Advertisement

تشنيف المسامع بجمع الجوامع 001



الكتاب: تشنيف المسامع بجمع الجوامع لتاج الدين السبكي
المؤلف: أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي الشافعي (المتوفى: 794ه)
دراسة وتحقيق: د سيد عبد العزيز - د عبد الله ربيع، المدرسان بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر
الناشر: مكتبة قرطبة للبحث العلمي وإحياء التراث - توزيع المكتبة المكية
الطبعة: الأولى، 1418 ه - 1998 م
عدد الأجزاء: 4
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تَشْنِيفُ المَسَامِعِ
بِجَمْعِ الجَوَامِعِ

لِتَاجِ الدِّينِ السُّبْكِيِّ
المُتَوَفَّى 771 هِجْرِيَّةً

تأليفُ
الإمامِ بَدْرِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بنِ بَهَادِرَ بنِ عبدِ اللهِ الزَّرْكَشِيِّ
(المُتَوَفَّى 794 ه)
(1/1)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمْدُ للهِ ربِّ العالمينَ، حَمْداً يَلِيقُ بِجَلالِهِ، والصلاةُ والتسليمُ الأَتَمَّانِ الأَكْمَلاَنِ على سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ.
أمَّا بعدُ:
فلَمَّا كانَ كِتَابُ (جَمْعِ الجوامعِ) في أُصُولِ الفِقْهِ لِقَاضِي القُضَاةِ أبي نَصْرٍ عبدِ الوَهَّابِ بنِ الشيخِ الإمامِ أبي الحَسَنِ السُّبْكِيِّ - بَرَّدَ اللهُ مَضْجَعَهُ - مِن الكُتُبِ التي دَقَّتْ مَسَالِكُها، ورَقَّتْ مَدَارِكُها؛ لِمَا اشْتَمَلَ عليه مِن النُّقُولِ الغريبةِ، والمسائلِ العجيبةِ، والحدودِ المنيعةِ، والموضوعاتِ البديعةِ، معَ كثرةِ العِلْمِ، ووَجَازَةِ النَّظْمِ، قد عَلاَ بَحْرُهُ الزاخِرُ، وأَصْبَحَ اللاحِقُ يقولُ: كم تَرَكَ الأوَّلُ للآخِرِ؟ - قد اضْطُرَّ الناسُ إلى حَلِّ مَعَاقِدِهِ، وبيانِ مقاصدِهِ، والوقوفِ على كُنُوزِهِ، ومَعْرِفَةِ رُمُوزِهِ، وليسَ عليه ما نَمَى بهذه المسالِكِ، بَيْدَ أنَّ مُؤَلِّفَه أجابَ عن مواضعَ قليلةٍ مِن ذلكَ، فاسْتَخَرْتُ اللهَ تعالَى في تعليقٍ نافعٍ عليه، يَفْتَحُ مُقْفَلَه، ويُوَضِّحُ مُشْكِلَه، ويُشْهِرُ غَرَائِبَه، ويُظْهِرُ عَجَائِبَه، مُرْتَفِعاً عن الإقلالِ المُخِلِّ، مُنْحَطًّا عن الإطنابِ المُمِلِّ، واللهَ أَسْأَلُ أنْ يَجْعَلَهُ خَالِصاً لِوَجْهِهِ الكريمِ، مُقَرِّباً للفوزِ بجَنَّاتِ النعيمِ، وسَمَّيْتُهُ (تَشْنِيفَ المَسَامِعِ بِجَمْعِ الجَوَامِعِ).
ص (نَحْمَدُكَ اللَّهُمَّ على نِعَمٍ يُؤْذِنُ الحمدُ بازْدِيَادِها).
(1/97)

ش: الحمدُ: الثَّنَاءُ بالوصفِ الجميلِ على جِهَةِ التعظيمِ. هذا أحسنُ حُدُودِهِ، ف (الثَّنَاءُ) جِنْسٌ، وب (الجميلِ) فَصْلٌ يُخْرِجُ إطلاقَه على غيرِهِ، ومِنه (فَأَثْنَوْا عليها شرًّا)، والفصلُ الثاني يُخْرِجُ التَّهَكُّمَ، نحوُ: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ}.
وافْتَتَحَ المصنِّفُ بالجملةِ الفعليَّةِ دونَ الاسميَّةِ؛ لِدَلالَةِ الفعليَّةِ على التجَدُّدِ والحُدُوثِ، بخلافِ الاسميَّةِ؛ فإنَّها مَسْلُوبَةُ الدَّلالةِ على الحُدُوثِ وَضْعاً. ولَمَّا كانَ هذا الكِتابُ مِن النِّعَمِ المُتَجَدِّدَةِ، نَاسَبَ أنْ يُؤْتَى بِمَا يَدُلُّ على التجدُّدِ، وانْفَصَلَ المؤلِّفُ بهذا عن سؤالِ عدمِ تَأَسِّيهِ بالقرآنِ في الافتتاحِ بالجملةِ الاسميَّةِ؛ فإنَّه قديمٌ لم يَحْدُثْ ولم يَتَجَدَّدْ، فالاسميَّةُ به أنسبُ، قالَ: وهذا معنًى لطيفٌ اسْتَنْبَطْتُه،
(1/98)

وبه يَعْتَضِدُ مَنِ افْتَتَحَ كتابَه بالجملةِ الفعليَّةِ؛ كالغَزَالِيِّ والرَّافِعِيِّ.
قلتُ: وحينَئذٍ فكانَ حَقُّه التعبيرَ بالصيغةِ المُتَعَيَّنَةِ للإفرادِ، وهي: (أَحْمَدُكَ)، لا (نَحْمَدُكَ)؛ لأنَّ النونَ لا تَصْلُحُ هنا للجماعةِ؛ فإنَّ تصنيفَ الكتابِ خاصٌّ به، وهي إنَّما تكونُ للمتكلِّمِ وَحْدَهُ إذا كانَ مُعَظِّماً نفسَه، وهو غيرُ لائقٍ هنا، وقد يَلْتَزِمُ الأَوَّلَ ويَدَّعِي شُمُولَ النِّعْمَةِ بذلكَ له ولغيرِهِ بالانتفاعِ، أو يكونُ الجَمْعُ باعتبارِ التجريدِ البيانِيِّ، لكِنْ يَمْنَعُ من هذا قولُه فيما بعدُ: ونَضْرَعُ إليكَ في منعِ الموانِعِ عن إكمالِ (جمعِ الجوامعِ). فإنَّ هذا خاصٌّ به، وقد حَكَى الحَرِيرِيُّ في (شرحِ المُلْحَةِ)
(1/99)

خِلافاً في عِلَّةِ نونِ الجمعِ في كلامِ اللهِ تعالَى، فقِيلَ: للعَظَمَةِ، وليسَ لمخلوقٍ أنْ يُنَازِعَه فيها، فعلى هذا يُكْرَهُ استعمالُ الملوكِ لها في قَوْلِهِم: نحنُ نَفْعَلُ.
وقِيلَ في عِلَّتِها: لَمَّا كانَتْ تَصَارِيفُ أَقْضِيَتِه تعالَى تَجْرِي على أَيْدِي خَلْقِهِ، نَزَلَتْ أفعالُهم مَنْزِلَةَ فِعْلِه؛ فلذلك وَرَدَ الكلامُ مَوَارِدَ الجمعِ، فعلى هذا القولِ يَجُوزُ أنْ يَسْتَعْمِلَ (النونَ) كلُّ مَن لا يُبَاشِرُ العملَ بنفسِه، فأمَّا قولُ العالِمِ: نحنُ نَشْرَحُ، ونحنُ نُبَيِّنُ. فمفسوحٌ له؛ لأنَّه يُخْبِرُ بنونِ الجمعِ عن نفسِه وأهلِ مقالتِه. انْتَهَى.
وذكَرَ ابنُ السيِّدِ في (الاقتضابِ) نحوَه، وزادَ فيه وَجْهاً آخرَ، وهو أنَّ الرجلَ الجليلَ القَدْرِ يَنُوبُ وَحْدَهُ مَنَابَ جماعةٍ، ويَنْزِلُ مَنْزِلَةَ عَدَدٍ كثيرٍ في فَضْلِهِ وعِلْمِهِ؛ ولهذا قالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأبي سُفْيَانَ:
(1/100)

((كُلِ الصَّيْدَ فِي جَوْفِ الْفَرَا)).
والزَّمَخْشَرِيُّ اسْتَفْتَحَ (المُفَصَّلَ) بالجملةِ الفعليَّةِ، و (الكَشَّافَ) بالاسميَّةِ؛ لأنَّ النعمةَ التي ذَكَرَها في (المُفَصَّلِ) خاصَّةٌ به، وفي (الكَشَّافِ) عامَّةٌ، وفي التعبيرِ بالمُضَارِعِ فائدةٌ أُخْرَى؛ فإنَّ التجَدُّدَ في الماضي معناه الحُصولُ، وفي المضارِعِ معناه الاستمرارُ، يعني: أنَّ مِن شأنِهِ أنْ يَتَكَرَّرَ ويَقَعَ مَرَّةً بعدَ أُخْرَى، كما قالَه الزَّمَخْشَرِيُّ عندَ قولِهِ تعالَى: {اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}.
(1/101)

وأمَّا (اللَّهُمَّ) فلا خِلافَ - كما قالَه ابنُ السيِّدِ - أنَّ المرادَ به: يا اللهُ، وأنَّ الميمَ زائدةٌ، لَيْسَتْ بأصلٍ في الجملةِ. ثمَّ اخْتَلَفُوا بعدَ ذلكَ في هذه (الميمِ) على ثلاثةِ مذاهِبَ: فذَهَبَ سِيبَوَيْهِ والبَصْرِيُّونَ إلى أنَّهم زَادُوا (المِيمَ) في آخِرِهِ عِوَضاً عن حرفِ النداءِ؛ ولهذا لا يُجْمَعُ بينَهما؛ لِمَا فيه مِن الجمعِ بينَ العِوَضِ والمُعَوَّضِ.
وقالَ الكُوفِيُّونَ: (الميمُ) عِوَضٌ عن جملةٍ محذوفةٍ، والتقديرُ: يا اللهُ أُمَّنَا بخيرٍ؛ أي: اقْصِدْنَا، ثمَّ حُذِفَ للاختصارِ، ولكثرةِ الاستعمالِ وَرَدَ بعدمِ اطِّرَادِ هذا التقديرِ في أكثرِ المواضِعِ؛ قالَ تعالَى: {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}. ولو كانَتِ (الميمُ) عِوَضَ (أُمَّنَا) لَمَا احتاجَ الشرطُ إلى جوابٍ؛ لأنَّ الفعلَ يكونُ الجوابَ، وهو أُمَّنَا.
والثالثُ: أنَّ (الميمَ) زائدةٌ للتعظيمِ والتفخيمِ؛ لِدَلاَلَتِها على معنَى الجمعِ، كما زِيدَتْ في: زُرْقُمٍ؛ لِشِدَّةِ الزُّرْقَةِ، وابْنُمٍ في الابنِ، قالَ ابنُ السيِّدِ: وهذا غيرُ خارجٍ عن مذهَبِ سِيبَوَيْهِ؛ لأنَّه لا يَمْنَعُ أنْ تكونَ للتعظيمِ، وأنْ تكونَ عِوَضاً عن
(1/102)

حَرْفِ النداءِ، كما أنَّ (التاءَ) في قَوْلِنا: تَاللهِ. بَدَلٌ مِن (الباءِ)، وفيها زيادةُ معنى التعجُّبِ. قالَ: وهذا القولُ أحسنُ الأقوالِ.
وذَكَرَ ابنُ ظَفَرٍ في أوَّلِ (شَرْحِ المُقَامَاتِ)، أنَّ (اللهَ) للذَّاتِ، و (الميمَ) للصفاتِ، فجَمَعَ بينَهما؛ إيذاناً بالسؤالِ بجميعِ أسمائِهِ وصفاتِهِ. وقَوَّاهُ بعضُهم واحْتَجَّ بقولِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ: اللَّهُمَّ مُجَمِّعَ الدعاءِ. وقولِ النَّضْرِ بنِ شُمَيْلٍ: مَن قالَ: اللَّهُمَّ فقد دَعَا اللهَ بجميعِ أسمائِهِ، وكأنَّه قالَ: يا اللهُ الذي له الأسماءُ الحسنَى. ولهذا قيلَ: إنَّه اسمُ اللهِ الأعظمُ. وبذلك يَظْهَرُ أيضاًً حُسْنُ ابتداءِ المصنِّف بها.
وقولُه: (على نِعَمٍ) التنكيرُ فيها للتعظيمِ؛ بدليلِ الوصفِ. و (على) إمَّا للتعليلِ على رأيِ الكُوفِيِّينَ، أو على بابِها للاستعلاءِ؛ لِمَا فيه مِن الإشارةِ إلى تفخيمِ الحمدِ،
(1/103)

لكِنَّ الاستعلاءَ على النعمةِ غيرُ مُنَاسِبٍ، وكانَ الأحسنُ تَجَنُّبَها هنا؛ فإنَّها إنما تُسْتَعْمَلُ في جانبِ النِّقْمَةِ، وتُتْرَكُ في جانبِ النعمةِ، واستعمالاتُ القرآنِ والسنَّةِ على ذلك، وفي الحديثِ: كانَ إذا رَأَى ما يَكْرَهُ قالَ: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ))، وإذا رَأَى ما يُعْجِبُهُ قالَ: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ)).
وأمَّا قولُه تعالَى: {وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ}. فلِمَا كانَ في ذلك المَحَلِّ مِن استعلاءِ التكبيرِ برفعِ الصوتِ.
و (النِّعَمُ) جمعُ نعمةٍ، وهي اليدُ والصَّنِيعَةُ والمِنَّةُ، وما أَنْعَمَ به عليكَ؛ قالَه الجَوْهَرِيُّ، والمرادُ هنا الجميعُ.
و (يُؤْذِنُ) بمعنَى يُعْلِمُ، يُقالُ: آذَنْتُكَ بالشيءِ، أَعْلَمْتُكَهُ، وفَسَّرَهُ الراغبُ بالعلمِ الذي يُتَوَصَّلُ إليه بالسماعِ، لا مُطْلَقِ العلمِ.
(1/104)

و (الازْدِيَادُ) أَبْلَغُ من الزيادةِ، كما أنَّ الاكتسابَ أَبْلَغُ مِن الكَسْبِ، وهو أخذُ الشيءِ بعدَ الشيءِ. و (الدالُ) بدلٌ عن (التاءِ)، وأصلُه ازْتِيَادٌ، أَبْدَلَ من التاءِ دالاً؛ لِتَوَافُقِ الزايِ والدالِ في الجَهْرِ؛ لِيَتَشَاكَلَ اللفظُ، وهو مأخوذٌ من قولِهِ تعالَى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}.
ص: (ونُصَلِّي على نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ هادِي الأُمَّةِ لِرَشَادِها).
ش: الصيغةُ صِيغَةُ خَبَرٍ، والمقصودُ الطَّلَبُ؛ لِيَكُونَ امْتِثَالاً لقولِهِ تعالَى: {صَلُّوا عَلَيْهِ}، وهو مِن عَطْفِ الإنشاءِ على الإنشاءِ؛ إذ لو قُدِّرَ خَبَراً لَزِمَ عَطْفُ الخبرِ على الإنشاءِ، وهو مُمْتَنِعٌ عندَ البَيَانِيِّينَ، ولو قُدِّرَ هنا إرادتُهما لم يَبْعُدْ، وفَسَّرُوا الصلاةَ مِن اللهِ عَزَّ وجَلَّ بالرحمةِ، ومن الآدَمِيِّ بالدعاءِ.
ورُدَّ الأوَّلُ بأنَّ الرحمةَ فِعْلُها مُتَعَدٍّ، والصلاةَ فِعْلُها قاصِرٌ، ولا يَحْسُنُ تفسيرُ القَاصِرِ بالمُتَعَدِّي، وبأنَّه يَلْزَمُ جوازُ رحمةِ اللهِ عليه والتَّكْرَارُ في قَوْلِهِ تعالَى: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ}. ولهذا فَسَّرَها بعضُهم من اللهِ بالمغفرةِ؛ لأجلِ ذِكْرِ الرحمةِ بعدَها.
ورُدَّ الثاني بأنَّه يَلْزَمُ جوازُ: دَعَا عليه، وأُجيب بأنَّها لَمَّا ضُمِّنَتْ معنى العطفِ والتحَنُّنِ عُدِّيَتْ ب (على)، والأحسنُ ما قاله الغَزَالِيُّ وغيرُه: إِنَّ الصلاةَ موضوعةٌ للقَدْرِ المشترَكِ، وهو الاعتناءُ بالمُصَلَّى عليه.
و (النبيُّ) اخْتُلِفَ في لفظِه ومعناه: أمَّا لفظُه فاختُلِفَ في أنه مهموزٌ أم لا؟ فقيلَ: ليسَ بمهموزٍ، مِن النَّبْوَةِ: وهو ما
(1/105)

ارْتَفَعَ من الأرضِ، سُمِّيَ نَبِيًّا؛ لارتفاعِهِ وشَرَفِهِ، ولهذا ذَكَرَه الجَوْهَرِيُّ في بابِ المُعْتَلِّ، واحْتَجَّ عليه الأخفشُ بقولِهِ تعالَى: {وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَاءَ}. قالَ: فهذا جمعُ غيرِ المهموزِ؛ كصَفِيٍّ وأَصْفِيَاءَ، ولو كانَ مهموزاً لقيلَ: نُبَآءُ؛ ككَريمٍ وكُرَمَاءَ. وقيلَ: مهموزٌ مِن النَّبَأِ بمعنى الخبرِ، واحْتَجُّوا بقراءةِ نافعٍ: النَّبِيْء والأَنْبِياء والنُّبُوءَة في جميعِ القرآنِ بالهمزِ، إلاَّ في موضعيْنِ: {إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ}، و {لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ}.
وفي (مُسْتَدْرَكِ الحاكِمِ) أنَّ أعرابيًّا قالَ: يا نَبِيءَ اللهِ.
(1/106)

فقالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ تُغَيِّرِ اسْمِي)).
وقالَ الجَوْهَرِيُّ: نَهَى عن ذلك؛ لأنَّه يُقالُ: نَبَاتُ من أرضٍ إلى أرضٍ؛ إذا خَرَجْتَ مِنها إلى أُخْرَى، وهذا المعنى أرادَ الأعرابيُّ بقولِهِ: يا نَبِيءَ اللهِ. أي: يا مَن خَرَجَ من مكَّةَ إلى المدينةِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مِن النَّبْوَةِ بمعنى الرفعةِ، فهو أبلغُ من الهمزِ؛ لأنَّه ليسَ كلُّ مُنْبِئٍ رَفِيعَ المَحَلِّ؛ ولهذا نَهَى عن الهمزِ.
وقالَ ابنُ خَرُوفٍ في (شَرْحِ الكِتابِ): إنَّما نَهَى مَن خَفَّفَهُ من أهلِ التحقيقِ، وهم قليلٌ، وجماعةٌ من العربِ من أهلِ التحقيقِ، والتحقيقُ على البدلِ، والقراءةُ بالتحقيقِ ضعيفةٌ، لم يَقْرَا بها في السبعِ غيرُ المَدَنِيِّ. انتهَى.
وكذا قالَ ابنُ دَرَسْتَوَيْهِ: كلُّ ما لَزِمَ من البدلِ فإنَّه لا يَجُوزُ رَدُّه إلى الأصلِ، إلاَّ في ضرورةٍ؛ فلذلك أَنْكَرَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الهمزةَ، وإنْ كانَ هو الأصلَ. قالَ: وقد حَمَلَ هذا الحديثَ قومٌ مِن الجُهَّالِ باللغةِ، حتَّى زَعَمُوا أنَّ النبيَّ مُشْتَقٌّ مِن النَّبْوَةِ، وهذه فِرْيَةٌ على الأنبياءِ؛ لأنَّ النَّبْوَةَ ليسَتْ بالارتفاعِ كما ظَنُّوا، وإنما يُقالُ للسيفِ: نَبَا فهو نابٍ، وللفرسِ: النابِي، وكذلك النابِي من الأرضِ؛ لِمَا غَلُظَ وشَقَّ على سالِكِهِ، فامْتَنَعَ منه الناسُ، وليسَ هو ارتفاعاً فقطْ، بل هو وَصْفٌ له معَ ذَمٍّ.
وقالَ الفَارِسِيُّ في كتابِ (الحُجَّةِ): مَن حَقَّقَ الهمزَ في
(1/107)

النبيِّ، صارَ كأنَّه رَدَّ الشيءَ إلى أصلِهِ المرفوضِ استعمالُه؛ كوَذَرَ ووَدَعَ، فمِن ثَمَّ كانَ الأمرُ فيه التخفيفَ؛ ولذلك قالَ سِيبَوَيْهِ: بَلَغَنَا أنَّ قَوْماً من أهلِ الحِجازِ من أهلِ التحقيقِ يُحَقِّقُونَ (نَبِيّ وبَرِيَّة). قالَ: وذلك رَدِيءٌ، وإنَّمَا اسْتَرْدَأَهُ؛ لأنَّ الغالبَ في مِثْلِهِ التخفيفُ على وجهِ البدلِ من الهمزِ، وذلك الأصلُ كالمرفوضِ، فضَعْفُه عندَهم لاستعمالِهِم فيه الأصلَ الذي قد تَرَكَه سائِرُهم، لا لأنَّ النبيَّ الهمزُ فيه غيرُ الأصلِ.
قالَ الفَارِسِيُّ: أمَّا ما رُوِيَ من إنكارِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الهمزَ، فأَظُنُّ أنَّ مِن أهلِ النقلِ مَن ضَعَّفَ إسنادَه. قالَ: ومِمَّا يُقَوِّي تضعيفَه أنَّ مَن مَدَحَ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالَ: يا خَاتَمَ النُّبَآءِ. لم يُؤْثَرْ فيه إنكارٌ عليه، ولو كانَ في واحدِهِ نَكِيرٌ لَكَانَ الجمعُ كالواحدِ، وأيضاًً فلم يُعْلَمْ أنَّه عليه الصلاةُ والسلامُ أَنْكَرَ على الناسِ أنْ يَتَكَلَّمُوا بِلُغَاتِهِم.
وأمَّا معناه: فقيلَ: هو والرسولُ بمعنًى واحدٍ. والصوابُ تَغَايُرُهما، واخْتُلِفَ في التمييزِ بينَهما، والمُعْتَمَدُ ما قالَه الحَلِيمِيُّ وغيرُه؛ مِن أنَّ النبيَّ مُشْتَقٌّ مِن النَّبَأِ، وهو الخبرُ، إلاَّ أنَّ المُرَادَ هنا خَبَرٌ خاصٌّ عمَّن يُكْرِمُه اللهُ تعالَى بأنْ يُوقِفَه على شَرِيعَتِهِ، فإنِ انْضَافَ إلى هذا التوقيفِ أَمْرٌ بتبليغِهِ الناسَ ودُعَائِهِم إليه كانَ نَبِيًّا ورسولاً، وإلاَّ
(1/108)

كانَ نبيًّا غيرَ رسولٍ. ثمَّ ذَكَرَ سِتَّةً وأربعينَ خَصْلَةً يَخْتَصُّ بها النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وحاصِلُه أنَّ النبيَّ هو مَن أُوحِيَ إليه، فإنِ انْضَافَ إليه الأمرُ بالتبليغِ كانَ رسولاً ونبيًّا، وإلاَّ كانَ نبيًّا لا رسولاً، فالنبيُّ أعمُّ، فكلُّ رسولٍ نَبِيٌّ ولا يَنْعَكِسُ. وفي كلامِ الحَلِيمِيِّ فائدةٌ، وهي: تقييدُ الوحيِ بالشريعةِ، فإنْ صَحَّ هذا خَرَجَ وَحْيُهُ إلى مَرْيَمَ وأُمِّ مُوسَى عليهم السلامُ، ولَعَلَّه بَنَاهُ على عَدَمِ ثُبُوتِهِما، وفيه خِلافٌ ذَكَرْتُهُ في أُصُولِ الدِّينِ مِن هذا الشرحِ.
فظَهَرَ بما ذَكَرْنَاهُ أفضلِيَّةُ الرسالةِ على النُّبُوَّةِ، وتَخْرُجُ منه مُنَازَعَةُ المُصَنِّفِ في إِيثَارِهِ هنا صِفَةَ النُّبُوَّةِ على الرسالةِ، ولَعَلَّه لَحَظَ ما صارَ إليه الشيخُ عِزُّ الدِّينِ من تفضيلِ النبوَّةِ على الرسالةِ مِن جِهَةِ شَرَفِ التعلُّقِ، والراجِحُ خِلافُه، وعليه نَقْدٌ آخَرُ، وهو: عَدَمُ تَسْلِيمِهِ، وقد قالَ العلماءُ: يُكْرَهُ إفرادُ الصلاةِ عن التسليمِ.
وقولُه: (هَادِي الأُمَّةِ) مأخوذٌ من قولِهِ تعالَى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ
(1/109)

مُسْتَقِيمٍ}. وفَسَّرَ الراغِبُ الهِدَايَةَ بالدَّلالةِ بِلُطْفٍ، قالَ: وأمَّا قولُه تعالَى: {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ}. فهو على التهَكُّمِ.
وفي الحديثِ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ)). قالَ الرَّازِيُّ: الكثيرُ ضَمُّ (الميمِ)، بمعنى أنَّ اللهَ تعالَى أَهْدَاهُ إلى الناسِ، وكانَ ابنُ البرْقِيُّ يقولُ: بكسرِ (الميمِ) مِن الهِدَايَةِ. وكان ضابِطاً فَهِماً مُتَصَرِّفاً في الفِقْهِ واللُّغةِ، والذي قالَه أجودُ؛ لأنَّه بُعِثَ للهِ هَادِياً؛ كما قالَ تعالَى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. و (الرَّشَادُ) ضِدُّ الغَيِّ.
(1/110)

ص: (صَلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وأصحابِه، ما قَامَتِ الطُّرُوسُ والسطورُ لِعُيُونِ الألفاظِ مَقَامَ بَيَاضِها وسَوَادِها).
ش: كانَ الأَوْلَى إضافةَ الآلِ إلى الظاهرِ؛ لأنَّه الوارِدُ في السنَّةِ، وللخروجِ من خِلافٍ مِن مَنْعِ إضافتِهِ إلى الضميرِ؛ كالكِسَائِيِّ والنَّحَّاسِ والزُّبَيْدِيِّ، قالَ ابنُ
(1/111)

مالِكٍ: وقد ثَبَتَتْ إِضَافَتُه إلى مُضْمَرٍ. وقيلَ لرسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَن آلُكَ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: ((آلِي كُلُّ تَقِيٍّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)). أَخْرَجَهُ تَمَّامٌ في فَوَائِدِهِ. وقيلَ: إنَّه اسمُ جمعٍ لا واحدَ له من لفظِه، وفَسَّرَهُ سِيبَوَيْهِ فيما حَكَاهُ ابنُ عَطِيَّةَ: بالقومِ
(1/112)

الذين يَؤُولُ أَمْرُهُم إلى المضافِ إليه، وهو نَصٌّ في أنَّ (آل) ليسَ أصلُه أَهْلاً كما زَعَمَ النحَّاسُ، وقالَ الإمامُ في تفسيرِ سورةِ مَرْيَمَ: الآلُ: خاصَّةُ الرجُلِ الذين يَؤُولُ أَمْرُهُم إليه، ثُمَّ قد يَؤُولُ أَمْرُهُم إليه للقَرَابَةِ تَارَةً وللصُّحْبَةِ أُخْرَى؛ كآلِ فِرْعَوْنَ، وللموافقةِ في الدِّينِ؛ كآلِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. انْتَهَى.
وهو حَسَنٌ يَجْمَعُ الأقوالَ ويَقْتَضِي أنَّه مُشْتَرَكٌ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلاَّ في التعظيمِ، وآلُهُ بنو هَاشِمٍ والمُطَّلِبِ، وقيلَ: جميعُ الأُمَّةِ. وقيلَ: أولادُ فاطمةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا. والأصحابُ: جمعُ صاحبٍ، وهو كلُّ مُسْلِمٍ رَأَى النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقَدَّمَ الآلَ لِشَرَفِهِم، وعَطَفَ الأصحابَ عليهم؛ لأنَّ بينَهما عُمُوماً وخُصُوصاً مِن وَجْهٍ؛ لأنَّ التابعيَّ الذي هو من بني هاشمٍ وبني المطَّلِبِ من
(1/113)

الآلِ، وليسَ من الصحابةِ، وسَلْمَانُ - مثلاً - بالعكسِ، وعليٌّ - مثلاً - صَحَابِيٌّ وآلٌ.
وقولُه: (ما قَامَتْ) ما: في وَضعِ الظرفِ؛ أي: مُدَّةَ. و (الطُّرُوسُ): جَمْعُ طِرْسٍ، بكسرِ الطاءِ، فَسَّرَهُ الجَوْهَرِيُّ بالصَّحِيفَةِ، ثمَّ قالَ: ويُقالُ: هي التي مُحِيَتْ ثمَّ كُتِبَتْ. وعلى هذا اقْتَصَرَ في (المُحْكَمِ)، وحكَى فيها لغةً أُخْرَى: طِلْسٌ، باللامِ بدلَ الراءِ، وقالَ الفَرَّاءُ في (الجامِعِ): الطِّرْسُ: الكتابُ الذي قد مُحِيَ ما فيه ثمَّ كُتِبَ. وقيل: هو الصحيفةُ بعينِها، وإنما يُقالُ للذي مُحِيَ: طُلِسَ، وحُكِيَ فيها: طِرْسٌ وطِرْصٌ، بالسينِ والصادِ، واستعمالُ المصنِّفِ (عُيُونَ الألفاظِ) استعارةٌ بليغةٌ، ورَشَّحَها بالبياضِ والسوادِ؛ فإنَّهما من لَوَازِمِ العيونِ، وفيه لَفٌّ ونَشْرٌ مُرَتَّبٌ، فالبَياضُ للطُّرُوسِ، والسوادُ للسطورِ، وفيه استعمالُ الطُّرُوسِ للصحيفةِ البَيضاءِ، وفيه ما سَبَقَ، وفي الطُّرُوسِ والسُّطُورِ جِناسُ القَلْبِ؛ لاخْتِلافِهِما في ترتيبِ الحروفِ، فهو نظيرُ: (اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا وآمِنْ رَوْعَاتِنا) .. ومقصودُ المُصَنِّفِ تَابِيدُ الصلاةِ عليه على الدوامِ؛ إذ لا تَزَالُ طائفةٌ مِن الأُمَّةِ على الحقِّ
(1/114)

حتَّى تَقُومَ الساعةُ، ووجودُ الطُّرُوسِ مِن لَوَازِمِ بَقَائِها، فعَبَّرَ باللازِمِ وأرادَ الملزومَ، وخَصَّ التعليقَ على ذلك دُونَ غيرِهِ مِن الأشياءِ المُؤَبَّدَةِ؛ لِشَرَفِ العلمِ المبعوثِ به النبيُّ الكريمُ صَلَّى اللهُ تعالَى عليه وسَلَّمَ.
ص: (ونَضْرَعُ إليكَ في مَنْعِ الموانعِ عن إكمالِ جمعِ الجوامِعِ، الآتي مِن فَنَّيِ الأصولِ بالقواعدِ القواطِعِ، البالِغِ مِن الإحاطةِ بالأصليْنِ مَبْلَغَ ذَوِي الجِدِّ والتَّشْمِيرِ، والوارِدِ مِن زُهَاءِ مِائَةِ مُصَنَّفٍ مَنْهَلاً يُرْوِي ويَمِيرُ، المُحِيطِ بِزُبْدَةِ ما في شَرْحِي على المُخْتَصَرِ والمِنْهَاجِ معَ مَزِيدِ كَثِيرٍ).
ش: ضَرَعَ الرجُلُ ضَرَاعَةً؛ خَضَعَ وذَلَّ، قالَ الفَرَّاءُ: يُقالُ: جاءَ فلانٌ يَتَضَرَّعُ ويَتَعَرَّضُ: بمعنَى إذا جاءَ يَطْلُبُ إليكَ الحاجةَ. ولا شكَّ أنَّ التضَرُّعَ أبلغُ؛ فإنَّه نهايةُ السؤالِ؛ فلهذا آثَرَهُ المصنِّفُ.
و (في مَنْعِ) مُتَعَلِّقٌ بِنَضْرَعُ، و (عن) مُتَعَلِّقٌ بِمَنْعِ، وحذفُ تاءِ المضارعةِ فيه تَسْهِيلاً، وأصلُه نَتَضَرَّعُ، ثمَّ أُدْغِمَ. وكأنَّه طَلَبَ مِن اللهِ تَعَالَى دَفْعَ الموانِعِ العائقةِ له عن إكمالِ هذا الكتابِ، وذلك يَسْتَلْزِمُ
(1/115)

طَلَبَ كمالِهِ، وكأنَّه إنَّما لم يَطْلُبْهُ ابتداءً؛ لأنَّه قد يَصْحَبُهُ مانِعٌ، فسَأَلَ رَفْعَ الموانِعِ أصلاً ورأساً.
و (الآتي): صِفَةٌ لجمعِ الجوامِعِ، وهو اسمُ فاعلٍ مِن أَتَى بمعنى جاءَ، ومنه قولُهم: ما أَقْرَبَ ما هو آتٍِ.
و (بالقواعدِ) مُتَعَلِّقٌ به، و (مِن فَنَّيِ الأصولِ) متعلِّقٌ بالقواعِدِ، و (مِن) للبيانِ، والفَنُّ: النوعُ، قالَ الجَوْهَرِيُّ: فَنَّ الرجُلُ؛ كَثُرَ تَفَنُّنُه في الأمورِ؛ أي: تَنَوُّعُهُ. والفُنُونُ: الأنواعُ. والأفانِينُ: الأساليبُ. والألفُ واللامُ في (الأُصُولِ) للاستغراقِ؛ لِيَعُمَّ أصولَ الفقهِ وأصولَ الدِّينِ؛ بدليلِ تَثْنِيَةِ فَنٍّ، وقولِهِ بعدَه: من الإحاطةِ بالأصليْنِ.
وفي (القواعِدِ) و (القواطِعِ) الجناسُ اللاحِقُ؛ لاتِّفَاقِ الكَلِمَتَيْنِ في عددِ الحروفِ والهيئاتِ، واخْتِلاَفِهما في الآخِرِ، فهو نظيرُ قولِهِ تعالَى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ}.
وفي التعبيرِ ب (البالِغِ) و (الإحاطةِ) من النهايةِ في الاطِّلاعِ على الأصليْنِ ما لا يَخْفَى.
و (مَبْلَغَ) منصوبٌ بالبالِغِ. و (الجِدُّ) بكسرِ الجيمِ: الجَهْدُ. (وزُهَاءَ مائةٍ) أي: قَدْرَ مائةٍ، هذا مدلولُه لُغَةً، وكلامُ الفُقَهَاءِ في بابِ الوصيَّةِ يُخَالِفُه، ثُمَّ كلامُ الأخفشِ يَقْتَضِي أنَّها ممدودةٌ؛ فإنَّه ذَكَرَها في بابِ ما يُمَدُّ، ولكِنَّ صَاحِبَ (الصِّحَاحِ) ذَكَرَها في المُعْتَلِّ، وعلى المدِّ اقْتَصَرَ صاحِبُ (المَشَارِقِ)، قالَ: ويُقالُ: لُهَاء، باللامِ بَدَلَ الزايِ.
و (يُرْوِي) بضمِّ أَوَّلِهِ: من الرِّيِّ، وهو الشِّبَعُ من الماءِ، يقالُ منه: رَوِيتُ، بكسرِ الواوِ، أَرْوَى رَيًّا ورِيًّا، وفي الحديثِ: (رَوَيتُ) بالفتحِ، وما أحسنَ قولَ بعضِهم: رَوَيْتُ وما رَوِيتُ من الروايةِ.
و (يَمِيرُ): بفتحِ أوَّلِهِ، ويَجُوزُ ضَمُّها؛ لأنَّه يقالُ: مارَ وأمارَ بمعنًى، من قولِهم: مارَ أهلَه يَمِيرُهُم؛ إذا حَمَلَ لهم المِيرَةَ، وهو الطعامُ، ومنه قولُهم: ما عندَهم خيرٌ ولا مَيْرٌ.
(1/116)

ص: (ويَنْحَصِرُ في مُقَدِّمَاتٍ وسَبْعَةِ كُتُبٍ).
ش: الانحصارُ مُطَاوِعُ حَصَرَ، وحقُّ انْفَعَلَ أنْ يُطَاوِعَ مِثلَ الثلاثيِّ، نحوُ: ضَرَبْتُهُ فانْضَرَبَ، ويَقِلُّ في الرُّبَاعِيِّ: أَزْعَجْتُهُ فانْزَعَجَ، قالَ أبو السَّعَادَاتِ: والحَصْرُ: التَّضْيِيقُ، قالَ تعالَى: {وَاحْصُرُوهُمْ}، وانْحِصَارُ الشيءِ في أشياءَ يكونُ على وجهيْنِ:
أَحَدُهما: انحصارُه في جُزْئِيَّاتِه؛ كانحصارِ الكَلِمَةِ في الاسمِ والفعلِ والحرفِ.
الثاني: انْحِصَارُه في أجزائِهِ؛ كانحصارِ الكلامِ في الاسمِ والفعلِ والحرفِ أيضاًً.
والفرقُ بينَهما أنَّ اسمَ المحصورِ في الأوَّلِ يكونُ صَادِقاً على كلِّ واحدٍ مِن الأشياءِ المحصورِ فيها هو، بخلافِ الثاني، والضميرُ في قَوْلِهِ: (ويَنْحَصِرُ) إمَّا أنْ يعودَ على هذا المُخْتَصَرِ، أو إلى أُصُولِ الفِقْهِ، لا جائزَ أنْ يعودَ على المُخْتَصَرِ المدلولِ عليه بقولِهِ في الخُطْبَةِ: (جَمْعِ الجوامِعِ الآتي من فَنَّيِ الأصولِ بالقواعدِ القواطِعِ)؛ فإنَّ (جمعَ الجوامِعِ) يَشْتَمِلُ على غيرِ المقدِّمَةِ والسبعةِ كُتُبٍ، من علمِ أصولِ الدينِ وخاتمةِ التصوُّفِ، فلا انْحِصَارَ، وإمَّا أنْ يعودَ إلى أصولِ الفِقْهِ المدلولِ عليه بقولِهِ في الخُطْبَةِ: (المُحِيطِ بِزُبْدَةِ ما في شَرْحِي على (المُخْتَصَرِ) و (المِنْهَاجِ) معَ مَزِيدِ كثيرٍ)، وليسَ المذكورُ في الشرحيْنِ غيرَ أصولِ الفقهِ، فيقالُ عليه: إنَّ مِن جملةِ المُقَدِّمَاتِ حَدَّ أُصُولِ الفقهِ وغيرِه مِن قواعدِ المَنْطِقِ، ونَحْوِها مِمَّا لا يُعَدُّ مِن أُصُولِ الفِقْهِ، فلا يكونُ جُزْءاً منه؛ لِخُرُوجِها عنه اصطلاحاً، وقد يُجابُ بأنَّه لَمَّا تَوَقَّفَ الأصولُ عليها، جَعَلَها جُزْءاً منه على طريقِ التغليبِ، ووجهُ الانحصارِ فيما ذَكَرَه أنَّ ما تَضَمَّنُه الأصولُ إمَّا مقصودٌ بالذاتِ، أو لا، والثاني: المُقَدِّمَاتُ؛ إذ لا بُدَّ أنْ يَتَوَقَّفَ عليهِ المقصودُ، وإلاَّ لم يُحْتَجْ إليه، والأوَّلُ: إنْ كانَ الغرضُ مِنه استنباطَ الأحكامِ، فالبحثُ إمَّا عن نفسِ الاستنباطِ، وهو الاجتهادُ، وإمَّا عمَّا تُسْتَنْبَطُ هي مِنه، إمَّا عندَ تَعَارُضِها، وهو الترجيحُ، أو لا، وهو الأدِلَّةُ والاستدلالُ.
(1/117)

ص: (الكلامُ في المُقَدِّمَاتِ).
ش: المُقَدِّمَاتُ: جمعُ مُقَدِّمَةٍ، وهي في اصطلاحِ الحكماءِ: القَضِيَّةُ المَجْعُولَةُ جُزْءَ الدليلِ؛ كقولِنا: العالِمُ مُمْكِنٌ، وكلُّ مُمْكِنٍ له سببٌ، فيَنْتُجُ: أنَّ العالِمَ له سَبَبٌ، فكلُّ وَاحِدَةٍ من هذه تُسَمَّى مُقَدِّمَةً، وأمَّا عندَ المُتَكَلِّمِينَ: فما يَتَوَقَّفُ عليه حُصُولُ أمرٍ آخرَ، وهو مرادُ المصنِّفِ، وهي أعمُّ مِن الأُولَى، فالمقدِّمَةُ لبيانِ السوابِقِ، والفصولُ المُعَبَّرُ عنها هنا بالكتبِ لبيانِ المقاصِدِ، وهي مأخوذةٌ مِن مُقَدِّمَةِ العَسْكَرِ، وهو أوَّلُ ما يَبْدُو، وفيها لغتانِ: فتحُ الدالِ، باعتبارِ المفعوليَّةِ، بمعنى قُدِّمَتْ على المقصودِ إعانةً على فَهْمِهِ، وكَسْرُها، باعتبارِ الفاعليَّةِ، بمعنى مُتَقَدِّمَةٍ، من قولِه تعالَى: {لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ}. قيلَ: والكسرُ أشهرُ. وكأنَّهم لَحَظُوا أنَّه لَمَّا وَجَبَ تَقَدُّمُها بالذاتِ؛ لابتناءِ ما بعدَها عليه، رَجَحَ تقديرُ الفاعليَّةِ فيها؛ للإشعارِ بأنَّها تَقَدَّمَتْ بنفسِها، بخلافِ الفتحِ.
ص: (أُصُولُ الفِقْهِ: دلائلُ الفِقْهِ الإجماليَّةُ، وقيلَ: مَعْرِفَتُها).
ش: الدلائلُ جِنْسٌ،
(1/118)

والإجماليَّةُ فَصْلٌ أَخْرَجَ به الأدِلَّةَ التفصيليَّةَ بحَسَبِ مسألةٍ مسألةٍ، وهو الفِقْهُ،
(1/119)

ومعنى الإجماليَّةِ كما قالَ أبو الحُسينِ في المُعْتَمَدِ: إِنَّها غيرُ مُعَيَّنَةٍ، ألاَ تَرَى أنَّا إذا تَكَلَّمْنَا في أنَّ الأمرَ للوجوبِ، لم نُشِرْ إلى أَمْرٍ مُعَيَّنٍ، وكذلك النهيُ والإجماعُ والقياسُ، وليسَ كذلك أَدِلَّةُ الفِقْهِ؛ لأنَّها مُعَيَّنَةٌ، نحوُ قولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ)). قالَ: ولهذا كانَ قولُ مَن قالَ: أصولُ الفقهِ كلامٌ في أَدِلَّةِ الفقهِ - يَلْزَمُ عليه أنْ يكونَ كلامُ الفقهاءِ في أدلَّةِ الفقهِ المعيَّنَةِ كلاماً في أصولِ الفِقْهِ؛ فلهذا قَيَّدْنَا الأدِلَّةَ الإجماليَّةَ. انْتَهَى.
وهذا هو المُخْتَارُ في تَعْرِيفِهِ، أعنِي أنَّ الأصولَ نَفْسُ
(1/120)

الأدِلَّةِ، لا مَعْرِفَتُها؛ لأنَّ الأدِلَّةَ إذا لم تُعْلَمْ لا تَخْرُجُ عن كَوْنِها أُصُولاً، وهو الذي ذَكَرَه الحُذَّاقُ؛ كالقاضي أبي بكرٍ، وإمامِ الحَرَمَيْنِ، والرَّازِيِّ والآمِدِيِّ
(1/121)

وغيرِهم، واختارَهُ الشيخُ تَقِيُّ الدينِ بنُ دَقِيقِ العِيدِ.
وقيلَ: بل أصولُ الفقهِ مَعْرِفَةُ الأدِلَّةِ. وعليه جَرَى في (المِنْهَاجِ).
وكذا ابنُ الحاجِبِ، إلاَّ أنَّه عَبَّرَ بالعلمِ بها، ووَجَّهَهُ بعضُهم بأنَّ العِلْمَ
(1/122)

بالأدِلَّةِ مُوصِلٌ إلى المَدْلُولِ، والأدِلَّةُ لا تُوصِلُ إلى المدلولِ إلا بواسطةِ العِلْمِ بها.
والحاصلُ: أنَّ الأدِلَّةَ لها حقائِقُ في أَنْفُسِها من حيثُ دَلاَلَتُها، ومِن حيثُ تَعَلُّقُ العِلْمِ بها، فهل موضوعُ أصولِ الفقهِ تلكَ الحقائقُ أو العِلْمُ بها؟ والمختارُ الأوَّلُ؛ لأنَّ أهلَ العُرْفِ لا يُسَمُّونَ العلومَ أُصُولاً، ويقولُ: هذا كتابُ أُصُولٍ، ولأنَّ الأصولَ لُغَةً: الأدِلَّةُ، فجَعْلُه اصطلاحاً نفسَ الأدِلَّةِ أقربُ إلى المدلولِ اللُّغَوِيِّ، ومِن هنا جَعَلَ المصنِّفُ وغيرُه الفِقْهَ: العلمَ بالأحكامِ، لا نَفْسَها؛ لأنَّه أقربُ إلى الاستعمالِ اللُّغَوِيِّ؛ إذ الفِقْهُ لغةً: الفَهْمُ، وليسَ كذلك الأصولُ، وبهذا يَنْفَصِلُ عن سؤالِ جَعْلِ الأصولِ الأدِلَّةَ، والفِقْهِ العِلْمَ بالأحكامِ.
هذا تقريرُ كلامِ المصنِّفِ، وفيه كَلِمَاتٌ:
الأُولَى: أَنَّه إنَّما يُحَدُّ اللَّقَبِيُّ، لا الإضافيُّ؛ بدليلِ أنَّه لم يُعَرِّفِ الأصولَ بمفردِهِ، وحينَئذٍ فكيفَ يَصِحُّ جَعْلُه نفسَ الأدِلَّةِ؟! فإنَّ اللَّقَبِيَّ هو ما نُقِلَ عن الإضافةِ وجُعِلَ عَلَماً على الفَنِّ، أو صارَ عَلَماً بالغَلَبَةِ، لا نَقْلَ فيه.
وكيفَ يَصِحُّ أنْ يَحْكِيَ فيه قَوْلاً: إنَّه معرفةُ الأدِلَّةِ، وليسَ ذلك خِلافاً مُتَوَارِداً على مَحَلٍّ واحدٍ، بل هما طريقانِ لمقصوديْنِ مُتَغَايِرَيْنِ، فمَن قَصَدَ الإضافِيَّ فَسَّرَهُ بالأدِلَّةِ، ومَن قَصَدَ اللَّقَبِيَّ فَسَّرَهُ بالعِلْمِ بها؛ ولهذا لَمَّا جَمَعَ ابنُ الحاجِبِ بينَهما عَرَّفَ اللَّقَبِيَّ بالعِلْمِ، والإضافِيَّ بالأدِلَّةِ، ومَن أَوْرَدَ عليه أنَّ أصولَ الفقهِ نفسُ تلكَ القواعدِ، لا العِلْمُ بها؛ لِثُبُوتِها في نفسِ الأمرِ، عَلِمَ بها أم لا - فقد غَفَلَ عن هذا المعنَى، ولم يَقَعْ على مُرَادِهِ؛ فإنَّه قبلَ العِلْمِيَّةِ بمعنى الأدِلَّةِ، وأمَّا بعدَه فصارَ معنى
(1/123)

أصولِ الفقهِ عِلْمَ أُصُولِهِ، كما يُقالُ: سورةُ البقرةِ، ثمَّ يقالُ: البقرةُ؛ باعتبارِ النقلِ إلى عِلْمِ السورةِ.
وإمامُ الحَرَمَيْنِ لَمَّا عَرَّفَه في (البُرْهَانِ) بالأدلَّةِ قالَ شَارِحُه الإبياريُّ: أرادَ الإضافِيَّ. نَعَم المصنِّفُ تابَعَ والدَه الشيخَ الإمامَ، فإنَّه اقْتَنَصَ ذلك مِن تَخَالُفِ عبارةِ (المِنْهَاجِ) (والمحصولِ)، معَ أنَّ كُلاًّ مِنهما حَدَّ اللَّقَبِيِّ، فالبَيْضَاوِيُّ جَعَلَه العِلْمَ بالأدلَّةِ والكَيْفِيَّتَيْنِ، والإمامُ جَعَلَه عبارةً عن
(1/124)

الثلاثةِ، قلتُ: وتَابَعَه الهِنْدِيُّ على ذلك، وقالَه قبلَهما ابنُ بُرْهَانَ في (الأوسطِ)، ونَقَلَ إجماعَ المُتَقَدِّمِينَ على أنَّ أَدِلَّةَ الفِقْهِ تُسَمَّى أُصُولَ الفِقْهِ، والناظِرُ فيها يُسَمَّى أُصُولِيًّا، وقالَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ: أُصُولُ الفِقْهِ عندَ الفقهاءِ: طُرُقُ الفِقْهِ
(1/125)

التي يُؤَدِّي الاستدلالُ بها إلى معرفةِ الأحكامِ. انْتَهَى.
ويُمْكِنُ رَفْعُ الخلافِ؛ فإنَّه كما يَتَوَقَّفُ الفِقْهُ على هذه الحقائقِ يَتَوَقَّفُ على العِلْمِ بها، فيَجُوزُ حينَئذٍ إطلاقُ أصولِ الفقهِ على الأدلَّةِ نفسِها، وعلى العلمِ بها، لكِنَّ إطلاقَه على نفسِ الأدلَّةِ أَوْلَى؛ لأنَّ الغرضَ ما يُسْتَنْبَطُ منه الأحكامُ، لا العلمُ بتلك الطرقِ، نَعَمْ يَنْبَغِي تخريجُ خلافٍ في أنَّ الفقهَ هل هو مدلولُ تلك الأدلَّةِ أو العلمُ بالمدلولِ من الخلافِ الكلاميِّ، فيما إذا أَقَمْنَا دليلاً على حدوثِ العالَمِ مثلاً، فهل المدلولُ حُدُوثُ العالَمِ أو العلمُ بحدوثِ العالَمِ؟ والصحيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ حدوثَ الأكوانِ دالٌّ على حدوثِ الجواهِرِ، سواءٌ أَنَظَرَ الناظِرُ أم لا، والدليلُ مُرتبِطٌ بالمدلولِ؛ نَظَرَ الناظِرُ أم لا، وهذا الخِلافُ قيلَ: إنَّه لَفْظِيٌّ؛ إذ لا يَصِحُّ ثُبُوتُ العلمِ دونَ المعلومِ.
الثانيةُ: جَعْلُه (الإجماليَّةَ) قَيْداً (للأَدِلَّةِ)، والأَشْبَهُ - كما قَرَّرَهُ والِدُه - أنَّه قَيْدٌ (للمعرفةِ)؛ فإنَّ أدلَّةَ الفِقْهِ لها جِهَتَانِ: إحداهما: أعيانُها، والثانيةُ: كُلِّيَّاتُها، فلَيْسَتِ الأدلَّةُ تَنْقَسِمُ إلى ما هو إجماليٍّ غيرِ تَفصيليٍّ، أو تفصيليٍّ غيرِ إجمالِيٍّ، بل كلُّها شيءٌ واحدٌ لها جهتانِ، فالأُصُولِيُّ يَعْلَمُه مِن إِحْدَى الجِهَتَيْنِ، والفقيهُ يَعْلَمُه مِن الجِهَةِ الأُخْرَى، نَعَمْ يَصِحُّ أيضاًً جَعْلُها قَيْداً (للأدلَّةِ) باعتبارِ أنَّ لها نِسْبَتَيْنِ، فهي باعتبارِ إحداهما، غيرُها باعتبارِ الأُخْرَى.
الثالثةُ: المرادُ بالأدلَّةِ الكتابُ والسنَّةُ والإجماعُ والقياسُ والاستدلالُ، وقالَ إمامُ الحَرَمَيْنِ والغزاليُّ: ثلاثةٌ فقطْ، وأَسْقَطَا القياسَ والاستدلالَ، فالإمامُ بَنَاهُ على أنَّ الأدلَّةَ لا تَتَنَاوَلُ إلاَّ القَطْعِيَّ، فلَزِمَ إخراجُ القياسِ مِن أُصُولِ الفِقْهِ، ثمَّ اعْتَذَرَ عن إدخالِهِ فيه بِقِيَامِ القاطِعِ على العملِ به، والغزاليُّ خَصَّ الأدِلَّةَ بالمُثْمِرَةِ للأحكامِ،
(1/126)

فلهذا كانَتْ ثلاثةً، وجَعَلَ القياسَ من طرقِ الاستثمارِ؛ فإنَّ دَلالَتَه من حيثُ مَعْقُولُ اللفظِ، كما أنَّ العمومَ والخصوصَ دَلالَتُه من حيثُ صِيغَتُه.
الرابعةُ: أُورِدَ على المُصَنِّفِ أنَّه هَلاَّ قالَ: أُصُولُ الفقهِ: دلائلُه الإجماليَّةُ. وأجابَ بثلاثةِ أجوبةٍ:
أَحَدُها: أنَّه لو أَعَادَهُ مُضْمَراً لأَوْهَمَ عَوْدَه إلى نفسِ الأصولِ؛ لأنَّها المُحَدَّثُ عنها.
وثانيها: أنَّ التعاريفَ يُجْتَنَبُ فيها الضمائرُ ما أَمْكَنَ الإتيانُ بالمُظْهَرِ؛ لأنَّها موضوعةٌ للبيانِ، فإذا قلنا: الإنسانُ هو الحيوانُ الناطِقُ، لا يقالُ: هو الحيوانُ الناطقُ، تعريفٌ؛ لأنَّ (هو) ضميرٌ يَفْتَقِرُ إلى الوقوفِ على ما قبلَه.
ثالثُها، وهو المُعْتَمَدُ: أنَّ الفِقْهَ في قَوْلِهِ: (دلائلُ الفقهِ) غيرُ الفقهِ في قَوْلِهِ: أصولُ الفقهِ؛ لأنَّ الفقهَ في قولِنا: أصولُ الفقهِ. أحدُ جُزْئَيِ اسمِ لَقَبٍ مُرَكَّبٍ مِن مُتَضَايِفَيْنِ، وفي قولِنا: دلائلُ الفقهِ العَلَمُ المعروفُ.
ص: (والأُصُولِيُّ: العارِفُ بها، وبِطُرُقِ اسْتِفَادَتِها ومُسْتَفِيدِها).
ش: الأُصُولِيُّ صِفَةٌ لمحذوفٍ؛ أي: والمَرْءُ الأُصُولِيُّ، نِسْبَةً إلى معرفةِ الأصولِ، فهو العارِفُ بها، غيرَ أنَّ معرفتَه بِدُونِ أنْ يَعْرِفَ طُرُقَ اسْتِفَادَتِها ومُسْتَفِيدِها - مُحَالٌ، ضرورةَ تَوَقُّفِ العلمِ بالشيءِ على مُقَدِّمَاتِهِ، فهو العارِفُ بها وبِطُرُقِ اسْتِفَادَتِها، وهو بابُ التراجيحِ؛ أي: ترتيبُ الأدلَّةِ؛ بأنْ يُقَدَّمَ الخاصُّ على العامِّ، والمُبَيَّنُ على المُجْمَلِ، والظاهرُ على المُؤَوَّلِ، وهكذا.
(ومُسْتَفِيدِها)؛ أي: وهو المُجْتَهِدُ إنِ اسْتَفَادَ مِن الأدلَّةِ، والمُقَلِّدُ إنِ اسْتَفَادَ مِن المُجْتَهِدِ. قالَ المصنِّفُ: وقد عُلِمَ بهذا أنَّ المَعْرِفَةَ بِطُرُقِ الاستفادةِ
(1/127)

والمستفيدِ لا بُدَّ مِنهما في صِدْقِ مُسَمَّى الأُصُولِيِّ، وإنْ لم تَكُنْ تلك الطرُقُ جُزْءاً مِن مُسَمَّى الأُصُولِ. قالَ: وجَعْلُ المعرفةِ بِطُرُقِ استفادَتِها جُزْءاً من مدلولِ الأُصُولِيِّ دُونَ الأُصُولِ - أَمْرٌ لم يَسْبِقْنِي إليه أحدٌ. ووجهُه أنَّ الأُصُولَ لَمَّا كانَ عندَنا نفسُ الأدلَّةِ، لا مَعْرِفَتُها، لَزِمَ من ذلك أنْ يكونَ الأُصُولِيُّ هو المُتَّصِفَ به؛ لأنَّ الأصولِيَّ نِسْبَةٌ إلى الأصولِ، وهو مَن قامَ به الأصولُ، وقيامُ الأصولِ به معناه معرفتُه إيَّاه، ومَعْرِفَتُه إيَّاه مُتَوَقِّفَةٌ على أنْ يَعْرِفَ طُرُقَ الاستفادةِ؛ فإنَّ مَن لا يَعْرِفُ الطريقَ إلى الشيءِ مُحَالٌ أنْ يَعْرِفَ الشيءَ، فمِن ثَمَّ لَزِمَ كونُ معرفةِ الطرقِ أَمْراً لا بُدَّ مِنه في صِدْقِ مُسَمَّاهُ؛ ولهذا ذُكِرَ في أُصُولِ الفقهِ، وإنْ لم تَكُنْ نفسَ الأصولِ ولا مِنه. ولا يُنْكَرُ اشْتِرَاطُنا في الأصوليِّ ما ليسَ جُزْءاً من نفسِ الأصولِ؛ فإنَّ الناسَ قاطِبَةً قد عَرَفُوا الفِقْهَ بالعلمِ بالأحكامِ. إلى آخِرِهِ.
وقالَ: الفقيهُ: المُجْتَهِدُ، وهو ذو الدرجةِ الوُسْطَى عربِيَّةً وأُصُولاً. إلى آخِرِ صِفاتِ المجتهِدِ، فما قالُوا: الفقيهُ: العالِمُ بالأحكامِ، بل: مَن قَامَتْ به شرائطُ الاجتهادِ، وعَدَّدُوها؛ لأنَّ بِدُونِها لا يُمْكِنُ العلمُ بالأحكامِ، فكذلك بدونِ الطرقِ لا يُمْكِنُ العلمُ بالأصولِ، فلْتَكُنِ الطرُقُ جُزْءاً من مُسَمَّاهُ أو شَرْطاً لِصِدْقِ اسْمِهِ، وإنْ لم يَكُنْ جُزْءاً ولا شَرْطاً فلا بأسَ بِذِكْرِها في تعريفِهِ؛ لِتَتِمَّتِهِ. انْتَهَى.
قلتُ: وفيه نَظَرٌ؛ لأنَّ طُرُقَ الاستفادةِ ثابتةٌ في أنفُسِها، سواءٌ عَرَفَها الأصوليُّ أم لا، كما قلنا في الأدلَّةِ سواءٌ، فوَجَبَ أنْ يَدْخُلَ في مُسَمَّى الأصولِ، لا الأُصُولِيِّ. وإنما افْتَقَرَ العالِمُ بالأدِلَّةِ إلى ذلك؛ لِيَصِحَّ كَوْنُه عَالِماً بالأدلَّةِ على الحقيقةِ، وما انْفَصَلَ به المصنِّفُ عن سؤالِ الاشتراطِ في الأصولِيِّ، ما ليسَ جُزْءاً من نفسِ الأصولِ بما ذَكَرَهُ في الفقيهِ -فممنوعٌ؛ لأنَّ قولَهم في الفقهِ: إنَّه العِلْمُ بالأحكامِ المُكْتَسَبُ مِن أَدِلَّتِها التفصيليَّةِ-
(1/128)

صريحٌ في اعتبارِ الاجتهادِ؛ لأنَّ العِلْمَ المكتسَبَ إنما يكونُ بالاستنباطِ، وذلك موافقٌ لقولِهِم: الفقيهُ: المُجْتَهِدُ ... إلى آخرِهِ، فلم يَشْتَرِطُوا في الفقيهِ ما ليسَ شرطاً في الفِقْهِ، ثمَّ قولُه: فما قالُوا: الفقيهُ: العالمُ بالأحكامِ. ممنوعٌ؛ فقد قالَ الشيخُ أبو إسحاقَ الشِّيرَازِيُّ في كِتَابِهِ المسمَّى (بالحدودِ والحقائِقِ): الفقيهُ: مَن له الفِقْهُ، فكلُّ مَن له الفقهُ فهو فَقِيهٌ، ومَن لا فِقْهَ له فليسَ بفقيهٍ. وقيلَ: الفقيهُ هو: العالِمُ بأحكامِ أفعالِ المكلَّفِينَ التي يَسُوغُ فيها الاجتهادُ. هذا كلامُه، والأحسنُ طريقةً الشيخُ وابنُ بُرْهَانَ وغيرُهما: أنَّ أصولَ الفقهِ الأدلَّةُ، وكيفيَّةُ الاستدلالِ خاصَّةٌ؛ ضرورةَ أنَّ المُسْتَدِلَّ إذا كانَ غيرَ عالِمٍ بِمُقَدِّمَاتِ الدليلِ، أو بما يَتَرَتَّبُ عليه الدليلُ، لم يُتَصَوَّرْ أنْ يكونَ عالِماً بالدليلِ، وأمَّا حالَ المستفيدِ فليسَ من مُسَمَّاهُ؛ ولهذا قالَ الشيخُ تَقِيُّ الدينِ: لو اقْتَصَرَ على الدلائلِ وكيفيَّةِ الاستفادةِ منها، لَكَفَى، ويكونُ حالُ المستفيدِ كالتابِعِ والتَّتِمَّةِ، لكِنْ جَرَتِ العادةُ بإدخالِهِ في أصولِ الفقهِ وَضْعاً، فأُدْخِلَ فيه حَدًّا.
قلتُ: ولو قيلَ: إنَّ المرادَ بمعرفةِ الدلائلِ مَعْرِفَتُها في نفسِها، ومعرفةُ أقسامِها، والعلمُ بأحوالِها التي لا بُدَّ مِنها في معرفةِ الأحكامِ الشرعيَّةِ - لكَفَى الاقتصارُ على الدلائلِ؛ كما فَعَلَ المصنِّفُ معَ التوفِيَةِ بطريقِ الجمهورِ. وقد أُورِدَ على المصنِّفِ أنَّه إذا كانَ الأُصُولُ عندَه الأدِلَّةَ، لَزِمَ أنْ يكونَ الأُصُولِيُّ العارِفَ بها، فحينَئذٍ فزيادةُ: (طُرُقِ اسْتفادتِها ومُسْتَفِيدِها) غيرُ محتاجٍ إليه، وأجابَ بأنَّ الأُصُولَ: نفسُ الأدلَّةِ، لا مَعْرِفَتُها، وأمَّا الأُصُولِيُّ: فهو المُتَلَبِّسُ بتلكَ الأدِلَّةِ؛ أي: العارِفُ بها، غيرَ أنَّ العِرْفَانَ لا يَتَهَيَّأُ إلاَّ لِمَن عَرَفَ طُرُقَ الاستفادةِ والمُسْتَفِيدِ؛ لأنَّ للمعرفةِ شُرُوطاً لا
(1/129)

يَتَهَيَّأُ إلاَّ بها، فإذنْ مَعْرِفَةُ تلكَ الطرقِ تُوصِلُ إلى معرفةِ الأدلَّةِ المُقْتَضِيَةِ لتسميةِ العارِفِ أُصُولِيًّا، كما أنَّ الضربَ هو الإيلامُ، والضاربَ هو المؤلِمُ على كيفيَّةٍ خاصَّةٍ.
ص: (والفِقْهُ: العِلْمُ بالأحكامِ الشرعيَّةِ العَمَلِيَّةِ، المُكْتَسَبُ مِن أَدِلَّتِها التفصيليَّةِ).
ش: هذا حَدُّ الفِقْهِ اصْطِلاحاً، فالعِلْمُ جِنْسٌ، ولو عَبَّرَ بالمعرفةِ لكانَ أحسنَ، كما قالَ الشيخُ تَقِيُّ الدينِ؛ فإنَّ العلمَ يُطْلَقُ بمعنى حصولِ المعنَى في الذهنِ،
(1/130)

ويُطْلَقُ على أخصَّ من ذلك، وهو الاعتقادُ الجازِمُ المطابِقُ لِمُوجِبٍ، ولهذا جاءَ سؤالُ الفقهِ من بابِ الظنونِ، فلا يَحْسُنُ جَعْلُه عِلْماً، ومَن عَبَّرَ بالمعرفةِ سَلِمَ منه لذلكَ. انْتَهَى.
وقد انْفَصَلَ المصنِّفُ عن هذا، فقالَ: المرادُ به هنا الصِّنَاعةُ، كما تقولُ: عِلْمُ النحوِ؛ أي: صِنَاعَتُه، وحينَئذٍ يَنْدَرِجُ فيه الظنُّ واليقينُ، ولا يَرِدُ سؤالُ الظنِّ، وهذا يُنَازِعُ فيه أنَّ جَوَابَهُم عن السؤالِ بالطريقِ التي ذَكَرُوها، يَدُلُّ على أنَّ مُرَادَهم بالعلمِ اليقينُ، وإلاَّ كانَ جَوَابُهُم أنَّ الظنَّ دَاخِلٌ في العلمِ، ولو تَجَنَّبَهُ المصنِّفُ لَسَلِمَ مِن التَّمَحُّلِ لِدَفْعِ السؤالِ.
وقولُه: (بالأحكامِ) فَصْلٌ يُخْرِجُ الإدراكَ بلا حُكْمٍ؛ كالعلمِ بالذواتِ والصفاتِ الحقيقيَّةِ والإضافةِ، فلا شيءَ مِن هذه العلومِ بِفِقْهٍ.
(1/131)

وقولُه: (الشرعيَّةِ) يُحْتَرَزُ به عن العلمِ بالأحكامِ العقليَّةِ، مثلُ كونِ العَرَضِ هل يَبْقَى زَمَانَيْنِ، والمرادُ بالشرعيَّةِ ما يَتَوَقَّفُ مَعْرِفَتُها على الشرعِ، والشرعُ: الحُكْمُ، والشارِعُ هو اللهُ تعالَى. والرسولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُبَلِّغٌ، ويُطْلَقُ عليه أيضاًً بهذا الاعتبارِ.
واعْلَمْ أنَّ جَعْلَ قولِهم: بالأحكامِ الشرعيَّةِ، قيديْنِ مُسْتَقِلَّيْنِ، حتَّى يُحْتَرَزَ بكلِّ واحدٍ مِنهما عن شيءٍ. وهي طريقةُ الإمامِ في (المحصولِ) ومُتَابِعِيهِ. والتحقيقُ أنَّ الأحكامَ الشرعيَّةَ لفظٌ مُفْرَدٌ لا يَدْخُلُ جُزْؤُه فيه على شيءٍ؛ فإنَّ الأحكامَ الشرعيَّةَ جمعُ الحكمِ الشرعيِّ، وهو عِلْمٌ لِمَا سيأتي تَعْرِيفُه مِن الخطابِ المُنْقَسِمِ إلى الإيجابِ والتحريمِ وغيرِهما، وقد صَرَّحَ إِمامُ الحَرَمَيْنِ في (البُرهانِ) بأنَّ المرادَ بالأحكامِ الشرعيَّةِ في حَدِّ الفِقْهِ ذلكَ، فلْيُتَفَطَّنْ له؛ فإنَّه مِن النفائِسِ.
قولُه: (العَمَلِيَّةِ) قَيْدٌ لم يَذْكُرْهُ القاضِي، ولكِنْ ذَكَرَه المُتَأَخِّرُونَ، واخْتَلَفُوا في المُحْتَرَزِ عنه؛ فقالَ الإمامُ: إنَّه احترازٌ عن العِلمِ بكونِ الإجماعِ حُجَّةً، وخبرِ الواحدِ والقياسِ حُجَّةً؛ فإنَّ العِلمَ به ليسَ عِلْماً بكيفيَّةِ عَمَلٍ، فلا يكونُ فِقهاً، وفَسَّرُوا العَمَلِيَّةَ بما يكونُ العلمُ به عِلْماً بكيفيَّةِ عَمَلٍ.
واسْتَشْكَلَهُ ابنُ دَقِيقِ العِيدِ؛ لأنَّ جميعَ هذه القواعدِ التي ذَكَرَ أنَّه يُحْتَرَزُ عنها - فإنما الغايةُ المطلوبُ منها العملُ. والخَلاَصُ من هذا بزيادةِ الكيفيَّةِ غيرُ واضحٍ كلَّ الوضوحِ، إلاَّ أنْ يَرُدُّوا الأمرَ إلى الاصطلاحِ، وتفسيرِ معنى ما يُرِيدُه المتكلِّمُ من
(1/132)

كلامِهِ، فيَقْرُبَ الحالُ.
وقالَ القَرَافِيُّ: يُخْرِجُ العِلْمِيَّةَ؛ كأصولِ الدينِ، وساعَدَهُ الشيخُ علاءُ الدينِ البَاجِيُّ، وخَالَفَه صَاحِبُه الشيخُ الإمامُ السُّبْكِيُّ، وقالَ: أُصُولُ الدينِ مِنه ما يَثْبُتُ بالعقلِ وَحْدَهُ؛ كوُجُودِ البارِي، ومنه ما يَثْبُتُ بكلِّ واحدٍ مِن العقلِ والسمعِ؛ كالوَحْدَانِيَّةِ والرؤيةِ، ومِنه ما لا يَثْبُتُ إلاَّ بالسمعِ؛ ككَثِيرٍ مِن أحوالِ القيامةِ، فأمَّا ما يَثْبُتُ بالعقلِ فخَرَجَ بقولِنا: الشرعيَّةِ، وتَفْسِيرِنا إيَّاها بما يَتَوَقَّفُ على الشرعِ، وأمَّا ما يَتَوَقَّفُ على السمعِ فقد يقالُ: إنها داخلةٌ في حَدِّ الشرعيَّةِ.
وقولُه: (المُكْتَسَبُ) مرفوعٌ على أنَّه صفةٌ للعِلْمِ، وخَرَجَ به علمُ اللهِ تعالَى، وما يُلْقِيهِ في قلوبِ الأنبياءِ والملائكةِ عليهم الصلاةُ والسلامُ مِن الأحكامِ بلا
(1/133)

اكتسابٍ.
وقولُه: (مِن أَدِلَّتِها التفصيليَّةِ) قالَ الإمامُ وغيرُه: يُخْرِجُ اعتقادَ المُقَلِّدِ؛ فإنَّه مُكْتَسَبٌ مِن دليلٍ إجماليٍّ، وهو أنَّ هذا أَفْتَانِي به المُفْتِي، وكلُّ ما أَفْتَانِي به فهو حكمُ اللهِ في حَقِّي.
وقالَ المصنِّفُ: خروجُ اعتقادِ المقلِّدِ به يَسْتَدْعِي سَبْقَ حُصُولِهِ، ولا أُسَلِّمُ أنَّ الحاصلَ عندَ المقلِّدِ عِلْمٌ، وقد قالَ الإمامُ في تعريفِ العلمِ: إنَّه لا بُدَّ أنْ يكونَ عن مُوجِبٍ. وعِلْمُ المُقَلِّدِ ليسَ لِمُوجِبٍ، فالأَوْلَى أنْ يُخْرَجَ بِقَيْدِ (التفصيليَّةِ) عِلْمُ الخلافِ؛ فإنَّه عِلْمٌ مُكْتَسَبٌ بأحكامٍ شرعيَّةٍ عَمَلِيَّةٍ، لكِنَّها إجماليَّةٌ؛ لأنَّ الجَدَلِيَّ لا يَقْصِدُ صورةً بعينِها، وإنما يَضْرِبُ الصورةَ مِثالاً لقاعدةٍ كلِّيَّةٍ، فيَقَعُ عِلْمُهُ مُسْتَفَاداً من الدليلِ الإجمالِيِّ، لا من التفصيليِّ؛ كذا قالَ الأصفهانيُّ في (شرحِ
(1/134)

المحصولِ): اعتقادُ المُقَلِّدِ لا يُسَمَّى عِلماً. وقد صَرَّحَ بذلك في (المحصولِ) في تقسيمِهِ، وجَعَلَ اعتقادَ المُقَلِّدِ قَسِيماً للعلمِ، وحينَئذٍ فهو خارجٌ بقيدِ العلمِ، فلا حاجةَ إلى الاحترازِ عنه بقيدٍ آخرَ.
قلتُ: الأَوْلَى أنْ يُقالَ: خُرُوجُ المُقَلِّدِ يَسْتَدْعِي سَبْقَ دُخُولِهِ، ولا أُسَلِّمُ أنَّ قولَ المُفْتِي دليلُ الحكمِ الشرعيِّ؛ فإنَّ دليلَه النصُّ والإجماعُ والقياسُ، والظاهرُ أنَّ ذِكْرَها ليسَ للاحترازِ عن شيءٍ؛ فإنَّ اكتسابَ الأحكامِ لا يكونُ من غيرِ أَدِلَّتِها التفصيليَّةِ، وإنما ذُكِرَ للدَّلالةِ على المُكْتَسَبِ مِنه بالمطابقةِ.
قيلَ: وقولُ الإمامِ: علمُ المُقَلِّدِ ليسَ لِمُوجِبٍ ممنوعٌ، بل لا بُدَّ له مِن مُوجِبٍ؛ كحُسْنِ ظَنِّهِ بِمَن قَلَّدَهُ فيه.
قلتُ: مرادُه (بالموجِبِ) ما كانَ عن بُرْهَانٍ حِسِّيٍّ أو عقليٍّ أو مُرَكَّبٍ مِنهما، واعتقادُ المُقَلِّدِ خارِجٌ عن ذلك، ولهذا قالَ في (المَطَالِبِ العالِيَةِ): أمَّا التقليدُ فهو أنْ يَعْتَقِدَ الإنسانُ اعتقاداً جازِماً في الشيءِ من غيرِ دليلٍ ولا شُبْهَةٍ.
وقولُه: إنَّه يَخْرُجُ به علمُ الخلافِ. أي: فإنَّ الخلافِيَّ يقولُ: يَجِبُ بالمُقْتَضِي ولا يَجِبُ بالنافِي، بلا تَعْيِينٍ للمُقْتَضِي ولا للنافي، فغيرُ سَدِيدٍ؛ لأنَّ قولَ المُسْتَدِلِّ بالمُقْتَضِي أو النافي لا يُفِيدُ شَيْئاً إنْ لم يُعَيِّنْهُما، ثمَّ الظاهرُ أنَّ المرادَ به في كلامِهِ مُقْتَضٍ ونافٍ معهودٌ، فلم يَخْرُجْ عن التفصيلِ، فكانَ الصوابُ الاقتصارَ على (أَدِلَّتِهَا) من غيرِ وَصْفِها (بالتفصيليَّةِ)؛ لِئَلاَّ يُتَوَهَّمَ أنَّه قيدٌ زائدٌ.
(1/135)

ص: (والحُكْمُ: خِطَابُ اللهِ تعالَى المُتَعَلِّقُ بفعلِ المكلَّفِ مِن حيثُ إنَّه مُكَلَّفٌ).
ش: لَمَّا عَرَّفَ الفِقْهَ بالحُكْمِ، وَجَبَ تعريفُ الحكمِ، والألِفُ واللامُ فيه للعَهْدِ؛ أي: الشرعيُّ؛ لِيُحْتَرَزَ به عن العقليِّ، وبهذه القَرِينَةِ اسْتَغْنَى المُصَنِّفُ عن التقييدِ. فالخِطَابُ: جِنْسٌ، والمرادُ به: ما وُجِّهَ من الكلامِ نحوَ الغيرِ لإفادتِهِ، وبإضافتِه إلى اللهِ تعالَى يَخْرُجُ خِطَابُ غيرِه. واسْتَغْنَى عن تَقْيِيدِهِ بالقديمِ؛ لأنَّ كلامَه قديمٌ. و (المُتَعَلِّقُ بفعلِ
(1/136)

المكلَّفِ) يُخْرِجُ أربعةَ أشياءَ: ما تَعَلَّقَ بذاتِهِ، نحوُ: {اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ}، وبفعلِهِ، نحوُ: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}، وبالجماداتِ نحوُ: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ}، وبذواتِ المُكَلَّفِينَ، نحوُ: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ}.
وإنَّما أَفْرَدَ المُكَلَّفَ ولم يَجْمَعْهُ؛ لِئَلاَّ يَرِدَ عليه ما يَتَعَلَّقُ بمُكَلَّفٍ واحدٍ؛ كخَوَاصِّ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقولُه: (من حيثُ إنَّه مُكَلَّفٌ) يُخْرِجُ ما تَعَلَّقَ بفِعْلِ المُكَلَّفِ، لا مِن حيثُ تكليفُه؛ كخبرِ اللهِ عن أفعالِ المكلَّفِينَ، نحوُ: {وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}، فقولُه: {وَمَا تَعْمَلُونَ} مُتَعَلِّقٌ بعملِ المكلَّفِ، لا مِن حيثُ فِعْلُه؛ بدليلِ أنَّه يَعُمُّ المُكَلَّفَ وغيرَه، بل مِن حيثُ إنَّه مخلوقٌ للهِ تعالَى، وليسَ ذلك حُكْماً شرعيًّا، بل هو مِن بابِ العقائدِ، لا الأحكامِ. وكذا قولُه عليه الصلاةُ والسلامُ: ((صِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الرِّزْقِ)) وغيرُه.
وهذا القيدُ مُغْنٍ عن قولِ البَيْضَاوِيِّ: بالاقتضاءِ أو التخييرِ. وهو يُفْهِمُ اختصاصَ التعلُّقِ بوجهِ التكليفِ، لا يقالُ: فحينَئذٍ يَخْرُجُ ما سِوَى الإيجابِ والحَظْرِ، من الندبِ والإباحةِ والكراهةِ وخلافِ الأَوْلَى؛ لأنَّا نقولُ: هذه تَخُصُّ أفعالَ المُكَلَّفِينَ. وقولُ الفقهاءِ: (الصبيُّ يُثَابُ ويُنْدَبُ له) كلُّه على سبيلِ
(1/137)

التجَوُّزِ عندَ الأُصُولِيِّينَ، فلا يكونُ نَدْبٌ ولا كراهةٌ إلاَّ في فِعْلِ المكلَّفِ، وهذا أمرٌ مفروغٌ منه عندَ الأُصُولِيِّينَ، نَبَّهُوا عليه بقولِهِم: المُتَعَلِّقُ بأفعالِ المكلَّفِينَ. كذا قالَه المصنِّفُ، وسَبَقَه إليه الهِنْدِيُّ، فقالَ: الدليلُ على أنَّه لا يَتَعَلَّقُ بفعلِ الصبيِّ حُكْمٌ شرعيٌّ, الإجماعُ؛ فإنَّ الأُمَّةَ أَجْمَعَتْ على أنَّ شرطَ التكليفِ العقلُ والبلوغُ، وإذا انْتَفَى التكليفُ عنهم؛ لِفَقْدِ شَرْطِهِ، انْتَفَى الحكمُ الشرعيُّ عن أفعالِهم، والمعنى مِن تَعَلُّقِ الضمانِ بإتلافِ الصبِيِّ أمرُ الولِيِّ بإخراجِهِ من مالِهِ.
وقالَ الشيخُ تَقِيُّ الدينِ: عَبَّرَ بعضُهم بأفعالِ العبادِ؛ لِيَشْمَلَ الضمانَ المُتَعَلِّقَ بِفِعْلِ الصبِيِّ والمجنونِ. ومَنِ اعْتَبَرَ التكليفَ، رَدَّ ذلك الحُكْمَ إلى الوَلِيِّ، وتكليفُه بأداءِ قَدْرِ الواجِبِ.
قلتُ: وكذا القولُ في إتلافِ البَهيمةِ ونحوِهِ؛ فإنَّه حُكْمٌ شرعيٌّ، وليسَ مُتَعَلِّقاً بفعلِ المكلَّفِ، والحاصلُ رَدُّهُ إلى التعلُّقِ بفعلِ المكلَّفِ، إلاَّ أنَّ التَّعَلُّقَ تارَةً يكونُ بواسطةٍ، وتَارَةً يكونُ بغيرِ واسطةٍ، وكذا القولُ فيما يَثْبُتُ بِخِطَابِ الوضعِ على أحدِ الأقوالِ؛ فإنَّ الزوالَ سببٌ لوجوبِ الصلاةِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بفعلِ مُكَلَّفٍ؛ إذ مُوجِبُهُ وُجُوبُ الصلاةِ، لا أنَّه بِوَاسِطَةٍ، وقد أُورِدَ على المصنِّفِ أنَّه كانَ يَنْبَغِي أنْ يَزِيدَ: به، فيقولَ: مِن حيثُ إنَّه مُكَلَّفٌ به؛ لأنَّ الخطابَ من الشارِعِ لا يكونُ إلاَّ معَ المُكَلَّفِ، لا معَ الصبيِّ والمجنونِ، وأجابَ بأنه لو قالَ: به، لاقْتُضِيَ أنَّ المُكَلَّفَ لا يُخَاطَبُ إلاَّ بما هو مُكَلَّفٌ به، وليسَ كذلكَ؛ فإنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخَاطَبٌ بما كَلَّفَ به الأُمَّةَ، بمعنى تَبْلِيغِهم، وكذا جميعُ المُكَلَّفِينَ بفرضِ الكفايةِ، وإنْ كانَ المكلَّفُ به بعضَهم، لا
(1/138)

الكلَّ، على المختارِ.
ولقائلٍ أنْ يقولَ: لا نُسَلِّمُ امتناعَ كونِ المكلَّفِ لا يُخَاطَبُ إلاَّ بما كُلِّفَ به؛ فإنَّ سائرَ التكليفاتِ كذلك، ولا يَرِدُ عليه تكليفُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالتبليغِ دونَ العملِ؛ فإنَّه لم يُكَلَّفْ إلاَّ بالتبليغِ، ولا يَضُرُّ تَعَلُّقُ التكليفِ بغيرِهِ مِن جِهَةٍ أُخْرَى، فصَدَقَ قَوْلُنا: إنَّه لم يُخَاطَبْ إلاَّ بما هو مُكَلَّفٌ به، ويَبْقَى سؤالُ المُعْتَرِضِ وتنظيرُه بفرضِ الكفايةِ عجيبٌ؛ فإنَّ كونَ الجميعِ مُخَاطَبِينَ معَ القولِ بأنَّ المكلَّفَ بعضُهم - مِمَّا لا يُمْكِنُ، والأَوْلَى أنْ يُقالَ: لو قالَ: به، لاقْتَضَى أنَّ المكلَّفَ لا يُخَاطَبُ إلاَّ بما كُلِّفَ به، وليسَ كذلك؛ فإنَّ المندوبَ والمكروهَ والمباحَ مُخَاطَبٌ بها، معَ أنَّه غيرُ مكلَّفٍ بها؛ على ما اخْتَارَهُ المصنِّفُ فيما سيأتِي، ولا تكليفَ في الحقيقةِ إلاَّ بالواجبِ والمحظورِ، فوَجَبَ حذفُ (به) لِيَتَنَاوَلَ جميعَ الأحكامِ المخاطَبِ بها؛ مُكَلَّفاً به وغيرَ مكلَّفٍ به.
فائدةٌ: قولُه: (مِن حيثُ إنَّه) بكسرِ الهمزةِ، ثَمَّ، وقد أُولِعَ الفقهاءُ بالفتحِ، وعُدَّ مِن اللَّحْنِ، لكِنْ يَجِيءُ على رأيِ الكِسَائِيِّ في إضافةِ حيثُ إلى المفردِ.
ص: (ومِن ثَمَّ لا حُكْمَ إلاَّ للهِ).
ش: هذه المسألةُ فرعٌ لِمَا سَبَقَ، ولهذا قالَ: (ومِن ثَمَّ) وهي هنا للمكانِ المجازيِّ؛ أي: مِن أجلِ أنَّ الحُكْمَ خِطابُ اللهِ، وحيثُ لا خِطابَ لا حُكْمَ، فعُلِمَ أنه لا حُكْمَ إلاَّ للهِ، خِلافاً للمعتزلةِ في دَعْوَاهُم أنَّ العقلَ يُدْرِكُ الحكمَ بالحُسْنِ والقُبْحِ، فهو عندَهم طريقٌ إلى العلمِ بالحُكْمِ الشرعيِّ.
(1/139)

فائدةٌ: قالَ الراغِبُ: (ثَمَّ) إشارةٌ إلى المُتَبَعِّدِ من المكانِ، و (هناكَ) للمُتَقَرِّبِ، وهما ظرفانِ في الأصلِ، وقولُه تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ} فهو في موضعِ المفعولِ. انْتَهَى.
وقولُه: إنَّ (هناكَ) للمتقرِّبِ. خلافُ المشهورِ، وقولُه: إنَّها في الآيةِ مفعولٌ. مردودٌ؛ لأنَّه ظرفٌ لا يَنْصَرِفُ.
ص: (والحَسَنُ والقَبيحُ بمعنى مُلاَءَمَةِ الطبعِ ومُنَافَرَتِهِ، وصفةِ الكمالِ والنقصِ -عقليٌّ، وبمعنَى تَرَتُّبِ الذمِّ عاجِلاً والعِقابِ آجِلاً -شَرْعِيٌّ، خِلافاً للمعتزلةِ).
ش: الحُسْنُ والقُبْحُ يُطْلَقُ بثلاثِ اعتباراتٍ.
أَحَدُهما: ما يُلائِمُ الطَّبْعَ ويُنَافِرُه؛ كإنقاذِ الغريقِ واتِّهَامِ البَرِيءِ.
والثاني: صِفَةُ الكمالِ والنقصِ؛ كقولِنا: العلمُ حَسَنٌ، والجهلُ قبيحٌ.
وهو بهذيْنِ الاعتباريْنِ عقليٌّ بلا خلافٍ؛ إذ العقلُ مُسْتَقِلٌّ بإدراكِ الحُسْنِ والقُبْحِ منهما، فلا حَاجَةَ في إِدْرَاكِهِما إلى الشرعِ.
والثالثُ: ما يُوجِبُ المَدْحَ أو الذمَّ الشرعيَّ عاجلاً، والثوابَ أو العقابَ آجِلاً، فهو مَحَلُّ النِّزَاعِ.
(1/140)

فالمُعْتَزِلَةُ قالُوا: هو عقليٌّ أيضاًً، يَسْتَقِلُّ العقلُ بإدراكِهِ دونَ الشرعِ؛ إمَّا لذاتِ الفعلِ، أو لصفةٍ عائدةٍ إلى الأحكامِ، أو لِوُجُوهٍ واعتباراتٍ على خلافٍ لهم، وأهلُ السنَّةِ قالُوا: هو شرعيٌّ؛ أي: لا يُعْلَمُ استحقاقُ المدحِ أو الذمِّ، ولا الثوابِ أو العقابِ شَرْعاً على الفعلِ، إِلاَّ مِن جِهَةِ الشرعِ.
ومِن المُحَقِّقِينَ مَن رَدَّ هذا القِسْمَ إلى الأوَّلِ، وقالَ: إنَّه في الحقيقةِ راجِعٌ إلى الألَمِ واللَّذَّةِ؛ ولهذا سَلَّمَ الرَّازِيُّ في آخِرِ عُمُرِهِ ما ذَكَرَه في كِتَابِهِ (نِهَايَةِ العقولِ): أنَّ الحُسْنَ والقُبْحَ العَقْلِيَّيْنِ ثابتانِ في أفعالِ العبادِ؛
(1/141)

إذ كانَ معناهما يَؤُولُ إلى اللَّذَّةِ والأَلَمِ.
تَنبيهاتٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُعْتَزِلَةَ لا يُنْكِرُونَ أنَّ اللهَ تعالَى هو الشارِعُ للأحكامِ، وإنما يقولون: إنَّ العقلَ يُدْرِكُ أنَّ اللهَ شَرَعَ أحكامَ الأفعالِ بِحَسَبِ ما يَظْهَرُ مِن مَصَالِحها ومَفَاسِدِها، فهو طريقٌ عندَهم إلى العلمِ بالحكمِ الشرعيِّ، والحكمُ الشرعيُّ تابعٌ لهما، لا عَيْنُهما، فما كانَ حَسَناً جَوَّزَهُ الشرعُ، وما كانَ قَبِيحاً مَنَعَه، فصارَ عندَ المُعْتَزِلَةِ حُكْمَانِ: أَحَدُهما: عقليٌّ، والآخرُ شرعيٌّ تابعٌ له، فبانَ أنَّهم لا يقولون: إنَّه - يعني العقابَ والثوابَ - ليسَ بشرعيٍّ أَصْلاً، خِلافاً لِمَا تُوهِمُهُ عبارةُ المصنِّفِ وغيرِهِ.
الثاني: ما اقْتَصَرَ عليه المصنِّفُ من حكايةِ قَوْلَيْنِ هو المشهورُ، وتَوَسَّطَ قومٌ فقالوا: قُبْحُها ثابتٌ بالعقلِ، والعقابُ يَتَوَقَّفُ على الشرعِ، وهو الذي ذَكَرَه سعدُ بنُ عَلِيٍّ الزَّنْجَانِيُّ مِن أَصْحَابِنا، وأبو الخَطَّابِ من الحنابلةِ، وذَكَرَه
(1/142)

الحَنَفِيَّةُ، وحَكَوْهُ عن أبي حَنِيفَةَ نَصًّا، وهو المنصورُ؛ لِقُوَّتِهِ مِن حيثُ الفِطْرَةُ وآياتُ القرآنِ المجيدِ وسلامتُهُ مِن الوَهَنِ والتناقُضِ، فههنا أمرانِ:
أحدُهما: إدراكُ العقلِ حُسْنَ الأشياءِ وقُبْحَها.
والثاني: أنَّ ذلك كافٍ في الثوابِ والعقابِ، وإنْ لم يَرِدْ شَرْعٌ، ولا تَلاَزُمَ بينَ الأمريْنِ؛ بدليلِ قولِهِ تعالَى: {ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ}؛ أي: بِقَبِيحِ فِعْلِهِم، {وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ}؛ أي: لم تَاتِهِم الرسُلُ والشرائِعُ، ومِثْلُه: {وَلَوْلاَ أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ}؛ أي: من القبائِحِ، {فَيَقُولُونَ رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً}.
الثالِثُ: إنَّما ذَكَرَ المُصَنِّفُ الذمَّ والعِقَابَ وأَهْمَلَ المَدْحَ والثوابَ؛ لِتَلاَزُمِهِمَا نَفْياً
(1/143)

وإِثْبَاتاً، وخَصَّ الذَّمَّ والعقابَ بالذِّكْرِ؛ لأنَّه على أُصُولِ المُعْتَزِلَةِ، لا يَتَخَلَّفُ ولا يَقْبَلُ المزيدَ، بخلافِ الأجرِ والثوابِ؛ فإنَّه قابلٌ للزيادةِ، فعَبَّرَ بما يُنَاسِبُ أُصُولَ الخُصُومِ، ومرادُهُ بِتَرَتُّبِ العِقابِ نَصُّ الشارعِ عليه، وهو لا يُنَافِي جوازَ العفوِ، ولو قالَ: كونُه مُتَعَلِّقَ العِقَابِ، لكانَ أحسنَ.
فإنْ قُلْتَ: كيفَ قالَ: عقليٌّ وشرعيٌّ والمبتدأُ اثنانِ، والخبرُ يَجِبُ مطابقتُه للمبتدأِ؟
قلتُ: يَجُوزُ أنْ يكونَ الخبرُ حُذِفَ أحدُ جُزْأَيْهِ؛ أي: كلاهما عَقْلِيٌّ، أو هو خبرٌ عن الثاني، وحُذِفَ من الأوَّلِ لِدَلالتِه عليه. ويَجُوزُ في انتصابِ قولِهِ: (خِلافاً) وجهانِ: أَحَدُهما: أنْ يكونَ مصدراً، والثاني: أنْ يكونَ حَالاً؛ أي: أقولُ ذلك خِلافاً لهم؛ أي: مُخَالِفاً، واسْتَحْضِرْ هذا في كلِّ موضعٍ ذُكِرَ فيه هذا. وكذا قولُهم: وِفَاقاً.
ص: (وشُكْرُ المُنْعِمِ واجبٌ بالشرعِ، لا بالعقلِ، خِلافاً للمعتزلةِ).
ش: عادَةُ الأُصُولِيِّينَ أنْ يَذْكُرُوا بعدَ هذا الأصلِ فرعيْنِ على طريقِ التنَزُّلِ، فتَابَعَهُمُ المصنِّفُ.
أحدُهما: شُكْرُ المُنْعِمِ غيرُ واجبٍ عقلاً؛ لأنَّه لو وَجَبَ عَقْلاً، لَعُذِّبَ تَارِكُه قبلَ الشرعِ، لكنَّه لا يُعَذَّبُ؛ لقولِهِ تعالَى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}؛
(1/144)

فإنَّه نَفَى التعذيبَ مُطْلقاً إلى البَعْثَةِ، فإنْ قِيلَ: التعذيبُ ليسَ بلازمٍ لِتَرْكِ الواجِبِ؛ لِجَوازِ العفوِ.
قلنا: تَرْكُ الواجبِ يَلْزَمُهُ التعذيبُ قبلَ التوبةِ عندَهم، والعفوُ غيرُ جائزٍ قبلَها.
فإنْ قيلَ: كيفَ يُسْتَدَلُّ عليهم بالآيةِ، والتفريعُ على تسليمِ الحُسْنِ والقُبْحِ العقلِيَّيْنِ. قيلَ: لأنَّ عندَهم لا يَجُوزُ وُرُودُ الشرعِ بِخِلافِ العقلِ، فصَارَتِ المُعْتَزِلَةُ إلى وُجُوبِهِ بالعقلِ، وأَوْرَدَ عليهم الشيخُ أبو إسحاقَ الشِّيرازِيُّ في كتابِهِ (الحُدُودِ) مُنَاقَضَةً؛ فإنَّهم قالُوا: يَجِبُ على اللهِ أنْ يُثِيبَ المُطِيعِينَ، وأنْ يُنْعِمَ على الخَلْقِ، وإذا كانَ الثوابُ وَاجِباً، فلا معنى للشكرِ؛ لأنَّ مَن قَضَى دَيْنَه فلا يَسْتَحِقُّ الشكرَ، ففي الجمعِ بينَ هذيْنِ القوليْنِ تناقُضٌ.
ص: (ولا حُكْمَ قبلَ الشرعِ، بل الأمرُ موقوفٌ إلى وُرُودِهِ).
(1/145)

ش: الفرعُ الثاني في حكمِ الأشياءِ قبلَ الشرعِ، وقد ذَهَبَ أَئِمَّتُنا إلى أنَّه لا حُكْمَ فيها؛ فإنَّ الحكمَ عندَهم عبارةٌ عن الخِطابِ؛ كما تَقَدَّمَ، والأحكامُ هي نَفْسُ الشريعةِ، فلا تَثْبُتُ الشريعةُ قبلَ ثُبُوتِها، ثمَّ ظاهرُ كلامِ المصنِّفِ انتفاءُ الحُكْمِ نفسِه؛ أي: أنَّ الحكمَ مُنْتَفٍ ما لم تَرِدِ البَعْثَةُ، وهو ما قالَه النَّوَوِيُّ في (شرحِ المُهَذَّبِ): إِنَّه الصحيحُ عندَ أَصْحَابِنا. وقيلَ: المرادُ عَدَمُ العِلْمِ بالحُكْمِ؛ أي: أنَّ لهما حُكْماً قبلَ وُرُودِ الشرعِ، لكِنَّا لا نَعْلَمُهُ، قالَ البيضاويُّ: وهذا مرادُ الشيخِ بالوقفِ في هذه المسألةِ؛ لأنَّ الحكمَ عندَه قديمٌ، فتفسيرُ الوقفِ بعدمِ الحكمِ يَلْزَمُ منه حدوثُ الحكمِ، وهو خلافُ مَذْهَبِهِ. والصوابُ ما جَرَى عليه المصنِّفُ؛ فإنَّه المنقولُ.
وقد قالَ القاضي أبو بَكْرٍ في (مُخْتَصَرِ التقريبِ): صارَ أهلُ الحقِّ إلى أنَّه لا حُكْمَ قبلَ وُرُودِ الشرعِ. وعَبَّرُوا عن نَفْيِ الأحكامِ بالوقفِ، ولم يُرِيدُوا بذلكَ الوقفِ الذي
(1/146)

يكونُ حُكْماً في بعضِ مسائلِ الشرعِ، وإنَّما عَنَوْا به انتفاءَ الأحكامِ، وذَكَرَ مِثْلَه الإمامُ في (البُرْهَانِ) والغزاليُّ وابنُ السمعانِيِّ وغيرُهم من الأصحابِ، وإنما قالَ المصنِّفُ: بل الأمرُ موقوفٌ إلى وُرُودِهِ؛ دَفْعاً لِتَوَهُّمِ مَن ظَنَّ أنَّ القولَ بالوقفِ غيرُ القولِ بنفيِ الأحكامِ، وليسَ كذلك، بل مُرَادُهم بالوقفِ أنَّ الأمرَ موقوفٌ على وُرُودِ الشرعِ، وأنَّ الحكمَ مُنْتَفٍ ما لم يَرِدِ الشرعُ.
ص: (وحَكَّمَتِ المُعْتَزِلَةُ العقلَ، فإنْ لم يَقْضِ فثَالِثُها لهم: الوقفُ عن الحَظْرِ والإِبَاحَةِ).
ش: هذا من المصنِّفِ تحريرٌ لنقلِ مذهبِ الاعتزالِ؛ فإنَّ الإمامَ الرَّازِيَّ عَمَّمَ الخلافَ عنهم في جميعِ الأفعالِ، وليسَ كذلك، بل الأفعالُ الاختياريَّةُ عندَهم تَنْقَسِمُ إلى ما يَقْضِي العقلُ فيها بِحُسْنٍ أو قُبْحٍ، فيُتَّبَعُ فيها حُكْمُ العقلِ، وتَنْقَسِمُ إلى الأحكامِ الخمسةِ بِحَسَبِ تَرَجُّحِ الحُسْنِ أو القُبْحِ وتَعَادُلِهِما، ولا خِلافَ عندَهم في هذا، وإليه أشارَ بقولِهِ: (وحَكَّمَتِ المُعْتَزِلَةُ العقلَ)؛ أي: فيما يَقْضِي فيه العقلُ، ودَلَّ
(1/147)

عليه قولُه بعدَه: (فإنْ لم يَقْضِ)، وإنَّما الخلافُ فيما لا يَقْضِي العقلُ فيه بِحُسْنٍ ولا قُبْحٍ؛ كفُضُولِ الحاجاتِ والتنَعُّمَاتِ هل هو واجبٌ أو مُبَاحٌ أو الوَقْفُ؟ ثلاثةُ مذاهبَ، والقائلون بالحَظْرِ - كما قالَه ابنُ التِّلِمْسَانِيِّ - لا يُرِيدُونَ به باعتبارِ صفةٍ في المَحَلِّ، بل حَظْرٌ احتياطيٌّ، كما يَجِبُ اجتنابُ المنكوحةِ إذا اخْتَلَطَتْ بأجنبيَّةٍ، والقائلونَ بالوقفِ أرادوا وقفَ حِيرَةٍ. وطريقُ البحثِ معَهم في هذه المسألةِ والتي قبلَها: أنَّ كلَّ احتمالٍ عَيَّنُوه، وبَنَوْا عليه حُكْماً قابَلْنَاهُم بِنَقِيضِهِ، فنُعَارِضُ شُبَهَ القائلينَ بالإباحةِ بِشُبَهِ القائلينَ بالحَظْرِ، وشُبَهَ الواقفينَ بِشُبَهِهِمَا.
تنبيهاتٌ:
الأوَّلُ: تحريرُ النقلِ عنهم هكذا تَابَعَ فيه الآمِدِيَّ، قالَ القَرافِيُّ: وإطلاقُ الإمامِ الخلافَ عنهم يُنَافِي قواعدَهم؛ فإنَّ القولَ بالحَظْرِ مُطْلَقاً يَقْتَضِي تحريمَ إنقاذِ الغَرِيقِ ونحوِهِ، والقولُ بالإباحةِ مُطْلَقاً يَقْتَضِي إباحةَ القتلِ والفسادِ، أمَّا ما لم يَطَّلِعِ العقلُ على مَفْسَدَتِه أو مَصْلَحَتِهِ فيُمْكِنُ أنْ يَجِيءَ فيه الخلافُ.
قالَ: ثُمَّ رَأَيْتُ كلامَ أبي الحُسَيْنِ في (المُعْتَمَدِ) وقد حَكَى عن شِيعَةِ المُعْتَزِلَةِ الخلافَ مُطْلَقاً من غيرِ تَقْيِيدٍ، وهو أعلمُ بِمَذْهَبِ القومِ، فرَجَعْتُ إلى طريقةِ الإمامِ.
الثاني: قولُه: (وحَكَّمَتِ المعتزلةُ العقلَ) يَقْتَضِي أنَّ مَذْهَبَهم أنَّ العقلَ مُنْشِئُ الحكمِ مُطْلَقاً، وليسَ كذلك، بل التحقيقُ في النقلِ عنهم أنَّهم قالُوا: الشرعُ مُؤَكِّدٌ لحكمِ العقلِ فيما أَدْرَكَهُ مِن حُسْنِ الأشياءِ وقُبْحِها؛ كحُسْنِ الصدقِ النافعِ والإيمانِ،
(1/148)

وقبحِ الكَذِبِ الضارِّ والكُفرانِ، وليسَ مُرَادُهُم أنَّ العقلَ يُوجِبُ أو يُحَرِّمُ، وقد لا يَسْتَقِلُّ بذلك، بل يُحْكَمُ به بواسطةِ وُرُودِ الشرعِ بالحُسْنِ والقُبْحِ؛ كحُكْمِهِ بِحُسْنِ الصلاةِ في وقتِ الظهرِ وقُبْحِها في وقتِ الاستواءِ.
الثالِثُ: يَتَبَادَرُ الذِّهْنُ إلى استشكالِ قولِ المصنِّفِ (لهم)؛ فإنَّ الخِلافَ أيضاًً يُحْكَى عن جماعةٍ مِن أصحابِنا؛ كابنِ أبي هُرَيْرَةَ وغيرِهِ، والذي فَعَلَه المصنِّفُ هو الصوابُ؛ لأنَّ الخلافَ المَحْكِيَّ عن أصحابِنا في ذلك إنما هو لِمُقْتَضَى الدليلِ الشرعيِّ الدالِّ على ذلكَ بعدَ مَجِيءِ الشرعِ، لا بِمُجَرَّدِ العقلِ، وليسَ خِلافُهم في أصلِ التحسينِ والتقبيحِ بالعقلِ، وصارَ الفرقُ بينَهم وبينَ أصحابِنا في هذا الخلافِ مِن ثلاثةِ أوجهٍ:
أَحَدُها: أنَّهم خَصُّوا هذه الأقوالَ بما لا يَقْضِي العقلُ فيه بِحُسْنٍ ولا قُبْحٍ، وأمَّا ما يَقْضِي فيَنْقَسِمُ إلى الأحكامِ الخمسةِ؛ ولهذا نَسَبَهُم أصحابُنا إلى التناقُضِ في
(1/149)

قولِ مَن رَجَّحَ الإباحةَ أو الحَظْرَ؛ لأنَّ ذلك عندَهم يَسْتَنِدُ إلى دليلِ العقلِ، وفَرْضُ المسألةِ فيما لم يَظْهَرْ للعقلِ حُسْنُهُ ولا قُبْحُهُ، وأمَّا أصحابُنا فأقوَالُهُم في جميعِ الأفعالِ، هذا على طريقةِ الآمِدِيِّ ومَن تَابَعَهُ.
والثاني: أنَّ مُعْتَمَدَهُم دليلُ العقلِ، ومُعْتَمَدُ أصحابِنا الدليلُ الشرعيُّ؛ إمَّا على التحريمِ؛ لقولِهِ تعالَى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ}. ومفهومُه أنَّ المتقدِّمَ قبلَ الحِلِّ هو التحريمُ، فدَلَّ على أنَّ حُكْمَ الأشياءِ كلِّها على الحَظْرِ، وإمَّا على الإباحةِ؛ لِقَوْلِهِ تعالَى: {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً}، وقولِهِ تعالَى: {أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}؛ وذلك يَدُلُّ على الإذنِ في الجميعِ، وأمَّا الوقفُ فلِتَعَارُضِ الأدِلَّةِ، فهذه المَدَارِكُ الشرعيَّةُ الدالَّةُ على الحالِ قبلَ وُرُودِ الشرائِعِ، فلو لم تَرِدْ هذه النصوصُ لقالَ الأصحابُ: لا عِلْمَ لنا بتحريمٍ ولا إباحةٍ، ولقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: المُدْرِكُ عِنْدَنا العَقْلُ، فلا يَضُرُّ عدمُ ورودِ الشرائِعِ.
والثالثُ: أنَّ الوَاقِفِينَ أَرَادُوا وَقْفَ حِيرَةٍ؛ كما قَالَه ابنُ التِّلِمْسَانِيِّ، وأمَّا أَصْحَابُنا فأَرَادُوا به انتفاءَ الحكمِ على ما سَبَقَ.
ص: (والصوابُ: امتناعُ تكليفِ الغافلِ والمُلْجَأِ، وكذا المُكْرَهُ على الصحيحِ، ولو على القتلِ، وأَثِمَ القاتِلُ؛ لإيثارِهِ نفسَه.
ش: فيه مسائلُ:
أحَدُها: يَمْتَنِعُ تكليفُ الغافِلِ؛ كالنائِمِ والناسِي؛ لِمُضَادَّةِ هذه الأمورِ الفَهْمَ،
(1/150)

فيَنْبَغِي شرطُ صِحَّةِ التكليفِ، ولا يَرِدُ ثُبُوتُ الأحكامِ في أفعالِهِ في الغَفْلَةِ والنومِ؛ لأنَّ ذلك من قَبِيلِ رَبْطِ الأحكامِ بالأسبابِ، وقالَ القَفَّالُ: إِنَّمَا طَلَبَ منه سُجُودَ السهوِ، ووَجَبَتِ الكَفَّارَةُ على المُخْطِئِ؛ لكونِ الفعلِ في نفسِهِ مُحَرَّماً مِن حيثُ إنَّه محظورٌ عَقْدُه، لا إِنَّه في نَفْسِهِ غيرُ مَنْهِيٍّ عنه في هذه الحالةِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُهُ التحفُّظُ منه، وتعبيرُ المصنِّفِ ب (الصوابِ) يُشْعِرُ بأنَّ مُقَابِلَه قَوْلٌ مُزَيَّفٌ، وإليهِ أشارَ في (المِنْهَاجِ) بقولِهِ: بِنَاءً على التكليفِ بالمُحَالِ. أي: فإنْ مَنَعْنَاهُ فهَهُنا أَوْلَى، وإنْ جَوَّزْنَاهُ فللأَشْعَرِيِّ هنا قَوْلانِ، نَقَلَهُما ابنُ التِّلِمْسَانِيِّ وغيرُه.
قالُوا: والفرقُ أنَّ
(1/151)

للتكليفِ هناكَ فائدةً، وهي الابتلاءُ، وهنا لا فائدةَ له، لكِنْ نَقَلَ ابنُ بُرهانَ في (الأوسطِ) عن الفقهاءِ أنَّه يَصِحُّ تكليفُ الغافلِ على معنَى ثُبُوتِ الفِعْلِ في الذمَّةِ، وعن المُتَكَلِّمِينَ المَنْعُ؛ إذ لا يُتَصَوَّرُ ذلك عندَهم.
وقد يُظَنُّ أنَّ الشافعيَّ يَرَى تكليفَ الغافلِ مِن نَصِّهِ على تكليفِ السَّكْرَانِ، وهو فاسدٌ؛ فإنَّه إنما كَلَّفَ السكرانَ عُقُوبَةً له؛ لأنَّه تَسَبَّبَ بِمُحَرَّمٍ حَصَلَ باختيارِهِ؛ ولهذا وَجَبَ عليه الحَدُّ، بخلافِ الغافِلِ.
(1/152)

الثانيةُ: يَمْتَنِعُ تكليفُ المُلْجَأِ أيضاًً، والمرادُ به مَن لا يَجِدُ مَنْدُوحَةً على الفعلِ معَ حضورِ عَقْلِهِ، وذلك كمَن يُلْقَى من شاهِقٍ، فهو لا بُدَّ له من الوقوعِ، ولا اختيارَ له فيه، ولا هو بفاعلٍ له، وإنما هو آلةٌ مَحْضَةٌ كالسِّكِّينِ في يدِ القاطِعِ، فلا يُنْسَبُ إليه فِعْلٌ، وحَرَكَتُه كحركةِ المُرْتَعِشِ، وسِيَاقُ المُصَنِّفِ يَقْتَضِي حكايةَ خلافٍ في هذه الحالةِ، وكلامُ الآمِدِيِّ في (الإحكامِ) يُشِيرُ إليه؛ بِناءً على جوازِ تكليفِ ما لا يُطَاقُ عقلاً، وإنِ امْتَنَعَ سَمْعاً.
الثالثةُ: يَمْتَنِعُ تكليفُ المُكْرَهِ، والمرادُ به مَن يُنْسَبُ إليه الفعلُ، فيقالُ: فَعَلَ مُكْرَهاً غيرَ مُخْتَارٍ، وهو مَن لا يَجِدُ مَنْدُوحَةً عن الفعلِ إلاَّ بالصبرِ على إيقاعِ ما أُكْرِهَ به، كمَن قالَ له قادرٌ على ما يَتَوَعَّدُ: اقْتُلْ زَيْداً وإلاَّ قَتَلْتُكَ. لا يَجِدُ مندوحةً عن قتلِهِ إلاَّ بتسليمِ نفسِه للهلاكِ، فهذا إقدامُه على قَتْلِ زيدٍ ليسَ كَوُقُوعِ الذي أُلْقِيَ مِن شاهِقٍ، وإنِ اشْتَرَكَا في عدمِ التكليفِ، لكِنَّ تكليفَ هذا المُكْرَهِ أَقْرَبُ مِن تكليفِ المُلْجَأِ، كما أنَّ تَكْلِيفَ المُلْجَأِ أَقْرَبُ من تكليفِ الغافلِ الذي لا يَدْرِي، فإذاً المَرَاتِبُ ثلاثةٌ كما رَتَّبَهَا المصنِّفُ: فأَبْعَدُها تكليفُ الغافِلِ؛ فإنَّه لا يَدْرِي. ويَتْلُوها: تَكْلِيفُ المُلْجَأِ؛ فإنَّه يَدْرِي، ولكِنْ لا مَنْدُوحَةَ له عن الفعلِ. ويَتْلُوها: المُكْرَهُ؛ فإنَّه يَدْرِي وله مَنْدُوحَةٌ عن الفعلِ، لكِنْ بطريقٍ تارَةً لم يُكَلِّفْهُ الشرعُ الصبرَ عليها؛ كما
(1/153)

في الإكراهِ على شُرْبِ الخَمْرِ وكَلِمَةِ الكُفْرِ، وتَارَةً قيلَ: إنَّه كَلَّفَه، كما في الإكراهِ على القتلِ، فيَعْتَقِدُ أكثرُ الفقهاءِ أنَّه كُلِّفَ الصبرَ على قتلِ نفسِه، والمختارُ عندَ المصنِّفِ أنَّه كُلِّفَ أنْ لا يُؤْثِرَ نفسَه على نفسِ غيرِ المكافِئِ له؛ لاسْتِوَائِهِما في نظرِ الشارعِ، فلَمَّا آثَرَ وأقدَمَ لمجرَّدِ حَظِّ نفسِه وَجَبَ عليه القِصاصُ في الأصحِّ، وأَثِمَ بلا خلافٍ، وهذا معنى قولِه: (ولو على القتلِ).

