Advertisement

تشنيف المسامع بجمع الجوامع 002


الجزء الثاني

باب الأوامر والنواهي
(باب الأمر والنهي)
(ص) الأمر: أم ر، حقيقة في القول المخصوص مجازا في الفعل، وقيل: للقدر المشترك وقبل مشترك بينهما قيل وبين الشأن والصفة والشيء.
(ش) نبه بقوله: (أم ر) أنه لا يعني بالأمر مدلوله كما هو المتعارف في الإخبار عن اللفظ إن تلفظ به والمراد مدلوله، بل المراد بلفظ الأمر، كما يقال: زيد اسم، وضرب فعل ماض، ومن: حرف جر. وهذا اللفظ حقيقة في القول: المخصوص. المراد بالقول الصيغة: والمراد بالمخصوص: الطالب للفعل، وهو: افعل وما يجري مجراه وهو قسم من أقسام الكلام، وقد يطلق على الفعل نحو: زيد في أمر عظيم إذا كان في سفر أو غيره، وقوله تعالى: {أتعجبين من أمر الله}، {حتى إذا جاء أمرنا} ثم اختلفوا على مذاهب.
أحدها: وهو قول الأكثرين: أن لفظ الأمر حقيقة في القول المخصوص، مجاز في الفعل وغيره.
(2/572)

وإلا لزم الاشتراك والمجاز خير منه.
الثاني: أنه مشترك بين القول والفعل، بالاشتراك اللفظي، لأنه أطلق عليهما والأصل الحقيقة وعزاه في (المحصول) لبعض الفقهاء، وعزاه ابن برهان إلى كافة العلماء.
والثالث: أنه متواطئ فيكون موضوعا للقدر المشترك بين الفعل والقول دفعا للاشتراك والمجاز، واعلم: أن هذا القول لا يعرف قائله وإنما ذكره صاحب (الإحكام) على سبيل الفرض والالتزام، أي لو قيل: فما المانع منه، لهذا حكاه ابن الحاجب ثم قال في آخر المسألة: وأيضا فإنه قول حادث هنا، وإذا علمت هذا تعجبت من المصنف في حكايته وترك ما قبله.
والرابع: أنه مشترك بينهما أي بين القول الفعل - وبين الشأن لقوله تعالى:
(2/573)

{وما أمر فرعون برشيد} والصفة كقول الشاعر: لأمر ما يسود من يسود أي لصفة من صفات الكمال، والشيء كقولنا: تحرك هذا الجسم لأمر، أي: لشيء وهذا ما عزاه المصنف لأبي الحسين البصري، فإنه قال في (المعتمد): وأنا أذهب إلى أن قول القائل: (أمر) مشترك بين الصفة والشيء والطرائق وبين جملة الشأن والطرائق، وبين القول المخصوص. انتهى.
وقضيته: أنه مشترك عنده بين خمسة أشياء لكنه في (شرح المعتمد): فسر الشأن والطريق بمعنى واحد، فتكون الأقسام عنده أربعة، فلهذا حذف المصنف الطريق لكن عليه نقد، فإنه يقتضى أنه مشترك عنده بين هذه المفاهيم، ومن جملتها الفعل بخصوصه، وأبو الحسين لم يتعرض للفعل بخصوصه، وإنما تعرض للشأن والطريق كما تراه، وبهذا اعترض الأصفهاني على صاحب (التحصيل) و (المنتخب) فإنهما عبرا بعبارة المصنف، ولهذا لم
(2/574)

يتعرض في (المحصول) للفعل (83ب) في حكايته عن أبي الحسين.
(ص) وحده: اقتضاء فعل غير كف مدلول عليه بغير كف.
(ش) البحث في الأمر في مقامين:
أحدهما: في لفظه وقد سبق.
والثاني: في مدلوله والكلام الآن فيه وقد اختلف فيه فذهب نفاة الكلام النفسي إلى أنه عبارة عن اللفظ الطالب للفعل، وذهب المثبتون إلى تفسيره بالمعنى الذهني، وهو: ما قام بالنفس من الطلب، لأن الأمر بالحقيقة هو ذلك الاقتضاء واللفظ دال عليه وعليه جرى المصنف، ولهذا صدر الحد بالاقتضاء دون القول، فاقتضاء الفعل جنس يشمل الأمر والنهي، والمراد بالاقتضاء ما قام بالنفس من الطلب فخرج ما ليس باقتضاء كالإباحة في قوله تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا} والتعجب في: {فأتوا بسورة} وأمثالهما، فالصيغة صيغة أمر
(2/575)

في هذه المواضع إلا أنه ليس بأمر على الحقيقة لعدم الاقتضاء وقوله: (غير كف) فقيل: خرج به النهي فإنه وإن كان فعل أيضا، ولكن فعل هو كف، لأن مقتضاه كف النفس عن الفعل.
وقوله: (مدلول عليه بغير كف) هذا قيد زاده على ابن الحاجب فإنه قد يرد عليه نحو: كف نفسك عن كذا فإنه أمر بالكف مع أنه ليس غير كف، بل هو لاقتضاء فعل هو كف وحينئذ فيكون مدلوله مجرورا صفة لكف المضاف إليه في قوله: غير كف، والمعنى أن الفعل الذي يقتضيه الأمر فعل خاص وهو غير كف، ولا نريد غير مطلق الكف، بل غير كف خاص وهو المدلول عليه بغير كف، أما المدلول عليه بقولك كف أو أمسك ونحوه فهو أمر، فإذن ليس فعل هو كف غير أمر، بل إنما يكون غير أمر إذا دل عليه بلفظ غير قولنا: اكفف ونحوه مثل لا تفعل ونحوه، ولمن يعتني بابن الحاجب أن يقول: أراد غير كف عن الفعل الذي انتفت منه صيغة الاقتضاء فلا يرد عليه اكفف ونحوه.
(ص) ولا يعتبر فيه علو ولا استعلاء، وقيل: يعتبران واعتبرت المعتزلة وأبو إسحاق الشيرازي وابن الصباغ والسمعاني: العلو. واعتبر أبو الحسين والإمام والآمدي وابن الحاجب: الاستعلاء.
(ش) في اعتبار العلو والاستعلاء في الأمر أربعة مذاهب.
(2/576)

أصحها: عدم اعتبارهما ونقله في (المحصول) عن الأصحاب، لإمكان أن يقوم بذات الأدنى طلب من الأعلى ويتخيل أنه يأمره ويتبعه والفرق بين العلو والاستعلاء أن العلو: كون الأمر في نفسه أعلى درجة، والاستعلاء: أن يجعل نفسه عاليا بكبرياء أو غيره، وقد لا يكون في نفس الأمر كذلك. فالعلو: من الصفات العارضة للناطق، والاستعلاء: من صفات كلامه.
والثاني: يعتبران وبه جزم ابن القشيري.
والثالث: يعتبر العلو، وبه قالت المعتزلة وجمع من أصحابنا وقالوا: لا يصدق إلا به، بأن يكون الطالب أعلى رتبة من المطلوب منه، فإما أن يكون مساويا له فهو التماس (83أ) أو دونه فسؤال.
الرابع: يعتبر الاستعلاء دون العلو وأفسد البيضاوي المذهبين بقوله تعالى
(2/577)

حكاية عن قول فرعون لقومه في مجلس المشاورة: {ماذا تأمرون} ومعلوم انتفاء العلو، إذ كان فرعون في تلك الحالة أعلى رتبة منهم وقد جعلهم آمرين له. وانتفاء الاستعلاء إذ لم يكونوا مستعلين عليه، وهذا بناء منه على أن معنى الأمر في الآية، القول المخصوص وليس كذلك، وإنما المراد الصورة. نعم قوله تعالى: {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء} يقتضي مجامعة الأمر، مع أن الآمر أدون رتبة. وأفسد مذهب أبي الحسين بأن كثيرا من آيات الأمر في القرآن في غاية التلطف ونهاية الاستجلاب بتذكير المنعم والوعيد بالنعم. كما في قوله تعالى: {اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم} وقوله: {إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم} إلى غير ذلك من الآيات المنافية للاستعلاء وإلا يلزمه إخراجها عن الأوامر.
(ص) واعتبر أبو على وابنه إرادة الدلالة باللفظ على الطلب.
(ش) مذهب الفقهاء أن الأمر أمر بصيغته ولا ينعكس كمن معه إرادة
(2/578)

أخرى لأن هذه الصيغة وضعت لمعنى فلا يفتقر في إفادتها إياه إلا الإرادة كسائر الألفاظ الدالة على معانيها، وذهب أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم وعبد الجبار، وأبو الحسين إلى اعتبار إرادة الدلالة بها على الأمر، وعلى هذا قالوا: لا تكون صيغة التهديد أمرا، ولا يكون المعلوم من الله موته على الكفر، مأمورا بالإيمان لانتفاء الدلالة على الطلب، فإن شرط الدلالة على الطلب، كون المدلول عليه بالصيغة مرادا فحيث لم يرد لم تكن الصيغة دالة على الطلب لانتفاء شرطه واحتجوا بأن الصيغة كما ترد للطلب ترد للتهديد مع خلوه عن الطلب فلا بد من مميز بينهما ولا مميز سوى الإرادة وأجيب بأن المميز حاصل بدون الإرادة لأن صيغة الأمر حقيقة في القول، مجاز في الفعل، وهذا كاف في التمييز واعلم أن ابن برهان قال: الإرادات ثلاث:
إحداها: إرادة إيجاد الصيغة، احترازا عن النائم وهو متفق على اعتبارها.
(2/579)

وثانيها: إرادة صرف اللفظ عن غير جهة الأمر إلى جهة الأمر احترازا عن التهديد ونحوه فاختلف أصحابنا فاعتبرها المتكلمون ولم يعتبرها الفقهاء وقالوا: الصيغة محمولة على الأمر.
وثالثها: إرادة فعل المأمور به والامتثال: احترازا عن الحاكي والمبلغ وهذه مسألة خلاف بيننا وبين من ذكر من المعتزلة وهذه غير طريقة المصنف.
(ص) والطلب بديهي.
(ش) لما أخذوا في الحد الاقتضاء، وهو الطلب أورد عليهم أن الطلب أخفى من الأمر فهو تعريف بالأخفى، فأجابوا بالمنع. فإن الطلب بديهي التصور فإن كل أحد يفرق بالبداهة بين طلب الفعل وطلب الترك وبينهما وبين المفهوم من الخبر لأنه من الأمور الوجدانية كالجوع والشبع وهذا النوع من الاستدلال عولوا عليه في مواضع كثيرة في إثبات بداهة الشيء (83ب) وهو ضعيف لأنه لا يلزم من الحكم بالشيء
(2/580)

والتفرقة بينه وبين غيره بالبديهة أن يكون ذلك الشيء معلوما بكنه حقيقته بالبديهة نعم، يلزم منه أن يكون معلوما من بعض الوجوه بالبديهة، وذلك لا يلزم بداهته فإن قيل: البديهي لا يفتقر إلى الدليل وأنتم قد استدللتم عليه قلنا: قد يكون التصور بديهيا ولا يفتقر حصوله إلى تصور آخر وبداهته لا تكون بديهية ولهذا حدوا البديهي من التصورات بالذي لا يفتقر في حصوله إلى تصور آخر ليعلم بالحد ماهيته ولا يقدح ذلك في بداهته غير ذاتية وإنما القادح في بداهته، توقف حصوله على أمور أخر، وقد فسروا الطلب بأنه الأمر القائم بالنفس يجري مجرى العلم والقدرة وسائر الصفات القائمة به، وهذه الصيغة المخصوصة دالة عليه.
(ص) والأمر غير الإرادة خلافا للمعتزلة.
(ش) لا خلاف بيننا وبين المعتزلة أن الأمر دل على الطلب وإنما اختلفوا في حقيقة الطلب فعند المعتزلة: هو إرادة المأمور به، وعندنا: هو شيء غير الإرادة وأنه يقوم بالنفس معنى سوى إرادة الفعل المأمور به فإنا نجد الآمر يأمر بما لا يريده لأن الإيمان من الكفار مطلوب بالإجماع، ومنهم من أخبر الله بأنه لا يؤمن فكان إيمانه محالاً؛ لإخبار الله بعدمه، والمحال لا يكون مراد الله تعالى ولأن الطلب قد يتحقق بدون الإرادة لأنه يجتمع مع كراهته، ولأنه لو كان الأمر الإرادة، لوجب وجود أوامر الله تعالى كلها، فإن إرادة الفعل، تخصيصه بحال حدوثه فإذا لم يوجد لم
(2/581)

يتخصص به فإن قيل: هلا قال المصنف: وهو غير الإرادة فإنه أخص وكما عبر به في (المنهاج) قلنا: كل منهما صحيح، لأن الأمر دال على الطلب النفساني والطلب مدلول الأمر، فصح أن يقال: الأمر غير الإرادة، وأن يقال: الطلب غير الإرادة، لكن تعبير المصنف أولى، لأن الطلب كله ليس هو أمرا عند المعتزلة بل أمر خاص وهو مع العلو. فلهذا صرح بلفظ الأمر، لأنه محل الخلاف لا الطلب مع الإرادة.
(ص) مسألة: القائلون بالنفسي اختلفوا: هل للأمر صيغة تخصه؟ والنفي: عن الشيخ فقيل: للوقف وقيل: للاشتراك والخلاف في صيغة (افعل):
(ش) المثبتون للكلام النفسي اختلفوا في الأمر هل له صيغة تخصه؟ فنقل عن الشيخ الأشعري، أنه لا صيغة له تختص به وإن قول القائل: (افعل) متردد بين الأمر والنهي وإن فرضة حمله على النهي فهو محتمل متردد بين جميع محتملاته ثم اختلف في تنزيل مذهبه: فقيل: أراد الوقف على معنى لا يدري على أي وضع جرى فقول القائل: (افعل) في اللسان، وقيل: للاشتراك فاللفظ صالح لجميع المحامل صلاحية اللفظ المشترك للمعاني، التي يثبت اللفظ بها، وأشار بقوله: والخلاف إلى ما قاله إمام الحرمين والغزالي: وإن خلاف الأشعري إنما هو في صيغة
(2/582)

خاصة لكونها مترددة (84أ) في اللغة بين محامل كثيرة فأما قول القائل: أمرتك وأنت مأمور وأوجبت وألزمت، فلا خلاف أنه من صيغ الأمر ولا ينكره الأشعري ونازعهم الآمدي وغيره فقالوا: لا وجه لتخصيص الخلاف بصيغة (افعل) فإنه مذهب الشيخ: إن الأمر عبارة عن الطلب القائم بالنفس وليس صيغة مخصوصة به، بل يعبر عنه بالعبارات والإشارات الدالة عليه بواسطة انضمام القرائن معها وقال غيره من مثبتي كلام النفس: إن له صيغة مختصة به، لا يفهم منها غيره عند تجردها عن القرائن الصارفة عنه وهي كصيغة (افعل) و (ليفعل) و (فعال) وما في معناها من سائر اللغات، ونحو: قول القائل: أمرتك، وأنت من صيغ الإخبار وليس من صيغ الأمر فلا بد مع ذلك الخلاف إذ الخلاف في الأمر هل له صيغة إنشاء مختصه به أم لا؟ وهذا الخلاف إنما هو عند القائلين بكلام النفس وأما المنكرون له كالمعتزلة وغيرهم، فالأمر وسائر أقسام الكلام لا حقيقة له عندهم إلا العبارات فلا يتأتى ذلك الخلاف عندهم.
(ص) وترد للوجوب، والندب والإباحة والتهديد والإرشاد وإرادة الامتثال والإذن والتأديب والإنذار والامتنان والإكرام والتسخير والتكوين والتعجيز، والإهانة، والتسوية، والدعاء والتمني والاحتقار والخبر والإنعام والتفويض والتعجب والتكذيب، والمشورة والاعتبار.
(ش) ترد صيغة (افعل) لستة وعشرين.
(2/583)

معنى أولها: الوجوب: نحو {وأقيموا الصلاة}
ثانيها: الندب: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا}
ثالثها: الإباحة ... {كلوا من الطيبات} وقال أبو علي الجبائي في قوله تعالى في أهل الجنة: {وكلوا واشربوا} هو إباحة ولا يريده القديم تعالى، ولا
(2/584)

يكرهه كمباحات الدنيا، وقال أبو هاشم: يجوز أن يريده لما فيه من زيادة السرور للمثاب وقال القاضي عبد الجبار: يجب أن يريده لأن الثواب لا يصح إلا بها.
رابعها: التهديد، {اعملوا ما شئتم}
خامسها: الإرشاد {واستشهدوا شهيدين} والفرق بينه وبين الندب أن المندوب مطلوب لثواب الآخرة والإرشاد لمنافع الدنيا ولا يتعلق به ثواب الآخرة فإنه لا ينقص الثواب بترك الإشهاد ولا يزيد بفعله.
سادسها: إرادة الامتثال وقد يظن تفرد المصنف بذكره، وليس كذلك
(2/585)

فقد أشار إليه في (المستصفى) في الكلام على أن الأمر لا يستلزم الإرادة إلا أنه يذكره عند تعداد معاني (افعل) ومثله بقولك عند العطش: اسقني ماء، فإنك لا تجد من نفسك إلا إرادة السقي، أعني طلبه والميل إليه، وهو خلاف المعاني السابقة وإن فرضنا ذلك من السيد في حق عبده تصورا أن تكون للوجوب والندب مع هذه الزيادة وهو أن يكون لغرض السيد فقط، وذلك غير متصور في حق الله تعالى، فإن الله غني عن العالمين، ويدل على أن مراد المصنف حكايته: أن صيغة (افعل) حقيقة لإرادة الامتثال بالمعنى الذي سنبينه ولولا أنه قدمه نصا لم يحسن ذكره.
سابعها: الإذن كقولك لمن طرق الباب: ادخل، وكأنه قسم من الإباحة.
ثامنها: (84ب) التأديب كقوله: صلى الله عليه وسلم لعمر بن أبي سلمة، (كل مما يليك)
(2/586)

وجعله بعضهم قسما من المندوب، لأن الأدب مندوب إليه.
تاسعها: الإنذار {قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار} وجعله بعضهم قسما من التهديد والصواب تغايرهما فإن التهديد هو التخويف والإنذار هو الإبلاغ لكن لا يكون إلا في الخوف فقوله تعالى: {تمتعوا} أمر إبلاغ هذا للكلام المخوف الذي عبر عنه بالأمر.
(2/587)

عاشرها: الامتنان نحو: {كلوا مما رزقكم الله} والفرق بينه وبين الإباحة أن الإباحة مجرد إذن وأنه لا بد من اقتران الامتنان بذكر احتياج الخلق إليه وعدم قدرتهم عليه ونحوه وأن الإباحة قد يتقدمها حظر مثل {وإذا حللتم فاصطادوا}
حادي عشرها: الإكرام نحو {ادخلوها بسلام آمنين} فإن قرينة {سلام آمنين} تدل عليه قال صاحب (التنقيحات).
(2/588)

ولا وجه لحمله على الوجوب كما زعم بعض المعتزلة فإن الآخرة ليست دار تكليف ولا تكليف فيها فالوعيد على الترك.
ثاني عشرها: التسخير نحو: {كونوا قردة خاسئين} وتوهم القرافي أن المراد به الاستهزاء فقال: اللائق تسميته سخرية بكسر السين لا تسخير، فإن التسخير، النعمة والإكرام قال الله تعالى: {وسخر لكم الليل والنهار} {وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض} {فسخرنا له الريح تجري بأمره} والسخرى بالكسر الهزء قال تعالى: {ليتخذ بعضهم بعضا سخريا} قلت: وإنما التسخير لغة: التذليل والإهانة، والمراد أنه عبر بهذا عن نقلهم من حالة إلى أخرى إذلالا لهم.
(2/589)

ثالث عشرها: التكوين نحو: {كن فيكون} وسماه الغزالي بكمال القدرة لأن المراد منه إظهار كمال قدرة الله وأن مراده لا يتأخر عن إرادته والفرق بينه وبين التسخير أن التكوين سرعة الوجود من العدم وليس فيه انتقال إلى حالة ممتهنة بخلاف التسخير فإنه لغة: الذلة والامتهان في العمل.
رابع عشرها: التعجيز نحو {فأتوا بسورة من مثله}
(2/590)

خامس عشرها: الإهانة {ذق إنك أنت العزيز الكريم} ومنهم من يسميه: التهكم وضابطه أن يؤتى بلفظ يدل على الخير أو الكرامة ويراد منه ضده.
سادس عشرها: التسوية {فاصبروا أو لا تصبروا}
سابع عشرها: الدعاء اللهم اغفر لي.
ثامن عشرها: التمني كقول امرئ القيس:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... ....................
(2/591)

تاسع عشرها: الاحتقار كقوله تعالى حكاية عن موسى عليه الصلاة والسلام يخاطب السحرة: {ألقوا ما أنتم ملقون} يعني: أن السحر وإن عظم ففي مقابلة المعجزة حقير والفرق بينه وبين الإهانة: أن الإهانة إنما تكون بالقول والفعل أو تركهما دون مجرد الاعتقاد والاحتقار لا بد فيه من الاعتقاد بدليل أن من اعتقد في شيء أنه لا يعبأ به ولا يلتفت إليه يقال: إنه احتقره ولا يقال: إنه أهانه ما لم يصدر منه قول أو فعل ينبئ عن ذلك.
العشرون: الخبر كقوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا لم تستح فاصنع ما شئت)) أي:
(2/592)

صنعت ما شئت، على أحد الأقوال.
الحادي والعشرون: الإنعام: {كلوا من طيبات ما رزقناكم} كذا قاله الإمام (85أ) في (البرهان) فقال: وهو وإن كان فيه معنى الإباحة فإن الظاهر منه تذكير النعمة.
الثاني والعشرون: التفويض نحو {فاقض ما أنت قاض} ذكره الإمام.
الثالث والعشرون: التعجب ذكره الصفي الهندي ومثله بقوله تعالى:
(2/593)

{قل كونوا حجارة أو حديدا} وهذا مثل به ابن برهان والآمدي للتعجيز ولكن العبادي في طبقاته مثل للتعجب بقوله تعالى: {انظر كيف ضربوا لك الأمثال}
الرابع والعشرون: التكذيب نحو {فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين}
الخامس والعشرون: المشورة نحو: {فانظر ماذا ترى}
السادس والعشرون: الاعتبار {انظروا إلى ثمره}
(ص) والجمهور: حقيقة في الوجوب لغة أو شرعا أو عقلا مذاهب، وقيل: في الندب وقال الماتريدي: للقدر المشترك وقيل: مشتركة بينهما
(2/594)

وتوقف القاضي والغزالي والآمدي فيهما، وقيل: مشتركة فيها وفي الإباحة وقيل: في الثلاثة والتهديد وقال عبد الجبار: لإرادة الامتثال وقال الأبهري: أمر الله تعالى للوجوب وأمر النبي صلى الله عليه وسلم المبتدأ للندب، وقيل: مشتركة بين الخمسة الأول، وقيل: بين الأحكام الخمسة، والمختار وفاقا للشيخ أبي حامد وإمام الحرمين: حقيقة في الطلب الجازم، فإن صدر من الشارع أوجب الفعل.
(ش) أجمعوا على أن صيغة (افعل) ليست حقيقة في جميع هذه المعاني وإنما الخلاف في بعضها وفيه مذاهب أحدها: قول الجمهور: إنه حقيقة في الوجوب فقط، مجاز في البواقي، وهو المحكي (عن الشافعي رضي الله عنه، واختلف القائلون به: هل ذلك لغة
(2/595)

أو شرعا أو عقلا؟ وصحح الشيخ أبو إسحاق أنه بوضع اللغة ونقله إمام الحرمين) عن الشافعي ولهذا صدر به المصنف.
والثاني: أنه حقيقة في الندب وبه قال أبو هاشم وغيره.
والثالث: قول أبي منصور الماتريدي من الحنفية: إنه للمشترك بينها أي: القدر المشترك بين الوجوب والندب وهو الطلب فيكون متواطئا.
والرابع: أنه مشترك بينهما بالاشتراك اللفظي، وبه قال المرتضى من الشيعة.
والخامس: قول القاضي ومن تبعه الوقف فقالوا: هو حقيقة إما في الوجوب وإما في الندب وإما فيهما جميعا بالاشتراك اللفظي، لكنا لا ندري ما هو الواقع في
(2/596)

الأقسام الثلاثة وحكى الصفي الهندي عن القاضي وإمام الحرمين والغزالي التوقف في أنه حقيقة في الوجوب فقط، أو الندب فقط، أو فيهما بالاشتراك اللفظي، وهذا يقتضي تردده بين أربعة، والذي في (المستصفى) تردده بين ثلاثة ولم يذكر الاشتراك المعنوي.
والسادس: مشترك بين الوجوب والندب والإباحة، واختلف القائلون به: هل هو من الاشتراك اللفظي أو المعنوي؟ وإطلاق المصنف حكايته تحتمل الأمرين.
والسابع: مشترك بين هذه الثلاثة والتهديد.
والثامن: قول عبد الجبار: إنه حقيقة في إرادة الامتثال فقط والوجوب وغيره يستفاد من القرائن وعزاه السمعاني لأبي هاشم وأوضحه فقال: إذا قال القائل لغيره (افعل) دل على أنه يريد منه الفعل فإذا كان القائل حكيما وجب كون الفعل على صفة زائدة على حسبه مستحق لأجلها المدح، فإذا كان المقول له مكلفا جاز أن يكون واجبا وأن يكون مندوبا فإذا لم يقم دليل على وجوب الفعل وجب نفيه والاقتصار على المحقق، وهو كون الفعل ندبا يستحق فاعله المدح.
واعلم أن هذا من المصنف تكرار فقد سبق في قوله: واعتبر أبو علي وابنه إرادة الدلالة باللفظ على الطلب ثم إن هذه المسألة مفرعة على القول بالكلام النفسي، وعبد الجبار ممن ينكره، وكان ينبغي أن يقول: وأما المنكرون له فقالوا لا يكون (85ب) أمرا إلا بالإرادة.
والتاسع: التفصيل بين أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فأمر الله حقيقة في الوجوب، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم المبتدأ للندب، وحكاه القاضي عبد الوهاب في (الملخص)
(2/597)

عن شيخه أبو بكر الأبهري، واحترز ب (المبتدأ) عما كان موافقا لنص أو مبينا لمجمل فيكون للوجوب أيضا، وذكر المازري أن النقل اختلف عن الأبهري فروي عنه هذا، وروي عنه أنه للندب مطلقا.
والعاشر: أنه صيغة (افعل) مشتركة بين الخمسة الأول، أي: بين الوجوب والندب والإباحة والإرشاد والتهديد، كذا حكاه الغزالي.
الحادي عشر: مشتركة بين الأحكام الخمسة أعني: الوجوب والندب والإباحة والكراهة والتحريم حكاه في (المحصول).
الثاني عشر: قول الشيخ أبي حامد الإسفرائيني وإمام الحرمين وغيرهما: إنه حقيقة في الطلب الجازم من جهة اللسان، وكون هذا الطلب متوعدا عليه شيء آخر
(2/598)

ثابت في أوامر الشرع بدليل من خارج، وحينئذ فالوجوب مستفاد بهذا التركيب من الشرع واللغة، فقد وافق القائلين بالوجوب وإن كان قد خالفهم في هذا، واعتمد المصنف في هذا النقل المازري فإنه قال في (شرح البرهان): هذا الذي اختاره إمام الحرمين صرح به الشيخ أبو حامد الإسفرائيني وسبقه إلى اختياره فأشار إلى أن الأمر يقتضي حصر المأمور على الفعل واقتضاؤه منه اقتضاء جازما، ولكن إذا ثبت هذا من جهة اللسان ثبت بعده الوعيد، قال المصنف: وهو المختار عندنا، فإن الوعيد لا يستفاد من اللفظ، بل هو أمر خارجي عنه، ولكنا نقول: المنقول عن الشافعي رضي الله عنه: أن الصيغة تقتضي الوجوب، ومراده الصيغة الواردة في الشرع إذ لا غرض له في الكلام في شيء غيرها، ولم يصرح الشافعي بأن اقتضاءها للوجوب مستفاد منها فلعله يرتضي هذا التركيب ويقول به، وهذا المذهب يغاير المذهبين السابقين صدر المسألة، أعني: القول بأن الوجوب هل هو بالشرع أو باللغة فتصير المذاهب ثلاثة: الوجوب بالشرع، والوجوب باللغة، والوجوب بضم الشرع إلى اللغة.
(ص) وفي وجوب اعتقاد الوجوب قبل البحث خلاف العام.
(ش) ما سبق في صيغة (افعل) من حيث هي، فأما إذا صدرت من الشارع مجردة عن القرائن وجب الفعل، عملا بالحقيقة وهل يجب اعتقاد أن المراد بها الوجوب قبل البحث عن الكون المراد بها؟ ذلك فيه خلاف العام في وجوب اعتقاد عمومه قبل البحث عن المخصص، وسيأتي إن شاء الله تعالى في مباحث العام، وهذه المسألة قل من ذكرها، وممن صرح بجريان الخلاف هنا: الشيخ أبو حامد الإسفرائيني فكتابه في (الأصول) وابن الصباغ في (العدة).
(2/599)

(ص) فإن ورد بعد حظر، قال الإمام: أو استئذان فللإباحة وقال أبو الطيب والشيرازي والسمعاني والإمام: للوجوب. وتوقف إمام الحرمين.
(ش) الخلاف في ورود الأمر بعد حظر سابق كقوله تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا} مشهور وأما وروده بعد الاستئذان فذكره الإمام الرازي ومثله بقول الصحابة: كيف نصلي عليك؟ قال: قولوا (اللهم صل على محمد).
وفيه ثلاثة مذاهب:
أصحها: أنه للإباحة فإنه سبق الحظر قرينة صارفة. قال صاحب (القواطع): وهو ظاهر كلام الشافعي في أحكام القرآن ونقله ابن برهان عن أكثر الفقهاء والمتكلمين.
(2/600)

والثاني: للوجوب، لأن الصيغة تقتضيه (86أ) ووروده بعد الحظر لا تأثير له وهو اختيار القاضي أبي الطيب والشيخ أبي إسحاق والسمعاني والإمام في (المحصول) ونقله الشيخ أبي حامد الإسفرائيني في كتابه عن أكثر أصحابنا ثم قال: وهو قول كافة الفقهاء وأكثر المتكلمين.
والثالث: الوقف بينهما، وهو اختيار إمام الحرمين، مع كونه أبطل للوقف في لفظه ابتداء من غير تقدم حظر واعلم أنهم لم يحكوا هنا القول الآتي في المسألة بعدها برجوع الحال إلى ما كان قبلها ولا ببعد طرده.
تنبيهان:
الأول: قوله أولا: قال الإمام: أو استئذان - ليس معناه أن الإمام قال: إن ورد بعد حظر أو بعد استئذان فللإباحة بل معناه: أن وروده بعد الاستئذان فائدة أفادها الإمام أن حكمه حكم وروده بعد الحظر، فيه الخلاف، وهي نافعة في
(2/601)

الاستدلال على وجوب الصلاة في التشهد.
الثاني: ترجمة المسألة بالأمر بعد الحظر قاله الجمهور عن القاضي أبي بكر أنه رغب عنها، وقال: الأولى: أن يقال: (افعل بعد الحظر) لأن (افعل) تكون أمرا تارة وغير أمر، والمباح لا يكون مأمورا به، وإنما هو مأذون فيه.
(ص) أما النهي بعد الوجوب: فالجمهور: للتحريم، وقيل: للكراهة، وقيل: للإباحة، وقيل: لإسقاط الوجوب. وإمام الحرمين على وقفه.
(ش) النهي الوارد بعد الوجوب: هل يقتضي التحريم؟ على مذاهب: أصحها: قول الجهور: إنه للتحريم، ولا ينتهض للوجوب السابق قرينة في حمل النهي على رفع الوجوب، وحكى القاضي والأستاذ فيه الاتفاق وفرقوا بينه وبين الأمر بعد الحظر، حيث اعتبروا القرينة هناك، ولم يعتبروها ههنا، فوجهين:
أحدهما: أن النهي لدفع المفاسد والأمر لجلب المصالح واعتناء الشارع بدفع المفاسد أكثر من جلب المصالح.
ثانيها: أن النهي عن الشيء موافق للأصل الدال على عدم الفعل ولا كذلك الأمر.
الثاني: أنه لكراهة التنزيه. وهذا القول موجود في (المسودة الأصولية) لابن
(2/602)

تيمية، عن حكاية القاضي أبي يعلى منهم.
الثالث: أنه للإباحة، كالقول به هناك ويدل له قوله تعالى: {قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني}.
الرابع: أنه لرفع الوجوب فيكون نسخا، ويعود الأمر إلى ما كان قبله وهذا يؤخذ من نقل صاحب (المسودة الأصولية).
وللخامس: أنه على الوقف. وهو قول إمام الحرمين فقال: أما أنا فأسحب
(2/603)

ذيل الوقف عليه، كما قدمته في صيغة الأمر بعد الحظر.
(ص) مسألة: الأمر لطلب الماهية، لا لتكرار ولا مرة والمرة ضرورية وقيل: مدلوله وقال الأستاذ والقزويني: للتكرار مطلقا، وقيل: إن علق بشرط أو صفة وقيل بالوقف.
(ش) الأمر بطلب الماهية، أي: المجرد عن التقييد، بالمرة أو الكثرة، اختلفوا فيه على مذاهب:
أصحها: قول المحققين: إنه لا يدل على المرة ولا على التكرار وإنما يدل على طلب ماهية المأمور به فقط، ثم إن المرة الواجبة لا بد منها في الامتثال فهي من ضروريات الإتيان بالمأمور به لأن الأمر يدل عليها بذاته.
والثاني: أنه يدل على المرة بلفظه، ولا يحتمل التكرار أصلا، وإنما يحمل عليه
(2/604)

بدليل، ونقله الشيخ أبو إسحاق عن أكثر أصحابنا وأبي حنيفة وأكثر الفقهاء.
والثالث: للتكرار مطلقا، المستوعب لزمان العمر، وبه قال الأستاذ أبو إسحاق، والشيخ أبو حاتم القزويني فيما نقله عنه صاحبه الشيرازي في (شرح اللمع)، لكن شرط هذا القول (86 ب) الإمكان دون أزمنة قضاء الحاجة والنوم وضروريات الإنسان، كما قاله الشيخ أبو إسحاق وابن الصباغ ومراد المصنف بالإطلاق ما سيذكره في مقابله من الخلاف.
والرابع: إن علق بشرط أو صفة، اقتضى التكرار مثل: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} {والسارق والسارقة فاقطعوا} وإن كان مطلقا لم يقتضه واختار الآمدي وابن الحاجب أنه لا يقتضي التكرار في المعلق أيضا قال البيضاوي: لا يقتضيه لفظا ويقتضيه قياسا.
(2/605)

الخامس: الوقت، قالوا: وهو محتمل لشيئين:
أحدهما: أن يكون مشتركا بين التكرار والمرة، فيتوقف إعماله في أحدهما على قرينة.
والثاني: أنه لأحدهما ولا نعرفه، فنتوقف لجهلنا بالواقع.
(ص) ولا لفور، خلافا لقوم، وقيل: للفور أو العزم، وقيل: مشترك.
(ش) (ولا لفور) عطف على قوله: (لا لتكرار) أي: الأمر المطلق مقتضاه طلب الفعل المأمور به ولا دلالة على خصوص الفور أو التراخي فيجوز البدار إلى الامتثال عقيب وروده ويجوز التأخير ولا يتعين أحدهما بخصوصه إلا بدليل قال إمام الحرمين: ينسب إلى الشافعي رضي الله عنه، وأصحابه، وهو الأليق بتعريفاته في الفقه، وإن لم يصرح به في مجموعاته في الأصول.
(2/606)

والثاني: إنه يقتضي الفور، أي: وجوب البدار إلى الفعل، ومنع التأخير عن أول وقت الإمكان بلا عذر، وهو قول الحنفية والحنابلة وكذلك المالكية كما قاله القاضي عبد الوهاب، واختاره من أصحابنا أبو حامد المروزي وأبو بكر الصيرفي.
والثالث: أنه للفور أو العزم وهذا كعائد لأعم من المضيق والموسع ثم العزم إنما يكون في الموسع ولا ينافي هذا العود إلى الأعم، إذ إفراد القاضي إفراد الأعم بالحكم لا يوجب عدم العود إلى الأعم، ولهذا قال ابن الحاجب: وقال القاضي: إما الفور وإما العزم مع تصويره المسألة بمطلق الأمر، غير مقيدها بموسع
(2/607)

ولا مضيق وكل من تكلم على المسألة حتى القاضي نفسه تكلم عليها مطلقا، ثم اختار هذا بناء على أصله في الواجب الموسع وأن العزم فيه واجب عند التأخير.
الرابع: أنه مشترك حكاه في (المنهاج) وأصله أن في المسألة قولا بالوقف، إما لعدم العلم بمدلوله أو لأنه مشترك بين اقتضاء الفور والتراخي بالاشتراك اللفظي فكان الأحسن التصريح بالوقف، ليشمل هذين الاحتمالين.
(ص) والمبادر ممتثل، خلافا لمن منع ومن وقف.
(ش) لو بادر إلى فعله أول الوقت من غير تأخير فالمشهور أنه ممتثل سواء قلنا: الأمر يقتضي الفور أم لا. ووراءه قولان غريبان:
أحدهما: حكاه ابن الصباغ في (العدة) عن بعضهم أنه قال: لا يقطع بكونه ممتثلا لجواز إرادة التراخي وقال: إن القائل به خرق الإجماع ومثله قول الإمام في (البرهان): إنه من ترجم المسألة بأن الصيغة هل تقتضي التراخي، فلفظه مدخول، فإنه يقتضي اقتضاءها التراخي على قول، حتى لو فرض الامتثال على البدار لم يعتد به وليس هذا معتقد أحد.
(2/608)

الثاني: إننا نتوقف لكونه مشكوكا في أن المراد به الفور أو التراخي فيتوقف في الامتثال وهو قضية كلام إمام الحرمين.
(ص) مسألة: الرازي والشيرازي وعبد الجبار: الأمر يستلزم القضاء وقال الأكثر: القضاء بأمر جديد.
(ش) إذا أمر الشارع بالفعل في وقت معين فخرج (87أ) الوقت ولم يفعل فهل يجب القضاء بأمر جديد ابتداء أم يجب بالأمر السابق، بمعنى أنه يستلزمه لا أنه عينه؟ قولان:
فذهب عبد الجبار والإمام في (المحصول) إلى الثاني محتجين بقوله
(2/609)

صلى الله عليه وسلم: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)).
فقوله: ((إذا ذكرها)) دليل على أن الأمر الأول باق عليه، وأن الواجب بعد الوقت هو الواجب، الذي كان في الوقت، وما نقله المصنف عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي سهو فإنه صحح في (اللمع) قول الأكثرين.
وذهب الأكثرون إلى أن القضاء بأمر جديد لأنه فات الأمر بفوات الوقت فيفوت الوجوب، والحديث حجة لنا، لأن قوله: (فليصلها) أمر جديد فلو كان الأمر الأول باقيا عليه لم يحتج إلى هذا الثاني، فلما ذكره دل على وجوبه بهذا الأمر لا بالأمر الأول.
(2/610)

(ص) والأصح أن الإتيان بالمأمور به يستلزم الإجزاء.
(ش) إتيان المكلف بالمأمور به على الوجه المشروع يستلزم الإجزاء وإلا لكان الأمر بعد الامتثال مقتضيا إما لذلك المأتي به، ويلزم تحصيل الحاصل أو لغيره ويلزم أن لا يكون الإتيان بتمام المأمور به بل ببعضه، والغرض خلافه قال أبو هاشم وعبد الجبار: لا يوجبه كما لا يوجب النهي الفساد قال في (المنتهى): إن أراد أنه لا يمتنع أن يرد أمر بعده بمثله فمسلم، ويرجع النزاع في تسميته قضاء وإن أراد أنه لا يدل على سقوطه فساقط قلت: وبالأول صرح عبد الجبار في (العمد): أنه لا يستلزمه بمعنى أنه لا يمتنع أن يقول الحكيم: افعل كذا، فإذا فعلت أديت الواجب، ويلزمك مع ذلك القضاء والخلاف مبني على
(2/611)

تفسير الإجزاء بسقوط القضاء أما إذا فسرناه بسقوط التعبد به فالامتثال يحصل للإجزاء بلا خلاف، فكان حق المصنف التنبيه على ذلك ليعرف به خلل من أطلق الخلاف.
(ص) وأن الآمر بالشيء ليس أمرا به.
(ش) أي: ليس آمرا لذلك الغير بذلك الشيء على الأصح فإنه صلى الله عليه وسلم قال: لعمر لما طلق ابنه عبد الله زوجته في الحيض:
(2/612)

((مره فليراجعها)) فلم تكن المراجعة واجبة على عبد الله لما كان الأمر له بذلك من أبيه بخلاف أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم: أخبره أن الله يأمره، أو أني أأمره بها ولا يصار إلى أنه أمر إلا بدليل ونقل العالمي من الحنفية عن بعضهم أنه أمر، وحكى سليم الرازي في (التقريب) ما يقتضي أنه يجب على الثاني الفعل جزما، وإنما الخلاف في تسميته أمرا، وقال في (المحصول): الحق أن الله إذا قال لزيد: أوجب على عمرو كذا فلو قال لعمرو: وكل ما أوجب عليك زيد فهو واجب عليك، فالآمر بالأمر بالشيء أمر بالشيء في هذه الصورة، ولكنه بالحقيقة إنما جاء من قوله: كل ما أوجب فلان عليك فهو واجب عليك أما لو لم يقل ذلك فلا يجب، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: ((مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع)) فإن ذلك الأمر لا
(2/613)

يقتضي الوجوب على الصبي انتهى. والحق التفصيل: فإن كان للأول أن يأمر الثالث، فالأمر الثاني بالأمر للثالث أمر بالثالث وإلا فلا.
(ص) وأن الآمر بلفظ يتناوله داخل فيه.
(ش) الآمر بلفظ يتناول (87ب) نفسه، هل يدخل في الأمر، نظرا لعموم اللفظ وكونه أمرا لا يصلح معارضا، وفيه قولان:
أصحهما: عند المصنف: نعم، وهذا تابع فيه الهندي، فإنه عزاه للأكثرين لكن ذكرت في كتاب (الوصول إلى ثمار الأصول) في باب العموم: أن الأكثرين - وهو مذهب الشافعي - عدم الدخول، لا سيما على قول من اشترط في الأمر العلو، وينبغي أن يكون موضع الخلاف ما إذا لم يكن مأمورا بمخاطبة غيره، فإن كان، لم يدخل فيه قطعا، ولهذا قطع أصحابنا فيما لو وكله ولو بصيغة الأمر ليبرئ غرماءه والوكيل من جملة الغرماء - إنه ليس له أن يبرئ نفسه، وعلله
(2/614)

صاحب (التتمة) بما ذكرنا، ونص الشافعي رضي الله عنه، أنه لو وكله ليفرق ثلثه على الفقراء - ليس له صرفه إلى نفسه وإن كان فقيرا أو مسكينا. ووجه القاضي أبو الطيب في تعليقه، بأن المذهب الصحيح: أن المخاطب لا يدخل في أمر المخاطب إياه في أمر غيره، قال: فإذا أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يأمر أمته أن يفعلوا كذا، لم يدخل هو في ذلك الأمر. انتهى.
واحترز بقوله: (بلفظ يتناوله) عما إذا أمر بلفظ خاص، فإنه لا يدخل الأمر تحته قطعا وقد اعترض على المصنف فقيل: كيف يجتمع هذا مع قوله في آخر العام: الأصح أن المخاطب داخل إن كان خبرا لا أمرا.
وقد اعترف بجودة السؤال ثم انفصل عنه وقال: الامر يطلق على (المنشئ) وعلى المبلغ عن المنشئ فقول الله سبحانه أمر بطريق إنه المنشئ الحاكم بمضمون الأمر، وهذا بطريق الحقيقة ويطلق على النبي صلى الله عليه وسلم بطريق المجاز باعتبار أنه المبلغ عن الله تعالى. إذا عرفت هذا فالأمر بلفظ يتناوله قد يجيء بغيره كالتثنية والجمع غير المحلى، إذا تحقق دخول فيهما بطريق من الطرق وحاصل أن موضوع المسألتين مختلف: فمسألة الأمر في الإنشاء من منشئ أو مبلغ، ومسألة العموم في الخطاب أعم من أن يكون إنشاء أو خبرا ولا يخفى ما فيه من التعسف مع وروده في الصورة التي يجتمعان فيها، ولو جمع بينهما يحمل المذكور هنا على ما إذا كان الخطاب يتناوله كقوله: إن الله يأمركم بكذا، وقوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم} ونحوه.
عملا بعموم الصيغة والمذكور ثم على ما إذا لم يكن اللفظ متناولا له كقوله: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} فلا يدخل فيه
(2/615)

كما لم يدخل موسى في ذلك الأمر، بدليل قوله في آخر القصة: {فذبحوها وما كادوا يفعلون} ولا يظن بموسى عليه السلام ذلك.
وقول المصنف: هنا (بلفظ يتناوله) ولم يذكر هذا القيد هناك - صريح فيما ذكرت: والعجب منه: كيف لم يقع على هذا وهو ظاهر من لفظه وبه يرتفع الإشكال، وقد رأيت في (التمهيد) لأبي الخطاب هذا التفصيل في هذه المسألة، ولله الحمد، وغاية ما يلزم المصنف أنه فرق المسألة في موضعين وذكر كل قطعة في موضع.
(ص) وأن النيابة تدخل المأمور إلا لمانع.
(ش) قال الآمدي: يجوز عندنا دخول النيابة فيما كلف به من الأفعال البدنية خلافا للمعتزلة، واستدلوا بأن الوجوب إنما كان لقهر النفس وكسرها والنيابة تنافي ذلك، وأجاب أصحابنا بأن النيابة لا تأباه لما فيها من بذل المؤنة وتحمل المنة، وقول المصنف: إلا لمانع، قيد لا بد منه ليخرج بعض البدني، كالصلاة والاعتكاف وكذا الصوم على الجديد، ومن الناس من عكس هذه العبارة، فقال: الطاعات لا تدخلها النيابة إلا الحج والصوم على قول (88أ) لأن القصد من الطاعة الإجلال والإثابة ولا يلزم من تعظيم الوكيل تعظيم الموكل، فكأنه وكله على ما لا يقدر عليه فلا يصح، وعلى هذا نص الشافعي في (الأم) كما بينته في (بحر الأصول) واقتصر الشيخ عز الدين في (أماليه) قال: وبهذا يظهر أن ثواب
(2/616)

العبادة البدنية لا يصح للغير، لأنه مرتب على الإجلال وهو حاصل من الغير وإن شئت قلت: تمتنع الاستنابة إلا في فعل تحصل مصلحته من الوكيل، كما تحصل من الموكل وحرر الصفي الهندي المسألة فقال: اتفقوا على جواز دخول النيابة في المأمور به إذا كان ماليا، وعلى وقوعه أيضا واتفاقهم على أنه يجوز للغير صرف زكاة ماله بنفسه، وأن يوكل فيه، وكيف لا وصرف زكاة الأموال الظاهرة إلى الإمام إما واجب أو مندوب ومعلوم أنه لم يصرفها للفقراء إلا بطريق النيابة واختلفوا في جواز دخولها فيه إذا كان بدنيا: فذهب أصحابنا إلى الجواز والوقوع معا محتجين بأنه لا يمنع لنفسه، إذ لا يمتنع قول السيد لعبده: أمرتك بخياطة هذا الثوب، فإن خطته بنفسك أو استنبت فيه أثبتك، وإن تركت الأمرين عاقبتك، واحتجوا بالنيابة في الحج وفيه نظر، فإنه لا يدل على جواز النيابة في المأمور به إذا كان بدنيا صرفا بل إنما يدل على ما هو بدني ومالي معا كالحج ولعل الخصم يجوز ذلك فلا يكون دليلا عليه، واحتج المانع بأن القصد من إيجاب العبادة البدنية امتحان المكلف والنيابة تخل بذلك، وأجيب بأنه لا يخل به مطلقا، فإن النيابة
امتحان أيضا.
(ص) مسألة: قال الشيخ والقاضي: الأمر النفسي بشيء معين نهي عن ضده الوجودي، وعن القاضي: يتضمنه وعليه عبد الجبار وأبو الحسين والآمدي
(2/617)

وقال إمام الحرمين والغزالي: لا عينه ولا يتضمنه وقيل: أمر الوجوب يتضمن فقط، أما اللفظي فليس عين النهي قطعا، ولا يتضمنه على الأصح.
(ش) مسألة: الكلام في هذه المسألة يقع على وجهين:
أحدهما: في النفساني وهو: الطلب القائم بالنفس، والمثبتون له اختلفوا على مذاهب:
(2/618)

أحدها: أنه عين النهي عن ضده وهو قول الأشعري والقاضي وأطنب في نصرته في (التقريب) بناء على أصلهم أن كلام الله واحد لا يتنوع، وهو بنفسه أمر بما أمر ونهى عما نهى، فكان تأثير الأمر بالشيء نهيا عن ضده، وعلى العكس.
والثاني: ليس عينه ولكن يتضمنه عقلا، وذكر إمام الحرمين أن القاضي صار إليه في آخر مصنفاته ونقله الشيخ أبو حامد الإسفرائيني عن أكثر أصحابنا ونقله المصنف عن عبد الجبار ومن معه، وفيه شيء نذكره.
والثالث: أنه ليس نهيا عن ضده ولا متضمنا له، بل هو مسكوت عنه واختاره إمام الحرمين والغزالي وابن الحاجب وقال الكيا: إنه الذي استقر عليه القاضي.
والرابع: التفصيل بين أمر الإيجاب، فيتضمن النهي عن ضده, وأمر الندب ليس نهيا عن ضده ولا متضمنا له فإن أضداده مباحة غير منهي عنها، وهو قول بعض المعتزلة، ومن لم يفصل جعل أمر الندب نهيا عن ضده نهي ندب، حتى يكون
(2/619)

الامتناع عن ضده مندوبا كما يكون فعله مندوبا وإنما قيدنا هذا الخلاف بالنفسي للتنبيه على أنه ليس الخلاف على صيغة الأمر وصيغة النهي إذ لا نزاع في أنهما صيغتان مختلفتان وإنما النزاع عند القائلين بالنفسي بأن الأمر هو الطلب القائم بالنفس (88ب) راجع إلى أن طلب فعل الشيء هل هو طلب ترك أضداده أم لا؟ وهذا وإن لم يصرح به الجمهور وأطلقوا الخلاف، فهو متضمن لما ذكرنا والشيخ والقاضي ما تكلما إلا في النفسي وذكرا أن اتصاف الشيء يكون أمرا ونهيا - بمثابة اتصاف اللون الواحد بكونه قريبا من شيء بعيدا من غيره، الثاني: اللساني والمنكرون للنفسي الذاهبون إلى أن الأمر هو نفس صيغة افعل وهم المعتزلة - قد اتفقوا على أن الأمر ليس نهيا عن ضده، ضرورة تغاير صيغة افعل لصيغة لا تفعل، ولهذا لم يصر أحد إلى أن الأمر نفس النهي، وإنما اختلفوا هل يستلزم النهي عن ضده من جهة المعنى على مذهبين، ومعناه: إن صيغة (افعل) مثلا تقتضي إيجاد القعود فهل يستلزم النهي عن القيام من حيث هي مقتضية لإيجاد القعود أم لا؟ فذهب قدماء مشايخهم إلى منعه، وذهب القاضي عبد الجبار وأبو الحسين وغيرهما إلى إثباته وهؤلاء لم يتكلموا إلا في اللساني، فإن الأمر عندهم العبارة فقط.
تنبيهان:
الأول: ظهر بما شرحناه أن حكاية المصنف عن عبد الجبار وأبي الحسين في المقام الأول منتقدة، فإنهما لم يتكلما إلا في اللساني، وأما الآمدي فإنه قال: إن
(2/620)

جوزنا تكليف ما لا يطاق فليس عينه ولا يستلزمه وإن منعناه استلزمه.
الثاني: احترز بقوله: معينا، عن الواجب الموسع والمخير، فإن الأمر بهما ليس نهيا عن الضد، والمسألة مقصورة على الواجب على التعيين، صرح بذلك الشيخ أبو حامد الإسفرائيني والقاضي في (التقريب) وغيرهما، واحترزنا بالوجودي عن الترك، فإن الأمر بالشيء نهي عن تركه قطعا.
وأما النهي فقيل: أمر بالضد وقيل: على الخلاف.
اختلفوا في النهي عن الشيء، هل هو أمر بضده؟ على طريقين:
إحداهما: أنه على الخلاف السابق في الأمر.
والثانية: أنه بالضد قطعا وهي طريقة القاضي في (التقريب) فإنه جزم بأن النهي أمر بالضد، بعد ما حكى الخلاف في الأمر، ووجهه أن دلالة النهي على مقتضاه أقوى من دلالة الأمر على مقتضاه، ويدل لذلك أن مطلوب النهي فعل الضد، فاستحضار الضد في جانب النهي أولى منه في جانب الأمر، لأنه في جانب النهي المطلوب، ولا يطلب القائل إلا ما يحضر ذهنه، فالنهي يستدعي جانب المفسدة والأمر يستدعي جانب المصلحة، واعتناء الشارع بدرء المفاسد أكثر من اعتنائه
(2/621)

بالثاني وضعف إمام الحرمين هذه الطريقة، وقال: يلزم منها القول بمذهب الكعبي في نفي المباح فإنه إنما صار إلى ذلك من قال: لا شيء مقدرا مباحا إلا وهو ضد محظور فيكون حينئذ واجبا واعلم أن ابن الحاجب حكى الطريقة الثانية، وحكى بدل الأولى أنه ليس بالضد قطعا وبه يجتمع في المسألة ثلاث طرق، لكن المصنف نازعه في ثبوتها، وقال: إنه لم يعثر عليه نقلا، ولم يتجه له عقلا، وقال غيره: إنه مبني على أن النهي طلب نفي الفعل لا طلب الكف عنه الذي هو ضده كما هو مذهب أبي هاشم، فلا يكون أمرا بالضد.
(ص) مسألة: الأمران غير متعاقبين أو بغير متماثلين غيران والمتعاقبان بمتماثلين ولا مانع من التكرار، والثاني غير معطوف. قيل: معمول بهما،
(2/622)

وقيل: تأكيد، وقيل بالوقف، وفي المعطوف التأسيس أرجح، وقيل: التأكيد فإن رجح التأكيد بعادي قدم، وإلا فالوقف.
(ش) إذا صدر من الآمر أمران، فإن كانا غير متعاقبين (أي لم يكن الثاني عقب الأول) فلا يخلو إما أن يختلف المأمور بينهما أو يتماثلا، فإن اختلفا فكذلك (89أ) يجيئان قطعا سواء أمكن الجمع بينهما ك (صل وصم) أو امتنع كالصلاة مع أداء الزكاة وإن كانا متماثلين فلا يخلو إما أن يكون المأمور به مما يمتنع فيه التكرار أو لا يمتنع، فإن امتنع فالثاني تأكيد قطعا، كقوله: اقتل زيدا
(2/623)

اقتل زيدا وإن لم يمتنع فلا يخلو إما أن يكون الثاني معطوفا على الأول أولا، فإن لم يكن معطوفا نحو: صل ركعتين (صل ركعتين) ففيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يعمل بهما، فيجب التكرار لأن التأسيس أولى من التأكيد وعزاه الهندي للأكثرين.
والثاني: تأكيد، فتجب المرة لكثرة التأكيد في كلامهم، والأصل عدم الزائد وبه قال الصيرفي وقد رأيته في كتابه (الدلائل والأعلام).
والثالث: الوقف بين حمل الثاني على الوجوب أو التأكيد للأول، لتعارض الاحتمالين وبه قال أبو الحسين البصري وغيره وأما إذا كان معطوفا، مثل: صل ركعتين وصل ركعتين - فحكى المصنف قولين:
أرجحهما: يجب العمل بهما، فيجب التكرار، لاقتضاء العطف المغايرة فيكون التأكيد مرجوحا.
(2/624)

والثاني: يحمل على التأكيد، فيجب مرة لأنه المتيقن فإن رجح في المعطوف التأكيد بعادي من تعريف نحو: صل ركعتين وصل الركعتين، وقع التعارض بين العطف ومانع التكرار فالعطف والتأسيس يقتضي التكرار والتعريف، والعادة تمنعه ويفيدان التوكيد، فيصار إلى الترجيح، فيقدم الأرجح وهو العمل بالثاني لأن حرف العطف المقتضي التغاير معارض بلام التعريف وتبقى أظهرية التأسيس سالمة من المعارضة وإن لم يوجد المرجح بل تساويا وجب الوقف كذا قالوا: ويظهر أن التوكيد في هذا الأخير أرجح، لأن التأسيس يعارضه مخالفة دليل براءة الذمة، فيبقى العطف ويعارضه أحد الأمرين، فيبقي الأمر الآخر سالما عن المعارضة وهو يقتضي التوكيد، وهذا شرح كلام المصنف وقد زاد على ابن الحاجب حكاية قول في المعطوف بحمله على التأكيد، وفيه نظر، فإن ظاهر سياقه تصوير مسألة العطف بما إذا لم يكن معه لام التعريف وفي هذه الحالة صرح جماعة بأنه لا خلاف في حمله على التأسيس لأن الشيء يعطف على نفسه ومنهم الهندي في (النهاية) قال: وأما إذا كان معرفا، فمنهم من حمله على التأسيس؛ لأجل العطف وهو الأولى - يعني لما سبق - ومنهم من توقف فيه، كأبي الحسين البصري بناء على تساوي دلالتهما على الاتحاد والمغايرة على ما سبق من أصله قال: وأما أصل الصيرفي فيقتضي حمله على غيره ما اقتضاه الأول لو قيل بتساوي دلالتهما وإلا فيجب إثبات مقتضى الراجح قلت: وكذا حكي عن ابن الصباغ في (العدة) فجزم بالتأسيس مع العطف، ثم قال: فإن دخله لام التعريف والعطف مثل: صل ركعتين وصل الركعتين فقيل: يحمل
(2/625)

على الاستئناف، وقيل بالوقف.
فائدة: ذكر ابن الحاجب هنا مسألة الأمر بفعل مطلق الماهية أمر بجزئي وخالف (المحصول) وقد ذكرها المصنف في باب المطلق والمقيد، فلا تظن أنه أهملها.
(ص) النهي اقتضاء كف عن فعل، لا بقول: كف.
(ش) الاقتضاء: جنس لتناوله الأمر، وإضافته إلى الكف يخرج الأمر، لأنه اقتضاء فعل، وقوله: (لا بقول: كف معناه أنه ليس كل اقتضاء كف عن فعل، نهيا كما اقتضاه إطلاق ابن الحاجب (89ب) وغيره، بل النهي اقتضاء كف عن فعل، ويكون ذلك الاقتضاء دالا على ذلك الكف لا بقول: كف، وإن دل بقول: كف، كان أمرا ولم يكن نهيا، كما سبق في حد الأمر، والحاصل أن: كف، واكتف، وأمسك، وذر، ودع، وجاوز، وتنح، وعد، وحاذر، وإياك، ورويدك، ومهلا وقف، وأمثالها - أوامر بالمطابقة وإن اقتضت كفا، وإنما تكون نواهي بالتضمن بناء على أن الأمر بالشيء نهي عن ضده ضمنا.
(2/626)

(ص) وقضيته الدوام ما لم يقيد بالمرة، وقيل: مطلقا.
(ش): النهي إن قيد بمرة حمل عليها قطعا، وإن كان مطلقا فقضيته الدوام، بمعنى أنه يفيد الانتهاء عن المنهي عنه دائما وهذا بخلاف الأمر لأنه لا يحصل الانتهاء إلا بذلك وقيل: إنه يقتضي الدوام مطلقا، وأطلق الشيخ أبو حامد وغيره الإجماع عليه وقضية عبارة المصنف في حكايته القول به مع التقييد بالمرة، وقال المازري: (حكى غير واحد الاتفاق على أن النهي يقتضي الاستيعاب للأزمنة بخلاف الأمر)، لكن حكى القاضي عبد الوهاب قولا: أنه كالأمر في اقتضائه المرة الواحدة، والقاضي وغيره أجروه مجرى الأمر في أنه لا يقتضي الاستيعاب. انتهى. فحصل ثلاثة مذاهب.
(ص) وترد صيغته للتحريم والكراهة والإرشاد والدعاء وبيان العاقبة والتقليل والاحتقار واليأس.
(ش): ترد صيغة (لا تفعل) لسبعة أمور:
(2/627)

أحدها: التحريم، كقوله تعالى: {ولا تقربوا الزنى}
وثانيها: الكراهة، كقوله تعالى: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون}.
ثالثها: الإرشاد، كقوله تعالى: {لا تسألوا عن أشياء} كذلك مثل إمام الحرمين وفيه نظر بل هو للتحريم والفرق بين الإرشاد والكراهة ما سبق في الفرق بينه وبين الندب، ولهذا اختلف أصحابنا في كراهة المشمس شرعية، أو إرشادية أي متعلق الثواب - أو ترجع إلى مصلحة طبية.
رابعها: الدعاء، نحو: {ربنا لا تزغ قلوبنا}
خامسها: بيان العاقبة، نحو: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله
(2/628)

أمواتا} أي عاقبة الجهاد الحياة لا الموت.
سادسها: التقليل والاحتقار أي للمنهي عنه كقوله تعالى: {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به} فهو احتقار للدنيا قاله في (البرهان) وفيه نظر بل هو للتحريم.
سابعها: اليأس، نحو: {لا تعتذروا}. وفات المصنف الخبر، نحو: {لا يمسه إلا المطهرون}. والتهديد: كقولك لمن لا يمتثل أمرك: لا تمتثل أمري، والإباحة: وذلك في النهي بعد الإيجاب، فإنه إباحة للترك، والالتماس كقولك لنظيرك: لا تفعل هذا.
(ص): وفي الإرادة والتحريم ما في الأمر.
(ش): أي هل يعتبر في النهي إرادة الدلالة باللفظ على الترك أم لا؟ وكذا الكلام في أن صيغة النهي هل هي حقيقة في التحريم أو الكراهة أو مشتركة بينهما، أو موقوفة على ما سبق في الأمر؟ وقد سبق أن الأمر المجرد عن القرينة يقتضي الوجوب،
(2/629)

فالمختار أن النهي المجرد عن القرينة يقتضي التحريم، وهل نقول: ذلك مستفاد من الشرع أو اللغة أو المعنى، يجيء فيه ذلك كله.
(ص): وقد يكون عن واحد ومتعدد جمعا، كالحرام المخير، وتفريقا كالنعلين يلبسان أو ينزعان ولا يفرق وجميعا كالزنا والسرقة.
(ش) النهي إما أن يكون عن واحد وهو كثير، وإما أن يكون عن متعدد أي شيئين فصاعدا وأما أن يكون نهيا عن الجمع أي عن الهيئة الاجتماعية فيحرم الجمع بينهما، ويجوز له فعل أحدهما أيهما شاء كالجمع بين الأختين ومثله المصنف بالحرام المخير وقد سبق هناك عن الأصحاب أن الحرام المخير لا يقتضي تحريمهما جميعا، بل (90أ) تحريم أحدهما فقط، فله أن يأتي بأحدهما دون الآخر، ويخير في ذلك وقالت المعتزلة: يقتضي تحريمهما جميعا فيجب عليه ترك كل
(2/630)

واحد منهما.
وإما أن يكون نهيا عن الفراق، نحو النعلان يلبسان أو ينزعان فلا يجوز التفريق بأن يلبس إحداهما وينزع الأخرى.
وإما أن يكون النهي عن الجميع أي عن كل واحد سواء أتى به مع صاحبه أو منفردا كالنهي عن الزنا والسرقة.
(ص) ومطلق نهي التحريم، وكذا التنزيه في الأظهر، للفساد شرعا، وقيل: لغة، وقيل: معنى فيما عدا المعاملات مطلقا، وفيها إن رجع، قال ابن عبد السلام: أو احتمل رجوعه إلى أمر داخل، أو لازم، وفاقا للأكثر وقال الغزالي والإمام: في العبادات فقط.
(ش): النهي عن الشيء هل يدل على فساده؟
(2/631)

فيه مذاهب:
أحدها: أنه يقتضي الفساد مطلقا في العبادات والمعاملات وعزاه ابن السمعاني لأكثر الأصحاب، وقال: إنه الظاهر من مذهب الشافعي رضي الله عنه وعلى هذا، فهل يدل عليه من جهة الشرع أو وضع اللغة، لأن صيغته (تدل على عدم المشروعية)؟ وجهان.
حكاهما القاضي في (التقريب) وابن السمعاني، ونقل عن طائفة من الحنفية ثالثا: أنه يقتضيه (من جهة المعنى لا من حيث اللفظ، لأن النهي يدل على قبح المنهي عنه وحظره، وهو مضاد للمشروعية، وقال: إنه الأولى.
والثاني: لا يقتضيه مطلقا، واختاره القفال الشاشي والقاضي أبو بكر والغزالي وغيرهم، قالوا: وإنما الاعتماد في فساده على فوات الشرط، ويعرف الشرط بدليل يدل عليه، وعلى ارتباط الصحة به، والقائلون به افترقوا فرقتين: فالجمهور على أنه لا يدل على الصحة أيضا، بل يحتاج إلى دليل خارجي من براءة ذمة أو وجوب فعل مثله، وادعى القاضي فيه الاتفاق ومنهم من قال: بل يدل على الصحة، وعزى لأبي حنفية ومحمد بن الحسن رحمهما الله تعالى.
(2/632)

والثالث: وهو ما أورده المصنف: التفصيل بين المعاملات، وما عداها من العبادات والإيقاعات ففي العبادات والإيقاعات يدل على الفساد مطلقا، أي سواء نهي عنها لعينها أو لأمر خارج عنها لازم لها، وفي المعاملات ينظر، فإن رجع إلى أمر داخل فيها، كبيع الملاقيح أو إلى أمر خارج عنه لازم كبيع الربا فإن المفاضلة لازمة للعقد 0
اقتضي الفساد في هذين وإن رجع إلى أمر خارج غير لازم، لم يقتض الفساد، كالبيع وقت نداء الجمعة فإن النهي فيه راجع إلى تفويت الجمعة، وهو أمر مفارق غير لازم للعقد، هكذا صرح الأصحاب بالراجع إلى أمر داخل أو خارج أو لازم، وكنوا عما شككنا فيه أراجع إلى داخل أو خارج، وقد تعرض الشيخ عز الدين في (القواعد) فقال: كل تصرف منهي عنه لأمر يجاوره أو يفارقه مع توفير شرائطه وأركانه فهو صحيح، وكل تصرف نهي عنه، ولم يعلم لماذا نهي عنه فهو
(2/633)

باطل حملا للفظ النهي على الحقيقة، انتهى. وهي مسألة مهمة زادها المصنف على الأصوليين.
والرابع: أنه يدل على الفساد في العبادات فقط دون المعاملات والإيقاعات وهو مذهب أبي الحسين البصري واختاره الإمام في (المحصول) ونقله المصنف عن الغزالي وفيه نظر.
وقد صرح في آخر المسألة من (المستصفى) بأن كل نهي يتضمن ارتكابه الإخلال بشرطه دل على الفساد من حيث الإخلال بالشرط لا من حيث النهي وهذا تفصيل آخر حكاه ابن السمعاني إن كان في فعل النهي إخلال بشرط في صحته إن كان عبادة أو نفوذه إن كان عقدا وجب القضاء بفساده، وإن لم يكن فيه إخلال (90ب) بما ذكرنا لم يجب القضاء بفساده.
تنبيهات: الأول: احترز ب (مطلق النهي) عن النهي المقيد المقترن بقرينة تدل على الفساد، أو تدل على عدمه، فليس من محل الخلاف.
الثاني: أشار بقوله: (نهي التحريم) إلى موضع الخلاف في النهي، هل يقتضي الفساد إنما هو التحريم وأن التنزيه ملحق به في الأظهر، لأن المكروه مطلوب الترك والصحة أمر شرعي، فلا يمكن كونه صحيحا، لأن طلب تركه يوجب عدم
(2/634)

الاعتبار به، إذا وقع وذلك هو الفساد ولكن يعكر على تعبيره بالأظهر قول الصفي الهندي: محل الخلاف في نهي التحريم أما التنزيه فلا خلاف فيه على ما يشعر به كلامهم، صرح بذلك بعض المصنفين. انتهى.
أي لا خلاف في عدم اقتضائه الفساد لكن ما قاله الهندي ممنوع، وقد سبق في مسألة أن الأمر لا يتناول المكروه، خلافه ولهذا صحح الأصحاب فساد الصلاة في الوقت المكروه، وإن قلنا النهي للتنزيه، ولا ينقضه عدم فساد الصلاة في الحمام والكنيسة ونحوها، فإن عدم الفساد في تلك لدليل يخصها، ولهذا لم يختلف أصحابنا في عدم إفسادها وإن اختلفوا في الصلاة في الوقت المكروه، وكذا الوضوء بالماء المشمس، الكراهة فيه للتنزيه قطعا، ولا يمنع صحة الطهارة بلا خلاف.
الثالث: ما اختاره المصنف من المذاهب، عمدته فيه أن ابن برهان حكاه عن الشافعي رضي الله عنه وذكر غيره أنه منصوص في (الرسالة) لكن قد يورد على إطلاقهم الفساد فيما عدا المعاملات، أن النهي قد يكون للتحريم ولا يمنع الصحة في الأمر الخارج، كاستعمال أواني الذهب والفضة في الطهارة، وكذا يرد على إطلاقهم الفساد في اللازم بيع الحاضر للبادي فإن النهي لأمر خارج لازم ومع ذلك لم
(2/635)

يقتض الفساد ويبعد أن نقول: خرج ذلك بدليل لأنه استرواح لا يليق بالقواعد.
(ص) فإن كان لخارج كالوضوء بمغصوب لم يفد عند الأكثر، وقال أحمد: يفيد مطلقا.
(ش) ما سبق في النهي عن الشيء لرجوعه لأمر داخل أو خارج لازم، فإن كان لأمر خارج عنه ينفك عنه في بعض موارده، سواء كان في العبادات كالصلاة في الدار المغصوبة والوضوء والتيمم بمغصوب والذبح بسكين مغصوب، فإن النهي راجع لأمر خارج عن الصلاة والوضوء، وهو شغل مال الغير أو إتلافه أو في العقود كالبيع وقت النداء، أو في الإيقاعات كطلاق الحائض، فالأكثرون على أنه لا يقتضي الفساد ونقل بعضهم الاتفاق فيه، لكن عن أحمد: أنه يفيد مطلقا أي في النهي عنه لعينه أو لخارج عنه ولهذا أبطل الصلاة في الدار المغصوبة، وسبق هناك. وفي تعميم الإطلاق عنه نظر. وإنما قال ذلك في بعض العبادات وبعض العقود خاصة كالبيع عند النداء والصلاة في المغصوب وإلا فهو موافق على وقوع الطلاق في الحيض، وفي طهر جامعها فيه وإرسال الثلاث، وإن كان منهيا عنها.
(ص) ولفظه حقيقة وإن اقتضى الفساد لدليل.
(ش) هذا مفرع على المنقول عن أحمد، أن النهي يقتضي الفساد وهو أنه إذا
(2/636)

قام دليل على النهي ليس للفساد، كان اللفظ باقيا على حقيقته، ولم يكن مجازا لأنه لم ينتقل عن جميع موجبه، وإنما انتقل عن بعض موجبه فصار (91 أ) كالعموم الذي خرج بعضه تنفي حقيقته فيما بقي وهذا ذكره ابن عقيل في كتابه (الواضح) وهو مبني على أن لفظ النهي يدل على الفساد بصيغته وإلا فإذا قلنا: إنه يدل عليه شرعا أو معنى، لم يكن فيه إخراج بعض مدلول اللفظ، ولعل هذه المسألة من فوائد الخلاف السابق أنه يدل لغة أو شرعا.
(ص) وأبو حنيفة: لا يفيد مطلقا، نعم المنهي عنه لعينه غير مشروع ففساده عرضي، ثم قال: والمنهي عنه لوصفه يفيد الصحة.
(ش) أطلق بعضهم النقل عن الحنفية، أن النهي ب (لا) يفيد الفساد واستدرك عليه المصنف فقال: إنما خلافهم في المنهي عنه لغيره، أما المنهي عنه لعينه، فلا يختلفون في فساده، بذلك صرح أبو زيد في (تقويم الأدلة) وغيره ثم قال
(2/637)

- يعني: أبو حنيفة - والمنهي عنه لوصفه، وإن كان لا يفيد الفساد فلا يفيد الصحة أي: ولم يقل ذلك في المنهي عنه لعينه، وقد صرح شمس الأئمة السرخسي من الحنفية بأن المنهي عنه لعينه غير مشروع أصلا وعبارة ابن الحاجب توهم أن القائل بالصحة يطرده فيها وليس كذلك، فلهذا استظهره المصنف، وتحرير مذهبهم أنه يدل على فساد ذلك الوصف لا فساد المنهي عنه وهو الأصل لكونه مشروعا بدون الوصف، وبنوا على هذا ما لو باع درهما بدرهمين، ثم طرحا الزيادة، أنه يصح العقد واحتج القائلون باقتضائه الصحة أن النهي عن التصرف يقتضي إمكانه والقدرة عليه، لأن نهي العاجز قبيح، إذ لا يقال للزمن لا تقم، وللأعمى: لا تبصر وأجيب بأن ذلك إذا كان المنهي عنه أمرا محسوسا فإن كان تصرفا شرعيا على
(2/638)

