Advertisement

الموافقات 004


المجلد الرابع
كتاب الأدلة الشرعية
تابع الطرف الأول: في أحكام الأدلة العامة
الفصل الرابع: في العموم والخصوص
...
تابع الطرف الأول: في أحكام الأدلة عامة
الفصل الرابع: في العموم والخصوص
ولا بد مِنْ مُقَدِّمَةٍ تُبَيِّنُ الْمَقْصُودَ مِنَ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ ههنا، والمرادُ الْعُمُومُ الْمَعْنَوِيُّ، كَانَ لَهُ صِيغَةٌ مَخْصُوصَةٌ أَوْ لَا، فَإِذَا قُلْنَا فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْوَاجِبَاتِ وَفِي تَحْرِيمِ الظُّلْمِ أَوْ غَيْرِهِ: إِنَّهُ عَامٌّ فَإِنَّمَا مَعْنَى1 ذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ، بِدَلِيلٍ فِيهِ صِيغَةُ عُمُومٍ أَوْ لَا، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَدِلَّةَ الْمُسْتَعْمَلَةَ هُنَا إِنَّمَا هِيَ الِاسْتِقْرَائِيَّةُ، المحصِّلة بِمَجْمُوعِهَا الْقَطْعَ بِالْحُكْمِ حَسْبَمَا تَبَيَّنَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَالْخُصُوصُ بِخِلَافِ الْعُمُومِ، فَإِذَا ثَبَتَ مَنَاطُ النظر وتحقق؛ فيتعلق به مسائل:
__________
1 سيأتي ذكره في المسألة السادسة، ويستدل عليه هناك بجملة وجوه. "د".
(4/7)

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى:
إِذَا ثَبَتَتْ قَاعِدَةٌ عَامَّةٌ أَوْ مُطْلَقَةٌ1. فَلَا تُؤَثِّرُ فِيهَا مُعَارَضَةُ قَضَايَا الْأَعْيَانِ، وَلَا حِكَايَاتِ2 الْأَحْوَالِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْقَاعِدَةَ مَقْطُوعٌ بِهَا بِالْفَرْضِ؛ لِأَنَّا إِنَّمَا نَتَكَلَّمُ فِي الْأُصُولِ الْكُلِّيَّةِ الْقَطْعِيَّةِ، وَقَضَايَا الْأَعْيَانِ مَظْنُونَةٌ أَوْ مُتَوَهَّمَةٌ، وَالْمَظْنُونُ لَا يَقِفُ لِلْقَطْعِيِّ وَلَا يُعَارِضُهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْقَاعِدَةَ غَيْرُ مُحْتَمِلَةٍ لِاسْتِنَادِهَا3 إِلَى الْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ، وَقَضَايَا الْأَعْيَانِ مُحْتَمِلَةٌ؛ لِإِمْكَانِ أَنْ تَكُونَ4 عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِهَا، أَوْ عَلَى ظَاهِرِهَا وَهِيَ مُقْتَطَعَةٌ وَمُسْتَثْنَاةٌ5 مِنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ؛ فَلَا يُمْكِنُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ إِبْطَالُ كُلِّيَّةِ الْقَاعِدَةِ بِمَا هَذَا شَأْنُهُ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ قَضَايَا الْأَعْيَانِ جُزْئِيَّةٌ، وَالْقَوَاعِدُ الْمُطَّرِدَةُ كُلِّيَّاتٌ، وَلَا تنهض
__________
1 لم ترد مقيدة، وقوله: "قضايا الأعيان" كما ورد مسحه -صلى الله عليه وسلم- على عمامته*، فلا يؤثر ذلك في قاعدة وجوب مسح نفس الرأس في الوضوء، ويكون مسح العمامة متى كانت روايته قوية مستثنى للعذر بجرح أو مرض بالرأس يمنع من مباشرة المسح عليها، وكما سيأتي في الفصل التالي في قضية قتل موسى للقبطي. "د".
قلت: انظر عن تخصيص العام بقضايا الأعيان: "البحر المحيط" "3/ 405" للزركشي.
2 كالحكايات التي [ستأتي "ص59"] ** عن عثمان وعمر من تركهم في بعض الأحيان ما هو مشروع باتفاق كالأضحية خوفًا من اعتقاد الناس فيه غير حكمه كالوجوب مثلًا. "د".
3 أي: فالأدلة القطعية التي أنتجت هذه القاعدة حددت معناها بحيث صارت لا تحتمل إرادة غير ظاهرها. "د".
4 في "ط": "لأن تكون ... ".
5 أي: مع بقاء العموم في الباقي بعد الاستثناء. "د".
__________
* انظر تخريجه والتعليق عليه في "3/ 272".
** بدلها في المطبوع: "تقدمت".
(4/8)

الْجُزْئِيَّاتُ أَنْ تَنْقُضَ الْكُلِّيَّاتِ، وَلِذَلِكَ تَبْقَى أَحْكَامُ الْكُلِّيَّاتِ جَارِيَةً فِي الْجُزْئِيَّاتِ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ فِيهَا مَعْنَى الْكُلِّيَّاتِ عَلَى الْخُصُوصِ، كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ السَّفَرِيَّةِ1 بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَلِكِ الْمُتْرَفِ، وَكَمَا فِي الْغِنَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَالِكِ النِّصَابِ وَالنِّصَابُ لَا يُغْنِيهِ عَلَى الْخُصُوصِ، وَبِالضِّدِّ فِي مَالِكِ غَيْرِ النِّصَابِ وَهُوَ بِهِ غَنِيٌّ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهَا لَوْ عَارَضَتْهَا؛ فَإِمَّا أَنْ يُعملا مَعًا، أَوْ يُهْمَلَا، أَوْ يُعْمَلَ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، أَعْنِي فِي مَحَلِّ الْمُعَارَضَةِ؛ فَإِعْمَالُهُمَا مَعًا بَاطِلٌ2، وَكَذَلِكَ إِهْمَالُهُمَا؛ لِأَنَّهُ إِعْمَالٌ3 لِلْمُعَارَضَةِ فِيمَا بَيْنَ الظَّنِّيِّ وَالْقَطْعِيِّ، وَإِعْمَالُ الْجُزْئِيِّ دُونَ الْكُلِّيِّ تَرْجِيحٌ لَهُ عَلَى الْكُلِّيِّ، وَهُوَ خِلَافُ الْقَاعِدَةِ؛ فَلَمْ يبقَ إِلَّا الْوَجْهُ الرَّابِعُ، وَهُوَ إِعْمَالُ الْكُلِّيِّ دُونَ الْجُزْئِيِّ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مُشْكِلٌ عَلَى بَابَيِ التَّخْصِيصِ وَالتَّقْيِيدِ؛ فَإِنَّ تَخْصِيصَ الْعُمُومِ وَتَقْيِيدَ الْمُطْلَقِ صَحِيحٌ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأُمُورِ الْمَظْنُونَةِ وَمَا ذَكَرْتَ جارٍ فِيهَا؛ فَيَلْزَمُ إِمَّا بُطلان مَا قَالُوهُ، وَإِمَّا بُطْلَانُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، لَكِنْ مَا قَالُوهُ صَحِيحٌ؛ فَلَزِمَ إِبْطَالُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ.
[فَالْجَوَابُ] 4 مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا5: أَنَّ مَا فُرِضَ فِي السُّؤَالِ لَيْسَ من مسألتنا بحال؛ فإن ما نحن
__________
1 فإن العلة للرخصة بالإفطار أو القصر المشقة، وليست متحققة في الملك الذي يستعمل وسائل الترف في سفره، وهكذا ما بعده في الغنى بالنسبة إلى تحديد النصاب فيمن لا يجعله النصاب غنيًّا، وعكسه. "د". وفي "ط": "المشقة السفرية".
2 لأنه يستلزم التكليف بالضدين معًا، وهو لا يجوز. "د".
3 لأن إهمال الدليلين أو التوقف فيهما فرع عن تعارضهما مع عدم الترجيح لأحدهما، والواقع خلافه؛ لأنه لا معارضة إلا عند التساوي. "د". وفي "ط": "إهمال".
4 سقط من "ط".
5 أين ثانيهما؟ "د".
(4/9)

فِيهِ مِنْ قَبِيلِ مَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ الْجُزْئِيُّ مُعَارِضًا وَفِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ بِمُعَارِضٍ؛ فَإِنَّ الْقَاعِدَةَ إِذَا كَانَتْ كُلِّيَّةً، ثُمَّ وَرَدَ فِي شَيْءٍ مَخْصُوصٍ وَقَضِيَّةٍ عَيْنِيَّةٍ مَا يَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ الْمُعَارَضَةَ فِي تِلْكَ الْقَضِيَّةِ الْمَخْصُوصَةِ وَحْدَهَا، مَعَ إِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهَا مُوَافِقًا لَا مُخَالِفًا فَلَا إِشْكَالَ فِي أَنْ لَا مُعَارَضَةَ1 هُنَا، وَهُوَ هُنَا مَحَلُّ التَّأْوِيلِ لِمَنْ تَأَوَّلَ، أَوْ مَحَلُّ عدم2 الاعتبار إن لاق بِالْمَوْضِعِ الِاطِّرَاحَ وَالْإِهْمَالَ كَمَا3 إِذَا ثَبَتَ لَنَا أَصْلُ التَّنْزِيهِ كُلِّيًّا عَامًّا ثُمَّ وَرَدَ مَوْضِعٌ ظاهره التشبيه في أمر
__________
1 أي: والعموم معتبر ويؤول الجزئي بما يليق به من المحامل التي تقبلها اللغة والأصول الدينية، وذلك حيث يكون الجزئي لا يليق به أن يطرح، بأن كان كتابًا أو سنة متواترة ولو معنى، وقوله: "أو محل عموم الاعتبار" لعل الأصل: "اعتبار العموم" هكذا بالتقديم والتأخير، أي: مع طرح الدليل الجزئي وعدم الاعتداد به إذا لم يكن كسابقه، بأن كان سنة دخلتها علة من العلل، كأن كانت مرسلة أو موقوفة أو مقطوعة أو كذب الأصل فيها الفرع، وكل من المحلين العموم فيه معتبر قطعًا لا رائحة للتخصيص فيه، إلا أن الأول لقوة الجزئي سندًا وعدم إمكان طرحه كان محل التأويل، والثاني لضعف سنده لا حاجة فيه إلى التأويل بدون ضرورة. "د".
2 كذا في "ط"، وفي غيره: "عموم".
3 تقدم لك تمثيل قضايا الأعيان بالمسح على العمامة* وليس في مسألة التنزيه قضايا أعيان ولا حكاية حال، إنما فيها أدلة شرعية جزئية ربما يدل ظاهرها على المعارضة، كحديث: "ينزل ربنا إلى سماء الدنيا ... إلخ "، وكما في آية: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِم} [الفتح: 10] ، وهكذا، وأصل الكلام في قضايا أصول الفقه أو قضايا الفقه نفسه؛ كمثالي الملك المترف والنصاب لا في أصول العقائد.
وبالجملة؛ فالمقام مشكل لأنا إذا جرينا على التقرير الماضي جميعه من أول المسألة إلى أول الجواب من أن الكلام في مسألة من أصول الفقه ورد عليه أن الأدلة لا سيما الرابع لا تظهر في كليات فروع الفقه، وأيضًا؛ فالجواب ضعيف لأنه ما الذي يعرف به أن في الجزئي ليس معارضًا في الحقيقة وإن فهم فيه المعارضة، فإما أن تئوله، وإما نسقطه، وأنه في هذه الحالة غير ما أريد بالمخصص ظاهره من غير تأويل ولا احتمال، وأيضًا؛ فلا معنى للتمثيل بمسألة التنزيه وعصمة الأنبياء، ولا يقال: إن هذا مجرد تشبيه وليس تمثيلًا لما نحن فيه؛ فهو تشبيه يقرب الغرض من الفرق بين ما يتوهم فيه التخصيص وليس بتخصيص وبين ما يكون المراد ظاهر المخصص لأنا نقول: البعد =
__________
* ليس الأمر كذلك؛ فقد ثبت فيه أحاديث، كما قدمناه.
(4/10)

خَاصٍّ يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِ خِلَافُ ظَاهِرِهِ، عَلَى مَا أَعْطَتْهُ قَاعِدَةُ التَّنْزِيهِ، فَمِثْلُ هَذَا لَا يُؤَثِّرُ فِي صِحَّةِ الْكُلِّيَّةِ الثَّابِتَةِ، وَكَمَا إِذَا ثَبَتَ لَنَا أَصْلُ عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الذُّنُوبِ، ثُمَّ جَاءَ قَوْلُهُ: "لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ" 1 وَنَحْوُ ذَلِكَ؛ فَهَذَا لَا يُؤَثِّرُ لِاحْتِمَالِ حَمْلِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَخْرِمُ2 ذَلِكَ الْأَصْلَ، وَأَمَّا تَخْصِيصُ الْعُمُومِ؛ فَشَيْءٌ آخَرُ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَعْمَلُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُخَصِّصِ ظَاهِرُهُ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ وَلَا احْتِمَالٍ؛ فحينئذ يعمل ويعتبر كما قاله الأصوليون، وليس ذلك مما نحن فيه.
__________
= شاسع بين المقامين؛ لأن التنزيه وعصمة الأنبياء من المقطوع في عمومه بالأدلة القطعية والنقلية، فكل ما ورد مخالفًا لذلك من جزئيات الأدلة يعلم أنه ليس بمخصص، فيجري فيه أحد الأمرين المذكورين: إما التأويل، أو الإهمال، ولا كذلك القضايا العامة في الفروع لأنها جميعها قابلة للتخصيص حتى بخبر الآحاد، فلا طريق لمعرفة ما يراد منه ظاهره ليكون مخصصًا وما لم يرد حتى تئوله أو نطرحه، وإن جرينا على أن هذه المسألة في قضايا العقائد -وهو الذي يناسب ما يذكره في الفعل بعده تفريعًا على هذه المسألة- خرجت عما نحن فيه، ولم يناسبها التقرير السابق في قوله: "مقتطعة مستثناة من ذلك الأصل"، وقوله: "ولذلك تبقى أحكام الكليات جارية ... إلخ"، وبالجملة؛ فلا بد أن أن يكون لسقوط الوجه الثاني أثر في التباس الجواب، وربما كان قوله: "كما إذا ثبت ... إلخ" مرتبطًا بما سقط من الوجه الثاني، والله أعلم، وقد يقال: إن المسألة الأولى يراد بها ما هو أعم من الأصوليين، فعليك بتتبع التقرير من أول المسألة والتمثيل والإشكال والجواب بناء على التعميم في الأصول المذكورة، فلعلك تصل إلى إزالة بعض ما أشرنا إليه من إشكالات المسألة. "د".
قلت: وانظر ما قدمناه "2/ 195، 257 و3/ 319، 323" من قواعد وكليات تخص تأويل الصفات؛ ففيه ما يثلج الصدر، ويريح الفؤاد.
1 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} ، 6/ 388/ رقم 3357، 3358 وكتاب النكاح، باب اتخاذ السراري، 9/ 126/ رقم 5084"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الفضائل، باب من فضائل إبراهيم الخليل -عليه السلام- 4/ 1840/ رقم 2371" عن أبي هريرة مرفوعًا.
2 في الأصل: "لا يخرج".
(4/11)

فَصْلٌ:
وَهَذَا الْمَوْضِعُ كَثِيرُ الْفَائِدَةِ1، عَظِيمُ النَّفْعِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُتَمَسِّكِ بِالْكُلِّيَّاتِ إِذَا عَارَضَتْهَا الْجُزْئِيَّاتُ [وَقَضَايَا الْأَعْيَانِ2] ، فَإِنَّهُ إِذَا تَمَسَّكَ بِالْكُلِّيِّ كَانَ لَهُ الْخِيَرَةُ فِي الْجُزْئِيِّ فِي حَمْلِهِ عَلَى وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ فَإِنْ تَمَسَّكَ بِالْجُزْئِيِّ لَمْ يُمْكِنْهُ مَعَ التَّمَسُّكِ الْخِيَرَةُ3 فِي الْكُلِّيِّ؛ فَثَبَتَ فِي حَقِّهِ الْمُعَارَضَةُ، وَرَمَتْ بِهِ أَيْدِي الْإِشْكَالَاتِ فِي مهاوٍ بَعِيدَةٍ، وَهَذَا هُوَ أَصْلُ الزَّيْغِ وَالضَّلَالِ فِي الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ اتِّبَاعٌ لِلْمُتَشَابِهَاتِ، وَتَشَكُّكٌ فِي الْقَوَاطِعِ الْمُحْكَمَاتِ، وَلَا تَوْفِيقَ إِلَّا بِاللَّهِ.
وَمِنْ فوائده سُهُولَةِ الْمُتَنَاوَلِ فِي انْقِطَاعِ الْخِصَامِ وَالتَّشْغِيبِ الْوَاقِعِ مِنَ الْمُخَالِفِينَ.
وَمِثَالُ هَذَا مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الْمَجَالِسِ، وَقَدْ وَرَدَ عَلَى "غَرْنَاطَةَ" بَعْضُ "طَلَبَةِ"4 الْعُدْوَةِ الْأَفْرِيقِيَّةِ؛ فَأَوْرَدَ عَلَى مَسْأَلَةِ الْعِصْمَةِ الْإِشْكَالَ الْمُورَدَ فِي قَتْلِ مُوسَى لِلْقِبْطِيِّ، وَأَنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ يَقْضِي بِوُقُوعِ الْمَعْصِيَةِ مِنْهُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- بِقَوْلِهِ: {هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} [الْقَصَصِ: 15] .
وَقَوْلِهِ: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} [القصص: 16] .
__________
1 الفوائد التي ذكرت في هذا الفصل إنما تبنى على الكليات المقطوع بها التي لا تقبل تخصيصًا ولا استثناء، ومعلوم أن ذلك في أصول العقائد لا في أصول الفقه. "د".
2 مثلوا لها بإذنه -صلى الله عليه وسلم- بلبس الحرير للحكة، وللحنابلة قولان في صحة التخصيص بتلك القضايا، ولكن التحقيق أن التخصيص إنما هو بالعلة المصرح بها التي لأجلها ورد الإذن، فإذا لم تكن مصرحة؛ فلا تخصيص. "د" وما بين المعقوفتين سقط من "ط".
3 لأن الكلي على ما تقدم غير محتمل، بل متحدد المعنى لا يقبل تأويلًا، فإذا اعتبر ظاهر الجزئي؛ فلا مناص من المعارضة. "د". وفي "ط": "به الخيرة".
4 ما بين المعقوفتين زيادة من الأصل و"ط".
(4/12)

فَأَخَذَ مَعَهُ فِي تَفْصِيلِ أَلْفَاظِ الْآيَةِ1 بِمُجَرَّدِهَا، وَمَا ذَكَرَ فِيهَا مِنَ التَّأْوِيلَاتِ بِإِخْرَاجِ2 الْآيَاتِ عَنْ ظَوَاهِرِهَا، وَهَذَا الْمَأْخَذُ لَا يَتَخَلَّصُ، وَرُبَّمَا وَقَعَ الِانْفِصَالُ عَلَى غَيْرِ وِفَاقٍ؛ فَكَانَ مِمَّا ذَاكَرْتُ بِهِ بَعْضَ الْأَصْحَابِ فِي ذَلِكَ: [أَنَّ] الْمَسْأَلَةَ سَهْلَةٌ فِي النَّظَرِ إِذَا رُوجِعَ بِهَا الْأَصْلُ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ -عَلَيْهِمُ السَّلَامُ- فَيُقَالُ لَهُ: الْأَنْبِيَاءُ مَعْصُومُونَ مِنَ الْكَبَائِرِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَعَنِ الصَّغَائِرِ بِاخْتِلَافٍ، وَقَدْ قَامَ الْبُرْهَانُ عَلَى ذَلِكَ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ؛ فَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْفِعْلُ مِنْ مُوسَى كَبِيرَةً، وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُمْ مَعْصُومُونَ أَيْضًا مِنَ الصَّغَائِرِ، [وَهُوَ صَحِيحٌ] 3؛ فَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْفِعْلُ مِنْهُ ذَنْبًا، فَلَمْ يَبْقَ4 إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِذَنْبٍ5، وَلَكَ فِي التَّأْوِيلِ السَّعَةُ6 بِكُلِّ مَا يَلِيقُ بِأَهْلِ النُّبُوَّةِ وَلَا يَنْبُو عَنْهُ ظَاهِرُ الْآيَاتِ فَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ، وَرَأَى ذَلِكَ7 مَأْخَذًا عِلْمِيًّا فِي الْمُنَاظَرَاتِ، وَكَثِيرًا مَا يَبْنِي عليه النظار، وهو حسن، والله أعلم.
__________
1 في "ط": "تفاصيل ألفاظ الأئمة ... ".
2 هكذا في الأصل و"ط"، وفي النسخ المطبوعة: "إخراج".
3 في الأصل: "الصحيح"، وسقط ما بين المعقوفتين من "ط".
4 في الأصل: "يتبين".
5 لجواز أن يكون عليه السلام قد رأى أن في الوكز دفع ظالم عن مظلوم؛ ففعله غير قاصد به القتل، وإنما وقع القتل مترتبًا عليه من غير قصد. "ف".
6 منه أنه -عليه السلام- بعد أن وقع منه ما وقع تأمل؛ فظهر له إمكان الدفع بغير الوكز، وأنه لم يتثبت في رأيه لما اعتراه من الغضب؛ فعلم أنه فعل خلاف الأولى بالنسبة إلى أمثاله، فقال ما قال على عادة المقربين في استفظاعهم، خلاف الأولى. "ف".
7 في الأصل و"ف" و"ط": "ورأى مثله".
(4/13)

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ:
وَلَمَّا كَانَ قَصْدُ الشَّارِعِ ضَبْطَ الْخَلْقِ إِلَى الْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ1 وَكَانَتِ الْعَوَائِدُ قَدْ جَرَتْ بِهَا سُنَّةُ اللَّهِ أَكْثَرِيَّةً لَا عَامَّةً، وَكَانَتِ الشَّرِيعَةُ مَوْضُوعَةً عَلَى مُقْتَضَى ذَلِكَ الْوَضْعِ؛ كَانَ مِنَ الْأَمْرِ الْمُلْتَفَتِ إِلَيْهِ إِجْرَاءُ الْقَوَاعِدِ عَلَى الْعُمُومِ الْعَادِيِّ، لَا الْعُمُومِ الْكُلِّيِّ التَّامِّ الَّذِي لَا يَخْتَلِفُ عَنْهُ جُزْئِيٌّ مَا.
أَمَّا كَوْنُ الشَّرِيعَةِ عَلَى ذَلِكَ الْوَضْعِ؛ فَظَاهِرٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ وَضْعَ التَّكَالِيفِ عَامٌّ؟ وَجَعَلَ عَلَى ذَلِكَ عَلَامَةَ الْبُلُوغِ، وَهُوَ مَظِنَّةٌ لِوُجُودِ الْعَقْلِ الَّذِي هُوَ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ لِأَنَّ الْعَقْلَ يَكُونُ عِنْدَهُ فِي الْغَالِبِ لَا عَلَى الْعُمُومِ؛ إِذْ لَا يَطَّرِدُ وَلَا يَنْعَكِسُ كُلِّيًّا عَلَى التَّمَامِ؛ لِوُجُودِ مَنْ يَتِمُّ عَقْلُهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَمَنْ يَنْقُصُ وَإِنْ كَانَ بَالِغًا، إِلَّا أَنَّ الْغَالِبَ الِاقْتِرَانُ.
وَكَذَلِكَ نَاطَ الشَّارِعُ الْفِطْرَ وَالْقَصْرَ بِالسَّفَرِ لِعِلَّةِ الْمَشَقَّةِ2، وَإِنْ كَانَتِ الْمَشَقَّةُ قَدْ تُوجَدُ بِدُونِهَا وَقَدْ تُفْقَدُ مَعَهَا3، وَمَعَ ذَلِكَ؛ فَلَمْ يَعْتَبِرِ الشَّارِعُ تِلْكَ النَّوَادِرَ، بَلْ أَجْرَى الْقَاعِدَةَ مَجْرَاهَا، وَمِثْلُهُ حَدُّ الْغِنَى بِالنِّصَابِ، وَتَوْجِيهُ الْأَحْكَامِ
__________
1 لأنه لا يتأتى ذلك من الجزئيات لاستحالة حصرها؛ فلا بد في التشريع العام من قواعد عامة. "د".
أما "ف"؛ فقال: "أي: برجوعهم إليها أو إلى بمعنى الباء".
قلت: انظر "مجموع فتاوى ابن تيمية" "4/ 133 و34/ 206-207"، و"البحر المحيط" "6/ 92" للزركشي.
2 جعل المشقة علة نظرًا إلى أنها المترتب عليها الترخيص في الأصل، ولكن لما كانت غير منضبطة لاختلافها بحسب الأشخاص والأحوال؛ نيط الترخيص بمظنتها، وهو السفر؛ فهو العلة، أي: الوصف الظاهر المنضبط، وهذا هو المشهور عند الأصوليين. "ف".
3 الأنسب تذكير الضمير لرجوعه إلى السفر. "ف".
(4/14)

بِالْبَيِّنَاتِ1، وَإِعْمَالُ2 أَخْبَارِ الْآحَادِ وَالْقِيَاسَاتِ الظَّنِّيَّةِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي قَدْ تَتَخَلَّفُ مُقْتَضَيَاتُهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَكِنَّهُ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَدَمِ التَّخَلُّفِ؛ فَاعْتُبِرَتْ هَذِهِ الْقَوَاعِدُ كُلِّيَّةً عَادِيَّةً لَا حَقِيقِيَّةً.
وَعَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ تَجِدُ سائر القواعد التكليفية.
وإذا ثبت3 ذلك ظهر أن لا بد مِنْ إِجْرَاءِ الْعُمُومَاتِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى مُقْتَضَى الْأَحْكَامِ الْعَادِيَّةِ، مِنْ حَيْثُ هِيَ مُنْضَبِطَةٌ بِالْمَظِنَّاتِ، إِلَّا إِذَا ظَهَرَ مَعَارِضٌ4؛ فَيُعْمَلُ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْحُكْمُ فِيهِ، كَمَا إِذَا عَلَّلْنَا الْقَصْرَ بِالْمَشَقَّةِ؛ فَلَا يَنْتَقِضُ بِالْمَلِكِ الْمُتْرَفِ وَلَا بِالصِّنَاعَةِ الشَّاقَّةِ، وَكَمَا لَوْ عَلَّلَ الرِّبَا فِي الطَّعَامِ بِالْكَيْلِ5؛
__________
1 أي: مع أن البينة قد تخطئ، وقد تكذب، ومع ذلك يجب ترتيب الحكم على الشهادة؛ فقد يكون الحكم في الواقع خطأ، لكنه نادر لا يعتد به؛ لأنه لا طريق غيره لإجراء العدالة بين الناس، حسبما جرت به العادة الإلهية فيهم. "د".
2 في الاستدلال بها على الأحكام الشرعية، مع أنها محتملة لما يجعلها غير صالحة للأخذ بها، وبناء الأحكام الشرعية العملية عليها، ومثله أو أشد منه يقال في القياسات، وكلها ظنية بين ضعيفة وقوية، كما هو معروف من أنه يتوجه على القياس نحو أربعة وعشرين اعتراضًا تجعل الأخذ به غير مقطوع بصحته في الواقع، ولكن الشرع مع ذلك اعتبره بناء على أنه يوصل إلى الصواب عادة. "د".
3 في "ط": "وإذ ثبت".
4 وذلك كما إذا ظهر كذب الشهود فيرد وينقض، وكما إذا ظهر نص في مقابلة القياس فيرجع للنص لفساد اعتبار القياس حينئذ؛ فقوله: "كما إذا ... إلخ" راجع لما قبل إلا. "د".
5 لا يخفى أن الكيل وصف طردي ليس فيه المناسبة التي يترتب عليها الحكم عند ذوي العقول السليمة، وقيل: العلة الوزن كما هو رأي أبي حنيفة، ورواية عند أحمد وعند مالك والشافعي أن العلة القوت، ورجحه ابن القيم، وأما الدراهم والدنانير؛ فمذهب أبي حنيفة أن العلة كونهما موزونين، وعند مالك والشافعي أن العلة الثمنية، وقال ابن القيم: إنه الصواب؛ لأن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي جعل ضابطًا لقيم الأموال، فيجب أن يكون مضبوطًا محدودًا لا يرتفع ولا ينخفض؛ إذ لو كانت ترتفع وتنخفض لكانت كالسلع؛ ففسد أن تكون أصلًا =
(4/15)

فَلَا يَنْتَقِضُ بِمَا لَا يَتَأَتَّى كَيْلُهُ1 لِقِلَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا؛ كَالتَّافِهِ مِنِ الْبُرِّ، وَكَذَلِكَ إِذَا عَلَّلْنَاهُ فِي النَّقْدَيْنِ بِالثَّمَنِيَّةِ لَا يَنْتَقِضُ بِمَا لَا يَكُونُ ثَمَنًا لِقِلَّتِهِ، أَوْ عَلَّلْنَاهُ فِي الطَّعَامِ بِالِاقْتِيَاتِ؛ فَلَا يَنْتَقِضُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ اقْتِيَاتٌ؛ كَالْحَبَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَكَذَلِكَ إِذَا اعْتَرَضَتْ عِلَّةُ الْقُوتِ بِمَا يُقْتَاتُ فِي النَّادِرِ؛ كَاللَّوْزِ، وَالْجَوْزِ، وَالْقِثَّاءِ، وَالْبُقُولِ، وَشِبْهِهَا، بَلِ الِاقْتِيَاتُ إِنَّمَا اعْتَبَرَ الشَّارِعُ مِنْهُ مَا كَانَ مُعْتَادًا مُقِيمًا لِلصُّلْبِ عَلَى الدَّوَامِ وَعَلَى الْعُمُومِ2، وَلَا يَلْزَمُ اعْتِبَارُهُ في جميع الأقطار3.
__________
= يرجع إليه في تقويم الأموال وحاجة الناس إلى أصل ترد إليه القيم حاجة ضرورية عامة، وذلك لا يكون إلا بما يستمر على حالة واحدة حتى ترتفع المنازعات وتنقطع الخصومات بالرجوع إليه، ولو أبيح دراهم بدراهم متخالفة في وصف ككون إحداهما صحيحة والأخرى مكسرة أو صغيرة وكبيرة وهكذا؛ لصارت الدراهم متجرًا وجر إلى ربا النسيئة فيها ولا بد, والأثمان لا تقصد لأعيانها، بل ليتوصل بها إلى السلع، فإذا صارت هي سلعًا تقصد لأعيانها فسدت مصالح الناس، وهذا أمر معقول يختص بالنقدين، لا يتعداه إلى كل موزون كما يقول أبو حنيفة، وبالجملة؛ فقد منع ربا الفضل في النقدين لأنه مفوت لمصلحة انضباط القيم ونقض لأساس التعامل؛ ولأنه ذريعة إلى ربا النسيئة، ومنع في الطعام سدًّا لهذه الذريعة في الأقوات التي تشتد حاجة الناس إليها ولتفاضل في النقدين والطعام حرام ووسيلة للحرام. "د".
قلت: انظر في علة الربا: "المغني" "4/ 125, مع الشرح الكبير"، و"إعلام الموقعين" "2/ 137"، و" الفروع" "5/ 148", و"المبسوط" "12/ 113"، و"عمدة القاري" "11/ 253"، و"المجموع" "9/ 445"، و"حاشية الخرشي" "3/ 412"، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" "29/ 473"، و"الربا والمعاملات المصرفية" "ص94 وما بعدها".
1 الكيل والثمنية والقوت ليست علة بمعنى الحكمة كالمشقة في السفر، وإنما هي الأوصاف المنضبطة التي نيط بها الحكم وجعلت علامة على وجود الحكمة، فإذن الذي يقال: إنه متى وجد الكيل أو الثمنية أو القوت حرم التفاضل، سواء أوجدت الحكمة وهي سد الذريعة وحفظ ما تشتد إليه حاجة الناس في الأقوات والأثمان، أم لم توجد، ولا يقال: وجد الكيل أم لم يوجد، كما لا يقال: وجد السفر أم لم يوجد؛ لأن الوصف الذي نيط به الحكم لا بد منه؛ فتأمل. "د".
2 بحيث لا تفسد البنية بالاقتصار عليه. "د".
3 كأنه يقول أيضًا: إنه لا يلزم أن تكون العادة عادة في جميع الأقطار، وهذا يرجع إلى تقييد أصل المسألة، وأن العموم العادي الذي يقول: إنه مبنى الأحكام الشرعية لا يلزم اتحاده في جميع الأقطار؛ إلا أن ذلك إن صح؛ ففي مثل الاقتيات والثمنية اللذين يختلفان في بعض الأقطار، بحيث يكون الثمن فيها غير الذهب والفضة، وبحيث يكون القوت فيها غير هذه الأصناف أو غير بعضها، أما العادة في جعل البلوغ مظنة للعقل الذي هو مناط التكليف والشهادات، وفي مسألة الخمر قليله وكثيره، وفي مسألة مجرد الإيلاج؛ فالعادة فيه مطردة لا فرق بين قطر وآخر. "د".
(4/16)

وَكَذَلِكَ نَقُولُ: إِنَّ الْحَدَّ عُلِّقَ فِي الْخَمْرِ عَلَى نَفْسِ التَّنَاوُلِ حِفْظًا عَلَى الْعَقْلِ، ثُمَّ إِنَّهُ أُجْرِيَ الْحَدُّ فِي الْقَلِيلِ الَّذِي لَا يُذْهِبُ الْعَقْلَ مَجْرَى الْكَثِيرِ اعْتِبَارًا بِالْعَادَةِ فِي تَنَاوُلِ1 الْكَثِيرِ، وَعُلِّقَ حَدُّ الزِّنَى عَلَى الْإِيلَاجِ وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ حِفْظَ الْأَنْسَابِ؛ فَيُحَدُّ مَنْ لَمْ يُنْزِلْ لِأَنَّ الْعَادَةَ الْغَالِبَةَ مَعَ الْإِيلَاجِ الْإِنْزَالُ، وَكَثِيرٌ مِنْ هَذَا.
فَلْيَكُنْ عَلَى بَالٍ مِنَ النَّظَرِ فِي الْمَسَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ أَنَّ الْقَوَاعِدَ العامة إنما تنزل على العموم العادي.
__________
1 يعني أن العادة أن من يتناول القليل يتناول الكثير؛ فتحريم القليل والحد فيه من مكملات ضروري حفظ العقل. "د".
(4/17)

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ:
لَا كَلَامَ فِي أَنَّ لِلْعُمُومِ صِيَغًا وَضْعِيَّةً، وَالنَّظَرُ فِي هَذَا مَخْصُوصٌ بِأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَإِنَّمَا يُنْظَرُ هُنَا فِي أَمْرٍ آخَرَ وَإِنْ كَانَ مِنْ مَطَالِبِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَيْضًا، ولكنه أكيد التقرير ههنا، وَذَلِكَ أَنَّ لِلْعُمُومِ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الصِّيَغُ بِحَسَبِ الْوَضْعِ نَظَرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
بِاعْتِبَارِ مَا تَدُلُّ عليه الصيغة في أهل وَضْعِهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ1، وَإِلَى هَذَا النَّظَرِ قَصْدُ2 الْأُصُولِيِّينَ فَلِذَلِكَ يَقَعُ التَّخْصِيصُ عِنْدَهُمْ بِالْعَقْلِ3 وَالْحِسِّ4 وسائر5 المخصصات المنفصلة.
__________
1 انظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "4/ 442/ 442-445".
2 ويتضح بما أثبته الآمدي في كتاب "الأحكام" "2/ 460" في قسم التخصيص بالمنفصل ومناقشته بالأوجه الثلاثة التي تقتضي أنه لا يصح التخصيص به، ثم تخلص بالجواب بأنه إذا نظر إلى أصل وضع الألفاظ من العموم صح التخصيص، وإذا نظر إلى عدم إرادة العموم من اللفظ، فإنه لا تخصيص، وأنه لا منافاة بين كون اللفظ دالا على المعنى لغة وبين كونه غير مراد من اللفظ. "د".
3 كما مثلوا له بقوله تعالى: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيل} [الزمر: 162] ، فالعقل دليل على تخصيص الخلق بغير ذلك وصفاته، وكذلك القدرة. "د".
قلت: انظر "المحصول" "3/ 73"، و"المستصفى" "2/ 100"، و"العدة" "2/ 547"، و"البرهان" "1/ 408"، و"التمهيد" "2/ 101"، و"المسودة" "ص118".
4 كما في قوله تعالى: {يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} [القصص: 57] ، وقوله: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} [الأحقاف: 25] ، {مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ} [الذاريات: 42] ؛ فالحس دليل على أنها لم تدمر الجبال والأنهار وغيرها مما أتت عليه؛ فإنه خلاف المشاهد. "د".
قلت: انظر: "المحصول" "3/ 75"، و"المستصفى" "2/ 99"، و"نهاية السول" "2/ 141"، و"شرح تنقيح الفصول" "ص215". 5 كتخصيص الكتاب والسنة بغير الاستثناء والشرط والوصف والغاية. "د".
قلت: انظر "المحصول" "3/ 71 وما بعدها"، و"روضة الناظر" "2/ 722 وما بعدها".
(4/18)

وَالثَّانِي:
بِحَسَبِ1 الْمَقَاصِدِ الِاسْتِعْمَالِيَّةِ الَّتِي تَقْضِي الْعَوَائِدُ بِالْقَصْدِ إِلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الْوَضْعِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ.
وَهَذَا الِاعْتِبَارُ اسْتِعْمَالِيٌّ، وَالْأَوَّلُ قِيَاسِيٌّ.
وَالْقَاعِدَةُ فِي الْأُصُولِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ الْأَصْلَ الِاسْتِعْمَالِيَّ إِذَا عَارَضَ الْأَصْلَ الْقِيَاسِيَّ كَانَ الْحُكْمُ لِلِاسْتِعْمَالِيِّ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ هُنَا أَنَّ الْعَرَبَ [قَدْ] تُطْلِقُ أَلْفَاظَ الْعُمُومِ بِحَسَبِ مَا قَصَدَتْ تَعْمِيمَهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْنَى الْكَلَامِ خَاصَّةً، دُونَ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ تِلْكَ الْأَلْفَاظُ بِحَسَبِ الْوَضْعِ الْإِفْرَادِيِّ؛ كَمَا أَنَّهَا [أَيْضًا] 2 تُطْلِقُهَا وَتَقْصِدُ بِهَا تَعْمِيمَ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ مُقْتَضَى الْحَالِ؛ فَإِنَّ الْمُتَكَلِّمَ قَدْ يَأْتِي بِلَفْظِ عُمُومٍ3 مِمَّا يَشْمَلُ بِحَسَبِ الْوَضْعِ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ نَفْسَهُ وَلَا يُرِيدُ4 أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي مُقْتَضَى الْعُمُومِ، وَكَذَلِكَ قَدْ يَقْصِدُ بِالْعُمُومِ صِنْفًا مِمَّا يَصْلُحُ اللَّفْظُ لَهُ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ، دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَصْنَافِ، كَمَا5 أَنَّهُ قَدْ يَقْصِدُ
__________
1 في "ط": "باعتبار".
2 سقط من "ط".
3 لما حصروا التخصيص بالمنفصل في العقل والحس والدليل السمعي؛ قال القرافي: "الحصر غير ثابت؛ فقد يقع التخصيص بالعوائد كقولك: رأيت الناس فما رأيت أكرم من زيد، فإن العادة تقضي أنك لم تر كل الناس"، ولا يخفى أن ما قاله القرافي إجمال ما بسطه المؤلف، ونقل بعض أمثلته ابن خروف، ولا يخفى أن التخصيص إن كان لدليل شرعي؛ لزم أن تكون العادة مشتهرة في عهد النبوة، أما العادات الطارئة؛ فإنها تخصص ما يجري بين أهل تلك العادة من المحاورات في التعبير. "د".
4 في "ط": "ولا يقصد".
5 هذا من باب التشبيه لا التمثيل لما نحن فيه؛ لأنه عكس الموضوع، لكنه يقرره ويوضحه. "د".
(4/19)

ذِكْرَ الْبَعْضِ فِي لَفْظِ1 الْعُمُومِ، وَمُرَادُهُ مِنْ ذِكْرِ الْبَعْضِ الْجَمِيعَ؛ كَمَا تَقُولُ: فُلَانٌ يَمْلِكُ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ2، وَالْمُرَادُ جَمِيعَ الْأَرْضِ، وَضُرِبَ زَيْدٌ الظَّهْرَ وَالْبَطْنَ، وَمِنْهُ {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْن} [الرَّحْمَنِ: 17] .
{وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} 3 [الزُّخْرُفِ: 84] .
فَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: مَنْ دَخَلَ دَارِي أَكْرَمْتُهُ؛ فَلَيْسَ الْمُتَكَلِّمُ بِمُرَادٍ، وَإِذَا قَالَ: أَكْرَمْتُ النَّاسَ، أَوْ قَاتَلْتُ الْكُفَّارَ، فَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مَنْ لَقِيَ مِنْهُمْ؛ فَاللَّفْظُ عَامٌّ فِيهِمْ خَاصَّةً، وَهُمُ الْمَقْصُودُونَ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ دُونَ مَنْ لَمْ يَخْطُرْ بِالْبَالِ.
قَالَ ابْنُ خَرُوفٍ4: "وَلَوْ حَلَفَ رَجُلٌ بِالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ لَيَضْرِبَنَّ جَمِيعَ مَنْ فِي الدَّارِ وَهُوَ مَعَهُمْ فِيهَا، فَضَرَبَهُمْ وَلَمْ يَضْرِبْ نَفْسَهُ؛ لَبَرَّ وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَلَوْ قَالَ: اتَّهَمَ الْأَمِيرُ كُلَّ مَنْ فِي الْمَدِينَةِ فَضَرَبَهُمْ؛ فَلَا يَدْخُلُ الْأَمِيرُ فِي التُّهَمَةِ وَالضَّرْبِ".
قَالَ: "فَكَذَلِكَ5 لَا يَدْخُلُ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِ الْبَارِي تَعَالَى تَحْتَ الْإِخْبَارِ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ تعالى: {خَلَقَ كُلَّ شَيْء} [الزُّمَرِ: 62] لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا تَقْصِدُ ذَلِكَ وَلَا تَنْوِيهِ، وَمِثْلُهُ: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الْبَقَرَةِ: 282] ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِنَفْسِهِ وَصِفَاتِهِ، وَلَكِنَّ الْإِخْبَارَ إِنَّمَا وَقَعَ عَنْ6 جَمِيعِ الْمُحْدَثَاتِ، وَعِلْمُهُ بِنَفْسِهِ وَصِفَاتِهِ شَيْءٌ آخَرُ".
قَالَ: "فَكُلُّ مَا وَقَعَ الْإِخْبَارُ بِهِ مِنْ نَحْوِ هَذَا، فلا تعرض فيه لدخوله تحت
__________
1 أي: في مكان لفظ العموم؛ فيكون اللفظ دالًّا على البعض، وهو يريد الجميع. "د".
2 وهذا من باب الكناية التي تفيد المطلوب بدليل؛ فهي أوقع في باب الإفادة لأن من ملك حدي الشيء فقد ملك جميعه إلى نهايته. "د".
3 فهو إله معبود فيهما وفيما يتبعهما أيضًا لا في خصوصهما. "د".
4 له شرح على كتاب سيبويه لم يطبع، ولعل النقل منه.
5 في "ط": "وكذلك".
6 في "ط": "على".
(4/20)

الْمُخْبَرِ عَنْهُ؛ فَلَا تَدْخُلُ صِفَاتُهُ تَعَالَى تَحْتَ الْخِطَابِ، وَهَذَا مَعْلُومٌ مِنْ وَضْعِ اللِّسَانِ".
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعُمُومَ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ بِالِاسْتِعْمَالِ، وَوُجُوهُ الِاسْتِعْمَالِ كَثِيرَةٌ، وَلَكِنَّ ضَابِطَهَا مُقْتَضَيَاتُ1 الْأَحْوَالِ الَّتِي هِيَ مِلَاكُ الْبَيَانِ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} [الْأَحْقَافِ: 25] لَمْ يُقْصَدْ بِهِ أَنَّهَا تدمر السموات وَالْأَرْضَ وَالْجِبَالَ، وَلَا الْمِيَاهَ وَلَا غَيْرَهَا مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهَا، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ مَرَّتْ عَلَيْهِ مِمَّا شَأْنُهَا أَنْ تُؤَثِّرَ فِيهِ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: {فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} [الْأَحْقَافِ: 25] .
وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ} [الذاريات: 42] .
ومن الدليل على هذ [أيضًا] أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِحَسَبِ اللِّسَانِ؛ فَلَا يُقَالُ: مِنْ دَخَلَ دَارِي أَكْرَمْتُهُ إِلَّا نَفْسِي، أَوْ أَكْرَمْتُ النَّاسَ إِلَّا نَفْسِي، وَلَا قَاتَلْتُ الْكُفَّارَ إِلَّا مَنْ لَمْ أَلْقَ مِنْهُمْ، وَلَا مَا كَانَ نَحْوَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ الْمُتَكَلِّمِ مِمَّنْ دَخَلَ الدَّارَ، أَوْ مِمَّنْ لَقِيتُ2 مِنَ الْكُفَّارِ، وَهُوَ الَّذِي يُتَوَهَّمُ3 دُخُولُهُ لَوْ لَمْ يُسْتَثْنَ، هَذَا كَلَامُ الْعَرَبِ فِي التَّعْمِيمِ؛ فَهُوَ إِذًا الْجَارِي في عمومات الشرع.
__________
1 وهل مقتضيات الأحوال سوى القرائن التي يدركها العقل والحس؟ كما في الأمثلة المذكورة ومثالي الكتاب الكريم اللذين ذكرهما بعد؛ إلا أن الكلام ابن خروف صريح في تأييد المؤلف في أنه لا يعد مثل هذا من باب التخصيص، لأن الخارج بالعقل والحس لم يدخل حتى يبحث عن إخراجه فيكون مخصصًا، وقد نسب ذلك إلى وضع اللسان واللغة. "د".
2 في "ط": "لقيت".
3 أي: ما يقع في الوهم دخوله، وذلك إنما يكون فيما يصح شمول اللفظ المخرج منه له حسب الاستعمال، أما طريقة الأصوليين؛ فمبنية على أن كل ما يدخل وضعًا يصح إخراج بعضه بالعقل وغيره؛ فيكون تخصيصًا. "د".
(4/21)

وَأَيْضًا، فَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ نَبَّهُوا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَأَنَّ مَا لَا يَخْطُرُ بِبَالِ الْمُتَكَلِّمِ عِنْدَ قَصْدِهِ التَّعْمِيمَ إِلَّا بِالْإِخْطَارِ لَا يُحْمَلُ لَفْظُهُ عَلَيْهِ، إِلَّا مَعَ الْجُمُودِ عَلَى مُجَرَّدِ1 اللَّفْظِ، وَأَمَّا الْمَعْنَى؛ فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا لِلْمُتَكَلِّمِ؛ كَقَوْلِهِ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ؛ فَقَدْ طَهُرَ" 2.
قَالَ الْغَزَالِيُّ3: "خُرُوجُ الْكَلْبِ عَنْ ذِهْنِ الْمُتَكَلِّمِ وَالْمُسْتَمِعِ عِنْدَ التَّعَرُّضِ لِلدِّبَاغِ لَيْسَ بِبَعِيدٍ، بَلْ هُوَ الْغَالِبُ الْوَاقِعُ، وَنَقِيضُهُ هُوَ الْغَرِيبُ الْمُسْتَبْعَدُ".
وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ أَيْضًا، وَهُوَ مُوَافِقٌ4 لِقَاعِدَةِ الْعَرَبِ، وَعَلَيْهِ يحمل كلام الشارع بلا بد.
__________
1 أي: باعتبار أصل الوضع، أما مع مراعاة المعنى والقرائن ومقتضى الحال، فما لا يخطر بالبال لا يصح أن يعد داخلًا، فلا يحتاج إلى إخراج؛ فلا تخصيص. "د".
2 أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الحيض، باب طهارة جلود الميتة بالدباغ، 1/ 277/ رقم 366" عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ: "إذا دبغ ... ".
وقد وهم بعضهم؛ فنسبه لمسلم بلفظ: "أيما إهاب ... "؛ كما تراه مبسوطًا في "نصب الراية" "1/ 116"، و"تحفة الأشراف" "5/ 53"، وقد خرجته بإسهاب في تعليقي على "الخلافيات" للإمام البيهقي "1/ 194-198"، فراجعه إن أردت الاستزادة.
3 يريد الغزالي أن استثناء الشافعي لجلد الكلب من الطهارة بالدباغ لا يحتاج إلى مخصص منفصل ولا متصل، وهو يؤيد الأصل الذي يعمل المؤلف لإثباته هنا. "د".
قلت: انظر "المستصفى" "2/ 60".
4 وقد يعد من ذلك مثل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ ... } إلى أن قال: {فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} [الممتحنة: 10] ، مع أن من شروط المعاهدة أن من جاء إلى المسلمين يرد إلى الكفار، وهو لفظ عام يشمل النساء بحسب أصل الوضع الإفرادي، ولا يقال: إن التخصيص ورد على النبي -صلى الله عليه وسلم- لأن التخصيص في معاهدة مثل هذا لا يكون إلا برضا الطرفين واطلاعهما، حتى إنهم لما لم يرضوا عن تخصيص أبي جندل؛ لم يقبله -صلى الله عليه وسلم- ولما قبل النساء المؤمنات لم يبد منهم اعتراض، وذلك دليل على أن خروج النساء عن ذهن المتعاقدين كافٍ، مع =
(4/22)

فَإِنْ قِيلَ: إِذَا ثَبَتَ أَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ يَنْطَلِقُ1 عَلَى جَمِيعِ مَا وُضِعَ لَهُ فِي الْأَصْلِ حَالَةَ الْإِفْرَادِ، فَإِذَا حَصَلَ التَّرْكِيبُ وَالِاسْتِعْمَالُ؛ فَإِمَّا أَنْ تَبْقَى دَلَالَتُهُ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ حَالَةَ الِانْفِرَادِ2، أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ3؛ فَهُوَ مُقْتَضَى وَضْعِ اللَّفْظِ، فَلَا إِشْكَالَ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي؛ فَهُوَ تَخْصِيصٌ لِلَّفْظِ الْعَامِّ، وكل تخصيص لا بد لَهُ مِنْ مُخَصِّصٍ عَقْلِيٍّ أَوْ نَقْلِيٍّ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَهُوَ مُرَادُ الْأُصُولِيِّينَ.
وَوَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْعَرَبَ4 حَمَلَتِ اللَّفْظَ عَلَى عُمُومِهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ، مَعَ أَنَّ مَعْنَى5 الْكَلَامِ يَقْتَضِي عَلَى مَا تَقَرَّرَ خِلَافَ مَا فَهِمُوا، وَإِذَا كَانَ فَهْمُهُمْ فِي سِيَاقِ الِاسْتِعْمَالِ مُعْتَبَرًا [فِي التَّعْمِيمِ] 6 حَتَّى يَأْتِيَ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِعْمَالَ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي دَلَالَةِ اللَّفْظِ حَالَةَ الْإِفْرَادِ عِنْدَهُمْ، بِحَيْثُ صَارَ كَوَضْعٍ ثانٍ، بَلْ هُوَ باقٍ عَلَى أَصْلِ وَضْعِهِ، ثُمَّ التَّخْصِيصُ آتٍ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ بدليل متصل أو منفصل.
__________
= أن الوضع الإفرادي يشملهن، وما هذا إلا من تعويلهم على مقتضى الحال وما يفهم بالقرائن، ولا ينافي ذلك أنه لما جاءت أم كلثوم بنت عقبة بن معيط إليه -صلى الله عليه وسلم- مهاجرة بعد عقد الهدنة خرج أخواها عمار والوليد إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ليردها؛ فلم يردها، ونزلت الآية في ذلك، لا ينافي هذا ما قلنا؛ لأنهم لم يعترضوا بدخولهما في عقد الهدنة بلفظ: "من جاء" الشاملة وضعًا للنساء، كما اعترضوا في أبي جندل والموضع يحتاج إلى شيء من الدقة، وبهذا يتخلص من بعض ما قيل في كتب التفسير في هذه الآية. "د".
1 كذا في جميع الأصول، ولعلها "ينطبق".
2 في "ط": "الإفراد".
3 كما في قوله: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم} ؛ فليس محل إشكال ولا نزاع. "د".
4 أخذ عنوان "العرب" ولم يقل الصحابة مثلًا؛ لما سيجيء في آية: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُون ... } إلخ، وليتأتى انفصاله وتميزه عن الاعتراض الآتي في الفصل في قوله: "فلقائل أن يقول: إن السلف الصالح ... إلخ". "د".
5 يأتي إيضاح هذه الجملة في قوله بعد: "إلى أشياء كثيرة سياقها يقتضي بحسب المقصد الشرعي ... إلخ". "د".
6 سقطت من "ط".
(4/23)

وَمِثَالُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} الْآيَةَ [الأنعام: 82] ؛ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ1؟ فَقَالَ, عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "إِنَّهُ لَيْسَ بِذَاكَ، أَلَا تَسْمَعُ إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} " [لُقْمَانَ: 13] 2، وَفِي رِوَايَةٍ3: "فَنَزَلَتْ: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} " [لُقْمَانَ: 13] .
وَمِثْلُ4 ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الْأَنْبِيَاءِ: 98] قَالَ بَعْضُ الْكُفَّارِ: فَقَدْ عُبِدَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَعُبِدَ الْمَسِيحُ، فَنَزَلَ: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى} 5 الْآيَةَ [الْأَنْبِيَاءِ: 101] .
إِلَى أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ سِيَاقُهَا يَقْتَضِي بِحَسَبِ الْمَقْصِدِ الشَّرْعِيِّ عُمُومًا أَخَصَّ مِنْ عُمُومِ اللَّفْظِ، وَقَدْ فَهِمُوا فِيهَا مُقْتَضَى اللَّفْظِ وَبَادَرَتْ أَفْهَامُهُمْ فِيهِ6، وَهُمُ الْعَرَبُ الَّذِينَ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِهِمْ، وَلَوْلَا أَنَّ الِاعْتِبَارَ عِنْدَهُمْ مَا وُضِعَ7 لَهُ اللَّفْظُ فِي الْأَصْلِ؛ لَمْ يَقَعْ مِنْهُمْ فَهْمُهُ.
فَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّا إِذَا اعْتَبَرْنَا الِاسْتِعْمَالَ الْعَرَبِيَّ؛ فَقَدْ تَبْقَى دَلَالَتُهُ الْأُولَى وَقَدْ لَا تَبْقَى، فَإِنْ بَقِيَتْ فَلَا تَخْصِيصَ، وَإِنْ لَمْ تَبْقَ دَلَالَتُهُ؛ فَقَدْ صَارَ لِلِاسْتِعْمَالِ اعْتِبَارٌ آخَرُ لَيْسَ لِلْأَصْلِ، وَكَأَنَّهُ وَضْعٌ ثَانٍ حَقِيقِيٌّ لا مجازي، وربما
__________
1 أي: فقد أبقوا اللفظ على عمومه الذي كان له في الإفراد، ولم يتغير معناه عند استعماله، حتى احتاجوا إلى المخصص وهو قوله: "ليس بذاك ... إلخ"، مع أن سياق الآية وما قبلها من الآيات في أهل الشرك. "د".
2 مضى تخريجه "3/ 402"، وهو في "الصحيحين" عن ابن مسعود, رضي الله عنه.
3 الرواية الأولى أقعد في الفهم، وأوضح في الغرض. "د".
4 في الأصل: "ومثال".
5 مضى تخريجه "3/ 362".
6 في "ط": "إليه".
7 لعله: "لما وضع". "ف".
(4/24)

أَطْلَقَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى مِثْلِ هَذَا لَفْظَ "الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ" إِذَا أَرَادُوا أَصْلَ الْوَضْعِ، وَلَفْظَ "الحقيقة العرفية"1 إذا أراد الْوَضْعَ الِاسْتِعْمَالِيَّ؟
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهِ مَا ثَبَتَ فِي أُصُولِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَنَّ لِلَّفْظِ2 الْعَرَبِيِّ أَصَالَتَيْنِ: أَصَالَةٌ قِيَاسِيَّةٌ، وَأَصَالَةٌ اسْتِعْمَالِيَّةٌ؛ فَلِلِاسْتِعْمَالِ هُنَا أَصَالَةٌ أُخْرَى غَيْرُ مَا لِلَّفْظِ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ، وَهِيَ الَّتِي وَقَعَ الْكَلَامُ فِيهَا، وَقَامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهَا فِي مَسْأَلَتِنَا؛ فَالْعَامُّ إِذًا فِي الِاسْتِعْمَالِ لَمْ يَدْخُلْهُ3 تَخْصِيصٌ بِحَالٍ.
وَعَنِ الثَّانِي أَنَّ الْفَهْمَ فِي عُمُومِ الِاسْتِعْمَالِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى فَهْمِ الْمَقَاصِدِ فِيهِ، وَلِلشَّرِيعَةِ بِهَذَا النَّظَرِ مَقْصِدَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْمَقْصِدُ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْعَرَبِيِّ الَّذِي أُنْزِلَ الْقُرْآنُ بِحَسَبِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ.
وَالثَّانِي4: الْمَقْصِدُ فِي الِاسْتِعْمَالِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي تَقَرَّرَ فِي سور القرآن
__________
1 الحقيقة العرفية عندهم كالحقيقة اللغوية في أنهما ينظر فيهما إلى اللفظ باعتبار الإفراد، كما قالوه في لفظ دابة، وأن استعماله في خصوص ذوات الأربع منظور فيه للفظ الإفرادي، يقع النظر عن معنى الكلام الذي تقضي العوائد بالقصد إليه ويفهم بمعونة سياق الكلام؛ فهناك فرق بين الحقيقة العرفية وبين الأصالة الاستعمالية التي يقررها في هذا المقام. "د".
2 في "ط": "من اللفظ".
3 أي: فهو وإن لم تبق دلالته الوضعية؛ إلا أنه دل على عموم آخر اقتضاه الاستعمال، ودلالته حقيقية أيضًا لا مجاز، وليس هذا تخصيصًا حتى يقال: "وكل تخصيص لا بد له من مخصص متصل أو منفصل" كما هو الاعتراض. "د".
4 أي: فهناك ثلاثة أوضاع: الوضع الإفرادي المعبر عنه بالأصالة القياسية، والوضع الاستعمالي المعبر عنه بالحقيقة العرفية، وهذا ما أثبته في الجواب الأول، والوضع الثالث الوضع الشرعي المسمى بالحقيقة الشرعية، والجواب عن الإشكال الأول يكفي فيه ملاحظة الوضع الثاني، أما الجواب عن الثاني؛ فلا بد فيه من ملاحظة وضع الحقيقة الشرعية والاستعمالات الواردة في الشريعة، حتى يتأتى تفاوت العرب في فهمها: بين من اتسع فهمه في إدراك الشريعة، وبين مبتدئ قد لا يعرف هذه الاستعمالات الشرعية؛ فيحصل له التوقف نظرًا لوقوفه عند الوضعين الأولين. "د".
قلت: انظر في هذه الأوضاع: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "12/ 113-115 و19/ 235-236"، و"الإيمان" "10-112" لابن تيمية، و"نزهة الخاطر العاطر" "2/ 10-11" لابن بدران، ط دار الكتب العلمية، و"أصول التشريع الإسلامي" "ص246" لعلي حسب الله، و"الحقيقة الشرعية" "ص13 وما بعدها" لعمر بازمول.
(4/25)

بِحَسَبِ تَقْرِيرِ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ نِسْبَةَ الْوَضْعِ الشَّرْعِيِّ إِلَى مُطْلَقِ الْوَضْعِ الِاسْتِعْمَالِيِّ الْعَرَبِيِّ كَنِسْبَةِ الْوَضْعِ فِي الصِّنَاعَاتِ الْخَاصَّةِ إِلَى الْوَضْعِ الْجُمْهُورِيِّ؛ كَمَا نَقُولُ فِي الصَّلَاةِ: إِنَّ أَصْلَهَا الدُّعَاءُ لُغَةً، ثُمَّ خُصَّتْ فِي الشَّرْعِ بِدُعَاءٍ مَخْصُوصٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، وَهِيَ فِيهِ حَقِيقَةٌ لَا مَجَازٌ؛ فَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي أَلْفَاظِ الْعُمُومِ بِحَسَبِ الِاسْتِعْمَالِ الشَّرْعِيِّ: إِنَّهَا إِنَّمَا تَعُمُّ [الذِّكْرَ] بِحَسَبِ مَقْصِدِ الشَّارِعِ فِيهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مِثْلُ الدَّلِيلِ عَلَى الْوَضْعِ الِاسْتِعْمَالِيِّ الْمُتَقَدِّمِ الذِّكْرِ، وَاسْتِقْرَاءُ مَقَاصِدِ الشَّارِعِ يُبَيِّنُ ذَلِكَ، مَعَ مَا يَنْضَافُ إِلَيْهِ فِي مَسْأَلَةِ إِثْبَاتِ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ.
فَأَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَالْعَرَبُ فِيهِ شَرَعٌ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ.
وَأَمَّا الثَّانِي؛ فَالتَّفَاوُتُ فِي إِدْرَاكِهِ حَاصِلٌ؛ إِذْ لَيْسَ الطَّارِئُ الْإِسْلَامِ مِنَ الْعَرَبِ فِي فَهْمِهِ كَالْقَدِيمِ الْعَهْدِ، وَلَا الْمُشْتَغِلُ بِتَفَهُّمِهِ وَتَحْصِيلِهِ كَمَنْ لَيْسَ فِي تِلْكَ الدَّرَجَةِ، وَلَا الْمُبْتَدِئُ فِيهِ كَالْمُنْتَهِي {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [الْمُجَادَلَةِ: 11] ؛ فَلَا مَانِعَ مِنْ تَوَقُّفِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ فِي بَعْضِ مَا يُشْكِلُ أَمْرُهُ، وَيَغْمُضُ وَجْهُ الْقَصْدِ الشَّرْعِيِّ فِيهِ؛ حَتَّى إِذَا تَبَحَّرَ فِي إِدْرَاكِ مَعَانِي الشَّرِيعَةِ نَظَرُهُ، وَاتَّسَعَ فِي مَيْدَانِهَا بَاعُهُ؛ زَالَ عَنْهُ مَا وَقَفَ مِنَ الْإِشْكَالِ1 وَاتَّضَحَ لَهُ الْقَصْدُ الشَّرْعِيُّ عَلَى الْكَمَالِ، فَإِذَا تَقَرَّرَ وَجْهُ الِاسْتِعْمَالِ؛ فَمَا ذُكِرَ مِمَّا تَوَقَّفَ فِيهِ بَعْضُهُمْ رَاجِعٌ إِلَى هَذَا الْقَبِيلِ، وَيُعَضِّدُهُ مَا فرضه الأصوليون من وضع
__________
1 في "ط": "الاتصال".
(4/26)

الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ؛ فَإِنَّ الْمَوْضِعَ يَسْتَمِدُّ مِنْهَا1، وَهَذَا الموضع2 وَإِنْ كَانَ قَدْ جِيءَ بِهِ مُضَمَّنًا فِي الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ؛ فَلَهُ مَقَاصِدُ تَخْتَصُّ بِهِ يَدُلُّ عَلَيْهَا الْمَسَاقُ الْحُكْمِيُّ أَيْضًا، وَهَذَا الْمَسَاقُ يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ الْعَارِفُونَ بِمَقَاصِدِ الشَّارِعِ، كَمَا أَنَّ الْأَوَّلَ يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ الْعَارِفُونَ بِمَقَاصِدِ الْعَرَبِ؛ فَكُلُّ مَا سَأَلُوا عَنْهُ فَمِنْ [هَذَا] 3 الْقَبِيلِ إِذَا تَدَبَّرْتَهُ.
فَصْلٌ:
وَيَتَبَيَّنُ لَكَ صِحَّةُ مَا تَقَرَّرَ فِي النَّظَرِ فِي الْأَمْثِلَةِ الْمُعْتَرَضِ بِهَا فِي السُّؤَالِ الْأَوَّلِ4.
فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} الْآيَةَ [الْأَنْعَامِ: 82] ؛ فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالظُّلْمِ أَنْوَاعُ الشِّرْكِ عَلَى الْخُصُوصِ، فَإِنَّ السُّورَةَ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا مُقَرِّرَةٌ لِقَوَاعِدِ التَّوْحِيدِ، وَهَادِمَةٌ لِقَوَاعِدِ الشِّرْكِ وَمَا يَلِيهِ، وَالَّذِي تَقَدَّمَ قَبْلَ الْآيَةِ قِصَّةُ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِي مُحَاجَّتِهِ لِقَوْمِهِ بِالْأَدِلَّةِ الَّتِي أَظْهَرَهَا لَهُمْ فِي الْكَوْكَبِ وَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ، وَكَانَ قَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} [الْأَنْعَامِ: 21] ، فبيَّن أَنَّهُ لَا أَحَدَ أَظْلَمُ مِمَّنِ ارْتَكَبَ هَاتَيْنِ الْخُلَّتَيْنِ5 وَظَهَرَ أَنَّهُمَا الْمَعْنِيَّ6 بِهِمَا فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ إِبْطَالًا بالحجة، وتقريرًا لمنزلتهما في المخالفة،
__________
1 لعل الصواب: "الثاني". "د".
2 في "ط": "الخصلتين".
3 أي: عنى بهما في هذه الصورة إبطالًا لهما بالأدلة، وتقريرًا لبعدهما عن الحق، وتوضيحًا لما هو الحق في الواقع الذي هو ضدهما، وقوله: "فكأنه السؤال ... إلخ" يقتضي أن الآية نزلت قبل ظهور العناية في الكتاب -أو على الأقل في سورة الأنعام- بإبطال هاتين الخلتين، ولكن هذا يتوقف على أن الآية المذكورة كان نزولها سابقًا على تلك الآيات، حتى توقفوا فيها ولم يدركوا مقصد الشرع منها؛ فسألوا، ولو كانت الآيات المقررة لهذه المعاني سابقة عليها لفهموا مقصد الشرع بالظلم ولم يتوقفوا، هذا كلامه، وهو توجيه إذا تم سبق الآية لغيرها كما أشرنا إليه. "د".
4 استمداد غير مباشر على ما سيتضح بعد، وإلا، فليس هذا من الحقيقة الشرعية كالصلاة مثلًا. "د".
5 هكذا في الأصل، وفي النسخ المطبوعة و"ط": "الوضع".
6 ما بين المعقوفتين من الأصل و"م" و"ط"، وسقط من "ف" و"د".
(4/27)

وَإِيضَاحًا لِلْحَقِّ الَّذِي هُوَ مُضَادٌّ لَهُمَا؛ فَكَأَنَّ السُّؤَالَ إِنَّمَا وَرَدَ قَبْلَ تَقْرِيرِ هَذَا الْمَعْنَى.
وَأَيْضًا، فَإِنَّ ذَلِكَ لَمَّا كَانَ تَقْرِيرًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ بِلَفْظٍ عَامٍّ؛ كَانَ مَظِنَّةً لِأَنْ يُفْهَمَ مِنْهُ الْعُمُومُ فِي كُلِّ ظُلْمٍ، دَقَّ أَوْ جَلَّ؛ فَلِأَجْلِ هَذَا سَأَلُوا وَكَانَ1 ذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ السُّورَةِ، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ تَقْرِيرِ جَمِيعِ كُلِّيَّاتِ2 الْأَحْكَامِ.
وَسَبَبُ احْتِمَالِ3 النَّظَرِ ابْتِدَاءً أَنَّ قَوْلَهُ: {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الْأَنْعَامِ: 82] نَفْيٌّ عَلَى نَكِرَةٍ، لَا قَرِينَةَ فِيهَا تَدُلُّ عَلَى اسْتِغْرَاقِ أَنْوَاعِ الظُّلْمِ، بَلْ هُوَ كَقَوْلِهِ: لَمْ يَأْتِنِي رَجُلٌ؛ فَيَحْتَمِلُ الْمَعَانِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا سِيبَوَيْهِ، وَهِيَ كُلُّهَا نَفْيٌ لِمُوجِبٍ مَذْكُورٍ أَوْ مُقَدَّرٍ، وَلَا نَصَّ فِي مِثْلِ هَذَا عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ فِي جَمِيعِ الْأَنْوَاعِ الْمُحْتَمِلَةِ؛ إِلَّا مَعَ الْإِتْيَانِ بِمَنْ وَمَا يُعْطِي مَعْنَاهَا، وَذَلِكَ مَفْقُودٌ هُنَا، بَلْ فِي السُّورَةِ4 مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ النَّفْيَ وَارِدٌ على ظلم معروف، وهو ظلم
__________
1 في "ط": "وكل".
2 أي: التي منها: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] . "د".
3 أي: فالآية باعتبار ذاتها وقطع النظر عن الآيات الآخرى السابقة واللاحقة نراها باعتبار الاستعمال مجملة، لا نص فيها على الاستغراق الوضعي ولا على غيره؛ فجاء الاحتمال المقتضي للسؤال. "د".
4 لا حاجة إليه في هذا المقام؛ لأنا في مقام سبب الإجمال كما قال بعد: "فصارت الآية من جهة إفرادها بالنظر ... إلخ".
(4/28)

الِافْتِرَاءِ عَلَى اللَّهِ وَالتَّكْذِيبِ بِآيَاتِهِ؛ فَصَارَتِ الْآيَةُ مِنْ جِهَةِ إِفْرَادِهَا1 بِالنَّظَرِ فِي هَذَا الْمَسَاقِ مَعَ كَوْنِهَا أَيْضًا فِي مَسَاقِ تَقْرِيرِ الْأَحْكَامِ مُجْمَلَةً2 فِي عُمُومِهَا فَوَقَعَ الْإِشْكَالُ فِيهَا، ثُمَّ بَيَّنَ لَهُمُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّ عُمُومَهَا إِنَّمَا الْقَصْدُ بِهِ نَوْعٌ أَوْ نَوْعَانِ مِنْ أَنْوَاعِ الظُّلْمِ، وَذَلِكَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ، وَلَيْسَ فِيهِ تَخْصِيصٌ3 عَلَى هَذَا بوجه.
__________
1 فإفرادها بالنظر وعدم الالتفات إلى سياقها وسباقها -أي: حتى على فرض أنها نزلت بعد الآيات التي تقرر فيها المعنى المشار إليه سابقًا- وكونها في مساق تقرير الأحكام الذي هو مظنة عموم الظلم لما جل وما دق، هذا وذاك جعل العموم محتملًا وجعل الآية مجملة، فاحتاجت إلى السؤال والجواب للبيان لا للتخصيص. "د".
قلت: وقال ابن القيم في "إعلام الموقعين" "1/ 434": "إن سياق اللفظ عند إعطائه حقه من التأمل يبين ذلك -أي: إن معنى الظلم في الآية هو الشرك- فإنه الله سبحانه لم يقل: ولم يظلموا أنفسهم، بل قال: {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْم} ، ولبس الشيء بالشيء تغطيته به، وإحاطته به من جميع جهاته، ولا يغطي الإيمان ويحيط به ويلبسه إلا الكفر".
وانظر حول تفسير الآية: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "7/ 79-82".
2 في "ط": "محتملة".
3 كأنه يقول: إن هذا النوع أو النوعين من الظلم هما اللذان اختصا بالعناية في هذه السورة إبطالًا لهما بالحجة ... إلخ ما سبق، فلما جاء ذكر الظلم في آية: {الَّذِينَ آمَنُوا....} إلخ [الأنعام: 82] جاء نازلًا من أول الأمر على معناه المذكور؛ فلا حاجة به إلى تخصيص، وهو في ذاته ظاهر إلا أنه لا يظهر فيه كونه وضعًا شرعيًّا، وعده من نوع الحقيقة الشرعية التي قال فيها: "إن نسبتها إلى مطلق الوضع الاستعمالي العربي كنسبة الوضع في الصناعات الخاصة إلى الوضع الجمهوري"، فإنما يظهر ذلك بالنسبة لمثل لفظ صلاة وصوم وحج وزكاة، أما الظلم، فلم يوضع في الشرع وضعًا خاصًّا، بل لا يزال بالمعنى الذي يقتضيه الوضع الأصلي والوضع الاستعمالي العربي بحسب المقام والقرائن، نعم، الاستعمال الشرعي في هذه الآية فهم من الآيات السابقة، ومن عناية الكتاب في هذه السورة بهذا النوع من الظلم، فكان قرينة على المراد منه؛ فلا حاجة به إلى تخصيص آخر منفصل أو متصل، وما وجد من السؤال والجواب إزاحة لإجمال فقط، والحاصل أن قوله سابقًا: "والثاني المقصد في الاستعمال الشرعي الوارد في القرآن بحسب تقرير الشريعة" =
(4/29)

وأما قول: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ} الْآيَةَ [الْأَنْبِيَاءِ: 98] ؛ فَقَدْ أَجَابَ النَّاسُ عَنِ اعْتِرَاضِ ابْنِ الزِّبَعْرَى فِيهَا بِجَهْلِهِ بِمَوْقِعِهَا، وَمَا رُوِيَ فِي الْمَوْضِعِ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لَهُ: "مَا أَجْهَلَكَ بِلُغَةِ قَوْمِكَ يَا غُلَامُ"1؛ لِأَنَّهُ جَاءَ في الآية:
__________
= واضح في ذاته، وعليه يتمشى هذا الكلام، ولكن قوله: "وَذَلِكَ أَنَّ نِسْبَةَ الْوَضْعِ الشَّرْعِيِّ إِلَى مُطْلَقِ الوضع ... إلخ"، وكذا قوله: "مع ما ينضاف إلى ذلك في مسألة إثبات الحقيقة الشرعية"، وقوله بعد ذلك: "والموضع يستمد منها"، أي: من وضع الحقيقة الشرعية كل هذا لا يرتبط بالجواب عن آية {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا} [الأنعام: 82] ، ولا الآية الثانية، فإن الكلام فيهما إنما يرتبط بالمقصد الشرعي في الاستعمال، وهذا يستعان على فهمه بالآيات وبما يتقرر من الأحكام العامة في الشريعة، ولا دخل لهذا في مسألة الوضع الشرعي الذي ينقل معنى الكلمة إلى معنى أخص، بحيث لا تطلق في استعمال الشرع حقيقة إلا بهذا المعنى الخاص، اللهم إلا أن يكون مراده بذكر الوضع الشرعي وما أطال به فيه, مجرد التقريب والتشبيه فقط، وليس مراده أن الظلم انتقل في الوضع الشرعي إلى هذا النوع منه, وإن كان على كل حال ليس لذكره كبير فائدة. "د".
1 قال ابن حجر في "الكافي الشافي" "ص111-112": "اشتهر في ألسنة كثير من علماء العجم وفي كتبهم, أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في هذه القصة لابن الزبعرى: "ما أجهلك بلغة قومك، فإني قلت: وما تعبدون، وهي لما لا يعقل، ولم أقل: ومن تعبدون"، وهو شيء لا أصل له، ولا يوجد لا مسندًا ولا غير مسند".
وقال في "موافقة الخبر الخبر" "2/ 175": "وهذا لا أصل له من طريق ثابتة ولا واهية"، ثم ذكر منشأ وهم من ذكر هذا الحديث.
وفي "تفسير الآلوسي" "17/ 86" نقلًا عنه زيادة على المذكور: "والوضع عليه ظاهر، والعجب ممن نقله من المحدثين".
وحكم قبله ابن العربي في "الناسخ والمنسوخ" "2/ 303" مثل هذا الحكم؛ فقال: "هذا خبر موضوع لا أصل له في السقيم؛ فكيف في الصحيح؟ ولا في الضعيف فضلًا عن القوي، ويدفعه القرآن؛ فإنه لو كان كما وضع هذا الملحد لما افتقرنا إلى الجواب بالآيات الثلاث، ولكان فيما وبخهم به كفاية، وأيضًا فإنه كان يجب أن يقال: "إن من سبقت لهم منا الحسنى"، فتكون الآية مطابقة للحديث، ولكنه جاء بكلمة "الذين" التي هي معنى كلمة "ما"؛ فيكون معنى الآية الأولى: إنكم والذين تعبدون من دون الله، وتكون الآية الثانية تخصيصًا صحيحًا باللفظ للفظ، وبالمعنى للمعنى، ونحن لا نحتاج إلى هذا كله، ونعوذ بالله من التكلف للحق؛ فكيف بالتكلف للباطل؟! ". وانظر: "المعتبر" "ص187" للزركشي، و" تفسير ابن كثير" "3/ 199".
(4/30)

{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ} [الْأَنْبِيَاءِ: 98] [فِي الْأَصْنَامِ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ] 1، "وَمَا" لِمَا لَا يَعْقِلُ؛ فَكَيْفَ تَشْمَلُ الْمَلَائِكَةَ وَالْمَسِيحَ؟!
وَالَّذِي2 يَجْرِي عَلَى أَصْلِ مَسْأَلَتِنَا أَنَّ الْخِطَابَ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لِكُفَّارِ قُرَيْشٍ، وَلَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ وَلَا الْمَسِيحَ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ؛ فَقَوْلُهُ: {وَمَا تَعْبُدُونَ} [الْأَنْبِيَاءِ: 98] عَامٌّ فِي الْأَصْنَامِ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْعُمُومِ الِاسْتِعْمَالِيِّ غَيْرُ ذَلِكَ؛ فَكَانَ اعْتِرَاضُ الْمُعْتَرِضِ جَهْلًا مِنْهُ بِالْمَسَاقِ، وَغَفْلَةً عَمَّا قُصِدَ فِي الْآيَاتِ.
وَمَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ: "مَا أَجْهَلَكَ بِلُغَةِ قَوْمِكَ يَا غُلَامُ"3 دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ تَمَكُّنِهِ فِي فَهْمِ الْمَقَاصِدِ4 الْعَرَبِيَّةِ وَإِنْ كَانَ مِنَ الْعَرَبِ؛ لِحَدَاثَتِهِ وَغَلَبَةِ الْهَوَى عَلَيْهِ فِي الِاعْتِرَاضِ أَنْ يَتَأَمَّلَ مَسَاقَ الْكَلَامِ حَتَّى يَهْتَدِيَ5 لِلْمَعْنَى الْمُرَادِ، وَنَزَلَ6 قَوْلُهُ: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى} [الْأَنْبِيَاءِ: 101] بَيَانًا7
__________
1 ما بين المعقوفتين زيادة من الأصل، وسقط من النسخ المطبوعة و"ط".
2 خلاصة الجواب على طريقة غير المؤلف أن لفظ "ما" لا يشمل عيسى ولا الملائكة بقطع النظر عن مساق الآية، وعلى طريقة المؤلف -من اعتبار المساق وكونها في كفار قريش- يكون الجواب بالنظر إلى الواقع وهو أن قريشًا لم تعبد عيسى ولا الملائكة؛ فلا يتصور دخولهما ولو كان لفظ "ما" صالحًا للشمول، وقد وجه المؤلف الأثر على كلتا الطريقتين، والواقع أنه صالح للتنزيل عليهما. "د".
3 انظر الحاشية في الصفحة السابقة.
4 أي: التي لا بد من الاسترشاد فيها بما يساق الكلام له. "د".
5 هكذا في الأصل، وفي غيره: "يتهدى".
6 مضى تخريجه "3/ 362".
7 أي: لزيادة بيان جهل المعترض؛ كما في "شرح المنهاج". "د".
(4/31)

لِجَهْلِهِ.
وَمِثْلُهُ مَا فِي "الصَّحِيحِ"1 أَنَّ مَرْوَانَ قَالَ لِبَوَّابِهِ2: "اذْهَبْ يَا رَافِعُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقُلْ لَهُ: لَئِنْ كَانَ كُلُّ امْرِئٍ فَرِحَ بِمَا أُوتِيَ، وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ3 مُعَذَّبًا؛ لَنُعَذَّبَنَّ أَجْمَعُونَ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا لَكُمْ وَلِهَذِهِ الْآيَةِ؟ إِنَّمَا دَعَا النَّبِيُّ4 -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَهُودَ فَسَأَلَهُمْ عَنْ شَيْءٍ، فَكَتَمُوهُ إِيَّاهُ وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ؛ فَأَرَوْهُ أَنْ قَدِ اسْتَحْمَدُوا إِلَيْهِ5 بِمَا أَخْبَرُوهُ عَنْهُ فِيمَا سَأَلَهُمْ وَفَرِحُوا بِمَا أُوتُوا6 مِنْ كِتْمَانِهِمْ. ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [آلِ عِمْرَانَ: 187] كَذَلِكَ حَتَّى قَوْلِهِ: {يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا} [آلِ عِمْرَانَ: 188] "؛ فَهَذَا7 من ذلك المعنى أيضًا.
__________
1 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب التفسير، باب {لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا} ، 8/ 233/ رقم 4568".
2 فاهمًا أن الموصول في قوله تعالى: {لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ} الآية على عمومه شامل لكل من يؤتى شيئًا أو يأتي شيئًا، كما قيل: فيفرح به فرح إعجاب، ويود أن يحمده الناس بما هو عار عنه من الفضائل. "ف".
3 في "الصحيح": "يعمل".
4أي: إن الآية نزلت في شأن خاص بأهل الكتاب بدليل قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} ؛ فليس الموصول على عمومه شاملًا لما ذكر."ف".
5 في "ط": "عليه".
6 في "الصحيح": "أتوا".
7 فمروان أفرد الآية عما قبلها، فظن العموم؛ فبين له الحبر في جوابه ما يتنزل عليه هذا العموم، بمساعدة سياق الآية والقصة التي نزلت فيها، ومن أدب المؤلف مع مروان قوله: "فهذا من ذلك المعنى"، ولم يقل لعدم تمكن مروان من فهم مقاصد الشريعة، وقوله: "فجوابهم"؛ أي: الأجوبة التي سبقت عن توقفهم في الآيات الثلاث. "د".
قلت: وانظر "البرهان في علوم القرآن" "1/ 27-28". قال "ف": ""أوتوا" قرئ بضم الهمزة؛ أي: أو أعطوا، وبفتحها مقصورة وممدودة".
(4/32)

وَبِالْجُمْلَةِ، فَجَوَابُهُمْ بَيَانٌ لِعُمُومَاتِ تِلْكَ النُّصُوصِ كَيْفَ وَقَعَتْ فِي الشَّرِيعَةِ، وَإِنَّ ثَمَّ قَصَدًا آخَرَ سوى القصد العربي1 لا بد مِنْ تَحْصِيلِهِ، وَبِهِ يَحْصُلُ فَهْمُهَا، وَعَلَى طَرِيقِهِ يَجْرِي سَائِرُ الْعُمُومَاتِ، وَإِذْ ذَاكَ لَا يَكُونُ ثَمَّ تَخْصِيصٌ بِمُنْفَصِلٍ2 أَلْبَتَّةَ، وَاطَّرَدَتِ الْعُمُومَاتُ قَوَاعِدَ صَادِقَةَ الْعُمُومِ، وَلِنُورِدْ هُنَا فَصْلًا هُوَ مَظِنَّةٌ لِوُرُودِ الْإِشْكَالِ3 عَلَى مَا تَقَرَّرَ، وَبِالْجَوَابِ عَنْهُ يتضح المطلوب اتضاحًا أكمل.
__________
1 أي: العربي البحت الذي لم يستند إلى تعرف مقاصد الشرع، والوقوف على مقتضى الحال من مثل سبب النزول، والرجوع إلى كليات الشريعة لفقه جزئياتها من الأدلة بمقارنتها للكليات، وهكذا سائر القرائن التي تعين على فهم المقصود من الألفاظ، وتكشف عن المراد منها وما استعملت فيه في الآية؛ فتكون تلك القرائن كبيان للمجمل، لا تخصيص وإخراج لبعض ما أريد من اللفظ. "د".
2 وسيأتي أنه لا تخصيص بالمتصل أيضًا. "د".
3 الإشكال في هذا الفصل وارد على الجواب عن الإشكال السابق القائل: إن العرب حملت الألفاظ على عمومها الإفرادي، مع أن سياق الاستعمال يقتضي خلاف ما فهموا؛ فقد أجاب عنه بأن فهم عموم الاستعمال متوقف على فهم المقاصد فيه، وأن فهم المقصد الشرعي مما يتفاوت الأمر فيه بين الطارئ الإسلام والقديم العهد، والمشتغل بتفهمه وتحصيله ومن ليس كذلك، فمن تبحر أدرك الاستعمال الشرعي ومقصد الشارع على الكمال فتوقف الصحابة في مثل آية: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82] إنما هو هو راجع إلى ذلك، لأن الآية في الأنعام وهي من أول ما أنزل، ولم تكن كليات الشريعة قد تم تقريرها؛ فهذا هو عذرهم في التوقف، ويريد بهذا الفصل أن يورد على هذا الجواب أنه غير حاسم للإشكال؛ لأن السلف الصالح المتبحرين في فهم مقاصد الشريعة كعمر بن الخطاب، ومعاوية، وعكرمة، وابن عباس، وغيرهم من الأئمة المجتهدين، أخذوا بعموم الألفاظ، وإن كان سياق الاستعمال ومقتضيات الأحوال تعارض هذا العموم، وما ذاك إلا لأن المعتبر عندهم هو العموم الإفرادي؛ فتكون هذه الأمثلة المذكورة في هذا الفصل وغيره مما خص بالمنفصل، لا أنها مما وضع في الاستعمال الشرعي على العموم، وأن عمومها باق لم يمسه تخصيص كما تقول، وبهذا يتبين الفرق بين الإشكال والجواب هنا وبين ما تقدم، وأن قوله: "والجواب عنه" معطوف على لفظ: "ما"؛ فالإشكال الآتي وارد على ما قرره في رأس المسألة ووارد على الجواب عنه بما تقدم كما عرفت، قوله: "يتضح" واقع في جواب الأمر، ولا مانع أن يكون سقط الباء من قوله: "والجواب" كما قاله بعضهم، وإن جعله هو الصواب. "د".
قلت: يريد بقوله: "بعضهم": "ف"؛ فإن العبارة هذه: "والجواب عنه" وقال: "صوابه: "وبالجواب عنه"".
(4/33)

فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ مَعَ مَعْرِفَتِهِمْ بِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ وَكَوْنِهِمْ عَرَبًا قَدْ أَخَذُوا بِعُمُومِ اللَّفْظِ وَإِنْ كَانَ سِيَاقُ الِاسْتِعْمَالِ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ عِنْدَهُمْ فِي اللَّفْظِ1 عُمُومُهُ بِحَسَبِ اللَّفْظِ الْإِفْرَادِيِّ وَإِنْ عَارَضَهُ السِّيَاقُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ عِنْدَهُمْ صَارَ مَا يُبَيِّنُ لَهُمْ خُصُوصَهُ كَالْأَمْثِلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِمَّا2 خُصَّ بِالْمُنْفَصِلِ، لَا مِمَّا وُضِعَ فِي الِاسْتِعْمَالِ عَلَى الْعُمُومِ الْمُدَّعَى.
وَلِهَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ كَلَامِهِمْ أَمْثِلَةٌ، مِنْهَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَتَّخِذُ الْخَشِنَ مِنَ الطَّعَامِ، كَمَا كَانَ يَلْبَسُ الْمُرَقَّعَ فِي خِلَافَتِهِ؛ فَقِيلَ لَهُ: لَوِ اتَّخَذْتَ طَعَامًا أَلْيَنَ مِنْ هَذَا. فَقَالَ: أَخْشَى أَنْ تُعَجَّلَ طَيِّبَاتِي، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا} 3 [الْأَحْقَافِ: 20] الْحَدِيثَ.
وَجَاءَ أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ وَقَدْ رَأَى بَعْضَهُمْ قَدْ تَوَسَّعَ فِي الْإِنْفَاقِ شَيْئًا: "أَيْنَ تَذْهَبُ بِكُمْ هَذِهِ الْآيَةُ: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا} 4 الآية
__________
1 في "ط": "الوضع".
2 في "ط": "كما".
3 أخرجه ابن شبة في "تاريخ المدينة" "2/ 695-696"، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" "3/ 279"، وابن المبارك في "الزهد" "204"، والبلاذري في "أنساب الأشراف" "ص187, أخبار أبي بكر وعمر"، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" "ص253-254, ترجمة عمر" من وجوه عن عمر، وفي بعضها انقطاع.
وانظر: "مسند الفاروق" "2/ 505-506" لابن كثير، و"كنز العمال" "12/ رقم 35955".
4 أخرجه ابن شبة في "تاريخ المدينة" "2/ 696-697"، وابن عساكر في تاريخ دمشق" "ص255, ترجمة عمر".
(4/34)

[الْأَحْقَافِ: 20] "، وَسِيَاقُ الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنَّهَا إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي الْكُفَّارِ الَّذِينَ رَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ} ، ثُمَّ قَالَ: {فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ} [الْأَحْقَافِ: 20] ؛ فَالْآيَةُ غَيْرُ لَائِقَةٍ بِحَالَةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَعَ ذَلِكَ؛ فَقَدْ أَخَذَهَا عُمَرُ مُسْتَنِدًا فِي تَرْكِ الْإِسْرَافِ مُطْلَقًا، وَلَهُ أَصْلٌ فِي "الصَّحِيحِ" فِي حَدِيثِ الْمَرْأَتَيْنِ الْمُتَظَاهِرَتَيْنِ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَيْثُ قَالَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى أُمَّتِكَ؛ فَقَدْ وَسَّعَ عَلَى فَارِسَ وَالرُّومِ وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَهُ. فَاسْتَوَى جَالِسًا؛ فَقَالَ: "أوفي شك [أنت] يابن الْخَطَّابِ؟! أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا" 1.
فَهَذَا يُشِيرُ إِلَى مَأْخَذِ عُمَرَ فِي الْآيَةِ وَإِنْ دَلَّ السِّيَاقُ عَلَى خِلَافِهِ.
وَفِي حَدِيثِ الثَّلَاثَةِ2 الَّذِينَ هُمْ أَوَّلُ مَنْ تُسَعَّرُ بِهِمُ النار يوم القيامة أن
__________
1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب المظالم، باب الغرفة والعلية المشرفة وغير المشرفة في السطوح وغيرها، 5/ 114-116/ رقم 2468، وكتاب النكاح، باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها، 9/ 278-279/ رقم 5191", ومسلم في "صحيحه" "كتاب الطلاق، باب في الإيلاء واعتزال النساء وتخييرهن، 2/ 1111-1113/ رقم 1479 بعد 34" عن ابن عباس, رضي الله عنهما.
وما بين المعقوفتين زيادة من "ف" و"ط".
2 يشير المصنف إلى ما أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الإمارة، باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار، 3/ 1513-1514/ رقم 1905"، والترمذي في "جامعه" "أبواب الزهد، باب ما جاء في الرياء والسمعة، 4/ 591-593/ رقم 2382"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الجهاد، باب من قاتل ليقال: فلان جريء، 6/ 23 و24" عن أبي هريرة مرفوعًا: "إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال جريء؛ فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال علام، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ؛ فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيه لك. قال: كذبت, ولكنك فعلت ليقال: هو جواد؛ فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه، ثم ألقي في النار". لفظ مسلم.
وتفرد الترمذي بذكر مقولة معاوية عقبه.
(4/35)

مُعَاوِيَةَ قَالَ: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا} [هُودٍ: 15] إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ.
فَجَعَلَ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ وَهُوَ فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ دَاخِلًا تَحْتَ عُمُومِ الْآيَةِ، وَهِيَ فِي الْكُفَّارِ؛ لِقَوْلِهِ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ} [هُودٍ: 16] إِلَخْ، فَدَلَّ عَلَى الْأَخْذِ بِعُمُومِ "مَنْ" فِي غَيْرِ الْكُفَّارِ أَيْضًا.
وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ قَالَ: "قُطِعَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْثٌ؛ فَاكْتُتِبْتُ، فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَأَخْبَرْتُهُ؛ فَنَهَانِي عَنْ ذَلِكَ أَشَدَّ النَّهْيِ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ، يُكَثِّرُونَ سواد المشركين عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم- يَأْتِي السَّهْمُ يُرْمَى بِهِ فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ؛ أَوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ, عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} الْآيَةَ [النِّسَاءِ: 97] "1.
فَهَذَا أَيْضًا مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِيمَنْ كَثَّرَ سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ إِنَّ عِكْرِمَةَ أَخَذَهَا عَلَى وَجْهٍ أَعَمَّ2 مِنْ ذَلِكَ.
وَفِي التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمَّا نزلت:
__________
1 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب التفسير، باب {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَة ... } ، 8/ 262/ رقم 4596".
2 فجعلها شاملة لمن يعين على حرب ظالمة بين المسلمين. "د".
(4/36)

{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ} الآية [البقرة: 284] ، دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهُ شَيْءٌ [لَمْ يَدْخُلْ مِنْ1 شَيْءٍ] ، فَقَالُوا لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: "قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا". فَأَلْقَى اللَّهُ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ} الْآيَةَ، {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [الْبَقَرَةِ: 286] . قَالَ: "قَدْ فَعَلْتُ". {رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} [الْبَقَرَةِ: 286] . قَالَ: "قَدْ فَعَلْتُ" الْحَدِيثَ2 إِلَخْ، فَهِمُوا مِنَ الْآيَةِ الْعُمُومَ، وَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَنَزَلَ بَعْدَهَا: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [الْبَقَرَةِ: 286] عَلَى وَجْهِ النَّسَخِ أَوْ غَيْرِهِ مَعَ قَوْلِهِ3 تَعَالَى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] ، وهي
__________
1 الرواية لمسلم، وأصلها: "دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء"، وفي "تفسير ابن جرير": "لم يدخلها"، وهذه الجملة صفة لشيء، أي: دخل قلوبهم من الآية الكريمة شيء من الفزع والخوف لم يدخلها من أجل شيء آخر من الآيات. "د".
قلت: وفي "م": "مثله شيء"، وما بين المعقوفتين سقط من "ط".
2 أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب بيان أنه سبحانه وتعالى لم يكلف إلا ما يطاق، 1/ 116/ رقم 126"، والترمذي في "الجامع" "أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة البقرة، 5/ 221-222/ رقم 2992"، والنسائي في "الكبرى" "كتاب التفسير، 1/ 293-294/ رقم 79"، وأحمد في "المسند" "1/ 233"، والحاكم في "المستدرك" "2/ 286"، وابن حبان في "الصحيح" "11/ 458/ رقم 5069"، وابن جرير في "التفسير" "3/ 95"، والبيهقي في "الأسماء والصفات" "210-211"، والواحدي في "أسباب النزول" "ص67-68"، وابن الجوزي في "نواسخ القرآن" "ص228".
واقتصار المصنف في العزو على النسائي والترمذي وإهماله لمسلم قصور، والله الهادي، وأول الآية سقط من "م".
3 أي: وهو قرينة على أن الله لم يكلف بما يجري في النفس من الخواطر لأنه حرج، ومع أنه يقتضي خلاف ما فهموا؛ فقد كان معولهم على العموم الإفرادي لا الاستعمال الشرعي الذي يمنع من هذا الفهم، وقد أقرهم -صلى الله عليه وسلم- على ما فهموا حتى نزل ما يخصص، وهو {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] ، إلا أن قوله: "على وجه النسخ" من باب تكميل المقام في ذاته؛ لأنه عليه لا بد أن يكون مقصودًا ابتداء ثم نسخ، ويكون فهمهم في محله؛ فيخرج عما نحن فيه، وقوله "أو غيره" بناء على أنه تخصيص كما تقدم للمؤلف الكلام فيه في باب النسخ على اصطلاح المتقدمين، ولو ذكره واقتصر عليه لكان أنسب بالمقام، وهذا كله على بعض التفاسير في آية: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُم} [البقرة: 284] ؛ أي: على أنها راجعة للشهادة وكتمانها؛ فيكون فيه شاهد لما نحن فيه. "د".
(4/37)

قَاعِدَةٌ مَكِّيَّةٌ كُلِّيَّةٌ؛ فَفِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْأَخْذِ بِالْعُمُومِ اللَّفْظِيِّ وَإِنْ دَلَّ الِاسْتِعْمَالُ اللُّغَوِيُّ أَوِ الشَّرْعِيُّ عَلَى خِلَافِهِ.
وَكَذَلِكَ قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى} [النِّسَاءِ: 115] الْآيَةَ، فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِيمَنِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} الْآيَةَ [النِّسَاءِ: 48] ثُمَّ إِنَّ عَامَّةَ الْعُلَمَاءِ اسْتَدَلُّوا بِهَا عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً1 وَأَنَّ مُخَالِفَهُ عاصٍ، وَعَلَى أَنَّ الِابْتِدَاعَ فِي الدِّينِ مَذْمُومٌ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ} [هُودٍ: 5] ظَاهِرُ مَسَاقِ الْآيَةِ أَنَّهَا فِي الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ أَوْ غَيْرِهِمْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: {لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ} [هُودٍ: 5] ، أَيْ: مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ مِنْ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "إِنَّهَا فِي أُنَاسٍ كَانُوا يَسْتَحْيُونَ أَنْ يَتَخَلَّوْا2 فَيُفْضُوا إِلَى السَّمَاءِ، وَأَنْ يُجَامِعُوا نِسَاءَهُمْ فَيُفْضُوا إِلَى السَّمَاءِ؛ فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ"3؛ فَقَدْ عَمَّ4 هَؤُلَاءِ فِي حُكْمِ الآية مع
__________
1 ذكر السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى" "2/ 243" في ترجمة "محمد بن عقيل الفريابي" حكاية عن الإمام الشافعي فيها استدلال بهذه الآية على حجية الإجماع، وقال: "سند هذه الحكاية صحيح لا غبار عليه".
2 يتخلوا: يدخلوا الخلاء المعروف. "ف".
3 أخرجه البخاري في "التفسير" "كتاب التفسير، باب {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ} ، 8/ 349/ رقم 4681، 4682، 4683".
4 ابن عباس يقول صراحة: "إنها نزلت في الذين يستحيون"، ولا يلزم من الاستخفاء بمعنى الاستحياء النفاق أو الكفر؛ فهو يخالف غيره في سبب النزول؛ فلا يجعلها في الكفار ثم يسحب حكمها على بعض المؤمنين حتى تجعل الآية مما نحن فيه، فما لم يقل ابن عباس صراحة أنها نزلت في الكفار وأنها تشمل من استحيا ... إلخ، ثم يكن لذكرها ههنا وجه. "د".
(4/38)

أَنَّ الْمَسَاقَ لَا يَقْتَضِيهِ.
وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ، وَهُوَ كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِاعْتِبَارِ عُمُومِ اللَّفْظِ لَا خُصُوصِ السَّبَبِ.
وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون} [الْمَائِدَةِ: 44] مَعَ أَنَّهَا نَزَلَتْ1 فِي الْيَهُودِ وَالسِّيَاقُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّ الْعُلَمَاءَ عَمُّوا بِهَا غَيْرَ الْكُفَّارِ، وَقَالُوا: كُفْرٌ دون كفر2.
__________
1 أي: الآيات الثلاث نزلت في اليهود خاصة؛ كما قال ابن عباس فيما أخرجه أحمد في "المسند" "1/ 246"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الديات، باب النفس بالنفس، 4/ 168/ رقم 4494، وكتاب الأقضية، باب الحكم بين أهل الذمة، 3/ 303/ رقم 3590، 3591"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب القسامة، باب تأويل قوله: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} ، 8/ 18"، والدارقطني في "السنن" "3/ 198"، وابن حبان في "الصحيح" "رقم 1738, موارد"، والحاكم في "المستدرك" "4/ 366"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "8/ 24"، وهو صحيح بتعدد طرقه.
2 كما هو ثابت عن ابن عباس، أخرجه من طرق عنه: ابن جرير في "التفسير" "6/ 256، 257"، ومحمد بن نصر المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" "رقم 569، 570، 571، 572، 573، 574"، وابن عبد البر في "التمهيد" "4/ 237"، والحاكم في "المستدرك" "2/ 313"، والبيهقي في "الكبرى" 8/ 20"، وابن أبي حاتم في "تفسيره", كما في "تفسير ابن كثير" "2/ 97"، وسعيد بن منصور والفريابي وابن المنذر؛ كما في "الدر المنثور" "3/ 87".
ولأخينا الفاضل علي بن حسن الحلبي جزء مفرد في تصحيحه، وهو مطبوع بعنوان: "القول المأمون"؛ فانظره غير مأمور.
وانظر: "مدارج السالكين" "1/ 336 ط الفقي".
(4/39)

فَإِذَا رَجَعَ هَذَا الْبَحْثُ إِلَى الْقَوْلِ بِأَنْ لَا اعْتِبَارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِخُصُوصِ السَّبَبِ1، وَفِيهِ مِنَ الْخِلَافِ مَا عُلِمَ2؛ فَقَدْ رَجَعْنَا إِلَى [أَنَّ] 3 أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ هُوَ الْأَصَحُّ، وَلَا فَائِدَةَ زَائِدَةٌ4.
وَالْجَوَابُ: إِنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ إِنَّمَا جَاءُوا بِذَلِكَ الْفِقْهِ الْحَسَنِ بِنَاءً عَلَى أَمْرٍ آخَرَ غَيْرِ رَاجِعٍ إِلَى الصِّيَغِ الْعُمُومِيَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ فَهِمُوا مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى مَقْصُودًا يَفْهَمُهُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الْكُفَّارَ بِسَيِّئِ أَعْمَالِهِمْ، وَالْمُؤْمِنِينَ بِأَحْسَنِ أَعْمَالِهِمْ؛ لِيَقُومَ الْعَبْدُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْمَقَامَيْنِ عَلَى قَدَمَيِ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، فَيَرَى أَوْصَافَ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَمَا أُعِدَّ لَهُمْ؛ فَيَجْتَهِدُ رَجَاءَ أَنْ يُدْرِكَهُمْ، وَيَخَافُ أَنْ لَا يَلْحَقَهُمْ فَيَفِرَّ مِنْ ذُنُوبِهِ، وَيَرَى أَوْصَافَ أَهْلِ الْكُفْرِ وَمَا أُعِدَّ لَهُمْ؛ فَيَخَافُ مِنَ الْوُقُوعِ فِيمَا وَقَعُوا فِيهِ، وَفِيمَا يُشْبِهُهُ، وَيَرْجُو بِإِيمَانِهِ أَنْ لَا يَلْحَقَ بِهِمْ؛ فَهُوَ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ مِنْ حَيْثُ يَشْتَرِكُ مَعَ الْفَرِيقَيْنِ فِي وَصْفٍ مَا وَإِنْ كَانَ مَسْكُوتًا عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا ذُكِرَ الطَّرَفَانِ كَانَ الحائل بينهما مأخوذ5 الجانبين كمحال
__________
1 وإن من المخصص المنفصل سبب النزول، يعني وما شاكله، فإن ما ذكره المؤلف في هذا المقام لا يقتصر مقتضى الحال فيه على خصوصية السبب، كما هو ظاهر، فإن كلامه فيما هو أوسع من ذلك، كما في كلام عمر وكلام معاوية. "د".
2 وهو أن الجمهور على القول باعتبار عموم اللفظ، ولا اعتبار بخصوص السبب، والنزاع فيما إذا بنى عام مستقل عل سبب خاص، مثاله أنه سئل -صلى الله عليه وسلم- عن بئر بضاعة التي تلقى فيها الجيف، فقال: "خَلَقَ اللَّهُ الْمَاءَ طَهُورًا لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ ... إلخ "، وكما في قصة مروره بشاة ميمونة ميتة، فقال: "أيما إهاب دبغ؛ فقد طهر"، وقد نقل عن الشافعي أن العبرة بخصوص السبب مخالف للجمهور الذين حجوه بالأدلة المتضافرة على أن العبرة بعموم اللفظ. "د".
3 سقطت من "ط".
4 قد يقال: وكيف لا تكون الفائدة زائدة، وقد صحح بناء على فهمك غير ما صححه الجمهور، من أن العبرة بالعموم لا بالخصوص؛ إلا أن يقال: إنه يريد الفائدة التي يعنيها المؤلف ويكد للحصول عليها، وهي أنه لا تخصيص بالمنفصل أصلًا. "د".
5 أي: يتجاذبه الطرفان، ويأخذه كل منهما إلى جهته؛ فهو مأخوذ لكل منهما؛ فالعبارة مستقيمة. "د".
قلت: في هذا رد على "ف" حيث قال: "لعله مأخذ الجانبين، أي: جانبي تدبر الخوف والرجاء" ا. هـ.
(4/40)

الِاجْتِهَادِ لَا فَرْقَ، لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُمْ حَمَلُوا ذَلِكَ مَحْمَلَ الدَّاخِلِ تَحْتَ الْعُمُومِ اللَّفْظِيِّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ1 فِي آيَةِ الْأَحْقَافِ وَهُودٍ وَالنِّسَاءِ فِي آيَةِ: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ} [الْآيَةَ] 2 [النِّسَاءِ: 97] ، وَيَظْهَرُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [النِّسَاءِ: 115] ، وَمَا سِوَى3 ذَلِكَ؛ فَإِمَّا مِنْ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ، وَإِمَّا أَنَّهَا بَيَانُ فِقْهِ الْجُزْئِيَّاتِ مِنَ الْكُلِّيَّاتِ الْعَامَّةِ، لَا أَنَّ الْمَقْصُودَ التَّخْصِيصُ، بَلْ بَيَانُ جِهَةِ4 الْعُمُومِ، وَإِلَيْكَ النَّظَرُ في التفاصيل، والله المستعان.
__________
1 لأن الآيات المذكورة لا يتأتى فيها اندراج المؤمنين في عمومها اللفظي، لا سيما الآيات الثلاث الأول، وعلى ما هو الظاهر في الآية الرابعة من قوله: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى} [النساء: 115] ، ولذا أفردها بقوله: "ويظهر أيضًا". "د". وفي "ط": "وهذا ظاهر".
2 ما بين المعقوفتين زيادة من "ف" و"م" و"ط".
3 أي: من الآيات السابقة المستشكل بها، وقوله: "من تلك القاعدة"، أي: المتقدمة في هذا الجواب، ويمكن اطرادها في الجميع، وأما أنه من المجيبين, كابن عباس في آية {وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا} [آل عمران: 188] , بيان وتقرير لطريقة أخذ الجزئيات الفقهية من الكليات، وأنه يلزم أن يوقف بها عند الحد الاستعمالي في المقاصد الشرعية، ولا يرجع بها إلى الوضع على الإطلاق، وليس مقصودهم أن الآيات كانت في قصد الشارع عامة ثم خصصت، بل غرضهم بيان أن عمومها ليس بحسب ما فهم السائل عمومًا ينظر فيه للوضع العربي الإفرادي، بل الاستعمالي بحسب مقاصد الشارع في مثله، وما يعين عليه المقام وما يقتضيه الحال، وعليه يكون قوله: "وما سوى ذلك" راجعًا إلى ما سبق من أول الفصل، وظاهر أن صحة العبارة: "لا أن المقصود" وليست "لأن" كما في أصل النسخة. "د".
4 أي: وإنه عموم بقدر مقاصد الشرع فيه، يعد فهم قواعد الشريعة؛ أي: فلم يفهموا العموم من الوقوف عند حد اللفظ العام نفسه، ولم يفهموا الخصوص باعتبار أنه تخصيص وإخراج لما كان داخلًا حتى يكون المخصص منفصلًا بطريق من طرقه. "د". =
(4/41)

...........................................................................
__________
= محور الكلام في هذه المسألة هو أن خصوص السبب هل يصلح أن يكون قرينة مخصصة أم لا؟ اختلفوا في هذه، وبناء على هذا الاختلاف اختلفت مناهج المؤلفين في تصنيف هذه المسألة، فمنهم من وصفها ضمن مباحث العام وجعل لها عنوانًا مستقلًّا، ومنهم من وصفها ضمن مباحث التخصيص بالمنفصل.
فالآمدي في "الإحكام "2/ 459 و477" جعل الخطاب الوارد على سبب بنوعيه, أعني: ورود الخطاب جوابًا لسؤال، ووروده في قضية عين ذكرت فيه علة الحكم, في مباحث العلم، فجعل النوع الأول في المسألة السادسة، وجعل النوع الثاني في المسألة الثالثة عشرة.
وليس في سلوك هذا المنهج ما يدل على أن الآمدي يرى في الحكم العام الوارد على سبب أن العبرة بعموم اللفظ، لأنه في الأصل متردد في صحة التخصيص بالمنفصل، وذكر أوجهًا ثلاثًا تقتضي منع التخصيص المنفصل، ثم حاول تطويع هذه الأوجه لتوافق القول بجواز التخصيص بالمنفصل.
وأما الرازي في "المحصول" "2/ 183"؛ فعقد له هذا العنوان: القول فيما ظن أنه من مخصصات العموم، مع أنه ليس كذلك وضمنه الخطاب الوارد على سبب، وقصر السبب على سؤال السائل.
وانفرد في ذلك الشاطبي؛ فإنه لا يرى أصلًا التخصيص بالمنفصل ولا بالمتصل؛ لأن اللفظ العام بوضعه الاستعمال يدل دون ما يدل عليه ذلك اللفظ بوضعه اللغوي، والعموم إنما يفيد بالاستعمال، ووجوه الاستعمالات كثيرة، ولكن ضابطها مقتضيات الأحوال التي هي ملاك البيان، وهذه المقتضيات كالقرائن تعين على فهم المقصود من الألفاظ وتبين المجمل، وبهذا الفهم لا يكون إذ ذاك تخصيص بمنفصل, فالنصوص العامة التي وردت فيها مقتضيات أحوال ظاهرها أنها مخصصة للعموم ليست في الحقيقة مخصصة، بناء على هذه القاعدة: "المقصد الاستعمالي للفظ العام"، أو أن هذه المقتضيات وردت لبيان "فقه الجزئيات من الكليات العامة، لا أن المقصود التخصيص بل بيان جهة العموم".
ويجعل الأحكام العامة الواردة على سبب باقية على عمومها، وإنما الأسباب اقتضت أحكامًا خاصة، يقول رحمه الله فيما مضى "1/ 465": "ولا يخرج عن هذا -أي: إن الأحكام الكلية مشروعة على الإطلاق والعموم- ما كان من الكليات واردًا على سبب، فإن الأسباب قد تكون مفقودة =
(4/42)