وأمَّا قولُهُ: (وإثمُ القاتلِ) فهوَ جوابٌ عنْ سؤالٍ مُقَدَّرٍ؛ تقديرُهُ: إذَا كَانَ المُكْرَهُ غيرَ مُكَلَّفٍ، فَمَا بالُ المُكْرَهِ على القتلِ يَاثَمُ؟
وَأَجَابَ بأَنَّهُ لاَ يَاثَمُ مِنْ حَيثُ إِنَّهُ مُكْرَهٌ وَإِنَّهُ قَتَلَ؛ بَلْ مِنْ حَيثُ إِنَّهُ آثَرَ نَفْسَهُ على غيرِهِ.
فَهُوَ ذُو وجهينِ: جِهَةُ الإكراهِ ولاَ إِثْمَ فيها، وجِهَةُ الإِيثَارِ ولاَ إِكْرَاهَ فيها، وَهَذَا لأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: اقْتُلْ زَيْداً وإِلاَّ قَتَلْتُكَ. فمعنَاهُ التخييرُ بينَ نَفْسِهِ وزيدٍ، فإذا آثَرَ نَفْسَهُ فقدْ أَثِمَ؛ لأَنَّهُ اختيارٌ، وهذا كَمَا يُقَالُ فِي خِصَالِ الكَفَّارَةِ: مَحِلُّ التخييرِ لاَ وُجُوبَ فِيهِ، وَمَحِلُّ الوجوبِ لاَ تخييرَ فِيهِ، فَكَذَا هُنَا، أَصْلُ القتلِ لاَ عِقَابَ فِيهِ، وَالْقَتْلُ المخصوصُ فِيهِ عِقَابٌ؛ لِتَضَمُّنِهِ الاختيارَ، وَهُوَ إِيثَارُ نَفْسِهِ عَلَى غَيْرِهِ.
قالَ: وهذا تحقيقٌ حَسَنٌ، وبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُ لاَ استثناءَ لصورةِ القتلِ مِنْ قولِنَا: الْمُكْرَهُ غَيْرُ الْمُكَلَّفِ.
وقولُ الفقهاءِ: (11 أ) الإِكْرَاهُ يُسْقِطُ أَثَرَ التصرفِ إِلاَّ في صُوَرٍ - إِنَّمَا ذَكَرُوهُ لِضَبْطِ تلكَ الصُّورَةِ؛ لاَ لأنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ حقيقتِهِ شَيءٌ.
(1/154)

تنبيهانِ:
الأولُ: مَا اخْتَارَهُ المُصَنِّفُ هُنَا مِنَ امْتِنَاعِ تَكْلِيفِ الْمُكْرَهِ، خِلاَفَ مَا عَلَيْهِ الأصحابُ، وَقَدْ رَجَعَ عَنْهُ آخِراً وَوَافَقَ الأَشْعَرِيَّةَ عَلَى جَوَازِ تَكْلِيفِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ وَاقِعٍ.
قالَ ابنُ بُرْهَانَ في (الأَوْسَطِ): المُكْرَهُ عِنْدَنَا مُخَاطَبٌ بالفعلِ الذِي أُكْرِهَ عَلَيْهِ، وَنَقَلَ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، قالَ: وَانْعَقَدَ الإِجْمَاعُ عَلَى كَوْنِهِ مُخَاطَباً بِمَا عَدَا مَا أُكْرِهَ عَلَيهِ مِنَ الأَفْعَالِ، وَنَقَلَ عَنِ الْمُعْتَزِلَةِ: أَنَّ الْمُكْرَهَ غَيْرُ مُخَاطَبٍ، وَهَذَا خَطَأٌ في النَّقْلِ عَنْهُمْ؛ بَلْ عِنْدَهُمْ إِنَّهُ مُخَاطَبٌ، إِلاَّ أَنَّ العلماءَ رَأَوا فِي كُتُبِهِمْ أَنَّ الْمُلْجَأَ ليسَ بِمُخَاطَبٍ، فَظَنُّوا أَنَّ الْمُلْجَأَ والْمُكْرَهَ وَاحِدٌ، وليسَ كَذَلِكَ. انتهَى.
وَكَانَ حَقُّ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ: بِمَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، لِيُخْرِجَ الصُّورَةَ التِي حَكَى ابنُ بُرْهَانَ فِيهَا الإجماعَ، وَكأنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ؛ لأَنَّهُ فِي غَيْرِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، لَيْسَ بِمُكْرَهٍ.
الثَّانِي: مَا اخْتَارَهُ فِي القَاتِلِ، هُوَ بِظَاهِرِهِ مُصَادِمٌ للإِجْمَاعِ، فِفِي (التَّلْخِيصِ) لإمامِ الحرمينِ: أَجْمَعَ العُلَمَاءُ قَاطِبَةً عَلَى تَوْجِيهِ النَّهْي عَلَى المُكْرَهِ عَلَى القتلِ، وَهَذَا عَيْنُ التَّكْلِيفِ فِي حَالِ الإِكْرَاهِ، وَهُوَ مِمَا لاَ مَنْجَى مِنْهُ. انتهَى.
وَقَالَ الشيخُ فِي (شَرْحِ اللُّمَعِ): انْعَقَدَ الإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ المُكْرَهَ عَلَى القتلِ مأمورٌ باجتنابِ القتلِ، وَدَفْعِ المُكْرَهِ عَنْ نَفْسِهِ، وإِنْ أَثِمَ بِقَتْلِ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى قتلِهِ، وَذَلِكَ يَدْلُّ عَلَى أَنَّهُ مُكَلَّفٌ حَالَ الإِكْرَاهِ.
وَكَذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ الغزاليُّ وَغيرُهُ، وَاقْتَضَى كلامُهُمْ تخصيصَ الخلافِ بِمَا إِذَا وَافَقَ دَاعِيَةُ الإِكْرَاهِ دَاعِيَةَ الشرعِ، كَالإِكْرَاهِ عَلَى قتلِ الكافرِ، وِإِكْرَاهِهِ عَلَى الإسلامِ، وَأَمَّا مَا خَالَفَ فِيِه دَاعِيَةُ الإِكْرَاهِ دَاعِيَةَ الشرعِ كَالإِكْرَاهِ عَلَى
(1/155)

القتلِ، فَلاَ خِلاَفَ فِي جَوَازِ التكليفِ بِهِ. انتهَى.
(ص): (وَيَتَعَلَّقُ الأمرُ بالمعدومِ تَعَلُّقاً معنوياً خِلافاً للمعتزلةِ).
(ش): المعدومُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مأموراً عِنْدَنَا خِلافاً للمعتزلةِ، وَلاَ نُرِيدُ تَنْجِيزَ التكليفِ، أي: إِنَّهُ مأمورٌ حالَ عدمِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مستحيلٌ؛ بَلِ المُرَادُ تَعَلُّقُ الأمرِ بِهِ فِي الأَزَلِ، وَإِذَا وُجِدَ وَاسْتَجْمَعَ شرائطَ التكليفِ، فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ مُكَلَّفاً بِذَلِكَ الطلبِ القديمِ مِنْ غيرِ تَجَدُّدِ طلبٍ آخَرَ، هَكَذَا حَرَّرَهُ عَنِ الأَشْعَرِىِّ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى إثباتِ كلامِ النفسِ، وَمِنْ ثَمَّ خَالَفَتِ المعتزلةُ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - مُتَكَلِّمٌ بكلامٍ قديمٍ أَزَلِيٍّ قائمٍ بِذَاتِهِ، لَزِمَ وجودُ الأمرِ فِي الأَزَلِ، وَلاَ مأمورَ، للعلمِ بِأَنَّ مَا سِوَى اللَّهِ حَادِثٌ.
وَاعْتَرَضَ الخُصُومُ وَقَالُوا: يَلْزَمُ وجودُ أَمْرٍ وَلاَ مأمورَ، وَذَلِكَ مُحَالٌ لكونِهِ عَبَثاً، ولأَنَّ الأمرَ مِنَ المعانِي المُتَعَلِّقَةِ؛ وَوُجُودُ مُتَعَلِّقٍ وَلاَ مُتَعَلَّقَ بِهِ،
(1/156)

مُحَالٌ، وَقَدِ ارْتَاعَ لِهَذِهِ الشُّبْهَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، والقَلاَنِسِيُّ مِنْ أصحابِنَا، وَمَالاَ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُسَمَّى فِي الأَزَلِ أَمْراً وَلاَ نَهْياً، وَلاَ خَبَراً، ثُمَّ صَارَ فِيمَا لاَ يَزَالُ كَذَلِكَ، فَجَعَلاَهُ مِنْ صِفَاتِ الأفعالِ.
والفرقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مذهبِ الأَشْعَرِيِّ: أَنَّ الأَشْعَرِيَّ يَقْولُ: الأمرُ بذاتِهِ وصفتِهِ فِي الأَزَلِ، وَلاَ مأمورَ فِي الأَزَلِ.
وَهُمَا يَقُولاَنِ: الموجودُ فِي الأَزَلِ (11 ب) الأمرُ بِذَاتِهِ بدونِ وصفِ كَوْنِهِ أَمْراً.
وَاسْتَضْعَفَ المحققونَ هَذَا التوسطِ، بِأَنَّا لاَ نعقلُ مِنْ كَلاَمِ اللَّهِ إِلاَ الأمرَ والنَّهْيَ والخبرَ، فَإِذَا قِيلَ بِحُدُوثِهَا، لَزِمَ حُدُوثُ كلامِ اللَّهِ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَأَجَابُوا عَنْ شُبْهَةِ الْمُعْتَزِلَةِ: أَمَّا لُزُومُ الْعَبَثِ: فَلِبِنَائِهِ عَلَى التحسينِ والتقبيحِ، وَأَمَّا الثَّانِيَ: فَلاَ نُسَلِّمُ أَنَّ الأمرَ مِنَ الحقائقِ الْمُتَعَلِّقَةِ، بَلْ هُوَ مِنْ شأنِهِ أَنْ يَتَعَلَّقَ، والتعليقُ أمرٌ نسبيٌّ، والنسبُ والإضافاتُ موجودةٌ فِي الذهنِ دُونَ الخارجِ، وبهذا التقريرِ يَزُولُ الإشكالُ وَظَهَرَ أَنَّهُ تَعَلُّقٌ ذِهْنِيٌّ مَجَازِيٌّ لاَ حَقِيقِيٌّ، وَيُوَضِّحُهُ مَا يَقُولُهُ الفقيهُ: إِنَّ الوصيةَ للحملِ صحيحةٌ، لِتَوَقُّعِ
(1/157)

وُجُودِهِ، بِخِلاَفِ الوصيةِ للمعدومِ، وَعَلَى ذَلِكَ يَتَخَرَّجُ الحُكْمُ عَلَى الأشياءَ المعدومةِ وَتُقَدَّرُ مَوْجُودَةً، كالإيمانِ فِي حَقِّ أطفالِ المؤمنينَ، وَالْكُفْرِ فِي أولادِ الكُفَّارِ؛ حتى يَجُوزُ سَبْيُهُمْ وَاسْتِرْقَاقُهُمْ، وَقَدْ حَقَّقَ الإمامُ الْمُقْتَرِحُ جَدِّ الشيخِ تَقِيِّ الدينِ بْنِ دَقِيقِ العِيدِ لأُمِّهِ العبارةَ عَنْ هَذِهِ المسألةِ بِمَا يُفْسِدُ تعبيرَ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ فَقَالَ: الأمرُ لَمْ يُتَعَقَّلْ بالمعدومِ، بَلْ بالموجودِ المُتَوَقَّعِ، فكما أَنَّ العِلْمَ الأَزَلِيَّ يَتَعَلَّقُ بالموجودِ الذِي سَيَكُونُ، فَكَذَلِكَ الطلبُ الأَزَلِيُّ يُتَعَقَّلُ بِالْمُكَلَّفِ الذِي سَيَكُونُ.
تَنْبِيهَاتٌ:
الأول: قَدْ تُسْتَشْكَلُ هَذِهِ المسألةُ مَعَ التي قَبْلَهَا مِنِ امْتِنَاعِ تكليفِ الغافلِ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ المُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ لاَ يَكُونُ مأموراً فِي حالةِ الغفلةِ، وَلاَ يَكُونُ مأموراً بَعْدَ تَذَكُّرِهِ بالأمرِ الموجودِ فِي حالةِ غفلتِهِ - اسْتُشْكِلَ الفرقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ المعدومِ؛ بَلِ الغَافِلُ أَوْلَى بالجوازِ؛ لأَنَّهُ إِذَا كَانَ المعدومُ مأموراً بَعْدَ وجودِهِ بالأمرِ المُتَقَدِّمِ عَلَى وجودِهِ كَانَ الغافلُ مأموراً بَعْدَ تَذَكُّرِهِ بالأمرِ الوَارِدِ قَبْلَ تَذَكُّرِهِ بطريقِ الأَوْلَى، وَإِنْ كَانَ المرادُ أَنَّهُ لاَ يَكْونُ مأموراً حَالَ غفلتِهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مأموراً بَعْدَ تَذَّكُرِهِ بالأمرِ الوَارِدِ فِي حَالِ غفلتِهِ - فَيَكُونُ حُكْمُ الغافلِ كَحُكْمِ المعدومِ سواءً فِي أَنَّ كُلاَّ مِنْهُمَا لاَ يَكُونُ مأموراً حَالَ عَدَمِهِ، ولاَ حَالَ غَفْلَتِهِ، وَيَكُونُ مأموراً بَعْدَ تَذَكُّرِهِ أَوْ وُجُودِهِ بالأمرِ الواردِ فِي حالةِ العدمِ وحالةِ الغفلةِ، فَهُمَا سَوَاءٌ، وِحِينَئِذٍ فَلاَ وَجْهَ لإفرادِ كُلٌّ مِنْهُمَا بمسألةٍ،
(1/158)

وَقَدْ عَمَّيْتُ الجوابَ لِتَشْحِيذِ الأذهانِ.
الثَّانِي: لاَ يَخْتَصُّ الخلافُ بالمعتزلةِ، فَإِنَّ الإمامَ نَقَلَ مذهبَنَا ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا سَائِرُ الفِرَقِ فَقَدْ أَنْكَرُوهُ، وَلِهَذَا قَالَ الْهِنْدِيُّ خِلاَفاً للمعتزلةِ وأكثرِ الطوائفِ؛ بَلْ كلامُ إِمَامِ الحرمينِ فِي (الْبُرْهَانِ) يَمِيلُ إِلَى مَذْهَبِ المعتزلةِ؛ إِذْ قَالَ : إِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ المعدومَ مأمورٌ، فَقَدْ خَرَجَ عَنْ حَدِّ [المعقولِ] =، وقولُ القائلِ: إِنَّهُ مأمورٌ عَلَى تقديرِ الوجودِ تلبيسٌ، فَإِنَّهُ إِذَا وُجِدَ لَيْسَ معدوماً، ولاَ شَكَّ أَنَّ الْوُجُودَ شرطٌ فِي كَوْنِ المأمورِ مأموراً، فَإِذَا لاَحَ ذَلِكَ بَقِيَ النظرُ فِي أَمْرٍ بِلاَ مأمورٍ، وَهَذَا مُعْضِلٌ فَإِنَّ الأَمْرَ مِنَ الصفاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بالنفسِ، وفرضُ مُتَعَلِّقٍ ولاَ مُتَعَلَّقَ لَهُ مُحَالٌ.
هَذَا كلامُهُ، وجوابُهُ بِمَا سَبَقَ، وَقَدْ نُظِرَ فِي (الشَّامِلِ) قَوْلُ الأَشْعَرِيِّ.

الثالثُ: أَنَّ الخِلاَفَ لاَ يَخْتَصُّ بالأمرِ، فالنَّهْيُ كَذَلِكَ، وَكَأَنَّهُ تَرَكَهُ لدخولِهِ ضِمْناً أَوْ لأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بالفرقِ؛ بَلْ يَجْرِي أَيْضاًً فِي الخَبَرِ، وَهَذِهِ المسألةُ فرعٌ لأصلٍ، وَهُوَ أَنَّ كَلاَمَ اللَّهِ تَعَالَى (12 أ) فِي الأَزَلِ، هَلْ يُسَمَّى خِطَاباً؟ وَسَيَذْكُرُهَا الْمُصَنِّفُ فِيمَا سَيَاتِي. اه.
(1/159)

(ص): (فَإِنِ اقْتَضَى الخطابُ الفعلَ اقتضاءً جازماً فإيجابٌ، أَوْ غَيْرَ جازمٍ فَنَدْبٌ، أَوِ التركِ جازماً فتحريمٌ، أَوْ غَيْرَ جازمٍ بِنَهْيٍ، مخصوصٍ فكراهةٌ، أَوْ غَيْرَ مخصوصٍ فَخِلاَفُ الأَوْلَى، أَوِ التخييرَ فإباحةٌ).
(ش): الخطابُ إِمَّا أَنْ يَقْتَضِيَ الفعلَ أَوِ التركَ أَوْ لاَ يَقْتَضِيَ واحداً مِنْهُمَا، فِإِنِ اقْتَضَى الفعلَ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ الجزمِ أَوْ لاَ، والأولُ الإيجابُ، والثانِي النَّدْبُ، وَإِنِ اقْتَضَى التَّرْكَ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ الجزمِ أَوْ لاَ، وَالأولُ التحريمُ، والثانِي هُوَ الْمُقْتَضِي للتَّرْكِ مَعَ عدمِ الجزمِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ وَرَدَ فِيهِ نَهْيٌ مخصوصٌ أَوْ لاَ، والأولُ المكروهُ والثانِي خِلاَفُ الأَوْلَى؛ سَوَاءٌ كَانَ فِعْلُهُ أَوْلَى كتركِ صلاةِ الضُّحَى، أَوْ عَدَمُهُ أَوْلَى كصومِ عرفةَ بعرفةَ، وَإِنْ لَمْ يَقْتَضِ الفعلَ وَلاَ التَّرْكَ فَإِبَاحَةٌ، وَقَيَّدَ فِي (الْمِنْهَاجِ)
(1/160)

الاقْتِضَاءَ بالمانعِ مِنَ النَّقِيضِ، وَعَدَلَ عَنْهُ الْمُصَّنِفُ إِلَى الجازمِ؛ لأَنَّهُ أَخْصَرُ؛ وَلِهَذَا قَالَ والدُهُ: لَكَ أَنْ تَجْعَلَ مَكَانَ المانعِ مِنَ النقيضِ (الجازمَ) فَهُمَا مترادفانِ.
فَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: (الخِطَابُ) أَنَّهُ يَشْتَرِطُ فِي كَوْنِهِ إِبَاحَةً إِذْنَ الشَّارِعِ فِيهِ، فَيَخْرُجُ مِنْهُ مَا عُلِمَتْ إِبَاحَتُهُ بطريقِ البَرَاءَةِ الأصليةِ، فَإِنَّهُ مُخَيَّرٌ فِيهِ، وَلاَ يُسَمَّى مُبَاحاً، إِذْ لاَ خِطَابَ.
تنبيهانِ: الأولُ: انْحَصَرَتْ بِذَلِكَ الأحكامُ فِي خَمْسَةٍ، والذِي زَادَهُ الْمُصَنِّفُ: خِلاَفُ الأَوْلَى، وَهُوَ مُتَّبِعٌ فِي ذَلِكَ إمامَ الحرمينِ، فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنَ (النهايةِ) وَقَرَنَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ المكروهِ بِمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، إِلاَّ أَنَّ الإمامَ عَبَّرَ بالمقصودِ وغيرِ المقصودِ، وَغَيَّرَهُ الْمُصَنِّفُ إِلَى: المخصوصِ.
قَالَ والدُهُ فِي بعضِ مُؤَلَّفَاتِهِ: وَأَوَّلُ مَا عَلِمْنَاهُ ذَكَرَ هَذَا إِمَامُ الحرمينِ: فالمكروهُ لاَ بُدَّ فِيهِ مِنْ نَهْيٍ عَنْهُ، وَلَمْ يَكْتَفِ بقولِهِ: (نَهْيٍ) لأَنَّ الأمرَ بالشيءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، فَكُلُّ مأمورٍ بِهِ، تَرْكُهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، لَكِنَّ النَّهْيَ الْمُسْتَفَادَ مِنَ الأمرِ، إِنَّمَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ بطريقِ الالتزامِ، لاَ بطريقِ القصدِ فلذلكَ احْتَرَزَ، وَقَالَ: (نَهْيٌ مَقْصُودٌ)، فَكُلُّ مَا وَرَدَ فِيهِ نَهْيٌ مقصودٌ، مكروهٌ، ومَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَهْيٌ مقصودٌ، لَيْسَ َبمكروهٍ، ومَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَهْيٌ أَصْلاً، أَبْعَدُ عَنِ الكراهةِ، هَذَا حَظُّ الفقيهِ مِنْ ذَلِكَ، وَالأُصُولِيُّ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ يُرِيدَ مَا وَرَدَ
(1/161)

فِيهِ نَهْيٌ، إِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الكراهةِ النَّهْيُ لاَ مَا يُفْهَمُ فِي العرفِ مِنَ الكراهةِ التِي هِيَ ضِدُّ الإِرَادَةِ، وَذَلِكَ مُقَرَّرٌ فِي أُصُولِ الدينِ.
قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُتَنَبَّهَ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ مُرَاداً بِالنَّهْيِ المقصودِ بِأَنْ يَكُونَ نَصاً وَلاَ بُدَّ، فِإِنَّا نَرَاهُمْ يَحْكُمُونَ بكراهةِ أشياءَ لاَ نَصَّ فِيهَا، وَلَكِنَّ المرادَ أَنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ إِمَّا نَصٌّ، وَإِمَّا إِجْمَاعٌ، وَإِمَّا قِيَاسٌ، وَإِمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأَدِلَّةِ عِنْدَ مَنْ يَرَاهَا.
قُلْتُ: لَمْ يَنْفَرِدِ الإمامُ بِذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: وَبَيْنَ الكراهةِ والإباحةِ وَاسِطَةٌ، وَهِيَ خِلاَفُ الأَوْلَى، وَالتَّعَرُّضُ للفصلِ بينَهُمَا مِمَّا أَحْدَثَهُ المتأخرونَ. انْتَهَى.
وَهَذَا الذِي ذَكَرُوهُ فِي الفرقِ، مُتَعَقَّبٌ، فإنَّ الأصحابَ يُطْلِقُونَ خِلاَفَ الأَوْلَى عَلَى مَا وَرَدَ فِيهِ نَهْيٌ مقصودٌ، كصومِ يومِ عرفةَ للحاجِ.
الثَّانِي: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقْولَ: فَإِنِ اقْتَضَى الخطابُ الفعلَ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ كَفٍّ جَازِماً .... إلخ، أَوْ يَقُولَ: أَوْ كَفًّا جَازِماً .... إلى آخرِهِ؛ لأَنَّ الاقْتِضَاءَ (12 ب) وَهُوَ الطلبُ - إِنَّمَا يَكُونُ دَائِماً للفعلِ؛ لأَنَّهُ المقدورُ، وَلأَنَّ التركَ فعلٌ وُجُودِيٌّ، فَلاَ يَكُونُ قَسِيماً للفعلِ، وَهَذَا بَحَسْبِ حقيقةِ الفعلِ عَقْلاً، لَكِنْ لَمَّا كَانَ أهلُ العرفِ يُقَابِلُونَ بَيْنَ الفعلِ والتركِ الْمُطْلَقَيْنِ اعْتَمَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التقسيمِ.
(ص): (وَإِنْ وَرَدَ سبباً، وشرطاً، ومانعاً، وصحيحاً، وفاسداً - فَوُضِعَ، وَقُدْ عُرِفَتْ حُدُودُهَا).
(ش): الضميرُ فِي وَرَدَ عائدٌ للخطابِ، وَهُوَ قَسِيمُ قولِهِ: (فِإِنِ اقْتَضَى)، وَإِنَّمَا عَبَّرَ هُنَا بِالْوُرُودِ؛ لأَنَّ الوضعَ لَيْسَ فِيهِ اقتضاءٌ، ومقصودُهُ أَنَّ الخطابَ يَنْقَسِمُ إِلَى طلبٍ وَهُوَ يَشْمَلُ الأحكامَ الخمسةَ، وإِلَى غَيْرِ طلبٍ، وَهُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ التخييرِ وَهُوَ الإباحةُ، وَقَدْ سَبَقَتْ أَوَّلاً مَعَ التخييرِ فَهُوَ الوضعُ، والكلامُ الآنَ فِيهِ، وحقيقتُهُ: الخطابُ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ لاَ بالاقتضاءِ والتخييرِ، سُمِّيَ بذلك؛ لأَنَّهُ شيءٌ وَضَعَهُ اللَّهُ فِي شَرَائِعِهِ لإِضَافَةِ الْحُكْمِ إِلَيْهِ، تُعْرَفُ بِهِ الأحكامُ تَيْسِيراً لَنَا فَإِنَّ الأحكامَ غَيْبٌ، والفرقُ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ الحقيقةُ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْوَضْعِ هُوَ قَضَاءُ الشَّرْعِ عَلَى الْوَصْفِ بِكَوْنِهِ سَبَباً أَوْ مَانِعاً أَوْ شَرْطاً، وَخِطَابُ التكليفِ لطلبِ أَدَاءِ مَا تَقَرَّرَ بالأسبابِ والشروطِ والموانعِ، وَأَنَّهُ لاَ يَتَوَقَّفُ الوضعُ عَلَى الْعِلْمِ وَالْبُلُوغِ، فَإِنَّ القتلَ سَبَبٌ
(1/162)

لِلضَّمَانِ، وَإِنْ صَدَرَ مِنَ الصَّبِيِّ والمجنونِ، والنجاسةُ مانعةٌ للصلاةِ بالنسبةِ للبالغِ والصَّبِيِّ، وَكَذَا الوضوءُ شرطٌ للصلاةِ بالنسبةِ إِلَيْهِمَا.
وَقَسَّمَهُ إِلَى خمسةِ أقسامٍ كَمَا قَسَّمَ خِطَابَ التَّكْلِيفِ إِلَى سِتَّةٍ، وَكَوْنُ السببِ والشرطِ والمانعِ مِنْ أقسامِ خطابِ الوضعِ ظاهرٌ، وَأَمَّا الصِّحَّةُ والفسادُ فَعَلَى الصحيحِ؛ لأَنَّهُ حُكْمٌ مِنَ الشَّارِعِ بِذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ الحَاجِبِ: إِنَّهُمَا عَقْلِيَّانِ.
وَعُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ وَهْمَ مَنِ ادَّعَى عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ قَصَدَ إِدْخَالَ الوضعِ فِي خِطَابِ التَّكْلِيفِ، وكيفَ يَكُونُ كَذَلِكَ، وَقَدْ جَعَلَهُ قَسِيماً لَهُ، وَحَذَا حَذْوَ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي ذَلِكَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ أَدْخَلَهُ فِي خِطَابِ التَّكلْيِفِ وَهُوَ اخْتَيِارُ الإمامِ الرَّازِيِّ؛ لأَنَّ معنَى كَوْنِ الشيءِ شَرْطاً حُرْمَةُ ذَلِكَ الشيءِ بِدُونِ الشرطِ، وَكَوْنُهُ مَانِعاً كَذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ تسميةَ هَذِهِ الأشياءَ الْوَضْعِيَّةِ أَحْكَاماً، وَقَالَ: إِنَّمَا هِيَ عَلاَمَاتٌ لِلأَحْكَامِ، وَهُوَ ضعيفٌ إِذْ لاَ تَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهَا أَحْكَاماً شَرْعِيَّةً.
وَقَوْلُهُ: (وَقَدْ عُرِفَتْ حُدُودُهَا) إشارةٌ إِلَى أنواعِ التقسيمِ الأَوَّلِ، فإنَّهُ بالحصرِ
(1/163)

يُعْلَمُ حَدُّ كُلِّ واحدٍ بمفردِهِ، بِأَنْ يُؤْخَذَ مَوْرِدُ التقسيمِ الذِي هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ جَمِيعِهَا، وَيُمَيَّزَ كُلُّ واحدٍ مِنْهَا، وَقَيَّدَ الأَوَّلَ بالثانِي، وهذه طريقةٌ يَسْتَعْمِلُهَا الْمُصَنِّفُونَ فِي كُلِّ حصرٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لأنَّ مَوْرِدَ التقسيمِ قَدْ لاَ يَكُونُ جِنْساً، وَالْمُمَيِّزُ قَدْ لاَ يَكُونُ فَصْلاً، وَلاَ يُعْرَفُ بِهَذَا التقسيمِ حُدُودُهَا، إِلاَّ أَنْ يُرِيدُوا بِالحَدِّ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ الْحَدِّ وَالرسمِ.
والحاصلُ أَنَّ التقسيمَ الحاصرَ يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ الْحَدُّ، وَلاَ يَجِبُ ذَلِكَ، لِجَوَازِ وُقُوعِ التقسيمِ فِي أَعَمٍّ، لاَ يَكُونُ جِنْساً؛ بَلْ عَرَضاً عَامًّا، كَقَوْلِنَا: الماشِي إِمَّا أَنْ يَكُونَ نَاطِقاً أَوْ لاَ، وَلَيْسَ حَدُّ الإنسانِ أَنَّهْ مَاشٍ نَاطِقٌ.
وَقَالَ الصَّفَّارُ فِي (شَرْحِ سِيبَوَيْهِ): إِنَّمَا يُحَدُّ الشيءُ لامْتِنَاعِ الحصرِ، فَإِذَا انْحَصَرَ فَلاَ يَنْبَغِي (3 أ) أَنْ يُحَدَّ، وَإِنَّمَا وُسِّطَ هَذَا بَيْنَ مَا سَبَقَ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: (وَقَدْ عُرِفَتْ) لِيَتِمَّ التقسيمُ، وَكَأَنَّهُ قَدْ قَصَدَ بقولِهِ: (عُرِفَتْ حُدُودُهَا) التنبيهَ عَلَى الاستغناءِ بِذَلِكَ عَنِ الرسومِ المذكورةِ فِي (الْمِنْهَاجِ) بَعْدَ التقسيمِ.
فَإِنْ قُلْتَ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: فَإِنْ وَرَدَ سبباً أَوْ شَرْطاً أَوْ مَانِعاً؛ لأنَّ السببَ نَفْسَهُ لَيْسَ هُوَ الْحُكْمُ؛ بَلْ جَعَلَ الشَّارِعُ إِيَّاهُ.
قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ انْتِصَابُهَا بِمَصْدَرٍ محذوفٍ، أَيْ: بجعلِهِ الوصفَ سبباً.
(ص): (وَالْفَرْضُ وَالوَاجِبُ مُتَرَادِفَانِ، خِلاَفاً لأَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ لَفْظِيٌّ).
(1/164)

(ش): لاَ فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَ الفرضِ والواجبِ؛ بل هُمَا مترادفانِ عَلَى مُسَمًى وَاحِدٍ، وَهُوَ مَا سَبَقَ، وَاحْتَجَّ الإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي (أَمَالِيهِ) بِحَدِيثِ الأعرابِيِّ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَجْعَلْ بَيْنَ الفرضِ والتَّطَوُّعِ واسطةً؛ بَلْ أَدْخَلَ كُلَّ مَا أَخْرَجَهُ مِنِ اسْمِ الفرائضِ فِي جُمْلَةِ التطوعاتِ، وَلَوْ كَانَ واسطةٌ لَبَيَّنَهَا.
نعم: فَرَّقَ أصحابُنَا بَيْنَ رُتَبِ الواجبِ، حَيْثُ جَعَلُوا الركنَ فِي الْحَجِّ مَا لَمْ يُجْبَرْ بالدمِ، والواجبَ مَا يُجْبَرُ بالدمِ.
وَفَرَّقَتِ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَهُمَا فَقَالُوا: الفرضُ مَا ثَبَتَ بدليلٍ قَطْعِيٍّ كالصلاةِ
(1/165)

والزكاةِ.
والواجبُ مَا ثَبَتَ وجوبُهُ بدليلٍ ظَنِّيٍّ وَهُوَ مَا ثَبَتَ بِالقِيَاسِ أَوْ خَبَرِ الواحدِ كصدقةِ الفِطْرِ وَكالوترِ والأضحيةِ عَلَى قاعدتِهِمْ.
قَالُوا: وَالدَّلِيلُ عَلَى التَّغَايُرِ بَيْنَهُمَا، أَنَّا نُكَفِّرُ جَاحِدَ الأولِ دُونَ الثَّانِي، وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الأَحْكَامِ فَلا بُدَّ مِنَ الاختلافِ فِي الاسمِ بَيْنَهُمَا، وَلاَ يَقْدَحُ هَذَا فِي جَعْلِ الْمُصَنِّفِ الخلافَ لَفْظِيًّا،
(1/166)

فَإِنَّ غايتَهُ أَنَّ بَعْضَ الواجباتِ يُكَفَّرُ جَاحِدُهَا، وَكَوْنُنَا لاَ نُسَمِّيهِ واجباً خِلاَفٌ فِي اللفظِ، فَإِنَّهُ يُكَفَّرُ ببعضِ الواجباتِ إِذَا جُحِدَتْ، وَيُنْفَى عَنْهَا اسمُ الوجوبِ، وَالْخَصْمُ يُكَفِّرُ بِهَا أَيْضاًً؛ وَلَكِنْ لاَ يَنْفِي عَنْهَا اسمَ الوجوبِ؛ ثُمَّ إِنْ كَانَ قَصْدُهُمْ مِنْ هَذِهِ التفرقةِ مُجَرَّدَ الاصْطِلاَحِ، فَلاَ مشاحَّةَ.
لَكِنَّ الْمُصْطَلِحَ عَلَى الشيءِ يَحْتَاجُ إِلَى أَمْرَينِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ لاَ يُخَالِفَ الوضعَ العَامَّ لُغَةً أَوْ عُرْفاً.
والثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا فَرَّقَ بَيْنَ مُتَقَارِنَيْنِ يُبْدِي مُنَاسَبَةَ [لَفْظِ] = كُلِّ واحدٍ مِنْهُمَا بالنسبةِ إِلَى مَعْنَاهُ؛ وَإِلاَّ كَانَ تَخْصِيصُهُ لأَحَدِ المعنيينِ بِعَينِهِ بِذَلِكَ اللفظِ بِعَيْنِهِ، لَيْسَ أَوْلَى مِنَ العكسِ.
قَالَ الشيخُ تَقِيُّ الدينِ: وَهَذَا الموضعُ الذي فَعَلَهُ الحنفيةُ مِنْ هذا القَبِيلِ؛ لأَنَّهُمْ خَصُّوا المفروضَ بالمعلومِ قَطْعاً مِنْ حَيْثُ إِنَّ الفَرْضَ هو التقديرُ، والواجبَ بِغَيْرِ المعلومِ قَطْعاً مِنْ حَيْثُ إِنَّ الوَاجِبَ هو الساقطُ، وهذا كَمَا قُلْنَا لَيْسَ فيه مُنَاسَبَةٌ ظاهرةٌ بالنسبةِ إِلَى كُلِّ لَفْظَةٍ مَعَ مَعْنَاهَا الذِي ذَكَرُوهُ، وُلَوْ عُكِسَ الأَمْرُ لَمَا امْتَنَعَ؛ فالاصطلاحُ عَلَيْهِ لَيْسَ بِذَلِكَ الحسنِ.
(ص): (والمندوبُ والمستحبُ والتطوعُ والسنةُ مُتَرَادِفَةٌ، خلافاً لبعضِ
(1/167)

أصحابِنَا، وهو لَفْظِيٌّ).
(ش): لاَ فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَ هذه الألفاظِ عَلَى المشهورِ.
وَمُرَادُهُ ب (بعضِ أصحابِنَا) القَاضِي حُسَينٌ، فَإِنَّهُ غَايَرَ بَيْنَهَا فَقَالَ: السُّنَّةُ: مَا وَاظَبَ عَلَيْهِ النبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
والمستحبُ: مَا فَعَلَهُ مرةً أَوْ مرتينِ.
والتطوعُ: مَا يُنْشِئُهُ الإنسانُ باختيارِهِ مِنَ الأَوْرَادِ.
وَتَبِعَهُ صاحبُ (التَّهْذِيبِ) وَ (الكَافِي).
وَكَذَا ذَكَرَهُ الغَزَالِيُّ فِي (الإِحْيَاءِ) قَالَ: وَتُسَمَّى الأَقْسَامُ الثلاثةُ نوافلٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ النَّفْلَ هُوَ الزيادةُ وَجُمْلَتُهَا زَائِدَةٌ عَلَى الفَرَائِضِ، انْتَهَى.
والجمهورُ لاَ فَرْقَ.
وَجَعْلُهُ (13 ب) الخلافَ لَفْظِيًّا قَدْ يُنَازَعُ فِيهِ؛ لأَنَّ مَا
(1/168)

ثَبَتَ مُوَاظَبَتُهُ عَلِيهِ الصلاةُ والسلامُ عَلِيهِ لاَ شَكَّ أَنَّهُ آكِدٌ مِمَّا فَعَلَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَيُجَابُ بِأَنَّ كَوْنَ بعضُ السننِ آكِدٌ مِنْ بعضٍ لاَ يُوجِبُ تَغَايُراً عَلَى مَا سَبَقَ فِي الواجبِ والفرضِ.
(ص): (وَلاَ يَجِبُ بالشروعِ، خلافاً لأَبِي حَنِيفَةَ).
(ش): أَيْ: مَنْ تَلَبَّسَ بنفلِ صلاةٍ أو صومٍ، فله قَطْعُهَا عِنْدَنَا بِالعُذْرِ وبغيرِهِ، وَلاَ يَجِبُ عليه القضاءُ، لِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أحياناً يَنْوِي صومَ التطوعِ ثُمَّ يُفْطِرُ، نَعَمْ يُسْتَحَبُّ الإتمامُ، لقولِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}.
وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنِيرِ عَنْ مَالِكٍ مِثْلَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَاحْتَجَّ لَهْ بقولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ
(1/169)

إِذَا لَبِسَ لامَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يُقَاتِلَ)) وهذا الاستدلالُ ضعيفٌ، وفي الحديثِ إشارةٌ إلى الاختصاصِ، فَقَوْلُهُ: ((لاَ يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ)) يَدُلُّ عَلَى مخالفةِ غَيْرِ النبيِّ لَهُ.
وَاحْتَجَّ لأَبِي حَنِيفَةَ بقولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للأعرابِيِّ لَمَّا قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: ((لاَ؛ إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ شَيئاً)).
والجوابُ مِنْ ثلاثةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: قَوْلُهُ: (لاَ) أَيْ: لَيْسَ عليكَ غَيْرُهَا، والاستثناءُ منقطعٌ.
وَثَانِيهَا: مِنْ قَوْلِهِ: (تَطَوَّعَ) فَسَمَّاهُ تَطَوُّعاً؛ لَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ: تَقْدِيرُهُ: إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ فَيَلْزَمُكَ التطوعُ.
ونحنُ نَقُولُ: تُقْدِيرُهُ: فَيَكُونُ لَكَ أَنْ تَفْعَلَ.
وَتَقْدِيرُنَا أَرْجَحُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
ثَالِثُهَا: أَنَّ الاستثناءَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الأولِ، فَيَلْزَمُ خِلاَفُ الإِجْمَاعِ، أَوْ مِنْ جِنْسِهِ فَيِلْزَمُ الْمُدَّعِيَ، وَقَدْ أَوْرَدَ القاضِي حسينٌ عَلَى هَذَا الأَصْلِ مَا لَوْ شَرَعَ المسافرُ فِي الصلاةِ بِنِيَّةِ الإِتْمَامِ ثُمَّ أَفْسَدَهَا فَإِنَّهُ لاَ يَقْضِيهَا مَقْصُورَةً؛ بَلْ تَامَّةً، وَأَجَابَ بِأَنَّهُ فَرْضٌ الْتَزَمَهُ بِعَقْدِهِ، (لأَنَّ الفرضَ عَلَى المسافرِ الإِتْمَامُ كالمقيمِ، إِلاَّ أَنَّهُ جُوِّزَ لَهُ القصرَ فِإِذَا لَمْ يَنْوِهِ فَقَدِ الْتَزَمَ الفرضَ بِعَقْدِهِ، بخلافِ
(1/170)

مَا لَوْ شَرَعَ فِي التطوعِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ بِحُكْمِ عَقْدِهِ.
تنبيهانِ:
الأولُ: كلامُ الْمُصَنِّفِ قَدْ يُوهِمُ أَنَّهُ لاَ خلافَ فِيهِ عِنْدَنَا، لَكِنَّ فِي (شَرْحِ الْفُرُوعِ) للشيخِ أَبِي عَلِيِّ السِّنْجِي+: أَنَّ أَبَا زيدٍ الْمَرْوَزِيَّ وبعضَ الأصحابِ قَالاَ: بوجوبِ إتمامِ الطوافِ عَلَى مَنْ تَلَبَّسَ بِهِ، ثُمَّ غَلَّطَهُمَا فِيهِ، قَالَ بعضُهُمْ: والظاهرُ أَنَّ ذلكَ مُخْتَصُّ بالطوافِ الواجبِ في الحجِّ، والْعُمْرَةِ وَيُحْمَلُ كلامُهُمَا عليه، وَإِنْ كَانَ الحجُّ والعمرةُ تطوعينِ؛ لأَنَّهُ يَجِبُ إتمامُ كُلِّ واحدٍ مِنْهُمَا إِذَا أُحْرِمَ بِهِ، بخلافِ التطوعِ بالطوافِ لاَ يَجِبُ إتمامُهُ إِلاَّ إِذَا نَذَرَهُ.
الثانِي: حكايتُهُ الخلافَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ هُوَ المشهورُ، لَكِنْ رَأَيْتُ في (شَرْحِ التَّلْخِيصِ) للشيخِ أَبِي عَلِيِّ السِّنْجِيِّ+ قَبْلَ كِتَابِ الزكاةِ، أَنَّ هذا مَحْكِيٌّ عَنْهُ في
(1/171)

(نَوَادِرِ ابْنِ سَمَاعَةَ) وَلَمْ نَزَلْ نَعْتَمِدُهُ هَكَذَا حَتَّى قَدَمَ عَلَيْنَا أَبُو نَصْرِ الْعِرَاقِيُّ وَقَالَ: لأَبِي حَنِيفَةَ في كتابِ الصَّدَاقِ أَنَّ لَهُ الخروجَ مِنْ صَوْمِ التطوعِ إِلاَّ أَنَّهُ يَجِبُ القضاءُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْخَلْوَةِ: تُوجِبُ كَمَالَ الْمَهْرِ، وَلَوْ خَلاَ بِهَا مُحْرِماً أَوْ صَائِماً وهي، مُحْرِمَةٌ أَوْ صَائِمَةٌ صَوْمَ فَرْضٍ، لاَ يَكْمُلُ الْمَهْرُ، لِفَسَادِ الْخَلْوَةِ، وَلَوْ خَلاَ بِهَا صَائِمٌ صَوْمَ تَطَوُّعٍ، كَمَّلَهُ، فَدَلَ عَلَى أَنَّهْ جَعَلَ لَهُ الخروجَ مِنْ صَوْمِ التطوعِ حتى جَعَلَهْ كالمفطرِ، فَكَمُلَ الْمَهْرُ بِهَا، وَلَوْ حَرَّمَ الخروجَ لأَفْسَدَ الْخَلْوَةَ بِهِ، وَلَمَا أَكْمَلَ الْمَهْرَ كَمَا جَعَلَهْ في صومِ الفرضِ، ثُمَّ كَانَ أَبُو نَصْرِ (14 أ) الْعِرَاقِيُّ يَجْمَعُ بَيْنَ الروايتينِ، فَيَقُولُ: إِنْ خَرَجَ بِنِيَّةِ أَنْ يَقْضِيَهُ فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِلاَّ فَلاَ يَجُوزُ.
قَالَ: فَأَمَّا وُجُوبُ القَضَاءَ فَلاَ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ.
ثُمَّ قَالَ الشيخُ: ثُمَّ إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ نَاقَضَ فَجَوَّزَ الْقُعُودَ فِيهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ، فَطَرَدَا الْقِيَاسَ وَمَنَعَا العُقُودَ.
(1/172)

(ص): (وُجُوبُ إِتْمَامِ الحجِّ؛ لأَنَّ نَفْلَهُ كَفَرْضِهِ: نِيَّةَ وَكَفَّارَةً وَغَيْرَهُمَا).
(ش): هَذَا جوابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، تَقْدِيرُهُ: إِنَّ مَنْ تَلَبَّسَ بَحَجٍّ تَطَوُّعٍ، فَعَلَيْهِ إِتْمَامُهُ، وَلاَ يَجُوزُ قَطْعُهُ عِنْدَنَا، وَأَجَابَ: إِنَّمَا خَرَجَ الْحَجُّ عَنِ القاعدةِ لِخُصُوصِيَّةٍ فِيهِ وَهُوَ أَنَّ حُكَمَ نَفْلِهِ كَحُكْمِ فَرْضِهِ فِي النيَّةِ والكَفَّارَةِ وغَيْرِهِمَا. والذي يَظْهَرُ: عَدَمُ الاحْتِيَاجِ إلى هذا؛ لأَنَّ الكلامَ في المندوبِ عَيْناً، والحَجُّ بخلافِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لاَ يُتَصَوَّرُ لَنَا حَجُّ تَطَوُّعٍ، فِإِنَّ الْمُخَاطَبُ بِهِ إِنَّمَا هُوَ المستطيعُ فَإِنْ كَانَ لَمْ يَحُجْ فَهُوَ فِي حَقِّهِ فَرْضُ عَيْنٍ، وَإِلاَّ فَفَرْضُ، كِفَايَةٍ فَإِنَّ إِقَامَةِ شَعَائِرِ الحَجِّ مِنْ فُرُوضِ الكِفَايَةِ على الْمُكَلَّفِينَ، وَحِينَئِذٍ فَلاَ يَبْقَى إِشْكَالٌ في امْتِنَاعِ الخروجِ مِنْهُ إِلاَّ عَلَى قَوْلِنَا: إِنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ لاَ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ، عَلَى مَا سَيَاتِي.
وَهُنَا تنبيهانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الشَّافِعِيَّ ذَكَرَ فِي (الأُمِّ) هَذَا السؤالَ وَأَجَابَ عَنْهُ باختصاصِ الْحَجِّ بِأَحْكَامٍ مِنْهَا: لُزُومُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ بِخِلاَفِ الصلاةِ وَغَيْرِهَا.
وَهَذَا أَحْسَنُ مِنْ جَوَابِ الْمُصَنِّفِ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ يَجِبُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ، فَكَيْفَ فِي صَحِيحِهِ؟ وَذَكَرَ المَاوَرْدِيُّ فِي (الْحَاوِي) الفَرْقَيْنِ.
الثَّانِي: أَنَّ كَلاَمَ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنِ القاعدةِ غَيْرُ الحجِّ، لَكِنْ اسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ أَيْضاًً: الأُضْحِيَةَ، فَإِنَّهَا سُنَّةٌ، وَإِذَا ذُبِحَتْ لَزِمََتْ بالشروعِ، ذَكَرَهُ
(1/173)

السَّاجِيُّ في (نُصُوصِ الشَّافِعِيُّ).
(ص): (والسببُ: مَا يُضَافُ الْحُكْمُ إِلَيْهِ للتعلقِ بِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مَعْرُفٌ أَوْ غَيْرُهُ).
(ش): الأحكامُ الثابتةُ بخطابِ الوضعِ أصنافٌ، منها: الْحُكْمُ عَلَى الوصفِ بِكَوْنِهِ سَبَباً، وهو خَاصٌّ بِالحُكْمِ الذي عُرِفَتْ عِلَّتُهُ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ ظَاهِراً مَضْبُوطاً مُخَيَّلاً أَوْ شَبَهِيًّا؛ فُلَلَّهِ تَعَالَى في الزَّانِي حُكْمَانِ: أَحَدُهُمَا: تَحْرِيمُ ذَلِكَ عليه، والثانِي: جَعْلُ زِنَاهُ سَبَباً لِوُجُوبِ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ.
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: (للتعلقِ بِهِ)، إلى أَنَّ مَعْنَى كَوْنِهِ حُكْماً تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ إِيرَادُهُمْ، أَنَّ الزِّنَا حَادِثٌ، والإيجابُ قديمٌ، والحادثُ لاَ يُؤَثِّرُ في القديمِ.
(1/174)

وبقولِهِ: (مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مَعْرُفٌ) إلى أَنَّهُ لَيْسَ المرادُ مِنَ السببِ كَوْنِهِ مُوجِباً لِذَلِكَ لِذَاتِهِ أو لصفةٍ ذَاتِيَّةٍ كَمَا تَقُولُ المعتزلةُ؛ بَلْ المرادُ مِنْهُ إِمَّا الْمُعَرِّفُ للحُكْمِ، وعليه الأكثرونَ، أَوِ المُوجِبُ لاَ لِذَاتِهِ وَلاَ لِصِفَةٍ ذَاتِيَّةٍ، وَلَكِنْ بِجَعْلِ الشارعُ إِيَّاهُ مُوجِباً وَهُوَ اختيارُ الغَزَالِيِّ وإليه أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بقولِهِ: (أَوْ غَيْرِهِ) لِيَمْشِيَ التعريفُ عَلَى المذاهبِ كُلِّهَا، فَعَلَى الثانِي هُوَ مَا يُضَافُ إِلَيْهِ لِذَاتِهِ، وعلى الثالثِ مَا يُضَافُ إليه بِجَعْلِ الشارعُ إِيَّاهُ، وَقَدْ تَعَرَّضَ الْمُصَنِّفُ لهذا الخلافِ في بابِ القياسِ، صَدْرُ الكلامِ عَلَى العِلَّةِ، وَلاَ يُقَالُ: هَذَا التعريفُ صَادِقٌ على العِلَّةِ؛ لأَنَّا نَقُولُ: لاَ بُدَّ فِي العِلَّةِ مِنَ المناسبةِ بخلافِ السببِ، وَمُرَادُ الغَزَالِيِّ أَنَّ الموجبَ للحُكْمِ بالحقيقةِ هو الشارعُ، وَإِنَّمَا نَصَبَ السببَ للحُكْمِ لِعُسْرِ الوقوفِ على خطابِ اللَّهِ تَعَالَى، لاَ سِيَّمَا بَعْدَ انقطاعِ الوَحْيِ، كَالعَلامَةِ فَشَابَهَ مَا يَحْصُلُ الحُكْمُ، عِنْدَهُ لاَ بِهِ فَيُسَمَّى
(1/175)

باسمِهِ.
(ص): (وَالشَّرْطُ يَاتِي).
(ش): يَعْنِي: فِي بَابِ التخصيصاتِ (14 ب) إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي السببِ مِنَ الظهورِ والإخالةِ، ولا وَجْهَ لاقتصارِ الْمُصَنِّفِ عَلَى شرطِ ذَلِكَ فِي المانعِ دُونَ السببِ والشرطِ، وَقَدْ جَعَلُوا النصابَ فِي الزكاةِ سبباً، والْحَوْلَ شَرْطاً.
فَإِنْ قِيلَ: هَلاَّ عَكَسُوا؟
قُلْنَا: لأَنَّ الشارعَ إِذَا رَتَّبَ حُكْماً عَقِبَ أَوْصَافٍ، فَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا مناسبةً، فالجميعُ عِلَّةٌ كالقتلِ العَمْدِ العُدْوَانِ، وَإِنْ نَاسَبَ البعضُ فِي ذَاتِهِ دُونَ البعضِ، فالمناسبُ فِي ذَاتِهِ سببٌ والمناسبُ فِي غَيْرِهِ شرطٌ، فالنصابُ يَشْتَمِلُ عَلَى الغِنَى ونعمةِ الملكِ في نَفْسِهِ، والحولُ مُكَمِّلٌ لنعمةِ الملكِ بالتمكينِ بالتنميةِ في جميعِ الحَوْلِ فهو شرطٌ.
(ص): (والمانعُ: الوصفُ الْوُجُودِيُّ الظاهرُ الْمُنْضَبِطُ الْمُعَرِّفُ نَقِيضَ الحُكْمِ كالأبوةِ فِي القصاصِ).
(1/176)

(ش): الوصفُ المحكومُ عليه بِكَوْنِهِ مَانِعاً يَنْقَسِمُ إلى: مانعِ الحُكْمِ، ومانعِ السببِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ هُنَا إِلاَّ إلى الأولِ، وَلاَ بُدَّ أَنْ يَقُولَ: مَعَ بَقَاءِ حِكْمَةِ المُسَبِّبِ، فَإِنَّ الأبوةَ مانعةٌ للحُكْمِ الذِي هُوَ القِصَاصُ لِحِكْمَةٍ وهي كَوْنُ الأبِ سبباً فِي إِيجَادِهِ فَلاَ يَكُونُ الابْنُ سبباً في إِعْدَامِهِ، وهذه الحكمةُ تَقْتَضِي عَدَمَ القِصَاصِ الذِي هُوَ نقيضُ الحُكْمِ، وَحِكْمَةُ السببِ باقيةٌ وهي الحياةُ، وَأَمَّا المانعُ للسببِ فَهُوَ مَا يَسْتَلْزِمُ حِكْمَةً تُخِلُّ بحكمةِ السببِ كَالدَّيْنِ في الزكاةِ إِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ مانعٌ مِنَ الوجوبِ، فَإِنَّ حِكْمَةَ السببِ، وهي الغِنَى، مواساةُ الفقراءِ مِنْ فَضْلِ مَالِهِ، وَلَمْ يَدَعِ الدَّيْنُ مِنَ المالِ فَضْلاً يُواسِي بِهِ.
قالَ الْمُصَنِّفُ: وَإِنَّمَا لَمْ أَذْكُرْ هُنَا مانعَ
(1/177)

السببِ؛ لأَنَّ كلامَنَا هُنَا فِي الحُكْمِ ومُتَعَلَّقَاتِهِ، وليستِ الأسبابُ عِنْدَنَا مِنَ الأحكامِ خِلاَفاً لابْنِ الْحَاجِبِ، وَقَدْ تَضَمَّنَ كِتَابُ القياسِ تعريفَ مانعِ السببِ، حَيْثُ قُلْنَا فَيهِ عِنْدَ ذِكْرِ الْعِلَّةِ: وَمِنْ شروطِ الإلحاقِ بِهَا اشتمالُهَا عَلَى حكمةٍ تَبْعَثُ على الامْتِثَالِ وَتَصْلُحُ شَاهِداً لإِنَاطَةِ الحُكْمِ، وِمِنْ ثَمَّ كَانَ مَانِعُهَا وَصْفاً وُجُودِياً يُخِلُّ بحكمتِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: هو إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الأحكامِ فهو مِنْ مُتَعَلَّقَاتِ الأحكامِ فَكَانَ يَنْبَغِي ذِكْرُهُ.
قُلْنَا: الْمَعْنِيُّ بِمُتَعَلَّقَاتِ الأحكامِ: حاكمٌ ومحكومٌ به وعليه، وشروطُ كُلِّ واحدٍ مِنْهَا، وليستِ الأسبابُ مِنْ ذلك.
وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: فَكَيْفَ لَمْ يَذْكُرْ مانعَ السببِ لذلكَ وَذَكَرَ السببَ؟
وَقَوْلُهُ: الْمَعْنِيُّ بِمُتَعَلَّقَاتِ الأحكامِ مَا ذِكْرُهُ ممنوعٌ، بَلِ الأعمُ مِنْ ذلك، وَمَا المانعُ مِنْهُ؟
(ص): (والصحةُ: مُوَافَقَةُ ذِي الوجهينِ الشرعَ، وَقِيلَ: فِي العبادةِ إسقاطُ القضاءِ).
(ش): المرادُ بِذِي الوجهينِ، مَا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ تَارَةً بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ عَلَيِهِ حُكْمُهُ، وَتَارَةً بِحَيْثُ لاَ يَتَرَتَّبُ كالصلاةِ والصومِ والبيعِ، وَاحْتَرِزْ بِهِ عَمَّا لاَ يَقَعُ إِلاَّ على جهةٍ واحدةٍ، كمعرفةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَدِّ الوديعةِ، فَلاَ يُوصَفُ بالصحةِ وَعَدَمُهَا.
وَقَولُهُ: الشرعَ، أَيْ: لأَمِرِ الشرعِ، وَسَوَاءٌ وَجَبَ قَضَاؤُهُ أَمْ لاَ، وَهَذَا التعريفُ لِلْمُتَكَلِّمِينَ، وَمُرَادُهُمْ: فِي ظَنِّ الْمُكَلَّفِ، لاَ فِي نَفْسِ الأمرِ، وَعُلِمَ مِنْ إطلاقِهِ،
(1/178)

شُمُولُ العباداتِ والمعاملاتِ، فَكَمَا أَنَّ العبادةَ إِنْ وَقَعَتْ مُسْتَجْمَعَةَ الأركانِ والشروطِ كَانَتْ صحيحةً وَإِلاَّ ففاسدةٌ، كذلك العقودُ إذا صَدَرَتْ على الوجهِ الشرعِيِّ كَانَتْ صحيحةً وَإِلاَّ ففاسدةٌ، وَقَدْ أَشَارَ إلى ذلك في العقودِ القاضِي أَبُو بَكْرٍ وغيرُهُ، فَلاَ الْتِفَاتَ (15أ) لِمَنْ خَصَّ التعريفَ بالعبادةِ، وإلى التعميمِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بقولِهِ: وَقِيلَ فِي العباداتِ، فَعُلِمَ أَنَّ السابِقَ للأَعَمِّ.
فَإِنْ قِيلَ: إِذَا جَعَلْتَ التعميمَ شامِلاً للأمرينِ فَلاَ حاجةَ لِقَولِهِ ثانياً، وبصحةِ العقدِ تُرَتَّبُ آثَارُهُ.
قُلْنَا: هذا يُعْرَفُ جوابُهُ بِمَا سَيَاتِي، وَكَانَ حَقُّ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ: لاَ عَلَى وَجْهِ التَّشَبُهِ، لِيُخْرِجَ المتعدِي بالفطرِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عليه الإمساكُ = [تَشَبُّهاً] بالصائمينَ، وليسَ في صومٍ شَرْعِيٍّ على الصحيحِ، ولهذا لَوِ ارْتَكَبَ مَحْظُوراً لاَ شيءَ عليه سِوَى الإثمِ، بخلافِ الْمُحْرِمِ إِذَا أَفْسَدَ إِحْرَامَهُ، وَأَشَارَ بقولِهِ (وَقِيلَ) إلى أَنَّ منهم مَنْ فَسَّرَ الصحةَ في العبادةِ بإسقاطِ القضاءَ، وَبَنَوا على القولينِ صَلاَةَ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ حَدَثُهُ، فَعِنْدَ المتكلمِينَ وَقَعَتْ صحيحةً بالنسبةِ إِلَى ظَنِّ الْمُكَلَّفِ، وَعِنْدَ الفُقَهَاءِ بَاطِلَةٌ.
وَأَشَارَ بعضُهُمْ إِلَى أَنَّ النزاعَ لَفْظِيٌّ، والأحكامَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَجَرَى عليه +القَرَافِيُّ، قَالَ: لأَنَّهُمُ اتَّفَقُوا على أَنَّهُ مُوافِقٌ لأمرِ اللَّهِ وَأَنَّهُ يُثَابُ عَلَيْهَا، وَأَنَّهُ لاَ يَجِبُ عليه القضاءُ إِذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ حَدَثُهُ، وَيَجِبُ إِذَا تَبَيَّنَ، وَلَكِنَّ خلافَهُمْ في لفظِ الصحةِ: هَلْ وُضِعَ لَمَّا وَافَقَ الأَمْرَ سَوَاءٌ أَوَجَبَ القضاءُ أَمْ لَمْ يَجِبْ، أَوْ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَتَعَقَّبَهُ قَضَاءٌ؟
وليسَ كذلكَ بَلِ الخلافُ معنويٌّ، والمتكلمُونَ لا يُوجِبُونِ القضاءِ، وَوَصْفُهُمْ إِيَّاهَا بالصحةِ صَرِيحٌ في ذلكَ، فَإِنَّ الصحةَ هِيَ الغايةُ، ولاَ يُسْتَنْكَرُ هَذَا، فللشافعيِّ فِي القديمِ مِثْلُهُ، فِيمَا إِذَا صَلَّى بِنَجَسٍ لَمْ يَعْلَمْهُ، ثُمَّ عَلِمَهُ، أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلِيهِ
(1/179)

القضاءُ، نَظَراً لموافقةِ الأمرِ حَالَ التلَبُّسِ، وَكَذَا مَنْ صَلَّى إِلَى جِهَةٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ الخطأَ، ففي القضاءِ قَوْلاَنِ للشافعيِّ، بَلِ الخلافُ بينهم فيه على أَصْلٍ، وهو أَنَّ القضاءَ هَلْ يَجِبُ بالأمرِ الأولِ أَوْ بمتجددٍ؟
فَعَلَى الأولِ بَنَى الفقهاءُ قولَهُمْ: إِنَّهَا سقوطُ القضاءِ، وعلى الثانِي بَنَي المتكلمُونَ قولَهُمْ: إِنَّهَا مُوَافَقَةُ الأمرِ، فَلاَ يُوجِبُونَ القضاءَ، مَا لَمْ يَرِدْ نَصٌّ جديدٌ، وَيُؤَيِّدُ ذلكَ أَنَّ المتكلمِينَ يَقُولُونَ: القضاءُ لاَ يَجِبُ بالأمرِ الأولِ، بَلْ بأمرٍ جديدٍ، والفقهاءُ يَقُولُونَ بالأمرِ الأولِ، ولهذَا فَسَّرُوا الصحةَ بسقوطِ القضاءِ.
تنبيهانِ:
الأولُ: في صحةِ هَذَا القولِ عِنْدَ الفقهاءِ نَظَرٌ، والموجودُ فِي كُتُبِ الأصحابِ فِي بابِ صلاةِ الجماعةِ تقسيمُ مَنْ صَحَّتْ صلاتُهُ إلى مَا يُغْنِي عَنِ القضاءِ
(1/180)

وَمَا لاَ يُغْنِي، فَلَمْ يَجْعَلُوا الصحةَ عبارةً عَمَّا أَسْقَطَ القضاءَ.
الثاني: على تقديرِ ثبوتِهِ، فليسَ المرادُ مِنْهُ أَنَّ الصحةَ نَفْسُ سقوطِ القضاءِ كَمَا يَقْتَضِيهِ نَقْلُ الْمُصَنِّفِ وغيرِهِ، بَلِ المرادُ كَمَا قَالَ الصَفِيُّ الْهِنْدِيُّ: كَوْنُ تلكَ العبادةِ بِحَيْثُ تُسْقِطُ القضاءَ، وليسَ المعنَى أَنَّهُ وَجَبَ القضاءُ ثُمَّ سَقَطَ بتلكَ العبادةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ وِفَاقاً، أَمَّا إِذَا قُلْنَا: إِنَّ القضاءَ يَجِبُ بِأَمْرٍ جديدٍ فظاهرٌ، وَإِنْ قُلْنَا بالأمرِ السابقِ فَكَذَلِكَ؛ لأَنَّ القضاءَ إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ فَوَاتِ الفعلِ عَنْ وَقْتِهِ، أَمَّا قَبْلَ الفواتِ فليسَ القضاءُ واجباً عِنْدَ أحدٍ حَتَّى تَكُونَ العبادةُ المُؤَادَّةُ في الوقتِ مُسْقِطَةٌ للقضاءِ، بَلْ معناهُ أَنَّهُ سَقَطَ قضاءُ مَا انْعَقَدَ بسببِ وُجُوبِهِ، وعلى هذا فَيَسْقُطُ مَا أَوْرَدَهُ الإمامُ وغَيْرُهُ عَلَى هَذَا القولِ مِنَ الإِشْكَالِ.
(ص): (وبصحةِ العقدِ تُرَتَّبُ آثَارُهُ).
(ش): المرادُ بالآثارِ مَا شُرِعَ ذلكَ العقدُ لَهُ، كالتصرفِ فِي البيعِ والاستمتاعِ فِي النكاحِ وَنَحْوِهِ.
وَقَوْلُهُ: وبصحةِ العقدِ، خَبَرٌ مقدمٌ، وَقَوْلُهُ: تُرَتَّبُ آثارُهُ، هُوَ المبتدأُ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ الخبرُ لأمرَيْنِ: صناعيٌّ، وهو عَوْدُ الضميرِ مِنَ المبتدأِ (15 ب) وهو (الهَاءُ) فِي آثارِهِ، على بَعْضِ الخبرِ وهو (صحةُ العقد) ِ على حِدِّ قولِهِ تَعَالَى: {أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}، والثانِي بَيَانِيٌّ: وَهُوَ التنبيهُ على الحصرِ، فَإِنَّ تقديمَ المعمولِ يُفِيدُ الحصرَ عِنْدَ جماعةٍ، والمعنَى أَنَّ تَرَتُّبَ الأثرِ واقعٌ لصحةِ العقدِ لاَ غَيْرَ، أَيْ: يَثْبُتُ بِهِ الْحُكْمُ المقصودُ مِنَ التصرفِ، كَالْحِلِّ في النكاحِ، والمِلْكِ في البيعِ والْهِبَةِ، وَهَذَا أَحْسَنُ مِنْ تعريفِ غَيْرِهِ (صحةُ العقدِ بِتَرَتُّبِ الأَثَرِ) كَمَا تَقُولُهُ الفقهاءُ، فَإِنَّ تَرَتُّبَ الأثرِ أَثَرٌ على صحةِ العقدِ، فَإِنَّا نَقُولُ: صَحَّ العقدُ فَتَرَتَّبَتْ آثَارُهُ عليهِ، فلهذا لَمْ يَجْعَلِ الْمُصَنِّفُ
(1/181)

صحةَ العقدِ تَرَتُّبَ الأَثَرِ، بَلْ بصحةِ العقدِ يَتَرَتَّبُ الأَثَرُ، وَفَرَّقَ بَيْنَ قَوْلِنَا: الصحةُ يَنْشَأُ عَنْهَا تَرَتُّبُ الأَثَرِ، وَتَرَتُّبُ الأَثَرِ يَنْشَأُ عَنِ الصحةِ، فَإِنَّ الأولَ يَقْتَضِي أَنَّهَا حَيْثُ وُجِدَتْ تَرَتَّبَ عليهَا الأَثَرُ، وعلى هذا فَيَجِيءُ الاعتراضُ بالبيعِ قَبْلَ القبضِ، أَوْ فِي زَمَنِ الخيارِ، فَإِنَّهُ صحيحٌ، وَلَمْ يَتَرَتَّبْ عليه أَثَرُهُ، إِذْ لَيْسَ للمشترِي التصرفُ مَعَ إمكانِ الانفصالِ عَنْهُ، فَإِنَّ الأثرَ ليسَ الانتفاعُ، بَلْ حصولُ الملكيةِ التِي يَنْشَأُ عَنْهَا إباحةُ الانتفاعِ، والثانِي لاَ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا مُقْتَضَاهُ أَنَّ تَرَتُّبَ الأثرِ إِذَا وُجِدَ مَنْشَؤُهُ الصحةُ، فَلاَ يَلْزَمُ مِنِ ارتفاعِهِ ارتفاعُ الصحةِ، وَمَعَ سلامَتُهَا مِنَ الاعتراضِ السابقِ ففيها إشارةٌ إلى أَنَّ المانعَ إِذَا زَالَ
كالخيارِ، عَمِلَتِ الْعِلَّةُ عَمَلَهَا غيرَ مُسْتَنِدٍ عَمَلُهَا إلى زَوَالِ المانعِ، هَذَا حاصلُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَلَكَ أَنْ تُورِدَ عَلِيهِ الخُلْعَ والكتابةَ الفاسدَيْنِ، فَإِنَّهُ يَتَرَتَّبُ عليهما أَثَرَهُمَا مِنَ الْبَيْنُونَةِ والْعِتْقِ مَعَ أَنَّهُمَا غَيْرُ صحيحَيْنِ، فَلَمْ يصحَّ قَوْلُهُ: إِنَّ تَرَتُّبَ الأثرِ يَنْشَأُ عَنِ الصحةِ، وكذلكَ الوكالةُ والقِرَاضُ الفاسدَينِ، فإنَّ الوكيلَ والعاملَ يستفيدانِ بِهِ التصرُّفَ، وَجَوَابُهُ مِنْ وجهَينِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ المرادَ تَرَتُّبُ كُلُّ آثَارِهِ عليه، أَمَّا مَا يَتَوَقَّفُ على وجودِ شرطٍ أَوْ فَقْدِ مانعٍ، بِحَيْثُ لَوْ حَصَلَ الشرطُ وَزَالَ المانعُ، يَحْصُلُ.
والثانِي: أَنَّ هَذِه الآثَارَ ليستْ مِنْ نَاحِيَةِ هذا العقدِ الفاسدِ بَلِ الأمرُ خارجٌ عَنْ تَضَمُّنِهِ، وَهُوَ صحيحٌ فِي نَفْسِهِ، أَمَّا الْخُلْعُ والكتابةُ، فَمِنْ جِهَةِ التعليقِ، وَأَمَّا الوكالةُ والقِرَاضُ فَمِنْ جِهَةِ الإِذْنِ، وَمَا فَرَّ مِنْهُ فِي عبارةِ الجمهورِ، لاَ يَرُدُّ عليهم؛ لأَنَّ مُرَادُهُمْ بالترتبِ بالقوةِ لاَ بالفعلِ فَيَخْرُجُ البيعُ مُدَّةَ الخيارِ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَإِنَّهُ لاَ تَتَرَتَّبُ ثَمَرَتُهُ عَلَيْهِ، وليسَ ذَلِكَ لِعَدَمِ صحتِهِ، بَلْ لمانعٍ، وهو عَدَمُ اللزومِ، ثُمَّ القولُ بِأَنَّ الصحةَ ليستْ تَرَتُّبَ الأثرِ، بَلْ كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ الأثرُ عَلَيْهِ، بمعنَى: وُقُوعُهُ عَلَى وَجْهٍ مخصوصٍ - فَذَلِكَ أَمْرٌ عقليٌّ، ولأَجْلِهِ قَالَ ابْنُ الحَاجِبِ: إِنَّ الصحةَ حُكْمٌ عقليٌّ لا شرعيٌّ والْمُصَنِّفُ لا يَقُولُ بِهِ.
تَنْبِيهٌ: في معنَى العقدِ الحَلِّ كَالْفُسُوخِ، فَيَاتِي فِيهِ مَا سَبَقَ.
(1/182)

(ص): (والعبادةِ إِجْزَاؤُهَا - أَيْ: كِفَايَتُهَا - فِي سُقُوطِ التَّعَبُدِ، وَقِيلَ إِسْقَاطُ القَضَاءِ).
(ش): العبادةُ مجرورٌ بالعطفِ على صحةِ العقدِ، أَيْ: وبصحةِ العبادةِ إجزاؤُهَا، على حَدِّ قَوُلِهِ: وبصحةِ العقدِ تَرَتُّبُ آثَارُهُ، والمعنَى أَنَّ إِجْزَاءَ العبادةِ نَاشِئٌ عَنْ صحتِهَا، كَمَا فِي الصحةِ تَقُولُ: صَحَّتِ العبادةُ فَأَجْزَأَتْ.
وَقَوْلُهُ: أَيْ: كِفَايَتُهَا، تَفْسِيرٌ للإِجْزَاءِ، أَيِ: الإجزاءُ هُوَ كفايةُ العبادةِ، أَيْ: كَوْنُ الفعلِ كافياً فِي سقوطِ التعبدِ، فَإِذَا كَفَتْ فِي صحةِ التعبدِ فهو الإجزاءُ (16 / أ) الناشيءُ عَنِ الصحةِ.
وَقَوْلُهُ: في سُقُوطِ التعبدِ، أَيْ: بالفعلِ، والمرادُ في الجملةِ لاَ الفعلُ مِنَ الْمُكَلَّفِ، وَإِلاَّ لَوَرَدَ على هذا القيدِ المغصوبُ إِذَا حَجَّ عَنْهُ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُ مَعَ أَنَّهُ ليسَ مُتَعَبِّداً بِهِ في حَقِّ نَفْسِهِ، وَلَوْ قَالَ: إِسْقَاطٌ بَدَلَ سُقُوطٍ لَكَانَ أَحْسَنُ، وَهَذَا كَلُّهُ عَلَى قَوْلِ مَنْ فَسَّرَ الصحةَ بِمُوَافَقَةِ الأَمْرِ.
وَقَوْلُهُ: وَقِيلَ: إسقاطُ القضاءِ، وَنَقَلَهُ فِي (الْمُنْتَخَبِ) عَنِ الفقهاءِ، وَنَازَعَهُ ابْنُ التِّلْمِسَانِيِّ، قَالَ: الفقهاءُ لاَ يَقْتَصِرُونَ فِي حَدِّ الإِجْزَاءِ على ذلكَ، لِيَلْزَمَ عليه مَا أَلْزَمَهُمْ مِنْ أَنَّ سقوطَ القضاءِ بِطَرَيانِ+ العُذْرِ يَكُونُ إِجْزَاءً، وَإِنَّمَا الفقهاءُ والمتكلمُونَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ فيه مِنْ أَخْذِ الامتثالِ، فالأُصُولِيُّونَ يَقْتَصِرُونَ عليه، والفقهاءُ يُضِيفُونَ إليه إسقاطَ القضاءِ، فَيَقُولُونَ: الصحيحُ: المجزئُ وهو الأداءُ الكافِي، وَهَذَا بِنَاءً منهم على أَصْلِهِمْ، أَنَّ القضاءَ بالأمرِ الأولِ، والقضاءُ عِنْدَ المتكلمِينَ بأمرٍ ثانٍ.
تَنْبِيهٌ: عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الإِجْزَاءَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي الْعِبَادَةِ، بخلافِ الصحةِ فَإِنَّهَا
(1/183)

تَكُونُ في العبادةِ والعقودِ.

(ص): (وَيَخْتَصُّ الإجزاءُ بالمطلوبِ وَقِيلَ: بالواجِبِ).
(ش): مِمَّا يَفْتَرِقُ فيه الصحةُ والإجزاءُ: أَنَّ الصحةَ تَكُونُ في كُلِّ مطلوبٍ وغيرِهِ وِفَاقاً.
وَاخْتُلِفَ في الإِجْزَاءِ: هَلْ يَعْمُّ كُلَّ مطلوبٍ مِنْ واجبٍ ومندوبٍ، أَوْ يَخْتَصُّ بالواجبِ، فَلاَ يُوصَفُ المندوبُ بالإجزاءِ عَلَى قَوْلَيْنِ؟
والثانِي نَصَرَهُ الْقَرَافِيُّ وَالأَصْبَهَانِيُّ شَارِحاً (الْمَحْصُولِ) وَاسْتَبْعَدَهُ والدُ الْمُصَنِّفِ فِي (شَرْحِ الْمِنْهَاجِ)، وَقَالَ: كلامُ الفقهاءِ يَقْتَضِي أَنَّ المندوبَ يُوصَفُ بالإجزاءِ كالفرضِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الحديثِ: (أَرْبَعٌ لاَ تُجْزِئُ فِي الأَضَاحِي) وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ بوجوبِ الأُضْحِيَةِ،
(1/184)

وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ. انْتَهَى.
ولهذا رَجَّحَ الْمُصَنِّفُ هَذَا القولَ حَيْثُ صَدَّرَ بِهِ كلامَهُ، وَفِيمَا نَقَلَهُ عَنِ الفقهاءِ نَظَرٌ، وَقَدِ احْتَجَّ أصحابُنَا عَلَى إِيجَابِ الفَاتِحَةِ بروايةِ الدَّارَقُطْنِيِّ: ((لاَ تُجْزِئُ صَلاَةٌ لاَ يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ)) وَقَالُوا: إِنَّهُ أَدَلُّ عَلَى الوجوبِ مِنْ روايةِ الصحيحَينِ. (لاَ صَلاَةَ إِلاَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) وَكَذَا احتجاجُهُمْ عَلَى إِيجَابِ الاستنجاءِ بحديثِ: ((إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْغَائِطِ فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ، فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ)) قَالُوا: والإجزاءُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ عَنْ وَاجِبٍ.
(ص): (وَيُقَابِلُهَا الْبُطْلاَنُ وهو الفسادُ خلافاً لأَبِي حَنِيفَةَ).
(ش): الضميرُ في (يُقَابِلُهَا) عائدٌ على مُطْلَقِ الصحةِ، لاَ على صحةِ العقودِ، ولاَ صحةِ العباداتِ، فَيَاتِي في تفسيرِهِ الخلافُ، فَيَكُونُ الْبُطْلاَنُ مُخَالَفَةُ ذِي
(1/185)

الوجهَيْنِ الشرعَ، أَوْ عَدَمُ إسقاطِ القضاءِ في العبادةِ، وهو والفسادُ، عِنْدَنَا مترادفانِ، فَنَقُولُ: بَطُلَتِ العبادةُ وَفَسَدَتْ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مُتَبَايِنَانِ؛ فَالباطلُ عِنْدَهُ: مَا لَمْ يُشَرَّعْ بِالْكُلِّيَةِ، كبيعِ مَا في البطونِ.
والفاسد: مَا شُرِّعَ بأصلِهِ، وَلَكِنِ امْتَنَعَ لاشتمالِهِ على وَصْفٍ كَالرِّبَا.
نَعَمْ: فَرَّقَ أصحابُنَا بَيْنَ الباطلِ والفاسدِ فِي الْحَجِّ، والْعَارِيَةِ
(1/186)

والْخُلَعِ والْكِتَابَةِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الأَبْوَابِ.
(ص): (وَالأَدَاءُ فِعْلُ بعضٍ وَقِيلَ:= [كُلُّ] مَا دَخَلَ وَقْتُهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ).
(ش): قَوْلُهُ: فِعْلُ بَعْضٍ مَا دَخَلَ وَقْتُهُ، جِنْسٌ يَدْخُلُ فِيهِ بعضُ مَا دَخَلَ وقتُهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ، وَمَا دَخَلَ وَلَمْ يَخْرُجْ.
وَقَوْلُهُ: قَبْلَ خُرُوجِهِ، فَصْلٌ، يُخْرِجُ فِعْلَهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ، وهو القضاءُ، وَإِنَّمَا قَالَ: بَعْضٍ لأَنَّ الأَصَّحَ عِنْدَنَا (16 ب) فَيمَنْ فَعَلَ بعضَ العبادةِ في الوقتِ، وبعضُهَا خَارِجَهُ أَنَّهَا تَكُونُ أداءً كُلُّهَا، لَكِنْ بشرطِ أَنْ يَكُونَ المَاتِيُّ بِهِ فِي الوقتِ رَكْعَةٌ. ولاَ يُفْهَمُ مِنْ لفظِ: بعضٍ، أَنَّهُ للتقييدِ، حَتَّى يَلْزَمَ أَنَّهُ إِذَا فَعَلَ الكُلَّ لاَ يَكُونُ أَدَاءً؛ لأَنَّ مَنْ فَعَلَ الكُلَّ فَقَدْ فَعَلَ البعضَ وَزَادَ.
إِذَنْ فاعلُ البعضِ صادقٌ على الصورتَينِ،
(1/187)

وَإِنَّمَا كَانَ يَلْزَمُ السؤالُ أَنَّ لَوْ قَالَ: فِعْلُ البعضِ يُفِيدُ البعضيةَ، وليسَ الأمرُ كذلكَ، مَعَ أَنَّ كَوْنَ فِعْلُ الكُلِّ في الوقتِ أداءً في غَايَةِ الوضوحِ، وَأَوْلَى بِكَونِهَا أداءً مِنْ فِعْلِ البعضِ، واعْلَمْ أَنَّ كلامَهُ إِنْ سَلِمَ مِنْ هذه الحيثيةِ، فهو خارجٌ عَنْ صناعةِ الحدودِ، فَإِنَّ المفعولَ جميعَهُ في الوقتِ هو المقصودُ، فَجَعْلُهُ مُسْتَفَاداً مِنَ المفهومِ، أَوْ مِنْ أمرٍ خارجٍ عَنِ اللفظِ إجحافٌ لاَ حاجةَ إِلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَطْلَقَ البعضَ، فَشَمَلَ مَا دُونَ رَكْعَةٍ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إَنُّهُ إذا أَتَمَّ، إِنَّمَا هَذَا إِنَّمَا يَاتِي فِي الصلاةِ، وكلامُهُ في العبادةِ مِنْ حَيْثُ هي، فكيفَ يُعْرَّفُ العَامُّ بالخاصِّ، وَأَشَارَ بقولِهِ: (وَقِيلَ: كُلُّ) إلى الوجهِ المقابلِ لَهُ وهو أَنَّهَا لاَ تَكُونُ أَدَاءً، وَمَنْ قَالَ: بَعْضُهَا أَدَاءٌ وَبَعْضُهَا قَضَاءٌ، فهو قائلٌ بِأَنَّهَا ليست أَدَاءً، والكلامُ عَنِ العبادةِ بِتَمَامِهَا، وقولُهُ: كُلُّ وبعضُ مضافانِ، وَفَصَلَ بَيْنَ المضافِ إِلَيْهِ، وهو مَا دَخَلَ وَقْتُهُ قَبْلَ خروجِهِ، وَبَيْنَ المضافِ وهو: بَعْضُ بَقَوْلِهِ: وَقِيلَ: اختصاراًَ، وهو على حَدِّ قَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِغُلاَمِ إِمَّا زَيْدٍ وَإِمَّا عَمْرٍو، إِذَا تَحَقَّقْتَ أَنَّهُ غُلاَمُ أَحَدِهِمَا وَشَكَكْتَ فِي عَيْنِهِ، ومِثْلُهُ: قَطَعَ اللَّهُ يَدَ وَرِجْلَ مَنْ قَالَهَا، تَقْدِيرُهُ: يَدَ مَنْ قَالَهَا وَرِجْلَ مَنْ قَالَهَا.
قَالَ الفَرَّاءُ: لاَ يَجُوزُ حَذْفَ المضافِ إليهِ فِي مِثْلِ هَذَا إِلاَّ في الْمُصْطَحَبَيْنِ، كاليدِ والرجلِ، والنصفِ والربعِ، وقبلَ وبعدَ، وَأَمَّا نَحْوَ: دَارٍ وغلامٍ فَلاَ يَجُوزُ ذَلِكَ فَيِهَا، لَوْ قُلْتَ: اشْتَرَيْتُ دَارَ وَغُلاَم َزَيْدٍ، لَمْ يَجُزْ.
قُلْتُ: وَمِنَ الْمُصْطَحَبَيْنِ: بعضٌ وكلٌّ في كلامِ المصنفِ. إِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَهُنَا أَمْرَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا القيدَ الذِي زَادَهُ الْمُصَنِّفُ على الْمُخْتَصَرَاتِ الأُصُولِيَّةِ إِنَّمَا هُوَ رَايُ الفقهاءِ، دَعَاهُمْ إليهِ ظَاهِرُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاَةَ)) وَلَعَلَّ الأصوليينَ لاَ يُوَافِقُونَهُمْ على تسميتِهِ أَدَاءً، وعبارتُهُمْ طافحةٌ بِذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُ إِنَّمَا يَتِّمُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ مُرَادُ الفقهاءِ بقولِهِمْ في مفعولِ البعضِ إِنَّهُ أُدَاءٌ، مَعَ الْحُكْمِ عَلَى الباقِي بخروجِ الوقتِ، وَإِنَّمَا وُصِفَ بِالأَدَاءِ تَبَعاً، وهو أَحَدُ الاحتمالَيْنِ للشيخِ الإمامِ، وَقَالَ: إِنَّهُ المتبادرُ مِنْ كلامِهِمْ، أَمَّا إِذَا قُلْنَا بالاحتمالِ
(1/188)

الثانِي، وهو أَنَّ الكُلَّ فِي الوقتِ، فَلاَ يَصِحُّ الاستدراكُ لأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ شيءٌ خارجَ الوقتِ، وهذا هو الذي يَدُلُّ عليه لفظُ الشافعيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي (الْمُخْتَصَرِ) فَإِذَا طَلَعَتْ الشمسُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّي مِنْهَا رَكْعَةً، فَقَدْ خَرَجَ وَقْتُهَا، فمفهومُهُ أَنَّهُ إِذَا صَلَّى ركعةً، لاَ يَخْرُجُ وَقْتُهَا، وَأَنَّ الوقتَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ بالنسبةِ إِلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ رَكْعَةً.
الثانِي: أَنَّهُ حَيْثُ لاَحَظَ الاصطلاحَ الفقهيَّ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: مَا دَخَلَ وقتُهُ الأصلِيُّ والتبعيُّ، كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ الصلاتَيْنِ تأخيراً، فَإِنَّ الْمُؤَخَّرَةَ تَكُونُ أَدَاءً على الصحيحِ مَعَ أَنَّهُ خَرَجَ وَقْتُهَا الأصليُّ، لَكِنَّ وقتَ الثانيةِ وَقْتٌ لَهَا بالتبعِ، وَحَكَى الإِمَامُ وَجْهاً: أَنَّهَا تَكُونُ (17 أ) مَقْضِيَّةً عَلَى القاعدةِ، وفائدةُ الرخصةِ رَفْعُ الإِثْمِ وَتَجْوِيزُ قَصْرِ الظُّهْرِ.
(ص): (وَالْمُؤَدَّى مَا فُعِلَ).
(ش): لَمَّا فَرَغَ مِنْ تعريفِ الأداءِ الذِي هو مصدرٌ، أَخَذَ فِي تعريفِ الْمُؤَدَى الذِي هُو اسمُ المفعولِ، وَإِنَّمَا عَرَّفَهُ، لِيُسْتَفَادَ وَلِيُنَبِّهَ عَلَى مكانِ الاعتراضِ على مَنْ عَرَّفَ الأَدَاءَ بِمَا لاَ يَصِحُّ إِلاَّ تعريفاً لِلْمُؤَدَّى، وَلِهَذَا قَالَ: مَا فُعِلَ، وَلَمْ يَقُلْ المفعولَ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُ المفعولِ أَخْصَرُ مِنْ لفظِ مَا فُعِلَ؛ لأَنَّهُ أَرَادَ حِكَايَةَ لفظِ ابْنِ الحَاجِبِ أَوْ بعضِهِ لِيُتَفَطَّنَ لَهُ؛ لأَنَّ (مَا) فِي قَوْلِهِ: مَا فُعِلَ، نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، أَيْ: شيءٌ فُعِلَ. والأداءُ في الحقيقةِ، فِعْلُ مَا دَخَلَ وَقْتُهُ: وَفَرْقٌ بَيْنَ المصدرِ واسمِ المفعولِ فَإِنْ قُلْتَ: يُخَلِّصُهُ مِنْ هَذَا جَعْلُهَا مصدريةً، قُلْتُ: لاَ يَصِحُّ؛ لأَنَّ (مَا) المصدريةَ حَرْفٌ لاَ يَعُودُ عَلَيْهَا ضَمِيرٌ، وَهُنَا ضميرٌ عَائِدٌ إليها، وهو قَوْلُهُ: في وَقْتِهِ، والضميرُ لاَ يَعُودُ إِلاَّ على الأسماءِ.
(ص): (والوقتُ: الزمانُ الْمُقَدَّرُ لَهُ شَرْعاً مُطْلَقاً).
(ش): هذا أَيْضاًً مِنْ زياداتِ الْمُصَنِّفِ على المختصراتِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يُفْرِدُوا ضَابِطَ الوقتِ في الأداءِ، وَإِنْ كَانَتْ عبارةُ ابْنِ الحَاجِبِ فِي حَدِّ الأداءِ تَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ وَأَخَذَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ كلامِ وَالِدِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: الأحسنُ عِنْدَي فِي تفسيرِهِ: أَنَّهُ الزمانُ
(1/189)

المنصوصُ عليه للفعلِ مِنْ جِهَةِ الشرعِ، فَإِنَّ المأمورَ بِهِ تَارَةً يُعَيِّنُ الآمِرُ وَقْتَهُ كالصلواتِ الخمسِ وتوابعِهَا، وصيامِ رمضانَ، وزكاةِ الفطرِ، فَإِنَّ جميعَ ذلكَ قُصِدَ فيه زمانٌ مُعَيَّنٌ، وَتَارَةً يَطُلُبُ الفعلَ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ للزمانِ، وَإِنْ كَانَ الأمرُ يَدُلُّ عَلَى الزمانِ بالالتزامِ، وَمِنْ ضَرُورَةِ الفعلِ وُقُوعُهُ في زمانٍ وَلَكِنْ ليسَ مقصوداً للشارعِ، وَلاَ مأموراً بِهِ قَصْداً، فَالْقِسْمُ الأولُ يُسَمَّى مُؤَقَّتاً، والثانِي يُسَمَّى غَيْرَ مُؤَقَّتٍ فَإِنَّ القصدَ مِنْهُ الفعلَ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ للزمانِ، والقسمُ الأولُ قُصِدَ فيه الفعلُ والزمانُ إِمَّا لمصلحةٍ اقتضَتْ تَعِيينَ ذَلِكَ الزمانِ، وَإِمَّا تَعَبُّداً مَحْضاً.
والقسمُ الثانِي ليسَ فيه إِلاَّ قَصْدُ الفعلِ، فَلاَ يُوصَفُ فِعْلُهُ بِأَدَاءٍ وَلاَ قَضَاءٍ؛ لأَنَّهُمَا فَرْعَا الوقتِ، وَلاَ وَقْتَ لَهُ، وَمِنْ هذا القسمِ: الإيمانُ والأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عَنِ المنكرِ، وَعَنْ هَذَا احْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ بقولِهِ: شَرْعاً وقولِهِ: مُطْلَقاً. أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ مُضَيَّقاً كصومِ رمضانَ، أَوْ مُوَسَّعاً كالصلاةِ، وَقَدْ تَكُونُ العبادةُ مُؤَقَّتَةً بِوَقْتٍ لاَ نِهَايَةَ لَهُ كالطوافِ للإفاضةِ.
قُلْتُ: وَقَدْ ظَنَّ الْمُصَنِّفُ وغيرُهُ أَنَّ هَذَا مِنْ تَحْرِيرَاتِ وَالِدِهِ، وَقَدْ سَبَقَهُ إلى ذلكَ الشيخُ عِزُّ الدِّينِ فِي (أَمَالِيهِ) حَيْثُ قَالَ: الوقتُ على قِسْمَيْنِ: وقتٌ يُسْتَفَادُ مِنَ الصيغةِ الدالةِ على المأمورِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِ الشرعِ حَدَّ للعبادةِ ذلكَ الوقتَ أَوْ لَمْ يَحُدَّ، ووقتٌ يَحُدُّهُ الشارعُ للعبادةِ مَعَ قَطْعِ النظرِ عَنْ كَوْنِ اللفظِ اقتضاهُ أَمْ لاَ. والمرادُ بالوقتِ فِي حَدِّ الأَدَاءِ هو الثانِي دُونَ الأولِ، وَبُنِيَ على ذَلِكَ أَنَّا إِذَا قُلْنَا بالقولِ فِي الأوامرِ، فَأَخَذَ المأمورُ لاَ يَكُونُ قضاءً لأَنَّهَا إِنَّمَا خَرَجَتْ عَنِ الوقتِ الذِي دَلَّ عليهِ اللفظُ، وَإِنَّمَا تَكُونُ أَنْ لَوْ خَرَجَتْ عَنِ وَقْتِهَا المضروبُ لَهَا.
(ص): والقضاءُ فِعْلُ كُلِ وَقِيلَ: بعضِ مَا خَرَجَ وَقْتُ أَدَائِهِ، استدراكاً لِمَا سَبَقَ لَهُ مُقْتَضٍ لِلْفِعْلِ مُطْلَقاً) (17 ب).
(1/190)

(ش): مَا سَبَقَ شرحُهُ فِي الأداءِ يَاتِي بِعَيْنِهِ في القضاءِ فَنَقُولُ: (فِعْلُ كُلِّ)، جنسٌ يَدْخُلُ فِيهِ مَا خَرَجَ وَقْتُهُ وَمَا لَمْ يَخْرُجْ، وَاسْتَظْهَرَ بِقَوْلِهِ، وَقِيلَ: الوجهَ الصائرَ إلى أَنَّ الواقعَ فِي بعضِ الوقتِ يكونُ قضاءً، وَقَوْلُهُ: خَرَجَ وقتُ أدائِهِ، يُخْرِجُ الأداءَ وَكَذَا الإعادةَ؛ لأَنَّ وَقْتُهَا وَقْتُ الأداءِ، وَقَدْ يُرَدُّ عَلَى هَذَا القيدِ، مَا لَوْ شَرَعَ فِي الصلاةِ ثُمَّ أَفْسَدَهَا، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ ثَانِياً، فَإِنَّهُ قضاءٌ كَمَا قَالَهُ القاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ، قَالَ الْمُتَوَلِّي في (التَّتِمَّةِ) وَيَتَصَوَّرُ صَلاَةً تَكُونُ فِي الوقتِ قضاءً بهذه الصورةِ. انْتَهَى.
لَكِنَّ الأصوليُونَ لاَ يُوافِقُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَيَقْرُبُ مِنْهُ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ العادمَ لِلْهَدْي يَصُومُ ثلاثةَ أيامٍ قَبْلَ عَرَفَةَ، وَإِذَا تَأَخَّرَ عَنْ أيامِ التشريقِ صَارَ قضاءً، فَلَوْ فَرَضَ أَنَّهُ أَخَّرَ
(1/191)

طوافَ الزيارةِ عَنْ أيامِ التشريقِ، بِنَاءً على أَنَّهُ لاَ آخِرَ لوقتِهِ وَصَامَهَا لاَ يَكُونُ أَدَاءً، وَإِنْ بَقِيَ الطوافُ؛ لأَنَّ تأخيرُهُ عَنْ أَيَّامِ التشريقِ مِمَّا يَبْعُدُ وَيَنْدُرُ، فَلاَ يَقَعُ، مُرَاداً مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنِ الإمامِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ تَقَعُ الصلاةُ خارجَ الوقتِ وَتَكُونُ أَدَاءً في قَوْلِ بعضِ أصحابِنَا فيما لَوْ صَلَّى بالاجتهادِ، ثُمَّ بَانَ الوقتُ.
وَقَوْلُهُ: (استدراكاً)، احترازاً عَمَّا فُعِلَ بَعْدَ وقتِ الأداءِ لاَ بقصدِ الاستدراكِ، فَإِنَّهُ لاَ يُسَمَّى قضاءً.
وَقَوْلُهُ: (لِمَا سَبَقَ لَهُ مُقْتَضٍ للفعلِ) دَخَلَ في تعبيرِهِ بالمقتضِي: الواجبُ، والمندوبُ فَإِنَّ القضاءَ يَدْخُلُ فِيهِمَا، ولهذا قَالَ الفقهاءُ: يَقْضِي الرواتبَ، وهو أَحْسَنُ مِنْ تَعْبِيرِ (الْمِنْهَاجِ) وَ (الْمُخْتَصَرِ) بالوجوبِ.
والحاصلُ أَنَّهُ لاَ يُؤْمَرُ بقضاءِ عبادةٍ إِلاَّ أَنْ يَتَقَدَّمَ سببُ الأمرِ بِأَدَائِهَا وَمَتَى لَمْ
(1/192)

يَتَقَدَّمْ ذَلِكَ، لَمْ يُؤْمَرْ بالقضاءِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شُرُوطِ القضاءِ تَقَدُّمُ الوجوبِ، بَلْ تقدمُ سَبَبِهِ، وَبِهِ صَرَّحَ الإمامُ وغيرُهُ، فَإِنَّ الحائضَ تَقْضِي مَا حُرِّمَ عَلَيْهَا فِعْلُهُ فِي وَقْتِ الحيضِ، والحرامُ لاَ يَتَّصِفُ بالوجوبِ.
وَقَوْلُهُ: مُطْلَقاً. أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ يَجِبُ أَدَاؤُهُ كَالظُّهْرِ المتروكةِ عَمْداً أَمْ لَمْ يَجِبْ وَأَمْكَنَ كصومِ المسافرِ، أَوِ امْتَنَعَ عَقْلاً كصلاةِ النائمِ، أَوْ شرعاً كصومِ الحائضِ، وَهَذَا مِنَ الْمُصَنِّفِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا انْعَقَدَ سَبَبُ وجوبِهِ وَلَمْ يَجِبْ لِمَانِعٍ أَوْ فَوَاتِ شَرْطٍ أَوْ تخفيفاً مِنَ الشارعِ سُمِّيَ تَدَارُكُهُ بَعْدَ الوقتِ قضاءً على وجهِ الحقيقةِ، وهي طريقةُ المتأخرِينَ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: إِنَّ إِطْلاَقَ اسمِ القضاءِ على هذه الصورةِ يَكُونُ على وجهِ المجازِ، لَكِنْ جَزَمَ بذلكَ فِي الحائضِ والمريضِ الذِي كَانَ يَخْشَى الهَلاَكَ في الصومِ وَتَرَدَّدَ في بَقِيَّةِ الصورِ، ثُمَّ رَجَّحَ كَوْنَهُ مَجَازاً.
قِيلَ: والخلافُ في ذلكَ لَفْظِيٌّ.
قُلْتُ: قَدْ تَظْهَرُ فائدتُهُ في النِّيَّةِ، إِذَا شَرَطْنَا التعرضَ لِنِيَّةِ القضاءِ، قَالَ بَعْضُهُمْ والحقُّ أَنَّ الْحَدَّ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِمْ: خَارِجُ وَقْتِهَا، وَلاَ حَاجَةَ إلى قيدٍ آخَرَ؛ لأَنَّهُ مَتَى لَمْ يَتَقَدَّمْ سببُهَا لاَ يَكُونُ المفعولُ بَعْدَ الوقتِ تِلْكَ العبادةِ بَلْ غَيْرَهَا، والمقضيُّ المفعولُ مَا سَبَقَ في المُؤَدَّى يَاتِي بِعَيْنِهِ هُنَا حَتَّى يَعْتَرِضَ عَلَى ابْنِ الحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ: القضاءُ مَا فُعِلَ لتعريفِ الْمَقْضِيِّ لاَ القضاءُ الذِي هو المصدرُ، وَعَبَّرَ هُنَا بالمفعولِ لأَنَّهُ الأحسنُ وَإِنَّمَا عَبَّرَ هُنَاكَ بِمَا فُعِلَ للتنبيهِ على الاعتراضِ، فَاسْتَغْنَى بِهِ عَنْ تَكْرِيرِ العبارةِ هُنَا (18 أ).
(1/193)

(ص): (والإعادةُ: فِعْلُهُ فِي وَقْتِ الأَدَاءِ، قِيلَ: لِخَلَلٍ، وَقِيلَ: لِعُذْرٍ. فَالصَّلاَةُ الْمُكَرَّرَةُ مُعَادَةٌ).
(ش): إِنَّمَا قَالَ: (فِعْلُهُ) وَلَمْ يَقُلْ (مَا فُعِلَ) كَمَا عَبَّرَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ، لِمَا سَبَقَ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ بَعْدَ تَعْرِيفِ الإعادةِ، وَالمُعَادُ المَفْعُولُ. كَمَا فَعَلَ فِي الأَدَاءِ والقضاءِ، وَكَأَنَّهُ اسْتَغْنَى عَنْهُ بِمَا سَبَقَ، وَلِمَا سَنَذْكُرُهُ أَنَّ الإعادةَ قِسْمٌ مِنَ الأداءِ.
وَقَوْلُهُ: (فِي وَقْتِ الأَدَاءِ) يُخْرِجُ القضاءَ، والمُرَادُ فِعْلُهُ ثَانِياً لِيُخْرِجَ الأَدَاءَ وَهُوَ مَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِهِ: (فِعْلُهُ) أَيْ: فِعْلُ المعادِ.
واعتبارُ الْمُصَنِّفِ الوقتَ في الإعادةِ يَقْتَضِي أَنَّهَا قِسْمٌ مِنَ الأداءِ لاَ قَسِيمُهُ، وَهُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ الآمِدِيُّ خِلاَفاً لِمَا وَقَعَ فِي عبارةِ (الْمِنْهَاجِ) (وَالتَّحْصِيلِ).
وَفِي اعتبارِ الوقتِ فِيهِمَا اختلافُ عباراتِ الْمُصَنِّفِينَ مِنَ الأُصُولِيِّينَ، وَمُقْتَضَى كلامِ الفقهاءِ أَنَّهَا للأعمِّ مِنْ ذَلِكَ الوقتِ وَبَعْدَهُ إِذَا كَانَ مَسْبُوقاً بِأَدَاءٍ مُخْتَلٍّ كصلاةِ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ، والْعَارِي، والمحبوسِ في موضعٍ نجسٍ لاُ يُجَدُ غَيْرَهُ، وَمَنْ عليه نَجَاسَةٌ لاَ يَقْدِرُ عَلَى إِزَالَتِهَا، وَالمَرِيضُ لاَ يَجِدُ مَنْ يُحَوِّلُهُ إلى القِبْلَةِ، وَنَحْوَهُ. مَعَ أَنَّهُمْ يُطْلِقُونَ عَلَى الثانِيَةِ لفظَ الإعادةِ وَإِنْ فُعِلَتْ خارجَ الوقتِ، فَعُلِمَ أَنَّ الإعادةَ لاَ يُشْتَرَطُ فِيهَا الوقوعُ فِي الوقتِ، بَلْ هي عبارةٌ عَنْ فَعِلِ مِثْلِ مَا مَضَى، سَوَاءٌ كَانَ المَاضِي صَحِيحاً أَوْ فَاسِداً، وَعَلَى هذا فَبَيْنَ الإعادةِ والأداءِ عمومٌ وخصوصٌ مِنْ وَجْهٍ، فينفردُ الأداءُ فِي الفعلِ الأولِ وتنفردُ الإعادةِ فِيمَا إِذَا قَضَى صلاةً
(1/194)

وَأَفْسَدَهَا ثُمَّ أَعَادَهَا، وَيَجْتَمِعَانِ فِي الصلاةِ الثانيةِ في الوقتِ.
وَقَوْلُهُ: (قِيلَ لِخَلَلٍ) أَيْ: اخْتَلَفُوا، فَقِيلَ: هِيَ فِعْلُ ذلكَ لِخَلَلٍ واقعٍ فِي الأُولَى، وَبِهِ جَزَمَ فِي (الْمِنْهَاجِ) وَرَجَّحَهُ فِي (الْمُخْتَصَرِ) وَأَرَادَ بِالْخَلَلِ فَوَاتَ الرُّكْنِ أَوِ الشرطِ كَمَا في المسائلِ السابقةِ.
وَ (قِيلَ لِعُذْرٍ) عليه والمرادُ بِهِ مَا تَكُونُ الثانيةُ فِيهِ أَكْمَلُ مِنَ الأُولَى وَإِنْ كَانَتِ الأُولَى صحيحةً، وَبُنِيَ عليه الصلاةُ المُكَرَّرَةُ، فعلى الأولِ لَيْسَتْ مُعَادَةً لانْتِفَاءِ الْخَلَلِ، وعلى الثَّانِي بِخِلاَفِهِ، وَإِنَّمَا أَرْسَلَ الْمُصَنِّفُ الخِلاَفَ بِلاَ تَرْجِيحٍ لأَنَّهُ زَيَّفَ في (شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ) القولَيْنِ بِمَا إِذَا تَسَاوَتِ الجماعتَانِ مِنْ كُلِّ وجهٍ، وَاخْتَارَ لِذَلِكَ أَنَّهَا مَا فُعِلَتْ فِي وَقْتِ الأَدَاءِ ثَانِياً مُطْلَقاً، أَيْ: أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ لِخَلَلٍ أَوْ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِهِمَا، وهو ممنوعٌ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَدْرِي القبولَ في أَيِّهِمَا، فالاحتياطُ الإعادةُ، كَمَا لَوْ تَرَجَّحَتِ الثانيةُ، وَأَوْرَدَ عليه أَنَّهُ يَنْبَغِي زيادةُ المكررةِ بالجماعَةِ؛ لأَنَّ تِلَكَ الصلاةِ تُسَمَّى مُعَادَةً على القولِ الثانِي، لاَ الأولَ؛ لأَنَّ فضيلةَ الجماعةِ عُذْرٌ بِخِلاَفِ مَا إِذَا كَرَّرَ الصلاةَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَإِنَّهَا لاَ تُسَمَّى إِعَادَةً، وَأَجَابَ أَوَّلاً بِأَنَّ المرادَ المكررةُ لعذرٍ لاَ مطلقَ المكررةِ؛ لأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إِنَّ الإعادةَ مُطْلَقُ فِعْلِهِ فِي وقتِ الأَدَاءِ، بَلْ فِعْلُهُ فِيهِ إِمَّا لِخَلَلٍّ وَإِمَّا لِعُذْرٍ، وثانياً: إِنَّا نَمْنَعُ أَنَّ إِعَادَةَ الصلاةِ إِلاَّ لِعُذْرٍ يُسَمَّى إِعَادَةً.
(ص): (والْحُكْمُ الشرعيُّ إِنْ تَغَيَّرَ إلى سهولةٍ لِعُذْرٍ مَعَ قيامِ السببِ للحُكْمِ الأصلِيِّ، فَرُخْصَةٌ، كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ، وَالْقَصْرِ، وَالسَّلَمِ، وَفِطْرِ مُسَافِرٍ لاَ يُجْهِدُهُ
(1/195)

الصومُ وَاجِباً وَمَنْدُوباً، وَمُبَاحاً وَخِلاَفُ الأَوْلَى).
(ش): جَعْلُ الرخصةِ والعزيمةِ مِنْ أقسامِ الحُكْمِ ذَكَرَهُ الغَزَلِيُّ وَالْبَيْضَاوِيُّ، لَكِنْ جَعَلَهُ الآمِدِيُّ وابْنُ الْحَاجِبِ مِنْ أقسامِ الفعلِ، فالحُكْمُ جِنْسٌ.
وَقَوْلُهُ: (الشرعيُّ) قَيْدٌ زَادَهُ على الْمُخْتَصَرَيْنِ (18 ب) وهو مُسْتَغْنًى عَنْهُ لأَنَّ كلامَهُ إِنَّمَا هو في الشرعِيِّ، وَقَدْ قَالَ في أولِ الكتابِ، وَمِنْ ثَمَّ لاَ حُكْمَ إِلاَّ لِلَّهِ.
وَقَوْلُهُ: (إِنْ تَغَيَّرَ إلى سَهَولِةٍ) فَصْلٌ خَرَّجَ بِهِ الحدودَ والتعازيرَ مَعَ تكريمِ الآدميِّ المقتضِي للمنعِ مِنْهَا. وَقَوْلُهُ: (لِعُذْرٍ) أَخْرَجَ التخصيصَ، فَإِنَّهُ تَغْيِيرٌ لَكِنْ لاَ لِعُذْرٍ.
وَقَوْلُهُ: (مَعَ قِيامِ السَّبَبِ لِلْحُكْمِ الأَصْلِيِّ) يُرِيدُ أَنَّ شرطَ الرخصةِ أَنْ يَكُونَ المقتضِي لِلْحُكْمِ
(1/196)

قَائِماً، وَيُعَارِضُهُ المانعُ لسببٍ راجحٍ عليه، كَأَكْلِ الميتةِ في حالِ الْمَخْمَصَةِ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ مَعَ قيامِ دليلِ التحريمِ على أَكْلِ الميتةِ، واحترزَ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخاً كَالآصَارِ التي كَانَتْ على مَنْ قَبْلَنَا وَنُسِخَتْ فِي شريعتِنَا تيسيراً وتسهيلاً فلا يُسَمَّى نَسْخُهَا لَنَا رُخْصَةً، وَأَشَارَ فِي (الْمُسْتَصْفَى) إلى أَنَّهَا تُسَمَّى رُخْصَةً مَجَازاً، وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ هذا التعريفَ لا يَطَّرِدُ، فَإِنَّ تَرْكَ صلاةِ الحائضِ عزيمةٌ لاَ رخصةً، وهو مشروعٌ لِعُذْرِ الحَيْضِ مَعَ قيامِ الدليلِ الْمُحَرِّمِ لَوْلاَ عُذْرُ الحيضِ، إِذْ يَحْرُمُ التركُ على الطاهِرَةِ، كَمَا أَنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ مَشْرُوعٌ لِعُذْرِ الاضطرارِ مَعَ قِيامِ المُحَرِّمِ وَلَوْلاَ الاضطرارُ؛ إِذْ يَحْرُمُ أُكْلُ الميتةِ على غَيْرِ المضطرِ.
وَقَسَّمَهَا إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: رخصةٌ واجبةٌ، كَأَكْلِ الميتةِ، وهو الصحيحُ، وَقِيلَ: لاَ يَلْزَمُ الأكلُ؛ بَلْ يَجُوزُ، وَمِثْلُهُ وُجُوبُ استدامَةِ لِبْسِ الْخُفِّ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ مِنَ المَاءِ مَا يَكْفِيهِ على وَجْهٍ مَرْجُوحٍ، وَقَدْ يُنَازَعُ في مُجَامَعَةِ الرُّخْصَةِ الوجوبَ؛ لأَنَّ الرخصةَ تَقْتَضِي التَّسْهِيلَ، ولهذا قَالَ الإمامُ فِي بَابِ صلاةِ المسافرِ مِنَ
(1/197)

(النَّهَايَةِ): يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: أَكْلُ الميتةِ ليسَ برخصةٍ، فَإِنَّهُ وَاجِبٌ، ويَجُوزُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بالتيممِ، فَإِنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى فَاقِدِ المَاءِ وهو مَعْدُودٌ مِنَ الرخصِ، وهذا مِنَ الإمامِ يَقْتَضِي تَرَدُّداً في أَنَّ الوجوبَ يُجَامِعُ الرخصةَ أَمْ لاَ؟ ************ ولأَجْلِهِ قَالَ صَاحِبُهُ إِلْكِيَا الْهَرَّاسُ= في كتابِهِ (أَحْكَامِ الْقُرْآنِ): الصحيحُ عِنْدَنَا أَنَّ أكلَ الميتةِ للمضطرِ عزيمةٌ لاَ رخصةً، كالفطرِ للمريضِ فِي رمضانَ ونحوه، وَقَالَ الشيخُ تقيُّ الدينِ: لاَ مَانِعَ مِنْ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ رخصةٌ مِنْ وَجْهٍ وعزيمةٌ مِنْ وجهٍ، فَمِنْ حَيْثُ قِيَامُ الدليلُ المانعُ نُسَمِّيهِ رخصةً، وَمِنْ حَيْثُ الوجوبِ نُسَمِّيهِ عزيمةً. فَحَصَلَ في مجامعةِ الرخصةِ للوجوبِ ثلاثةُ آراءٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَاياً ثَالثاً، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هذا تنقيحاً للخلافِ وهو الأقربُ.
الثانِي: مندوبةٌ، كالفطرِ للمسافرِ، يَعْنِي: إِذَا بَلَغَ ثلاثةَ مراحلَ.
الثالثُ: مُبَاحَةٌ، وهو كُلُّ مَا رُخِّصَ فيه مِنَ المعاملاتِ كَالسَّلَمِ، فَإِنَّهُ وَرَدَ
(1/198)

النهيُ عَنْ بيعِ مَا ليسَ عِنْدَكَ وَرُخِّصَ فِي السَّلَمِ، فشرطُ العنديةِ في البيعِ لسببِ المقدرةِ على التسليمِ، ثُمَّ أُسْقِطَ هذا الشرطُ في السَّلَمِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مشروعاً، حتى كَانَتِ العنديةُ في السَّلَمِ مُفْسِدَةً لَهُ، وَإِنَّمَا سَقَطَ هذا الشرطُ فيه، تَيْسِيراً على المحتاجِينَ لِيَتَوَصَّلُوا إِلَى مقاصدِهِمْ مِنَ الأَثْمَانِ قَبْلَ إدراكِ غَلاَّتِهِمْ، مَعَ توصلِ صاحبِ الدراهمِ إلى مقصودِهِ مِنَ الربحِ، فَكَانَ رخصةً.
وَمِثْلُهُ: الْمُسَاقَاةُ وَالْقِرَاضُ وَالإِجَارَةُ وَالْعَرَايَا، وَقَدْ صَحَّ الحديثُ بالتصريحِ فيها بالرخصةِ، فَقَالَ: (وَأُرَخِّصُ فِي الْعَرَايَا) فَلَوْ مَثَّلَ بِهِ الْمُصَنِّفُ لَكَانَ أَحْسَنُ، وَلأَنُّ الْغَزَالِيُّ فِي (الْمُسَتَصْفَى) تَرَدَّدَ في ذَلِكَ فَقَالَ: قَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ رخصةً لأَنَّ عُمُومَ نَهْيِهِ عَنْ بَيْعِ مَا ليسَ عِنْدَهُ يُوجِبُ تحريمَهُ.
قَالَ: (19 أ) وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: السَّلَمُ عقدٌ آخرُ، فَهُوَ بَيْعُ دَيْنٍ، وذلكَ بَيْعُ عَيْنٍ، فَافْتَرَقَا وافتراقُهُمَا في الشرطِ لاَ يُلْحِقُ أَحَدَهُمَا الرُّخَصَ، فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَجَازاً، وَأَنَّ قولَ الراوِي: نَهْيٌ عَنْ بَيِعِ مَا ليسَ عِنْدَكَ، وَأُرَخِّصُ فِي السَّلَمِ تَجُوزُ فِي العبارةِ.
قُلْتُ: وقريبٌ مِنْ هذينِ الاحتمالَينِ وَجْهَانِ نَقَلَهُمَا المَاوَرْدِيُّ: أَنَّ السَّلَمَ أَصْلٌ بنفسِهِ، أَوْ عَقْدُ غَرَرٍ، جُوِّزَ للحاجةِ كالإجارةِ، وَأَمَّا الاعتراضُ بِأَنَّهُ قَدْ يُنْدَبُ السَّلَمُ، بِأَنْ يُحْتَاجَ إلى مَالِ الصبيِّ فَيُسْلَمَ فيه، فضعيفٌ؛ لأَنَّ ذَلِكَ لأمرٍ عارضٍ، ليسَ لِكَوْنِهِ
(1/199)

سَلَماً، بَلْ لِكَوْنِهِ يُعَيِّنُ مصلحةَ اليتيمِ، والكلامُ فِي السَّلَمِ مِنْ حَيْثُ هو سَلَمٌ، وَاعْلَمْ أَنَّ تَمْثِيلَ الْمُصَنِّفِ وغيرِهِ يُوهِمُ قَصْرَ الرخصةِ في المباحِ على المعاملاتِ وليسَ كذلكَ، فَإِنَّهُ يَاتِي في العباداتِ كتعجيلِ الزكاةِ، وفي الحديثِ التصريحُ بالرخصةِ للعباسِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الأصحابِ باستحبابِهَا، بَلِ اخْتَلَفُوا فِي الجَوَازِ، والصحيحُ الجوازُ، بَلْ قَدْ تَاتِي فِي غَيْرِ العباداتِ والمعاملاتِ، وَلِهَذَا قَالَ في (الْبَسِيطِ): شَعْرُ المأكولِ إِذَا جُزَّ فِي حياتِهِ طَاهِرٌ، رخصةً، لمسيسِ الحاجةِ إليها في المفارشِ، وَقَالَ الإمامُ في (النهايةِ): إِنَّ لَبَنَ المأكولِ طاهرٌ، وَذَلِكَ عِنْدِي فِي حُكْمِ الرُّخَصِ، فَإِنَّ الحاجةَ مَاسَّةٌ إليها، وَقَدِ امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى بِإِحْلاَلِهَا، عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُنَازَعُ فِي مُجَامَعَةِ الرخصةِ للإباحةِ إِذَا كَانَ أَصْلُهَا التحريمُ، فَإِنَّ القاضِي حُسَين+ فِي فَتَاوَاهُ لَمَّا تَكَلَّمَ على الإكراهِ على النقبِ والإخراجِ أَنَّهُ شُبْهَةً فِي سقوطِ القَطْعِ، قَالَ الشيخُ
(1/200)

العباديُّ: لاَ أَقُولُ: أُبِيحُ لِلْمُكْرَهِ النقبَ والإخراجَ عَنِ الْحِرْزِ، بَلْ أَقُولُ: رُخِّصَ لَهُ فِيهِ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الإباحةِ والرخصةِ، فَإِنَّهُ لَوْ حَلِفَ لاَ يَاكُلُ الحرامَ، فَأَكَلَ الميتةَ للضرورةِ، حَنَثَ في يَمِينِهِ؛ لأَنَّهُ حَرَامٌ إِلاَّ أَنَّهُ رُخِّصَ لَهُ
فيه. انْتَهَى.
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لأَنَّ الأَعْيَانَ لاَ تُوصَفُ بِحِلٍّ وَلاَ حُرْمَةٍ، فَيَبْقَى التناولُ وهو واجبٌ، فيكفَ يَكُونُ حَرَاماً وليسَ ذَا وَجْهَينِ؟! ثُمَّ رَأَيْتُ الإِمَامَ عَبْدَ الْعَزِيزِ شَارِحَ البَزْدَوِيِّ قَالَ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا فِي حَالِ الضرورةِ: أَنَّهَا تَصِيرُ
(1/201)

مباحةً أَوْ تَبْقَى عَلَى الحرمةِ؟ فَذَهَبَ بعضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا لاَ تَحِلُّ، وَلَكِنْ يُرَخَّصُ الفعلُ إِبْقَاءً لِلْمُهْجَةِ، كَمَا فِي الإِكْرَاهِ عَلَى الكُفْرِ، وهو رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَأَحَدُ قَوْلَيِّ الشَّافِعِي، وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّ الْحُرْمَةَ تَرْتَفِعُ في هذه الحالةِ، وَذَكَرَ للخلافِ فائدتَينِ.
إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ إِذَا صَبَرَ حتى مَاتَ لاَ يَكُونُ آثِماً على الأولِ، بخلافِهِ على الآخرِ.
الثانيةُ: إِذَا حَلَفَ لاَ يَاكُلُ حَرَاماً فَتَنَاوَلَهَا في حالِ الضرورةِ، يحنثُ على الأولِ ولاَ يَحْنَثُ على الثانِي.
الرابعُ: خِلاَفُ الأَوْلَى، كالفطرِ لِمَنْ لاَ يَتَضَرَّرُ بالصومِ َ، وَإِنَّمَا لَمْ يُمَثِّلْ بمسحِ الْخُفِّ كَمَا مَثَّلَ بِهِ غيرُهُ؛ لأَنَّ فِي كَوْنِهِ رخصةً أَوْ عزيمةً كالفطرِ خِلاَفاً، كَمَا رَأَيْتُهُ فِي تعليقِ الشيخِ أَبِي حَامِدٍ.
تَنْبِيهَاتٌ:
الأولُ: عُلِمَ مِنِ اقْتِصَارِهِ عَلَى هَذِهِ الأربعةِ، أَنَّ الرخصةَ لاَ تُجَامِعُ
(1/202)

التحريمَ وَلاَ الكراهةَ، وهو ظاهرُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ .....)).
لَكِنَّ في كلامِ الأصحابِ مَا يُوهِمُ مَجِيئَهَا مَعَ الرخصةِ.
أَمَّا التحريمُ: فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَوِ اسْتَنْجَى بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَجْزَأَهُ، مَعَ أَنَّ اسْتِعْمَالَ (19 ب) الذهبِ والفِض‍َََََّّّةِ حرامٌ، والاستنجاءَ بغيرِ الماءِ رخصةٌ، إِلاَّ أَنْ يُقَالَ: هَذَا لَهُ جِهَتَانِ، والتحريمُ مِنْ ناحيةِ مُطْلَقِ الاستعمالِ، لاَ مِنْ خصوصِ الاستنجاءِ الذي هُوَ رخصةٌ، وَأَمَّا الكراهةُ فَكَالقَصْرِ فِي أَقَلَّ مِنْ ثلاثةِ مَرَاحِلَ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ، كَمَا قَالَهُ المَاوَرْدِيُّ فِي بابِ الرَّضاعِ.
الثانِي: تقسيمُهُ الرخصةِ إلى واجبٍ ومندوبٍ ومباحٍ وخلافِ الأَوْلَى -صريحٌ في أَنَّهَا مِنْ خطابِ الاقتضاءِ لاَ الوضعِ، وَصَرَّحَ الآمِدِيُّ بِأَنَّهَا مِنْ أصنافِ خطابِ الوضعِ.
(1/203)

الثالثُ: ضَبَطَ النَّوَوِيُّ في جزءِ القيامِ الرخصةَ بِضَمِّ الخاءِ وإسكانِهَا، وَكَذَا ذَكَرَهُ في (الْمُحْكَمِ)، وَاقْتَصَرَ فِي لُغَاتِ الرَّوْضَةِ عَلَى التسكينِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الضمَّ، واشْتُهِرَ على أَلْسِنَةِ كثيرٍ مِنَ الفقهاءِ ضَمُّ الراءِ وفتحُ الخاءِ، وهو لاَ يُعْرَفُ فِي كُتُبِ اللغةِ، والمشهورُ أَنَّ المُتَرَخَّصَ فِيهِ، يُقَالُ فَيهَ: رُخْصَةٌ، بضمتَينِ وَبِضَمِّ الأولِ وإسكانِ الثانِي، ولاَ يُقَالُ بالفتحِ إِلاَّ للشخصِ المُتَرَخِّصِ في الأمورِ كَهُمَزَةٍ وَلُمَزَةٍ وَضَحِكَةٍ، وفيها لُغَةٌ ثالثةٌ: خرصةٌ، بتقديمِ الخَاءِ حَكَاهَا الفَارَابِيُّ، والظاهرُ أَنَّهَا مقلوبةٌ مِنَ الأُوْلَى.
(ص): (وَإِلاَّ فَعَزِيمَةٌ).
(ش): يَعْنِي، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرِ الحُكْمُ، أَوْ تَغَيَّرَ، وَلَكِنْ لاَ لعذرٍ على وجهِ التيسيرِ فعزيمةٌ.
(1/204)

سَوَاءٌ أَكَانَ وَاجِباً، أَوْ مَنْدُوباً، أَمْ مُبَاحاً، أَمْ مَكْرُوهاً أَمْ حَرَاماً، مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ عَزَمَ أَمْرَهُ؛ أَيْ: قَطَعَ وَحَتَّمَ، سَهُلَ على المُكَلَّفِ أَوْ شَقَّ، وَمَا اقْتَضَاهُ إطلاقُ الْمُصَنِّفِ مِنْ مَجِيءِ الأَحْكَامِ الخَمْسَةِ فِيهَا، هو قضيةُ كلامِ البَيْضَاوِيِّ، وَقِيلَ عليها سِوَى الحرامِ وهو قضيةُ كلامِ الإمامِ، وَقَالَ القِرَافِيُّ+: الوَاجِبُ والمندوبُ فَقَطْ؛ لأَنَّهُمَا طَلَبٌ مُؤَكَدٌ، فَلاَ يَجِيءُ المُبَاحُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: المَشْهُورُ أَنَّ الْعَزِيمَةَ لاَ تَكُونُ إِلاَّ في الواجبِ لأَنَّهُمْ فَسَّرُوهَا بِمَا لَزِمَ العبادَ بإلزامِ اللَّهِ تَعَالَى؛ أَيْ: بَإِيجَابِهِ على مَا صَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ.
(1/205)

(ص): (والدليلُ مَا يُمْكِنُ التوصُّلُ بصحيحِ النظرِ فيه إلى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ).
(ش): قَالَ: (مَا يُمْكِنُ التوصُّلُ) وَلَمْ يَقُلْ مَا يَتَوَصَّلُ للإشارةِ إلى أنَّ المرادَ التوصُّلُ بالقوةِ لاَ بالفعلِ؛ لأنَّ الدليلَ قَدْ لاَ يُنْظَرُ فيه، ولاَ يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يُسَمَّى دليلاً، وَخَرَجَ (بِصَحِيحِ النظرِ) فَاسِدُهُ، كالشبهةِ، لعلهم أَرَادُوا بِذَلِكَ أَنَّ
(1/206)