معنى أنه لا تفيد أحكامه لم يقبح كما إذا نهي المحدث عن الصلاة والحائض عن الصوم وأيضا فنهي العباد إنما يقبح إذا لم يكن العجز مستفادا من النهي كما ذكرتم فإن استفيد منه فإنه صحيح، كما إذا أنهى الموكل وكيله عن البيع فإنه يصير عاجزا لأنه يصير بالنهي معزولا، فلا يكون ذلك قبيحا، وإن كان نهيا للعاجز لما كان العجز مستفادا من النهي، ولعل هذا معنى قول أئمتنا: النهي عن التصرفات الشرعية يكون نسخا لها، لأنه بسبب النهي يعجز عنه ويتعطل عن أحكامه.
(ص) وقيل: إن نفى عنه القبول، وقيل: بل النفي دليل الفساد.
(ش): إذا نفي عن الفعل القبول نحو: ((لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار)) ((لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث)) فقيل: يقتضي الصحة بناء على تغاير الصحة والقبول، ويظهر أثر عدم القبول في نفي الثواب وعدم الصحة في سقوط القضاء وقيل بل نفي القبول يدل على الفساد وهي قضية استدلال أصحابنا بالحديثين السابقين على اشتراط الطهارة وستر العورة في الصلاة بناء على أن الصحة والقبول متلازمان، وممن حكى الخلاف في هذه المسألة ابن عقيل من الحنابلة
(2/639)

في كتابه في (الأصول)، وقال: الصحيح لا يكون إلا مقبولا ولا يكون مردودا إلا ويكون باطلا وحكى ابن دقيق العيد في تفسير القبول قولين:
أحدهما: ترتيب الغرض المطلوب من الشيء على الشيء يقال: قبل فلان عذر فلان، إذا رتب على عذره الغرض المطلوب وهو عدم المؤاخذة بالجناية وعلى هذا فالصحة والقبول متلازمان (91ب).
والثاني: إن القبول كون العبادة بحيث يترتب الثواب عليها، وعلى هذا فالقبول أخص من الصحة فكل مقبول صحيح ولا ينعكس.
(ص) ونفي الإجزاء كنفي القبول، وقيل: أولى بالفساد.
(ش) مثل قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن)) رواه الدارقطني وقوله: ((أربع لا تجزئ في الأضاحي)) فيه مذهبان:
أصحهما: القطع أنه لنفي القبول.
والثاني: فيه الخلاف السابق بالترتيب وأولى بدلالته على الفساد، لأن الصحة قد توجد حيث لا قبول، بخلاف الإجزاء مع الصحة.
(2/640)

باب العام والخاص
(ص) العام: لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر.
(ش) (لفظ) جنس يتناول العام والخاص، وفيه احتراز من المعاني، فإن العموم من عوارض الألفاظ، ويعني به الواحد للاحتراز عن الألفاظ المتعددة الدالة على
(2/641)

أشياء متعددة وقوله: يستغرق أي: يستغرق لما يصلح أن يدخل تحته فخرج النكرة في الإثبات ولو بصيغة الجمع كالرجال، وقوله: من غير حصر، يحترز به عن أسماء العدد، فإنها متناولة لكل ما يصلح له، لكن مع الحصر، وهذا بناء على أنها ليست بعامة وهو المعروف وبه صرح ابن الحاجب هنا وجعل الحد غير مانع لو لم يحترز عنها لكن كلامه في بحث الاستثناء يقتضي أنها عامة وقد تابعه المصنف هناك، ومنهم من زاد في هذا الحد بوضع واحد ليحترز عما يتناوله بوضعين فصاعدا كالمشترك وما له حقيقة ومجاز، لأن عمومه لا يقتضي أن يتناول مفهوميه معا، وإنما لم يذكره المصنف للتنبيه على أنه غير محتاج إليه، لأنا إن قلنا: لا يحمل المشترك على معنييه، فقد خرج بقيد الاستغراق فإنه لا يستغرق جميع ما يحصل له عندهم، وإن قلنا: يحمل، فلأن التعريف للعام بحسب الشمول والمشترك، وما له حقيقة ومجاز له عموم على رأي الجمهور، ولكن بطريق البدلية.
(ص) والصحيح دخول النادرة وغير المقصودة تحته.
(ش) فيه مسألتان:
إحداهما: أن الصورة النادرة هل تدخل تحت العموم؟ فيه خلاف زعم
(2/642)

المصنف أن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي: حكاه، ولم أجده في كتبه، وإنما يوجد في كلام الأصوليين اضطراب فيه يمكن أن يؤخذ منه الخلاف، وكذا في كلام الفقهاء ولهذا اختلفوا في المسابقة على الفيل على وجهين:
أصحهما: نعم لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا سبق إلا في خف أو حافر)).
والثاني: لا لأنه نادر عند المخاطبين بالحديث، ولم يرد باللفظ، وقال الغزالي في (البسيط): لو أوصى بعبد، أو برأس من رقيق جاز دفع الخنثى وذكر صا حب (التقريب) وجها، أنه لا يجزئ لأنه نادر لا يخطر بالبال، وهو بعيد، لأن العموم يتناوله انتهى.
وذكروا في المتمتع العادم للهدي أنه يصوم الأيام في الحج قبل عرفه فلو أخر طواف الزيارة عن أيام التشريق وصامها، لا يكون أداء وإن بقي الطواف، لأن تأخيره عن أيام التشريق مما يبعد ويندر، فلا يقع مرادا
(2/643)

من قوله تعالى: {ثلاثة أيام في الحج} بل هو محمول على الغالب المعتاد، قال الرافعي: كذا حكاه الإمام وغيره.
وفي (النهاية) حكاية وجه ينازع فيه قلت: وهذا الخلاف ينبغي أن يكون فيما ظهر اندراجه في اللفظ، فإن لم يظهر وساعده المعنى فلم أرهم تعرضوا له (92أ) وينبغي أن يجري فيه خلاف بين أصحابنا في منع الأب مال ولده من نفسه وبالعكس هل يثبت فيه خيار المجلس؟ على وجهين:
أحدهما: لا، فإن المعول الخبر، وهو إنما ورد في المتبايعين، والولي قد تولى الطرفين وأصحهما الثبوت وأنه بيع محقق، وغرض الشارع إثبات الخيار في البيع وإنما خصص المتبايعين بالذكر إجراء للكلام على الغالب المعتاد وكذا وجهه الإمام في (النهاية) فلو قال المصنف: والصحيح دخول النادرة تحت العموم ولو بالمعنى ليشمل هذه الصورة.
الثانية: إن الصور غير المقصودة هل تدخل في العموم؟ فيه خلاف حكاه القاضي عبد الوهاب في كتابه المسمى ب (الملخص) والصحيح الدخول، لأن المراد إنما هو اللفظ، فلا مبالاة بصورة لم تقصد، فإن المقاصد لا انضباط لها، والرجوع إلى منضبط أولى. قلت: ويوجد الخلاف فيها في كلام أصحابنا أيضا، ولهذا لما حكى في (البسيط) الخلاف في التوكيل بشراء عبد، فاشتري من يعتق على الموكل.
قال: ومثار الخلاف التعلق بالعموم أو الالتفات إلى المقصود، هذا لفظه، قال المصنف: وليست غير المقصودة هي النادرة، كما توهم بعضهم، بل النادرة هي التي لا تخطر غالبا ببال المتكلم لندرة وقوعها، وغير المقصودة قد تكون مما يخطر بالبال
(2/644)

ولو غالبا فرب صورة تتوفر القرائن على أنها لم توجد وإن لم تكن نادرة، ورب صورة تدل القرائن على إنها مقصودة وإن كانت نادرة، فإذا ذكر اللافظ لفظا عاما وهناك صورة لم تقصد ولكنها داخلة في دلالة اللفظ وكثيرا ما يقع هذا في ألفاظ الواقفين - فهل يعتبر لفظه، وتدخل تلك الصورة وإن لم يقصدها أو يقتصر على المقصود؟ والأصح الأول، والحنابلة يميلون إلى ترجيح الثاني ويبنون عليه أصولا عظيمة في باب الوقف، واستنبط ابن الرفعة من كلام الغزالي في الفتاوى أن مقاصد الواقفين يعتبر فيخصص بها العموم ويعمم بها الخصوص وليس المراد أن المقصود إخراجها تدخل وفرق بين غير المقصودة والمقصودة الإخراج فمقصودة الإخراج لا سبيل إلى القول بدخولها، غير أنا نقول: لا اطلاع على قصد الإخراج إلا بدليل وذلك الدليل مخصص بهذا اللفظ فلا يمنع دخول الصورة، في مدلوله، لأن التخصيص إخراج من الحكم لا من المدلول، ومسألة الكتاب إنما هي غير المقصودة فبنوا قصد إخراجها أم لا، فإن لم يقصد دخل لفظا وحكما وإن قصد إخراجها دخلت لفظا وخرجت حكما كسائر المخصصات ونظير غير المقصودة المخاطب - بكسر الطاء - هل يدخل في عموم خطابه، فإن المخاطب لا يقصد نفسه غالبا؟
(ص) وأنه قد يكون مجازا.
(ش): لا خلاف أن حكم الحقيقة ثبوت ما وضع اللفظ له خاصا كان أو عاما؟ واختلفوا في المجاز هل هو كذلك فيثبت ما استعير له اللفظ خاصا كان أو عاما؟ فالأكثرون: نعم فيستويان في إثبات الأحكام بهما ولم ينقل عن أحد
(2/645)

من أئمة اللغة، أن الألف واللام أو النكرة في سياق النفي وغيرها يفيدان العموم بشرط أن يكون في الحقيقة بل أدلة العمل (92أ) بالعام مطلقة فيشملها وخالف بعض الحنفية فزعم أن المجاز لا يعم بصيغته لأنه على خلاف الأصل فيقتصر به على الضرورة كما قالوه في مسألة عموم المقتضى، أن ما يفيد بالضرورة يقدر بقدرها فإذا ورد: ((لا تبيعوا الطعام بالطعام، إلا سواء بسواء)). وورد إلا الصاع بالصاعين، أيصرف إليه، ولم يعم كل مكيل؟ وهذا ضعيف وليس المجاز مما يختص بمحال الضرورات بل هو عند قوم غالب على اللغات وليس العموم ذاتيا للحقيقة بل بأسباب زائدة كتعريف الجنس باللام وغيره، فإذا وجد هذا السبب في المجاز تعين المصير إليه، ثم عين الصاع في الحديث غير مراد، بل المراد ما كيل فيه، بطريق المجاز فتعين عموم المجاز، كما تعين عموم الحقيقة، ومن الدليل على أن العام قد يكون مجازا الاستثناء في قوله صلى الله عليه وسلم: ((الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أحل فيه الكلام)). فإن الاستثناء معيار العموم، فدل على تعميم كون الطواف صلاة، وكون الطواف صلاة. مجاز.
(2/646)

تنبيهان:
الأول: ظهر بهذا أن العبارة مقلوبة، والصواب أن نقول: وأن المجاز يدخل العموم، فإن صورة المسألة أن يشتمل المجاز على السبب المقتضي للعموم من الألف واللام وغيرها، والمحل قابل للعموم، فهل يجب القول بعمومه، عملا بالمقتضى السالم عن المعارضة، كما يجب العمل عند وجوده في الحقيقة أم لا؛ لأنه ثبت للضرورة؟ ومن ثم ذكر هذه المسألة صاحب (البديع) في بحث المجاز لا في بحث العموم وعبارة ابن السمعاني في (القواطع): واختلف أصحابنا في المجاز، هل يتعلق به العموم؟ على وجهين: فقيل: لا يدخل في العموم إلا الحقائق وقال آخرون: يدخل فيه المجاز كالحقيقة، لأن العرب تتخاطب به كما تتخاطب بالحقيقة.
الثاني: ظن المصنف في (منع الموانع) أن هذه مسألة المقتضي وليس كذلك، فإن المقتضي لم يشتمل على دليل العموم، لأنه ليس بملفوظ، وإنما يقدر لأجل صحة الملفوظ، ومن هنا يضعف مأخذ من ألحقه بالمقتضي لأن التقدير لأجل الصحة ضروري فلا يجوز أن يقدر زائد على قدر الحاجة، فإذا خولف هذا الأصل لضرورة لا يجوز أن تزاد المخالفة على قدر الضرورة، بخلاف المجاز المشتمل على إرادة العموم فإنه إذا لم يحمل على العموم يلزم منه إلغاء دليل العموم.
(ص) فإنه من عوارض الألفاظ، قيل: والمعاني وقيل به في الذهني.
(ش) لا خلاف أن العموم من عوارض الألفاظ حقيقة قال في (البديع): بمعنى وقوع الشركة في المفهوم لا بمعنى الشركة في اللفظ يريد أنه ليس المراد
(2/647)

بوصف اللفظ بالعام هو وصفه به مجردا عن المعنى فإن ذلك لا وجه له بل المراد وصفه به باعتبار معناه الشامل للكثرة، واختلفوا في المعاني على مذاهب:
أحدها: إنه ليس من عوارضها لا حقيقة ولا مجازا، وهو أبعد الأقوال، بل في ثبوته نظر.
والثاني: إنه من عوارضها مجازا، وعزاه الهندي للجمهور، لأنه لا يتصور انتظامها تحت لفظ واحد، إلا إذا اختلفت في أنفسها، وإذا اختلفت تدافعت وقولهم: عمهم الخصب والرخاء متعدد، فإن ما خص هذه البقعة غير ما خص (93أ) الأخرى.
والثالث: إنه يعرض لها حقيقة كما يعرض للفظ، فكما صح، في الألفاظ شمول أمر لمتعدد يصح في المعاني شمول معنى لمعاني متعددة بالحقيقة فيهما وقال
(2/648)

القاضي عبد الوهاب: مراد قائله: حمل الكلام على عموم الخطاب، وإن لم يكن هناك صيغة تعمها، كقوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} أي: نفس الميتة وعينها، لما لم يصح تناول التحريم لها عممنا بالتحريم جميع التصرف فيها من الأكل والبيع واللبس وسائر أنواع الانتفاع وإن لم يكن للأحكام ذكر في التحريم لا بعموم ولا بخصوص.
والرابع: التفصيل بين المعاني الكلية الذهنية، فهي عامة، بمعنى أنها بمعنى واحد متناول لأمور كثيرة دون المعاني الخارجية، لأن كل ما له وجود في الخارج فلا بد أن يكون متخصصا بمحل وحال مخصوص لا يوجد في غيره، فيستحيل شموله لمتعدد، وهذا التفصيل بحث للصفي الهندي.
تنبيهان:
الأول: عطف المصنف على الأصح يقتضي وجود خلاف في كونه من عوارض اللفظ، وليس كذلك، فينبغي أن يجعل استئنافا لا عطفا على ما قبله.
الثاني: ظهر بما سبق أنه ليس المراد بكون العموم من عوارض المعاني - المعاني التابعة للألفاظ، بل المعاني المستقلة، كالمقتضي والمفهوم، فإن المعاني التابعة للألفاظ
(2/649)

لا خلاف في عمومها لأن لفظها عام.
(ص) ويقال للمعنى: أعم، وللفظ: عام.
(ش) يقال في اصطلاح الأصوليين للمعنى: أعم وأخص وللفظ: عام وخاص، وقال القرافي: ووجه المناسبة أن صيغة أفعل تدل على الزيادة والرجحان والمعاني أهم من الألفاظ فخصت بصيغة أفعل التفضيل ومنهم من يقول: فيها عام وخاص أيضا.
(ص) ومدلوله كلية، أي: محكوم فيه على كل فرد مطابقة إثباتا أو سلبا لا كل ولا كلي.
(ش) هذا يتوقف على معرفة الفرق بين الكلية والكلي والكل:
أما الكل: فهو المجموع الذي لا يبقى بعده فرد، والحكم فيه على المجموع من حيث هو مجموع لا على الأفراد كأسماء العدد ويقابله الجزء وهو ما تركب منه ومن غيره كل، كالخمسة مع العشرة.
وأما الكلي: فهو الذي يشترك في مفهومه كثيرون، كمفهوم الحيوان في أنواعه والإنسان في أنواعه، فإنه صادق على جميع أفراده ويقابله الجزئي كزيد، فهو: الكلي مع قيد زائد، وهو تشخصه فلك أن تقول: الكلي بعض الجزئي.
(2/650)

وأما الكلية: فهي التي يكون فيها الحكم على كل فرد بحيث لا يبقى فرد، كقولنا: رجل يشبعه رغيفان غالبا، فإنه يصدق باعتبار الكلية، أي: كل رجل على حدته يشبعه رغيفان غالبا لا يصدق باعتبار الكل أي: المجموع من حيث هو مجموع، فإنه لا يكفيه رغيفان لا قناطير متعددة، لأن الكل والكلية تندرج فيها الأشخاص الحاضرة والماضية والمستقبلة وجميع ما في مادة الإمكان وإنما الفرق بينهما: أن الكل يصدق من حيث المجموع والكلية تصدق من حيث الجميع، وفرق بين المجموع والجميع، فإن المجموع الحكم على الهيئة الاجتماعية، لا على الأفراد، والجميع على كل فرد فرد، ويقابلها الجزئية وهي الحكم على أفراد حقيقة من غير تعيين كقولك: بعض الحيوان إنسان فالجزئية بعض الكلية، إذا علمت هذا فمسمي العموم كلية لا كل، وإلا لتعذر الاستدلال به على ثبوت حكمه للفرد (93ب) المعين في النفي والنهي، إلا إذا كان معناه الكلية التي يحكم فيها على كل فرد فرد، بحيث لا يبقى فرد كما عرفت وحينئذ يستدل بها على فرد ما من الأفراد في النفي والنهي إنما يختلف الحال بين الكل والكلية في النفي النهي لا في الأمر، وحين الثبوت فمدلول العموم كلية لا كل، لصحة الاستدلال به على ثبوت حكمه لكل فرد من أفراده عند القائلين به، إجماعا فإن قوله تعالى: {لا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} دال على تحريم قتل كل فرد من أفراد النفوس بالإجماع، وليس معناه: ولا تقتلوا مجموع النفوس وإلا لم يدل على فرد فرد فلا يكون عاصيا بقتل الواحد، لأنه لم يقتل
(2/651)

المجموع وبهذا التقرير يزول الإشكال الذي تشعب به القرافي، فإنه قال: فإن دلالة العموم على كل فرد من أفراده نحو: زيد المشرك مثلا من المشركين لا يمكن أن يكون بالمطابقة ولا بالتضمن ولا بالالتزام، وإذا بطل أن يدل لفظ العموم على زيد مطابقة وتضمنا والتزاما- بطل أن يدل لفظ العموم مطلقا لانحصار الدلالة في الأقسام الثلاثة وإنما قلنا: لا يدل عليه
بطريق المطابقة؛ لانتهاء دلالة اللفظ على مسماه بكماله.
ولفظ العموم لم يوضع لزيد فقط حتى تكون الدلالة عليه مطابقة, وإنما قلنا: لا تدل بالتضمن لأنها دلالة اللفظ على جزء مسماه والجزء إنما يصدق إذا كان المسمى كلا لأنه مقابله ومدلول لفظ العموم ليس كلا كما عرفت فلا يكون زيد جزء فلا يدل عليه تضمنا وإنما قلنا: لا يدل عليه بالالتزام لأن الالتزام هي دلالة اللفظ على لازم مسماه ولازم المسمى لا بد وأن يكون خارجا عن المسمى وزيد ليس بخارج عن مسمى العموم لأنه لو خرج لخرج عمرو وخالد وحينئذ لا يبقى في المسمى شيء وأجاب عنه الشيخ شمس الدين الأصفهاني شارح (المحصول) بأنا حيث قلنا بدلالة اللفظ على الثلاث، إنما هو في لفظ مفرد دال على معنى، ليس ذلك المعنى هو نسبة بين مفردين، وذلك لا يتأتى هنا، فلا ينبغي أن يطلب ذلك وحينئذ فقوله: {فاقتلوا المشركين} في قوة جملة من القضايا وذلك لأن مدلوله: اقتل هذا المشرك واقتل هذا المشرك إلى آخر الأفراد.
وهذه الصيغ إذا اعتبرت بجملتها فهي لا تدل على قتل زيد المشرك، ولكنها تتضمن ما يدل على قتل زيد المشرك، لا بخصوص كونه زيدا، بل بعموم، كونه فردا ضرورة تضمنه اقتل زيد المشرك فإنه من جملة هذه القضايا وهي جزء من
(2/652)

مجموع تلك القضايا فتكون دلالة هذه الصيغة على وجهين، قتل زيد المشرك لتضمنها ما يدل على ذلك الوجوب والذي هو في ضمن ذلك المجموع هو دال على ذلك مطابقة، قال: فافهم ما ذكرناه فإنه من دقيق الكلام وليس ذلك من قبيل دلالة التضمن، بل هي من قبيل دلالة المطابقة.
تنبيه: ما قالوه، أن دلالة العموم كلية بمعنى أن الحكم فيها على كل فرد هو في الإثبات فإنه كان في النفي فلا يرتفع الحكم عن كل فرد فرد، وفرق بين عموم السلب وسلب العموم.
(ص) ودلالته على أصل المعنى قطعية، وهو عن الشافعي رضي الله عنه وعلى كل فرد بخصوصه ظنية وهو عن الشافعية، وعن الحنفية قطعية.
(ش) للعام دلالتان إحداهما على أصل المعنى، وهي قطعية بلا خلاف والثانية على استغراق الأفراد، أي: على كل فرد بخصوصه هل هي ظنية أو قطعية المنسوب للشافعية الأول وقالوا لا تدل على القطع (94أ) إلا بالقرائن كما أنه لا تسقط دلالتها إلا بالقرائن واحتجوا بأن هذه الألفاظ تستعمل تارة للاستغراق وتارة للبعض، فامتنع القطع ولم يضره الإجمال للقطع بأن الصحابة وأهل اللغة طلبوا دليل التخصيص لا دليل العموم. واحتجوا أيضا بأنه لولا ذلك لما جاز تأكيد الصيغ العامة، إذ لا فائدة
(2/653)

فيه وقد قال تعالى: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون} والمنسوب للحنفية الثاني وأنها توجب الحكم في جميع الأفراد الداخلة تحته قطعا ويقينا كالخاص فيما يتناوله، وعزاه الأبياري في (شرح البرهان) إلى المعتزلة وأن مأخذهم فيه اعتقادهم استحالة تأخير البيان عن مورد الخطاب، فلو كان المراد به غير ما هو ظاهر فيه للزم تأخير البيان وما عزاه المصنف للحنفية، مراده جمهورهم وإلا فطائفة منهم على الأول، منهم أبو منصور الماتريدي ومن تبعه من مشايخ سمرقند وما قيد به محل الخلاف مانع فيه المازري فإنه قيده بما زاد على أقل الجمع.
أما دلالته على الأقل فهو قطعي بلا خلاف وما عزاه في الأول للشافعي رضي الله عنه، فلا خصوصية له به، بل القائلون بصيغ العموم عليه وهو محل وفاق ثم يقتضي أنه لم ينقل عن الشافعي رضي الله عنه، في المقام الثاني.
وقد قال إمام الحرمين في (البرهان) أما الفقهاء فقد قال جمهورهم: إن الصيغ الموضوعة للجمع نصوص في الأقل ظواهر فيما زاد عليه، والذي صح عندي من مذهب الشافعي رضي الله عنه، أن الصيغة العامة لو صح تجردها عن القرائن لكانت نصا في الاستغراق قال: وإنما التردد فيما عدا الأقل، من جهة عدم القطع بانتفاء القرائن المخصوصة ثم أشار الإمام إلى توسط في المسألة، وهو أن بعضها يدل على القطع وبعضها بخلافه وكان ينبغي للمصنف إذ قيد محل الخلاف أن يتمم ذلك بتجرده عن القرائن ليخرج ما يثبت إنه غير مجمل للتخصيص بدليل، فإن دلالته على
(2/654)

بحيث
الأفراد قطعية بلا خلاف كقوله تعالى: {والله بكل شيء عليم}.
{لله ما في السموات وما في الأرض} {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} ونحوه، وكذلك ما لا يحتمل إجراؤه على العموم (أي لا يمكن اعتبار العموم فيه، لكون المحل غير قابل له كقوله: {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة} فإنه حينئذ يكون العام كالمجمل، يجب التوقف فيه إلى بيان المراد منه) فإنه خارج عن محل الخلاف وقد استثناه بعض الحنفية، ومن فوائد الخلاف في هذه المسألة، وجوب اعتقاد العموم وتخصيصه بالقياس وخبر الواحد وغيرها من المظنونات.
(ص) وعموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال والأزمنة والبقاع وعليه الشيخ الإمام.
(ش) وممن صرح به من المتقدمين الإمام أبو المظفر بن السمعاني في (القواطع) في كلامه على الاستصحاب وخالف في ذلك جماعة من المتأخرين فقالوا العام في الأشخاص مطلق باعتبار الأحوال والأزمنة والبقاع. وقالوا: لا يدخلها العموم إلا بصيغة وضعت لها، فإذا قال: {فاقتلوا المشركين} عم كل مشرك بحيث لا
(2/655)

يبقى فرد ولا يعم .... الأحوال حتى يقتل في حال الهدنة وفي حال الذمة لا خصوص المكان حتى يدل على المشركين في أرض الهند مثلا، ولا الزمان حتى يدل على يوم السبت أو يوم الأحد مثلا وقد شغف الشيخ أبو العباس القرافي بهذا البحث، وظن أنه يلزم من هذه القاعدة أنه لا يعمل بجميع العمومات في هذا الزمان، لأنه قد عمل بها في زمن ما (94ب) والمطلق يخرج عن عهدته بالعمل به في صورة وقد أنكره عليه جماعة من المحققين منهم الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، وقال: من أخرج شيئا من ذلك فقد خالف مقتضى العموم بلا دليل، واستدل بحديث أبي أيوب، لما قدم الشام فوجد مراحيض قد بنيت قبل القبلة فهذا أبو أيوب من أهل اللسان والشرع فهم العموم من
(2/656)

الأمكنة وتوسط الشيخ علاء الدين الباجي بين المقالتين وقال: معنى كون العام في الأشخاص مطلقا في الأزمان والأحوال، إنه إذا عمل به في الأشخاص في زمان ما ومكان ما وحالة ما لا يعمل به في تلك الأشخاص مرة أخرى في زمان آخر ونحوه، أما في أشخاص أخر مما يتناوله ذلك اللفظ العام، فيعمل به لأنه لو لم يعمل به فيهم لزم التخصيص في الأشخاص، كما قال ابن دقيق العيد فالتوفية بعموم الأشخاص أن لا يبقى شخص ما في أي زمان ومكان وحال إلا حكم عليه، والتوفية بالإطلاق أن لا يتكرر ذلك الحكم فكل زان مثلا يجلد بعموم الآية وإذا جلد مرة ولم يتكرر زناه بعد ذلك لا يجلد ثانية في زمان آخر أو مكان آخر، فإن المحكوم عليه وهو الزاني والمشرك ونحوه، فيه أمران:
أحدهما: الشخص والثاني: الصفة، كالزنا والشرك، فأداة العموم لما دخلت عليه أفادت عموم الأشخاص لا عموم الصفة، والصفة باقية على إطلاقها، فهذا معنى قولهم العام في الأشخاص مطلق في غيره.
(ص) مسألة: كل والذي والتي وأي وما ومتي وأين وحيثما ونحوها للعموم حقيقة، وقيل: للخصوص، وقيل: مشتركة وقيل: بالوقف.
(ش) اختلف في أنه هل للعموم صيغة تخصه على مذاهب:
(2/657)

أحدها: وعزي للأشعري- إنكارها على معنى أن اللفظة الواحدة لا تشعر بمعني الجمع بمجردها ولم ينكروا أنه يدل على ذلك بأكثر من لفظة واحدة أو قيام قرينة، إذ لا مجال للعقل في إثبات اللغات ولم تجئ اللغة به، لأنه لو كان بالتواتر لاشترك العقلاء في علمه والآحاد تستحيل إثبات مسائل الأصول والاعتقاد بها.
والثاني: أنها موضوعة للخصوص وهو أقل الجمع، إما الجمع إما اثنان أو ثلاثة، لأنه المتيقن واستعمل في العموم مجازا.
والثالث: مشتركة بين العموم والخصوص وعليه أكثر الواقفية.
والرابع: الوقف.
(2/658)

ونقله القاضي في (مختصر التقريب) عن الأشعري ومعظم المحققين واختاره وقال: وحقيقة ذلك أنهم قالوا: سبرنا اللغة ووضعها فلم نجد صيغة دالة على العموم سواء وردت مطلقة أو مقيدة بضروب من التأكيد.
والخامس: قول الجمهور: إثبات الصيغ لأن العموم معنى من المعاني محتاج إلى التعبير عنه فوجب أن يضع الواضع له لفظا كما وضع لغيره من المعاني المحتاج إليها وهذا هو الصحيح وعليه التفريع وإنما عدد المصنف أمثلة الصيغ للتنبيه على تقسيمها إلى ما يشتمل على جميع المفهومات وهو الأربعة الأول، وإلى ما يختص عمومه ببعضها، وهو الباقي وإنما بدأ ب (كل) لأنها أقوى صيغ العموم., والعجب من ابن الحاجب في إهمالها ولا فرق بين أن تقع مبتدأ بها، نحو {كل من عليها فان} أو تابعة نحو: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون} وسبق
(2/659)

الكلام عليها في الحروف، وأراد بالذي والتي وما يتفرع عنهما جمعا وتثنية (95أ) وجميع لغاتهما، كقوله تعالى: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} {واللذان يأتيانها منكم} {واللاتي تخافون نشوزهن} {واللائي يئسن من المحيض} وأطلق ابن السمعاني وابن الحاجب وغيرهما: أن الأسماء الموصولة من صيغ العموم واحترزوا بالأسماء من الحروف ك (إن وما) المصدريتين فليست منها ولم يذكر جمع من الأصوليين الموصولات في الصيغ وأما (أي) فعامة فيما تضاف إليه من الأشخاص والأزمان والأمكنة والأحوال، ومنه: ((أيما امرأة نكحت نفسها)). أي زمان سرت سرت معك، أي مكان جلست جلست معك، أي حال كنت كنت عليه، أي فعل فعلت فعلت، وحقه أن يقيدها بالاستفهام والشرطية والموصولة، نحو مررت بأيهم قام أي: بالذي قام لتخرج الصفة كمررت برجل أي رجل، والحال نحو مررت بزيد أي رجل، ومن صرح بتعميم الموصولة القرافي وهو داخل في إطلاق من أطلق تعميم الموصولات ومنهم من أخرج الموصولة، وفيه ما ذكرنا.
(2/660)

وأما القسم الثاني وهو ما يختص ببعض المفهومات فينقسم إلى ما يعم كل ما لا يعقل، وهو (ما) الشرطية والاستفهامية، وإلى ما يختص ببعض من لا يعقل وهو الباقي فمتى يختص بالزمان نحو: متى تقم أقم، وأين وحيثما بالمكان نحو: أين تجلس أجلس ... قال تعالى: {أينما تكونوا يدرككم الموت}. {وحيثما كنتم فولوا وجوهكم} قال الأصفهاني شارح (المحصول): وقيد ابن الحاجب الزمان بالمبهم فلا تقول: متى زالت الشمس فأتني، وتقول: متى جاء زيد جئتك.
تنبيهان:
الأول: ينبغي أن يجيء خلاف في أن العموم حجة في كلام الشارع دون كلام الناس، من الخلاف السابق في المفهوم وشاهده أنه لو وكله ببيع عبده ثم قال: وافعل ما شئت فهل له أن يوكل غيره في بيعه على وجهين: أصحهما لا لأنه لم ينص عليه، والثاني: يعم، لأنه أمره أمرا عاما، قال القاضي حسين في تعليقه: ومن قال بالأول قال: العموم إنما يستنبط من أمر صاحب الشرع لا من أمر العباد.
الثاني: أن (من) وغيرها من ألفاظ الشرط، تقتضي عموم الأشخاص لا عموم الأفعال، بدليل إنه لو قال: من دخل داري من نسائي فهي طالق فدخلت واحدة مرتين لم تطلق إلا واحدة، إلا أنه يقتضي وجود الجزاء عند أول وجود الشرط، أما التكرار فلا يقتضيه إلا أنه قد يتحقق التكرار في بعض المواضع بواسطة قياس إذ فهم أن الشرط علة، فإن الأصل: ترتب الحكم على علته فيلزم التكرار كقوله تعالى:
(2/661)

{من عمل صالحا فلنفسه} {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} وأما الألفاظ الموضوعة لعموم الأفعال فهي: كل، ومتي، وما، ومهما، فلو قال: كلما دخلت فأنت طالق، اقتضى التكرار.
(ص) والجمع المعرف باللام أو الإضافة للعموم ما لم يتحقق عهد خلافا لأبي هاشم مطلقا، وإمام الحرمين إذا احتمل معهود.
(ش) قد يستفاد من العموم لا من جهة وضعه بل بواسطة القرينة، وهو إما أن يكون في الإثبات وذلك في الجمع المعرف باللام من غير عهد كقوله تعالى: {إن الله بريء من المشركين} والإضافة نحو: عبيدي أحرار ونسائي طوالق، وسواء فيه جمع السلامة والتكسير والجمهور على أنه للعموم إذا لم يكن هناك عهد محقق ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم حين ذكر التشهد: ((السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فإنكم إذا فعلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد لله صالح في السماء والأرض)).
فدل على
(2/662)

اقتضاء المضاف (95ب) العموم، ولأنه يحسن الاستثناء تقول: أعط المسلمين إلا فلانا، والاستثناء معيار العموم، ولأنه لو قال: رأيت مسلمين علم أنه رأى من هذا الجنس ولا يفيد الاستغراق فلا بد أن يفيد دخول الألف واللام فائدة ولا فائدة إلا الاستغراق وذهب أبو هاشم إلى أنه يفيد الجنس لا العموم مطلقا.
أي سواء احتمل عهد أم لا وحكاه صاحب (الميزان) عن أبي علي الفارسي أيضا وعزاه المازري لأبي حامد الإسفرائيني.
وأشار المصنف بقوله: ما لم يتحقق عهد إلى أن محل الخلاف إذا لم يكن
(2/663)

هناك عهد، فإن كان انصرف إلى المعهود ولا يعم بالاتفاق كما قاله في (المحصول) وغيره، وإن لم يكن هناك دليل على إرادة الجنس ولا العهد فتوقف إمام الحرمين فيه، وقال: إنه محتمل لهما، وإنما تفيد الاستغراق عنده، إذا تحقق أن تعريفه للجنس، والجمهور قالوا في هذه الصورة أيضا: إنه للاستغراق ولا ينصرف عنه إلا إذا كان ثم معهود ينصرف التعريف إليه.
تنبيهات:
الأول: اعترض على دعوى الأصوليين، العموم في العرف، بأن سيبويه وغيره من أئمة اللغة، نصوا على أن جمع السلامة للقلة، وهو من الثلاثة إلى العشرة، والعموم ينافي القلة، وجمع إمام الحرمين بين الكلامين فحمل كلام النحاة على ما إذا كانت نكرة وأجراه غيره على ظاهره، وقال: إنه لا مانع أن يكون أصل، وضعها للقلة لكن غلب استعمالها في الكثرة، إما بعرف الاستعمال أو بعرف الشرع، وهو قوي، فإن الموضوع للقلة كثيرا ما يستعمل في الكثرة، فنظر الأصوليون إلى غلبة الاستعمال ونظر النحاة إلى أصل الوضع، فلا خلاف.
وقيل: إن السؤال لا يرد من أصله، ولا تنافي بين القلة والعموم، فإنك إذا قلت: أكرم الزيدين، معناه: أكرك كل واحد يجتمع مع تسعة أو دونها، بخلاف أكرم الرجال فمعناه: أكرم كل واحد منهم يكون إلى عشرة فأكثر. وإنما ينافي العموم أن لو كان معناه الأمر بإكرام مسمى الجمع وليس كذلك.
(2/664)

الثاني: علم منه أن الأصل في الألف واللام العموم حتى دليل على خلافه ويقع في كلام بعضهم: الأصل فيها العهد حتى يقوم دليل على عدم إرادته ويظهر أثر هذا الخلاف فيما إذا لم تقم قرينة على إرادة عهد، وشككنا أن العهد مراد أولا، هل يحمل على العموم أو لا؟ الأقرب الأول وهنا سؤال وهو أنه كيف الجمع بين هذا وبين قولهم: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، مع أن السبب قرينة في انصرافه إلى العهد، وأجيب بأن تقدم السبب الخاص قرينة في أنه مراد لا أن غيره ليس بمراد فنحن نعمل بهذه القرينة فنقول: دلالة هذا العام على محل السبب قطعية ودلالته على غيره ظنية، إذ ليس في السبب ما ينفيه.
الثالث: إن خلاف أبي هاشم والإمام إنما هو في الجمع المعرف دون المضاف وطرد المصنف فيه لعدم الفارق.
(2/665)

(ص) والمفرد المحلى مثله خلافا للإمام مطلقا، ولإمام الحرمين والغزالي إذا لم يكن واحده بالتاء، زاد الغزالي: أو تميز بالوحدة.
(ش) في مثل: {وأحل الله البيع}، {والسارق والسارقة} مذاهب: أصحها: أنه للعموم، إذا لم يكن هناك معهود، ويرجع إليه بدليل صحة الاستثناء في قوله تعالى: {إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا}.
ونص عليه الشافعي في الرسالة فقال: إن الزانية والزاني من العام الذي (96أ)
(2/666)

خص قال ابن التلمساني وغيره: وشرط دلالتها على الاستغراق أن يحسن موضعها كل نحو: {إن الإنسان لفي خسر} بخلاف نحو: {فعصى فرعون الرسول} فإن المراد به موسى - عليه السلام - فلا يحسن تقديرها بكل.
والثاني: قال الإمام في المحصول ليس بالعام إلا بقرينة. وقال:
إنه يراد به تعريف الماهية لا العموم، قال ابن الخباز النحوي: واحتج على ذلك بأمور لا يصبر على النظر حق الصبر، والذي يضعف مذهبه أنها لو كانت لتعريف الماهية لم يكن بين المعرفة والنكرة فرق؛ لأن النكرة تدل على الماهية دلالة وضعية كفرس وحجر، فإذا قلت: الفرس والحجر ولم تقصد العهد وأردت نفس الماهية، فقد عنيت ما عناه الواضع، وأضعت حق الألف واللام، فثبت أن المراد بها العموم كما قال المبرد.
والثالث: التفصيل بين ما يدخل واحده التاء وما لا يدخله فما ليس فيه التاء إن تجرد عن عهد، فللجنس نحو {الزانية والزاني} وإن لاح قصد
(2/667)

المتكلم للجنس، فالاستغراق نحو: الدينار أشرف من الدرهم، وإن لم يعلم الحال فمجمل وأما ما تدخله التاء كالتمر فنقل في تعميمه قولين ولم يصرح باختيار شيء لكن رأى أن التمر أدل على استغراق الجنس من التمور، فإن التمر يسترسل على الجنس لا بصيغة اللفظ. والتمور يتخيل فيها الواحد.
تم الاستغراق بعده بصيغة الجمع، وفي صيغة الجمع خلاف وبما ذكرنا يعلم: أن المصنف لم يعرف بنقل مذهب إمام الحرمين على وجهه.
والرابع: التفصيل بين أن يتميز فيه لفظ الواحد عن الجنس بالتاء كالتمرة والتمر فإذا عري عن التاء اقتضى الاستغراق كقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تبيعوا البر بالبر ولا التمر بالتمر)) وإن لم تدخله تاء التوحيد، فإن لم يتشخص مدلوله ولم يتعدد كالذهب والماء، فهو لاستغراق الجنس إذ لا يعبر عن أبعاضه بالذهب الواحد، وإن تشخص وتعدد كالدينار والرجل، احتمل العموم وتعريف الماهية فلا يحمل على
(2/668)

العموم إلا بدليل، قاله في المستصفى.
تنبيهات:
الأول: سكت المصنف هنا عن الإضافة في المفرد، وقال الهندي: لم ينصوا عليها لكن قضية التسوية بين الإضافة ولام التعريف في الأولى أن يكون كذلك ههنا، قلت: قد صرح بالتسوية جماعة، لكن الإمام في (المحصول) أنكر العموم في المفرد المعرف، وأما المضاف فصرح في أثناء الاستدلال على أن الأمر للوجوب بأنه يعم وكأن الفرق على طريقته: أن الإضافة أدل على العموم من الألف واللام.
الثاني: أشار بقوله: مثله إلى أن شرط تعميمه: أن لا يتحقق عهد، فإن كان هناك عهد انصرف إليه قطعا وإن احتمل فعام على الصحيح ويجيء هنا توقف إمام الحرمين أيضا بل هو هنا أولى، وقد صرح به فقال:
إن كان التعريف مبنيا على تنكير سابق كقولك: أقبل رجل ثم تقول: قرب الرجل فلا يعم، وإن لاح قصد الجنس عم، وإن لم يعرف لماذا أخرج الكلام، فالذي صار إليه المعظم أنه للجنس، والذي أراه: أنه مجمل وأنه حيث يعم لا يعم بصيغة اللفظ، وإنما ثبت عمومه وتناوله الجنس بحالة مقترنة معه مشعرة بالجنس.
(2/669)

الثالث: تعبيره بالمفرد خلاف تعبير ابن الحاجب باسم الجنس، والأول أعم فإن المفرد المحلى ينقسم إلى اسم جنس، واسم ليس بجنس، فاسم الجنس (96أ) ما لا وأحد له من لفظه، كالناس والنساء والإبل والحيوان ومن هذه الجهات يفارق المجموع وأما الاسم المفرد فنحو: الدينار والدرهم ويفارق اسم الجنس فإن اسم الجنس لا ينكر عندما تنكير مدلوله بخلاف المفرد فإذا أشرت إلى شيء من الذهب ثم زدت عليه أمثاله لم يتغير الاسم، ولو أشرت إلى جماعة من الآدميين وقلت: هؤلاء ناس فلو زيد فيهم لم يتغير لفظ الإشارة وكانت الإشارة إليهم مع الزيادة، بقولك: هؤلاء ولو أشرت إلى درهم أو دينار تغير اللفظ تقول هذان درهمان ولا يصدق هذا درهم، كذا فرق بين التلمساني في بعض مصنفاته ولا أثر له بالنسبة له إلى العموم فإن عمومها استغراقي باعتبار الألف واللام.
(ص) والنكرة في سياق النفي للعموم وضعا، وقيل لزوما وعليه الشيخ الإمام، نصا إن بنيت على الفتح وظاهر إن لم تبن.
(ش) مراده بالنكرة ما هو أعم من المطلق والنكرة، لا النكرة المقابلة للمعرفة وقوله: في سياق النفي كان الأحسن أن يقول: في النفي ليعم ما كانت في سياقه وما انصب النفي عليها وسيف الدين الآمدي فرق بين النكرة في سياق النفي
(2/670)

وبين ما كان النفي داخلا عليها فقال: إن النكرة في سياق (النفي ليست للعموم ذكره في الأبكار ومثل للنكرة في سياق النفي) في كتابه (الإحكام) بقوله: ليس في الدار رجل وفيه نظر وإطلاق النفي يشمل النفي بما ولن ولا، التي للنهي والدليل على أنها للعموم قوله تعالى: {ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله}. ومنهم من احتج بقوله تعالى: {فما منكم من أحد عنه حاجزين} وقد تدعى استفادته من (من أحد) ومنهم من احتج بأنه لو لم يكن كذلك، لم يكن لا إله إلا الله توحيد والإجماع على خلافه ثم أشار المصنف فيها إلى بحثين نفيسين:
أحدهما: اختلفوا في أنها عمت وضعا، أي أن اللفظ وضع لسلب كل فرد من أفراد الكلية بالمطابقة، وليس المراد به أنه يدل بالمنطوق، بل ما يفيد معنى الوضع المقابل للزوم وهو ظاهر كلام أصحابنا واختاره القرافي أو عمت لزوما، ومعناه أن عمومها ليس باعتبار دلالة اللفظ على جميع الأفراد بطريق المنطوق، بل باعتبار أن نفي فرد منهم يقتضي نفي جميع الأفراد ضرورة، ونسب للحنفية واختاره والد المصنف.
(2/671)

وحاصل الخلاف: أنها هل عمت لذاتها أو لنفي المشترك منها، فلم يحصل العموم عندهم إلا لأن حرف النفي اقتضى نفي الماهية الكلية، ونفي الأعم يلزم منه نفي الأخص، فحصلت السالبة الكلية بطريق اللزوم لأن اللفظ موضوع في اللغة للسالبة ... الكلية، والأول أظهر، لأن المتكلم إنما يقصد بنفيه نفي كل رجل لا نفي المشترك ويؤيده دخول الاستثناء على هذه الصيغة اتفاقا وهو على الثاني لم يخرج الاستثناء شيئا من مدلول اللفظ، لأن مدلوله عندهم إنما هو الماهية الكلية فالاستثناء إنما توجه على لازم المدلول بالمطابقة وهي نفي الأفراد اللازمة لنفي المشترك فيكون منقطعا، وعلى رأي الجمهور يكون الاستثناء من مسمى اللفظ، فيكون متصلا.
وينبني على الخلاف: التخصيص بالنية، فإن قلنا بقول الحنفية، من أنه نفي للكلي فلا يؤثر حتى لو قال لا أكلت ونوى معينا فلا يسمع وإن قلنا: إنه نفي للكل فيؤثر بتخصيص بعض الأفراد بالنية واختار المصنف في غير هذا الكتاب، التفصيل (97أ) بين النكرة المبنية على الفتح فباللزوم وبين غيرها فبالوضع.
(2/672)

البحث الثاني: أن قدماء الأصوليين أطلقوا تعميم النكرة المنفية من غير فرق واعترض عليهم القرافي بالنكرة المقترنة مع لا، فإن سيبويه نص على أنه يصح أن يقال: لا رجل في الدار بل رجلان، وقال ابن السيد: إذا قلت: لا رجل في الدار لا يعم لأنه جواب لمن قال: هل في الدار رجل واحد، فيقال له: لا رجل في الدار بل رجلان. بخلاف ما إذا بنيت مع لا، فإنه جواب لمن قال: هل من رجل في الدار، فكان سؤاله عن مطلق مفهوم الرجل فكان جوابه بعموم السلب وهذا الاعتراض مردود وكلام الأئمة على ظاهره، وهي عامة في كل مواردها، لكنه يتفاوت وبه يجمع بين كلام النحاة والأصوليين فإن بنيت على الفتح مثل لا إله إلا الله فالعموم فيها نص وإن لم تبن على الفتح فإن كانت في تقديره نحو: ما جاءني من رجل فكالأولى نحو: {وما من إله إلا الله}.
ولا خلاف في ذلك وإنما اختلفوا في أن العموم استفيد من دخول (من) أو كان موجودا قبلها، إن كانت عاملة عمل ليس نحو: لا رجل في الدار، فإنها مع الاسم تنصب الخبر فهذا موضع الخلاف الذي ظنه القرافي وليس كذلك، بل الصواب القطع بأنها للعموم، لكنه فيها بطريق الظهور لا النصوصية فيتطرق إليه التأويل وادعاء خلاف الظاهر ويساعد إطلاق الأصوليين على ذلك قول سيبويه الذي حكاه إمام الحرمين في معاني الحروف عنه.
وقال: ولهذا نص سيبويه على جواز مخالفته فتقول: ما
(2/673)

فيها رجل بل رجلان كما يعدل عن الظاهر فتقول: جاء الرجال إلا زيدا فظهر الجمع بين كلام الفريقين وإنه لا خلاف بينهما ويحمل قول من قال إنها ليست للعموم في هذه الحالة كما نقل عن الجرجاني والزمخشري أنه أراد ليست نصا فيه ويشهد لذلك أيضا، ما نقله الشيخ أبو حيان في (الارتشاف) عن سيبويه أنها لتأكيد الاستغراق مع الإعراب في قولك: ما جاءني من رجل.
تنبيهات:
الأول: ظاهر قوله: وظاهرا إن لم تبن، يتناول صورتين: العاملة عمل ليس وهو واضح، والداخلة عليها من، ولا خلاف أنها نص كما سبق.
الثاني: لا وجه لتخصيصه النفي، بل هي في سياق الشرط والاستفهام ونحوهما، كذلك قال تعالى: {من عمل صالحا فلنفسه} {وإن أحد من المشركين استجارك} وقالوا: هل رأيت أحدا ونحوه.
(2/674)

(ص) وقد يعم اللفظ عرفا كالفحوى {وحرمت عليكم أمهاتكم}
(ش) يستفاد العموم إما من جهة اللغة، أو العرف، أو العقل، ووجه الحصر: أنه إما أن يكون لفظا أو غير لفظ، واللفظ لا بد أن تكون دلالته على معناه، إما باصطلاح عام وهو اللغة، أو خاص وهو العرف، وما ليس بلفظ هو العقل، أي: فهم العموم بطريق العقل فالذي يدل عليه بالعرف شيئان.
أحدهما: الفحوى والمراد به مفهوم الموافقة إذا قلنا دلالته لفظية، فإن الحكم فيه إنما ثبت من طريق الأولى لأجل (أن العلة فيه أولى، ولكونه مساويا لأجل أن العلة اقتضت ذلك، وقد سبق في المفهوم تقرير) استفادته من العرف، وأنه رأي لم يرتضه المصنف.
(2/675)

الثاني: إضافة الحكم إلى الأعيان، كقوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم} فإن أهل العرف نقلوا تحريم العين إلى تحريم (97ب) جميع الاستمتاعات المقصودة من النساء فتفيد جميع الاستمتاعات من الوطء ومقدماته وقيل: إن التعميم فيه من باب الاقتضاء لأن تحريم الأعيان محال لقيام دليل العقل على أن الأحكام الشرعية إنما تتعلق بأفعال المكلفين دون أعيانهم فلا بد من إضمار يستقيم الكلام فيكون على الخلاف في عموم المقتضى، وقد يترجح بقولهم الإضمار، خير من النقل، كما في قوله تعالى: {وحرم الربا}.
(ص) وعقلا كترتيب الحكم على الوصف وكمفهوم المخالفة.
(ش) المفيد للعموم بطريق العقل شيئان:
أحدهما: ترتيب الحكم على الوصف، فإنه يشعر بكونه علة له، وذلك يفيد العموم بالعقل، على معنى أنه كلما وجدت العلة وجد المعلول، وكلما انتفت انتفى فهذا دل العقل لا باللغة ولا بالعرف.
وثانيهما: مفهوم المخالفة عند القائلين به كقوله صلى الله عليه وسلم: ((في سائمة الغنم الزكاة)). فيدل على انتفاء الوجوب في كل ما ليس بسائمة غنم، وهذا تابع فيه (المحصول) وأسقطه من (المنهاج) فلم يذكر غير المقالة الأولى وهو حسن
(2/676)

لأن دلالته مفهوم المخالفة لم يقل أحد إنها عقلية، بل الذي أختاره في (المعالم): أنه لا يدل على النفي بحسب اللغة، وإنما يدل عليه بحسب العرف العام، فيكون من القسم الأول، قال ابن السمعاني: هل دل عليه من حيث اللغة أو الشرع؟ على وجهين: أصحهما: الأول.
(ص) والخلاف في أنه لا عموم له لفظي.
(ش) قال الغزالي: المفهوم لا عموم له لأن العام لفظ والمفهوم ليس لفظ وأثبته الأكثرون لعموم موجبه كما سبق وإذا حرر محل النزاع لم يتحقق خلاف لأنه إن كان الخلاف في أن مفهومي الموافقة والمخالفة يثبت فيهما الحكم في جميع ما سوى المنطوق، من الصور أو لا، فالحق الإثبات وهو مراد الأكثرين والغزالي لا يخالفهم فيه لأنه من القائلين بأن المفهوم حجة، وإن فرض في أن ثبوت الحكم فيهما بالمنطوق أو لا، فالحق النفي وهو مراد الغزالي وهم لا يخالفون فيه ولا ثالث ههنا يمكن فرضه محلا للنزاع.
والحاصل أنه نزاع يعود إلى تفسير العام بأنه ما يستغرق في محل النطق أو ما يستغرق في الجملة وزعم بعضهم أن الغزالي يقول: إن المفهوم إن كان عن لفظ ثبوتي اقتضى المفهوم السلب فيكون للعموم وإن كان عكس ذلك فيكون غير عام والذي يشكل على الغزالي أنه جعل دلالة الالتزام لفظية، والمفهوم من جملة أقسامها، ومع ذلك لا يتجه فيه القول، بأنه لا يعم العلة التي ذكرها.
(ص) وفي أن الفحوى بالعرف والمخالفة بالعقل تقدم.
(ش) أي: فصل المفهوم وهو صحيح في الفحوى، وأما المخالفة فالمذكور
(2/677)

هناك أنه هل دل باللغة أو بالشرع أو بالمعنى، ولم يذكر العقل، وفسرنا هناك المعنى بالعرف العام فيرجع للتقسيم السابق.
(ص) ومعيار العموم الاستثناء.
(ش) أي: فإن الاستثناء إخراج ما لولاه لوجب دخوله في المستثنى منه فلزم أن تكون كل للأفراد واجبة الاندراج ولا معنى للعموم إلا ذلك وإنما قلنا بوجوب الاندراج، لأنه جائز بالاتفاق فلو لم يكن واجبا - أيضا - لكان يجوز الاستثناء من الجمع المنكر، لاشتراكهما في إمكان اندراج كل فرد من أفرادها تحته، فنقول: جاء رجال إلا زيد، وقد نص النحاة على منعه.
وقضية هذا التوجيه أن الاستثناء (98أ) إذا دخل على لفظ عام نقل دلالته على أفراده من الظهور إلى التنصيص وبه صرح بعضهم قال: وإلا لم يكن لتخصيص المستثنى فائدة، وقد أورد على المصنف دخول الاستثناء في مقادير الأعداد ولا عموم فيها، وأجاب بأنا لم نقل: كل مستثنى منه عام، بل قلنا: كل عام يقبل الاستثناء فمن أين العكس وفيه نظر.
واعلم أن هذا الأصل ليس متفقا عليه، فقد ذهب ابن مالك إلى أنه لا يشترط في صحة الاستثناء كونه من عام، بل يجوز من النكرة في الإثبات بشرط الفائدة نحو جاءني قوم صالحون إلا زيدا وخرج عليه الاستثناء من العدد نحو {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما} وقال ابن الدهان الاستثناء، إخراج بعض ما
(2/678)

يوجبه اللفظ من عموم ظاهر، أو عموم حكم، أو معنى يدل عليه اللفظ بعموم اللفظ، نحو: قام القوم إلا زيدا وعموم الحكم نحو: لا أكلمك إلا يوم الجمعة لأن لا أكلمك حكمه أن لا يكلمه أبدا، فيوم الجمعة داخل فيه، فأخرج بالاستثناء.
(ص) والأصح أن الجمع المنكر ليس بعام.
(ش) أي: بل يحمل على ثلاثة أو اثنين على الخلاف في أقل الجمع وقال الجبائي: يقتضيه كالمعرف وهو ضعيف، لأنه لو اقتضى الاستغراق لتعرف وهو
(2/679)

محال قال الهندي: والذي أظنه أن الخلاف في غير جمع القلة، وإلا فالخلاف فيه بعيد جدا، إذ هو مخالف على أنه للعشرة فما دونها قلت: وقضية كلام القاضي وغيره في النقل عن الجبائي أنه لا فرق فإنهم قالوا: جعل الجمع المنكر بمنزلة المعرف.
(ص) وإن أقل مسمى الجمع ثلاثة لا اثنان
(ش) أي: ولا يطلق على دون الثلاثة إلا مجازا وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه وأبي حنيفة - رضي الله عنه -.
(2/680)

وقال مالك: اثنان واختاره الأستاذ والغزالي محتجين بأن الجمع مشتق من اجتماع الشيء مع الشيء واحتج الأولون بأن لفظ الواحد يسلم في التثنية ولا يسلم في الجمع فلم يجز أن يتفق العدد فيهما مع اختلاف صيغة الجمع الموضوع لهما، وهذا إنما يتمشى في المكسر، أما الصحيح فلا، وأجابوا عما قاله الخصم من الاشتقاق بأنه مشتق من اجتماع الجماعة كما أن التثنية مشتقة من اجتماع الاثنين وفائدة قوله: مسمى، التنبيه على أن محل الخلاف في اللفظ المسمى بالجمع في اللغة كمسلمين ونحوه لا في المفهوم من لفظ الجمع لغة، وهو ضم شيء إلى شيء فإن ذلك في الاثنين والثلاثة وما زاد بلا خلاف ثم الخلاف في جمع القلة لا جمع الكثرة فإن أقله أحد عشر بإجماع النحاة كذا قالوا لكن قال الرافعي في فروع الطلاق: لو قال: إن تزوجت النساء أو اشتريت العبيد، فهي طالق، لم يحنث إلا إذا تزوج ثلاث نسوة أو اشترى ثلاثة أعبد، وكان ينبغي أن لا يحنث إلا بأحد عشر وقال الإمام في (البرهان) ذكر بعض الأصوليين من فوائد الخلاف، أن لو أقر بدراهم هل يحمل على ثلاثة أو على اثنين وما أظن أن الفقهاء يسمحون بهذا وهو عجيب فإن الخلاف عندنا حكاه الهروي في (الإشراف) وجهين بناء على هذا الأصل وذكره الماوردي في (الحاوي) أيضا.
(2/681)

(ص) وأنه يصدق على الواحد مجازا.
(ش) ذهب إمام الحرمين إلى أنه يصح رد لفظ الجمع إلى الواحد بشرط قيام قرينة تدل على أن المراد به واحد، وطرد ذلك في الاثنين من باب أولى ولهذا اقتصر المصنف على الواحد ومثله بقول الزوج وهو يرى امرأته تتصدى لناظر لها: تتبرجين للرجال، (98ب) ولم يرد إلا رجلا واحدا لأن مقصوده استواء الجمع والواحد من جهة أن الأنفة والحمية إنما منشؤها التبرج للجنس آحادا أو جمعا، والذي ينقسم منها في الواحد ينقسم منها في الجنس ولعل لفظ الجمع أوفق للغرض.
وقال: وإذا لم يكن في الكلام مثل هذه القرينة لم ينقدح حمل صيغة الجمع على الواحد، ثم إن تحقق عدمها فلا وجه للرد إليه، وإن تردد في اقترانها باللفظ توقف فيه قال المازري: يريد أنه لو لم يكن في طبيعة الكلام ما يحسن به القرينة ما جاز إطلاقه ولو اقترنت به القرينة ونازعه ابن عطاء الله في التمثيل فإن المتكلم
(2/682)

لم يطلق الرجال على واحد بل على جمع لظنه أنها ما تبرجت لهذا الواحد إلا وقد تبرجت لغيره فتبرجها للواحد سبب لإطلاق اللفظ، لا أن المراد برجال واحد ومثل القاضي عزيزي في (البرهان) مجيء الجمع والمراد الواحد بقوله تعالى: {وإني مرسلة إليهم بهدية} فالهاء والميم للجمع، والمراد به سليمان وحده، وكذا قوله {بم يرجع المرسلون} والرسول واحد بدليل قوله: {ارجع إليهم} وقوله: {مبرؤون مما يقولون} والمراد به أم المؤمنين وحدها، وفيها ثلاث كلمات للعموم، وهي: أولئك ومبرؤون ولهم مغفرة.
(2/683)

(ص) وتعميم العام بمعنى المدح والذم إذا لم يعارضه عام آخر وثالثها يعم مطلقا.
(ش) العام إذا تضمن معنى المدح أو الذم كقوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة} ونحوه، والمراد به مدح قوم وذم آخرين وتعلق به ذكر النقد، فهو عام نظرا للفظ، ولا تنافي بين قصد العموم والذم.
وقال الشيخ أبو حامد الإسفرائيني: إنه المذهب وقيل: ليس بعام نظرا لما قصد به ونسب للشافعي رضي الله عنه، ولهذا منع التمسك بآية الزكاة في وجوب زكاة الحلي لأن اللفظ لم يقع مقصودا له، وربما نقلوا عنه أنه قال: الكلام يفصل في مقصوده ويحمل في غير مقصوده وهذا الخلاف أطلقه المتأخرون.
(2/684)

والصواب أن محله إذا لم يعارضه عام آخر لم يقصد به المدح أو الذم. فإن عارضه يرجح الذي لم يسبق لذلك عليه بلا خلاف، قاله الشيخ أبو حامد، وابن السمعاني وغيرهما من أصحابنا وأطلق غيرهم الخلاف وطردوه في الحالتين، وحينئذ فيجتمع ثلاثة أقوال كما أشار إليه المصنف، ومثال المعارض قوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين} مع قوله تعالى {أو ما ملكت أيمانكم} فالأولى سيقت لبيان الحكم فقدمت على ما سياقها المنة بإباحة الوطء بملك اليمين، وبهذا رد الأصحاب على داود احتجاجه بالثانية على إباحة الأختين بملك اليمين.
وقال الشيخ عز الدين: ليس من هذا الباب العام المرتب على شرط تقدم ذكره بل يختص اتفاقا كقوله تعالى: {إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا} فالشرط المتقدم هو صلاح المخاطبين الحاضرين وصلاحهم لا يكون سببا للمغفرة لمن تقدم من الأمم قبلهم أو يأتي بعدهم، فإن قواعد الشرع تأبى ذلك، وأن صلاح كل أحد لا يتعداه لغفران غيره إلا أن يكون فيه سبب وههنا لا سبب فلا يتعدى فيتعين أن يكون المراد {فإنه كان للأوابين غفورا} فإن شرط الإجزاء لا يتعين جزاؤه على غيره، وهذه قاعدة لغوية شرعية، أما إذا لم يكن شرطا أمكن جريان الخلاف فيه.
تنبيه: هذه (99أ) المسألة متكررة مع قوله أول الباب: وغير المقصودة فإن القاضي عبد الوهاب لما حكى الخلاف في تعميمها مثل بآية الزكاة ووافق عليه
(2/685)

الشيخ تقي الدين في شرح (الإلمام) ولهذا حكى الأصفهاني في شرح (المحصول) الخلاف الذي نقله القاضي عبد الوهاب في غير المقصودة هنا، وبه يظهر العجب من المصنف في (منع الموانع) فإنه استغرب الخلاف في غير المقصودة حتى نقله عن (المسودة) الأصولية لابن تيمية.
(ص) وتعميم نحو: لا يستوون.
(ش) قوله تعالى: {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون} يقتضي نفي الاستواء من كل وجه حتى يستدل بها على أن الفاسق لا يلي عقد النكاح خلافا للحنفية وقد مثل الأصوليون هذه المسألة بقوله تعالى: {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هو الفائزون} فإن أصحابنا تمسكوا بها على أن المسلم لا يقتل بالكافر، لأن نفي الاستواء يقتضي نفي الاستواء من جميع الوجوه فلو قتل المسلم بالكافر لاستويا في شرعية القصاص إذ التقاضي مبني على
(2/686)

المساواة، قال المصنف: وإنما عدلت عن التمثيل بها إلى الآية الأولى، لأن قوله تعالى: {أصحاب الجنة هم الفائزون} قرينة أنه إنما أراد نفي المساواة في الفوز لا مطلقا بخلافه في الآية الأخرى، لكن يخدش فيه شيئان:
أحدهما: أن هذا يمكن أن يقال بمثله في لا يستوون لقوله تعالى بعدها: {أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات} الآيتين لكن هو في (لا يستوون) أبعد منه في (لا يستوي) لأنه في اثنين، الثاني: احتمال أن يكون المراد بالفاسق الكافر، فلا يدل على نفي ولاية الفاسق للنكاح وهي المسألة الخلافية نعم، هذا لا أثر له لأنه إن لم يدل على نفي ولاية الفاسق دل على نفي ولاية الكافر على ابنته وينبغي التمثيل أيضا بقوله تعالى في سورة آل عمران {ليسوا سواء} وفي سورة الجاثية: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء} على قراءة النصب وقوله تعالى في سورة الحديد {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل} وفي سورة الزمر: {هل يستويان} فليتأمل موارد هذه الآيات، وقد اختار المصنف أمرا خالف فيه المذهبين، واعتقد أن لفظ المساواة معناه المعادلة، والسواء العدل، وفلان لا يساوي فلانا، معناه: لا يعادله ولا يكون وزانه، ومنه قوله: وليس سواء عالم وجهول. وقوله واعلم علما أن تسليما وتركا للامتشابهات، ولا سواء أي لا يتعادلان ولا
(2/687)

قريبا من المعادلة.
وإذا كان معناه المعادلة والكفاءة فقولنا: فلانا لا يساوي فلانا، معناه: لا يكافئه أو يساويه فمعناه تكافئه نفيا وإثباتا وحينئذ يتوقف الاستدلال بالآية على عدم القصاص بين المسلم والكافر، وبالأخرى على عدم ولاية الفاسق على أنه ليس بكفء وإن الكفاءة معتبرة.
(ص) ولا أكلت.
(ش) الفعل المتعدي إذا وقع في سياق النفي مثل: لا آكل إذا اقتصر عليه، ولم يتعرض للمفعول فهو عام في معقولاته، فيعم المواكيل كلها، لأنها نكرة في سياق النفي وقال أبو حنيفة: لا يعم فلا يقبل التخصيص.
وتظهر فائدة الخلاف في أنه لو نوى به مأكولا معينا، قبل على الأول حتى لا
(2/688)

يحنث بأكل غيره بناء على عموم اللفظ له، فيقبل التخصيص ببعض مدلولاته ولا يقبل على الثاني تخصيصه به لأن التخصيص فرع العموم، ولا عموم فيه، فلو خصه 99 ب بمأكول لم يقبل ومأخذ النزاع أن المفعول به محذوف كسائر التعليقات أو مقدر أي: مذكور بالقوة وهو بعض فيقبل تفسير ذلك لأنه ضروري للفعل المتعدي دون غيره والاستعمال وارد بكل منهما إنما الكلام في الظهور، واختار في (المحصول) مذهب أبي حنيفة وقاس المفعول به على المفعول فيه، يعني أنه إذا قال: لا أكلت وأراد بعض الأزمنة أو بعض المواضع دون بعض، حنث، ولم يكن هذا اللفظ قابلا للتخصيص بالنية.
فوجب أن يكون المفعول به كذلك، وفرق الآمدي في (الإحكام)، وصاحب (التحصيل) بينهما، بأن تعلق الفعل بالمفعول به أقوى من تعلقه بالمفعول فيه، ولهذا قبل ذلك التخصيص ولم يقبله هذا وهذا الفرق مبني على أن الحكم في المفعول فيه
(2/689)

كذلك وقد خولف فيه الإمام، وقيل بقبول الفعل التخصيص في الزمان والمكان بالنية أيضا.
تنبيهان:
الأول: هذه هي المسألة السابقة في أن حرف النفي إذا دخل على النكرة عم لذاته، أو هو سلب الكلي، وهو القدر المشترك في الأكل، فإن قلنا بالثاني لم يقبل التخصيص، لأنه نفي الحقيقة وهو شيء واحد ليس بعام والتخصيص فرع العموم وإن قلنا بالأول عم فهذه المسألة فرع لتلك فذكرهما المصنف جمعا بين الأصل والفرع.
الثاني: علم من تمثيله تصوير المسألة بأن يكون الفعل متعديا غير مقيد بشيء وهو الذي ذكره الإمام، والغزالي والآمدي وغيرهم وعلى هذا لا يتناول الأفعال القاصرة لكن القاضي عبد الوهاب في كتاب (الإفادة) قال: الفعل في سياق النفي، هل يقتضي العموم؟ كالنكرة في سياق النفي، لأن نفي الفعل نفي لمصدره فإذا قلنا: لا يقوم فكأنا قلنا: لا يقام، وعلى هذا التصوير تعم المسألة القاصرة.
(ص) قيل وإن أكلت.
(ش) هذا الذي ضعفه هو الذي أورده ابن الحاجب فيسوي بين ما وقع في سياق النفي أو في سياق الشرط، نحو: إن أكلت فأنت طالق، لأن الشرط في معنى النفي، لأن المشترط لم يجزم بوقوع الشرط حيث جعله شرطا ولهذا تجعله النحاة في مقابلة الثبوت فإن الفعل في الشرط والاستفهام عندهم كل كلام غير موجب، وهو مبني على أن النكرة في سياق الشرط تعم، كهي في سياق النفي، وهو ما صرح به القاضي وإمام الحرمين، ومثله بقولك من يأتني بمال أكرمه، قال: ولا يختص
(2/690)

هذا بمال معين، قال المصنف في (شرح المنهاج): ومراده العموم البدلي لا الشمولي يعني فإنه لا يتوقف الجزاء على الإتيان بجميع الأموال بل يكفي واحد كما لو قال: إن رأيت رجلا فأنت طالق يقع برؤية واحد ولأجل هذا توقف المصنف ههنا في إلحاق الشرط بالنفي، وأن العموم في النفي بالشمول وفي الشرط بالبدل، وفهم الأبياري من كلام إمام الحرمين في الشرط أنه أراد عموم الشمول فقال: لو كان للعموم لما استحق الإكرام بمال واحد، بل كان مفتقرا للإتيان بجميع الأموال، كما لو قال: من يأتني بكل مال، وأما عموم الشرط فتوجه في حق كل آت بمال، لا بما تعلق به الشرط من المال.
(ص) لا المقتضى.
(ش) شرع في صور عدها بعضهم من العموم والصحيح فيها خلاف ذلك، فمنها: المقتضى سمي بذلك لأنه أمر اقتضاه النص وهو بكسر الضاد اللفظ الطالب للإضمار وبفتحها ذلك المضمر بعينه الذي اقتضاه الكلام تصحيحا له وهو المراد هنا فإذا كان الكلام لا يستقيم إلا بتقديرات متعددة، ليستقيم الكلام بكل واحد منها، فلا عموم له في مقتضاه (100أ) فلا يقدر الجميع بل يقدر واحد بدليل فإن لم يقم دليل معين لأحدهما كان مجملا مثل ((رفع عن
(2/691)

أمتي الخطأ والنسيان)). هذا ما اختاره الشيخ أبو إسحاق والغزالي وابن السمعاني والرازي والآمدي وابن الحاجب وغيرهم؛ لأن العموم من عوارض اللفظ والمقتضى معنى لا لفظ ولأن الضرورة تندفع بإثبات فرد ولا دلالة على إثبات ما وراءه فبقي على عدمه والأصلي بمنزلة المسكوت عنه ومقابله حكاه القاضي عبد الوهاب عن أكثر الشافعية والمالكية وصححه النووي في (الروضة) في كتاب الطلاق، نعم إذا تعين بدليل، فهو كالملفوظ وإن كان موضعه العموم، فعام، وإلا فلا.
تنبيه: جعل بعض الحنفية المسألة السابقة من فروع هذه أعني: لا آكل، أو إن أكلت، ومنعه بعضهم فإن قبوله للتخصيص بوجود المحلوف عليه في كل صورة لا لعموم المقتضى.
(ص) والعطف على العام.
(ش) أي: لا يقتضي عموم المعطوف عليه خلافا للحنفية حيث قالوا: إن
(2/692)

قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يقتل مسلم بكافر)) لو كان عاما للذمي لكان المقدر في قوله: (ولا ذو عهد في عهده) عاما ضرورة اشتراك المعطوفين وليس كذلك، إذ الكافر الذي لا يقتل به المعاهد إنما هو الحربي، وأجاب أصحابنا بأن اشتراك المتعاطفين في أصل الحكم لا في صفته، مع أن تعليل الإضمار هو الأصل، واعلم أن ترجمة المصنف، تقتضي أمورا:
أحدها: أن الحنفية يسلمون أن (بكافر) في قوله: ((لا يقتل مسلم بكافر)) - عام، وأنهم يقدرون في الثاني كذلك، وهو فاسد، فإن الحنفية يمنعون عموم الأول، ضرورة وجوب تقديره ثانيا، وذلك لاشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم وصفته.
(2/693)

والثاني: أنها تقتضي مطلق العطف سواء عطف العام على العام أو الخاص على العام وهو كذلك لكن تعميم المعطوف إذا كان عاما ليس من قبيل عطفه بل هو من جوهر لفظه.
الثالث: أنها عبارة تتجاوز المقصود لانطباقها على صورة لا خلاف فيها، كما لو قيل: ولا ذو عهد في عهد يجزي، وهذا لا يقول أحد فيه باقتضاء العطف على العام العموم وإن المقصود إنما هو بيان أن إحدى الجملتين إذا عطفت على الأخرى وكانت الثانية تقتضي إضمارا ليستقيم كقوله: (ولا ذو عهد في عهده) على قول الحنفية فإنه لا يستقيم عندهم بدون إضمار فهل يضمر ما تقدم ذكره أو ما يستقل به الكلام قالت الحنفية بالأول، فمن ثم عزي إليهم أن العطف على العام يقتضي عموم المعطوف.
وقال أصحابنا بالثاني ولما رأى ابن الحاجب ترجمة
(2/694)

