Advertisement

تشنيف المسامع بجمع الجوامع 003

الفَصْلُ السَّادِسُ
في
المَصالِحِ المُرسَلَةِ
(3/5)

تَمْهيدٌ
خلَقَ اللَّهُ الإنسانَ وتكفَّلَ بحِفْظِهِ ورِعايَتِهِ، ومهَّدَ له السَّبيلَ لِلحُصولِ على ما يَحتاجُ إليه في مَعاشِه ومَعادِه، وأَرسلَ الرُّسُلَ لِهِدايتِه، وشَرَعَ الأحكامَ لِتنظيمِ حَياتِه وسُلوكِه، فجاءتِ الشَّرائعُ شَريعةً بعدَ شَريعةٍ بِأحكامٍ تُلائِمُ الظُّروفَ والأَحْوالَ والزَّمانَ والمكانَ، وقدِ ارْتَبَطَتِ الأحكامُ بالمَصالِحِ، بَل الشَّرائِعُ نفْسُها قَصَدَتْ إلى تحقيقِ المصلحةِ لِلْخَلْقِ ودفعِ الضَّرَرِ عنهم، والدَّليلُ على ذلكَ حُدوثُ التَّغْييرِ في الشَّرائِعِ ووُقوعُ النَّسْخِ فيها حتَّى كانتْ رِسالةُ سيِّدِنا محمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خاتَمةَ الرِّسالاتِ، وشَريعَتُه خاتَمَةَ الشَّرائِعِ، وقدْ بيَّنَ سبحانَهُ وتعالَى أنَّ شَريعَةَ الإِسلامِ هيَ شَريعةٌ كاملةٌ، بما اشْتَملَتْ عليهِ مِن قواعدَ وأصولٍ يُعرَفُ بها الحُكْمُ مِنَ الدَّليلِ، وعنْ طَريقِها يَستنبِطُ المُجتهدُ الأحكامَ مِنَ النُّصوصِ، فالتَّشريعُ للَّهِ وَحْدَهُ {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ} وقدْ نصَّ على بعضِ الأحكامِ صَراحةً، ونبَّهَ علَى البَعْضِ بِطريقِ الإشارةِ والتَّنبِيهِ، كما أشارَ إلَى العِلَلِ والمَعانِي في كَثيرٍ مِن النُّصوصِ الَّتي ارْتَبَطتِ الأحكامُ بها وشُرِعَتْ مِن أجْلِها، فما شَرَعَهُ اللَّهُ مِن أُمورٍ تعبُّديَّةٍ خالِصَةٍ لهُ تعالَى، خصَّها بِنُصوصٍ مُحْكَمَةٍ لا يصِحُّ الخُروجُ عنْها بِالتَّاوِيلِ؛ لِئَلاَّ يكونَ ذلكَ ذَرِيعَةً لِلابْتِداعِ في الدِّينِ، وأمَّا تَشْريعُه تعالَى في المُعامَلاتِ فقدْ قَصَدَ منْه ما يُصْلِحُ النَّاسَ في دُنْياهمْ وأُخْراهمْ، فوَضعَ الحُدُودَ، وقيَّدَ المُعاملاتِ أوْ أَطْلقَها، وخَصَّ بعضَها بِالذِّكْرِ اتِّباعاً أوِ اجْتِناباً وسَكَتَ عنْ أُمورٍ، أوْ وَكَلَ أمْرَها لِلْقائِمينَ علَى شُؤُونِ المسلِمِينَ، وأوْحَى إِلَى رسولِه صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنْ يُبيِّنَ لهمْ طريقَ الاجتِهادِ في اسْتِنباطِ الأَحْكامِ، فأبانَهُ بِنورِ الحقِّ سُبحانَه وتعالَى، لِيَقِفوا مِن خِلالِه علَى ما يُصْلِحُ حالَهمْ في الدُّنيا والآخرةِ، وبذلكَ تكونُ المصالحُ مِن حيثُ اعتِبارُ الشَّارعِ الحكيمِ لها وعَدَمِهِ ثلاثةَ أنواعٍ:
نوعٌ اعتبَرَه، ونوعٌ ألغاهُ، ونوعٌ سَكَتَ عنه فلمْ يَنُصَّ علَى اعْتِبارِه أوْ إلغائِه.
وقَبلَ بيانِ هذهِ الأنْواعِ نُعَرِّفُ أوَّلاً المصلحةَ في اللُّغَةِ والاصطِلاحِ.
(3/7)

تعريفُ المَصلحةِ:
تُطْلَقُ المصلحةُ في اللُّغةِ بِعِدَّةِ إطْلاقاتٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المَصلحةَ مَصدرٌ بِمعنَى الصَّلاحِ، كالمنْفَعةِ بِمعنَى النَّفْعِ، والصَّلاحُ: كونُ الشَّيءِ علَى هيئَةٍ كاِملةٍ بِحَسَبِ ما يُرادُ ذلكَ الشَّيءُ لهُ، كالقَلَمِ يكونُ علَى هيئَتِه الصَّالِحَةِ لِلْكِتابَةِ بِه، والسَّيفِ علَى هيئَتِه الصَّالِحَةِ لِلضَّربِ. كَما تُطْلقُ المصلحةُ علَى الواحِدَةِ مِنَ المَصالِحِ، فهيَ بهذا اسْمٌ كالمنفعةِ واحِدَةُ المَنافِعِ، وعلَى هذا تكونُ المَصْلَحةُ بِهذا الإِطْلاقِ لغةً: واحِدَةُ الْمَصالِحِ، وهيَ إمَّا مَصدرٌ بمعنَى الصَّلاحِ، أوِ المَنفعةِ بمعنَى النَّفْعِ، وإمَّا اسمٌ لِلْواحِدَةِ مِنَ المَصالِحِ؛ كالمَنْفعةِ اسْمٌ لِلواحِدَةِ مِن المنافعِ.
الثَّاني: أنَّ المصلحةَ وسيلةُ الشَّيءِ، كالعَمَلِ الَّذي يَبذُلُه الإنسانُ لِيَتَوصَّلَ بِه إلَى ما يَطلُبُه، وفي ذلكَ يقولُ صاحبُ (الْمِصْبَاحِ): وفِي الأمْرِ مَصلحَةٌ؛ أي: خيرٌ، وقالَ فِي مَوضِعٍ آخرَ: والنَّفْعُ: الخَيرُ وهو ما يَتَوصَّلُ بِه الإنسانُ إلَى مَطلوبِه، فإذَنِ
(3/8)

المصلحةُ خيرٌ، والخيرُ ما يُتَوصَّلُ بهِ إلَى المَطْلوبِ، فالمصلحةُ ما يُتَوصَّلُ بِه إلَى المَطْلوبِ.
ومِن اسْتِعْمالِها فِي هذا المَعْنَى قولُ الشَّيخَينِ أَبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رضيَ اللَّهُ عنهما: (هوَ واللَّهِ خيرٌ) في شأنِ جَمْعِ القُرآنِ الكرِيمِ في المُصْحَفِ حِينَما اسْتَحَرَّ القتلُ بالقُرَّاءِ يومَ اليَمامَةِ، فالضَّميرُ في َقولِهما: (هُوَ) يعودُ إلًى جَمْعِ القرآنِ، ولا شكَّ في أنَّ جَمْعَ القرآنِ مُؤَدٍ إِلى مَطْلوبٍ لهما، بَلْ إلى مَطْلوبٍ عامٍّ وهوَ حِفْظُ القرآنِ الكريمِ مِن أنْ يَضيعَ.
الثَّالِثُ: تُطلَقُ المصلحةُ علَى ذاتِ الفِعْلِ الجالِبِ لِلنَّفْعِ والدَّافِعِ لِلضَّررِ، فإطْلاقُ المصلحةِ علَى الفِعلِ إطْلاقٌ مَجازِيٌّ، مِن بابِ إطْلاقِ المُسَبَّبِ علَى السَّبَبِ، وعَلاقَتُه السَّبَبِيَّةُ والمُسَبَّبِيَّةُ، فأُطْلِقَ لفظُ المصلحةِ الَّتي هي حاصلةٌ بسببِ الفِعلِ علَى الفِعلِ الَّذي هوَ سببٌ لها، فيُقالُ: التِّجارَةُ مَصلَحةٌ؛ أي: َسببٌ لِلمَنافِعِ المادِّيَّةِ، وطَلبُ العِلْمِ مَصلحةٌ، بمعنَى أنَّه سببٌ لِلمَنافِعِ المَعْنَوِيَّةِ، فالمَصلحةُ ضِدُّ المَفْسدَةِ فهُما نَقيضانِ لا يَجتمِعانِ ولا يَرتفِعانِ، كما أنَّ النَّفْعَ ضِدُّ الضَّررِ، وعلى هذا يكونُ دفْعُ المَضرَّةِ مَصْلحةً.
قالَ صاحبُ (لِسَانِ العَرَبِ): الصَّلاحُ ضِدُّ الفَسادِ، وأصْلَحَه ضِدُّ أفْسَدَه، والإصْلاحُ نقيضُ الإِفْسادِ، والمصْلحةُ واحدةُ المَصالِحِ، والاسْتِصْلاحُ نَقيضُ الاسْتِفْسادِ. اه.
والمصلحةُ بِمعْناها الأَعمِّ كَما يَتصَوَّرُها الإنسانُ: كلُّ ما فيه نفْعٌ له سَواءٌ أكانَ بالجَلْبِ والتَّحْصيلِ كتَحْصيلِ الفَوائِدِ واللَّّّّّّذائذِ، أوْ بالدَّفْعِ والارْتِقاءِ كاسْتِبْعادِ المَضارِّ والآلاَمِ، فكُلُّ ما فيهِ نَفْعٌ جدِيرٌ بأنْ يُسمَّى مَصلَحةً.
وقدْ عرَّفَها الأُصُولِيُونَ في مَوضِعَينِ:
الأوَّلُ: عندَ الكَلامِ على المُناسِبِ المُرْسَلِ، فقالوا: هو الوَصْفُ الظَّاهِرُ المُنضَبِطُ
(3/9)

الَّذي يترتَّبُ على شَرْعِ الحُكْمِ عندَه جَلْبُ مصْلحةٍ مقصُودَةٍ للشَّارعِ أو دفْعُ مضرَّةٍ.
وهذا إذا اعتبرْناهُ تعْريفاً للْمَصْلَحةِ، يكونُ تعرِيفاً لها بالفِعْلِ الَّذي اشْتملَ عليها، فهوَ مِن بابِ إِطلاقِ السَّببِ وإرادةِ المُسَبَّبِ، ومِنه تعْريفُ الإمامِ ابنِ تَيْمِيَّةَ المصْلحةَ بالفِعْلِ الَّذي يجْلِبُ مَنفعَةً راجِحَةً ولمْ يرِدْ في الشَّرْعِ ما ينفِيهِ.
المَوضُوعُ= الثَّانِي: عندَ الكَلامِ عنها بِاعتِبارِها دليلاً شرْعيًّا فقالوا: المصْلَحةُ في الأصْلِ عِبارةٌ عن جلْبِ منفَعَةٍ أوْ دفْعِ مَضرَّةٍ.
فالمصْلَحةُ تُطلَقُ على المَنفَعَةِ أوْ دفْعِ المَضرَّة كما تُطلَقُ على المُناسِبِ، كما أشارَ إلى ذلكَ الغَزَالِيُّ في تعريفِه، قالَ: ونَعْنِي بها أي المصْلحةِ المُناسِبَ المُخَيَّلَّ، وهذا مواِفقٌ لمَعْناها في اللُّغَةِ، فقدْ سبَقَ أنَّ المَصْلحةَ تُطلَقُ على المَنفَعةِ حقيقَةً وعلى السَّبَبِ المُؤَدِّي لها مَجازاً، ولمَّا كانتِ المصلحةُ نقِيضَ المَفْسدَةِ كان دفْعُ المَفْسَدةِ مصْلَحةً أيضاً، ولِهذا جاءَ في تعْريفِها: جلْبُ منْفَعةٍ أوْ دفْعُ مضَرَّةٍ.
وقدْ قسَّموا المَصْلحةَ والمَفْسدَةَ إلى: نفْسِيٍّ، وبدَنِيٍّ، ودُنْيَوِيٍّ، وأُخْرَوِيٍّ، ومثَّلُوا لِلْمصلَحةِ بالمَلَذَّاتِ وأسْبابِها، ولِلمَفْسدَةِ بالآلاَمِ وأسْبابِها.
قالَ العِزُّ بنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: المَصالِحُ أرْبعَةُ أنْواعٍ: اللَّذَّاتُ وأسْبابُها، والأَفْراحُ وأسْبابُها، والمَفاسِدُ أرْبعَةُ أنْواعٍ: الآلاَمُ وأسْبابُها، والغُمُومُ وأسْبابُها، وهي مُنقسِمَةٌ إلى دُنْيَوِيَّةٍ وأُخْرَوِيَّةٍ، فأمَّا لذَّاتُ الدُّنيا وأسْبابُها، وأفْراحُها وأسبابُها، وآلامُها وأسبابُها، وغُمومُها وأسبابُها، فمَعْلومَةٌ بالعاداتِ، ومِن أفْضَلِ لذَّاتِ الدُّنْيا لذَّاتُ المَعارِفِ، وأمَّا لذَّاتُ الآخِرَةِ وأسْبابُها، وأفْراحُها وأسْبابُها وآلامُها وأسْبابُها، وغُمومُها وأسبابُها، فقدْ دَلَّ عليه الوَعِيدُ والزَّجْرُ والتَّهديدُ، وأمَّا اللَّذَّاتُ فمِثْلَ قوْلِه
(3/10)

تعالَى: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ} وأمَّا الأفْراحُ ففي مِثْلِ قوْلِه تعالَى: {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} وأمَّا الآلاَمُ ففي مِثْلِ قولِه تعالَى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وأمَّا الغُمومُ ففي مِثْلِ قولِه تعالَى: {كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا}.
فصارَتِ المصالِحُ ضرْبَينِ، أحدُهمَا: حقِيقيٌّ، وهو اللَّذَّاتُ والأفْراحُ.
والثَّاني: مَجازِيٌّ، وهو أسْبابُها، وصارتِ المَفسَدةُ كذلكَ.
ورُبَّما تكونُ أسبابُ المصالحِ مَفاسِدَ فيُؤمَرُ بها أو تُباحُ لا لِكَونِها مَفاسِدَ بَلْ لِكَونِها مُؤَدِّيَةً إلى المَصالِحِ، وذلكَ كقَطْعِ الأيْدي المُتآكِلةِ، فإنَّ القَطْعَ مَفْسدَةٌ لكِنْ لمَّا كانَ إبْقاؤُها يُؤدِّي إلى ضرَرٍ أصْبحَ القَطْعُ سَبباً لِمَصلَحةٍ هي: حِفْظُ النُّفُوسِ، وكذلكَ الجِهادُ؛ فإنَّ فيه مُخاطرَةً بالنَّفْسِ، فإنَّ هلاكَ النَّفسِ مَفسدَةٌ، لكِنْ شُرِعَ معَ هذه المُخاطَرَةِ لِمصلحةٍ هي: المُحافظةُ على بَقاءِ كِيانِ الأُمَّةِ وإعْلاءِ كَلِمةِ اللَّهِ، وكذلك العقوباتُ مِن قَتْلٍ ورَجْمٍ وجَلْدٍ هي مَضارٌ ومَفاسِدٌ واقِعةٌ على الأشخاصِ الَّتي هي مَحَلُ تلكَ العُقوباتِ، لكنَّها مَصالِحُ اعتَبَرَها الشارِعُ بالنَّظرِ لِما يترَتَّبُ عَليها مِن مَصالِحَ مَقصودَةٍ للشَّارِعِ.
والمصلحةُ أُمورٌ اعْتِبارِيَّةٌ تخْتَلِفُ حَسَبَ اخْتِلافِ مَشاعرِ النَّاسِ وعاداتِهمْ وأخْلاقِهمْ، وليسَ هذا هو المَقْصودُ هُنا، ولَكنَّ المَقصودَ بالمصلحةِ هنا: المُحافظةُ على مَقصودِ الشَّارعِ مِن المَصالِحِ النَّافِعةِ، الَّتي وَضَعَها وحدَّدَ حُدودَها، لاَ على مُقتَضى أهْواءِ النَّاسِ وشَهَواتِهمْ، لأِنَّه لا شَكَّ أنَّ المصالحَ المَبْنِيَّةَ على أهْواءِ النَّاسِ وشَهَوَاتِهمْ
(3/11)

هي مَفاسدُ في نَظرِ الشَّرْعِ كَوَادِ البَناتِ، وغَيرِه قالَ الغَزَالِيُّ: ونَعْني بالمَصلَحةِ: المُحافَظةَ على مَقْصودِ الشَّرْعِ، ومَقصودُ الشَّرعِ مِن الخَلْقِ خَمْسةٌ: وهو أنْ يَحفظَ عليهم دِينَهمْ ونَفْسَهمْ وعَقْلَهمْ ونَسْلَهمْ ومالَهمْ، فكُلُّ ما يضْمنُ حِفْظَ هذه الخَمْسةِ فهو مَصلحةٌ، وكُلُّ ما يُفَوِّتُ هذه الأُصولَ فهو مَفسدَةٌ ودَفْعُه مَصلحةٌ، وإذا أطْلَقْنا المَعْنى المُخَيَّلَ أوِ المُناسِبَ في بابِ القِياسِ أرَدْنا به هذا الجِنسَ. اه.
وبَعْدَ تعْريفِ المَصلحةِ نَعودُ إلى بَيانِ أنْواعِها مِن حَيثُ الاعتبارُ الشَّرْعِيُّ لها وعدَمُه:
النَّوعُ الأَوَّلُ: المصلحةُ المُعتَبَرَةُ؛ أي: ما عُلِمَ اعْتِبارُ الشَّرْعِ لها، وهي كُلًُّ مَصلحةٍ ثَبَتَ الحُكْمُ المُؤَدِّي إليها بِدَليلٍ مِن نَصٍّ، أوْ إجْماعٍ. وقدْ عبَّرَ الأُصولِيُّونَ عنْها بِالمَصْلَحةِ المُعْتَبرَةِ، أوِ المُناسِبِ المُعْتَبَرِ، وهذا النَّوعُ يَجوزُ بِناءُ الأحْكامِ عليه، والتَّعْليلُ به بِإجْماعِ القائِلينَ بحُجِّيَّةِ القِياسِ.
وقدْ أشارَ الشَّاطِبِيُّ إلى ذلكَ بِقولِه: المَعْنى المُناسِبُ الَّذي يُربَطُ به الحُكْمُ لا يَخْلو مِن ثَلاثَةِ أقْسامٍ:
أحدُها: أنْ يشْهدَ الشَّرعُ بِقَبولِه؛ فَلا إشْكالَ في صِحَّتِه، ولا خِلافَ في إعْمالِه، وإِلاَّ كان مُناقَضةً للشَّريعَةِ؛ كشَرْعيَّةِ القِصاصِ حِفْظاً لِلنَّفسِ والأَطْرافِ. اه.
وهو أربعةُ أقْسامٍ:
القسْمُ الأوَّلُ: أنْ يُعْتبَرَ عَيْنُ الوَصْفِ في عَينِ الحُكْمِ بِنصٍ أوْ إجْماعٍ، وهو المُؤَثِّرُ، سُمِّيَ بذلكَ لِحُصولِ التَّاثيرِ فيه عَيْناً وجِنْساً فظَهرَ تاثيرُه في الحُكْمِ، ويُعْرَفُ عندَ الأُصولِيِّينَ بِالمَصلحةِ المُؤَثِّرَةِ أوِ المُناسِبِ المُؤَثِّرِ، والأمثِلَةُ لِهذا القِسْمِ كَثيرَةٌ.
(3/12)

مِثالُ اعْتِبارِه بالنَّصِّ، قولُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ)) فقدْ اعْتَبَرَ الشَّارِعُ عَينَ الوَصْفِ، وهو السُّكْرُ، في عَينِ الحُكْمِ، وهو التَّحْريمُ، بالنَّصِّ مُحافظَةً على العَقْلِ، وهو مَقصودٌ للشَّارِعِ فإنَّ العَقلَ مَناطُ التَّكْليفِ، والمُحافظةُ عليه مَصلحةٌ مَقصودةٌ للشَّارِعِ.
ومِثالُه أيضاً قولُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّا))، فإن الشَّارِعَ اعْتَبرَ عَينَ الوَصْفِ وهو مَسُّ المُتَوَضِّئِ ذَكَرَهُ في عَينِ الحُكْمِ وهو الحَدثُ.
ومِثالُ اعْتبارِه بِالإجْماعِ: وَصفُ الصِّغَرِ فإنَّه مُعتَبرٌ في عَينِ وِلايَةِ المالِ، مُحافظةً على المالِ بِالإجْماعِ، فقدْ أجْمعَ العُلماءُ على أنَّ عَينَ وَصْفِ الصِّغَرِ هو العِلَّةُ في عَينِ وِلايةِ المالِ، قالَ الإِمامُ الغَزَالِيُّ: فإنْ ظَهرَ تاثيرُ عَينِ الوَصْفِ في عَينِ الحُكْمِ فهو قِياسٌ في مَعْنى الأَصْليِّ، وهو المَقْطوعُ بِه الَّذي رُبَّما اعْترَفَ به مُنْكِرو القِياسِ، إذْ لا يَبقَى بَينَ الأَصلِ والفَرْعِ مُبايَنةٌ إلاَّ تَعَدُّدُ المَحلِّ فإنَّه إذا ظَهرَ أنَّ عَينَ السُّكرِ أثرٌ في تَحريمِ عَينِ الشُّربِ مِن الخَمرِ فالنَّبيذُ مُلْحقٌ به قَطْعاً. اه.
القِسمُ الثَّاني: أنْ يَعتَبرَ الشَّارعُ عَينَ الوصْفِ في جِنسِ الحُكمِ، وهذا القِسمُ وما يَليهِ - أي: اعْتبارُ جِنْسِ الوَصفِ في عَينِ الحُكمِ، واعْتبارُ جِنسِ الوَصفِ في
(3/13)

جِنْسِ الحُكمِ يُسمَّى مُلائِماً لِكونِه مُوافِقاً لِما اعْتَبرَه الشَّارعُ.
مِثالُه- أي: اعْتبارُ عَينِ الوَصفِ في جِنسِ الحُكمِ- ثُبوتِ وِلايةِ النِّكاحِ على الصَّغيرِ كما ثَبَتَتْ وِلايةُ المالِ لِوَصفِ الصِّغرِ وهو واحِدٌ، والحُكمُ الوِلايةُ وهو جِنسٌ، فاعْتَبرَ عَينَ الصِّغرَ وهو مُعيَّنٌ في جِنسِ الوِلايةِ، وهو جِنسٌ يَشملُ الوِلايَةَ على النَّفسِ في النِّكاحِ والوِلايةِ على المَالِ، ومِثالُه أيضاً: اعْتبارُ الشَّارعِ تَقديمَ الأَخِ مِنَ الأَبَوَينِ على الأَخِ مِن الأبِ في الإِرْثِ، وقِيسَ عليه تَقديمُه في وِلايَةِ النِّكاحِ وغيرِها مِن الأَحكامِ الَّتي قُدِّمَ عليه فيها، فإنَّه وإنْ لَمْ يَعتبِرْهُ الشَّارعُ في غيرِ هذه الأحْكامِ ولَكنِ اعْتبرَهُ في جِنسِها وهو التَّقدُمُ في الجُملَةِ.
قالَ التَّاجُ السُّبْكِيُّ والزَّرْكَشِيُّ وغيرُهما: هذا القِسْمُ دُونَ ما قَبلَه؛ لأِنَّ المُقارَنَةَ بينَ المَسْألتَينِ بِحَسَبِ اخْتِلافِ المَحَلَّينِ أقلُّ مِن المُقارَنةِ بينَ نَوعَينِ مُخْتلِفَينِ. اه.
القِسمُ الثَّالثُ: أنْ يُعتَبَرَ جِنسُ الوَصفِ في عَينِ الحُكمِ.
مِثالُه: المَشقَّة ُفإنَّها جِنسٌ أثَّرَ في نَوعٍ، وهو إسْقاطُ صلاةٍ، أمَّا في الحَيضِ فبِالكُلِّيَّةِ، وأمَّا في السَّفرِ فبِإسقاطِ نِصفِ الرُّباعيَّةِ، وإنَّما جَعلَ الوَصفَ هنا جِنساً والإِسْقاطَ نَوْعاً، لأِنَّ مَشقَّةَ السَّفرِ نَوعٌ مُخالِفٌ لِمشقةِ الحَيضِ، وأمَّا السُّقوطُ فأمْرٌ واحدٌ وإنِ اخْتَلَفَتْ مَحالُّهُ.
القِسمُ الرَّابعُ: أنْ يُعتبرَ جِنسُ الوَصفِ في جِنسِ الحُكمِ.
مِثالٌ: جِنايَةُ القَتْلِ العَمْدِ العُدْوانُ، فإنَّ هذا الوَصفَ عِلَّةٌ في وجُوبِ القِصاصِ، وقدْ اعْتبرَ الشَّارعُ مُطْلقَ جِنايَةِ العَمدِ العُدْوانَ، والجِنايَةُ جِنسٌ تَشْملُ الجِنايَةَ على النَّفسِ والجِنايَةَ على الأطْرافِ والحُكمُ هو وجُوبُ القِصاصِ، وهو جِنسٌ يَشملُ القِصاصَ في الأنْفُسِ والقِصاصَ في الأطْرافِ فجِنسُ الجِنايَةِ مُعتَبرٌ في جِنسِ قِصاصِ النَّفسِ، قالَ الإِمامُ الزَّرْكَشِيُّ: وهذا القِسْمُ أبْعدُها فإنَّه يكونُ في تَعْليلِ الأحْكامِ بِالحِكْمةِ الَّتي لا تَشْهدُ لها أُصولٌ مُعَيَّنَةٌ.
ومِمَّا تَقدَّمَ يَتَبيَّنُ أنَّ المَصلحَةَ المُعْتبرَةَ تَنقَسِمُ إلى مَصلحةٍ مُؤَثِّرَةٍ: وهي الَّتي اعْتبرَ
(3/14)

الشَّارعُ عَينَها في عَينِ الحُكمِ بِنصٍّ أوْ إِجْماعٍ، وإلى مَصلحةٍ مُلائِمَةٍ وهي الَّتي اعْتبَرَ الشَّارعُ عَينَها في جِنسِ الحُكْمِ، أوْ جِنسَها في عَينِ الحُكمِ، أو جِنسَها في جِنسِ الحُكمِ وهي دُونَ المَصلحةِ المُؤَثِّرَةِ.
وتنْقَسِمُ المَصلحةُ المُعْتبَرَةُ بِحَسَبِ قُوَّتِها في ذَاتِها؛ أوْ بِالنِّسبَةِ لِحاجَةِ الإنْسانِ إليها إلى: ضَرُورِيَّةٍ، حاجِيَّةٍ، تَحْسِينيَّةٍ.
أوَّلاً: الضَّرُورِيَّةُ: وهي ما لاَ بُدَّ مِنها في قِيامِ مَصالحِ الدِّينِ والدُّنْيا بِحيثُ إذا فُقِدَتْ لَمْ تَجْرِ َمصالحُ الدُّنيا على اسْتِقامَةٍ، بَلْ على فَسادٍ وتَهارُجٍ وفَوتِ حَياةٍ، وفي الآخِرَةِ فَوتِ النَّجاةِ والنَّعيمِ والرُّجُوعِ بالخُسْرانِ المُبينِ.
فَهي الَّتي تَتََضمَّنُ حِفْظَ مَقْصودٍ مِن المَقاصدِ الخَمْسةِ وهي: حِفْظُ الدِّينِ بِشَرْعِيَّةِ القَتْلِ والقِتالِ، فالقَتلُ للرِّدَّةِ وغيرِها مِن مُوجِباتِ القَتلِ لأِجْلِ مَصلحةِ الدِّينِ، والقِتالُ في جِهادِ أهلِ الحَرْبِ، وحِفظُ النَّفسِ بِشَرعِيَّةِ القِصاصِ، وحِفظُ العَقْلِ بِشرعِيَّةِ الحَدِّ على شُرْبِ المُسْكِرِ، وحِفظُ النَّسلِ بِتَحْريمِ الزِّنا وإِيجابِ العُقوبَةِ عليه، وحِفظُ المَالِ بِإيجابِ الضَّمانِ على المُتَعَدِّي فيهِ، وبِالقَطعِ في السَّرِقَةِ، وهي المَجْموعَةُ في قولِه تعالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنُّ وَلاَ يَاتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} الآيَةُ.
وزَادَ الطُّوفِيُّ الحَنْبَلِيُّ وتَبِعَهُ التَّاجُ السُّبْكِيُّ سادِساً، وهو حِفظُ الأَعْراضِ، فإنَّ عادَةَ العُقلاءِ بَذْلُ نُفوسِهمْ وأَمْوالِهمْ دُونَ أعْراضِهمْ، وما فُدِيَ بِالضَّرورِيِّ أوْلى أنْ يكونَ ضَرُورِيًّا.
(3/15)