التوصُّلَ لاَ يَحْصُلُ بالدليلِ، إِنَّمَا يَحْصُلُ بالنظرِ فيه، والمرادُ بالمطلوبِ الخبريِّ، التصديقيُّ؛ أَيْ بالنسبةِ المستفادةِ مِنَ الخبرِ، فَخَرَجَ الْحَدُّ وَالرَّسْمُ، فَإِنَّهُمَا لبيانِ التصورِ لا التصديقِ، وهذا التعريفُ يَعُمُّ الدليلَ القطعيَّ والأَمَارَةَ، قَوْلِيًّا كَانَ أَوْ فِعْلِيًّا، فَإِنَّ المطلوبَ يَعُمُّ ذَلِكَ، وَمَنْ خَصَّ الدليلَ بالقطعيِّ احتاجَ إلى أَنْ يَزِيدَ فِيهِ إلى العَالِمِ بمطلوبٍ خبريٍّ، وَتَدْخُلُ فيه المقدماتُ السابقةُ الصادقةُ، وَإِنْ حَصَلَ فيها فَسَادٌ نُظِرَ بِفَسَادِ الترتيبِ؛ لأنَّ هذه المقدماتُ يُمْكِنُ أَنْ يُتَوَصُّلَ بصحيحِ النظرِ فيها إلى المطلوبِ، وإطلاقُ الدليلِ على مَا أَفَادَ العلمَ أَوِ الظنَّ هو طريقةُ الفقهاءِ، وَاخْتَارَهُ الشيخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَقَالَ: مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَقَالَ: مَا يُؤَدِي إلى الظَّنِ لاَ يُقَالُ لَهُ دَلِيلٌ، بَلْ أَمَارَةٌ، وَهُوَ خَطَأٌ؛ لأَنَّ العربَ لاَ تُفَرِّقُ في التسميةِ بَيْنَ مَا يُؤَدِي إلى العلمِ والظنِّ، فَلَمْ يَكُنْ لهذا الفرقِ وَجْهٌ، وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ؛ لأنَّ هذا مِنْ بابِ الاصطلاحِ، ولاَ حَجْرَ فيه، وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ العربِ لاَ تَعْرِفُهُ مَنْعُهُ عُرْفاً (20 أ).
(1/207)

(ص): (وَاخْتَلَفَ أَئِمَّتُنَا هَلِ العلمُ عَقِيبُهُ مُكْتَسَبٌ).
(ش): مَنْ أَحَاطَ عِلْماً بوجهِ دليلِهِ لاَ بُدُّ أَنْ يَكُونَ عالماً بالمدلولِ ضرورةً، إِذَا كَانَتْ مُقَدِّمَاتُ دليلِهِ صادقةً منتظمةً على وجهٍ يَتَضَمَّنُ العلمُ بهِ صِحَّةَ العلمِ بالمدلولِ، لَكِنْ هَلْ هو واقعٌ لقدرةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، اضطراراً، ولاَ مدخلَ للقدرةِ الحادثةِ فيهِ، أَوْ هُوَ مَقْدُورٌ مُكْتَسَبٌ بالقدرةِ الحادثةِ؟ اخْتَلَفَ أَئِمَّتُنَا، فَذَهَبَ جماهيرُهُمْ إلى الثانِي، وَذَهَبَ الأستاذُ أَبُو إِسْحَاقَ والإمامُ في (الْبُرْهَانِ) والجَاحِظُ وَغَيْرُهُ مِنَ
(1/208)

المعتزلةِ إِلَى الأُوَلِ، واحتجَّ الأستاذُ بِأَنَّ الناظرَ إِذَا أَنْهَى نظرَهُ، وَصَحِبَتْهُ السلامةُ مِنَ الآفاتِ وَقَعَ لَهُ العلمُ بالمنظورِ فِيهِ، شَاءَ أَوْ أَبَى، قَالَ: فَلَوْ كَانَ العِلْمَ وَاقِعاً مِنْ فَعْلِ العبدِ لَكَانَ وَاقِعاً بِحَسْبِ قصدِهِ حتى كَانَ يُمْكِنُهُ تَرْكُهُ، وَلَمَّا لَمْ يُمْكِنْهُ أَنَّهُ مُضْطَرٌّ إِلَيْهِ، وَاحْتَجَّ الجمهورُ، بِأَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ يُمْكِنْهُ الانصرافُ عَنْهُ لأَنَّ العلمَ بوجهِ الدليلِ يَتَضَمَّنُ العلمَ بالمدلولِ، والقدرةُ على العلمِ بِوَجْهِ الدليلِ يَتَضَمَّنُ القدرةَ على العلمِ بالمدلولِ، وحاصلُ هذا الخلافِ يَؤَوَّلُ إلى مسألةٍ أُخْرَى مترجمةٍ، فَإِنَّ العلومَ الحادثةَ تَنْقَسِمُ إلى ضَرُورِيٍّ وَكَسْبِيٍّ عِنْدَ الجمهورِ، وَقَالَ الأستاذُ: إِنَّهَا بِأَسْرِهَا ضروريةٌ، وَتَنْقَسِمُ عِنْدَهُ إِلَى هَمَجِيٍّ وإلى فِكْرِيٍّ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ الْمُصَنِّفُ: اخْتَلَفَ بِالبِنَاءِ للمَفْعُولِ، وَحَذَفَ أَئِمَّتُنَا مَعَ أَنَّهُ أَخْصَرُ؛ لِأنَّهُ أَرَادَ التنبيهَ عَلَى أَنَّ الخلافَ فيهنَّ وَقَعَ مِنْ أَئِمَّتِنَا لاَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ فِرَقِ المخالفِينَ مِنَ المعتزلةِ وغيرِهِمْ، وَاخْتُلِفَ أَيْضاًً فِي العلمِ المستفادِ بالنظرِ بَعْدَ
الاتفاقِ على جوازِ وقوعِهِ ضَرُورِيًّا في قضيةِ العقلِ، هَلْ يَصِحُّ أَنْ يَقَعَ مُكْتَسَباً بالقدرةِ الحادثةِ ابتداءً مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ نَظَرٍ، فَأَحَالَهُ القاضِي وَمُعْظَمُ النظارِ في قضيةِ العقلِ، وَجَوَّزَهُ الأستاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وإمامُ الحَرَمَيْنِ.
وَلاَ خِلاَفَ أَنَّهُ ممتنعٌ بِحُكْمِ العادةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ المتكلمِينَ أَجْمَعُوا على ثبوتِ التلازُمِ، هَلْ هُوَ عقليٌّ أَوْ عاديٌّ؟
فَذَهَبَ جَمْعٌ مِنْ أَئِمَّتِنَا إلى الأولِ، وَقَالُوا: النظرُ يَتَضَمَّنُ العلمَ بالمنظورِ فيه؛ أَيْ: يُلاَزِمُهُ عَقْلاً لاَ يَنْفَّكُ عَنْهُ، وَقَالَ الآمِدِيُّ: إِنَّهُ الحقُّ وَذَهَبَ الأَشْعَرِيُّ إلى
(1/209)

الثانِي كَمَا يَحْصُلُ الشِّبَعُ عَقِبَ الأكلِ، وَرَدَّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كذلكَ، لَكَانَ خَرْقُهُ جَائِزاً وَعَدَمُهُ مُمْكِناً وَهَهُنَا حُصُولُ العلمِ وَاجِبٌ لاَ مَحَالَةَ، فَيَسْتَحِيلُ أَلاَّ يُحَصَّلَ عَقِبَ كَمَالِ النظرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بالإيجابِ، وصَحَّحَهُ الإمامُ في (الْمُحَصَّلِ)، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بالتوليدِ، وهو قولُ المعتزلةِ، فَعَلَى القولِ الأولِ، يَكُونُ العلمُ الحاصلُ عُقَيْبَ النظرِ ضَرُورِيًّا، وهو المختارُ عِنْدَ إِمَامِ الحرمينِ وَإِلِكْيَا= وَغَيْرِهِمَا.
وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ بالعادةِ، فَلاَ يَجُوزُ خَرْقُهَا، فَيَخْرُجُ حينئذٍ عَنْ كَوْنِهِ ضَرُورِيًّا؛ إِذِ الضروريُّ هو الذي يَلْزَمُ النفسَ لُزُوماً لاَ يَتَأَتَّى مَعَهُ الانْفِكَاكُ عَقْلاً.
(ص): (وَالحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ، وَيُقَالُ: المُطَّرِدُ المُنْعَكِسُ).
(ش): ذَكَرُوا فِي الحَدِّ عِبَارَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ جَامِعاً؛ أي: لأَفْرَادِ المحدودِ مَانِعاً؛ أي: مِنْ دُخُولِ غَيْرِهِ فِيهِ، كَقَوْلِنَا: الإنسانُ حيوانٌ نَاطِقٌ، وَلَوْ جَمَعَ وَلَمْ يَمْنَعْ، ك الإنسانُ حيوانٌ، أَوْ مَنَعَ وَلَمْ يَجْمَعْ ك الإنسانُ رجلٌ، لَمْ يَكُنْ حَدًّا صحيحاً للإنسانِ.
الثانيةُ: أَنْ يَكُونَ مُطَّرِداً مُنْعَكِساً، وَهَذَا مَعُنَاهُ يَتَضَمَّنُ أَرْبَعَ قَضَايَا (20 ب) كُلَّمَا وُجِدَ الحَدُّ وُجِدَ المحدودُ، وَكُلَّمَا انْتَفَى المحدودُ انْتَفَى الحَدُّ، والثانيةُ لازمةٌ للأُولَى؛ لأنَّهَا عَكْسُ نَقِيضِهَا فَأَغْنَتِ الأُولىَ عَنْهَا، وَكُلَّمَا انْتَفَى الحَدُّ انْتَفَى المحدودُ،
(1/210)

وَكُلَّمَا وُجِدَ المَحْدُودُ وُجِدَ الحَدُّ.
والرابعةُ لازِمَةٌ للثالثةِ؛ لأنَّها عَكْسُ نَقِيضِهَا، كَمَا أَنَّ الثانيةَ لازمةٌ للأُولَى، فَصَارَتِ الأُولَى والثالثةُ شَرْطَينِ لاَ بُدَّ مِنْهُمَا، ولهذا اقْتَصَرَ عليهما ابْنُ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ: أَيْ: إِذَا وُجِدَ وُجِدَ، وَإِذَا انْتَفَى انْتَفَى، وبهذا التقديرِ يَنْدَفِعُ تَوَهُّمُ مَنْ تَوَهَّمَ أَنَّ مَعْنَى الاطِّرَادِ والانْعِكَاسِ كُلَّمَا وُجِدَ الحَدُّ وُجِدَ المحدودُ، وَكُلَّمَا انْتَفَى المحدودُ انْتَفَى الحَدُّ، ولاَ يَاخُذُ ذَلِكَ مِنْ عَكْسِ القَضَايَا، وَلَوْ كَانَ كَمَا تَوَهَّمَ لَمْ يَكْنْ لِذِكْرِ الانْعِكَاسِ فَائِدَةٌ.
إِذَا عَلِمْتَ هَذَا فَالمُطَّرِدُ هو المانعُ، والمُنْعَكِسُ هو الجامعُ، هَذَا قَوْلُ الْغَزَالِيُّ وابْنُ الْحَاجِبِ، وَغَيْرِهِمَا. وَفَوَاتُ الاطِّرَادِ هو أَنْ يُوجَدَ الحَدُّ بدونِ المحدودِ كَقَوْلِنَا في الإنسانِ: إِنَّهُ حَيَوَانٌ.
وَفَوَاتُ الانْعِكَاسِ أَنْ يَنْتَفِي الحَدُّ ولاَ يَنْتَفِي المحدودُ، كَقَوْلِنَا في الإنسانِ: إِنَّهُ رَجُلٌ.
وَأَمَّا القِرَافِيُّ+، فَإِنَّهُ عَكَسَ هذا، وَقَالَ: المُطَّرِدُ هو الجامعُ والمُنْعَكِسُ هو المانعُ، وَتَمَسَّكَ بالاستعمالِ اللُّغَوِيِّ، فَإِنَّ المفهومَ مِنْ قَوْلِنَا: اطَّرَدَ كَذَا أَنَّهُ وُجِدَ وَاسْتَمَرَّ فَمَعْنَى الحَدِّ المُطَّرِدِ هو الموجودُ في جَمِيعِ صُوَرِ المحدودِ واعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ مَعْنَى وَصْفِهِ بِالاطِّرَادِ أَنَّ تعريفَهُ المحدودُ مُطَّرِدٌ، وهو الذي تَحَقَّقَ وَصْفُهُ بالحَدِّ، فالمرادُ اطِّرَادُ التعريفِ وَمُقْتَضَى هذا الاعتراضِ، أَنْ يَكْتَفِيَ بِذْكِرِ الاطِّرَادِ عَنْ ذِكْرِ الانْعِكَاسِ؛ لأنَّ اطِّرَادَ التعريفِ إِنَّمَا يَكُونُ بِهِمَا.
والحقُ مَا قَالَهُ الأَوَّلُونَ، وهذا اصطلاحٌ غَيْرُ مُنَافٍ للاستعمالِ اللُّغَوِيِّ فَلاَ مَشَاحَّةَ فِيهِ، وَلَيْسَ في كلامِ الْمُصَنِّفِ تصريحٌ باختيارِ واحدٍ مِنَ القولَينِ لاحتمالِ قَوْلِهِ المُطَّرِدِ المُنْعَكِسِ طَرِيقَيِّ اللَّفِ والنشرِ،
(1/211)

وَمِثْلُ هذا البحثِ يَجِيءُ في وصفِ العِلَّةِ بالاطِّرَادِ، فَاسْتَحْضِرْهُ في بَابِ القياسِ، والحاصلُ أَنَّهُ: هَلِ المُطَّرِدُ عِبَارَةٌ عَمَّا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الوجودُ، وَمِنْ عَدَمِهِ العَدَمُ، أَوْ عِبَارَةٌ عَمَّا يَكُونُ شَامِلاً لِجَمِيعِ أَفْرَادِ المُعَرَّفِ بِحَيْثُ لاَ يَشِذُّ مِنْهَا شيءٌ، وعلى هذا فالجامعُ مرادفٌ لِلْمُطَّرِدِ، وَالمُنْعَكِسُ مرادفٌ للمانعِ، وَكُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ هذا الخلافَ حَادِثٌ بَيْنَ المتأخرِينَ حتى وَقَفْتُ على كتابِ (التَّذْكِرَةِ فِي أُصُولِ الدِّينِ) لأَبِي عَلِيِّ التَّمِيمِيِّ فَقَالَ: الْجَمْعُ يُسَمَّى في اصطلاحِ عُلَمَائِنَا طَرْداً، وَالْمَنْعُ عَكْساً.
وَقَالَ: اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الطَّرْدِ والعكسِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلى أَنَّ الطَّرْدَ يُفِيدُ آحَادَ المحدودِ عَلَى الشُّمُولِ بِلَفْظِ الإثباتِ كقولِنَا: كُلُّ عَلَمٍ مَعْرِفَةٌ، والمنعَ يُفِيدُ مَنْعَ غَيْرِ المحدودِ مِنَ الدخولِ فِيهِ على طريقةِ الطَّرْدِ، وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الإثباتِ، كقولِنَا: وَكُلُّ مَعْرِفَةٍ عَلَمٌ، قَالَ: وَهُوَ صَحِيحٌ؛ إِذِ العَكْسُ رَدُّ المتقدمِ متأخراً والمتأخرِ متقدماً، وَذَهَبَ آخَرُونَ إلى أَنَّ مجموعَ هَاتَيْنِ العبارتَيْنِ طَرْداً، واسْتَعْمَلُوا فِي العَكْسِ حَرْفَ النفِي، فَقَالُوا: كُلُّ مَا لَيْسَ بِعَلَمٍ فليسَ بِمَعْرِفَةٍ، وَكُلُّ مَا ليسَ بِمَعْرِفَةٍ فليسَ بِعَلَمٍ. انْتَهَى.
تَنْبِيهَاتٌ:
الأَوَّلُ: ذَكَرَ صاحبُ (التذكرةِ) أَيْضاًً أَنَّ هَذَا التعريفَ لِلْحَدِّ قَوْلُ المتكلمِينَ، وَأَمَّا المَنَاطِقَةُ فَقَالُوا: إِنَّ القَوُلَ الدالَّ على مَاهِيَّةِ الشيءِ، وهو مَا يُتَحَصَّلُ لَهُ مِنْ جِنْسِهِ القريبِ وفصلِهِ، قَالَ: وَلاَ يُحْتَاجُ فِيهِ إلى ذِكْرِ الطَّرْدِ والْعَكْسِ؛ لأنَّ ذلكَ يَتْبَعُ المَاهِيَّةَ، ثُمَّ قَالَ (21 أ) بَعْدَهُ: وَاخْتَلَفُوا فِي الطَّرْد ِ والعَكْسِ، هَلْ هُمَا مِنْ لَوَازِمِ صِحَّةِ الحَدِّ، أَوْ شَرْطَانِ في صِحَّتِهِ؟
وفائدةُ الخلافِ أَنَّ مَنْ ذَهَبَ إلى أَنَّهُمَا مِنْ لَوَازِمِ صِحَّتِهِ حَكَمَ بصحةِ الحَدِّ قَبْلَهُمَا، وَمَنْ جَعَلَهُمَا شَرْطَينِ في الحَدِّ أَوْقَفَ صحتَهُ على حُصُولِهِمَا؛ إِذْ لاَ يُعْلَمُ وُجُودُ المشروطِ مَعَ انتفاءِ الشرطِ، وَمَا ذَكَرُوهُ لاَ يَصِّحُ في
(1/212)

الحَدِّ الحقيقيِّ فَإِنَّ الطَّرْدَ والعَكْسَ فيه مِنْ لَوَازِمِ صِحَّتِهِ؛ لأنَّهُمَا يَتْبَعَانِ المَاهِيَّةَ بالضرورةِ.
الثانِي: استعمالُ المُطَّرِدِ مَرْدُودٌ في العربيةِ، وَكَذَا قَوْلُهُمْ: اطَّرَدَ، وَقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ على مَنْعِهِ، فَقَالَ في بابِ مَا طَاوَعَ الذي فَعَلَهُ على فِعْلٍ: وَرُبَّمَا اسْتَغْنَى عَنِ انْفَعَلَ في هذا البابِ، فَلَمْ يُسْتَعْمَلْ، وذلكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: طَرَدْتُهُ فَذَهَبَ، وَلاَ يَقُولُونَ: فَانْطَرَدَ، وَلاَ فَاطَّرَدَ، يَعْنِي أَنَّهُمْ اسْتَغْنَوْا عَنْ لَفْظِهِ بلفظٍ لكونِهِ في معنَاهُ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: يَقُولُونَ: طَرَدُّتُهُ فَذَهَبَ، وَلاَ يَقُولُ مِنْهُ انْفَعَلَ وَلاَ افْتَعَلَ إِلاَّ في لُغَةٍ رَزِيلَةٍ.
قُلْتُ: على هذه اللغةِ قَوُلُ الشاعرِ وهو قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ أَنْشَدَهُ صاحبُ (المُحْكَمِ):
*أَتَعْرِفُ رَسْماً كَالطِّرَادِ المَذْهَبِ* ... وعليه يِتَخَرَّجُ قَوْلُ الْمَنْطِقِيِّينَ.
الثالثُ: إِنَّمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الحَدَّ عَقِبَ الدليلَ لانحصارِ المطالِبُ فيها، فالدليلُ بأقسامِهِ لبيانِ المطلوبِ التصديقِيِّ، والحَدُّ بأقسامِهِ لبيانِ المطلوبِ التصوُّرِيِّ.
(1/213)

(ص): (والكلامُ في الأزلِ قِيلَ: لاَ يُسَمَّى خِطَاباً، وَقِيلَ: لاَ يَتَنَوَّعُ).
(ش): فيه مسألتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: كلامُ اللَّهِ تَعَالَى في الأَزَلِ هَلْ يُسَمَّى خِطَاباً؟
فيه خِلاَفٌ، حَكَاهُ الشيخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ في كتابِ (الْحُدُودِ) وَابْنُ الْقُشَيْرِيِّ في (الْمُرْشِدِ)
(1/214)

قَالاَ: فَذَهَبَ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا إلى أَنَّهُ لاَ يُسَمَّى خِطَاباً وَأَمْراً ونَهْياً في الأَزَلِ، وَإِنَّمَا يُسَمَّى بِذَلِكَ فِيمَا لاَ يَزَالُ عِنْدَ وجودِ المُخَاطَبِ، وهو حدوثُ تسميةٍ لاَ حدوثٌ عَنِ الكلامِ، ولاَ تتغيرُ بِذَلِكَ صِفَتُهُ في نَفْسِهِ، أَلاَ تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ يصيرُ أَباً وعَمًّا وَزَوْجاً بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مِنْ ذلكَ، وَلَمْ تَتَغَيَّرْ صِفَتُهُ، وَإِنَّمَا بِتَغَيُّرِ الغيرِ اسْتَحَقَّ هَذِهِ الأسماءَ حَقِيقَةً؛ فَعَلَى هَذَا كُلُّ خِطَابٍ كلامٌ، ولاَ يَنْعَكِسُ لأنَّ كلامَهُ في الأَزَلِ ليسَ بِخِطَابٍ.
والثانِي: وعليه المتأخرونَ يُسَمَّى خِطَاباً بِشَرْطِ حُدُوثِ المُخَاطَبِ، وَقَالَ ابْنُ القُشَيْرِيِّ: وهو قَوْلُ الأَشْعَرِيِّ، وَهُوَ الصحيحُ؛ لأنَّ الآمِرَ أَمَرَ لنفسِهِ، والصفاتُ النفسيةُ لاَ تَتَحَدَّدُ بِتَحَدُّدٍ.
قُلْتُ: وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الأَشْعَرِيُّ: إِنَّ المعدومَ مَامُورٌ بِالأَمْرِ الأَزَلِيِّ عَلَى تقديرِ الوُجُودِ، وَحَكَى الشيخُ السُّبْكِيُّ في (شَرْحِ الْمِنْهَاجِ) المنعَ عَنِ القاضِي أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا قُلْنَا بِالْمَنْعِ، فَهَلْ يُسَمَّى بَعْدَ ذَلِكَ وُجُودُ المُخَاطَبِ والمأمورِ، يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إِنْ حَصَلَ إِسْمَاعُهُ لذلكَ كَمَا فِي مُوسَى (عَلَيْهِ الصلاةُ والسلامُ) يُسَمَّى خِطَاباً بِلاَ شَكٍّ، وَإِلاَّ فَلاَ على قياسِ قَوْلِ القاضِي.
قُلْتُ: المانعُ صَرَّحَ بِأَنَّهُ لاَ يُسَمَّى خِطَاباً وَأَمْراً عِنْدَ وُجُودِ المخاطبِ والمأمورِ كَمَا سَبَقَ عَنِ الشيخِ وابْنِ الْقُشَيْرِيِّ، وهو عِنْدَهُمْ مِنْ صِفَاتِ الأفعالِ بِمَثَابَةِ اتِّصَافِ الرَّبِ تَعَالَى فِي الأَزَلِ، بِكَوْنِهِ خَالِقاً رَازِقاً، وَذَكَرَ بعضُهم أَنَّ الخلافَ لَفْظِيٌّ؛ لأنَّ الطلبَ الأزلِيَّ، إِنَّمَا هُوَ طَلَبٌ بالصلاحِيَّةِ، لاَ بالتعلُقِ؛ إِذِ الكلامُ الأزَلِيُّ فيِ نفسِهِ عَلَى صِفَةِ الاقتضاءِ مِمَنْ سَيَكُونُ، فَإِذَا كَانَ تَعَلَّقَ به ذلكَ الاقتضاءُ (21 ب) فيكونُ اقتضاءً بالفعلِ، فهذا يُسَمَّى اقتضاءً حقيقةً، والأولُ يُسَمَّى اقتضاءً مجازاً، ولهذا اخْتُلِفَ في جَوَازِ إِطْلاَقِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الخِلافُ يَتَوَقَّفُ عَلَى تفسيِر الخطابِ، فَمَنْ فَسَّرَهُ بالكلامِ الذي يُقْصَدُ بِهِ إِفْهَامُ مَنْ هُوَ مُتَهَيِّئٌ لِفَهْمِهِ في الحالِ.
قَالَ: لاَ يُسَمَّى خِطَاباً، وَمَنْ قَالَ: يُقْصَدُ بِهِ الإفهامُ في الجملةِ، أَطْلَقَهُ عليه.
(1/215)

والحقُّ أَنَّهُ مَعْنَوِيٌّ، وَمِمَّا يُفَرَّعُ عَلَيْهِ، أَنَّ الكلامَ حُكْمٌ فِي الأَزَلِ، أَوْ يَصِيرُ حُكْماً فِيمَا لاَ يَزَالُ، هي مسألةُ أَمْرِ المعدومِ السابقةُ.
الثانيةُ: هَلْ يَتَنَوَّعُ الكلامُ؟ ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا كَمَا قَالَ الإِمَامُ فيِ (المُحَصِّلِ) إلى تَنَوُّعِهِ إِلَى خَمْسِ كَلِمَاتٍ: الأمرُ، والنهيُ، والخبرُ، والاستخبارُ، والنداءُ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ إِلَى سَبْعَةٍ، وَزَادَ: الوعدَ، والوعيدَ.
والجمهورُ على أَنَّهُ لاَ يَتَنَوَّعُ، وَحَكَى إِمَامُ الحَرَمَيْنِ فِي (الإِرْشَادِ): فِيهِ الاتفاقَ، وَلَهُمْ فِيهِ مَسَالِكُ، مِنْهَا التمسكُ بنوعٍ مِنَ الإجماعِ، وَهِيَ طريقةُ القاضِي، فَقَالَ: أَجْمَعُوا عَلَى نَفْيِ كلامٍ ثانٍ قديمٍ وَنَفْيِ إِرَادَةٍ ثانيةٍ قديمةٍ. قَالَ: وَإِنَّمَا صِرْتُ إلى هَذَا؛ لأَنَّا وَجَدْنَا الْعِلْمَ القديمَ مُتَعَلِّقاً لِسَائِرِ المعلوماتِ قائماً مقامَ علومٍ مختلفةٍ في الشاهدِ، وليسَ في العقلِ مَا يَمْنَعُ مِنْ قِيَامِ العِلْمِ القَدِيمِ مَقَامَ القُدْرَةِ، وَلاَ يُؤَدِّي إلى وُجُوبِ تَعَلُّقِ العلمَ بجميعِ المعلوماتِ فَاضْطُرِرْنَا إلى الرجوعِ إلى الإجماعِ، وَنَازَعَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ في الإجماعِ بِمَا حَكَى عَنِ الأستاذِ أَبِي سَهْلِ الصُّعْلُوكِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لِلَّهِ بِكُلِّ معلومٍ
(1/216)

عِلْمٌ، فَلَهُ عُلُومٌ لاَ نهايةَ لَهَا، وَلاَ شَكَّ أَنَّهُ يُجْرِيهِ فيِ الكَلاَمِ وَالقُدْرَةِ، وَسَائِرَ الصفاتِ، وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا دَخُولُ مَا لاَ نهايةَ لَهُ في الوجودِ، وَيَسْتَحِيلُ حَصْرُ مَا لاَ يَنْحَصِرُ، ودخولُ مَا لاَ تَنَاهِيَ لَهُ في الوجودِ مِنَ الْمَقْدُورَاتِ، وَمِنْهَا التمسكُ بالعقلِ، فَإِنَّ الدليلَ العقليَّ قَامَ على وجوبِ اتحادِ كُلِّ صِفَةٍ لِلَّهِ وَإِنْ تَعَدَّدَتْ مُتَعَلَّقَاتُهَا، فَكَمَا أَنَّهُ عَالِمٌ بعِلِمْ ٍواحدٍ قَادِرٌ بِقُدْرَةٍ واحدةٍ عَلَى جَمْعِ الْمَقْدُرَواتِ، والعلومُ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ فَإِنَّهُ يَجْمَعُهَا حقيقةٌ واحدةٌ، وهي العلميةُ فكذلكَ الكلامُ مُتَّحِدٌ لاَ كَثْرَةَ فِيهِ فِي نَفْسِهِ، بَلِ الكَثْرَةُ إِنَّمَا هِيَ في مُتَعَلَّقَاتِهِ الخارجيةِ، فَإِذَا تَعَلَّقَ بالمأمورِ سُمِّيَ أَمْراً، وَبِالْمَنْهِيِّ سُمِّيَ نَهْياً، وَإِنْ كَانَ بالنسبةِ إلى حالةٍ مَا فَهُوَ الخبرُ، فَاخْتِلاَفُ
التسميةِ بِحَسْبِ اختلافِ تَعَلُّقَاتِهِ، وليسَ راجعاً إلى نفسِ الكلامِ، بَلْ إلى أمرٍ خارجٍ عَنْهُ، ولهذا لَوْ قُطِعَ النَّظَرُ عَنْ هَذِهِ لمَ ْيَرْتَفِعْ نَفْسُ الكلامِ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ أَجْمَعَ العقلاءُ على انقسامِ الكلامِ إلى أمرٍ، ونهيٍ، وخبٍر، وغيرِ ذلكَ مِنَ الأنواعِ.
فالجوابُ مِنْ وَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ لهذا الإشكالِ الْتَزَمَ الأستاذُ رَدَ جميعِهَا إلى الخبرِ لِيَنْتَظِمَ لَهُ القَوْلُ بالوحدةِ، فَقَالَ: الأمرُ خَبَرٌ عَنْ تَحَتُّمِ الفعلِ، والنهيُ خَبَرٌ عَنْ تَحَتُّمِ التركِ، وَكَذَا قَالَ الإمامُ فِي (الْمُحَصِّلِ) قَالَ: وَالاسْتِخْبَارُ إِخْبَارٌ عَنْ طَلَبِ شيءٍ مِنَ الْمُخَاطَبِ، والنداءُ خبٌر عَنْ أَنَّ المنادَى يَصِيرُ بَعْدَ النداءِ مُخَاطَباً، وَذَكَرَ الآمِدِيُّ نَحْوَهُ، وَقَالَ: الاستخبارُ يَسْتَحِيلُ في حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، بَلْ حَاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى التقديرِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الخَبَرِ.
قَالَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ تَعَلَّقَ بِمَا حُكِمَ بِفِعْلِهِ أَوْ تَرْكِهِ يُسَمَّى طَلَباً، وَإِنْ تَعَلَّقَ بغيرِهِ سُمِّيَ خَبَراً.
وثانِيهَا: أَنَّا إِذَا قُلْنَا: لاَ يَتَّصِفُ في الأزلِ بكونِهِ أَمْراً وَنَهْياً (22 أ) وَخَبَراً، وَإِنَّمَا يَتَّصِفُ بذلكَ عِنْدَ وُجُودِ المخاطَبِ زَالَ الإشكالُ، وَإِنْ قُلْنَا بِاتِّصَافِهِ في الأَزَلِ بذلكَ كَمَا هو رَايُ الأَشْعَرِيِّ فَغَيْرُ بَعِيدٍ أَنْ يَكُونَ فِي نفسِهِ مَعْنًى وَاحِدٌ، والاختلافُ فيه يَرْجِعُ إلى التعبيراتِ عنه بِحَسْبِ تَعَلُّقِهِ كَمَا سَبَقَ، وَلاَ مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ الكلامُ
(1/217)

واحداً، والمتعلقاتُ متعددةٌ على نَحْوِ تَعَلُّقِ الشمسِ بِمَا قَابَلَهَا، واسْتِضَاءَتُهَا مِنْ زجاجاتٍ مختلفةٍ، فَإِنَّهُ وَإِنْ تَعَدَّدَتْ الأَلْوَانُ مِنْ أسودَ وأبيضَ وأخضرَ، لاَ يُوجِبُ وُقُوعَ التَّعَدُّدِ في الشمسِ نَفْسِهَا، وهو نَحْوَ قَوْلَ الفيلسوفِ في المبدأِ الأولِ حَيْثُ قَضَي بِوَحْدَتِهِ، وَأَنَّ تَكَرُّرَ أسمائِهِ بسببِ سلوبٍ وإضافاتٍ لاَ تُوجِبُ صفاتٍ زائدةٍ على الذاتِ، قَالَ الآمِدِيُّ في (غَايَةِ المَرَامِ): وَمَنْ فَهْمِ هذا التحقيقِ انْدَفَعَ عَنْهُ الإشكالُ وَزَالَ الخَيَالُ فَإِنَّهُ غَيْرُ بعيدٍ أَنْ يَقُومَ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى خَبَرٌ عَنْ إرسالِ نُوحٍ مَثَلاً، وَيَكُونُ التعبيُر عَنْهُ قَبْلَ إرسالِهِ، بِأَنَّا نُرْسِلُهُ، وبَعْدَ الإرسالِ {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوْحاً} فالمعبرُ عَنْهُ يَكُونُ واحداً في نفسِهِ على مَمَرِّ الدهورِ، وَإِنِ اخْتَلَفَ الْمُعَبَّرُ بِهِ، قَالَ: وهذا جَلِيٌّ لِكُلِّ مُنْصِفٍ، وَقَدْ أَوْرَدَ على هذا الطريقِ أَنَّكُمْ إِذَا جَعَلْتُمْ التنوعَ باختلافِ المتعلقاتِ أُشْكِلَ عَلَيْكُمْ بالإرادةِ والعلمِ والقدرةِ وغيرِهَا مِنَ الصفاتِ، فَهَلاَّ قُلْتُمْ: إِنَّهَا تَرْجِعُ لِمَعْنًى واحدٍ، وَيَكُونُ التعبيُر عَنْهُ بسببِ المتعلقاتِ لاَ بسببِ اختلافِهِ في ذاتِهِ فَسُمِّيَ إِرَادَةً عِنْدَ تَعَلُّقِهِ بِالْمُخَصِّصِ، وَقُدْرَةً عِنْدَ تَعَلُّقِهِ بالإيجادِ، وَكَذَا سَائِرُ الصفاتِ، وَأَجَابَ المحققونَ بِأَنَّا لَوْ قُلْنَا بِرُجُوعِ العِلْمِ أَوِ القدرةِ لأَدَّى إلى عدمِ الفَرْقِ بَيْنَ المعلوماتِ والمقدوراتِ، وهو مُمْتَنِعٌ، فَكَذَلِكَ وَجَبَ اختلافُ مَا تُضَافُ إِلَيْهِ المعلوماتُ والمقدوراتُ، وَلَمْ يَجِبْ في الكلامِ، وَحَكَى الآمِدِيُّ فِي (الأَبْكَارِ) عَنِ الأصحابِ أَنَّهُمْ أَجَابُوا بِأَنَّ القدرةَ والإرادةَ تَخْتَلِفُ مَعَهَا التَأَثُّرَاتُ، فَلاَ بُدَّ مِنَ الاخْتِلاَفِ في نَفْسِ المُؤَثِّرِ بخلافِ الكلامِ، فَإِنَّ تَعَلُّقَهُ بِمُتَعَلَّقَاتِهِ لاَ يُوجِبُ أَثَراً، فَضْلاً عَنْ كَوْنِهِ مختلفاً، ثُمَّ اسْتَشْكَلَ الْهُذَلِيُّ هذا الجوابَ، وَقَالَ: عَسَى أَنْ يَكُونَ عِنْدَ غَيْرِي كُلُّهُ، وَلِعُسْرِ جَوَابِهِ ذَهَبَ بعضَ أصحابِنَا إلى تَعَدُّدِهِ، وَمِنْهَا أَنَّ الدليلَ قَدْ دَلَّ
(1/218)

عَلَى وُجُودِ أَصْلِ الكلامِ فالقولُ بِنَفْيِهِ تَقْصِيٌر، والقولُ بِتَكْثِيرِهِ إِفْرَاطٌ، وَكُلُّ خَارِجٍ عَنْ جَوْدَةِ الاحتياطِ، واسْتَجْوَدَ الآمِدِيُّ في (غَايَةِ الْمَرَامِ) هذا، قَالَ: ولعمري إن ممن رام نفي التكثر عن الكلام وغيره من الصفات بغير هذا الطريق لم يجد مسلكاً وقد أورد على القول بالإيجاد أنه كيف يسوغ ما أخبر اللَّه عنه من القصص الماضية وهي مختلفة متمايزة، فإنَّ ما جرى لكل نبي غير ما جرى للآخر، وكذلك المأمورات والمنهيات، فكيف يكون ما جرى لآدم هو نفس الخبر عما جرى لموسى أو عيسى، أم كيف يكون الأمر بالحج هو نفس الأمر بالصلاة، وكيف يكون {قل هو اللَّه أحد} نفس {تبت يدا أبي لهب} فلم يبق إلا أنه أنواع مختلفة الذوات مشتركة في الكلام، والكلام كالجنس لها، والجواب: أنا لم نرد بذلك أن ما يرد بذلك أن ما عبر عنه بالنهي عين ما عبر عنه بالأمر أو ما عبر عنه في بعض الأخبار عين ما عبر عنه في الآخر، فإنَّ ذلك محال، بل قلنا: إن حقيقة الكلام واحدة، واختلاف الأساس باعتبار اختلاف التعلقات والإضافات (22 ب) إلى الأمور الخارجة، وليس ذلك بمحال، وإنما انقسام القديم، وهو مقصودنا بنفي التنوع، ولهذا قلنا في الحادث بالتنوع، إذ هو من قبيل الأعراض المتجددة المتغيرة، وذلك يستحيل في حق القديم.
ص: (والنظر: الفكر المؤدي إلى علم أو ظن).
(1/219)

ش: الفكر جنس، ولا يريد به الفكر للنظر؛ لأنَّه ليس أظهر منه حتى يفسر به، ولو أنه أراده لم يقيده بما قيده به، وإنما يريد به الفكر الذي يعد في خواص الإنسان، وهو حركة النفس في المعقولات، أي حركة كانت سواء في محسوس وهو التخييل، أو في غيره، وقوله: (المؤدي) فصل خرج به مالا يؤدي كذلك، أعني به الحدس، ودخل فيه الفكر الذي يطلب به التصور، والذي يطلب به التصديق وأطلق العلم ليشمل العقلي وغيره، تصوراً وتصديقاً، بخلاف الظن، فإنَّ المراد به التصديق، والأول يسمى دليلاً والثاني أمارة، وهذا الحد للقاضي أبي بكر نقله عنه الإمام في الشامل، وقالَ: ليس هو كل فكر، بل ضرب مخصوص منه، وهو الذي يطلب به علم وظن، ومن هنا يظهر فساد ظن من تكلم على هذا الحد من شارحي المختصر، وأن القصد منه تعريف الفكر والنظر جميعاً.
(1/220)

ص: (والإدراك بلا حكم تصور وبحكم تصديق، وجازمه الذي لا يقبل التغير علم، والقابل اعتقاد صحيح إن طابق، فاسداً إن لم يطابق، وغير الجازم ظن ووهم وشك؛ لأنَّه إما راجح، أو مرجوح، أو مساو).
ش: إدراك الماهية من غير اعتبار حكم عليها يسمى تصوراً، وإدراكه معَ الحكم يسمى تصديقاً، لكن اختلفوا هل التصديق مجموع الأمرين أو الحكم وحده؟ فذهب القدماء إلى أنه الحكم، وذهب الإمام فخر الدين أنه الإدراك للماهية معَ الحكم، قالَ الشيخ تقي الدين: وهذا أقرب وأنسب إلى ما ذكرناه من جعل العلم المنقسم إلى تصور وتصديق مجرد الإدراك، ليكون كل واحد من قسميه إدراكاً يتميز أحدهما بعدم الحكم تقييداً والآخر بالحكم مقيداً، ثمَّ الإدراك معَ الحكم إما أن يكون جازماً أو لا، فإنَّ كانَ جازماً لا يقبل التغيير، أي: لا في نفس الأمر ولا بالتشكيك، فهو العلم، وإن قبله فهو الاعتقاد، ثمَّ إن طابق الواقع كاعتقادنا حدوث
(1/221)

العالم فصحيح وإلا ففاسد، كاعتقاد الفلاسفة عدمه، وإن لم يكن جازماً فإما أن يتساوى طرفاه فهو الشك، أو يترجح أحدهما فالراجح هو الظن والمرجوح هو الوهم، فهذه خمسة أقسام: اثنان باعتبار الجزم وثلاثة باعتبار عدم الجزم وعلم منه أن مسمى الشك مركب؛ لأنَّه اسم لاحتمالين فأكثر، ومسمى الظن والوهم بسيط، لأن الظن اسم للاحتمال الراجح والوهم للمرجوح، وهذا على رأي الأصوليين، وأما الفقهاء فعندهم: الظن والشك متساويان غالباً، إذا علمت هذا فقد أورد عليه أنه أدخل الشك والوهم تحت غير الجازم فيكونان داخلين تحت الحكم ولا حكم معَ الشك والوهم. وأجيب عنه بالمنع، بل الواهم والشاك حاكمان، أمَّا الواهم فلأن الظان حاكم بالراجح فيلزم أن يكون حاكماً بالطرف الآخر حكماً مرجوحاً، وأما الشاك فله حكمان متساويان بمعنى أنه حاكم بجواز وقوع هذا النقيض مثلاً بدلاً عن النقيض الآخر وبالعكس (23 أ) تردد العقل بينَ حكمين، بدليلين متساويين شك أَيْضاًً، ولهذا يوصف به من شأنه ذلك، نعم انحصاره في التردد المساوي كما أشعر به كلام الْمُصَنِّف غير مرضي.
الثاني: جعله الشك والوهم من أقسام التصديق، معَ أنه لا اعتقاد ولا حكم فيهما بل هما منافيان للحكم، ولذلك قالَ ابن سينا: إذا قلت: البياض لون
(1/222)

وشككت فيه، كانَ من قبيل التصور، ومعنى التصور أنك تصورت البياض واللون وصورة التأليف بينهما. لكن ضعف الْمُصَنِّف هذا، فإنَّ قولك البياض لون، مبتدأ وخبر، محمول وموضوع، ومعناه الحكم على البياض باللونية، وذلك يقبل التصديق والتكذيب.
ص: (والعلم قالَ الإمام: ضروري، ثمَّ قالَ: هو حكم الذهن الجازم المطابق لموجب، وقيل: هو ضروري فلا يحد، وقالَ إمام الحرمين: عسر فالرأي الإمساك عن تعريفه).
ش: اختلف في العلم فقال الإمام فخر الدين: هو ضروري، أي تصوره بديهي لأنَّ ما عدا العلم لا يعرف إلا به، فيستحيل أن يكون غيره كاشفاً له، ولأني أعلم بالضرورة كوني عالماً بوجودي، وتصور العلم جزء منه، وجزء البديهي بديهي، فتصور العلم بديهي، وأجاب صاحب تلخيص المحصل عن الأول
(1/223)

بأن المطلوب من حد العلم هو العلم بالعلم، وما عدا العلم ينكشف بالعلم لا بالعلم بالعلم، وليس من المحال أن يكون هو كاشفاً عن العلم به، وأجاب غيره عن الثانِي: أمَّا على القول بأن التصديق هو الحكم وحده كما هو رأي الجمهور فلأن التصورات الواقعة في القضايا ليست بأجزاء للحكم، وإنما هي شروط، وأما على القول بأن التصديق هو الحكم معَ تصور طرفيه كما هو رأي الإمام، فلأنا نمنع أن أجزاء التصديق الضروري بحقائقها ضروري، بل يكفي تصورها باعتبار صادق عليها فاستدلاله بكون هذا التصور ضرورياً لا يفيد مدعاه من كون تصور حقيقة العلم ضرورياً، واعلم أن ما نقله الْمُصَنِّف عن الإمام من أنه ضروري، ذكره في المحصول، ثمَّ إنه ذكر بعد ذلك تقسيماً حصر فيه العلم وأضداده، وعرف فيه العلم بأنه: الحكم الجازم المطابق لموجب، وإليه أشار الْمُصَنِّف بقوله، ثمَّ قالَ: هو حكم الذهن، فتحصل من كلام الإمام أنه ضروري، وأنه يحد، وكأن الْمُصَنِّف أشار بذلك إلى تناقضه، ووجهه أن فائدة حد الشيء أن تصور حقيقته ضرورة، وإذا كانَ ضرورياً فلا فائدة في حده، والمراد بالموجب في كلام الإمام إما العقلي أو الحسي أو المركب منهما، فالأول ينقسم إلى بديهي ونظري، والثاني العلم بالمحسنات والثالث ينقسم إلى التواترات إن كانَ الحس سمعاً، وإلا فالمجربات والحدسيات، وقوله: (وقيل ضروري) يشير إلى ما دل عليه قول ابْن الْحَاجِبِ: والعلم قيل لا يحد لأنَّه ضروري وإنما عكس عبارته؛ لأنَّه كونه ضرورياً يترتب عليه عدم الحد لا العكس؛ لأنَّ الكلام في عدم حده، لا في كونه ضرورياً أو غير ضروري، وذهب
(1/224)

إمام الحرمين إلى أنه يعسر تعريفه وإنما يعرف بالتقسيم، والمثال دون غيرهما وفي ذلك اعتراف بإمكان تعريفه في الجملة، ومال الْمُصَنِّف إلى هذا بقوله، فالرأي الإمساك عن تعريفه، واعترض عليه بأن هذا غير مختص بالعلم، بل الحدود والرسوم كلها عسرة، وإن كانَ العسر في العلم أزيد من ذلك (23 ب) وما نقله الْمُصَنِّف عن إمام الحرمين هو الصواب، ونقل ابْن الْحَاجِبِ عنه منع الحد، وهو باطل، فإنَّه صرح في البرهان وغيره بإمكان التعبير عنه، وإن أعسر الحد، بجميع أنواع التعريف، وكلام الْغَزَالِيّ في (المستصفى) يقتضي اختصاص ذلك بالحقيقي، ويحسن أن يكون توسطاً بينَ القولين.
ص: (ثم قالَ المحققون: لا يتفاوت، وإنما التفاوت بكثرة المتعلقات).
ش: اختلفوا في أن العلم هل يتفاوت، فيقال: علم أجلي من علم أم لا، وما حكاه الْمُصَنِّف، ذكره إمام الحرمين في (الشامل) وسوى بينَ العلوم الضرورية والنظرية، فقالَ: صارَ المحققون إلى أن العلوم المرتبطة بصروف النظر لا تتفاوت،
(1/225)

فلا يتصور علم أبين من علم، إذ العلم بينَ المعلوم على ما هو به ولا يجامعه استرابة أصلاً، وكيف يجامعه وهما متضادان، ثمَّ قالَ بعد ذلك، وإن العلم الضروري بمثابة العلم النظري في حكم التبيين، والذي يوضح الحق في ذلك الاتفاق على أن العلم الواقع بالشيء نظراً، يماثل العلم الواقع به ضرورة، كما تماثل الحركة الضرورية، الحركة الكسبية، والحركتان متماثلتان، ومن حكم المتماثلين وجود استوائهما في صفات النفس، ولو كانَ الضروري مخالفاً للكسبي في وجه من البيان، لما كانَ مثله ثمَّ أشار إلى الفرق بينهما، وجعل من وجوه الفرق أن العلوم المكتسبة مقدورة بخلاف البديهية، وقالَ ابن التلمساني: المحققون على عدم تفاوت العلوم، وإنما التفاوت بحسب التعلقات واختاره إمام الحرمين والإبياري في شرح البرهان، ولكن الأكثرين على التفاوت، ونقله الإمام في البرهان عن أئمتنا، ومن فوائد الخلاف في هذه المسألة أن الإيمان هل يقبل الزيادة والنقص بناء على أن الإيمان من قبيل العلوم لا الأعمال خلافاً للمعتزلة.
(1/226)

ص: (والجهل انتفاء العلم بالمقصود، وقيل: تصور المعلوم على خلاف هيئته).
ش: هذا الخلاف في تعريف الجهل أخذه الْمُصَنِّف من القصيدة الصلاحية وهي من أحسن تصانيف الأشعرية في باب العقائد، وكان السلطان صلاح الدين يأمر بتلقينها للصبيان في المكاتب، قالَ ابن مكي مصنفها.
وإن أردت أن تحد الجهلا ... من بعد حد العلم كانَ سهلاً
وهو انتفاء العلم بالمقصود ... فاحفظ فهذا أوجز الحدود
(1/227)

وقيل في تحديد ما أذكر ... من بعد هذا والحدود تكثر
تصور العلم هذا جزؤه ... وجزؤه الآخر يأتي وصفه
مستوعباً على خلاف هيئته ... فافهم فهذا القيد من تتمته
وإطلاق القولين هكذا غريب وإنما المعروف تقسيم الجهل إلى بسيط ومركب، فالمركب ما ذكره في الحد الثانِي، هكذا ذكره الإمام والسمعاني والآمدي وغيرهم، وقالَ الرافعي في كلامه على قاعدة مد عجوة: الجهل معناه المشهور: الجزم بكون الشيء على خلاف ما هو عليه، ويطلق ويراد به عدم العلم بالشيء انتهى، وسمي مركباً لأنَّه مركب من جزأين أحدهما عدم العلم، والثاني اعتقاد غير مطابق، كاعتقاد المعتزلة أن الباري لا يرى في الآخرة، وأما البسيط فهو عدم العلم مما شأنه أن يكون عالماً سمي بسيطاً لأنَّه لا تركيب فيه وإنما هو جزء واحد كعدم (24 أ) علمنا بما تحت الأرض، وما يكون في البحار وغيره، والتقييد بما من شأنه، ذكره الآمدي في أبكار الأفكار، فقالَ: أمَّا البسيط فعدم العلم فيما من شأنه أن يكون عالماً لا عدم العلم مطلقاً، وإلا لوصفت الجمادات بكونها جاهلة، إذ هي غير عالمة، وعلى هذا فالجهل بهذا الاعتبار إثبات عدم لا أنه صفة إثبات والفرق بينَ الأمرين ظاهر.
انتهى. وعلى هذا فلا يصح قول من قالَ:
قال حمار الحكيم: توما ... لو انصفوني لكنت أركب
(1/228)

لأنني جاهل بسيط ... وراكبي جاهل مركب
ولو قالَ الْمُصَنِّف: تصور الشيء لكان أولى من المعلوم؛ لأنَّ هذا جهل لا علم فيه والمراد بقوله على خلاف هيئته، أن يتصور ما هو معلوم في نفسه، على خلاف الواقع، واحترز به عن التصور بهيئته فإنَّ ذلك علم، قالَ الْمُصَنِّف، وهذا أحسن من قول إمام الحرمين على خلاف ما هو به، فإنَّه ظاهر التدافع لأنَّ تصور المعلوم، يعطى وقوع تصوره وقوله: (على خلاف ما هو به) يعطي أنه لم يقع تصوره، وقد يجاب عن الإمام بأن مراده بقوله: تصور الشيء على ما في زعمه، وقوله: على خلاف ما هو به في نفس الأمر.
ص: (والسهو: الذهول عن المعلوم).
ش: أي فما لا يعلم لا يقال للذاهل عنه ساه، وقالَ السكاكي: السهو ما ينبه صاحبه بأدنى تنبيه، وفرق صاحب ضوء المصباح بينَ السهو والنسيان، بأن السهو الغفلة وهو قريب من الذكر، ولذلك يقال: أغفلت الشيء إذا تركته على ذكر
(1/229)

منك، وأما النسيان فهو خلاف الذكر، وهو أخص من السهو؛ لأنَّه إذا حصل النسيان حصلت الغفلة لأنَّها بعضه، وليس إذا حصلت الغفلة يحصل النسيان؛ لأنَّ النسيان غفلة وزيادة، وزمن السهو قصير وزمن النسيان طويل لاستحكامه.
ص: (مسألة: الحسن: المأذون، واجباً ومندوباً ومباحاً قيل وفعل غير المكلف).
ش: تنقسم صفة الفعل الذي هو متعلق الحكم إلى حسن، وعرف الحسن بالمأذون فيه، أي سواء كانَ يثاب على فعله أم لا، فيشمل الواجب والمندوب، ولا خلاف فيهما، وكذلك المباح، وهو الصحيح للإذن فيه، واحتج له بقوله تَعَالَى: {ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} ووجهه أن أحسن: أفعل تفضيل، ومن شرطه أن يضاف إلى بعضه، فالتقدير، لنجزينهم أحسن أعمالهم، وأعمالهم التي يتعلق بها الحسن إما واجبة أو مندوبة أو مباحة، والواجب أحسن قطعاً، والمندوب أحسن من المباح؛ لأنَّه لا ثواب في المباح فلزم أن يكون حسناً، وأما فعل غير المكلف كالنائم والساهي والبهيمة، ففيه خلاف مرتب على الخلاف في المباح وأولى بالمنع، وهو الذي اختاره إمام الحرمين، وكلام الْمُصَنِّف يشعر بترجيحه، ومنهم من قالَ: لا يسمى حسناً ولا قبيحاً، إذ لا يتوجه إليهم مدح ولا ذم بسبب
(1/230)

الفعل، وإن كانَ يجب بسببها ضمان وأرش في مالهم، وقالَ الرافعي في باب الزنا: لو مكنت البالغة العاقلة مجنوناً أو مراهقاً أو نائماً أو صبياً، فعليها الحد خلافاً لأبي حنيفة، حَيْثُ قالَ: لا يجب؛ لأنَّ فعله والحالة هذه ليس بزنا. قلنا: لا نسلم أنه ليس بزنا، ولكن لا يجب به الحد. انتهى.
ص: (والقبيح المنهي ولو بالعموم فدخل خلاف الأولى).
ش: وجه دخوله أن المنهي إما معَ الجزم بالحرمة أو لا معَ الجزم بها وهو النهي، وهو إما نهي مخصوص فالكراهة (24 ب) أولى بنهي مخصوص، وإليه أشار بقوله: (ولو بالعموم فخلاف الأولى) فشمل التعريف حينئذ الحرام والمكروه، وخلاف الأولى، وفي إطلاق القبيح على خلاف الأولى نظر، ولم أره لغير الْمُصَنِّف، وغاية ما عندَه أخذه من إطلاقهم القبيح أنه المنهي عنه، ويمكن أن يريدوا النهي المخصوص، بل هو الأقرب لإطلاقهم وسيأتي في كلامه أن المكروه ليس بقبيح فكيف خلاف الأولى؟ ولا يساعده قول ابْن الْحَاجِبِ تبعاًَ للغزالي وغيره، أن المكروه يطلق على
(1/231)

خلاف الأولى؛ لأنَّه لبيان إطلاق حملة الشرع، والكلام في حقيقة القبيح، والظاهر أن الْمُصَنِّف أخذ هذا من كلام الهندي، فإنَّه قالَ: القبيح عندَنا: ما يكون منهياً عنه، ونعني به ما يكون تركه أولى، وهو القدر المشترك بينَ المحرم والمكروه، فإنَّ جعل النهي فيه حقيقة فلا كلام وإلا فاستعماله فيه بطريق التجوز فيدخل فيه المحرم والمكروه.
ص: (وقالَ إمام الحرمين: ليس المكروه قبيحاً ولا حسناً).
ش: لأنَّ القبيح ما يذم، وهذا لا يذم عليه، والحسن ما يسوغ الثناء عليه، وهذا لا يسوغ الثناء عليه، قالَ والد الْمُصَنِّف: ولم نر أحداً نعتمده خالف الإمام في هذا إلا أناساً أدركناهم، قالُوا: إنه قبيح؛ لأنَّه منهي عنه، والنهي أعم من تحريم وتنزيه، وهذا تمسك بإطلاق، قلت: وينبغي جريان هذا الخلاف في خلاف الأولى، وأولى بالمنع.
ص: (مسألة: جائز الترك ليس بواجب، وقالَ أكثر الفقهاء: يجب الصوم على الحائض والمريض والمسافر، وقيل المسافر دونهما، وقالَ الإمام: عليه أحد الشهرين والخلف لفظي).
ش: هذه الترجمة تجمع مسائل، فلهذا صدر بها، ووجهه أن الواجب مركب من طلب الفعل معَ المنع من الترك، فلو كانَ جائز الترك واجباً، لاستحال كونه جائزاً، وكان ينبغي أن يزيد مطلقاً، حتى يخرج الواجب الموسع،
(1/232)

والمخير، فإنَّه يَجُوز تركهما في حالة، ومع ذلك فهما واجبان، لكن لا يَجُوز الترك مطلقاً، ويمكن أن يقال: إطلاقه يفهم ذلك، فمنها: قالَ أكثر الفقهاء: يجب الصوم على من ذكر معَ أنه يَجُوز لهم تركه، والمصنف في هذا النقل متبع لصاحب المحصول، وقالَ الشيخ أبو حامد الإسفراييني في كتابه في الأصول: إن مذهبنا يجب عليهم في الحال إلا أنه يَجُوز لهم تأخيره إلى العذر قلت: لكن نص الشافعي في أوائل الرسالة على أن الصوم لا يجب على الحائض، وقالَ النَّوَوِيّ: أجمع المسلمون على أنه لا يجب عليها الصوم في الحال، ثمَّ قالَ الجمهور: ليست مخاطبة به في زمن الحيض، وإنما يجب القضاء بأمر جديد، وذ كر بعض أصحابنا وجهاً، أنها مخاطبة به في حال الحيض، وتؤمر بتأخيره، وليس بشيءٍ، انتهى، والقول بوجوبه على المسافر دونهما حكاه ابن السمعاني عن الحنفية، والقول بوجوب أحد الشهرين إما الحاضر أو آخر غيره أي على المسافر كالواجب المخير هو قول القاضي أبو بكر نص عليه في كتاب (التقريب) ونقله الشيخ أبو إسحاق في (شرح اللمع) عن بعض الأشعرية، واختاره الإمام فخر الدين، قالَ في (المحصول) عندَنا أنه لا يجب على المريض والحائض، وأما المسافر فيجب (25 أ)
(1/233)

عليه صوم أحد الشهرين وأيهما أتى به كانَ هو الواجب كخصال الكفارة وقد استضعف هذا بأنه لا فرق في ذلك بينَ المريض والمسافر، إلا أن سبب أحدهما اضطراري وسبب الآخر اختياري، وهذا لا تأثير له في اختلاف الحكم المذكور، فإنَّ كل واحد منهما مخير بينَ صوم الشهر الحاضر، وصوم شهر آخر بالنص، إلا فرض مريض يضره الصوم ضرراً، لا يَجُوز معه الصوم فحينئذ يصير كالحائض في حرمة الصلاة، وقوله: (والخلف لفظي) تابع فيه
الشيخ أبا إسحاق، فقالَ: لا فائدة له لأنَّ تأخير الصوم حالة العذر جائز بلا خلاف، والقضاء بعد زواله واجب بلا خلاف، قلت: لكن هل وجب بأمر جديد أو بالأمر الأول، وهذا فائدته، ونقل ابن الرفعة ظهور فائدته في وجوب التعرض للأداء والقضاء في النية.
تنبيه: استغنى الْمُصَنِّف بهذه القاعدة عن مسألة المنهاج الزائد على ما ينطلق عليه الاسم ليس بواجب؛ لأنَّه يَجُوز تركه، فلا تظنه أهملها.
ص: (وفي كونه المندوب مأموراً به خلاف).
(1/234)

ش: أكثر أصحابنا على أنه مأمور به حقيقة، كما قاله ابن الصباغ في (العدة) ولهذا قسموا الأمر إلى واجب وندب، ونقله القاضي أبو الطيب عن نص الشافعي، وقيل: ليس مأموراً به حقيقة بل مجازاً وهو اختيار الشيخ أبي
(1/235)

حامد وغيره، واحتج له الخطيب البغدادي بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((فضل الصلاة بالسواك على الصلاة بغير سواك سبعون ضعفاً))، معَ قَوْلُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم)) قالَ: قيد في الأول عندَ كل صلاة، وأخبر في الثانِي أنه لم يأمر به، فدل على أن المندوب غير مأمور به حقيقة، وظاهر كلام الْمُصَنِّف: أن الخلاف في كونه مأموراً به أم لا وإنما الخلاف في أنه حقيقة أو مجازاً.
ص: (والأصح ليس مكلفاً به).
ش: ما صَحَّحَهُ هو اختيار إمام الحرمين، فإنَّ التكليف يشعر بتطريق المخاطب الكلفة من غير خيرة من المكلف، والندب فيه تخيير، ومقابل الأصح هو
(1/236)

مذهب القاضي.
قال الإمام: والخلاف يرجع إلى مناقشة في العبارة، وزيف مذهب الإمام بوجهين.
أحدهما: أن التخيير عبارة عما خير بينَ فعله وتركه، والندب مطلوب الفعل مثاب عليه، فلم يحصل التساوي.
والثاني: أن التخيير يضاد الاقتضاء، فلا خيرة شرعية في الندب والكراهة،
ص: (وكذا المباح ومن ثمَّ كانَ التكليف إلزام ما فيه كلفة، لا طلبه، خلافاً للقاضي).
ش: أي: يجري الخلاف في المباح، والأصح أنه ليس مكلفاً به، وبه قالَ
(1/237)

الجمهور، وقالَ الأستاذ: الإباحة من التكليف على معنى أنا كلفنا اعتقاد إباحته، ورد بأن العلم بحكم المباح خارج عن نفس المباح، واعتذر المقترح عنه بأن الإباحة حكمها وجوب اعتقاد أن الفعل مباح، والوجوب من التكليف، فقد لازمت ما فيه كلفة فأطلق عليها من التكليف لأجل الملازمة، وأشار بقوله: (ومن ثم) إلى أن الخلاف في المسألتين مفرع على الخلاف في حقيقة التكليف، ماذا هو؟ هل هو إلزام ما فيه كلفة، فلا يكون المندوب والمباح مكلفاً به أو طلب ما فيه كلفة؟ وما نقله عن القاضي نقله عن إمام الحرمين في (البرهان) لكنه في كتاب (التلخيص من التقريب) للقاضي صرح بأنه إلزام ما فيه كلفة، وقد أورد على العبارة الثانية أن الشارع قد ندب المكلف إلى (25 ب) تعجيل الفطر وتأخير السحور، معَ أن النفوس تشوف إلى ذلك بالطبع، فلم يوجد فيه كلفة، ولذلك قالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أرحنا بالصلاة يا بلال)) كذلك التكليف بترك تناول السموم ونحوها، والجواب: أن الكلفة باعتبار الجنس لا كل فرد فرد.
تنبيه: استغنى الْمُصَنِّف بالخلاف في حد التكليف عن مسألة (المختصر): أن المكروه غير مكلف به على الأصح؛ لأنَّ هذه أصلها، فلا تظنه أهملها.
ص: (والأصح أن المباح ليس بجنس للواجب).
ش: أي: بل هما نوعان داخلان تحت الحكم، أي: نوعان في مرتبة، وهذا ما رجحه ابْن الْحَاجِبِ وغيره فإنَّه لو كانَ جنساً له لاستلزم النوع أي: لاستلزم الواجب التخيير، وهو محال، وجوزه آخرون لأنَّ المباح هو المأذون فيه، وهو
(1/238)

شامل ويَجُوز أن يكون قول الْمُصَنِّف فيما بعد: (والخلف لفظي) راجعاً إلى هذه أَيْضاًً، فإنَّ بعضهم ادعى ذلك هنا، قالَ: لأنَّ من فسر المباح بالمخير لم يجعله جنساً، ومن فسره بالمأذون فيه جعله جنساً.
ص: (وأنه غير مأمور به من حَيْثُ هو، والخلف لفظي).
ش: المخالف فيه الكعبي، قالَ: إنه مأمور به لكنه دون الندب، كما أن الندب مأمور به دون الإيجاب، كذا حكاه عنه القاضي والغزالي في (المستصفى)، وزيفه بأن الأمر اقتضاء وطلب، والمباح غير مطلوب بل مأذون فيه ومطلق له، واحتج هو بأن كل فعل يوصف بأنه مباح باعتبار ذاته فهو واجب باعتبار أنه يترك به الحرام، ورد بأنه قد يترك بالندب حراماً فيكون واجباً وقد يترك بالحرام حراماً آخر فيكون الشيء الواحد واجباً وحراماً، وهو تناقض، والتحقيق في العبارة عنه: أن
(1/239)

يقال: ترك الحرام يحصل عندَ فعل المباح لا بفعل المباح، كقول القاضي في الصلاة في الدار المغصوبة: يسقط الفرض عندَها لا بها وجعل الْمُصَنِّف الخلاف لفظياً بقوله: من حَيْثُ هو، يعني: فإنَّ له اعتبارين: أحدهما بالنظر إلى ذاته، ولا شك أنه غير مأمور به، والكعبي لا يخالف فيه، والثاني: باعتبار أمر عارض له، وهو ترك الحرام، ولا شك أنه مأمور به من هذه الحيثية، والجمهور لا يخالفونه، وأشار الهندي إلى أنه معنوي من جهة أخرى، فإنَّه بناه على الخلاف في أن الأمر حقيقة في ماذا؟ فإنَّ قلنا: في رفع الحرج عن الفعل أو في الإباحة، فهو مأمور به، وإن قلنا: حقيقة في الوجوب أو في الندب أو في القدر المشترك، فليس بمأمور به، قالَ القاضي: وهو إن أطلق الأمر على المباح فلا يسمى المباح واجباً، ولا الإباحة إيجاباً.
ص: (وأن الإباحة حكم شرعي).
ش: على معنى أن الشرع ورد بها، كما قاله إمام الحرمين، والمخالف فيه بعض المعتزلة والخلف لفظي يلتفت إلى تفسير المباح، هل هو نفي الحرج، وهو ثابت قبل الشرع، أو الإعلام بنفي الحرج؟ فكان ينبغي للمصنف أن يؤخر قَوْلُه:
(1/240)

(والخلف لفظي) عن هذا، ليعود للصور الثلاث، فإنَّ قيل: كيف تجتمع هذه المسألة معَ قَوْلُه أولاً: (إن المباح ليس مكلفاً به)؟ فالجواب: أنه لا يلزم من كون الإباحة حكماً شرعياً، أن يكون مكلفاً بها، فإنَّ التكليف تفعيل مما فيه كلفة، إما بالتزام فيه أو طلبه، ولا كلفة ولا إلزام ولا طلب في المباح.
ص: (وأن الوجوب إذا نسخ بقي الجواز، أي: عدم الحرج، وقيل: الإباحة، وقيل: الاستحباب).
ش: (26أ) الجواز يطلق لمعنيين: أحدهما: رفع الحرج عن الفعل، فيدخل فيه الواجب وغيره، والثاني: رفع الحرج عن الفعل والترك، وهو مستوى الطرفين، وهو المباح في اصطلاح المتأخرين والأول لا شك أنه لازم للوجوب، والثاني ضده فلا يكون جازماً، قالَ القرافي: وظاهر كلامهم إرادته، وأما الْمُصَنِّف فأشار بقوله: أي رفع الحرج، إلى أن القائل ببقاء الجواز، اختلفوا في تفسيره: هل معناه رفع الحرج الذي هو جنس غير مقيد بالتخيير، أو رفع الحرج عن الفعل والترك على السواء وهو الإباحة، أو لا معَ السواء وهو الندب؟ والفرق بينَ هذا وبين الأول: أن الأول يجعل الجواز للقدر المشترك بينَ الندب والإباحة في ضمن واحد لإبقاء نوع منهما على التعيين، والثاني والثالث بخلافه، فأما الأول: فهو قضية كلام (المحصول) وأتباعه،
(1/241)

حَيْثُ جعلوا شبهة الخصم فيه: أن الجنس يتقوم بالفصل، ولا يتم ذلك إلا إذا كانَ النزاع في رفع الحرج الذي هو جنس غير مقيد بتخيير، والثاني: هو قضية كلام (المستصفى) حَيْثُ قالَ في الرد على من قالَ ببقاء الجواز: حقيقة الجواز التخيير بينَ الفعل والترك، والتساوي بينَهما تسوية الشرع.
وأما الثالث: فصرح ابن القشيري والغزالي بأنه لم يصر إليه أحد، أمَّا ابن القشيري فقالَ: لو جاز أن يقال بنفي الجواز، لساغ أن يقال بنفي الندب لا سيما الاقتضاء الكائن في الندب كائن في الندب كائن في الوجوب، والمحكي قصر الخلاف على الجواز، وأما الْغَزَالِيّ فقالَ: هذا بمنزلة قول القائل: كل واجب فهو ندب وزيادة، فإذا نسخ الوجوب يبقى الندب ولا قائل به، انتهى، لكن هذا لا يحسن في الرد عليهم، إذا ثبت أن مرادهم بالجواز المعنى الأول من غير تعيين نوعن فإنَّ قلت: فما عمدة الْمُصَنِّف في حكاية الندب؟ قلت: الظاهر أنه أخذه من المسودة
(1/242)

الأصولية للشيخ مجد الدين ابن تَيْمِيَّةَ، فإنَّه قالَ: إذا صرف الأمر عن الوجوب، جاز أن يحتج به على الندب والإباحة، وبه قالَ بعض الشافعية وبعض الحنفية.
انتهى، وذهب جمع من المتأخرين إلى أن الخلاف لفظي؛ لأنَّا فسرنا الجواز برفع الحرج عن الفعل والترك، ولا شك أنه غير داخل فيها، بل هو ينافيها وحاصله رفع النزاع في المسألة لعدم توارده على محل واحد، واعلم أن ما اختاره الْمُصَنِّف نقله في (شرح المنهاج) عن الأكثرين، وليس كذلك وإنما شيء قاله الإمام الرَّازِيّ وأتباعه، والذي وجدته في كلام أكثر أصحابنا الأقدمين: أنه لا يحتج به على الجواز، ويرجع الأمر إلى ما كانَ عليه قبل الوجوب من براءة أصلية أو تحريم أو ندب أو إباحة أو كراهة.
ص: (مسألة الأمر بواحد من أشياء يوجب واحداً لا بعينه، وقيل: الكل ويسقط
(1/243)

بواحد، وقيل: الواجب معين، فإنَّ فعل غيره سقط، وقيل: هو ما يختاره المكلف).
ش: هذه مسألة الواجب المخير كخصال الكفارة، وحكي فيها أربعة مذاهب، أصحها: أن الواجب واحد لا بعينه، وهو الكل المشترك بينَ الخصال المأمور بها، ونقل القاضي إجماع سلف الأمة وأئمة الفقهاء عليه، وحرر ابْن الْحَاجِبِ معنى الإبهام فقالَ: إن متعلق الوجوب هو القدر المشترك بينَ الخصال ولا تخيير فيه؛ لأنَّه لا يَجُوز تركه، ومتعلق التخيير خصوصيات الخصال ولا وجوب فيها (26 ب) والثاني: أن الكل واجب ولكن يسقط بفعل واحد، ونقله القاضي عن أبي علي
(1/244)

وابنه من المعتزلة، وبعض الفقهاء، ولم يصحح إمام الحرمين النقل عنه، قالَ: لأنَّه لا يؤثم التارك إثم من ترك واجبات، ولا يثبت لمن فعل الجميع ثواب واجبات ومن فعل واحداً سقط عنه الوجوب فلا خلاف معنى، قلت: مأخذ الخلاف الحسن والقبح العقليان، إذ الوجوب عندَه يتبع الحسن الخاص، فيجب عندَ التخيير استواء الجميع في الحسن الخاص وإلا وقع التخيير بينَ حسن وغيره، وهذا تحقيق ما نقلوه عنه، وأنه لم يرد ما لمحه الإمام من الثواب والعقاب، ولهذا قالَ الناصرون لمذهبه: إن إيجاب مبهم ممتنع، إذا كانَ واحد من الثلاثة واجباً واثنان غير واجب، لخلا اثنان من المقتضي للوجوب، فلا بد وأن يكون كل واحد بخصوصه مشتملاً على صفة تقتضي وجوبه، ولكن كل منهما يقوم مقام الآخر ولهذا يسمى بالواجب المخير.
والثالث: أن الواجب مبهم عندَنا معين عندَ اللَّه تَعَالَى، ويسقط الوجوب به، وبفعل غيره من الأشياء المذكورة، ويسمى قول التراجم؛ لأنَّ الأشاعرة تنسبه إلى المعتزلة، والمعتزلة تنسبه إلى الأشاعرة، واتفق الفريقان على فساده، قالَ والد الْمُصَنِّف، وعندي أنه لم يقل به أحد، وإنما المعتزلة تضمن ردهم علينا ومبالغتهم في
(1/245)

تقرير تعلق الوجوب بالجميع ذلك، فصار معنى يرد عليهم، وأما رواية أصحابنا له عن المعتزلة ، فلا وجه له، لمنافاته قواعدهم، قلت: لكن أبا الحسين القطان من أئمة أصحابنا حكاه في كتابه (أصول الفقه) عن بعض الأصوليين. والرابع: أن الواجب واحد وهو ما يفعله المكلف كذا حكاه ابْن الْحَاجِبِ، وأغرب ابن السمعاني في (القواطع) فحكاه عن جمهور الفقهاء: إنه يتعين بالفعل، فيكون مبهما قبل الفعل متعينا بعد الفعل بفعله. انتهى.
قيل: فلو فعل الجميع كانَ الكل واجباً على هذا القول. واعلم أن تعبير الْمُصَنِّف عنه بقوله: (ما يختاره المكلف) غير مطابق، والذي تحققته أنه قول خلاف الذي قيل، ولهذا قالَ الشيخ تقي الدين في (شرح الإلمام) اختلف في الواجب المخير، فقيل: الكل واجب على البدل، وقيل:
(1/246)

الواجب واحد لا بعينه يتعين باختيار المكلف، وقيل يتعين بالفعل لا بالاختيار، انتهى.
وحينئذ تصير المذاهب خمسة، ولا يقال: إن هذا هو القول الأول الصحيح؛ لأنَّ مذهب أصحابنا أنه مبهم لم يزل وإذا فعل فمتعلق الوجوب مسمى أحدهما لا ذلك المفعول بخصوصه، ثمَّ قالَ المحققون منا كإمام الحرمين والشيخ إبي إسحاق وغيرهما، ومنهم كأبي الحسين البصري: إنه لا خلاف بينَ الفريقين في المعنى لاتفاقهما على أنه لا يجب الإتيان بالكل، ولا ترك كل واحد، وعليه أن يأتي بأي واحد منها شاء نعم، يتحقق الخلاف على القولين السابقين عن ابن دَقِيقِ العِيدِ: أن الوجوب التخييري هل معناه: أن باختياره يصير واجباً أو أن باختياره يصير معينا للوجوب؟ وقالَ ابن فورك، والغزالي: تظهر فائدته في الثواب كما سيأتي.
تنبيه: موضع المسألة ما إذا كانَ ثابتاً بالنص في أصل المشروعية، وأما ما شرع من غير تنصيص على التخيير، كتخيير المستنجي بينَ الماء والحجر، والتخيير في الحج (27أ) بينَ الإفراد والقران والتمتع ونحوها، فهذا لا يدخل في المسألة والغالب في أكثرها الترجيح، وقد يستحب الجمع بينَهما كالماء والحجر، لكن الشيخ أبو مُحَمَّد الجويني في باب
(1/247)

الاستنجاء من (الفروق) جعل التخيير بينَ الماء والحجر، من هذا الباب.
ص: (فإن فعل الكل فقيل: الواجب أعلاها، وإن تركها فقيل: يعاقب على أدناها).
ش: حق الْمُصَنِّف أن يقول فعل الكل معاً، فإنَّه لو فعلها على التعاقب، كانَ الأول هو الواجب، ويتصور فعل الكل معا في الكفارة بأن يوكل فيها أو يوكل في البعض، ويباشر في البعض، وتتفق أفعالهم في وقت واحد، وما حكاه الْمُصَنِّف من أن الواجب أعلاها، حكاه ابن السمعاني في (القواطع) عن الأصحاب، فقالَ: قالَ أصحابنا: إذا فعل الجميع فالواجب أعلاها، لتكثير ثوابه، انتهى.
وحكاية هذا عن الأصحاب غريب، ولعله بناه على اختياره أن الوجوب يتعين بالفعل، ونقله عن الجمهور وسبق منازعته فيه، وقياس قول الأصحاب أن الواجب أحدها: أنه يثاب على مسمى واحد منها؛ لأنَّه الواجب من غير نظر إلى الأعلى؛ لأنَّ الأعلى ليس هو الواجب بخصوصه، وقد نقل القاضي عن أصحابنا أن الواجب واحد إذا أتي بالجميع من غير تقييد بالأعلى، وجزم الشيخ أبو إسحاق في (اللمع) بأنه يسقط عنه الفرض بواحد منها، والباقي تطوع، وأما إذا تركها فالقول بأنه يعاقب على أدناها نقله ابن
(1/248)

السمعاني عن الأصحاب، وقد يوجه بأن الوجوب يسقط بفعل الأدنى، وقد أنكر عليه بعضهم، وقالَ: إنما هو قول القاضي أبو بكر، قلت: وعبارة القاضي أبي الطيب الطبري، يأثم بمقدار عقاب أدناها لا أنه نفس عقاب أدناها، وينبغي أن يأتي هنا قول أنه لا يعاقب إلا على مسمى أحدها.
ص: (ويَجُوز تحريم واحد لا بعينه، خلافاً للمعتزلة وهي كالمخير).
ش: النهي عن واحد من الأشياء على التخيير كقوله: لا تكلم زيداً أو عمراً، يقتضي تعلق النهي بواحد لا بعينه، فله فعل أحدهما دون الآخر، وإنما يمتنع الجمع بينهما، هذا قول أصحابنا وقاسوه على الأمر بواحد من أشياء، فإنَّه لا يقتضي وجوب الجميع، فكذلك الأمر بالترك في أحد شيئين لا يقتضي وجوب تركهما وإلحاقهما بالمخيرة، وذكره الآمدي وابْن الْحَاجِبِ، لكن المعتزلة لم يوجبوا فعل الجميع هناك، وههنا أوجبوا اجتناب الجميع، فلا يَجُوز له فعل واحد منهما، وبنوا هذا على أصلهم: أن النهي لا يرد إلا عن قبيح، فإذا نهي عنهما ثبت قبحهما
(1/249)

وكانا منهيين وإن ورد النهي بلفظ التخيير، اللهم إلا أن يدل دليل على أن كل واحد منهما منهي عنه بشرط وجود الآخر، فيكون للتخيير ههنا فائدة بأن يقال: لا تأكل أو لا تشرب، ويدل الدليل على أنه إنما نهى عن الأكل بعد وجوب الشرب، وكذا إنما نهي عن الشرب بعد وجود الأكل فيكونا منهيين على طريقة التخيير على هذا الوجه، هذا تحرير مذهب المعتزلة كما قالَ ابن السمعاني وغيره، وحينئذ فلا يصح إطلاق إلحاقها بالمخير، واستشكل القرافي القول بأن النهي يرد معَ التخيير بينَ أمرين فصاعداً، وفرق بينه وبين الأمر بواحد من أشياء، بأن الأمر هناك يتعلق بمفهوم أحدها الذي هو قدر مشترك بينها، لصدقه على كل واحد منها، ومتعلق التخيير الخصوصيات، ولا يلزم من إيجاب المشترك إيجاب (27 ب) الخصوصيات كما في إيجاب رقبة مطلقة في العتق، لا يلزم منه إيجاب رقبة معينة، وأما النهي فإنَّه يتعلق بمشترك حرمت أفراده كلها، ويلزم فيه من تحريم المشتركات تحريم الخصوصيات، ثمَّ أجاب عن الجمع بينَ الأختين ونحوها، بأن التحريم إنما يتعلق بالمجموع عيناً لا بالمشترك بينَ الأفراد، والمطلوب أن لا يدخل ماهيته في الوجود وهو المجموع، والماهية تنعدم بانعدام جزء منها، قالَ بعض الفضلاء: والظاهر أن هذا مرادهم بتحريم واحد من الأشياء لا ذاك الذي استشكله،
وهو الكلي المشترك؛ لأنَّ من المحال عقلاً أن يفعل الإنسان فرداً من جنس أو نوع أو كلي مشترك من حَيْثُ الجملة، ولا يفع ذلك المشترك المنهي عنه، فإنَّ الكلي مندرج في الجزئي بالضرورة، لكن يشكل كل هذا إحالتهم الكلام في هذه على الكلام في الأمر بواحد من أشياء.
ص: (وقيل: لم ترد به اللغة).
ش: ذكر الْمُصَنِّف أن الماوردي حكاه في (شرح البرهان)، قلت: وقد سبقه إليه القاضي في (التقريب) فحكاه عن بعض المعتزلة، وأولوا قَوْلُه تَعَالَى: {ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً} على جعل (أو) بمعنى الواو، وقالَ الإمام في (التلخيص) أنكر معظم المعتزلة النهي عن شيئين على التخيير، ثمَّ اختلفوا، فمنهم
(1/250)

من أنكره من جهة اللفظ واللغة، ومنهم من منعه من جهة العقل؛ لأنَّه إذا قبح أحدهما قبح الآخر، قالَ: فأما ما أنكروه من جهة اللغة فساقط لا طائل تحته، فإنا لم نخالفهم في لفظ بعينه فيفرض الكلام فيه، وإنما خالفناهم في تصور ورود النهي على معرض التخيير، فإنَّ استبعدوا ذلك في الألفاظ التي استشهدوا بها أوردنا عليهم من الصرائح ما لا يجدون إلى جحده سبيلاً، وأما المنكرون له عقلاً، فمبني على أن القبح يرجع إلى صفة ذاتية، وهو باطل.
ص: (مسألة: فرض الكفاية مهم يقصد حصوله من غير نظر بالذات إلى فاعله).
ش: أصل هذا التعريف للغزالي، فإنَّه قالَ: كل مهم ديني يقصد الشرع حصوله من غير نظر إلى فاعله، وقد حكاه الرافعي عنه في كتاب السير، وقالَ: أشار به إلى حقيقة فرض الكفاية، ومعناه أن فروض الكفايات أمور كلية تتعلق بها مصالح دينية ودنيوية، لا ينتظم الأمر إلا بحصولها، يقصد الشارع تحصيلها، ولا يقصد تكليف الواحد وامتحانه بها، بخلاف فروض الأعيان، فإنَّ الكل مكلفون بها ممتحنون بتحصيلها، هذا كلام الرافعي وقد غيره الْمُصَنِّف بالزيادة والنقص فقوله: (مهم يقصد حصوله) جنس يشمل فرض العين والكفاية، وقوله: (من غير نظر إلى فاعله)، فصل، يخرج فرض العين، وحذف قَوْلُه ديني، فإنَّه ليس من شرط
(1/251)

فرض الكفاية أن يكون دينياً، فإنَّ الحرف والصناعات مهمات وليست دينية، وزاد قَوْلُه: (بالذات) لأنَّ تعريف الْغَزَالِيّ يقتضي أن فرض الكفاية، لا ينظر إلى فاعله ألبتة، وليس كذلك، ولهذا كانَ متعلق الثواب والعقاب، نعم ليس الفاعل منه مقصوداً بالذات، والمقصود بالذات وقوع الفعل، وإنما هو مقصود بالغرض؛ لأنَّه لا بد لكل فعل من فاعل.
ص: (وزعمه الأستاذ وإمام الحرمين وأبوه أفضل من العين).
ش: النقل عن الأستاذ أبي إسحاق والشيخ أبي مُحَمَّد (28 أ) ذكره ابن الصَّلاَحِ في فوائد رحلته، والنقل عن الإمام موجود في كتابه الغياثي، ونقله النَّوَوِيّ في (زوائد الروضة)، فقالَ: قالَ الإمام: الذي أراه أن القيام بفرض الكفاية أفضل من فرض العين؛ لأنَّ فاعله ساع في صيانة الأمة كلها عن المأثم، ولا شك في رجحان من حل محل المسلمين أجمعين في القيام بمهمات الدين.
انتهى، وقوله: (الذي
(1/252)

أراه) يوهم أنه من تفقهه، فلهذا صرح الْمُصَنِّف بالنقل عن غيره، بل نقله الشيخ أبو علي السنجي في أول (شرح التلخيص) عن المحققين، لكن لم يقل أحد منهم: إن فرض الكفاية أفضل من فرض العين كما عبر به الْمُصَنِّف بل قالُوا: القيام أو الاشتغال بالكفاية أفضل من القيام بفرض العين أو للقيام بفرض الكفاية مزية على القيام بفرض العين، وبين العبارتين تفاوت فليتأمل، وقد قالَ الشيخ عز الدين في أماليه: لا يقال فرض العين أفضل من فروض الكفاية، ولا المضيق أفضل من الموسع، لكون المعين معيناً والمضيق مضيقاً، بل التفضيل على حسب المصالح المتضمنة في الأفعال، فإنَّ جهلت المصالح، أمكن الاستدلال بالتضييق والتعيين على التفضيل، وكذلك نازع في هذا الإطلاق من المتأخرين العبد الصالح: عز الدين عمر النشائي، وقالَ: أمَّا جانب الترك فلا تمييز له على فرض العين، من حَيْثُ إن أثم
(1/253)

الجميع إنما كانَ لترك الجميع لا ترك بعضهم، فهو في جانب الترك كالمعين، وأما جانب الفعل، فليس المقصود من الواجب رفع الحرج، إنما المقصود الفعل معَ ما يترتب عليه من عبادة اللَّه تَعَالَى، ونيل ثوابه، ففي فعل المعين ذلك معَ رفع الحرج كما ذكره، وفرق بينَ هذا وبين سقوط يترتب عليه رفع الحرج فقط، فهذا معارض لما ذكره، والترجيح معنا؛ لأنَّ كل ما تأكد طلبه، كانَ إلى السقوط أبعد، وكل ما خف طلبه كانَ إلى السقوط أسرع، فقد ظهر أن لسقوط فرض الكفاية طريقين، ولفرض العين طريقاً واحداً، فهو آكد.
ص: (وهو على البعض، وفاقاً للإمام، لا الكل، خلافاً للشيخ الإمام والجمهور).
ش: اختلفوا في فرض الكفاية: هل يتعلق بالكل أو بالبعض؟ على قولين: أصحهما عندَ الجمهور: أنه بالكل، ونقله الآمدي عن الأصحاب، وسبق جزم الرافعي به ووجهه تأثيم الجميع عندَ الترك، والإثم فرع الوجوب، وإنما سقط بفعل البعض؛ لأنَّ المقصود به تحصيل تلك المصالح، كإنقاذ الغريق، وتجهيز الميت ونحوه، فلا تتكرر المصلحة بتكرره بخلاف فرض العين، فإنَّ القصد منه تعبد جميع المكلفين فلا يسقط بفعل البعض، لبقاء المصلحة المشروعة لها، وهو تعبد كل فرد.
والثاني: أنه بالبعض ونقله الْمُصَنِّف عن اختيار الإمام فخر الدين، وكلام
(1/254)

(المحصول) مضطرب في ذلك، واحتج الْمُصَنِّف على اختياره بقوله تَعَالَى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} وقوله تَعَالَى: {فولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} وأما تأثيم الكل بالترك، فذاك مشروط بألا يظن قيام البعض به، وتعلقه بالجميع يوجب إشكالاً، وهو سقوط الواجب عن شخص لا ارتباط بينه وبين الآخر بفعل الآخر، وهذا لا يعقل، وفي استدلاله بالآيتين نظر، وقد قالَ القرافي: الوجوب متعلق بالمشترك لأنَّ المطلوب فعل أحد الطوائف (28 ب) ومفهوم أحد الطوائف قدر مشترك بينهما، لصدقه على كل طائفة كصدق الحيوان على جميع أنواعه، واستدل بالآيتين.
(1/255)

ص: (والمختار: البعض مبهم، وقيل: معين عندَ اللَّه، وقيل: من قام به).
ش: إذا قلنا: إنه على البعض، فهل هو مبهم أو معين؟ قولان، والأول منقول عن المعتزلة، وهو مقتضى كلام (المحصول) وإذا قلنا بأنه معين، فهل هو معين عندَ اللَّه دون الناس، أو من قام به؟ قولان، ويجتمع من ذلك أقوال كما صرح به الْمُصَنِّف، وهذا نظير الخلاف في الواجب المخير.
ص: (ويتعين بالشرع على الأصح)
ش: هذه من مسائل الفقه، ولم يتعرض لها الأصوليون وما قاله من الترجيح ذكره ابن الرفعة في (المطلب) في باب الوديعة، ولم يرجح الرافعي والنَّوَوِيّ في هذه القاعدة شيئاًَ بخصوصه، وهي عندَهما من القواعد التي لا يطلق فيها ترجيح، لاختلاف الترجيح في فروعها كما في الإبراء: هل هو إسقاط أو تمليك؟ ونظائره، وقالَ القاضي البارزي في (التمييز) ولا يلزم فرض الكفاية بالشروع في الأصح
(1/256)

إلا في الجهاد وصلاة الجنازة، وقد حررت هذا الموضع في كتاب السير من (خادم الرافعي والروضة).
ص: (وسنة الكفاية كفرضها).
ش: هذا يقتضي ثلاثة أمور: أحدها: انقسام السنة إلى كفاية وعين، والفرق بينَهما أن سنة الكفاية أن يكون القصد الفعل من غير نظر إلى الفاعل كتشميت العاطس وابتداء السلام والأضحية في حق أهل البيت الواحد، والعجب من قول القاضي حسين في باب الجمعة من تعليقه، والشاشي: إنه ليس لنا سنة كفاية غير ابتداء السلام، وسنة العين أن يقصد الفاعل كسنن الوضوء، والصلاة وغيرها.
وثانيها: طرد الخلاف السابق هنا، بمعنى أنها مطلوبة من الجميع أو من البعض، ولم أر من تعرض لذلك، وثالثها: أنها أفضل من سنة العين.
(1/257)

ص: (مسألة: الأكثر أن جميع وقت الظهر جوازاً ونحوه وقت لأدائه، ولا يجب على المؤخر العزم على الامتثال خلافاً لقوم).
ش: اختلفوا في الواجب الموسع، وهو أن يكون وقته زائداً على فعله، والجمهور على أن جميع الوقت وقت لأدائه، بمعنى: أي جزء أوقعه فيه وقع عن الواجب، ولا يقيد الوجوب بأول ولا بآخر، وهو معنى قول أصحابنا: إن الفعل يجب بأول الوقت وجوباً موسعاً، وله تأخره عن أوله، ولا ينافيه قولهم: إنه لو مات أو جن أو حاضت قبل أن يمضي من وقت الصلاة ما يمكن فعلها فيه، فإنا نتبين أن الصلاة لم تجب، كما قاله القاضي أبو الطيب وغيره، فإنَّ المقصود بالمذكور هنا الوجوب ظاهراً، واحترز بقوله: جوازاً عن وقت الضرورة، فإنَّه أوسع من ذلك، وهذا قيد زاده على المصنفين لا بد منه، وأراد بنحوه: غيرها من الواجبات الموسع وقتها، وأشار بقوله: (ولا يجب) إلى أنه على هذا القول هل يجب العزم على الفعل قبل خروج الوقت، أو يكفي عدم العزم على عدم الفعل؟ وفيه وجهان حكاهما الماوردي في (الحاوي)، وقالَ النَّوَوِيّ في (شرح المهذب): وأصحهما الوجوب، وبه جزم في (المستصفى) وخالف الْمُصَنِّف، وقالَ: لا يعرف القول بوجوب
(1/258)

العزم إلا عن القاضي ومن تابعه كالآمدي، وبالغ في تشنيع هذا القول على (29 أ) قائله، قالَ: وهو معدود من هفوات القاضي ومن العظائم في الدين، فإنَّه إيجاب بلا دليل، وكأنه أعمد قول الإمام في (البرهان) القائلون بذلك لا أراهم يوجبون تجديد العزم في الجزء الثانِي، بل يحكمون بأن العزم الأول ينسحب على جميع الأزمنة، كانسحاب النية على العبادة الطويلة معَ عزوبها قالَ الْمُصَنِّف في (شرح المختصر) الفعل في أول الوقت إن لم يكن واجباً فلا حاجة إلى البدل، وإن كانَ تمام الواجب، فيتأدى ببدله، وإلا يلزم أن يكون واجبان، ولا دليل عليه، وقد ألم القاضي في كتاب (التقريب) بهذا البرهان القاطع، ثمَّ حام على إفساده فقالَ: قول خصومي: إنه لا دليل على العزم ممنوع، بل دليله أنه إذا ثبت جواز الترك معَ الحكم عليه بأنه واجب، فلا بد أن يكون تركه على خلاف الفعل ليتميز
عنه، فيتعين القول بوجوب العزم لذلك، وضعفه الْمُصَنِّف، وقالَ: يكفي في تميزه عن الفعل، أن إخراج الوقت عنه يؤثم من غير احتياج إلى ما ذكر، قالَ: وأقوال الشافعي لا تؤخذ من الفروع، وهذه نصوص الشافعي ومتقدمي أصحابه موجودة، ليس فيها هذه المقالة، قالَ: وإنما موضع النظر أن من نوى الترك هل يعصى بالنية؟ وفيه تفصيل، وهو أنه إن اقترن بهذه النية عدم الفعل عصى بهما جميعاً، لحديث: ((ما لم تتكلم)) وإلا ففي معصيته بالنية التي كذبها الفعل نظر واحتمال، وحديث: ((الفرج يصدق ذلك أو يكذبه)) يدل على عدم المعصية، لكن القاضي حكى الإجماع على أن العزم
(1/259)

يؤخذ به، وكأن العزم قدر زائد على النية، انتهى، وقطع الشيخ في (اللمع) بوجوب العزم على الامتثال على الفور وقالَ ابن برهان في (الوجيز) العزم تابع للفعل، فإنَّ كانَ المعزوم عليه على الفور، كانَ العزم على الفور، وإن كانَ على التراخي فعلى التراخي.
ص: (وقيل: الأول، فإنَّ أخر فقضاء، وقيل: الآخر، فإنَّ قدم فتعجيل، والحنفية: ما اتصل به الأداء من الوقت وإلا فالآخر، والكرخي: إن قدم وقع واجباً بشرط بقائه مكلفاً).
ش: المنكرون للواجب الموسع اختلفوا على مذاهب: أحدها: أن الوجوب يتعلق بأول الوقت فإنَّ أخره عنه فقضاء، وعزاه البيضاوي لبعض الشافعية، وهو لا يعرف عنهم، لكن الشافعي في (الأم) حكاه عن بعض المتكلمين، ووجهه: أن الوجوب معَ جواز التأخير متنافيان، والأصل ترتب المسبب على سببه، فيكون الوجوب الذي هو مسبب، أول الوقت، وما بعده قضاء، يسد مسد الأداء.
والثاني: أنه متعلق بآخره، فإنَّ قدمه فتعجيل، وعزي للحنفية.
والثالث: أنه
(1/260)

متعلق بالجزء الذي يتصل به الأداء وإلا فآخر الوقت الذي يسع الفعل ولا ينفصل عنه، وادعى الصفي الهندي أنه المشهور عن الحنفية، وتابعه الْمُصَنِّف، لكن المشهور عنهم قول الجمهور، كما ثبت في كتاب (الوصول إلى ثمار الأصول).
والرابع: أن المكلف إذا أتى به أول الوقت فهو موقوف، فإنَّ بقي بصفة التكليف إلى آخر الوقت كانَ ما فعله واجباً وإلا فنفل، وعزى للكرخي، وإنما قاله مراراً مما ورد على أصحابه من تعلقه بآخر الوقت من إجزاء النفل عن الفرض، فاختار هذه الطريقة وهي ضعيفة؛ لأنَّ كون الفعل حالة الإيقاع لا يوصف بكونه فرضاً ولا نفلاً خلاف
(1/261)

القواعد، وحكي عنه أَيْضاًً أن الواجب يتعين بالفعل في أي وقت كان.
ص: (ومن أخر معَ ظن (29 ب) الموت، عصى فإنَّ عاش وفعله، فالجمهور: أداء، وقالَ القاضيان أبو بكر والحسين: قضاء).
ش: ما سبق فيما إذا كانَ يغلب على ظنه السلامة إلى آخر الوقت، فإنَّ كانَ يتوقع الهلاك، ويغلب على ظنه عدم البقاء فإنَّ الوقت يتضيق عليه بالظن، فإنَّ أخر عصى بالاتفاق لجراءته على التأخير، فلو عاش وفعله في الوقت، فذهب الْغَزَالِيّ وجماعة إلى أنه أداء، إذ لا عبرة بالظن الذي يتبين خطؤه، وبه يعرف أن التضييق ليس مؤثراً في نفس الأمر، وذهب القاضي أبو بكر والقاضي حسين إلى أنه قضاء، نظراً إلى الظاهر، فإنَّه حكم بالتضييق أولاً فيكون الوقت قد خرج، والصحيح الأول، فإنَّ النظر في الأداء والقضاء إلى أمر الشارع لا إلى غيره، وينبغي أن يكون
(1/262)

موضع خلاف القاضي إذا مضى من وقت الظن إلى حين الفعل زمن يسع الفرض، حتى يتجه القول بالقضاء، أمَّا إذا لم يمض ذلك وبقي منه بقية فشرع فيها، فليكن على الخلاف إذا وقع بعض الصلاة في الوقت وبعضها خارجه، والصحيح إن وقع ركعة في الوقت فالجميع أداء وإلا فقضاء، ثمَّ في كلام الْمُصَنِّف أمور: أحدها: تصوير المسألة ذكره غيره، وإنما هو مثال وليس بقيد كما يقتضيه تعليلهم، بل الضابط ظن الإخراج عن وقته بأي سبب كان، يمنع من الوجوب كالحيض والإغماء والجنون، ولهذا قالَ إمام الحرمين في (النهاية) في الكلام على مبادرة الاستحاضة: لو كانت معتادة طروء الحيض عليها في أثناء الوقت من يوم معين، فإنَّ الوقت يتضيق عليها الثانِي: ما عزاه للجمهور يقتضي أنه الراجح، لكن ذكر الرافعي فيما إذا صلى بالاجتهاد، ثمَّ بان أنه بعد الوقت، فهل يكون قضاء أو أداء؟ وجهان أصحهما: قضاء، نظراً لما في نفس الأمر؛ لأنَّه المكلف به، ويفرق بينَهما بأن هذا خارج الوقت في نفس الأمر، ومسألتنا في الوقت في نفس الأمر وخارجة في ظنه.
الثالث: ما نقله عن القاضي أبي بكر هو كذلك في كتاب (التقريبئ) وأما القاضي حسين، فلا يعرف عنه التصريح بذلك، والظاهر أن الْمُصَنِّف أخذه بالاستلزام من قَوْلُه: فيما إذا شرع في الصلاة ثمَّ أفسدها ثمَّ صلاها في وقتها، كانت قضاء؛ لأنَّه بالشروع يضيق الوقت بدليل أنه لا يَجُوز الخروج عنها، فلم يبق لها وقت شروع، فإذا أفسدها فقد فات وقت الشروع، فلم يكن فعلها بعد ذلك إلا قضاء وفيه نظر؛ لأنَّ مأخذهما مختلف، فمأخذ القاضي أبو بكر في أنها قضاء لاعتقاده أن الوقت قد خرج، كما سبق في تعريف القضاء، وأما القاضي حسين، فإنَّه معَ القول بأنها قضاء يقول: إن الوقت باق، وبهذا صرح في باب صفة الصلاة من تعليقه،
(1/263)

فقالَ: قد يكون الظهر ظهراً في الوقت، ولا يكون أداء بأن يشرع فيها ثمَّ يفسدها، والوقت باق، فيلزمه أن يصليها في الوقت ثانياً بنية القضاء، ثمَّ قالَ بعدها بنحو ورقة: مقتضى قول أصحابنا أنه ينوي القضاء؛ لأنَّه يقضي ما التزمه في الذمة؛ لأنَّ الشروع يلزم الغرض في الذمة، بدليل أن المسافر لو نوى إتمام الصلاة، وشرع فيها ثمَّ أفسدها، لا يقضيها مقصورة، بل تامة؛ لأنَّه التزم الإتمام، قالَ: وعلى قول القفال يتخير بينَ نية القضاء والأداء، وكذا لما ذكر المتولي في (التتمة) المسألة صرح بأنها قضاء، وإن فعلت في الوقت، ولا شك في خروجه عن قاعدة الأصول، وليقيد كلام القاضي بما إذا فعلها ثانياً بعد مضي جميع وقت فعلها لأنَّ يتحقق الفوات كما سبق (30 أ) وقد خالفهم الشيخ أبو إسحاق فجزم في (اللمع) بأنها أداء، والتحقيق خلاف ذلك، وأنها إعادة لا قضاء ولا أداء.
ص: (ومن أخر معَ ظن السلامة، فالصحيح لا يعصي، بخلاف ما وقته العمر كالحج).
ش: الموسع قد يكون وقته محدوداً كالصلاة، وقد يكون مدة العمر كالحج، وقضاء الفائتة بعذر، فأما الأول فيعصي فيه بطريقين: لخروج وقته، وبتأخيره عن وقت يظن فوته بعده كما سبق، فإنَّ غلب على ظنه السلامة فمات قبل الفعل، فقيل يعصي، وإلا لم يتحقق الوجوب، والصحيح: لا يعصي؛ لأنَّه مأذون له في التأخير، وهذا فيما إذا كانَ الطارئ يرفع الوجوب كالموت، فإنَّ كانَ لا يرفعه كالنوم والنسيان، فقال ابن الصَّلاَحِ (في الفتاوى): إذا نام في أثناء الوقت إلى أن
(1/264)

خرج، فينبغي أن يعصي قطعاً، قالَ: فإنَّ غلبه النوم فكالموت، وأما الموسع بالعمر، فيعصي فيه بالموت على الصحيح، سواء غلب على ظنه قبل ذلك البقاء أم لا؛ لأنَّ التأخير له مشروط بسلامة العاقبة، وهو في غاية الإشكال؛ لأنَّ العاقبة عندَه مستورة.
والثاني: لا يموت عاصياً، ولكنه ينسب إلى التفريط، كما ينسب تارك الصلاة عن أول وقتها حتى مات، وهو أشكل من الأول، للزوم انتفاء ثمرته، وقد أطلق الماوردي وغيره حكايته هكذا، والصواب تقييده بما إذا كانَ عازماً على الفعل ثمَّ اخترمته المنية، وكذا حكى ابن الصباغ في (الشامل) فمن لم يعزم عصى قطعاً، وليس من موضع الخلاف، وبه يرتفع الإشكال السابق، وجعل ابن الرفعة التقييد وجهاً غير وجه الإطلاق، وحكاها أربعة أوجه، وليس بجيد، لكن يمكن توجيهه بأنه مفرع على أنه لا يجب العزم في الواجب الموسع كما سبق.
والثالث: يفرق بينَ الشيخ فيعصي، والشاب فلا، واختاره الْغَزَالِيّ، وعلى هذا فلم يتعرضوا
(1/265)

لضابطه، وحكى الحوزي عن الأصحاب: تقدير التأخير المستنكر ببلوغه نحو من خمسين سنة أو ستين؛ لأنَّ العمر في الأغلب من الناس ستون، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أعمار أمتي ما بينَ الستين إلى السبعين)) وهو غريب.
ص: (مسألة: المقدور الذي لا يتم الواجب المطلق إلا به واجب وفاقاً للأكثر.
وثالثها إن كانَ سبباً كالنار للإحراق، وقالَ إمام الحرمين: إن كانَ شرطاً شرعياً لا عقلياً أو عادياً).
ش: حاصله أنه يشترط لوجوب المقدمة شرطان أحدهما: أن يكون مقدوراً للمكلف؛ لأنَّ غير المقدور لا يتحقق معه وجوب الفعل، وهذا الشرط يعتبره من لا يَجُوز تكليف، ما لا يطاق دون مجوزه، كذا قاله الصفي الهندي، وحينئذ فالمصنف ممن يَجُوزه كما سيأتي، فكيف يحسن منه هذا التقييد؟.
الثاني: أن يكون مطلقاً ليحترز عن الواجب المقيد بحالة حصول التوقف عليه، كقوله: إن ملكت النصاب
(1/266)

فزكه، فلا يقتضي إيجاب ملك النصاب اتفاقاً، وكذا: حج إن استطعت، وفي هذا القيد أَيْضاًً نظر؛ لأنَّه لا يتم الوجوب إلا به، وكلامه فيما لا يتم الواجب إلا به، وبينهما فرق، ولهذا لما عبر ابْن الْحَاجِبِ بالواجب، لم يذكر المطلق، ولما عبر في (المنهاج) بالوجوب ذكره، وقالَ في (المحصول): النظر الثانِي في أحكام الوجوب، ثمَّ ذكر الشرطين، والمراد بالمطلق أي: غير مشروط بذلك الشيء، ولكن وقوع ذلك الشيء شرطاً، كما إذا قالَ له: صل، وعلمنا أنه يتعذر إيقاع الصلاة دون الطهارة (30 ب) فهذا هو موضوع المسألة.
وقوله: لا يتم الواجب إلا به، يشمل ثلاثة أشياء: الجزء، والسبب، والشرط، لكن الجزء ليس مراداً هنا؛ لأنَّ الأمر بالكل أمر به تضمناً، ولا تردد في ذلك وإنما المتردد في السبب والشرط، وحاصله أن الأمر بالشيء، هل يستلزم الأمر بسببه أو شرطه أو لا؟ ولذلك عبروا عنه بالمقدمة، والأكثرون على الوجوب فيهما.
والثاني: المنع فيهما، وسواء كانَ
(1/267)

الشرط شرعياً كالوضوء للصلاة، أو عقلياً كترك ضد الواجب، أو عادياً كغسل جزء من الرأس بغسل الوجه.
والثالث: يوجب السبب دون الشرط، ويعزى للشريف المرتضي، والمراد بالسبب العلة كما إذا أمر بإحراق زيد، فإنَّ ذلك الواجب يتوقف على النار الذي هو سبب الإحراق.
والرابع: يوجب الشرط الشرعي كالوضوء، دون العقلي والعادي، إذا كانَ يتأتى الفعل به عقلاً أو عادة، لكن الشرع جعله شرطاً للفعل، وهو قول إمام الحرمين، واختاره ابْن الْحَاجِبِ، وكلامه يقتضي أن مراده بالشرط الذي أوجبه، الشرط والسبب جميعاً، لاشتراكهما في كل منهما، يلزم من عدمه العدم، ولهذا لم يذكر في صدر كلامه السبب، واقتضى كلام إمام الحرمين: أنه لم يحترز بالشرط الشرعي عن العقلي الذي يتوقف عليه وجود الفعل عقلاً، وإنما احترز عن لازمه أي: الذي يلزم وجوده عقلاً أو عادة، ولا يسميه شرطاً؛ لأنَّ الشرط خارج، وهذا داخل مسماه، ولذلك قالَ في (التلخيص) وقد أورد غسل شيء من الرأس لغسل الوجه: إنه يلزم من جعله شرطاً متضمناً للأمر بغسل الوجه، كما أن الوضوء للصلاة، قلنا هذا لأنَّه نصه، بل نقول: ما لا يتم
(1/268)

نفسه، هذا كلامه، واللازم غير الشرط، فإنَّه لزم من عدمه عدم المشروط؛ لأنَّا إنما نعني بالشرط هنا: ما يتوقف عليه وجود المشروط، وحينئذ ففي تصريح الْمُصَنِّف بنفي العقلي نظر.
ص: (فلو تعذر ترك المحرم إلا بترك غيره وجب).
ش: إذا لم يمكن الكف عن المحرم إلا بالكف عما ليس بمحرم، كما إذا اختلط النجس بالماء الطاهر القليل، فيجب الكف عن استعماله، كما قاله جمع من الأصحاب منهم ابن السمعاني في (القواطع) وظاهر كلامه: أنه لا يأتي فيه الخلاف السابق، وإنما حكى الخلاف في كيفية التحريم، قالَ: فمنهم من قالَ: يصير كله نجساً، وهو اللائق بمذهبنا، وقيل: إنما حرم الكل لتعذر الإقدام على تناول
(1/269)

المباح، لاختلاط المحرم به، قالَ: وهو اللائق بمذهب الحنفية.
ص: (فلو اختلطت منكوحة بأجنبية حرمتا).
ش: أي: لوجوب الكف عنهما، أمَّا الأجنبية فبالأصالة، والمنكوحة لاشتباهها بالأجنبية، فالكف عنهما هو طريق حصول العلم بالكف عن الأجنبية وحكى في (المحصول) عن قوم: إن الحرام هي الأجنبية، والمنكوحة حلال، وزيفه بأن المراد بالحل رفع الحرج، والجمع بينه وبين التحريم متناقض، وقوله: (الأجنبية) مثال، فالأجنبيتان كذلك، قالَ النَّوَوِيّ في (شرح المهذب): وليس له وطء واحدة منهن بالاجتهاد، بلا خلاف؛ لأنَّه إنما يستباح بالعقد لا بالتحري.
ص: (أو طلق معينة ثمَّ نسيها).
ش: أي فيحرم عليه الجميع حتى يتذكر، إذ لا يمكن الكف عنها إلا بذلك، هذا هو المعروف، ويلتحق به ما لو قالَ لزوجتيه: إحداكما كما طالق. وذكر الإمام في (المحصول) احتمالاً أنه يحل وطؤهما وأيده (31 أ) الْمُصَنِّف في (شرح المنهاج) بما نقله ابن الرفعة عن كتاب الوزير ابن هبيرة أنه حكى عن ابن أبي هُرَيْرَةَ من
(1/270)

أصحابنا، أنه إذا طلق واحدة من نسائه لا بعينها ثمَّ نسيها، طلاقاً رجعياً، أنه لا يحال بينه وبين وطئهن، وله وطء أيتهن شاء، وإذا وطئ واحدة انصرف الطلاق إلى صاحبتيها، ولا حاجة لنقله عن ابن هبيرة، ففي الرافعي في باب الشك في الطلاق عن صاحب (الشامل) وغيره: أنا إذا قلنا: الوطء تعيين كما هو المرجح للزوج وطء أيتهما شاء وإنما يمتنع من الوطء إذا لم يجعله تعييناً.
تنبيه: أهمل الْمُصَنِّف مسألة (المنهاج) إحداكما طالق حرمتا، إما أنه رأى دخولها في التي قبلها، أعني: اختلاط المنكوحة بالأجنبية، ولا فارق بينهما، إلا أن إحدى المرأتين في ذلك وهي الأجنبية محرمة في نفس الأمر، وكل واحدة منهما في إحداكما على حد سواء، أو رأى أنها أولى بالتحريم من صورة تطليق المعينة، ثمَّ نسيانها التي ذكرها، لكن هناك الطلاق موقوف، وهنا اتصل بمحل ثمَّ التبس.
ص: (مسألة: مطلق الأمر لا يتناول المكروه، خلافاً للحنفية، فلا
(1/271)

تصح الصلاة في الأوقات المكروهة وإن كانت كراهة تنزيهئ، وهو الصحيح).
ش: هذه المسألة أصل الصلاة في الدار المغصوبة التي اقتصر المصنفون على ذكرها وأهملوا أصلها، وكان العكس أجدر، ووجه كونه لا يتناول المكروه أنه مطلوب الترك، والمأمور مطلوب الفعل، فيتناقضان، والخلاف على هذه الحالة حكاه ابن السمعاني في (القواطع) وهو عمدة في الحكاية عن الحنفية، لكونه كانَ حنفياً ثمَّ تشفع، فقالَ: الفعل بوصف الكراهة لا يتناوله الأمر المطلق، وذهب أصحاب أبي حنيفة إلى أنه يتناوله، والخلاف يظهر فائدته في قَوْلِهِ تَعَالَى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} فعندنا لا يتناول الطواف بغير طهارة ولا الطواف منكوساً، وعلى مذهبهم يتناوله، فإنَّهم وإن اعتقدوا كراهية هذا الطواف، ذهبوا إلى أنه
(1/272)

دخل في الأمر، حتى يتصل به الإجزاء الشرعي، وعندنا لا يدخل ولا جواز لمثل ذلك في الطواف، قالَ: وهذا المثال على أصلهم يتصور، فأما عندَنا فإنا لا نقول: إن ذلك طواف مكروه، بل لا طواف أصلاً، لقيام الدليل على أن الطهارة شرط فيه كالصلاة، على أن الطواف على هيئة مخصوصة، لا توجد إذا طاف منكوساً قالَ: وحجتنا أن الأمر يفيد الوجوب حقيقة، والندب والإباحة مجازاً، فما ليس بواجب ولا مندوب ولا مباح لا يتصور أن يتناوله الأمر، وأشار الْمُصَنِّف بقوله: (فلا تصح): إلى أن من فروعها أَيْضاًً الخلاف في صحة الصلاة في الأوقات المكروهة، وما صرح به من تصحيح البطلان، وإن قلنا: إنها كراهة تنزيه هو كذلك، فإنا وإن قلنا إنها كراهة تنزيهية على وجه قطع الثديجي، فإنَّ الصلاة تبطل على المرجح المفرع على الوجهين جميعاً، ولهذا قالَ في (الروضة) في الكلام على الماء المشمس، إنه كراهة تنزيه لا يمنع من صحة الطهارة، وقالَ في دقاقها: احترزت بهذا القيد عما يكره تنزيها ويمنع من الصحة، كالصلاة في الوقت المكروه، لكن قد استشكل
ذلك، إذ كيف يقال: إن العبادة لا تنعقد، ومع ذلك فعلها جائز، معَ أن الإقدام على العبادة التي لا تنعقد حرام بالاتفاق، لكونه تلاعباً (31 ب) وقالَ الشيخ نجم الدين في (المطلب): الحق عندَي أن الصلاة في الوقت المكروه لا تنعقد، وإن كانت غير محرمة؛ لأنَّ كلامنا في صلاة نفل لا سبب لها، والمقصود منها إنما هو طلب الأجر، وتحريمها أو كراهيتها يمنع حصوله، وما لا يترتب عليه مقصوده باطل، كما تقرر من قواعد الشريعة، وقد يرد على إطلاق الْمُصَنِّف الصوم المكروه، كتخصيص يوم الجمعة، فإنَّه منهي عنه نهي تنزيه، وظاهر كلامهم أنه ينعقد إلا أن يدعى أنه لأمر خارج، ولك أن تبحث عن قول الْمُصَنِّف: (مطلق الأمر) وعدوله عن عبارة ابن السمعاني: (الأمر المطلق).
(1/273)

ص: (أما الواحد بالشخص له جهتان كالصلاة في المغصوب، فالجمهور: تصح ولا يثاب، وقيل: يثاب، والقاضي والإمام: لا تصح، ويسقط الطلب عندَها: وأحمد: لا صحة ولا سقوط).
ش: الواحد بالشخص إن لم يكن له إلا جهة واحدة، فلا خلاف في امتناع كونه مأموراً به منهياً عنه، إلا إن جوزنا تكليف ما لا يطاق؛ لأنَّ المأمور به يمتنع تركه بمقتضى الأمر، ومقتضى النهي: المنع من فعله، والجمع بينَهما جمع بينَ المتنافين، وإن كانَ له جهتان فهل يَجُوز أن يؤمر به من وجه وينهى عنه من وجه؟ كالصلاة في المغصوب؟ فقال الجمهور: يصح؛ لأنَّ تعدد الجهات موجب للتغاير لتعدد الصور،
(1/274)

وجعلوا اختلاف الجهتين كاختلاف المحلين؛ لأنَّ كل واحدة من الجهتين منفكة عن الأخرى، واجتماعهما إنما وقع باختيار المكلف، فليسا بالمتلازمين، فلا تناقض، وذهب طائفة إلى أنه لا يصح، ثمَّ افترقوا فرقتين: ففرقة قالت: لا يسقط بها الفرض. وهو منقول عن أحمد وفرقة ذهبت إلى السقوط، ونقله المصنف
(1/275)

عن القاضي أبي بكر والإمام الرَّازِيّ، وفي كل منهما نظر، وعبارة المحصول في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة: وإن لم تكن مأموراً بها، إلا أن الفرض يسقط عندَها لا بها؛ لأنَّا بينا بالدليل امتناع ورود الأمر بها، والسلف أجمعوا على أن الظلمة لا يؤمرون، بقضاء الصلاة المؤداة في الدور المغصوبة، ولا طريق إلى التوفيق بينَهما إلا بما ذكرناه، وهو مذهب القاضي أبي بكر، انتهى.
وقالَ الصفي الهندي: الصحيح أن القاضي إنما يقول بذلك لو ثبت القول بصحة الإجماع على سقوط القضاء، فأما إذا لم يثبت ذلك فلا نقول بسقوط القضاء بها وعندها، انتهى.
ولا إجماع معَ خلاف أحمد وطائفة، وممن منع الإجماع: إمام الحرمين وابن السمعاني وغيرهما.
وقد حكى القاضي حسين في تعليقته في باب صلاة المسافر وجهين لأصحابنا: أحدهما لا تصح للمعصية.
والثاني تصح لأنَّ المعصية ليست في عين الصلاة، بل للمقام في أرض الغير، انتهى.
وأما قول المصنف: (ولا يثاب)، فهذه من مسائل الفقه، نقلها النَّوَوِيّ في (شرح المهذب) عن القاضي أبي منصور ابن أخي ابن الصباغ فقال في فتاواه التي جمعها عن عمه: المحفوظ من كلام أصحابنا بالعراق أن الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة ولا ثواب فيها، قالَ القاضي أبو منصور، رأيت أصحابنا بخراسان اختلفوا فمنهم من أبطل صلاته قالَ: وذكر شيخنا يعني ابن الصباغ في كتابه (الشامل) أنه ينبغي حصول الثواب عندَ من
(1/276)

صَحَّحَهُا، قالَ القاضي: وهو القياس، انتهى، فقول المصنف: (وقيل: يثاب)، هو احتمال ابن الصباغ (32 أ).
ص: (والخارج من المغصوب تائباً آت بواجب، وقالَ أبو هاشم: لا، آت إلى محرم، وقالَ إمام الحرمين: هو مرتبك في المعصية معَ انقطاع تكليف النهي عنه، وهو دقيق).
ش: (تائباً) منصوب على الحال، وقوله: (آت بواجب) خبر قوله: (والخارج) أي: لا تحريم فيه، وإن وجد منه اعتباران: الشغل والتفريغ؛ لأنَّه لا يمكن إلا بالشغل، وقالَ أبو هاشم: خروجه كلبثه؛ لأنَّه يتصرف في ملك الغير بغير إذنه، وذلك قبيح لعينه، (فهو منهي عنه بهذا الاعتبار، ومأمور به؛ لأنَّه
(1/277)