المتأخرين مختلة عدل عنها وقال مثل قوله صلى الله عليه وسلم إلخ، ويمكن أن يقال: إن هذا جار مجرى اللقب فلا يضر تجاوز لفظه عن المقصود فيه.
(ص) والفعل المثبت، ونحو: كان يجمع في السفر.
(ش) فيه مسألتان: إحداهما: الفعل المثبت لا عموم له بالنسبة إلى الأحوال التي يمكن أن يقع عليها العموم لاحتمال أن يقع عليها أو على وجه واحد مع الاحتمال والشك لا يثبت العموم خلافا لقوم ومثاله قول الراوي: صلى داخل الكعبة، فلا يعم الفرض والنفل ولا يتعين إلا بدليل وهذا مبني على أصلي نحوي، وهو أن الأفعال نكرات والنكرة في سياق الإثبات لا تعم، وقد حكى الزجاجي إجماع النحاة على أن الأفعال نكرات، واحتج بأنها لا تخلو من
(2/695)

الفاعلين والفعل والفاعل جملة، والجمل نكرات كلها (100ب) ومن ثم امتنع الإضافة إلى الأفعال، لانتفاء فائدة الإضافة إليها، واحترز المصنف بقوله: المثبت، عن المنفي فإنه يعم وقد سبق أن الشرط في معناه على خلاف فيه، نعم المثبت إن كان في سياق الامتنان عم.
الثانية: نحو قوله:
كان يجمع بين الصلاتين في السفر لا يعم جمع التقديم والفرق بين هذا وبين الذي قبله، أن لفظة (كان) تدل عند قوم على تكرار الفعل بخلاف مطلق الفعل المثبت فلا يلزم من إنكار تعميم الأول تعميم الثاني، فلهذا جمع المصنف بينهما، نعم، إن قلنا: إن كان لا يقتضي تكرار الفعل، فهو من القسم الذي قبله وفيه ثلاثة مذاهب: صحح ابن الحاجب أنها تقتضيه قال:
(2/696)

وهذا استفدناه من قولهم: كان حاتم يقري الضيف وصحح في (المحصول) أنها لا تقتضيه لا عرفا ولا لغة وقال الهندي: إنه الحق وقال عبد الجبار يقتضيه في العرف لا اللغة فإنه لا يقال في العرف: فلان كان يتهجد، إذا تهجد مرة واحدة واعلم أن المصنف قد ذكر مسألة: قضى بالشفعة للجار في آخر التخصيص فلا تظنه أهلها.
(ص) ولا المعلق بعلة، لفظا، لكن قياسا خلافا لزاعمي ذلك.
(ش) إذا علق الشارع حكما على علة كما لو قال: حرمت الخمر لكونه مسكرا، هل يعم، حتى يؤخذ الحكم في جميع صور وجود العلة، فيعم كل مسكر على قول فإذا قلنا: يعم فعمومه بالشرع قياسا (أو باللغة يجتمع ثلاثة أقوال: أصحها أن عمومه بالشرع قياسا) بناء على الاشتراك في العلة، فإن ذكر الوصف عقب الحكم تفيد عليته والاشتراك في العلية، يوجب الاشتراك في الحكم فيكون الحكم عاما لعموم علته لا.
(2/697)

لأن اللفظ يفيد تعميمه وقال القاضي أبو بكر: لا يعم وقيل: يعم بالصيغة ومن أمثلته قوله صلى الله عليه وسلم في قتلى أحد: ((زملوهم بكلومهم ودمائهم، فإنهم يحشرون وأوداجهم تشخب دما)). فإنه يعم كل شهيد، وقوله: خلافا لزاعمي ذلك، راجع إلى المسائل الخمس من قوله: لا المقتضى إلى هذه المسألة.
(ص) وإن ترك الاستفصال ينزل منزلة العموم.
(ش) هذه العبارة للشافعي رضي الله عنه، وعليه اعتمد في صحة أنكحة الكفار في الإسلام على أكثر من أربع، فإن غيلان أسلم على عشرة فأمره النبي صلى الله عليه وسلم
(2/698)

بإمساك أربع ولم يسأله عن كيفية ورود العقد عليهن في الجمع والترتيب فكان إطلاق القول دالا على أنه لا فرق واستحسنه محمد بن الحسن، على خلاف ما يقوله أبو حنيفة، من أن العقد إذا ترتب، تعينت الأربع الأوائل ومقابل الأصح المقدر في كلام المصنف أنه مجمل فيبقى على الوقف، وصار إمام الحرمين إلى أنه يعم، إذا لم يعلم النبي صلى الله عليه وسلم بتفاصيل الواقعة، فإن علم فلا يعم، وكان تقييدا للأول؛ ولهذا قال في (المحصول) بعد حكاية قول الشافعي رضي الله عنه، وفيه نظر، لاحتمال أنه أجاب بعد أن عرف الحال واعلم أنه قد جاء عن الشافعي رضي الله عنه، ما يعارض هذه العبارة وهي قوله: حكايات الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال، وسقط بها الاستدلال ولهذا أثبت بعضهم
(2/699)

للشافعي رضي الله عنه، في المسألة قولين، وليس بشيء وجمع القرافي بين العبارتين بما لا يتحصل، والصواب حمل الثانية على الفعل المحتمل للوقوع على وجوه مختلفة فلا يعم، لأنه فعل والأولى على ما إذا أطلق اللفظ جوابا عن سؤاله فإنه يعم أحوال السائل لأنه قول، والعموم من عوارض الأقوال دون الأفعال.
(ص) وأن نحو: يا أيها النبي لا يتناول الأمة إلا بدليل.
(ش) الخطاب المختص بالنبي صلى الله عليه وسلم (101أ) نحو: {يا أيها النبي} {يا أيها الرسول} لا تدخل تحته الأمة، ولا يدخل الرسول تحت الخطاب المختص بالأمة بالإجماع، لا إذا دل الدليل على دخولهم تحته من قياس أو غيره، وحينئذ فيشملهم الحكم لا باللفظ، وقيل: يدخل في اللفظ فهو عام إلا بدليل يخرجه، ونقل عن أبي
(2/700)

حنيفة وأحمد واختاره إمام الحرمين.
(ص) ونحو يا أيها الناس يشمل الرسول عليه الصلاة والسلام وإن اقترن بقل وثالثها التفصيل.
(ش) الخطاب المتناول للرسول والأمة: كقوله: {يا أيها الناس}، {يا عبادي} يشملهما عند الأكثرين لصدق اللفظ عليه والثاني: لا يدخل تحته النبي صلى الله عليه وسلم لأجل الخصائص الثابتة له، والثالث: التفصيل بين أن يقترن بقل، فلا يشمله لأن
(2/701)

الأمر بالتبليغ قرينة عدم وطوله وإلا تناوله ونقل عن الصيرفي وزيفه إمام الحرمين وغيره.
(ص) وأنه يعم العبد والكافر.
(ش) فيه مسألتان:
إحداهما: أن الخطاب يا أيها الناس ونحوه، يعم الأحرار والعبيد اتباعا لموجب الصيغة، ولا يخرج العبد إلا بدليل ولا يلتحق بالبهائم من جهة ماليته، وكونه مملوكا لتوجه التكاليف عليه بالإجماع في الصلوات وغيرها، ونقله ابن برهان عن معظم الأصحاب وقيل: لا يدخلون إلا بدليل.
الثانية: أن يعم الكافر فلا يخرج إلا بدليل لأنه من الناس وبني آدم حقيقة والأصل عدم المخصص وقيل: لا يدخل، ولعله بناء على أنهم غير مكلفين وقد
(2/702)

سبقت قال الهندي: والقائلون بعدم دخول العبد والكافر إن زعموا أنه لا يتناولهما من حيث اللغة فهو مكابرة وإن زعموا التناول لكن الرق والكفر في الشرع يخصصهم فهو باطل للإجماع على أنهم مكلفان في الجملة.
(ص) ويتناول الموجودين دون من بعدهم.
(ش) الخطاب الوارد شفاها في عصر النبي صلى الله عليه وسلم كقوله: (يا أيها الذين آمنوا) (ويا أيها الناس) يختص بالموجودين حالة الخطاب، ولا يتناول من بعدهم أي لغة إلا بدليل منفصل من قياس أو غيره وقالت الحنابلة: بل هو عام بنفسه والخلاف لفظي للاتفاق على عمومه، لكن هل هو بالصيغة أو بالشرع، قياسا أو غيره.
(ص) وإن من الشرطية تتناول الإناث.
(2/703)

(ش) ويدل عليه قوله تعالى: {ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى} فدل التعبير بالذكر والأنثى عليه، وقوله تعالى: {ومن يقنت منكن لله ورسوله}.
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه)). فقالت أم سلمة: (فكيف يصنع النساء بذيولهن؟) صححه الترمذي.
فهمت أم سلمة دخول النساء في صيغة (مَنْ) وأقرها النبي ولأنه لو قال: من دخل داري فهو حر فدخلها النساء عتقن بالإجماع كما قاله في (المحصول) وقيل: يختص بالذكور لقولهم في الاستفهام منه ومنتان حكاه ابن الحاجب وغيره وأغرب ابن الدهان النحوي، فعزاه للشافعي رضي الله عنه، وإنما عزي
(2/704)

لبعض الحنفية وأنهم تمسكوا بذلك في مسألة المرتدة، فجعلوا قوله صلى الله عليه وسلم ((من بدل دينه فاقتلوه)) لا يتناول المؤنث وهنا أمور:
أحدها: تقييد المصنف الخلاف بالشرطية ذكره إمام الحرمين وهي تخرج الموصولة والاستفهامية وقال الصفي الهندي: الظاهر أنه لا فرق والخلاف جار في الجميع، واعتذر بعضهم عن الإمام بأنه إنما خص بالشرطية، لأنه لم يذكر الاستفهامية والموصولة في صيغ العموم.
الثاني: أن ابن الدهان النحوي، حكى الخلاف في أنها موضوعة للمذكر والمؤنث، أو أنها للمذكر أصل، يعني: ولا يمتنع استعمالها في المؤنث.
الثالث: أن هذا لا يختص ب (من) بل (ما) ونحوها (101 ب) مما لا يفرق فيه بين المذكر المؤنث وإن كان العائد فيه مذكرا كذلك.
(2/705)

(ص) وأن جمع المذكر السالم لا يدخل فيه النساء ظاهرا.
(ش) اللفظ إن اختص بالمذكر كالرجال أو بالمؤنث كالنساء لا يدخل أحدهما تحت الخطاب باللفظ المختص بالآخر. فإن تناولهما، جميعا وليس لعلامة التذكير والتأنيث فيه مدخل، كلفظ الناس دخل فيه كل واحد منهما اتفاقا وإن استعمل اللفظ فيهما لكن بعلامة التأنيث في المؤنث وبحذفها في المذكر وجوبا، وهو كلفظ: مسلمين ومسلمات، فاختلفوا فيه.
فذهب الجمهور إلى أن المؤنث لا يدخل في المجرد من العلامة نحو المسلمين ظاهرا إلا بدليل منفصل كما لا يدخل الرجال في لفظ المؤنث إلا بدليل وقال الشيخ أبو حامد وغيره: إنه مذهب الشافعي وقالت
(2/706)

الحنابلة بتناولهما ظاهرا، ولا يخرج عنه المؤنث إلا بدليل ورأى إمام الحرمين الدخول بالتغليب لا بأصل الوضع، فإن اللفظ لم يوضع له واقتضى كلامه تخصيص الخلاف في الخطابات الواردة في الشرع، لقرينة غلبة المشاركة في الأحكام الشرعية قال الصفي الهندي: واتفق الكل على أن المذكر لا يدخل تحته وإن ورد مقترنا بعلامة التأنيث وهذا يعلم من تخصيص المصنف الخلاف بالمذكور.
ووقع في بعض النسخ: وكذا المكسر وضميرها وهو استدراك على تصويرهم المسألة بالجمع السالم فإن المكسر كذلك، ولم أر لهم تصريحا بذلك بل رأيت في بعض المسودات أن جمع التكسير، لا خلاف في عدم الدخول فيه، ويشهد له ما لو وقف على بني زيد، فإنه لا يدخل فيه البنات نعم إن دلت قرينة على الدخول دخلن على الأصح، كما لو وقف على بني تميم أو هاشم فإن القصد الجهة.
(ص) وإن خطاب الواحد لا يتعداه وقيل: يعم عادة.
(ش) الخطاب الخاص لغة بواحد من الأمة، هل هو خطاب للباقين، الجمهور
(2/707)

على المنع وأنه لا يتعداه إلا بدليل منفصل وقيل: يعم بنفسه عادة وأشار المصنف بهذا القيد إلى أن القائلين بالتعميم لم يريدوا لغة، وإلا كان مكابرة فإن صيغة الواحد غير صيغة الجمع، بل أرادوا أن العادة تقتضيه، وقال إمام الحرمين: الخلاف لفظي وقال غيره: بل معنوي، وهو أنا نقول: الأصل ما هو، هل هو مورد الشرع أو مقتضى العرف.
(ص) وإن خطاب القرآن والحديث ب {يا أهل الكتاب} لا يشمل الأمة.
(ش) الخطاب الخاص بأهل الذمة نحو: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم} {يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا} ونحوه لا يشمل الأمة
(2/708)

إلا بدليل منفصل، لأن اللفظ قاصر عليهم كذا قاله المصنف ولكن جزم الشيخ مجد الدين في مسودته، بأنه يشملهم إن شركوهم في المعنى، وإلا لم يشملهم بمثابة خطابه لأهل أحد وعتابه لهم بقوله: {إذ همت طائفتان منكم} الآيات وخطابه لأهل بدر قوله: {فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا} وهو نظير خطابه لواحد من المكلفين: فإنه يثبت الحكم في حقه مثله قال: ثم الشمول ههنا، هل بطريق العادة العرفية أو الاعتبار العقلي فيه الخلاف، وعلى هذا يبنى استدلال الأئمة على حكمنا بمثل قوله: {أتأمرون الناس بالبر} الآية، فإن هذه الضمائر مرجعها لبني إسرائيل قال: وهذا كله في الخطاب على لسان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أما خطابه لهم على لسان موسى (102أ) أو غيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم فهي مسألة شرع من قبلنا والحكم ههنا لا يثبت بطريق العموم الخطابي قطعا، بل بالاعتبار العقلي عند الجمهور.
تنبيه: سكت المصنف عن عكسها، وهو أن الخطاب المختص بالمؤمنين، هل
(2/709)

يختص بهم؟ وحكى ابن السمعاني في الاصطلام عن بعض الحنفية الاختصاص ثم اختار أنه ثابت في حق الكل، وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} خطاب تشريف لا خطاب تخصيص، بدليل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا لله وذروا ما بقي من الربا} وقد ثبت تحريم الربا في حق أهل الذمة بالإجماع، قلت: وفيه نظر، لأن الكلام في التناول بالصيغة، لا بأمر خارج وهذه المسألة ترجع إلى أن الكفار هل هم مخاطبون بالفروع.
(ص) وأن المخاطب داخل في خطابه إن كان خبرا لا أمرا.
(ش) المخاطب بكسر الطاء، هل يدخل في خطابه، فيه مذاهب أحدها: يدخل مطلقا سواء كان خبرا أو أمرا أو نهيا لعموم الصيغة كقوله تعالى: {والله بكل شيء عليم} وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه دخل الجنة)). وقول القائل: من أحسن فأكرمه، أو فلا تهنه، كذا قاله في (المحصول)
(2/710)

وعزاه للأكثرين.
والثاني: لا يدخل نظرا للقرينة.
والثالث: التفصيل بين الخبر فيدخل تحته، أو الأمر فلا، وهو اختيار أبي الخطاب من الحنابلة قال: والفرق بينهما، أن الأمر، استدعاء الفعل على جهة الاستعلاء فلو دخل المتكلم تحت ما يأمر به غيره، لكان مستدعيا من نفسه مستعليا وهو محال وأكثر من نقل الخلاف في المسألة صورها بالأمر، للتنبيه على أنه في الخبر بخلافه فلهذا فصل المصنف بين الخبر فيدخل وبين الأمر فلا يدخل لأن كونه أمرا قرينة مخصصة، وقد ذكره في (المحصول) احتمالا له، والحق أنه إن كان وضع المسألة في أن ما وضع للمخاطب يشمل المتكلم وضعا فليس كذلك، سواء كان أمرا أم خبرا، وإن كان المراد حكما فمسلم إذا دل عليه دليل أو كان الوضع شاملا له، كألفاظ العموم، وعند هذا نقول: إن كان بلفظ المخاطبة
(2/711)

للمخاطبين كقوله: ((إن الله ينهاكم أن تحلفوا بأبائكم))، ((ولا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول)). فلا يدخل عليه السلام في الخطاب، لأن الصيغة مختصة بالمخاطب، ومن حكى فيه خلافا فقد شذ، وهو قريب من قول بعض الحنابلة: إن الخطاب مع الموجودين يتناول من بعدهم بغير دليل منفصل، بل لمجرد الخطاب الأول، وأما إذا كان بغير لفظ الخطاب كقوله: ((من نام فليتوضأ)). ((من أحيا أرضا ميتة فهي له)). والصحيح الدخول، وقد سبق من المصنف في باب الأوامر ما يخالف ما اختاره هنا وذكرنا ما فيه.
(ص) وإن نحو: {خذ من أموالهم صدقة} تقتضي الأخذ من كل نوع وتوقف الآمدي.
(ش) ما صححه المصنف نص عليه الشافعي رضي الله عنه، في (الرسالة) والبويطي، ونقله ابن برهان وغيره عن الأكثرين، وكذلك ابن
(2/712)

الحاجب ثم اختار خلافه، وأنه يكفي أخذ صدقة واحدة من جملة الأموال ونقل عن الكرخي وحجة (102ب) الجمهور، إضافتها إلى جمع أموال الجميع والجمع المضاف للعموم، وقول الكرخي قوي، لأن (من) للتبعيض المطلق والواحد من الجميع يصدق عليها ذلك وتوقف الآمدي فإنه قال في آخر المسألة: وبالجملة فهي محتملة، ومأخذ الكرخي دقيق وقال ابن حبان في (صحيحه) في حديث: ((ليس فيما دون خمس ذود صدقة، ولا فيما دون خمس أواق صدقة)).
(2/713)

وهذا بين أن المراد من قوله {خذ من أموالهم} مراد به بعض المال، إذ اسم المال يقع على ما دون الخمس من ذلك، وقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم إيجاب الصدقة عن ما دون الذي أخذ.
(2/714)

باب التخصيص
التخصيص: قصر العام على بعض أفراده.
(ش) لم يقل اللفظ العام ليتناول ما عمومه عرفي أو عقلي وكالمفهوم على ما سبق، فإنه يدخله التخصيص مع أنه ليس بلفظ، وإنما لم يقل بدليل، لأن القصر لا يكون إلا كذلك، وتناول ما أريد به جميع الأفراد أولا، ثم أخرج بعضها كما في الاستثناء وما لم يرد إلا بعض أفراده ابتداء، كما في غيره وعدل عن قول ابن الحاجب: على بعض مسمياته أي: أفراده، فإن مسمى العام واحد، وهو كل الأفراد، نعم من جملة الأفراد النادرة (وغير المقصود كما سبق أنهما يدخلان في العموم، فكان ينبغي تقييدها بالغالب، فإن القصد على الأفراد النادرة) ليس بتخصيص شرعي خلافا للحنفية كتأويلهم: أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها
(2/715)

فنكاحها باطل بحمله على المكاتبة أو المملولكة لندرة، هذا وظهور قصد العموم فيه واعلم أنه قال هنا قصر ثم قال: في الاستثناء إخراج، فقد يتوهم أن القصر ينافي الإخراج، وليس كذلك، بل القصر أعم منه، فكل إخراج قصر ولا عكس، وإن الإخراج يستدعي سبق الدخول أو تقديره والقصر قد يكون كذلك وقد يكون مانعا للدخول البتة وحاصله أن الإخراج لعين العام مخصوص أما القصر غير الإخراج فمراد به الخصوص.
(ص) والقابل له حكم ثبت لمتعدد.
(ش) الذي يقبل التخصيص هو الحكم الثابت لمتعدد إما من جهة اللفظ كقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} أو المعنى كالمفهوم وتخصيص العلة عند من
(2/716)

جوزه فلا يجوز التخصيص في الأفعال لأنه لا يدخلها عموم والتخصيص فرع العموم، وكذلك النص، والواحد لا يجوز تخصيصه لأن التخصيص إخراج بعض من كل ولا يعقل ذلك في الواحد، واعترض القرافي بأن الواحد يندرج فيه الواحد بالشخص وهو يصح إخراج بعض أجزائه بصحة قولك: رأيت زيدا، وتريد بعضه وإن تعذر إخراج بعض الجزئيات فينبغي التفصيل واعلم أن قوله: لمتعدد، قد يتوهم منافاته لتعريف العام باستغراق الصالح له من غير حصر ولا تنافي بينهما فإن التعدد لا ينافي عدم الحصر، فإن كل غير منحصر متعدد نعم ليس كل متعدد غير منحصر فقد أورد على هذا شيئان:
أحدهما: أسماء الأعداد، فإنها حكم ثبت لمتعدد مع أنها لا تقبل التخصيص فإن قلتم: تقبل التخصيص، لزم أن تكون عامة فبطل قولكم في حد العام من غير حصر.
والثاني: الجمع المنكر فإنه يقتضي ثبت لمتعدد (103أ) ولا يقبل التخصيص لأنه ليس بعام، وأجاب المصنف عن الأول: أن مدلول أسماء الأعداد واحد لا متعدد فإن التعدد في المعدود لا في اسم العدد، وعن الثاني بأنا لا نسلم أنه لا يقبل التخصيص، وقولك: لعدم عمومه، قلنا: هو صالح للعموم بقرينة لفظية أو معنوية ولا يلزم من قابلية التخصيص وقوع التخصيص فيه حال تنكيره وتجرده عن قرائن العموم، كما أن الإنسان قابل للثبوت على الراحلة، ولا يلزم خروج المغصوب عن حد الإنسان
(2/717)

(ص) والحق جوازه إلى واحد إن لم يكن لفظ العام جمعا، وإلى أقل الجمع إن كان وقبل مطلقا وشذ المنع مطلقا، وقيل بالمنع، إلا أن يبقى غير محصور، وقيل إلا أن يبقى قريب من مدلوله.
(ش) اختلف في ضابط القدر الذي لا بد من بقائه بعد التخصيص على مذاهب:
أحدها: التفصيل بين أن لا يكون لفظ العام جمعا، بل صالح للجمع والمفرد، مثل من، والألف واللام الداخلة على اسم الجنس المفرد، فيجوز التخصيص فيه إلى أقل المراتب الذي ينطلق عليها ذلك اللفظ المخصوص، وهو الواحد بل ادعى الشيخ أبو حامد أنه لا خلاف في هذا. وإن كان جمعا كالمسلمين، جاز التخصيص فيه حتى يبقى أقل الجمع إما ثلاثة أو اثنين على الخلاف فيه مراعاة لمدلول الصيغة وهذا التفصيل للقفال الشاشي.
قال المصنف: وما أظنه يقول به، في كل تخصيص ولا يخالف في صحة استثناء الأكثر، أي: الواحد، بل الظاهر أن قوله مقصور على ما عدا الاستثناء من التخصيصات بدليل احتجاج بعض أصحابنا عليه بقول القائل، علي عشرة إلا تسعة، ويحتمل أن يعم الخلاف، إلا أن الظاهر خلافه قلت:
(2/718)

الاستثناء إن كان من جمع أو ما في معناه كالقوم، فهو يشترط بقاء اسم الجمع كما صرح به وإن كان من عدد، فليس الكلام فيه، إذ لا عموم.
والثاني: يجوز في جميع ألفاظ العموم إلى الواحد، وهو قول الشيخ أبي إسحاق واستدل بقوله تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم} فإن المراد نعيم بن مسعود، الأشجعي.
(2/719)

والثالث: لا يجوز وروده إلا إلى أقل الجمع مطلقا حكاه ابن برهان.
والرابع: أنه لا بد من بقاء جمع غير محصور، وصححه الإمام الرازي والبيضاوي.
والخامس: لا بد من بقاء جمع يقرب من مدلول العام قبل التخصيص، وحكاه ابن الحاجب عن الأكثر، كذا جعل المصنف هذا المذهب غير الذي قبله، والظاهر أنه هو، وإنما اختلفت العبارة والمراد بقوله: يقرب من مدلول العام أن يكون غير محصور، فإن العام هو المستغرق له ويصلح له من غير حصر ولهذا قابله ابن
(2/720)

الحاجب بأقوال الحصر، حيث قال بعده: وقيل: يكفي ثلاثة، وقيل: اثنان، وقيل: واحد ووجهه أنه إذا بقي غير محصور كانت الصيغة باقية على عمومها في الباقي، ثم يتغير مدلول العام.
(ص) والعام المخصوص مراد عمومه تناولا لا حكما، والمراد به الخصوص ليس مرادا بل كلي استعمل في جزئي ومن ثم كان مجازا قطعا.
(ش) اعلم أن البحث عن التفرقة بين العام المخصوص، والعام الذي أريد به الخصوص من مهمات هذا العلم ولم يتعرض له الأصوليون، وقد كثر بحث المتأخرين فيه، ومنهم والد المصنف، وفرق بأن العام المخصوص هو أن يراد معناه في التناول لكل فرد، ولكن يخرج منه بعض أفراده، فلم يرد عمومه في الكل، حكما لقرينة التخصيص، والعام المراد به الخصوص هو أن (103ب) يطلق اللفظ العام ويراد به بعض ما يتناوله فلم يرد عمومه لا تناولا ولا حكما، بل كلي استعمل في جزئي، ولهذا كان مجازا قطعا، لما فيه من نقل اللفظ عن معناه إلى غيره واستعماله في غير موضوعه، وهذا إذا قلنا إن العام لا يدل على أفراده دلالة مطابقة فإن قلنا: يدل لم يتجه القول بأنه استعمل في غير موضوعه، بل هو كاستعمالنا المشترك في أحد معنييه، وهو استعمال حقيقي.
وقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: مما يجب أن يتنبه له الفرق بين قولنا: هذا عام أريد به الخصوص، وبين قولنا هذا عام مخصوص، فإن الثاني أعم من الأول، ألا ترى أن المتكلم إذا أراد باللفظ أولا ما دل عليه ظاهره من العموم ثم أخرج بعد ذلك بعض ما دل عليه اللفظ كان عاما مخصوصا، ولم يكن عاما أريد به الخصوص، ويقال: إنه منسوخ بالنسبة إلى البعض الذي أخرج،
(2/721)

وهذا يتوجه إذا قصد العموم وفرق بينه وبين ألا يقصد الخصوص، بخلاف ما إذا نطق باللفظ العام مريدا به بعض ما يتناوله في هذا.
(ص) والأول الأشبه حقيقة وفاقا للشيخ الإمام والفقهاء، وقال الرازي: إن كان الباقي غير منحصر وقوم إن خص بما لا يستقل وإمام الحرمين حقيقة ومجاز باعتبارين تناوله والاقتصار عليه والأكثر مجازا مطلقا، وقيل: إن استثنى منه وقيل إن خص بغير لفظ.
(ش) قد سبق أن العام الذي أريد به الخصوص مجازا بلا خلاف، وأما المخصوص وهو المراد بالأول فقد اختلف هل يكون في الثاني حقيقة؟ على
(2/722)

مذاهب.
أحدها: نعم، وقال الشيخ أبو حامد إنه مذهب الشافعي وأصحابه، ومن حجتهم أن الواضع وضعه للدلالة على الجميع، فلا تبطل دلالته على الباقي بخروج البعض بدليل وإذا دل وجوب كون دلالته حقيقة عملا بالوضع الأول فهو الأصل، فإنه بخروج البعض لم تبطل دلالته على البعض الخارج أيضا من حيث الصيغة، بل عمل بالدليل الخاص، وترك العمل بالعموم فيها.
الثاني: وبه قال أبو بكر الرازي، حقيقة إن كان الباقي غير منحصر أي في كثرة لعسر العلم بعددها وإلا فمجاز.
والثالث: وبه قال أبو الحسين وغيره، حقيقة، إن خص بما لا يستقل بنفسه من شرط أو صفة أو استثناء أو غاية، فإن خص بمستقل من سمع أو عقل فمجاز.
والرابع: وبه قال إمام الحرمين حقيقة في تناول ما بقي مجاز في الاقتصار عليه.
والخامس: أنه مجاز مطلقا، لأنه حقيقة في الاستغراق، فلو كان حقيقة
(2/723)

في البعض لزم الاشتراك والمجاز خير منه، ونقله الإمام الرازي وغيره عن الأكثرين، واختاره ابن الحاجب والبيضاوي.
والسادس: مجاز إن استثنى منه حقيقة إن خص بشرط أو صفة.
والسابع: مجاز إن خص بغير لفظ، حقيقة إن خص بدليل لفظي اتصل وانفصل.
تنبيهان:
الأول: هذه المذاهب حكاها ابن الحاجب في (المختصر) وعزا السادس منها إلى عبد الجبار، إلا أنه وقع فيها إبهام احترز عنه المصنف، فإن عبارة المختصر: عبد الجبار
(2/724)

إن خص باستثناء أو صفة وشرحوه على أنه إن خص بشرط أو صفة فهو حقيقة وإن خص باستثناء أو غيره فمجاز، فأما شرحهم أنه في الشرط والصفة حقيقة فصحيح، وأما أنه في الاستثناء وغيره مجاز، فصحيح بالنسبة إلى الاستثناء لا غير، فإن غيره من المتصلات الغاية، ولا يحفظ عن عبد الجبار فيهما (104أ) نقل إنما الذي يحفظ أنه في الشرط والصفة حقيقة في الاستثناء مجاز سكت عن الغاية كذا نقله عنه أبو الحسين في (المعتمد) فقال ما نصه: وقاضي القضاة قال: يكون مجازا إلا أن يكون مخصصه شرطا أو تقييدا بصفة وجعله مجازا بالاستثناء انتهى. فلهذا سلم المصنف من ذكر الغاية، فإنه اقتصر على أنه إذا استثنى منه فهو مجاز فأما إذا لم يستثن فلم يصرح فيه بشيء، وحكمه أنه في الصفة والشرط حقيقة وفي (الغاية) لا نحفظه منقولا.
الثاني: أهمل المصنف مذهب القاضي المنقول في (المختصر)، قصدا لكونه لم يصح عنه، وأن الثابت عنه قولان أولهما كونه مجازا مطلقا والثاني: وهو الموجود في كلامه، أنه إن خص بما لا يستقل به من شرط أو صفة أو غاية، أو استثناء فهو حقيقة، أو بمستقل من سمع أو عقل فمجاز.
(ص) والمخصص، قال الأكثر: حجة، وقيل: إن خص بمعين، وقيل: بمتصل وقيل: إن أنبأ عنه العموم وقيل: في أقل الجمع، وقيل: غير حجة مطلقا.
(ش) العام بعد التخصيص هل يبقى حجة فيما لم يدخله التخصيص؟ فيه مذاهب:
(2/725)

أحدهما: أنه حجة مطلقا سواء خص بمعين، كما لو قال: اقتلوا المشركين (إلا زيدا، أو بمبهم كاقتلوا المشركين) إلا بعضهم لأن أكثر المعمومات مخصوصة، ولم تمنع الأئمة من الاحتجاج بها.
والثاني: أنه حجة إن خص بمعين، وليس بحجة إن خص بمبهم لإجماله وهو طريقة المعظم، وكلام المصنف يقتضي أن الأكثر على أنه حجة وإن خص بمبهم، وهو فيه متابع لابن برهان في (الوجيز) فإنه قال: العام إذا دخله التخصيص لم يصر مجملا.
وقال عيسى بن أبان: إن كان التخصيص بدليل مجهول صار مجملا، انتهى. وفيه رد على الآمدي وغيره ممن خص الخلاف بالمعين.
وقال في (المبهم): إنه لا خلاف أنه ليس بحجة، وإذا ثبت أن الخلاف جار في العام المخصوص مطلقا،
(2/726)

مبهما أو معينا، جاء قول بالتفصيل بينهما كما أورده المصنف.
والثالث: حجة إن خص بمتصل كالشرط والاستثناء وإلا فلا قاله الكرخي.
والرابع: حجة إن أنبأ عنه العموم قبل التخصيص وإلا فلا، مثاله {فاقتلوا المشركين} فإنه ينبئ عن الحربي إنباءه عن الذمي، بخلاف {والسارق والسارقة فاقطعوا} فإنه لا ينبئ عن كون المال في نصاب السرقة هو الرابع ومخرجا من حرز، فإذا بطل العمل به في صورة انتفائهما لم يعمل به صورة وجودهما.
والخامس: يجوز التمسك به في أقل الجمع، ولا يجوز فيما زاد عليه، قال الهندي: وهذا يشبه أن يكون قول من قال: لا يجوز التخصيص إلى أقل الجمع.
والسادس: أنه غير حجة مطلقا، ونسب لعيسى بن أبان وأبي ثور ومرادهم أنه يصير مجملا وينزل منزلة ما إذا كان المخصوص مجهولا، فلا يستدل
(2/727)

به في بقية المبهمات إلا بدليل كذا قاله الشيخ أبو إسحاق وغيره.
(ص) ويتمسك بالعام في حياة النبي صلى الله عليه وسلم قبل البحث عن المخصص وكذا بعد الوفاة خلافا لابن سريج.
(ش) أي: حيث أوجب التوقف فيه حتى ينظر في الأصول التي يعرف منها الأدلة، فإن ظفر بتخصيصه عمل به وإلا اعتقد عمومه وعمل بموجبه، والمذهب وجوب العمل به حتى يبلغه التخصيص، لأن الأصل عدم المخصص، ولأن احتمال الخصوص مرجوح، وظاهر خصوص صيغة العموم راجح، والعمل بالراجح واجب بالإجماع، وكما نقول في المنسوخ سواء. وقد هم عثمان رضي الله عنه،
(2/728)

برجم التي ولدت لستة أشهر وأمر عمر رضي الله عنه، برجم مجنونة عملا بالعمومات، حتى نهاهما علي رضي الله عنه، بالنص (104ب) الخاص واعلم أن اقتصار المصنف على ابن سريج تابع فيه (المحصول) و (المنهاج) وقد حكاه الشيخ أبو حامد الإسفرائيني والشيخ أبو إسحاق وغيرهما من عامة أصحابنا سوى الصيرفي وهذه الطريقة أصح من طريقة الآمدي وابن الحاجب، فإنهما حكيا الإجماع على امتناع التمسك بالعام قبل البحث عن المخصص، ومنهم من جمع بينهما وجعلهما مسألتين: وجوب العمل وهو موضع المنع، واعتقاد العموم وهو موضع الخلاف، ويأبى هذا تعبير المصنف بالتمسك، ونبه على فائدة أخرى وهي
(2/729)

تخصيص الخلاف بما إذا ورد الخطاب العام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أما في عهده فتجب المبادرة إلى الفعل واجراؤه على عمومه بلا خلاف وبذلك خرج الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني في كتابه ولا يختص هذا الخلاف بالعموم، بل يجري في كل دليل مع معارضه كما قال ابن الحاجب.
(ص) ثم يكفي في البحث الظن خلافا للقاضي.
(ش) إذا أوجبنا البحث فقيل: يبحث إلى أن يغلب على الظن عدم المخصص ونقله الآمدي عن الأكثر، وابن سريج، وذهب القاضي وجماعة إلى أنه لا بد من القطع بعدمه قال: ويحصل ذلك بتكرير النظر والبحث واشتهار كلام العلماء فيه من غير أن يذكر أحد منهم مخصصا وحكى الغزالي قولا ثالثا: أنه لا يكفي الظن ولا يشترط القطع، بل لا بد من اعتقاد جازم وسكون النفس بانتفائه.
(ص) المخصص قسمان:
(ش) المخصص حقيقة، هو: إرادة المتكلم ويطلق على الدال على الإرادة مجازا، وهو المراد هنا. ثم هو إما منفصل أو متصل، لأنه إما أن يستقل بنفسه كالمنفصل أو لا، بل تعلق معناه باللفظ الذي قبله كالمتصل.
(2/730)

(ص) الأول المتصل وهو خمسة (أشياء الأول) الاستثناء وهو الإخراج بإلا أو إحدى أخواتها.
(ش) نوع الجمهور المتصل أربعة أنواع، وزاد ابن الحاجب - وتبعه - المصنف خامسا:
فالأول: الاستثناء وعرفه بما ذكره فقوله: إخراج جنس يندرج تحته كل المخصصات وقوله: (بإلا) أخرج منه ما عدا الاستثناء.
وقوله: أو إحدى أخواتها أي: مثل: خلا وعدا وحاشا.
(2/731)

وخص إلا بالذكر لأنها أصل أدوات الاستثناء وإنما عبر بأو، للتنبيه على فساد تعبير المنهاج بالواو، كما قاله في شرحه، والعذر له جعلها بمعنى أو، لأن الاستثناء لا يكون بالمجموع بل بواحد منها، ولم يحتج إلى تقييد إلا بغير الصفة احترازا عن الصفة كقوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} كما فعل في المنهاج لأن السابق إلى ذهن السامع عند ذكر إلا، معنى الاستثناء فأغنى ذلك عن الاحتراز لا سيما مع تقدم ذكر الإخراج، كذا اعتذر الشيخ جمال الدين بن مالك في (شرح الكافية) عمن لم يقيد، وهو مصرح بأن إلا التي للصفة لا إخراج فيها، وسيأتي تحقيق معناه، وقوله: (بإلا أو إحدى أخواتها) فخرج ما لو قال: علي ألف استثنى مائة أو أحط، وفيه وجهان في (الحاوي) للماوردي:
أحدهما: أنه استثناء صحيح، لأنه صرح بحكمه فأغنى عن لفظه.
والثاني: لا يصح، لأنه واعد بالاستثناء إذ قال أستثني وأحط من بغير استثناء أو قال أحط.
(ص) من متكلم واحد وقيل مطلقا.
(ش) اعتبر بعض الأصوليين في الاتصال كونه من متكلم واحد، فيخرج ما
(2/732)

لو قال الله تعالى {فاقتلوا المشركين} فقال النبي صلى الله عليه وسلم على الاتصال: ((إلا الذميين)) فهو منفصل وقيل: منقطعا، ونزلوا استثناء النبي صلى الله عليه وسلم منزلة الاستثناء المصرح به في كلام الله تعالى وجعلوه (105أ) متصلا، وكان ينبغي للمصنف تأخير هذا الخلاف عن ذكر الاتصال، وهو في ترجيح الأول متابع للهندي.
وقال القاضي أبو بكر في (التقريب): إنه الصحيح لكن مأخذه في ذلك البناء على ما رآه أن من شرط الكلام صدوره من ناطق واحد حتى لو قال القائل مثلا: زيد، فقال آخر: قائم لم يكن كلاما، وقد زيف ابن مالك هذه المقالة وقال: بل هو كلام، لاشتماله على حد الكلام، وليس اتحاد الناطق معتبرا، كما لم يجب اتحاد الكاتب معتبرا في كون الخط خطا، وللقاضي أن يمنع اشتماله على حد الكلام.
وقوله: (فإنه لو اصطلح رجلان إلى آخره) ليس مثله فإنه إذا كتب رجل (زيد) سمى هذا خطا، ولو لم يكتب معه غيره، بخلاف ما إذا قال: (زيد) فإنه ليس كلاما فافترقا، ثم ولو كتب مع زيد فاضل ونحوه من كاتب آخر يمتنع كون المجموع خطا، بل هما خطان بحسب الحقيقة، ثم قال: فإن قيل: لو كان كلاما لترتب عليه ما ترتب عليه من نطق الواحد من إقرار وتعديل وتجريح وقذف وغير ذلك وذلك منتف فبطل كونه كلاما يترتب عليه ما ترتب عليه من نطق الواحد وأجاب بأن انتفاء ترتيب الحكم على الكلام لا يمنع كونه كلاما، فإن بعض الكلام صريح وبعضه غير صريح فنطق المصطلحين، وإن كان كلاما فهو غير صحيح، لأن السامع لا يعلم ارتباط أحد جزئيه بالآخر، كما يعلم ذلك من نطق الواحد، فلذلك اختلفا في الحكم، وما ذكره من انتفاء ترتب الحكم عليه يوافقه ما في الرافعي لو
(2/733)

قال لي عليك مائة، فقال: لا درهما، لم يكن مقرا بما عدا المستثنى على الأصح.
(ص) ويجب اتصاله عادة وعن ابن عباس إلى شهر، وقيل: سنة وقيل: أبدا، وعن سعيد بن جبير أربعة أشهر، وعطاء والحسين في المجلس ومجاهد سنتين، وقيل: ما لم يأخذ في كلام آخر، وقيل: بشرط أن ينوي في الكلام، وقيل يجوز في كلام الله فقط.
(ش) يشترط في الاستثناء أن يكون متصلا بالمستثنى منه عادة وإلا لما استقر عتق ولا طلاق ولا حنث لجواز الاستثناء بعده ولأن المستثنى منه في حكم الجملة الواحدة واحترز بقوله: (عادة) عما إذا طال الكلام، فإن ذلك لا يمنع صحة الاستثناء كما قاله الإمام وكذلك قطع الكلام بالنفس والسعال، ونقل عن ابن عباس: أنه لا يشترط الاتصال.
واختلف النقل عنه على ثلاث روايات، فقيل يجوز
(2/734)

تأخيره إلى شهر وقيل: سنة وقيل: أبدا، وعن سعيد بن جبير إلى أربعة أشهر وعن عطاء والحسن أنهما جوزا الاستثناء ما دام في المجلس، حكاه الشيخ أبو إسحاق وعن مجاهد سنتين وقيل: يجوز ما لم يأخذ في كلام
(2/735)

آخر وقيل: يشترط أن ينوي في الكلام وعلى هذا نزل القاضي مذهب ابن عباس فقال: لعل مراده - إن صح النقل - ما إذا نوى الاستثناء متصلا بالكلام، ثم أظهر نيته بعده فإنه يدين.
وقول المصنف في الكلام أعم من أن تكون النية قبل الفراغ أو من أو من اللفظ والأصح اشتراطه قبل الفراغ وإنما لم يذكر المصنف هذا لأنها مسألة فقهية لا تشتد حاجة الأصولي إليها وليست (قيل) هنا في كلامه للتمريض وإنما يكون إذا قوبل بمذهب مختار وقال قوم بصحة الاستثناء المنفصل في كتاب الله دون غيره وحمل بعضهم مذهب ابن عباس عليه وأنه جوز ذلك في استثناءات القرآن.
سؤال: لو قال له: علي ألف إلا شيئا، رجع في تفسير الشيء إليه (105ب) وقد استشكل على اشتراط اتصال الاستثناء حيث قبل منه التفسير المنفصل عن اللفظ، والجواب: ليس أصل الاستثناء كالتفسير، لأن الاستثناء لفظ ظاهره الإسقاط، فإذا
(2/736)

اتصل جعل منعا لابتداء الوجوب، إذ الكلام بآخره، وإذا انفصل تمحص ابتداء إسقاط فكان مردودا.
فأما اللفظ المجمل فيجوز إن تراخى تفسيره عن وقت وروده، كألفاظ الشريعة، قال الروياني: وعلى هذا قال أصحابنا: لو فسر المجمل تفسيرا غير مقبول فأراد أن يستأنف تفسيرا آخر مكن منه، ولو وصل بالأصل استثناء يرفع الجميع ثم أراد أن يستثني مرة أخرى لم يمكن.
(ص) أما المنقطع فثالثها متواطئ والرابع مشترك والخامس الوقف.
(ش) المراد بالمنقطع عندهم: ما كان من غير الجنس كقولك: ما بالدار أحد إلا الحمار، وقد اختلف فيه: هل هو استثناء حقيقة أو مجازا والأكثرون
(2/737)

على أنه مجاز فيه ولهذا لا يحمل العلماء الاستثناء على المنقطع إلا عند تعذر المتصل.
والثاني: أنه حقيقة؛ لأنه استعمل والأصل في الإطلاق الحقيقة.
والثالث: أنه متواطئ أي بقول بالاشتراك المعنوي على المتصل والمنقطع.
والرابع: بالاشتراك اللفظي بكونه موضوعا لكل واحد منهما أولا إذا لا قدر مشترك بينهما فإن المتصل إخراج والمنفصل يختص بالمخالف من غير إخراج.
الخامس: الوقف وهو من زوائده على المختصر، ولم يذكره في شرحه، ولا يخفى ما في التعداد من التداخل فإن أحدهما مجاز والآخر حقيقة واختلف القائلون به، هل هو حقيقة على سبيل التواطؤ أو على سبيل الاشتراك؟ واعلم أن المصنف لم يذكر حد المنقطع، وذكر ابن الحاجب على القول بالاشتراك والمجاز أنه لا يمكن جمع الاستثناء المتصل والمنقطع في حد واحد، لأن أحدهما مخرج من حيث المعنى والآخر غير مخرج وإذا اختلفا في الحقيقة بعد رجعهما بحد واحد، نعم يمكن حدهما بحد واحد باعتبار اللفظ وهو أن يقال: هو المذكور بعد إلا وأخواتها وفيما قاله نظر، فإن صحة تعريف المطلق لا يفتقر إلى ذكر جميع أنواعه في التعريف حتى يمنع اختلاف حقيقة نوعي المستثنى عن تعريف المستثنى من حيث هو.
(ص) والأصح وفاقا لابن الحاجب: أن المراد بعشرة في قولك: عشرة إلا ثلاثة العشرة باعتبار الأفراد ثم أخرجت ثلاثة، ثم أسند إلى الباقي تقديرا وإن كان قبله ذكرا. وقال الأكثر: المراد سبعة، و (إلا) قرينة، وقال القاضي: عشر إلا ثلاثة، بإزاء اسمين مفرد ومركب.
(2/738)

(ش) اختلف في تقدير دلالة الاستثناء على مذاهب.
أحدها، وبه قال ابن الحاجب: أن المستثنى منه يراد به أفراده ولكن لا بحكم الإسناد حتى يخرج منه ما يريد إخراجه بالأداة فإذا أخرج منه ما أراد فحينئذ بحكم الإسناد فإذا قال له علي عشرة إلا ثلاثة فالمراد بالعشرة عشرة باعتبار أفراده ولكن لا بحكم إسناد الخبر، وقوله إلى المبتدأ وهو عشرة إلا بعد إخراج الثلاثة منه، ففي اللفظ استند إلى عشرة، وفي المعنى استند إلى سبعة والإسناد بعد الإخراج فلم يسند إلا إلى سبعة، وعلى هذا فليس الاستثناء مبينا للمراد بالأول بل به يحصل الإخراج.
والثاني: وعزي للأكثر، أن المراد بعشرة: سبعة، و (إلا) قرينة تبين أن الكل استعمل وأريد الجزء مجازا وعلى هذا فالاستثناء مبين لغرض المتكلم بالمستثنى منه، فإذا قال: علي عشرة كان (ظاهرا في الجميع، فإذا قال: إلا ثلاثة فقد بين أن مراده) بالعشرة سبعة فقط (106أ) كما في سائر التخصيصات.
(2/739)

والثالث: أن المستثنى والمستثنى منه جميعا وضعا لمعنى واحد، وهو ما يفهم من الكلام آخرا، حتى كأن العرب وضعت اسمين لمعنى السبعة، أحدهما مفرد وهو السبعة والثاني مركب وهو عشرة إلا ثلاثة.
تنبيهان:
الأول: أصل الخلاف في هذه المسألة إشكال معقولية الاستثناء لأنك إذا قلت: جاء القوم إلا زيدا، فلا يخلو إما أن يكون زيد دخل في القوم أم لا، فإن لم يكن دخل، فكيف صح إخراجه، وقد أجمع أهل العربية على أن الاستثناء إخراج وإن كان قد دخل فقد تناقض الكلام، لأنك أثبته أولا، ثم نفيته، وذلك يؤدي إلى أن لا يكون الاستثناء في كلام إلا وهو كذب من أحد الطرفين وهو باطل لاشتمال القرآن عليه. ولهذه الشبهة فر القاضي إلى مذهبه السابق، وقال: لا إخراج فيه فعورض بإجماع أهل العربية على أن الاستثناء إخراج ما بعد ذكر (إلا) مما قبلها، وإجماعهم حجة في تفاصيل العربية، وصار ابن الحاجب إلى ما سبق، وقال: إنه يرفع الإشكالين.
قال في (شرح المفصل): ولا يحكم بالنسبة إلى بعد كمال ذكر المفردات في كلام المتكلم فإذا قال المتكلم: قام القوم إلا زيدا، فهم القيام أولا بمفرده وفهم القوم بمفرده وإن فيهم زيدا، وفهم إخراج زيد منه، بقوله: إلا زيدا، ثم حكم بنسبة القيام إلى هذا الفرد الذي أخرج منه، وقد يحصل الجمع بين المسالك المقطوع بها على وجه يستقيم وهو أن الإخراج حاصل بالنسبة إلى المفردات وفيه توفية بإجماع النحويين، وتوفية إنك ما نسبت إلا بعد أن أخرجت زيدا، ولا يؤديى إلى المناقضة المذكورة، قلت: لكن فيه مخالفة لمذهب سيبويه وجمهور البصريين أن المستثنى لم يندرج في الاسم المستثنى منه ولا في حكمه، ومذهب الكسائي لا يندرج في المستثنى منه
(2/740)

وهو مسكوت عنه فإذا قلت: قام القوم إلا زيدا فزيد يحتمل أنه قام وأنه لم يقم، وذهب الفراء إلى أن زيدا، لم يخرج من القوم، وإنما خرج وصفه من وصفهم، نبه على هذا الاستدراك إمام العصر القاضي محب الدين - برد الله مضجعه.
الثاني: ينشأ من هذا الخلاف خلاف في عد الاستثناء من المخصصات فعلى قول القاضي ليس بتخصيص وعلى قول الأكثرين تخصيص، لأن اللفظ قد أطلقه البعض إرادة وإسنادا وأما على قول ابن الحاجب فمحتمل لكونه أريد الكل وأسند إلى البعض، كذا قاله ابن الحاجب، وينبغي القطع بأنه ليس بتخصيص لأن التخصيص شرطه الإرادة المتعارفة وهي منتفية إلا في قصد الاستثناء كما سبق، وتظهر فائدة الخلاف في كون الاستثناء مبينا، أم لا، ما لو قال: أنت طالق ثلاثا إلا واحدة، ووقع الاستثناء بعد موتها، فإن قلنا: ليس ببيان، طلقت ثلاثا وإلا فثنتان.
(2/741)

(ص) ولا يجوز المستغرق خلافا لشذوذ.
(ش) أي سواء في العدد وغيره، فلو قال: عشرة إلا عشرة أو اقتلوا المشركين إلا المشركين، لم يصح لأن الاستثناء من أنواع التخصيص، وكما لا يجوز أن يرفع التخصيص جميع ما تقدم، كذلك الاستثناء وادعى جماعة منهم الآمدي وابن الحاجب الإجماع عليه وأشار المصنف بالشذوذ إلى ما حكاه القرافي في (المدخل) لابن طلحة في: أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا - قولين في اللزوم، وقد رأيتهما
(2/742)

فيه فعدم اللزوم يقتضي تصحيح الاستثناء المستغرق ويقرب من ذلك ما نقله الشيخ أثير الدين عن الفراء: أنه يجوز أن يكون أكثر، ومثله بقوله: علي ألف إلا ألفين، قال إلا أنه (106ب) يكون منقطعا، وقريب منه ما حكاه المحاملي في التجريد، إذ قال: له علي ألف إلا ثوبا وفسر الثوب بما قيمته ألف فيه وجهان: (أصحهما بطلان التفسير والاستثناء والثاني: يبطل التفسير فقط فيطالب ببيان صحيح، وليس لنا وجه بصحة التفسير أيضا، فيكون مستغرقا كما يوهمه إيراد المصنف، وهذا إذا كانت الصيغة ألف درهم، كما عبر به في (الروضة) أما لو كان التعبير بألف منكر، كما نقله المصنف عن (التجريد) فإنه يطالب بتفسيرها كما قال الرافعي، فإن فسرها بالثياب كان من الجنس وإلا فلا) وينبغي تقييد محل الإجماع بما إذا اقتصر عليه، فلو عقبه باستثناء آخر، فالخلاف فيه ثابت عندنا فيما إذا قال: علي عشرة إلا عشرة إلا ثلاثة، فقيل: يلزمه عشرة، فإن الاستثناء الأول لم يصح، وقيل: يلزمه ثلاثة، واستثناء الكل من الكل إنما لا يصح إذا اقتصر عليه، أما إذا عقبه باستثناء صحيح فيصح، وهذا هو الصحيح والثالث: يلزمه سبعة والاستثناء الأول لا يصح ويسقط من البين.
(2/743)

(ص) وقيل: لا الأكثر ولا المساوي: وقيل: إن كان العدد صريحا.
(ش) ما ضعفه المصنف هو مذهب نحاة البصرة، قال صاحب (الارتشاف) ذهب البصريون إلى أنه لا يجوز استثناء الأكثر ولا المساوي وإنما يستثنى دون النصف وذهب أبو عبيدة إلى جواز استثناء الأكثر، وذهب قوم إلى جواز المساوي دون الأكثر. انتهى.
وبالأول قال القاضي، وبالثاني قال كثير من الأصوليين، فلو قال: علي عشرة إلا تسعة لزمه درهم واحتجوا بأنه يجوز إخراج أكثر أفراد العموم بالتخصيص، فكذلك إخراج أكثر الجملة بالاستثناء، وبالثالث قالت الحنابلة ونقل الشيخ أبو إسحاق عنهم امتناع المساوي
(2/744)

أيضا كالقاضي وقال قوم: إن كان العدد صريحا لم يجز استثناء الأكثر، مثل: عشرة إلا تسعة، وإلا جاز مثل خذ هذه الدراهم إلا ما في الكيس الفلاني، وكان ما في الكيس أكثر من الباقي وقال بعض النحويين: الصحيح الامتناع في الأكثر، لأن المسألة لغوية، وقد أنكر أهل اللغة جواز ذلك، وإذا كان ليس في اللغة فلا يفيد وأما الآية التي احتجوا بها في قوله تعالى: {إلا عبادك منهم المخلصين} مع قوله: {إلا من اتبعك من الغاوين} فاستثناء كل واحد منهما من الآخر، وأيهما كان الأكثر حصل المقصود ففيها جوابان:
أحدهما: أنه استثنى في إحدى الآيتين (المخلصين) من نبي آدم وهم الأقل وفي الأخرى استثنى (الغاوين) من جميع العباد وهم الأقل، فإن الملائكة من عباد الله تعالى قال تعالى: {بل عباد مكرمون} وهم غير غاوين.
وثانيهما: أن قوله: {إلا من اتبعك من الغاوين} استثناء منقطع بمعنى لكن، بدليل أنه قال في الآية الأخرى: {وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} وحيث قلنا: يجوز الأكثر، فلا خلاف في استكراهه واستحسان
(2/745)

استثناء القليل وقال ابن فارس في (فقه العربية): الصحيح في العبارة أن يقال: يستثنى القليل من الكثير، ويستثنى الكثير مما هو أكثر منه، وقول من قال: يستثنى الكثير من القليل ليس بجيد، واحتج على جواز النصف بقوله تعالى: {قم الليل إلا قليلا نصفه} فالضمير في (نصفه) عائد إلى الليل (ونصفه) بدل منه، فإما أن يكون من الليل بعد الاستثناء فيكون (إلا قليلا) نصفا، وأما من قليل فتبين به إنما أراد بالقليل نصف الليل.
(ص) وقيل: لا يستثنى من العدد عقد صحيح، وقيل: لا مطلقا.
(ش) الكلام في الاستثناء من العدد مبني على صحته، وللنحاة فيه مذاهب (107أ):
أحدها: لا يجوز، لأنها نصوص وصححه ابن عصفور وأجاب عن نحو قوله تعالى: {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما} بأن الألف لما كان
(2/746)

يستعمل للتكثير كقولك أقعد ألف سنة، تريد زمنا طويلا، قلت: ويحتمل أن الاستثناء إنما جاء فيها باعتبار النقص الذي في السنين، فتكون السنة أطلقت وأريد بها المعظم، فالاستثناء لم يرد على العدد، وإنما ورد على المعدود وهو السنين.
والثاني: وهو المشهور، الجواز.
والثالث: إن كان المستثنى عقدا من العقود لم يجز نحو عشرين إلا عشرة وإن لم تكن عقدا أجاز، نحو: مائة إلا ثلاثة وممن حكى هذه الثلاثة الشيخ أبو حيان في (شرح التسهيل)، ولبعض الأصوليين مذهب رابع: لا يجوز أن يستثنى الأكثر ولا يجوز استثناء عقد تام بالنسبة إلى المستثنى فلا يجوز له عشرة إلا واحدا، ويجوز إلا نصف واحد آخر من الواحد ولا يجوز له على مائة إلا عشرة، ويجوز إلا تسعة ولا يجوز على ألف إلا مائة ويجوز إلا تسعة وتسعين وهذه المذاهب كلها تنفع في الأقارير فأما الطلاق فمحصور في الثلاث وإنما يجيء الخلاف السابق في استثناء الأكثر أولا.
تنبيه: ذكر المصنف في شرح المختصر أن القاضي حسين والمتولي وافقا ابن عصفور في المنع، حيث قالا: لو قال لنسوته الأربع: أربعتكن طوالق إلا ثلاثة، لا يصح، لأنه نص وليس كما قال فإنهما صرحا بجواز الاستثناء من العدد مع
(2/747)

تقديم الاستثناء كقوله: أربعتكن إلا ثلاثة طوالق، وإنما منعناه مع التأخير.
وكذا حكاه عنهما الرافعي وليس مدركهما في ذلك ما توهمه المصنف، وإلا لمنعناه مطلقا ولجاء هنا قول بالتفصيل بين التقديم والتأخير ولا أثر لذلك، وإنما مدركهما أن الحكم في صورة التقديم وقع بعد الإخراج، فلا يلزمه التناقض بخلاف الصورة السابقة.
(ص) والاستثناء من النفي إثبات وبالعكس خلافا لأبي حنيفة.
(ش) الاستثناء من النفي إثبات عندنا، لأن الاستثناء ضد المستثني منه وهو مذهب نحاة البصرة، وقال أبو حنيفة ليس بإثبات بل هو مسكوت عنه فإذا قلت: قام القوم إلا زيدا، فالقوم محكوم عليهم بالقيام، وزيد محكوم عليه بعدم القيام وعنده مسكوت عنه غير محكوم عليه بشيء واختاره الإمام في (المعالم) والحق مذهب الجمهور، لأن قولنا: لا إله إلا الله توحيد وإثبات للإله، فلو لم يكن
(2/748)

المستثنى من النفي مثبتا لم يكن لا إله إلا الله توحيدا، والحنفية يقولون: إنما استفيد الحكم بالتوحيد من القرائن، فإن ظاهر حال كل متلفظ بها أنه إنما يقصد بها التوحيد لا التعطيل وأما العكس وهو الاستثناء من الإثبات نفي نحو قام القوم إلا زيدا فهو نفي القيام عن زيد ونقل جماعة منهم الإمام في (المعالم): الاتفاق، وليس كذلك، بل الخلاف جار فيه كما قاله الهندي وغيره، ولهذا أجرى المصنف الخلاف في الحالين وقدم ما الخلاف فيه (محقق، وآخر ما الخلاف) مشكوك فيه ليبين أنه يخالف فيهما جميعا، وهذا من محاسنه فإنه لو عكس كالمنهاج والمختصر لتوهم أن قوله: خلافا لأبي حنيفة - مقصور على الثاني ومراده شمول الأمرين.
(2/749)

تنبيهان:
الأول: حاصل مذهب الجمهور: أن الاستثناء دال على نقيض ما تقدم من النفي أو الإثبات من جهة دلالة العقل على أن النقيضين لا ثالث لهما، فلو كان لهما ثالث لم يكن أن يتعين النفي ولا الثبوت بل أمكن أن يقال الواقع هو القسم الثالث.
الثاني: أن الخلاف يقوى في غير الاستثناء المفرغ، أما المفرغ (107ب) فيقوى أنه إثبات قطعا، فإذا قلت: ما قام إلا زيد، فليس معك شيء تثبت له القيام فيكون فاعلا به إلا زيد، فهو متعين ضرورة للإثبات بخلاف قولك: ما قام أحد إلا زيد ويحتمل أن يقال: كمل الكلام قبل الاستثناء وصار هذا فضلة فأمكن ألا يكون محكوما عليه بشيء لقول الحنفية.
(ص) (والمتعددة إن تعاطفت فللأول وإلا فكل لما يليه ما لم يستغرقه)
(ش) الاستثناءات المتعددة إما أن يكون بعضها معطوفا على بعض أو لا، فإن كان الأول عاد الكل إلى الأول المستثنى منه، نحو قوله: علي عشرة إلا أربعة وإلا ثلاثة وإلا اثنين، فإن الكل يرجع إلى الأول، فلا يلزم المقر إلا واحدا لأن الاستثناء يجب أن يتعقب المستثنى منه ولا يجوز فصلة عنه، فإذا عطف بعضه على بعض صار
(2/750)

كالجملة الواحدة، وإلا لم يصح أن يكون استثناء ووجهه بعض أصحابنا بأنه عطف على المنفى فيكون نفيا.
وإن لم يكن بعضها معطوفا على بعض، فإما أن يكون استثناء الثاني مستغرقا للأول، أو لا، فإن كان مستغرقا إما بالتساوي نحو: له عشرة إلا ثلاثة إلا ثلاثة.
وإما بالزيادة نحو عشرة إلا ثلاثة إلا أربعة - فإنها لا تبطل، بل تعود جميعها إلى المستثنى منه حملا للكلام على الصحة كذا قاله في (المحصول) و (المنهاج) وهو في الزائد صحيح وفي المساوي معارض بأن الثاني يكون توكيدا لما قاله الرافعي في الإقرار وإن لم يكن الثاني مستغرقا عاد الثاني إلى الأول، نحو: عشرة إلا ثمانية إلا سبعة فيلزمه تسعة كذا قطعوا به، لكن ذكر الرافعي في الطلاق في كلامه على الاستثناء من النفي إثبات، لو قال: أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين إلا واحدة، أنه يقع ثنتان وقال الحناطي: يحتمل أن يعود الاستثناء الثاني إلى أول اللفظ.
قال في (الروضة): والصواب الأول.
(2/751)

فائدتان: الأولى هذه المسألة مفرعة على جواز الاستثناء من الاستثناء وهو الصحيح كقوله تعالى: {إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته}.
قال الروياني: ومن أهل اللغة من ينكر ذلك. ويقول: العامل في الاستثناء الفعل الأول بتقوية حرف الاستثناء والعامل الواحد لا يعمل في معمولين، ويقول في الآية: إن الاستثناء الثاني من قوله (أجمعين) وغيره يجوز ذلك، وبقول العامل (إلا) الثانية لا يقال: سكت الأصوليون عن عكس هذه المسألة وهي أن يتعدد المستثنى منه، ويتحد المستثنى، لأنا نقول هي مسألة الاستثناء عقب الجمل وسنذكرها.
(ص) والوارد بعد جمل متعاطفة للكل وقيل: إن سبق الكل لغرض وقيل: إن عطف بالواو، وقال أبو حنيفة والإمام: للأخيرة، وقيل: مشترك، وقيل بالوقف.
(ش) الاستثناء الواقع عقب جمل، عطف بعضها على بعض كقوله
(2/752)

تعالى: {والذين يرمون المحصنات} الآية، اختلفوا فيه فعندنا يعود إلى الجميع ما لم يقم دليل على إرادة البعض، لأن الأصل اشتراك المتعاطفين في جميع المتعلقات كالحال والشرط، وتكون الجمل معطوفا بعضها على بعض بمنزلة الجملة الواحدة، هذا هو المشهور عند الشافعي وأصحابه.
(2/753)

وكان ابن الرفعة يتوقف في نسبة ذلك إليه، لأن ابن الصباغ نقل عن نص البويطي، إذا قال: أنت طالق ثلاثا وثلاثا إلا أربعا وقعت ثلاث قال ابن الصباغ: وهذا إنما هو، لأنه أوقع جملتين، واستثنى إحداهما بجملتها، فلم يقع لأن الاستثناء يرجع إلى الأخيرة من الجملتين. انتهى.
وجوابه أن شرط العود للجميع إمكان (108ه) عوده إلى كل واحدة منهما وهو منتف هنا فلهذا خص بالأخيرة. وذكر المصنف في (شرح المختصر) في الجواب عن مثل هذا السؤال تخصيص المسألة بغير العدد وليس كما قال.
ثم القائلون بعوده إلى الجميع منهم من شرط فيه أن يساق الكلام لغرض واحد كأكرم بني تميم واخلع عليهم، فإن الغرض التعظيم فيهما، فإن اختلفا عاد إلى
(2/754)

الأخيرة وهي قول أبي الحسين. ومنهم من شرط كون العطف بالواو وهذا ما نقله الرافعي في كتاب الوقف عن إمام الحرمين بعد أن ذكر أن أصحابنا أطلقوا العطف، فقال: رأى الإمام تقييده بأمرين:
أحدهما: أن يكون العطف بالواو الجامعة، فإن كان ثم، اختص بالأخيرة والثاني: ألا يتخلل بين الجملتين كلام طويل، وعليه جرى الآمدى وابن الحاجب والصواب أن (الفاء) و (ثم) و (حتى) كالواو، وقد صرح الغزالي في باب الوقف من (البسيط) بأن كل حرف يقتضي الترتيب كذلك، وصرح القاضي في (التقريب) بالفاء وغيرها، وذهب أبو حنيفة إلى عوده للأخيرة لأن الجملة الأولى قد استقرت من غير استثناء لأنه إذا تخلل بين المستثنى والمستثنى منه كلام استقر، ولم يجز أن يرجع إليه، واختاره الإمام في (المعالم) وقال
(2/755)

المرتضى: مشترك لأنه جاء لهما وعن القاضي والغزالي الوقف بمعنى عدم العلم بمدلوله في اللغة فلا يدرى ما حكمه.
سؤال كان القاضي جلال الدين القزويني رحمه الله تعالى يقول: إن عود الاستثناء إلى الجميع يلزم منه توارد عوامل على معمول واحد. وجوابه أن من
(2/756)

يجعل العامل هو (إلا) - ومنهم ابن مالك - لا يرد عليه ذلك، ومن يجعل العامل غيرها، له أن يقول: إنه قد حذف من المتقدم لدلالة المتأخر ثم إن توارد العوامل على معمول واحد فيه خلاف، وقد ذكروا في باب النعت، إذا قلت: جاءني زيد وأتى عمرو العاقلان فابن مالك وجماعة يجوزون ذلك من غير قطع، وغيرهم يمنعه ويقدره مقطوعا على تقديره مبتدأ.
(ص) والوارد بعد مفردات أولى بالكل.
(ش) صور الأصوليون المسألة بالوارد بعد الجمل، والظاهر أنه جرى على الغالب، فإن الوارد بعد المفردات أولى بعوده إلى الكل لعدم استقلالها، ولهذا اقتضى كلام الجماعة، الاتفاق في المفردات، وجعل الرافعي قوله: عمرة وحفصة طالقتان إن شاء الله تعالى - من باب الاستثناء عقب الجمل.
(ص) أما القران بين الجملتين لفظا فلا يقتضي التسوية في غير المذكور حكما، خلافا لأبي يوسف والمزني.
(ش) القران بين الشيئين (في اللفظ في حكم) لا يقتضي التسوية بينهما في غيره من الأحكام ولهذا يعطف الواجب على المندوب، كقوله تعالى: {كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده} وقال أبو يوسف من الحنفية والمزني منا:
(2/757)

يقتضي التسوية لأن العطف يقتضي الشركة، كقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} يقتضي أن لا تجب الزكاة على الصبي كالصلاة للاشتراك في العطف وهو ضعيف، فإن الأصل ألا يشترك المعطوف والمعطوف عليه إلا في المذكور، فإن اشتركا في غيره فلدليل خارج لا أنه من نفس العاطف وقد أجمعوا على أنه لو كان عمومان وخص أحدهما لم يلزم منه تخصيص الآخر، وهنا أمور:
أحدها: أن المصنف وغيره أطلقوا الخلاف في هذه المسألة والذي في كتب الحنفية التفصيل بين الجمل الناقصة فالقران فيها موجب القران في الحكم بخلاف الجمل التامة ومثلوا الأول بقوله تعالى (108ب) {فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا}. لأن حكم الجملتين لما لم يختلف كانتا كالجملة الواحدة، والإشهاد في المفارقة غير واجب، فكذا في الرجعة، ومثلوا الثاني بقوله: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} فإن كل واحدة من الجملتين مستقلة بنفسها لم يلحقها ما ينافي
(2/758)

استقلالها فلا يقتضي ثبوت الحكم في إحداهما ثبوته في الأخرى.
الثاني: أن ما ذكره في تفسير القران مخالف لتفسير الجدليين، فإنهم قالوا: صورته أن يجمع بين شيئين في الأمر أو في النهي، ثم يبين حكم أحدهما، فيستدل بالقران على ثبوت ذلك الحكم للآخر، ومثلوه بقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل)).
فقرن البول فيه بالاغتسال ثم البول فيه يفسده، فكذا الاغتسال وهذا غير مرضي عند المحققين لاحتمال أن يكون النهي عن الاغتسال فيه لمعنى غير المعنى الذي منع من البول فيه لأجله، ولعل المعنى في النهي عن الاغتسال فيه أنه لا يرفع جنابة كما هو مذهب المصري.
الثالث: لا يخفى وجه مناسبة ذكر هذه المسألة هنا، وغيره ذكرها في باب الأدلة المختلف فيها، وهو السبب، وذكرها صاحب (البديع) في المفاهيم.
(2/759)

(ص) الثاني: الشرط وهو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته.
(ش) أي سواء الشرط العقلي كالحياة مع العلم، والشرعي كالإحصان مع الرجم، والعادي كالسلم مع الصعود فإن هذه الشروط يلزم من عدمها العدم في
(2/760)

الشروط، ولا يلزم من وجودها وجود ولا عدم، فقد يوجد المشروط عند وجودها، كوجوب الزكاة عند الحول الذي هو شرط وقد يفارق الدين فيمنع الوجوب فإن قيل: هذا التعريف صادق على السبب المعين (قيل: السبب المعين) لا يلزم من انتفائه من حيث هو سبب انتفاء الممكن، بل هو مع ضميمة كونه معينا، وكونه معينا إشارة إلى عدم غيره. لا أي شيء في نفسه، وبهذه الزيادة يتضح الفرق بين الشرط والسبب المعين, واعلم أن هذا التعريف قال القرافي: إنه أجود الحدود، فالقيد الأول احتراز من المانع، فإنه لا يلزم من عدمه شيء، والثاني من السبب، فإنه يلزم من وجوده الوجود، والثالث من مقارنة الشرط وجود السبب، فيلزم الوجود كالحول مع النصاب، لا يستلزم المانع فيلزم العدم، ولكن ذلك ليس لذاته، بل لوجود السبب والمانع وكذلك احترز به من الشرط الآخر فإنه إذا جعل المشروط لا لذاته بل لضرورة كونه أخيرا مثاله الحياة شرط للعلم والعقل شرط للعلم والاشتغال شرط للعلم، فإذا اشتغل وحصل لم يحصل العلم إلا بالمجموع هذا اصطلاح الأصوليين قال ابن الرفعة: الشرط في اصطلاح الفقهاء ما يلزم من انتفائه انتفاء الشيء الذي جعل شرطا فيه مع أنه ليس بمقوم له فعدمه حينئذ علامة على النفي واحترزوا بقولهم: ليس بمقوم له عن الركن فإنه يلزم من نفيه النفي، لكنه مقوم له، بمعنى أنه داخل في مسماه، ولا يتصور ركن إلا للمركب والشرط يتصور للمركب والبسيط.
(ص) وهو كالاستثناء اتصالا، وأولى بالعود إلى الكل على الأصح.
(ش) يجب اتصال الشرط بالكلام بالاتفاق وكلام المصنف قد يوهم أنه
(2/761)

يجري فيه خلاف الاستثناء ولا يعرف ذلك وإذا ورد بعد جمل، نحو: أكرم ربيعة وأعط مضرا، إن نزلوا بك فعلى (109أ) الخلاف في أنه للكل أو للأخيرة أو الوقف وأولى بعوده إلى الكل ولهذا قال في (المحصول) إن أبا حنيفة وافقنا على عوده للكل وفرق بين الاستثناء والشرط، بأن الشرط له صدر الكلام، وهو مقدم تقديرا لكن نقل في (المحصول) في الكلام عن التخصيص بالشرط عن بعض الأدباء أن الشرط يختص بالجملة الأخيرة، فإن تقدم اختص بالأولى، وإن تأخر اختص بالثانية ثم قال: والمختار الوقف كما في الاستثناء قلت: ولا يبعد مجيء توقف القاضي هنا أيضا.
(ص) ويجوز إخراج الأكثر به وفاقا.
(ش) اتفقوا - كما قاله في (المحصول) - على أنه يجوز تقييد الكلام بشرط يكون الخارج به أكثر من الباقي ولا يأتي فيه الأقوال الثلاثة التي في الاستثناء فلو
(2/762)