وفي الصَّحيحَينِ، أنَّ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ في خُطْبةِ الوَداعِ: ((إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ)) الحديثَ.
ثانِياً: الحاجِيَّةُ: وهي الأَمْرُ الَّذي يَفتَقِرُ إليه النَّاسُ مِن حيثُ التَّوسِعَةُ ورَفْعِ الحَرَجِ والضِّيقِ اللَّاحِقَينِ بِالإنسانِ.
قالَ الشَّاطِبِيُّ: فَمعْناها أنَّها مُفْتقَرٌ إليها مِن حيثُ التَّوسِعةُ ورَفْعِ الضِّيقِ المُؤَدِّي في الغَالِبِ إلى الحَرَجِ والمَشقَّةِ الَّلاحِقَةِ بِفَوتِ المَطلوبِ، فإذا لَمْ تُراعَ دخَلَ على المُكَلَّفينَ على الجُمْلَةِ الحَرَجُ والمَشقَّةُ ولكِنَّه لا يَبْلُغُ مَبْلَغَ الفَسادِ العادِي المُتَوقَّعِ في المَصالحِ العامَّةِ. اه.
وذلكَ كالبَيعِ والإِجارَةِ والمُضارَبَةِ والمُساقاةِ وغيرِها، لأِنَّ مالِكَ الشَّيءِ قدْ لا يهَبُهُ فيحتاجُ إلى شِرائِهِ، ولا يُعِيرُهُ فيَحتاجُ إلى اسْتِئْجارِه، وليسَ كُلُّ ذِي مالٍ يُحْسِنُ التِّجارَةَ فيَحتاجُ إلى مَن يَعملُ له في مالِه، وليسَ كُلُّ مالكِ شَجَرٍ يُحْسِنُ القِيامَ على شَجَرِهِ فيَحتاجُ إلى مَن يُساقِيهِ علَيهِ.
قالَ الآمِدِيُّ: وهذا القِسمُ في الرُّْتبَةِ دُونَ القِسمِ الأَوَّلِ أي: الضَّرُورِي ولِهذا جازَ اخْتِلافُ الشَّرائِعِ فيه دُونَ القِسمِ الأَوَّلِ اه.
ثالِثاً التَّحْسِينيَّةُ: وهي الَّتي تَقتَضِيها المُرُوءَةُ ومَكارِمُ الأَخْلاقِ ومَحاسِنُ العاداتِ بحيثُ لَو فُقِدَتِ المَصلحةُ التَّحْسينيةُ لا يَختلُّ بِفُقْدانِها نِظامُ الحَياةِ كما هو الحالُ في المَصلحةِ الضَّرُوريَّةِ، ولا يَدخُلُ على المُكَلَّفِ حَرَجٌ وضِيقٌ بِفَوَاتِها كما في المَصلَحةِ الحاجيَّةِ، ولكنْ بِفَواتِها تَكونُ الحَياةُ مُستَنْكَرَةً عندَ ذَوِي العُقولِ وأصْحابِ الفِطْرَةِ السَّليمةِ، فالعَملُ بِالمَصلحةِ التَّحسِينيَّةِ يَرجِعُ إلى مَكارِمِ الأَخْلاقِ ومَحاسِنِ
(3/16)

العاداتِ.
قالَ الإِمامُ الرَّازِيُّ: هي تَقريرُ النَّاسِ على مَكارِمِ الأَخْلاقِ ومَحاسِنِ الشِّيَمِ، وقدْ سمَّاها القَرَافِيُّ بِما هُو مَحَلُّ التَّتِمَّاتِ لأنَّه تَتِمَّةُ المَصالحِ.
النَّوعُ الثَّاني: المَصالِحُ المُلْغاةُ: وهي كُلُّ مَصْلحةٍ عُلِمَ مِن الشَّارِعِ عَدَمُ اعْتِبارِها وشّهِدَ لها بالبُطْلانِ والإِلْغاءِ لِما فيها مِن تَحُقُّقِ الضَّررِ، ولَو تَوَهَّمَ الإنسانُ أنَّ فيها مَصلحةً سَواءٌ أكانَ ضَرَرُها واضِحاً أمْ أنَّها تُؤَدِّي إلى ضَرَرٍ لاحِقٍ أوْ لا يُدْرَكُ ضَررُها إلاَّ بِالنَّظَرِ والفِكْرِ.
مِثالُه: فَتْوَى يَحْيَى بنِ يَحْيَى صاحِبِ الإِمامِ مالكٍ وعالِمِ الأَندَلُسِ لِعَبدِ الرَّحْمَنِ بنِ الحَكَمِ الأُمَوِيِّ المَعْرُوفِ بالمُرْتَضَى، صاحِبِ الأَنْدَلُسِ حيثُ جامَعَ في نَهارِ رمضانَ فأَفْتاهُ بِإيجابِ صيامِ شَهْرَينِ مُتَتابِعَينِ ابْتِداءً، كَفَّارَةً لِجِنايَتِهِ على الصَّومِ، فأنْكَرَ عليه العُلماءُ ذلكَ فعَلَّلَ ذلكَ بأنَّه لَو أفْتاهُ بِالإعْتاقِ أوِ الإِطْعامِ ابْتِداءً لَسَهُلَ عليه ذلكَ لاِتِّساعِ مالِه ولاَنْتَهكَ حُرْمَةَ الشَّرعِ كُلَّما شاءَ، فكانتِ المَصْلَحةُ في إيجابِ الصَّومِ ليَنْزَجِرَ، فهذا وإنْ كانَ مُناسِباً إلاَّ أنَّ الشَّرْعَ ألْغاهُ حيثُ أثبَتَ التَّخْييرَ بينَ الصَّوم أوِ الإِطْعامِ أوِ الإِعْتاقِ، وهذا النَّوعُ لا تُبْنَى عليه الأَحكامُ ولا يَصحُّ التَّعليلُ بِه.
النَّوعُ الثَّالثُ: وهي المَصالِحُ الَّتي سَكتَ الشَّارعُ عنها، فلَمْ يَشْهَدْ لها بِالاعْتِبارِ
(3/17)

أوِ الإِلْغاءِ بِنصٍ مُعَيَّنٍ، فلا دَليلَ يدلُّ على الإِذْنِ بِتَحصيلِها وبِناءِ الأَحكامِ عليها، ولا دَليلَ يدُلُّ على المَنْعِ مِن تَحْصيلِها وعَدَمِ بِنَاءِ الأحْكامِ عليها، بَلْ تَرَكَها لأُولِي الأَمْرِ مِن المُجْتَهدينَ ياخُذونَ بِها إذا اقْتَضَى حالُها الأَخْذَ، ويَتْرُكونَها إذا تَرَتَّبَ عليها مَفْسدَةٌ؛ فَهذا النَّوعُ هو (المَصْلَحةُ المُرْسَلةُ) وهو مَحَلُّ خِلافٍ بَينَ العُلماءِ، وهو المَقْصودُ بِالبَحْثِ.
(3/18)

المَصْلحةُ المُرْسَلَةُ
تعْريفُها في اللُّغَةِ: المَصْلَحةُ المُرْسَلةُ مُرَكَّبٌ تَوصيفِيٌّ مِن المَصلَحةِ والمُرسَلةِ، مَعْناهُ: الخَبَرُ الَّذي لَمْ يُقَيَّدْ وقدْ سَبَقَ بَيانُ المَصلحةِ، فَأَغْنَى عن إِعادَتِه، وأمَّا الإِرْسالُ في اللُّغةِ فمَعناهُ: الإِطْلاقُ عن التَّقَييدِ، قالَ صاحِبُ (المِصْباحِ المُنيرِ): أَرْسَلْتُ الطَّائِرَ مِن يَدِي إِذا أَطلَقْتُه، وأَرْسَلْتُ الكَلامَ إِرْسالاً: أطْلَقْتُه مِن غيرِ تَقْييدٍ.
وقالَ ابنُ مَنظُورٍ: أَرْسَلَ الشَّيءَ أَطْلَقَهُ وأَهْمَلَهُ.
وعلى هذا تَكونُ المَصلحةُ المُرسَلةُ هي: الوَصْفُ المُطْلَقُ الَّذي لَمْ يُقَيَّدْ.
ولكِنْ ليسَ مَعْنى (المُرْسَلَةِ) هو الإِرْسالُ الحَقيقِيُّ؛ أي: الخُلُوُّ التَّامُّ عن أي دَليلٍ شَرْعيٍ، وإنَّما هو اصْطِلاحٌ أُرِيدَ به التَّفْرِقَةُ بَينَهُ وبينَ القِياسِ، فالقِياسُ لا بُدَّ أنْ يَكونَ لِلْفرْعِ فيه شاهِدٌ مِن أصْلٍ وُجِدَتْ فيه عِلَّةُ الفَرْعِ، وقام َالدَّليلُ مِن نَصٍّ أوْ إجْماعٍ على عِلِّيَتِها، أوْ على جَرَيانِ الحُكْمِ على وِفْقِها.
أمَّا المَصالِحُ المُرسَلةُ فهِي: ما كانتْ خَالِيَةً عنْ مِثلِ هذا الشَّاهِدِ، ولكِنَّها في الوَقْتِ نفْسِه مُلائِمَةٌ لاعْتِباراتِ الشَّارِعِ وجُمْلَةِ مَقاصِدِهِ وأحْكامِه، فقَدْ شَهِدَ الشَّارعُ لها بِالاعْتِبارِ في الجُمْلَةِ مِن حيثُ وُجُودِ دَليلٍ يدُلُّ على اعْتِبارِ جِنسِ المَصالِحِ.
تعْريفُها في الاصْطِلاحِ: اختَلَفَ الأُصُولِيُّونَ في التَّعْبيرِ عن المَصْلحةِ المُرسَلَةِ، فقدْ عَبَّرَ بعْضُهم عنها بالمُناسِبِ المُرسَلِ، وبعْضُهم بِالاسْتِدْلالِ المُرْسَلِ، وبعضُهم
(3/19)

بِالاسْتِدْلالِ فَقَطْ، وبعْضُهم بِالاسْتِصْلاحِ، وهذه الألْفاظِ وإنْ كانتْ مُخْتَلِفةً إلاَّ أنَّها بِمَعْنىً واحِدٍ وهو: الفائِدَةُ أوِ الثَّمَرَةُ المُتَرَتِبَةُ على مَشْرُوعِيَّةِ حُكْمٍ لَمْ يَدلَّ الدَّليلُ المُعَيَّنُ على اعْتِبارِها أو إلْغائِها، غايَةُ الأَمْرِ أنَّ إطْلاقَ الاسْتِدْلالِ فَقَطْ على المَصالِحِ المُرْسَلَةِ فيه تَجَوُّزٌ؛ لأِنَّ الاسْتِدْلالَ دَليلٌ ليسَ بِنصٍّ ولا إِجْماعٍ ولا قِياسٍ؛ فيَشْمَلُ كُلَّ الأَدِلَّةِ المُختَلَفِ فيها، فإطْلاقُه على نَوعٍ مُعَينٍ منها وهو المَصالِحُ المُرسَلَةُ، مِن بابِ إطْلاقِ الكُلِّ على البَعْضِ، فأمَّا المُناسِبُ المُرْسَلُ أو الاسْتِدْلالُ المُرْسلُ فهو كما قالَ الغَزَالِيُّ: التَّعلُّقُ بِمُجرَّدِ المَصلَحَةِ مِن غَيرِ اسْتِشْهادٍ بِأصْلٍ مُعَيَّنٍ.
أي: تَعَلُّقُ المُجْتَهِدِ أو الفَقِيهِ في إثْباتِ حُكمٍ مِن الأَحْكامِ بِمُجَرَّدِ حُصُولِه على المَصْلحَةِ الَّتي لَمْ يَدُلَّ الدَّليلًُ المُعيَّنُ على اعْتِبارِها أو إلْغائِها، وهذا هو الإرْسالُ.
ووجْهُ إطْلاقِه -أي: المُناسِبُ المُرسَلُ أو الاسْتِدْلالُ المُرْسَلُ- على المَصْلَحةِ المُرسَلَةِ: أنَّ المَصلحَةَ مُلازِمَةٌ لِلْوَصْفِ المُناسِبِ؛ وذلكَ لأنَّ الحُكْمَ المَبْنِيَّ على هذا الوَصْفِ المُرْسَلِ تَكونُ مَصْلحتُه المُتَرَتِّبةُ عليه مُرسَلةً أيضاً، بِمَعْنى أنَّه كُلَّما كانَ الوَصْفُ أو العِلَّةُ مُرسَلةً كانت المَصلَحةُ المُترتِّبةُ على الحُكمِ المَبْنِيِّ على هذا الوَصفِ أو العِلَّةِ مُرسَلَةً أيضاً.
وأمَّا الاسْتِصْلاحُ فهو: عِبارَةٌ عن اسْتِنباطِ المُجْتَهدِ الحُكمَ مِن الَواقِعةِ الَّتي لا نَصَّ فيها ولا إجْماعَ ولا قِياسَ بِناءً على المَصلحَةِ المُرْسَلَةِ.
(3/20)

ووجْهُ تَسْمِيَةِ المَصلَحَةِ به: أنَّ المُجْتهدَ يَطْلُبُ صَلاحَ المُكَلَّفينَ باتِّباعِ المَصلحَةِ المَذْكورَةِ ومُراعاتِها.
وأمَّا المَصلحَةُ المُرسَلةُ فهي: الوَصْفُ المُناسِبُ لِتشْريعِ الحُكمِ الَّذي لَمْ يَشْهدْ له الشَّارعُ بِالاعْتِبارِ أو الإِلْغاءِ.
أي: هي الوَصف الَّذي يَحصلُ عَقلاً مِن تَرْتيبِ الحُكمِ عليه ما يَصلُحُ أنْ يَكونَ مَقْصوداً لِلشَّارعِ مِن دَفعِ المَفاسِدِ عن الخَلْقِ وجَلْبِ المَصالِحِ لهم، وسَكَتَ عنه الشَّارعُ فَلَمْ يَشْهدْ له بِالاعْتِبارِ ولا بِالإلْغاءِ بَلْ أَرْسَلَ عن دائِرَةِ الاعْتِبارِ والإلْغاءِ لكِنْ عُلِمَ مِن الشَّارِعِ كَونُه مَقْصوداً بِأدِلَّةِ الكِتابِ أو السُّنَّةِ أو الإجْماعِ أوِ قَرائِنِ الأَحْوالِ، فقدْ شَهدَ الشَّرعُ لِجْنسِ المَصلَحةِ بِأدِلَّةٍ مُتَعدِّدَةٍ أثْبَتَتِ القَطْعَ لِهذه القاعِدَةِ ووُجُوبَ العَملِ بها، ولَمْ يَدُلَّ دليلٌ خاصٌ على اعْتِبارِ عَينِها في عَينِ الحُكْمِ، قالَ الغَزَالِيُّ: عُرِفَتْ لا بِدَليلٍ واحِدٍ بَلْ بِأدِلَّةٍ كَثيرَةٍ لا حَصرَ لها مِن الكِتابِ والسُّنَّةِ وقَرائِنِ الأحْوالِ وتَفارِيقِ الأَماراتِ.
شُروطُ العَمَلِ بالمَصلحَةِ المُرسَلةِ: احْتاطَ الفُقَهاءُ في تََََََََََرْجيحِ المَصلحةِ واعْتِبارِها دَليلاً تُبْنى عليه الأحْكامُ، حتَّى لا يَفْتَحوا البَّابَ على مِصْراعَيْهِ فيَتَهافَتُ النَّاسُ العالِمونَ والمُتَعالِمونَ في طَلَبِ المَصلحَةِ، والعَمَلِ بأحْكامِها؛ فَيُهْمِلوا النُّصوصَ، أو يَتَناسَوها حِينَ حُكْمِهمْ بِالمَصلَحةِ؛ فَتَعْتَلِي المَصلحَةُ عِندَهُم مَرْتَبةَ النَّصِّ، لِذا اشْترَطَ الفُقَهاءُ لها شُرُوطاً لا تَتَحقَّقُ المَصلَحةُ المُرسَلَةُ إلاَّ بِها، فمُعْظَمُ الشَّافِعيَّةِ يَشْتَرِطونَ
(3/21)

لِتَحقيقِ الأَخْذِ بِالمَصالِحِ المُرسَلَةِ شُروطاً ثَلاثَةً نَصَّ عليها الغَزَالِيُّ في (المُسْتَصْفَى) ونَقَلَها عنه مَن جاءَ بَعدَه واعْتَبرُوها مَذهَباً لَه، وهي.
الأَوَّلُ: أنْ تَكونَ المَصلَحةُ ضَرُورِيَّةً، أي: ليسَتْ حاجِيَّةً ولا تَحْسِينيَّةً، بِمَعْنى أنَّها تَحْفَظُ ضَرورَةً مِن الضَرُورَاتِ الخَمْسِ، أمَّا المَصلحَةُ الحاجِيَّةُ والتَّحْسِينِيَّةُ فَلا يَجوزُ الحُكمُ بِمُجَرَّدِها ما لَمْ تَقْصدْ بِشَهادَةِ الأُصولِ؛ لأِنَّه يَجرِي مَجْرَى وَضْعِ الشَّرعِ بِالرَّاي وذلكَ لا يَجوزُ وإذا أُيِّدَتْ بِأَصْلٍ فهي قِياسٌ، وقدْ ذَهَبَ الغَزَاِليُّ في (شِفَاءِ الغَلِيلِ) إلى أنَّ المَصلحَةَ تَكونُ: ضَرورِيَّةً أو حاجِيَّةً، وهي -أي: المصلحة الضرورية تَكونُ مِن بابِ ما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلاَّ بِه فَهو واجِبٌ.
الثَّاني: أنْ تَكونَ المَصلحَةُ كُلِّيَّةً لا جُزْئِيَّةً؛ بِمَعْنَى أنَّها عامَّةٌ تُوجِبُ نَفْعاً لِلْمُسلِمينَ ولَيسَتْ خاصَّةً بِالبَعْضِ، وذلكَ بأنْ يرْجِعَ النَّفعُ، أو دَفْعُ الضَّررِ المُترَتِّبِ على تشْريعِ الحُكمِ لِجميعِ الأُمَّةِ أو لأِكْثرِ أفْرادِها، فإِذا ظَهَرَ في تَشْريعِ الحُكمِ مَصلحَةُ البَعْضِ، كأميرٍ أو مَلِكٍ فَلا يَجوزُ بِناءُ الحُكمِ عليها، لأِنَّها مَصلحةٌ خاصَّةٌ ولَيستْ عامَّةً.
الثَّالِثُ: أنْ تَكونَ المَصلحَةُ قَطْعيَّةً لا ظَنِّيَّةً، بِأنْ تَثْبُتَ بِطريقٍ قَطْعِيٍّ لا شُبْهَةَ فيه. وتَتَحَقَّقُ الشُّروطُ الثَّلاثَةُ فيما إذا تَتَرَّسَ الكُفارُ حالَ التِحامِ الحَرْبِ بِأُسارَى المُسلِمينَ بِأنْ يَجعَلوا أَسْرَى المُسْلِمينَ أَمَامَهم كالتُّرْسِ يَتَلَقَّى عنْهم الضَّرْبَ والطَّعْنَ فَيَكونَ مانِعاً لِلْمُسلِمينَ مِن تَوجِيهِ الضَّربِ والرَّمْي إلَيهِمْ، وبِذلكَ يَتَمكَّنُ الكُفَّارُ مِن مُهاجَمَةِ الحُصونِ فَلَو امْتَنَعْنا عَن القَتْلِ لَصَدَمُونا واسْتَولَوا على دِيارِنا وقَتَلوا كافَّةَ المُسْلِمِينَ ثُمَّ يَقتُلُونَ الأَسْرَى أيضاً، ولَو رَمَينا التُّرْسَ لَقَتَلْنا مُسْلِماً مَعْصوماً لَمْ يُقَدِّمْ ذَنْباً يَسْتَحِقُ عليه المَوتَ فَيجوزُ والحَالُ هذه رَمْيُ التُّرْسِ لأِنَّ هذا الأَسيرَ مَقْتولٌ بِكُلِّ حالٍ، لأِنَّا لَوْ كَفَفْنا عنْ قَتْلِه لَتَسَلَّطَ الكُفَّارُ علَى جَميعِ المُسْلِمينَ فَيَقْتُلونَهم ثُمَّ يَقْتُلونَ الأُسارَى أيضاً، فَحِفْظُ جَميعِ المُسْلِمِينَ أقْربُ إلى مَقْصودِ الشَّرعِ، لأِنَّ مَقْصودَه تَقْليلُ القَّتْلِ وحَسْمُ َسَبيلِه عِندَ الإِمْكانِ فإنْ لَمْ نَقْدْرِ على الحَسْمِ فَقَدْ قَدَرْنا على التَّقْليلِ، فهذه مَصلَحَةٌ عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ، كَونُها مَقْصودَةً لِلشَّارِعِ، وثَبَتَتْ لا بِدَليلٍ واحِدٍ بَلْ بِأَدِلَّةٍ خارِجَةٍ عَن الحَصْرِ، ولَكِنَّ تَحْصيلَ هذا المَقْصودِ بِهذا الطَّريقِ وهو قَتْلُ مَن لَمْ يُذْنِبْ لَمْ
(3/22)

يَشْهدْ له أَصْلٌ مُعَيَّنٌ فالمَصْلحةُ هُنا غَيرُ مَاخُوذَةٍ بِطَريقِ القِياسِ على أصْلٍ مُعَيَّنٍ، وإنَّما كانَ اعْتِبارُها مُقَيَّداً بِأوْصافٍ ثَلاثَةٍ كَونُها ضَرُورِيَّةً كُلِّيَّةً قَطْعيةً.
وذَكَرَ الَّشاطِبِيُّ وغَيرُه شُروطاً أُخْرَى غَيرَ الَّتي شَرَطَها الغَزَالِيُّ، وهي أقْرَبُ مِساساً بِالمَصالِحِ المُرسَلَةِ، وأَوْسَعُ في اسْتِعْمالِها وَأَكْثَرُ في رَفْعِ الحَرَجِ مِن غَيرِها:
الأَوَّلُ: أنْ تَكونَ المَصلَحَةُ المُرسَلَةُ مُلائِمَةً لِمَقصودِ الشَّرعِ، بحيثُ لا تُنافِي أَصْلاً مِن أُصولِه ولا دَليلاً مِن دَلائِلِه، فَالمَصلحَةُ المُناقِضَةُ لِمَقْصودِ الشَّرْعِ المُعارِضَةُ لأِصْلٍ مِن أُصولِه ودَليلاً مِن أَدِلَّتِه مَرْدُودَةٌ بِالاتِفاقِ، وقدْ زادَ الغَزَالِيُّ في (شِفاءِ الغَلِيلِ) هذا الشَّرْطَ كما أَشَرْنَا.
الثَّانِي: أنْ تَكونَ مَعْقولَةً في ذاتِها، بِأنْ تَكونَ جارِيَةً عَلى الأَوْصافِ المُناسِبَةِ المَعْقولَةِ بِحيثُ لَوْ عُرِضَتْ على أَهْلِ العُقُولِ السَّليمَةِ تَلَقَّوها بِالقَبُولِ.
الثَّالِثُ: أنْ تَكونَ المَصلحَةُ حقِيقِيَّةً لا وَهْمِيَّةً، وذلكَ يَتَحَقَّقُ عندَ المُجتَهِدِ بِأنَّ بِناءِ الحُكْمِ عَلَيها يَجْلِبُ نَفْعاً ويَدْفَعُ ضَرَراً، فَإِذا تَوَهَّمَ المُجْتَهِدُ النَّفْعَ في المَصلحَةِ دُونَ أنْ يُوازِنَ بَينَهُ وبَينَ الضَّرَرِ لا يَجوزُ بِناءُ الحُكمِ علَيها.
مِثالُه: سَلْبُ الزَّوجِ حَقَّ الطَّلاقِ وجَعْلُه لِلقاضِي في جَميعِ الحالاتِ، بِناءً على أَنَّ هذا مَصْلَحةٌ راجِعةٌ إلى المَرْأَةُ، فَهذِه مَصْلحَةٌ وَهْمِيَّةٌ، لأِنَّ اللَّهَ تَعالى شَرَعَ الطَّلاقَ بِيدِ الرَّجُلِ لأِنَّه هو الَّذي عَليه النَّفَقَةُ ويَتَحَمَّلُ المَسْئُولِيَّةَ، ولا يَقْدُمُ على هذا إلاَّ إذا رَأَى البَقاءَ أَكْثَرَ ضَرَراً مِن الطَّلاقِ.
الرَّابِعُ: أنْ يَكونَ حاصِلُها يَرجِعُ إلى رَفْعٍ لِحَرَجٍ لازِمٍ في الدِّينِ، لِقولِه تَعالَى:
(3/23)

{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} فَهِي رَاجِعةٌ إلى بابِ التَّخْفيفِ لا إلى التَّشْديدِ، فهذه الشُّروطُ قدْ تَكونُ أيْسَرَ علَى النَّاسِ، وأَوْسَعَ رَحْمَةً بِنا في اسْتِخْراجِ أحْكامِ اللَّهِ تعالَى عنْ طَريقِ المَصالِحِ.
أسْبابُ اخْتِلافِ العُلَماءِ في الاحْتِجاجِ بِالمَصلَحةِ المُرْسَلَةِ:
أوَّلاً: نَظْرَةُ العُلَماءِ إلى المَصْلحَةِ المُرْسَلةِ مِن حيثُ المُرادِ مِنها، وذلكَ مِن حيثُ المُلاءَمَةِ أو الشُّروطِ الَّتي يَجبُ تَوافُرُها فيها كَثْرَةً وقِلَّةً، وعلى ذلكَ فعِندَ الأَئِمَّةِ الأَرْبعَةِ أصْحابِ المذَاهِبِ الفِقْهِيَّةِ الأَرْبَعَةِ نَراها تَاخُذُ مَساراً عِندَ كُلِّ إِمامٍ حَسْبَما يَرَى مِن تَحقِيقِ المَصْلحَةِ المُرسَلَةِ في الفَرْعِ الَّذي يَحْكُمُ عُليهِ.
ثانِياً: نَظْرَةُ العُلَماءِ إلى المَصلَحةِ في كَونِها دَلِيلاً مُسْتَقِلاًّ بِذاتِه أو مُنْدَرِجَةً تَحْتَ غَيرِه مِن الأَدِلَّةِ، فالَّذينَ مالُوا إلى إنْكارِها ورَدِّها وتَصْحيحِ أنَّ مُعْظَمَ العُلَماءِ لَمْ يَقولوا بِها كالآمِدِيِّ، وابْنِ الحَاجِبِ وغَيرِهِما، إنَّما قَصَدُوا بِذلكَ إنْكارَ كَونِها دَلِيلاً مُسْتَقِلاًّ، وكَلامُهمْ بِهذا القَصْدِ صَحيحٌ، لأِنَّ مُعْظَمَ الأَئِمَّةِ لَمْ يَرَوها أصْلاً مُسْتَقِلا. ًّ
لِذَلكَ جَعَلَها الغَزَالِيُّ مِن الأُصُولِ المَوهُومَةِ في أَوَّلِ كَلامِه عَنها، وهذا يَعْنِي إلْغاءَها وعَدَمَ العَمَلِ بِها، ولَكِنَّه ما لَبِثَ أنْ انْتَهَى في آخِرِ كَلامِه إلى القَولِ بِأنَّ كُلَّ مَصلَحَةٍ داخِلَةٍ ضِمْنَ مَقاصِدِ الشَّرْعِ فَهيَ مَقْبُولَةٌ، حَيثُ يَقولُ: فَإنْ قِيلَ: قدْ مِلْتُمْ في أَكْثَرِ المَسائِل إِلى القَولِ بِالمَصالِحِ ثُمَّ أوْرَدْتُمْ هذا الأَصْلَ في الأُصولِ المَوهُومَةِ، فَلْيُلْحَقْ هذا بِالأُصولِ الصَّحيحَةِ لِيَصيرَ أصْلاً خامِساً بَعْدَ الكِتابِ والسُّنَّةِ والإِجْمَاعِ والعَقْلِ، قُلْنا: هذا مِن الأُصولِ المَوهُومَةِ إذْ مَن ظَنَّ أنَّه أصْلٌ خامِسٌ فقدْ أخْطَأَ، لأِنَّا رَدَدْنَا المَصْلحَةَ إلى حِفْظِ مَقاصِدِ الشَّرْعِ.
(3/24)

فَلَعْلَ سَبَبَ ذلكَ أنَّه لاحَظَ عِندَ وَضْعِ العُنْوَانِ الرَّدَّ علَى مَن اعْتَبَرَ المَصلَحَةَ المُرْسَلَةَ أصْلاً مُسْتَقِلاًّ بِذاتِه، ولاَحَظَ في غِمارِ بَحْثِه بَعْدَ ذلكَ إِيضاحَ أنَّها مَقْبُولَةٌ مِن حيثُ ذاتِها بِقَطْعِ النَّظَرِ عنْ عَدِّها أَصْلاً مُسْتَقِلاًّ.
وأمَّا الَّذينَ مَالُوا إلى القَولِ بِالمَصْلَحةِ المُرْسَلَةِ، ونَقَلوا عنْ مُعْظَمِ الأَئِمَّةِ اعْتِبارَها كإِمامِ الحَرَمَينِ والغَزَاِليِّ وغَيرِهِما، إنَّما أرَادُوا بِذلكَ اعْتِبارَها داخِلَةً في الأُصولِ الأُخْرَى، فَكَلامُهمْ بِهذا القَصْدِ أيضاً صَحيحٌ، لأِنَّ عامَّةَ الأَئِمَّةِ ياخُذُونَ بِها عَلى هذا الأَساسِ، فكانَ يَنبَغِي أنْ يَخْرُجَ اخْتِلافُ العُلَماءِ في هذه المَسْأَلَةِ على هذا الوَجْهِ، حتَّى يُمْكنَ التَّوافُقُ والانْسِجامُ بَينَ كَلامِهمْ، فَمَحَلُّ الخِلافِ بَينِ العُلَماءِ إِذَنْ لَيسَ في اعْتِبارِ المَصْلحَةِ في حَدِّ ذاتِها فَهذا أَمْرٌ مُتَّفَقٌ عليهِ بَينَ جُمْهُورِ العُلَماءِ، وإِنَّما هُوَ في أنَّها هَلْ تُعْتَبَرُ أصْلاً مُسْتَقِلاًّ بِذاتِه أَمْ مُنْدَرِجَةً في الأُصولِ الأُخْرَى.
ثَالِثاً: عَدَمُ التَّثَبُّتِ والتَّأَكُّدِ مِن الآرَاءِ المُسْنَدَةِ إلى الإِمامِ مَالِكٍ في القَضايَا الَّتي مَبْناها المَصالِحُ المُرْسَلَةُ، والَّتي نُقِلَ عنه بِسَبَبِها أنَّه أَفْرَطَ واسْتَرْسَلَ في الأَخْذِ بِالمَصالِحِ المُرْسَلَةِ، ولَمْ يَلْتَفِتْ فيها إلى ضَرُورَةِ مُلاءَمَتِها لأُصُولِ الشَّرْعِ وتَصَرُّفَاتِه، كاسْتِحْلالِ القَتْلِ، وأَخْذِ المَالِ لِمَصالِحَ يَقْتَضِيهَا غالِبُ الظَّنِّ، وقَتْلِ ثُلُثِ الأُمَّةِ لاِسْتِبْقاءِ ثُلُثَيْها، كَذا حَكاهُ عَنه إِمامُ الحَرَمَينِ في (البُرْهانِ).
فَالواقِعُ أنَّ هذهِ المَسائِلَ لَمْ يَقُلْ بِها الإِمامُ مَالِكٌ، ولا أَحَدٌ مِن أَصْحابِهِ ولا أَساسَ لَه مِن الصِّحَّةِ، وَإَنَّما نَسَبَهُ إِلَيه بَعْضُ العُلَمَاءِ؛ فَلَيسَ بِمَعْقُولٍ أَنْ يَقولَ ذلكَ إِمامُ دارِ الهِجْرَةِ الَّذي عُرِفَ بِاتِّباعِه لِلسُّنَّةِ حتَّى يَتَصوَّرَ المُتَتَبِّعُ لِفِقْهِهِ وأقْوالِهِ أنَّه مُقَلِّدٌ لِمَن قَبْلَه، والَّذي تَفَرَّدَ بِه الإِمامُ مَالِكٌ هُوَ تَوسِعَتُه في المُعامَلاتِ؛ نَظَراً لِتَطْبيقِ هذه القاعِدَةِ في هذا البابِ أَكْثَرَ مِن غَيرِه مِن الفُقَهاءِ، فَشَمَلَتْ كَثِيراً مِن أبْوابِ الفِقْهِ، فقَدْ اسْتَرْسَلَ في المَعانِي المَصْلَحِيَّةِ في بابِ المُعامَلاتِ مَعَ فَهْمِهِ لِلنُّصوصِ مِن الكِتابِ والسُّنَّةِ غَيرَ خارِجٍ عَن مَقْصودِ الشَّارِعِ وغَيرَ مُناقِضٍ له، وقدْ أَثْنَى على الإِمامِ مَالِكٍ الإِمَامُ أَحْمَدٌ، وأبُو دَاوُدَ، وابْنُ مَهْدِي، وإِبْرَاهِيمُ بْنُ يَحْيَى بِالاتِّباعِ ومُلازَمَةِ السُّنَّةِ.
(3/25)