فَصْلٌ:
إِذَا تَقَرَّرَ مَا تَقَدَّمَ؛ فَالتَّخْصِيصُ إِمَّا بِالْمُنْفَصِلِ أَوْ بِالْمُتَّصِلِ.
فَإِنْ كَانَ بِالْمُتَّصِلِ؛ كَالِاسْتِثْنَاءِ، وَالصِّفَةِ، وَالْغَايَةِ، وَبَدَلِ الْبَعْضِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ؛ فَلَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ بِإِخْرَاجٍ لِشَيْءٍ، بَلْ هُوَ بَيَانٌ لِقَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ فِي عُمُومِ اللَّفْظِ أَنْ لَا يَتَوَهَّمَ السَّامِعُ مِنْهُ غَيْرَ مَا قَصَدَ، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ: "زَيْدٌ الْأَحْمَرُ" عِنْدَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ "كَزَيْدٍ" وَحْدَهُ عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُهُ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ زَيْدًا الْأَحْمَرَ هُوَ الِاسْمُ الْمُعَرَّفُ بِهِ مَدْلُولُ زِيدٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ، كَمَا كَانَ الْمَوْصُولُ مَعَ صِلَتِهِ هُوَ الِاسْمُ لَا أَحَدُهُمَا، وَهَكَذَا إِذَا قُلْتَ: "الرَّجُلُ الْخَيَّاطُ" فَعَرَفَهُ السَّامِعُ؛ فَهُوَ مُرَادِفٌ "لِزَيْدٍ"؛ فَإِذًا الْمَجْمُوعُ هُوَ1 الدَّالُّ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ إِذَا قُلْتَ: "عَشْرَةٌ إِلَّا ثَلَاثَةً"؛ فَإِنَّهُ مُرَادِفٌ لِقَوْلِكَ: "سَبْعَةٌ"؛ فَكَأَنَّهُ وَضْعٌ آخَرُ عَرَضَ حالة التركيب
__________
= قبل ذلك، فإذا وجدت اقتضت أحكامًا".
والفرق بين الشاطبي وبين الأصوليين في حقيقة التخصيص أن التخصيص عنده بيان المقصود في عموم الصيغ؛ فهو يرجع إِلَى بَيَانِ وَضْعِ الصِّيَغِ الْعُمُومِيَّةِ فِي أَصْلِ الِاسْتِعْمَالِ الْعَرَبِيِّ أَوِ الشَّرْعِيِّ، وَمَا ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ يَرْجِعُ إِلَى بَيَانِ خُرُوجِ الصِّيغَةِ عَنْ وَضْعِهَا من العموم إلى الخصوص؛ فالشاطبي جعل التخصيص بيانًا لوضع اللفظ، والأصوليون قَالُوا: إِنَّهُ بَيَانٌ لِخُرُوجِ اللَّفْظِ عَنْ وَضْعِهِ. انظر "مسألة تخصيص العام بالسبب" "ص22-23" لمحمد العروسي عبد القادر.
1 ولا تخصيص فيه، وهو حقيقة فيه، وهذا رأي أبي الحسين أن ما خص بغير مستقل كالشرط والاستثناء والصفة؛ فالباقي يكون اللفظ فيه حقيقة، وذلك لأن هذه المذكورات صارت كالجزء من الدال على المعنى المقصود، وصار الدال معها لمعنى غير ما وضع له أولًا، وقوله: "ويظهر ذلك في الاستثناء"؛ لأن العام الذي أخرج منه البعض كقولك: أكرم بني تميم إلا البخلاء منهم باق على عمومه دلالة وإرادة، وليس من العام المخصص في شيء، ومثل هنا بعشرة، وليست أسماء العدد من العموم في شيء؛ إلا أن غرضه إفادة أن الاستثناء كجزء من الكلام الدال على السبعة، وهو أظهر من الصفة. "د".
(4/43)

وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَلَا تَخْصِيصَ فِي مَحْصُولِ الْحُكْمِ لَا لَفْظًا وَلَا قَصْدًا1، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ مُجَازٌ أَيْضًا2 لِحُصُولِ الْفَرْقِ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ بَيْنَ قَوْلِكَ: "مَا رَأَيْتُ أَسَدًا يَفْتَرِسُ الْأَبْطَالَ"، وَقَوْلِكَ: "مَا رَأَيْتُ رَجُلًا شُجَاعًا"، وَأَنَّ الْأَوَّلَ مَجَازٌ، وَالثَّانِيَ حَقِيقَةٌ، وَالرُّجُوعُ فِي هَذَا إِلَيْهِمْ، لَا إِلَى مَا يُصَوِّرُهُ الْعَقْلُ3 فِي مَنَاحِي الْكَلَامِ.
وَأَمَّا التَّخْصِيصُ بِالْمُنْفَصِلِ؛ فَإِنَّهُ كَذَلِكَ أَيْضًا رَاجِعٌ إِلَى بَيَانِ الْمَقْصُودِ فِي عُمُومِ الصِّيَغِ، حَسْبَمَا تَقَدَّمَ فِي رَأْسِ الْمَسْأَلَةِ، لَا أَنَّهُ عَلَى حَقِيقَةِ التَّخْصِيصِ الَّذِي يَذْكُرُهُ الْأُصُولِيُّونَ.
فَإِنْ قِيلَ: وَهَكَذَا يَقُولُ الْأُصُولِيُّونَ: إِنَّ التَّخْصِيصَ بَيَانُ الْمَقْصُودِ بِالصِّيَغِ الْمَذْكُورَةِ؛ فَإِنَّهُ رَفْعٌ لِتَوَهُّمِ دُخُولِ الْمَخْصُوصِ تَحْتَ عُمُومِ الصِّيغَةِ فِي فَهْمِ السَّامِعِ، وَلَيْسَ بِمُرَادٍ الدُّخُولُ تَحْتَهَا، وَإِلَّا كَانَ التَّخْصِيصُ نَسْخًا فَإِذًا لَا فَرْقَ بَيْنَ التَّخْصِيصِ بِالْمُنْفَصِلِ وَالتَّخْصِيصِ بِالْمُتَّصِلِ عَلَى مَا فَسَّرْتَ؛ فَكَيْفَ تُفَرِّقُ بَيْنَ مَا ذَكَرْتَ وَبَيْنَ مَا يَذْكُرُهُ الْأُصُولِيُّونَ؟
فَالْجَوَابُ: إِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ، وَذَلِكَ أَنَّ مَا ذُكِرَ هُنَا رَاجِعٌ إِلَى بَيَانِ وَضْعِ الصِّيَغِ الْعُمُومِيَّةِ فِي أَصْلِ الِاسْتِعْمَالِ الْعَرَبِيِّ أَوِ الشَّرْعِيِّ، وَمَا ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ يَرْجِعُ إِلَى بَيَانِ خُرُوجِ الصِّيغَةِ عَنْ وَضْعِهَا مِنَ الْعُمُومِ إِلَى الْخُصُوصِ؛ فَنَحْنُ بَيَّنَّا أَنَّهُ بَيَانٌ لِوَضْعِ اللَّفْظِ، وَهُمْ قَالُوا: إِنَّهُ بَيَانٌ لخروج اللفظ عن وضعه،
__________
1 يترتب الثاني على الأول لأنه إذا كان اللفظ بقيده آتيًا على قدر المراد؛ فلا محل للتخصيص قصدًا. "د".
قلت: انظر "المسودة" "154"، و"مجموع الفتاوى" "31/ 116".
2 انظر تفصيل ذلك في "مجموع فتاوى ابن تيمية" "20/ 488-490 و31/ 116".
3 كأن يصور أن الرجل في سياق النفي عام عمومًا قصره الوصف على نوع منه، وهو أقل مما كان يتناوله قبل الوصف؛ فهو غير ما وضع له "رجل"؛ فيكون مجازًا. "د".
(4/44)

وبينهما فرق؛ فالتفسير الواقع هنا نظير بيان الَّذِي1 سِيقَ عَقِبَ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ لِيُبَيِّنَ الْمُرَادَ مِنْهُ، وَالَّذِي لِلْأُصُولِيِّينَ نَظِيرُ2 الْبَيَانِ الَّذِي سِيقَ عُقَيْبَ الْحَقِيقَةِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَجَازُ؛ كَقَوْلِكَ: رَأَيْتُ أَسَدًا يَفْتَرِسُ الْأَبْطَالَ.
فَإِنْ قِيلَ: أَفَيَكُونُ تَأْصِيلُ أَهْلِ الْأُصُولِ كُلُّهُ بَاطِلًا، أَمْ لَا؟ فَإِنْ كَانَ بَاطِلًا؛ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ خَطَأً، وَالْأُمَّةُ3 لَا تَجْتَمِعُ عَلَى الْخَطَأِ، وَإِنْ كَانَ صَوَابًا وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ إِجْمَاعُهُمْ؛ فَكُلُّ مَا يُعَارِضُهُ خَطَأٌ، فَإِذًا كَلُّ مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ خَطَأٌ.
فَالْجَوَابُ: أَنَّ إِجْمَاعَهُمْ أَوَّلًا غَيْرُ ثَابِتٍ عَلَى شَرْطِهِ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ ثَابِتٌ؛ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ إِبْطَالُ مَا تَقَدَّمَ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا اعْتَبَرُوا صِيَغَ الْعُمُومِ بِحَسَبِ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ فِي الْوَضْعِ الْإِفْرَادِيِّ، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا حَالَةَ الْوَضْعِ الِاسْتِعْمَالِيِّ، حَتَّى إِذَا أَخَذُوا فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْأَحْكَامِ؛ رَجَعُوا إِلَى اعْتِبَارِهِ: كُلٌّ عَلَى اعْتِبَارٍ رَآهُ، أَوْ تَأْوِيلٍ ارْتَضَاهُ؛ فَالَّذِي تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مُسْتَنْبَطٌ مِنِ اعْتِبَارِهِمُ الصِّيَغَ فِي الِاسْتِعْمَالِ، بِلَا4 خِلَافٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؛ إِلَّا مَا يَفْهَمُ عَنْهُمْ مَنْ لَا يُحِيطُ عِلْمًا بِمَقَاصِدِهِمْ، وَلَا يُجَوِّدُ مَحْصُولَ كَلَامِهِمْ، وبالله التوفيق.
__________
1 وهو لا يخرج الصيغ عن وضعها، وإنما يكشف عن الوضع المراد من بين الأوضاع. "د".
قلت: في "ط" و"ف": "نظير بيان الذي"، وقال "ف": "لعله: "نظير البيان" بأداة التعريف" انتهى، وكذا في الأصل و"م" و"د".
2 وإنما قال: "نظيره" أي: شبيهه للفرق الظاهر بين المعنى المجازي المنقول إليه وبين المعنى الباقي بعد التخصيص؛ فإن الأول ليس بعضًا مما وضع له اللفظ حقيقة، بل معنى آخر مناسب له فقط، أما الثاني؛ فإنه بعض ما وضع له اللفظ؛ ولذا قال بعضهم: إنه لا يزال اللفظ فيه حقيقة. "د". وفي "ط": "الواقع هنا نظير ... ".
قلت: انظر "مجموع فتاوى ابن تيمية" "31/ 109".
3 أي: والأصوليون أمة في فنهم. "د".
4 في الأصل و"ط": "فلا".
(4/45)

فَصْلٌ:
فَإِنْ قِيلَ: حَاصِلُ1 مَا مَرَّ أَنَّهُ بَحْثٌ فِي عِبَارَةٍ، وَالْمَعْنَى مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ حُكْمٌ.
فَالْجَوَابُ أَنْ لَا، بَلْ هُوَ بَحْثٌ فِيمَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ أَحْكَامٌ:
- مِنْهَا: أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْعَامِّ إِذَا خُصَّ؛ هَلْ يَبْقَى2 حُجَّةً أَمْ لَا؟ وَهِيَ مِنَ الْمَسَائِلِ الْخَطِيرَةِ فِي الدِّينِ؛ فَإِنَّ الْخِلَافَ فِيهَا فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ شَنِيعٌ لِأَنَّ غَالِبَ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَعُمْدَتَهَا هِيَ الْعُمُومَاتُ، فَإِذَا عُدَّتْ مِنَ الْمَسَائِلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا بِنَاءً عَلَى مَا قَالُوهُ أَيْضًا مِنْ أَنَّ جَمِيعَ الْعُمُومَاتِ أَوْ غَالِبَهَا مُخَصَّصٌ؛ صَارَ مُعْظَمُ الشَّرِيعَةِ مُخْتَلَفًا فِيهَا: هَلْ هُوَ حُجَّةٌ أَمْ لَا؟ وَمِثْلُ ذَلِكَ يُلْقَى فِي الْمُطْلَقَاتِ3 فَانْظُرْ فِيهِ، فَإِذَا عَرَضْتَ الْمَسْأَلَةَ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ؛ لَمْ يَبْقَ4 الْإِشْكَالُ الْمَحْظُورُ، وَصَارَتِ الْعُمُومَاتُ حُجَّةً عَلَى كُلِّ قَوْلٍ.
__________
1 يعني: يؤخذ من جوابه السابق أن المآل واحد، وأنهم وإن سموه تخصيصًا وإخراجًا لبعض ما دخل في العام؛ إلا أنهم عند الاستنباط وأخذ الأحكام اعتبروا الصيغ بالوضع الاستعمالي لا الوضع الإفرادي؛ فالمآل واحد، والخلاف في العبارة، وهذا ما رتب عليه هذا السؤال ليدفعه. "د". وفي "ط": "حاصل هذا أنه".
2 أي: العام الذي خصص بمبين كاقتلوا المشركين، المخصص بالذمي مثلًا، أما المخصص بمجمل نحو هذا العام مخصوص، أو لم يرد به ما يتناوله؛ فليس بحجة اتفاقًا، والجمهور على أن المخصص بمبين حجة في الباقي مطلقًا، وقال البلخي: "حجة إن خص بمتصل لا منفصل". "د".
3 أي: يوجد فيها. "ف".
4 أي: لأن من قال بعدم الحجية يقول في دليله: إن الصيغة إذا خصت صارت في بقية =
(4/46)

وَلَقَدْ أَدَّى إِشْكَالُ هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَى شَنَاعَةٍ1 أخرى، وهي أن عمومات
__________
= المسميات مجازًا، بل كان ما تحتها من المسميات مراتب في المجاز متعددة، فكان اللفظ فيها مجملًا، فلا بد من دليل على ما يراد منها؛ فأنت ترى أن الإشكال في كون الباقي حجة ما نشأ إلا من دعوى أن التخصيص يجعل الباقي مجازًا، وعلي رأي المؤلف لا يكون مجازًا؛ فلا إشكال في أن العام حقيقة في جميع ما قصد؛ فهو حجة فيه، وسقط سبب الخلاف في الحجية، وقوله: "صارت العمومات حجة على كل قول" يعني أنه يلزم ذلك، وأن من خالف لو اطلع على ما قلنا وعرف سقوط سبب مخالفته ليقال بالحجية مع الجمهور. "د".
قلت: وقال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "6/ 442" في منكري حجية العموم من المواقفة والمخصصة: "وهو مذهب سخيف"، و"كلام ضائع غايته أن يقال: دلالة العموم أضعف من غيره من الظواهر، وهذا لا يقر؛ فإنه ما لم يقم الدليل المخصص وجب العمل بالعام"، وانظر منه "29/ 166-167"، و"إجابة السائل" للصنعاني "ص309 وما بعدها".
1 تعلم أن المسألة آلت إلى أنه يقول: إن الذي يسمونه تخصيصًا بالمتصل أو المنفصل ليس تخصيصًا، وإن هذه العمومات وإن لم تبق بمعناها الوضعي الإفرادي الشامل لأكثر من المراد للشارع؛ فهي بحسب الاستعمال ومقاصد الشرع إنما تنطبق على ما يراد فقط، بحسب مقتضى المقام وقرائن الأحوال، وهي حقيقة فيما يراد لا مجاز، وأن هذه القرائن تعتبر كمبين المجمل لا كقرائن المجاز الذي يقتضيه القول بالتخصيص، وعليه فالمقدار الذي يتناوله العام المقصود للشارع لا يختلف على رأيه ورأي الأصوليين، والاعتداد بالعمومات القرآنية فيما أراده منها القرآن واحد، متى درجنا على القول بالحجية في الباقي الذي بالغ عليه، والقرائن العقلية والحسية وغيرها مما يسميه هو كبيان للمجمل ويسمونه مخصصًا لا بد منها عند الطرفين؛ فإنا إذا قلنا: لا يعمل بالعام إلا بعد الاستقصاء عن المخصص؛ فكذلك نقول: لا يعمل بالمجمل إلا بعد التحقق من المبين؛ فأين هو إبطال الكليات القرآنية وإسقاط الاستدلال بها إلا على جهة التساهل وتحسين الظن على رأيهم، وعدم ذلك على رأيه؟ ثم أين الإخلال بجوامع الكلم على رأيهم، وعدم الإخلال بها على رأيه؟ مع أن المقدار الذي يتناوله العام واحد بعد التخصص أو بعد البيان، وكيف نقول على رأيهم بافتقار الجوامع إلى قرائن ومخصصات، ولا نقول بذلك فيها على رأيه؟ وقد قال بعد: "فالحق أنها على عمومها الذي يفهمه العربي الفهم المطلق على مقاصد الشرع"، فإذًا ليست باقية على وضعها الإفرادي، ولا هي غير مفتقرة إلى فهم العربي المطلع على مقاصد الشرع لتكون قرينة له يفهم بها =
(4/47)

الْقُرْآنِ لَيْسَ فِيهَا مَا هُوَ مُعْتَدٌّ بِهِ فِي حَقِيقَتِهِ مِنَ الْعُمُومِ، وَإِنْ قِيلَ بِأَنَّهُ حُجَّةٌ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، وَفِيهِ مَا يَقْتَضِي إِبْطَالَ الْكُلِّيَّاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَإِسْقَاطَ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ جُمْلَةً؛ إِلَّا بِجِهَةٍ مِنَ التَّسَاهُلِ وَتَحْسِينِ الظَّنِّ، لَا عَلَى تَحْقِيقِ النَّظَرِ وَالْقَطْعِ بِالْحُكْمِ، وَفِي هَذَا إِذَا تُؤُمِّلَ تَوْهِينُ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَتَضْعِيفُ الِاسْتِنَادِ إِلَيْهَا، وَرُبَّمَا نَقَلُوا فِي الْحُجَّةِ لِهَذَا الْمَوْضِعِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ عام إلا مخصص، إلا قوله تعالى: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} 1 [الْبَقَرَةِ: 282] ، وَجَمِيعُ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ الْعَرَبِ، وَمُخَالِفٌ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنِ الْقَطْعِ بِعُمُومَاتِهِ الَّتِي فَهِمُوهَا تَحْقِيقًا، بِحَسَبِ قَصْدِ الْعَرَبِ فِي اللِّسَانِ، وَبِحَسَبِ قَصْدِ الشَّارِعِ فِي مَوَارِدِ الْأَحْكَامِ.
وَأَيْضًا, فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بُعث بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ2، واختُصر لَهُ الْكَلَامُ اخْتِصَارًا عَلَى وَجْهٍ هُوَ أَبْلَغُ مَا يَكُونُ، وَأَقْرَبُ مَا يُمْكِنُ فِي التَّحْصِيلِ، ورأسُ هَذِهِ الْجَوَامِعِ فِي التَّعْبِيرِ الْعُمُومَاتُ3، فَإِذَا فُرِضَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَوْجُودَةٍ في
__________
= مقدار ما تناوله العام؛ فليست مستغنية عن القرائن والمقيدات على ما قاله أيضًا، غايته أنه لا يسميه تخصيصًا بل بيانًا لا بد منه، وهلا قال في الفائدة الثانية وبذلك أيضًا انحسمت مادة الشناعة الناشئة من وجود خلاف في حجية العام المخصص؛ لأنه مهما كان الخلاف ضعيفًا فإن هذا النزاع يوهن الاستدلال بهذه العمومات وهي معتمد الشريعة، ويجعل الأخذ بها من طريق تحسين الظن، لا من باب تحقيق النظر والقطع بالحكم، وتبنى الفائدة الثالثة عليه أيضًا؛ لأن العمومات إنما تكون جوامع إذا كان معناها محددًا محررًا، وهو إنما يكون كذلك إذا كان اللفظ فيه حقيقة، لا مجازًا محتملًا كما تقدم بيانه عند من يذهب إلى أنه ليس بحجة لإجماله في المراتب التي يحتملها المجاز. "د".
1 مضى "3/ 309" بنحوه، وهو مما لا يصح عنه ألبتة.
2 أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب الجهاد، باب قول النبي, صلى الله عليه وسلم: "نُصرت بالرعب مسيرة شهر"، 6/ 128/ رقم 2977" وغيره عن أبي هريرة مرفوعًا: "بُعِثتُ بجوامع الكلم، ونُصرت بالرعب؛ فبينما أنا نائم أوتيتُ خزائن الأرض ... ".
3 انظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "4/ 133 و34/ 206-207".
(4/48)

الْقُرْآنِ جَوَامِعَ، بَلْ عَلَى وَجْهٍ تَفْتَقِرُ فِيهِ إِلَى مُخَصِّصَاتٍ وَمُقَيِّدَاتٍ وَأُمُورٍ أُخَرَ؛ فَقَدْ خَرَجَتْ تِلْكَ الْعُمُومَاتُ عَنْ أَنْ تَكُونَ جَوَامِعَ مُخْتَصِرَةً، وَمَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنْ ثَبَتَ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ؛ فَيَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ.
فَالْحَقُّ فِي صِيَغِ الْعُمُومِ إِذَا وَرَدَتْ أَنَّهَا عَلَى عُمُومِهَا فِي الْأَصْلِ الِاسْتِعْمَالِيِّ، بِحَيْثُ يُفْهَمُ مَحَلُّ عُمُومِهَا الْعَرَبِيِّ الْفَهْمَ الْمُطَّلِعَ عَلَى مَقَاصِدِ الشَّرْعِ؛ فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْبَحْثَ يَنْبَنِي عَلَيْهِ فِقْهٌ كَثِيرٌ وَعَلَمٌ جَمِيلٌ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(4/49)

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ:
عُمُومَاتُ الْعَزَائِمِ وَإِنْ ظَهَرَ بِبَادِئِ الرَّأْيِ أَنَّ الرُّخَصَ تُخَصِّصُهَا1؛ فَلَيْسَتْ بِمُخَصِّصَةٍ لَهَا فِي الْحَقِيقَةِ، بَلِ الْعَزَائِمُ بَاقِيَةٌ عَلَى عُمُومِهَا، وَإِنْ أُطْلِقَ عَلَيْهَا أَنَّ الرُّخَصَ خَصَّصَتْهَا؛ فَإِطْلَاقٌ مَجَازِيٌّ لَا حَقِيقِيٌّ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ حَقِيقَةَ الرُّخْصَةِ؛ إِمَّا أَنْ تَقَعَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا لَا يُطَاقُ، أَوْ لَا.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَلَيْسَتْ بِرُخْصَةٍ فِي الْحَقِيقَةِ؛ إِذْ لَمْ يُخَاطَبْ بِالْعَزِيمَةِ مَنْ لَا يُطِيقُهَا، وَإِنَّمَا يُقَالُ هُنَا: إِنَّ الْخِطَابَ بِالْعَزِيمَةِ مَرْفُوعٌ مِنَ الْأَصْلِ بِالدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى رَفْعِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ؛ فَانْتَقَلَتِ الْعَزِيمَةُ إِلَى هَيْئَةٍ أُخْرَى، وَكَيْفِيَّةٍ مُخَالِفَةٍ لِلْأَوْلَى كَالْمُصَلِّي لَا يُطِيقُ الْقِيَامَ؛ فَلَيْسَ بِمُخَاطَبٍ بِالْقِيَامِ، بَلْ صَارَ فَرْضُهُ الْجُلُوسَ أَوْ عَلَى جَنْبٍ أَوْ ظَهْرٍ، وَهُوَ الْعَزِيمَةُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي؛ فَمَعْنَى الرُّخْصَةُ فِي حَقِّهِ أَنَّهُ إِنِ انْتَقَلَ إِلَى الْأَخَفِّ؛ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ، لَا أَنَّهُ سَقَطَ2 عَنْهُ فَرْضُ الْقِيَامِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ [أَنَّهُ] 3 إِنْ تَكَلَّفَ فَصَلَّى قَائِمًا؛ [فَإِمَّا] 3 أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ أَدَّى الْفَرْضَ عَلَى كَمَالِ الْعَزِيمَةِ، أَوْ لَا؛ فَلَا يَصِحُّ4 أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يُؤَدِّهِ عَلَى كَمَالِهِ؛ إِذْ قَدْ سَاوَى فِيهِ الصَّحِيحَ الْقَادِرَ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ؛ فَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا تَحَكُّمٌ مِنْ غَيْرِ دليل؛ فلا بد أَنَّهُ أَدَّاهُ عَلَى كَمَالِهِ، وَهُوَ مَعْنَى كَوْنِهِ داخلًا تحت عموم الخطاب بالقيام.
__________
1 حتى يقال مثلًا: الظهر أربع إلا على المسافر، وصوم رمضان واجب إلا على المسافر، وهكذا؛ فتكون الرخص مخصصة لأدلة العزائم. "د".
2 ويدل على عدم سقوطه قولهم في الرخصة: "مع قيام السبب للحكم الأصلي". "د".
3 سقط من "ط".
4 الأنسب ولا يصح، وهو إبطال للاحتمال الثاني لإثبات الأول. "ف".
(4/50)

فَإِنْ قِيلَ: [إِذَا قُلْتَ] : إِنَّ الْعَزِيمَةَ مَعَ الرُّخْصَةِ مِنْ [بَابِ] 1 خِصَالِ الْكَفَّارَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ؛ فَأَيُّ الْخَصْلَتَيْنِ فَعَلَ فَعَلَى حُكْمِ الْوُجُوبِ، وَإِذَا كَانَ [ذَلِكَ] كَذَلِكَ؛ فَعَمَلُهُ بِالْعَزِيمَةِ عَمَلٌ عَلَى كَمَالٍ، وَقَدِ ارْتَفَعَ عَنْهُ حُكْمُ الِانْحِتَامِ، وَذَلِكَ مَعْنَى تَخْصِيصِ عُمُومِ الْعَزِيمَةِ بِالرُّخْصَةِ؛ فَقَدْ تَخَصَّصَتْ عُمُومَاتُ الْعَزَائِمِ بِالرُّخَصِ عَلَى هَذَا2 التَّقْرِيرِ؛ فَلَا يَسْتَقِيمُ الْقَوْلُ بِبَقَاءِ الْعُمُومَاتِ إِذْ ذَاكَ.
وَأَيْضًا3، فَإِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ بَقَاءِ حُكْمِ الْعَزِيمَةِ وَمَشْرُوعِيَّةِ الرُّخْصَةِ جَمْعٌ بَيْنَ مُتَنَافِيَيْنِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى بَقَاءِ الْعَزِيمَةِ أَنَّ الْقِيَامَ فِي الصَّلَاةِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ حَتْمًا، وَمَعْنَى جَوَازِ التَّرَخُّصِ أَنَّ الْقِيَامَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ حَتْمًا، وَهُمَا قَضِيَّتَانِ مُتَنَاقِضَتَانِ، لَا تَجْتَمِعَانِ عَلَى مَوْضُوعٍ وَاحِدٍ؛ فَلَا يَصِحُّ الْقَوْلُ بِبَقَاءِ الْعُمُومِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ الْقِيَامُ فِي الصَّلَاةِ.
وَأَمْرٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ أَنَّ الرُّخْصَةَ قَدْ ثَبَتَ التَّخْيِيرُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَزِيمَةِ، فَلَوْ كَانَتِ الْعَزِيمَةُ هُنَا بَاقِيَةً عَلَى أَصْلِهَا مِنَ الْوُجُوبِ الْمُنْحَتِمِ؛ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَغَيْرِ الْوَاجِبِ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ لَا يُمْكِنُ؛ فَمَا أَدَّى إِلَيْهِ مِثْلُهُ.
فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْعَزِيمَةَ مَعَ الرُّخْصَةِ لَيْسَتَا4 مِنْ بَابِ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ إِذْ لَمْ يَأْتِ دَلِيلٌ ثَابِتٌ يَدُلُّ عَلَى حَقِيقَةِ التَّخْيِيرِ، بَلِ الَّذِي أَتَى فِي حَقِيقَةِ الرُّخْصَةِ أَنَّ مَنِ ارْتَكَبَهَا؛ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ خَاصَّةً، لَا أَنَّ الْمُكَلَّفَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْعَزِيمَةِ وَالرُّخْصَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ فِي فَصْلِ الْعَزَائِمِ وَالرُّخَصِ، وإذا ثبت
__________
1 ما بين المعقوفتين سقط من "د".
2 وكأنه يقول: الظهر تجب أربعًا وجوبًا منحتمًا إلا على المسافر؛ فإن أدى اثنتين أو أربعًا صح وارتفع انحتام الأربع الذي كان على غير المسافر، وهذا تخصيص لعموم دليل العزيمة. "د".
3 هذا الوجه وما بعده مبنيان على الوجه الأول ومتوقفان عليه فمتى بطل بطلا، ولذا كان الجواب بإبطال الأول كافيًا في إبطال الاعتراضين، ويبقى الكلام على ما جعله المؤلف جوابًا عن الثاني ليدفع التناقض به وسيأتي ما فيه. "د". وفي "ط": "وأيضًا؛ فإن الجميع ... ".
4 في "ط": "العزيمة بالرخصة ليست ... ".
(4/51)

ذَلِكَ؛ فَالْعَزِيمَةُ عَلَى كَمَالِهَا وَأَصَالَتِهَا فِي الْخِطَابِ بِهَا، وَلِلْمُخَالِفَةِ حُكْمٌ1 آخَرُ.
وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ الْخِطَابَ بِالْعَزِيمَةِ مِنْ جِهَةِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْخِطَابَ بِالرُّخْصَةِ مِنْ جِهَةِ حَقِّ الْعَبْدِ فَلَيْسَا بِوَارِدَيْنِ عَلَى الْمُخَاطَبِ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ مِنْ جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، وَإِذَا اخْتَلَفَتِ الْجِهَاتُ أَمْكَنَ الْجَمْعُ وَزَالَ2 التَّنَاقُضُ الْمُتَوَهَّمُ فِي الِاجْتِمَاعِ، وَنَظِيرُ تَخَلُّفِ الْعَزِيمَةِ لِلْمَشَقَّةِ3 تَخَلُّفُهَا لِلْخَطَأِ، وَالنِّسْيَانِ، وَالْإِكْرَاهِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَعْذَارِ الَّتِي يَتَوَجَّهُ4 الْخِطَابُ مَعَ وُجُودِهَا مَعَ أَنَّ التَّخَلُّفَ غَيْرُ مُؤَثَّمٍ وَلَا مُوقِعٌ فِي مَحْظُورٍ، وَعَلَى هَذَا يَنْبَنِي مَعْنًى آخَرَ يَعُمُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَغَيْرَهَا5, وَهُوَ أَنَّ الْعُمُومَاتِ الَّتِي هِيَ عَزَائِمُ إِذَا رُفِعَ الْإِثْمُ عَنِ6 الْمُخَالِفِ فِيهَا لِعُذْرٍ مِنَ الْأَعْذَارِ، فَأَحْكَامُ تِلْكَ الْعَزَائِمِ مُتَوَجَّهَةٌ عَلَى عُمُومِهَا مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ؛ وَإِنْ أُطْلِقَ عَلَيْهَا أَنَّ الْأَعْذَارَ خَصَّصَتْهَا؛ فَعَلَى الْمَجَازِ لَا عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَلِنَعُدَّهَا مَسْأَلَةً عَلَى حدتها، وهي:
__________
1 وهو رفع الإثم. "د".
2 كيف والمخاطب واحد؟ على كل حال هو الله تعالى؛ فسواء أكان الخطابان من جهة حق الله، أم من جهة حق الآدمي، أم موزعين كما يقول؛ فالإشكال باقٍ لا يرتفع بهذا الجواب لأن الله كلفه بالعزيمة تكليفًا متحتمًا، وإن كان لحقه تعالى، وكلفه بها تكليفًا غير منحتم لحق العبد، والتكليف في قضية واحدة بالوحدات الثمانية المعتبرة في التناقض؛ فمهما اختلف سبب التكليف فإن التناقض حاصل، لا يدفعه إلا التخصص أو الجواب بأن العزيمة مع الرخصة ليست من باب خصال الكفارة كما قال: "هل هي" هي. "د".
3 أي: لا يعدم الطاقة الذي جعله لا تكليف معه؛ فيبقى الكلام في أن النسيان وما معه مما لا يطاق أم مما فيه المشقة فقط؟ فإن كان من الأول؛ لزم أن يسقط التكليف بلا فارق بينهما، وسيأتي تتميم الكلام. "د".
4 ويكون معنى رفعها في الحديث رفع الإثم لا رفع التكليف، بدليل مطالبته بالأداء بعد زوال النسيان وما معه. "د".
5 وإن لم يكن مما يسمى رخصة. "د".
6 في "ط": "على".
(4/52)

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ:
وَالْأَدِلَّةُ عَلَى صِحَّتِهَا مَا تَقَدَّمَ1، وَالْمَسْأَلَةُ وَإِنْ كَانَتْ مُخْتَلَفًا فِيهَا عَلَى وَجْهٍ آخَرَ؛ فَالصَّوَابُ جَرَيَانُهَا عَلَى مَا جَرَتْ عَلَيْهِ الْعَزَائِمُ مَعَ الرُّخَصِ، وَلِنَفْرِضِ الْمَسْأَلَةَ فِي مَوْضِعَيْنِ:
أَحَدُهُمَا 2:
فِيمَا إِذَا وَقَعَ الْخَطَأُ مِنَ الْمُكَلَّفِ فَتَنَاوَلَ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ؛ ظَهَرَتْ عِلَّةُ تَحْرِيمِهِ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوْ غَيْرِهِمَا؛ كَشَارِبِ الْمُسْكِرِ يظنه حلالًا، وآكل مال
__________
1 قال في الدليل الأول هناك: لا يخاطب بالعزيمة من لا يطيقها؛ فالخطاب مرفوع من الأصل لرفع التكليف بما لا يطاق، فإجراء هذا الدليل لا يناسب ما نحن فيه؛ لأنه ينتج عكس مطلوبه ويقتضي أنه لا تكليف مع النسيان والخطأ، وأيضًا قالوا: إن الفهم والقدرة على الامتثال شرطان في التكليف، وأجابوا عن مثل اعتبار طلاق السكران الفاقد للشرط بأنه من قبيل ربط الأحكام بأسبابها، فهو من خطاب الوضع لا من التكليف، وهذا يشكل على المسألة هنا، وعلى قوله سابقًا: "ونظير تخلف العزيمة للمشقة تخلفها للخطأ والنسيان والإكراه وغيرها من الأعذار التي يتوجه الخطاب ... إلخ"؛ إلا أن يقال: إنه جارٍ على القول بتوجه التكليف إلى هؤلاء جميعًا، وأشار إلى ذلك بقوله: "وإن كان مختلفًا فيها"، ويكون معنى الشرط على هذا القول أنه شرط في المؤاخذة لا في أصل توجه التكليف، هذا وقد سبق له في باب الأحكام الإفاضة في مرتبة العفو وأنها زائدة عن الأحكام الخمسة، وأقام الأدلة عليها إثباتًا ونفيًا، وذكر مواضعها على القول بثبوتها، وختم المبحث هناك بما ختمه به هنا من أن هذا مبحث لا ينبني عليه فقه، وأن الأولى تركه؛ فراجعه إن شئت. "د".
2 فرض المسألة في هذين الموضعين من باب التمثيل لا الاستقصاء؛ لأنها أوسع من ذلك، وقد سبق له في النوع الأول من الأنواع الثلاثة لمرتبة العفو المذكور هناك -وهو الوقوف مع الدليل المعارض قصد نحوه- أن أدرج فيه العمل بالعزيمة مع وجود مقتضى الرخصة، كما أدرج فيه المتأول كشارب المسكر يظنه حلالًا، وأدرج فيه خطأ القاضي في مسائل الاجتهاد ما لم يكن أخطأ نصًّا أو إجماعًا أو بعض القواطع، وإنما قيده بقوله: "ظهرت ... إلخ" حتى يتأتى له قوله بعد: "فهل يسوغ أن يقال ... إلخ" يعني، ومع مراعاة المصالح وبناء الأحكام عليها لا يمكن أن يقال ذلك، وكذا يقال في الموضع الثاني. "د".
(4/53)

الْيَتِيمِ أَوْ غَيْرِهِ يَظُنُّهُ مَتَاعَ نَفْسِهِ، أَوْ قَاتِلِ1 الْمُسْلِمِ يَظُنُّهُ كَافِرًا، أَوْ وَاطِئِ الْأَجْنَبِيَّةِ يَظُنُّهَا زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْمَفَاسِدَ الَّتِي حُرِّمَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ لِأَجْلِهَا وَاقِعَةٌ أَوْ مُتَوَقَّعَةٌ، فَإِنَّ شَارِبَ الْمُسْكِرِ قَدْ زَالَ عَقْلُهُ وَصَدَّهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ، وَآكِلُ مَالِ الْيَتِيمِ قَدْ أَخَذَ مَالَهُ2 الَّذِي حَصَلَ لَهُ بِهِ الضَّرَرُ وَالْفَقْرُ وَقَاتِلُ المسلم قد أزهق دم نفس ومن قتلها {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} [الْمَائِدَةِ: 32] ، وَوَاطِئُ الْأَجْنَبِيَّةِ قَدْ تَسَبَّبَ فِي اخْتِلَاطِ نَسَبِ الْمَخْلُوقِ مِنْ مَائِهِ؛ فَهَلْ يُسَوَّغُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ فِيهَا وَأَمَرَ3 بِهَا؟ كَلَّا، بَلْ4 عَذَرَ الْخَاطِئَ5 وَرَفَعَ الْحَرَجَ وَالتَّأْثِيمَ بِهَا، وَشَرَعَ مَعَ ذَلِكَ فِيهَا التَّلَافِي حَتَّى تَزُولَ الْمَفْسَدَةُ فِيمَا يُمْكِنُ فِيهِ الْإِزَالَةُ؛ كَالْغَرَامَةِ، وَالضَّمَانِ فِي الْمَالِ، وَأَدَاءِ الدِّيَةِ مَعَ تَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ فِي النَّفْسِ، وَبَذْلِ الْمَهْرِ مَعَ إِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِالْوَاطِئِ، وما أشبه ذلك [ف] {إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} [الْأَعْرَافِ: 28] ، {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ} [النَّحْلِ: 90] ، غَيْرَ أَنَّ عُذْرَ الْخَطَأِ رَفْعُ حُكْمِ التَّأْثِيمِ الْمُرَتَّبِ على التحريم.
__________
1 في الأصل و"ف": "قتل"، وقال "ف": "الأنسب: "أو قاتل المسلم" كما يقتضيه السياق".
2 في "ط": "أخذ له".
3 المناسب "أو" لينفي الإباحة والأمر؛ فيبقى النهي متوجهًا كما سيقول: "رفع حكم التأثيم المرتب على التحريم"، وقوله بعد: "مَأْمُورًا بِمَا أَخْطَأَ فِيهِ أَوْ مَأْذُونًا لَهُ فيه" يؤيد أن المقام لأوجه. "د".
4 يعني: بل نهى عنها، غايته أنه عذر الخاطئ؛ فلم يؤاخذه، يريد أن المكلف في كل عمل يتوجه عليه من الله؛ إما الإباحة لفعله، وإما الأمر، وإما النهي؛ فهنا في هذه الأمور لا يتأتى الإباحة ولا الأمر؛ فيبقى أن يتوجه النهي، غايته أنه لا يؤاخذه لفقد شرط المؤاخذة، وقد يذكر هذا دليلًا على أنه قد تخلو وقائع من حكم الله فيها, ودليلًا على ثبوت مرتبة العفو، وكلا هذين مبني على أنه لا تكليف رأسًا عند فقد الشرطين المذكورين آنفًا، خلافًا لما جرى عليه هو في هذه المسألة وما قبلها في قوله: "ونظير تخلف العزيمة للمشقة ... إلخ" "د".
5 بمعنى المخطئ لا الآثم.
(4/54)

وَالْمَوْضِعُ الثَّانِي:
إِذَا أَخْطَأَ الْحَاكِمُ فِي الْحُكْمِ1، فَسَلَّمَ الْمَالَ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ، أَوِ الزَّوْجَةَ إِلَى غَيْرِ زَوْجِهَا، أَوْ أَدَّبَ مَنْ لَمْ يَسْتَحِقَّ تَأْدِيبًا وَتَرَكَ مَنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا لَهُ، أَوْ قَتَلَ نَفْسًا بَرِيئَةً إِمَّا لِخَطَأٍ فِي دَلِيلٍ أَوْ فِي الشُّهُودِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ؛ فَقَدْ قَالَ2 تَعَالَى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ: 49] .
وَقَالَ: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطَّلَاقِ: 2] .
فَإِذَا أَخْطَأَ فَحَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّهُ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ؟ أَوْ أَشْهَدَ ذَوَيْ زُورٍ؛ فَهَلْ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ مَأْمُورٌ3 بِقَبُولِهِمْ وَبِإِشْهَادِهِمْ؟ هَذَا لا يسوغ
__________
1 قال ابن العربي في "القبس" "3/ 878": فإن أخطأ القاضي -وهي مسألة عظيمة- فإن ذلك لا يلزمه ضمانًا، ولا يوجب عليه ملامًا، والأصل في ذلك أن خالد بن الوليد لما أخطأ في بني جذيمة لم يعلق به النبي -صلى الله عليه وسلم- شيئًا، اللهم إلا أنه قال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد".
أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الأحكام، باب إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو رد، 9/ 91"، ثم قال: "والمعنى يعضده، فإن القاضي لو نظر بشرط سلامة العاقبة وهو لا يعول على النص، إنما بنى حكمه على الاجتهاد، لكان ذلك باطلًا من وجهين، أحدهما أنه يكون تكليف ما لا يطاق، الثاني أنه يكون تنفيرًا للخلق عن الولاة؛ فتتعطل الأحكام".
وانظر: "قواعد الأحكام" "1/ 90 و2/ 165"، و"الأصول والضوابط من التحرير" "ص356-357 و419-420"، و"المبسوط" "9/ 64 و25/ 132"، و"بدائع الصنائع" "7/ 16"، و"شرح السير الكبير" "3/ 869"، و"تبيين الحقائق" "4/ 204-205".
2 أي: فهو مما ظهرت علة تحريمه بنص. "د".
3 يريد: بل هو منهي عن ذلك، ولم لا يقال: إنه مأمور به في نظر المكلف وفي اجتهاده هو، وهو لا يكلف إلا بهذا القدر لا أنه مأمور به على التحقيق، ولهذا توجه الأمر الجديد بتلافي ما أفسده كما سيشير إليه بعد: "وقوله: لا فرق بين أمر وأمر ... إلخ" الفرق ظاهر يقتضيه نفس بناء الأحكام على المصالح؛ فإن التكليف للفاعل وللحاكم، إنما هو يطيقه ويظنه صوابًا، فإذا ظهر الخطأ في ظنه؛ فترتب عليه فساد أو ظلم للغير ورد تكليف جديد بإزالة الظلم، وهذا من لوازم مراعاة المصالح وبناء الأحكام عليها، فإذا جرينا على أن هذا من مرتبة العفو أو أنه لا يلزم لله في كل واقعة حكم؛ كان الأمر أشد وضوحًا. "د".
(4/55)

بِنَاءً عَلَى مُرَاعَاةِ الْمَصَالِحِ فِي الْأَحْكَامِ، تَفَضُّلًا كَمَا اخْتَرْنَاهُ، أَوْ لُزُومًا كَمَا يَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ، غَيْرَ أَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي عَدَمِ إِصَابَتِهِ كَمَا مَرَّ، وَالْأَمْثِلَةُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وَلَوْ كَانَ هَذَا الْفَاعِلُ1 وَهَذَا الْحَاكِمُ مَأْمُورًا بِمَا أَخْطَأَ فِيهِ، أَوْ مَأْذُونًا لَهُ فِيهِ، لَكَانَ الْأَمْرُ بِتَلَافِيهِ إِذَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ؛ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَمْرٍ وَأَمْرٍ، وَإِذْنٍ وَإِذْنٍ؛ إِذِ الْجَمِيعُ ابْتِدَائِيٌّ؛ فَالتَّلَافِي بَعْدَ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ شَيْءٌ لَا يُعْقَلُ لَهُ مَعْنًى، وَذَلِكَ خِلَافُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اعْتِبَارُ الْمَصَالِحِ.
فَإِنِ الْتَزَمَ أَحَدٌ هَذَا الرَّأْيَ، وَجَرَى2 عَلَى التَّعَبُّدِ الْمَحْضِ، وَرَشَّحَهُ بِأَنَّ الْحَرَجَ مَوْضُوعٌ فِي التَّكَالِيفِ وَإِصَابَةِ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ حَرَجٌ3 أَوْ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا4 يُسْتَطَاعُ، وَإِنَّمَا يُكَلَّفُ بِمَا يَظُنُّهُ صَوَابًا، وَقَدْ ظَنَّهُ كَذَلِكَ؛ فَلْيَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ أَوْ مَأْذُونًا فِيهِ، وَالتَّلَافِي بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرٌ ثَانٍ بِخِطَابٍ جَدِيدٍ؛ فَهَذَا الرَّأْيُ جَارٍ عَلَى الظَّاهِرِ لَا عَلَى التَّفَقُّهِ فِي الشَّرِيعَةِ، وَقَدْ مَرَّ لَهُ تَقْرِيرٌ فِي فَصْلِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَلَوْلَا أَنَّهَا مَسْأَلَةٌ عَرَضَتْ5؛ لَكَانَ الْأَوْلَى تَرَكُ الْكَلَامِ فِيهَا لِأَنَّهَا لَا تكاد ينبني عليها فقه معتبر.
__________
1 أي: لو كان كل من الفاعل في الموضع الأول والحاكم في الموضع الثاني مأمورًا ... إلخ. "ف". وفي "ط": "فاعل أو هذا ... ".
2 وليس بلازم على ما عرفت، وقد يشكل على كلامه من أن خطأ الحاكم منهي عنه ما هو متفق عليه من إثابة المجتهد إذا أخطأ، وأن له أجرًا واحدًا وللمصيب أجرين، وهذا في كل مجتهد في حكم سواء أكان قاضيًا به أم مفتيًا أم غيرهما؛ فهل يثاب على المنهي عنه؟ وسيأتي له في أول مسألة في كتاب الاجتهاد أن هذا النوع من الاجتهاد يسمى تحقيق المناط، وأنه يحتاج إلى بذل الوسع في تقدير قيمة شهادة الشاهد وعدالته وغير ذلك؛ فكيف يثاب على قضائه الخطأ وهو على رأيه منهي عنه؟ فشناعة هذا اللازم على ما اختاره لا انفصال له عنها. "د".
3 وهل هذا إلا اعتبار المصالح؟ فكيف نقول معه جرينا على التعبد المحض؛ إلا أن يقال: إنه لذلك سماه ترشيحًا لا دليلًا؟ "د".
4 في "ط": "ما لا".
5 المسائل التي تعرض في طريق المباحث الأصلية كثيرة؛ فلو تم له هذا لاتسع المجال لذكر ما لا ينبني عليه فقه، وقد أنكر ذلك في مقدمات الكتاب، وقد علمت أنه ذكر هذه المسألة بتفصيل أوسع في كتاب الأحكام في مسألة مرتبة العفو؛ فذكرها هنا لمجرد مناسبتها للتخصيص، وأنها تعد منه أو لا تعد. "د".
(4/56)

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ:
الْعُمُومُ إِذَا ثَبَتَ؛ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَثْبُتَ مِنْ جِهَةِ صِيَغِ الْعُمُومِ فَقَطْ، بَلْ لَهُ طَرِيقَانِ:
أَحَدُهُمَا: الصِّيَغُ إِذَا وَرَدَتْ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي كَلَامِ أَهْلِ الْأُصُولِ.
وَالثَّانِي: اسْتِقْرَاءُ مَوَاقِعِ الْمَعْنَى حَتَّى يَحْصُلَ مِنْهُ فِي الذِّهْنِ أَمْرٌ كُلِّيٌّ عَامٌّ؛ فَيَجْرِي فِي الْحُكْمِ مَجْرَى الْعُمُومِ الْمُسْتَفَادِ مِنَ الصِّيَغِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الثَّانِي وُجُوهٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الِاسْتِقْرَاءَ هَكَذَا شَأْنُهُ؛ فَإِنَّهُ تصفُّح جُزْئِيَّاتِ ذَلِكَ الْمَعْنَى لِيَثْبُتَ مِنْ جِهَتِهَا حُكْمٌ عَامٌّ؛ إِمَّا قَطْعِيٌّ1، وَإِمَّا ظَنِّيٌّ2، وَهُوَ أَمْرٌ مُسَلَّمٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ؛ فَإِذَا تَمَّ الِاسْتِقْرَاءُ حُكِمَ بِهِ مُطْلَقًا فِي كُلِّ فَرْدٍ يُقَدَّرُ3، وَهُوَ مَعْنَى الْعُمُومِ الْمُرَادُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالثَّانِي: أن التواتر المعنوي هذا معناه؛ فإن وجود حَاتِمٍ مَثَلًا إِنَّمَا ثَبَتَ عَلَى الْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ، وَعَلَى الْعُمُومِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ، بِنَقْلِ وَقَائِعَ خَاصَّةٍ مُتَعَدِّدَةٍ تَفُوتُ الْحَصْرَ، مُخْتَلِفَةٍ فِي الْوُقُوعِ، مُتَّفِقَةٍ فِي مَعْنَى الْجُودِ؛ حَتَّى حَصَّلَتْ لِلسَّامِعِ مَعْنًى كُلِّيًّا حُكِمَ بِهِ عَلَى حاتم وهو الجود، ولم يكن خصوص
__________
1 أي: إذا كان تامًّا. "د".
2 إذا كان في غالب الجزئيات فقط. "د".
3 أي: يفرض وإن لم يجئ فيه نص، ولا يخفى عليك أن هذا يكون من نوع الظني حينئذ. "د".
(4/57)

الْوَقَائِعِ قَادِحًا فِي هَذِهِ الْإِفَادَةِ، فَكَذَلِكَ إِذَا فَرَضْنَا أَنَّ رَفْعَ الْحَرَجِ فِي الدِّينِ مَثَلًا مَفْقُودٌ فِيهِ صِيغَةُ عُمُومٍ؛ فَإِنَّا نَسْتَفِيدُهُ مِنْ نَوَازِلَ مُتَعَدِّدَةٍ خَاصَّةٍ، مُخْتَلِفَةِ الْجِهَاتِ مُتَّفِقَةٍ فِي أَصْلِ رَفْعِ الْحَرَجِ، كَمَا إِذَا وَجَدْنَا التَّيَمُّمَ شُرِعَ عِنْدَ مَشَقَّةِ طَلَبِ الْمَاءِ، وَالصَّلَاةَ قَاعِدًا عِنْدَ مَشَقَّةِ الْقِيَامِ1، وَالْقَصْرَ وَالْفِطْرَ فِي السَّفَرِ، وَالْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السِّفْرِ وَالْمَرَضِ وَالْمَطَرِ، وَالنُّطْقَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ عِنْدَ مَشَقَّةِ الْقَتْلِ وَالتَّأْلِيمِ، وَإِبَاحَةَ الْمَيْتَةِ وَغَيْرِهَا عِنْدَ خَوْفِ2 التَّلَفِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ الْمَشَقَّاتِ، وَالصَّلَاةَ إِلَى أَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ3 لِعُسْرِ اسْتِخْرَاجِ الْقِبْلَةِ، وَالْمَسْحَ عَلَى الْجَبَائِرِ وَالْخُفَّيْنِ لِمَشَقَّةِ النَّزْعِ وَلِرَفْعِ الضَّرَرِ، وَالْعَفْوَ فِي الصِّيَامِ عَمَّا يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ مِنَ الْمُفْطِرَاتِ كَغُبَارِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِهِ، إِلَى جُزْئِيَّاتٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا يَحْصُلُ مِنْ مَجْمُوعِهَا قَصْدُ الشَّارِعِ لِرَفْعِ الْحَرَجِ؛ فَإِنَّا نَحْكُمُ بِمُطْلَقِ رَفْعِ الْحَرَجِ فِي الْأَبْوَابِ كُلِّهَا، عَمَلًا4 بِالِاسْتِقْرَاءِ، فَكَأَنَّهُ عُمُومٌ لَفْظِيٌّ، فَإِذَا ثبت اعتبار التواتر المعنوي؛
__________
1 زاد في "د" هنا: "طلب" القيام، وليست في النسخ الأخرى.
2 المراد بالإباحة: الإذن, وبخوف التلف ما هو أعم من موجب ألم المسغبة ألمًا شاقًّا، وإلا؛ فالإباحة بمعنى استواء الطرفين أو ما لا حرج فيه على ما تقدم له، إنما تكون لما يدفع المشقة الفادحة، لا ما يوجب التلف وإلا كان واجبًا. "د".
3 في "د": "كان" وفي "ط": "وجهة كانت".
4 جمع بين نتيجة الدليل الأول والثاني كما ترى لاشتباكهما هنا على ما قرره؛ فإنه جعل الاستقراء طريقًا لإثبات التواتر المعنوي، وذلك لأن هذه الجزئيات تتضمن الكلي المراد إثباته، ولتعددها وكثرة تنوعها يفهم منها ثبوت القدر المشترك، وإنما قال: "ثبت في ضمنه"، ولم يقل: ثبت ما نحن فيه؛ لأن ما هنا ليس تواترًا معنويًّا بالمعنى المعروف؛ كجود حاتم؛ لأن ذلك وصف لجزئي هو حاتم، فكل جزئية من أخبار كرمه تعود على هذا الوصف مباشرة بالإثبات، بخلاف إثبات العموم أو الكلي باستقراء الجزئيات؛ فليس كل جزئي مثبتًا لعموم العام مباشرة حتى يتكون من المجموع تواتر معنوي بالمعنى المعروف، بل ذلك إنما جاء من تضمن تلك الجزئيات للمعنى العام الكلي؛ فيفهم بسبب تعددها وتنوعها أن الحكم ليس لخصوصية في الجزئي، هذا توضيح كلامه، نقول: ومتى تم له هذا أمكن أن يقال في كل استقراء ولم جزئيًّا أنه تواتر معنوي بهذا المعنى، وقد يقال: إنه ينافي قولهم: إن الحاصل من التواتر علم جزئي من شأنه أن يحصل بالإحساس كوجود مكة مثلًا، فلذا لا يقع في العموم بالذات، لأن مسائلها كليات، ونحن نثبت به هنا كليًّا وعامًّا؛ فتأمل. "د".
(4/58)

ثَبَتَ فِي ضِمْنِهِ مَا نَحْنُ فِيهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ قَاعِدَةَ سَدِّ الذَّرَائِعِ إِنَّمَا عَمِلَ السَّلَفُ بِهَا بِنَاءً عَلَى هَذَا الْمَعْنَى كَعَمَلِهِمْ فِي تَرْكِ الْأُضْحِيَّةِ1 مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَكَإِتْمَامِ2 عُثْمَانَ الصلاة
__________
1 يشير المصنف إلى ما أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" "4/ 381/ رقم8139"، وابن أبي خيثمة في "تاريخه"، وابن أبي الدنيا في "الضحايا" -كما في "التلخيص الحبير" "4/ 145"، والطبراني في "الكبير", كما في "مجمع الزوائد" "4/ 18"، والبيهقي في "الكبرى" "9/ 295" و"الخلافيات" "3/ ق 279", وابن حزم في "المحلى" "7/ 19، 358" بسند صحيح عن أبي سريحة الغفاري؛ قال: "ما أدركت أبا بكر، أو رأيت أبا بكر وعمر -رضي الله عنهما- كنا لا يضحيان -في بعض حديثهم- كراهية أن يقتدى بهما".
قال البيهقي: "أبو سريحة الغفاري هو حذيفة بن أسيد صاحب رسول الله, صلى الله عليه وسلم" وروى عن أبي مسعود الأنصاري -رضي الله عنه- قال: "إني لأدع الأضحى، وإني لموسر مخافة أن يرى جيراني أنه حتم عليّ"، وإسناده صحيح أيضًا، وانظر: "إرواء الغليل" "4/ 354-355/ رقم 1139".
2 إتمام عثمان -رضي الله عنه- ثابت في "صحيح البخاري" "كتاب تقصير الصلاة، باب الصلاة بمنى، 2/ 563/ رقم 1082، 1084، وباب يقصر إذا خرج من موضعه، 2/ 569/ رقم 1090، وكتاب الحج، باب الصلاة بمنى، 3/ 509/ رقم 1657"، و"صحيح مسلم" "كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب قصر الصلاة بمنى، 1/ 482/ رقم 694-695", و"سنن أبي داود", "كتاب المناسك, باب الصلاة بمنى 2/ 199/ رقم 1960"، و"المجتبى" للنسائي "كتاب تقصير الصلاة، باب الصلاة بمنى، 3/ 120"، و"مسند أحمد" "1/ 416، 425، 464"، و"مسند الطيالسي" "رقم 1091"، و"مسند أبي عوانة" "2/ 340", و"مسند أبي يعلى", "9/ 123, 255-256/ رقم 5194, 5377", و"سنن الدارمي", "2/ 55"، و"شرح معاني الآثار" للطحاوي "1/ 416"، و"المعجم الكبير" "1/ 268"، للطبراني، وسيأتي تصريح المصنف "ص102" بسبب إتمام عثمان, رضي الله عنه.
(4/59)

فِي حَجِّهِ بِالنَّاسِ، وَتَسْلِيمِ الصَّحَابَةِ لَهُ فِي عُذْرِهِ الَّذِي اعْتَذَرَ بِهِ مِنْ سَدِّ الذَّرِيعَةِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَفْرَادِهَا الَّتِي عَمِلُوا بِهَا، مَعَ أَنَّ الْمَنْصُوصَ فِيهَا إِنَّمَا هِيَ أُمُورٌ خَاصَّةٌ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا} [الْبَقَرَةِ: 104] .
وَقَوْلِهِ: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الْأَنْعَامِ: 108] .
وَفِي الْحَدِيثِ: "مِن أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَسُبَّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ" 1 وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ.
وَهِيَ أُمُورٌ خَاصَّةٌ لَا تَتَلَاقَى مَعَ مَا حَكَمُوا بِهِ إِلَّا فِي مَعْنَى سَدِّ الذَّرِيعَةِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ غَيْرِ إِشْكَالٍ.
فَإِنْ قِيلَ: اقْتِنَاصُ الْمَعَانِي الْكُلِّيَّةِ مِنَ الْوَقَائِعِ الْجُزْئِيَّةِ غَيْرُ بيِّن، مِنْ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُمْكِنُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ لَا فِي الشَّرْعِيَّاتِ؛ لِأَنَّ الْمَعَانِيَ الْعَقْلِيَّةَ بَسَائِطُ لَا تَقَبَلُ2 التَّرْكِيبَ، وَمُتَّفِقَةٌ لَا تَقْبَلُ الاختلاف؛ فيحكم العقل
__________
1 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الأدب، باب لا يسب الرجل والديه، 10/ 403/ رقم 5973"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، 1/ 92/ رقم 90" وغيرهما، وتتمته: "وهل يسب الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فيسب أمه".
2 أي: بحيث لا تزيد الماهيات ولا تنقص؛ فيجب أن تكون الجزئيات فيها متفقة الأحكام؛ فالمثلان هما المشتركان في جميع الصفات النفسية التي لا تحتاج في وصف الشيء بها إلى أمر زائد عليها كالإنسانية والحقيقة والشيئية للإنسان، وتقابلها الصفات المعنوية، وهي التي تحتاج في الوصف بها إلى تعقل أمر زائد على ذات الموصوف؛ كالتحيز والحدوث للجسم، ويلزم في كل مثلين اشتراكهما فيما يجب ويمكن ويمتنع؛ فكل ما يحكم به على أحدهما يحكم به على الآخر في كل ما يرجع إلى مقتضى التماثل، أما ما يخرج عن ذلك من كل ما كان تابعًا للوجود الخارجي الزائد عن الحقيقة؛ فاختلاف المتماثلين فيه جائز؛ فيحكم على زيد بأنه طويل وجاهل، وعلى عمرو بأنه قصير وعالم مثلًا، وهكذا، وهو ما يشير إليه بقوله في الثاني: "إن الخصوصيات تستلزم من حيث الخصوص معنى زائدًا، وإذ ذاك ... إلخ"؛ فهذا جار في العقليات باعتبار الوجود الخارجي الذي فيه المعاني الخاصة. "د".
(4/60)

فِيهَا عَلَى الشَّيْءِ بِحُكْمِ مِثْلِهِ شَاهِدًا وَغَائِبًا؛ لِأَنَّ فَرْضَ خِلَافِهِ مُحَالٌ عِنْدَهُ، بِخِلَافِ الْوَضْعِيَّاتِ؛ فَإِنَّهَا لَمْ تُوضَعْ وَضْعَ النَّقْلِيَّاتِ، وَإِلَّا كَانَتْ هِيَ [هِيَ] 1 بِعَيْنِهَا؛ فَلَا تَكُونُ وَضْعِيَّةً، هَذَا خَلْفٌ، وَإِذَا لَمْ تُوضَعْ وَضْعَهَا، وَإِنَّمَا وُضِعَتْ عَلَى وَفْقِ الِاخْتِيَارِ الَّذِي يَصِحُّ مَعَهُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الشَّيْءِ وَمِثْلِهِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الشَّيْءِ وَضِدِّهِ وَنَقِيضِهِ؛ لَمْ يَصِحَّ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُقْتَنَصَ فِيهَا مَعْنًى كُلِّيٌّ عَامٌّ مِنْ مَعْنًى جُزْئِيٍّ خَاصٍّ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْخُصُوصِيَّاتِ تَسْتَلْزِمُ مِنْ حَيْثُ الْخُصُوصِ مَعْنًى زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى الْعَامِّ، أَوْ مَعَانِيَ كَثِيرَةً، وَهَذَا وَاضِحُ2 فِي الْمَعْقُولِ؛ لِأَنَّ مَا بِهِ الِاشْتِرَاكُ غَيْرُ مَا بِهِ الِامْتِيَازُ، وَإِذْ ذَاكَ لَا يَتَعَيَّنُ تَعَلُّقُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فِي ذَلِكَ الْخَاصِّ بِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ الْعَامِّ3 دُونَ التَّعَلُّقِ بِالْخَاصِّ عَلَى الِانْفِرَادِ، أَوْ بِهِمَا مَعًا؛ فَلَا يَتَعَيَّنُ مُتَعَلِّقُ الْحُكْمِ، وَإِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ؛ لَمْ يَصِحَّ نَظْمُ الْمَعْنَى الْكُلِّيِّ مِنْ تِلْكَ الْجُزْئِيَّاتِ إِلَّا عِنْدَ فَرْضِ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَتَعَلَّقْ إِلَّا بِالْمَعْنَى الْمُشْتَرَكِ الْعَامِّ دُونَ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَعِنْدَ وُجُودِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ لَا يَتَبَقَّى4 تَعَلُّقٌ بِتِلْكَ الْجُزْئِيَّاتِ فِي اسْتِفَادَةِ مَعْنًى عَامٍّ؛ لِلِاسْتِغْنَاءِ بِعُمُومِ صِيغَةِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ عَنْ هَذَا الْعَنَاءِ الطَّوِيلِ.
وَالثَّالِثُ5: أَنَّ التَّخْصِيصَاتِ6 فِي الشَّرِيعَةِ كَثِيرَةٌ؛ فيخص محل
__________
1 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.
2 في "ط": "أوضح".
3 أي: المعنى المشترك. "د".
4 في الأصل و"ط": "يبقى".
5 هذا الثالث ليس وجهًا مستقلًّا عن الوجهين قبله، بل هو تفصيل وإيضاح لقوله في الأول: "وَإِنَّمَا وُضِعَتْ عَلَى وَفْقِ الِاخْتِيَارِ الَّذِي يَصِحُّ معه.. إلخ"، فإن قيل: إن ما تقدم في تجويز ذلك وهذا في وقوع ذلك بالفعل في هذه الأمثلة، قلنا: نعم، ولكنه لم يأت بمعنى جديد، ويمكنه أن يصله بالأول على طريق ضرب الأمثلة له، وقد يقال: إنه فصله وجعله مستقلًّا لأن جوابه غير جواب الأول؛ كما أشار إليه المؤلف، وإن كان بينهما هذا الاتصال الذي أشرنا إليه. "د".
6 في "إعلام الموقعين" "المجلد الثاني إلى ص 130" أجوبة سديدة عن أكثر ما ذكره هنا، وأثبت فيه بما لا مزيد عليه أنه لم يثبت شيء في الشريعة على خلاف القياس.
(4/61)

بِحُكْمٍ، وَيُخَصُّ مِثْلُهُ بِحُكْمٍ آخَرَ، وَكَذَلِكَ يُجْمَعُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَاتِ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ.
وَلِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ؛ كَجَعْلِ التُّرَابِ طَهُورًا كَالْمَاءِ، وَلَيْسَ بِمُطَهِّرٍ1 كَالْمَاءِ، بَلْ هُوَ بِخِلَافِهِ، وَإِيجَابِ الْغُسْلِ مِنْ خُرُوجِ الْمَنِيِّ دُونَ الْمَذْيِ وَالْبَوْلِ وَغَيْرِهِمَا، وَسُقُوطِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ عَنِ الْحَائِضِ ثُمَّ قَضَاءِ الصَّوْمِ دُونَ الصَّلَاةِ، وَتَحْصِينِ الْحُرَّةِ لِزَوْجِهَا وَلَمْ تُحْصِنِ الْأَمَةُ سَيِّدَهَا، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَمَنْعِ النَّظَرِ إِلَى مَحَاسِنِ الْحُرَّةِ دُونَ مَحَاسِنِ الْأَمَةِ، وَقَطْعِ السَّارِقِ دُونَ الْغَاصِبِ وَالْجَاحِدِ وَالْمُخْتَلِسِ، وَالْجَلْدِ بِقَذْفِ الزِّنَى دُونَ غَيْرِهِ، وَقَبُولِ شَاهِدَيْنِ فِي كُلِّ حَدٍّ مَا سِوَى الزِّنَى، وَالْجَلْدِ بِقَذْفِ الْحُرِّ دُونَ قَذْفِ الْعَبْدِ، وَالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ عِدَّتَيِ الْوَفَاةِ وَالطَّلَاقِ، وحالُ الرَّحِمِ لَا يُخْتَلَفُ فِيهِمَا، وَاسْتِبْرَاءِ الْحُرَّةِ بِثَلَاثِ حِيَضٍ، وَالْأَمَةِ بِوَاحِدَةٍ، وَكَالتَّسْوِيَةِ فِي الْحَدِّ بَيْنَ الْقَذْفِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَبَيْنَ الزِّنَى2 وَالْمَعْفُوِّ عَنْهُ فِي دَمِ الْعَمْدِ، وَبَيْنَ الْمُرْتَدِّ وَالْقَاتِلِ، وَفِي الْكَفَّارَةِ بَيْنَ الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ وَإِفْسَادِ الصَّوْمِ3، وَبَيْنَ قَتْلِ الْمُحْرِمِ الصَّيْدَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً.
__________
1 أي: بمزيل للنجاسات وآثارها كالماء، ومع ذلك جعل مثله في رفع الحديث. "د".
2 فلم يقبل العفو في الزنى، لا من الزوج ولا من أهل المرأة، بخلاف قتل العمد إذا عفا عنه الأولياء؛ فيقبل، ولعل هذا مؤخر من تقديم، ومحله قبل قوله: "وكالتسوية" لأن سائر ما قبله فرق فيها بين المتماثلات، وسائر ما بعده جمع فيه بين المختلفات، وهذا على ما قررنا من الأول. "د".
3 بجماع فيه إيلاجٌ.
(4/62)

وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ مُسْتَوِيَانِ فِي أَصْلِ التَّكْلِيفِ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَمُفْتَرَقَانِ بِالتَّكْلِيفِ1 اللَّائِقِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ كَالْحَيْضِ، وَالنِّفَاسِ، وَالْعِدَّةِ، وَأَشْبَاهِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَرْأَةِ، والاختصاصُ فِي مِثْلِ هَذَا لَا إِشْكَالَ فِيهِ.
وَأَمَّا الْأَوَّلُ2؛ فَقَدْ وَقَعَ الِاخْتِصَاصُ فِيهِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ؛ كَالْجُمُعَةِ3، وَالْجِهَادِ، وَالْإِمَامَةِ وَلَوْ فِي النِّسَاءِ4، وَفِي الْخَارِجِ النَّجِسِ مِنَ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ؛ فَفَرَّقَ بَيْنَ بَوْلِ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ، مَعَ فَقْدِ الْفَارِقِ فِي الْقِسْمِ الْمُشْتَرِكِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ الْعَبْدُ؛ فَإِنَّ لَهُ اخْتِصَاصَاتٍ فِي الْقِسْمِ الْمُشْتَرَكِ5 أَيْضًا، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا؛ لَمْ يَصِحَّ الْقَطْعُ بِأَخْذِ عُمُومٍ مِنْ وَقَائِعَ مُخْتَصَّةٍ.
فَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ يُمْكِنُ فِي الشَّرْعِيَّاتِ إِمْكَانَهُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَطْعُ السَّلَفِ الصَّالِحِ بِهِ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ، كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ، فَإِذَا وَقَعَ مِثْلُهُ؛ فَهُوَ وَاضِحٌ فِي أَنَّ الْوَضْعَ الِاخْتِيَارِيَّ الشَّرْعِيَّ مُمَاثِلٌ6 لِلْعَقْلِيِّ الِاضْطِرَارِيِّ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ حَتَّى فَهِمُوهُ مِنْ قَصْدِ الشَّارِعِ.
وَعَنِ الثَّانِي أَنَّهُمْ لَمْ يَنْظِمُوا الْمَعْنَى الْعَامَّ مِنَ الْقَضَايَا الْخَاصَّةِ حَتَّى عَلِمُوا
__________
1 في "ط": "في التكليف".
2 وهو القسم المشترك. "د".
3 يعني: وهذه الأمور لائقة بكل منهما، ووقع فيها الاختصاص والتفرقة وكان يجدر بها التسوية؛ فهي مما فرق فيه الحكم كالقسم الأول، ولكنه نوع آخر جعل فيه محل الفرق أصناف الإنسان، وقد كان النظر سابقًا إلى جعل محل الفرق نفس الأفعال، بقطع النظر عن الذكورة والأنوثة مثلًا، فلذا فصله عن نوعي الأمثلة السابقين؛ فقال: "وأيضًا ... إلخ". "د".
4 في "ط": "ولو للنساء".
5 كفرضية الجمعة مثلًا. "د".
6 ويبقى قوله: "لم توضع وضع العقليات، وإلا كانت هي هي بعينها"، ولما كانت هذه مجرد دعوى لا يقوم عليها دليل؛ لم يلتفت إليها في الجواب، فإن مجرد شبه شيء بآخر في أمر من الأمور لا يجعلهما من باب واحد؛ إن عقليًّا فعقلي، وإن شرعيًّا فشرعي. "د".
(4/63)

أَنَّ الْخُصُوصِيَّاتِ وَمَا بِهِ الِامْتِيَازُ غَيْرَ1 مُعْتَبَرَةٍ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَنْ بَعْدَهُمْ وَلَوْ كَانَتِ الْخُصُوصِيَّاتُ مُعْتَبَرَةً بِإِطْلَاقٍ لَمَا صَحَّ اعْتِبَارُ الْقِيَاسِ وَلَارْتَفَعَ مِنَ الْأَدِلَّةِ رَأْسًا، وَذَلِكَ بَاطِلٌ؛ فَمَا أَدَّى إِلَيْهِ مِثْلُهُ.
وَعَنِ الثَّالِثِ أَنَّهُ الْإِشْكَالُ الْمُورَدُ2 عَلَى الْقَوْلِ بِالْقِيَاسِ؛ فَالَّذِي أَجَابَ بِهِ الْأُصُولِيُّونَ هو الجواب هنا.
فصل:
وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَوَائِدُ تَنْبَنِي عَلَيْهَا، أَصْلِيَّةٌ وَفَرْعِيَّةٌ، وَذَلِكَ أَنَّهَا إِذَا تَقَرَّرَتْ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ، ثُمَّ اسْتَقْرَى مَعْنًى عَامًّا مِنْ أَدِلَّةٍ خَاصَّةٍ، وَاطَّرَدَ له ذلك المعنى؛
__________
1 ويبقى قوله: "وعند وجود ذلك الدليل لا يبقى تَعَلُّقٌ بِتِلْكَ الْجُزْئِيَّاتِ فِي اسْتِفَادَةِ مَعْنًى عَامٍّ للاستغناء عنها بعموم صيغة الدليل"، ولم يلتفت إليه في الجواب؛ لأنه لا يلزم للعلم بأن هذه الخصوصيات غير معتبرة أن يكون ذلك مأخوذًا من دليل لفظي بصيغة فيها العموم، بل قد يكون بالاستقراء المشار إليه سابقًا، وهو مكون من جزئيات ليس فيها لفظ عام. "د".
2 وحاصله أن المنكرين للقياس قالوا: كيف يتصرف بالقياس في شرع مبناه على التحكم والتعبد والفرق بين المتماثلات والجمع بين المفترقات، وذكروا لذلك أمثلة كما هنا، ثم قالوا: وكيف يتجاسر في شرع هذا منهاجه على إلحاق المسكوت بالمنطوق؟ وما من نص على محل إلا ويمكن أن يكو ذلك تحكمًا وتعبدًا.
والجواب: بالمنع وأن الأحكام الشرعية ثلاثة أقسام: قسم لا يعلل أصلًا، وقسم يعلم كونه معللًا، كالحجر على الصبي؛ فإنه لضعف عقله، وقسم يتردد فيه.
ونحن لا نقيس ما لم يقم دليل على كون الحكم معللًا، ودليل على عين العلة المستنبطة، ودليل على وجود العلة في الفرع، وما عدا ذلك لا يقاس فيه، والجواب هنا كذلك.
فإن اقتناص المعاني الكلية من الوقائع الجزئية والقطع بأخذ عموماتها من وقائع مختصة إنما هو فيما عدا ما وجد من فارق من الجزئيات، وعلم بالقرائن بناء على حكمه عليه؛ وهذا بظاهره مستثنى من العام وفي الحقيقة ليس من جزئياته؛ فتدبر. ا. هـ. "ف".
(4/64)

لَمْ يَفْتَقِرْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ عَلَى خُصُوصِ نَازِلَةٍ تَعِنُّ1، بَلْ يَحْكُمُ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَتْ خَاصَّةً بِالدُّخُولِ تَحْتَ عُمُومِ الْمَعْنَى الْمُسْتَقْرَى مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ بِقِيَاسٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ إِذْ صَارَ مَا اسْتُقْرِئَ مِنْ عُمُومِ الْمَعْنَى كَالْمَنْصُوصِ بِصِيغَةٍ عَامَّةٍ؛ فَكَيْفَ يَحْتَاجُ مَعَ ذَلِكَ إِلَى صِيغَةٍ خَاصَّةٍ بِمَطْلُوبِهِ.
وَمَنْ فَهِمَ هَذَا هَانَ عَلَيْهِ الْجَوَابُ عَنْ إِشْكَالِ الْقَرَافِيِّ2 الَّذِي أَوْرَدَهُ عَلَى أَهْلِ مَذْهَبِ مَالِكٍ، حَيْثُ اسْتَدَلُّوا فِي سَدِّ الذَّرَائِعِ عَلَى الشَّافِعِيَّةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تَسُبُّوا} [الأنعام: 108] .
وَقَوْلِهِ: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ} [الْبَقَرَةِ: 65] .
وَبِحَدِيثِ: "لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا" 3 إِلَخْ.
وَقَوْلِهِ: "لَا تَجُوزُ شهادة خصم ولا ظنين" 4.
__________
1 أي: تعرض. "ف".
2 في كتابه "الفروق" "3/ 266، الفرق الرابع والتسعون والمائة".
3 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب البيوع، باب بيع الميتة والأصنام، 4/ 424/ رقم 2236"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب المساقاة، باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، 3/ 1027/ رقم 1581"، عن جابر بن عبد الله, رضي الله عنه.
4 أخرجه أبو داود في "المراسيل" "رقم 396", وأبو عبيد في "الغريب" "2/ 155" بسند رجاله ثقات إلى طلحة بن عبد الله بن عوف عن النبي, صلى الله عليه وسلم: "لا شهادة لخصم ولا ظنين"، ولفظ أبي عبيد ما أورده المصنف وهو مرسل؛ فهو ضعيف.
ويشهد له ما أخرجه أحمد في "المسند" "2/ 181، 204، 208، 225". وأبو داود في "السنن" "4/ 24/ رقم 2600"، وابن ماجه في "السنن" "2/ 792/ رقم 2366"، وعبد الرزاق في "المصنف" "رقم 15364"، والدارقطني في "السنن" "4/ 243"، وابن جميع في "معجم الشيوخ" "ص108"، وابن مردويه في "ثلاثة مجالس من أماليه" "رقم 28"، والبيهقي في "الكبرى" "10/ 155" من طرق عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمر =
(4/65)

قَالَ: "فَهَذِهِ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ يَسْتَدِلُّونَ بِهَا وَهِيَ لَا تُفِيدُ؛ فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الشَّرْعِ سَدَّ الذَّرَائِعَ فِي الْجُمْلَةِ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي ذَرَائِعَ خَاصَّةٍ، وَهِيَ بُيُوعُ الْآجَالِ وَنَحْوِهَا؛ فَيَنْبَغِي أَنْ تُذْكَرَ أَدِلَّةٌ خَاصَّةٌ بِمَحَلِّ النِّزَاعِ، وَإِلَّا؛ فَهَذِهِ لَا تُفِيدُ".
قَالَ: وَإِنْ قَصَدُوا الْقِيَاسَ عَلَى هَذِهِ الذَّرَائِعِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا؛ فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ حُجَّتُهُمُ الْقِيَاسَ خَاصَّةً، وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ إِبْدَاءُ الْجَامِعِ حَتَّى يَتَعَرَّضَ الْخَصْمُ لِدَفْعِهِ بِالْفَارِقِ، وَيَكُونُ دَلِيلُهُمْ شَيْئًا وَاحِدًا وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ، بَلْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ مُدْرَكَهُمُ النُّصُوصَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرُوا نُصُوصًا خَاصَّةً بِذَرَائِعَ بُيُوعِ الآجال خاصة ويقتصرون عليها؛ كحديث1
__________
= على أخيه، ولا موقوف على حد"، وبعضها طرفه حسنة، وقواه ابن حجر في "التلخيص الحبير"، وفي الباب عن أبي هريرة عند البيهقي في "الكبرى" "10/ 201"، وبعضهم أرسله كما في "الغيلانيات" "رقم 599"، وعن عائشة كما عند أبي عبيد، ومن طريقه البغوي في "التفسير" "1/ 410, ط دار الفكر"، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" "18/ ق 282-283"، و"ذو الغمرة" الذي بينه وبين المشهود عليه عداوة ظاهرة؛ فرد شهادته للتهمة، فهو بمعنى "خصم" في الحديث الذي أورده المصنف، و"القانع" الخادم والتابع، والمنقطع إلى القوم لخدمتهم، ويكون في حوائجهم، كالأجير والوكيل ونحوه، ومعنى رد هذه الشهادة التهمة في جر النفع إلى نفسه لأن التابع لأهل البيت ينتفع بما يصير إليهم من نفع، وكل من جر إلى نفسه بشهادته نفعًا؛ فهي مردودة، وهذا يشهد لكلمة "ظنين" في الحديث السابق.
1 أخرج عبد الرزاق في "المصنف" "8/ 184-185/ رقم 4812، 4813"، وأحمد في "المسند"، وسعيد بن منصور, كما في "نصب الراية" "4/ 16"، والدارقطني في "السنن" "2/ 52"، والبيهقي في "الكبرى" "5/ 330-331" عن معمر والثوري عن أبي إسحاق عن امرأته أنها دخلت على عائشة في نسوة؛ فسألتها؛ فقالت: "يا أم المؤمنين, كانت لي جارية، فبعتها من زيد بن أرقم بثمانمائة إلى أجل، ثم اشتريتها منه بستمائة؛ فنقدته الستمائة؛ وكتبت عليه ثمانمائة. فقالت عائشة: بئس والله ما اشتريت، وبئس والله ما بعت، أخبري زيد بن أرقم أنه قد =
(4/66)

أُمِّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ".
هَذَا مَا قَالَ فِي إِيرَادِ هَذَا الْإِشْكَالِ.
وَهُوَ غَيْرُ وَارِدٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ؛ لِأَنَّ الذَّرَائِعَ قَدْ ثَبَتَ سَدُّهَا فِي خُصُوصَاتٍ كَثِيرَةٍ بِحَيْثُ أَعْطَتْ فِي الشَّرِيعَةِ مَعْنَى السَّدِّ مُطْلَقًا عَامًّا، وَخِلَافُ الشَّافِعِيِّ هُنَا غَيْرُ قَادِحٍ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَا خِلَافُ أَبِي حَنِيفَةَ.
أَمَّا الشَّافِعِيُّ؛ فَالظَّنُّ بِهِ أَنَّهُ تَمَّ لَهُ الِاسْتِقْرَاءُ فِي سَدِّ الذَّرَائِعِ عَلَى الْعُمُومِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بِتَرْكِ الْأُضْحِيَّةِ إِعْلَامًا بِعَدَمِ وُجُوبِهَا، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ صَرِيحٌ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، وَإِنَّمَا فِيهِ عَمَلُ جُمْلَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَذَلِكَ عند الشافعي ليس
__________
= أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم- إلا أن يتوب".
وفي رواية البيهقي: "إن التي باعت الجارية من زيد بن أرقم هي أم محبة، وهي امرأة أبي السفر، وزوجة أبي إسحاق هي العالية بنت أبضع؛ كما عند الدارقطني".
وضعفه الدارقطني بقوله: "أم محبة والعالية مجهولتان لا يحتج بهما"، وكذا ابن حزم في "المحلى" "9/ 60"، وأما محبة لا وجود لها في الإسناد، وإنما هي التي باعت الجارية، وهذا ظاهر في رواية الدارقطني خاصة، أما إعلاله بالعالية فمتعقب بما قاله ابن الجوزي في "التحقيق", كما في "نصب الراية" "4/ 16": "قالوا: العالية مجهولة لا يقبل خبرها. قلنا: بل هي امرأة معروفة جليلة القدر، ذكرها ابن سعد في "الطبقات" "8/ 487"؛ فقال: العالية بنت أيفع بن شراحيل امرأة أبي إسحاق السبيعي، سمعت عائشة"، وقال ابن التركماني في "الجوهر النقي" "5/ 330": "العالية معروفة، روى عنها زوجها وابنها، وهما إمامان، وذكرها ابن حبان في "الثقات" من التابعين، وذهب إلى حديثها هذا الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه ومالك وابن حنبل والحسن بن صالح"؛ فإسناد هذا الأثر حسن إن شاء الله تعالى، وجوده محمد بن عبد الهادي.
وانظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "20/ 259-260"، و"إعلام الموقعين" "3/ 216"، وصححاه.
(4/67)

بِحُجَّةٍ1، لَكِنْ عَارَضَهُ فِي مَسْأَلَةِ بُيُوعِ الْآجَالِ [دَلِيلٌ آخَرُ رَاجِحٌ2 عَلَى غَيْرِهِ فَأَعْمَلَهُ؛ فَتَرَكَ سَدَّ الذَّرِيعَةِ لِأَجْلِهِ، وَإِذَا تَرَكَهُ لِمُعَارِضٍ رَاجِحٍ] 3؛ لَمْ يُعَدَّ مُخَالِفًا [فِي أَصْلِهِ] 4.
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ، فَإِنْ ثَبَتَ عَنْهُ جَوَازُ إِعْمَالِ الْحِيَلِ؛ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَصْلِهِ فِي بُيُوعِ الْآجَالِ إِلَّا الْجَوَازُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَرْكُهُ لِأَصْلِ سَدِّ الذَّرَائِعِ، وَهَذَا وَاضِحٌ؛ إِلَّا أَنَّهُ نُقِلَ عَنْهُ مُوَافَقَةُ مَالِكٍ فِي سَدِّ الذَّرَائِعِ فِيهَا، وَإِنْ خَالَفَهُ فِي بَعْضِ التَّفَاصِيلِ، وَإِذَا كان كذلك؛ فلا إشكال.
__________
1 أي: فهذا دليل على أنه أخذ فيه بسد الذرائع. "د".
قلت: انظر -لزامًا- ما سيأتي في التعليق على "458" من تحرير لمذهب الشافعي في حجية قول الصحابي، ومنه تعلم ما في قول المصنف هنا، والله الموفق.
2 هكذا في الأصل فقط، وفي النسخ المطبوعة: "رجح".
3 ما بين المعقوفتين سقط من "ط".
4 ما بين المعقوفتين زيادة من الأصل و"ط"، وسقط من النسخ المطبوعة.
(4/68)

الْمَسْأَلَةِ السَّابِعَةُ:
الْعُمُومَاتُ إِذَا اتَّحَدَ مَعْنَاهَا، وَانْتَشَرَتْ فِي أَبْوَابِ1 الشَّرِيعَةِ، أَوْ تَكَرَّرَتْ فِي مَوَاطِنَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ؛ فَهِيَ مُجْرَاةٌ2 عَلَى عُمُومِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ وَإِنْ قُلْنَا بِجَوَازِ التَّخْصِيصِ بِالْمُنْفَصِلِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ الِاسْتِقْرَاءُ؛ فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ قَرَّرَتْ أَنْ لَا حَرَجَ عَلَيْنَا فِي الدِّينِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَلَمْ تَسْتَثْنِ مِنْهُ مَوْضِعًا وَلَا حَالًا؛ فَعَدَّهُ عُلَمَاءُ الْمِلَّةِ أَصْلًا مُطَّرِدًا وَعُمُومًا مَرْجُوعًا إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ3، وَلَا طَلَبِ مُخَصِّصٍ4، وَلَا احْتِشَامٍ مِنْ إِلْزَامِ الْحُكْمِ بِهِ، وَلَا تَوَقُّفٍ فِي مُقْتَضَاهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِمَا فَهِمُوا بِالتَّكْرَارِ وَالتَّأْكِيدِ مِنَ الْقَصْدِ إِلَى التَّعْمِيمِ التَّامِّ.
وَأَيْضًا قَرَّرَتْ أن {لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الْأَنْعَامِ: 164] ؛ فَأَعْمَلَتِ الْعُلَمَاءُ الْمَعْنَى فِي مَجَارِي عُمُومِهِ، وَرَدُّوا مَا خَالَفَهُ5 من أفراد الأدلة بالتأويل
__________
1 من مثل العبادات والمعاملات والأنكحة؛ فهو غير التكرر الذي بعده الصادق بالتكرر ولو في باب من هذه الأبواب. "د".
2 أي: بدون توقف ولا بحث عن وجود معارض، هذا هو الغرض الذي ترمي إليه المسألة كما سيشير إليه قبيل الفصل وفيه أيضًا. "د". وفي "ط": "فهو مجراة ... ".
3 وعليه؛ فقولهم: "ما من عام إلا وخصص" يخرج منه هذا أيضًا، كما أخرجوا منه: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم} على رأي الأصوليين، ولا يقال: إن المشاق والحرج الذي يعتري أرباب الحرف والصناعات لم يرفعه الشارع ويبن عليه الفطر في الصوم والقطر في السفر مثلًا؛ لأنا نقول: تقدم له أن ذلك من المشاق المعتادة التي لا تبنى عليها الأحكام المذكورة. "د".
4 في الأصل: "مخصوص".
5 من مثل ضرب الدية على العاقلة، وما قيل في هذه الآية يقال مثله في آية: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} مع ما خالفها من أفراد الأدلة كالصوم والحج عن الميت الواردين في الأحاديث، وتقدم الكلام فيها في مبحث النيابة في الأعمال والعبادات. "د".
(4/69)

وَغَيْرِهِ، وَبَيَّنَتْ بِالتَّكْرَارِ أَنَّ "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ" 1؛ فَأَبَى أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ تَخْصِيصِهِ، وَحَمَلُوهُ2 عَلَى عُمُومِهِ، وَأَنَّ "مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً [أَوْ سَيِّئَةً] ؛ كَانَ [لَهُ] مِمَّنِ اقْتَدَى بِهِ حَظٌّ إِنْ حَسَنًا وَإِنْ سَيِّئًا"3 وَأَنَّ "مَنْ مَاتَ مُسْلِمًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ كَافِرًا دَخَلَ النَّارَ"4.
وَعَلَى الْجُمْلَةِ؛ فَكُلُّ أَصْلٍ تَكَرَّرَ تَقْرِيرُهُ وَتَأَكَّدَ أَمْرُهُ وَفُهِمَ ذَلِكَ مِنْ مَجَارِي الْكَلَامِ فَهُوَ مَأْخُوذٌ عَلَى حَسَبِ عُمُومِهِ وَأَكْثَرُ الْأُصُولِ5 تَكْرَارًا الْأُصُولُ الْمَكِّيَّةُ؛ كَالْأَمْرِ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَالنَّهْيِ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، وَالْبَغْيِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ.
فَأَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنِ الْعُمُومُ مُكَرَّرًا وَلَا مُؤَكَّدًا وَلَا مُنْتَشِرًا فِي أبواب الفقه؛ فالتمسك بمجرده فيه نظر؛ فلا بد مِنَ الْبَحْثِ عَمَّا يُعَارِضُهُ أَوْ يُخَصِّصُهُ؛ وَإِنَّمَا حَصَلَتِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ؛ لِأَنَّ مَا حَصَلَ فِيهِ التَّكْرَارُ وَالتَّأْكِيدُ وَالِانْتِشَارُ صَارَ ظَاهِرُهُ بِاحْتِفَافِ الْقَرَائِنِ بِهِ إِلَى مَنْزِلَةِ النَّصِّ الْقَاطِعِ الَّذِي لَا احْتِمَالَ فِيهِ، بِخِلَافِ مَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ مُعَرَّضٌ لِاحْتِمَالَاتٍ؛ فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ فِي الْقَطْعِ بِمُقْتَضَاهُ حَتَّى يُعْرَضَ عَلَى غَيْرِهِ وَيُبْحَثَ عن وجود معارض فيه.
__________
1 مضى تخريجه "2/ 72"، وهو صحيح بشواهده.
2 في "ط": "وعملوا".
3 أخرجه بنحوه مسلم في "الصحيح" "كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة وأنها حجاب من النار، 2/ 704-705/ رقم 1017" من حديث جرير -رضي الله عنه- وتقدم نصه وتخريجه "1/ 222"، وما بين المعقوفتين سقط من "ط".
4 أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب الجنائز، باب في الجنائز ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله، 3/ 109/ رقم 1238"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة ومن مات مشركًا دخل النار، 1/ 94/ رقم 150" عن ابن مسعود مرفوعًا: "من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار"، قال: "وقلت أنا: ومن مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة".
وأخرج مسلم في "صحيحه" "رقم 151"، عن جابر مرفوعًا: "من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار".
5 في "ط": "وأكثر الأول".
(4/70)

فصل:
وَعَلَى هَذَا يَنْبَنِي الْقَوْلُ فِي الْعَمَلِ بِالْعُمُومِ، وهل يصح من غير [بحث عن] 1 الْمُخَصِّصِ، أَمْ لَا؟ فَإِنَّهُ إِذَا عُرِضَ عَلَى هَذَا التَّقْسِيمِ؛ أَفَادَ أَنَّ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ فِيهِ إِلَى بَحْثٍ؛ إِذْ لَا يَصِحُّ تَخْصِيصُهُ إِلَّا حَيْثُ تُخَصِّصُ الْقَوَاعِدُ2 بَعْضَهَا بَعْضًا.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ حُكِيَ الْإِجْمَاعُ فِي أَنَّهُ يُمْنَعُ3 الْعَمَلُ بِالْعُمُومِ حَتَّى يُبْحَثَ هَلْ لَهُ مُخَصِّصٌ، أَمْ لَا؟ وَكَذَلِكَ دَلِيلٌ مَعَ مُعَارَضِهِ؛ فَكَيْفَ يَصِحُّ الْقَوْلُ بِالتَّفْصِيلِ؟
فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ إِنْ صَحَّ4؛ فَمَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْقِسْمِ الْمُتَقَدِّمِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.
وَأَيْضًا5؛ فَالْبَحْثُ يُبْرِزُ أَنَّ مَا كَانَ مِنَ الْعُمُومَاتِ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ؛ فَغَيْرُ مُخَصَّصٍ، بَلْ هُوَ عَلَى عُمُومِهِ، فَيَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ بَحْثِ الْمُتَقَدِّمِ مَا يَحْصُلُ لِلْمُتَأَخِّرِ دُونَ بَحْثٍ6 بِنَاءً عَلَى مَا ثَبَتَ من الاستقراء، والله أعلم.
__________
1 ما بين المعقوفتين زيادة من الأصل و"ط"، ولكن في "ط": "بحث على"، وسقط من النسخ المطبوعة.
2 كما هو الحال بين الإجماع المحكي بعد وبين هذه القاعدة الخاصة بالقسم الأول "د".
3 في "ط": "يمتنع".
4 إشارة إلى مخالفة الصيرفي فيه، قال إمام الحرمين: "وهذا ليس معدودًا من العقلاء، وإنما هو قول صدر عن غباوة وعناد". "د".
5 ليست في "م".
6 أي: فيكون البحث عبثًا. "د". وسقطت "دون بحث" من "ط".
(4/71)

الفصل الخامس: في البيان والإجمال 1
ويتعلق به مسائل
المسألة الأولى:
أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ مُبَيِّنًا بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وَإِقْرَارِهِ؛ لَمَّا كَانَ مُكَلَّفًا بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّل َ2 إِلَيْهِم} [النَّحْلِ: 44] .
فَكَانَ يُبَيِّنُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؛ كَمَا قَالَ فِي حَدِيثِ الطَّلَاقِ: "فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النساء" 3.
__________
1 قال الآمدي [في "الإحكام" "3/ 11"] : "والحق أن المجمل هو ما له دلالة على أحد أمرين، لا مزية لأحدهما على الآخر بالنسبة إليه"، وذكر من أسبابه سبعة أمور؛ منها: أن يكون في لفظ مشترك كالعين للذهب والشمس، والقرء للطهر والحيض، وقد يكون بسبب الابتداء والوقف؛ كما في آية {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 7] ، وقد يكون في الأفعال أيضًا. "د".
قلت: وانظر لزامًا ما قدمناه في التعليق على "3/ 324" حول الوقف والابتداء في الآية.
2 أي: من القرآن والسنة. "د".
قلت: انظر "مجموع فتاوى ابن تيمية" "3/ 294-296 و19/ 155-174".
3 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الطلاق، باب قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِي إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء....} ، 9/ 345-346/ رقم 2151"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الطلاق، باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها ... 2/ 1093/ رقم 1471" عن ابن عمر, رضي الله عنهما.
(4/73)

وَقَالَ لِعَائِشَةَ حِينَ سَأَلَتْهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الِانْشِقَاقِ: 8] : "إِنَّمَا ذَلِكَ الْعَرْضُ" 1.
وَقَالَ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ قَوْلِهِ "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ" 2: "إِنَّمَا عَنَيْتُ بِذَلِكَ كَذَا وَكَذَا" 3.
وَهُوَ لَا يُحْصَى كَثْرَةً.
وَكَانَ أَيْضًا يُبَيِّنُ بِفِعْلِهِ4: "أَلَا أَخْبَرْتِهِ 5 أَنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ" 6.
__________
1 قطعة من حديث أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب التفسير، باب {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} ، 8/ 697/ رقم 4939"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، 4/ 2204/ رقم 2876"، عن عائشة, رضي الله عنها.
2 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الإيمان, باب علامة المنافق, 1/ 89/ رقم 23" ومسلم في "الصحيح" "كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، 1/ 78/ رقم 59" عن أبي هريرة مرفوعًا.
3 مضى تخريجه "2/ 282، 3/ 402".
4 ومنه أيضًا شربه قدح لبن وهو على بعيره بعرفة يوم عرفة، بيانًا لعدم مشروعية الصوم في عرفة يومها، ومضى تخريجه.
5 في "ط": "أخبرتيه".
6 قطعة من حديث أخرجه مالك في "المؤطأ" "1/ 291-292" عن عطاء بن يسار مرسلًا مطولًا، فيه ذكر جواز التقبيل للصائم، قال ابن عبد البر في "الاستذكار" "10/ 54-55": "هذا الحديث مرسل عند جميع رواة "الموطأ" عن مالك"، قال: "والمعنى أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقبل وهو صائم صحيح من حديث عائشة وحديث أم سلمة وحفصة".
قلت: وبعضها في "الصحيحين"، ورواه الشافعي في "الرسالة" "رقم 1109" من طريق مالك، وقال: "وقد سمعت من يصل هذا الحديث، ولا يحضرني ذكر من وصله". =
(4/74)

وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا 1 يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ} الْآيَةَ [الْأَحْزَابِ: 50] .
وَبَيَّنَ لَهُمْ كَيْفِيَّةَ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ بِفِعْلِهِ، وَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: "صَلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" 2، "وَخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" 3.
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَكَانَ إِقْرَارُهُ بَيَانًا أَيْضًا، إِذَا عَلِمَ بِالْفِعْلِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إِنْكَارِهِ لَوْ كَانَ بَاطِلًا أَوْ حَرَامًا، حَسْبَمَا قَرَّرَهُ الْأُصُولِيُّونَ فِي مَسْأَلَةِ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ وَغَيْرِهِ4، وَهَذَا كُلُّهُ مُبَيَّنٌ فِي الْأُصُولِ، وَلَكِنْ نصير منه إلى معنى آخر، وهي:
__________
= وقال الزرقاني في "شرح الموطأ" "2/ 92": "وصله عبد الرزاق بإسناد صحيح عن عطاء عن رجل من الأنصار".
قلت: أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" "4/ 184/ رقم 184", ومن طريقه أحمد في "المسند" "5/ 434"، وابن حزم في "المحلى" "6/ 207", وليس فيه اللفظ المذكور.
ويغني عنه ما أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الصيام، باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته، 2/ 779/ رقم 1108" بسنده إلى عمر بن أبي سلمة، أنه سأل رسول الله, صلى الله عليه وسلم: أيقبل الصائم؟ فقال لَهُ رَسُولُ اللَّهِ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "سل هذه, لأم سلمة". فأخبرته أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصنع ذلك.
وانظر: "ص94، 117" مع التعليق عليه.
وقال "ف" وتبعه "م": "ألا: أداة تنبيه، أي: كما في قوله: ألا أخبرته".
1 وفيه البيان بالقول أيضًا. "د".
2 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الأذان، باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإقامة، 2/ 111/ رقم 631" عن مالك بن الحويرث, رضي الله عنه.
3 مضى تخريجه "3/ 246"، وهو في "صحيح مسلم" "رقم 1297" وغيره.
4 يشير إلى ما أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الفرائض، باب القائف، 12/ 56/ رقم 6770، 6771"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الرضاع، باب العمل بإلحاق القافة بالولد، =
(4/75)

المسألة الثانية:
وَذَلِكَ أَنَّ الْعَالِمَ وَارِثُ النَّبِيِّ؛ فَالْبَيَانُ فِي حقه لا بد مِنْهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ عَالِمٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَمْرَانِ:
أَحَدُهُمَا:
مَا ثَبَتَ مِنْ كَوْنِ العلماء ورثة1 الأنبياء2، وهو معنى صحيح
__________
= 2/ 1081/ رقم 1459" عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دخل عليّ مسرورًا، تبرق أسراير وجهه؛ فقال: "ألم تر أن مجزرًا نظر آنفًا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد؟ " فقال: إن بعض هذه الأقدام لمن بعض.
وقال "ف": "مجزز: رجل من بني مدلج مشهور بالقيافة، ومسألته أن المنافقين لما أنكروا نسب زيد لأسامة قال وقد رأى أقدامهما: هذه الأقدام بعضها من بعض. فاستبشر النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك، ومنه أخذ الشافعية إثبات النسب بالقيافة؛ لأن الاستبشار تقرير ولم يعتبره الحنفية دليلًا في الحادثة" اهـ، ونحوه عند "م".
وأضاف "د": "والحنفية قالوا: إن بشره -صلى الله عليه وسلم- إنما كان بقيام الحجة على المنافقين بناء على اعتقادهم في صحة القيافة، وترقبه -صلى الله عليه وسلم- أن يكفوا بسبب ذلك عن الطعن في نسب أسامة، لا أن هذا منه تقرير لصحة الأخذ بالقيافة في الأنساب".
قلت: انظر "الطرق الحكمية" "ص8/ 246-271"، و"بدائع الفوائد" "3/ 130"، و"زاد المعاد" "5/ 418"، و"الذخيرة" "10/ 241, ط دار الغرب" للقرافي.
1 أي: في وظيفة النبوة معنى، وقوله: "في الإتيان بها"؛ أي: في تبليغها، وهذه الجملة بمعنى قوله في نهاية الدليل الثاني: "والبيان يشمل البيان الابتدائي ... إلخ". "د".
2 أخرج أبو داود في "السنن" "كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم، 3/ 317/ رقم 3641"، وابن ماجه في "السنن" "المقدمة, باب فضل العلماء والحث على طلب العلم, 1/ 81/ رقم 223" وأحمد في "المسند" "5/ 196"، والدارمي في "السنن" "1/ 98"، والطحاوي في "المشكل" "1/ 429"، وابن حبان في "صحيحه" "رقم 88, الإحسان"، والبزار في "المسند" "رقم 136, زوائده"، والبغوي في "شرح السنة" "1/ 275-276/ رقم 129"، والبيهقي في "الآداب" "رقم 1188"، والخطيب في "الرحلة" "77-78"، وابن عبد البر في "الجامع" "رقم 169، 170، 171، 172"، عن أبي الدرداء مرفوعًا: "من سلك طريقًا يطلب فيه =
(4/76)

ثَابِتٌ، وَيَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ وَارِثًا قِيَامُهُ مَقَامَ مَوْرُوثِهِ فِي الْبَيَانِ، وَإِذَا كَانَ الْبَيَانُ فَرْضًا عَلَى الْمَوْرُوثِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ فَرْضًا عَلَى الْوَارِثِ أَيْضًا، وَلَا فَرْقَ فِي الْبَيَانِ بَيْنَ1 مَا هُوَ مُشْكِلٌ أَوْ مُجْمَلٌ مِنَ الْأَدِلَّةِ، وَبَيْنَ أُصُولِ الْأَدِلَّةِ فِي الْإِتْيَانِ بِهَا؛ فَأَصْلُ التَّبْلِيغِ بَيَانٌ لِحُكْمِ الشَّرِيعَةِ، وَبَيَانُ الْمُبَلِّغِ مِثْلُهُ بَعْدَ التَّبْلِيغِ.
وَالثَّانِي:
مَا جَاءَ مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعُلَمَاءِ، فَقَدْ قَالَ2: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى} الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: 159] .
{وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الْبَقَرَةِ: 42] .
{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ} [الْبَقَرَةِ: 140] .
وَالْآيَاتُ كَثِيرَةٌ.
وَفِي الْحَدِيثِ: "أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ" 3.
وَقَالَ: "لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالَا؛ فَسَلَّطَهُ عَلَى هلكته
__________
= علمًا..". وفيه: "إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وأورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر".
وفي بعض أسانيده ضعف وبعضها حسن في الشواهد، وللحديث شواهد يتقوى بها كما قال ابن حجر في "الفتح" "1/ 160"، قال ابن حبان عقب الحديث: "في هذا الحديث بيان واضح أن العلماء الذين لهم الفضل الذي ذكرنا، هم الذين يعلمون علم النبي -صلى الله عليه وسلم- دون غيره من سائر العلوم؛ ألا تراه يقول: "العلماء ورثة الأنبياء"؟ والأنبياء لم يورثوا إلا العلم، وعلم نبينا -صلى الله عليه وسلم- سنته، فمن تعرى عن معرفتها, لم يكن من ورثة الأنبياء".
1 في "ط": "وبين".
2 فالآية الأولى ظاهرة في البيان بأصل التبيلغ، والثانية ظاهرة في بيان المبلغ، والثالثة ظاهرة في العموم. "د".
3 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب العلم، باب قول النبي, صلى الله عليه وسلم: "رب مبلغ أوعى من سامع"، 1/ 157-158/ رقم 67"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب القسامة، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال، 3/ 1305-1306" عن أبي بكرة -رضي الله عنه- مرفوعًا.
(4/77)

فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ؛ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا" 1.
وَقَالَ: "مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ 2 الْعِلْمُ وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ" 3.
وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ، وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْبَيَانِ عَلَى الْعُلَمَاءِ، وَالْبَيَانُ يَشْمَلُ الْبَيَانَ الِابْتِدَائِيَّ [وَالْبَيَانَ] 4 لِلنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ وَالتَّكَالِيفَ الْمُتَوَجِّهَةَ؛ فَثَبَتَ أَنَّ الْعَالِمَ يَلْزَمُهُ الْبَيَانُ مِنْ حَيْثُ هُوَ عَالِمٌ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ انْبَنَى عَلَيْهِ مَعْنًى آخَرُ، وَهِيَ5:
__________
1 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الزكاة، باب إنفاق المال في حقه، 3/ 276/ رقم 1409، وكتاب الأحكام، باب أجر من قضى بالحكمة، 13/ 120/ رقم 7141، وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما جاء في اجتهاد القضاء بما أنزل الله تعالى لقوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} ، 13/ 298/ رقم 7316"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه، 1/ 559/ رقم 816" عن ابن مسعود -رضي الله عنه- مرفوعًا بلفظ المصنف.
2 يعني: ولو كان العلم موجودًا بوجود العلماء؛ لأظهروه في الناس بمقتضى واجبهم، فلا يظهر الجهل؛ فيدل على أن واجب العلماء إظهار العلم. "د".
3 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الحدود، باب إثم الزناة، 12/ 113-114/ رقم 6808", ومسلم في "صحيحه" "كتاب العلم, باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان، 4/ 2056/ رقم 2671" عن أنس بن مالك بلفظ المصنف.
4 ما بين المعقوفتين سقط من "د".
5 في "ط": "وهو".
(4/78)

المسألة الثالثة:
فَنَقُولُ: إِذَا كَانَ الْبَيَانُ يَتَأَتَّى بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ؛ فلا بد أَنْ يَحْصُلَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَالِمِ، كَمَا حَصَلَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهَكَذَا كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِمَّنْ صَارَ قُدْوَةً فِي النَّاسِ، دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْمَنْقُولُ عَنْهُمْ، حَسْبَمَا يَتَبَيَّنُ فِي أَثْنَاءِ الْمَسَائِلِ عَلَى أَثَرِ هَذَا بِحَوْلِ اللَّهِ؛ فَلَا نَطُولُ بِهِ ههنا لأنه تكرار.
المسألة الرابعة:
إِذَا حَصَلَ الْبَيَانُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ الْمُطَابِقِ لِلْقَوْلِ؛ فَهُوَ الْغَايَةُ فِي الْبَيَانِ، كَمَا إِذَا بَيَّنَ الطَّهَارَةَ أَوِ الصَّوْمَ أَوِ الصَّلَاةَ أَوِ الْحَجَّ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَادَاتِ أَوِ الْعَادَاتِ، فَإِنْ حَصَلَ بِأَحَدِهِمَا فَهُوَ بَيَانٌ أَيْضًا؛ إِلَّا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ قَاصِرٌ عَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ وَجْهٍ، بَالِغٌ أَقْصَى الْغَايَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ.
فَالْفِعْلُ بَالِغٌ مِنْ جِهَةِ بَيَانِ الْكَيْفِيَّاتِ الْمُعَيَّنَةِ الْمَخْصُوصَةِ الَّتِي لَا يَبْلُغُهَا الْبَيَانُ الْقَوْلِيُّ1؛ وَلِذَلِكَ بَيَّنَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ والسلام الصلاة بفعله لأمته، كما فعل
__________
1 أحال المصنف على هذا المبحث في كتابه "الاعتصام" "2/ 595, ط ابن عفان"، فقال: " ... والفعل أغلب من القول من جهة التأسي، كما تبين في كتاب "الموافقات"، وانظر لطائف وفوائد في هذا عند ابن القيم في "مدارج السالكين "1/ 446 وما بعدها, ط الفقي".
ومن الجدير بالملاحظة هنا أن اجتماع أنواع أخرى من البيان مع القول والفعل يكون به أقوى، وأهم ذلك التقرير؛ فإنه يدل على رضا المبين عن الصورة الذهنية التي حصلت لدى المبين له؛ فإن البيان قد يكون وافيًا، ولكن أفهام بعض السامعين تقصر أو تغفل، فإن عمل المبين له بما بين؛ فوافقه المبين، وأقره فذلك أقوى ما يكون البيان. انظر: "أفعال الرسول, صلى الله عليه وسلم" "1/ 105".
(4/79)