انفصال عن المكث، وبناه على الفاسد في الحسن والقبح، ولكنه أخل بأصله الآخر، وهو منع التكليف بالمحال، فإنَّه قالَ: لو خرج عصى، ولو مكث عصى، فحرم عليه الشيء وضده جميعاً، وقالَ إمام الحرمين: هو مأمور بالخروج، وإنما يعصي بما تورط به من العدوان السابق، وقالَ: وهو مرتبك في المعصية لحكم الاستصحاب معَ انقطاع تكليف النهي، واستبعده ابن الحاجب وضعفه الغزالي لاعترافه بانتفاء النهي، فالمعصية إلى ماذا تستند؟
قلت: وهو نظير قول الفقهاء فيمن ارتد ثمَّ جن ثمَّ أفاق وأسلم: إنه يجب قضاء صلوات أيام الجنون لاستصحاب حكم معصية الردة عليه، والمرتبك هو المشتبك الذي لا يمكنه أن يخلص.
ص: (والساقط على جريج يقتله إن استمر، وكفؤه، إن لم يستمر وقيل: يتخير، وقالَ إمام الحرمين: لا حكم فيه، وتوقف الغزالي).
ش: إنما ذكر هذه عقيب ما سبق؛ لأنَّ إمام الحرمين قالَ: إن غرضه يظهر بمسألة ألقاها أبو هاشم، فحارت فيها عقول الفقهاء وهي أن من توسط جمعاً من الجرحى وجثم على صدر واحد منهم، وعلم أنه لو بقي لأهلكه، ولو انتقل لهلك آخر، قالَ: لم أحصل فيها من قول الفقهاء على ثبت، والوجه القطع بسقوط التكليف عنه معَ استمرار حكم سخط الله تعالى وغضبه، وقد سأله الغزالي عن هذا، فقالَ: كيف تقول: لا حكم، وأنت ترى أن لا تخلو واقعة عن حكم؟ فقالَ:
(1/278)

حكم الله أن لا حكم، قالَ الغزالي: فقلت له: لا أفهم هذا، قالَ الأبياري: وهذا أدب حسن، وتعظيم للمشايخ؛ لأنَّ هذا تناقض، وإذ لا حكم: نفي عام، فكيف يتصور ثبوت الحكم معَ نفيه على العموم؟ فهذا لا يفهم، لا لعجز السامع عن الفهم، بل لكونه غير مفهوم في نفسه، انتهى، وللإمام أن يقول: لا حكم: بمعنى انتفاء الأحكام الخمسة، والبراءة الأصلية حكم الله، ولا تخلو واقعة عن حكم بهذا الاعتبار، ومثله قول النحاة: ترك العلامة علامة، فكذلك نفي الحكم حكم بهذا الاعتبار، ويشهد له ما بينا، ذكره الشيخ عز الدين، وقالَ في (المنخول) المختار أن لا حكم لله فيه، فلا نؤمر بمكث ولا انتقال، وقالَ في آخر الكتاب: حكم الله فيه أن لا حكم، هذا ما قاله الإمام ولم أفهمه بعد، انتهى.
وذكر في هذا الكتاب احتمالين: أحدهما: أنه يمكث، فإنَّ الانتقال فعل مستأنف.
الثاني: يتخير، وكلام المصنف يوهم أن هذين القولين لغيره،
(1/279)

وفرض الشيخ عز الدين في قواعده المسألة: الساقط على أطفال، وقالَ: قيل: ليس في هذه المسألة حكم شرعي وهي باقية على الأصل في انتفاء الشرائع قبل نزولها، ولم نر الشريعة (32 ب) تخير بينَ هاتين المفسدتين، قالَ: فلو كانَ بعضهم مُسْلِماً، وبعضهم كافراً، فهل يلزمه الانتقال إلى الكافر؛ لأنَّ قتله أخف مفسدة؟ الأظهر عندَي لزومه؛ لأنَّا نجوز قتل أولاد الكفار عندَ التترس بهم، حيث لا يَجُوز مثل ذلك في أطفال المسلمين. انتهى ولا يخفى أن هذا التردد في الطفل الكافر المعصوم دمه، فإنَّ كانَ حربياً، فلا شك في لزوم الانتقال إليه، ويحتمل على بعد طرده فيه.
ص: (مسألة: يَجُوز التكليف بالمحال مطلقاً ومنع أكثر المعتزلة والشيخ أبو حامد، والغزالي، وابن دَقِيقِ العِيدِ ما ليس ممتنعاً، لتعلق العلم بعدم وقوعه، ومعتزلة بغداد والآمدي: المحال لذاته، وإمام الحرمين: كونه مطلوباً لا ورود صيغة الطلب).
ش: القول بالجواز هو مذهب جماهير الأصحاب. وقوله: (مطلقاً)، أي: سواء امتنع لذاته، وهو ما يلزم من تصوره المحال كالجمع بينَ الضدين، كالتكليف بالفعل معَ استمرار المانع، واحتج الشيخ الأشعري في كتاب الوجيز على القائلين باستحالته بقوله تعالى: {ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} فقالَ: لو كانَ ذلك محالاً لما استقام الابتهال إلى اللهِ بدفعه.
والثاني: امتناعه مطلقاً، وبه قالَ أكثر
(1/280)

المعتزلة، وساعدهم كثير من أئمتنا، كما قاله ابن القشيري في المرشد، لكن مأخذهم يختلف، فمأخذ المعتزلة في المنع التفريع على أصلهم في القبح العقلي؛ لأنَّه يقبح في العقلي، وعندنا لا يقبح من اللهِ تعالى شيء، وإنما مأخذ المنع أن الفعل والترك لا يصحان من العاجز فبطل تقدير الوجوب، ونقله المصنف عن الشيخ أبي حامد الإسفراييني والغزالي، وهو فيه تابع للصفي الهندي، لكن سيأتي عن الغزالي التفصيل، وكلامه في (المستصفى) يصرح به، وزاد المصنف عن ابن دَقِيقِ العِيدِ، قالَ في شرح المنهاج: إنه صرح به في شرح العنوان، لكن عبارة شرح العنوان: المختار عندَنا عدم جواز التكليف بالمحال، ثمَّ قالَ: والذي نمنعه المحال لنفسه لا المحال لغيره، فكأن المصنف نظر صدر الكلام دون آخره، وحينئذ فهنا قول الآمدي الذي نقله بعده، نعم، وافقهم من المتأخرين الأصفهاني شارح المحصول، واحتج بأن قيام حقيقة الطلب النفساني من العالم بالاستحالة لذاته أو لغيره محال، قالَ: والقضية بديهية، فإنَّ انفصل عن هذا بأن حقيقة الطلب غائباً غير حقيقة الطلب
(1/281)

شاهداً لزم فساد قاعدة كلام النفس وإثباتها، وأشار بقوله: (ما ليس ممتنعاً) إلى أن محل الخلاف في المتعذر عادة سواء كانَ معه التعذر العقلي أم لا، أمَّا التعذر عقلاً لتعلق علم الله تعالى به فأجمعوا على جوازه، وقد كلف الله الثقلين أجمعين بالإيمان معَ قوله تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} لكن في هذا الاستثناء خدش من جهة أنه إنما يأتي على القول بأن ما تعلق العلم بعدمه، مستحيل، وليس ذلك متفقاً عليه، وقد ذهب قوم منهم الغزالي في المنخول: إلى أن الممتنع لتعلق العلم بعدم وقوعه، لا يسمى مستحيلاً؛ لأنَّه في ذاته جائز الوقوع، فلا تتغير حقيقته بالعلم، وقد أقدر الله الكفار على الإيمان، وعلم أنهم يمتنعون معَ القدرة، فكان كما علم، فلم ينقلب المقدور (33 أ) معجوزاً
بسبب علمه.
والثالث إن كانَ ممتنعاً لذاته لم يجز، وإلا جاز، واختاره الآمدي، وادعى أن الغزالي مال إليه.
والرابع: قول إمام الحرمين وحكاه عنه ابن القشيري في المرشد، إن أريد بالتكليف بالمحال: طلب الفعل، فهو محال من العالم باستحالة وقوع المطلوب، وإن أريد ورود الصيغة وليس المراد بها طلباً، مثل قوله تعالى: {كونوا قردة خاسئين} فغير ممتنع،
(1/282)

واختاره الغزالي في المنخول، وهو في الحقيقة تنقيح مناط، ففي جعل المصنف له مذهباً رابعاً، نظر، ولهذا قالَ ابن برهان: الخلاف على هذا لفظي، بخلافه على قول المعتزلة، ومن ثمَّ حاول بعض المتأخرين نفي الجواز عن الأشعري، وزعم أن الذي جوزه ورود صيغة مضاهية لصيغة الأمر والغرض منها تعجيز وتبيين حلول العقاب الذي لا محيص عنه وليس المراد طلباً واقتضاء ويخرج مما ذكرناه مناقشات على كلام المصنف ونزيد هنا أمرين.
أحدهما: قوله: (ما ليس ممتنعاً، لتعلق العلم بعدمه) أي: هذا موضع النزاع، أمَّا الممتنع لذلك فأجمع الكل على جوازه، وهذا تابع فيه ابن الحاجب، وليس بمسلم كما بينته في (الدرر على المنهاج والمختصر) وقد ظن بعضهم أن عبارة المصنف منعكسة، وهو غلط، بل هي الصواب كما بيناه.
ثانيا: لك أن تسأل عن الفرق بينَ المذهب الثاني والثالث وإنهما واحد، وإنما اختلفت العبارة؛ لأنَّ الإيمان من الكفار، الذي علم الله أنهم لا يؤمنون مستحيل، لكن استحالته ليست لذاته بل نظراً لتعلق العلم بالكفر، فهو ممتنع لغيره، ولهذا قالَ المصنف في قول ابن الحاجب: والإجماع على صحة التكليف بما علم الله أنه لا يقع : (إن هذا ضرب من الممتنع لغيره، وحينئذ فيرجع هذا القول إلى التفصيل بينَ الممتنع لذاته ولغيره، وغاية ما يلمح في الفرق بينهما، أن الثالث: يَجُوز الممتنع لغيره
(1/283)

في نوع خاص وهو ما تعلق بعدمه لكن يلزم من هذا إثبات قول في الممتنع لغيره بالتفصيل بينَ ما تعلق العلم بعدمه وبين غيره، ولم يذكره أحد من المصنفين، وإن كانَ كلامهم يقتضيه، وقد يتوقف فيه، وما وجه الفرق، ويشهد لذلك نقل إمام الحرمين في (الشامل) عن معتزلة بغداد أنه يصح أن يؤمر بإيقاع فعل في وقت، معَ العلم بأن العبد سيمنع منه، قالَ: وهو لا جوزو الأمر بما علم الله نسخه، والموقع للمصنف في هذا الكلام، الصفي الهندي، لكن الهندي كالمتوقف في صحة الإجماع، فلهذا ساغ منه حكاية التفصيل فإنَّه قالَ: المشهور عن المعتزلة منع التكليف بالمحال مطلقاً، غير أن بعضهم نقل أن الفرق كلها أجمعوا على جواز التكليف بما علم الله أنه لا يكون من الممكنات عقلاً وعلى وقوعه شرعاً، كالتكليف بالإيمان لمن علم الله أنه لا يؤمن كأبي جهل إلا بعض الثنوية، قالَ: فإنَّ صح هذا النقل يجب أن يفصل بينَ ما يكون محالاً بسبب تعلق العلم بعدم وقوعه، وبين ما لا يكون كذلك، فنسب إليهم امتناع التكليف بالشيء دون امتناعه مطلقاً، ثمَّ قالَ: ومنهم من فصل بينَ أن يكون محالاً لذاته، وبين ما لا يكون كذلك فاختار التكليف بالثاني دون الأول، وإليه ذهب بعض معتزلة بغداد، قالُوا: يَجُوز أن يكلف الله العبد بالفعل في وقت علم الله تعالى أن يكون ممنوعاً منه. انتهى (33 ب).
ص: (والحق وقوع الممتنع بالغير لا بالذات).
ش: القائلون بالجواز اختلفوا في وقوعه، والذي يتحصل منه مذاهب: الوقوع مطلقاً، وعدمه مطلقاً وحكاه الإمام في (الشامل) عن الجمهور، والثالث التفصيل بينَ الممتنع لذاته، كقلب الحقائق معَ بقاء الحقيقة الأولى فيمتنع، وأما الممتنع لغيره فيَجُوز، وهو ظاهر اختيار الإمام في (الشامل) وجرى عليه صاحب (المنهاج)
(1/284)

وغيره، واعترض عليه المصنف في شرحه تبعاً للنور الأردبيلي، فقالَ: إنه يفهم منه وقوع الممتنع لغيره مطلقاً والحق فيه التفصيل أيضاًً، فإنَّ كانَ مما قضت العادة بامتناعه كحمل الصخرة العظيمة للرجل النحيف فحكمه حكم الممتنع لذاته في الجواز وعدم الوقوع، وأما ما امتنع، لتعلق العلم به، فذاك ليس محل النزاع بل هو واقع الإجماع وهذا وارد على إطلاقه.
ص: (مسألة: الأكثر أن حصول الشرط الشرعي ليس شرطا في صحة التكليف).
ش: أي بالمشروط، بل يصح التكليف بالمشروط حالة عدم الشرط، خلافاً لأهل الرأي والمراد ب (الشرط الشرعي) ما يتوقف عليه صحة الشيء شرعاً كالوضوء للصلاة فخرج ما يتوقف عليه وجوده عقلاً كالتمكن من الأداء الزائل بالنوم والفهم من الخطاب الزائل بالغفلة والنسيان فإنَّ حصوله شرط في صحة التكليف، وقد سبق، وقد استشكل الفرق بينَهما وبين المسألة السابقة في مقدمة الواجب، فإنَّها إذا وجبت وجب تحصيل الشرط فما فائدة ذكر هذه المسألة؟ قلت: الكلام في حصول الشرط الشرعي بالنسبة إلى الصحة، فعندنا لا يتوقف صحة التكليف على حصوله، ومسألة المقدمة بالنسبة إلى الواجب نفسه إذا توقف على أمر آخر من شرط أو غيره،
(1/285)

هل يوجب المقدم، فهما غيران لا تعلق لأحدهما بالآخر.
ص: (وهي مفروضة في تكليف الكافر بالفروع).
ش: أي وإن كانت أعم منه، لكن الخلاف في هذه المسألة، هذا أصله، وقد نازع الصفي الهندي في ترجمتها بما ذكره المصنف، فإنَّ المحدث يكلف بالصلاة إجماعاً، وقضية هذه الترجمة طرد الخلاف فيه ولأجل هذا ذكر المصنف أن المراد بها خاص بقوله: (وهي مفروضة في تكليف الكافر).
ص: (والصحيح وقوعه، خلافاً لأبي حامد الإسفراييني وأكثر الحنفية مطلقاً ولقوم في الأوامر فقط، ولآخرين فيما عدا المرتد).
(1/286)

ش: ذهب الأَئِمَّة الثلاثة إلى أنهم مخاطبون مطلقاً في الأوامر والنواهي وخالف الخنفية، وساعدهم الشيخ أبو حامد الإسفراييني منا، وحكاه الأستاذ أبو إسحاق في أصوله قولاً للشافعي.
والثالث: أن النواهي متعلقة بهم دون الأوامر لإمكان الانتهاء معَ الكفر بخلاف المأمور، فإنَّ شرطه القربة، ونقله صاحب اللباب من الحنفية عن أصحابهم، وأغرب الشيخ صدر الدين بن الوكيل في كتاب (النظائر) فحكى عن بعض الأصحاب عكس هذا المذهب، وتابعه
(1/287)

العلائي في (الفوائد) وهذا لا يعرف، بل قالَ الشيخ أبو حامد الإسفراييني في كتابه في الأصول وصاحبه البندنيجي في باب قسم الصدقات من تعليقه: إن الخلاف في تكليفهم بالأوامر، وأما المعاصي فمنهيون عنها بلا خلاف من المسلمين، فكيف يثبت لنا قول بأنهم مكلفون بالأوامر دون النواهي؟.
والرابع: أن المرتد مكلف دون غيره، لإلزامه أحكام الإسلام، حكاه القاضي عبد الوهاب، ولهذا يجب
(1/288)

عليه قضاء ما فاته زمن ردته، وزيف، فإنَّ مأخذ المنع فيهما سواء، وهو الجهل باللهِ وبعضهم يجعل الخلاف (34 أ) في الأصلي، ويقول: المرتد مكلف بلا خلاف وفيه نظر.
فائدة قالَ الشيخ عز الدين في (القواعد): إن قيل: لم وجه الله تعالى الخطاب إلى العاصي معَ علمه بأنهم لا يطيعونه؟ قلنا: أحسن ما قيل في ذلك: أن توجه الخطاب إلى الأشقياء الذين لا يمتثلون، ليس طلباً على الحقيقة، وإنما هو علامة وضعت على شقاوتهم وأمارة نصبت على تعذيبهم.
ص: (قال الشيخ الإمام: والخلاف في خطاب التكليف وما يرجع إليه من الوضع، لا الإتلافات والجنايات وترتب آثار العقود).
ش: أطلق الأصوليون الخلاف السابق وهو يوهم أن القائل بتكليفهم يقول: إن كل حكم ثبت في حق المسلمين، ثبت في حقهم أيضاًً، وأن من لا يقول بذلك لا
(1/289)

يثبت في حقهم شيئاً من فروع الأحكام، قالَ والد المصنف رَحِمَه اللهُ تعالى وليس كذلك، بل الخطاب قسمان: خطاب تكليف وخطاب وضع، فخطاب التكليف بالأمر والنهي هو محل الخلاف، وليس كل تكليف أيضاًَ بل هو في غير ما يعلم اختصاصه بالمؤمنين أو بعضهم، وإنما المراد العمومات التي شملتهم لفظا، هل يكون الكفر مانعاً من تعلقها بهم أو لا؟ وأما خطاب الوضع فمنه ما يكون سبب الأمر والنهي ككون الطلاق سبباً لتحريم الزوجة، فهذا من محل الخلاف، والفريقان مختلفان في أنه هل هو سبب في حقهم أيضاً؟ ومنه كون إتلافهم وجنايتهم سبباً في الضمان، وهذا ثابت في حقهم إجماعاً، بل ثبوته في حقهم أولى من ثبوته في حق الصبي، وكذلك كون العقول على الأوضاع الشرعية سبباً فيه كما في البيع والنكاح وغيرهما، وهذا لا نزاع فيه، وفي ترتب الأحكام الشرعية عليه في حقهم كما في حق المسلم، وكذا كون الطلاق سبباً للفرقة، فإنَّها تثبت إذا قلنا بصحة أنكحتهم والخلاف في ذلك لا وجه له، ويشهد أن أبا حنيفة قالَ بصحة أنكحتهم معَ قوله بعد تكليفهم بالفروع، قلت: بل كلام الأصحاب على إطلاقه ولا وجه لهذا التفصيل ولا يصح دعوى الإجماع في الإتلاف والجناية، بل الخلاف جار في الجميع، وقد حكى الرافعي عن الأستاذ أبي إسحاق: أن الحربي إذا قتل المسلم، أو أتلف عليه مالاً، ثمَّ أسلم، أنه يجب ضمانها، إذا قلنا إن الكفار مكلفون بالفروع، وحكاه العبادي في الطبقات عنه فيما إذا صارَ ذمياً والجمهور أنه لا يضمن ونقلوا وجهين أيضاًً، فيما لو دخل الكافر الحرم وقتل صيداً هل يضمن؟
(1/290)

أصحها: نعم، قالَ صاحب (الوافي) وهما شيئان بالوجهين في تمكينه من المسجد إذا كانَ جنباً يعني نظراً لعقيدته بل قالَ الإمام في الأساليب من كتاب (السير): إن الكفار إذا استولوا على مال المسلمين، فلا حكم لاستيلائهم، وأعيان الأموال لأربابها وكأنهم في استيلائهم وإتلافهم كالبهائم، قالَ: وبنى بعضهم هذه المسألة على الخلاف في تكليفهم بالفروع، وقالَ: هم منهيون عن استيلائهم، وقول الشيخ: بل ثبوته في حقهم أولى من ثبوته في حق الصبي ممنوع كانسحاب حكم الإسلام على الصبي بخلافهم، ولهذا قطعوا في الصبي بالضمان، وأجرى الخلاف عليهم ترغيباً في الإسلام، ومن هنا صحح أبو حنيفة أنكحتهم، وإن لم يكلفهم بالفروع، وأشار الإمام في (النهاية) إلى أن الشافعي خرج عن قياس مذهبه في تكليفهم بالفروع حيث صحح أنكحتهم، وقاعدة مذهبه أن لا يستتبع عقائدهم، ولهذا (34 ب) نفى الضمان عمن يريق خمر الذمي، ولكنه تركه في النكاح للأخبار، وأنه خصه ترغيباً لهم في الإسلام، وقالَ الغزالي في (البسيط) مضعفاً للقول بفساد أنكحتهم: هذا يجر إلى أن لا نوقع طلاقهم، ولا يتجاسر عليه فقيه. قلت: قد تجاسر عليه الحسن البصري وقتادة وربيعة الرأي ومالك، قالُوا: ليس طلاقهم بطلاق، وهذا قدح في دعوى النسخ، والإجماع على نفوذ الطلاق، ولذلك قالَ الحنفية: لا يصح ظهار
(1/291)

الذمي بناء على أنهم غير مكلفين بالفروع.
ص: (مسألة: لا تكليف إلا بفعل، فالمكلف، به في النهي: الكف، أي: الانتهاء، وفاقاً للشيخ الإمام، وقيل: فعل الضد، وقالَ قوم: الانتفاء، وقيل: يشترط قصد الترك).
ش: لا خلاف أن المكلف به في الأمر الفعل، وأما المكلف به في النهي ففيه أربعة مذاهب أصحها عندَ ابن الحاجب وغيره: أنه كف النفس عن الفعل، والكف فعل.
الثاني: وينسب للجمهور: أنه فعل ضد المنهي عنه، فإذا قالَ: لا تتحرك، فمعناه: افعل ضد الحركة.
الثالث، وبه قالَ أبو هاشم: انتفاء الفعل فالمكلف به في هذا المثال، نفس ألا تفعل، وهو عدم الحركة، وكأن الجمهور نظروا إلى حقيقة ما هو مكلف به، وأبو
(1/292)

هاشم نظر إلى المقصود، وهو إعدام دخول المنهي عنه في الوجود، والمختار عندَ المصنف تبعاً لوالده رحمهما الله تعالى الأول، وحرر العبارة عنه فقالَ: إن مطلوبه الكف، أي: الانتهاء، فإذا قلت: لا تسافر، فقد نهيته عن السفر والنهي يقتضي الانتهاء لأنَّه مطاوعه، يقال: نهيته فانتهى، والانتهاء: هو الانصراف عن المنهي عنه، وهو الترك، قالَ: واللغة والمعقول يشهدان له، وفرق بينَ قولنا: لا تسافر وبين قولنا: أقم فإنَّ أقم أمر بالإقامة من حيث هي، فقد لا يستحضر معها السفر، وأن لا تسافر: نهي عن السفر، فمن أقام قاصداً ترك السفر يقال فيه انتهى عن السفر، ومن لم يخطر السفر له بالكلية، لا يقال له انتهى عن السفر والانتهاء أمر معقول وهو فعل، ويصح التكليف به، وكذلك في جميع النواهي الشرعية، كالزنا والسرقة والشرب ونحوها، المقصود في جميعها الانتهاء عن تلك الرذائل، ومن لازم ذلك الانتهاء التلبس بفعل ضد من أضداد المنهي عنه، قالَ: فالعبارة المحررة أن يقال: المطلوب بالنهي الانتهاء، فيلزم من الانتهاء فعل ضد من أضداد المنهي عنه، والعبارة المنقولة عن الجمهور مختلفة فإنَّ النهي قسيم الأمر، والأمر: طلب الفعل فلو كانَ النهي طلب فعل الضد لكان أمراً، ولكان النهي من الأمر، وقسيم الشيء لا يكون قسماً منه.
(1/293)

[[[سقط ص 293]]]
(الدلائل والأعلام) بأن الواجب على الإنسان في المنهيات إذا ذكرها، اعتقاد تحريمها، وهو على أول الحال من الاعتقاد والكف، وقول المصنف: (وقيل: يشترط قصد الترك) هذا قول غريب، إن أجري على ظاهره، حتى يأثم إذا تركه ولم يقصد الترك (35 أ) وإنما يتجه هذا في حصول الثواب وهي مسألة أخرى، ثمَّ رأيت في (المسودة) لابن تَيْمِيَّةَ ما نصه، وقيل: إن قصد الكف معَ التمكن من الفعل أثيب، وإلا فلا ثواب ولا عقاب، انتهى.
وقد قالَ القاضي حسين في باب صفة الصلاة من تعليقه: الشرعية تشتمل على الأوامر والنواهي، فما كانَ من النواهي لا يحتاج إلى صحة تركها إلى النية، وما كانَ من الأوامر لا يصح امتثاله بدون النية.
انتهى.
وإذا قلنا: يشترط قصد الترك، فهل يحتاج إلى نية خاصة في الجزئيات أو يكفي نية عامة لكل منهي عنه، فيه نظر.
ص: (والأمر عندَ الجمهور بتعلق الفعل قبل المباشرة بعد دخول وقته
(1/294)

إلزاماً، وقبله إعلاماً).
ش: النقول في هذه المسألة مضطربة، فقال القاضي في مختصر التقريب: الفعل مأمور به في حال حدوثه، ثمَّ قالَ المحققون من أصحابنا: الأمر قبل حدوث الفعل المأمور به أمر إيجاب وإلزام، ولكنه يتضمن الاقتضاء والترغيب، وإذا تحقق الامتثال فالأمر يتعلق به، ولكنه لا يقتضى ترغيباً معَ تحقق المقصود، وذهب بعض من ينتمي إلى التحقيق، إلى أنه إنما يؤمر به حال المباشرة، وإذا تقدم عليه، فهو أمر إنذار، وإعلام بحقيقة الوجوب عندَ الوقوع، قالَ: وهذا باطل، انتهى.
وهذا الذي زيفه هو الذي يدل عليه صريح نقل الإمام الرَّازِيّ عن الأصحاب كما قالَ الصفي الهندي قالَ: ونقل إمام الحرمين في مذهب أصحاب الشيخ، ما يقتضي أنه ليس بمأمور به قبل حدوثه، وهو الذي يقتضيه أصلهم أن الاستطاعة معَ الفعل لا قبله، لكن أصلهم الآخر وهو جواز تكليف المحال يقتضي جواز الأمر بالفعل حقيقة قبل الاستطاعة، فعلى هذا يكون المأمور مأموراً قبل التلبس بالفعل، والمأمور به مأموراً به قبل حدوثه، لكن لعلهم فرعوا هذا في استحالته، أي وإن قالُوا بجوازه، لكنهم قالُوا ذاك بناء على عدم وقوعه، ونقل الكل عن المعتزلة، أي أن الفعل إنما يصير مأموراً به عندَهم قبل حدوثه لا عندَه، بل عندَه ينقطع تعلق التكليف، به، وهو اختيار إمام
(1/295)

الحرمين، وهو موافق لأصلهم في أن الاستطاعة قبل الفعل، وأن تكليف مالا يطاق، غير جائز، ونقل بعضهم، كالآمدي: أن الناس اتفقوا على جواز كون الفعل مأموراً به قبل حدوثه سوى شذوذ من أصحابنا، وعلى امتناع كون ذلك وقت حدوثه، فأثبته أصحابنا، ونفاه المعتزلة، وبه يشعر كلام الغزالي، وهذا صريح في أن الخلاف بينَ معظم الأصحاب والمعتزلة في المأمور، والمأمور إنما هو في وقت التلبس والحدوث لا قبله، والنقل الأول يقتضي تحققه فيهما، فبينهما تناقض، ولا يجمع بينَهما بأن يقال: إن الأول تفريع منهم على استحالة تكليف المحال، والثاني على جوازه لأنَّه يقتضي جواز كون الفعل مأموراً به بعد حدوثه، وهذا الناقل نقل امتناعه وفاقاً، والتحقيق أنه قبل المباشرة مكلف بإيقاع الفعل في الزمن المستقبل، وامتناع الفعل في هذه الحالة بناء على عدم علته التامة، لا ينافي كون الفعل مقدوراً ومختاراً له، بمعنى صحة تعلق إرادته وقصده إلى إيقاعه، وإنما الممتنع تكليف ما لا يطاق، بمعنى أن يكون الفعل مما لا يصح تعلق قدرة (35 ب) العبد به، وقصده إلى إيجاده، وبهذا يندفع قولهم: إن الفعل تدور علته التامة ممتنع، ومعها واجب، فلا
تكليف إلا بالمحال؛ لأنَّ في الأول تكليفاً بالمشروط عندَ عدم الشرط، وفي الثاني تكليفاً بتحصيل الحاصل.
ص: (والأكثر: يستمر حال المباشرة، وقالَ إمام الحرمين والغزالي: ينقطع).
(1/296)

ش: ما حكاه عن الأكثر سبق نقل الآمدي أنه عن الأصحاب، وقالَ ابن برهان: إنه قول أهل السنة، وقالت المعتزلة: ينقطع تعلق التكليف به واختاره الإمام والغزالي؛ لأنَّ حقيقة الأمر الاقتضاء والطلب، والحاصل لا يطلب، وجوابه أنه غير مقتضي حال الإيقاع، ولكنه معَ هذا مأمور به، بمعنى أنه طاعة وامتثال، وهذا لا يخالف فيه أحد.
ص: (وقالَ قوم: لا يتوجه إلا عندَ المباشرة، وهو التحقيق.
ش: هذا القول هو اختيار الإمام فخر الدين والبيضاوي وغيرهما ونسبه المصنف إلى الأشعري، قالَ: وقول إمام الحرمين: إن هذا المذهب لا يرتضيه لنفسه عاقل مؤول، للعلم بأنه لا يطلق مثل هذه العبارة على من دون الشيخ، وذلك أنه ألزم الشيخ تحصيل الحاصل، ثمَّ قالَ: يقال في الحادث: هذا هو الذي أمر به المخاطب، فأما أن يستمر القول في تعلق الأمر به طلباً واقتضاء معَ حصوله، فلا يرتضى هذا لنفسه عاقل، ومراده بالمذهب الذي لا يرتضيه لنفسه عاقل، إيجاب تحصيل الحاصل الذي ألزم الشيخ به، وهو يعرف أن الشيخ لا يقوله ولا غيره، ووجه
(1/297)

ما ادعاه المصنف من التحقيق في هذا المذهب، أمور منها: أن الأمر يتناول زمان إمكان الفعل، لامتناع التكليف بالواجب والممتنع، وزمان وقوع الفعل زمان إمكانه، فإنَّه ليس زمان امتناعه، لامتناع وقوع الفعل في زمن امتناعه، وليس زمان وجوبه الذاتي قطعاً، فإنَّ كانَ له وجوب فيه، كانَ ذلك الوجوب وجوبا بشرط المحمول أي: بشرط وجوده، وأنه لا يمتنع، أمَّا حال وقوعه أو قبله وفاقاً، فلو كانَ الوجوب بشرط المحمول مانعاً من التكليف، لم يكن المأمور مأموراً أصلاً، فثبت أن زمان الوقوع زمان إمكانه، فوجب أن يتناول الأمر إياه.
ومنها: أنه قبل المباشرة مشغول بالضد، فهو مكلف بترك الضد، فلا يكون مكلفاً بالفعل في تلك الحالة وإلا لاجتمع النقيضان، وكان تكليفاً بما لا يطاق، ولأنَّه لو كانَ كذلك لم يكن ممتثلاً إلا في مدة الحال وذلك محال، ولأن الله تعالى لا يكلف بشيئين في حالة واحدة، ولهذا قلنا عندَ كل جزء، هو مكلف به، وقبله وبعده ليس مكلفاً به؛ لأنَّه يلزم أن يكون مكلفاً بالشيء وضده في حالة واحدة، بل كلما انقضى جزء يقتضي تكليفه به، وكلما دخل في جزء كلف به إلخ، فإنَّ قلت: فعلى هذا لا يصح أن يعاقب على ترك الفعل بل على فعل الضد، قلنا: بل يعاقب على ترك الفعل وعدمه، صح ترك فعل الضد حين تحصيل المباشرة، فإنَّ قلت: ما فررت منه وقعت فيه، وهو أنه كيف يكون مكلفاً بالشيء وضده .
قلت: لا نسلم: بل هو في هذه الحالة، مكلف بالترك، وهو الإعدام فما كلف بشيءٍ آخر ولا يجيء (36 أ) هذا الإعدام إلا بالمباشرة من الفعل، وهذا جزء من الفعل الذي هو الواجب، ولا يقال: إن هذا مقدمة الواجب فصح قولهم: إن الأمر قبل المباشرة، محال.
ص: (فالملام قبلها على التلبس بالكف المنهي عنه).
ش: هذا جواب سؤال مقدر تقديره، أنه يلزم من القول بأنه لا يتوجه إلا عندَ
(1/298)

المباشرة سلب التكاليف، وأن المكلف لا يعطي بترك مأمور؛ لأنَّه إن أتى به كانَ ممتثلاً، وإن لم يأت به كانَ معذوراً لعدم التكليف.
وجوابه، أنه لا يلزم؛ لأنَّا نلومه على التلبس بالكف، والكف عندَنا فعل، وهو حرام، فقد باشر الترك، فتوجه عليه التكليف، فالحرمة حال مباشرة الترك، والعقاب ليس إلا على الترك، وهذا من النفائس، وقد أشار إليه إمام الحرمين في مسألة: تكليف ما لا يطاق.
ص: (مسألة: يصح التكليف ويوجد معلوماً للمأمور أثره معَ علم الآمر، وكذا المأمور في الأظهر انتفاء شرط وقوعه عندَ وقته، كأمر رجل بصوم يوم، علم موته قبله، خلافاً لإمام الحرمين والمعتزلة، أمَّا معَ جهل الآمر فاتفاق).
ش: المكلف به إذا كانَ وقوعه مشروطاً بشرط يتحقق انتفاؤه عندَ وقته، هل يصح التكليف به؟ أمَّا معَ العلم فله حالتان.
الأولى: أن يعلم الآمر انتفاءه دون المأمور، كأمر الله تعالى رجلاً بصوم غد، معَ علمه بموته قبله، فذهب الجمهور إلى أنه يصح، ومنعه إمام الحرمين والمعتزلة، ومنشأ الخلاف أن فائدة التكليف هل هي الامتثال فقط، أو
(1/299)

الابتلاء أيضاًً، فعلى الأولى لا يصح، وعلى الثاني يصح، ومن فوائده الفرعية: أن المجامع في نهار رمضان، إذا مات أو جن في أثناء النهار، هل يجب في تركته الكفارة فعلى الأول نعم، وعلى الثاني لا؛ لأنَّه لم يكن مأموراً للعلم بانتفاء شرط وقوعه عندَ وقته.
الثانية: أن يعلم المأمور انتفاء الشرط أيضاًً، وإليه أشار بقوله: (أولا) وكذا المأمور في الأظهر، فالمختار عندَ المصنف الصحة، وهذا مما خالف فيه الأصوليين، فإنَّهم أطبقوا على المنع، وفرقوا بينَهما بانتفاء فائدة التكليف ونقل الصفي الهندي عليه الاتفاق، إلا على رأي من يقول بتكليف مالا يطاق ومستند المصنف في خلافهم قول الفقهاء فيمن علمت أنها تحيض أثناء النهار: يجب عليها افتتاح النهار بالصوم قالَ: ويقرب منه وهو عكسه من نذر الصوم يوم قدوم زيد، وتبين أنه يقدم غداً، فنوى الصوم من الليل أجزأه عن نذره على الصحيح، ولم يقولوا: إنه يجب عليه، بل اختلفوا في الإجزاء كما رأيت ونظير عدم الوجوب فيه الوجوب في الحائض، قالَ: ولا يعكر على هذا أن الصحيح فيمن نذر الصيام يوم مقدم زيد، أنه يلزمه الصوم من أول اليوم، ويقال كما تبين بقدوم زيد في أثناء النهار وجوب الصوم
(1/300)

من أوله، فكذلك تبين نظيره بأن الحيض تحريمه من أوله؛ لأنَّا نقول: هذا التبين إنما هو بعد ظهور الوقت المقتضي في مسألة النذر، والمانع في مسألة الحيض وقبل ظهورهما لا أثر لهما سوى تحقق أنهما يظهران أم لا، فقد تبين تحقق التكليف علماً، وإن أمكن الاحترام قبل ذلك، ثمَّ إذا ورد العجز أو الموت أو النسخ لم يتبين أنه لم يكن مأموراً، بل نقول: انقطع التكليف (36 ب) قلت: وهذا الذي اختاره المصنف ولم ينقله عن أحد، قد ذكره الشيخ مجد الدين ابن تَيْمِيَّةَ في (المسودة الأصولية) فقال بعد ذكر الخلاف في الحالة: وينبغي على مساق هذا أن نجوزه، وإن علم المأمور أنه يموت قبل الوقت، كما تجوز توبة المجبوب من الزنا، والأقطع من السرقة، ويكون فائدته العزم على الطاعة بتقدير القدرة، قالَ: وليست هذه المسألة مبنية على تكليف خلاف المعلوم، ولا على تكليف ما لا يطاق، وإن كانَ لها به ضرب من التعلق، لكن تشبه النسخ قبل التمكن؛ لأنَّ ذلك رفع للحكم بخطاب، وهذا رفع للحكم بتعجيز وقد نبه
ابن عقيل على ذلك، وينبني على أنه قد يأمر بما لا يريد، انتهى.
وأما معَ جهل الآمر بعدم وقوع الشرط، كأمر السيد عبده بخياطة الثوب في الغد، فيصح بالاتفاق، كذا قاله المصنف تبعاً لابن الحاجب، لكن قالَ الصفي الهندي: في كلام بعضهم إشعار بخلاف فيه، إذا علمت هذا فقول المصنف: (ويوجد معلوماً
(1/301)

أثره) أي: التكليف، أي حالة اتصال الخطاب به، ولا يتوقف علمه بذلك على مضي زمن يمكن فيه الامتثال، وأتى بذلك لينبه على قصور عبارة المختصر، فإنَّه نصب الخلاف في الصحة، وهو في الحقيقة خلاف في تحقيق الوجوب على المكلف، ولهذا ترجم الأكثرون المسألة: أنه هل يعلم المأمور كونه مأموراً قبل التمكن من الامتثال أو لا، حتى يمضي عليه زمن الإمكان.
قال: فالفعل الممكن بذاته، إذا أمر الله به عبده فسمع الأمر في زمن لم يفهمه في زمن يليه، هل يعلم إذ ذاك أنه مأمور، معَ أن من الجائز أن يقطعه عن الفعل قاطع: عجز أو موت، أو يكون شاكاً في ذلك؛ لأنَّ التكليف مشروط بسلامة العاقبة وهو لا يتحققها؟ أصحابنا على الأول، فيرون تخفيفاً مستفاداً من صيغة الأمر، وإنما الشك من رافع يرفعه المستقر، والقوم على العكس، قالَ: ويلزمهم ألا يوجد منه عبادة لحصول الشك، فلا يصح لهم عمل، وأقول هنا مسألتان.
إحداهما: بالنسبة إلى المأمور، أن الأمر إذا اتصل به ولا مانع، فيعلم علماً قطعياً، أنه مأمور في الحال، وكذا في الأزمنة المستقبلة بشرط بقائه على صيغة التكليف، وقالت المعتزلة: لا يصح علمه بتوجه الأمر عليه إلا بعد الامتثال، أو مضي زمن يسعه معَ تركه.
الثانية: بالنسبة إلى الأمر، هل يصح ورود الأمر المقيد بشرط علم الآمر عدم وقوعه؟ وهي مبنية على ما قبلها، فمن قالَ: إن الآمر يعلم كونه مأموراً قبل التمكن، جوز وروده، ومن لم يقل به لم يَجُوزه إلا أن الخلاف هنا لا يختص بما علم عدم وقوعه، بل يجري خلاف المعتزلة في المعلوم الوقوع أيضاًً، فحاصل مذهبهم: إحالة تصور الأمر بشرط في حق الله تعالى، سواء علم وقوعه، أو عدم وقوعه، فظهر بذلك قصور عبارة ابن الحاجب والمصنف وغيرهما، حيث ترجموا المسألة ببعض أفرادها، فأوهموا موافقتهم في معلوم الوقوع، ولزم من ذلك نسبة ابن الحاجب للتناقض حيث ادعى الإجماع في خلاف المعلوم، أنه يصح التكليف به، وهنا حكى الخلاف
(1/302)

فيه، وسلم المصنف في شرحه السؤال، وجمع بينَهما بما لا يشفى (37 أ) وإذا عرفت حقيقة المسألة، زال الاضطراب فإنَّها ليست موضوعة فيما علم انتفاء شرط وقوعه، بل في أنه هل يصح تكليف الله عبده بشرط أم لا؟ فالمعتزلة يقولون: إن ذلك محال سواء علم وقوعه أو علم عدم وقوعه؛ لأنَّه معَ العلم بالوقوع لا يكون شرطاً وإلا لكان ذكره عبثاً، ومع العلم بعدم الوقوع، لا يكون أمراً إلا على رأي بعض من يَجُوز تكليف ما لا يطاق، وقول المصنف: يلزمهم بطلان العبادات لعدم الجزم، فغير لازم؛ لأنَّ الشك ليس في نفس العبادة، بل في بقائه إلى فراغها، وساغ له الإقدام عليها معَ ذلك استصحاباً بالأصل السلامة، ولهذا قالَ أبو الحسين في (المعتمد): قالَ أصحابنا: إنما يجب التأهب للصلاة لثبوت أمارة بقائه سالماً إلى وقتها فوجب عليه لهذه الأمارة التحرز من ترك ما لا يؤمن وجوبه.
ص: (خاتمة: الحكم قد يتعلق بأمرين على الترتيب، فيحرم الجمع أو يباح أو يسن).
ش: مثال الأول: أكل المذكى والميتة لعذر الاضطرار المبيح للميتة، ومثال الثاني: الوضوء والتيمم، كذا قالَ في (المحصول) وغلط، فإنَّ التيمم معَ وجود الماء لا يصح، والإتيان بالعبادة الفاسدة حرام، وإن استعمله لا على قصد العبادة فلا يكون تيمماً وقالَ القرافي: مراده صورة التيمم، أمَّا التيمم الشرعي المبيح
(1/303)

للصلاة، فلا تتصور حقيقته معَ الوضوء؛ لأنَّه حينئذ غير مشروع، قلت: ويمكن تصويره على رأي ابن سريج في الماء المختلف في طهوريته كالمستعمل والنبيّذ، الذي يَجُوز أبو حنيفة الطهارة به، فإنَّه نص في كتاب الودائع على أنه يتوضأ به ويتيمم خروجاً من الخلاف ومثله قول أبي حنيفة في سؤر الحمار: إن لم يجد غيره توضأ به وتيمم.
(1/304)

ومثال الثالث: خصال الكفارة المرتبة، كذا قالَ في (المحصول) وفي كون الجمع بينها سنة يحتاج إلى دليل، ولم يذكره الفقهاء، بل في تصويره نظر، فإنَّه إذا كفر بالعتق مثلا ثمَّ صام، فقد سقطت الكفارة بالأولى، فلا ينوي بالثانية الكفارة لعدم بقائها عليه، وينبغي أن يكون على الخلاف فيما إذا بطل الخصوص هل يبطل العموم؟
ص: (وعلى البدل كذلك).
ش: أي هذه الأشياء كما تكون في المرتب تكون في المخير، ومثل الإمام وغيره، المحرم الجمع: تزويج المرأة من كفأين والمباح: ستر العورة بثوبين، والمندوب: بالجمع بينَ خصال كفارة الحنث، وفيه ما سبق في الكفارة المرتبة.

[الكتاب الأول: في الكتاب]
ص: (الكتاب الأول: في الكتاب ومباحث الأقوال: الكتاب: القرآن، والمعني به هنا: اللفظ المنزل على مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للإعجاز بسورة منه، المتعبد بتلاوته).
ش: لما كانَ الكتاب أصلاً لسائر الأدلة الشرعية، قدم البحث عنه على البحث عن سائرها، والألف واللام فيه للغلبة؛ لأنَّ المراد به الذي يتعارفه المسلمون، المقابل للسنة، فيقال: الكتاب والسنة، فقوله: (الكتاب القرآن) هو قولنا:
(1/305)

الإنسان البشر، والقمح البر، وقوله: (والمعني) إشارة إلى أن القرآن يطلق تارة ويراد به مدلول اللفظ، وهو المعنى القائم بالنفس، وذلك محل نظر المتكلمين وأخرى ويراد به الألفاظ الدالة على ما في النفس، قالَ تعالى: {فأجره حتى يسمع كلام الله} والمسموع هو العبارات، وهذا محل (37 ب) نظر الأصوليين والفقهاء والنحاة وغيرهم، فقوله: (اللفظ) كالجنس، فيخرج به النفسي، وإنما عبر به دون القول، وإن كانَ القول أخص من اللفظ فإنَّه لا يتناول غير المستعمل لأنَّ القصد هنا التنصيص على أن البحث عن الألفاظ، ولو أتي بالقول لم يفهم ذلك، وقوله: (المنزل) فصل أول، يخرج اللفظ غير المنزل، وقوله: (على مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فصل ثان، يخرج المنزل على غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، و (للإعجاز)، فصل ثالث، يخرج المنزل لا للإعجاز كالأحاديث، كذا قالُوا، وساعدهم قول الحليمي في المنهاج: علوم القرآن توجد في السنة إلا الإعجاز، فإنَّه من خصائص الكتاب، ولهذا جوزوا رواية الحديث بالمعنى، وينبغي أن يكون مرادهم: أن
(1/306)

الأحاديث لم تنزل للإعجاز، أي لقصده، فإنَّها لا تخلو عنه، كيف وهو القائل: ((أوتيت جوامع الكلم)) وبذلك يؤول قول الحليمي، وقوله: (بسورة منه) من تتمة الفصل الثالث، وهو بيان للواقع لا الإخراج، والمعنى فيه: أن الإعجاز واقع بسورة منه، فلو أطلق (المنزل للإعجاز) لأوهم أن الإعجاز بكله، وليس كذلك، ولا ينبغي أن يتوهم أنه فصل رابع يخرج ما نزل للإعجاز، ولكن لا بسورة منه، فإنَّ ذلك لم يوجد، أعني كلاماً نزل للإعجاز على مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا بسورة منه، و (المتعبد
بتلاوته) فصل رابع يخرج منسوخ التلاوة، مثلا، وقوله: (بسورة) يقتضي أنها أقل ما وقع التحدي به، لقوله تعالى: {فَاتُوا بِسُورَةٍ مثله} لكن قوله تعالى: {فليأتوا بحديث مثله} يقتضي الإعجاز بآية.
(1/307)

ص: (ومنه البسملة في أول كل سورة غير (براءة) على الصحيح).
ش: هي آية من أول الفاتحة بلا خلاف عندَنا، وكذا فيما عداها من باقي السورة سوى (براءة) على أظهر قولي الشافعي، والثاني: ليست من القرآن بالكلية ونسبه بعضهم للأئمة الثلاثة، وهو مقابل الصحيح في كلام المصنف، وعمدتنا ثبوتها في شواذ المصحف أول كل سورة، وأجمع الصحابة على أنه لا يكتب في المصحف ما ليس بقرآن، وأن ما بينَ الدفتين كلام الله تعالى، قاله القاضي الحسين، والغزالي، والنَّوَوِيّ، وغيرهم، وهو أحسن الأدلة، وإذا قلنا بأنها من القرآن، فالمشهور أنها آية كاملة، وفي قول: بعض آية، وحكى ابن الرفعة وجهاً، إن كانَ الحرف الأخير من السورة قبله ياء ممدودة كالبقرة، فالبسملة آية كاملة منها،
(1/308)

وإن لم يكن ك {اقتربت الساعة} فبعض آية، وعلم من قوله: (أول كل سورة) أنها آية منها، والمخالف فيه أبو بكر الرَّازِيّ، من الحنفية إلى أنها آية مفردة، أنزلت للفصل بينَ السور، حكاه عنه ابن السمعاني في (الاصطلام) وسيأتي عن رواية الرَّبِيع، عن الشافعي ما يقتضيه، نعم ظاهر كلام المصنف يقتضي أنها من القرآن على سبيل القطع كسائر القرآن، وهو وجه مرجوح، حكاه الماوردي والإمام وغيرهما، قالَ الماوردي: والجمهور على أنها آية حكماً لا قطعاً لاختلاف العلماء فيها، ومعنى حكماً: أنه لا تصح الصلاة إلا بها في أول الفاتحة، وضعف الإمام قول من قالَ: إنها قرآن على سبيل القطع، وقالَ: هذه غباوة عظيمة من قائله؛ لأنَّ ادعاء العلم حيث لا قاطع، محال، وصحح النَّوَوِيّ أنها قرآن على سبيل الحكم،
(1/309)

واستدل إلى أنه لا يكفر (38 أ) بالإجماع، ولو كانت على سبيل القطع لكفر، وبنوا على هذا الخلاف أنه هل يقبل في
إثباتها خبر الواحد؟ إن قلنا: آية حكماً فنعم كسائر الأحكام، وإن قلنا: قطعاً، فلا كسائر القرآن، وكان شيخنا بهاء الدين بن عقيل رَحِمَه اللهُ تعالى يقول: الذي يظهر أن إثباتها قرآناً لا يكون إلا بقاطع كغيرها، ويَجُوز كونه خبر الواحد الذي احتفت به القرائن وهو إجماعهم على كتبها في المصاحف كلها بقلم القرآن، وعدم تكفيرنا فيها لكون القطع ناشئاً عن ثبوت الخبر المحتف بالقرائن، وهذا لم يحصل للنافي، على أن العمراني حكى في زوائده عن صاحب (الفروع) أنا إذا قلنا: إنها من الفاتحة قطعاً كفرنا نافيها، وفسقنا تاركها، ولكن المعروف الأول، قالَ ابن السمعاني: وقولهم: لو كانت قرآنا لنقلت بدليل يفيد القطع مردود؛ لأنَّا نريد بكونها من القرآن في رأس كل سورة عملاً لا علماً، ونظيره الحجر هو من البيت بدلائل لا توجب العلم، بل توجب العمل، وهو الطواف عليه، وسائر الكعبة قبلة بدليل مقطوع يوجب العلم، وبهذا التقرير يندفع الإشكال،
(1/310)

ويرتفع خيال القاضي في قطعه بتخطئة من جعلها من القرآن؛ لأنَّه لا يثبت إلا بقاطع، وهو مفقود لأنَّه بان مراد المثبت بكونها قرآناً، وتزول الشبهة في التكفير من الجانبين، وهو من أجل ما يستفاد في هذا الموضع، ومن الفوائد ما حكاه ابن خالويه في (الطارقيات) عن الرَّبِيع بن سليمان، سمعت الشافعي يقول: أول الحمد بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وأول البقرة الم).
ولهذا وجه حسن، وهو أن البسملة لما ثبتت أولاً في سورة الفاتحة فهي من السور إعادة لها وتكرار، فلا تكون من تلك السورة ضرورة، فلا يقال: هي آية من أول كل سورة، بل هي آية في أول كل سورة.
ص: (لا ما نقل آحاداً على الأصح).
ش: حكاية الخلاف في هذا على الإطلاق لم أره في شيء من كتب الأصول معَ كثرة التتبع، وابن الحاجب وإن أشار إلى الخلاف فيها، حيث أفردها بمسألة، ونصب فيها الأدلة، لكن ظهر أن مقصوده فيها البسملة بخصوصها، وأنها ليست من
(1/311)

القرآن، وأما المصنف فغاير بينهما، وأفهم أن البسملة من القرآن بالتواتر لا بالآحاد، وقد سبق ما فيه، والحق أن ثبوت ما هو من القرآن بحسب أصله لا خلاف في شرط التواتر فيه، وأما بحسب محله ووضعه وترتيبه، فهل يشترط فيه التواتر، أم يكفي فيه نقل الآحاد؟ هذا الذي يليق أن يكون محل الخلاف، ثمَّ رأيت الخلاف مصرحاً به في كتاب (الانتصار) للقاضي أبي بكر، فقال ما نصه: وقالَ قوم من الفقهاء والمتكلمين: يَجُوز إثبات قراءات وقراءة حكماً لا علماً بخبر الواحد دون الاستفاضة، وكره أهل الحق ذلك وامتنعوا منه انتهى، ولا تتخيل من إفراد الأَئِمَّة كتباً في القراءات الشواذ أنها ملحقة عندَهم بالقرآن، بل إنما فعلوا ذلك لفوائد: منها ما يتعلق بعلم العربية، ومنها الاستشهاد بها في تفسير القرآن، وعلى هذا اقتصر ابن عبيد في كتاب فضائل القرآن، فقالَ: القصد من القراءة الشاذة تفسير القراءة (38 ب) المتواترة، وتبين معناها، وذلك كقراءة عَائِشَة {والصلاة
(1/312)

الوسطى} (وصلاة العصر) وقراءة سعد، {وله أخ أو أخت} (من أم) وإذا كانوا يرجعون لأقوال التابعين في التفسير فما ظنك بالصحابة؟
ص: (والسبع المتواترة، قيل: فيما ليس من قبيل الأداء، كالمد، والإمالة، وتخفيف الهمزة، قالَ أبو شامة: والألفاظ المختلف فيها بينَ القراء).
ش: أمَّا كون السبع متواترة، فمما أجمع عليه من يعتد به، بشرط صحة إسناده إليهم؛ لأنَّها لو لم تكن متواترة لكان بعض القرآن غير متواتر، واللازم باطل وتشعب بعض المتأخرين، وقالَ: لا شك في تواترها عن الأَئِمَّة السبعة، وأما
(1/313)

بأسانيدهم عن النبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهي أخبار آحاد كما يعرف من طرقهم، وجوابه: لعلها كانت متواترة فيما بينهم، واقتصروا على بعض الطرق، ولا يلزم من عدم النقل ألا يكون كذلك، وقوله: (قيل) يشير به إلى ما ذكره ابن الحاجب، وإنما أورده بصيغة التمريض؛ لأنَّه وإن وافقه في استثناء ما ليس من قبيل الأداء، لكن لا يوافق في التمثيل، فإنَّ أصل المد والإمالة متواتر بلا شك، وإنما اختلف القراء في اختياراتهم، فمنهم من رآه طويلاً، ومنهم من رآه قصيراً، ومنهم من بالغ في القصر، فمنهم من تزايد، حمزة وورش بمقدار ست ألفات، وقيل خمس، وقيل أربع، وصححوه، وعن
(1/314)

عاصم: ثلاث، وعن الكِسَائِيّ ألفين ونصف، وعن قالون: ألفين وعن السوسي:
(1/315)

ألف ونصف) وقالَ الداني في التيسير: أطولهم مداً في الضربين جميعاً يعني المتصل والمنفصل ورش وحمزة، ودونهما عاصم ودونه ابن عامر والكِسَائِيّ ودونهما أبو عمرو من طريق أهل العراق فهذه الأمارات والطرق في كيفية التلفظ بالمد ليست متواترة، ولهذا كره أحمد رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قراءة حمزة لما
(1/316)

فيها من طول المد وغيره، ولو كانت متواترة لما كره.
وأما الإمالة فقسمان: محضة، وهي أن ينحو بالألف إلى الياء، وبالفتحة إلى الكسرة، وبين بين، وهي كذلك إلا أن الألف والفتحة أقرب، وهي أصعب الإمالتين، وهي المختارة عندَ الأَئِمَّة، فلا شك في تواتر الإمالة، وإنما اختلفوا في كيفيتها مبالغة وقصداً، فهذا هو الذي لا تواتر فيه، وكذلك تخفيف الهمز، أصله متواتر، وإنما الخلاف في كيفيته، وأما الألفاظ المختلف فيها بينَ القراء، فهي ألفاظ قراءة واحدة، والمراد تنوع القراء في أدائها، ولذلك، قالَ: وألفاظ القراء: ولم يقل: القراءات، ومثاله: أن منهم من يرى المبالغة في تشديد الحرف المشدد، فكأنه زاد حرفاً، ومنهم من لا يرى ذلك، ومنهم من يرى الحالة الوسطى فهذا الذي ادعى أبو شامة عدم تواتره وتوقف فيه المصنف، وقالَ: الظاهر تواترها، فإنَّ اختلافهم ليس
(1/317)

إلا في الاختيار، ولا يمنع قوم قوماً، فقول ابن الحاجب: فيما ليس من قبيل الأداء لو اقتصر عليه لأمكن حمله على ادعاء التواتر في المد والإمالة بالمعنى السابق، لكنه لما مثل بهما دل على أن مراده أصل المد والإمالة، فلا يمكن رده إلى ما قررناه إلا بتأويل، بأن يقال: المراد بالمد كيفية (39 أ) المد، وكذلك الإمالة، لكنه يعكر عليه قراءته بتخفيف الهمز.
ص: (ولا تجوز القراءة بالشاذ).
ش: حكى ابن عبد البر فيه الإجماع قالَ النَّوَوِيّ في (شرح المهذب): لا
(1/318)

في الصلاة ولا في غيرها، لكن عبارة الرافعي: يسوغ القراءة بالسبع، وكذا القراءة بالشاذة إن لم يكن فيها تغيير معنى، ولا زيارة حرف ولا نقصانه، وكلام النَّوَوِيّ في (شرح المهذب) يفهمه أن الرافعي لم يتكلم إلا في الصحة لا في الجواز.
ص: (والصحيح أنه ما وراء العشرة، وفاقاً للبغوي والشيخ الإمام، وقيل: ما وراء السبعة).
ش: السبعة معروفة، والمراد بالثلاثة الزائدة: قراءة يعقوب وخلف
(1/319)

وأبي جعفر يزيد بن القعقاع وهذه لا تخالف رسم السبع فمن الناس من عدها من الشواذ، ورجح المصنف التحاقها بالسبع، قالَ: والقول بأنها غير متواترة في غاية السقوط، ولا يصح القول به عمن يعتبر قوله في الدين، وما حكاه عن البغوي فالذي رأيته في أول تفسيره، التعرض لاثنين، فقالَ: وقد ذكر الأَئِمَّة السبعة، ثمَّ زاد، وأبو جعفر ويعقوب، ثمَّ قالَ: فذكرت قراءة هؤلاء للاتفاق على جواز القراءة
(1/320)

بها، هذا لفظه، نعم، قالَ الشيخ أثير الدين أبو حيان وكان من أئمة هذا الشأن: لا نعلم أحداً من المسلمين حظر القراءة بالثلاثة الزائدة على السبع، بل قرئ بها في سائر الأمصار.
ص: (أما إجراؤه مجرى الآحاد، فهو الصحيح).
ش: ضمير (إجراؤه) يرجع إلى الشاذ، والمراد بإجرائه مجرى الآحاد، في الاحتجاج به؛ لأنَّه بطل خصوص كونه قرآناً، لفقد شرطه وهو التواتر فبقي عموم كونه خبراً، كذا وجهوه، وهو يقتضي أن الخلاف فيما إذا صرح برفعه إلى النبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لكن الشافعي أطلق في (البويطي) الاحتجاج بالقراءة الشاذة، وتابعه جمهور الأصحاب، ولهذا احتجوا في إيجاب قطع اليمين من السارق بقراءة ابن مَسْعُودٍ
(1/321)

(فاقطعوا أيمانهما) ومقابل الصحيح قوله: إنه ليس بحجة، واختاره ابن الحاجب، وأغرب إمام الحرمين في (البرهان) فعزاه للشافعي، مستنبطاً له من عدم إيجابه التتابع في صوم كفارة اليمين، معَ علمه بقراءة ابن مَسْعُودٍ، وهذا لا يدل، فإنَّ الشافعي في الجديد أجراها مجرى التأويل، ولم يثبت عندَه أنه قالَ على أنه قرآن، نعم، ذكر الماوردي في تفسيره أن الشافعي إنما أوجب التتابع في أحد قوليه، لأجل قراءة ابن
(1/322)

مَسْعُودٍ، فإنَّ صح ذلك كانَ في المسألة قولان.
ص: (ولا يَجُوز ورود ما لا معنى له في الكتاب والسنة خلافاً للحشوية).
ش: فإنَّهم قالُوا: يَجُوز ذلك، بل هو واقع مثل {كهيعص} ونحوها من الحروف المتقطعة أوائل السور، ومثل: {كأنه رؤوس الشياطين} والصحيح أن ذلك ممتنع، إذ اللفظ بلا معنى له، هذيان لا يليق بعاقل، فكيف الباري سُبْحَانَهُ وتَعَالَى وأما هذه الحروف فالصحيح أنها أسماء للسور، وأما (رؤوس الشياطين) فإنَّ العرب عادتها ضرب الأمثال بما يتخيلونه قبيحاً ومستهجناً، وحكى ابن برهان في (الوجيز) القولين، ثمَّ قالَ: والحق التفصيل بينَ الخطاب الذي يتعلق به تكليف، فلا يَجُوز أن يكون (39 ب) غير مفهوم المعنى، وما لا يتعلق به تكليف فيَجُوز، فتحصل ثلاثة مذاهب.
تنبيهات: الأول: إلحاق الحديث ذكره صاحب (المحصول) وقالَ الأصفهاني في شرحه: لم أره لغيره.
(1/323)

الثاني: أن خلاف الحشوية فيما له معنى لكن لم نفهمه، كالحروف المقطعة وآيات الصفات، وقالوا: لا طريق لدركها أصلاً؛ لأنَّ موجب العقل فيه خالف موجب السمع، ولا يمكن رد إحداهما فأشبه الأمر حتى سقط طلب المراد منه، أمَّا ما لا معنى له أصلاً فاتفاق العقلاء، لا يَجُوز وروده في كلام الله نعم، كلام صاحب العهد يفهم أن الخلاف في أنه هل يَجُوز أن يتكلم الله بشيءٍ ولا يعني به شيئاً؟ وهو بعيد.
الثالث: كثر على الألسن فتح الشين من الحشوية، قالَ ابن الصَّلاَحِ: وهو غلط، وإنما هي بالإسكان، وجوز غيره الفتح؛ لأنَّهم كانوا يجلسون أمام الحسن البصري في حلقته فلما أنكر خلافهم قالَ: ردوا هؤلاء إلى حشا الحلقة، أي: إلى جانبها.
ص: (ولا ما يعنى به غير ظاهره إلا بدليل، خلافاً للمرجئة).
ش: قالَ المرجئة: يَجُوز أن يكون في كلام الله ما المراد به غير ظاهره من غير بيان، والصحيح أن ذلك لا يَجُوز؛ لأنَّ اللفظ بالنسبة إلى غير ظاهره لا يدل عليه
(1/324)

فهو كالمهمل، واحترز (بالدليل) عن جواز ورود العموم وتأخير الخصوص ونحوه ولو قالَ: (فيهما) لكان أدل على مراده في الكتاب والسنة، وقد قالَ الشافعي في (الرسالة) وكلام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ظاهره.
ص: (وفي بقاء المجمل غير مبين، ثالثها: الأصح لا يبقى المكلف بمعرفته).
ش: اختلفوا هل في القرآن مجمل لا يعرف معناه بعد وفاة النبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فمنعه بعضهم؛ لأنَّ الله تعالى أكمل الدين، وقالَ آخرون بإمكانه، وفصل إمام الحرمين، فجوزه فيما لا تكليف فيه، ومنعه فيما فيه التكليف خوفاً من تكليف ما لا يطاق، والظاهر أن هذا تنقيح للقول الثاني لا مذهب ثالث مفصل.
ص: (والحق أن الأدلة النقلية قد تفيد اليقين بانضمام تواتر أو غيره).
ش: الأدلة النقلية هل تفيد اليقين؟ فيه مذاهب، أحدها تفيده مطلقاً ونقله الآمدي في (الأبكار) عن الحشوية قالَ: حتى بالغوا وقالوا: لا يعلم شيء بغير الكتاب والسنة، والثاني أنها لا تفيده مطلقاً، لتوقف النفس فيها على أمور غير متيقنة، وما توقف على غير اليقين فليس بمتيقن، قالُوا: ولا يحصل اليقين إلا بأمور لا طريق إلى القطع إلا بها أحدها: عصمة رواة مفردات ألفاظها إن نقلت بطريق الآحاد، وإلا فيكفي التواتر، وثانيها: صحة إعرابها وتصريفها: وثالثها: عدم الاشتراك فيها والمجاز، والتخصيص، والإضمار، والتقديم، والتأخير ونحوها مما
(1/325)

يوجب حمل اللفظ على غير المعنى الظاهر منه بانفراده، والاحتمال معَ اليقين متضادان ورابعها: عدم التعارض العقلي، فمتى وجدت هذه الأمور أفاد الدليل اللفظي اليقين، لكن ذلك قلما يوجد، بل ربما يمتنع وجوده، بناء على أنه لا عصمة لغير الشارع، وإن انتفى بعضها لم يفد؛ لأنَّه إن انتفت عصمة الناقل جاز عليه التحريف، وقد وقع كثيراً، وحينئذ فلا يوثق به فلا يفيد الظن (40 أ) فضلاًَ عن اليقين، وإن اختلف الإعراب أو التصريف وقع اللبس لأنَّ الإعراب هو المصحح للمعاني؛ وذلك كاختلاف أهل السنة والشيعة في قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((ما تركنا صدقة)) برفع صدقة ونصبها، واختلاف أهل السنة والقدرية في قَوْلِهِ عليه السلام: ((فحج آدم موسى)) في رفع (آدم) ونصبه، واختلاف الحنفية والشافعية في قَوْلِهِ: ((ذكاة الجنين ذكاة أمه)) في رفع (ذكاة) ونصبه، وكتردد نحو: مختار ومنقاد بينَ اسم الفاعل والمفعول، وأما الاشتراك وما بعده فظاهر إخلاله بالوثوق بدلالة اللفظ، وأما المعارض العقلي فيجب عندَهم تقديمه؛ لأنَّ الدليل العقلي إنما ثبت به، فلو قدم النقلي لكان قدحاً في الأصل والفرع، الثالث وهو الحق: أن الدليل اللفظي إن وجدت فيه الأمور الأربعة أفاد اليقين باتفاق، وإن لم يوجد، فقد يقترن
(1/326)

بمحسوس، وهو اختيار
الآمدي في (الأبكار) والإمام في (المحصول) و (الأربعين) فإنَّه حكى أنه لا يفيده، ثمَّ قالَ: وهذا على إطلاقه ليس بصحيح؛ لأنَّه ربما اقترنت بالدلائل النقلية أمور عرف وجودها بالأخبار المتواترة، وتلك الأمور تنفي هذه الاحتمالات، وحينئذ تكون مفيدة اليقين، انتهى، وبه يعلم غلط من نقل عنه اختيار المنع مطلقاً، نعم كلامه في المعالم يقتضيه، وأشار الشيخ نجم الدين الطوفي إلى أن الخلاف لفظي، فإنَّ ما احتجنا فيه إلى اليقين فقد قرر القرآن نواهيه العقلية كأدلة التوحيد والمعاد وغيرهما، وما عدا ذلك فهو عندَنا من الاجتهاديات، والأدلة اللفظية تفي بإثباته، وإن لم تفد اليقين فاندفع عنا إفادة الدليل اللفظي اليقين أم لا؟ والظاهر أن الخلاف معنوي، ومن فوائده: إذا تعارض السمع وما أدركه العقل من أحكام العقائد، فأيهما يقدم؟ وستأتي هذه المسألة في باب الأخبار إن شاء الله تعالى، وقسم بعض المتأخرين تقسيماً حسناً إلى: نقلية، وغير نقلية، فغير النقلية ثلاثة أضرب: ما اتفق على أنه قطعي، وهو الإجماع المُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وما اتفق على أنه ظني كالاستصحاب، وشرع من قبلنا إذا قلنا بحجيتهما وكذلك دلالة الإشارة والتنبيه ومفهوم المخالفة بأنواعه، وما اختلف فيه كالقياس الجلي ومفهوم الموافقة، وأما النقلية والمراد بها الكتاب والسنة فهي على أربعة أضرب: أحدها ما هو قطعي السند والمتن كالآيات الصريحة، والأحاديث المتواترة المجمع على أن المراد بها مدلولاتها.
وثانيها: ما هو ظنيهما، كأخبار الآحاد التي لم يقترن بسندها شيء مما قيل:
(1/327)

إنه يفيد العلم، وليست متونها نصوصاً في مواردها.
وثالثها: قطعي السند ظني المتن، كالآيات العامة والمطلقة التي دخلها التخصيص أو التقييد.
ورابعها: عكسه، كأخبار الآحاد التي متونها نصوص لا تحتمل غير مدلولها، ولم يقترن بسندها شيء مما قيل: إنه يفيد العلم، فهذه الأربعة قطعها وظنها مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، ووراءه ضربان: أحدهما: ما اختلف في متنه: قطعي أو ظني، كالعام الذي لم يخص، فإنَّ مذهب الحنفية أن دلالته على أفراده بطريق النصوص فتكون نقلية، وعندنا (40 ب) بطريق الظهور بأنها ما اختلف في سنده، هل يفيد القطع أو الظن؟ كالخبر المحتف بالقرائن، والذي تلقته الأمة بالقبول، واتفقوا على العمل به.

باب المنطوق والمفهوم.
ص: (المنطوق والمفهوم).
ش: لما كانَ الاستدلال بالقرآن لكونه عربياً، يتوقف على معرفة أقسام اللغة شرع في سردها، وهي تنقسم باعتبارات.
فباعتبار المراد من اللفظ إلى: منطوق، ومفهوم.
وباعتبار دلالة اللفظ على الطلب بالذات: إلى أمر ونهي.
وباعتبار دلالته على عوارض مدلوله من كونها محصورة، تنقسم إلى: عام، وخاص، ومطلق ومقيد.
وباعتبار كيفية دلالتها من خفاء وجلاء إلى: مجمل ومبين.
وباعتبار دلالته على ارتفاع الأحكام وبقائها إلى: ناسخ ومنسوخ.
وقد ذكرها المصنف على هذا الترتيب، ولا يخفى ما فيه من المناسبة، فإنَّ معنى
(1/328)

اللفظ سابق على كل شيء، وكما أن النسخ أمر خارجي عن اللفظ، تأخر عن الجميع، وتقديم الأمر على العام تقديم ما بالذات على ما بالعرض، وظهر بهذا أن تأخير ابن الحاجب المنطوق، ليس بمناسب.
ص: (المنطوق ما دل عليه اللفظ في محل النطق).
ش: أي ما دل عليه بغير واسطة أخرى، كتحريم التأفيف الذي دل عليه قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} ولهذا خصوه باسم المنطوق؛ لأنَّه فهم من دلالة اللفظ قطعاً، فخرج المفهوم، فإنَّ دلالة اللفظ عليه لا في محل النطق بل في محل السكوت، كتحريم الضرب الذي يدل عليه قوله: {فلا تقل لهما أف}.
ص: (وهو نص إن أفاد معنى لا يحتمل
(1/329)

غيره كزيد، ظاهر إن احتمل مرجوحاً كالأسد).
ش: ينقسم المنطوق إلى: نص، وظاهر، فالنص، ما أفاد معنى لا يحتمل غيره، كزيد، لدلالته على الشخص بعينه، وهذا أحسن حدوده، سمي بذلك، لارتفاعه على غيره من الألفاظ في الدلالة، من قولهم: نصت الظبية جيدها إذا رفعته، ومنها منصة العروس، لكن عود الضمير في كلام المصنف إلى المنطوق يقتضي أن مفهوم الموافقة لا يسمى نصاً، وإن قلنا: دلالته لفظية، وليس كذلك، ثمَّ كانَ التقييد حقه: بخطاب واحد، ليخرج المجمل معَ المبين، فإنَّهما وإن أفادا معنى ولا يحتملان غيره لكنهما ليسا بخطاب، فلا يسميان نصاً، واعلم أن النص يطلق بثلاث اعتبارات.
إحداها: مقابل الظاهر، وهو المراد هنا.
والثاني: ما يدل على معنى قطعاً ويحتمل معه غيره، كصيغ العموم، فإنَّ
(1/330)

دلالتها على أصل المعنى قطعية، وعلى الأفراد ظاهرة، كما سيأتي.
والثالث: ما دل على معنى ظاهر، وهو غالب في استعمال الفقهاء، كقولهم: نص الشافعي على كذا، وقولهم: لنا النص والقياس، يريدون بالنص، الكتاب والسنة مطلقاً.
وقوله: (ظاهر إن احتمل مرجوحاً) أي: حد الظاهر: ما أفاد معنى معَ أنه يحتمل غيره احتمالاً مرجوحاً، فقوله: (يفيد معنى) كالجنس يتناول الحقائق
(1/331)

الثلاثة منفردة كانت أو مشتركة، والمجازات الغير الراجحة، وتبقي الحقائق المنفردة والمجازات الراجحة، إذ اللفظ ظاهر بالنسبة إلى المجاز الراجح دون الحقيقة المرجوحة، كالأسد فإنَّ دلالته على الحيوان (41 أ) أرجح من دلالته على الرجل الشجاع، والمراد بالظاهر ما يتبادر الذهن إليه إما لكونه حقيقة لا يعارضها مقاوم لها، أو لكونه مجازاً مشتهراً، صارَ حقيقة عرفية، وكذا إن لم يصر عندَ من يرجحه على الحقيقة المهجورة.
ص: (واللفظ إن دل جزؤه على جزء المعنى فمركب وإلا فمفرد).
ش: المراد باللفظ الذي هو مورد القسمة، الموضوع لمعنى، واستغنى عنه بقوله: على جزء المعنى، وإنما قدم تعريف المركب على المفرد؛ لأنَّ التقابل بينَهما تقابل العدم والملكة، والأعلام إنما تعرف بملكاتها، والحاصل أن المركب ما دل
(1/332)

جزؤه على جزء المعنى المستفاد منه، سواء كانَ في تركيبه إسناد كقام زيد، أو تركيب مزج كخمسة عشر أو إضافة كغلام زيد، وقد أورد عليه حيوان ناطق إذا جعل علماً لإنسان، فإنَّه مفرد معَ أن جزءه يدل على جزء معناه، ولهذا زاد فيه بعضهم: حين هو جزء، ومنع آخرون إيراده، فإنَّ التلفظ به حال كونه علماً، لا يقصد شيئاً من جزئيه بقيد الوحدة، بل قصده المجموع، فلا فرق بينه وبين عبد الله، العلم مثلاً، وقوله: (إن دل جزؤه) أي: كل واحد من أجزائه؛ لأنَّ اسم الجنس المضاف يعم، ولا يعد (ز) جزء من زيد قائم، ولا يدل على جزء المعنى؛ لأنَّ المراد بالجزء ما كانَ بغير واسطة، وجزء (ز) لزيد قائم بواسطة كونه خبراً لزيد الذي هو جزء لزيد قائم، فلا يرد نقضاً، والمراد بجزئيه، ما صارَ به اللفظ مركباً كزيد وحده، وقائم وحده.
وقوله: (وإلا فمفرد) أي: وإن لم يدل جزؤه على جزء المعنى فهو المفرد، فيشمل مالا جزء له أصلاً كباء الجر، وما له جزء لكن لا يدل على معنى كرجل، فإنَّ أجزاءه وهي حروفه الثلاثة، إذا أفرد شيء منها لا يدل على شيء مما دلت عليه جملته، بخلاف قولنا: غلام زيد، فإنَّه مركب؛ لأنَّ كلا من جزئيه وهما غلام وزيد دال على جزء المعنى الذي دل عليه جملة غلام زيد، وبعض المتأخرين من المناطقة ثلث القسمة وقالَ: إما ألا يدل جزؤه على شيء أصلاً فالمفرد، أو يدل على شيء فإنَّ كانَ على جزء معناه فالمركب، أو لا على جزء معناه فالمؤلف، والمشهور أن المؤلف والمركب واحد.
(1/333)

ص: (ودلالة اللفظ على معناه مطابقة وعلى جزئه تضمن، ولازمة الذهني التزام).
ش: الدلالة تنحصر في المطابقة والتضمن والالتزام؛ لأنَّ اللفظ إما أن يدل على معناه الموضوع له أم لا، والأول المطابقة كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق، والثاني إما أن يدل على جزء مسماه أو خارج عنه، والأول التضمن كدلالته على الحيوان وحده وعلى الناطق وحده، والثاني الالتزام، كدلالته على الكاتب أو الضاحك، سميت الأولى مطابقة لتطابق اللفظ والمعنى، والثانية تضمناً لتضمن
(1/334)

الكلام لجزئيه، والثالثة التزاماً لما فيها من الاستلزام، ولم يقيد المصنف المعنى بالتمام أو الكمال كالمختصر والمنهاج للتنبيه على أنه غير محتاج إليه عندَه؛ لأنَّهما إنما احترزا به عن جزء المسمى، ولا شك أن جزء المسمى ليس نفس المسمى، لكن كلام ابن الحاجب في المنتهى يدل على أنه إنما احترز به عن الدلالة إذا أريد بها نفس اللفظ، مثل زيد مبتدأ لأنَّها ليست دلالته في معناها (41 ب) بل في لفظها، وقوله: الذهني، إشارة إلى أن المعتبر في الالتزام، اللزوم الذهني دون الخارجي، أمَّا الأول، فلأن اللفظ غير موضوع للازم فلو لم يكن اللازم بحيث يلزم من تصور مسمى اللفظ بصوره لما فهم من اللفظ، وأما الثاني فلحصول الدلالة بدون اللزوم الخارجي، كدلالة العمى على البصر، فإنَّ العمى يدل على البصر بالالتزام، معَ أنه لا لزوم بينَهما في الخارج، وقيد في (المحصول) اللزوم الذهني بالظاهر؛ لأنَّ القطعي غير معتبر، وإلا لم يجز إطلاق اسم اليد على القدرة ونحوه، فإنَّ اليد لا تستلزم
(1/335)

القدرة قطعاً؛ لأنَّها قد تكون شلاء، بل ظاهراً، واعلم أن اشتراط اللزوم الذهني هو رأي المنطقيين، وأما الأصوليون، وأهل البيان فلا يشترطونه، بل دلالة الالتزام عندَهم ما يفهم منه معنى خارج عن المسمى، سواء أكان المفهم للزوم بينَهما في ذهن كل أحد كما في العدم والملكة، أو عمد العالم بالوضع، أو كانَ في الخارج ولم يكن بينَهما لزوم أصلاً لكن القرائن الخارجية استلزمته، ولهذا يجري فيها الوضوح
والخفاء بحسب اختلاف الأشخاص والأحوال وهذا أظهر، والأولون إن ذكروه اصطلاحاً فلا مشاحة، أو بالوضع فممنوع، وقد أورد القرافي على الحصر في الدلالات الثلاث دلالة العام على أفراده، وقالَ: إنها خارجة عن الثلاث، وجوابه يعلم من باب العموم، ومنهم من أورد دلالة اللفظ المركب على مفرادته، فإنَّ الواضع لم يضعه لمفهومه، ولا لشيء ذلك المفهوم داخل فيه، ولا لخارج عنه لازم له، وأجيب بأن المراد بوضع اللفظ للمعنى وضع عينه لعينه أو وضع أجزائه لأجزائه، بحيث يطابق مجموع اللفظ مجموع المعنى، والثاني موجود في المركب، فإنَّ الواضع وإن لم يضع مجموع زيد قائم، لمدلوله فقد وضع كل جزء من أجزائه لجزء من مفهومه، فإنَّه وضع (زيداً) للذات (وقائماً) للصفة، والحركة المخصوصة أعني دفعهما لإثبات الثاني للأول.
ص: (والأولى لفظية والثنتان عقليتان).
ش: اختلف في هذه الدلالات على ثلاثة مذاهب.
أحدها: أن الوضعية هي دلالة المطابقة؛ لأنَّ الذهن ينتقل من اللفظ إلى المعنى ابتداء، والتضمن والالتزم عقليتان، أي: إنما يدلان بالعقل؛ لأنَّ اللفظ الموضوع للمجموع لم يوضع لجزئيه، فلا يدل عليه بالوضع، بل بالعقل لأنَّ فهم المجموع بدون
(1/336)

فهم جزئيه محال عقلاً، وكذلك اللفظ يدل على الملزوم بالوضع، ثمَّ ينتقل الذهن من الملزوم إلى اللازم بالعقل، وهو اختيار صاحب المحصول، وتابعه ابن التلمساني والهندي وغيرهما.
والثاني: أن الكل لفظية؛ لأنَّ وضع اللفظ للمجموع كما أنه واسطة لفهم المجموع منه، فكذلك هو واسطة لفهم الجزء اللازم، وعزاه بعضهم للأكثرين.
والثالث: أن دلالة التضمن وضعية كالمطابقة، ودلالة الالتزام عقلية؛ لأنَّ الجزء داخل فيما وضع له اللفظ بخلاف اللازم، فإنَّه خارج عنه، وهو رأي الآمدي وابن الحاجب، والحق أن لكل من الوضع والعقل مدخلاً في التضمن والالتزام، فيصح أن يقال: إنهما عقليتان باعتبار أن الانتقال من المسمى إلى الجزء اللازم إنما حصل بالعقل ووضعيتان، باعتبار أن الوضع سبب لانتقال العقل إليهما، فهما
(1/337)

عقليتان ووضعيتان باعتبارين، ومن هنا (42 أ) شكك بعضهم على محل الخلاف، فقالَ: هذا الخلاف لا تحقيق له؛ لأنَّه إن أريد بالوضع، أنه يفيد الاقتصار، فلا خلاف أنه ليس كذلك، وإن أريد تقييد الانضمام، فلا خلاف أنه كذلك، فلم يبق إلا أن يقال: موضوع للهيئة الاجتماعية من الأجزاء أو لا، فعلى الأول يكون الجزء كالشرط للموضوع لا يلاقيه الوضع، وعلى الثاني بخلافه.
تنبيه: ليس لك أن تقول: كيف قالَ المصنف أولا: (دلالة اللفظ)، فجعل الثلاثة لفظية، ثمَّ فصل ثانياً؟ لأنَّه لا خلاف أن الدلالات الثلاثة لفظية، بمعنى أن للفظ فيها مدخلاً وهو شرط في استفادتها منه، وإنما الخلاف في أن اللفظ موضوع لها أم لا.
ص: ثمَّ المنطوق إن توقف الصدق أو الصحة على إضمار فدلالة اقتضاء.
ش: اعلم أن اللفظ يدل على المعنى بطريقين، أحدهما بصيغته، والثاني باقتران أمر به، إذا لحظه المتكلم، استغنى عن التعبير عنه بالتعبير عن ملازمه، وينقسم إلى دلالة اقتضاء وإشارة.
الأول: الاقتضاء، وهو ما يفهم عندَ اللفظ ولا يكون منطوقاً به، ولكن يكون من ضرورة المنطوق به، إما من حيث إنه لا يمكن أن يكون المتكلم صادقاً إلا به، أو أنه لا يثبت الملفوظ به، عقلاً إلا به، أو أنه يمتنع ثبوته شرعاً إلا به، فهذه ثلاثة أقسام، الأول، المقتضى لضرورة صدق المتكلم كقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)) فإنَّه لا بد من تقدير الحكم أو المؤاخذة لتعذر حمله على حقيقته،
(1/338)

فإنهما واقعان، والثاني كقوله تعالى: {فانفلق} فإنَّه إنما ينتظم بإضمار فضرب، وقوله تعالى: {واسأل القرية} إذ لو لم يقدر أهل القرية، لم يصح عقلاً، فصحة السؤال عقلاً يتوقف على إضمار أهل، لا يقال: هذا غير لازم، لجواز الإعجاز، فإنا نقول: الإعجاز يحصل بأي جماد كانَ فالتخصيص بالقرية يدل على معنى غير إظهار المعجزة.
والثالث كفهم حصول الملك، كمن قالَ لغيره: أعتق عبدك عني على ألف، قبيل العتق؛ لأنَّ العتق بدون الملك لا يصح شرعاً، واعلم أن تسمية الكل دلالة اقتضاء هو قول أصحابنا وذهب جمع من الحنفية كالبزدوي إلى أن المقتضي هو الثالث فقط، وسمى الباقي محذوفاً ومضمراً وفرقوا بينَ المحذوف والمقتضي بأن المقتضي لا يتغير ظاهر الكلام عن حاله وإعرابه عندَ التصريح به، بل يبقى كما كانَ قبله، بخلاف المحذوف ك {اسأل القرية}.
(1/339)

ص: (وإن لم يتوقف ودل على أمر لم يقصد فدلالة إشارة).
ش: أي: وإن لم تتوقف الصحة أو الصدق على إضمار ودل على أمر ليس هو بالمقصود من اللفظ الأصلي الذي عبر به، ولكنه وقع من توابعه، فسمى دلالة اللفظ عليه إشارة، كقوله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ..} الآية، فإنَّ قوله: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر}، يعلم منه جواز صوم الجنب، ولا شك أنه لم يقصد من الآية، ولكن يلزم من استغراق الليل بالرفث والمباشرة، أن يكون جنباً في جزء من النهار، وهذا الاستنباط محكي عن مُحَمَّد بن كَعْب القرظي من أئمة التابعين، وذكر ابن الحاجب هنا دلالة التنبيه والإيماء (42 ب) كفهم كون الوصف علة الحكم المرتب عليه بفاء التعقيب وأهمله المصنف، فراراً من التكرار لأنَّه ذكره في القياس.
(1/340)

ص: (والمفهوم ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق).
ش: قوله: (ما دل عليه اللفظ) جنس و (لا في محل النطق)، فصل يخرج به المنطوق، يشير بذلك إلى أن دلالته ليست وضعية، وإنما هي انتقالات ذهنية، فإنَّ الذهن ينتقل من فهم القليل إلى فهم الكثير، وذلك بطريق التنبيه بأحدهما على الآخر، وسمي مفهوماً؛ لأنَّه لا يفهم غيره وإلا لكان المنطوق أيضاًً مفهوماً، بل لما فهم من غير تصريح به، وقضية هذا أن يسمى دلالة الاقتضاء والإشارة مفهوماً، وعليه جرى بعضهم، لكن الجمهور خصوه بما فهم عندَ النطق على وجه يناقض المنطوق به أو يوافقه.
ص: (فإن وافق حكمه المنطوق فموافقة، وفحوى الخطاب: إن كانَ أولى منه ولحنه إن كانَ مساوياً، وقيل: لا يكون مساوياً).
ش: حكم غير المنطوق إما موافق لحكم المنطوق نفياً أو إثباتاً أو لا، والأولى مفهوم الموافقة وهل يشترط فيه الأولوية على قولين أحسنهما: لا، بل يكون أولى
(1/341)

ومساوياً، ثمَّ إن كانَ أولى سمي فحوى الخطاب لأنَّ الفحوى ما يعلم من الكلام بطريق القطع كتحريم الضرب من قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} وإن كانَ مساوياً سمي لحن الخطاب أي معناه من قوله تعالى: {ولتعرفنهم في لحن القول} أي معناه كثبوت الوعيد في إتلاف مال اليتيم وإحراقه من قوله تعالى {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً} الآية؛ لأنَّه مثل الأكل والثاني أنه يشترط فيه الأولوية، ولا يكون في المساوي، وهو قضية ما نقله إمام الحرمين عن الشافعي، وعزاه الهندي للأكثرين، والخلاف راجع إلى الاسم، ولا خلاف في
(1/342)

الاحتجاج بالمساوي كالأولى.
ص: (ثم قالَ الشافعي والإمام دلالته قياسية، وقيل: لفظية، فقال الغزالي والآمدي: فهمت من السياق والقرائن، وهي مجازية من إطلاق الأخص على الأعم، وقيل: نقل اللفظ إليها عرفاً).
ش: ما حكاه عن الشافعي نقله الصيرفي وغيره، ثمَّ قيل: إن مراده، أنه قياس حقيقة، ولهذا ينظر فيه إلى المناسبة، وسماه القياس الجلي ونقله الرافعي في الأقضية عن الأكثرين، وقيل بل أراد أن يشبهه؛ لأنَّ الضرب لما لم يذكر في قَوْلِهِ تعالى: {فلا تقل لهما أف} وإنما استفيد علمه من ناحية المذكور أشبه علمنا بالفرع من ناحية أصله، وإليه مال ابن السمعاني، والقول بأن دلالته لفظية، قالَ
(1/343)

الشيخ: أبو حامد الإسفراييني في كتابه في الأصول: إنه الصحيح من المذهب، ولهذا قالَ به منكرو القياس، ولأنَّه لو كانَ قياساً، لكنا لا نفهمه قبل ورود الشرع بالقياس، وأهل اللغة يفهمون من السياق ذلك، والمراد بكونه لفظياً، أن فهمه مستند إلى اللفظ، لا أن اللفظ تناوله، ثمَّ القائلون بذلك اختلفوا، فقال المحققون منهم كالغزالي والآمدي: فهمت من السياق والقرائن، ودلالة اللفظ عليه مجاز من باب إطلاق الأخص على الأعم، وهؤلاء يقولون: إن صيغ التنبيه بالأدنى على الأعلى موضوعة في الأصل للمجموع المركب من الأمرين، وهو ثبوت الحكم في ذلك الأدنى الذي هو مذكور وتأكيد ثبوته في الأعلى (43 أ) المسكوت عنه، وقالَ آخرون، إنها وإن كانت في الأصل موضوعة لثبوت الحكم في المذكور لا غير، لكن العرف الطارئ نقلها عنها إلى ثبوت الحكم في المذكور والمسكوت عنه معاً، وعلى هذا والذي قبله فلا يكون من المفهوم، بل منطوقاً به، وهذا الذي أخره المصنف وضعفه هو الذي ذكره في باب العموم حيث قالَ: وقد يعم اللفظ عرفاً كالفحوى.
(1/344)

فإن قلت: هل من تناف بينَ ثبوته بالمفهوم وثبوته بالقياس؟ ولم لا يكون إلحاق الضرب بالتأفيف باتفاقهما جميعاً؟ قلت: زعم الصفي أن الحق عدم تنافيهما لكون المفهوم مسكوتاً عنه، والقياس إلحاق مسكوت عنه بمنطوق، قالَ: والدلالة اللفظية إذا لم يرد بها المطابقة، ولا التضمن لا ينافيها القياس، وقد يقال: هما متنافيان؛ لأنَّ المفهوم ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق والمقيس ما لا يدل عليه اللفظ ألبتة.
واعلم أن إمام الحرمين في باب القياس من (البرهان) قد أشار إلى أن الخلاف لفظي، والظاهر أنه معنوي، ومن فوائده جواز النسخ به وسيأتي فيه خلاف في النسخ إن شاء الله تعالى.
ص: (وإن خالف فمخالفة، وشرطه ألا يكون المسكوت عنه ترك لخوف ونحوه، ولا يكون المذكور خرج للغالب، خلافاً لإمام الحرمين، أو لسؤال، أو حادثة، أو للجهل بحكمه أو غيره مما يقتضي التخصيص بالذكر).
ش: مفهوم المخالفة أن يكون المسكوت عنه مخالفاً للمنطوق، ويسمى دليل الخطاب، وله شروط منها ما يرجع للمسكوت، ومنها ما يرجع للمذكور، فمن
(1/345)

الأول ألا تظهر أولوية ولا مساواة فيه، فيصير موافقة، ذكره ابن الحاجب وغيره، واستغنى المصنف عنه بما سبق، ومنه ألا يكون ترك ذكره لخوف، فإنَّ كانَ هناك خوف يمنع عن ذكر حال المسكوت عنه، فلا مفهوم له؛ لأنَّ الظاهر أن هذه فائدة التخصيص، واعلم أن كلام ابن الحاجب يقتضي عد هذا من شروط المذكور، وتقريره ألا يكون المذكور وأرداً لدفع خوف، فإنَّ ورد فلا مفهوم له، كما لو قيل لمن خاف ترك الصلاة أول الوقت: يَجُوز ترك الصلاة المفروضة في أول الوقت، فإنَّه لا يدل على عدم جواز تركها في غيره، ومن الثاني أن لا يكون المذكور خرج
(1/346)

مخرج الغالب، أي: أن العادة جارية باتصاف المذكور بالوصف، كقوله تعالى {وربائبكم اللاتي في حجوركم} فإنَّه إنما ذكر هذا القيد لأنَّ الغالب كون الربيبة في الحجر، وقوله تعالى: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة} فذكر السفر لأنَّ الغالب أن يفقد فيه الكاتب، وهذا الشرط نقله إمام الحرمين عن الشافعي، ثمَّ قالَ: والذي أراه أن خروج الكلام على العرف لا يسقط التعليق بالمفهوم، لكن ظهوره أضعف من ظهوره غيره.
قلت: وإنما صارَ الشافعي إلى ذلك بناء على أصله، أن القيد لا بد له من فائدة، والفائدة منحصرة في نفي الحكم عما عدا المنطوق، فإذا لاح في التخصيص فائدة أخرى غير نفي الحكم تطرق الاحتمال إلى المفهوم، وعلى هذا فيصير عندَه مجملاً، كاللفظ المجمل، حتى لا يحكم بمخالفة ولا موافقة أشار إلى ذلك في (الرسالة) والإمام وإن لم يسقط التعلق به، لكنه قالَ: يضعف دلالته حتى لو عارضه دليل لم
(1/347)

يبلغ في القوة ذلك المبلغ أسقطه، ووافقه (43 ب) ابن عبد السلام، وزاد فقالَ: ينبغي العكس، أي: لا يكون له مفهوم إلا إذا خرج مخرج الغالب، محتجاً بأن القيد إذا كانَ الغالب يدل عليه، فذكره حينئذ بغير فائدة أخرى، وهي المفهومية، بخلاف ما إذا لم يخرج مخرج الغالب، وأجاب في أماليه، بأن المفهوم إنما قلنا به لخلو القيد عن الفائدة لولاه، أمَّا إذا كانَ الغالب وقوعه، فإذا نطق باللفظ أولاً فهم القيد لأجل غلبته، فذكره بعد يكون تأكيداً لثبوت الحكم للمتصف بذلك القيد، فهذه فائدة أمكن اعتبار القيد فيها، فلا حاجة إلى المفهوم بخلاف غير الغالب.
ومنه: ألا يكون خرج لسؤال عن حكم إحدى الصفتين، مثل: إن سأل: هل في الغنم السائمة زكاة؟ فيقول: في الغنم السائمة الزكاة.
ومنه: ألا يخرج مخرج حادثة خاصة بالمذكور، كما لو قيل بحضرة النبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لزيد غنم سائمة، فقالَ: فيها زكاة، فإنَّ القصد بيان الحكم فيه لا النفي عما عداه، ولك أن تقول: كيف جعلوا هنا السبب قرينة صارفة عن إعمال المفهوم، ولم يجعلوه صارفاً عن إعمال العام، بل قدموا اللفظ على السبب، وبتقدير أن يكون كما قالوه. فهلا جرى فيه خلاف العبرة بعموم اللفظ، أو بخصوص السبب؟ ثمَّ رأيت صاحب المسودة، حكى عن القاضي عن أصحابهم فيه احتمالين، ولعل الفارق أن دلالة المفهوم ضعيفة بخلاف اللفظ العام.
ومنه: ألا يكون المنطوق خرج لتقدير جهالة من المخاطب لحكم المسكوت
(1/348)

عنه، فإنَّ خرج لذلك، كما لو علم شخص أن في المعلوفة زكاة ولم يعلمها في السائمة، فقال النبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((في السائمة زكاة)) فلا مفهوم له؛ لأنَّ التخصيص حينئذ لإزالة جهل المخاطب لا لنفي الحكم عما عداه فلا مفهوم له، وقوله: (أو غيره مما يقتضي التخصيص) أي تخصيص حكم المنطوق بالذكر من الفوائد التامة التي لا تحتاج معها إلى تقدير فائدة أخرى، ويجمع ما سبق أن نقول، وشرطه ألا يظهر لتخصيص المنطوق بالذكر فائدة غير نفي الحكم عن المسكوت عنه، وعليه اقتصر في (المنهاج) لكن المصنف تابع ابن الحاجب في سرد
(1/349)

الصور.
ص: (ولا يمنع قياس المسكوت بالمنطوق، بل قيل: يعمه المعروض، وقيل: لا يعمه إجماعاً).
ش: الضمير في قَوْلِهِ: لا يمنع عائد على قوله: (مما يقتضي التخصيص والمعنى أن شرطه، ألا يكون هناك شيء من الأسباب التي تقتضي تخصيص القيد بالذكر، ولا يمنع أن يقاس المسكوت على المنطوق، ويَجُوز عوده على التخصيص بالذكر، والمعنى: ولا يمنع التخصيص والحالة هذه بالذكر أن يلحق المسكوت بالمنطوق، إذا اقتضى القياس إلحاقه، والغرض من هذا مسألة حسنة، وهي أنا حيث لا نجعل القيد مخصصاً، فهل نقول: إن ما وراء ذي القيد كالمعلوفة في قولنا: الغنم السائمة داخل في عموم قولنا: الغنم، وإن وجود لفظ السائمة كالمعدوم، إذ لا تأثير له في منع المعلوفة من الدخول تحت عموم لفظ الغنم؟ أو نقول: إنه منع دخوله تحت العموم، وبقي مسكوتاً عنه كما كان، إذ لا مفهوم ينفيه، ولا لفظ يقتضيه؟ والمختار الثاني، وادعى بعضهم فيه الإجماع وهو قضية قول (44 أ) ابن الحاجب في أثناء المسألة، وأجيب بأن ذلك فرع العموم ولا قائل به، وقالَ بعضهم بالأول، وإليه أشار المصنف بقوله: (بل قيل: يعمه المعروض) وأشار بقوله: (إجماعاً) إلى أن هذا القول قد ادعي قيام الإجماع عليه، فيكون ما وراءه خارقاً للإجماع، ولا فائدة في قَوْلِهِ: (وقيل: لا يعمه إجماعاً) إلا التنبيه على ذلك، وإلا نفى قوله: (ولا يمنع قياس المسكوت بالمنطوق) ما يفهم أن الإلحاق به قياس سائغ، وبهذا يخرج الجواب عمن اعترض على المصنف بأنه حكى قولاً بالتعميم، والإجماع في مقابله، وتحريره أنه لم يدع قيام الإجماع على مقابله، بل نقل أن بعضهم ادعى ذلك، وأما المعروض فهو اللفظ العام، وهو الغنم مثلاً، في قولنا: الغنم السائمة، إذ لفظ السائمة عارض له، وإنما قالَ: المعروض ولم يقل الموصوف، لئلا يتوهم اختصاص ذلك بمفهوم الصفة، وهو لا يختص به، إذ هذه الأمور تمنع القول بالمفهوم في الصفة والشرط وغيرهما، ولم يقيد المقيد؛ لأنَّ من يدعي أن اللفظ عام، وأنه لا ينافي العموم، فيَجُوز الإلحاق به قياساً لا يسلم
وجود قيد، ويقول: لفظ السائمة ليس
(1/350)

قيداً؛ لأنَّ ما جاء للتقييد، وإنما خرج لغرض وراء التقييد.
ص: (وهو صفة كالغنم السائمة أو سائمة الغنم لا مجرد السائمة على الأظهر).
ش: مفهوم الصفة، أن يذكر الاسم العام مقترناً بالصفة الخاصة، كقوله: (في الغنم السائمة زكاة) يفهم نفيها عن المعلوفة، وقوله: (لا وصية لوارث)، يفهم جوازها لغير الوارث، وليس المراد بالصفة النعت فقط، كما هو اصطلاح النحوي، ولهذا يمثلون ب ((مطل الغني ظلم)) فجعل الغنى صفة، والتقييد فيه بالإضافة، وإنما غاير المصنف بينَ المثالين بالعطف ب (أو) لينبه على تغايرهما فإنَّ
(1/351)

كلام (المنهاج) يقتضي تساويهما ومختار المصنف خلافه، وإن لكل منهما مفهوماً غير المفهوم من الآخر، وبنى ذلك على أن مرادهم بالصفة تفسير لفظ مشترك المعنى، بلفظ آخر مختص ليس بشرط ولا استثناء ولا غاية قالَ: فإنَّ المقيد في: (في الغنم السائمة الزكاة) إنما هو الغنم، وفي: (في سائمة الغنم زكاة) إنما هو السائمة، فمفهوم الأول عدم الوجوب في الغنم المعلوفة، التي لولا التقيد بالسوم، لشملها لفظ الغنم، ومفهوم الثاني عدم وجوب الزكاة في سائمة غير الغنم كالبقر مثلاً، التي لولا تقييد السائمة بإضافتها إلى الغنم لشملها لفظ السائمة، وأما عدم وجوب الزكاة في الغنم المعلوفة بالنسبة إلى هذا التركيب الثاني، فإنَّه من باب مفهوم اللقب؛ لأنَّ قيد الغنم لم يشمل غيرها كالبقر مثلاً، فلم يخرج بالصفة التي لو أسقطت لم يختل الكلام، وأما قوله: لا مجرد السائمة، يشير به إلى أن صورة مفهوم الصفة المُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أن تذكر الذات العامة، ثمَّ تذكر إحدى صفتيها، كالمثالين المذكورين، أمَّا إذا ذكرت الصفة فقط، مثل السائمة فقط، هل هو كالصفة أو لا مفهوم له؟ لأنَّ الصفة إنما جعل لها مفهوم؛ لأنَّه لا فائدة لها إلا نفي الحكم، والكلام بدونها لا يختل، وأما الصفة المجردة فكاللقب يختل الكلام بدونه على قولين، حكاها
الشيخ أبو حامد، وابن السمعاني وغيرهما، قالَ ابن السمعاني: وجمهور أصحاب الشافعي على التحاقه بالصفة (44 ب) وهذا خلاف ترجيح المصنف، وعلى الأول فلا ينبغي أن يفهم تساويهما، بل الصفة المقيدة بذكر موصوفها أقوى في الدلالة من الصفة المطلقة؛ لأنَّ المقيدة بذكر موصوفها كالنص، وقالَ الهندي: الخلاف في هذا
(1/352)

أبعد؛ لأنَّ في صورة التخصيص بالصفة من غير ذكر العام، يمكن أن يكون الباعث للتخصيص هو عدم خطوره بالبال، وهذا الاحتمال إن لم يمنع في العام المرادف بالصفة الخاصة في معرض الاستدراك فلا شك في بعده جداً، وقيد الوصف بالذي يطرأ ويزال احترازاً عن الصفة اللازمة للجنس كالطعم لما يؤكل، نحو قوله عليه أفضل الصلاة والسلام: ((لا تبيعوا الطعام بالطعام)) فإنَّ هذا، ليس الخلاف فيه كالخلاف في تينك الصورتين، بل أبعد وهو قريب من الخلاف في التخصيص بالاسم.
ص: (وهل المنفي غير سائمتها أو غير مطلق السوائم قولان).
ش: لا خلاف أن المنفي غير السائمة، لكن اختلفوا هل هي غير سائمة الغنم أو غير سائمة كل شيء؟ مثاله: (إذا قالَ: في الغنم السائمة زكاة، هل يدل على نفي الزكاة عن المعلوفة مطلقاً من سائر الأجناس، سواء كانت معلوفة الغنم أو الإبل أو البقر أو يختص النفي عن ذلك الجنس، وهي معلوفة الغنم فقط؟ وهذا الخلاف حكاه الشيخ أبو حامد الإسفراييني في كتابه في (الأصول) والإمام في (المحصول) عن أصحابنا وصححا الثاني، ووجهه أن المفهوم نقيض المنطوق والمنطوق سائمة الغنم دون غيرها، قالَ المصنف: ولعل الخلاف مخصوص بصورة (في الغنم السائمة) أمَّا صورة سائمة الغنم، فقد قلنا: إن المنفي فيها سائمة غير الغنم، فالمنفي سائمة لا غير سائمة، والمنفي هناك غير سائمة، لكن غير سائمة، على الغنم أو غير سائمة على الخصوص؟ فيه القولان.
(1/353)

ص: (ومنها العلة، والظرف والحال، والعدد)
ش: الضمير في (منها) يعود إلى الصفة، وعادة الأصوليين، يغايرون بينَ الصفة وبين هذه المذكورات، وجعلها إمام الحرمين أقساما من الصفة وراجعه إليها فقالَ: ولو عبر معبر، عن جميع هذه الأنواع بالصفة، لكان ذلك منقدحاً، فإنَّ المحدود والمعدود موصوفان بعددهما وحدهما، والمخصوص بالكون في زمان أو مكان موصوف بالاستقرار فيها، فقول القائل: زيد في الدار أي: مستقر فيها وكائن فيها وكذا القتال يوم الجمعة أي: كائن فيه، وقد صرح به القاضي أبو الطيب في العدد، وقالَ: إنه قسم من الصفة لأنَّ قدر الشيء صفته، وأشار إليه ابن الحاجب أيضاًًَ، وجرى عليه المصنف.
ومنها مفهوم العلة، فهو تعليق الحكم بالعلة، نحو: ما أسكر كثيره فقليله حرام، مفهومه: أن ما لا يسكر كثيره لا يحرم، والفرق بينه وبين مفهوم الصفة: أن الصفة قد تكون تكملة العدد لا علة، وهي أعم من العلة، فإنَّ الزكاة لم تجب في السائمة لكونها تسوم، وإلا لوجبت الزكاة في الوحوش، وإنما وجبت لنعمة الملك وهو معَ السوم أتم منها، معَ العلف، كذا قاله القرافي، ولك أن تقول:
(1/354)

انتفاء الحكم عن المسكوت لأجل انتفاء العلة المعلق عليها الحكم لا من ناحية المفهوم، والأصل عدم علة أخرى، وأما مفهوم الظرف فهو يتناول ظرف الزمان (45 أ) والمكان وهو حجة عندَ الشافعي كما قاله إمام الحرمين فالزمان كقوله تعالى: {الحج أشهر معلومات} والمكان كقوله تعالى: {فاذكروا الله عندَ المشعر الحرام} وأما مفهوم الحال، أي: تقييد الخطاب بالحال، فكقوله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} ذكره ابن السمعاني في (القواطع)، وقالَ: إنه كالصفة، وأما العدد، أي: تعلق الحكم بعدد مخصوص، كقوله تعالى: {فاجلدوهم ثمانين جلدة} وهو كالصفة كما نقله الشيخ أبو حامد عن نص الشافعي، وكذا الماوردي في باب بيع الطعام قبل أن يستوفي، ومثله بقوله: في أربعين شاة، شاة، قوله: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً) وفي هذا الثاني نظر، وقد
(1/355)

قالَ ابن الصباغ في (العدة): مذهب الشافعي أن مفهوم العدد حجة إلا إذا كانَ في ذكر المعدود تنبيه على ما يزاد عليه، كقوله: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً)، فإنَّه ينبه على أن ما زاد عليهما أولى بأن لا يحمل، قلت: وهذا قاله الشافعي في اختلاف الحديث، فقالَ: وفي قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً))، دلالتان: إحداهما: أن ما بلغ قلتين فأكثر لم يحمل نجساً؛ لأنَّ القلتين إذا لم يتنجساً، لم ينجس أكثر منهما، وهذا يوافق حديث بئر بضاعة، والثانية: أنه إذا كانَ دون القلتين حمل النجاسة؛ لأنَّ
قوله: إذا كانَ الماء كذا لم يحمل النجاسة، دليل على أنه إذا لم يكن كذا حمل النجاسة، وهذا يوافق حديث أبي هُرَيْرَةَ في
(1/356)

غسل الإناء من الولوغ؛ لأنَّ آنيتهم كانت صغاراً، انتهى، وعلى هذا الثاني يحمل كلام الماوردي وأنه حجة بالنسبة إلى عدم النقصان لا الزيادة.
ص: (وشرط)
ش: هذا قسيم قوله: وهو صفة، ومفهوم الشرط هو تعليق الحكم على شرط، وهو يدل على انتفاء الحكم قبل وجود الشرط، وهو معنى قولهم: المعلق بالشرط عدم، قبل وجود الشرط، وإلا لكان التعليق بالشرط قبيحاً، واقتضى كلام الإمام فخر الدين أن الخلاف في أن عدم المشروط مستفاد من عدم الشرط، أو لا، وليس كذلك فإنَّ القاضي من المنكرين له، وهو قائل بعدم الشرط، لكن علة عدمه استصحاب الأصل، وغيره يعلله بعدم الشرط فالخلاف إنما هو في دلالة حرف الشرط على العدم عندَ العدم لا على أصل العدم عن العدم، فإنَّ ذلك ثابت بالأصل، قبل أن
(1/357)

ينطق الناطق بكلام، وكذا القول في سائر المفاهيم، وهل المراد بالشرط الاصطلاحي أو اللغوي حتى يدخل فيه السبب في أنه يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم فيه بحث.
ص: (وغاية)
ش: مفهوم الغاية مد الحكم إلى غاية بإلى وحتى، فيدل على نفي الحكم عما بعدها لقوله تعالى: {وأتموا الصيام إلى الليل} {ولا تقربوهن حتى يطهرن} ونص الشافعي في (الأم) على القول به، ومنهم من أنكره، وقالَ:
(1/358)

هو نطق بما قبل الغاية، وسكوت عما بعدها، فيبقى على ما كانَ عليه.
ص: (وإنما ومثل لا عالم إلا زيد، وفصل المبتدأ من الخبر بضمير الفصل وتقديم المعمول).
ش: مفهوم الحصر أنكره قوم، وقالَ آخرون هو من المنطوق، والجمهور على أنه من المفهوم ويدخل فيه صور منها: إنما، نحو: ((إنما الولاء لمن أعتق)) فإنَّه يفيد إثباته للمعتق، ونفيه عن غيره بالمفهوم، وسيذكر المصنف الخلاف فيه، ومنها المنفي بما أو بلا، والاستثناء، نحو (45 ب) لا عالم إلا زيد وما قام إلا زيد، صريح في نفي العلم عن غير زيد، ويقتضي إثبات العلم له، قيل بالمنطوق، وقد رأيت في كتاب ابن فورك الجزم به، وقالَ: فيه قضيتان، نفي وإثبات بخلاف النفي المجرد نحو: ((لا صيام لمن لم يبيت الصيام)) فإنَّه قضية واحدة لها مفهوم: انتهى.
(1/359)

والصحيح أنه بالمفهوم لما سنذكره وتمثيله بالاستثناء المفرغ يقتضي خلافه لو قلت: ما قام أحد إلا زيد، ولا فرق، ومنها ضمير الفصل بينَ المبتدأ والخبر نحو: زيد هو القائم يفيد ثبوت القيام له، ونفيه عن غيره بالمفهوم، وعليه قوله تعالى: {أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي} وقوله: {إن شانئك هو الأبتر} وهذا ذكره البيانيون ومنها: تقديم المعمول، نحو: {إياك نعبد وإياك نستعين} أي: نخصك بالعبادة والاستعانة، وبالغ البيانيون في إفادته الاختصاص، وسيأتي الخلاف فيه. وأطلق المعمول ليشمل المفعول والحال والظرف، وكذلك تقدم الخبر على المبتدأ نحو: تميمي أنا، وبه صرح صاحب (المثل السائر) وأنكر عليه صاحب (الفلك الدائر) وقالَ:
(1/360)

لم يقل به أحد، واحتج أصحابنا على تعيين لفظتي التكبير والتسليم بقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم} ومنعته الحنفية معتقدين أنه من قبيل المفاهيم، وزيفه إمام الحرمين بأن التعيين يستفاد من الحصر المدلول عليه بالمبتدأ والخبر، فإنَّ التحريم ينحصر في التكبير كانحصار زيد في صداقتك، إذا قلت: صديقي زيد، وقرر الشيخ بهاء الدين النحاس بأن المبتدأ لا يكون أعم من الخبر، لا تقول: الحيوان الإنسان، فإنَّ قلت: زيد صديقي، كانَ الخبر صالحاً لأنَّ يكون أعم من المبتدأ فيجعله كذلك، وكذلك قالُوا: لا يلزم انحصار الصداقة في زيد بخلاف قولك: صديقي زيد، فإنا لا يمكننا أن نجعل الخبر الذي هو زيد أعم من المبتدأ، فما بقي إلا أن نجعله مساوياً، وإلا كانَ الخبر أخص من المبتدأ وأنه غير جائز، وإذا كانَ مساوياً يلزم الانحصار، ضرورة صدق، أن كل من هو صديقي زيد حينئذ.
(1/361)

ص: (وأعلاه لا عالم إلا زيد ثمَّ ما قيل: إنه منطوق أي: بالإشارة ثمَّ غيره).
ش: أي: أقوى المفاهيم من باب الحصر النفي وإلا؛ لأنَّ إلا موضوعة للاستثناء وهو الإخراج، فدلالته على الإخراج بالمنطوق لا بالمفهوم، ولكن الإخراج من عدم القياس ليس هو غير القيام، بل قد يستلزمه، فلذلك كانَ من المفهوم، واعلم أن بعض الجدليين حكى خلافاً في الاستثناء، هل هو منطوق أو مفهوم؟ ورجح الأول بدليل أنه لو قالَ: ما له علي إلا دينار، كانَ ذلك إقراراً بالدينار حتى يؤاخذ به، ولولا أنه منطوق لما ثبتت المؤاخذة به؛ لأنَّ دلالة المفهوم لا تعتبر في الإقرار بالاتفاق، وقوله: (ثم ما قيل: إنه منطوق) أي: كأنها، وإنما قالَ: أي: بالإشارة للتنبيه على أنه ليس مراد القائل بكونه منطوقاً إنه منصوص، فذلك بعيد، بل مراده إشارة النص إليه، ولا شك أنه بهذا الاعتبار مرتفع عن رتبة المفاهيم، إذ دلالة النص أقوى من مفهومه، فإنَّ قلت: لا حاجة لقوله أولاً: (وأعلاه لا عالم إلا زيد) لأنَّ من الناس من قالَ: إنه منطوق، وقالَ القرافي: إنه الظاهر (46 أ) فهو داخل في قَوْلِهِ: (ما قيل: إنه منطوق) قلت: لا بد منه؛ لأنَّ القائل بالمنطوق في النفي، قيل إلا أن يدعي أنه منطوق، بخلاف إنما والغاية، ولهذا قالَ: أي بالإشارة والذي أحوجه إلى هذا أنه قصد إثبات تعاقب رتبها في المفهوم، وإن جعلناها من المفهوم، فليست دلالتها على
(1/362)

السواء، وقوله: ثمَّ غيره أي: من أنواع الحصر الذي كما وهو ضمير الفصل وتقديم المعمول ويلحق به حصر المبتدأ في الخبر.
ص: (مسألة: المفاهيم إلا اللقب حجة لغة، وقيل: شرعاً، وقيل: معنى).
ش: الألف واللام للعهد، وهي الأربعة السابقة في أنواع المخالفة، فإنَّ مفهوم الموافقة يجمع على القول به كما قاله القاضي أبو بكر وغيره، وقالَ الهندي لا نعلم خلافاً في صحته، بل أطبق الكل عليه حتى منكرو القياس، وقوله: إلا اللقب، لا وجه للاستثناء؛ لأنَّه لم يتقدم له ذكر، وإنما ذكره فيما بعد، وأخره لأنَّه يخالفها في الحجة، وقوله: حجة، أي: ظاهر في المفهوم، مثل العموم ظاهر في الاستغراق، ولهذا نقدمه على القياس، ونؤخره عن النص، قالَ ابن السمعاني، لكن اختلف القائلون به، هل نفى الحكم فيه عما عدا المنطوق به من جهة اللغة، أي: ليس من المنقولات الشرعية، بل هو باق على أصله، أو من جهة الشرع بتصرف منه زائد على وضع اللغة، أو من قبيل المعنى أي: العرف العام، ورجح ابن السمعاني الأول وتابعه المصنف وعزاه لأكثر الأصحاب، وعزا الثالث للإمام، وهو متابع فيه للهندي، وإنما قاله الإمام في (المعالم) وأما في المحصول فاختار مذهب الحنفية، معَ أن المصنف في باب العموم جزم بأن تعميم مفهوم المخالفة بدلالة العقل، ثمَّ أحاله على المذكور هنا، واستثنى من حجية المفاهيم مفهوم اللقب، وهو تعلق الحكم بالاسم الجامد، نحو: قام زيد، فلا يدل على نفي الحكم عما عداه على الصحيح؛ لأنَّ اللفظ لم يتعرض له، وتخصيصه بالذكر، لغرض الإخبار عنه، لا لنفيه عن غيره، وليس المراد باللقب الاصطلاحي: النحوي بل الأعم من اللقب والاسم والكنية.
(1/363)

ص: (واحتج باللقب الدقاق والصيرفي وابن خويز منداد وبعض الحنابلة).
ش: زيفوا مذهب الدقاق، بأن المصير إليه ينفي تعيين كل ما اعتبر الشرع عينه، ويستلزم إثبات قيام كل من في العالم عندَ قولنا: زيد جالس، ويلزم تكفير من قالَ: عيسى رسول الله، وله أن يجيب بأن المفهوم اللقبي يحتج به عندَ عدم معارضة المنطوق كغيره من المفاهيم، واعلم أن نسبته إلى الدقاق مشهور وأما
(1/364)

الصيرافي فاعتمد المصنف فيه أن السهيلي نقله في (نتائج الفكر) في باب عنه وهو غريب ولعله تحرف علة بالدقاق، وأما حكايته عن ابن خويز منداد، فذكره الماوردي وغيره، وقالَ المصنف: إن الإمام في البرهان حكاه عن طوائف من أصحابنا، وأنه إخبار للاحتجاج به إذا اقترن به ما يفيد نفي الحكم، كقوله تعالى: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون}
فائدة: ابن خويز منداد اشتهر على الألسنة بالميم، وعن ابن عبد البر أنه بالباء الموحدة المكسورة.
(1/365)

ص: (وأنكر أبو حنيفة الكل مطلقاً، وقوم في الخبر، والشيخ الإمام في غير الشرع، وإمام الحرمين صفة لا تناسب الحكم، وقوم العدد دون غيره).
ش: المنكرون للمفهوم في الجملة اختلفوا (46 ب) على مذاهب، فمنهم من أنكر الكل، أي مفاهيم المخالفة، وقوله: (مطلقاً) لأجل التفصيل الذي بعده، والعجب على اقتصاره على أبي حنيفة، وحده فإنَّه وجه عندَنا صارَ إليه الغزالي، وتوهم ابن الرفعة في (المطلب) أن أبا حنيفة يقول بمفهوم الصفة لإسقاط الزكاة في المعلوفة، وليس مأخذ السقوط عندَه المفهوم، بل إن الأصل عدم الوجوب مطلقاً، خرجت السائمة بدليل، فبقي في المعلوفة على الأصل، ومنهم من أنكره في الخبر، واعترف به في الأمر، فهذا أخذه المصنف من ابن الحاجب، فإنَّه ذكر في أدلة النفاة أنه لو ثبت المفهوم لثبت في الخبر وهو باطل؛ لأنَّ من قالَ في الشام: الغنم السائمة، لم يدل على خلافه قطعاً، وأجاب بالتزامه في الخبر أيضاًً، وبأنه قياس في اللغة ثمَّ زيفها، وقالَ: الحق في الفرق بينَ الإنشاء والخبر، فإنَّ الخبر وإن دل على المسكوت غير مخبر به، فلا يلزم أن يكون حاصلاً في الخارج لأنَّ الخبر يفتقر إلى خارج وهو تعلقه، بخلاف الحكم، إذ لا خارجي له حتى يجري فيه ذلك، وفرق ابن السمعاني فإنَّ المخبر قد يكون له غرض في الإخبار، بأن في الشام غنماً سائمة مثلاً وأن زيداً الطويل في الدار، ولا يكون له غرض في الإخبار، عن غير الشام ولا عن غير زيد الطويل فخصهما، بالإخبار لذلك، وأما الشارع في مقام الإنشاء وإن بينَ جميع الأحكام فإذا قالَ: زكوا عن الغنم السائمة، علمنا أنه لو كانت الزكاة في جميع الغنم لعلق بمطلق الاسم.
واعلم أن مقتضى كلام من ذكر أن القول ينفيه في الخبر محل اتفاق، ولهذا تمحلوا طريق الفرق، وصرح به القاضي في التقريب، ومع ذلك فلا يخفى ما في حكاية المصنف له قولاً مفصلا، لكن صاحب (المسودة) حكى عن القاضي وعن أصحابه فيه قولين، مرة سوى بينهما، ومرة فرق، فقالَ: إذا قلت: زيد الطويل في الدار، لم يدل على القصير بنفي ولا إثبات، وقالَ والد المصنف: إنما هو حجة في خطاب الشارع لعلمه بواطن الأمور وظواهرها وليس بحجة في كلام
(1/366)

المصنفين والناس لغلبة الذهول عليهم، وعلى هذا فالمفهوم بمنزلة القياس، ويشهد له ما حكاه الرافعي عن فتاوى القاضي حسين، أنه لو ادعى عليه عشرة، فقالَ: لا تلزمني اليوم لا يطالب بها؛ لأنَّ الإقرار لا يثبت بالمفهوم، قلت: لكن كلام المصنف يقتضي أنه لا فرق بينَهما في طرد الخلاف وقد حكى الغزالي في البسيط فيما لو قالَ: قارضتك على أن لي النصف وسكت عن جانب العامل فظاهر النص إنه فاسد؛ لأنَّ جميع أجزاء الربح تضاف إليه بحكم الملك، وإنما ينصرف عنه بإضافته إلى غيره ولم يضف، وذكر ابن سريج قولاً مخرجاً أنه يصح تمسكاً بالفحوى والمفهوم، انتهى.
وقالَ الهروي في (الإشراف) لو قالَ: ما لزيد علي أكثر من مائة درهم، لم يكن مقراً بالمائة؛ لأنَّه نفي مجرد، فلا يدل على الإثبات، وفيه وجه أنه إقرار، وهو قول أبي حنيفة، وأصل هذا أن دليل الخطاب، هل هو حجة أم لا؟ انتهى.
ثم رأيت ابن تَيْمِيَّةَ في بعض مؤلفاته، حكى هذا التفصيل عن بعض الناس، وقالَ: إنه خلاف الإجماع، فإنَّ الناس إما قائل بأن المفهوم من جملة دلالات الألفاظ أو ليس من جملتها، فالتفصيل إحداث قول ثالث، ثمَّ القائلون بأنه حجة إنما قالُوا: هو حجة في الكلام مطلقاً، واستدلوا على كونه حجة في كلام الناس بأنه دلالة (47 أ) من جملة الدلالات كالعموم، وأما القياس فإنما لم يكن حجة في كلام الناس؛ لأنَّه ليس من دلالات الألفاظ المعلومة من جهة اللغة، وإنما يصير دليلاً بنص الشارع بخلاف المفهوم، فإنَّه دليل لغة والشارع بينَ الأحكام بلغة العرب، وقد يقال: إن هذا التفصيل قريب من الذي قبله، أعني التفصيل بينَ الخبر والإنشاء؛ لأنَّ المصنفين مخبرون عن حكم الله لا منشئون وقد عكس بعض الحنفية، ففي (حواشي الهداية) للخبازي في باب جنايات الحج أن شمس الأَئِمَّة ذكر في (السفر الكبير) أن
(1/367)

تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على أن الحكم بخلافه، إنما هو في خطابات، فأما في معاملات الناس وعرفهم فإنَّه يدل، ويؤيده ما سبق عن حكاية الهروي، فإنَّ أبا حنيفة جعله مقراً معَ أنه لا يقول بالمفهوم، على أنه قد يقال: لا معنى لنقل المصنف ذلك عن والده، بل الخلاف فيه قديم من غير خصوصية بالمفهوم، فقد حكى إلكيا الطبري، خلافاً في أن قواعد أصول الفقه المتعلقة بالألفاظ كالعموم والخصوص وغير ذلك، هل يختص بكلام الشارع أو تجري في كلام الآدمي، وسيأتي في باب العموم حكايته عن القاضي الحسين أيضاًً، والراجح الاختصاص، ويشهد له مناط قولهم: إن مفهوم الصفة إنما كانَ حجة لما فيه من معنى العلة، والعلل لا نظر إليها في كلام الآدمي، إذ لا قياس فيها قطعاً وقولهم لا يمكن أن يكون المخصص المذكور بالذكر خطوره بالبال دون صيغة؛ لأنَّ ذلك لا يتأتى إلا في كلام الله تعالى، ويعلم من هذا أن تخريج المتأخرين مسائل الفروع على القواعد الأصولية لا يخلو من نزاع، وأنكر أمام الحرمين
المفهوم في الصفة، إذ لم تشتمل على معنى يناسب للحكم، كقولهم: الإنسان الأبيض ذو إرادة، بخلاف المشتملة على المناسب كالسائمة، فإنَّ خفة المؤنة ظاهرة في الإيجاب، وعدمها في عدمه، قالَ ابن السمعاني: وهو خلاف مذهب الشافعي، فإنَّ العلة ليس من شرطها الانعكاس، وهذا أورده الإمام على نفسه، وأجاب بأن قضية اللسان هي الدلالة عندَ إحالة الوصف على ما عداه بخلافه، وزعم أن هذا وضع اللسان ومقتضاه بخلاف العلل المستنبطة، واستفيد مما نقله المصنف عن إمام الحرمين صواب النقل عنه، فإنَّ صاحب المحصول والمنهاج نقلا عنه اختيار المنع كأبي حنيفة ونقل ابن الحاجب عنه القول بغير ذلك، والموجود في البرهان ما حكاه
(1/368)

المصنف من التفصيل، وأنكر قوم العدد دون غيره من المفاهيم يعني خلا اللقب وهذا منسوب إلى الإمام في المحصول، فإنَّه ذكر تفصيلاً حاصله أنه لا، والمنقول عن الشافعي، أنه يدل ممن نقله الماوردي وأبو حامد، لكنه مثل بقوله: إذا بلغ الماء قلتين، والأشبه أنه من الشرط، فإنَّه لا اسم عدد هنا كاثنين وثلاثة بل المعدود.