قالَ أبُو العِزِّ المُقْتَرِحِ =في حَواشِيهِ على (البُرْهانِ): إنَّ هذا القَولَ لَمْ يَصِحَّ عنْ مالِكٍ، هكَذا قَالَه أصْحابُه، وأنْكَرَهُ ابْنُ شَاشٍ في (التَّحْرِيرِ) علَى الإِمامِ، وقَالَ: أقْوالُه تُؤْخَذُ مِن كُتُبِهِ وكُُتُبِ أصْحابِه لا مِن نَقْلِ النَّاقِلينَ، وكذلكَ اسْتَنْكَرَه القُرْطُبِيُّ، وقالَ: ذَهبَ الشَّافِعِيُّ ومُعْظَمُ أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ إِلى الاعْتِمادِ عَليه، وهُوَ مَذْهَبُ مالِكٍ، قالَ: وقدْ اجْتَرَأَ إِمامُ الحَرَمَينِ وجازَفَ فِيما نَسَبَهُ إلَى مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ مِن الإِفْرَاطِ في هذا الأَصْلِ، وهذا لا يُوجَدُ في كِتابِ مَالِكٍ، ولا فِي شَيءٍ مِن كُتُبِ أصْحابِه.
رَابِعاً: نُقِلَ عَن الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ إِنْكارُ الاسْتِحْسانِ بِشِدَّةٍ، واعْتِبارُهُ قَولاً بالتَّشَهِّي وتَشْريعاً بِالهَوَى، دُونَ أنْ يَسْتَثْنِيَ مِن ذلكَ بِعِبارَةٍ صَرِيحَةٍ مَا اسْتَنَدَ فيهِ المُجْتَهِدُ إلَى مَصْلَحَةٍ مُرْسَلَةٍ داخِلَةٍ ضِمْنَ مَقاصِدِ الشَّارِعِ مُلائِمَةٍ لأِحْكامِه وتَصَرُّفاتِه، مِمَّا جَعَلَ كَثيراً مِمَّن لَمْ يَتَدَبَّرُوا أُصُولَ الشَّافِعِيِّ وطُرُقَ اجْتِهاداتِه يَظُنُّونَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ يُنْكِرُ الأَخْذَ بِالمَصْلَحَةِ المُرسَلَةِ، لأِنَّهم يَتَصَوَّرُونَ أنَّ مَحَلَّ البَحْثِ إنَّما هُوَ في حُكْمِ المَصْلَحَةِ المُرْسَلةِ مِن حَيث ُاعْتِبارِها أصْلاً مُسْتَقِلاًّ بِذاتِه، ولَمْ يَرَوا مَا يُوجِبُ التَّفْرِقَةَ بَينَ الاسْتِحْسانِ الَّذي يُنْكِرُه الشَّافِعِيُّ وبَينَ المَصلَحَةِ المُرْسَلَةِ الَّتي لَمْ يُرِدْها فِي شَيءٍ مِن أُصُولِه وكِتابَاتِه، وأنَّ في اسْتِدْلاَلاَتِ الشَّافِعِيِّ علَى رَدِّ الاسْتِحْسانِ ما يَكْفِي لِرَدِّ المَصْلَحَةِ المُرْسَلَةِ أيضاً.
والوَاقِعُ أنَّ السَّبَبَ الأَوَّلَ والثَّانِيَ شَكْلِيَّانِ لا يُخْرِجانِ المَصلَحَةَ المُرْسَلَةَ عَن الاحْتِجاجِ بِها، إذْ مَدارُهُما عَلَى تَحْديدِ المَقْصودِ بِالمَصالِحِ المُرْسَلَةِ الَّتي تُعْتَبَرُ حُجَّةً، هَلْ هِيَ المَصالِحُ الغَرِيبَةُ المَسْكُوتُ عَنها، أو المَصالِحُ المُلائِمَةُ لِمَقاصِدِ الشَّارعِ الَّتي شَهِدَ لِجِنْسِها بِالاعْتِبارِ، وهَلْ المَقْصودُ بِاعْتِبارِها حُجَّةً كَونُها أصْلاً مُسْتَقِلاًّ بِذاتِه أو كَونُها مُنْدَرِجَةً في دَليلٍ آخَرَ؟
أمَّا السَّبَبُ الثَّالِثُ: فقَدْ أشَرْنَا أنَّ الإِمَامَ مالِكاً لَمْ يَعْمَلْ بِالمَصْلَحَةِ المُرْسَلَةِ إلاَّ إذا كانَتْ مُسْتَكْمِلَةً لِمَا اشْتَرَطَهُ فِيها مِن كَونِها مُلائِمةً لِتَصَرُّفاتِ الشَّارِعِ، ودَاخِلَةً تَحْتَ
(3/26)

جِنسٍ اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ، وهذا عَينُ مَا اشْتَرَطَهُ العُلَمَاءُ مِن الحَنَفِيَّةِ والشَّافِعِيَّةِ والحَنَابِلَةِ فِيها.
وأمَّا السَّبَبُ الرَّابِعُ: فإنَّه لاَ يَلْزَمُ مِن إنْكارِ الشَّافِعِيِّ لِلاسْتِحْسانِ إنْكارُه لِلْمصالِحِ المُرْسَلَةِ، ولاَ يَلْزَمُ مِن عَدَمِ ذِكْرِه لَها بِصَرِيحِ العِبارَةِ عَدَمُ احْتِجَاجِهِ بِها، بَلْ مَن يَتَدَبَّرُ طُرُقَ اجْتِهادِهِ يَعْلَمُ أنَّه يَحْتَجُّ بِها، ويَتَّضِحُ بِذلكَ: أنَّ المَصْلَحةَ المُرْسَلَةَ قالَ بِها الأَئِمَةُ، ولَمْ يَخْلُ مِن القَولِ بِها مَذْهَبٌ مِن المَذاهِبِ.
قالَ القَرَافِيُّ: وأمَّا المَصلَحَةُ المُرسَلةُ فَغَيرُنا يُصَرِّحُ بِإِنْكارِها، ولَكِنْ عندَ التَّفْرِيعِ نَجِدُهمْ يُعَلِّلُونَ بِمُطْلَقِ المَصلَحَةِ، ولا يُطالِبُونَ أنْفُسَهم عِندَ الفُرُوقِ والجَوَامِعِ بِإِبْداءِ الشَّاهِدِ لها بِالاعْتِبارِ، بَلْ يَعْتَمِدُونَ على مُجَرَّدِ المُناسَبَةِ، وهذا هُو المَصْلَحةُ المُرْسَلةُ.
ويقُولُ الأُسْتاذُ الدُّكْتُورُ البُوَيْطِي: صَفْوَةُ القَولِ: المَصالِِحُ المُرْسَلَةُ مَقْبُولَةٌ بِالاِتِّفاقِ وإنَّما أَعْنِي بِالاِتِّفاقِ: اتِّفاقَ الصَّحابَةِ والتَّابِعينَ والأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ، فَلَيسَ مِن المُهِمِّ بَعْدَ ثُبُوتِ ذلكَ أنْ تُنْكِرَه فِئَةُ الظَّاهِرِيَّةِ فقَدْ أنْكَرُوا القِياسَ مِن قَبْلِهِ، مَعَ أنَّه مُعْتَمَدٌ مِن عامَّةِ المُسْلِمينَ، كمَا أنَّه لاَ يَضِيرُ هذا الاتِّفَاقَ أنْ يُنْكِرَ القَولَ بِه آحادٌ مِن الأُصُولِيِّينَ كالقَاضِي أبي بَكْرِ البَاقِلاَّنِيِّ والآمِدِيِّ فأَغْلَبُ الظَّنِّ أنَّ إنْكارَهُما لَها إنَّما هُوَ يَعْنِي عَدَمَ اعْتِبارِها أصْلاً مُسْتَقِلاًّ في التَّشْرِيعِ، ويَتَبَيَّنُ بِذلكَ أنَّ الاحْتِجاجَ بِالمَصلَحةِ المُرسَلةِ مَحَلُّ اتِّفاقٍ ولَيسَتْ مَحَلَّ خِلافٍ إلاَّ مَا نُقِلَ عنِ الظَّاهَرِيَّةِ وإنَّما مَحَلُّ الخِلافِ في اعْتِبارِها أصْلاً مُسْتَقِلاًّ بِذَاتِه، أو كَونِها مُنْدَرِجَةً تَحتَ دَليلٍ آخَرَ.
تََحْرِيرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ:
أوَّلاً: مَحَلُّ الوِفَاقِ: قدْ اتَّفَقَ العُلَماءُ على ما يَاتِي:
1 - أنَّ المَصالِحَ المُعْتَبرَةَ الَّتي ثَبَتَتْ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الاعْتِبارِ لَيستْ مَحَلَّ خِلافٍ، وإنَّما هي مَحَلُّ وِفاقٍ في جَوازِ التَّعْليلِ بها، وهذه المَصالِحِ لَيستْ مُرسَلَةً.
(3/27)

2 - أنَّ المَصالِحَ الَّتي ثبت إلغاؤها ودل الدليل على إهدارها فلا يجوز التعليل بها بالاتفاق، فهي مردودة اتفاقاً.
3 - أن أحكام العبادات والمقدرات كالحدود والكفارات وفروض الإرث وشهور العدة بعد الموت أو الطلاق، وكل ما شرع محدداً واستأثر الشارع بعلم المصلحة فيم حدد به، فإنه يقتصر فيها على ما ورد به النص، فكما لا يعتد فيها بالقياس، لا يصح العمل فيها بالمصالح المرسلة.
قال الشاطبي: فلا مدخل لها في التعبدات، ولا ما جرى مجراها من الأمور الشرعية، لأن عامة التعبدات لا يعقل لها معنى على التفصيل، كالوضوء والصلاة والصيام في زمان مخصوص دون غيره والحج، ونحو ذلك.
ثانياً محل الخلاف:
سبق أن أحكام العبادات والمقدرات كالحدود والكفارات وفروض الإرث وغيرها لا يصح العمل فيها بالمصالح المرسلة، بل يقتصر فيها على ما ورد به النص، فأما المعاملات، والسياسة الشرعية والعادات، فهي الميدان المعقول للاجتهاد فيها، لأن العقل يدرك معناها ويستطيع أن يقف على أسرار التشريع فيها وهي المجال الذي يمكن اعتبار المصلحة المرسلة فيه أصلاً تشريعياً للأحكام، وذلك لأنها ينظر فيها إلى مصالح الناس، ويقصد بالأحكام التي تشرع لها تحقيق تلك المصالح، وهذه هي التي اختلف العلماء في اعتبار المصلحة المرسلة فيها من حيث الحجية وبناء الأحكام عليها.
مذاهب الأصوليين في حجية المصالح المرسلة.
اختلف الأصوليون في الاحتجاج بالمصلحة المرسلة واعتبارها دليلاً يعتد به وقاعدة يعتمد عليها، على مذاهب.
المذهب الأول: أنها حجة مطلقاً سواء أكانت ملائمة أم غريبة أي خلت عن الملائمة=، بشرط ألا تناقض أصلاً ولا تصادم قاعدة، ولا تخالف دليلا، وقد اشتهر
(3/28)

ذلك عن الإمام مالك رضي الله عنه قال الشاطبي: القول بالمصالح المرسلة ليس متفقاً عليه، بل قد اختلف فيه أهل الأصول، فذهب الإمام مالك إلى اعتبار ذلك ونسب هذا القول إلى أبي حنيفة، والشافعي في القديم، والإمام أحمد رضي الله عنهم جميعاً، وهو اختيار نجم الدين الطوفي الحنبلي، بل زاد عليه تقديم المصلحة على النص.
الأدلة:
استدل أصحاب هذا المذهب بدليل خاص بمذهبهم، وبأدلة أخرى مشتركة بينهم وبين أصحاب المذهب الثاني القائل بحجية المصلحة المرسلة بشرط الملائمة
(3/29)

لمقصود الشارع.
أولاً: الدليل الخاص بالمالكية.
استدل المالكية على مذهبهم بأن المصالح المرسلة في ترتيب الحكم عليها لا يخلو الحال فيها من أمرين:
الأول: أن تكون المصلحة خالصة.
الثاني: أن تكون المصلحة راجحة.
وكل ما هو مصلحة خالصة أو راجحة يظن اعتبار الشارع لها، فينتج: أن المصالح المرسلة، يظن اعتبار الشارع لها، والعمل بالظن واجب بالإجماع، فالعمل بالمصالح المرسلة واجب، وهو المطلوب.
أما كون المصلحة المرسلة في ترتيب الحكم عليها مصلحة خالصة أو راجحة فظاهر، لأنه هو المفروض، إذ الفرض عدم وجود مصلحة أخرى معتبرة تعارضها.
وأما الدليل على أن كل ما كان مشتملاً على مصلحة خالصة أو راجحة يظن اعتبار الشارع لها فلأن الله تعالى قد اعتبر جنس المصالح في جنس الأحكام، واعتبار جنس المصالح يوجب ظن اعتبار المصلحة المرسلة لكونها من جملة أفراد المصالح.
وأما كون العمل بالظن واجباً، فهذا محل وفاق.
قال القرافي مستدلاً على مذهب الإمام مالك: لنا أن الله تعالى إنما بعث الرسل عليهم الصلاة والسلام لتحصيل مصالح العباد عملاً بالاستقراء (أي أنه ثبت بالاستقراء أن الله تعالى قد بعث الرسل بالأحكام تحقيقاً لمصالح الناس) فمهما وجدنا مصلحة، غلب على ظننا أنها مطلوبة للشرع.
(3/30)

وقال الإسنوي: إن الشارع اعتبر جنس المصالح في جنس الأحكام، واعتبار جنس المصالح يوجب ظن اعتبار هذه المصلحة لكونها من أفرادها.
مناقشة هذا الدليل:
نوقش هذا الدليل: بأنه لو وجب اعتبار المصالح المرسلة بمجرد مشاركتها للمصالح التي اعتبرها الشارع في كونها مصالح، لوجب إلغاؤها أيضاً، لمشاركتها للمصالح التي ألغاها الشارع في ذلك، فيلزم اعتبارها وإلغاؤها، وهو محال، لأن المصالح المرسلة هي التي لم يشهد لها الشارع بالاعتبار ولا بالإلغاء، فكما يجوز إلحاقها بالمصالح المعتبرة يجوز إلحاقاً بالملغاة، إذ الكل وصف مصلحي، فالتعويل على المشاركة للمصالح المعتبرة دون العكس، ترجيح بلا مرجح.
الجواب: لا نسلم أن المصالح المرسلة من جنس المصالح الملغاة، لأن الإلغاء لا يكون إلا بدليل شرعي، ولم يوجد هذا الدليل في المصالح المرسلة، ومجرد اشتراك المصالح المرسلة مع المصالح الملغاة في التسمية لا يرجح الإلحاق بها، لأنه ترجيح بلا مرجح.
قال الشاطبي: المصلحة إذا كانت هي الغالبة عند مناظرتها مع المفسدة في حكم الاعتياد، فهي المقصودة شرعاً، فقد بين أن كون المصلحة غالبة دليل على كونها مقصودة للشارع، فمن باب أولى إذا كانت المصلحة خالصة عن المفسدة، وهذا الدليل استدل به القرافي على مذهبه في القول بالمصلحة مطلقاً، وعزاه البيضاوي في منهاجه للإمام مالك وتبعه، شراحه، إلا أنه يصلح أيضاً أن يكون دليلاً للمذهب القائل بالمصلحة المرسلة بشرط الملاءمة، وذلك بأن يقول: اعتبار الشارع جنس المصالح في جنس الأحكام، يوجب ظن اعتبار هذه المصلحة الملائمة، والعمل
(3/31)

بالظن واجب.
ثانياً: الأدلة المشتركة بين المالكية وغيرهم.
أولاً: من القرآن الكريم:
استشف القائلون بالمصالح المرسلة، العديد من آيات الله تعالى الدالة على أن التشريع الإسلامي إنما قصد مصلحة الخلق في دنياهم وأخراهم.
من ذلك قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}.
وجه الدلالة: أن الآية تدل على أن رسالته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رحمة، حيث إن شريعته راعت مصالح العباد الدنيوية والأخروية، فما جاء به من الأخبار والمواعظ البالغة والوعد والوعيد والبراهين القاطعة الدالة على التوحيد وصحة النبوة وغير ذلك هي سبب لسعادة الدارين، فمن المحال أن نجد آية فيه تدعو إلى ما يخالف المصلحة الحقيقية، لأن الله سبحانه وتعالى نفى في هذه الآية جميع العلل والأحوال التي يمكن الإرسال من أجلها إلا حالة واحدة هي الرحمة، فانحصر الإرسال فيها، واقترن بها، ولو خلا من المصلحة لخلا الإرسال من الرحمة، فينافي ما نطقت به، وهذا أمر باطل.
ومنه قوله تعالى: {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون}.
وجه الدلالة: أن الشارع قد راعى مصلحة العباد في الآيتين الكريمتين من وجوه:
الأول: قوله تعالى: {قد جاءتكم موعظة} حيث في توعظهم أكبر صالح،
(3/32)

إذ في الوعظ كفهم عن الأذى، وإرشادهم إلى الهدى.
الثاني: وصف القرآن بأنه (شفاء لما في الصدور) من الشكوك وسوء الاعتقاد ونحوه، ولا ريب أن هذه مصلحة عظيمة للمشفي.
الثالث: وصفه بالهدى، الذي يهدي إلى الحق واليقين.
الرابع: وصفه بالرحمة، وفي الهدى والرحمة غاية المصلحة، حيث أنزل عليهم فنجوا بها من ظلمات الضلال إلى نور الإيمان.
الخامس: الفرح بذلك، لقوله تعالى {فبذلك فليفرحوا} وهو معنى التهنئة لهم بذلك، والفرح والتهنئة إنما يكونان لمصلحة عظيمة.
السادس: قوله تعالى: {هو خير ما يجمعون} من حطام الدنيا، وهي مصالح دنيوية، فالقرآن ونفعه أصلح من مصالحهم، والأصلح من المصلحة غاية المصلحة.
فهذه وجوه ستة تدل على أن الشرع راعى مصلحة المكلفين واهتم بها.
ومنه قوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} وقوله تعالى: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم}.
فقد أشار سبحانه وتعالى إلى رفع العسر، وإزالة الحرج عن الناس فيما ألزمهم به من أحكام، ومقتضى هذا أن تكون تلك الأحكام دائرة مع مصالحهم، ومتطلبات سعادتهم في الدنيا والآخرة بتيسير العبادة لهم، وتطهيرهم من رجز الدنيا والآخرة، وما ذلك إلا للسعادة في الآخرة، ولو أن الأحكام لم يراع فيها المصالح، لكان فيها عسر وحرج، لكن العسر والحرج في الأحكام مرفوع، فارتفع كون الأحكام لم تراع فيها المصالح التي تعود على المكلفين.
وغير ذلك مما ورد في القرآن من آيات القصاص والحدود التي شرعها الله
(3/33)

للمحافظة على أرواحهم، وأنسابهم وأعراضهم، وأموالهم، وما ذلك إلا حفاظاً على مصالح الناس في الدنيا والآخرة.
ثانياً: من السنة النبوية المطهرة:
أولاً: حديث معاذ رضي الله عنه وذلك لما بعثه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى اليمن، وقال له: ((بم تقضي؟)) قال: بكتاب الله، قال: ((فإن لم تجد؟)) قال: بسنة رسول الله قال: ((فإن لم تجد؟)) قال: أجتهد رأيي ولا آلو.
وجه الدلالة: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أقر معاذاً على اجتهاده، والاجتهاد أعم من القياس، فكما يكون بقياس النظير على النظير، يكون ببناء الحكم على قواعد الدين ومبادئ التشريع العامة من الكتاب والسنة، وهذا يشمل المصالح المرسلة.
قال الإمام الغزالي في (المنخول) بعد أن ساق هذا الحديث، للاستدلال به على مذهب الشافعي: واجتهاد الرأي مشعر باتباع قضية النظر في المصلحة، ولم يكلفه الشارع ملاحظة النصوص معه.
وقال في (شفاء الغليل) فإن قال قائل: لم قلتم: إن هذا الجنس أي المناسب المرسل حجة؟ وما وجه التمسك به؟ وما الدليل عليه، وقد اضطربت فيه مسالك العلماء، وقد قطعتم القول بقبوله؟ قلنا: إنما دلنا عليه ما دلنا على أصول القياس، فإنا بينا أن حاصل ذلك كله راجع إلى القول بالرأي الأغلب في فهم مقاصد الشرع، وإلى هذا يرجع ما يجوز التمسك به.
وما قاله الغزالي واضح في أن الدليل على إثبات المصلحة المرسلة هو الدليل
(3/34)

المثبت للقياس.
ثانياً: قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا ضرر ولا ضرار)) فالضرر: هو الإضرار بالآخرين، لمنفعة تعود على المضر، والضرار: هو الإضرار بالآخرين بدون منفعة تعود على فاعل الضرر.
وقال الطوفي: الضرر: إلحاق مفسدة بالغير مطلقاً، والضرار: إلحاق مفسدة به على جهة المقابلة أي كل منهما يقصد ضرر صاحبه فالحديث ينفي إلحاق المرء الضرر بغيره مطلقاً.
فهذه قاعدة عامة، أغلق رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيها منافذ الضرر والفساد، سواء أكان الضرر فيه منفعة تعود على المضر أم لا، وإذا نهي عن الضرر كان الأمر بضده، وهو مراعاة المصالح بين الناس، ثابتاً بالمفهوم المخالف، لأنهما نقيضان لا واسطة بينهما.
ثالثاً: قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها: شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق)).
فقد حدد الحديث حقيقة الدين بين طرفين اثنين، يبدأ أولهما بعقيدة التوحيد، حيث يمتد الدين من هذه البداية منتهياً بأبسط شيء يعود على المجتمع بالمصلحة العامة، وهو إماطة الأذى عن الطريق، أي ما يؤذي من حجر أو شوك ونحو ذلك، فتكون جميع المصالح المختلفة الأنواع المتعددة الفوائد، المتدرجة المراتب محصورة
(3/35)

بين طرفيه.
ثالثاً: الإجماع:
استدل القائلون بحجية المصالح المرسلة بإجماع الصحابة رضي الله عنهم على العمل بها، وإجماعهم حجة، فهم أقرب الناس إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأفهم الناس بالتشريع، وأعرفهم بأسراره، وأشد الناس تمسكاً به، فهم القدوة والأسوة في النظر فنهجهم مستمد من نهج رسولهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والاقتداء بهم وارد في حديثه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)).
وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يعملون بالمصالح في بناء الأحكام عليها بالشواهد العامة من غير استناد إلى دليل معين في الواقعة المعروضة عليهم، فالمتتبع لأحوال الصحابة يقطع بأنهم كانوا يقنعون بمجرد اشتمالها على مصلحة راجحة، ولا يبحثون عن أمر آخر، فكانوا يبنون الكثير من الأحكام عليها، ما دام لم يوجد لديهم دليل معين على الواقعة، ولم ينكر عليهم أحد ذلك، وإلا لنقل إلينا، فكان هذا إجماعاً منهم على وجوب العمل بالمصالح المرسلة، والاعتداد بها في تشريع الأحكام.
وقد أشار الإمام الغزالي إلى ذلك في (المنخول) قال: تمسك الشافعي بأن الصحابة رضي الله عنهم استرسلوا في الفتوى، وكانوا لا يرون الحصر والنصوص ومعانيها لا تفي بجملة المسائل، فلا بد من المصير إلى المصالح في كل فتوى.
(3/36)

وهذا واضح في أن الإمام الشافعي كان يتمسك فيما لا نص ولا إجماع ولا قياس بالمصلحة، والسند في ذلك عمل الصحابة وإجماعهم على ذلك، فكان حجة على اعتبار المصالح المرسلة في التشريع.
ويؤيد ذلك ما قاله القرافي: إن أموراً كثيرة لا تعد ولا تحصى، ولم يكن في زمن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيء منها، بل اعتمد الصحابة فيها على المصالح مطلقاً، سواء تقدم بها نظير أم لا، وهذا يفيد القطع باعتبار المصالح المرسلة مطلقاً، كانت في موطن الضرورات أو الحاجات أو التتمات.
وقال الإسنوي نقلاً عن الإمام مالك: احتج مالك بأن من تتبع أحوال الصحابة رضي الله عنهم قطع بأنهم كانوا يقنعون بمجرد الوقائع، ولا يبحثون عن أمر آخر، فكان ذلك إجماعاً منهم على قبولها.
فهذه النصوص وغيرها تؤكد أن الصحابة رضي الله عنهم ما كانوا يلتزمون في إصدار الأحكام في الوقائع المعروضة عليهم، بالنص أو الإجماع أو القياس بل كانوا يتعدون ذلك إلى المصالح المرسلة بمجرد اشتمال الواقعة المعروضة عليهم، على مصلحة راجحة، ما دام لم يدل الدليل المعين على حكم هذه الواقعة.
وهذا الدليل استدل به القائلون باعتبار المصلحة المرسلة مطلقاً، سواء أكانت ملائمة أم غير ملائمة، ما دام العمل بها لم يخالف نصا، ولم يناقض مقصود الشارع، وقد شهد الشارع لجنسها في الجملة، وهو أيضاً دليل للقائلين، باشتراط الملاءمة، لأنه يقول: الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعتمدون في الفتوى على المصالح الملائمة لتصرفات الشارع، ما دام لم يوجد الدليل المعين الذي يدل على الواقعة المعروضة عليهم وأما الدليل على أن الصحابة كانوا يبنون أحكام الوقائع على المصالح ويعتمدون عليها من غير أن يبحثوا عن أمر آخر ما نقل عنهم من أحكام كثيرة منها:
1 - جمع القرآن الكريم من الصحف والعسب واللخاف المتفرقة وغيرها مما
(3/37)

كتبت فيه، ووضعه في مصحف واحد، على الترتيب الذي أوقفهم عليه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بتوقيف من الله تعالى ولم يكن هناك نص معين يدل على جمعه.
فاتفاقهم على هذا العمل لم يرد به نص معين، حتى يمكن حمله عليه، وليس له نظير يمكن أن يقاس عليه، ولكنهم رأوه مصلحة تناسب تصرفات الشرع قطعاً، فبعد موقعة اليمامة التي استحر فيها القتل بكثير من حفاظ القرآن، اقتضت مصلحة المسلمين حفظ القرآن من الضياع، وذهاب تواتره بموت حفاظه من الصحابة، فدفع ذلك أبا بكر للعمل على جمعه بعد مشاورة عمر رضي الله عنهما له، وقد جاء هذا الفعل محققاً لحفظه، مصداقاً لقوله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}.
ومنها: استخلاف أبي بكر لعمر رضي الله عنهما من بعده، مع أن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يستخلف أبا بكر، لكنه لم ينه عنه أيضاً، فلم يكن (أي استخلاف أبي بكر لعمر) إلا ابتغاء المحافظة على مصالح الأمة ووحدة كلمتها، فقد خشي إن هو قبض، ولم يعهد الخلافة إلى أحد يجمع شتات المسلمين ويوحد صفوفهم أن يعود الاختلاف بينهم أخطر مما كان عليه بعد وفاته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيطمع فيهم العدو، فهذه مصلحة ملائمة لمقاصد الشارع، وإن لم يرد بها نص معين، وليس لها نظير تقاس عليه.
3 - وقد أخذ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالمصالح المرسلة، فهو أول من أنشأ الدواوين في الإسلام، وتدوينه فيها ما يتعلق بمصالح المسلمين، قال الماوردي: والديوان موضوع لحفظ ما يتعلق بحقوق السلطنة من الأعمال والأموال،
(3/38)