بِهِ جِبْرِيلُ حِينَ صَلَّى بِهِ1، وَكَمَا بَيَّنَ2 الْحَجَّ كَذَلِكَ، وَالطَّهَارَةَ3 كَذَلِكَ، وَإِنْ جَاءَ فِيهَا بَيَانٌ بِالْقَوْلِ؛ فَإِنَّهُ إِذَا عُرِضَ نَصُّ الطَّهَارَةِ فِي الْقُرْآنِ عَلَى عَيْنِ مَا تُلُقِّيَ بِالْفِعْلِ مِنَ الرَّسُولِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- كَانَ الْمُدْرَكُ بِالْحِسِّ مِنِ الْفِعْلِ4 فَوْقَ5 الْمُدْرَكِ بِالْعَقْلِ مِنَ النَّصِّ لَا مَحَالَةَ، مَعَ أَنَّهُ إِنَّمَا بُعِثَ لِيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ.
وَهَبْهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- زَادَ بِالْوَحْيِ الْخَاصِّ أُمُورًا لَا تُدْرَكُ مِنَ النَّصِّ عَلَى الْخُصُوصِ؛ فَتِلْكَ الزِّيَادَاتُ6 بَعْدَ الْبَيَانِ إِذَا عُرِضَتْ عَلَى النَّصِّ لَمْ يُنَافِهَا بَلْ يَقْبَلْهَا؛ فَآيَةُ الْوُضُوءِ إِذَا عُرِضَ عَلَيْهَا فِعْلُهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- فِي الْوُضُوءِ شَمِلَهُ بِلَا شَكٍّ، وَكَذَلِكَ آيَةُ الْحَجِّ مَعَ فِعْلِهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- فِيهِ، وَلَوْ تَرَكَنَا وَالنَّصَّ؛ لَمَا حَصَلَ لَنَا مِنْهُ كُلُّ ذَلِكَ، بَلْ أَمْرٌ أَقَلُّ مِنْهُ، وَهَكَذَا نَجِدُ الْفِعْلَ7 مع
__________
1 مضى لفظه وتخريجه في التعليق على "3/ 255".
2 في حديث جابر الطويل وغيره، وفيه: "خذوا عني مناسككم"، وقد مضى تخريجه "3/ 246"، وقد جمع طرقه وألفاظه شيخنا الألباني -فسح الله مدته- في جزء مفرد مطبوع.
3 كما ثبت في غير حديث أنه -صلى الله عليه وسلم- توضأ، ثم قال: "من توضأ نحو وضوئي هذا ثم ركع ركعتين لم يحدث فيهما نفسه؛ غفر له ما تقدم من ذنبه".
أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الوضوء، باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، 1/ 259/ رقم 159، وكتاب الصيام، باب سواك الرطب واليابس للصائم، 4/ 158/ رقم 1934"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الطهارة، باب صفة الوضوء وكماله، 1/ 205/ رقم 226" عن عثمان مرفوعًا، وقد خرجته بإسهاب في تعليقي على كتاب "الطهور" لأبي عبيد "رقم 1، 2، 3".
4 في الأصل: "العقل".
5 أي: أوسع بسطًا وأوضح معنى منه، فإذا فرض أنه -صلى الله عليه وسلم- زاد بفعله الذي أدركه بالوحي غير القرآني تفاصيل في الفعل لم تدرك من أصل النص القرآني؛ فهذه الأجزاء والتفاصيل الزائدة بهذا البيان الفعلي المفهوم له من الوحي الخاص إذا قيست وطبقت على النص القرآني لم ينابذها ولم ينافها، بل كان يحتملها وغيرها. "د".
6 في "ط": "الزيادة".
7 فإن القول مهما كان مستطيلًا في البيان لا يفي ببيان الهيئات الجزئية والكيفيات =
(4/80)

الْقَوْلِ أَبَدًا، بَلْ يَبْعُدُ فِي الْعَادَةِ أَنْ يُوجَدَ قَوْلٌ لَمْ يُوجَدْ لِمَعْنَاهُ الْمُرَكَّبِ نَظِيرٌ فِي الْأَفْعَالِ الْمُعْتَادَةِ الْمَحْسُوسَةِ، بِحَيْثُ إِذَا فَعَلَ الْفِعْلَ عَلَى مُقْتَضَى مَا فُهِمَ مِنَ الْقَوْلِ؛ كَانَ هُوَ الْمَقْصُودَ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ وَلَا إِخْلَالٍ، وَإِنْ كَانَتْ بِسَائِطُهُ مُعْتَادَةً كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَالطَّهَارَةِ وَنَحْوِهَا وَإِنَّمَا يَقْرُبُ مِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ1 الَّذِي مَعْنَاهُ الْفِعْلِيُّ بَسِيطٌ، وَوُجِدَ لَهُ نَظِيرٌ فِي الْمُعْتَادِ، وَهُوَ إِذْ ذَاكَ إِحَالَةٌ عَلَى فِعْلٍ مُعْتَادٍ؛ فَبِهِ حَصَلَ الْبَيَانُ لَا بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ2، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لَمْ يقم القول هنا في
__________
= المخصوصة التي تظهر من الفعل، ومن ذلك تجد لزوم التمرين في مثل الصناعات عمليًّا، ولا يكتفي بالقول والشرح فيها، وقوله: "بل يبعد" ترقّ لإيضاح ما قبله بتحديد المحل الذي لا يفي فيه القول، وفاء الفعل في ضبط كيفياته ضبطًا لا يدع نقصًا ولا زيادة، وذلك في الأعمال المركبة من أركان وشروط ومستحسنات، وتلحقها مبطلات وعوارض غير مستحسنة، ولم تجر بها عادة بين الناس تحددها تحديدًا وافيًا، وذلك كالصلاة والحج؛ فمجرد القول فيهما لا يفي بهما وفاء تامًّا، بحيث إذا اقتصر عليه لا يحصل زيادة عن المطلوب ولا نقص عنه، وإن كانت بسائطهما معتادة في شريعتنا ثم ورد تعديل ونسخ في كيفياتهما، أو معتادة باعتبار شرائع متقدمة؛ فكلي الصلاة والحج معتاد، ومجرد هذا لا يكفي القول فيه لضبط تفاصيل كيفياته للتفاوت بين الصلوات الخمس عددًا وكيفية، وسرًّا وجهرًا، وبسورة وغير سورة، كذلك نفس النوافل وصلاة العيدين والكسوف والخسوف والجنازة والوتر والضحى وهكذا؛ فتفاصيل هذه الصلوات لا يكفي فيه القول لضبطه، وإن كان أصل الصلاة معتادًا في شريعتنا، وإنما يقرب في العادة أن يؤدي القول مؤدى الفعل فيما كان معناه بسيطًا، أو وجد له نظير في المعتاد ولو كان مركبًا؛ فإنك إذا وصفت للخياط الحالة التي تريد أن يكون عليها الثوب وكان ما وصفت معتادًا؛ فلا مانع أن يجيء الثوب حسبما وصفت، بدون زيادة ولا نقص، ويكون البيان إذ ذاك حاصلًا بالفعل المعتاد لا بالقول، وعليه يكون قوله: "ووجد له نظير" الواو فيه بمعنى أو كما هو ظاهر، وكما يؤخذ من كلام المؤلف حيث جعل التركيب قيدًا، وكونه لا نظير له في الأفعال معتادة قيدًا آخر، وسيأتي في الفصل بعده ما يقتضي أن الواو على معناها الأصلي، وأن الذي يقرب أن يؤدي القول فيه مؤدى الفعل صورة واحدة، وهي ما كان بسيطًا بقيد أن يكون مثله معتادًا، ولك أن تقول كما قررنا: إن المعتاد ولو كان مركبًا يفي القول فيه وفاء الفعل، والشواهد عليه كثيرة. "د".
1 في "ط": "في القول".
2 انظر: "أفعال الرسول, صلى الله عليه وسلم" "1/ 106" للشيخ محمد الأشقر.
(4/81)

الْبَيَانِ مَقَامَ الْفِعْلِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ فَالْفِعْلُ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَهُوَ يَقْصُرُ عَنِ الْقَوْلِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى: وَذَلِكَ أَنَّ الْقَوْلَ بَيَانٌ لِلْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، فِي الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمَانِ وَالْأَشْخَاصِ؛ فَإِنَّ الْقَوْلَ ذُو صِيَغٍ تَقْتَضِي هَذِهِ الْأُمُورَ وَمَا كَانَ نَحْوَهَا، بِخِلَافِ الْفِعْلِ، فَإِنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَى فَاعِلِهِ، وَعَلَى زَمَانِهِ، وَعَلَى حَالَتِهِ، وَلَيْسَ لَهُ تَعَدٍّ عَنْ مَحَلِّهِ أَلْبَتَّةَ، فَلَوْ تُرِكْنَا وَالْفِعْلَ الَّذِي فَعَلَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَثَلًا؛ لَمْ يَحْصُلْ لَنَا مِنْهُ غَيْرُ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ فَعَلَهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ، وَعَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ الْمُعَيَّنَةِ.
فَيَبْقَى عَلَيْنَا النَّظَرُ: هَلْ يَنْسَحِبُ طَلَبُ هَذَا الْفِعْلِ مِنْهُ فِي كُلِّ حَالَةٍ، أَوْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، أَوْ يَخْتَصُّ بِهَذَا الزَّمَانِ، أَوْ هُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ، أَوْ يَخْتَصُّ بِهِ وَحْدَهُ، أَوْ يَكُونُ حُكْمُ أُمَّتِهِ حُكْمَهُ؟
ثُمَّ بَعَدَ النَّظَرِ فِي هَذَا يَتَصَدَّى نَظَرٌ آخَرُ فِي حُكْمِ هَذَا الْفِعْلِ الَّذِي فَعَلَهُ: مِنْ أَيِّ نَوْعٍ هُوَ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ؟
وَجَمِيعُ ذَلِكَ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ لَا يَتَبَيَّنُ مِنْ نَفْسِ الْفِعْلِ؛ فَهُوَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ قَاصِرٌ عَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ؛ فَلَمْ يَصِحَّ إِقَامَةُ الْفِعْلِ مَقَامَ الْقَوْلِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهَذَا بَيِّنٌ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ جَاءَ1 قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الْأَحْزَابِ: 21] ، وَقَالَ حِينَ بَيَّنَ بِفِعْلِهِ الْعِبَادَاتِ: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" 2، وَ "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" 3، وَنَحْوَ ذَلِكَ؛ لِيَسْتَمِرَّ الْبَيَانُ إِلَى أقصاه.
__________
1 أي: ففعله لم يكف في طلب الاقتداء به فيه؛ لأن الفعل لا يدل على انسحابه على أمته كما قال؛ فاحتاج الأمر لبيان ذلك بالقول بهذه الآية، وبالأحاديث التي تذكر في مواضعها ليتبين الأمر من الجهتين أنه عام لهم، وأن كيفيته كما رأوا. "د".
2 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الأذان، باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإمامة، 2/ 111/ رقم 631" عن مالك بن الحويرث, رضي الله عنه.
3 مضى تخريجه "3/ 246"، وهو في "صحيح مسلم" "رقم 1297" وغيره.
(4/82)

فَصْلٌ:
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، لَمْ يَصِحَّ إِطْلَاقُ1 الْقَوْلِ بِالتَّرْجِيحِ بَيْنَ الْبَيَانَيْنِ؛ فَلَا يُقَالُ: أَيُّهُمَا أَبْلَغُ فِي الْبَيَانِ؛ الْقَوْلُ، أَمِ الْفِعْلُ؟ إِذْ لَا يَصْدُقَانِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ إِلَّا فِي الْفِعْلِ الْبَسِيطِ الْمُعْتَادِ مِثْلِهِ إِنِ اتَّفَقَ؛ فَيَقُومُ أَحَدُهُمَا2 مَقَامَ الْآخَرِ، وَهُنَالِكَ يُقَالُ: أَيُّهُمَا أَبْلَغُ، أَوْ أَيُّهُمَا أَوْلَى؟ كَمَسْأَلَةِ الْغُسْلِ مِنِ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ مَثَلًا؛ فَإِنَّهُ بَيِّنٌ مِنْ جِهَةِ الْفِعْلِ3 وَمِنْ جِهَةِ الْقَوْلِ4 عِنْدَ مَنْ جَعَلَ هَذِهِ المسألة من ذلك،
__________
1 أي: كما ذكره الأصوليون؛ فقائل يرجع الفعل لأنه أقوى في الدلالة على المقصود وليس الخبر كالمعاينة والمشاهدة، وقائل بل يقدم القول لأنه يدل بنفسه على المقصود، أما الفعل؛ فلا يدل إلا بأحد أمور ثلاثة تفيد أن الفعل بيان للمجمل هي العقل، أو النص على أن هذا الفعل بيان للمجمل، أو أن يعلم ذلك بالضرورة من قصده، هذا إذا اجتمع القول والفعل واختلفا، أما إذا اجتمعا وتوافقا؛ فالسابق منهما هو البيان، والثاني مؤكد له، هذا محصول كلامهم، ولم ينح نحو مبحثه الذي تجلى به أن كلًّا منهما له جهة يكون فيها أقوى بيانًا من الآخر. "د".
قلت: رجح أبو الحسين البصري الفعل بقوله في "المعتمد" "340": "إن الفعل أكشف" لأنه ينبئ عن صفة المبين مشاهدة، وانظر تفصيلًا حسنًا مع الأدلة حول القوة والوضوح بين البيان القولي والبيان الفعلي في "أفعال الرسول, صلى الله عليه وسلم" "1/ 99-103"، وانظر: "تيسير التحرير" "3/ 148-149"، و"حاشية البناني على جمع الجوامع" 2/ 100"، و" إحكام الأحكام" "3/ 34" للآمدي، و"شرح تنقيح الفصول" "ص123، 124"، و"أصول السرخسي" "2/ 27".
2 على أن القول في هذه الصورة إنما قام مقام الفعل لأن مثله معتاد؛ فحصول البيان فيه بالفعل مع القول أو بالفعل نفسه كما قال سابقًا. "د".
3 أخرج مسلم في "صحيحه" "كتاب الحيض، باب نسخ "الماء من الماء"، ووجوب الغسل بالتقاء الختانين، 1/ 272/ رقم 350" عن عائشة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- قالت: إن رجلًا سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل؛ هل عليهما الغسل؟ وعائشة جالسة. فقال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: "إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل".
4 أخرج مسلم في "صحيحه" "كتاب الحيض، باب نسخ "الماء من الماء" ووجوب الغسل بالتقاء الختانين، 1/ 271-272/ رقم 349" عن عائشة -رضي الله عنها- مرفوعًا: "إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان؛ فقد وجب الغسل".
(4/83)

وَالَّذِي وُضِعَ إِنَّمَا1 هُوَ فِعْلُهُ ثُمَّ غُسْلُهُ؛ فَهُوَ الَّذِي يَقُومُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ مَقَامَ صَاحِبِهِ، أَمَّا حُكْمُ الْغُسْلِ مِنْ وُجُوبٍ أَوْ نَدْبٍ وَتَأَسِّي الْأُمَّةِ [بِهِ] 2 فِيهِ؛ فيختص3 بالقول.
__________
1 أي: إن هذا المقدار فقط هو الذي يقوم فيه كل من القول والفعل فيه مقام صاحبه، أما كون الغسل إذا ذاك واجبًا أو مندوبًا؛ فلا يستفاد إلا من القول، وقوله: "والذي وضع" لعل الأصل: "والذي وضح". [قلت: وفي الأصل: "وقع"، وقد احتملها "ف"] ؛ أي: الذي استبان بهذا القول والفعل إنما هو مجرد حصول الفعل ثم الغسل، وكلمة "وضح" ذكرها شارح "المنهاج" في مبحث البيان والإجمال. "د".
قلت: وفي "ط": "والذي في الموضع".
2 سقط من "ط".
3 في "ط": "فمختص".
(4/84)

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ:
إِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ بَيَانًا؛ فَالْفِعْلُ شَاهِدٌ لَهُ وَمُصَدِّقٌ، أَوْ مُخَصِّصٌ أَوْ مُقَيِّدٌ، وَبِالْجُمْلَةِ عَاضِدٌ لِلْقَوْلِ حَسْبَمَا1 قُصِدَ بِذَلِكَ الْقَوْلِ، وَرَافِعٌ لِاحْتِمَالَاتٍ فِيهِ تَعْتَرِضُ فِي وَجْهِ الْفَهْمِ، إِذَا كَانَ مُوَافِقًا غَيْرَ مُنَاقِضٍ، وَمُكَذِّبٌ لَهُ2 أَوْ مُوقِعٌ فِيهِ رِيبَةً أَوْ شُبْهَةً أَوْ تَوَقُّفًا إِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ بِأَشْيَاءَ مِنْهَا أَنَّ الْعَالِمَ إِذَا أَخْبَرَ عَنْ إِيجَابِ الْعِبَادَةِ الْفُلَانِيَّةِ أَوِ الْفِعْلِ الْفُلَانِيِّ، ثُمَّ فَعَلَهُ هُوَ وَلَمْ يُخِلَّ بِهِ فِي مُقْتَضَى مَا قَالَ فِيهِ؛ قَوِيَ اعْتِقَادُ إِيجَابِهِ، وَانْتَهَضَ الْعَمَلُ بِهِ عِنْدَ كُلِّ مَنْ سَمِعَهُ يُخْبِرُ عَنْهُ وَرَآهُ يَفْعَلُهُ، وَإِذَا أَخْبَرَ عَنْ تَحْرِيمِهِ مَثَلًا، ثُمَّ تَرَكَهُ فَلَمْ يُرَ فَاعِلًا لَهُ وَلَا دَائِرًا3 حَوَالَيْهِ؛ قَوِيَ عِنْدَ مُتْبِعِهِ مَا أُخْبِرَ بِهِ عَنْهُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَخْبَرَ عَنْ إِيجَابِهِ ثُمَّ قَعَدَ عَنْ فِعْلِهِ، أَوْ أَخْبَرَ عَنْ تَحْرِيمِهِ ثُمَّ فَعَلَهُ؛ فَإِنَّ نُفُوسَ الْأَتْبَاعِ لَا تَطْمَئِنُّ إِلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ مِنْهُ طُمَأْنِينَتَهَا إِذَا ائْتَمَرَ وَانْتَهَى، بَلْ يَعُودُ مِنَ الْفِعْلِ إِلَى الْقَوْلِ مَا يَقْدَحُ فِيهِ عَلَى الْجُمْلَةِ؛ إِمَّا مِنْ تَطْرِيقِ4 احْتِمَالٍ إِلَى الْقَوْلِ، وَإِمَّا مِنْ تَطْرِيقِ4 تَكْذِيبٍ إِلَى الْقَائِلِ، أَوِ اسْتِرَابَةٍ فِي بَعْضِ مَآخِذِ الْقَوْلِ، مَعَ أَنَّ التَّأَسِّيَ فِي الْأَفْعَالِ وَالتُّرُوكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى من يعظم في دين أو دنيا كالمغروز فِي الْجِبِلَّةِ، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ بِالْعِيَانِ؛ فَيَصِيرُ الْقَوْلُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقَائِلِ كَالتَّبَعِ لِلْفِعْلِ؛ فَعَلَى حَسَبِ مَا يَكُونُ الْقَائِلُ فِي مُوَافَقَةِ فِعْلِهِ لِقَوْلِهِ يَكُونُ اتِّبَاعُهُ وَالتَّأَسِّي بِهِ، أَوْ عَدَمُ ذلك.
__________
1 زاده ليشمل المخصص والمقيد، ولذلك قال: "وبالجملة". "د".
2 الأحوال الأربعة تختلف باختلاف القرائن والأشخاص الذين يقع في أنفسهم أحدها، وستأتي بعد في كلامه من تكذيب القائل، أو وجود ريبة وشك في صدقه، أو احتمال أن قوله لا يؤخذ على ظاهره، أو أن دليله ليس كما ينبغي، وإلا لما ساغ لنفسه تركه. "د".
3 لأن فعل ما يشبه مقدمات الحرام يوجه الظنون إلى أن هذا العالم بصدد أن يفعله؛ فلذلك زاده المؤلف هنا، وليس في الواجب مثله؛ فقوله بعد: "ثم فعله" أي: أو دار حوله. "د".
4 في "ط": "تطرق".
(4/85)

وَلِذَلِكَ كَانَ الْأَنْبِيَاءُ -عَلَيْهِمُ السَّلَامُ- فِي الرُّتْبَةِ الْقُصْوَى مِنْ هَذَا الْمَعْنَى، وَكَانَ الْمُتَّبِعُونَ لَهُمْ أَشَدُّ اتِّبَاعًا، وَأَجْرَى عَلَى طَرِيقِ التَّصْدِيقِ بِمَا يَقُولُونَ، مَعَ1 مَا أَيَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ وَالْبَرَاهِينِ الْقَاطِعَةِ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَإِنَّ شَوَاهِدَ الْعَادَاتِ تُصَدِّقُ الْأَمْرَ أَوْ تُكَذِّبُهُ؛ فَالطَّبِيبُ2 إِذَا أَخْبَرَكَ بِأَنَّ هَذَا الْمُتَنَاوَلَ سُمٌّ فَلَا تَقْرَبْهُ، ثُمَّ أَخَذَ فِي تَنَاوُلِهِ دُونَكَ، أَوْ أَمَرَكَ بِأَكْلِ طَعَامٍ أَوْ دَوَاءٍ لِعِلَّةٍ بِكَ وَمِثْلُهَا بِهِ، ثُمَّ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ مَعَ احْتِيَاجِهِ إِلَيْهِ؛ دَلَّ هَذَا كُلُّهُ عَلَى خَلَلٍ فِي الْإِخْبَارِ، أَوْ فِي فَهْمِ الْخَبَرِ؛ فَلَمْ تَطْمَئِنَّ النَّفْسُ إِلَى قَبُولِ قَوْلِهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: 44] .
وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} الْآيَةَ [الصَّفِّ: 2] .
وَيَخْدِمُ هَذَا الْمَعْنَى الْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ وَصِدْقُ الْوَعْدِ؛ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الْأَحْزَابِ: 23] .
وَقَالَ فِي ضِدِّهِ: {لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ... } إِلَى قَوْلِهِ: {وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُون} [التَّوْبَةِ: 75-77] .
فَاعْتُبِرَ فِي الصِّدْقِ كَمَا تَرَى مُطَابَقَةُ الْفِعْلِ الْقَوْلَ، وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ الصِّدْقِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ؛ فَهَكَذَا إِذَا أَخْبَرَ الْعَالِمُ بِأَنَّ هَذَا وَاجِبٌ أَوْ مُحَرَّمٌ؛ فإنما
__________
1 أي: فتطريق التكذيب لا يتأتى بالنسبة لهم، وكذا الاسترابة في مأخذ القول؛ فلم يبق إلا احتمال ألا يؤخذ القول على ظاهره، كما سيأتي في مثالي التحلل من العمرة والإفطار في السفر. "د".
2 المثال بعينه في "مدارج السالكين" "1/ 446, ط الفقي".
3 فقوله: {أَفَلا تَعْقِلُون} [البقرة: 44] ؛ إما محذوف المفعول، أي: ألا تدركون قبح الجمع بين المتنافيين؟ فطلب البر والإحسان من الغير هو تحقيق لكونه برًّا وإحسانًا، ونسيانهم أنفسهم منه ينافي كونه كذلك في اعتقادهم، أو أنه منزل منزلة اللازم، أي: أفقدتم العقل رأسًا حتى يصدر منكم هذا، وعلى كل؛ فهو غاية التشنيع على ارتكابه. "د".
(4/86)

يُرِيدُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ وَأَنَا مِنْهُمْ فَإِنْ وَافَقَ صَدَقَ وَإِنْ خَالَفَ كَذَبَ1.
وَمِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُنْتَصِبَ لِلنَّاسِ فِي بَيَانِ الدِّينِ مُنْتَصِبٌ لَهُمْ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ؛ فَإِنَّهُ وَارِثُ النَّبِيِّ، وَالنَّبِيُّ كَانَ مُبَيِّنًا بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ؛ فَكَذَلِكَ الوارث لا بد أَنْ يَقُومَ مَقَامَ الْمَوْرُوثِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ وَارِثًا عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الصَّحَابَةَ -رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ- كَانُوا يَتَلَقَّوْنَ الْأَحْكَامَ مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَإِقْرَارَاتِهِ وَسُكُوتِهِ وَجَمِيعِ أَحْوَالِهِ؛ فَكَذَلِكَ الْوَارِثُ، فَإِنْ كَانَ فِي التَّحَفُّظِ فِي الْفِعْلِ كَمَا فِي التَّحَفُّظِ فِي الْقَوْلِ؛ فَهُوَ ذَلِكَ، وَصَارَ مَنِ اتَّبَعَهُ عَلَى هُدًى، وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ صَارَ مَنِ اتَّبَعَهُ عَلَى خِلَافِ الْهُدَى، لَكِنْ بِسَبَبِهِ.
وَكَانَ الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- رُبَّمَا تَوَقَّفُوا عَنِ الْفِعْلِ الَّذِي أَبَاحَهُ لَهُمُ السَّيِّدُ الْمَتْبُوعُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- وَلَمْ يَفْعَلْهُ هُوَ، حِرْصًا مِنْهُمْ عَلَى أَنْ يَكُونُوا مُتَّبِعِينَ لِفِعْلِهِ وَإِنَّ تَقَدَّمَ لَهُمْ بِقَوْلِهِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ تَرْكُهُ أَرْجَحَ، وَيَسْتَدِلُّونَ عَلَى ذَلِكَ بِتَرْكِهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- لَهُ؛ حَتَّى إِذَا فَعَلَهُ اتَّبَعُوهُ فِي فِعْلِهِ، كَمَا فِي التَّحَلُّلِ مِنَ الْعُمْرَةِ2، وَالْإِفْطَارِ فِي السَّفَرِ3، هَذَا وَكُلٌّ صحيح؛ فما ظنك بمن
__________
1 سيأتي تفصيل ذلك عند المصنف "5/ 269".
2 يشير المصنف إلى ما أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط، 5/ 322" عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان -يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه-، وذكر صلح الحديبية، وفيه: "فلما فرغ من قضية الكتاب؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لأصحابه: "قوموا فانحروا ثم احلقوا"، قال: "فوالله ما قام منهم رجل"؛ حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله, أتحب ذلك؟ اخرج، ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك؛ نحر بدنه، ودعا حالقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا ... ". وأخرجه أيضًا أحمد في "المسند" "4/ 328-331"، وانظر "5/ 264".
3 ورد في ذلك أحاديث عديدة؛ منها ما أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب المغازي، =
(4/87)

لَيْسَ بِمَعْصُومٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ؟ فَهُوَ أَوْلَى بِأَنْ يُبَيِّنَ قَوْلَهُ بِفِعْلِهِ، وَيُحَافِظَ فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى كُلِّ مَنِ اقْتَدَى بِهِ.
وَلَا يُقَالُ: إِنِ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَعْصُومٌ؛ فَلَا يَتَطَرَّقُ إِلَى فِعْلِهِ أَوْ تَرْكِهِ الْمُبَيَّنِ خَلَلٌ، بِخِلَافِ مَنْ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ.
لِأَنَّا نَقُولُ: إِنِ اعْتُبِرَ هَذَا الِاحْتِمَالُ فِي تَرْكِ الِاقْتِدَاءِ بِالْفِعْلِ؛ فَلْيُعْتَبَرْ فِي تَرْكِ اتِّبَاعِ الْقَوْلِ، وَإِذْ ذَاكَ يَقَعُ فِي الرُّتْبَةِ فَسَادٌ لَا يُصْلَحُ، وخرق لا يرقع؛ فلا بد أَنْ يَجْرِيَ الْفِعْلُ مَجْرَى الْقَوْلِ، وَلِهَذَا تُسْتَعْظَمُ شَرْعًا زَلَّةُ الْعَالِمِ، وَتَصِيرُ صَغِيرَتُهُ كَبِيرَةً، مِنْ حَيْثُ كَانَتْ أَقْوَالُهُ وَأَفْعَالُهُ جَارِيَةً فِي الْعَادَةِ عَلَى مَجْرَى الِاقْتِدَاءِ، فَإِذَا زَلَّ؛ حُمِلَتْ زَلَّتُهُ عَنْهُ قَوْلًا كَانَتْ أَوْ فِعْلًا لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ مَنَارًا يُهْتَدَى بِهِ، فَإِنْ عُلِمَ كَوْنُ زَلَّتِهِ زَلَّةً؛ صَغُرَتْ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ وَجَسَرَ عَلَيْهَا النَّاسُ تَأَسِّيًا بِهِ، وَتَوَهَّمُوا1 فِيهَا رُخْصَةً عَلِمَ بِهَا وَلَمْ يَعْلَمُوهَا هُمْ تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِهِ، وإن جهل كونها زلة؛
__________
= باب غزوة الفتح في رمضان/ رقم 4279"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر، 2/ 784/ رقم 113" عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خرج عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ الكديد، ثم أفطر، وكان صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره.
وما أخرجه مسلم في "صحيحه" "رقم 1114" عن جابر؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم، فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه؛ حتى نظر الناس إليه، ثم شرب. فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: "أولئك العصاة، أولئك العصاة".
وما أخرجه أحمد في "المسند" "3/ 21"، وابن حبان في "الصحيح" "رقم 3550، 3556, الإحسان" عن أبي سعيد الخدري؛ قال: قال لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على نهر من ماء السماء وهو على بغلة له والناس صيام، فقال: اشربوا فجعلوا ينظرون إليه، فقال: "اشربوا؛ فإني راكب وإني أيسركم، وأنتم مشاة"، فجعلوا ينظرون إليه؛ فحول وركه فشرب، وشرب الناس، وإسناده صحيح على شرط مسلم.
1 في "ط": "أو توهموا".
(4/88)

فَأَحْرَى أَنْ تُحْمَلَ عَنْهُ مَحْمَلَ الْمَشْرُوعِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ رَاجِعٌ عَلَيْهِ.
وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "إِنِّي لَأَخَافُ عَلَى أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي مِنْ أَعْمَالٍ ثَلَاثَةٍ". قَالُوا: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أَخَافُ عَلَيْهِمْ مِنْ زَلَّةِ الْعَالِمِ, وَمِنْ حُكْمِ جَائِرٍ، وَمِنْ هَوًى مُتَّبَعٍ"1.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: "ثَلَاثٌ يَهْدِمْنَ الدِّينَ: زَلَّةُ عَالِمٍ، وَجِدَالُ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ، وَأَئِمَّةٌ مُضِلُّونَ"2.
وَنَحْوُهُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ3 وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ.
وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: "يَا مَعْشَرَ العرب, كيف تصنعون بثلاث: دنيا تقطع
__________
1 أخرجه الطبراني في "الكبير" "17/ 17/ رقم 14"، والبزار في "مسنده" "رقم 182, زوائده"، والبيهقي في "المدخل" "رقم 830"، وابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1865" من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده مرفوعًا، وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله وهو ضعيف.
2 أخرجه الدارمي في "السنن" "1/ 71"، والآجري في "تحريم النرد والشطرنج" "رقم 48"، والفريابي في "صفة النفاق" "ص71"، وابن المبارك في "الزهد" "ص520"، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" "1/ 234"، والبيهقي في "المدخل" "رقم 833"، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" "رقم 641، 643"، وابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1867، 1869، 1870"، وآدم بن أبي إياس في "العلم"، والعسكري في "المواعظة"، والبغوي والإسماعيلي ونصر المقدسي في "الحجة"؛ كما في "كنز العمال" "10/ رقم 29405، 29412"، و"مسند الفاروق" "2/ 660-661" من طرق عن عمر, بعضها إسناده صحيح, قال ابن كثير في "مسند الفاروق" "2/ 662"، بعد أن ساق طرقه: "فهذه طرق يشد القوي منها الضعيف؛ فهي صحيحة من قول عمر -رضي الله عنه- وفي رفع الحديث نظر، والله أعلم".
3 أخرجه ابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1868" بسند رجاله ثقات؛ إلا أن فيه انقطاعًا، الحسن البصري لم يسمع من أبي الدرداء، وسيسوق المصنف لفظه "ص327".
(4/89)

أَعْنَاقَكُمْ، وَزَلَّةِ عَالِمٍ، وَجِدَالِ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ؟ "1.
وَمِثْلُهُ عَنْ سَلْمَانَ أَيْضًا2.
وَشَبَّهَ الْعُلَمَاءُ زَلَّةَ الْعَالِمِ بِكَسْرِ السَّفِينَةِ؛ لِأَنَّهَا إِذَا غَرِقَتْ غَرِقَ مَعَهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ3.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "وَيْلٌ لِلْأَتْبَاعِ مِنْ عَثَرَاتِ الْعَالِمِ. قِيلَ: كَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: يَقُولُ الْعَالِمُ شَيْئًا بِرَأْيِهِ، ثُمَّ يَجِدُ4 مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْهُ؛ فَيَتْرُكُ قَوْلَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ يَمْضِي الْأَتْبَاعُ"5.
وَهَذِهِ الْأُمُورُ حَقِيقٌ أَنَّ تَهْدِمَ الدِّينَ، أَمَّا زَلَّةُ الْعَالِمِ؛ فَكَمَا تَقَدَّمَ، وَمِثَالُ كَسْرِ السَّفِينَةِ وَاقِعٌ فِيهَا، وَأَمَّا الْحُكْمُ الْجَائِرُ؛ فَظَاهِرٌ أَيْضًا، وَأَمَّا الْهَوَى الْمُتَّبَعُ؛ فَهُوَ أَصْلُ ذَلِكَ كُلِّهِ وَأَمَّا الْجِدَالُ بِالْقُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ مِنَ -اللَّسِنِ الْأَلَدِّ- مِنْ أَعْظَمِ الْفِتَنِ لِأَنَّ الْقُرْآنَ مَهِيبٌ6 جِدًّا، فَإِنْ جَادَلَ بِهِ مُنَافِقٌ عَلَى بَاطِلٍ أَحَالَهُ حقًّا7،
__________
1 أخرجه ابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1872" بسند حسن، وقد روي مرفوعًا، ولا يصح، والموقوف هو الصحيح؛ كما قال الدارقطني في "العلل" "6/ 81/ رقم 992".
2 يشير إلى ما أخرجه ابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1873" بسنده إلى سلمان, رضي الله عنه: "كَيْفَ أَنْتُمْ عِنْدَ ثَلَاثٍ: زَلَّةِ عَالِمٍ، وَجِدَالِ منافق بالقرآن، ودنيا تقطع أعناقكم؟ ".
3 قول المصنف: "وشبه العلماء زلة العلم ... " من كلام ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" "2/ 982".
4 ومن ذلك كان مالك يكره كتابة العلم عنه؛ أي: الفروع خشية أن ينشر عنه في الآفاق، وقد يرجع عنه. "د".
5 أخرجه البيهقي في "المدخل" "رقم 835، 836"، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" "2/ 14" وابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1877".
قال "ف" شارحًا معناه: "أي على ما قال العالم برأيه مع أنه قد تركه لظهور مخالفته" ا. هـ.
6 فتتقي مخالفته ولو على الوجه الذي يزينه المنافق بسلاطة لسانه. "د".
7 في الأصل و"ف": "أسأل كونه حقًّا" وفي "ط": "أحال كونه حقًّا"، وتفردت نسخة الأصل بحذف الواو بعدها.
(4/90)

وَصَارَ مَظِنَّةً لِلِاتِّبَاعِ عَلَى تَأْوِيلِ ذَلِكَ الْمُجَادِلِ، وَلِذَلِكَ كَانَ الْخَوَارِجُ فِتْنَةً عَلَى الْأُمَّةِ؛ إِلَّا مَنْ ثَبَّتَ اللَّهُ لِأَنَّهُمْ جَادَلُوا بِهِ عَلَى مُقْتَضَى آرَائِهِمُ الْفَاسِدَةِ، وَوَثَّقُوا تَأْوِيلَاتِهِمْ بِمُوَافَقَةِ الْعَقْلِ1 لَهَا؛ فَصَارُوا فِتْنَةً عَلَى النَّاسِ، وَكَذَلِكَ الْأَئِمَّةُ الْمُضِلُّونَ؛ لِأَنَّهُمْ -بِمَا مَلَكُوا2 مِنَ السَّلْطَنَةِ عَلَى الخلق- قدروا3 عَلَى رَدِّ الْحَقِّ بَاطِلًا وَالْبَاطِلِ حَقًّا، وَأَمَاتُوا سُنَّةَ اللَّهِ وَأَحْيَوْا سُنَنَ الشَّيْطَانِ، وَأَمَّا الدُّنْيَا؛ فَمَعْلُومٌ فِتْنَتُهَا لِلْخَلْقِ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَفْعَالَ أَقْوَى فِي التَّأَسِّي وَالْبَيَانِ إِذَا جَامَعَتِ الْأَقْوَالَ مِنِ انْفِرَادِ الْأَقْوَالِ، فَاعْتِبَارُهَا فِي نَفْسِهَا لِمَنْ قَامَ فِي مَقَامِ الِاقْتِدَاءِ أَكِيدٌ لَازِمٌ4، بَلْ يُقَالُ: إِذَا اعْتُبِرَ هَذَا الْمَعْنَى فِي كُلِّ مَنْ هُوَ فِي مَظِنَّةِ الِاقْتِدَاءِ وَمَنْزِلَةِ التَّبْيِينِ؛ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ تَفَقُّدُ جَمِيعِ أَقْوَالِهِ وَأَعْمَالِهِ، وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ مَا هُوَ وَاجِبٌ وَمَا هُوَ مَنْدُوبٌ أَوْ مُبَاحٌ أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ مَمْنُوعٌ؛ فَإِنَّ لَهُ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ اعْتِبَارَيْنِ5:
أَحَدُهُمَا: مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ وَاحِدٌ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ فَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ يَتَفَصَّلُ الْأَمْرُ فِي حَقِّهِ إِلَى الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ.
وَالثَّانِي: مِنْ حَيْثُ صَارَ فِعْلُهُ وَقَوْلُهُ وَأَحْوَالُهُ بَيَانًا وَتَقْرِيرًا لِمَا شَرَعَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- إِذَا انْتَصَبَ فِي هَذَا الْمَقَامِ؛ فَالْأَقْوَالُ كُلُّهَا وَالْأَفْعَالُ فِي حَقِّهِ إِمَّا وَاجِبٌ وَإِمَّا مُحَرَّمٌ، وَلَا ثَالِثَ لَهُمَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ مُبَيِّنٌ، وَالْبَيَانُ وَاجِبٌ لَا غير، فإذا
__________
1 قال "ف": "أي: بزعمهم موافقة العقل لها، وإلا؛ فالعقول السليمة تنبو عنها".
قلت: هي في "ط": "الفعل"، ولكنها في الأصل: "العقل"، وهو أظهر.
2 في "ط": "يملكون".
3 في "د": "وقدروا" بزيادة واو في أوله. وفي "ط": "قروا".
4 ترق على ما فرض فيه الكلام أولًَا من الواجب والحرام إلى التعميم في الأحكام الخمسة، ومن خصوص البيان بالأفعال إلى البيان مطلقًا بالأقوال والأفعال. "د".
5 انظر: "أفعال الرسول, صلى الله عليه وسلم" "1/ 137-138".
(4/91)

كَانَ مِمَّا يُفْعَلُ1 أَوْ يُقَالُ؛ كَانَ وَاجِبَ الْفِعْلِ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُفْعَلُ؛ فَوَاجِبُ التَّرْكِ، حَسْبَمَا يَتَقَرَّرُ بَعْدُ بِحَوْلِ اللَّهِ، وَذَلِكَ هُوَ تَحْرِيمُ الْفِعْلِ.
لَكِنَّ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُقْتَدَى بِهِ إِنَّمَا يَتَعَيَّنُ حَيْثُ تُوجَدُ مَظِنَّةُ الْبَيَانِ؛ إِمَّا عِنْدَ الْجَهْلِ بِحُكْمِ الْفِعْلِ أَوِ [التَّرْكِ، وَإِمَّا عِنْدَ اعْتِقَادِ خِلَافِ الْحُكْمِ] 2، أَوْ مَظِنَّةِ اعْتِقَادِ خِلَافِهِ3.
فَالْمَطْلُوبُ فِعْلُهُ بَيَانُهُ بِالْفِعْلِ، أَوِ الْقَوْلِ الَّذِي يُوَافِقُ الْفِعْلَ إِنْ كَانَ وَاجِبًا، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ مَنْدُوبًا مجهول الحكم، فإن كان مندوبًا [و] مظنة لِاعْتِقَادِ الْوُجُوبِ؛ فَبَيَانُهُ بِالتَّرْكِ أَوْ بِالْقَوْلِ الَّذِي يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ التَّرْكُ، كَمَا فَعَلَ فِي تَرْكِ الْأُضْحِيَّةِ وَتَرْكِ4 صِيَامِ السِّتِّ مِنْ شَوَّالٍ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مَظِنَّةً لِاعْتِقَادِ عَدَمِ الطَّلَبِ أَوْ مَظِنَّةً لِلتَّرْكِ5؛ فَبَيَانُهُ بِالْفِعْلِ وَالدَّوَامِ فِيهِ عَلَى وَزَانِ الْمَظِنَّةِ؛ كَمَا فِي السُّنَنِ وَالْمَنْدُوبَاتِ الَّتِي تُنُوسِيَتْ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ.
وَالْمَطْلُوبُ تَرْكُهُ بَيَانُهُ بِالتَّرْكِ، أَوِ الْقَوْلِ الَّذِي يُسَاعِدُهُ التَّرْكُ إِنْ كَانَ حَرَامًا، وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا؛ فَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ مَجْهُولَ الْحُكْمِ، فَإِنْ كَانَ مَظِنَّةً لاعتقاد
__________
1 أي: مأذونًا فيه بأقسامه الثلاثة؛ حتى المباح يصير في حقه واجبًا، ومثله يقال فيما لا يفعل بقسميه. "د".
2 سقط من "ط".
3 مثاله: أن يجهل قوم الحديث الوارد في الندب إلى التطوع قبل صلاة المغرب بعد الأذان، ويستنكروا ذلك؛ فعلى المبين أن يفعل ذلك ليحصل البيان لأن البيان في حقه واجب، ولعل من هذا ما فعله النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا طلب أن يطعم من غير صيد غير المحرم، وطلب أن يطعم من الجعل الذي أخذوه على الرقية؛ قيامًا بواجب البيان، والله أعلم.
4 خشية اعتقاد وجوبها ملحقة برمضان, أو اعتقاد أنها نافلة مكملة له كالنوافل البعدية في الصلاة؛ كما روي عن مالك فيها. "د".
5 أي: لإهماله وعدم العناية به مع معرفتهم له؛ فبيانه بالفعل أي بقدر ما تزول الفكرة المخالفة أو ينشط الناس لفعله وإحيائه. "د".
(4/92)

التَّحْرِيمِ وَتَرَجَّحَ1 بَيَانُهُ بِالْفِعْلِ تَعَيَّنَ الْفِعْلُ عَلَى أَقَلِّ مَا يُمْكِنُ وَأَقْرَّ بِهِ2، وَقَدْ قَالَ3 اللَّهُ تَعَالَى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الْأَحْزَابِ: 21] .
وَقَالَ4: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} الْآيَةَ [الْأَحْزَابِ: 50] .
وَفِي حَدِيثِ الْمُصْبِحِ جُنُبًا قَوْلُهُ: "وَأَنَا أُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ" 5.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ: "يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ, أَتَرْغَبُ عَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَصْنَعُ؟ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَا وَاللَّهِ, قَالَتْ عائشة:
__________
1 كذا في "ط" والأصل، وفي غيرها: "وترجيح".
2 قد يظن أن في هذا تقريرًا من المصنف أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يفعل فعلًا حكمه الكراهة بشرط "على أقل ما يمكن"؛ أي: يقتصر على القدر الذي يحصل به البيان أن الفعل المبين ليس بحرام، وإنما هو مكروه، وسيأتي في المسألة الثانية ما يفيد شرطًا آخر وهو أن لا يكثر ولا يواظب عليه، ولا سيما أن لا يكون في مواطن الاجتماعات العامة، والحق أن فعله الذي أطلق عليه المصنف مكروهًا، إنما هو في حقه من باب تعارض المصلحة والمفسدة؛ فإن في فعله مصلحة البيان، ومفسدة مخالفة النهي، ومصلحة البيان أرجح، وعليه يدل السياق، وانظر في المسألة: "المسودة في أصول الفقه" "ص74"، و"حاشية البناني على جمع الجوامع" "2/ 96"، و"البحر المحيط" "4/ 176" للزركشي.
3 و4 الآيتان باجتماعهما، الأولى بعمومها في طلب الاقتداء، والثانية في هذا الفعل الخاص تفيدان جواز تزوج الرجل بزوجة متبناة، وهذا كان مظنة اعتقاد التحريم أو وجود الاعتقاد فعلًا، وتقدم لنا أنه بيان بالفعل والقول معًا. "د".
5 أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب الصيام، باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب، 2/ 781/ رقم 1110"، ومالك في "الموطأ" "1/ 289", والمذكور لفظه، ومن طريقه أحمد في "المسند" "6/ 67، 156، 245"، والشافعي في "الأم" "1/ 258"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الصيام، باب فيمن أصبح جنبًا في شهر رمضان/ رقم 2389"، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" "2/ 106"، والبيهقي في "الكبرى" "4/ 213" عن عائشة -رضي الله عنها- وإسناده صحيح.
(4/93)

فَأَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ، ثُمَّ يَصُومُ ذَلِكَ الْيَوْمَ"1.
وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: "أَلَا أَخْبَرْتِيهَا أَنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ ... " 2 إِلَى آخَرِ الْحَدِيثِ.
وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي عَنْ زِيَادِ بْنِ حُصَيْنٍ عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: "رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَهُوَ يَسُوقُ رَاحِلَتَهُ وَهُوَ يَرْتَجِزُ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَهُوَ يَقُولُ:
وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا ... إِنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَفْعَلْ لَمِيسَا
قَالَ: فَذَكَرَ الْجِمَاعَ بِاسْمِهِ؛ فَلَمْ يُكَنِّ عَنْهُ. قال: فقلت: يابن عَبَّاسٍ! أَتَتَكَلَّمُ بِالرَّفَثِ وَأَنْتَ مُحْرِمٌ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا الرفث ما روجع به النساء"3.
__________
1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الصوم، باب الصائم يصبح جنبًا، 4/ 143/ رقم 1925، 1926"، وباب اغتسال الصائم، 4/ 153/ رقم 1930، 1931، 1932"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصيام، باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب، 2/ 779-780/ رقم 1109"، ومالك في "الموطأ" "1/ 290-291" والمذكور لفظه.
2 مضى تخريجه "ص74"، وسيأتي "ص117"، وانظر تعليقنا عليه.
3 أخرجه سعيد بن منصور في "السنن" "3/ 806/ رقم 345"، وابن أبي شيبة في "المصنف", كما قال الزيلعي في "تخريج الكشاف" "1/ 115"، والحاكم في "المستدرك" "2/ 276"، وابن جرير في "التفسير" "2/ 263-264"،والبخاري في "تاريخه" "3/ 3", مشيرًا إلى متنه دون ذكره، والبيهقي في "الكبرى" "5/ 67"، وابن عبد البر في "التمهيد" "19/ 54"، و"الاستذكار" "13/ رقم 7910" من طرق عن ابن عباس لا تسلم واحدة منها من ضعف، ولكن مجموعها يدل على أن للأثر أصلًا، وبه يصل إلى درجة الحسن لغيره، والله أعلم.
وذكروه بألفاظ، والذي عند المصنف لفظ البيهقي، وذكره جمهرتهم بلفظ: "ننك لميسًا", وكذا سيورده المصنف "ص118"، وانظر: "علل ابن أبي حاتم" "1/ 277".
قال في "النهاية في غريب الحديث" "2/ 241": "كأنه -أي: ابن عباس- يرى الرفث =
(4/94)

كَأَنَّهُ رَأَى مَظِنَّةَ هَذَا الِاعْتِقَادِ؛ فَنَفَاهُ بِذَلِكَ الْقَوْلِ بَيَانًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوق} الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: 197] ، وَأَنَّ الرَّفَثَ لَيْسَ إِلَّا مَا كَانَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَإِنْ كَانَ مَظِنَّةً لِاعْتِقَادِ الطَّلَبِ أَوْ مَظِنَّةً لِأَنْ يُثَابِرَ عَلَى فِعْلِهِ؛ فَبَيَانُهُ بِالتَّرْكِ جُمْلَةً إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ، أَوْ كَانَ لَهُ أَصْلٌ لَكِنْ فِي الْإِبَاحَةِ أَوْ فِي نَفْيِ الْحَرَجِ فِي الْفِعْلِ؛ كَمَا فِي سُجُودِ1 الشُّكْرِ عِنْدَ مَالِكٍ وَكَمَا فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الطَّعَامِ، حَسْبَمَا بَيَّنَهُ مَالِكٌ فِي مَسْأَلَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بن صالح، وستأتي2 إن شاء الله.
__________
= الذي نهى الله عنه: ما خوطبت به المرأة، فأما ما يقوله ولم تسمعه امرأة فغير داخل فيه، وقال الأزهري: الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة".
قلت: وقوله: "إن تصدق الطير" فيريد به أنه زجر الطير، فتيامن بمرها، ودلته على قرب اجتماعه بأصحابه وأهله، أفاده الشيخ أحمد أو محمود شاكر في التعليق على "تفسير ابن جرير" "4/ 126"، و"اللميس": اسم امرأة، ويقال للمرأة اللينة الملمس: اللميس، انظر: "اللسان" "6/ 209-210، مادة لمس"، والهميس: قال السرقسطي في "غريبه": "الهميس: ضرب من السير لا يسمع له وقع".
قلت: وهو صوت نقل أخفاف الإبل كما أفاده ابن منظور في "اللسان" "6/ 250"، ونحوه عند "ف".
وقد ورد عن ابن عباس أكثر من تفسير للرفث في آية "197" من سورة البقرة، وانظر عدا "سنن سعيد"، والتعليق عليه: "تفسير ابن عباس ومروياته في التفسير من كتب السنة" "1/ 85-88" للشيخ عبد العزيز الحميدي.
1 تقدم إنكار مالك لأصله وإنكاره ما روي عن أبي بكر فيه. "د".
قلت: ورد ذلك بثبوت أحاديث وآثار صحت فيه، جمعها السخاوي في كتابه "تجديد الذكر في سجود الشكر"؛ كما في "الضوء اللامع" "8/ 19"، و"فهرس ابن غازي" "ص169" وغيره؛ كما في كتابنا: "مؤلفات السخاوي" "رقم 69" ولله الحمد والمنة.
2 في المسألة السابعة "ص114".
(4/95)

وعلى الجملة؛ فالمراعى ههنا1 مَوَاضِعُ طَلَبِ2 الْبَيَانِ الشَّافِي الْمُخْرِجِ عَنِ الْأَطْرَافِ وَالِانْحِرَافَاتِ، وَالرَّادِّ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَمَنْ تَأَمَّلَ سِيَرَ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِي هَذَا الْمَعْنَى؛ تَبَيَّنَ ما تقرر بحول الله، ولا بد مِنْ بَيَانِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ أَوْ بَعْضِهَا حَتَّى يَظْهَرَ فِيهَا الْغَرَضُ المطلوب، والله المستعان.
__________
1 أي: في التفاصيل السابقة من ترك الفعل جملة أو الفعل على الدوام وهكذا، إنما هو في المواطن التي يطلب فيها البيان الشافي، أما المواطن الأخرى؛ فيكفي فيها القول مثلًا. "د".
2 في "ط": "الطلب".
(4/96)

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ:
الْمَنْدُوبُ مِنْ حَقِيقَةِ اسْتِقْرَارِهِ مَنْدُوبًا أَنْ لَا يُسَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَاجِبِ، لَا فِي الْقَوْلِ وَلَا فِي الْفِعْلِ، كَمَا لَا يُسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الِاعْتِقَادِ، فَإِنْ سُوِيَّ بَيْنَهُمَا فِي الْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ؛ فَعَلَى وَجْهٍ1 لَا يُخِلُّ بِالِاعْتِقَادِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ بِأُمُورٍ:
أَحَدُهَا:
أَنَّ التَّسْوِيَةَ فِي الِاعْتِقَادِ بَاطِلَةٌ بِاتِّفَاقٍ، بِمَعْنَى أَنْ يَعْتَقِدَ فِيمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَالْقَوْلُ أَوِ الْفِعْلُ إِذَا كَانَ ذَرِيعَةً إِلَى مُطْلَقِ2 التَّسْوِيَةِ وَجَبَ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَلَا يُمْكِنَ ذَلِكَ إِلَّا بِالْبَيَانِ الْقَوْلِيِّ وَالْفِعْلِ الْمَقْصُودِ بِهِ التَّفْرِقَةُ، وَهُوَ تَرْكُ الِالْتِزَامِ فِي الْمَنْدُوبِ الَّذِي هُوَ مِنْ خَاصَّةِ كَوْنِهِ مَنْدُوبًا.
وَالثَّانِي:
أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بُعث هَادِيًا وَمُبَيِّنًا لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ، وَقَدْ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ ذَلِكَ3 فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ؛ كَنَهْيِهِ عَنْ إِفْرَادِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ أَوْ لَيْلَتِهِ
__________
1 في الأصل: "فلا وجه"، وفي حاشيته: "لعل الصواب: "فلا بد من وجه لا يخل بالاعتقاد"، وترجمة المسألة على هذا هو أن التفريق بين الواجب والمندوب إذا استويا في القول والفعل مطلوب من كل فرقة، هذا حاصل المسألة، ويعني بذلك أن الأمر إذا كان للندب وجب بيانه لئلا يلتبس بالواجب، لأنه مساوٍ له في الدلالة القولية الأمرية، وكذا إذا واظب القدرة على فعلين وكان أحدهما واجبًا والآخر مندوبًا؛ وجب عليه بيان المندوب منهما خيفة اعتقاد وجوبه" ا. هـ.
2 أي: التسوية المطلقة؛ أي: التامة التي يدخل فيها المساواة في الاعتقاد، أما التسوية في القول والفعل فقط؛ فجعلها صحيحة، إذا كانت على وجه لا يخل بالاعتقاد في المندوب بجعله واجبًا، لكنه قال في صدر المسألة: "إن التسوية بين المندوب والواجب ليست من حق المندوب، لا في القول، ولا في الفعل أيضًا" فيؤخذ من آخر الكلام بيان معنى صدره، وأن كونها ليست من حقه لا يقتضي بطلانها مطلقًا. "د".
قلت: انظر "أفعال الرسول, صلى الله عليه وسلم" "1/ 91" للأستاذ محمد الأشقر.
3 أي: البيان بالقول كما في المسلك الأول، وبالفعل كما في المسلك الثاني. "د".
(4/97)

بِقِيَامٍ1، وَقَوْلِهِ: "لَا يَجْعَلْ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ حَظًّا فِي صِلَاتِهِ" 2، بَيَّنَهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ وَاسِعُ بْنُ حِبَّانَ: "انْصَرَفْتُ مِنْ قِبَلِ شِقِّيَ الْأَيْسَرِ، فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَنْصَرِفَ عَنْ يَمِينِكَ؟ قُلْتُ: رَأَيْتُكَ فَانْصَرَفْتُ إِلَيْكَ. قَالَ: أَصَبْتَ، إِنَّ قَائِلًا يَقُولُ: انْصَرِفْ عَنْ يَمِينِكَ، وَأَنَا أَقُولُ: انْصَرَفَ كَيْفَ شِئْتَ، عَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ يَسَارِكَ"3.
وَفِي بعض الأحاديث بعدما قَرَّرَ حُكْمًا غَيْرَ وَاجِبٍ: "مِنْ فَعَلَ فَقَدْ أحسن، ومن لا فلا حرج"4.
__________
1 أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب الصوم، باب صوم يوم الجمعة، 4/ 232/ رقم 1985"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصيام، باب كراهة صوم يوم الجمعة منفردًا، 2/ 801/ رقم 1144"، والترمذي في "الجامع" "أبواب القيام، باب ما جاء في كراهية صوم يوم الجمعة وحده، 2/ 123/ رقم 740"، والنسائي في "الكبرى" "كتاب الصيام" كما في "تحفة الأشراف" "10/ 351"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب الصيام، باب في صيام الجمعة، 1/ 549/ رقم 1723"، وأحمد في "المسند" "2/ 495" عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام؛ إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم"، لفظ مسلم.
2 مضى تخريجه "3/ 500"، وهو في "الصحيحين" عن ابن مسعود -رضي الله عنه- مرفوعًا. وفي "ط": "من صلاته"!!
3 مضى تخريجه "3/ 501".
4 أخرج أبو داود في "السنن" "1/ 9/ رقم 35", ومن طريقه البيهقي في "الخلافيات" "2/ 84-85/ رقم 367, بتحقيقي"، والبغوي في "شرح السنة" "12/ 118/ رقم 3204"، وأحمد في "المسند" "2/ 371"، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" "1/ 121/ 122"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "1/ 94، 104"، من طريق عيسى بن يونس عن ثور عن الحصين الحبراني عن أبي سعيد عن أبي هريرة مرفوعًا: "من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، ومن استجمر فليوتر، ومن فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، ومن أكل فما تخلل فليلفظ، وما لاك بلسانه فليبتلع، ومن فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج، ومن أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد =
(4/98)

..........................................................................
__________
= إلا أن يجمع كثيبًا من رمل فليستدبره، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، من فعل فقد أحسن ومن لا حرج".
وأخرجه من طرق أخرى عن ثور به: ابن ماجه في "السنن" "1/ 121-122 و2/ 1157/ رقم 337، 338, 3498", والدارمي في "السنن" "1/ 169-170"، والطحاوي في "شرح معاني الآثار "1/ 122"، و"مشكل الآثار" "1/ 127/ رقم 138"، والحاكم في "المستدرك" "4/ 137", وابن حبان في "الصحيح" "4/ 257-258".
وإسناده ضعيف، فيه حصين الحبراني، ويقال: الحميري، وحبران بطن من حمير، قال ذلك أبو بكر بن أبي داود، وهو مجهول؛ كما في "التقريب"، وفي "الكاشف" "1/ 239": "لا يعرف"، وانظر: "الجرح والتعديل" "9/ رقم 1758".
قال ابن حجر في "التلخيص الحبير" "1/ 103": "مداره على أبي سعد الحبراني الحمصي، وفيه اختلاف، وقيل: إنه صحابي ولا يصح، والراوي عنه حصين الحبراني وهو مجهول، وقال أبو زرعة: شيخ، وذكره ابن حبان في الثقات، وذكر الدارقطني الاختلاف فيه في "العلل"". ا. هـ.
قلت: انظر كلام الدارقطني في "العلل" "8/ 283-285/ رقم 1570"، وقال البيهقي في "المعرفة" "1/ 201"، "ليس بالقوي"، وكلام ابن حجر السابق هو ما تقتضيه قواعد المصالح، بخلاف ما قرره بعد في "الفتح" "1/ 257" عندما حسن إسناد أبي داود، وتبعه العيني في "عمدة القاري" "1/ 722"، وأقره البنوري في "معارف السنن" "1/ 115"، وسبقه النووي في "المجموع" "2/ 55"؛ فقال عنه: "هذا حديث حسن" وانظر: "خلاصة البدر المنير" "1/ رقم 117"، و"تحفة المحتاج" "1/ رقم 39"، و"السلسلة الضعيفة" "3/ رقم 1028".
والعجب من "د"؛ فإنه اقتصر في الهامش على قوله: "جزء من حديث أخرجه في "التيسير" عن الستة؛ إلا الترمذي".
قلت: يغني عنه ما أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الصيام، باب التخيير في الصوم والفطر في السفر، 2/ 790/ رقم 1121 بعد 107" عن حمزة بن عمرو الأسلمي -رضي الله عنه- أنه قال: يا رسول الله! أجد بي قوة على الصيام في السفر؛ فهل عليَّ جناج؟ فقال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: "هي رخصة من الله؛ فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه".
(4/99)

وَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ" 1.
وَقَالَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ تَقْدِيمِ بَعْضِ أَفْعَالِ الْحَجِّ عَلَى بَعْضٍ مِمَّا لَيْسَ تَأْخِيرُهُ بِوَاجِبٍ: "لَا حَرَجَ". قَالَ الرَّاوِي: فَمَا سُئِل يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ أَوْ أُخِّرَ؛ إِلَّا قَالَ: "افْعَلْ وَلَا حَرَجَ" 2 مَعَ أَنَّ تَقْدِيمَ بَعْضِ الْأَفْعَالِ عَلَى بَعْضٍ مَطْلُوبٌ، لَكِنْ لَا عَلَى الْوُجُوبِ 3.
وَنَهَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ أَنْ يُتَقَدَّمَ رَمَضَانُ بِيَوْمٍ أَوْ يومين4.
وحرم5 صيام يوم العيد.
__________
1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الإيمان، باب الزكاة في الإسلام، 1/ 106/ رقم 46"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام، 1/ 40-41/ رقم 11" عن طلحة بن عبيد الله -رضي الله عنه- مرفوعًا.
2 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب العلم، باب الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها، 1/ 180/ رقم 83، وكتاب الحج، باب الفتيا على الدابة عند الجمرة, 3/ 569/ رقم 1736", ومسلم في "صحيحه" "كتاب الحج, باب من حلق قبل النحر أو نحر قبل الحلق، 2/ 948/ رقم 1306"، عن عبد الله بن عمرو, رضي الله عنهما.
3 مضى نصه وتخريجه في التعليق على "3/ 469".
4 مضى نصه وتخريجه في التعليق على "3/ 469".
5 قال في "الاعتصام" "1/ 509-510, ط ابن عفان": "إن ذلك النهي علله العلماء بخوف أن يعد ذلك من رمضان"، يعني: فيحسب واجبًا، وأصله تطوع مندوب، ومثله يقال في نهيه عن إفراد يوم الجمعة بصيام أو ليلته بقيام، وقد جعله هناك من باب ما يصير الوصف عرضة لأن ينضم إلى العبادة حتى يعتقد فيه أنه من أوصافها أو جزء منها، قال: "فهذا القسم ينظر فيه من جهة النهي عن الذرائع"، وقوله: "وحرم صيام يوم العيد" لا يظهر وجه اندراجه هنا؛ لأنه منهي عنه نهي استقلال. "د".
قلت: ومضى تخريج النهي عن صيام يوم العيد "3/ 469".
(4/100)

وَنَهَى1 عَنِ التَّبَتُّلِ2 مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [الْمُزَّمِّلِ: 8] .
وَنَهَى عَنِ الْوِصَالِ3، وَقَالَ: "خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ" 4 مَعَ أَنَّ الِاسْتِكْثَارَ مِنَ الْحَسَنَاتِ خَيْرٌ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي بَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وَإِقْرَارِهِ مِمَّا خِلَافُهُ مَطْلُوبٌ، وَلَكِنْ تَرَكَهُ وَبَيَّنَهُ خَوْفًا أَنْ يَصِيرَ مِنْ قَبِيلٍ آخَرَ فِي الِاعْتِقَادِ.
وَمَسْلَكٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- كَانَ يَتْرُكُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ؛ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ5، قَالَتْ عَائِشَةُ: "وَمَا سَبَّحَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ، وإني لأسبحها"6.
__________
1 كما ورد في حديث سعد بن أبي وقاص، وفيه أنه رده على عثمان بن مظعون وهو في "الصحيحين" وغيرهما، ومضى تخريجه "2/ 228".
2 وهو الانقطاع الصرف عن شئون هذه الحياة كرهبانية النصارى، أما التبتل في الآية، فبمعنى الإخلاص في العبادة أو نحوه، والمقام مستوفى في كتاب "الاعتصام" "1/ 436, ط ابن عفان"، وهذا وما بعده لم يتبين فيه معنى الذريعة إلى اعتقاد الوجوب، ولذلك قال: "مع أن الاستكثار من الحسنات خير"، وقال -صلى الله عليه وسلم- في رد التبتل لعثمان بن مظعون ومن معه: "فمن رغب عن سنتي؛ فليس مني"، ويؤخذ منه أنه ليس بمشروع، فضلًا عن كونه مندوبًا يخشى من الاستدامة عليه اعتقاد الوجوب، كما هو أصل الموضوع، فقوله: "مما خلافه مطلوب" لا يظهر في التبتل ولا يظهر في الوصال أيضًا. "د".
3 كما في "صحيح البخاري" "كتاب الصوم، باب الوصال، 4/ 202/ رقم 1964"، وانظر ما مضى "2/ 239".
4 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الصوم، باب صوم شعبان، 4/ 213/ رقم 1969"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الصيام، باب صيام النبي -صلى الله عليه وسلم- في غير رمضان، 2/ 811/ رقم 782" عن عائشة, رضي الله عنها.
5 مضى تخريجه "3/ 260".
6 مضى تخريجه "3/ 260"، وهو في "الصحيحين".
وقد ثبت في "الصحيح" أن معاذة سألت عائشة: "كم كان يصلي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاة الضحى؟ قالت: أربع ركعات، ويزيد ما شاء الله". وجمع الحديث مع سابقه أن ذلك العلم من طريق غير الرؤية. "د".
(4/101)

وَقَدْ قَامَ لَيَالِيَ مِنْ رَمَضَانَ فِي الْمَسْجِدِ؛ فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، ثُمَّ كَثُرُوا فَتَرَكَ ذَلِكَ، وَعَلَّلَ بِخَشْيَةِ الْفَرْضِ1.
وَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُفْرَضَ بِالْوَحْيِ، وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ النَّاسِ.
وَالثَّانِي: فِي مَعْنَاهُ، وَهُوَ الْخَوْفُ أَنْ يَظُنَّ فِيهَا أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِهِ بَعْدَهُ إِذَا دَاوَمَ عَلَيْهَا الْوُجُوبَ، وَهُوَ تَأْوِيلٌ مُتَمَكِّنٌ2.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الصَّحَابَةَ عَمِلُوا عَلَى3 هَذَا الِاحْتِيَاطِ فِي الدِّينِ لَمَّا فَهِمُوا هَذَا الْأَصْلَ مِنَ الشَّرِيعَةِ، وَكَانُوا أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِهِمْ؛ فَتَرَكُوا أَشْيَاءَ وَأَظْهَرُوا ذَلِكَ لِيُبَيِّنُوا أَنَّ تَرْكَهَا غَيْرُ قَادِحٍ وَإِنْ كَانَتْ مَطْلُوبَةً؛ فَمِنْ ذَلِكَ تَرْكُ عُثْمَانَ الْقَصْرَ فِي السَّفَرِ فِي خِلَافَتِهِ، وَقَالَ: "إِنِّي إِمَامُ النَّاسِ، فَيَنْظُرُ إِلَيَّ الْأَعْرَابُ وَأَهْلُ الْبَادِيَةِ أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ؛ فَيَقُولُونَ: هَكَذَا فُرِضَتْ"4، وَأَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أن القصر
__________
1 مضى تخريجه "3/ 260".
2 يريد أنه قوي وحال محله متمكن فيه، وبه يستغني عن الوجه الأول الذي أوردوا عليه ثم أجابوا عنه بما فيه ضعف، قال القاضي أبو الطيب: "يحتمل أن يكون أوحى إليه أنه إن داوم معهم على هذه الصلاة فرضت عليهم؛ فالمؤلف يرى قوة هذا الوجه، ويبني عليه استدلاله، ولا يريد أنه ممكن كما قال بعضهم؛ لأن مجرد الإمكان الضعيف لا يصحح له جعله من مسالك استدلاله". "د".
وكتب "ف" هنا: "لعله ممكن".
3 سقط من "ط".
4 أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" "2/ 518-519/ رقم 4277"، وأخرج الطحاوي في "شرح معاني الآثار" "1/ 425" نحوه عن الزهري، والبيهقي في "الكبرى" "3/ 144" من =
(4/102)

مَطْلُوبٌ1.
وَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ أَسِيدٍ: "شَهِدْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَكَانَا لَا يُضَحِّيَانِ مَخَافَةَ أَنْ يَرَى النَّاسُ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ"2، وَقَالَ بِلَالٌ: "لَا أُبَالِي أَنْ أُضَحِّيَ بِكَبْشٍ أَوْ بِدِيكٍ"3.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَشْتَرِي لَحْمًا بِدِرْهَمَيْنِ يوم الأضحى، ويقول
__________
= طريق عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن عثمان أنه أتم بمنى، ثم خطب، فقال: "إن القصر سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وصاحبيه، ولكنه حدث طغام -يعني: فتح الطاء والمعجمة- فخفت أن يستنوا"، وعن ابن جريج أن أعرابيًّا ناداه في منى: "يا أمير المؤمنين! ما زلت أصليها منذ رأيتك عام أول ركعتين"، وهذه طرق يقوي بعضها بعضًا، قاله ابن حجر في "الفتح" "2/ 571"، وزاد: "ولا مانع أن يكون هذا أصل سبب الإتمام".
وما ذكره المصنف عند أبي شامة المقدسي في "الباعث على إنكار البدع والحوادث" "ص182-183"، والطرطوشي في "الحوادث والبدع" "ص38-39, ط التونسية"، ومنه نقل المصنف كما صرح في "الاعتصام" "2/ 106"، وانظره: "2/ 31-32"، وانظر "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد "ص24"، وما قدمناه في التعليق على "ص59".
قلت: في غير الأصل: "فنظر".
1 أي: سنة وليس واجبًا كما هو مذهب الحنفية، ولا هو رخصة بمعنى لا حرج في فعله، وبهذا يتم استدلاله على الموضوع. "د".
2 أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" "4/ 381/ رقم 8139"، والبيهقي في "الكبرى" "9/ 265"، و"الخلافيات" "3/ ق 279"، وابن حزم في "المحلى" "7/ 19، 358"، والطبراني في "الكبير", كما في "المجمع" "4/ 18"، وابن أبي خيثمة في "تاريخه"، وابن أبي الدنيا في "الضحايا", كما في "التلخيص الحبير" "4/ 145", عن أبي سريحة الغفاري, واسمه حذيفة بن أسيد, به، وإسناده صحيح.
3 أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" "4/ 385/ رقم 8156"، وابن حزم في "المحلى" "7/ 358" من طريقين عن عمران بن مسلم الجعفي عن سويد بن غفلة عن بلال به، وإسناده صحيح.
(4/103)

لِعِكْرِمَةَ: "مَنْ سَأَلَكَ؛ فَقُلْ هَذِهِ أُضْحِيَّةُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَانَ غَنِيًّا"1.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ2: "إِنِّي لَأَتْرُكُ أُضْحِيَّتِي وَإِنِّي لَمِنْ أَيْسَرِكُمْ؛ مَخَافَةَ أَنْ يَظُنَّ الْجِيرَانُ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ"3.
وَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ: "كُنَّا نُضَحِّي عَنِ النِّسَاءِ وَأَهْلِينَا؛ فَلَمَّا تَبَاهَى النَّاسُ بِذَلِكَ تَرَكْنَاهَا"4، وَلَا خِلَافَ [فِي] 5 أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ مَطْلُوبَةٌ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ فِي صَلَاةِ الضحى: "إنها بدعة"6، وحمل على أحد
__________
1 أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" "4/ 382-383/ رقم 8146"، والبيهقي في "الكبرى" "9/ 265" و"الخلافيات" "3/ ق 279، 280"، وابن حزم في "المحلى" "7/ 358".
2 هو ابن مسعود, رضي الله عنه. "د".
قلت: بل القائل هو أبو مسعود الأنصاري.
3 أخرجه السرقسطي في كتابه من طريق سعيد بن منصور ثنا سفيان عن منصور عن أبي وائل عن أبي مسعود الأنصاري، قاله الزيلعي في "نصب الراية" "4/ 206-207".
وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" "4/ 383/ رقم 8148، 8149"، وابن حزم في "المحلى" "7/ 358"، والبيهقي في "الكبرى" "9/ 295"، وإسناده صحيح، وصححه ابن حجر في "التلخيص الحبير" "4/ 145"، وعزاه لـ"سنن سعيد بن منصور".
4 ذكره أبو شامة في "الباعث" "ص182".
وقد نقل المصنف هذه الأثار عن الطرطوشي في "الحوادث والبدع" "ص39"؛ كما صرح هو بذلك في "الاعتصام" "2/ 107 و2/ 602, ط ابن عفان". وانظر: "الاستذكار" "15/ 162-163".
5 سقطت من "ط".
6 أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب العمرة، باب كم اعتمر النبي, صلى الله عليه وسلم 3/ 599/ رقم 1775" بسنده إلى مجاهد؛ قال: "دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- جالس إلى حجرة عائشة، وإذا ناس يصلون في المسجد صلاة الضحى، قال: فسألناه عن صلاتهم؛ فقال: بدعة".
وانظر: "فتح الباري" "3/ 52"؛ ففيه عنه -رضي الله عنه- آثار عديدة.
(4/104)

وَجْهَيْنِ: إِمَّا أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَهَا جَمَاعَةً، وَإِمَّا أَفْذَاذًا عَلَى هَيْئَةِ النَّوَافِلِ فِي أَعْقَابِ الْفَرَائِضِ1، وَقَدْ مَنَعَ النِّسَاءَ الْمَسَاجِدَ مَعَ مَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ: "لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ" 2؛ لِمَا3 أَحْدَثْنَ فِي خُرُوجِهِنَّ وَلِمَا يُخَافُ فِيهِنَّ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّ أَئِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ اسْتَمَرُّوا عَلَى هَذَا الْأَصْلِ عَلَى الْجُمْلَةِ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي التَّفَاصِيلِ؛ فَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ صيام ست من شوال4، وذلك
__________
1 انظر "الاعتصام" "1/ 447, ط ابن عفان" للمصنف.
2 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الأذان، باب خروج النساء إلى المساجد بالليل والغلس، 2/ 347/ رقم 865، وباب استئذان المرأة زوجها بالخروج إلى المسجد، 2/ 351/ رقم 873، وكتاب الجمعة، باب منه، 2/ 282/ رقم 899، 900، وكتاب النكاح، باب استئذان المرأة زوجها في الخروج إلى المسجد وغيره، 9/ 337/ رقم 5238"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصلاة، باب خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة، 1/ 326-327/ رقم 442" عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- مرفوعًا.
3 فليس لما يخشى من اعتقاد الوجوب فيما ليس بواجب، ولا لبيان أن تركها ليس بقادح وإن كانت مطلوبة، بل لهذين المعنيين اللذين ذكرهما، وحينئذ؛ فما وجه إدراج هذا في المقام؟ "د".
قلت: وجه قول المصنف في "الاعتصام" "1/ 511, ط ابن عفان": "وبالجملة؛ فكل عمل أصله ثابت شرعًا؛ إلا أن في إظهار العمل به والمداومة عليه ما يخاف أن يعتقد أنه سنة، فتركه مطلوب في الجملة أيضًا من باب سد الذرائع".
4 قال مالك في "الموطأ" "1/ 311" في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان: "إنه لم ير أحدًا من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته، وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء، لو رأوا في ذلك رخصة عند أهل العلم، وأراهم يعملون ذلك".
قال المصنف في "الاعتصام" "2/ 107 و2/ 604, ط ابن عفان" عقبه: "فكلام مالك هنا ليس فيه دليل على أنه لم يحفظ الحديث كما توهم بعضهم، بل لعل كلامه مشعر بأنه يعلمه، لكنه لم ير العمل عليه، وإن كان مستحبًّا في الأصل لئلا يكون ذريعة لما قال، كما فعل الصحابة =
(4/105)

لِلْعِلَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، مَعَ أَنَّ التَّرْغِيبَ فِي صِيَامِهَا ثَابِتٌ صَحِيحٌ1؛ لِئَلَّا يُعْتَقَدَ ضَمُّهَا إِلَى رَمَضَانَ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ2: "وَقَدْ وَقَعَ3 ذَلِكَ لِلْعَجَمِ". [وَقَالَ] 4 الشافعي في
__________
= -رضي الله عنهم- في الأضحية، وعثمان في الإتمام في السفر".
وانظر لزامًا: "الاستذكار" "10/ 258-259" لابن عبد البر، و"الذخيرة" "2/ 530" للقرافي، و"رفع الإشكال" للعلائي "ص77 وما بعدها"، و"المفهم شرح صحيح مسلم" "4/ 1950-1951" لأبي العباس القرطبي.
أما مذهب الإمام أبي حنيفة؛ فنقل المصنف عنه الكراهة، وهو المنقول عنه في كتب أصحابه.
قال ابن الهمام في "فتح القدير" "2/ 349": "صوم ستة من شوال، عن أبي حنيفة وأبي يوسف كراهته، وعامة المشايخ لم يروا به بأسًا".
1 وذلك في قوله, صلى الله عليه وسلم: "من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال، كان كصيام الدهر".
أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الصيام، باب استحباب صوم ستة أيام من شوال اتباعًا لرمضان، 2/ 822/ رقم 1164" عن أبي أيوب الأنصاري مرفوعًا.
وقد ضعف ابن دحية الكلبي في كتابه "العلم المشهور في فضائل الأيام والشهور"، هذا الحديث، ورد عليه الحافظ العلائي في كتاب مفرد طبع حديثًا، وعنوانه: "رفع الإشكال عن صيام ستة أيام من شوال"، وانظر: "لطائف المعارف" "ص389, ط المحققة عن دار ابن كثير" لابن رجب.
2 قلت: وعبارة القرافي في "الفروق" "2/ 191، الفرق الخامس والمائة": "قال لي الشيخ زكي الدين عبد العظيم المحدث, رحمه الله تعالى: إن الذي خشي منه مالك -رحمه الله تعالى- قد وقع بالعجم؛ فصاروا يتركون المسحرين على عادتهم، والقوانين وشعائر رمضان إلى آخر الستة الأيام، فحينئذ يظهرون شعائر العيد"!! وانظر: "إيضاح السالك إلى قواعد الإمام مالك" "ص221-222" للونشريسي، و"ما لا يجوز الاختلاف فيه بين المسلمين" "ص97-98"، وانظر: "الاعتصام" "2/ 604, ط ابن عفان".
3 فلينظر هذا الشوكاني الذي شنع على الإمامين لقولهم بالكراهة خشية هذا المحظور. "د".
4 سقط من "ط".
(4/106)

الْأُضْحِيَّةِ بِنَحْوٍ مِنْ ذَلِكَ، حَيْثُ اسْتَدَلَّ1 عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ بِفِعْلِ الصَّحَابَةِ الْمَذْكُورِ وَتَعْلِيلِهِمْ.
وَالْمَنْقُولُ عَنْ مَالِكٍ مِنْ هَذَا كَثِيرٌ، وَسَدُّ الذَّرِيعَةِ أَصْلٌ عِنْدَهُ مُتَّبَعٌ، مُطَّرِدٌ فِي الْعَادَاتِ وَالْعِبَادَاتِ؛ فَبِمَجْمُوعِ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ نَقْطَعُ بِأَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ إِذَا اسْتَوَى الْقَوْلَانِ أَوِ الْفِعْلَانِ مَقْصُودٌ شَرْعًا، وَمَطْلُوبٌ مِنْ كُلِّ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ قَطْعًا2 كَمَا يُقْطَعُ بِالْقَصْدِ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا اعْتِقَادًا.
فَصْلٌ:
وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا تَحْصُلُ بِأُمُورٍ: مِنْهَا بَيَانُ الْقَوْلِ إِنِ اكْتُفِيَ بِهِ، وَإِلَّا؛ فَالْفِعْلُ [وَهُوَ أَحْرَى] بَلْ هُوَ فِي هَذَا النَّمَطِ مَقْصُودٌ، وَقَدْ يَكُونُ فِي سَوَابِقِ الشَّيْءِ الْمَنْدُوبِ وَفِي قَرَائِنِهِ وَفِي لَوَاحِقِهِ3، وَأَمْثِلَةُ ذَلِكَ ظَاهِرَةٌ مِمَّا تَقَدَّمَ وَأَشْبَاهُهُ.
وَأَكْثَرُ مَا يَحْصُلُ الْفَرْقُ فِي الْكَيْفِيَّاتِ الْعَدِيمَةِ النَّصِّ، وَأَمَّا الْمَنْصُوصَةُ؛ فَلَا كَلَامَ فِيهَا، فَالْفِعْلُ أَقْوَى إِذًا فِي هَذَا الْمَعْنَى؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْفِعْلَ يصدق القول أو يكذبه.
__________
1 فقد اعتمد على فعل الصحابة فيه وتعليلهم؛ فهو قد سلم أن الترك للعلة التي هي خوف مظنة الوجوب؛ فهو من الباب نفسه وإن لم يصرح بكراهتها إذا وجدت العلة؛ فلذا قال المؤلف: "بنحو من ذلك". "د".
2 ينزل معناه على مقتضى قوله في صدر المسألة: "فَإِنْ سُوِيَّ بَيْنَهُمَا فِي الْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ؛ فعلى وجه لا يخل بالاعتقاد"، وذلك بإخفائه عن العامة من المقتدى به مثلًا. "د".
3 ففي ترك القيام في رمضان بعد حصوله ليالي بيان باللواحق، وفي استخفائه بصلاة الضحى حتى لم تره السيدة عائشة بيان بالمقارن. "د".
(4/107)

فَصْلٌ:
وَكَمَا أَنَّ مِنْ حَقِيقَةِ اسْتِقْرَارِ الْمَنْدُوبِ أَنْ لَا يُسَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَاجِبِ فِي الْفِعْلِ كَذَلِكَ مِنْ حَقِيقَةِ اسْتِقْرَارِهِ أَنْ لَا يُسَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَعْضِ الْمُبَاحَاتِ فِي التَّرْكِ الْمُطْلَقِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ؛ فَإِنَّهُ لَوْ وَقَعَتِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا لَفُهِمَ مِنْ ذَلِكَ مَشْرُوعِيَّةُ التَّرْكِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَمْ يُفْهَمْ كَوْنُ الْمَنْدُوبِ مَنْدُوبًا، هَذَا وَجْهٌ1.
وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ فِي تَرْكِ الْمَنْدُوبِ إِخْلَالًا بِأَمْرٍ كُلِّيٍّ فِيهِ وَمِنَ الْمَنْدُوبَاتِ مَا هُوَ وَاجِبٌ بِالْكُلِّ؛ فَيُؤَدِّي تَرْكُهُ مطلقًا إلى الإخلال بالواجب، بل لا بد [فيه] مِنَ الْعَمَلِ بِهِ لِيَظْهَرَ لِلنَّاسِ فَيَعْمَلُوا بِهِ، وَهَذَا مَطْلُوبٌ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ، كَمَا كَانَ شَأْنُ السَّلَفِ الصَّالِحِ.
وَفِي الْحَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ أَنَسٍ؛ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا بُنَيَّ! إِنْ قَدَرْتَ أن تصبح و [تمسي] ليس فِي قَلْبِكَ غِشٌّ لِأَحَدٍ فَافْعَلْ، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا بُنَيَّ! وَذَلِكَ مِنْ سُنَّتِي، وَمَنْ أَحْيَا سُنَّتِي؛ فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَحَبَّنِي؛ كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ"2؛ فَجَعَلَ الْعَمَلَ بِالسُّنَّةِ إِحْيَاءً لها؛ فليس بيانها مختصًّا بالقول.
__________
1 انظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "4/ 436 و22/ 407".
2 أخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، 5/ 46/ رقم 2678"، وإسناده ضعيف، فيه علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف.
قال الترمذي عقبه: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه"، وقال: "وعلي بن زيد صدوق؛ إلا أنه ربما يرفع الشيء الذي يوقفه غيره"، قال: "وسمعت محمد بن بشار يقول: قال أبو الوليد: قال شعبة: حدثنا علي بن زيد وكان رفاعًا، ولا نعرف لسعيد بن المسيب عن أنس رواية إلا هذا الحديث بطوله، وقد روى عباد بن ميسرة المنقري هذا الحديث عن علي بن زيد عن أنس، ولم يذكر فيه عن سعيد بن المسيب". قال: "وذاكرت به محمد بن إسماعيل فلم يعرفه, ولم يعرف لسعيد بن المسيب عن أنس هذا الحديث ولا غيره".
وما بين المعقوفتين سقط من الأصل وجميع الطبعات، واستدركناه من "جامع الترمذي".
(4/108)

وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي نُزُولِ الْحَاجِّ بِالْمُحَصَّبِ مِنْ مَكَّةَ، وَهُوَ الْأَبْطَحُ: "أَسْتَحِبُّ لِلْأَئِمَّةِ وَلِمَنْ يُقْتَدَى بِهِ أَنْ لَا يُجَاوِزُوهُ حَتَّى يَنْزِلُوا بِهِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ1 حَقِّهِمْ لِأَنَّ ذَلِكَ2 أَمْرٌ قَدْ فَعَلَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالْخُلَفَاءُ، فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَمَنْ يُقْتَدَى بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِحْيَاءُ سُنَنِهِ وَالْقِيَامُ بِهِ3 لِئَلَّا يُتْرَكَ هَذَا الْفِعْلُ جُمْلَةً، وَيَكُونُ4 لِلنُّزُولِ بِهَذَا الْمَوْضِعِ حُكْمُ النُّزُولِ بِسَائِرِ الْمَوَاضِعِ، لَا فَضِيلَةَ لِلنُّزُولِ بِهِ، بَلْ لَا يَجُوزُ النُّزُولُ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ". هَكَذَا نَقَلَ الباجي5.
و [هو] ظَاهِرٌ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي أَنَّ الْمَنْدُوبَ6 لا بد مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا لَيْسَ بِمَنْدُوبٍ، وَذَلِكَ بِفِعْلِهِ وَإِظْهَارِهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ7 فِي حَدِيثِ عُمَرَ "بَلْ أَغْسِلُ مَا رَأَيْتُ، وَأَنْضَحُ مَا لَمْ أَرَ" 8: فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ عُمَرَ رَأَى أَنَّ أَعْمَالَهُ وَأَقْوَالَهُ نَهْجٌ لِلسُّنَّةِ، وَأَنَّهُ مَوْضِعٌ لِلْقُدْوَةِ، يَعْنِي: فَعَمِلَ هُنَا عَلَى مُقْتَضَى الْأَخْذِ عَنْهُ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَصَارَ ذَلِكَ أَصْلًا فِي التَّوْسِعَةِ عَلَى النَّاسِ فِي تَرْكِ تكلف ثوب آخر الصلاة، وَفِي تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ لِأَجْلِ غَسْلِ الثَّوْبِ.
وَفِي9 الحديث: "واعجبًا لك يابن العاص! لئن كنت تجد ثيابًا؛ أفكل
__________
1 كذا في النسخ كلها، وفي مطبوع "المنتقى" للباجي: "في".
2 عند الباجي: "لأن هذا أمر".
3 في مطبوع "المنتقى": ".... سنته والقيام بها".
4 أي: ينسى حتى يصير هكذا في اعتقاد الناس. "د". وفي "ط": "ويكون النزول".
5 في "المنتقى" "3/ 44".
6 سقطت "في" من "د" وسقط "هو" من جميع النسخ إلا من "ط"، وسقطت من "ط" كلمة "مذهب" وقال "ف": "صحته أن في المندوب"!!
7 هو الباجي، وكلامه الآتي في "المنتقى شرح الموطأ" "1/ 103".
8 مضى تخريجه "3/ 502".
9 لو قال: "ولذلك في الحديث: واعجبًا ... إلخ"؛ لكان أجود سبكًا وأظهر في ضم أجزاء الحديث بعضها بعضًا. "د".
(4/109)

النَّاسِ يَجِدُ ثِيَابًا! وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُهَا لَكَانَتْ سُنَّةً" 1 الْحَدِيثَ.
وَلِمَكَانِ هَذَا وَنَحْوِهِ اقْتَدَى بِهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَفِيدُهُ2؛ فَفِي "الْعُتْبِيَّةِ" قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَخَّرْتَ الصَّلَاةَ شَيْئًا. فَقَالَ: "إِنَّ ثِيَابِي غُسِلَتْ"3.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: "يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُ تِلْكَ الثِّيَابِ لِزُهْدِهِ فِي الدُّنْيَا، أَوْ لَعَلَّهُ تَرَكَ أَخْذَ سِوَاهَا مَعَ سَعَةِ الْوَقْتِ تَوَاضُعًا لِلَّهِ لِيُقْتَدَى بِهِ فِي ذَلِكَ، ائْتِسَاءً بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؛ فَقَدْ كَانَ أَتْبَعَ النَّاسِ لِسِيرَتِهِ وَهَدْيِهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ"4.
وَمِمَّا نَحْنُ فِيهِ مَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِيمَنْ [صَارَ] 5 تَرْكُ الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ لَهُ إِلْفًا وَعَادَةً، وَخِيفَ أَنْ يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ، أَنَّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَزْجُرَهُ، وَاسْتَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَجْمَعُوا حَطَبًا" 6 الْحَدِيثَ.
__________
1 قطعة من الأثر السابق، ومضى تخريجه "3/ 502"، وهو صحيح.
2 لأن عمر بن الخطاب جد عمر بن عبد العزيز لأمه. "د".
3 "العتبية" "1/ 456, مع "شرحه" ونحوه عند ابن عبد الحكم في "سيرة عمر بن عبد العزيز" "ص43".
4 "البيان والتحصيل" "1/ 456-457"، وانظر فيه: "18/ 555" عن اتباع عمر بن عبد العزيز لجده, رضي الله عنهما.
5 سقط من "ط".
6 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الأذان، باب وجوب صلاة الجماعة، 2/ 125/ رقم 644، وباب فضل العشاء في الجماعة، 2/ 141/ رقم 657"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف عنها، 1/ 451/ رقم 651" عن أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا.
وقال "د": "وسيأتي له أن ذلك كان خاصًّا بالمنافقين لبيان ابن مسعود الآتي في المسألة الثانية من الكتاب العزيز".
قلت: قوله ضعيف لثلاثة أوجه، ذكرها ابن القيم في "الصلاة وحكم تاركها" "ص115-117"، وابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "23/ 228"، وانظر كتابنا: "القول المبين" "ص291-293".
(4/110)

وَقَالَ: "أَيْضًا فِيمَا إِذَا تَوَاطَأَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا أَنَّ لَهُ أَنْ يَنْهَاهُمْ". قَالَ: "لِأَنَّ اعْتِيَادَ جَمِيعِ النَّاسِ لِتَأْخِيرِهَا مُفْضٍ بِالصَّغِيرِ النَّاشِئِ إِلَى اعْتِقَادِ أَنَّ هَذَا هُوَ الْوَقْتُ دُونَ مَا تَقَدَّمَهُ".
وَأَشَارَ إِلَى نَحْوِ هَذَا فِي مَسَائِلَ أُخَرَ، وَحَكَى قَوْلَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ اعْتِرَاضِ الْمُحْتَسِبِ عَلَى أهل القرية في إقامة الجمعة بجماعة اختلفت فِي انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ بِهِمْ فِي بَعْضِ وُجُوهِهَا، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ هُوَ يَرَى إِقَامَتَهَا وَهُمْ لَا يَرَوْنَهَا1، وَوَجْهُ الْقَوْلِ بِإِقَامَتِهَا عَلَى رَأْيِهِ بِاعْتِبَارِ الْمَصْلَحَةِ؛ لِئَلَّا يَنْشَأَ الصَّغِيرُ عَلَى تَرْكِهَا، فَيَظُنُّ أَنَّهَا تَسْقُطُ مَعَ زِيَادَةِ الْعَدَدِ كَمَا تَسْقُطُ بِنُقْصَانِهِ.
وَهَذَا الْبَابُ يَتَّسِعُ، وَمِمَّا يَجْرِي مَجْرَاهُ فِي تَقْوِيَةِ اعْتِبَارِ الْبَيَانِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَأَشْبَاهِهَا مِمَّا ذُكِرَ أَوْ لَمْ يُذْكَرْ قِصَّةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَعَ عُرْوَةَ بْنِ عِيَاضٍ حِينَ نَكَتَ بِالْخَيْزُرَانَةِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "هَذِهِ غَرَّتْنِي مِنْكَ -لِسَجْدَتِهِ الَّتِي بَيْنَ عَيْنَيْهِ-، وَلَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ سُنَّةً مِنْ بَعْدِي؛ لَأَمَرْتُ بِمَوْضِعِ السُّجُودِ فَقُوِّرَ"2.
وَقَدْ عَوَّلَ الْعُلَمَاءُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى وَجَعَلُوهُ أَصْلًا يَطَّرِدُ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى سَدِّ الذَّرَائِعِ الَّذِي اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى إِعْمَالِهِ فِي الْجُمْلَةِ وإن اختلفوا في التفاصيل؛ كقوله تعالى: {أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا 3 وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا} [البقرة: 104] .
__________
1 انظر: "الحاوي الكبير" "2/ 383".
2 ذكره ابن عبد الحكم في "سيرة عمر بن عبد العزيز" "ص114"، وابن رشد في "البيان والتحصيل" "1/ 486".
3 كان اليهود يذكرون الكلمة سبًّا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث يريدون بها, لعنهم الله: اسمع لا سمعت؛ فنهوا عنها.
كما روي أن سعد بن عبادة -رضي الله عنه- سمعها منهم فقال: يا أعداء الله! عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده؛ لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأضربن عنقه. قالوا: أَوَلستم تقولونها؟ فنزلت الآية نهيًا للمؤمنين عن قولها؛ سدًّا للباب، وقطعًا للألسنة، وبعدًا عن المشابهة. ا. هـ. "ف".
(4/111)

وَقَوْلِهِ: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الْأَنْعَامِ: 108] .
وَقَدْ مَنَعَ1 مَالِكٌ لِمَنْ رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ وحده أن يُفْطِرَ لِئَلَّا يَكُونَ ذَرِيعَةً إِلَى إِفْطَارِ الْفُسَّاقِ مُحْتَجِّينَ بِمَا احْتَجَّ بِهِ2، وَقَالَ بِمِثْلِهِ فِيمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَا زُورٍ بِأَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا وَلَمْ يَفْعَلْ؛ فَمَنَعَهُ مِنْ وَطْئِهَا إِلَّا أَنْ يَخْفَى ذَلِكَ عَنِ النَّاسِ3.
وَرَاعَى زِيَادٌ مِثْلَ هَذَا فِي صَلَاةِ النَّاسِ فِي جَامِعِ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ فَإِنَّهُمْ4 إِذَا صَلَّوْا فِي صَحْنِهِ وَرَفَعُوا مِنَ السُّجُودِ مَسَحُوا جِبَاهَهُمْ مِنَ التُّرَابِ؛ فَأَمَرَ بِإِلْقَاءِ الْحَصَى فِي صَحْنِ الْمَسْجِدِ، وَقَالَ: "لَسْتُ آمَنُ أَنْ يَطُولَ الزَّمَانُ فَيَظُنُّ الصَّغِيرُ إِذَا نَشَأَ أَنَّ مَسْحَ الْجَبْهَةِ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ سُنَّةٌ فِي الصَّلَاةِ"5.
وَمَسْأَلَةُ مَالِكٍ مَعَ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى "الْمُوَطَّأِ" فَنَهَاهُ مَالِكٌ عَنْ ذَلِكَ من هذا6 القبيل أيضًا7.
__________
1 المثبت من "ط"، وفي غيرها: "رأى مالك ... أن لا يفطر".
2 قال مالك في "الموطأ" "1/ 287": "ومن رأى هلال شوال وحده؛ فإنه لا يفطر لأن الناس يتهمون على أن يفطر منهم من ليس مأمونًا، ويقول أولئك إذا ظهر عليهم: قد رأينا الهلال".
3 انظر: "الذخيرة" "10/ 262-263, ط دار الغرب" للقرافي.
4 في "ط" زيادة: "كانوا".
5 ذكره في "الاعتصام" "2/ 108"، وقال عقبه: "وهذا في مباح؛ فكيف به في المكروه أو الممنوع؟ "، وصرح أنه نقل هذه الحكاية عن الماوردي، وكذا سيفعل هنا في "ص120".
6 لأنه إذا تطاول الزمان على الاقتصار عليه في العمل يظن الناس أنه لا يصح العمل بغيره من الأحاديث والسنن. "د".
7 نحوه في "جامع بيان العلم" "رقم 870" لابن عبد البر، و"ذيل المذيل" "107" لابن جرير، و"السير" "8/ 70"، و"تذكرة الحفاظ" "1/ 209" للذهبي، و"التزيين" "41" للسيوطي، و"كشف المغطى في فضل الموطا" "53-55" لابن عساكر، و"ترتيب المدارك" "1/ 192، 193، 2/ 72" للقاضي عياض، و"إعلام الموقعين" "2/ 296-297"، و"انتصار الفقير السالك" "ص191-192، 207-208"، و"مفتاح السعادة" "2/ 87"، و"الديباج المذهب" "1/ 119"، و"إتحاف السالك" "رقم 224" لابن ناصر الدين، وفي ثبوت هذه القصة نظر؛ كما في كتابنا: "قصص لا تثبت"، يسر الله إتمامه بخير.
(4/112)

وَلَقَدْ دَخَلَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى عُثْمَانَ وَهُوَ مَحْصُورٌ؛ فَقَالَ لَهُ: "انْظُرْ مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ، يَقُولُونَ: اخْلَعْ نَفْسَكَ أَوْ نَقْتُلُكَ. قَالَ لَهُ: أَمُخَلَّدٌ أَنْتَ فِي الدُّنْيَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: هَلْ يَمْلِكُونَ لَكَ جَنَّةً أَوْ نَارًا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَلَا تَخْلَعْ قَمِيصَ اللَّهِ عَلَيْكَ فَتَكُونَ سُنَّةً، كُلَّمَا كَرِهَ قَوْمٌ خَلِيفَتَهُمْ خَلَعُوهُ أَوْ قَتَلُوهُ"1.
وَلَمَّا هَمَّ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ أَنْ يَبْنِيَ الْبَيْتَ عَلَى مَا بَنَاهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ شَاوَرَ مَالِكًا فِي ذَلِكَ؛ فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: "أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ لَا تَجْعَلَ هَذَا الْبَيْتَ مَلْعَبَةً لِلْمُلُوكِ بَعْدَكَ لَا يَشَاءُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يُغَيِّرَهُ؛ إِلَّا غَيَّرَهُ فَتَذْهَبَ هَيْبَتُهُ مِنْ قُلُوبِ النَّاسِ"2. فَصَرَفَهُ عَنْ رَأْيِهِ فِيهِ؛ لَمَّا ذَكَرَ مِنْ أَنَّهَا تَصِيرُ سُنَّةً مُتَّبَعَةً بِاجْتِهَادٍ أو غيره؛ فلا يثبت على حال.
__________
1 أخرجه خليفة في "تاريخه" "1/ 183"، وابن شبة في "تاريخ المدينة" "4/ 1223-1224"، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" "3/ 1/ 45"، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" "ص359, ترجمة عثمان"، والخبر في "التمهيد والبيان" "ق 114".
2 نحوه في "ترتيب المدارك" "1/ 213, ط بيروت"، وفيه المهدي وليس المنصور.
(4/113)

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ:
الْمُبَاحَاتُ مِنْ حَقِيقَةِ اسْتِقْرَارِهَا1 مُبَاحَاتٍ أَنْ لَا يُسَوَّى2 بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَنْدُوبَاتِ وَلَا الْمَكْرُوهَاتِ3؛ فَإِنَّهَا إِنْ سُوِّيَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَنْدُوبَاتِ بِالدَّوَامِ عَلَى الْفِعْلِ عَلَى كَيْفِيَّةٍ فِيهَا مُعَيَّنَةٍ أَوْ غَيْرِ4 ذَلِكَ؛ تُوُهِّمَتْ مَنْدُوبَاتٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَسْحِ الْجِبَاهِ بِأَثَرِ الرَّفْعِ مِنَ السُّجُودِ5، وَمَسْأَلَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي غَسْلِ ثَوْبِهِ مِنَ الِاحْتِلَامِ وَتَرْكِ الِاسْتِبْدَالِ بِهِ6.
وَقَدْ حَكَى عِيَاضٌ7 عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ أَمِيرِ الْمَدِينَةِ؛ فَجَلَسَ سَاعَةً ثُمَّ دَعَا بِالْوُضُوءِ وَالطَّعَامِ، فَقَالَ: "ابْدَءُوا بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ. فَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ -يَعْنِي نَفْسَهُ- لَا يَغْسِلُ يَدَهُ. فَقَالَ: لِمَ؟ قَالَ: لَيْسَ هُوَ الَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا، إِنَّمَا هُوَ مِنْ رَأْيِ الْأَعَاجِمِ، وَكَانَ عُمَرُ إِذَا أَكَلَ مَسَحَ يَدَهُ بِبَاطِنِ قَدَمِهِ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ: أَأَتْرُكُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: إِي وَاللَّهِ, فَمَا عَادَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ صَالِحٍ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَا نَأْمُرُ الرَّجُلَ أَنْ لَا يَغْسِلَ
__________
1 في "ف": "من حيث استقرارها"، وقال: "لعله هنا وفي المسألة الثامنة الآتية من حقيقة استقرارها كما يدل عليه سابق الكلام ولاحقه".
2 أي: في الفعل والقول، بل يفرق بهما أو بأحدهما؛ كما سيأتي أنه وإن داوم على ترك أكل الضب والفوم؛ إلا أنه بين حكمهما ببيان سبب امتناعه عن تعاطيهما. "د".
3 واقتصر عليهما؛ لأن لا يرتقي الوهم في المباحات إلى توهمهما واجبات أو محرمات، بخلاف المكروهات كما يأتي بعد. "د".
4 عطف على قوله "بالدوام"؛ فترك عمر المباح من استبدال ثوب آخر بثوبه في هذا المقام، وهو يظن الاستنان ترك لما فيه تسوية للمباح بالمسنون. "د".
5 انظر: "ص112".
6 انظر: "3/ 502، 4/ 109".
7 في "ترتيب المدارك" "1/ 210, ط مكتبة دار الحياة, بيروت".
(4/114)

يَدَهُ، وَلَكِنْ إِذَا جَعَلَ ذَلِكَ كَأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ؛ فَلَا، أَمِيتُوا سُنَّةَ الْعَجَمِ، وَأَحْيُوا سُنَّةَ الْعَرَبِ، أَمَّا سَمِعْتَ قَوْلَ عُمَرَ: تَمَعْدَدُوا، وَاخْشَوْشِنُوا، وَامْشُوا حُفَاةً، وَإِيَّاكُمْ وَزِيِّ الْعَجَمِ"1.
وَهَكَذَا إِنْ سَوَّى فِي التَّرْكِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَكْرُوهَاتِ؛ رُبَّمَا تُوُهِّمَتْ مَكْرُوهَاتٍ فَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَكْرَهُ الضَّبَّ وَيَقُولُ: "لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي؛ فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ" 2، وَأُكِلَ عَلَى مَائِدَتِهِ؛ فَظَهَرَ حُكْمُهُ.
وَقُدِّمَ إِلَيْهِ طَعَامٌ فِيهِ ثُومٌ لَمْ3 يَأْكُلْ مِنْهُ، قَالَ لَهُ أَبُو أَيُّوبَ, وَهُوَ الَّذِي بَعَثَ بِهِ إِلَيْهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَحَرَامٌ هُوَ؟ قَالَ: "لَا وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ مِنْ أَجْلِ ريحه" 4 وفي رواية [أخرى] 5, أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: "كُلُوا؛ فَإِنِّي لَسْتُ كَأَحَدِكُمْ، إني أخاف أن أؤذي صاحبي" 6.
__________
1 أخرجه علي بن الجعد في "مسنده" "رقم 1030، 1031"، وأبو عوانة في "مسنده" "5/ 456، 459، 460" بإسناد صحيح.
قال "ف": "التمعدد: الصبر على عيش معد بن عدنان، وكانوا أهل قشف وغلظ في المعاش، يقول: فكونوا مثلهم، ودعوا التنعم وزي العجم".
وانظر في شرحه والتعليق عليه: كلام ابن القيم في "الفروسية" "ص120، 121, بتحقيقي"، وترى تخريجه أوعب مما هنا.
2 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الذبائح والصيد، باب الضب، 9/ 663/ رقم 5537"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصيد والذبائح، باب إباحة الضب، 3/ 1543/ رقم 1946" عن خالد بن الوليد, رضي الله عنه.
3 في "ط": "ولم.... فقال له ... ".
4 أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الأشربة، باب إباحة أكل الثوم وأنه ينبغي لمن أراد خطاب الكبار تركه وكذا ما في معناه، 3/ 1623/ رقم 2053" عن أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- مرفوعًا.
5 زيادة من "م".
6 أخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب الأطعمة، باب ما جاء في الرخصة في الثوم مطبوخًا، 4/ 262/ رقم 1810"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب الأطعمة، باب أكل الثوم والبصل والكراث، 2/ 1116/ رقم 3364"، والحميدي في "المسند" "1/ 162/ رقم 339"، والدارمي في "السنن" "2/ 102" عن أم أيوب -رضي الله عنها- مرفوعًا بألفاظ، واللفظ المذكور لفظ الترمذي؛ إلى أن أوله: "كلوه"، وهو حسن، وفي الباب عن جماعة من الصحابة، خرجتها في "التعليقات الحسان على تحقيق البرهان في شأن الدخان"، وهو مطبوع ولله الحمد.
(4/115)

وَرُوِيَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةٍ خَشِيَتْ أَنْ يُطْلِقَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَتْ: لَا تُطَلِّقْنِي، وَأَمْسِكْنِي، وَاجْعَلْ يَوْمِيِ لِعَائِشَةَ. فَفَعَلَ؛ فَنَزَلَتْ1: {فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا 2 بَيْنَهُمَا صُلْحًا} الْآيَةَ [النِّسَاءِ: 128] ؛ فَكَانَ هَذَا تَأْدِيبًا وَبَيَانًا بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ لِأَمْرٍ3 رُبَّمَا اسْتُقْبِحَ بِمَجْرَى الْعَادَةِ؛ حَتَّى يَصِيرَ كَالْمَكْرُوهِ، وَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ.
وَالْأَدِلَّةُ عَلَى هَذَا الْفَصْلِ نَحْوٌ مِنَ الأدلة على استقرار المندوبات.
__________
1 أخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة النساء، 5/ 249/ رقم 3040" عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس به بهذا اللفظ، وقال: "هذا حديث حسن غريب".
قلت: إسناده ضعيف؛ لأن رواية سماك عن عكرمة خاصة مضطربة؛ كما في "التهذيب" "4/ 204-205".
وله شاهد في "صحيح البخاري" "كتاب التفسير، باب {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا ... } ، 8/ 265/ رقم 4601، وكتاب النكاح، باب {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا ... } ، 9/ 304/ رقم 5206، وباب المرأة تهب يومها من زوجها لضرتها، 9/ 312/ 5212", ومسلم في "صحيحه" "كتاب الرضاع, باب جواز هبتها نوبتها لضرتها, 2/ 1085/ رقم 1463" عن عائشة -رضي الله عنها- بدون ذكر نزول الآية.
2 قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو عمرو: "يصَّالحا" بفتح الياء والتشديد، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: {يُصْلِحَا} بضم الياء والتخفيف، قاله ابن مجاهد في "السبعة" "238".
3 هو النزول عن حق المرأة في القسم لزوجة أخرى؛ فبين بهذا جوازه ولو لم يحصل هذا البيان لفهم من ترك هذا المباح جريًا على العادة كراهته شرعًا. "د".
(4/116)

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ:
الْمَكْرُوهَاتُ مِنْ حَقِيقَةِ اسْتِقْرَارِهَا مَكْرُوهَاتٍ أَنْ لَا يُسَوَّى بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُحَرَّمَاتِ وَلَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُبَاحَاتِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ:
فَلِأَنَّهَا إِذَا أُجْرِيَتْ ذَلِكَ الْمَجْرَى تُوُهِّمَتْ مُحَرَّمَاتٍ، وَرُبَّمَا طَالَ الْعَهْدُ فَيَصِيرُ التَّرْكُ وَاجِبًا1 عِنْدَ مَنْ لَا يَعْلَمُ.
وَلَا يُقَالُ: إِنَّ فِي بَيَانِ ذَلِكَ ارْتِكَابًا لِلْمَكْرُوهِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْبَيَانُ آكَدُ، وَقَدْ يُرْتَكَبُ النَّهْيُ الْحَتْمُ إِذَا كَانَتْ لَهُ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ؛ أَلَا تَرَى إِلَى كَيْفِيَّةِ تَقْرِيرِ الْحُكْمِ2 عَلَى الزَّانِي، وَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- لَهُ: "أَنِكْتَهَا"3 هَكَذَا مِنْ غَيْرِ كِنَايَةٍ، مَعَ أَنَّ ذِكْرَ [هَذَا] اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَعْرِضِ الْبَيَانِ مَكْرُوهٌ أَوْ مَمْنُوعٌ؟ غَيْرَ أَنَّ التَّصْرِيحَ هُنَا آكَدُ، فَاغْتُفِرَ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ؛ فَكَذَلِكَ هُنَا، أَلَا تَرَى إِلَى إِخْبَارِ عَائِشَةَ عَمَّا فعلته مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ4، وَقَوْلِهِ, عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "أَلَا أَخْبَرْتِيهَا أَنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ" 5، مَعَ أَنَّ ذِكْرَ مِثْلِ هَذَا فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْبَيَانِ منهي عنه؟
__________
1 وتقدم أنه إذا أدى الفعل أو الترك إلى اعتقاد الوجوب فيما ليس بواجب وجب البيان بالقول أو الفعل. "د".
2 لو قال: "تقرير الزاني"؛ لكان أخصر وأوضح. "د".
3 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الحدود، باب هل يقول الإمام للمقر لعلك لمست أو غمزت، 12/ 35/ رقم 6824" عن ابن عباس, رضي الله عنهما.
4 مضى نصه وتخريجه في التعليق على "ص83".
5 مضى نصه وتخريجه في التعليق على "ص74"، وأوهم صنيع المصنف في "ص94" أن الحديث في الإصباح جنبًا في الصوم، وأوهم كلامه هنا أن الحديث لعائشة وأنه في التقاء الختانين، مع أنه صرح هناك أنه لأم سلمة، وهو كما في مصادر تخريجه في ذكر جواز التقبيل للصائم.
(4/117)

وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ارْتِجَازِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِقَوْلِهِ:
......... .......................... ... إِنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيسَا1
مِثْلُ هَذَا لَا حَرَجَ2 فِيهِ.
وَأَمَّا الثَّانِي:
فَلِأَنَّهَا إِذَا عُمِلَ بِهَا دَائِمًا وَتُرِكَ اتِّقَاؤُهَا تُوُهِّمَتْ مُبَاحَاتٍ؛ فَيَنْقَلِبُ حُكْمُهَا عِنْدَ مَنْ لَا يَعْلَمُ، وَبَيَانُ ذَلِكَ يَكُونُ بِالتَّغْيِيرِ وَالزَّجْرِ عَلَى مَا يَلِيقُ3 بِهِ فِي الْإِنْكَارِ، وَلَا سِيَّمَا الْمَكْرُوهَاتِ الَّتِي هِيَ عُرْضَةٌ لِأَنْ تُتَّخَذَ سُنَنًا، وَذَلِكَ الْمَكْرُوهَاتُ4 الْمُفَعْوِلَةُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَفِي مَوَاطِنِ الِاجْتِمَاعَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَالْمَحَاضِرِ الْجُمْهُورِيَّةِ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ كَانَ مَالِكٌ شَدِيدَ الْأَخْذِ عَلَى مَنْ فَعَلَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْمَكْرُوهَاتِ، بَلْ وَمِنَ الْمُبَاحَاتِ5؛ كَمَا أَمَرَ بِتَأْدِيبِ مَنْ وَضَعَ رِدَاءَهُ أَمَامَهُ مِنَ الْحَرِّ6، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
فَصْلٌ:
مَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ يَتَفَرَّعُ عَنْهَا قَوَاعِدُ فِقْهِيَّةٌ وَأُصُولِيَّةٌ، مِنْهَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِمَنِ الْتَزَمَ عِبَادَةً مِنِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ النَّدْبِيَّةِ أَنْ يُوَاظِبَ عَلَيْهَا مُوَاظَبَةً يَفْهَمُ
__________
1 مضى تخريجه مع شرحه في التعليق على "ص94".
2 بل هو مطلوب متى كان للبيان والفرق بين المكروهات والمحرمات كما هو أصل المسألة. "د".
قلت: معنى ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمْ يفعل ما فيه الإثم في قوله السابق، بل المصلحة الراجحة ألغت التحريم؛ فعاد الفعل مباحًا، بل واجبًا في تلك الحالة الخاصة.
3 فالزجر عن المكروه لا يبلغ به مبلغ الزجر عن الحرام. "د".
4 في الجزء الثاني من "الاعتصام" شيء كثير من أمثلتها. "د".
5 أي: التي يتوهم أنها قربة. "د".
6 ستأتي القصة بتمامها.
(4/118)

الْجَاهِلُ مِنْهَا الْوُجُوبَ، إِذَا كَانَ مَنْظُورًا إِلَيْهِ مَرْمُوقًا، أَوْ مَظِنَّةً لِذَلِكَ، بَلِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَدَعَهَا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ؛ لِأَنَّ خَاصِّيَّةَ الْوَاجِبِ الْمُكَرَّرِ الِالْتِزَامُ وَالدَّوَامُ عَلَيْهِ فِي أَوْقَاتِهِ، بِحَيْثُ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ، كَمَا أَنَّ خَاصِّيَّةَ الْمَنْدُوبِ عَدَمُ الِالْتِزَامِ، فَإِذَا الْتَزَمَهُ فَهِمَ النَّاظِرُ مِنْهُ نَفْسَ الْخَاصِّيَّةِ الَّتِي لِلْوَاجِبِ؛ فَحَمَلَهُ عَلَى الْوُجُوبِ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ؛ فَضَلَّ.
وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَتِ الْعِبَادَةُ تَتَأَتَّى عَلَى كَيْفِيَّاتٍ يُفْهَمُ مِنْ بَعْضِهَا فِي تِلْكَ الْعِبَادَةِ مَا لَا يُفْهَمُ مِنْهَا عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الْأُخْرَى، أَوْ ضُمَّتْ عِبَادَةٌ أَوْ غَيْرُ عِبَادَةٍ إِلَى الْعِبَادَةِ قَدْ يُفْهَمُ بِسَبَبِ الِاقْتِرَانِ مَا لَا يُفْهَمُ دُونَهُ، أَوْ كَانَ الْمُبَاحُ يَتَأَتَّى فِعْلُهُ عَلَى وُجُوهٍ؛ فَيُثَابَرُ فِيهِ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ تَحَرِّيًا لَهُ وَيَتْرُكُ مَا سِوَاهُ، أَوْ يَتْرُكُ بَعْضَ الْمُبَاحَاتِ جُمْلَةً مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ ظَاهِرٍ، بِحَيْثُ يُفْهَمُ مِنْهُ فِي التَّرْكِ أَنَّهُ مَشْرُوعٌ.
وَلِذَلِكَ لَمَّا قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ السَّجْدَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ النَّاسُ، قَرَأَهَا فِي كَرَّةٍ أُخْرَى، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْ مَوْضِعِهَا تَهَيَّأَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ؛ فَلَمْ يَسْجُدْهَا، وَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْهَا عَلَيْنَا إِلَّا أَنْ نَشَاءَ" 1.
وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْوُضُوءِ؛ فَقَالَ: "أَيُحِبُّ أَنْ يَذْبَحَ؟ "2 إِنْكَارًا لِمَا يُوهِمُهُ سُؤَالُهُ مِنْ تَأْكِيدِ الطلب فيها عند الوضوء.
__________
1 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب سجود القرآن، باب من رأى أن الله -عز وجل- لم يوجب السجود، 2/ 557/ رقم 1077".
2 المشهور عن مالك أنه كان يقول هذه المقولة في الجهر بالتسمية في الصلاة، وليس في الوضوء؛ إذ هي مستحبة عنده فيه، ثم رأيت القرافي في "الذخيرة" "1/ 284" يقول عن التسمية في الوضوء: "استحسنها مالك -رحمه الله- مرة، وأنكرها مرة، وقال: أهو يذبح؟ ما علمت أحدًا يفعل"، وانظر: "عقد الجواهر الثمينة" "1/ 44".
(4/119)

وَنُقِلَ عَنْ عُمَرَ؛ أَنَّهُ قَالَ: "لَا نُبَالِي أَبَدْأَنَا بِأَيْمَانِنَا أَمْ بِأَيْسَارِنَا"1 يَعْنِي: فِي الْوُضُوءِ، مَعَ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ التَّيَامُنُ فِي الشَّأْنِ كُلِّهِ2.
وَمِثَالُ الْعِبَادَاتِ الْمُؤَدَّاةِ عَلَى كَيْفِيَّاتٍ يُلْتَزَمُ فِيهَا كَيْفِيَّةٌ وَاحِدَةٌ إِنْكَارُ مَالِكٍ لِعَدَمِ3 تَحْرِيكِ الرِّجْلَيْنِ في القيام للصلاة4. "استدراك*".
وَمِثَالُ ضَمِّ مَا لَيْسَ بِعِبَادَةٍ إِلَى الْعِبَادَةِ حِكَايَةُ الْمَاوَرْدِيِّ فِي مَسْحِ الْوَجْهِ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنَ السُّجُودِ5، وَحَدِيثُ عُمَرَ مَعَ عَمْرٍو: "لَوْ فَعَلْتُهَا لَكَانَتْ سُنَّةً، بَلْ أَغْسِلُ مَا رَأَيْتُ وَأَنْضَحُ مَا لَمْ أَرَ"6.
وَمِثَالُ فِعْلِ الْجَائِزِ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ مَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ فِي الْوُضُوءِ قَالَ: "لَا، الْوُضُوءُ مَرَّتَانِ مَرَّتَانِ، أَوْ ثَلَاثٌ ثلاث"، مع أنه
__________
1 المشهور في هذه العبارة أنها لعلي لا لعمر -رضي الله عنهما- كما قال المصنف، وأخرجها عنه أحمد في العلل ومعرفة الرجال "1/ 205, رواية عبد الله"، وابن أبي شيبة في "المصنف" "1/ 39"، وأبو عبيد في "الطهور" "رقم 324, بتحقيقي"، والدارقطني في "السنن" "1/ 88-89"، وابن المنذر في "الأوسط" "1/ 42" بإسناد منقطع، لم يسمع عبد الله بن عمرو بن هند من علي، مع ضعف في عبد الله بن عمرو بن هند، قال الدارقطني: "ليس بالقوي". "استدراك*".
2 ودليله ما أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب الصلاة، باب التيمن في دخول المسجد وغيره، 2/ 523/ رقم 426"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الطهارة، باب التيمن في الطهور وغيره، 1/ 226/ رقم 268" عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله: في طهوره، وترجله، وتنعله".
3 انظر: "المدونة الكبرى" "1/ 196"، و"الاعتصام" "2/ 542, ط ابن عفان".
4 قال ابن رشد: "كره مالك أن يقرنهما حتى لا يعتمد على إحداهما دون الأخرى؛ لأن ذلك ليس من حدود الصلاة، وهو من محدثات الأمور". "د".
5 وقد تقدمت "ص112".
6 مضى تخريجه "3/ 502"، وهو صحيح.
(4/120)

لَمْ يُحَدَّ فِي الْوُضُوءِ وَلَا فِي الْغُسْلِ إِلَّا مَا أَسْبَغَ.
قَالَ اللَّخْمِيُّ: "وَهَذَا احْتِيَاطٌ وَحِمَايَةٌ؛ لِأَنَّ الْعَامِّيَّ إِذَا رَأَى مَنْ يَقْتَدِي بِهِ يَتَوَضَّأُ مَرَّةً مَرَّةً فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَقَدْ لَا يُحْسِنُ الْإِسْبَاغَ بِوَاحِدَةٍ فَيُوقِعُهُ فِيمَا لَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ بِهِ"1.
وَالْأَمْثِلَةُ كَثِيرَةٌ، وَهَذَا كُلُّهُ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا فُعِلَ بِحَضْرَةِ النَّاسِ، وَحَيْثُ يُمْكِنُ الِاقْتِدَاءُ بِالْفَاعِلِ، وَأَمَّا مَنْ فَعَلَهُ فِي نَفْسِهِ وَحَيْثُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مَعَ اعْتِقَادِهِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ؛ فَلَا بَأْسَ، كَمَا قَالَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي صِيَامِ سِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ: إِنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ مُعْتَقِدًا وَجْهَ الصِّحَّةِ؛ فَلَا بَأْسَ، وَكَذَا قال مالك في المرة الواحدة: "لَا أُحِبُّ ذَلِكَ إِلَّا لِلْعَالِمِ بِالْوُضُوءِ"، وَمَا ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ إِذَا فَعَلَ الْوَاحِدَةَ حَيْثُ لَا يُقْتَدَى بِهِ؛ فَلَا بَأْسَ، وَهُوَ جَارٍ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ مَالِكٍ فِيهِ عَدَمُ التَّوْقِيتِ2.
فَأَمَّا إِنْ أَحَبَّ الِالْتِزَامَ، [وَأَنْ] 3 لَا يَزُولَ عَنْهُ وَلَا يُفَارِقُهُ؛ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِمَرْأًى مِنَ النَّاسِ، لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ كَذَلِكَ؛ فَرُبَّمَا عَدَّهُ الْعَامِّيُّ وَاجِبًا أَوْ مَطْلُوبًا أَوْ مُتَأَكَّدَ الطَّلَبِ بِحَيْثُ لَا يترك، ولا يكون كذلك شرعًا؛ فلا بد فِي إِظْهَارِهِ مِنْ عَدَمِ الْتِزَامِهِ فِي بَعْضِ الأوقات، ولا بد فِي الْتِزَامِهِ مِنْ عَدَمِ إِظْهَارِهِ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، وَذَلِكَ عَلَى الشَّرْطِ4 الْمَذْكُورِ فِي أول كتاب الأدلة.
__________
1 انظر: "الذخيرة" "1/ 286-287, ط دار الغرب" للقرافي.
2 على التحديد بالعدد، وأن المقصود الإسباغ. "د".
3 سقط من "ط".
4 وهو المحافظة على قصد الشارع، وأنه لا بد من اعتبار الكلي والجزئي معًا في كل مسألة؛ فلا تهمل القواعد الكلية، كما لا تهمل الأدلة الجزئية إذا حصل تعارض، لا يحري الأعمال بالطريق المرسومة لذلك، وعلى هذا؛ ففي مسألتنا وجدت أدلة جزئية تدل على أن بعض المطلوبات غير الواجبة أظهرها -صلى الله عليه وسلم- وواظب عليها، وذلك كالإقامة لصلاة الفرض ورفع اليدين عند تكبيرة الإحرام والبدء بالسلام على اليمين وهكذا؛ فهذه وأمثالها لا بد من استثنائها من هذه القاعدة حتى لا تهمل هذه الأدلة الجزئية المتفق عليها، ولا يضر هذا في تأصيل المسألة كما تقدم له في كتاب الأدلة. "د".
(4/121)

وَلَا يُقَالُ: إِنَّ هَذَا مُضَادٌّ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَصْدِ الشَّارِعِ لِلدَّوَامِ عَلَى الْأَعْمَالِ، وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ1؛ لِأَنَّا نَقُولُ: كَمَا يُطْلَقُ الدَّوَامُ عَلَى ما لا يُفَارَقُ أَلْبَتَّةَ كَذَلِكَ يُطْلَقُ عَلَى مَا يَكُونُ فِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ، فَإِذَا تُرِكَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ؛ لَمْ يَخْرُجْ صَاحِبُهُ عَنْ أَصْلِ الدَّوَامِ، كَمَا لَا نَقُولُ فِي الصَّحَابَةِ حِينَ تَرَكُوا التَّضْحِيَةَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ: إِنَّهُمْ غَيْرُ مُدَاوِمِينَ عَلَيْهَا؛ فَالدَّوَامُ عَلَى الْجُمْلَةِ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ إِطْلَاقِهِ عَدَمُ التَّرْكِ رَأْسًا، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْغَلَبَةُ فِي الْأَوْقَاتِ أَوِ الْأَكْثَرِيَّةُ، بِحَيْثُ يُطْلَقُ عَلَى صَاحِبِهِ اسْمُ الْفَاعِلِ إِطْلَاقًا حَقِيقِيًّا فِي اللُّغَةِ.
وَلَمَّا كَانَتِ الصُّوفِيَّةُ2 قَدِ الْتَزَمَتْ فِي السُّلُوكِ مَا لَا يَلْزَمُهَا حَتَّى سَوَّتْ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ فِي الْتِزَامِ الْفِعْلِ، وَبَيْنَ الْمَكْرُوهَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ فِي الْتِزَامِ التَّرْكِ، بَلْ سَوَّتْ بَيْنَ كَثِيرٍ مِنَ الْمُبَاحَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ فِي التَّرْكِ، وَكَانَ هَذَا النَّمَطُ دَيْدَنُهَا لَا سِيَّمَا مَعَ تَرْكِ أَخْذِهَا بِالرُّخَصِ؛ إِذْ مِنْ مَذَاهِبِهَا عَدَمُ التَّسْلِيمِ لِلسَّالِكِ فِيهَا مِنْ حَيْثُ هُوَ سَالِكٌ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا تَلْزَمُ الْجُمْهُورَ، بَنَوْا طَرِيقَهُمْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ تَلَامِيذِهِمْ عَلَى كَتْمِ3 أَسْرَارِهِمْ وَعَدَمِ إِظْهَارِهَا، وَالْخَلْوَةِ بِمَا الْتَزَمُوا مِنْ وَظَائِفِ السُّلُوكِ وَأَحْوَالِ الْمُجَاهَدَةِ خَوْفًا مِنْ تَعْرِيضِ مَنْ يَرَاهُمْ وَلَا يَفْهَمُ مَقَاصِدَهُمْ إِلَى ظَنِّ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَاجِبًا، أَوْ ما هو4
__________
1 مضى تخريجه "1/ 526 و2/ 405"، وهو صحيح.
2 كذا في "ط"، وفي غيره: "وإنما كانت"، وفي "م": "التزمت السلوك".
3 وبذلك كانوا جارين على مقتضى القواعد المتقدمة؛ فلم يخالفوا الشريعة بعملهم. "د".
4 في "ط": "وما هو".
(4/122)

جَائِزٌ غَيْرَ جَائِزٍ أَوْ مَطْلُوبًا، أَوْ تَعْرِيضِهِمْ لِسُوءِ الْقَالِ1 فِيهِمْ؛ فَلَا عَتْبَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ، كَمَا لَا عَتْبَ عَلَيْهِمْ فِي كَتْمِ أَسْرَارِ مَوَاجِدِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ إِلَى هَذَا الْأَصْلِ2 يَسْتَنِدُونَ، وَلِأَجْلِ إِخْلَالِ بَعْضِهِمْ بِهَذَا الْأَصْلِ؛ إِمَّا لِحَالٍ غَالِبَةٍ، أَوْ لِبِنَاءِ بَعْضِهِمْ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ صَحِيحٍ3، انْفَتَحَ عَلَيْهِمْ بَابُ سُوءِ الظَّنِّ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَبَابُ فَهْمِ الْجُهَّالِ عَنْهُمْ ما لم يقصدوه، وهذا كله محظور.
__________
1 كذا في "ط"، وفي النسخ المطبوعة: "السؤال القال"!! وكتب "د" ما نصه: "صوابه: "لسوء القال فيهم"، وهو مصدر قال، يغلب ذكره في الشر".
2 وهو أن الالتزام للأعمال الندبية إنما يمنع حيث أمكن الاقتداء فيما يفعل بحضرة الناس. "د".
3 وهذا حالهم وديدنهم، ولذا شكا منهم كبار علماء الملة، وللطرطوشي فتوى مهمة فيهم، انظرها في "تفسير القرطبي" "11/ 237-238".
(4/123)

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ 1:
الْوَاجِبَاتُ لَا تَسْتَقِرُّ وَاجِبَاتٍ إِلَّا إِذَا لَمْ يُسَوَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا مِنَ الْأَحْكَامِ؛ فَلَا تُتْرَكُ وَلَا يُسَامَحُ فِي تَرْكِهَا أَلْبَتَّةَ، كَمَا أَنَّ الْمُحَرَّمَاتِ لَا تَسْتَقِرُّ كَذَلِكَ إِلَّا إِذَا لَمْ يُسَوَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا مِنَ الْأَحْكَامِ؛ فَلَا تُفْعَلُ وَلَا يُسَامَحُ فِي فِعْلِهَا، وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَلَكِنَّا نَسِيرُ مِنْهُ إِلَى مَعْنًى آخَرَ، وَذَلِكَ أَنَّ مِنَ الْوَاجِبَاتِ مَا إِذَا تُرِكَتْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهَا حُكْمٌ دُنْيَوِيٌّ2، وَكَذَلِكَ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ مَا إِذَا فُعِلَتْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهَا أَيْضًا حُكْمٌ فِي الدُّنْيَا، وَلَا كَلَامٌ فِي مُتَرِتِّبَاتِ الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ تَحَكُّمَاتِ الْعِبَادِ.
كَمَا أَنَّ مِنَ الْوَاجِبَاتِ مَا إِذَا تُرِكَتْ وَمِنَ الْمُحَرَّمَاتِ مَا إِذَا فُعِلَتْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِمَا3 حُكْمٌ دُنْيَوِيٌّ مِنْ عُقُوبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا.
فَمَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمٌ يُخَالِفُ مَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ حُكْمٌ؛ فَمِنْ حَقِيقَةِ اسْتِقْرَارِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْقِسْمَيْنِ أَنْ لَا يُسَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ فِي تَغْيِيرِ أَحْكَامِهَا تَغْيِيرُهَا فِي أَنْفُسِهَا؛ فَكُلُّ مَا يُحْذَرُ فِي عَدَمِ الْبَيَانِ فِي الْأَحْكَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ يُحَذَرُ هُنَا، لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ، وَالْأَدِلَّةُ الَّتِي تَقَدَّمَتْ هُنَالِكَ يَجْرِي مَثَلُهَا هُنَا.
وَيَتَبَيَّنُ هَذَا الْمَوْضِعُ أَيْضًا بِأَنْ يُقَالَ: إِذَا وَضَعَ الشَّارِعُ حَدًّا فِي فِعْلٍ مُخَالِفٍ فَأُقِيمَ ذَلِكَ الْحَدُّ عَلَى الْمُخَالِفِ؛ كَانَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ [فِيهِ] مُقَرَّرًا مُبَيِّنًا، فَإِذَا لَمْ يُقَمْ؛ فَقَدْ أُقِرَّ عَلَى غَيْرِ مَا أَقَرَّهُ الشَّارِعُ، وَغُيِّرَ إِلَى الْحُكْمِ الْمُخَالِفِ الَّذِي لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِثْلُ ذَلِكَ الحكم، ووقع بيانه مخالفًا؛ فيصير المنتصب
__________
1 انظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "11/ 686-687".
2 في "ط": "ديني".
3 في "ط": "عليه".
(4/124)

لِتَقْرِيرِ الْأَحْكَامِ قَدْ خَالَفَ قَوْلُهُ فِعْلَهُ؛ فَيَجْرِي1 فِيهِ مَا تَقَدَّمَ، فَإِذَا رَأَى الْجَاهِلُ مَا جَرَى؛ تَوَهَّمَ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ، فَإِذَا قَرَّرَ الْمُنْتَصِبُ الْحُكْمَ عَلَى وَجْهٍ ثُمَّ أَوْقَعَ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ؛ حَصَلَتِ الرِّيبَةُ، وَكَذَّبَ الْفِعْلُ الْقَوْلَ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ فَسَادٌ، وَبِهَذَا الْمِثَالِ2 يَتَبَيَّنُ أَنَّ وَارِثَ النَّبِيِّ يَلْزَمُهُ إِجْرَاءُ الْأَحْكَامِ عَلَى مَوْضُوعَاتِهَا؛ فِي أَنْفُسِهَا، وَفِي لَوَاحِقِهَا، وَسَوَابِقِهَا، وَقَرَائِنِهَا، وَسَائِرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا شَرْعًا؛ حَتَّى يَكُونَ دِينُ اللَّهِ بَيِّنًا عِنْدَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، وَإِلَّا؛ كَانَ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى} الآية [البقرة: 159] .
__________
1 في "ط": "فجرى".
2 في الأصل: "المثل".
(4/125)

الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ:
لَا يُخْتَصُّ هَذَا الْبَيَانُ الْمَذْكُورُ بِالْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ، بَلْ هُوَ لَازِمٌ أَيْضًا فِي الْأَحْكَامِ الرَّاجِعَةِ إِلَى خِطَابِ الْوَضْعِ؛ فَإِنَّ الْأَسْبَابَ وَالشُّرُوطَ وَالْمَوَانِعَ وَالْعَزَائِمَ وَالرُّخَصَ وَسَائِرَ الْأَحْكَامِ الْمَعْلُومَةِ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ، لَازِمٌ بَيَانُهَا قَوْلًا وَعَمَلًا، فَإِذَا1 قُرِّرَتِ الْأَسْبَابُ قَوْلًا، وَعُمِلَ عَلَى وَفْقِهَا إِذَا انْتَهَضَتْ؛ حَصَلَ بَيَانُهَا لِلنَّاسِ، فِإِنْ2 قُرِّرَتْ، ثُمَّ لَمْ تُعْمَلْ مَعَ انْتِهَاضِهَا كَذَّبَ الْقَوْلُ الْفِعْلَ، وَكَذَلِكَ الشُّرُوطُ إِذَا انْتَهَضَ السَّبَبُ مَعَ وُجُودِهَا فَأُعْمِلَ، أَوْ مَعَ فُقْدَانِهَا فَلَمْ يُعْمَلْ؛ وَافَقَ الْقَوْلُ الْفِعْلَ، فَإِنْ عُكِسَتِ الْقَضِيَّةُ وَقَعَ الْخِلَافُ؛ فَلِمَ يَنْتَهِضِ الْقَوْلُ بَيَانًا، وَهَكَذَا الْمَوَانِعُ وَغَيْرُهَا.
وَقَدْ أَعْمَلَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُقْتَضَى الرُّخْصَةِ فِي الْإِحْلَالِ مِنَ الْعُمْرَةِ3 وَالْإِفْطَارِ فِي السَّفَرِ4، وَأَعْمَلَ الْأَسْبَابَ، وَرَتَّبَ الْأَحْكَامَ حَتَّى فِي نَفْسِهِ، حِينَ أَقَصَّ مِنْ نَفْسِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-5, وَكَذَلِكَ فِي غَيْرِهِ، وَالشَّوَاهِدُ [عَلَى هَذَا] لَا تُحْصَى، وَالشَّرِيعَةُ كُلُّهَا دَاخِلَةٌ تحت هذه الجملة، والتنبيه كافٍ.
__________
1 كذا في "ط"، وفي غيره: "فإن"، وكتب "ق": "لعله: "وإن"".
2 كذا في "ط"، وفي غيره: "وإن".
3 في عمرة الحديبية أحل هو والصحابة، وأما في عمرة حجته؛ فالصحيح أنه كان قارنًا وساق الهدي، فلم يحل هو لذلك، ولكنه أمر من لم يسق الهدي بالإحلال من العمرة، سواء أكان مهلًّا بالعمرة فقط أم كان مهلًّا في أول أمره بالحج ثم فسخه في عمرة؛ كما فعله أكثر الصحابة. "د".
قلت: وإحلاله في عمرة الحديبية مضى لفظه، وتخريجه في التعليق على "ص87".
4 مضى تخريجه "ص87-88".
5 يشير المصنف إلى ما أخرجه أبو داود في "سننه" "كتاب الديات، باب القود من الضربة وقص الأمير من نفسه، 4/ 183/ رقم 4537"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب القسامة، باب القصاص من السلاطين، 8/ 34"، وأحمد في "المسند" "1/ 41"، وابن أبي شيبة في "المصنف" "10/ 480"، وأبو يعلى في "المسند" "1/ 174-175/ رقم 196"، والبيهقي في =
(4/126)

الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ:
بَيَانُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَيَانٌ صَحِيحٌ لَا إِشْكَالَ في صحته؛ لأنه لذلك بعث، قال: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النَّحْلِ: 44] , وَلَا خِلَافَ فِيهِ1.
وَأَمَّا بَيَانُ الصَّحَابَةِ فَإِنْ أَجْمَعُوا عَلَى مَا بَيَّنُوهُ؛ فَلَا إشكال في صحته أيضًا،
__________
= "السنن الكبرى" "9/ 29، 42" و"الشعب" "5/ 555/ رقم 2379"، والفريابي في "فضائل القرآن" "رقم 170، 172-173"، والآجري في "أخلاق أهل القرآن" "رقم 26"، ومسدد كما في "المطالب العالية" "ق 75/ ب"، والحاكم في "المستدرك" "4/ 439" عن أبي فراس, وهو مقبول, أن عمر -رضي الله عنه- قال: "رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقص من نفسه".
وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" "9/ 468/ رقم 18040"، والبزار في "مسنده" "رقم 285"، والدارقطني في "الأفراد" "ق20/ 1, الأطراف" من وجه آخر عنه، وفيه ضعف.
وقد وردت قصص كثيرة تشهد لهذا الحديث، منها:
عند الطبراني: عن عبد الله بن جبير الخزاعي، واختلف في صحبته، والراجح أنه ليس له صحبة، ولذا قال عنه في "التقريب": "مجهول".
وعند عبد الرزاق في "المصنف" "9/ 465-466/ رقم 18037": عن أبي سعيد الخدري، وإسناده واهٍ جدًّا، فيه أبو هارون العبدي، واسمه عمارة بن جوين، وهو متهم.
وعند عبد الرزاق في "المصنف" "9/ 469/ رقم 18042" من مرسل سعيد بن المسيب.
وعند عبد الرزاق في "المصنف" "9/ 466، 467/ رقم 18038، 18039"، من مرسل الحسن البصري.
وكذا عند ابن إسحاق, كما في "سيرة ابن هشام" "2/ 278"، وعبد الرزاق كما في "الإصابة" "3/ 218" عن سواد بن غزية، وإسنادهما ضعيف.
ومجموع هذه الطرق صالح لصحة معنى ما قال المصنف، والله أعلم.
1 انظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "25/ 236".
(4/127)

كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى الْغُسْلِ مِنِ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ المبين لقوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [الْمَائِدَةِ: 6] ، وَإِنْ لَمْ يُجْمِعُوا1 عَلَيْهِ؛ فَهَلْ يَكُونُ بَيَانُهُمْ حُجَّةً، أَمْ لَا؟ هَذَا فِيهِ نَظَرٌ وَتَفْصِيلٌ، وَلَكِنَّهُمْ يَتَرَجَّحُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِمْ فِي الْبَيَانِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَعْرِفَتُهُمْ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ؛ فَإِنَّهُمْ عَرَبٌ فُصَحَاءُ، لَمْ تَتَغَيَّرْ أَلْسِنَتُهُمْ وَلَمْ تَنْزِلْ عَنْ رُتْبَتِهَا الْعُلْيَا فَصَاحَتُهُمْ؛ فَهُمْ أَعْرَفُ فِي فَهْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَإِذَا جَاءَ عَنْهُمْ قَوْلٌ أَوْ عَمَلٌ وَاقِعٌ مَوْقِعَ الْبَيَانِ؛ صَحَّ اعْتِمَادُهُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ.
وَالثَّانِي: مُبَاشَرَتُهُمْ لِلْوَقَائِعِ وَالنَّوَازِلِ، وَتَنْزِيلِ الْوَحْيِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَهُمْ أَقْعَدُ فِي فَهْمِ الْقَرَائِنِ الْحَالِيَّةِ2 وَأَعْرَفُ بِأَسْبَابِ التَّنْزِيلِ، وَيُدْرِكُونَ مَا لَا يُدْرِكُهُ غَيْرُهُمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَالشَّاهِدُ يَرَى مَا لَا يَرَى الْغَائِبُ.
فَمَتَى جَاءَ عَنْهُمْ تَقْيِيدُ بَعْضِ الْمُطْلَقَاتِ، أَوْ تَخْصِيصُ بَعْضِ الْعُمُومَاتِ؛ فَالْعَمَلُ عَلَيْهِ صَوَابٌ، وَهَذَا3 إِنْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ خِلَافٌ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَإِنْ خالف بعضهم؛ فالمسألة اجتهادية.
__________
1 أي: بأن اختلفوا، أو بين بعضهم ولم ينقل بيان عن غيره يخالفه، وقد فصل فجعل الأول محل اجتهاد، بمعنى أنه لا يترجح الوقوف عند بيانهم لهذا الاختلاف، وجعل الثاني محل الاعتماد والترجح على بيان غيرهم. "د".
قلت: انظر في ذلك "المسودة" "ص315-317، 321"، و"البرهان" "2/ 1359"، و"شرح اللمع" "2/ 749"، و"أصول السرخسي" "2/ 105"، و"التمهيد" "3/ 217"، و"الإحكام" "4/ 149" للآمدي، و"تيسير التحرير" "3/ 132"، و"شرح تنقيح الفصول" "445"، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" "20/ 14، 573-576".
2 أي: التي تجيء من جهة الحوادث والنوازل المقتضية لنزول الآية والحديث، أما القرائن المقالية؛ فيشترك فيهما معهم غيرهم من أهل الفهم في ذلك، وإن كان مقتضى الوجه الأول أن بيانهم أرجح من جهة اللغة أيضًا. "د".
3 في "ط": "هذا" بغير واو.
(4/128)

مِثَالُهُ قَوْلُهُ, عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ" 1؛ فَهَذَا التَّعْجِيلُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقْصَدَ بِهِ إِيقَاعُهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا؛ فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يُصَلِّيَانِ الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَا، ثُمَّ يُفْطِرَانِ بَعْدَ الصَّلَاةِ2 بَيَانًا أَنَّ هَذَا التَّعْجِيلَ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، بَلْ إِذَا كَانَ بَعْدَ الصَّلَاةِ؛ فَهُوَ تَعْجِيلٌ أَيْضًا، وَأَنَّ التَّأْخِيرَ الَّذِي يَفْعَلُهُ أَهْلُ المشرق3 شيء
__________
1 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الصوم، باب تعجيل الإفطار، 4/ 198/ رقم 1957"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصيام، باب فضل السحور وتأكيد استحبابه واستحباب تأخيره وتعجيل الفطر، 2/ 771/ رقم 1098" عن سهل بن سعد مرفوعًا.
2 أخرجه مالك في "الموطأ" "193, رواية يحيى و128, رواية محمد بن الحسن ورقم 774, رواية أبي مصعب"، وعبد الرزاق في "المصنف" "4/ 225"، والبيهقي في "الكبرى" "4/ 238"، وقد صحح نحوه ابن عبد البر في "التمهيد" "22/ 23-24".
3 يشير المصنف "وهو من أهل القرن الثامن الهجري" إلى تأخير أهل المشرق الفطر في زمانه وأوانه إلى بعد الغروب, وقد شكا الحافظ ابن حجر العسقلاني "ت 852هـ" من هذا الصنيع؛ فقال في "فتح الباري" "4/ 199" في آخر شرحه "باب تعجيل الإفطار" من "صحيح البخاري"، قال ما نصه: "من البدع المنكرة ما أحدث في هذا الزمان من إيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان ... وقد جرهم ذلك إلى أن صاروا لا يؤذنون إلا بعد الغروب بدرجة لتمكين الوقت، زعموا! فأخروا الفطر، وعجلوا السحور، وخالفوا السنة؛ فلذلك قل عنهم الخير، وكثر فيهم الشر، والله المستعان".
وكتب "د" هنا ما نصه: "من هم أهل المشرق الذين كان عمر وعثمان يقصدان مخالفتهم، وبيان أنهم متعمقون؟ "، وهذا ينبئ عن عدم فهم عبارة المصنف، وقد أخرج مالك في "الموطأ" "193, رواية يحيى ورقم 773, رواية أبي مصعب", ومن طريقه الفريابي في "الصيام" "رقم 57"، والبيهقي في "الشعب" "7/ 491/ رقم 3631"، وابن أبي شيبة في "المصنف" "3/ 12" عن سعيد بن المسيب رفعه: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر، ولم يؤخروه تأخير أهل المشرق".
وأخرج الفريابي في "الصيام" "رقم 46-48"، وعبد الرزاق في "المصنف" "4/ 225/ رقم 7589" عن سعيد بن المسيب عن أبيه عن عمر قوله: "لن يزالوا -أي: أهل الشام- ما عجلوا الفطر، ولم يتنطعوا تنطع أهل العراق، وفيه قصة، وإسناده قوي، ويظهر لي أن مرسل سعيد السابق عند مالك في آخره إدراج، وهو "ولم يؤخروه ... "، وأهل العراق هم المرادون به، وذكر ابن عبد البر مرسل سعيد وحذف آخره، وتكلم عمن وصل أوله فحسب على غير عادته، ولم يفطن للإدراج الذي فيه، راجع "التمهيد" "20/ 22"، و"الاستذكار" "10/ 40".
(4/129)

آخَرُ دَاخِلٌ فِي التَّعَمُّقِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ1، وَكَذَلِكَ2 ذُكِرَ عَنِ الْيَهُودِ أَنَّهُمْ يُؤَخِّرُونَ الْإِفْطَارَ3؛ فَنُدِبَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى التَّعْجِيلِ.
وَكَذَلِكَ لَمَّا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ" 4 احْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ مُقَيَّدَةً5 بِالْأَكْثَرِ، وَهُوَ أَنْ يُرَى بَعْدَ
__________
1 مضت بعض النصوص "1/ 522 و2/ 228". وفي "ط": "وداخل ... ".
2 يعني: وبيانًا لأن ندب التعجيل لمخالفة اليهود المتعمقين في التأخير لا يستدعي أن يكون الإفطار قبل الصلاة؛ فينتظم هذا في سلك ما قبله. "د".
3 أخرج أبو داود في "السنن" "كتاب الصوم، باب ما يستحب من تعجيل الفطر، 2/ 305/ رقم 2353"، والنسائي في "الكبرى", كما في "التحفة" "11/ 5/ رقم 15024"، وأحمد في "المسند" "2/ 450"، وابن أبي شيبة في "المصنف" "3/ 11"، والفريابي في "الصيام" "رقم 36، 37"، وابن خزيمة في "الصحيح" "رقم 2060"، وابن حبان في "الصحيح" "8/ 273-274/ رقم 3503، 3509, الإحسان"، والحاكم في "المستدرك" "1/ 431"، والبيهقي في "الكبرى" "4/ 237" و"الشعب" "7/ 492/ رقم 3633"، وابن عبد البر في "التمهيد" "22/ 23" بإسناد حسن عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا يزال الدين ظاهرًا ما عجل الناس الفطر, إن اليهود والنصارى يؤخرون".
4 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الصوم، باب قول النبي, صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم الهلال فصوموا" 4/ 119/ رقم 1906"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، 2/ 759/ رقم 1080" عن ابن عمر -رضي الله عنهما- مرفوعًا.
5 أي: فيكون فطر اليوم التالي للرؤية إذا وقعت بعد الغروب، أما إذا رئي على غير الأكثر وهو الرؤية قبل الغروب؛ فإن الفطر لليوم نفسه لا للتالي؛ فبين عثمان أن هذا التقييد غير لازم، وأن الفطر لليوم التالي للرؤية مطلقًا قبل الغروب وبعده، فلم يفطر حتى أمسى، والمسألة خلافية؛ فأبو يوسف يقول: إن الرؤية نهارًا قبل الزوال للماضي، وبعده للمستقبل، وأبو حنيفة ومالك والشافعي كعثمان يرون أنها لا يعتد بها للماضي مطلقًا قبل الزوال وبعده. "د".
(4/130)

غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ فَبَيَّنَ عُثْمَانُ [بْنُ عَفَّانَ] أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ، فَرَأَى الْهِلَالَ فِي خِلَافَتِهِ قَبْلَ الْغُرُوبِ، فَلَمْ يُفْطِرْ حَتَّى أَمْسَى وَغَابَتِ الشَّمْسُ1.
وَتَأَمَّلْ؛ فَعَادَةُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِي "مُوَطَّئِهِ" وَغَيْرِهِ الْإِتْيَانُ بِالْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ مُبَيِّنًا بِهَا السُّنَنَ، وَمَا يُعْمَلُ بِهِ مِنْهَا وَمَا لَا يُعْمَلُ بِهِ، وَمَا يُقَيَّدُ بِهِ مُطْلَقَاتُهَا، وَهُوَ دَأْبُهُ وَمَذْهَبُهُ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
وَمِمَّا بَيَّنَ كَلَامُهُمُ اللُّغَةَ أَيْضًا، كَمَا نَقَلَ مَالِكٌ فِي دُلُوكِ الشَّمْسِ وَغَسَقِ اللَّيْلِ كَلَامَ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ2، وَفِي مَعْنَى السَّعْيِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ3، أَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: {فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الْجُمُعَةَ: 9] ، وَفِي مَعْنَى الْإِخْوَةِ أَنَّ السُّنَّةَ مَضَتْ4 أَنَّ الْإِخْوَةَ اثنان فصاعدًا5، كما تبين بكلامهم
__________
1 أخرج ابن أبي شيبة في "المصنف" "2/ 480, ط دار الفكر"؛ قال: "حدثنا حاتم بن إسماعيل عن عبد الرحمن بن حرملة أن الناس رأوا هلال الفطر حين زاغت الشمس؛ فأفطر بعضهم، فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب فقال: أما أنا؛ فمتم صيامي إلى الليل". وقال مالك في "الموطأ" "1/ 287, رواية يحيى": "بلغني أن الهلال رئي في زمان عثمان بن عفان بعشي، فلم يفطر عثمان حتى أمسى، وغابت الشمس". وانظر: "الاستذكار" "10/ 19".
2 انظر: "الموطأ" 33, رواية يحيى و1/ 10، 11, رواية أبي مصعب".
3 انظر: "الموطأ" "87, رواية يحيى و1/ 174-175, رواية أبي مصعب"، و"معجم ابن الأعرابي" "رقم 1134"، و"البرهان في علوم القرآن" "1/ 222".
قال "ماء": "أي: امشوا إليه بدون إفراط في السرعة، والمراد بذكر الله هنا الخطبة، والصلاة وذروا البيع؛ أي: اتركوا المعاملة، على أن البيع مجاز عن ذلك؛ فيعم البيع والشراء والإجارة وغيرها من المعاملات".
4 في "الموطأ" والأصل و"ط": "مضت"، وفي جميع النسخ المطبوعة: "قضت".
5 انظر: "الموطأ" "313, رواية يحيى و2/ 524, رواية أبي مصعب".
(4/131)

مَعَانِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
لَا يُقَالُ: [إِنَّ هَذَا الْمَذْهَبَ رَاجِعٌ إِلَى تَقْلِيدِ الصَّحَابِيِّ، وَقَدْ عَرَفْتَ مَا فِيهِ مِنَ النِّزَاعِ وَالْخِلَافِ1؛ لِأَنَّا نَقُولُ:] 2 نَعَمْ، هُوَ تَقْلِيدٌ، وَلَكِنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى مَا لَا يُمْكِنُ الِاجْتِهَادُ فِيهِ عَلَى وَجْهِهِ؛ إِلَّا لَهُمْ لِمَا3 تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُمْ عَرَبٌ، وَفَرْقٌ بَيْنَ مَنْ هُوَ عَرَبِيُّ الْأَصْلِ وَالنِّحْلَةِ، [وَبَيْنَ] 2 مَنْ تَعَرَّبَ.
................................. ... غَلَبَ التَّطَبُّعُ شِيمَةَ الْمَطْبُوعِ4
وَأَنَّهُمْ شَاهَدُوا مِنْ أَسْبَابِ التَّكَالِيفِ وَقَرَائِنِ أَحْوَالِهَا مَا لَمْ يُشَاهِدْ مَنْ بَعْدَهُمْ، وَنَقْلُ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ على ما هي عليه كالمعتذر؛ فلا بد مِنَ الْقَوْلِ بِأَنَّ فَهْمَهُمْ فِي الشَّرِيعَةِ أَتَمُّ وَأَحْرَى بِالتَّقْدِيمِ، فَإِذَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ فِي السُّنَّةِ مِنْ بَيَانِهِمْ مَا هُوَ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ التَّفْسِيرِ، بِحَيْثُ لَوْ فَرَضْنَا عَدَمَهُ لَمْ يُمْكِنْ تَنْزِيلُ النَّصِّ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِهِ؛ انْحَتَمَ الْحُكْمُ بِإِعْمَالِ ذَلِكَ الْبَيَانِ لِمَا ذُكِرَ، وَلِمَا جاء في
__________
1 أي: في تقليده، وكذا في حجية مذهبه؛ فقد أجمعوا على أنه ليس حجة على غيره من الصحابة المجتهدين، واختلفوا في كونه حجة على التابعين ومن بعدهم من المجتهدين مقدمًا على القياس، والمختار أنه ليس بحجة، راجع: "الأحكام" "4/ 201" للآمدي، والمؤلف اختار طريقًا وسطًا يؤيد فيه القول بالحجية في نوع منه، وهو ما احتاج إلى القرائن الحالية التي هم أعرف بها من غيرهم، وكذا ما يحتاج إلى القوة في معرفة لغة العرب، وإذا قرأت مسألتي مذهب الصحابي في "الأحكام" حكمت بأنهما مأخذ المؤلف وأصله الذي استنبط منه مسألته لهذه، وكما أن الخلاف حاصل في حجية مذهب الصحابي على من بعده، كذلك الخلاف في تقليده حاصل، والمختار المنع أيضًا إلا للعامي إذا عرف حقيقة مذهب الصحابي؛ فيجوز له تقليده. "د".
2 في "د": "كما".
3 سقط من "ط".
4 عزاه الشريشي في "شرح المقامات" "2/ 507" للشريف الرضي، وهو في "شعره" "ص78" جمع ضحى عبد العزيز، وهو ضمن قصيدة طويلة في الغزل، وأوله:
هيهات لا تتكلفن في الهوى ... ...............................
(4/132)

السُّنَّةِ مِنِ اتِّبَاعِهِمْ وَالْجَرَيَانِ عَلَى سُنَنِهِمْ، كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ, عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، تمسكوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ" 1، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأحاديث؛ فإنها عاضدة لهذا
__________
1 أخرجه أحمد في "المسند" "4/ 126، 127"، وأبو داود في "السنن" "كتاب السنة، باب في لزوم السنة، 4/ 200-201/ رقم 6407"، والترمذي في "الجامع" "أبواب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، 5/ 44/ رقم 2676"، وابن ماجه في "السنن" "المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، 1/ 15-16 و16، 17/ رقم 42-44"، وابن جرير في "جامع البيان" "10/ 212"، والدارمي في "السنن" "1/ 44"، والبغوي في "شرح السنة" "1/ 205/ رقم 102"، وابن أبي عاصم في "السنة" "1/ 17، 18، 19، 20، 29، 30"، ومحمد بن نصر في "السنة" "ص21، 22"، والحارث بن أبي أسامة في "المسند" "ق 19, مع بغية الباحث"، والآجري في "الشريعة" "ص46، 47"، وابن حبان في "الصحيح" "1/ 104/ رقم 45, مع الإحسان"، والطبراني في "المعجم الكبير "18/ 245، 246، 247، 248، 249، 257"، والمعجم الأوسط" "رقم 66"، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" "2/ 222، 224"، والحاكم في "المستدرك" "1/ 95، 96، 97"، و"المدخل إلى الصحيح" "1/ 1"، والخطيب في "موضح أوهام الجمع والتفريق" "2/ 423"، و"الفقيه والمتفقه" "1/ 176-177"، والبيهقي في "مناقب الشافعي" "1/ 10-11"، و"الاعتقاد" "ص113"، و"دلائل النبوة" "6/ 541-542"، و"المدخل إلى السنن الكبرى" "ص115-116/ رقم 50 و51"، و"السنن الكبرى" "10/ 114"، وابن وضاح في "البدع" "ص23، 24"، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" "5/ 220، 221 و10/ 114، 115"، والطحاوي في "مشكل الآثار" "2/ 69"، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" "1/ 74، 75"، والهروي في "ذم الكلام" "69/ 1-2"، وابن عساكر في "تاريخ دمش" "11/ 265/ 1-266/ 1"، وأحمد بن منيع في "المسند"؛ كما في "المطالب العالية" "3/ 89" من طرق كثيرة عن العرباض بن سارية, رضي الله عنه.
وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وقال الهروي: "وهذا من أجود حديث في أهل الشام"، وقال البزار: "حديث ثابت صحيح"، وقال البغوي: "حديث حسن"، وقال ابن عبد البر: "حديث ثابت"، وقال الحاكم: "صحيح ليس له علة"، ووافقه الذهبي، وقال أبو نعيم: "هو حديث جيد من صحيح الشاميين"، وصححه الضياء المقدسي في "جزء في اتباع السنن واجتناب البدع" "رقم 2"، وقال ابن كثير في "تحفة الطالب بمعرفة أحاديث مختصر ابن الحاجب" "رقم 36": صححه الحاكم وقال: ولا أعلم له علة، وصححه أيضًا الحافظ أبو نعيم الأصبهاني والدغولي، وقال شيخ الإسلام الأنصاري: هو أجود حديث في أهل الشام وأحسنه".
وانظر: "إرواء الغليل" "8/ 107/ رقم 2455"، و"جامع العلوم والحكم" "ص187"، و"المعتبر" للزركشي "187/ 1" مخطوط.
(4/133)

الْمَعْنَى فِي الْجُمْلَةِ1.
أَمَّا إِذَا عُلِمَ أَنَّ الْمَوْضِعَ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى ذَيْنِكَ الْأَمْرَيْنِ؛ فَهُمْ وَمَنْ سِوَاهُمْ فِيهِ شَرْعٌ سَوَاءٌ؛ كَمَسْأَلَةِ الْعَوْلِ، وَالْوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ، وَكَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِ الرِّبَا الَّتِي قَالَ فِيهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: "مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا آيَةَ الرِّبَا؛ فَدَعُوا الرِّبَا وَالرِّيبَةَ"2، أَوْ كَمَا قَالَ؛ فَمِثْلُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ لِلْجَمِيعِ لَا يَخْتَصُّ بِهِ الصَّحَابَةُ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ، وَفِيهِ خِلَافٌ3 بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَيْضًا؛ فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ وَرَأْيَهُ حُجَّةً يَرْجِعُ إِلَيْهَا وَيَعْمَلُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ؛ كَالْأَحَادِيثِ وَالِاجْتِهَادَاتِ النَّبَوِيَّةِ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ؛ فَلَا يُحْتَاجُ إلى ذكره ههنا.
__________
1 وإنما قال: "في الجملة"؛ لأنه لا دلالة فيه على عموم الاقتداء في كل ما يقتدي فيه، فيمكن حمله على الاقتداء بهم فيما يرونه عنه -صلى الله عليه وسلم- وليس الحمل على غيره أولى من الحمل عليه كما قال الآمدي. "د".
2 أخرجه أحمد في "المسند" "1/ 36"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب التجارات، باب التغليظ في الربا، 2/ 764/ رقم 2276"، وابن حزم في "المحلى" "8/ 477"، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" "1/ 365" لابن جرير وابن المنذر، وهو من طريق سعيد بن المسيب عن عمر، وهو لم يسمع منه، وله طرق أخرى به يصح، انظر: "مسند الفاروق" "2/ 571"، لابن كثير، و"صحيح سنن ابن ماجه" "2/ 28".
3 قد علمته، وقوله: "كالأحاديث"؛ أي: فيقدم مذهبه على القياس، وممن ذهب إليه مالك والشافعي وابن حنبل في قول لهما وهو رأي الرازي وبعض أصحاب أبي حنيفة. "د".
(4/134)

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ:
الْإِجْمَالُ إِمَّا مُتَعَلِّقٌ بِمَا لَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ تَكْلِيفٌ، وَإِمَّا غَيْرُ1 وَاقِعٍ فِي الشَّرِيعَةِ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ مِنْ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: النُّصُوصُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} الْآيَةَ2 [الْمَائِدَةِ: 3] .
وَقَوْلِهِ: {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} [آلِ عِمْرَانَ: 138] .
وَقَوْلِهِ: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ 3 لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النَّحْلِ: 44] .
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {هُدًى لِلْمُتَّقِين} [الْبَقَرَةِ: 2] ، {هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِين} [لُقْمَانَ: 3] ، وَإِنَّمَا كَانَ هُدًى لِأَنَّهُ مُبَيَّنٌ، وَالْمُجْمَلُ لَا يَقَعُ بِهِ بَيَانٌ، وَكُلُّ مَا فِي هَذَا الْمَعْنَى مِنَ الْآيَاتِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: "تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ, لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا" 4.
وَفِيهِ: "تَرَكْتُ فِيكُمُ اثْنَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بهما؛ كتاب الله،
__________
1 إذا قلنا: إن الراسخين يعلمون المتشابه، أما إن قلنا: إنهم لا يعلمونه؛ فليس التكليف واقعًا إلا بالإيمان به على أنه من عند الله، وأنه على ما أراده منه حق. "د".
2 لا حاجة إلى بقية الآية فيما هو بصدده. "د".
3 أي: فإذا بقي شيء مجمل بدون بيان لم يكن أدى وظيفته، وحاشاه, صلى الله عليه وسلم. "د".
4 هو الجزء الأول من حديث العرباض المتقدم قريبًا "ص133"، وفيه: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء ... "، وهو صحيح.
(4/135)

وَسُنَّتِي" 1.
وَيُصَحِّحُ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النِّسَاءِ: 59] ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا بَيَانٌ لِكُلِّ مُشْكِلٍ، وَمَلْجَأٌ مِنْ كُلِّ مُعْضِلٍ.
وَفِي الْحَدِيثِ: "مَا تَرَكْتُ 2 شَيْئًا مِمَّا أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ إِلَّا وَقَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَلَا تَرَكْتُ شَيْئًا مِمَّا نَهَاكُمُ اللَّهُ عَنْهُ إِلَّا وَقَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ" 3.
وَهَذَا الْمَعْنَى كَثِيرٌ، فَإِنْ كَانَ فِي الْقُرْآنِ شَيْءٌ مُجْمَلٌ؛ فَقَدْ بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ؛ كَبَيَانِهِ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي مَوَاقِيتِهَا وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا وَسَائِرِ أَحْكَامِهَا، وَلِلزَّكَاةِ وَمَقَادِيرِهَا وَأَوْقَاتِهَا وَمَا تُخْرَجُ مِنْهُ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَلِلْحَجِّ إِذْ قَالَ:
"خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" 4، وما أشبه ذلك.
__________
1 ورد من حديث مجموعة من الصحابة، وهي بمفرداتها لا تخلو من ضعف، ولكنها تجبر بتعدد طرقها، انظر تفصيل ذلك في "السلسلة الصحيحة" "رقم 1761".
2 وهل هذا يقتضي أن كل ما أمر به أو نهى عنه لا إجمال فيه؟ ومثله يقال في الآية الأولى؛ إلا أن إتمام النعمة فيها يرشح استقامة الاستدلال بها؛ لأنه إذا بقي إجمال وعدم فهم لبعض الشريعة لا تكون النعمة فيها تامة، وأيضًا؛ فإن كمال الدين لا يقال إذا بقي منه شيء غير مفهوم المراد، أما الحديث؛ فالسؤال فيه لا يزال متوجهًا. "د".
3 أخرجه الشافعي في "المسند" "7, بدائع المنن"، وابن خزيمة في "حديث علي بن حجر" "3/ رقم 100" ,كما في "الصحيحة" "رقم 1803"، والخطيب في "الفقيه والمتفقه""1/ 92-93" عن المطلب بن حنطب به مرفوعًا، وهو مرسل حسن، وله شاهد عن أبي ذر، أخرجه أحمد في "المسند" "5/ 153، 162"، والطبراني في "الكبير" "1647"، والبزار في "المسند" "رقم 147, زوائده"، وإسناد أحمد صحيح.
4 مضى تخريجه "3/ 246".
(4/136)

ثُمَّ بَيَّنَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِمَّا1 لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ، وَالْجَمِيعُ بَيَانٌ مِنْهُ عَلَيْهِ, الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنْ وُجِدَ فِي الشَّرِيعَةِ مُجْمَلٌ2، أَوْ مُبْهَمُ الْمَعْنَى، أَوْ مَا لَا يُفْهَمُ؛ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُكَلَّفَ بِمُقْتَضَاهُ لِأَنَّهُ تَكْلِيفٌ بِالْمُحَالِ، وَطَلَبُ مَا لَا يُنَالُ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ هَذَا الْإِجْمَالُ فِي الْمُتَشَابِهِ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تعالى فيه: {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَات} [آل عمران: 7] .
__________
1 كزكاة الفطر، وأكثر المناهي في البيع كالنجش والغرر وتحريم لحوم الحمر الأهلية كما قال, صلى الله عليه وسلم: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه". "د".
قلت: وسيأتي تخريجه في "ص190-191، 322-323"، وهو صحيح.
2 "مجمل" كالمشترك "أو مبهم" خفي المعنى، كالأب نوع من النبات خفي معناه على عمر كما سبق، "أو ما لا يفهم"؛ أي: لا يعقل معناه المتبادر منه وضعًا؛ كالوجه، واليد، والمجيء المنسوبة لله سبحانه، هذا هو مقتضى التعبير بأو، ويصح أن يكون تنويعًا في العبارة، والكل مجمل بالمعنى العام أي الذي لم يتضح المراد منه بسبب من الأسباب المشار إليها آنفًا؛ فلا تكون متقابلة، وقوله بعد: "فلا يتصور أن يكون ثم مجمل لا يفهم معناه ثم يكلف به" يقتضي احتمالًا ثالثًا، وأن المراد منها واحد وهو المتشابه؛ فلا يدخل فيه مثل الأب الذي وإن توقف فيه عمر؛ فقد عرفه غيره. "د".
قلت: انظر لزامًا ما تقدم "2/ 195، 257 و3/ 319، 323"، حول مذهب السلف في الصفات؛ فقد أخطأ المعلق هنا، ولم يصب الحق في هذا الباب، والله الموفق للصواب، وقرر ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "7/ 391-392" أن لفظ المجمل في اصطلاح الأئمة كالشافعي وأحمد وأبي عبيد وإسحاق وغيرهم، سواء لا يريدون بالمجمل ما لا يفهم منه، كما فسره به بعض المتأخرين, وأخطأ في ذلك, بل المجمل ما لا يكفي وحده في العمل به, وإن كان ظاهرًا حقًّا.
وانظر: "مباحث في المجمل والمبين من الكتاب والسنة" لعبد القادر شحاتة "ص10 وما بعدها"، دار البيان للنشر والتوزيع، و"بيان النصوص التشريعية؛ طرقه وأنواعه" لبدران أبو العينين بدران "ص729".
(4/137)

وَلَمَّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ فِي الْقُرْآنِ مُتَشَابِهًا؛ بَيَّنَ أَيْضًا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَكْلِيفٌ إِلَّا الْإِيمَانُ بِهِ عَلَى الْمَعْنَى الْمُرَادِ مِنْهُ، لَا عَلَى مَا يَفْهَمُ الْمُكَلَّفُ مِنْهُ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ....} إِلَى قَوْلِهِ: {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آلِ عِمْرَانَ: 7] .
وَالنَّاسُ في المتشابه1 المراد ههنا عَلَى مَذْهَبَيْنِ2: فَمَنْ قَالَ: إِنَّ الرَّاسِخِينَ يَعْلَمُونَهُ؛ فَلَيْسَ بِمُتَشَابِهٍ عَلَيْهِمْ وَإِنْ تَشَابَهَ عَلَى غَيْرِهِمْ، كَسَائِرِ الْمُبَيِّنَاتِ الْمُشْتَبِهَةِ عَلَى غَيْرِ الْعَرَبِ، أَوْ عَلَى غَيْرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ النَّاسِ، وَمَنْ قَالَ إِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَهُ وَإِنَّ الْوَقْفَ عَلَى قَوْلِهِ: {إِلَّا اللَّهُ} [آلِ عِمْرَانَ: 7] ؛ فَالتَّكْلِيفُ بِمَا يُرَادُ بِهِ مَرْفُوعٌ بِاتِّفَاقٍ؛ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ ثَمَّ مُجْمَلٌ لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ ثُمَّ يُكَلَّفُ بِهِ، وَهَكَذَا إِذَا قُلْنَا: إِنِ الرَّاسِخِينَ هُمُ الْمُخْتَصُّونَ بِعِلْمِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ؛ فَذَلِكَ الْغَيْرُ لَيْسُوا بِمُكَلَّفِينَ بِمُقْتَضَاهُ، مَا دَامَ مُشْتَبِهًا عَلَيْهِمْ؛ حَتَّى يَتَبَيَّنَ بِاجْتِهَادٍ أَوْ تَقْلِيدٍ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَرْتَفِعُ تَشَابُهُهُ؛ فَيَصِيرُ كَسَائِرِ الْمُبَيَّنَاتِ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ أَثْبَتَ الْقُرْآنُ مُتَشَابِهًا فِي الْقُرْآنِ، وَبَيَّنَتِ السُّنَّةُ أَنَّ فِي الشَّرِيعَةِ مُشْتَبِهَاتٍ بِقَوْلِهِ: "الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ" 3، وَهَذِهِ الْمُشْتَبِهَاتُ مُتَّقَاةٌ4 بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ لِقَوْلِهِ: "فَمَنِ اتَّقَى الشُّبَهَاتِ استبرأ لدينه
__________
1 وهو المتشابه الحقيقي، وهو ما لم يجعل لنا سبيل إلى فهم حقيقة المراد منه ولا نصب دليل على ذلك. "د".
2 انظر لزامًا ما قدمناه "3/ 319".
3 قطعة من حديث أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، 1/ 126/ رقم 52، وكتاب البيوع، باب الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ، 4/ 290/ رقم 2051"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، 3/ 1219-1220/ رقم 1599" عن النعمان بن بشير, رضي الله عنه.
4 في الأصل: "متلقاة" وفي "ط": "متعلقات".
(4/138)

وَعِرْضِهُ" 1؛ فَهِيَ إِذًا مُجْمَلَاتٌ وَقَدِ انْبَنَى عَلَيْهَا التَّكْلِيفُ2، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آلِ عِمْرَانَ: 7] قَدَ انْبَنَى عَلَيْهَا التَّكْلِيفُ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آلِ عِمْرَانَ: 7] ، فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ الْإِجْمَالَ وَالتَّشَابُهَ لَا يَتَعَلَّقَانِ3 بِمَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ تَكْلِيفٌ؟
فَالْجَوَابُ: إِنَّ الْحَدِيثَ فِي الْمُتَشَابِهَاتِ لَيْسَ مِمَّا نَحْنُ بِصَدَدِهِ، وَإِنَّمَا كَلَامُنَا فِي التَّشَابُهِ الْوَاقِعِ فِي خِطَابِ الشَّارِعِ، وَتَشَابُهِ الْحَدِيثِ فِي مَنَاطِ الْحُكْمِ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ حَسْبَمَا مَرَّ فِي فَصْلِ4 التَّشَابُهِ، وَإِنْ سَلِمَ؛ فَالْمُرَادُ أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ تَكْلِيفٌ بِمَعْنَاهُ الْمُرَادِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّكْلِيفُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُجْمَلٌ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُؤْمِنَ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَبِأَنْ يَجْتَنِبَ فِعْلَهُ إِنْ كَانَ مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: "فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ" 5.
وَيَجْتَنِبَ النَّظَرَ فِيهِ إِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ؛ كَقَوْلِهِ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] .
وَفِي الْحَدِيثِ: "يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا" 6، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ.
هَذَا مَعْنَى أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَكْلِيفٌ، وَإِلَّا؛ فَالتَّكْلِيفُ مُتَعَلِّقٌ بِكُلِّ مَوْجُودٍ، مِنْ حَيْثُ يُعْتَقَدُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، أَوْ يَتَصَرَّفُ فِيهِ إِنْ صَحَّ تصرف العباد فيه، إلى
__________
1 انظر الحاشية رقم "3" في الصفحة السابقة.
2 أي: باتقائها واجتنابها. "د".
3 في "ط": "يعلقان".
4 في النوع الثالث من المتشابه من المسألة الثالثة هناك؛ فراجعه. "د".
5 مضى تخريجه قريبًا.
6 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل، 3/ 29/ رقم 1145"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه، 1/ 521/ رقم 758" عن أبي هريرة مرفوعًا.
وفي الباب أحاديث كثيرة جدًّا.
(4/139)

غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ النَّظَرِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمَقْصُودَ الشَّرْعِيَّ مِنَ الْخِطَابِ الْوَارِدِ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ تَفْهِيمُ مَا لَهُمْ وَمَا عَلَيْهِمْ، مِمَّا هُوَ مَصْلَحَةٌ لَهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ، وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ بَيِّنًا وَاضِحًا لَا إِجْمَالَ فِيهِ وَلَا اشْتِبَاهَ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ بِحَسَبِ هَذَا الْقَصْدِ اشْتِبَاهٌ وَإِجْمَالٌ؛ لَنَاقَضَ أَصْلَ مَقْصُودِ الْخِطَابِ، فَلَمْ تَقَعْ فَائِدَةٌ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ مِنْ جِهَةِ رَعْيِ الْمَصَالِحِ؛ تَفَضُّلًا، أَوِ انْحِتَامًا، أَوْ عَدَمِ1 رَعْيِهَا؛ إِذْ لَا يُعْقَلُ خِطَابٌ مَقْصُودٌ مِنْ غَيْرِ تَفْهِيمٍ مَقْصُودٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى امْتِنَاعِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَّةِ2؛ إِلَّا عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ تَكْلِيفَ الْمُحَالِ، وَقَدْ مَرَّ بَيَانُ امْتِنَاعِ تَكْلِيفِ الْمُحَالِ سَمْعًا فَبَقِيَ3 الِاعْتِرَافُ بِامْتِنَاعِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِهِ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ؛ فَمَسْأَلَتُنَا مِنْ قَبِيلِ4 هَذَا الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ خِطَابَ التَّكْلِيفِ فِي وُرُودِهِ مُجْمَلًا غَيْرَ مُفَسَّرٍ، إِمَّا أَنْ يُقْصَدَ التَّكْلِيفُ بِهِ مَعَ عَدَمِ بَيَانِهِ، أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ يُقْصَدْ؛ فَذَلِكَ مَا أَرَدْنَا، وَإِنْ قُصِدَ؛ رَجَعَ إِلَى تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، وَجَرَتْ دَلَائِلُ الْأُصُولِيِّينَ هُنَا فِي الْمَسْأَلَةِ.
وَعَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ -أَعْنِي5: الثَّانِيَ والثالث- إن جاء في القرآن مجمل؛ فلا بد مِنْ خُرُوجِ مَعْنَاهُ عَنْ تَعَلُّقِ التَّكْلِيفِ بِهِ، وَكَذَلِكَ مَا جَاءَ مِنْهُ فِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ، وهو المطلوب.
__________
1 أي: حتى مع قطع النظر عن رعاية المصالح هو ممنوع؛ لأنه غير معقول في ذاته. "د".
2 انظر في هذا: "البحر المحيط" "3/ 46، 93"، و"العدة" "3/ 724"، و"البرهان" "1/ 166"، و"المستصفى" "1/ 368"، و"الإحكام" "1/ 75" لابن حزم، و"الإحكام" "3/ 32" للآمدي.
3 في "ط": "فيبقى".
4 نقول: بل هي أشد؛ لأن ذاك كان مجرد تأخير للبيان، يعني مع حصول البيان بعد الوقت، أما هذا فلا بيان رأسًا، لا في عهده -صلى الله عليه وسلم- ولا بعده. "د".
5 وإنما قيده بهما لأنه ذكر مثله في الأول؛ فلم يحتج لربط هذا التفريع به أيضًا. "د".
(4/140)

الطرف الثاني: في الأدلة على التفصيل
مدخل
...
الطَّرَفُ الثَّانِي: فِي الْأَدِلَّةِ عَلَى التَّفْصِيلِ
وَهِيَ: الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالْإِجْمَاعُ، وَالرَّأْيُ1.
وَلَمَّا كَانَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ هُمَا الْأَصْلُ لِمَا سِوَاهُمَا؛ اقْتَصَرْنَا عَلَى النَّظَرِ فِيهِمَا.
وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ فِي أَثْنَاءِ الْكِتَابِ2 كَثِيرًا مِمَّا يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ النَّاظِرُ فِي غَيْرِهِمَا، مع أن الأصوليين تكلفوا3 بما عداهما كما4 تكلفوا بِهِمَا؛ فَرَأَيْنَا السُّكُوتَ عَنِ الْكَلَامِ فِي الْإِجْمَاعِ وَالرَّأْيِ، وَالِاقْتِصَارِ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
فالأول أصلها، وهو الكتاب، وفيه مسائل:
__________
1 يشمل الباقي من قياس وغيره. "د".
2 لعل فيه سقط كلمة "والسنة" كما يفيده السابق واللاحق، أي: إنه تعرض لكثير من المباحث المتعلقة بغير الكتاب والسنة أثناء تعرضه لمباحثهما. "د".
3 في "ط": "تكلفوا".
4 كان يقتضي الذكر لا السكوت عن الكتاب والسنة أيضًا. "د".
(4/143)

الدليل الأول: الكتاب
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى:
إِنَّ الْكِتَابَ قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهُ1 كُلِّيَّةُ الشَّرِيعَةِ، وَعُمْدَةُ الْمِلَّةِ، وَيَنْبُوعُ الْحِكْمَةِ، وَآيَةُ الرِّسَالَةِ، وَنُورُ الْأَبْصَارِ وَالْبَصَائِرِ، وَأَنَّهُ لَا طَرِيقَ إِلَى اللَّهِ سِوَاهُ، وَلَا نَجَاةَ بِغَيْرِهِ، وَلَا تَمَسُّكَ بِشَيْءٍ يُخَالِفُهُ، وَهَذَا كُلُّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْرِيرٍ وَاسْتِدْلَالٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْ دِينِ الْأُمَّةِ2، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لَزِمَ ضَرُورَةً لِمَنْ رَامَ الِاطِّلَاعَ عَلَى كُلِّيَّاتِ الشَّرِيعَةِ وَطَمِعَ فِي إِدْرَاكِ مَقَاصِدِهَا، وَاللِّحَاقِ بِأَهْلِهَا، أَنْ يَتَّخِذَهُ سَمِيرَهُ وَأَنِيسَهُ، وَأَنْ يَجْعَلَهُ جَلِيسَهُ عَلَى مَرِّ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي؛ نَظَرًا وَعَمَلًا، لَا اقْتِصَارًا عَلَى أَحَدِهِمَا؛ فَيُوشِكُ أَنْ يَفُوزَ بِالْبُغْيَةِ، وَأَنْ يَظْفَرَ بالطلبة، ويجد نفسه من السابقين في الرَّعِيلِ الْأَوَّلِ3، فَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ، ولا يقدر عليه إلا من زاول مَا يُعِينُهُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ السُّنَّةِ الْمُبَيِّنَةِ لِلْكِتَابِ، وَإِلَّا؛ فَكَلَامُ الْأَئِمَّةِ السَّابِقِينَ، وَالسَّلَفِ الْمُتَقَدِّمِينَ آخِذٌ بِيَدِهِ فِي هَذَا الْمَقْصِدِ الشَّرِيفِ، وَالْمَرْتَبَةِ الْمُنِيفَةِ.
وَأَيْضًا4؛ فَمِنْ حَيْثُ كَانَ الْقُرْآنُ مُعْجِزًا أَفْحَمَ الْفُصَحَاءَ، وَأَعْجَزَ الْبُلَغَاءَ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ؛ فَذَلِكَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ عَرَبِيًّا جَارِيًا عَلَى أَسَالِيبِ كَلَامِ الْعَرَبِ، مُيَسَّرًا لِلْفَهْمِ فِيهِ عَنِ اللَّهِ مَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى، لَكِنْ بِشَرْطِ الدُّرْبَةِ فِي اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ، كَمَا تَبَيَّنَ فِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ؛ إِذْ لَوْ خَرَجَ بِالْإِعْجَازِ عَنْ إِدْرَاكِ الْعُقُولِ مَعَانِيهِ؛ لَكَانَ خِطَابُهُمْ بِهِ مِنْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، وَذَلِكَ مَرْفُوعٌ عَنِ الْأُمَّةِ، وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْوُجُوهِ الْإِعْجَازِيَّةِ فِيهِ؛ إِذْ مِنَ الْعَجَبِ إِيرَادُ كَلَامٍ مِنْ جِنْسِ كَلَامِ الْبَشَرِ فِي اللِّسَانِ وَالْمَعَانِي وَالْأَسَالِيبِ، مَفْهُومٌ مَعْقُولٌ، ثُمَّ لَا يَقْدِرُ الْبَشَرُ عَلَى الإتيان بسورة مثله
__________
1 في "د": "أن".
2 انظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "13/ 332 و19/ 76-92 و20/ 499".
3 أي: الطائفة المتقدمة. "ف".
4 تتميم لبيان ما يعينه على فهمه، كأنه قال: "من السنة والدربة في اللسان العربي، ولا يمنع من ذلك كونه معجزًا ... إلخ". "د".
(4/144)

وَلَوِ اجْتَمَعُوا وَكَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا؛ فَهُمْ أَقْدَرُ مَا كَانُوا عَلَى مُعَارَضَةِ الْأَمْثَالِ، أَعْجَزُ مَا كَانُوا عَنْ مُعَارَضَتِهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [الْقَمَرِ: 17، 22] .
وَقَالَ1: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا} [مَرْيَمَ: 97] .
وَقَالَ: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُون} [فُصِّلَتْ: 3] .
وَقَالَ: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِين} [الشُّعَرَاءِ: 195] .
وَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ2 فُرِضَ إِعْجَازُهُ؛ فَذَلِكَ غَيْرُ مَانِعٍ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى فَهْمِهِ وَتَعَقُّلِ مَعَانِيهِ، {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29] ؛ فَهَذَا يَسْتَلْزِمُ إِمْكَانَ الْوُصُولِ إِلَى التَّدَبُّرِ وَالتَّفَهُّمِ، وكذلك ما كان مثله، وهو ظاهر.
__________
1 أورد في "ط" بدل هذه الآية {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [الدخان: 58] .
2 ذكروا في إعجازه وجوهًا كثيرة؛ كما يعلم من الكتب المؤلفة خصيصة بذلك؛ فعلى جميع الوجوه لا يمنع إعجازه من فهمه على وجهه. "د".
(4/145)

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ:
مَعْرِفَةُ أَسْبَابِ التَّنْزِيلِ لَازِمَةٌ لِمَنْ أَرَادَ عِلْمَ الْقُرْآنِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَمْرَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ عِلْمَ الْمَعَانِي وَالْبَيَانِ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ إِعْجَازُ نَظْمِ الْقُرْآنِ فَضْلًا عَنْ مَعْرِفَةِ مَقَاصِدِ كَلَامِ الْعَرَبِ؛ إِنَّمَا مَدَارُهُ عَلَى مَعْرِفَةِ مُقْتَضَيَاتِ الْأَحْوَالِ: حَالِ الْخِطَابِ مِنْ جِهَةِ نَفْسِ الْخِطَابِ، أَوِ المخاطِب، أَوِ المخاطَب، أَوِ الْجَمِيعِ؛ إِذِ الْكَلَامُ الْوَاحِدُ يَخْتَلِفُ فَهْمُهُ بِحَسَبِ حَالَيْنِ، وَبِحَسَبِ مُخَاطَبَيْنِ، وَبِحَسَبِ غَيْرِ ذَلِكَ؛ كَالِاسْتِفْهَامِ، لَفْظُهُ وَاحِدٌ، وَيَدْخُلُهُ مَعَانٍ أُخَرُ مِنْ تَقْرِيرٍ وَتَوْبِيخٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ1 وَكَالْأَمْرِ يَدْخُلُهُ مَعْنَى الْإِبَاحَةِ وَالتَّهْدِيدِ وَالتَّعْجِيزِ وَأَشْبَاهِهَا وَلَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنَاهَا2 الْمُرَادِ إِلَّا الْأُمُورُ الْخَارِجَةُ، وَعُمْدَتُهَا مُقْتَضَيَاتُ الْأَحْوَالِ، وَلَيْسَ كُلُّ حَالٍ يُنْقَلُ وَلَا كُلُّ قَرِينَةٍ تَقْتَرِنُ بِنَفْسِ الْكَلَامِ الْمَنْقُولِ، وَإِذَا فَاتَ نَقْلُ بَعْضِ الْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ؛ فَاتَ فَهْمُ الْكَلَامِ جُمْلَةً، أَوْ فَهْمُ شَيْءٍ مِنْهُ، وَمَعْرِفَةُ الْأَسْبَابِ رَافِعَةٌ لِكُلِّ مُشْكِلٍ فِي هَذَا النَّمَطِ؛ فَهِيَ مِنَ الْمُهِمَّاتِ في فهم الكتاب بلا بد، وَمَعْنَى مَعْرِفَةِ السَّبَبِ هُوَ مَعْنَى مَعْرِفَةِ مُقْتَضَى الْحَالِ، وَيَنْشَأُ عَنْ هَذَا الْوَجْهِ:
الْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّ الْجَهْلَ بِأَسْبَابِ التَّنْزِيلِ مُوقِعٌ فِي الشُّبَهِ وَالْإِشْكَالَاتِ، وَمُورِدٌ لِلنُّصُوصِ الظَّاهِرَةِ مَوْرِدَ الْإِجْمَالِ حَتَّى يَقَعَ الِاخْتِلَافُ، وَذَلِكَ مَظِنَّةُ وُقُوعِ النِّزَاعِ3.
__________
1 في "ط": "وغيرهما".
2 لعله "على معناه المراد". "ف".
3 الخطاب الذي جاء بسبب لا يمكن في بعض الحالات فهمه، ولا إدراك معناه إلا من معرفة الواقعة، أو السؤال الذي تسبب في وروده؛ ففائدة معرفة السبب الذي ورد عليه الخطاب تعين على فهم المراد، فمن قرأ قوله تَعَالَى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا....} [المائدة: 93] ، ولم يطلع على نزولها؛ فقد يقول بجواز شرب الخمر كما تأولها من تأولها في زمن عمر, رضي الله عنه [وسيأتي تخريج ذلك قريبًا] ، وكذلك في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ =
(4/146)

...........................................................................
__________
= الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] ؛ فإنه لو أخذنا بمدلول اللفظ لاقتضى أن المصلي لا يجب عليه استقبال القبلة سفرًا ولا حضرًا، وهو خلاف الإجماع، فلا يفهم مراد الآية حتى يعلم سببها، وذلك أنها نزلت وكان الصحابة مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سرية؛ فأدركتهم الصلاة في ليلة مظلمة، فلم يعرفوا القبلة؛ فتوجه كل منهم إلى ناحية، فلما أصبحوا أخبروا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنهم صلوا إلى غير القبلة؛ فنزلت الآية، على ما ذكره ابن كثير في "تفسيره" "1/ 159"، وعزاه لابن جرير والترمذي "رقم 2958"، وقال: "هذه الأسانيد فيها ضعف، ولعله يشد بعضها بعضًا".
وقد تكون معرفة أسباب نزول الآية أو أسباب ورود الحديث ضرورية؛ لأن الحكم الوارد على سبب قد يكون لفظًا عامًّا، ويقوم الدليل على تخصيصه، فإذا عرف السبب قصر التخصيص على ما عدا صورة ذلك السبب؛ فإن دخول صورة السبب قطعي، وإخراج السبب بحكم التخصيص بالاجتهاد ممنوع بالاتفاق؛ كما قاله الباقلاني في "التقريب", ونقله عنه السيوطي في "الإتقان" "1/ 28"، والغزالي في "المستصفى" "2/ 61"، وقد ذكر علاء الدين الكناني في "سواد الناظر وشقائق الروض الناضر" "2/ 427, مضروبة على الآلة الكاتبة، رسالة دكتوراه" من فوائد نقل السبب أمورًا أخرى غير التي ذكرها المصنف، منها بيان أخصية السبب بالحكم؛ فيمتنع تخصيص الحكم بالسبب؛ لأن دخول السبب في العام قطعي، ولا يصح إخراج محل السبب بالتخصيص لأمرين:
أحدهما: أنه يلزم من تأخير البيان عن وقت الحاجة، ذكر هذا الزركشي في "البرهان" "1/ 23".
الثاني: فيه عدول عن محل النازلة أو محل السؤال، وهذا يؤدي إلى التباس الحكم على السائل أو من ورد في حقه الحكم.
- ومنها: معرفة تأريخ الحكم بمعرفة تأريخ السبب ليعرف الناسخ والمنسوخ.
- ومنها: توسعة علم الشريعة بمعرفة الأحكام بأسبابها، فيفتح ثواب المصنفين في تأريخ النزول، وثواب المجتهدين بالنظر في ذلك، والرجوع إلى حكم الناسخ وترك المنسوخ.
- ومنها: التأسي بوقائع السلف؛ فيخف أمر اللعان مثلًا على من أراده تأسيًا بهم.
- ومنها: أن معرفة السبب تساعد على معرفة المراد من النص، قال في "المسودة" "ص231": "فجهات معرفة مراد المتكلم ثلاثة في كلام الشارع وكلام العباد: =
(4/147)

وَيُوَضِّحُ هَذَا الْمَعْنَى مَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ؛ قَالَ: "خَلَا عُمَرُ ذَاتَ يَوْمٍ؛ فَجَعَلَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ: كَيْفَ تَخْتَلِفُ هَذِهِ الْأُمَّةُ وَنَبِيُّهَا وَاحِدٌ، [وَقِبْلَتُهَا وَاحِدَةٌ] ؟ [فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ؛ فَقَالَ: كَيْفَ تَخْتَلِفُ هَذِهِ الْأُمَّةُ وَنَبِيُّهَا وَاحِدٌ وَقِبْلَتُهَا وَاحِدَةٌ؟] . فَقَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْقُرْآنُ فقرأناه، وعلمنا فيما نَزَلَ، وَإِنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدَنَا أَقْوَامٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ ولا يدرون فيما نَزَلَ، فَيَكُونُ لَهُمْ فِيهِ رَأْيٌ، فَإِذَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ رَأْيٌ اخْتَلَفُوا، فَإِذَا اخْتَلَفُوا اقْتَتَلُوا. قَالَ: فَزَجَرَهُ عُمَرُ وَانْتَهَرَهُ؛ فَانْصَرَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَنَظَرَ عُمَرُ فِيمَا قَالَ؛، فَعَرَفَهُ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ؛ فَقَالَ: أَعِدْ عَلَيَّ مَا قُلْتَ. فَأَعَادَهُ عَلَيْهِ؛ فعرف عمر قوله وأعجبه"1.
__________
= أحدها: العلم بقصده من دليل منفصل؛ كتفسير السنة للكتاب، وتخصيص العموم.
الثاني: سبب الكلام وحال المتكلم.
الثالث: وضع اللفظ والقرائن اللفظية.
- ومنها: أن معرفة السبب ينتفع بها في معرفة جنس الحكم تارة، أو في صفته أخرى، وفي محله آخر.
وانظر غير مأمور: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "13/ 339"، و"مسألة تخصيص العام بالسبب" "ص26-29"، و"أسباب نزول القرآن، دراسة منهجية" "60-72".
1 أخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" "ص45-46"، وسعيد بن منصور في "سننه" "1/ 176/ رقم 42, ط الجديدة", ومن طريقه البيهقي في "الشعب" "5/ 230-231/ رقم 2086"، والخطيب البغدادي في "الجامع" "2/ 194/ رقم 1587", عن هشيم عن العوام بن حوشب عن إبراهيم التيمي به، والتيمي لم يدرك زمن عمر؛ فإسناده منقطع.
وأخرجه ابن ديزيل في "جزئه" "رقم 26" من طريق هشيم عن إبراهيم التيمي به؛ دلس في هذا الإسناد وأرسل.
وأخرجه عبد الرزاق في "جامع معمر" "11/ 217-218/ رقم 20368", ومن طريقه الهروي في "ذم الكلام" رقم "198"، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" "1/ 516-517" عن علي بن بذيمة الجزري عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس به نحوه، وإسناده صحيح.
وما بين المعقوفتين الأولى ليست في الأصل ولا في "ط"، والثانية ليست "إلا" فيهما.
وأخرج الحاكم في "المستدرك" في كتاب الأهوال عن ابن عمر -لا عن عمر- نحوه، وقال: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه"، وانظر: "تخريج الزيلعي على الكشاف" "3/ 204".
(4/148)

وَمَا قَالَهُ صَحِيحٌ فِي الِاعْتِبَارِ، وَيَتَبَيَّنُ بِمَا هُوَ أَقْرَبُ.
فَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ بُكَيْرٍ؛ أَنَّهُ سَأَلَ نَافِعًا: كَيْفَ كَانَ رَأْيُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْحَرُورِيَّةِ؟ قَالَ: "يَرَاهُمْ شِرَارَ خَلْقِ اللَّهِ، إِنَّهُمُ انْطَلَقُوا إِلَى آيَاتٍ أُنْزِلَتْ فِي الْكُفَّارِ فَجَعَلُوهَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ"1.
فَهَذَا مَعْنَى الرَّأْيِ الَّذِي نَبَّهَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَيْهِ، وَهُوَ النَّاشِئُ عَنِ الْجَهْلِ بِالْمَعْنَى الَّذِي نَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ.
وَرُوِيَ أَنَّ مَرْوَانَ أَرْسَلَ بَوَّابَهُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: "قُلْ لَهُ: لَئِنْ كَانَ كُلُّ امْرِئٍ فَرِحَ بِمَا أُوتِيَ وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ مُعَذَّبًا؛ لَنُعَذَّبَنَّ أَجْمَعُونَ.
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا لَكُمْ وَلِهَذِهِ الْآيَةِ؟ إِنَّمَا دَعَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَهُودَ فَسَأَلَهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَكَتَمُوهُ إِيَّاهُ وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ، فَأَرَوْهُ أَنْ قَدِ اسْتَحْمَدُوا إِلَيْهِ بِمَا أَخْبَرُوهُ عَنْهُ فِيمَا سَأَلَهُمْ، وَفَرِحُوا بِمَا أُوتُوا مِنْ كِتْمَانِهِمْ"2، ثُمَّ قَرَأَ: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ
__________
1 أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب استتابة المرتدين، باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم، 12/ 282" تعليقًا، قال: "وكان ابن عمر يراهم شرار الخلق، وقال: إنهم انطلقوا ... "، وذكر الأثر.
ووصله ابن جرير في "تهذيب الآثار" -كما في "تغليق التعليق" "5/ 259"، و"الفتح" "12/ 286"- من طريق بكير بن عبد الله بن الأشج؛ أَنَّهُ سَأَلَ نَافِعًا: كَيْفَ كَانَ رَأْيُ ابْنِ عمر في الحرورية؟ فذكره، قال ابن حجر: "وسنده صحيح".
انظر: "مجموعة الرسائل الكبرى" "1/ 36-37" لابن تيمية، و"الاعتصام" "2/ 692" للمصنف؛ وعزاه لابن وهب أيضًا، وكذا ابن عبد البر في "الاستذكار" "8/ 90/ رقم 10576".
2 مضى تخريجه "ص32".
(4/149)

أُوتُوا الْكِتَابَ ... } إِلَى قَوْلِهِ: {وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا} [آلِ عِمْرَانَ: 187-188] ؛ فَهَذَا السَّبَبُ بَيِّنٌ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْآيَةِ غَيْرُ مَا ظَهَرَ لِمَرْوَانَ.
وَالْقُنُوتُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا1 مِنَ الْمَعْنَى يُحْمَلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِين} [الْبَقَرَةِ: 238] ، فَإِذَا عُرِفَ السَّبَبُ؛ تَعَيَّنَ الْمَعْنَى الْمُرَادُ.
وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ اسْتَعْمَلَ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ عَلَى الْبَحْرَيْنِ؛ فَقَدِمَ الْجَارُودُ عَلَى عُمَرَ، فَقَالَ: "إِنْ قُدَامَةَ شَرِبَ فَسَكِرَ. فَقَالَ عُمَرُ: مَنْ يَشْهَدْ عَلَى مَا تَقُولُ؟ قَالَ الْجَارُودُ: أَبُو هُرَيْرَةَ يَشْهَدُ عَلَى مَا أَقُولُ". وَذَكَرَ الْحَدِيثَ؛ فَقَالَ عُمَرُ: "يَا قُدَامَةُ! إِنِّي جَالِدُكَ. قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ شَرِبْتُ كَمَا يَقُولُونَ مَا كَانَ لَكَ أَنْ تَجْلِدَنِي. قَالَ عُمَرُ: وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ} [الْمَائِدَةِ: 93] ... إِلَخْ. فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّكَ أَخْطَأْتَ التَّأْوِيلَ يَا قُدَامَةُ، إِذَا اتَّقَيْتَ اللَّهَ اجْتَنَبْتَ مَا حَرَّمَ اللَّهَ".
وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ: "لِمَ تَجْلِدُنِي؟ بَيْنِي وَبَيْنَكَ كِتَابُ اللَّهِ. فَقَالَ عُمَرُ: وَأَيُّ كِتَابِ اللَّهِ تَجِدُ أَنْ لَا أَجْلِدُكَ؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا} [الْمَائِدَةِ: 93] إِلَى آخَرَ الْآيَةِ؛ فَأَنَا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا، ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا، شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَدْرًا، وَأُحُدًا، وَالْخَنْدَقَ، وَالْمَشَاهِدَ.
فَقَالَ عُمَرُ: أَلَا تَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ
__________
1 كالخشوع، وعدم الالتفات، والذكر وغيرها، وقوله: "تعين المعنى المراد"؛ أي: وهو عدم تكليم بعضهم بعضًا كما كان يحصل قبل نزول الآية. "د".
أما "ف"؛ فتوسع وقال: "كالانقياد وكمال الطاعة والذكر والخشوع وطول الركوع وأن لا يلتفت، ولا يقلب الحصى، ولا يعبث بشيء، ولا يحدث نفسه بأمر من أمور الدنيا، وفسره البخاري في "صحيحه" بالسكوت عن الكلام ... ، ثم احتج له بما يناسبه".
قلت: انظر معاني القنوت عند ابن القيم في "الزاد" "1/ 283".
(4/150)

هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ أُنْزِلْنَ عُذْرًا لِلْمَاضِينَ، وَحُجَّةً عَلَى الْبَاقِينَ؛ فَعَذَرَ الْمَاضِينَ1 بِأَنَّهُمْ لَقُوا اللَّهَ قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ عَلَيْهِمُ الْخَمْرُ، وَحُجَّةً عَلَى الْبَاقِينَ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} [الْمَائِدَةِ: 90] ، ثُمَّ قَرَأَ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ الْأُخْرَى، فَإِنْ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا، ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ نَهَى أَنْ يُشْرَبَ الْخَمْرُ. قَالَ عُمَرُ: صَدَقْتَ"2 الْحَدِيثَ.
وَحَكَى إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي؛ قَالَ: "شَرِبَ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ الْخَمْرَ، وَعَلَيْهِمْ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، فَقَالُوا: هِيَ لَنَا حَلَالٌ، وَتَأَوَّلُوا هَذِهِ الْآيَةَ: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا} الآية [المائدة: 93] ، قَالَ: فَكَتَبَ فِيهِمْ إِلَى عُمَرَ، قَالَ: فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَيْهِ: أَنِ ابْعَثْ بِهِمْ إِلَيَّ قَبْلَ أَنْ يُفْسِدُوا مَنْ قِبَلَكَ. فَلَمَّا أَنْ قَدِمُوا عَلَى عُمَرَ اسْتَشَارَ فِيهِمُ النَّاسَ؛ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! نَرَى أَنَّهُمْ قَدْ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ، وَشَرَعُوا فِي دِينِهِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ...." إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ3.
فَفِي الْحَدِيثَيْنِ بَيَانٌ أَنَّ الْغَفْلَةَ عَنْ أَسْبَابِ التَّنْزِيلِ تُؤَدِّي إِلَى الخروج عن المقصود بالآيات.
__________
1 في الأصل و"ط": "الماضون".
2 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب المغازي، باب منه، 7/ 319/ رقم 4011" مختصرًا، وأخرجه مطولًا عبد الرزاق في "المصنف" "9/ 240-242/ رقم 17076"، وابن شبة في "تاريخ المدينة" "3/ 842-849"، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" "5/ 56"، والبيهقي في "الكبرى" "8/ 315-316" بأسانيد وألفاظ، وكذا ساقه الجصاص في "أحكام القرآن" "4/ 128-129"، وابن الأثير في "أسد الغابة" "4/ 199"، وابن عبد البر في "الاستيعاب" "3/ 248"، وابن حجر في "الإصابة" "3/ 220"، والنويري في "نهاية الأرب" "19/ 364"، والمحب الطبري في "الرياض النضرة" "2/ 45" بنحوه.
3 نحوه في "أحكام القرآن" "4/ 128" للجصاص، وعزاه المصنف في "الاعتصام" "2/ 527, ط ابن عفان" للقاضي إسماعيل.
(4/151)

وَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ؛ فَقَالَ: تَرَكْتُ فِي الْمَسْجِدِ رَجُلًا يُفَسِّرُ الْقُرْآنَ بِرَأْيِهِ، يُفَسِّرُ هَذِهِ الْآيَةَ {يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} [الدُّخَانِ: 10] ؛ قَالَ: يَأْتِي النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دُخَانٌ، فيأخذ بأنفاسهم، حتى يأخذهم [منه] كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ. فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "مَنْ عَلِمَ عِلْمًا فَلْيَقُلْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ: اللَّهُ أَعْلَمُ؛ فَإِنَّ مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ: اللَّهُ أَعْلَمُ، إِنَّمَا كَانَ هَذَا لِأَنَّ قُرَيْشًا اسْتَعْصَوْا عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دَعَا عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ فَأَصَابَهُمْ قَحْطٌ وَجَهْدٌ حَتَّى أَكَلُوا الْعِظَامَ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنَ الْجَهْدِ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} الآية [الدخان: 10] ... " إلى آخر القصة1.
وهذا شَأْنُ أَسْبَابِ النُّزُولِ فِي التَّعْرِيفِ بِمَعَانِي الْمُنَزَّلِ، بِحَيْثُ لَوْ فُقِدَ ذِكْرُ السَّبَبِ؛ لَمْ يُعْرَفْ مِنَ الْمُنَزَّلِ مَعْنَاهُ عَلَى الْخُصُوصِ، دُونَ تَطَرُّقِ الِاحْتِمَالَاتِ وَتَوَجُّهِ الْإِشْكَالَاتِ، وَقَدْ قَالَ, عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ" 2، مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَقَدْ قَالَ فِي خُطْبَةٍ خطبها: "والله؛ لقد
__________
1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب التفسير، باب سورة الروم، 8/ 511/ رقم 4774، وباب {يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيم} ، 8/ 571/ رقم 4821، وباب {رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُون} , 8/ 573/ رقم 4822, وباب {أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ} ، 8/ 573/ رقم 4823"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب الدخان، 4/ 2155-2157/ رقم 2798" عن ابن مسعود به.
2 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عبد الله بن مسعود، 7/ 102/ رقم 3760، وكتاب مناقب الأنصار، باب مناقب أبي بن كعب، 7/ 126/ رقم 3808، وكتاب فضائل القرآن، باب القراء مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 9/ 46/ رقم 4999"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عبد الله بن مسعود وأمه -رضي الله تعالى عنهما- 4/ 1913/ رقم 2464" عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا.
(4/152)

عَلِمَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنِّي مِنْ أَعْلَمِهِمْ بِكِتَابِ اللَّهِ"1، وَقَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: "وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ؛ مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ أَيْنَ أُنْزِلَتْ، وَلَا أُنْزِلَتْ آيَةٌ مِنْ كتاب الله إلا [و] أنا أعلم فيما أُنْزِلَتْ, وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي تَبْلُغُهُ الْإِبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ"2، وَهَذَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّ عِلْمَ الْأَسْبَابِ مِنَ الْعُلُومِ الَّتِي يَكُونُ الْعَالِمُ بِهَا عَالِمًا بِالْقُرْآنِ.
وَعَنِ الْحَسَنِ؛ أَنَّهُ قَالَ: "مَا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةً؛ إِلَّا وهو يحب أن يعلم فيما أُنْزِلَتْ وَمَا أَرَادَ بِهَا"3، وَهُوَ نَصٌّ فِي الْمَوْضِعِ مُشِيرٌ إِلَى التَّحْرِيضِ عَلَى تَعَلُّمِ عِلْمِ الْأَسْبَابِ.
وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ؛ قَالَ: "سَأَلْتُ عُبَيْدَةَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ؛ فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ، وعليك بالسداد؛ فقد ذهب الذين يعلمون فيما أُنْزِلَ الْقُرْآنُ"4.
وَعَلَى الْجُمْلَةِ؛ فَهُوَ ظَاهِرٌ بِالْمُزَاوَلَةِ لعلم التفسير.
__________
1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب فضائل القرآن، باب القراء مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 9/ 46-47/ رقم 5000"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عبد الله بن مسعود وأمه, رضي الله تعالى عنهما 4/ 1912/ رقم 4262"، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" "2/ 343-344"، وابن شبة في "تاريخ المدينة" "3/ 1007"، والنسائي في "فضائل القرآن" "رقم 22"، وابن أبي داود في "المصاحف" "ص22-23".
2 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب فضائل القرآن، باب القراء مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 9/ 47/ رقم 5002"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عبد الله بن مسعود وأمه, رضي الله تعالى عنهما 4/ 1913/ رقم 2463"، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" "2/ 342"، وابن أبي داود في "المصاحف" "23-24"، وابن جرير في "التفسير" "1/ 80/ رقم 83"، والخطيب في "الرحلة" "94-95".
وما بين المعقوفتين سقط من الأصل وفي النسخ المطبوعة: "فيم أنزلت".
3 أخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" "ص42".
4 أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" "1/ 185/ رقم 44, ط الجديدة"، وابن أبي شيبة في "المصنف" "10/ 511"، وأبو عبيد في "فضائل القرآن" "رقم 830"، وابن جرير في "التفسير" "1/ 86/ رقم 97"، والبيهقي في "الشعب" "5/ 230/ رقم 2085"، والواحدي في "أسباب النزول" "4-5"- وذكره السيوطي عنه في "الإتقان" "1/ 41"، و"لباب النقول" "13"-، وبعض أسانيده صحيحة على شرط الشيخين.
(4/153)

فَصْلٌ:
وَمِنْ ذَلِكَ مَعْرِفَةُ عَادَاتِ الْعَرَبِ فِي أَقْوَالِهَا وَأَفْعَالِهَا وَمَجَارِي أَحْوَالِهَا حَالَةَ التَّنْزِيلِ، وَإِنْ لم يكن ثم سبب خاص لا بد لِمَنْ أَرَادَ الْخَوْضَ فِي عِلْمِ الْقُرْآنِ مِنْهُ، وَإِلَّا وَقَعَ فِي الشُّبَهِ وَالْإِشْكَالَاتِ الَّتِي يُتَعَذَّرُ الْخُرُوجُ مِنْهَا إِلَّا بِهَذِهِ الْمَعْرِفَةِ، وَيَكْفِيكَ [مِنْ ذَلِكَ] 1 مَا تَقَدَّمَ2 بَيَانُهُ فِي النَّوْعِ الثَّانِي مِنْ كِتَابِ الْمَقَاصِدِ؛ فَإِنَّ فِيهِ مَا يُثْلِجُ الصدر ويورث اليقين في هذا المقام، ولا بد مِنْ ذِكْرِ أَمْثِلَةٍ تُعِينُ عَلَى فَهْمِ الْمُرَادِ وَإِنْ كَانَ مَفْهُومًا:
أَحَدُهَا: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [الْبَقَرَةِ: 196] ؛ فَإِنَّمَا أَمَرَ بِالْإِتْمَامِ دُونَ الْأَمْرِ بِأَصْلِ الْحَجِّ لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ الْإِسْلَامِ آخِذِينَ بِهِ، لَكِنْ عَلَى تَغْيِيرِ بَعْضِ الشَّعَائِرِ، وَنَقْصِ جُمْلَةٍ مِنْهَا؛ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا غَيَّرُوا، فَجَاءَ الْأَمْرُ بِالْإِتْمَامِ لِذَلِكَ، وَإِنَّمَا جَاءَ إِيجَابُ الْحَجِّ نَصًّا فِي قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آلِ عِمْرَانَ: 97] ، وَإِذَا عُرِفَ هَذَا؛ [تَبَيَّنَ] 3 هَلْ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى إِيجَابِ الْحَجِّ أَوْ إِيجَابِ الْعُمْرَةِ4، أَمْ لَا؟
وَالثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [الْبَقَرَةِ: 286] ، نُقِلَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ ذَلِكَ فِي الشِّرْكِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ؛
__________
1 وما بين المعقوفتين زيادة من الأصل و"ط"، وسقط من النسخ المطبوعة.
2 وهو أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي فَهْمِ الشَّرِيعَةِ مِنِ اتباع معهود العرب. "د".
3 بدلها في "ط": "علم بيسر".
4 انظر: "الذخيرة" "3/ 181، 373-374, ط دار الغرب"، و"أحكام القرآن" "1/ 118-119" لابن العربي.
(4/154)

فَيُرِيدُ أَحَدُهُمُ التَّوْحِيدَ، فيُهمّ فَيُخْطِئُ بِالْكُفْرِ؛ فَعَفَا لَهُمْ عَنْ ذَلِكَ كَمَا عَفَا لَهُمْ عَنِ النُّطْقِ بِالْكُفْرِ عِنْدَ الْإِكْرَاهِ، قَالَ: "فَهَذَا عَلَى الشِّرْكِ، لَيْسَ عَلَى الْأَيْمَانِ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، لَمْ تَكُنِ الْأَيْمَانُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فِي زَمَانِهِمْ".
وَالثَّالِثُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النَّحْلِ: 50] ، {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16] وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ، إِنَّمَا جَرَى عَلَى مُعْتَادِهِمْ فِي اتِّخَاذِ الْآلِهَةِ فِي الْأَرْضِ، وَإِنْ كَانُوا مُقِرِّينَ بِإِلَهِيَّةِ الْوَاحِدِ الْحَقِّ؛ فَجَاءَتِ الْآيَاتُ بِتَعْيِينِ الْفَوْقِ وَتَخْصِيصِهِ تَنْبِيهًا عَلَى نَفْيِ مَا ادَّعَوْهُ فِي الْأَرْضِ؛ فَلَا يَكُونُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إِثْبَاتِ جِهَةٍ أَلْبَتَّةَ1؛ وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ} 2 [النَّحْلِ: 26] ؛ فَتَأَمَّلْهُ، وَاجْرِ عَلَى هَذَا الْمَجْرَى فِي سَائِرِ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ.
وَالرَّابِعُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} [النَّجْمِ: 49] 3؛ فَعَيَّنَ هَذَا الْكَوْكَبَ لِكَوْنِ الْعَرَبِ عَبَدَتْهُ، وَهُمْ خُزَاعَةُ، ابْتَدَعَ ذَلِكَ لَهُمْ أَبُو كَبْشَةَ، وَلَمْ تَعْبُدِ الْعَرَبُ مِنَ الْكَوَاكِبِ غَيْرَهَا؛ فَلِذَلِكَ عُيِّنَتْ.
فَصْلٌ:
وَقَدْ يُشَارِكُ الْقُرْآنَ فِي هَذَا الْمَعْنَى السُّنَّةُ، إِذْ كَثِيرٌ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَقَعَتْ عَلَى أَسْبَابٍ، وَلَا يَحْصُلُ فَهْمُهَا إِلَّا بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ، ومنه أنه نهى عليه الصلاة
__________
1 قارنه لزامًا بما عند ابن تيمية في "نقض تأسيس الجهمية" "1/ 520"، و"التدمرية" "ص45"، وانظر أيضًا: "مختصر العلو" "286-287"، و"البيهقي وموقفه من الإلهيات" "353"، وكتابنا: "الردود والتعقبات" "ص168-170".
2 أي: فليست الفوقية لتخصيص الجهة؛ لأن السقف لا يكون إلا فوق، إنما ذلك ذكر للمعهود فيه. "د". قلت: انظر الهامش السابق.
3 قال العلماء: إن هذا النجم قطره عشرة أمثال قطر كوكب الشمس؛ فهو أكبر ما عرفه العرب من الكواكب فعبدوه. "د".
(4/155)

وَالسَّلَامُ عَنِ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ، فلما كان بعد ذلك؛ قيل [له] : لَقَدْ كَانَ النَّاسُ يَنْتَفِعُونَ بِضَحَايَاهُمْ، وَيَحْمِلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ1، وَيَتَّخِذُونَ مِنْهَا الْأَسْقِيَةَ. فَقَالَ: "وَمَا ذَاكَ؟ ". قَالُوا: نَهَيْتَ عَنْ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ. فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ عَلَيْكُمْ؛ فَكُلُوا، وَتَصَدَّقُوا، وَادَّخِرُوا" 2.
وَمِنْهُ حَدِيثُ3 التَّهْدِيدِ بِإِحْرَاقِ الْبُيُوتِ لِمَنْ تَخَلَّفَ عَنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ؛ فَإِنَّ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ يُبَيِّنُ أَنَّهُ [مُخْتَصٌّ] بِأَهْلِ4 النِّفَاقِ، بِقَوْلِهِ: "وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ"5.
وَحَدِيثُ: "الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" 6 وَاقِعٌ عَنْ7 سبب، وهو أنهم لما أمروا
__________
1 بفتحتين: دسم اللحم ودهنه الذي يستخرج منه. "ف".
2 أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام وبيان نسخه وإباحته إلى متى شاء، 3/ 1651/ رقم 1971" عن عبد الله بن واقد -رضي الله عنه- مرفوعًا.
قال "ف" في معنى "الدافة": "بتشديد الفاء: قوم يسيرون جماعة سيرًا ليس بالشديد، يريد أنهم قدموا المدينة عيد الأضحى؛ فنهاهم عن ادخار لحوم الأضاحي ليفرقوها ويتصدقوا بها وينتفع أولئك القادمون بها؛ فالنهي لسبب خاص إذا لم يوجد جاز الأكل والتصدق والادخار؛ كما جاء في الحديث" ا. هـ.
3 مضى تخريجه "ص110".
4 كذا في "ط"، وفي "د": "أنه بأهل"، وفي غيرهما: "أنه من أهل".
5 أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب صلاة الجماعة من سنن الهدي، 1/ 453/ رقم 654" عن ابن مسعود؛ قال: "لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق قد علم نفاقه، أو مريض". وفي لفظ: "ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق".
6 مضى تخريجه "1/ 459"، وهو في "الصحيحين"؛ إلا أن سبب الورود الذي ذكره =
7 في "ط": "على".
(4/156)

بِالْهِجْرَةِ هَاجَرَ نَاسٌ لِلْأَمْرِ، وَكَانَ فِيهِمْ رَجُلٌ هَاجَرَ بِسَبَبِ امْرَأَةٍ أَرَادَ نِكَاحَهَا تُسَمَّى أُمُّ قَيْسٍ، وَلَمْ يَقْصِدْ مُجَرَّدَ الْهِجْرَةِ لِلْأَمْرِ؛ فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يُسَمَّى: مُهَاجِرَ أُمِّ قَيْسٍ, وَهُوَ كثير1.
__________
= المصنف لا صلة له بهذا الحديث، خلافًا لما هو مشهور، وقد وقع فيه ابن دقيق العيد في "الإحكام" "1/ 79-81"، ونبه على هذا الخطأ ابن رجب؛ فقال في "جامع العلوم والحكم" "1/ 74-75": "وقد اشتهر أن قصة مهاجر أم قيس هي كانت سبب قول النبي, صلى الله عليه وسلم: "من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها"، وذكر ذلك كثير من المتأخرين في كتبهم، ولم نر لذلك أصلًا بإسناد صحيح، والله أعلم"، وقال ابن حجر في "الفتح" "1/ 10": "لكن ليس فيه أن حديث الأعمال سيق بسبب ذلك، ولم أر في شيء من الطرق ما يقتضي التصريح بذلك".
وقد أخرج سعيد بن منصور في "سننه"، ومن طريقه الطبراني في "الكبير" "رقم 8540" عن الأعمش عن شقيق؛ قال: خطب أعرابي من الحي امرأة يقال لها: أم قيس، فأبت أن تزوجه حتى يهاجر، فهاجر فتزوجته، فكنا نسميه مهاجر أم قيس. قال: فقال عبد الله, يعني ابن مسعود: "من هاجر يبتغي شيئًا؛ فهو له". وإسناده صحيح على شرط الشيخين؛ كما قال ابن حجر.
وهذا السياق يقتضي أن هذا لم يكن في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وإنما كان في عهد ابن مسعود، ولكن روي من طريق سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود؛ قال: كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها: أم قيس، فأبت أن تزوجه حتى يهاجر، فهاجر فتزوجها؛ فكنا نسميه مهاجر أم قيس. قال ابن مسعود: "من هاجر لشيء؛ فهو له"، ورجاله ثفات؛ كما في "طرح التثريب" "2/ 25"، وعلى فرض ثبوت ذلك؛ فليس فيه أنه سبب ورود حديث عمر: "إنما الأعمال بالنيات"، ومنه تعلم القصور في صنيع المصنف، والله الموفق.
وانظر: "شرح شاكر لألفية السيوطي" "ص214".
1 اعتنى بمفردات "أسباب الورود": ابن حمزة الحسيني في كتابه "البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف"، وقبله السيوطي في "اللمع في أسباب ورود الحديث"، وكلاهما مطبوع، وللبلقيني في "محاسن الاصطلاح" "633 وما بعدها" كلام جيد نحو ما عند المصنف، وانظر "أسباب ورود الحديث, تحليل وتأسيس" لمحمد رأفت سعيد "كتاب الأمة، رقم 37، ص102 وما بعدها"، ولصديقنا الشيخ طارق الأسعد دراسة مسهبة قيد الإعداد بعنوان: "علم أسباب ورود الحديث، ومنزلته في تفسير النصوص الشرعية، ومجال تطبيقه عند المحدثين والأصوليين"، وانظر في فائدة عيان النص: "الناسخ والمنسوخ" "2/ 163" لابن العربي، وفي ضرورة معرفة أسباب الورود أيضًا: "مسألة تخصيص العام بالسبب" "ص28-30".
(4/157)

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ:
كُلُّ حِكَايَةٍ وَقَعَتْ فِي الْقُرْآنِ؛ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَقَعَ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا1 وَهُوَ الْأَكْثَرُ رَدٌّ لَهَا، أَوْ لَا فَإِنْ وَقَعَ رَدٌّ؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي بُطْلَانِ ذَلِكَ الْمَحْكِيِّ وَكَذِبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقَعْ مَعَهَا رَدٌّ؛ فَذَلِكَ دَلِيلُ صِحَّةِ الْمَحْكِيِّ وَصِدْقِهِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَظَاهِرٌ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى بُرْهَانٍ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} [الْأَنْعَامِ: 91] .
فَأَعْقَبَ بِقَوْلِهِ: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى} الْآيَةَ [الْأَنْعَامِ: 91] .
وَقَالَ: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا} الْآيَةَ [الْأَنْعَامِ: 136] .
فَوَقَعَ التَّنْكِيتُ عَلَى افْتِرَاءِ مَا زَعَمُوا بقوله: {بِزَعْمِهِمْ} ، وَبِقَوْلِهِ: {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الْأَنْعَامِ: 136] .
ثُمَّ قَالَ: {وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ} [الْأَنْعَامِ: 138] إِلَى تَمَامِهِ.
وَرُدَّ بِقَوْلِهِ: {سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُون} [الْأَنْعَامِ: 138] .
ثُمَّ قَالَ: {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ} الآية [الأنعام: 139] .
__________
1 أو قبلها وبعدها معًا، كما في آية: {أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ} [يونس: 66] مع قوله: {سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [يونس: 68] ، ولا يكون الشريك ولا الولد مملوكًا. "د".
(4/158)

فَنَبَّهَ عَلَى فَسَادِهِ بِقَوْلِهِ: {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ} [الْأَنْعَامِ: 139] زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} [الْفَرْقَانِ: 4] .
فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: {فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا} [الْفَرْقَانِ: 4] .
ثُمَّ قَالَ: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} الْآيَةَ [الْفَرْقَانِ: 5] .
فَرَدَّ بِقَوْلِهِ: {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ} الْآيَةَ [الْفَرْقَانِ: 6] .
ثُمَّ قَالَ: {وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} [الفرفان: 8] .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا} [الْفَرْقَانِ: 9] .
وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ، أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا ... } إلى قوله: {أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا} [ص: 4-8] .
ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي} [ص: 8] .
إِلَى آخِرِ مَا هُنَالِكَ.
وَقَالَ: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} [الْبَقَرَةِ: 116، وَغَيْرِهَا] .
ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِأَوْجُهٍ كَثِيرَةٍ ثَبَتَتْ فِي أَثْنَاءِ الْقُرْآنِ؛ كَقَوْلِهِ: {بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُون} [الْأَنْبِيَاءِ: 26] .
وَقَوْلِهِ: {بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الْبَقَرَةِ: 116] .
وَقَوْلِهِ: {سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ} الْآيَةَ [يُونُسَ: 68] .
(4/159)