ص: (مَسْأَلَةٌ: الغايةُ قيلَ: مَنْطُوقٌ: والحقُّ مَفْهومٌ).
ش: ذَهَبَ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ إلى أنَّ الحُكْمَ في الغايةِ منطوقٌ، وادَّعَى أنَّ أهلَ اللُغَةِ وقَّفُونَا= على ما يَقُومُ مُقامَ نَصِّهِم، على أنَّ تَعْلِيقَ الحُكْمِ بالغايةِ موضوعٌ للدَّلالَةِ على أنَّ ما بعدَها خلافُ ما قبْلَها؛ لأنَّهم اتَّفَقُوا على أنَّ الغايةَ ليسَتْ كلاماً مُسْتَقِلاًّ، فإنَّ قولَه: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} وقولَه: {حَتَّى يَطْهُرْنَ}، لا بُدَّ فيه من إضْمَارٍ لضَرُورَةِ تتْمِيمِ الكلامِ، وذلك الضميرُ إمَّا ضِدَّ ما قَبْلَه أو غَيْرَه، والثاني باطِلٌ؛ لأنَّه ليسَ في الكلامِ ما يَدُلُّ عليه، فتَعَيَّنَ الأوَّلُ، فتقديرُه: حتى يَطْهُرْنَ
(1/369)

فاقْرَبُوهُنَّ، وحتى تُنْكَحَ فتَحِلُّ.
قالَ: والإضْمارُ بمنزلَةِ المَلْفوظِ به؛ فإنَّه إنَّما يَضْمُرُ لسَبْقِه إلى فِهْمِ العارفِ باللسانِ، وعلى ذلك جَرَى صاحبُ (البَدِيعِ) من الحَنَفِيَّةِ، فقالَ: هو عندَنا من قَبِيلِ دلالَةِ الإشارَةِ، لا المفهومُ، ومن هذا يُعْلَمُ أنَّ كلامَ ابنِ الحاجبِ في النَّقْلِ عن القَاضِي يَقْتَضِي أنَّه مَفْهُومٌ، ليسَ بجَيِّدٍ، وكلامُ القَاضِي في التَّقْرِيبِ مُصَرَّحٌ بما ذَكَرْنَا، لكنْ الجمهورُ على أنَّه مفهومٌ، ومَنَعُوا وَضْعَ اللُغَةِ لذلك.
ص: (ويَتْلُوهُ الشَّرْطُ، فالصِّفَةُ المُناسبَةِ، فمُطْلَقُ الصفَةِ غيرَ العَدَدِ، فالعَدَدُ. فتَقْدِيمُ المَعْمُولِ لِدَعْوَى البَيَانِيِّينَ إفَادَتُه الاخْتصاصُ، وخَالَفَهُم ابنُ الحاجِبِ وأَبُو حَيَّانَ).
ش: لمَّا فَرَغَ من بَيانِ كونِه حُجَّةً بينَ مَراتِبِها قُوَّةً وضَعْفاً، فإنَّه لم يُرَتِّبْها فيما سَبَقَ عندَ إيِرادِها، ومن فوائدِه الترْجِيحُ به عندَ التعارضِ، فأقْواها بعدَ مفهومِ الحَصْرِ بإلاَّ، مفهومُ الغايةِ، ولهذا قيلَ بأنَّه مَنْطُوقٌ، كالقَاضِي، ويَلْتَحِقُ به مَفْهُومُ (إنَّما)، فإنَّ فيها هذه المُرَجَّحَاتِ كما سَيَاتِي، ذَكَرَ ذلك المُصَنِّفُ في شَرْحِه لِلْمُخْتَصَرِ، فجَعَلَ أعْلاهَا (مَا) (وإلاَّ) ثمَّ مَفْهومُ (إنَّما) والغايةُ، ثمَّ حَصْرُ المُبْتَدَأِ في الخبَرِ، ثمَّ الشرْطُ انْتَهَى، وتَقْدِيمِه حَصْرُ المُبْتَدَأ في الخبْرِ على الشرْطِ تَابَعَ فيه الغَزَالِيُّ، وإنَّما أَخَّرَ هنا الشرْطَ على الغايةِ؛ لأنَّه لم يقُلْ أَحَدٌ: إنَّه بالنُّطْقِ، فكانَ دُونَ ما قَبْلَه، وقَدَّمَه على
(1/370)

الصِّفَةِ؛ لأنَّه قالَ به بعضَ مَن لا يَقُولُ بها كابْنِ سُرَيْجٍ.
ثمَّ الصفَةُ المُنَاسَبَةِ؛ لأنَّها مُتَّفَقٌ عَلَيْهِا عندَ القائلِ بالصفَةِ.
ثمَّ مُطْلَقُ الصفَةِ غيرَ العدَدِ، واقْتَضَى كلامُه أنَّ بَقِيَّةَ أقْسَامِ الصفَةِ من العِلَّةِ والظرْفِ والحالِ على السواءِ، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أعْلاهَا العِلَّةُ لدَلالَتِهَا على (إنَّما)، فهي قريبةٌ من النصِّ.
ثمَّ العَدَدُ، ثمَّ تَقْدِيمُ المَعْمُولِ، وإنَّما أَخَّرَهُ؛ لأنَّه لا يُفِيدُ في كلِّ صُوَرِه وأَحْوالِه، ولأنَّ المَحْفوظَ فيه عن القائلِ به لفْظُ الاخْتصاصِ لا الحَصْرُ، وكذا قالَهُ البيانِيُّونَ، وخَالَفَ ابنُ الحَاجِبِ وأَبُو حَيَّانَ، أمَّا ابنُ الحَاجِبِ فقالَ في شَرْحِ (المُفَصَّلِ): إنَّ الاخْتصاصَ الذي يَتَوَهَّمَهُ كثيرٌ من الناسِ في تَقْدِيمِ المَعْمُولِ وَهْمٌ، والتمَسُّكُ فيه مثلَ قولِه تعالى: {بَلْ اللهَ فَاعْبُدْ} ضعيفٌ؛ لأنَّه قد جَاءَ {فَاعْبُدِ اللهَ} واعْبُدِ اللهَ؛ أي: لو كانَ التقديمُ مُفيداً للحَصْرِ، لكَانَ التاخِيرُ مُفِيداً عَدَمُه، لكونِه نَقِيضُه، وفيما قالَه نَظَرٌ؛ لأنَّه ليسَ عَدَمِ إفادتِه التاخِيرِ الحَصْرُ لعَدَمِ الحَصْرِ، ليَكُونَ سَبَباً في إفادةِ التقديمِ الحَصْرُ، بل تَاخِيرُ المَفْعُولِ غيرُ مُسْتَلْزِمٍ للحَصْرِ ولا لِعَدَمِه، والحاصلُ أنَّ القَصْدَ إنْ تَعَلَّقَ بعِبَادَةِ اللهِ تعالى فقطْ أَخَّرَ المَفْعُولَ، وإنْ تَعَلَّقَ بعِبَادَتِه وعَدَمِ عِبَادَةِ غَيْرِه قُدِّمَ، وأمَّا قولُه: {فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً} ف {مُخْلِصاً} أَغْنَى عن إفِادَةِ الحَصْرِ في الآيةِ الأولى.
وأمَّا أَبُو حَيَّانَ فَرَدَ في أوَّلِ تَفْسِيرِه على مَن يَدَّعِي الاخْتصاصُ، ونَقَلَ عن سِيبَوَيْهِ، أنَّ التَّقْدِيمَ للاهْتمَامِ والعنايةُ لا للاخْتصاصِ، فإنَّه قالَ: فإنَّهم يُقَدِّمونَ الذي شأنَه أهَمُّ، وَهُم ببَيَانِه أَغْنَى، وأنَّه ذَكَرَ أنَّ الاهْتمامَ والعنَايَةَ في التقْدِيمِ والتاخيرِ سواءٌ في مثالِ: ضَرَبْتَ زَيداً وزَيداً ضَرَبْتَ، وإذا قَدَّمْتَ الاسْمَ فهو عَرَبِيٌّ جَيِّدٌ كما كانَ ذلك يَعْنِي تَاخِيرُه عَرَبِيًّا جَيِّداً، وذلك قولُه: زَيدٌ ضَرَبْتَ، والاهْتَمامُ والعنايةُ هنا في التقْدِيمِ والتاخِيرِ سواءٌ مثلُه في: ضَرَبَ زَيدٌ عَمْراً، وضَرَبَ عَمْراً زَيدٌ، انْتَهَى، وهذا لا حُجَّةَ فيه، فإنَّ سِيبَوَيْهِ ذَكَرَهُ في بابِ الفاعِلِ الذي يَتَعَدَّاهُ فِعْلُه إلى مَفْعُولٍ، قالَ: وذلك كقولِهم: ضَرَبَ زيداً عبدُ اللهِ، ثمَّ قالَ: كأنَّهم يُقَدِّمُونَه إلى آخِرَهُ وهذا ليسَ مَحَلُّ النِّزاعِ؛ لأنَّ الكلامَ في تَقْدِيمِ المَعْمولِ على العاملِ لا في تَقْدِيمِه على الفاعلِ، فإنَّ قُلْتَ: فقد ذَكَرَهُ في بابِ ما يَكُونُ الاسمُ فيه مَبْنِيًّا على الفِعْلِ، قالَ: وذلك قولُك: زَيداً ضَرَبْتَ، فالاهْتِمامُ والعنايةُ هنا في التقديمِ والتأخيرِ سواءٌ، مثلُه في: ضَرَبَ زَيدٌ عَمْراً، وضَرَبَ
(1/371)

عَمْراً زَيدٌ.
قلتُ: إنْ كانَ هذا مَحَلَّ النِّزاعِ فلا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّه إنَّما ذَكَرَهُ من الجِهَةِ التي شَابَهُ بها تَقْدِيمَ الفَاعِلِ على المفعولِ، أو العكسِ في المثالَيْنِ، وليسَ فيه من هذه الجَهَةِ إلاَّ الاهتمامُ، ولا يَبْقَى ذلك الذي اخْتَصَّ به إذا تَقَدَّمَ على العامِلِ وهي الحَصْرُ، ويُمْكِنُ تَنْزِيلُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ أنَّ الاهتمامَ والعنايةَ في التقديمِ والتأخيرِ سواءٌ بالنِّسْبَةِ إلى الإسْنادِ، والواقعُ في الكلامِ ورَبْطُ الفِعْلِ بالفاعلِ والمفعولِ، لا بالنِّسْبَةِ إلى ما يَلْمَحُ من معنٍى آخَرَ زائِدٍ على ذلك، وفي كلامِه ما يُشِيرُ إلى ذلك، حيثُ قالَ: كأنَّهم يُقَدِّمُونَ الذي شَانَه أَهَمُّ لهم وهُم بِبَيَانِه أَعْنَى، وإنْ كَانَا جَمِيعاً يَهُمَّانِهم، فانْظُرْ كيفَ أَثْبَتَ زِيادَةَ معنًى في التقْدِيمِ، وأَتَى بأَفْعَلِ التفْضِيلِ؟ فإنَّ أنْزَلْتَ كلامَه الأوَّلُ= والثاني على هذا التقديرِ، وجُعِلَتُ اسْتِواءُ التقديمِ والتأخيرِ بالنسبةِ إلى الإسنادِ الحاصلِ، وأنَّ ذلك لا تَتَغَيَّرُ دلالَتُه عندَ التقديمِ والتأخيرِ، إلاَّ أنَّ التقديمَ يُفيدُ زيادةً في الاهتمامِ، عَرَفْتَ أنَّه ليسَ في كلامِه هذا ما يَمْنَعُ من إفادَةِ الاخْتِصاصِ عندَ تأخيرِ العاملِ، فإنَّا لا نَمْنَعُ أنَّ التقْدِيمَ والتاخِيرَ، سواءٌ بالنسبةِ إلى رَبْطِ الفِعْلِ بالفاعِلِ والمفعولِ، وإنَّما المُدَّعِي قَدْرٌ زائدٌ على ذلك، ومن العَجَبِ أنَّ أَبَا حَيَّانَ ذَكَرَ كلامَ سِيبَوَيْهِ عَقِبَ كلامِه الأوَّلِ، مُؤَيِّداً له به مُقَرِّراً بها امْتِناعُ الاخْتصاصُ.
وممَّا اسْتَدَلَّ به بعضُ المتأَخِّرينَ على عَدَمِ إفادةِ الحَصْرِ وقوعُ الأمْرَيْنِ في القرآنِ، نحوَ: {بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمَرْسَاهَا}. وقالَ تعالى: {اقْرَا بِاسْمِ رَبِكَ}. ونَظَائِرُها كمَا سَبَقَ في: {فَاعَبْدِ اللهَ} {بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ}. ولَحْنُ كلٍّ منها فصيحٌ في بابِه، ولا يَكادُ التقْديمُ فيه يقومُ مُقامَ التأخِيرِ ولا العكسُ، بل فيها ما يَرْشُدُ إلى الاخْتِصاصِ، فإنَّ قولَه: {اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ}. لا يَمْنَعُ أنْ يَقْرَأَ بغَيرِ الاسْمِ، وقولُه: {بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا}. تَمَنَعُ أنَّها تَجْرِي إلاَّ بِاسْمِه.
وقالَ
(1/372)

صاحبُ (الفَلَكِ الدَائِرِ): الحقُّ أنَّه لا يَدُلُّ على الاخْتصاصِ إلاَّ بالقَرائِنِ، وإلاَّ فقد كَثُرَ في القرائنِ التصْريحُ به معَ عَدَمِه، كقَولِه: {إنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى} ولم يَكُنْ ذلك مُخْتَصًّا به، فقد كانَتْ حواءٌ كذلك.
ص: (والاخْتصاصُ الحَصْرُ، خِلافاً للشيخِ الإمامِ حيثُ أثْبَتَهُ، وقالَ: ليسَ هو الحَصْرُ).
ش: اشْتَهَرَ في كلامِ البَيَانِيِّينَ أنَّ تقديمَ المعْمولِ يُفِيدُ الاخْتصاصَ، ويَفْهَمُ كثيرٌ من الناسِ من الاخْتصاصِ الحَصْرَ، فإذا قُلْتَ: زَيداً ضَرَبْتُ، يكونُ معناهُ: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ زَيداًَ.
وخَالَفَهم والِدُ المُصَنِّفِ وقالَ: الفُضَلاءُ لم يَذْكُرُوا في تَقْدِيمِ المعْمولِ إلاَّ لفْظَ الاخْتصاصِ، منهم الزَّمَخْشَرِيُّ في {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}، وغيرُها، والحقُّ أنَّهما مُتَغَايرانِ، والفرْقُ بينَهما أنَّ الاخْتِصاصَ افْتعالٌ من الخُصوصيَّةِ، والخصوصُ مُرَكَّبٌ من شَيْئَيْنِ: أحدُهما عامٌّ مُشْتَرِكٌ بينَ أشياءٍ.
والثاني: معنى يَنْضَمُّ إليه بفَصْلِه عن غيرِه كضَرْبِ زَيدٍ، فإنَّه أَخَصُّ من مُطْلَقِ الضرْبِ، فإذا قُلْتَ: ضَرَبْتُ زَيداً، أَخْبَرْتَ بضَرْبٍ عامٍّ، وَقَعَ منك على شَخْصٍ خاصٍّ، فصَارَ ذلك الضَّرْبُ المُخْبِرُ به خاصًّا لمَا انْضَمَّ إليه مِنْكَ ومِن زَيْدٍ، وهذه المعانِي الثلاثةُ، أعْنِي: مُطْلَقُ الضَرْبِ، وكونَه واقعاً مِنْكَ، وكونَه واقعاً على زَيدٍ قد يكونُ مَقْصودُ المُتَكَلِّمِ لها ثَلاثَتُها على السواءِ، وقد يُرَجِّحُ قصْدَه لبَعضِها على بعضٍ، ويُعْرَفُ ذلك بما ابْتَدَأَ كلامَه، فإنَّ الابْتِداءَ بالشيءِ يَدُلُّ على الاهتمامِ به، فإذا قُلْتَ: زَيدٌ ضَرَبْتُ، عُلِمَ أنَّ خُصوصَ الضرْبِ على زيدٍ هو المقصودُ، ولا شَكَّ أنَّ الكُلَّ مُرَكَّبٌ من خاصٍّ وعامٍّ من جهَتَيْنِ، فقد يُقْصَدُ من جِهَةِ عُمُومِه، وقد يُقْصَدُ من جِهَةِ خُصوصِه، فقَصْدُه من
(1/373)

جِهَةِ خُصُوصِه هو الاخْتصاصُ، وأنَّه هو الأهَمُّ عندَ المُتَكَلِّمِ، وهو الذي قَصَدَ إفادَتَه السَامِعَ من غيرِ تَعَرُّضٍ ولا قَصْدٍ لغَيْرَهِ بإثباتٍ ولا نَفْيٍ، وأمَّا الحَصْرُ فمَعْنَاه: إثباتُ المَذْكورِ= ونَفْيُ غيرِه، وهو زائدٌ على الاخْتصاصِ، وإنَّما جَاءَ هذا في {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} للعِلْمِ بأنَّه لا يَعْبُدُ غيرَ اللهِ، لا من موضوعِ اللفْظِ، ألاَّ تَرَى أنَّ بَقِيَّةَ الآياتِ لم يَطَّرِدُ فيها ذلك، فإنَّ قولَه تعالى: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ} لو جَعَلَ في معنَى: ما يَبْغُونَ إلاَّ غيرَ دِينِ اللهِ، وهَمْزَةُ الإنْكارِ داخلِةٌ عليه، لَزِمَ أنْ يَكونَ المُنْكَرُ الحَصْرَ، لا مُجَرَّدٌ بَغَْيهِم غيرِ دينِ اللهِ، ولا شَكَّ أنَّ مُجَرَّدَ بَغْيهِم غيرِ دِينِ اللهِ مُنْكَرٌ، وكذلك بَقِيَةُ الآياتِ إذا تَأَمَّلْتَها. انْتَهى مُلخصًّا.
وحاصلُه: أنَّ الاخْتصاصَ في إعْطاءِ الحُكْمِ للشيءِ والسُّكوتِ عمَّا عَدَاهُ، الحَصْرُ: إعطاءُ الحُكْمِ للشيءِ والتعَرُّضُ لنَفْيهِ عمَّا عَدَاهُ، ففِي الاخْتِصاصِ قضِيَّةٌ واحِدَةٌ، وفي الحَصْرِ قَضِيَّتَانِ، وقد يَحْتَجُّ للتغَايُرِ بقولِه تعالى: {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ}. فإنَّه لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ بحَصْرِ رحْمَتِه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ حَصْرُها.
ص: مسألَةٌ: (إنَّما) قالَ الآمِدِيُّ وأَبُو حَيَّانَ: لا تُفِيدُ الحَصْرَ، وأَبْو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ والغَزَالِيُّ والكِيَا والشيخُ الإمَامُ: تُفِيدُ فَهْماً، وقيلَ: نُطْقاً).
ش: اخْتَلَفَ الأصُولِيُّونَ في (إنَّما) هل تُفِيدُ الحَصْرَ؟ فقيلَ: تُفِيدُ، وقيلَ:
(1/374)

لا تُفِيدُ، واخْتَلَفَ القائِلُونَ به: هل هو مَنْطُوقٌ أو مَفْهُومٌ؟ والقولُ بأنَّها لا تُفِيدُ هو رَايُ الآمِدِيُّ، وإنَّما يُفِيدُ تَاكِيدَ الإثباتِ، وهو قضيةُ كلامِ ابنِ دَقِيقِ العِيدِ، فإنَّه قالَ: إنَّ دَلَّ السياقُ، والمقْصودُ من الكلامِ على الحَصْرِ في شيءٍ مَخْصُوصٍ قُيِّدَ به، وإنْ لم يَدُلُّ عليه، فاحْمِلِ الحَصْرَ على الإطْلاقِ، كقولِه تعالى: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ}، فإنَّ الرسولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يَنْحَصِرُ في النَذَارَةِ، بل له أَوْصافٌ جَمِيلَةٌ كثيرةٌ كالبِشارَةِ وغيرِها.
ولكنَّ مفهومَ الكلامِ يَقْتَضِي حَصْرَهُ في النذَارَةِ لِمَنْ لا يُؤْمِنُ، واخْتَارَهُ الشيخُ أَبُو حَيَّانَ وكانَ يقولُ: إنَّها لا تَدُّلُ على الحَصْرِ بالوَضْعِ، كما أنَّ الحَصْرَ لا يُفْهَمُ من أخواتِها التي كَفَّتْ بما، فلا فَرْقَ بينَ: لَعَلَّ زيداً قَائِمٌ، ولعَلَّمَا زيدٌ قائمٌ، وكذلك: إنَّ زيداً قائمٌ، وإنَّما زَيدٌ قائمٌ، وإذا فُهِمَ حُصِرَ= فإنَّما يُفْهَمُ من سياقِ الكلامِ، لا أنَّ (إنَّما) دَلَّتْ عليه، واشْتَدَّ نَكِيرُه على مَن يُخالِفُه، ونَقَلَه عن البَصْرِيِّينَ وفيه نَظَرٌ، فإنَّ الأَزْهَرِيَّ، من أَئِمَّةِ اللُغَةِ في كتابِه (الزَّاهِرُ) عن أهْلِ اللُغَةِ: إنَّها تَقْتَضِي
(1/375)

إِيجَابُ شيءٍ ونَفْيُ غيرِه، كقولِك: إنَّما المَرْءُ بأَصْغَرَيْهِ؛ أي: كَمَالُه بِهَذَيْنِ العُضُوَيْنِ لا بِرُؤيَتِه ومَنْظَرِه، والقولُ بأنَّها تُفِيدُ من جِهَةِ المفهومِ. قالَ به الشيخُ أَبُو إِسْحَاقَ ومَن ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ، وفيه نَظَرٌ، فإنَّ الغَزَالِيَّ نَقَلَ عن القَاضِي أنَّه ظَاهِرٌ في الحَصْرِ ومُحْتَمِلٌ للتَّوْكيدِ، ثمَّ قالَ: وهو المختارُ، ووافَقَهُ الكِيَا، والذي في (التَّقْرِيبِ) للقَاضِي: أنَّها مُحْتَمِلَةٌ لتَاكِيدِ الإثْباتِ ومُحْتَمِلَةٌ للحَصْرِ، وزَعَمَ أنَّ العَرَبَ اسْتَعْمَلَتْها لكلٍّ مِن الأَمْرَيْنِ، ثمَّ قالَ: ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: ظاهرٌ في الحَصْرِ، وقالَ السَّكَاكِيُّ: ليسَ الحَصْرُ في (إنَّما) من جِهَةِ أنَّ (مَا) للنَّفِيِّ كما يَفْهَمَهُ مَن لا وُقُوفَ له على عِلْمِ النَّحْوِ، يُريدُ به طَريقَةَ الرَّازِيِّ والبَيْضَاوِيِّ؛ لأنَّها لو كانَتْ للنَّفْيِ لكانَ لها صَدْرُ الكلامِ، وإنَّما هي (مَا) الكَافَّةُ ل (إِنَّ) عن العَمَلِ.
ثمَّ حَكَى عن عَلِيِّ بنِ عِيسَى الرَّبْعِيِّ، واسْتَلْطَفَه: أنَّ
(1/376)

(إِنَّ) لتوكِيدِ إثبَاتِ المُسْنَدِ للمُسْنَدِ إليه و (مَا) مُؤكِّدَةٌ فيُنَاسِبُ تَضَمُّنِ معنى الحَصْرِ، وفيه نَظَرٌ، إذ لا يَلْزَمُ الحَصْرُ بحصولِ تَاكِيدٍ على تَاكِيدٍ، نحوَ: قَامَ القومُ كُلُّهم أَجْمَعُونَ، وكانَ بعضُ مشايخِنَا يقولُ: أَحْسَنُ ما يُسْتَدَلُّ به على الحَصْرِِ في (إنَّما) انْفِصالُ الضميرِ بعدَها (هو) أمَّا احْتِجَاجُ ابنُ دَقِيقِ العِيدِ بأنَّ ابنَ عَبَّاسٍ فَهِمَ الحَصْرَ من قولِه: ((إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ))، فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لأنَّ ابنَ عَبَّاسٍ روَى الحَدِيثَ بهذا اللفظِ، ورَوَاهُ عن أُسامَةَ بنِ زيدٍ بلفظٍ: ((لَيْسَ الرِّبَا إِلاَّ فِي النَّسِيئَةِ)). كما ثَبَتَ في صحيحِ مُسْلِمٍ، وهذه الصيغَةُ الثانيةُ، صيغةُ حَصْرٍ بالإجْماعِ، فما المَانِعُ أنْ يكونَ
(1/377)

ابنُ عَبَّاسٍ إنَّما فَهِمَه من هذه الصِّيَغَةِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِا، لا صيغَةَ (إنَّما) المُخْتَلِفُ فيها؟ ومَثَلُ الشيخُ على تَحْقِيقِه وتَدْقِيقِه لا يُسامِحُ بتساوِي الصِّيغَتَيْنِ، والقولُ بأنَّها مَنْطُوقٌ، حَكَاهُ الشيخُ أَبُو إِسْحَاقَ في (التَّبْصِرَةِ) عن القَاضِي أَبِي حَامِدَ المَرُوزِيِّ، قالَ معَ نَفْيهِ لدليلِ الخِطابِ: وتَظْهَرُ فائِدَةُ الخلافِ فيما لو قالَ: إنَّما قَامَ زَيدٌ، ثمَّ قالَ: وعَمْرٌو، فهل يَكُونُ قولُه: وعمرٌو تَخْصِيصاً أو نَسْخاً؟ فمَن قالَ: إنَّه بالمَنْطوقِ يَدُلُّ على عَدَمِ قِيامِ غيرِه كانَ نَسْخاً، ومَن قالَ: إنَّه بالمَفْهُومِ كانَ تَخْصيصاً.
ص: (وبِالفَتْحِ، الأصَحُّ أنَّ حَرْفَ (أنَّ) فيها فَرْعُ المَكْسُورَةِ، ومِن ثَمَّةِ
(1/378)

ادَّعَى الزَّمَخْشَرِيُّ إِفَادَتَه= الحَصْرِ).
ش: مَا تَقَدَّمَ في (إنَّما) بكَسْرِ (إنَّ) أمَّا المَفْتُوحَةُ فزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكلامِ على قولِه: {قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهَكَمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} إِفَادَتُها القَصْرُ، وجَعَلَ المُصَنِّفُ مَاخَذَهُ البِنَاءُ على أَصْلٍ نَحْوِيٍ، وهي أنَّها فَرْعُ المَكْسُورَةِ وهو الأَصَحُّ، وقيلَ: المَفْتُوحَةُ أَصْلٌ، وقيلَ: كلُّ منْهُما أَصْلٌ بنَفْسِه، هكذا حَكَى ابنُ الخَبَّازِ النَّحْوِيُ الأقْوالِ الثلاثَةِ، ومن هنا يُسْتَنْكَرُ على الشيخِ أَبِي حَيَّانَ دَعْواهُ أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ تَفَرَّدَ بهذه المقالَةِ، وأنَّه لا يَعْرِفُ القولَ بذلك إلاَّ في (إنَّما) بالكَسْرِ، وهذا مَرْدُودٌ، فإنَّها فَرْعُها، ولهذا قالَ سِيبَوَيْهِ في بابِ إنَّ وأخواتُها: بابُ الأَحْرُفِ الخَمْسَةِ، فعدَّ (إنَّ) و (أنَّ) واحِدَةٌ.
وإذا كانَتْ المَفْتُوحَةُ فَرْعُ المَكْسُورَةِ، فكلُّ حُكْمٍ ثَبَتَ للأَصْلِ ثَبَتَ للفَرْعِ ما لم يَمْنَعْ مَانِعٍ، واعْتُرِضَ عليه أيضاًً بأنَّ دَعْوَى الحَصْرِ فيها بَاطلٌ؛ باقْتِضاءِ إنَّه لم يُوحَ إليه سِوَى التوحيدِ، وهو عَجِيبٌ من وجْهَيْنِ:
أحدُهما: أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ يَلْتَزِمُ ذلك بناءً على رَايهِ الفاسدِ في الاعْتزالِ من إنْكارِ الصفاتِ، بل لَعَلَّ هذا هو مَاخَذَهُ في دَعْوَى الحَصْرِ.
ثانيهُما: أنَّ هذا حَصْرٌ مُقَيَّدٌ، فإنَّ الخِطابَ معَ المُشْركِينَ فالمعنَى ما أُوحِيَ إليَّ في أَمْرِ الرُّبُوبِيَّةِ إلاَّ التوحيدَ لا الإشراكَ، ويُسَمِّيهِ البَيانِيُّونَ قَصْرُ قَلْبٍ لقَلْبِ اعْتِقادِ المُخاطَبِ.
(1/379)

ص: (مَسْأَلَةٌ: من الأَلْطافِ حُدوثُ المَوْضوعَاتِ اللُغَوِيَّةِ ليُعَبَّرَ عمَّا في الضمِيرِ، وهي أَفْيَدُ من الإشارةِ والمثالِ وأَيْسَرُ).
ش: وجْهُ كونِه من الألْطافِ، حَاجَةُ الخَلْقِ إلى إعْلامِ بعضُهم بعضاً، ما في ضمائِرِهم من أمْرِ مَعاشِهم للمُعامَلاتِ وأَمْرِ مَعَادِهم لإفادِةِ المَعْرِفَةِ والأحْكامِ، فوضَعَ لهم الألفاظَ لمَعانِيها ووقَّفَهم عليه على قولِ التَّوقُّفِ، أو جَعَلَهم قَادِرِينَ على وَضْعِ الألفاظِ لمَعانِيها، على قولِ الاصْطلاحِ، ولهذا عَبَّرَ المُصَنِّفُ بالحُدوثِ، ليُنَبِّهَ= على أنَّه لُطْف= على كلا القَوْلَيْنِ، بخلافِ تَعْبِيرِ ابنِ الحَاجِبِ بالإِحْداثِ، فإنَّه يُوهِمُ التخْصيصُ بالتَّوَقُّفِ، ثمَّ إنَّه جَعَلَ ذلك بالنُّطْقِ دونَ الإشارَةِ والمثالِ؛ لكونِه أَفْيدُ وأَسْهَلُ.
أمَّا كونُه أَفْيدُ، فلأنَّ اللفْظَ يَعُمُّ كلَّ موجودٍ ومَعْدُومٍ بخلافِ الإشارَةِ، فإنَّها للموجودِ، وبخلافِ المِثالِ، وهو أنْ يَجْعَلَ لِمَا في الضميرِ مُشْكلاً، فإنَّه أيضاًً كذلك؛ لأنَّه يَعْسُرُ، بل يَتَعَذَّرُ أنْ يَجْعَلَ لكلِّ شيءٍ مثالٌ= يُطابِقُه، وأمَّا كونُه أَيْسَرُ فلأنَّه يُوافِقُ الأمْرَ الطبيعِيِّ؛ لأنَّ الحروفَ كيْفِيَّاتٍ تُعْرَضُ للنَّفْسِ الضَرُورِيُّ، ولا شَكَّ أنَّ المُوافِقَ للأمْرِ الطبِيعِيِّ أسْهَلٌ من غيرِ فَخْفَتِ المَؤنَةُ وعَمَّتِ الفائِدَةُ.
ص: (وهي الألفاظُ الدَّالَّةُ على المعانِي).
ش: الضميرُ راجِعٌ إلى الموضوعاتِ اللُّغَوِيَّةِ، والألفاظُ جِنْسٌ قريبٌ، فيَخْرُجُ ما دَلَّ على معنًى، وليسَ بلَفْظٍ كالخَطِّ والعقودُ، والإشارَةُ فلا يَكُونُ شيءٌ منها لُغَةً، والمرادُ بالألفاظِ كلُّ ما كانَ مَلْفُوظاً به حقيقةً أو حكماً، لتَدْخُلَ الضَّمائِرُ المُسْتَتِرَةُ في الأفْعَالِ، فإنَّها ملفوظٌ بها حُكْماً بدليلِ إسنادِ الفِعْلِ إليها، وجوازِ تَاكِيدِها، والعَطْفِ عليها، وخَرَجَ بالدَّلالَةِ على المعانِي المُهْمَلاتِ، ودَخَلَ في هذا الحَدِّ المُفْرَدُ والمُرَكَّبُ حُكْماً، إذِ اللُّغَةُ تلطف= على الجميعِ، وعُلِمَ منه أنَّ دلالَةَ الألفاظِ المُرَكَّبَةِ على معانِيها وَضْعِيَّةٌ، وسَيَذْكُرُها المُصَنِّفُ في بابِ الأَخْبَارِ، وهذا التعريفُ أَحْسَنُ من قولِ ابنِ
(1/380)

الحَاجِبِ: كُلُّ لفظٍ وُضِعَ لمعنًى، لِمَا في (كُلِّ) من الإشكالِ.
ص: (وتُعْرَفُ بالنَّقْلِ تواتراً أو آحاداً أو باسْتِنْباطِ العَقْلِ من النَّقْلِ، لا بِمُجَرَّدِ العَقْلِ).
ش: يُعْرَفُ وَضْعُ اللفظِ للمعنَى بطريقِ الحَصْرِ، إمَّا النَّقْلُ الصَّرْفُ أو العَقْلُ الصَّرْفُ أو المُرَكَّبُ منهُما.
فأمَّا العقلُ الصَّرْفُ، فلا مَدْخَلَ له في ذلكَ، فإنَّه لا يَسْتَقِرُّ بالأمورِ الوَضْعِيَّةِ.
وأمَّا النَّقْلُ الصَّرْفُ، فهو إمَّا متواترٌ كالسماءِ، والحَرِّ والبَرْدِ، ونحوِها ممَّا لا يَقْبَلُ التَّشْكِيكَ، وهو يُفِيدُ القَطْعَ، وإمَّا آحادٌ كالقَرْءِ ونحوِه، وهو يُفِيدُ الظَّنَّ، فيَتَمَسَّكُ به في المَسائِلِ الظِّنِّيَّةِ دونَ القَطْعِيَّةِ.
وأمَّا المُرَكَّبُ منهُما، كما إذا نُقِلَ إلِينَا أنَّ الجَمْعَ المُعَرَّفُ بالألِفِ واللاَّمِ للعمومِ.
وكانَ الشيخُ زَينُ الدِّينِ الكِنَانِيُّ
(1/381)

يَعْتَرِضُ على هذا المثالِ بأنَّ المُقَدِّمَتَيْنِ نَقْلِيَّتَانِ، وإذا تَرَكَّبَ الدليلُ من مقدمتَيْنِ نَقْلِيَّتَيْنِ لم يَصِحَّ أنْ يُقالَ: إنَّه مُرَكَّبٌ من العَقْلِ والنَّقْلِ، وإنَّما غايتُه أنَّ العَقْلَ تَفَطَّنَ لنَتِيجَتِهِمَا، وهذا مردودٌ، فإنَّ الدليلَ ليسَ مُرَكَّباً من نَقْلِيَّتَيْنِ ضَرَورَةٌ عَدَمِ تَكَرُّرِ الحَدِّ الأوسْطِ فيهما، وإنَّما هو مُرَكَّبٌ من مُقَدِّمَةٍ نَقْلِيَّةٍ مَحْضَةٍ، وهي الاستثناءُ، إخْراجُ بعضِ ما يَتَنَاولُه اللفظُ، ومُقَدِّمَةٍ عَقْلِيَّةٍ لازمَةٍ لمُقَدِّمَةٍ أُخْرَى، وهي أنَّ كُلَّ ما دَخَلَه الاستثناءُ عامٌّ، لأنَّه لو لم يكنُ عاماً لم يَدْخُلِ المُسْتَثْنَى فيه، ثمَّ جُعِلَتْ هذه القضيةُ كُبْرَى للمُقَدِّمَةِ الأُخْرَى النَّقْلِيَّةِ، فصَارَ صُورَةُ الدليلِ هكذا: الجَمْعُ المُحَلَّى بألْ يَدْخُلُه الاستثناءُ، وكلُّ ما يَدْخُلُه الاستثناءُ عامٌّ، يَنْتُجُ أنَّ المُحَلَّى بألْ عَامٌّ.
ص: (ومَدْلُولُ اللفظِ إمَّا معنًى جُزْئِيٌّ أو كُلْيٌّ، أو لَفْظٌ مُفْرَدٌ مُسْتَعْمَلٌ، كالكَلِمَةِ فهي قَوْلٌ وُضِعَ لمَعنًى مُفْرَدٍ، أو مُهْمَلٍ كأسماءِ حروفِ الهَجاءِ، أو مُرَكَّبٌ).
ش: مدلولُ اللَفْظِ يَنْقَسِمُ إلى أقسامٍ؛ لأنَّ مدلولَه إمَّا معنًى أو لَفْظٌ، والأوَّلُ يَنْقَسِمُ إلى جُزْئِيٍّ وكُلُّيٍّ، لأنَّه إمَّا أنْ يَكُونَ المَعْنَى مُشْتَرِكاً بينَ الأفْرَادِ المَوْجُودَةِ أو المُتَوَهِّمَةِ، فهو الكُلُّيُّ كالإنسانِ والعنقاءِ أو لا يَكُونُ فهو الجُزْئِيُّ كزيدٍ.
(1/382)

والثاني: إمَّا أنْ يَكُونَ اللفظُ الذي هو مَدْلُولُه مُفْرَداً أو مُرَكَّباً، وكلُّ منهما إمَّا أنْ يَكُونَ مُهْمَلاً أو مُسْتَعْمَلاً، فالأوَّلُ: الكلمةُ، فإنَّه لَفْظُ مدلولِه، لَفْظٌ مُفْرَدٌ مُسْتَعْمَلٌ، وهو الاسمُ والفِعْلُ والحَرْفُ، إنَّما قالَ: (قَولٌ) ولم يَقُلْ: لفظٌ؛ لأنَّ القَوْلَ جِنْسٌ قَرِيبٌ، لاخْتِصاصِهِ بالمُسْتَعْمَلِ، بخلافِ اللفْظِ، ولهذا لم يَقُلْ: وُضِعَ لمعنًى مُفْرَدٍ، كما قالَهُ غيرُه؛ لأنَّ أولئِكَ أَخَذُوا اللفظَ جِنْساً، فاحْتَاجُوا للاحْتِرَازِ عن المُهْمَلِ بذِكْرِ الوَضْعِ، والمُصَنِّفُ لمَّا أَخَذَ القَوْلُ جِنْساً وهو خاصٌّ بالوَضْعِ أَغْنَاهُ عن اشْتِرَاطِ الوَضْعِ.
والثانِي: كَأَسْمَاءِ حُرُوفِ التَّهَجِّي، فإنَّ مَدْلُولَه لَفْظٌ مُفْرَدٌ مُهْمَلٌ، ألاَ تَرَى أنَّ حُرُوفَ جَلَسَ لم يُوضَعْ لمعنًى، معَ أنَّ كُلاًّ منها قد وُضِعَ له اسمٌ، فالأوَّلُ الجيمُ، والثانِي اللاَّمُ، والثالثُ السِّينُ.
والثالثُ: كلفظِ الخَبَرِ، فإنَّ مدلولَه لفظٌ مُرَكَّبٌ مُسْتَعْمَلٌ، نحوَ: قَامَ زَيدٌ.
والرابعُ: أنَّ يَكُونَ المَدْلُولُ لفْظاً مُرْكباً مُهْمَلاً، وفي كونِه مُجْرَداً خلافٌ، حَكَاهُ المصنف في بابِ الأَخْبَارِ، وقد تَعَرَّضَ في المِنْهاجِ هنا لأقْسامِ المُرَكَّبِ، وأَهْمَلَه المُصَنِّفُ؛ لأنَّه ذَكَرَه في بابِ الأَخْبَارِ.
ص: (والوَضْعُ جَعَلَ اللفظَ دَلِيلاً على المعنَى).
ش: أي: جَعَلَه مُهَيَّأً لأنْ يُفِيدَ ذلك المعنَى عندَ اسْتِعْمَالِ المُتَكَلِّمِ له على وجْهٍ
(1/383)

مَخْصُوصٍ، كتَسْمِيَةِ الوَلَدُ زَيْداً، ومنهُم مَن قَالَ بتَخْصيصِ الشَّيءِ بالشيءِ، بحيثُ إذا أُطْلِقَ الأوَّلُ فُهِمَ منه الثانِي، فإنَّك إذا أَطْلَقْتَ قولَك: قَامَ زيدٌ، فُهِمَ منه القيامُ، وهذا التعريفُ الذي ذَكَرَه المُصَنِّفُ لأحَدِ أقْسامِ الوَضْعِ وهو اللُّغَوِيُّ وهو مُرَادُهُ، ويُطْلَقُ باعتبارَيْنَ آخَرَيْنِ:
أحدُهما: على عِلَّتِه، اسْتِعْمَالُ اللَّفْظُ في المعنَى، حتى يَصِيرَ أشْهَرَ فيه من غيرِه، وهذا وَضْعُ المَنْقُولاتِ الثلاثِ الشَّرْعِيِّ كالصلاةِ، والعُرْفِيِّ العامِّ كالدابَّةِ، والعُرْفِيِّ الخاصِّ كالجَوْهَرِ والعَرَضِ عندَ المتكلمِينَ.
والثاني: أصْلُ الاسْتِعْمالِ من غيرِ غَلَبَةٍ، كقولِهم: هل مِن شَرْطِ المَجَازِ الوَضْعُ؟
ص: (ولا يُشْتَرَطُ مُنَاسَبَةُ اللفظِ للمعنَى، خلافاً لعَبَّادٍ حيثُ أَثْبَتَها، فقيلَ بمعنَى أنَّها حامِلَةٌ على الوضْعِ، وقيلَ: بل كافيةٌ في دلالةِ اللفظِ على المعنَى)
ش: ذَهَبَ عَبَّادٌ إلى أنَّ دلالَةَ اللفظِ على المعنَى لمُنَاسَبَةِ طَبِيعِيَّةٍ، وإلاَّ لِمَا كَانَ اختصاصُ ذلك اللفظِ أَوْلَى من غيرِه، وخَالَفَه الجمهورُ، مُحْتَجِّينَ بِصِحَّةِ
(1/384)

الوَضْعِ للشيءِ ونَقِيضِه وضدِّه، ولو كَانَتِ المُنَاسَبَةُ شَرْطاً لمَا جَازَ؛ لأنَّ الشيءَ الواحدُ لا يُنَاسِبُ الضِّدَّيْنِ مُنَاسَبَةً طبيعِيَّةً، وأَجَابُوا عن شُبْهَةِ (عَبَّادٍ) بأنَّا إنْ قُلْنَا: إنَّ الوَاضِعَ هو اللهُ، فسَبَبُ التَّخْصِيصِ هو الإرَادَةُ القَدِيمَةُ، وإنْ كانَ هو العبدُ، فسَبَبُه هو خُطُورُ ذلك المَعْنَى ببَالِه دونَ غيرِه كتَخْصِيصِ الأعلامِ بالأشخاصِ، والنَّقْلُ عَن عَبَّادٍ مُخْتَلِفٌ، فقيلَ: إنَّه أَثْبَتَها بمعنَى أنَّها أي: المُنَاسَبَةُ حامِلَةٌ على الوَضْعِ، سواءٌ كانَ الواضِعُ هو اللهُ أو غيرُه، وهو قَضِيَّةٌ نَقَلِ الآمِدِيِّ، وقيلَ: بل تِلْكَ المُنَاسَبَةُ كافيَةٌ في دلالَةِ اللفْظِ على المعنَى من غيرِ افْتِقَارٍ إلى الوَضْعِ لمَا بينَهما من المناسبةِ الطبيعِيَّةِ، وهو قَضِيَّةُ نَقْلِ المَحْصُولِ.
وتَرَدَّدَ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ في حَمْلِ مَذْهَبِ عَبَّادٍ على هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، وقَالَ: إنْ أَرَادَ الأوَّلُ فهو قَرِيبٌ، لكنْ لا يُمْكِنُ ادَّعَاؤهُ في كلِّ الألفاظِ واللُّغاتِ، لأنَّا لا نَعْلَمُ بالضَّرُورَةِ أنَّ ما يَلْمَحُونَه من المناسبةِ بينَ حُروفِ الألفاظِ ومَعانِيها غيرَ مَرْعِيٍّ في كلِّ الألفاظِ واللُّغَاتِ، وعلى هذا فإفْسادُ الآمِدِيِّ
(1/385)

مَذْهَبُه، فإنَّا نَعْلَمُ أنَّ الواضِعَ في ابتداءِ الوَضْعِ لو وُضِعَ لفظُ الوجودِ للعَدَمِ أو بالعَكْسِ لِمَا كَانَ مُمْتَنِعاً، غيرُ مُسْتَقِيمٍ، إذِ الخِصْمُ لا يَقُولُ: إنَّ ذلك مُمْتَنِعٌ على هذا التَّقْدِيرِ، بل غايتُه أنُّه يَلْزَمُ القَوْلُ بالمُناسبَةِ الطبيعِيَّةِ وهو غيرُ مُمْتَنِعٌ، قَالَ: وإنْ أَرَادَ الثاني، فهو مَعْلُومُ الفسادِ بالضرُورَةِ، يعنِي: لأنَّه لو كانَ كذلكَ لعَلِمَ كُلُّ أَحَدٍ جميعَ اللُّغَةِ؛ لعَدَمِ الاختلافِ في دلالةِ الذاتِ، ولَعَلَّ عَبَّاداً يَدَّعِي ما يَدَّعِيهِ الاشْتِقَاقِيُّونَ من مُلاحَظَةِ الواضِعِ مُنَاسَبَةً ما بينَ اللفظِ ومدلولِه في الوَضْعِ، وإلاَّ فبُطْلانُه ضرورِيٌّ.
تنبيهانِ: الأوَّلُ: جَعْلُه الخلافَ في الاشْتِراطِ وعَدَمِه قد يُنَاقِشُ فيه، وإنَّما مَذْهَبُ عَبَّادٍ أنَّ إفادَةَ اللفظُ المعنَى لذاتِه، وقد أَنْكَرَ الأصْفَهَانِيُّ في (شَرْحِ المَحْصُولِ) على مَن حَمَلَ مَذْهَبَ عَبَّادٍ على أنَّ شَرْطَ وَضْعِ اللفظِ بإزاءِ المعنَى المُنَاسَبَةُ الذَّاتِيَّةُ.
وقالَ: المذاهبُ لا تُنْتَقَلُ بالاحْتِمَالِ، والمَنْقُولِ عنه ما ذَكَرْنَا، ثمَّ ذلك بَاطِلٌ بالضرورَةِ، فإنَّه يُمْكِنُنَا وَضْعُ أَلْفَاظُ المعانِي من غيرِ مُرَاعَاةِ المُنَاسَبَةِ الذاتِيَّةِ قَطْعاً، ولو كانَ شَرْطاً لِمَا أَمْكَن.
الثاني: قد يَشْتَمِلُ مَحَلُّ الخلافَ، فإنَّا إذا قُلْنَا: إنَّ اللُّغَةَ توقِيفِيَّةٌ، فيَنْبَغِي ألاَّ يَشْتَرِطُ قَطْعاً، وإنَّما يَتَّجِهُ الخلافُ في أنَّه هل يَخْلُو الوَضْعُ عن المُنَاسَبَةِ أم لا؟ لأنَّ الواضِعَ حَكِيمٌ، كما في نَظِيرِه من الخلافِ في أنَّ الأحْكَامِ هل تُعَلَّلُ بالمصالِحِ أم لا؟ وإذا قُلْنَا: اصْطِلاحِيَّةٌ، فيَنْبَغِي أنْ يُشْتَرَطَ قَطْعاً، فأينَ الخلافُ، وجوابُ هذا يُعْلَمُ من تخصيصِ الخلافِ عن عَبَّادٍ، وقد عَبَّرَ الطَّرْطُوشِيُّ بعِبَارَةٍ حَسَنَةٍ تُزِيلُ الإشْكالَ،
(1/386)

فقالَ: الخطابُ إنَّما يُفِيدُ بالمُواطَأَةِ والمُوَاضَعَةِ، وليسَ يُفِيدُ لذاتِه ولا لِصَفَةٍ هو في العَقْلِ عليها، ألاَ تَرَى أنَّ سَامِعَه إذا لم يَعْرِفُ المُوَاطَأَةَ لم يَسْتَفِدْ به شيئاًَ.
ص: (واللفظُ مَوْضُوعٌ للمعنَى الخارجيِّ لا الذهنيِّ، خلافاً للإمامِ، وقالَ الشيخُ الإمامُ: للمعنَى من حيثُ هو).
ش: اخْتُلِفَ في أنَّ اللفظَ وُضِعَ لماذا؟ على مذاهبَ:
أرْجُحَها: أنَّه موضوعٌ للمعنَى الخارجيِّ؛ أي: الموجودُ في الخارجِ، وبه جَزَمَ الشيخُ أَبُو إِسْحَاقَ في (شَرْحِ اللُمَعِ)؛ لأنَّه به تَسْتَقِرُّ الأحكامُ، ونَصَرَهُ ابنُ مالِكٍ في كتابِ (المُفَضَّلَ على المُفَصَّلِ).
والثاني: للمعنى الذِّهْنِيِّ؛ أي: سواءٌ طَابَقَ أم لا، واختارَهُ الإمامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ والبَيْضَاوِيُّ، لدَوَرَانِ الألفاظِ على المعانِي الذِّهْنِيَّةِ وجوداً وَعَدَماً، فإنَّ الإنسانَ إذا رَأَى شَبَحاً من بَعيدٍ تَخَيَّلَه طَللاً، سَمَّاهُ طللاً، فإذا رَآهُ يَتَحَرَّكُ ظَنَّهُ شَجَراً سَمَّاهُ شَجَراً، ثمَّ لَمَّا قَرُبَ منه ورآهُ رُجَلاً سَمَّاهُ رُجُلاً، وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ اختلافَ الألفاظِ للمعانِي الذِّهْنِيَّةِ إنَّما هو لاعتقادِ أنَّها في الخارجِ كذلك، لا لِمُجَرَّدِ اخْتِلافِها في الذِّهْنِ فلا يَدُلُّ على أنَّها موضوعَةٌ بإزاءِ المعانِي الذهنِيَّةِ فقطْ، ويَلْزَمُ مِن أنَّه لم يُوضَعْ لِمَا في الخَارِجِ، أنْ تَكُونَ دلالَةُ اللفظِ على ما في الخارجِ ليْسَتْ مُطَابَقَةً ولا تَضَمُّناً.
(1/387)

والثالثُ: أنَّه موضوعٌ للمعنَى من حيثُ هو أَعَمٌّ من الذهْنِيِّ والخارجيِّ، وهذا ما ذَهَبَ إليه والِدُ المُصَنِّفِ، وَرَدَّ مَذْهَبُ الإمامُ إليه، وأَفْرَدَ المسألَةُ بالتَّصْنِيفِ، والحقُّ أنَّ دلالَتَه على المعانِي الخَارِجِيَّةِ إنَّما هو بتوسُّطِ دلالتِها على المعانِي الذِّهْنِيَّةِ، ودلالَتُها على المعانِي الذَِّهْنِيَّةِ بغيرِ وَسْطٍ، ويَنْبَغِي تَنْزِيلُ كلامَ الإمامِ عليه، وأنَّه لم يَرِدْ أنَّها لم تُوضَعُ للمَعَانِي الخارجِيَّةِ ابتداءً، لأنَّها غيرَ مَقْصُودَةٍ أَصْلاً، فإنَّ ذلك باطلٌ؛ لأنَّ المُخْبِرَ إذا أَخْبَرَ غَيْرَه بقولِه: جَاءَ زَيدٌ، فمَقْصُودُ الإخبارِ بمَجِيءِ زيدٍ في الخارجِ.
ص: (وليسَ لكلِّ معنًى لفظٍ، بل كلُّ معنًى مُحْتَاجٍ إلى اللفظِ).
ش: لا يَجِبُ أنْ يكونَ لكلِّ معنًى من المعانِي لفظُ مَوْضِعٍ بِإزَائِه وهو ظاهرٌ، فإنَّ أنواعَ الأراييحِ كثيرةٌ، مع أنَّهم لم يَضَعُوا لها ألْفاظاً، تُؤْذِنُ= بها، وأيْضاً كانَ يَلَزَمُ انتفاءَ المجازِ المعلومُ ثُبوتُه ضرورَةً، واسْتَدَّلَ في (المحصولِ) بأنَّ المعانِي غيرُ مُتناهِيَةٍ، والألفاظُ متناهِيَةٌ، لتَرَكُّبِها من الحروفِ المُتَنَاهِيَةِ، والمُرَكَّبُ من المُتَنَاهِي يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَناهِياً، وقد يُمْنَعُ عَدَمُ تناهِي المعانِي، فإنَّ المَعْقُولَ مُتَنَاهٍ وبه صَرَّحَ الإمامُ في مسألَةِ المُشْتَرَكِ، ثمَّ قالَ الإمامُ: فإذا ثَبَتَ هذا فالمَعانِي قسمانِ:
أحدُهما: ما تُشْتَدُّ الحاجَةُ إلى التَّعبيرِ عنه، فيَجِبُ الوَضْعُ له لأَجْلِ الإفهامِ بالمُخَاطَبَةِ.
(1/388)

والثاني: ما لا تُشْتَدُّ الحاجَةُ إليه، فيَجُوزُ فيه الأمرانِ، يعني: الوَضْعُ وعَدَمِه، أمَّا عَدَمُ الوَضْعُ فإنَّه ليسَ ممَّا يَحْتَاجُ إليه، وأمَّا الوَضْعُ فللفوائدِ الحاصلَةِ به.
واعْلَمْ أنَّ لفظَ (المحصولِ): لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ لكُلِّ لفظٍ معنًى، بل ولا يَجُوزُ واقْتَصَرَ في (الحاصلِ) على نَفْيِ الوجوبِ، وفي (المُنْتَخَبِ) على نَفْي الجوازِ، والمُصَنِّفُ أَتَى بِلَفْظٍ يَحْتَمِلُهُمَا.
ص: (والمُحْكَمُ المُتَّضَحُ المَعْنَى والمُتَشَابِهُ، ما اسْتَاثَرَ اللهُ تعالَى بعِلْمِه، وقد يُطْلِعُ عليه بعضَ أصْفِيائِه).
ش: في القرآنِ مُحْكَمٌ ومُتَشَابِهٌ، كما قالَ تعالَى: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٍ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٍ} وقد كَثَرُ الخِلافَ في مَعْنَاهِمَا.
(1/389)

والمُصَنِّفُ في تَفْسِيرِ المُحْكَمِ مُتَابِعٌ لابنِ الحَاجِبِ، والمُرَادُ بالمُتَّضَحِ هو المَعْنَى الذي لا يَتَطَرَّقُ إليه إشكالٌ، مَاخُوذٌ من الإحْكامِ وهو الاتفاقُ، فيَدْخُلُ فيه النَّصُّ والظاهرُ، وقالَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ أَحَسَنُ الأقوالِ فيه: ما أَمْكَنَ مَعْرَفَةُ المُرَادُ بظَاهرٍ أو بدَلالَةٍ تُكْشَفُ عنه، وفَسَّرَ المُصَنِّفُ المُتَشابِهُ بحُكْمِه، وإلاَّ فهو مُقَابِلُ المُحْكَمِ، فيكونُ ما لم يَتَّضِحْ معناهُ، فيَشْمَلُ المُجْمَلَ وما ظاهِرُه التَّشْبِيهُ، وهو المقصودُ هنا.
وقد اخْتُلِفَ في إدْراكِ عِلْمِ المُتشابِه، فذَهَبَ الأشْعَرِيُّ والمُعْتَزِلَةُ إلى أنَّه لا بُدَّ أنْ يَكُونَ في جُمْلَةِ
(1/390)

الرَّاسِخِينَ مَن يَعْلَمُه، ووَقَفُوا على قولِه: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}. وقالَ ابنُ الحَاجِبِ: إنَّه الظاهرُ؛ لأنَّ الخِطَابَ بما لا يُفْهَمُ بعيدٌ، وقالَ النَّوَوِيُّ في كتابِ العِلْمِ من (شَرْحِ مُسْلِمٍ)، إنَّه الأَصَحُّ؛ لأنَّه يَبْعُدُ أنْ يُخَاطِبَ اللهُ عِبادَه بما لا سبيلَ لأَحَدٍ من الخَلْقِ إلى مَعْرِفَتِه، قالَ: وقد اتَّفَقَ أصْحَابُنَا وغيرُهم من المُحَقِّقِينَ على أنَّه يَسْتَحِيلُ أنْ يَتَكَلَّمَ اللهُ بما لا يُفِيدُ.
وذَهَبَ كثيرٌ من أصْحَابِنَا المُتَكَلِّمِينَ والفقهاءِ كالحَارِثِ والقَلانِسِيِّ إلى أنَّه لا يَعْلَمُ تَاوِيلَه إلاَّ اللهُ، ووَقَفُوا على قولِه: {إِلاَّ اللهُ}.
قالَ الأستاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: وهو الأَصَحُّ عندَنا؛ لأنَّه قولُ الصحابَةِ.
وقالَ ابنُ
(1/391)

السَّمْعَانِيِّ: إنَّه المُخْتَارُ على طَرِيقَةِ أهلِ السُّنَّةِ.
ص: (قالَ الإمامُ: واللفظُ الشائعُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضُوعاً لِمَعنًى خَفِيٍ إلاَّ على الخواصِّ، كما يَقُولُ مُثْبِتُو الحالِ: الحركةُ معنًى تُوجِبُ تَحَرُّكُ الذَّاتِ).
ش: مَنَعَ الإمامُ فَخْرِ الدِّينِ أنَّ اللفظَ المَشْهورَ المتداولَ بينَ الخاصَّةِ والعامَّةِ في معنَى أنْ يُوضَعَ لمَعنًى خَفِيٍّ جِداً، بحيثُ لا يَعْرِفُه إلا الخواصُّ، والغَرَضُ من هذه المسألَةِ الرَّدُ على مُثْبِتِي الأحوالِ؛ لأنَّهم يَقُولُونَ: الحركَةُ معنًى يُوجِبُ كَوْنِ الذاتِ مُتَحِرِّكَةٌ، والمَشْهُور بين الخاصَّةِ والعامَّةِ أنَّها نَفْسُ الانتقالِ، لا معنًى أَوْجَبَ الانتقالَ، يَمْتَنِعُ أنْ تَكونَ موضوعَةٌ لذلك المعنَى، إذِ يَتَعَذَّرُ تَعَقُّلُه على غيرِ الخواصِّ.
وقد رَدَّ عليه الأصْفَهَانِيُّ في شَرْحِه، وقالَ: قد يُدْرِكُ الإنسانُ معانِي خَفِيَّةٍ لَطِيفَةٍ، ولا يَجِدُ لها لفْظاً دالاًّ عليها؛ لأنَّ ذلك المعنَى مُبْتَكِرٌ، ويَحْتَاجُ إلى وَضْعِ لفظٍ بإزائِهِ؛ ليَفْهَمَ ذلك الغيرُ ذلك المعنَى، سواءٌ أَكَانَ اللفظُ من الألفاظِ المشهورةِ أو لا، ولا حَجْرَ في الاصْطِلاحَاتِ، والكُتُبِ العِلْمِيَّةِ مَشْحُونَةٌ، بأمثالِ هذه الألفاظِ، وذلك يُمْكِنُ رَدُّهُ بالدليلِ، نَعَمْ، إنْ ادَّعَى الخِصْمُ أنَّ هذا اللفْظَ المشهورَ موضوعٌ بإزاءِ المعنَى الخَفِيِّ أو
(1/392)

لا فمَمْنُوعٌ، قالَ: وأسماءُ اللهُ تعالَى المُقَدَّسَةُ من قَبِيلِ القسمِ الأوَّلِ، فإنَّ منها ألفاظاً مشهورةً، وبإزائِها مَعَانِي دَقِيقَةٍ غَامِضَةٍ لا يَفْهَمُها إلا الخواصُّ.
ص: (مسألَةٌ: قالَ ابنُ فُورَكْ والجمهورُ: اللُّغاتُ تَوْقِيفِيَّةٌ عَلَّمَها اللهُ تعالَى بالوَحْيِ أو خَلْقِ الأصْواتِ، أو العِلْمِ الضَّرُورِيَّ، وعُزِيَ إلى الأشْعَرِيِّ، وأكثرِ المعتزلِةِ اصطلاحِيَةٌ، حَصَلَ عِرْفَانُها بالإشارَةِ والقريِنَةِ كالطِّفْلِ، والأستاذُ: القَدْرُ المُحْتَاجُ في التعريفِ تَوْقِيفِيٌّ وغيرُه مُحْتَمَلٌ، وقيلَ: عَكْسُهُ، وتَوَقَّفَ كثيرٌ، والمُخْتَارُ الوَقْفُ عن القَطْعِ، وأنَّ التَّوْقِيفَ مَظْنُونٌ).
ش: هذه المَسْأَلَةُ في البحثِ عن الواضِعِ، وفيها أقوالٌ:
إحدَاها: قولُ الجمهورُ: إنَّها تَوْقِيفِيَّةٌ وأنَّ الواضِعَ هو اللهُ تعالَى، والتَّعْرِيفُ إمَّا الوَحْيُ أو الإلْهَامُ، بأنْ عَلَّمَها بالوَحْيِ إلى الأنبياءِ أو خَلْقِ أصواتٍ تَدُلُّ على اللُّغَاتِ وإسْمَاعِها لواحدٍ أو جَمَاعَةٍ، أو بخَلْقِ عِلْمٍ ضَرُوريٍّ في الصدورِ لصِيَغٍ مَخْصُوصَةٍ لمَعَانٍ، فبَيَّنَ العُقلاءُ الصِّيَغَ ومعانِيها.
قالَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ: فيكونُ معنَى التَّوقيفَ أنْ
(1/393)

تَلْقَفُوا وَضْعَ الصِّيَغِ على حُكْمِ الإرَادَةِ والاختيارِ، واخْتَارَهُ ابنُ فارسٍ في كتابِه (فِقُهُ العَرَبِيَّةِ) واحْتَجَّ له بالإجماعِ على الاحتجاجِ بلُغَةِ القَوْمِ، ولو كانَتِ اللُّغَةُ مُواضِعَةٌ لم يَكُنْ أُولئكَ في الاحتجاجِ بهم بأَوْلَى منَّا في الاحتجاجِ، فقالُوا: اصْطَلَحْنَا على لُغَةِ القَوْمِ ولا فَرْقَ، واحْتَجَّ غيرُه من النُّحاةِ، بأنَّه لو كانَ اصْطِلاحاً لم يَخْتَلَفُوا، فيَقُولُ بعضُهم: مَرَرْتُ بِأَبِيكَ، وآخَرُونَ: بآبَائِكَ، وأيضاً فقد اسْتِعْمَلُوا أَبْنِيَةً وتَرَكُوا غَيْرَها، ولا سَبيلَ إلى الاصطلاحِ؛ لأنَّه لم يُوجَدْ قَط أُمَّةٌ وُلِدَتْ مُتَكَلِّمَةً، ولا تَكَلَّمَتْ حتى وُلِدَتْ، حَكَاهُ ابنُ خَروفٍ في (شَرْحِ سِيبَوَيْهِ) وقالَ: الأَقْرَبُ أنَّه إِلْهَامٌ من اللهِ تعالَى، وهذا المَذْهَبُ عَزَاهُ جماعَةٌ إلى الأشْعَرِيِّ، وإنَّما لم يَجْزِمِ المُصَنِّفُ بنِسْبَتِه إليه لِمَا سَنَذْكُرُه، ولكنَّه عَزَاهُ لأكَابِرِ أصْحَابِه كابنِ فَوْرَكٍ، وقد رَأَيْتُه في كِتَابِه، فقالَ: الذي يَصِحُّ من ذلك قولُ من قالَ: إنَّه تَوْقِيفِيٌّ؛ وذلك لأنَّه لو وَقَعَ اصْطِلاحاً، لم يَقَعْ كذلك إلاَّ بِلُغَةٍ أُخْرَى أو إِشَارَةٍ أو كِتَابَةٍ أُخْرَى، وكانَ يَحْتَاجُ من الاصطلاحِ مثلَ ما يَحْتَاجُ إليه ما وَرَاءَهَا= إلى أنْ يَنْتَهِيَ إلى أَمْرٍ غيرَ مُصْطَلَحٍ عليه، فنقول: الأمْرُ فيه إلى التوقيفِ.
والثاني: وعليه أَكْثَرُ المُعْتَزِلَةُ أنَّها اصْطِلاحِيَّةٌ بمعنَى أنَّ واحداً من البشرِ أو جَماعةُ وَضَعَها، وحَصَلَ التعريفُ للباقِينَ بالإشارَةِ والقرائنَ.
كتعريفِ الوالدَيْنِ لُغَتَهُما للأطفالِ، وفَسَّرَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ الاصطلاحَ؛ بأنَّه لا يَبْعُدُ أنْ يُحَرِّكَ اللهُ به نُفُوسَ العُقلاءِ لذلك؛ أي: يَعْلَمُ بَعْضَهم مَرادَ بَعْضٍ، ثمَّ يُنْشِؤُونَ على اختيارٍ منهم صِيغاً لتِلْكِ المعانِي التي يُرِيدُونَها، ألاَ تَرَى أنَّ الإنسانَ يُولَدُ له مولودٌ فيُنْشِئُ له اسْماً، وكذا يَجُوزُ أنْ تَسْتَحْدِثَ صِيغَةً دالَّةً، فتَصِيغُ للصِّفَةِ اسماً
(1/394)

وللآلَةِ اسماً.
الثالثُ: مَذْهَبُ الأستاذُ أنَّ القَدْرَ المُحْتَاجَ إليه منها في التعريفِ تَوْقِيفِيٌّ، والباقِي مُحْتَمَلٌ للتَّوْقِيفِ وغيرِه، كذا حَكَاهُ ابنُ بُرْهَانَ والآمِدِيُّ وغيرُهما، والذي في (المَحْصُولِ) و (المِنْهَاجِ) عنه: أنَّ الباقِي مُصْطَلَحٌ، مع أنَّه في (المحصولِ) عندَ الاسْتِدْلالِ عليه حَكَى الأوَّلُ، وهذا هو الصوابُ كما رَأَيْتُه في كِتَابِه، وعلى هذا فيكونُ مَذْهَبَه مُرَكَّباً من الوَقْفِ والتَّوْقِيفِ.
الرابعُ: عَكْسُه، وهو يُفْهَمُ أنَّ القَدْرَ المُحْتَاجَ إليه اصطلاحٌ والباقِي مُحْتَمَلٌ، لكنَّ الذين حَكُوا هذا المَذْهَبَ قالُوا: إنَّ الباقِي مُصْطَلَحٌ.
والخامسُ: الوَقْفُ، بمعنَى أنَّ الجميعَ مُمْكِنٌّ لتَعَارُضِ الأدِلَّةِ، وعَزَاهُ في (المَحْصُولِ) للقَاضِي وجُمْهُورِ المُحَقِّقِينَ.
والسادسُ: الوَقْفُ عن القَطْعِ بواحدٍ من هذه الاحْتِمَالاتِ، وتَرْجِيحُ مَذْهَبُ الأشْعَرِيِّ بغَلَبَةِ الظَّنِّ، وهذا ما اخْتَارَهُ ابنُ الحَاجِبِ والمُصَنِّفِ، ويَخْرُجُ من كلامِ
(1/395)

ابنِ السَّمْعَانِيِّ.
سابعٌ: وهو تَجْوِيزُ الكُلِّ مع ظهورِ مَذْهَبِ الأستاذِ؛ فإنَّه قالَ: المُخْتَارُ تَجْويزُ كُلِّ ذلك، ثمَّ قالَ: والظاهرُ أنَّ بعضَها كَانَ تَوْقِيفاً من اللهِ تعالَى على ما نَطَقَ به الكتابُ، وبعضَها كانَ اصطلاحاً وتَوَاطُؤًا، ومن المُتَأَخِّرِينَ مَن قالَ: منها ما يَقْطَعُ فيه بالاصطلاحِ كالأعلامِ، وقيلَ إنَّ الأشْعَرِيَّ إنَّما تَكَلَّمَ في الوقوعِ معَ تَجْوِيزِ صُدُورِ= اللُّغَةِ اصطلاحاً، ولو مُنِعَ الجَوازُ لنَقَلَهُ عن القاضِي وغيرِه من أصْحَابِه، وذَكَرَ إمامُ الحَرَمَيْنِ الخلافَ في الجوازِ ثمَّ قالَ: إنَّ الوقوعَ لم يَثْبُتْ.
فائدةٌ: تَكَلَّمُوا في فَائِدَةِ هذه المسألَةِ، فمنْهُم مَن نَفَاهَا كالأَبْيَارِيِّ شارحُ (البُّرْهَانِ) وقالَ: ذَكَرَها في الأُصُولِ فُضُولٌ، ومنهم مَن قالَ: فائدُتُها قَلْبُ اللُّغَةِ، وقالَ المَاوَرْدِيُّ في تَفْسِيرِه: فائِدَةُ الخلافِ أنَّ مَن جَعَلَ الكلامَ تَوْقِيفاً جَعَلَ التَّكْلِيفَ مُقَارِناً لكَمَالِ العَقْلِ، ومَن جَعَلَه اصْطِلاحاً جَعَلَ التَّكْلِيفَ مُتَأَخِّراً عن العَقْلِ مُدَّةَ الاصطلاحِ على مَعْرِفَةِ الكلامِ.
(1/396)

ص: (مسأَلَةٌ: قالَ القَاضِي، وإمَامُ الحَرَمَيْنِ، والغَزَالِيُّ والآمِدِيُّ: لا تَثْبُتُ اللُّغَةُ قياساً، وخَالَفَهُم ابنُ سُرَيْجٍ، وابنُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وأَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْرَازِيُّ، والإمامُ، وقيلَ: تَثْبُتُ الحقيقةُ لا المجازَ، ولفظُ القياسَ يُغْنِي عن قولِك: مَحَلَّ الخلافِ، ما لم يَثُبُتْ تَعْمِيمُه باسْتِقَرَاءِ).
ش: اتَّفَقُوا كُلَّهُم على امْتِناعِ جَرَيانِ القِياسِ في أَسْمَاءِ الأعْلامِ؛ لأنَّها غيرُ مَعْقُولَةِ المعنَى، والقياسُ فَرْعُ المعنَى، فهو كحُكْمٍ تَعَبُّدِيٍّ لا يَعْقُلُ معنَاهُ، وكذلك على امْتِنَاعِه في الصِّفَاتِ من اسمِ الفاعلِ والمفعولِ ونحوِهما؛ لأنَّ القياسَ لا بُدَّ فيه من أَصْلٍ، وهو غيرُ مُتَحَقِّقٌ فيها، إذ ليسَ جَعَلَ= البعضُ أصلاً والبعضُ الآخَرَ فَرْعاً أَوْلَى من العَكْسِ، واطْرِادَهما في محالِهما مُسْتَفَادٌ من الوَضْعِ لا القياسُ، فلأنَّهم وَضَعُوا القائمَ والقاعِدَةَ بإزاءِ كُلٍّ من قَامَ وقَعَدَ، وعلى امْتِنَاعِه فيما يَثْبُتُ بالاسْتِقْرَاءِ إرَادَةً للمعنَى الكُلِّيِّ، كقولِنا: الفاعلُ مرفوعٌ، والمفعولُ منصوبٌ، وإنَّما مَحَلُّ الخلافِ فيما إذا أَطْلَقُوا اسْماً مُشْتَمَلاً على وَصْفٍ، واعْتَقَدْنَا أنَّ التَّسْمِيَةَ لذلك الوصفِ، فأَرَدْنَا تَعْدِيَةَ الاسمَ إلى مَحَلٍّ آخَرَ مَسْكُوتٌ عنه، كما إذا اعْتِقَدْنا أنَّ إطلاقَ اسمَ الخَمْرِ باعْتِبارِ التَّخْمِيرِ، فعَدَيْنَاهُ إلى النَّبْيذِ وفيه مذاهبَ.
(1/397)

أحدُها: المَنْعُ، وبه قالَ مُعْظَمُ أصْحابِنا والحَنَفِيَّةُ، وفي ذِكْرِ القاضِي مِن المَانِعِينَ فائدةٌ، وهي: الرَّدُّ على ابنِ الحَاجِبِ حِكَايَتَه عن القاضِي الجَوازُ، والموجودُ في (التقريبِ) للقاضِي المَنْعُ، وكذا حَكَاهُ عن المَاوَرْدِيِّ وغيرِه، ومِن أَدِلَّتِهم: ما مِن شيءٍ إلاَّ ولَه اسمٌ في اللُّغَةِ توقيفاً فلا يَجُوزُ أنْ يَثْبُتَ له اسمٌ آخَرَ بالقياسِ، كما إذا ثَبَتَ لشيءٍ حَكَمَ بالنَّصِّ لم يُجِزْ أنْ يَثْبُتْ له حُكْمٌ آخَرَ بالقياسِ؛ ولأنَّ الخلافَ إنَّما هو الأسماءُ في المُشْتَقَّةِ والعُرْفِ لا يَلْزَمُ طَرْدُ القياسِ في الاشتقاقِ، فإنَّهم سَمُّوا الدَّابَةَ لدِبِيبِها، ولم يُسَمُّوا كلَّ ما دَبَّ دَابَّةً، ولأنَّ الخَمْرَ فُسِّرَ في معنَى اسمِها الاضطرابُ، وإنَّما هي من المُخَامَرَةُ أو التَّخْمِيرِ، فلو شَاعَ الاسْتِمْساكُ بالاشتقاقِ لكانَ كلُّ ما يُخَامَرُ العقلُ وإنْ لم يَضْطَرِبْ يكونُ خَمْراً.
والثاني: الجوازُ؛ لأنَّ الاشتقاقَ في الاسمِ بمَنْزِلةِ التعليلِ، فكأنَّهم جَعَلُوا المُشْتَقَّ بمنزلَةِ الفَرْعِ، والمُشْتَقَّ منهُ بمنزلَةِ الأصْلِ، والمعنَى الذي لأَجْلِه بمنزلَةِ العِلَّةِ، وما عَزَاهُ المُصَنِّفُ للإمامِ صحيحٌ، ولا يُنَافِيهِ قولُه: في مواضِعَ، هذا قياسٌ في اللُّغَةِ فلا نَقُولُ به، فهذا اسْتِطْرادٌ لا يُؤَثِّرُ فيما ذَكَرَهُ مَظِنَّةٌ؛ ولأنَّ المُنَاظَرَةَ قد يَرْتَكِبُ فيها غيرُ
(1/398)

المَذْهَبِ، نَعَمْ، ما عَزَاهُ لابنِ سُرَيْجٍ فيه نَظَرٌ؛ فإنَّ ابنَ السَّمْعَانِيِّ بعدَ أنْ سَرَدَ أَدِلَّةَ المانِعِينَ، قالَ: وهذه الأدِلَّةُ قَوِيَّةٌ جِدًّا، فالأوْلَى أنْ نَقُولَ: يَجُوزُ إثباتُ الأسَامِي شَرْعاً، ولا يَجُوزُ إثباتُها لُغَةً، وهو الذي اخْتَارَهُ ابنُ سُرَيْجٍ، والدليلُ على جوازِ ذلكَ أنَّا نَعْلَمُ أنَّ الشرِيعَةَ إنَّما سَمَّتِ الصلاةَ صلاةً لصفَةِ متى انْتَفَتْ عنها لم تُسَمَّ صلاةً، ففِعْلُه إنْ مَا شَارَكَها في تلك الصِّفَةِ يَكُونُ صلاةً، فبَانَ بهذا ثُبُوتُ الأسماءِ الشَّرْعِيَّةِ بالعِلَلِ، وإذا ثَبَتَ هذا الاسمُ لِمَعَانٍ، جَازَ قِياسُ كلَّ مَحَلٍّ وُجِدَ فيه ذلك المعنَى وتَسْمِيتَه بذلك الاسمِ، وعلى هذا خَرَجَتِ الأسماءُ اللُّغَوِيَّةُ، ولم يَلْزَمْ ما ذَكَرُوهُ من اطِّرَادِ معانِي الاسمِ، وعلى هذا يَثْبُتُ اسمُ الخَمْرِ للنَّبِيذِ شَرْعاً، ويَثْبُتُ للِّواطِ اسمُ الزِّنَا شَرْعاً، ثم يَجِبُ الحَدُّ بالآيةِ، ويَثْبُتُ السارِقُ للنَّبَّاشِ شَرْعاً، ثمَّ يَجِبُ القَطْعُ بالآيةِ. انتهى.
ويَتَحَصَّلُ أربعةُ مَذاهِبَ: المَنْعُ، والجَوَازُ، إثباتُ الاسمِ بالشَّرْعِ، إثْبَاتُه باللُّغَةِ، وفائِدَةُ الخلافِ في هذه المسألَةِ: أنَّ مَن أَثْبَتَ عُمُومُ الاسمِ بِطَرِيقِ القياسِ اللُّغَوِيِّ، انْدَرَجَتِ المُسَمِّياتِ تحتَ العُمُومِ ولم يَحْتَجْ إلى القياسِ الشَّرْعِيِّ وشَرَائِطِه، فيَدْخُلُ تَحْتَ قولِه: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا}. ومَن لم يُثْبِتْه بالقياسِ اللُّغَوِيِّ احْتَاجَ إلى ذلك.
وعلى الأوَّلِ: يُقْطَعُ النَّبَّاشُ بالنَّصِّ.
وعلى الثاني: بالقياسِ الشَّرْعِيِّ على السرقةِ.
والمَذْهَبُ الثالثُ: يَجْرِي في الحقيقةِ لا في المجازِ، وهو يَخْرُجُ من كلامِ القاضِي عبدِ الوَهَّابِ.
(1/399)

لأنَّ المجازَ أَخَسُّ رُتْبَةً من الحقيقةِ، فيَجِبُ تَمْييزُ الحقيقةِ عليه.
وقولُه: (ولَفْظًُ القِياسِ) يُشِيرُ إلى الاستغناءِ عن قولِ ابنِ الحَاجِبِ: ليسَ الخلافُ فيما يَثْبُتُ تَعْمِيمُه بالاسْتِقْرَاءِ كرَفْعِ الفاعلِ ونَصْبِ المفعولِ، ووَجْهُ الاسْتِغْنَاءُ عنه، أنَّ لَفْظَ القياسِ الذي هو موضوعُ المسألَةِ يُعْطِي ذلك؛ لأنَّ اطِّرادَ ذلك في كلِّ ما أُسْنِدَ إليه فِعْلٌ مَعْلُومٌ بالنَّصِّ لا بالقياسِ، ولذلك لم يَحْتَجْ إلى استثناءِ الأعلامِ، فإنَّه لا يُتَصَوَّرُ دُخُولُ القياسِ فيها لِمَا سَبَقَ.
ص: (مسألَةٌ: اللفظُ والمعنَى إنِ اتَّحَدَا فإنْ مَنَعَ تَصَوُّرَ مَعْنَاهُ الشركةُ، فجُزْئِيٌّ وإلاَّ فَكُلِّيٌّ).
ش: هذه المسألةُ في تَقْسيمِ اللفْظِ المُفْرَدِ باعتبارِ نِسْبَتِه إلى المعنَى، وهو أربعةُ أقسامٍ:
الأوَّلُ: أنْ يَتَّحِدَ اللفظُ والمعنَى، فإنْ مَنَعَ تَصَوُّرُ معنَاهُ من وقوعِ الشركةِ في مَفْهُومِه، فهو جُزْئِيٌّ كالعَلَمِ نحوَ: زَيدٌ، وغيرُه من سائرِ الأعْلامِ؛ فإنَّه لا يُشَارِكُه فيه غيرُه، وإنْ لم يَمْنَعْ تَصَوُّرُ معناهُ من وقوعِ الشركةِ فيه، فهو الكُلِّيُّ كالحيوانِ والإنسانِ.
واعْلَمْ أنَّ الجُزْئِيَّ والكُلِّيَّ بالذاتِ هو ذلك المعنَى، وإنَّما يُقَالُ للَّفْظِ الدَّالِ عليه: كُلِّيٌّ وجُزْئِيٌّ بالعَرَضِ والتَّبِعَيَّةِ تَسْمِيةٌ للدَّالِ باسمِ المَدْلُولِ، وغيرُ المُصَنِّفِ قالَ: نَفْسُ تَصَوُّرِ معناهُ، وإنَّما قَيَّدَ التَّصَوُّرَ؛ ليَخْرُجَ بعضُ أقسامِ الكًُلِّيِّ، وهو ما تَمْتَنِعُ فيه الشركةُ لا لِنَفْسِ مَفْهُومِه، بل لأمْرٍ خارجٍ كواجِبِ الوجودِ، والمُصَنِّفُ حَذَفُه؛ لأنَّه ظَنَّ تَمَامَ الحَدِّ= بدونِه وليسَ كذلكَ، فإنَّه لَمَّا أَخَذَ التَّصُوُّرَ في تعريفِ الكُلِّيُّ، عَلِمْنا أنَّ الكُلْيَّةَ والجُزْئِيَّةَ من عوارِضِ الصُّوَرِ الذِّهْنِيَّةِ، فيهما تَوَهَّمٌ؛ أنَّه لو كانَ من الصُّوَرِ الذهنِيَّةِ مالا يَمْنَعُ الشرِكَةُ، كانَتْ حَقِيقَتُها الخارجِيَّةِ كذلك؛ لأنَّ الصَّورَ الذهنِيَّةَ مُطَابِقَةٌ للخَارِجِ، فأُزِيلَ هذا الوَهْمُ، فإنْ مَنَعَ التَّصَوُّرَ الذِّهْنِيَّ للشركةِ وعَدَمَ منعِه ليسَ بالنَّظَرِ
(1/400)

إلى ذاتِها بل من حيثُ تَصَوَّرِها.
وقولُه: (لاَ يَمْنَعُ تَصَوُّرَهُ مِن الشركَةِ) أعمٌّ من أنْ يكونَ قَابِلاً للشركةِ أو غيرِ قابلٍ؛ لأنَّ عَدَمَ المَنْعِ أَعَمٌّ من القبولِ، وبهذا يَظْهَرُ حُسْنُ التعبيرِ بنَفْسِ التَّصَوُّرِ؛ لأنَّ المقصودَ أنَّه لا يُشْتَرَطُ كُونُ الشركةِ مُمْكِنَةً عقلاً، بل لم يُنْظَرْ في وَضْعِه إلى الشرِكَةِ، ولا إلى الوقوعِ في الخارجِ، فإنَّ الكُلَّ قد لا يَقْبَلُ الوجودَ بالكُلْيَّةِ كالمُسْتَحِيلِ، وقد يَقْبَلَهُ، ولم يُوجَدْ واحِدٌ من أفرادِه، كبحرٍ من زِئْبَقٍ، أو وُجِدَ واحدٌ إمَّا مع إمْكانِ غيرِه, كالشَّمْسِ عندَ مَن يُجَوِّزُ وُجودَ شَمْسٍ أُخْرَى, أو امتناعِ غيرِه كهي عندَ مَن لا يُجَوِّزُه، كذا قالَه الهِنْدِيُّ، وغيرُه، وقالَ الآمِدِيُّ في (رُمُوزِ الكُنُوزِ) لفظُ الشمْسِ والقَمَرِ كُلِّيَّانِ إلاَّ أنْ يُرَادَ به هذا الشمسُ وهذا القمرُ.
تنبيهان:
أحدُهما: هذا التعريفُ أَحْسَنُ من تعريفِ ابنِ الحَاجِبِ؛ فإنَّ الاشتراكَ ليسَ بشَرْطٍ، وتعبيرُ ابنُ الحَاجِبِ يُوهِمُ شَرْطِيَّتَه، ولا بُدَّ أنْ يَلْحَظَ في الجُزْئِيِّ قَيْدَ التشْخِيصِ والتَّعْيينِ، فإنَّ مع انْتِفاءِ ذلك، لا بُدَّ أنْ يَشْتَرِكا ولو في أَخَصِّ صفاتِ النَّفْسِ.
الثاني: قالَ التَّسْتَرِيُّ، في حَدِّ الكًُلِّيِّ، في حالِ الإيجابِ، قالَ: فإنَّ زيداً
(1/401)

يَشْتَرِكُ كثيرُونَ في سَلْبِه عن مَفْهُومِه معَ أنَّه ليسَ بِكُلِّيٍّ، وفيه نَظَرٌ؛ لأنَّ تَصَوُّرَ معناهُ غيرُ الحُكْمِ عليه بالإيجابِ والسَّلْبِ.
ص: (مُتَوَاطِئٌ إنِ اسْتَوَى، ومُشَكِّكٌ إنْ تَفَاوَتَ).
ش: يَنْقَسِمُ الكُلِّيُّ إلى مُتَوَاطِئٍ ومُشَكِّكٍ؛ لأنَّه إنْ كانَ حُصُولُ معناهُ في أفْرَادِه على التَّساوِي، فهو المُتَواطِئُ كدلالَةِ الإنسانِ على زَيدٍ وعمرٍو ونحوِه، إذِ كُلُّ فَرْدٍ من أَفْرَادِه لا يَزِيدُ على الآخَرِ في الإنسانِيَّةِ، فإنَّ الإنسانِيَّةَ التي في زَيدٍ مَثَلاً ليْسَتْ بِأَسَدٍ ولا أَوْلَى ولا أَقْدَمُ منها في عمرٍو، سُمِّيَ بذلك لمُطَابَقَةِ كلِّ واحدٍ من أفرادِه معناهُ، والمُوَاطَأَةُ: المُوَافَقَةُ، وإنْ كانَ حُصُولُ ذلك المعنَى في بعضِ أفْرَادِه يَتَفَاوتُ في مَفْهُومِه لشِدَّةٍ أو ضَعْفٍ، أو تَقَدُّمٍ أو تَأَخُّرٍ فهو المُشَكِّكُ، كإطلاقِ الأبَيضِ على الثَّلْجِ والعَاجِّ ونحوِه، فإنَّ البَياضَ الذي في الثَّلْجِ أَشَدُّ منه في العَاجِّ، سُمِّيَ مُشَكِّكاً؛ لأنَّه يُشَكِّكُ النَّاظِرَ هل هو مُتَوَاطِئٌ لوحِدَةِ الحقيقَةِ فيه، أو مُشْتَرِكٌ لِمَا بينَهُما من الاختلافِ؟ وجَوَّزَ الهِنْدِيُّ فَتْحَ الكافِّ على أنَّه اسمُ مفعولٍ، لكونِ
(1/402)

الناظرِ يَتَشَكَّكُ فيه، في ذلكَ، وقد أَوْرَدَ عليه أنَّ الأَبْيَضَ مثلاً، إذا أُطْلِقَ على الثَّلْجِ فإمَّا أنْ يَكُونَ اسْتِعْمَالُه فيه مع ضَمِيمَةِ تلكَ الزيادَةِ، أو لا، فإنَّ لم تَكُنْ فهو المُتَوَاطِئُ، وإنْ كانَ فهو المْشَتَرِكُ، فإذا لا حقيقةَ لهذا القِسْمِ المُسَمَّى بالمُشَكِّكِ، وأُجِيبَ بأنَّ تركيبَ الشَّبَهَيْنِ يُحْدِثُ له طبيعَةً أُخْرَى، كالخُنْثَى لا ذَكَرَ ولا أُنْثَى، واعْلَمْ أنَّه رُبَّما اتَّفَقَ في الاسم الواحدِ بالنَّظَرِ إلى مُسَمِّيَيْنِ؛ التَّوَاطُؤِ والاشِتراكِ من جِهَتَيْنِ كالأسودِ إذا قيلَ على شَيْئَيْنِ مُلَوَّنَيْنِ بالسوادِ فإنَّه مُشْتَرِكٌ إنْ جُعِلَ لَقَباً لهما ومُتَوَطِّئَينِ إنْ دَلَّ عليْهِما باعتبارِ سَوَادَيْهِما.
ص: (وإنْ تَعَدَّدَا فمُتَبَايُنٌ).
ش: القِسمُ الثاني: أنْ يَتَعَدَّدَ اللَّفْظُ والمعنَى، فهي الألفاظُ المُتَبايِنَةٌ كالإنسانِ والفَرَسِ والبَقَرِ، وغيرِ ذلك من الألفاظِ المُخْتَلِفَةِ المَوْضُوعَةِ لمَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ، سُمِّيَ بذلك لتَبَايُنِها في الدلالَةِ والألفاظِ.
ص: (وإنْ اتَّحَدَ المعنَى دونَ اللفظِ فمُتَرادِفٌ).
ش: الثالثُ: أنْ يكونَ اللفظُ كثيراً والمعنَى واحدٌ، فهي الألفاظُ المترادفِةُ، كالإنسانِ والبَشَرِ لِواحدٍ، قالَ الآمِدِيُّ: واتِّحادُ موضوعِ المُسَمِّياتِ المُنْفِرِدَةِ لا
(1/403)

يُوجِبُ الترادُفَ، كالسيفِ والصارمِ والهِنْدِيِّ، بل هي مُتَبَايَنَةٌ.
ص: (وعَكْسُه إنْ كانَ حَقِيقَةٌ فيهما فمُشْتَرَكٌ، وإلاَّ فحقيقةٌ ومجازٌ).
ش: الرابعُ: أنْ يَتَّحِدَ اللفظُ ويَتَكَثَّرَ المعنَى، وهو يَشْتَمِلُ على أقسامٍ، لأنَّه وُضِعَ لمَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ أو أَزْيدَ دَفْعَةَ فهو المُشْتَرِكُ، كالعَيْنِ: للبَاصِرَةِ والجَارِيَةِ والدينارِ وغيرِها، وإنْ وُضِعَ لمعنًى ثمَّ نُقِلَ عنه إلى معنًى آخَرَ لعَلاقَةٍ ولم يَغْلُبْ اسْتِعْمَالُه في المَنْقُولِ إليه فهو بالنِّسْبَةِ إلى المعنَى الأوَّلِ حقيقةٌ، وإلى الثاني مجازٌ، كالأسَدِ الموضوعِ للحيوانِ المُفْتَرِسِ المَنْقُولِ إلى الرجُلِ الشجاعِ للمُنَاسبَةِ بينَهما، وهي القَوْلَةُ؛ فإنْ غَلَبَ سُمِّيَ لفظاً مَنْقُولاً، وقَسَّمُوهُ باعتبارِ الناقلِ إلى ثلاثةِ أقسامٍ؛ لأنَّه إمَّا الشرعُ أو العُرْفُ العامُّ أو الخاصُّ، وسُمِّيَتِ المنقولةُ مجازاً، اشْتِقاقاً من التجاوزِ، وهو التَّعَدِّي، إذِ التَّجَوَّزُ يَتَعَدَّى المعنى الحقيقيَّ.
ص: (والعَلَمُ: ما وُضِعَ لمُعَيِّنٍ لا يَتَنَاولُ غيرَه).
ش: هذا منه بيانٌ لبعضِ أقسامِ الجزئيِّ، وعَرَّفَه تَوْطِئَةً لِمَا سيَذْكُرُه من الفرقِ بينَ الشخْصِيِّ منه والجِنْسِيِّ، فقولُه: (ما وُضِعَ لمُعَيِّنٍ) جِنْسٌ يَتَنَاولُ جميعَ المعارفِ، وخَرَجَ عن المنكراتِ.
وقولُه: (لا يَتَنَاولُ غيرَه) فَصَلَ خَرَجَ به ما عَدَاهُ من المعارفِ؛ فإنَّ اسمَ الإشارةِ صَالِحٌ لكلِّ مُشَارٍ إليه، والضميرُ صالِحٌ لكلِّ مُتَكَلِّمٍ ومُخَاطَبٍ وغَائِبٍ، وهذا الحدُّ ذَكَرَهُ ابنُ الحَاجِبِ في مُقَدِّمَتِه النَّحْوِيَّةِ، وزَادَ فيه: بوَضْعٍ واحدٍ، لئلاَّ يَتَوَهَّمَ أنَّ زيداً إذا سُمِّيَ به رجُلاً ثمَّ سُمِّيَ به آخَرَ فهو مُتَنَاولٌ لغَيْرِه فلا يكونُ الحَدُّ جامعاً، فلمَّا قالَ: بوَضْعٍ واحدٍ، دَخَلَ ذلك؛ فإنَّه وإنْ تَنَاولَ غيرَه، لكنْ ليسَ
(1/404)

بوَضْعٍ واحدٍ بل بأوضاعٍ.
وقالَ في شَرْحِه: خَرَجَ بقولِه: لا يَتَنَاولُه غيرَه، قولُكَ: أنتَ وأنتَ مُخَاطِبٌ زيداً، فإنَّه يَصِحُّ أنْ يُقالَ: وأنتَ، لعَمْرٍو إذا خَاطَبْتُه أيضاً، ومُرادُه بذلك أنَّ (أنتَ) يُوضَعُ لشيءٍ بعَيْنِه، وهو معَ ذلكَ مُتَنَاولٌ لغيرِ ما وُضِعَ له على التَّعْيينِ، واعْتُرِضَ عليه؛ بأنَّ هذا اللفظَ وُضِعَ للمُخَاطَبِ على التَّعْيينِ، فهو لا يَتَنَاولُ غيرَه، لكنْ قد يَعِرضُ الاشتراكَ بحَسَبِ مُخَاطَبَيْنِ أو ثلاثةٍ، وهذا بعينِه.
فقالَ: في العَلَمِ؛ لأنَّ زيداً أيضاً قد يَقَعُ فيه الاشتراكُ بحَسَبِ الاتفاقِ، وذلكَ لا عِبْرَةَ له؛ لأنَّ واضِعَ اللُّغَةِ جَعَلَ النَّكِرَاتَ شَائِعَةً في نوعِها أو جِنْسِها من غيرِ نَظَرٍ إلى فَرْدٍ من أفرادِها، وجَعَلَ المَعْرَفَةَ لشيءٍ له بعينِه, ثم إنَّ العَالَمَ بلُغَتِه يَسْتَعْمَلَ ألفاظَ المعارِفِ بعدَ عَدَمِ أشخاصِها لأشخاصٍ أُخَرَ، معَ مُرَاعَاةِ غَرِضِ الواضِعِ، وهو التَّّعْيينُ في الأصْلِ، والحقُّ أنَّ الضَّمِيرَ كُلِّيٌّ باعتبارِ صلاحيتِه لكلِّ مُتَكَلِّمٍ ومُخَاطَبٍ وغَائِبٍ، وجُزْئِيٍّ باعتبارِ عُروضِ الجُزْئِيَّةِ والشخْصِيَّةِ بسَبَبِ قَصْدُكَ به مُعِيناً فقولُهم: إنَّه وُضِعَ لمعنًى، إنَّما هو باعتبارِ العارضِ.
ص: (فإنْ كانَ التَّعْيينُ خارجيًّا، فعَلَمُ الشَّخْصُ، وإلاَّ: فعَلَمُ الجِنْسِ، وإنَّ للمَاهِيَّةِ من حيثُ هي: فاسمُ جِنْسٍ).
ش: العَلَمُ إمَّا مُسَمَّاهُ جُزْئِيٌّ مخصوصٌ كزيدٍ، ويُسَمَّى عَلَمُ الشخصِ، أو كُلِّيٌّ شائعٌ، كأُسَامَةَ للأسدِ، وثُعَالَةَ للثَّعْلَبِ، ويُسَمَّى عَلَمُ الجِنْسِ، وهو عَلَمٌ لفظاً، نَكِرَةٌُ معنًى، فاسمُ أُسَامَةَ صَالِحٌ لكلِّ أَسَدٍ، بخلافِ عَلَمُ الجِنْسِ، وقد كَثُرَ كلامُ الناسِ في الفرقِ بينَ هذه الثلاثةِ، أعْنِي عَلَمُ الشَّخْصِ، وعَلَمُ الجِنْسِ، واسمُ الجِنْسِ النَّكِرَةِ كأسدٍ، وهو من نَفَائِسِ المَبَاحِثِ، قالَ القِرَافِيُّ: وكانَ الخسروشاهيُّ
(1/405)

يُقَرِّرُهُ، ولم أَسْمَعْه من أَحَدٍ إلاَّ منهُ، وكانَ يقولُ: ما في البلادِ المصريَّةِ مَن يَعِرِفُه، وفَرَّقَ بينَ العَلَمَيْنِ، بأنَّ عَلَمَ التَّشَخُّصِ مَوْضوعٌ للحقيقَةِ بقَيْدِ التَّشَخُّصِ الخارجيِّ، وعَلَمَ الجِنْسِ مَوْضوعٌ للمَاهِيَّةِ بقَيْدِ التَّشَخُّصِ الذِّهْنِيِّ، وفَرَّقَ بينَ اسمِ الجِنْسِ وعَلَمِ الجِنْسِ بخصوصِ الصُّوَرِ الذِّهْنِيَّةِ، فإنْ وُضِعَ لها من حيثُ خُصُوصُها فهو عَلَمُ الجِنْسِ، أو من حيثُ عُمُومُها فاسمُ الجِنْسِ، وعلى هذا الفَرْقِ مَشَى المُصَنِّفُ، أنَّ اسمَ الجِنْسِ هو الموضوعُ للحقيقةِ الذِّهْنِيَّةِ من حيثُ هي، ف (أَسَدٌ) موضوعٌ للحقيقةِ من غيرِ اعتبارِ قَيْدٍ مَعَهَا أَصْلاً، وعَلَمُ الجِنْسِ مَوْضوعٌ للحقيقةِ باعتبارِ حضورِها الذِّهْنِيِّ، الذي هو نَوْعُ تَشَخُّصٍ لها مع قَطْعِ النَّظَرِ عن أَفْرَادِها، ونَظِيرُه المُعَرَّفَةُ باللاَّمِ التي هي للحقيقةِ والماهِيَّةِ، فإنَّ الحقيقةَ الحاضِرَةُ في الذِّهْنِ وإنْ كانَتْ عامَّةٌ بالنسْبَةِ إلى أفرادِها، فهي باعتبارِ حُضُورِها فيه أَخَصٌّ من مُطْلَقِ الحقيقةِ، فإذا اسْتَحْضَرَ الواضِعُ صورةَ الأسَدِ، ليَضَعَ لها تلكَ الصورةَ الكائنَةَ في ذِهْنِه، جُزْئِيَّةً بالنسبَةِ إلى مُطْلَقٍ صورةِ الأسدِ، فإنَّ هذه الصورةَ واقِعَةٌ لهذا
الشَّخْصِ في زمانٍ، ومِثْلُها يَقَعُ في زمانٍ آخَرَ، وفي ذِهْنٍ آخَرَ والجميعُ مُشْتَرِكٌ في مُطْلَقِ صُورَةِ الأسَدِ، وفي كلامِ سِيبَوَيْهِ إشارةٌ إلى هذا الفَرْقِ، فإنَّه قالَ في بابِ تَرْجَمَتِه (هذا بابُ مِن المَعْرِفَةِ يكونُ الاسمُ الخاصُّ فيه شائعاً في أُمَّتِه، ليسَ واحداً منها بأَوْلَى من الآخَرِ) ما نَصَّهُ: إذا قلتَ: هذا أَبُو الحَارِثَ، إنَّما تُرِيدُ هذا الأسدُ، أي: هذا الذي سَمِعْتَ باسْمِه لو عَرَفْتَ أشْبَاهَه، ولا تُرِيدُ أنْ تُشِيرَ إلى شيءٍ قد عَرَفْتَه كزيدٍ، ولكنَّه أَرَادَ هذا الذي كلَّ واحدٍ من أمَّتِه له هذا الاسمِ. انتهى.
فجَعَلَه بمَنْزِلَةِ المُعَرَّفِ باللاَّمِ التي للحقيقةِ، وقولًُه: (هذا) إشارَةٌ إلى شيءٍ بعَيْنِه، فصَارَ أُسَامَةُ يُغْنِي عن هذا، كما أنَّ زيداً يُغْنِي عن قولِك: الرجُلُ المعروفِ بكذا وكذا، وكونُ أُسَامَةَ وَاقِعٌ على كلِّ أَسَدٍ إنَّما كانَ؛ لأنَّ التعريفَ فيه للحقيقةِ، وهي مَوْجُودَةٌ فيه كذا قَرَّرَهُ ابنُ عَمْرُونَ قالَ:
(1/406)

ونَظِيرُه: يا رُجُلَ، إذا أَرَدْتَ مُعَيَّناً، فأيُّ رَجُلٍ أَقْبَلْتَ عليه ونَادَيْتَه، كانَ مُعَرَّفَةٌ لوجودِ القَصْدِ إليه، فكذا أُسَامَةُ؛ أي: أَسَدٌ رَأَيْتَه، فإنَّك تُرِيدُ هذه الحقيقةَ المَعْرُوفَةَ بكذا، فالتَّعَدُّدِ ليسَ بطريقِ الأصلِ. انتهى.
وقالَ ابنُ مَالِكٍ بعدَ ذِكْرِه نَصَّ= سِيبَوَيْهِ هذا: جَعَلَه خَاصًّا شائعاً في حالةٍ واحدةٍ مَخْصُوصَةٍ، باعتبارِ تَعْيينِه الحقيقَةُ= في الذِّهْنِ، وشِيَاعُه باعتبارِ أنَّ لِكُلِّ شَخْصٍ من أشخاصِ نَوْعِه قِسْطاً من تلك الحقيقةِ في الخارجِ، والذي اخْتَارَهُ والدُ المُصَنِّفِ أنَّ عَلَمَ الجِنْسِ: ما قُصِدَ به تَمْييزُ الجِنْسِ عن غيرِه مع قَطْعِ النَّظَرِ عن أفرادِه.
واسمُ الجِنْسِ: ما قُصِدَ به مُسَمَّى الجِنْسِ باعتبارِ وقُوعِه على الأفرادِ، حتى إذا دَخَلَتْ عليه الألِفُ واللاَّمُ الجِنْسِيَّةُ، صَارَ مُساوياً لعَلَمِ الجِنْسِ؛ لأنَّ الألِفَ واللاَّمَ الجِنْسِيَّةَ لتَعْرِيفِ المَاهِيَّةِ، وفَرَّعَ على ذلك أنَّ عَلَمَ الجِنْسِ لا يُثَنَّى ولا يُجْمَعُ، لأنَّ الحقيقةَ من حيثُ هي لا تَقْبَلُ جمعاً ولا تَثْنِيَةً؛ لأنَّ التَّثْنِيَةَ والجَمْعُ إنَّما هو للأفرادِ، لكنْ صَرَّحَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ في (القواطعِ) أنَّ الألِفَ واللاَّمَ الداخِلَةِ على اسمِ الجِنْسِ، لعَهْدِ الجَنْسِ لا للتَّعْرِيفِ.
وقالَ ابنُ الحَاجِبِ في (شَرْحِ المُفَصَّلِ) في الفَرْقِ بينَ أُسَامَةَ وزَيدٍ: إنَّ أسداً مَوْضُوعٌ لفَرْدٍ من أفرادِ النَّوْعِ لا بعَيْنِه، فالتَّعَدُّدُ فيه من أَصْلِ الوَضْعِ، وأُسَامَةَ موضوعٌ للحقيقةِ المُتَّحِدَةِ في الذِّهْنِ، فإذا أَطْلَقْتَ أسداً على واحدٍ أَطْلَقْتَه على أَصْلِ وَضْعِه، وإذا أَطْلَقْتَ أُسَامَةَ على الواحدِ فإنَّما أَرَدْتَ الحقيقةَ، ويَلْزَمُ من ذلك التَّعَدُّدُ في الخارجِ، فالتَّعَدُّدُ فيه ضِمْناً لا قَصْداً بالوَضْعِ، وهذه الفروقُ إنْ أُرِيدَ بها أنَّ وَضْعَ اللُّغَةِ ذلك فيَحْتَاجُ إلى دليلٍ وإلاَّ فهِيَ تَحَكُّمَاتٍ.
(1/407)

ص: (مسألةٌ: الاشتقاقُ: رُدَّ لَفْظٌ إلى آخَرَ ولو مَجازاً، لمُنَاسبَةٍ بينَهما في المعنَى والحروفِ الأصْلِيَّةِ).
ش: قولُه: (رُدَّ لَفْظٌ) جِنْسٌ، والمرادُ به جَعَلَ أحدَهُما أَصْلاً، والآخَرَ فَرْعاً، والفَرْعُ مَرْدُودٌ إلى الأصلِ، وشَمِلَ اللفظُ للاسِمِ والفِعْلِ، وقولُه: (ولو مَجازاً) إشَارَةٌ إلى أنَّ الاشتقاقَ يكونُ من حقيقةٍ، ولا خلافَ فيه، ويكونُ من مجازٍ، وخَالَفَ فيه القَاضِي أَبُو بَكْرٍ، والغَزَالِيُّ، والكَيَا، فمَنَعُوا الاشتقاقَ من المَجَازَاتِ، وقالُوا: إنَّما يَكُونُ الاشتقاقُ من الحقائقِ، كالأمْرِ، فإنَّه يَشْتَقُّ منه الآمِرَ والمَامُورَ وغيرَهما، باعتبارِ معنَاها الذي هو الفِعْلُ لكونِه مجازاً فيه، والرَّاجِحُ الجوازُ فيه كالحقيقةِ، ويَشْهَدُ له إجماعُ البيانِيِّينَ على صِحَّةِ الاستعارَةِ التَّبَعِيَّةِ وهي مُشْتَقَّةٌ من المجازِ؛ لأنَّ الاستعارَةَ أوْلاً تكونُ في المَصْدَرِِ، ثم يُشْتَقُّ منه، ولأجْلِ الخلافِ فيه أَتَى المُصَنِّفُ ب (لو).
وقولُه: (لِمُنَاسَبَةٍ)؛ أي: بأنْ يَكُونَ فيه معنَى الأصْلِ، إمَّا معَ زيادَةٍ كالضربِ والضاربِ، فإنَّ الضاربَ ذاتَ له الضربَ، وإمَّا دونَها كالقَتْلِ مَصْدَراً من قَتْلٍ.
وقولُه: (والحروفُ الأصْلِيَّةِ) خَرَجَتِ الزيادَةُ فلا عِبْرَةَ بها كالاسْتِعْجَالِ والاشتقاقِ، ولا يُشْتَرَطُ في الأصلِيَّةِ أنَّ تكونَ مَوْجُودَةٌ؛ لأنَّه رُبَّما حَذَفَ بعضَها لمانِعٍ، كخَفْ من الخَوْفِ، نَعَمْ، يُشَتَرَطُ التَّرْتِيبُ، وأَهْمَلُوهُ.
(1/408)

واعْلَمْ أنَّ الاشتقاقَ ثلاثةُ أقسامٍ:
أَصْغَرُ: وهو اتِّفَاقُ اللفظَيْنِ في الحروفِ والترتيبِ، نحوَ: نَصَرَ ونَصِيرٍ.
وصغيرٌ: ويُسَمَّى أَوْسَطُ: وهو اتِّفَاقُهُما في الحروفِ دونَ التَّرْتِيبِ، نحوَ: جَبَذَ وجَذَبَ.
وأكْبَرُ: وهو اتِّفاقُهما في بعضِ الحروفِ دونَ بعضٍ، نحوَ: ثَلَمَ وثَلَبَ. ومنه قولُهم: الضَّمانُ مُشْتَقٌّ من الضَّمِّ، فيَظْهَرُ أنَّه يَعْتَبِرُ في الأوَّلِ مُوافَقَةُ المعنَى والحروفِ الأصلِيَّةِ مع الترتيبِ، وفي الأخيرَيْنِ المُنَاسَبَةُ فقطْ، فإنْ أَرَادَ المُصَنِّفُ تعريفَ الأصْغَرِ فلْيُزِدْ قَيْدَ الترتيبِ، وأَجَابَ بأنَّ المُرادَ الأصغرُ، ولا حَاجَةَ لقَيْدِ الترتيبِ، فإنَّه إنْ لم يَكُنْ على تَرْتِيبِه لم يُنَاسِبْهُ، فإنْ قيلَ: المُنَاسبَةُ أَعَمٌّ، قُلْنَا: لا نُسَلِّمُ.
ص: (ولا بُدَّ من تَغْييرٍ).
ش: أي: بينَ اللَّفْظَيْنِ بزِيادَةٍ أو نُقْصَانٍ أو بهما في حَرْفٍ أو حَرَكَةٍ أو فِيهِمَا، والتغييرُ المَعْنَوِيُّ إنَّما يَحْصُلُ بطريقِ التَّبَعِ، وهذا أَحَسَنُ من قولِ ابنِ الحَاجِبِ، وقد يُرَادُ بتَغْييرِ ما. فإنَّه يُوِهِمُ أنَّه من تَمَامِ الحَدِّ، وإنَّما هو شَرْطٌ ذُكِرَ تَمْهِيداً للقِسْمَةِ التي ذَكَرُوها إلى خَمْسَةَ عَشَرَ صورةً فصاعداً لا قَيْداً، وقيلَ: المُرادُ بالتَّغْييرِ: المَعْنَوِيُّ،
(1/409)

كما صَرَّحَ به صَاحِبُ (المُنْتَهَى)؛ لأنَّ التغييرَ اللفظيَّ فُهِمَ من قولِه أوْلاً.
(رُدَّ لَفْظٌ إلى آخَرَ) لاستحالَةِ رَدِّ الشيءِ إلى نَفْسِه، والأَوْلَى أنْ يُرَادَ كلٌّ منهُما، والأوْلَى وإنْ فُهِمَ منه التغييرُ اللفظيُّ، لكنْ ذَكَرَهُ ثانياً لأمْرَيْنِ:
أحدُهما: ليَدُلَّ له بطريقِ المُطَابَقَةِ.
وثانيهما: أنَّه لَمَّا كانَ التغييرُ اللفظيُّ لا يَجِبُ أنْ يكونَ حقيقةً، بل لو كانَ تَقدِيرِيًّا كَفَى، كما في الفُلْكِ مُفْرَداً وجَمْعاً، احْتَاجَ إلى ذِكْرِه ثانياً ليُنَبِّهَ على أنَّ المُرادَ بالتغييرِ ما هو الأَعَمُّ من الحقيقيِّ والتقديريِّ.
وبهذا يُجَابُ عن اعتراضِ بعضِهم على اشْتِراطِ أصْلِ التغييرِ بنحوِ: طَلَبَ من الطَلَبِ، وغَلَبَ من الغَلَبِ، وجَلَبَ من الجَلَبِ، فإنَّ هذه الأفْعَالِ مُشْتَّقَةٌ من هذه المصادِرِ معَ عَدَمِ التغييرِ لبَقَاءِ الحَرَكَةِ فيه على وجْهِ المصادِرِ.
وأَجَابَ الأصْفَهَانِيُّ وغيرُه بالتغييرِ حاصلٌ تقديراً، فإنَّ الحركةَ في الفعلِ للبناءِ، وفي المصدرِ للإعرابِ، والأوْلَى كالجزءِ من الكَلِمَةِ لثُبُوتِها.
والثانيةُ عَارِضَةٌ لتَبَدُّلِها بغيرِها، ولم يَرْتَضِ صاحبُ (البَدِيعِ) هذا الجوابُ، فقالَ: مُطْلَقُ الحَرَكَةِ لازِمٌ، والذي يُنْظَرُ فيه الاشتقاقيُّ.
(1/410)

