلَّقَ بِإِنْشَاءِ أَمْرٍ فِي الْحَالِ دُونَ مَا يَقَعُ (إخْبَارًا) عَنْ مُتَقَدِّمٍ فَلَا (يُقَيِّدُهُ) الْعُرْفُ الْمُتَأَخِّرُ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْخُلْعِ فَقَالَ: الْعَادَةُ الْغَالِبَةُ إنَّمَا تُؤَثِّرُ فِي الْمُعَامَلَاتِ؛ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهَا؛ وَرَغْبَةِ النَّاسِ فِيمَا يَرُوجُ فِي (الْبُقْعَةِ) غَالِبًا، وَلَا يُؤَثِّرُ فِي التَّعْلِيقِ وَالْإِقْرَارِ بَلْ يَبْقَى اللَّفْظُ عَلَى عُمُومِهِ فِيهَا.
أَمَّا فِي التَّعْلِيقِ فَلِقِلَّةِ وُقُوعِهِ، وَأَمَّا فِي الْإِقْرَارِ فَلِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ (وُجُوبٍ) سَابِقٍ وَرُبَّمَا يُقَدَّمُ الْوُجُوبُ عَلَى الْعُرْفِ الْغَالِبِ أَوْ (رَغَبٍ) فِي بُقْعَةٍ أُخْرَى، وَفِي الْإِقْرَارِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَوْ فَسَّرَهُ بِغَيْرِ سِكَّةِ الْبَلَدِ لَا يُقْبَلُ.
(2/364)

وَلَوْ قَالَ طَلَّقْتُك عَلَى أَلْفٍ فَلَيْسَ هَذَا (بِتَعَلُّقٍ) (فَنَزَلَ عَلَى الْغَالِبِ) عَلَى قَاعِدَةِ الْمُعَامَلَاتِ، قُلْت: وَمِثْلُ الْإِقْرَارِ فِي ذَلِكَ الدَّعْوَى قَالَ الْإِمَامُ فِي الْأَقْضِيَةِ: الدَّعْوَى بِالدَّرَاهِمِ لَا تَنْزِلُ عَلَى الْعَادَةِ، كَمَا أَنَّ الْإِقْرَارَ بِهَا لَا يَنْزِلُ عَلَى الْعَادَةِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْوَصْفِ، وَكَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ.
وَفَرَّقُوا بِمَا سَبَقَ أَنَّ الدَّعْوَى وَالْإِقْرَارَ إخْبَارٌ عَمَّا تَقَدَّمَ، فَلَا (يُقَيِّدُهُ) الْعُرْفُ (الْمُتَأَخِّرُ) ، بِخِلَافِ (الْعَقْدِ) فَإِنَّهُ (أَمْرٌ) بَاشَرَهُ (فِي الْحَالِ فَقَيَّدَهُ الْعُرْفُ، لَكِنْ حَكَاهُ صَاحِبُ رَوْضَةِ الْحُكَّامِ وَجْهًا، وَصَدَّرَ كَلَامَهُ بِجَوَازِ الْإِطْلَاقِ، وَيُحْمَلُ عَلَى نَقْدِ الْبَلَدِ) ، قَالَ: وَاخْتَارَهُ الْإِصْطَخْرِيُّ.
وَلَوْ أَقَرَّ فِي بَلَدٍ (دَرَاهِمُهُ) نَاقِصَةٌ بِأَلْفٍ (مُطْلَقَةٍ) لَزِمَهُ النَّاقِصَةُ فِي الْأَصَحِّ؛ لِعُرْفِ الْبَلَدِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ الْوَازِنَةُ؛ لِعُرْفِ الشَّرْعِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ، لَوْ اشْتَرَى مِنْهُ مَتَاعًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فِي بَلَدٍ دَرَاهِمُهُ نَاقِصَةٌ (أَنَّهُ) تَلْزَمُهُ النَّاقِصَةُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْبَيْعَ مُعَامَلَةٌ وَالْغَالِبُ أَنَّ الْمُعَامَلَةَ تَقَعُ بِمَا يَرُوجُ فِيهَا بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَيُمْكِنُ بِنَاءُ الْخِلَافِ عَلَى أَنَّ الِاصْطِلَاحَ الْخَاصَّ هَلْ يَرْفَعُ
(2/365)

الِاصْطِلَاحَ الْعَامَّ أَمْ لَا كَمَا فِي مَسْأَلَةِ تَوَافُقِ الزَّوْجَيْنِ عَلَى تَسْمِيَةِ أَلْفٍ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ بِأَلْفَيْنِ، لَكِنَّ قَضِيَّةَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الصَّحِيحُ لُزُومَ (أَلْفٍ) وَازِنَةٍ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ (وُجُوبُ) أَلْفَيْنِ.

(السَّادِسُ) :
إذَا اخْتَلَفَتْ الْعَادَةُ فَهَلْ الِاعْتِبَارُ فِيهَا بِنَفْسِهِ أَمْ بِغَيْرِهِ فِيهِ خِلَافٌ فِي صُوَرٍ: (مِنْهَا) : لَوْ انْتَشَرَ الْخَارِجُ فَوْقَ الْعَادَةِ وَجَاوَزَ الصَّفْحَةَ لَمْ (يُجْزِهِ) الْحَجْرُ، وَهَلْ الِاعْتِبَارُ بِعَادَةِ النَّاسِ أَمْ بِعَادَةِ نَفْسِهِ فِيهِ؟ وَجْهَانِ (حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ) .
(وَمِنْهَا) : لَوْ تَعَذَّرَ الْمَشْيُ فِي الْخُفِّ؛ لِسَعَتِهِ الْمُفْرِطَةِ أَوْ لِضِيقِهِ فَفِي الْمَسْحِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ صَالِحٌ لِلْمَشْيِ عَلَيْهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَبِسَهُ غَيْرُهُ لَارْتَفَقَ بِهِ، وَأَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَهُ فِي إدَامَةِ مِثْلِ هَذَا الْخُفِّ فِي الرِّجْلِ.
(وَلِهَذَا شَبَهٌ) بِالْكَفَّارَةِ يُدْفَعُ (لِلْكَبِيرِ مَا لَا يَصْلُحُ) إلَّا لِلُّبْسِ الصَّغِيرِ.
(2/366)

[الْعِبَادَةُ يَتَعَلَّقُ بِهَا مَبَاحِثُ]
ُ الْأَوَّلُ: فِي حَقِيقَتِهَا، قَالَ الْإِمَامُ فِي الْأَسَالِيبِ هِيَ التَّذَلُّلُ وَالْخُضُوعُ، وَبِالتَّقَرُّبِ إلَى الْمَعْبُودِ بِفِعْلِ (أَوَامِرِهِ) . وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: فِعْلٌ يُكَلِّفُهُ اللَّهُ عِبَادَهُ (مُخَالِفًا) لِمَا يَمِيلُ إلَيْهِ الطَّبْعُ عَلَى سَبِيلِ (الِابْتِلَاءِ) . وَقَالَ (الْمَرْوَزِيُّ:) مَا وَرَدَ التَّعَبُّدُ بِهِ قُرْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ: الْعِبَادَةُ وَالتَّعَبُّدُ، وَالنُّسُكُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ الْخُضُوعُ. وَالْعِبَادَةُ مَا (تَعَبَّدْنَا بِهِ) عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ وَالطَّاعَةِ، وَقِيلَ: الْعِبَادَةُ مَا كَانَ الْعَابِدُ لِأَجْلِهَا عَابِدًا، وَقِيلَ: مَا اُشْتُقَّ اسْمُ الْعَابِدِ مِنْهَا، وَقِيلَ: مَا كَانَ طَاعَةً لِلَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) ، وَقِيلَ: مَا كَانَ قُرْبَةً إلَيْهِ. قَالَ وَهَذَانِ لَيْسَا بِصَحِيحَيْنِ، فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ طَاعَةً وَلَيْسَ بِعِبَادَةٍ وَلَا (قُرْبَةٍ) وَهُوَ النَّظَرُ وَالِاسْتِدْلَالُ الْمُؤَدَّيَانِ إلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ انْتَهَى. وَقَالَ (الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ) هِيَ الطَّاعَةُ بِالْتِزَامِ الْخُضُوعِ وَالِاسْتِسْلَامِ
(2/367)

وَالتَّعَبُّدُ اسْتِدْعَاءُ ذَلِكَ مِنْ الْعَبْدِ، قَالَ وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى مُجَرَّدِ الطَّاعَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى {لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ} [مريم: 44] .

الثَّانِي: الْفَضِيلَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ (تُقَدَّمُ) عَلَى الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَكَانِهَا وَسَتَأْتِي فِي حَرْفِ الْفَاءِ.