ومن يقوم بها من الجيوش والعمال، وأول من وضع الديوان في الإسلام عمر بن الخطاب. اه.
4 - ومنها: اتخاذ عمر رضي الله عنه داراً خاصة للسجن لمعاقبة أهل الجرائم، ولم يكن في زمن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا في زمن أبي بكر رضي الله عنه سجن، ولكنه رأى أن المصلحة في اتخاذ دار خاصة للسجن، ففعل، ولم ينكره عليه أحد، فكان إجماعاً.
قال الشنقيطي في (نشر البنود) لم يكن في زمن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبي بكر، سجن، فلما انتشرت الرعية في زمان عمر ابتاع بمكة داراً، وجعلها سجناً يسجن فيها.
5 - ومنها: ترك عمر رضي الله عنه العمل بتطبيق سهم المؤلفة قلوبهم على الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن، وقد كانا يتقاضيانه من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن أبي بكر ومنعه عمر عنهما معللاً ذلك، بأن الله قد أعز الإسلام، وما ذلك إلا لمصلحة المسلمين.
6 - ومنها: أن عمر رضي الله عنه لم يقطع يد السارق زمن المجاعة، لأنه رأى أن هذه السرقة كانت لحفظ الحياة، وحفظ الحياة مقدم على حفظ المال، مع أن آية السرقة صريحة في الأمر بقطع يد السارق.
7 - ومنها: اتفاق الصحابة رضي الله عنهم على جعل حد شارب الخمر ثمانين، وذلك حين رأى الناس تتابعت في شرب الخمر، واستحقروا الحد المشروع فيه، فجمع الصحابة واستشارهم فضربوا فيه بسهام الرأي، حتى قال علي كرم الله وجهه: (من شرب سكر ومن سكر هذى، ومن هذى افترى، فأرى عليه حد
(3/39)

المفترين) فأخذوا برأيه واستصوبوه واستمروا عليه، وإنما كان مستندهم فيه الرجوع إلى المصالح والتمسك بالاستدلال بالمرسل، فلم يكن في زمان الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حد مقدر، وإنما جرى الزجر فيه مجرى التعزيز=، ولما انتهى الأمر إلى أبي بكر رضي الله عنه قرره على طريق النظر بأربعين.
قال الغزالي بعد حكايته ذلك: وهذه هي المصلحة المرسلة التي يجوز اتباع مثلها.
8 - ومنها: أن عثمان بن عفان رضي الله عنه قد جمع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها على قراءة واحدة، ومصحف واحد، وحرق ما دونه من المصاحف الأخرى، اتقاء للفتنة التي نشأت على إثر اختلاف المسلمين في القراءة.
فقد روي عن أنس بن مالك أن حذيفة بن اليمان كان يغازي أهل الشام، وأهل العراق في فتح أرمينية وأذربيجان، فأفزعه اختلافهم في القرآن، فقال لعثمان رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب كما اختلفت اليهود والنصارى، فنسخ عثمان رضي الله عنه المصاحف، وبعث في كل أفق بمصحف، ثم أمر بما سوى ذلك من القراءة في كل صحيفة أو مصحف أن تحرق وذلك حفاظاً على مصلحة الأمة في توحيد صفوفها وجمع كلمتها، فلا يكون بينها ما يدفع إلى النزاع أو يثير الفتنة والشقاق في صفوفها، ولم يرد بذلك نص ولكن مصلحة ذلك راجعة إلى حفظ الشريعة، والأمر بحفظها معلوم.
9 - ومنها: هدم عثمان رضي الله عنه الأوقاف التي بإزاء مسجد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والتوسعة بها في المسجد عند ضيقه، وكذلك تجديده أذاناً في
(3/40)

الجمعة بالسوق وهو الأذان الأول، ثم نقل إلى المسجد.
10 - ومنها: أن الصناع في صدر الإسلام كانوا لا يضمنون ما يصنعون إذا ادعوا تلفه، فلما رأى على بن أبي طالب كرم الله وجهه أن الناس لا يستغنون عن الصناع عادة، لشدة حاجتهم إليهم وأن من طبيعة عمل الصانع أن يسمح له بإبعاد الأمتعة التي يصنعها عن أعين أصحابها، والأغلب عليهم التفريط وترك الحفظ، فلما رأى علي رضي الله عنه هذا، قضى بتضمين الصناع ما يدعون تلفه من الأمتعة إذا لم يقيموا الدليل على تلفه بغير سبب منهم، وقال رضي الله عنه: لا يصلح الناس إلا ذاك، فهذا الحكم الجديد إنما شرع رعاية للمصلحة وحدها، حيث لا نص، ولا نظير يقاس عليه، قال الشاطبي: فلو لم يثبت تضمينهم مع مسيس الحاجة إلى استعمالهم، لأفضى ذلك إلى أحد أمرين: إما ترك الاستصناع بالكلية، وذلك شاق على الخلق، وإما أن يعملوا ولا يضمنوا ذلك بدعواهم الهلاك والضياع، فتضيع الأموال، ويقل الاحتراز، وتتطرق الخيانة، فكانت المصلحة التضمين، هذا معنى قوله: لا يصلح الناس إلا ذاك اه.
فهذه النصوص وغيرها تدل على أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يقفوا جامدين أمام الوقائع والحوادث التي جدت واحتاجت إلى حكم بعد عهد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإنما شرعوا لها من الأحكام ما يكفل مصالح الناس فيها، مسترشدين بمقاصد الشريعة العامة، فلم يمنعهم من رعاية المصالح أن النصوص لم ترد بها جميعها إذا لم يكن ذلك ممكناً، ولم يمنعهم كذلك أن بعضها ليس له نظير يقاس عليه، فيعطى حكمه، ولم يشترطوا الإجماع على هذه الأحكام وأمثالها، ما دام وجه المصلحة واضحاً فيها.
مناقشة هذا الدليل:
نوقش هذا الدليل بعدم تسليم أن الصحابة رضوان الله عليهم اعتبروا المصالح المرسلة في التشريع، وأنهم كانوا يقنعون بمجرد معرفة المصلحة، ولا يبحثون عن أمر آخر وراء ذلك، بدليل أنه لو كان الأمر كذلك لم ينعقد الإجماع بعدهم على
(3/41)

إلغاء بعض المصالح، فدل على أنهم لم يعتبروا من المصالح إلا ما اطلعوا على اعتبار الشرع لنوعها أو جنسها القريب، فإن الشارع لم يعتبر المصالح مطلقاً، بل بقيود وشرائط لا تهتدي العقول إليها، إذ غاية العقل أن يحكم بأن جلب المصلحة مطلوب، والعقل لا بد له في معرفة المصالح بالاسترشاد بأدلة الشرع، فهو وإن تصور المصلحة وحكم بجلبها، لكن لا يستطيع أن يستقل بإدراك الطريق الخاص، فلا بد من وجود دليل شرعي يعين له الطريق الخاص بالاطلاع على معرفة المصالح، ويرشده إلى معرفة المقصد فيقبل هذا الدليل، فيثبت أن اعتبار المصالح المرسلة من غير شهادة الشرع لنوعها أو جنسها في بناء الأحكام غير جائز.
الجواب:
أنه قد ثبت من تتبع كثير من الشواهد التي اعتمد فيها الصحابة على المصالح، أنهم كانوا يقنعون بمجرد معرفة المصلحة، ولا يبحثون عن شيء آخر وراء ذلك، وقد مرت الشواهد التي تؤيد ذلك، كجمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر، ونسخه في مصحف واحد في عهد عثمان، واتخاذ عمر رضي الله عنه الدواوين وداراً خاصة للسجن، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى، وقد وقعت منهم، ونظروا إلى المصلحة، وبنوا الحكم عليها، فالقول كانوا لا يعتمدون من المصالح في بناء الحكم عليها، إلا ما اعتبر نوعه أو جنسه القريب تحكم، وقول من غير دليل، وتخصيص من غير مخصص.
أما القول بأن الصحابة لو كانوا يقنعون بمجرد معرفة المصالح لم ينعقد الإجماع بعدهم على إلغاء بعض المصالح فمحل إيراده: أن لو كانوا يقنعون بالمصالح وإن ألغاها الشارع، ولكن الواقع غير ذلك، فإنهم كانوا لا يعتمدون إلا على المصالح المعتبرة شرعاً، أو المرسلة الملائمة لمقاصد الشريعة، فالمصالح التي انعقد الإجماع على إلغائها إنما هي المصالح التي ألغاها الشارع، وليس الكلام فيها.
والعقل لا يستقل بإدراك الطريق الخاص في جلب المصلحة إلا بدليل يعين له ذلك الطريق، فهو أمر مسلم، فلا بد من وجود دليل يرشد العقل إلى الطريق الخاص في معرفة المصلحة، سواء أكان الدليل نصاً أم غيره، دل بظاهره أم بعمومه على وجود المصلحة، أم كان الدليل هو الاسترشاد بمقاصد الشريعة، فهذا مسلم أيضاً، فإن
(3/42)

المجتهد يسترشد بمقاصد الشريعة في إدراك المصلحة، وكونها مناسبة للحكم، أما بدون هذا الاسترشاد فلا يهتدي العقل إلى المصالح، أما منع إدراك العقل للمصالح، ولو مع الاسترشاد بمقاصد الشريعة ممنوع، ولم يسلم الإمام الغزالي هذا الاعتراض ورد عليه، وإن سلم أصل الاحتمال، فقال في (المنخول): والذي نراه أن هذا في مظنة الاحتمال، والاحتكام عليهم بعد تمادي الزمان لا معنى له. اه.
رابعاً: المعقول:
استدل المثبتون لحجية المصالح المرسلة بالمعقول، فقالوا: لو لم تكن المصالح المرسلة حجة، وترك العمل بها، لخلا بعض الحوادث عن الأحكام، ولتعطلت كثير من مصالح الناس في مختلف الأزمنة والأمكنة، ولوقف التشريع عن مسايرة تطورات الناس، ولكن خلو بعض الحوادث عن الأحكام باطل، فبطل ما أدى إليه، وهو أن المصالح المرسلة ليست بحجة وثبت نقيضه، وهو أن المصالح المرسلة حجة، وهو المطلوب.
بيان الملازمة:
أن النصوص محصورة، والأحكام الثابتة بها محدودة، ومعاني النصوص لا تتناول أحكام الوقائع المستجدة، لأنها محصورة متناهية، والوقائع المستجدة غير متناهية، والقياس لا يصح إلا بوجود أصل يقاس عليه، ولم يوجد هذا في الوقائع المستجدة فيلزم من عدم اعتبار المصالح المرسلة حجة خلو كثير من الوقائع عن الأحكام، وهذا باطل.
دليل بطلان التالي: وهو خلو الوقائع عن الأحكام، قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً}.
فإن الآية صريحة في أن الله تعالى قد أكمل لنا الدين أصولاً وفروعاً وبين لنا جميع أحكام الوقائع ما كان منها، وما يكون إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
(3/43)

مناقشة هذا الدليل: نوقش هذا الدليل بمنع الملازمة، وهي أن ترك العمل بالمصلحة المرسلة يلزم منه خلو الحوادث والوقائع عن الأحكام بثلاثة أوجه.
الأول: أن العمومات والأقيسة تغني عن القول بحجية المصالح المرسلة، لشمولها جميع الوقائع والحوادث، فلا حاجة إلى المصالح المرسلة.
الثاني: على فرض تسليم عدم كفاية العمومات والأقيسة لأحكام الوقائع والحوادث المتجددة، لا نسلم خلوها عن الأحكام الشرعية لأن من المقرر أن عدم وجود دليل على الحادثة بالإذن أو المنع، دليل على التخيير في تلك الحادثة بين الفعل والترك، والتخيير حكم شرعي، فلم تخل الوقائع والحوادث عن الأحكام مع القول بعدم حجية المصالح المرسلة.
الثالث: لا نسلم بطلان خلو الوقائع والحوادث عن الأحكام، بل يجوز أن تخلو بعض الوقائع والحوادث عن الأحكام، كما قال القاضي.
الجواب عن هذه المناقشات:
الجواب عن الوجه الأول: أن العمومات والأقيسة لا تستوعب جميع أحكام الحوادث المستجدة، لأن الحوادث تتجدد والمصالح تتغير بتغير الزمان والمكان، والعمومات ثابتة وقد تتعارض مع دليل المصلحة، ودليل المصلحة خاص فيقدم على العام والقياس لا يصح إلا بوجود أصل يقاس عليه، والوقائع بعضها ليس له نظير وليس له أصل يلحق به، فلا تغني العمومات والأقيسة عن العمل بالمصالح المرسلة، لأنه لا يعمل بالمصلحة المرسلة إلا عند عدم وجود نص أو قياس، فإذا وجد في الواقعة
(3/44)

دليل أو قياس يثبت حكمها ويدل عليه فلا عمل بالمصلحة المرسلة، وإذا لم يوجد نص أو قياس، عمل بالمصلحة المرسلة، فثبت أن العمومات والأقيسة لا تغني عن القول بحجية المصالح المرسلة.
الجواب عن الوجه الثاني: وهو أن فقد الدليل يعتبر إذناً بالتخيير بين الفعل والترك، فهذا غير مسلم، لأن التخيير حكم شرعي لا يعلم إلا بدليل شرعي، ولم يجعل الشارع فقد الدليل دليلاً على التخيير، وأقصى ما يفيده عدم وجدان الدليل الشرعي الناقل عن البراءة الأصلية هو الرجوع إلى البراءة الأصلية، وهي ليست حكماً شرعياً، ضرورة أنه لا حكم قبل الشرع، ولا معنى للخلو عن الحكم إلا هذا.
والخلاصة: أن المعترض إن أراد بالتخيير بين الفعل والترك، الإذن الشرعي فمسلم أنه حكم شرعي، ولكنه لا يثبت إلا بدليل شرعي، وليس فقد الدليل دليلاً شرعياً على الحكم فمن ادعاه فعليه البيان، وإن أراد به البراءة الأصلية بمعنى عدم ورود الإذن الشرعي في الفعل أو الترك، فلا نسلم أن التخيير بهذا المعنى حكم شرعي، لأنه ثابت قبل الشرع، ولا حكم قبل الشرع.
الجواب عن الوجه الثالث: (وهو خلو بعض الوقائع عن الأحكام) بأنه لا توجد حادثة إلا في الشرع دليل عليها، إما بالقبول أو بالرد، ولو أمكن خلو واقعة ما عن حكم، لوقع ذلك، ولو وقع لنقل إلينا، فلما لم ينقل إلينا ذلك، علمنا أنه لا توجد حادثة خالية عن حكم، فثبت من هذا أن كل واقعة لا بد لها من حكم، والمخالف في هذا هو القاضي أبو بكر الباقلاني، ولا يعتد به، لأن خلافه لا يقوى في مواجهة قول جمهور العلماء بأنه لا تخلو حادثة عن حكم لله تعالى.
المذهب الثاني: أن المصالح المرسلة حجة بشرط ملاءمتها لمقاصد الشرع:
وهو المشهور عن الإمام الشافعي رضي الله عنه كما حكاه عنه ابن برهان في (الوجيز) وقال: إنه الحق وحكاه إمام الحرمين في (البرهان) عن الإمام الشافعي ومعظم الحنفية.
(3/45)

ونسب للإمام مالك، وهو مقابل المشهور عنه، ونسب أيضاً لإمام الحرمين وابن تيمية، فهؤلاء يقولون بالمصالح المرسلة، ويعتبرونها دليلاً تبنى عليه الأحكام، ما دامت قد جاءت هذه المصالح المرسلة ملائمة للمصالح المعتبرة التي دعا الشارع لحفظها.
قال الشاطبي في (الموافقات) كل أصل شرعي لم يشهد له أصل معين، وكان ملائماً لتصرفات الشارع، ومأخوذ معناه من أدلته فهو صحيح يبنى عليه، ويرجع إليه إذا كان ذلك الأصل قد صار بمجموع أدلته مقطوعاً به، لأن الأدلة لا يلزم أن تدل على القطع بالحكم دون انضمام غيرها إليها، ويدخل تحت هذا ضرب من الاستدلال بالمرسل، الذي اعتبره الإمامان: مالك والشافعي رضي الله عنهما فإنه وإن لم يشهد للفرع أصل معين، فقد شهد له أصل كلي، والأصل الكلي إذا كان قطعياً قد يساوي الأصل المعين، وقد يربو عليه بحسب قوة الأصل المعين وضعفه. اه. إلا أن الشافعية يشترطون في العمل بالمصالح الملائمة، شهادة الأصل، والمراد بشهادة الأصل: أن يكون للحكم المعلل أصل معين من نوعه، يوجد فيه جنس الوصف أو نوعه، كما قال السعد في (التلويح) وقد استدل أصحاب هذا المذهب بالأدلة المشتركة بينهم وبين المالكية، والتي سبق توضيحها في أدلة المذهب الأول.
المذهب الثالث:
أن المصلحة المرسلة تكون حجة إذا كانت ضرورية كلية قطعية، فإن فات أحد هذه القيود الثلاثة، لم تعتبر، قال به الغزالي في (المستصفى) وهو اختيار البيضاوي
(3/46)

وصرح الغزالي في (شفاء الغليل) بأن المصلحة إذا كانت في الضرورة أو الحاجة، جاز التعليل بها.
الأدلة:
استدل الإمام الغزالي ومن تبعه بأن العمل بالمصالح المرسلة في الضروريات والحاجيات عمل بالظن الغالب المبني على فهم مقاصد الشريعة، وكل ما كان كذلك يجب العمل به، فينتج أن المصالح المرسلة يجب العمل بها في الضروريات والحاجيات، وهو المطلوب، أما الكبرى فهي مسلمة بالاتفاق، لوجود الإجماع الدال على وجوب العمل بالظن، وأما الصغرى فيدل عليها، ما يأتي:
1 - أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقر معاذاً على الاجتهاد بالرأي، وهو عام يشمل القياس على أصل معين، كما يتناول الاجتهاد بالرأي بطريق المصالح المرسلة.
2 - إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على جواز العمل بالمصالح المرسلة، وقد تقدمت الأمثلة في أدلة المذهب الأول، وإجماعهم حجة.
3 - أن النصوص الشرعية محصورة ومتناهية، والوقائع والأحداث غير متناهية والمتناهي لا يحيط بما لا يتناهى، وترك بعض الوقائع بدون نص يتنافى مع كمال الشريعة الإسلامية، فلا سبيل للخروج من ذلك إلا بتفويض العقلاء ذوي الدراية بمآخذ الشريعة ومصالحها، ليحكموا في هذه الوقائع، مهتدين بمقاصد الشريعة.
ويلاحظ أن هذه الأدلة هي أدلة المثبتين للمصالح المرسلة مطلقاً,
وقد اشترط الغزالي ومن تبعه في المصلحة المرسلة هذه الأمور أي كونها ضرورية قطعية كلية للقطع بالعمل بها، فإن المصلحة إن كانت مناسبة لضروري،
(3/47)

فلا نزاع في جواز التعليل به، وترتيب الحكم من المجتهد على وفقه.
وقد أشار التاج السبكي إلى أن هذه الشروط الثلاثة إنما أوردها الإمام الغزالي للإشارة إلى الأمكنة التي تجتمع فيها آراء المسلمين على اعتبارها والأخذ بها، ويبقى ما وراء ذلك مجال بحث واجتهاد، فأخرجها من المصالح بقوله: (وليس منه مصلحة ضرورية كلية قطعية} لأنه مما دل الدليل على اعتباره، أي: الدليل العام، وهو أن حفظ الكل في نظر الشرع أهم وأولى من حفظ البعض.
المذهب الرابع: منع التمسك بالمصالح المرسلة مطلقاً.
وهو مذهب الظاهرية الذين التزموا بالنصوص، وقد اعتبروا من المصالح ما وردت بظاهر النصوص، فأخذوها عن طريقها ورفضوها، إذا لم يدل النص عليها دلالة ظاهرة، لأن شرع الله تعالى قد كمل لقوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} فليس في حاجة إلى ما يكمله، فالقول بالمصالح المرسلة تقول على الله تعالى فهو مردود.
وذلك لأنهم أنكروا القياس، ورفضوا القول بتعليل أحكام الله تعالى وأفعاله بالمصالح ما لم يدل النص على ذلك دلالة واضحة، فإذا كانوا أنكروا القياس الذي له أصل يلحق به الفرع، فمن باب أولى ينكرون القول بحجية المصالح المرسلة.
وهو أي: منع التمسك بالمصالح المرسلة مطلقاً قول كثير من العلماء منهم: القاضي أبو بكر الباقلاني، وحكاه إمام الحرمين عن طوائف من المتكلمين
(3/48)

وهو اختيار الآمدي، وابن الحاجب، وصححه ابن قدامة في الروضة، وحكاه الأبهري عن الإمام مالك والإمام الشافعي رضي الله عنهما ونسب إلى الحنفية أيضاً، وهو قول متأخري الحنابلة من أهل الأصول والجدل وقال الشوكاني: وإليه ذهب الجمهور.
الأدلة: استدل أصحاب هذا المذهب بما يأتي:
أولا: أن العمل بالمصالح المرسلة التي لا يشهد لها دليل خاص بها من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس عمل بالظن المجرد عن الدليل، والأصل عدم العمل بالظن، لأنه لا يؤمن فيه من الوقوع في الخطأ، ومجانبة الحق واتباع الهوى فينتج أن القول بحجية المصالح المرسلة باطل، لأن الإنسان قد يظن الشيء مصلحة وهو مفسدة، وقد يظن الشيء مفسدة وهو مصلحة.
(3/49)

الدليل على صحة الصغرى: وهي أن العمل بالمصالح المرسلة عمل بالظن المجرد عن الدليل، فإن المصلحة دليل ظني بدليل الاختلاف فيها، فلو كان القول بها مقطوعاً به لما وقع فيها الخلاف، والدليل على أن العمل بها عمل بالظن المجرد عن الدليل، أنه لو وجد دليل يثبت الظن بالمصالح المرسلة في بناء الأحكام عليها لكانت معتبرة غير مرسلة، فوصف الإرسال فيها أمارة على تجرد الظن فيها عن الدليل.
الدليل على صحة الكبرى: وهي أن الأصل عدم العمل بالظن، قوله تعالى: {إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً} فالظن موصوف بأنه لا يغني من الحق شيئاً، وهو الظن الخالي عن الدليل، فالعمل به باطل.
مناقشة الدليل:
إن العمل بالمصالح المرسلة ليس عملاً بالظن المجرد عن الدليل، وإنما هو عمل بالظن المبني على الدليل، فإن المصلحة المرسلة ثبت العمل بها بأدلة متعددة دالة على اعتبارها في الجملة وإن لم يدل دليل خاص على اعتبار عينها، وإنما دل الدليل العام على اعتبار جنسها في بناء الأحكام عليها، فقد شهد لاعتبارها الأصول العامة ومبادئ الشريعة ومقاصدها فهي مقصودة للشارع، والظن الوارد في الآية المقابل للحق، هو الظن المبني على الهوى وهو باطل بالاتفاق، لأنه منهي عنه، فلا يجوز العمل به، أما الظن بالمصالح المرسلة فهو ظن مأمور به شرعاً، وقد أقر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معاذاً على مطلق الاجتهاد عند فقده الكتاب والسنة، فلم يقيده باجتهاد إلحاق الفروع بالأصول، فيكون شاملاً للاجتهاد المصلحي، وتخصيصه بنوع دون نوع تخصيص بلا دليل، فيكون العمل بالمصلحة المرسلة عمل بالظن المعتبر وداخل في الاجتهاد الذي أذن فيه الشارع.
ثانياً: إن الأدلة الشرعية التي تثبت بها الأحكام هي: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فالكتاب والسنة متلقيان بالقبول، والإجماع ملتحق بهما، لأن سند الحكم
(3/50)

الثابت به مرجعه إليهما، والقياس إنما هو إلحاق فرع على أصل متفق على حكمه، أما المصالح المرسلة: فقسم لا يشهد له أصل من الأصول الثلاثة، ولا يوجد دليل معين على عينها، فانتفاء الدليل على العمل بالمصالح المرسلة دليل على انتفاء العمل بها، وهذا الدليل حكاه إمام الحرمين عن القاضي الباقلاني.
الجواب: إن القول بانتفاء الدليل عن المصالح المرسلة غير مسلم، لأن هذه المصالح وإن لم يرد بشأنها دليل بعينه من نص أو إجماع أو ليس لها نظير تقاس عليه، إلا أنها مستندة إلى ما هو معتبر، بل ربما كان ما تستند إليه أكثر قوة وقطعية من الدليل المعين، قال الغزالي: وكون هذه المعاني عرفت لا بدليل واحد، بل بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال، وتفاريق الأمارات تسمى لذلك مصلحة مرسلة.
ثالثاً: أنه لو صح اتباع كل مصلحة مرسلة والاعتماد عليها في بناء الأحكام، لترتب عليه أن العاقل ذا الرأي العالم بوجوه سياسات الخلق، وتدبير شؤون الحكم ممن ليس من أولي الحكم الشرعي، إذا راجع المفتين في حادثة، وأعلموه أنها ليست منصوصة أي: لم يرد فيها نص بالاعتبار أو الإلغاء ولا أصل لها يضاهيها فتقاس عليه لساغ له حينئذ العمل بالأصوب عنده، ولتجرأ على الفتوى فيها، وهذا أمر باطل، لأنه يحكم بما ليس له به علم، وهو منهي عنه في قوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} ومساقه رد الأمر إلى عقول العقلاء وإحكام الحكماء، وهو غير مسلم.
ولترتب على ذلك أن تصير الشريعة فوضى بين ذوي الأهواء، ومن ليس أهلاً للاجتهاد، للانطلاق من أحكام الشريعة وإيقاع الظلم بأهلها باسم المصلحة، فيطلقون المصلحة ولا يتقيدون بالمشروع منها، وإطلاق المصلحة لم يقل به أحد، قال ابن حزم: وهذا باطل لأنه اتباع الهوى وقول بلا برهان.
(3/51)

الجواب: ويجاب عن ذلك بأنه ليس المقصود بالمصلحة المرسلة كل ما يبدو للعقل فيدخل في قبيل المصالح المرسلة، وإنما المصلحة المرسلة هي التي يتدبرها ويتوصل إليها من هو أهل لمعرفة الأحكام من مآخذها حتى يثق بأنه لم يرد في الشريعة شاهد على اعتبارها أو إلغائها، وإنما جاءت ملائمة لجنس تصرفات الشارع ومقاصده، ولن يصل إلى ذلك إلا من بلغ رتبة الاجتهاد من العلماء، لذلك اشترط القائلون بالمصلحة المرسلة في الناظر أهلية الاجتهاد، وأن يكون متكيفاً بأخلاق الشريعة مراعياً لمقاصدها بخلاف العالم بالسياسات إذا كان جاهلاً بأصول الشريعة فإن طبعه يكون بعيداً عن أخلاق الشريعة، فيفتي بما يخالفها، وما دام قد اشترط القائلون بالمصالح المرسلة في الناظر في أصول الشريعة ومقاصدها، أهلية الاجتهاد، وأن يكون متكيفاً بقواعدها مراعياً مقاصدها، فلا وجه للقول بأن العمل بالمصالح المرسلة يصير الشريعة فوضى بين ذوي الأهواء، لأن من منع العمل بها لا يمنع المفسدين من الفساد، فإن من فسد ضميره وساء عمله يسلك كل الطرق لبلوغ مآربه وأهوائه، وإنما يؤدي إلى سد باب من أبواب رحمة الله تعالى.
وإن كان من الواجب شرعاً أن لا توكل شؤون الأمة إلا لمن كمل إيمانه وحسن عمله، وبلغ درجة الاجتهاد، كان لزاماً على الأمة أن تكف المفسد عن الفساد، وتولي أمرها من يصلح لذلك.
وفي الحديث أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم أو لتقصرنه على الحق قصراً أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض)) فيه الهدى والدليل لما يجب أن يكون عليه أولو الأمر.
رابعاً: إن المصالح منقسمة إلى ما عهد من الشارع اعتباره، وإلى ما عهد منه إلغاؤه، وهذا القسم أي: المصالح المرسلة متردد بينهما، فيحتمل إلحاقه بالمصالح
(3/52)

المعتبرة ويحتمل إلحاقه بالمصالح الملغية، فامتنع الاحتجاج به مع هذا الاحتمال، لأنه ترجيح بدون مرجح.
الجواب: ويجاب عن ذلك بأن التردد في إلحاق المصالح المرسلة بالمصالح المعتبرة أو بالمصالح الملغية ممنوع، لأن التردد إنما كان في أول النظر والبحث عن علة للحكم، لكن بعد وجود أمارات تدل على ترجيح المصلحة على المفسدة وكونها ملائمة لمقصود الشارع يحصل ظن بوجودها وترتيب الحكم عليها، والظن كاف في الأحكام الشرعية العملية، فحينئذ ترجح إلحاقها بالمصالح المعتبرة، ولأنا لو قارنا بين المصالح التي ألغاها الشارع والمصالح التي اعتبرها، وجدنا أن المصالح التي ألغاها الشارع قليلة بالنسبة للمصالح التي اعتبرها فإذا كانت هناك مصلحة لم يقم دليل على اعتبارها أو إلغائها، وكانت ملائمة لتصرفات الشرع كان الظاهر والغالب إلحاقها بالكثير الغالب دون القليل النادر، على أن ما ألغاه الشارع من المصالح لم يلغها إلا إذا ترتب على اعتبارها مفسدة تساويها أو ترجح عليها، وهذا غير متحقق في المصالح المتنازع فيها، لأن جانب المصلحة فيها راجح على جانب المفسدة، فلا يصح إلحاقها بالمصلحة الملغية، ويتعين إلحاقها بالمصالح المعتبرة.
قال البدخشي: لأنه إذا ظن في هذا الحكم مصلحة غالبة على المفسدة، ومعلوم أن كل مصلحة كذلك معتبرة شرعاً لزم ظن أن هذه المصلحة معتبرة والعمل بالظن واجب.
خامساً: استدل المنكرون خامساً بأن القول بالمصالح المرسلة يؤدي إلى اختلاف الأحكام الشرعية تبعاً لاختلاف الزمان والمكان والأشخاص، فتتبدل الأحكام وتتغير بتبدل المصالح المرسلة وتغيرها تبعاً لاختلافها بتبدل الأشخاص والأزمنة والأمكنة فالقول بها يؤدي إلى تغير أحكام الشريعة كلها، وهذا مناقض لعموم الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان.
الجواب: ويجاب عن ذلك بأن الأحكام المبنية على المصالح المرسلة تختلف
(3/53)