قال: أكرم بني زيد إن كانوا علماء وكان الجهال أكثر، جاز وفاقا قال الصفي الهندي: وهذا يجب تنزيله على ما علم أنه كذلك، وأما ما يجهل الحال فيه، فإنه يجوز أن يقيد ولو بشرط لا يبقى من مدلولاته شيء، كقولك: أكرم من يدخل الدار إن أكرمك، وإن اتفق أن أحدا منهم لم يكرمه ولك أن تقول: سبق من المصنف حكاية الخلاف في نذر الباقي بعد التخصيص في كل مخصص فما وجه إعادته في الشرط؟ وكيف يحسن بعد الاتفاق على إخراج الأكثر؟ وهناك قول، أنه لا بد من بقاء جمع يقرب من مدلول العام. والممكن في جوابه حمل إطلاقه هنا على ما إذا كان الباقي بعد الإخراج غير محصور ليوافق ما سبق، وإنما أعاده لينبه على أنه ليس كالاستثناء في مجيء الخلاف.
(ص) الثالث: الصفة كالاستثناء في العود ولو تقدمت، أما المتوسطة فالمختار اختصاصها بما وليته.
(ش) من المخصصات المتصلة: الصفة، نحو: أكرم بني تميم الطوال وهي
(2/763)

كالاستثناء في العود على متعدد، وهل يعود إلى الكل أو يختص بالأخيرة، كما قاله في المختصر وغيره ولو تقدمت أي: الصفة المتقدمة كالمتأخرة في عود الخلاف، والأصح عودها على الجميع، كما لو قال وقفت على محتاجي أولادي وأولادهم فتشترط الحاجة في أولاد الأولاد.
قال الرافعي: وأطلق الأصحاب ذلك، ورأى الإمام تقييده بالقيدين السابقين في الاستثناء.
أما المتوسطة مثل أولادي المحتاجين وأولادهم، فقال المصنف: لا نعلم فيها نقلا، ويظهر اختصاصها بما وليته ويدل له ما
(2/764)

نقله الرافعي في الأيمان عن ابن كج أنه لو قال: عبدي حر إن شاء الله وامرأتي طالق، نوى صرف الاستثناء إليهما، فمفهومه أنه إذا لم ينو لا يحمل الاستثناء عليهما، وإذا كان هذا في الشرط، الذي له صدر الكلام، وقال بعوده إلى الجميع بعض من لا يقول بعود الاستثناء والصفة، فلأن يكون في الصفة بطريق أولى.
فائدة: قال الروياني: الفرق بين غير إذا كانت استثناء وبينها إذا كانت صفة أنها إذا كانت صفة لم توجب شيئا للاسم الذي بعدها ولم تنف عنه. (جاءني رجل غير زيد فوصفت بها ولم تنف عن زيد المجيء ويجوز أن يقع مجيئه وألا يقع، وإن كانت استثناء فإن كان ما قبلها إيجابا فما بعدها نفي، أو نفيا فإيجاب وإذا كانت صفة وصف بها الواحد والجمع وإذا كانت استثناء فلا يأتي إلا بعد جمع، أو ما هو في معنى الجمع، قال الشلوبين: إذا كانت صفة لم توجب شيئا لغير الاسم الذي بعدها ولم تنف عنه) وفيه نظر وفي كلام سيبويه ما يقتضي خلافه.
(ص) الرابع: الغاية كالاستثناء في العود، والمراد غاية تقدمها عموم يشملها أو لم تأت مثل {حتى يعطوا الجزية} أما مثل {حتى مطلع الفجر} فلتحقيق
(2/765)

العموم وكذا قطعت أصابعه من الخنصر إلى البنصر.
(ش) الغاية هي نهاية الشيء ومنقطعه، وحكم ما بعدها خلاف ما قبلها أي ليس داخلا فيه، بل محكوما عليه بنقيض حكمه، لأن ذلك الحكم لو كان ثابتا فيه أيضا، لم يكن الحكم منتهيا فلا تكون الغاية غاية، وهو محال (109ب) هذا مذهب الشافعي - رحمه الله تعالى - والجمهور. وقيل: يدخل فيما قبله وقيل: يدخل إن كان من الجنس، وقيل: إن لم يكن معه (من) دخل وإن كان معه فلا وهى كالاستثناء في العود على المتعدد، كقوله: وقفت على أولادي وأولاد أولادي إلى أن يستغنوا.
(2/766)

والمصنف تابع ابن الحاجب في إلحاقها بالاستثناء في العود على المتعدد وليس المراد التخصيص فإنها ك (هو) في الاتصال أيضا، وقد أطلق الأصوليون أن الغاية من جملة المخصصات.
قال الشيخ الإمام السبكي: وهذا إنما (هو) في إذا تقدمها عموم يشملها، لو لم يأت بها، كقوله تعالى: {حتى يعطوا الجزية} فلولا هذه الغاية لقاتلناهم أعطوا الجزية أم لم يعطوها أما مثل قوله {حتى مطلق الفجر} فإن الغاية فيها لتأكيد العموم لا للتخصيص، فإن طلوعه وزمن طلوعه ليسا من الليل حتى يشملها قوله: {سلام هي} قلت: كذا مثل به وفيه نظر، لأن الليلة ليست بعامة إلا أن يريد مثل هذا إذا وردت في صيغة عموم، ولا فرق بين تخصيص العام وتقييد المطلق، ثم قال: فإطلاقهم الخلاف في انتهاء الغاية، هل يدخل؟ لا بد أن يستثنى منه شيئان:
أحدهما: الغاية التي لو سكت عنها لم يدل عليها اللفظ، كطلوع الفجر في قوله: {حتى مطلع الفجر} وكقوله: {حتى يطهرن} فإن حالة الطهر لا يشملها اسم الحيض.
ثانيهما: ما يكون اللفظ الأول شاملا لهما، كقولك: قطعت أصابعه كلها من الخنصر إلى الإبهام فإنه لو اقتصر على قوله: قطعت أصابعه كلها، لأفاد الاستغراق فكان قوله: من الخنصر إلى الإبهام - توكيدا، وكذا قرأت من القرآن من فاتحة الكتاب
(2/767)

إلى خاتمته وهي في الحقيقة راجع إلى الأول وأن القصد بها تحقيق العموم واستغراقه لا تخصيصه وإن افترقا في أن الذي حصل غاية في الثاني طرف المغيا، وفي الأول ما بعده ففي هذين الموضعين الغاية لا خلاف فيها بل هي في الأول خارجة قطعا، وفي الثانية داخلة قطعا.
فائدة: لو قال: بعتك من هذا الجدار إلى هذا الجدار، لم تدخل الجدران في البيع، ولو قال: له علي من درهم إلى عشرة لم يدخل العاشر على الأصح والفرق مشكل.
(ص) الخامس: بدل البعض من الكل، ولم يذكره الأكثرون، وصوبهم الشيخ الإمام.
(ش) مثاله: أكرم الناس العلماء، وهذا زاده ابن الحاجب ولم يذكره الجمهور وقد أنكره عليه الأصفهاني شارح المحصول، والصفي الهندي في الرسالة السيفية، وكذا الشيخ الإمام، لأن المبدل منه في نية الطرح فلم يتحقق.
(2/768)

فيه معنى الإخراج والتخصيص لا بد فيه من الإخراج على ما تقدم تعريفه، ألا ترى أن قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} تقديره: لله حج البيت على من استطاع إليه سبيلا وأيضا لو لم يكن البدل مستغنى به في التقدير، لم يكن لتسميته بدلا معنى، لأن حق البدل ألا يجتمع مع المبدل منه فإذا اجتمعا فلا أقل من تقدير عدم اجتماعهما وفاء بمقتضى التسوية، وأيضا فلأن كلامنا في العام المخصوص لا في المراد به الخصوص.
(ص) القسم الثاني: المنفصل، يجوز التخصيص بالحس والعقل خلافا لشذوذ ومنع الشافعي تسميته تخصيصا وهو لفظي.
(ش) المنفصل: هو ما استقل بنفسه ولم يحتج في ثبوته إلى ذكر لفظ العام معه (110أ) بخلاف المتصل وهو ثلاثة: الحس، والعقل والدليل السمعي
(2/769)

فمثال التخصيص بالحس - والمراد به الواقع بالمشاهدة - قوله تعالى {وأوتيت من كل شيء} وإنما كان هذا تخصيصا بالحس، لأنها لم تؤت السماوات والأرض ولا ملك سليمان، ومثال التخصيص بدليل العقل ضروريا كان أو نظريا، فالأول كقوله تعالى: {خالق كل شيء} وإنما كان هذا تخصيصا بالعقل، لقيام الدليل الدال على خروج الذات والصفات العلية، والثاني كتخصيص {ولله على الناس حج البيت من استطاع} لغير الطفل والمجنون، لعدم فهمهما الخطاب وخالف بعض الناشئة - كما قال إمام الحرمين - في التخصيص بالعقل وهذا هو ظاهر
(2/770)

كلام الشافعي رضي الله عنه، في (الرسالة) وحكاه جمع من أصحابنا خلافا محققا ورده المصنف إلى الخلاف في التسمية واختاره القرافي قال: لأن خروج هذه الأمور من هذا العموم لا ينازع فيه مسلم غير أنه لا يسمى بالتخصيص إلا ما كان باللفظ أما بقاء العموم على عمومه فلا يقوله أحد ويشهد له قول الأستاذ أبي منصور: أجمعوا على صحة دلالة العقل على خروج شيء عن حكم العموم، واختلفوا في تسميته تخصيصا وذهب جماعة إلى أن الخلاف معنوي، لأن العام المخصوص بدليل العقل - على قول من يجوز تخصيصه به ويجري فيه الخلاف السابق في أنه حقيقة فيه أو مجاز وعلى قول من لا يجوز تخصيصه به - فلا، بل هو عندهم حقيقة بلا خلاف كذا قاله الصفي الهندي: قلت: أو يكون عنده من باب العام المراد به الخصوص، لا من باب
(2/771)

العام المخصوص فيجيء فيه الكلام السابق في كونه حقيقة أو مجازا وجعل أبو الخطاب - من الحنابلة - مأخذ الخلاف التحسين والتقبيح العقلي فإن صح ذلك كانت هذه فائدة ثانية.
وقوله: (خلافا لشذوذ) هو عائد إلى ما يليه، وهو: العقل فإن التخصيص بالحس لا نعلم فيه خلافا، نعم ينبغي أن يطرقه خلاف من المنكرين لإسناد العلم إلى الحواس، لأنها عرضة الآفات والتخيلات واعلم أن الإمام في أول (البرهان) حكى خلافا في تقديم العقل على الحس فقال: ومما خاضوا فيه تقديم ما يدرك بالحواس على ما يدرك بالعقل، وهو اختيار شيخنا أبي الحسن، وقدم القلانسي من أصحابنا: المعقولات بالأدلة النظرية على المحسوسات من حيث إن العقل مرجع المقولات ومحلها ومرجع المحسوسات إلى الحواس وهي عرضة الآفات. انتهى. وينبغي جريان مثل هذا الخلاف هنا، إذا تعارض اللفظ بين أن يكون مخصوصا بالعقل أو بالحس، أيهما يخصص به ولم يتعرضوا لذلك.
(ص) والأصح جواز تخصيص الكتاب به، والسنة بها وبالكتاب والكتاب بالمتواتر.
(ش) فيها أربع صور:
أحدها: يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب خلافا لبعض الظاهرية لنا:
(2/772)

وقوعه قال الله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} وهذا عام في أولات الأحمال وغيرهن وقد خص {أولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن}
الثانية: يجوز تخصيص السنة المتواترة بها خلافا لداود وطائفة حيث
(2/773)

قالوا: يتعارضان لا ينبي أحدهما على الآخر، حكاه الشيخ أبو حامد، وقال القرافي: وتصوير هذه المسألة في السنتين المتواترتين (110ب) في زمننا عسير لفقد المتواتر، حتى قال بعض الفقهاء: ليس في السنة متواتر، إلا حديث: ((إنما الأعمال بالنيات)) قلت: إنما تواتر من أحد الطرفين، ولو مثل بحديث: ((من كذب علي متعمدا)). لكان أقرب، قال: وإنما تصور هذه المسألة في عصر الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، فإن الأحاديث كانت في زمنهم متواترة لقرب العهد بالمروي عنه، وشدة القيام بالرواية وشمل إطلاق المصنف تخصيص الآحاد منها بمثلها، ودليله الوقوع ما في حديث: ((لا زكاة فيما دون خمسة
(2/774)

أوسق)). فتخصص بقوله: ((فيما سقت السماء العشر)).
الثالثة: يجوز تخصيص السنة متواترة كانت أو آحادا بالكتاب، خلافا لبعض أصحابنا، واختاره القفال الشاشي في كتابه فقال: متى وردت السنة عامة،
(2/775)

وفي الكتاب ما يخرج بعض ذلك عن حكم السنة، وعلم أنه لا نسخ فيهما - فالسنة مرتبة على الكتاب وتكون الآية مبينة للسنة، على معنى أن الكتاب لما ورد بما ورد به منه وكانت السنة غير منسوخة تبين بذلك أن السنة إنما أطلق القول فيها مطابقا لما في الآية ومرتبا عليها، انتهى. وحاصله أنه يجعل السنة عاما أريد به الخصوص، لا عاما مخصوصا، ولا يرجع الخلاف إلى اللفظ.
الرابعة: يجوز تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة قال الآمدي: لا أعلم فيه خلافا وصرح الهندي فيه بالإجماع ومنهم من حكى خلافا في السنة الفعلية.
(2/776)

(ص) وكذا بخبر الواحد عند الجمهور، وثالثها: إن خص بقاطع وعندي عكسه، وقال الكرخي: بمنفصل، وتوقف القاضي.
(ش) فيه صورتان:
إحداهما: يجوز تخصيص الكتاب بخبر الواحد إذ لا بد من إعمال الخاص، وإلا لزم إبطاله مطلقا، وحكاه ابن الحاجب عن الأئمة الأربعة لكن الحنفية ينكرونه.
الثاني: المنع مطلقا، ونقله ابن برهان عن طائفة من المتكلمين.
الثالث: قاله عيسى بن أبان: إنه لا يجوز في العام الذي لم يخصص، ويجوز
(2/777)

فيما خصص لأن دلالته تضعف، وشرط أن يكون الذي خص به دليلا قطعيا.
الرابع: عكسه، يعني إن خص بقاطع لم يتطرق إليه التخصيص بالآحاد، وإلا فجائز أن يقدم على تخصيصه بالآحاد، وهذا الاحتمال من تفقه المصنف ولم يقل به أحد، ووجهه فيما لم يخص بقاطع أنه يخص بالآحاد لأن غالب العمومات مخصصة، حتى قيل: ما من عام يقبل التخصيص إلا وقد خص، وقيل: لا يعمل بالعام حتى يبحث عن الخاص فيما لم يظهر تخصيص العام يكتفى بالعموم لاعتضادها بالغالب والظاهر أن العام مخصوص فيقدم على تخصيصه) (بها وهذا الخلاف فيما إذا كان العام قد خص بقاطع فإن لم يبق غالب ولا ظاهر فكيف يقدم على تخصيصه) ثانيا بالظن؟ وبهذا فارق العام النسخ، فإن الخاص غالب على العام وليس النسخ غالبا على الأحكام، بل الغالب غير منسوخ.
والخامس: إن خص قبله بدليل منفصل جاز، وإن لم يخص أو كان بمتصل لم يجز، قاله الكرخي، وشبهته أن تخصيصه بمنفصل يصيره مجازا كما هو رأيه وإذا كان مجازا ضعف فيسلط عليه التخصيص.
والسادس: الوقف، قيل: بمعنى لا أدري، وقيل: بمعنى أنه يقع التعارض في ذلك القدر الذي دل العموم على إثباته والخصوص على نفيه، فتوقف عن العمل وهذا ظاهر كلام القاضي في (التقريب).
تنبيه: هذا الخلاف موضعه في خبر الواحد الذي لم يجمعوا على العمل به، فإن أجمعوا عليه كقوله (111أ) (لا ميراث لقاتل).
(2/778)

و (لا وصية لوارث) ونهيه عن الجمع بين المرأة وعمتها فيجوز تخصيص العموم به بلا خلاف، لأن هذه الأخبار بمنزلة المتواتر لانعقاد الإجماع على حكمها وإن لم ينعقد على روايتها، نبه عليه ابن السمعاني.
(ص) وبالقياس خلافا للإمام: مطلقا، والجبائي: إن كان خفيا (ولابن أبان: إن لم يخص مطلقا) ولقوم: إن لم يكن أصله مخصصا من العموم، وللكرخي: إن لم يخص بمنفصل، وتوقف أما الحرمين.
(2/779)

(ش) الثانية: في جواز تخصيص العموم من الكتاب والسنة بالقياس أي بقياس نص خاص كما قاله الغزالي فيه مذاهب: أحدها: الجواز مطلقا وبه قالت الأئمة الأربعة وغيرهم.
والثاني: المنع مطلقا، واختاره الإمام في المعالم لكنه في المحصول اختار الجواز واستدل لترجيحه فيكون له في المسألة رأيان فلا يصح الجزم عنه بأحدهما إلا إذا علم المتأخر.
(2/780)

والثالث: يجوز تخصيصها بالقياس الجلي دون الخفي، وهو رأي ابن سريج.
قال القفال: ولا معنى له إذا حقق، لأن العمل بها يلزمه، فمن جوز التخصيص بأحدهما جوز التخصيص بالآخر، ونقله المصنف عن الجبائي والمعروف عن الجبائي المنع وتقدم العام على القياس مطلقا.
والرابع: أنه إن كان ذلك الأصل المقيس عليه مخرجا من ذلك العموم بنص جاز وإلا فلا.
والخامس: إن تطرق إليهما التخصيص جاز وإلا فلا قاله الكرخي.
والسادس: الوقف في القدر الذي تعارضا فيه والرجوع إلى دليل آخر سواهما وهو قول القاضي، وإمام الحرمين في كتبه الأصولية، لكنه في مسألة بيع اللحم بالحيوان من (النهاية) قال: يخص الظاهر بالقياس الجلي إذا كان التأويل لا ينبو عن النص، بشرط أن يكون القياس صدر من غير الأصل الذي ورد فيه الظاهر فإن لم يتجه قياس من غير مورد الظاهر لم تجز إزالة الظاهر- يعني مستنبط منه يتضمن تخصيصه وقصره على بعض المسميات.
وفي المسألة مذهب سابع: وهو أن يرجح أحدهما بغلبة الظن بحسب القوة
(2/781)

والضعف فتارة يكون العموم أرجح، لظهور قصد العموم فيه، ويكون القياس المعارض قياس سنة مثلا، فمثل هذا لا يشكك في تقديم العموم عليه، وتارة يكون بالعكس فإن تعارضا، فالوقف وهذا هو اختيار الغزالي وغيره من المحققين، وقال ابن دقيق العيد: إنه مذهب جيد.
تنبيه: هذا الخلاف فيما إذا كان العام من الكتاب والسنة متواترا فإن كان خبر واحد جرى الخلاف في الترتيب وأولى بالجواز من ذلك، ومن ذلك تخرج طريقة قاطعة هنا بالجواز، وكلام القرافي يشير إلى تصوير القياس بما إذا كان أصله ثابتا بالتواتر فإن كان ثابتا بأخبار الآحاد كان المنع من التخصيص به أقوى، لضعف أصله.
(ص) وبالفحوى.
(ش) أي بمفهوم الموافقة ومقتضى كلام المصنف وغيره الاتفاق فيه وبه
(2/782)

صرح في (شرح المختصر) وهو ظاهر إذا قلنا: دلالته لفظية، فإن جعلناها قياسية فيتجه أن يكون على الخلاف في المسألة قبلها، وأولى هنا بالتخصيص لما قيل فيه، إنه من قبيل اللفظ، والظاهر أنه يجوز قطعا، وإن قلنا: دلالته معنوية، لأنه أقوى دلالة من المنطوق على ثبوت الحكم، إذ الحكم فيه أولى بالثبوت، ونفيه مع ثبوت حكم المنطوق يعود نقصا على الفرض في الأكثر، بخلاف نفي الحكم عن بعض المنطوق وإثباته في البعض.
تنبيه يستفاد من عطف المصنف (111ب) هذه المسألة على ما سبق أن الفحوى ليست من باب القياس لكنه في باب المفهوم، نقل عن الشافعي رضي الله عنه، أنها قياسية، وقيل: لفظية وقيل: كونها قياسا مجيء الخلاف في التخصيص بالقياس.
(ص) وكذا دليل الخطاب في الأرجح
(ش): أي مفهوم المخالفة ووجه التخصيص به أن دلالته خاصة، فلو قدم العموم عليه عمل بالعموم فيما عدا المفهوم، والعمل بالدليلين أولى من إلغاء أحدهما، مثاله قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه))
(2/783)

رواه ابن ماجه بمفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا)). وكما في المتعة فإن مفهوم قوله تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن} يقتضي أنه لا متعة للممسوسة وقوله تعالى: {وللمطلقات متاع} يقتضي إيجاب المتعة للممسوسة وللشافعي رضي الله عنه، في إيجاب المتعة لها قولان، وهو يؤيد كلام ابن السمعاني في (القواطع) فإنه يقتضي أن الخلاف قولان للشافعي رضي الله عنه، قال: وأظهرهما الجواز، واختار غيره المنع لأنه أضعف دلالة من المنطوق لا محالة، فكان التخصيص به تقديما للأضعف على الأقوى، وهو غير جائز، والخلاف إذا قلنا: إنه حجة، فإن قلنا: ليس بحجة، امتنع قطعا.
(ص) وبفعله عليه السلام.
(ش) إذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم لفظ عام في تحريم، ثم فعل بعضه - كان ذلك تخصيصا للفظ العام، إلا أن اختصاصه بما فعل خلافا للكرخي قال ابن
(2/784)

السمعاني: ولذلك لم يخص النهي عن استقبال القبلة وباستدباره في التخلي باستدبراه صلى الله عليه وسلم بالمدينة الكعبة، وقد خصت الصحابة قوله عليه الصلاة والسلام في الجمع بين الجلد والرجم، بفعله في رجم ماعز والغامدية من غير جلد، هكذا
(2/785)

ذكر الأصحاب وعندي أن هذا بالنسخ أشبه.
وقال بعضهم: صورة المسألة أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم داخلا تحت ذلك العموم كقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا صلاة بعد العصر)) ثم صح عنه الصلاة بعده، فتبين بهذا الفعل أنه مخصص من ذلك العموم، فأما إذا لم يتناول خطابه إلا أمته فقط مثل: ((لا تواصلوا)) ثم وجدناه يواصل فلا يكون ذلك تخصيصا له بل خصوصا به إذا لم يتناوله ذلك العموم إلا أن يقوم دليل بمساواته لأمته في ذلك الحكم.
(ص) وتقريره في الأصح.
(2/786)

(ش) تقريره صلى الله عليه وسلم واحدا من أمته على خلاف مقتضى العموم - تخصيص لذلك العموم في حق ذلك الواحد، وأما في حق غيره فإن تبين في ذلك الواحد معنى حمل عليه كل من شاركه في تلك العلة، وإن لم يتبين، فالمختار عند ابن الحاجب أنه لا يتعدى إلى غيره، وخالفه المصنف في شرحه واختار التعميم وإن لم يظهر المعنى، ما لم يظهر ما يقتضي التخصيص ثم إن استوعبت الأفراد كلها فهو نسخ وإلا فتخصيص.
تنبيه: لم يذكر المصنف التخصيص بالإجماع مع أنه مذكور في (المختصر) و (المنهاج) لأن التخصيص في الحقيقة بدليل الإجماع لا بنفس الإجماع وكان في أصل المصنف هنا: والأصح: أن مخالفة الأمة تتضمن ناسخا، ثم ضرب عليه، وألحقه بباب النسخ، وسنذكره هناك إن شاء الله تعالى.
وكان قياسه هنا أن يقول: إن عمل الأمة في بعض أفراد العام بما يخالفه (112أ) يتضمن تخصيصا.
(2/787)

(ص) وإن عطف العام على الخاص ورجوع الضمير إلى البعض ومذهب الراوي ولو صحابيا وذكر بعض أفراد العام، لا يخصص.
(ش) فيه صور:
أحدها: عطف العام على الخاص لا يوجب تخصيص العام كقوله تعالى: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن} فكان هذا للمطلقات ثم قال: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن}.
وهو عام في المطلقات، والمتوفى عنهن فلا يكون هذا العطف تخصيصا للعام كما لا يكون عطف الخاص على العام يوجب تخصيص العام، واعلم: أن هذه المسألة قل من ذكرها وقد وجدتها في كتاب أبي بكر القفال الشاشي في الأصول ومثلها بآية الطلاق الكريمة، أما عطف الخاص على العام، فلا يوجب تخصيص العام عندنا خلافا للحنفية، وقد سبقت في قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهد)) ويمكن أن يجري هذا الخلاف في مسألة الكتاب، لأن المأخذ اشتراك المتعاطفين في الأحكام.
الثانية: إذا ذكر عاما ثم عقبه بضمير يختص ببعض ما تناوله - لم يوجب ذلك تخصيص العام.
(2/788)

خلافا لإمام الحرمين كقوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} ثم قوله تعالى: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} فإن ذلك يختص بالرجعيات فلا يوجب تخصيص التربص بهن بل يعم البائن والرجعية.
الثالث: مذهب الراوي سواء الصحابي وغيره لا يخصص العموم الذي رواه خلافا للحنفية.
(2/789)

والحنابلة وقال بعضهم: يخص مطلقا وإن كان غير صحابي، لأن المجتهد المتبحر في الأدلة يجوز أن يطلع على حديث. يدل على قرائن تدله على تخصيص ذلك العام، كما في الصحابي وبعضهم: إن كان الراوي صحابيا.
ولنا أن العموم حجة ومذهب الصحابي ليس بحجة فلا يجوز تخصيصه به, وإذا ثبت هذا في الصحابي فغيره أولى للاتفاق على أن قوله ليس بحجة والتخصيص بغير دليل لا يجوز، واعلم: أن ما صور به المصنف المسألة هو الصحيح، وبه صرح إمام الحرمين، لكن شرط كون الراوي من الأئمة ولم يذكر المصنف هذا القيد استغناء بقوله: (مذهب) وجعل الآمدي وابن الحاجب موضوعها في الصحابي يعمل بخلاف العام سواء كان هو الراوي للعام أم لا، لا في راوي الخبر مطلقا، وقصره
(2/790)

القرافي على مخالفة الصحابي إذا كان راويا للعام، والأول أولى، فإن القائلين بأن مذهب الصحابي حجة، يخصون العموم به على خلاف فيه، وإن لم يكن راويا، ولهذا جعلها سليم الرازي في (التقريب) مسألتين:
إحداهما: التخصيص بقول الصحابي وخص الخلاف فيه بما إذا لم يعلم انتشاره وإن انتشر وانقرض العصر كان التخصيص به لأنه إما إجماع أو حجة.
الثانية: أنه يروي الصحابي خبراً عاما ثم يصرفه إلى الخصوص، فلا يحمل عليه على القول المزيد خلافا لأبي حنيفة، ومثل الماوردي المسألة بحديث (الولوغ) فإن أبا هريرة روى السبع، وأفتى بالثلاث، وبحديث: (من بدل دينه فاقتلوه) فإن ابن عباس رواه، وأفتى بأن المرتدة لا تقتل وهذا الثاني أحسن، لأن الأول ليس من باب العموم، فإن قيل: قد خص الشافعي تحريم الاحتكار بالأقوات، لأن حديث: (من احتكر فهو خاطئ) رواه سعيد بن المسيب وكان يحتكر الزيت فقيل له: فقال: إن معمرا
(2/791)

راوي الحديث كان يحتكر. رواه مسلم قلنا: من هنا خرج بعضهم (112ب) قولا للشافعي رضي الله عنه، أن مذهب الراوى يخصص العموم، لكن المعروف عنه: المنع، وكأنه استنبط من النص معنى يخصصه، ورأى العلة الاضرار، فخصه بالأقوات وعضد ذلك بمذهب الصحابي.
الرابعة: إذا حكم على العام بحكم، ثم أفرد منه فردا وحكم عليه، بذلك الحكم بعينه، فلا يكون ذلك تخصيصا للعام أي حكما على باقي أفراده بنقيض ذلك مثال قوله: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) مع قوله صلى الله عليه وسلم
(2/792)

في شاة ميمونة: ((هلا أخذتم إهابها فدبغتموه)).
وقال أبو ثور: التعبير بذلك الفرد يدل بمفهومه على التخصيص وهذا ضعيف لأنه مفهوم لقب، و (الشاة) لقب وقد ينازع في هذا لأن الشاة لم تقع في لفظ الشارع وليس هذا من أبي ثور قولا بمفهوم اللقب كما توهم بعضهم، لأنه لا يعرف عنه القول به ولكنه يجعل ورود الخاص بعد تقدم العام قرينة في أن المراد بذلك العام هذا الخاص، ويجعل العام كالمطلق والخاص كالمقيد، وحينئذ فهو عنده من باب العام الذي أريد به الخصوص، لا من باب العام المخصوص فتفطن لذلك، ثم لا يخفى أن صورة المسألة إذا كان الخاص موافقا لحكم العام، فإن كان له مفهوم يخالفه كالصفة فهي مسألة تخصيص العموم بالمفهوم وقد سبقت
(ص) وإن العادة بترك بعض المأمور تخصص إن أقرها النبي صلى الله عليه وسلم أو الإجماع وأن العام لا يقصر على المعتاد ولا على ما وراءه بل تطرح له العادة السابقة.
(2/793)

(ش) التخصيص بالعادة مما اختلف فيه نقل الإمام الرازي والآمدي وأتباعهما فذكر الإمام أن العادة تخصص، وعكس الآمدي وابن الحاجب فمن الناس من أجراه على ظاهره، ومنهم من حاول الجمع بينهما ظانا تواردهما على محل واحد والصواب أن للمسألة صورتين:
إحداهما: وهي التي تكلم فيها صاحب (المحصول) وأتباعه، أن يوجب النبي صلى الله عليه وسلم أو يحرم شيئا بلفظ عام، ثم يرى من بعد العادة جارية بترك بعضها أو بفعله، فالمختار كما قال في (المحصول): إنه إن علم جريان العادة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مع عدم منعه منها فتخصيص والمخصوص في الحقيقة تقريره وإن علم عدم جريانها لم يخص إلا أن يجمع عليه فيصح ويكون المخصص هو الإجماع لا العادة، وإن جهل فاحتمالان.
الثانية: وهي التي تكلم فيها الآمدي وابن الحاجب، أن تكون العادة جارية على ورود العام بفعل معين كأكل طعام معين مثلا، ثم إنه - عليه السلام - ينهاهم عنه بلفظ يتناوله، كما لو قال: حرمت الربا في الطعام فهل يكون النهي مقتصرا على ذلك الطعام فقط أو يجري على عمومه ولا تأثير للعادة فيه؟ والحق الثاني وعندهم: إن الذي جرت به العادة مرادا قطعا، وإنما الخلاف في أن غيره هل هو مراد معه؟ وقال ابن دقيق العيد: الصواب التفصيل بين العادة الراجعة إلى الفعل وإلى القول فما رجع إلى الفعل يمكن أن يرجح فيه العموم على العادة مثل أن يحرم بيع
(2/794)

الطعام بالطعام، وتكون العادة بيع البر، فلا يخص عموم اللفظ بهذه العادة الفعلية.
وأما ما يرجع إلى القول فمثل أن يكون أهل العرف اعتادوا تخصيص اللفظ ببعض موارده اعتيادا يسبق الذهن فيه إلى ذلك الخاص، فإذا أطلق اللفظ العام فيقوى (113أ) تنزيله على الخاص المعتاد، لأن الظاهر أنه إنما يدل باللفظ على ما ساغ استعماله فيه، لأنه المتبادر إلى الذهن.
(ص) وإن نحو: (قضى بالشفعة للجار) لا يعم، وفاقا للأكثر.
(ش) لأن ما ذكره ليس لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم بل حكاية فعله، ويحتمل أن يكون قضاؤه لجار كان بصفة يختص بها، وقد يتأيد بقول الشافعي رضي الله عنه، وقائع الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال سقط بها الاستدلال وخالف ابن الحاجب: فاختار أنه يعم الجار مطلقا، وإنما ذكره الآمدي بحثا فأقامه ابن الحاجب مذهبا وارتضاه وقال: وقال الشيخ في (شرح العنوان): اختار بعض الفقهاء عموم نحو: (قضى بالشفعة للجار) على عدالة الصحابي، ومعرفته باللغة، ومواقع
(2/795)

اللفظ، مع وجوب أن تكون الرواية على وفق السماع من غير زيادة ولا نقصان، ومنهم من قال: لا يعم، لأن الحجة في المحكي، ولا عموم للمحكي، والحق التفصيل: فإن كان المحي فعلا لو شوهد لم يجز حمله على العموم، فلذلك وجه وإن كان فعلا لو حكي لكان دالا على العموم، فعبارة الصحابي عنه يجب أن تكون مطابقة للقول لما تقدم من معرفته وعدالته.
تنبيهان:
الأول: قد يتخيل أن هذه المسألة مكررة مع قوله في باب العموم: (أن الفعل المثبت ليس بعام) وليس كذلك، ولهذا أطلق ابن الحاجب أن الفعل المثبت ليس بعام في أقسامه ثم ذكر (قضى بالشفعة للجار) واختار أنه يعم، والفرق أن الفعل لا صيغة له حتى يتمسك بعمومه، بخلاف القضاء والأمر والنهي، فإنه لا يصدر إلا عن صيغة وقد يفهم الراوي منها العموم فيرويه على ذلك.
الثاني: أن هذا لا يختص ب (قضى) بل يجري في نحو نهى عن بيع الغرر ونكاح الشغار.
(2/796)

وأمر بقتل الكلاب كما قاله الغزالي وخالفه غيره، وقطع هنا بالتعميم لأن (أمر) و (نهى) عبارة عن أنه وقع منه خطاب بالتكليف، ولما لم يذكر مأمورا ولا منهيا علم أن المخاطب به الكل.
(ص) مسألة: جواب السائل غير المستقل دونه تابع للسؤال في عمومه، والمستقل الأخص جائز إذا أمكنت معرفة المكسوت والمساوي واضح.
(ش) لا إشكال في دعوى العموم فيما يذكره الشارع من الصيغ السابقة ابتداء أما ما ذكره جوابا لسؤال سائل فلا يخلو إما أن يستقل بنفسه بدون السؤال أولا. فإن لم يستقل بحيث لا يصح الابتداء به فهو على حسب السؤال، إن كان عاما فهو عام.
(2/797)

وإن كان خاصا فهو خاص حتى كأن السؤال معاد فيه، مثل أن يسأل: هل يتوضأ بماء البحر فيقول: نعم، ولا خلاف فيه وإن استقل بنفسه بحيث لو ورد مبتدأ لكان يفيد العموم، فهو على ثلاثة أقسام إما أن يكون أخص من السؤال أو مساويا أو أعم.
والأول: الأخص، مثل قولك من جامع في نهار رمضان فعليه ما على المظاهر في جواب السؤال: من أفطر في نهار رمضان، وهذا الجواب إنما يجوز بثلاثة شرائط:
أحدها: أن يكون فيما خرج من الجواب تنبيه على ما لا يخرج منه، وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة.
وثانيها: أن يكون (السائل من أهل الاجتهاد، وإلا لم يفد التنبيه)
وثالثها: أن لا يفوت وقت العمل بسبب اشتغال) السائل بالاجتهاد لئلا
(2/798)

يلزم التكليف بما لا يطاق، والأولان يمكن فهمهما من قول المصنف إذا أمكنت معرفة المسكوت (113ب) وسكت عن حكمه في العموم والخصوص، وهو كحكم السؤال في ذلك، لكن لا يسمى عاما، وإن كان السؤال عاما، لأن الحكم في غير محل التنصيص غير مستفاد من اللفظ بل من التنبيه، قاله الصفي الهندي.
والثاني: المساوي أن يكون الجواب مساويا للسؤال، وهو إما في العموم كما لو سئل عمن أفطر في نهار رمضان فعليه ما على المظاهر؟ وإما في الخصوص كما لو قلت: ماذا يجب علي؟ وقد أفطرت في رمضان؟ فقيل: يجب عليك كفارة الظهار وحكمه ظاهر، وحكي في (المستصفى) هنا عن الشافعي حمله على العموم وأنه المراد بقوله: ترك الاستفصال مع تعارض الاحتمال يدل على عموم الحكم، ومثله بقول القائل: أفطر زيد في نهار رمضان فقال: يعتق رقبة، أو طلق ابن عمر زوجته وهي حائض فقال: (ليراجعها).
(ص) والعام على سبب خاص معتبر عمومه عند الأكثر.
(ش) ورود العموم على سبب خاص لا يقدح في عمومه، فيتناول السبب وغيره، لأن العدول عن الخاص الذي هو السبب إلى محل العام دليل على إرادة العموم وهذا مذهب الشافعي رضي الله عنه، كما قاله القاضي أبو الطيب
(2/799)

والماوردي وغيرهما، وحكاه القاضي عبد الوهاب عن الحنفية وأكثر الشافعية والمالكية واحتج له الماوردي في كتاب (اللغات) بأمرين:
أحدهما: أن السبب قد كان موجودا ولا حكم، ثم ورد اللفظ فتعلق به الحكم، فكان اعتبار ما وجد الحكم بوجوده أولى من اعتبار ما لم يوجد الحكم بوجوده.
والثاني: أن تخصيص العموم إنما يقع بما ينافي اللفظ، ولا يقع بما يوافقه والسبب موافق فلم يجز أن يكون مخصصا وعن المزني والقفال: أنه يقتصر على ما خرج عليه السبب.
(2/800)

وقال إمام الحرمين: إنه الذي صح عنده من مذهب الشافعي رضي الله عنه، وقد أنكر الإمام فخر الدين في المناقب ذلك. وقال: معاذ الله أن يصح هذا النقل عنه كيف، وكثير من الآيات نزلت في أسباب خاصة، ثم لم يقل الشافعي رضي الله عنه، بقصرها على تلك الأسباب وفي المسألة مذهب ثالث: إن كان الشارع ذكر السبب في الحكم اقتضى تخصيصه به، وإن لم يكن السبب إلا في كلام السائل فالجواب على عمومه، حكاه ابن القطان في كتابه عن ابن أبي هريرة.
تنبيه: لا فرق في هذا القسم بين أن يكون السبب سؤالا أم لا، ولهذا صرح المصنف بذكر السبب وقطعه عما قبله.
(ص) فإن كانت قرينة التعميم فأجدر.
(ش) محل الخلاف حيث لا قرينة تدل على قصره على السبب أو تعميم، فإن كانت قرينة تقتضي التعميم فأجدر بالتعميم مثال التعميم قوله تعالى: {والسارق والسارقة} والسبب رجل سرق رداء صفوان فالإتيان بالسارقة معه قرينة
(2/801)

تدل على الاقتصار على المعهود، ومثال القرينة القاصرة له على السبب تخصيص الشافعي رضي الله عنه نهيه عن قتل النساء والصبيان بالحربيات لخروجه على سبب وهو أنه صلى الله عليه وسلم مر بامرأة مقتولة في بعض غزواته فقال: ((لم قتلت وهي لا تقاتل)). ونهي عن قتل النساء والصبيان فعلم أنه أراد به الحربيات، ويخلص بذلك عن استدلال أبي حنيفة على امتناع قتل المرتدة، فلم يعمل الشافعي رضي الله عنه بعموم هذا الخبر وقصره على سببه مع أن العبرة عنده (114أ) بعموم اللفظ، لكن لما عارضه قوله: ((من بدل دينه فاقتلوه)) ولم يكن بد من تخصيص أحدهما بالآخر، فوجب تخصيص الوارد على سبب وحمل الآخر على عمومه، لأن السبب من أمارات التخصيص قال الماوردي في (الحاوي): ومن هنا قال ابن دقيق العيد: ينبغي أن يفرق بين سبب لا يقتضي السياق التخصيص به، وبين سبب يقتضي السياق والقرائن التخصيص به، فإن كان من الباقي فالواجب اعتبار ما دل عليه السياق والقرائن. إذ به يتبين مقصود الكلام وبه يرشد إلى بيان المجملات وتمييز المجملات وفهم مأخذ الخطاب.
(2/802)

(ص) وصورة السبب قطعية الدخول عند الأكثر فلا تخص بالاجتهاد وقال الشيخ الإمام: ظنية، قال: ويقرب منها خاص في القرآن، تلاه في الرسم عام للمناسبة.
(ش) العام إذا ورد على سبب، فصورة السبب هل هي قطعية الدخول حتى لا يجوز تخصيصها بالاجتهاد، بخلاف ما زاد عليه، فإنه يجوز تخصيصه به، أو كغيرها من الأفراد فالجمهور على الأول وربما ادعى فيه الإجماع، لأن العام يدل عليه بطريقين وعن أبي حنيفة الثاني، وأنه يجوز إخراج السبب عن العموم استنباطا من مصيره إلى أن الولد يلحق بالفراش في الحرة دون الأمة، وإن كان حديث ابن زمعة إنما ورد في الأمة
(2/803)

والحق أن السبب لا يكون قرينة في القطع بالدخول، وهذا لا يجوز أن يصير اللفظ نصا صريحا في بعض مسمياته لقرينة خارجية تتصل به (بالنسبة إليه وهو صار نصا فيه لقرينة الورود فيه لا من حيث الوضع، ودلالة العام إما أن تتحد) بالنسبة إلى مسمياته من حيث الوضع لا غير فلا منافاة بين كونه نصا صريحا في محل الورود وبين كونه عاما هذا ما ذهب إليه الشيخ الإمام، فقال: القطع بالدخول ينبغي أن يكون محله إذا دلت قرائن حالية أو مقالية على ذلك، أو على اللفظ العام يشمله بطريق الوضع لا محالة، وإلا فقد ينازع الخصم دخوله وضعا تحت اللفظ العام ويدعي أنه يقصد المتكلم بالعام إخراج السبب، وبيان أنه ليس بداخل في الحكم فإن للحنفية أن يقولوا في حديث عبد بن زمعة: أن قوله صلى الله عليه وسلم ((الولد للفراش)).
وإن ورد في الأمة فهو وارد لبيان حكم ذلك الولد، وبيان حكمه إما بالثبوت وإما الانتفاء فإذا ثبت أن الفراش هي الزوجة، لأنها الذي يتخذ لها الفراش غالبا، وقال: الولد للفراش، كان فيه حصر أن الولد للحرة ومقتضى ذلك لا يكون للأمة، فكان فيه بيان الحكمين جميعا، نفي السبب عن المسبب وإثباته لغيره، ولا يليق دعوى القطع والمقطوع به أنه لا بد من بيان حكم السبب، أما كونه بقطع دخوله في ذلك أو بخروجه عنه فلا يدل على تعيين واحد منهما، قال: وجميع ما تقدم في السبب وبقية الأفراد التي دل اللفظ العام بالوضع عليها وبين ذينك الشيئين رتبة متوسطة، فيقول: قد تنزل الآيات على الأسباب الخاصة، وتوضع كل واحدة منها ما يناسبها من الآية رعاية لنظم القرآن وحسن اتساقه فذلك الذي وضعت معه الآية النازلة على سبب خاص للمناسبة، إذا كان مسوقا لما نزل في معنى يدخل في ذلك اللفظ
(2/804)

العام، أو كان من جملة الأفراد الداخلة وضعا تحت اللفظ العام فدلالة اللفظ عليه يحتمل أن يقال: إنه كالسبب فلا يخرج ويكون مرادا من الآية قطعا ويحتمل أن يقال إنه لا ينتهى في القوة إلى (114ب) ذلك لأنه قد يراد غيره وتكون المناسبة لشبهه به والحق أنه رتبة متوسطة دون السبب وفوق العموم المجرد مثاله: قوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} فإن مناسبتها لما قبلها وهو قوله: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا} إن ذلك إشارة إلى كعب بن الأشرف كان قدم مكة وشاهد قتلى بدر، وحرض الكفار على الأخذ بثأرهم فسألوه من هو أهدى سبيلا، فقال: أنتم، كذبا منه وضلالة.
(2/805)

فتلك الآية في حقه وحق من شاركه في تلك المقالة وهم أهل كتاب يجدون عندهم في كتابهم نعت النبي صلى الله عليه وسلم وصفته، وقد أخذت عليهم المواثيق أن لا يكتموا ذلك وأن ينصروه وكان ذلك أمانة لازمة فلم يؤدوها وخانوا فيها وذلك يناسب الأمر بأداء الأمانة.
تنبيه: لا ينبغي ذكر هذه المسألة في العام المخصوص عند من اعتبر السبب لأنه من العام الذي أريد به الخصوص، وقد سبق الفرق بينهما.
(ص) مسألة: إن تأخر الخاص عن العمل نسخ العام وإلا خصص، وقيل: إن تقارنا تعارضا في قدر الخاص كالنصين وقالت الحنفية وإمام الحرمين: العام المتأخر ناسخ فإن جهل فالوقف أو التساقط.
(ش) هذه المسألة في بقاء العام على الخاص إذا وجد نصان متنافيان أحدهما عام والآخر خاص، فإما أن يعلم تاريخهما أولا فإن علم (فإما أن يعلم) تأخر أحدهما على الآخر أو تقاربهما، فإن علم المتأخر فإما أن يتأخر عن وقت العمل أم لا، فهذه أقسام:
الأول: أن يكون الخاص متأخرا عن وقت العمل بالعام، فهنهنا يكون الخاص
(2/806)

ناسخا لذلك القدر الذي تناوله العام بلا خلاف، ولا يمكن حمله على التخصيص لأن تأخر بيانه عن وقت العمل ممتنع، وقول المصنف نسخ العام أي الفرد الذي تناوله العام وإلا فلا خلاف أنه يعمل بالعام في بقية الأفراد في المستقبل.
الثاني: أن يتأخر عن وقت الخطاب بالعام دون وقت العمل به، فمن منع تأخير بيان التخصيص كالمعتزلة أحال المسألة ومن جوز اختلفوا والأكثرون أن الخاص يكون مخصصا للعام، لأنه وإن جاز أن يكون ناسخا لذلك القدر منه لكن التخصيص أقل مفسدة، وعن الحنفية أن الخاص إذا تأخر عن العام بحيث يتخلل بينهما زمان يتمكن المكلف به من العمل أو الاعتقاد لمقتضي العام، كان الخاص ناسخا.
الثالث: أن يتأخر العام عن وقت العمل بالخاص فههنا ينبنى العام على الخاص عندنا، وذهب بعض الحنفية إلى أن العام المتأخر ناسخ للخاص المتقدم.
الرابع: أن يتأخر العام عن وقت الخطاب بالخاص، لكنه قبل وقت العمل به فكالذي قبله وإن علم مقارنتهما، فإما أن يكون الخاص مقارنا للعام نحو: ((فيما سقت السماء العشر)). ثم يقول عقيبه: ((لا زكاة فيما دون خمسة أوسق)) فالخاص يخصص العام، وأما إن كان العام مقارنا للخاص نحو: ((لا زكاة فيما دون خمسة أوسق)) ثم يقول عقيبه: (فيما سقت السماء العشر) فكذلك ((وحكى في المحصول قولا))
(2/807)

أنهما يتعارضان في القدر الذي تناوله الخاص وعزاه ابن السمعاني للقاضي أبي بكر وهو ينفي نقل الشيخ أبي حامد وغيره الإجماع على تقدم الخاص، وأما إذا لم يعلم تاريخهما، فعندنا ينبني العام على الخاص وعند أبي حنيفة يتوقف (115أ) إلى ظهور التاريخ أو الترجيح، أو يرجع إلى غيرهما، وإلى هذه الأقسام كلها أشار المصنف بقوله:،إلا خصص أي يقضى بالخاص على العام، تأخر العام وتقدم الخاص أو عكسه، أو تقارنا وعلم المتقدم أو تقارنا وجهل.
ولما كان خلاف التعارض عند المقارنة غريبا صرح به، وقوله: (فإن جهل) من تمام قول الحنفية فتفطن له، وابن الحاجب اقتصر على حكاية التساقط عنهم، وصاحب البديع على الوقف، فلهذا جمع المصنف بينهما وهما متقاربان زاد في البديع ويؤخر المحرم احتياطا.
(ص) وإن كان كل عاما من وجه، فالترجيح وقالت الحنفية: المتأخر ناسخ.
(ش) إذا تعارض خطابان، أحدهما خاص ومن وجه عام من وجه والآخر خاص، من وجه عام من وجه وتنافيا في الحكم الذي ابتنى عليهما، فيصار إلى الترجيح
(2/808)

ومثاله قوله صلى الله عليه وسلم: ((من بدل دينه فاقتلوه)). مع نهيه عن قتل النساء فإن الأول خاص في المرتدين عام في النساء والرجال والثاني خاص في النساء عام في الحربيات والمرتدات.
قال الشيخ تقي الدين في (شرح الإلمام): وكان مرادهم الترجيح العام الذي لا يخص مدلول العموم كالترجيح بكثرة الرواة وسائر الأمور الخارجية عن مدلول العموم من حيث هو، وفيما قاله نظر، فإن صاحب (المعتمد) حكى عن بعضهم في هذه المسألة، أن أحدهما إذا دخله تخصيص مجمع عليه فهو أولى بالتخصيص، وكذا إذا كان أحدهما مقصودا بالعموم فإنه يرجح على ما كان عمومه اتفاقا وعلم من إطلاق المصنف أنه لا فرق في هذا القسم بين أن يعلم تقدم أحدهما على الآخر أو مقارنتهما وهو كذلك، وما حكاه عن الحنفية من أن المتأخر هو الناسخ فهو قياس ما سبق عنهم في التي قبلها لكن لم أجده صريحا في هذه المسألة.
(ص) المطلق والمقيد، المطلق الدال على الماهية بلا قيد، وزعم الآمدي وابن الحاجب دلالته على الوحدة الشائعة توهماه النكرة، ومن ثم قالا: الأمر بمطلق الماهية أمر يجزئي وليس بشيء وقيل: بكل جزئي، وقيل: إذن فيه.
(ش) المراد بالدال على الماهية بلا قيد، من حيث هي، من غير اعتبار عارض
(2/809)

من عوارضها كقولنا الرجل خير من المرأة، فخرج بقوله: بلا قيد المعرفة والنكرة أما المعرفة فلأنها تدل على الحقيقة مع وحدة معينة كزيد، وأما النكرة فلأنها تدل عليها مع وحدة معينة كرجل، وظهر بهذا الفرق بين المطلق والنكرة، وقيل: لا فرق بينهما وبه صرح الآمدي فقال: المطلق (فعبارة عن النكرة) في سياق الإثبات وتابعه ابن الحاجب، فقال: المطلق ما دل على شائع في جنسه، وقوله: (شائع) أي لا يكون متعينا، بحيث يمتنع صدقه على كثيرين، وقوله: في جنسه، أي له أفراد تماثله وهذا يتناول الدال على الماهية من حيث هي، والدال على واحد غير معين، وهو النكرة؛ لأنها أيضا لفظ دال على شائع في جنسه وقول المصنف: توهماه النكرة، ممنوع بل تحققاه وما صنعاه خير مما صنعه المصنف، ولا شك أن مفهوم الماهية بلا قيد ومفهومها مع قيد الوحدة، متغايران.
لا يخفى على ابن الحاجب ولا غيره ولكن الأصوليون لم يفرقوا بينهما، لأنه لا فرق بينهما في تعلق التكليف بهما، فإن التكليف لا يتعلق إلا بالموجود في الخارج والمطلق الموجود في الخارج هو (115ب)
(2/810)

واحد غير معين في الخارج، لأن المطلق لا يوجد في الخارج إلا في ضمن الآحاد ووجوده في ضمنه هو صيرورته عينه بانضمام مشخصاته إليه، فيكون المطلق الموجود واحدا غير معين، وذلك هو مفهوم النكرة والأصولي إنما يتكلم فيما يقع به التكليف فلهذا فسره بالمعين وأما الاعتبارات العقلية كما فعله المصنف فلا تكليف بها، إذ لا وجود لها في الخارج، لأن المكلف به يجب إيقاعه والإتيان بما لا يقبل الوجود في الخارج لا يمكن فلا تكليف به، ولهذا ذكر صاحب (البديع) من الحنفية، المطلق كما ذكره ابن الحاجب مع قوله: فيما بعد أن الحق تفسير المطلق (بالماهية من حيث هي والحاصل أن الماهية من حيث هي لا يمكن أن توجد في الخارج إلا في ضمن الجزئيات) فعند ورود الأمر بها يكون المطلوب بها جزئيا من جزئياتها، لأنها نص مطلوبة بالقصد الأول، فورود الأمر بها لدلالتها عليها بالمطابقة وتصير قيدا من القيود الموجبة لجزئيتها مقصودا بالقصد الثاني لتوقف وجودها عليه، فيؤول الأمر إلى أن يكون المطلوب بها جزئيا من جزئياتها فيؤول الأمر باللفظ الدال على الماهية عند استعماله في التكليف إلى الدلالة على جزئي وهو النكرة فلا فرق بينهما في التكاليف، فلهذا صح تسمية كل منهما بالمطلق، وتفسير المطلق بكل واحد منهما.
وقوله: (ومن ثم) أي ولأجل هذا التأصيل قال الآمدي وابن الحاجب: إن الأمر بمطلق الماهية أمر بجزئي من جزئيات الماهية، لا بالكلي المشترك، فإذا قيل أمرت من غير تعيين فالمطلوب الفعل الجزئي الممكن المطابق للماهية الكلية المشتركة لأن الماهية هي المطلوبة لأن الماهية الكلية يستحيل وجودها في الأعيان فلا تطلب.
قال المصنف: وليس بشيء يعني لأنا نفرق بين الماهية بشرط شيء
(2/811)

وبشرط لا شيء وبلا شرط، وإذا قرنت بينها علمت أن المطلوب الماهية من حيث هي لا بقيد الجزئية ولا بقيد الكلية، ولا يلزم من عدم اعتبار أحدهما اعتبار الآخر، ثم إن ذلك غير مستحيل بل موجود في الجزئيات، وذهب الإمام فخر الدين إلى أنه أمر بالماهية المشتركة بين الأفراد لا بجزئي معين وهو ما حكاه أبو المناقب الزنجاني عن مذهب الشافعي رضي الله عنه، وأن الأول مذهب أبي حنيفة، والحق أن الماهية من حيث هي لا تستلزم التعدد ولا الوحدة بل هي صالحة لأن يعرضها كل واحد منهما، ووجه ما أشار إليه المصنف من بناء هذه المسألة على هذا الأصل، أن من قال إن الأمر بمطلق الماهية أمر بواحد من جزئياته فالمطلق عنده عبارة عن ((جزئي ممكن مطابق الماهية لا عين)) الماهية من حيث هي، واشتمالها في الأصول لكونها هي المرادة منه، وقوله: إذن فيه إشارة إلى احتمال أبداه الصفي الهندي في القياس في الكلام على حجيته بقوله تعالى: {فاعتبروا} حيث اعترض الخصم بأن الدال على الكلي لا يدل على الجزئي، فلا يلزم الأمر بالقياس الذي هو جزئي للكلي الذي هو مطلق الاعتبار قال الهندي: ويمكن أن يجاب بأن الآمر بالماهية الكلية، وإن لم يقتض الأمر بجزئياتها، لكن يقتضي تخيير المكلف في الإتيان بكل
(2/812)

واحد من تلك الجزئيات بدلا عن الآخر (116أ) عند عدم القرينة المعينة لواحد منها أو لجميعها ثم التخيير بينهما يقتضي جواز فعل كل واحد منها.
(ص) مسألة: المطلق والمقيد كالعام والخاص (وزيادة) أنهما إن اتحد حكمهما وموجبهما، وكانا مثبتين، وتأخر المقيد عن وقت العمل بالمطلق، فهو ناسخ وإلا حمل المطلق عليه، وقيل: المقيد ناسخ إن تأخر، وقيل: يحمل المقيد على المطلق.
(ش) ما سبق في مسائل الخاص والعام من متفق عليه ومختلف فيه، يجري في المطلق والمقيد، ويزيد مسألة في حمل المطلق على المقيد فلا يخلو إما أن يختلف حكمهما أو لا، فإن لم يختلف حكمهما فلا يخلوان، إما أن يتحد موجبهما أي سببها أو لا، فإن اتحد موجبهما، فلا يخلوان إما أن يكونا مثبتين أو منفيين أو أحدهما مثبتا والآخر منفيا.
القسم الأول: أن يكونا مثبتين بأن يذكر الرقبة مطلقة في كفارة القتل وتقيد بالإيمان في كفارة القتل أيضا، فإن تأخر المقيد عن وقت العمل بالمطلق فهو ناسخ، وإن لم يتأخر المقيد ففيه ثلاثة مذاهب: أصحها: حمل المطلق على المقيد جمعا بين الدليلين ويكون المقيد بيانا للمطلق، أي يكون المراد بالمطلق المقيد، لا نسخا له، سواء تقدم المطلق أو تأخر.
(2/813)

والثاني: أن يحمل المطلق على المقيد، ويكون المقيد ناسخا للمطلق إن تأخر المقيد.
والثالث: أن يحمل المقيد على المطلق سواء تقدم أو تأخر وحاصله أنهما مسألتان: حمل المطلق على المقيد وفيه قولان: والثانية: إذا قلنا: يحمل فهو بيان أو نسخ قولان والأصح الأول، واعلم أن جماعة نقلوا الاتفاق في هذا القسم على حمل المطلق على المقيد منهم القاضي أبو بكر، وليس الأمر كذلك، وذكر ابن السمعاني في (القواطع): أن الحنفية اتفقوا على أنه لا يحمل إذا اختلف السبب واختلفوا إذا اتفق السبب. فقال بعضهم: يحمل المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده كما إذا اختلف السبب ومنهم من قال: بحمل المطلق على المقيد في هذه الصورة انتهى وذكر الطرطوشي من المالكية: أن أصحابه اختلفوا في حمل المطلق على المقيد مع اتحاد السبب والحكم كإطلاق المسح في قوله: (يمسح المسافر ثلاثة أيام) وتقييده بقوله: (إذا تطهر فلبس).
(ص) وإن كانا منفيين فقائل المفهوم يقيده به وهو خاص وعام.
(ش) القسم الثاني: أن يكونا منفيين نحو، لا تعتق مكاتبا ولا تعتق مكاتبا كافرا، فمن يخصص بالمفهوم لا بد أن يقيد المكاتب بمفهوم قوله مكاتبا كافرا، وهو من باب تخصيص العام لكونه في سياق النفي لا تقييد المطلق، وأما من لا يقول بالمفهوم فلا يعتق المكاتب أصلا، ويعمل بمقتضى الإطلاق، ولا يخصه بالنهي
(2/814)

المقيد، لأنه بعض ما دخل تحته، هذا حاصل مراد المصنف، وفيه تنبيه على أن جعل ابن الحاجب لهذا من باب المطلق والمقيد معترض. وكلام ابن دقيق العيد يخالفه فإنه قال في قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول)) أنه يقتضي تقييد النهي بحالة البول ووردت رواية أخرى في النهي عن مسه باليمين مطلقا من غير تقييد بحالة البول، فمن الناس من أخذ بهذا المطلق وقد يسبق إلى الفهم أن العام محمول على الخاص، فيخص النهي بهذه الحالة وفيه بحث، لأن هذا يتجه في باب الأمر والإثبات، فأما لو جعلنا الحكم للمطلق أو للعام، في صورة الإطلاق أو العموم كان فيه (116ب) إخلال باللفظ الدال على طلب القيد وذلك غير جائز، وأما في باب النهي فإنا إذا جعلنا الحكم للمقيد، أخللنا بمقتضى اللفظ المطلق مع تناول النهي له وذلك غير سائغ، وهذا كله بعد النظر في تقديم المفهوم على ظاهر العموم.
(ص) وإن كان أحدهما أمرا والآخر نهيا، فالمطلق مقيد بضد الصفة.
(ش) الثالث: أن يكون أحدهما مثبتا والآخر منفيا مثل: إن ظاهرت فاعتق رقبة ويقول: لا تملك رقبة كافرة، فإنه تقييد المطلق بنفي الكفر، لاستحالة إعتاق الرقبة الكافرة مع عدم تملكها، والحمل هنا ضروري لذلك، لا من أجل أن المطلق فيها محمول على المقيد
(2/815)

ولهذا قال المصنف، فالمطلق مقيد بضد الصفة.
(ص) وإن اختلف السبب فقال أبو حنيفة: لا يحمل، وقيل: يحمل لفظا، وقال الشافعي رضي الله عنه: قياسا.
(ش) ما سبق جميعه عند اتحاد السبب، فإن اختلف كإطلاق الرقبة في كفارة الظهار وتقييدها بالإيمان في القتل، فهي محل الخلاف.
فقال أبو حنيفة: لا يحمل عليه أصلا، وإلا يلزم رفع ما اقتضاه المطلق بأي صورة كانت فيكون نسخا، والقياس لا يكون ناسخا وذهب المعظم إلى أنه يحمل المطلق على المقيد ثم اختلفوا هل يحمل بموجب اللفظ، ولا يتوقف على جامع أو لا بد من دليل من قياس
(2/816)

أو غيره، كما يجوز تخصيص العموم بالقياس وغيره. والأول هو الذي عليه جمهور أصحابنا وقال الماوردي والروياني في باب القضاء: إنه ظاهر مذهب الشافعي رضي الله عنه، وأما المصنف فتابع فيه الآمدي في نسبة الثاني إلى الشافعي رضي الله عنه والأقرب الأول، فإن أصحاب الشافعي رضي الله عنه أعرف بمذهبه.
وقد قال سليم الرازي في (التقريب): إنه ظاهر كلام الشافعي رضي الله عنه وظهر أن في حكاية كلام المصنف لهذا المذهب أمرين:
أحدهما: ما ذكرناه.
وثانيهما: تخصيصه الحمل بالقياس وهو فيه متابع لابن الحاجب مع أن القائل بأنه لا يحمل بنفس اللفظ، يقول: لا بد من دليل إما قياس أو غيره على ما سبق ولا يخصه بالقياس.
(ص) وإن اتحد الموجب واختلف حكمهما فعلى الخلاف.
(ش) كذا قاله القاضي أبو بكر في كتابه المسمى (المحصول) ومثله بآية الوضوء، فإنه قيد فيها غسل اليدين إلى المرفقين، وأطلق في التيمم الأيدي والسبب واحد وهو الحدث، وابن الحاجب قال: إن اختلف حكمهما مثل: اكس ثوبا،
(2/817)

وأطعم طعاما نفيسا فلا يحمل أحدهما على الآخر بوجه اتفاقا أي سواء اتحد السبب أو اختلف، وقال المصنف وأومأ غيره إلى المخالفة: فقال ينبغي أن يكون الثوب نفيسا كالطعام، ويشهد لجريان الخلاف وهو ما ذكره الباجي في الفصول وغيره، اختلاف قولي الشافعي وإن القاتل إذا لم يقدر على الصيام هل يجب عليه الإطعام حملا لكفارة القتل على كفارة الظهار، كما قيدنا الرقبة المطلقة بالإيمان حملا لها على الآية المقيدة، والأصح المنع، لأن آية القتل لم تتعرض إلا للإعتاق والصيام. فلا يلحق بهما خصلة ثالثة وإنما اعتبرنا الإيمان، لأن الرقبة مذكورة في الآيتين، وإن أطلقت في إحداهما وأما الإطعام فمسكوت عنه من أصله والمسكوت لا يحمل على المذكور.
(ص) والمقيد بمتنافيين يستغنى عنهما إن لم يكن أولى بأحدهما قياسا.
(ش) ما سبق جميعه فيما إذا قيد في موضع وأطلق في موضع، فأما إذا أطلق في موضع، ثم قيد في موضعين بقيدين (117أ) متنافيين، فمن قال بالحمل لفظا، قال: يبقى المطلق على إطلاقه، إذ ليس التقييد بأحدهما أولى.
ومن قال بالحمل قياسا حمله على ما حمله عليه أولى، فإن لم يكن قياسا رجع إلى أصل الإطلاق، وبهذا يندفع اعتراض الحنفية، حيث قالوا: لم قلتم لا يشترط التتابع في قضاء رمضان مع كونه ورد مطلقا في {فعدة من أيام أخر} ولم يحملوه على القتل ولا على صوم الظهار وكذا صوم كفارة اليمين لم يحملوه على الصوم في كفارة القتل
(2/818)

والظهار، فإن الأظهر عندكم جواز التفريق (فيه لأنا نقول هذا الحمل قد تحاذيه أعني صوم المتعة، حيث نص فيه على التفريق) وصوم الظهار حيث نص فيه على التتابع فلم يكن إلحاقه بأحدهما أولى من إلحاقه بالآخر، فتركناه على حاله، والكلام في مطلق له مقيد واحد.
ونازع بعض الحنفية في كون صوم التمتع مقيدا بالتفريق وإنما لم يجز قبل يوم النحر، لأنه مضاف إلى وقت الرجوع بحرف إذا في قوله تعالى: {وسبعة إذا رجعتم} سلمناه لكن ليس هو في الكل بل في بعض أجزائه قال لأصحابه: ويجب بقاء كل من المقيدين على تقييده وأما حمله على تقييد صاحبه فينظر فيه، فإن تنافى الجمع بينهما كصوم الظهار مع صوم التمتع، لم يحمل أحدهما على الآخر وإن لم يتنافيا ففي حمله من غير دليل وجهان، فإن حملناه صار كل منهما مقيدا بالقيدين معا، قاله الماوردي والروياني في باب القضاء: قالا: وعلى هذا يجوز حمل المطلق أيضا على المقيدين، ويصير كل من الكلامين مفيدا بشرطين:
(ص) الظاهر والمؤول: الظاهر ما دل دلالة ظنية.
(ش) الظاهر لغة: الواضح واصطلاحا ما دل على معنى دلالة ظنية إما
(2/819)

بالوضع اللغوي كالأسد، أو العرفي كالغائط فقوله: ما دل، جنس، وقوله: ظنية: احتراز عن النص، فإنه يدل دلالة قطعية وهذا التعريف أعم مما ذكره المصنف في باب المنطوق والمفهوم حيث قال: ظاهر إن احتمل مرجوحا كالأسد: فإن المراد هنا، ما يفيد معنى سواء أفاده مع معنى آخر إفادة مرجوحه أو لم يفده.
(ص) والتأويل: حمل الظاهر على المحتمل المرجوح فإن حُمل لدليل فصحيح أو لما يظن ففاسد أو لا لشيء فلعب لا تأويل.
(ش) التأويل لغة: من آل يؤول، أي رجع يرجع. واصطلاحا: ما ذكره فقوله حمل الظاهر، خرج حمل النص على معناه وحمل المشترك على أحد معنييه فلا يسمى تأويلا.
وقوله: على المحتمل أخرج حمل الظاهر على ما لا يحتمله. وقوله: المرجوح احتراز عن حمل الظاهر على معناه الراجح، فلا يسمى تأويلا، ويخرج به حمل اللفظ على مدلوله الظاهر المرجوح والمحتمل معا فلا يسمى تأويلا، وهذا التعريف يشمل الصحيح والفاسد فإن حمل لدليل يصيره راجحا فصحيح سواء كان ذلك الدليل قطعيا
(2/820)

أم ظنيا، أو لما يظن دليلا وليس كذلك ففاسد، أو لا لشيء فلعب لا تأويل.
(ص) ومن البعيد تأويل أمسك أربعا على ابتدى.
(ش) التأويل قد يكون قريبا فيترجح بأدنى مرجح وقد يكون فيحتاج للأقوى، وقد يكون بعيدا متعذرا فيرد. وقد جرت عادة الأصوليين بذكر ضروب من التأويلات هنا، ليتميز الصحيح عن الفاسد، ليقاس عليها غيرها، والقصد بها التمرين والتدريب للرياضة نحو مسائل العويص (117ب) في الفرائض فمن البعيد تأويل الحنفية قوله صلى الله عليه وسلم لغيلان بن سلمة وقد أسلم على عشر ((أمسك أربعا وفارق سائرهن)). فإنهم حملوا أمسك على ابتدى النكاح في أربع منهن، ووجه بعده أنه لم ينقل تجديد لا منه ولا من غيره مع كثرة إسلام الكفار المتزوجين.
(2/821)

(ص) وستين مسكينا على ستين مدا.
(ش) من البعيد أيضا قولهم في قوله تعالى: {ستين مسكينا}
أي إطعام طعام ستين مسكينا لأن القصد رفع الحاجة وحاجة ستين مسكينا في يوم واحد كحاجة واحد في ستين يوما، فجعلوا المعدوم وهو طعام مذكورا فيصح كونه مفعولا لإطعام وقد جعلوا ستين مسكينا عدما مع صلاحه لأن يكون مفعولا لإطعام، ثم هذه العلة رافعة لاعتبار العدد الذي هو حكم الأصل، فكانت مبطلة له، ولا يجوز أن يستنبط من النص معنى يعكر على أصله بالإبطال ولأن في العدد فائدة، وهي أن دعاءهم أقرب إلى الإجابة فلا يجوز إلغاؤها.
(ص) وأيما امرأة نكحت نفسها على الصغيرة والأمة والمكاتبة.
(ش) أي حملوا المرأة في الحديث على ذلك ووجه بعده، أن الصغيرة ليست بامرأة في حكم اللسان، كما أن الصبي ليس برجل، وألزموا سقوط التأويل على مذهبهم، فإن الصغيرة لو زوجت نفسها فالعقد عندهم صحيح موقوف نفاذه على
(2/822)

إجازة الولي ففروا من ذلك وقالوا هو محمول على الأمة، فألزموا بطلانه بقوله: فلها المهر ومهر الأمة لا يجب لها بل لسيدها ففروا من ذلك، وقالوا: هو محمول على المكاتبة فقيل لهم: هو باطل أيضا، والقياس وإن قوي هنا في نفسه لكن دلالة العام قوية، لأنه قال: أي، وهي كلمة عامة، وأكدها بكلمة ما، فيبعد الإتيان بهذه الصيغة المؤكدة مع إرادة صورة نادرة فيما بين النساء، بل لا تخطر بالبال، ومن هذا التقرير يظهر لك حسن جمع المصنف بين هذه الثلاثة وإيرادها على هذا الترتيب وهو فيه متبع لابن الحاجب وقد غفل عنه شراحه.
(ص) ولا صيام لمن لم يبيت على القضاء والنذر.
(ش) لما ثبت عندهم من صحة الصيام بنية في النهار، فجعلوه كاللغز، إذ حملوه على النادر مع اشتماله على صيغة العموم.
(2/823)

(ص) وذكاة الجنين ذكاة أمه على التشبيه.
(ش) عند الحنفية تجب ذكاة الجنين، وعند الشافعي رضي الله عنه أن ذكاة أمه تغني عن ذكاته إن لم تتمكن ذكاته، والحديث يروى برفع الذكاة ونصبها، والرفع هو المعروف المحفوظ، وبه ينتهض استدلال الشافعي رضي الله عنه ورواه الحنفية بالنصب، وزعموا أنه يدل لهم على كلا الروايتين، ووجهوا النصب بوجهين:
أحدهما: أن التقدير كذكاة أمه، حذف الكاف فانتصب أي ذكاة كما تذكرون أمه.
وثانيهما: أنه أعمل فيه الذكاة الأولى، لأنها مصدر، فكأنه قال: فإن ذكاة الجنين ذكاة مثل ذكاة أمه والخبر محذوف أي واجبة، وأما على الرفع فلأن التقدير مثل ذكاة أمه، وحاصله حمله على التشبيه كما قاله المصنف وأما أصحابنا فوهموا رواية النصب وقالوا: المحفوظ في الرواية كما قاله حملة الحديث كالخطابي وغيره. وهي تحتمل أوجها أحسنها ذكاة الجنين خبر مقدم. وذكاة أمه
(2/824)

مبتدأ والتقدير ذكاة أم الجنين ذكاة له، قالوا: ولو كان كما قالت الحنفية لم يكن للجنين مزية (118أ) وحقيقة الجنين ما كان في البطن وذبحه في البطن لا يمكن فعلم أنه ليس المراد أنه يذكى كذكاة أمه، بل ذكاة أمه كافية، ويؤيده رواية البيهقي ذكاة الجنين في ذكاة أمه.
وفي رواية بذكاة، وأما توجيه الحنفية فضعيف، أما الأول، وهو تقدير النصب بحذف حرف الجر، قال ابن عمرون: ليس بشيء، لأنه يلزم منه جواز قولك: زيد عمرا، أي كعمرو وأما الثاني فلأن فيه حذف حرف الجر والأصل خلافه بل رواية النصب - إن صحت - محمولة على أن تقديره وقت ذكاة أمه ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فانتصب على الظرف، وهو يدل للشافعي رضي الله عنه، ولأن الثاني إنما يكون وقتا للأول إذا أغنى الفعل الثاني عن الأول، وإلا فمن المحال وقوع الذكاة في وقت الثانية وهذا التقدير للنصب أولى من تقديرهم لوجهين:
أحدهما: عدم احتياجه للمحذوف.
وثانيهما: موافقته لرواية الرفع، وأما ما قالوه في تقديره الرفع، فساعدهم ابن جني على عادته، وقال: إذا حمل على ما قاله أبو حنيفة يكون المجاز وقع في الخبر وهو الكثير فكان الحمل عليه أولى، وهذا مردود كما قاله ابن عمرون، لأن سياق الحديث وسؤالهم نلقيه أم نأكله، لم يكن لأنهم شكوا أن ما أدرك ذكاته وذكى
(2/825)