الثَّالِثُ: إنْ تَعَلَّقَتْ (بِوَقْتٍ) فَتَعْجِيلُهَا أَفْضَلُ مُبَادَرَةً لِلِامْتِثَالِ، وَلِهَذَا جَاءَ «الصَّلَاةُ أَوَّلَ الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللَّهِ» ، وَقَدْ يَتَرَجَّحُ التَّأْخِيرُ؛ لِعَوَارِضَ: مِنْهَا حِيَازَةُ فَضِيلَةٍ أُخْرَى كَتَيَقُّنِ وُجُودِ الْمَاءِ آخَرَ الْوَقْتِ، وَالْإِبْرَادِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، وَتَأْخِيرِ الزَّكَاةِ؛ لِانْتِظَارِ قَرِيبٍ أَوْ جَارٍ مَعَ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الْفَوْرِ وَاسْتِحْبَابُ (تَأْخِيرِ) زَكَاةِ الْفِطْرِ لِيَوْمِ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ مَعَ أَنَّهَا تَجِبُ بِالْغُرُوبِ وَاسْتَحَبَّ (الْإِمَامُ) الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ فِعْلَ (ابْنُ عُمَرَ) مِنْ إخْرَاجِهَا قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ.
وَدَمُ (التَّمَتُّعِ) يَجِبُ بِالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ تَأْخِيرُهُ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ، وَكَذَلِكَ دَمُ الْقِرَانِ.
(2/368)

وَمِنْهَا أَفْعَالُ يَوْمِ النَّحْرِ كَالْحَلْقِ وَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَدْخُلُ وَقْتُهَا بِنِصْفِ اللَّيْلِ، وَيُسْتَحَبُّ (تَأْخِيرُهَا) لِيَوْمِ النَّحْرِ.
تَنْبِيهٌ مَنْ أَمَرْنَاهُ بِالتَّأْخِيرِ فَمَاتَ قَبْلَ الْفِعْلِ لَمْ يَعْصِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّأْخِيرِ، وَقَدْ أَحْسَنَ (بِالِامْتِثَالِ) فَكَيْفَ يَعْصِي؟ وَكَذَا مَنْ جُوِّزَ لَهُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ إذَا مَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ لَا يَعْصِي فِي الْأَصَحِّ، بِخِلَافِ مَا وَقْتُهُ الْعُمُرُ كَالْحَجِّ وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فِي حَرْفِ الْمِيمِ.
فَائِدَةٌ قَالَ الصَّيْمَرِيُّ فِي شَرْحِ الْكِفَايَةِ لَيْسَ لَنَا أَحَدٌ يُقْتَلُ بِتَرْكِ عِبَادَةٍ إذَا صَحَّ مُعْتَقَدُهُ إلَّا الصَّلَاةَ فَقَطْ؛ لِشَبَهِهَا بِالْإِيمَانِ، وَلَمَّا كَانَ تَارِكُ الْإِيمَانِ مَقْتُولًا فَكَذَلِكَ وَتَارِكُ الصَّلَاةِ.
ضَابِطٌ لَيْسَ لَنَا عِبَادَةٌ يَجِبُ الْعَزْمُ عَلَيْهَا، وَلَا يَجِبُ فِعْلُهَا سِوَى الْفَارِّ مِنْ (الزَّحْفِ) بِقَصْدِ التَّحَيُّزِ إلَى فِئَةٍ يَجُوزُ، وَإِذَا تَحَيَّزَ إلَيْهَا لَا يَلْزَمُهُ الْقِتَالُ مَعَهَا فِي الْأَصَحِّ.
(2/369)

[الْعِبْرَةُ بِعَقِيدَةِ الْإِمَامِ أَوْ الْمَأْمُومِ]
ِ (وَجْهَانِ) الْأَصَحُّ الثَّانِي.
وَلِهَذَا لَوْ (اقْتَدَى) شَافِعِيٌّ بِحَنَفِيٍّ مَسَّ فَرْجَهُ أَوْ افْتَصَدَ فَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ فِي الْفَصْدِ دُونَ الْمَسِّ اعْتِبَارًا بِنِيَّةِ الْمُقْتَدِي، وَاخْتَارَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ اعْتِقَادَ الْإِمَامِ؛ لِأَجْلِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي شَارِبِ النَّبِيذِ أُحِدُّهُ، وَأَقْبَلُ شَهَادَتَهُ وَلَا يَتَمَسَّكُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ فِيهَا (تَرَافُعٌ) إلَى الْحَاكِمِ فَاعْتُبِرَ فِيهَا عَقِيدَةُ الْمَرْفُوعِ إلَيْهِ فَإِنَّ الْحَاكِمَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِخِلَافِ عَقِيدَتِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ لَوْ رَأَى الْجَلَّادُ أَنَّ الْحُرَّ لَا يُقْتَلُ (بِالْعَبْدِ) وَالْإِمَامُ يَرَاهُ فَأَمَرَهُ بِهِ وَلَمْ يُكْرِهْهُ فَوَجْهَانِ، وَفِي الْحُدُودِ مِنْ تَعْلِيقِ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ الْمَنْعُ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) قَالَ فِي الْقَسَامَةِ: الْقَوَدُ عَلَى الْإِمَامِ وَعَلَى الْمَأْمُورِ التَّعْزِيرُ، وَهَذَا مَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْجِنَايَةِ، لَكِنْ فِي الشَّامِلِ وَتَعْلِيقِ أَبِي الطَّيِّبِ (الْوُجُوبُ) .
وَلَوْ انْعَكَسَ الْأَمْرُ فَأَمَرَهُ بِقَتْلِهِ فَجَهِلَ فَعَنْ الْعِرَاقِيِّينَ إنْ (بَقِيَ وَجَبَ) ، هُنَا وَإِلَّا فَلَا وَضَعَّفَهُ الْإِمَامُ وَاَلَّذِي فِي الْحَاوِي الْمَنْعُ.
وَهَذَا الْخِلَافُ جَارٍ فِي كُلِّ مَا يَعْتَقِدُ الْآمِرُ حِلَّهُ، وَالْمَأْمُورُ تَحْرِيمَهُ فَهَلْ لَهُ فِعْلُهُ نَظَرًا إلَى رَأْيِ الْآمِرِ أَوْ (يَمْتَنِعُ) نَظَرًا إلَى رَأْي الْمَأْمُورِ، وَخَصَّ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ
(2/370)

الْخِلَافَ بِمَا لَا (يَنْتَقِضُ) حُكْمُ (الْآمِرِ) بِهِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُنْقَضُ (حُكْمُهُ) بِهِ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ، قَالَ: وَكَذَلِكَ لَا طَاعَةَ لِجَهَلَةِ الْمُلُوكِ (وَالْأُمَرَاءِ) إلَّا فِيمَا يَعْلَمُ الْمَأْمُورُ أَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي الشَّرْعِ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْأَصْلِ صُوَرٌ: مِنْهَا: مَا لَوْ كَانَ الْحَنَفِيُّ وَالشَّافِعِيُّ مُسَافِرَيْنِ، وَنَوَى الْحَنَفِيُّ إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقْتَدِيَ الشَّافِعِيُّ بِالْحَنَفِيِّ الْقَاصِرِ مَعَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ عِنْدَهُ أَنَّ الْمُقِيمَ إذَا نَوَى الْقَصْرَ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَهُوَ مُقِيمٌ.
وَمِنْهَا: لَوْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يُكَبِّرُ (لِلْعِيدِ) ثَلَاثًا أَوْ سِتًّا فَإِنَّهُ يُتَابِعُهُ، وَلَا يَزِيدُ عَلَيْهِ عَلَى الْأَظْهَرِ بِخِلَافِ التَّكْبِيرِ عَقِبَ الصَّلَاةِ، إذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ (فِي) يَوْمِ عَرَفَةَ، وَالْمَأْمُومُ لَا يَرَى التَّكْبِيرَ فِيهَا، وَعَكْسُهُ فَهَلْ يُوَافِقُهُ فِي التَّكْبِيرِ (وَتَرْكِهِ) (أَمْ) يَتْبَعُ اعْتِقَادَ نَفْسِهِ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: (يَتْبَعُ) اعْتِقَادَ نَفْسِهِ.

[الْعِبْرَةُ بِصِيَغِ الْعُقُودِ أَوْ بِمَعَانِيهَا]
أَيْ: هَلْ النَّظَرُ إلَى مَا وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ أَوْ إلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ (بِطَرِيقِ) التَّضَمُّنِ؟
(2/371)

هَذِهِ الْقَاعِدَةُ تَرْجِعُ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: (الْأَوَّلُ) : مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ اللَّفْظُ قَطْعًا.
كَالنِّكَاحِ فَإِنَّهُ (بُنِيَ) عَلَى التَّعَبُّدِ (بِصِيغَتَيْ) الْإِنْكَاحِ (وَالتَّزْوِيجِ) دُونَ مَا يُؤَدِّي (لِمَعْنَاهُمَا) .
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: بِعْتُك هَذَا الْعَبْدَ فَقَالَ: قَبِلْت وَلَمْ يَذْكُرَا ثَمَنًا فَهُوَ بَيْعٌ فَاسِدٌ قَطْعًا، وَلَمْ يَنْظُرُوا لِلْمَعْنَى حَتَّى يَصِحَّ هِبَةً عَلَى وَجْهٍ.
(الثَّانِي) : مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ اللَّفْظُ فِي الْأَصَحِّ.
فَمِنْهَا: لَوْ قَالَ أَسْلَمْت إلَيْك هَذَا الثَّوْبَ فِي (هَذَا) الْعَبْدِ فَلَيْسَ بِسَلَمٍ قَطْعًا؛ لِانْتِفَاءِ الدَّيْنِيَّةِ، وَلَا بَيْعًا فِي الْأَظْهَرِ؛ (لِإِخْلَالِ) اللَّفْظِ، فَإِنَّ السَّلَمَ يَقْتَضِي الدَّيْنِيَّةِ، وَالدَّيْنِيَّةُ مَعَ التَّعْيِينِ يَتَنَاقَضَانِ، وَقِيلَ: بَيْعٌ (لِلْمَعْنَى) .
وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ: اشْتَرَيْت مِنْك ثَوْبًا صِفَتُهُ كَذَا بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ، فَقَالَ: بِعْتُك
(2/372)

فَصَحَّحَ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ بَيْعٌ؛ نَظَرًا (لِلَّفْظِ) ، وَقِيلَ: سَلَمٌ نَظَرًا (لِلْمَعْنَى) وَهُوَ الْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ وَرَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ.
وَمِنْهَا قَالَ: بِعْتُك بِلَا ثَمَنٍ فَلَيْسَ بَيْعًا، وَفِي انْعِقَادِهِ هِبَةً قَوْلَا تَعَارُضِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَمِنْهَا تَعَاقَدَا فِي الْإِجَارَةِ بِلَفْظِ الْمُسَاقَاةِ فَقَالَ: سَاقَيْتُك عَلَى هَذِهِ النَّخِيلِ (مُدَّةَ) كَذَا بِدَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ، فَقِيلَ: تَصِحُّ إجَارَةً؛ نَظَرًا لِلْمَعْنَى، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا (فَاسِدَةٌ) ؛ نَظَرًا لِلَّفْظِ (وَعَدَمِ وُجُودِ) شَرْطِ الْمُسَاقَاةِ؛ إذْ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ لَا تَكُونَ بِدَرَاهِمَ.
(الثَّالِثُ) : مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْمَعْنَى (قَطْعًا) .
(الرَّابِعُ) :
مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْمَعْنَى فِي الْأَصَحِّ.
فَمِنْهَا إذَا (وَهَبَ) بِشَرْطِ الثَّوَابِ فَهَلْ تَبْطُلُ لِمُنَاقَضَتِهِ أَوْ يَصِحُّ وَيَكُونُ هِبَةً اعْتِبَارًا بِاللَّفْظِ أَوْ بَيْعًا بِالثَّمَنِ؟ (الْأَصَحُّ) الثَّالِثُ.
وَمِنْهَا يُشْتَرَطُ فِي إجَارَةِ الذِّمَّةِ تَسْلِيمُ الْأُجْرَةِ فِي الْمَجْلِسِ إنْ كَانَتْ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ فِي الْأَصَحِّ؛ (نَظَرًا لِلْمَعْنَى) .
(2/373)