ص: (وقد يُطَّرَدُ كاسمِ الفاعلِ، وقد يُخْتَصُّ كالقارورَةِ).
ش: المُشْتَّقُ قد يُطَّرَدُ استعمالاً كاسمِ الفاعلِ، وما في معناهُ من: اسمِ المفعولِ، والصفةِ المُشَبَّهَةِ، وأفعلِ التفضيلِ، والزمانِ، والمكانِ، والآلةِ، وقد لا يُطَّرَدُ. وهو المختصُّ: كالقارورةِ، لاخْتصاصِها بالزُّجاجَةِ، والدَّبَرَانِ لمنزلَةِ القَمَرِ، فإنَّهما لم يَطَّرِدَا مع اشْتِقَاقِهِما من الاسْتِقْرارِ والدَّبُورِ، والقَصْدُ بهذا أنَّ وجودَ معنى الأصْلِ في مَحَلِّ التَّسْمِيَةِ قد يُعْتَبَرُ من حيثُ إنَّه داخلٌ في التَّسْمِيَةِ، والمرادُ ذاتُ ما، باعتبارِ نَسَبِه له إليها، فهذا يَطَّرِدُ في كلِّ ذاتٍ كذلك، وقد يُعْتَبَرُ من حيثُ إنَّه مُصَحِّحٌ للتَّسْمِيَةِ، مُرَجِّحٌ لها من الأسماءِ من غيرِ دُخولِه في التَّسْمِيَةِ، والمرادُ ذاتٌ مَخْصُوصَةٌ فيها المعنَى، لا من حيثُ هو فيها، بل باعتبارِ خصوصِها، فهذا لا يُطَّرَدُ، وحاصلُه الفَرْقِ بينَ تَسْمِيَةِ الغيرِ لوجودِه فيه أو بوجودِه فيه.
(1/411)

ص: (ومَن لم يَقُمْ به وَصْفٌ لم يَجُزْ أنْ يَشْتَقَّ له منه اسمٌ، خلافاً للمعتزلَةِ، ومن بنائِهِم أنَّ إبراهيمَ عليه السلامُ ذابِحٌ، واخْتِلافِهم هل إسماعيلُ مَذْبُوحٌ).
ش: أصلُ الخلافِ في هذه المسألَةِ أنَّ اللهَ تعالَى يُسَمَّى مُتَكَلِّماً بالاتِّفاقِ، وهو مُشْتَقٌّ من الكلامِ، ثم إنَّ الأشاعرَةَ أَطْلَقُوهُ على اللهِ وما منهُ الاشتقاقُ قَائِمٌ بذاتِه الكريمَةِ، وهو الكلامُ النَّفْسِي، وأمَّا المعتزلَةُ فيَطْلِقُونَ اسمَ المُتَكَلِّمِ على اللهِ باعتبارِ قيامِه بغيرِه لا بذَاتِه، وهو خَلْقُه الكلامَ= في اللَّوْحِ المحفوظِ أو في غيرِه، ولا يَعْتَرِفُونَ بالكلامِ النَّفْسِيِّ، فلَزِمَ من مَذْهَبِهم جوازُ صِدْقِ المُشْتَقِّ على مَن لم تَقُمْ به صِفَةُ الاشْتقاقِ، وعلى هذا ففِي نِسْبَةِ الجوازِ لُغَةٌ إليهم، نَظَرٌ، بناءٌ على أنَّ الخلافَ في أنَّ لازِمَ المذهبِ هل هو مذهبٌ أم لا؟ والصحيحُ المَنْعُ، ولهذا لم يُنْسَبِ القولُ المُخَرَّجَ= إلى الشَّافِعِيِّ على الصحيحِ.
وقولُه: (ومن بنائِهم) يُشِيرُ إلى ما ذَكَرُوهُ في مسألَةِ النَّسْخِ قبلَ الفِعْلِ، فإنَّ المُعْتَزِلَةَ مَنَعُوهُ، واسْتَدَّلَ أَصْحَابُنا عليهم، بأنَّ إبراهيمَ عليهِ
(1/412)

الصلاةُ والسلامُ، أَمَرَ بالذَّبْحِ، ثم نُسِخَ قبلَ التَّمَكُّنِ، فأَجَابُوا بأنَّه ذَبَحَ وكانَ يَلْتَحِمُ، فأَبْطَلَ أصحابُنا هذا بأنَّهم اتَّفَقُوا على أنَّ إسماعيلَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ، ليسَ بمذبوحٍ، واخْتَلَفُوا في أنَّ إبراهيمَ هل هو ذابِحٌ؟ فقالَ قومٌ: هو ذابحٌ للقَطْعِ، والولَدُ ليسَ بمَذْبُوحٍ للالتئامِ، وأَنْكَرَهُ قومٌ، وقالُوا: ذابِحٌ ولا مَذْبُوحٌ مُحَالٌ، فإنْ قُلْتَ: كيفَ يَسْتَحِيلُ عندَ المُعْتَزِلَةِ إثباتُ ذابحٍ ولا مذبوحٍ مع قولِهم: يَجُوزُ اشتقاقُ اسمُ الفاعلِ لِمَنْ لم يَقُمْ به الفِعْلُ؟ قلتُ: اسمُ الفاعلِ لا يُطْلَقُ إلاَّ عندَ وقوعِ الفِعْلِ بالإجماعِ، لكنْ هل يَخْتَصُّ بمَنْ قَامَ به أو يُطْلَقُ على مَن لم يَقُمْ به؟ فيه الخلافُ بينَنا وبينَهم، وهذا عندَ هؤلاءِ أنَّ الفِعْلَ لم يَقَعْ؛ لأنَّ الفِعْلَ هو الذَّبْحُ، وحقيقَتُهُ على ما يَقُولُونَ ثُبُوتِ مَذْبُوحٍ تَزْهَقُ رُوحَه، كذا قالَه المُصَنِّفُ في (شَرْحِ المُخْتَصَرِ)، وهو أَوْلَى من قولِه هنا: اتَّفَقُوا على أنَّ إبْرَاهِيمَ ذابِحٌ، واخْتَلَفُوا في أنَّ إسماعيلَ مَذْبُوحٌ.
ص: (فإنْ قَامَ بِمَا له اسمٌ، وَجَبَ الاشْتِقاقُ، أو بِمَا ليسَ له اسمٌ كأنْواعِ الرَّوائِحِ، لم يَجِبْ).
ش: المعنى القائمُ بالشيءِ هل يَجِبُ أنْ يُشْتَقَّ لمَحَلٍّ منه اسمٌ؟ اخْتَلَفُوا فيه، وقالَ الإمامُ في (المَحْصُولِ): الحقُّ التفصيلُ، فإنْ كانَ لذلكَ المعنَى اسمٌ، وَجَبَ أنْ يُشْتَقَّ اسماً له عندَ أئِمَّتِنَا المُتَكَلِّمِينَ، فإنَّ المُعْتَزِلَةَ لَمَّا قالُوا: إنَّ اللهَ يَخْلُقُ كلامَه في جِسْمٍ، قالَ أصْحابُنا لهم: لو كانَ كذلكَ لَوَجَبَ أنْ يُشْتَقَّ لذلكَ المَحَلِّ اسمُ المُتَكَلِّمِ من ذلكَ الكلامِ، وعندَ المُعْتَزِلَةِ: أنَّه غيرُ وَاجِبٍ، وإنْ لم يَكُنْ له اسمٌ كأنْواعِ الروائحِ والآلامِ، اسْتِحَالَ أنْ يُشْتَقَّ لمَحَلِّه منه اسمٌ بالضرورةِ.
(1/413)

ص: (والجمهورُ على اشتراطِ بقاءِ المُشْتَقِّ منه في كونِ المُشْتَقِّ حقيقةً إنْ أَمْكَنَ، وإلاَّ فآخِرُ جُزْءٍ، وثالثُها: الوَقْفُ).
ش: إطْلاقُ اسمُ المُشْتَّقِ باعتبارِ المُسْتَقْبَلِ مجازاً إجماعاً، وباعتبارِ الحالِ حقيقةً إجماعاً، وأمَّا بعدَ انقضاءِ ما منه الاشتقاقُ كالضاربِ، المُشْتَقُّ منه اسمُ المُشْتَقِّ حقيقةً أم لا؟ وفيه مذاهبَ:
أحدُها: أنَّه لا يُشْتَرَطُ مُطْلَقاً، بل يُطْلَقُ بعدَ الانْقضاءِ حقيقةً، وعُزِيَ لابنِ سِينَا وأَبِي هاشِمٍ.
والثاني: اشْتِرَاطُه مُطْلَقاً، وهو بعدُ الانقضاءِ مجازٌ، وقالَ في (المحصولِ): إنَّه الأقربُ.
(1/414)

والثالثُ: التفصيلُ بينَ ما يُمْكِنُ الحصولُ بتمامِه كالقيامِ والقعودِ، فيُشْتَرَطُ بقاؤُه، فلا يُصَدَّقُ قائمٌ وقَاعِدٌ حقيقةً، بعد انقضاءِ القعودِ والقيامِ، وبينَ ما لا يُمْكِنُ كالمصادرِ السَّيَّالَةِ، مثلَ الكلامِ وأنواعِه، فوجودُ آخَرِ جُزْءٍ منه كافٍ في الإطلاقِ الحقيقيِّ، والفرقُ أنَّ الأوَّلُ لا يُمْكِنُ أنْ تُوجَدَ أجْزاءُ أصْلِه معاً في الخارجِ فاشْتَرَطَ دوامَ أصْلِه.
والثاني: اتِّباعُ أجْزائِه معاً، فالتَقَى بآخَرِ جُزْءٍ منها، حتى يكونَ المُتَكَلِّمُ وغيرُه صادقاً حقيقةًَ قبلَ الفراغِ من الدالِّ في: قَامَ زيدٌ، ومن المِيمِ في: زيدٌ قائمٌ، بعدَ الشُّرُوعِ في الكلامَيْنِ، وإذا فَرَغَ عنهما، كانَ حينَئذٍ مجازاً لا حقيقةً، وهذا ما عَزَاهُ المُصَنِّفُ إلى الجمهورِ، وتَابَعَ فيه الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ، وفيه نَظَرٌ، فإنَّ كلامَ الإمامِ في (المحصولِ) مُصَرَّحٌ بأنَّه بَحْثٌ له، لم يَقُلْ به أَحَدٌ، فإنَّه أَوْرَدَ من جِهَةِ المَانِعِ أنَّه لو كانَ وجودُ المعنَى شَرْطاً في كونِ المُشْتَقِّ حقيقةً، لِمَا كانَ اسمُ المُتَكَلِّمِ والمُخْبَرِ حقيقةً في شيءِ أَصْلاً؛ لأنَّ الكلامَ اسمٌ لِجُمْلَةِ الحُروفِ المُرَكَّبَةِ، ويَسْتَحِيلُ قيامُ حَمْلِها بالمُتَكَلِّمِ حالَ التَّكَلُّمِ، ضرورةٌ أنَّه لا يُمكنُ النَّطْقُ بالجُمْلَةِ دُفْعَةٌ واحدَةٌ، بل على التَّدْرِيجِ، مع أنَّه يُقالُ: زيدٌ مُتَكَلِّمٌ ومُخْبِرٌ، والأصْلُ في الإطلاقِ الحقيقةُ، ثمَّ قالَ: فإنْ أَجَبْتَ بأنَّه لم لا يَجُوزُ أنْ يُقَالَ: حصولُ المُشْتَّقِ منه شَرْطٌ في كونِ المُشْتَقِّ حقيقةً، إذا كانَ مُمْكِنُ الحصولِ، فأمَّا إذا لم يكنْ كذلك فلا؟ قلنَا: هذا باطلٌ، لأنَّه لم يَقُلْ بهذا الفَرْقِ أَحَدٌ من الأمَّةِ، هذا لَفْظُه، وقالَ الآمِدِيُّ في (الإحكامِ): هل يُشْتَرَطُ بقاءُ الصفَةِ المُشْتَقِّ منها في إطلاقِ اسمِ المُشْتَقِّ حقيقةً؟ فأَثْبَتَه قومٌ ونَفَاهُ آخَرُونَ، وفَصَّلَ بعضُهم بينَ المُمْكِنِ الحصولِ، فاشْتُرِطَ ذلك فيه، وبينَ ما لا يُمْكِنُ فلا، والظاهرُ أنَّ مُرادَهُ به احتمالُ صاحبِ (المحصولِ)، وأمَّا حكايةُ المُصَنِّفِ قولاً بالوَقْفِ فلم أَرَهُ صريحاً لأَحَدٍ إلاَّ أنَّ العَضَدَ في (شرحِ المُخْتَصَرِ) قالَ: كانَ مَيْلُ ابنُ الحَاجِبِ إلى التَّوَقُّفِ في
(1/415)

المَسْأَلَةِ ولذلك
ذَكَرَ دلائلَ الفَرْقِ، وأَجَابَ عنها، لكنْ قَالَ الشَّرِيفُ: إنَّه اختارَ الثالثُ، ولا يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ: ورابِعُها الوَقْفُ؛ لأنَّ التَّفْصِيلَ السابِقَ هو ثالثُها، كما صَرَّحَ به ابنُ الحَاجِبِ.
ص: (ومَن ثُمَّ كانَ اسمُ الفاعلِ والمفعولِ حقيقةً باعتبارِ الحالِ؛ أي: حَالَ التَّلَبُّسِ لا النُّطْقِ خلافاً للقِرَافِيِّ).
ش: أي: من هذه الحَيْثِيَّةِ، يُعْلَمُ أنَّ إطلاقَ الاسمِ المُشْتَقِّ، كاسمِ الفاعلِ والمفعولِ، باعتبارِ الحالِ حقيقةً، ولا خلافَ فيه، كتَسْمِيَةِ الخَمْرِ خَمْراً، وإنَّما الخلافُ
(1/416)

باعتبارِ الماضِي، كإطلاقِ الضَّارِبِ على مَن صَدَرَ منه الضَّرْبُ، ثمَّ المرادُ بقولِنا: اسمُ الفاعلِ بمعنَى الحالِ حقيقةً؛ أي: حالَ التَّلَبُّسِ بالفِعْلِ، لا حالَ النُّطْقِ باللفْظِ المُشْتَقِّ، فإنَّ حقيقةَ الضاربِ والمَضْرُوبِ، لا يَتَقَدَّمُ على الضَّرْبِ، ولا يَتَأَخُّرُ عنه، وبهذا يُعْلَمُ أنَّ نحوَ قولُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ((مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً))، حقيقةً، وأنَّ ما ذَكَرَهُ الأئِمَّةُ مِن أنَّه سُمِيَّ قَتِيلاً باعتبارِ مُشَارَفَتِه القَتْلَ لا تحقيقَ له، والمُخَالِفُ في هذه القاعدَةِ القِرَافِيُّ، فإنَّه قالَ: مَحَلُّ الخلافِ إذا كانَ المُشْتَقُّ مَحْكوماً به، كقولِنا: زيدٌ مُشْرِكٌ أو زَانٌ، فإنَّ كانَ مَحْكوماً عليه، كقولِنا: السارقُ تُقْطَعُ يَدَه، فإنَّه حقيقةٌ مُطْلَقاً فيمَنْ اتَّصَفَ به في الماضِي والحالِ والاستقبالِ، قالَ: ولولا ذلكَ لأَشْكَلَ القَطْعُ والجَلْدُ؛ لأنَّ هذه الأَزْمِنَةِ إنَّما هي بحَسَبِ زَمَنِ إطلاقِ اللفظِ المُشْتَرَكِ، فتكونُ الآياتُ المذكورةُ ونظائرُها مجازاتٍ باعتبارِ مَن اتَّصَفَ بهذه الصفاتِ في زمانِنَا؛ لأنَّهم في المستقبلِ غيرُ زَمَنِ الخِطَابِ عندَ النُّزولِ على رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ.
ولا نَخْلُصُ من هذا الإشكالِ إلاَّ بما سَبَقَ، قالَ: فاللهُ تعالَى لم يَحْكُمْ في تلك الآياتِ بشِرْكِ أَحَدٍ ولا بزِنَاهُ.
(1/417)

وإنَّما حُكْمُه بالقَتْلِ والجَلْدِ وغيرِهما، والموصوفُ بتلكَ الصِّفَاتِ يَعُمُّ مُتَعَلِّقُ هذه الأحكامِ، هذا حاصلٌ ما قالَ.
وذَكَرَ الأصْفَهَانِيُّ شَارِحَ (المحصولِ) نحوه، قالَ: ولا يُقَالُ: إنَّه لِمَا كانَ موصوفاً بالمُشْتَقِّ منه وهو الزنَا والسرقةُ وَجَبَ عليه ما هو مُقْتَضَى ذلك، ثمَّ يَسْتَوْفِي منه ما وَجَبَ أولاً؛ لأنَّا نَقُولُ: هذا غيرُ واقِعٍ لِمَا ذَكَرْنَا؛ لأنَّ كلامَنَا مَفْرُوضٌ في امتثالِ الأمْرِ، وذلك الأَمْرُ أمْرٌ بجَلْدِ الزانِي وقَطْعِ السارقِ، ولو كانَ بقاءُ وجْه الاشتقاقِ شَرْطاً، لم يَبْقَ زانياً ولا سارقاً بعدَ انقضائِه، فلا يَكُونُ الجَلْدُ جَلْداً لزانٍ، ولا القَطْعُ قَطْعاً لسارقٍ، فلا يَقَعُ امتثالاً للأمْرِ، والحقُّ أنَّ اسمَ الفاعلِ لا دلالَةَ له على زَمَنِ الخِطَابِ الْبَتَّةَ، بل مَدْلُولُه شَخْصٌ مُتَّصِفٌ بِصَفَةٍ صَادِرَةٍ منه لا تُعْرَضُ له لزمانٍ، كما هو شأنُ الأسماءِ كلِّها، وإذا لم يَدُلَّ على الزمانِ الأَعَمِّ من الحالِ فلا يَدُلُّ على الحالِ الأَخَصِّ منه بالأوْلَى، وإنَّما جَاءَ الفَسادُ من جِهَةِ أنَّهم فَهِمُوا من قولِنا: زيدٌ ضاربٌ، أنَّه ضاربٌ في الحالِ، فاعْتَقَدُوا أنَّ هذا لدلالَةِ اسمِ الفاعلِ عليه، وهو باطلٌ؛ لأنَّك تَقُولُ: هذا حَجَرٌ، وتُرِيدُ إنساناً، فيُفْهَمُ منه الحالُ أيضاً، مع أنَّ الحَجَرَ والإنسانَ لا دَلالَةَ لهُما على الزمانِ، وهذا مِن تَحْقِيقِ والِدِ المُصَنِّفِ رَحِمَهُما اللهُ تعالَى.
ص: (وقيلَ: إنْ طَرَأَ على المَحَلِّ وَصْفٌ وُجُودِيٌّ يُنَاقِضُ الأوَّلَ، لم يُسَمَّ بالأوَّلِ إجْمَاعاً).
ش: جَعَلَ بعضُهم مَحَلَّ الخلافِ فيما إذا لم يَطْرَا على المَحَلِّ ما يُنَاقِضُه، كالقاتلِ والسارقِ، فيَبْقَى صِدْقُ المُشْتَقِّ على قَوْلٍ، فإنْ طَرَأَ عليه ما يُضَادُّه، واشْتَقَّ له اسمُ غيرَ المُشْتَقِ الأوَّلِ، فحينَئذٍ لا يُصَدَّقُ المُشْتَقُّ الأوَّلُ قَطْعاً، كاللونِ إذا قَامَ به البياضُ يُسَمَّى أَبْيضُ، فإذا اسْوَدَّ لا يُقَالُ في حالة السَّوادِ: إنَّه أَبيضُ بالإجماعِ، وهذا مُتَّجَهٌ، وكلامُ الآمِدِيِّ في أثناءِ الحجَّاجِ يَدُلُّ عليه، فلا وَجْهَ
(1/418)

لتَضْعِيفِ المُصَنِّفِ، وإنْ كانَ الجمهورُ أَطْلَقَ الخلافَ.
ص: (وليسَ في المُشْتَّقِ إشْعارٌ بخصوصِيَّةِ الذاتِ).
ش: أي: التي يُصَدِّقُ عليها من كونِها جِسْماً أو جَمَاداً أو غيرَه، لا بطريقِ المُطَابَقَةِ ولا التَّضَمُّنِ؛ ولأنَّه لا معنًى، إلاَّ أنَّه وإنْ قَامَ به المُشْتَقُّ منه كالأسْوَدِ مثلاً، فإنَّه يَدُلُّ على ذاتٍ مُتَّصِفَةٍ بِسوادٍ من غيرِ دلالَةٍ على خصوصِ تلك الذاتِ، وإنْ دَلَّتْ على خصوصِيَّةِ كونِه جِسْماً أو حيواناً أو غيرِه، فإنَّما يَدُلُّ عليه بطريقِ الالتزامِ، كذا قالَهُ الصِّفِيُّ الهِنْدِيُّ، فليُحْمَلُ نَفْيُ المُصَنِّفِ الإشعارُ على المُطَابَقَةِ والتَّضَمُّنِ خاصَّةً.
ص: (مسألَةٌ: التَّرَادُفُ واقِعٌ، خلافاً لثَعْلَبٍ وابنُ فَارِسٍ: مُطْلَقاً، والإمامُ: في الأسماءِ الشَّرْعِيَّةِ).
ش: في وقوعِ التَّرَادُفِ في اللُّغَةِ مذاهبُ، أَصَحُّهَا: نَعَمْ، ولُغَةُ العَرَبِ طَافِحَةٌ به.
والثاني: المَنْعُ، وحَكَاهُ ابنُ فَارِسٍ في كتابِه المُسَمَّى ب (فِقْهِ العَرَبِيَّةِ) عن
(1/419)

ثَعْلَبٍ، واختارَهُ؛ لأنَّ وَضْعَ اللفظَيْنِ لمعنًى واحدٍ عِيٍّ يَجِلُّ الواضِعَ عنه، وما وَرَدَ مِمَّا يُوهِمُ التَّرَادُفُ يَتَكَلَّفُونَ له التَّغَايُرَ.
وحَكَى القَاضِي ابنُ العَرَبِيِّ بسَنَدِه عن أَبِي عَلِيٍّ الفَارِسِيِّ، قالَ: كُنْتًُ بمَجْلِسِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بحَلَبَ، بالحَضْرَةِ جماعَةٌ من أهْلِ اللُّغَةِ ومنهم ابنُ خَالَوَيْهِ إلى أنْ قالَ ابنُ خالَوَيْهِ: أَحْفَظُ للسَّيْفِ خَمْسِينَ اسْماً، فتَبَسَّمَ أَبُو عَلِيٍّ وقَالَ: مَا أَحْفَظُ له إلاَّ اسْماً واحداً وهو السَّيِفُ، قالَ ابنُ خَالَوَيْهِ، فأَيْنَ المُهَنَّدُ؟ وأينَ الصَّارِمُ؟ وأينَ الرُّسُوبُ، وأينَ المُخَدَّمُ؟ وجَعَلَ يُعَدِّدُ، فقالَ
(1/420)

أَبُو عَلِيٍّ: هذه صفاتٌ، وكانَ الشيخُ لا يُفِرِّقُ بينَ الاسمِ والصِّفَةِ، والحاصلُ أنَّ مَن جَعَلَها مُتَرَادِفَةً نَظَرَ إلى اتِّحَادِ دلالتِها على الذاتِ، ومَن مَنَعَ نَظَرَ إلى اختصاصِ بعْضِها بمزيدِ معنًى، فهي تُشْبِهُ المُتَرَادِفَةُ في الذَّاتِ، والمُتَبَايِنَةُ في الصفاتِ.
ومِن ثمَّ قالَ بَعْضُ المُتَأَخِّرِينَ: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هذا قِسْماً آخَرَ وسَمَّاهُ: المُتَكَافِئَةُ، قالَ: وأَسْمَاءُ اللهِ تعالَى الحُسْنَى، وأَسْمَاءُ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كلُّها من هذا النوعِ، فإنَّك إذا قُلْتَ: إنَّ اللهَ عزيزٌ، غفورٌ، رحيمٌ، قديرٌ، فكلُّها دالَّةٌ على الموصوفِ بهذه الصفاتِ، فهذا يَدُلُّ على العِزَّةِ، وهذا يَدُلُّ على الرَّحْمَةِ.
قالَ الأَصْفَهَانِيُّ: ويَنْبَغِي أنْ يَحْمَلَ كلامَهُم على مَنْعِه في لُغَةٍ واحدةٍ، فأمَّا في لُغَتَيْنِ فلا يُنْكِرُه عَاقِلٌ.
والثالثُ: يَقَعُ في اللُّغَةِ لا في الأسماءِ الشَّرْعِيَّةِ، وإليه ذَهَبَ الإمامُ في (المحصولِ) في الحقيقةِ الشَّرْعِيَّةِ، بعدَ ما ذَكَرَ وقوعُ الأسماءِ المُشْتَرَكَةِ، فقالَ: أمَّا التَّرَادُفُ فالأظْهُرُ أنَّه لم يُوجَدْ؛ لأنَّه يَثْبُتُ على خلافِ الأصْلِ، فيَتَقَدَّرُ بقَدَرِ الخاصَّةِ. انتهى.
هذا والإمامُ نَفْسُه ممَّنْ يقولُ بأنَّ الفَرْضَ والواجِبَ مُتَرَادِفَانِ، وكذا السُّنَّةُ والتَّطَوُّعُ.
ص: (والحَدُّ والمَحْدُودُ ونحوَ: حَسَنَ بَسَنَ غيرَ مترادفَيْنِ على الأصَحِّ).
ش: فيه مسألَتَانِ:
إحدَاهُما: قيلَ: الحَدُّ والمحدودُ مُتَرَادِفَانِ، والصحيحُ تَغَايُرُهُما؛ لأنَّ كُلَّ مُتَرَادَفَيْنِ يَدُلُّ كلٌّ منهما بالمطابَقَةِ على ما يَدُلُّ عليه الآخَرَ بالإجْماعِ، وليسَ فقط الحدُّ والمحدودُ كذلكَ؛ لأنَّ المحدودَ يَدُلُّ على المَاهِيَّةِ، من حيثُ هي، والحدُّ يَدُلُّ عليها باعتبارِ دلالَتِه على أجزائِها، واعْلَمْ أنَّ أَصْلَ هذا الخلافُ حَكَاهُ الغزالِيُّ في مُقَدِّمَةِ
(1/421)

(المُسْتَصْفَى) ثمَّ زَيَّفَ قولُ مَن جَعَلَه خلافاً مُحَقَّقاً، فقالَ: اخْتُلِفَ في حَدِّ الحَدِّ، فقيلَ: حَدُّ الشيءِ: هو نَفْسُه وذاتُه، وقيلَ: هو اللفظُ المُفَسِّرُ لمعناهُ على وَجْهٍ يَجْمَعُ ويَمْنَعُ، وظَنَّ آخرونَ أنَّ هذا خلافٌ، وليسَ كذلكَ، فإنَّهما لَمَّا يَتَوَارَدَا على مَحَلٍّ واحدٍ، بل الأوَّلُ اسمُ الحدِّ عندَه موضوعٌ لمدلول لفظِ الحَدِّ، والثاني اسمُ الحدِّ عندَه موضوعٌ للفظِ نَفْسِه.
والحاصلُ أنَّه باعتبارَيْنِ، فمَن نَظَرَ إلى الحقيقةِ في الذِّهْنِ قالَ بالأوَّلِ، ومن نَظَرَ إلى العبارَةِ عنَها قال بالثاني؛ ولهذا قالَ القِرَافِيُّ في (التَّنْقِيحِ): وهو غيرُ المحدودِ إنْ أُرِيدَ به اللفظُ، ونَفْسُه إنْ أُرِيدَ المعنَى.
الثانيةُ: ما لا يُسْتَعْمَلُ إلاَّ تَابِعاً، نحوَ: حَسَنَ بَسَنَ، وجَامَعَ مَانَعَ، وفيه صَنَّفَ ابنُ خَالَوَيْهِ كتابَ (الإتباعِ والإلماعِ) قيلَ: هما مُتَرَادِفَانِ، والصحيحُ المَنْعُ؛ لأنَّ التَّابِعَ لا يَدُلُّ على ما يَدُلُّ عليه المتبوعُ إلاَّ بتَبَعِيَّةِ الأوَّلِ، وإذا قَطَعَ عنه لا يَدُلُّ على شيءٍ أَصْلاً بخلافِ المُتَرَادِفَيْنِ.
ص: (والحقُّ إفادَةُ التَّابِعِ التَّقْوِيَةَ).
ش: خلافاً لإطلاقِ (المِنْهَاجِ) أنَّه لا يُفِيدُ، والدليلُ عليه أنَّ العَرَبَ لا تَضَعَهُ
(1/422)

سُدًى، وقالَ الإمامُ: شَرْطُ كونِه مفيداً تَقَدَّمَ الأوَّلُ عليه، وعبارَةُ المُصَنِّفِ مُصَرَّحَةٌ بأنَّه لا فائِدَةَ له إلاَّ التَّقْوِيَةَ، وهو حَسَنٌ، ليُنَبِّهَ على الفَرْقِ بَيْنَه وبينَ التَّوْكِيدِ، فإنَّ من الناسِ مَن يَظُنُّ أنَّه تأكيدٌ، فإنَّه أيضاً إنَّما يُفِيدُ التقويةَ، لكنَّ الفَرْقَ بينَهما أنَّ التأكيدَ يُفِيدُ مع التَّقْوِيَةِ نَفْيُ احتمالِ المجازِ، فإنَّك إذا قُلْتَ: قَامَ القَوْمُ، احْتَمَلَ بعضُهم مجازاً، ويَنْتَفِي بقولِك: كلُّهم.
ص: (ووقوعُ كُلٌّ من المُتَرَادَفَيْنِ مَكَانَ الآخَرِ إنْ لم يَكُنْ تَعَبَّدَ بلَفْظِه، خلافاً للإمامِ: مُطْلَقاً، والبَيْضَاوِيُّ والهِنْدِيُّ: إذا كانَا مِن لُغَتَيْنِ).
ش: هل يَجِبُ صِحَّةُ إقَامَةِ كلًَّ واحدٍ من المترادفَيْنِ مكانَ الآخَرِ؟ ففيه مذاهبَ:
أحدُها: أنَّه واجِبُ بمعنَى أنَّه يَصِحُّ مُطْلَقاً، وهو اختيارُ ابنُ الحاجَبِ والأَصْفَهَانِيُّ وغيرُهما، وتَابَعَهُما المُصَنِّفُ، فيَجُوزُ أنْ تَقُولَ: هذا قَمْحٌ جَيِّدٌ، وهذه حِنْطَةٌ جَيِّدَةٌ؛ لأنَّ صِحَةَ ضَمِّ الأَلْفَاظِ بعضِها إلى بعضٍ تَابِعَةٌ لصِحَّةِ ضَمِّ المعانِي وحُجَّةٍ في التَّرْكِيبِ.
والثاني: أنَّه غيرُ واجِبٍ؛ أي: جوازُ تَبْدِيلِ أحدِهما بالآخَرِ غيرُ لازمٍ، قالَ الإمامُ: وهو الحقُّ؛ لأنَّ صِحَّةَ الضَّمِّ قد تكونُ من عوارضِ الألفاظِ.
(1/423)

والثالثُ: وهو اختيارُ البَيْضَاوِيُّ والصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ: إنْ كَانَا مِن لُغَةٍ وَاحِدَةٍ صَحَّ وإلاَّ فلا، وفي كلامِ (المِنْهَاجِ) إشارَةٌ إلى أنَّ الخلافَ في حالِ التَّرْكِيبِ، أمَّا في حالِ الإفْرادِ كما في تَعْدِيدِ الأشياءِ فلا خلافَ في الجوازِ.
وأَشَارَ المُصَنِّفُ بقولِهِ: (إنْ لم يَكُنْ تَعَبَّدَ) إلى تَقْييدِ مَحَلِّ الخلافِ ذلك، أمَّا ما تَعَبَّدْنَا بلَفْظِه، فلا يَجُوزُ كالتَّكْبِيرِ في الصلاةِ، وهذا القَيْدُ ليسَ مُنَاسباً للمَسْأَلَةِ، فإنَّ عِلَّةَ المَنْعِ في التَّعَبُّدِي ليسَ هو لامتناعِ إقَامَةِ أَحَدِ المُتَرَادِفَيْنِ مكانَ الآخَرِ، بل لَمَّا وَقَعَ التَّعُبُّدُ بجَوْهَرِ لَفْظِه، كالخلافِ في أنَّ لَفْظَ النَّكَاحِ، هل يَنْعَقِدُ بالعَجَمِيَّةِ؟ ونحوٍِه.
وقوله: (يَكُنْ) هي تَامَّةٌ إنْ جَعَلْتَ ما بَعْدَها اسْماً، وإنْ جَعَلْتَه فِعْلاً مَبْنِيًّا للمفعولِ كانَتْ ناقِصَةً.
(1/424)

ص: (مسألَةٌ: المُشْتَرِكُ واقِعٌ، خلافاً لثَعْلَبٍ والأَبْهَرِيِّ والبَلْخِيِّ مُطْلَقاً، ولقومٍ: في القرآنِ، وقيلَ: في الحديثِ، وقيلَ: واجِبُ الوقوعِ، وقيلَ: مُمْتَنِعٌ، وقالَ الإمامُ: مُمْتَنِعٌ في النَّقِيضَيْنِ فقط).
ش: جَمَعَ المُصَنِّفُ سَبْعَةَ مَذَاهِبَ:
أَصَحُّهَا: أنَّه جائزٌ واقِعٌ، وليسَ بواجبٍ.
(1/425)

الثاني: جَائزٌ غيرُ واقِعٍ، وحَكَاهُ عن ثَعْلَبٍ ومَن معَهُ، كابنِ العَارِضِ المُعْتَزَلِيِّ في كتابهِ (النُّكَتْ). وقيلَ: المعروفُ غيرها ولا الإحالةَ.
والثالثُ: أنَّه غيرُ واقِعٍ في القرآنِ خاصَّةً، ونُسِبَ لابنِ دَاودَ الظَّاهِرِيِّ.
والرابعُ: في القرآنِ والحديثِ دونَ غيرِهما.
والخامسُ: أنَّه واجبُ الوقوعِ.
والسادسُ: أنَّه مُحالٌ، وهو المُرادُ بقولِه: (وَقِيلَ مُمْتَنِعٌ)؛ أي: عَقْلاً، وهذا هو الفرقُ بينَ هذا والقولِ المَحْكِيِّ عن ثَعْلَبٍ، فإنَّ ذلك مَنْعَهُ لُغَةً.
(1/426)

والسابعُ: أنَّه يَمْتَنِعُ مع النَّقِيضَيْنِ خاصَّة، ً وإليه صَارَ الإمامُ.
وقد نَازَعَ الأَصْفَهَانِيُّ في تَعْدَادِ المَذَاهِبِ، وجَعَلَها رَاجِعَةٌ إلى قولَيْنِ، وهُما: الوقوعُ وعَدَمُه، قالَ: لأنَّ الوجوبَ هَهُنا هو الوجوبُ بالغَيْرِ، إذ لا معنًى للوجوبِ بالذاتِ، والمُمْكِنُ الواقعُ هو الواجبُ بالغيرِ، فحينَئذٍ لا فَرْقَ بينَهُما، وكذا بينَ المُمْكِنِ غيرِ الواقِعِ والمُمْتَنِعِ.
قالَ: ولهذا لم يَتَعَرَّضِ ابنُ الحَاجِبِ إلاَّ لقَوْلِ الوقوعِ وعَدَمِه، وليسَ كما قالَ، فإنَّ قولَ الوقوعِ معَ الإمكانِ والوجوبِ، قولانِ ثابتَانِ مُتَغايرانِ، ولا يَلْزَمُ من أحدِهما الآخَرُ، نَعَمْ، في ثُبوتِ تَغَايُرِ القولِ بالقرآنِ والسُّنَّةِ نَظَرَ، فإنَّ المُنْكَرَ لِوقُوعِه في القرآنِ، الظاهرُ أنَّه مُنْكَرٌ لِوقُوعِه في السُّنَّةِ أيضاً؛ لأنَّ الشُّبْهَةَ شامِلَةٌ، وقد صَرَّحَ بذلك صَاحِبُ (التحصيلِ) واحْتَجَّ في (المحصولِ) على أنَّه لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللفظُ مَوْضُوعاً لنقيضَيْنِ لوجودِ الشيءِ وعَدَمِه، قالَ: لأنَّ سَمَاعَه لا يُفِيدُ عندَ التَّرَدُّدِ بينَ الأَمْرَيْنِ، وهو حاصلٌ بالعَقْلِ، فالوَضْعُ له عَبَثٌ، وأُجِيبَ بأنَّه جَازَ أنْ يَكُونَ له فائِدَةٌ، وهي اسْتِحْضَارُ التَّرَدُّدِ بينَ الأمرَيْنِ، يَغْفُلُ الذِّهِنُ عنهما، والفائِدَةُ الإجمالِيَّةُ مَقْصُودَةٌ.
ص: (مسألَةٌ: المُشْتَرَكُ يَصِحُّ إطْلاقُه على مَعْنَيَيْهِ معاً مجازاً، وعن الشَّافِعِيِّ والقَاضِي والمُعْتَزِلَةِ حقيقةً، زَادَ الشَّافِعِيُّ: وظاهرٌ فيهما عندَ التَّجَرُّدِ عَن القرائنِ، فيَحْمِلُ عليهما، وعن القَاضِي: مُجْمَلٌ ولكنْ يُحْمَلَ عليهما احتياطاً،
(1/427)

وقالَ أَبُو الحُسَيْنِ والغَزَالِيُّ: يَصِحُّ أنْ يُرَادَ، لا أنَّه لُغَةٌ، وقيلَ: يَجُوزُ في النَّفْيِ لا الإثباتِ.
ش: اخْتَلَفَ في صِحَّةِ إطْلاقِ المُشْتَرَكِ على مَعْنَيَيْهِ معاً، على مذاهبَ:
أحدُها: مَنَعُه مُطْلَقاً، ونَصَرَه ابنُ الصَّبَّاغِ في (العُدَّةِ)، والإمامُ في (المحصولِ) مع أنَّه قالَ في بابِ الإجْماعِ: إنَّ المُضَارِعَ مُشْتَرِكٌ بينَ الحَالِ والاسْتِقْبَالِ، ويُحْمَلُ عليهما في قولِه تعالَى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلْنَّاسِ} ثمَّ اخْتَلَفَ المَانِعُونَ في سَبَبِ المَنْعِ، فمِنْهُم مَن قالَ: سبَبُه الوَضْعُ، واختارَهُ في (المحصولِ)، وسَيَحْكِيه المُصَنِّفُ عن الغَزَالِيِّ، ومعناهُ أنَّ الوَاضِعَ لم يَضَعِ اللَّفْظَ لهُما على الجَمْعِ، بل على البَدَلِ، ومِنْهُمْ مَن قَالَ: سَبَبُه أنَّه يَرْجِعُ إلى القَصْدِ؛
(1/428)

لأنَّ إرَادَةَ كُلِّ واحدَةٍ منهما مُسْتَلْزِمَةٌ لعَدَمِ إِرَادَةِ الأُخْرَى؛ لأنَّه تَقَرَّرَ أنَّه مَوْضُوعٌ لهما على البَدَلِيَّةِ، لا على المَعِيَّةِ، فلو كانَ مُرَادَيْنِ معاً، لَزِمَ ألاَّ يَكُونَ مُرَادَيْنِ معاً، وهو مُحَالٌ،
والثاني: وعليه الأكثرونَ: الجوازُ، فلا يَمْتَنِعُ أنْ يَقًُولَ: العَيْنُ مَخْلُوقَةٌ، ويُرِيدُ جَمِيعُ مَحامِلِها، وشَرَطُوا ألاَّ يَمْتَنِعُ الجَمْعُ لأمْرِ خارجيٍّ، كما في الجَمْعِ بينَ الضِّدَيْنِ، ومَثَّلُوهُ بصِيغَةِ افْعَلْ، للأمْرِ والتَّهْدِيدِ فإنَّه يَمْتَنِعُ الجَمْعُ بينَهما، وصِحَّةُ الجَمْعِ بينَ المَعْنَيَيْنِ، يَكُونُ بأنْ يَصِحَّ انْتِسَابُه إلى كلِّ واحدٍ من المَعْنَيَيْنِ في التَّرْكِيبِ، كقولُنا: العَيْنُ مُتَحَيِّزٌ، ونُرِيدُ الجَارِحَةُ والذَّهَبُ، أو بأنَّ يَكُونَ المَنْسُوبُ إليه في التَّرْكِيبِ قَابِلاً للتَّوْزِيعِ بالنَّسْبَةِ بأنْ يَكُونَ البَعْضُ مَنْسُوباً إلى أَحَدِهما، والبعضُ مَنْسُوباً إلى الآخَرِ، كما في قولِه تعالَى: {إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ} فإنَّ الضميرَ قَابِلٌ للتَّوْزِيعِ، لاخْتِلافِ مَدْلُولِ الصَّلاةِ بالنِّسْبَةِ إلى اللهِ تعالَى وإلى الملائكةِ، ثم اخْتَلَفَ المُجَوِّزُونَ هل هو حقيقةٌ أو مجازٌ؟.
فالمُخْتَارُ عندَ ابنِ الحَاجِبِ والمُصَنِّفِ أنَّه مَجَازٌ، وإليه مِيلَ إمامُ الحَرَمَيْنِ، فإنَّه صَرَّحَ بأنَّه لا يُسْتَعْمَلُ في الجميعِ إذا تَجَرَّدَ عن القرائنِ وبالجوازِ معَ قرينَةٍ مُتَّصِلَةٍ، وعَلَلَّ المَنْعَ بكونِ الواضِعِ إنَّما وَضَعَهُ لهُما على
(1/429)

البَدَلِ لا على الجَمْعِ، وقيلَ: بطَرِيقِ الحقيقةِ، ونَقَلَهُ الآمِدِيُّ عن الشافِعِيِّ والقَاضِيِّ، وتَابَعَه المُصَنِّفُ، وفيه نَظَرٌ، واخْتَلَفَ المُجَوِّزُونَ للاسْتِعْمَالِ، هل يَجِبُ حَمْلُه عليهما إذا تَجَرَّدَ عن قَرِينَةٍ صَارِفَةٍ؟ فقيلَ: لا يَجِبُ، ويكونُ مُجْمَلاً، وعَزَاهُ الهِنْدِيُّ للأكْثَرِينَ، وبه قالَ الإمامُ تَفْرِيعاً على القولِ بالجوازِ؛ لأنَّ اللفظَ كما هو حقيقةٌ في المجموعِ، فكذا هو حقيقةٌ في أحدِهما على البَدَلِ أيضاً، فلو قُلْنَا بوجوبِ الحَمْلِ عليهما عندَ تَجَرُّدِه عن القرينَةِ، لكانَ ذلك تَرْجِيحاً لأحدِ المَفْهُومَيْنِ على الآخَرِ من غيرِ مُرَجَّحٍ، ونُقِلَ عن الشافِعِيِّ والقَاضِي وجُوبُه، وليسَ ذلك تَرْجِيحاً بلا مُرَجَّحٍ، كأنْ عَمَّ المَانِعُ، بل بمُرَجَّحٍ، وهو تَكْثِيرُ الفائدَةِ، ودَفْعُ الإجْمَالِ، لكنِ اخْتَلَفَ هل هو للاحتياطِ أو من بابِ العُمُومِ؟ فالمَنْقُولُ عن القَاضِي الأَوَّلُ، وعن الشَّافِعِيِّ الثاني، فيَرَى أنَّه ظَاهِرٌ فيهما دونَ أَحَدِهما، فيُحْمَلُ عندَ التَّجَرُّدِ عليهما، ولا يُحْمَلُ على أحدِهما خاصَّةً إلاَّ بقَرِينَةٍ، وهذا معنى المُشْتَرَكِ، والعامُّ عندَه قِسْمَانِ: قِسْمٌ مُتَّفَقُ الحقيقةِ، وقِسْمٌ مُخْتَلِفُ الحقيقةِ، واعْلَمْ أنَّ هذا النَّقْلَ عن القَاضِي تَابَعَ المُصَنِّفُ فيه = (المحصولَ) وغيرَه، وليسَ كذلكَ فقد صَرَّحَ القاضِي في (التقريبِ)
(1/430)

بأنَّه لا يَجُوزُ حَمْلُه عليهما ولا على واحدٍ منهما إلاَّ بقرينَةٍ، قالَ: وهكذا كُلُّ مُحْتَمَلٍ من القولِ
وليسَ بموضوعٍ في الأصْلِ لأحدِ مُحْتَمَلَيْهِ. انتهى.
فكانَ الصوابُ أنْ يَقُولَ: وقالَ القَاضِي بالوَقْفِ، فلا يُحْمَلُ على شيءٍ إلا بدليلٍ، وهكذا حَكَاهُ الأستاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، وقالَ: إنَّه قولُ الواقِفِيَّةُ في صِيَغِ العُمُومِ؛ أي: وفيهم القاضِي.
والثالثُ: وبه قالَ أَبُو الحُسَيْنِ والغَزَالِيُّ: يَصِحُّ أنْ يُرَادَ باللفظِ الواحدِ مَعْنَيَيْهِ بوَضْعٍ جديدٍ، ولا مَانِعَ من القَصْدِ، لكنْ ليسَ من اللُّغَةِ، فإنَّ اللغَةَ مُنِعَتْ منه، ولولا مَنْعُها منه لم يُمْنَعْ منه النَّقْلُ.
والرابِعُ: لا يَجُوزُ في الإثباتِ، ويَجُوزُ في النَّفْيِ، كما لو قالَ: الحَامِلُ لا قَرْءَ لها تَعْتَدُّ به؛ لأنَّ النَّكِرَةَ في سياقِ النَّفْيِ تَعَمُّ، فيَجُوزُ أنْ يُرَادَ به مَدْلُولاتُه المُخْتَلِفَةُ، وإليه ذَهَبَ صاحبُ (الهِدَايَةِ) من الحَنَفِيَّةِ في بابِ الوَصِيَّةِ.
والخامسُ: يَجُوزُ في الجَمْعِ، نحوَ: اعْتَدِّي بالأقْرَاءِ، دونَ المُفْرَدِ، سواءٌ الإثباتُ والنَّفْيُ؛ لأنَّ الجَمْعَ في حُكْمِ تَعْدِيدِ الأفْرادِ، فكأنَّه ذَكَرَ أَلَفْاظاً وأَرَادَ بكلِّ
(1/431)

معنًى بخلافِ المُفْرَدِ.
ص: (والأكثرُ على أنْ جَمْعَهُ باعتبارِ مَعْنَيَيْهِ إنْ سَاغَ، مَبْنِيٌّ عليه).
ش: اخْتُلِفَ في جَمْعِ المُشْتَرَكِ باعتبارِ مَعْنَيَيْهِ، نحوَ: عُيُونُ زَيدٍ، وتُرِيدُ به بَاصِرَةً، وذَهَب= وجاريَةً، فالأكْثَرُونَ: إنَّه مَبْنِيٌّ على الخلافِ في المُفْرَدِ، فإنْ جَوَّزْنَا اسْتِعْمَالَ المُفْرَدِ في مَعْنَيَيْهِ جَوَّزْنَا بالمجموعِ في جميعِ مَعَانِيهِ، وإنْ مَنَعْنَاهُ امْتَنَعَ، ومنهُم مَن قالَ: يَجُوزُ فيه، وإنْ قُلْنَا بالمَنْعِ في المُفْرَدِ، والصحيحُ طريقةُ الأكْثَرِ أنَّه يَلْزَمُ من امْتِنَاعِ المُفْرَدِ امْتَناعُ المجموعِ؛ لأنَّ المجموعَ إنَّما يُفِيدُ ما وُضِعَ له اللفظُ حالَ الإفرادِ، ولا يَزِيدُ عليه إلاَّ بِصِيغَةِ الجَمْعِ، وهو إفادَةُ الكَثْرَةِ خاصَّةً، فإنْ كانَ المُفْرَدُ مُتَنَاوِلاً لمَعْنَيَيْه، كانَ جَمْعُه كذلك، وإنْ كانَ لا يُفِيدُ إلاَّ أحدَهما، فجَمْعُه كذلك، وكانَ يَنْبَغِي للمُصَنِّفِ أنْ يَذْكُرَ مسألَةَ الخلافِ في المُثَنَّى كذلك، ونِسْبَتُه على الإثباتِ، فإنَّ النَّفْيَ لَمَّا اقْتَضَاهُ الإثْباتُ، فإنْ كانَ مُقْتَضَى الإثباتِ الجَمْعُ بينَ المَعْنَيَيْنِ، فكذلك النَّفْيُ، وإنْ كانَ مُقْتَضَاهُ أَحُدُ المَعْنَيَيْنِ، فالنَّفْيُ كذلك.
وقولُه: (إنْ سَاغَ) قَيْدٌ زَادَهُ المُصَنِّفُ على المُخْتَصِرَاتِ، أَشَارَ به إلى خلافِ النُّحَاةِ في تَثْنِيَةِ اللفظَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ في المعنَى، وفيه مذاهبُ:
أحدُها ورَجَحَّهُ ابنُ مَالِكٍ : الجوازُ مُطْلَقاً، ففي الحديثِ: ((الأَيْدِي ثَلاثَةٌ)). وصَحْحَ
(1/432)

قَوْلُ الحَرِيرِيِّ: فانثنَى بلا عَيْنَيْنِ، يريدُ الباصرةَ والذَهَبَ.
والثاني، ورَجَّحَه ابنُ الحَاجِبِ في (شَرْحِ المُفَصَّلِ): المَنْعُ مُطْلَقاً، وحَكَاهُ عن الأكثرِينَ.
والثالثُ: وعليه ابنُ عُصْفُورٍ: إنْ اتَّفَقَا في المعنَى المُوجِبِ للتَّسْمِيَةِ، نحوَ: الأحْمَرَانِ، للذَّهَبِ والزَّعْفَرَانِ جَازَ، وإلاَّ فلا، كالعَيْنِ الباصرَةِ، والذَّهَبِ.
فإنْ قيلَ: جَمْعُه باعتبارِ مَعْنَيَيْه مبنيٌّ عليه، سواءٌ سَاغَ ذلك في اللُّغَةِ أم لا، فما فائدَةُ هذا القَيْدِ؟ قلُنَا: حُمِلَ المُشْتَرِطُ على مَعْنَيَيْه إنَّما صَحَّتْ عنه في كلامِ الشَّارِعِ، أو مَن سَلَكَ بكلامِه مَسْلَكَ العَرَبِ في ألفاظِهم، فمَنْ خَرَجَ عن اللُّغَةِ لا مَحْمَلَ لكَلامِه، وهو موضوعٌ مُحْتَمَلٌ.
تنبيهٌ: ما ذَكَرَه المُصَنِّفُ من البناءِ تَابَعَ فيه ابنُ الحَاجِبِ، وقد سَبَقَ منهُما أنَّ ذلك الإطلاقَ مجازٌ لا حقيقةٌ، فلْيَكُنْ ما ابْتَنَى عليه مجازاً أيضاً، وحينَئذٍ فخَرَجَ منه أنَّ تَثْنِيَةَ المُخْتَلَفِ المعنَى وجَمْعَه إنْ وُرِدَ منه شيءٌ قُبِلَ، وأمَّا تَجْوِيزُه قياساً، فعلى المجازِ لا لأنَّ الصناعَةَ النَّحْوِيَّةَ تَقْتَضِيهِ.
(1/433)

ص: (وفي الحقيقةِ والمجازِ الخلافُ، خلافاً للقَاضِي، ومن ثَمَّ عَمَّ نحوَ: وافْعَلوا الخَيْرَ، الواجبَ والمَنْدُوبَ، خلافاً لِمَنْ خَصَّه بالواجبِ ومَن قالَ: للقَدْرِ المُشْتَرَكِ).
ش: هذا الخلافُ يَجْرِي على إطلاقِ اللفظِ الصالحِ للحقيقةِ والمجازِ وإرادَتِهما معاً، بشَرْطِ ألاَّ يَكُونَ بينَهما تَنَافٌ، ويَنْبَغِي جَرَيَانُ خلافَ عِلَّةِ المَنْعِ السابقَةِ هنا، واحْتَجَّ القَاضِي على المَنْعِ هنا، بأنَّ الحقيقةَ استعمالُ اللفظِ فيما وُضِعَ له، والمجازَ فيما لم يُوضَعْ له، وهما مُتَنَاقِضَانِ، فلا يَصِحُّ أنْ يُرَادَ بالكَلِمَةِ الواحدةِ مَعْنَيَانِ مُتَنَاقِضَانِ، وهو ضعيفٌ، لَمَا سَنَذْكُرُه، والشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ تعالَى عنه مَشَى على مَنْوالٍ واحدٍ، فحُمِلَ اللفظُ على مَعْنَيَيْه، سواءٌ كانَا حَقِيقَتَيْنِ، أو أحدُهما مجازٌ, كما جَوَّزَ الاستعمالَ فيهما, وأمَّا القَاضِي فسَوَّى بينَ الحَقِيقَتَيْنِ, وبينَ الحقيقةِ والمجازِ في صِحَّةِ الاستعمالِ بالنِّسْبَةِ إلى المُتَكَلِّمِ، وفَرَّقَ بينَهما في الحَمْلِ بالنِّسْبَةِ إلى السَّامِعِ، فقالَ في الحقيقتَيْنِ: لا يُحْمَلُ على أَحَدِهِما إلا بدليلٍ، وقالَ في الحقيقةِ والمجازِ: يَسْتَحِيلُ الجَمْعُ، لئلاَّ يَلْزَمَ الجَمْعُ بينَ النَّقِيضَيْنِ، هذا عزيزُ النَّقْلِ عن القاضِي في هاتَيْنِ المسألتَيْنِ.
وقد غَلَّطَ جَماعَةٌ في النَّقْلِ عنه، واخْتَلَطَ عليهم مسألَةُ الحَمْلِ بمسألَةِ الاستعمالِ، ومنهم المُصَنِّفُ، فنُقِلَ عن القَاضِي التَّجْويزُ في الحقيقتَيْنِ دونَ الحقيقةِ والمجازِ.
فقولُه: (خلافاً للقَاضِي) إنْ أَرَادَ في الاستعمالِ فهو مُوافِقٌ لا مُخَالِفٌ، وإنْ أَرَادَ في الحَمْلِ فهَهُنا يُحِيلُ وهناك يَجُوزُ مع القرينةِ.
وأمَّا قولُ الكِيَا في (التَّلْويحِ): قالَ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ: لا يَجُوزُ أنْ يُرَادَ بالعِبَارَةِ الواحدَةِ الحقَيقَةُ والمَجَازُ والكِنَايَةُ والتَّصْرِيحُ؛ ولهذا لا يَجُوزُ أنْ يُرَادَ باللَّمْسِ الوِقَاعُ والجَسُّ باليدِ معاً، ولا يُرَادُ بالنِّكاحِ العَقْدُ والوطءُ معاً، وصَارَ إلى هذا الرَايِ أَبُو عَبْدِ اللهِ البَصْرِيُّ من المعتزلَةِ. انتهى.
فمُرادُه الحَمْلُ، وكذا شيخُه ابنُ البُرْهَانِ عن القَاضِي ولم يَحْكِ الهِنْدِيُّ غيرَه، وعلى
(1/434)

المُصَنِّفِ نَقْدٌ آخَرَ، فإنَّه أَطْلَقَ الخلافَ، وموضوعُه كما فَرَضَه ابنُ السَّمْعَانِيِّ فيما إذا سَاوَى المَجَازُ الحقيقةَ لشُهْرَةٍ في الاسْتِعْمالِ ونحوِه، فإنَّ خَلاَ المَجازُ من ذلك امْتَنَعَ الحَمْلُ قَطْعاً؛ لأنَّ المَجَازَ لا يَعْلَمُ= تَنَاولُ اللفظِ له إلاَّ بقَيْدٍ، والحقيقةُ تُعْلَمُ بالإطلاقِ، فلما تَنَافَى الموضوعاتُ امْتَنَعَ، وبهذا تَرِدُ دَعْوَى القَاضِي التَّنَاقِضُ في الحَمْلِ على معنَى الحقيقَةِ والمجازِ، فإنَّ ذلك خَارِجَ عن مَحَلِّ النِّزَاعِ، وأَشَارَ المُصَنِّفُ إلى أنَّ مِن فوائدِ الخلافِ في هذه المسألَةِ، الخلافُ في عُمُومِ قولِه تعالَى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} فمَنْ قالَ بالجَوازِ حَمْلُه على الواجبِ والنَّدْبِ، واسْتَدَّلَ بالآيةِ علَيْهِما، ومَن مَنَعَ خَصَّهُ بالواجبِ، وكذا القائِلُ إنَّه للقَدْرِ المُشْتَرَكِ بينَهما وهو الطَّلَبُ، ومنهم مَن جَعَلَ البناءَ في الآيةِ من جِهَةِ الخِطَابِ، فإنَّ قولَه: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} هذا خطابٌ للرجالِ حقيقةٌ وللنساءِ مجازاً، فقد اسْتُعْمِلَ اللفظُ في حقيقتِه ومجازِه.
ص: وكذا المجازاتُ.
ش: اسْتِعْمَالُ اللفظُ في مَجَازَيْهِ مثلَ أنْ يَقولَ: واللهُ لا أَشْتَرِي، ويُرِيدُ السَّوْمَ وشراءَ الوكيلِ، يَجْرِي فيه الخلافُ السابِقُ، وهي مسألَةٌ غريبَةٌ قُلْ مَن تَعْرَّضَ لها من الأُصُولِيِّينَ، وقد ذَكَرَها إمامُ الحَرَمَيْنِ، وابنُ السَّمْعانِيِّ في (القواطعِ) وكذلكَ الآمِدِيِّ وابنُ الحَاجِبِ في بابِ المُجْمَلِ لكنِ اخْتَارَا فيه الإجْمَالُ، وهو مُخَالِفٌ لاختيارِهم في الحقيقتَيْنِ الإعمالِ، ومَشَى الإمامُ فَخْرُ الدِّينَ على منوالٍ واحدٍ، فاخْتَارَ الإجْمَالَ في الموضعَيْنِ، ولا يَخْفِي أنَّ صُورَةَ المسألَةِ حيثُ تَعَذَّرَتِ الحقيقةُ، ولا بُدَّ
(1/435)

من تَقْييدِ المجازَيْنِ بالمتساويَيْنِ، فإنَّه متى رَجَّحَ أَحَدُهما تَعَيَّنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَجْرِيَ فيه خلافَ الحقيقةِ والمجازِ؛ لأنَّ المجازَ الراجِحُ هنا بمثابَةِ الحقيقةِ هناك.
قالَ الأَصْفَهَانِيُّ: وحيثُ قلنا: يُحْمَلُ اللفظُ على جميعِ مجازاتِه، يُشْتَرَطُ ألاَ تَكُونَ تلكَ المَجازَاتِ مُتَنَافِيَّةٌ كالتهديدِ والإباحَةِ، إذا قلنا: إنَّ صِيغَةَ الأمْرِ حقيقةٌ في الإيجابِ، مجازٌ في الإباحَةِ والتهديدِ.
ص: الحقيقةُ: لفظٌ مُسْتَعْمَلٌ فيما وُضِعَ له ابتداءٌ.
(1/436)

ش: قولُه: (لَفْظٌ) جِنْسٌ يَشْمَلُ الحقيقةَ والمجازَ والمُسْتَعْمَلَ والمُهْمَلَ، خَرَجَ ب (المُسْتَعْمَلِ): المُهْمَلِ، واللفظُ قبلُ الاستعمالِ.
وقولُه: (فيمَا وُضِعَ له) إمَّا أنْ يكونَ من تمامِ الفَصْلِ، لإخراجِ ما ذَكَرْنَا، وإمَّا أنْ يكونَ فَصْلاً برأَسِه؛ ليَخْرُجَ اللفظُ المُسْتَعْمَلَ فيما لم يُوضَعْ له، كالوَضْعِ الجديدِ، فإنَّ واضِعَ اللُّغَةِ لم يَضَعْه، والمُسْتَعْمَلُ في غيرِ ما وُضِعَ له غَلَطاً، والمَجَازُ الخَالِي عن الوَضِعِ.
وقولُه: (ابتداءً) خَرَجَ المجازُ بأنواعِه، فإنَّه وإنْ كانَ مَوْضوعاً فليسَ موضوعاً وَضْعاً أوليًّا، وإنَّما عَبَّرَ بالابتداءِ دُونَ الأوَّلِ، كما عَبَّرَ به ابنُ الحَاجِبِ، للخلافِ في أنَّ الأوَّلَ هل يَسْتَلْزِمُ ثانياً؟ وإنْ قلنا: يَسْتَلْزِمُه، لَزِمَ أنَّ الحقيقةَ تَسْتَلْزِمُ المجازَ، ولا قائلٌ بذلك وإنَّما اخْتَلَفُوا في عَكْسِه، وهو اسْتِلْزَامُ المجازِ الحقيقةَ، فلهذا أَتَى المُصَنِّفُ بما يُزِيلُ هذا الإيهامُ، ولم يَحْتَجْ أنْ يَقُولَ: في اصطلاحِ التَّخَاطُبِ، كما قالَ غيرُه ليَدْخُلَ الحقيقتَيْنِ: الشَّرْعِيَّةُ
(1/437)

والعُرْفِيَّةُ، وإلاَّ فهما مُسْتَعْمَلانِ في وَضْعٍ ثانٍ يَصُدُقُ عليه أنَّه وُضِعَ ابتداءً، ولم يَرِدْ بالوَضْعِ الوَضْعُ الأصْلِيُّ وهو اللُّغَوِيُّ، ولو أَرَادَهُ لاحْتاجَ إلى هذا القَيْدِ لا مَحَالَةَ، بل أَرَادَ بالوَضْعِ المُبْتَدَأِ بما يَكُونَ أولاً بالنِّسْبَةِ إلى الاصطلاحِ الذي يَقَعُ به التَّخَاطُبُ، لا مَا يَكُونُ أولاً باختيارِ اللُّغَةِ، فإنَّ الوَضْعَ الأوَّلَ أَعَمٌّ من الوَضِعِ باعتبارِ اللُّغَةِ، فلهذا اسْتُغْنِيَ عن قَيْدِ التَّخَاطُبِ، وقد ضَايَقَ الأَصْفَهَانِيُّ شَارِحَ (المحصولِ) في قيدِ الأَوَلِيَّةِ، وقالَ: إنَّه غيرُ محتاجٍ إليه، فإنَّه إنَّما احْتَرَزَ به عن المجازِ، ولا حاجَةَ إلى الاحترازِ فإنَّ لَفْظَةَ الوَضْعِ تُخْرِجُهُ؛ لأنَّ المجازَ إنْ قُلْنَا: إنَّه غيرُ موضوعٍ، فذاكَ، وإنْ قلنَا: موضوعٌ، فهو غيرُ الوَضْعِ المُعْتَبَرِ في الحقيقةِ، وهو استعمالُ العُرْفِ ذلك النَّوْعُ، لا استعمالَ آحادِ النَّوْعِ بخلافِ الوَضْعِ في الحقيقةِ، وزَادَ صاحبُ (المِنْهَاجِ) (مِن غيرِ تَاويلٍ في الوَضْعِ) ليَحْتَرِزَ به عن الاستعارَةِ، فإنَّها مُسْتَعْلَمَةٌ فيما وُضِعَتْ له ولَيْسَتْ بحقيقةٍ، لسَدِّهِ دَعْوَى المُسْتَعَارِ مَوْضُوعاً
للمُسْتَعَارِ له على ضَرْبٍ من التأويلِ.
ص: (وهي لُغَوِيَّةٌ، وعُرْفِيَّةٌ، وشَرْعِيَّةٌ).
ش: لأنَّ الحقيقةَ لا بُدَّ لها من وَضْعٍ، والوَضْعُ لا بُدَّ له من وَاضِعٍ، فوَاضِعُها إنْ كانَ وَاضِعُ اللُّغَةِ، فلُغَوِيَّةٌ كالأسدِ للحيوانِ المُفْتَرِسِ، أو الشَّرِعِ، فشَرْعِيَّةٌ، كالصَّلاةِ للعِبَادَةِ المَخْصُوصَةِ، أو العُرْفِ المُتَعَيَّنِ أو المُطْلَقِ، فعُرْفِيَّةٌ، فالعُرْفِيَّةُ المُطْلَقَةُ، كالدَّابَةِ لذواتِ الأَرْبَعِ، والخَاصِّ كاصطلاحِ النُّحَاةِ والأصوليِّينَ.
ووجْهُ الحَصْرِ أنَّ اللفظَ إنْ كانَ مَوْضُوعاً في أصْلِ اللُّغَةِ لمعنًى واسْتَمَرَّ من غيرِ طُرُوءِ نَاسِخٍ عليه، فهو الحقيقةُ اللُّغَوِيَّةُ، وإنْ طَرَأَ عليه نَاسِخٌ نَقَلَهُ إلى اصْطِلاحٍ آخَرَ، فإنْ كانَ النَّاقِلُ الشَّرْعَ، فهي الشَّرْعِيَّةُ، أو العُرْفَ، فهي العُرْفِيَّةُ، فثَبَتَ أنَّ اللُّغَوِيَّةَ أَصْلُ الكُلِّ.
وقد مَنَعَ الأَصْفَهَانِيُّ إِدْخَالَ الثلاثَةِ في حدٍّ واحدٍ من جِهَةِ اختلافِ معنَى الوَضْعِ فيها، فإنَّ الوَضْعَ في اللُّغَوِيَّةِ بمعنَى الاصطلاحِ، وهو تَعْلِيقُ لفظٍ بمعنًى.
وأمَّا في الشرعيَّةِ والعرْفيَّةِ، فليسَ
(1/438)

بهذا المعنَى، إذ لم يُنْقَلْ عن الشَّرْعِ لَفْظُ الصلاةِ بإزاءِ معنَاها الشرْعِيِّ، بل غَلَبَ اسْتِعْمَالُه لها بإزاءِ المعنَى الشرعيِّ، بحيثُ صَارَتِ الحقيقةُ اللغويَّةُ مَهْجُورَةً، وكذلك العرفيَّةُ إنَّما اشْتَهَرَتْ بكَثْرَةِ الاستعمالِ دونَ الوَضْعِ، قالَ: وحينَئذٍ إنْ خَصَّصْنا لَفْظَ الوَضْعِ في الحدِّ بالاصطلاحِ، خَرَجَتِ الشرعيَّةُ والعرْفيَّةُ، وإنْ لم نَخُصُّه، لَزِمَ الاشتراكُ، وهو ما تُصَانُ الحدودُ عنه، قالَ: فيَجِبُ أنْ تُحَدَّ لهما حدًّا غيرَ حدِّ اللغويَّةِ، بأنْ يُقالَ: المُسْتَعْمَلُ فيما يَغْلِبُ اسْتِعْمَالُه، ولكَ أنْ تقولَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ الشَارِعَ اسْتِعْمَلَ ولم يَضَعْ، فإنَّ الوَضْعَ: تَعْلِيقُ لفظٍ بمعنًى، وذلك مُتَناولٌ لها، إلاَّ أنَّ سببَ نَقْلِه إلى المعنَى في اللُّغَةِ إعلامِه بالوَضْعِ والاصْطِلاحِ، وفي الشَّرْعِ كَثْرَةُ اسْتِعْمَالِه، كَثْرَةٌ تَقُومُ مَقامَ الوَضْعِ ابتداءً.
ص: (ووَقَعَ الأَوْلَيانِ، ونَفَى قَوْمٌ إمكانُ الشَّرْعِيَّةِ، والقَاضِي وابنُ القُشَيِّرِ=: وقوعُها، وقالَ قومٌ: وَقَعَتْ مُطْلَقاً، وقومٌ: إلاَّ الإيمانَ، وتَوَقَّفَ الآمِدِيُّ، والمُخْتَارُ وِفَاقاً لأَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ، والإمامَيْنِ، وابنُ الحاجِبِ وقوعُ الفَرْعِيَّةِ لا الدِّينِيَّةِ).
ش: لا خلافَ في وقوعِ اللغويَّةِ والعرفيَّةِ، وأمَّا الشرعيَّةِ ففي (المحصولِ): اتَّفَقُوا على إمكانِها؛ يعني: أنَّ الاسمَ اللُّغَوِيَّ يَجُوزُ أنْ يَنْقُلُه الشَّرْعُ إلى معنًى آخَرَ، فيَصِيرُ اللَّفْظُ في ذلك المعنَى حقيقةً شرعيَّةً، لكن في شَرْحِه للأصْفَهَانِيِّ عن شَرْحِ
(1/439)

المُعْتَمَدِ لأَبِي الحُسَيْنِ عن قومٍ أنَّهم مَنَعُوا إمْكانِها، وعليه اعْتَمَدَ المُصَنِّفُ.
لكنِ الذي رَأَيْتُه في (المُعْتَمَدِ) لأَبِي الحُسَيْنِ لَمَّا حَكَى عن قومٍ من المُرْجِئَةِ أنَّهم نَفُوا الحقائقَ الشرعيَّةَ؛ أي: وقوعَها، قالَ: وبعضُ عِلَلِهم تَدُلُّ على أنَّهم أَحَالُوا ذلكَ، هذا لَفْظُه، وحينَئذٍ فلم يُصِرِّحُوا به، نَعَمْ.
قالَ بعضُهم: مَن يَقُولُ بأنَّ دلالَةَ الألفاظِ طَبِيعِيَّةٌ، لا يقولُ بالجوازِ هنا؛ لأنَّ الاسمَ عندَه واجبٌ للمُسَمَّى، وأمَّا وقوعُها ففيه مذاهبَ:
(1/440)

أحدُها: إنْكَارُه مُطْلَقاً، وهو قولُ القاضِي أَبِي بَكْرٍ، وابنِ القُشَيِّرِيِّ وغيرِهما، ونَقَلَه المَاوَرْدِيُّ في (الحاوِي) عن الجُمْهُورِ، وزَعَمُوا أنَّ لَفْظَ الصلاةِ والصومِ وغيرِهما في الشَّرْعِ مُسْتَعْمَلٌ في المعنَى اللُّغَوِيِّ، وهو الدُّعاءُ والإمْساكُ، لم يُنْقَلْ أصْلاً، وأنَّها بَاقِيَةُ على أوضاعِها، لكنَّ الشارِعَ شَرَطَ في الاعتدادِ بها أُمُوراً أُخْرَى، نحوَ: الركوعِ، والسجودِ، والكفِّ عن الجِمَاعِ، والنِّيَّةِ، فهو مُتَصَرِّفٌ بوَضْعِ الشَّرْطِ لا بتَغْييرِ الوَضْعِ.
والثاني: إثباتًُها مُطْلَقاً، وهو قولُ المُعْتَزِلَةِ، وقالُوا: نَقَلَ الشارعُ هذه الألفاظَ من الصلاةِ والصومِ وغيرِهما من مُسَمِّيَاتِها اللُّغَوِيَّةِ، وابتداءُ= وَضْعِها لهذه المعانِي الشَّرْعِيَّة من غيرِ مُرَاعَاةِ النَّقْلِ إلى المجازِ اللغويِّ، فلَيْسَتْ حقائقٌ لُغَوِيَّةٌ ولا مَجازاتٌ عنها، وكذلك قالُوا: الإيمانُ لُغَةً: التصديقُ، ونَقَلَه الشَّرْعُ إلى العِبَاداتِ من غيرِ مُنَاسَبَةٍ، ولهذا قالَ ابنُ الحَاجِبِ، وأَثْبَتَ المُعْتَزِلَةُ الدِّينِيَّةِ أيضاً، فدَلَّ على أنَّهم
(1/441)

يَثْبُتُونَ شَرْعِيَّةً غيرَ دِينَيِّةٍ، وقَصْدِهم من هذا أنَّ مُرْتَكِبَ الكبيرَةِ ليسَ مُؤْمِناً ولا كَافِراً.
والثالثُ: التَّفْصِيلُ بينَ الإيمانِ وغيرِه، وهو الذي اخْتارَهُ الشيخُ أَبُو إسحاقَ في (شَرْحِ اللُمَعِ) أنَّ الإيمانَ مَبْقِيٌّ على مَوْضوعِه في اللُّغَةِ، وأنَّ الألفاظَ التي ذَكَرْنَاها من الصلاةِ والصيامِ والحجِّ وغيرِ ذلك، منقولَةٌ.
قالَ: وليسَ من ضرورةِ النَّقْلِ أنْ
(1/442)

يَكُونَ في جميعِ الألفاظِ، وإنَّما يكونُ على حَسَبِ ما يَقُومُ عليه الدليلُ.
والرابعُ: الوَقْفُ، وإليه مِيلَ الآمِدِيُّ. والمختارُ عندَ المُصَنِّفِ وِفَاقاً لِمَنْ ذَكَرَه الوقوعُ في فُرُوعِ الشريعَةِ فقطْ كالصومِ والصلاةِ، دونَ أُصُولِه كالإيمانِ، والمُرادِ ب (الدِّينِيَّةِ) كما قاله في (المُسْتَصْفَى): ما نَقَلَه الشَّرْعُ إلى أَصْلِ الدِّينِ كالإيمانِ والكُفْرِ والفِسْقِ.
ثمَّ في كلامِ المُصَنِّفِ أَمْرَانٍ:
أحدُهما: أنَّ هذا الذي اخْتَارَهُ يَتَبَادَرُ الذِّهْنُ إلى أنَّه عينُ قولِه: (وقَومٌ إلاَّ الإيمانَ) فما الفارقُ بينَهما؟ وإنَّما يَظْهَرُ التَّغَايُرُ بينَهما بالتقريرِ الذي سنَذْكُرُه في مَذَهْبِ الإمامَيْنِ، والقائلُ الأوَّلُ يقولُ: إنَّ الشرعَ أَبْقَى الإيمانَ على موضوعِه اللُّغَوِيُّ، ونَقَلَ ما عَدَاهُ من الفروعِ نَقْلاً كُلِّيًّا إلا على مُلاحَظَةِ أُسْلُوبِ اللُّغَةِ بوَجْهٍ، وحِكَايَتُه هكذا تُؤْخَذُ من نَقْلِ مُحَمَّدِ بنِ نَصْرٍ من كتابِ (تَعْظِيمِ قَدْرِ الصلاةِ)، عن أَبِي
(1/443)

عُبَيْدٍ، وتصيرُ المذاهبُ خَمْسَةً.
الثاني: ما أَطْلَقَه في نَقْلِ مذهبِ الإمامَيْنِ، فيه نَظَرٌ، أمَّا إمامُ الحرمَيْنِ فإنَّه قالَ: ثَبَتَ منها نوعانٍ:
أحدُهما: قَصْرُ التَّسْمِيَةِ على بعضِ مُسَمِيَاتِها، فإنَّ الصلاةَ لُغَةً: الدُّعاءُ، وقَصَرَهُ الشَّرْعُ على دُعاءٍ مَخْصُوصٍ.
والثاني: التَّجَوُّزُ، كإطلاقِها على الأفعالِ من السجودِ ونحوِه مجازاً من الدُّعاءِ؛ لأنَّ الدَّاعِيَ خَاضِعٌ وكذا السَّاجِدُ، قالَ: فالمُثْبَتُ للنَّقْلِ إنْ أَرَادَ القَصْرَ النَّحْوِيُّ فلا معنَى لإنْكَارِه، وإنْ أَرَادَ غيرَه فبَاطِلٌ، هذا كلامُه، ولم يُفَصِّلْ بينَ شَرْعِيَّةٍ ولا أَصْلِه.
وأمَّا الإمَامُ الرَّازِيُّ فإنَّه اخْتَارَ أنَّ الشَّرْعَ لم يَنْقُلْهَا عن معناها اللُّغَوِيِّ، لكنَّه لم يَسْتَعْمِلْها في حَقِيقَتِها اللُّغَوِيَّةُ، وإلاَّ تَبَادَرَ الذِّهْنُ إليها بل في مَجَازِهَا اللُّغَوِيُّ، فإنَّ العَرَبَ تَكَلَّمُوا بالمَجَازِ كما تَكَلَّمُوا بالحقيقةِ، ومن مجازِهِمْ تَسْمِيَةُ الشيءِ باسمِ أَجْزَائِه، والصلاةُ كذلِكَ، فإنَّ الدُّعاءَ جُزْؤُها، فكَأَنَّ الإمامَ يَقولُ: إنَّها مُفَسِّرَةٌ على مَجَازِها اللُّغَوِيُّ، كما أنَّ القَاضِي يَقُولُ: إنَّها مُفَسِّرَةٌ على حَقَيقَتِها اللُّغَوِيَّةُ، واشْتَرَكَ المَذْهَبَانِ في إذا لم يَخْرُجْ بها عن أسْلُوبِ العَرَبِ، ولم يَفْصِلْ الإمامُ بينَ فَرْعِيَّةٍ ولا دِينِيَّةٍ أيضاً، بل صَرَّحَ بالتَّسْوِيَّةِ في عبارتِه، قُلْنَا: لم لا يَكْفِي فيها المجازُ؟ وهو تَخْصِيصُه الألفاظُ المُطْلَقَةُ ببَعْضِ مَوارِدُها، فإنَّ الإيمانَ والصلاةَ والصومَ، كانَتْ مَوضوعَةٌ لمُطْلَقُ التَّصْدِيقِ والدُّعاءِ والإمْساكِ، ثم خَصَّتْ في الشَّرْعِ بتَصْدِيقٍ مُعَيَّنٍ ودُعَاءٍ مُعَيَّنٍ وإمْسَاكٍ مُعَيَّنٍ إلى آخِرِه، والفَرْقُ بينَ
(1/444)

مَذْهَبِه ومَذْهَبِ إمامُ الحرمَيْنِ، أنَّ إمامَ الحرمَيْنِ يقولُ: إنَّ الشَّرْعَ غيرُ وَضْعِ اللغةِ على الهَيْئَةِ السَّابِقَةِ، والإمامُ الرَّازِيُّ يقولُ بعَدَمِ التَّغْييرِ، وإنْ لم يَخْرُجْ عن طَرِيقِهم، وكلامُه في الأدلَّةِ غيرُ مُصَرَّحٍ بذلك، لكنَّه قريبٌ في المعنَى منه، هذا تحريرُ النَّقْلِ عن الإمامَيْنِ، فاجْتَنِبْ ما وَقَعَ للنَّاقِلِينَ عنهما.
وقالَ الأَصْفَهَانِيُّ بعدَ حِكَايَتِه المَذَهبَيْنِ الأولَيْنِ: والثالثُ: اخْتِيارُ المُصَنِّفُ وإمامُ الحرمَيْنِ، أنَّه مَنْقُولٌ شَرْعاً لكنْ إلى مَعَانٍ هي مجازاتٌ لُغَوِيَّةٌ، يعنِي مِن بابِ التَّعْبِيرِ بالجُزْءِ عن الكُلِّ في الصلاةِ؛ لأنَّ الصلاةَ جُزْؤُهَا الدُّعَاءُ، قالَ: وهو يُخَالِفُ القَولَيْنِ الأولَيْنِ.
أمَّا مذهبُ القَاضِي؛ فلأنَّه يَقُولُ: ما نَقَلَتْ أَصْلاً.
وأمَّا مذهبُ المُعْتَزِلَةِ؛ فلأنَّهم لم يَشْتَرِطُوا في النَّقْلِ كونُ المَنْقُولِ إليه مَجَازاً لُغَوِيًّا، والحاصلُ أنَّ الألفاظَ المُتَدَاولِةُ شَرْعاً، وقد اسْتُعْمِلَتْ في غيرِ مَعَانِيها اللُّغَوِيَّةِ، هل هي بَاقِيَةٌ على أَوْضَاعِها اللُّغَوِيَّةِ، ولم تَنْقُلْ - وهو قولُ القاضِي - أو نَقَلَها إلى غيرِ مَعانِيها؟ والقائِلُونَ به اخْتَلَفُوا: فمِنْهم مَن قالَ: إلى مَجَازَتِها اللُّغَوِيَّةِ كما اختارَ الإمَامَانِ، ومنْهُم مَن قالَ: إلى غيرِ معانِيها على الإطلاقِ، وهو قولُ المُعْتَزِلَةِ، فتَحَصَّلَ أنَّ المُثْبِتِينَ للحقيقةِ الشَّرْعِيَّةِ، هُم المُعْتَزِلَةُ؛ لأنَّهم لم يَشْتَرِطُوا في النَّقْلِ المُنَاسَبَةَ.
وأمَّا الإمامانِ ومَن وَافَقَهُمَا، فاشْتَرَطُوا المُنَاسَبَةَ لمَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةُ، فتَكُونُ عندَهُم في انتفاءِ النَّقْلِ مجازاتٌ لُغَوِيَّةٌ بسبَبِ عَدَمِ اشْتِهَارِها، ثمَّ غَلَبَتْ في المعانِي الشرعيَّةِ لكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِها في الشَّرْعِ، فصَارَتْ حقيقةٌ عُرْفِيَّةٌ لهم.
وفائدةُ هذا أنَّا إذا وَجْدَنَاهَا في كلامِ الشارعِ مُجَرَّدَةً عن القَرِينَةِ مُحْتَمِلَةٍ للمعنَى اللُّغَوِيِّ والشَرْعِيِّ، فعلامُ تُحْمَلُ.
وأمَّا في استعمالِ حَمْلَةِ الشَّرْعِ فتُحْمَلُ على الشرعِيِّ بلا خلافٍ؛ لأنَّ الحقيقةَ اللغويَّةَ مهجورةٌ عندَهم، فلا يَتَبَادَرُ الذِّهْنُ عندَ اسْتِعْمَالِهم قَصْدَها الْبَتَّةَ، ويَنْبَغِي تَنْزِيلُ إطلاقِ المُصَنِّفِ على ما ذَكَرْنَا، وبهذا التَّحْرِيرِ يَظْهَرُ لكَ فََسَادُ ما وَقَعَ في الشَّرْحِ في هذه المسألَةِ.
(1/445)

ص: (ومعنَى الشرعِيِّ: ما لم يُسْتَفَدْ اسمُه إلاَّ من الشرْعِ، وقد يُطْلَقُ على المَنْدُوبِ والمُبَاحِ).
ش: الحقيقةُ الشرعيَّةُ هي: اللفْظَةُ التي اسْتُفِيدَ وَضْعُها لمعنًى من جِهَةِ الشَّرْعِ، فخَرَجَ بالقَيْدِ الأخيرِ: الحقائقُ اللُّغويَّةُ والعُرْفِيَّةُ، ودَخَلَ فيه المَنْقُولُ الشرعيُّ، وهو اللفْظُ الموضوعِ لمعنًى، ثمَّ نُقِلَ في الشَّرْعِ إلى معنًى ثانٍ لمُنَاسَبَةٍ بينَهُما، وغَلَبَ اسْتِعْمَالُه في الثاني، والمَوْضُوعاتِ المُبْتَدِأَةِ الشرعيِّةِ، وهي الألفاظُ التي وَضَعَها الشارِعُ للمَعَانِي الشرعيَّةِ من غيرِ اعتبارِ نَقْلٍ من اللُّغَةِ أو من غيرِ اعتبارِ المُنَاسَبَةِ، قالَ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ: وأَقْسَامُها المُمْكِنَةُ أَرْبَعَةٌ:
أَحَدُها: أنْ يَكُونَ اللفظُ والمعنَى مَعْلُومَيْنِ عندَ أهلِ اللُّغَةِ، لكنَّهم لم يَضَعُوا ذلك الاسمَ بذلك المعنَى.
وثانيها: أنْ يكونَا مَجْهُولَيْنِ.
والثالثُ: أنْ يكونَ اللفظُ مَعْلُوماً لهم دونَ المعنَى.
ورابِعُها: عَكْسُه.
قالَ: والمَنْقُولَةُ الشرعيَّةُ، من هذه الأقسامِ إنَّما هي الأوَّلُ والثالثُ. قالَ: والأَشْبَة= وقوعُ هذه الأقسامِ كلِّها.
(1/446)

تَفْرِيعاً على القولِ بالحقَيقَةِ الشرعيَّةِ، وصَرَّحَ الأَصْفَهَانِيُّ بأنَّ النِّزَاعَ في الأقْسَامِ كُلِّها، وهو ظاهرٌ كلامُ (المحصولِ)، والتحقيقُ أنَّ هذا التفسيرَ الشرعيِّ وشمولَه لهذه الأقسامِ، إنَّما يَصِحُّ على مذهبِ المُعْتَزِلَةِ، وكذلك صَرَّحَ أَبُو الحُسَيْنِ في (المُعْتَمَدِ) بأنَّه ذَكَرَ هذا التفسيرُ، ثم قالَ: فيَدْخُلُ فيه كذا إلى آخَرِه.
أمَّا إذا قًُلْنَا بأنَّها مَجازاتٌ لُغَوِيَّةٌ، فلا بُدَّ أنْ يكونَ ذلك اللفظُ والمعنَى من حيثُ هو مجازٌ لُغَوِيٌّ، فعَلَمَها أهلُ اللًُّغَةِ، لاسْتِحَالَةِ نَقْلِ الشَّرْعِ لَفْظَةً لُغَوِيَّةً إلى معنًى هو مجازً لُغَةً، ولا يَعْلَمُها أهلُ اللُّغَةِ، ولا يَخْفَى بعدَ هذا ما على المُصَنِّفِ في هذا التفسيرِ من التقديمِ إنْ كانَ حَقُّه تَقْدِيمَ هذا على ما قبلَه؛ لأنَّ التصديقَ مسبوقٌ بالتَّصَوُّرِ، وحيثُ ذَكَرَ الشَّرْعِيَّ فليَذْكُرُ الدِّينِيَّ، وقد سَبَقَ تَفْسِيرُه.
وقولُه: (يُطْلَقُ) هذا بالنَّسْبَةِ
(1/447)

إلى عُرْفِ الفُقَهاءِ لا الأصُوليِّينِ، لكنْ قد يَتَوَقَّفُ في إطْلاقِه على المباحِ، ولهذا قالَ إمامُ الحرمَيْنِ في (الأساليبِ): الذي يَعْنِيهِ الفَقِيهُ بالشرعيِّ هو: الواجبُ والمندوبُ.
وقالَ النَّوَوِيُّ في صلاةِ الجَمَاعَةِ من (الرَّوْضَةِ) قولُهم: لا تُشْتَرَطُ الجَماعَةُ في النوافلِ المُطْلَقَةِ؛ أي: لا تُسْتَحَبُّ، فلو صَلاَّهَا جَماعَةٌ جَازَ، ولا يُقالُ: مَكْرُوهَةٌ.

ص: (المَجَازُ: اللَّفْظُ المُسْتَعْمَلُ بِوَضْعٍ ثَانٍ لِعَلاَقَةٍ).
ش: خَرَجَ بِالوَضعِ الثَّانِي، الحَقيقةُ، وَبِالقَيدِ الثَّالثِ، العَلَمُ المنقولَُ، كَبَكرٍ وكَلْبٍ، فإنَّهُ لَيسَ بِمَجَازٍ؛ لأنَّهُ لَم يُنقَلْ لِعَلاقةٍ، ومثلُ استِعمالِ لفظِ الأَرضِ فِي السَّمَاءِ، ويَشمَلُ هذا الحدُّ أنواعَ المجازِ الثَلاثَةِ منَ اللغَويِّ والشَّرعِيِّ والعُرفِيِّ، فاللفظُ
(1/448)

الوَاحدُ بِالنِّسبَةِ إلى المَعنَى الوَاحِدِ، قَدْ يكونُ حقيقةً باصطِلاحٍ، مَجَازاً باصطِلاحٍ آخَرَ، كَلفظِ الصلاةِ مَثلاً، بِالنسبةِ إلى الدُّعاءِ، فِإنَّه حَقيقةً بِاصطِلاحِ أهلِ اللغةِ، مَجازاً باصطِلاحِ أهلِ الشَّرعِ، وبِالنسبةِ إلى الأفْعَالِ المَخصُوصةِ بِالعَكسِ، وَعِبَارَةُ ابنِ الحَاجِبِ: في غيرِ وضعٍ أوَّلٍ، وهُوَ يَقتضي أنَّ المَجَازَ غَيرُ مَوضوعٍ، ولذلكَ عَدَلَ المُصَنِّفُ إلى قَولِهِ: (بِوَضِعٍ ثَانٍ) وَعِبَارَتُه أيضاًً على وَجهٍ يَصِحُّ، وعَدَلَ عَنه المُصَنِّفُ إلى قولِه: (لِعَلاقَةٍ) واسْتَحسَنَ العَضَدُ تَعبيرَ ابنِ الحَاجِبِ على هذه العِبارَةِ لانْطِبَاقَهِ على مَذهَبَي وجوبِ النَّقلِ فيه والاكتِفَاءِ بِالعَلاقَةِ، فكانَ أحْسَنَ مِمَّا يَختَصُّ بِمَذهَبٍ.
ص: (فَعُلِمَ وُجُوبُ سبقِ الوضعِ وهُوَ اتِّفاقٌ لا الاسْتِعمَالُ، وهُو المُختَارُ، قيلَ: مُطْلَقاً، والأصَحُّ: لِمَا عَدَا المَصدَرُ).
ش: عُلِمَ مِن قَولِه: بِوَضعٍ (ثانٍ) أنَّ المَجَازَ يَستلزِمُ وَضعاً سابِقاً عَل يه، ومِن ثَمَّ كانَ الْلَفظُ في أولِ الوضعِ قَبلَ استِعمَالِه فيما وُضِعَ لَه ليسَ بِحقيقةٍ ولا مَجَازٍ، وهذا لا خِلافَ فيه، لَكنَّه لا يَستَلزِمُ سَبقَ الحَقيقةِ، وهوَ مُرَادُ المُصَنِّفِ بِالاستِعمَالِ، وَهِيَ مَسأَلةٌ: الخِلافُ في أنَّ المَجَازَ هَلْ يَستَلْزِمُ الحَقيقةَ؟ بِمَعنَى أنَّ استِعمالَ اللفظِ فِي غَيرِ وَضعٍ أَوَّلٍ، هَلْ يَكُونُ مَشرُوطاً بِاستعمالِه في وضْعٍ أوَّلٍ قبلَ هذا الاستعمالِ أمْ لا، بل يَجُوزُ أنْ يُسْتَعْمَلَ في الوضْعِ الثاني، ولا يُسْتَعْمَلَ فيما وُضِعَ له أصْلاً؟
والمُختارُ عندَ الآمِدِيِّ والمُصَنِّفِ عدَمِ الاسْتِلْزامِ، عَزَاهُ في (البديعِ) إلى
(1/449)

المُحَقِّقينَ، وذَهَبَ أَبُو الحُسَيْنِ البَصْرِيُّ وابنُ السَّمْعَانِيِّ والإمامُ الرَّازِيُّ إلى الاستلزامِ، مُحْتَجِّينَ بأنَّه لو لم يَسْتَلْزمْ لخَلاَ الوضْعُ عن الفائدةِ، وهو ضعيفٌ؛ لأنَّ الفائدةَ غيرُ مُنْحصرَةٌ في استعمالِ اللفظِ فيما وُضِعَ له، بل هي حاصِلَةٌ بالتجوُّزِ.
تنبيهٌ: تفريقُ المُصَنِّفِ هنا بينَ الوضْعِ والاستعمالِ هو الصوابُ، وفي كلامِ القِرافِيِّ ما يُخَالِفُه، فإنَّه لمَّا تَكَلَّمَ على أنَّ الوضْعَ جَعَلَ اللفظَ دليلاً على المعنَى، قالَ: ويُطْلَقُ على غَلَبَةِ الاستعمالِ، وعلى أصلِ الاستعمالِ من غيرِ غَلَبةٍ، قالَ: وهذا هو مُرادُ العلماءِ بقولِهم: هل من شَرْطِ المجازِ الوضعُ أم لا؟ قولانِ:
يُريدُونَ بالوضْعِ ههُنا مُطْلَقُ الاستعمالِ، ولو مَرَّةً يَسْمَعُ من العربِ استعمالَ ذلك النوعِ من المجازِ، فيَحْصُلُ الشرْطُ.
(1/450)

ص: (وهو واقعٌ خلافاً للأستاذِ والفارسيِّ مُطْلَقاً، والظَّاهِرِيَّةِ في الكتابِ والسُّنَّةِ).
ش: النقلُ عن الأستاذِ أَبِي إِسْحَاقَ مَشهورٌ، لكنْ قالَ الإمامُ والغزاليُّ: الظَّنُّ بالأستاذِ أنَّه لا يَصِحُّ عنه، ولعَلَّهُ أَرَادَ أنَّه ليسَ بثابتٍ ثُبوتُ الحقيقةِ.
وأمَّا الفارسيُّ فالمرادُ أَبُو عَلِيٍّ النَّحْوِيُّ، وعُمْدَةُ المُصَنِّفِ فيه نَقَلَ ابنُ الصَّلاَحِ في فوائدِ الرحْلةِ، وفيه نَظَرٌ؛ لأنَّ تلميذَه أَبَا الفَتْحِ بنَ جِنِّي أَعْرَفُ بمَذْهَبِه، وقد نُقِلَ عنه في كتابِ (الخصائصِ) عَكْسُ هذا المقالَةِ، أنَّ المجازَ غالبٌ على اللغاتِ كما هو مذهبُ ابنُ جِنِّي، والنقلُ عن الظاهريةِ بمَنْعِه في القرآنِ والحديثُ، نَقَلَه الإمامُ عن ابنِ دَوادَ الظَّاهِرِيُّ، وزَعَمَ الأصْفَهَانِيُّ أنَّه تَفَرَّدَ بنَقْلِه في الحديثِ لكنْ في (الإحكامِ) لابنِ
(1/451)

حَزْمٍ، أنَّ قَوْماً مَنَعُوهُ في القرآنِ والسُّنَّةِ.
وقالَ ابنُ الحاجبِ في بابِ الإضافةِ من (شَرْحِ المُفَصَّلِ): ذَهَبَ القاضِي إلى أنَّه لا مجازَ في القرآنِ، وأنَّ مثلَ قولُه: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} محمولٌ على أنَّ القريةَ تُطْلَقُ للأهلِ والجدارِ جميعاً على وجْهِ الاشتراكِ، وليسَ بجَيِّدٍ؛ لأنَّه مَعْلومٌ أنَّ القريةَ موضوعةٌ للجُدْرانِ المخصوصَةِ، دونَ الأهلِ، فإذا أُطْلِقَتْ على الأهلِ، لم تُطْلَقْ إلاَّ بقيامِ قرينةٍ تَدُلُّنَا على المحذوفِ، ولو كانتْ مُشْترِكَةً لم تَكُنْ كذلك.
(1/452)

ص: (وإنَّما يَعْدِلُ إليه لثِقَلِ الحقيقةِ، أو بشَاعَتِها، أو جَهْلِها، أو بلاغَتِه، أو شُهْرَتِه أو غيرِ ذلك).
ش: للعدولِ عن استعمالِ الحقيقةِ إلى استعمالِ المجازِ أسبابٌ:
أحدُها: ثِقَلُ لفظِ الحقيقةِ على اللسانِ، كالحنفقيق=؛ اسمٌ للداهيَةِ، فيَعْدِلُ إلى النائِبَةِ أو الحادثَةِ ونحوِه.
الثَانِي: بشاعَةُ لَفظِهَا، كَمَا يُعَبَّرُ بالغائِطِ عن الخَرَاةِ.
الثَالِثُ: أنْ لا يَعْرِفَ المُتكَلِمُ والمُخَاطَبُ لَفظَه الحَقيقي.
الرَّابِعُ: بَلاغَةُ لَفظِ المجازِ لصَلاحِه للسَّجْعِ والتجْنِيسِ وسائرِ أصْنافِ البديعِ دونَ الحقيقةِ.
الخامسُ: شُهْرَتُه لكونِ المجازِ أَعْرَفُ من الحقيقةِ وأَشَارَ بقولِه: (وغيرُ ذلكَ) إلى أنْ لا يكونَ للمعنَى الذي عَبَّرَ بالمجازِ لَفْظٌ حقيقيٌّ، أو يكونَ معلوماً عندَ المُخاطَبِينَ، ويَقْصِدانِ إخفاءَهُ على غيرِهما.
(1/453)

ص: (وليسَ غالباً على اللغاتِ خلافاً لابنِ جِنِّي).
ش: قالَ في (المحصولِ) ادَّعَى ابنُ جِنِّي أنَّ المجازَ غالبٌ على كلِّ لغةٍ، سواءٌ لغةَ العربِ وغيرُها، فإنَّ قولُنا: قَامَ زيدٌ، مفيدُ المَصْدَرِ، وهو جنسٌ يَتَناولُ جميعَ أفرادِ القيامِ، وهو غيرُ مرادٍ بالضرورةِ.
قالَ: وهذا ركيكٌ، فإنَّ المصدرَ لا يَدُلُّ على أفرادِ الماهيَّةِ بل على القدْرِ.
قالَ: وقولُك: ضَرَبْتُ زيداً، مجازاً من جِهَةٍ أُخْرَى، فإنَّك إنَّما ضَرَبْتَ بعضَه لا كلَّه، واعْتَرَضَ عليه تَلْمِيذُه عبدُ اللهِ بنُ متويه= المُتَكَلِّمِ، بأنَّ المُتَأَلِّمَ بالضربِ كلُّه لا بعضَه، وهو ضعيفٌ؛ لأنَّه إنَّما التَزَمَ المجازُ في لفظِ الضربِ لا في لفظِ التأَلُّمَ، والضربُ: إمساسُ جِسْمٍ بعنفٍ، والإمساسُ حكْمٌ يَرْجِعُ إلى الأعضاءِ لا إلى الجُمْلَةِ، والتَّأَلُّمُ أَثَرُ ذلك الإمساسِ.
ص: (ولا مُعْتَمَدٌ حيثُ تَسْتَحيلُ الحقيقةُ خلافاً لأَبِي حَنِيفَةَ).
ش: ومعنَى هذه المسأَلَةِ: أنَّه إذا اسْتَعْمَلَ لفظٌ وأُرِيدَ به المعنَى المَجازِيُّ، هل يُشْتَرَطُ إمكانُ المعنَى الحقيقيُّ بهذا اللفظِ أم لا؟ فعِنْدَنَا يُشْتَرَطُ، فحيثُ تُمْنَعُ الحقيقةُ لا يُصَحُّ المجازُ، وعندَه: لا، بل يَكْفِي صِحَّةُ اللفظِ إعْمالاً للكلامِ ما أَمْكَنَ، والحاصلُ أنَّ اللفظَ عندَنا إذا كانَ مُحالاً بالنسبةِ إلى الحقيقةِ لَغْوٌ، وعندَ أَبِي حَنِيفَةَ يُحْمَلُ على المجازِ، وعلى هذا الأصلِ مسائلٌ بينَنا وبينَهم، منها: إذا قالَ لغُلامِه الذي هو أسَنُّ منه: هذا ابْنِي، فلا يَصْلُحُ عندَنا مجازاً عن العتقِ؛ لأنَّ اللفظَ إنَّما يَصْلُحُ مجازاً إذا كانَ له حقيقةٌ، وهذا اللفظُ في هذا المَحَلِّ لا حقيقةَ له، فكانَ لَغْواً وإنْ حَمَلْنَاهُ
(1/454)

على الإضمارِ؛ أي: مثلَ ابْنِي؛ أي: في الخيرِ، فعَدَمُ عَتْقِه أَظْهَرُ، ولو قالَ له: أَوْصَيْتُ له بنَصِيبِ ابنِي فوجهانِ؛ أصَحُّهُما عندَ العراقيين= والبَغَوَيِّ: بطلانُ الوصيَّةِ لورُودِها على حقِّ الغَيْرِ، وعَزَاهُ الرَّافِعِيُّ إلى أَبِي حَنِيفَةَ، وقد يُسْتَشْكَلُ على أصْلِه هنا.
والثاني: وبه قالَ مالكٌ: إنَّها صحيحةٌ، والمعنَى: بمثلِ نَصِيبِ ابنِي، ومثلُه كثيرٌ في الاستعمالِ، وصَحَّحَهُ الإمامُ والرَّوَيَانِيُّ وغيرُهما، ويَجْرِيانِ فيما لو قالَ: بِعْتُكَ عَبْدِي بما بَاعَ فُلانٌ فَرَسَه، وهما يَعْلَمَانِ قَدْرَهُ.
ص: (وهو والنَّقْلُ خلافُ الأصلِ).
ش: فيه مسألَتَانِ:
إحدَّاهُما: أنَّ المجازَ خلافُ أصْلِه، والأصْلُ يُطْلَقُ ويُرَادُ به الغالبُ، وتارةً يُرادُ به الدليلُ، فإنْ كانَ الأوَّلُ فالخلافُ فيه معَ ابنِ جِنِّي وقد سَبَقَ، وإنْ كانَ الثاني فالتَّعَرُّضُ به أنَّ الأصْلَ الحقيقةُ والمجازُ، وهي خلافُ الأصلِ، فإذا دَارَ اللفظُ بينَ احتمالِ المجازِ واحتمالِ الحقيقةِ، فاحتمالُ الحقيقةِ أَرْجَحٌ؛ لأنَّ الحقيقةَ لا تَخِلُّ بالفهمِ بخلافِ المجازِ، فيكونُ مَرْجُوحاً.
الثانيةُ: النقلُ خلافَ الأصلِ، بمعنَى إذا دَارَ اللفظُ بينَ أنْ يكونَ مَنْقولاً وبينَ أنْ يكونَ مُبْقَى على الحقيقةِ اللُّغويَّةِ كانَ الثاني أوْلَى، لتَوَقُّفِ الأوَّلِ على الوضْعِ اللغويِّ، ثمَّ نَسَخَه، ثمَّ وَضَعَ جديدٌ، ولأنَّ الأصْلَ بقاءُ ما كانَ على ما كانَ،
(1/455)

فإنْ قيلَ: لم يَتَقَدَّمِ المُصَنِّفُ ذِكْرُ النقْلِ حتى يَذْكُرَ تَعارُضُه بخلافِ صاحبِ (المنهاجِ) فإنَّه ذَكَرَه في التقسيمِ السابقِ، قُلْنَا: بل الخلافُ في الحقيقةِ الشرعيَّةِ هو خلافٌ في النَّقْلِ، فإنَّ القاضِيَ يَمْنَعُ نَقْلَ اللفظِ اللغويِّ إلى غيرِ معناهُ البَتَّةَ، والجمهورُ يُجَوِّزُونَه، وهذه المسألةُ لا تَجِيءُ على رَاي القاضِي لإنْكَارِه النَّقْلُ، وإنَّما تَجِيءُ على رَاي الأخيرَيْنِ.
ص: (وأوْلَى من الاشْتراكِ).
ش: فيه مسألتان:
إحدَّاهُما: إذا تَعَارَضَ المجازُ والاشتراكُ، فالمجازُ أولى، لكَثْرَتِه ولاستعمالِ اللفظُ دائماً في الحقيقةِ، معَ عَدَمِ القرينةِ، وفي المجازِ معها بخلافِ الاشتراكِ، فإنَّه يَخِلُّ بالفَهْمِ حيثُ لا قَرينةَ.
وقالَ قومٌ: المُشْتَرِكُ أوْلَى، لتَوَقُّفِ المجازِ على وضعَيْنِ وعلاقَةٌ دونَ المُشْتَرِكِ الحَاصِلُ بوَضْعٍ واحدٍ.
الثانيةُ: تعارضُ النقلِ والاشتراكِ، فالجمهورُ على أنَّ النقْلَ أوْلَى؛ لأنَّ معنَى
(1/456)

المنقولِ واحدٌ بخلافِ المشتركِ، فإنَّه مُتَعَدِّدُ المعانِي، فيَخِلُّ بالفَهْمِ حتى تَرَّدَ القرينةُ.
وقالَ قومٌ: المشتركُ أوْلَى لتوقُّفِ النقلِ على النسخِ؛ أي: قد يَصِيرُ إلى النسخِ، والمشتركُ أوْلَى منه، والتوقُّفُ على المرجوحِ أوْلَى بأنْ يكونَ مَرْجُوحاً، وأُجِيبَ بأنَّ الشارعَ إذا نَقَلَ اشْتَهَرَ المعنَى المنقولُ إليه.
ص (وقيلَ: من الإضْمارِ).
ش: اخْتَلَفُوا في تَعارُضِ المجازِ والإضمارِ على ثلاثةِ مذاهبَ:
فقالَ الإمامُ في (المَعالِمِ): المجازُ أوْلَى لِكَثْرَتِه، ولأنَّ إلْحَاقَ الفردِ بالأعَمِّ الأغْلَبِ أوْلَى، وقيلَ: الإضمارُ أوْلَى؛ لأنَّ قَرِينَتَه مُتَّصِلَةٌ، وقيلَ: بتَساوِيهِما، لاحتياجِ كلٍّ منهُما إلى ثلاثِ قرائِنَ، وجَزَمَ به في (المحصولِ) وتَابَعَه البَيْضَاوِيُّ، وعلى هذا فيكونُ اللفظُ مُجْمَلاً حتى لا يَتَرَجَّحَ أحدُهما على الآخَرِ إلا بدليلٍ، ومثَّلَ بعضُهم المسألَةَ بقولِه لعَبْدِه الذي أكْبَرُ منه سِنًّا: هذا ابنِي وقد سَبَقْتُ.
واعْلَمْ أنَّ
(1/457)

كلامَ المصنِّفِ يَقْتَضِي جَريانَ الخلافِ في تَعارُضِ النقلِ والإضمارِ، والمعروفُ أوْلَوِيَّةٌ: الإضمارُ؛ لأنَّه من بابِ البلاغةِ، بخلافِ النقلِ، ولأنَّ النقلَ يَقْتَضِي النسخَ بخلافِ الإضمارِ، ولأنَّ النقلَ أنْكَرَه كثيرٌ من المُحَقِّقِينَ وأَجْمَعُوا على الإضْمارِ.
ص: (والتخصيصُ أوْلَى منْهُما).
ش: أي: من المجازِ ومن النقلِ، أمَّا كونُه أوْلَى من المجازِ، فلأنَّ دلالةَ العامِّ على أفْرادِهِ بعدَ التخصيصِ يَحْتَمِلُ أنْ تكونَ حقيقةٌ، ودلالةُ المجازِ على مَعْناهُ المجازيِّ لا تَحْتَمِلُ ذلك لكونِه خلافَ الإجماعِ، والحقيقةُ راجِحَةٌ على المجازِ، والمُحْتَمَلُ للراجِحِ راجِحٌ، فيكونُ التخصيصُ راجحاً، كقولِنَا: العمرةُ فَرْضٌ لقولِه تعالَى: {وَأَتَمِّوُا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ}، والأمرُ للوجوبِ فيقولُ المالكيُّ: تخصيصُ النصِّ بالحجِّ والعمرَةِ المشروعِ فيهما؛ لأنَّ استعمالَ الإتمامِ في الابتداءِ مجازٌ، والتخصيصُ أوْلَى من المجازِ، وأمَّا كونُه أوْلَى من النقلِ، فلأنَّ التخصيصَ خيرٌ من المجازِ والمجازُ خيرٌ من النقلِ كما بَيَّنَّا، والخيرُ من الخيرِ خيرٌ، لقولِ المالكيِّ: يَلْزَمُ الظِهارُ من الأمَةِ، لقولِه تعالى: {مِنْ نِسَائِهِمْ} فإنْ قالَ الشافعيُّ: هو منقولٌ في العُرْفِ للحرَّةِ، فلا يَتَناولُ مَحَلَّ النزاعِ، ولو لم يكنْ منقولاً لَلَزِمَ أنْ يكونَ مُخَصَّصاً بذواتِ المحارمِ، فإنَّهم من نِسائِهم ولا يَلْزَمُ فيهنَّ ظهارٌ، كانَ للمالكيِّ أنْ يقولَ: إذا تَعَارَضَ النقلُ والتخصيصُ، فالتخصيصُ أوْلَى، وعُلِمَ منه أنَّه أوْلَى من الإضْمارِ؛ لأنَّ التخصيصَ خيرٌ من المجازِ، والمجازُ مساوٍ= للإضمارِ، والأوْلَى، من المساوِي أوْلَى، كقولِ المالكيِّ: الكلبُ طَاهِرٌ، لقولِ اللهِ تعالَى: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ}. والضميرُ عامٌّ
(1/458)

في جميعِ الجوارحِ، فيَجُوزُ أكلُّ أيُّ مَوْضِعٍ فيه، عَمَلاً بالظاهرِ.
فيقولُ الشافعيُّ: يَلْزَمُكُمْ جوازُ ما أَمْسَكَ بعدَ القُدْرَةِ عليه من غيرِ زكاةٍ، وليسَ كذلك فيَلْزَمُ التخصيصُ بل هنا إضمارٌ تقديرُه: كُلُوا من حَلالِ ما أَمْسَكْنَ، وكونُ موضعٍ فيه من الحَلالِ مَحَلَّ النزاعِ.
فللمَالِكِيِّ أنْ يقولَ: ما ذَكَرْنَاهُ يَلْزَمُ منه التخصيصُ وعلى ما ذَكَرْتُمُوهُ يَلْزَمُ الإضمارُ، والتخصيصُ أوْلَى.
تنبيهٌ: إنَّما اقْتَصَرَ المصنِّفُ على هذه الخمسةِ، أعنِي المجازَ، والنقلَ، والاشتراكَ، والإضمارَ، والتخصيصَ؛ لأنَّها أصْلُ ما يُخَلُّ بالتَّفَاهُمِ، ثمَّ يَقَعُ التعارضُ بينَ الاشتراكِ وبينَ الأربعَةِ الباقِينَ، ثمَّ بينَ النقلِ وبينَ الثلاثةِ الباقيةِ، ثمَّ بينَ المجازِ وبينَ الوجْهَيْنِ الباقيَيْنِ، ثمَّ بينَ الإضمارِ والتخصيصِ.
ص: (وقد يكونُ بالشَّكْلِ أو صِفَةً ظاهرةً، أو باعتبارِ ما يكونُ قَطْعاً أو ظَنًّا لا احتمالاً، وبالضِّدِّ والمجاورةِ، والزيادةِ والنقصانِ، والسببِ للمُسَبِّبِ، والكلِّ للبعْضِ، والمُتَعَلِّقِ للمُتَعَلِّقِ بالعكوسِ، وما بالفِعْلِ على ما بالقُوَّةِ).
ش: المجازُ لا بُدَّ فيه من العَلاقَةِ، بينَه وبينَ الحقيقةِ ولا يَكْفِي مُجَرَّدُ الاشتراكِ في أَمْرٍ ما، وإلاَّ لجَازَ إطلاقُ كلِّ شيءٍّ على ما عَدَاهُ، ويُتَصَوَّرُ من وجوهٍ:
أحدُها: الاشْتراكُ في الشكْلِ، كإنسانٍ للصورةِ المَنْقُوشَةِ على الجدارِ.
(1/459)

والثاني: الاشتراكُ في الصفَةِ، ويَجِبُ أنْ تكونَ ظاهرةٌ ليَنْتَقِلَ الذِّهْنُ إليها، كإطلاقِ الأسدِ على الشجاعِ بخلافِ إطْلاقِهِ على الأُبْخَرِ=.
الثالثُ: باعتبارِ ما يكونُ كذا أطْلَقُوا هنا، وهو إنَّما يكونُ فيما إذا تَحَقَّقَ المثالُ إمَّا قَطْعاً، كقولِه: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ}. أو غالباً كما في تَسْمِيَةِ العَصيرِ خَمْراً في قَوْلِهِ تعالَى: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً}؛ لأنَّه في الغالبِ يَصِيرُ خَمْراً، ولو قالَ المصنِّفُ: أو غالباً بَدَلٌ= أو ظَنًّا لكانَ أَوْلَى.
واعْلَمْ أنَّ الأصْحابَ وإنْ لم يَذْكُرُوا هذا القَيْدَ هنا لكنَّهم ذَكَرُوه في بابِ التأويلِ في كلامِهم معَ الحَنَفِيَّةِ، في ((أَيُّمَا امْرَأَةٌ نَكَحَتْ نَفْسَهَا فَنِكَاحُهَا بِاطِلٌ)). حيثُ قالُوا: آيِلٌ للبُطْلانِ باعتراضِ الوليِّ،
(1/460)

قالَ أصْحَابُنَا: المآلُ إلى البطلانِ هنا ليسَ قَطْعاً ولا غالباً الذي هو شَرْطٌ في استعمالِ هذا النوعِ، بل إطْلاقُ البطلانِ باعتبارِ ما يَؤُولُ إليه في المَحَلِّ المذكورِ نادِرٌ.
وحُمِلَ كلامُ الشارعِ الخارجِ مَخْرَجَ التعْمِيمِ عليه لا يَجُوزُ، فلو قالَ المصنِّفُ بَدَلَ قولِه: أو ظَنًّا لا احْتمالاً، غالباً لا نادراً لكانَ أوْلَى، وشَرَطَ الكَيَا الهَرَّاسُ: أنْ يكونَ المآلُ مَقْطُوعاً به، ولا يَكْفِي الظَّنُّ، وإطلاقُ الجمهورِ يَقْتَضِي أنَّه لا فَرْقَ، فلهذا سَوَّى المصنِّفُ بينَهُما، نَعَمْ، لا يَكْفِي الاحتمالُ المرجوحُ بالاتفاقِ، وحَقُّهُ إذا زَادَ هذا الَقيْدُ على المُصَنِّفِينَ أنْ يقولَ بل بنَفْسِه كالحُرِّ ليَخْرُجَ العَبْدُ، فإنَّه لا يُطْلَقُ عليه حُرًّا باعتبارِ ما يُؤَوَّلُ إليه.
الرابعُ: تَسْمِيَةُ الشيءِ باسمِ ضِدِّه كقولِه تعالَى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا}. أطْلَقَ على الجزاءِِ سَيِّئَةً معَ أنَّه ليسَ سَيِّئَةً.
الخامسُ: تَسْمِيَةُ الشيءِ باسمِ ما يُجَاوِرُه كإطْلاقِ لفظِ الراويةِ على القُرْبَةِ التي هي ظرْفُ الماءِ فإنَّ الراويةَ لغَةُ اسمٍ للجَمَلِ الذي يُسْقَى عليه، ثمَّ أَطْلَقَ على القُرْبَةِ لمُجَاوِرَتِها.
(1/461)

السادسُ: الزيادَةُ، ومَثَّلُوه بقولِه تعالَى: {لَيْسَ كَمَثْلِهِ شَيْءٌ} فإنَّ الكافَ زائدةٌ، والتقديرُ ليسَ مثلَ مثْلِه شيءٌ، وإلاَّ لَزِمَ المثلُ وهو مُحالٌ، ويَجُوزُ أنْ تكونَ غيرَ زائدةٍ ولاَ يَلْزَمُ المحذورُ، لوجوهٍ:
أحدُها: أنَّه يَجُوزُ سَلْبُ الشيءِ عن المعْدومِ، كما يَجُوزُ سَلْبُ الكتابَةِ عن زيدٍ وهو معدومٍ.
وثانيها: أنَّ المثْلَ يَاتِي بمعنَى الشَّبَهِ كالشبهِ، والشبَهُ والمِثْلُ: الصفةُ، قالَ تعالَى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ}؛ أي: صِفَتُها، والتقديرُ ليسَ كصِفَتِه شيءٌ.
ثالثُها: أنْ يكونَ لَفْظُ المِثْلِ كهُوَ، في قَوْلِهِم: مِثْلُك لا يَبْخَلُ؛ أي: أنتَ لا تَبْخَلُ فلا يُرادُ غيرُ ما أُضِيفَ إليه، وإليه، أَشَارَ الشاعرُ بقولِه:
ولم أَقُلْ مِثْلُكَ نَعْنِي بِه غَيْرَكَ ... يَا فَرْداً بِلاَ مُشَبَّهٍ
وهنا ضَرْبٌ من الكنايةِ التي هي أَبْلَغُ من التصريحِ، لتَضَمُّنِها إثباتُ الشيءِ
(1/462)

بدَلَيلِه، فيكونُ المعنَى ليسَ كهو شيءٌ.
السابعُ: النقصانُ في اللفظِ، كقولِه تعالَى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ}؛ أي: أهْلَ القريةِ، فإنَّ القريةَ عبارةٌ عن الأبْنِيَةِ وهي لا تُسْأَلُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: يَخْلُقُ اللهُ تعالى فيها قُدْرَةً على الكلامِ، ويكونُ ذلك مُعْجِزَةً لذلك النبيِّ، ويَبْقَى اللفظُ على حقيقتِهِ، قالَ الشيخُ عِزُّ الدِّينِ في كتابِ (المجازِ): ليسَ حَذْفُ المضافِ من المجازِ؛ لأنَّ المجازَ استعمالُ اللفظِ في غيرِ مَوْضِعِه، والكلمةُ المَحْذُوفَةُ ليسَتْ كذلك، وإنَّما التجوُّزُ في أنْ نُسِبَتْ إلى المُضافِ إليه ما كانَ مَنْسُوباً إلى المُضافِ فجَعَلَهُ من مَجازِ التَّرْكِيبِ العَقْلِي لا من اللُّغويِّ الإفراديِّ.
الثامنُ: إطلاقُ السببُ على المُسَبِّبِ، سواءٌ كانَ السببُ فاعِليًّا كتِسْمِيَةِ المَطَرِ باسمِ السماءِ، أو مَاديًّا
(1/463)

كقولِك: سَالَ الوادِي، أو صُورِيًّا، كتِسْمِيَةِ القُدْرَةِ باليدِ، أو غَائِياً كتِسْمِيَةِ العِنَبِ خَمْراً.
التاسعُ: عَكْسُه، كتِسْمِيَةِ المَرْضِ الشديدِ بالمَوْتِ.
العاشرُ: إطلاقُ اسمُ الكلِّ على البعضِ، كقولِه تعالَى: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ}؛ أي: أَنَامِلَهُم.
الحادي عَشَرْ: عَكْسُه، كقولِه للزنْجِيِّ أسْوَدٌ، معَ أنَّ فيه بياضٌ
(1/464)