من هذا الصنف المأكول حل أكله، وإنما سألوه عما تعذر فيه الذبح فوجب حمله على ذلك ليكون الجواب مطابقا للسؤال.
(ص) {وإنما الصدقات} على بيان المصرف.
(ش) أي دون إرادة استيعاب الأصناف بالعطاء ولا شك أن المقتصر على الإعطاء لصنف واحد معطل. للتناول.
(2/826)

(ص) ومن ملك ذا رحم محرم على الأصول والفروع.
(ش) هذا الحمل لبعض الشافعية ووجه بعده تعطيل لفظ العموم فإنه يبعد أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم بالصيغة العامة ويريد به الأب والابن مع أنه له اسم آخر يعرف به وهو أبلغ في التعريف كمن قال من دخل داري فله درهم، ثم قال: أردت به الأب، لا يستحسن فإن قيل: كيف جعل المصنف هذا بعيدا وهو مذهبه فالجواب أن مذهبنا اختصاص العتق بالأصول والفروع، أما حمل الحديث فلا، وإنما تلك طريقة ضعيفة لبعض الأصحاب وحذاقهم لا يرتضونها لأنهم لا يثبتون الحديث، فقال البيهقي حديث منكر، وقال الترمذي: لم يتابع ضمرة عليه وهو خطأ عند أهل الحديث وكذا قال ابن عساكر والذي قضى عليه بالبعد: إنما
(2/827)

هو حمل الحديث على خلاف ظاهره، وأما مقام الاحتجاج به فأمر آخر، وكذلك ما قضى عليه بالبعد من تأويلات الخصوم، فإنما بعده من قبل لفظه، ولا ينكر أن يكون عليه دليل من خارج، إلا أن تلك صناعة فقهية، وحظ الأصولي ما بنيناه.
(ص) والسارق يسرق البيضة على الحديد.
(ش) هذا التأويل حكاه ابن قتيبة.
(2/828)

عن يحيى بن أكثم قال: حضرت مجلسه فرأيته يتأول البيضة على الحديد والحبل على حبال السفن ورأيته يعجب به، وهو باطل، فإن هذا ليس موضع تكثير لما يأخذه السارق إنما هو موضع تقليل، وأنه لا يقال: قبح الله فلانا عرض نفسه للضرب. في عقد جوهر، إنما يقال: عرض يده في خلق رث أو كبة شعر، قال: وكان الحديث أورد على (118ب) ظاهر الآية في قطع القليل والكثير، وأراد بالبيضة بيضة الدجاجة، ثم أعلم بعد: أن القطع لا يكون إلا في ربع دينار فصاعدا.
(ص) وبلال يشفع الآذان، على أن يجعله شفعا لآذان ابن أم مكتوم.
(ش) المشهور أن الآذان مثنى لقوله: ((إن بلالا)).
(2/829)

يشفع الآذان ونقل عن بعض السلف إفراده، وأول قوله: يشفع، يجعل آذانه شفعا لآذان ابن أم مكتوم، وهو ضعيف، لأن بلالا كان ينادي بليل، وابن أم مكتوم يتأخر حتى يقال له: أصبحت أصبحت فكيف يكون الأول شفعا للثاني، وقد اعترض على المصنف في هذا المثال، بأن يشفع فعل مثبت لا عموم له وجوابه: أن العموم في المتعلق به وهو الآذان فيتناوله بجميع كلماته.
(ص) المجمل: ما لم تتضح دلالته.
(2/830)

د (ش) إنما قال: (ما) ولم يقل: لفظ ليشمل القول والفعل وإنما قال: لم تتضح دلالته، ولم يقل: لم يدل بمعين، احترازا عن المهمل، إذ لا دلالة له، وهذا له دلالة ولكن غير واضحة.
(ص) فلا إجمال في آية السرقة.
(ش) أي لا في اليد ولا في القطع خلافا لبعض الحنفية فإن اليد
(2/831)

للعضو إلى المنكب حقيقة وإطلاقها هنا على الكوع من إطلاق الكل على الجزء وقد دل عليه دليل، وهو فعل النبي صلى الله عليه وسلم والإجماع، وذلك أولى من الإجمال المؤدى إلى التعطيل، وأما القطع فإبانة المفصل فهو ظاهر فيه، فلا إجمال.
(ص) ولا في نحو: {حرمت عليكم أمهاتكم}
(ش) أي فيما وقع فيه التحريم.
على الأعيان لأن المعقول فيه التصرف فيعم جميع أنواعه من العقد على الأم، ووطئها وهذه المسألة مكررة سبقت في باب العموم في قوله: وقد يعم اللفظ عرفا كالفحوي ونحو: {حرمت عليكم أمهاتكم} وإنما أعادها، لأن عادة
(2/832)

الأصوليين يذكرون هنا الخلاف عن الكرخي واحتج عليه الشيخ أبو حامد، بأن الصحابة احتجوا بظاهر هذه الآيات في إثبات التحريم ولم يرجعوا لغيره وعلى الأول فيكون من المجاز المنقول حتى صار حقيقة عرفية، وقيل: إنه من باب الحذف بقرينة دلالة العقل على أن الأحكام الشرعية إنما تتعلق بأفعال المكلفين دون أعيانهم ولهذا عرفوا الحكم بأنه الخطاب المتعلق بفعل المكلف، وذهب السرخسي وفخر الإسلام من الحنفية إلى أن الحكم متعلق بالعين، كما يتعلق بالفعل ومعنى حرمة العين خروجها من أن تكون محلا للفعل شرعا كما أن حرمة الفعل خروجه من الاعتبار شرعا فلا ضرورة إلى اعتبار الحذف أو المجاز وأيضا معني الحرمة المنع، فمعنى حرمة الفعل، أن العبد يمنع من اكتسابه وتحصيله، فالعبد ممنوع عنه، ولذلك لا يقال: لا تشرب هذا الماء وهو بين يديه، ومعنى حرمة العين، منعه من التصرف فيها، فالعين ممنوعة. والعبد ممنوع عنها وذلك كما إذا صببت الماء الذي بين يديه وهو أبلغ.
(ص) {وامسحوا برؤوسكم}
(ش) أي لا إجمال فيها خلافا لبعض
(2/833)

الحنفية بل هو حقيقة فيما ينطلق عليه الإسلام وهو القدر المشترك بين مسح الكل والبعض فيصدق مسح البعض، وعزاه في المحصول للشافعي رضي الله عنه، ونقل ابن الحاجب عنه ثبوت التبعيض بالعرف.
(ص) (لا نكاح إلا بولي).
(ش) (119أ) الصيغ الواردة في الشرع لذوات واقعة كقوله: ((لا نكاح إلا بولي)) و ((ولا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)) ((لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل)).
(2/834)

اختلفوا فيها فالجمهور على أنها ليست مجملة بناء على القول بثبوت الحقائق الشرعية وأن الشرعي مخصوص بالصحيح، وأنه محمول على الشرعي دون اللغوي وغيره من المجملات ومع ذلك لا وجه للإجمال إذ لا شك في انتفاء الذوات وذهب القاضي أبو بكر وبعض المعتزلة إلى أنها مجملة بناء على نفيه الحقائق الشرعية، وأن الشرعي للأعم من الصحيح والفاسد، والقائلون بالإجمال اختلفوا في سببه على ثلاثة مذاهب:
أحدها: كون اللفظ لم يرد به نفي الوقوع، إذ وقوعه مشاهد وإنما أريد به أمر آخر لم يذكر، وهو غير معلوم فكان مجملا.
والثاني: أنها ظاهرة في نفي الوجود ونفي الحكم فصار مجملا.
الثالث: إنها مترددة بين نفي الكمال ونفي الجواز وهو الذي صرح به القاضي في التقريب وزعم المازري أن القاضي يقول بالوقف في هذه المسألة قال: وهو غير مذهب الإجمال، فنقول: يحتمل عندي نفي الإجمال ونفي الكمال لا أكثر من ذلك، حتى يعلم دليل من أحد الأمرين، والقائل بالإجمال يقول إنه يستغرق جميع الأشياء فالتحق بالمجملات.
(2/835)

(ص) ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)).
(ش) ذهب أبو الحسين وأبو عبد الله البصريان إلى أنه مجمل لتردده والجمهور على خلافه لظهوره في نفي المؤاخذة والعقاب ولكن هل ذلك بالعرف أو باللغة؟ جزم ابن الحاجب بالأول، وهو الذي قاله القاضي في التقريب تفريعا على ثبوت الأسماء الشرعية وذكر ابن السمعاني الثاني. واعلم أن المصنف تقدم له في باب العموم، نفي أن يكون هذا عاما، حيث قال: لا المقتضى وهنا نفى أن يكون مجملا وهو في هذا الاضطراب متابع لابن الحاجب.
(ص) ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)).
(ش) هذه سبقت في ((لا نكاح إلا بولي)). فلا وجه للتكرار، وقال ابن دقيق العيد: صار بعض الأصوليين إلى أن هذا اللفظ مجمل من حيث إنه يدل على نفي الحقيقة وهي غير منتفية، فيحتاج إلى الإضمار ولا سبيل إلى إضمار كل محتملة لوجهين:
أحدهما: أن الإضمار إنما احتيج إليه للضرورة، والضرورة تندفع بإضمار فرد، فلا حاجة إلى إضمار أكثر منه.
(2/836)

وثانيهما: أن إضمار الكل قد يناقض، لأن إضمار الكل يقتضي إثبات أصل الصحة ونفي الصحة معارضة وإذا تعين إضمار فرد، فليس البعض أولى من البعض، فتعين الإجمال.
وجواب هذا، بأنا لا نسلم أن الحقيقة غير منتفية إنما تكون غير منتفية لو حمل لفظ الصلاة، على غير عرف الشرع وكذلك الصيام وغيره، وأما إذا حمل على عرف الشرع، فيكون منتفيا حقيقة ولا يحتاج إلى الإضمار المؤدي إلى الإجمال، ولكن ألفاظ الشرع محمولة على عرفه، لأنه الغالب ولأنه المحتاج إليه عنه، فإنه بعث لبيان الشرعيات لا لبيان موضوعات اللغة.
(ص) لوضوح دلالة الكل وخالف قوم.
(ش) هو راجع لجميع ما سبق وقد بينا وجه الظهور والخلاف فيها.
(ص) وإنما الإجمال في مثل: القرء والنور والجسم، ومثل: المختار لتردده بين الفاعل والمفعول.
(ش) الإجمال يكون تارة في المفرد وتارة في المركب وللأول (119ب) أسباب:
أحدها: أن يكون وضع لذلك كالقرء للطهر والحيض، والشفق على الحمرة والبياض وهذا ما ذكره ابن الحاجب وغيره لكن للإمام تقي الدين في شرح المقترح، دقيقة الفرق بين المجمل والمشترك أن المجمل يستدعي ثبوت احتمالين متساويين بالنسبة إلى الفهم سواء وضع اللفظ لهما على وجه الحقيقة أو في أحدهما مجاز وفي الآخر حقيقة فالإجمال إنما هو بالنسبة إلى الفهم، والمشترك لا يكون إلا لاحتمالين متساويين بالنسبة إلى الوضع لا بالنسبة إلى الفهم فلا يكون مجملا. انتهى.
(2/837)

ثانيها: صلاحية اللفظ لمتماثلين بوجه، وذلك كالنور، للعقل ونور الشمس بالنهار.
ثالثها: صلاحيته لمتماثلين وذلك كالجسم للسماء والأرض، والرجل لزيد وعمرو، وهذا الذي قلته ذكره الغزالي.
رابعها: صلاحيته للفاعل والمفعول، كالمختار تقول: اخترت فلانا، فأنا مختار وهو مختار، قال العسكري ويتميز بحرف الجر، فتقول في الفاعل مختار لكذا وفي المفعول مختار من كذا.
(ص) وقوله تعالى: {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح}.
(ش) الإجمال في التركيب له أمثلة منها هذه الآية، لتردد الذي بيده عقدة النكاح بين الزوج والولي ولذلك اختلف فيه فقال الشافعي
(2/838)

بالأول ومالك بالثاني.
ويرجح قول الشافعي لأنه المروى عن علي وابن عباس عالمي الصحابة، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة، إنما المخالف الزهري ومجاهد والحسن، ثم هو جار على القواعد، فإن الولي لا يجوز له أن يعفو عن مال اليتيم بوجه من الوجوه وحمل المحتمل على موافقة القواعد الشرعية أولى. واعلم أن المصنف تابع ابن الحاجب في جعله هذا من الإجمال، وهو منازع فيه على مذهبه، لظهوره عند الشافعي رضي الله عنه في الزوج ومع ذلك لا إجمال.
(ص) {إلا ما يتلى عليكم}
(ش) ومنها أن يكون موضوعا لجملة معلومة، إلا أنه دخلها استثناء مجهول، فيكون مقتضيا لإجمال جميعه كقوله تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم} فإنه صار مجملا لما دخله
(2/839)

الاستثناء ومثله قوله تعالى: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} لما كان الحق مجملا صار ما نهى عنه من القتل مجملا، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا)).
(ص) {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم}.
(ش) ومنها التردد بين العطف والقطع كالواو في قوله تعالى: {والراسخون في العلم} ومن ثم جاء الخلاف في جواز الوقف على قوله: {إلا الله} وقد سبقت هذه المسألة. وهذا يحسن أن يكون معدودا من أسباب الخلاف، لا أن الأصح فيه الإجمال لما سبق من ترجيح خلافه.
(ص) وقوله عليه السلام: ((لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبه في جداره)).
(2/840)

(ش) ومنها التردد في مرجع الضمير إلى ما تقدم، فإن ضمير الجوار يحتمل العود على نفس، (أي في جدار نفسه) وعلى جاره أي في جدار جاره، ولهذا اختلف قول الشافعي رضي الله عنه في الجدار المختص بأحد الجارين هل للآخر وضع الجذوع عليه، والجديد المنع، بناء على أن الضمير في جداره لصاحب الخشبة أي لا يمنعه الجار أن يضع خشبة على جدار نفسه، ويرجح هذا بأنه الأوفق للقاعدة النحوية في عود الضمير للأقرب.
(ص) وقولك زيد طبيب ماهر.
(ش) ومنها التردد في مرجع الصفة فإن ماهرا قد يرجع إلى الطبيب
(2/841)

(120أ) وقد يرجع إلى زيد ويتفاوت المعنى باعتبارهما.
(ص) والثلاثة زوج وفرد.
(ش) ومنها تردد اللفظة بين جميع الأجزاء وجميع الصفات نظرا إلى اللفظ وإن كان أحدهما يتعين من خارج، كقولك: الثلاثة زوج وفرد، فإنه بالنظر إلى دلالة اللفظ. لا يتعين أحدهما، وبالنظر إلى صدق القائل يتعين أن يكون المراد منه جميع الأجزاء فإن حمله على جميع الصفات أو بعضها يوجب كذبه.
(ص) والأصح وقوعه في الكتاب والسنة.
(ش) أي خلافا لداود وقال الصيرفي: ولا أعلم أحدا أباه غيره الدليل على ما سبق من الآيات والأحاديث.
فائدة: هل نكلف بالتزام شيء قبل ورود البيان قال صاحب (القواطع) قالوا: إن التزام المجمل قبل بيانه واجب، واختلف أصحابنا في كيفية التزامه قبل البيان على قولين:
أحدهما: أنا متعبدون قبل البيان بالتزامه بعد البيان.
الثاني: أنا متعبدون قبل البيان بالتزامه مجملا، وبعد البيان بالتزامه مفسرا.
(2/842)

وهذا الخلاف مما فات المصنف ذكره، وهو قريب من الخلاف السابق في العام، هل يجب اعتقاد عمومه قبل ورود التخصيص؟
(ص) وأن المسمى الشرعي أوضح من اللغوي وقد تقدم.
(ش) أي فيحمل على الشرعي إلا أن يدل دليل على إرادة اللغوي، لاستقراء عرف الشارع غالبا في إطلاق لفظ الصلاة والصوم وغيرهما، لما ثبت له فيه عرف استعمال، وقيل: مجمل، وبه قال القاضي قال الأبياري: وهو يناقض مذهبه في نفي الأسماء الشرعية اللهم إلا أن يكون له قول آخر بإثباتها، وإلا فالإجمال، مع اتحاد جهة الدلالة محال، أو يكون ذلك تفريعا منه على قول من يثبتها وهذا ضعيف فإنه من أين له الحكم عليهم بأنهم يسوون بين النسبة إلى المسميين؟ وقوله: وقد تقدم، أي فصل الحقيقة والمجاز.
(ص) فإن تعذر حقيقة فيرد إليه بتجوز أو يحمل على اللغوي أقوال:
(ش) إذا وردت لفظة لها مسمى لغوي ومسمى شرعي وتعذر الشرعي حقيقة، ولم يمكن الرد إليه إلا بتجوز، كقوله: (الطواف بالبيت صلاة) فإنه لا يمكن
(2/843)

حمله على الصلاة الشرعية حقيقة. رد إلى المجاز فيحمل على أن حكمه حكم الصلاة في الطهارة والستر ونحوها، لأن عرف الشارع تعريف للأحكام، فيرد كلامه إلى الشرعي ما أمكن، وقيل: يحمل على اللغوي حتى يقال: المراد بالصلاة، الدعاء وقيل: مجمل، لتردده بينهما، ولم يحك ابن الحاجب فيه القول بالحمل على اللغوي. ونظير المسألة أيضا، أن يتعذر الحمل على اللغوي كما يتعذر على الشرعي فهل يرد إلى الشرعي أو يكون مجملا، فيه هذا الخلاف، وعبارة المصنف شاملة لكل من الصورتين، فإن قوله: تعذر، أعم من الشرعي أو اللغوي، والغزالي ذكر الأولى ومثل لها الطواف بالبيت صلاة كما ذكرنا ويمكن أن يكون مثالا للثانية، فإن الطواف ليس هو نفس الصلاة الشرعية ولا اللغوية، فهل يرد إلى الشرعية أو يكون مجملاً ومثل الأولى بقوله صلى الله عليه وسلم: ((الاثنان فما فوقهما جماعة)) قال: فإنه يحتمل أن يكون المراد به أنه يسمى جماعة (ويحتمل أن يكون المراد به) انعقاد الجماعة أو حصول فضيلتها.
(2/844)

(ص) والمختار أن اللفظ المستعمل لمعنى (تارة ولمعنيين ليس ذلك المعنى) أحدهما: مجمل، فإن كان أحدهما فيعمل به ويوقف الآخر؟
(ش) إذا أمكن حمل الكلام على ما يفيد معنيين، وحمله على ما يفيد معنى واحدا وهو متردد بينهما، فهو مجمل، وقيل: يترجح حمله على ما يفيد معنيين كما لو دار بين ما يفيد وبين ما لا يفيد (120ب) واختاره الآمدي وأطلق المسألة تبعا للغزالي وحمله المصنف على ما إذا كان المعنى الواحد ليس واحدا من المعنيين، فهذا لا يتجه خلاف في الحمل بذلك المعنى، بل يقطع بكونه مجملا، ولا يقال: الحمل على ما يفيد معنيين أولى، لكونه أكثر فائدة، لأنا نقول: إنما يتحقق هذا لو كان المعنى الواحد أحد المعنيين، أما إذا لم يكن فهو قسيمه، وفي العمل به دفع لأحد محتملي اللفظ بمجرد كونه الآخر أكثر فائدة وهو لا يوجب هذا، فأما إذا كان المعنى الواحد، أحدهما، أي أحد المعنيين من المحل الآخر فيعمل به أي بالمعنى الواحد على كل حال، ولا يتجه فيه خلاف، لأنه إن كان هو تمام المراد باللفظ فلا إشكال، وإلا فهو أحد المرادين فلا مانع من العمل ويقف الآخر فإنه محل النظر.
(2/845)

البيان والمبين
(ص) البيان: إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي.
(ش) هذا نقله ابن السمعاني وغيره عن أبي بكر الصيرفي وزاد عنه إمام
(2/846)

الحرمين وابن الحاجب والوضوح وإنما اختاره المصنف لأنه أجاب عما أورده ابن الحاجب عليه، فإن القاضي قال: يخرج عنه البيان ابتداء وهو الظاهر من غير سبق إجمال. وأجاب المصنف أن الصيرفي منع تسميته بيانا، فإن البيان الذي هو فعل المبين، إنما يكون لما ليس واضحا ولأن ما ورد ابتداء أفاد علما لم يكن حاصلا للسامع فهو قبل السماع.
كمن أشكل عليه خطاب سبق وروده، واعترض عليه إمام الحرمين بأنه تجوز بالخبر والمجاز لا يدخل في التعريف، وأجاب المصنف بأن المجاز الظاهر يجوز دخوله وإلا لم يسلم لهم تعريف.
(ص) وإنما يجب لمن يريد فهمه اتفاقا.
(ش) لأن الفهم شرط التكليف، وإن لم يرد لم يجب، ولهذا ذهب بعضهم إلى
(2/847)

أنه لا يجب البيان في الخبر، وإنما يجب في التكاليف التي يحتاج إلى معرفتها للعلم بها.
(ص) والأصح أنه قد يكون بالفعل.
(ش) بدليل أنه - عليه الصلاة والسلام- بين الصلاة والحج بالفعل، وقال: ((خذوا عني مناسككم)). ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
وقيل: يمتنع لأنه يطول فيتأخر البيان به مع إمكان تعجيله، ومحل الخلاف ما إذا ورد مجملا ثم فعل فعلا يصلح أن يكون بيانا له (فيعلم بذلك أنه واقع منه على جهة البيان وإلا للزم خلو المجمل عن البيان، وهو ممتنع أما إذا قال القصد بما كلفتهم بهذه الآية ما أفعله ثم فعل فعلا فلا خلاف أن يكون بيانا له) قاله القاضي في (التقريب).
واعلم أنه لا خلاف في وقوع البيان بالقول وإنما الخلاف في الفعل، وسكتوا عن الإشارة والكتابة فيحمل أن يكون على خلاف الفعل، لكن قال صاحب
(2/848)

كتاب (الواضح) من الحنفية لا أعلم خلافا في أن البيان يقع بهما.
(ص) وأن المظنون يبين المعلوم.
(ش) هذا نقله القاضي في (التقريب) عن الجماهير وقال: إنه المختار واختاره الإمام الرازي واقتصر ابن الحاجب على نقله عن أبي الحسين ثم اختار أن البيان يجب أن يكون أقوى دلالة من المبين وعن الكرخي المساواة واستنكر الهندي ذلك وقال: لا يتوهم في حق أحد، أنه ذهب إلى اشتراط أنه كالمبين في قوة الدلالة فإنه لو كان كذلك لما كان بيانا له، بل كان هو يحتاج إلى بيان آخر وحكى القاضي
(2/849)

عن العراقيين التفصيل بين ما يعم وجوبه سائر المكلفين لبيان أقدار الصلاة والزكاة وصفاتهما وميقاتهما، فيجب أن يكون بيانه معلوما متواترا وبين ما لا تعم به البلوى وتختص معرفته بالعلماء كقدر نصاب السرقة وأحكام المدبر والمكاتب فيقبل في بيانه خبرا لواحد فحصل ثلاثة مذاهب.
(ص) وإن المتقدم وإن جهلت عينه من القول والفعل (121أ) هو البيان وإن لم يتفق البيانان كما لو طاف بعد الحج طوافين وأمر بواحد، فالقول وفعله ندب أو واجب متقدما أو متأخرا وقال أبو الحسين المتقدم.
(ش) إذا ورد بعد المجمل قول وفعل، فإما أن يتفقا في الحكم أو يختلفا: فإن اتفقا فإما أن يعلم المتقدم منهما أولا فإن اتفقا وعلم المتقدم منهما فهو البيان قولا كان أو فعلا، والثاني تأكيد وإن جهل فأحدهما هو البيان من غير تعيين له، وقيل: يتعين غير الأرجح للتقديم، لأن المرجوح، لا يكون تأكيدا للراجح لعدم الفائدة
(2/850)

واختاره الآمدي وإن لم يتفقا كما لو طاف صلى الله عليه وسلم بعد الحج طوافين وأمر بطواف واحد فالمختار أن البيان هو القول (وفعله إما ندب له صلى الله عليه وسلم أو واجب عليه لا علينا سواء كان) متقدما على الفعل أو متأخرا، لأن الجمع بين الدليلين أولى وقال أبو الحسين: البيان هو المتقدم قولا كان أو فعلا، كما في صورة اتفاق
(2/851)

القول والفعل وهو باطل، لأنه يلزمه نسخ الفعل بالقول إذا وقع القول متقدما مع إمكان الجمع بينهما.
(ص) مسألة: تأخير البيان عن وقت الفعل غير واقع وإن جاز.
(ش) أي بناء على جواز تكليف ما لا يطاق، وعدل عن تعبير ابن الحاجب بالحاجة فإن الأستاذ أبا إسحاق، لم يستحسنها، وقال: هي عبارة تليق بمذهب المعتزلة القائلين إن بالمؤمنين حاجة إلى التكليف، وعدل عن قوله ممتنع، إلى قوله:
(2/852)

غير واقع لمطابقته لأصول الأشاعرة فإنهم وإن جوزوه، فلا يقضي بوقوعه كما سبق، والغرض أنه لم يقع، وقوله: إن جاز، لا ينافي قوله في مباحث الكتاب: ولا ما يعني به غير ظاهره إلا بدليل.
تنبيه: قولهم لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة أو الفعل، هل المراد به وقت إمكان الفعل، أو وقت تضييق الزمان، مثاله: إذا زالت الشمس ولم يبين للمكلف ما يفعل هل يكون هذا تأخيرا للبيان، أو لا يكون إلى أن يبقى من الوقت ما يسع تلك الصلاة. الذي صرح به القاضي أبو بكر، أن المراد وقت جواز الشروع في الفعل، فيكون تأخير البيان عن وقت الزوال تأخيرا للبيان عن وقت الحاجة، وعلى هذا يشكل تعليلهم المنع بأنه تكليف ما لا يطاق، لأنه إذا تبين له في نصف الوقت لم يكن تكليفا بما لا يطاق، وهو تأخير البيان عن وقت الحاجة.
(2/853)

(ص) وإلى وقته واقع عند الجمهور، سواء كان للمبين ظاهر أم لا، وثالثها: يمتنع في غير المجمل وهو ما له ظاهر، ورابعها: يمتنع تأخير البيان الإجمالي فيما له ظاهر بخلاف المشترك والمتواطئ وخامسها: يمتنع في غير النسخ، وقيل: يجوز تأخير النسخ اتفاقا، وسادسها: لا يجوز تأخير بعض دون بعض.
(ش) في تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الفعل مذاهب.
أحدها: أنه جائز وواقع مطلقا، سواء كان للمبين ظاهر، كتأخير بيان التخصيص وبيان مدة النسخ، أم لا، وبه قال أكثر أصحابنا وغيرهم.
والثاني: أنه ممتنع، وعزاه القاضي في (التقريب) للمعتزلة ووافقهم كثير من الظاهرية كابن داود ومن أصحاب الشافعي رضي الله عنه، كأبي إسحاق المروزي وأبي بكر
(2/854)

الصيرفي وتبعه ابن الحاجب في النقل عن الصيرفي لكن نقل الأستاذ أبو إسحاق رجوعه عنه.
وثالثها: يمتنع في غير المجمل، (وهو ما له ظاهر) وقد سبق تفسيره، وبه قال الكرخي، قال الأبيارى في شرح البرهان: من المعتزلة من فرق بين العام والمجمل، فقال: يجوز تأخير بيان المجمل، إذ لا يحصل فيه تجهيل (121ب) ولا يجوز تأخير بيان العموم لما فيه من إلباس، ومنهم من عكس ذلك فقال: يجوز تأخير بيان العموم لما فيه من أجل الفائدة بخلاف المجمل، فإن وروده لا فائدة فيه، وكان ينبغي للمصنف أن يقول: وقيل عكسه.
ورابعها: يمتنع تأخير البيان الإجمالي، ومثل هذا العموم مخصوص، وهذا المطلق مقيد وهذا الحكم ينسخ. ولا يمتنع تأخير البيان التفصيلي، وبه قال أبو الحسين، لكنه خصه بما له ظاهر بخلاف المشترك.
وخامسها: يمتنع في غير النسخ، ويجوز فيه وهو قول الجبائي وعبر بعضهم عن هذا بتعبير حسن فقال: ومنهم من جوز في الأحكام لقبولها النسخ، وهو عندهم يرجع إلى البيان دون الوعد والوعيد، وظهر بهذا السياق أن النسخ من محل الخلاف لكن قضية كلام القاضي وإمام الحرمين والغزالي أنه يجوز تأخير النسخ بلا خلاف والخلاف فيما عداه.
وسادسها: لا يجوز تأخير بعض دون بعض، وإنما يجوز التأخير دفعة، وإلا لاعتقد المخاطب بيان البعض أن لا إشكال بعده وهذا يتعلق بمسألة أخرى وهي أنه
(2/855)

على القول بالجواز فهل يجوز التدريج في البيان؟ فمنهم من منعه وقال: إذا شرع في البيان وجب أن يبين الجميع، فإن اقتصاره على إخراج صورة من العموم يوهم كون الباقي مقطوعا باستقراره والصحيح الجواز فإنه كان يبين ما تدعو الحاجة إليه، ولما سئل عن الاستطاعة فقال: ((زاد وراحلة)) ولم يتعرض لأمن الطريق في ذلك الوقت وإن كان شرطا.
(ص) وعلى المنع المختار أنه يجوز لرسول الله صلى الله عليه وسلم تأخير التبليغ إلى وقت الحاجة، وإنه يجوز أن لا يعلم الموجود بالمخصص، ولا بأنه مخصص.
(ش) يتفرع على المنع من تأخير البيان مسألتان:
إحداهما: يجوز تأخيره صلى الله عليه وسلم تبليغ الحكم إلى وقت الحاجة، فإن وجوب معرفتها إنما هو لوجوب العمل ولا عمل قبل الوقت، وقيل: يمتنع لوجوب المبادرة عليه، وكلام الرازي والآمدي يقتضي أن الخلاف في تبليغ غير القرآن من الأحكام،
(2/856)

أما القرآن فيجب ذلك فيه قطعا ولا يتجه بينهما فرق.
الثانية: يجوز أن لا يعلم الموجود بالمخصص، بل يجوز إسماع المخصوص بدون مخصصه، خلافا للجبائي فإنه منعه من المخصص السمعي دون العقلي، وتعبير المصنف بالموجود يفهم أن من ليس موجودا حالة نزول التخصيص لا يشترط إسماعه بلا خلاف، لعدم إمكانه وينبغي جعل الألف واللام فيه للعموم، فإن القائل بالإعلام يشترط إعلام الجميع ولا يكتفي بإسماع بعضهم، وقوله: ولا بأنه مخصص هذا العطف يقتضي طرد الخلاف السابق هنا وليس كذلك بل ينبغي الجمع - كما قال القاضي - على جواز أن يسمع الله المكلف العام من غير أن يعلمه أن في العقل ما يخصصه ولعله أراد المخصص السمعي.
(ص) النسخ: اختلف في أنه رفع أو بيان.
(2/857)

(ش) أكثر المحققين من الأصوليين على أنه رفع، وبه قال القاضي والغزالي ومعناه أنه لولا طريان النسخ لبقى الحكم، إلا أنه زال لطريان الناسخ، وذهب الأستاذ أبو إسحاق وإمام الحرمين وأكثر الفقهاء إلى أنه بيان ومعناه أن الخطاب الأول انتهى بذاته في ذلك الوقت ثم حصل بعده حكم والدليل الذي يرد مبينا للحكم
(2/858)

الجديد يعرف ذلك بيان، وأنكروا كونه (122أ) رفعا، بناء على أن الحكم راجع إلى كلام الله تعالى، هو قديم، والقديم لا يرتفع وأجيب بأن المرفوع تعلق الحكم النسبي لا ذاته، وحاصله أنهم اتفقوا على أن الحكم السابق انعدم، لانعدام تعلقه لا لانعدام ذاته إذ الحكم قديم، واتفقوا على أن الحكم اللاحق عنده يتحقق عدم الأول، لكن اختلفوا في عدم الأول، هل يضاف إلى وجود الثاني فيقال: إنما ارتفع الأول بوجود الثاني، فهو حينئذ رافع له، أو لا يضاف إليه بل يقال: الأول انتهى، لأنه من نفس الأمر لم يكن له صلاحية الدوام لكونه مغيا عند الله تعالى إلى غاية معلومة، فيكون النسخ بيانا لها؟ وهو كالخلاف الكلامى في أن زوال الأعراض بالذات أو بالضد؟ فإن من قال ببقائها. قال: إنما ينعدم المتقدم لطريان الطارئ (ولولاه لبقي، ومن لم يقل ببقائها قال: إنه ينعدم بنفسه ثم يحدث الضد الطارئ) وليس له تأثير في إعدام الضد الأول.
وكالخلاف الفقهي في الزائل العائد، فإن القائل بأنه كالذي لم يزل - يجعل العود بيانا لاستمرار حكم الأول، والقائل بأنه كالذي لم يعد - يقول: ارتفع الحكم بالزوال فلا يرتفع حكمه بالعود، وبهذا يظهر وهم من ظن أن النزاع لفظي.
(ص) والمختار رفع الحكم الشرعي بخطاب.
(ش) هذا أقرب الحدود على القول بأنه رفع، فخرج بالرفع: المباح بحكم
(2/859)

الأصل، إذ ليس حكما شرعيا ولهذا رد الأصحاب ما نقل عن مالك أن الكلام كان مباحا في الصلاة في ابتداء الإسلام على الإطلاق، ثم نسخ بما لا يتعلق بمصلحة الصلاة، بالإجماع وبقي ما سواه على أصل الإباحة، فقالوا: هذا ليس بنسخ، لأن إباحة الكلام لم تكن بخطاب من جهة الشرع، وإنما كان الناس منه على الأصل، ويخرج أيضا: ابتداء إيجاب العبادة من الشرع يزيل حكم العقل من براءة الذمة ولا يسمى نسخا وقوله: بخطاب: يشمل النسخ باللفظ والمفهوم، إذ يجوز النسخ بذلك كما سيأتي وخرج به الرفع بالنوم والغفلة والموت والجنون.
تنبيهان: قد يشكل على الحصر في الخطاب جواز النسخ بالفعل، وقد جعل الأئمة منه نسخ الوضوء مما مست النار بأكل الشاة ولم يتوضأ ولا خطاب فيه، وهو كثير ثم رأيت المصنف قال: قولنا: بخطاب، لا ينافيه قولنا بعد ذلك أن المتأخر من أقواله وأفعاله ناسخ (لأنه لم يرد بالخطاب إلا ما يقابل الفعل، ولأن المراد بالناسخ هناك ما دل على النسخ، لا أنه نفسه ناسخ) والفعل نفسه لا ينسخ، وإنما يدل على نسخ سابق، ولا يمكن أن يكون فعلا ناسخا، لأن له أزمنة متعاقبة فلو كان هو الناسخ لما تحقق نسخ إلا بعد انقضائه فكان قبل انقضائه واقفا على وجه باطل، وهذا محال. انتهى. ولا يخفى
(2/860)

ما فيه من الخروج عن ظاهر كلام الأصحاب مع أنه قد أطلق على الفعل تخصيصا كما سبق في باب التخصيص ولم يذكر فيه هذا التأويل. الثاني: علم من اقتصار المصنف على هذا أن قول ابن الحاجب متأخر فيخرج نحو: صل عند كل زوال إلى آخر الشهر لا حاجة إليه، فإن هذا ليس يرفع، لأن الحكم لم يثبت بأول الكلام إذ الكلام بآخره فكيف يرفع. والاستغناء عنه بقولنا: بخطاب، فإنه لا بد أن يتأخر عن الذي رفعه، وعدل عن قوله: بدليل شرعي، إلى: خطاب - ليفرع عليه المسألة الآتية.
(ص) فلا نسخ بالعقل، وقول الإمام: من سقط رجلاه نسخ غسلهما - مدخول.
(ش) علم من قوله: الحكم الشرعي بخطاب أنه لا بد أن يكون الحكمان - أعني الناسخ والمنسوخ - شرعيين، لأن العجز يزيل التعبد الشرعي، ولا يقال: إنه نسخ، ولا يكون (122ب) النسخ بالعقل وخالف فيه الإمام فقال في (المحصول): من سقط رجلاه فقد نسخ عنه غسلهما، وهو مدخول إذ لا خطاب، وزوال الحكم لزوال سببه لا يكون نسخا، ولكن الخلاف فيه سهل لرجوعه إلى التسمية.
(ص) ولا بالإجماع، ومخالفتهم تتضمن ناسخا.
(ش) هذا ألحقه المصنف بخطه على الحاشية وضرب عليه في باب التخصيص، لأن المسألة هنا أمس، وحاصله أنه لا يقع النسخ بالإجماع، لأنه لا
(2/861)

ينعقد إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يتصور أن ينسخ ما كان من الشرعيات في زمنه، وبعده لا نسخ، فأما الإجماع بما يخالف النص الخاص أو العام بالكلية، فلا يكون إجماعهم ناسخا لذلك النص، بل يكون إجماعهم تضمن ناسخا اقتضى ذلك، وهو مستند الإجماع وحاصله أن النسخ بدليل الإجماع لا بنفس الإجماع، وعلى هذا ينزل نص الشافعي رضي الله عنه، الذي نقله البيهقي في (المدخل)، أن النسخ
(2/862)

كما يثبت بالخبر يثبت بالإجماع.
(ص) ويجوز على الصحيح نسخ بعض القرآن تلاوة وحكما أو أحدهما فقط.
(ش) مثال نسخهما معا ما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها: (كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات يحرمن) فنسخن بخمس معلومات ومثال نسخ الحكم دون التلاوة الاعتداد في الوفاة بالحول، لقوله تعالى: {متاعا إلى الحول غير إخراج} نسخ بقوله تعالى: {يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} ومثال نسخ التلاوة دون الحكم ما رواه الشافعي رضي الله عنه، وغيره عن عمر - رضي الله عنه - كان فيما أنزل: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهم البتة) قال ابن السمعاني: ومنع قوم من نسخ اللفظ مع بقاء حكمه، ومن نسخ الحكم مع بقاء لفظه، لأنه يؤدي إلى أن يبقى الدليل ولا مدلول والآخر يؤدي إلى أن يرتفع الأصل ويبقى التابع، والصحيح هو الجواز، لأن التلاوة والحكم في الحقيقة شيئان مختلفان، فجاز نسخ إحداهما وتبقية الآخر كالعبادتين تنسخ إحداهما دون الأخرى، وظاهر كلام المصنف طرد الخلاف في نسخهما معا وعليه عبارة ابن الحاجب وقال في شرحه: الخلاف في
(2/863)

نسخهما معا لا يتجه إلا لمن يمنع نسخ القرآن من حيث هو، والمقصود بهذا الخلاف الخاص إنما هو نسخ التلاوة دون الحكم وبالعكس وإنما ذكروا نسخهما لضرورة التقسيم وإن كان لا يخالف فيه أحد ممن يجوز وقوع النسخ في القرآن وعلم من قوله: بعض القرآن امتناع نسخ كل القرآن وهو إجماع.
(ص) ونسخ الفعل قبل التمكن.
(ش) إذا أوجب شيئا ثم نسخه قبل التمكن من الفعل فالجمهور على الجواز وقال القاضي في (التقريب): إنه قول جميع أهل الحق، ونقل ابن السمعاني عن الصيرفي وأكثر الحنفية المنع، وتصوير المصنف ذكره الغزالي وغيره، وصورها أبو الحسين بالنسخ قبل وقت الفعل، وتبعه ابن الحاجب والأحسن أن يقال قبل
(2/864)

مضي مقدار ما يسعه (من وقت، ليشمل ما إذا حضر وقت العمل ولكن لم يمض مقدار ما يسعه) فإن هذه الصورة من محل النزاع، وعبارة المصنف تشملها، والقائلون بالجواز أرادوا أنه نسخ الخطاب الذي لم يتقدم به عمل البتة، وحينئذ فلا يتوجه نقل الإمام، فإن المراد نسخ الحكم المتلقى من الخطاب قبل التمكن من مقتضاه البتة.
(ص) والنسخ بالقرآن لقرآن وسنة.
(ش) يجوز نسخ القرآن بالقرآن بالإجماع كالعدتين (123أ) ويجوز القرآن للسنة كالتوجه لبيت المقدس، إذا قلنا إنه كان ثابتا بالسنة فإنه نسخ بالقرآن، وكذلك المباشرة بالليل كانت محرمة على الصائم بالسنة ثم نسخت بالقرآن قال ابن السمعاني: وذكر الشافعي رضي الله عنه، في (الرسالة) ما يدل على أن نسخ السنة بالقرآن لا يجوز ولوح في موضع آخر بالجواز فخرجه أكثر أصحابنا على قولين:
(2/865)

أحدهما: لا يجوز، وهو الأظهر من مذهبه، والثاني: يجوز وهو الأولى بالحق فإن النبي صلى الله عليه وسلم صالح المشركين عام الحديبية، على أن ما جاءه من المشركات مسلمة يردها إليهم، ثم نسخها الله تعالى بقوله: {فلا ترجعوهن إلى الكفار} وترك الصلوات يوم الخندق حتى مضى هوي من الليل ثم صلاها على الترتيب. ثم نسخ
(2/866)

بقوله تعالى: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} الآية.
(ص) وبالسنة للقرآن وقيل: ممتنع بالآحاد والحق لم يقع إلا بالمتواترة وقال الشافعي: حيث وقع بالسنة فمعها قرآن، أو بالقرآن فمعه سنة عاضدة له تبين توافق الكتاب والسنة.
(ش) يجوز النسخ بالسنة للقرآن متواترا أو آحادا أما الآحاد: فنقل جماعة الاتفاق على الجواز، ونقل بعضهم المنع، والحق أنها مسألة خلافية وممن حكى الخلاف فيها القاضي أبو بكر وغيره، واختاروا الجواز، وجعلوا القول بالمنع ساقطا، لكن عزاه بعضهم للأكثرين، وأنهم فرقوا بينه وبين تخصيص العام، المتواتر بالآحاد، أن التخصيص بيان وجمع بين الدليلين والنسخ رفع وإبطال، فإن قلت: كيف ساغ للمصنف تمريض قول الأكثرين؟ قلت: لأنهم إنما أنكروا الوقوع ولم ينكروا الجواز إلا الأقلون، وكلامه في الجواز، وهذا وارد على عبارة ابن الحاجب، قال في شرحه: والأكثرون نفوا الوقوع وخالف جماعة من الظاهرية. وفصل القاضي والغزالي فقالا بوقوعه في زمان النبي صلى الله عليه وسلم دون ما بعده، ونقل القاضي الإجماع على المنع فيما
(2/867)

بعده قال: وإنما اختلفوا في زمانه، وقال أبو الحسين في (المعتمد): إن قيل: فقد قبلوا خبر الواحد في نسخ حكم معلوم، نحو قبول أهل قباء نسخ القبلة، قيل: ذلك جائز في العقل وفي صدر الإسلام. قال أصحابنا: ولولا إجماع الصحابة على المنع لجوزناه. وقد قال أبو علي الجبائي: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان أخبرهم بنسخ القبلة وأنه ينفذ إليهم بنسخها فلانا، وأعلمهم صدقه فكانوا قاطعين على صدقه، فلم ينسخوا القبلة إلا بخبر معلوم، وأما المتواتر فالمشهور الجواز أيضا إذ هما جميعا وحي من الله تعالى، ويوجبان العلم والعمل، وإنما اختلفا في أن السنة نقص منها الإعجاز، كذا وجهه ابن عطية، وقيل: لا ينسخ وإنما يكون حكم القرآن مؤقتا، ثم تأتي السنة مستأنفة من غير أن يتناوله نسخ، قال ابن عطية: وهذا لا يستقيم، لأنا نجد السنة ترفع ما استقر من حكم القرآن على حد النسخ ولا يرد ذلك نظر ولا يتحوم منه أصل.
واعلم أن المنصوص للشافعي رضي الله عنه المنع، وظاهره إنما نفى الوقوع فقط، والحق الوقوع لكن وراء الوقوع أمر آخر، وهو أنه إذا وقع نسخ السنة بالكتاب فعلى أي وجه يكون؟ هل يشترط اقتران سنة معاضدة للكتاب ناسخة؟ وإذا وقع نسخ الكتاب بالسنة هل يشترط العاضد؟ فهذا هو محل كلام الشافعي رضي الله عنه وحاصله أنه لا يقع نسخ السنة إلا بالكتاب والسنة جميعا، لتقوم الحجة على الناس بالأمرين معا، ولئلا يتوهم انفراد أحدهما عن الآخر، فإن الكل
(2/868)

(123ب) في الحقيقة من عند الله تعالى، ولكن لبيان حكم الله تعالى طريقان: طريقة الكتاب وطريقة السنة، فليجتمعان هنا دفعا لهذا التوهم، ولتقوم الحجة على الناس بهما، ولأمر ثالث وهو: انتقال المكلفين من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سنته (وفي ذلك فائدة الاطلاع على عظمة النبي صلى الله عليه وسلم في نسخ القرآن بسنته، وأما العكس فانتقال الناس من سنة إلى سنة) كما يترتب عليه الأجر العظيم، لأن من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، والنبي صلى الله عليه وسلم هو صاحب السنة الحسنة كلها، فله الأجور أبدا لا تتناهى فإذا نسخ الله تعالى سنة نسختها سنة ليتحصل له هذا الأجر، ودليل هذا كله الاستقراء وإنه لم يقع إلا على هذا الوجه، هذا تقرير كلام المصنف، وكلام الشافعي رضي الله عنه في (الرسالة) يقتضي أن السنة لا يثبت نسخها إلا بسنة، ولا ينعقد الإجماع على أنها منسوخة إلا مع ظهور الناسخ، قال: فإن قال: أيحتمل أن تكون له سنة مأثورة وقد نسخت، ولا تؤثر له السنة التي نسختها؟ فلا يحتمل هذا، وكيف يحتمل أن يؤثر ما وضع فرضه، ويترك ما يلزم فرضه، ولو جاز هذا خرجت عامة السنن بأن يقولوا لعلها منسوخة وليس ينسخ فرض أبدا إلا إذا أثبت مكانه فرض فإن قال: فهل تنسخ السنة بالقرآن؟ قيل: لو نسخت السنة بالقرآن كانت للنبي صلى الله عليه وسلم فيه سنة تبين أن سننه الأولى منسوخة بسنته الآخرة حتى
تقوم الحجة على الناس بأن الشيء ينسخ بمثله.
(2/869)

(ص) وبالقياس، وثالثها: إن كان جليا، والرابع: إن كان في زمنه عليه الصلاة والسلام والعلة منصوصة.
(ش) صورة النسخ بالقياس أن ينص على إباحة التفاضل في الأرز مثلا، فهل ينسخ بالمستنبط من نهيه عليه الصلاة والسلام عن الأصناف الستة أو عن بيع الطعام مثلا بمثل؟ اختلفوا فيه على مذاهب.
أحدها: الجواز مطلقا، وجرى عليه المصنف.
والثاني: المنع مطلقا وهو المذهب المنصوص للشافعي رضي الله عنه، كما رأيته في كلام أبي إسحاق المروزي، وهو الموافق لما سبق عنه أن النسخ لا يكون إلا بجنسه، فلا ينسخ الكتاب إلا بالكتاب والسنة إلا بالسنة، وقال القاضي حسين: إنه المذهب، وابن السمعاني: إنه الصحيح، لأن القياس لا يستعمل مع عدم النص، فلا يجوز أن ينسخ النص وعزاه القاضي أبو بكر للأكثرين واختاره، وجعل المانع السمع لا العقل.
(2/870)

والثالث: يجوز بالقياس الجلي دون غيره.
قال الأنماطي: وهذا في الحقيقة يرجع إلى ما قبله، لأنه القياس الجلي في معنى النص.
(2/871)

والرابع: إن كان في زمنه عليه الصلاة والسلام وعلته منصوصة جاز، وإلا فلا واختاره الآمدي وجعل ذلك الهندي محل وفاق، أعني المنع بعد وفاته صلى الله عليه وسلم قال: وينبغي أن يكون الخلاف بالنسبة إلى حكم ثابت بالقياس، إذ الثابت بالنص لا ينسخ بالقياس الظني، وأما بالقياس القطعي سواء نص على علته أم لا، كقياس الأمة على العبد في التقويم فإنه يجوز لأنه في معنى النص على الحكم وأما الثابت بالإجماع فلا يمكن نسخه به، لأن الإجماع لا ينسخ كما لا ينسخ. واقتضى كلام ابن السمعاني تخصيص الخلاف في نسخه لأخبار الآحاد، خاصة وقد أورد على المصنف أنه كيف يجتمع تجويزه هذا، مع قوله - تبعا للأصوليين - في القياس على المستنبط أن لا تكون معارضة في الأصل بمعارض وإذا كانت المعارضة (124أ) تقطعها عن العمل فقياس المستنبط ملغى عند المعارضة وإذا كان ملغى لا يكون ناسخا، قال المصنف: وهذا السؤال لا يختص بنا، بل هو على من جوز النسخ بالقياس، واشترط في العلة أن لا تعارض في الأصل، قال: ونحن إذا قلنا: ينسخ، فلا نريد به إلا القياس المعتبر الصحيح، ولا يكون صحيحا معتبرا، إلا إذا سلمت العلة فيه عن معارض في الأصل، فلا مناقضة بين الكلامين، ونحن لم نقل: إن القياس ينسخ وإن كانت علته مستنبطة، بل أطلقنا بأنه ناسخ، وإنما يكون ناسخا إذا كان معتبرا، وإنما يعتبر إذا سلمت علته عن المعارضة.
(ص) ونسخ القياس في زمنه عليه الصلاة والسلام وشرط ناسخه إن كان قياسا أن يكون أجلى وفاقا للإمام وخلافا للآمدي.
(ش) ذهب عبد الجبار وغيره إلى أنه لا يجوز نسخ القياس لأنه مستنبط من
(2/872)

أصل فما دام حكم الأصل باقيا، وجب بقاء حكم الفرع، وجوزه الجمهور لكن في زمن النسخ، وهو زمنه صلى الله عليه وسلم لأن طريق النسخ حاصل وهو الوحي، فأما بعد الرسول فلا يتصور نسخه، لأنه إما أن ينسخ بنص حادث وهو مستحيل، أو بنص كان موجودا من قبل لكن المجتهد المستنبط لعلة القياس غفل عنه، فباطل لأنه تبين فساد القياس من أصله، فلا نسخ، وإما أن ينسخ بالإجماع وهو باطل لما ذكرنا وصورة المسألة أن يقول الشارع: حرمت المفاضلة في البر لأنه مطعوم فهذا نص منه على الحكم وعلته، فإذا قلنا: هذا إذن في القياس فقاسوا الأرز على البر فعاد وقال بعد ذلك: بيعوا الأرز بالأرز متفاضلا، جاز، قالوا: ولا يشترط أن يكون ناسخه النص كما مثلنا بل يجوز بالقياس أيضا بأن ينص على حكم آخر على ضد حكم أصل ذلك القياس، وشرط الإمام الرازي وغيره في هذا الناسخ: أن يكون أجلى بأن تكون الأمارة الدالة على علية المشترك بين هذا الأصل والفرع راجحة على الأمارة الدالة على علية المشترك بين الأصل والفرع، وفي المسألة مذهب ثالث صار إليه كثير من الحنابلة كأبي الخطاب: الفرق ما بين ما علته منصوصة، فهو كالنص ينسخ كما ينسخ به، وإن كانت مستنبطة فلا، ومتى وجدنا نصا بخلافه تبينا فساد
(2/873)

القياس واختاره الآمدي قال الهندي: وينبغي أن يكون موضع الخلاف في أنه هل يمكن نسخه بدون نسخ أصله؟ أما نسخه مع نسخ أصله، أو نسخ أصله ولم يتعرض لنسخه ففيه خلاف الحنفية، إذ جوزوا صوم رمضان بنية من النهار قياسا على ما ثبت من نسخه صوم عاشوراء بنية من النهار، حين كان واجبا مع زوال حكمه بالنسخ وبقاء الفرع على حاله لكن لا يكون هذا النسخ إلا بالنص، لأن حكم النص لا ينسخ بالقياس، قلت: سيأتي في قول المصنف: والمختار أن نسخ حكم الأصل لا يبقى معه الفرع، وكان ينبغي جمعهما في موضع واحد.
(ص) ويجوز نسخ الفحوى دون أصله كعكسه على الصحيح.
(ش) فيه مسألتان: إحداهما: يجوز نسخ الفحوى دون أصله، فينسخ الضرب دون التأفيف، كالنصين ينسخ أحدهما مع بقاء الآخر، وحكاه ابن السمعاني عن أكثر المتكلمين، والثاني: المنع، ونقله عن أكثر الفقهاء ولعل مأخذ الخلاف أن دلالته لفظية أو قياسية. الثانية: يجوز نسخ الأصل (124ب) دون الفحوى كنسخ التأفيف دون الضرب، لأن التأذي به أعظم، ولا يلزم من إباحة اليسير إباحة
(2/874)

الكثير، وقيل: يمتنع, لأن الفرع يتبع الأصل، ويتحصل في الصورتين ثلاثة أقوال: ثالثها: منع الأول وجواز الثاني وعليه ابن الحاجب.
(ص) والنسخ به.
(ش) أي بالفحوى وادعى له الإمام والآمدي فيه الاتفاق ولكن الخلاف موجود، نقله الشيخ أبو إسحاق في (شرح اللمع) بناء على أن الفحوى قياس، والقياس لا يكون ناسخا وحكاه ابن السمعاني عن الشافعي رضي الله عنه، قال: لأنه جعل الفحوى في قوله تعالى: {ولا تقل لهما أف} في تحريم الضرب قياسا على التأفيف فعلى قوله لا يصح النسخ به، لأن القياس لا يجوز أن ينسخ النص وهذه المسألة في المنهاج، دون المختصر.
(2/875)

(ص) والأكثر أن نسخ أحدهما يستلزم الآخر.
(ش) إذا قلنا بالجواز ففي استتباع نسخ أحدهما نسخ الآخر، مذاهب:
أحدها: نعم واختاره البيضاوي لتلازمهما.
والثاني: المنع.
والثالث: أن نسخ الأصل يتضمن نسخ الفحوى لأنها تابعة ولا يتصور بقاء التابع بدون متبوعه، ونسخ المفهوم لا يتضمن نسخ الأصل، وقال ابن برهان في (الأوسط): إنه المذهب. واعلم أن هذا التعليل مشكل بقولهم: إذا نسخ الوجوب بقي الجواز.
(ص) ونسخ المخالفة وإن تجردت عن أصلها لا الأصل دونها في الأظهر.
(ش) أي يجوز نسخ مفهوم المخالفة مع نسخ الأصل ودونه ذكره القاضي عبد الوهاب وغيره.
(2/876)

وقد قالت الصحابة: (إنما الماء من الماء) نسخ مفهومه بقوله: ((إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل)) وبقي أصله وهو وجوب الغسل من الإنزال، وأما نسخ الأصل بدون مفهوم المخالفة، فذكر الصفي الهندي فيه احتمالين قال: وأظهرهما أنه لا يجوز، لأنه إنما يدل على العدم، باعتبار ذلك القيد المذكور، فإذا بطل تأثير ذلك القيد بطل ما بني عليه، وعلى هذا نسخ الأصل نسخ المفهوم، وليس المعنى منه أنه يرتفع العدم ويحصل الحكم الثبوتي، بل المعنى أن يرتفع العدم الذي كان شرعيا، ويرجع إلى ما كان عليه من قبل.
(ص) ولا النسخ بها.
(ش) هذا تابع فيه ابن السمعاني فإنه قال: دليل الخطاب يجوز نسخ موجبه،
(2/877)

ولا يجوز النسخ بموجبه، لأن النص أقوى من دليله لكن الشيخ أبو إسحاق في (اللمع) حكاه وجها، وقال: المذهب الصحيح الجواز، لأنه في معنى النطق.
(ص) ونسخ الإنشاء ولو كان بلفظ القضاء أو الخبر أو قيد بالتأبيد وغيره مثل: صوموا أبدا صوما حتما، وكذا: الصوم واجب مستمر أبدا، إذا قاله إنشاء خلافا لابن الحاجب.
(ش) النسخ يقع في الإنشاء في الجملة بالإجماع، لكن اختلف في صور منه:
إحداها: أن يقع الإنشاء بلفظ نحو: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} ونحوه. وذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز وقوع النسخ فيه، وزعم أن لفظ القضاء إنما يستعمل فيما لا يتغير حكمه، وهذا القول غريب لا يعرف في كتب الأصول وإنما أخذه المصنف من كتب التفسير.
الثانية: جميع الأخبار المقصود بها الأمر أو النهي نحو: {والوالدات يرضعن أولادهن} فهو وإن كان صورته صورة الخبر، لكن معناه الإنشاء، فيرد النسخ عليه كسائر الأوامر، وخالف فيه أبو بكر الدقاق، كما نقله ابن السمعاني وغيره
(2/878)

تغليبا للفظ الخبر على معنى الأمر.
الثالثة: إذا قيد (125أ) بالتأبيد، وما في معناه نحو: صوموا أبدا، صوموا حتما، نقل ابن السمعاني عن بعض المتكلمين منعه لمناقضته الأبدية، وقالوا: لا يجوز النسخ إلا في خطاب مطلق، وزعموا أن جوازه يؤدي إلى البداء والصحيح الجواز لأنه إذا جاز أن يقال: لازم غريمك أبدا ويريد إلى وقت القضاء - جاز أن يقال: افعل كذا أبدا، ويراد إلى وقت النسخ ونقله ابن برهان عن المعظم، قال: لأن القصد به المبالغة لا الدوام.
الرابعة: الصوم واجب مستمر أبدا، إذا قاله إنشاء منع ابن الحاجب نسخه لأنه خبر فتطرق النسخ إليه يلزم الخلف، بخلاف الإنشاء لفظا ومعنى نحو: صوموا
(2/879)

أبدا، واختار المصنف التسوية بين الصورتين لأنه وإن كان بصورة الخبر فهو في معنى الإنشاء فجاز كالإنشاء المحض، وحاصله أن المقيد بالتأبيد لا يمتنع معه النسخ، بل هو تأكيد سواء كان في الخبر أو الإنشاء.
(ص) ونسخ الأخبار بإيجاب الإخبار بنقيضها.
(ش) أطلق الجمهور أن النسخ لا يدخل الخبر، وفصل القاضي أبو بكر، فقال: هذا في خبر الله تعالى وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم فأما أمرنا بالإخبار بشيء فيجوز نسخه بالنهي عن الإخبار به، وجرى عليه المصنف، وسواء كان مما يتغير، كما لو قال: كلفتكم أن تخبروا بقيام زيد، ثم يقول: كلفتكم بأن تخبروا بأن زيدا ليس بقائم، ولا خلاف في جوزاه لاحتمال كونه قائما وقت الإخبار بقيامه، غير قائم وقت الإخبار بعدم قيامه، أو كان مما لا يتغير وككون السماء فوق الأرض مثلا وفي هذه الصورة منعت المعتزلة؛ لأن أحدهما كذب والتكليف به قبيح، وهو مبني على التقبيح العقلي
(ص) لا الخبر، وقيل: يجوز إن كان عن مستقبل.
(2/880)

(ش) أما نسخ خبر الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام فيمتنع مطلقا، أما إذا لم يتغير مدلوله فبالإجماع، وأما المتغير كإيمان زيد وكفره ونحو ذلك - فكذلك سواء كان الخبر ماضيا أو ... مستقبلا على الصحيح لأنه يؤدي إلى دخول الكذب في أخبار الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم مثاله قوله تعالى: {إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم} وقوله صلى الله عليه وسلم: ((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)) وقيل: يجوز مطلقا، وهو قول القاضي أبي يعلى، وعلى هذا يجوز نسخ الوعد والوعيد قبل الفعل، كقوله:
(2/881)

من بنى هذا الحائط فله درهم، ثم يرفع ذلك، وقيل: يجوز إن كان مدلوله مستقبلا وإلا فلا، واختاره البيضاوي قال الخطابي: إنه الصحيح فقال: النسخ يجري فيما أخبر الله تعالى أن يفعله، لأنه يجوز تعليقه على شرط بخلاف إخباره عما لا يفعله، إذ لا يجوز دخول الشرط فيه، قال: وعلى هذا تأول ابن عمر النسخ بعد ذلك في قوله تعالى: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} فإن نسخها بعد ذلك برفع حديث النفس وجرى ذلك مجرى العفو والتخفيف عن عباده، وهو كرم وفضل وليس بخلف.
(ص): ويجوز النسخ ببدل أثقل.
(ش) كصوم عاشوراء برمضان، والحبس في البيوت في الزنا بالحد، ومنع منه بعضهم عقلا، وبعضهم سمعا وهو قول ابن داود، وذكر ابن برهان أن بعضهم نقله
(2/882)

عن الشافعي رضي الله عنه، وليس بصحيح، أما الأخف والمماثل فلا خلاف في جواز النسخ به كالعدة.
(ص) وبلا بدل (125ب) لكن لم يقع، وفاقا للشافعي.
(ش) في النسخ بلا بدل مسألتان:
إحداهما: الجواز، وعليه المعظم، لأن المصلحة قد تقتضيه وخالف فيه جماهير المعتزلة، كما قاله إمام الحرمين بناء على أن النسخ يجمع معنى الرفع والنقل.
الثانية: الوقوع، وعليه الأكثر وكلام الشافعي رضي الله عنه، في
(2/883)

الرسالة يقتضي المنع، ومراده أنه لم يقع، بحيث يعود الأمر كهو قبل الشرع، كقوله: نسخت الصدقة عند المناجاة، وصيرت الحال بعد النسخ غير محكوم عليه بشيء بل هو كالأفعال قبل الشرع وهذا وإن قلنا بجوازه لم يقع ولا ينبغي أن يكون فيه خلاف، وكلام الشافعي رضي الله عنه، مصرح بأن البدل الذي لا يقع النسخ إلا به انتقالهم، من حكم شرعي إلى حكم شرعي، وذلك أعم من أن يعادوا إلى ما كانوا عليه، كمناجاة الرسول، أو يحدث شيء مغاير لذلك، كما في نسخ التوجه إلى بيت المقدس بالكعبة، وأنهم لا يتركون غير محكوم عليهم بشيء، وجعل المصنف الصور أربعا:
إحداها: الجواز، ولم يخالف فيه إلا بعض المعتزلة.
ثانيها: الوقوع بلا بدل أصلا بحيث يعود الأمر كهو قبل الشرع، ولا يعرف في منعه خلاف.
ثالثها: وقوعه ببدل من الأحكام الشرعية أما إحداث أمر مخالف لما كان
(2/884)

واجبا أولا، كالكعبة بعد القدس، أو الحكم بإباحة ما كان واجبا كالمناجاة، والنسخ لم يقع إلا هكذا، كما قال الشافعي رضي الله عنه.
رابعها: وقوعه ببدل بشرط أن يكون تأصيلا لأمر آخر، كالكعبة بعد القدس، ولم يشترطه الشافعي رضي الله عنه، ومن ذهب إليه فقوله مردود عليه، ومن نقله عن الشافعي رضي الله عنه، فلم يفهم مراده بالبدل.
(ص) مسألة: النسخ واقع عند كل المسلمين وسماه أبو مسلم تخصيصا فقيل: خالف، فالخلف لفظي.
(ش) أشار بالمسلمين إلى أن غيرهم خالف فيه - وهم اليهود - فرارا من لزوم البداء وهو محال على الله تعالى لأن المصلحة بعد تسليمها تختلف
(2/885)

باختلاف الأزمان والأحوال كمنفعة شرب دواء في وقت أو حال، وضرورة في آخر، فلم يتجدد ظهور ما لم يكن، بل تجددت مصلحة لم تكن، فلم يلزم البداء.
وعن أبي مسلم الأصفهاني، إنكار النسخ، ثم قيل: لم ينكر النسخ مطلقا
(2/886)

وإنما أنكر النسخ في القرآن، لقوله تعالى: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} وقيل: خلافه لفظي، لأنه يجعل ما كان مغيا في علم الله - تعالى-، كما هو مغيا باللفظ، ويسمى الجميع تخصيصا، ولا فرق عنده بين أن يقول: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} وأن يقول: (صوموا مطلقا، وعلمه محيط بأنه سينزل لا تصوموا وقت الليل) والجمهور يجعلون الأول تخصيصا والثاني نسخا، فلا خلاف في المعنى.
(ص) والمختار أن نسخ حكم الأصل لا يبقى معه حكم الفرع.
(ش) أي خلافا للحنفية لأن الفرع تابع للأصل، فإذا بطل الحكم في الأصل، بطل في الفرع، وإذا قلنا: لا يبقى فسماه بعضهم نسخا ولم يستحسنه
(2/887)

المصنف، فلهذا عبر - تبعا لابن الحاجب - بقوله: لا يبقى ولم يقل: ينسخ معه حكم الفرع فإن الأصحاب لا يقولون: إن حكم الفرع ينسخ بارتفاع حكم الأصل، بل يزول حكمه لزوال كون العلة معتبرة، وإذا زال لزوال علته لا يقال: إنه منسوخ.
(ص) وإن كل شرعي يقبل النسخ، ومنع الغزالي رحمه الله نسخ جميع التكاليف، والمعتزلة: نسخ وجوب المعرفة والإجماع على عدم الوقوع.
(ش) فيه مسألتان:
إحداهما: اختلفوا في أن كل واحد من الأحكام هل هو قابل للنسخ أم لا؟ فذهب (126أ) أصحابنا إلى تجويزه وصارت المعتزلة إلى أن من الأحكام ما لا يقبل هو ما يكون بذاته أو يلازم ذاته حسنا أو قبيحا، لا يختلف باختلاف الأزمان، كحسن معرفة الباري والعدل، وقبح الجهل والجور، وهو بناء على أصلهم من الحسن والقبح العقليين.
الثانية: اختلفوا في أنه هل يجوز أن تزول التكاليف بأسرها بطريق النسخ؟ فمنعه المعتزلة، ووافقهم الغزالي، لأن نسخها يستدعي معرفة الناسخ والمنسوخ فيجب معرفته
(2/888)

ضمنا، وهو نوع من التكليف، فلو انتفت جميع التكاليف لم تنتف. والمختار الجواز كغيرها، وأجمع الكل على عدم الوقوع، وإنما الخلاف في الجواز ردها العقلي.
تنبيه: علم بهذا التقرير أنه كان ينبغي للمصنف تقديم نسخ المعرفة على نسخ جميع التكاليف.
(ص) والمختار أن الناسخ قبل تبليغه صلى الله عليه وسلم الأمة، لا يثبت في حقهم وقيل: يثبت بمعنى الاستقرار في الذمة، لا الامتثال.
(ش) الحكم الشرعي ما دام في السماء لا يثبت له حكم، كفرض خمسين صلاة ليلة الإسراء، وكذلك بعد نزوله من السماء وقبل أن يبلغه جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا بلغ النبي صلى الله عليه وسلم يثبت حكمه في حقه (وحق كل من بلغه، وأما من لم يبلغه، فإن تمكن من العلم به ثبت حكمه في حقه) قطعا، وإلا فهو محل الخلاف، والجمهور أنه لا يثبت، لا بمعنى الامتثال ولا بمعنى الثبوت في الذمة، وقال بعضهم يثبت بالمعنى الثاني كالنائم، ولا نعلم أحدا قال بثبوته بالمعنى الأول، وذكر القاضي
(2/889)

في (التقريب): أن الخلاف لفظي، وذكر في (مختصر التقريب): أن المثبتين يقولون: لو قدر ممن لم يبلغه الناسخ إقدام، على الحكم الأول كان دليلا لكنه تعذر لجهله، واعلم أن ما رجحه المصنف تابع فيه ابن الحاجب وغيره، لكن ابن برهان في (الأوسط) عزاه للحنفية، وحكى الثبوت عن مذهبنا، ونصره وهو ما يوجد لأصحابنا المتقدمين وقال الروياني في باب الوكالة من (البحر): إذا نسخ الله حكما وعلم رسوله، هل يكون نسخا في حق من لم يعلم من أمته؟ فيه طريقان:
أحدهما: فيه وجهان كالوكالة.
والثاني: لا يكون نسخا في حقهم قطعا، وبه قال أبو حنيفة، لأن أمر الشريعة
(2/890)

يتضمن تركه المعصية ولا يجوز أن يكون عاصيا مع جهله به، وما فسر به المصنف الثبوت لا بد منه، وقال ابن دقيق العيد: لا شك أنه لا يثبت في حكم التأثيم، وهل يثبت في حكم القضاء إذ هو من الأحكام الوضعية؟ هذا فيه تردد، لأنه ممكن بخلاف الأول، لأنه يلزم منه تكليف ما لا يطاق.
(ص) أما الزيادة على النص فليست بنسخ خلافا للحنفية، ومثاره هل رفعت وإلى المأخذ عود الأقوال المفصلة والفروع المبينة.
(ش) الزيادة إما أن تستقل بنفسها عن العبادة المزيد فيها أو لا، والأول إما أن يكون من غير جنس الأول كزيادة وجوب الزكاة على الصلاة، فليس بنسخ بالإجماع، أو من جنسه، كزيادة صلاة على الصلوات الخمس، فليس بنسخ أيضا عند الجماهير وقال بعض أهل العراق: إنه نسخ، لأنه تغير الوسط. والثاني: ما ليس بمستقل كزيادة ركعة، أو ركوع، أو زيادة صفة في رقبة الكفارة، كالإيمان فذهب أصحابنا إلى أنه لا تكون نسخا وقالت الحنفية:
(2/891)

إنها نسخ واختاره بعض أصحابنا وادعى أنه مذهب الشافعي رضي الله عنه، وزيفه ابن السمعاني ومثار الخلاف أن الزيادة هل رفعت حكما شرعيا فيكون نسخا أو لم ترفع فلا؟ فلو وقع الاتفاق على أنها رفعت حكما شرعيا (لوقع على أنها نسخ أو على أنها لا ترفع) لوقع على أنها ليست بنسخ، فالنزاع على الحقيقة في أنها رفع أم لا، وإلى هذا المأخذ ترجع الأقوال المفصلة في المسألة فعن عبد الجبار هي نسخ إن غيرت حكم المزيد عليه (126ب) كجعل الصلاة الثنائية أربعا وإن لم تغير كإضافة التغريب إلى الجلد - فليس بنسخ، واختاره القاضي، وقيل: إن أسقطت دليل الخطاب كانت نسخا، وإن تغير موجب النص كما في قوله: ((إنما الماء من الماء)) مع الأمر بالغسل من التقاء الختنانين، حكاه أبو حاتم في (اللامع) عن بعض أصحابنا، وقيل: إن أفاد النص خلافها، وأبو الحسين: إن أزالت حكما يجوز انتساخه بدليلها، جاز إثباتها ثم ذلك نسخ إن كان الحكم الزائل شرعيا.
(ص) وكذا الخلاف في جزء العبادة أو شرطها.
(2/892)

(ش) كما أن الزيادة على النص ليست بنسخ فكذا النقصان منه عندنا سواء كان المنسوخ جزءا أو شرطا ومنهم من قال: يكون نسخا ومنهم من فصل بين الجزء والشرط، فقال: إسقاط الجزء نسخ للعبادة كالركوع أو السجود وإسقاط الشرط كالطهارة ليس نسخا، وهو مذهب القاضي عبد الجبار ووافقه الغزالي في الجزء، وتردد في الشرط، وجعل الهندي الخلاف في الشرط المتصل كاستقبال القبلة في الصلاة، فأما المنفصل منها كالطهارة فإيراد إمام وغيره يشعر بأنه لا خلاف فيه، وكلام غيره يقتضي إثبات الخلاف في الكل، قلت: وبالأول صرح صاحب (المسودة) فقال: الخلاف في المتصل كالتوجه، فأما المنفصل كالوضوء فلا يكون نسخا لها إجماعا لكن صرح ابن السمعاني بالثاني، فقال: صورة المسألة فيما لو قدر ناسخ الوضوء أو نسخ استقبال القبلة، وفي هذا وأمثاله يكون الكلام ظاهرا في أنه لا يكون نسخا للصلاة، قال: فأما في إسقاط الجزء كالركوع فينبغي أن
(2/893)

يكون على ما ذكرنا فيما إذا زيدت ركعة على ركعتين. قلت: يشير إلى أنه يجيء هنا مذهب عبد الجبار من التفصيل بين أن يغير المزيد عليه أو لا.
(ص) خاتمة: يتعين الناسخ بتأخره، وطريق العلم بتأخره الإجماع، أو قوله صلى الله عليه وسلم: هذا ناسخ: أو بعد ذاك، أو كنت نهيت عن كذا فافعلوه، أو النص على خلاف الأول، أو قول الراوي: هذا سابق.
(ش) يتعين الناسخ بتأخره عن المنسوخ بأنه رفع لحكم سابق وللعلم بتأخره طرق:
أولها: الإجماع كنسخ الزكاة سائر الحقوق في المال ذكره ابن السمعاني وقول زر لحذيفة:
(2/894)