وَالضَّابِطُ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّهُ إنْ تَهَافَتَ اللَّفْظُ حُكِمَ (بِالْفَسَادِ) عَلَى الْمَشْهُورِ كَبِعْتُكَ بِلَا ثَمَنٍ، وَإِنْ لَمْ يَتَهَافَتْ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الصِّيغَةُ أَشْهَرَ فِي مَدْلُولِهَا أَوْ الْمَعْنَى، فَإِنْ كَانَتْ الصِّيغَةُ أَشْهَرَ كَأَسْلَمْت إلَيْك هَذَا الثَّوْبَ فِي هَذَا الْعَبْدِ، فَالْأَرْجَحُ اعْتِبَارُ الصِّيغَةِ؛ لِاشْتِهَارِ السَّلَمِ فِي بُيُوعِ الذِّمَمِ، وَقِيلَ يَنْعَقِدُ بَيْعًا، وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ التَّنْبِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِرْ، بَلْ كَانَ الْمَعْنَى هُوَ الْمَقْصُودَ كَوَهَبْتُكَ بِكَذَا فَالْأَصَحُّ انْعِقَادُهُ بَيْعًا، وَإِنْ اسْتَوَى الْأَمْرَانِ فَوَجْهَانِ، وَالْأَصَحُّ اعْتِبَارُ الصِّيغَةِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ وَالْمَعْنَى تَابِعٌ لَهَا فَإِذَا (أَوْقَعَ) فِي إجَارَةِ الذِّمَّةِ لَفْظَ السَّلَمِ اُعْتُبِرَ قَبْضُ الْمَالِ فِي الْمَجْلِسِ قَطْعًا، وَإِنْ (أَوْقَعَ) لَفْظَ الْإِجَارَةِ فَوَجْهَانِ:، وَالْأَصَحُّ: اعْتِبَارُ الْمَعْنَى (كَمَا فِي) الْهِبَةِ، وَإِنْ قَالَ: اشْتَرَيْت مِنْك ثَوْبًا صِفَتُهُ كَذَا بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ انْعَقَدَ (بَيْعًا فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِتَعَادُلِ الْمَعْنَى وَالصِّيغَةِ، وَالْأَصَحُّ اعْتِبَارُ الصِّيغَةِ فَيَنْعَقِدُ بَيْعًا.

[الْعَدَالَةُ هَلْ تُتَحَرَّى]
) فِيهِ خِلَافُ فَائِدَتِهِ إذَا زُكِّيَ، وَقَدْ شَهِدَ بِقَلِيلٍ ثُمَّ شَهِدَ بِكَثِيرٍ هَلْ تَكْفِي التَّزْكِيَةُ فِي الْقَلِيلِ؟ وَجْهَانِ، وَنَظِيرُهُ الْخِلَافُ الْأُصُولِيُّ فِي تَحَرِّي الِاجْتِهَادِ.
الْعَدَالَةُ: شَرْطٌ فِي نَظَرِ الْإِنْسَانِ لِغَيْرِهِ؛ لِيَدْفَعَ عَنْ الْوُقُوعِ فِي غَيْرِ الصِّحَّةِ وَلَيْسَتْ (بِشَرْطٍ) فِي (نَظَرِهِ) لِمَصَالِحِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ طَبْعَهُ يَحُثُّهُ عَلَى (جَلْبِهِ) مَصَالِحَ
(2/374)

نَفْسِهِ فَاكْتَفَى بِذَلِكَ (وَازِعًا) .
نَعَمْ يُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ الرُّشْدُ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْأَوَّلِ صُورَتَانِ: إحْدَاهُمَا: الْوِلَايَةُ الْعَامَّةُ فِي دَوَامِهَا فَلَا يَنْعَزِلُ بِالْفِسْقِ فِي الْأَصَحِّ، وَيَنْفُذُ مِنْ تَصَرُّفِهِمْ مَا يَنْفُذُ مِنْ تَصَرُّفِ الْإِمَامِ الْعَادِلِ، (وَيُرَدُّ) مِنْ تَصَرُّفِهِمْ مَا يُرَدُّ (مِنْهُ) ، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ؛ (دَفْعًا لِلْمَفَاسِدِ) عَنْ الرَّعَايَا؛ وَجَلْبًا لِمَصَالِحِهِمْ.
الثَّانِيَةُ: مَا يَكُونُ الطَّبْعُ قَائِمًا مَقَامَ الْعَدَالَةِ فِي جَلْبِ الْمَصَالِحِ كَعَدَالَةِ الْوَلِيِّ فِي النِّكَاحِ وَالْحَضَانَةِ، إذَا قُلْنَا: الْفَاسِقُ يَلِي؛ لِأَنَّ طَبْعَ الْوَلِيِّ (وَالْحَاضِنِ) يَحُثَّانِ عَلَى تَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ.

[الْعُذْرُ الْعَامُّ]
ُّ كَفَقْدِ الْمَاءِ لِلْمُسَافِرِ يُسْقِطُ الْقَضَاءَ، وَكَذَا النَّادِرُ الدَّائِمُ غَالِبًا، كَالْحَدَثِ الدَّائِمِ وَالِاسْتِحَاضَةِ وَالسَّلَسِ وَنَحْوِهِ.
وَالنَّادِرُ الَّذِي لَا يَدُومُ، وَلَا بَدَلَ مَعَهُ يُوجِبُ الْقَضَاءَ كَفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ وَنَحْوِهِ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْأَوَّلِ الْمَجْرُوحُ إذَا وَضَعَ اللُّصُوقَ عَلَى جُرْحِهِ عَلَى الْحَدَثِ، وَتَعَذَّرَ
(2/375)

نَزْعُهُ، وَصَلَّى فَإِنَّهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ فِي الْأَظْهَرِ؛ لِفَوَاتِ شَرْطِ الْوَضْعِ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَلَا بَدَلَ لَهُ مَعَ أَنَّ الْعُذْرَ (مِمَّا) يَدُومُ.
وَمِنْ الثَّانِي: الصَّلَاةُ بِالْإِيمَاءِ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَكَذَا لَوْ تَنَجَّسَ السِّلَاحُ وَعَجَزَ عَنْ إلْقَائِهِ فَصَلَّى، وَهُوَ حَامِلُهُ فَإِنَّهُ لَا يَقْضِي فِي الْأَظْهَرِ.
وَمِنْهُ: الْخَائِفُ مِنْ (سَبُعٍ) إذَا صَلَّى مُومِئًا لَا يَقْضِ مَعَ أَنَّ الْعُذْرَ نَادِرٌ لَا يَدُومُ، لَكِنْ قَالَ (الشَّافِعِيُّ) : إنَّهُ خَائِفٌ، وَجِنْسُ الْخَوْفِ عَامٌّ.
وَمِنْهُ: لَوْ مُنِعَ الْوُضُوءَ إلَّا مُنَكَّسًا فَهَلْ يَعْدِلُ إلَى التَّيَمُّمِ أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ الْوَجْهِ فِيهِ الْقَوْلَانِ فِيمَنْ وَجَدَ بَعْضَ مَا يَكْفِيهِ قَالَ الرُّويَانِيُّ عَنْ وَالِدِهِ: وَلَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ إذَا امْتَثَلَ الْمَأْمُورُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ.
وَلَوْ تَنَاثَرَ الْوَرَقُ بِرِيَاحِ الرَّبِيعِ عَلَى الْمَاءِ فَغَيَّرَهُ فَلَيْسَ بِطَهُورٍ عِنْدَ مَنْ اعْتَبَرَ الْمُجَاوَرَةَ وَالْمُخَالَطَةَ، وَمَنْ اعْتَبَرَ الصَّوْنَ، وَتَيَسُّرَهُ اخْتَلَفُوا مِنْ جِهَةِ أَنَّ مَا عَمَّ وُقُوعُهُ مِنْ الْأَعْذَارِ مُؤَثِّرٌ (وَمَا) يَنْدُرُ وُقُوعُهُ إذَا وَقَعَ فَفِي إلْحَاقِهِ بِالْعُذْرِ الْعَامِّ وَجْهَانِ قَالَهُ الْإِمَامُ.
فَائِدَتَانِ
الْأُولَى: أَنَّ الْعُذْرَ الْعَامَّ أَدْخَلُ فِي سُقُوطِ الْقَضَاءِ مِنْ الْخَاصِّ لِمَا يَلْحَقُ مِنْ الْمَشَقَّةِ فِي إيجَابِ الْقَضَاءِ عَلَى الْكَافَّةِ.
وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أَخْطَأَ الْحَجِيجُ فَوَقَفُوا الْعَاشِرَ أَجْزَأَهُمْ، وَلَا قَضَاءَ، وَلَوْ أَخْطَأَ وَاحِدٌ وَجَبَ، وَالْإِحْصَارُ الْعَامُّ لَا يُوجِبُ الْقَضَاءَ وَالْإِحْصَارُ الْخَاصُّ يُوجِبُهُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لَكِنَّ الْأَصَحَّ خِلَافُهُ.
(2/376)

الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْعُذْرَ كَمَا يُسْقِطُ الْإِثْمَ يَحْصُلُ الثَّوَابُ إذَا كَانَتْ النِّيَّةُ الْفِعْلَ عَلَى الدَّوَامِ.
وَلِهَذَا الْمَعْذُورُ بِتَرْكِ الْجَمَاعَةِ مِنْ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ يَحْصُلُ لَهُ الثَّوَابُ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، «إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كَتَبَ [اللَّهُ] لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» .
نَعَمْ الْحَائِضُ لَا يُكْتَبُ لَهَا (ثَوَابُ الصَّلَاةِ) زَمَنَ الْحَيْضِ، وَإِنْ كَانَتْ مَعْذُورَةً، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ أَنَّ نِيَّتَهُمَا الْفِعْلُ عَلَى الدَّوَامِ مَعَ أَهْلِيَّتِهِمَا لَهُ، وَالْحَائِضُ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَإِنَّ نِيَّتَهَا تَرْكُ الصَّلَاةِ زَمَنَ الْحَيْضِ، بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهَا (فَنَظِيرُهَا) مُسَافِرٌ أَوْ مَرِيضٌ كَانَ يُصَلِّي النَّافِلَةَ فِي وَقْتٍ، وَيَتْرُكُهَا فِي آخَرَ غَيْرُ نَاوٍ لِلدَّوَامِ عَلَيْهَا فَهَذَا لَا يُكْتَبُ لَهُ فِي مَرَضِهِ وَسَفَرِهِ فِي الزَّمَنِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَنْتَفِلُ فِيهِ.

[الْعُرْفُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ]
ُ الْأَوَّلُ: الْحَقَائِقُ ثَلَاثَةٌ: لُغَوِيٌّ وَشَرْعِيٌّ وَعُرْفِيٌّ
وَاللَّا عُرْفِيُّ تَارَةً يَكُونُ عَامًا وَتَارَةً يَكُونُ خَاصًّا، ثُمَّ تَارَةً تَتَّفِقُ هَذِهِ الْحَقَائِقُ، وَتَارَةً تَخْتَلِفُ فَإِنْ اتَّفَقَتْ، كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءَ الْبَحْرِ أَوْ النَّهْرِ (فَإِنَّ) اسْمَهُ
(2/377)

بِذَلِكَ (مِمَّا) اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْحَقَائِقُ الثَّلَاثُ.
وَإِنْ اخْتَلَفَتْ، وَتَعَارَضَتْ فَلَهَا أَحْوَالٌ الْأُولَى: (أَنْ) يَتَعَارَضَ الْعُرْفُ مَعَ الشَّرْعِ وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِالْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ حُكْمٌ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ كَمَا قَرَّرَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا فَلَا يَحْنَثُ (بِأَكْلِ لَحْمِ السَّمَكِ) ، وَإِنْ (سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى) لَحْمًا، أَوْ حَلَفَ لَا يَجْلِسُ عَلَى بِسَاطٍ لَمْ يَحْنَثْ بِالْجُلُوسِ عَلَى الْأَرْضِ، وَإِنْ (سَمَّاهَا) اللَّهُ (تَعَالَى) بِسَاطًا.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَقْعُدُ فِي سِرَاجٍ لَمْ يَحْنَثْ بِالْقُعُودِ فِي الشَّمْسِ، وَإِنْ سَمَّاهَا اللَّهُ سِرَاجًا، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَقْعُدُ تَحْتَ سَقْفٍ فَقَعَدَ تَحْتَ السَّمَاءِ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ سَمَّاهَا اللَّهُ (تَعَالَى) سَقْفًا، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَضَعُ رَأْسَهُ عَلَى وَتَدٍ فَوَضَعَهَا عَلَى (جَبَلٍ) (لَمْ يَحْنَثْ) ، وَإِنْ سَمَّى اللَّهُ الْجِبَالَ أَوْتَادًا.
(2/378)

وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مَيْتَةً فَأَكَلَ سَمَكًا أَوْ جَرَادًا مَيْتًا لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ (سَمَّاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَيْتَةً) أَوْ لَا يَأْكُلُ دَمًا فَأَكَلَ الْكَبِدَ وَالطِّحَالَ لَمْ يَحْنَثْ قَطْعًا.
وَوَجْهُهُ فِي الْكُلِّ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ لَا يُسَمُّونَهَا (بِذَلِكَ) فَقُدِّمَ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ عَلَى عُرْفِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّهَا فِيهِ تَسْمِيَةٌ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا تَكْلِيفٌ.
الثَّانِي: أَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يُؤَاخَذُ بِمَا نَوَاهُ وَفَعَلَهُ قَالَ (اللَّهُ) تَعَالَى {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ} [المائدة: 89] أَيْ: قَصَدْتُمْ، وَعَقْدُ الْقَلْبِ: قَصْدُهُ وَتَصْمِيمُهُ.
نَعَمْ لَوْ تَقَاطَرَ مِنْ الْكَبِدِ (أَوْ الطِّحَالِ) دَمٌ فَأَكَلَهُ حَنِثَ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ دَمًا.
وَلَيْسَ لَنَا عَيْنٌ تُؤْكَلُ مُتَّصِلَةً، وَلَا تُؤْكَلُ مُنْفَصِلَةً إلَّا هَذِهِ وَدُودُ الْفَاكِهَةِ وَالرَّوْثُ فِي جَوْفِ السَّمَكِ الصِّغَارِ، وَفِي (الْجَرَادِ) ، وَقِشْرُ الْبَيْضِ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ مُنْفَصِلًا، وَيَحِلُّ ابْتِلَاعُ الْبَيْضَةِ بِقِشْرِهَا.
وَلَيْسَ لَنَا عَيْنٌ طَاهِرَةٌ مِنْ الْجَمَادِ إذَا انْفَصَلَ مِنْهَا جُزْءٌ يَصِيرُ نَجَسًا إلَّا دَمَ الْكَبِدِ
(2/379)

وَالطِّحَالِ، فَإِذَا انْفَصَلَ صَارَ نَجِسًا فِي الْأَصَحِّ؛ لِكَوْنِهِ صَارَ دَمًا.
النَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يَتَعَلَّقَ بِعُرْفِ الشَّرْعِ حُكْمٌ فَيُقَدَّمُ عَلَى عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يُصَلِّي لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ دُونَ التَّسْبِيحِ.
وَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَصُومُ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا (بِالْإِمْسَاكِ) بِالنِّيَّةِ فِي زَمَنٍ قَابِلٍ لِلصَّوْمِ وَلَا يَحْنَثُ بِمُطْلَقِ الْإِمْسَاكِ، وَإِنْ كَانَ صَوْمًا لُغَةً، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَنْكِحُ فَالنِّكَاحُ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ فِي الْأَصَحِّ وَفِي الْعُرْفِ لَا يَعْنِي بِهِ غَيْرَ الْوَطْءِ.
وَلَوْ قَالَ: (إنْ) رَأَيْتِ الْهِلَالَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَرَآهُ غَيْرُهَا وَعَلِمَتْ بِهِ طَلُقَتْ حَمْلًا (لَهُ) عَلَى الشَّرْعِ، فَإِنَّهَا فِيهِ بِمَعْنَى الْعِلْمِ.
وَمِنْ ذَلِكَ: لَوْ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى أَوْ نَكَحَ أَوْ رَاجَعَ أَوْ طَلَّقَ هَازِلًا نَفَذَتْ وَصَحَّتْ، وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْعُرْفِ لَا يَعُدُّونَهَا بَيْعًا وَشِرَاءً وَنِكَاحًا وَطَلَاقًا، وَلَكِنَّ الشَّرْعَ حَكَمَ عَلَيْهَا بِالصِّحَّةِ فَفِي الْحَدِيثِ «ثَلَاثٌ جَدُّهُنَّ جَدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ» ، وَنَبَّهَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالثَّلَاثِ عَلَى مَا فِي مَعْنَاهَا، وَأَوْلَى مِنْهَا (كَمَا) قَالَ تَعَالَى: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} [التوبة: 65] {لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ} [التوبة: 66] فَمَنْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ هَازِلًا، وَلَمْ يَقْصِدْ الْكُفْرَ كَفَرَ، وَكَذَا إذَا أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ (مَازِحًا) وَلَمْ يَقْصِدْ السَّرِقَةَ حَرُمَ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَحِلُّ
(2/380)

لِمُسْلِمٍ أَنْ يَأْخُذَ مَتَاعَ صَاحِبِهِ جَادًّا وَلَا هَازِلًا» .
وَهُنَا تَنْبِيهٌ: وَهُوَ أَنَّهُ حَيْثُ قُدِّمَ الشَّرْعِيُّ عَلَى الْعُرْفِيِّ أَوْ اللُّغَوِيِّ فَإِنَّمَا يَنْزِلُ عَلَى أَدْنَى الْمَرَاتِبِ (تَقْلِيلًا لِلنَّسْخِ) وَعَدَمِ (النَّقْلِ) ، فَلَوْ حَلَفَ لَا يَنْكِحُ سِرًّا فَنِكَاحُ السِّرُّ فِي اللُّغَةِ هُوَ: الْوَطْءُ سِرًّا دُونَ الْعَقْدِ، وَفِي الشَّرْعِ أَدْنَى مَرَاتِبِ (نِكَاحِ) السِّرِّ أَنْ يَكُونَ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ، فَإِنْ عَقَدَ بِوَلِيٍّ وَثَلَاثَةِ شُهُودٍ خَرَجَ عَنْ نِكَاحِ السِّرِّ، وَلَمْ يَحْنَثْ نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ الدَّارِمِيِّ وَهُوَ حَسَنٌ (مُخَالِفٌ لِلسِّرِّ) فِي اللُّغَةِ؛ لِأَنَّ السِّرَّ لُغَةً مَا اطَّلَعْت عَلَيْهِ شَخْصًا وَاحِدًا.
وَيَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الْحَالَةِ قَاعِدَةٌ أُخْرَى: وَهِيَ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ تَقْتَضِي الْعُمُومَ، وَالشَّرْعُ يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ، فَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى عُمُومِهَا أَمْ يَتَعَيَّنُ تَخْصِيصُ الشَّرْعِ؟ يُخَرَّجُ مِنْ كَلَامِهِمْ (فِيهَا وَجْهَانِ) ، وَالْأَصَحُّ: اعْتِبَارُ خُصُوصِ الشَّرْعِ.
وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ لَحْمِ الْمَيْتَةِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَطَأُ لَمْ يَحْنَثْ بِالْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ، وَمَا وَقَعَ فِي (زَوَائِدِ) الرَّوْضَةِ فِي كِتَابِ الْإِيلَاءِ مِنْ دَعْوَى الِاتِّفَاقِ عَلَى الْحِنْثِ مَمْنُوعٌ، بَلْ الرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ عَلَى مُقْتَضَى مَا رَجَّحَهُ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ.
(2/381)