وَقَوْلِهِ: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ} 1 [مَرْيَمَ: 90] إِلَى آخِرِهِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ.
وَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَأَحْضَرَهُ فِي ذِهْنِهِ عَرَفَ هَذَا بِيُسْرٍ.
وَأَمَّا الثَّانِي؛ فَظَاهِرٌ أَيْضًا، وَلَكِنَّ الدَّلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ مِنْ نَفْسِ الْحِكَايَةِ وَإِقْرَارِهَا، فَإِنَّ الْقُرْآنَ سُمِّيَ فُرْقَانًا، وَهُدًى، وَبُرْهَانًا، وَبَيَانًا، وَتِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى الْخَلْقِ عَلَى الْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيلِ وَالْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَأْبَى أَنْ يُحْكَى فِيهِ مَا لَيْسَ بِحَقٍّ ثُمَّ لَا يُنَبَّهُ عَلَيْهِ.
وَأَيْضًا2؛ فَإِنَّ جَمِيعَ مَا يُحْكَى فِيهِ مِنْ شَرَائِعِ الْأَوَّلِينَ وَأَحْكَامِهِمْ، وَلَمْ يُنَبَّهْ عَلَى إِفْسَادِهِمْ وَافْتِرَائِهِمْ فِيهِ؛ فَهُوَ حَقٌّ يُجْعَلُ عُمْدَةً عِنْدَ طَائِفَةٍ فِي شَرِيعَتِنَا، وَيَمْنَعُهُ قَوْمٌ، لَا مِنْ جِهَةِ قَدْحٍ فِيهِ، وَلَكِنْ مِنْ جِهَةِ أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ ذَلِكَ؛ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ وَصِدْقٌ كَشَرِيعَتِنَا، وَلَا يَفْتَرِقُ مَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِحُكْمِ النَّسْخِ فَقَطْ، وَلَوْ نَبَّهَ عَلَى أَمْرٍ فِيهِ لَكَانَ فِي حُكْمِ التَّنْبِيهِ عَلَى الْأَوَّلِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: 75] .
وقوله: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِه ِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا
__________
1 "وتنشق الأرض" سقط من الأصل.
2 هذا نوع آخر غير ما ذكر في صدر المسألة؛ فإن الأول ليس من الشرائع، وهذا من الشرائع، وما في حكمها وما دخل عليها من تحريف وغير ذلك؛ فهو معطوف على قوله: "كل حكاية ... إلخ"، ويحتمل أن يكون دليلًا على الثاني، ويؤيده قوله بعد: "ولو نبه على أمر فيه ... إلخ"، وقوله: "فصار هذا من النمط الأول"، ويكون قوله أولًا: "كل حكاية" أعم مما يتعلق بالشرائع والقصص. "د".
قلت: انظر في هذا "كشف الأسرار" "3/ 933-936"، و"أصول التشريع الإسلامي" "ص27، 28" لعلي حسب الله، و"أفعال الرسول, صلى الله عليه وسلم" "2/ 155-156" للأشقر.
(4/160)

فَخُذُوهُ} 1 الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ: 41] .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ} 2 [النِّسَاءِ: 46] ؛ فَصَارَ هَذَا مِنَ النَّمَطِ الْأَوَّلِ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا الْقِسْمِ جَمِيعُ مَا حُكِيَ عَنِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ مِمَّا كَانَ حَقًّا؛ كَحِكَايَتِهِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ، وَمِنْهُ قِصَّةُ ذِي الْقَرْنَيْنِ، وَقِصَّةُ الْخَضِرِ مَعَ مُوسَى, عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقِصَّةُ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ.
فَصْلٌ:
وَلِاطِّرَادِ هَذَا الْأَصْلِ اعْتَمَدَهُ النُّظَّارُ3؛ فَقَدِ اسْتَدَلَّ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِالْفُرُوعِ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ} 4 الْآيَةَ [الْمُدَّثِّرِ: 43-44] ؛ إِذْ لَوْ كَانَ قَوْلُهُمْ بَاطِلًا لَرُدَّ عِنْدَ حِكَايَتِهِ.
وَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا حَكَى مِنْ قَوْلِهِمْ أَنَّهُمْ: {ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} [الْكَهْفِ: 22] ، وَأَنَّهُمْ: {خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ} [الْكَهْفِ: 22] ، أَعْقَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {رَجْمًا بِالْغَيْبِ} [الْكَهْفِ: 22] ؛ أَيْ: لَيْسَ لَهُمْ دَلِيلٌ وَلَا عِلْمٌ غَيْرُ اتِّبَاعِ الظَّنِّ، وَرَجْمُ الظُّنُونِ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا، وَلَمَّا حَكَى قَوْلَهُمْ: {سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} [الْكَهْفِ: 22] ؛ لَمْ يُتْبِعْهُ بِإِبْطَالٍ بَلْ قَالَ: {قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ} [الْكَهْفِ: 22] ؛ دَلَّ الْمَسَاقُ عَلَى صِحَّتِهِ دُونَ القولين الأولين.
__________
1 في النسخ المطبوعة: "عن مواضعه"، وهو خطأ.
2 في النسخ المطبوعة: "من بعد مواضعه"، وهو خطأ.
3 في "ط": " ... الفصل اعتمده الناظر ... ".
4 أي: فقد سلم تعليلهم ودخولهم بهذا. "د".
(4/161)

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "أَنَا مِنْ ذَلِكَ الْقَلِيلِ الَّذِي يَعْلَمُهُمْ"1.
وَرَأَيْتُ مَنْقُولًا عَنْ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ2 أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ, عَلَيْهِ السَّلَامُ: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} [الْبَقَرَةِ: 260] ؛ فَقِيلَ لَهُ: أَكَانَ شَاكًّا حِينَ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ آيَةً؟ فَقَالَ: لَا، إنما كَانَ طَلَبُ زِيَادَةِ إِيمَانٍ إِلَى إِيمَانٍ3، أَلَا تَرَاهُ قَالَ: {أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى} [الْبَقَرَةِ: 260] ، فلو عمل شَكًّا مِنْهُ لَأَظْهَرَ4 ذَلِكَ؛ فَصَحَّ أَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ كَانَتْ عَلَى مَعْنَى الزِّيَادَةِ فِي الْإِيمَانِ.
بِخِلَافِ مَا حَكَى اللَّهُ عَنْ قَوْمٍ مِنَ الْأَعْرَابِ فِي قَوْلِهِ: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا} [الْحُجُرَاتِ: 14] ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ5: {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا
__________
1 أخرجه الطبراني في "الأوسط" -كما في "مجمع الزوائد" "7/ 53"-، والواحدي في "الوسيط" "3/ 142" بإسناد ضعيف فيه يحيى بن أبي روق، وقد صححه المناوي في "الفتح السماوي" "2/ 793"؛ فأخطأ، وأخرجه من طرق أخرى عنه عبد الرزاق في "التفسير" "2/ 400"، والواحدي في "الوسيط" "3/ 143"، وابن جرير في "التفسير" "15/ 226-227"، والفريابي -كما في "الدر المنثور" "5/ 375"-، وصححه ابن كثير في "تفسيره" "3/ 83".
2 المذكور في "تفسيره" "ص27" المطبوع سنة "1326هـ-1908م" بمطبعة السعادة بمصر.
3 في "تفسير سهل": "طالبًا زيادة يقين إلى إيمان كان معه، فسأل كشف غطاء العين بعيني رأسه ليزداد بنور اليقين يقينًا في قدرة الله، وتمكينًا في خلقه، ألا تراه ... ".
4 أي: لنبه الله إليه كما هو الشأن في الكتاب. "د".
قلت: عبارة سهل في "تفسيره" "ص27" تدل على هذا المعنى، وتصرف بها المصنف، وهذا نصها: "فلو كان شاكًّا لم يجب ببلى، ولو علم الله منه الشك وهو أخبر ببلى وستر شكه لكشف الله تعالى ذلك؛ إذ كان مثله مما لا يخفى عليه؛ فصح أن طلب طمأنينته كان على معنى طلب الزيادة في يقينه".
5 في "ف" و"م": "بقولهم"، وهو خطأ.
(4/162)

وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الْحُجُرَاتِ: 14] .
وَمَنْ تَتَبَّعَ مَجَارِيَ الْحِكَايَاتِ فِي الْقُرْآنِ عَرَفَ مَدَاخِلَهَا، وَمَا هُوَ مِنْهَا حَقٌّ مِمَّا هُوَ بَاطِلٌ.
فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} [الْمُنَافِقُونَ: 1] إِلَى آخِرِهَا فَإِنَّ هَذِهِ الْحِكَايَةَ مَمْزُوجَةُ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ فَظَاهِرُهَا حَقٌّ وَبَاطِنُهَا كَذِبٌ، مِنْ حَيْثُ كَانَ إِخْبَارًا عَنِ الْمُعْتَقَدِ وَهُوَ غَيْرُ مُطَابِقٍ؛ فَقَالَ تَعَالَى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} [الْمُنَافِقُونَ: 1] تَصْحِيحًا لِظَاهِرِ الْقَوْلِ، وَقَالَ: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [الْمُنَافِقُونَ: 1] إِبْطَالًا لِمَا قَصَدُوا بِهِ.
وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} الْآيَةَ [الزُّمَرِ: 67] ، وَسَبَبُ نُزُولِهَا مَا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: مَرَّ يَهُودِيٌّ بِالنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ: "حَدِّثْنَا يَا يَهُودِيُّ". فَقَالَ: كَيْفَ تَقُولُ يَا أبا القاسم إذا وضع الله السموات عَلَى ذِهْ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى ذِهْ، وَالْمَاءَ عَلَى ذِهْ، وَالْجِبَالَ عَلَى ذِهْ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى ذِهْ؟ وَأَشَارَ الرَّاوِي بِخِنْصَرِهِ أَوَّلًا، ثُمَّ تَابَعَ حَتَّى بَلَغَ الْإِبْهَامَ, فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الزُّمَرِ: 67] 1.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: جَاءَ يَهُودِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السموات عَلَى أُصْبُعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى أُصْبُعٍ، وَالْجِبَالَ عَلَى أصبع،
__________
1 أخرجه الترمذي في "جامعه" "أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة الزمر، 5/ 371/ رقم 3240", وفيه: "يا يهودي! حدثنا ... "، و"الأرض"، وابن خزيمة في "التوحيد" "78"، وأحمد في "المسند" "1/ 151"، وابن جرير في "التفسير" "14/ 26"، وإسناده ضعيف، فيه عطاء بن السائب، وهو مختلط.
وفي الباب عن ابن مسعود في "الصحيحين" وغيرهما، وسيأتي.
(4/163)

وَالْخَلَائِقَ عَلَى أُصْبُعٍ، ثُمَّ يَقُولُ: "أَنَا الْمَلِكُ". فَضَحِكَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ قَالَ: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} 1 [الزمر: 67] .
وفي رواية: فضحك النبي -صلى الله عليه وسلم- تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا2.
وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ كَأَنَّهُ مُفَسِّرٌ لِهَذَا، وَبِمَعْنَاهُ يَتَبَيَّنُ مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الزُّمَرِ: 67] ؛ فَإِنَّ الْآيَةَ بَيَّنَتْ أَنَّ كَلَامَ الْيَهُودِيِّ حَقٌّ فِي الْجُمْلَةِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزُّمَرِ: 67] ، وَأَشَارَتْ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَأَدَّبْ مَعَ الرُّبُوبِيَّةِ، وَذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَعْنَى الْأَصَابِعِ بِأَصَابِعِ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلتَّنْزِيهِ لِلْبَارِي سُبْحَانَهُ؛ فَقَالَ: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الزُّمَرِ: 67] . وَقَالَ تَعَالَى: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} [التَّوْبَةِ: 61] ؛ أَيْ: يسمع الحق والباطل، فرد
__________
1 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب التفسير، باب {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} ، 8/ 550-551/ رقم 4811، وكتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي} , 13/ 393/ رقم 7414، 7415، وباب قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا} ، 13/ 438/ رقم 7451، وباب كلام الرب -عز وجل- يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم، 13/ 474/ رقم 7513"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب منه، 4/ 2147/ رقم 2786"، والترمذي في "جامعه" "أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة الزمر، 5/ 371/ رقم 3238" والمذكور لفظه، والنسائي في "الكبرى" "كتاب التفسير، 2/ 236-237/ رقم 270-471، وكتاب النعوت" -كما في "التحفة" "رقم 9404"- عن ابن مسعود, رضي الله عنه.
2 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي} ، 13/ 393/ رقم 7414"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب صفة القيامة والجنة والنار، 4/ 2147/ رقم 2786"، والنسائي في "الكبرى" "كتاب التفسير، رقم 470"، والترمذي في "الجامع" "أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة الزمر، 5/ 371/ رقم 3239" عن ابن مسعود, رضي الله عنه.
(4/164)

الله عليهم فيما هو باطل، وأحق؛ فَقَالَ: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُم} ، [ {وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ} ] الْآيَةَ [التَّوْبَةِ: 61] وَلَمَّا قَصَدُوا الْإِذَايَةَ بِذَلِكَ الْكَلَامِ قَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التَّوْبَةِ: 61] .
وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ} [يس: 47] ؛ فَهَذَا مَنْعُ امْتِنَاعٍ عَنِ الْإِنْفَاقِ بِحُجَّةِ قَصْدِهِمْ فِيهَا الِاسْتِهْزَاءِ؛ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [يس: 47] ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَيْدٌ عَنِ امْتِثَالِ الْأَمْرِ، وَجَوَابُ {أَنْفِقُوا} أَنْ يُقَالَ: نَعَمْ أَوْ لَا، وَهُوَ الِامْتِثَالُ أَوِ الْعِصْيَانُ، فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى الِاحْتِجَاجِ عَلَى الِامْتِنَاعِ بِالْمَشِيئَةِ الْمُطْلَقَةِ الَّتِي لَا تُعَارَضُ؛ انْقَلَبَ1 عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَعْرِفُوا؛ إِذْ حَاصِلُهُ أَنَّهُمُ اعْتَرَضُوا عَلَى الْمَشِيئَةِ الْمُطْلَقَةِ؛ بِالْمَشِيئَةِ2 الْمُطْلَقَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ شَاءَ أَنْ يُكَلِّفَهُمُ الْإِنْفَاقَ، فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا: كَيْفَ3 يَشَاءُ الطَّلَبُ مِنَّا وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُطْعِمَهُمْ لِأَطْعَمَهُمْ؟ وَهَذَا عَيْنُ الضَّلَالِ فِي نَفْسِ الْحُجَّةِ.
وَقَالَ تَعَالَى: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ ... } إِلَى قَوْلِهِ: {وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الْأَنْبِيَاءِ: 78] ؛ فَقَوْلُهُ: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الْأَنْبِيَاءِ: 79] تَقْرِيرٌ لِإِصَابَتِهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ، وَإِيمَاءٌ إِلَى خِلَافِ ذَلِكَ فِي دَاوُدَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- لَكِنْ لَمَّا كان المجتهد معذورًا مأجورًا بعد بذله
__________
1 أي: حيث إن المشيئة الإلهية لا تعارض، فكان يجب الامتثال وعدم المعارضة فيها؛ فانقلبت الحجة عليهم لأنهم عارضوها فلم يمتثلوا مشيئة الطلب الموجه إليهم، وهذا على أن قوله: "إن أنتم" موجه إليهم من قبل الله أو المؤمنين، أما إذا كان موجهًا منهم إلى المؤمنين يخطئونهم في طلب النفقة على فقراء المسلمين أقاربهم على طريق الاستهزاء؛ أي: ما لكم تقولون: إن الله يرزق من يشاء ثم تطلبون النفقة منا؟ فهذا تناقض، وهو غاية الضلال؛ فلا يكون من هذا الباب. "د".
2 على حد قولهم: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا} [الأنعام: 148] . "د".
3 وتوجيه هذا يتمكن منه بمراجعة الفخر الرازي [26/ 74] في الآية: "د".
(4/165)

الْوُسْعَ؛ قَالَ: {وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الْأَنْبِيَاءِ: 79] ، وَهَذَا مِنَ الْبَيَانِ الْخَفِيِّ1 فِيمَا نَحْنُ فِيهِ.
قَالَ الْحَسَنُ: "وَاللَّهِ لَوْلَا مَا ذَكَرَ اللَّهُ مِنْ أَمْرِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ؛ لَرَأَيْتُ أَنَّ الْقُضَاةَ قَدْ هَلَكُوا، فَإِنَّهُ أَثْنَى عَلَى هَذَا بِعِلْمِهِ، وَعَذَرَ هَذَا بِاجْتِهَادِهِ"2.
وَالنَّمَطُ هُنَا يَتَّسِعُ، وَيَكْفِي مِنْهُ مَا ذُكِرَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
فَصْلٌ:
وَلِلسُّنَّةِ مَدْخَلٌ فِي هَذَا الْأَصْلِ؛ فَإِنَّ الْقَاعِدَةَ الْمُحَصَّلَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- لَا يَسْكُتُ عَمَّا يَسْمَعُهُ أَوْ يَرَاهُ مِنَ الْبَاطِلِ؛ حَتَّى يُغَيِّرَهُ أَوْ يُبَيِّنَهُ إِلَّا إِذَا تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ بُطْلَانُهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُمْكِنُ السُّكُوتُ إِحَالَةً عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْبَيَانِ فِيهِ، وَالْمَسْأَلَةُ مَذْكُورَةٌ في الأصول3.
__________
1 لأنه لم يصرح بخطأ داود، إنما يفهم من قصر التفهيم على سليمان. "د".
2 أخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره"؛ كما في "تفسير ابن كثير" "3/ 195-196" نحوه، وذكره عنه القرطبي في "تفسيره" "11/ 309" بنصه وحرفه.
3 في مسألة "إذا علم بفعل ولم ينكره قادرًا على إنكاره؛ فإن كان معتقد كافر؛ فلا أثر لسكوته عنه لما علم أنه منكر له؛ فلا دلالة له على صحته ... إلخ"، راجع "تحرير الأصول". "د".
قلت: وانظر "البحر المحيط" "3/ 488 و4/ 204" للزركشي.
(4/166)

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ:
إِذَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ التَّرْغِيبُ قَارَنَهُ التَّرْهِيبُ فِي لَوَاحِقِهِ أَوْ سَوَابِقِهِ أَوْ قَرَائِنِهِ1 وَبِالْعَكْسِ، وَكَذَلِكَ التَّرْجِيَةُ مَعَ التَّخْوِيفِ، وَمَا يَرْجِعُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى مِثْلُهُ، وَمِنْهُ ذِكْرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ يُقَارِنُهُ ذِكْرُ أَهْلِ النَّارِ، وَبِالْعَكْسِ؛ لِأَنَّ فِي ذِكْرِ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِأَعْمَالِهِمْ تَرْجِيَةٌ، وَفِي ذِكْرِ أَهْلِ النَّارِ بِأَعْمَالِهِمْ تَخْوِيفًا؛ فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى التَّرْجِيَةِ وَالتَّخْوِيفِ.
وَيَدُلُّ عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ عَرْض الْآيَاتِ عَلَى النَّظَرِ؛ فَأَنْتَ تَرَى أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَمْدَ فَاتِحَةَ كِتَابِهِ، وَقَدْ وَقَعَ فِيهِ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الْفَاتِحَةِ: 6-7] إِلَى آخِرِهَا.
فَجِيءَ بِذِكْرِ الفريقين، ثم بُدئت سورة البقرة بذكرهما أيضًا؛ فقيل: {هُدًى لِلْمُتَّقِين} [البقرة: 2] .
ثُمَّ قَالَ: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} [الْبَقَرَةِ: 6] .
ثُمَّ ذُكر بِإِثْرِهِمُ الْمُنَافِقُونَ، وَهُوَ صِنْفٌ مِنَ الْكُفَّارِ، فَلَمَّا تَمَّ ذَلِكَ أَعْقَبَ بِالْأَمْرِ بِالتَّقْوَى، ثُمَّ بِالتَّخْوِيفِ بِالنَّارِ، وَبَعْدَهُ بِالتَّرْجِيَةِ؛ فَقَالَ: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ ... } إِلَى قَوْلِهِ: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا} الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: 24-25] .
ثُمَّ قَالَ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ
__________
1 كما في الآيات المشتملة عليهما معًا، ومن أظهرها في ذلك قوله تعالى في سورة الدهر: {إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ ... } إلى قوله: {فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا} [الإنساء: 5-11] . "د".
(4/167)

آمَنُوا} الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: 26] .
ثُمَّ ذَكَرَ فِي قِصَّةِ آدَمَ مِثْلَ هَذَا، وَلَمَّا ذُكِرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ثُمَّ اعْتِدَائِهِمْ وَكُفْرِهِمْ؛ قِيلَ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا ... } إِلَى قَوْلِهِ: {هُمْ فِيهَا خَالِدُون} [الْبَقَرَةِ: 62-81] .
ثُمَّ ذَكَرَ تَفَاصِيلَ ذَلِكَ الِاعْتِدَاءِ إِلَى أَنْ خَتَمَ بِقَوْلِهِ: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [الْبَقَرَةِ: 102] ، وَهَذَا تَخْوِيفٌ.
ثُمَّ قَالَ: {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ} الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: 103] ، وَهُوَ تَرْجِيَةٌ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي ذِكْرِ مَا كَانَ مِنْ شَأْنِ1 الْمُخَالِفِينَ فِي تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ قَالَ: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: 112] .
ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمُ: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [الْبَقَرَةِ: 121] .
ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَبَنِيهِ، وَذَكَرَ فِي أَثْنَائِهَا التَّخْوِيفَ وَالتَّرْجِيَةَ، وَخَتَمَهَا بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَلَا يَطُولُ عَلَيْكَ زَمَانُ إِنْجَازِ الْوَعْدِ فِي هَذَا الِاقْتِرَانِ؛ فَقَدْ يَكُونُ بَيْنَهُمَا أَشْيَاءُ مُعْتَرِضَةٌ فِي أَثْنَاءِ الْمَقْصُودِ، وَالرُّجُوعُ بَعْدُ إِلَى مَا تقرر.
__________
1 يريد بذلك قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} [البقرة: 106] ، أو قوله: {وَدَّ كَثِير....} إلخ [البقرة: 109] بدليل قوله، ثم قال: بلى من أسلم، والواقع أن آية: {مَا نَنْسَخْ} [البقرة: 106] وما بعدها من ذكر إبراهيم والثناء عليه بأنه إمام للناس، وبنائه للبيت، وتعظيم البيت وبانيه، كل هذا كتوطئة وتمهيد لذكر مَا كَانَ مِنْ شَأْنِ الْمُخَالِفِينَ فِي تَحْوِيلِ القبلة بقوله تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاء ... } إلخ [البقرة: 142] . "د".
(4/168)

وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَهِيَ فِي الْمَكِّيَّاتِ نَظِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الْمَدَنِيَّاتِ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ....} إِلَى قَوْلِهِ: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الْأَنْعَامِ: 1] .
وَذَكَرَ الْبَرَاهِينَ التَّامَّةَ، ثُمَّ أَعْقَبَهَا بِكُفْرِهِمْ وَتَخْوِيفِهِمْ بِسَبَبِهِ، إِلَى أَنْ قَالَ: {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ} [الْأَنْعَامِ: 12] .
فَأَقْسَمَ بِكَتْبِ الرَّحْمَةِ عَلَى إِنْفَاذِ الْوَعِيدِ عَلَى مَنْ خَالَفَ، وَذَلِكَ يُعْطِي التَّخْوِيفَ تَصْرِيحًا، وَالتَّرْجِيَةَ ضِمْنًا.
ثُمَّ قَالَ: {إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الْأَنْعَامِ: 15] ؛ فَهَذَا تَخْوِيفٌ.
وَقَالَ: {مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ} الْآيَةَ [الْأَنْعَامِ: 16] ، وَهَذَا تَرْجِيَةٌ.
وَكَذَا قَوْلُهُ: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ} الْآيَةَ [الْأَنْعَامِ: 17] .
ثُمَّ مَضَى فِي ذِكْرِ التَّخْوِيفِ، حَتَّى قَالَ: {وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الْأَنْعَامِ: 32] .
ثُمَّ قَالَ: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ} [الْأَنْعَامِ: 36] .
وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ} الْآيَةَ [الْأَنْعَامِ: 39] .
ثُمَّ [جَرَى] 1 ذِكْرُ ما يليق بالموطن إلى لأن قَالَ: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ} الْآيَةَ [الْأَنْعَامِ: 48] .
وَاجْرِ فِي النَّظَرِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، يَلُحْ1 لَكَ وَجْهُ الْأَصْلِ الْمُنَبَّهِ عَلَيْهِ، وَلَوْلَا الْإِطَالَةُ لَبُسِطَ مِنْ ذلك كثير.
__________
1 ما بين المعقوفتين زيادة من الأصل و"ط".
(4/169)

فَصْلٌ:
وَقَدْ يَغْلِبُ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ بِحَسَبِ الْمَوَاطِنِ وَمُقْتَضَيَاتِ الْأَحْوَالِ:
فَيَرِدُ التَّخْوِيفُ وَيَتَّسِعُ مَجَالُهُ1، لَكِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنَ التَّرْجِيَةِ، كَمَا فِي سُورَةِ الأنعام؛ فإنها جاءت مقررة للحق2، وَمُنْكِرَةً عَلَى مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، وَاخْتَرَعَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ مَا لَا سُلْطَانَ لَهُ عَلَيْهِ، وَصَدَّ عَنْ سَبِيلِهِ، وَأَنْكَرَ مَا لَا يُنْكَرُ، وَلَدَّ3 فِيهِ وَخَاصَمَ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَقْتَضِي تَأْكِيدَ التَّخْوِيفِ، وَإِطَالَةَ التَّأْنِيبِ وَالتَّعْنِيفِ؛ فَكَثُرَتْ مُقَدِّمَاتُهُ وَلَوَاحِقُهُ، وَلَمْ يخلُ مَعَ ذَلِكَ مِنْ طَرَفِ التَّرْجِيَةِ لِأَنَّهُمْ بِذَلِكَ مَدْعُوُّونَ إِلَى الْحَقِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الدُّعَاءُ، وَإِنَّمَا هُوَ مَزِيدُ تَكْرَارٍ إِعْذَارًا وَإِنْذَارًا، وَمَوَاطِنُ الِاغْتِرَارِ يُطْلَبُ فِيهَا التَّخْوِيفُ أَكْثَرَ مِنْ طَلَبِ التَّرْجِيَةِ؛ لِأَنَّ دَرْءَ الْمَفَاسِدِ آكَدُ.
وَتَرِدُ التَّرْجِيَةُ أَيْضًا وَيَتَّسِعُ مَجَالُهَا، وَذَلِكَ فِي مَوَاطِنِ الْقُنُوطِ وَمَظِنَّتِهِ4؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} الْآيَةَ [الزُّمَرِ: 53] ؛ فَإِنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا وَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا وَأَكْثَرُوا؛ فَأَتَوْا مُحَمَّدًا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقالوا: إن الذي تقول
__________
1 فمثلًا سورة الرحمن ثلثها الأول تقريبًا آيات دالة على الصانع المبدع سبحانه توطئة لما يجيء بعد من التخويف والترغيب، وأنه بعلمه وقدرته وإبداعه لا يعجزه ما خوف منه وما رغب فيه، والثلث الثاني غاية التخويف والوعيد، والثالث غاية الترغيب والترجية. "د".
2 كذا في "ط"، وفي غيره: "للخلق"!!
3 اللدة: شدة الخصومة. "ف".
4 في "ط": "أو مظنته".
(4/170)

وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنَا أَلَنَا لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةٌ؟ فَنَزَلَتْ1.
فَهَذَا مَوْطِنُ خَوْفٍ يُخَافُ مِنْهُ الْقُنُوطُ؛ فَجِيءَ فِيهِ بِالتَّرْجِيَةِ غَالِبَةً2، وَمِثْلُ ذَلِكَ الْآيَةُ الْأُخْرَى: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هُودٍ: 114] ، وَانْظُرْ فِي سَبَبِهَا فِي التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِمَا3.
وَلَمَّا كَانَ جَانِبُ الْإِخْلَالِ4 مِنَ الْعِبَادِ أَغْلَبَ؛ كَانَ جَانِبُ التَّخْوِيفِ أَغْلَبَ، وَذَلِكَ فِي مَظَانِّهِ الْخَاصَّةِ لَا عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ فَإِنَّهُ إِذَا لم يكن هنالك مظنة
__________
1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب مناقب الأنصار، باب ما لقي النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه من المشركين بمكة، 7/ 165/ رقم 3855، وكتاب التفسير، باب {يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَاب} ، 8/ 494/ رقم 4764"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب التفسير، باب منه، 4/ 2318/ رقم 3023" بعد "19" عن ابن عباس نحوه.
وأخرجه من حديثه أيضًا بلفظ المصنف: البخاري في "صحيحه" "كتاب التفسير، باب سورة الزمر، 8/ 549/ رقم 4810"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج، 1/ 113/ رقم 122"، وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" "رقم 484"، والحاكم في "المستدرك" "2/ 403"، والبيهقي في "الكبرى" "9/ 98".
2 لأنه أطلق الذنوب، فلم يقيد بصغيرة ولا كبيرة، ولم يشترط شرطًا ما؛ فلم يقل: "لمن يشاء"، ثم أكد الأمر بقوله: {إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم} [الزمر: 53] ، ومثله يقال في إذهاب الحسنات للسيئات في الآية الآتية بعدها. وفي "ط": "بالترجية فيه غالبة".
3 أخرج مسلم في "صحيحه" "كتاب التوبة، باب قوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَات} ، 4/ 2115-2116" عن ابن مسعود أن رجلًا أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فذكر ذلك له؛ فنزلت ...
وأخرجه أيضًا البخاري في "صحيحه" "رقم 526، 4687"، والنسائي في "الكبرى" "كتاب التفسير، رقم 267"، والترمذي في "جامعه" "رقم 3114"، وابن ماجه في "سننه" "رقم 1398، 4254".
4 في "ط": "الانحلال".
(4/171)

هَذَا وَلَا هَذَا أَتَى الْأَمْرُ مُعْتَدِلًا، وَقَدْ مَرَّ لِهَذَا الْمَعْنَى بَسْطٌ فِي كِتَابِ الْمَقَاصِدِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا لَا يَطَّرِدُ؛ فَقَدْ يَنْفَرِدُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ فَلَا يُؤْتَى مَعَهُ بِالْآخَرِ، فَيَأْتِي التَّخْوِيفُ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيَةٍ، وَبِالْعَكْسِ.
أَلَا تَرَى قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ... } [الْهَمْزَةِ: 1-9] إِلَى آخِرِهَا؛ فَإِنَّهَا كُلَّهَا تَخْوِيفٌ.
وَقَوْلَهُ: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى، أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ... } [الْعَلَقِ: 6-19] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.
وَقَوْلَهُ: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ... } [الْفِيلِ: 1-5] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.
وَمِنَ الْآيَاتِ قَوْلُهُ: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... } إِلَى قَوْلِهِ: {فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [الْأَحْزَابِ: 57-58] .
وَفِي الطَّرَفِ الْآخَرِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ... } [الضُّحَى: 1-11] إِلَى آخِرِهَا.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ... } [الشَّرْحِ: 1-8] إِلَى آخِرِهَا.
وَمِنَ الْآيَاتِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى} الْآيَةَ [النُّورِ: 22] .
وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ الْتَقَى هُوَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو؛ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "أَيُّ آيَةٍ أَرْجَى فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَوْلُهُ: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ} الْآيَةَ [الزُّمَرِ: 53] . فَقَالَ ابْنُ
(4/172)

عَبَّاسٍ: لَكِنَّ قَوْلَ اللَّهِ: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [الْبَقَرَةِ: 260] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَرَضِيَ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: {بَلَى} ".
قَالَ1: "فَهَذَا لِمَا يَعْتَرِضُ فِي الصُّدُورِ مِمَّا يُوَسْوِسُ بِهِ الشَّيْطَانُ"2.
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ قَالَ: "فِي الْقُرْآنِ آيَتَانِ مَا قَرَأَهُمَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ عِنْدَ ذَنْبٍ إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ". وَفَسَّرَ ذَلِكَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ} [آلِ عِمْرَانَ: 135] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَقَوْلِهِ: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 110] .
__________
1 أي: إن عبد الله قال لابن عباس: إن هذا في موضوع آخر؛ كحديث القائل له, صلى الله عليه وسلم: إني أحدث نفسي بالشيء لأن أكون حممة أحب إليَّ من أن أتكلم به. فقال له, صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله الذي رد أمره إلى الوسوسة" 1؛ فليس راجعًا إلى أصل الإيمان أو قبول فيه حتى تكون الآية أرجى الآيات كما فهمت. "د".
2 أخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" "ص149" بسند ضعيف، فيه عبد الله بن صالح بن محمد بن مسلم أبو صالح المصري، كاتب الليث، صدوق، كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة.
3 أخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" "149-150"، والطبراني في "مسند الشاميين" "2/ 334-335/ رقم 1444" بإسناد ضعيف، فيه أبو الفرات مولى صفية وهو مجهول، انظر عنه: "الاستغناء" لابن عبد البر "3/ 1511-1512"، ونحوه عن ابن مسعود في "تفسير القرطبي" "5/ 380"، وفيه: "وروى سفيان عن أبي إسحاق عن الأسود وعلقمة؛ قالا: قال ابن مسعود ... وذكره".
وقلت: ظفرت به من طريق أبي الأحوص سلَّام بن سُلَيم عن أبي إسحاق السبيعي به، أخرجه سعيد بن منصور في "السنن" "3/ 1091/ رقم 526" ومن طريقه الطبراني في "الكبير" "9/ 241/ رقم 9035"، وابن المنذر في "تفسيره" كما في هامش "تفسير ابن أبي حاتم" "2/ ق 68 =
__________
1 سيأتي نحوه في "5/ 34".
(4/173)

وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "إِنَّ فِي النِّسَاءِ خَمْسَ آيَاتٍ مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي بِهَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الْعُلَمَاءَ إِذَا مَرُّوا بِهَا مَا يَعْرِفُونَهَا1 قَوْلُهُ: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} الْآيَةَ [النِّسَاءِ: 31] .
وَقَوْلُهُ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} الْآيَةَ [النِّسَاءِ: 40] .
وَقَوْلُهُ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} الْآيَةَ [النِّسَاءِ: 48] .
وَقَوْلُهُ: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ} الْآيَةَ [النِّسَاءِ: 64] .
وَقَوْلُهُ: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} 2 [النِّسَاءِ: 110] .
__________
= /أ" وابن أبي شيبة في "المصنف" "10/ 328/ رقم 9572"، كلاهما عن أبي الأحوص به.
وإسناده رجاله ثقات، وأبو إسحاق مدلس ولم يصرح بالتحديث، وقد اختلط، ولكن روى عنه سفيان قبل اختلاطه، وظفرتُ برواية سفيان -التي أشار إليها القرطبي- في "تفسير عبد بن حميد" كما في هامش "تفسير ابن أبي حاتم" "2/ ق 180/ أ".
وأخرجه سعيد بن منصور بنحوه في "سننه" "4/ 1371/ رقم 687" -ومن طريقه الطبراني في "الكبير" "9/ 250-251/ رقم 9070"- بإسناد ضعيف، فيه ليث بن أبي سليم، ومجموع هذه الطرق تنبئ على أن للأثر أصلًا، وبها إن شاء الله يصل إلى درجة الحسن.
1 في الأصل و"ط": "ما يعرفونها"، وكذا في جميع الطبعات، والصواب حذف "ما" كما في مصادر التخريج.
2 أخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" "ص150"، وسعيد بن منصور في "السنن" "4/ 1297/ رقم 659", ومن طريقه الطبراني في "الكبير" "9/ 250/ رقم 9069"، والبيهقي في "الشعب" "5/ 361/ رقم 2203"، والحاكم في "المستدرك" "2/ 305" ومن طريقه البيهقي في "الشعب" "5/ 360-361/ رقم 2202"، جميعهم من طريق مسعر بن كِدَام عن معن بن عبد الرحمن عن أبيه؛ قال: قال عبد الله بن مسعود به.
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" "7/ 11-12": "رجاله رجال الصحيح".
قلت: نعم، ولكنه منقطع، لم يسمع عبد الرحمن من أبيه إلا حديثين؛ ولذا قال الحاكم عقبه, ووافقه الذهبي: "هذا إسناد صحيح إن كان عبد الرحمن سمع من أبيه؛ فقد اختلف في ذلك".
ولهذا الأثر طرق تدل على أن له أصلًا؛ فأخرج عبد الرزاق في "التفسير" "1/ 155-156" ومن طريقه ابن جرير في "التفسير" "8/ 256-257/ رقم 9233" عن معمر عن رجل عن ابن مسعود به نحوه.
وأخشى أن يكون هذا الرجل المبهم هو عبد الرحمن، والحكم على هذا الإسناد متوقف على معرفته.
وأخرج هناد في "الزهد" "2/ 454-455/ رقم 903" نحوه عن ابن مسعود، وفي إسناده بشير الأوديّ، وهو مجهول.
(4/174)

وَأَشْيَاءُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ كَثِيرَةٌ، إِذَا تُتِبِّعَتْ وُجِدَتْ؛ فَالْقَاعِدَةُ لَا تَطَّرِدُ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُقَالُ: أَنَّ كُلَّ مَوْطِنٍ لَهُ مَا يُنَاسِبُهُ، وَلِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ، وَهُوَ الَّذِي يَطَّرِدُ فِي عِلْمِ الْبَيَانِ، أَمَّا هَذَا التَّخْصِيصُ؛ فَلَا.
فَالْجَوَابُ: إِنَّ مَا اعْتُرِضَ بِهِ غَيْرُ صادٍّ عَنْ سَبِيلِ مَا تَقَدَّمَ، وَعَنْهُ جَوَابَانِ: إِجْمَالِيٌّ، وَتَفْصِيلِيٌّ:
فَالْإِجْمَالِيُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْأَمْرَ الْعَامَّ وَالْقَانُونَ الشَّائِعَ هُوَ مَا تَقَدَّمَ؛ فَلَا تَنْقُضُهُ الْأَفْرَادُ الْجُزْئِيَّةُ الْأَقَلِّيَّةُ؛ لِأَنَّ الْكُلِّيَّةَ إِذَا كَانَتْ أَكْثَرِيَّةً فِي الْوَضْعِيَّاتِ انْعَقَدَتْ كُلِّيَّةً، وَاعْتُمِدَتْ فِي الْحُكْمِ بِهَا وَعَلَيْهَا، شَأْنَ الْأُمُورِ الْعَادِيَّةِ1 الْجَارِيَةِ فِي الْوُجُودِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا اعْتُرِضَ بِهِ مِنْ ذلك قليل، يدل عليه الِاسْتِقْرَاءِ؛ فَلَيْسَ بِقَادِحٍ فِيمَا تَأَصَّلَ.
وَأَمَّا التَّفْصِيلِيُّ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} [الْهُمَزَةِ: 1] قضية
__________
1 أي: فمع كونها أغلبية اعتبرها الشارع في إجراء الأحكام عليها، كما في أحكام السفر، وبناء التكليف على البلوغ الذي هو مظنة العقل، وهكذا، كما تقدم في "المقاصد" في المسألة العاشرة من النوع الأول والخامسة عشرة من النوع الرابع. "د".
(4/175)

عَيْنٍ فِي رَجُلٍ مُعَيَّنٍ1 مِنَ الْكُفَّارِ، بِسَبَبِ أَمْرٍ مُعَيَّنٍ، مِنْ هَمْزِهِ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- وَعَيْبِهِ إِيَّاهُ؛ فَهُوَ إِخْبَارٌ عَنْ جَزَائِهِ عَلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ الْقَبِيحِ، لَا أَنَّهُ أُجْرِيَ مَجْرَى التَّخْوِيفِ؛ فَلَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ، وَهَذَا الْوَجْهُ جَارٍ فِي قَوْلِهِ: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى، أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} 2 [الْعَلَقِ: 6-7] ، وَقَوْلِهِ: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} الآيتين [الأحزاب: 57-58] جَارٍ3 عَلَى مَا ذُكِرَ.
وَكَذَلِكَ سُورَةُ وَالضُّحَى، وَقَوْلُهُ: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشَّرْحِ: 1] غَيْرُ مَا نَحْنُ فِيهِ، بَلْ هُوَ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ لِلنَّبِيِّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- بِالشُّكْرِ لِأَجْلِ مَا أَعْطَاهُ مِنَ الْمِنَحِ.
وَقَوْلُهُ: {أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النُّورِ: 22] قَضِيَّةُ عَيْنٍ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، نَفَّسَ بِهَا مِنْ كَرْبِهِ فِيمَا أَصَابَهُ بِسَبَبِ الْإِفْكِ الْمُتَقَوَّلِ عَلَى بِنْتِهِ عَائِشَةَ؛ فَجَاءَ هَذَا الْكَلَامُ كَالتَّأْنِيسِ لَهُ وَالْحَضِّ عَلَى إِتْمَامِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَإِدَامَتِهَا، بِالْإِنْفَاقِ عَلَى قَرِيبَةِ الْمُتَّصِفِ بِالْمَسْكَنَةِ وَالْهِجْرَةِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلَكِنْ أَحَبَّ اللَّهُ لَهُ مَعَالِيَ الْأَخْلَاقِ.
وَقَوْلُهُ: {لَا تَقْنَطُوا} [الزُّمَرِ: 53] وَمَا ذُكِرَ مَعَهَا فِي الْمُذَاكَرَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَيْسَ مَقْصُودُهُمْ بِذِكْرِ ذَلِكَ النَّقْضَ عَلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، بَلِ النَّظَرَ فِي مَعَانِي آيَاتٍ عَلَى اسْتِقْلَالِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَهُ: {لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} [الزُّمَرِ: 53] أُعْقِبَ بِقَوْلِهِ: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ} الْآيَةَ [الزُّمَرِ: 54] ، وَفِي هَذَا تَخْوِيفٌ عظيم
__________
1 هو أبي بن خلف أو أمية بن خلف أو الوليد بن المغيرة أو العاصي بن وائل، أو هم جميعًا لأنهم كانوا أغنياء عيابين في النبي -صلى الله عليه وسلم- تنطبق عليهم الأوصاف التي في السورة. "د".
2 نزل في أبي جهل وإن كان المراد الجنس، وقد نزلت الآيات بعد ما قبلها من السورة بزمن طويل. "د".
3 لأنهما نزلتا في أبي بن سلول ومن معه في قضية الإفك، أو فيمن طعنوا عليه -صلى الله عليه وسلم- في زواج صفية بنت حيي بن أخطب. "د".
(4/176)

مُهَيِّجٌ لِلْفِرَارِ مِنْ وُقُوعِهِ، وَمَا تَقَدَّمَ1 مِنَ السَّبَبِ مِنْ نُزُولِ الْآيَةِ يُبَيِّنُ الْمُرَادَ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: {لَا تَقْنَطُوا} [الزُّمَرِ: 53] رَافِعٌ لِمَا تُخُوِّفُوهُ مِنْ عَدَمِ الْغُفْرَانِ لِمَا سَلَفَ.
وَقَوْلَهُ: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} [الْبَقَرَةِ: 260] نَظَرَ فِي مَعْنَى آيَةٍ فِي الْجُمْلَةِ وَمَا يُسْتَنْبَطُ مِنْهَا، وَإِلَّا؛ فَقَوْلُهُ: {أَوَلَمْ تُؤْمِن} [الْبَقَرَةِ: 260] تَقْرِيرٌ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّخْوِيفِ أَنْ لَا يَكُونَ مُؤْمِنًا، فَلَمَّا قَالَ: "بَلَى" حَصَلَ الْمَقْصُودُ.
وَقَوْلُهُ: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً} [آلِ عِمْرَانَ: 135] كَقَوْلِهِ: {لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} [الزُّمَرِ: 53] .
وَقَوْلُهُ: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ} [النِّسَاءِ: 110] دَاخِلٌ تَحْتَ أَصْلِنَا لِأَنَّهُ جَاءَ بَعْدَ قَوْلِهِ: {وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} [النِّسَاءِ: 105] ، {وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ ... } إِلَى قَوْلِهِ: {فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا} [النِّسَاءِ: 107-109] .
وَقَوْلُهُ: {إِنْ تَجْتَنِبُوا} آتٍ بَعْدَ الْوَعِيدِ عَلَى الْكَبَائِرِ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَى هُنَالِكَ؛ كَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالْحَيْفِ فِي الْوَصِيَّةِ، وَغَيْرِهِمَا، فَذَلِكَ مِمَّا يُرْجَى بِهِ [بَعْدَ] تَقَدُّمِ2 التَّخْوِيفِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النِّسَاءِ: 40] ؛ فَقَدْ أُعْقِبَ بِقَوْلِهِ: {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا} الْآيَةَ [النِّسَاءِ: 42] ، وَتَقَدَّمَ قَبْلَهَا قَوْلُهُ: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ... } إِلَى قَوْلِهِ: {عَذَابًا مُهِينًا} [النِّسَاءِ: 37] ، بَلْ قَوْلُهُ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء: 40] جمع التخويف مع الترجية.
__________
1 "ص170".
2 لعل الأصل: "تقدمه"؛ أي: فقوله: {إِنْ تَجْتَنِبُوا} الآية مما يرجي به، لكن سبقه التخويف. "د". قلت: قاله بسبب سقوط "بعد".
(4/177)

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ} 1 الْآيَةَ [النِّسَاءِ: 64] تَقَدَّمَ قَبْلَهَا وَأَتَى بَعْدَهَا تَخْوِيفٌ عَظِيمٌ؛ فَهُوَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ.
وَقَوْلُهُ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} الْآيَةَ [النِّسَاءِ: 48] جَامِعٌ لِلتَّخْوِيفِ وَالتَّرْجِيَةِ مِنْ حَيْثُ قَيَّدَ غُفْرَانَ مَا سِوَى الشِّرْكِ بِالْمَشِيئَةِ، وَلَمْ يُرِدِ ابْنُ مَسْعُودٍ بِقَوْلِهِ: "مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي بِهَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا" أَنَّهَا آيَاتُ تَرْجِيَةٍ خَاصَّةٍ، بَلْ مُرَادُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهَا كُلِّيَّاتٌ فِي الشَّرِيعَةِ مُحْكَمَاتٌ، قَدِ احْتَوَتْ عَلَى عِلْمٍ كَثِيرٍ، وَأَحَاطَتْ بِقَوَاعِدَ عَظِيمَةٍ فِي الدِّينِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: "وَلَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الْعُلَمَاءَ إِذَا مَرُّوا بِهَا مَا يَعْرِفُونَهَا"2، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَجَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ جَارٍ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ مَوْطِنٍ ما يناسبه [وإن الذي يُنَاسِبُهُ] إِنْزَالُ الْقُرْآنِ إِجْرَاؤُهُ3 عَلَى الْبِشَارَةِ وَالنِّذَارَةِ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ لَا أَنَّهُ أُنْزِلَ لِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
فَصْلٌ:
وَمِنْ هُنَا يُتَصَوَّرُ لِلْعِبَادِ أَنْ يَكُونُوا دَائِرِينَ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ دَائِرَةٌ بَيْنَهُمَا، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ عَلَى الْخُصُوصِ؛ فَقَالَ: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ....} إِلَى قَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [الْمُؤْمِنُونَ: 57-60] .
وَقَالَ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ} [البقرة: 218] .
__________
1 "جاءوك" سقطت من الأصل.
2 كذا في الأصول كلها، وسبق التنبيه قريبًا "ص174" أن الأثر في كتب التخريج دون "ما".
3 ما بين المعقوفتين من "ط" فقط، ولذا كتب "د": "إجراؤه بدل من إنزال"، وقال "ف": "لعل العبارة: ما يناسب إنزال القرآن وإجراؤه". قلت: وكذا أثبتها "م".
(4/178)

وَقَالَ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَه} [الْإِسْرَاءِ: 57] .
وَهَذَا عَلَى الْجُمْلَةِ، فَإِنْ غَلَبَ عَلَيْهِ طَرَفُ الِانْحِلَالِ وَالْمُخَالَفَةِ؛ فَجَانِبُ الْخَوْفِ عَلَيْهِ أَقْرَبُ، وإن غلب [الخوف] 1 عَلَيْهِ طَرَفُ التَّشْدِيدِ وَالِاحْتِيَاطِ؛ فَجَانِبُ الرَّجَاءِ إِلَيْهِ أَقْرَبُ، وَبِهَذَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُؤَدِّبُ أَصْحَابَهُ2، وَلَمَّا غَلَبَ عَلَى قَوْمٍ جَانِبُ الْخَوْفِ قِيلَ لَهُمْ: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} الْآيَةَ [الزُّمَرِ: 53] .
وَغَلَبَ عَلَى قَوْمٍ جَانِبُ الْإِهْمَالِ فِي بَعْضِ3 الْأُمُورِ، فَخُوِّفُوا وَعُوتِبُوا كَقَوْلِهِ: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} الْآيَةَ [الْأَحْزَابِ: 57] .
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا مِنْ تَرْتِيبِ الْقُرْآنِ وَمَعَانِي آيَاتِهِ؛ فَعَلَى الْمُكَلَّفِ الْعَمَلُ على وفق ذلك التأديب.
__________
1 زيادة من "م" فقط.
2 تجد طائفة من الأحاديث الواردة في ذلك في "التذكرة" للقرطبي، يسر الله إتمامه ونشره.
3 تقدم أن الآية نزلت في أبي بن سلول أو فيمن طعنوا فيه وعابوه -صلى الله عليه وسلم- في زواج صفية، وسواء أكان هذا أم ذاك؛ فقد نزلت في شأن قوم من الكفار، والموضع الآن لذكر المؤمنين الذين غلب عليهم أحد الطرفين وطريقة تأديبهم، فلو ذكر في تأديب من غلب عليه جانب الإهمال في بعض الأمور مثل آية: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ} الآية [الحديد: 16] ؛ لكان ظاهرًا وصح تسميته عتابًا، أما الذين يلعنون في الدنيا والآخرة؛ فلا يعد هلاكهم الأبدي عتابًا. "د".
(4/179)

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ:
تَعْرِيفُ الْقُرْآنِ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ أَكْثَرُهُ كُلِّيٌّ1 لَا جُزْئِيٌّ، وَحَيْثُ جَاءَ جُزْئِيًّا؛ فَمَأْخَذُهُ عَلَى الْكُلِّيَّةِ إِمَّا بِالِاعْتِبَارِ2، أَوْ بِمَعْنَى3 الْأَصْلِ؛ إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ مِثْلَ خَصَائِصِ النَّبِيِّ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى بَعْدَ الِاسْتِقْرَاءِ الْمُعْتَبَرِ أَنَّهُ مُحْتَاجٌ4 إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الْبَيَانِ؛ فَإِنَّ السُّنَّةَ عَلَى كَثْرَتِهَا وَكَثْرَةِ مَسَائِلِهَا إِنَّمَا هِيَ بَيَانٌ لِلْكِتَابِ، كَمَا سَيَأْتِي شَرْحُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النَّحْلِ: 44] .
وَفِي الْحَدِيثِ: "مَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا أُعْطِي مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ؛ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ القيامة" 5.
__________
1 معنى الكلية هنا أنه لا يختص بشخص دون آخر، ولا بحال دون حال، ولا زمان دون آخر، وأيضًا ليس مفصلًا مستوعبًا لشروط وأركان وموانع ما يطلب أو ما ينهى عنه، وهو المسمى بالمجمل، وإنما حملنا الكلية على هذين المعنيين معًا لتنزيل كلامه الآتي عليه، ألا ترى إلى قوله: "إلا ما خصه الدليل"، وإلى قوله: "ويدل على هذا المعنى أنه محتاج إلى كثير من البيان"، وقوله: "وأنت تعلم أن الصلاة والزكاة ... إلخ"؟ "د".
قلت: بين هذه الكليات ابن القيم في "مدارج السالكين" "1/ 452-453, ط الفقي".
2 أي: باعتبار المآلات، وهو المسمى بالاستحسان. "د".
3 وهو القياس. "د".
4 لمعرفة التفاصيل والشروط والموانع وأركان الماهيات الشرعية وغير ذلك، وهذه الحاجة هي علامة الكلية. "د".
5 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي وأول ما نزل، 9/ 3/ رقم 4981، وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي, صلى الله عليه وسلم "بعثت بجوامع =
(4/180)

وَإِنَّمَا1 الَّذِي أُعْطِيَ الْقُرْآنَ، وَأَمَّا السُّنَّةُ؛ فَبَيَانٌ لَهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالْقُرْآنُ عَلَى اخْتِصَارِهِ جَامِعٌ، وَلَا يَكُونُ جَامِعًا إِلَّا وَالْمَجْمُوعُ فِيهِ أُمُورٌ كُلِّيَّاتٌ؛ لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ تَمَّتْ بِتَمَامِ نُزُولِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ: 3] .
وَأَنْتَ2 تَعْلَمُ أَنَّ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالْجِهَادَ وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ لَمْ يَتَبَيَّنْ جَمِيعُ أَحْكَامِهَا فِي الْقُرْآنِ، إِنَّمَا بَيَّنَتْهَا3 السُّنَّةُ، وَكَذَلِكَ الْعَادِيَّاتُ مِنَ الأنكحة والعقود والقصاص والحدود وغيرها.
__________
= الكلم"، 13/ 247/ رقم 7274"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى جميع الناس ونسخ الملل بملة، 1/ 134/ رقم 152" عن أبي هريرة, رضي الله عنه. وفي "ط": "ما من الأنبياء من نبي ... ".
قال "ف" شارحًا "ما مثله آمن عليه البشر": "أي: لأجله، بحيث إذا شاهده اضطر إلى التصديق به؛ فموسى -عليه السلام- أعطي آية العصا وقلبها حية لأن الغلبة إذ ذاك للسحرة؛ فجاءهم بما يوافق السحر، فاضطرهم إلى الإيمان بذلك، وكذلك عيسى أعطي آية إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى؛ لأن الغلبة في زمانه للطب، فجاءهم بما هو أعلى منه، وهو إحياء الموتى.
وفي زمان نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- كانت الغلبة للبلاغة والبيان؛ فجاءهم بالقرآن من جنس ما تناهوا فيه مما عجز عنه البلغاء الكاملون في عصره؛ فاضطرهم إلى التصديق بمعجزاته، وهكذا كل نبي أعطي من المعجزات ما يناسب أهل زمانه مما إذا شوهد اضطر الشاهد إلى التصديق به بحيث لا يستطيع دفعه عن نفسه، ولا يقدر على الإتيان بمثله" ا. هـ.
1 لأنه المشتمل على ما آمن لأجله الناس من المعجزة، وليس هذا في السنة، وإذا كان الذي أعطيه هو القرآن؛ فلا يتأتى أن يكون جامعًا لحاجة البشر في دينهم ودنياهم؛ إلا إذا كان مشتملًا على التفاصيل في معاملة الخلق والخالق، ولكنه يبقى أن يقال: إنه ورد في الحديث الآخر: "أعطيت القرآن ومثله معه"؛ فهذا الحصر غير مسلم إلا باعتبار الإعجاز الذي في الحديث؛ فلا يظهر وجه الاستدلال بالحديث على الكلية لتعريفه للأحكام الشرعية. "د".
2 من تتمة الدليل قبله. "د".
3 وسيأتي في المسألة الرابعة من السنة بيان ذلك بتفصيل. "د".
(4/181)

وَأَيْضًا1، فَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى رُجُوعِ الشَّرِيعَةِ إِلَى كُلِّيَّاتِهَا الْمَعْنَوِيَّةِ، وَجَدْنَاهَا قَدْ تَضَمَّنَهَا2 الْقُرْآنُ عَلَى الكمال، وهي3 الضروريات والحاجيات والتحسينيات وَمُكَمِّلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَهَذَا كُلُّهُ ظَاهِرٌ أَيْضًا4؛ فَالْخَارِجُ مِنَ الْأَدِلَّةِ عَنِ الْكِتَابِ هُوَ السُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ، وَجَمِيعُ ذَلِكَ إِنَّمَا نَشَأَ عَنِ الْقُرْآنِ، وَقَدْ عَدَّ النَّاسُ قَوْلَهُ تَعَالَى: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [النِّسَاءِ: 105] مُتَضَمِّنًا لِلْقِيَاسِ، وَقَوْلَهُ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الْحَشْرِ: 7] مُتَضَمِّنًا لِلسُّنَّةِ، وَقَوْلَهُ: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [النِّسَاءِ: 115] مُتَضَمِّنًا لِلْإِجْمَاعِ، وَهَذَا أَهَمُّ مَا يَكُونُ.
وَفِي "الصَّحِيحِ" عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ قَالَ: "لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ...." 5 إِلَخْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ، يُقَالُ لَهَا أُمُّ يعقوب،
__________
1 استدلال آخر على كلية تعريف الكتاب للأحكام الشرعية. "د".
2 في "ط": "تضمنت".
3 انظر بيانه الوافي في المسألة الرابعة من دليل السنة من قوله: "وَمِنْهَا النَّظَرُ إِلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ في الجملة ... ". "د".
4 لعل الأصل: "وأيضًا؛ فالخارج ... إلخ" ليكون دليلًا ثالثًا على الكلية بالمعنيين وتكون هذه الآيات الثلاث من أوسع كلياته شمولًا، وهو ما يشير إليه قوله: "وهذا أهم ما يكون". "د". قلت: هو في "ط" كذلك: "وأيضًا؛ فالخارج ... ".
5 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب التفسير، باب {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} ، 8/ 630/ رقم 4886، 4887، وكتاب اللباس، باب الموصولة، 10/ 378/ رقم 5943، وباب المستوشمة، 10/ 380/ رقم 5948"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب اللباس والزينة، باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة، 3/ 1678/ رقم 2125", والترمذي "أبواب الأدب, باب ما جاء في الواصلة والمستوصلة, 5/ 104/ رقم 2782"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الزينة، باب لعن المتنمصات والمتفلجات، 8/ 188"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب النكاح، باب الواصلة والمستوشمة، 1/ 640/ رقم 1989"، وأحمد في "المسند" "1/ 433-434، 443، 448، 454، 462، 465" عن ابن مسعود -رضي الله عنه- به.=
(4/182)

وَكَانَتْ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؛ فَأَتَتْهُ فَقَالَتْ: مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ لَعَنْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَذَكَرَتْهُ. فقال عبد الله: وما لي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ1 رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ لَوْحَيِ الْمُصْحَفِ فَمَا وَجَدْتُهُ! فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ، قَالَ اللَّهُ, عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الْحَشْرِ: 7] الْحَدِيثَ.
وَعَبْدُ اللَّهِ مِنَ الْعَالِمِينَ بِالْقُرْآنِ.
فَصْلٌ
فَعَلَى هَذَا لَا يَنْبَغِي فِي الِاسْتِنْبَاطِ مِنَ الْقُرْآنِ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ دُونَ النَّظَرِ فِي شَرْحِهِ وَبَيَانِهِ وَهُوَ السُّنَّةُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ كُلِّيًّا وَفِيهِ أُمُورٌ جُمْلِيَّةٌ2 كَمَا فِي شَأْنِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَنَحْوِهَا؛ فَلَا مَحِيصَ عَنِ النَّظَرِ فِي بَيَانِهِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي تَفْسِيرِ السَّلَفِ الصَّالِحِ لَهُ إِنْ أَعْوَزَتْهُ السُّنَّةُ؛ فَإِنَّهُمْ أَعْرَفُ بِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَإِلَّا؛ فَمُطْلَقُ3 الْفَهْمِ الْعَرَبِيِّ لِمَنْ حَصَّلَهُ يَكْفِي فِيمَا أعوز من ذلك، والله أعلم.
__________
1 أي: في الحديث السابق، وهو لم يرفعه هنا اكتفاء بقوله: "لعن رسول الله"، وقوله: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ ... } إلخ [الحشر: 7] ؛ فالحديث دليل تفصيلي لمسألتها والآية دليل إجمالي. "د".
2 يتأمل في الفرق بين كونه كليًّا وبين أن فيه أمورًا كلية. "د"، و"جملية" من "ط" فقط، وبدلها في غيره "كلية".
3 المراد الفهم الناشئ عن الدربة فيه كما تقدم آنفًا لا مجرد أي فهم عربي فرض. "د".
(4/183)

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ:
الْقُرْآنُ فِيهِ بَيَانُ كُلِّ شَيْءٍ عَلَى ذَلِكَ التَّرْتِيبِ الْمُتَقَدِّمِ؛ فَالْعَالِمُ بِهِ عَلَى التَّحْقِيقِ عَالِمٌ بِجُمْلَةِ1 الشَّرِيعَةِ، وَلَا يَعُوزُهُ2 مِنْهَا شَيْءٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ:
- مِنْهَا: النُّصُوصُ الْقُرْآنِيَّةُ، مِنْ قَوْلِهِ3: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا} 4 الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ: 3] .
وَقَوْلِهِ: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النَّحْلِ: 89] .
وَقَوْلِهِ: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} 5 [الْأَنْعَامِ: 38] .
وَقَوْلِهِ: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الْإِسْرَاءِ: 9] ، يَعْنِي: الطريقة الْمُسْتَقِيمَةَ6، وَلَوْ لَمْ يَكْمُلْ فِيهِ جَمِيعُ مَعَانِيهَا؛ لَمَا صَحَّ إِطْلَاقُ هَذَا الْمَعْنَى عَلَيْهِ حَقِيقَةً.
وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ هُدًى وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ، وَلَا يَكُونُ شِفَاءً لِجَمِيعِ7 مَا فِي الصُّدُورِ إِلَّا وَفِيهِ تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ.
- وَمِنْهَا: مَا جَاءَ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ الْمُؤْذِنَةِ بِذَلِكَ؛ كَقَوْلِهِ, عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ حَبْلُ اللَّهِ، وَهُوَ النور المبين، والشفاء النافع، عصمة
__________
1 أي: عالم بالشريعة إجمالًا، لا ينقصه من إجمالها وكلياتها شيء. "د".
قلت: انظر "مجموع الفتاوى" "17/ 443-444 و19/ 175-176، 308 و34/ 206-207"، و"جواهر القرآن ودرره" "ص26-27" للغزالي، و"النبأ العظيم" "ص117 وما بعدها".
2 في "ط": "لا يعوزه".
3 ربما يقال: إكماله بالكتاب والسنة؛ لأنه لم يقل: أكملته في خصوص الكتاب. "د".
4 {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا} سقطت من الأصل.
5 بناء على أن المراد به القرآن، وفيه أقوال أخرى معتبرة. "د".
6 وهي النظام الكامل في معاملة الخلق والخالق. "د".
7 جاء به من لفظ: "ما" العام. "د".
(4/184)

لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ، وَنَجَاةً لِمَنْ تَبِعَهُ، لَا يَعْوَجُّ فَيُقَوَّمُ، وَلَا يَزِيغُ فَيُسْتَعْتَبُ 1، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، وَلَا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ ... " 2 إِلَخْ؛ فَكَوْنُهُ حَبْلَ اللَّهِ بِإِطْلَاقٍ، وَالشِّفَاءَ النَّافِعَ إِلَى تَمَامِهِ دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ الْأَمْرِ فِيهِ.
وَنَحْوِ هَذَا فِي3 حَدِيثِ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ, عَلَيْهِ الصلاة والسلام4.
__________
1 أي: يرجع عن الزيغ، ويطلب الرضا. "ف".
2 أخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" "ص21"، وعبد الرزاق في "المصنف" "رقم 6017"، وابن أبي شيبة في "المصنف" "7/ 165, ط دار الفكر، و10/ 482-483/ ط الهندية"، والحاكم في "المستدرك" "1/ 555"، والمروزي في "قيام الليل" "ص121"، وابن حبان في "المجروحين" "1/ 100"، والطبراني في "الكبير" "9/ 139/ رقم 8646"، وابن منده في "الرد على من يقول {الم} حرف/ رقم 11"، وأبو الفضل الرازي في "فضائل القرآن" "رقم 30، 31، 32"، وابن الضريس في "فضائل القرآن" "58"، والآجري في "أخلاق حملة القرآن" "11"، والبيهقي في "الشعب" "4/ 550"، والخطيب البغدادي في "الجامع" "1/ 107"، وابن الجوزي في "الواهيات" "1/ 109/ رقم 145" عن ابن مسعود مرفوعًا بهذا اللفظ، وإسناده ضعيف، فيه إبراهيم بن مسلم الهجري، وهو متروك.
وانظر: "الميزان" "1/ 166"، و"تخريج الزيلعي لأحاديث الكشاف" "1/ 212"، وأخرجه عن ابن مسعود مختصرًا أيضًا الدارمي في "السنن" "1/ 429"، وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" "2/ 278" من طريق أبي الشيخ في "طبقات المحدثين بأصبهان" "4/ 252"، والشجري في "أماليه" "1/ 84" بإسناد فيه الهجري السابق، وقد أوقفه بعضهم على ابن مسعود، وهو أشبه؛ كما عند ابن المبارك في "الزهد" "279"، وابن أبي شيبة في "المصنف" "10/ 462"، والفريابي في "الفضائل" "63"، وإسناده صحيح موقوفًا.
3 في الأصل و"د": "من".
4 أخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل القرآن، 5/ 172/ رقم 2906"، وابن أبي شيبة في "المصنف" "7/ 164"، والدارمي في "السنن" "2/ 435"، والبزار في "البحر الزخار" "3/ 70-72"، وأحمد في "المسند" "1/ 91"، وأبو يعلى في "المسند" "1/ 302-303/ رقم 367"، ومحمد بن نصر في "قيام الليل" "ص123"، والفريابي في "فضائل القرآن" "رقم 80، 81، 82"، وإسحاق بن راهوية -كما قال الزيلعي في "تخريج الكشاف" "1/ 212"- وفيه: "كتاب الله فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم ... "، وإسناده ضعيف، قال الترمذي: "هذا حديث لا نعرفه إلى من هذا الوجه، وإسناده مجهول، وفي الحارث مقال"، وقال البزار: "لا نعلم رواه عن علي إلا الحارث"، وانظر: "علل الدارقطني" "رقم 322"=
(4/185)

وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "إِنَّ كُلَّ مُؤَدِّبٍ يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى أَدَبُهُ، وَإِنَّ أَدَبَ اللَّهِ الْقُرْآنُ" 1.
وَسُئِلَتْ عَائِشَةُ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَتْ: "كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ"2، وَصَدَّقَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [الْقَلَمِ: 4] .
وَعَنْ قَتَادَةَ: "مَا جَالَسَ الْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلَّا فَارَقَهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ"، ثُمَّ قَرَأَ: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الْإِسْرَاءِ: 82] 3.
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ} [آلِ عِمْرَانَ: 193] ؛ قَالَ: "هُوَ الْقُرْآنُ، لَيْسَ كُلُّهُمْ رأى النبي, صلى الله عليه وسلم"4.
__________
= والفريابي في "فضائل القرآن" "رقم 80، 81، 82"، وإسحاق بن راهوية -كما قال الزيلعي في "تخريج الكشاف" "1/ 212"- وفيه: "كتاب الله فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم ... "، وإسناده ضعيف، قال الترمذي: "هذا حديث لا نعرفه إلى من هذا الوجه، وإسناده مجهول، وفي الحارث مقال"، وقال البزار: "لا نعلم رواه عن علي إلا الحارث"، وانظر: "علل الدارقطني" "رقم 322".
1 أخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" "ص21، 52"، والدارمي في "السنن" "2/ 433"، والمحاسبي في "فهم القرآن" "ص289" عن ابن مسعود قوله. ورفعه بعضهم فوهم. انظر: "ضعيف الجامع" "رقم 4247".
2 مضى تخريجه "2/ 332"، وهو صحيح.
3 أخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" "ص23"، والبغوي في "شرح السنة" "4/ 437" عن قتادة به، وذكره عنه القرطبي في "التفسير" "10/ 320"، والغزالي في "الإحياء" في "آداب تلاوة القرآن".
4 أخرجه ابن جرير في "التفسير" "7/ 480"، وأبو عبيد في "الفضائل" "ص24".
(4/186)

وَفِي الْحَدِيثِ: "يَؤُمُّ النَّاسَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ" 1، وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنَّهُ أَعْلَمُ بِأَحْكَامِ اللَّهِ؛ فَالْعَالِمُ بِالْقُرْآنِ عَالِمٌ بِجُمْلَةِ الشَّرِيعَةِ.
وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ؛ فَلَيْسَ فَوْقَهُ أَحَدٌ2.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ؛ قَالَ: "إِذَا أَرَدْتُمُ الْعِلْمَ؛ فَأَثِيرُوا3 الْقُرْآنَ، فَإِنَّ فِيهِ عِلْمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ"4.
__________
1 أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب المساجد، باب من أحق بالإمامة، 1/ 465/ رقم 673" عن أبي مسعود الأنصاري مرفوعًا.
2 أخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" "ص37"، وابن أبي شيبة في "المصنف" "7/ 155" من طريق محمد بن عبد الرحمن السدوسي عن معفس بن عمران بن حطان عن أم الدرداء عن عائشة به، وإسناده ضعيف، معفس مترجم في "الجرح والتعديل" "8/ 433"، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
3 بالتفهم فيه. "د".
4 أخرجه مسدد في "المسند" -كما في "المطالب العالية" "ق 108 -ب- المسندة و3/ 133/ رقم 3079- المطبوعة"، وعبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد" "ص229"، والحارث المحاسبي في "فهم القرآن" "291-292"، والطبراني في "الكبير" "9/ 146/ رقم 8666" من طريق شعبة، وأبو عبيد في "فضائل القرآن" "41-42"، وابن المبارك في "الزهد" "رقم 814", ومن طريقه الفريابي في "فضائل القرآن" "رقم 78" -وابن أبي شيبة في "المصنف" "10/ 485"- ومن طريقه النحاس في "القطع والائتناف" "ص84"، وأبو الليث السمرقندي في "بحر العلوم" "1/ 202-204" من طريق سفيان الثوري، وسعيد بن منصور في "سننه" "1/ 7/ رقم 1", ومن طريقه البيهقي في "الشعب" "4/ 513/ رقم 1808" عن حديج بن معاوية، وابن أبي شيبة في "المصنف" "14/ 94" من طريق زهير, والطبراني في "الكبير" "9/ 145-146/ رقم 8664 و8665" من طريق إسرائيل وزهير، خمستهم عن أبي إسحاق السبيعي عن مرة بن شراحيل البكيلي عن ابن مسعود به، وأبو إسحاق مدلس، وقد اختلط، ورواية شعبة عنه مأمونة؛ فإنه قال: "كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش، وأبي إسحاق، وقتادة"، و"هذه قاعدة جيدة في أحاديث هؤلاء الثلاثة, إنها إذا جاءت من طريق شعبة دلت على السماع، ولو كانت معنعنة"، قاله ابن حجر، وهو -أي شعبة- ممن روى عن أبي إسحاق قبل الاختلاط؛ فطريقه صحيحة على شرط الشيخين.
(4/187)

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو1؛ قَالَ: "مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ؛ فَقَدْ حَمَلَ أَمْرًا عَظِيمًا، وَقَدْ أُدْرِجَتِ2 النُّبُوَّةُ بَيْنَ جَنْبَيْهِ؛ إِلَّا أَنَّهُ لَا يوحى إليه"3.
__________
1 في الأصل والطبعات كلها: "عمر" بضم العين، والصواب فتحها، كما في مصادر التخريج و"ط".
2 في مطبوع "فضائل القرآن" لأبي عبيد: "استدرج"، وفي "ط": "استدرجت".
3 أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" "7/ 155, ط دار الفكر" عن وكيع عن إسماعيل بن رافع عن رجل عن عبد الله بن عمرو به، وإسناده ضعيف للمبهم الذي فيه، ولضعف ابن رافع.
وأخرجه من طريق ابن رافع عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر عن عبد الله بن عمرو به المروزي في "زياداته على زهد ابن المبارك" "رقم 799"، ومحمد بن نصر في "قيام الليل" "72".
وأخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" "53" عن يحيى بن أيوب عن خالد بن يزيد عن ثعلبة بن أبي الكنود عن عبد الله بن عمرو به قوله.
وكذا أخرجه المروزي في "زياداته على فضائل أبي عبيد" "ص53" عن مرو بن الربيع بن طارق عن يحيى به.
وخالفه يحيى بن عثمان بن صالح السهمي؛ فرواه عن عمرو بن الربيع ورفعه؛ كما عند الحاكم في "المستدرك" "1/ 552"، والموقوف أشبه، والله أعلم.
نعم، ورد في المرفوع من مرسل الحسن عند سعيد بن منصور في "السنن" "2/ 263/ رقم 68" بإسناد ضعيف جدًّا، وعن أبي أمامة عند ابن حبان في "المجروحين" "1/ 187-188"، وابن عدي في "الكامل" "2/ 440-441"، وابن الأنباري في "المصاحف" -كما في "تفسير القرطبي" "1/ 8- والبيهقي في "الشعب" "4/ 557 و5/ 530"، وابن الجوزي في "الموضوعات" "1/ 252-253"، وفيه بشر بن نمير متهم، وله نسخة عن القاسم بن يزيد عن أبي أمامة -وهذا الحديث منها- ساقطة؛ كما في "الميزان" "1/ 326"، وعن ابن عمر أخرجه الخطيب في "تاريخه" "12/ 446"، وفيه إبراهيم الملطي، كان كذابًا أفاكًا يضع الحديث كما قال الخطيب.
(4/188)

وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: "مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ؛ فَقَدِ اضْطَّرَبَتِ النُّبُوَّةُ بَيْنَ جَنْبَيْهِ"1.
وَمَا ذَاكَ إِلَّا لأنه2 جَامِعٌ لِمَعَانِي النُّبُوَّةِ، وَأَشْبَاهُ هَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى.
- وَمِنْهَا: التَّجْرِبَةُ وَهُوَ أَنَّهُ لَا أَحَدَ مِنَ الْعُلَمَاءِ لَجَأَ إِلَى الْقُرْآنِ فِي مَسْأَلَةٍ إِلَّا وَجَدَ لَهَا فِيهِ أَصْلًا، وَأَقْرَبُ الطَّوَائِفِ مِنْ إِعْوَازِ الْمَسَائِلِ النَّازِلَةِ أَهْلُ الظَّوَاهِرِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ الْقِيَاسَ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ عَجَزُوا عَنِ3 الدَّلِيلِ فِي مَسْأَلَةٍ مِنَ الْمَسَائِلِ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمِ الظَّاهِرِيِّ4: "كُلُّ أَبْوَابِ الْفِقْهِ لَيْسَ مِنْهَا بَابٌ إِلَّا وَلَهُ أَصْلٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، نَعْلَمُهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، حَاشَ الْقِرَاضَ؛ فَمَا وَجَدْنَا لَهُ أَصْلًا فِيهِمَا أَلْبَتَّةَ"5 إِلَى آخِرِ مَا قَالَ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْقِرَاضَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِجَارَةِ, وَأَصْلُ الْإِجَارَةِ، فِي الْقُرْآنِ ثَابِتٌ6، وَبَيَّنَ ذَلِكَ إِقْرَارُهُ عَلَيْهِ الصلاة
__________
1 أخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" "ص53" موقوفًا، وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث، صدوق، كثير الغلط.
2 كذا في "ط"، وفي غيره: "أنه".
3 لكن يقال: إن لم يجدوا في القرآن وجدوا في السنة؛ فبعض الأدلة على ما ترى، ويرشح النظر الذي أشرنا إليه ما نقله عن ابن حزم، وما عقب به على استثنائه باب القراض. "د".
4 الظاهرية هم الواقفون عند ظواهر نصوص الشريعة من غير اعتبار القياس بدعوى أنها تفي بأحكام الوقائع حيثما تجددت، ومن مقتضى مذهبهم أن الحديث متى ثبت سنده يعتبر كقاعدة مستقلة بنفسها، ويجب العمل به من غير أن تتحكم فيه القواعد بتعطيل أو تخصيص أو تقييد أو تعميم أو إطلاق ... إلخ. ا. هـ. "ف".
5 انظر: "النبذ في أصول الفقه" "ص118".
6 وذلك في آيات عديدة، منها قوله تعالى: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ، قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} [القصص: 26-27] ، وقوله: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6] ، قال الشافعي -رحمه الله تعالى- في "الأم" "3/ 250": "فأجاز الإجارة على الرضاع، والرضاع يختلف لكثرة رضاع المولود وقلته، وكثرة اللبن وقلته، ولكن لما لم يوجد فيه إلا هذا جازت الإجارة عليه، =
(4/189)

وَالسَّلَامُ وَعَمَلُ الصَّحَابَةِ بِهِ1.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِمَا ثَبَتَ فِي الشَّرِيعَةِ مِنَ الْمَسَائِلِ وَالْقَوَاعِدِ غَيْرِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا وُجِدَتْ فِي السُّنَّةِ، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ مَا فِي "الصَّحِيحِ" مِنْ قَوْلِهِ, عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "لَا أَلْفَيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرَى مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أو نهيت عنه، فيقول: لا أدرى، ما وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ" 2، وَهَذَا ذَمٌّ، ومعناه اعتماد السنة أيضًا.
__________
= وإذا جازت عليه جازت على مثله، وما هو في مثل معناه، وأحرى أن يكون أبين منه، وقوله تعالى: {لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} [الكهف: 77] ، معنى هذه الآية أن موسى قال للخضر, عليهما السلام: لو شئت لاتخذت أجرًا على إقامة الجدار المنهدم، قال الماوردي في "الحاوي الكبير" "9/ 203": "فدل ذلك من قول موسى وإمساك الخضر على جواز الإجارة واستباحة الأجرة" وترجم البخاري في "صحيحه" "باب إذا استأجر أجيرًا على أن يقيم حائطًا يريد أن ينقض جاز"، وأورد هذه الآية، وانظر: "الإجارة الواردة على عمل الإنسان" "ص35-37".
1 أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب الإجارة، باب استئجار المشركين عند الضرورة، 4/ 442/ رقم 2263، وباب إذا استأجر أجيرًا ليعمل له بعد ثلاثة أيام، 4/ 443/ رقم 2264" عن عائشة, رضي الله عنها: " ... واستأجر النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر رجلًا من بني الديل ثم من بني عبيد بن عدي هاديًا خريتًا ... فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال ... ".
2 أخرجه بهذا اللفظ الحميدي في "المسند" "551" -ومن طريقه الحاكم في "المستدرك" "1/ 108-109"، والهروي في "ذم الكلام" "ص71"، وابن عبد البر في "الجامع" "رقم 2341"- عن ابن المنكدر مرسلًا، وليس الحديث في "الصحيح" كما قال المصنف.
نعم، الحديث صحيح ثابت بتعدد طرقه وشواهده، منها:
ما أخرجه أبو داود في "السنن" "كتاب السنة، باب في لزوم السنة، 4/ 200/ رقم 4604"، وأحمد في "المسند" "4/ 130-131"، والآجري في "الشريعة" "ص51"، وابن نصر المروزي في "السنة" "ص116"، والبيهقي في "الدلائل" "6/ 549"، والخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" "1/ 89"، والحازمي في "الاعتبار" "ص7"، وابن عبد البر في "التمهيد" "1/ 149-150"، والهروي في "ذم الكلام" "73" من طريق حريز بن عثمان عن عبد الله بن أبي عوف الجرشي عن المقدام بن معدي كرب مرفوعًا، وإسناده صحيح. =
(4/190)

وَيُصَحِّحُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} الْآيَةَ [النِّسَاءِ: 59] .
قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: "الرَّدُّ إِلَى اللَّهِ الرَّدُّ إِلَى كِتَابِهِ، وَالرَّدُّ إِلَى الرَّسُولِ إِذَا كَانَ حَيًّا، فَلَمَّا قَبَضَهُ اللَّهُ؛ فَالرَّدُّ إِلَى سُنَّتِهِ"1.
وَمِثْلُهُ: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} 2 الآية [الأحزاب: 36] .
__________
= وتابع حريزًا مروان بن رؤبة التغلبي؛ كما عند أبي داود في "السنن" "كتاب الأطعمة، باب النهي عن أكل السباع، 3/ 355/ رقم 3804, مختصرًا"، والدارقطني في "السنن" "4/ 287"، وابن حبان في "الصحيح" "رقم 97, موارد"، وابن نصر في "السنة" "ص116"، والخطيب في الفقيه والمتفقه" "1/ 89"، وابن رؤبة مقبول، وقد توبع.
وأخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب العلم، باب ما نهي عنه أن يقال عند حديث النبي, صلى الله عليه وسلم 5/ 38/ رقم 2669"، وابن ماجه في "السنن" "المقدمة، باب تعظيم حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والتغليظ على من عارضه، 1/ 6/ رقم 12"، وأحمد في "المسند" "4/ 130-131"، والدارمي في "السنن" "1/ 144"، والدارقطني في "السنن" "4/ 286"، والبيهقي في "الكبرى" "7/ 76"، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" "1/ 88"، و"الكفاية" "8-9"، وابن عبد البر في "الجامع" "رقم 2343"، والحازمي في "الاعتبار" "ص245"، والسمعاني في "أدب الإملاء والاستملاء" "ص3"، والهروي في "ذم الكلام" "ص72" من طريق معاوية بن صالح عن الحسن بن جابر عن المقدام بن معدي كرب، وذكر لفظًا نحوه، وسيأتي عند المصنف "ص323"، والحسن بن جابر وثقه ابن حبان، وقال ابن حجر في "التقريب": "مقبول"، وفي الباب عن جماعة كما سيأتي "ص323".
1 أخرجه ابن جرير في "التفسير" "5/ 96"، وابن بطة في "الإبانة" "رقم 58، 59، 85"، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" "1/ 72-73/ رقم 76"، والهروي في "ذم الكلام" "ص76"، وابن عبد البر في "الجامع" "رقم 2328، 2344"، والطحاوي في "المشكل" "1/ 474"، وابن شاهين في "السنة" "45"، والخطيب في "الفقيه" "1/ 144" بإسناد حسن، وذكره البيهقي في "الاعتقاد" "ص129"، وأسنده في "المدخل" كما في "مفتاح الجنة" "ص20".
2 {أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} ساقطة من الأصل.
(4/191)

[وَلَا] يُقَالُ1: إِنَّ السُّنَّةَ يُؤْخَذُ بِهَا عَلَى أَنَّهَا بَيَانٌ لِكِتَابِ اللَّهِ لِقَوْلِهِ: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِم} [النَّحْلِ: 44] , وَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ لِأَنَّا نَقُولُ: إِنْ كَانَتِ السُّنَّةُ بَيَانًا لِلْكِتَابِ؛ فَفِي أَحَدِ قِسْمَيْهَا، فَالْقِسْمُ الْآخَرُ2 زِيَادَةٌ عَلَى حُكْمِ الْكِتَابِ؛ كَتَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ [عَلَى] خَالَتِهَا3، وَتَحْرِيمِ الحُمر الْأَهْلِيَّةِ4، وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ5.
وَقِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: "هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قُلْتُ: وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: الْعَقْلُ، وَفِكَاكُ الْأَسِيرِ، وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بكافر"6.
__________
1 المناسب أن يكون قد سقط منه كلمة "لا"؛ فهو ينفي من أول الأمر صحة أن يكون هذا جوابًا ويدفع توهم الإجابة به، أما ما قيل من أصله "ويمكن أن يقال"؛ فإنه لا يناسب قوله بعد: "لأنا نقول"؛ إذ هو تعليل لنفي صحة الإجابة به لا لإمكانها. "د".
قلت: وهذا رد على "ف"؛ حيث قال: "ويمكن أن يقال: أي: جوابًا عن قوله، ولقائل ... إلخ، وقوله: "لأنا نقول" رد لهذا الجواب". قلت: والمثبت من "ط" فقط.
2 لعله: "والقسم" بالواو، وسيأتي هذا التقسيم. "ف".
3 مضى نصه وتخريجه في التعليق على "3/ 82"، وما بين المعقوفتين ليس في "د".
4 أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، 7/ 467-468/ رقم 4198، 4199"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصيد والذبائح، باب تحريم أكل لحم الحُمر الإنسية، 3/ 1540/ رقم 1940" عن أنس؛ قال: ".... فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبا طلحة فنادى: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر؛ فإنها رجس أو نجس".
وفي الباب عن جماعة من الصحابة.
5 أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب الذبائح والصيد، باب أكل كل ذي ناب من السباع، 9/ 657/ رقم 5530"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصيد والذبائح، باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، 3/ 1533/ رقم 1932" عن أبي ثعلبة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع.
6 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب العلم، باب كتابة العلم، 1/ 204/ رقم 111" عن أبي جحيفة؛ قال: قلت لعلي ... وذكره.
وانظر دراسة توثيقية فقهية جيدة عن "صحيفة علي بن أبي طالب" رضي الله عنه في دراسة مستقلة للدكتور رفعت فوزي عبد المطلب، طبع دار السلام - القاهرة، سنة 1406هـ.
(4/192)

وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا شَيْءَ عِنْدَهُمْ إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ؛ فَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ عِنْدَهُمْ مَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا أَصَّلَتْ.
وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي الدَّلِيلِ الثَّانِي، وَهُوَ السُّنَّةُ1 بِحَوْلِ اللَّهِ.
وَمِنْ نَوَادِرِ الِاسْتِدْلَالِ الْقُرْآنِيِّ مَا نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ أَقَلَّ: الْحَمْلِ2 سِتَّةُ أَشْهُرٍ انْتِزَاعًا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} [الْأَحْقَافِ: 15] مَعَ قَوْلِهِ: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} 3 [لُقْمَانَ: 14] .
__________
1 في المسألة الرابعة هناك التفصيل الوافي في السؤال والجواب. "د".
2 جعلوه في الأصول من باب دلالة المنطوق غير الصريح، من نوع دلالة الإشارة، وهو ما كان لازمًا لم تقصد إفادته، ومثله دلالة الحديث: "تمكث شطر دهرها لا تصلي" على أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا. "د". قلت: إلا أن حديث "تمكث ... " لم يصح؛ كما فصلناه في التعليق على "2/ 152"، والمثبت من "ط" وفي غيره: "علي أنه قال: الحمل ... "!!
3 يشير المصنف إلى ما أخرجه مالك في "الموطأ" "2/ 825, رواية يحيى"، ومن طريقه إسماعيل بن إسحاق القاضي في "أحكام القرآن"، كما في "المعتبر" "رقم 208"، والبيهقي في "الكبرى" "7/ 442-443" أنه بلغه أن عثمان بن عفان أتي بامرأة قد ولدت في ستة أشهر، فأمر بها أن ترجم، فقال له علي بن أبي طالب: ليس ذلك عليها، وقد قال الله تعالى في كتابه: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} ، وقال: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} ، وقال: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} ؛ قال: فالرضاعة أربعة وعشرون شهرًا، والحمل ستة أشهر.
ووصله ابن أبي ذئب في "موطئه" كما في "الاستذكار" "24/ 73"، ومن طريقه ابن جرير في "التفسير" "35/ 102"، وابن شبة في "تاريخ المدينة" "3/ 979"، وابن أبي حاتم في "تفسيره", ومن طريقه ابن حجر في "موافقة الخبر الخبر" "2/ 214", من طريق يزيد بن عبد الله بن قسيط عن بعجة بن عبد الله الجهني به مطولًا، قال ابن حجر: "هذا موقوف صحيح"، وقال: =
(4/193)

وَاسْتِنْبَاطُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ فَلَا حَظَّ لَهُ فِي الْفَيْءِ1 مِنْ قَوْلِهِ2: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا} الآية [الحشر: 10] .
__________
= "وأظن مالكًا سمعه من ابن قسيط؛ فإنه من شيوخه".
ثم قال: "وقد أخرج إسماعيل القاضي في كتاب "أحكام القرآن" بسند له فيه رجل مبهم عن ابن عباس أنه جرى له مع عثمان في نحو هذه القصة الذي جرى لعلي؛ فاحتمل أنه كان محفوظًا أن يكون توافق معه، وأما احتمال التعدد؛ فبعيد جدًّا".
قلت: وأخرج ما جرى وابن عباس مع عثمان: ابن شبة في "تاريخ المدينة" "3/ 977، 978"، وابن جرير في "التفسير" "5/ 34, ط شاكر"، وسعيد بن منصور في "سننه" "3/ 2/ 69"، وعبد الرزاق في "المصنف" "7/ 351، 352"، وهذه رواية ثقات أهل مكة، والرواية الأولى رواية أهل المدينة، وأهل البصرة يرونها لعمر بن علي؛ كما عند ابن شبة في "تاريخ المدينة" "3/ 979"، والبيهقي في "الكبرى" "7/ 442".
وانظر: "الاستذكار" "24/ 74-75"، و"المعتبر" "ص194" للزركشي، و"تفسير ابن كثير" "4/ 136، 157".
1 ذكره عن مالك أيضًا البغوي في "شرح السنة" "1/ 229"، والقاضي عياض في "الشفا" "2/ 268"، والقرطبي في "تفسيره" "16/ 296-297و18/ 32"، والمصنف في "الاعتصام" "2/ 97"، والسيوطي في "الأمر بالاتباع" "ص76, بتحقيقي"، وابن حجر الهيتمي في "الصواعق المحرقة" "252".
وأخرجه عنه مسندًا ابن أبي زمنين في "أصول السنة" "رقم 190"، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" "7/ رقم 2400"، وأبو نعيم في "الحلية" "6/ 327"، وابن عبد البر في "الانتقاء" "35"، والضياء المقدسي في "النهي عن سب الأصحاب" "رقم 32، 33, بتحقيقي"، والخطيب كما قال القرطبي في "التفسير" "16/ 296-297"، وهو صحيح عنه.
2 رأى ابن عمر كما في "صحيح أبي داود" أن آية: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِه....} إلخ [الحشر: 7] استوعبت ما ذكر فيها وما بعده من الفقراء والمهاجرين والذين تبوءوا الدار والذين جاءوا من بعدهم؛ فجعل مالك قولهم: {وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا} [الحشر: 10] شرطًا لاستحقاقهم في الفيء؛ لأن قوله: "يقولون" حال؛ فهو قيد في الاستحقاق من الفيء، وأي غل أعظم من غل من يسب الصحابة؟ أما على رأي من يجعل قوله: "للفقراء ... إلخ" كلامًا مستأنفًا؛ فلا يظهر وجه الاستدلال به. "د".
(4/194)

وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: "الْوَلَدُ لَا يَمْلِكُ"1: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} [الْأَنْبِيَاءِ: 26] .
وَقَوْلُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ2: "إِنَّ الْإِنْسَانَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ عَلَقَةً لَا يُسَمَّى إِنْسَانًا" مِنْ قَوْلِهِ: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَق} [الْعَلَقِ: 2] .
وَاسْتِدْلَالُ مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ عَلَى أَنَّ الْعَرَبِيَّ غَيْرُ مَطْبُوعٍ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ3 بُقُولِهِ: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} [النَّحْلِ: 78] .
وَأَغْرَبُ [من] 4 ذَلِكَ اسْتِدْلَالُ ابْنِ الْفَخَّارِ الْقُرْطُبِيِّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَاءَ بِالرِّءُوسِ إِلَى جَانِبٍ عِنْدَ الْإِبَايَةِ وَالْإِيمَاءَ بِهَا سُفْلًا عِنْدَ الْإِجَابَةِ5 أَوْلَى مِمَّا يَفْعَلُهُ
__________
1 لأنه رد عليهم بأنهم عباد الله، جمع عبد، فمعناه أنه كيف يجمع بين كونهم عبادًا وهو مسلم وبين كونهم أولاد الله؟ يعني: ولا يتأتى ذلك لما هو مسلم من أن الولد لا يملك لوالده للتنافي في اللوازم؛ فالقرآن يقرر هذا الحكم بهذه الدلالة الإشارية. "د".
قلت: انظر: "الإكليل" للسيوطي "ص179".
2 في "أحكام القرآن" "4/ 1955".
3 واستنبط السيوطي في "الإكليل" "163" منها على أن الأصل في الناس الجهل حتى يبحثوا عن العلم.
4 سقطت من الأصل و"ط" والنسخ المطبوعة، وأثبتناها من "م"، وكتب "ف": "الأنسب "وأغرب من ذلك"".
5 على فرض أنها تفيد أن الإيماء إلى جانب فيه الإباية؛ فليس في الآية ما يفيد أن الإيماء سفلاً فيه الإجابة، وأيضًا؛ فأصل الكلام إنكار لفعلهم هذا، وأن عادتهم كانت كذلك، وليس فيه إقرار لفعلهم حتى تؤخذ الأولوية للإشارة عند الإباية بليّ الرءوس؛ فلذا عده غريبًا، ولو أطلق عليه أكثر من ذلك لحق له. "د".
(4/195)

الْمَشَارِقَةُ مِنْ خِلَافِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ} الْآيَةَ [الْمُنَافِقُونَ: 5] .
وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الشِّبْلِيُّ الصُّوفِيُّ إِذَا لَبِسَ شَيْئًا خَرَقَ فِيهِ مَوْضِعًا؛ فَقَالَ لَهُ ابْنُ مُجَاهِدٍ: أَيْنَ فِي الْعِلْمِ إِفْسَادُ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ؟ فَقَالَ: {فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ} 1 [ص: 33] . ثُمَّ قَالَ الشِّبْلِيُّ: أَيْنَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّ الْحَبِيبَ لَا يُعَذِّبُ حَبِيبَهُ؟ فَسَكَتَ ابْنُ مُجَاهِدٍ وَقَالَ لَهُ: قُلْ: قَالَ قَوْلُهُ: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ: 18] .
وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ2 عَلَى مَنْعِ سَمَاعِ الْمَرْأَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} الآية [الأعراف: 143] .
__________
1 إفساد المال في شريعتنا غير جائز، وخوف الاشتغال به لا يجيز إفساده، وطرق التحفظ من الاشتغال به كثيرة منها الهبة والصدقة وغيرهما، وشرع من قبلنا يعمل به ما لم ينسخ، على أنه إذا كان المسح برقاب الخيل وسوقها معناه ضربهما بالسيف كما قاله الجمهور, لا المسح باليد عند استعراضها لتفقد أحوالها وإصلاح شأنها كما قال الفخر الرازي والطبري، وكما روى عن ابن عباس والزهري، فأما أن يكون ذلك في شريعته للتقرب بذبحها كما يتقرب النعم، وأما أن يكون مجرد خدش ليكون علامة على تحبيسها في سبيل الله على حد وسم إبل الصدقة، قال الآلوسي: "أما إنه أتلفها غضبًا لأنها شغلته؛ فقول باطل لا ينظر إليه" ا. هـ. وهذا كله داخل تحت قوله: "وفي بعض هذه الاستدلالات نظر". "د".
قلت: قال القرطبي في "تفسيره" "15/ 197": "وقد استدل الشبلي وغيره من الصوفية في تقطيع ثيابهم وتخريقها بفعل سليمان هذا، وهو استدلال فاسد".
2 رتب موسى -عليه السلام- طلب النظر على تكليم الله تعالى له؛ ففهم هذا البعض أن موسى بنى هذا على أن من يجوز سماع كلامه يجوز النظر إليه وبالعكس, وحيث إن المرأة لا تجوز رؤيتها باتفاق؛ فلا يجوز سماع كلامها، وما أبعد هذا لا سيما مع ملاحظة الفرق في مادة الجواز؛ ففي مسألة موسى الجواز عقلي، ومسألة رؤية المرأة وسماع كلامها الكلام فيه من أحكام التكليف الخمسة، فلما لم تجز رؤية المرأة والنظر إليها باتفاق؛ لم يجز سماع كلامها. "د". قلت: والصواب أن النساء يرين الله تعالى، والأدلة على ذلك كثيرة، وانتصر لهذا الرأي شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة مفردة موجودة في "مجموع الفتاوى" "6/ 401-460"، وكذا السيوطي في "تحفة الجلساء في رؤية الله للنساء"، وهي مطبوعة في "الحاوي للفتاوى" له "2/ 198-201".
(4/196)

وَفِي بَعْضِ هَذِهِ الِاسْتِدْلَالَاتِ نَظَرٌ.
فَصْلٌ:
وَعَلَى هذا لا بد فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ يُرَادُ تَحْصِيلُ عِلْمِهَا عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ أَنْ يُلْتَفَتَ إِلَى أَصْلِهَا فِي الْقُرْآنِ، فَإِنْ وُجِدَتْ مَنْصُوصًا عَلَى عَيْنِهَا أَوْ ذُكِرَ نَوْعُهَا أَوْ جِنْسُهَا؛ فَذَاكَ، وَإِلَّا؛ فَمَرَاتِبُ النَّظَرِ فِيهَا مُتَعَدِّدَةٌ، لَعَلَّهَا تُذْكَرُ بَعْدُ فِي مَوْضِعِهَا, إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ كِتَابِ الْأَدِلَّةِ قَبْلَ هَذَا أَنَّ كُلَّ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ؛ فَإِمَّا مَقْطُوعٌ بِهِ، أَوْ رَاجِعٌ إِلَى مَقْطُوعٍ1 بِهِ، وَأَعْلَى مَرَاجِعِ الْمَقْطُوعِ بِهِ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ؛ فَهُوَ أَوَّلُ مَرْجُوعٍ إِلَيْهِ، أَمَّا إِذَا لَمْ يُرَدْ مِنَ الْمَسْأَلَةِ إِلَّا الْعَمَلُ خَاصَّةً، فَيَكْفِي الرُّجُوعُ فِيهَا إِلَى السُّنَّةِ الْمَنْقُولَةِ بِالْآحَادِ، كَمَا يَكْفِي الرُّجُوعُ فِيهَا إِلَى قَوْلِ الْمُجْتَهِدِ، وَهُوَ أَضْعَفُ، وَإِنَّمَا يُرْجَعُ فِيهَا إِلَى أَصْلِهَا فِي الْكِتَابِ لِافْتِقَارِهِ إِلَى ذَلِكَ فِي جَعْلِهَا أَصْلًا يُرْجَعُ إِلَيْهِ، أَوْ دِينًا يُدَانُ اللَّهُ بِهِ؛ فَلَا يَكْتَفِي بِمُجَرَّدِ تَلَقِّيهَا مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ2 كَمَا تَقَدَّمَ.
__________
1 في الأصل: "المقطوع".
2 كلام المصنف هنا مبني على أصل عنده، سيأتي ذكره في "ص316"، من أن السنة لا يوجد فيها شيء إلا وله أصل في القرآن؛ فانظره ومناقشته هناك.
(4/197)

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ:
الْعُلُومُ الْمُضَافَةُ إِلَى الْقُرْآنِ تَنْقَسِمُ عَلَى أَقْسَامٍ:
قِسْمٌ هُوَ كَالْأَدَاةِ لِفَهْمِهِ وَاسْتِخْرَاجِ مَا فِيهِ مِنَ الْفَوَائِدِ، وَالْمُعِينِ عَلَى مَعْرِفَةِ مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْهُ؛ كَعُلُومِ1 اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ التي لا بد مِنْهَا وَعِلْمِ الْقِرَاءَاتِ، وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، وَقَوَاعِدِ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَهَذَا لَا نَظَرَ فِيهِ هُنَا.
وَلَكِنْ قَدْ يُدَّعَى فِيمَا لَيْسَ بِوَسِيلَةٍ أَنَّهُ وَسِيلَةٌ إِلَى فَهْمِ الْقُرْآنِ، وَأَنَّهُ مَطْلُوبٌ كَطَلَبِ مَا هُوَ وَسِيلَةٌ بِالْحَقِيقَةِ، فَإِنَّ عِلْمَ الْعَرَبِيَّةِ، أَوْ عِلْمَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، وَعِلْمَ الْأَسْبَابِ، وَعِلْمَ الْمَكِّيِّ وَالْمَدَنِيِّ، وَعِلْمَ الْقِرَاءَاتِ، وَعِلْمَ أُصُولِ الْفِقْهِ، مَعْلُومٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا مُعِينَةٌ عَلَى فَهْمِ الْقُرْآنِ، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ؛ فَقَدْ يَعُدُّهُ بَعْضُ النَّاسِ وَسِيلَةً أَيْضًا وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ، كَمَا تَقَدَّمَ2 فِي حِكَايَةِ الرَّازِيِّ فِي جَعْلِ عِلْمِ الْهَيْئَةِ وَسِيلَةً إِلَى فَهْمِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ} [ق: 6] .
وَزَعَمَ ابْنُ رُشْدٍ الْحَكِيمُ فِي كِتَابِهِ الذي سماه بـ"فصل الْمَقَالِ فِيمَا بَيْنَ الشَّرِيعَةِ وَالْحِكْمَةِ مِنَ الِاتِّصَالِ"3 أَنَّ عُلُومَ الْفَلْسَفَةِ مَطْلُوبَةٌ؛ إِذْ لَا يُفْهَمُ الْمَقْصُودُ مِنَ الشَّرِيعَةِ عَلَى الْحَقِيقَةِ إِلَّا بِهَا، وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ الْأَمْرَ بِالضِّدِّ مِمَّا قَالَ لَمَا بَعُدَ فِي الْمُعَارَضَةِ.
وَشَاهِدُ مَا بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ شَأْنُ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِي تِلْكَ4 الْعُلُومِ، هَلْ كَانُوا آخِذِينَ فِيهَا، أَمْ كَانُوا تَارِكِينَ لَهَا أَوْ غَافِلِينَ عَنْهَا؟ مَعَ الْقَطْعِ بِتَحَقُّقِهِمْ بِفَهْمِ الْقُرْآنِ، يَشْهَدُ لَهُمْ بِذَلِكَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالْجَمُّ الْغَفِيرُ؛ فَلْيَنْظُرِ امرؤ أين يضع قدمه،
__________
1 في الأصل: "العلم".
2 في "1/ 51-52".
3 وهو مطبوع، والمذكور فيه: "ص19 وما بعدها".
4 في "ط": "ترك".
(4/198)

وَثَمَّ أَنْوَاعٌ أُخَرُ يَعْرِفُهَا مَنْ زَاوَلَ هَذِهِ الْأُمُورَ، وَلَا يُنْبِئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ؛ فَأَبُو حَامِدٍ1 مِمَّنْ قَتَلَ هَذِهِ الْأُمُورَ خِبْرَةً، وَصَرَّحَ فِيهَا بِالْبَيَانِ الشَّافِي فِي مَوَاضِعٍ مِنْ كُتُبِهِ.
وَقَسْمٌ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ جُمْلَتِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَلَامٌ، لَا مِنْ حَيْثُ هُوَ خِطَابٌ بِأَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، بَلْ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ هُوَ، وَذَلِكَ مَا فِيهِ مِنْ دَلَالَةِ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ كَوْنُهُ مُعْجِزَةً لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَإِنَّ هَذَا الْمَعْنَى لَيْسَ مَأْخُوذًا مِنْ تَفَاصِيلِ الْقُرْآنِ كَمَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ؛ إِذْ لَمْ تَنُصَّ آيَاتُهُ وَسُوَرُهُ عَلَى ذَلِكَ مِثْلَ نَصِّهَا عَلَى الْأَحْكَامِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَغَيْرِهِمَا، وَإِنَّمَا فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلَى التَّعْجِيزِ أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، وَذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ دُونَ شَيْءٍ، وَلَا سُورَةٍ دُونَ سُورَةٍ، وَلَا نَمَطٍ مِنْهُ دُونَ آخَرَ، بَلْ مَاهِيَّتُهُ هِيَ الْمُعْجِزَةُ لَهُ، حَسْبَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ [قَوْلُهُ عَلَيْهِ] 2 الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: " مَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتيته وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ؛ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ" 3؛ فهو بهيأته الَّتِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا دَالٌّ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- وَفِيهَا عَجَزَ الْفُصَحَاءُ اللُّسُنُ، وَالْخُصَمَاءُ اللُّدُّ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمَا يُمَاثِلُهُ أَوْ يُدَانِيهِ، وَوَجْهُ كَوْنِهِ مُعْجِزًا لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْرِيرِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؛ لِأَنَّهُ كَيْفَمَا تُصَوِّرَ4 الْإِعْجَازُ بِهِ؛ فَمَاهِيَّتُهُ هِيَ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ؛ فَإِلَى أَيِّ نَحْوٍ مِنْهُ مِلْتَ دَلَّك [ذَلِكَ] 5 عَلَى صَدْقِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَهَذَا الْقِسْمُ أَيْضًا لَا نَظَرَ فيه هنا، وموضعه كتب الكلام.
__________
1 من لطيف ما قيل عنه عبارة ابن العربي: "شيخنا أبو حامد بلع الفلاسفة، وأراد أن يتقيأهم فما استطاع".
انظر: "الصفدية" "1/ 211"، و"السير" "19/ 327"، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" "4/ 66، 164".
2 ما بين المعقوفتين سقط من "د".
3 مضى تخريجه "ص180".
4 في "ط": "يتصور".
5 ليست في الأصل ولا في "ط".
(4/199)

وَقِسْمٌ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ عَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي إِنْزَالِهِ، وَخِطَابِ الْخَلْقِ بِهِ، وَمُعَامَلَتِهِ لَهُمْ بِالرِّفْقِ وَالْحُسْنَى مِنْ جَعْلِهِ عَرَبِيًّا يَدْخُلُ تَحْتَ نَيْلِ أَفْهَامِهِمْ، مَعَ أَنَّهُ الْمُنَزَّهُ الْقَدِيمُ، وَكَوْنُهُ تَنَزَّلَ لَهُمْ بِالتَّقْرِيبِ وَالْمُلَاطَفَةِ وَالتَّعْلِيمِ فِي نَفْسِ الْمُعَامَلَةِ بِهِ، قَبْلَ النَّظَرِ إِلَى مَا حَوَاهُ مِنَ الْمَعَارِفِ وَالْخَيْرَاتِ، وَهَذَا نَظَرٌ خَارِجٌ عَمَّا تَضَمَّنَهُ الْقُرْآنُ مِنَ الْعُلُومِ، وَيَتَبَيَّنُ صِحَّةُ الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ فِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ، وَهُوَ أَصْلُ التَّخَلُّقِ1 بِصِفَاتِ اللَّهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِأَفْعَالِهِ.
وَيَشْتَمِلُ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْأَصْلِيَّةِ وَالْفَوَائِدِ الْفَرْعِيَّةِ، وَالْمَحَاسِنِ الْأَدَبِيَّةِ؛ فَلْنَذْكُرْ مِنْهَا أَمْثِلَةً يُسْتَعَانُ بِهَا فِي فَهْمِ الْمُرَادِ:
- فَمِنْ ذَلِكَ: عَدَمُ الْمُؤَاخَذَةِ قَبْلَ الْإِنْذَارِ، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ إِخْبَارُهُ تَعَالَى عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الْإِسْرَاءِ: 15] ؛ فَجَرَتْ عَادَتُهُ فِي خَلْقِهِ أَنَّهُ لَا يُؤَاخِذُ بِالْمُخَالَفَةِ إِلَّا بَعْدَ إِرْسَالِ الرُّسُلِ، فَإِذَا قَامَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الْكَهْفِ: 29] ، وَلِكُلٍّ جَزَاءُ مِثْلِهِ.
- وَمِنْهَا: الْإِبْلَاغُ فِي إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى مَا خَاطَبَ بِهِ الْخَلْقَ؛ فَإِنَّهُ تَعَالَى أَنْزَلَ الْقُرْآنَ بُرْهَانًا فِي نَفْسِهِ عَلَى صِحَّةِ مَا فِيهِ، وَزَادَ عَلَى يَدَيْ رَسُولِهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- مِنَ الْمُعْجِزَاتِ مَا فِي بَعْضِهِ الْكِفَايَةُ2.
- وَمِنْهَا: تَرْكُ الْأَخْذِ مِنْ أَوَّلِ مَرَّةٍ بِالذَّنْبِ، وَالْحِلْمُ عَنْ تعجيل المعاندين
__________
1 قرر ابن تيمية في "الصفدية" "2/ 337"، وابن القيم في "بدائع الفوائد" "1/ 164" و"عدة الصابرين" "36" أن هذه العبارة غير سديدة، وأنها منتزعة من قول الفلاسفة بالتشبه بالإله على قدر الطاقة، وبينا أن هذا مسلك ابن عربي وابن سبعين وغيرهما من ملاحدة الصوفية، وصار ذلك مع ما ضموا إليه من البدع والإلحاد موقعًا لهم في الحلول والاتحاد، وذكرا أن الأحسن من هذه العبارة التعبد، وأحسن منها -بالعبارة المطابقة للقرآن- وهي الدعاء، المتضمن للتعبد والسؤال.
2 في "ف": "ما فيه"، وقال: "لعله "ما في بعضه الكفاية".
(4/200)

بِالْعَذَابِ، مَعَ تَمَادِيهِمْ عَلَى الْإِبَايَةِ وَالْجُحُودِ بَعْدَ وُضُوحِ الْبُرْهَانِ، وَإِنِ اسْتَعْجَلُوا بِهِ.
- وَمِنْهَا: تَحْسِينُ الْعِبَارَةِ بِالْكِنَايَةِ وَنَحْوِهَا فِي الْمَوَاطِنِ الَّتِي يُحْتَاجُ فِيهَا إِلَى ذِكْرِ مَا يُسْتَحْيَا مِنْ ذِكْرِهِ فِي عَادَتِنَا؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النِّسَاءِ: 43، وَالْمَائِدَةِ: 6] .
{وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التَّحْرِيمِ: 12] .
وَقَوْلِهِ: {كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَام} [الْمَائِدَةِ: 75] .
حَتَّى إِذَا وَضَحَ السَّبِيلُ فِي مَقْطَعِ الْحَقِّ، وَحَضَرَ وَقْتُ التَّصْرِيحِ بما ينبغي التصريح به1؛ فلا بد مِنْهُ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [الْبَقَرَةِ: 26] .
{وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} [الْأَحْزَابِ: 53] .
- وَمِنْهَا: التَّأَنِّي فِي الْأُمُورِ، وَالْجَرْيُ عَلَى مَجْرَى التَّثَبُّتِ، وَالْأَخْذُ بِالِاحْتِيَاطِ، وَهُوَ الْمَعْهُودُ فِي حَقِّنَا؛ فَلَقَدْ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نُجُومًا فِي عِشْرِينَ سَنَةً؛ حَتَّى قَالَ الْكُفَّارُ: {لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} [الْفَرْقَانِ: 32] .
فَقَالَ اللَّهُ: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} [الْفَرْقَانِ: 32] .
وَقَالَ: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} [الْإِسْرَاءِ: 106] .
وَفِي هَذِهِ الْمُدَّةِ كَانَ الْإِنْذَارُ يَتَرَادَفُ، والصراط يستوي بالنسبة إلى كل
__________
1 كذا في الأصل و"ط"، وفي غيرهما: "به".
(4/201)