أسنَانِه.
الثاني عَشَرَ: تَسْمِي‍َةُ المُتَعَلِّقِ باسمِ المُتَعَلِّقِ، كتِسْمِيَةِ المَخْلُوقِ خَلْقاً قالَ اللهُ تعالى: {هَذَا خَلْقُ اللهِ}.
الثالثَ عَشَرَ: عَكْسُه كقولِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((تَحِيضِي فِي عِلْمِ اللهِ سِتًّا أَوْ سَبْعاً)). والمعنَى: تَحِيضِي ستًّا أو سَبْعاً وهو معلومُ اللهِ تعالى، وقد أَطْلَقَ عليه العِلْمَ، فقولُ المُصَنِّفُ، وبالعكوسِ راجِعٌ للثلاثَةِ الأخيرَةِ وقد بَيَّنَّاهُ.
الرابعَ عَشَرَ:
(1/465)

إطْلاقُ ما بالفِعْلِ على ما بالقوَّةِ، كتَسْمِيَةِ الخَمْرِ حالَ كونِه في الدَّنِّ بالمُسْكِرِ، وقد يُقالُ: تَرْجِعُ هذه إلى قولِه أوَّلاً: باعتبارِ ما كانَ، لكنَّ الظاهرَ أنَّ ما صَنَعَه المصنِّفُ في حذْفِها أوْلَى، خلافاً للمُخْتَصِرِينَ؛ لأنَّهم جَزَمُوا بأنَّ إطلاقَ اللفظِ باعتبارِ ما كانَ مَجَازٌ، ثمَّ تَرْجَمُوا مَسْأَلَةَ إطلاقِ اسمِ الفاعل باعتبارِ الماضِي، وحَكُوا فيها الخلافَ، وهي عَيْنُ المسألَةِ المذكورةِ.
ص: (وقد يكونُ في الإسنادِ خلافاً لقومٍ).
ش: المجازُ إمَّا أنْ يكونَ في مُفْرداتِ الألفاظِ، كإطلاقِ الأسدِ على الشجاعِ، والحمارِ على البَلِيدِ ونحوِه، وهو ما سَبَقَ يُسَمَّى اللُّغَوِيُّ، وإمَّا أنْ يكونَ في تَرْكِيبِها، وهو أنْ يُسْنِدَ الفِعْلُ إلى غيرِ مَن يَصْدُرُ عنه بضَرْبٍ من التأويلِ، كقولِه تعالَى:
(1/466)

{وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً}. {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلَّنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ}، فإنَّه اسْتَعْملَ كلُّ واحدَةٍ من ألفاظِه المفردَةِ في موضوعِه، لكنْ أُسْنِدَ الزيادَةُ والإضلالُ إلى الآياتِ والأصنامِ، فجَعَلَ المجازُ في الترْكيبِ، ويُسَمَّى: العَقْلِيُّ؛ لأنَّ التجوُّزَ فيه نسبةُ الفِعْلِ إلى غيرِ مَن صُدِرَ منه، وهو أَمْرٌ عَقْلِيٌّ لا وَضْعِيٌّ، وأَنْكَرَه السَّكَاكِيُّ، ورَدَّه إلى اللُّغَوِيِّ فيكونُ المَجازُ كلَّه لُغَوِيًّا، وتَبِعَهُ ابنُ الحَاجِبِ في أَمَالِيهِ ومُخْتَصَرِه الكبيرِ تَصْريحاً، واسْتَبْعَدَه في (الصغيرِ) لكنِ اخْتَلَفَا فيما هو، ويَتَلَخَّصُ في (أَنْبَتَ الرَّبِيع البقْلُ) أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحدُها: أنَّ المجازَ في (أَنْبَتَ) وهو المُسَبَّبُ العادِي، وإنْ كانَ وَضَعَه للسَّبَبِ الحقيقيِّ وهو رَايُ ابنُ الحَاجِبِ، فالمجازُ عندَه في الأفرادِ.
الثاني: أنَّه في الرَّبِيع فإنَّه تَصَورٌ بصُورَةِ فاعلٍ حقيقيٍّ فأَسْنَدَ إليه ما يُسْنَدُ إلى الفاعلِ الحقيقيِّ وهو رَايُ السَّكَاكِيِّ إنَّه من الاستعارةِ بالكِنايةِ.
الثالثُ: إنَّه في الإسنادِ وهو أنَّ كلَّ هيئةٍ تَرْكَيبَيْةٍ وُضِعَتْ بإزاءِ تأليفٍ مَعْنَوِيٍّ، وهذِه وُضِعَتْ لمُلابَسَةِ الفاعلِيَّةِ، فإذا اسْتُعْمِلَتْ لمُلابَسَةِ الظرفيَّةِ أو نحوِها، كانَتْ مَجَازاً وذلك نحوَ: صَامَ نَهارَه وقَامَ لَيْلَهُ، وهو رَأَيُ عبدُ القاهرِ.
(1/467)

والرابعُ: إنَّه تَمْثِيلٌ، فلا مَجازَ فيه في الإسنادِ ولا في الإفرادِ بل هو كلامُ أُورِدَ ليُتَصَوَّرَ معناهُ، فيَنْتَقِلُ الذِّهْنُ منه إلى إثباتِ اللهِ ليُصَدَّقَ فيه، وهو اختيارُ الإمامِ فَخْرِ الدِّينِ في (نِهايةِ الإيجَازِ) قالَ القاضِي عَضَدُ الدِّينِ: والحَقُّ أنَّها تَصَرُّفَاتٌ عَقْلِيَّةٌ ولا حَجْرَ فيها فالكلُّ مُمْكِنٌ، والنَّظَرُ إلى قَصْدِ المُتَكَلِّمِ.
ص: (وفِي الأفعالِ والحروفِ وِفاقاً لابنِ عبدِ السلامِ والنقْشَوَانِيِّ، ومَنَعَ الإمامُ الحَرْفَ مُطْلقاً، والفعلُ والمُشْتَّقُ إلاَّ بالتبَعِ).
ش: قالَ الشيخُ عِزُّ الدِّينِ في كتابِ (المَجازِ) وقد تَجَوَّزَتِ العَرَبُ في الأسماءِ والأفعالِ والحروفِ، فمِن التجَوُّزِ في الأسماءِ: التعبيرُ بالأسدِ عن الشجاعِ، وبالبحْرِ عن الجوادِ وهو كثيرٌ، وأمَّا الحروفُ فقد تَجَوَّزُوا ببَعْضِها، كهَلْ، تَجَوَّزُوا بها عن الأمْرِ نحوَ: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}؛ أي: فَأَسْلَمُوا، أو النفْيِ نحوَ: {فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ}؛ أي: مَا تَرَى، أو التقْدِيرُ، نحوَ: {هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانِكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ} وَعَدَّ حُرُوفاً كَثِيرَةَ، وأمَّا الأفعالُ فقد تَجَوَّزُوا بالمَاضِي عن المستقبلِ تَشْبِيهاً له في التحقيقيِّ، كقولِه تعالَى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ}، {ونَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ}، {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ}، وعَكْسَه: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتّْلُوا الشَّيَاطِينِ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانِ}؛ أي: تَلَتْه، وبِلَفْظِ الخَبَرِ عن الأمَرِ
(1/468)

نحوَ: {وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَّ أَوْلاَدَهُنَّ} وعكسُه، نحوَ: {مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فلَيُمْدِدْ لَهُ الرَّحْمَنِ مَدَّا}. وأَكْثَرُ من ذلك. وكذلك قالَ النَّقْشَوَانِيُّ في رَدِّه على الإمامِ في مَنْعِه الدخولُ في الحروفِ؛ لأنَّ للحَرْفِ مُسَمًّى في الجُمْلَةِ، وقد اسْتُعْمِلَ في مَوْضوعِه، فيكونُ حقيقةٌ، فإذا اسْتُعْمِلَ في غيرِه لعلاقَةٍ كانَ مجازاً، ومثَّلَ بقولِه تعالَى: {لأُصْلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} فإنَّ حقيقةَ (في) الظرفيَّةِ، وهنا اسْتُعْمِلَتْ لغيرِها، وقالَ الإمامُ في (المحصولِ) لا يَدْخُلُ في الحرْفِ، أي: بالأصالَةِ؛ لأنَّ مَفْهُومَه غيرُ مُسْتَقِلٌّ بنفسِه، فإنَّ ضُمَّ إلى ما يَنْبَغِي ضَمَّه، كانَ حقيقةً، وإلاَّ فهو مجازٌ في التركيبِ عَقْلِيٌّ لا لُغَوِيٌّ.
وأمَّا الأفعالُ والمُشْتَقَّاتُ فقالَ الإمامُ: لا يَدْخُلُها المجازُ بالذاتِ؛ لأنَّهما: يَتْبَعَانِ أُصُولَهُما، وأصْلُ كلٍّ منهما المصْدرُ، لكونِ الأفعالُ مُشْتَقَّةً من المصادرِ على الصحيحِ، والأفعالُ أصْلٌ للصِّفَاتِ المُشْتَقَّةِ منها، فتكونُ المصادرُ أصْلاً لها أيضاًً، وإذا كانَ كذلك فيَمْتَنِعُ دُخولُ المَجازِ فيها إلا بعدَ دُخُولِه في المصادرِ التي في ضِمْنِها فإنْ كانَ المَصْدَرُ حقيقةً كانَا كذلك وإلاَّ فلا، والحاصلُ إنَّه لا يَدْخُلُ فيهما المَجازُ إلاَّ بواسطَةِ دُخُولِه في المصْدرِ، ومثلُه قُوْلُ البَيانِيِّينَ في الاستعارةِ التَّبِعِيَّةِ، تكونُ في الأفعالِ والصفاتِ المشتقَّةِ والحروفِ،
(1/469)

وأنَّها لا تَحْتَمِلُ الاستعارةُ بأنْفُسِها، وإنَّما المُحْتَمَلُ للاستعارةِ في الأفعالِ والصفاتِ مصادِرُها.
وفي الحروفِ: مُتَعَلِّقاتُ مَعانِيهَا فتَقَعُ الاسْتِعَارَةُ في المصْدرِ، ثمَّ يَسْرِي إلى الحروفِ، فلا يُسْتَعارُ الفعلُ إلاَّ بعدَ استعارَةٍ مَقْصُودَةٍ فلا تقولُ نَطَقْتَ الحالَ بكذا بَدَلَ دَلَّتْ، إلاَّ بعدَ تقديرِ استعارَةِ نُطْقِ الناطِقِ لدَلالَةِ الحالِ، وإذا أُرِيدَ استعارَةُ (لَعَلَّ) لغيرِ معناها، قُدِّرَتْ الاستعارةُ في معنَى الترَجِيِّ، اسْتُعْمِلَتْ هناك (لَعَلَّ)، وإذا أُرِيدَ اسْتِعارَة (لامَ العَرَضِ) قًُدِّرَتْ الاستعارَةُ في معنَى العرْضِ، ثمَّ اسْتُعْمِلَتْ لامَ العَرْضِ هناك، وقد ضَعَّفَ شُرَّاحُ (المحصولِ) كلامَ الإمامِ في الفِعْلِ، فإنَّه كثيراً ما يُسْتَعْمَلُ في المستقبلِ مجازاً، وكذا صيغَةُ المُسْتَقْبَلِ في الماضِي معَ عَدَمِ دُخُولِ المجازِ في المَصْدَرِ، الذي هو في ضِمْنِ الفعْلِ الماضِي أو المُسْتَقْبَلِ.
وأمَّا في المُشْتَقِّ، فلأنَّ اسمَ الفاعلِ قد يُسْتَعْمَلُ في المفعولِ مَجازاً، وعَكْسِه معَ عَدَمِ دُخُولِ المَجازِ في المصْدَرِ، وأيضاًً فقد يُطْلَقُ الضارِبُ على مَن صَدَرَ منه الضرْبُ، وعلى مَن سَيَصْدُرُ منه في المستقبلِ بطريقِ المجازِ معَ عَدَمِ دُخُولِ المجازِ في الضرْبِ الذي هو مَصْدَرُه إذا عَلِمْتَ هذا فقولُ المُصَنِّفُ، (ومَنَعَ الإمِامُ الحَرْفَ مُطْلَقاً) مَرادُه بالنسبَةِ إلى مجازِ الأفرادِ، وإلاَّ فقد سَبَقَ أنَّه يَجُوزُ دُخولُ المجازِ فيه بالانْضمامِ، لكنَّه جَعَلَه من بابِ مجازِ التَّرْكِيبِ لا الإفرادِ الذي هو بَحْثُ الأُصُولِيِّ.
ص: (ولا يكونُ في الأعْلامِ خِلافاً للغزالِيِّ في مُتَلَّمَّحِ الصفَةِ).
ش: لا يَدْخُلُ المجازُ في الأعلامِ لا بالذاتِ ولا بالواسطةِ؛ لأنَّها وَضَعَتْ للفَرْقِ بينَ ذاتٍ وذاتٍ، فلو دَخَلَها المجازُ لبَطُلَ هذا الغَرَضُ، ولأنَّها لا تُنْقَلُ لعَلاقَةٍ، وشَرْطُ المَجَازِ العَلاقَةُ، فإنَّ استعمالَ العِلْمِ في مُسَمَّاهُ إنَّما هو وَضْعٌ مُسْتَقِلٌّ له لا بالنقلِ للعَلاقَةِ، وسواءٌ سَبَقَ بَوَضْعِه لمُسَمًّى آخَرَ، وهو الذي يُسَمِّيه النحْوِيونَ، عَلَماً مَنْقولاً، أو لم يُسْبَقْ، وهو الذي يُسَمُّونَه: مُرْتَجِلاً، كغطفانَ.
(1/470)

كذا قالَه الإمامُ والبَيْضَاوِيُّ، وفَصَّلَ الغزالِيُّ، فقالَ: يَدْخُلُ في الأعلامِ المَوْضُوعَةِ للصفَةِ كالأَسْوَدِ والحَارِثِ، دونَ الأعلامِ التي لم تُوضَعْ إلاَّ للفَرْقِ بينَ الذواتِ كزَيْدٍ وعَمْرٍو، وهو حَسَنٌ. وقالَ بعضُ شَارِحِي (المحصولِ) إنَّما قالَ الغزالِيُّ ذلك بناءٌ على رَايه في عَدَمِ اعتبارِ العَلاقَةِ في المَجازِ، فإنَّ المَجازَ عندَه: ما اسْتَعْمَلَتْه العَرَبُ في غيرِ موضوعِه وفيه نَظَرٌ؛ لأنَّه لو قالَ ذلك بناءً على عَدَمِ اعتبارِ العَلاقَةِ لم يَفْصِلْ بينَ زيدٍ والحارثِ، بل جَعَلَ الكلَّ مَجازاً، إذا يُصَدِّقَ على كلِّ منهُما أنَّه اسْتَعْمَلَتْه العَرَبُ في غيرِ موضوعِه.
واعْلَمْ أنَّ المصنِّفَ لم يَحْكِ قولاً بالتَّجَوُّزِ في الأعلامِ مُطْلَقاً، وقد حَكَاهُ الأَبْيَارِيُّ، فتَجْتَمِعُ ثلاثةُ مذاهبَ، ووجْهَهُ بأنَّك تقولُ: قَرَاتُ سِيبَوَيْه، وأنت تُرِيدُ (الكتابُ)، فقد تَجُوزُ بإطلاقِ اسمِ صاحِبِ الكتابِ عليه ثمَّ ضَعَّفَه، فإنَّ سِيبَوَيْه باقٍ على الدلالةِ على الرجُلِ، وإنَّما جَاءَ التَّجَوُّزُ من جِهَةِ= حَذْفِ الكتابِ لا من جِهَةِ إطلاقِ لفظِ صاحبِ الكتابِ عليه.
وقالَ ابنُ يَعِيشَ في شرحِ (المفصَّلِ) قالَ النحْوِيُّونَ: العَلَمُ ما يَجُوزُ تَبْدِيلُه وتَغْييرُه ولا يَلْزَمُ من ذلك تَغْييرِ اللُّغَةِ، فإنَّ لك أنْ تَنْقُلَ اسمَ وَلَدِك من خَالدٍ إلى جَعْفَرٍ، ومن بَكْرٍ إلى
(1/471)

مُحَمَّدٍ، وليسَ كذلك اسمُ الجنسِ، فإنَّك لو سَمَّيْتَ الرجُلَ فَرَساً أو الفَرَسُ رجُلاً كانَ ذلك، تَغَيُّراً للُّغَةِ، إنَّما أَتَى بالأعْلامِ للاخْتصارِ، وتَرَكَ التَّطْويلُ بتَعْدَادِ الصفاتِ.
ص: (ويُعْرَفُ بتَبَادُرِ غيرُه، لولا القَرينَةُ وصِحَّةِ النَّفْيِ وعَدَمِ وُجُوبِ الاطْرادِ، وجَمْعُه على خلافِ جَمْعِ الحقيقةِ، وبالْتِزامِ تَقْييدِه وتَوَّقُفِهِ على المُسَمَّى الآخَرِ والإطْلاقُ على المستحيلِ.
ش: يُعْرَفُ المجازُ بوجوهٍ: أوَّلُها: وهو الأقْوَى، ولهذا صَدَرَ به أنْ يَتَبَادَرَ غيرُه إلى الفِهْمِ، لولا القرينةِ، والحقيقةُ بالعكسِ، وأَوْرَدَ عليه المجازُ الراجحُ، وأُجِيبَ بأنَّه نادرٌ، فلا يَقْدَحُ، إذ الغالبُ أنَّ المُتبادَرَ إنَّما هو الحقيقةُ.
ثانيها: صِحَّةُ النَّفْيِ، كقولِك للبَلِيدِ: ليسَ بحُمَارٍ، وللجَدِّ: ليسَ بأَبٍ، وصِحَّةُ النَّفْيُ دَلِيلٌ على أنَّه مَجازٌ فيه، وعَكْسُه الحقيقَةُ، وزَادَ بَعْضُهم: في نَفْسِ الأمْرِ، ليَحْتَرِزَ عن نفْسِ الظَّانِّ، فإنَّه لا يَدُلُّ عليه واخْتارَ صاحبُ (البديعِ) أنَّ صِحَّةَ النَّفْيِ حُكْمٌ من أحكامِ المجازِ،
(1/472)

لا يُعْرَفُ له معنًى، إنَّه حُكْمٌ ثابتٌ في الواقعِ، إذا عُلِمَ أنَّه مَجازٌ بطريقَةٍ، عُلِمَ صِحَّةَ نَفْيهِ؛ لأنَّ كونَه مُعَرَّفاً مُسْتَلْزِمٌ للدورِ.
ثالثُها: أنَّه لا يَجِبُ فيه الاطْرَادُ، فإنَّه يُسْتَعْمَلُ لوجودِ معنًى في مَحَلٍّ، ولا يَجُوزُ اسْتَعْمَالُه في مَحَلٍّ آخَرَ معَ وجودِ ذلك المعنَى فيه كما تقولُ: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ}؛ لأنَّه سؤالٌ لأهْلِها، فلا تقولُ: اسْأَلِ البِساطَ وإنْ وُجِدَ فيه ذلك.
قالَ ابنُ الحَاجِبِ: وهو لا يَنْعَكِسُ؛ أي: ليسَ الاطْرَادُ دليلُ الحقيقةِ، فإنَّ المَجازَ قد يَطَّرِدُ، كالأسدِ للشجاعِ، وجوابُه: إنَّه وإنْ اطَّرَدَ لكنَّه لا يَجِبُ، ومن هنا حَسُنَ زِيادَةُ المُصَنِّفِ الوجوبَ عليه.
رابِعُها: جَمْعُه على صِيغَةٍ مُخالِفَةٍ كمُسَمًّى آخَرَ هو فيه حقيقةٌ، كالأمْرِ، فإنَّه بمَعْنَى القولِ، يُجْمَعُ على أوامِرَ، وبمعنَى الفعْلِ، على أمورٍ، ونُوَزِّعُ في هذا المثالِ.
خامسُها: التزامُ تَقْييدِه، فلا يُسْتَعْمَلُ في ذلك المعنَى عندَ الإطلاقِ كجُناحِ الذُّلِّ ونارُ الحرْبِ، فإنَّ الجُناحَ والنارَ قد تُسْتَعْمَلُ في معانيهِما الحقيقةُ بدونِ قَيْدٍ، ومتى اسْتَعْمَلُوها في الذُّلِّ والحرْبِ،
(1/473)

قَيَّدُوهُما: فَدَلَّ على كونِه مَجازاً فيه، وإنَّما قالَ: بالتزامِ تَقْييدِه، ولم يَقُلْ: بتَقْييدِه، احْتِرازاً عن الحقيقةِ في اللفْظِ المُشْتَرَكِ، فإنَّه قد يُقَيَّدُ أيضاًً، كما يُقالُ في العَيْنِ: رَأَيْتُ عَيْناً جَارِيَةً، لكنْ لا على طريقِ الالتزامِ.
سادسُها: توقَّفَ اسْتِعْمَالُها على المُسْمَّى الآخَرِ، سواءٌ كانَ ذلك ملفوظاً به، كقولِه تعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ} فلا يُقالُ: مَكْرُ اللهِ ابتداءً أو مُقَدَّراً كقولِه تعالَى: {قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْراً}. ولم يَتَقَدَّمْ لمَكْرِهم ذِكْرٌ في اللفْظِ، لكنَّه مَذْكورٌ معنَى، الإطلاقُ على المُسْتَحيلِ، فإنَّ الاستحالةَ تَقْتَضِي أنَّه غَيرَ موضوعٍ له فيكونُ مجازاً، كقولِه تعالَى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةِ} وأَورَدَ بأنَّ المجازَ العَقْلِيُّ كذلك معَ أنَّه حقيقةٌ لُغَوِيَّةٌ، وأُجِيبَ بأنَّ المُرادَ ما يَقَعُ تَعْلِيقُه به بالبَدِيهَةِ، والذي في المجازِ العَقْلِيِّ امْتِناعُه نظراً.
ص: والمختارُ اشْتِراطُ السمْعِ في نوعِ المجازِ وتوقَّفَ الآمِدِيُّ.
ش: يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ بينَ المفهومِ الحقيقيُّ والمَجَازِيُّ عَلاقَةٌ مُعْتَبِرَةٌ، وإلاَّ جَازَ اسْتِعمالُ كلُّ لفْظٍ في كلِّ معنًى، وهو باطلٌ، ضرورةٌ. إذا عَلِمْتَ هذا، فجِنْسُ العَلاقَةُ يُشْتَرَطُ بالإجْماعِ لمَا ذَكَرْنَا، وشَخَّصَها غيرُ مُشْتَرَطٍ بالإجماعِ، فلا يُقالُ: لا
(1/474)

يُطْلَقُ الأسدُ على الشجاعِ إلاَّ بنَقْلٍ عن العربِ، ومَحَلِّ الخلافُ إنَّما هو في النوعِ، هل يَكْفِي بالعَلاقَةِ إلى نَظَرِ العربِ إليها، كإطْلاقِهم السببُ على المُسَبَّبِ، ويزيدُ عليه كالمُسَبَّبِ على السببِ أو لا يَتَعَدَّى عَلاقَةُ السببِ إلى عَلاقةٍ أُخْرَى، وإنْ سَاوَتْها، ما لم تَفْعَلِ العربُ ذلك، فاختارَ المصنِّفُ الثاني تَبَعاً للرَّازيِّ والبَيْضَاوِيِّ، وإلاَّ لجَازَ التَّجَوُّزُ بالأسدِ عن الأَبْخَرِ لوجودِ شَبَهٌ، إمَّا= واختارَ ابنُ الحَاجِبِ الأوْلَى، وتَوَقَّفَ الآمِدَيُّ للتَّعارُضِ.
ص: مسألَةٌ: المُعْرَبُ لفظٌ غيرُ عَلَمٍ اسْتَعْمَلَتْه العَرَبُ في معنَى وَضْعٍ له في غيرِ لُغَتِهم.
ش: عَقَّبَ المَجازَ بهذه المسألَةِ؛ لأنَّها تُشْبِهُه في أنَّ كلاًّ منهما ليسَ من الموضوعاتِ الحقيقيةُ للُغَةِ العَرَبِ، وخَرَجَ بقولِه: غيرَ عَلَمٍ، الأعلامُ كإبْرَاهِيمَ وإِسْمَاعِيلَ، وخَرَجَ بالأخيرِ، الحقيقةُ، فإنَّها استعمالٌ فيما وُضِعَ له في لُغَتِهم، وكذلك المَجازُ، وقد يُقالُ: لا حَاجَةَ لقولِه: غيرَ عَلَمٍ، فإنَّ الأعلامَ ليسَتْ مُعْرَبَةٌ، بل هي مُعْرَبَةٌ قَطْعاً، وإنَّما خَرَجَتْ عن مَحَلِّ الخلافِ، لوقوعُها في القرآنِ، لأجلِّ إجماعِ النحْوِيِّينَ على أنَّ إِبْرَاهِيمَ ونحوَه ممنوعٌ من الصرْف للعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، ولو كانَ من قبلِ توافُقِ اللُّغَتَيْنِ لكانَ مُنْصَرِفاً، نظراً إلى الوَضْعِ العَرَبِيِّ.
قالَ أَبُو مَنْصُورٍ الجَوَالِيقِي:
(1/475)

وكلُّ أسماءِ الأنْبياءَ أَعْجَمِيَّةٍ، إلاَّ أرْبَعَةً: آدَمٌ وصالِحٌ وشُعَيْبٌ ومُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ص: وليسَ في القرآنِ، وِفاقاً للشافعيِّ وابنِ جَريرٍ.
ش: ما نَقَلَه عن الشَّافِعِيِّ ذَكَرَه في (الرِّسَالَةِ) وبَالَغَ في الإنْكَارِ على منْ أَثْبَتَه، ونَصَرَه القاضِي في (التَّقْرِيبِ) وابنُ جَريرٍ الطَّبَرِيُّ، في تَفْسِيرِه لقولِه تعالَى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا} سَمَّاه عَرَبِيًّا، لكونِه دالاًّ على المعانِي المخصوصَةِ بوَضْعِ العَرَبِ، فَدَلَّ على أنَّه ليسَ فيه شيءٌ من غيرِ لسانِ العَرَبِ، وعَزَاهُ ابنُ الحَاجِبِ للأكثرِينَ ثمَّ خَالَفَهم وتَمَسَّكَ بالمِشْكَاةِ، فإنَّها هِندِيَّةٌ، والاسْتَبْرَقِ وسِجِّيلٍ فارسيةٍ، والقِسْطَاسِ رُومِيَّةٍ، والجمهورُ يَرَدُّونَه إلى أنَّه ممَّا اتَّفَقَ عليه اللُّغَاتُ، وعَلِمَ من كلامِه
(1/476)

المُصَنِّفُ أنَّه في اللُّغَةِ بلا خلافٍ، وإنَّما في اشتمالِ القرآنِ عليه.
وقالَ ابنُ دَقِيقِ العِيدِ: الخلافُ في مُثْبِتِي الحقيقةِ الشرعيَّةِ، فمَن أ‍َثْبَتَها وجَعَلَها مَجازَاتٍ لُغَوِيَّةً، لا يَلْزَمُ من قولِه أنْ يكونَ القرآنُ غيرَ عربيٍّ.
فائدةٌ: ذَكَرَ ابنُ جِنِّي وغَيْرُه من النُّحاةِ أنَّه متَى خَلا اسمٌ رُبَاعِيِّ الأصولِ أو خُمَاسِيَّها عن بعضِ حروفِ الزلاقَةِ السِّتَّةِ، وهي المجموعةُ في قولِك: فرَّ من لُبٍّ فهو أَعْجَمِيٌّ.
ص: مسألَةُ اللفظِ إمَّا حقيقةٌ أو مجازٌ أو حقيقةٌ ومجازٌ باعتبارَيْنِ، والأمرانِ مُنْتَفَيَانِ قبلَ الاستعمالِ.
ش: الغرضُ بهذا التقسيمِ إثباتُ الواسطةِ بينَ الحقيقةِ والمجازِ، وحاصلُه: أنَّ
(1/477)

اللفظَ الواحدُ يَنْقَسِمُ إلى أَرْبَعَةِ أقْسامٍ:
أَحَدُها: ما هو حقيقةٌ فقط، وهو المُسْتَعْملُ في موضوعِه، كالأسدِ في الحيوانِ المخصوصِ.
والثاني: ما هو مجازٌ فقط، وهو المُسْتَعْمَلُ لا في موضوعِه، كالأسَدِ على الرجُلِ الشجاعِ.
والثالثُ: ما هو حقيقةٌ ومجازٌ باعتبارَيْنِ، إمَّا بمعنيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فهو كثيرٌ، ومن ألفاظِ العامِّ المخصوصِ، على قولِ مَن يقولُ: هو حقيقةٌ باعتبارِ دَلالَتِه على ما بَقِيَ مجازٌ، باعتبارِ سَلْبُ دلالَتِه على ما أَخْرَجَ، وإنَّما بمعنًى واحدٍ، فإنْ كانَ بحسَبِ وَضْعٍ واحدٍ فمُحالٌ، لامتناعِ اجْتماعِ الإثباتِ والنفْيِ من جِهَةٍ واحدةٍ، وإنْ كانَ بحسَبِ وضعَيْنِ، كلُغَوِيٍّ وعُرْفِِيٍّ مثلاً، فجائزٌ كالدابَةِ إلى الحمارِ، فإنَّها حقيقةٌ بالنسبةِ إلى الوضْعِ الأوَّلِ، مجازٌ بحسَبِ الوضْعِ العُرْفِيِّ، ومن هذا يُعْلَمُ أنَّ الحقيقةَ قد تَصِيرُ مَجازاً بالعكسِ.
وحَكَى صَاحِبُ (المُعْتَمَدِ) الاتفاقُ على جوازِه، قالَ: واخْتَلَفُوا في وقوعِه، قالَ: والذين أَجَازُوا انْتِقالَ الاسمِ عن موضوعِه في اللُّغَةِ بالعُرْفِ إنَّما أَجَازُوا ذلك ما لم يكنْ الاسمُ اللُّغَوِيُّ، ما لم يَتَعَلَّقْ به حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، فإنْ تَعَلَّقَ به لم يُجْزْ نَقْلُه عن موضوعِه إلى معنًى آخَرَ قَطْعاً لأمْرٍ يَرْجِعُ إلى المُتَكَلِّمِينَ.
(1/478)

رابِعُها: ما لا يكونُ حقيقةً ولا مجازاً، فمنه اللفظُ في أوَّلِ وضْعِه قبلَ اسْتِعْمالِه فيما وُضِعَ له، فإنَّه ليسَ بحقيقةٍ ولا مجازٍ؛ لأنَّ الاسْتِعْمالَ شَرْطٌ في كلٍّ من الحقيقةِ، والمجازُ على ما سَبَقَ في تعريفِها، فحيثُ انْتَفَى الاستعمالُ انْتَفَيَا، كذلك أَطْلَقَ أَبُو الحُسَيْنِ وتَابَعَهُ الرَّازِيُّ والآمِدِيُّ وابنُ الحَاجِبِ والبَيْضَاوِيُّ وغيرُهم، وتَابَعَهم المُصَنِّفُ ويَجِبُ أنْ يكونَ مُرادُهم ليسَ بمَجازٍ فيما وُضِعَ له، أمَّا في غيرِه فلا يَمْتَنِعُ أنْ يكونَ مجازاً فيه، إذ الاستعمالُ لمُنَاسَبَةٍ بينه وبينَ الموضوعِ الأوَّلِ قبلَ الاستعمالِ فيه مُمْكِنٌ، وقد جَرَى على ذلك الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ، وذَكَرَ في (المِنْهاجِ) في أمْثَلَةِ هذا القِسمُ الأعْلامُ، وإنَّما لم يَذْكُرُه المُصنِّفُ؛ لأنَّ كلامَه فيما سَبَقَ يَقْتَضِي أنَّها حَقيقَةٌ، وكذا اقْتَصَرَ ابنُ الحَاجِبِ على اللفظِ قبلَ الاستعمالِ وقد يُقالُ: التقسيمُ ناقِصٌ، وبَقِيَ عليه اجْتماعُهُما في الإرَادَةِ على قَوْلِنا: يَجُوزُ الجَمْعُ بينَ الحقيقةِ والمجازِ.
ص: ثمَّ هو محمولٌ على عُرْفِ المُخَاطَبِ أَبَداً، ففي الشرْعِ الشرْعِيِّ؛ لأنَّه عَرَّفَه، ثمَّ العُرْفِ العامِّ ثمَّ اللُّغَوِيِّ، وقالَ الغَزَالِيُّ والآمِدِيُّ في الإثباتِ الشرْعِيِّ،
(1/479)

وفي النَّفْيِ الغزالِيُّ مُجْمَلٌ، والآمِدِيُّ اللُّغَوِيُّ.
ش: هذه المسألَةُ في تعارضِ الحقيقةِ الشرعيَّةِ واللُّغويَّةِ والعُرْفِيَّةِ، والضابِطُ أنَّه يُحْمَلُ على عُرْفِ المخاطَبِ أبداً فإنْ كانَ المُخَاطَبُ هو الشارعُ، حُمِلَ على المعنَى الشرعيِّ لا اللغويِّ؛ لأنَّه عليه الصلاةُ والسلامُ بُعِثَ لبيانِ الشريعةِ لا اللُّغَةِ، إذ هو وغيرُه فيها سواءٌ، ولأنَّ الشرْعَ طارئٌ على اللُّغَةِ وناسخٌ لها فالحَمْلُ على الناسخِ أوْلَى، وبهذا ضَعَّفُوا قولَ من حَمَلَ الوضوءَ من أَكْلِ لَحْمِ الجزورِ، ونحوَه على التنظيفِ بغَسْلِ اليدِ، فإنْ تَعَذَّرَ حُمِلَ على العُرْفِ؛ لأنَّه المُتَبَادَرُ إلى الفَهْمِ، وهذا إذا كَثُرَ اسْتِعْمالُ الشرْعِيِّ والعُرْفيِّ إلى حدٍّ يَسْبِقُ إلى الذِّهْنِ أحدُهما دونَ اللُّغَوِيِّ، فأمَّا إذا لم يُفْهَمْ أحدُهما إلاَّ بقَرِينَةٍ، صارَ مُشْتَرِكاً بينَ المفهومَيْنِ، ثمَّ بَعْدَهُما يُحْمَلُ على المفهومِ اللُّغَوِيِّ الحقيقيِّ، ومن أمثلَتِه قولُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ دُعِيَ إِلَى وَلِيمَةٍ فَلْيُجِبْ، فإنْ كَانَ مُفْطِراً فَلْيْأَكُلْ، وَإِنْ كَانَ صَائِماً فَلْيَصِلْ))، قالَ ابنُ حِبَّانَ في صحيحِه؛
(1/480)

أي: فلْيَدَعْ، ثمَّ المجازيُّ صيانةً للكلامٍ، هذا ما ذَكَرَهُ الأصولِيُّونَ، ويُخَالِفُه قولُ الفقهاءِ، ما ليسَ له ضابطٌ في الشرْعِ ولا اللُّغَةِ يَرْجِعُ فيه إلى العُرْفِ، فإنَّه يَقْتَضِي تَاخِيرَ العُرْفِ عن اللغةِ، وجَمَعَ بَعْضُهم بينَهما، فحُمِلَ كلامُ الأصُولِيِّينَ في اللفظِ الصادرِ من كلامِ الفقهاءِ في الصادرِ من غيرِه، وفيه نظرٌ، فإنَّ الفقهاءَ يَسْتَعْمِلُونَ هذه العبارةَ في لفظِ الشارعِ أيضاًً، كالقبْضِ في البيعِ وغيرِه، وكانَ البَاجِيُّ يَجْمَعُ بينَهُما، بأنَّ مُرادَ الأصُولِيِّينَ ما إذا تَعارَضَ معناهُ في اللُّغَةِ والعُرْفِ، فيُقَدَّمُ العُرْفُ، ومُرادُ الفُقهاءِ: إذا لم يُعْرَفْ
حَدُّهُ في اللّغَةِ، فإنَّا نَرْجِعُ فيه إلى العُرْفِ، ولهذا قالُوا: كلَّ ما ليسَ له حَدٌّ في اللُّغَةِ، ولم يَقُولُوا: ليسَ له معنًى.
وحَكَى الآمِدِيُّ في تَعَارُضِ الحقيقةِ الشرعيَّةِ مذاهبُ:
أحدُها: ما ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ وصَحَّحَهُ ابنُ الحَاجِبِ تَقْدِيمَ الشَّرْعِيِّ؛ لأنَّ غَرَضَ الشارِعُ تعريفُ المعانِي الشرعيَّةِ لا اللُّغَوِيَّةِ.
والثاني: مُجْمَلٌ، لصَلاحِيَّتِه لكلٍّ منهما.
والثالثُ: قالَ الغزالِيُّ ما وَرَدَ في صِيَغِ الأمْرِ والإثباتِ يُحْمَلُ على المُسَمَّى الشرعيِّ كقولِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّي إِذِنْ أَصُومُ)). حتى يُسْتَدَلَّ به على صِحَّةِ النفْلِ بنِيَّةٍ من النهارِ، وما وَرَدَ في النَّفْيِ مُجْمَلٌ، كالنَّهْيِ عن صَوْمِ يومِ النَّحْرِ، فإنَّه
(1/481)

لو حُمِلَ على الشرْعِيِّ دَلَّتْ على صِحَّتِه، لاسْتِحالَةِ النهْيِ عمَّا لا يُتَصَوَّرُ وقوعُه، بخلافِ ما إذا حُمِلَ على اللُّغَوِيِّ.
قالَ الآمِدِيُّ: والمُختارُ أنَّه إنْ وُرِدَ في الإثباتِ حُمِلَ على الشرعيِّ؛ لأنَّه عَرَّفَه، وإنْ وُرِدَ في النَّهْيِ حُمِلَ على اللُّغَوِيِّ، للاسْتحالَةِ المُتَقَدِّمَةِ، والصحيحُ الأوَّلُ، ويُعَضِّدُهُ حَمْلٌ، نحوَ قولِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((دَعِي الصَّلاةَ أيامَ أَقْرَائِكِ)). على المعنَى الشرعيِّ بالاتِّفاقِ معَ أنَّه في معنَى النهْيِ.
ص: وفي تَعَارُضِ المجازِ الرَّاجِحِ والحقيقةِ المرجُوحَةِ، أقوالٌ: ثالثُها المُختارُ: مُجْمَلٌ.
ش: صُورَةُ هذه المسألَةِ: أنْ يَغْلِبَ الاستعمالُ المَجازيُّ على الاستعمالِ الحقيقيِّ كما في الدَّابَّةِ، فإنَّه في اللُّغَةِ لكلِّ ما يُدَبُّ، ثمَّ نُقِلَ في العُرْفِ إلى الحمارِ، وكَثُرَ حتى صارَ حقيقةً عُرْفِيَّةً، وصَارَ الوضْعُ الأوَّلُ مَجازاً بالنسبةِ إلى العُرْفِ، لقِلَّةِ اسْتِعْمالِه فيه، وفيها مذاهبُ:
إحدَاها، تَقْدِيمُ الحقَيقَةِ، تَمَسُّكاً بالأصْلِ، وهو قُوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
(1/482)

والثاني: المجازُ، لغَلَبَتِه، وهو قولُ أَبِي يُوسُفَ، واخْتَارَهُ القِرَافِيُّ؛ لأنَّ الظهورَ هو المُكَلَّفُ به.
والثالثُ: يَحْصُلُ التعَارُضُ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ راجِحٌ على الآخَرِ من وجْهٍ، فإنَّ قوَّةَ الحقيقةِ قد عَارَضَها كَثْرَةُ الاسْتِعْمَالِ المَجازِيِّ، فيَتَعَادَلانِ ولا يُحْمَلُ على أَحَدِهما إلاَّ بالنِّيَّةِ، وهذا ما اخْتَارَهُ البَيْضَاوِيُّ، وتَابَعَهُ المُصَنِّفُ.
قالَ الهِنْدِيُّ: وعُزِيَ ذلك إلى الشَّافِعِيِّ، والخلافُ مَحَلُّه إذا كانَتْ الحقيقةُ غيرَ مهجورةٍ، كما لو قالَ: لأَشْرَبَنَّ من ماءِ هذا النَّهَرِ، فهو حقيقيةٌ في الكَرْعِ بفِيهِ، وإذا اغْتَرَفَ بإنَاءٍ وشَرِبَ فمجازٌ، والحقيقةُ قد تُرَادُ؛ لأنَّ كثيراً من الرُّعاءِ، وغيرُهم يَكْرُعُ بفِيهِ، أمَّا إذا كانَتْ الحقيقةُ مهجورةٌ لا تُرَادُ في العُرْفِ، فلا خِلافَ بينَ أَبِي حَنِيفَةَ وأَبِي يُوسُفَ في تقديمِ المَجازِ؛ لأنَّه إمَّا حَقِيقَةٌ شرعيَّةٌ كالصلاةِ، أو عُرْفِيَّةٌ كالدابَةِ، وهما مُتَقَدِّمانِ على الحقيقةِ اللغويَّةِ.
وقالَ الرَّافِعِيُّ في (كتابِ الإيمانِ): المجازُ المُتعارَفُ يُقَدَّمُ على الحقيقةِ البعيدَةِ، كما لو حَلِفَ لا يَاكُلُ من هذه الشَّجَرَةِ، فإنَّ اليمينَ تُحْمَلُ على الأكْلِ من ثَمَرِها دونَ الورَقِ والغُصونِ، بخلافِ ما لو حَلِفَ لا يَاكُلُ من هذه الشاةِ، فإنَّ اليمينَ تُحْمَلُ على لَحْمِها ولَبَنِها ولَحْمِ وَلَدِها؛ لأنَّ الحقيقةَ مُتَعارَفَةٌ.
ص: وثبوتُ حُكْمٌ يُمْكِنُ كونُه مُراداً من خِطابٍ، لكنَّ مجازاً لا يَدُلُّ على أنَّه المرادُ منه، بل يَبْقَى الخِطابُ على حَقِيقَتِه، خلافاً للكَرْخِيِّ والبَصْرِيِّ.
(1/483)

ش: هذه من مسائلِ (المحصولِ)، وصُورَتُها أنَّ الخطابَ الذي له حقيقةٌ ومجازٌ، ومُوجِبُ المجازُ ثابتٌ في بعضِ الصوَرِ بدليلٍ هل يَقْتَضِي إرادَةُ المجازِ من ذلك الخطابِ، ويَلْزَمُ منه أنْ لا يُحْمَلُ على الحقيقةِ، وإلاَّ يُلْزَمُ باسْتِعْمالِ اللفْظِ في حقيقَتِه ومَجازِه، أو لا يَقْتَضِي ذلك مثالُه: لفظُ المُلامَسَةُ حقيقةٌ في اللَّمْسِ مجازٌ في الوقاعِ، وقد ثَبَتَ مُوجِبُ المجازِ من الآيةِ لانْعقادِ الإجْماعِ على جَوازِ التَّيَمُّمِ للمُجامِعِ، فهل يَدُلُّ على أنَّ المُرادَ بالمُلامَسَةِ فيها الجماعُ؟ حتى لا يَصِحُّ الاستدلالُ بها على أنَّ اللَّمْسَ باليَدِ المُخْتَلِفُ فيه كذلك.
فذَهَبَ الكَرْخِيُّ من الحَنَفِيَّةِ، والبصريِّ من المُعْتزلَةِ إلى أنَّه يَدُلُّ، وذَهَبَ القَاضِي عَبُدُ الجَبَّارِ وتَابَعَه في (المحصولِ) إلى أنَّه لا يَدُلُّ.
وحاصلُ الخلافُ أنَّ ثُبُوتَ مُوجِبُ المَجازَ في صورَةٍ بدلَيلٍ يَمَنْعُ إجراءَ الخِطابِ على حقيقَتِه على رَايٍ، ولا يَمْنَعُ منه على آخَرَ، وهو الصحيحُ؛ لأنَّ المُقْتَضِيَ لإرادَةِ الحقيقَةِ من هذا اللفْظِ فأعَمٌّ ولا مُعارِضٌ له، فلا يَجُوزُ صَرْفُه عنه بمُجَرَّدِ ما ذُكِرَ، وتَوَّسَطَ الشيخُ علاءُ الدِّينِ بنُ النَّفِيسِ، في كتابِه المُسَّمَى بالإيضاحِ فقالَ: مثلُ هذا وإنْ لم يَدُلُّ على ذلك، فهو يُفِيدُ رُجْحَاناً باعتبارِ ذلك المجازُ، فكذلك يكونُ في مَسْأَلَتِنَا، وهو حِينَما يَقْتَضِي حَمْلُ اللفظِ على أَحَدِ مجازاتِه مُوجَباً لاعتبارِ ذلك المجازُ، إذا عَلِمَتْ هذا فأَعْلَمْ أنَّ المسألَةَ مُفَرَّعَةًَ على امْتناعِ اسْتِعْمالِ اللفْظِ في حقيقَتِه ومجازِه، كما صَرَّحَ به الأَصْفَهَانِيُّ، وهو ظاهرٌ، فإنَّ المُجَوِّزَ لذلك يَحْمِلُه عليهما، ويَجْعَلُ
(1/484)

ذلك الدليلُ قرينَةً إرادَةَ المجازِ، وحينَئذٍ فكانَ حَقُّ المُصَنِّفُ التَّنْبِيهُ على ذلك، وإلاَّ لنَاقَضَ اخْتيارَهُ فيما سَبَقَ، ثمَّ إنَّه ليسَ من عادَتِه التفْرِيعُ على الضعيفِ عندَه.
ص: مسألةٌ: الكنايةُ لفظٌ اسْتُعْمِلَ في معناهُ مُراداً منه لازمُ المعنَى، فهي حقيقةٌ (فإنْ لم يُرِدِ المعنَى وإنَّما عَبَّرَ بالمَلْزُومِ فهو مجازٌ).
ش: قسَّمَه البيانِيُّونَ إلى صريحٍ وكنايةٍ وتعريضٍ، وزَعَمَ كثيرٌ منهم أنَّ الكنايةَ حقيقةٌ، وتَابَعَهُم الشيخُ عِزُّ الدِّينِ في (كتابِ المجازِ) فقالَ: الظاهرُ أنَّ الكنايةَ ليسَتْ من المجازِ؛ لأنَّها اسْتُعْمِلَتْ فيما وُضِعَتْ له، وأُرِيدَ بها الدلالَةُ على غيرِهِ كدليلِ الخطابِ في مثلِ:
(1/485)

{وَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ}. ومثلُه نَهْيُهُ عن التضْحِيَةِ بالعَوْراءِ والعرجاءِ.
وصاحبُ (التلخيصِ) قالَ: ليسَتْ بحقيقةٍ ولا مجازٍ، وأمَّا المصنِّفُ فتَابَعَ والِدُه في انْقِسامِها إلى حقيقةٍ ومجازٍ، فإنَّك إذا قُلْتَ: زيدٌ كثيرُ الرمادِ، فإنَّ أَرَدْتَ معناهُ ليُسْتَفَادَ منه الكرمُ، فإنَّ كثرةَ الرمادِ والطبْخ لازمٌ له غالباً، فهذا حقيقةٌ؛ لأنَّك
(1/486)

اسْتَعْمَلْتَ لَفْظَها فيما وُضِعَ له، والحقيقةُ كذلك سواءٌ كانَ الوضْعُ مَقْصوداً لذاتِه أم لغيرِه، وإنْ لم تَرِدْ المعنَى وإنَّما عَبَّرَتْ بالملزومِ وأَرَدْتَ اللازمَ كما إذا اسْتَعْمَلْتَ كثرةَ الرمادِ وأَرَدْتَ الكرمَ، فهو مجازٌ لاستعمالِه في غيرِ ما وُضِعَ له، وحَاصِلُه أنَّ الحقيقةَ فيها أنْ يُسْتَعْمَلَ اللفظُ فيما وُضِعَ له ليُفِيدَ غيرَ ما وُضِعَ له، والمجازُ فيها أنْ يُرِيدَ به غيرَ موضوعِه اسْتِعْمَالاً وإِفادَةً، أو نقولُ: تارةً يُرَادُ به المعنَى الحقيقيِّ ليَدُلَّ على المعنَى المجازيِّ، فيكونُ حقيقةٌ، وتارةً يُرَادُ به المعنَى المجازيِّ لدلالَةِ المعنَى الحقيقيِّ الذي هو موضوعُ اللفظِ عليه فيكونُ من أقسامِ المجازِ.
ص: والتعريضُ: لفظٌ اسْتُعْمِلَ في معناهُ ليَلُوحَ به غيرُه، فهو حقيقةٌ أيضاًً.
ش: التعريضُ: إنَّما يُرَادُ به اسْتِعْمَالُه في المعنَى الحقيقيِّ، لِكَي يَلُوحَ به إلى غَرَضٍ آخَرَ هو المقصودُ، سُمِّيَ تَعْرِيضاً؛ لأنَّ المعنَى باعتبارِه يُفْهَمُ من عَرْضِ اللفظِ؛ أي: من جَانِبِه، فهو يُشْبِه الكنايةَ، إذا قُصِدَ بها الحقيقةُ، وهو أَخَصُّ من الحقيقةِ؛
(1/487)

لأنَّها مُرادَةٌ من حيثُ هي هي، ولا يَدْخُلُه مجازٌ بخلافِ الكنايةِ إذا قُصِدَ بها الحقيقةُ كقولِ الخليلِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا}؛ أي: أنَّ كبيرَ الأصنامِ غَضِبَ أنْ تُعْبَدَ هذه الأصنامُ الصغارُ فكَسَرَها فكذلك يَغَضَبُ اللهُ لعبادِه من دونِه، فهذا اللفظُ ظاهرُ الاستعمالِ في معناهُ، ولكنْ لَوَّحَ السامِعُ منه غيرَه.
فائدةٌ: ذَكَرْتُ في كتابِ (البُرْهَانَ في علومِ القرآنِ) أقْسَامَ الكنايةِ الواقعةِ في القرآنِ إلى عَشَرَةِ أقسامٍ، أخريها=: أنْ يَعْمَدَ إلى جُمْلَةٍ وَرَدَ معناها على خلافِ الظاهرِ، فيَاخُذُ الخُلاصَةَ منها من غيرِ اعتبارِ مُفْرَدَاتِها بالحقيقةِ أو المجازِ، فتُعْبِّرُ بها عن مقصودِك، وهذه الكنايةُ اسْتَنْبَطَها الزَّمَخْشَرِيُّ وخَرَّجَ عليها قولَه تعالَى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}. فإنَّه كنايةٌ عن المُلْكِ؛ لأنَّ الاستقرارَ على السريرِ لا يَحْصُلُ إلاَّ معَ المُلْكِ، فجَعَلُوهُ كنايةً عنه، وكقولِه تعالى: {وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ}. إنَّه كنايةٌ عن عَظَمَتِه وجَلالِه من غيرِ ذِهابٍ بالقَبْضِ واليمينِ إلى جِهَتَيْنِ؛ حقيقةٍ ومجازٍ.
وقد اعْتَرَضَ الإمامُ فَخْرُ الدِّينِ على المُلْكِ بأنَّها تَفْتَحُ بابَ تَاوِيلاتِ البَاطِنِيَّةِ: فلَهُم أنْ يَقُولُوا: المُرادُ من قولِه: {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} الاستغراقُ في الخِدْمَةِ من غيرِ الذهابِ إلى نَعْلٍ وخَلْعِه، وكذا نظائرُه، وهذا مَرْدُودٌ؛ لأنَّ هذه
(1/488)

الكنايةَ إنَّما يُصارُ إليها عندَ قيامِ دليلٍ على عَدَمِ إجراءِ اللفظِ على ظاهرِه معَ قرائنَ تَحُفُّ، إنَّها المُرادُ كما سَبَقَ من الأمثلَةِ، بخلافِ خَلْعِ النعْلَيْنِ ونحوِه.
ص: الحروفُ.
ش: المرادُ بالحروفِ التي يُحْتَاجُ إلى معرفتِها الفَقَيهُ، وليسَ المرادُ هنا ما هو قَسَيمُ الاسمِ والفِعْلِ، بل أسماءُ وظروفٌ وحروفٌ يَكْثُرُ تداولُها، فأُطْلِقَ الحَرْفُ على ذلك؛ لأنَّها أجزاءُ الكلامِ، من بابِ إطلاقِ الجزءِ وإرادةِ الكلِّ، هذا مُصْطَلَحُ الأصولِيِّينَ والفقهاءِ، فجَرَى المُصَنِّفُ عليه وليسَتْ الكلماتُ التي سَرَدَها كلَّها حروفاً، ولهذا عَدَا إمامُ الحرمَيْنِ في (البُرْهانِ) (مَا) في الحروفِ معَ تصريحِه بأنَّها اسمٌ، وكذلك فَعَلَ القاضِي الحُسَيْنِ في مسألةٍ: أي: عَبْدِي ضَرَبَكَ، قلتُ: بل عَبَّرَ بذلك سِيبَوَيْه إمامُ الصناعةِ.
قالَ الصَّفَّارُ في (شَرْحِ سِيبَوَيْه) يُطْلِقُه سيبويه على الاسمِ والفعلِ بدليلِ قولِه: ولم يَسَكِّنُوا آخَرَ الحرفِ، يعني: فِعْلٌ؛ لأنَّ فيه بعضُ ما في المُضارَعَةِ، أَرَادَ بالحرفِ الفِعْلَ المَاضِي، وقالَ في قَوْلِهِ تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقِهِمْ}. فمَا لم يَمْنَعِ الباءَ من العمَلِ في الحرفِ نَقْصاً وهو اسمٌ. انتهى.
ص: أحدُها: إذن، قالَ سِيبَوَيْه: للجوابِ والجزاءِ، قالَ الشَّلَوْبِينَ:
(1/489)

دائماً، وقالَ الفارسيُّ: غالباً.
ش: إذن: مَعنَاها: الجوابُ والجزاءُ، فإذا قالَ: أنا صَدِيقُكَ، فقلتَ: إذن أُكْرِمَكَ، فقد أَجَبْتَه وصَيَّرْتَ إِكْرَامَك إيَّاهُ جزاءً على قَصْدِه.
قالَ الزجاجُ: تأويلُها: إنْ كانَ الأمْرُ كما ذَكَرْتَ فأنَا أُكْرِمُكَ، فأَغْنَتْ إذنْ عن ذِكْرِ الشَّرْطِ في الجوابِ كما أَغْنَتْ نَعَمْ عن ذِكْرِ المسؤولِ عنه في الجوابِ، فهي كذلك تُفِيدُ معنيَيْنِ:
أحدُهما: جوابُ كلامِه.
والثاني: جزاءُ فِعْلِه.
واعْلَمْ أنَّ مُجِيبَها لهما هو نصُّ سِيبَوَيْه، واخْتُلِفَ فيه، فحَمَلَه قومٌ منهم الشَّلَوْبِينَ على ظاهرِه، وقالَ: إنَّها لهُما في
(1/490)

كلِّ مَوْضِعٍ. وتَكَلَّفَ تَخْرِيجَ ما خَفِيَ فيه ذلك، وذَهَبَ الفارسيُّ إلى أنَّها قد تَرِدُ لهُما وهو الأكثرُ، وقد تَتَمَحَّضُ للجوابِ وَحَدَه، نحوَ قولِك: أُحِبُّكَ. فتقولُ: إذنْ أَظُنَّكَ صَادِقاً. فلا يُتَصَوَّرُ هنا الجزاءُ، وحُمِلَ كلامُ سَيبَوَيْه على ذلك كما قالَ في (نَعَمْ): إنَّها عُدَّةٌ= وتصديقٌ باعتبارِ حالَيْنِ.
وقالَ بعضُ المُتَأَخِّرِينَ: (إذن) وإنْ دَلَّتْ على أنَّ ما بعدَها مُتَسَبِّبٌ عمَّا قَبْلَها على وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُما: أنْ تَدُلَّ على إنشاءِ الارتباطِ والشَّرْطِ بحيثُ لا يُفْهَمُ الارتباطُ من غيرِها في ثاني الحالِ، فإذا قلتَ: أَزُورُك. فقلتَ: إذنْ أَزُورَكَ. فإنْ أَرَدْتَ أنْ تَجْعَلَ فِعْلَه شَرْطاً لفِعْلٍ، وإنشاءُ السبَبِيَّةِ في ثاني حالٍ من ضرورتِه إنَّها تكونُ في الجوابِ وبالفِعْلِيَّةِ في زمانٍ مُسْتَقْبَلٍ.
والثاني: أنْ تكونَ مُؤَكِّدَةُ جوابٍ ارْتَبَطَ بمُتَقَدِّمٍ، أو مُنَبِّهَةٍ على سببٍ حَصَلَ في الحالِ، نحوَ: إنْ آتَيْتَنِي إذنْ آتِكَ، وواللهِ إذنْ أفَعْلَ، وإذنْ أُظُنَّكَ صادقاً، تقولُه لمَنْ حَدَّثَكَ، فلو حَذَفْتَ (إذنْ) فُهِمَ الرَّبْطُ، وإذا كانَ بهذا المعنَى ففي دُخُولِها على الجُمْلَةِ الصريحةِ، نحوَ: إنْ يَقُمْ زيدٌ إذنْ عمرٌو قائمٌ، نظرٌ، والظاهرُ الجوازُ.
ص: الثاني: إنَّ للشروطِ والنَّفْيِ والزيادَةِ.
ش: مَجِيئَها للشرْطِ هو الغالبُ: وهي أمُّ أدواتُ الشرْطِ، ومجيئَها للنَّفْيِ بمعنَى (مَا) نحوَ: إنْ زيدٌ قائماً، وهي تارةٌ تكونُ معه عاملَةٌ، تَرْفَعُ الاسمُ وتَنْصِبُ الخَبَرَ عندَ الكُوفِيِّينَ، كقراءَةِ سعيدِ بنَ جُبَيْرٍ: (إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ
(1/491)

عِبَاداً أَمْثَالُكُمْ). وتارةً تكونُ غيرُ عاملَةٍ، وهو كثيرٌ كقولِه تعالى: {إِنِ الكَافِرُونَ إلاَّ فِي غُرُورٍ}، {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حَافِظٌ} وادَّعَى بَعْضُهم أنَّها لا تَجِيءُ نافِيَةٌ إلاَّ بعدَها (إلاَّ) أو (لمَّا) المُشَدَّدَةُ التي بمعنَى (إلاَّ) ويَرُدُّه قولُه تعالى: {إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا}، {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ}.
ومَجِيئِها للزيادَةِ أَكْثَرُه بعدَ (مَا) النافيةِ لتَوْكيدِ النَّفْيِ نحوَ: ما إنْ زيدٌ قائمٌ، وزَعَمَ ابنُ الحَاجِبِ: أنَّها تُزادُ بعدَ (لمَّا) الإيجابِيَّةِ، وغَلَطَ فيه، وإنَّما تلك المَفْتُوحَةِ.
تنبيهٌ: لم يَذْكُرْ (إنَّ) المُشَدَّدَةَ ومَجِيئِهَا للتعليلِ، وذَكَرَه في بابِ القياسِ في
(1/492)

مَسَالِكِ العِلَّةِ، وكأنَّه اسْتَغْنَى عنه كذلك، وقد أنْكَرَهُ ابنُ الأنْبَارِيِّ في مَسائِلِ سُئِلَ عنها في قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّهَا مِنَ الطَّوَافِينَ عَلَيْكُمْ)) فقالَ: لم تَاتِ للتَّعْلِيلِ بالإجماعِ، وإنَّما هي للتاكِيدِ، وبمعنَى نَعَم لا غيرُ، والتعليلُ إنَّما اسْتُفِيدَ من الطوافِ لا من إنَّ.
ص: الثالثُ: أو للشَّكِّ والإبْهامِ والتخْييرِ ومُطْلَقُ الجَمْعُ والتَّقْسِيمُ وبمعنَى إلِى والإضْرابُ ك (بَلْ) قالَ الحَرِيرِيُّ: والتقريبُ نحوَ: ما أَدْرِي أَسَلَّمَ أو وَدَّعَ.
ش: مثالُ الشَّكِّ: قامَ زيدٌ أو عَمْرٌو، وإذا لم تَعْلَمْ أيُّهما قَامَ، ومنه: {لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} والفرقُ بينها وبينَ إمَّا، إذا اسْتُعْمِلَتْ للشَّكِّ، أنَّ الكلامَ معَ إمَّا لا يكونُ إلاَّ مبنيًّا على الشَّكِّ، و (أو) بخلافِه، وقد يُبْنَى الكلامُ أولاً على الشَّكِّ فتكونُ كإمَّا، وقد يُبْنَي المُتَكَلِّمُ كلامُه أولاً على اليقينِ ثمَّ يُدْرِكُه الشَّكُّ.
ومثالُ الإبْهامِ: قَامَ
(1/493)

زَيدٌ أو عَمْرٌو، إذا كُنْتَ تَعْلَمُ القائمَ منهما، إلاَّ أنَّك قَصَدْتَ الإيهامَ على المُخاطَبِ، ومنه قولُه تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ} والفرْقُ بينَهُما: أنَّ الشَّكَّ من جِهَةِ المُتَكَلِّمِ والإبْهامِ من جِهَةِ السامِعِ، وجَوَّزَ القِرَافِي في الإبِهامِ قراءَتَه بالمُوَحَدَّةِ والمُثَنَّاةِ؛ لأنَّ المقصودَ التلْبِيسُ على السامِعِ، ومثالُ التخْييرِ وهي الواقعةُ بعدَ الطَّلَبِ، وقيلَ: ما يُمْنَعُ فيه الجَمْعُ نحوَ: تَزَوَّجْ هنداً أو أُخْتَها، وخُذْ من مالِي دِرْهَماً أو دِيناراً.
واسْتُشْكِلَ على التفسيرِ الثاني تَمْثِيلُ الأَئِمَّةِ بآيَتِي الكفَّارَةِ والفِدْيَةِ، للتَّخْييرِ معَ إمْكانِ الجَمْعِ، وأَجَابَ صاحبُ (البسيطِ) من النحْويينَ بأنَّه إنَّما يَمْتَنِعُ الجَمْعُ بينَهما في المحظورِ؛ لأنَّ أحدَهما يَنْصَرِفُ إليه الأمَرُ، والآخَرُ يَبْقَى محظوراً لا يَجُوزُ له فِعْلُه، ولا يَمْتَنِعُ في خِصالِ الكفَّارَةِ؛ لأنَّه يأتِي بمَا عدا الواجبُ مُتَبَرِّعاً ولا مَنَعَ من التبَرُّعِ، ولم يَذْكُرْ المُصَنِّفُ الإبَاحَةَ، ومنهم مَن غَايَرَ بينَهما وبينَ التخييرِ، ومثلُ الإبَاحَةِ بما يَجُوزُ الجَمْعُ بينَهما نحوَ: أَصْحَبَ العلماءُ أو الزهادُ، والتخييرُ بما يُمْنَعُ الجمعُ نحو: خُذْ الثوْبَ أو الدينارَ، والظاهرُ أنَّهما قِسْمٌ واحدٌ؛ لأنَّ حقيقةَ الإباحةِ هي التخييرُ، وإنَّما امتنع الجمع في الثوب أو الدينار للقرينة العرفية لا من مدلول اللفظ، كما أن الجمع بينَ صحبة العلماء والزهاد وصف (69 أ) كمال لا نقص فيه،
(1/494)

والفرق بينَ الإباحةِ والتخييرِ، وبقيةُ معانِي (أَوْ) أنَّ الإباحةَ والتخييرِ في الطَلَبِ والشَّكِّ والإيهامِ والتنْويعِ في الخَبَرِ، فإنْ جَاءَتْ (أو) بعدَ النهْيِ وَجَبَ اجْتِنابُهُما معاً كقولِه تعالى: {وَلاَ تُطِعْ فيهِم آثِماً أَوْ كَفُوراً}؛ أي: لا تُطِعْ أحدُهما، فلو جَمَعَ بينَهما لفِعْلِ المَنْهِيِ عنه مَرْتَيْنِ، وفي (الارْتِشافِ) إذا نَهَيْتَ عن المُبَاحِ اسْتَوْعَبْتَ ما كانَ مُباحاً، باتفاقِ النُّحَاةِ، منه، ولا تُطِعْ منهم آثماً أو كَفُوراً، وإذا نَهَيْتَ عن المُخَيَّرِ فيه، فذَهَبَ السِّيرَافِيُّ إلى أنَّه يَسْتَوْعِبُ الجميعَ، وذَهَبَ ابن كَيْسَانَ إلى جوازِ أنْ يكونَ النَّهْيُ عن واحدٍ وأنْ يكونَ عن الجميعِ. انتهى.
ومثال: مُطْلَقُ الجمْعِ كالواوِ، قولُه تعالَى: {أَوْ يَزِيدُونَ} وهذا قولٌ كُوفِيٌّ.
ومثالُ التقسيمِ: الكَلِمَةُ اسمٌ أو فِعْلٌ أو حرفٌ، وأَبْدَلَ ابنُ مالِكٍ التقسيمُ بالتفريقِ المُجَرَّدِ، يعني من المعانِي السابِقَةِ، ومثلُه بقولِه تعالى: {وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى}. قالَ: والتعبيرُ عنه بالتفريقِ أوْلَى من التقسيمِ؛ لأنَّ استعمالَ الواوِ فيما هو تَقْسيمٌ أَجْوَدٌ من اسْتِعِمَالِ (أو)، ونُوَزِّعُ في ذلك بأنَّ مَجِيءَ الواوِ في التقْسيمِ أكْثَرُ، لا يَقْتَضِي أنَّ (أو) لا يَاتِي له، بل يَقْتَضِي ثُبُوتُ ذلك غيرَ أكثرَ.
ومثالُ (إلى): لأَلْزَمَنَّكَ أو تَقْضِي حَقِّي، وجَعَلَ منه بعضُهم قولِه تعالى: {أَوْ
(1/495)

تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةٌ} إذا قُدِّرَ تَفْرِضُوا مَنْصُوباً بأنْ مُضْمَرَةً، ويَكونُ غايةٌ لنَفْي الجناح=.
ومثالُ الإضرابِ قولُه تعالى: {أَوْ يَزِيدُونَ}. قالَ الفَرَّاءُ هنا: (أو) بمعنَى بل، وقد تَجِيءُ للإضرابِ مُطْلَقاً، وعن سِيبَوَيْه بشرْطَيْنِ، تَقَدَّمَ نَفْيٌ أو نَهْيٌ، وإعادةُ العامِلُ، نحوَ: ما قَامَ زيدٌ أو ما قَامَ عَمْرٌو، ولا يَقُمْ زَيدٌ أو لا يَقُمْ عمرٌو.
ومثالُ التقْريبِ ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ: ما أَدْرِي أَسْلَمَ أو وَدَّعَ؛ أي: لسُرْعَتِه، وإنْ كانَ يَعْلَمُ أنَّه سَلَّمَ أولاً، وجَعَلَ مثلَه: ما أَدْرِي أَذَّنَ أو أَقَامَ، وحكايتُه عن الحَرِيرِيِّ تَابَعَ فيه الشيخُ في (المُغْنِي)، وقد ذَكَرَهُ أَبُو البَقاءِ أيضاًً، وجَعَلَ منه قولَه تعالى: {وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ}. ثمَّ قالَ الشيخُ: وهو بَيَّنَ الفسادَ، و (أو) فيه إنَّما هي للشَّكِّ، وإنَّما اسْتُفِيدَ التقريبُ من: إثباتِ اشتباهِ السلامِ بالتوْدِيعِ، إذ حصولُ ذلك معَ تَبَاعُدِ ما بينَ الوقتَيْنِ مُمْتَنِعٌ أو مُسْتَبْعِدٌ، قلتَ: وهذا لا يَتَأَتَّى في
(1/496)

الآيةِ إلاَّ برجوعِه إلى الإبْهامِ على المُخاطَبِ، وأمَّا دَعْوَى إسنادِه ذلك فيما بعدَ (أو)، فلا خُصوصِيَّةٍ له بهذا المعنَى، ولهذا ذَهَبَ قومٌ إلى أنَّها موضوعةٌ للقَدْرِ المُشْتَرَكِ بينَ المعانِي السابِقَةِ، وهي لأحَدِ الشيئَيْنِ أو الأشياءِ، وإنَّما فُهِمَتْ هذه المعانِي من القرائنِ.
ص: الرابعُ: أي: بالفتحِ والسكونُ للتَّفْسيرِ والنداءِ القريبِ أو البعيدِ أو المتوسطِ، أقوالٌ:
ش: معنى التفسيرُ: أنْ تكونَ تفسيراً لِمَا قَبْلَها وعبارَةٌ عنه، وهي أَعَمٌّ من (أنْ) المُفَسِّرَةِ؛ لأنَّ (أي) تَدْخُلُ على الجُمْلَةِ والمُفْرَدِ، ويَقَعُ بعدَها القولُ وغيرُه.
مثالُ المُفْرَدِ: عندَي عَسْجَدُ، أي: ذَهَبَ.
ومثالُ الجُمْلَةِ: قولُ الشاعرِ:
وتَرْمِينَنِي بالطَّرْفِ أي أَنْتِ مُذْنِبٌ ... وتقلينني لَكِنْ إيَّاكِ لاَ أَقلي
فجَعَلَ (أنت مُذْنِبٌ) تفسيراً ل (تَرْمِينَنِي بالطَّرْفِ) إنْ كانَ (تَرْمِينَنِي بالطَّرْفِ) معناهُ: تَنْظُرُ إلى نَظَرٍ مُغْضِبٍ، ولا يكونُ ذلك إلاَّ عن ذَنْبٍ.
وأَغْرَبَ ابنُ أَبِي الفَتْحِ في (شَرْحِ الجُمَلِ) فقالَ: شَرْطُها أنْ يكونَ ما قَبْلَها جُمْلَةٌ تَامَّةٌ مُسْتَغْنِيَةٌ بنَفْسِها يَقَعُ بعدَها جُمْلَةٌ أُخْرَى تَامَّةٌ أيضاًً، تكونُ الثانيةُ هي الأولَى في المعنَى مُفَسِّرَةً لهَا، فتَقَعُ بينَهما (أي) وادَّعَى بعضُهم أنَّها اسمُ فِعْلٍ بمعنَى: عُوا= أو فهموا=، وُضِعَتْ لِعَدَمِ دلالَتِها على معنًى في نَفْسِه بغيرِ إضَافَةٍ.
وحَكَى ابنُ مالِكٍ عن صاحبِ (المُسْتَوْفِي) أنَّها حَرْفُ عَطْفٍ، ثمَّ قالَ: والصحيحُ أنَّها حَرْفُ تفسيرٍ تَابِعٍ يَتْبَعُ ما بعدَها الأجْلَى الأخْفَى، وهو عَطْفُ بيانٍ يُوافِقُ ما قَبْلَها في التعريفِ والتنكيرِ.
ومثالُ النداءِ: أي زيدٌ، وفي الحديثِ: ((أي رَبُّ))، وعلى هذا فهل يُنَادَى بها القريبُ
(1/497)

أو البعيدُ مسافةً أو حُكْماً، أو المُتَوَسِّطُ، أقوالٌ:
وبالأوَّلِ قالَ المُبَرِّدُ والزَّمَخْشَرِيُّ، وبالثالثِ قالَ ابنُ بُرْهانٍ، وفيه إثباتُ رُتْبَةٍ ثالثةٍ وهو التَّوَسُّطُ ولا يَعْرِفُه الجمهورُ، والراجحُ الثاني، ونَقَلَه ابنُ مالِكٍ عن سِيبَوَيْه؛ لأنَّه صَرَّحَ بأنَّها مثلُ (هنا) و (أيا) في البعيدِ، وعَلْلَّ القَوَّاسُ الأوَّلَ بقلَّةِ لفظِها وعَدَمِ الحاجةِ لمَدِّ الصوتِ، وتَظْهَرُ فائدَةُ العِلَّتَيْنِ في الأُولَى، فعَلَى الأوَّلِ هي مُساوِيَةٌ لها وعلى الثاني فلا، وفي كتابِ (الأدَواتِ)؛ أي: للقريبِ حاضراً إذا كانَ مُعْرِضاً عنك، والألِفُ للقريبِ المُقْبِلِ عليك، و (يا) للجَمْعِ.
ص: وبالتشديدِ: الشرْطُ والاستفهامُ ومَوصولَةٌ ودَالَّةٌ على معنَى الكمالِ ووصْلَةٌ لنداءٍ ما فيه (أل).
ش: أي: بالفتحِ والتشديدِ، مثالُ الشرْطِ: أيُّهم يُكْرِمُنِي أَكْرِمْه.
والاستفهامُ {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً}. قالَ الآمِدِيُّ: ولا تكونُ اسْتِفْهَامِيَّةً أو شَرْطِيَّةً إلاَّ مَعْرِفَةً وهو مردودٌ، بل يَجُوزُ أنْ تكونَ مَعْرِفَةً أو نَكَرِةً حسَبِ ما تُضَافُ إليه.
ومثالُ الموصولةِ: أي: بمعنَى (الذي)، قولُه تعالى: {ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ}. التقديرُ: لِنَنْزِعَنَّ الذي هو أَشَدُّ، قالَه سِيبَوَيْه وخَالَفَه الكُوفِيُّونَ،
(1/498)

والدالَّةُ على معنَى الكمالِ هي الصفَةُ.
وتَقَعُ تَارَةً صِفَةً للنَّكِرَةِ: نحوَ: زيدٌ رجلٌ أيَّ رَجُلٍ؛ أي: كاملٌ في صفاتِ الرجالِ.
وحالاً للمَعْرِفَةِ: كمَرَرْتُ بعَبْدِ اللهِ أيَّ رَجُلٍ.
واعْلَمْ إنَّها إذا وَقَعَتْ صِفَةٍ، فإنَّ أُضِيفَتْ إلى مُشْتَقٍّ كانَتْ للمَدْحِ بالمُشْتَقِّ منه خاصَّةً، وإنْ أُضِيفَتْ إلى غيرِ المُشْتَقِّ، كانَتْ للمَدْحِ بكلِّ صِفَةٍ يُمْكِنُ أنْ يُثَنَّي بها، فالأوَّلُ: كمَرَرْتُ بعالِمٍ أيَّ عَالِمٍ، فالثناءُ عليه بالعِلْمِ خَاصَّةً، والثاني: كمَرَرْتُ برجُلٍ أيَّ رجُلٍ، فالثناءُ عليه بكلِّ ما يُمْدَحُ به الرَّجُلُ، وكلامُ المصنِّفِ شاملٌ للضرْبَيْنِ.
ومثالُ الوَصْلَةِ: يا أَيُّها الرجلُ، وزَادَ بَعْضُهم مَجيئِها للتَّخْصِيصِ، نحوَ: اللَّهُمَ اغْفِرْ لنا أيَّتُها العِصَابَةُ.
والتَّعَجُّبِ كقولِه: أيَّ فَتَى الهَيْجَاءِ أنت، وجَارَةٌ وهذا رَاجِعٌ إلى الاسْتِفْهامِ.
تنبيهٌ: كانَ يَنْبَغِي أنْ يَذْكُرَ (إيْ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الياءِ، ليَسْتَوْفِي جميعِ أقْسامِها، وهي حَرْفُ جَوابٍ بمعنَى نَعَمْ، ولا يُجَابُ بها إلاَّ معَ القِسْمِ في جوابِ الاسْتِفْهامِ نحوَ: {ويَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي}.
ص: الخامسُ: إذ: اسمٌ للماضِي ظَرْفاً، ومفعولاً به، وبَدَلاً من المفعولِ، ومُضَافاً إليها اسمُ زمانٍ والمستقبلُ في الأصَحِّ، وتُرَدُّ للتَّعْلِيلِ حرفاً، وقيلَ: ظرفاً وللمُفَاجَأَةِ وفاقاً لسِيبَوَيْه.
ش: أَجْمَعُوا على سبَبِيَّةِ (إذ) بدليلِ تَنْوينِها في نحوَ: يومَئذٍ، والإضافةُ إليها نحوَ: {إِذْ هَدَيْتَنَا}. وهي اسمٌ للمَاضِي نحوَ: قُمْتُ إِذ قَامَ زَيدٌ، سواءٌ دَخَلَتْ على الماضِي أو غيرِه.
ومثالُ اسْتِعْمَالِها ظَرْفاً: {فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} وَقَدَّمَه المُصَنِّفُ؛ لأنَّه الغَالِبُ فيها.
ومثالُ المَفْعُولِيَّةِ: {وَاذْكُرُوا إِذْ
(1/499)

كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ}.
ومثالُ البدلَيَّةِ: {اذْكُرْ فِي الكِتَابِ مَرْيَمَ إِذْ انْتَبَذَتْ}، فإذ: بَدَلُ اشْتِمالٍ من مريمَ على حدِّ البَدَلِ في قَوْلِهِ تعالَى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ}.
ومثالُ المُضَافِ إليها الزمانُ: أي: سواءٌ صَلُحَ الاسْتِغْنَاءُ عنه نحو: يومَئذٍ، أو لا، نحوَ: {بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا}.
ومثالُ المستقبلِ: بمعنَى إذا: {يَوْمَئذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارِهَا} وهذا ما اخْتَارَهُ ابنُ مالِكٍ وجَمْعٍ من المُتَأَخِّرِينَ مُحْتَجِّينَ بقولِه تعالى: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ}. ولكنَّ الأكثرِينَ على المَنْعِ، وأَجَابُوا عمَّا تَمَسَّكَ به الأوَّلُونَ بأنَّ الأمورَ المُسْتَقْبَلَةَ لمَّا كانَتْ في أَخْبَارِ اللهِ مُتَيَقِّنَةٍ مَقْطُوعاً بها، عَبَّرَ عنها بلفْظِ المَاضِي، وبِهذا أَجَابَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابنُ عَطِيَّةَ، وغيرُهما.
ومثالُ التعْلِيلِ: {لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ} {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا}. ثمَّ اخْتَلَفَ النحْويُّونَ في أنَّها حينَئذٍ هل تَكونُ حَرْفاً بمَنْزِلَةِ لامِ العِلَّةِ ونُسِبَ لسِيبَوَيْه، وصَرَّحَ به ابنُ مالِكٍ في بَعْضِ نُسَخِ (التسْهيلِ) أو ظَرْفاً؟ والتعليلُ مُسْتَفَادٌ من قوَّةِ الكلامِ لا من اللفظِ.
والمرادُ بالمُفاجأةِ: الواقعةُ بعدَ (بينا) و (بينما)، قالَ سِيبَوَيْه: بيْنَا أنَا كذا إذ جَاءَ زَيدٌ،
(1/500)

فهو لمَّا تَوَقَّعَه ويهجم= عليه، والخلافُ السابقُ آتٍ هنا: هل هي حرفٌ بمعنَى المفاجأةِ، أو باقيةٌ على ظرْفِيَّتِها الزمانيَّةِ، ويَزِيدُ هنا قولُ: إنَّها ظرفُ مكانٍ كما قيلَ به في إذا الفُجَائِيَّةِ.
ص: السادسُ: إذا للمُفَاجَأَةِ.
ش: وهي التي يَقَعُ بعدَها المبتدأُ، فرقاً بينها وبينَ الشرْطِيَّةِ، نحو: خَرَجْتُ فإذا الأسدُ بالبابِ، ومنه قولُه تعالى: {فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى}. قالَ صاحبُ (الكَشَّافِ) إنَّها إذا الكائنَةُ بمعنَى الوقْتِ، الطالِبَةُ ناصِباً لها وجُمْلَةٌ تُضَافُ إليها، خَصَّتْ في بَعْضِ المَواضِعِ بأنْ يكونَ ناصِبُها فِعْلاً مَخْصُوصاً، وهو فعْلُ المفاجأةِ، والجملةُ ابتدائيَّةٌ لا غيرَ، نحو قولِه تعالى: {حِبَالُهُمْ وعِصِيُّهُمْ} وفَاجَأَ مُوسَى وقْتَ تَخَيُّلِ سَعْيِّ= حِبَالِهم.
وقالَ ابنُ الحَاجِبِ: معنَى المفاجأةِ: حضورُ الشيءِ معَكَ في وصْفٍ من أوصافِك الفِعْليَّةِ، وتصويرُه في المثالِ حضورُ السبْعِ معَك في زَمَنِ وصفِك بالخروجِ، أو في مكانِ خروجِك؛ لأنَّ حَصْرَ ذاتِكَ في مكانِ فِعْلِك حينَ تَلَبُّسِكَ به أَمَسُّ من حَصْرِكَ في زَمَنِ فِعْلِكَ حينَ تَلَبَّسَكَ به؛ لأنَّ ذلك المكانَ يَخُصُّكَ ذلك الحينُ دونَ مَن أشْبَهَك، وذلك الزمانُ لا يَخُصُّكَ دونَ مَن أَشْبَهَكَ، وكلمَّا كانَ الفاجِئُ ألَصَفُ بالمُفَاجَأِ، كانَتْ المُفَاجَأَةِ أَقْوَى.
(1/501)

ص: حرفاً، وِفَاقاً للأخْفَشِ وابنِ مالِكٍ، وقالَ المُبَرِّدُ وابنُ عُصْفُورٍ ظَرْفُ زمانٍ، والزجَّاجُ والزَّمَخْشَرِيُّ: ظرْفُ مكانٍ.
ش: اخْتَلَفُوا فيها على ثلاثةِ مذاهبَ: أَصَحَّهَا: أنَّها حَرْفٌ؛ لأنَّ المُفاجأةَ معنًى من معانِي الكلامِ كالاسْتفهامِ والنفْيِ، والأصْلُ في المعانِي أنْ تُؤَدِّي بالحروفِ نحوَ: (لم) و (قد) و (ما) ورَجَّحَ قولُهم: فإذا إنَّ زيداً بالبابِ بكَسْرِ إنَّ، إذ لا يُعْمَلُ ما بعدَ إنَّ فيما قبْلَها.
والثاني: أنَّها ظَرْفُ زمانٍ.
والثالثُ: أنَّها ظرفُ مكانٍ بدليلِ وُقوعِها خَبَراً عن الجُثَّةِ بدليلِ: خَرَجْتُ فإذا زَيدٌ، وظرفُ الزمانِ لا يَقَعُ خَبَراً عن الجُثَّةِ، وأَجَابَ الثاني بأنَّه على حَذْفِ مُضافٍ؛ أي: حضورُ زيدٍ، ونَسَبَ هذا وما قَبْلَه لسِيبَوَيْه.
وفائدةُ الخلافِ تَظْهَرُ إذا قُلْتَ: خَرَجْتُ فإذا الأسدُ، فعَلَى الأوَّلُ لا يَصِحُّ كونُها خبراً؛ لأنَّ الحرْفَ لا يُخْبَرُ به ولا عنه، وكذا على الثاني؛ لأنَّ الزمانَ لا يُخْبَرُ به عن الجُثَّةِ، ويَصِحُّ على الثالثِ؛ أي: فبالحَظِيرَةِ الأسدُ.
ص: وتَرِدُ ظَرْفاً للمُسْتَقْبَلِ مُضَمَّنَةً معنَى الشرطِ غالباً.
ش: ولذلِكَ تُجَابُ بمَا يُجابُ به أَدَواتُ الشرْطِ، نحوَ: إذا جَاءَ زيدٌ فَقُمْ
(1/502)

إليه، قالُوا: واخْتُصَّتْ من بينَ أدواتِ الشرْطِ بأنَّها لا تكونُ إلاَّ في المُحَقَّقِ، نحوَ: إذا طَلَعَتِ الشمْسُ فاتِنِي.
أمَّا (إنَّ) ونحوها فتكونُ للمَشْكُوكِ فيه، ولهذا قالَ تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ} لمَّا كانَ المَسُّ في البحرِ مُحَقَّقاً، بخلافِ قولِه: {وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} فإنَّه لم يُقَيِّدْ مَسُّ الشَّرِّ بل أَطْلَقَه، ولمَّا قَيَّدَه بالبحرِ الذي يَتَحَقَّقُ ذلك أَتَى بهذا، وهذا يُضْعِفُ التاويلَ الذي حَكَاهُ البُخَارِيُّ عن إِسْحَاقَ بنِ رَاهُويَهْ في الحديثِ الذي حَسَّنَه التِّرْمِذِيِّ: ((أَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا اشْتَهَى الْوَلَدَ فِي الْجَنَّةِ، كَانَ حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ)) أنَّ معناهُ: إنِ اشْتَهَى الولَدَ كانَ
(1/503)

ولكنْ لا يَشْتَهِيهِ، فقيلَ: ليسَ هذا طبيعَةُ (إذا)، بل طبيعةُ غيرِها من أدواتِ الشرْطِ، واسْتَظْهَرَ بقولِه: غالباً إلى مَجِيئِهَا مُجَرَّدَةً من معنَى الشرْطِ كما سَيَاتِي.
ص: ونَدَرَ مَجيئُها للماضِي والحالِ.
ش: أمَّا المَاضِي فعَلامَتُها أنْ تَقَعَ مَوْقِعَ إذ، كقولِه تعالى: {وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُم} وقولِه: {وَإِذَا رَأَوُا تِجَارَةُ أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا} خَبرٌ أَثْبَتَه بعضُهم، وتَابَعَه ابنُ مالِكٍ، والجمهورُ مَنَعُوهُ، وتَأَوَّلُوا ما أَوْهَمَ ذلك.
وأمَّا الحالُ وعَلامَتُها بعدَ القَسَمِ نحوَ: {وَالْلَيْلِ إِذَا يَغْشَى}، {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى}؛ لأنَّها لو كانَتْ للاسْتِقْبَالِ لم تَكُنْ ظَرْفاً لفِعْلِ القَسَمِ؛ لأنَّه إنشاءٌ لا إخْبارٌ عن قِسْمٍ ثانٍ؛ لأنَّ قَسَمَه سُبْحَانَهُ وتَعَالَى قديمٌ، ولا يكونُ محذوفٌ هو حالٌ من الليلِ والنجمِ؛ لأنَّ الاستقبالَ والحالَ مُتنافِيانِ، وإذا بَطُلَ هذانِ تَعَيَّنَ أنَّه ظَرْفٌ لأحدِهما على أنَّ المُرَادَ به الحالُ.
وقالَ ابنُ الحَاجِبِ في (شَرْحِ المُفَصَّلِ): قد تَاتِي لمُجَرَّدِ الظرفيَّةِ دونَ الشرطيَّةِ، نحوَ: {وَالْلَيْلِ إِذَا يَغْشَى}؛ لأنَّها لو كانَتْ شَرطيَّةٌ لاحْتَاجَتْ إلى جوابٍ، وليسَ في اللفظِ، فيكونُ مُقَدَّراً يَدُلُّ عليه فِعْلُ القَسَمِ، وهو فَاسِدٌ؛ لأنَّه يَصِيرُ المعنَى: إذا يَغْشَى أَقْسَمَ، فيكونُ القسمُ مُتَعَلِّقاً بالشرطِ وهو ظاهرُ الفسادِ، وإذا ثَبَتَ أنَّها لمُجَرَّدِ الظرفيَّةِ فليسَتْ مُتَعَلِّقَةٌ بفِعْلِ القَسَمِ؛ لأنَّه يَصِيرُ المَعْنَى: أَقْسَمَ في هذا الوَقْتِ بالليلِ، فيَصِيرُ القسمُ مبتدأً، والمعنَى على خلافِه، بل يَتَعَلَّقُ بفِعْلٍ محذوفٍ؛ أي: أَقْسَمَ بالليلِ حاصلاً في هذا الوقْتِ، فهي إذاً في مَوْضِعِ الحالِ من الليلِ. انتهى. وقد وقع في محذورٍ آخَرَ، وهو أنَّ الليلَ عبارَةٌ عن الزمانِ المعروفِ، فإذا جَعَلْتَ إذا مَعْمُولَةٌ لفِعْلٍ هو حالٌ من الليلِ لَزِمَ وقوعُ الزمانِ في الزمانِ وهو مُحالٌ، والحقُّ أنَّ (إِذَا) كما تَجَرَّدَ عن الشرْطِ تَجَرَّدَ كذلك عن الظرْفِ، فهي هنا
(1/504)

لمُجَرَّدِ الوقْتِ من دونِ تَعَلُّقِها بشيءٍ تَعَلُّقَ الظرفيَّةِ، وهي مجرورَةُ المَحَلِّ هَهنا لكونِها بَدَلاً عن الليلِ، كما جَرَتْ بحتى في قَوْلِهِ تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا} والتقديرُ: أَقْسَمَ بالليلِ وقتَ غَشَيَانِه؛ أي: أَقْسَمَ بوقَتِ غَشيانِ الليلِ.
ص: السابعُ: الباءُ للإلصاقِ حقيقةً أو مجازاً.
ش: معنَى الإلصاقِ: أنْ تُضِيفَ إلى ما كانَ لا يُضافُ إليه وتُلْصِقُه به لولاَ دُخُولُها نحوَ: خُضْتُ الماءَ برِجْلِي، ومَسَحْتُ برَاسِي، وهو أَصْلُ مَعانِيها، ولم يَذْكُرْ لها سِيبَوَيْه غيرَه، ولهذا قالَ المَغَارِبَةُ: لا تَنْفَكَّ عنه إلاَّ أنَّها قد يَتَجَرَّدَ له، وقد يُدْخِلُها معَ ذلك معنًى آخَرَ.
وقالَ عبدُ القاهرِ: قولُهم الباءُ للإلصاقِ إنْ حَمْلْنَاهُ على ظاهرِه اقْتَضَى إفادتُها في كلِّ ما تَدْخُلُ عليه وهذا محالٌ؛ لأنَّها تَجِيءُ معَ الإلصاقِ نَفْسُه كقولِنَا: أَلْصَقَتْهُ به ولُصِقَتْ به، وحينَئذٍ فلا بُدَّ من تَاويلِ كلامِهم، والوجْهُ فيه أنْ يكونَ غَرَضَهُمْ من ذلك أنْ يقولُوا للمُتَعَلِّمِ: انْظُرْ إلى قولِك: أَلْصَقَتْهُ به، وتَأَمَّلِ المُلابَسَةَ التي بينَ المُلْصِقِ والمُلْصَقِ به، واعْلَمْ أنَّ الباءَ أينَما كانَت، كانَت المُلابَسَةُ التي تَحْصُلُ بها شَبِيهَةً بهذِه المُلابَسَةِ التي تَرَاهَا في قولِك: أَلْصَقَتْه به.
(1/505)

انتهى.
ثمَّ الإلصاقُ قد يكونُ حقيقةً وهو الأكثرُ، نحوَ: أَمْسَكْتُ الحَبْلَ بِيَدِي، قالَ ابنُ جِنِّي: أي أَلْصَقْتُها به، وقد يكونُ مجازاً، نحوَ: مَرَرْتُ بزيدٍ، فإنَّ المرورَ لم يُلْصَقْ بزَيدٍ، وإنَّما التصورُ بمكانٍ يَقْرُبُ منه.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المعنَى: أَلْصَقْتُ مُرُورِي بمَوْضِعٌ يَقْرُبُ منه، كأنَّه يَلْتَصِقُ به، فهو على الاتساعِ.
ص: والتَّعْدِيَةُ.
ش: وهي التي يُقالُ لها: باءُ النقْلِ؛ لأنَّها تَنْقُلُ الفاعلَ ليَصِيرَ مَفْعُولاً، نحوَ: قُمْتُ بزيدٍ؛ أي: أَقَمْتُهُ، وذَهَبْتُ بزَيدٍ؛ أي: أَذْهَبْتُه، وإنْ كَانَتْ التَّعْدِيَةُ لا يُفَارِقُها، ولكنَّ المرادَ بالتعدِيَةِ هذا النوعُ الذي في مُقَابَلَةِ الهمْزَةِ.
قالَ ابنُ مالكٍ: وهي القائِمَةُ مُقامَ النَّقْلِ في إيصالِ معنَى الفِعْلِ اللازمِ إلى المَفْعُولِ به، نحوَ: {ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ} و {لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ} واعْتَرَضَهُ الشيخُ أَبُو حَيَّانٍ بأنَّها قد وَرَدَتْ معَ المُتَعَدِّي نحوَ: صَكَكْتُ الحَجَرَ بالحَجَرِ، ودَفَعْتُ بعضَ الناسِ ببَعْضٍ، فلهذا كانَ الصوابُ قولَ غيرِه، هي الداخلةُ على الفاعلِ فيَصِيرُ مفعولاً، ليَشْمَلَ المتعدِيَ واللازمَ.
وغَلِطَ الشيخُ في ذلك؛ لأنَّ الباءَ في المثالَيْنِ إنَّما دَخَلَتْ على ما كانَ مفعولاً، والمُغَلَّطُ غالطٌ، بل إنَّما دَخَلَتْ على ما كانَ فاعلاً، والأصلُ: دَفْعُ بعضِ الناسِ بعضاً، وَصَكُّ الحجرِ الحجرَ بتَقْدِيم المفعولِ؛ لأنَّ المعنَى أنَّ المُتَكَلِّمَ صَيَّرَ البعضُ الذي دَخَلَتْ عليه الباءُ واقعاً للبعضِ المُجَرَّدِ عنها.
ولكنْ قولُه: وأَصْلُه دَفْعُ بعضِ الناسِ بعضاً، وصَكُّ الحجرِ الحجرَ ليسَ بجَيِّدٍ؛ لأنَّه قَدَّمَ الفاعلَ، فأَوْهَمَ كونُ الباءِ دَخَلَتْ على ما كانَ مفعولاً، كما فَهِمَ المُعْتَرِضُ.
وهنا فوائدُ: أحدُها: مَذْهَبُ الجمهورِ أنَّ باءَ التعديةِ بمعنَى همزةِ النقلِ لا تَقْتَضِي مُصَاحَبَةَ الفاعلِ للمفعولِ في الفعلِ، فإذا قلتَ: قُمْتُ بزَيدٍ، فالمعنَى: جَعَلْتُه يَقُومُ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَقُومَ معه، وذَهَبَ المُبَرِّدُ والسُّهَيْلِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ إلى اقْتِضائِها المُصاحبةُ بخلافِ الهمزةِ.
قالَ السُّهَيْلِيُّ: إذا قلتََ: قَعَدْتُ به، فلا بُدَّ من
(1/506)

مشاركةٍ، ولو باليدِ، وَرَدَّ عليهما بقولِه: ذَهَبَ الله بِنُورِهِم؛ لأنَّ اللهَ تَعالَى لا يُوصَفُ بالذهابِ معَ النورِ، وأُجِيبَ بأنَّه يَجُوزُ على معنًى يَلِيقُ به، كما وَصَفَ نفسَه بالمجيءِ في قَوْلِهِ: {وَجَاءَ رَبُّكَ} وهو ظاهرُ البُعْدِ، ويُؤَيَّدُ بأنَّ باءَ التعديةِ بمعنَى الهمزةِ.
قَرَأَ اليَمَانِيُّ: (أَذْهَبَ اللهُ نُورَهُمْ) الثانيةُ: إنْ قيلَ: كيفَ جَاءَ قولُه تعالَى {تُنْبِتُ بِالدُّهْنِ} في قراءةٍ: ضَمُّ الباءِ، وتُنْبِتُ: مضارعُ أنْبَتَ، والهمزةُ في أَنْبَتَ للنقلِ، فكيفَ جَازَ الجَمْعُ بينَهما وبينَ الباءِ وهي للنقلِ، بل حَقُّهُ أنْ يَقُولَ: تُنْبِتُ بالدُّهْنِ أو تُنْبِتُ الدُّهْنَ؟ فالجوابُ أنَّها تَخْرُجُ على ثلاثةِ أوجِهٍ:
أحدُها: أنَّ الباءَ للحالِ؛ أي: تُنْبِتُ ثَمَرِها، وفيه الدُّهْنُ أو في هذه الحالِ.
ثانيها: أنَّ أَنْبَتَ ونَبَتَ بمعنًى واحدٍ، فكما يُقالُ نَبَتَ بالدُّهْنِ فكذا أَنْبَتَ بالدُّهْنِ.
ثَالِثُها: أنَّها زَائِدَةٌ.
الثالثةُ: نَازَعَ ابنُ الخَبَّازِ وغيرُه في جَعْلِ التعديةِ قَسِيماً للإلصاقِ؛ لأنَّ الإلصاقَ تعديةٌ، وجوابُه: أنَّ المرادَ بها نوعٌ خاصٌّ على ما تَقَدَّمَ، والإلصاقُ أَعَمٌّ منها؛ ولهذا قالَ الشيخُ أَبُو الفَتْحِ إذا قُلْتَ: أَمْسَكْتُ زَيْداً، احْتَمَلَ أنْ يكونَ باشَرْتُه
(1/507)

بِيَدِكَ، وأنْ تكونَ مَنَعَتْهُ من التصرُّفِ من غيرِ مُبَاشَرَةٍ، فإذا قلتَ: أَمْسَكْتُ بزيدٍ، دَلَّتْ على أنَّ مُبَاشَرَتِكَ له بِيدِكَ، فالباءُ مُلْصَقَةٌ غيرُ مُتَعَدِّيَةٍ.
ص: والاستعانةُ والسبَبِيَّةُ.
ش: باءُ الاستعانةِ هي الداخلةُ على آلَةِ الفعلِ، نحوَ: كَتَبْتُ بالقلمِ وبَرَيْتُ بالسكينِ، ومنه: {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ}. والسَّبَبِيَّةُ، نحوَ: {فُكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ} ومنهُ: لَقِيتُ بزيدٍ الأسدَ؛ أي: بسببِ لِقائِي إِياهُ، ولم يَذْكُرْ في (التسهيلِ) باءُ الاستعانةِ وأَدْرَجَها في السبَبِيَّةِ.
وقالَ في شرحِه: باءُ السببِيَّةِ هي الداخلةُ على صريحٍ؛ للاستعانَةِ عن فاعلٍ يَتَعَدَّاها مجازاً، نحوَ: {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ} فلو قَصَدَ إسنادَ الإخراجِ إلى الباءِ لحُسُنَ، ولكنَّه مَجازٌ.
قالَ: ومنه: كَتَبْتُ بالقَلَمِ، وقَطَعْتُ بالسكينِ، والنحْويُّونَ يُعَبِّرونَ عن هذه الباءِ باءَ الاستعانةِ، =وأوثرتْ على ذلك التعبيرِ بالسببِيَّةِ من أجلِ الأفعالِ المنسوبةِ إلى اللهِ تعالى، فإنَّ استعمالَ السببِيَّةِ فيها يَجُوزُ، واستعمالُ الاستعانةِ فيها لا يَجُوزُ، ولم يَذْكُرِ المُصَنِّفُ باءَ التعليلِ استغناءً عنه بالسببِيَّةِ؛ لأنَّ العِلَّةَ والسببَ واحدٌ، وابنُ مالكٍ غايَرَ بينهما، ومثلُ التعْلِيلِيَّةِ بقولِه تعالى: {ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ} {فَبُظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا} وقالَ بعضُهم: إذا قلتَ: ضَرَبْتُه بسوءِ أَدَبِه، احْتُمِلَ العِلِيَّةَ والسببِيَّةَ، والفرقُ بينَهما: أنَّ العِلَّةَ مُوجِبَةٌ لمَعْلُولِها، بخلافِ السببِ لمُسَبِّبِه فهو للأمَارَةِ عليها، ومن هنا اخْتَلَفَ أهلُ السُّنَّةِ والمُعْتَزل‍َةِ في أنَّ الأعمالَ طاعةٌ ومعصيةٌ هل هي عِلَّةٌ للجزاءِ ثواباً وعقاباً أو سببٌ؟ فقالَت المعتزلةُ بالأوَّلِ وأهلُ السُّنَّةِ بالثاني، واخْتُلِفَ في
(1/508)

الحجِّ عن الغيرِ، فمَنْ رَأَى العملُ عِلَّةً، قالَ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ عَمَلَ زيدٌ لا يكونُ عِلَّةٌ لبِرَاءَةِ ذِمَّةِ عَمْرٍو=، ومَن رَآهُ سَبَباً، قالَ: يَصِحُّ، لجوازِ أنْ يكونَ سبباً للبراءةِ وعَلَماً عليها.
ص: وللمُصاحَبَةِ.
ش: وهي التي يَصْلُحُ في مَوْضِعِها (معَ) أو تُغْنِي عنها وعن مصحوبِها الحالُ، كقولِه تعالَى: {قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ}؛ أي: معَ الحقِّ أو مُحِقًّا، ولهذا يُسَمِّيهَا كثيرٌ من النحويِّينَ باءُ الحالِ؛ لأنَّ ما تَدْخُلُ عليه يَصْلُحُ أنْ يكونَ حالاً، فمَنْ لاحَظَ المَوْضِعَ عَبَّرَ عنها بما تَقِعُ فيه، فسَمَّاهَا باءُ الحالِ، ومَن لاحَظَ معنَى المعيَّةِ الموجودِ معها، عَبَّرَ عنها بالمُصَاحَبَةِ، إذ مَعنَى (مع) المصاحَبَةُ.
ص: والظَّرْفِيَّةُ.
ش: وهي التي يَصْلُحُ مَوْضِعُها (في) وتكونُ معَ اسمِ الزمانِ، كقولِه تعالَى: {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِالْلَيْلِ}، ومعَ المكانِ نحوَ: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ} ونحوَ: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ} ويَنْبَغِي أنْ يُقَيَّدَ هذا بالظرفيَّةِ الحقيقَةِ، وإلاَّ فحينَئذٍ يَدُخُلُ مجازانِ في الكلامِ، وهي كونُها للظرفيَّةِ والتوَسُّعُ في الظرفيَّةِ.
ص: والبَدَلُ.
ش: بأنْ يَجِيءَ مَوْضِعُهَا بَدَلٌ، وفي الحديثِ: ((مَا يَسُرُّنِي بِهَا حُمْرُ النَّعَمْ)،
(1/509)

أي: بَدَلَها.
ص: والمُقَابَلَةُ.
ش: قالَ ابنُ مالِكٍ: هي الباءُ الداخلةُ على الأثمانِ والأعراضِ، نحوَ: اشْتَرَيْتُ الفَرَسَ بأَلْفٍ، وقالَ بعضُهم: تَرْجِعُ وما قَبْلَها إلى السببِ، فإنَّ التقديرَ: هذا مُسْتَحَقٌّ بذلك أي: بسبَبِه، واسْتَشْكَلَ الفارِسِيُّ دخولَ الباءِ على الآياتِ في قَوْلِهِ تعالَى: {وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً}. وقالَ: مُشْكَلٌ؛ لأنَّ الباءَ دَخَلَتْ على المُثْمَنِ دُونَ الثَّمَنِ، فلا بُدَّ أنْ يُضْمَرَ الثمَنُ حتى يكونَ الثمنُ هو المُشْتَرَى، وعلى رَاي الفَرَّاءِ لا يَحْتَاجُ إلى المُضْمَرِ؛ لأنَّه قالَ: إذا كانَ المُتَقابِلاتُ في العُقودِ نَقْدَيْنِ جَازَ دخولَ الباءِ على كلِّ واحدٍ منهما، وكذا كانَا معنَيَيْنِ، نحوَ: {اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى} والباءُ تَدْخُلُ على المَتْروكِ المرغوبِ عنه في بابِ الشراءِ بخلافِ البَيْعِ.
ص: والمُجَاوَزَةُ.
ش: وعَبَّرَ عنه بَعْضُهم بمُوافَقَةِ عن، وتَكْثُرُ بعدَ السؤالِ نحوَ: {فَاسْأَلْ بِهِ
(1/510)

خَبِيراً}، {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} وقليلٌ بعدَ غيرِه، نحوَ: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ} وهذا منقولٌ عن الكُوفِيِّينَ وتَأَوَّلَ الشَّلَوْبِينُ على أنَّها للسببِيَّةِ؛ أي: فاسْأَلْ بسبَبَلشافِعِيِّ، ويُؤَيِّدُه قولَه تعالى: {هَلْ آمَنَكُمْ عَلَيْهِ}.
ص: والقَسَمُ، والغَايَةُ، والتَّوْكِيدُ.
ش: فالأوَّلُ نحوَ: باللهِ لأفَعْلَنَّ، وهي أصْلُ حروفِ القَسَمِ.
والثاني نحوَ: {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي}؛ أي: إليَّ.
والثالثُ وهي الزائِدَةُ إمَّا معَ الفاعلِ، نحوَ: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجْذِعِ النَّخْلَةِ} أو المُبْتَدَأِ نحوَ: بحَسْبِكُ زيدٌ، أو الخَبَرِ نحوَ:
(1/511)

{أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدُهُ}.
ص: وكذا التَّبْعِيضُ، وِفَاقاً للأصْمَعِيِّ، وابنِ مالِكٍ.
ش: مُسْتَدِلِينَ بقولِه تعالَى: {عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ}؛ أي: منْها، وخَرَجَ عليه: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} ولم تَرِدْ باءُ التَّبْعِيضِ عندَ مُثْبِتِها إلاَّ معَ الفعلِ المُتَعَدِّي، وأَنْكَرَهُ قومٌ، منهم ابنُ جِنِّي وتَأَوَّلُوا أَدِلَّةَ المُثْبَتِينَ على التَّضْمِينِ، أو أنَّ التَّبْعِيضِ اسُتِفيدَ من القرائنِ، واعْتَرَضَ الإمامُ فَخْرُ الدِّينِ على كلامِ ابنِ جِنِّي، فقالَ: شهادةٌ على النَّفْي وهي غيرُ مَقْبُولَةٍ، هذا معَ أنَّه قبلَ هذا قالَ: إنَّها للسببِيَّةِ وهو ضعيفٌ؛ لأنَّه لم يَقُلْ به أَحَدٌ من أهْلِ اللُّغَةِ، فقد وَقَعَ فيما أَنْكَرَهُ، وأَجَابَ ابنُ دَقِيقِ العِيدِ فيما كَتَبَهُ على (فُروعِ ابنِ الحَاجِبِ): بأنَّا لا نُسَلِّمُ أنَّها شهادةٌ، بل هي إخْبَارٌ مَبْنِيٌّ على ظَنٍّ غالبٍ مُسْتَنَداً إلى الاستقراءِ مَن أُهِّلَ لذلك، مُطَلِّعٌ على لسانِ العَرَبِ فيَسْمَعُ كسائِرِ أَحْكَامِهِم في نَفْي ما دَلَّ الاستقراءُ على نَفْيهِ كقولِهم: ليسَ في كلامِ العَرَبِ: اسمٌ آخِرَهُ واوٌ قَبْلَها ضَمَّةٌ، وإنَّ تركيبَ (ق ب ش)، و (ق ب ع)،
(1/512)

مُهْمَلٌ. نَعَمْ إنْ وَقَعَ نَقْلٌ إثْبَاتِيٌّ من مُعْتَبَرٍ في الصنْعَةِ، أنَّها للتَّبْعِيضِ قُدِّمَ على هذا النفْيِ، فمَن ادَّعَى هَهُنا، فَعَلَيْه إظْهَارُه. انتهى.
وذَكَرَ ابنُ مالِكٍ في (شَرْحِ الكافيَةِ) أنَّ الفارسيَّ في (التَّذْكِرَةِ) أَثْبَتَ مَجِيئِها للتَّبْعِيضِ، وكذا الأصمعيِّ في قولِ الشاعرُ:
شَرِبْنَ بِمَاءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعْتْ ... مَتَى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئيجٌ
قالَ في (شَرْحِ الإِلْمَامِ) المُثْبِتُونَ للتَّبْعِيضِ فَرَّقُوا بينَ الفِعْلِ المُتَعَدِّي بنفسِه وبحَرْفِ الجَرِّ، فقالَ: إنَّ المُتَعَدِّيَ بنفسِه تكونُ الباءُ فيه للتبعيضِ؛ لأنَّها لو لم تَكُنْ كذلك لكانَتْ زائدَةٌ، والأصْلُ عَدَمُ الزيادةِ، واعْتُرِضَ بوجْهَيْنِ: أحدُهما: مَنَعَ المُلازَمَةَ بينَ عدَمِ كونِها للتبعيضِ وكونِها زائدةً، وهذا ما قالهُ ابنُ العَرَبِي، وهي كونِها تُفِيدُ فائدَةُ الدلالَةِ على مسموحٍ به، وجَعَلَ الأصْلُ فيه امْسَحُوا رُؤُوسَكُمْ بالماءِ، فيكونُ من بابِ المقلوبِ؛ أي: امْسَحُوا بالماءِ رُؤُوسَكُم.
الثاني: أنْ يُقالَ: سَلَّمْنَا أنَّ الأصْلَ عَدَمُ الزيادةِ، فنَقُولُ: الأصلُ مَتْروكٌ إذا دَلَّ الدليلُ على تَرْكِه، وقد دَلَّ، وهو عَدَمُ ثُبُوتِ الباءِ للتبعيضِ في اللغةِ ثُبُوتاً يَرْجِعُ إليه في قولِ مَن يَجِبُ الرجوعَ إليه، قولُه: وأيضاًً فالزيادةُ في الحروفِ كثيرةٌ، وطريقُ إثباتِ اللغةِ النَّقْلُ.
فائدةٌ: ذَكَرَ العِبَادِيُّ في زِيادَاتِه مَجِيءُ الباءِ للتعْلِيقِ كانَ، فإنْ قالَ: أنْتَ طَالِقٌ
(1/513)

بمشيئَةِ اللهِ أو بِإرَادَتِه أو بِرِضَاهُ لم تُطَلَّقْ، قالَ: لأنَّ الباءَ في كلِّ هذا في ظاهرِ اللغةِ تُحْمَلُ على التعليقِ، ألاَ تَرَاهُ يقولُ: أَخْرَجُ بمَشِيئَةِ اللهِ، معناهُ: إنْ شاءَ اللهُ، وأَنْتِ طَالِقٌ بدُخولِ الدَّارِ؛ أي: إنْ دَخْلَتْ، ثمَّ قالَ: ولو قالَ: أنتِ طالقٌ بأَمْرِ اللهِ، أو بقَدَرِ اللهِ، أو بِحُكْمِ اللهِ، أو بِعِلْمِ اللهِ طُلِّقَتْ في الحالِ؛ لأنَّه لا يَتَعَارَفُ كونُه شَرْطاً يُرِيدُونَ به التحْقِيقَ، انتهى.
وهذا يَدُلُّ على أنَّ التفْرِقَةَ أَخَذَهَا من العُرْفِ لا مِن اللغةِ، ومَسائِلُ الفِقْهِ لا تُبْنَى على دقائقِ النَّحْوِ.
ص: الثامنُ: بل للعَطْفِ والإضرابِ، إمَّا للإبْطالِ أو الانْتقالِ من غَرَضٍ إلى آخَرَ.
ش: (بل) إمَّا أنْ يَقَعَ بَعْدَها المُفْرَدُ أو الجُمْلَةُ، فإنْ وَقَعَ بَعْدَها مُفْرَدٌ كانَتْ للعَطْفِ ثمَّ إمَّا أنْ يُعْطَفَ بها في الإثباتِ أو النفْيِ، فالأوَّلُ نحوُ: جَاءَ زَيدٌ بل عَمْرٌو، فهي لنَقَلِ الحُكْمِ عمَّا قَبْلَهَا وجَعْلِهُ لَمَّا بَعْدَهَا قَطْعاً، ولا نَعْنِي بذلك أنَّها تَنْفِيَه عمَّا قَبْلَها، وتُجْعَلُ ضِدَّهُ لِمَا بَعْدَها فتُقَرِّرُ نَفْيَ القيامِ عن زيدٍ وتُثْبِتُه لعَمْرٍو، وأَجَازَ المُبَرِّدُ وابنُ عَبْدِ الوارثِ، وتلميذُه الجُرْجَانِيُّ معَ ذلك أنْ تكونَ نَاقِلَةً حُكْمَ النَّفْيِ لِمَا بعدَها، كما في الإثباتِ فتَحْتَمِلُ عندَهم في نحوِ: ما قَامَ زيدٌ بل عمرٌو، أنْ يكونَ التقديرُ: بل ما قَامَ عمرٌو، وإذا لا يَضْرِبْ زيدٌ عمراً، يكونُ ناهياً عن ضربِ كلِّ واحدٍ منهما، وإذا قالَ: ما له عليَّ دِرْهَمٌ بل دِرْهَمَانِ، لا يَلْزَمَه شيءٌ؛ لأنَّ الدرهمَ مَنْفِيٌّ صريحاً، وعُطِفَ عليه الدرْهَمَانِ مَنْقُولاً النفْيُ إليهما، فصَارَ كأنَّه قالَ: ما له عَلَيَّ دِرْهَمٌ وما له
(1/514)

عَلَيَّ دِرْهَمَانِ.
قالَ القَوَّاسُ في (شرحِ الدرَّةِ) وأَوْجَبُوا تقديرَ حَرْفِ النَّفْيِ بعدَها لتحقيقِ المُطَابَقَةِ في الإضرابِ عن مَنْفِيٍّ، كما يَتَحَقَّقُ عن مُوجَبِ إلى مُوجَبٍ، قالَ: ويَجِبُ أنْ يُقالَ: إنْ كانَ المعطوفُ غَلَطاً، قَدَّرَ حَرْفَ النفْيِ، ليَشْتَرِكَا في نَفْيِ الفِعْلِ عنْهُما، وإنْ لم يَكُنْ غَلَطاً لم يُقَدَّرْ حَرْفَ النَّفْي؛ لأنَّ الفِعْلَ ثَابِتٌ له، فلا يُنْفَى عنه انْتَهَى.
وضَعَّفَ مَذَهْبَ المُبَرِّدِ ما قالَه الفَارِسِيُّ في (الإيِضاحِ) في مسألةِ: ما زيدٌ خارجاً بل ذاهبٌ، لا يَجُوزُ إلاَّ الرَّفْعُ؛ لأنَّ الخَبَرَ مُوجَبٌ، وما الحِجَازِيَّةُ لا تَعْمَلُ في الخبرِ إلاَّ مَنْفِيًّا، فلو كانَتْ لنَقْلِ حُكْمِ الأوَّلِ لجَازَ النَّصْبِ بتقديرٍ: بل هو ذاهباً، والإجْماعُ مُنْعَقِدٌ على مَنْعِه، وإنَّما لم تُجِزِ العربُ ذلك لئلاَّ يُلْتَبِسُ أَحَدُ المعنيَيْنِ بالآخَرِ، فإذا أَرَادُوا أنَّ ما بَعَدَ بل مَنْفِيٍ، أَتَوُا بحَرْفِ النَّفْيِ، فقالُوا: ما قَامَ زَيدٌ بل ما قَامَ عَمْرٌو.
وإنْ وَقَعَ بعدَها الجُمْلَةُ، لم تَكُنْ حرْفَ عطْفٍ بل حرفَ ابتداءٍ، نحوَ: ما قَامَ زيدٌ بل عمرٌو قِائمٌ، ومعناها الإضرابُ أيضاًً، لكنِ الإضرابُ تَارَةً يكونُ لإبطالِ السابقِ نحوَ: {أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ}، {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنَ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} وتَارَةً تكونُ للانتقالِ من غَرَضٍ إلى آخَرَ من غيرِ إبطالٍ، كقولِه تعالى: {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ بَلْ قُلُوبُهُمْ}، قولِه: {بَلْ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ}.
لم يُبْطِلْ شيءٌ ممَّا أَخْبَرَ عنه سُبْحَانَهُ وتَعَالَى، بل المعنَى: بل يَكْفِي الحديثُ في هذه القصةِ ولنَّدْخُلَ في أُخْرَى، فهو لقَطْعِ الخَبَرِ لا المُخْبَرِ عنه، ووَهَمَ ابنُ مالِكٍ في (شَرْحِ الكافِيَةِ) فزَعَمَ أنَّها لا تَقَعُ في القرآنِ إلاَّ على هذا الوجْهِ.
وسَبَقَه إلى ذلك صَاحِبُ (البسيطِ)، وبَالَغَ فقالَ: ولا في كلامِ فصيحٍ. إذا عَلِمْتَ هذا فكلامُ المُصَنِّفِ يَقْتَضِي أموراً: أَحدُها: إذا كانت للعَطْفِ لا يكونُ معناها الإضرابُ وليسَ كذلك.
ثانيها: أنَّها إذا كانَتْ للإضْرابِ لا تكونُ عاطفةٌ،
(1/515)

وهو ما عليه الجمهورُ، وظاهرُ كلامِ ابنِ مالكٍ أنَّها عاطفَةٌ، وصَرَّحَ به وَلَدُه، في (شَرْحِ الخُلاصَةِ) وكانَ بعضُ الأكَابِرِ يقولُ: لِمَ لمْ تكنْ عاطفَةٌ إذا وَقَعَتْ بعد الجُمَلِ، وما الفرقُ بينَها وبينَ الواوِ، فإنَّها تكونُ عاطفةٌ للجُمَلِ، وإنْ كانَ الحُكْمُ مَنْفِيًّا أو مُثْبَتاً تقولُ: ما قَامَ زَيدٌ ولم يَخْرُجُ عَمْرٌو، وما قَامَ بَكْرٌ وخَرَجَ خَالِدٌ، والذي يَظْهَرُ في الفرقِ أنَّ أصْلَهَا للإضْرَابِ، صَارَ ما قَبْلَها كأنَّه لم يَذْكُرْ، فكأنَّه لا شيءٌ يَعْطُفَ، وكانَ مُقْتَضَى هذا أنَّ لاَ يَعْطِفَ المُفْرَدَاتَ، لكنْ لمَّا حَصُلَ التشْرِيكُ في الإعرابِ وكانَ ما بعدَها معْمُولاً لِمَا قبْلَها لم يكنْ إلغاؤهُ من هذا الوجْهِ، فلمَّا بَقِيَ تَعَلَّقَ ما قَبْلَها لِمَا بَعْدَها لم يَحْصُلُ الإضرابُ إلاَّ في نِسْبَةِ الحُكْمِ لِمَا قَبْلَها فقط، لكنْ كانَ مُقْتَضَى هذا أنْ تكونَ (حتى) عاطفةٌ إذا وَقَعَ بعدَها الجُمْلَةُ، إلاَّ أنَّها لم يكنْ أصْلَها العطفُ، بل أصْلَها الغايَةُ والانْتِهاءُ= ك (إلى) فلمَّا وَقَعَ بعدَها الجُمَلُ لم يَتَعَّدَ بقاؤُهُا على أصَالَتِها، ولما وَقَعَ بعدَها المُفْرَدُ معَ عَدَمِ صلاحِيَّتِها للغَايَةِ، جُعِلَتْ حَرْفَ عطفٍ؛ ولهذا يُدَّعَى فيها معَ كونِها عاطفةً معنَى الغايةِ.
ص: التاسعُ: بَيْدَ بمعنى غيرَ، وبمعنَى: من أجْلٍ، وعليه، بَيْدَ أنِّي من قريشٍ.
ش: بَيْدَ ويُقالُ: مَيْدَ بالمِيمِ: اسمٌ مُلازمٌ للإضافةِ إلاَّ إنْ وصْلَتَها، ولها مَعْنِيانِ:
أَحَدُهما: بمعنَى غيرَ، ومنه الحديثُ: (نَحْنُ الآخَرُونَ السَّابِقُونَ بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا).
وثانيهما: بمعنَى مِن أَجْلِ، قالَه الشافِعِيُّ فيما رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ في صحيحِه عنهُ
(1/516)