وَمِنْهَا: لَوْ أَوْصَى لِأَقَارِبِهِ، فَهَذَا عَامٌّ وَلَكِنْ فِي الشَّرْعِ «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» .
وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْوَرَثَةَ لَا يَدْخُلُونَ عَمَلًا بِتَخْصِيصِ الشَّرْعِ وَلِلرَّافِعِيِّ بَحْثٌ فِيهِ.
وَمِنْهَا: (لَوْ) حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً فَشَرِبَ الْمُتَغَيِّرَ بِمَا يُخَالِطُ الْمَاءَ مِمَّا يُسْتَغْنَى عَنْهُ كَزَعْفَرَانٍ لَا يَحْنَثُ.
وَلَوْ وَكَّلَ مَنْ يَشْتَرِي الْمَاءَ، فَاشْتَرَى لَهُ الْوَكِيلُ هَذَا لَمْ يَصِحَّ الشِّرَاءُ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي إطْلَاقِ اسْمِ الْمَاءِ، حَكَاهُ فِي الْبَيَانِ عَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ، وَقَضِيَّةُ هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ لَا يَحْنَثُ بِشُرْبِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُطْلَقٍ، فَإِنْ قِيلَ: هُوَ فِي الْعُرْفِ يُسَمَّى مَاءً، قُلْنَا: الْعُرْفُ الشَّرْعِيُّ مُقَدَّمٌ، أَمَّا إذَا قُلْنَا: إنَّهُ مُطْلَقٌ مُنِعَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ فَيَجِيءُ الْوَجْهَانِ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا هَلْ يَحْنَثُ بِأَكْلِ لَحْمِ الْمَيْتَةِ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً فَشَرِبَ مَاءً قَدْ تَنَجَّسَ وَلَا تَغَيُّرَ بِهِ؛ لِقِلَّتِهِ فَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ لَيْسَ بِمُطْلَقٍ فَلَا يَحْنَثُ، وَإِنْ قُلْنَا: مُطَلَّقٌ مُنِعَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ، كَمَا فَهِمَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ، فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ لُغَةً اسْمُ مَاءٍ بِلَا قَيْدٍ فَيَجِيءُ فِيهِ مَا سَبَقَ فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ.
وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ: إنْ رَأَيْتِ الْهِلَالَ فَأَنْتِ طَالِقٌ حُمِلَتْ عَلَى الْعِلْمِ، فَإِنَّهَا الشَّرْعِيَّةُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ «إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا» دُونَ الرُّؤْيَةِ بِالْبَصَرِ.
(2/382)

وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ إنْ رَأَيْت (الدَّمَ) .

الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ تَعَارُضُ اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ الْعَامِّ.
فَأَطْلَقَ صَاحِبُ الْكَافِي رِوَايَةَ (وَجْهَيْنِ) فَقَالَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ: إذَا اجْتَمَعَ فِي الْيَمِينِ الْحَقِيقَةُ اللَّفْظِيَّةُ، وَالدَّلَالَةُ الْعُرْفِيَّةُ فَأَيُّهُمَا أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ الْحَقِيقَةُ اللَّفْظِيَّةُ أَوْلَى، وَاللَّفْظُ مَتَى كَانَ مُطْلَقًا وَجَبَ الْعَمَلُ بِإِطْلَاقِهِ عَمَلًا بِالْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ.
الثَّانِي: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُحْيِي السُّنَّةِ الدَّلَالَةُ الْعُرْفِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ (مُحْكَمٌ) فِي التَّصَرُّفَاتِ سِيَّمَا فِي الْأَيْمَانِ.
قَالَ فَلَوْ (دَخَلَ) دَارَ صَدِيقِهِ فَقَدَّمَ إلَيْهِ طَعَامًا فَامْتَنَعَ فَقَالَ: إنْ لَمْ تَأْكُلْ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ فَخَرَجَ، وَلَمْ يَأْكُلْ ثُمَّ قَدِمَ الْيَوْمَ الثَّانِيَ فَقَدَّمَ إلَيْهِ ذَلِكَ الطَّعَامَ فَأَكَلَ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَحْنَثُ وَعَلَى الثَّانِي يَحْنَثُ (انْتَهَى) .
(2/383)

وَأَقُولُ اللُّغَةُ تَارَةً يَعُمُّ اسْتِعْمَالُهَا فِي لِسَانِ الْعَرَبِ، وَتَارَةً يَخُصُّ اسْتِعْمَالُهَا، وَتَارَةً يُقَيَّدُ فِي إطْلَاقِهِمْ فَإِنْ عَمَّتْ اللُّغَةُ قُدِّمَتْ عَلَى الْعُرْفِ هَذَا مَذْهَبُ (الْإِمَامِ) الشَّافِعِيِّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) ، كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ فِيمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّوسَ، (وَقَالَ) فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ: إنْ تَطَابَقَ الْعُرْفُ وَالْوَضْعُ فَذَاكَ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فَكَلَامُ الْأَصْحَابِ يَمِيلُ إلَى الْوَضْعِ وَالْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ يَرَيَانِ (اعْتِبَارَ) الْعُرْفِ.
(وَيَنْبَنِي) عَلَى هَذَا قَاعِدَةٌ:
(وَهِيَ) إذَا عَارَضَ اللُّغَةَ الْمُسْتَعْمَلَةَ عُرْفٌ خَاصٌّ وَيُعَبِّرُ عَنْهَا بِأَنَّهُ: يُرَاعِي عُرْفَ وَاضِعِ اللِّسَانِ أَوْ عُرْفَ الْحَالِفِ، وَإِنْ شِئْت فَقُلْ: هَلْ يُعْتَبَرُ عُرْفُ اللَّفْظِ أَوْ عُرْفُ اللَّافِظِ؟ (أَوْ: أَنَّ) الِاصْطِلَاحَ الْخَاصَّ هَلْ يَرْفَعُ الْعَامَّ؟ وَقَدْ سَبَقَتْ بِفُرُوعِهَا فِي حَرْفِ الْهَمْزَةِ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا مَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ الْمَاءَ أَوْ مَاءً حَنِثَ بِالْعَذْبِ وَالْمِلْحِ، وَإِنَّمَا حَنِثَ بِالْمِلْحِ (، وَإِنْ لَمْ) يَعْتَدْ شُرْبَهُ (اعْتِبَارًا) بِالْإِطْلَاقِ وَالِاسْتِعْمَالِ اللُّغَوِيِّ.
وَالضَّابِطُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْخَاصُّ لَيْسَ لَهُ فِي اللُّغَةِ وَجْهٌ (أَلْبَتَّةَ) (فَالْمُعْتَبَرُ) اللُّغَةُ، كَمَا سَبَقَ فِي مَسْأَلَةِ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ وَنَظَائِرِهَا.
(2/384)

وَإِنْ كَانَ لَهُ فِيهِ اسْتِعْمَالٌ فَفِيهِ خِلَافٌ فِي صُوَرٍ: مِنْهَا: لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا (أَوْ لَا) يَسْكُنُهُ فَاسْمُ الْبَيْتِ يَقَعُ عَلَى الْمَبْنِيِّ بِالطِّينِ وَالْحَجَرِ وَالْمَدَرِ (سُمِّيَ) بَيْتًا؛ لِأَنَّهُ يُبَاتُ فِيهِ، كَمَا قَالَهُ (الزَّجَّاجُ) فِي تَفْسِيرِهِ.
ثُمَّ إنْ كَانَ الْحَالِفُ بَدْوِيًّا حَنِثَ بِكُلٍّ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَظَاهَرَ فِيهِ الْعُرْفُ وَاللُّغَةُ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ يُسَمُّونَهُ بَيْتًا، وَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَوَجْهَانِ بِنَاءً (عَلَى الْأَصْلِ) الْمَذْكُورِ (، وَإِنْ) اعْتَبَرْنَا الْعُرْفَ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ اسْمِ الْبَيْتِ هُوَ الْمَبْنِيُّ،، وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْبَادِيَةِ (يُسَمُّونَهُ) بَيْتًا، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا الْعُرْفُ عِنْدَهُمْ ثَبَتَ عِنْدَ سَائِرِ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ فَرَدُّهُ عَلَى التَّعْمِيمِ؛ عَمَلًا بِاللُّغَةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ.
وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ اللُّغَةُ وَالشَّرْعُ، قَالَ تَعَالَى: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ} [النحل: 80] وَفِي الْحَدِيثِ «لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إلَّا دَخَلَهُ الْإِسْلَامُ»
(2/385)