باختلاف المصالح تبعاً لاختلاف الزمان والمكان وتبدل الأشخاص، وهذا أمر مسلم، لأن هذا الاختلاف في الأحكام مبني على اختلاف الأسباب، فتتغير الأحكام بتغير أسبابها، وهذا طريق من طرق صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، فالقول بالمصالح لا ينافي صلاحية الشريعة ولا ينافي عمومها، لأن شرط العمل بها ألا تهجم على نص ثبت عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالرفع، ومن شروطها أيضاً أن تكون ملائمة لمقصود الشارع، لا تعارض نصوصه وأصوله وقواعده، فالاختلاف في التطبيق لأصل عام من أصول الشريعة، وليس اختلافاً في أصل الخطاب، فالأحكام الشرعية نوعان:
1 - نوع ثابت بالخطاب لا يتغير كالوجوب والحرمة، فالتغير في هذا النوع من الأحكام لا يكون إلا بالنسخ، ونسخ الأحكام لا يكون إلا من الله.
2 - نوع معلق على الأسباب، وهي الأحكام التي ثبتت شرعاً معلقة على أسبابها فهذا النوع من الأحكام يتغير بتغير الأسباب، فالحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً فيتغير بتغير العلة.
قال الشاطبي: اعلم أن ما جرى ذكره هنا من اختلاف الأحكام عند اختلاف العوائد فليس في الحقيقة باختلاف في أصل الخطاب، لأن الشرع موضوع على أنه دائم أبدي لو فرض بقاء الدنيا من غير نهاية، والتكليف، كذلك لم يحتج في الشرع إلى مزيد، وإنما معنى الاختلاف في أن العوائد إذا اختلفت رجعت كل عادة إلى أصل شرعي يحكم به عليها.
سادساً: استدل المنكرون سادساً بأن القول بالمصالح المرسلة يؤدي إلى القول بقصور النصوص القرآنية والأحاديث النبوية عن بيان الأحكام الشرعية، وهذا ينافي تبليغ الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تبليغاً كاملاً، وينافي قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} فالمصالح إما أن تكون معتبرة أو
(3/54)

غير معتبرة، وغير المعتبرة لا حاجة إليها لأنه لا يجوز تعليل الحكم الشرعي بمصلحة ليست معتبرة شرعاً، وإذا كانت المصلحة معتبرة فلا حاجة إليها في بناء الأحكام عليها للاستغناء عنها بالنص والقياس، لأن المصالح المعتبرة داخلة في عموم النص والقياس.
الجواب: ويجاب عن ذلك بأن حصر المصالح في المعتبرة وغير المعتبرة غير مسلم ولا دليل عليه، بل القسمة ثلاثية: مصالح معتبرة، ومصالح ملغاة، ومصالح سكت عنها الشارع فلم يشهد لها بالاعتبار ولا بالإلغاء، وهي المصالح المرسلة، وهي التي اعتبرها الشارع في الجملة حيث شهد لجنسها ولم يشهد لعينها، وهي معتبرة في بناء الأحكام عليها، ولم يؤد القول بها إلى قصور الشريعة عن البيان، وتقصير النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في التبليغ، بل أثبت القول باعتبارها أنه يؤدي إلى القول بوفاء الشرعية ببيان وتبليغ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد بلغ ما أمر به وبين أحكام شرعه، وأن المصلحة المرسلة مرعية في التشريع حيث أقر معاذا رضي الله عنه على الاجتهاد بالرأي، وهو عام يتناول القياس والمصلحة المرسلة، وقد فهم الصحابة رضوان الله عليهم ذلك وحكموا في وقائع كثيرة بمطلق المصالح المرسلة من غير وجود دليل معين على اعتبارها، ومن غير وجود أصل تقاس عليه كجمع القرآن، وتوسيع المسجد وغير ذلك من الوقائع التي لا تعد ولا تحصى.
الترجيح: وبعد ذكر مذاهب العلماء وأدلتها ومناقشتها، ظهر أن المذهب الراجح في المسألة هو القول بحجية المصالح المرسلة حيث كانت ملائمة لمقصود الشرع، ولم تعارض نصاً، ولم تصادم قاعدة شرعية مقررة، خاصة وأنه استند إلى عمل السلف من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم وهم أعلم بمراد الشارع الحكيم، وأحرص الناس على اتباعه، فإذا ثبت عنهم العمل بهذا الأصل كان أكبر دليل على جواز العمل به شرعاً، وهو مذهب الأئمة الأربعة: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل رضي الله عنه وجمهور الأصوليين، لأنه المصالح المرسلة هي المصدر الخصب لأحكام الوقائع المستجدة، الصالح لكل زمان ومكان،
(3/55)

ولا عبرة بقول الظاهرية المنكرين للقياس، فإن خلافهم جاء بعد انعقاد الإجماع من الصحابة على العمل بالمصالح المرسلة، فلا عبرة بخلافهم.
ولتمام الفائدة نذكر بإيجاز الفرق بين المصلحة المرسلة والقياس والاستحسان.
أولاً: الفرق بينها وبين القياس:
تقدم أن المصلحة المرسلة: هي كل مصلحة لم يرد من الشارع دليل معين يدل على اعتبارها ولا على إلغائها، وكانت ملائمة لمقاصد الشارع.
أما القياس فهو: إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت.
ولما كان كل منهما يقوم على الاجتهاد بالرأي، فهناك أمور مشتركة بينهما وأمور غير مشتركة، فهما يتفقان فيما يأتي.
أولاً: أن العمل بهما لا يكون إلا في الوقائع التي لا يوجد لها حكم خاص في الكتاب والسنة والإجماع.
ثانياً: أن كلا منهما مبني على رعاية المصلحة التي يغلب على الظن أنها تصلح أن تكون مناطاً وعلة لتشريع الحكم.
وجه المخالفة بينهما:
ويختلفان فيما يأتي:
أولاً: أن الوقائع التي يحكم فيها بالقياس لها نظير وشبيه منصوص على حكمه في الكتاب أو السنة أو الإجماع، يمكن قياسها عليه لاشتراكهما في العلة التي من أجلها شرع الحكم في المنصوص أو المجمع عليه.
أما الوقائع التي يحكم فيها بالمصالح المرسلة فليس لها نظير ولا شبيه منصوص عليه أو مجمع على حكمه تقاس عليه، بل يثبت الحكم فيها ابتداء بناء على ما يكون فيها من المعنى الملائم لتصرفات الشارع الذي يترتب على تشريع الحكم وبنائه عليه
(3/56)

تحقيق مصلحة للناس أو دفع مفسدة عنهم.
ثانياً: أن المصلحة التي بني عليها الحكم في القياس، قد قام الدليل المعين على اعتبارها، أما المصلحة التي بني الحكم عليها في المصالح المرسلة فلم يقم الدليل المعين على اعتبارها أو إلغائها، بل سكت الشارع عنها لكنه اعتبر جنسها.
ثانياً: الفرق بين المصالح المرسلة والاستحسان:
الاستحسان هو: العدول بالمسألة عن حكم نظائرها إلى حكم آخر لوجه أقوى يقتضي هذا العدول، وهو حجة عند أبي حنفية وأصحابه والحنابلة.
وعليه فإنه يمكن التفرقة بين المصالح المرسلة والاستحسان: بأن الاستحسان يقتضي أن يكون للمسألة التي يحكم به فيها نظائر قد حكم فيها على خلاف ذلك وأن تكون المسألة استثنيت من حكم نظائرها، واختص بحكمها لدليل أقوى يوجب ذلك.
أما المصالح المرسلة فليس لمحلها نظائر ثبت لها حكم على خلاف ما تقتضيه المصلحة في ذلك المحل، بل الحكم فيه ثابت بها ابتداء، فهي قاعدة عامة يثبت الحكم فيها في جميع الصور والوقائع التي لا نص فيها ولا إجماع وليس له أصل تقاس عليه، لكن الحكم الثابت بالاستحسان قد يكون له أصل يقاس عليه، ولهذا قالت الحنفية: هو قياس خفي في مقابلة قياس جلي لقوة علته.
مثال الاستحسان: أن عقد المزارعة عند الحنفية ينتهي بموت العاقدين أو أحدهما كما في الإجارة، ولكنهم استثنوا من ذلك بعض الصور منها: إذا مات صاحب الأرض والزرع لم يدرك بعد، فحكموا ببقاء العقد فيها استحساناً على
(3/57)

خلاف القاعدة المقررة عندهم حفظاً لمصلحة العامل ودفعاً للضرر عنه، والله أعلم.
(3/58)

القسم التحقيقي
(3/73)

بسم الله الرحمن الرحيم

[الكتاب الثالث في الإجماع]
(ص) الكتاب الثالث في الإجماع
(ش): قدمه على القياس، لأنه معصوم من الخطأ بخلافه
(ص): وهو اتفاق مجتهد الأمة بعد وفاة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في عصر على أي أمر كان.
(ش): الاتفاق: جنس يعم الأقوال، والأفعال، والسكوت
(3/75)

والتقرير، وقوله: مجتهد، فصل خرج به اتفاق بعضهم، واتفاق العامة، وبإضافته إلى الأمة يخرج اتفاق الأمم السابقة وبقوله: بعد وفاة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الإجماع في زمنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلا ينعقد، وقوله: في
(3/76)

عصر، يخرج توهم اجتماع كلهم في جميع الأعصار إلى يوم القيامة، بل يكفي وجوده في عصر ثم يصير حجة عليهم، وعلى من بعدهم، وهذا القيد زاده الآمدي، ومن لم يذكره قال: المقصود العمل، وإنما يكون في عصره.
وقوله: على أي أمر كان، يعم الإثبات والنفي، والأحكام الشرعية والعقلية واللغوية، وفائدة هذه القيود تأتي مشروحة فيما بعد، وقد أورد عليه: أن مجتهدي جمع أقله ثلاثة فيقتضي أنه لو لم يكن في العصر إلا مجتهدان لا يكون قولهما إجماعاً.
(3/77)

وأجاب المصنف: بأن مجتهد لا يكتب بالياء إذ ليس جمعاً سقطت نونه بالإضافة وبقيت الياء، وإنما هو مفرد فدخل الاثنان فصاعداً، لأن المفرد المضاف عام.
فإن قلت: فيلزم أن يكون قول الواحد المجتهد إذا لم يكن في العصر سواء إجماعاً، والمختار خلافه.
قلت: لا لخروجه بلفظ الاتفاق، فإن الاتفاق إنما يكون من اثنين فصاعداً وإنما نكر عصراً، ولم يدخل عليه صيغة العموم وأدخلها على الأمر، تنبيهاً على أن تنكير ابن الحاجب لهما قد يظهر في بادئ الرأي تصويبه لأن الأعصار كلها سواء والأمور كلها سواء، لكن عبارة المصنف هو التحرير، أما تنكير عصر فلأنه لا
(3/78)

يظهر فرق بين عصر وعصر، فكأن الحكم للقدر المشترك بين الأعصار، كلها، فعصر نكرة مراد به الحقيقة من حيث هي، حتى لو ابتدأ به جاز، لأنه من مسوغات الابتداء بالنكرة عند النحاة أن يراد بها الحقيقة من حيث هي نحو: رجل خير من امرأة، وتمرة خير من جرادة، لأن الوحدة غير مقصودة، فاندفع الإيهام، وحصلت الفائدة المسوغة للابتداء، وأما التصريح بتعميم ما يقع الإجماع فيه فقولنا: أي أمر كان فلأن الفرق ظاهر بين الأمور، ألا ترى إلى اختلاف العلماء في الفرق بين أمر وأمر نحو اختلافهم في الإجماع في العقليات هل هو صحيح، وفيما أصله أمارة ونحو ذلك.
(3/79)

ولم يقل أحد بالفرق بين عصر وعصر، فلما ظهر الفرق نص على العموم دفعاً للإيهام، بخلاف العصر، ثم أورد على نفسه أنه لو لم يفترق الأعصار، لما كان عصر السالفين لا يختص فيه الإجماع بخلاف أعصار هذه الأمة، ولما قال قوم إن الإجماع يختص بعصر الصحابة.
وأجاب بأن الخلاف لم ينشأ عن اختلاف الأعصار في أنفسها بل عن المختلفين، فالقائل، باختصاص الإجماع بهذه الأمة يدعي تميزها بذلك فالخلاف لأجل أهل العصر لا للعصر فلم يقبل أن إحداث الإجماع يختص بعصر الصحابة
(3/80)

بل إنه مختص بالصحابة ويظهر أثر هذا فيما لو كان بين الصحابة تابعي مجتهد، وذلك كثير فأجمعوا دونه فإن قلنا: يختص بالصحابة، لم يعتد بخلافه فيهم، وإن قلنا: يختص بالعصر نفسه، اعتد، لأنه من أهل عصرهم.
(ص): فعلم اختصاصه بالمجتهدين، وهو اتفاق، واعتبر قوم وفاق العوام مطلقاً، وقوم في المشهور بمعنى إطلاق أن الأمة أجمعت لا افتقار الحجة إليهم خلافاً للآمدي.
(3/81)

(ش): مسائل هذا الباب كلها مستخرجة من هذا التعريف، وقد أبدع المصنف في ذلك بحيث يلوح للفطن الاكتفاء بالتعريف عن النظر في آحاد المسائل، فعلم أي: من قولنا مجتهد اختصاص الإجماع بالمجتهدين، أي: لا يعتبر إلا بهم ولا اعتبار بقول العوام وفاقاً ولا خلافاً، وهذا قول الأكثرين، لأنهم ليسوا من أهل الاجتهاد فلا عبرة بقولهم كالصبي والمجنون، ولأن قول المجتهد بالنسبة إلى العوام كالنص بالنسبة إلى المجتهد، فكما أن حجية النص لا تتوقف على رضا المجتهدين فكذلك حجية قولهم لا تتوقف على رضا العوام به، وقيل: يعتبر قولهم مطلقاً أي: سواء المسائل المشهورة والخفية لأن قول الأمة إنما كان حجة لعصمتها عن الخطأ، ولا يمتنع أن تكون العصمة من صفات الهيئة الاجتماعية من الخاصة والعامة، وحينئذ لا يلزم من ثبوت العصمة للكل ثبوتها للبعض، وهذا ما اختاره الآمدي، ونقله الإمام وغيره
(3/82)

عن القاضي.
وفي المسألة مذهب ثالث: أنه يعتبر وفاقهم في المشهور دون الخفي كدقائق الفقه، وهو ما حكاه القاضي عبد الوهاب في (الملخص)، وأشار المصنف بقوله: بمعنى إلى تحقيق محل الخلاف، وأن في إطلاق اللفظ، أي: إذا خالفت
(3/83)

العوام وأجمع العلماء، هل يقول أجمعت الأمة أم لا؟ أما عدم الاعتبار بقولهم: فلا خلاف فيه وإليه أشار بقوله أولاً: (وهو اتفاق) وهذا عكس ما فهمه جماعة عن القاضي والصواب ما ذكره المصنف، وقد صرح القاضي في (التقريب) أن خلاف العوام لا يعتبر به، وقال فيه في الكلام على الخبر المرسل: لا عبرة بقول العوام وفاقاً ولا خلافاً.
(ص): وآخرون: الأصولي في (الفروع).
(ش): المجتهد الذي يعتبر ليس هو المجتهد كيف كان، بل هو المجتهد مطلقاً أو المجتهد في ذلك الفن الذي يحصل الإجماع على مسألة من مسائله، فأما لو كان مجتهداً في فن، فإنه لا يعتبر قوله في فن آخر، لأنه عامي بالنسبة إليه، فعلى هذا المعتبر في مسائل الكلام إنما هو قول المتكلمين لا غير، وفي مسائل الفقه (2/ك) قول (79/ز) المتمكن من الاجتهاد في الفقه، لا قول المتكلمين واختلفوا في الأصولي الذي ليس بفقيه، والفقيه الذي ليس بأصولي، هل يعتبر في الفروع؟ على أربعة مذاهب.
أحدها: يعتبر قولهما: نظراً لما لهما من الأهلية المناسبة بين الفنين.
الثاني: لا يعتبران، لعدم أهلية الاجتهاد.
(3/84)

وثالثهما: اعتبار قول الأصولي دون الفقيه الحافظ للأحكام، لأنه أقرب إلى مقصود الاجتهاد واستنباط الأحكام من مآخذها، وليس من شرط الاجتهاد حفظ الأحكام، واختاره القاضي، وقال الإمام: إنه الحق.
والرابع: قول الفقيه الحافظ للأحكام دون الأصولي، لكونه أعرف بمواقع الاتفاق والاختلاف.
واعلم أن المصنف إنما ذكر المسألة عقب العامي، ليرتبها عليها، فإن من اعتبر وفاق العامي اعتبر الأصولي والفقيه الحافظ بطريق الأولى، ومن منع: فمنهم من ألحقها بالعامي مطلقاً، لعدم الاجتهاد، ومنهم من أدخلها، نظراً إلى تفاوت الرتبة،
(3/85)

ومنهم من فصل فاعتبر الفقيه، ومنهم من اعتبر الأصولي.
(ص): وبالمسلمين فخرج من نكفره.
(ش): علم من قوله: (مجتهد الأمة) اختصاصه بالمسلمين فلا اعتبار بالكافر فيه، لأن أدلة الإجماع لم تتناوله إنما تناولت المؤمنين على الخصوص، ولأنه غير مقبول القول، فلا اعتبار به في حجة شرعية، ولا بقول المبتدع الذي نكفره ببدعته، لعدم دخوله في مسمى الأمة المشهود لهم بالعصمة وإن لم يعلم هو كفر نفسه, ولا خلاف فيه، فإن لم نكفره، فالمختار أنه لا ينعقد الإجماع دونه، نظراً إلى دخوله في مفهوم الأمة، وقيل: ينعقد دونه، وقيل: لا ينعقد عليه، بل على غيره، فيجوز له مخالفة إجماع من عداه، ولا يجوز ذلك لغيره،
(3/86)

واعلم أنه سيأتي أن الإجماع قد يكون على أمر دنيوي، وحينئذ فلا يبعد أن لا يختص بالمسلمين، لا سيما إذا بلغ المجمعون، حد التواتر ولم يشترط في ناقل التواتر الإسلام.
(ص): وبالعدول إن كانت العدالة ركنا، وعدمه إن لم تكن، وثالثها: في الفاسق يعتبر في حق نفسه، ورابعها: إن بين مأخذه.
(ش): علم من قوله: (مجتهد) اختصاص الإجماع بالعدول، إن جعلنا العدالة ركناً في الاجتهاد.
(3/87)

فإن قلنا: ليست بركن لم يختص الإجماع بالعدول، وعلم منه حكاية قولين في اعتبار قول الفاسق، وأن مأخذهما البناء على أن العدالة ركن في الاجتهاد أم لا؟ وقد صحح المصنف في باب الاجتهاد أن العدالة لا تشترط، فيلزم منه ترجيح اعتبار قول الفاسق، لكن الأكثرين، على عدم اعتباره، ثم في هذا البناء نظر من جهة أن أهلية الاجتهاد الذي هو استنباط الأحكام، وتصحيح المقاييس، وترتيب المقدمات إلى غير ذلك مما لا تعلق لها بالديانة أصلاً.
والثالث: يعتبر خلافه في حق نفسه دون غيره.
ورابعها: إن بين مأخذه وإلا فلا، قال ابن السمعاني: ولا بأس به، قال:
(3/88)

وعند هذا القائل يفارق العدل الفاسق، لأن العدل إذا أظهر خلافه جاز الإمساك عن استعلام دليله، لأن عدالته تمنعه عن اعتقاد شرع بغير دليل، قال: وهذا كله في الفاسق بلا تأويل، أما الفاسق بتأويل فكغيره وقد نص الشافعي رضي الله عنه على قبول شهادة أهل الأهواء، وهو محمول على ما إذا لم يؤد إلى التكفير، وإلا فلا عبرة به.
(ص): وأنه لا بد من الكل، وعليه الجمهور، وثانيها: يضر الاثنان، وثالثها: الثلاثة، ورابعها: بالغ عدد التواتر، وخامسها: إن ساغ الاجتهاد في مذهبه، وسادسها: في أصول الدين، وسابعها: لا يكون إجماعاً بل حجة.
(ش): علم من قوله: (مجتهد الأمة) أنه لا بد من وفاق جميعهم، فلو خالف واحد لم يكن قول غيره إجماعاً، وهذا مذهب الجمهور.
(3/89)

والثاني: يضر الاثنان لا الواحد.
وثالثها: تضر الثلاثة لا الواحد ولا الاثنان.
ورابعها: عن بلغ الأقل عدد التواتر لم يعتد بالإجماع دونه، وإلا اعتد به، حكاه الغزالي والآمدي وقال القاضي في (مختصر التقريب): إنه الذي يصح عن ابن جرير.
(3/90)

والخامس: إن سوغت الجماعة الاجتهاد في مذهب المخالف كان خلافه معتداً به كخلاف ابن عباس في العول، وإن لم يسوغوا له الاجتهاد بل أنكروه عليه
(3/91)

كالمتعة وربا الفضل فلا، وهو قول الجرجاني من الحنفية وحكاه السرخسي
(3/92)

عن أبي بكر الرازي.
والسادس: يضر في أصول الدين دون غيره من العلوم.
وسابعها: لا يكون إجماعاً، بل هو حجة فهذا هو الذي رجحه ابن الحاجب، فإنه قال: لو ندر المخالف مع كثرة المجمعين لم يكن إجماعاً قطعاً، والظاهر أنه حجة، لبعد أن يكون الراجح متمسك المخالف قال الهندي والظاهر أن من قال:
(3/93)

إنه إجماع، فإنما يجعله إجماعاً ظنياً لا قطعياً، وبه يشعر إيراد بعضهم.
وحكى ثامناً: أنه إجماع وحجة.
وتاسعاً: أنه ليس بحجة ولا إجماع لكن الأولى اتباع الأكثر، وإن كان لا يحرم مخالفتهم.
(ص): وأنه لا يختص بالصحابة، خلافاً للظاهرية.
(ش): لأن الأدلة على كون الإجماع حجة لا تفرق بين عصر وعصر، قال ابن حزم:
(3/94)

وذهب داود وأصحابنا إلى أن الإجماع إنما هو إجماع الصحابة فقط وهو قول لا يجوز خلافه، لأن الإجماع إما أن يكون عن توقيف، والصحابة هم الذين شهدوا التوقيف فإن قيل فما تقولون في إجماع من بعدهم أيجوز أن يجمعوا على خطأ؟ قلنا هذا لا يجوز لأمرين:
أحدهما: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمنا من ذلك بقوله: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق)).
والثاني: أن سعة الأقطار بالمسلمين وكثرة العدد لا يمكن أحداً ضبط أقوالهم، ومن ادعى هذا لم يخف كذبه على أحد انتهى.
(3/95)

(ص): وعدم انعقاده في حياة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(ش): علم من قوله: بعد وفاة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه لا ينعقد الإجماع في حياته، لأنه إن أجمع معهم فالحجة في قوله وإلا فلا اعتبار بقولهم.
(ص): وأن التابعي المجتهد معتبر معهم، فإن نشأ بعد فعلى الخلاف في انقراض العصر.
(3/96)

(ش): علم من إطلاقه المجتهد أن التابعي إذا كان موجوداً في عصر الصحابة فلا يعتد بإجماع الصحابة مع مخالفته خلافاً لقوم.
لنا: تناول أدلة الإجماع للكل، واستدل كثيرون منهم الإمام فخر الدين بتسويغ الصحابة للتابعي مخالفتهم، ورجوعهم إليه في بعض الوقائع لقول أنس: (سلوا الحسن) وابن عباس،
(3/97)

لما سئل عن نذر ذبح الولد: سلوا مسروقاً وقصة أبي سلمة في العدة،
(3/98)

وهذا لا يدل، لأن ذلك جوز عند اختلاف الصحابة فلا يلزم من اعتبار قوله عند الخلاف اعتباره عند وفاقهم، وهذا إذا كان مجتهداً وقت إجماعهم، فإن نشأ بعدهم أي: صار مجتهداً بعد الإجماع فخلافه مبني على أنه هل يشترط في الإجماع انقراض العصر؟ فمن شرط انقراضه قال: لا ينعقد إجماع الصحابة (3/ك) مع مخالفته، ومن لم يشترط لم يعتد بخلافه وهو ما قطع به الغزالي وابن السمعاني، كمن أسلم بعد تمام الإجماع، واعلم أن هذه المسألة من جملة أفراد التي قبلها، وهي مخالفة الواحد هل يؤثر؟ ولهذا قال الغزالي: هذه المسألة إنما يتصور الخلاف فيها مع من يوافق على أن إجماع الصحابة يندفع بخلاف واحد منهم كما سبق، أما من ذهب إلى أنه لا يدفع إجماع الأكثر بالأقل كيفما كان لا يختص كلامه بالتابعي.
(ص): وأن إجماع كل من أهل المدينة وأهل البيت، والخلفاء الأربعة، والشيخين، وأهل الحرمين وأهل المصرين الكوفة والبصرة غير حجة.
(ش): قوله: غير حجة، مرفوع خبر أن، أي: علم من عموم مجتهد الأمة
(3/99)

أن إجماع من ذكر ليس بحجة، لأنهم ليسوا كل الأمة، والأول خالف فيه مالك فأجراه أكثر أصحابه على ظاهره وأوله بعض أصحابه على ترجيح
(3/100)

روايتهم على غيرهم مع مخالفة غيرهم لهم، وقد أشار الشافعي رضي الله عنه إليه في القديم ورجح رواية أهل المدينة على رواية غيرهم، وبعضهم قال: أراد اتباعهم أولى مع تجويز المخالفة لعلو، وبعضهم قال: أراد الصحابة، وبعضهم: التابعين وتابعيهم.
وقال ابن دقيق العيد: الذي نقطع به ولا يصح سواه أن علمهم إنما يقوى فيما طريقة النقل، وما تقتضي العادة فإنه لو تغير لعلم التغيير وزمانه، وأما مسائل الاجتهاد فلا، هذا مع أنه قد ادعى أنه لم يختلف في مسألة في غير المدينة إلا وقد
(3/101)

اختلف فيها أهل المدينة. انتهى.
والثاني: خالف فيه الشيعة محتجين بقوله تعالى:
{إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} فنفى الخطأ.
وأجيب: بأنها نزلت في الأزواج لدفع التهمة عنهم، وسياقها يدل على ذلك، فإن قيل: لو كان المراد الأزواج لقيل: عنكن الرجس.
(3/102)

قلنا: لأنه أراد معهن غيرهن من الذكور كعلي، والحسن والحسين، وإذا اشتمل الجمع على مذكر ومؤنث غلب المذكر كقوله تعالى: {أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت}.
والثالث: خالف فيه أبو حازم
(3/103)

من الحنفية وتعبير المصنف بالخلفاء أحسن من تعبير ابن الحاجب بالأئمة الأربعة، لأنه أظهر في إرادة أبي بكر وعمر وعثمان،
(3/104)

وعلي رضي الله تعالى عنهم.
والرابع: خالف فيه قوم.
لقوله: ((واقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر)).
والخامس والسادس: حكى الغزالي الخلاف فيه عن طائفة، ومدركهم
(3/105)

انتشار الصحابة في هذه البلاد دون غيرها، وهو في الحقيقة راجع لخلاف الظاهرية المخصصين، له بالصحابة إلا أنه أخص من ذلك.
(ص): وأن المنقول بالآحاد حجة وهو الصحيح في الكل.
(ش): أي: في المسائل الست السابقة، وفيه تنبيه على الخلاف فيها لكن الصحيح هنا أن المنقول بالآحاد حجة، لأن الإجماع من جملة الأدلة، فلا يشترط التواتر في نقله قياساً على نقل السنة وهذا ما صححه الإمام والآمدي وغيرهما، وخالف الأكثرون فشرطوا التواتر في نقله محتجين بأنا إنما عملنا بخبر الواحد لإجماع الصحابة عند نقل العدل عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أما إذا نقل الإجماع بطريق الآحاد.
(3/106)

فلا يجوز أن يستند إليه إلا بالقياس على محل الإجماع، ولم يتعبد بالقياس في قواعد الشريعة هذا كلام الشيخ أبي حامد الإسفراييني، والأصح الأول، وقال الغزالي: من جعل مأخذ الإجماع دليل العقل في استحالة الخطأ بحكم العادة لزمه اشتراط عدد التواتر، ومن جعل مأخذه السمع، اختلفوا على قولين.
(ص): وأنه لا يشترط عدد التواتر، وخالف إمام الحرمين.
(ش): أي علم من مجتهد الأمة وجود مسمى الجمع، ولا يشترط في المجمعين بلوغهم عدد التواتر عند الأكثرين، لأن أدلة الإجماع تدل على عصمة المؤمنين والأمة مطلقاً، من غير فرق بين بلوغهم حد التواتر أم لا،
(3/107)

خلافاً للإمام والذي رأيته في (البرهان) ذهب بعض الأصوليين إلى أنه لا يجوز انحطاط علماء العصر عن مبلغ التواتر، وجوزه الأستاذ أبو إسحاق وقال: لو أجمعوا كان إجماعهم حجة ثم طرد قياسه، فقال: يجوز أن لا يبقى في الدهر إلا مفت واحد، ولو اتفق ذلك فقوله حجة كالإجماع، قال الإمام: والذي نرتضيه وهو الحق أنه يجوز انحطاط عددهم، بل يجوز شغور الزمان عن العلماء وتعطيل الشريعة، وأما القول بأن إجماع المنحطين عن مبلغ التواتر حجة، فهو غير مرض، فإن مأخذ الإجماع يستند إلى طرد العادة، ومن لم يحسن إسناد الإجماع إليه لم
(3/108)

يستقر له قدم فيه انتهى.
فعلى هذا هنا مسألتان: جواز ذلك، وهل هو حجة أم لا؟ والإمام يوافق على الأول، ولكنه يخالف في الثاني، وكلام المصنف فيه، واعلم أن التجويز إنما يتجه إذا قلنا بثبوت الإجماع بدليل السمع، فأما من يثبته بدليل العقل كإمام الحرمين، وهو أن الجمع الكثير لا يمكن تواطؤهم على الخطأ عادة فلا بد من اشتراط التواتر عنده.
(ص): وأنه لو لم يكن إلا واحد لم يحتج به وهو المختار.
(ش): أي علم من قولنا: اتفاق أنه لو لم يكن في العصر إلا مجتهد واحد فليس بحجة لأن العصمة إنما تثبت للأمة، وقال الأستاذ أبو إسحاق: إنه حجة وعزاه الهندي للأكثرين، قيل: أما كونه ليس بإجماع فلا خلاف فيه.
(3/109)