(أي ساعة تسحرتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع) وأجمع المسلمون على أن طلوع الفجر يحرم الطعام والشراب مع بيان ذلك من قوله تعالى: {وكلوا واشربوا} ذكره الخطيب البغدادي: قال الأصحاب: فيكون الإجماع مبينا لا ناسخا.
ثانيها: نصه عليه السلام على ذلك: (كقوله: هذا ناسخ، أو هذا بعد ذلك، كحديث المتعة، أو كنت نهيت عن كذا فافعلوه) كقوله عليه السلام: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)).
ثالثها: أن ينص على خلاف الأول، ولا يمكن الجمع.
رابعها: أن يقول الراوي: هذا سابق، كقول جابر: (كان آخر الأمرين من رسول الله
(2/895)

صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار) وقول علي: (أمرنا بالقيام للجنازة ثم قعد).
(ص) ولا أثر لموافقته أحد النصين للأصل، أو ثبوت إحدى الآيتين في المصحف، وتأخر إسلام الراوي: وقوله: هذا ناسخ لا الناسخ خلافا لزاعميها.
(ش) قيل: يثبت النسخ بأمور غير ما سبق، والأصح فيها خلافه، فههنا كون أحد النصين شرعيا والآخر موافق للبراءة الأصلية، زعم بعضهم أن الناسخ الشرعي، لأن الانتقال من البراءة إلى اشتغال الذمة يقين، والعود إلى الإباحة ثانيا شك (127أ) وهو بناء على أن الأصل في الأشياء الإباحة، ومنها: ثبوت إحدى الآيتين في المصحف قبل الأخرى فإن ترتيب الآيات ليس على ترتيب النزول، ومنها: تأخر
(2/896)

إسلام الراوي لجواز أن يسمع متقدم الإسلام بعده، ومنها: قول الراوي، هذا ناسخ لأنه قد يكون عن اجتهاد وقيل: يثبت به وقال الكرخي: إن عينه فقال: هذا ناسخ هذا - لم يرجع إليه، لاحتمال أنه قال عن اجتهاد، وإن لم يعينه، بل قال: هذا منسوخ - قبل، حكاه أبو الحسين في (المعتمد) قلت: وظاهر نص الشافعي رضي الله عنه: أنه يثبت به النسخ، وقد احتج أصحابنا بقول عائشة في الرضعات: (أن العشر منهن نسخن بخمس) وقول المصنف: (لا الناسخ) أي إذا ثبت كون الحكم منسوخا، ولم يدر ما نسخه فقال الراوي: هذا الناسخ، فإنه يقبل، وهذه مسألة غريبة قل من استثناها أو ذكرها: ويقال عليه: ما الفرق بين قول الراوي: هذا ناسخ، وقوله: هذا الناسخ حيث لم نقبله في الأول، ونقبله في الثاني؟ والجواب: أنا لم نقبله في هذا ناسخ، لأنه قد يكون عن اجتهاد، بخلاف ما إذا ثبت النسخ على الجملة ولكن لم ندر عين الناسخ، فإنه إذا عينه قبلناه منه، لأنه لما ثبت أصل النسخ، من غيره كان تعيينه أسهل من أصل ابتدائه، ونظيره من الفقه: لو عرف عموم الحريق وجهل هل أحرقت الوديعة، يقبل قول المودع: إنها احترقت من غير يمين، بخلاف ما إذا لم يعرف عمومه وكذلك لو قال من طلق زوجته رجعيا: طلقتك
(2/897)

وقال: أردت الطلقة السابقة، لا إحداث طلقة أخرى - يقبل، بخلاف ما لو لم يكن تقدمه طلاق.
(2/898)

[الكتاب الثاني في السنة]
(ص) الكتاب الثاني في السنة.
وهي أقوال محمد صلى الله عليه وسلم وأفعاله.
(ش) المراد بأقواله: التي ليس على وجه الإعجاز ويدخل في الأفعال التقرير، لأنه كف عن الإنكار، والكف فعل على المختار، فكان ينبغي أن يزيد وهمه، وقد احتج (الشافعي رضي الله عنه، في الجديد على استحباب تنكيس الرداء في خطبة الاستسقاء بجعله= أعلاه أسفله لحديث) إنه صلى الله عليه وسلم استسقى وعليه خميصة له سوداء، فأراد أن يأخذ بأسفلها يجعله أعلاها، فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه فجعلوا ما هم به ولم يفعله سنة، وقد سبقت مباحث الأقوال من الأمر والنهي والعام والخاص والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والناسخ والمنسوخ، والكلام الآن في الأفعال.
(ص) الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون لا يصدر عنهم ذنب ولو صغيرة سهوا وفاقا للأستاذ والشهرستاني وعياض والشيخ الإمام.
(2/899)

(ش) أي لا يصدر عنهم ذنب لا صغيرة ولا كبيرة لا عمدا ولا سهوا بل طهر الله تعالى ذواتهم عن جميع النقائض=.
ونقله ابن برهان عن اتفاق المحققين، لأنا أمرنا باتباعهم في أفعاله وآثارهم وسيرهم، أمرا مطلقا من غير إلزام قرينة، وما ورد مما يخالفه حمل على أنهم فعلوه بتأويل، ومنهم من يحمله على ما قبل النبوة وهذه الطريقة يجب اعتقادها وإطراح ما عداها، فجزى الله تعالى المصنف خيرا بالجزم بها.
(ص) فإذا لا يقر محمد صلى الله عليه وسلم أحدا على باطل.
(ش) أي بلا خلاف، وأتى بالفاء، لينبه على تفرع ذلك على وجوب العصمة، وعلى وجه المناسبة لذكر هذه المسألة قبل أفعال النبي صلى الله عليه وسلم التي يجب اتباعه فيها وإنما قال: أحدا، لئلا يتوهم قراءة، لا يقر بفتح القاف فيكون خطأ (127ب).
(ص) وسكوته بلا سبب ولو غير مستبشر على الفعل مطلقا، وقيل: إلا فعل من يغريه الإنكار، وقيل: إلا الكافر ولو منافقا وقيل: إلا الكافر غير المنافق - دليل الجواز للفاعل وكذا لغيره، خلافا للقاضي.
(ش) إذا فعل فعل بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم أو في عصره, وعلم به، ولم ينكر -
(2/900)

كان دليلا على الجواز مطلقا، لما سبق. وسواء استبشر به مع ذلك أم لا، لكن دلالته على الجواز، مع الاستبشار أقوى، وقد تمسك الشافعي رضي الله عنه، في القيافة، واعتبارها في النسب بكلا الأمرين: الاستبشار وعدم الإنكار في قصة المدجلي، ولهذا قال المصنف: (ولو غير مستبشر) ليعلم حكم المستبشر من طريق الأولى، وسواء كان المسكوت عنه ممن يغريه الإنكار أو لا، كافرا كان أو منافقا والقول باستثناء من يغريه الإنكار إغراء حكاه ابن السمعاني عن المعتزلة بناء على أنه لا يجب إنكاره عليه للإغراء قال: والأظهر أنه يجب إنكاره ليزول توهم الإباحة، والقول باستثناء ما إذا كان الفاعل كافرا أو منافقا - قول إمام الحرمين
(2/901)

والقول بالاقتصار على الكافر ذهب إليه المازري، وهو أظهر، لأنه أهل للانقياد في الجملة، وكما يدل للجواز للفاعل، فكذا لغيره إذا ثبت حكمه على الواحد، حكمه على الجماعة وذهب القاضي إلى اختصاصه بمن قرر، ولا يتعدى إلى غيره، فإن التقرير لا صيغة له تعم، والصحيح أنه يعم سائر المكلفين، لأنه في حكم الخطاب، وخطاب الواحد خطاب للجميع.
تنبيهان:
الأول: علم من تفسيره بالجواز أنه يدل على الإباحة وقد سأل الشيخ صدر الدين بن الوكيل عن هذه المسألة الشيخ الإمام السبكي، أنه هل يحمل على الإباحة (أو لا يقضي بكونه مباحا أو واجبا أو ندبا محل توقف؟ فلم يستحضر الشيخ الإمام فيها نقلا، واحتج إلى أنه يدل على الإباحة) لأنه لا يجوز الإقدام على فعل حتى يعرف حكمه فمن هنا دل التقرير على الإباحة، قلت: وقد ذكرها أبو نصر بن القشيري في كتابه في الأصول، وحكى التوقف فيه عن القاضي، ثم رجع حمله
(2/902)

على الإباحة لأنه الأصل.
الثاني: سكت عما علم فعله على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لم يعلم انتشاره انتشارا يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني في شرح كتاب (الترتيب): هل يجعل ذلك سنة؟ اختلف قول الشافعي فيه، ولهذا أجرى قولين بإجزاء الأقط في الفطرة، لأنه لم يكن قد علم أنه بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ما كانوا يخرجون في الزكاة من الأقط.
(ص) وفعله غير محرم، للعصمة، وغير مكروه، للندرة.
(ش) فعله صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يقع فيه محرم، لوجوب العصمة، ولا مكروه، لندرة وقوعه من آحاد المسلمين فكيف من سيد المتقين، كذا قالوه، وأنا أقول: لا يتصور منه وقوع مكروه، فإنه إذا فعل شيئا وكان مكروها في حقنا، فليس بمكروه منه، لأنه يفيد به التشريع وبيان الجواز، ولهذا قال ابن الرفعة في كلامه على الجمع بين الأذان والإقامة: الشيء قد يكون مكروها ويفعله النبي صلى الله عليه وسلم لبيان الجواز، ويكون أفضل في حقه صلى الله عليه وسلم.
تنبيه: سكتوا عن خلاف الأولى، وفيه ما ذكرنا في المكروه، وقد قال النووي في وضوئه صلى الله عليه وسلم مرة مرة (128أ) ومرتين مرتين: قال العلماء: هو في ذلك الوقت أفضل في حقه من التثليث لأجل بيان التشريع.
(2/903)

(ص) وما كان جبليا أو بيانا أو مخصصا به فواضح.
(ش) الجبلي: كالقيام والقعود والأكل، والشرب. والبيان: كقطعه السارق من الكوع، بيانا لقوله تعالى: {فاقطعوا أيديهما} والمخصص به كالضحى والأضحى ووجه الوضوح، أما في الجبلي، فالندب لاستحباب التأسي به، وحكى الأستاذ أبو إسحاق فيه وجهين:
أحدهما: هذا، وعزاه لأكثر المحدثين، قال: والأقل فيه أن يستدل به على إباحة ذلك.
الثاني: أنه لا يتبع فيه إلا بدلالة. انتهى. أما في البيان والمخصص به، فكونه واجبا عليه، لأنه عليه السلام بعث للتشريع فيما يجب عليه منه بيان المجمل
(2/904)

وبيان التخصيص، وقال أبو علي بن أبي هريرة: قد يفعل الشيء لمعنى يختص به ثم يصير بعد ذلك سنة، كالاضطباع والرمل وسكت الأصوليون عن قسم آخر، وهو ما إذا شككنا، هل فعله لمعنى يختص به، أو يشاركه فيه غيره؟ وقد تعرض له الماوردي في باب صلاة العيدين من (الحاوي) وحكى عن أبي إسحاق المروزي أنه يفعل مثل فعله اقتداء به.
(ص) وفيما تردد بين الجبلي والشرعي كالحج راكبا تردد.
(ش) أي يحمل على الجبلي لأن الأصل عدم التشريع، أو على الشرعي لأنه عليه السلام بعث لبيان الشرعيات وقد حكى الرافعي فيه وجهين في مسألة ذهابه
(2/905)

إلى العيد في طريق ورجوعه في آخر وقال: إن الأكثرين على التأسي فيه وقال أبو حاتم القزويني في كتابه (تجريد التجريد): إن أصحابنا اختلفوا في جلسة الاستراحة: فمنهم من قال: هي مسنونة، ومنهم من قال: شرعت للاستراحة وليس لها محل السنن، والصحيح الأول.
(ص) وما سواه إن علمت صفته فأمته مثله على الأصح.
(ش) ما سوى ما تقدم إن علمت صفته من وجوب أو ندب أو إباحة فأمته مثله في الأصح، لوجوب الاقتداء به، وقيل: مثله في العبادات فقط.
(ص) وتعلم بنص وتسوية بمعلوم الجهة ووقوعه بيانا أو امتثالا لدال على وجوب أو ندب أو إباحة.
(2/906)

(ش) تعلم جهة الفعل بجهات:
منها: نصه على أنه واجب، أو مندوب، أو مباح.
ثانيها: تسويته بما علمت جهته، كقوله: هذا الفعل مساو للفعل الفلاني وكان ذلك الفعل المشار إليه معلوم الجهة.
ثالثها: وقوعه بيانا لآية مجملة دل على أحدهما، ولم يظهر بيانها بالقول فنعلم أن هذا الفعل بيان لها.
رابعها: كونه امتثالا لنص يدل على وجوب أو ندب أو إباحة فيلحق بما دل عليه.
واعلم أن قوله: (بيانا) أي يكون حكمه حينئذ في حقنا كالمبين وحاصله أن فعله إذا كان بيانا كان له جهتان: من حيث البيان هو تابع لما بينه ومن حيث التشريع واجب مطلقا، واتباع التأسي له إنما هو في الأولى، وأما الثانية فكالجبلي فلهذا قرنه المصنف فيما سبق مع الجبلي في الوضوح. أي لا يجب علينا اتباعه فيه من تلك الحيثية، وبهذا اندفع إشكال في كلامه حيث قال: وما سواه، أي سوى ما هو بيان أو جبلي أو تخصيص ثم قسمه إلى بيان وامتثال، فجعل قسم الشيء قسيمه.
(ص) ويخص الوجوب أمارته كالصلاة بالأذان وكونه ممنوعا لو لم يجب كالختان والحد.
(ش) يعلم الوجوب بالعلامات الدالة عليه غير ما سبق، فمنها: وقوعه على صفة تقرر في الشرع أنها أمارة الوجوب، كالصلاة بالأذان والإقامة ومن ثم كانت صلاة العيدين والكسوفين والاستقساء سنة، لأنه لم يكن يؤذن لها، ومنها: أن يكون
(2/907)

(128 أب) ممنوعا منه لو لم يجب، فإذا فعله الرسول صلى الله عليه وسلم استدللنا بفعله على وجوبه كالختان وقطع اليد في السرقة فإن الجرح والإبانة ممنوع منهما، فجوازهما دليل وجوبهما وإنما عدل المصنف عن تمثيل (المنهاج) و (المحصول) بالقيامين والركوعين في الخسوف لأن ذلك مستفاد من جهة أنه بيان للمأمور لا من هذه الجهة، ولأن الأصح أنه لا يجب، بل لو صلاها كسائر الصلوات صح كما قاله النووي رحمه الله في (شرح المهذب) لكن هذه القاعدة منقوضة بسجود السهو والتلاوة في الصلاة، فإنه سنة مع أنه زيادة ممتنعة لو لم يرد الشرع بها، وكذا رفع اليدين على التوالي في تكبيرات العيد، وذكر في (المنهاج) خاصية ثالثة، وهو كونه جزء شرط لموافقة نذر، وحذفه المصنف، لأن النذر لا يتصور من النبي صلى الله عليه وسلم بناء على أنه مكروه وفيه ما سبق.
(ص) والندب مجرد قصد القربة وهو كثير.
(ش) الندب منصوب على أنه مفعول يخص السابق أي يخص الندب قصد القربة مجردا عن أمارة دالة على الوجوب، فإنه يدل على أنه مندوب، لأن الرجحان
(2/908)

ثبت بقصد القربة والأصل عدم الوجوب، وهو كثير. ومنها: التخيير بينه وبين فعل لم يثبت وجوبه، لأن التخيير لا يقع بين واجب وما ليس بواجب وذكر الماوردي في (الحاوي) محتجا على عدم وجوب الأذان بأنه إنما ثبت عن مشورة أوقعها النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه حتى يقرروا رؤيا عبد الله بن زيد على الأذان، وليس هذا من صفات الواجب وإنما يكون من صفات المندوب، لأنه ما شرعه بنفسه وإنما أثره على فعل غيره.
(ص) وإن جهلت فللوجوب وقيل: للندب، وقيل: للإباحة، وقيل بالوقف في الكل، وفي الأولين مطلقا، وفيها إن لم يظهر قصد القربة.
(ش) إذا لم تعلم جهة الفعل بالنسبة إليه وبالنسبة إلى الأمة، فيه مذاهب:
(2/909)

أحدها: الوجوب، قال ابن السمعاني: إنه الأشبه بمذهب الشافعي رضي الله عنه، وأنه الصحيح لكنه لم يتكلم إلا فيما ظهر فيه قصد القربة والمصنف مال إلى الوجوب مطلقا.
والثاني: الندب، وعزي الشافعي رضي الله عنه.
والثالث: الإباحة، واختاره الإمام في (البرهان).
والرابع: الوقف في الكل حتى يقوم دليل على ما أريد منا، وعليه جمهور المحققين، كالصيرفي، والغزالي وأتباعهم، وصححه القاضي أبو الطيب ونقله عن
(2/910)

الدقاق وابن كج، وقالوا: لا يدرى أنه للوجوب أو الندب أو الإباحة، لاحتمال هذه الأمور كلها، واحتمال الخصوصية به، ثم منهم من أجرى الخلاف في الأولين أي الوجوب، أو الندب مطلقا، أي سواء ظهر قصد القربة أم لا، كما نقله الهندي، غير أن الأول تقوى فيه الوجوب والندب، لأن القربة قرينة على إرادتهما وتضعف الإباحة، والثاني بالعكس وقوله: وفيهما إن لم يظهر قصد القربة - كذا رأيته بخط المصنف في الأصل، وهو معكوس، والصواب: إن ظهر قصد القربة فللوجوب أو للندب، وإلا فللإباحة وعلم من تخصيصه بالأولين أنه لا يجيء هنا القول بالإباحة، لأن قصد القربة لا يجامع استواء الطرفين، وأجراه الآمدي، وفيه نظر.
(ص) وإذا تعارض القول والفعل ودل دليل على تكرر مقتضى القول - فإن كان خاصا به فالتأخر ناسخ، فإن جهل فثالثها: الأصح الوقف، وإن كان خاصا بنا فلا معارضة فيه. وفي الأمة: المتأخر ناسخ إن دل على التأسي (فإن جهل التاريخ فثالثها: الأصح، يعمل بالقول) وإن كان عاما لنا
(129أ) وله فتقدم
(2/911)

الفعل أو القول له وللأمة كما مر إلا أن يكون العام ظاهرا فيه، فالفعل تخصيص.
(ش) التعارض بين الشيئين تقابلهما على وجه يمنع كل واحد منهما صاحبه والقسمة العقلية فيه بحسب ما تقدم ثلاثة، لأنه إما أن يتعارض الفعلان، أو القولان أو الفعل والقول، فأما الأول: فالمشهور عند المتأخرين أنه غير متصور، لأن الفعلين إن تناقض حكمهما فيجوز أن يكون الفعل في ذلك الوقت واجبا وفي غيره بخلافه، لأن الأفعال لا عموم لها، ولعل لهذا لم يذكر المصنف هذا القسم وإن ذكره في (المنهاج) و (المختصر) بقولهما: الفعلان لا يتعارضان، ولم يحك في شرحه لهما خلافا فيه، لكن حكى جماعة قولا بحصول التعارض وطلب الترجيح من خارج كما اتفق في صلاة الخوف.
ولهذا رجح الشافعي رضي الله عنه، منهما ما هو أقرب لهيئة الصلاة، وقدم بعضهم الأخير منها إذا علم. نعم، استثنى ابن الحاجب وغيره ما إذا دل دليل من خارج على وجوب تكرير الفعل أو لأمته، فإن الفعل الثاني يكون ناسخاً لكن العمل في الحقيقة بذلك الدليل، وأما تعارض القولين فقد ذكره في باب التعادل والترجيح والكلام هنا في تعارض القول والفعل، وحاصل ما قاله أنه إن دل على تكرر مقتضى القول: فالقول إما خاص به، أو خاص بنا، أو عام لنا وله:
الأول: أن يكون خاصا به، فالمتأخر ناسخ للمتقدم، سواء كان قولا، أو فعلا،
(2/912)

ولا تعارض بينهما في حق الأمة، لعدم تناول القول إياهم، فإن جهل المتأخر منهما فأقوال:
أحدها: العمل بالقول لقوته.
والثاني: بالفعل.
والثالث: الوقف إلى قيام الدليل، لأنه لو عمل بأحدهما لزم الترجيح بلا مرجح.
الثاني: أن يكون القول خاصا بنا، فلا معارضة فيه أي في حقه، لعدم تناول القول إياه، وأما في حق الأمة فإما أن يدل على وجوب التأسي في ذلك الفعل أو لا، فإن دل فالمتأخر ناسخ للمتقدم قولا أو فعلا، وإن لم يدل فلا تعارض بالنسبة إلينا لعدم تعلق الحكم بنا، فإن جهل التاريخ فالأقوال الثلاثة، لكن الأصح عند الجمهور هنا العمل بالقول، لأنه أقوى من الفعل، وإنما لم يكن الوقف هنا مختارا لكونه
(2/913)

ضعيفا بخلاف الأول، وهو ما إذا كان القول خاصا به، لأنا متعبدون في هذا القسم بأحد الحكمين، أي القول أو الفعل، بخلاف الأول فاعلمه.
الثالث: أن يكون القول عاما له ولنا، فنقدم الفعل أو القول له وللأمة كما سبق، يعني أن المتأخر ناسخ قولا كان أو فعلا هذا إذا كان القول المتأخر متناولا له بطريق النص، فإن كان بطريق الظهور كالإتيان بلفظ عام، مثل أن يقول: هذا الفعل واجب على المكلفين، وقلنا: المخاطب يدخل في عموم خطابه، فيكون الفعل السابق مخصصا لهذا العموم، لأن التخصيص عندنا لا يشترط تأخيره عن العام وهذا الاستثناء زاده المصنف على المختصرات.
(2/914)

الكلام في الأخبار
المركب إما مهمل، وهو موجود خلافا للإمام، وليس موضوعا.
(ش) لا خلاف أن المهمل يوجد في المفردات أما المركبات بأن يكون المدلول لفظا مركبا مهملا - فقال الإمام: الأشبه أنه غير موجود، لأن التركيب إنما يصار إليه لغرض الإفادة، فحيث لا إفادة لا تركيب وخالفه البيضاوي ومثله بلفظ الهذيان فإن موضوعها ألفاظ مركبة مهملة فيقال لضرب من الهوس أو غيره لا
(2/915)

يقصد بها الدلالة (129 ب) على شيء، وجرى عليه المصنف، وحكى الهندي كلام الإمام ثم قال: وهذا حق، إن عنى بالمركب ما يكون جزؤه دالا على جزء المعنى حين هو جزؤه وإن عنى به ما يكون لجزئه دلالة في الجملة ولو في غير معناه، وما يكون مؤتلفا من لفظين كيف كان التأليف، وإن لم يكن لشيء من أجزائه دلالة فهو باطل أما الأول فمثل: عبد الله، إذا كان علما فإن اسم العلم يدل عليه، وهو لفظ مركب على هذا التقدير غير دال على المعنى المركب، وأما الثاني: فلفظ الهذيان، فإنه يدل على المركب من مهملتين، أو من لفظة مهملة ومستعملة وهو غير دال على المعنى المركب، هذا إن أراد بعدم دلالته على معنى المعنى المركب، أما إن أراد به لا يدل على معنى أصلا، وأراد باللفظ المركب المعنى الثاني - فينتقض بالثاني دون الأول. انتهى. (وليس موضوعا) أي: للعرب بلا خلاف.
(ص) وإما مستعمل والمختار أنه موضوع.
(ش) يشير إلى الخلاف في أن المركبات موضوعة أم لا؟ والراجح - كما قاله القرافي وغيره - أنها موضوعة، لأن العرب حجرت في التراكيب كما حجرت في المفردات، فعلى هذا تكون دلالة المركب على معناه بالمطابقة لكن الذي رجحه
(2/916)

النحويون، كابن مالك، وابن الحاجب وغيرهما، أنها ليست موضوعة، وإلا لكان استعمال الجمل يتوقف على النقل عن العرب كما في المفردات.
(ص) والكلام ما تضمن من الكلم إسنادا مفيدا مقصودا لذاته.
(ش) (ما تضمن من الكلم): بيان لجنس الكلام، وأنه ليس خطأ ولا رمزا ولا إشارة، وإطلاق الكلام عليها مجازا، و (ما) بمعنى شيء فيصلح للواحد فما فوقه وقوله: (من الكلم) يخرج به الواحد وهو أحسن من قول (المفصل): (ما تركب من كلمتين) لشموله ذات الكلمات، فإن بعض الكلام تكثر أجزاؤه حتى يصير خمسين كلمة وستين كلمة وثمانية كلمة، كقوله تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض} إلى {يعقلون} وقوله تعالى: {إذا الشمس كورت} إلى {أحضرت} وقوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم} إلى {ما ملكت أيمانكم} وأحسن من قول ابن الحاجب: ما تضمن من كلمتين (لأنه إن سلم من عدم تناول ذي الكلمتين - لكن لم يتناول ذا الكلمات، لأن ما تضمن كلمتين) لا بد من كونه، ذا أجزاء من جملتها الكلمتان، فإن التضمن غير المتضمن، والشيء لا يتضمن نفسه، والمراد
(2/917)

بالإسناد: تعليق خبر بمخبر عنه، كزيد قائم أو طلب مطلوب عنه، كاضرب فيخرج النسبة التقيدية، كنسبة الإضافة في: غلام زيد، ونسبة النعت في نحو: الرجل الخياط (من قولنا: جاء الرجل الخياط) واحترز بالمفيد من نحو: السماء فوق الأرض والواحد نصف الاثنين، فلا يسمى كلاما إلا مجازا، وبالمقصود: عن كلام النائم (والساهي والطيور والقابلة للتلقين، وبالذات: عن المقصود لغيره كجهله للشرط قبل جوابها فإنها ليست بكلام) لأنها لم تقصد لذاتها، بل المقصود لذاته هو الجواب، والشرط مذكور لأجله فإن قولك: إن يقم زيد أقم، لم تقصد الحديث عن زيد، بل عن نفسك بالقيام مشروطا بقيام زيد، وكذا الجمل الموصول بها، من: جاء أبوه، من قولنا: الذي جاء أبوه، لأن من شرط صحة الوصل بها كون معناها معهودا عند السامع، وإنما يقصد بها إيضاح معنى الموصول، لأنها منزلة منزلة جزء كلمة، والكلمة التامة ليست كلاما فكيف بما هو جزء منها؟
تنبيهات:
الأول: هذا التعريف ذكره ابن مالك في (التسهيل)، وهو لا يخلو عن إشكال، ولك أن تنازع في عدم تسمية نحو: السماء فوق الأرض - كلاما، لأنه خبر بدليل أن يقال فيه: صدقت أو كذبت، ومتى كان خبرا كان كلاما، لأنه قسم منه، ولا حاجة لقوله: مقصودا فإن ذكر الإسناد يغني عما احترز به (130 أ) عنه لما سبق في تفسير الإسناد وهو منتف في النائم ونحوه، وكذا لا حاجة للقيد
(2/918)

الأخير، لأنهم شرطوا في جملة الصلة، والصلة كونها خبرية، وهو قسم من الكلام والظاهر أنه أخذ القيد هنا بالمعنى الأعم، لا ما يحسن السكوت عليه، وإلا فمتى أخذناه بهذا المعنى الخاص، فركنا الكلام، التركيب والإفادة ولهذا قال في (شرح الكافية): وفي الاقتصار على (مفيد) كفاية.
الثاني: هذا بالنسبة لاصطلاح النحاة، وقد سبق أول الاستثناء أن القاضي أبا بكر يشرط فيه صدوره من ناطق واحد، وسبق ما فيه في (الارتشاف) وليس من شرط الكلام، قصد الناطق به، ولا كونه صادرا من ناطق واحد، ولا إفادة المخاطب شيئا يجهله، خلافا لزاعمي ذلك بل إذا حصل الإسناد كان كلاما ولو من غالط أو ساه أو مخطئ أو من ناطقين أو تركيب لا يستفيد المخاطب منه شيئا أو تركيب محال. انتهى. وهذا اعتبار كثير من النحويين - أعني اعتبار التركيب الإسنادي فقط - وأما في اصطلاح الفقهاء فيطلق على الكلمة الواحدة، وأقل ما تكون من حرفين، أو حرف مفهم، ولهذا أبطلوا الصلاة به، قال ابن مالك في (التسهيل): ولهذا انتهى الصحابة رضي الله تعالى عنهم عن الكلمة فما
(2/919)

فوقها حين نهوا عن الكلام في الصلاة وهو شائع في اللغة، وفي (الصحاح) الكلام اسم جنس يقع على القليل والكثير، فيقع على الكلمة الواحدة وعلى الكلام بخلاف الكلم فإنه لا يكون أقل من ثلاث كلمات.
الثالث: قال النحاة: لا يتركب الكلام إلا من اسمين، أو اسم وفعل، لأنه يستدعي محكوما عليه ومحكوما به، والمحكوم عليه لا يكون إلا اسما، والمحكوم به يصح أن يكون اسما وأن يكون فعلا.
ونقضه المنطقيون بالقضية الشرطية قالوا: ولا محيص عنه إلا بتخصيص المدعي بالقول الجازم ونقض أيضا بالنداء فإنه كلام مركب من اسم وحرف وأجيب بأن النداء في تقدير الفعل، وقيل عليه: لو كان في تقدير الفعل لكان محتملا للصدق والكذب، وجاز أن يكون خطابا مع الثالث، لأن الفعل الذي قدر النداء به كذلك وجوابه منع الملازمتين، وإنما يصدقان لو كان الفعل
(2/920)

المقدر به إخبارا لا إنشاء، غاية ما في الباب أنه في بعض موارد الاستعمال إخبار، لكن لا يلزم منه أن يكون إخبارا في جميع الموارد، لجواز أن يكون من الصيغ المشتركة بين الإخبار والإنشاء كألفاظ العقود.
(ص) وقالت المعتزلة: إنه حقيقة في اللساني: (وقال الأشعري مرة: في النفساني وهو المختار ومرة: مشترك، وإنما يتكلم الأصولي في اللساني).
(ش) والكلام يطلق بثلاثة اعتبارات:
أحدها: اللفظي التام، وهو اصطلاح النحاة.
وثانيها: اللفظ الناقص وهو الكلمة الواحدة وهو اصطلاح اللغويين، وقد سبقا.
والثالث: النفسي، وهو الفكر التي يدبرها الإنسان في نفسه قبل أن يعبر عنها باللسان، وعبر عنه ابن مالك بالمعنوي فقال: وهو الذي أشار إليه عمر رضي الله عنه، إذ قال: وكنت زورت مقالة أعجبتني أردت أن أقدمها بين يدي أبي بكر
(2/921)

ومن الدليل على إثباته قوله تعالى: {ويقولون في أنفسهم} وقوله تعالى: {والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} ومعلوم أن الله تعالى ما كذبهم في قوله: {إنك لرسول الله} لأنهم صدقوا فيه، بل في القول القائم بنفوسهم وهو قولهم في أنفسهم: ما أنت برسول. وقوله تعالى: {وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه (130ب) عليم بذات الصدور} فأخبر أن ما يسره قول، وأيضا فإن قول القائل: افعل، يريد به الإيجاب أو الندب أو الإباحة، وصورة اللفظ واحد، فيعلم أن الإيجاب: معنى في النفس يتميز بالقرائن.
إذا علمت هذا، فاختلف في أنه حقيقة في ماذا على أقوال.
أحدها: أنه حقيقة في اللساني خاصة، وإنما خصه المصنف بالمعتزلة، لأنه لم يصر إليه أحد من أئمتنا.
والثاني: أنه حقيقة في النفساني، مجاز في اللفظي الدال عليه، تسمية للدليل باسم المدلول، فيطلق عليها كلام مجازا، لدلالتها على الكلام الحقيقي، كما تسمي علما في قولك: سمعت علما، وإنما تريد العبارات الدالة على المعلوم، والمجاز قد يشتهر اشتهار الحقائق، وهو أحد قولي الأشعري، واختاره إمام الحرمين في باب
(2/922)

الأوامر من (البرهان) قال: لكون النفسي جنسا ذا حقيقة لا يتغير والعبارات تختلف فما لم يتغير الاسم له حقيقة وأنكر عليك ذلك، فإنه لا يتلقى معرفة الحقيقة والمجاز مثل ذلك، قال الهندي: ولا شك أن الاشتقاق لا يشهد لهم في أنه حقيقة في هذا المعنى، قلت: مرادهم في القديم لا يطلق الكلام، فإنهم يوافقونا على أنه في الحادث حقيقة في اللفظ، وإنما صار الأشعري في أحد قوليه إلى هذا فرارا من قول المعتزلة المؤدي إلى خلق القرآن، ومن قول الحشوية بأنه الحرف والصوت المؤدي إلى أن تكون الذات المقدسة محلا للحوادث، ولم يرد الأشعري أنه حقيقة لغوية، وقد قال الشيخ الإمام أبو إسحاق الشيرازي في كتاب (الحدود): الكلام نوعان: قديم، ومحدث: فالمحدث كلام المخلوقين، وينقسم إلى: معنى في النفس يجده كل عاقل بالضرورة قبل أن ينطق به، وإلى ما يكون أصواتا مترتبة، وكلاهما كلام على الحقيقة، والقديم: هو كلام الله سبحانه، قائم بذاته المقدسة لا يشبه كلام المخلوقين، فليس بحرف ولا صوت، لأن الكلام صفته (ومن شأن الصفة أن تتبع الموصوف، فإذا كان الموصوف لا يشبه شيئا فكذلك) صفاته لا تشبه صفات غيره، وإنما غلط الخصوم في إلحاقهم الغائب بالشاهد قال: فحصل أن كلام الخلق ينقسم إلى نفسي ولفظي بخلاف القديم وهو كما تقول: علم المخلوق ينقسم إلى ضروري وكسبي، بخلاف القديم فكما أن علمنا لا يشبه علمه، فكذلك كلامنا لا يشبه كلامه، وإن كان الكلام في الجملة حد جامع، وهي
الصفة التي يستحق من قامت به أن يشتق منها اسم المتكلم لكن يختلفان في التفصيل، قال:
(2/923)

ومن أصحابنا من قال: كلام الخلق في الحقيقة هو ما في النفس، وما يوجد بالنطق يسمى كلاما مجازا، قال: والأول أصح، لما قلناه ولأنه أحسم للشغب. انتهى.
والثالث: أنه حقيقة فيهما بالاشتراك، وعزاه الهندي للأكثرين، وقال إمام الحرمين: إنه الطريقة المرضية عندنا وهو معنى كلام الأشعري، وكذا قال ابن القشيري والشيخ أبو إسحاق وغيرهما، وقالوا: إنها تدرأ تشعب الخصوم، وحكاه في (المحصول) عن المحققين وقال الآمدي في (غاية المرام): إنكار تسمية النفسي كلاما لا يستقيم نظرا إلى إطلاق الوضع اللغوي، فإنه يصح أن يقال: في نفسي كلام، وفي نفس كلام ومنه قوله تعالى: {ويقولون في أنفسهم} قال: ولا نظر إلى كونه أصليا فيه أو فيما يدل عليه (131أ) من العبارات أو فيهما كيف، وحاصل هذا النزاع ليس إلا في قضية لغوية، وإطلاقات لفظية، ولا حرج فيها بعد فهم المعنى، وكذا قال الأبياري في (شرح البرهان): المسألة لغوية محضة، والقطع بأحدهما لم يثبت عندي وأهل العربية مطبقون على إطلاق الكلام على الألفاظ.
(ص) فإن أفاد بالوضع طلبا، فطلب ذكر الماهية استفهام وتحصيلها أو
(2/924)

تحصيل الكف عنها أمر ونهي، ولو من ملتمس وسائل.
(ش) فاعل أفاد هو المركب وأراد بالوضع أنه يفيده إفادة أولية، وعدل عن قول (المنهاج): بالذات للتنبيه على صواب العبارة واحترز عما يفيد الطلب باللازم، كقولك: أنا أطلب منك أن تذكر لي حقيقة الإنسان، فإنه لا يسمى استفهاما وأن تسقيني الماء فإنه لا يسمى أمراً لأنهما وإن دلا على الطلب لكن ليس بالصيغة، لأن صيغة الخبر لم توضع للطلب، وعدل عن قول (المنهاج): الطالب للماهية إلى قوله: (طلب ذكر الماهية) لأنها أحسن لموافقتها المقصود والحاصل أن المركب إن أفاد طلبا لذاته فإن كان الطلب لذكر ماهية الشيء فهو استفهام كقولك: ما هذا؟ ومن هذا؟ أو إن كان لتحصيل أمر ما من الأمور - فأمر، أو الكف عنه فنهي، وزاد المصنف هذا على قول (المنهاج): ولتحصيل أمر، فإنه إن أراد تحصيل الفعل الذي ليس بكف، فالتقسيم غير حاصر لخروج طالب الكف بالمنهي عنه وإن أراد تحصيل الفعل مطلقا كفا كان أو غيره، لزم دخول النهي في حد الأمر، وهما حقيقتان مختلفتان، فلهذا استوفى المصنف القسمين بالحصر، وهو بناء على أن الكف فعل وهو
(2/925)

المختار. ومثال الملتمس: قول القائل لمماثله: افعل كذا، أو السائل هو المشتغل كقول من يجعل نفسه دون المطلوب منه وهو سؤال سواء كان دونه في نفس الأمر أم لا وما صرح به المصنف من دخولهما في الأمر بناء على ما سبق منه في باب الأوامر إن الأمر لا يشترط فيه العلو ولا الاستعلاء واستند إلى قول ابن دقيق العيد في شرح العنوان (أن تسمية التساوي بالالتماس اصطلاح خاص وقال الأبياري في شرح (البرهان): اختلف في تسمية الدعاء أمرا، فأباه النحويون وأكثر الأصوليين، ومنهم من قال: يصح أن يأمر الأدنى الأعلى، وهذا غير متحقق في التحريم والإيجاب، فإن قيل: كلامه إنما هو في المركب، وصيغة الأمر مفردة، لأن جزء لفظها لا يدل على جزء معناها - قلنا: في صيغة الأمر ضمير مستكن في حكم اللفظ به، بدليل توكيده وتثنيته وجمعه فقم، قم أنت قوما وقوموا.
(ص) وإلا فما لا يحتمل الصدق والكذب تنبيه وإنشاء ومحتملها الخبر.
(ش) أي وإن لم يفد بالوضع طلبا، أي لا يدل على طلب الفعل دلالة أولية، لكنه يدل عليه باللازم، فإما أن يحتمل الصدق والكذب أولا، فما لا يحتملها يسمى تنبيها، أي نبهت به على مقصودك بالكلام، ويندرج في التنبيه التمني، ك (ليت) الشباب يعود والترجي نحو: لعل لي مالا فأنفقه، والقسم والنداء فإنه لا
(2/926)

يحسن أن يقال لقائلها: صدقت أو كذبت، وهو في هذا متابع للمحصول فإنه جعل هذه الأقسام مما لا يدل على الطلب بالوضع لكن البيانيون أطلقوا عليها اسم الطلب وقالوا (131ب): إنه يتنوع إلى طلب حصول ما في الخارج أن يحصل في الذهن كالاستفهام أو طلب حصول ما في الذهن أن يحصل في الخارج، وقالوا: إنه ينحصر بالاستقراء في خمسة أقسام: الاستفهام والأمر، والنهي، والنداء، والتمني، وادعاء القرافي في (الفروق) الإجماع على أن الأمر والنهي والقسم والترجي والتمني والنداء من قسم الإنشاء - لا يخالف ما نقلناه عن البيانيين، لأنهم جزموا بأن الطلب من الإنشاء، وقسموا الإنشاء إلى طلب وغيره نعم الأمر والنهي ليسا من الإنشاء على طريقة الرازي، وتابعه المصنف، وقوله: وإنشاء أي ويسمى أيضا إنشاء من قولهم: أنشأ يفعل كذا، أي ابتدأ ثم نقل إلى إيقاع لفظ لمعنى يقارنه في الوجود، وقوله: ومحتملهما: أي وإن احتمل الصدق والكذب فهو الخبر، وزعم قوم منهم الغزالي أن التعبير بالتصديق والتكذيب أحسن من الصدق والكذب، لأن من الأخبار ما لا يحتمل إلا الصدق كخبر الصادق، وما لا يحتمل إلا الكذب، كما لو قال:
(2/927)

الواحد نصف العشرة ولم يرتضه المصنف فإن احتماله لهما بحسب المفهوم، والخبر من حيث هو محتمل لذلك، وتعين أحد الاحتمالين في بعض الأفراد بحسب الخارج لخصوصية ومزية - لا يخرج احتمال ماهية الخبر، من حيث هي محتملاتها، ثم إن التصديق والتكذيب عبارة عن الإخبار بكون الكلام صدقا أو كذبا فتعريفه دور.
(ص) وأبى قوم تعريفه كالعلم والوجود والعدم، وقد يقال: الإنشاء ما يحصل مدلوله في الخارج بالكلام والخبر خلافه أي ماله خارج صدق أو كذب.
(ش) ذهب قوم - منهم الإمام الرازي - إلى أن الخبر لا يحد، لأنه ضروري لأن كل واحد يعلم أنه موجود، والخبر جزء من هذا الخبر وقيل: يعسر الحد، وهو كالخلاف في تعريف العلم والوجود والعدم، والصحيح خلافه، ثم اختلف القائلون بتحديده، فقيل: ما يحتمل الصدق والكذب، وقد سبق ومنهم من قال:
(2/928)

يعرف بتعريف مقابله فقال: الإنشاء ما يحصل مدلوله في الخارج بالكلام، كبعت وتزوجت وطلقت فإنه إذا وردت من المكلف رتب عليها الشرع مقتضياتها، إما مع اللفظ أو آخر حرف منه على الخلاف المشهور، والمراد بالخارج ما هو خارج عن كلام النفسي المدلول عليه بذلك اللفظ، والخبر بخلافه، أي ما يقال له في الخارج صدق أو كذب، والحاصل أن النسبة في الإنشاء وجودها مع وجود اللفظ لا وجود لها قبله والنسبة في الخبر خارجية قبل وجود اللفظ ثم اللفظ يخبر عنها وهو معنى قولهم: الإنشاءات يتبعها مدلولها، والأخبار تتبع مدلولاتها قال القرافي: وليس المراد التبعية في الوجود وإلا لما صدق ذلك إلا في الماضي فقط، فإن الحاضر مقارن، والمستقبل وجوده بعد الخبر، بل المراد أنه تابع لتقرر مخبره في زمانه ماضيا كان أو حاضرا أو مستقبلا وقد أورد على هذا التعريف الإخبار عن المستقبلات
(2/929)

نحو: سيقوم زيد فإنه عند النطق به ليس له خارج صدق ولا كذب، فلا يمكن وصفه بذلك وعند وجود المخبر ليس الخبر موجودا حتى يصفه بصدق، ولا شك أن الإخبار عن المستقبلات بوصف (132أ) للصدق والكذب، قال تعالى: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} فلو قال: إن كان محكوما فيه بنسبة خارجية فهو الخبر - كما فعل ابن الحاجب - كان أولى، وكان بعض مشايخنا يقول: التحقيق أن لكل من نسبة الإنشاء والخبر العقليين نسبة في الخارج غير أن النسبة العقلية في الخبر تابعة للنسبة الخارجية، وأخرج الكلام تابعا لها في الظاهر والنسبة الخارجية في إنشاء تابعة للنسبة العقلية، أخرج الكلام ليوقع على حسبه.
تنبيهات:
الأول: قوله: (وقد يقال): إشارة إلى قول آخر خلاف ما ذكره أولا من التقسيم إلى ثلاثة: طلب وإنشاء وخبر، وهذا القائل قسمه إلى قسمين: خبر أو إنشاء وجعل الطلب داخلا في الإنشاء، لأنه ردد الكلام بين ما له خارج وبين ما لا خارج له، وجعل الإنشاء ما ليس له خارج، وذلك يشمل الطلب والإنشاء، وذهب ابن مالك إلى قول ثالث، وهو انقسامه إلى خبر وطلب، ويرد عليه أن من الكلام ما ليس خبرا ولا طلبا كالشرط في الإنشاء نحو: إن دخلت الدار فأنت طالق، فإنه ليس بخبر، إذ لا يحتمل الصدق والكذب ولا بطلب لانحصار الطلب عندهم في الأقسام الخمسة السابقة واعلم أن من حصره في ثلاثة أقسام (فسر الإنشاء بإيقاع لفظ بمعنى يقاربه في الوجود، كإيقاع البيع ببعت، ومن حصره في قسمين) فسر الإنشاء بما لا نسبة له في الخارج، وبهذا ينحل الإشكال المشهور في أن الطلب لا يدخل في الإنشاء، إذ الإنشاء لا بد فيه من المقارنة، والطلب بخلافه فإن هذا
(2/930)

اعتراض مركب على المذهبين، فإن من قسمه قسمين لم يفسر الإنشاء بهذا التفسير.
الثاني: قوله: والخبر بخلافه أي ماله خارج، جعله هذا قسيما لما قبله - فيه نظر، فإن من فسر الإنشاء بما يحصل مدلوله في الخارج بالكلام فسر الخبر بما يحصل وجوده في الخارج بغيره مثل: زيد منطلق فإنه يمكن علمه بالمشاهدة بخلاف الأمر والنهي فإنه لا يمكن استفادته إلا من المتكلم ومن فسر الخبر بما له خارج يطابقه أولا، فسر الإنشاء بما ليس له خارج أصلا، ولم يفسر أحد الطرفين، كما فصل المصنف، وقد أورد على القائلين) بما له خارج أن الخبر قد يكون متعلقه ذهنيا فلا يشترط في الخبر مطابقته لما في الخارج، بل مطابقته لما في نفس الأمر.
الثالث: وهو سؤال على قولهم: إن صدق الخبر ومطابقته للواقع فإن المخبر بالواقع قد أكذبه الله تعالى في القذف في قوله: {فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون} وقال العلماء: لا تصح توبته إلا بإكذابه نفسه (ولا شك قد يكون صادقا في نفس الأمر، فكيف يكون كاذبا ويؤمر بتكذيب نفسه)؟ وأجيب بأن القاذف كاذب في حكم الله تعالى، وإن كان خبره مطابقا لمخبره، أي أنه يعاقب معاقبة المفتري الكذاب، فلا تتحقق توبته حتى يعترف بأنه كاذب عند الله، كما أخبر به عنه، فإذا لم يعترف بذلك وقد جعله الله كاذبا، أي قوله له، مع إصراره على مخالفة حكم الله عليه بالكذب.
(ص) ولا مخرج له عنهما، لأنه إما مطابق للخارج، أو لا وقيل بالواسطة فالجاحظ: إما مطابق مع الاعتقاد ونفيه، أولا مطابق مع الاعتقاد ونفيه، فالثاني
(2/931)

فيهما واسطة، وغيره: الصدق: المطابقة لاعتقاد المخبر، طابق الخارج أولا وكذبه عدمها، فالساذج واسطة، والراغب الصدق: المطابقة الخارجية مع الاعتقاد فإن فقدا فمنه كذب وموصوف بهما بجهتين.
(ش) ذهب الجمهور إلى أن الخبر لا يخرج عن (132ب) كونه صدقا أو كذبا، لأنه إما أن يطابق المخبر عنه أو لا، والأول صدق، والثاني كذب، والعلم باستحالة حصول الواسطة بينهما على هذا التفسير - ضروري، وقيل: بينهما واسطة، واختف القائلون به على مذاهب: أحدها: قول الجاحظ صدق المخبر مطابقته للخارج، مع اعتقاد مطابقته وكذبه: عدم مطابقته مع اعتقاد المخبر عدم مطابقته وغيرهما ليس بصدق ولا كذب، فأثبت الواسطة في أربع صور، وهي ما إذا كان مطابقا وهو غير معتقد لشيء أو مطابقا وهو معتقد عدم المطابقة، أو غير مطابق وهو يعتقد المطابقة، أو غير مطابق ولا يعتقد شيئا، فالأربعة ليس بصدق ولا كذب وإليها أشار أولا بقوله: أو لا مطابق مع الاعتقاد ونفيه أي وما ليس معه الاعتقاد والمطابقة هو الواسطة، وقوله (مع الاعتقاد) أي (أو الظن) كذا حكاه عنه أبو الحسين في (المعتمد) قال: وقد أفسده عبد الجبار، بأن ظن المخبر واعتقاده يرجع إليه لا إلى الخبر، فلم يكن شرطا في كونه كذبا.
الثاني: صدق الخبر مطابقته لاعتقاد المخبر، سواء طابق الخارج أو لا، وكذبه
(2/932)

عدمهما ولو كان صوابا وعلى هذا فالساذج واسطة ونعني بالساذج: الخبر الذي لا اعتقاد معه، أو معه اعتقاد العدم، ولكن صاحب الإيضاح البياني صرح بأن صاحب هذا القول لا يثبت الواسطة، وعلى هذا يدخل في قوله: (عدمها) ما لا اعتقاد معه أو معه اعتقاد العدم بل يدخل فيه خبر الشأن، والكل عنده كذب، وما فهمه المصنف في حكاية هذا القول - ذكره الخطيب، احتمالا في كلام صاحب (التلخيص) وهو اشتراط الاعتقاد فقط في كل من الطرفين، ليكون خبر غير المعتقد واسطة، لكنه لم يثبت عن أحد، بل أصل هذا القول غريب، قيل: إنه لم يحكه سوى صاحب (الإيضاح) وإن كان ظاهر عبارة ابن الحاجب تقتضيه إلا أن المحققين من شراحه حملوه على خلافه.
الثالث: وهو قول أبي القاسم الراغب في كتاب (الذريعة): أن الصدق التام هو المطابقة للخارج والاعتقاد معاً، فإن انخرم شرط من ذلك لم يكن صدقا تاما بل إما أن لا يوصف بالصدق والكذب كقول المبرسم الذي لا قصد له: زيد في الدار، فلا يقال له:
(2/933)

إنه صدق ولا كذب، وأما أن يوصف تارة بالصدق وتارة بالكذب بنظرين مختلفين إذا كان مطابقا للخارج غير مطابق للاعتقاد كقول الكفار: {نشهد إنك لرسول الله} فإن هذا يصح أن يقال فيه: صدق، لكون المخبر عنه كذلك، ويصح أن يقال كذب، لمخالفة قوله ضميره فلهذا كذبهم الله تعالى، وكذلك إذا قال: من لم يعلم كون زيد في الدار، إنه في الدار، يصح أن يقال: صدق وأن يقال: كذب بنظرين مختلفين. انتهى.
إذا علمت هذا فما نقله المصنف عنه لا يطابق كلامه، لأنه لم يعرف مطلق الصدق بما ذكره، بل الصدق التام والصدق عنده قسمان. وكذا قوله: فإن فقدا فمنه كذب إنما تكلم على ما إذا فقد أحدهما ثم وصفه بالجهتين، إنما يكون في هذه الحالة لا في حالة فقدهما.
فائدة: الساذج بذال معجمة: قال في (المحكم): أي أصله ساده فمعرب.
(ص) ومدلول الخبر، الحكم بالنسبة لا ثبوتها، وفاقا للإمام وخلافا للقرافي وإلا لم يكن شيء من الخبر كذبا.
(ش) (133أ) قال الإمام في (المحصول): إذا قلت: العالم حادث فمدلول هذا الكلام حكمه بثبوت الحدوث للعالم، لا نفس ثبوت الحدوث للعالم إذ لو
(2/934)

كان مدلوله نفس ثبوت الحدوث للعالم لكان حيثما وجد قولنا: العالم محدث، كان العالم محدثا لا محالة، فوجب أن لا يكون الكذب خبرا ولما بطل ذلك علمنا أن مدلول الصيغة هو الحكم بالنسبة لا نفس النسبة.
انتهى واعترض عليه بأنه توهم أن يكون الكذب متحققا لا بصفة الخيرية=، والواقع على هذا التقدير انتفاء الكذب وتوهم جماعة أن هذا انقلب على الإمام، وغيره في (التحصيل)، فقال: وإلا لم يكن الخبر كذبا وهو أيضا عبارة فاسدة لما توهم من أن كل خبر كذب، والحق أن عبارة الإمام صحيحة وتقريرها أن مدلول النسبة لو كان ثبوتا كان الكذب غير خبر، لكن اللازم منتف ضرورة أن الكذب أحد قسمي الخبر الذي هو صدق وكذب، فالملزوم مثله، وبيان الملازمة أن ثبوت النسبة وقوعها في الخارج، فلا يكون إلا خارجا عنه كذبا، وأوضح منها عبارة المصنف، ومن محاسنه أنه أخر التعليل عن ذكر الإمام لينبه على أن هذا التعليل لم يذكره الإمام والغرض منه وقوع الخطأ لقوم في فهمه، ومنهم من نازع الإمام في الدليل، وقال: إنه غير لازم، لأن اللفظ دليل على وجوب النسبة وقد لا تكون موجودة، لأن الخبر دليل بمعنى المعرف، وقد يتأخر المعرف عن (المعرف لأمر ما، ثم ما قاله قد يعكس، فيقال: لو كان مدلول النسبة الحكم لم يكن خبره كذبا) لأن كل من قال: قام زيد، فقد حكم بقيامه فيكون خبره مطابقاً سواء كان في الخارج أو لا ولا سيما والإمام قائل بأن الألفاظ وضعت بإزاء المعاني الذهنية ثم يقول: لو كان المدلول الحكم بالنسبة لكان الخبر إنشاء ولم يكن ثم خارج يطابقه، وإما أن العرب لم تضع الخبر إلا للصدق، قال: وظن جماعة من الفقهاء أن احتمال الخبر للصدق والكذب مستفاد من الوضع اللغوي، وليس كذلك بل لا يحتمل
(2/935)

الخبر من حيث الوضع إلا الصدق، لاتفاق اللغويين والنحاة على أن معنى قولنا: قام زيد - حصول القيام منه في الزمن الماضي ولم يقل أحد منهم: إن معناه صدور القيام أو عدمه، وإنما احتمله من جهة المتكلم لا من جهة الوضع اللغوي، وعلى هذا يستقيم قول محمد بن الحسن في (الجامع): إن أخبرتني أن فلانا قدم، يحنث بالصدق والكذب، لأنه يستعمل فيهما من جهة المتكلم والمخاطب، وقلت: وكذا قال أصحابنا
لكن نضعف مذهب القرافي بأمور:
أحدها: القول بأن المركبات ليست موضوعية.
ثانيها: ما ذكره المصنف من القاعدة.
ثالثها: لا نسلم أن مدلول: قام زيد، حصول القيام، وإنما مدلوله الحكم بحصوله القيام، وذلك يحتمل الصدق والكذب.
رابعها: اتفاق الناس على أن الخبر أعم من الصدق والكذب.
(ص) ومورد الصدق والكذب النسبة التي تضمنها ليس غير كقائم، في: زيد ابن عمرو قائم، لا بنوة زيد، ومن ثم قال مالك وبعض أصحابنا الشهادة بتوكيل فلان ابن فلان فلانا - شهادة بالوكالة فقط، والمذهب، بالنسب ضمنا والوكالة أصلا.
(ش) مورد الصدق والكذب في الخبر هو النسبة التي تضمنها الخبر لا واحد من طرفيها، فإذا قيل: زيد بن عمرو قائم، فقيل: صدقت أو كذبت (133ب) فالصدق والكذب راجعان إلى القيام لا إلى بنوة زيد وقوله: ومن ثم، أي من
(2/936)

هناك وهو أن الثابت النسبة فقط، قال مالك وبعض أصحابنا إذا شهد شاهدان بأن فلان بن فلان وكل فلانا، كانت شهادة بالتوكيل، ولا يستفاد منها، أنهما شهدا بالبنوة، فليس له في محاكمة أخرى في البنوة أن يقول: هذان شهدا لي بالبنوة لقولهما في شهادة التوكيل: إني فلان ابن فلان، والمذهب الصحيح عندنا أنه شهادة بالوكالة أصلا، وهذا واضح لأنه مورد الكلام ومقصده وبالنسب ضمنا، وهذا قد يستشكل على هذا الأصل، ولا إشكال فيه، لأنا لما صدقنا الشاهدين كان قولهما متضمنا لذلك، وهذه المسألة مذكورة في (الإشراف) للهروي و (الحاوي) للماوردي، و (البحر) للروياني واعلم أن هذه القاعدة مهمة، وقد أهملها الأصوليون وذكرها البيانيون كالسكاكي ومنهم أخذ المصنف وقد أورد عليهم ما رواه البخاري مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: ((يقال للنصارى يوم القيامة ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله فيقال: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد)) وكذلك استدل الشافعي رضي الله عنه وغيره من الأئمة على صحة أنكحة الكفار بقوله تعالى: {وقالت امرأة فرعون} وينبغي أن يخرج الفرع الذي ذكره المصنف تفصيلا في المسألة، وهو يدل على نسبة المحمول للموضوع بالمطابقة وعلى غيره بالالتزام قال بعضهم: وهذا هو الحق, وينبغي أن يستثنى من ذلك ما لو كانت صفة المسند إليه مقصودة بالحكم بأن يكون المحكوم عليه في المعنى الهيئة الحاصلة من المسند إليه كقوله عليه الصلاة والسلام: ((الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم)) فإنه لا يخفى أن
(2/937)

المراد الذي جمع كرم نفسه وآبائه وهو يوسف وليس المراد الإخبار عن الكريم الذي اتفق له صفة الكرم كما في
قولك: زيد العالم قائم وكذلك الصفات الواقعة في الحدود نحو: الإنسان حيوان ناطق فإن المقصود الصفة والموصوف معا، ولو قصدت الإخبار بالموصوف فقط لفسد الحد، ولم يقف والد المصنف على نقل في المسألة، فقال في (فتاويه): إنه لا يدل على ذلك في كلام الآدميين, وإن دل فبالالتزام وهو غير نافع، بل لا بد أن يصرح به الشاهد بخلاف كلام الله تعالى، فإنه محتج به وبما يدل عليه مطابقة كان أو التزاما فافهم الفرق بين الموضعين فهذا كلامه.
فائدة: يجوز في قوله: ليس غير، أربعة أوجه: فتح الراء وضمها بلا تنوين فيهما على إضمار الاسم، وبالتنوين فيهما، وعدل عن قول غيره من المصنفين: لا غير لأن بعضهم لحنهم في ذلك، وقال: إنها تقطع عن الإضافة لفظا إذا تقدمت (كلمة ليس، خاصة ونازع في ذلك آخرون منهم ابن بري وقال: ويجوز بناؤها على الضم، مع لا، لانقطاعها) عن الإضافة كما فعل بقبل وبعد، والتقدير: لا غير ذلك، فلما منعت الإضافة رفعت.
(ص) مسألة الخبر إما مقطوع بكذبه - كالمعلوم خلافه - ضرورة أو استدلالا
(2/938)

(ش) الخبر وإن كان من حيث هو محتمل للصدق والكذب، لكنه قد يقطع بصدقه أو كذبه لأمور خارجية أو لا يقطع بواحد منهما، لفقدان ما يوجب القطع، فقد يقطع بكذبه لما علم بخلافه، إما ضرورة كالإخبار باجتماع النقيضين أو ارتفاعهما أو استدلالا كإخبار الفيلسوف بقدم العالم فإنه يعلم كذبه بالاستدلال على حدوث العالم. (134أ).
(ص) وكل خبر أوهم باطلا ولم يقبل التأويل فمكذوب أو نقص منه ما يزيل الوهم.
(ش) عدم قبوله التأويل أما لمعارضته الدليل العقلي أو غيره مما يوجب ذلك فيمتنع صدوره عنه عليه السلام قطعا، فإن الشرع يرد بمجوزات العقول لا بمستحيلاتها كقوله: إن الله خلق نفسه وغيره من الأحاديث المختلقة في التشبيه والقصد بهذا أنه إذا تعارض السمع وما أدركه العقل من أحكام العقائد وغيرها أيهما يقدم؟ والمتكلمون يقدمون مدرك العقل، لأنه السمع إنما يثبت بدليل العقل، فلو قدم السمع كان ذلك قدحا في الأصل بالفرع ثم في الفرع تبعا لأصله وأنه باطل لكن تصرف المحدثين يقتضي تقديم السمع لاحتمال غلط العقل لا سيما في الأمور الإلهية، والشرع أوثق منه في ذلك. والحق بناؤه على الخلاف السابق في مباحث الكتاب أن الأدلة النقلية تفيد اليقين أم لا؟ وقد نازع ابن دقيق العيد في عدهم هذا القسم مما يقطع بكذبه، وقال: إنما يصح إذا حددنا الكذب بما يخالف الواقع من غير أن يعتبر قصد المخبر، أما إذا اعتبرنا فيه قصده فقد يكون ذلك الخبر وإن كان غير مطابق -
(2/939)

قطعا يوهم رواية أنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتعمد الكذب فيه، فعلى هذا، الصواب أن يقال: يقطع بعدم مطابقته للواقع وتحرز بقوله: ولم يقبل التأويل، عما إذا قبله فإنه لا يقطع بكذبه، لاحتمال أن يكون المراد هو المعنى الصحيح.
وقوله: أو نقص منه ما يزيل الوهم، قد تمثل له بما ذكره ابن قتيبة في (مختلف الحديث) أنه عليه السلام ذكر مائة سنة أنه لا يبقى على ظهرها يومئذ نفس منفوسة، وهذا خلاف للمشاهدة، وإنما سقط منه ((لا يبقى على الأرض منكم)) فأسقط الراوي ((منكم)) وكذلك قول ابن مسعود في ليلة الجن: ما شهدها أحد منا، مع أنه جاء عنه شهودها، ولكن الراوي سقط منه: غيري وتابعه على هذا ابن السيد في كتاب (أسباب الخلاف) وهو عجيب، ففي صحيح مسلم: هل كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: لا.
(ص) وسبب الوضع نسيان أو افتراء أو غلط أو غيرها.
(ش) سبب وقوع الكذب عليه صلى الله عليه وسلم إما نسيان الراوي لطول عهده بالخبر المسموع فربما حمله النسيان على ما يخل بالمعنى، أو برفع ما هو موقوف أو غير ذلك من أسباب النسيان، وما افتراء كوضع الزنادقة أحاديث تخالف المعقول، ونسبوها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم تنفيرا للعقلاء عن الشريعة، وإما غلط، بأن أراد النطق بلفظ فسبق لسانه إلى ما سواه، أو وضع لفظ مكان آخر، ظانا أنه يؤدي معناه أو غيرها، يعني كما ذهب إليه بعض الكرامية من جواز وضع الحديث في باب الترغيب والترهيب، حكاه أبو بكر بن
(2/940)

السمعاني في (أماليه) وهو راجع إلى الافتراء.
(ص) ومن المقطوع بكذبه على الصحيح خبر مدعي الرسالة بغير معجزة تصديق الصادق، وما نقب عنه ولم يوجد عند ذويه، وبعض المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمنقول آحادا فيما تتوفر الدواعي على نقله خلافا للرافضة.
(ش) والمقطوع بكذبه غير ما سبق صور:
أحدها: ذكره إمام الحرمين: أن يتنبأ متنبئ من غير معجزة فيقطع بكذبه قال: وهذا مفصل عندي، وأقول: إن تنبأ وزعم أن الخلق كلفوا متابعته وتصديقه من غير آية فهذا كذب، فإن مساقه يفضي إلى (134ب) تكليف ما لا يطاق, وهو العلم بصدقه من غير سبيل يؤدي إلى العلم, وأما إذا قال: ما كلف الخلق اتباعي ولكن أوحي إلي فلا نقطع بكذبه، قلت: وهذا فيما قبل ظهور خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم فأما الآن فنقطع بكذبه لقيام القاطع أن لا نبي بعده.
(2/941)

ثانيها: ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم بعد استقرار الأخبار، ثم فتش عنه فلم يوجد في بطون الكتب، ولا في صدور الرواة، ذكره الإمام الرازي وسبقه إليه صاحب (المعتمد) قال: كما لو قال الراوي: هذا الخبر في الكتاب الفلاني فلم نشاهده فيه وهذا قد ينازع في إفضائه إلى القطع، وإنما غايته غلبة الظن ولهذا قال القرافي: يشترط استيعاب الاستقراء بحيث لا يبقى ديوان ولا راو إلا وكشف أمره في جميع أقطار الأرض، وهو عسير أو متعذر، وقد ذكر أبو حازم، في مجلس هارون الرشيد حديثا، وحضره الزهري، فقال: لا أعرف هذا الحديث فقال:
(2/942)

أحفظت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كله؟ قال: لا، قال: فنصفه؟ قال: أرجو، قال: اجعل هذا في النصف الذي لم تعرفه، هذا وهو الزهري شيخ مالك فما ظنك بغيره نعم إن فرض دليل عقلي أو شرعي يمنع منه عاد إلى ما سبق.
ثالثها: بعض الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم بطريق الآحاد مقطوع بكذبه لقوله صلى الله عليه وسلم: ((سيكذب علي)) وهذا الحديث لا يعرف.
رابعها: المنقول آحادا فيما تتوفر الدواعي على نقله إما لكونه أمرا غريبا كسقوط الخطيب عن المنبر وقت الخطبة، أو لتعلق أصل من أصول الدين به كالنص الذي زعم الروافض أنه دل على إمامة علي رضوان الله عليه فعدم تواتره دليل على عدم صحته.
(2/943)

(ص) وإما بصدقه كخبر الصادق وبعض المنسوب إلى محمد صلى الله عليه وسلم والمتواتر معنى أو لفظا.
(ش) الخبر المقطوع بصدقه أنواع: منها خبر الصادق، أي الذي لا يجوز عليه الكذب أصلا، إما لعلمه وغناه، وهو خبر الله تعالى لتنزهه عن جميع النقائض أو لأنه عصم من الكذب، إما لدلالة المعجزة، وهو خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يخبر به مشافهة أو ينقل عنه متواترا، ومنهم من استدل عليه بالإجماع على صدقه. قال ابن دقيق العيد: وهو غير جيد، بل الدليل الصحيح أن المعجزة دلت عليه، فإنها دلت على الصدق في التبليغ، إذ لا معنى للرسالة سوى ذلك، كل ما أخبر به فهو داخل تحت مدلول المعجزة. انتهى.
وإما لشهادة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم له بذلك، وخبر جميع الأمة ومنها بعض المنسوب إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم وإن كنا لا نعرف ذلك إلا بجملة معينة، وأنه قد سبق أنهم قد كذبوا عليه ومنها ما أخبر عنه عدد التواتر قال الغزالي: وليس في الأخبار ما يعلم صدقه بمجرد الإخبار إلا المتواتر، وما عداه فإنما يعلم صدقه بدليل يدل عليه سوى نفس الخبر وحكى صاحب (المعتمد) عن النظام أنه يشترط القرينة
(2/944)

في اقتضائه العلم في الآحاد، وهو غريب، وسواء التواتر المعنوي واللفظي والفرق بينهما أن أخبار الجمع الذي يستحيل تواطؤهم على الكذب إن اتفقوا في اللفظ والمعنى فذاك، وإن اختلفوا فيهما مع وجود معنى كلي فيما أخبروا به، وقع عليه الاتفاق كما إذا أخبر واحد عن حاتم أنه أعطى بعيرا وآخر (135أ) أنه أعطى فرسا وآخر أنه أعطى دينارا وهلم جرا فإن المخبرين وإن اختلفوا في الأداء فقد اتفقوا على معنى كلي، وهو الإعطاء وهو دون التواتر اللفظي، لأجل الاختلاف في طريق النقل، قال الشيخ أبو إسحاق: ولا يكاد يقع الاحتجاج به إلا في شيء من الأصول ومسائل قليلة من الفروع كغسل الرجلين مع الروافض والمسح على الخفين مع الخوارج.
تنبيه: كان ينبغي أن يزيد الخبر المعلوم صدقه بضرورة العقل أو بنظره على قياس ما ذكر أولا في نقيضه مما يقطع بكذبه.
(ص) وهو خبر جمع يمتنع تواطؤهم على الكذب عن محسوس.
(ش) الضمير راجع إلى اللفظي، لا المتواتر من حيث هو فيخرج بالجمع خبر
(2/945)

الواحد، ويمتنع تواطؤهم عن جماعة لا يمتنع فيهم ذلك، وزاد بعضهم: (بنفسه) ليخرج ما امتنع فيهم ذلك بالقرائن، أو موافقة دليل عقلي أو غير ذلك، وإنما لم يذكره المصنف لأن المفيد للقطع هو مع القرائن، وقوله: (عن محسوس) هو في قوة شرطين:
أحدهما: أن يكون عن علم لا عن ظن.
وثانيهما: أن يكون علمهم ضروريا مستندا إلى محسوس، ونعني بالمحسوس ما يدرك بإحدى الحواس الخمس، وإنما شرط علمهم ذلك عن الحس بخصوصه ذكره الرازي والآمدي وأتباعهما والذي صرح به الأقدمون كالقاضي اشتراط كونه عن ضرورة إما بعلم، الحس من سماع أو مشاهدة وإما بأخبار متواترة، فلو أخبروا عن نظر لم يفد العلم لتفاوت العقلاء في النظر، ولهذا يتصور الخلاف منه نفيا وإثباتا وقال إمام الحرمين: لا وجه لاشتراط الحس، بل يكفي فيه العلم الضروري فإن المطلوب صدور الخبر عن العلم الضروري، ثم قد يترتب على الحواس ودركها، وقد يحصل عن قرائن الأحوال كصفرة الوجل وحمرة الخجل، فإنه ضروري عند المشاهدة، ولا أثر للحس فيها على الاختصاص.
(2/946)

(ص) وحصول العلم آية اجتماع شرائطه ولا تكفي الأربعة وفاقا للقاضي والشافعية وما زاد عليها صالح من غير ضبط، وتوقف القاضي في الخمسة وقال الإصطخري: أقله عشرة، وقيل: اثنا عشر، وعشرون، وأربعون، وسبعون، وثلاثمائة، وبضعة عشر.
(ش) اختلف هل يشترط فيه عدد معين، والجمهور على أنه ليس فيه حصر، وإنما الضابط حصول العلم، فمتى أخبر هذا الجمع، وأفاد خبرهم العلم - علمنا أنه متواتر وإلا فلا. قال القاضي: أقطع بأن قول الأربعة لا يفيد، وتوقف في الخمسة وقال ابن السمعاني: ذهب أكثر أصحاب الشافعي رضي الله عنه إلى أنه لا يجوز التواتر بأقل من خمسة، وما زاد. فعلى هذا لا يجوز أن يتواتر بأربعة، لأنه عدد معين في الشهادة الموجبة لغلبة الظن دون العلم والمشترطون للعدد اختلفوا واضطربوا فقيل: يشترك عشرة ونسب للإصطخري والذي في (القواطع) عنه: لا يجوز أن
(2/947)

يتواتر بأقل من عشرة، وإن جاز أن يتواتر بالعشرة فما زاد، لأنها ما دونها جمع الآحاد فاختص بأخبار الآحاد، والعشرة فما زاد جمع الكثرة، وقيل: اثنا عشر، لأنهم عدد النقباء وقيل عشرون لقوله تعالى: {إن يكن منكم عشرون صابرون} وقيل: أربعون عدد الجمعة، وقيل: سبعون، لقوله تعالى: {واختار موسى قومه سبعين رجلا} وقيل: ثلاثمائة وبعضة عشر، عدد أهل بدر وإنما خصهم بذلك لحصول العلم بخبرهم للمشركين، والبضع بكسر الباء ما بين الثلاثة إلى التسعة قال ابن قتيبة في كتابه (مختلف الحديث): والذي يؤكد ضعف هذه الأقاويل أنه يلزم منها (135ب) إثبات قول بثمانية، كقوله تعالى: {وثامنهم كلبهم} وإثبات قول تسعة عشر لقوله تعالى: {عليها تسعة عشر} ولم يصيروا إليه فدل على فساد حجتهم.
(ص) والأصح لا يتشرط فيه إسلام ولا عدم احتواء بلد.
(ش) لا يشترط في ناقل التواتر الإسلام.
(2/948)

خلافا لابن عبدان من أصحابنا، قال ابن القطان: وإنما غلط لتسويته بين ما طريقه الاجتهاد وما طريقه الخبر، ولا يشترط في المخبرين أن لا يحصرهم عدد ولا يحويهم بلد خلافا لقوم، لأن أهل الجامع لو أخبروا عن سقوط المؤذن عن المنارة فيما بين الخلق لأفاد خبرهم العلم.
(ص) وأن العلم فيه ضروري وقال الكعبي والإمامان: نظري، وفسره إمام الحرمين بتوقفه على مقدمات حاصلة لا احتياج إلى النظر عقيبه، وتوقف الآمدي.
(ش) فيه إشارة إلى مسألتين: إحداهما: أن خبر التواتر يفيد العلم، ولم ينقل فيه خلاف إلا عن السمنية.
(2/949)

وهو مكابرة على الضرورة: وهذه من مسائل (المنهاج).
الثانية: ذهب الجمهور إلى أن العلم في التواتر ضروري لا على معنى إنه يعلم بغير دليل بل معنى إنه يلزم التصديق فيه ضرورة إذا وجدت شروطه، كما يلزم التصديق بالنتيجة الحاصلة عن المقدمات ضرورة، وإن لم تكن في نفسها ضرورية واستدلوا بأنه لو لم يفد العلم الضروري لوجدنا أنفسنا شاكين في وجود الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وفي وجود بغداد، وذلك باطل، لأن كل ما لا يعرض فيه الشك فليس بنظري، فالعلم الحاصل عن التواتر ليس بنظري وذهب الكعبي إلى أنه
(2/950)