وَمِنْهَا: حَلَفَ (أَنْ) لَا يَأْكُلَ الْخُبْزَ حَنِثَ بِمَا يُتَّخَذُ مِنْ الْأُرْزِ، وَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ مِنْ قَوْمٍ لَا يَتَعَارَفُونَ أَكَلَ (خُبْزِ) الْأُرْزِ، كَمَا إذَا كَانَ بِغَيْرِ طَبَرِسْتَانَ؛ لِأَنَّ خُبْزَ الْأُرْزِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ لُغَةً فِي سَائِرِ الْبِلَادِ ثُمَّ (إنَّ) أَهْلَ كُلِّ بَلَدٍ يُطْلِقُونَ اسْمَ الْخُبْزِ عَلَى مَا (يَجِدُونَهُ) عِنْدَهُمْ، وَذِكْرُ (بَعْضِ) أَفْرَادِ الْعَامِّ لَا يَخُصُّ (إذْ) الْخُبْزُ (لُغَةً) اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُخْبَزُ (أَوْ يَنْضَجُ) بِالنَّارِ.
وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ: أَعْطُوهُ بَعِيرًا لَمْ يُعْطَ نَاقَةً عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: نَعَمْ؛ لِانْدِرَاجِهِ فِيهَا لُغَةً، وَلَوْ قَالَ أَعْطُوهُ دَابَّةً أُعْطِيَ (فَرَسًا أَوْ بَغْلًا أَوْ حِمَارًا) عَلَى الْمَنْصُوصِ، لَا الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ؛ لِأَنَّهَا لَا تُطْلَقُ عَلَيْهِ عُرْفًا، وَإِنْ كَانَ (ذَلِكَ يُطْلَقُ) عَلَيْهَا لُغَةً، وَقِيلَ: إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مِصْرً لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِ إلَّا الْفَرَسَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) قَالَ: ذَلِكَ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ مِصْرَ فَإِنَّهُمْ يُطْلِقُونَ الدَّابَّةَ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، فَإِنْ كَانَ الْمُوصِي بِغَيْرِ مِصْرَ لَمْ يُعْطَ إلَّا الْفَرَسَ، وَإِنْ تَخَصَّصَتْ اللُّغَةُ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ، وَهُجِرَ اسْتِعْمَالُ بَعْضِهَا، فَلَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا نَادِرًا أَوْ صَارَتْ نَسْيًا مَنْسِيًّا، فَالْمُقَدَّمُ الْعُرْفُ، كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الْبَيْضَ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى مَا يُزَايِلُ بَائِضَهُ أَيْ: يُفَارِقُهُ فِي الْحَيَاةِ كَبَيْضِ الدَّجَاجِ وَالْإِوَزِّ وَالْحَمَامِ وَالْعُصْفُورِ، وَلَا يَحْنَثُ بِبَيْضِ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ.
(2/386)

وَكَذَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّءُوسَ يَحْنَثُ بِمَا يُبَاعُ (مُفْرَدًا) كَالْغَنَمِ وَالْبَقَرِ دُونَ رَأْسِ الْعَصَافِيرِ (وَالْحِيتَانِ) ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ لَا يُطْلِقُونَ اسْمَ الرُّءُوسِ الَّتِي تُؤْكَلُ عَادَةً وَهِيَ مَشْوِيَّةٌ أَوْ الْمَصْلُوقَةُ عَلَيْهَا فَلَمْ يَتَعَارَضْ فِي ذَلِكَ الْعُرْفُ وَاللُّغَةُ، بَلْ اتَّفَقَا عَلَى عَدَمِ التَّسْمِيَةِ.
وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ لَوْ قَالَ: زَوْجَتِي طَالِقٌ لَمْ تَطْلُقُ سَائِرُ زَوْجَاتِهِ عَمَلًا بِالْعُرْفِ، وَإِنْ كَانَ (وَضْعُ) اللُّغَةِ يَقْتَضِي الطَّلَاقَ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ إذَا أُضِيفَ عَمَّ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي لَمْ يُحْمَلْ عَلَى الثَّلَاثِ، وَإِنْ كَانَ فِي اللُّغَةِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْعُمُومِ.
وَلَوْ أَوْصَى (لِلْقُرَّاءِ) فَهَلْ يَدْخُلُ مَنْ لَا يَحْفَظُ وَيَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ فِيهِ وَجْهَانِ يُنْظَرُ فِي أَحَدِهِمَا إلَى الْوَضْعِ، وَفِي الثَّانِي إلَى الْعُرْفِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَهَذَا لَفْظُ الرَّافِعِيِّ.
وَذَكَرَ صَاحِبُ الْكَافِي أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى (لِلْفُقَهَاءِ) فَهَلْ يَدْخُلُ الْخِلَافِيُّونَ الْمُنَاظِرُونَ، قَالَ: (وَيَحْتَمِلُ) وَجْهَيْنِ؛ لِتَعَارُضِ الْعُرْفِ وَالْحَقِيقَةِ.
تَنْبِيهٌ مَوْضِعُ الْكَلَامِ فِي اعْتِبَارِ عُرْفِ اللَّفْظِ أَوْ اللَّافِظِ (هُوَ فِي اللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ
(2/387)

فَيُعْتَبَرُ وَضْعُهُ عِنْدَ أَهْلِهِ، فَأَمَّا الْأَعْجَمِيُّ فَيُعْتَبَرُ عُرْفُ اللَّافِظِ) إذْ لَا وَضْعَ هُنَاكَ يُحْمَلُ عَلَيْهِ.
وَلِهَذَا قَالَ الْقَفَّالُ فِيمَا إذَا حَلَفَ عَلَى الْبَيْتِ بِالْفَارِسِيَّةِ: لَا يَحْنَثُ بِبَيْتِ الشَّعْرِ وَغَيْرِهِ (إذْ) لَمْ يَثْبُتْ شُمُولُ اللَّفْظِ لَهُ فِي عُرْفِ الْفَارِسِيَّةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ إنْ رَأَيْت الْهِلَالَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَرَآهُ غَيْرَهَا طَلُقَتْ إنْ عَلَّقَ بِالْعَرَبِيَّةِ فَلَوْ عَلَّقَ بِالْعَجَمِيَّةِ نَصَّ الْقَفَّالِ أَيْضًا أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُعَايَنَةِ سَوَاءٌ فِيهِ الْبَصِيرُ، وَالْأَعْمَى، وَادَّعَى أَنَّ الْعُرْفَ الشَّرْعِيَّ فِي حَمْلِ الرُّؤْيَةِ عَلَى الْعِلْمِ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ.
وَمَنَعَ الْإِمَامُ الْفَرْقَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ فَدَخَلَ (مَا يَسْكُنُهُ) بِإِجَارَةٍ لَمْ يَحْنَثْ، وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ: إنْ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ بِالْفَارِسِيَّةِ حُمِلَ عَلَى (الْمَسْكَنِ) ، قَالَ الرَّافِعِيُّ، وَلَا يَكَادُ يَظْهَرُ فَرْقٌ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، بَلْ مَادَّةُ الْفَرْقِ (تُعْلَمُ مِمَّا) ذَكَرْنَا.

الْحَالَةُ (الثَّالِثَةُ) تَعَارُضُ الْعُرْفِ الْعَامِّ (وَالْخَاصِّ) ، فَإِنْ كَانَ (الْخُصُوصُ) مَحْصُورًا لَمْ يُؤَثِّرْ، كَمَا لَوْ كَانَ عَادَةُ امْرَأَةٍ فِي الْحَيْضِ أَقَلَّ مَا اسْتَقَرَّ مِنْ (عَادَةِ) النِّسَاءِ رَدَّتْ إلَى الْغَالِبِ فِي الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: تَعْتَبِرُ عَادَتَهَا.
(2/388)

وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَحْصُورٍ اُعْتُبِرَ، كَمَا لَوْ جَرَتْ عَادَةُ قَوْمٍ بِحِفْظِ (زُرُوعِهِمْ) لَيْلًا وَمَوَاشِيهِمْ نَهَارًا فَهَلْ يَنْزِلُ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْعُرْفِ الْعَامِّ؟ فِي الْعَكْسِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا نَعَمْ.

الْبَحْثُ الثَّانِي: إذَا اطَّرَدَ الْعُرْفُ فِي نَاحِيَةٍ هَلْ يَطَّرِدُ فِي سَائِرُ النَّوَاحِي كَمَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا فَدَخَلَ بَيْتَ الشَّعْرِ حَنِثَ، وَإِنْ كَانَ قَرَوِيًّا؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ فِي عُرْفِ الْبَادِيَةِ، وَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الْخُبْزَ فَأَكَلَ خُبْزَ الْأُرْزِ بِغَيْرِ طَبَرِسْتَانَ حَنِثَ، وَقِيلَ إنَّمَا يَحْنَثُ بِهِ بِطَبَرِسْتَانَ؛ لِاعْتِيَادِهِمْ أَكْلَهُ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّءُوسَ، وَعَادَةُ بَلَدٍ بَيْعُ رُءُوسِ الْحِيتَانِ وَالصَّيُودِ مُنْفَرِدَةً حَنِثَ بِأَكْلِهَا هُنَاكَ، وَفِي غَيْرِهَا مِنْ الْبِلَادِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: الْحِنْثُ، وَلَوْ جَرَتْ عَادَةُ (قَوْمٍ) .
وَيَجُوزُ إخْرَاجُ الْأَقِطِ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ فِي الْأَصَحِّ، وَهَلْ (يَخُصُّ) أَهْلَ الْبَادِيَةِ أَمْ يَعُمُّ الْبَادِيَ وَالْحَاضِرَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ فِي بَابِ الْكَفَّارَةِ عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ كَجٍّ، وَخَرَجَ عَنْ هَذَا صُوَرٌ: إحْدَاهَا: إذَا حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةً (لَمْ) يَحْنَثْ بِالْحِمَارِ، وَإِنْ كَانَ الْعُرْفُ مُطَّرِدًا بِتَسْمِيَتِهِ دَابَّةً.
(2/389)

الثَّانِيَةُ:
لَوْ اشْتَهَرَ فِي بِلَادٍ اسْتِعْمَالُ الْحَرَامِ فِي الطَّلَاقِ، فَفِي كَوْنِهِ كِنَايَةً أَوْ صَرِيحًا وَجْهَانِ، أَمَّا فِي غَيْرِهَا فَهُوَ كِنَايَةٌ بِلَا خِلَافٍ، قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ، قِيلَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْغَرِيبَ إذَا تَلَفَّظَ (بِهِ) أُجْرِيَ عَلَيْهِ عُرْفُ بَلَدِهِ لَا عُرْفُ مَوْضِعِ الْحَلِفِ.

الثَّالِثُ: إذَا عَمّ الْعُرْفُ فِي نَاحِيَةٍ بِشَيْءٍ فَهَلْ يُجْعَلُ عُمُومُ الْعُرْفِ فِي حُكْمِ الشَّرْطِ سَبَقَ فِي بَحْثِ (الْعَادَةِ) .