قلت: ذكر الغزالي أنا إن اعتبرنا موافقة العوام (82/ز) فإذا قال الواحد قولاً وساعده العوام فهو إجماع الأمة فيكون حجة، وإن لم نلتفت إلى قولهم فلم يوجد ما يتحقق به اسم الاجتماع، لأنه يستدعي عدداً حتى يسمى إجماعاً.
(ص): وأن انقراض العصر لا يشترط، وخالف أحمد وابن فورك وسليم فشرطوا انقراض كلهم أو غالبهم أو علمائهم، أقوال اعتبار العامي والنادر، وقيل: يشترط في السكوتي، وقيل: إن كان فيه مهلة، وقيل: إن بقي منهم كثير، وأنه لا يشترط تمادي الزمن، وشرطه إمام الحرمين في الظني.
(ش): علم من قوله: في عصر أنه لا يشترط في انعقاد الإجماع انقراض عصر المجمعين، وفيه مذاهب.
أصحها: عند المحققين: أنه لا يشترط، بل يكون اتفاقهم حجة وإن لم ينقرضوا حتى لو رجع بعضهم كانت الحجة عليه.
والثاني: يشترط، وهو قول أحمد،
(3/110)

واختاره ابن فورك، وسليم الرازي، من أصحابنا.
وإذا قلنا بهذا فهل يشترط انقراض كلهم أو انقراض غالبهم أو انقراض
(3/111)

علمائهم؟ ثلاثة أقوال، وهي مبنية على الخلاف السابق، والقائل باشتراط غالبهم هو القائل بأنه لا يعتبر بمن ندر عن المجمعين، والقائل باشتراط انقراض علمائهم هو القائل بأنه لا عبرة بوفاق العوام، وإليه أشار بقوله، أقوال اعتبار العامي والنادر والقائل انقراض الكل هو الذي لا يشترط شيئاً من ذلك.
والثالث: إن كان سكوتياً اشترط لضعفه بخلاف القولي وهو رأي البندنيجي واختاره الآميدي.
والرابع: ينعقد قبل الانقراض فيما لا مهلة فيه، ولا يمكن استدراكه من قتل نفس أو استباحة فرج دون غيره، وحكاه ابن السمعاني، وسيأتي نظيره في السكوتي.
والخامس: إن لم يبق من المجتمعين إلا عدد ينقصون عن أقل عدد التواتر فلا
(3/112)

يكترث ببقائهم ويحكم بانعقاد الإجماع حكاه القاضي، وقوله: وأنه لا يشترط أي: لا يشترط في انقراض العصر تمادي الزمان وطول المكث وفصل إمام الحرمين بين أن يكون الإجماع مقطوعاً به فلا يشترط فيه الانقراض ولا طول المكث بعد قوله، وبين أن يكون حكماً مطلقاً يسنده المجمعون إلى الظن، فلا بد فيه من غلبة الزمن، فإذا طال ولم ينقدح على طوله لواحد منهم خلاف فهو يلتحق بقاعدة الإجماع.
ونقل ابن الحاجب مذهب الإمام في أصل المسألة أنه إن كان عن قياس اشترط وإلا فلا، وقال الهندي: فصل الإمام بين أن يعلم أن متمسكهم ظني فليس بحجة حتى يطول الزمان، وتتكرر الواقعة، قال: ومقتضى هذا أنهم لو انقرضوا عقب الإجماع لا تستقر حجته، ولو بقوا بعد التكرر وتطاول الزمان يكون حجة، وإن كان قطعياً فلا يعتبر الانقراض، ولا التطاول، وعلى هذا فاقتصار المصنف في النقل عن الإمام على تمادي الزمن وحده ليس بجيد، بل لا بد أن يقول: وتكرر الواقعة، وعليه الإمام في (البرهان) وشرط ما ذكرناه: أن يغلب عليهم في الزمن الطويل ذكر تلك
(3/113)

الواقعة وتردد الخوض فيها فلو وقعت الواقعة فسبقوا إلى حكم فيها ثم تناسوها إلى ما سواها فلا آخر الزمان والحالة هذه، ثم بني على ذلك أنهم لو قالوا عن ظن ثم ماتوا على الفور لا يكون إجماعاً، ثم أشار إلى ضبط الزمن فقال: المعتبر زمن لا يعرض في مثله استقرار الجم الغفير على رأي إلا عن حاصل قاطع، وما نزل منزلة القاطع على الإقرار.
(ص): وأن إجماع السالفين غير حجة وهو الأصح.
(ش): علم ذلك من قوله: الأمة، فإجماع الأمم السالفة ليس بحجة لأنه إنما صار حجة بالشرع، والشرع لم يرد إلا بعصمة هذه الأمة، وذهب الأستاذ أبو إسحاق إلى أن إجماع كل أمة حجة ولم يبينوا أن الخلاف في كونه حجة عندنا أو عندهم، ويحتمل أنه عندنا، وهو مفرع على كونه حجة عندهم فإذا ثبت أنه حجة عندهم فيتفرع على أنه شرع لنا أو لا؟
(3/114)

فإن قلنا: نعم، فيكون عندنا إجماعهم حجة وإلا فلا وفيه نظر.
(3/115)

(ص): وأنه قد يكون عن قياس خلافاً لمانع جواز ذلك أو وقوعه مطلقاً أو الخفي.
(ش): علم من إطلاق الاجتهاد أنه يكون مستنده إلى النص، ولا خلاف فيه، ويكون عن قياس وفيه مذاهب.
أحدها: أنه جائز واقع وعليه الجمهور.
وثانيها: جائز غير واقع.
والثالث: أنه غير ممكن إذ لا يتصور اتفاق الخلق الكثير في مظنة الظن وهو قول داود وابن جرير.
والرابع: إن كانت الأمارة جلية جاز أو خفية فلا، وقال المقترح: عندي
(3/117)

لا يستحيل ذلك في العادة لكن بعض صور الإجماع تتشعب فيها الظنون فيستحيل عند عدم ظهور الظن ودقة النظر في الواقعة الإجماع على ذلك الظن البعيد عادة، ثم اختلف القائلون بالوقوع في أنه يحرم مخالفته، إذا ما وقع إطباقهم على أنه حجة.
(ص): وأن اتفاقهم على أحد القولين قبل استقرار الخلاف جائز، ولو من الحادث بعدهم، وأما بعده منهم فمنعه الإمام، وجوزه الآمدي مطلقاً، وقيل: إلا أن يكون مستندهم قاطعاً وأما من غيرهم فالأصح يمتنع إن طال الزمان.
(ش) إذا اختلف أهل العصر على قولين، ثم اتفقوا فله حالتان:
إحداهما: أن يكون قبل استقرار الخلاف، فالجمهور على جوازه خلافاً للصيرفي؛ لرجوعهم إلى الصديق في قتال مانعي الزكاة بعد سبق الخلاف
(3/118)

فيه وإذا جوزنا ذلك لهم جاز للحادث بعدهم.
الثانية: أن يستقر ويمضي أصحاب الخلاف عليه مدة، وفيه مسألتان.
إحداهما: إذا اختلف أهل العصر على قولين فهل يجوز لأهل ذلك العصر بعينهم بعد استقرار الخلاف، الاتفاق على أحد القولين، والمنع من المصير إلى القول الآخر فيه خلاف مبني على اشتراط انقراض العصر، فإن شرطناه جاز قطعاً وإلا ففيه مذاهب.
أحدها وهو اختيار الإمام : أنه لا يجوز مطلقاً.
(3/119)

الثاني: وهو اختيار الآمدي (83/ز) عكسه.
والثالث: يجوز إن كان مستند اتفاقهم على الخلاف القياس والاجتهاد ولا دليل قاطع.
المسألة الثانية: إذا اختلفوا على قولين، ومضوا على ذلك، فهل يتصور انعقاد إجماع العصر الثاني بعدهم على أحدهما، حتى يمتنع المصير إلى القول الآخر فذهب الجمهور إلى امتناعه، منهم الأشعري، وأحمد بن حنبل، وإمام الحرمين والغزالي.
(3/120)

وذهب جماعة إلى الجواز، وأشار بقوله: إن طال الزمان، إلى أنه إذا تمادى الزمان المتطاول على قولين بحيث يقضي العرف بأنه لو كان ينقدح وجه في سقوط أحد القولين مع طول المباحثة لظهر ذلك في الباحثين فحينئذ لا يجعل ذلك إجماعاً، بخلاف ما إذا قرب فإنه لا أثر للاختلاف السابق، وهذا التفصيل اختاره إمام الحرمين، قال الكياالهراسي: ذهب قوم إلى أن هذا النوع لا يتصور وإليه ميل إمام الحرمين، والذين أحالوا تصويره اختلفوا على ثلاثة طرق، فقيل: لأن إجماع التابعين لا يحتج به، وقيل: لأن الإجماع لا يصدر إلا عن اجتهاد، والخلاف على قولين يقتضي صدور الأقوال عن الاجتهاد، وقال الإمام: استحالة تصوره من حيث إنه إذا تمادى الخلاف في زمان متطاول بحيث يقضي العرف بأنه لو كان يقدح وجه
(3/121)

في سقوط أحد القولين مع طول المباحثة لظهر في المباحثين فإذا انتهى الأمر إلى هذا المنتهى، ولم يتجدد بلوغ ما يجب الحكم به فلا يقع في العرف درس مذهب طال الذب عنه، فإن فرض ذلك فالإجماع محمول على بلوغ خبر يجب الحكم بمثله سوى ما كانوا خائضين فيه من مجال الظنون.
(ص): وأن التمسك بأقل ما قيل حق.
(ش): أخذ الشافعي بأقل ما قيل إذا لم يجد دليلاً ووافقه القاضي وكثيرون وخالفه قوم، مثاله: اختلاف العلماء في دية الكتابي، قيل: كدية المسلم، وقيل النصف، وقيل بل الثلث فقط، فأخذ به الشافعي، وظن جماعة أنه
(3/122)

راجع للإجماع، فإن الأمة أجمعت على ذلك الأقل، فإن من أوجب الكل والنصف فقد أوجب الثلث ضرورة كونه بعضه فالكل مطبقون على وجوب الثلث، وهذا هو ظاهر إدراج المصنف له في باب الإجماع، لكن القاضي أبو بكر في (التقريب) ذكر أن بعضهم عزى ذلك إلى الشافعي، ثم قال: ولعل الناقل عنه زل في كلامه، وقال الغزالي: هو سوء ظن به، فإن المجمع عليه وجوب هذا القدر ولا مخالفة فيه، والمختلف فيه سقوط الزيادة، ولا إجماع فيه، وحينئذ فليس ممسكاً بالإجماع، بل مجموع هذين الدليلين.
أحدهما: (5/ ك) على إثبات الأقل،
والآخر: على نفي الزيادة وهو البراءة الأصلية.
قال شارحه العبدري: (ليس تمسكاً بالإجماع) أي في إبطال الزيادة على أصل ما قيل بها في أقل ما قيل، فهو تمسك بالإجماع بدليل قوله: المجمع عليه وجوب هذا القدر ولا مخالف فيه لهم، وما زاد ينازع فيه، والأصل براءة الذمة منه فلا يزاد بغير دليل، وهنا تنبيه آخر وهو أن الشافعي رضي الله عنه إنما أخذ بالأقل إذا كان الأقل مجمعاً عليه، ولم يدل دليل على الزيادة، بل الزيادة منفية بالبراءة الأصلية فأما إذا دل دليل على الزيادة أقوى من البراءة الأصلية فلا يأخذ بالأقل مطلقاً ولهذا لما اختلف الناس في العدد الذي تنعقد به الجمعة، فقيل: أربعون
(3/123)

وقيل ثلاثة فلم يأخذ الشافعي رضي الله عنه بالأقل لأنه وجد في الأكثر دليلاً أقوى من البراءة الأصلية ربما ذكرناه= يندفع استشكال من أوردها على هذا الأصل.
(ص): أما السكوتي فثالثها حجة لا إجماع، ورابعها: يشترط الانقراض، وقال ابن أبي هريرة: إن كان فتيا، وأبو إسحاق المروزي عكسه، وقوم إن وقع فيما يفوت استدراكه، وقوم في عصر الصحابة، وقوم إن كان الساكتون أقل، والصحيح حجة، وفي تسميته إجماعاً خلاف لفظي، وفي كونه إجماعاً حقيقة تردد مثاره أن السكوت المجرد عن أمارة رضا وسخط مع بلوغ الكل ومضى= مهله= النظر عادة عن مسألة اجتهادية تكليفية وهي صورة السكوت هل يغلب ظن الموافقة؟
(ش): تناول إطلاقه الاتفاق في الحد السابق القولي والسكوتي وما سبق في القولي, أما الإجماع السكوتي: فهو أن يفتي واحد ويسكت الباقون بعد علمهم, نظرهم, وفيه مذاهب:
أحدها: أنه ليس بإجماع ولا حجة لاحتمال توقفه في المسألة، أو ذهابه إلى تصويب كل مجتهد وحكاه القاضي أبو بكر عن الشافعي رضي الله عنه واختاره وقال: إنه آخر أقواله، وإمام الحرمين وقال: إنه ظاهر مذهبه, ولهذا قال: لا ينسب إلى ساكت قول, قال الإمام: وهي من عبارته الرشيقة, وقال الغزالي في (المنخول): نص عليه في (الجديد).
(3/124)

الثاني: أنه إجماع وحجة، وحكاه الآمدي عن بعض أصحابنا واختاره صاحب (البديع) ...
والثالث: حجة لا إجماع، وبه قال الصيرفي، واختاره الآمدي وابن الحاجب في مختصره الكبير، وقال: لا إجماع قطعي، ونبه الآمدي في مسألة انقراض
(3/125)

العصر على شرط فيه، وهو ما قبل انقراض العصر فأما بعد انقراضه، فإنه يكون إجماعاً.
والرابع: إجماع بشرط انقراض العصر، وهو رأي البندنيجي من أصحابنا، وقال الشيخ في (اللمع): إنه المذهب، قال: فأما قبل انقراضه، فهل يقول إنه ليس بإجماع قطعاً، وعلى الخلاف طريقان.
والخامس: إجماع إن كان فتيا لا إن كان حكماً وهو قول ابن أبي هريرة كذا حكاه الآمدي، والذي في (المحصول) عنه:
(3/126)

لا إن كان من حاكم، وبينهما فرق إذ لا يلزم من صدوره من الحاكم: أن يكون قاله على جهة الحكم، فقد يفتي الحاكم، وهذا وجه إعراض المصنف عن ذكر مقالته في الشق الآخر كما لم يتحرر له فيه شيء.
والسادس: عكسه قاله أبو إسحاق المروزي، معتلاً، بأن الأغلب أن الصادر عن الحاكم يكون عن تشاور.
السابع: إن وقع في شيء يفوت استدراكه من إراقة دم واستباحة فرج كان إجماعاً وإلا فلا حكاه ابن السمعاني.
والثامن: إن كان في عصر الصحابة كان إجماعاً وإلا فلا (48/ز) حكاه الماوردي.
(3/127)

التاسع: إن كان الساكتون أقل كان إجماعاً وإلا فلا حكاه السرخسي من الحنفية وما صححه المصنف سبقه إليه الرافعي، حيث قال في كتاب القضاء: المشهور عند الأصحاب أن الإجماع السكوتي حجة، وهل هو إجماع؟ فيه وجهان وقال الشيخ أبو إسحاق في شرح (اللمع): إنه إجماع على المذهب، وأشار المصنف إلى أن الخلاف حينئذ في تسميته إجماعاً لفظي لأن التفريع على كونه حجة، وفي كونه إجماعاً حقيقة تردد مثاره أن السكوت المجرد عن أمارات الرضا والسخط مع العلم ببلوغ جميع أهل العصر الواقعة ولم يخالفوا ومضى عليهم مهلة النظر عادة في مسألة واقعة في محل الاجتهاد ليخرج الاتفاقية، وخرج بالتكليفية، ما لو كانت المسألة في تفضيل شخص على آخر، وهذه شروط الإجماع
(3/128)

السكوتي هل يغلب ظن الموافقة أم لا؟ وفات المصنف من الشروط: أن يتكرر مع طول المدة، وأن يكون قبل استقرار المذاهب.
(ص): وكذا الخلاف فيما لا ينتشر.
(ش): إذا أفتى واحد ولم ينتشر بين أهل عصره ولم يعرف له مخالف، ذهب بعضهم إلى أنه إجماع أو حجة على الخلاف السابق، لأن الظاهر وصوله إليهم مع الانتشار فيكون كالسكوت مع العلم به، وعلى هذا تأتي مذاهب التفصيل، لكن الأكثرين، هنا على أنه ليس بحجة، وقال الرازي: إن كان القول مما تعم به البلوى كان كالسكوتي وإلا لم يكن حجة.
(ص) وأنه قد يكون في دنيوي وديني وعقلي لا تتوقف صحته عليه.
(3/129)

(ش): علم من قوله: على أمر، أنه يستدل بالإجماع في الأمور الدنيوية كالآراء والحروب، وتدبير الجيوش، وأمور الرعية، لأن أدلة الإجماع لم تفصل بين أن يتفقوا على أمر ديني أو دنيوي وللقاضي عبد الجبار فيه قولان، ووجه المنع أن المصالح تختلف بحسب الأزمان فلو كان حجة للزم ترك المصلحة وإثبات ما لا يصلح فيه، وقطع به الغزالي، وقال ابن السمعاني إنه الأصح، لا لهذا المأخذ المعتزلي، بل ذكره غيره، ومنهم من فصل بين ما يكون بعد استقرار الرأي وبين ما
(3/130)

يكون قبله فقال بحجية الأول دون الثاني حكاه الهندي، وأما الأمور الدينية كوجوب الصلاة والزكاة فبالاتفاق، وأما العقلي فيستدل به فيما لا تتوقف حجته على الإجماع كحدوث العالم ووحدة الصانع، لجواز معرفة هذين قبل معرفة الإجماع، وأما ما يتوقف على إثباته فلا يستدل به كإثبات الصانع والنبوة فإن الإجماع يتوقف على ذلك وإلا لزم الدور.
(ص): ولا يشترط فيه إمام معصوم.
(ش): أي خلافاً للروافض بناء على رأيهم أنه لا يجوز خلو زمن من أزمنة التكليف عن الإمام المعصوم، ومتى كان كذلك كان الإجماع حجة من حيث إن
(3/131)

الإمام داخل فيهم لا من حيث الإجماع.
(ص): ولا بد له من مستند وإلا لم يكن لقيد الاجتهاد معنى وهو الصحيح في الكل.
(ش): مذهب الجماهير أنه لا يجوز حصول الإجماع إلا عن مستند شرعي، قالوا: وإذا كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يقول ما يقوله إلا عن وحي فالأمة أولى أن لا يقولوا ما يقولونه إلا عن دليل، وهذا معلوم من قوله في الحد مجتهد الأمة، وإلا لم يكن لقيد الاجتهاد فائدة.
وقال قوم: يجوز أن يحصل بالمصادفة بأن يوفقهم الله تعالى لاختيار الصواب من غير توقيف على مستند، لكن سلموا أن ذلك غير واقع كما قاله الآمدي
(3/132)

وإذا ثبت أنه لا ينعقد الإجماع إلا عن دليل فلا خلاف أنه ينعقد عن الكتاب والسنة، ثم إن كان عن نص غير محتمل، كان الحكم ثابتاً بالنص، ولو لم يكن للإجماع تأثير في ثبوتهم، وإن كان النص خبر واحد فالحكم ثابت بالنص والقطع بصحته ثابت بالإجماع، وإن كان المستند ظاهراً فالحكم ثابت بالظاهر، ونفي الاحتمال عن الظاهر والقطع بصحة الحكم ناشئ عن الإجماع واختلفوا هل يجوز أن ينعقد عن القياس؟ وبه يثبت.
(ص): مسألة: الصحيح إمكانه وأنه حجة في الشرع وأنه قطعي حيث اتفق المعتبرون لا حيث اختلفوا كالسكوتي، وما ندر مخالفه، وقال الإمام والآمدي: ظني مطلقاً.
(ش): فيه ثلاث مسائل:
الأولى: الإجماع ممكن خلافاً للنظام.
في إحالته، ولمن قال بإمكانه لكن لا سبيل إلى الاطلاع عليه لتعذر الإحاطة
(3/133)

بأقوال الخلق، والدليل عليه أنا نعلم اتفاق الخلق الكثير والجم الغفير في شرق البلاد وغربها على نبوة سيدنا محمد (6/ك) صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بسبب معجزته القاطعة، واتفاق أهل السنة على مقتضاها فأين الاستحالة والعسر.
الثانية: إذا ثبت إمكانه فهو حجة خلافاً لمن قال بتصوره وأنكر حجيته،
(3/134)

والصحيح أنه حجة لله في شريعته وقد تضافرت أدلة الكتاب والسنة على ذلك ومنهم من احتج عليه بطريق العقل،
(3/135)

ومنهم من احتج بالعادة.
الثالثة: إذا قلنا إنه حجة فهل هو حجة قطعية بحيث نكفر أو نضلل مخالفه، أو ظنية؟ فذهب الأكثرون إلى الأول، وذهب الآمدي والإمام إلى الثاني، واختار المصنف تفصيلاً في المسألة، وهو إما أن يتفق المعتبرون على كونه حجة إجماعاً أو لا، فإن اتفقوا على أنه إجماع فهو حجة قطعية كالإجماع بالحد السابق، وإن اختلفوا في الشيء هل هو إجماع أم لا؟ فهو حجة ظنية كالإجماع السكوتي، وما ندر مخالفه ولهذا لما حكى ابن السمعاني الخلاف في السكوتي، وأنه هل هو
(3/136)

ظني أو قطعي اختار أنه ظني وقال ابن الحاجب: فيما ندر مخالفه لا يكون إجماعاً قطعياً وقال الهندي من قال إنه إجماع فإنما يجعله إجماعاً ظنياً لا قطعياً، وإنما مثل المصنف بمثالين للتنبيه على أن المختلف فيه لا فرق بين أن يكون الأصح أنه ليس بحجة كما ندر مخالفه أو يكون حجة كالسكوتي.
(ص): وخرقه حرام فعلم تحريم إحداث ثالث، والتفصيل إن خرقاه، وقيل خارقان مطلقاً، وأنه يجوز إحداث دليل أو تأويل أو علة إن لم يخرق، وقيل: لا.
(ش): خرق الإجماع حرام، لأن الله تعالى توعد عليه بقوله: {ويتبع غير سبيل المؤمنين} ولا خلاف فيه إذا كان عن نص، فإن كان عن اجتهاد فحكى القاضي عبد الجبار قولاً: إنه يجوز لمن تقدم، مخالفته، لأنه قول صادر عن اجتهاد ... فيجوز خلافه والصحيح (85/ز) المنع؛ لأن الإجماع إذا وجد بأي دليل كان، صار حجة وحرم خلافه، وفرع المصنف عليه مسائل:
إحداها: أنه يحرم إحداث قول ثالث في مسألة واحدة، فإذا اختلف أهل العصر على قولين فهل لمن بعدهم إحداث ثالث؟ فيه مذاهب: أصحها المنع مطلقاً وعليه الجمهور كما إذا أجمعوا على قول واحد، حرم إحداث ثان.
(3/137)

الثاني: الجواز وأشار المصنف بفاء التفريع إلى أن= لا يجوز ثالث مع اعتقاد أنه خارق بل من جوز الثالث اعتقده غير خارق ومن منعه اعتقده خارقاً.
الثالث: وهو الحق عند المتأخرين أن الثالث إن لزم منه رفع ما أجمعوا عليه كان خارقاً فيكون حراماً، وإلا جاز، مثاله أن الشافعي رضي الله عنه يقول: ما أسكر كثيره فقليله حرام سواء ماء العنب وهو المسمى بالخمر أو غيره وأبو
(3/138)

حنيفة، يقول: المسكر من كل شيء حرام، وأما غير المسكر، فإن كان خمراً فكذلك، وإلا فلا يحرم منه إلا القدر المسكر، فمن قال بحل ما لا يسكر من خمر وغيره وقصر التحريم على القدر المسكر من كل شيء فقد خرق الإجماع، لأن قوله في الخمر لم يقل به أحد.
الثانية: إذا لم يفصل أهل العصر بين مسألتين بأن قال بعضهم بالحل فيهما وآخرون بالتحريم فيهما، وأراد من بعدهم بالتفصيل، فإن قالوا: لا فصل بين هاتين المسألتين امتنع التفصيل، بالاتفاق لأنه إجماع صريح كغيره من الإجماعات، كذا قاله الهندي، لكن الخلاف فيه ثابت، ومثله ما إذا لم ينصوا عليه بل يعلم اتحاد الجامع بين المسألتين كتوريث العمة والخالة لأنه رفع مجمع، وإلا فقيل: لا يجوز الفرق، وقيل: يجوز، وهو المختار، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: والتفصيل، أي: ويحرم
(3/139)

التفصيل، وقوله: إن خرقاه، قيد في هذه والتي قبلها، وقوله: وقيل: خارقان، راجع إليهما أيضاً، وخرقه يتصور بما إذا نصوا على عدم الفصل أو علم اتحاد الجامع.
الثالثة: إذا استدل المجمعون بدليل على حكم أو ذكروا تأويلاً أقر عليه, فهل يجوز لمن بعدهم إحداث دليل أو تأويل أو علة؟ فإن كان فيه إلغاء الأول وإبطاله لم يجز لأنه يقتضي إبطال ما أجمعوا عليه وخرق الإجماع حرام، وإن لم يكن فيه ذلك فالأكثرون على الجواز، لأنه قد يكون على الشيء أدلة، وقيل: لا يجوز
(3/140)

لأن التأويل الجديد والدليل ليس سبيلاً للمؤمنين فوجب أن لا يجوز قبوله.
(ص): وأنه يمتنع ارتداد الأمة سمعاً وهو الصحيح.
(ش): اختلفوا في إمكان ارتداد الأمة في عصر من الأعصار سمعاً لا عقلاً فمنهم من جوزه، والمختار الامتناع، لأنه خطأ وضلال، وهما منفيان عن الأمة بالأحاديث الدالة على عصمتها عن الخطأ، وأشار المصنف بقوله: سمعاً، إلى عدم امتناعه عقلاً.
(ص): لاتفاقهم على جهل ما لم تكلف به على الأصح لعدم الخطأ.
(ش): يمتنع جهل جميع الأمة لما كلفوا به، كالجهل بكون الوتر واجباً أم لا، وهل يجوز أن تشترك الأمة في عدم العلم بما لم يكلفوا به كالتفاضل بين عثمان وحذيفة
(3/141)

ذهب كثيرون إلى الجواز لأن عدم العلم به ليس بخطأ، لأن الخطأ في الشرعيات عبارة عن مصادفة الحكم أو عدم مصادفة طريقة فلا يلزم من إجماعهم على عدم العلم به إجماعهم على الخطأ، وذهب قوم إلى المنع لأنهم لو أجمعوا عليه لكان عدم العلم سبيلاً فكان يجب اتباعهم فيه فيحرم تحصيل العلم به وهو ضعيف، لأن عدم العلم ليس بسبيل لهم لأن السبيل ما يختاره الإنسان من قول أو عمل، واعلم أن ابن الحاجب لم يذكر هذه المسألة، وإنما ذكر مسألة هل يمكن وجود خبر أو دليل ولا معارض له وتشترك الأمة في عدم العلم به، وقال الهندي: الخلاف فيه مرتب على الخلاف السابق فمن منع هناك منع هنا بطريق الأولى، ومن وافق، ثم اختلفوا هنا فمنهم من جوزه، ومنهم من منع، ومنهم من فصل: فجوز فيما إذا كان عملهم، موافقاً لمقتضاه دون ما ليس كذلك وهو الأولى لأنه لا يجوز ذهولهم عما كلفوا به وإلا لزم إجماعهم على الخطأ، ووجه ترتيب الخلاف فيه على
(3/142)

الخلاف السابق أن عدم التكليف هنا لأمر عارض وهو عدم علمهم به، وأما في السابقة فبالأصالة.
(ص): وفي انقسامها فرقتين كل مخطئ في مسألة تردد مثاره هل أخطأت.
(ش): هل يجوز انقسام الأمة إلى قسمين كل قسم مخطئ في مسألة أخرى غير مسألة صاحبه، كاتفاق شطر الأمة على أن الترتيب في الوضوء واجب وفي الصلوات الفائتة لا يجب، واتفاق الشطر الآخر على أن الترتيب في الفوائت واجب وفي الوضوء غير واجب؟ فذهب الأكثرون إلى المنع لأن خطأهم في المسألتين لا يخرجهم من أن يكونوا قد اتفقوا على الخطأ، وهو منفي عنهم وجوزه المتأخرون، لأن المخطئ في كل واحدة، بعض الأمة، ومثار الخلاف أن المخطئين
(3/143)

في المسألتين جميعاً كل الأمة أو بعضهم.
(ص): وأنه لا إجماع يضاد إجماعاً سابقاً خلافاً للبصري.
(ش): ذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز أن ينعقد إجماع بعد إجماع البت، على خلافه، لأنه يستلزم تعارض دليلين قطعيين، وأنه يمتنع، وذهب أبو عبد الله البصري إلى أنه غير ممتنع، لأنه لا امتناع في جعل الإجماع على قول حجة قاطعة ما لم يطرأ عليه إجماع آخر كما في الإجماع على تجويز الأخذ بكلا القولين وتجويز الاجتهاد، لكن لما أجمعوا على أن كل ما أجمعوا عليه على وجه البت فإنه حق واجب العمل به في جميع الأمصار أمناً من وقوع هذا الجائز، فعدم الجواز عنده مستفاد من الإجماع الثاني لا من الإجماع الأول، وعند الجماهير هو مستفاد من الإجماع الأول من غير حاجة إلى الثاني، والحاصل إن تبين كون الإجماع
(3/144)