وُجْهَةٍ وَإِلَى كُلِّ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ، وَحِينَ أَبَى من أبى من الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ أَوْ أَكْثَرَ بُدِئُوا1 بِالتَّغْلِيظِ بِالدُّعَاءِ؛ فَشُرِعَ الْجِهَادُ لَكِنْ عَلَى تَدْرِيجٍ2 أَيْضًا، حِكْمَةً بَالِغَةً، وَتَرْتِيبًا يَقْتَضِيهِ الْعَدْلُ وَالْإِحْسَانُ، حَتَّى إِذَا كَمُلَ3 الدِّينُ، وَدَخَلَ النَّاسُ فِيهِ أَفْوَاجًا، وَلَمْ يَبْقَ لِقَائِلٍ مَا يَقُولُ؛ قَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ إِلَيْهِ وَقَدْ بَانَتِ الْحُجَّةُ، وَوَضَحَتِ الْمَحَجَّةُ، وَاشْتَدَّ أُسُّ4 الدِّينِ، وَقَوِيَ عَضُدُهُ بِأَنْصَارِ اللَّهِ؛ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ كَثِيرًا عَلَى ذَلِكَ.
- وَمِنْهَا: كَيْفِيَّةُ تَأَدُّبِ الْعِبَادِ إِذَا قَصَدُوا بَابَ رَبِّ الْأَرْبَابِ بِالتَّضَرُّعِ وَالدُّعَاءِ؛ فَقَدْ بَيَّنَ مَسَاقُ الْقُرْآنِ آدَابًا اسْتُقْرِئَتْ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهَا بِالْعِبَارَةِ؛ فَقَدْ أَغْنَتْ إِشَارَةُ التَّقْرِيرِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِالتَّعْبِيرِ، فَأَنْتَ تَرَى أَنَّ نِدَاءَ اللَّهِ لِلْعِبَادِ لَمْ يَأْتِ فِي الْقُرْآنِ فِي الْغَالِبِ إِلَّا بِـ"يَا" الْمُشِيرَةِ إِلَى بُعْدِ الْمُنَادِي لِأَنَّ صَاحِبَ النِّدَاءِ مُنَزَّهٌ عَنْ مُدَانَاةِ الْعِبَادِ، مَوْصُوفٌ بِالتَّعَالِي عَنْهُمْ وَالِاسْتِغْنَاءِ، فَإِذَا قَرَّرَ نِدَاءَ الْعِبَادِ لِلرَّبِّ أَتَى بِأُمُورٍ تَسْتَدْعِي قُرْبَ الْإِجَابَةِ:
- مِنْهَا: إِسْقَاطُ حَرْفِ النِّدَاءِ الْمُشِيرِ إِلَى قُرْبِ الْمُنَادَى، وَأَنَّهُ حَاضِرٌ مَعَ الْمُنَادِيِ غَيْرُ غَافِلٍ عَنْهُ؛ فَدَلَّ عَلَى اسْتِشْعَارِ الرَّاغِبِ هَذَا الْمَعْنَى؛ إِذْ لَمْ يَأْتِ فِي الْغَالِبِ إِلَّا "رَبَّنَا" "رَبَّنَا" كَقَوْلِهِ: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا} 5 [الْبَقَرَةِ: 286] .
{رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} [البقرة: 127] .
__________
1 في "ط": "بدئ".
2 كما سبق إذن لا إيجاب، ثم إيجاب لمقاتلة من يلونهم من الكفار، ثم مقاتلة المشركين كافة. "د".
3 في الأصل: "أكمل".
4 في الأصل: "أمر".
5 وهذا وما ماثله وإن كان على لسان العباد؛ إلا أنه بتعليمه تعالى لهم؛ فلا يقال: إن هذا حكاية لما قالوه، ولا يتأتى أن يغير شيئًا منها بحذف حرف النداء ليعلمنا بذلك شيئًا من آداب مخاطبته تعالى. "د".
(4/202)

{رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي} [آل عمران: 35] .
{رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} [الْبَقَرَةِ: 260] .
- وَمِنْهَا: كَثْرَةُ مَجِيءِ النِّدَاءِ بِاسْمِ الرَّبِّ الْمُقْتَضِي لِلْقِيَامِ بِأُمُورِ الْعِبَادِ1 وَإِصْلَاحِهَا؛ فَكَانَ العبد متعلق2 بِمَنْ شَأْنُهُ التَّرْبِيَةُ وَالرِّفْقُ وَالْإِحْسَانُ، قَائِلًا: يَا مَنْ هُوَ الْمُصْلِحُ لِشِئُونِنَا عَلَى الْإِطْلَاقِ أَتِمَّ لَنَا ذَلِكَ بِكَذَا، وَهُوَ مُقْتَضَى مَا يَدْعُو بِهِ، وَإِنَّمَا أَتَى "اللَّهُمَّ" فِي مَوَاضِعَ قَلِيلَةٍ، ولمعانٍ اقْتَضَتْهَا الْأَحْوَالُ.
- وَمِنْهَا: تَقْدِيمُ الْوَسِيلَةِ بَيْنَ يَدَيِ الطَّلَبِ3؛ كَقَوْلِهِ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} الْآيَةَ [الْفَاتِحَةِ: 5-6] .
{رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا} [آلِ عِمْرَانَ: 16] .
{رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ} [آلِ عِمْرَانَ: 53] .
{رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ} [آلِ عِمْرَانَ: 191] .
{رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً} الْآيَةَ [يُونُسَ: 88] .
{رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ....} إِلَى قَوْلِهِ: {وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا} [نُوحٍ: 21-28] .
{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} [الْبَقَرَةِ: 127] .
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآدَابِ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنْ مُجَرَّدِ التَّقْرِيرِ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَشْيَاءُ ذُكِرَتْ فِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ فِي الِاقْتِدَاءِ بالأفعال، والتخلق
__________
1 في "ط": "العبد".
2 كذا في الأصل و"ط"، وفي غيرهما: "فكان العبد متعلقًا".
3 انظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "10/ 284-286".
(4/203)

بِالصِّفَاتِ، تُضَافُ إِلَى مَا هُنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ1 أَيْضًا مِنْهُ جُمْلَةٌ فِي كِتَابِ الْمَقَاصِدِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقُرْآنَ احْتَوَى مِنْ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْفَوَائِدِ وَالْمَحَاسِنِ الَّتِي تَقْتَضِيهَا الْقَوَاعِدُ الشَّرْعِيَّةُ عَلَى كَثِيرٍ يَشْهَدُ بِهَا شَاهِدُ الِاعْتِبَارِ، وَيُصَحِّحُهَا نُصُوصُ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ.
وَقِسْمٌ هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَوَّلُ2 بِالذِّكْرِ، وَهُوَ الَّذِي نَبَّهَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ، وَعَرَفُوهُ مَأْخُوذًا مِنْ نُصُوصِ الْكِتَابِ مَنْطُوقِهَا وَمَفْهُومِهَا، عَلَى حَسَبِ مَا أَدَّاهُ اللِّسَانُ الْعَرَبِيُّ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ محتوٍ مِنَ الْعُلُومِ3 عَلَى ثَلَاثَةِ أَجْنَاسٍ هِيَ الْمَقْصُودُ الْأَوَّلُ4:
أَحَدُهَا: مَعْرِفَةُ الْمُتَوَجَّهِ إِلَيْهِ، وَهُوَ اللَّهُ الْمَعْبُودُ سُبْحَانَهُ.
وَالثَّانِي: مَعْرِفَةُ كَيْفِيَّةِ التَّوَجُّهِ إِلَيْهِ.
وَالثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ مَآلِ الْعَبْدِ لِيَخَافَ اللَّهَ بِهِ وَيَرْجُوَهُ.
وَهَذِهِ الْأَجْنَاسُ الثَّلَاثَةُ دَاخِلَةٌ تَحْتَ جِنْسٍ وَاحِدٍ هُوَ الْمَقْصُودُ، عَبَّرَ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون} [الذَّارِيَاتِ: 56] ؛ فَالْعِبَادَةُ هِيَ الْمَطْلُوبُ الْأَوَّلُ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ الْمَعْبُودِ؛ إِذِ الْمَجْهُولُ لَا يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ وَلَا يُقْصَدُ بِعِبَادَةٍ وَلَا بِغَيْرِهَا، فَإِذَا عُرِفَ -وَمِنْ جُمْلَةِ الْمَعْرِفَةِ بِهِ أَنَّهُ آمِرٌ وناهٍ وَطَالِبٌ لِلْعِبَادِ بِقِيَامِهِمْ بِحَقِّهِ- تَوَجَّهَ الطَّلَبُ؛ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى دُونَ معرفة كيفية التعبد؛ فجيء بالجنس الثاني.
__________
1 في المسألة الخامسة من النوع الثاني، وجعل دلالة الكلام على هذه الآداب من نوع الدلالة التبعية، وبسط المقام هناك؛ فراجعه ليتبين به بعض الحاصل الذي أشار إليه بعد. "د".
2 وهو من قسم الدلالة على المعنى الأصلي. "د".
3 في الأصل: "محتوى العلوم".
4 انظر في هذا: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "1/ 20-36".
(4/204)

وَلَمَّا كَانَتِ النُّفُوسُ مِنْ شَأْنِهَا طَلَبُ النَّتَائِجِ وَالْمَآلَاتِ، وَكَانَ مَآلُ الْأَعْمَالِ عَائِدًا عَلَى الْعَامِلِينَ، بِحَسَبِ مَا كَانَ مِنْهُمْ مِنْ طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ، وَانْجَرَّ مَعَ ذَلِكَ التَّبْشِيرُ وَالْإِنْذَارُ فِي ذِكْرِهَا أَتَى بِالْجِنْسِ الثَّالِثِ مُوَضِّحًا لِهَذَا الطَّرَفِ، وَأَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ بِدَارِ إِقَامَةٍ، وَإِنَّمَا الْإِقَامَةُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ.
فَالْأَوَّلُ يَدْخُلُ تَحْتَهُ عِلْمُ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ، وَيَتَعَلَّقُ بِالنَّظَرِ فِي الصِّفَاتِ أَوْ فِي الْأَفْعَالِ النَّظَرُ فِي النُّبُوَّاتِ؛ لِأَنَّهَا الْوَسَائِطُ بَيْنَ الْمَعْبُودِ وَالْعِبَادِ، وَفِي كُلِّ أَصْلٍ ثَبَتَ لِلدِّينِ عِلْمِيًّا كَانَ أَوْ عَمَلِيًّا، وَيَتَكَمَّلُ بِتَقْرِيرِ الْبَرَاهِينِ، وَالْمُحَاجَّةِ لِمَنْ جَادَلَ خَصْمًا مِنَ الْمُبْطِلِينَ1.
وَالثَّانِي: يَشْتَمِلُ عَلَى التَّعْرِيفِ بِأَنْوَاعِ التَّعَبُّدَاتِ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ، وَمَا يَتْبَعُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا مِنَ الْمُكَمِّلَاتِ، وَهِيَ أَنْوَاعُ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، وَجَامِعُهَا2 الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالنَّظَرُ فِيمَنْ يَقُومُ بِهِ.
وَالثَّالِثُ: يَدْخُلُ فِي ضِمْنِهِ النَّظَرُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ: الْمَوْتِ وَمَا يَلِيهِ، وَيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَا يَحْوِيهِ، وَالْمَنْزِلِ الَّذِي يَسْتَقِرُّ فِيهِ، وَمُكَمِّلُ هَذَا الْجِنْسِ التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ، وَمِنْهُ الْإِخْبَارُ عَنِ النَّاجِينَ وَالْهَالِكِينَ وَأَحْوَالِهِمْ، وَمَا أداهم إليه حاصل أعمالهم.
__________
1 في الأصل: "خصماء المبطلين"، وفي "ط": "من خصماء المبطلين".
2 أي: الجامع من بين فروض الكفايات الذي يتعلق بكل مطلوب وكل منهي عنه في الشريعة هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإنه لا يختص بباب من الشريعة دون باب، بخلاف فروض الكفايات الأخرى؛ كالولايات العامة، والجهاد، وتعليم العلم، وإقامة الصناعات المهمة، فهذه كلها فروض كفايات قاصرة على بابها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب كفائي مكمل لجميع أبواب الشريعة، هنا معنى الجمع، وليس المراد بكونه جامعها أنه كلي لها، وأنها جزئيات مندرجة تحته؛ فإنه لا يظهر. "د".
(4/205)

وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا تَلَخَّصَ مِنْ مَجْمُوعِ الْعُلُومِ الْحَاصِلَةِ فِي الْقُرْآنِ اثْنَا عَشَرَ عِلْمًا1، وَقَدْ حَصَرَهَا الْغَزَالِيُّ2 فِي سِتَّةِ أَقْسَامٍ: ثَلَاثَةٌ مِنْهَا هِيَ السَّوَابِقُ وَالْأُصُولُ الْمُهِمَّةُ، وَثَلَاثَةٌ هِيَ تَوَابِعٌ وَمُتَمِّمَةٌ.
فَأَمَّا الثَّلَاثَةُ [الْأُوَلُ] 3؛ فَهِيَ تَعْرِيفُ الْمَدْعُوِّ إِلَيْهِ، وَهُوَ شَرْحُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَشْتَمِلُ عَلَى مَعْرِفَةِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ، وَتَعْرِيفِ طَرِيقِ السُّلُوكِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَذَلِكَ بِالتَّحْلِيَةِ بِالْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ، وَالتَّزْكِيَةِ عَنِ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ، وَتَعْرِيفِ الْحَالِ عِنْدَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ، وَيَشْتَمِلُ عَلَى ذِكْرِ حَالَيِ النَّعِيمِ وَالْعَذَابِ، وَمَا يَتَقَدَّمُ ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِ الْقِيَامَةِ.
وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ الْأُخَرُ؛ فَهِيَ تَعْرِيفُ4 أَحْوَالِ الْمُجِيبِينَ لِلدَّعْوَةِ، وَذَلِكَ قِصَصُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ، وَسِرُّهُ التَّرْغِيبُ، وَأَحْوَالِ النَّاكِبِينَ وَذَلِكَ قِصَصُ أَعْدَاءِ اللَّهِ، وَسِرُّهُ التَّرْهِيبُ، وَالتَّعْرِيفُ بِمُحَاجَّةِ الْكُفَّارِ بَعْدَ حِكَايَةِ أَقْوَالِهِمُ الزَّائِغَةِ، وَتَشْتَمِلُ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ بِمَا يُنَزَّهُ عَنْهُ، وَذِكْرِ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- بِمَا لَا يَلِيقُ بِهِ، وَادِّكَارِ5 عَاقِبَةِ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَسِرُّهُ فِي جَنَبَةِ الْبَاطِلِ التَّحْذِيرُ وَالْإِفْضَاحُ، وَفِي جَنَبَةِ الْحَقِّ التَّثْبِيتُ وَالْإِيضَاحُ، وَالتَّعْرِيفُ بِعِمَارَةِ مَنَازِلِ الطَّرِيقِ، وَكَيْفِيَّةِ أَخْذِ
__________
1 لأن كل واحد من الأجناس الثلاثة تحته ثلاثة أنواع من العلم، ولكل جنس مكمل، أما الغزالي؛ فجعل الأجناس الثلاثة علومًا ثلاثة فقط، بدون مراعاة تعدد ما اندرج تحتها والنظر في شعبها، غير أنه جعل الثاني تعريف طريق السلوك إليه بالتحلية والتزكية، وجعل التعريف بالعبادات والمعاملات ... إلخ من التوابع والمتممات، وعليك بالمقارنة بين اعتباراته والاعتبارات السابقة، واعتباره أنسب بمقام الصوفية. "د".
2 في كتابه "جواهر القرآن" "ص9 وما بعدها".
3 زيادة من الأصل و"م" و"ط"، وسقطت من "ف" و"د".
4 فالتعريف الأول مكمل للثالث، والتعريف الثاني مكمل للأول، والتعريف الثالث تابع ومكمل للثاني. "د".
5 في "ط": "وإنكار"!!
(4/206)

الْأُهْبَةِ وَالزَّادِ، وَمَعْنَاهُ مَحْصُولُ مَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَالْجِنَايَاتِ، وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ السِّتَّةُ تَتَشَعَّبُ إِلَى عَشْرَةٍ، وَهِيَ: ذِكْرُ الذَّاتِ، وَالصِّفَاتِ، وَالْأَفْعَالِ، وَالْمَعَادِ، وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَهُوَ جَانِبُ1 التَّحْلِيَةِ وَالتَّزْكِيَةِ، وَأَحْوَالِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْأَوْلِيَاءِ، وَالْأَعْدَاءِ، وَمُحَاجَّةِ الكفار، وحدود الأحكام.
__________
1 في "ط": "جانبا".
(4/207)

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ:
مِنَ النَّاسِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ لِلْقُرْآنِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا1، وَرُبَّمَا نَقَلُوا فِي ذَلِكَ بَعْضَ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ؛ فَعَنِ الْحَسَنِ مِمَّا أَرْسَلَهُ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: "مَا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةً إِلَّا وَلَهَا ظَهْرٌ وَبَطْنٌ -بِمَعْنَى ظَاهِرٍ وَبَاطِنٍ- وَكُلُّ حرفٍ حَدٌّ، وَكُلُّ حَدٍّ مَطْلَعٌ" 2.
وَفُسِّرَ3 بِأَنَّ الظَّهْرَ وَالظَّاهِرَ هُوَ ظَاهِرُ التِّلَاوَةِ، وَالْبَاطِنَ هُوَ الْفَهْمُ عَنِ اللَّهِ لِمُرَادِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [النِّسَاءِ: 78] .
وَالْمَعْنَى: لَا يَفْهَمُونَ عَنِ اللَّهِ مُرَادَهُ مِنَ الْخِطَابِ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُمْ لَا يَفْهَمُونَ نَفْسَ الْكَلَامِ، كَيْفَ وَهُوَ مُنَزَّلٌ بِلِسَانِهِمْ؟ وَلَكِنْ لَمْ يَحْظَوْا4 بِفَهْمِ مُرَادِ اللَّهِ مِنَ الْكَلَامِ، وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ عليّ أنه سئل: هل عندكم كتاب؟
__________
1 انظر: "قانون التأويل" "ص196"، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" "13/ 230 وما بعدها".
2 أخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" "ص43" -ومن طريقه البغوي في "شرح السنة" "1/ 262/ رقم 122"- بإسناد ضعيف، فيه علي بن زيد بن جدعان ضعيف، وهو مرسل.
وأخرجه ابن جرير في "تفسيره" "رقم 11, ط شاكر"، والطبراني في "الكبير" "رقم 10090"، والبزار في "المسند" "رقم 2312"، وابن حبان في "الصحيح" "1/ 276/ رقم 75, الإحسان" عن ابن مسعود مرفوعًا: "أنزل القرآن على سبعة أحرف، لكل آية منها ظهر وبطن".
وإسناده ضعيف، فيه إبراهيم بن مسلم الهجري.
وأخرجه ابن جرير في "التفسير" "رقم 10" من طريق آخر بإسناد فيه مبهم؛ فهو ضعيف، وتكلم البغوي على شرح هذا الحديث بكلام مسهب حسن؛ فراجعه، وانظر أيضًا: "فهم القرآن" للمحاسبي "ص328".
3 المذكور في "تفسير سهل التستري" "ص3".
4 في "ط": "يخصوا".
(4/208)

فَقَالَ: لَا؛ إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ1. الْحَدِيثَ، وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ تَفْسِيرُ الْحَسَنِ لِلْحَدِيثِ؛ إِذْ قَالَ: "الظَّهْرُ هُوَ الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ2 هُوَ السِّرُّ"3.
وَقَالَ تَعَالَى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [النِّسَاءِ: 82] .
فَظَاهِرُ الْمَعْنَى شَيْءٌ، وَهُمْ عَارِفُونَ بِهِ؛ لِأَنَّهُمْ عَرَبٌ وَالْمُرَادُ شَيْءٌ آخَرُ، وَهُوَ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَإِذَا حَصَلَ التَّدَبُّرُ لَمْ يُوجَدْ4 فِي الْقُرْآنِ اخْتِلَافٌ أَلْبَتَّةَ؛ فَهَذَا الْوَجْهُ الَّذِي مِنْ جِهَتِهِ يُفْهَمُ الِاتِّفَاقُ وَيَنْزَاحُ الِاخْتِلَافُ هُوَ الْبَاطِنُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ، وَلَمَّا قَالُوا فِي الْحَسَنَةِ: {هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِِ} [النِّسَاءِ: 78] ، وَفِي السَّيِّئَةِ: هَذَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ، بَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ كُلًّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَنَّهُمْ لَا يفقهون حديثًا، لكن بَيَّنَ الْوَجْهَ الَّذِي يُتَنَزَّلُ عَلَيْهِ أَنَّ كُلًّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} الْآيَةَ [النِّسَاءِ: 79] .
وَقَالَ تَعَالَى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [مُحَمَّدٍ: 24] .
فَالتَّدَبُّرُ إِنَّمَا يَكُونُ لِمَنِ الْتَفَتَ إِلَى الْمَقَاصِدِ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُمْ أَعْرَضُوا عَنْ مَقَاصِدِ الْقُرْآنِ؛ فَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُمْ تَدَبُّرٌ، قَالَ بعضهم: "الكلام في القرآن على ضربين:
__________
1 مضى تخريجه "ص192"، وهو صحيح.
2 كذا في الأصل وجميع الطبعات، والصواب: "والبطن".
3 أخرجه عنه أبو عبيد في "فضائل القرآن" "43".
4 فإن الاختلاف إنما جاء من الوقوف عند بعض الظواهر، وضرب بعضها ببعض، وعدم التدبر في فقه النصوص حتى تتفق في المقصود منها، وذلك بتفسير بعضها ببعض بتخصيص أو تقييد أو تعميم، وهكذا من وجوه الفهم التي ترشد إليها المقاصد الشرعية وسائر أدوات الفهم الستة المتقدمة في المسألة السابعة. "د".
(4/209)

أَحَدُهُمَا: يَكُونُ بِرِوَايَةٍ؛ فَلَيْسَ يُعْتَبَرُ فِيهَا إِلَّا النَّقْلُ.
وَالْآخَرُ: يَقَعُ بِفَهْمٍ؛ فَلَيْسَ يَكُونُ إِلَّا بِلِسَانٍ مِنَ الْحَقِّ إِظْهَارُ1 حِكْمَةٍ عَلَى لِسَانِ الْعَبْدِ" وَهَذَا الْكَلَامُ يُشِيرُ إِلَى مَعْنَى كَلَامِ عَلِيٍّ.
وَحَاصِلُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالظَّاهِرِ هُوَ الْمَفْهُومُ الْعَرَبِيُّ، وَالْبَاطِنُ هُوَ مُرَادُ2 اللَّهِ تَعَالَى مِنْ كَلَامِهِ وَخِطَابِهِ، فَإِنْ كَانَ مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ مَا فُسِّرَ؛ فَصَحِيحٌ وَلَا نِزَاعَ فِيهِ، وَإِنْ أَرَادُوا غَيْرَ ذَلِكَ؛ فَهُوَ إِثْبَاتُ أَمْرٍ زَائِدٍ عَلَى مَا كَانَ معلومًا عند الصحابة ومن بعدهم؛ فلا بد مِنْ دَلِيلٍ قَطْعِيٍّ يُثْبِتُ هَذِهِ الدَّعْوَى لِأَنَّهَا أَصْلٌ يُحْكَمُ بِهِ عَلَى تَفْسِيرِ الْكِتَابِ، فَلَا يَكُونُ ظَنِّيًّا، وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ إِنَّمَا غَايَتُهُ إِذَا صَحَّ سَنَدُهُ أَنْ يَنْتَظِمَ فِي سِلْكِ الْمَرَاسِيلِ، وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا؛ فَلْنَرْجِعْ إِلَى بَيَانِهِمَا3 عَلَى التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ بِحَوْلِ اللَّهِ.
وَلَهُ أَمْثِلَةٌ تُبَيِّنُ مَعْنَاهُ بِإِطْلَاقٍ؛ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَتَدْخِلُهُ وَلَنَا بَنُونَ مِثْلُهُ؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ تَعْلَمُ. فَسَأَلَنِي عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النَّصْرِ: 1] ، فَقُلْتُ: إِنَّمَا هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَعْلَمَهُ إِيَّاهُ، وقرأ
__________
1 أي: قصد إظهار حكمة؛ فهو مفعول لأجله مضاف؛ أي: يريد الله إظهار سر ومعنى من المعاني الخفية على لسان عبد من أصفيائه. "د".
قلت: وفيه تعريض بـ"ف" حيث قال: "لعله إظهار لحكمه على لسان العبد".
2 أي: الذي يتوصل إليه بالوسائل التي أشار إليها سابقًا، وإلا؛ فالزائغون يدعون أن تأويلاتهم الزائغة هي مراد الله تعالى، لكنه يحتاج في بعض ذلك إلى زيادة بصيرة كما في مسألة ابن عباس وعمر المذكورة، وسيأتي له في فصل المسألة التابعة شرطان يستقر عليهما ما يعنيه بالباطن المراد لله تعالى، وينزاح بتحققها دعاوى الزائفين والمحرفين. "د".
3 أي: الظاهر والباطن على التفسير الذي ارتضاه. "د".
(4/210)

السُّورَةَ إِلَى آخِرِهَا. فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَعْلَمُ"1.
فَظَاهِرُ هَذِهِ السُّورَةِ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ نَبِيَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ يُسَبِّحَ بِحَمْدِ رَبِّهِ وَيَسْتَغْفِرَهُ إذ نَصَرَهُ اللَّهُ وَفَتَحَ عَلَيْهِ، وَبَاطِنُهَا أَنَّ اللَّهَ نَعَى إِلَيْهِ نَفْسَهُ.
وَلَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ: 3] ؛ فَرِحَ الصَّحَابَةُ وَبَكَى عُمَرُ، وَقَالَ: "مَا بَعْدَ الْكَمَالِ إِلَّا النُّقْصَانُ"2 مُسْتَشْعِرًا نَعْيَهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- فما عاش بعدها إلا واحدًا وثمانين يومًا3.
__________
أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب المغازي، باب إذا جاء نصر الله والفتح، 8/ 20/ رقم 4294، وباب مرض النبي -صلى الله عليه وسلم- ووفاته، 8/ 130/ رقم 4430، وكتاب التفسير، باب قوله: {وَرَأَيْتَ النَّاس ... } ، 8/ 734/ رقم 4969، وباب قوله: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ} ، 8/ 734/ رقم 4970"، والترمذي في "الجامع" "أبواب التفسير، باب سورة النصر، 5/ 450/ رقم 3362" -وقال: "هذا حديث حسن صحيح"- وأحمد في "المسند" "1/ 337، 344 مختصرًا"، والطبراني في "المعجم الكبير" "10/ 321/ رقم 10617"، والحاكم والبزار وابن سعد كما قال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" "4/ 321".
2 أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" "8/ 140, ط دار الفكر" عن محمد بن فضيل، وابن جرير في "تفسيره" "6/ 52" من طريق سفيان عن ابن فضيل، والواحدي في "الوسيط" "2/ 154" من طريق سهل بن عثمان، كلاهما "هو وابن فضيل" عن هارون بن عنترة عن أبيه؛ قال: لما نزلت وذكر نحوه، ومضى لفظه عند المصنف "1/ 152"، وأخرجه ابن جرير من طريق أحمد بن بشير عن هارون به.
وإسناده ضعيف، أبو هارون عنترة بن عبد الرحمن، وثقه أبو زرعة وأبو حاتم، روى له النسائي حديثًا واحدًا عن ابن عباس، وروايته هذه مرسلة، وانظر: "الدر المنثور" "3/ 18".
وقال ابن كثير في "التفسير" "2/ 24": "ويشهد لهذا المعنى الحديث الثابت: "إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا؛ فطوبى للغرباء". قلت: انظر ما قدمناه "1/ 151".
3 أسنده ابن جرير في "التفسير "6/ 80" عن ابن جريج، وذكره السمرقندي في "بحر العلوم" "1/ 416, ط لبنان"، وابن كثير في "التفسير" "2/ 14".
(4/211)

وَقَالَ تَعَالَى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوت اتَّخَذَتْ بَيْتًا} 1 الْآيَةَ [الْعَنْكَبُوتِ: 41] ، قَالَ الْكُفَّارُ: مَا بَالُ الْعَنْكَبُوتِ وَالذُّبَابِ يُذْكَرُ فِي الْقُرْآنِ؟ مَا هَذَا الْإِلَهُ2؛ فَنَزَلَ3: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [الْبَقَرَةِ: 26] ؛ فَأَخَذُوا بِمُجَرَّدِ الظَّاهِرِ، وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي الْمُرَادِ، فَقَالَ تَعَالَى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: 26] .
وَيُشْبِهُ مَا نَحْنُ فِيهِ نَظَرُ الْكُفَّارِ لِلدُّنْيَا، وَاعْتِدَادُهُمْ مِنْهَا بِمُجَرَّدِ الظَّاهِرِ الَّذِي هُوَ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَظِلٌّ زَائِلٌ، وَتَرْكُ مَا هُوَ مَقْصُودٌ مِنْهَا، وَهُوَ كَوْنُهَا مَجَازًا وَمَعْبَرًا لَا مَحَلَّ سُكْنَى، وَهَذَا هُوَ بَاطِنُهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ4 مِنَ التَّفْسِيرِ.
وَلَمَّا قَالَ تَعَالَى: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَر} [الْمُدَّثِّرِ: 30] نَظَرَ الْكُفَّارُ إِلَى ظَاهِرِ الْعَدَدِ؛ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ, فِيمَا روي5: لأنه يعجز كل عشرة منكم أن
__________
1 سقطت {اتَّخَذَتْ بَيْتًا} من الأصل.
2 في الأصل: "الآله".
3 أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" "1/ رقم 281" عن ابن جريج به، وأخرجه عبد الرزاق في "تفسيره""1/ 41" عن قتادة به، وأخرجه الواحدي في "أسباب النزول" "ص14" عن عبد الغني بن سعيد الثقفي عن موسى بن عبد الرحمن عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس وذكر نحوه.
قال السيوطي في "لباب النقول" "19": "عبد الغني واه جدًّا"، وقال: "وذكر المشركين لا يلائم كون الآية مدنية". وانظر -لزامًا- "3/ 514".
وما بين المعقوفتين زيادة من الأصل.
4 وسيأتي له مزيد بسط في المسألة الثالثة من مبحث التعارض. "د".
5 أخرجه ابن جرير في "التفسير" "29/ 159" عن ابن عباس بإسناد ضعيف فيه مجاهيل.
وأخرجه عبد الرزاق في "التفسير" "2/ 2/ 329"، وابن جرير في "التفسير" "29/ 159-160"، وعبد بن حميد -كما في "الدر المنثور" "8/ 333"- عن قتادة به.
(4/212)

يَبْطِشُوا بِرَجُلٍ مِنْهُمْ. فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى بَاطِنَ الْأَمْرِ بِقَوْلِهِ: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً ... } إِلَى قَوْلِهِ: {وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} [الْمُدَّثِّرِ: 31] .
وَقَالَ: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} [الْمُنَافِقُونَ: 8] ؛ فَنَظَرُوا إِلَى ظَاهِرِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا1، وَقَالَ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [الْمُنَافِقُونَ: 8] .
وَقَالَ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ ... } الْآيَةَ [لُقْمَانَ: 6] لَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ الَّذِي هُوَ هُدًى لِلنَّاسِ وَرَحْمَةٌ لِلْمُحْسِنِينَ، نَاظَرَهُ2 الْكَافِرُ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بِأَخْبَارِ فَارِسَ وَالْجَاهِلِيَّةِ وَبِالْغِنَاءِ3؛ فَهَذَا هُوَ عَدَمُ الِاعْتِبَارِ لِبَاطِنِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ.
وَقَالَ تَعَالَى فِي الْمُنَافِقِينَ: {لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ}
__________
1 يومئ المصنف إلى مقولة عبد الله بن أبي، أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب التفسير، باب سورة "المنافقون"، 8/ 644/ رقم 4900-4904" عن زيد بن أرقم؛ قال: "كنت في غزاة، فسمعت عبد الله بن أبي يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، ولئن رجعنا من عنده ليخرجن الأعز منها الأذل. فذكرت ذلك لعمي -أو لعمر- فذكره للنبي -صلى الله عليه وسلم- فدعاني فحدثته، فأرسل رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَى عبد الله بن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا، فكذبني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصدقه، فأصابني هم لم يصبني مثله قط، فجلست في البيت، فقال لي عمي: ما أردت إلى أن كذبك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومقتك؟ فأنزل الله تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُون} ، فبعث إليّ النبي -صلى الله عليه وسلم- فقرأ؛ فقال: "إن الله قد صدقك يا زيد".
2 لعله: "وناظره". "ف". وفي "ط": "ناظره الكفار".
3 الخبر بالتفصيل عند الواحدي في "الوسيط" "3/ 440-441"، و"أسباب النزول" "232-233"، وعزاه السيوطي في "لباب النقول" "ص169" لجويبر عن ابن عباس، وكذا فعل في "الدر المنثور" "6/ 504"، وعزاه فيه أيضًا إلى البيهقي في "الشعب" "4/ 5194".
(4/213)

[الْحَشْرِ: 13] ، وَهَذَا عَدَمُ فِقْهٍ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّهُ هُوَ مُصَرِّفُ الْأُمُورِ؛ فَهُوَ الْفَقِيهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} [الْحَشْرِ: 13] .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} [التَّوْبَةِ: 127] لِأَنَّهُمْ نَظَرَ بَعْضُهُمْ1 إِلَى بَعْضٍ: هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ ثُمَّ انْصَرَفُوا.
فَاعْلَمْ2 أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا نَفَى الْفِقْهَ أَوِ الْعِلْمَ عَنْ قَوْمٍ؛ فَذَلِكَ لِوُقُوفِهِمْ مَعَ ظَاهِرِ الْأَمْرِ، وَعَدَمِ اعْتِبَارِهِمْ لِلْمُرَادِ مِنْهُ، وَإِذَا أَثْبَتَ ذَلِكَ؛ فَهُوَ لِفَهْمِهِمْ مُرَادَ اللَّهِ مِنْ خِطَابِهِ، وَهُوَ بَاطِنُهُ.
فَصْلٌ:
فَكُلُّ مَا كَانَ مِنَ الْمَعَانِي الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي لَا يَنْبَنِي فَهْمُ الْقُرْآنِ إِلَّا عَلَيْهَا؛ فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ الظَّاهِرِ.
فَالْمَسَائِلُ الْبَيَانِيَّةُ وَالْمَنَازِعُ الْبَلَاغِيَّةُ لَا مَعْدِلَ بِهَا عَنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ، فَإِذَا فُهِمَ الْفَرْقُ بَيْنَ ضَيِّقٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا 3} [الْأَنْعَامِ: 125] ، وَبَيْنَ ضَائِقٍ فِي قَوْلِهِ: {وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُك} [هُودٍ: 12] .
__________
1 أي: لأن المنافقين حينما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض، وهم في محفل تبليغ الوحي ليتواطئوا على الهرب كراهة سماعها، قائلين إشارة: هل يراكم من أحد من المسلمين إذا قمتم من المجلس؟ كما قال تعالى: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ} الآية [التوبة: 157] . "ف".
2 لعله: "واعلم" بصيغة الأمر وبالواو. "ف".
3 صفة مشبهة دالة على الثبوت والدوام في حق من يريد الله أن يضله بخلاف "ضائق" اسم الفاعل الدال على الحدوث والتجدد، وأنه أمر عارض له, صلى الله عليه وسلم. "د".
(4/214)

وَالْفَرْقُ1 بَيْنَ النِّدَاءِ بِـ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} 2، أَوْ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا} 3، وَبَيْنَ النِّدَاءِ بِـ {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} 4، أَوْ بِـ {يَا بَنِي آدَمَ} 5.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ تَرْكِ الْعَطْفِ فِي قَوْلِهِ: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ} 6 [الْبَقَرَةِ: 6] ، وَالْعَطْفِ فِي قَوْلِهِ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} [لُقْمَانَ: 6] ، وَكِلَاهُمَا قَدْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ وَصْفُ الْمُؤْمِنِينَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ تَرْكِهِ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: {مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} [الشُّعَرَاءِ: 154] ، وَبَيْنَ الْآيَةِ الْأُخْرَى: {وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} 7 [الشعراء: 186] .
__________
1 ويبقى الكلام في أن هذا الفرق يرجع في جميع ما ذكره إلى المعاني الثانوية التي هي منازع بيانية، أو أنه يرجع إلى المعاني الوضعية في بعض الأمثلة. "د".
2 مدني خاص. "د".
3 مكي خاص. "د".
4 للناس كافة. "د".
5 للناس كافة. "د".
6 المقصود بما قبله بيان حال الكتاب تقريرًا لكونه يقينًا لا شك فيه، وفي ضمن هذا البيان اتصاف الكفار بالإصرار على الكفر والضلال، بحيث لا يجدي فهم الإنذار ولا يستفيدون من الكتاب؛ فالآية تكميل لما قبلها؛ فالمحل للفصل، أما آية: {وَمِنَ النَّاس} ؛ فالمقصود منها مع سابقتها أن الناس على صنفين مهتد هاد، وضال مضل، وبينهما التضاد؛ فالمحل للوصل، فقوله: "وكلاهما تقدم عليه ... إلخ"، يعني: الذي كان يقتضي الوصل لشبه التضاد المعتبر جامعًا، وهذا من المنازع البلاغية وكذلك الأمثلة بعده كما سيقول: "من الأمور المعتبرة ... إلخ"، وإن كانت حروف النداء المتقدمة من أصل الوضع والمعاني الأولية، ومثله يقال في دلالة الفعل واسم الفاعل. "د".
7 أدخل الواو بين الجملتين للدلالة على أن كلًّا من التسحير والبشرية مناف للرسالة، أما في آية: {مَا أَنْت} ؛ فإنما قصدوا كونه مسحرًا وأكدوه بأنه بشر مثلهم، وفي "الكشاف" "3/ 125": "غير هذا الوجه مما يقتضي أن كلًّا له موضع اختصاصه، هذا ومعلوم أن الآيتين في قصتين =
(4/215)

وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرَّفْعِ1 فِي قَوْلِهِ: {قَالَ سَلامٌ} [هُودٍ: 69] ، وَالنَّصْبِ فِيمَا قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ: {قَالُوا سَلامًا} [هُودٍ: 69] .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِتْيَانِ بِالْفِعْلِ2 فِي التَّذَكُّرِ مِنْ قَوْلِهِ: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا} [الْأَعْرَافِ: 201] ، وَبَيْنَ الْإِتْيَانِ بِاسْمِ الْفَاعِلِ فِي الْإِبْصَارِ مِنْ قَوْلِهِ: {فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُون} [الْأَعْرَافِ: 201] .
أَوْ3 فُهِمَ الْفَرْقُ بَيْنَ إِذَا وَإِنْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ} 4 [الْأَعْرَافِ: 131] ، وَبَيْنَ "جاءتهم" و"تصبهم" بالماضي مع إذا، والمستقبل مع إن.
__________
1 لقصد الثبات؛ فيكون تحيته أحسن من تحيتهم؛ لأنهما جملة اسمية. "د".
2 لأنه يحدث بعد مس الشيطان ويتجدد بسبب المس، بخلاف الإبصار بالحق؛ فهو ثابت له قائم بهم لأن اسم الفاعل حقيقة فيمن قام به الفعل، وقد يغطيه مس الشيطان؛ فتجدد التذكر، يكشف هذا الغطاء ليتجلى لهم الحق الذي عهدوه قائمًا بنفوسهم؛ أي: يفاجئهم قيام البصيرة بهم دفعة بخلاف التذكر. "د".
انظر: "نظم الدرر" "8/ 206".
3 الأنسب: "وفهم" بالواو. "ف".
4 المراد بالحسنة ما يستحسنونه من الخصب والرخاء والعافية، ولما كانت هذه الحسنات شائعة عامة الوقوع بمقتضى العناية الإلهية بسبق الرحمة وشيوع النعمة كانت متحققة؛ فجيء فيها بالماضي وبإذا وتعريف الحسنة، ولما كانت السيئة التي يراد منها أنواع البلاء نادرة الوقوع ولا تتعلق الإرادة بها إلا تبعًا؛ فإن النقمة بمقتضى العناية الإلهية إنما تستحق بالأعمال جيء فيها بأداة الشك، ولفظ الفعل المستقبل، وتنكير السيئة. "د".
قلت: انظر "الكشاف" "2/ 84"، وكلام الشارح منه.
(4/216)

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} 1 [الرُّومِ: 36] مَعَ إِتْيَانِهِ بِقَوْلِهِ: {فَرِحُوا} بعد إذا و {يَقْنَطُونَ} بَعْدَ إِنْ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُعْتَبَرَةِ عِنْدَ مُتَأَخِّرِي أَهْلِ الْبَيَانِ، فَإِذَا حَصَلَ فَهْمُ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى تَرْتِيبِهِ فِي اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ؛ فَقَدْ حَصَلَ فَهْمُ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ.
وَمِنْ هُنَا حَصَلَ إِعْجَازُ الْقُرْآنِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ إِعْجَازَهُ بِالْفَصَاحَةِ؛ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ} الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: 23] .
وَقَالَ تَعَالَى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [هُودٍ: 13] ، وَهُوَ لَائِقٌ أَنْ يَكُونَ الْإِعْجَازُ بِالْفَصَاحَةِ لَا بِغَيْرِهَا؛ إِذْ لَمْ يُؤْتَوْا عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ إِلَّا مِنْ بَابِ مَا يَسْتَطِيعُونَ مِثْلَهُ في الجملة، ولأنهم دعوا [وتحدوا] وَقُلُوبُهُمْ لَاهِيَةٌ عَنْ مَعْنَاهُ الْبَاطِنِ الَّذِي هُوَ مُرَادُ اللَّهِ مِنْ إِنْزَالِهِ، فَإِذَا عَرَفُوا عَجْزَهُمْ عَنْهُ؛ عَرَفُوا صِدْقَ الْآتِي بِهِ وَحَصَلَ الْإِذْعَانُ، وَهُوَ بَابُ2 التَّوْفِيقِ وَالْفَهْمِ لِمُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى.
__________
1 إذا معبرًا بأداة التحقيق إشارة إلى أن الرحمة أكثر من النقمة، وأسند الفعل إليه في مقام العظمة، إشارة إلى سعة جوده، وقال: {وَإِن} بأداة الشك دلالة على أن المصائب أقل وجودًا، وقال: {تُصِبْهُم} غير مسند لها إليه تأديبًا لعباده، وإعلامًا بغزير كرمه، قاله النقاعي في "نظم الدرر" "15/ 95"، والتعبير بالمضارع في {يَقْنَطُونَ} لرعاية الفاصلة، والدلالة على الاستمرار في القنوط، قاله الآلوسي في "تفسيره" "21/ 43".
2 أي: فالإعجاز الذي يترتب على فصاحته يقصد منه أثره، وهو رجوعهم بسبب العجز إلى تصديقه والتفهم في مراده، فما كان مؤديًا إلى العجز عن المعارضة وإلى أصل الاعتراف بصدقه يكون من الظاهر، وما يجيء بعد ذلك من ثمرة الاعتراف وهو فهم المعاني التي يتحقق بها للعبد وصف العبودية والقيام بموجبها؛ فذلك من الباطن المراد والمقصود من الإنزال. "د".
(4/217)

وَكُلُّ مَا كَانَ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي تَقْتَضِي تَحْقِيقَ الْمُخَاطَبِ بِوَصْفِ الْعُبُودِيَّةِ، وَالْإِقْرَارِ لِلَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ؛ فَذَلِكَ هُوَ الْبَاطِنُ الْمُرَادُ وَالْمَقْصُودُ الَّذِي أُنْزِلَ الْقُرْآنُ لِأَجْلِهِ.
وَيَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بِالشَّوَاهِدِ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} [الْبَقَرَةِ: 245] ، قَالَ أَبُو الدَّحْدَاحِ: إِنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ اسْتَقْرَضَ مِنَّا مَا أَعْطَانَا، هَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ1، وَقَالَتِ2 الْيَهُودُ: {إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} [آلِ عِمْرَانَ: 181] ؛ فَفَهْمُ أَبِي الدَّحْدَاحِ هُوَ الْفِقْهُ، وَهُوَ الْبَاطِنُ الْمُرَادُ، وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ أَبُو الدَّحْدَاحِ: يَسْتَقْرِضُنَا وَهُوَ غَنِيٌّ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "نَعَمْ ليُدخلكم الْجَنَّةَ". وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ3، وَفَهْمُ الْيَهُودِ لَمْ يَزِدْ عَلَى مُجَرَّدِ الْقَوْلِ الْعَرَبِيِّ الظَّاهِرِ، ثُمَّ حَمَلَ اسْتِقْرَاضَ الرَّبِّ الْغَنِيِّ عَلَى اسْتِقْرَاضِ الْعَبْدِ الْفَقِيرِ، عَافَانَا الله من ذلك.
__________
1 سيأتي نصه وتخريجه قريبًا إن شاء الله.
2 راجع: "روح المعاني" في الآية. "د".
3 أخرج الحسن بن عرفة في "جزئه" "رقم 87"، وابن جرير في "تفسيره" "2/ 593"، والطبراني في "المعجم الكبير" "22/ 301/ رقم 764"، وأبو يعلى في "المسند" "8/ 404/ رقم 4986"، والبزار في "مسنده" "1/ 447/ رقم 944, زوائده"، وابن حيويه في "من وافقت كنيته كنية زوجه من الصحابة" "ص59-60"، وابن أبي حاتم في "تفسيره" -كما في "تفسير ابن كثير" "1/ 306"- من طريق خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: لما نزلت: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} ، قال أبو الدحداح: يا رسول الله, وإن الله يريد منا القرض!! قال: "نعم يا أبا الدحداح". قال: أرني يدك. قال: فناوله، قال: فإني أقرضت ربي حائطًا لي فيه ستمائة نخلة. ثم جاء يمشي حتى أتى الحائط، وأم الدحداح فيه وعيالهم فناداها: يا أم الدحداح! قالت: لبيك. قال: اخرجي، قد أقرضت ربي حائطًا فيه ستمائة نخلة.
وفي سنده حميد الأعرج، قال البخاري: "منكر الحديث"، انظر: "التاريخ الكبير" "1/ 2 =
(4/218)

....................................................................................
__________
=/ 354"، و"التاريخ الصغير" "2/ 108"، و"الضعفاء الصغير" "31".
وقال النسائي: "متروك الحديث"، انظر: "الضعفاء والمتروكين" "33"، وقال الدارقطني: "متروك"، انظر: "الضعفاء والمتروكين" "رقم 167"، وضعفه أحمد وابن معين والترمذي.
وذكره العقيلي والساجي وابن الجارود وغيرهم في الضعفاء، كذا قال الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" "3/ 47".
ولهذا السند علة أخرى وهي الانقطاع بين عبد الله بن الحارث وابن مسعود, قال أبو حاتم في ترجمته "حميد الأعرج": "قد لزم عبد الله بن الحارث من ابن مسعود، ولا نعلم لعبد الله عن ابن مسعود شيئًا"، انظر: "الجرح والتعديل" "1/ 2/ 226"، وقال ابن حبان في ترجمة حميد أيضًا: "يروي عن عبد الله بن الحارث عن ابن مسعود بنسخة كأنها موضوعة، لا يحتج بخبره إذا انفرد، وليس هذا بصاحب الزهري، ذاك حميد بن قيس الأعرج". انظر: "المجروحين" "1/ 262".
وقال الدارقطني: "حميد متروك، أحاديثه تشبه الموضوعة، وهو كوفي، وعبد الله بن الحارث كوفي ثقة، ولم يسمع من ابن مسعود". انظر: "سؤالات البرقاني للدارقطني" "ترجمة رقم 98", وانظر: "الكامل في الضعفاء" "2/ 689"، و"الضعفاء الكبير" "1/ 268" للعقيلي.
والحديث عزاه السيوطي في "الدر المنثور" "1/ 746" إلى سعيد بن منصور وابن سعد والبزار وابن المنذر والحكيم الترمذي والبيهقي.
وقال الهيثمي في "المجمع" "9/ 324": "رواه أبو يعلى والطبراني ورجالهما ثقات، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح"، وأورده ابن حجر في "المطالب العالية" "4/ 105/ رقم 4080"، وعزاه إلى أبي يعلى، وقال: "فيه ضعف"، ونقل الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي عن البوصيري قوله: "رواه أبو يعلى بسند ضعيف".
قلت: وهذا هو الصحيح لما تقدم، بل ذكره الهيثمي نفسه "3/ 113-114"، وعزاه للبزار، وقال: "وفيه حميد بن عطاء الأعرج، وهو ضعيف".
قلت: وللحديث علة ثالثة، وهي تغير خلف بن خليفة واختلاطه.
قال ابن سعد: "تغير قبل موته واختلط"، وقال أحمد: "رأيت خلفًا مفلوجًا لا يفهم، فمن كتب عنه قديمًا؛ فسماعه صحيح، أتيته فلم أفهم عنه؛ فتركته". انظر "ميزان الاعتدال" "1/ 659-660". =
(4/219)

وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْعِبَادَاتِ الْمَأْمُورَ بِهَا بَلِ الْمَأْمُورَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ كُلَّهَا إِنَّمَا طُلِبَ بِهَا الْعَبْدُ شُكْرًا لِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ، أَلَا تَرَى قَوْلَهُ: {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النَّحْلِ: 78] .
وَفِي الْأُخْرَى: {قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [السَّجْدَةِ: 9] .
وَالشُّكْرُ ضِدُّ الْكُفْرِ؛ فَالْإِيمَانُ وَفُرُوعُهُ هُوَ الشُّكْرُ، فَإِذَا دَخَلَ الْمُكَلَّفُ تَحْتَ أَعْبَاءِ التَّكْلِيفِ بِهَذَا الْقَصْدِ؛ فَهُوَ الَّذِي فَهِمَ الْمُرَادَ مِنَ الْخِطَابِ، وَحَصَّلَ بَاطِنَهُ عَلَى التَّمَامِ، وَإِنْ هُوَ فَهِمَ مِنْ ذَلِكَ مُقْتَضَى عِصْمَةِ مَالِهِ وَدَمِهِ فَقَطْ؛ فَهَذَا خَارِجٌ عَنِ الْمَقْصُودِ، وَوَاقِفٌ مَعَ ظَاهِرِ الْخِطَابِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} [التَّوْبَةِ: 5] .
ثُمَّ قَالَ: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التَّوْبَةِ: 5] .
فَالْمُنَافِقُ إِنَّمَا فَهِمَ مُجَرَّدَ ظَاهِرِ الْأَمْرِ مِنْ أن الدخول فيما دخل فيه
__________
= وعزاه ابن حجر في "الإصابة" "4/ 59" إلى ابن منده، وللحديث شواهد من غير ذكر للآية فيه.
أخرجه نحو القصة المذكورة من حديث أنس عن رجل أحمد في "المسند" "3/ 146"، والطبراني في "المعجم الكبير" "22/ 300"، والبغوي والحاكم؛ كما في "الإصابة" "4/ 51"، وقال الهيثمي في "المجمع" "9/ 324": "رواه أحمد والطبراني، ورجالهما رجال الصحيح"، وأخرج نحوها الطبراني في "الأوسط" "2/ 516-517/ رقم 1887"، وابن مردويه عن عمر بن الخطاب، وفيه إسماعيل بن قيس، وهو ضعيف، قاله الهيثمي في "المجمع" "3/ 113"، وعبد بن حميد عن جابر بن سمرة، وأخرج مسلم في "صحيحه" "2/ 665"، وأحمد في "مسنده" "5/ 18 و102"، والطيالسي "760 و761" وغيرهم من حديث جابر بن سمرة: "كم من عذق معلق أو مدلى في الجنة لابن الدحداح".
وذكر ابن الأثير في "أسد الغابة" "1/ 221" أن اسم أبي الدحداح ثابت بن الدحداح وابن مردويه عن أبي هريرة وابن جرير في "تفسيره" "2/ 593" عن زيد بن أسلم مرسلًا.
(4/220)

الْمُسْلِمُونَ مُوجِبٌ لِتَخْلِيَةِ سَبِيلِهِمْ؛ فَعَمِلُوا عَلَى الْإِحْرَازِ مِنْ عَوَادِي الدُّنْيَا، وَتَرَكُوا الْمَقْصُودَ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ الَّذِي بَيَّنَهُ الْقُرْآنُ مِنَ التَّعَبُّدِ لِلَّهِ وَالْوُقُوفِ عَلَى قَدَمِ الْخِدْمَةِ، فَإِذَا كَانَتِ الصَّلَاةُ تُشْعِرُ بِإِلْزَامِ الشُّكْرِ بِالْخُضُوعِ لِلَّهِ وَالتَّعْظِيمِ لِأَمْرِهِ؛ فَمَنْ دَخَلَهَا عَرِيًّا مِنْ ذَلِكَ كَيْفَ يُعَدُّ مِمَّنْ فَهِمَ بَاطِنَ الْقُرْآنِ؟ وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ؛ فَوَجَبَ عَلَيْهِ شُكْرُ النِّعْمَةِ بِبَذْلِ الْيَسِيرِ مِنَ الْكَثِيرِ، عَوْدًا1 عَلَيْهِ بِالْمَزِيدِ؛ فَوَهَبَهُ عِنْدَ رَأْسِ الْحَوْلِ فِرَارًا مِنْ أَدَائِهَا لَا قَصْدَ لَهُ إِلَّا ذَلِكَ، كَيْفَ يَكُونُ شَاكِرًا لِلنِّعْمَةِ؟
وَكَذَلِكَ مَنْ يُضَارُّ الزَّوْجَةَ لِتَنْفَكَّ لَهُ مِنَ الْمَهْرِ عَلَى غَيْرِ طِيبِ النَّفْسِ لَا يُعَدُ عَامِلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [الْبَقَرَةِ: 229] حَتَّى يَجْرِيَ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4] .
وتجري [ها] هنا مَسَائِلُ الْحِيَلِ أَمْثِلَةٌ لِهَذَا الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ مَنْ فَهِمَ بَاطِنَ مَا خُوطِبَ بِهِ لَمْ يَحْتَلْ عَلَى أَحْكَامِ اللَّهِ حَتَّى يَنَالَ مِنْهَا بِالتَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ، وَمَنْ وَقَفَ مَعَ مُجَرَّدِ الظَّاهِرِ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إِلَى الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ؛ اقْتَحَمَ هَذِهِ الْمَتَاهَاتِ الْبَعِيدَةَ.
وَكَذَلِكَ تَجْرِي مَسَائِلُ الْمُبْتَدَعَةِ أَمْثِلَةً أَيْضًا، وَهُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنَ الْكِتَابِ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ؛ كَمَا قَالَ2 الْخَوَارِجُ لعلي: إنه حكم
__________
1 في "ط": "موعودًا".
2 هو وما يأتي بعد في قوله: "فلو نظر ... إلخ" يساعد على تعيين الجملة الساقطة فيما سبق في المسألة الثانية من مبحث الأحكام. "د".
قلت: أخرج مناظرة ابن عباس -رضي الله عنه- الحرورية فيما أنكروه على عليّ -رضي الله عنه- وفيها ما عند المصنف من قولهم: "إنه حكم الخلق في دين الله"، وكذا قولهم: "إنه محا نفسه ... "، وقولهم لابن عباس أيضًا: "لَا تُنَاظِرُوهُ؛ فَإِنَّهُ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ ... ": عبد الرزاق في "المصنف" "10/ 157/ رقم 18678"، وأحمد في "المسند" "1/ 342"، والفسوي في =
(4/221)

الْخَلْقَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَاللَّهُ يَقُولُ: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [الْأَنْعَامِ: 57، وَيُوسُفَ: 40، 67] . وَقَالُوا: إِنَّهُ مَحَا نَفْسَهُ مِنْ إِمَارَةِ الْمُؤْمِنِينَ1؛ فَهُوَ إِذًا أمير الكافرين.
__________
= "المعرفة والتاريخ" "1/ 522-524"، وأبو عبيد في "الأموال" "444"، والنسائي في "خصائص علي" "190"، والطبراني في "المعجم الكبير" "10/ 312"، والحاكم في "المستدرك" "2/ 150-152"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "8/ 179"، وأبو نعيم في "الحلية" "1/ 318-320"، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" "2/ 103"، والخوارزمي في "المناقب" "183"، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" "12/ 183/ أ"، كلهم من طريق عكرمة بن عمار حدثني أبو زميل حدثني عبد الله بن عباس به وذكر أحمد وأبو عبيد جزءًا منه.
وصححه الحاكم على شرط مسلم، وأقره الذهبي، وهو كذلك.
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" "6/ 241": "رواه الطبراني وأحمد بعضه، ورجالهما رجال الصحيح".
وله شاهد عن عبد الله بن شداد عن علي، وفيه أن عليًّا -رضي الله عنه- ناظرهم أولًا، ثم بعث إليهم ابن عباس.
أخرجه أحمد في "المسند" "1/ 86"، وأبو يعلى في "المسند" "1/ 367-371/ رقم 474"، والحاكم في "المستدرك" "2/ 152"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "8/ 179"، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" "9/ ق 403"، والضياء في "المختارة" "605"، وإسناده صحيح.
وقال ابن كثير في "البداية والنهاية" "7/ 280": "تفرد به أحمد، وإسناده صحيح، واختاره الضياء".
وعزاه في "المطالب العالية" "4504" لإسحاق بن راهويه، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي يعلى في "مسانيدهم".
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" "6/ 235-237": "رواه أبو يعلى، ورجاله ثقات".
ورويت المناظرة من طرق أخرى، انظر: "فتح الباري" "12/ 296-297" تحت حديث رقم "6933".
وانظر "الاعتصام" "1/ 303, ط ابن عفان"، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" "13/ 30-31".
1 في "ط": "المسلمين".
(4/222)

وَقَالُوا لِابْنِ عَبَّاسٍ1: لَا تُنَاظِرُوهُ؛ فَإِنَّهُ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُون} [الزُّخْرُفِ: 58] ، وَكَمَا زَعَمَ أَهْلُ التَّشْبِيهِ فِي صِفَةِ الْبَارِي حِينَ أَخَذُوا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} [الْقَمَرِ: 14] ، {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} [يس: 71] ، {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير} [الشُّورَى: 11] ، {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الزُّمَرِ: 67] ، وَحَكَّمُوا مُقْتَضَاهُ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْمَخْلُوقِينَ؛ فَأَسْرَفُوا مَا شَاءُوا2.
فَلَوْ نَظَرَ الْخَوَارِجُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ حَكَّمَ الْخَلْقَ فِي دِينِهِ فِي قَوْلِهِ: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الْمَائِدَةِ: 95] ، وَقَوْلِهِ {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} [النِّسَاءِ: 35] ، لَعَلِمُوا أَنَّ قَوْلَهُ: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [الْأَنْعَامِ: 57] غَيْرُ مُنَافٍ لِمَا فَعَلَهُ عَلِيٌّ، وَأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ حُكْمِ اللَّهِ؛ فَإِنَّ تَحْكِيمَ الرِّجَالِ يَرْجِعُ بِهِ الْحُكْمُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، فَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِثْلُهُ مِمَّا فَعَلَهُ عَلِيٌّ.
وَلَوْ نَظَرُوا إِلَى مَحْوِ الِاسْمِ مِنْ أَمْرٍ لَا يَقْتَضِي إِثْبَاتَهُ لِضِدِّهِ؛ لَمَّا قَالُوا: إِنَّهُ أَمِيرُ الْكَافِرِينَ، وَهَكَذَا الْمُشَبِّهَةُ لَوْ حَقَّقَتْ مَعْنَى قَوْلِهِ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء} [الشُّورَى: 11] فِي الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ لَفَهِمُوا بَوَاطِنَهَا، وَأَنَّ الرَّبَّ مُنَزَّهٌ عَنْ سِمَاتِ الْمَخْلُوقِينَ.
وَعَلَى الْجُمْلَةِ؛ فَكُلُّ مَنْ زَاغَ وَمَالَ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ؛ فَبِمِقْدَارِ مَا فَاتَهُ مِنْ بَاطِنِ الْقُرْآنِ فَهْمًا وَعِلْمًا، وَكُلُّ مَنْ أَصَابَ الْحَقَّ وَصَادَفَ الصَّوَابَ؛ فَعَلَى مِقْدَارِ مَا حصل له من فهم باطنه.
__________
1 أي: في شأن ابن عباس حين أراد مناظرتهم وقد حجهم في المناظرة؛ فظفر منهم بألفين عادوا إلى حظيرة الإسلام. "ف".
2 الصواب إمرار آيات الصفات كما جاءت من غير تشبيه ولا تكييف، ولا تأويل ولا تعطيل، وهذا مذهب السلف الصالح؛ كما تراه مبسوطًا في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، ولا سيما "الواسطية" و"الحموية" وكتب تلميذه ابن القيم وغيرهما.
(4/223)

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ:
كَوْنُ الظَّاهِرِ هُوَ الْمَفْهُومُ الْعَرَبِيُّ مُجَرَّدًا لَا إِشْكَالَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُوَالِفَ وَالْمُخَالِفَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ مُنَزَّلٌ {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِين} [الشُّعَرَاءِ: 195] . وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} [النَّحْلِ: 103] .
ثُمَّ رَدَّ الْحِكَايَةَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: {لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النَّحْلِ: 103] .
وَهَذَا الرَّدُّ عَلَى شَرْطِ الْجَوَابِ فِي الْجَدَلِ؛ لِأَنَّهُ أَجَابَهُمْ بِمَا يَعْرِفُونَ مِنَ الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ بِلِسَانِهِمْ، وَالْبَشَرُ هُنَا حَبْرٌ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ، أَوْ سَلْمَانُ1، وَقَدْ كَانَ فَارِسِيًّا فَأَسْلَمَ، أَوْ غَيْرُهُمَا مِمَنْ كَانَ لِسَانُهُ غَيْرَ عَرَبِيٍّ بِاتِّفَاقٍ مِنْهُمْ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} [فُصِّلَتْ: 44] .
وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَهُمْ عَرَبِيٌّ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَقَدَ كَانُوا فَهِمُوا مَعْنَى أَلْفَاظِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ عَرَبِيٌّ فَقَطْ، وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى فَهْمِ الْمُرَادِ مِنْهُ؛ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي ظَاهِرِهِ زِيَادَةٌ عَلَى الْجَرَيَانِ عَلَى اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ.
فَإِذًا كَلُّ مَعْنًى مُسْتَنْبَطٍ مِنَ الْقُرْآنِ غَيْرِ جَارٍ عَلَى اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ؛ فَلَيْسَ2 مِنْ عُلُومِ الْقُرْآنِ فِي شَيْءٍ، لَا مِمَّا يُسْتَفَادُ مِنْهُ، وَلَا مِمَا يُسْتَفَادُ بِهِ، وَمَنِ ادَّعَى فِيهِ
__________
1 أخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير وابن المنذر عن الضحاك قوله؛ كما في "الدر المنثور" "5/ 168"، وهو مردود بأن الآية مكية، وسلمان أسلم في المدينة، وتجد أقوالًا أخرى عند ابن جماعة في "غرر التبيان في من لم يسم في القرآن" "ص305"، ولم يذكر سلمان من بينها.
2 سيأتي في الفصل التالي زيادة بيان لهذا وتقرير. "د".
(4/224)

ذَلِكَ؛ فَهُوَ فِي دَعْوَاهُ مُبْطِلٌ، وَقَدْ مَرَّ1 فِي كِتَابِ الْمَقَاصِدِ بَيَانُ هَذَا الْمَعْنَى، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا الْفَصْلِ مَا ادَّعَاهُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ مِنْ أَنَّهُ مُسَمًّى فِي الْقُرْآنِ كَبَيَانِ بْنِ سَمْعَانَ2، حَيْثُ زَعَمَ أَنَّهُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ} الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: 138] ، وَهُوَ مِنَ التُّرَّهَاتِ بِمَكَانٍ مَكِينٍ، وَالسُّكُوتُ عَلَى الْجَهْلِ كَانَ أَوْلَى بِهِ مِنْ هَذَا الِافْتِرَاءِ الْبَارِدِ، وَلَوْ جَرَى لَهُ عَلَى اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ لَعَدَّهُ الْحَمْقَى مِنْ جُمْلَتِهِمْ3، وكنه كَشَفَ عَوَارَ نَفْسِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، عَافَانَا اللَّهُ وَحَفِظَ عَلَيْنَا الْعَقْلَ وَالدِّينَ بِمَنِّهِ.
وَإِذَا كَانَ بَيَانٌ فِي الْآيَةِ عَلَمًا لَهُ؛ فَأَيُّ مَعْنًى لِقَوْلِهِ: {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاس} [آلِ عِمْرَانَ: 138] ، كَمَا يُقَالُ: هَذَا زَيْدٌ لِلنَّاسِ، وَمِثْلُهُ فِي الْفُحْشِ مَنْ تَسَمَّى بِالْكِسْفِ، ثُمَّ زَعَمَ أَنَّهُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا} الْآيَةَ [الطَّوْرِ: 44] ؛ فَأَيُّ مَعْنًى يَكُونُ لِلْآيَةِ عَلَى زَعْمِهِ الْفَاسِدِ؟ كَمَا تَقُولُ: وَإِنْ يَرَوْا رجلًَا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا4: سَحَابٌ مَرْكُومٌ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كبيرًا.
__________
1 في النوع الثاني في وضع الشريعة للأفهام. "2/ 127 وما بعدها".
2 انظر عن حيله وأباطيله وهتكها: "المختار في كشف الأسرار وهتك الأستار" لعبد الرحيم الجوبري "ص173 وما بعدها"، ط دار الكتاب العربي، دمشق - القاهرة.
3 لعل الأصل: "من جملة أدلتهم"؛ أي: لكان أتباعه يعدون هذا دليلًا على صحة زعمهم في هذا الرجل، ولكنه فضح نفسه وكشف عواره كما قال، فلم يجعلوا قوله: "إن الله يشير إليه في كتابه ... إلخ"؛ لم يجعلوه من الأدلة على عقيدتهم فيه لنبوه ظاهرًا وباطنًا عن الجادة، وتقدم له في المقاصد أن هذا المثال مما فقدت فيه شروط صحة التأويل لفظًا ومعنى. "د". ونحوه عند "م".
4 في الأصل: "تقول".
(4/225)

وبيان بن سمعان هذا هو الذي تنسبه إِلَيْهِ الْبَيَانِيَّةُ مِنَ الْفِرَقِ1، وَهُوَ فِيمَا زَعَمَ ابْنُ قُتَيْبَةَ2 أَوَّلُ مَنْ قَالَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَالْكِسْفُ هُوَ أَبُو مَنْصُورٍ3 الَّذِي تُنْسَبُ إِلَيْهِ الْمَنْصُورِيَّةُ.
وَحَكَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ الشيعي المسمى بالمهدي4 حين ملك
__________
1 من الرافضة، وقد قتله خالد القسري وأراح العباد من شره. "د".
قلت: وفي قتل خالد القسري له نظر، والمشهور أنه قتل الجعد بن درهم، ولم يثبت ذلك على ما فصلناه في الجزء الثالث من كتابنا: "قصص لا تثبت"، وانظر عن البيانية: "الفصل" "4/ 185"، و"الملل والنحل" "152"، و"الفرق بين الفرق" "236"، و"البرهان في معرفة عقائد أهل الزمان" "ص43, ط المصرية"، و"لسان الميزان" "2/ 62"، و"الاعتصام" "1/ 215-216, ط ابن عفان".
2 في كتابه: "اختلاف الحديث" "1/ 218, بتحقيق أحمد الشقيرات"، وكذا في "عيون الأخبار" "2/ 148".
3 هو أبو منصور العجلي، والكسف لقبه، صلبه يوسف بن عمر الثقفي والي العراق في أيام هشام بن عبد الملك، وكان أبو منصور يزعم أنه عرج به إلى السماء، وأن الله مسح بيده على رأسه، وقال له: يا بني! بلغ عني. وأباح المحرمات، وأسقط الفرائض، وكان أتباعه يؤمنون بنبوته، قال "ف" وتبعه "م": "في مزاعمه الإمامة صارت لمحمد بن علي بن الحسين، وأن الجنة رجل أمر بموالاته وهذا الإمام، والنار ضده، وكذا الفرائض والمحرمات" ا. هـ.
قلت: انظر المزيد عنه وعن طائفته "المنصورية" في: "الفرق بين الفرق" "243-245"، و"اختلاف الحديث" "1/ 218-219"، و"عيون الأخبار" "2/ 147"، و"الفصل" "4/ 185"، و"الملل والنحل" "2/ 14، 15"، و"البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان" "ص43, ط المصرية".
4 انظر عن أخباره: "البداية والنهاية" "11/ 191"، و"صلة تاريخ الطبري" لعريب بن سعد "ص51-52"، و"تاريخ الإسلام" للذهبي "حوادث 321-330هـ" "ص22-24"، و"البيان المعرب" "1/ 206"، و"تاريخ ابن الوردي" "1/ 266"، و"الاعتصام" "1/ 216، 220, ط ابن عفان" للمصنف. وفي "ط": "المتسمي بالمهدي".
(4/226)

إِفْرِيقِيَّةَ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا؛ كَانَ لَهُ صَاحِبَانِ مِنْ كُتَامَةَ يَنْتَصِرُ بِهِمَا عَلَى أَمْرِهِ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا يُسَمَّى بِنَصْرِ اللَّهِ، وَالْآخُرُ بِالْفَتْحِ؛ فَكَانَ يَقُولُ لَهُمَا: أَنْتُمَا اللَّذَانِ ذَكَرَكُمَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْح} [النَّصْرِ: 1] . قَالُوا: وَقَدْ كَانَ عَمِلَ ذَلِكَ فِي آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى؛ فَبَدَّلَ قَوْلَهُ: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آلِ عِمْرَانَ: 110] بِقَوْلِهِ كُتَامَةُ خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، وَمَنْ كَانَ فِي عَقْلِهِ لَا يَقُولُ مِثْلَ هَذَا؛ لِأَنَّ الْمُتَسَمِّيَيْنِ1 بِنَصْرِ اللَّهِ وَالْفَتْحِ الْمَذْكُورَيْنِ إِنَّمَا وُجِدَا بَعْدَ مِئِينَ مِنَ السِّنِينَ مِنْ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَيَصِيرُ الْمَعْنَى: إِذَا مُتَّ يَا مُحَمَّدُ ثُمَّ خُلِقَ هَذَانِ، {وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ} الْآيَةَ [النَّصْرِ: 2] ؛ فَأَيُّ تَنَاقُضٍ وَرَاءَ هَذَا الْإِفْكِ الَّذِي افْتَرَاهُ الشِّيعِيُّ قَاتَلَهُ اللَّهُ.
وَمِنْ أَرْبَابِ الْكَلَامِ مَنِ ادَّعَى جَوَازَ نِكَاحِ الرَّجُلِ مِنَّا تِسْعَ نِسْوَةٍ حَرَائِرَ2 مُسْتَدِلًّا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} [النِّسَاءِ: 3] ، وَلَا يَقُولُ مِثْلَ هَذَا مَنْ فَهِمَ وَضْعَ الْعَرَبِ فِي مثنى وثلاث ورباع3.
__________
1 في الأصل و"م": "المتسمين"، والضمير عائد إلى مثنى.
2 حكاه القرطبي في "تفسيره" "5/ 17" عن بعض أهل الظاهر وأهل الرفض؛ فقال: "اعلم أن هذا العدد مثنى وثلاث ورباع لا يدل على إباحة تسع، كما قاله من بعد فهمه للكتاب والسنة، وأعرض عما كان عليه سلف هذه الأمة، وزعم أن الواو جامعة، وعضد ذلك بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- نكح تسعًا، وجمع بينهن في عصمته، والذي صار إلى هذه الجهالة، وقال هذه المقالة الرافضة وبعض أهل الظاهر ... "، وناقش هذا القول مناقشة قوية، وسيأتي كلامه إن شاء الله تعالى قريبًا، والله الموفق.
3 خاطب الله -عز وجل- العرب بأفصح اللغات، والعرب لا تدع أن تقول تسعة وتقول اثنين وثلاثة وأربعة، وكذلك تستقبح ممن يقول: أعط فلانًا أربعة ستة ثمانية، ولا يقول: ثمانية عشر، =
(4/227)

وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى شَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَجِلْدَهُ حَلَالًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [الْمَائِدَةِ: 3] ، فَلَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا غَيْرَ لَحْمِهِ، وَلَفْظُ اللَّحْمِ يَتَنَاوَلُ الشَّحْمَ وَغَيْرَهُ بِخِلَافِ العكس1.
__________
= وإنما الواو في هذا الموضع بدل أي: أنكحوا ثلاثًا بدلًا من مثنى، ورباع بدلًا من ثلاث، ولذلك عطف بالواو ولم يعطف بأو, ولو جاء بأو لجاز ألا يكون لصاحب المثنى ثلاث, ولا لصاحب الثلاث رباع، وأما قولهم: إن مثنى تقتضي اثنين، وثلاث ثلاثة، ورباع أربعة، فتحكم بما لا يوافقهم أهل اللسان عليه، وجهالة منهم، وكذلك الآخرين بأن مثنى تقتضي اثنين اثنين، وثلاث ثلاثة ثلاثة، ورباع أربعة أربعة، ولم يعلموا أن اثنين اثنين، وثلاثًا ثلاثًا، وأربعًا أربعًا حصر للعدد، ومثنى وثلاث ورباع بخلافها؛ ففي العدد المعدول عند العرب زيادة معنى ليست في الأصل، وذلك أنها إذا قالت: جاءت الخيل مثنى، إنما تعني بذلك اثنين اثنين؛ أي: جاءت مزدوجة، قال الجوهري: "وكذلك معدول العدد"، وقال غيره: إذا قلت: جاءني قوم مثنى أو ثلاث أو أحاد أو عشار؛ فإنما تريد أنهم جاءوك واحدًا واحدًا، أو اثنين اثنين، أو ثلاثة ثلاثة، أو عشرة عشرة، وليس هذا المعنى في الأصل؛ لأنك إذا قلت: جائني قوم ثلاثة ثلاثة، أو قوم عشرة عشرة؛ فقد حصرت عدة القوم بقولك ثلاثة وعشرة، فإذا قلت: جاءوني رباع وثناء، فلم تحصر عدتهم، وإنما تريد أنهم جاءوك أربعة أربعة أو اثنين اثنين، وسواء كثر عددهم أو قل في هذا الباب؛ فقصرهم كل صيغة على أقل ما تقتضيه بزعمه تحكم. قاله القرطبي في "تفسيره" "5/ 17-18".
وانظر: "الاعتصام" "2/ 525, ط ابن عفان"؛ ففيه بيان أن المستدل بالآية على جواز نكاح التسع "بدعة أجراها في هذه الأمة لا دليل عليها ولا مستند فيها".
1 قال القرطبي في "تفسيره" "2/ 222": "أجمعت الأمة على تحريم شحم الخنزير"، وقال: "لأن اللحم مع الشحم يقع عليه اسم اللحم؛ فقد دخل الشحم في اسم اللحم، ولا يدخل اللحم في اسم الشحم؛ وقد حرم الله تعالى لحم الخنزير؛ فناب ذكر لحمه عن شحمه لأنه دخل تحت اسم اللحم".
وقال ابن العربي في "أحكامه" "1/ 54": "اتفقت الأمة على أن لحم الخنزير حرام بجميع أجزائه، والفائدة في ذكر اللحم أنه حيوان يذبح للقصد إلى لحمه"، قال: "وقد شغفت المبتدعة بأن تقول: فما بال شحمه، بأي شيء حرم؟ وهم أعاجم لا يعلمون أنه من قال لحمًا فقد قال شحمًا، ومن قال شحمًا فلم يقل لحمًا؛ إذ كل شحم لحم، وليس كل لحم شحمًا من جهة اختصاص اللفظ، وهم لحم من جهة حقيقة اللحمية".
وانظر: "الاعتصام" "1/ 302, ط ابن عفان".
(4/228)

وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَ الْكُرْسِيَّ فِي قَوْلِهِ: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [الْبَقَرَةِ: 255] بِالْعِلْمِ1، مُسْتَدِلِّينَ بِبَيْتٍ لَا يُعْرَفُ، وَهُوَ:
.................................. ... وَلَا يُكَرْسِئُ2 عِلْمَ اللَّهِ مَخْلُوقُ3
كَأَنَّهُ عِنْدَهُمْ: وَلَا يَعْلَمُ عِلْمَهُ، وَيُكَرْسِئُ مَهْمُوزٌ، وَالْكُرْسِيُّ غَيْرُ مَهْمُوزٍ.
وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَ غَوَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} [طَهَ: 121] أَنَّهُ تَخِمَ مِنْ أَكْلِ الشَّجَرَةِ، مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: "غَوِيَ الْفَصِيلُ يَغْوِي غَوًى"
__________
1 ومثله تفسيره بالملك؛ كما في "الظلال" "1/ 290"، وهو مذهب المعتزلة والأشاعرة؛ كما تراه في "شرح الأصول الخمسة" "ص227"، و"أصول الدين" "113-114" و"التبصير في الدين" "15".
وانظر لزامًا: "المورد الزلال" "ص36-37"، و"تفسير ابن جرير "24/ 37"، و"شرح الطحاوية" "311".
2 في النسخ المطبوعة كلها "بكرسي" بالباء الموحدة في أوله، وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.
3 قال ابن قتيبة في "الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة" "ص35": "وطلبوا للكرسي غير ما نعلم، وجاءوا بشطر بيت لا يعرف ما هو، ولا يدرى من قائله:
ولا يكرسئ علم الله مخلوق
والكرسي غير مهموز بإجماع الناس جميعًا، و"يكرسئ" مهموز".
قلت: أورد هذا البيت أبو حيان في "البحر المحيط" "2/ 280"، ولم ينسبه لأحد! وصدره:
ما لي بأمرك كرسيّ أكاتمه ... ...............................
وفسر الكرسي بالسر!
(4/229)

إِذَا بَشِمَ1 مِنْ شُرْبِ اللَّبَنِ وَهُوَ فَاسِدٌ2؛ لِأَنَّ غَوِيَ الْفَصِيلُ [فِعْلٌ] 3، وَالَّذِي فِي الْقُرْآنِ عَلَى [وَزْنِ] 4 فَعَلَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِي قَوْلِهِ: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ} [الْأَعْرَافِ: 179] ؛ أَيْ: أَلْقَيْنَا فِيهَا، كَأَنَّهُ عِنْدَهُمْ مِنْ قَوْلِ النَّاسِ: "ذَرَتْهُ الرِّيحُ"، وَذَرَأَ مَهْمُوزٌ، وَذَرَا غَيْرُ مَهْمُوزٍ5.
وَفِي قَوْلِهِ: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النِّسَاءِ: 125] ؛ أَيْ: فَقِيرًا إِلَى رَحْمَتِهِ، مِنَ الْخَلَّةِ بِفَتْحِ الْخَاءِ6، مُحْتَجِّينَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ زُهَيْرٍ7:
وَإِنْ أَتَاهُ خليل يوم مسألة ... .............................
__________
1 أي: أتخم.
2 حكاه السمين في "عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ" "ق 407"، والراغب في "المفردات" "369"، والفيروزآبادى في "بصائر ذوي التمييز" "4/ 156"، وسكتوا عنه وأخروه، وقال عنه الزمخشري في "الكشاف" "2/ 450": "تفسير خبيث"، ونقله عنه الآلوسي في "روح المعاني" "16/ 274"، وأقره، وكذا رده المصنف في "الاعتصام" "1/ 301, ط ابن عفان".
3 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، قال "ف": "غوي؛ بفتح، فكسر، يقال: غوي الفصيل يغوى أغوى من باب فرح، وما في الآية بالفتح" ا. هـ.
4 سقط من "ط".
5 انظر في تفسير الآية: "روح المعاني" "9/ 118-119"، و"تفسير المنار" "9/ 418"، و"تأويل مشكل القرآن" "282"، ونحوه المذكور عند المصنف في "الاعتصام" "1/ 301-302, ط ابن عفان".
6 قاله أبو القاسم البلخي، ونقله عنه الراغب في "المفردات" "153"، والسمين في "عمدة الحفاظ" "ق 165"، والفيروزآبادي في "بصائر ذوي التمييز" "2/ 557"، وتعقبوه، وأجمع عبارة للفيروزآبادي قال: "وهذا القول منه تشه ليس بشيء، والصواب الذي لا محيد عنه إن شاء الله أنه من "الخلة"، وهي المحبة التي قد تخللت روح المحب وقلبه؛ حتى لم يبق فيه موضع لغير محبوبه".
7 هو صدر بيت، وعجزه: "يقول لا غائب مالي ولا حرم"، وهو ضمن قصيدة له في "ديوانه" "ص82" يمدح فيها هرم بن سنان المري. وفي "ط": "بزهير في قوله".
(4/230)

قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أَيُّ فَضِيلَةٍ لِإِبْرَاهِيمَ فِي هَذَا الْقَوْلِ؟ أَمَا يَعْلَمُونَ أَنَّ النَّاسَ فُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ؟ وَهَلْ إِبْرَاهِيمُ فِي لَفْظِ خَلِيلِ اللَّهِ إِلَّا كَمَا قِيلَ: مُوسَى كَلِيمُ اللَّهِ، وَعِيسَى رُوحُ اللَّهِ؟ وَيَشْهَدُ لَهُ الْحَدِيثُ: "لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، إِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ" 1، وَهَؤُلَاءِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ هُمُ النَّابِذُونَ لِلْمَنْقُولَاتِ اتِّبَاعًا لِلرَّأْيِ، وَقَدْ أَدَّاهُمْ ذَلِكَ إِلَى تَحْرِيفِ كَلَامِ اللَّهِ بِمَا لَا يَشْهَدُ لِلَفْظِهِ عَرَبِيٌّ وَلَا لِمَعْنَاهُ بِرِهَانٌ كَمَا رَأَيْتَ، وَإِنَّمَا أَكْثَرْتُ2 مِنَ الْأَمْثِلَةِ وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْخُرُوجِ عَنْ مَقْصُودِ الْعَرَبِيَّةِ، وَالْمَعْنَى عَلَى مَا عَلِمْتَ لِتَكُونَ تَنْبِيهًا عَلَى مَا وَرَاءَهَا مِمَّا هُوَ مِثْلُهَا أَوْ قَرِيبٌ مِنْهَا.
فَصْلٌ:
وَكَوْنُ الْبَاطِنِ هُوَ الْمُرَادُ مِنَ الْخِطَابِ قَدْ ظَهَرَ أَيْضًا مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا، وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ فِيهِ شَرْطَانِ:
__________
1 أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق، 4/ 1855/ رقم 2383" والترمذي في "الجامع" "كتاب المناقب، باب مناقب أبي بكر الصديق, رضي الله عنه، 5/ 606/ رقم 3655"، والنسائي في "فضائل الصحابة" "رقم 4"، وابن ماجه في "السنن" "المقدمة، باب في فضائل أصحاب رسول الله, صلى الله عليه وسلم 1/ 36/ رقم 93"، وأحمد في "المسند" "1/ 377، 389، 408، 409، 412، 433، 434، 437، 455"، و"الفضائل" "رقم 155، 156، 157، 158، 159، 160" عن ابن مسعود -رضي الله عنه- مرفوعًا، دون لفظة "غير ربي".
وأخرجه بها البخاري في "صحيحه" "كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي, صلى الله عليه وسلم: "سدوا الأبواب ... "، 7/ 12/ رقم 3654"، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- وهو في "صحيح مسلم" "رقم 2382" من حديثه دون اللفظة المذكورة.
وقال الفيروزآبادي في "البصائر" "2/ 558" عقبه وعقب حديث آخر نصه: "إن الله تعالى اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا". قال: "والحديثان في "الصحيحين"، وهما يبطلان قول من قال: الخلة لإبراهيم والمحبة لمحمد -عليه السلام- فإبراهيم خليله ومحمد حبيبه".
2 في "ط": "أكثر".
(4/231)


أَحَدُهُمَا: أَنْ يَصِحَّ عَلَى مُقْتَضَى الظَّاهِرِ الْمُقَرَّرِ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ، وَيَجْرِي1 عَلَى الْمَقَاصِدِ الْعَرَبِيَّةِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ لَهُ شَاهِدٌ نَصًّا أَوْ ظَاهِرًا فِي مَحَلٍّ آخَرَ يَشْهَدُ لِصِحَّتِهِ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ.
فَأَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَظَاهِرٌ مِنْ قَاعِدَةٍ كون الْقُرْآنَ عَرَبِيًّا؛ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ فَهْمٌ لَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْعَرَبِ؛ لَمْ يُوصَفْ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا بِإِطْلَاقٍ، وَلِأَنَّهُ مَفْهُومٌ يُلْصَقُ بِالْقُرْآنِ لَيْسَ فِي أَلْفَاظِهِ وَلَا فِي مَعَانِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُنْسَبَ إِلَيْهِ أَصْلًا؛ إِذْ لَيْسَتْ نِسْبَتُهُ إِلَيْهِ عَلَى أَنَّ2 مَدْلُولَهُ أَوْلَى مِنْ نِسْبَةِ ضِدِّهِ إِلَيْهِ، وَلَا مُرَجِّحَ يَدُلُّ عَلَى أَحَدِهِمَا؛ فَإِثْبَاتُ أَحَدِهِمَا تَحَكُّمٌ وَتَقَوُّلٌ عَلَى الْقُرْآنِ ظَاهِرٌ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَدْخُلُ قَائِلُهُ تَحْتَ إِثْمِ مَنْ قَالَ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَالْأَدِلَّةُ الْمَذْكُورَةُ فِي أَنَّ الْقُرْآنَ عَرَبِيٌّ جَارِيَةٌ هُنَا.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ3 إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَاهِدٌ فِي مَحَلٍّ آخَرَ أَوْ كَانَ لَهُ مُعَارِضٌ صَارَ مِنْ جُمْلَةِ الدَّعَاوَى الَّتِي تُدَّعَى عَلَى الْقُرْآنِ، وَالدَّعْوَى الْمُجَرَّدَةُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
وَبِهَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ يَتَبَيَّنُ صِحَّةُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ الْبَاطِنُ؛ لِأَنَّهُمَا مُوَفَّرَانِ فِيهِ، بِخِلَافِ مَا فَسَّرَ بِهِ الْبَاطِنِيَّةُ4؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عِلْمِ الْبَاطِنِ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عِلْمِ الظَّاهِرِ؛ فَقَدْ قَالُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ} [النمل: 16] : إنه
__________
1 أي: بحيث يجري ... إلخ. "د".
2 في الأصل و"ط": "أنه".
3 في "ط": "فإنه".
4 انظر عن أشهر تفاسيرهم وأمثلة كبيرة على ضلالاتهم ومناقشتهم في ذلك عند الشيخ محمد الخضر حسين في كتابه "من بلاغة القرآن"، والدكتور عدنان زرزور في كتابه "متشابه القرآن"، والشيخ محمد حسين الذهبي في كتابه "التفسير والمفسرون" "2/ 235 وما بعدها".
(4/232)

الْإِمَامُ وَرِثَ النَّبِيَّ عِلْمَهُ، وَقَالُوا فِي "الْجَنَابَةِ": إِنَّ مَعْنَاهَا مُبَادَرَةُ الْمُسْتَجِيبِ بِإِفْشَاءِ السِّرِّ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَنَالَ رُتْبَةَ الِاسْتِحْقَاقِ، وَمَعْنَى "الْغُسْلِ" تَجْدِيدُ الْعَهْدِ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَمَعْنَى "الطَّهُورِ" هُوَ التَّبَرِّي وَالتَّنَظُّفُ مِنِ اعْتِقَادِ كُلِّ مذهب سوى متابعة الإمام، و"التيمم" الْأَخْذُ مِنَ الْمَأْذُونِ إِلَى أَنْ يُشَاهَدَ1 الدَّاعِي أو الإمام، و"الصيام" الإمساك عن كشف السر، و"الكعبة" النبي، و"الباب" عليّ، و"الصفا" هو النبي، و"المروة" عليّ، و"التلبية" إجابة الداعي، و"الطواف سَبْعًا" هُوَ الطَّوَافُ بِمُحَمَّدٍ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- إلى تمام الأئمة السبعة، و"الصلوات الْخَمْسُ" أَدِلَّةٌ عَلَى الْأُصُولِ الْأَرْبَعَةِ وَعَلَى الْإِمَامِ، و"نار إِبْرَاهِيمَ" هُوَ غَضَبُ نَمْرُودَ لَا النَّارُ الْحَقِيقِيَّةُ، وذبح "إسحاق"2 هو أخذ العهد عليه، و"عصا موسى" حجته التي تلقفت شبه السحرة، و"انفلاق الْبَحْرِ" افْتِرَاقُ عِلْمِ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِيهِمْ، و"البحر" هو العالم، و"تظليل الغمام" نصب موسى الإمام لإرشادهم، و"المن" علم نزل من السماء، و"السلوى" داع من الدعاة، و"الجراد وَالْقُمَّلُ وَالضَّفَادِعُ" سُؤَالَاتُ مُوسَى وَإِلْزَمَاتُهُ الَّتِي تَسَلَّطَتْ عليهم، و"تسبيح الجبال" رجال شداد في الدين، و"الجن الذين ملكهم سليمان" باطنية ذلك الزمان، و"الشياطين" هُمُ الظَّاهِرِيَّةُ الَّذِينَ كُلِّفُوا الْأَعْمَالَ الشَّاقَّةَ، إِلَى سَائِرِ مَا نُقِلَ مِنْ خُبَاطِهِمُ3 الَّذِي هُوَ عَيْنُ الْخَبَالِ، وَضِحْكَةُ السَّامِعِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنِ الخذلان4.
__________
1 في "الاعتصام" "1/ 322, ط ابن عفان": "إلى أن يسعد بمشاهد الداعي....".
2 كذا في الأصل وجميع النسخ المطبوعة، وهو رأي القرطبي في "تفسيره"!! والصواب: "إسماعيل"؛ إذ هو الذبيح، على ما فصله ابن القيم في "الزاد"، والسيوطي في "القول الفصيح في تعيين الذبيح"، مطبوع ضمن "الحاوي" له "1/ 318-322".
3 في الأصل: "خطابهم".
4 تجد هذه الأمثلة ونحوها في "قواعد عقائد آل محمد" "ص47" لمحمد بن الحسن الديلمي، ط إستانبول، مطبعة الدولة، سنة 1938م، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "5/ 550-551 و13/ 236-238، 359 وما بعدها"، وابن حزم في "الإحكام" "3/ 40" أمثلة كثيرة غير هذه من تفسيرات الباطنية وهي من جنسها؛ فانظرها فإنها مفيدة.
(4/233)

قَالَ الْقُتْبِيُّ1: "وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْأَدَبِ يَقُولُ: مَا أُشَبِّهُ تَفْسِيرَ الرَّوَافِضِ لِلْقُرْآنِ إِلَّا بِتَأْوِيلِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ لِلشِّعْرِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ: مَا سَمِعْتُ بِأَكْذَبَ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، زَعَمُوا أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ:
بَيْتٌ زُرَارَةُ مُحْتَبٍ بِفَنَائِهِ ... وَمُجَاشِعٌ وَأَبُو الْفَوَارِسِ نَهْشَلُ
إِنَّهُ فِي رَجُلٍ2 مِنْهُمْ. قِيلَ لَهُ: فَمَا تَقُولُ أَنْتَ فِيهِ؟ قَالَ: الْبَيْتُ بَيْتُ اللَّهِ، وَزُرَارَةُ الْحِجْرُ3. قِيلَ: فَمُجَاشِعٌ؟ قَالَ: زَمْزَمُ جَشَعَتْ بِالْمَاءِ. قيل: فأبو الفوراس؟ قَالَ: أَبُو قُبَيْسٍ. قِيلَ: فَنَهْشَلٌ؟ قَالَ نَهْشَلٌ أَشَدُّهُ4، وَصَمَتَ5 سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ، نَهْشَلٌ مِصْبَاحُ الْكَعْبَةِ؛ لِأَنَّهُ طَوِيلٌ أَسْوَدُ، فَذَلِكَ نَهْشَلٌ"، انتهى ما حكاه.
__________
1 هو ابن قتيبة، وكلامه الذي أورده المصنف موجود في كتابيه "اختلاف الحديث" "1/ 217-218"، و"عيون الأخبار" "2/ 146"، ونحوه في "العقد الفريد" "2/ 250 و7/ 186"، وأفاد أن القائل: "ما أشبه ... " هو الشعبي.
2 كذا في الأصل و"ط" والنسخ المطبوعة، وفي "اختلاف الحديث": "رجال"، وهو أصوب.
3 في "د" و"ط": "الحج"، وقال "د": "صوابه "الحجر؛ بكسر الحاء"، كما هو الرواية عن ابن قتيبة".
قلت: وكذا في "م"، وكتب في الهامش: "في المطبوعات الثلاث: "الحج"، وتصويبه عن ابن قتيبة".
4 الرواية "أشدها"؛ أي: أصعبها في بيان معناه. "د"، وكتب "م": "يريد أشد ما في البيت؛ أي: أعوصه وأصعبه تفسيرًا".
قلت: وفي "ط" ونسخ "اختلاف الحديث" الخطية الخمسة، التي اعتمد عليها أخي الأستاذ أحمد الشقيرات "1/ 217, مضروبة على آلة كاتبة"؛ كما عن المصنف: "أشده".
5 في "اختلاف الحديث" و"ط": "وفكر ساعة".
(4/234)

فَصْلٌ:
وَقَدْ وَقَعَتْ فِي الْقُرْآنِ تَفَاسِيرُ مُشْكِلَةٌ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، أَوْ مِنْ قَبِيلِ الْبَاطِنِ الصَّحِيحِ، وَهِيَ مَنْسُوبَةٌ لِأُنَاسٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَرُبَّمَا نُسِبَ مِنْهَا إِلَى السَّلَفِ الصَّالِحِ.
فَمِنْ ذَلِكَ فَوَاتِحُ السُّوَرِ1 نَحْوَ {الم} ، وَ {المص} , وَ {حم} ، وَنَحْوِهَا فُسِّرَتْ بِأَشْيَاءَ، مِنْهَا مَا يَظْهَرُ جَرَيَانُهُ عَلَى مَفْهُومٍ صَحِيحٍ، وَمِنْهَا مَا لَيْسَ كَذَلِكَ، فَيَنْقُلُونَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ2 فِي {الم} أَنَّ "أَلِفٌ" اللَّهُ، و"لام" جبريل، و"ميم" مُحَمَّدٌ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَهَذَا إِنْ صَحَّ فِي النَّقْلِ؛ فَمُشْكِلٌ لِأَنَّ هَذَا النَّمَطَ من التصرف لم يثبت
__________
1 تجد كلامًا محققًا جيدًا حولها في "قانون التأويل" "208 وما بعدها"، و"معرفة قانون التأويل" "ق 27/ أ" -حيث أورد فيه اثني عشر قولًا لعلماء التفسير وسبعة أقوال للصوفية- كلاهما لابن العربي، و"تفسير الطبري" "1/ 67-74"، و"تأويل مشكل القرآن" "299" لابن قتيبة، و"العقل وفهم القرآن" "329" للمحاسبي، و"بدائع التفسير الجامع لتفسير ابن القيم" "1/ 259-264"، و"بدائع الفوائد" "3/ 45-47"، و"الكشاف" "1/ 12-19"، و"البحر المحيط" "1/ 34" لابن حيان، و"تفسير الرازي" "2/ 3-13"، و"تفسير القرطبي" "1/ 154"، و"البرهان" "1/ 214-216، و"معترك الأقران" "1/ 156"، و"الإتقان" "2/ 11 وما بعدها"، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" "17/ 398"، و"الإعجاز البياني للقرآن" "136" لبنت الشاطئ، و"براعة الاستهلال في فواتح القصائد والسور" "ص99-302"، وفيه جمع واسع لما قيل في معاني الحروف المذكورة في أوائل السور.
2 حكاه أبو الليث في "بحر العلوم" "1/ 89"، وغيره ولم ينسبوه لابن عباس، وقال المناوي في "الفتح السماوي" "1/ 126": "هذا لا يعرف عن ابن عباس ولا غيره من السلف"، وتابعه ابن همات في "تحفة الراوي" "ق 8/ ب"، وورد عنه أقوال كثيرة كما تراه في "الدر المنثور" "1/ 55-59".
وفي "ط": "في "الم"، وفي غيره: "أن الم"، قال "ف": "إن "الم": لعله في "الم".
(4/235)

فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هَكَذَا مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا أَتَى مِثْلُهُ إِذَا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ اللَّفْظِيُّ أَوِ الْحَالِيُّ؛ كَمَا قَالَ:
قُلْتُ لَهَا قِفِي فَقَالَتْ قاف1
وقال:
__________
1 هذا أول رجز للوليد بن عقبة، وسبب قوله أنه لما شهد عليه عند عثمان بن عفان بشرب الخمر؛ كتب إليه يأمره بالشخوص، فخرج وخرج معه قوم يعذرونه، فيهم عدي بن حاتم، فنزل الوليد يومًا يسوق بهم؛ فقال يرتجز:
قلت لها قفي فقالت قاف ... لا تحسبينا قد نسينا الإيجاف
والنشوات من عتيق أوصاف ... وعزف قينات علينا غراف
فقال له: "إلى أين تذهب بنا؟ أقم".
كذا في "الأغاني" "5/ 181"، و"شرح شواهد الشافية" "ص271"، وفي "تأويل مشكل القرآن" "309": "وأنشد الفراء وذكره"، وهو في "الصاحبي" "94"، و"تفسير ابن جرير" "1/ 212, تحقيق شاكر"، و"الوسيط" "1/ 76" للواحدي، و"المحرر الوجيز" "1/ 82-83"، و"تفسير ابن كثير" "1/ 39"، و"مجمع البيان" "1/ 34"، و"البحر المحيط" "1/ 35"، و"العمدة" "1/ 280"، و"بحر العلوم" "1/ 87"، و"قانون التأويل" "216، و"البرهان" "3/ 117" للزركشي، و"الإتقان" "2/ 12"، و"براعة الاستهلال" "197"، وفي بعضها غير منسوب.
وأورده ابن جني في "الخصائص" "1/ 31، 81، 247"، ونقل عنه ابن منظور في "اللسان" "9/ 359، مادة وقف" قوله: "ولو نقل هذا الشاعر إلينا شيئًا من جملة الحال؛ فقال مع قوله: "قالت: قاف": وأمسكت زمام بعيرها أو عاجته إلينا؛ لكان أبين لما كانوا عليه وأدل، على أنها أرادت قفي لنا قفي لنا، أي: تقول لي قفي لنا متعجبة منه، وهو إذا شاهدها وقد وقفت علم من قولها قاف إجابة له لا رد لقوله، وتعجب منه في قوله: "قفي لنا"".
قال: "ف": "أي: ذكرت حرفًا في حروف قفي وهو القاف، والظاهر أن القصد بذكره امتثال الأمر بقرينة سابقة، وكذا قوله "فا" بمعنى فأنا أقول لك، وقول "تا"؛ أي: تفعل فإن فعلته أقابل الشر بمثله ويشبه أن يكون ذلك من النحت".
(4/236)

قَالُوا جَمِيعًا كُلُّهُمْ بِلَافَا1
وَقَالَ:
وَلَا أُرِيدُ الشَّرَّ إِلَّا أَنْ تَا2
وَالْقَوْلُ فِي {الم} لَيْسَ3 هَكَذَا، وَأَيْضًا، فَلَا دَلِيلَ مِنْ خَارِجٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ إِذْ لَوْ كَانَ لَهُ دَلِيلٌ لَاقْتَضَتِ4 الْعَادَةُ نَقْلَهُ لِأَنَّهُ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهَا لَوْ صَحَّ أَنَّهُ مِمَّا يُفَسَّرُ وَيُقْصَدُ تَفْهِيمُ مَعْنَاهُ، وَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُتَشَابِهَاتِ، فَإِنْ ثَبْتَ لَهُ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ صِيرَ إِلَيْهِ.
وَقَدْ ذَهَبَ فَرِيقٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْإِشَارَةُ إِلَى حُرُوفِ الْهِجَاءِ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ مُنَزَّلٌ بِجِنْسِ هَذِهِ الْحُرُوفِ وَهِيَ الْعَرَبِيَّةُ، وَهُوَ أَقْرَبُ مِنَ الْأَوَّلِ، كَمَا أَنَّهُ نُقِلَ أَنَّ هَذِهِ الْفَوَاتِحَ أَسْرَارٌ لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهَا إِلَّا اللَّهُ، وَهُوَ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ؛ فَهِيَ من قبيل
__________
1 في "م": "بلى؛ فلا"، وأورده السيوطي في "الإتقان" "2/ 12"، وأوله:
"ناداهم ألا الحموا ألا نا ... قالوا جميعًا كلهم ألا فا"
وقال: "أراد: ألا تركبون ألا فاركبوا".
2 الراجز هو لقيم بن أوس، وأوله: "بالخير خيرات وإن شرًّا فا"؛ كما في "الكامل" "236"، و"شرح شواهد الشافية" "262"، و"الهمع" "2/ 210، 236"، و"اللسان" "مادة تا"، و"المحرر الوجيز" "1/ 83"، وعزاه إلى زهير بن أبي سلمى، و"تفسير ابن كثير" "1/ 39"، و"الكتاب" "3/ 321"، لسيبويه، و"الإتقان" "2/ 12"، و"شرح أبيات سيبويه" "2/ 277" لابن السيرافي، و"تفسير ابن جرير" "1/ 70"، و"براعة الاستهلال" "197"، قال سيبويه في "الكتاب" "3/ 321": "يريد: إن شرًّا فشر، ولا يريد الشر إلا أن تشاء".
3 الأمثلة الثلاثة أدلتها من اللفظ، وليس في "الم" ما يدل على هذا التفسير من اللفظ، وقوله: "وأيضًا"؛ أي: ولا قرينة خارجة عن اللفظ أيضًا، وهو ما سماه بالدليل الحالي أي: غير المقالي، وقوله: "لو صح ... إلخ" تأكيد لأضعاف هذا المعنى؛ فإن الراجح أن أوائل السور من المتشابه الذي اختص الله بعلمه. "د".
4 في "ط": "لاقتضاء".
(4/237)

الْمُتَشَابِهَاتِ، وَأَشَارَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا أَعْدَادُهَا تَنْبِيهًا عَلَى مُدَّةِ هَذِهِ الْمِلَّةِ1، وَفِي السِّيَرِ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ قَوْلٌ يَفْتَقِرُ إِلَى أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَعْهَدُ فِي اسْتِعْمَالِهَا الْحُرُوفَ الْمُقَطَّعَةَ أَنْ تَدُلَّ بِهَا عَلَى أَعْدَادِهَا، وَرُبَّمَا لَا يُوجَدُ مِثْلُ هَذَا لَهَا أَلْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا كَانَ أَصْلُهُ فِي الْيَهُودِ حسبما ذكره أصحاب السير2.
__________
1 قال ابن كثير في "تفسيره" "1/ 76" عن هذه الحروف المقطعة: "وأما من زعم أنها دالة على معرفة المدد وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم؛ فقد ادعى ما ليس له، وطار في غير مطاره".
2 يشير المصنف إلى ما عند ابن إسحاق في "السيرة" "1/ 545, تهذيب ابن هشام"، وأخرجه أيضًا البخاري في "التاريخ الكبير" "2/ 208"، وابن جرير في "التفسير" "1/ 92-93/ رقم 246, ط شاكر"، والداني في "البيان في عد آي القرآن" "330-331" من طريق ابن إسحاق: حدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن جابر بن عبد الله بن رئاب؛ قال: "مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من اليهود برسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وهو يتلو صدر سورة البقرة: {الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ} ؛ فأتى أخاه حيي بن أخطب في رجال من اليهود، فقال: تعلمون والله لقد سمعت محمدًا يتلو فيما أنزل عليه: {الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ} فقالوا: أنت سمعت؟ قال: نعم. فمشى حيي في أولئك النفر إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فقالوا له: ألم يذكر أنك تتلو فيما أنزل عليك: {الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ} . فقال: "بلى". قالوا: لقد بعث الله قبلك أنبياء ما بين النبي فيهم مدة ملكه، وأجل أمته غيرك. الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون؛ فهذه إحدى وسبعون. قال: يا محمد! هل مع هذا غيره؟ قال: "نعم، {المص} ". قالوا: هذه أطول وأثقل؛ الألف واحدة، واللام ثلاثة، والميم أربعون، والصاد ستون؛ فهذه إحدى وثلاثون ومائة، هل مع هذا غيره؟ قال: "نعم، {الر} ". قال: هذه أثقل وأطول؛ الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان، هذه إحدى ومائتا سنة، هل مع هذا غيره؟ قال: "نعم، {المر} ". قال: هذا أثقل وأطول؛ الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مائتان؛ فهذه إحدى وسبعون ومائتان. ثم قال: لبس علينا أمرك حتى ما يدرى أقليلًا أعطيت أم كثيرًا. ثم قال: قوموا عنه. ثم قال أبو ياسر لأخيه ومن معه: ما يدريكم لعله قد جمع لمحمد هذا كله إحدى وسبعون، وإحدى وثلاثون ومائة، وإحدى وثلاثون ومائتنان، وإحدى وسبعون ومائتان؛ فذلك سبعمائة وأربع سنين. فقالوا: لقد =
(4/238)

..........................................................................
__________
= تشابه علينا أمره".
وإسناده ضعيف جدًّا، بل موضوع، آفته الكلبي، وهو محمد بن السائب، متهم بالكذب، وشيخه أبو صالح باذام، مولى أم هانئ، وهو ضعيف، وأبو صالح لم يسمع من ابن عباس؛ كما في "جامع التحصيل" "رقم 55".
وحكم عليه ابن كثير بالضعف؛ فقال في "تفسيره" "1/ 39, ط الشيخ مقبل": "فهذا مداره على محمد بن السائب الكلبي، وهو ممن لا يحتج بما انفرد به"، وتابعه عليه الشوكاني في "فتح القدير" "1/ 31"، وقد تكلمت بإسهاب ولله الحمد على تفسير ابن عباس من طريق الكلبي في كتابي "كتب حذر منها العلماء" "2/ 259 وما بعدها، المجموعة الأولى"؛ فراجعه إن شئت، والله الهادي.
وأورده البخاري من وجه آخر فيه محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، وهو مجهول، وهذا مردود من جهة متنه، وهذا ما قرره ابن حجر؛ فقال رحمه الله تعالى: "وهذا باطل لا يعتمد عليه؛ فقد ثبت عن ابن عباس -رضي الله عنه- الزجر عن عد أبي جاد، والإشارة إلى أن ذلك من جملة السحر، وليس ذلك ببعيد؛ فإنه لا أصل له في الشريعة". نقله عنه السيوطي في "الإتقان" "2/ 11".
قلت: أشار الحافظ إلى ما أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" "11/ 26/ رقم 19805", والبيهقي في "الكبرى" "8/ 139"، عن ابن عباس بسند صحيح، قال: "إن قومًا ما يحسبون أبا جاد وينظرون في النجوم، ولا أدري لمن فعل ذلك من خلاق".
وقال الشوكاني عقبه: "فانظر ما بلغت إليه أفهامهم من هذا الأمر المختص بهم من عدد الحروف مع كونه ليس من لغة العرب في شيء، وتأمل أي موضع أحق بالبيان من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من هذا الموضع؛ فإن هؤلاء الملاعين قد جعلوا ما فهموه عند سماع: {الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ} من ذلك العدد موجبًا للتثبيط عن الإجابة له، والدخول في شريعته، فلو كان لذلك معنى يعقل ومدلول يفهم؛ لدفع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما ظنوه بادئ بدء حتى لا يتأثر عنه ما جاءوا به من التشكيك على من معهم".
ولا داعي بعد بيان وضع هذه القصة إلى تحميلها ما لا تحتمل من مثل قول صاحب "التحرير والتنوير" "1/ 194-195": "وليس في جواب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إياهم بعدة حروف أخرى من هذه الحروف المتقطعة في أوائل السور تقرير لاعتبارها رموزًا لأعداد مدة هذه الأمة، وإنما أراد إبطال ما =
(4/239)