الرَّابِعُ: إذَا وَجَدْنَا اسْمًا مُشْتَرَكًا فِي اللُّغَةِ وَاشْتَهَرَ الْعُرْفُ بِأَحَدِ مَدْلُولِيهِ، فَهَلْ يُرَاعَى فِي ذَلِكَ الْعُرْفُ أَمْ اللُّغَةُ؟ (يَتَخَرَّجُ) فِيهِ خِلَافٌ (مِمَّا) لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدُمُ زَيْدٌ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ لَفْظِ الْيَوْمِ مَا بَيْنَ طُلُوعِ (الْفَجْرِ) إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ.
وَيُطْلَقُ لُغَةً عَلَى الْقِطْعَةِ مِنْ الزَّمَانِ.
(وَالضَّابِطُ) فِي هَذَا أَنَّهُ (إنْ) كَانَ أَحَدُ الْمَدْلُولَيْنِ أَشْهَرَ فِي اللُّغَةِ وَوَافَقَهُ
(2/390)

الْعُرْفُ قُدِّمَ، وَإِنْ خَالَفَ الْعُرْفَ قُدِّمَ؛ لِتَرْجِيحِهِ بِالْمَدْلُولِ الْآخَرِ.

(الْخَامِسُ)
قَالَ الْفُقَهَاءُ: كُلُّ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ مُطْلَقًا، وَلَا ضَابِطَ لَهُ فِيهِ، وَلَا فِي اللُّغَةِ يَحْكُمُ فِيهِ الْعُرْفُ وَمَثَّلُوهُ (بِالْحِرْزِ) فِي السَّرِقَةِ، وَالتَّفَرُّقِ فِي الْبَيْعِ وَالْقَبْضِ، وَوَقْتِ الْحَيْضِ وَقَدْرِهِ، وَمُرَادُهُمْ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ حَالُهُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمِنَةِ، وَيَخْتَلِفُ الْحِرْزُ بِاخْتِلَافِ عَدْلِ السُّلْطَانِ وَجَوْرِهِ، الْأَمْنِ وَالْخَوْفِ.
وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ لَا تَكَادُ تَنْضَبِطُ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى أَهْلِ (نَاحِيَتِهِ) فَمَا عَدُّوهُ حِرْزًا فَالْمَالُ مُحَرَّزٌ وَمَا لَا فَلَا، وَمِنْهُ الِاكْتِفَاءُ فِي نِيَّةِ الصَّلَاةِ بِالْمُقَارِنَةِ لِلتَّكْبِيرَةِ الْعُرْفِيَّةِ بِحَيْثُ يُعَدُّ مُسْتَحْضِرًا لِلصَّلَاةِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَالُوا فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ: إنَّهَا تُبْنَى أَوَّلًا عَلَى اللُّغَةِ ثُمَّ عَلَى الْعُرْفِ.
وَهَذَا كُلُّهُ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّهُ يُقَدَّمُ (الْعُرْفُ) الشَّرْعِيُّ ثُمَّ الْعُرْفِيُّ ثُمَّ اللُّغَوِيُّ، وَالْجَوَابُ أَنَّ كَلَامَ الْأُصُولِيِّينَ إنَّمَا هُوَ فِي الْحَقَائِقِ وَالْأَدِلَّةِ الَّتِي (تُسْتَنْبَطُ) مِنْهَا الْأَحْكَامُ فَيُقَدَّمُ (فِيهَا) الشَّرْعِيُّ عَلَى الْعُرْفِيِّ، كَبَيْعِ الْهَازِلِ وَطَلَاقِهِ فَإِنَّهُ نَافِذٌ، وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْعُرْفِ لَا يُنَفِّذُونَهُ، وَيُقَدَّمُ الْعُرْفِيُّ فِيهِمَا عَلَى اللُّغَوِيِّ عِنْدَ التَّعَارُضِ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ طَارِئٌ عَلَى اللُّغَةِ فَهُوَ كَالنَّاسِخِ.
(2/391)

وَهُنَا تَنْبِيهَانِ " الْأَوَّلُ: إنَّهُمْ لَمْ يَجُرُّوا هَذَا الْأَصْلَ فِي كُلِّ الْمَوَاضِعِ، وَلَمْ يَرْجِعُوا إلَى الْعُرْفِ فِيمَا لَا ضَابِطَ لَهُ فِي الشَّرْعِ، وَلَا (فِي) اللُّغَةِ، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْمُعَاطَاةِ فِي الْبَيْعِ لَا تَصِحُّ، وَلَوْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِهَا فِيمَا يَعُدُّونَهُ بَيْعًا، وَكَمَا فِي مَسْأَلَةِ اسْتِصْنَاعِ الصُّنَّاعِ الْجَارِيَةِ عَادَتُهُمْ بِالْعَمَلِ بِالْأُجْرَةِ لَا يَسْتَحِقُّونَ شَيْئًا (إذَا) لَمْ يَشْرِطُوهُ، وَالْمَسْأَلَتَانِ مِنْ مَنَاصِيصِ (الْإِمَامِ) الشَّافِعِيِّ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) ، (وَكَذَلِكَ) إذَا أَوْجَبْنَا الْمُوَالَاةَ فِي الْوُضُوءِ فَلَا يَرْجِعُ فِي ضَبْطِهَا لِلْعُرْفِ فِي الْأَصَحِّ وَضَبَطُوهُ بِأَنْ تَمْضِيَ مُدَّةٌ يَجِفُّ فِيهَا الْعُضْوُ الَّذِي قَبْلَهُ، (وَكَذَلِكَ) إذَا أَوْجَبْنَا إيصَالَ الْمَاءِ إلَى (بَاطِنِ) الشَّعْرِ الْخَفِيفِ لَا يُرْجَعُ فِي ضَبْطِ الْخِفَّةِ لِلْعُرْفِ فِي الْأَصَحِّ وَضَبَطُوهُ بِمَا تُرَى مِنْهُ الْبَشَرَةُ فِي مَجْلِسِ التَّخَاطُبِ.
وَمِنْهَا الْمَرْأَةُ الْمُخَدَّرَةُ (تُعْفَى) عَنْ الْإِحْضَارِ لِلدَّعْوَى عَلَيْهَا، وَلَمْ يَرْجِعُوا فِي (ضَبْطِ) التَّخْدِيرِ لِلْعُرْفِ، وَاخْتَلَفُوا (هُمْ فِيهِ) : فَقِيلَ: مَنْ لَا يَكْثُرُ خُرُوجُهَا لِلْحَاجَاتِ، وَقِيلَ: مَنْ لَا تَحْضُرُ الْأَعْرَاسَ، (وَقِيلَ:) غَيْرُ ذَلِكَ.
(2/392)

الثَّانِي: سَكَتُوا عَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ضَابِطٌ فِي الْعُرْفِ أَيْضًا، وَالْحُكْمُ أَنَّهُ عَلَى الْإِجْمَالِ، وَهَذَا كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: عَلَيَّ مَالٌ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلْمَالِ تَحْدِيدٌ مُقَدَّرٌ فِي الْحَقَائِقِ الثَّلَاثِ، فَيَبْقَى عَلَى إجْمَالِهِ وَيَرْجِعُ إلَى (الْمُقِرِّ) فِي بَيَانِهِ.
وَأَمَّا مَالِكٌ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) فَقَالَ أَقَلُّ (مَالٍ) يُطْلَقُ عَلَيْهِ فِي الشَّرْعِ نِصَابُ الزَّكَاةِ (فَأَلْزَمَهُ) بِهِ، وَعُورِضَ بِنِصَابِ السَّرِقَةِ، وَلِهَذَا رَدَّهُ غَيْرُهُ إلَيْهِ.

(السَّادِسُ) الْعُرْفُ تَارَةً يَكُونُ قَوْلِيًّا وَتَارَةً (يَكُونُ) فِعْلِيًّا (وَفَرْقٌ) بَيْنَ قَوْلِنَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِاسْتِعْمَالِ هَذَا اللَّفْظِ فِي هَذَا الْمُسَمَّى، وَبَيْنَ قَوْلِنَا جَرَتْ بِفِعْلِ هَذَا الْمُسَمَّى، وَالْأَوَّلُ الْعُرْفُ الْقَوْلِيُّ، وَالثَّانِي الْفِعْلِيُّ وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي تَخْصِيصِ الْأَلْفَاظِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عُرْفًا لَهَا فَلَا يَكُونُ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَيْهَا، بَلْ سُلْطَانُهُ عَلَى الْأَفْعَالِ، وَالْعُرْفُ الْقَوْلِيُّ سُلْطَانُهُ عَلَى الْأَقْوَالِ؛ لِأَنَّهُ عُرْفٌ لَهَا (فَيُخَصِّصُهَا) وَلَا سُلْطَانَ لَهُ عَلَى الْأَفْعَالِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عُرْفًا لَهَا.
وَيُبْنَى عَلَى ذَلِكَ: أَنَّ السُّلْطَانَ مَثَلًا لَوْ حَلَفَ لَا يَلْبِسُ ثَوْبًا أَوْ لَا يَأْكُلُ خُبْزًا فَأَكَلَ خُبْزَ الشَّعِيرِ أَوْ لَبِسَ الْكِرْبَاسَ يَحْنَثُ، وَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهُ عَدَمَ تَنَاوُلِهِ، وَلَوْ حَلَفَ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ أَنْ لَا يَأْكُلَ رُءُوسًا فَأَكَلَ رُءُوسَ السَّمَكِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ خَصَّصَ الرُّءُوسَ بِذَوَاتِ الْأَرْبَعِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ (التَّخْصِيصَيْنِ) مَا ذَكَرْنَا.
(2/393)