كسبي مفتقر إلى تقدم استدلال ونقله المصنف عن الإمامين - يعني إمام الحرمين والرازي - فأما إمام الحرمين فهو قد صرح في (البرهان) بموافقته الكعبي، لكنه نزله على أن العلم الحاصل عقيبه من باب العلم المستند إلى القرائن والمقدمات الحاصلة قال: وهذا هو مراد الكعبي، ولم يرد نظرا عقليا وفكرا سبريا على مقدمات ونتائج وقريب منه تقسيم الغزالي في (المستصفى) العلم النظري إلى ما يدرك بنظر قريب وإلى ما يدرك بنظر بعيد، وجعل التواتر من الأول، وقال: إنه يحصل العلم به عن مقدمتين:
إحداهما: هي أن هؤلاء مع اختلاف أحوالهم وتباين أغراضهم لا يجمعهم على الكذب جامع.
والثانية: أنهم قد اتفقوا على الإخبار عن الواقعة، فينبني العلم بالصدق على مجموع المقدمتين، وأما الإمام الرازي فالذي في (المحصول) موافقة الجمهور
(2/951)

وتوقف الشريف المرتضي والآمدي.
(ص) ثم إن أخبروا عن عيان فذاك وإلا فيشترط ذلك في كل الطبقات والصحيح ثالثها، إن علمه لكثرة العدد متفق وللقرائن قد يختلف فيحصل لزيد دون عمرو.
(ش) عدد التواتر إن أخبروا عن معاينة فذاك، وإن لم يخبروا عن معاينة اشترط وجود هذا العدد، أعني الجمع الذي يستحيل تواطؤهم على الكذب في كل الطبقات وهو معنى قول الأصوليين: لا بد فيه من استواء الطرفين والواسطة، ولهذا يعلم أن التواتر قد ينقلب آحادا عند الاندراس وأشار بقوله: والصحيح إلى أنه هل يجب اطراد حصول العلم بالنسبة إلى سائر الأشخاص بإخبار عدد التواتر الذي حصل العلم بخبرهم عن واقعة بالنسبة إلى شخص أم لا؟ اختلفوا فيه فذهب القاضي أبو بكر وغيره إلى وجوب الاطراد، وآخرون إلى عدمه، وتوسط الهندي (136أ) فقال: الحق إن
(2/952)

حصول العلم في الصورة التي حصل العلم فيها بمجرد الخبر من غير احتفاف قرينة لا من جهة المخبرين ولا من جهة السامعين، فالاطراد واجب وإن لم يكن بمجرده بل لانضمام أمر آخر إليه فلا يجب الاطراد.
(ص) وإن الإجماع على وفق خبر لا يدل على صدقه، وثالثها: يدل إن تلقوه بالقبول.
(ش) إذا اجتمعت الأمة على وفق خبر، فهل يدل على القطع بصدقه؟ فيه مذاهب:
أصحها: المنع، لأنه يحتمل أن يكون عملهم لدليل آخر غايته إنه لم ينقل إلينا وذلك لا يدل على عدمه.
والثاني: عليه وبه قال الكرخي وبعض المعتزلة.
والثالث: إن اتفقوا على العمل به لم يقطع بصدقه، حملا للآمر على اعتقادهم وجوب العمل بخبر الواحد، وإن تلقوه بالقبول قولا وفعلا، حكم بصدقه، ونقله إمام الحرمين عن ابن فورك.
(2/953)

واعلم أنهما مسألتان: إحداهما: الإجماع على وفقه من غير أن يبين أنه مستندهم وفيها قولان في أنه هل يدل على صدقه قطعا أم لا؟ والثانية: أن يجمعوا على قبوله والعمل به، ولا خلاف أنه يدل على صدقه، وإنما الخلاف في أنه هل يدل قطعا أو ظنا؟ فالجمهور من أصحابنا على القطع، وذهب القاضي أبو بكر وإمام الحرمين إلى الظن، وجمع المصنف في المسألتين ثلاثة أقوال، ولكنه يقتضي أن الصحيح أنه لا يدل على صدقه وإن تلقوه بالقبول، وهذا لا يقوله أحد.
(ص) وكذلك بقاء خبر تتوفر الدواعي على إبطاله خلافا للزيدية.
(ش) قالت الزيدية: بقاء النقل مع توفر الدواعي على إبطاله يدل على صحته قطعا، كخبر الغدير والمنزلة فإنه سلم نقلهما في زمان بني أمية مع توافر
(2/954)

دواعيهم على إبطالها، وهو ضعيف لأن المروي بالآحاد قد يستقر بحيث يعجز العدو عن إخفائه، هذا إن تمسك بشهرة النقل وإن تمسك بتسليم الخصم فهو أيضا لا يدل على الصحة، لاحتمال أنه سلمه على وجه غلبة الظن بصدقه.
(ص) وافتراق العلماء بين مؤول ومحتج خلافا لقوم.
(ش) إذا قبل الحديث شطر الأمة وعملوا به واشتغل الشطر الأخير بتأويله هل يدل ذلك على صحته على وجه القطع؟ اختلفوا فيه: فذهب الأكثرون أنه لا يدل وهو الحق لأنه من قبله وعمل به لعله قبله لكونه مظنون الصدق، ولو فرض أنه كان في مسألة عملية ولعل من أوله ولم يحتج به، يطعن فيه أنه من باب الآحاد، إذ لا يجوز أن يكون مقطوعا به، وتأوله ولا معارض له، وذهبت طائفة منهم ابن السمعاني - إلى أنه يدل عليه، لأن الكل تلقوه بالقبول وهو يفيد القطع بصحته، غايته أن بعضهم أوله وذلك لا يقدح في متنه.
تنبيه: ما صور به المصنف المسألة أن بعضهم احتج به وبعضهم أوله وهو المذكور في (المحصول) وأتباعه لكن الآمدي في (الإحكام) صورها بما إذا عملت طائفة بمقتضى الخبر والباقون أولوه، لا يدل على صدقه لاحتمال علمهم بغيره ولئن سلمناه
(2/955)

لكن العمل بالظن جائز أيضا وهذا مخالف لتصوير (المحصول).
(ص) وأن المخبر بحضرة قوم لم يكذبوه ولا حامل، على سكوتهم - صادق.
(ش) إذا أخبر واحد بحضرة جمع كثير بحيث لا يخفى على مثلهم عادة وسكتوا عن تكذيبه، ولا حامل لهم على سكوتهم من خوف أو طمع.
فذهب الجمهور إلى أنه يدل على صدقه قطعا قال الأستاذ: وبهذا النوع أثبتت المعجزات.
وقال آخرون: ليس بقطعي، لاحتمال مانع من التكذيب، واختاره الرازي والآمدي. (ص) وكذا المخبر (136ب) بمسمع من النبي صلى الله عليه وسلم ولا حامل على التقرير والكذب خلافا للمتأخرين، قيل: إن كان عن دنيوي.
(2/956)

(ش) إذا اخبر واحد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وسكت النبي صلى الله عليه وسلم عن تكذيبه، فهل يدل على صدقه؟ فقال جماعة: نعم، لأنه لو كان كذبا لأنكره، وأنكره بعضهم مطلقا، وعزاه المصنف إلى المتأخرين، يعني: الآمدي وابن الحاجب وقال الهندي تبعا للمحصول إن كان خبرا عن أمر ديني دل على صدقه، لكن بشروط:
أحدها: أن لا يكون قد تقدم بيان ذلك الحكم فلو تقدم لم يكن السكوت دليل الصدق لاحتمال الاستغناء عن الإنكار بالسابق.
ثانيها: أن يجوز تغيير ذلك الحكم عما بينه، فلو لم يكن مما يغير اندفع احتمال النسخ فلم يكن السكوت موهما للصدق.
ثالثها: أن يكون ذلك المخبر ممن لم يعرف عناده النبي صلى الله عليه وسلم وكفره به، فإن عرف لم ينفع فيه الإنكار، فلم يجب عليه إنكاره بالنسبة إليه، وأما بالنسبة إلى غيره فلا يجب أيضا، لاحتمال أن يكون ذلك الوقت لم يكن وقت الحاجة إليه، وإن كان خبرا عن أمر دنيوي، فهو أيضا يدل على صدقه، بشروط:
أحدها: أن يستشهد بالنبي صلى الله عليه وسلم وإلا لم يدل، فإنه لا يجب عليه بيان الأمور الدنيوية وفيه نظر، لأنه وإن لم يجب عليه ذلك، لكن يجب عليه المنع من تعاطي الكذب.
ثانيها: أن يعلم أنه صلى الله عليه وسلم عالم بالقضية، وإلا لم يكن دليلا على صدقه، لاحتمال أن سكوته لأنه لم يعلم حقيقة الحال فيه.
(2/957)

ثالثها: أن يكون المخبر ممن لا يعلم أنه لا ينفع فيه الإنكار، فإن علم أنه لا ينفع سقط الأمر عن الإنكار عليه، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: أولا، ولا حامل على التقرير والكذب، فلهذا استغنى عن تقييد المذهب المفصل.
(ص) وأما مظنون الصدق فخبر الواحد، وهو ما لم ينته إلى التواتر، ومنه المستفيض وهو الشائع عن أصل، وقد يسمى مشهورا وأقله اثنان وقيل: ثلاثة
(ش) الثالث: الخبر الذي لا يقطع بصدقه ولا بكذبه وهو خبر الواحد وليس المراد ما يرويه الواحد فقط, بل المراد منه الخبر الذي لم ينته إلى حد التواتر سواء انتهى إلى حد الاستفاضة والشهرة أم لا, فعلى هذا ينقسم خبر الواحد إلى مستفيض ومشهور مفيد الظن المولد إلى ما ليس كذلك وذهب ابن فورك إلى أن المستفيض يفيد القطع,
(2/958)

فجعله من أقسام التواتر ثم المختار في تعريفه: إنه الشائع عن أصل, فخرج الشائع لا عن أصل يرجع إليه، فإنه مقطوع بكذبه، وقد يسمى المستفيض مشهورا وأقله اثنان، وقيل: ثلاثة، وبه جزم الآمدي وابن الحاجب ثم ذكر الرافعي في الشهادات عن الشيخ أبي حامد وأبي إسحاق المروزي وأبي حاتم القزويني: إن أقل ما ثبت به الاستفاضة سماعه من اثنين وإليه ميل إمام الحرمين. قال: واختار ابن الصباغ وغيره سماعه من عدد يمتنع تواطؤهم على الكذب، قال: وهو أشبه بكلام الشافعي وهو يؤيد مقالة ابن فورك في أنه قسم من المتواتر.
تنبيه: جعل المصنف أقسام الخبر ثلاثة، تابع فيه الأصوليين وقد نازع فيه العبدري
(2/959)

في شرحه (للمستصفى) وقال: هذا الثالث، إنما هو قسم ثالث بالنسبة إلينا، وأما هو في نفسه: فلا بد أن يكون إما من القسم الأول وإما من الثاني.
(ص) مسألة: خبر الواحد لا يفيد العلم إلا بقرينة، وقال الأكثر: لا مطلقا وأحمد: يفيد العلم مطلقا، والأستاذ وابن فورك: يفيد (137أ) المستفيض علما نظريا.
(ش) خبر الواحد العدل المتجرد عن القرائن لا يفيد العلم مطلقا عند الجمهور: وقيل: يفيده مطلقا، ونقله الباجي عن أحمد وابن خويز منداد وحمله بعض المحققين على الخبر المشهور، وهو الذي صحت له أسانيد متعدد سالمة عن الضعف والتعليل فإنه يفيد العلم النظري، لكن لا بالنسبة إلى كل أحد، بل إلى الحافظ المتبحر، قال: ولعل هذا مراد أحمد لا مطلق الخبر، وقال أبو الحسين حكى= عن قوم أنه يقتضي العلم الظاهر، وعنوا بذلك الظن
والثالث: أنه يفيده إن احتفت به قرائن وإلا فلا، وهو المختار عند المصنف وفاقا للإمام والآمدي وابن الحاجب والبيضاوي وغيرهم فإن خبر الموت مع قرينة البكاء
(2/960)

وإحضار الكفن يفيد القطع بالموت، واعترض بأنه قد يقال: أغمي عليه، والجواب: أن عدم إفادة هذه القرينة العلم، لا يوجب عدم إفادة باقي القرائن إذ منها ما لا يعبر عنه كما يظهر بوجه الخجل والوجل، وفصل الأستاذ أبو إسحاق وابن فورك فقالا: غير المستفيض لا يفيد العلم، وأما المستفيض فيفيد العلم النظري بخلاف المتواتر فإنه يفيد ضرورة.
(ص) مسألة: يجب العمل به في الفتوى والشهادة إجماعا وكذا سائر الأمور الدينية الظنية قيل: سمعا، وقيل: عقلا، وقالت الظاهرية: لا يجب مطلقا.
(ش) لا خلاف في وجوب العمل بخبر الواحد في الفتوى والشهادة والأمور الدنيوية وإنما الخلاف في الأمور الدينية، كذا قاله في (المنهاج) فتابعه المصنف،
(2/961)

وإنما تعرض في (المحصول) للجواز، لا للوجوب، ثم مرادهم بقبول الواحد في الفتوى، والاثنين في الشهادة، ولهذا قال ابن السمعاني في (القواطع): إضافة الفتوى إلى المفتي يقبل فيها خبر الواحد، وأما إن أخبر بحكم الحاكم فإنه لا يقبل إلا بما يقبل به سائر الشهادات، انتهى.
وأما الأمور الدينية، فالجمهور قالوا: يجب العمل به ثم اختلفوا فالأكثرون: إنه يجب سمعا وأما الخبر المتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يرسل كتبه بأحكام الله تعالى على يد الآحاد من غير تكليف جمع، وهذا مقطوع به ضرورة، وأما إجماع الصحابة على العمل به، فإن معظم فتاويهم مستندة إليه، وقال القفال: يجب
(2/962)

عقلا على معنى أنه لو لم يرد الدليل السمعي بوجوب العمل به لدل على ذلك العقل، وإلا لتعطلت الأحكام وعن أبي الحسين: دل عليه العقل مع السمع وكان ينبغي للمصنف، أن يقول: وقيل: عقلا، فإن الكل اتفقوا على أن الدليل السمعي يدل عليه، كما قاله الإمام في (المحصول) قال: وإنما اختلفوا في الدليل العقلي، هل دل عليه مع ذلك أم لا؟ فالأكثرون على نفيه، وقال ابن سريج والقفال والصيرفي وغيرهم: بل الدليل العقلي دل عليه، وهو الاحتياج إلى معرفة بعض الأشياء من الخبر، وتنبه أن القائلين بوجوب العمل لا يريدون أنه يوجب العمل لذاته وإنما يوجب العمل بما يجب به العلم بالعمل، وهي الأدلة القطعية على وجوب العمل عند رواية الآحاد، وهكذا حكاه الإمام في أول (البرهان) عن المحققين، قال: وهكذا القول في العمل بالقياس ومن الناس من أنكر التعبد به، وعزاه المصنف للظاهرية وإنما يعرف عن بعضهم كالقاشاني وابن داود، كما نقله
(2/963)

ابن الحاجب بل قد قال ابن حزم في كتاب (الإحكام) مذهب داود أنه يوجب العلم والعمل جميعا ثم المنكرون انقسموا بينهم إلى مذاهب:
الأول: إنه لم يوجد ما يدل على أنه حجة، فوجب القطع بأنه غير حجة.
والثاني: أن الدليل (137ب) السمعي قام على أنه غير حجة، وهو رأي القاشاني وابن داود.
والثالث: أن الدليل العقلي قام على امتناع العمل به، وعليه جماعة من المتكلمين كالجبائي.
(ص) والكرخي في الحدود، وقوم في ابتداء النصب، وقوم فيما عمل الأكثر بخلافه، والمالكية فيما عمل أهل المدينة، والحنفية فيما تعم به البلوى، أو خالفه راويه، أو عارض القياس، وثالثها في معارض القياس، إن عرفت العلة بنص راجح على الخبر، ووجدت قطعا في الفرع لم يقبل، أو ظنا فالوقف وإلا قبل.
(ش) ذهب قوم إلى أنه لا يعمل بخبر الواحد في صور، منها: قال الكرخي: لا يقبل في الحدود لأن الآحاد شبهة، والحدود تدرأ بها وعبارة أبي الحسين في
(2/964)

كتابه: (هذا القول أن يكون مما ينتفي بالشبهة) وهي أعم من تعبير المصنف وأيضا فإنه يقبله في إسقاط الحدود، ولا يقبله في إثباتها، كما قاله أبو الحسين ومنها: ما لا يقبل في ابتداء النصب، نقله ابن السمعاني عن بعض الحنفية، وفرقوا بين ابتداء النصاب وثواني النصاب، فقبلوا خبر الواحد في النصاب الزائد على خمسة أوسق، لأنه فرع ولم يقبلوا في ابتداء نصاب الفصلان والعجاجيل، لأنه أصل. ومنها: لا يقبل فيما عمل الأكثر بخلافه، والأصح أنه لا أثر له، فإن تحول البعض ليس بحجة، نعم هو من المرجحات عند التعارض، ومنها: قالت المالكية: لا يقبل إذا خالف عمل أهل المدينة، لهذا نفوا خيار المجلس، قال القرطبي: إذا فسر عملهم بالمنقول تواترا كالأذان والإقامة والمد والصاع، فينبغي أن لا يقع فيه خلاف لانعقاد الإجماع على أنه لا يعمل بالمظنون إذا عارضه قاطع ومنها: قالت الحنفية: لا يقبل فيما تعم به البلوى ولهذا أنكروا نقض الوضوء بمس الذكر.
(2/965)

والجهر بالبسملة وغيره. ومنها: ما خالفه راويه، ولهذا لم يوجبوا السبع في الولوغ، لمخالفة أبي هريرة لروايته، وقسمه صاحب (البديع) من الحنفية إلى ثلاثة أقسام: لأنه إما أن يخالف ما رواه قبل الرواية فلا يرد أو بعدها فترد، وإن جهل التاريخ لم ترد لجواز التقدم فليخصص إطلاق المصنف وغيره، ومنها: ما عارضه القياس، ولهذا ردوا خبر المصراة، وظاهر سياق المصنف أن ذلك قول الحنفية، وقد نقل في
(2/966)

(المنهاج) عنهم إنهم اشترطوا فقه الراوي، إذا خالف الحديث القياس، وهو تصريح بأنهم لا يردونه مطلقا، وسيذكره المصنف فيما بعد، وفي (اللمع) للشيخ أبي إسحاق، قال أصحاب مالك رحمه الله: إذا خالف القياس لم يقبل، وقال أصحاب أبي حنيفة رحمه الله: إذا خالف القياس الأصول لم يقبل، وذكروه في أحاديث الوقف والقرعة والمصراة، فإن أرادوا بالأصول القياس على ما ثبت بالأصول، فهو قول المالكية وإن أرادوا نفس الأصول التي هي الكتاب والسنة والإجماع، فليس معهم فيما ردوه كتاب ولا سنة، انتهى.
والثاني: وهو الصحيح تقديم الخبر مطلقا وحكاه في (البديع) عن الأكثرين وقال الباجي: إنه الاصح عندي من قول مالك، فإنه سئل عن حديث المصراة، فقال: أولا. في هذا الحديث رأى=، وقال: وهذا عندي على تقدير وجوده، وإلا فما أعلم حديثا يعارضه نظر صحيح، لأن النظر الصحيح ملغى في حديث صحيح، وإنما يعارض ظواهر الأحاديث والتأويل يجمع بينهما على الوجه الصحيح. والثالث: وهو المختار عند الآمدي، وابن الحاجب، إن كانت العلة ثبتت بنص راجح على الخبر في الدلالة فإن كان وجود العلة في الفرع قطعيا، فالقياس مقدم، وإن كان وجودها فيه ظنيا (138أ) فالتوقف وإن ثبت لا بنص راجح فالخبر مقدم وحكى الباجي عن القاضي أبي بكر رابعا: أنهما متساويان.
(ص) والجبائي: لا بد من اثنين أو اعتضاد، وعبد الجبار: لا بد من أربعة في الزنا.
_ (ش) ذهب الجبائي إلى: أنه يشترط في الخبر اثنان. فإن لم يوجد فلا بد أن
(2/967)

يعتضد إما بظاهر، أو عمل بعض الصحابة أو اجتهاد أو كونه منتشرا وهذا الذي نقله المصنف هو الصواب وهو الذي حكاه أبو الحسين في (المعتمد) وبه يعلم غلط من نقل عنه اعتبار العدد مطلقا، كالإمام في (البرهان)، وقد احتج له بأنه صلى الله عليه وسلم لم يقبل خبر ذي اليدين، حتى سأل أبا بكر وعمر رضي الله عنهما فصدقاه ولم يقبل أبو بكر خبر المغيرة.
(2/968)

حتى روى معه محمد بن مسلمة ولم يقبل عمر خبر أبي موسى في
(2/969)

الاستئذان حتى روى معه أبو سعيد ونظائر ذلك وأجيب بأن توقفهم لمعان أوجبت التوقف، وإلا فقد قبلوا خبر الواحد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينفذ الآحاد إلى الملوك والسعاة للزكوات، وما نقله عن عبد الجبار تابع فيه (المحصول)، ولم يقله عبد الجبار
(2/970)

وإنما حكاه عبد الجبار عن الجبائي، كذا قاله أبو الحسين في (المعتمد) وأنه قاسه على الشهادة عليه، ومقتضى كلام (المستصفى) في حكاية هذا القول: التعميم في كل خبر، لا في الزنا بخصوصه، فإنه قال: يشترط الجبائي في قبول الخبر العدد، وقال قوم: لا بد من أربعة أخذا من شهادة الزنا.
(ص) مسألة: المختار وفاقا للسمعاني، وخلافا للمتأخرين: أن تكذيب الأصل الفرع لا يسقط المروي، ومن ثم لو اجتمعا في شهادة لم ترد.
(ش) وجهه ابن السمعاني بأنه قال: ذلك على ما ظنه، وقوله: ما رويته أصلا يعارضه قول الراوي: إني سمعته منه، وكل واحد منهما ثقة، ويجوز أن يكون المروي عنه، رواه ثم نسيه، فلا تسقط رواية الراوي بعد أن يكون ثقة مع هذا التجوز وأيد المصنف ذلك بأن الأصل والفرع لو اجتمعا في شهادة، لم ترد بالاتفاق فدل ذلك على أنه غير قادح، لكن ينازع في ذلك قول الهندي: إنه لا يصير بذلك واحد منهما بعينه مجروحا وإن ولا بد من جرح واحد منهما لا بعينه،
(2/971)

كالبينتين المتكاذبتين، قال: وفائدته تظهر في رواية كل واحد منهما، وشهادته إن انفرد وعدم قبول روايته وشهادته مهما اجتمعتا ولو كان في غير ذلك الحديث. وفي المسألة قول ثالث صار إليه إمام الحرمين: إنهما متعارضان ويرجح أحدهما بطريق من طرق الترجيح، واعلم أن حكاية الإسقاط عن المتأخرين قصور، بل الذي عليه الأصحاب كما قاله ابن السمعاني، وذكر إمام الحرمين أن القاضي عزاه للشافعي رضي الله عنه، بل حكى الهندي الإجماع عليه، ولم يحفظ المصنف الخلاف فيه عن غير السمعاني وقد جزم به الماوردي والروياني في الأقضية، وقالا: لا يقدح ذلك في صحة الحديث، إلا أنه لا يجوز للفرع أن يرويه عن الأصل وهذا كله إذا كان الفرع جازما فإن لم يكن وقال: أظن أني سمعت منك والأصل جاحد، تعين الرد، قطع به في (المحصول) وغيره.
(ص) وإن شك أو ظن والفرع العدل جازم فأولى بالقبول وعليه الأكثر.
(ش) ما سبق فيما إذا جزم الأصل بالتكذيب، فإن شك أو ظن والفرع العدل جازم فوجهان:
أحدهما: وحكاه ابن كج عن بعض الأصحاب: لا يقبل، لأن راوي الأصل كشاهد الأصل، ثم شاهد الأصل إذا أنكر شهادة شاهد الفرع لم تقبل شهادته كذلك هنا، وأصحهما: القبول، لجواز أنه رواه ثم نسيه، وقد (138ب) وقع ذلك لكثير من الأئمة وصنف فيه الدارقطني والخطيب ويفارق الشهادة فإنها لها مزيد
(2/972)

احتياط ويجتمع من الصورتين ثلاثة أوجه، ثالثها: يقبل فيما إذا تردد دون ما إذا جحد، قال القاضي: وهو مذهب الدهماء من العلماء والفقهاء من أصحاب مالك، والشافعي، وأبي حنفية وحكي غيره عن أكثر الحنفية الرد، ولهذا ردوا خبر الولي في النكاح، لأن راويه الزهري قال: لا أذكره، وقوله: والفرع جازم أي: بالرواية عنه، وهو يخرج صورتين:
إحداهما: أن يكون ظانا بأن يقول الخبر: إني سمعته منك، وهو الأغلب على ظني، قال الهندي: فإن كان الأصل شاكا بأن قال: أشك، أو لا أذكر فالأشبه أنه من جملة صور الخلاف وإن كان هو أيضا ظانا بأن قال: أظن أني ما حدثتك، فالأشبه أنه من صور الوفاق على عدم القبول، والضابط أنه مهما كان قول الأصل معادلا لقول الفرع، فإنه من جملة صور الاتفاق، ومهما كان قول الفرع راجحا على قول الأصل فإنه من جملة صور الخلاف.
الثانية: أن يكون شاكا، فلا تقبل روايته قطعا، وإن كان الشيخ مصدقا له،
(2/973)

لفقد شرط الرواية، فإن من شرطها جزم الراوي أو ظنه.
(ص) وزيادة العدل مقبولة إن لم يعلم اتحاد المجلس، وإلا فثالثها: الوقف، ورابعها: إن كان غيره لا يغفل مثلهم عن مثلها عادة لم يقبل، والمختار وفاقا للسمعاني: المنع، إن كان غيره لا يغفل، أو كانت تتوفر الدواعي على نقلها.
(ش) دخل في قوله: إن لم يعلم اتحاد المجلس، صورتان: إحداهما: أن يعلم تعدده وزعم الأبياري وابن الحاجب والهندي، وغيرهم: أنه لا خلاف فيه وليس كذلك وقد أجرى فيها ابن السمعاني التفصيل الذي سيحكيه المصنف عنه، فيما إذا اتحد المجلس ووجه القبول: أنه لا يمتنع أن يذكر النبي صلى الله عليه وسلم الكلام في أحد المجلسين بدون زيادة وفي الأخرى بها.
والثانية: أن لا يعلم هل تعدد المجلس أو اتحد، وبهذا صرح الآمدي قال: وحكمه حكم المتحد، وأولى بالقبول نظرا إلى احتمال التعدد، وألحقها الأبياري بالتي قبلها حتى يقبل بلا خلاف وقال الهندي: ينبغي أن يكون فيها خلاف
(2/974)

مرتب على الخلاف في الاتحاد، وأولى بالقبول، لأن المقتضى لصدقه حاصل والمعارض له غير محقق وقوله: وإلا، أي: وإن علم اتحاد المجلس، فأقوال: الجمهور على القبول مطلقا، لأنه لو انفرد بنقل الحديث عن الجمهور لقبل، فكذا الزيادة وعن الحنفية: المنع مطلقا، وحمل الأمر في الزيادة على الغلط، وعزاه ابن السمعاني لبعض أهل المدينة. والثالث: الوقف للتعارض، فإن من يثبت الزيادة يعارض من ينفيها والرابع: إن كان غيره لا يغفل مثله عن مثلها عادة لم تقبل، وإلا قبلت وهو قول الآمدي وابن الحاجب، والخامس: قول السمعاني واختاره المصنف لا يقبل إن كان غيره لا يغفل، أو كانت تتوفر الدواعي على نقلها وإلا قبلت والذي رأيته في
(2/975)

(القواطع) بعد أن صحح القبول، قال: واعلم أن على موجب هذه الدلالة ينبغي أن يقال: إن الذين تركوا رواية الزيادة لو كانوا جماعة لا يجوز عليهم أن يغفلوا عن تلك الزيادة، وكان المجلس واحدا، أن لا تقبل رواية راوي الزيادة، ثم قال في الحجاج مع الخصوم: قد بينا أن الذي ترك (139أ) الزيادة لو كانوا جماعة لا يجوز عليهم الغفلة ينبغي أن لا تقبل رواية هذا الواحد، قلت: وينبغي أن تقول الجماعة أنهم لم يسمعوه، فإنهم إذا لم يقولوا ذلك يجوز أنهم رووا بعض الحديث ولم يرووا البعض لغرض لهم. انتهى.
(ص) فإن كان الساكت أضبط أو صرح بنفي الزيادة على وجه يقبل تعارضا.
(ش) الخلاف السابق فيما إذا اتحد المجلس ونقل بعضهم الزيادة، ونقله آخرون بدونها، ولم يصرحوا بنفيها لفظا ولا معنى، واستوى الكل في الضبط وإن كان الساكت عن الزيادة أضبط، من راويها، أو صرح بنفي الزيادة على وجه يقبل -تعارضا، وهذا مختار الإمام، فإنه قال: يقبل إلا أن يكون الممسك من الزيادة أحفظ وأن لا يصرح بنفيها، فإن صرح وقع التعارض وقال الأبياري: إذا اتحد المجلس وأثبت قوم ونفى آخرون، قال قائلون: هو تعارض فينظر إلى أعدل البينتين، وقال
(2/976)

آخرون: الإثبات مقدم قال: وهذا هو الظاهر عندنا فإنه إذا لم يكن به من تطرق الوهم إلى أحدهما، لاستحالة صدقهما، وامتنع الحمل على تعمد الكذب، لم يبق إلا الذهول والنسيان والعادة ترشد إلى نسيان ما جرى أقرب من تخيل ما لم يجر، وحينئذ فالمثبت أولى. وقوله: على وجه يقبل قيد زاده على المحصول، ولعله تصيده من مثاله، فإنه قال: لو صرح المتمسك بنفي الزيادة، وقال: إنه عليه الصلاة والسلام وقف على قوله: ((فيما سقت السماء العشر)) فلم يأت بعده بكلام آخر مع انتظاري له، فههنا تعارض القولان ويصار إلى الترجيح، وقال أبو الحسين في (المعتمد): إن قال: إن نفي علمه بالزيادة أو قال: ما سمعتها، ولم يقطعه قاطع عن سماعها - فإنه يكون ناقلا للنفي، ولارتفاع الموانع، كما نقل الآخر الزيادة فتتعارض الروايتان، وإن قال: لم تكن هذه الزيادة فإنه يحتمل أن يكون ذلك موضع اجتهاد، ويحتمل أن يقال: رواية المثبت أولى، لأنه يحتمل أن يكون النافي إنما نفى الزيادة بحسب ظنه، ويحتمل أن يقال: يرجع إلى رواية النافي إذا كان أضبط.
(ص) ولو رواها مرة وترك أخرى فكراوبين=.
(ش) هذا كله إذا كان المتفرد بالزيادة واحد والساكت عنها غيره، فأما إذا اختلفت رواية الواحد في ذلك، بأن روى الزيادة مرة، ولم يروها أخرى، فإن أسندهما إلى مجلس غير مجلس الناقص قبلت، وإن أسندهما إلى مجلس واحد فيجيء الخلاف السابق، وهو في هذه العبارة متابع لابن الحاجب، وقال في (المحصول): إن اتحد المجلس بالزيادة، ولم يغير الإعراب فإما أن تكون روايته للزيادة مرات أقل من مرات الإمساك، أو بالعكس أو
(2/977)

يتساويان فلا يقبل في الأول، ويقبل في الثاني والثالث.
(ص) ولو غيرت إعراب الباقي تعارضا، خلافا للبصري.
(ش) هذا كله فيما إذا لم تغير الزيادة إعراب الباقي، فأما إذا غيرت كما إذا روى أحدهما: في أربعين شاة شاة، وروى الآخر: نصف شاة، فرواية شاة تكون بالرفع ورواية النصف تكون بالجر، والرفع والجر ضدان فالأكثرون كما قاله الهندي على أنه لا يقبل للتعارض لأن كل واحد منهما يروي ضد ما رواه الآخر، فيكون نافيا له، فيحصل التعارض فلا يقبل إلا بعد الترجيح، والفرق بينه وبين ما إذا لم تغير إعراب الباقي، لأن مع أحدهما زيادة علم، ليس الآخر نافيا له، وقال أبو عبد الله (139ب) البصري: يقبلان، كما إذا لم تغير إعراب الباقي لأن الموجب إنما هو زيادة العلم بذلك الزائد الذي لم ينفه الساكت عنه واختلاف إعراب تابع للاختلاف في ذلك الزائد، فلا يكون مانعا من القبول.
(ص) ولو انفرد واحد عن واحد قبل عند الأكثر.
(ش) أي: لقيام الأدلة على وجوب العمل بخبر الواحد، وشرط الجبائي العدد في كل خبر ونقل القرافي عن كتاب المحصول (لابن العربي): أن الجبائي اشترط في
(2/978)

قبول الخبر اثنين وشرط على الاثنين اثنين إلى أن ينتهي الخبر إلى التابعي وكذا نقله عن الشيخ في (اللمع) وهذا الذي قاله مردود بقبول الصحابة خبر العدل الواحد لعمل علي بخبر المقداد وتعويلهم على خبر عائشة في التقاء الختانين، وغير ذلك، ولك أن تقول: ما هذه المسألة مع قوله أولا: والجبائي: لا بد من اثنين أو اعتضاد.
(ص) ولو أسند وأرسلوا أو وقف ورفعوا فكالزيادة.
(ش) أي: فالقول قول من أسند ومن رفع على الصحيح، لأن الرفع والإسناد زيادة على من لم يرو ذلك وهذا تفريع على رد المرسل، فأما من يقبله فلا شبهة
(2/979)

عنده في قبوله والمصنف في إلحاقها بالزيادة متابع لصاحب (القواطع) وابن الحاجب إذا هو يقتضي مجيء المذاهب السابقة كلها هنا، ولم يصرح به أكثر النقلة وليس ببعيد، وقد قال بعضهم: الراجح من قول أئمة الحديث: أن الرفع والوقف، والوصل والإرسال يتعارضان، وهذا نظير القول بالوقف هناك، وأهمل المصنف ما إذا أرسل ثم أسند أو وقف ثم رفع وهو في (المنهاج) ورجح القبول.
(ص) وحذف بعض الخبر جائز عند الأكثر إلا أن يتعلق الحكم به.
(ش) يجوز حذف بعض الخبر ورواية الباقي والأكثرون: أنه جائز إذا كان مستقلا، لأنهما كخبرين وقد فرق أئمة الحديث حديث جابر الطويل في حج النبي صلى الله عليه وسلم على الأبواب. وأما إذا تعلق بالمذكور تعلقا بغير المعنى، كما في (الغاية) نحو: لا تباع الثمرة حتى تزهو
(2/980)

والاستثناء نحو: لا يباع البر بالبر إلا سواء سواء، لم يجز حذفه، لاختلاف المقصود وسواء كان التعلق لفظيا كما ذكرنا، أو معنويا كما في بيان التخصيص والنسخ وبيان المجمل بالجمل المتصلة، واعلم أن إمام الحرمين وابن القشيري حكيا ثلاثة أقوال: أحدها: يجوز.
والثاني: لا يجوز.
والثالث: هذا التفصيل. وقال: إنه المرضي عند القاضي وقضيته: أن الأول يجوز مطلقا، ولو مع التعلق وفيه بعد. وقال الهندي والأبياري في المتعلق: لا خلاف في عدم جوازه، وقسم الأبياري غير المتعلق إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يقطع بذلك، فلا يبعد طرد قول المنع هنا، حسما للذريعة وحذرا من الإفضاء إلى موضع الإشكال.
ثانيها: أن يظن فلا يجوز الحذف بحال.
ثالثها: أن يعلم ذلك بنوع من النظر، فعلى الخلاف في جواز الرواية بالمعنى للعارف.
(ص) وإذا حمل الصحابي - قيل: أو التابعي - مرويه على أحد محمليه المتنافيين فالظاهر حمله عليه، وتوقف أبو إسحاق الشيرازي، وإن لم يتنافيا فكالمشترك في حمله على معنييه.
(ش) إذا روى الصحابي خبرا محتملا، وحمله على أحد محمليه، فإن تنافيا
(2/981)

كالقرء فحمله الراوي على الأطهار، فالظاهر حمله عليه لأن الظاهر أنه لم يحمله عليه إلا لقرينة معينة، وتوقف الشيخ أبو إسحاق كذا حكاه عنه في هذه (140أ) الحالة، وعبارة الشيخ في (اللمع): وإذا احتمل اللفظ أمرين احتمالا واحدا، فصرفه إلى أحدهما، كما روي عن عمر - رضي الله تعالى عنه - أنه حمل قوله عليه الصلاة والسلام: ((الذهب بالذهب ربا، إلا هاء وهاء)) على القبض في المجلس فقد قيل: إنه يقبل، لأنه أعرف بمعنى الخطاب، وفيه نظر عندي. انتهى. وإن لم يتنافيا وقلنا: اللفظ المشترك ظاهر في جميع محامله كالعام - فتعود المسألة إلى التخصيص بقول الصحابي، وإن قلنا: لا يحمل على جميعها ففي (البديع): أن المعروف حمله على ما عينه، لأن الظاهر أنه لم يحمله عليه إلا لقرينة. قال: ولا يبعد أن يقال: لا يكون تأويله حجة على غيره، ثم قال: فإن اجتهد فلاح له تأويله، يعني: إن اجتهد المجتهد، ولاح
(2/982)

له تأويل غير ذلك وجب، وإلا فتعيين الراوي الصالح للترجيح، انتهى. وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه، في باب بيع الثمار: مذهب الشافعي رضي الله عنه، أن الراوي إذا روى حديثا له احتمالان وفسره بأحد محمليه، وجب قبوله، كتفسير ابن عمر التفرق بالأبدان، دون الأقوال، وينبغي تقييد كلام المصنف في الحمل على جميعها بما إذا لم يجمعوا على أن المراد أحدهما، وجوزوا كلا منهما، وقد ذكر الماوردي في (الحاوي) حديث ابن عمر في التفرق في خيار المجلس، هل هو التفرق بالأبدان أو بالأقوال؟ قال: وأجمعوا على أن المراد أحدهما، فكان ما صار إليه الراوي أولى، وقال أبو علي بن أبي هريرة: أحمله عليهما معا، فأجعله لهما في الحالين الخيار بالخبر.
قال الماوردي: وهذا صحيح لولا أن الإجماع منعقد على أن المراد أحدهما، والخلاف كما قاله الهندي فيما إذا ذكر ذلك لا بطريق التفسير للفظه، وإلا فتفسيره أولى بلا خلاف، واعلم أن الجمهور قد فرضوا المسألة في الراوي الصحابي، ومنهم من قال: يجري في الراوي مطلقا، وإن كان تابعيا، وقد بينا ما فيه في باب التخصيص والمصنف هناك سوى بينهما، بخلاف ما يقتضيه كلامه هنا ولا بد من التقييد بكونه من الأئمة.
(ص) فإن حمله على غيره ظاهره، فالأكثر على ظهوره، وقيل: على تأويله مطلقا، وقيل: إن صار إليه لعلمه بقصد النبي صلى الله عليه وسلم إليه.
(ش) هل يجوز ترك شيء من الظواهر بقول الراوي، مثل أن يحتمل الخبر أمرين، وهو في أحدهما أظهر، فيصرفه الراوي إلى الآخر، كصرف اللفظ عن حقيقته
(2/983)

إلى مجازه، أو من الوجوب إلى الندب؟ فيه ثلاثة مذاهب.
أصحها: الحمل على الظاهر قال الآمدي: وفيه قال الشافعي رضي الله عنه، كيف أترك الخبر لأقوال أقوام لو عاصرتهم لحججتهم؟
والثاني: يحمل على ما عينه مطلقا، لأنه لا يفعله إلا عن توقيف، وبه قال أكثر الحنفية.
والثالث: وبه قال أبو الحسين: يحمل على تأويله إن صار إليه، لعلمه بقصد النبي صلى الله عليه وسلم من مشاهدته قرائن تقتضي ذلك، وإن جهل وجوز أن يكون لظهور نص أو قياس أو غيرهما - وجب النظر في الدليل، فإن اقتضى ما ذهب إليه وجب وإلا فلا واختار في (الإحكام): إن علم مأخذ خلافه وإنه مما يوجبه صبر إليه، اتباعا للدليل وإن جهل عمل بالظاهر، لأن الأصل في خبر العدل وجوب العمل ومخالفة الراوي للظاهر يحتمل النسيان.
تنبيه: سبق في باب التخصيص أنه لا يجوز تخصيص العموم بمذهب الراوي على الأصح، ولا شك أن صرف العام إلى الخصوص من خلاف الظاهر، فتكرار
(2/984)

المصنف لهذه (140ب) من باب ذكر العام بعد الخاص.
(ص) مسألة: لا يقبل مجنون وكافر.
(ش) أي: بالإجماع، ولأن قبول الراوي منصب شريف، والكافر ليس أهلا لذلك، وسواء علم من دينه التحرز عن الكذب أم لا، والمراد بالجنون: المطبق، أما المتقطع فإن أثر جنونه في زمن إفاقته لم يقبل، وإلا قبل، قاله ابن السمعاني في (القواطع) بل حكاها الشيخ أبو زيد المروزي قولين للشافعي رضي الله عنه.
(ص) وكذا صبي في الأصح.
(ش) الخلاف ثابت عندنا واستبعد القرافي القول بجواز روايته وقال: إنه منكر من حيث النظر والقواعد، بخلاف التحمل وجوابه: أن المأخذ أمارة قوة الظن، وقد يحصل برواية الصبي، وهو يرد دعوى القاضي الإجماع، على عدم قبوله، ثم لا بد من
(2/985)

تقييد الخلاف بأمرين:
أحدهما: لمن لم يجوز عليه الكذب، وإلا فلا يقبل بلا خلاف.
وثانيهما: أن يكون المخبر به رواية محضة، فلو أخبر برؤية الهلال، وجعلناه رواية لا شهادة، لم يقبل جزما، ولم يخرجه الجمهور على الوجهين لما ذكرنا.
(ص) فإن تحمل فبلغ فأدى - قبل عند الجمهور.
(ش) للإجماع على قبول رواية ابن عباس، وابن الزبير، وابن بشير رضي الله عنهم وغيرهم، من أحداث الصحابة من غير فرق بين ما تحملوه قبل البلوغ وبعده
(2/986)

ولو قال المصنف: فبلغ وأسلم فأدى، لكان أحسن، ليشمل ما لو تحمل في حال كفره ثم أسلم وأدى، والحكم سواء على الصحيح، وكذا إذا تحمل فاسقا وروى عدلا، وأهل الحديث يجوزون رواية ما سمعه الصبي الصغير، وإن لم يعلم عند التحمل ما سمع، وأكثرهم على أنه لا يجوز سماع من له دون خمس سنين، وأما الفقهاء فلا يرون ذلك، بل لا بد من تمييز الصبي عند التحمل. ولا بد من ضبط ما سمعه وحفظه حتى يؤديه كما سمعه والاعتبار بضبط اللفظ، وإن لم يعرف المعنى، ومنهم من اشترط المعنى وهم الأقل وهذا حجر يتعذر مع العمل به رواية الحديث إلا على الآحاد قاله ابن الأثير في شرح المسند.
(2/987)

(ص) ويقبل مبتدع يحرم الكذب وثالثها قال مالك: إلا الداعية.
(ش) المبتدع إما أن يكفر ببدعته أو لا.
فالأول: إن علم من مذهبه جواز الكذب لنصرة مذهبه أو غيره - لم تقبل روايته ببدعته اتفاقا، وإن علم منه تحريمه وتحرزه منه، فقولان: الأكثرون على أنه لا يقبل أيضا، وقال أبو الحسين: يقبل، واختاره في (المحصول) و (المنهاج) لأن ذلك يمنعه من الإقدام عليه.
والثاني: إن كان مما يرى الكذب - فلا يقبل اتفاقا وإلا فأقوال:
أحدهما: يقبل مطلقا سواء كان داعية لمذهبه أو لا وعزاه الأصوليون للشافعي
(2/988)

رضي الله عنه لأجل قبول شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية.
والثاني: لا يقبله مطلقا وعليه الأكثرون لأنه فاسق وإن كان متأولا.
والثالث: قول مالك: لا يقبل الداعية، أي: الذي يدعو الناس إلى بدعته، فإنه لا يؤمن أن يصنع الحديث على وفق بدعته، ويقبل إن لم يدعهم حكاه عنه القاضي عبد الوهاب، وقال الخطيب: أنه مذهب أحمد وعزاه ابن الصلاح
(2/989)

للأكثرين وقال: إنه أعدل المذاهب وأولاها.
(ص) ومن ليس فقيها، خلافا للحنفية فيما يخالف القياس.
(ش) هذا إنما هو قول بعض الحنفية، ولهذا لم يحكه صاحب (البديع) منهم إلا عن فخر الإسلام بعبارة غير متبعة، فقال: الخبر مقدم على القياس عند الأكثر وقيل: بالعكس. وعيسى بن أبان: إن كان الراوي (141أ) ضابطا غير متساهل قدم، وإلا فموضع اجتهاد. وفخر الإسلام: وإن كان الراوي من المجتهدين كالخلفاء الراشدين، والعبادلة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، قدم، لأنه يقيني في الأصل والقياس ظني أو من الرواة كأبي هريرة، وأنس رضي الله عنهما فالأصل العمل ما لم توجب الضرورة تركه، كحديث المصراة، فإنه معارض بالإجماع في ضمان العدوان بالمثل أو القيمة دون الثمن. انتهى. والشيخ
(2/990)

أبو إسحاق في (اللمع) لم يحكه عن الحنفية، إلا فيما خالف قياس الأصول لا مطلق القياس كما سبق، ولا يخفى ما في هذه المسألة من التكرار، عند قول المصنف فيما سبق، أو عارض القياس.
(ص) والمتساهل في غير الحديث، وقيل: يرد مطلقا.
(ش) إذا كان الراوي يتساهل في أحاديث الناس، ويتحرز في حديث النبي صلى الله عليه وسلم قبل على الصحيح لأنه يحصل ظن صدقه ولا معارض له، وقيل: يرد مطلقا، ونص عليه أحمد، وأنكر على من قبل روايته إنكارا شديدا، وهو ظاهر كلام ابن السمعاني وغيره، واحترز بقوله: في غير الحديث، عن المتساهل في الحديث، فلا خلاف أنه لا يقبل، قاله في (المحصول) وغيره.
(2/991)

(ص) والمكثر وإن ندرت مخالطته المحدثين إذا أمكن تحصيل ذلك القدر في ذلك الزمان.
(ش) ليس من شرط الراوي أن يكون مكثرا لسماع الحديث وروايته ومشهورا بمخالطة المحدثين ومجالستهم وقد قبلت الصحابة حديث أعرابي لم يرو غير حديث وهذه من مسائل (المحصول) قال: تقبل رواية من لم يرو إلا خبرا واحدا فأما إذا أكثر من الروايات مع قلة مخالطته لأهل الحديث، فإن أمكن تحصيل ذلك القدر من الأخبار في ذلك القدر من الزمان - قبلت أخباره، وإلا توجه الطعن في الكل.
(ص) وشرط الراوي العدالة، وهي ملكة تمنع من اقتراف الكبائر وصغائر الخسة كسرقة لقمة، وهوى النفس والرذائل المباحة كالبول في الطريق.
(ش) العدالة لغة: التوسط والاستقامة وشرعا: ما ذكره المصنف. والضابط:
(2/992)

أن كل ما لا تؤمن معه الجراءة على الكذب، يرد به الراوية، وما لا فلا وإنما عبر بالملكة (وكالمنهاج) دون الهيئة، (كالبديع) لأن الصفة النفسانية، وإن كانت راسخة (يقال لها: الملكة، وإن لم تكن راسخة) يقال لها: الحالة، فالكيفية النفسانية أول حدوثها حال، ثم تصير ملكة، فقال: ملكة، لينبه على رسوخها ولهذا قال محمد بن يحيى في تعليقه: العدل: من اعتاد العمل بواجب الدين واتبع إشارة العقل فيه برهة من الدهر، حتى صار ذلك عادة وديدناً له والعادة طبيعة خاصة فيغلب دينه بحكم التمرين، والترسخ في النفس، فيوثق بقوله، بخلاف الفاسق فإنه الذي يتبع نفسه هواها زمانا طويلا، حتى ألف ارتكاب المحظورات وضري باقتضاء الشهوات فضعف وازع الدين بسببه، فلا يوثق بقوله.
وإذا لم يقبل قول العدل لمعارضة الأبوة أو العداوة فكيف يقبل الفاسق مع قيام الفسق والمراد بالكبائر جنسها، وإلا فتعاطي الكبيرة الواحدة يقدح، ولم يحتج أن يقول: والإصرار على الصغيرة، لأنها بالإصرار تصير كبيرة، فلو ذكرها لكرر من غير فائدة وقوله: وصغائر الخسة، أي: وما يخل بالمروءة من الصغائر كسرقة لقمة وتطفيف حبة قصدا (141ب) وكون هذا صغيرة استثنى الحليمي منه ما إذا كان المسروق منه مسكينا لا غنى به عما أخذ منه، فيكون كبيرة وعلم من قوله: صغائر
(2/993)

الخسة: أن القادح ببعض الصغائر لا كلها، فإن من الصغائر ما لا يكون منه إلا مجرد المعصية كالكذبة التي لا يتعلق بها ضرر، والنظر للأجنبية (إنما المؤثر ما يقدح في المروءة، أو يدل على استهزاء بالدين، وقوله: وهوى النفس، أي: وتمنعه) عن هوى النفس وهذا القيد من تفقه والده، فإنه قال: لا بد عندي في العدالة من وصف لم يتعرضوا له، وهو الاعتدال عند انبعاث الأغراض حتى يملك نفسه عن اتباع هواه فإن المتقي الكبائر والصغائر الملازم للطاعة والمروءة - قد يستمر على ذلك، ما دام سالما من الهوى، فإذا غلبه هواه خرج عن الاعتدال، وانحل عصام التقوى، وانتفاء هذا الوصف، هو المقصود من العدل، قال الله تعالى: {وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى} وقوله: والرذائل المباحة أي: لا بد من تجنب ذلك، كالبول في الشارع، والأكل في الطريق، وصحبة الأراذل ونحوه مما يدل على أنه غير مكترث باستهزاء الناس قال الغزالي: إلا أن يكون ممن يقصد كسر النفس وإلزامها التواضع، كما يفعله كثير من العباد.
(ص) فلا يقبل المجهول باطنا، وهو المستور، خلافا لأبي حنيفة، وابن فورك وسليم، وقال إمام الحرمين: يوقف ويجب الانكفاف إذا روى التحريم إلى الظهور.
(ش) إذا ثبت أن العدالة شرط فلا بد من تحقيقها, فلهذا لا يقبل المجهول, بل
(2/994)

لا بد من البحث عن سيرته باطنا وقال أبو حنيفة: يقبل، اكتفاء بالإسلام وعدم ظهور الفسق، ووافقه منا ابن فورك كما نقله المازري في شرح (البرهان) وسليم، كما رأيته في كتاب (التقريب في أصول الفقه) وعزاه قوم إلى الشافعي رضي الله عنه، وهو غلط توهموه من قوله: ينعقد النكاح بشهادة المستورين، وذكر صاحب (البديع) وغيره من الحنفية: أن أبا حنفية إنما قبل ذلك في صدر الإسلام حيث الغالب على الناس العدالة، فأما اليوم فلا بد من التزكية.
(2/995)

لغلبة الفسق وقال إمام الحرمين: يوقف إلى استبانة حاله فلو كنا على اعتقاد في حل شيء فروى لنا مستور تحريمه وجب الانكفاف إلى استتمام البحث عن حاله، قال: وهذا إذا أمكن البحث عنه، فلو فرض اليأس من ذلك فهذه مسألة اجتهادية والظاهر أنه لا يجب الانكفاف وانقلبت الإباحة كراهة.
(ص) أما المجهول باطنا وظاهرا فمردود إجماعا.
(ش) لأن من لا يعرف عينه، كيف تعرف عدالته، وهي شرط في قبول الرواية وفي هذا الإجماع نظر، فإن ابن الصلاح قد حكى الخلاف فيه.
(ص) وكذا مجهول العين.
(ش) قال المحدثون: مجهول العين أن تسمي اسما لا يعرف من هو، مثل: عمرو بن ذي مر، وجيار الطائي وسعيد بن جدان لا يعرف من هؤلاء
(2/996)

قال الخطيب: ولم يرو عنهم غير أبي إسحاق السبيعي قال المصنف: لا نعرف خلافا في رد روايته، وهو ظاهر عطفه هنا، وليس كذلك، بل قيل فيه بالقبول وهو من لم يشترط في الراوي مزيدا على الإسلام وقيل: إن كان الراوي عنه لا يروي إلا عن عدل كيحيى بن سعيد قبل، وإلا فلا.
(ص) فإن وصفه نحو الشافعي بالثقة، فالوجه قبوله، وعليه إمام الحرمين خلافا للصيرفي والخطيب.
(ش) والضمير في (وصفه) عائد إلى أقرب مذكور، وهو مجهول العين، لا
(2/997)

مطلق المجهول ومراده به نحو: حدثني رجل أو إنسان، ووصفه الراوي عنه بالثقة أو قال أخبرني الثقة (142أ) كما يقع للشافعي رضي الله عنه، كثيرا فلا يخلو هذا القائل إما أن يكون من أئمة الشأن العارفين لما يشترطه هو وخصومه، في العدل وقد ذكره في مقام الاحتجاج أولا، فإن لم يكن - فلا يقبل وإن كان وذلك كالشافعي رضي الله عنه، يقوله في معرض الاحتجاج على خصمه، فالوجه: قبوله، وبه قطع إمام الحرمين وخالف فيه الصيرفي والخطيب وطوائف، فقالوا: يجوز أن يكون الخصم اطلع فيه على جارح لم يطلع عليه العدل، فلا يكتفى بقوله: هو ثقة والجواب أن مثل الشافعي رضي الله عنه، لا يطلق ذلك إلا حيث يأمن الاحتمال. فائدة: عاب بعض المتعنتين على الإمام الشافعي رضي الله عنه، إيهام الشيخ من وجهين:
أحدهما: أنه يشعر بسوء الحفظ، والثاني: أنه ضرب من الإرسال، والمراسيل ليست بحجة عنده، وأجيب عن الأول بأن الحافظ الماهر قد تعتريه ريبة، فيتورع ولا يجزم احتياطا وقد فعل مثله الأئمة، فروى مالك في (الموطأ) في كتاب الزكاة عن الثقة عنده عن سليمان بن يسار وعن الثاني: بأنه لم يبهم ذكر الراوي إلا في
(2/998)

حديث معروف عند أهل الحديث، براو معلوم الاسم والعدالة، فلا يضره تركه تسمية الشيخ. قال الرافعي في شرح المسند: ولك أن تقول: المحتاج إلى الوضوء إذا قاله له من يعرفه بالعدالة: هذا الماء نجس، بسبب كذا - يلزمه قبول قوله، وترك ذلك الماء ولو قال وهو أهل للتعديل: أخبرني عدل أن هذا الماء نجس، بسبب كذا، ولم يسم ذلك العدل، فيشبه أن يكون الحكم كذلك، وإذا جاز الاعتماد على قوله: العدل في الإخبار عن عدل غير مسمى هناك، فكذلك هنا، ويؤيده أن الحديث الذي يروى عن رجل من الصحابة يحتج به، ولا يعد من المراسيل، وإن لم يكن الصحابي مسمى، وذلك للعلم بعدالتهم جميعا.
(ص): وإن قال: لا اتهمه، فكذلك: وقال الذهبي: ليس توثيقا.
(ش) هذه درجة دون قوله: أخبرني الثقة ويقع أيضا في عبارة الشافعي رضي الله عنه، كقوله: أخبرني من لا أتهمه فعند المصنف: أنه يقبل من مثل الشافعي رضي الله عنه ومعنى قوله: فكذلك، أي في أصل القبول، وإلا فالدرجة متفاوتة قال: ورأيت بخط شيخنا الذهبي: ليس قوله حدثني من لا أتهمه توثيقا بل نفي للتهمة، ولم يتعرض لإتقانه ولا لأنه حجة. انتهى. قال: وهو صحيح غير أن هذا إذا وقع من الشافعي رضي الله عنه، محتجا به على مسألة في دين الله - فهي والتوثيق سواء في
(2/999)

أصل الحجة وإن كان مدلول اللفظ لا يزيد على ما ذكره الذهبي، فمن ثم خالفناه في مثل الشافعي رضي الله عنه، أما من ليس مثله، فالأمر على ما وصفه شيخنا رحمه الله تعالى انتهى.
والعجب من اقتصاره على نقله عن الذهبي مع أن ذلك قاله طوائف من فحول أصحابنا وقد رأيت في كتاب (الدلائل والإعلام) لأبي بكر الصيرفي: إذا قال المحدث: حدثني الثقة عندي أو حدثني من لم أتهمه - لا يكن حجة، لأن الثقة عنده قد لا يكون ثقة عندي فاحتاج إلى علمه. انتهى. وقال الماوردي والروياني في القضاء إذا قال: أخبرني الثقة أو من لا أتهم - فليس بحجة، لأنه قد يثق به، ويكون مجروحا عند غيره.
(ص) ويقبل من أقدم جاهلا على مفسق مظنون أو مقطوع في الأصح.
(ش) المراد بالمفسق المظنون: أن يقدم على أمر يعتقد أنه على صواب لمستند قام عنده ونحن نظن بطلان ذلك المستند ولا نقطع به، أما لو ظننا فسقه ببينة شهدت بفسقه (142ب) فليس من هذا القبيل بل ترد روايته والمراد بالمقطوع: أن يقطع ببطلان مأخذه، فالأول: خالف ظننا، والثاني: خالف قطعنا، وهذا التفصيل نقلوه عن الشافعي رضي الله عنه، أما في المظنون، فلقوله: إذا شرب الحنفي النبيذ من غير سكر - قبل شهادته واحدة لأنه لم يقدم عليه جرأة، ودليل تحريمه ليس قطعيا، حتى لا يعتبر ظنه معه - فتقبل روايته، وأما في المقطوع فلقوله: أقبل رواية أهل الأهواء إلا الخطابية، ووجهه فيهما: أن المقتضي لقبول روايته قائم، وهو ظن صدقه، لأنه يرى الكذب قبيحا كغيره، والعارض المتفق عليه منتف، وهو الفسق الذي لا تؤمن معه الجرأة، على الكذب، والأصل عدم غيره، فوجب أن يقبل، عملا بالمقتضي ولا بد أن يستثنى على هذا القول من المقطوع بفسقه - من يرى الكذب والتدين به، فلا يقبل بلا خلاف، وإليه أشار الشافعي رضي الله عنه، بقوله: إلا الخطابية فلا وجه لطرح المصنف له، والثاني: لا يقبل، لأنه فاسق فاندرج تحت الأدلة المانعة من قبول قول الفاسق، والثالث: الفرق بين المقطوع والمظنون، لأن ظن
(2/1000)

الصدق يضعف في المقطوع دون المظنون وههنا أمران: أحدهما: اقتضى كلامه حكاية قول في عدم قبول المظنون، وحكى في (المحصول) الاتفاق فيه على القبول قال الهندي: والأظهر ثبوت الخلاف فيه، كما في الشهادة، فإن فيها وجها، أنها ترد به، وذلك جار في الرواية أيضا، إذ لا فرق بينهما فيما يتعلق بالعدالة.
الثاني: قوله جاهلا، ليس مطابقا لوضع المسألة لأنها مفروضة فيمن يقدم عليه معتقدا جوازه بتأويل، وأما الجاهل بكونه فسقا فلم يتكلم فيه الأصوليون والذي أوقع المصنف في ذلك عبارة (المنهاج) والحاصل أن الصور ثلاثة:
أحدها: أن يعتقد كونه فسقا ويقدم عليه عالما به، فروايته مردودة بالإجماع، كما قاله في (المحصول): لا يؤمن معه الإقدام على الكذب، وكأن المصنف عبر بالجهل ليحترز عنها.
والثانية: أن يستحله بتأويل، كشبهة أو تقليد وهي مسألتنا وهي التي تكلم فيها الشافعي رضي الله عنه، والقاضي.
والثالثة: أن يقدم جاهلا بكونه فسقا فهذا لم يتعرض له الأصوليون وهو من وظيفة الفقهاء وفيه تفصيل لهم، وقد قال الماوردي: أما ما اختلف في إباحته كشرب النبيذ والنكاح بلا ولي - إن فعله معتقد التحريم، كان كبيرة، وإن لم يعتقد تحريمه ولا إباحته مع علمه بالخلاف فيه وجهان: قال البصريون: هو فاسق مردود الشهادة لأن ترك الاسترشاد في الشبهات تهاون بالدين وقال البغداديون: لا يفسق، لأن اعتقاده الإباحة أغلظ من التعاطي ولا يفسق معتقد الإباحة، وحكى المصنف في شرحه (للمنهاج) الوجهين وأسقط منهما قوله مع علمه بالخلاف فيه، فأشكل الأمر عليه وقال: لا بد من فرضهما في جاهل بالقاعدة المشهورة، وهي أن المكلف لا يجوز
(2/1001)

له أن يقدم على فعل شيء حتى يعرف حكم الله تعالى فيه، وحكى الشافعي رضي الله عنه فيه الإجماع، ثم إنهما لا يتجهان إلا تخريجا على حكم الأشياء قبل ورود الشرع والماوردي كثيرا ما يخرج على ذلك وقد يكون ظانا الحل فتقبل روايته.
(ص): وقد اضطرب في الكبيرة، فقيل: ما توعد عليه بخصوصه وقيل: ما فيه حد، (وقيل: ما نص الكتاب على تحريمه وأوجب في جنسه حد) والأستاذ والشيخ الإمام: كل ذنب، ونفيا الصغائر (143أ) والمختار - وفاقا لإمام الحرمين - كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين.
(ش): في حد الكبيرة أوجه: أحدها: ما لحق صاحبها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة.
والثاني: المعصية الموجبة للحد قال الرافعي: وهم إلى ترجيح هذا أميل والأول ما يوجد لأكثرهم وهو الأوفق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر.
والثالث: هو قول الأستاذ والقاضي أبي بكر والإمام ابن القشيري: كل ذنب، بناء على أنه لا صغيرة في الذنوب، ونقله ابن فورك عن الأشعرية، واختاره نظرا إلى من عصى بها، قال القرافي: وكأنهم كرهوا تسمية معصية الله تعالى صغيرة إجلالا له عز وجل، مع أنهم وافقوا في الجرح أنه لا يكون بمطلق المعصية وإن من الذنوب ما يكون قادحا في
(2/1002)

العدالة ومنها لا يكون قادحا، هذا مجمع عليه، وإنما الخلاف في التسمية والإطلاق والصحيح التغاير، لقوله تعالى: {وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} فجعلها رتبا، وسمى بعض المعاصي فسقا دون البعض، وفي الصحيح: ((الكبائر سبع)) وخص الكبائر ببعض الذنوب، ولأن ما عظمت مفسدته أحق باسم الكبيرة.
والرابع: قول إمام الحرمين في (الإرشاد) واختاره المصنف: كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة فهي مبطلة للعدالة قال الإمام: وكل جريمة لا تؤذن بذلك، بل يبقى حسن الظن بصاحبها فهي التي لا تحبط العدالة، قال: وهذا أحسن ما يميز أحد الضدين على الآخر، وذكر في (النهاية) ما حاصله
(2/1003)

أن الصادر إن دل على الاستهانة، لا استهانة بالدين بل استهانة غلبة التقوى وتمرين غلبة رجاء العفو - فهو كبيرة، وإن صدر عن فلتة خاطر أو لفتة ناظر فصغيرة.
والتحقيق أن التعاريف السابقة اقتصار على بعض الكبائر، والضبط أن يقال: كل ذنب قرن به وعيد، أو حد، أو لعن، أو أكثر من مفسدته أو أشعر بتهاون مرتكبه في دينه إشعارا - مع الكبائر المنصوص عليها بذلك كما لو قتل من يعتقده معصوما فظهر أنه يستحق دمه، أو وطئ امرأة ظانا أنه زان، فإذا هي زوجته أو أمته، ولهذا حكى الروياني وجها بوجوب الحد وطرده في القتل وعن سفيان الثوري: أن ما تعلق بحق الله تعالى فصغيرة أو بحق آدمي فكبيرة، وقال الواحدي: الصحيح أنه ليس للكبائر حد، يعرفه العباد ويتميز به عن الصغائر
(2/1004)

تمييز إشارة ولو عرف ذلك، لكان الصغائر مباحة ولكن الله تعالى أخفى ذلك عن العباد فيجتهد كل أحد في اجتناب ما نهي عنه، رجاء أن يكون مجتنبا للكبائر ونظير هذا إخفاء الصلاة الوسطى في الصلوات وليلة القدر في رمضان.
(2/1005)

(ص) (ورقة الديانة) كالقتل.
(ش) أي: العمد بغير حق، وشبهة العمد دون الخطأ كما قاله شريح الروياني، وجعله الحليمي مراتب وقال: إن قتل أبا أو ذا رحم في الجملة أو أجنبيا محرما بالحرم أو بالشهر الحرام - فهو فاحشة فوق الكبيرة، فإن قلت: كيف لم يبدأ بالشرك وهو أعظمها، ففي الصحيح: (سئل أي الذنب أعظم؟) قال: ((أن تجعل لله ندا وهو خلقك))، قال: (ثم أي؟) قال: ((أن تقتل ولدك)) الحديث؟ قلت: لأن كلامه في قادح العدالة بعد ثبوت صفة الإسلام.
(ص) والزنا واللواط.
(ش) أما الزنا ففي الصحيح عده كبيرة وألحق به اللواط، لاشتراكهما في وجوب الحد، واللواط أفحش وأقبح (143ب) وقد أخبر الله تعالى أنه أهلك قوم لوط به، وقال صلى الله عليه وسلم: ((إذا زنا العبد خرج منه الإيمان وكان كالظلة فإذا أقلع منه رجع إليه الإيمان)) قال الذهبي: على شرط، الشيخين ويلتحق به وطء الزوجة والأمة في الموضع المكروه.
(ص) وشرب الخمر ومطلق المسكر.
(ش) شرب الخمر وإن لم يسكر، وثبت عن ابن عباس: لما نزل تحريم الخمر
(2/1006)

مشى الصحابة بعضهم إلى بعض وقالوا: حرمت الخمر وجعلت عدلا للشرك. وإنما قال: ومطلق المسكر، أي: من غيرها، لأن الخمر اسم للعنب خاصة, وفي مسلم مرفوعا: ((أن على الله عهد لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال)) وهو عرق أهل النار ويلتحق به كل ما يزيل العقل لغير ضرورة، وما قاله المصنف هو المشهور. وقال شريح الروياني: من اعتقد مذهب الشافعي: إذا شرب النبيذ فهل يكون كبيرة؟ فيه وجهان، وسبق عن الماوردي وزعم الحليمي أن من مزج خمرا بمثلها من الماء فذهبت شدتها وشربها فذاك من الصغائر، واستغربه المصنف في (الطبقات) وليس بغريب بل هو جار على المذهب، لأن المنع حينئذ للنجاسة لا للإسكار.
(ص) والسرقة والغصب.
(ش) للتوعد والحد في السرقة والتوعد في الغصب، لقوله: ((من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه الله من سبع أرضين لعن الله من غير منار الأرض أو سرق منار الأرض)) رواه مسلم وقيد العبادي وشريح الروياني وغيرهما الغصب بما يبلغ قيمته ربع دينار، وكأنهم قاسوه على السرقة، قال الحليمي: وأما سرقة الشيء التافه فهو صغيرة إلا إذا كان المسروق منه مسكينا لا غنى به عما أخذه فيكون كبيرة. قلت
(2/1007)

لا من جهة السرقة، بل من جهة إيذائه ويأتي مثل ذلك في الغصب.
(ص) والقذف.
(ش) لقوله تعالى: {إن الذين يرمون المحصنات} وفي الصحيح عده من السبع الموبقات، أما قاذف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فكافر، لتكذيبه القرآن وقد يباح القذف لمصلحة كما إذا علم الزوج أن الولد ليس منه ويجرح الشاهد والراوي بالزنا، بل يجب قال ابن عبد السلام: والظاهر أن من قذف محصنا في خلوة بحيث لا يسمعه إلا الله والحفظة - أن ذلك ليس بكبيرة موجبة للحد، لانتفاء المفسدة، وما قاله قد يظهر فيما إذا كان صادقا دون الكاذب، لجرأته على الله تعالى وقال الحليمي: قذف الصغيرة والمملوكة والحرة المتهتكة من الصغائر ومراده بالصغيرة: من لا تحتمل الوقاع، بحيث يقطع بكذب قاذفها، وفي المملوكة نظر، وفي الصحيح: (من قذف عبدا أقيم عليه الحد يوم القيامة).
(ص) والنميمة.
(ش) وهي نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد قال تعالى: {مشاء بنميم} وفي الصحيحين: ((لا يدخل الجنة نمام)) ولا يشكل على
(2/1008)

كونها كبيرة، حديث: ((وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة)) لأن المراد لا تعده الناس كبيرة، لقوله تعالى: {وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم} وقد تجوز إذا اشتملت على مصلحة للمنموم إليه، بل يجب، كما لو قيل له: إن فلانا عزم على قتلك، قال تعالى: {إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك} وما حكاه الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم عن المنافقين.