فَأَنْتَ تَرَى هَذِهِ الْأَقْوَالَ مُشْكِلَةً إِذَا سَبَرْنَاهَا بِالْمِسْبَارِ الْمُتَقَدِّمِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَقْوَالِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْفَوَاتِحِ مِثْلُهَا فِي الْإِشْكَالِ وَأَعْظَمُ، وَمَعَ إِشْكَالِهَا؛ فقد
__________
= فهموه بإبطال أن يكون مفيدًا لزعمهم على نحو الطريقة المسماة بالنقض في الجدل، ومرجعها إلى المنع والمانع لا مذهب له، وأما ضحكه -صلى الله عليه وسلم- فهو تعجيب من جهلهم"، ومن مثل قول الأمير الصنعاني في "رسالة شريفة فيما يتعلق بالأعداد للحروف والأوفاق" "ص15" قال بعد أن ساق القصة: "فهذا دليل أن ذلك كان من عرف اليهود واصطلاحهم، ومن المعلوم قطعًا أنه لم يكن ذلك من لغة العرب كما يعلم قطعًا أن العرب لم تعارض القرآن، فما هو إلا من علم اليهود ومن أوضاع أسحارهم، وقد ثبت عن ابن عباس النهي عن عد أبي جاد والإشارة إلى أن ذلك من السحر".
ثم قال: "فإن قلت: فقد قرر رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- حيي بن أخطب على تفسير تلك الحروف بالأعداد.
قلت: أما أولًا؛ فمعلوم أن تلك الحروف ليست موضوعة للأعداد في العربية، وقد علم أنه تعالى أنزل القرآن عربيًّا؛ فلا يفسر العربي إلا بالأوضاع العربية لا بالأوضاع العبرانية.
وأما ثانيًا؛ فقد علم مخالفته -صلى الله عليه وآله وسلم- لليهود في أفعالهم وأقوالهم؛ فسكوته عن الإنكار هذا كسكوته عن الإنكار إذا مروا إلى كنائسهم.
وأما ثالثًا؛ فلأنهم منكرون أنه كلام الله فهم فسروا على تسليم أنه كلام كاذب عندهم.
وأما رابعًا؛ فلأنه يحتمل أن سكوته أراده لإغاظتهم وتحزينهم، فإنه يعلم أن بقاءه يومًا واحدًا مما يسوءهم ويحزنهم فضلًا عن أعوام.
وأما خامسًا؛ فلأنه معلوم أن هذا ليس من لغته ولا لغة قومه، فكأنه يقول: إذا كان عرفًا لكم ولغة عندكم؛ فأنتم تعلمون أنه ليس لغة لنا ولا هو عرفنا، وإنما هو شيء جئتم به من تلقاء أنفسكم، فلا ينكر عليهم أن يتعارفوا بينهم بأي لفظ.
فإن قلت: ومن أين علمنا أنه ليس من لغته ولا لغة قومه؟
قلت: عرفناه بأنه لم يأت حرف واحد عن صحابي ولا تابعي بهذا، مع أنه قد نقل إلينا تفاسيرهم لكلام الله، بل هذا معلوم يقينًا أنه من لغة العرب؛ فقد دونها أئمة اللغة وبذلوا فيها وسعهم وتتبعوها في البوادي وغيرها، ولا تجد كتابًا لغويًّا فيه شيء من هذا، وأن الحرف مسماه كذا من العدد هذا أمر مقطوع بعدم وقوعه لغة؛ فتعين أنه أمر اصطلاحي لا حجر فيه ولا ضير على متعاطيه، ونهى ابن عباس عنه، وأنه من السحر يدل أنه عرف أنه اصطلاح لليهود يستعملونه في الأسحار".
(4/240)

اتَّخَذَهَا جَمْعٌ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْعِلْمِ، بَلْ إِلَى الِاطِّلَاعِ وَالْكَشْفِ عَلَى حَقَائِقِ الْأُمُورِ، حُجَجًا فِي دعاوٍ ادَّعَوْهَا عَلَى الْقُرْآنِ، وَرُبَّمَا نَسَبُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ [إِلَى] 1 عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ2، وَزَعَمُوا أَنَّهَا أَصْلُ الْعُلُومِ وَمَنْبَعُ الْمُكَاشَفَاتِ عَلَى أَحْوَالِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَيَنْسُبُونَ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى فِي خِطَابِهِ الْعَرَبَ الْأُمِّيَّةَ الَّتِي لَا تَعْرِفُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ إِذَا سُلِّمَ أَنَّهُ مُرَادٌ فِي تِلْكَ الْفَوَاتِحِ فِي الْجُمْلَةِ؛ فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مُرَادٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ مِنْ تَرْكِيبِهَا عَلَى وُجُوهٍ، وَضَرْبِ3 بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، وَنِسْبَتِهَا إِلَى الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعِ، وَإِلَى أَنَّهَا الْفَاعِلَةُ فِي الْوُجُودِ، وَأَنَّهَا مُجْمَلُ كُلِّ مُفَصَّلٍ، وَعُنْصُرُ كُلِّ مَوْجُودٍ، وَيُرَتِّبُونَ فِي ذَلِكَ تَرْتِيبًا جَمِيعُهُ دعاوٍ مُحَالَةٌ عَلَى الْكَشْفِ وَالِاطِّلَاعِ، وَدَعْوَى الْكَشْفِ لَيْسَ بِدَلِيلٍ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى حَالٍ4، كَمَا أَنَّهُ لَا يُعَدُّ دَلِيلًا فِي غَيْرِهَا، كَمَا سَيَأْتِي بِحَوْلِ اللَّهِ.
__________
1 ما بين المعقوفتين سقط من "د"، وأثبتناه من الأصل و"ف" و"م" و"ط".
2 انظر لزامًا بسط ذلك في كتابي: "كتب حذر منها العلماء" "2/ 248-249, المجموعة الأولى".
3 وأنها بهذا الحساب تبين تواريخ أمم سابقة ولاحقة، ومن ذلك أن محيي الدين بن عربي ذكر في "فتوحاته" عند تفسير قوله تعالى: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا} [النبأ: 29] : "إن الله أودع في القرآن من العلوم ما هي خارجة عن حصرنا لها، وقال: سألت بعض العلماء: هل يصح لأحد حصر أمهات هذه العلوم؟ فقال: إنها مائة ألف نوع وستمائة نوع، كل نوع منها يحتوي على علوم لا يعلمها إلا الله تعالى". "د".
قلت: وكتابه هذا فيه طامات وأوابد، كما فصله جماعة من العلماء؛ منهم: ابن تيمية في "الرد الأقوم على ما في فصوص الحكم" ضمن "مجموع الفتاوى" "2/ 362-451"، والبقاعي في "تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي"، كلاهما مطبوع، والسخاوي في "القول المنبي في ترجمة ابن عربي"، وهو قيد التحقيق عندي، والفاسي في الأول من كتابه "العقد الثمين"، والأهدل في كتاب مفرد جامع مفيد، طبع قديمًا في تونس، وأتيت على ما قيل فيه في كتابي: "كتب حذر منها العلماء"، يسر الله إتمامه.
4 انظر في هدم الاحتجاج بالكشف: "القائد لتصحيح العقائد" "ص37 وما بعدها". للمعلمي اليماني، و"مجموع الفتاوى" "5/ 491 و11/ 77 و323 و13/ 73 و29-30"، و"الجواب الصحيح" "2/ 92"، و"مدارج السالكين" "1/ 494 و3/ 228"، و"شرح الطحاوية" "498"، و"تفسير القرطبي" "11/ 40 و7/ 39"، و"المقدمة السالمة" "ص20, بتحقيقي" لعلي القاري، و"مشتهى الخارف الجاني" "81"، و"شرح مراقي السعود" "288"، و"منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد" "2/ 638 وما بعدها"، و"أضواء البيان" "4/ 159"، وسيأتي للمصنف "ص470 وما بعد" كلام مسهب في هذا الموضوع.
(4/241)

فَصْلٌ:
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ نُقِلَ عَنْ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ1 فِي فَهْمِ الْقُرْآنِ أَشْيَاءُ مِمَّا يُعَدُّ مِنْ بَاطِنِهِ؛ فَقَدْ ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} [الْبَقَرَةِ: 22] ؛ أَيْ: أَضْدَادًا، قَالَ: "وَأَكْبَرُ الأنداد2 النفس الأمارة بالسوء، المتطلعة إِلَى حُظُوظِهَا وَمُنَاهَا3 بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ".
وَهَذَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّ النَّفْسَ الْأَمَّارَةَ دَاخِلَةٌ تَحْتَ عُمُومِ الْأَنْدَادِ، حَتَّى لَوْ فَصَّلَ لَكَانَ الْمَعْنَى: فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لَا صَنَمًا وَلَا شَيْطَانًا وَلَا النَّفْسَ وَلَا كَذَا، وَهَذَا مُشْكِلُ الظَّاهِرِ جِدًّا؛ إِذْ كَانَ مَسَاقُ الْآيَةِ وَمَحْصُولُ الْقَرَائِنِ فِيهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَنْدَادَ الْأَصْنَامُ أَوْ غَيْرُهَا مِمَّا كَانُّو يَعْبُدُونَ، وَلَمْ يكونوا يعبدون أنفسهم ولا
__________
1 له تفسير بعنوان: "تفسير القرآن العظيم" مطبوع في مطبعة السعادة بالقاهرة، سنة 1326هـ-1908م، في "204 صفحات"، نشره النعساني، والمذكور عند المصنف فيه "ص14"، وقد رد تفسير الآية المذكور عند المصنف الشيخ محمد حسين الذهبي في "الاتجاهات المنحرفة في تفسير القرآن" "52"، وانظر غير مأمور: "منهج ابن تيمية في تفسير القرآن الكريم" "ص60-61".
2 في "تفسير سهل" "ص14": "الأضداد".
3 في النسخ المطبوعة كلها و"ط": "الطواعة إلى حظوظها ومنهيها"، وما أثبتناه من "تفسير سهل" "ص14"، وكتب "ف" على "الطواعة": "أي: شديدة الطوع والانقياد إلى حظوظها وما نهيت عنه".
(4/242)

يَتَّخِذُونَهَا أَرْبَابًا، وَلَكِنْ لَهُ وَجْهٌ جارٍ عَلَى الصِّحَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ1 إِنَّ هَذَا هُوَ تَفْسِيرُ الْآيَةِ، وَلَكِنْ أَتَى بِمَا هُوَ نِدٌّ2 فِي الِاعْتِبَارِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي شَهِدَ لَهُ الْقُرْآنُ مِنْ جِهَتَيْنِ.
إِحْدَاهُمَا3: أَنَّ النَّاظِرَ قَدْ يَأْخُذُ مِنْ مَعْنَى الْآيَةِ مَعْنًى مِنْ بَابِ الاعتبار؛
__________
1 أي: لم يقل: إن هذا المعنى داخل تحت عموم الآية بحيث يدل عليه نظمها حقيقة أو مجازًا بالدلالة الآلية المعروفة، بل قال: يفهم من الآية بنوع من الدلالة والفهم شبيه بالاستنباط الأصولي الذي يرجع فيه إلى اعتبار العقل وتصرفه وبالأخذ الصرفي الذي يعول فيه على اعتبار المعنى أو تنوعه، والدلالة على المعاني التي تنكشف لأرباب السلوك من هذا الطريق تسمى دلالة إشارية، ولا يعول عليها عندهم إلا إذا أمكن تطبيقها على الظواهر المسوق لها الكلام، بل لا مطمع في الوصول إليها إلا من طريقها؛ كالبيت لا يتوصل لداخله إلا بعد ولوج بابه، خلافًا للباطنية الملاحدة الذين ينفون ظواهر الآيات ويريدون بها معاني أخرى يزعمونها بواطن القرآن وليست منه في شيء. "ف".
2 أي: جاء بالمعنى في "الند"، وأجراه في الآية وإن لم تنزل فيه؛ لكونه يعتبر شرعًا كالند الذي نزلت فيه، ويشهد لاعتبار هذا الإجراء وجهان: أحدهما في نفس موضوع اتخاذ الأنداد والأرباب، والثاني أعم من ذلك، وهو حذر الصحابة وخوفهم من تطبيق الآيات التي أنزلت في الكفار عليهم؛ فاجتنبوا لذلك ما ورد خاصًّا بالكفار مما اقتضى اتصاف هؤلاء بالحرمان، ولو كان من أصل المباحات؛ كالتوسع في أخذ الحظوظ الدنيوية. "د".
3 في الأسلوب انحراف أدى إلى قلق المعنى؛ وذلك لأن "كون الناظر في معنى الآية، أخذ معنى ... " إلى قوله: "أو يقاربه"، هذا المقدار عام، وهو شرح لموضوع المعاني الاعتبارية التي يلتفت إليها الصوفية، وليس خاصًّا بالجهة الأولى، بل هو جار في الجهة الثانية وغيرها في كل ما روعي فيه معنى اعتباري؛ فكان المناسب أن يقدم هذا الشرح بعد قوله: "في الاعتبار الشرعي"، ثم يقول: وهذا الاعتبار الذي اعتبره سهل يشهد له وجهان: أحدهما خاص بالموضوع، وهو الآية الأولى؛ فحقيقة الند ... إلخ، والثاني عام، وهو الآية الثانية، ويقول في الثانية: إن لأهل الإسلام نظرًا واعتبارًا في الآية، فأخذوا من معناها معنى أجروها فيه، وإن لم تنزل فيه، ويشرحه كما شرح مسألة الند لو صنع ذلك لاتضح المقام واتسق الكلام. "د".
(4/243)

فَيُجْرِيهِ فِيمَا لَمْ تَنْزِلْ فِيهِ1 لِأَنَّهُ يُجَامِعُهُ فِي الْقَصْدِ أَوْ يُقَارِبُهُ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ النِّدِّ أَنَّهُ الْمُضَادُّ لِنِدِّهِ الْجَارِي عَلَى مُنَاقَضَتِهِ، وَالنَّفْسُ الْأَمَّارَةُ هَذَا شَأْنُهَا؛ لِأَنَّهَا تَأْمُرُ صَاحِبَهَا بِمُرَاعَاةِ حُظُوظِهَا لَاهِيَةً أَوْ صَادَّةً عَنْ مُرَاعَاةِ حُقُوقِ خَالِقِهَا وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَعْنِي بِهِ النِّدَّ فِي نِدِّهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْنَامَ نَصَبُوهَا لِهَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ، وَشَاهِدُ صِحَّةِ هَذَا الِاعْتِبَارِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التَّوْبَةِ: 31] ، وَهُمْ لَمْ يَعْبُدُوهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَلَكِنَّهُمُ ائْتَمَرُوا بِأَوَامِرِهِمْ، وَانْتَهَوْا عَمَّا نَهَوْهُمْ عَنْهُ كيف كان؛ فما حرموا عليه حَرَّمُوهُ، وَمَا أَبَاحُوا لَهُمْ حَلَّلُوهُ2؛ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التَّوْبَةِ: 31] ، وَهَذَا شَأْنُ الْمُتَّبِعِ لِهَوَى نَفْسِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ الْآيَةَ وَإِنْ نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْأَصْنَامِ؛ فَإِنَّ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فِيهَا نَظَرًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ، أَلَا تَرَى أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ [رِضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] قَالَ3 لِبَعْضِ مَنْ تَوَسَّعَ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ: "أَيْنَ تَذْهَبُ بِكُمْ هَذِهِ الْآيَةُ: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا} [الْأَحْقَافِ: 20] ؟ "، وَكَانَ هُوَ يَعْتَبِرُ نَفْسَهُ بِهَا وإنما
__________
1 انظر في ذلك: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "6/ 376-377 و16/ 148-149".
2 أي: مع أن المحرم والمحلل هو الله، فلما أمرت النفس صاحبها بمقتضى هواها صادة عن أوامر الله كان فيه معنى اتخاذها لله ندًّا، كما أن في ائتمارهم وانتهائهم بأوامر الأحبار هذا الاتخاذ الذي قرره القرآن، ولذلك قال: "وهذا هو شأن المتبع لهوى نفسه". "د".
قلت: وما ذكره المصنف في تفسير الآية وارد في حديث صحيح، مضى لفظه وتخريجه "3/ 299".
3 وتقدم أنه أخذه من حديث: "أَوَفي شك أنت يابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم" الحديث؛ فقد شهد القرآن باعتباره بناء على الحديث المتقدم في مبحث العموم والخصوص. "د".
قلت: تقدم الأثر وتخريجه "ص34".
(4/244)

أُنْزِلَتْ فِي الْكُفَّارِ لِقَوْلِهِ: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ} الْآيَةَ [الْأَحْقَافِ: 20] ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى تَقْرِيرٌ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ صَحَّ التَّنْزِيلُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ فِي قَوْلِهِ: {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} [الْبَقَرَةِ: 22] ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
وَمِنَ الْمَنْقُولِ عَنْ سَهْلٍ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} [الْبَقَرَةِ: 35] ؛ قَالَ1: "لَمْ يُرِدِ اللَّهُ مَعْنَى الْأَكْلِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ مَعْنَى مُسَاكَنَةِ الْهِمَّةِ لِشَيْءٍ هُوَ غَيْرُهُ، أَيْ: لَا تَهْتَمَّ بِشَيْءٍ هُوَ غَيْرِي"، قَالَ: "فَآدَمُ لَمْ يُعْصَمْ مِنَ الْهِمَّةِ وَالتَّدْبِيرِ فَلَحِقَهُ مَا لَحِقَهُ"، قَالَ: "وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ وَسَاكَنَ قَلْبَهُ نَاظِرًا إِلَى هَوَى نَفْسِهِ، لَحِقَهُ التَّرْكُ مِنَ اللَّهِ مَعَ مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِيهِ2؛ إِلَّا أَنْ يَرْحَمَهُ اللَّهُ فَيَعْصِمَهُ مِنْ تَدْبِيرِهِ، وَيَنْصُرَهُ عَلَى عَدُوِّهِ وَعَلَيْهَا".
قَالَ: "وَآدَمُ لَمْ يُعْصَمْ عَنْ مُسَاكَنَةِ قَلْبِهِ إِلَى تَدْبِيرِ نَفْسِهِ لِلْخُلُودِ لَمَّا أُدْخِلَ الْجَنَّةَ؛ لِأَنَّ الْبَلَاءَ فِي الْفَرْعِ3 دَخَلَ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ سكون القلب إلى ما وسوست
__________
1 جعل كلامه في الآية تفسيرًا ومرادًا من كلام الله تعالى لاستيفائه الشرطين السابقين، بخلاف ما تضمنه الفصل السابق؛ فإنه جعله معنى إشاريًّا، وهو وجيه، وبخلاف ما يأتي في بقية هذا الفصل عن سهل أيضًا؛ فإنه لم يقبله ولا على المعنى الإشاري؛ إلا في قوله: {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْت} [النساء: 51] ، على وجه لأنه لم يستوفِ الشرطين السابقين المصححين للتفسير، ولم ينطبق عليه المعنى الاعتباري الذي يتفجر لأهل البصائر من المعاني الشرعية كما سبق، وكما يأتي في المسألة التالية، وقوله: "مع ما جبلت ... إلخ" أي: يتركه ليتصرف بمقتضى جبلته، وهو هنا حبه للخلود الذي يقتضي أن يحصل أسبابه بتدبير من عنده. "د".
قلت: والمنقول عن سهل في "تفسيره" "ص15-17".
2 في "د": "عليه"، وفي الأصل و"ف" و"م" و"ط": "فيه" كما أثبتناه.
3 أي: هذه الجزئية يعني أنه لم يبتل في أصل من أصول الدين يريد بذلك تهوين الأمر في هذه المخالفة بأنها من الصغائر لا من الكبائر. "د".
قلت: وفيه إشارة أدبية من الرد على "ف" حيث قال: "لعله فرع الشجرة الذي أكل منه".
(4/245)

بِهِ نَفْسُهُ؛ فَغَلَبَ الْهَوَى وَالشَّهْوَةُ الْعِلْمَ وَالْعَقْلَ بِسَابِقِ الْقَدَرِ...." إِلَى آخِرِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ.
وَهَذَا الَّذِي ادَّعَاهُ فِي الْآيَةِ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ النَّاسُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ النَّهْيُ عَنْ نَفْسِ الْأَكْلِ لَا عَنْ سُكُونِ الْهِمَّةِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَنْهِيًّا عَنْهُ أَيْضًا، وَلَكِنْ لَهُ وَجْهٌ يَجْرِي عَلَيْهِ لِمَنْ تَأَوَّلَ، فَإِنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا وَقَعَ عَنِ1 الْقُرْبِ لَا غَيْرِهِ، وَلَمْ يَرِدِ النَّهْيُ عَنِ الْأَكْلِ2 تَصْرِيحًا؛ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ اللَّفْظِ وَبَيْنَ مَا فُسِّرَ بِهِ.
وَأَيْضًا؛ فَلَا يَصِحُّ حَمْلُ النَّهْيِ عَلَى نَفْسِ الْقُرْبِ مُجَرَّدًا إِذْ لَا مُنَاسَبَةَ فِيهِ تَظْهَرُ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا النَّهْيُ عَنْ مَعْنًى فِي الْقُرْبِ، وَهُوَ إِمَّا التَّنَاوُلُ وَالْأَكْلُ، وَإِمَّا غَيْرُهُ وَهُوَ شَيْءٌ يَنْشَأُ الْأَكْلُ عَنْهُ وَذَلِكَ مُسَاكَنَةُ الْهِمَّةِ فَإِنَّهُ الْأَصْلُ فِي تَحْصِيلِ الْأَكْلِ وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ السُّكُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ لِطَلَبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ مَنْهِيٍّ عَنْهُ؛ فَهَذَا التَّفْسِيرُ لَهُ وَجْهٌ ظَاهِرٌ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: لَمْ يَقَعِ النَّهْيُ عَنْ مُجَرَّدِ الْأَكْلِ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَكْلٌ، بَلْ عَمَّا يَنْشَأُ عَنْهُ الْأَكْلُ مِنَ السُّكُونِ لِغَيْرِ اللَّهِ؛ إِذْ لَوِ انْتَهَى لَكَانَ سَاكِنًا لِلَّهِ وَحْدَهُ، فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلْ وَسَكَنَ إِلَى أَمْرٍ فِي الشَّجَرَةِ غَرَّهُ بِهِ الشَّيْطَانُ، وَذَلِكَ الْخُلْدُ الْمُدَّعَى؛ أَضَافَ اللَّهُ إِلَيْهِ لَفْظَ الْعِصْيَانِ3، ثُمَّ تَابَ عليه، إنه هو التواب الرحيم.
__________
1 في "ط": "على".
2 في النسخ المطبوعة: "الأول"، وما أثبتناه من الأصل و"ط".
3 والأحوط نظرًا إلى مقام آدم -عليه السلام- أن صدور ما ذكر منه كان قبل النبوة وكان سهوًا أو عن تأويل، وعلى فرض وقوعه بعد البعثة؛ فالحق أنه من الصغائر التي لا تنافي العصمة خصوصًا إذا وقع عن تأويل، وإنما عظم الأمر عليه وعظم لديه نظرًا إلى علو شأنه ومزيد فضل الله عليه وإحسانه. وقد شاع: حسنات الأبرار سيئات المقربين. =
(4/246)

247
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ1 فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: 96] : "بَاطِنُ الْبَيْتِ قَلْبُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُؤْمِنُ بِهِ مَنْ أَثْبَتَ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ التَّوْحِيدَ وَاقْتَدَى بِهِدَايَتِهِ".
وَهَذَا التَّفْسِيرُ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانٍ؛ فَإِنَّ هَذَا الْمَعْنَى لَا تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ، وَلَا فِيهِ مِنْ جِهَتِهَا وَضْعٌ مَجَازِيٌّ مُنَاسِبٌ، وَلَا يُلَائِمُهُ2 مَسَاقٌ بِحَالٍ؛ فَكَيْفَ هَذَا؟
وَالْعُذْرُ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَفْسِيرٌ3 لِلْقُرْآنِ؛ فَزَالَ الْإِشْكَالُ إِذًا، وَبَقِيَ النَّظَرُ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى، وَلَا بُدَّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ بَيَانِهَا4.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ}
__________
= ومما يدل على ذلك ما أخرجه البيهقي عن أبي عبد الله المغربي؛ قال: ففكر إبراهيم في شأن آدم -عليه السلام- فقال: يا رب! خلقته بيدك، ونفخت فيه من روحك، وأسجدت له ملائكتك، ثم بذنب واحد ملأت أفواه الناس من ذكر معصيته! فأوحى الله تعالى إليه: يا إبراهيم! أما علمت أن مخالفة الحبيب على الحبيب شديدة؟ وبالجملة لا ينبغي لأحد أن ينسب إليه العصيان اليوم، ولا أن يخبر به؛ إلا أن يكون تاليًا أو راويًا له عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأما أن يكون مبتدأ من قبل نفسه فلا. وقد صرح القاضي أبو بكر بن العربي وارتضاه القرطبي بعدم جواز نسبة العصيان للآباء إلينا المماثلين لنا؛ فكيف يجوز نسبته للآباء الأقدام، والنبي المقدم الأكبر، وقد قيل بمثل ذلك في نسبة المتشابهات إليه تعالى. "ف".
قلت: وانظر "3/ 548" ما قدمناه عن "حسنات الأبرار ... ".
1 في تفسيره "تفسير القرآن العظيم" "ص41"، وفيه بدل "واقتدى بهدايته": "من النبي".
2 أي: فهو فاقد للشرطين المتقدمين في التفسير. "د".
3 أي: بل معنى إشاري. "د".
4 وسيأتي البيان في المسألة العاشرة، وأنه إذا كان الاعتبار من الأمر الوجودي الخارج عن القرآن كهذا؛ فإنه يلزم التوقف فيه متى لم تتحقق الشروط المتقدمة. "د".
(4/247)

[النِّسَاءِ: 51] ، قَالَ1: "رَأْسُ الطَّوَاغِيتِ كُلِّهَا النَّفْسُ الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ إِذَا خَلَى الْعَبْدُ مَعَهَا لِلْمَعْصِيَةِ".
وَهُوَ أَيْضًا مِنْ قَبِيلِ مَا قَبْلَهُ، وَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ فَعَلَى مَا مَرَّ2 فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} [الْبَقَرَةِ: 22] .
وَقَالَ3 فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى} الْآيَةَ [النساء: 36] : "وأما بَاطِنُهَا؛ فَهُوَ الْقَلْبُ، {وَالْجَارِ الْجُنُبِ} [النِّسَاءِ: 36] : النَّفْسُ الطَّبِيعِيُّ4، {وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} [النِّسَاءِ: 36] : الْعَقْلُ الْمُقْتَدِي بِعَمَلِ الشرع، {وَابْنِ السَّبِيلِ} [النساء: 36] : الجوارح الْمُطِيعَةُ لِلَّهِ, عَزَّ وَجَلَّ".
وَهُوَ مِنَ الْمَوَاضِعِ الْمُشْكِلَةِ فِي كَلَامِهِ، وَلِغَيْرِهِ مِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا، وَذَلِكَ أَنَّ الْجَارِيَ عَلَى مَفْهُومِ كَلَامِ الْعَرَبِ فِي هَذَا الْخِطَابِ مَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ ابْتِدَاءً، وَغَيْرُ ذَلِكَ لَا يَعْرِفُهُ الْعَرَبُ، لَا مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ وَلَا مَنْ كَفَرَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ تَفْسِيرٌ لِلْقُرْآنِ يُمَاثِلُهُ أَوْ يُقَارِبُهُ، وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُمْ مَعْرُوفًا لَنُقِلَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَحْرَى بِفَهْمِ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَبَاطِنِهِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ5، وَلَا يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عَلَيْهِ أَوَّلُهَا، وَلَا هُمْ أَعْرَفُ بِالشَّرِيعَةِ مِنْهُمْ، ولا أيضًا
__________
1 في "تفسيره" "ص46" عند قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} .
2 أي: يكون أخذه من معنى الآية وإن لم تنزل فيه من الاعتبار، لكنه فيما مر نفي أن يكون تفسيرًا، وكان هذا أهم شيء في الجواب عن كلامه في معنى: {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} [البقرة: 22] . "د".
3 في "تفسيره" "ص45".
4 في "تفسير سهل": "والجار الجنب: هو الطبيعة". وفي "ط": "النفس الطبعي".
5 في "ط": "الأمة".
(4/248)

ثَمَّ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّفْسِيرِ، لَا مِنْ مَسَاقِ الْآيَةِ؛ فَإِنَّهُ يُنَافِيهِ1 وَلَا مِنْ خَارِجٍ؛ إِذْ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ، بَلْ مِثْلُ هَذَا أَقْرَبُ إِلَى مَا ثَبَتَ رَدُّهُ وَنَفْيُهُ عَنِ الْقُرْآنِ مِنْ كَلَامِ الْبَاطِنِيَّةِ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ.
وَقَالَ2 فِي قَوْلِهِ: {صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ} [النمل: 44] : "الصرح" نفس الطبع، و"الممرد" الْهَوَى إِذَا كَانَ غَالِبًا سَتَرَ أَنْوَارَ الْهُدَى، بِالتَّرْكِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى الْعِصْمَةَ لِعَبْدِهِ.
وَفِي قَوْلِهِ3: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا} [النَّمْلِ: 52] ؛ أَيْ: قُلُوبُهُمْ عِنْدَ إِقَامَتِهِمْ عَلَى مَا نُهُوا عَنْهُ، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ مَنْهِيُّونَ، وَالْبُيُوتُ الْقُلُوبُ؛ فَمِنْهَا عَامِرَةٌ بِالذِّكْرِ، وَمِنْهَا خَرَابٌ بِالْغَفْلَةِ عَنِ الذِّكْرِ.
وَفِي قَوْلِهِ: {فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [الرُّومِ: 50] ؛ قَالَ: "حَيَاةُ الْقُلُوبِ بِالذِّكْرِ"4، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} الْآيَةَ [الرُّومِ: 41] : "مَثَّلَ اللَّهُ الْقَلْبَ بِالْبَحْرِ، وَالْجَوَارِحَ بِالْبَرِّ، وَمَثَّلَهُ أَيْضًا بِالْأَرْضِ الَّتِي تُزْهَى بِالنَّبَاتِ"، هَذَا بَاطِنُهُ5.
وَقَدْ حَمَلَ بَعْضُهُمْ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [الْبَقَرَةِ: 114] عَلَى أَنَّ الْمَسَاجِدَ الْقُلُوبُ تمنع بالمعاصي من ذكر الله6.
__________
1 إذ كيف ينصب الأمر بالإحسان على هذه الأشياء؟ "د".
2 لا وجود لها في "تفسيره" المطبوع.
3 في "تفسيره" "ص107".
4 في "تفسيره" "ص112".
5 في "تفسيره" "ص112".
6 ذهب إلى نحو هذا القشيري في "لطائف الإشارات" "1/ 115"، وعبارته: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [البقرة: 114] ، إشارة إلى أن الظالم خرب أوطان العبادة بالشهوات، وأوطان العبادة نفوس العابدين"، ونقل نحوه الآلوسي في "روح المعاني" "1/ 364-365 في باب الإشارة في الآية"، وابن العربي في "قانون التأويل" "ص224-225".
(4/249)

وَنُقِلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} [طه: 12] أَنَّ بَاطِنَ النَّعْلَيْنِ هُوَ الْكَوْنَانِ: الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةُ1؛ فَذُكِرَ عَنِ الشِّبْلِيِّ أَنَّ مَعْنَى {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} [طه: 12] : اخْلَعِ الْكُلَّ مِنْكَ تَصِلْ إِلَيْنَا بِالْكُلِّيَّةِ، وَعَنِ ابْنِ عَطَاءٍ: {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} عَنِ الْكَوْنِ؛ فَلَا تَنْظُرْ إِلَيْهِ بَعْدَ هَذَا الْخِطَابِ، وَقَالَ: النَّعْلُ النَّفْسُ، وَالْوَادِي الْمُقَدَّسُ دِينُ الْمَرْءِ، أَيْ: حَانَ وَقْتُ خُلُوِّكَ مِنْ نَفْسِكَ، وَالْقِيَامِ مَعَنَا بِدِينِكَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَرْجِعُ إِلَى مَعْنًى لَا يُوجَدُ فِي النَّقْلِ عَنِ السَّلَفِ.
وَهَذَا كُلُّهُ إِنْ صَحَّ نَقْلُهُ خَارِجٌ2 عَمَّا تَفْهَمُهُ الْعَرَبُ، وَدَعْوَى3 مَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ فِي مُرَادِ اللَّهِ بِكَلَامِهِ، وَلَقَدْ قَالَ الصِّدِّيقُ: "أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِذَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا أَعْلَمُ؟ "4.
__________
1 ذكر نحوه القشيري في "لطائف الإشارات" "2/ 448"، والآلوسي في "روح المعاني" "16/ 169"، وقال: "ولا يخفى عليك أنه بعيد"، وانظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "13/ 238".
"2 و3" فهو فاقد الشرطين السابقين. "د".
قلت: وانظر لزامًا: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "6/ 376 و13/ 237 وما بعدها"، و"مقدمة في أصول التفسير" "ص86-89, تحقيق زرزور"، و"الإحياء" "1/ 37"، والباب الخامس من كتاب "فضائح الباطنية" للغزالي.
4 له طرق كثيرة عن أبي بكر بألفاظ متعددة، سيأتي عند المصنف "ص276" لفظان فيها، وهي لا تخلو من كلام أو انقطاع، ولكنه بمجموعها يصل إلى درجة الحسن إن شاء الله تعالى، كما قال الحافظ ابن حجر وغيره، وهذا التفصيل:
أخرجه مسدد في "مسنده" كما في "المطالب العالية" "ق 135/ ب و3/ 300/ رقم 3527" المطبوعة من طريق عبد الله بن مرة، والطبري في "تفسيره" "1/ 78/ رقم 78، 79" من طريق إبراهيم النخعي، وعبد الله بن مرة، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" "2/ 833-834/ =
(4/250)

.........................................................................
__________
= رقم 1561, ط الجديدة" من طريق إبراهيم النخعي عن أبي معمر عن أبي بكر به.
وإسناده منقطع، أبو معمر هو عبد الله بن سخبرة الأزدي، لم يسمع من أبي بكر, وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" "6/ 317"، وابن حجر في "الفتح" "13/ 271" لعبد بن حميد من طريق النخعي عن أبي بكر من غير ذكر أبي معمر، قال ابن حجر: "وهذا منقطع بين النخعي والصديق".
قال ابن عبد البر عقبه: "وذكر مثل هذا عن أبي بكر الصديق: ميمون بن مهران، وعامر الشعبي، وابن أبي مليكة".
قلت: أخرجه من طريق ابن أبي مليكة: سعيد بن منصور في "سننه" "1/ 168/ رقم 39, ط الجديدة" -ومن طريقه البيهقي في "المدخل" "رقم 792"- بإسناد صحيح إلى ابن أبي مليكة، وهو لم يسمع من أبي بكر الصديق, رضي الله عنه.
وأخرجه من طريق الشعبي, ابن أبي شيبة في "المصنف" "10/ 512/ رقم 10152"، والخطيب في "الجامع" "2/ 193/ رقم 1585"، وروايته عن أبي بكر مرسلة، وأخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" "رقم 824 وص227, ط غاوجي"،
وأبي شيبة في "المصنف" "10/ 513/ رقم 65101", وعبد بن حميد في "تفسيره", ومن طريقه الثعلبي في "تفسيره"، قاله الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" "4/ 158" بإسناد صحيح إلى العوام بن حوشب عن إبراهيم التيمي به.
والعوام ثقة ثبت؛ فإسناده صحيح إلا أنه منقطع بين التيمي وأبي بكر؛ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مقدمة أصول التفسير" "ص 108"، و"مجموع الفتاوى" "13/ 372"، والزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" "4/ 158"، وابن كثير في "تفسيره" "1/ 5 و4/ 473"، وابن حجر في "الفتح" "13/ 271".
وأخرجه البيهقي في "الشعب" "5/ 228/ رقم 2082" من طريق علي بن زيد بن جدعان عن القاسم بن محمد أن أبا بكر الصديق, رضي الله عنه ... وذكر نحوه.
وإسناده ضعيف، فيه ابن جدعان وهو ضعيف، والقاسم بن محمد روايته عن جده مرسلة؛ كما قال العلائي في "جامع التحصيل" "ص310".
والأثر بمجموع هذه الطرق لا ينزل عن مرتبة الحسن؛ فقد ساقه ابن حجر في "الفتح" من طرق التيمي والنخعي، وأعلهما بالانقطاع، وقال: "لكن أحدهما يقوي الآخر".
(4/251)

وَفِي الْخَبَرِ: "مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ؛ فَقَدْ أَخْطَأَ" 1.
وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ التَّحْذِيرَاتِ، وَإِنَّمَا احْتِيجَ إِلَى هَذَا كُلِّهِ لِجَلَالَةِ مَنْ نُقِلَ عَنْهُمْ ذَلِكَ مِنَ الْفُضَلَاءِ، وَرُبَّمَا أَلَمَّ الْغَزَالِيُّ بِشَيْءٍ مِنْهُ فِي "الْإِحْيَاءِ" وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مَزَلَّةُ قَدَمٍ لِمَنْ لَمْ يَعْرِفْ مَقَاصِدَ الْقَوْمِ؛ فَإِنَّ النَّاسَ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بَيْنَ قَائِلَيْنِ: مِنْهُمْ مَنْ يُصَدِّقُ بِهِ وَيَأْخُذُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَيَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ كِتَابِهِ، وَإِذَا عَارَضَهُ مَا يُنْقَلُ فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ عَلَى خِلَافِهِ؛ فَرُبَّمَا كَذَّبَ بِهِ أَوْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُكَذِّبُ بِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَيَرَى أَنَّهُ تَقَوُّلٌ وَبُهْتَانٌ، مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَفْسِيرِ الْبَاطِنِيَّةِ وَمَنْ حَذَا حَذْوَهُمْ، وَكِلَا الطَّرِيقَيْنِ فِيهِ مَيْلٌ عَنِ الْإِنْصَافِ، وَلَا بُدَّ قَبْلَ الْخَوْضِ فِي رفع الإشكال من تقدم أَصْلٍ مُسَلَّمٍ، يَتَبَيَّنُ بِهِ مَا جَاءَ مِنْ هذا القبيل، وهي:
__________
1 أخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب التفسير، باب ما جاء في الذي يفسر القرآن برأيه، 5/ 200/ رقم 2952"، وأبو داود في "السنن" "كتاب العلم، باب الكلام في كتاب الله بغير علم، 3/ 320/ رقم 3652"، والنسائي في "فضائل القرآن" "رقم 111"، وأبو يعلى في "المسند" "3/ 90/ رقم 1520"، و"المفاريد" "رقم 32"، وابن بطة في "الإبانة" "2/ 614/ رقم 798"، عن جندب بن عبد الله البجلي مرفوعًا.
وإسناده ضعيف، فيه سهيل بن أبي حزم ليس بالقوي، قال الترمذي: "وقد تكلم بعض أهل الحديث في سهيل بن أبي حزم"، وله شاهد لا يفرح به عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ: "من قال في القرآن بغير علم؛ فليتبوأ مقعده من النار".
أخرجه الترمذي في "الجامع" "رقم 4023"، وابن بطة في "الإبانة" "رقم 799"، وهو ضعيف أيضًا.
وانظر: "الإيمان" "273" لابن تيمية، و"شرح العقيدة الطحاوية" "167"، و"رفع الأستار" "111".
(4/252)

الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ:
فَنَقُولُ: الِاعْتِبَارَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ الْوَارِدَةُ عَلَى الْقُلُوبِ الظَّاهِرَةُ لِلْبَصَائِرِ، إِذَا صَحَّتْ عَلَى كَمَالِ شُرُوطِهَا؛ فَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا يَكُونُ أَصْلُ انْفِجَارِهِ مِنَ الْقُرْآنِ، وَيَتْبَعُهُ سَائِرُ الْمَوْجُودَاتِ؛ فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ الصَّحِيحَ فِي الْجُمْلَةِ هُوَ الَّذِي يَخْرِقُ نُورُ الْبَصِيرَةِ فِيهِ حُجُبَ1 الْأَكْوَانِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ، فَإِنْ تَوَقَّفَ؛ فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ أَوْ غَيْرُ كَامِلٍ، حَسْبَمَا بَيَّنَهُ أَهْلُ التَّحْقِيقِ بِالسُّلُوكِ2.
وَالثَّانِي: مَا يَكُونُ أَصْلُ انْفِجَارِهِ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ جُزْئِيِّهَا أَوْ كُلِّيِّهَا، وَيَتْبَعُهُ الِاعْتِبَارُ فِي الْقُرْآنِ3.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ؛ فَذَلِكَ الِاعْتِبَارُ صَحِيحٌ، وَهُوَ مُعْتَبَرٌ فِي فَهْمِ بَاطِنِ الْقُرْآنِ مِنْ غَيْرِ إِشْكَالٍ لِأَنَّ فَهْمَ الْقُرْآنِ، إِنَّمَا يَرِدُ عَلَى الْقُلُوبِ عَلَى وَفْقِ مَا نَزَلَ لَهُ الْقُرْآنُ وَهُوَ الْهِدَايَةُ التَّامَّةُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ وَبِحَسَبِ4 التَّكَالِيفِ وَأَحْوَالِهَا، لَا بِإِطْلَاقٍ، وَإِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ؛ فَالْمَشْيُ عَلَى طَرِيقِهَا مَشْيٌ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَلِأَنَّ الِاعْتِبَارَ الْقُرْآنِيَّ قَلَّمَا يَجِدُهُ إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ عَمَلًا بِهِ عَلَى تَقْلِيدٍ أَوِ اجْتِهَادٍ؛ فَلَا يَخْرُجُونَ عِنْدَ الِاعْتِبَارِ فِيهِ عَنْ حُدُودِهِ، كَمَا لَمْ يَخْرُجُوا فِي الْعَمَلِ بِهِ وَالتَّخَلُّقِ بِأَخْلَاقِهِ عَنْ حُدُودِهِ، بَلْ تَنْفَتِحُ لَهُمْ أَبْوَابُ الْفَهْمِ فِيهِ عَلَى تَوَازِي أَحْكَامِهِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مُعْتَدًّا بِهِ لِجَرَيَانِهِ عَلَى مَجَارِيهِ، وَالشَّاهِدُ عَلَى ذَلِكَ مَا نُقِلَ مِنْ فَهْمِ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِيهِ؛ فَإِنَّهُ كُلَّهُ جارٍ على ما تقتضي بِهِ الْعَرَبِيَّةُ، وَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ حَسْبَمَا تَبَيَّنَ قَبْلُ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي؛ فَالتَّوَقُّفُ عَنِ اعْتِبَارِهِ فِي فَهْمِ بَاطِنِ الْقُرْآنِ لَازِمٌ، وأخذه
__________
1 في "ط": "حجاب".
2 انظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "6/ 377".
3 انظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "13/ 240-241".
4 في "ط": "بحسب".
(4/253)

عَلَى إِطْلَاقِهِ فِيهِ مُمْتَنِعٌ لِأَنَّهُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ؛ فَلَا يَصِحُّ إِطْلَاقُ الْقَوْلِ بِاعْتِبَارِهِ فِي فَهْمِ الْقُرْآنِ؛ فَنَقُولُ:
إِنَّ تِلْكَ الْأَنْظَارَ الْبَاطِنَةَ فِي الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ إِذَا لَمْ يَظْهَرْ جَرَيَانُهَا عَلَى مُقْتَضَى الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ؛ فَهِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى الِاعْتِبَارِ غَيْرِ الْقُرْآنِيِّ، وَهُوَ الْوُجُودِيُّ1، وَيَصِحُّ تَنْزِيلُهُ عَلَى مَعَانِي الْقُرْآنِ لِأَنَّهُ وُجُودِيٌ2 أَيْضًا؛ فَهُوَ مُشْتَرِكٌ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ غَيْرُ خَاصٍّ؛ فَلَا يُطَالِبُ فِيهِ الْمُعْتَبِرُ بِشَاهِدٍ مُوَافِقٍ إِلَّا مَا يُطَالِبُهُ [بِهِ] الْمُرَبِّي، وَهُوَ أَمْرٌ خَاصٌّ، وَعِلْمٌ مُنْفَرِدٌ بِنَفْسِهِ لَا يَخْتَصُّ بِهَذَا الْمَوْضِعِ فَلِذَلِكَ يُوقَفُ عَلَى مَحَلِّهِ، فَكَوْنُ الْقَلْبِ جَارًا ذَا قُرْبَى، وَالْجَارِ الْجُنُبِ هُوَ النَّفَسُ الطَّبِيعِيَّ، إِلَى سَائِرِ مَا ذُكِرَ؛ يَصِحُّ تَنْزِيلُهُ اعْتِبَارِيًّا مُطْلَقًا، فَإِنَّ مُقَابَلَةَ الْوُجُودِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ فِي هَذَا النَّمَطِ صَحِيحٌ وَسَهْلٌ جِدًّا عِنْدَ أَرْبَابِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ مُغَرِّرٌ بِمَنْ لَيْسَ بِرَاسِخٍ أَوْ دَاخِلٍ تَحْتَ إِيَالَةِ رَاسِخٍ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ مَنْ ذُكِرَ عَنْهُ مِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الْمُعْتَبَرِينَ لَمْ يُصَرِّحْ بِأَنَّهُ الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ الْمُخَاطَبُ بِهِ الْخَلْقُ بَلْ أَجْرَاهُ مَجْرَاهُ وَسَكَتَ عَنْ كَوْنِهِ هُوَ الْمُرَادَ، وَإِنْ جَاءَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَصَرَّحَ صَاحِبُهُ أَنَّهُ هُوَ الْمُرَادُ؛ فَهُوَ مِنْ أَرْبَابِ الْأَحْوَالِ الَّذِينَ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الِاعْتِبَارِ الْقُرْآنِيِّ وَالْوُجُودِيِّ، وَأَكْثَرُ مَا يَطْرَأُ هَذَا لِمَنْ هُوَ بَعُدَ فِي السُّلُوكِ، سَائِرٌ عَلَى الطَّرِيقِ لَمْ يَتَحَقَّقْ بِمَطْلُوبِهِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِقَوْلِ مَنْ لَمْ يُثْبِتِ اعْتِبَارَ قوله من الباطنية وغيرهم.
__________
1 مثال الاعتبار الخارجي ما يروونه عن بعضهم في معنى قوله تعالى: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 3] ، قال: ألف شهر هي مدة الدولة الأموية؛ لأنها مكثت ثلاثًا وثمانين سنة وأربعة أشهر، وأن ذلك من الله تسلية لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث أطلعه على ملوك بني أمية واحدًا واحدًا؛ فسري عنه بهذه السورة، هذا المعنى لم يؤخذ من القرآن، بل أخذ من الخارج والواقع في ذاته بمصادفة مطابقة العدد، واللفظ لا ينبو عنه، لكنه لا دليل من الشرع على كونه هو المعنى المقصود. "د". وفي "ط": "الوجدي".
2 في "ط": "وجدي".
(4/254)

وَلِلْغَزَالِيِّ فِي "مِشْكَاةِ الْأَنْوَارِ" وَفِي كِتَابِ1 الشُّكْرِ مِنَ "الْإِحْيَاءِ" وَفِي كِتَابِ2 "جَوَاهِرِ الْقُرْآنِ" [فِي الِاعْتِبَارِ الْقُرْآنِيِّ] 3 وَغَيْرِهِ مَا يَتَبَيَّنُ بِهِ لِهَذَا الْمَوْضِعِ أَمْثِلَةٌ؛ فَتَأَمَّلْهَا هُنَاكَ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ [لِلصَّوَابِ] .
فَصْلٌ:
وَلِلسُّنَّةِ فِي هَذَا النَّمَطِ مَدْخَلٌ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَابِلٌ لِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ الْمُتَقَدِّمِ الصَّحِيحِ الشَّوَاهِدِ، وَقَابِلٌ أَيْضًا لِلِاعْتِبَارِ الْوُجُودِيِّ؛ فَقَدْ فَرَضُوا نَحْوَهُ فِي قَوْلِهِ, عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ" 4 إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَلَا فَائِدَةَ فِي التَّكْرَارِ إِذَا وَضَحَ طَرِيقُ الْوُصُولِ إلى الحق والصواب.
__________
1 مما جاء فيه "4/ 86" أن قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ... } إلى قوله: {وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ} [المطففين: 29-33] إشارة إلى ضحك الجاهلين وتغامزهم على أهل السلوك، وقولهم: كيف يقولون: فني الشخص عن نفسه، وإنه ليأكل أرطالًا من الخبز في اليوم، وطوله كذا وعرضه كذا؟ قال: وكذلك أمة نوح كانوا يضحكون عليه عند صنعه للسفينة؛ فقال: {إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ} [هود: 38] . "د".
2 منه "ص43" أن الفاتحة اشتملت من الأقسام العشرة التي هي علوم القرآن على ثمانية منها، وهي ما عدا محاجة الكفار وأحكام الفقهاء، ويتبين بهذا أنهما واقعان في الصنف الأخير من مراتب العلوم، وما قدمهما إلا حب المال والجاه فقط، ثم قال "ص43": "إن الفاتحة مفتاح الكتاب ومفتاح الجنة؛ فأبواب الجنة ثمانية، ومعاني الفاتحة ترجع إلى ثمانية ... "؛ فهذا من نوع الاعتبارات القرآنية، وقد أوضحه هناك بأن كل قسم بفتح باب بستان من بساتين المعرفة، وأن روح العارف لتفرح وتنشرح في رياض المعرفة بما لا يقل عن انشراح من يدخل الجنة التي يعرفها. "د".
قلت: وناقش أبا حامد الغزالي في كلامه هذا ابن العربي المالكي في "قانون التأويل" "ص236 وما بعدها"؛ فانظره فإنه مفيد.
3 سقط من "ط".
4 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب اللباس، باب التصاوير، 10/ 380/ رقم 5949"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب اللباس والزينة، باب تحريم تصوير صورة الحيوان، 3/ =
(4/255)

الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ:
الْمَدَنِيُّ مِنَ السُّوَرِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُنَزَّلًا فِي الْفَهْمِ عَلَى الْمَكِّيِّ، وَكَذَلِكَ الْمَكِّيُّ بَعْضُهُ مَعَ بَعْضٍ، وَالْمَدَنِيُّ بَعْضُهُ مَعَ بَعْضٍ، عَلَى حَسَبِ تَرْتِيبِهِ فِي التَّنْزِيلِ، وَإِلَّا لَمْ1 يَصِحَّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْخِطَابِ الْمَدَنِيِّ فِي الْغَالِبِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَكِّيِّ، كَمَا أَنَّ الْمُتَأَخِّرَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَبْنِيٌّ عَلَى مُتَقَدِّمِهِ، دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الِاسْتِقْرَاءُ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بِبَيَانٍ مُجْمَلٍ، أَوْ تَخْصِيصِ عُمُومٍ، أَوْ تَقْيِيدِ مُطْلَقٍ، أَوْ تَفْصِيلِ مَا لَمْ يَفَصَّلْ، أَوْ تَكْمِيلِ مَا لَمْ يَظْهَرْ تَكْمِيلُهُ2.
وَأَوَّلُ شَاهِدٍ عَلَى هَذَا أَصْلُ3 الشَّرِيعَةِ؛ فَإِنَّهَا جَاءَتْ مُتَمِّمَةً لِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَمُصْلِحَةً لِمَا أُفْسِدَ قَبْلُ مِنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَيَلِيهِ تَنْزِيلُ سُورَةِ الْأَنْعَامِ؛ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ مُبَيِّنَةً لِقَوَاعِدِ الْعَقَائِدِ وَأُصُولِ الدِّينِ، وَقَدْ خَرَّجَ4
__________
= 1665/ رقم 2106" عن أبي طلحة الأنصاري -رضي الله عنه- مرفوعًا.
ويشير المصنف في الاستدلال بهذا الحديث على ما قاله ابن القيم في "الكلام في مسألة السماع" "ص397-398": "فإذا منع الكلب والصورة دخول الملك إلى البيت؛ فكيف تدخل معرفة الرب ومحبته في قلب ممتلئ بكلاب الشهوات وصورها؟! ".
1 ف "ط": "وإن لم".
2 انظر في ذلك: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "15/ 159-160 و17/ 125-126".
3 أي: إن الشريعة جاءت مبنية على ما سبقها من شريعة إبراهيم، مصححة لما غيروه منها ومكملة لها؛ فليكن هذا نفسه في إجراء بعضها مع بعض يكون المتأخر منها مكملًا لسابقه ومبنيًّا عليه، ويلي هذا الشاهد شاهد نزول سورة الأنعام التي هي من أوائل السور المكية؛ فإنك تجدها معنية بالأصول والعقائد، ثم جاءت سورة البقرة مفصلة لتلك القواعد، مبينة أقسام أفعال المكلفين ... إلخ. "د".
4 انظر في ذلك: "تصور الألوهية كما تعرضه سورة الأنعام"، و"معركة النبوة مع المشركين أو قضية الرسالة كما تعرضها صورة الأنعام، كلاهما لأستاذنا الشيخ إبراهيم الكيلاني، طبع مكتبة الأقصى - عمان.
(4/256)

الْعُلَمَاءُ مِنْهَا قَوَاعِدَ التَّوْحِيدِ الَّتِي صَنَّفَ فِيهَا الْمُتَكَلِّمُونَ مِنْ أَوَّلِ إِثْبَاتِ وَاجِبِ الْوُجُودِ إِلَى إِثْبَاتِ الْإِمَامَةِ، هَذَا مَا قَالُوا.
وَإِذَا نَظَرْتَ1 بِالنَّظَرِ الْمَسُوقِ فِي هَذَا الْكِتَابِ؛ تَبَيَّنَ بِهِ مِنْ قُرْبٍ بَيَانُ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ، الَّتِي إِذَا انْخَرَمَ مِنْهَا كُلِّيٌّ وَاحِدٌ انْخَرَمَ نِظَامُ الشَّرِيعَةِ، أَوْ نَقَصَ مِنْهَا أَصْلٌ كُلِّيٌّ.
ثُمَّ لَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَى الْمَدِينَةِ كَانَ مِنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ، وَهِيَ الَّتِي قَرَّرَتْ قَوَاعِدَ التَّقْوَى الْمَبْنِيَّةَ عَلَى قَوَاعِدِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ؛ فَإِنَّهَا بَيَّنَتْ مِنْ أَقْسَامِ أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ جُمْلَتَهَا، وَإِنْ تَبَيَّنَ فِي غَيْرِهَا تَفَاصِيلُ لَهَا كَالْعِبَادَاتِ2 الَّتِي هِيَ قَوَاعِدُ الْإِسْلَامِ، وَالْعَادَاتِ مِنْ أَصْلِ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ وَغَيْرِهِمَا، وَالْمُعَامَلَاتِ مِنَ الْبُيُوعِ وَالْأَنْكِحَةِ وَمَا دَارَ بِهَا، وَالْجِنَايَاتِ مِنْ أَحْكَامِ الدِّمَاءِ وَمَا يَلِيهَا.
وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ حِفْظَ الدِّينِ فِيهَا، وَحِفْظَ النَّفْسِ وَالْعَقْلِ وَالنَّسْلِ وَالْمَالِ مُضَمَّنٌ فِيهَا، وَمَا خَرَجَ عَنِ الْمُقَرَّرِ فِيهَا؛ فَبِحُكْمِ التَّكْمِيلِ، فَغَيْرُهَا مِنَ السُّوَرِ الْمَدَنِيَّةِ الْمُتَأَخِّرَةِ عَنْهَا مَبْنِيٌّ عَلَيْهَا، كَمَا كَانَ غَيْرُ الْأَنْعَامِ مِنَ الْمَكِّيِّ الْمُتَأَخِّرِ عَنْهَا مَبْنِيًّا عَلَيْهَا، وَإِذَا تَنَزَّلْتَ إِلَى سَائِرِ السُّوَرِ بَعْضِهَا مَعَ بَعْضٍ فِي التَّرْتِيبِ؛ وجدتها
__________
1 أي: إلى سورة الأنعام بالنظر الكلي الأصولي الذي يعني به كتاب "الموافقات" نبين لك بجلاء اشتمالها على الأصول والكليات في الشريعة بالوصف الذي قاله، وكأنه لم ير أن يأخذ على عهدته اشتمالها على جميع قواعد التوحيد التي ذكروها في علم التوحيد إلى مبحث الإمامة، وأيضًا؛ فقواعد الشريعة -بالوصف الذي ذكره من أنها "إذا انخرم منها كلي ... إلخ"- لا تخص قواعد التوحيد، بل تكون في العمليات أيضًا من بقية الضروريات والحاجيات ... إلخ، ولم يذكروا اشتمالها عليها؛ فهو يزيد على كلامهم ببيان أنها تشتمل عليها أيضًا؛ فلهذا وذاك قال: "هذا ما قالوه"، فقوله: "وإذا نظرت" كالاستدراك على كلامهم بالزيادة والنقص. "د".
2 هي وما بعدها أمثلة لما بينته سورة البقرة من أفعال المكلفين. "د".
(4/257)

كَذَلِكَ، حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ1؛ فَلَا يَغِيبَنَ عَنِ2 النَّاظِرِ فِي الْكِتَابِ هَذَا الْمَعْنَى؛ فَإِنَّهُ مِنْ أَسْرَارِ عُلُومِ التَّفْسِيرِ، وَعَلَى حَسَبِ الْمَعْرِفَةِ بِهِ تَحْصُلُ لَهُ الْمَعْرِفَةُ بِكَلَامِ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ.
فَصْلٌ:
وَلِلسُّنَّةِ هُنَا مَدْخَلٌ؛ لِأَنَّهَا مُبَيِّنَةٌ لِلْكِتَابِ؛ فَلَا تَقَعُ فِي التَّفْسِيرِ إِلَّا عَلَى وَفْقِهِ، وَبِحَسَبِ الْمَعْرِفَةِ بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ يَحْصُلُ بَيَانُ النَّاسِخِ مِنَ الْمَنْسُوخِ فِي الْحَدِيثِ، كَمَا يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ أَيْضًا، وَيَقَعُ فِي الْأَحَادِيثِ أَشْيَاءُ تَقَرَّرَتْ قَبْلَ تَقْرِيرِ كَثِيرٍ مِنَ الْمَشْرُوعَاتِ؛ فَتَأْتِي فِيهَا إِطْلَاقَاتٌ أَوْ عُمُومَاتٌ رُبَّمَا أَوْهَمَتْ، فَفُهِمَ مِنْهَا, يُفْهَمُ مِنْهَا لَوْ وَرَدَتْ بَعْدَ تَقْرِيرِ تِلْكَ الْمَشْرُوعَاتِ؛ كَحَدِيثِ: " مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛ دَخَلَ الْجَنَّةَ" 3.
أَوْ حَدِيثِ: "مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صَادِقًا مِنْ قَلْبِهِ؛ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النار" 4.
__________
1 القذة؛ بالضم: ريش السهام، وهو مثل يضرب للشيئين يستويان ولا يتفاوتان. "ف". وقال "ماء": "أي: الشيء الذي يقصص على الشيء كالنعل ونحوه".
2 هكذا في "د" وفي الأصل، و"ف" و"م" و"ط": "على".
3 أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا، 1/ 55/ رقم 26"، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" "رقم 1115"، وأبو عوانة في "المسند" "1/ 6، 7"، وأحمد في "المسند" "1/ 65، 69"، وابن منده في "الإيمان" "رقم 32" عن عثمان بن عفان مرفوعًا.
4 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ... } ، 6/ 474/ رقم 3435"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا، 1/ 57-58/ رقم 29" عن عبادة بن الصامت مرفوعًا. =
(4/258)

وَفِي الْمَعْنَى أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ وَقَعَ مِنْ أَجْلِهَا الْخِلَافُ بَيْنَ الْأُمَّةِ فِيمَنْ عَصَى اللَّهَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَتَيْنِ؛ فَذَهَبَتِ الْمُرْجِئَةُ إِلَى الْقَوْلِ بِمُقْتَضَى هَذِهِ الظَّوَاهِرِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَكَانَ مَا عَارَضَهَا مؤولًا1 عِنْدَ هَؤُلَاءِ، وَذَهَبَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ إِلَى خِلَافِ مَا قَالُوهُ، حَسْبَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِهِمْ وَتَأَوَّلُوا هَذِهِ الظَّوَاهِرَ.
وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ أَنَّ طَائِفَةً مِنَ السَّلَفِ قَالُوا: إِنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ مُنْزَلَةٌ عَلَى الْحَالَةِ الْأُولَى لِلْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُنَزَّلَ الْفَرَائِضُ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَمْ يُصَلِّ أَوْ لَمْ يَصُمْ مَثَلًا، وَفَعَلَ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ فِي الشَّرْعِ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكَلَّفْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بَعْدُ، فَلَمْ يُضَيِّعْ مِنْ أَمْرِ إِسْلَامِهِ شَيْئًا، كَمَا أَنَّ مَنْ مَاتَ وَالْخَمْرُ فِي جَوْفِهِ قَبْلَ أن تحرم؛ فلا حرج عليه
__________
= قال "د": "فالتمثيل بمثله يحتاج إلى تحقق أنه كان قبل تقرير المشروعات من صلاة وصوم وحج وجهاد وغيرها، وذلك بعيد؛ فإن الحديث ورد في المدينة بعد فرضية الصلوات الخمس في مكة؛ فليراجع، نعم، إن حديث أبي ذر: "بشرني بأن من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة"، يمكن أن يكون في أوائل التشريع لتقدم إسلام أبي ذر؛ إلا أن قوله فيه: "وإن زنى وإن سرق" يفيد أنه ورد بعد تقرر حرمة الزنى والسرقة، وأقوى شبهة ترد على ما يقرره المؤلف في هذا ما سبق من حديث أبي هريرة وأخذه نعلي رسول الله -عليه الصلاة والسلام- ومشيه في الطريق يبشر الناس بهذه البشرى نفسها، وقول عمر للرسول: هل أرسلت أبا هريرة بهذه البشرى؟ قال: "نعم". فقال له عمر: "دعهم لئلا يتكلوا"؛ فإن إسلام أبي هريرة كان في السنة السابعة من الهجرة بعد تقرر غالب أحكام الشريعة".
أما "ف"؛ فاختصر الكلام، فقال: "رده الإمام النووي في "شرح مسلم" بأن راوي بعض هذه الأحاديث أبو هريرة, رضي الله عنه -وهو متأخر الإسلام، أسلم عام خيبر سنة سبع بالاتفاق- وكانت أحكام الشريعة كالصلاة والصيام والزكاة وغيرها وكذا الحج على الراجح من فرضه سنة خمس أو ست متقررة، وذكر لهذه الأحاديث ونحوها تأويلات، حكاها عن القاضي عياض وغيره لا يتسع المجال لإيرادها؛ فلتراجع".
1 في الأصل: "مؤول". وفي "ط": "مأول".
(4/259)

لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ} الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ: 93] ، وَكَذَلِكَ مَنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ الْقِبْلَةُ نَحْوَ الْكَعْبَةِ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي صِلَاتِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [الْبَقَرَةِ: 143] .
وَإِلَى1 أَشْيَاءَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فِيهَا بَيَانٌ لِمَا نَحْنُ فِيهِ، وَتَصْرِيحٌ بِأَنَّ اعْتِبَارَ التَّرْتِيبِ فِي النُّزُولِ مُفِيدٌ فِي فَهْمِ الْكِتَابِ والسنة.
__________
1 في "ط": "إلى ... " بدون واو.
(4/260)

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ:
رُبَّمَا أُخِذَ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ عَلَى التَّوَسُّطِ وَالِاعْتِدَالِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ السَّلَفِ الْمُتَقَدِّمِينَ، بَلْ ذَلِكَ شَأْنُهُمْ، وَبِهِ كَانُوا أَفْقَهَ النَّاسِ فِيهِ، وَأَعْلَمَ الْعُلَمَاءِ بِمَقَاصِدِهِ وَبَوَاطِنِهِ.
وَرُبَّمَا أُخِذَ عَلَى أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ الْخَارِجَيْنِ عَنِ الِاعْتِدَالِ: إِمَّا عَلَى الْإِفْرَاطِ، وَإِمَّا عَلَى التَّفْرِيطِ، وَكِلَا طَرَفَيْ قَصْدِ الْأُمُورِ ذَمِيمٌ.
فَالَّذِينَ أَخَذُوهُ عَلَى التَّفْرِيطِ قَصَّرُوا فِي فَهْمِ1 اللِّسَانِ الَّذِي بِهِ جَاءَ، وَهُوَ الْعَرَبِيَّةُ، فَمَا قَامُوا فِي تَفَهُّمِ2 مَعَانِيهِ وَلَا قَعَدُوا، كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ الْبَاطِنِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَلَا إِشْكَالَ فِي اطِّرَاحِ التَّعْوِيلِ عَلَى هَؤُلَاءِ.
وَالَّذِينَ أَخَذُوهُ عَلَى الْإِفْرَاطِ أَيْضًا قَصَّرُوا فِي فَهْمِ مَعَانِيهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْمَقَاصِدِ3 بَيَانُ أَنَّ الشَّرِيعَةَ أُمِّيَّةٌ، وَأَنَّ مَا لَمْ يَكُنْ مَعْهُودًا عِنْدَ الْعَرَبِ؛ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهَا، وَمَرَّ فِيهِ أَنَّهَا لَا تَقْصِدُ التَّدْقِيقَاتِ4 فِي كَلَامِهَا، وَلَا تُعْتَبَرُ أَلْفَاظُهَا كُلَّ الِاعْتِبَارِ5 إِلَّا مِنْ جِهَةِ مَا تُؤَدِّي المعاني المركبة، فما وراء ذلك إن
__________
1 أي: قصروا في فهمه من جهة اللسان الذي جاء به، وحاولوا حمله على معان لا تعرفها العرب. "د".
2 في "ط": "تفهيم".
3 انظر ما مضى "2/ 109".
4 لكن هذا خلاف ما ذكروه من نقدهم للشعر من جهة لفظه، كما ورد في قصة الخنساء ونقدها المشهور لحسان في قوله: "لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى ... البيتين"، حيث لاحظت عليه في ثمانية مواضع كلها ترجع إلى نقد اللفظ، وأنه لو عبر بغيره كان أحسن؛ فقالت: هلا قلت: "الجفان"؛ لأن الجفنات عدد قلة، ولو قلت: "يجرين" بدل "يقطرن"، ولو قلت: "يشرقن" بدل "يلمعن" ... إلخ؛ إلا أن يقال: إنها ملاحظات ترجع إلى تحسين المعنى وتجويده، لا إلى اللفظ وتحسينه. "د". قلت: وتذكر القصة عن النابغة أيضًا، انظر: "شرح ديوان حسان" "ص425".
5 في "م": "الاعتبارات".
(4/261)

كَانَ مَقْصُودًا لَهَا؛ فَبِالْقَصْدِ الثَّانِي، وَمِنْ جِهَةِ ما هو معين على إدراك الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ، كَالْمَجَازِ وَالِاسْتِعَارَةِ وَالْكِنَايَةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَرُبَّمَا لَا1 يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى فِكْرٍ، فَإِنِ احْتَاجَ النَّاظِرُ فِيهِ إِلَى فِكْرٍ؛ خَرَجَ عَنْ نَمَطِ الْحُسْنِ إِلَى نَمَطِ الْقُبْحِ وَالتَّكَلُّفِ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، فَكَذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِالْقُرْآنِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى.
وَأَيْضًا؛ فَإِنَّهُ حَائِلٌ2 بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَبَيْنَ الْمَقْصُودِ مِنَ الْخِطَابِ، مِنَ التَّفَهُّمِ لِمَعْنَاهُ ثُمَّ التَّعَبُّدِ بِمُقْتَضَاهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِعْذَارٌ وَإِنْذَارٌ، وَتَبْشِيرٌ وَتَحْذِيرٌ، وَرَدٌّ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ؛ فَكَمْ بَيْنَ مَنْ فَهِمَ مَعْنَاهُ وَرَأَى أَنَّهُ مَقْصُودُ الْعِبَارَةِ فَدَاخَلَهُ مِنْ خَوْفِ الْوَعِيدِ وَرَجَاءِ الْمَوْعُودِ مَا صَارَ بِهِ مُشَمِّرًا عَنْ سَاعِدِ الْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ، بَاذِلًا غَايَةَ الطَّاقَةِ فِي الْمُوَافَقَاتِ، هَارِبًا بِالْكُلِّيَّةِ عَنِ الْمُخَالَفَاتِ، وَبَيْنَ مَنْ أَخَذَ فِي تَحْسِينِ الْإِيرَادِ وَالِاشْتِغَالِ بِمَآخِذِ الْعِبَارَةِ وَمَدَارِجِهَا، وَلِمَ اخْتَلَفَتْ مَعَ مُرَادِفَتِهَا مَعَ أَنَّ الْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَتَفْرِيعُ التَّجْنِيسِ وَمَحَاسِنُ الْأَلْفَاظِ، وَالْمَعْنَى الْمَقْصُودُ فِي الْخِطَابِ بِمَعْزِلٍ عَنِ النَّظَرِ فِيهِ؟!
كُلُّ عَاقِلٍ يَعْلَمُ أَنَّ مَقْصُودَ الْخِطَابِ لَيْسَ هُوَ التَّفَقُّهَ فِي الْعِبَارَةِ، بَلِ التَّفَقُّهُ فِي الْمُعَبَّرِ عَنْهُ وَمَا الْمُرَادُ بِهِ، هَذَا لَا يَرْتَابُ فِيهِ عَاقِلٌ.
وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ التَّمَكُّنَ فِي التَّفَقُّهِ فِي الْأَلْفَاظِ وَالْعِبَارَاتِ وَسِيلَةٌ إِلَى التَّفَقُّهِ فِي الْمَعَانِي بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ؛ فَكَيْفَ يَصِحُّ إِنْكَارُ مَا لَا يُمْكِنُ إِنْكَارُهُ؟ وَلِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالْوَسِيلَةِ وَالْقِيَامَ بِالْفَرْضِ الْوَاجِبِ فِيهَا دُونَ3 الِاشْتِغَالِ بِالْمَعْنَى الْمَقْصُودِ لَا يُنْكَرُ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِلَّا لَزِمَ ذَمُّ عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ بجميع أصنافه، وليس
__________
1 في "ط": "كان ذلك قريبًا لا ... ".
2 لأنه شغل كبير بما لا يعني، مضيع للوقت فيما ليس مقصودًا؛ فيحول عن المقصود كما بينه بقوله: "فكم بين من فهم ... إلخ". "د".
3 أي: قبل الاشتغال. "د".
(4/262)

كَذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: مَا ذَكَرْتَهُ فِي السُّؤَالِ لَا يُنْكَرُ بِإِطْلَاقٍ، كَيْفَ وَبِالْعَرَبِيَّةِ فَهِمْنَا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى مُرَادَهُ مِنْ كِتَابِهِ؟ وَإِنَّمَا الْمُنْكَرُ الْخُرُوجُ فِي ذَلِكَ إِلَى حَدِّ الْإِفْرَاطِ، الَّذِي يُشَكُّ فِي كَوْنِهِ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ، أَوْ يَظُنُّ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، أَوْ يَقْطَعُ بِهِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَمْ يُفْهَمْ مِنْهَا قَصْدُ مِثْلِهِ فِي كَلَامِهَا وَلَمْ يَشْتَغِلْ بِالتَّفَقُّهِ فِيهِ سَلَفُ هَذِهِ الْأُمَّةِ؛ فَمَا يُؤَمِّنُنَا مِنْ سُؤَالِ اللَّهِ تَعَالَى لَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: مِنْ أَيْنَ فَهِمْتُمْ عَنِّي أَنِّي قَصَدْتُ1 التَّجْنِيسَ الْفُلَانِيَّ بِمَا أَنْزَلْتُ مِنْ قَوْلِي: {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الْكَهْفِ: 104] ، أَوْ قَوْلِي: {قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ} [الشُّعَرَاءِ: 168] ؟ فَإِنَّ فِي دَعْوَى مِثْلِ هَذَا عَلَى الْقُرْآنِ، وَأَنَّهُ مَقْصُودٌ لِلْمُتَكَلِّمِ بِهِ خَطَرًا، بَلْ هُوَ رَاجِعٌ إِلَى مَعْنَى2 قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النُّورِ: 15] ، وَإِلَى أَنَّهُ قَوْلٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِالرَّأْيِ، وَذَلِكَ بِخِلَافِ الْكِنَايَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [المائدة: 6] .
وقوله: {كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ} [المائدة: 75] .
__________
1 لا يلزم من التعريف عن وجود الجناس في القرآن أن يدعى أنه مقصود لله، بل على تسليم أن هذا ليس مما يجري على مقاصد العرب في كلامهم، يكون وقوع الجناس مما اتفق، كما اتفق أن هناك فقرًا من الآيات موافقة لشطرات من بحور الشعر, كما في قوله:
كسر الجرة عمدًا ... وملأ الأرض شرابا
قلت لما غاب عقلي ... ليتني كنت ترابا
فمن أين لنا أن من يستخرج الجناسات من القرآن يدعي أنها مقصودة لله في خطابه؟ حتى يكون فيه هذا الحظر. "د".
قلت: انظر "إعجاز القرآن" للباقلاني "ص51, تحقيق السيد صقر".
2 وإنما قال: "إلى المعنى" لما هو ظاهر من أن الآيات في حادثة معينة، وهي حادثة الإفك؛ فيكون تنزيل الآية على ما نحن فيه من باب الاعتبارات ودلالة الإشارات. "د".
(4/263)

وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ شَائِعٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، مَفْهُومٌ مِنْ مَسَاقِ الْكَلَامِ، مَعْلُومٌ اعْتِبَارُهُ عِنْدَ أَهْلِ اللِّسَانِ ضَرُورَةً، وَالتَّجْنِيسُ وَنَحْوُهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَفَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا خِدْمَةُ الْمَعْنَى الْمُرَادِ وَعَدَمُهُ؛ إِذْ لَيْسَ فِي التَّجْنِيسِ ذَلِكَ، وَالشَّاهِدُ عَلَى ذَلِكَ نُدُورُهُ مِنَ1 الْعَرَبِ الْأَجْلَافِ الْبَوَّالِينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ -كَمَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ- وَمَنْ كَانَ نَحْوَهُمْ، وَشُهْرَةُ الْكِنَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَا تَكَادُ تَجِدُ مَا هُوَ نَحْوَ التَّجْنِيسِ إِلَّا فِي كَلَامِ الْمُوَلِّدِينَ وَمَنْ لَا يُحْتَجُّ بِهِ؛ فَالْحَاصِلُ أَنَّ لِكُلِّ عِلْمٍ عَدْلًا وَطَرَفًا إِفْرَاطٌ وَتَفْرِيطٌ، والطرفان هما المذمومان، والوسط هو المحمود.
__________
1 في "م": "عن".
(4/264)

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ:
مَبْنِيَّةٌ1 عَلَى مَا قَبْلَهَا؛ فَإِنَّهُ إِذَا تَعَيَّنَ أَنَّ الْعَدْلَ فِي الْوَسَطِ؛ فَمَأْخَذُ الْوَسَطِ رُبَّمَا كَانَ مَجْهُولًا، وَالْإِحَالَةُ عَلَى مَجْهُولٍ لَا فَائِدَةَ فِيهِ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ ضابط يعول عليه في مأخذ الفهم.
__________
1 محصول المسألة قبلها أن بعض الناس يفرط في تفهمه للقرآن؛ فيحمله على غير ما تقتضيه اللغة العربية كالباطنية وأشباههم، وبعضهم يفرط في جلب مباحث اللغة حوله؛ فيحمله زيادة عما يقصده العرب في مخاطباتهم بمثله مما لم ينظر بمثله السلف فيه كالمحسنات اللفظية وادعاء أنه ذكر لفظ كذا دون مرادفه بقصد كذا، وهذا تقول على الله؛ فلا بد من طريق وسط، أما هذه المسألة؛ فمحصلها إرشاد إلى طريقة فهم الكتاب من ناحية ربط بعض جمله المشتركة في قضية واحدة، وأنه بمعاضدة بعضها لبعض يتبين مقصود الخطاب، ويتبين فقه الكلام، وأنه لا يؤخذ جملة منقطعة عن سابقها ولاحقها، وأن السور النازلة في قضية واحدة أمرها في ذلك ظاهر كما مثل، أما السور المشتملة على قضايا كثيرة؛ فهل ينظر فيها إلى ترتيب السورة كلها ككلام واحد؟ قال: نعم، إن ذلك يفيد من وجهة الإعجاز، وإدراك انفراد الكتاب بمرتبة في البلاغة لا تنال، ثم ذكر في الفصل بعدها أنه هل يفيد النظر فيما بين السور بعضها مع بعض؟ هذه خلاصة المسألتين؛ فأين ابتناء هذه المسألة على ما قبلها وكل منهما في ناحية؟ نقول: نعم، إن النظر في الجملة الواحدة، والجمل المشتركة في القضية وفيما بين السورة كلها ولو كانت متعددة القضايا إنما يكون وسيلة اللغة العربية وقواعدها المعروفة في فنونها؛ فكأنه يقول: إن ما نحتاج إليه من ذلك ما يكون معينًا على فهم الجمل منفردة ومنضمة إلى أخواتها في قضية أو قضايا، وما زاد أو نقص عنه؛ فإفراط أو تفريط؛ فهذا هو الضابط الذي نأخذ به من مباحث اللغة، وكلامه لا ينافي أنه لا بد أيضًا من الوسائل الستة المتقدمة له، من أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والمكي والمدني، وعلم القراءات وعلم الأصول، وقد أشار إلى بعض ذلك بقوله: "وقد يعينه على هذا المقصد النظر في أسباب التنزيل"، وعليك بالتأمل في المقام لتعرف هل لا بد للفهم الوسط من ملاحظة هذين الأمرين من الأمور الستة المشار إليها، وإذا تذكرت ما سبق له من بناء المدني بعضه على بعض والمكي كذلك وبناء المدني على المكي؛ لاح لك وجه الحاجة في هذا المقام أيضًا إلى معرفة المكي والمدني، فاستمد المعونة منه تعالى لتصل إلى علم نافع. "د".
(4/265)

وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ -وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ- أَنَّ الْمُسَاقَاتِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَوْقَاتِ وَالنَّوَازِلِ، وَهَذَا مَعْلُومٌ فِي عِلْمِ الْمَعَانِي وَالْبَيَانِ؛ فَالَّذِي يَكُونُ عَلَى بال من المستمع والمتفهم و1الالتفات إِلَى أَوَّلِ الْكَلَامِ وَآخِرِهِ، بِحَسَبِ2 الْقَضِيَّةِ وَمَا اقْتَضَاهُ الْحَالُ فِيهَا، لَا يَنْظُرُ فِي أَوَّلِهَا دُونَ آخِرِهَا، وَلَا فِي آخِرِهَا دُونَ أَوَّلِهَا، فَإِنَّ الْقَضِيَّةَ وَإِنِ اشْتَمَلَتْ عَلَى جُمَلٍ؛ فَبَعْضُهَا مُتَعَلِّقٌ بِالْبَعْضِ لِأَنَّهَا قَضِيَّةٌ وَاحِدَةٌ نَازِلَةٌ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ، فَلَا مَحِيصَ لِلْمُتَفَهِّمِ عَنْ رَدِّ3 آخِرِ الْكَلَامِ عَلَى أَوَّلِهِ، وَأَوَّلِهِ عَلَى آخِرِهِ، وَإِذْ ذَاكَ يَحْصُلُ مَقْصُودُ الشَّارِعِ فِي فَهْمِ الْمُكَلَّفِ، فَإِنْ فَرَّقَ النَّظَرَ فِي أَجْزَائِهِ؛ فَلَا يَتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى مُرَادِهِ، فَلَا يَصِحُّ الِاقْتِصَارُ فِي النَّظَرِ عَلَى بَعْضِ أَجْزَاءِ الْكَلَامِ دُونَ بَعْضٍ، إِلَّا فِي مَوْطِنٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ النَّظَرُ فِي فَهْمِ الظَّاهِرِ بِحَسَبِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ وَمَا يَقْتَضِيهِ، لَا بِحَسَبِ مَقْصُودِ الْمُتَكَلِّمِ، فَإِذَا صَحَّ لَهُ الظَّاهِرُ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ؛ رَجَعَ إِلَى نَفْسِ الْكَلَامِ، فَعَمَّا قَرِيبٍ يَبْدُو لَهُ مِنْهُ الْمَعْنَى الْمُرَادُ؛ فَعَلَيْهِ بِالتَّعَبُّدِ بِهِ، وَقَدْ يُعِينُهُ عَلَى هَذَا الْمَقْصِدِ النَّظَرُ فِي أَسْبَابِ التَّنْزِيلِ؛ فَإِنَّهَا تُبَيِّنُ كَثِيرًا مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَخْتَلِفُ مَغْزَاهَا عَلَى النَّاظِرِ.
غَيْرَ أَنَّ الْكَلَامَ الْمَنْظُورَ فِيهِ تَارَةً يَكُونُ وَاحِدًا بِكُلِّ اعْتِبَارٍ، بِمَعْنَى أَنَّهُ أُنْزِلَ فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ طَالَتْ أَوْ قَصُرَتْ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ سُوَرِ الْمُفَصَّلِ، وَتَارَةً يَكُونُ مُتَعَدِّدًا فِي الِاعْتِبَارِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ أُنْزِلَ فِي قَضَايَا مُتَعَدِّدَةٍ؛ كَسُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَآلِ عِمْرَانَ، وَالنِّسَاءِ، وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، وَأَشْبَاهِهَا وَلَا عَلَيْنَا أَنَزَلَتِ السُّورَةُ بِكَمَالِهَا دُفْعَةً وَاحِدَةً، أَمْ نَزَلَتْ شَيْئًا بَعْدَ شيء.
__________
1 هذه الواو زائدة وما بعدها خبر عن الذي، أي: إن الضابط الذي يلزم أن يكون على بال من يريد الفهم هو الالتفات ... إلخ. "د". قلت: هي في "ط": "المستمع المتفهم الالتفات".
2 لا بحسب السورة برمتها دائمًا؛ فقد تكون السورة نازلة في قضايا كثيرة؛ فكل قضية تعتبر وحدها طالت أو قصرت، كما يأتي بيانه في سورة البقرة وسورة المؤمنون. "د".
3 أي: بمعرفة أنها بيان لها، أو توكيد، أو تكميل، أو تفريع، أو تقرير، وهكذا مما يقتضيه النظر العربي. "د".
(4/266)

وَلَكِنَّ هَذَا الْقِسْمَ لَهُ1 اعْتِبَارَانِ:
اعْتِبَارٌ مِنْ جِهَةِ تَعَدُّدِ الْقَضَايَا؛ فَتَكُونُ كُلُّ قَضِيَّةٍ مُخْتَصَّةً بِنَظَرِهَا، وَمِنْ هُنَالِكَ2 يُلْتَمَسُ الْفِقْهُ عَلَى وَجْهٍ ظَاهِرٍ لَا كَلَامَ فِيهِ، وَيَشْتَرِكُ مَعَ هَذَا الِاعْتِبَارِ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ؛ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي الْتِمَاسِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ.
وَاعْتِبَارٌ مِنْ جِهَةِ النَّظْمِ3 الَّذِي وَجَدْنَا عَلَيْهِ السُّورَةَ؛ إِذْ هُوَ تَرْتِيبٌ بِالْوَحْيِ لَا مَدْخَلَ فِيهِ لِآرَاءِ الرِّجَالِ، وَيَشْتَرِكُ مَعَهُ أَيْضًا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ نَظْمٌ أُلْقِيَ بِالْوَحْيِ، وَكِلَاهُمَا لَا يُلْتَمَسُ مِنْهُ فِقْهٌ عَلَى وَجْهٍ ظَاهِرٍ، وَإِنَّمَا يُلْتَمَسُ مِنْهُ ظُهُورُ بَعْضِ أَوْجُهِ الْإِعْجَازِ، وَبَعْضِ مَسَائِلَ نُبِّهَ عَلَيْهَا فِي المسألة4 السابقة قبل،
__________
1 في "د": "لها".
2 أي: من النظر في كل قضية على حدتها. "د".
3 أي: يوضع كل جزء منها في مكانه مع تعدد القضايا، وقوله: "ويشترك معه أيضًا القسم الأول"؛ أي: من جهة وضع كل جملة منه في مكانها، ولكن قوله: "وَكِلَاهُمَا لَا يُلْتَمَسُ مِنْهُ فِقْهٌ عَلَى وَجْهٍ ظاهر" غير ظاهر في القسم الأول؛ لأن هذا الوضع من القسم الأول يفيد الفقه المطلوب في القضية، بل قد يتوقف الفقه فيها على النظر فيما بين أجزائها من فصل ووصل يتبين بهما غرض التوكيد من غرض التكميل، وهكذا من الأغراض التي تفهم من نظم الجمل بعضها مع بعض في القضية الواحدة، أليس هذا هو الذي يقول فيه: إنه لا بد "من رد آخر الكلام على أوله وأوله على آخره وإذ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المكلف ... " إلى أن قال: "فعليه بالتعبد به". "د".
قلت: انظر إشارات قوية وبديعة في ضرورة ما ذكره المصنف عند الفراهي في "دلائل النظام"، وهو مطبوع بالهند.
4 الحادية عشرة من بناء المدني على المكي وبناء كل بعضه على بعض في الفهم، وهذا يؤكد ما قلناه من أن النظر فيما بين أجزاء القضية الواحدة يفيد فقهًا؛ إلا أنه يقال: لا يلزم من تقدم جملة على أخرى في النظم أن تكون متقدمة عليها في النزول كما في آيتي العدة في ربع: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْن} [البقرة: 233] ؛ فالآية السابقة في التلاوة والنظم متأخرة في النزول، وناسخة للمتأخرة، وكلاهما مدني أيضًا. "د".
(4/267)

وَجَمِيعُ ذَلِكَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ النَّظَرِ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ وَآخِرِهِ بِحَسَبِ تِلْكَ الِاعْتِبَارَاتِ؛ فَاعْتِبَارُ جِهَةِ النَّظْمِ مَثَلًا فِي السُّورَةِ لَا تتم بِهِ فَائِدَةٌ إِلَّا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ جَمِيعِهَا بِالنَّظَرِ؛ فَالِاقْتِصَارُ عَلَى بَعْضِهَا فِيهِ غَيْرُ مُفِيدٍ غَايَةَ الْمَقْصُودِ، كَمَا أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى بَعْضِ الْآيَةِ فِي اسْتِفَادَةِ حُكْمٍ مَا لَا يُفِيدُ إِلَّا بَعْدَ كَمَالِ النَّظَرِ فِي جَمِيعِهَا.
فَسُورَةُ الْبَقَرَةِ مَثَلًا كلامٌ وَاحِدٌ بِاعْتِبَارِ النَّظْمِ1، وَاحْتَوَتْ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنَ الْكَلَامِ بِحَسَبِ مَا بُثَّ فِيهَا، مِنْهَا مَا هُوَ كَالْمُقَدِّمَاتِ وَالتَّمْهِيدَاتِ بَيْنَ يَدَيِ الْأَمْرِ الْمَطْلُوبِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ كَالْمُؤَكِّدِ وَالْمُتَمِّمِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ الْمَقْصُودُ فِي الْإِنْزَالِ، وَذَلِكَ2 تَقْرِيرُ الْأَحْكَامِ عَلَى تَفَاصِيلِ الْأَبْوَابِ، وَمِنْهَا الْخَوَاتِمُ الْعَائِدَةُ عَلَى مَا قَبْلَهَا بِالتَّأْكِيدِ وَالتَّثْبِيتِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَلَا بُدَّ مِنْ تَمْثِيلِ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ؛ فَبِهِ يُبَيَّنُ مَا تَقَدَّمَ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ... } إِلَى قَوْلِهِ: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الْبَقَرَةِ: 183-187] كَلَامٌ وَاحِدٌ وَإِنْ نَزَلَ فِي أَوْقَاتٍ شَتَّى، وَحَاصِلُهُ بَيَانُ الصِّيَامِ وَأَحْكَامِهِ، وَكَيْفِيَّةِ آدَائِهِ3، وَقَضَائِهِ، وَسَائِرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْجَلَائِلِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا وَلَا يَنْبَنِي إِلَّا عَلَيْهَا.
ثُمَّ جَاءَ قَوْلُهُ: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: 188] كلامًا4 آخر بين أحكامًا أخر.
__________
1 انظر تفصيل ذلك في: "النبأ العظيم" "ص163 إلى آخر الكتاب"، و"النظم في سورة البقرة" لحسين الدراويش، أطروحة دكتوراه عن قسم الآداب في الجامعة الأردنية.
2 أي: المقصود الأول في الإنزال هو تقرير الأحكام في كل باب وقضية من القضايا المتعددة. "د".
3 في "د": "آدابه"، وهو خطأ، وما أثبتناه من الأصل و"ف" و"م" و"ط".
4 في "ط": "كلام".
(4/268)

وَقَوْلِهِ: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [الْبَقَرَةِ: 189] .
وَانْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِ طَائِفَةٍ، وَعِنْدَ أُخْرَى أَنَّ قَوْلَهُ: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ} الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: 189] مِنْ تَمَامِ1 مَسْأَلَةِ الْأَهِلَّةِ، وَإِنِ انْجَرَّ مَعَهُ2 شَيْءٌ آخَرُ، كَمَا انْجَرَّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا تَذْكِيرٌ وَتَقْدِيمٌ لِأَحْكَامِ الْحَجِّ فِي قَوْلِهِ: {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [الْبَقَرَةِ: 189] .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر} [الْكَوْثَرِ: 1] نَازِلَةٌ فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ3.
وَسُورَةُ {اقْرَأْ} نَازِلَةٌ فِي قَضِيَّتَيْنِ4.
الْأُولَى إِلَى قَوْلِهِ: {عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [الْعَلَقِ: 5] .
وَالْأُخْرَى ما بقي إلى آخر السورة.
وسورة "المؤمنون"5 نَازِلَةٌ فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنِ اشْتَمَلَتْ عَلَى مَعَانٍ كَثِيرَةٍ فَإِنَّهَا مِنَ الْمَكِّيَّاتِ، وَغَالِبُ الْمَكِّيِّ أَنَّهُ مُقَرِّرٌ لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ، أَصْلُهَا مَعْنًى وَاحِدٌ وَهُوَ الدُّعَاءُ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى:
أَحَدُهَا: تَقْرِيرُ الْوَحْدَانِيَّةِ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْحَقِّ، غَيْرَ أَنَّهُ يأتي على وجوه؛ كنفي
__________
1 فهو ضرب مثل لسؤالهم عن الهلال يبدو صغيرًا ... إلخ، ولبيان أن هذا السؤال خروج عما يهمهم في دينهم ودنياهم، وأنه مجرد تعسف كإتيان البيوت من ظهورها بدل أبوابها. "د".
قلت: ومضى تخريج سؤالهم عن الهلال ... في "3/ 149".
2 في "ط": "معها".
3 انظر: "مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور" "3/ 256" للبقاعي، وله أيضًا كلام بديع على هذه السورة -لا يوجد في كتاب- في آخر كتابه "الأقوال القويمة في حكم النقل من الكتب القديمة"، يسر الله نشره.
4 انظر: "مصاعد النظر" "3/ 213".
5 انظر: "مصاعد النظر" "2/ 303"، و"في ظلال القرآن" "4/ 2452".
(4/269)

الشَّرِيكِ بِإِطْلَاقٍ، أَوْ نَفْيِهِ بِقَيْدِ مَا ادَّعَاهُ الْكُفَّارُ فِي وَقَائِعَ مُخْتَلِفَةٍ، مِنْ كَوْنِهِ مُقَرَّبًا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى، أَوْ كَوْنِهِ وَلَدًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الدَّعَاوَى الْفَاسِدَةِ.
وَالثَّانِي: تَقْرِيرُ النُّبُوَّةِ لِلنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، وَأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْهِمْ جَمِيعًا، صَادِقٌ فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؛ إِلَّا أَنَّهُ وَارِدٌ عَلَى وُجُوهٍ أَيْضًا؛ كَإِثْبَاتِ كَوْنِهِ رَسُولًا حَقًّا، وَنَفْيِ مَا ادَّعَوْهُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ كَاذِبٌ، أَوْ سَاحِرٌ، أَوْ مَجْنُونٌ، أَوْ يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ.
وَالثَّالِثُ: إِثْبَاتُ أَمْرِ الْبَعْثِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ وَأَنَّهُ حَقٌّ لَا رَيْبَ فِيهِ بِالْأَدِلَّةِ الْوَاضِحَةِ، وَالرَّدُّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ بِكُلِّ وَجْهٍ يُمْكِنُ الْكَافِرُ إِنْكَارَهُ بِهِ؛ فَرَدَّ بِكُلِّ وَجْهٍ يُلْزِمُ الْحُجَّةَ، وَيُبَكِّتُ الْخَصْمَ، وَيُوَضِّحُ الْأَمْرَ.
فَهَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةُ هِيَ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْهَا الْمُنَزَّلُ مِنَ الْقُرْآنِ بِمَكَّةَ فِي عَامَّةِ الْأَمْرِ، وَمَا ظَهَرَ بِبَادِئِ الرَّأْيِ خُرُوجُهُ عَنْهَا؛ فَرَاجِعٌ إِلَيْهَا فِي مَحْصُولِ الْأَمْرِ، وَيَتْبَعُ ذَلِكَ التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ، وَالْأَمْثَالُ وَالْقَصَصُ، وَذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَوَصْفُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا وَعُدْنَا إِلَى النَّظَرِ فِي سورة "المؤمنون" مَثَلًا وَجَدْنَا فِيهَا الْمَعَانِيَ الثَّلَاثَةَ عَلَى أَوْضَحِ الْوُجُوهِ؛ إِلَّا أَنَّهُ غَلَبَ عَلَى نَسَقِهَا ذِكْرُ إِنْكَارِ الْكُفَّارِ لِلنُّبُوَّةِ الَّتِي هِيَ الْمَدْخَلُ لِلْمَعْنَيَيْنِ1 الْبَاقِيَيْنِ, وَإِنَّهُمْ إِنَّمَا أَنْكَرُوا ذَلِكَ بِوَصْفِ الْبَشَرِيَّةِ تَرَفُّعًا مِنْهُمْ أَنْ يُرْسَلَ إِلَيْهِمْ مَنْ هُوَ مِثْلُهُمْ، أَوْ يَنَالَ هَذِهِ الرُّتْبَةَ غَيْرُهُمْ إِنْ كَانَتْ؛ فَجَاءَتِ2 السُّورَةُ تُبَيِّنُ وَصْفَ الْبَشَرِيَّةِ وَمَا تَنَازَعُوا فِيهِ مِنْهَا، وَبِأَيِّ وَجْهٍ تَكُونُ عَلَى أَكْمَلِ وُجُوهِهَا حَتَّى تَسْتَحِقَّ الِاصْطِفَاءَ وَالِاجْتِبَاءَ مِنَ الله تعالى؛ فافتتحت السورة بثلاث جمل:
__________
1 في "ط": "إلى المعنيين".
2 في نسخة "د": "جاءت فكانت".
(4/270)

إِحْدَاهَا, وَهِيَ الْآكَدُ فِي الْمَقَامِ: بَيَانُ الْأَوْصَافِ الْمُكْتَسَبَةِ لِلْعَبْدِ الَّتِي إِذَا اتَّصَفَ بِهَا رَفَعَهُ اللَّهُ وَأَكْرَمَهُ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون ... } إِلَى قَوْلِهِ: {هُمْ فِيهَا خَالِدُون} [الْمُؤْمِنُونَ: 1-11] .
وَالثَّانِيَةُ: بَيَانُ أَصْلِ التَّكْوِينِ لِلْإِنْسَانِ وَتَطْوِيرِهِ الَّذِي حَصَلَ لَهُ جَارِيًا عَلَى مَجَارِي الِاعْتِبَارِ1 وَالِاخْتِيَارِ، بِحَيْثُ لَا يَجِدُ الطَّاعِنُ إِلَى الطَّعْنِ عَلَى مَنْ هَذَا حَالُهُ سَبِيلًا.
وَالثَّالِثَةُ: بَيَانُ وُجُوهِ الْإِمْدَادِ لَهُ مِنْ خَارِجٍ بِمَا يَلِيقُ بِهِ فِي التَّرْبِيَةِ وَالرِّفْقِ، وَالْإِعَانَةِ عَلَى إِقَامَةِ الْحَيَاةِ، وَأَنَّ ذلك له بتسخير السموات وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَكَفَى بِهَذَا تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا.
ثُمَّ ذَكَرَتْ قَصَصَ مَنْ تَقَدَّمَ مَعَ2 أَنْبِيَائِهِمْ واستهزاءهم بِهِمْ بِأُمُورٍ مِنْهَا كَوْنُهُمْ مِنَ الْبَشَرِ؛ فَفِي قصة نوح مع قومه قولهم: {قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} [الْمُؤْمِنُونَ: 24] .
ثُمَّ أَجْمَلَ ذِكْرَ قَوْمٍ آخَرِينَ أَرْسَلَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ؛ أَيْ: مِنَ الْبَشَرِ لَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ؛ فَقَالُوا: {مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ} الْآيَةَ [الْمُؤْمِنُونَ: 33] .
{وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ} [الْمُؤْمِنُونَ: 34] .
{إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [الْمُؤْمِنُونَ: 38] ؛ أَيْ: هُوَ مِنَ الْبَشَرِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ} [الْمُؤْمِنُونَ: 44] .
فَقَوْلُهُ: {رَسُولُهَا} مُشِيرًا إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ رَسُولُهَا الذي تعرفه منها.
__________
1 في "ط": "الاعتناء".
2 في "ط": "من".
(4/271)

ثُمَّ ذَكَرَ مُوسَى وَهَارُونَ وَرَدَّ فِرْعَوْنَ، وَمَلَئِهِ بِقَوْلِهِمْ: {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا} [الْمُؤْمِنُونَ: 47] إِلَخْ.
هَذَا كُلُّهُ حِكَايَةً عَنِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ غَضُّوا مِنْ رُتْبَةِ النُّبُوَّةِ بِوَصْفِ الْبَشَرِيَّةِ، تَسْلِيَةً لِمُحَمَّدٍ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ وَصْفَ الْبَشَرِيَّةِ لِلْأَنْبِيَاءِ لَا غَضَّ فِيهِ، وَأَنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ إِنَّمَا كَانُوا مِنَ الْبَشَرِ، يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ كَجَمِيعِ النَّاسِ، وَالِاخْتِصَاصُ أَمْرٌ آخَرُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ فَقَالَ بَعْدَ تَقْرِيرِ رِسَالَةِ مُوسَى: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} [الْمُؤْمِنُونَ: 50] ، وَكَانَا مَعَ ذَلِكَ يَأْكُلَانِ وَيَشْرَبَانِ، ثُمَّ قَالَ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ} [الْمُؤْمِنُونَ: 51] ؛ أَيْ: هَذَا مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ شُكْرُ تِلْكَ النِّعَمِ، وَمُشَرِّفٌ لِلْعَامِلِ بِهِ؛ فَهُوَ الَّذِي يُوجِبُ التَّخْصِيصَ لَا الْأَعْمَالُ السَّيِّئَةُ، وَقَوْلُهُ: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [الْمُؤْمِنُونَ: 52] ، إِشَارَةٌ إِلَى التَّمَاثُلِ بَيْنَهُمْ، وَأَنَّهُمْ جَمِيعًا مُصْطَفَوْنَ مِنَ الْبَشَرِ، ثُمَّ خَتَمَ هَذَا الْمَعْنَى بِنَحْوٍ مِمَّا بِهِ بَدَأَ؛ فَقَالَ: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ... } إِلَى قَوْلِهِ: {وَهُمْ لَهَا سَابِقُون} [الْمُؤْمِنُونَ: 57-61] .
وَإِذَا تُؤُمِّلُ هَذَا النَّمَطُ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَى هُنَا؛ فُهِمْ أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنَ الْمَعْنَى هُوَ الْمَقْصُودُ مُضَافًا إِلَى الْمَعْنَى الْآخَرِ، وَهُوَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ وَغَضُّوا مِنَ الرُّسُلِ بِوَصْفِ الْبَشَرِيَّةِ؛ اسْتِكْبَارًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ، وَعُتُوًّا عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ فَإِنَّ الْجُمْلَةَ الْأُولَى مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ تُشْعِرُ بِخِلَافِ الِاسْتِكْبَارِ، وَهُوَ التَّعَبُّدُ لِلَّهِ بِتِلْكَ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ، وَالْجُمْلَةَ الثَّانِيَةَ مُؤْذِنَةٌ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَنْقُولٌ فِي أَطْوَارِ الْعَدَمِ وَغَايَةِ الضَّعْفِ؛ فَإِنَّ التَّارَاتِ1 السَّبْعَ أَتَتْ عَلَيْهِ وَهِيَ كُلُّهَا ضَعْفٌ إِلَى ضِعْفٍ، وَأَصْلُهُ الْعَدَمُ؛ فَلَا يَلِيقُ بِمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ الِاسْتِكْبَارُ، وَالْجُمْلَةَ الثَّالِثَةَ مُشْعِرَةٌ بِالِاحْتِيَاجِ إِلَى تِلْكَ الْأَشْيَاءِ وَالِافْتِقَارِ إِلَيْهَا، وَلَوْلَا2 خَلْقُهَا لَمْ يَكُنْ لِلْإِنْسَانِ بَقَاءٌ بِحُكْمِ العادة
__________
1 في "د": "النارات".
2 في "ط": "إذ لولا".
(4/272)

الْجَارِيَةِ؛ فَلَا يَلِيقُ بِالْفَقِيرِ الِاسْتِكْبَارُ عَلَى مَنْ هُوَ مِثْلُهُ فِي النَّشْأَةِ وَالْخَلْقِ، فَهَذَا كُلُّهُ كَالتَّنْكِيتِ عَلَيْهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْقَصَصَ فِي قَوْمِ نُوحٍ: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ} [الْمُؤْمِنُونَ: 24] ، وَالْمَلَأُ هُمُ الْأَشْرَافُ.
وَكَذَلِكَ فِيمَنْ بَعْدَهُمْ: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ} الْآيَةَ [الْمُؤْمِنُونَ: 33] .
وَفِي قِصَّةِ مُوسَى: {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} [الْمُؤْمِنُونَ: 47] .
وَمِثْلُ هَذَا الْوَصْفِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لِشَرَفِهِمْ فِي قَوْمِهِمْ قَالُوا هَذَا الْكَلَامَ، ثُمَّ قَوْلُهُ: {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ ... } إِلَى قَوْلِهِ: {لَا يَشْعُرُونَ} [الْمُؤْمِنُونَ: 54-56] رُجُوعٌ إِلَى وَصْفِ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا تَشَرَّفُوا بِالْمَالِ وَالْبَنِينَ؛ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ الَّذِي يَجِبُ لَهُ الشَّرَفُ مَنْ كَانَ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ وَهُوَ قَوْلُهُ: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ} [الْمُؤْمِنُونَ: 57] .
ثُمَّ رَجَعَتِ الْآيَاتُ1 إِلَى وَصْفِهِمْ فِي تَرَفِهِمْ وَحَالِ مَآلِهِمْ، وَذِكْرِ النِّعَمِ عليهم، والبراهين عل صِحَّةِ النُّبُوَّةِ، وَأَنَّ مَا قَالَ عَنِ اللَّهِ حَقٌّ مِنْ إِثْبَاتِ الْوَحْدَانِيَّةِ، وَنَفْيِ الشَّرِيكِ وَأُمُورِ الدَّارِ الْآخِرَةِ لِلْمُطِيعِينَ وَالْعَاصِينَ، حَسْبَمَا اقْتَضَاهُ الْحَالُ وَالْوَصْفُ لِلْفَرِيقَيْنِ؛ فَهَذَا النَّظَرُ إِذَا اعْتُبِرَ كُلِّيًّا2 فِي السُّورَةِ وُجِدَ عَلَى أَتَمَّ مِنْ هَذَا الْوَصْفِ، لَكِنْ عَلَى مِنْهَاجِهِ وَطَرِيقِهِ، وَمَنْ أَرَادَ الاعتبار3 في
__________
1 أي: من قوله: {حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ ... } إلخ. "د".
2 أي: إن بيانه لذلك إجمالي لا تفصيلي، ولو أنه اعتبر التفصيل الكلي لكان ظهور ارتباط أجزاء السور بعضها ببعض، وأنها لبيان الأمور الثلاثة التي ذكرها أولًا أوضح مما قال. "د".
3 في نسخة "د": "الاختيار".
(4/273)

سَائِرِ سُوَرِ الْقُرْآنِ؛ فَالْبَابُ مَفْتُوحٌ، وَالتَّوْفِيقُ بِيَدِ الله؛ فسورة "المؤمنون" قِصَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ.
وَبِالْجُمْلَةِ؛ فَحَيْثُ ذَكَرَ قَصَصَ الْأَنْبِيَاءِ -عَلَيْهِمُ السَّلَامُ- كَنُوحٍ، وَهُودٍ، وَصَالِحٍ، وَلُوطٍ، وَشُعَيْبٍ، وَمُوسَى، وَهَارُونَ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- وَتَثْبِيتٌ لِفُؤَادِهِ لِمَا كَانَ يَلْقَى مِنْ عِنَادِ الْكُفَّارِ وَتَكْذِيبِهِمْ لَهُ عَلَى أَنْوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَتُذْكَرُ الْقِصَّةُ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي يَقَعُ لَهُ مِثْلُهُ، وَبِذَلِكَ اخْتَلَفَ1 مَسَاقُ الْقِصَّةِ الْوَاحِدَةِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، وَالْجَمِيعُ حَقٌّ وَاقِعٌ لَا إِشْكَالَ فِي صِحَّتِهِ، وَعَلَى حَذْوِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَمْثِلَةِ يَحْتَذِي فِي النَّظَرِ فِي الْقُرْآنِ لِمَنْ أَرَادَ فَهْمَ الْقُرْآنِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
فَصْلٌ 2:
وَهَلْ لِلْقُرْآنِ مَأْخَذٌ فِي النَّظَرِ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ سُوَرِهِ كَلَامٌ وَاحِدٌ بِحَسَبِ خِطَابِ الْعِبَادِ، لَا بِحَسَبِهِ فِي نَفْسِهِ؟ فَإِنَّ كَلَامَ اللَّهِ فِي نَفْسِهِ كَلَامٌ وَاحِدٌ لَا تَعَدُّدَ فِيهِ بِوَجْهٍ وَلَا بِاعْتِبَارٍ، حَسْبَمَا تَبَيَّنَ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ3، وَإِنَّمَا مَوْرِدُ الْبَحْثِ هُنَا بِاعْتِبَارِ خِطَابِ الْعِبَادِ تَنَزُّلًا لِمَا هُوَ من معهودهم فيه، هذا محل احتمال
__________
1 فتارة تذكر مفصلة مطولة، وتارة يقتصر على بعض آخر، بحسب ما يقع منهم له, صلى الله عليه وسلم. "د"، وفي "ط": "ويدلك اختلاف".
2 الكلام قبله في النظر إلى السورة الواحدة والكلام هنا في النظر إلى القرآن كله جملة واحدة. "د".
3 هذا قائم على أصل مخالف لعقيدة السلف، أعني: إنه قائم على أن كلام الله معنى قائم بالنفس، مجرد عن الألفاظ والحروف، وهذا مخالف للكتاب والسنة وأهل اللغة والعرف، انظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "6/ 522-523، 9/ 283 و12/ 49-50، 122، 166"، و"العقيدة السلفية في كلام رب البرية" "ص278-279 وص345 وما بعدها".
(4/274)

وَتَفْصِيلٍ.
فَيَصِحُّ فِي الِاعْتِبَارِ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ، أَيْ: يَتَوَقَّفُ فَهْمُ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ بِوَجْهٍ مَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ يُبَيِّنَ بَعْضُهُ بَعْضًا؛ حَتَّى إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُ لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ حَقَّ الْفَهْمِ إِلَّا بِتَفْسِيرِ مَوْضِعٍ آخَرَ أَوْ سُورَةٍ أُخْرَى، وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الضَّرُورِيَّاتِ مَثَلًا مُقَيَّدٌ بِالْحَاجِيَّاتِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَبَعْضُهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْبَعْضِ فِي الْفَهْمِ؛ فَلَا مَحَالَةَ أَنَّ مَا هُوَ كَذَلِكَ فَكَلَامٌ وَاحِدٌ؛ فَالْقُرْآنُ كُلُّهُ كَلَامٌ وَاحِدٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ1.
وَيَصِحُّ أَنْ لَا يَكُونَ كَلَامًا وَاحِدًا، وَهُوَ الْمَعْنَى الْأَظْهَرُ فِيهِ؛ فَإِنَّهُ أُنْزِلَ سُوَرًا مَفْصُولًا بَيْنَهَا مَعْنًى وَابْتِدَاءً؛ فَقَدْ كَانُوا يَعْرِفُونَ انْقِضَاءَ السُّورَةِ وَابْتِدَاءَ الْأُخْرَى بِنُزُولِ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ، وَهَكَذَا نُزُولُ أَكْثَرِ الْآيَاتِ الَّتِي نَزَلَتْ عَلَى وَقَائِعَ وَأَسْبَابٍ2 يُعْلَمُ مِنْ إِفْرَادِهَا بِالنُّزُولِ اسْتِقْلَالُ مَعْنَاهَا للأفهام، وذلك لا إشكال فيه.
__________
1 هذا هو الظاهر الذي يصح التعويل عليه، وأدلته فيه لا تنقض، وأما كونه نزل سورًا مفصولًا بعضها من بعض ببسم الله ... إلخ؛ فلا يقتضي استقلال بعضها عن بعض بالمعنى المراد، وكيف يتأتى بناء المدني على المكي، وأن كل منهما يبنى بعضه على بعض إذا أخذت كل سورة على حدتها غير منظور فيها لما ورد في غيرها؛ وأين يكون البيان والنسخ؟ ومعلوم أنه لا يلزم في البيان ولا في النسخ أن يكون المنسوخ والناسخ والمبين والبيان في سورة واحدة؛ فقوله: "ولا إشكال فيه" غير ظاهر. "د".
2 في "ط": "ولأسباب".
(4/275)

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ:
إِعْمَالُ الرَّأْيِ فِي الْقُرْآنِ جَاءَ ذَمُّهُ، وَجَاءَ أَيْضًا مَا يَقْتَضِي إِعْمَالَهُ، وَحَسْبُكَ مِنْ ذَلِكَ مَا نُقِلَ عَنِ الصِّدِّيقِ؛ فَإِنَّهُ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ, وَقَدْ سُئِلَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ: "أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِنْ أَنَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا أَعْلَمُ؟ "1.
وَرُبَّمَا رُوِيَ فِيهِ: "إِذَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِرَأْيِي"1.
ثُمَّ سُئِلَ عَنِ الْكَلَالَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ؛ فَقَالَ: "أَقُولُ2 فِيهَا بِرَأْيِي، فَإِنْ كَانَ صَوَابًا؛ فَمِنَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً؛ فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ، الْكَلَالَةُ كَذَا وَكَذَا"3.
فَهَذَانِ قَوْلَانِ اقْتَضَيَا إِعْمَالَ الرَّأْيِ وَتَرَكَهُ فِي الْقُرْآنِ، وَهُمَا لَا يجتمعان.
والقول فيه أن الرأي ضربان4:
__________
1 مضى تخريجه "ص250".
2 في "د": "لا أقول"، والصواب حذف "لا".
3 أورده ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" "2/ 911/ رقم 1712" عن ابن مسعود، ولم يسنده".
4 قد حذر العلماء قديمًا عن التفسير بالرأي، ولكنهم لم يبينوا كل البيان ما هو المراد من التفسير بالرأي، وإذ كان المروي في ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قليلًا جدًّا، ولم يكثر فيه أيضًا ما روي عن الصحابة، فأضافوا به ما روي عن التابعي وتبعهم مع اختلاف الأقاويل بينهم، وعلى هذا صنف ابن جرير -رحمه الله- تفسيره وهو أحسن التفاسير حتى قيل: إنه لم يصنف مثله.
والقرآن قد تضمن من الحكمة والمعارف ما لا يحيط به إلا الله تعالى، وقد حث القرآن نفسه على التفكير والتدبر فيه، وقد تبين لأصحاب العقول معارف غامضة قد تضمنها الآيات ولم يجدوها فيما روي عن السلف؛ فذكروها في تفاسيرهم، وأكبر التفاسير المتداولة التي كتبت على هذا الطريق ما ألفه الإمام الرازي, رحمه الله.
(4/276)