(السَّابِعُ) أَنَّ الْعُرْفَ الَّذِي تُحْمَلُ الْأَلْفَاظُ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ الْمُقَارِنُ (أَوْ) السَّابِقُ، وَأَغْرَبُ مَنْ حَكَى فِي جَوَازِ التَّخْصِيصِ بِهِ قَوْلَيْنِ.
وَبَنَى بَعْضُهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَسْأَلَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: مَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَطَالَةِ فِي الْمَدَارِسِ فَقَدْ اُشْتُهِرَ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ تَرْكُ الدُّرُوسِ فِي الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ، (فَكُلُّ) مَدْرَسَةٍ وُقِفَتْ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ (وَاقِفُهَا) لِذَلِكَ يَنْزِلُ لَفْظُهُ عَلَى الْعَادَةِ، وَأَمَّا الْمَوْقُوفُ قَبْلَ هَذِهِ الْعَادَةِ أَوْ مَا شَكَّ فِيهِ هَلْ هُوَ قَبْلَهَا فَلَا يَنْزِلُ عَلَى الْعُرْفِ الطَّارِئِ، وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ: مَا وَقَعَ مِنْهَا فِي رَمَضَانَ وَنِصْفِ شَعْبَانَ لَا يَمْنَعُ مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ حَيْثُ لَا (نَصَّ) مِنْ الْوَاقِفِ عَلَى اشْتِرَاطِهِ (الِاشْتِغَالَ) فِي الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَمَا يَقَعُ مِنْهَا قَبْلَهُمَا يَمْنَعُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا عُرْفٌ مُسْتَمِرٌّ وَلَا وُجُودَ لَهَا فِي أَكْثَرِ الْمَدَارِسِ وَالْأَمَاكِنِ فَإِنْ (اتَّفَقَ) (بِهَا) عُرْفٌ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ، (وَاشْتُهِرَ) غَيْرُ مُطَّرِدٍ فَيَجْرِي فِيهَا فِي ذَلِكَ (الْبَلَدِ) الْخِلَافُ فِي أَنَّ الْعُرْفَ الْخَاصَّ هَلْ يَنْزِلُ فِي التَّأْثِيرِ مَنْزِلَةَ الْعَامِّ، وَالظَّاهِرُ تَنْزِيلُهُ فِي أَهْلِهِ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ انْتَهَى.
(2/394)

وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْبَطَالَةَ مِنْ نِصْفِ شَعْبَانَ إلَى آخِرِ شَهْرِ رَمَضَانَ الْعُرْفُ بِهَا مُسْتَمِرٌّ (شَائِعٌ) وَالْمُضْطَرِبُ مَا قَبْلَ ذَلِكَ.
الثَّانِيَةُ: كِسْوَةُ الْكَعْبَةِ، قَالَ ابْنُ عَبْدَانِ مُنِعَ مِنْ بَيْعِهَا (، وَأَوْجَبَ) رَدُّ مَنْ حَمَلَ مِنْهَا شَيْئًا، وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: هِيَ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ أَنَّ الْعَادَةَ اسْتَمَرَّتْ قَدِيمًا، بِأَنَّهَا تُبَدَّلُ كُلَّ سَنَةٍ، وَيَأْخُذُ بَنُو شَيْبَةَ تِلْكَ الْعَتِيقَةَ فَيَتَصَرَّفُونَ فِيهَا (بِالْبَيْعِ) وَغَيْرِهِ، وَيُقِرُّهُمْ الْأَئِمَّةُ عَلَى ذَلِكَ فِي كُلِّ عَصْرٍ، فَلَا تَرَدُّدَ فِي جَوَازِهِ.
(وَأَمَّا بَعْدَ مَا اتَّفَقَ) فِي هَذَا الْوَقْتِ مِنْ وَقْفِ الْإِمَامِ ضَيْعَةً مُعَيَّنَةً عَلَى أَنْ يُصْرَفَ رِيعُهَا فِي كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ فَلَا تَرَدُّدَ فِي الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ هَذِهِ (الْعَادَةِ) وَالْعِلْمِ بِهَا فَيَنْزِلُ لَفْظُ الْوَاقِفِ عَلَيْهَا، قُلْت: وَالْأَشْبَهُ صَرْفُهَا فِي مَصَالِحِ الْكَعْبَةِ، وَلَا يَخْتَصُّ بِهَا سَدَنَتُهَا، إلَّا بِالتَّصْرِيحِ.
قُلْت: وَثَالِثَةٌ: وَهِيَ الْأَوْقَافُ الْقَدِيمَةُ الْمَشْرُوطُ نَظَرُهَا لِلْحَاكِمِ، وَكَانَ الْحَاكِمُ إذْ ذَاكَ شَافِعِيًّا، وَيَسْتَنِيبُ مِنْ بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ ثُمَّ إنَّ (الْمَلِكَ الظَّاهِرَ) أَحْدَثَ الْقُضَاةُ (الثَّلَاثَةُ)
(2/395)

سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ، فَمَا كَانَ مَوْقُوفًا قَبْلَ حُدُوثِ هَذَا الْعُرْفِ اخْتَصَّ نَظَرُهُ بِالشَّافِعِيِّ، وَلَا يُشَارِكُهُ (فِيهِ) غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ عُرْفٌ حَادِثٌ، وَمَا أُطْلِقَ مِنْ النَّظَرِ بَعْدَ هَذَا الْعُرْفِ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ؛ لِتَعَارُضِ اللَّفْظِ وَالْعُرْفِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ غَالِبًا لَا يَفْهَمُونَ عِنْدَ إطْلَاقِ الْحَاكِمِ غَيْرَ الشَّافِعِيِّ لَا سِيَّمَا مَعَ قَرِينَةِ أَنَّ نَظَرَ الْأَوْقَافِ الْعَامَّةِ إلَيْهِ.

الثَّامِنُ:
ذَكَرَ الْإِمَامُ فِيمَا لَوْ شَدَّ الْمُحْرِمُ عَلَى رَأْسِهِ خَيْطًا لَا فِدْيَةَ، وَلَوْ شَدَّ عِصَابَةً عَرِيضَةً افْتَدَى، قَالَ: وَلَيْسَ مَعَنَا تَوْقِيفٌ نَتْبَعُهُ، وَالْقَصْدُ (مَا) يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ سَاتِرًا لِلرَّأْسِ أَوْ لِبَعْضِهِ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِيمَا وَرَدَ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَوْقِيفٍ أَنْ يُتَلَقَّى مِنْ أَهْلِ الْعُرْفِ، (وَلِذَلِكَ) يَقَعُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْإِطْلَاقِ إحَالَةً عَلَى (مَا يَبْتَدِرُهُ) إفْهَامُ الْفَاهِمِينَ فِي عَادَاتِ التَّخَاطُبِ، قَالَ: وَهَذَا مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ تُصْرَفَ الْعِنَايَةُ إلَى مِثْلِهِ، وَلَا (يَحِلُّ) لِلْمُرَاجَعِ أَنْ يُحِيلَ الْجَوَابَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْتَفْتَى وَيَرُدَّهُ إلَى (حُكْمِ) الْعَادَةِ.

[الْعَزْمُ عَلَى الْإِبْطَالِ مُبْطِلٌ]
ٌ وَهَلْ يَبْطُلُ فِي الْحَالِ أَمْ يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِهِ؟ فِيهِ خِلَافٌ
(2/396)

فَإِنْ) نَوَى الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بَطَلَتْ فِي الْحَالِ؛ لِمُنَافَاةِ مُوجِبِهَا، وَهُوَ الدَّوَامُ، وَقِيلَ: لَا تَبْطُلُ فِي الْحَالِ وَلَهُ رَفْضُهُ.
وَمِثْلُهُ لَوْ خَطَا فِي الصَّلَاةِ خُطْوَةً، وَعَزَمَ عَلَى أَنَّهُ يَخْطُو ثَلَاثًا بَطَلَتْ فِي الْحَالِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ، أَمَّا لَوْ نَوَى أَنْ (يَفْعَلَ) فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مُبْطِلًا، كَالْكَلَامِ فَلَا تَبْطُلُ قَطْعًا؛ (لِأَنَّهُ جَازِمٌ، وَالْجَزْمُ فِعْلُ الْمُنَافِي) وَلَمْ يُوجَدْ، كَذَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
وَإِذَا نَوَى قَطْعَ الصَّوْمِ (أَوْ الِاعْتِكَافِ) (فَالْأَصَحُّ) لَا يَضُرُّ كَالْحَجِّ، فَإِنْ قُلْنَا: يَبْطُلُ فَهَلْ يَبْطُلُ فِي الْحَالِ أَوْ يَمْضِي قَدْرَ فِطْرِهِ؟ وَجْهَانِ.

[الْعَقْدُ حقيقته]
الْعَقْدُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ عَقَدْتُ الْحَبْلَ إذَا جَمَعْتُ أَجْزَاءَهُ (جَمْعًا) خَاصًّا، (ثُمَّ نُقِلَ إلَى الشَّيْءِ الْمَعْقُودِ مَجَازًا) ، وَهُوَ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ الْمَجْمُوعَةِ مِنْ تَسْمِيَةِ (الْمَفْعُولِ) بِاسْمِ الْمَصْدَرِ كَقَوْلِهِمْ دِرْهَمٌ ضَرْبِ الْأَمِيرِ ثُمَّ نُقِلَ شَرْعًا إلَى ارْتِبَاطِ الْإِيجَابِ بِالْقَبُولِ الِالْتِزَامِيِّ كَعَقْدِ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَغَيْرِهِمَا.
وَلِلْعَقْدِ الشَّرْعِيِّ اعْتِبَارَاتٌ الْأَوَّلُ: بِاعْتِبَارِ الِاسْتِقْلَالِ بِهِ، وَعَدَمِهِ إلَى ضَرْبَيْنِ: عَقْدٌ يَنْفَرِدُ بِهِ الْعَاقِدُ، وَعَقْدٌ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ مُتَعَاقِدَيْنِ.
(2/397)

فَالْأَوَّلُ عَقْدُ التَّدْبِيرِ (وَالنُّذُورِ) وَالْيَمِينِ وَالْوُقُوفِ، إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ الْقَبُولُ فِيهِ وَالصَّلَاةُ إلَّا الْجُمُعَةَ وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ، وَعَدَّ بَعْضُهُمْ مِنْهُ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ إذَا كَانَا بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَإِنَّمَا هُمَا رَفْعٌ لِلْعَقْدِ.

وَالثَّان