حجة يقتضي امتناع حصول إجماع آخر مخالف له عند الجماهير، وعند البصري لا يقتضي ذلك لإمكان تصور (7/ك) كونه حجة إلى غاية إمكان حصول إجماع آخر.
(ص): وأنه لا يعارضه دليل، إذ لا تعارض بين قاطعين ولا (86/ز) قاطع ومظنون.
(ش): الإجماع لا يعارضه دليل، لأن ذلك إن كان قطعياً فمحال، لأن تعارض دليلين قطعيين محال، لأنه يقتضي خطأ أحدهما، وإن كان ظنياً كالقياس وخبر الواحد، فظاهر، لأن الظني لا يعارض القطعي وتقديم القطعي على الظني ليس من باب الترجيح، وعلم من إطلاقه الدليل أنه لا فرق فيه بين أن يكون نصا أو إجماعاً آخر، وتعارض الإجماعين، يستحيل، لاقتضاء أن يكون أحدهما خطأ وباطلاً، وهو غير جائز على الإجماع، بخلاف النص فإنه يحتمل أن يكون أحدهما ناسخاً والآخر منسوخاً، وعلم منه أن كلامه في الإجماع القطعي، أما الظني فتجوز معارضته، فالإجماع المتفق عليه أولى من المختلف فيه.
(ص): وأن موافقته خبراً لا تدل على أنه عنه، بل ذلك الظاهر إن لم يوجد غيره.
(ش): الإجماع الموافق لمقتضى دليل إذا لم يعلم له دليل آخر لا يجب أن يكون مستنداً إلى ذلك الدليل، لاحتمال أن يكون له دليل آخر وهو مستنده، ولم ينقل إلينا استغناء بالإجماع، هذا قول الجمهور، وعن أبي عبد الله البصري: أنه يكون
(3/145)

مستنده، ويجب تأويله على أنه أراد أن ذلك هو الظاهر إذا لم يوجد في المسألة دليل سواه، لا أنه لذلك على سبيل الوجوب، وحكاه ابن برهان في (الوجيز) عن الشافعي أيضاً، وموضع الخلاف عبد الوهاب، فكان حق المصنف تقييد الخبر بالآحاد، ولينظر في هذا المسألة مع قوله فيما سبق في الأخبار: وأن الإجماع على وفق خبر لا يدل على صدقه.
ثالثها: إن تلقوه بالقبول، فإن كون مستند الإجماع ودلالة الإجماع على صدقة متقارب، وقد اقتصر ابن السمعاني على إيراد هذه هنا وقال: إنها
(3/146)

تبنى على مسألة أخرى، وهي أن الإجماع يكون منعقداً على الحكم الثابت بالدليل أو على الدليل الموجب للحكم، قال: وأصحهما الأول، لأن الحكم هو المطلوب من الدليل، ولأجله انعقد الإجماع.
(ص): خاتمة: جاحد المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة كافر قطعاً، وكذا المشهور المنصوص في الأصح، وفي غير المنصوص تردد، ولا يكفر جاحد الخفي، ولو منصوصاً.
(ش): من جحد مجمعاً عليه فله أحوال:
أحدها: أن يكون ذلك المجمع عليه معلوماً من الدين بالضرورة كأركان الإسلام فهو كافر قطعاً وليس كفره من حيث إنه مجمع عليه بل لجحده، ما اشترك الخلق في معرفته، ولأنه صار بخلافه جاحداً، لصدق الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واعلم أنه قد يستشكل قولهم: المعلوم من الدين بالضرورة، فإنه ليس في الأحكام الشرعية على قاعدة الأشعرية شيء يعلم كونه حكماً شرعياً إلا بدليل، وجوابه: أنها تثبت بأعظم دليل، وإنما سميت ضرورية في الدين من حيث أشبهت العلوم الضرورية في عدم تطرق الشك إليها واستواء الخواص والعوام في تركها.
الثانية: أن لا يبلغ رتبة الضروري لكنه مشهور، فينظر، فإن كان فيه نص كالصلوات ففي تكفيره خلاف والأصح نعم، وإن لم يكن فيه نص ففي الحكم
(3/147)

بتكفيره خلاف، وصحح النووي في باب الردة التكفير، ونقل الرافعي في باب حد الخمر عن الإمام أنه لم يستحسن إطلاق القول بتكفير المستحل، وقال: كيف يكفر من خالف الإجماع، ونحن لا نكفر من رد أصل الإجماع؟ وإنما نبدعه ونضلله، وأول ما ذكره الأصحاب على ما إذا صدق المجمعين على أن التحريم ثابت في الشرع ثم خالفه فإنه يكون رداً للشرع.
الثالثة: أن يكون خفياً لا يعرفه إلا الخواص كفساد الحج بالوطء قبل الوقوف، وتوريث بنت الابن السدس مع بنت الصلب فإذا اعتقد المعتقد في شيء من هذا أنه خلاف إجماع العلماء لم يكفر، لكن يحكم بضلاله وخطئه، ولا فرق في هذا القسم بين المنصوص عليه وغيره لاشتراك الكل في الخفاء ولا نعلم خلافاً،
(3/148)

وأنكروا على ابن الحاجب حيث أوهمت عبارته حكاية قول فيه بالتكفير وهذا التقسيم المذكور يسلم شعث المسألة ويزيل كل إشكال فجزى الله تعالى المصنف خيراً، وختم لي بالحسنى بمنه وكرمه.
(3/149)

[الكتاب الرابع: في القياس]
(ص): الكتاب الرابع: في القياس
(ص): وهو حمل معلوم على معلوم لمساواته في علة حكمه عند الحامل وإن خص بالصحيح حذف الأخير.
(3/150)

(ش): المراد بحمل معلوم على معلوم: إلحاقه به، وليس المراد بالمعلوم مطلق متعلق العلم فقط بل ومتعلق الاعتقاد والظن، والفقهاء يطلقون لفظ العلم على هذه الأمور وإنما قال معلوم ولم يقل موجود ولا شيء لجريان القياس في المعدوم والموجود، ممكناً كان أو ممتنعاً، فإن القياس يجري فيهما جميعاً، والشيء لا يطلق على المعدوم، وإنما لم يذكر بدل المعلوم الأصل والفرع كما عبر به ابن الحاجب لرفع إيهام كون الفرع والأصل وجوديين وليس بشرط ثم إن الأصل والفرع إنما يعقلان بعد معرفة القياس فتعريف القياس بهما دور، نعم في التعبير بالأصل والفرع فائدة، وهي خروج ما لو كان أحدهما ليس أصلاً للآخر فلا يكون قياساً كالبر والشعير المتساويين في علة حرمة الربا فإن أحدهما ليس أصلاً للآخر، لأن حرمة الربا
(3/151)

ثابتة فيهما بالنص، وإنما قال: في معلوم آخر، لأن القياس هو الإلحاق فيستدعي وجود شيئين، وإنما قال: لمساواته في علة حكمه، لأن القياس لا يوجد بدون العلة، واحترز به عن إثبات الحكم بالنص فإنه لا يكون قياساً، كما لو ورد نص يخص الأرز بتحريمه الربا كما ورد في البر.
وقد يخرج به حمل أحد الشيئين على الآخر إذا كان الفرع أولى بالحكم، من الأصل فليس من شرط القياس المساواة، بل زيادته عليه كذلك، وكذا يخرج به حمله عليه لمجرد نفي الفارق بينهما مع أنه من أنواع القياس وإنما عدل عن قولهم لاشتراكهما في علة الحكم إلى قوله: لمساواته، لأمرين.
(3/152)

أحدهما: أن القياس (78/ز) لغة: المساواة، فلفظ المساواة يطابق معناه اللغوي بخلاف لفظ الاشتراك.
ثانيهما: أن لفظ المشاركة يصدق بوجهين.
أحدهما: المناصفة، تقول: شارك زيد عمراً، أو اشترك زيد مع عمرو في المال، وهذا ليس مرادهم في قولهم: شارك الفرع الأصل في علة حكمه، لأن العلة لم تقسط عليهما حتى كان في كل منهما بعضها ولا تجري فيما بينهما.
وثانيهما: المساواة، كما تقول: اشترك زيد وعمرو في الإنسانية، أي تساويا فيها، وهذا هو المقصود، وأما لفظ المساواة فلا يستعمل إلا في هذا المعنى فكان ذكره أولى من لفظ الاشتراك.
هكذا قرره المصنف، وأحسن منه أن يقال: إنما اعتبر بالمساواة دون المشاركة لأن المشاركة في أمر ما لا توجب استواءهما في الحكم، ما لم يكن ذلك الأمر فيهما بالسواء، أو بالقرب من السواء، أما لو اختلفا فيه من الجهة التي بها يقتضي الحكم لكان ذلك فرقاً يمنع التسوية بينهما، ولك أن تقول: قوله: في علة حكمه، كان ينبغي تجنبه كما تجنب لفظ الأصل والفرع، لأن العلة من أركان القياس فلا يمكن تعريفها إلا به فأخذها في تعريف القياس يلزم الدور، ولهذا قال بعضهم: لاستوائهما في مشعور به، وإنما قال: (عند الحامل) ليشمل الصحيح والفاسد في
(3/153)

نفس الأمر والحد لماهية القياس الذي هو أعم من (8/ ك) الصحيح والفاسد خلافاً لمن ظن أن التعريف إنما يكون للصحيح وليس كذلك بل القياس من حيث هو ثم إذا أريد تخصيصه بالصحيح حذف قوله: عند الحامل، وإنما عبر بالحامل دون المجتهد لأنه ليس من شرط القياس الاجتهاد، فقد يقيس على أصول إمامه، واعلم أن أصل هذا التعريف للقاضي أبي بكر وإنما اختاره المصنف لأن المحققين من أصحابنا عليه، وبينوا وهم من أشار بالاعتراض عليه، وتبين به أن قول القاضي (في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما) ليس هو من تمام الحد كما توهم ابن الحاجب فأورد عليه: أن
(3/154)

الحكم فيهما معاً ليس هو القياس، وليس كذلك وإنما التعريف تم عندما قاله المصنف، ثم هذه الزيادة بيان للحمل، فإن الحمل والإلحاق له جهات كثيرة، كذلك اعتراضه بأن جعل الحمل جنساً وهو غير صادق على القياس لأنه ثمرة القياس، لا نفس القياس: ضعيف، لأن الحمل ليس ثمرة القياس بل ثمرته هو العلم بثبوت حكم الفرع.
(ص): وهو حجة في الأمور الدنيوية، قال الإمام: اتفاقاً، وأما غيرها فمنعه قوم عقلاً وابن حزم شرعاً، وداود غير الجلي.
(ش): إذا علمنا أن الحكم في الأصل معلل بكذا وعلمنا ذلك الوصف في صورة النزاع علمنا مثل ذلك الحكم فيها بلا خلاف بين العقلاء، فأما إذا كانت هاتان المقدمتان ظنيتين أو إحداهما ظنية، كان حصول ذلك الحكم في صورة الفرع ظنياً لا محالة، وهذا النوع لا يفيد العلم والجزم بالنتيجة بل إن كان ذلك في الأمور الدنيوية وقد اتفقوا على وجوب العمل به كما في الأدوية والأغذية والأسفار، وإنما الخلاف في الأمور الشرعية كذا قاله الإمام الرازي، وإنما صرح به المصنف ليبرأ من عهدته ثم منهم من منع العمل به عقلاً، وهو مذهب طائفة من الشيعة والمعتزلة على ما
(3/155)

حكاه القاضي أبو الطيب ومنهم من خص الامتناع عقلاً بشرعنا كالنظام ومنهم من منعه شرعاً كابن حزم، وصنف فيه رسالتين، والقائلون بهذا منعوه مطلقاً، وعن داود: غير الجلي وأما الجلي فلا ينكره، وإنما قال غير الجلي ليشمل المساوي كذا حكاه الآمدي لكن داود وإن قال بالجلي وهو ما كان الملحق أولى
(3/156)

بالحكم من الملحق به لا يسميه قياساً، فاستدراك المصنف ليس على وجهه، وابن حزم أعلم بمذهبه، قال في كتاب (الإحكام): وداود وأصحابه لا يقولون بشيء من القياس سواء كانت العلة فيه منصوصة أو غيره، قال الأستاذ أبو منصور في كتاب (التحصيل): وأما داود الأصبهاني والنظام فإنهما اعترضا القول في نفي القياس، أما داود فإنه قال: لو قيل لنا حرمت المسكر لأنه حلو لم يدل ذلك على تحريم حلو آخر والمنقول عن ابن حزم أنه يدعي أن المنصوص يستوعب جميع الحوادث بالأسماء اللغوية التي لا تحتاج إلى استنباط واستخراج حتى أنه نفى دلالة فحوى الخطاب وتنبيهه في معنى الأصل ونحوه من المواضع التي يدل فيها اللفظ الخاص على العام،
(3/157)

وعكس هذا قول إمام الحرمين إن القياس يحتاج إليه في معظم الشريعة لقلة النصوص الدالة على الأحكام، والحق والتوسط وهو إثبات النصوص على أكثر الحوادث وما خرج عن ذلك استعمل فيه القياس لا سيما القياس في معنى
الأصل وفحوى الخطاب فإنه في دلالة اللفظ عند قوم.
(ص): وأبو حنيفة في الحدود والكفارات والرخص والتقديرات.
(ش): مثال الحدود: إيجاب قطع النباش قياساً على السارق بجامع أخذ مال الغير خفية ومثال الكفارات: إيجابها على قاتل النفس عمداً بالقياس على المخطئ، والمقدر كأعداد الركعات والرخص ظاهر، ومنع أبو حنيفة ذلك كله، لأن الحد يدرأ بالشبهة، والمقدر غير معقول، وعندنا هو حجة في الجميع لعموم الأدلة ودرء الحد
(3/158)

بالشبهة مردود بإثباتها بخبر الواحد والشهادة والظنيين، هكذا حكى الخلاف في (المحصول) قال: وحاصل هذه المسألة أنه هل في الشريعة جملة من المسائل التي لا يجري القياس فيها؟ وما ذكره لا ينفي ذلك، وأشار الشافعي رضي الله عنه إلى أن الحنفية قد ناقضوا أصلهم فأوجبوا الكفارة بالإفطار بالأكل قياساً على الإفطار بالجماع، وفي قتل الصيد خطأً قياساً على قتله عمداً، وقاسوا في التقديرات حتى قالوا في الدجاجة إذا ماتت في البئر: يجب كذا وكذا دلو، وفي الفأرة أقل من ذلك، وليس هذا التقدير عن نص ولا إجماع فيكون قياساً، وقال القاضي أبو الطيب في باب الحجر من تعليقه: التقدير عندنا (88 ز) بمنزلة سائر الأحكام وتثبت بما يثبت به سائر الأحكام، وقال أبو حنيفة: لا تثبت إلا بتوقيف أو اتفاق وناقض في تقدير مدة الرضاع وتقدير العدد الذي تنعقد به الجمعة، وتقدير مسح الرأس بما
(3/159)

ليس فيه توقيف ولا اتفاق واعلم أن ما قاله الإمام وتبعه المصنف في أن الشافعي رضي الله عنه يجوز القياس في الكل صحيح فيما عدا الرخص أما الرخص فلا، لأنه نص في (الأم) على المنع فقال في آخر صلاة العيد: ولا يعد بالرخصة مواضعها وكذا نقله البويطي.
(ص): وابن عبدان ما لم يضطر.
(3/160)

(ش): قال أبو الفضل بن عبدان في كتاب (شرائط الأحكام): من شرط القياس حدوث حادثة تؤدي الضرورة إلى معرفة حكمها، وأن لا يوجد نص يفي بإثبات حكمه، وقد حكاه ابن الصلاح في طبقاته عنه ثم قال: وعد هذا الثاني شرطاً في موضع التحقيق غريب، وإنما يعرف ذلك بين المتناظرين في مقام الجدل، وأما الشرط الأول فطريق يأباه وضع الأئمة الكتب الطافحة بالمسائل القياسية من غير تقييد بالحادثة.
(ص): وقوم في الأسباب والشروط والموانع.
(ش): الحكم الثابت من جهة الشرع نوعان:
أحدهما: إثبات الأحكام ابتداء من غير ربط بالسبب، وهو قابل للتعليل
(3/161)

والقياس باتفاق القائلين بالقياس.
والثاني: نصب الأسباب والشروط والموانع عللاً للأحكام كجعل الزنا موجباً للحد، وجعل الجماع موجباً للكفارة، فالجمهور على أنها قابلة للقياس مهما ظهرت العلة المتعدية، كقياس اللواط على الزنا في إيجاب الحد ومنعه قوم (9/ك) لأنه لا يحسن أن يقال في طلوع الشمس: إنه موجب للعبادة كغروبها، واختاره الآمدي وابن الحاجب والبيضاوي لكن الإمام في (المحصول) حكى عن أصحابنا الجواز وعليه جرى المصنف، وقال في (شرح المختصر)، المختار عندي: إن قلنا بعود
(3/162)

السببية للأحكام، صح وإلا فالوقف، وكلام الهندي يقتضيه، فإنه قال محتجاً على الجواز: لنا أن السببية حكم شرعي فإذا عقلت علتها ووجدت في صورة أخرى وجب إلحاقها به لأدلة القياس، وقياساً على الأحكام التي هي غير السببية وجعل المقترح هذا الخلاف مبنياً على أن الخلاف في أن حكم السببية من خطاب الوضع أو خطاب التكليف، واعلم أن جريانه في الشروط والموانع قل من ذكره فقد صرح به إلكياالطبري، قال: وقد نفى الشافعي رضي الله عنه اشتراط الإسلام في الإحصان إلحاقاً له بالجلد فقال الجلد أعلى أنواع العقوبة ثم استوى فيه إنكار المسلمين والكفار فالرجم كذلك.
(3/163)

(ص): وقوم في أصول العبادات.
(ش): منع الحنفية والجبائي إثبات أصول العبادات بالقياس وبنوا عليه أنه لا يجوز إثبات الصلاة بإيماء الحاجب بالقياس، محتجين بأنه لو جاز لأمكن إثبات عبادة مستقلة قياساً على العبادات المشروعة بجامع المصالح المتعلقة بالعبادات، وذهب أصحابنا إلى الجواز لعموم أدلة القياس وأجابوا عن شبههم بأن ذلك ليس من القياس في شيء بل هو تشريع باطل.
(ص): وقوم الجزئي الحاجي إذا لم يرد نص على وفقه كضمان الدرك.
(ش): هذا الخلاف لا يعرف في كتب الأصول وإنما ذكره الشيخ صدر الدين ابن الوكيل في (الأشباه والنظائر).
(3/164)

ومنه أخذ المصنف فقال: القياس الجزئي إذا لم يرد من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيان على وفقه مع عموم الحاجة إليه في زمانه أو عموم الحاجة إلى خلافه هل يعمل بذلك القياس الجزئي؟ فيه خلاف أصولي وبينه بصور، فذكر منها: ضمان الدرك القياس الجزئي يقتضي منعه لأنه ضمان ما لم يجب، ولكن عموم الحاجة إليه لمعاملة الغرباء وغيرهم يقتضي جوازه فقال ابن سريج بالمنع على مقتضى القياس وخرجه قولاً، والأصح صحته بعد قبض الثمن لا قبله، لأنه وقت الحاجة المؤكدة.
(ص): وآخرون في العقليات.
(3/165)

(ش): منع قوم من الحشوية وغلاة الظاهرية القياس في العقليات والجماهير على الجواز، ومثاله قول أصحابنا في مسألة الرؤية الله تعالى موجود وكل موجود يرى فيكون مرئياً، وإذا قلنا به فلا بد من جامع عقلي وإلا لكان الجمع تحكماً.
(3/166)

محضاً كتوغل الفلاسفة، وأهل البدع في مسائل العقائد في ذلك، وادعى ابن برهان في (الوجيز) أن المحققين على أنه ليس في المعقولات قياس وإنما يتعرف حكم التفصيل بها من الجملة والقياس الصحيح وهو الشرعي.
(ص): وآخرون في النفي الأصلي.
(ش): اختلفوا في النفي الأصلي هل يعرف بالقياس بعد اتفاقهم على أن استصحاب حكم العقل كاف فيه؟ قال في (المستصفى): والمراد بالنفي الأصلي البقاء على ما كان قبل ورود الشرع، ومثاله إذا وجدنا صورة لا حكم لله فيها، ثم وجدنا أخرى تشبهها فهل يبحث عن حكها أيضاً أو لا؟ بل نقيسها على التي بحثنا عنها ولم نعلم حكمها، قيل: يجوز، وقيل: يمتنع، وتوسط الغزالي والإمام قالا: يجوز بقياس الدلالة وهو أن يستدل بانتفاء آثار الشيء وانتفاء خواصه على عدمه، ولا يجوز بقياس العلة لأن العدم الأصلي أزلي، والعلة حادثة بعده فلا يعلل بها، وعزاه الهندي للمحققين ولقائل أن يقول: العلل الشرعية معرفات، ولا يمتنع تأخرها واحترز المصنف بالأصلي عن العدم الطارئ فإنه يجري فيه القياسات بالاتفاق لأنه حكم شرعي حادث فهو كسائر الأحكام الوجودية.
(ص): وتقدم قياس اللغة.
(3/167)

(ش): أي: في فصل اللغات فأغنى عن إعادته ونبه عليه لئلا يعتقد إخلاله به لم جرت عادتهم بذكره هنا.
(ص): والصحيح حجة إلا في العادية والخلقية.
(ش): هذا الاستثناء ذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي ومثله بأقل الحيض
(3/168)

أو النفاس وأكثره، وأقل مدة الحمل وأكثره (89/ز) فلا قياس فيه لأن معناها لا يعقل، بل طريق إثباتها خبر الصادق، ولكن ذكر الماوردي والروياني في كتاب القضاء أن المقادير يجوز القياس فيها على الصحيح، ومثلا بأقل الحيض وأكثره وقد يجمع بين الكلامين بحمل الأول على الحيض من حيث الجملة، والثاني في الأشخاص المعينة، وما نقلناه عن الشيخ أبي إسحاق هو الموجود في (اللمع)، وقال في شرحها: ما طريقه العادة إن كان عليه أمارة جاز إثباته بالقياس كالشعر هل تحل فيه الروح، والحامل هل تحيض؟
وإذ لم يكن عليه أمارة كأقل الحيض وأكثره، فلا.
(3/169)

(ص): وإلا في كل الأحكام.
(ش): يجوز أن تثبت الأحكام جميعها بالنصوص قطعاً إذ لا يلزم منه محال، واختلفوا هل ثبتت كلها بالقياس؟ فذهب قوم إلى جريانه لأن حد الشرعي يشمل الكل، وقد جرى في البعض وفاقاً فكذلك في البعض الآخر، والجمهور على امتناعه، لأن القياس حمل فرع على أصل فكيف يتصور القياس، بل في بعضها ما لا يجري القياس فيه، لأن أنواعه مختلفة الأحكام ولأنه لو ثبت الجميع بالقياس لزم التسلسل ولأن من الأحكام ما لا يعقل معناه كضرب الدية على العاقلة والقياس فرع تعقل المعنى، واعلم أن هذه المسألة أصل للمسألة السابقة في استعمال القياس في الحدود والكفارات والمقدرات كما ذكره ابن السمعاني وغيره، وسبق من الإمام أن حاصل الخلاف، ثم يرجع إلى ذلك، فكأن المصنف ذكرهما استيفاء للأصل والفرع.
(ص): وإلا القياس على منسوخ خلافاً للمعممين.
(3/170)

(ش): لا يجوز القياس على أصل منسوخ فإن التعدية مع أن الأصل منسوخ غير ممكنة، وقول المصنف خلافاً للمعممين، راجع لجميع المستثنيات من قوله: والصحيح حجة إلا ... إلى آخره، إلا أنه لا يعرف خلافاً في امتناع القياس على منسوخ، إلا أنه سبق في النسخ عن الحنفية إذا نسخ حكم الأصل يبقى حكم الفرع، وهو يقتضي جواز القياس على المنسوخ، فإنهم قالوا: يبقى حكم الفرع فلعل المصنف أراد هذا لكن بين في (شرح المختصر) أنه لا منافاة بينهما، قلت:
(3/171)

ولو أنه قال ولا القياس على مخصوص لأمكن الخلاف، فإن الشيخ أبا إسحاق في (اللمع) ذكر من مفسدات القياس: كون الأصل ورد الشرع بتخصيصه مثل قياس أبي حنفية (10/ ك) نكاح غير رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جواز النكاح بلفظ الهبة على نكاح رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد ورد الشرع بتخصيصه بذلك.
(ص): وليس النص على العلة ولو في الترك أمراً بالقياس خلافاً للبصري، وثالثها التفصيل.
(ش): النص على علة الحكم يدل على ثبوت الحكم لأجل العلة في ذلك المحل خاصة بلا خلاف، وهل يدل على تعدية الحكم بتلك العلة إلى غير محل الحكم المنصوص عليه دون ورود التعبد بالقياس؟ فالجمهور على أنه لا يدل سواء كان في الفعل، كأكرم زيداً لعلمه، أو في الترك كحرمت الخمر لإسكارها قال
(3/172)

أبو الحسين البصري والشيخ أبو إسحاق وأبو بكر الرازي وغيرهم: يكفي.
وقال أبو عبد الله البصري: إن كانت علة التحريم كفى، أو الإيجاب أو الندب فلا، قال الغزالي: وبني على هذا أن التوبة لا تصح من بعض الذنوب، بل من ترك ذنباً لكونه معصية يلزمه، ترك كل ذنب، أما من أتى بعبادة لأنها طاعة، لا يلزمه الإتيان بكل طاعة، قال: وهذا محال في الطرفين، واعلم أن ابن الحاجب نقل عن البصري التفصيل، ومراده أبو عبد الله، والمصنف نقل عنه الاكتفاء مطلقاً ومراده أبو الحسين كما ذكرنا.
(3/173)

(ص): وأركانه أربعة.
(ش): أي: الأصل والفرع، وحكم الأصل، والوصف الجامع، ولم يذكروا منها حكم الفرع، لأنه ثمرة القياس ونتيجته لتأخره عنه، فلا يجوز أن يكون ركنا له وإلا لزم توقفه على المتوقف على نفسه.
(ص): الأصل: وهو محل الحكم المشبه به، وقيل: دليله، وقيل: حكمه.
(ش): لم يحك المصنف في ركنية الأصل خلافاً، وقيل: يجوز القياس بغير أصل، قال ابن السمعاني: وهو قول من أخلط الاجتهاد بالقياس، والصحيح أنه لا بد له من، أصل لأن الفروع لا تتفرع إلا عن أصول، ووجه تقديم الأصل على غيره من الأركان ظاهر، لأنه أصل الحكم الذي هو أصل العلة التي هي أصل الفرع والقول الأول، هو قول الفقهاء وساعدهم كثير من المتكلمين.
(3/174)

والثاني: قول المتكلمين. فإذا قسنا النبيذ في تحريم شربه على الخمر المنصوص على تحريمها، بقوله: حرام، قال الفقهاء: الأصل فيه هو الخمر التي هي محل التحريم، لأنها يشبه بها الفرع فتكون أصلاً له، وقال المتكلمون: الأصل هو النص الدال على تحريم الخمر لأنه الذي فيه التحريم. وقال بعضهم: الأصل هو التحريم الثابت في الخمر لأنه الذي يتفرع عليه تحريم النبيذ، والجميع ممكن، إلا أن مساعدة الفقهاء أولى لئلا يحتاج إلى تغيير مصطلحهم وهم الخائضون في عمدة القياس، فلهذا صدر به المصنف، والنزاع لفظي، لأن حكم الخمر إذا كان مبنياً على الخمر من حيث إنها محل له فهي أصل له، وهو أصل لحكم النبيذ لكونه مبنياً عليه، وأصل الأصل أصل، فيكون الخمر أيضاً أصلاً لحكم النبيذ وأصل الأصل أصل وكذلك إذا كان حكم الخمر مبنياًً على النص من حيث إنه مستفاد منه فيكون النص مبيناً لحكم النبيذ أصلاً له، وهو أصل وأصل الأصل أصل فيكون النص أيضاً أصلاً لحكم النبيذ والحاصل رجوع الخلاف إلى ما هو أصل بالذات أو بالعرض.
(3/175)

تنبيه: قد جعل القول بأنه دليله مرجوحاً وكلامه في أول الكتاب يخالف هذا، وصوابه أن اصطلاح الأصوليين في المقدمات: إطلاق الأصل على شيء، وفي القياس: إطلاقه على آخر.
(ص): ولا يشترط دال على جواز القياس عليه بنوعه أو شخصه، ولا الاتفاق على وجود العلة فيه، خلافاً لزاعميهما.
(ش): فيه مسألتان:
إحداهما: لا يشترط في الأصل أن يقوم دليل على جواز القياس عليه بحسب الخصوصية نوعية كانت أو شخصية، بل كل حكم انقدح فيه معنى مخيل غلب على الظن اتباعه، فإنه يجوز أن يقاس عليه، وخالف عثمان البتي فشرطه، فإذا كانت المسألة (90/ز) من مسائل البيع، فلا بد من دليل على جواز القياس في أحكام البيعات أو في النكاح فكذلك.
(3/176)

الثانية: لا يشترط الاتفاق على وجود العلة في الأصل، بل يكفي انتهاض الدليل عليه خلافاً لبعضهم، قال الشيخ أبو إسحاق: إن أراد بالاتفاق إجماع الأمة أدى إلى إبطال القياس، لأن نفاة القياس من جملتهم، وإن أراد إجماع بعض القياسيين فهم بعض الأمة وليس قولهم بدليل.
(ص): الثاني حكم الأصل ومن شرطه ثبوته بغير القياس وقيل والإجماع.
(ش): لحكم الأصل شرائط.
الأول: أن لا يكون الدليل الدال على حكم الأصل قياساً عند الجمهور خلافاً لبعض المعتزلة والحنابلة،
(3/177)