عَقَبَ الحديثُ= المُتَقَدِّمِ، وعلى هذا الحديثُ الآخَرِ: ((أنَّا أفْصَحُ مَنْ نَطَقَ بِالضَّادِ بَيْدَ أَنِّي مِنْ قُرَيْشٍ) وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في (الفائقِ) هو من تأكيدِ المدْحِ بمَا يُشْبِهُ الذَّمَّ.
ص: العاشرُ: ثمَّ: حَرْفُ عطْفٍ للتشْرِيكِ والمُهْلَةُ على الصحيحِ.
ش: ينْبَغِي أنْ يكونَ الخلافُ رَاجِعاً إلَيْهِما، فأمَّا التشْرِيكُ فالمُخَالِفُ فيه الكُوفِيِّونَ، قالُوا: قد تَتَخَلَّفُ بِوقُوعِها زائدةً، فلا تكونُ عاطفةً البَتَّةَ، كقولِه تعالَى: {وَظَنَّوا أَنْ لاَ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ}.
وأمَّا المُهْلَةُ والمُرادُ به الترَاخِي، ولذلك قالَ سِيبَوَيْه: إذا قُلْتَ: مَرَرْتُ بِرجُلٍ ثمَّ امرأةٍ، فالمرورُ هنا مرورَانِ، يُريدُ أنَّ المرورَ الثانِيَ لم يَقَعْ إلاَّ بعدَ انْقضاءِ المُرورِ الأوَّلِ، والمخالفُ فيه الفَرَّاءُ.
قالَ: قد
(1/517)

يَتَخَلَّفُ، بدليلِ: أَعْجَبَنِي ما صَنَعْتَ اليومَ ثمَّ ما صَنَعْتَ أَمْسِ أَعْجَبُ؛ لأنَّ (ثمَّ) في ذلك لترتيبِ الأخبارِ، ولا تَراخِي بينَ الإخبارَيْنِ، ووَافَقَهُ ابنُ مالِكٍ وقالَ: تَقَعُ (ثمَّ) في عَطْفِ المُتَقَدِّمِ بالزمانِ اكتفاءً بترتيبِ اللفْظِ وجَعَلَ منه قولَه تعالَى: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} والصحيحُ الأوَّلُ، قالَ الشيخُ في (شَرْحِ الإلمامِ) ولأجْلِ إفادَةَ (ثمَّ) التَّراخِي امْتَنَعَ أنْ يَقَعَ في جوابٍ، فلا تَقولُ: إنْ تُعْطِنِي ثمَّ أنَّا أَشْكُرَكَ، كما تَقولُ: فأنَّا أَشْكُرُكَ لأنَّ الجزاءَ لا يَتراخَى عن الشرطِ، فالمعنيانِ مُتَنافِيَانِ، وكذلك أيضاًً لا يَقَعُ في بابِ الافْتِعالِ والتفاعُلِ لمُنَافَاةٍ معناها.
وقالَ ابنُ عُصْفُورٍ فيما قَيَّدَه على (الجَزُولِيَّةِ): من الدليلِ على أنَّ (ثمَّ) ليسَتْ كالواوِ، إجماعُ الفقهاءِ على أنَّه لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: يمينُ اللهِ ويَمِينُكَ، وأَجَازُوا: هذا بيَمِينِ الله ثمَّ بيمينِكَ، ولو كانَتْ بمعنَى الواوِ ما فَرُّوا إليها، وفي الحديثِ: أنَّ بعضَ اليهودِ قالَ لبعضِ أصْحَابِه: أَنْتُمْ تَزْعُمونَ أنَّكُم لا تُشْرِكُونَ باللهِ شيئاً، وأَنْتُم تَقُولُونَ: شَاءَ اللهُ وشِئْتُ، ذُكِرَ ذلك للنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالَ: ((لا تَقُولُوهَا، ولكنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ ثمَّ شِئتُ))، رَوَاهُ قَاسِمُ بنُ أَصْبَغَ،
(1/518)

في مُسْنَدِه واعْلَمْ أنَّ الراغِبَ ذَكَرَ في (ثمَّ) عبارَةً جَامِعَةً، فقالَ: حَرْفُ عَطْفٍ يَقْتَضِي تَأَخُّرَ ما بَعْدَه عمَّا قبلَه، إمَّا تَأَخُّراً بالذاتِ أو بالمَرْتَبَةِ أو الوَضْعِ.
ص: والترتيبُ، خلافاً للعَبَّادِيِّ.
ش: في إطلاقِ حكايةِ هذا عن العَبَّادِيِّ نَظَرٌ، فإنَّه إنَّما قالَه في مَوْضِعٍ خَاصٍّ، لا في مَدْلُولِ ثمَّ، نَقَلَ القَاضِي الحُسَيْنُ عنه في بابِ الوقفِ، أنَّه لو قالَ: وَقَفْتُ على أولادِي ثمَّ على أولادِ أولادِي بَطْناً بعدَ بطْنٍ فهي للترْتيبِ.
وقالَ العَبَّادِيُّ: هو للجَمْعِ. انتهى. ولعلَّ مَاخَذَهُ أنْ (وَقَفْتُ) إنشاءٌ، فلا مَدْخَلَ للترتيبِ فيه، كقولِكِ: بِعْتُكَ هذا ثمَّ هذا، بل عَدَاهُ القاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ إلى بعضِ الأخبارِ، فقالَ في بابِ الإقْرارِ من تَعْليقِه: لو قالَ: له عَلَيَّ درْهَمٌ ثمَّ دِرْهَمٌ لزِمَه دِرْهَمَانِ؛ لأنَّ ثمَّ مِن حروفِ العَطْفِ الخالصِةِ كالواوِ غيرَ أنَّه للفَصْلِ والمُهْلَةِ ولا فائِدَةَ للفَصْلِ والمُهْلَةِ هنا، فيكونُ كقولِه: دِرْهَمٌ دِرْهَمٌ. انتهى.
وهو المذهبُ، نَعَمْ، القولُ بأنَّها كالواوِ لا تَرْتِيبَ فيها منقولٌ عن الفَرَّاءِ، حكاهُ السِّيَرَافِيُّ وعَزَاهُ غيرُه للأَخْفَشِ مُحْتَجًّا بقولِه: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} ومعلومٌ أنَّ هذا الجَعْلَ كانَ قبلُ خَلْقِنَا، والجمهورُ تَأَوَّلُوُهُ على الترتيبِ الإخْباريِّ، وفيها مذهبٌ ثالثٌ: أنَّها للترتيبِ في المفرداتِ نحوَ: قَامَ زيدٌ ثمَّ عَمْرٌو.
ودونَ الجُمَلِ، كقولِه تعالَى: {فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ}؛ إذ شهادةُ اللهِ تعالى مُقَدَّمَةٌ على المرْجِعِ، قالَه ابنُ بُرْهَانَ ومِثْلُه قولُ ابنِ السَّمْعَانِيِّ في (القواطعِ) تُسْتَعْمَلُ في موضعِ الواوِ مجازاً، كقولِه: {ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ}، والصحيحُ أنَّها للترتيبِ مُطْلَقاً لكنَّها في المفردِ ترتيبُ الواقعِ نحوَ: قَامَ زَيدٌ ثمَّ قَامَ عَمْرٌو، ومعَ الجُمَلِ تَدُلُّ على ترتيبِ خَبَرٍ، على خَبَرٍ لا على ترتيبِ خَبَرٍ على المُخْبَرِ عنه، كقولِه:
إِنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ ... ثُمَّ قَدْ سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدَّهُ
(1/519)

ص: الحادِي عَشْرٌ: حتى لانْتَهاءِ الغايَةِ غالباً، وللتعليلِ، ونَدَرَ للاستثناءِ.
ش: حتى: على أرْبَعَةِ أقْسَامٍ:
جَارَةٌ نحوَ: سِرْتُ حتى الليلِ، ومنه قولُه تعالَى: {حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}، وخَالَفَ فيه الكِسَائِيُّ، وقالَ: الجَرُّ ب (إِلَى) مُضْمَرَةٌ بعد حتَّى؛ أي: حتى انْتَهَى التَّسْلِيمُ إلى مَطْلَعِ الفجْرِ.
وعَاطِفَةٌ كالواوِ، نحوَ: قَدِمَ الحُجَّاجُ حتَّى المُشَاةُ، وخَالَفَ فيه الكُوفِيُّونَ، ويُعْرِبُونَ ما بَعْدَها على إضْمَارِ عَامِلٍ.
وابتدائِيَّةٌ؛ أي: مُسْتَانِفٌ بعدَها الجُمَلُ، إمَّا الاسْمِيَّةِ نحوَ: حتى مَاءُ دِجْلَةَ أَشْكَلُ، أو الفعليَّةُ نحوَ: {حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ} على قَراءَةِ الرَّفْعِ، وناصبِةً
(1/520)

للفعلِ عندَ الكُوفِيِّينَ نحوَ: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، أنَّها الجَارَةُ والناصبُ (أنَّ) مُضْمَرَةً بعدَها.
إذا عَلِمْتَ هذا فإطْلاقُ المُصنِّفِ يَقْتَضِي، الغَايَةِ تَشْمَلُ جميعَ أقْسَامِها، فنَقُولُ: أمَّا الجارةُ فلا شَكَّ أنَّ معناها الغايَةُ.
واخْتُلِفَ في المجرورِ بها: هل يَدْخُلُ فيما قَبْلَها أو لا؟ على مذاهبَ:
أحدُها: وهو قولُ الجمهورِ منهم المُبَرِّدُ، وابنُ السَّرَّاجِ، والفَارِسِيُّ، والزَّمَخْشَرِيُّ، وابنُ الحاجِبِ وغيرَهم، أنُّه دَاخِلٌ، فإنَّ غايةَ الشيءِ بعضُه، واسْتَثْنَى بعضُهم ما إذا دَلَّتْ قرينَةٌ على خُروجِهِ، نحوَ: صُمْتُ حتى الفِطْرَةِ، وذَكَرَ صاحِبُ (الإيضاحِ): أنَّ سِيبَوَيْه صَرَّحَ بِأَنَّ ما بَعْدَها دَاخِلٌ فيما قَبْلَها ولا بُدَّ، لكنَّه مَثَّلَ بما هو بَعْضٌ.
والثاني: لا يَدْخُلُ ورَجَّحَهُ ابنُ عُصْفُورٍ.
والثالثُ: قد يَدْخُلُ وقد لا، وحُكِيَ عن ثَعْلَبٍ، وقالَ ابنُ مالِكٍ: حتى لانتهاءِ الغايَةِ بمَجْرُورِها أو عندَه يعني: أنَّه يُحْتَمَلُ أنْ يَكونَ دَاخلاً فيما قَبْلَها أو غيرُ داخِلٍ، فإذا قلتَ: ضَرَبْتُ القومَ حتى زيدٍ، فيُحْتَمَلُ أنْ يكونَ زيدٌ مَضْرُوباً انْتَهَى الضرْبُ به، ويَجُوزُ أنْ يكونَ غيرُ مضروبٍ انْتَهى الضرْبُ عندَه.
وذَكَرَ أنَّ سِيبَوَيْه والفَرَّاءَ أَشَارَا إلى ذلك، وتَحَصَّلَ أنَّ الجمهورَ على الدخولِ بخلافِ (إلى)، وزَعَمَ
(1/521)

القِرَافِيِّ أنَّه لا خِلافَ في وجوبِ دُخُولِ ما بَعْدَ حتى، وأنَّه لا يَجْرِي فيها الخِلافُ الذي في (إلى) لاتِّفاقِ النُّحاةِ على أنَّ شرطَ (حتى) أنْ يكونَ ما بَعْدَها من جِنْسِ ما قَبْلَها ودَاخِلاً في حُكْمِه، وليسَ كما قالَ، بل الخلافُ فيها مشهورٌ وإنَّما الاتِّفاقُ في (حتى) العاطفةِ لا الخافضةِ، والفرقُ أنَّ العَاطِفَةَ بمنزلَةِ الواوِ فتَفَطِّنْ له، وأمَّا العاطفةُ فيَلْزَمُ أنْ يكونَ ما بعدَها غايةٌ لما قَبْلَها في زيادةٍ أو نَقْصٍ.
قالَ النَّحَّاسُ في كتابِ (الكَافِيِ) اعْلَمْ أنَّ حتى فيها معنى الغايةِ وإنْ عُطِفَ بها، ولهذا وُجِبَ أنْ تكونَ لإخراجِ شيءٍ من شيءٍ انْتَهَى، يَعْنِي: أنْ يُؤْتَى بها لِدَفْعِ ما يُتُوَّهَمُ إِخْرَاجُه معَ صِحَّةِ شُمُولِ الأدِلَّةِ له وهذا عَكْسُ إلاَّ، فإنَّه يُؤْتَى بها لإخْراجِ ما يُظَنُّ دُخُولُه، وأمَّا الاستثناءُ به فأَثَرُها واضِحٌ، وأمَّا الناصِبَةُ: فالمشهورُ أنَّ لها معنيَيْنِ:
أحدُهما: الغايةُ.
والثاني: التعليلُ، نحوَ: كَلَّمْتُه حتى يَامُرَنِي بشيءٍ، وعلامُة كونِها للغايةِ أنْ يَجِيءَ مَوْضِعُها (إلى أنْ)، وكونُها للتعليل أنْ يَجِيءَ مَوْضِعُها (كي) وزَادَ ابنُ مالِكٍ في (التسهيلِ) معنى ثالثاً وهو معنَى (إلاَّ)؛ أي: تكونُ للاستثناءِ المُنْقَطِعُ، لقولِ الشاعرِ:
ليسَ العطاءَ من الفضولِ سَمَاحَةٌ ... حتَّى تَجُودَ وما لَدَيْكَ قليلٌ
ويمكنُ جَعْلَهُ بمعنَى (إلى).
فائدةٌ: من المُهِمِّ البحثِ عن حُكْمِهِا في الترتيبِ، وكانَ يَنْبَغِي للمُصَنِّفِ
(1/522)

التَّعَرَّضَ له، واخُتُلِفَ فيه، فقالَ ابنُ الحَاجِبِ، حتى مِثْلُ الفاءِ، يعني: في الترتيبِ، وقالَ الخفافُ= والصَّيْمَرِيُّ=: هي في العطفِ كالواوِ، وجَرَى عليه ابنُ مالِكٍ في (شَرْحِ العُمْدَةِ) قالَ: وزَعَمَ بعضُ المُتَأَخِّرِينَ أنَّها تَقْتَضِي الترْتِيبَ. وليسَ بصحيحٍ، بل يَجُوزُ أنْ تقولَ: حَفِظْتُ القرآنَ حتى سورةَ البَقَرَةِ، وإنْ كانَتْ أوَّلَ ما حَفِظْتَه أو مُتَوَسِّطَ، وفي الحديثِ: ((كُلُّ شَيْءٍ بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ حَتَّى الْعَجَزُ والكَيْسُ)). ولا ترتيبَ في تَعَلُّقِ القضاءِ بالمُقْضَياتِ، إنَّما الترتيبُ في كونِها، وتوسَّطَ ابنُ أَبَانٍ فقالَ: الترتيبُ الذي تَقْتَضِيهِ (حتى) ليسَ على تَرْتِيبِ الفاءِ، وثمَّ، وذلِك أنَّهما يُرَتِّبانِ أَحَدَ الفِعْلَيْنِ على الآخَرِ في الوجودِ، وهي تُرَتَّبُ ترتيبَ الغايةِ والنهايَةِ، ويُشْتَرَطُ أنْ يكونَ ما بَعْدَها من جِنْسِ ما قَبْلَها، ولا يَحْصُلُ ذلك إلاَّ بذِكْرِ الكُلِّ قبلَ الجُزْءِ.
قالَ الجُرْجَانِيُّ: الذي أَوْجَبَ ذلك أنَّها للغَايَةِ والدلالَةِ على أَحَدِ طَرَفِي الشيءِ، وطَرَفُ الشيءِ لا يكونُ من غيرِه؛ ولهذا كانَ فيها معنَى التعظيمِ والتحقيرِ؛ وذلك لأنَّ الشيءَ إنْ أَخَذْتَه من أعلاهُ فأَدْنَاهُ غايَتُه وهي التحقيرُ، وإنْ أَخْذَتَه من أَدْنَاهُ فأَعْلاهُ غايَتُه وهي التعظيمُ، قلتَ: وقد يَرِدُ على القائلِينَ أنَّها لَيسَتْ للترتيبِ قولُهم: إنَّها للغايةِ إمَّا في نَقْصٍ أو زيادةٍ، نحوَ: غَلَبَكَ الناسُ حتى النائِيَ، وسُبْحَانَ مَنْ يُحْصِي الأشْياءَ حتى مَثاقِيلَ الذَّرِّ، والجمْعُ بينَ الكلامَيْنِ مُشْكَلٌ، فإنَّها لو لم تكنْ للترتيبِ، لم يكنْ لاشتراطِ القوَّةِ والضعْفِ فائدَةٌ، ولو لم يَقْتَضِ التأخِيرَ عقلاً أو عَادَةً لم يُحْسِنْ ذلك،
(1/523)

فإنَّ قلت: فائدتُه فائدةُ العمومِ، قلتُ ذلك مُسْتَفادٌ من اللفظِ قَبْلَها.
وقالَ القَّوَّاسُ: تُفِيدُ معَ الترتيبِ المُهْلَةُ، إلاَّ أنَّ المُهْلَةَ فيها أقلُّ من ثمَّ، وقيلَ: لا مُهْلَةَ فيها كالفاءِ، وقيلَ: هي بمنزلَةِ الواوِ، قالَ: والأوَّلُ أظْهَرُ لأنَّ شَرْطَها في العَطْفِ أنْ يكونَ ما بَعْدَها جُزْءاً ممَّا قَبْلَها، فلو لم تُفِدْ الترتيبَ للَزِمَ جَوَازُ تَقَدُّمِ خَبَرُ الشيءِ المُتَأَخِّرِ عليه وهو مُحَالٌ.
ص: الثانِي عَشَرَ: رُبَّ للتَّكْثِيرِ والتَّقْلِيلِ، ولا يُخْتَصُّ بأَحدِهما، خلافاً لِمَنِ ادَّعَى ذلك.
ش: اخْتُلِفَ في رُبَّ على مذاهبَ:
أحدُها: أنَّها للتقليلِ دائماً، وعليه الجمهورُ، ونَسَبَه صاحبُ (البَسِيطِ) لسِيبَوَيْه.
والثاني: للتَّكْثيرِ دائماً، وبه قالَ صَاحبُ (المُعينِ) واخْتارَهُ ابنُ دِرْسَتَوَيْه والجُرْجَانِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ، وعَزَاهُ ابنُ خَروفٍ وابنُ مالِكٍ إلى سِيبَوَيْه، مُسْتَدَلِّينَ بقولِه: في بابِ لم، ومعنَاها معنَى رُبَّ.
والثالثُ: أنَّها تَرِدُ لهُما، فمِنَ التَّكْثِيرِ قولِه تعالى: {رُبَمَا يُوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} وقولُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يَا رَبُّ كَاسِيَةٍ فِي الْدُّنْيَا عَارِيَةَ يَوْمَ القِيَامَةِ))، ومنَ التقْلِيلِ قولُ الشاعِرِ:
(1/524)

ألاَ رُبَّ مَوْلُودٍ ولَيسَ لَهُ أَبٌ ... وذِي وَلَدٍ لَمْ يَلَدْهُ أَبَوانٍ
ومُقْتَضَى تعبيرِ المُصنِّفِ: أنَّها تَرِدُ لهما على السواءِ فيَكُونُ مِن الأضدادِ، وهو قولُ الفارِسِيِّ في كتابِ (الحُروفِ)، لكنَّ المُختارَ عندَ ابنِ مَالكٍ أنَّها أَكثَرُ ما تَكُونُ للتكثيرِ، والتقليلُ بها نادرٌ، وهو المختارُ، ويَتَحَصَّلُ مِن ذلك أَربعةُ مَذَاهبَ، ويَخرجُ مِن كلامِ جمعٍ مِن المَغَاربةِ.
خَامسٌ: وهو أنَّها للتكثيرِ في مواضعِ المُبَاهاةِ والافتخارِ.
وسادسٌ: وهو أنَّها حرفُ إثباتٍ لم تُوضَعْ لتقليلٍ ولا تكثيرٍ، وإنَّما يُستَفَادُ ذلك مِن القَرائنِ، واختَارَهُ أَبُو حَيَّانَ، وفيه بُعْدٌ؛ للُزومِه وجودَ حرفٍ لا يُفيدُ معنًى أصلاً إلاَّ بالقَرائنِ المُصَحِّحَةِ.
ص: الثَّالثَ عَشَرَ: على الأصحِّ أنَّها قد تكونُ اسماً بمعنَى فوقَ، وتكونُ حَرْفاً.
ش: ذَهَبَ ابنُ طَاهِرٍ وابنُ خَرُوفٍ .....
(1/525)

وابنُ الطَّرَاوَةَ والآمِدِيِّ والشَّلَوْبِينَ إلى أنَّها اسمٌ أبداً، وزَعِمُوا أنَّه مَذْهُبُ سيِبَوَيْه، ومشهورُ مذهبُ البصريِّينَ أنَّها حَرْفُ جرٍّ، إلاَّ إذا دَخَلَ عليها حَرْفُ جرٍّ كقولِ الشاعرِ:
غَدَتْ مِنْ عَلَيْهِ بعدَما تَمَّ ظَمَؤُهَا ....
وزَادَ الأَخْفَشَ مَوْضِعاً آخَرَ، وهو أنْ يكونَ مجرورُها، وفاعلُ مُتَعَلِّقِها ضَمَيرَيْنِ لمُسَمٍّى واحدٍ، كقولِه تعالى: {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجُكَ}.
وقالَ الفَرَّاءُ: حَرْفٌ ولو دَخَلَ عليها حَرْفُ الجَرِّ، فهذه أربعةُ مذاهبَ: حَرْفُ مُطْلَقاً، اسم مُطْلَقاً إلاَّ في مَوْضِعِ حَرْفٍ إلاَّ في موضعَيْنِ كالأخَفْشِ.
ص: للاسْتِعْلاءِ، والمصاحَبَةِ، والمجاوزَةِ، والتعليلِ والظرفيَّةِ، والاسْتِدْراكِ، والزيادَةِ.
ش: الاستعلاءُ إمَّا حِسِيٌّ، كقولِه تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ}. أو
(1/526)

معنويٌّ، كقولِه: {وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} ونحوَ: عليه دَيْنٌ، كأنَّ بلُزُومِه له عَلاَ علَيْهِ؛ ولهذا يُقالُ: رَكِبَهُ الدَّيْنُ، وهذا المعنَى يُطْرَقُ أَوْجُهُهَا الثلاثَةُ، فإنَّك إذا قلتَ: زَيدٌ على الحائطِ فقد دَلَلْتَ على استعلائِه عليه، وكذا عَلاَ زيدٌ على الحائطِ، وكذا سِرْتُ مِن عليهِ، فإنَّ السائِرَ من فوقٍ مُسْتَعْلٍ على السائِرِ من أسْفَلِ، ولم يُثْبِتْ لها أكثرُ البصريِّينَ غيرَ هذا المعنَى، وأَوَّلُوا ما أَوْهَمَ خلافَه؛ ولهذا قَدَّمَهُ المُصَنِّفُ.
وأمَّا نحوُ: تَوَكَّلْتُ على اللهِ واعْتَمَدْتُ عليه، وقولُه: {وَتَوْكَّلْ عَلَى الْحَيِّ} فهي بمعنَى الإضافَةِ والإسنادِ؛ أي: أَضَفْتَ تَوَكُّلِي وأَسْنَدْتُه إلى اللهِ تَعَالَى، لا للاسْتِعْلاءِ، فإنَّها لا تُفِيدُه هَهنا حقيقةً ولا مجازاً.
ومثالُ المُصاحَبَةِ: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ} والمُجَاوَزَةِ بمعنَى (عن) كقولِه:
إذا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ... لعَمْرُ اللهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا
وخَرَّجَ عليه المُزَنِيُّ
(1/527)

وابن خُزَيْمَةَ قولُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ))؛ أي: عنه فلا يَدْخُلُها، والتعليلُ: {وَلُتَكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ}. والظرفيَّةُ: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينَ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانِ} والاسْتِدَراكِ، فلانٌ لا يَدْخُلُ الجنَّةَ لسُوءِ صُنْعِه، على أنَّه لا يَيْأَسُ من رحْمَةِ اللهِ، والزيادةُ كقولِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ حَلِفَ عَلَى يَمِينٍ))؛ أي: يَمِيناً، وقد تُزَادُ للتَّعْويضِ من أُخْرَى محذوفَةٌ كقولِ الشاعرِ:
(1/528)

............... ... إنْ لَمْ يَجِدْ يَوْماً عَلَى مَنْ يَتَّكِلْ
أي: عَلَيْه، وفي هذا خلافُ مَذْهَبِ سِيبَوَيْه أنَّ (على) و (عن) لا يُزَادَانِ.
ص: أمَّا عَلاَ يَعْلُو، فَفََعَلَ.
ش: ومنه قولُه تعالَى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ} فإنَّها لو كانَتْ حَرْفاً لمَّا دَخَلَتْ على (فِي) وقد اجْتَمَعَتْ الفِعْلِيَّةِ والظَّرْفِيَّةِ في قَوْلِهِ تعالَى: {وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} وأَشَارَ المصنِّفُ بذلك إلى أنَّها تَاتِي اسماً وفِعْلاً وحَرْفاً.
ونَبَّهَ بقولِه: (يَعْلُو) على أنَّ الفعليَّةَ تُفَارِقُ الاسميَّةَ بتَصَرُّفِها، قالَ لبيدُ:
يَعْلُو بِهَا حَربَ الإكَامِ مُسَحَّجٌ ... قدْ رَابَهُ عِصْيَانُها ووحَامُها
(1/529)

ص: الرابعَ عَشَرَ: الفَاءُ عاطفَةٌ للترتيبِ المعنويِّ والذِكْرِيِّ.
ش: مثالُ المعنويُّ: قَامَ زَيْدٌ فعَمْرٌو، والذِكْرِيُّ: هو عَطْفٌ مُفَصَّلٌ على مُجْمَلٍ هو هو في المعنَى، نحو: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانَ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ}، ونحوُ: تَوَضَّأَ فغَسَّلَ وجْهَهُ ويَدَيْهِ ومَسَحَ برَاسِه، ورِجْلَيْه.
وقالَ الفَرَّاءُ: لا تُفِيدُ الترتيبَ، واسْتُنْكِرَ هذا منهُ معَ قولِه بأنَّها تُفِيدُ الترتيبَ، واحْتَجَّ بقولِه: {أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَاسُنَا} وأُجِيبَ بأنَّها للترتيبِ الذِكْرِيُّ أو على حَذْفٍ؛ أي: أَرَدْنَا إِهْلاكُهَا، واقْتِصارُ المُصنِّفُ على هَذَيْنِ النوعَيْنِ يَخْرُجُ الترْتِيبُ في الأخْبارِ، وذَكَرَ جماعةٌ أنَّ الفاءَ تُشَارِكُ (ثمَّ) في الترتيبِ الإخْبارِيِّ كما تُشَارِكُهَا في الترتيبِ الوجُودِيِّ نحو: مُطِرْناً بمَكانِ كذا فمَكانِ كذا، ورُبَّمَا لم نَذْكُرْ كيفَ نَزَلَ بها، ورُبَّمَا ذَكَرْتُ الذي كانَ أولاً وآخِراً، ونَقَلَ الشيخُ في (شَرْحِ الإلمامِ) فَصْلاً عمَّن يَرَى في الترتيبِ بثُمَّ ضَعْفاً، والقولُ بالترتيبِ الإخْبارِيِّ، قالَ بعدَ أنْ قَرُبَ أنَّ ثمَّ للترتيبِ الثاني على الأوَّلِ في الوجودِ بمُهْلَةٍ: ثمَّ تَاتِي لتِفَاوُتِ الترتيبِ، ثمَّ قالَ: ومَجِيءُ هذا المعنَى أيضاًً مقصودٌ بالفاءِ العاطفةِ، نحوَ: خُذِ الأفْضَلَ فالأكْمَلَ، واعْمَلِ الأحْسَنَ
(1/530)

فالأجْمَلَ، ونحوَ: يَرْحَمُ اللهُ المُحْلِقِينَ فالمَقْصِّرِينَ، فالفاءُ في الأوَّلِ لتفاوُتِ مَرْتَبَةِ الأفْضَلِ من الكمَالِ والحَسَنُ من الجَمَالِ، وفي الثاني لتِفَاوُتِ رُتَبِ المُحْلِقينَ من المُقَصِّرِينَ بالنِّسْبَةِ إلى تَحْلِيقِهِم وتَقْصِيرِهِم.
وقولِه تعالَى: {وَالصَّافَّاتِ صَفَّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً} تُحْتَمَلُ فيه الفاءُ المَعْنَيَيْنِ معاً، فيَجُوزُ أنْ يُرَادَ بها تَفَاوُتِ رُتْبَةِ الصَّفِّ من الزَّجْرِ، ورُتْبَةُ الزَّجْرِ من التلاوةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بها تفاوُتُ رُتْبَةِ الجِنْسِ للزاجرِ بالنسبةِ إلى صَفِّهِم وزَجْرِهم.
ص: وللتَّعْقِيبِ في كلِّ شيءٍ بحَسْبِه.
ش: معنَى التَّعْقِيبِ في المشهورِ كونِ الثانِي بعدَ الأوَّلِ من غيرِ مُهْلَةٍ، بخلافِ ثمَّ؛ ولهذا قالَ بعضُهم: (ثمَّ) لمُلاحَظَةِ أوَّلِ زَمَنِ المعطوفِ عليه، والفاءُ لملاحظةِ آخِرِهِ، قالَ ابنُ جِنِّي في خَاطِرِيَّاتِهِ، وقد أَجَادَ العِبَارَةَ أَبُو إِسْحَاقَ في قَوْلِهِ: الفاءُ للتَّفْرِيقِ على مُواصَلَةٍ، فقولُه: للتفْرِيقِ؛ أي: ليسَتْ كالواوِ في أنَّ ما عُطِفَ بها معَ ما قَبْلَهُ بمَنْزِلَةِ المُتَّبَعِ في لفظٍ واحدٍ.
وقولُه: على مواصَلَةٍ؛ أي: لِمَا فيها من قُوَّةِ الاتْباعِ وأنَّه لا مُهْلَةَ بينَهُما، انْتَهى، وصَارَ المُحَقِّقُونَ إلى أنَّ التعْقِيبَ في كلِّ شيءٍ بحَسَبِه؛ ولهذا يُقالُ: تَزَوَّجَ فُلانٌ فَولِدَ لهُ، إذا لم يكنْ بينَهما إلا مُدَّةَ الحَمْلِ، وإنْ كانَتْ مُتَطَاوِلَةً، ودَخَلَتِ البَصْرَةَ فالكُوفَةَ، إذا لم يُقِمْ في البصرةِ ولا بينَ البلدَيْنِ، وفي هذا انْفِصالٌ عمَّا أَوْرَدَهُ السِّيرَافِيُّ على قولِ البصرِيِّينَ: أنَّ الفاءَ للتعقيبِ في هذه الأمثلَةِ، فإنَّا نقولُ: هي للتعقيبِ على الوجْهِ الذي يُمْكِنُ.
قالَ ابنُ الحاجِبِ: المرادُ
(1/531)

بالتعقيبِ: ما يُعَدُّ في العادَةِ تَعْقِيباً لا على سَبيلِ المُضَايَقَةِ، قَرُبَ الفِعْلَيْنِ بعدَ الثانِي عَقِبَ الأوَّلِ عادَةً، وإنْ كانَ بينَهما أزمانٌ كثيرةٌ كقولِه تعالى: {خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً} الآيةَ، ونَصَّ الفارسيُّ في (الإيضاحِ) على أنَّ ثمَّ أَشَدَّ تَراخِياً من الفاءِ، وهذا يَدُلُّ على أنَّ الفاءَ فيها تَرَاخٍ، ووجْهُهُ ابنُ أَبِي الرَّبِيعِ بأنَّ الاتصالَ يكونُ حقيقةً ومجازاً، فإذا كانَ حقيقةً فلا تَرَاخِي فيه وإذا كانَ مجازاً ففيه تراخٍ بلا شَكَّ، نحوَ: دَخَلْتُ البَصْرَةَ فالكوفةَ، وقد يكونُ التراخِي قليلاً، فيكونُ كالمُسْتَهْلَكِ، وتَوَسَّعَ ابنُ مَالِكٍ فذَهَبَ إلى أنَّها تَكونُ مَعهَا مُهْلَةٌ، ك (ثمَّ) كقولِه تعالَى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فُتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةٌ} والأَحْسَنُ أنَّها للتعقيبِ على ما سَبَق.
تنبيهٌ: قضيةُ كلامِ المصنِّفِ اختصاصُ التعقيبِ بالعاطفةِ فتَخَرَّجَ الرابِطَةِ للجوابِ، وبه صَرَّحَ القاضِي أَبُو بَكْرٍ في (التقريبِ) وقالَ: إنَّها لا تَقْتَضِي التعقيبَ في الأجوبَةِ فِرَاراً من مذَهْبِ المُعْتَزَلَةِ في أنَّ الكلامَ حروفٌ وأصواتٌ، فقالُوا في قَوْلِهِ تعالَى: {كُنْ فَيَكُونَ}: إنَّ الكلامَ عندَهم القديمُ هو الكافُ والنونُ، فإذا تَعَقَّبَهُ الكائنُ فإمَّا أنْ يُؤَدِّي إلى قِدَمِ الحادثِ أو حَدَثُ القَدِيمِ.
(1/532)

ص: وللسَّبَبِيَّةِ.
ش: نحوَ: {فَتَلَّقَى آدَمَ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} {لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ} وجَعَلَ منه العَبْدَرِيُّ في شَرْحِ الجُمَلِ: طَلَعَتِ الشمْسُ فوُجِدَ النهَارُ، وحديثُ: ((فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا)). فالتَّقَدُّمُ هنا بالسبَبِيَّةِ، فإنَّ لم يَتَقَدَّمْ طلوعُ الشمْسِ لوجودِ النهارِ بالزمانِ، فقد تَقَدَّمَ بأنَّه سَبَبُ وجودِ النهارِ، وكذلك الإمامُ فإنْ لم يَتَقَدَّمْ رُكُوعَه ولا سُجُودَه بالزمانِ سُجودَ المأمومِ ورُكُوعِه، فقد تَقَدَّمَاهُما بالسَّبَبِيَّةِ، وجَعَلَهُ السُّهَيْلِيُّ حقيقةً في التَّعْقِيبِ، وَرَدَ الترتيبُ والسببِيَّةُ إليه؛ لأنَّ الثانيَ بعدَها إنَّما يَجِيءٌ في عَقِبِ الأوَّلِ.
ص: الخامِسَ عَشَرَ: في للظَّرْفَيْنِ.
(1/533)

ش: أي: المَكَانِيُّ والزَّمَانِيُّ، واجْتَمْعَا في قَوْلِهِ تعالَى: {الم غُلِبَتْ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ}. والمرادُ بالظرفِيَّةِ أنْ يَكُونَ مَحَلاًّ لوقوعِ الشَّيءِ إمَّا حقيقةٌ كما سَبَقَ؛ لأنَّ الأجْسامِ هي القابِلَةُ للحُلولِ، أو مَجازاً نحوَ: نَظَرَ في الكتابِ وسَعَى في الحاجَةِ؛ لأنَّ العَلَمَ قد صَارَ وِعَاءً لنَظَرِه، ومنه قولُه تعالَى: {لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ}؛ لأنَّ الرَّحْمَةَ كَأَنَّهَا صَارَتْ مُحِيطَةٌ بالمُؤْمِنِينَ إِحَاطَةَ الجِسْمِ بالجِسْمِ، وفي هذا تأكيدٌ للتفصيلِ، حيثُ أَخَرَجَ العَرَضَ إلى حُكْمِ الجَوْهَرِ، والضابطُ أنَّ الظَّرْفَ والمَظْرُوفَ إنْ كانَا جِسْمَيْنِ كزيدٍ في الدارِ، أو الظرفُ جسماً والمظروفُ عَرَضاً كالصَّبْغِ في الثوابِ، فالظَّرْفِيَّةِ حقيقةٌ، وإنْ كانا عَرَضَيْنِ كالنجاةِ في الصِّدْقِ أو الظَّرْفُ عَرَضاً والمظروفُ جِسْماً نحوَ: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغْلٍ فَاكِهُونَ} كانَتِ الظَّرْفِيَّةِ مَجَازاً
فائدة: لو قال: أَنْتِ طالِقٌ اليومَ وفي الغَدِ وفيما بعد الغَدِ، وَقَعَ في كُلِّ يومٍ طَلْقَةً؛ لأنَّ حَرْفَ (في) للظرفِيَّةِ، والظَّرْفُ لا بُدَّ له من مظروفٍ، كذا قالَهُ المُتَوَلِيُّ، قالَ الرَّافِعِيُّ: وليسَ هذا التوْجِيهُ بواضِحٍ، إذ يَجُوزُ أنْ يَخْتَلِفَ الظَّرْفُ ويَتَّحِدَ المظروفُ.
(1/534)

ص: وللمُصَاحَبَةِ والتَّعْلِيلِ والاسْتِعْلاءِ.
ش: مثالُ المصاحَبَةِ: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} والتعْلِيلِ: {فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ}، {لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ} والاستعلاءِ: {لأَصْلِبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} وهذا قولٌ كُوفِيٌّ، ومَنَعَهُ بعضُهم؛ لأنَّه يَلَزَمُ منه المجازُ، فيَكُونُ مَجَازَانِ: اسْتِعْمالُ (فِي) بمَعْنَى (عَلَى) وكَوْنِ (على) ليسَ فيها العُلُوُّ على حقيقَتِه، وإنَّما هي على بابِها، وهو اختيارُ صَاحِبُ (المُفَصَّلِ) فقالَ: وقولُهم: لأنَّها في الآيةِ بمعنَى (على) يُحْمَلُ على الظاهرِ.
ص: والتوكيدُ والتَّعْويضُ وبمعنَى الباءِ، وإلى، ومِنْ.
ش: مثالُ التوكيدِ: {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا}.
والتَّعْويضِ؛ هي الزائدةُ عِوَضاً مِن أُخْرَى مَحْذُوفَةٍ، كقولِك: ضَرَبْتُ فيمَنْ رَغِبْتُ؛ أي: فيه، قالَهُ ابنُ مالِكٍ.
والباءِ: {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ}؛ أي: يَلْزَمُكُمْ به.
وإلى: {فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي
(1/535)

أَفْوَاهِهِمْ}. ومِنْ: كقولِ امْرُئ القَيْسِ.
وهلْ يعمن مَن كانَ أَحْدَثَ عَهْدَهُ ... ثلاثِينَ شَهْراً في ثلاثةِ أَحْوالٍ.
أي: مِن ثلاثةِ أَحْوالٍ، وفيه رَدَّ على ابنِ مالِكٍ حيثُ زَعَمَ أنَّه لا يُسْتَعْمَلُ (عِمْ) إلاَّ فِعْلُ أَمْرٍ.
ص: السادسَ عَشَرَ: كِي للتَّعْلِيلِ.
ش: أي: بمَنْزِلَةِ اللامِ، قالَ أَبُو بَكْرٍ بنُ طَلْحَةَ: كَي: حَرْفُ سَبَبٍ وعِلَّةٍ،
(1/536)

كذا يقولُ النَّحْوِيُّونَ، وإذا تَأَمَلَّتْ وَجَدَّتَها حرفاً يَقَعُ بينَ فِعْلَيْنِ، الأوَّلُ سببٌ للثانِي، والثانِي عِلَّةٌ للأوَّلِ، وكذا قولُك: جِئْتُكَ كي تُكْرُمُنِي فالمَجِيءُ سببٌ لوجودُ الكرامَةِ، والكرامَةُ عِلَّةٌ في وجودِ المَجِيءِ.
ص: وبمَعْنَى أنْ المَصْدَرِيَّةِ.
ش: لقولِه تعالَى: {لِكَيْلاَ تَاسُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ} فإنَّها لو كَانَتْ حَرْفَ تعليلٍ لم يَدْخُلْ عليها حَرْفُ تعليلٍ، ويَلْزَمُ اقْتِرَانُها باللاَّمِ لَفْظاً، أو تَقْديراً فإذا قلتَ: جِئْتُ لكِي تُكْرِمُنِي، فكَي هنا نَاصِبَةٌ للفِعْلِ بنَفْسِها؛ لأنَّ دخولَ اللاَّمِ عليها يُعَيَّنُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وإذا قلتَ: جِئْتُ كي تُكْرِمُنِي، احْتَمَلَ أنْ تكونَ مَصْدِرِيَّةً بنَفْسِها، واللاَّمُ قَبْلَها مُقَدَّرَةٌ، وأنْ تَكُونَ حَرْفُ جَرٍّ، و (أنْ) بَعْدَها مُقَدَّرَةٌ هي الناصِبَةُ.
ص: السَّابِعَ عَشَرَ: (كلُّ) اسمٍ لاستغراقِ أفرادِ المُنْكَرِ والمُعَرَّفِ المجموعُ، وأجْزاءِ المُفْرَدِ المُعْرَّفِ.
ش: ل (كلٍّ) ثلاثةُ أحوالٍ؛ لأنَّها إمَّا أنْ تُضَافَ إلى نَكِرَةٍ فهي للاستغراقِ في جُزْئياتِ ما دَخَلَتْ عليه، نحوَ: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} وإمَّا أنْ تُضَافَ إلى مَعْرِفَةٍ، وتَحْتَهُ قِسْمَانٍ:
أحدُهما: أنْ يَكونَ مَجْمُوعاً نحوَ: كلُّ الرجالِ.
والثاني: أنْ يكونَ مُفْرَداً، نحوَ: كلُّ زيدٍ حَسَنٍ، فيُفِيدُ العمومَ في أجزائِه ولا خِلافَ
(1/537)

في هذا القِسْمِ.
وأمَّا الذي قَبْلَه، فهل يَقُولُ الألِفَ واللاَّمَ تُفِيدُ العمومَ، و (كلُّ) تأكيدٌ لها، أو لِبِيانِ الحَقِيقَةِ، و (كلُّ) تأسيسٌ؟ فيه احتمالانِ لوالِدِ المُصَنِّفِ، ثمَّ قالَ: ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: أنَّ الألِفَ واللاَّمَ تُفِيدُ العُمُومَ في مَراتِبٍ ما دَخَلَتْ عليه، و (كلُّ) تُفِيدُ العُمُومَ في أجزاءِ كُلِّ من تلكِ المراتِبِ، فإذا قلتَ: كلُّ الرجالِ، أَفَادَتِ الألِفُ واللاَّمُ استغراقَ كلِّ مَرْتَبَةٍ من مَرَاتِبِ جميعِ الرجالِ، وأَفَادَتِ (كُلُّ) استغراقَ الآحادِ، وكما قيلَ في أجْزاءِ العَشَرَةِ، فيَصِيرُ لِكُلٍّ منهُما معنًى وهو أَوْلَى من التَّاكِيدِ.
قالَ: ومِن هُنَا يُعْلَمُ أنَّها لا تَدْخُلُ على المُفْرَدِ المُعَرَّفِ بالألِفِ واللاَّمِ إذا أُرِيدَ بكُلٍّ منْهُما العمومَ، وقد نَصَّ عليه ابنُ السَّرْاجِ في (الأصولِ) قلتُ: لم لا يَجُوزُ على أنَّ (كُلَّ) مُؤَكِّدَةٌ كما هو أَحَدُ الاحْتمالَيْنِ السابقَيْنِ عندَه في المُعَرَّفِ المجموعِ، ويُمْكِنُ الفَرْقُ، وذَكَرَ أَخُو المُصَنِّفِ، أنَّ مِن دُخُولِها على المُفْرَدِ المُعْرَّفِ قولَه تعالَى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ}. وقولَه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((كُلُّ الطَّلاَقِ وَاقِعٌ إِلاَّ طَلاقَ المَعْتُوهِ وَالْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، قلتُ: وكأنَّه نَظَرَ إلى صورةِ اللفْظِ، وإلاَّ فهو في
(1/538)

الحقيقةِ من قِسْمِ المجموعِ؛ لأنَّ المقصودَ به الجِنْسِ، ونظيرُه: كلُّ الناسِ يَغْدُو.
ص: الثامنَ عَشَرَ: اللاَّمُ للتَّعْلِيلِ، والاسْتِحْقَاقِ، والاخْتِصَاصِ والمُلْكِ.
ش: مثالُ التَّعْلِيلِ: زُرْتُكَ لشَرَفِكَ، ومنهُ قولُه تعالَى: {لَتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ}، {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلْنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} وخَرَّجَ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا: أَنْتِ طالِقٌ لرِضَا زيدٍ، إذا طُلِّقَ فإنَّه يَقَعُ في الحالِ رَضِيَ فُلانٌ أو سَخِطَ؛ لأنَّ اللاَّمَ للتَّعْلِيلِ.
ومثالُ الاسْتِحْقَاقِ، النَّارُ للكافرِينَ: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ}. قالَ بعضُهم: وهو معنَاها العامُّ لا يُفَارِقُها، ومنه الثوبُ.
ومثالُ الاختصاصِ، نحوَ: الجَنَّةُ
(1/539)

للمؤمنِينَ، وفَرَّقَ القِرَافِيُّ بينَ الاستحقاقِ والاختصاصِ، بأنَّ الاستحقاقَ أَخَصُّ، فإنَّ ضابطَه ما شَهِدَتْ به العادةُ، كما شَهِدَتْ للفَرَسِ بالسَّرْجِ وللدارِ بالبابِ، وقد يَخْتَصُّ الشيءُ بالشيءِ من غيرِ شهادةٍ عادةً، نحوَ: هذا ابنُ زيدٍ، فإنَّه ليسَ من لوازمِ البشرِ أنْ يكونَ له وَلَدٌ، كما تَقُولُ في الفَرَسِ معَ السَّرْجِ.
ومثالُ المُلْكِ: المالُ لِزَيدٍ، قالَ الرَّاغِبُ: ولا نَعْنِي بالمُلْكِ مُلْكُ العَيْنِ، بل قد يَكونُ مُلْكاً لبَعْضِ المَنَافِعِ، أو لضَرْبٍ من التَّصَرُّفِ، فمُلْكُ العَيْنِ نحوَ: قولُه تعالَى: {وَللهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} ومُلْكُ التَّصَرُّفِ، كقولِكِ لِمَنْ يَاخُذُ مَعَكَ خَشَباً، خُذْ طَرْفُكَ لاخذ= طَرْفِي، قُلتُ: كذا جَعَلُوا المُلْكَ والاستحقاقَ قَسِيماً للاختصاصِ، والظاهرُ أنَّ أَصْلَ مَعانِيهَا الاختصاصُ، ولهذا لم يَذْكُرْ الزَّمَخْشَرِيُّ في مُفَصَّلِهِ غيرَه، وأمَّا المُلْكُ فهو نَوْعٌ من أنواعِ الاختصاصِ وهو أَقْوَى أنْواعُه وكذلكَ الاستحقاقُ؛ لأنَّ مَن اسْتَحَقَّ منهما، فقد حَصَلَ له نَوْعُ اختصاصٍ، وحَكَى ابنُ السَّمْعَانِيِّ عن بعضِ النَّحْوِيِّينَ إنْكارَ مجيءِ اللاَّمِ للمُلِكِ، وقالُوا: إذا قيلَ: هذا أَخٌ لِعَبْدِ اللهِ، فاللاَّمُ لمُجَرَّدِ المُقَارَبَةِ، وليسَ أحدُهما في مُلْكِ الآخَرِ، وفي قَوْلِهِم: وهذا الغلامُ لعَبْدِ اللهِ، فإنَّما عَرَفْتَ المُلْكَ بدلَيلٍ آخَرَ، قالَ: وزَعَمَ هذا القائلُ أنَّ لاَمَ الإضَافَةِ تَحْتَمِلُ الأوَّلَ لاصِقاً بالثانِي فحَسْبٌ، قالَ: والذي ذَكَرْنَاهُ هذا الذي يَعْرِفُه الفقهاءُ.
ص: والصَّيْرُورَةِ؛ أي: العَاقِبَةِ.
ش: أي: تُسَمَّى لامُ العَاقِبَةِ، ولامُ المآلِ، نحوَ: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُّوًّا وَحَزَناً}. وقالَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ في (القواطعِ) عندَي أنَّ هذا
(1/540)

على طريقِ التَّوَسُّعِ والمجازِ، فإنَّ هذه مثالٌ لِمَا يَزْعَمُه المعتزلِةُ من تَاوِيلِ قولِه تعالَى: {وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كِثِيراً مِنَ الجِنِّ وَالإِنْسِ}. قلتُ: وكذا قالَه الزَّمَخْشَرِيُّ: التحقيقُ أنَّها لامُ العِلَّةِ وأنَّ التعليلَ فيها وَارِدٌ على طريقِ المَجَازِ دُونَ الحقيقةِ، فإنَّه لم تَكُنْ داعيةُ الالتقاطِ، أنْ يَكُونَ لهم عَدُوًّا، بل المَحَبَّةُ والتَّبَنِّي، غيرَ أنَّ ذلِكَ لمَّا كانَ نَتِيجَةَ الْتِقَاطِهِم له وثَمَرَتَه، شَبَّهَ بالدَّاعِي الذي مُعَدُّ الفِعْلِ لأجْلِه، فاللاَّمُ مُسْتَعَارَةٌ لِمَا يُشْبِه التعليلُ، كما اسْتُعِيرَ الأَسَدُ لِمَنْ يُشْبِه الأَسَدُ.
وقالَ ابنُ عَطِيَّةَ: قيلَ اللاَّمُ في قَوْلِهِ تعالَى: {لِجَهَنَّمَ} لامُ العَاقِبَةِ؛ أي: مآلِهِمْ، وليسَ بصحيحٍ؛ لأنَّ لامَ العَاقِبَةِ إنَّما تَتَصَوَّرُ إذا كانَ فِعْلُ الفاعلِ لم يُقْصَدْ ما يَصِيرُ الأمْرُ إليه، وأمَّا هنا فالفِعْلُ قًُصِدَ به ما يَصِيرُ الأمْرُ إليه من سُكْنَاهِم، واعْلَمْ أنَّ بعضَهم حَكَى عن البصريَّينَ إنْكارَ لامِ العاقبةِ، لكنْ رَأَيْنَا في كتابِ (المُبْتَدَى) لابنِ خَالَوَيْه: فأمَّا قولُه: {لِيَكُونَ لَهُمْ عُدَوًّا وَحَزَناً} فهي لامُ (كِي) عندَ الكُوفِيِّينَ، ولامُ الصَّيْرُورَةِ عندَ البصريِّينَ، انتهى.
ص: والتَّمْلِيكُ وشِبْهُهُ.
ش: مثالُه: وَهَبْتُ لزيدٍ ديناراً، وقولُه تعالَى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ}. وشِبْهُهُ نحوَ: {وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} وكانَ يَنْبَغِي للمُصَنِّفِ أنْ يَذْكُرَ ممَّا سَبَقَ شِبْهُ المُلْكِ، نحوَ: أَدْوَمَ لكَ ما دُمْتَ لي.
ص: وتوكيدُ النَّفْي.
ش: نحوَ: {مَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ} {مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ} وتُسَمَّى لامُ الجُحُودِ، لِمَجِيئِهَا بعدَ النَّفْيِ؛ لأنَّ الجَحْدَ عبارةٌ عن نَفْيِ ما سَبَقَ ذِكْرُه.
(1/541)

قالَ ابنُ الحَاجِبِ: وهي كلَفْظِ لامِ كي، وفَرَّقَ غيرُه بأنَّ تلكَ للتَّعْلِيلِ بخلافِ هذه، ولأنَّ هذه لو أُسْقِطَتْ لا يَخْتَلُّ المعنَى، بخلافِ المرادِ، وتلكَ لو أُسْقِطَتْ اخْتَلَّ، وبأنَّ هذه بعدَ نَفْيٍ دَاخِلٍ على (كانَ) بخلافِ تلكَ، وكانَ يَنْبَغِي للمصنِّفِ تَقْييدِ النَّفْيِ بالدَّاخِلِ على (كانَ)، لِمَا سَبَقَ.
ص: والتَّعْدِيَةُ.
ش: نحوَ: مَا أَضْرَبْ زيداً لِعَمْرٍو، وجَعَلَ منه ابنُ مالِكٍ قولُه تعالَى: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا}. والظاهرُ أنَّها لشِبْه التَّمْلِيكِ، وقَسَّمَ الرَّاغِبُ المُتَعَدِيَّةَ للفِعْلِ على ضربَيْنِ: ما يَمْتَنِعُ خلافُه، نحوَ: {وَتَلَّهُ لِلْجَبَينِ}. وما يَجُوزُ، نحوَ: {يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ}، وقالَ: {فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ}. فأَثْبَتَ في مَوْضِعٍ وحَذَفَ في مَوضِعٍ آخَرَ.
ص: والتَّاكِيدُ.
ش: وهي إمَّا لِتَقْوِيَةُ عَامِلٍ ضُعِّفَ بالتَّاخِيرِ، نحوَ: {إِنْ كُنْتُمْ لِلْرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ}. فإنَّ الأصْلَ: إنْ كُنْتُم تُعَبِّرُونَ الرُّؤيا، فلمَّا قَدَّمَ المفعولَ، زَادَ اللاَّمَ، أو لكونِه فَرْعاً في العَمَلِ، نحوَ: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ}. وهذان يَجُوزُ القياسُ علَيْهِما.
وغيرُ المَقِيسَةِ: أنْ يُزَادَ معَ المفعولِ في غيرِ ذلكَ، نحوَ: {رَدِفَ لَكُمْ}،
(1/542)

ولم يَذْكُرْ سِيبَوَيْه زيادَةَ اللاَّمِ، وتَابَعَه الفَارِسِيُّ، وقد أَوَّلَ بعضُهم (رَدِفَ لَكُمْ) على التَّضْمِينِ، أي: اقْتَرَبَ، ويُشْهَدُ لهُ مَا في الْبُخَارِيِّ: رَدِفَ بمعنَى قَرُبَ.
ص: وبمعنَى: إِلَى، وعَلَى، وفِي، وعِنْدَ، ومِن، وعَن.
ش: مِثالُ إلَى: {سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ}، {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا}. وَأَنْكَرَ الرَّاغِبُ ذلكَ؛ لأنَّ الوَحْيَّ للنَّحْلِ، جَعَلَ ذلكَ لهُ بالتَّسْخِيرِ والإلْهَامِ، وليسَ ذلك كالوَّحْيِ المُوحَى إلى الأنْبياءِ، فنَبَّهَ باللاَّمِ على جَعْلِ ذلكَ الشيءِ لهُ بالتَّسْخِيرِ. انتهى.
وكانَ نَظِيرُه انْتَقَلَ مِن آيةِ الزَّلْزَلَةِ إلى آيةِ النَّحْلِ، وآيةُ النَّحْلِ إنَّما هي ب (إلَى) لا باللاَّمِ، وعلى قولِه: {يُخَّرُونَ لِلأَذْقَانِ}.
وحَكَى البَيْهَقِيُّ، عَن
(1/543)

حَرْمَلَةَ، عن الشَّافِيِّ في قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلاءَ))؛ أي: عليهِم، وفي: {نَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ}.
وعندَ: والمرادُ بها التَّاقِيتُ إذا قُرِنَ بالوَقْتِ أو بما يَجْرِي مَجْرَاهُ، مثلَ: ((صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ)). ومنهُ: كَتَبْتُهُ لخَمْسِ ليالٍ، وجَعَلَ منهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ}، {يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ
(1/544)

لِحَيَاتِي}. وجَعَلَ منه ابنُ جِنِّي قِراءَةَ الجَحْدَرِيِّ: {بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ}؛ أي: عندَما جَاءَهُم.
ومثالُ (مِن): سَمِعْتُ له صُرَاخاً؛ أي: منهُ.
و (عَن): وهي الجارَةُ، اسمٌ مَن غَابَ حقيقةً أو حُكْماً عَن قولِ قائِلٍ يَتَعَلَّقُ به، نحوَ: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ}؛ أي: عَن الذينَ آمَنُوا، وإلاَّ لَقِيلَ: ما سَبَقْتُمُونَا، ولم يَخُصَّهُم بعضَهم بما بعدَ القولِ، ومثلَهُ تَقُولُ العَرَبُ: لَقِيتُهُ كفهُ؛ لأنَّهم قالُوا: لَقِيتُهُ كفه لكفِّه؛ أي: عن كَفِّه؛ لأنَّهم قالُوا: لَقِيتُهُ عن كَفِّه، والمعنَى واحدٌ، واعْلَمْ أنَّ مَجَيئِهَا لهذه المعانِي مذهبٌ كُوفِيٌّ، وأمَّا حُذَّاقُ البَصْرِيِّينَ فهي عندَهم عَلَى بابِها ثمَّ يُضَمِّنُونَ الفِعْلَ ما يَصْلَحُ معها، ويَرَوْنَ التَّجَوُّزَ في الفِعْلِ أَسْهَلُ من الحَرْفِ.
ص: التاسعَ عَشَرَ: لولاَ: حَرْفٌ معناهُ في الجُمْلَةِ الاسمِيَّةِ: امْتِنَاعُ جَوابِه لوُجودِ شَرْطِه.
ش: نحوَ: لولاَ زيدٌ لأَكْرَمْتُكَ؛ أي: لولاَ زيدٌ موجودٌ، ولا يَرِدُ قولُه عليه الصلاةُ والسلامُ: ((لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهْمْ)). التقديرُ: لولاَ مَخَافَةَ أنْ أَشُقَّ لأَمَرْتُهُم، أَمْرُ إيجابٍ وإلاَّ انْعَكَسَ المعنَى، إذ المُمْتَنِعُ المَشَقَّةُ، والموجودُ الأمْرُ.
(1/545)

ص: وفي المُضَارِعَةِ التحضيضِ.
ش: نحوَ: {لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ}.
والتحضيضُ: طَلَبُ بَحْثٍ، وكذا للعَرْضِ، وهو الطَلَبُ بلِينٍ، نحوَ: {لَوْلاَ أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ}. وكأنَّ المُصَنِّفَ اسْتَغْنَى عنه بالتحضيضِ؛ لأنَّه يُفْهَمُ من بابٍ أوْلَى، (وَأَخَّرْتَنِي) معناهُ الاستقبالُ.
ص: وفي الماضِيَةِ التَّوْبِيخُ.
ش: نحوَ: {لَوْلاَ جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ}، {وَلَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ}.
ص: وقيلَ تَرِدُ للنَّفْيِ.
ش: بمَنْزِلَةِ (لم) قالَ الهَرَويُّ في (الأَزْهِيَةِ): وجَعَلَ منهُ: {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ}، والجمهورُ: أنَّها للتَّوْبِيخِ؛ أي: فهلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ واحدَةٌ من القُرَى المُهْلَكَةِ تَابَتْ عندَ الكُفْرِ قبلَ مَجِيءِ العذابِ، فنَفَعَها ذلك.
(1/546)

ص: العشرونَ: لو شُرِطَ للمَاضِي.
ش: أي: وإنْ دَخَلَتْ على المضارعِ فإنَّها تُصْرِفُه للمِضِيِّ، والقَصَدُ أنَّها تُفِيدُ الشَّرْطُ في الماضِي، وبهذا فَارَقَتْ إنِ الشَّرْطِيَّةَ، فإنَّها تَصْرِفُ الماضِيَ إلى الاستقبالِ، وما صَرَّحَ به المُصَنِّفُ هو قولُ ابنُ مالِكٍ والزَّمَخْشَرِيِّ وغيرِهما، وأَبَى قَومٌ تَسْمِيتُها حَرْفاً؛ لأنَّ حقيقةَ الشرْطِ إنَّما تَكُونُ في الاستقبالِ، و (لو) إنَّما هي للتَّعْلِيقِ في الماضِي، فليسَتْ من أدواتِ الشرْطِ، وقيلَ: إنَّ النزاعَ لَفْظِيٌّ، فإنَّ أُرِيدَ بالشرْطِ الرَّبْطُ المَعْنَوِيُّ الحُكْمِيُّ، فلا شَكَّ أنَّها تَقَعُ شَرْطاً، وإنْ أُرِيدَ به ما يَعْمَلُ في الجُزْءَيْنِ، فلا.
ص: ويَقِلُّ للمُسْتَقْبَلِ.
ش: أي: قد يَرِدُ بمعنَى إنِ الشَّرْطِيَةَ يَلِيهَا المُسْتَقْبَلُ ويَصْرِفُ الماضِي إلَى الاسْتِقْبَالِ، كقولِه تعالَى: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلُوْ كُنَّا صَادِقِينَ} وقولِه:
(1/547)

{وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاًَ خَافُوا عَلَيْهِمْ} كذا قالَهُ جماعةٌ.
وخَطَّأَهُم ابنُ الحَاجِّ في نَقْدِه على (المُقَرَّبِ) قالَ: والقاطِعُ بذلكَ أنَّكَ لا تَقُولُ: لو يَقُومُ زيدٌ فعَمْرٌو مُنْطَلِقٌ.
وقالَ بَدْرُ الدِّينِ بنُ مَالِكٍ: عندِي أنَّها لا تَكُونُ لغيرِ الشَّرْطِ في الماضِي، ولا حُجَّةَ فيمَا تَمَسَّكُوا به، لصِحَّةِ حَمْلِه على المِضِيِّ.
ص: قالَ سِيبَوَيْهِ: حَرْفٌ لِمَا كانَ سَيَقَعُ لوقوعِ غيرِه، وقالَ غيرُه: حَرْفُ امْتِناعٍ لامتناعٍ، وقالَ الشَّلَوْبِينُ: لمُجَرَّدِ الرَّبْطِ، والصحيحُ وِفَاقاً للشيخِ الإمامِ: امتناعُ ما يَلِيهِ واسْتِلْزِامُه لتَالِيه، ثمَّ يَنْتَفِي التَّالِي إنْ نَاسَبَ، ولم يَخْلُفْ المُتَقَدِّمُ غيرَه، ك {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهَ لَفَسَدَتَا} لا إنْ خَلَفَه غيرُه، كقولِكَ: لو كانَ إنساناً لكانَ حيواناً، ويُثْبِتُ التالِيَ إنْ لم يُنَافِ، ونَاسَبَ بالأوْلَى ك (لو) لم يَخَفِ اللهَ لم يَعْصِه، أو بالمُسَاوَاةِ ك (لو) لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتُه لِمَا حَلَّتْ للرضاعِ، أو الأَدُونَ كقولِكَ: لو انْتَفَتْ أُخُوَّةُ النَّسْبِ لما حَلَّتِ للرضَاعِ.
ش: حَاصِلُه أنَّ في (لو) أربعُ مقالاتٍ:
(1/548)

أحدُها: قولُ سِيبَوَيْهِ: حَرْفٌ لِمَا كانَ سَيَقَعُ لوقوعِ غيرِه، ومعناه كما قالَ البَدْرُ بنُ مَالِكٍ: أنَّها تَقْتَضِي فِعْلاً ماضياً كانَ يَتَوَقَّعُ ثُبُوتَه لثُبُوتِ غيرِه، والتَّّوَقُّعُ غيرُ واقِعٍ، فكأنَّه قالَ: (لو): حَرْفٌ يَقْتَضِي فِعْلاً، امْتَنَعَ لامتناعِ ما كانَ يَثْبُتُ لثُبُوتِه.
والثاني: حَرْفُ امتناعٍ لامتناعٍ؛ أي: يَدُلُّ على امْتِناعِ الثاني لامتناعِ الأوَّلِ، فإذا قُلْتَ: لو جِئْتَنِي أَكْرَمْتُكَ، أَفَادَ أنَّه مَا حَصَلَ المَجِيءُ ولا الإكرامُ، وهي عبارةُ الأكثرِينَ المُعَرَّبِينَ، وظاهِرُها غيرُ صحيحٍ لأنَّها تَقْتَضِي كونُ جوابُ (لو) مُمْتَنِعاً غيرُ ثَابِتٍ دائماً، وذلك غيرُ لازمٍ؛ لأنَّ جوابَها قد يَكُونُ ثَابِتاً في بعضِ المواضعِ، كقولِكِ لطَائِرٍ، لو كانَ إنْساناً لكانَ حيواناً فإنْسانِيَّتُه مَحْكُومٌ بامْتِنَاعِها وحَيَوانِيَّتُه ثَابِتَةٌ، وكذا قولُه في صُهَيْبٍ: ((لَوْ لَمْ يَخَفِ اللهَ لَمْ يَعْصِهِ)) فَعَدَمِ المعصيَةِ مَحْكومٌ بثبوتِه؛ لأنَّه إذا كانَ ثَابِتاً على تقديرِ عَدَمِ الخَوْفِ، فالحُكْمُ بثبوتِه معَ تقديرِ ثبوتِ الخَوْفِ أَوْلَى، وكذا قولُه: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةِ أَقْلامٌ} الآيةَ، مُقَدَّمُ النَّفَاذِ ثابتٌ على تقديرِ كونِ ما في الأَرْضِ من شَجَرَةٍ =أقلام، والبَحْرِ =مداد، أو سَبْعَةِ أمثالِه، فثُبُوتُ عَدَمَ النفاذِ على تقديرِ عَدَمِ ذلكَ أوْلَى، وكذا قولُه تعالَى:
(1/549)

{وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْؤ} يَقْتَضِيِ أَنَّه مَا عَلِمَ فيهِم خيراً وما أَسْمَعَهُم، ثمَّ قولُه: {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ} فيَكُونُ معناهُ أنَّه ما أَسْمَعَهُم، وأنَّهم ما تَوَلَّوْا، لكنْ عَدَمُ التَّوَلِّي خَيْرٌ من الخَيْرَاتِ، فأوَّلُ الكلامِ يَقْتَضِي نَفْيَ الخَيْرِ، وآخِرُه يَقْتَضِي حصولَه، وهما مُتَنَافِيَانِ ولهذا الإشكالُ صَارَ قومٌ إلى المَذْهَبَيْنِ الآتِيَيْنِ:
والثالثُ: قولُ الشَّلَوْبِينُ: إنَّها لِمُجَرَّدُ الرَّبْطِ؛ أي: إنَّما تَدُلُّ على التَّعْلِيقِ في الماضِي كما دَلَّتْ على التَّعْلِيقِ في المُسْتَقْبَلِ، ولا تَدُلُّ على امتناعِ الشَّرْطِ ولا امتناعِ الجوابِ، وتَابَعَه ابنُ هِشامٍ الخَضْرَاوِيُّ، وهو ضعيفٌ بل جَحَدٌ للضَّرُورِيَّاتِ، فإنَّ كلَّ مَن سَمِعَ (لو فَعِلَ) فَهِمَ عَدَمُ وقوعِ الفِعْلِ من غيرِ تَرَدُّدٍ، ولهذا جَازَ اسْتِدْراكُه فتَقُولُ: لو جَاءَنِي أَكْرَمْتُه لكنَّه لم يَجِئْ.
الرابعُ: أنَّها تَقْتَضِي امتناعَ ما يَلِيهِ واسْتِلْزَامِه لتالِيهِ، وحَكَاهُ المُصَنِّفُ عن والِدِه، وهذه العبارَةُ وَقَعَتْ في بعضِ نُسَخِ (التَّسْهِيلِ) وانْتُقِدَتْ بأنَّها لا تُفِيدُ أنَّ اقْتِضَاءَها للامْتِناعِ في الماضِي، فلو قالَ: تَقْتَضِي في المَاضِي امْتِناعَ ما يَلِيهِ، كانَ أَوْضَحَ. وحَاصِلُهُ أنَّها تَدُلُّ على أَمْرَيْنِ:
أحدُهما: امْتِناعُ شَرْطِهَا، والأُخْرَى: كونُه مُسْتَلْزِماً لجَوابِها, ولا يَدُلُّ على امتناعِ الجوابِ في نَفْسِ الأمْرِ، ولا بثُبُوتِه، فإذا قلتَ: لو قَامَ زيدٌ لقَامَ عَمْرٌو. فقِيامُ زيدٍ مَحْكومٌ بانْتِفَائِه فيمَا مَضَى، وبِكَوْنِه مُسْتَلْزِماً ثُبُوتَ قِيامِ عَمْرٍو، وهل لِعَمْرٍو
(1/550)

قيامٌ آخَرَ غيرُ اللاَّزمِ عن قيامِ زيدٍ، أو ليسَ له؟ لا تَعَرُّضَ في الكلامِ لذلك، ولكنَّ الأكْثَرَ كونُ الأوَّلِ والثاني غيرَ واقِعَيْنِ، وقولُه: ثمَّ يَنْتَفِي التالِي؛ أي: وأَمَّا التالِي فإمَّا أنْ يَكُونَ التَّرْتِيبُ بَيْنَه وبَيْنَ الأوَّلِ تَنَاسُباً، أو لا، فإنْ كانَ مُنَاسِباً نُظِرَ إنْ لم يَخْلُفِ المُقَدَّمُ غيرَه فالتالِي مُنْتَفٍ في هذه الصورةِ، نحوَ: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهَ لَفَسَدَتَا}. وقولُك: لو جِئتَنِي لأَكْرَمْتُكَ، لكنَّ المقصودَ الأعظمَ في المثالِ الأوَّلِ: نَفْيُ الشَّرْطِ رَدًّا على مَن ادَّعَاهُ، وفي الثاني: أنَّ المُوجِبَ لانْتِفاءِ الثاني هو الأوَّلُ لا غيرَ، وإنْ كانَ للأوَّلِ عندَ انتفاءِ شيءٍ آخَرَ يَخْلُفُه ممَّا يَقْتَضِي وجودَ الثانِي نحوَ: لو كانَ إنساناً لكانَ حيواناً، فإنَّه عندَ انتفاءِ الإنْسانِيَّةِ قد يَخْلُفُها غيرُها ممَّا يَقْتَضِي وجودَ الحيوانِيَّةِ، وإنْ لم يكنِ الترتيبُ بينَ الأوَّلِ والثانِي مُنَاسِباً لم يَدُلُّ على انتفاءِ الثاني بل على وجودِه من بابِ أَوْلَى، نحوَ: ((نِعْمَ العَبْدُ صُهَيْبٍ لَوْ لَمْ يَخَفِ اللهَ لَمْ يَعْصِهِ)). فإنَّ المَعْصِيَةَ مُنْتَفِيَةٌ عندَ عَدَمِ الخوفِ فعِنْدَ الخوفِ أوْلَى، ثمَّ جَعَلَ المُصَنِّفُ للمُناسِبِ مَراتِبَ:
أَحدُها: أنْ يكونَ بالأوْلَى ك (لو) لم يَخَفِ اللهَ لم يَعْصِه.
وثانِيها: بالمساواةِ؛ أي: تكونُ مُنَاسِبَةَ التالي مُساويَةً لمناسبةِ المُقَدَّمِ. كقولِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(1/551)

في بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ: ((إِنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتَي فِي حِجْرِي، مَا حُلَّتْ لِي، إِنَّهَا لابْنَةَ أَخِي مِنَ الرَّضَاعِ)). فإنَّ حِلَّها له عليه الصلاةُ والسلامُ مُنْتَفٍ من وَجْهَيْنِ، كونُها رَبِيبَتُه، وكونُها ابنةُ أَخِيهِ من الرضاعِ.
ثالثُها: أنْ تكونَ المُناسبَةُ في ذلك دونَ مُناسبَةِ المُقَدَّمِ، فيَلْحَقُ به أيضاًً، للاشتراكِ في المَعْنَى، كقولِكِ في أُخْتِكَ من النَّسَبِ والرَّضاعِ: لو انْتَفَتْ أُخُوَّةُ النَّسَبِ لَمَا كانَتْ حَلالاً؛ لأنَّها أُخْتٌ من الرَّضاعةِ، فتُحْرَمُ أُخْتٌ من الرَّضاعَةِ دونَ تَحْريمِ أُخْتُ النَّسَبِ، ولكنَّها عِلَّةٌ مُقْتَضِيَةٌ للتَّحْرِيمِ كاقْتِضاءِ السَّبَبِ ولو انْتَفَتْ أَقْوَى العِلَّتَيْنِ، لاسْتَقَلَّتْ الضعِيفَةُ بالتعليلِ، إذا كانَتْ في نَفْسِها صالِحَةً له، وإنَّما قالَ المُصَنِّفُ: كقولِك؛ لأنَّه لا وُجودَ له في كلامِ الشارعِ ولا العُرْفِ، وكذا قولُه: لو كانَ إنساناً لكانَ حيواناً، بخلافِ الأمْثِلَةِ الباقِيَةِ، وحاصلُ الخلافِ في إفَادَتِها الامتناعُ، أقوالٌ:
أحدُها: لا تُفِيدُه أبداً، وهو قولُ الشَّلَوْبِينِ.
والثاني: تُفِيدُ امْتِناعَ الشرْطِ وامتناعَ الجوابِ جميعاً، وهو قولُ البَصْرِيِّينَ.
والثالثُ: تُفِيدُ امتناعَ الشرطِ خاصَّةً، ولا دلالَةَ لها على امتناعِ الجوابِ ولا على ثُبُوتِه، ولكنَّه إنْ كانَ مُساوياً للشرْطِ في العمومِ، نحوَ: لو كَانَتِ الشَّمْسُ طالِعَةً كانَ النهارُ موجوداً لَزِمَ انْتِفَاؤُه؛ لأنَّه يَلْزَمُ من انْتفاءِ السَّبَبِ المُسَاوِي انْتِفاءَ مُسَبِّبِه،
(1/552)

وإنْ كانَ أَعَمٌّ، نحوَ: لو كَانَتْ الشَّمْسُ طَالِعَةً كانَ الضوءُ موجوداً، فلا يَلْزَمُ انتفاءَ القَدَرِ المُساوِي فيه للشرْطِ، وعَزَاهُ بعضُ الأَئِمَّةِ المُحَقِّقِينَ، وهو ظاهرُ عبارةِ سِيبَوَيْهِ، فإنَّ قولَه: لَمَّا كانَ سَيَقَعُ، دليلٌ على أنَّه لم يَقَعْ، وهذا تصريحٌ بأنَّها دالَّةٌ على امتناعِ شَرَاطِها، وقد اعْتَنَى بَدْرُ الدِّينِ بنُ مَالِكٍ بكلامِ المُعَرَّبِينَ، وَرَدَّهُ لكلامِ سِيبَوَيْهِ، وقالَ: إنَّه يَسْتَقِيمُ على وَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يكونَ المُرادُ أنَّ جوابَ (لو) مُمْتَنِعٌ لامتناعِ الشرطِ غيرُ ثَابِتٍ لثبوتِ غيرِه، بِنَاءٌ منهُم على مفهومِ الشرطِ في حُكْمِ اللُّغَةِ لا في حُكْمِ العَقْلِ.
الثاني: أنْ يكونَ المرادُ أنَّ جوابَ (لو) امْتَنَعَ لامتناعِ شرْطِه، وقد يكونُ ثابتاً لثبوتِ غيرِه؛ لأنَّها إذا كانَتْ تَقْتَضِي نَفْيَ تالِيهَا واسْتِلْزَامِه لتالِيه، فقد دَلَّتْ على امتناعِ الثاني لامتناعِ الأوَّلِ؛ لأنَّه متى انْتَفَى شيءٌ انْتَفَى مُساوِيهُ في اللُّزومِ، معَ احتمالِ أنْ يَكُونَ ثَابِتاً لثبوتِ أَمْرٍ آخَرَ، فإذا قلتَ: لو كانَتِ الشمسُ طالعِةً، كانَ الضوءُ موجوداً، فلا بُدَّ من انتفاءِ القَدْرِ المُساوِي منه للشَّرْطِ، فصَحَّ أنْ يُقالَ: (لو) حَرْفٌ يَدُلُّ على امتناعِ الثاني لامتناعِ الأوَّلِ.
ص: وتَرِدُ للتَّمَنِّي.
ش: نحوَ: {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً}؛ أي: فلَيْتَ لنَا، ولهذا نَصَبَ (نكونَ) في جوابِها، كما انْتَصَبَ (فأَفُوزَ) في جوابِ ليْتَ في: {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ
(1/553)

فَأَفُوزَ} وهل هي الامْتِنَاعِيَّةُ، أُشْرِبَتْ معنَى التَّمَنِّي لكونِها لا تَقَعُ غالباً إلاَّ بعدَ مُفْهَمِ تَمَنٍّ؟ ثلاثةُ أقوالٍ، وإلى الأخيرِ صَارَ ابنُ مالِكٍ، وغَلَّطَ الزَّمَخْشَرِيُّ في عَدِّهَا حَرْفُ تَمَنٍّ لمَجِيئِها معَ فِعْلِ التَّمَنِّي في قَوْلِهِ: {وَدُّوا لَوُ تُدْهِنُ} ولو كانَتْ لِلتَّمَنِّي لَمَا جَمَعَ بينَهما كما لم يَجْمَعْ بينَ لَيْتَ وفِعْلَ تَمَنَّ، وهذا مَرْدُودٌ؛ لأنَّ حَالَةَ دخولِ فِعْلَ التَّمَنِّي عليها لا تكونُ حَرْفُ تَمَنٍّ، بل مُجَرَّدَةٌ عنه، فمرادُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغيرَه ممَّنْ أَثْبَتَها للتَّمَنِّي حيثُ لم تَلِ فِعْلَ تَمَنٍّ.
ص: ولِلْعَرْضِ والتَّحْضِيضِ.
ش: فالأوَّلُ: نحوَ: لو تَنْزِلُ عندَنا فتُصِيبُ خيراً، والثاني: لو فَعَلْتَ كذا يا هذا، بمعنَى افْعَلْ، والفرقُ بينَهما أنَّ العَرْضَ طَلَبٌ بلِينٍ، والتحضيضُ طَلَبٌ بِحَثٍّ، وقَلَّ مَن ذَكَرَ التحضيضَ، وقد ذَكَرَهُ العَكْبَرَاوِيُّ في (الشامِلِ) ومثلُه بما ذَكَرَنَا، قالَ: وأكثرُ ما تَجِيءُ معَ ما.
ص: والتقليلُ نحوَ: ولو بِظُلْفٍ مُحْرَقٍ.
(1/554)

ش: أَثْبَتَهُ ابنُ هِشَامٍ الخَضْرَاوِيُّ، وابنُ السَّمْعَانِيِّ في (القواطعِ)، والحقُّ أنَّه مُسْتَفَادٌ ممَّا بعدَها لا مِن الصِّيغَةِ، والظَّلَفُ بالكَسْرِ: للبَقَرِ والغَنَمِ، كالحافِرِ للفَرَسِ، وإنَّما لم يُمَثِّلِ المُصَنِّفُ: ((اتَّقُوا النَّارَ وَلَوُ بِشِقِّ تَمْرَةٍ))، ((الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتِماً مِنْ حَدِيدٍ)). معَ أنَّهما أَصَحُّ ممَّا ذَكَرَه، لإفَادَتِه النهايةُ في التقليلِ بخلافِ التَّمَرَةِ والخَاتَمِ.
ص: الحَادِي والعشرونَ: (لَنْ) حَرْفُ نَفْيٍ ونَصْبٍ واسْتِقْبَالٍ، ولا تُفِيدُ تَاكِيدَ النَّفْيِ ولا تَابيدِه، خلافاً لِمَا زَعَمَه.
ش: (لَنْ) تَنْصِبُ المضارعَ وتُخْلِصُه للاستقبالِ، نحوَ: لَنْ يَقُومَ زَيدٌ، وهي تُفِيدُ مُطْلَقُ النَّفْيِ، وزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ في (الكَشَّافِ) أنَّها تُفِيدُ تَاكِيدَ النَّفْيِ، وفي (الأَنْمُوذَجِ) تُفِيدُ تَابيدِه، قالَ ابنُ مَالِكٍ: وحَمَلَه على ذلك اعتقادُه أنَّ اللهَ تعالَى لا يُرَى، وهو اعتقادٌ باطلٌ.
وقالَ ابنُ عُصْفُورٍ، ما ذَهَبَ إليه دَعْوَى بلا دليلٍ عليها، بل قد يكونُ النَّفْيُ ب (لا) آكِدٌ من النَّفْيِ ب (لن)؛ لأنَّ المَنْفِيَّ ب (لا) قد يكونُ
(1/555)

جواباً للقَسَمِ، والمَنْفِيَّ ب (لن) لا يكونُ جواباً له، ونَفْيُ الفِعْلِ إذا أَقْسَمَ عليه آكِدٌ، ورَدَّهُ غيرَه بأنَّها لو كانَتْ للتَّابيدِ لم يُقَيَّدْ مَنْفِيهَا باليومِ في قَوْلِهِ تعالَى: {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا}، ولكانَ ذَكَرَ الأبَدُ في قَوْلِهِ تعالى: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً} تِكْرَاراً، إذِ الأصْلُ عَدَمُه، بقولِه تعالَى: {لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى} ولو كَانَتْ للتَّابيدِ لَمَا صَحَّ أنْ يُوَقِّتَ.
قلتُ: ووافَقَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الثاني ابنُ عَطِيَّةَ، واقْتَضَى كلامُه أنَّها مَوْضُوعَةٌ في اللُّغَةِ لذلكَ، حتى قالَ: ولو بَقِينَا على هذا النَّفْيِ بمُجَرَّدِه لتَضَمَّنَ أنَّ مُوسَى لا يَرَاهُ أَبَداً ولا في الآخِرَةِ، لكنْ وَرَدَ من جِهَةٍ أُخْرَى في الحديثِ المُتَواتِرُ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَرَوْنَهُ.
قلتُ: ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَرادُه أنَّ نَفْيَ المُسْتَقْبَلِ بعدَها يَعُمُّ جميعَ الأزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلَةِ من جِهَةِ أنَّ الفِعْلَ نَكِرَةٌ، والنكرةُ في سِياقِ النَّفْيِ تَعُمُّ.
وَوَافَقَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الأوَّلِ جماعَةٌ منهم ابنُ الخَبَّازِ في (شَرْحِ الإيضاحِ) فقالَ: (لن) لِنَفْيِ المُضَارِعُ على جِهَةِ التَّاكِيدِ، ونَفْيهُ أَبْلَغُ من نَفْيِ (لا) ألاَ تَرَى أنَّه يُسْتَعْمَلُ في المواضِعِ التي يَسْتَمِرُ عَدَمِ الاتصالِ فيها كقولِه: {لَنْ تَرَانِي} ليسَ لا يَرَاهُ في الدُّنْيَا، وقولُه: {وَلَنْ يَخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ}؛ لأنَّ خُلْفُ= الوَعْدِ على اللهِ مُحَالٌ، ومنهم صَاحِبُ (التِّبْيَانِ) فقالَ: إنْ (لن) لنَفْيِ المَظْنُونِ حُصوله= ولا لنَفِي المَشْكُوكِ فيه، ف (لن) آكِدٌ، وأنَّ (لن) تَنْفِي ما قَرُبَ، ولا
(1/556)

يَمْتَدُّ معنَى النَّفْيِ فيها كما يَمْتَدُّ في (ما)؛ لأنَّ ما آخِرُه ألِفٌ يَمْتَدُّ معه الصُّوْتُ بخلافِ ما في آخِرِه نُونٌ، وقد رَدَّ عليه ابنُ عَمِيرَةَ في (التَّنْبِيهَاتِ) هذا الكلامُ وقيلَ: إنَّ السُّهَيْلِيَّ ذَكَرَهُ في (نَتَائِجِ الفِكْرِ).
ص: وتَرِدُ للدُّعاءِ وِفَاقاً لابنِ عُصْفُورٍ.
ش: أي: كَمَا أنَّ (لا) لذلكَ حَكَاهُ ابنُ السَّرَّاجِ عن قَوْمٍ، وخَرَّجَ عليه.
قولَه تعالى: {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ} والصحيحُ عندَ ابنِ مالِكٍ وغيرِه، أنَّه يُسْتَعْمَلُ في الدُّعاءِ من حروفِ النَّفْيِ إلاَّ (لا) خاصَّةً، ولا حُجَّةَ فيما
(1/557)

اسْتَدَلُّوا به لاحْتِمَالِ أنْ يَكُونَ خَبَراً، ولأنَّ الدُّعاءَ لا يَكُونُ للمُتَكَلِّمِ، اعْلَمْ أنَّ عِبَارَةَ (التَّسْهِيلِ) ولا يَكُونُ الفِعْلُ مَعَها دعاءً خلافاً لبعضِهم، وبه ظَهَرَ أنَّ تَعْيينِ المُصَنِّفِ مُنْتَقِدٌ.
ص: الثاني والعِشْرونَ: (ما) تَرِدُ اسْمِيَّةٌ وحَرْفِيَّةٌ مَوْصُولَةٌ، ونَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ وللتَّعَجُّبِ واسْتِفْهَامِيَّةٌ وشَرْطِيَّةٌ زَمَانِيَّةٌ وغيرُ زَمَانِيَّةٍ.
ش: تَرِدُ (ما) اسماً وحَرْفاً، فالاسْمِيَّةُ: هي التي يَكُونُ لها مَوْضِعٌ من الإعْرابِ، والحَرْفِيَّةُ خلافَ ذلك، وللاسِمِيَّةُ مَوارِدٌ:
أحدُها: أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةٌ، وهي ما صَلَحُ في مَوْضِعِها (الذي) نحوَ: يُعْجِبُنِي ما عندَك، ونحوَ: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ}.
ثانيها: نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وتُقَدَّرُ بشيءٍ نحوَ: مَرَرْتُ بِمَا مُعْجَبٌ لكَ؛ أي: بشيءٍ، وأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
رُبَّمَا تَكْرُه النُّفُوسَ من الأمْرِ ... لَهُ فُرْجَةً كَحَلِّ العِقَالِ
أي: رُبَّ شَيءٍ وتَكْرَهُ النُّفوسَ، صِفَةً لَهُ، والعَائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أي: تَكْرَهُهُ.
ثالثُها: تَعَجُّبِيَّةٌ، نحوَ: مَا أَحْسَنَ زَيداً؛ أي: شيءً، والفِعْلُ بعدَها في مَوْضِعِ خَبَرِها، كأنَّه قيلَ: شيءٌ أَحَسَنَ زيداً؛ أي: صَيَّرَهُ حَسَناً عندِي، وجَازَ الابْتِدَاءُ بالنَّكِرَةِ لمَكانِ التَّعَجُّبِ، كما جَازَ في قَوْلِهِم: عَجَبٌ لزيدٍ، وهذا على مذهبِ سِيبَوَيْهِ.
وقالَ
(1/558)

الأخْفَشُ: مَوْصُولَةٌ، والفِعْلُ بعدَها صِلَةٌ، والخَبَرُ محذوفٌ لازِمُ الحَذْفِ، وحَمَلَهُ على ذلكَ اعْتِقَادَه أنَّه لم تُوجَدْ (ما) نَكِرَةٌ غيرَ مَوْصُوفَةٍ إلاَّ في شَرْطٍ أو اسْتِفْهَامٍ، وهو باطلٌ، بدليلِ قولِهم: غَسْلَته غسلاً نعما=، وممَّا يُفْسِدُ قولُه: إنَّ التَّعَجُّبَ إنَّما يكونُ من شيءٍ خَفِيِّ السَّبَبِ، واعْلَمْ أنَّ هذه لَيْسَتْ قَسِيماً للنَّكَرَةِ كما يُوهِمُ= كلامُ المُصَنِّفِ، بل النَّكِرَةُ قِسمَانِ: نَاقِصَةٌ وهي المَوْصُوفَةٌ، وتَامَّةٌ وهي التَّعَجُّبِيَّةٌ، نحوَ: ما أَحَسَنَ زيداً؛ أي: شيءٌ حَسَنُ زيداً.
رابعُها: اسْتِفْهَامِيَّةٌ: نحوَ: {وَمَا تِلْكَ بِيمَينِكِ يَا مُوسَى} ثمَّ إمَّا أنْ يُسْتَفْهَمَ بها مُسْتَثْبِتاً أو غيرَ مُسْتَثْبِتٍ، فإنْ كُنْتَ غيرَ مُسْتَثْبِتٍ لم يَجُزْ حَذْفُ إلاَّ معَ الخوافضِ، نحوَ: بِمَ جِئْتَ وعَمَّ سَأَلْتَ؟ وإلامَ سِرْتَ؟ قالَ تعالى: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ} {وَبِمَ تُبَشِّرُونَ} ولا تُحْذَفُ معَ غيرِ الخَافِضِ إلاَّ في ضرورةٍ، وإنْ كُنْتَ مُسْتَثْبِتاً حَذَفْتَ أَلَفَها معَ الخافضِ، فإذا قلتَ: رَأَيْتُ شيئاً حَسَناً، قلتَ له: مَا رَأَيْتُ أو رَأَيْتُ بهِ.
خامِسُها: الشَّرْطِيَّةُ، نحو: ما تَصْنَعُ وأَصْنَعُ؛ أي: إنْ تَصْنَعَ شيئاً أَصْنَعَه، وهي تَنْقَسِمُ إلى زَمَانِيَّةٍ، نحوَ: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ}؛ أي: اسْتَقِيمُوا لهم مُدَّةَ اسْتِقامَتِهم لَكُم. وقد أَثْبَتَ ذلك الفَارِسِيُّ وابنُ مالِكٍ.
وإلى غيرِ زَمانِيَّةٍ: {مَا نَنْسَخُ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا}. وذَكَرَ إمامُ الحَرَمَيْنِ في بابِ الطلاقِ من (النهايةِ) قَوْلُ الأصحابِ في: كُلَّمَا لم أُكَلِّمُكِ فأَنْتِ طالِقٌ، إنَّه لِلْفَوْرِ، وليسَ فيه
(1/559)

تَعَرُّضٌ للوَقْتِ، وأَجَابَ بأنَّ أهلَ العَرَبِيَّةِ أَجْمَعُوا على أنَّ (ما) في (كُلَّمَا) ظَرْفُ زَمانٍ؛ يعنِي بمَثَابَةِ إذا قلتَ: وإنَّما الذي أَجْمَعُوا عليه انْتِصابَ (كلَّ) في (كلَّما)، على الظرفِيَّةِ، وجَاءَتِ الظَّرْفِيَّةُ من جِهَةِ ما، فإنَّها مُحْتَمِلَةٌ؛ لأنَّ تَكُونَ اسْماً نَكِرَةً بمعنَى وَقْتٌ، أو حَرْفاً مَصْدَراً، والأصْلُ: كُلُّ وقْتٍ لم يَحْصُلْ كَلامٌ، ثمَّ عَبَّرَ عن معنَى المَصْدَرِ بمَا والفِعْلِ، ثمَّ أَنْبَأَ عن الزمانِ.
ص: ومَصْدَرِيَّةٌ كذلك، ونَافِيَةٌ كذلك وزَائِدَةٌ كَافَّةٌ، وغيرُ كَافَّةٍ.
ش: للحَرْفِيَّةِ اسْتعْمَالاتٍ:
أحدُها: أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةٌ؛ أي: يَكُونُ ما بَعْدَها في تَاويلِ المَصْدَرِ، نحوَ: أَعْجَبَنِي ما قُلْتَ؛ أي: قَوْلُكَ، وأَشَارَ بقولِه: {كَذَلِكَ} إلى أنَّها تَجِيءُ ظَرْفِيَّةً وغيرُ ظَرْفِيَّةٍ، فغيرُ الظَّرْفِيَّةِ: يُعْجِبُنِي ما تَقُومُ؛ أي: قِيامُكَ، وقولُه تعالى: {لَمَا تَصِفُ أَلْسِنَتِكُمْ}؛ أي: لوَصْفٍ.
والظَّرْفِيَّةُ؛ أي: تَقَعُ مَوْقِعَ الظَّرْفِ، نحوَ: {مَا دُمْتُ حَيًّا}؛ أي: مُدَّةَ دَوَامِي حياًّ {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وتَقْسِيمُ المَصْدَرِيَّةِ كذلك ذَكَرَهُ الجَزُولِي،
(1/560)

ونَازَعَ فيه ابنُ عُصْفُورٍ؛ لأنَّ الظرفِيَّةَ، ليْسَتْ من معانِي (ما) بل معَ الفِعْلِ بمَنْزِلَةِ المَصْدَرِ، والمَصَادِرُ قد تُسْتَعْمَلُ ظُروفاً؛ لقولِهم: أَتَيْتُكَ خُفُوقَ= النَّجْمِ أو خِلافَةَ= فُلانٍ؛ أي: مُدَّةَ خُفُوقِ النَّجْمِ ومُدَّةَ خَلافَتِه، فلا يَنْبَغِي أنْ تُعَدَّ قَسِيماً للمَصْدَرِ.
ثانيها: نَافِيَةٌ، إمَّا عَامِلَةٌ، كقولِه تعالَى: {مَا هُنَّ أُمْهَاتِهِمْ} أو غيرَ عَامِلَةٍ، نحوَ: مَا قَامَ زَيدٌ ومَا يَقُومُ عَمْرٌو.
ثالثُها: الزَّائِدَةُ، وهي إمَّا كَافَّةٌ أو غيرَ كَافَّةٍ، فالكَافَّةُ إمَّا عَن عَمَلِ الرَّفْعِ، نحوَ: (قَلَّمَا) و (طَالَمَا).
أو النَّصْبِ والرَّفْعِ، وهي المُتَّصِلَةُ بإنَّ وأَخَواتِها، نحوَ: {إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ}.
أو الجَرِّ، وهي المُتَّصِلَةُ بُرُبَّ، وغيرُ الكافَّةِ، إمَّا عِوَضاً، أمَّا أنتَ مُنْطَلِقاً انْطَلَقْتُ، أو غيرُه نحوَ: شَتَّانَ ما بينَ زَيدٍ وعَمْرٍو.
ص: الثالثُ والعشرونَ: (مِن) لابْتِداءِ الغَايَةِ غَالِباً.
ش: أي: ويُعْرَفُ بأنْ يُذْكَرَ معَها (إلى) التي للغَايَةِ لَفْظاً، نحوَ: سِرْتُ مِن
(1/561)

البَصْرَةِ إلى بَغْدَادَ.
أو تَقْدِيراً، بأنْ يَتَعَرَّضَ للابْتِداءِ من غيرِ قَصْدٍ إلى انْتِهاءٍ مَخْصُوصٍ، إذا كانَ المعنَى لا يَقْتَضِي إلاَّ المُبْتَدَأَ منه، نحوَ: أَعُوذُ باللهِ من الشيطانِ الرَّجِيمِ، وزَيدٌ أَفْضَلُ من عمرٍو ونحوِه.
وقالَ الخَفَافُ: معنى الابتداءُ به التي يَقَعُ بعدَها المَحَلُّ الذي ابْتَدَأَ منه الفِعْلُ، نحوَ: جِئْتُ من المَسْجِدِ؛ أي: ابْتِداءُ المَجِيءِ منه، ولا بُدَّ بعدَها من ذِكْرِ مَوْضِعِ الانْتِهاءِ، وقد يُحْذَفُ للعِلْمِ به، وقد يَقَعُ بعدَها المَحَلُّ الذي وُجِدَ فيه ابتداءُ الفِعْلِ وانْتِهاؤُهُ كأَخَذْتُ المَالَ من الكيسِ.
وأَشَارَ المُصَنِّفُ بقولِه (غالباً) إلى أنَّه الغالبُ عليها، حتى قالَ بعضُهم: إنَّها حيثُ وُجِدَتْ كانَتْ لابتداءِ الغَايَةِ، وسائِرِ مَعانِيهَا تَرْجِعُ إليه، تَقُولُ: أَخَذْتُ من الدَّراهِمِ، فقد جَعَلَ مالَه ابتداءَ غايةِ ما أَخَذَ، إنَّما دَلَّ على البَعْضِ من حيثُ صَارَ ما بَقِيَ انْتِهاءٌ له، قالَ ابنُ السَّمْعَانِيُّ: هذا قولُ النَّحْوِيِّينَ، وأمَّا الذي يَعْرِفُه الفقهاءُ، فهو لابتداءِ الغايَةِ والتَّبْعِيضِ جميعاً، وكلُّ واحدٍ في مَوضِعِه حقيقةٌ، ثمَّ هي لابتداءِ الغايَةِ في المكانِ اتِّفاقاً، نحوَ: {مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ}.
وفي الزمانِ عندَ الكُوفِيِّينَ، نحوَ: {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ}، {وَمِنَ الْلَيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ}، و {للهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ}. وصَحَّحَهُ ابنُ مالِكٍ وغيرُه لكَثْرَةِ شَواهِدِه، وتَأَوْيلُ البَصْرِيِّينَ مُتَعَسِّفٌ، لكنْ ذَكَرَ ابنُ أَبِي الرَّبِيعِ أنَّ مَحَلَّ الخِلافِ بينَ الفريقَيْنِ في أنَّ (مِن) هل يَجُوزُ أنْ تَقَعَ مَوْقِعَ مُدَّةَ، فإنَّها لابتداءِ غايةِ الزمانِ بلا خلافٍ، فالبَصْرِيُّونَ يَمْنَعُونَ ذلك، والكُوفِيِّونَ يُجِيزُونَهُ، وما وَرَدَ في القرآنِ لا يُحْتَجُّ به على البَصْريِّينَ؛ لأنَّه لم يَرِدْ مُدَّةً، قبلُ وبعدُ.
(ص) وللتَّبْعِيضِ.
(ش) نحوَ: {مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ}، وعلامَتُها جَوازُ الاسْتِغْنَاءِ عنها ب (بعضِ)، وهنا بَحْثَانِ:
(1/562)

أحدُهُما: أنَّه يَظُنُّ تَساوِي الصِّيغَتَيْنِ، أَعْنِي، (بعضَ) و (مِن) قالَ ابنُ أَبِي الرَّبِيعِ: كانَ بعضُهم يقولُ ذلك، وليسَ كما قالَ. قالَ: فإذا قُلْتَ: أَكَلْتُ من الرَّغِيفِ دَلَّتْ (مِن) على أنَّ الأكْلَ وَقَعَ بالرَّغِيفِ على جِهَةِ التَّبْعِيضِ، أو مُتَعَلِّقُ الأكْلِ بالرَّغِيفِ على وَجْهَيْنِ؛ إمَّا على أنَّها عَمَّهُ أو خَصَّ بعضَه، فدَخَلَتْ (مِن) لِبَيانِ ذلك.
وإذا قلتَ: أَكَلْتُ بعضَ الرَّغِيفِ، فليسَ الرَّغِيفُ مُتَعِلِّقُ الأكْلِ، وإنَّما مُتَعَلِّقُ البَعْضِ، وسِيقَ الرَّغِيفُ لتَخْصِيصِ ذلك البعضِ وزَوالِ= شِياعِه.
وإذا قلتَ: أَكَلْتُ من الرَّغِيفِ، فالرَّغِيفُ مُتَعَلِّقُ الأكْلِ، ودَخَلَتْ للتَّبْيينِ؛ إنَّه لم يَتَعَلّ‍َقْ به على أنَّه عَمَّه، بل تَعَلَّقَ به على أَنَّه وَقَعَتْ به على جِهَةِ التَّبْعِيضِ.
الثاني: في صِدْقِ البَعْضِ على النِّصْفِ أو ما دُونَه قولانٍ لأهلِ اللُّغَةِ، وقياساً جَرَيانُه هنا، ويَدُلُّ للثاني قولُه تعالَى: {مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرَهُمُ الْفَاسِقُونَ}. وقالَ الإمِامُ في كتابِ (الوَكَالَةِ من النِّهايَةِ) لو قالَ: بِعْ من عَبِيدِي مَن شِئْتَ، ليسَ للوَكِيلِ أنْ يَبِيعَ جَمِيعَهم، فإنَّ (مِن) تَقْتَضِي التَّبْعِيضِ، فلو بَاعَ جَمِيعَهم إلاَّ واحداً نَفُذَ باتفاقِ الأصحابِ، وإن كانَ التَّبْعِيضُ في النَّظَمِ= المَعْرُوفِ، رُبَّمَا يُورَدُ على النِّصْفِ ممَّا دُونَه قالَ: وهذا يُنَاظِرُ الاسْتِثْنَاءَ، فإنَّ الغَالِبَ اسْتِثْنَاءُ الأقَلِّ واسْتِبْقَاءُ الأكْثَرِ، ولكنْ لو قالَ: على عَشْرَةٍ إلاَّ تِسْعَةٍ، صَحَّ وجُعِلَ مُقِرًّا بِدِرْهَمٍ.
ص: ولِلتَّبْيينِ:
ش: نحوَ: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ}. فإنَّ الأوثانَ كلُّها رِجْسٌ، فجَاءَ التَّبْيينُ بمَا بَعْدَها لجِنْسِ الذي قَبْلَها، وقولُه: {خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ}، وقولُه {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ}؛ أي: الذي هُمْ أَنْتُمْ؛ لأنَّ الخِطَابَ لِلْمُؤْمِنِينَ، فلا
(1/563)

يُتَصَوَّرُ أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةٌ.
وعلامَتُها أنْ يَصِحَّ جَعْلَ= الذي مكانَها، فإنَّه لو قيلَ: اجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الذي مِن الأوثانِ لصَحَّ، أو أنْ يَكُونَ ما بعدَها وَصْفاً لِمَا قَبْلَها، لصِحَّةِ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الوَثَنِيَّ، وجَعَلَ منه صَاحِبُ (الأَزْهِيَةِ) قولُ سِيبَوَيْهِ: هذا بابُ علم ما الكلم من العربِيَّةِ=؛ لأنَّ الكَلِمَ قد يَكُونَ عَرَبِيًّا وعَجْمِيًّا، فبَيَّنَ المُرادُ وهو العربِيَّةُ، كأنَّه قالَ: ما الكَلِمُ، الذي هو العربِيَّةُ.
وحَكَى الصيمريُّ من أَصْحَابِنَا عن الشَّافِعِيِّ فيما لو قالَ له: من هذا المَالُ ألْفٌ، فكانَ المالُ كلُّه أَلْفاً، إنَّه إقرارٌ بجَميعِه حَمْلاً، ل (مِن) على التَّبْيينِ.
ص: والتَّعْلِيلُ والبَدَلُ.
ش: مثالُ الأوَّلِ: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ}. والثاني: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ}.
ص: والغَايَةُ:
ش: يُحْتَمَلُ تَعْبِيرُهُ بالغايَةِ دونَ انتهاءِ الغايةِ؛ أمَرَيْنِ:
أحدُهما: أنَّ الغايةَ كلُّها، وحَكَاهُ ابنُ أَبِي الرَّبِيعِ عن قوم، ٍ نحوَ: أَخَذْتُ من الياقوتِ، فالياقوتُ مُبْتَدَأُ الأَخْذِ ومُنْتَهاهُ، فدَخَلَتْ (مِن) الغايَةُ كلَّها، قالَ: وهذا إذا حُقِّقَ رَجَعَ لابتداءِ الغايَةِ؛ لأنَّها دَخَلَتْ، ولَمَّا لم يكنْ لِلْفِعْلِ امتدادٌ، وَجَبَ أنْ يكونَ المبتدأُ والمُنْتَهَى واحدٌ، ألاَ تَرَى مِن لا يَجِدُها للانتهاءِ خاصَّةً، وإنَّما تكونُ للابتداءِ وما زَادَ على ذلك فبالانْجرارِ
(1/564)

والثاني: وهو الظاهرُ أنَّه على حَذْفِ مُضَافٍ؛ أي: انتهاءِ الغَايَةِ، منزلَة= (إلى) فتَكُونُ لابتداءِ الغايَةِ من الفاعَلِ، ولانتهاءِ غايةَ الفِعْلِ من المفعولِ، مثلَ: رَأَيْتُ الهِلالَ مِن دَارِي من خَلَلِ السحابِ؛ أي: مِن مَكانِي إلى خَلَلِ السحابِ، فابتداءُ الرُّؤْيَةِ وَقَعَ من الدارِ وانْتِهاؤُها في خللِ السحابِ.
وذَكَرَ ابنُ مالِكٍ أنَّ سِيبَوَيْهِ أَشَارَ إلى هذا المعنَى، وأَنْكَرَهُ جماعةٌ، وقالُوا: لم يَخْرُجْ عن ابتداءِ الغايَةِ، لكنَّ الأوْلَى ابتداؤُها في حقِّ الفاعلِ، والثانيةَ في حقِّ المفعولِ؛ لأنَّ الرؤيةَ إنَّما وَقَعَتْ بالهِلالِ، وهو في خَلَلِ السحابِ، ومنهم مَن جَعَلَها في الثانيةِ لابتداءِ الغايَةِ أيضاًً، إلاَّ أنَّه جَعَلَ العامِلَ فيها فِعْلاً، كأنَّه قالَ: رَأَيْتُ الهلالَ من دَارِي ظاهِراً من خَلَلِ السحابِ، وَرَدَ بأنَّ الخَبَرَ المحذوفَ الذي يَقُومُ المجرورُ مَقَامَه، إنَّما يَكُونُ بما يُنَاسِبُ معنَاهُ الحَرْفُ، و (مِن) الابتدائِيَّةُ لا يُفْهَمُ منها معنَى الكَوْنِ ولا الظهورِ، فلا يَنْبَغِي أنْ يُحْذَفَ، ومنهم مَن جَعَلَها بَدَلاً من الأُولَى.
ص: وتَنْصِيصُ العُمُومِ.
ش: وهي الدَّاخِلَةُ على نَكِرَه=، لا تَخْتَصُّ بالنَّفْيِ، نحوَ: مَا جَاءَنِي مِن رَجُلٍ، فإنَّه قَبْلَ دُخُولِها تَحْتَمِلُ نَفْيَ الجِنْسِ ونَفْيَ الواحِدِ؛ ولهذا يَصِحُّ أنْ تَقُولَ: بل رَجُلانِ، ويَمْتَنِعُ ذلك بعدَ دُخولِ (مِن)، أمَّا الواقِعَةُ بعدَ الأسماءِ العامَّةِ التي لا تُسْتَعْمَلُ إلاَّ في النَّفْيِ فتُفِيدُ معنَى التَّاكِِيدِ لا غيرَ، نحو: ما جَاءَنِي مِن أَحَدٍ، فهو كقولِك: ما جَاءَنِي أَحَدٌ سِواهُ، قالَهُ الخَفَافُ والصَّيْمَرِيُّ وابنُ بَابَشَاذٍ وغيرُهم، أمَّا الواقعةُ في الإثباتِ،
(1/565)

فلا يَجُوزُ زِيادَتُها خلافاً للكوفيِّينَ: ولا حجه= لهم فيه {يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} لجَوازِ إرادَةِ البعْضِ، فإنَّ من الذنوبِ حُقوقاً لعِبادِه، واللهُ لا يَغْفِرُها بل يَسْتَوْهِنُها، وما نُقِلَ أنَّ قولَه: {مِنْ ذُنُوبِكُمْ} إنَّما وَرَدَ في قومِ نُوحٍ، ولو سَلَّمَ أنَّها في هذه الآيةِ الأمَّةُ، فلا بُدَّ أنْ يَغْفِرَ بعضُ الذنوبِ لقومٍ، وجميعُها لآخَرِينَ.
ص: والفَصْلُ.
ش: نحوَ: {وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحَ} وتَعَرَّفْ بدُخولِها على ثانِي المُتَضَادَيْنِ.
ص: ومُرادَفَةُ (الباءُ) و (في) و (عندَ) و (على).
ش: فالأوَّلُ: {يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ}. قالَ يُونُسُ: أي بطَرْفٍ خَفِيٍّ، وتُحْتَمَلُ ابتداءُ الغايَةِ.
(1/566)

والثاني: نحوَ: {مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ} كذا قالُوا، والظاهرُ أنَّها على بابِها، والمعنَى صحيحٌ، والأَحْسَنُ التَّمْثِيلُ بما حَكَاهُ ابنُ الصَّبَّاغِ في (الشاملِ) عن الشَّافِعِيِّ في قَوْلِهِ تعالَى: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ} أنَّها بمعنَى (في) بدليلِ قولِه تعالى: {وَهُوَ مُؤْمِنٌ}.
والثالثُ: نحوَ: {لَنْ تُغْنِي عَنْهُمْ أَمْوَالِهِمْ وَلاَ أَوْلاَدِهِمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً}، قالَه أَبُو عُبَيْدَةَ.
والرابعُ: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ}. وقيلَ: على التَّضْمِينِ؛ أي: مَنَعْنَاهُ.
ص: الرابعُ والعشرونَ من شَرْطِيَّةٍ واسْتِفْهَامِيَّةٍ ومَوْصُولَةٍ ونَكِرَةٍ مَوْصُوفَةٍ، قالَ أَبُو عَلِيٍّ: ونَكِرَةٌ تَامَّةٌ.
ش: (مَن) بالفَتْحِ تَاتِي شَرْطِيَّةً، نحوَ: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ}.
واسْتِفْهَامِيَّةً، نحوَ: {فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى}.
ومَوْصُولَةً، نحوَ: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ}.
(1/567)

ونَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، نحوَ: مَرَرْتُ بمَن مُعْجَبٌ لك، تُرِيدُ بإنسانٍ مُعْجَب=، فوصْفُكَ ل (مَن) بمُعْجَبٍ، وهو نَكِرَةٌ، دليلٌ على أنَّ (مَن) نَكِرَةٌ، ولا تُسْتَعْمَلُ مَوْصُوفَةٌ إلاَّ في حالِ التَّنْكِيرِ، سواءٌ كانَ المَوضِعُ صالحاً؛ لأنْ تَقَعُ فيه المَعْرِفَةُ أو لم تَكُنْ، خِلافاً للكِسائِيِّ، فإنَّه زَعَمَ أنَّ العَرَبَ لا تَسْتَعْمِلُها نَكِرَةً مَوْصُوفَةً إلاَّ بِشَرْطِ وُقُوعِها في مَوْضِعٍ لا تَقَعُ فيه إلاَّ النَّكِرَةُ، نحوَ: رُبَّ مَن عَالِمٍ أَكْرَمْتُ، ورُبَّ مَن أَتَانِي أَحْسَنْتُ إليه، وهذا ضعيفٌ، وقد أَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
فكَفَى بِنَا فَضْلاً على مَن غيرنا ... حُبُّ النبيِّ مُحَمَّدٍ إِيَانَا
بخَفْضِ غيرَ؛ أي: على أُنَاسٍ غَيْرَنَا، وأَثْبَتَ أَبُو عَلِيٍّ الفَارِسِيٍّ مَجِيئِهَا نَكِرَةً تَامَّةً، قالَه في قَوْلِهِ: ونِعْمَ مَنْ في سِرٍّ وإعْلانٍ، فزَعَمَ أنَّ الفَاعِلَ مُسْتَتِرٌ، و (مَنْ) تَمْييزُه، وقولُه: هو، مَخْصُوصٌ بالمَدْحِ، وقالَ غيرُه، مَنْ مَوصُولُ فاعلٍ، وعُلِمَ من ذِكْرِ المُصَنِّفِ الزيادَةُ فيما دونَ (مَنْ) أنَّها لا تَجِيءُ زائدَةً، وهو مذهبُ البَصْرِيِّينَ؛ لأنَّ الأسْمَاءَ لا تُرادُ بالقياسِ خلافاً للكِسَائِيِّ.
ص: الخامسُ والعشرونَ: (هَلْ) لطَلَبِ العِلْمِ= التصديقُ الإيجابيُّ لا التصوريُّ ولا للتصديقِ السلبيِّ.
ش: (هَلْ) حَرْفُ اسْتِفْهَامٍ، ولا يُسْتَفْهَمُ بها عن التَّصَوُّرِ، وهو العِلْمُ بالمُفْرَدَاتِ؛ أي: لا يُسْأَلُ بها عن مَاهِيَّةِ الشيءِ، وإنَّما يُسْتَفْهَمُ بها عن التَّصْدِيقِ الإيجَابِيِّ كقولِك: هل قَامَ زَيْدٌ.
(1/568)

ص: السادسُ والعشرونَ: (الواو) لمُطْلَقِ الجَمْعِ، وقيلَ: للتَّرْتِيبِ، وقيلَ: لِلْمَعِيَّةِ.
ش: في الواوِ العَاطِفَةِ مذاهِبَ، أَصَحُّهَا: أنَّها لمُطْلَقِ الجَمْعِ؛ أي: لا تَدُلُّ
على
(1/569)

تَرْتِيبٍ ولا مَعِيَّةٍ، فإذا قلتَ: قَائمٌ زيدٌ وعَمْرٌو، احْتَمَلَ ثلاثةَ معانٍ، قيامُها في وقتٍ واحدٍ، وكونُ المُتَقَدَّمِ قَامَ أوْلاً، وكونُ المُتَأَخِّرِ قَامَ أوْلاً.
قالَ ابنُ مالِكٍ: لكنْ تَاخِيرَ العَاطِفَ كثيرٌ وتَقَدَّمَه قليلٌ والمَعِيَّةُ احْتِمَالٌ رَاجِحٌ، وهذا مُخَالِفٌ لكلامِ سِيبَوَيْه فإنَّه قالَ: وكذلك قولُك: مَرَرْتُ برَجُلٍ وحمارٍ، وكأنَّك مَرَرْتَ بأحدِهما، وليسَ في هذا دليلٌ أنَّه بَدَأَ بشيءٍ قبلَ شيءٍ ولا شيءٍ بعدَ شيءٍ. انتهى.
واسْتَدَّلَ ابنُ مالِكٍ بقولِه تعالَى: عَن مُنْكِرِي البَعْثِ {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا}. فالموتُ بعدَ الحياةِ معَ أنَّهم قَدَّمُوه لِمَا كانَ الغَرَضُ نَفْيُ الجَمْعِ لا التَّرْتِيبِ. وإنَّما عَبَّرَ المُصَنِّفُ بمُطْلَقِ الجَمْعِ دونَ الجَمْعِ المُطْلَقِ كما عَبَّرَ ابنُ الحَاجِبِ؛ تَنْبِيهاً على صوابِ العِبَارَةِ، فإنَّ الجَمْعَ المُطْلَقُ هو الجَمْعُ المَوْصُوفُ بالإطْلاقِ؛ لأنَّا نَقُولُ بالضَّرُورَةِ بينَ الماهيَّةِ بلا قَيْدٍ، والمَاهِيَّةُ المُقَيَّدَةُ ولو بقَيْدِ= لا، والجَمْعُ المَوْصُوفُ بالإطْلاقِ لا يَتَنَاولُ غيرُ صُورَةٍ وهي قولُنا مَثَلاً: قَامَ زَيدٌ وعَمْرٌ، ولا يَدْخُلُ فيه المُقَيَّدُ بالمَاهِيَّةِ ولا بالتَّقْدِيمِ ولا بالتَّاخِيرِ لخُروجُهِمِا بالتَّقْييدِ عن الإطْلاقِ، وأمَّا مُطْلَقُ الجَمْعُ فعَامٌّ في؛ أي: جَمْع=
(1/570)

كانَ، سواءٌ كانَ مُرَتَّباً أو غيرَ مُرَتَّبٍ، فتَدْخُلُ فيه الصُّوَرُ الثلاثةُ، ونَظِيرُه قولُهم: مُطْلَقُ الماءِ، والماءُ المُطْلَقُ.
والقولُ الثاني: أنَّها تُفِيدُ التَّرْتِيبَ، ونُقِلَ عن الفَرَّاءِ وثَعْلَبٍ وأَنْكَرَهُ السِّيرَافِيُّ وقالَ: لم أَرَهُ في كتابِ الفَرَّاءِ، وعَزَاهُ المَاوَرْدِيُّ في بابِ الوضوءِ للجُمْهُورِ من أصْحَابِنَا.
والثالثُ: أنَّها للمَعَيِّةِ: ونسبهُ الإمامُ في (البُرْهَانِ) للحَنَفِيَّةِ، وعَلِمَ بذلك أنَّ ما ذَكَرَهُ السِّيرَافِيُّ والفَارِسِيُّ والسُّهَيْلِيُّ من إجماعِ النُّحاةِ بَصْرِيِّهُمْ وكُوفِيِّهِم على أنَّ (الواو) لا تُرَتَّبَ، غيرُ صحيحٍ، وعَزَى ابنُ الخَبَّازِ وغيرُه من النَّحْوِيِّينِ التَّرْتِيبُ للشَّافِعِيِّ، وهو غَلَطٌ وقد اشْتَّدَ نَكِيرَ ابنُ السَّمْعَانِيُّ والأستاذُ أَبُو مَنْصُورٍ وغيرُهما على مَن نَسَبَ ذلك إلى الشَّافِعِيِّ.
وقالَ ابنُ عُصْفُورٍ في (شَرْحِ الإيضاحِ): الخِلافُ في أنَّ (الواو) للتَّرْتِيبِ، مَحَلَّه إذا كانَ الفِعْلُ يُمْكِنُ صُدُورُه من واحدٍ، فأمَّا نحوَ: اخْتَصَمَ زيدٌ وعمرٌو، فلا خِلافَ أنَّها لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ وذَكَرَ في (شرحِ الجُمَلِ) مُحْتَجًّا على القائلِ بالتَّرْتِيبِ، بأنَّ هذه الأفعالَ لا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ، فكذا غيرُها.
(1/571)