تنبيه: سكوت المصنف عن الغيبة يوهم إنها ليست بكبيرة، وهو ما نقله الرافعي عن صاحب (العدة) ولم يخالفه، وهو ضعيف، أو باطل، كيف وقد نقل عن المتأخرين في حد (144أ) الكبيرة ما توعد عليه، والوعيد عليها طافح من الكتاب والسنة، بل نقل القرطبي في تفسيره الإجماع، على أنها كبيرة وظفرت بنص الشافعي رضي الله عنه، في ذلك كما حكيته في (خادم الرافعي) و (الروضة) وقد قرن النبي صلى الله عليه وسلم بين الدماء والأموال والأعراض والحرمة، وفي معناها السكوت على الغيبة، فإن السامع شريك المتكلم.
(ص) شهادة الزور.
(2/1009)

(ش) ففي الصحيحين أنها من أكبر الكبائر، وفي الحديث الثابت: ((لا تزول قدما شاهد الزور يوم القيامة حتى تجب له النار)) وقوله: ((عدلت شهادة الزور الشرك بالله)) وإنما عادلته، لقوله تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} ثم قال بعدها: {والذين لا يشهدون الزور} والزور: الكذب والباطل، ومنه قوله: ((المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور)) قال الراغب: نبه بذلك على أنه كاذب في قوله وفعله فتضاعف عنه وزره، وعليه حملوا قوله تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} قال القرافي: ومقتضى العادة أنها لا تكون كبيرة إلا إذا عظمت مفسدتها، لكن الشرع جعلها مفسدة مطلقا، وإن كان لم يتلف بها على المشهود عليه إلا فلسا.
(ص) واليمين الفاجرة.
(2/1010)

(ش) ففي الصحيح: ((من اقتطع حق مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار)). قيل: يا رسول الله ولو كان شيئا يسيرا؟ قال: ((ولو كان قضيبا من أراك)) وفي صحيح البخاري في باب استتابة المرتدين: ((الإشراك بالله ثم عقوق الوالدين ثم اليمين الغموس))، قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: ((الذي يقتطع مال امرئ مسلم هو فيها كاذب)).
(ص) وقطيعة الرحم.
(ش) لقوله تعالى: {وتقطعوا أرحامكم} وفي الصحيح: ((لا يدخل الجنة قاطع رحم)) والرحم الأقارب ويقع على كل من يجمع بينك وبينه نسب من جهة النساء، والقطيعة: الهجران والصد، فعيلة من القطع وهو ضد الصلة.
(ص) والعقوق.
(ش) ففي الصحيحين: أنها من أكبر الكبائر، وقال عليه السلام: ((رضا الله في رضا الوالدين وسخط الله في سخط الوالدين)) قال الذهبي: إسناده صحيح
(2/1011)

وفي الحديث: ((كل الذنوب يؤخر منها ما شاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين فإنه يعجل لصاحبه)) وإنما قال المصنف: العقوق، ولم يقيد بالوالدين، لما في الحديث: ((الخالة بمنزلة الأم)) وصححه الترمذي، وعلى قياسه العم أب، وفي الصحيح: ((عم الرجل صنو أبيه)).
(ص) والفرار.
(ش) أي: من الزحف، وهو من السبع الموبقات، لكنه قد يجب إذا علم أنه يقتل من نكاية في الكفار، لأن التغرير في النفوس إنما جاز لمصلحة إعزاز الدين، وفي الثبوت ضد هذا المعنى.
(ص) ومال اليتيم.
(ش) لقوله تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} الآية. وعده في الصحيحين من السبع الموبقات، وقيل: إنه مجلب لسوء الخاتمة، أعاذنا الله من ذلك! وقال الشيخ عز الدين في (القواعد): قد نص الشرع على أن شهادة الزور وأكل مال اليتيم من الكبائر، فإن وقعا في مال خطير فظاهر، وإن وقعا في مال حقير كزبيبة أو تمرة فهذا مشكل، فيجوز أن يجعل من الكبائر فطاما عن هذه المفاسد كشرب قطرة من الخمر، ويجوز أن
(2/1012)

يضبط ذلك المال بنصاب السرقة
قلت: ويؤيد هذا ما سبق في الغصب.
(ص) وخيانة الكيل والوزن.
(ش) لقوله تعالى: {ويل للمطففين} ومطلق الخيانة أيضا من الكبائر قال تعالى: {إن الله لا يحب الخائنين} وفي معني الكيل والوزن: الزرع في المزروعات.
(ص) وتقديم الصلاة وتأخيرها.
(ش) أي: تقديمها على وقتها (144ب) وتأخيرها عنه، بلا عذر من سفر أو مرض، وعليه حملوا حديث الترمذي: ((من جمع بين صلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من الكبائر)) قال ابن حزم: ولا ذنب بعد الشرك أعظم من ترك الصلاة حتى يخرج وقتها، وقتل مؤمن بعير حق وعلم منه من تركها من باب أولى، وهو المراد بقوله: {ما سلككم في سقر} وروى الجريري عن عبد الله بن شقيق
(2/1013)

عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة رواه الحاكم وأخرجه الترمذي دون ذكر أبي هريرة وحكى البغوي في (التهذيب) وجها غريبا: أن من ترك صلاة واحدة فليس بصاحب كبيرة حتى يعتاد ذلك مرارا.
(ص) والكذب على محمد صلى الله عليه وسلم.
(ش) لقوله صلى الله عليه وسلم: ((من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)) بل ذهب الشيخ أبو محمد الجويني إلى أن الكذب عليه كفر، ولا شك أن تعمد الكذب عليه في تحليل الحرام أو تحريم الحلال كفر محض وإنما الخلاف في تعمده فيما سوى ذلك، وفي الحديث: ((من روى عني حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)).
(2/1014)

قال الذهبي: ومن هنا يعلم أن رواية الموضوع لا تحل، وتقييد المصنف الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوهم أن الكاذب على غيره ليس بكبيرة وليس على إطلاقه ومنه الكذاب في غالب أقواله قال تعالى: {إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب} وقال: {قتل الخراصون} وفي الصحيحين: ((إن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب حتى يكتب عند الله كذابا)) ومن محاسن الشريعة: إباحة المعاريض فلا ضرورة حينئذ تدعو إلى الكذب، ولا خلاف في جوازها حيث يضطر إليها كما قاله الراغب وغيره وقيل: ورد: في المعاريض مندوحة عن الكذب وفي الحديث لمن سأله من أين أنت؟ قال: ((من الماء)).
(ص) وضرب المسلم.
(ش) أي: بلا حق أو زيادة على ما يستحقه وفي الصحيح: ((صنفان من أهل النار: قوم معهم كأذناب البقر يضربون بها الناس)) وخص المصنف المسلم،
(2/1015)

لأنه أفحش أنواعه، وإلا فالذمي بغير حق كذلك.
(ص) وسب الصحابة.
(ش) لقوله صلى الله عليه وسلم: ((من عادى لي وليا فقد آذنني بالحرب)) رواه البخاري وقال: ((لا تسبوا أصحابي فوالذي نفس محمد بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)) متفق عليه.
(ص) وكتمان الشهادة.
(ش) لقوله تعالى: {ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} وفي التفسير: أنه مسخ القلب وهذا الوعيد لمن لم يذكر في غيره من الكبائر، قال ابن القشيري: من كتمان الشهادة الامتناع عن أدائها، بعد تحملها، ومنه أن لا يكون عند صاحب الحق علم بأن له شهادة وخانه صاحبه.
(ص) والرشوة.
(ش) لحديث: ((لعنة الله على الراشي والمرتشي)) وهي مثلثة الراء، أن
(2/1016)

يبذل مالا ليستحق باطلا أو يبطل حقا أما من بذل مالا لمن يتكلم في أمره مع السلطان فهو جعالة قاله العبادي وغيره.
(ص) والدياثة والقيادة.
(ش) الأول المستحسن على أهله، والثاني: على أجنبي، قال تعالى: {والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين} وقد روى سليمان بن يسار عن الأعرج حدثنا سالم بن عبد الله عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاثة (145أ) لا يدخلون الجنة: العاق والديه، والديوث ورجلة النساء)) قال الذهبي: إسناده
(2/1017)

صالح لأن بعضهم يقول: عن أبيه عن عمر مرفوعا، قال: فمن كان يظن بأهله الفاحشة ويتغافل لمحبته فيها فهو دون من يعرص عنه ولا خير فيمن لا غيرة له).
(ص) والسعاية.
(ش) أي عند السلطان أي: إنما يضر المسلم وإن كان صدقا قال صاحب (نهاية الغريب): وفي حديث ابن عباس: الساعي لغير رشده، أي: الذي يسعى بصاحبه إلى السلطان ليؤذيه يقول: هو ليس بثابت النسب ولا ولد حلال، ومنه حديث كعب: الساعي مثلث يريد أن نهلك بسعايته ثلاثة نفر: السلطان والمسعى به ونفسه، وفي (الحلية) لأبي نعيم، عن الشافعي رضي الله عنه قال: قبول السعاية أضر من السعاية دلالة والقبول إجازة، وليس من دل على شيء كمن قبل وأجاز، قال:
(2/1018)

والساعي ممقوت إذا كان صادقا لهتكه العورة وإضاعته الحرمة، ويعاقب إن كان كاذبا لمبارزته الله تعالى بقول البهتان، وشهادة الزور.
(ص) ومنع الزكاة.
(ش) لقوله تعالى: {الذين لا يؤتون الزكاة} والمتوعد عليه كبيرة وقد قاتل الصديق مانع الزكاة وأجمع عليه الصحابة، ثم لا يخفى أن المراد المنع المجرد مع الاعتراف بوجوبها فإن جاحدها كافر، والمراد أصلها لا كل فرد حتى لا يكفر جاحد زكاة الفطر، ولا جاحدها في مال الصبي والمجنون وغيره من المختلف فيه، وفي معنى منع الزكاة تأخيرها إذا وجبت لا لعذر.
(ص) ويأس الرحمة وأمن المكر.
(ش) أما الأول، فلقوله تعالى: {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} فمن قال: لا يغفر فقد حجر واسعا وكذب القرآن في قوله تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء} وأضاف بعضهم إليه القنوط، قال تعالى: {ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون} ولك أن تسأل الفرق بينهما وفسر الراغب القنوط باليأس من الخير وفسر اليأس بانتفاء الطمع، قلت: ويحتمل تفسير اليأس بظن لا ينتهي إلى القطع والقنوط بما فوقه وقد اجتمعا في قوله تعالى: {وإن مسه الشر فيئوس قنوط} والثاني كقوله تعالى: {فلا يأمن مكر الله
(2/1019)

إلا القوم الخاسرون} فيسترسل في المعاصي ويتكل على رحمة الله تعالى، قال تعالى: {ذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين} قال بعضهم: من مكر الله تعالى إمهال العبد وتمكينه من أغراض الدنيا، ولهذا قال علي رضي الله عنه: من وسع عليه في دنياه ولم يعلم أنه مكر به فهو مخدوع في عقله.
(ص) والظهار.
(ش) أي وهو قوله لزوجته: أنت علي كظهر أمي، اشتق من الظهر، ودل على تحريمه قوله تعالى: {وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا} لأنهم صيروا كأمهاتهم من لا يكون بمنزلتهن، ولهذا جعلت الكفارة قبل المسيس، ليحل له غشيانها، بخلاف كفارة القتل وغيرها.
(ص) ولحم الخنزير والميتة.
(ش): أي: بغير ضرورة، لقوله تعالى: {إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير} وهو من عطف الخاص على العام.
(ص) وفطر رمضان.
(ش) لأن صومه ركن الإسلام، وروى ((من أفطر يوما من رمضان من غير
(2/1020)

عذر ولا رخصة لم يقضه صيام الدهر)).
(ص) والغلول.
(ش) أي: وهو تدرع الخيانة من الغنيمة وبيت المال والزكاة: قال تعالى: {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} وروي: لا إغلال ولا إسلال أي لا خيانة ولا سرقة (145ب) وقال الإمام أحمد: ما نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الصلاة على أحد إلا على الغال وقتال= نفسه، وما فسرت به الغلول هو الذي قاله الأزهري وغيره وقال أبو عبيد: الغلول من الغنم خاصة، ولا نراه من الخيانة ولا من الحقد فإنه يقال: أغل يغل، ومن الحقد غل يغل بكسر الغين، ومن الغلول: غل يغل الضم، وقال ابن أبي هريرة: تنكية، صورة الغلول من الزكاة أن يخفي ماله لئلا تؤخذ منه الزكاة، أو يقل: لم يحل على مالي الحول، أو لم يكن لي نصاب في جميع الحول، وعرفنا خلاف ما قال.
(ص) والمحاربة.
(ش) لقوله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ...} الآية.
(ص) والسحر.
(ش) ففي الصحيح عده من السبع الموبقات ولأن الساحر لابد أن يكفر، قال تعالى: {ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر}
(ص) والربا.
(2/1021)

(ش) وهو مقابلة مال بمال مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع حال العقد أو مع تأخيره في البدلين أو أحدهما لقوله تعالى: {فأذنوا بحرب من الله ورسوله} وفي الصحيح عده من السبع الموبقات، وفيه: ((لعن آكل الربا وموكله)) قال الشيخ عز الدين في (القواعد): ولم أقف على المفسدة المقتضية لعجله من الكبائر، فإن كونه مطعوما وقيمة الأشياء أو مقدرا، لا يقتضي أن يكون كبيرة، ولا يصح التعليل بأنه لشرفه حرم ربا الفضل وربا النسا فإن من باع ألف دينار بدرهم واحد صح بيعه ومن باع كر شعير بألف كر حنطة، أو مد شعير بألف مد من حنطة، أو مداً من حنطة بمثله، أو ديناراً بمثله وأجل ذلك للحظة - فإن البيع يفسد، مع أنه لا يلوح في مثل هذه الصورتين معنى يصار إليه، قلت: وذكر الغزالي في (الإحياء) في توجيه المفسدة كلاما فلينظر فيه وقال السهيلي: من تأمل أبواب الربا لاح له سر التحريم من جهة الجشع المانع من حسن المعاشرة والذريعة إلى ترك الفرض، وما في التوسعة من مكارم الأخلاق، ولذلك قال تعالى: {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} نبهنا فيه على العلة، ولهذا قالت عائشة: إن تعاطى ما شبهه إلا بطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تقبل صلاته ولا صيامه لأن السيئات لا تحبط الحسنات، ولكن خصت الجهاد بالإبطال، لأنه حرب لأعداء الله وآكل الربا قد آذن بحرب من الله فهو ضده ولا يجتمع الضدان، والظاهر أنه تعبد وكان الذين يتعاطونه يقولون: هذا الربح أخيرا كالربح ابتداء، لو بعت الثوب الذي قيمته عشرة بخمسة عشر، والله تعالى فرق بين الربح في الابتداء وبين الربح في الانتهاء، وله= يحكم بما يريد ولا يجمع بين متفرق.
ويجوز أن يقرأ كلام المصنف بالياء المثناه من تحت فإنه من الكبائر أيضا وفي مسلم في حديث: الشهيد والغازي والمنفق في سبيل الله تعالى يقال لهم: إنما فعلت ليقال، ثم يؤمر بهم فيسحبوا
(2/1022)

إلى النار وصحح الحاكم: ((اليسير من الرياء شرك)).
(ص) وإدمان الصغيرة.
(ش) أي: فإنه بمنزلة الكبيرة، ولهذا أخره المصنف عن الكل، وهذا هو المشهور، وحكى الديبلي في (أدب القضاء) وجها: أنه لا تصير الصغيرة بالمداومة عليها كبيرة، كما لا تصير الكبيرة بالمداومة عليها كفرا. والإدمان يكون باعتبارين: الإصرار بالفعل، والإصرار حكما وهو (146أ) العزم على فعلها بعد فراغه منها،
(2/1023)

فحكمه حكم من كررها فعلا وتعبير المصنف ب (إدمان) تفسير منه للإصرار لهذا قال ابن فورك: الإصرار: الإقامة على الشيء (بالعقد عليه من جهة العزم على فعله، والإصرار على الذنب يقتضي التوبة منه. انتهى. وهل المراد الإدمان) على نوع واحد من الصغائر أم الإكثار من الصغائر سواء كانت من نوع أو أنواع؟ فيه تردد للأصحاب، قال الرافعي: والثاني يوافق قول الجمهور: من غلبت معاصيه طاعته كان مردود الشهادة.
تنبيهان: الأول: إنما عدد المصنف هذه الأنواع لئلا يتوهم حصرها في سبع ولهذا قيل لابن عباس: الكبائر سبع، فقال: هي إلى السبعين أقرب وعن ابن جبير: هي إلى السبعمائة أقرب، قال ابن ظفر: ولا تعد مثل هذا خلافا، فكل معصية كبيرة إذا أضيفت إلى ما هو دونها، فهو إخبار عما استفاده من مقامات الكبائر، ونحوه قال الحليمي: ما من ذنب وإلا في نوعه كبيرة وصغيرة إلا الكفر بالله، فإنه أفحش الكبائر، وليس في نوعه صغيرة، وقد جاءت أحاديث بعدها سبعا، وأحاديث بأكثر من ذلك كما بيناه، فلا مفهوم مخالفة لواحد منها، لأنها لم تتفق على سبعة معينة، بل بينها تفاوت، وطريق الجمع ما قيل في أفضل الأعمال، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخص في كل وقت بعض الكبائر بالذكر لحاجة السامعين حينئذ إلى بيانه على حسب حال بعض الحاضرين، واقتصر في بعض الأحايين على أكبرها كقوله: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر)).
الثاني: لم يراع المصنف ترتبيها، وقال القرطبي: أكبرها الشرك ثم الإياس من رحمة الله تعالى، لأنه تكذيب للقرآن، ثم الأمن من مكر الله تعالى، ثم القتل لأن فيه إذهاب النفس وإعدام الموجود، ثم اللواط، لأن فيه قطع النسل، والزنا، لاختلاط الأنساب، ثم الخمر، لذهاب العقل الذي هو مناط التكليف وقلت:
(2/1024)

ويحتمل جعل عقوق الوالدين بعد الشرك، لأن الله تعالى واحد، فإذا جعل معه ثانيا فقد أشرك، والأب أعظم من على الابن له حق، فإذا استحق به فأحرى بغيره ولهذا قرن بينهما في قوله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا} وقال: {أن أشكر لي ولوالديك} وجاء في بعض الأحاديث العقوق بعد الإشراك.
(ص): مسألة: الإخبار عن عام لا ترافع فيه الرواية، وخلافه الشهادة.
(ش): الفرق بين الرواية والشهادة من مهمات هذا العلم وقد خاض فيه المتأخرون وغاية ما فرقوا بينهما باختلافها في بعض الأحكام كاشتراط العدد والحرية والذكورة، وغيرها، وذلك لا يوجب تخالفهما في الحقيقة، وقال القرافي: وأقمت مدة أتطلب الفرق بينهما حتى ظفرت به في كلام المازري فذكر ما حاصله: أنهما خبران غير أن المخبر عنه إن كان عاما لا يختص بمعين، ولا ترافع فيه إلى الحكام فهو الرواية، وإن كان خاصا بمعين والترافع فيه ممكن فهو الشهادة وإذا لاح الفرق بينهما وصح مناسبة اعتبار العدد في الشهادة استظهاراً دون الرواية - فإنه يدخل من التهمة في إثبات الحقوق المعينة ما لا يدخل في إثباتها في الجملة، فجاز أن تؤكد الشهادة بما
(2/1025)

لا تؤكد الرواية، فلهذا أكدت بالعدد وعدم العداوة وغيرها، لكن قد يعارض هذا بأن الخبر وإن لم يتضمن إثبات الحق على أحد معين، لكن يقتضي إثبات شرع في حق جميع المكلفين، إلى يوم القيامة فالاحتياط فيه أجدر من الاحتياط في إثبات الحق على واحد معين في شيء معين. ويحقق المناسبة وجوه، ذكرها الشيخ عز الدين:
أحدها: أن الغالب (146ب) من المسلمين مهابة الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف شهادة الزور، فاحتيج إلى الاستظهار فيها.
والثاني: أنه قد ينفرد بالحديث النبوي شاهد واحد، فلو لم يقبل لفات على أهل الإسلام تلك المصلحة العامة، بخلاف فوات حق واحد على شخص واحد في المحاكمات.
والثالث: أن بين كثير من الناس والمسلمين إحنا وعداوات تحملهم على شهادة الزور، بخلاف الأخبار النبوية.
(ص): وأشهد إنشاء تضمن الإخبار لا محض إخبار أو إنشاء على المختار.
(ش): تضمن ثلاثة مذاهب:
أحدها: أنه إخبار محض وهو ظاهر كلام اللغويين، قال ابن فارس في (المجمل): الشهادة خبر عن علم، وقال الإمام فخر الدين في تفسير قوله تعالى: {وما شهدنا إلا بما علمنا} فيه دلالة على أن الشهادة، مغايرة للعلم، قال: وليست الشهادة عبارة عن قوله: أشهد، لأن أشهد إخبار عن الشهادة، والإخبار عن الشهادة غير الشهادة، بل الشهادة عبارة عن الحكم الذهني، وهو الذي يسميه
(2/1026)

المتكلمون كلام النفس.
والثاني: أنه إنشاء وإليه مال القرافي لأنه لا يدخله تكذيب شرعا وأما قوله تعالى: {والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} - فعائد إلى تسميتهم ذلك شهادة لأن الإخبار إذا خلا عن مواطأة القلب اللسان لم يكن ذلك حقيقة.
والثالث: أنه إنشاء تضمن الخبر عما في النفس، وفي هذا ما يجمع القولين.
واعلم أن نقل المذاهب هكذا في هذه المسألة لا يوجد مجموعا وإنما يوجد متفرقا في كلام الأئمة بالتلويح، نعم اختلف أصحابنا في قول الملاعن: أشهد بالله هل هو يمين مؤكد بلفظ الشهادة، أو يمين فيها شوب شهادة؟ والصحيح الأول.
(ص): وصيغ العقود كبعث إنشاء، خلافا لأبي حنيفة.
(ش): اختلف في صياغ الخبر المستعملة في الإنشاء كبعث= واشتريت التي قصد بها إيقاع هذه العقود: هل هي على ما كانت عليه من الخبرية، أو نقلت عن الخبرية بالكلية وصارت إنشاء؟ على قولين، قال في (المحصول): ولا شك أنها في اللغة موضوعة للإخبار وقد يستعمل في الشرع لذلك أيضا، وفي استحداث الأحكام، وإنما
(2/1027)

النزاع أنها حيث استعملت لاستحداث أحكام لم تكن من قبل، فهل هي إخبارات باقية على الوضع اللغوي أو إنشاءات؟ الأقرب الثاني. انتهى. وعزاه الهندي للأكثرين وكذلك الأصفهاني، وعزا مقابله للحنفية، قال: وهو اختيار أئمة النظر من علم الخلاف، قال: وهذا تفريع على القول بالنقل الشرعي، إما مطلقا كقول المعتزلة، أو إلى مجازاتها اللغوية، ولا يتأتى هذا التفريع على رأي القاضي، انتهى.
وأما المصنف فنسبه إلى أبي حنيفة وفيه نظر، لأنه لا يعرف لأبي حنيفة فيه نص وغاية ما وقع في كلام المتأخرين نسبته للحنفية، وقد أنكر ذلك القاضي شمس الدين السروجي وكان من أئمة الحنفية العارفين بمذهبه: فقال في (كتاب النكاح من الغاية): وقد حكي عن القرافي أنه نسب ذلك إلى الحنفية، وهذا لا أعرفه لأصحابنا بل المعروف عندهم أنها إنشاءات استعملت، ولهذا قال صاحب (البديع): الحق أنها إنشاء، ولهذا يسأل المطلق رجعيا عن قوله: طلقتك ثانيا وكذا قال غيره من الحنفية، قالوا: وليس معنى كونها إنشاء، في الشرع أنها نقلت عن معنى الإخبار بالكلية (147أ) ووضعها لإيقاع هذه الأمور بل معناه أنها صيغ تتوقف صحة مدلولاتها اللغوية على ثبوت هذه الأمور، من جهة المتكلم، فاعتبر الشرع إيقاعها من جهته بطريق الاقتضاء تصحيحا لهذه الأمور من حيث إن هذه الأمور لم
(2/1028)

تكن ثابتة ولهذا كان جعله إنشاء للضرورة، حتى لو أمكن العمل بكونه إخبارا لم يجعل إنشاء بأن يقول للمطلقة المنكوحة: إحداكما طالق، لا يقع الطلاق، قلت: وكذلك عندنا، إذا قصد الأجنبية وقال بعض المتأخرين: الحق أنها إن جردت عن الخبرية صارت إنشاء لأنها لا تحتمل الصدق والكذب، ولكان العاقد مخبرا عن سابق فلا ينعقد بها، وإن أريد بها إيقاع الفعل كانت إنشاء، وإن أريد بها الإخبار، كانت خبرا. واحتج القائلون بأنها إخبارات في ثبوت الأحكام فإن معنى قولك: (بعت) الإخبار عما في قلبك، فإن أصل البيع هو التراضي ووضعت لفظة (بعت) دلالة على الرضا، فكأنه أخبر بها عما في ضميره ورد بأنه لا يقصد بهذه الصيغ الحكم بنسبة خارجية، فلا تدل (بعت) على بيع آخر غير البيع الذي يقع به ولا معنى للإنشاء إلا هذا، وأيضا لا يوجد فيها خاصية الإخبار أعني احتمال الصدق والكذب للقطع بتخطئة من يحكم عليها بأحدهما.

تنبيه: لا يختص الخلاف في العقد بل يجري في الحلول، كفسخت وطلقت فالطلاق إنشاء ولا يقوم الإقرار مقامه، ولكن يؤاخذ بما أقر به، وبعضهم يجعل الإقرار على صيغته وقرينته إنشاء، فإذا أقر بالطلاق نفذ ظاهرا ولا ينفذ باطنا، وحكي وجه أنه يصير إنشاء حتى تحرم باطنا، قال إمام الحرمين: وهو ملتبس فإن الإقرار والإنشاء يتنافيان فذلك إخبار عن ماض، وهذا إحداث في الحال، وذلك يدخله الصدق والكذب، وهذا بخلافه.
(ص): وقال القاضي: يثبت الجرح والتعديل بواحد، وقيل: في الرواية فقط، وقيل: لا فيهما.
(ش): في الاكتفاء بجرح الواحد، وتعديله في الرواية والشهادة - مذاهب:
(2/1029)

أحدها: الاكتفاء به فيهما، وبه قال القاضي أبو بكر، وعبارته في (التقريب): هذا القول قريب، لا شيء عندنا يفسده، وإن كان الأحوط ألا يقبل في تزكية الشاهد خاصة أقل من اثنين والمخبر قريب من بابه. انتهى.
والثاني: يعتبر العدد فيهما وهو رأي بعض المحدثين ووهاه الإمام.
والثالث: يكتفى به في الرواية دون الشهادة ونسب للأكثر، لأن شرط الشيء لا يزيد على أصله، بل قد ينقص كالإحصان يثبت باثنين وإن لم يثبت الزنا إلا بأربعة فإذا قبلت رواية الواحد فلا تقبل تزكية الواحد أو جرحه فيها أولى، لأن غاية مرتبة الشرط أن يلحق بمشروطه فإذا لم يقبل في الشهادة إلا اثنين لم يقبل في تزكيتها أقل من اثنين.
(ص): وقال القاضي: يكفي الإطلاق فيهما، وقيل: بذكر سببهما، وقيل: سبب التعديل فقط، وعكس الشافعي وهو المختار في الشهادة، وأما الرواية فيكفي الإطلاق إذا عرف مذهب الجارح.
(ش): ينبغي أن تكون الواو في قوله: وقال القاضي - بمعني ثم، لأنه دخول منه في مسألة أخرى، والضمير في قوله: فيهما عائد للجرح والتعديل وحاصله أن في التعرض لسبب الجرح والتعديل مذاهب:
أحدها: أنه يكفي الإطلاق فيهما، ولا يجب ذكر السبب لأنه إن لم يكن بصيرا بهذا الشأن لم يصلح للتزكية، وإن كان (147ب) بصيرا به فلا معنى للسؤال وهذا ما نص عليه في (التقريب) ونقل عنه إمام الحرمين التفصيل الآتي في
(2/1030)

الثالث.
والثاني: يجب ذكر سببهما للاختلاف في أسباب الجرح والمبادرة إلى التعديل بالظاهر.
والثالث: يذكر سبب التعديل دون الحرج، لأن مطلق الجرح يبطل الثقة ومطلق التعديل لا يحصل الثقة، لتسارع الناس إلى الثناء اعتمادا على الظاهر، فلا بد من سبب قال إمام الحرمين: وهذا أوقع في مأخذ الأصول.
والرابع: عكسه يجب في الجرح دون التعديل، وهو قول الشافعي رضي الله عنه، إذ قد يجرح بما لا يكون جارحا، لاختلاف المذاهب فيه، بخلاف العدالة، إذ ليس لها إلا سبب واحد.
والخامس: التفصيل بين الشهادة والرواية، ففي الشهادة يجب السبب في الجرح فقط، وفي الرواية يكفئ= الإطلاق إذا علم أن مذهب الجارح أنه لا يجرح إلا بالمؤثر، لكن أطلق النووي في شرح مسلم أن معنى عدم قبول الجرح المطلق في
(2/1031)

الراوي أنه يجب التوقف عن العمل بروايته إلى أن يبحث عن السبب.
(2/1032)

(ص): وقول الإمامين: يكفي إطلاقهما للعالم بسببهما، هو رأى القاضي إذ لا تعديل وجرح إلا من العالم.
(ش): ذهب إمام الحرمين والرازي إلى تفصيل في المسألة: وهو أنا إن علمنا علم الراوي بأسبابهما، لم يجب ذكر السبب فيهما إذ الراوي يصير عدلا، وإلا أوجبناه ونبه المصنف على أن هذا ليس بمذهب، خلاف ما تقدم، بل هو راجع إلى كلام القاضي، لأنه إذا لم يكن عارفا بشروط العدالة، لم يصلح للتزكية، فقوله: (للعالم) أي: بأسباب الجرح والتعديل فإن العالم المتقن لا يجرح بأمر مختلف فيه.
(ص): والجرح مقدم إن كان عدد الجارح أكثر من المعدل إجماعا، وكذا إن تساويا أو كان الجارح أقل، وقال ابن شعبان: يطلب الترجيح.
(ش): إذا تعارض الجرح والتعديل، فإما أن يكون عدد الجارح أقل من المعدل أو أكثر أو يتساويا، فإن كان الجارح أكثر قدم بالإجماع، كذا قال المازري والباجي وغيرهما، لاطلاعه على زيادة لم ينفها المعدل، وإن تساويا فكذلك وحكى
(2/1033)

القاضي في (مختصر التقريب) الإجماع عليه أيضا، لكن ابن الحاجب حكى قولا أنهما يتعارضان ولا يترجح أحدهما إلا بمرجح، وإن كان الجارح أقل فالجمهور على تقديم الجرح أيضا لما سبق، وقيل: يقدم المعدل بزيادة عدده وقال ابن شعبان المالكي: يطلب الترجيح، حكاه عنه المازري واعلم أن القول بتقديم الجرح إنما يصح بشرطين ذكرهما ابن دقيق العيد:
أحدهما: مع اعتقاد المذهب الآخر، وهو أن الجرح لا يقبل إلا مفسرا.
والثاني: أن يكون الجرح بناء على أمر مجزوم به، أي: بكونه جارحا لا بطريق اجتهادي كما اصطلح عليه أهل الحديث في الاعتماد في الجرح على اعتبار حديث الراوي مع اعتبار حديث غيره، والنظر إلى كثرة الموافقة والمخالفة والتفرد والشذوذ.
(ص): ومن التعديل حكم مشترط العدالة بالشهادة، وكذا عمل العالم في الأصح، ورواية من لا يروي إلا للعدل.
(ش): التعديل يحصل بالتزكية الصريحة، بأن يقول: هو عدل ويذكر سببه، فيقول: لأني رأيت منه كذا، أو لا يذكره إن لم توجبه، وكذا السماع المتواتر والمستفيض بالعدالة، قال القرافي: وقد نص الفقهاء على أن من عرف بالعدالة لا تطلب له تزكية وسكت عنه المصنف لوضوحه، ويحصل بالضمني وهو الذي ذكره المصنف لغموضه وله مراتب (148أ):
(2/1034)

أحدها: وهو أعلاها: أن يحكم الحاكم بشهادته لأنه لو لم يكن عدلا لما جاز بناء الحاكم على شهادته وهذا إذا كان الحاكم مستوفى العدالة، وهذا القيد ذكره الآمدي وغيره، ولا بد منه، وأهمله في (المنهاج)، ثم فيه شيئان:
أحدهما: أن هذا إنما يقدح إذا منعنا حكم الحاكم بعلمه، فإن جوزناه فحكمه بالشهادة ظاهر، أيقوم معه احتمال أنه حكم بعلمه باطنا، وهذا يقدح في جعل الغزالي هذه المرتبة أقوى من التعديل بالقول، وحينئذ يتجه التفصيل الآتي في التي بعدها، فإن علم يقينا أنه حكم بشهادته فتعديل، وإن لم يعلم يقينا فلا، وهو ما اقتصر عليه العبدري في (شرح المستصفى).
الثاني: أن هذه المرتبة من خواص الشهادة دون الرواية، لكنهم ذكروها في تعديل الراوي بالاستلزام.
ثانيها: عمل العالم بروايته تعديل إذا علم منه أنه عمل بها لا على وجه الاحتياط ونقل الآمدي فيه الاتفاق لكن الخلاف محكي في (البرهان) و (المحصول) وغيرهما فلهذا عبر المصنف بالأصح، قال إمام الحرمين: عمل
(2/1035)

الراوي بما رواه مع ظهور إسناده العمل إلى الرواية قال قائلون: إنه تعديل، وقال آخرون: ليس بتعديل والذي أراه: إذا ظهر أن مستند فعله ما رواه ولم يكن ذلك من مسالك الاحتياط - فهو تعديل، وإن كان ذلك في سبيل الاحتياط فليس بتعديل، لأن المجرح يتوقى الشبهات كما يتوقى الجليات وفصل الشيخ تقي الدين ابن تيمية بين أن يعمل بذلك في الترغيب والترهيب دون غيرهما.
وثالثها: وهو أدناها: رواية العدل عنه، قيل: تعديل مطلقا، وقيل: عكسه والأصح: التفصيل: إن علم عادته أنه لا يروي إلا من عدل كيحيى بن
(2/1036)

سعيد القطان، وشعبة، ومالك - فهو تعديل وإلا فلا قال المازري: وهو قول الحذاق وهو المختار في (الإحكام).
ثم هنا أمران:
أحدهما: أن هذا تفريع على جواز تعديل الراوي لمن روى عنه، وفي باب الأقضية من (الحاوي) حكاية وجهين في أنه هل يجوز للراوي تعديل من روى عنه كالخلاف في تزكية شهود الفرع للأصل.
الثاني: النظر في الطريق التي يعرف بها كونه لا يروي إلا عن عدل، فإن كان ذلك بتصريحه فهو الغاية، وإن كان ذلك باعتبارنا بحاله في الرواية، ونظرنا إلى أنه لم يرو عمن عرفناه إلا عن عدل، فهذا دون الدرجة الأولى ذكره ابن دقيق العيد قال: وهل يكتفى بذلك في قبول روايته عمن لا يعرفه؟ فيه وقفة لبعض أصحاب الحديث من المعاصرين وفيه تشديد.
(ص) وليس من الجرح ترك العمل بمرويه والحكم بمشهوده.
(ش) أي: لأنه يتوقف في رواية العدل وشهادته، لأسباب أخر غير الجرح
(2/1037)

وقال القاضي: إن تحقق تركه له مع ارتفاع الموانع كان جرحا، وإن لم يثبت قصده إلى مخالفته لم يكن جرحا (واعلم أن مرادهم ليس جرحا، أي: ليس دليلا على الفسق وإن كان دليلا على عدم اعتبار شهادته وروايته وإلا لفسق التارك بذلك).
(ص): ولا الحد في شهادة الزنا ونحو النبيذ.
(ش): فيه مسألتان:
إحداهما: ليس من الجرح الحد في الشهادة بالزنا، إذا لم يكمل النصاب، لأن الحد لأجل نقص العدد، لا لمعنى في الشاهد وهذا بناء على أظهر قولي الشافعي رضي الله عنه، فيما إذا شهد ثلاثة بالزنا، أنهم يحدون، لقصة المغيرة، وألحق الرافعي به جارح الراوي بذكر الزنا إذا لم يوافقه غيره حتى يكون قاذفا على الأصح، وخالفه النووي وقال المختار (148ب) أو الصواب: أنه لا يجعل قاذفا لأنه معذور في شهادته بالجرح فإنه مسؤول عنها، وهي في حقه فرض كفاية أو متعينة بخلاف شهود الزنا فإنهم مندوبون إلى الستر فهم مقصرون، وما قاله النووي هو الذي قطع به الشيخ أبو حامد والقاضي الحسين، وغيرهما، ولم يخرجوه على الخلاف في شهود الزنا.
الثانية: ليس من الجرح ارتكاب ما اختلف فيه، وقال بحله بعض العلماء في مسألة اجتهادية كشرب النبيذ الذي لا يسكر، ولهذا قال الشافعي رضي الله عنه، في الحنفي: أحده، وأقبل شهادته، لما سبق في الكلام على المفسق المظنون، وكذلك قال: لا أرد شهادة المستحل لنكاح المتعة والمفتي به والعامل به وهذا بناء على أنه فسقه مظنون كما سبق وخالف مالك، واعتقد أنه مقطوع، فقال: أحده للمعصية، وأرد شهادته لفسقه وقال القرافي: وهو أوجه من قول الشافعي رضي الله عنه، لسلامته من التناقض ولأن هذا منع التقليد فيه، فمن قلد فيه بمثابة من لم يقلد فيكون عاصيا فيفسق وليس
(2/1038)

كما قال فإن مأخذ الحد ورد الشهادة مختلف فالحد للزجر، فلم يراع فيه مذهب المخالف، والرد لارتكاب الكبيرة عند فاعلها وهذا متأول في شربه فعذر بتأويله واعلم أن هذه المسألة مكررة مع قوله: فيما سبق ويقبل من أقدم على مفسق مظنون.
(ص) ولا التدليس بتسمية غير مشهورة قال ابن السمعاني: إلا أن يكون بحيث لو سئل لم يبينه.
(ش) أي: ليس من الجرح التدليس بالتسمية الغريبة لوقوعه من الأكابر كسفيان وغيره، لأنه محقق في نفس الأمر، واستثنى ابن السمعاني ما إذا لم ينبه عليه لو سئل عنه، لأنه تزوير وإيهام لما لا حقيقة له، وذلك يؤثر في صدقه بخلاف ما لو كان إذا (سئل عنه أخبر باسمه، أو أضاف الحديث إلى ناقله فقد كان سفيان ابن عيينة يدلس فإذا) سئل عمن حدثه بالخبر نص على اسمه ولم يكتمه، وفصل
(2/1039)

الآمدي بين أن يكون تغيير الاسم لضعف المروي عنه فيكون مجروحا، وإن كان لصغر سن المروي عنه، أو لأن المروي عنه اختلف في قبول روايته وهو يعتقد قبولها كأهل البدع، فلم يذكر باسمه المشهور حتى لا يقدح فيه فلا يكون جرحا، وهذا هو الظاهر لأن الأول يوجب العمل بخبر غير الثقة بخلاف الثاني، وسكت عما إذا لم يعلم تغييره لماذا وهو محتمل.
(ص) ولا باعطاء شخص اسم آخر تشبيها كقولنا: أبو عبد الله الحافظ يعني: الذهبي، تشبيها بالبيهقي يعني: الحاكم.
(ش) عادة البيهقي فيما يرويه عن شيخه الحاكم أن يقول: حدثنا أبو عبد الله الحافظ، والمصنف رحمه الله يقول في بعض مصنفاته: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ يعني: به الذهبي نبه على أن هذا ليس من التدليس، للعلم بالمقصود وظهوره.
(ص) ولا بإيهام اللقى والرحلة.
(ش) كقولنا: حدثنا وراء النهر موهما جيحون ويشير إلى نهر عيسى ببغداد، أو الجيزة بمصر، لأن ذلك من المعاريض لا من الكذب، قاله في (الإحكام).
(ص): أما مدلس المتون فمجروح.
(2/1040)

(ش) قال الأستاذ أبو منصور: وهو الذي يسميه المحدثون بالمدرج، أي أنه أدرج كلامه مع كلام النبي صلى الله عليه وسلم ولم يميز بينهما فيظن أن جميعه لفظ النبي صلى الله عليه وسلم وهو عكس رواية بعض الحديث.
(ص) مسألة: الصحابي: من اجتمع مؤمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم وإن لم يرو ولم يطل، بخلاف التابعي مع الصحابي، وقيل: يشترطان وقيل: أحدهما، وقيل: الغزو أو سنة.
(ش) (من) موصولة بمعنى: الذي، وهو مع الاجتماع جنس، (ومؤمنا) حال من الموصول، وهو (149أ) فصل يخرج المجتمع حال كفره، (وبمحمد) صلى الله عليه وسلم فصل ثان يخرج المجتمع بغيره، وإنما غير المصنف لفظة: (رأى) الواقع في مختصر ابن الحاجب وغيره لأنك إن نصبت النبي في قولهم: رأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ظاهر - لم يطرد، لورود ابن أم مكتوم وأبي وغيرهما من عميان الصحابة، فإنهم لم يروه ولم ينعكس لأن من رآه في
(2/1041)

النوم فقد رآه حقا وليس بصحابي وإن رفعت لزم أن يكون من وقع بصر محمد صلى الله عليه وسلم عليه صحابيا وإن لم يقع بصره على محمد صلى الله عليه وسلم ولا قائل به ولو قيل به لزم أن يكون كل من عاصره بهذه المثابة، لأنه كشف له ليلة الإسراء وغيرها عنهم أجمعين ورآهم كلهم فلهذا عدل المصنف إلى لفظة الاجتماع وزاد الإيمان وقد ذكره ابن الصلاح من المحدثين، والآمدي من الأصوليين ولا بد منه، فإن من اجتمع كافرا به صلى الله عليه وسلم لا تثبت له صحبة، قاله البخاري في (صحيحه) حيث قال: من صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه.
وحكاه القاضي عياض وغيره عن أحمد بن حنبل، وأشار بقوله: وإن لم يرو ولم يطل - إلى الاكتفاء بمجرد الرواية والصحبة ولو ساعة، سواء روى عنه أو لم يرو عنه، وسواء اختص به أم لا، وهو مقتضى لفظ الصحبة من حيث الوضع بدليل أنه يصح تقسيم الصحبة إلى الصحبة ساعة وإلى الصحبة مدة طويلة، وكذا يصح أن يقال: صحبه ولم يرو عنه، وأشار بقوله: بخلاف التابعي إلى أنه لا يكتفى في كون الشخص تابعيا بمجرد اجتماعه بالصحابي كما يكتفى في الصحابي والفرق أن طلعة المصطفى صلى الله عليه وسلم ينطبع من رؤيتها أو مجالستها نور لا يتهيأ لأحد من خلق الله مثله فالمرجع في تفسير التابعي إلى العرف. وقيل يشترطان، أي: طول المجالسة والرواية عنه وقيل تشترط الرواية (ولا تشترط الصحبة الطويلة، وقيل: تشترط) الصحبة الطويلة ولا تشترط الرواية، وهذا مراد المصنف بقوله: وقيل: أحدهما، لأنه لم يذهب أحد إلى اشتراط الرواية، دون المجالسة كما يوهمه ظاهر هذه العبارة قال
(2/1042)

الهندي: والخلاف لفظي، والوضع يصحح مذهب االأولين، والعرف مذهب المتأخرين، وكذا قال ابن الحاجب، لكن لفظه وإن ابتنى عليه الخلاف في تعديلهم وقيل: يشترط الغزو أو مدة سنة، وهو قول سعيد بن المسيب، حكاه ابن الصلاح وهو ضعيف يلزم منه إخراج جرير بن عبد الله ووائل بن حجر.
(2/1043)

ومعاوية بن الحكم السلمي ممن وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تسع وبعده، فأسلم وأقام بعده أياما، ثم رجع إلى قومه وروى عنه أحاديث، ولا خلاف في أنهم من الصحابة.
(ص): ولو ادعى المعاصر العدل الصحبة قبل وفاقا للقاضي.
(ش): لأن وازع العدل يمنعه من الكذب وإنما حكاه المصنف عن القاضي لأن كلام ابن الحاجب يقتضي أن المسألة غير منقولة، وتوقف فيها من حيث إنه يدعي رتبة لنفسه، فهو متهم فيها كما لو قال: أنا عدل.
(2/1044)

(ص): والأكثر على عدالة الصحابة وقيل: هم كغيرهم، وقيل: إلى= قتل عثمان، وقيل: إلا من قاتل عليا.
(ش): جمهور الخلف والسلف على أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم عدول فلا حاجة إلى الفحص عن عدالتهم، لقوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} والخطاب للموجودين، قال إمام الحرمين: ولعل السبب فيه أنهم حملة الشريعة، فلو ثبت توقف في روايتهم لانحصرت الشريعة على عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم (149ب) ولما استرسلت على سائر الأعصار، وقيل: إن حكمهم في العدالة كغيرهم فيجب البحث عنها ومعرفتها في كل واحد منهم، ومنهم من زعم أن الأصل فيهم العدالة إلى أيام قتل عثمان لظهور الفتن، ومنهم من زعم أن من قاتل عليا فهو فاسق لخروجهم
(2/1045)

على الإمام الحق. وهذه المذاهب كلها باطلة، سوى مذهب الجمهور.
(ص): مسألة المرسل: قول غير الصحابي: قال النبي صلى الله عليه وسلم.
(ش): غير الصحابي يشمل التابعي وتابع التابعي، وهلم جرا، هذا قول الأصوليين، وأما المحدثون فيخصونه بالتابعين، وبعضهم بكبار التابعين كسعيد
(2/1046)

بن المسيب فإن سقط واحد قبل التابعي، كقول من روى عن سعيد بن المسيب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسمى منقطعا، وإن سقط أكثر سمي معضلا، وعلى هذا فتفسير الأصوليين أعم، فما انقطع دون التابعي مرسل عند الأصوليين، منقطع عند المحدثين، وعلم من كلامه: أنه لا مرسل للصحابة، وهو كذلك، وسيأتي.
(ص): واحتج به أبو حنيفة ومالك والآمدي مطلقا، وقوم إن كان المرسل من أئمة النقل، ثم هو أضعف من المسند خلافا لقوم، والصحيح رده، وعليه الأكثر منهم الشافعي والقاضي، قال مسلم: وأهل العلم بالأخبار.
(ش): اختلف في قبول المرسل على مذاهب:
أحدها: أنه حجة مطلقا، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد في أشهر الروايتين واختاره الآمدي.
(2/1047)

والثاني: يقبل مرسل من هو من أئمة النقل دون غيره، وهو قول عيسى بن أبان، واختاره ابن الحاجب، وصاحب (البديع) وأئمة النقل، يدخل فيه الصحابة والتابعون وتابعو التابعين، ثم هو على القول بكونه حجة أضعف من المسند خلافا لقوم من الحنفية، حيث زعموا أنه أقوى من المسند.
والثالث: أنه ليس بحجة، وعليه الشافعي واختاره القاضي أبو بكر، وقال مسلم في (صحيحه): المرسل في أصل قولنا، وقول أهل العلم، بالأخبار ليس بحجة، فلهذا نقله المصنف عن الأكثر، وفي ذلك فائدة، وهي الرد على من زعم أن الشافعي أول من أبى قبول المرسل، وفي تسوية المصنف بين الشافعي رضي الله عنه، والقاضي في الإنكار مطلقا نظر، فإن الشافعي رضي الله عنه، قبله في بعض المواضع، قال القاضي: ونحن لا نقبل المراسيل مطلقا، ولا في الأماكن التي قبلها فيه الشافعي رضي الله عنه، حسما للباب، بل زاد القاضي فأنكر مرسل الصحابي إذا احتمل سماعه من تابعي نص عليه في (التقريب).
(2/1048)

(ص): فإن كان لا يروي إلا عن عدل كابن المسيب - قبل، وهو مسند.
(ش): هذا إشارة إلى توسط في المسألة، وتنزيل كلام الشافعي رضي الله عنه عليه، وهو التفصيل بين أن يكون المرسل من عادته الرواية عن العدل وغيره، فليس بحجة، وهو قول الشافعي رضي الله عنه بإطلاق المنع، وإن كان إماما عالما بالقوادح، وعادته أن لا يروي إلا عن عدل - فمرسله حجة، فإذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا بالغ في ثقته عمن روى له، ولأن مأخذ رد المرسل عند الشافعي رضي الله عنه إنما هو احتمال ضعف الواسطة، وأن المرسل لو سماه لبان أنه لا يحتج به، فإذا علم من عادة المرسل أنه لا يسمي إلا ثقة - كان مرسله حجة والتحق بالمسند. وقد أشار إمام الحرمين إلى أن هذا مذهب الشافعي رضي الله عنه مستندا إلى قوله: وأقبل مراسيل ابن المسيب، لأني اعتبرتها فوجدتها لا ترسل إلى عمن يقبل خبره، قال: ومن هذا حاله أحببت (150أ) مراسيله، وفي هذا فائدتان:
إحداهما: أن الشافعي رضي الله عنه لا يرد المرسل مطلقا.
والثانية: أنه لا يخص القبول بمرسل سعيد كما فهمه جماعة، فلهذا جعل
(2/1049)

المصنف الضابط انحصار روايته عن العدل، نعم جعله كالمسند فيه نظر، لما سنذكره عن الشافعي رضي الله عنه أنه جعله صالحا للترجيح، وقال النووي في (الإرشاد): اشتهر عند فقهاء أصحابنا أن مرسل سعيد حجة عند الشافعي رضي الله عنه وليس كذلك، وإنما قال الشافعي في (مختصر المزني): وإرسال ابن المسيب عنده حسن، فذكر صاحب (المهذب) وغيره من أصحابنا في أصول الفقه في معنى كلامه وجهين:
أحدهما: أن مراسيله حجة، لأنها فتشت فوجدت مسانيد.
والثاني: ليس بحجة، بل هي كغيرها وإنما رجح الشافعي به، والترجيح بالمرسل صحيح وحكاه الخطيب ثم قال: الصحيح عندنا الثاني، لأن في مراسيل سعيد: ما لم يوجد مسندا بحال من وجه يصح وذكر البيهقي نحوه، وأن الشافعي لم يقبل مراسيل لابن المسيب حيث لم يجد لها ما يؤكدها وإنما يزيد ابن المسيب على غيره أنه أصح التابعين إرسالا فيما زعم الحفاظ، قال النووي: فهذا كلام الخطيب والبيهقي وهما ماهران في معرفة نصوص الشافعي وطريقته، وأما قول القفال في شرح (التلخيص): قال الشافعي في (الرهن الصغير) مرسل ابن المسيب حجة عندنا - فهو محمول على ما قاله الخطيب والبيهقي.
(ص): وإن عضد مرسل كبار التابعين ضعيف مرجح كقول صحابي، أو فعله، أو الأكثر إسنادا أو إرسالا، أو قياس، أو انتشار أو عمل العصر - كان المجموع حجة، وفاقا للشافعي لا مجرد المرسل ولا المنضم.
(2/1050)

(ش): عمدة الشافعي في رد المراسيل أن حذف الواسطة يخرم الثقة ويتطرق التردد إلى الخبر فحيث اقترن به ما يؤكده ويغلب على الظن الثقة به -فإنه يقبله وذلك يتناول صورا:
إحداها: أن يعتضد بقول صحابي أو فعله، فإن الظن يقوى عنده.
ثانيها: بقول الأكثر من أهل العلم وظن القاضي أن الشافعي رضي الله عنه يريد الإجماع أو قول العوام، فردد عليه الكلام وإنما أراد أكثر أهل العلم.
ثالثها: أن يسنده غير مرسله، قال في (المحصول): وهذا في سند لم تقم الحجة بإسناده يعني وإلا فالعمل حينئذ بالمسند.
رابعها: أن يرسله راو آخر يروي عن غير شيوخ الأول.
خامسها: أن يعضده قياس.
سادسها: أن ينتشر ولا نكير.
سابعها: أن يعضده عمل أهل العصر، وبه أشار المصنف بقوله: (كان المجموع حجة) إلى الجواب عما اعترض به القاضي وغيره على الشافعي في هذه المواضع بأن قول الصحابي لا يحتج به كغيره، وكذا قول الأكثر ومجيئه مرسلا وضمه الضعيف إلى الضعيف لا يوجب القبول، وأجاب المحققون بأن مراد الشافعي أن
(2/1051)

الاحتجاج بالمجموع، فإن حالة الاجتماع تفيد ظنا غالبا، وهذا شأن كل ضعيفين اجتمعا، لأن الظن يتقوى، فلا يلزم من عدم الاحتجاج بالأضعف عدم الاحتجاج بالأقوى، ولم يعتمد الشافعي على مجرد المرسل ولا على المنضم إليه، ونظيره خبر الواحد إذا احتفت به القرائن يفيد القطع عند قوم، مع أنه لا يفيد ذلك بمجرده ولا القرائن بمجردها، فإن قيل: هذا صحيح إذا كان المنضم إليه ضعيفا، فإن كان قويا كالمسند فالعمل حينئذ بمجرد المنضم، ولهذا قال ابن الحاجب: الأول غير وارد (على الشافعي والثاني وارد.
قلنا: بل هو غير وارد) أيضا، لأنه إذا أسنده غير مرسله، فقد انضم مسند إلى مرسل، وذلك يوجب التقوية (150ب) أيضا، وحتى لو عارض مسندا آخر يكون راجحا عليه، لكونه مسندا ومرسلا معا، والآخر مسند فقط.
تنبيهات: الأول: أن من تأمل نصوص الشافعي في (الرسالة)، وجدها مصرحة بأنه لم يطلق القول بأن المرسل حينئذ يصير حجة مطلقا كما نقله المصنف وغيره، بل سوغ الاحتجاج به، ولهذا قال الشافعي بعد ذلك: ولا أستطيع أن أقول: الحجة تثبت به كثبوتها بالمتصل. انتهى. وفائدة ذلك أنه إذا عارضه متصل كان المتصل مقدما عليه، ولو كان حجة مطلقا لتعارضا، وقد قال القاضي في (التقريب): قال الشافعي: في هذه المواضع أستحب قبوله، ولا أستطيع أن أقول: الحجة تثبت به ثبوته بالمتصل، قال: فقد نص على أن القبول عند هذه الأمور مستحب لا واجب، لكن قال البيهقي: مراده بقوله: أجبنا، اعتبرنا.
الثاني: نبه بقوله (كبار التابعين) على أن هذه الأسباب تختص بهم دون صغارهم، وإلى هذا أشار الشافعي في (الرسالة) فيستدل به على إطلاق (المنهاج)
(2/1052)

و (المختصر) وغيرهما اعتضاد مطلق المرسل بهما، وإنما قرن نفس كبار التابعين وصغارهم هنا، لأن المأخذ عنده مزيد القوة، وذلك موجود في كبار التابعين دون غيرهم.
الثالث: قوله: (ضعيف) فاعل (عضده) وقوله: (مرجح) صفة له أي ضعيف صالح للترجيح، ليحترز به عن ضعيف لا يصلح للترجيح فلا أثر له، وكذا القوي، إذ لا حاجة له بالمرسل، إلا أن ذكره المسند في أمثلة المرجح الضعيف منتقد، فلو قال: أو إسناد غير منتهض، لاستقام.
(ص): فإن تجرد ولا دليل سواه فالأظهر الانكفاف لأجله.
(ش): هذا الذي رجحه توسط بين قولين، فإن الماوردي في باب الربا من (الحاوي) زعم أن الشافعي يحتج بالمرسل إذا لم يجد في الباب دلالة سواه، وإن لم يكن شيء من الرجحان، وقال البيهقي: قال الشافعي: يقبل مراسيل كبار التابعين إذا انضم إليها ما يؤكدها فإن لم ينضم إليها ما يؤكدها لم يقبلها سواء كان مراسيل ابن المسيب وغيره.
(ص) مسألة: الأكثر على جواز نقل الحديث بالمعنى للعارف، وقال الماوردي: إن نسي اللفظ وقيل: إن كان موجبه علما، وقيل: بلفظ مرادف وعليه الخطيب ومنعه ابن سيرين، وثعلب، والرازي، وروي عن ابن عمر.
(ش) في رواية الحديث بالمعنى مذاهب:
أحدها: يجوز ويجب قبوله، كما لو روي باللفظ، وبه قال الأئمة الأربعة وأكثر السلف، لكن بشرط أن يكون الراوي عارفا بدلالات الألفاظ واختلاف مواقعها، وأن لا يزيد ولا ينقص فيه، ويساوي الأصل في الجلاء والخفاء وشرط
(2/1053)

إمام الحرمين أن يقطع بالتساوي يعني فلو ظن ذلك لم يجز، لأن الخطاب تارة يقع بالمحكم، وأخرى بالمتشابه وغير ذلك مما لله تعالى فيه من حكمة، فلا يجوز تغيرها عن موضعها.
الثاني: يجوز إن نسي اللفظ، لأنه قد تحمل اللفظ والمعنى وعجز عن أحدهما، فيلزمه أداء الآخر، لا سيما أن تركه قد يكون كتما للأحكام، فإن كان يحفظ اللفظ لم يجز أن يؤديه بغيره، لأن في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم من الفصاحة ما لا يوجد في غيره، وهذا قول الماوردي في (الحاوي) لنفسه، وجعل محل الخلاف في الصحابي وأما غير الصحابي فلا يجوز له قطعا.
الثالث: إن كان يوجب العلم من ألفاظ (151أ) الحديث، فالمعول فيه على المعنى، ولا يجب مراعاة اللفظ، وأما الذي يجب العمل به منها، فمنه ما لا يجوز الإخلال بلفظه، كقوله: ((تحريمها التكبير وتحليلها التسليم)) و ((خمس يقتلن في الحل والحرام)) حكاه ابن السمعاني وجها لبعض أصحابنا.
(2/1054)

والرابع: يجوز إبدال اللفظ بما يرادفه دون غيره، وعليه الخطيب البغدادي.
والخامس: المنع مطلقا، سواء كان عارفا بدلالة الألفاظ أم لا، وهو مذهب ابن سيرين واختاره ثعلب وأبو بكر الرازي من الحنفية ورواه ابن السمعاني عن ابن عمر.
(2/1055)

(ص) مسألة: الصحيح يحتج بقول الصحابي: قال صلى الله عليه وسلم.
(ش) أي حملا على سماعه منه، لأن الظاهر من حال الصحابي: أنه لا يجزم بذلك إلا فيما سمعه وحكى الآمدي وابن الحاجب عن القاضي أنه متردد بين أن يكون قد سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم وبين غيره، فينبني على عدالة جميع الصحابة، من يقول بعدالتهم فحكمه حكم ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ومن لم يقل بها فكالمرسل وهذا هو مقابل الصحيح في كلام المصنف لكنه زعم في (شرح المختصر)، أنه لا خلاف في ذلك، وأن حكاية ابن الحاجب والآمدي عن القاضي أبي بكر وهم.
وكذا قال الهندي في (النهاية) في كلامه على المرسل، فأما الصحابي إذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مقبول لا يتجه فيه خلاف، لظهوره في الرواية عنه صلى الله عليه وسلم وبتقدير روايته عن الصحابي فغير قادح لثبوت عدالتهم، وأما احتمال روايته عن تابعي
(2/1056)

فنادر، قلت: لكن القاضي في (التقريب) لما ذكر المرسل واختار رده - قال: وكذلك مرسل الصحابي إذا احتمل سماعه من تابعي، وهو مذهب الأستاذ أبو إسحاق وأغرب ابن برهان في (الأوسط) فقال: إنه الأصح، ويتحصل من كلامهم خلاف في سبب المنع، وإن كان الكل عدولا، هل هو احتمال روايته عن تابعي أو عن صحابي قام به مانع كسارق رداء صفوان ونحوه، وقال ابن الأثير: ظاهره النقل وليس نصا صريحا فيه إذ يقول الواحد منا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمادا على ما نقل إليه وإن لم يسمعه منه.
(ص) وكذا عن وإن على الأصح.
(ش) لظهوره في السماع، وصححه البيضاوي والهندي، وليس مقابل الأصح المنع، بل التوقف، كما يقتضيه كلام (المحصول) وأما الخلاف في (إن) فإنما ذكره المحدثون بالنسبة إلى غير الصحابي، قال ابن عبد البر: ذهب أبو بكر البرديجي أن حرف (إن) محمول على الانقطاع حتى يتبين السماع في ذلك الخبر بعينه من جهة أخرى قال: والجمهور على أن (عن) و (إن) سواء إذا ثبت السماع واللقي. انتهى.
نعم، لا تبعد التسوية بين (عن) و (إن) في إجراء الخلاف بالنسبة للصحابي أيضا، ثم رأيت الهندي صرح به في (عن)، فقال: منهم من ذهب إلى أنه ظاهر في
(2/1057)

أنه أخبره به إنسان آخر عنه عليه الصلاة والسلام وهو ساقط كما سبق في المرسل.
(ص) وكذا: سمعته أمر ونهى.
(ش) أي على الأصح لأنه وإن اختلف في صيغ الأمر والنهي، وأن الأمر نهي عن أضداده إلى غير ذلك - فالظاهر منه مع معرفته باللغة وعدالته أنه لا يطلق ذلك إلا عند تحققه، وحكى القاضي في (التقريب) عن بعض أهل العلم: أنه ليس بحجة، لاحتمال أن يظن ما ليس بأمر أمرا.
(ص) أو أمرنا.
(ش) أمر بصيغة البناء للمفعول، لانصرافه إلى من له الأمر وهو النبي صلى الله عليه وسلم فيكون حجة، وعن الصيرفي والكرخي أنه متردد بين أمره كل الأمة، أو بعض الولاة.
(ص) أو حرم وكذا: رخص، في الأظهر.
(ش) لأن ذلك وإن احتمل أن مسنده استنباط أو قياس، لكونه من الشرع فيضيفه إليه صلى الله عليه وسلم (151ب) لكنه ضعيف وفي حكاية المصنف الخلاف نظر، فقد قال الشيخ أبو إسحاق في (التبصرة): إذا قال صحابي: أرخص لنا بكذا - يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا خلاف.
(ص) والأكثر يحتج بقوله: من السنة.
(ش) حملا له على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه المتبادر عند الإطلاق، وهذا ما
(2/1058)

عليه الإمام والآمدي، والمتأخرون، ويؤيده قول الشافعي في (الأم) في باب عدد الكفن: ابن عباس والضحاك ابن قيس صحابيان، لا يقولان السنة، إلا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخالفه الصيرفي والكرخي والمحققون كما نقله الإمام في (البرهان) لاحتمال أن يريد به غير سنة الرسول ويشهد له قول الصيدلاني في أسنان إبل الخطأ: أن الشافعي في القديم كان يرى أن ذلك مرفوع إذا صدر من الصحابي أو التابعي ثم رجع عنه لأنهم قد يطلقونه ويريدون به سنة البلد.
(2/1059)

فإن قلت: يخرج من هذا، أن هذا لا يختص بالصحابي، ولهذا ذكر الشافعي قول سعيد بن المسيب في إعسار الرجل بالنفقة، يفرق بينهما، فقيل له: سنة؟ فقال: (نعم) قال الشافعي: فيشبهه أن يريد سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قلت: مراده أنه يصير مرسلا، وحينئذ فلا يحتج به إلا مع الاعتضاد بما سبق، بخلاف ما إذا كان قائله صحابيا فإنه لا إرسال فيه.
(ص) فكنا معاشر الناس، أو كان الناس يفعلون في عهده صلى الله عليه وسلم
(ش) لأن الظاهر من حال الصحابي قصد تعليم الشرع، وحكاه الهندى عن الأكثرين، وقال المصنف: لا يتجه أن يكون فيه خلاف، لتصريحه بنقل الإجماع المعتضد بمعرفة النبي صلى الله عليه وسلم.
(ص) فكنا نفعل في عهده، فكان الناس يفعلون فكانوا لا يقطعون في الشيء التافه.
(ش) هذه ثلاث صيغ متفاوتة، وهي دون ما قبلها، فلهذا أتى بالفاء:
أولها: أن لا يصرح بجميع الناس، وهو دون ما قبلها، لأن الضمير في كنا، يحتمل طائفة مخصوصة، وحكى ابن الصلاح عن أبي بكر الإسماعيلي إنكار كونه من المرفوع أما إذا قال: كنا نفعل ولم يضفه لعهد النبي صلى الله عليه وسلم فموقوف بلا خلاف.
(2/1060)

ثانيها: أن لا يصرح بعهده صلى الله عليه وسلم وهي دون ما قبلها من جهة عدم التصريح بالعهد، لكنها فوقها، من جهة تصريحه بجميع الناس فيحتمل تساويها، والأظهر رجحان تلك، لأن التقييد بالعهد ظاهر في التقرير وهو تشريع.
ثالثهما: نحو قول عائشة رضي الله عنها: (كانوا لا يقطعون اليد في الشيء التافه)، وهي دون الكل، ولهذا أخرها لعدم التصريح بالنبي صلى الله عليه وسلم وبما يعود عليه الضمير في قوله: كانوا.
(ص) خاتمة: مسند غير الصحابي: قراءة الشيخ إملاء وتحديثا، فقراءته عليه، فسماعه.
(ش) إذا كان الراوي غير صحابي: فمراتب روايته عشر: أعلاها: أن يسمع قراءة الشيخ إملاء وتحديثا من غير إملاء اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان يعلم أصحابه السنن ويقرأ عليهم القرآن، وسواء كان سماعه من حفظه أو من كتاب.
(2/1061)

ثانيها: قراءته على الشيخ، والشيخ ساكت يسمع اقتداء بالذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: سألت أهل العلم فأخبروني أنه على ابني جلد مائة وتغريب عام، وإن على امرأة هذا الرجم، فصدق عليه السلام قوله هذا، وأقره عليه، وكان الناس يسألون الصحابة رضي الله عنهم الأحكام، فيقرون الحق وينكرون الباطل، وشرط إمام الحرمين في صحة التحمل بها أن يكون بحيث لو فرض من القارئ تحريف (152أ) أو تصريف لرده الشيخ، وسموها عرضا، من حيث إن القارئ يعرض على الشيخ ما يقرأه، ويقول له بعد الفراغ: هل سمعت؟ فيقول الشيخ: نعم، وما صرح به المصنف إنها دون السماع وهو الأصح، وقيل: مثله، وقيل: فوقه، وذكره صاحب (البديع): أن الأول قول المحدثين، وأن التسوية هو المختار، وخص الخلاف بما إذا قرأ الشيخ من كتاب، لأنه قد يسهو فلا فرق بينه وبين القراءة عليه، أما إذا قرأ الشيخ من حفظه فهو أعلاها بالاتفاق.
(2/1062)

ثالثها: سماعه بقراءة غيره، وهي المرتبة الثالثة وشرط قوم إقرار الشيخ بها نطقا.
(ص) فالمناولة مع الإجازة، فالإجازة بخاص في خاص، فخاص في عام، فعام في خاص فعام في عام، فلفلان ومن يوجد ومن سيوجد من نسله، فالمناولة فالإعلام فالوصية، فالوجادة.
(ش) الرتبة الرابعة: المناولة مع الإجازة، بأن يدفع الشيخ إلى الطالب أصل سماعه أو فرعا مقابلا به، فيقول: هذا سماعي لروايتي عن فلان، فاروه عني، أو أجزت لك روايته عني، وإنما قال: مع الإجازة، لينبه على أنها أعلى أنواع الإجازة، وأجمعوا على صحتها كما قال القاضي عياض في (الإلماع) وإنما اختلفوا في أنها في رتبة
(2/1063)

السماع أم لا كما حكاه ابن الصلاح، وصحح أنها منحطة عنه، وحكاه الحاكم عن الشافعي، وصاحبيه المزني والبويطي، ولهذا أتى المصنف بعدها بالفاء لينبه على التراخي في الرتبة، وقال ابن خزيمة: هي في مرتبة السماع. حكاه عنه الخطيب: وفائدة هذا الخلاف تظهر في أنه هل يجوز له أن يقتصر على قوله: أخبرني أو حدثني، قال الهندي: والأظهر أنه لا يجوز، لأنه يشعر بنطق الشيخ بذلك وهو كذب.
الخامسة: الإجازة المجردة عن المناولة، وهي أقسام: أعلاها: أن يجيز لخاص في خاص بأن يقول: أجزت لك الكتاب الفلاني، ثانيها: أن يجيز لخاص في عام مثل: أجزت لك أو أجزت لكم جميع مسموعاتي، والخلاف في هذا النوع أقوى من الذي قبله والجمهور على تجويزه، ثالثها: أن يجيز لعام في خاص، مثل: أجزت للمسلمين أو أجزت، لمن أدرك حياتي رواية البخاري عني، فمنعه جماعة، وجوزه
(2/1064)

الخطيب وغيره.
رابعها: أن يجيز لعام في عام مثل: أجزت لجميع المسلمين أن يرووا عني جميع مسموعاتي.
المرتبة السادسة: الإجازة للمعدوم تبعا، نحو: أجزت لفلان ومن يوجد من نسله، وقد فعله أبو بكر بن أبي داود، فقال: أجزت لك ولولدك ولحبل الحبلة
(2/1065)

أما لو ذكر المعدوم ابتداء فقال: أجزت لمن يولد لفلان، فالصحيح المنع.
السابعة: المناولة المجردة بأن يناوله الكتاب ويقول: هذا من حديثي أو سماعي ولا يقول: اروه عني فكلام المصنف يفهم صحة التحمل بها، وإنها دون ما قبلها وليس كذلك، بل لها صورتان:
إحداهما: أن يقتصر على المناولة بالفعل، أو يقول: خذ هذا الكتاب ولا يخبر بسماعه ولا يأذن له في روايته عنه فلا يجوز له عنه الرواية بالاتفاق كما قاله الهندي.
الثانية: أن يقول مع ذلك: هذا من سماعي ولا يأذن له في روايته، قال ابن الصلاح: وهي مناولة مختلة لا تجوز الراوية بها عند الجمهور وحكى الخطيب عن قوم جوازها.
الثامنة: الإعلام المجرد عن المناولة والإجازة، بأن يقول: هذا سماعي من فلان، وهذا أولى بالمنع من التي قبلها، فليس له أن يرويه عنه خلافا لابن جريج وطائفة
(2/1066)

من المحدثين والظاهرية حتى قالوا: لو قال: ولا تروه عني رواه، لأن ذلك الكتاب قد يكون مسموعه ولا يأذن له في روايته (152ب) لخلل علمه منه فلا تجوز روايته.
التاسعة: الوصية بالكتب بأن يوصي الراوي بكتاب يرويه عند موته أو سفره لشخص، فعن بعض السلف أنه جوز به رواية الموصى له بذلك عن الموصي قال ابن الصلاح: وهو بعيد جدا وأنكره عليه ابن أبي الدم، وقال: الوصية أرفع مرتبة من الوجادة بلا خلاف وهي معمول بها عند الشافعي وغيره، كما سيأتي فهذه أولى.
العاشرة: الوجادة، وهي مصدر مؤكد ليس عن العرب بأن يجد الحديث
(2/1067)

بخط رجل فيقول: وجدت بخط فلان أو قرأت بخطه، ولا يجوز إطلاق حدثنا وأخبرنا، وهي معمول بها عند الشافعي ونظار أصحابه خلافا لمعظم المحدثين والفقهاء إذ قد يغلب على الظن، بل يقرب من القطع صحة ذلك عن المروي عنه وإلا لانسد باب النقل.
(ص) ومنع الحربي وأبو الشيخ والقاضي والحسين والماوردي الإجازة وقوم العامة منها والقاضي أبو الطيب، من يوجد من نسل زيد، وهو الصحيح، والإجماع على منع من يوجد مطلقا.
(ش) الجمهور على الرواية والعمل بالإجازة، ومعناه إذا صح عنده أن مجيزه روى هذا بطريق صحيح فيرويه هو عنه، يقتضي الإجازة فيتصل السند، وإذا اتصل جاز العمل، وحكى الباجي فيه الاتفاق ولكن منع منها طائفة من المحدثين، منهم
(2/1068)

الحافظ أبو الشيخ الأصبهاني وإبراهيم بن إسحاق الحربي وكذلك شعبة وأبو زرعة الرازي، وقال: ما رأيت أحدا يفعله ولو تساهلنا لذهب العلم، ولم يكن للطلب معنى، ومن الفقهاء: القاضيان الحسين والماوردي وقالا: لو صحت الإجازة لبطلت الرحلة، وهذا الاحتجاج قاله قبلهما شعبة فيما حكاه
(2/1069)

الخطيب بل هو قول الشافعي رواه الربيع عنه، ونقل ابن وهب عن مالك قال: لا أرى هذا يجوز ولا يعجبني ونقله في (الإحكام) عن أبي حنيفة وقال أبو طاهر الدباس من قال لغيره: أجزت لك أن تروي عني، فكأنه يقول له: أجزت لك أن تكذب علي، إذ الشرع لا يبيح رواية ما لم يسمع، وقال ابن حزم إنها بدعة غير جائزة وفي المسألة مذهب ثالث: إن كان المجيز والمستجاز يعلمان ما في الكتاب
(2/1070)

من الأحاديث جاز وإلا فلا وهو اختيار أبي بكر الرازي من الحنفية ونقل عن مالك، فعلى هذا الإجازة بكل ما يثبت أنه مسموع الشيخ لا يجوز، ضرورة، أنهما لا يعلمان جميع تلك الأحاديث، وقال في (البديع): المختار إن كان المجيز عالما بما في الكتاب والمجاز له فهما ضابطا جازت الرواية وإلا بطلت عند أبي حنفية ومحمد وصحت عند أبي يوسف تخريجا من كتاب القاضي إلى مثله، فإن علم ما فيه شرط عندهما لا عنده والأحوط ما قالاه صونا للسنة وحفظا لها واحتج ابن الصلاح للجواز بأنه إذا جاز له أن يروي عنه مروياته فقد أخبره بها جملة فهو كما لو أخبره بها تفصيلا وإخباره بها غير متوقف على التصريح نطقا كما في القراءة على الشيخ.
ومنع قوم الإجازة العامة، كأجزت لجميع المسلمين ومنع القاضي أبو الطيب الإجازة للمعدوم ابتداء، كأجزت من يوجد من نسل زيد وهو الصحيح، لأن الإجازة في حكم الأخبار بالمجاز جملة، فكما لا يصح الإخبار
(2/1071)

للمعدوم لا يصح إجازته، وجوزها الخطيب وغيره وانعقد الإجماع على الإجازة للمعدوم مطلقا، أي: على العموم وكأنها إجازة من معدوم لمعدوم.
تنبيه: ما حكاه المصنف عن إبراهيم الحربي تابع فيه ابن الصلاح وكذا حكاه عنه الخطيب، ثم روى في موضع آخر عن سليمان بن إسحاق الجلاب، قال: سألت إبراهيم الحربي قلت: سمعت كتاب الكلبي، وقد تقطع علي والذي هو عنده يريد الخروج، فكيف ترى لي ترى أستجيزه أو أسأله أن يكتب به إلي؟ قال: قل له يكتب به إليك، فتقول: كتب إلي فلان والإجازة ليست هي شيئا. قال الخطيب: قد ذكرنا فيما تقدم أن إبراهيم الحربي كان لا يعد الإجازة والمناولة شيئا وههنا قد اختار المكاتبة على إجازة المشافهة والمناولة أرفع من المكاتبة لأن المناولة إذن ومشافهة في رواية لمعين، والمكاتبة مراسلة بذلك، قال: فأحسب أن إبراهيم رجع عن القول الذي أسلفناه عنه إلى ما ذكره ههنا من تصحيح المكاتبة وأما اختياره لها على إجازة المشافهة فإنه قصد بذلك، إذا لم يكن للمستجيز بما استجازه نسخة منقولة من أصل المجيز ولا مقابلة به (وهذا القول في معنى ما ذكره لي البرقاني عند سؤالي إياه عن الإجازة المطلقة، ويروى أن إبراهيم ذهب إلى أن
(2/1072)

الإجازة لمن لم يكن له نسخة منقولة من الأصل أو مقابلة به ليست شيئا لأن تصحيح ذلك سماعا للراوي ومقابلا بأصل كتابه، وربما كان في غير البلد الذي الطالب فيه متعذر إلا بعد المشقة، والمكاتبة بما يروي وإنفاذه إلى الطالب أقرب إلى السلامة وأجدر بالصحة.
(ص): وألفاظ الرواية من صناعة المحدثين.
(ش): أي: ألفاظ الراوي عند الأداء إذ الحمل بالطريق السابقة من صناعة المحدثين، فلا وجه لذكرها هنا، خوفا من خلط العوام. اه ما أردته والحمد لله أولا وآخرا.
لقد تم بحمد الله تعالى الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث وأوله
الفصل السادس
في المصالح المرسلة
(2/1073)