أَحَدُهُمَا: جَارٍ عَلَى مُوَافَقَةِ كَلَامِ الْعَرَبِ وَمُوَافَقَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَهَذَا لَا يُمْكِنُ إِهْمَالُ مِثْلِهِ لعالم بهما لأمور:
__________
= وكلاهما متلقى بالقبول بين المسلمين عامة، مع اتفاق العلماء على أن كليهما يحتوي على الغث والسمين، ولا بد للناظر فيهما من النقد والإمعان؛ فنوجهك إلى هذين التفسيرين لتقيس عليهما غيرهما؛ فإنهما مثالان لسائر التفاسير، ثم نبين لك ما هو التفسير بالرأي الذي ذمه العلماء, وما هي الطريق المثلى التي تعصمك منه.
فاعلم أن الصحابة والتابعين -رضي الله عنهم- أجمعين قد اختلفوا كثيرًا في التأويل مع تقارب خطاهم، فلو أخذوا تأويلاتهم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما اختلفوا، ولكنهم أخذوها عن علمهم باللسان، واقتصارهم على علمهم بنظائر الآيات وعلمهم بالسنة، وعن بصيرة يعطيها الله عباده، ولذلك ترى أنهم يتقاربون في المآل، وبالجملة؛ فإنهم لم يؤولوا القرآن بالرأي المذموم الذي لا مستند له في الكتاب والسنة ولسان العرب.
إن السلف اختلفوا في تأويل القرآن كثيرًا؛ لكونه جامعًا لوجوه كثيرة، ولكونهم متفاوتين في مدارج العقول، وهذا كما اختلفوا في الفتاوى، ولكنهم مع ذلك اعتمدوا على أصول راسخة للتأويل، فلم يعتمدوا على الرأي المحض وهوى النفس؛ فكان غالب خلافهم خلاف تنوع لا خلاف تضاد.
ومن قال: إن التفسير الذي لم يكن منقولًا عن السلف فهو التفسير بالرأي؛ فمحمول على أن من ترك المنقول أو شك أن يقع في أوهامه فيرى الباطل معقولًا كما قالوا في من لم يتقلد السلف في الفتاوى وركب رأسه؛ فلا يؤمن إبعاده عن جادة الشريعة كل الإبعاد، وكذلك محمول على أخذ ما يحتاج إليه في علم أسباب النزول ومواقعه؛ فلا بد أن يؤخذ من النقل مع التنقيد والاختيار بما صح وثبت، ولا يحمل ذلك على ترك النظر في دلالة القرآن، وحمل الآية على نظائرها، والجمود على المنقول المحض، وعدم الفرق بين صحيحه وسقيمه، وتسويته في الاعتماد، فإن المنقول جله الأحاديث الضعاف والمتناقض بعضها بعضًا، بل المتناقض لظاهر القرآن؛ فهل يعتمد عليها، أو يترك القرآن لا يتدبر فيه ولا يفهم معانيه؟ نعم، ينظر في ما نقل من السلف للتأكيد عند الموافقة، ورجع النظر عند المخالفة؛ حتى يطمئن القلب بما يفهم من الكلام، فإنه أوثق وأبعد عن الخطأ.
وانظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "13/ 370-375"، و"قانون التأويل" "366" لابن العربي، و"التكميل في أصول التأويل" "ص7-9" للفراهي.
(4/277)

أَحَدُهَا: إِنَّ الْكِتَابَ لَا بُدَّ مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ بِبَيَانِ مَعْنًى، وَاسْتِنْبَاطِ حُكْمٍ، وَتَفْسِيرِ لَفْظٍ، وَفَهْمِ مُرَادٍ، وَلَمْ يَأْتِ جَمِيعُ ذَلِكَ عَمَّنْ تَقَدَّمَ؛ فَإِمَّا أَنْ يُتَوَقَّفَ دُونَ ذَلِكَ فَتَتَعَطَّلُ الْأَحْكَامُ كُلُّهَا أَوْ أَكْثَرُهَا، وَذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ فَلَا بُدَّ مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ بِمَا يَلِيقُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُبَيِّنًا ذَلِكَ كُلَّهُ بِالتَّوْقِيفِ؛ فَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ فِيهِ نَظَرٌ وَلَا قَوْلٌ، وَالْمَعْلُومُ أَنَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ1 فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُكَلَّفْ بِهِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ بَلْ بَيَّنَ مِنْهُ مَا لَا يُوصَلُ إِلَى عِلْمِهِ إِلَّا بِهِ، وَتَرَكَ كَثِيرًا مِمَّا يُدْرِكُهُ أَرْبَابُ الِاجْتِهَادِ بِاجْتِهَادِهِمْ؛ فَلَمْ يَلْزَمْ فِي جَمِيعِ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ التَّوْقِيفُ2.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا أَوْلَى بِهَذَا الِاحْتِيَاطِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُمْ فَسَّرُوا الْقُرْآنَ عَلَى مَا فَهِمُوا، وَمِنْ جِهَتِهِمْ بَلَغَنَا تَفْسِيرُ مَعْنَاهُ، وَالتَّوْقِيفُ يُنَافِي هَذَا؛ فَإِطْلَاقُ الْقَوْلِ بِالتَّوْقِيفِ وَالْمَنْعِ مِنَ الرَّأْيِ لَا يَصِحُّ3.
__________
1 أخرج ابن حبان في "الثقات" "7/ 396" بسند فيه ضعف عن عائشة قالت: "ما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يفسر شيئًا من القرآن إلا آيًا علمهن إياه جبريل".
2 قد ثبت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قبض ولم يفسر من القرآن إلا قليلًا جدًّا، وهذا وحده يجعل كل منصف يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله، إذ لو كان صلى الله عليه وسلم فسر للعرب بما يحتمله زمنهم وتطيقه أفهامهم؛ لجمد القرآن جمودًا تهدمه عليه الأزمنة والعصور بآلاتها ووسائلها؛ فإن كلام الرسول -صلى الله عليه وسلم- نص قاطع، ولكنه ترك تاريخ الإنسانية يفسر كتاب الإنسانية؛ فتأمل حكمة ذلك السكوت؛ فهي إعجاز لا يكابر فيه إلا من قلع مخه من رأسه، قاله الرافعي في "إعجاز القرآن" "ص14, الهامش"، دار الكتاب العربي، الطبعة الثالثة.
3 لما رأى أهل السنة أن أهل البدعة والباطل جعلوا يؤولون القرآن بالهوى ويحملون النصوص على غير مرادها؛ تحرجوا الاشتغال بالأقاويل في التفسير؛ إلا ما روي عن الصحابة والتابعين، ولا شك أنهم لم يريدوا بذلك إلا سدًّا لأبواب الفتنة، وكان ذلك هو الطريق، فإن التأويل إذا لم يؤسس على قواعده التي تكون فارقة بين الحق والباطل؛ لم يمنع عن القول بالرأي المحض. =
(4/278)

وَالرَّابِعُ: أَنَّ هَذَا الْفَرْضَ لَا يُمْكِنُ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ جِهَتَيْنِ:
مِنْ جِهَةِ الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ؛ فَقَدْ يُسَلَّمُ الْقَوْلُ بِالتَّوْقِيفِ فِيهِ وَتَرْكِ الرَّأْيِ وَالنَّظَرِ جَدَلًا.
وَمِنْ جِهَةِ الْمَآخِذِ الْعَرَبِيَّةِ، وَهَذَا لَا يُمْكِنُ فِيهِ التَّوْقِيفُ، وَإِلَّا لَزِمَ ذَلِكَ فِي السَّلَفِ الْأَوَّلِينَ، وَهُوَ بَاطِلٌ؛ فَاللَّازِمُ عَنْهُ مِثْلُهُ، وَبِالْجُمْلَةِ؛ فَهُوَ أَوْضَحُ مِنْ إِطْنَابٍ فِيهِ1.
وَأَمَّا الرَّأْيُ غَيْرُ الْجَارِي عَلَى موافقة العربية أو الجاري2 على الأدلة
__________
= وأما الصحابة والتابعون؛ فأولوا القرآن بالعلم والنظر الصحيح، فإن تصفحنا الأصول التي جروا عليها كانت لنا أسوة حسنة في تدبر كتاب الله، وقد جمع أهل التأويل نبذًا من أقوالهم، ولكنهم لم يجمعوا أصول تدبرهم، والحاجة إلى ذلك شديدة؛ فإن الله تعالى أوجب التفكر في كتابه بصريح القول في غير ما آية، وقد حث النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك، وعلمهم النظر والاستنباط، وكان ذلك مما فرض الله عليه.
وإذ غلب على أكثر الناس أن القول بما لم يرو عن السلف هو القول بالرأي؛ فصار ذلك مانعًا عن التفكر والتدبر، احتجنا إلى بيان الفرق بين القول بالرأي المنهي عنه وبين طريق السلف الذين تفكروا وتدبروا في القرآن، وإلى بيان الحاجة الشديدة إلى استعمال الفكر والتدبر في كتاب الله.
من العجائب بل من المصائب أن يشتبه الحق بالباطل عند أهل الحق؛ فيتعصبون للباطل، ويعثرون في وضح النهار بعدما جاءتهم البينات ضمن ذلك حرموا الفكر والنظر في آيات الله المشهودة والمتلوة، وجعلوا السنة بدعة والبدعة سنة، وذلك بعد أن علموا أن القرآن قد حث على الفكر والتدبر في كليهما، وأن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا يتدبرون القرآن، ويقولون بما فهموا منه وينقلون ذلك عنهم.
انظر: "التكميل في أصول التأويل" "ص9" للفراهي.
1 كتب "م" في الهامش: "هكذا في المطبوعات الثلاث، ولعل الأصل الكلام: "فهو أوضح من أن يحتاج إلى إطناب فيه"".
2 لعل الصواب: "غير الجاري".
(4/279)

الشَّرْعِيَّةِ؛ فَهَذَا هُوَ الرَّأْيُ الْمَذْمُومُ مِنْ غَيْرِ إِشْكَالٍ، كَمَا كَانَ مَذْمُومًا فِي الْقِيَاسِ أَيْضًا، حَسْبَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ1 الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ تَقَوُّلٌ عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ؛ فَيَرْجِعُ إِلَى الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَفِي هَذَا الْقِسْمِ جَاءَ مِنَ التَّشْدِيدِ فِي الْقَوْلِ بِالرَّأْيِ فِي الْقُرْآنِ مَا جَاءَ؛ كَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "سَتَجِدُونَ أَقْوَامًا يَدْعُونَكُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ، وَقَدْ نَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ؛ فَعَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّبَدُّعَ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَطُّعَ، وَعَلَيْكُمْ بِالْعَتِيقِ"2.
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: "إِنَّمَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ رَجُلَيْنِ: رَجُلٌ يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، وَرَجُلٌ يُنَافِسُ الْمُلْكَ عَلَى أَخِيهِ"3.
وَعَنْ عُمَرَ أَيْضًا: "مَا أَخَافُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ مُؤْمِنٍ يَنْهَاهُ إيمانه، ولا من
__________
1 راجع المسألة الثانية في القياس من كتاب "الإحكام" للآمدي. "د".
2 أخرجه عبد الرزاق في "الجامع" "11/ 252/ رقم 20465"، والدارمي في "السنن" "1/ 54"، والطبراني في "الكبير" "9/ 189/ رقم 8845"، وابن وضاح في "البدع" "25"، والمروزي في "السنة" "24-25"، وابن حبان في "روضة العقلاء" "37"، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" "1/ 43"، والبيهقي في "المدخل" "رقم 387"، وابن عبد البر في "الجامع" "2/ 1202/ رقم 2363"، كلهم من طريق أيوب السختياني عن أبي قلابة عن ابن مسعود به بألفاظ المذكور أحدها.
وأبو قلابة لم يسمع من ابن مسعود؛ كما قال الهيثمي في "المجمع" "1/ 26"، ولذا قال البيهقي عقبه: "وهذا مرسل، وروي موصولًا من طريق الشاميين".
قلت: أخرجه البيهقي في "المدخل" "رقم 388" من طريق أبي إدريس الخولاني عن ابن مسعود، وذكره المصنف من قوله في "الاعتصام" "1/ 77".
وأخرجه الآجري في "الشريعة" "48"، وابن وضاح في "البدع" "25-26" نحوه عن معاذ.
3 أخرجه ابن عبد البر في "الجامع" "2/ 1202/ رقم 2364" بإسناد رجاله ثقات؛ إلا أن فيه انقطاعًا، عمرو بن دينار لم يسمع من عمر, رضي الله عنه.
(4/280)

فَاسِقٍ بَيٍّنٍ فِسْقُهُ، وَلَكِنِّي أَخَافُ عَلَيْهَا رَجُلًا قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ حَتَّى أَذْلَقَهُ بِلِسَانِهِ، ثُمَّ تَأَوَّلَهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ"1.
وَالَّذِي ذُكِرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} [عَبَسَ: 31] ؛ فَقَالَ: "أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي"2 الْحَدِيثَ.
وَسَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ {يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ} [الْمَعَارِجِ: 4] ؛ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَمَا {يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ 3 سَنَةٍ} [السَّجْدَةِ: 5] ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنَّمَا سَأَلْتُكَ لِتُحَدِّثَنِي. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "هُمَا يَوْمَانِ ذَكَرَهُمَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِمَا، نَكْرَهُ أَنْ نَقُولَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُ"4.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ شيء من القرآن؛ قال: "أنا
__________
1 أورده ابن عبد البر في "الجامع" "رقم 2368" عن الأعرابي معلقًا، وذكره بسنده، وهو ضعيف، فيه سويد بن سعيد، صدوق في نفسه إلا أنه عمي فصار يتلقن ما ليس من حديثه، وأبو حازم سلمة بن دينار لم يسمع من عمر.
2 مضى تخريجه من عدة طرق عن أبي بكر، يصل بمجموعها إلى الحسن، كما بيناه ولله الحمد في التعليق على "ص250".
والأب: الكلأ والمرعى؛ فهو للدواب كالفاكهة للإنسان، وقيل: هو كل ما أخرجت الأرض من النبات. "خ".
3 في الأصول: " ... مقداره خمسين ألف"، وما أثبتناه هو الموجود في مصادر التخريج. "استدراك3".
ومن "م" تكرار أول المسألة؛ إلا أنه جعل السؤال عن يوم بألف سنة.
4 أخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" "227-228"، وعزاه له ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "13/ 372-373"، وفي آخره عندهما: "يعلم" بدلًا من "نعلم"، وفي "تفسير القرطبي" "18/ 283": "لا أعلم"، وإسناده صحيح.
(4/281)

لَا أَقُولُ فِي الْقُرْآنِ شَيْئًا"1.
وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ آيَةٍ؛ فَقَالَ: "لَا تَسْأَلُنِي عَنِ الْقُرْآنِ، وَسَلْ عَنْهُ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهُ, يَعْنِي عِكْرِمَةَ"2، وَكَأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مُشْعِرٌ بِالْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ يَزْعُمُ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: سَأَلْتُ عُبَيْدَةَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ؛ فَقَالَ: "اتَّقِ اللَّهَ، وَعَلَيْكَ بِالسَّدَادِ؛ فقد ذهب الذين يعلمون فيما أُنْزِلَ الْقُرْآنَ"3.
وَعَنْ مَسْرُوقٍ؛ قَالَ: "اتَّقُوا التَّفْسِيرَ؛ فَإِنَّمَا هُوَ الرِّوَايَةُ عَنِ اللَّهِ"4.
وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ؛ قَالَ: "كَانَ أَصْحَابُنَا يَتَّقُونَ التَّفْسِيرَ وَيَهَابُونَهُ"5.
وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ؛ قَالَ: "مَا سَمِعْتُ أَبِي6 تأول آية من كتاب الله"7،
__________
1 أخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" "ص228"، وذكره ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "13/ 373"، والقرطبي في "تفسيره" "1/ 34".
2 أخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" "ص228"، وابن جرير في "التفسير" "1/ 86"، وابن أبي شيبة في "المصنف" "10/ 511"، وذكره ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "13/ 373"، والقرطبي في "تفسيره" "1/ 37".
3 أخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" "228"، وابن أبي شيبة في "المصنف" "10/ 511"، وابن جرير في "التفسير" "1/ 89"، وذكره ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "13/ 374".
4 أخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" "229"، وذكره ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "13/ 374"، والقرطبي في "تفسيره" "1/ 34".
قلت: وفي الأصل و"ط": "على الله".
5 أخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" "229"، وأبو نعيم في "الحلية" "4/ 222"، وذكره ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "13/ 374".
6 كيف وقد تأول عروة آية: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158] على غير وجهها، وقالت له أم المؤمنين خالته: بئسما قلت يابن أختي، إلا أن يقال: إنه نفي سماعه، أو =
(4/282)

وَإِنَّمَا هَذَا كُلُّهُ تَوَقٍّ وَتَحَرُّزٌ أَنْ يَقَعَ النَّاظِرُ فِيهِ فِي الرَّأْيِ الْمَذْمُومِ، وَالْقَوْلِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَثَبُّتٍ1، وَقَدْ نُقِلَ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ -وَجَلَالَتُهُ فِي مَعْرِفَةِ كَلَامِ الْعَرَبِ مَعْلُومَةٌ- أَنَّهُ لَمْ يُفَسِّرْ قَطُّ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَإِذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يُجِبْ، انْظُرِ الْحِكَايَةَ عَنْهُ فِي "الْكَامِلِ"2 لِلْمُبَرِّدِ.
فَصْلٌ:
فَالَّذِي يُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ أَشْيَاءُ:
- مِنْهَا: التَّحَفُّظُ مِنَ الْقَوْلِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا عَلَى بَيِّنَةٍ؛ فَإِنَّ النَّاسَ فِي الْعِلْمِ بِالْأَدَوَاتِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا فِي التَّفْسِيرِ عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ:
__________
1 قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "13/ 374-375" بعد أن ساق جملة من هذه الآثار: "فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم له به، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعًا؛ فلا حرج عليه، ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير، ولا منافاة؛ لأنهم تكلموا فيما علموا وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد؛ فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به؛ فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه".
2 يريد المصنف قول المبرد في "الكامل" "2/ 43": "وذاك أن الأصمعي كان لا ينشد ولا يفسر ما كان فيه ذكر الأنواء لقول رسول الله, صلى الله عليه وسلم: "إذا ذكرت النجوم فأمسكوا"؛ لأن الخبر في هذا بعينه " مطرنا بنوء كذا وكذا"، وكان لا يفسر ولا ينشد شعرًا فيه هجاء، وكان لا يفسر شعرًا يوافق تفسيره شيئًا من القرآن، هكذا يقول أصحابه".
(4/283)

إِحْدَاهَا: مَنْ بَلَغَ فِي ذَلِكَ مَبْلَغَ الرَّاسِخِينَ كَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ يَلِيهِمْ وَهَؤُلَاءِ قَالُوا مَعَ التَّوَقِّي وَالتَّحَفُّظِ، وَالْهَيْبَةِ وَالْخَوْفِ مِنَ الْهُجُومِ؛ فَنَحْنُ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْهُمْ إِنْ ظَنَنَّا بِأَنْفُسِنَا أَنَّا فِي الْعِلْمِ وَالْفَهْمِ مِثْلُهُمْ، وَهَيْهَاتَ!
وَالثَّانِيَةُ: مَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ مَبَالِغَهُمْ وَلَا دَانَاهُمْ؛ فَهَذَا طَرَفٌ لَا إِشْكَالَ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
وَالثَّالِثَةُ: مَنْ شَكَّ فِي بُلُوغِهِ مَبْلَغَ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، أَوْ ظَنَّ ذَلِكَ فِي بَعْضِ عُلُومِهِ دُونَ بَعْضٍ؛ فَهَذَا أَيْضًا دَاخِلٌ تَحْتَ حُكْمِ الْمَنْعِ مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعِلْمِ، فَعِنْدَمَا يَبْقَى لَهُ شَكٌّ أَوْ تَرَدُّدٌ فِي الدُّخُولِ مَدْخَلَ الْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ؛ فَانْسِحَابُ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ باقٍ بِلَا إِشْكَالٍ، وَكُلُّ أَحَدٍ فَقِيهُ نَفْسِهِ فِي هَذَا الْمَجَالِ، وَرُبَّمَا تَعَدَّى بَعْضُ أَصْحَابِ هَذِهِ الطَّبَقَةِ طَوْرَهُ؛ فَحَسُنَ ظَنُّهُ بِنَفْسِهِ، وَدَخَلَ فِي الْكَلَامِ فِيهِ مَعَ الرَّاسِخِينَ، وَمِنْ هُنَا افْتَرَقَتِ الْفِرَقُ، وَتَبَايَنَتِ النِّحَلُ، وَظَهَرَ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ الْخَلَلُ.
- وَمِنْهَا: أَنَّ مَنْ تَرَكَ النَّظَرَ فِي الْقُرْآنِ، وَاعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ عَلَى مَنْ تَقَدَّمَهُ، وَوَكَّلَ إِلَيْهِ النَّظَرَ فِيهِ غَيْرُ مَلُومٍ، وَلَهُ فِي ذَلِكَ سَعَةٌ إِلَّا فِيمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَعَلَى حُكْمِ الضَّرُورَةِ؛ فَإِنَّ النَّظَرَ فِيهِ يُشْبِهُ النَّظَرَ فِي الْقِيَاسِ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي بَابِهِ، وَمَا زَالَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَتَحَرَّجُونَ مِنَ الْقِيَاسِ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ، وَكَذَلِكَ وَجَدْنَاهُمْ فِي الْقَوْلِ فِي الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّ الْمَحْظُورَ فِيهِمَا وَاحِدٌ، وَهُوَ خَوْفُ التَّقَوُّلِ عَلَى اللَّهِ، بَلِ الْقَوْلُ فِي الْقُرْآنِ أَشَدُّ؛ فَإِنَّ الْقِيَاسَ يَرْجِعُ إِلَى نَظَرِ النَّاظِرِ، وَالْقَوْلَ فِي الْقُرْآنِ يَرْجِعُ إِلَى أَنَّ اللَّهَ أَرَادَ كَذَا، أَوْ عَنَى كَذَا بِكَلَامِهِ الْمُنَزَّلِ، وَهَذَا عَظِيمُ الْخَطَرِ.
- وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ عَلَى بَالٍ مِنَ النَّاظِرِ وَالْمُفَسِّرِ وَالْمُتَكَلِّمِ عَلَيْهِ أَنَّ مَا يَقُولُهُ تَقْصِيدٌ1 مِنْهُ لِلْمُتَكَلِّمِ، وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ؛ فَهُوَ يَقُولُ بلسان بيانه: هذا مراد الله
__________
1 تقصيد؛ أي: نسبة قصد هذا المعنى لصاحب الكلام. "م".
(4/284)

مِنْ هَذَا الْكَلَامِ؛ فَلْيَتَثَبَّتْ أَنْ يَسْأَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى: مِنْ أَيْنَ قُلْتَ عَنِّي هَذَا؟ فَلَا يَصِحُّ لَهُ ذَلِكَ إِلَّا بِبَيَانِ الشَّوَاهِدِ، وَإِلَّا؛ فَمُجَرَّدُ الِاحْتِمَالِ يَكْفِي بِأَنْ يَقُولَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى كَذَا وَكَذَا، بِنَاءً أَيْضًا عَلَى صِحَّةِ تِلْكَ الِاحْتِمَالَاتِ فِي صُلْبِ الْعِلْمِ، وَإِلَّا؛ فَالِاحْتِمَالَاتُ الَّتِي لَا تَرْجِعُ إِلَى أَصْلٍ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ؛ فَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَا بُدَّ فِي كُلِّ قَوْلٍ يَجْزِمُ بِهِ أَوْ يُحَمِّلُ مِنْ شَاهِدٍ يَشْهَدُ لِأَصْلِهِ، وَإِلَّا كَانَ بَاطِلًا، وَدَخَلَ صَاحِبُهُ تَحْتَ أَهْلِ الرَّأْيِ الْمَذْمُومِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(4/285)

الدليل الثاني: السنة
...
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى:
يُطْلَقُ لَفْظُ "السُّنَّةِ" عَلَى مَا جَاءَ مَنْقُولًا عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى الْخُصُوصِ، مِمَّا لَمْ يُنَصَّ1 عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ، بَلْ إِنَّمَا نُصَّ عَلَيْهِ من جهته عليه الصلاة
__________
1 قال في "المنهاج": "هي ما صدر منه -صلى الله عليه وسلم- من الأفعال والأقوال التي ليست للإعجاز، يعني ليست من القرآن، وقد تكون متضمنة لمعنى ورد فيه؛ فقوله: "مما لم ينص عليه في الكتاب" ليس معناه أنه يلزم في إطلاق السنة ألا تكون واردة في معنى قد تضمنه الكتاب العزيز، بل معناه مما لم يكن معتبرًا جزء من الكتاب بنفس ألفاظه، ويدل على هذا قوله: "كان بيانًا لما في الكتاب أو لا"؛ لأنه إنما يكون بيانًا له إذا كان الكتاب متضمنًا لأصل المعنى؛ فتجيء السنة شارحة ومبينة، وزاد بعضهم قيد: "مما ليس من الأعمال الطبيعية"، وتركه غيره لظهوره، وقوله: "كان ذلك مما نص عليه في الكتاب"؛ أي: وحده أو مع السنة أيضًا، وقوله: "أو لا" أي: بأن نص عليه في السنة فقط، وإنما حملناه على هذا ليصح كون هذا المعنى مغايرًا لما قبله وأعم منه، وقوله: "وإن كان العمل بمقتضى الكتاب"؛ أي: في بعض صور هذا الإطلاق، هذا وظاهر قوله أولًا: "بل إنما نص عليه من جهته" أن هذا الإطلاق خاص بالأقوال، ولا يشمل الأفعال، وقوله بعد: "عمل على وفق ما عمل عليه النبي -عليه السلام- مع ضميمة قوله، وكأن هذا الإطلاق إنما اعتبر فيه عمل صاحب الشريعة" يقتضي أن الإطلاق الثاني خاص بالأفعال، ولا يشمل الأقوال المتوجهة منه إلى غيره بالأوامر والنواهي فيما لا يتعلق به -عليه السلام- ويكون قول صاحب "المنهاج" وغيره: إن السنة ما صدر منه ... إلخ تعريفًا للإطلاق العام، ويكون كل من هذين الإطلاقين في كلام المؤلف خاصًّا، ويساعد على أن غرضه الخصوص في الإطلاقين قوله بعد: "وإذا جمع ما تقدم تحصل منه في الإطلاق أربعة أوجه"، وقد عد منها الإقرار وجهًا، وإن لم يصرح به في تفاصيل الإطلاقات؛ إلا أنه تقدم له عد الإقرار من الأفعال. "د".
قلت: وانظر في معنى السنة: "شرح الكوكب المنير" "2/ 166، 194"، و"الإحكام" للآمدي "1/ 196"، و"المحلى على جمع الجوامع" "2/ 94"، و"نهاية السول" "2/ 238"، و"تيسير التحرير" "3/ 19"، و"فواتح الرحموت" "2/ 97"، و"أصول السرخسي" "1/ 113"، و"التلويح على التوضيح" "2/ 2"، و"إرشاد الفحول" "33"، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" "18/ 306-309 و22/ 540 و28/ 18، 378"، و"حجية السنة" "ص68".
(4/289)

وَالسَّلَامُ، كَانَ بَيَانًا لِمَا فِي الْكِتَابِ أَوْ لَا.
وَيُطْلَقُ أَيْضًا فِي مُقَابَلَةِ الْبِدْعَةِ؛ فَيُقَالُ: "فُلَانٌ عَلَى سُنَّةٍ" إِذَا عَمِلَ عَلَى وَفْقِ مَا عَمِلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ ذَلِكَ مِمَّا نُصَّ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ أَوْ لَا، وَيُقَالُ: "فُلَانٌ عَلَى بِدْعَةٍ" إِذَا عَمِلَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَكَأَنَّ هَذَا الْإِطْلَاقَ إِنَّمَا اعْتُبِرَ فِيهِ عَمَلُ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ؛ فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ السُّنَّةِ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ، وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى الْكِتَابِ.
وَيُطْلَقُ أَيْضًا لَفْظُ السُّنَّةِ عَلَى مَا عَمِلَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ، وُجِدَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ1 أَوْ لَمْ يُوجَدْ؛ لِكَوْنِهِ اتِّبَاعًا لِسُنَّةٍ ثَبَتَتْ عِنْدَهُمْ لَمْ تُنْقَلْ إِلَيْنَا، أَوِ اجْتِهَادًا2 مُجْتَمَعًا عَلَيْهِ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ خُلَفَائِهِمْ؛ فَإِنَّ إِجْمَاعَهُمْ إِجْمَاعٌ، وَعَمَلُ خُلَفَائِهِمْ رَاجِعٌ أَيْضًا إِلَى حَقِيقَةِ3 الْإِجْمَاعِ من جهة4 حمل الناس عليه حسبما
__________
1 أي: عثرنا عليه في السنة أو لم نعثر عليه فيها؛ ليصح قوله بعد: "لِكَوْنِهِ اتِّبَاعًا لِسُنَّةٍ ثَبَتَتْ عِنْدَهُمْ لَمْ تُنْقَلْ إلينا، وإذا حمل قوله: "لم يوجد" على ظاهره، وأنها لم تصدر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أصلًا لم يظهر قوله: "لكونه اتباعًا لسنة ... إلخ"؛ فإنه وما بعده راجع إلى قوله: "أو لم توجد" بيانًا له، ولو كان هذا راجعًا إلى قوله "وجد"؛ لم يكن لتقييده بقوله "لم تنقل إلينا" معنى. "د".
قلت: قد يحمل مراد المصنف في قوله: "لكونه اتباعًا لسنة"؛ أي: عملهم؛ فبمجرد ثبوت أمر ما أنه من عمل الصحابة؛ فهو من السنة لأن السنة قامت على اعتبار عمل الصحابة، فهذا الأمر وإن لم ينقل إلينا؛ فهو من السنة، ولهذا الاعتبار أدخلوا الموقوف في أقسام الحديث النبوي.
وانظر: "قمر الأقمار" "2/ 2"، و"حجية السنة" "ص69".
2 لا يقال: إن الاجتهاد هو النظر في الأدلة من كتاب وسنة ... إلخ؛ فلا تظهر مقابلته بما قبله لأنا نقول: إن صورة اتباع السنة تفرض فيما كان الدليل هو السنة مباشرة، وما بعده بواسطة القياس ونحوه. "د". قلت: في "ط": "اجتهاد".
3 انظر لمَ لم يقل: "راجع إلى اتباع سنة لم تنقل إلينا" كما قال في سابقه؟ بل اقتصر فيه على شق الاجتهاد والإجماع، قد يقال: إن الأول في الحقيقة داخل في إطلاق السنة المشهور؛ فلا حاجة للنص عليه إلا لمجرد التنبيه على صورة يتوهم عدم دخولها، والمهم عنده هو إدخال ما يرجع لبقية الأدلة من الإجماع والاستحسان والمصالح؛ فلذا لم يكرره فيما يتعلق بخلفائهم، لكن كان عليه أن يذكر القياس أيضًا. "د".
4 أي: فلما حملوا الناس عليه، والتزمه الجميع، وساروا فيه بدون نكير؛ دل على إجماعهم عليه، وهو أولى بالقبول من الإجماع السكوتي؛ لأن هذا قد صاحبه عمل الجميع. "د".
(4/290)

اقْتَضَاهُ النَّظَرُ الْمَصْلَحِيُّ عِنْدَهُمْ؛ فَيَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا الْإِطْلَاقِ الْمَصَالِحُ1 الْمُرْسَلَةُ وَالِاسْتِحْسَانُ، كَمَا فَعَلُوا فِي حد الخمر2، وتضمين3 الصناع،
__________
1 أي: ما كان منها في عهد الصحابة. "د".
2 حيث كان تعزير الشارب في عهده -صلى الله عليه وسلم- غير محدود، بل كانوا يضربون الشارب تارة نحو أربعين وتارة يبلغون ثمانين، وكذا في عهد أبي بكر، فلما كان في آخر إمرة عمر، ورأى شيوع الشرب في الناس، بعدما صاروا في سعة من العيش وكثرة الثمار والأعناب؛ استشار الصحابة في حد زاجر؛ فقال علي: "نرى أن تجلده ثمانين لأنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري جلد ثمانين"، وقال عبد الرحمن بن عوف: "أرى أن تجعلها كأخف الحدود "يعني ثمانين""، وعليه؛ فتحديد الثمانين هو السنة التي عمل عليها الصحابة باجتهاد منهم، وأجمعوا عليه. قال في "المرقاة": "أي: للسياسة". "د".
قلت: وأثر علي "نرى أن تجلده ... " أخرجه مالك في "الموطأ" "2/ 842"، ومن طريقه الشافعي في "المسند" "2/ 90, ترتيب السندي"، وإسناده منقطع، ووصله النسائي في "الكبرى" -كما في "التحفة" "5/ 118"- وعبد الرزاق في "المصنف" "7/ 378/ رقم 13542"، والحاكم في "المستدرك" "4/ 375"، وفي صحته نظر، كما قال ابن حجر في "التلخيص الحبير" "4/ 75"، وعلل ذلك من وجهين؛ فلينظرا في كلامه، وأما مقولة عبد الرحمن؛ ففي "الصحيحين".
3 قال في "منح الجليل" "7/ 513": "وقد أسقط النبي -صلى الله عليه وسلم- الضمان عن الأجراء، وخصص العلماء من ذلك الصناع؛ وضمنوهم نظرًا واجتهادًا". وقال المؤلف في "الاعتصام" "2/ 616, ط ابن عفان": "إن الخلفاء الراشدين قضوا بتضمين الصناع، وقال علي: "لا يصلح الناس إلا هذا"1، ووجه المصلحة أن الناس لهم حاجة إليهم، وهم يغيبون عن الأمتعة، ويغلب عليهم التفريط، فلو لم يضمنوا مع مسيس الحاجة إليهم؛ لأفضى إلى أحد أمرين: إما ترك الاستصناع بالكلية، وذلك شاق على الخلق، وإما أن يعملوا ولا يضمنوا بدعواهم الهلاك؛ فتضيع الأموال، ويقل الاحتراز، وتتطرق الخيانة؛ فكانت المصلحة التضمين" ا. هـ.
__________
1 أخرجه ابن أبي شيبة "6/ 285"، وشريح في "القضاء" "ق 57/ ب"، وابن حزم "8/ 202"، والبيهقي "6/ 137".
(4/291)

وَجَمْعِ1 الْمُصْحَفِ، وَحَمْلِ النَّاسِ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ2 مِنَ الْحُرُوفِ السَّبْعَةِ، وَتَدْوِينِ3 الدَّوَاوِينِ، وَمَا أشبه ذلك4.
__________
1 أي: في زمن أبي بكر، حيث كان مفرقًا في الصحف والعسب والعظام، فجعله مجتمعًا كله في صحف ملتئمة خشية أن يضيع منه شيء مكتوب، وإن كان محفوظًا كله في صدور كثيرين من الصحابة، ثم في زمن عثمان لما اختلف الناس في وجوه القراءة حتى صار يكفر بعضهم بعضًا؛ لأن ما لم يكن يعرفه الواحد منهم من الوجوه ينكره على غيره وينسبه للكفر؛ فلذلك ندب عثمان طائفة من الصحابة موثوقًا بأمانتهم وعلمهم، ووكل إليهم كتابة خمسة مصاحف يقتصرون فيها على الوجوه التي نزل بها القرآن ابتداء، وكلها بلغة قريش؛ فلا يتجاوزونها إلى ما يتلى باللغات الأخرى "التي كان رخص لأهلها بالقراءة بها تيسيرًا عليهم بعد ما تلقوها عنه, صلى الله عليه وسلم"، فلما اتصلت القبائل، وامتزجت لغة قريش بلغات الآخرين؛ لم يبق داع لاستعمال هذه القراءات المؤدية إلى كثرة الاختلاف بين المسلمين فيما هو أصل الدين، ولما كانت المصاحف الخمسة عارية من النقط والشكل؛ وسعت وجوه القراءة المتفق عليها بلغة قريش، وأرسل عثمان المصاحف إلى الأمصار آمرًا بالاقتصار على ما وافقها وترك ما خالفها الذي صار في حكم المنسوخ؛ فهذان الجمعان لم يكونا في عهده -صلى الله عليه وسلم- بل حصلا باجتهاد الخليفتين وبعض الصحابة، وأقرهم الباقون على كون ذلك مصلحة. "د".
قلت: انظر في ذلك: "المصاحف" لابن أبي داود، و"تاريخ القرآن" لأبي عبد الله الزنجاني.
2 يعني: الموافق لما في هذه المصاحف العثمانية أفاد في "الاعتصام" "2/ 613-614" أنه جمع الناس على قراءة لم يحصل فيها الاختلاف في الغالب؛ لأنهم لم يختلفوا إلا في القراءات الأخرى، ولم يخالف في عدم القراءة بغير ما في المصاحف إلا ابن مسعود؛ فإنه امتنع من طرح ما عنده من القراءات المخالفة لها.
قلت: انظر تفصيل مخالفة ابن مسعود في "تاريخ المدينة" لابن شبة "3/ 1004 وما بعدها".
3 أي: الذي حصل في عهد عمر لكتابة أسماء الجيوش، والعرفاء، وآلات الحرب، وأموال بيت المال ومصارفها، وغير ذلك مما يحتاج إليه الخليفة والولاة. "د".
قلت: انظر تفصيل ذلك في "الإدارة الإسلامية في عهد عمر بن الخطاب" لفاروق مجدلاوي، ط دار النهضة العربية، سنة 1990م.
4 كولاية العهد من أبي بكر لعمر, وكترك الخلافة شورى بين ستة، وعمل السكة للمسلمين، واتخاذ السجن لأرباب الجرائم في عهد عمر، وكهدم الأوقاف التي بإزاء مسجد الرسول، وتوسيع المسجد بها، وتجديد أذان للجمعة في السوق في عهد عثمان، ولم يكن في شيء من ذلك سنة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإنما هو النظر المصلحي الذي أقره الصحابة, رضي الله عنهم. "د".
(4/292)

وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْإِطْلَاقِ قَوْلُهُ1, عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ" 2.
وَإِذَا جُمِعَ مَا تَقَدَّمَ؛ تَحَصَّلَ مِنْهُ فِي الْإِطْلَاقِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: قَوْلُهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- وَفِعْلُهُ، وَإِقْرَارُهُ -وَكُلُّ ذَلِكَ إِمَّا مُتَلَقَّى بِالْوَحْيِ أَوْ بِالِاجْتِهَادِ، بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ الِاجْتِهَادِ فِي حَقِّهِ- وَهَذِهِ ثَلَاثَةٌ، وَالرَّابِعُ مَا جَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ أَوِ الْخُلَفَاءِ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ يَنْقَسِمُ إِلَى الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالْإِقْرَارِ، وَلَكِنْ عُدَّ وَجْهًا وَاحِدًا؛ إِذْ لَمْ يَتَفَصَّلِ الْأَمْرُ فِيمَا جَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ تَفْصِيلَ مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
__________
1 أي: فقد أضاف -صلى الله عليه وسلم- السنة إليهم كما أضافها إلى نفسه؛ فسنتهم هي ما عملوه استنادًا لسنته -صلى الله عليه وسلم- وإن لم تطلع عليها منقول عنه، وكذا ما استنبطوه بما اقتضاه نظرهم في المصلحة. "د".
2 مضى تخريجه "ص133"، والحديث صحيح.
3 ومجموع الثلاثة هو ما يطلق عليه السنة عند الأصوليين. "د".
(4/293)

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ:
رُتْبَةُ السُّنَّةِ التَّأَخُّرُ عَنِ الْكِتَابِ فِي الِاعْتِبَارِ1، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْكِتَابَ مَقْطُوعٌ بِهِ2، وَالسُّنَّةَ مَظْنُونَةٌ، وَالْقَطْعُ فِيهَا إِنَّمَا يَصِحُّ فِي الْجُمْلَةِ لَا فِي التَّفْصِيلِ، بِخِلَافِ الْكِتَابِ؛ فَإِنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيلِ، وَالْمَقْطُوعُ بِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَظْنُونِ؛ فَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ تَقْدِيمُ الْكِتَابِ عَلَى السُّنَّةِ3.
__________
1 أي: فإذا ورد ما ظاهره المعارضة أخذ بالكتاب وقدم عليها، هذا ما يقصده كما يدل عليه بقية المسألة، وإن كان الدليل الثاني باعتبار شقه الأول؛ لا ينتج هذا المعنى، وإنما ينتج مجرد التبعية كالفرع مع الأصل، بل جهة كونها بيانًا تقتضي تقديمها عليه إذا ظن التعارض؛ ولذلك استدل من قال بتقديم السنة على الكتاب بقوله تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] المفيد أنها قاضية على الكتاب؛ إلا أنه لاحظ في البيان معنى آخر يقتضي أن يكون مؤخر الرتبة عن المبين، لكنه معنى شعري لا تقوم على مثله الأدلة في هذا الفن. "د".
قلت: ناقش الأدلة المذكورة وبين بطلانها الشيخ عبد الغني عبد الخالق في "حجية السنة" "ص488 وما بعدها"، وسنعتني بكلامه وننقل مناقشته لكل شبهة، والله الموفق.
2 أي: من جهة الثبوت والنقل، بخلاف السنة؛ فإنها مظنونة من هذه الجهة، إلا في المتواتر منها وهو قليل، وأما من جهة الدلالة؛ فالكتاب والسنة سواء قطعًا وظنًّا. "ف".
وفي نسخة "ماء": "أن الكتاب قطعي".
3 قال الشيخ عبد الغني عبد الخالق في "حجية السنة" "ص489-491" في هذا الدليل، وعده شبهة؛ قال: "والجواب أنا إذا نظرنا إلى السنة من حيث ذاتها؛ وجدناها قطعية في جملتها وتفاصيلها أيضًا، وذلك حاصل بالنسبة للصحابي المشاهد له -صلى الله عليه وسلم- السامع له؛ فتنهار الشبهة من أساسها، ويجب على مقعد القاعدة أن يلاحظ فيها كل مجتهد, ولو كان لا وجود له الآن.
وإذا نظرنا إليها من حيث طريقها وبالنسبة إلينا؛ قلنا: إن كان الخبر المعارض للآية متواترًا لم يصح فيه هذا الكلام أيضًا؛ فكيف يؤخر في الاعتبار مع أنه قد يكون قطعي الدلالة والآية ظنيتها، وقد يكون متأخرًا عنها ناسخًا لها، وهو في هاتين الحالتين واجب التقديم في الاعتبار, فضلًا عن المساواة؟ =
(4/294)

..........................................................................
__________
= وكون غيره من الأخبار غير قطعي لا يؤثر في قطعيته؛ لأن التعارض إنما حصل بين الآية وبينه وحده، فلا يهمنا مقارنته بين الكتاب والسنة في القطع من حيث الجملة والتفاصيل.
وكون السنة المتواترة قليلة لا يفيده شيئًا في صحة دعواه العامة، بل لو فرضنا عدم وجودها بالكلية، وجب علينا أن نفرض وجودها، ونفصل في القاعدة على مقتضى هذا الفرض؛ لأنه ممكن الحصول.
وإن كان خبر آحاد، فهو وإن كان ظني الثبوت، إلا أنه قد يكون خاصًّا فيكون قطعي الدلالة، والمعارض له من القرآن عامًّا فيكون ظنيها، فيكون لكل منهما قوة من وجه، فيتعادلان، فإهدار أحدهما ترجيح بلا مرجح، بل لا بد من الجمع بينهما بحمل أحدهما على ما يوافق الآخر، فنكون قد أعملناهما معًا.
فإن قال: إن مذهبي أن خبر الواحد إذا استند إلى قاعدة مقطوع بها؛ فهو في العمل مقبول، وإلا فالتوقف لأنه حينئذ مخالف لأصول الشريعة، ومخالفها لا يصح، ولأنه ليس له ما يشهد بصحته، وما هو كذلك ساقط، والمستند إلى مقطوع به راجع إلى أنه جزئي تحت معنى قرآني؛ فعند قبوله تكون المعارضة بين أصلين قرآنيين". كما صرح به فيما سيأتي "ص312"، وكذا بنحوه فيما مضى "3/ 186".
قلنا له: أما قولك: إنه إذا لم يستند إلى قاعدة مقطوع بها مخالف لأصول الشريعة، وليس له ما يشهد بصحته؛ فممنوع، فإن أصول الشريعة تقتضي العمل بما يغلب على ظن المجتهد ثبوته وإن لم يستند إلى قاعدة قطعية، وقد أقمنا الأدلة على عموم ذلك في محله، وأن عدالة الراوي المعتبرة في نظر الشارع شاهدة على صحته، وإلا لما غلب على ظن المجتهد ثبوته.
فإن أردت بالشهادة بصحته الاندراج تحت قاعدة قطعية، وقلنا: إنه لم تحصل هذه الشهادة؛ منعنا لك الكبرى القائلة: وما هو كذلك فساقط، بل هي عين الدعوى؛ فهي مصادرة.
ثم نقول له: لم حصرت القاعدة القطعية في المعنى القرآني؟ ولم لا يكون في السنة المتواترة؟
ثم نقول: إذا كان مستندًا إلى المعنى القرآني كان مقبولًا عندك؛ فما المانع من أن يكون معارضًا بنفسه حينئذ، حيث تقوى في نظرك بالاستناد، ولم هذا التكلف والدوران مع أنه السبب في معارضة الآية للمعنى القرآني الذي استند إليه؟ فالذي يقوى على أن يجعل غيره معارضًا؛ ألا يقوى بنفسه على المعارضة؟! انتهى بتصريف يسير.
(4/295)

وَالثَّانِي: أَنَّ السُّنَّةَ إِمَّا بَيَانٌ لِلْكِتَابِ، أَوْ زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ بَيَانًا؛ فَهُوَ ثَانٍ1 عَلَى الْمُبَيَّنِ فِي الِاعْتِبَارِ، إِذْ يَلْزَمُ مِنْ سُقُوطِ الْمُبَيَّنِ سُقُوطُ الْبَيَانِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ سُقُوطِ الْبَيَانِ سُقُوطُ الْمُبَيَّنِ، وَمَا شَأْنُهُ هَذَا؛ فَهُوَ أَوْلَى فِي التَّقَدُّمِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيَانًا؛ فَلَا يُعْتَبَرُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ لَا يُوجَدَ فِي الْكِتَابِ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى تقدم [و] 2 اعتبار الكتاب3.
__________
1 أي: معطوف عليه من ثنيت الشيء ثنيًا: عطفته، أو مردود إليه من ثنى الشيء ثنيًا: رد بعضه عن بعض؛ فكأن البيان والمبين شيء واحد رد بعضه عن بعض، وأما ثاني المدى يعني: من ثنى رجله عن دابة إذا ضمها إلى فخذه؛ فلا يناسب هنا فتدبر. "ف". وفي "ط": "ثان عن".
2 زيادة من الأصل، وسقطت من جميع النسخ المطبوعة و"ط.
3 رد الشيخ عبد الغني عبد الخالق في "حجية السنة" "ص491-494" على هذا الدليل بقوله: "والجواب أن نقول له: ما المراد من سقوط المبين في قولك: يلزم من سقوط المبين سقوط البيان ... إن كان مرادك نسخه بوحي آخر؟ قلنا: فهذا الوحي هو الذي أسقط البيان أيضًا مباشرة، لا بواسطة إسقاط المبين؛ فإنه لما نسخ المبين لم ينسخ ظاهره، وإنما نسخ المراد منه، والمراد منه هو معنى البيان.
وإن أردت بسقوطه عدم وروده في القرآن؛ فلا نسلم أنه يلزم من ذلك سقوط البيان، وعدم اعتباره إذا ورد مشتملًا على الحكم وتفاصيله، كل ما في الأمر أنه لا يقال له: بيان، وهذا لا ضير فيه، فلو فرضنا أن الله تعالى لم يوجب الصلاة في الكتاب، وصدر من النبي -صلى الله عليه وسلم- فعله للصلاة، وقوله:" صلوا كما رأيتموني أصلي"؛ علمنا من ذلك وجوبها وكيفيتها.
وأما إذا ورد مشتملًا على التفاصيل فقط دون الحكم المفصل؛ فلا يفهم منه شيء لكونه فصل شيئًا لم يعلم ما هو، لا لعدم كونه حجة، على أن هذا لا يمكن صدوره عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذه الحالة.
وأما قولك: ولا يلزم من سقوط البيان سقوط المبين؛ فإن أردت بسقوط البيان نسخه قلنا: نسخه نسخ للمراد من المبين.
وإن أردت عدم ورود البيان قلنا: فما المراد بعدم سقوط المبين؟ إن أردت إمكان العمل به؛ فممنوع، وإن أردت قيام دلالته على الحكم إجمالًا إلى أن يأتي البيان؛ فمسلم، ولكن ما الفائدة =
(4/296)

.........................................................................
__________
= منه وحده ما دام العمل لم يمكن به؟
ولو سلمنا لك هذا كله، فلا نسلم لك قولك: وما شأنه هذا فهو أولى بالتقدم؛ لأن ما ذكرته من حكاية استلزام السقوط وعدمه، إنما ينتج مجرد التبعية كالفرع مع الأصل، لا تبعية الضعيف الذي لا يقوى على معارضة متبوعه القوي، بل جهة كونه بيانًا تقتضي تقديمه على المبين إذا ظن التعارض فيعمل بالبيان؛ ولذلك استدل من قال بتقديم السنة على الكتاب بقوله تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} المفيد أنها قاضية على الكتاب.
وأما قوله فيما بعد "ص311": "إن قضاء السنة على الكتاب ليس بمعنى تقديمها عليه واطراح الكتاب، بل إن ذلك المعبر في السنة هو المراد في الكتاب، فكأن السنة بمنزلة التفسير والشرح لمعاني أحكام الكتاب، وليست السنة هي المثبتة للحكم دون الكتاب، كما إذا بين مالك معنى آية فعملنا بمقتضاه؛ فلا يصح لنا أن نقول: إنا عملنا بقوله دون أن نقول: عملنا بقول الله تعالى" ا. هـ ملخصًا.
ففيه أن خصمه لم يقل باطراح الكتاب، وإنما قال بالمساواة وإعمال الدليل والجمع بينهما.
وأما قوله: بل إن ذلك المعبر في السنة ... إلخ؛ فهذا اعتراف بمذهب خصمه، وبما يتنافى مع تأخير السنة عن الكتاب في الاعتبار.
وأما قوله: وليست السنة هي المثبتة للحكم ... إلخ؛ فمسلم ونحن نقول به، وينافي مذهبه، وإن أراد أن الكتاب وحده هو المثبت؛ فغير مسلم، وقياسه على تفسير مالك باطل، فإن قول مالك ليس بحجة، بخلاف قوله -صلى الله عليه وسلم- وتفسيره؛ فإنه وحي وحجة.
ولو سلمنا له ذلك لم يكن خلافه إلا في تسمية السنة دليلًا حينئذ؛ فيكون الخلاف لفظيًّا لا نجد له باعثًا عليه، ما دام متفقًا معنا على أن السنة أثرت في الكتاب وحملته على خلاف ظاهره.
ثم نرجع إلى أصل الشبهة؛ فنقول: إنا لو سلمنا اقتضاء ما ذكرت تقديم المبين على البيان؛ فلا نسلمه على إطلاقه، وإنما نسلمه عند عدم إمكان الجمع بينهما؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إهدار أحدهما.
ثم نقول: القرآن قد يكون بيانًا للقرآن وقد يكون بيانًا للسنة، وقد تكون السنة بيانًا للسنة؛ فهل تقول: إن رتبة البيان التأخير في جميع هذه الأحوال؟ =
(4/297)

وَالثَّالِثُ: مَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ؛ كَحَدِيثِ مُعَاذٍ: "بِمَ تَحْكُمُ؟ " قَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ. قَالَ: "فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ " قَالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ. قَالَ: "فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ " قَالَ: أجتهد رأيي1, الحديث.
__________
= ثم نقول: هل يصح القول بالتعارض بين الدليلين فضلًَا عن القول بإهدار أحدهما بعد الاعتراف بأن أحدهما بيان والآخر مبين، وبعد التعبير عنهما بهذين العنوانين؟
وأما قولك فيما لم يكن بيانًا: إنه لا يعتبر إلا بعد أن لا يوجد في الكتاب؛ فلا شك أن مرادك: أن لا يوجد في الكتاب ما يخالفه، فإن أردت ما يخالفه قطعًا؛ سلمنا لك ذلك، ولكن هذا لا يستلزم ضعف السنة عن الكتاب، بل هذا أمر لا بد منه في جميع أنواع الوحي، حتى بين الآيات بعضها مع بعض؛ لأنه لا يمكن المخالفة بين أحكام الله تعالى مطلقًا.
وإن أردت ما يخالفه ظنًّا؛ لم نسلم لك اشتراط عدم وجوده في القرآن، بل قد يوجد كما توجد مثل هذه المخالفة بين الآيتين؛ ويجب تأويل أحد الدليلين حينئذ والجمع بينهما لئلا يهدر الآخر بلا مرجح.
1 أخرجه أحمد في "المسند" "5/ 230، 236، 242" وأبو داود في "السنن" "كتاب الأقضية، باب اجتهاد الرأي في القضاء، 4/ 18-19/ رقم 3592"، والترمذي في "الجامع" "أبوب الأحكام، باب ما جاء في القاضي كيف يقضي، 3/ 616/ رقم 1327"، والدارمي في "السنن" "المقدمة، باب الفتيا وما فيه من الشدة، 1/ 60"، والطيالسي في "المسند" "1/ 286, منحة المعبود"، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" "2/ 347، 584"، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" "ص154-155، 188-189"، وابن عبد البر في "جامع البيان" "2/ 55-56"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "10/ 114" و"معرفة السنن والآثار" "1/ 173-174"، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" "2/ 272"، والجورقاني في "الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير" "1/ 105-106/ رقم 101"، والعقيلي في "الضعفاء الكبير" "1/ 215"، وعبد بن حميد في "المنتخب" "124"، وابن حزم في "الإحكام في أصول الأحكام" "6/ 26، 35 و7/ 111-112"، من طرق عن شعبة عن أبي عون الثقفي؛ قال: سمعت الحارث بن عمرو يحدث عن أصحاب معاذ من أهل حمص أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له ... وذكره، وذكر بعضهم أن شعبة قال في الحارث: "ابن أخي المغيرة بن شعبة".
ورجال إسناد الحديث ثقات إلى الحارث بن عمرو؛ فأبو عون اسمه محمد بن عبيد الله =
(4/298)

.........................................................................
__________
= الثقفي، الكوفي، الأعور، ثقة، من الرابعة، كما في "التقريب" "2/ 187"، و"التهذيب" "9/ 322".
ومدار إسناد الحديث على الحارث بن عمرو، قال الترمذي عقبه: "لا نعرفه إلا من هذا الوجه".
فتحرير حاله وبيان أصحاب معاذ، وهل هم الذين رفعو الحديث أم رووه عن معاذ وهو الذي رفعه، هذه الأمور هي الفيصل في الحكم على الحديث.
الكلام على الحارث بن عمرو:
قال ابن عدي في "الكامل" "2/ 613": "سمعت ابن حماد يقول: قال البخاري: الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة، عن أصحاب معاذ عن معاذ، روى عنه أبو عون، لا يصح ولا يعرف، والحارث بن عمرو وهو معروف بهذا الحديث الذي ذكره البخاري عن معاذ لما وجهه النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى اليمن فذكره" انتهى بحروفه.
قلت: المتمعن في هذا النقل يتأكد له ما قاله الترمذي من أن حديث معاذ لا يعرف إلا من طريق الحارث هذا، ووجدت الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في "التاريخ الكبير" "2/ 1/ 177، 275"، يقول في الحارث وحديثه هذا: "لا يصح ولا يعرف إلا بهذا".
ونقله عنه العقيلي في "الضعفاء الكبير" "1/ 215"، وارتضاه بسكوته عنه، وكذلك فعل الحافظ ابن كثير القرشي في "تحفة الطالب بمعرفة أحاديث مختصر ابن الحاجب" "ص152".
وجهل الحارث بن عمرو جماعة من أهل العلم؛ منهم ابن الجوزي؛ فقال في "العلل المتناهية" "2/ 272": " ... ثبوته لا يعرف لأن الحارث بن عمرو مجهول ... "، وقال الجورقاني في "الأباطيل" "1/ 106": "هذا حديث باطل، رواه جماعة عن شعبة عن أبي عون الثقفي عن الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة كما أوردناه، واعلم أنني تصفحت عن هذا الحديث في المسانيد الكبار والصغار، وسألت من لقيته من أهل العلم بالنقل عنه، فلم أجد له طريقًا غير هذا، والحارث بن عمرو هذا مجهول".
قلت: وقال بنحو كلام الجورقاني هذا شيخه ابن طاهر القيسراني في تصنيف مفرد في طرق هذا الحديث، ونقل خلاصة كلامه الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" "4/ 183"؛ فقال: "اعلم أنني فحصت عن هذا الحديث في المسانيد الكبار والصغار، وسألت عنه من لقيته من أهل =
(4/299)

...........................................................................
__________
= العلم بالنقل؛ فلم أجد له غير طريقين: إحداهما طريق شعبة، والأخرى عن محمد بن جابر عن أشعث بن أبي الشعثاء عن رجل من ثقيف عن معاذ، وكلاهما لا يصح".
ثم أفاد الحافظ ابن حجر أن الخطيب البغدادي أخرجه في كتاب "الفقيه والمتفقه" من رواية عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل، فلو كان الإسناد إلى عبد الرحمن ثابتًا؛ لكان كافيًا في صحة الحديث. ا. هـ.
ولا بد هنا من ضرورة التأكيد على صحة ما قدمناه عن جماعة من جهابذة الجرح والتعديل أن الحارث بن عمرو قد تفرد بالحديث عن أصحاب معاذ، ومجرد وجود طرق أخرى من غير طريق أصحاب معاذ، لا يعني أن الحارث لم يتفرد به.
وهنا طريقان غير طريق الحارث:
الأولى: التي ذكرها ابن طاهر: محمد بن جابر عن أشعث بن أبي الشعثاء عن رجل من ثقيف عن معاذ، وهي غير صحيحة كما قال ابن طاهر؛ للإبهام الذي فيها، ولضعف رواتها.
والثانية: طريق عبد الرحمن بن غنم عن معاذ، وتفرد بها عبادة بن نسي -بضم النون، وفتح السين، بعدها ياء مشددة- وهو من الرواة الأردنيين، يكنى أبا عمر، ثقة فاضل مات سنة ثماني عشرة ومائة؛ كما في "التهذيب" "5/ 113".
وروى هذا الحديث عن عبادة بن نسي محمد بن سعيد بن حسان، وقد أبهم في رواية الإمام سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في كتاب "المغازي" له؛ كما في "النكت الظراف" "8/ 422" لابن حجر، و"تحفة الطالب" "ص153" لابن كثير؛ فوقع إسناد الحديث عنده هكذا: قال الإمام سعيد بن يحيى: حدثني أبي حدثني رجل عن عبادة بن نسي به.
ولكن وقع التصريح به في "سنن ابن ماجه" "1/ 21/ رقم 55"، ومن طريقه الجورقاني في "الأباطيل" "1/ 108-109/ رقم 102"، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" "16/ 310/ أ"؛ فرواه من طريق الحسن بن حماد سجادة -صدوق- ثنا يحيى بن سعيد الأموي عن محمد بن سعيد بن حسان عن عبادة به.
قال الجورقاني عقبه: "هذا حديث غريب"، وذكره ابن القيم في "تهذيب السنن" "5/ 213" وقال: "هذا أجود إسنادًا من الأول "أي: حديث معاذ المتكلم عليه"، ولا ذكر للرأي فيه" ا. هـ. =
(4/300)

......................................................................
__________
= قلت: ولفظ هذا الحديث: "لا تقضين ولا تفصلن إلا بما تعلم، فإن أشكل عليك أمر, فقف حتى تبينه أو تكتب إليّ فيه".
وذكره الجورقاني وحسنه مع غرابته كما تقدم ليبين بطلان لفظ حديث معاذ هذا، إذ أورده تحت عنوان "في خلاف ذلك".
وما أصاب الجورقاني ولا ابن القيم في قولهم: إن إسناد هذا الحديث أجود من الحديث الذي فيه للرأي ذكر، إذ فيه "محمد بن سعيد بن حسان" وهو المصلوب، المتهم الكذاب.
قال ابن كثير في "تحفة الطالب" "ص155" بعد أن ذكر طريق الأموي في "مغازيه" بوجود المبهم فيه، ومن ثم طريق ابن ماجه المبينة أنه المذكور؛ فقال: "فتبينا بهذا أن الرجل الذي لم يسم في الرواية الأولى، هو محمد بن سعيد بن حسان، وهو المصلوب، وهو كذاب وضاع للحديث، اتفقوا على تركه".
ولهذا قال البوصيري في "زوائد ابن ماجه" "ورقة 5/ ب": "هذا إسناد ضعيف، محمد بن سعيد هو المصلوب، اتهم بوضع الحديث"، وقال ابن حجر في "موافقة الخبر الخبر" "1/ 122": "لا يصلح حديثه لاستشهاد ولا متابعة".
نعم، لم يتفرد به محمد بن سعيد المصلوب؛ فقد رواه آخر عن عبادة بن نسي، ولكن إسناده لا يفرح به؛ فقد أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" "16/ 310/ أ" من طريق سليمان الشاذكوني: نا الهيثم بن عبد الغفار عن سبرة بن معبد عن عبادة به ولكن الشاذكوني كذاب؛ فهذه الطريق كالماء، لا تشد شيئًا.
فالخلاصة أن هذين الطريقين غير صحيحين، ولهذا قال الحافظ عبد الحق الإشبيلي فيما نقله ابن الملقن في "تذكرة المحتاج" "ص70"، وابن حجر في "التلخيص" "4/ 183": "لا يسند، ولا يوجد من وجه صحيح"، بل قال ابن الملقن في"البدر المنير" "5/ ق 214": "وهو حديث ضعيف بإجماع أهل النقل فيما أعلم"، ونقل فيه عن ابن دحية في كتابه "إرشاد الباغية والرد على المعتدي مما وهم فيه الفقيه أبو بكر بن العربي": "هذا حديث مشهور عند ضعفاء أهل الفقه، لا أصل له؛ فوجب اطراحه".
عودة على الحارث بن عمرو:
اضطرب الإمام الذهبي في الحكم على "الحارث بن عمرو"؛ فقال في ترجمته في =
(4/301)

.......................................................................
__________
= "الميزان" "1/ 439": "ما روى عن الحارث غير أبي عون؛ فهو مجهول"، وأورده في "مختصر العلل" "ص1046-1047"، وقال: "قال ابن الجوزي وغيره: الحارث مجهول، قلت "الذهبي": ما هو مجهول، بل روى عنه جماعة، وهو صدوق إن شاء الله".
كذا قال هنا، مع أنه قال في "الميزان": "مجهول"؛ فانظر إلى هذا الاضطراب1.
ولم يذكر لنا الجماعة الذين رووا عنه، أما إخراج بعضهم له من حيز الجهالة -كما فعل الكوثري في "مقالاته" "ص60-61"- بمجرد قول شعبة "ابن أخي المغيرة بن شعبة"؛ فلا شيء لأنه لم يقل أحد من علماء الحديث أن الراوي المجهول إذا عرف اسم جده أو بلده بله اسم أخي جده، خرج بذلك عن جهالة العين إلى جهالة الحال، قال الخطيب في "الكفاية": "المجهول عند أهل الحديث من لم يعرفه العلماء ولا يعرف حديثه إلا من جهة واحد ... "، ومن ثَمَّ؛ فإن قول "وهو ابن أخي المغيرة بن شعبة" يحتمل أن تكون ممن هو دون شعبة، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط من الاستدلال.
أصحاب معاذ:
ضعف هذا الحديث كثير من المحدثين بجهالة أصحاب معاذ، قال ابن حزم: "هذا حديث ساقط، لم يروه أحد من غير هذا الطريق"، "قلت: أي طريق الحارث"، وأول سقوطه أنه عن قوم مجهولين لم يسموا؛ فلا حجة فيمن لا يعرف من هو، وقال بعد نقل البخاري السابق فيه ما نصه: "وهذا حديث باطل لا أصل له"، وقال الجورقاني: "وأصحاب معاذ من أهل حمص لا يعرفون، وبمثل هذا الإسناد لا يعتمد عليه في أصل من أصول الشريعة"، وكذا قال ابن الجوزي في "الواهيات".
وأعله الحافظ العراقي في "تخريج أحاديث البيضاوي" "ص87, بتحقيق العجمي" بجهالة أصحاب معاذ أيضًا، وسيأتي كلامه إن شاء الله تعالى.
ورد العلامة ابن قيم الجوزية هذه العلة؛ فأجاب عنها بقوله في "إعلام الموقعين" "1/ =
__________
1 وظفرت له في "السير" "18/ 72" في ترجمة "الجويني" باضطراب آخر؛ إذ قال: ".... بل مداره على الحارث بن عمرو، وفيه جهالة من أهل حمص عن معاذ؛ فإسناده صالح"؛ فجعل إسناده صالحًا هنا، مع تصريحه بجهالة الحارث.
(4/302)

........................................................................
__________
= 243": "وأصحاب معاذ وإن كانوا غير مسمين؛ فلا يضره ذلك لأنه يدل على شهرة الحديث، وشهرة أصحاب معاذ بالعلم والدين والفضل والصدق بالمحل الذي لا يخفى ... "1، وكذا قال ابن العربي في "العارضة" "6/ 72-73" وقبله الخطيب في "الفقيه والمتفقه" "1/ 189".
قلت: وكلامهم متين وقوي، ولكن علة الحديث غير محصورة في جهالة أصحاب معاذ؛ فالحديث يعل بالعلة الأولى والأخيرة، ولا يعل بهذه، ولبسط ذلك وتوضيحه أقول في كون هذه العلة قاصرة غير صالحة: أخرج البخاري -الذي شرط الصحة- حديث عروة البارقي: "سمعت الحي يتحدثون عن عروة، ولم يكن ذلك الحديث في جملة المجهولات"، وقال مالك في القسامة: "أخبرني رجال من كبراء قومه"، وفي "الصحيح" عن الزهري: "حدثني رجال عن أبي هريرة: من صلى على جنازة؛ فله قيراط".
فجهالة أصحاب معاذ جرح غير مؤثر، لا سيما أن مذهب جمع من المحدثين كابن رجب وابن كثير تحسين حديث المستور من التابعين، والجماعة خير من المستور كما لا يخفى، ولهذا لم يذكر ابن كثير في "تحفة الطالب" هذه العلة ألبتة، مع أن كلامه يفيد تضعيفه للحديث.
تنبيه: وقال الذهبي في "مختصر العلل" "ص1046-1047" في رد هذه العلة: "وقال, أي ابن الجوزي: وأصحاب معاذ لا يعرفون، قلت "الذهبي": ما في أصحاب محمد بحمد الله ضعيف لا سيما وهم جماعة".
كذا وقع فيه، والعبارة لا تخلو من أمرين؛ إما سليمة فهذا وهم من الذهبي -رحمه الله- فأصحاب معاذ ليسوا أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- حتى يقال فيهم هذا الكلام، والسياق يدل على أنهم من التابعين، والتابعي يجوز أن يكون ضعيفًا، وإما خطأ من النساخ، والصواب "أصحاب معاذ"، وهذا الظاهر؛ فحينئذ يتوافق ما قلناه مع ما عنده، مع ملاحظة أن التابعي يجوز أن يكون ضعيفًا.
الكلام على وصله وإرساله:
وخير من تكلم وحرر هذا المبحث الدارقطني في "العلل" "م 2/ 48/ ب و9/ أ" =
__________
1 قال المباركفوري في "تحفة الأحوذي" "4/ 559" بعد أن نقل رد ابن القيم لعلة جهالة أصحاب معاذ: "قلت: الكلام كما قال ابن القيم، لكن ما قال في تصحيح حديث الباب ففيه عندي كلام".
(4/303)

.........................................................................
__________
= "مخطوط"؛ فقال: "رواه شعبة عن أبي عون هكذا "أي: موصولًا"، وأرسله ابن مهدي وجماعات عنه، والمرسل أصح، قال أبو داود "أي: الطيالسي": أكثر ما كان يحدثنا شعبة عن أصحاب معاذ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال مرة: عن معاذ" ا. هـ.
وقال الترمذي في الحديث: "ليس إسناده عندي بمتصل"، قال ابن حجر في "موافقة الخبر الخبر" "1/ 118": "وكأنه نفى الاتصال باعتبار الإبهام الذي في بعض رواته، وهو أحد القولين في حكم المبهم".
وأعل العراقي الحديث في "تخريج أحاديث البيضاوي" بعلل ثلاث: الأولى الإرسال هذا، الثانية جهالة أصحاب معاذ، الثالثة جهالة الحارث بن عمرو.
مسرد عام بأسماء من ضعف الحديث:
ضعف حديث معاذ هذا جماعة من جهابذة الحديث، على رأسهم أميرهم الإمام البخاري، وتلميذه الترمذي، والدارقطني، والعقيلي، وابن طاهر القيسراني، والجورقاني -بالراء المهملة وليس بالمعجمة، ذاك الجوزجاني صاحب "أحوال الرجال"- وابن حزم، والعراقي، وابن الجوزي، وابن كثير، وابن حجر، وغيرهم من الأقدمين، واضطرب فيه الذهبي كما بينا.
مسرد بأسماء من صحح الحديث:
صحح حديث معاذ هذا أبو بكر الرازي، وابن العربي المالكي في "عارضة الأحوذي"، والخطيب البغدادي، وابن قيم الجوزية، وغيرهم من المتأخرين.
ملحظ من صححه ومن ضعفه:
نظر مصححوه إلى عدم كون جهالة أصحاب معاذ علة قادحة فيه، وتناسوا الإرسال وجهالة الحارث بن عمرو، أما من ضعفه؛ فبعضهم ذكر العلل القادحة -على ما بيناه- وهما علتا الإرسال وجهالة الحارث، كالحافظ ابن كثير في "تخريج أحاديث منتهى ابن الحاجب"، وبعضهم زاد علة غير قادحة -على ما حققناه- وهي جهالة أصحاب معاذ، ونحا بعضهم منحى آخر؛ فقال بعد أن اعترف بضعفه وأنه لا يوجد له إسناد قائم: "لكن اشتهاره بين الناس وتلقيهم له بالقبول مما يقوي أمره"؛ كما فعل عبد الله الغماري في "تخريج أحاديث اللمع في أصول الفقه" "ص299"، وسبقه أبو العباس بن القاضي فيما نقله عنه الحافظ في "التلخيص" "4/ 183"، وقال الغزالي في "المستصفى" "2/ 254": "وهذا حديث تلقته الأمة بالقبول، ولم يظهر أحد فيه طعنًا وإنكارًا، =
(4/304)

........................................................................
__________
= وما كان كذلك؛ فلا يقدح فيه كونه مرسلًا، بل لا يجب البحث عن إسناده"، وأطلق صحة جماعة من الفقهاء أيضًا كالباقلاني وأبي الطيب الطبري لشهرته وتلقي العلماء لهم، وكأني بالجورقاني يرد عليهم عندما قال في "الأباطيل" "1/ 106": "فإن قيل لك: إن الفقهاء قاطبة أوردوه في كتبهم واعتمدوا عليه, فقل: هذه طريقه، والخلف قلد فيه السلف، فإن أظهروا غير هذا مما ثبت عند أهل النقل رجعنا إلى قولهم، وهذا مما لا يمكنهم ألبتة"، وكذلك ابن الجوزي عندما قال في "العلل المتناهية" "2/ 272": "وهذا حديث لا يصح وإن كان الفقهاء كلهم يذكرونه في كتبهم ويعتمدون عليه".
هل معنى حديث معاذ صحيح؟
اختلف العلماء: هل معنى هذا الحديث صحيح أم لا؟ فمن نفى صحة معناه فنفيه لصحة مبناه من باب أولى، ولكن كان سبب صحة معناه عند بعضهم صحة مبناه؛ فكأنه صححه لشواهده، واعتدل آخرون فنفوا صحته من حيث الثبوت، وأثبتوها من حيث الدلالة، وإن كان إطلاق ذلك لا يسلم من كلام كما سيتبين معك إن شاء الله تعالى.
فممن صحح معنى الحديث وانبنى عليه تصحيحه لمبناه الإمام الذهبي؛ فقال في "مختصر العلل": "هذا حديث حسن الإسناد، ومعناه صحيح؛ فإن الحاكم يضطر إلى الاجتهاد، وصح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد وأخطأ فله أجر".
فتحسينه لإسناده غير صحيح؛ إذ لم يسلم من علة الإرسال وجهالة الحارث، ولكن تصحيح معناه فيما يتعلق بالاجتهاد عند فقدان النص صحيح، لا مجال للقول بخلافه، لا سيما أن شواهد كثيرة من نصوص أخرى تؤكد هذا المعنى.
وأطلق ابن الجوزي تصحيح معنى الحديث في "العلل المتناهية" "2/ 272" وإن كان يرى عدم ثبوته؛ فقال: " ... ولعمري إن كان معناه صحيحًا، إنما ثبوته لا يعرف".
قلت: وإطلاق تصحيح معناه فيه نظر؛ فمتنه لا يخلو من نكارة؛ إذ فيه تصنيف السنة مع القرآن وإنزاله إياه معه منزلة الاجتهاد منهما، فكما أنه لا يجوز الاجتهاد مع وجود النص في الكتاب والسنة؛ فكذلك لا يأخذ بالسنة إلا إذا لم يجد في الكتاب، وهذا التفريق بينهما مما لا يقول به مسلم، بل الواجب النظر في الكتاب والسنة معًا، وعدم التفريق بينهما؛ لما علم من أن السنة تبين مجمل القرآن، وتقيد مطلقه، وتخصص عمومه كما هو معلوم. أفاده شيخنا الألباني في "السلسلة =
(4/305)

وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى شُرَيْحٍ: "إِذَا أَتَاكَ أَمْرٌ؛ فَاقْضِ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ أَتَاكَ مَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ؛ فَاقْضِ بِمَا سَنَّ فِيهِ رَسُولُ الله, صلى الله عليه وسلم....."1 إلخ.
__________
= الضعيفة" "رقم 881".
الخلاصة وتنبيهات:
وخلاصة ما تقدم أن حديث معاذ هذا أعل بثلاث علل، لم تسلم واحدة منها، وهي جهالة أصحاب معاذ، وبقيت اثنتان، وهي جهالة الحارث والإرسال؛ فهو ضعيف من حيث الثبوت، وصحيح في بعض معناه، ومنكر في التفرقة بين الكتاب والسنة من حيث الحجية، وحصر حجية السنة عند فقد الكتاب؛ كما ذكرناه آنفًا.
ونختم الكلام على هذا الحديث بملاحظتين:
الأولى: أفاد ابن حزم في "ملخص إبطال القياس" "ص14" أن بعضهم موه وادعى فيه التواتر!! قال: "وهذا كذب، بل هو ضد التواتر؛ لأنه لا يعرف إلا عن أبي عون، وما احتج به أحد من المتقدمين"، وأقره الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" "4/ 183".
والأخيرة: قال ابن طاهر القيسراني: "وأقبح ما رأيت فيه قول إمام الحرمين في كتاب "أصول الفقه": والعمدة في هذا الباب على حديث معاذ! قال: وهذه زلة منه، ولو كان عالمًا بالنقل لما ارتكب هذه الجهالة".
وتعقبه الحافظ في "التلخيص" "4/ 183"؛ فقال: "قلت: أساء الأدب على إمام الحرمين، وكان يمكنه أن يعبر بألين من هذه العبارة مع أن كلام إمام الحرمين أشد مما نقله عنه؛ فإنه قال: والحديث مدون في الصحاح، متفق على صحته، لا يتطرق إليه التأويل، كذا قال, رحمه الله".
اللهم ارزقنا الأدب مع علمائنا ومشايخنا، وتقبل منا، وارزقنا السداد والصواب، وجنبنا الخطأ والخلل والفحش.
1 أخرجه النسائي في "المجتبى" "كتاب آداب القضاة، باب الحكم باتفاق أهل العلم، 8/ 231"، ومن طريقه الضياء في "المختارة" "رقم 133"، والدارمي في "سننه" "1/ 60"، وابن أبي شيبة في "مصنفه" "7/ 241, ط دار الفكر"، ومن طريقه ابن عاصم -كما في "مسند الفاروق" "2/ 548"- ومن طريقه الضياء في "المختارة" "رقم 134"، وسعيد بن منصور -ومن =
(4/306)

وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: "إِذَا وَجَدْتَ شَيْئًا فِي كِتَابِ اللَّهِ؛ فَاقْضِ فِيهِ وَلَا تَلْتَفِتْ إِلَى غَيْرِهِ"1.
وَقَدْ بَيَّنَ2 مَعْنَى هَذَا فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ قَالَ لَهُ: "انْظُرْ مَا تَبَيَّنَ لَكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ؛ فَلَا تَسْأَلْ عَنْهُ أَحَدًا، وَمَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ؛ فَاتَّبِعْ فِيهِ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"3.
وَمِثْلُ هَذَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "مَنْ عَرَضَ لَهُ مِنْكُمْ قَضَاءٌ؛ فَلْيَقْضِ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ جَاءَهُ مَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ؛ فَلْيَقْضِ بِمَا قَضَى به نبيه, صلى الله عليه وسلم"4
__________
= طريقه البيهقي في "الكبري" "10/ 110", والخطيب في "الفقيه والمتفقه" "2/ 99"، وابن عبد البر -المذكور لفظه- في "الجامع" "2/ 846/ رقم 1595"، وابن حزم في "الإحكام" "6/ 29-30"، والبيهقي "10/ 115" من طرق عن الشعبي عن شريح أنه كتب إلى عمر -رضي الله عنه- يسأله؛ فكتب إليه، وذكروه بألفاظ، منها المذكور هنا، ومنها ما سيأتي عند المصنف، وإسناده صحيح؛ وصححه ابن حجر في "موافقة الخبر الخبر" "1/ 120"، وعزاه ابن كثير في "مسند الفاروق" "2/ 548" لأبي يعلى، وفي آخره قصة رؤيا عامل عمر على حمص اقتتال الشمس والقمر، وسبق ذكر إسناده مع بيان ضعفه "2/ 455".
1 هذا اللفظ أخرجه ابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1596"، وإسناده صحيح، ومضى تخريجه في الذي قبله، وفي "ط": "وما تلتفت".
2 احتاج لهذا الدفع ما يتوهم من قوله: "ولا تلتفت إلى غيره" شمول الغير للسنة، مع أنه إذا وجدت السنة مع الكتاب؛ فلا بد من الالتفات إليها كبيان للكتاب. "د".
3 أخرجه بهذا اللفظ ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" "2/ 848/ رقم 1598"، وما قبله يشهد له.
4 أخرجه الدارمي في "السنن" "1/ 59"، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" "2/ 848-849/ رقم 1599" -والمذكور لفظه- ورجاله ثقات، وإسناده صحيح، وصححه ابن حجر في "موافقة الخبر الخبر" "1/ 119".
وأخرجه البيهقي في "الكبرى" "10/ 115" من طريق آخر عن ابن مسعود.
(4/307)

الْحَدِيثَ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ إِذَا عن سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ؛ فَإِنْ كَانَ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَالَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَكَانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ بِهِ1.
وَهُوَ كَثِيرٌ فِي كَلَامِ السَّلَفِ2 وَالْعُلَمَاءِ.
وَمَا فَرَّقَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ3 رَاجِعٌ إِلَى تَقَدُّمِ اعتبار الكتاب
__________
1 أخرجه الدارمي في "السنن" "1/ 59"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "10/ 115"، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" "2/ 202-203"، وابن حزم في "الإحكام" "6/ 28-29"، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" "2/ 849-850/ رقم 1600، 1601، 1602" من طريق سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد؛ قال: سمعت ابن عباس: إذا سئل ... به.
وإسناده صحيح، وصححه البيهقي، وانظر "نصب الراية" "4/ 64".
2 منه ما عند البيهقي في "السنن" "10/ 115" عن زيد بن ثابت أنه قال ذلك لمسلمة بن مخلد لما سأله عن القضاء، وإسناده حسن، قاله ابن حجر في "موافقة الخبر الخبر" "1/ 120".
وناقش الشيخ عبد الغني عبد الخالق هذا الدليل؛ فقال في "حجية السنة" "494": "والجواب أن الحديث ذكره بعضهم في الموضوعات، ولو صح؛ لوجب تأويله على أن المراد به الأسهل والأقرب تناولًا، ولا شك أن كتاب الله كذلك، وإنما وجب هذا التأويل لأن قطعي المتن والدلالة من السنة يقدم على ظاهر الكتاب، وهو كثير بالنسبة لمعاذ المشاهد له -صلى الله عليه وسلم- وإذا كان خبر آحاد؛ فقد يكون قطعي الدلالة والقرآن ظنيها، فيتعادلان؛ فلا يصح التقديم، بل يجب التأويل الجمع بالاجتهاد والنظر في أدلة الترجيح، وأما قول عمر: "انظر ما تبين لك في كتاب الله؛ فلا تسأل عنه أحدًا"؛ فيجب حمله على ما كان نصًّا واضحًا لم يشكل بمعارضة شيء من السنة، لما ذكرنا، على أن قول عمر ليس بحجة".
3 انظر في بسط ذلك: "أصول السرخسي" "2/ 303"، و"كشف الأسرار" "2/ 203"، و"فواتح الرحموت" "1/ 58" و"التوضيح على التنقيح" "3/ 75"، و"البدخشي" "1/ 55".=
(4/308)

عَلَى اعْتِبَارِ السُّنَّةِ، وَأَنَّ اعْتِبَارَ الْكِتَابِ أَقْوَى مِنِ اعْتِبَارِ السُّنَّةِ، وَقَدْ لَا يُخَالِفُ غَيْرُهُمْ فِي مَعْنَى تِلْكَ التَّفْرِقَةِ، وَالْمَقْطُوعُ بِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّ السُّنَّةَ لَيْسَتْ كَالْكِتَابِ فِي مَرَاتِبِ الِاعْتِبَارِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ:
أَمَّا أَوَّلًا: فَإِنَّ السُّنَّةَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ قَاضِيَةٌ عَلَى الْكِتَابِ، وَلَيْسَ الْكِتَابُ بقاضٍ عَلَى السُّنَّةِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ يَكُونُ مُحْتَمِلًا لِأَمْرَيْنِ فَأَكْثَرَ، فَتَأْتِي السُّنَّةُ بِتَعْيِينِ أَحَدِهِمَا؛ فَيُرْجَعُ إِلَى السُّنَّةِ، وَيُتْرَكُ مُقْتَضَى الْكِتَابِ.
وَأَيْضًا؛ فَقَدْ يَكُونُ ظَاهِرُ الْكِتَابِ أَمْرًا فَتَأْتِي السُّنَّةُ فَتُخْرِجُهُ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى تَقْدِيمِ السُّنَّةِ1، وَحَسْبُكَ أَنَّهَا تُقَيِّدُ مُطْلَقَهُ، وَتَخُصُّ عُمُومَهُ، وَتَحْمِلُهُ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِهِ، حَسْبَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْأُصُولِ؛ فَالْقُرْآنُ آتٍ بِقَطْعِ كُلِّ سَارِقٍ؛ فَخَصَّتِ السُّنَّةُ مِنْ ذَلِكَ سَارِقَ النِّصَّابِ الْمُحْرَزِ2، وَأَتَى بِأَخْذِ الزَّكَاةِ من
__________
1 بعدها في "د" وحدها: "فَتُخْرِجُهُ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى تَقْدِيمِ السنة، وحسبك ... ".
2 الدليل على ما ذكر المصنف جملة من الأحاديث، نقتصر على الآتي:
ما أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الحدود، باب قول الله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} ، وفي كم يقطع؟ 12/ 96/ رقم 6789، 6790، 6791"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الحدود، باب حد السرقة ونصابها، 3/ 1312/ رقم 1684" عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال صلى الله عليه وسلم: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا"، وفي رواية لمسلم: "لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعدًا"، وهذا في النصاب.
(4/309)

جَمِيعِ الْأَمْوَالِ ظَاهِرًا؛ فَخَصَّتْهُ بِأَمْوَالٍ مَخْصُوصَةٍ1، وَقَالَ تَعَالَى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُم} [النِّسَاءِ: 24] ؛ فَأَخْرَجَتْ مِنْ ذَلِكَ نِكَاحَ الْمَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا2؛ فَكُلُّ هَذَا تَرْكٌ لِظَوَاهِرِ الْكِتَابِ وَتَقْدِيمُ السُّنَّةِ عَلَيْهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا يُحْصَى كَثْرَةً.
وَأَمَّا ثَانِيًا؛ فَإِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ إِذَا تَعَارَضَا فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْأُصُولِ: هَلْ يُقَدَّمُ الْكِتَابُ عَلَى السُّنَّةِ، أَمْ بِالْعَكْسِ، أَمْ هُمَا مُتَعَارِضَانِ3؟
__________
= وما أخرجه أبو داود في "السنن" "رقم 1710، 4390"، والنسائي في "المجتبى" "8/ 85"، والترمذي في "الجامع" "رقم 1289"، وابن ماجه في "السنن" "رقم 2596"، والدارقطني في "السنن" "4/ 381"، وأحمد في "المسند" "2/ 180، 203، 207"، والبيهقي في "الكبرى" "
8/ 278"، وغيرهم من حديث عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مرفوعًا، وفيه: "من سرق منه شيئًا بعد أن يئويه الجرين، فبلغ ثمن المجن؛ فعليه القطع"، وفي رواية: "وليس في شيء من الثمر قطع؛ إلا ما آواه الجرين، فما أخذ من الجرين فبلغ ثمن المجن؛ ففيه القطع، وما لم يبلغ ثمن المجن؛ فقيه غرامة مثليه وجلدات نكالًا"، وإسناده صحيح، والجرين: هو الموضع الذي يجفف فيه التمر، وهذا في الحرز، وهو الموضع الذي يحرز فيه الشيء لحفظ المال؛ كالدار، والحانوت، والخيمة، والخزانة، والصندوق، وما شابهه.
وانظر تفصيل المسألة مع أدلتها في "دلائل الأحكام" لابن شداد "4/ 112-115 و119-122"، و"الإرواء" "8/ 67-68، 69/ رقم 2408، 2413"، و"أحكام السرقة في الشريعة" "ص58 وما بعدها، وص151 وما بعدها" لأحمد الكبيسي.
1 من مثل الإبل والغنم والبقر والذهب والورق، وتجد الأدلة على ذلك في الأصناف المستثناة في "دلائل الأحكام" "2/ 567 وما بعدها"، وفي سائر كتب أحاديث الأحكام مثل "النيل"، و"سبل السلام"، و"العمدة" مع "شروحها".
2 لما ثبت في "الصحيحين" من تحريم لذلك، وسيأتي تخريجه "ص383".
3 أي: فإن علم المتأخر منهما نسخ المتقدم، وإلا رجح أحدهما بما يصلح مرجحًا أو جمع بينهما إن أمكن وإلا أخذ بغيرهما، وقولهم: "لا معارضة بين ظني وقطعي" إنما يكون في المعارضة الحقيقة؛ أي: في المعقولات، أما في الشرعيات؛ فلا مانع لأنها في الواقع صورة معارضة فقط، أما المعارضة بمعنى التناقض ذي الوحدات الثمانية؛ فلا أثر لها في الأدلة الشرعية. "د".
(4/310)

وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ، وَرَأَوْا أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مَا فِي الْكِتَابِ لَا يُقَدَّمُ1 عَلَى كُلِّ السُّنَّةِ، فَإِنَّ الْأَخْبَارَ الْمُتَوَاتِرَةَ لَا تَضْعُفُ فِي الدَّلَالَةِ عَنْ أَدِلَّةِ الْكِتَابِ، وَأَخْبَارَ الْآحَادِ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ مَعَ ظَوَاهِرِ الْكِتَابِ، وَلِذَلِكَ وَقَعَ الْخِلَافُ2، وَتَأَوَّلُوا التَّقْدِيمَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى مَعْنَى الْبِدَايَةِ بِالْأَسْهَلِ الْأَقْرَبِ3، وَهُوَ الْكِتَابُ، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا؛ فَلَا وَجْهَ لِإِطْلَاقِ الْقَوْلِ بِتَقْدِيمِ الْكِتَابِ، بَلِ الْمُتَّبَعُ الدَّلِيلُ4.
فَالْجَوَابُ: إِنَّ قَضَاءَ السُّنَّةِ عَلَى الْكِتَابِ لَيْسَ بِمَعْنَى تَقْدِيمِهَا عَلَيْهِ وَاطِّرَاحِ الْكِتَابِ، بَلْ إِنَّ ذَلِكَ الْمُعَبَّرَ فِي5 السُّنَّةِ هُوَ الْمُرَادُ فِي الْكِتَابِ؛ فَكَأَنَّ السُّنَّةَ بِمَنْزِلَةِ التَّفْسِيرِ وَالشَّرْحِ لِمَعَانِي أَحْكَامِ الْكِتَابِ، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النَّحْلِ: 44] ، فَإِذَا حَصَلَ بَيَانُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [الْمَائِدَةِ: 38] بِأَنَّ الْقَطْعَ مِنَ الْكُوعِ، وَأَنَّ الْمَسْرُوقَ نِصَابٌ فَأَكْثَرُ مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ؛ فَذَلِكَ هُوَ الْمَعْنَى الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ، لَا أَنْ نَقُولَ: إِنَّ السُّنَّةَ أَثْبَتَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامَ دُونَ الْكِتَابِ، كَمَا إِذَا بَيَّنَ لنا مالك أو غيره من المفسرين
__________
1 فإن قطعي السند والدلالة من السنة يقدم على ظاهر الكتاب؛ فقول: "لا تضعف" أي: بل قد تقدم كما ذكرنا، وقد يحصل التعارض إذا تساويا في قطعية السند والدلالة، ولذلك قالوا: إنه لم يبق من صور التعارض بينهما ما يرجح فيه الكتاب لسنده؛ إلا ما كان ظني الدلالة منه مع قطعي الدلالة منها مع ظنية ضدها. "د".
2 أي: في تقديم الكتاب عليهما أو تقديمها عليه أو تعارضهما. "د".
3 أي: تناولًا. "د".
4 أي: ما يتعين للدلالة منهما بطريق من طرق الترجيح المذكورة في بابه. "د".
5 في "ط": "بل على إن ذلك المفسر".
(4/311)

مَعْنَى آيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ فَعَمِلْنَا بِمُقْتَضَاهُ؛ فَلَا يَصِحُّ لَنَا أَنْ نَقُولَ: إِنَّا عَمِلْنَا بِقَوْلِ الْمُفَسِّرِ الْفُلَانِيِّ دُونَ أَنْ نَقُولَ عَمِلْنَا بِقَوْلِ اللَّهِ أَوْ قَوْلِ رَسُولِهِ, عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
وَهَكَذَا سَائِرُ مَا بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَمَعْنَى كَوْنِ السُّنَّةِ قَاضِيَةً عَلَى الكتاب أنها مبينة له؛ فلا يتوقف مَعَ إِجْمَالِهِ وَاحْتِمَالِهِ، وَقَدْ بَيَّنَتِ الْمَقْصُودَ مِنْهُ لَا أَنَّهَا مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِ1.
وَأَمَّا خِلَافُ2 الْأُصُولِيِّينَ فِي التَّعَارُضِ؛ فَقَدْ مَرَّ3 فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْأَدِلَّةِ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إِذَا اسْتَنَدَ4 إِلَى قَاعِدَةٍ مَقْطُوعٍ بِهَا فَهُوَ فِي الْعَمَلِ مَقْبُولٌ، وَإِلَّا؛ فَالتَّوَقُّفُ، وَكَوْنُهُ مُسْتَنِدًا إِلَى مَقْطُوعٍ بِهِ رَاجِعٌ إِلَى أَنَّهُ جُزْئِيٌّ تَحْتَ مَعْنًى قُرْآنِيٍّ
__________
1 انظر مناقشة هذا الكلام فيما مضى في التعليق على "ص298".
2 شروع في الجواب عن الإشكال الثاني، وهو قول بعض الأصوليين بتعارضهما إذا كان ظني الدلالة ولم يعلم تاريخهما؛ فلا يرجح أحدهما على الآخر بكونه كتابًا ولا بكونه سنة، بل إن لم يمكن الجمع بينهما رجح أحدهما بما يسوغ ترجيحه به إن أمكن، وإلا تركا. "د".
3 حيث قال في المسألة الثانية: "وإن كان ظنيًّا؛ فإن رجع إلى قطعي فهو معتبر، وإلا وجب التثبت فيه"، وقال: "إن هذا المعتبر يرجع إلى أصل قرآني يكون بيانًا له، وإن عامة أخبار الآحاد بيان للقرآن، وذلك معنى رجوعه لأصل قطعي"، ومثله هناك بالأحاديث التي بينت صفة الطهارة الصغرى والكبرى والصلاة والحج, والأحاديث التي بينت جملة من الربا ... إلخ, وأنت إذا تأملت وجدت أحاديث الطهارة والصلاة مثلًا وإن كانت شارحة ومفصلة لهذين النوعين من العبادة لا يقال فيها: إنها جزئيات لكلي قرآني إلا باعتبار ضعيف؛ لأنه بدأ بميامنه في الوضوء مثلًا جزئيته لآية الطهارة لا يجعله متعين القصد في الآية؛ إذ الطهارة كما تتحقق على هذه الصفة تتحقق بالبدء بالمياسر، وكذا رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام لا تستلزمه آية: {أَقِيمُوا الصَّلاة} ، حتى يكون الخبران الواردان في هذين الجزئيين لهما حكم الجزئي الحقيقي الذي تكون معارضته لغيره معارضة محققة يصح نسبتها لأصله وكليه، ويترتب على ذلك أنه من معارضة قطعيين؛ فهذا كلام خطابي. "د".
4 في "ط": "أسند".
(4/312)

كُلِّيٍّ، وَتَبَيَّنَ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ هُنَالِكَ، فَإِذَا عَرَضْنَا هَذَا الْمَوْضِعَ عَلَى تِلْكَ الْقَاعِدَةِ وَجَدْنَا الْمُعَارَضَةَ فِي الْآيَةِ، وَالْخَبَرِ مُعَارَضَةَ أَصْلَيْنِ قُرْآنِيَّيْنِ؛ فَيَرْجِعُ إِلَى ذَلِكَ، وَخَرَجَ عَنْ مُعَارَضَةِ كِتَابٍ مَعَ سُنَّةٍ، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ وُقُوعُ هَذَا التَّعَارُضِ إِلَّا مِنْ تَعَارُضِ قَطْعِيَّيْنِ1، وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَسْتَنِدِ الْخَبَرُ إِلَى قَاعِدَةٍ قَطْعِيَّةٍ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ الْقُرْآنِ عَلَى2 الْخَبَرِ بِإِطْلَاقٍ.
وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ3 مَا ذُكِرَ مِنْ تَوَاتُرِ الْأَخْبَارِ إِنَّمَا غَالِبُهُ فَرْضُ أَمْرٍ جَائِزٍ، وَلَعَلَّكَ4 لَا تَجِدُ فِي الْأَخْبَارِ النَّبَوِيَّةِ مَا يَقْضِي بِتَوَاتُرِهِ إِلَى زَمَانِ الْوَاقِعَةِ؛ فَالْبَحْثُ الْمَذْكُورُ فِي الْمَسْأَلَةِ بَحْثٌ فِي غَيْرِ وَاقِعٍ أَوْ فِي نَادِرِ الْوُقُوعِ، وَلَا كَبِيرَ جَدْوَى فِيهِ، وَاللَّهُ أعلم.
__________
1 أي: وسيأتي الكلام فيه بعد. "د". وفي "ط": "لأنه من تعارض ... ".
2 كما تقدم في رد عائشة حديث: "إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه" بآية: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} . "د".
3 هذا جواب الإشكال الثالث، وهو أن السنة أيضًا فيها قطعي السند؛ فلا تقل عن الكتاب في الدلالة. "د".
4 كأنه سلم الإشكال بالمتواترة على مسألته من تقديم الكتاب مطلقًا على السنة، ولكنه جعل أمره هينًا؛ لأنه إما أنه لا توجد سنة متواترة على شرط التواتر، يعني: يرويها من يستحيل تواطؤهم على الكذب في كل طبقة إلى زمنه -صلى الله عليه وسلم- وإما أن يكون نادرًا لا يستحق البحث والاستشكال. "د".
(4/313)

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ:
السُّنَّةُ رَاجِعَةٌ فِي مَعْنَاهَا إِلَى الْكِتَابِ؛ فَهِيَ تَفْصِيلُ1 مُجْمَلِهِ، وَبَيَانُ2 مُشْكِلِهِ، وَبَسْطُ3 مُخْتَصَرِهِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّهَا بَيَانٌ لَهُ4، وَهُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} 5 [النحل: 44] .
__________
1 كالأحاديث المفصلة لمجمل: {أَقِيمُوا الصَّلاة} مثلًَا. "د".
2 كالأحاديث التي أوضحت الغرض من الآيات التي فهم منها الصحابة خلاف مقصودها، مثلًا آية: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ... } إلخ [التوبة: 34] ، لما نزلت كبر ذلك على الصحابة، فسألوا عنها؛ فقال عليه, الصلاة والسلام: "إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم". فكبّر عمر، وكالحديث الذي رفع عن الصحابة إشكال آية: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82] ، وبيانه أن المراد بالظلم الشرك كما في آية لقمان. "د".
قلت: استشكالهم آية لقمان ورد في خبر صحيح وقد مضى تخريجه "3/ 402" أما قوله, صلى الله عليه وسلم: "إن الله لم يفرض الزكاة ... " إلخ أخرجه أبو داود في "سننه" "رقم 1664"، والحاكم في "المستدرك" "1/ 408-409"، وهو في "السلسلة الضعيفة" لشيخنا الألباني "رقم 1319".
3 كما في آية: {وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} [التوبة: 118] ؛ فقد بسط قصتها الحديث الذي أخرجه الخمسة، وشرح ما حصل فيها من النهي عن كلامهم، ثم النهي عن قربان نسائهم ... إلى آخر القصة. "د".
قلت: وقصة الذين تخلفوا ثابتة صحيحة مضى تخريجها "2/ 270".
4 قوله: "وذلك لأنها بيان"؛ فهو يقصد به أن جميعها بيان فقط، ولا شيء منها بمستقل، كما يدل عليه قوله: "فلا تجد في السنة ... " إلخ، ثم إن هذا عين دعواه كما اعترف به أخيرًا حيث قال: "وذلك معنى كونها راجعة إليه"؛ فيكون هذا التعليل منه مصادرة؛ فكان عليه أن يستدل على الدعوى بالآية مباشرة، قاله الشيخ عبد الغني عبد الخالق في "حجية السنة" "ص520".
5 اعترض الشيخ عبد الغني عبد الخالق على هذا الاستدلال بالآية؛ فقال في "حجية السنة" "ص520-522": "وأما قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} ؛ =
(4/314)

...........................................................................
__________
= فلا دلالة فيه على حصر علة إنزال الذكر في التبيين.
سلمنا أنه يدل على هذا الحصر -على حد قول من يقول: إن الاقتصار في مقام البيان يفيد الحصر- وأن معنى الآية: وما أنزلنا إليك الذكر "الكتاب" إلا تبين للناس ما نزل إليهم فيه من الأحكام، لكنه لا ينتج مطلوبه من أن وظيفة سنته -صلى الله عليه وسلم- البيان لما في الكتاب فقط، وأنه لا شيء منها بمستقل؛ إذ كل ما فهم من هذا الحصر أنه إنما أنزل الكتاب ليبينه -صلى الله عليه وسلم- للناس، لا ليهمل بيانه، ويترك الناس جاهلين بما فيه من الأحكام، وهذا لا ينفي أنه قد يستقل بسن أحكام لا نص عليها في الكتاب.
مثلًا: إذا أعطيت مدرسًا كتابين وقلت له: لم أعطك الكتاب الأول إلا لتبينه لتلاميذك وتشرحه لهم؛ فهل معنى هذا القول أنك لم تعطه الثاني إلا ليبين به الأول، وأنه ليس في الثاني زيادة عما في الأول من القواعد، وإنما الذي فيه مجرد بسط قواعد الأول وشرحها؟ كلا.
فما نحن فيه كذلك، أنزل الله تعالى على رسوله -صلى الله عليه وسلم- وحيين: أحدهما متلو والآخر غير متلو، وقال له: لم أنزل عليك المتلو إلا لتبين للناس ما فيه من الأحكام، فهذا لا يقتضي أن يكون غير المتلو بيانًا للمتلو فقط، وأنه ليس فيه ما لم ينص عليه الأول.
ولئن سلمنا أن الآية تفيد أن غير المتلو للبيان؛ فليس فيها ما يدل على أنه بيان لمجمل الكتاب فقط، فإن البيان في الآية معناه إظهار الحكم للناس، وتعريفهم به، سواء أكان ابتداء لم يسبق أن ذكر إجمالًا في كتاب ولا في سنة، أم لم يكن كذلك، و {مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} في الآية شامل للكتاب وغيره من أنواع الوحي، والذكر الكتاب فقط على الرأي المشهور، ومعنى الآية حينئذ: "وما أنزلنا إليك الكتاب المعجز للبشر؛ إلا ليكون دليلًا على صحة رسالتك، مذكرًا لهم بما يستحقونه من العقاب على مخالفة أحكام الله، ومن الثواب على امتثالها؛ فيمكنك حينئذ أن تظهر للناس جميع ما أنزل إليهم من أنواع الوحي استقلالًا أو بيانًا، ويكون إظهارك هذا حجة عليهم، حيث أثبتنا صحة رسالتك بهذا الذكر، وبشرناهم وأنذرناهم فيه"، هذا إن أريد بالذكر الكتاب.
فإن أريد به العلم كما قاله بعض المفسرين؛ فالأمر ظاهر، إذ لا يكون خاصًّا بالكتاب، فالمعنى عليه "وأنزلنا إليك جميع أنواع الوحي لتبين ما فيها من الأحكام للناس، وتظهرها لهم".
والبيان قد ورد في القرآن بمعنى مطلق الإظهار، ووصف به الكتاب نفسه في كثير من الآيات، مثل قوله تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِين} [القصص: 2] ، وقوله: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ =
(4/315)

فَلَا تَجِدُ فِي السُّنَّةِ أَمْرًا إِلَّا وَالْقُرْآنُ قَدْ دَلَّ عَلَى مَعْنَاهُ دَلَالَةً إِجْمَالِيَّةً أَوْ تَفْصِيلِيَّةً، وَأَيْضًا؛ فَكُلُّ مَا دَلَّ1 عَلَى أَنَّ القرآن هو كلية الشريعة وينبوع لها2؛
__________
= الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] .
فليس في الآية دلالة على ما ذهب إليه المستدل، ولو فرض جدلًَا أن في الآية احتمالًا آخر يفيد مذهبه، ولم نهتد إليه؛ فماذا يفيده هذا الاحتمال، سواء أكان راجحًا أم مرجوحًا، والمسألة قطعية لا ينفع فيها مثل ذلك؟ ".
1 لم يستدل عليه في موضعه من مباحث الكتاب العزيز، بل قال: إنه "لا يحتاج إلى تقرير واستدلال عليه لأنه معلوم من دين الأمة". "د".
2 قوله: "إن القرآن هو كلية الشريعة وينبوع لها"، فإن أراد بذلك أنه ذكر فيه جميع القواعد الإسلامية الأصلية، وذكر فيه جميع الأدلة التي يعتمد عليها المجتهدون في فهم الأحكام الفرعية، سواء أكانت هذه الأدلة مستقلة بإفادة حكم لم ينص عليه الكتاب، أم مبينة لحكم أجمله؛ فنحن نقول وتؤمن به، وهو أمر معلوم من الدين بالضرورة، ولكن ماذا في ذلك: أيستلزم دعواه؟ كلا، وكل ما دل على ذلك من قوله تعالى: {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء} ، وقوله: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} على تسليم أن ليس المراد به اللوح المحفوظ؛ فهو لا يدل على دعواه كذلك.
وإن أراد بذلك أنه ذكر فيه كل حكم على سبيل الإجمال ونص عليه؛ فهذا لا نسلمه إذ الواقع يكذبه، والآيات التي ذكرها يجب حملها على خلاف ذلك، وإلا كانت كاذبة، على أنا لو أخذنا بظاهرها وسلمنا صحة ذلك جدلًا؛ لكانت دليلًا على أن القرآن كلية الشريعة، بمعنى أنه احتوى على كل حكم إجمالًا وتفصيلًا، ونص على ذلك كله، ولم يكن لسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيان، ولا استقلال، أتقول أنت بذلك؟ كلا، فما الذي تقوله في الخروج من هذا الإشكال؟ ألست ستقول: إن القرآن احتوى على التفاصيل بمعنى أنه بين بيانًا شافيًا أن السنة حجة فيها؟ فهذا الذي تقوله في التفاصيل هو ما قلناه نحن في غيرها.
فإن قلت: إني أتخلص من ذلك بأن أقول: إن القرآن قد اشتمل على كليات هذه التفاصيل؛ قلنا: سلمنا لك جدلًا أنه اشتمل على هذه الكليات، وأن التفاصيل في الواقع مندرجة فيها، ولكن أيمكنك أنت وغيرك ممن هو أعلى منك عقلًا وفهمًا وإدراكًا لمعاني القرآن أن تستنبطوا جميع هذه التفاصيل من تلك الكليات؟ إن قلت نعم؛ فأنت مكابر، ولا يصح معك الكلام، وإن =
(4/316)

فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ1: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم} [القلم: 4] .
__________
= قلت لا؛ قلنا لك: أفيصح حينئذ أن يقال: إن القرآن تبيان لهذه التفاصيل التي لا يمكن لمجتهد من هذه الأمة أن يدركها منه، مع أن كلمة "تبيان" تدل على منتهى الإظهار والإيضاح؟ لا يصح ذلك، فدل على أن تأويلك هذا غير صحيح.
على أنا لو سلمنا لك أنه يمكنك أو يمكن غيرك إدراك هذه التفاصيل؛ أفلا نجد أنفسنا قائلين حينئذ: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غير مبين أيضًا، كما هو غير مستقل؟ فإنا على هذا الفرض نفهم جميع الأحكام إجمالًا وتفصيلًا؛ فلا داعي لتأسيس الرسول بالبيان، ولا بالاستقلال، ولكنا نقول بالاتفاق: إنه مبين ابتداء ومؤسس لهذه التفاصيل، لا مؤكد لها.
فإن قلت: إني أقول: إننا لا يمكننا إدراكها، ولكن صح وصف القرآن بأنه تبيان لها بالنظر إلى الواقع، وصح وصف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأنه مبين لها ابتداء ومؤسس لهال بالنظر إلى عقولنا؛ قلنا: فكذلك نحن نقول: إن الأحكام التي استقلت بها السنة ولم يرد في القرآن نص عليها يمكننا أن ندركها منه، بوصف الرسول بأنه مؤسس لها ابتداء بالنظر إلى الظاهر، وإن كانت في الواقع مندرجة تحت كليات القرآن، ومحل النزاع هو النص بحيث يمكن الفهم منه للمجتهدين، لا الاندراج في الواقع ولو لم يمكن الفهم؛ إذ ما قيمة هذا الاندراج بالنسبة للمجتهد الذي يريد أن يستنبط.
وبالجملة؛ فأفعال الصلاة، وميراث الجدة لم ينص عليهما القرآن نصًّا يمكن لعقولنا أن تفهمهما منه، ووصف القرآن بأنه تبيان لهما وكل منهما أسسه النبي -صلى الله عليه وسلم- في عقولنا ابتداء، كل ما في الأمر أن هذا التأسيس بالنظر لأفعال الصلاة نسميه بيانًا في الاصطلاح؛ لأن حكم الصلاة منصوص عليه في القرآن مجملًا، وبالنظر لميراث الجدة لا يسمى بيانًا؛ لأنه لم ينص عليه مطلقًا، بل نسميه استقلالًا.
فإن جعلت قوله تعالى: {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء} مبطلًا لتأسيس ميراث الجدة من ناحية الإجمال؛ وجب القول بأنه مبطل لتأسيس حكم أفعال الصلاة وتفاصيلها، ولا يصح أن يقال لفعله -صلى الله عليه وسلم- إلا أنه مؤكد فقط، بل لا يقال له مؤكد أيضًا؛ إذ التأكيد فرع الصلاحية للتأسيس، ولم يقل أحد من المسلمين عامة بشيء من ذلك. قاله الشيخ عبد الغني عبد الخالق في "حجية السنة" "ص522-524". وفي "ط": "وينبوع الملة".
1 في نسختي "ف" و"م": " ... ذلك وقال"، وفي "ط": "ولأن الله قال".
(4/317)

وَفَسَّرَتْ عَائِشَةُ ذَلِكَ بِأَنَّ خُلُقَهُ1 الْقُرْآنُ2، وَاقْتَصَرَتْ فِي خُلُقِهِ عَلَى ذَلِكَ؛ فَدَلَّ عَلَى أَن