وأبي عبد الله البصري، لنا أنه اتحدت العلة فالقياس على الأصل الأول، وذكر الثاني لغو، وإن اختلفت لم ينعقد القياس لعدم التساوي في العلة.
واعلم أن الدليل لا ينحصر في الكتاب والسنة، بل جاز أن يكون إجماعاً، لأنه أصل في إثبات الأحكام فجاز القياس على ما ثبت بالإجماع وحكى الشيخ أبو إسحاق وجهاً: أنه يشترط أن يكون كتاباً أو سنة ولا يجوز القياس على ما ثبت بالإجماع إلا أن يعلم النص الذي أجمعوا لأجله ولم يذكر المصنف في حكاية هذا الوجه الاستثناء، لأن القياس حينئذ على النص.
(ص): وكونه غير متعبد فيه بالقطع.
(ش): الثاني أن لا يتعبد فيه بالعلم ليخرج ما تعبد فيه بالعلم كإثبات كون خبر الواحد حجة بالقياس على قبول الشهادة، والقبول على قول من زعم أنه من
(3/178)

المسائل العلمية وكون الاجتهاد، جائزاً في طلب الحكم الشرعي قياساً على جواز الاجتهاد في طلب القبلة، وذلك لأن القياس الجلي لا يفيد إلا الظن فإثبات المسألة العلمية به إثبات العلم بالظن وهو ممتنع.
تنبيهات:
الأول: هذا الشرط الذي ذكره الإمام وقال الهندي إنما يستقيم إذا كان المراد بالحكم الذي هو ركن القياس الظني المختلف فيه، فأما إن أريد تعريف الحكم الذي هو ركن القياس كيف كان فلا يستقيم ذلك بل يجب حذف قيد العلم عنه.
الثاني: قد يشكل هذا الشرط مع ترجيح المصنف فيما سبق جريان القياس في العقليات مع أنا متعبدون فيها بالقطع.
(3/179)

(ص): وشرعياً إن استلحق شرعيا.
(ش): الثالث: في كون الحكم شرعياً ليخرج اللغوي والعقلي، فأما بتقدير أن يجري القياس فيهما، فإنه ليس قياساً شرعياً بل لغوياً وعقلياً، وكلامنا في الشرعي، كذا قرروه، وقال المصنف: لك أن تقول إذا أجرينا القياس فيهما ترتب على ذلك أمر شرعي، وهو تحريم النبيذ مثلاً لصدق اسم الخمر عليها قياساً فلهذا زاد عليهم هنا هذا القيد وهو قوله: إن استلحق شرعياً.
(ص): وغير فرع إذا لم يظهر للوسط فائدة، وقيل مطلقاً.
ش الرابع: أن يكون حكم الأصل غير فرع عن أصل خلافاً للحنابلة وبعض المعتزلة ثم إن (11 ك) الأصوليين أطلقوا الشرط، وقال المصنف: هو مخصوص عندي بما إذا لم يظهر للوسط فائدة البتة كقياس السفرجل على التفاح، والتفاح على البر، أما إذا ظهرت له فائدة فلا يمتنع أن يقاس فرع على فرع، وقولهم: إن كل فرع قيس عليه فرع فالعلة فيه إما متحدة فيكون حشواً أولا فيفسد، نقول عليه: بين
(3/180)

الأمرين واسطة وهو أن يكون حكم الفرع المقيس عليه هو الذي وسط أظهر وأولى بحيث لو قيس الفرع الأول الذي هو فرع الفرع على الأصل الأول لاستنكر في بادئ الأمر جداً، بخلاف ما إذا جعله مندرجاً مثاله: التفاح ربوي قياساً على الزبيب، والزبيب ربوي قياساً على التمر، والتمر ربوي قياساً على الأرز، والأرز ربوي قياسا على البر، إذا قصد بقياس التفاح على الزبيب الوصف الجامع بينهما، وهو الطعم، وبقياس الزبيب على التمر الطعم مع الكيل، وبالتمر على الأرز الطعم والكيل مع التقوت، وبالأرز على البر الطعم والكيل والقوت الغالب، ولو قيس ابتداء التفاح على البر لم يسلم من مانع يمنع علية الطعم فجمع بين الزبيب والتمر في الكيل، ثم أخذ يسقط الكيل والقوت عن الاعتبار ليثبت له دعوى أن العلة الطعم فقط.
تنبيه: ينبغي تأمل هذا الشرط مع قوله قبله ثبوته بغير القياس، لأنه إذا كان الحكم في الأصل ثابتاً بالقياس فهو فرع لأصل آخر، ولهذا، أورده ابن الحاجب بهذه الصيغة والبيضاوي بالصيغة الأولى ولم يجمع واحد منهما بينهما، ثم رأيت من أورده على المصنف فقال قد علم اشتراط كونه غير فرع من اشتراط ثبوته بغير القياس فما الفائدة.
(3/181)

لهذا؟ وأجاب المصنف: بأنه لا يلزم من اشتراط كونه غير فرع وهو ما ذكرنا ثانياً ثبوته بالقياس، لجواز أن يكون ثابتاً وثبوته بغير القياس، لأنه قد يثبت بالقياس ولا يكون فرعاً للقياس المراد ثبوت الحكم فيه، وإن كان فرعاً لأصل آخر، وكذلك لا يلزم من كونه غير فرع أن لا يكون ثابتاً بالقياس، لجواز أن يكون ثابتاً بالقياس ولكنه ليس فرعاً في هذا القياس الذي يراد إثبات الحكم فيه.
(ص): وأن لا يعدل عن سنن القياس.
(ش): الخامس: أن لا يكون معدولاً به عن سنن القياس، لتعذر التعدية حينئذ، والمعدول به هو الخارج عن المعنى لا المعنى فيخرج منه شيئان.
أحدهما: ما شرع ابتداء لا لمعنى فإنه لم يدخل حتى يقال خرج.
والثاني: ما استثني عن معقول المعنى كالعرايا استثنيت من الربويات لحاجة
(3/182)

الفقراء وقد سماها الغزالي معدولاً بهما عن سنن القياس وفيه تجوز
(ص): ولا يكون دليل حكمه شاملاً لحكم الفرع.
(ش): السادس: أن لا يكون دليل حكم الأصل شاملاً لحكم الفرع، وإلا
(3/183)

فليس جعل أحدهما أصلاً والآخر فرعاً أولى من العكس.
(ص): وكون الحكم متفقاً عليه، قيل بين الأمة، والأصح بين الخصمين وأنه لا يشترط اختلاف الأمة.
(ش): السابع: كون الحكم متفقاً عليه مخافة أن يمنع فيحتاج القائس إلى إثباته عند توجه المنع إليه فيكون المشروع فيه انتقالاً من (19/ز) مسألة إلى أخرى، ثم اختلفوا في كيفية الاتفاق عليه، فقيل: يشترط أن يكون متفقاً عليه بين الأمة، وقيل: يكفي اتفاق الخصمين وقيل: يشترط اتفاق الخصمين واختلاف الأمة حتى لا يكون مجمعاً عليه وهو رأي الآمدي، فإنه متى كان مجمعاً عليه بين الأمة لم يكن للخصم منعه، والصحيح جواز كونه مجمعاً عليه بين الأمة.
(3/184)

(ص): فإن كان الحكم متفقاً بينهما ولكن لعلتين مختلفتين فهو مركب الأصل أو العلة، يمنع الخصم وجودها في الأصل فمركب الوصف، ولا يقبلان خلافاً للخلافيين.
(ش): سمى بعضهم المتفق عليه بين الخصمين فقط بالقياس المركب، ثم إن كان الحكم متفقاً عليه بين الخصمين لكن لعلتين مختلفين فهو مركب الأصل، سمي بذلك لاختلافهما في تركيب الحكم على العلة في الأصل.
كما في قياس حلي البالغة على حلي الصبية فإن عدم الوجوب في حلي الصبية متفق عليه بين الخصمين لكن لعلتين مختلفتين فإنه عندنا لعلة كونه حلياً وعندهم لعلة كونه مالاً للصبية، وإن كان الخصم يوافق على العلة ولكن يمنع
(3/185)

وجودها في الأصل فهو مركب الوصف، سمي بذلك لاختلافهما في نفس الوصف الجامع كقولنا في تعليق الطلاق قبل النكاح تعليق الطلاق فلا يصح، كما لو قال: زينب التي أتزوجها طالق، فيقول الحنفي: العلة وهي كونه تعليقاً مفقودة في الأصل، فإن قوله زينب التي أتزوجها طالق تنجيز لا تعليق، ثم المشهور عند الأصوليين أن النوعيين غير مقبولين أما الأول: فلأن الخصم لا ينفك عن منع
(3/186)

العلة في الفرع أو منع الحكم في الأصل، وعلى التقديرين فلا يتم القياس، وأما الثاني فلأنه لا ينفك عن منع الأصل كما لو لم يكن التعليق ثابتاً فيه، أو منع الحكم في الأصل إذا كان ثابتاً، وعلى التقديرين لا يتم القياس وحكاية القبول عن الخلافيين ذكره الهندي.
(ص): ولو سلم العلة فأثبت المستدل وجودها أو سلمه المناظر انتهض الدليل.
(ش): لو سلم الخصم العلة فأثبت المستدل في القسم الثاني أنها موجودة في الأصل، أو سلم أن العلة التي عينها المستدل في الأول هي العلة، وأنها موجودة في الفرع، انتهض الدليل عليه فيصح القياس لاعتراف الخصم بما هو موجب لصحة القياس، كما لو كان مجتهداً أو غلب على ظنه صحة القياس فإنه لا يكابر نفسه فيما أوجبه ظنه.
(ص): فإن لم يتفقا على الأصل ولكن رام المستدل إثبات حكمه ثم إثبات العلة فالأصح قبوله.
(3/187)

(ش): ما سبق فيما إذا كان حكم الأصل متفقاً عليه مطلقاً أو بين الخصمين، فإن لم يتفقا عليه، ولم يكن مجمعاً عليه، ولكن حاول المستدل إثبات حكم الأصل بنص ثم أثبت العلة بطريق من طرقها، فقيل: لا يقبل ذلك منه بل لا بد من الإجماع بين الخصمين صونا للكلام عن الانتشار والأصح قبوله وإلا لم يقبل في المناظرة مقدمة تقبل المنع.
(ص): والأصح لا يشترط الاتفاق على تعليل حكم الأصل أو النص على العلة.
(ش): لا يشترط في الأصل أن يكون عقد الإجماع على أن حكمه معلل، وإن ثبتت علته عيناً بالنص بل لو ثبت بالطرق الظنية، جاز القياس عليه وخالف فيه بشر المريسي، فزعم أن لا يقاس على أصل آخر حتى يدل نص على عين علة ذلك
(3/188)

الحكم أو انعقد الإجماع على كون حكمه معللاً وهو باطل لأن أدلة القياس مطلقة.
(ص): الثالث: الفرع وهو المحل المشبه، وقيل: حكمه.
(ش): الأول: قول الفقهاء وهو النبيذ في المثال السابق الأصل.
والثاني: للمتكلمين حكم المشبه: وهو تحريم النبيذ، ومنهم من مال إليه هنا لتفرعه عن القياس بخلاف المحل، ولم يقل أحد هنا إنه دليله، كيف ودليله القياس.
(ص): ومن شرطه: وجود تمام العلة فيه، فإن كانت قطعية فقطعي، أو ظنية فقياس الأدون كالتفاح على البر بجامع الطعم.
(ش): هذا أخذه من نقول ابن الحاجب أن يساوى الفرع في العلة، علة الأصل، لإيهام لفظ المساواة أن الزيادة تضر فيخرج قياس الأولى: بخلاف حصول المعنى بتمامه فإن الزيادة لا تنافيه، ولا يخرج قياس الأدون فإنه ليس المعني بالأدون كون المعنى فيه أقل من الأصل، لكن حصول المعنى (12/ك) المظنون فيه بتمامه، وذلك لأن الأصل في العلة قد يكون مقطوعاً بها كالإسكار في الخمر، وقد
(3/189)

تكون مظنونة كالطعم في البر، فإذا كانت قطعية، ووجدت في فرع كان القياس فيه قياس المساواة، وإن كان مظنونة فوجدت في فرع يشتمل عليها ولا يشتمل على الوجه الآخر المحتمل للعلية، وإن كانت مرجوحاً فقياس الفرع حينئذ قياس أدون لأنه ليس ملحقاً بالأصل إلا على تقدير أن العلة فيه كذا مع احتمال غيره، فلم يكن لإلحاقه به من القوة ما لإلحاق الفرع المشتمل على الأوصاف المحتملة كلها، والحاصل أن المساواة لا بد منها، وإلا لم يمكن تعدي الحكم؟
(ص): وتقبل المعارضة فيه بمقتضى نقيض أو ضد لا خلاف الحكم على المختار.
(3/190)

(ش): من الشروط على المختار أن لا يعارض الفرع بمعارض يقتضي نقيض الحكم، بأن يقول ما ذكرت من الوصف وإن اقتضى ثبوت الحكم في الفرع فعندي وصف آخر يقتضي نقيضه، فتوقف دليلك، وقد ذكر ابن الحاجب هذه المسألة في فصل المعارضة واقتصر على ذكر النقيض، وضم إليه المصنف الضد، إذ لا فرق، وأشار إلى مخالفة الخلاف، وهذا لأن المستدل إذا ذكر وصفاً فعورض بوصف قائم في الفرع يقتضي نقيض ما رامه المستدل، كما إذا كان وصف المستدل يقتضي ثبوت الحرمة ووصف المعترض يقتضي ثبوت نقيضها، وهو لا حرمة أو يقتضي فيه ضد مرام المستدل كما إذا كان وصفه يقتضي ثبوت الحرمة ووصف المعترض يقتضي ثبوت الوجوب أو الاستحباب مثلاً، فلا شك في قبول هذه المعارضة، لأنها تهدم قاعدة المستدل وتبطل قصده أما إذا عورض، بما يقتضي خلاف الحكم الذي رامه فلا يقبل
(3/191)

ذلك لأنه لا يبطل قوله لإمكان اجتماع مرامه معه، وهذا كما إذا أتى بعلة تقتضي في الفرع الحرمة فعارضه بعلة تقتضي فيه وجوب الحد، فوجوب الحد لا ينافي الحرمة، فله أن يقول: هب إن ما عارضت به صحيح، ولكنه لا يعترض غرضي لجواز اجتماع (92/ز) الحرمة والحد، مثال النقيض: لو باع الجارية إلا حملها صح في وجه كما لو باع هذه الصيعان إلا صاعاً، فنقول: لا يصح كما لو باع الجارية إلا يدها وهذا قريب الشبه من الفرع إذا تجاذبه أصلان متقابلان والشافعي رضي الله عنه يلحقه بأغلبهما وهذا إذا عارض بعلة أخرى تقتضي في الفرع نقيض الحكم، فإن علة المستدل نفسها تقتضي النقيض فذلك قلب لا معارضة، ومثال الضد: الوتر واجب قياساً على التشهد في الصلاة بجامع مواظبة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليهما، فنقول يستحب قياساً على الفجر.
بجامع أن كلا منهما يفعل في وقت معين لفرض معين من فروض الصلاة، فإن الوتر في وقت العشاء، والفجر وقت الصبح،
(3/192)

ولم يعهد من الشرع وضع صلاتي فرض في وقت واحد، ولو قيل: الجامع المواظبة لكان قلباً لا معارضة، فهذان قادحان، لأن النقيض والضد إذا ثبت لزم تقابل قول المستدل بخلاف الخلاف، ومثال الخلاف اليمين الغموس لا توجب الكفارة كشهادة الزور، بجامع أن كلا منهما قول آثم قائله، فيقال: الغموس توجب التعذير قياساً على الزور بجامع إظهار الباطل على وجه من التأكيد، يغلب ظن كونه حقاً، ففي الغموس باليمين، وفي الزور بالشهادة، واليمين والشهادة أخوان، ولا نقول بجامع الإثم كي لا يكون قلباً لا معارضة، فهذا غير قادح، إذ لا مساواة بين ثبوت التعذير والكفارة.
تنبيهات:
الأول: سبق المصنف إلى ذكر هذا في شروط الفرع هنا ابن الحاجب في (المنتهى)، والهندي وقالا: إنه إنما يتم اشتراطه على القول بجواز تخصيص العلة فإن
(3/193)

لم نجوزها فلا يشترط ثم قال الهندي: وهذا في الحقيقة ليس شرطاً للفرع الذي يقاس بل للفرع الذي ثبت فيه الحكم بمقتضى القياس.
الثاني: أن هذا تفريع على ما سيذكره المصنف في شرط العلة من انتفاء المعارض المنافي في الفرع الحكم بمقتضى القياس.
الثالث: ظهر بما قررناه أن قوله ضد أو نقيض منصوبان بالوصف قبلهما والأصل بما يقتضي نقيض الحكم أو ضده.
(ص): والمختار قبول الترجيح، وأنه لا يجب الإيماء إليه في الدليل.
(ش): طريقه في دفع المعارضة القدح فيما اعترض به عليه، فإن عجز عن القدح فهل يجوز دفعه بالترجيح بوجه من وجوهه المذكورة في باب الترجيح؟ والمختار قبوله لأنه إذا ترجح وجب العمل به بالإجماع على وجوب العمل بالراجح، وقيل لا يقبل، لأن تساوي الظن حاصل
(3/194)

فيهما غير معلوم وعلى المختار فهل يجب الإيماء إلى الترجيح في متن الدليل بأن يقول في أمان العبد أمان من مسلم عاقل موافقاً للبراءة الأصلية؟ فيه خلاف، فقيل يجب لأنه شرط في العمل به لا يثبت الحكم دونه فكان كجزء العلة، والمختار أنه لا يجب لأن الترجيح على ما يعارضه خارج عن الدليل.
(ص): ولا يقوم القاطع على خلافه وفاقاً، ولا خبر الواحد عند الأكثرين.
(ش): أما اشتراط الأول: فوجهه أن القياس مظنون فلا يعارض القطعي.
وأما الثاني: فهي مسألة معارضة القياس لخبر الواحد وقد سبقت في باب الأخبار.
(ص): وليساو الأصل، وحكمه حكم الأصل فيما يقصد من عين أو جنس، فإن خالف فسد القياس. وجواب المعترض بالمخالفة ببيان الاتحاد.
(3/195)

(ش): من الشروط أن يساوي حكم الأصل حكم الفرع فيما يقصد المساواة فيه، من عين الحكم أو جنس الحكم، أما العين فكقياس القصاص في النفس بالمثقل عليه في القتل بالمحدود، فالحكم في الفرع هو الحكم في الأصل بعينه وهو القتل وأما الجنس فكقياس إثبات الولاية على الصغيرة في نكاحها على إثبات الولاية عليها في مالها، فإن ولاية النكاح من جنس ولاية المال فإنها سبب لنفاذ التصرف وليست عينها لاختلاف التصرفين فإن خالف أي كان حكم الفرع مخالفاً لحكم الأصل فسد القياس كقولنا: الظهار يوجب الحرمة في حق الذمي كالمسلم، فيقول الحنفي: الحرمة متناهية بالكفارة، والحرمة في الذمي مؤبدة لأنه
(3/196)

ليس من أهل الكفارة فيختلف الحكم فيهما وجواب هذا المعترض بالمخالفة بأن يبين المستدل الاتحاد وهو منع كون الذمي ليس من أهل الكفارة.
(ص): ولا يكون منصوصاً بموافق خلافاً لمجوز دليلين ولا بمخالف إلا لتجربة النظر,
(ش): من الشروط أن لا يكون حكم الفرع منصوصاً عليه وإلا لم يكن للقياس فائدة، كذا أطلق جماعة، والتحقيق ما نقله الشيخ الهندي وتابعه المصنف أن للمسألة صورتين:
إحداهما: أن يكون النص على موافقة القياس، فإما أن يكون النص الدال على ثبوت حكم الفرع هو بعينه الذي دل على حكم الأصل، قال: فينبغي أن يكون القياس باطلاً إذ ليس جعل تلك الصورة أصلاً والأخرى فرعاً أولى من العكس، وليس هذا القسم مراد المصنف، وإما أن يكون غيره وهو مراده، فأطلق جماعة المنع
(3/197)

وقالوا: لا يجوز القياس (13/ك) على المنصوص عليه مطلقاً لقضية معاذ فإنها تفهم امتناع القياس عند وجدان النص، ولكن الأكثرين هنا كما قاله الهندي على الجواز لأن ترادف الأدلة على مدلول واحد جائز لإفادة زيادة الظن ويخالف ما إذا كان النص الدال على حكم الأصل والفرع واحداً، فإن القياس في هذه الصورة لا
(3/198)

يفيد زيادة الظن أصلاً، لأن الفرع لا يؤكده أصله بخلاف ما إذا كانا متغايرين.
الثانية: أن يكون ذلك الحكم المنصوص عليه مخالفاً للقياس فيمتنع مطلقاً، وإلا لزم تقديم القياس على النص، وقوله: إلا لتجربة يعني لا فائدة للقياس، ولا يعمل به لكنه قياس صحيح في نفسه، ولهذا نقول: إذا تعارض النص والقياس فالنص مقدم، وإنما يتعارضان عند صحتهما، وفائدته حينئذ التمرين ورياضة الذهن في المسائل لا غير.
(ص): ولا متقدما على حكم الأصل وجوزه الإمام عند دليل آخر.
(ش): من الشروط أن لا يتقدم على حكم الأصل كقياس الوضوء على التيمم في النية لأن التعبد بالتيمم إنما ورد بعد الهجرة، وكان التعبد بالوضوء قبلها
(3/199)

وإنما شرط ذلك لئلا يلزم ثبوت حكم الفرع قبل ثبوت العلة لتأخير الأصل وفصل أبو الحسين في (المعتمد) وتابعه الإمام الرازي (93/ز) وأتباعه قالوا: إذا تقدم حكمه فإن لم يدل على ثبوت حكمه إلا القياس على ذلك الأصل، لم يصح، لأنه لا يجوز، أن لا يكون لنا على الحكم دليل في الحال، وإن دل على حكم الفرع دليل متقدم لم يبطل ذلك القياس، لأنه يجوز أن يدلنا الله تعالى على الحكم بأدلة مترادفة، ألا ترى أن المعجزات تتواتر بعد المعجزة المقارنة لابتداء الدعوة ولك أن تقول الكلام في تفرعه عن الأصل المتأخر، وذلك لا يمكن سواء كان عليه دليل غيره أم لا؟ قلت: ولم يحفظ المصنف في هذه المسألة خلافاً سوى تفصيل الإمام، وقد أطلق ابن الصباغ في العدة امتناع هذا الشرط، وجوز أن يكون الحكم عليه
(3/200)

أمارات متقدمة ومتأخرة، قال: فإن الدليل على الشيء يجوز تأخيره عن ثبوته، ولهذا معجزات النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منها ما قارن نبوته، ومنها ما تأخر عنه، ويجوز الاستدلال على نبوته بما نزل من القرآن بالمدينة فكذا في الأحكام المظنونة.
(ص): ولا يشترط ثبوت حكمه بالنص جملة خلافاً لقوم.
(3/201)

(ش): منهم أبو هاشم حيث شرطوا ثبوته بالنص في الجملة لا التفصيل، ويطلب بالقياس تفصيله، فلولا العلم بورود ميراث الجد جملة لما جاز القياس في توريثه مع الإخوة والجمهور على أنه ليس بشرط فإن العلماء قاسوا أنت علي حرام تارة على الطلاق فتحرم وتارة على الظهار فيوجب الكفارة، وتارة على اليمين فيكون إيلاء، ولم يوجد النص في الفرع جملة ولا تفصيلاً.
(ص): ولا انتفاء نص أو إجماع يوافقه خلافاً للغزالي والآمدي.
(ش): أي لا يشترط انتفاء نص، ويكون فائدة القياس زيادة معرفة العلة أو الحكم، وفائدة النص ثبوت الحكم، فإن قيل: ما هذا من قول المصنف قبله، وأن
(3/202)

لا يكون منصوصاً فالجواب أن ذلك في الفرع نفسه يشترط أن لا يكون منصوصاً عليه، إذ لا يبقى للقياس فائدة، وههنا في أنه لا يكون منصوصاً على شبهه وفرق بين شبه الشيء والشيء.
(ص): الرابع العلة قال أهل الحق المعرف، وحكم الأصل ثابت بها لا بالنص خلافاً للحنفية، وقيل: المؤثر بذاته، وقال الغزالي بإذن الله وقال الآمدي: الباعث.
(ش): لم يحك المصنف خلافا ًفي ركنية العلة، وفيه خلاف شاذ حكاه ابن السمعاني أنه يصح القياس من غير علة إذا لاح بعض الشبه وهو باطل، وقد اختلفوا في تعريف العلة على أقوال:
(3/203)

أحدها: وهو قول السنة أنها المعرف للحكم، أي بأن تكون دالة على وجود الحكم وليست بمؤثرة، لأن المؤثر هو الله تعالى، فقيل لهم: المعرف هو النص، فأجابوا: بأن الوصف معرف لفرد آخر غير الأصل، وحكم الأصل أي المعلل ثابت بالعلة المشتركة بينه وبين الفرع عند أصحابنا، وقالت الحنفية بالنص وإنما ذكر المصنف هذه المسألة بعد هذا التعريف لينبه على توهم ابن الحاجب وغيره أن أصحابنا ذكروا هذا على أنها بمعنى الباعث، وليس كذلك، بيانه أن الأصحاب لما قالوا:
(3/204)

إنه ثابت بالعلة، قيل لهم: هذا لا يتأتى إلا إذا فسرت العلة بالمؤثر أو الباعث، فإن كونه منصوصاً عليه حينئذ لا ينافي أن يكون معللاً بهذا المعنى، أما إذا فسرت بالمعرف فكونه منصوصا عليه ينافي التعليل بهذا المعنى، وعلى هذا جرى ابن الحاجب وقال: إنما عنت الشافعية أنها بمعنى الباعث، وليس كما قال، وإنما دعاه إلى ذلك أنه يجعلها فرعاً للأصل أصلاً للفرع خوفاً من لزوم الدور، فإنها مستنبطة من النص فلو كانت معرفة له وهي إنما عرفت به جاء الدور، ونحن لا نفسرها بالباعث، بل بالمعرف، وليس معنى كونها معرفاً إلا أنها نصب أمارة يستدل بها المجتهد على وجدان الحكم إذا لم يكن عارفاً به، ويجوز أن يتخلف في حق العارف كالغيم الرطب أمارة على المطر، وقد يتخلف، وتخلف التعريف بالنسبة إلى العارف لا يخرج الأمارة عن كونها أمارة، فوضح أن العلة هي المعرف في الأصل والفرع، وليس الدور بلازم، وقالت الحنفية: ثابت بالنص، فإن أرادوا أن النص إنشاء الحكم فخطأ، لأن الحاكم في الحقيقة هو الناص، وإن أرادوا أنه عرفه فهو إنما يعرف من عرفت منه، أما من عرف من العلة فلم يعرفه، هذا حاصل ما قرره المصنف وما أنكره على ابن الحاجب في نقله عن الأصحاب ممنوع، فإن الغزالي قد ذكره فقال بعد نقله عن الأصحاب إن الحكم يضاف إلى العلة وهو نزاع لا تحقيق تحته، فإنا لا نعني بالعلة إلا باعث الشرع على الحكم فنقول: إن الحكم يضاف إلى الخمر والنبيذ بالنص لكن إضافة الحكم إليه معلل بالشدة بمعنى أن باعث الشرع على التحريم هي الشدة، ونازعه العبدري وقال: إنما الباعث على وضعها أمارة حفظ العقول لا الشدة، وأما ما قاله المصنف أولاً فيخالف كلام الهندي فإنه قال: فسروا العلة بالمعرف لا بمعنى أنها تعرف حكم الأصل، فإن ذلك يعرف بالنص، بل حكم الفرع، لكن يخدشه ما هو المشهور من قول أصحابنا، لأن حكم الأصل تعلل بالعلة بينه وبين الفرع مع أنه غير معرف بها، وقال في المسألة
الخلافية إن عنى بالعلة المؤثر أو الباعث، فلا شك أن كونه منصوصاً عليه لا ينافي أن يكون معللاً بالعلة بهذا المعنى، وعليه ينزل قول أصحابنا: إن الحكم
(3/205)

المنصوص عليه ثابت بالعلة ولا أظن أن الخصم ينكره، وإن عنى بالعلة المعرف فلا شك أن كونه منصوصاً عليه ينافي التعليل بالعلة بهذا المعنى، والخصم إنما ينكر كونه معللاً بالعلة بهذا المعنى، وأصحابنا لا ينكرون ذلك فلا خلاف، ثم إن الآمدي وابن الحاجب والهندي ذكروا أنه لا خلاف في المعنى بل هو لفظي، وليس كما قالوا، بل له فوائد كثيرة منها: التعليل بالقاصرة والخلاف فيها يصح ترتيبه على هذا الأصل فإن أصحابنا لما أثبتوا الحكم في محل النص بالعلة لم تعر القاصرة عن فائدة فاعتبرت، والحنفية لما أثبتوا الحكم في محل النص به عرت القاصرة عن فائدة (94/ز) لأن أثرها لم يظهر في محل النص ولا في غيره، فلم يعتبر القول.
الثاني: أنها بمعنى المؤثر بذاته لا بجعل الله تعالى، وهو قول المعتزلة بناء على قاعدتهم في التحسين والتقبيح العقليين.
(3/206)

الثالث: أنها المؤثرة لا بذاتها ولا لصفة ذاتية ولكن بجعل الشارع إياها مؤثرة، وهو قول الغزالي، وزيفه الإمام بأن الحكم قديم والعلة حادثة والحادث لا يؤثر في القديم وبنى البحث على أنه هل يعقل تأثير من غير أن يكون المؤثر مؤثراً بذاته أو بصفة قائمة به أو لا يعقل ذلك؟ وعلى هذا تبنى مسألة خلق الأفعال فأصحابنا ينكرون تأثير العبد في فعله، ويقولون الصادر عنه فعل الله تعالى، والمعتزلة يقولون بتأثيره بذاته أو بصفة، وشذوذ منا توسطوا فقالوا بمثل كلامهم هنا في السببية ويلزمهم.
(3/207)

والرابع أنها الباعث على التشريع، بمعنى أنه لا بد وأن يكون الوصف مشتملاً على مصلحة صالحة، وأن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم، وهو اختيار الآمدي وابن الحاجب، وهو مأخذ القائلين بأن الرب تبارك وتعالى يعلل أفعاله بالأغراض، والمنصوص عند الأشرعية خلافه، فإن الرب تعالى لا يبعثه شيء على شيء، وقال الإمام تقي الدين أبو العز المقترح، من فسر العلة بالباعث للشارع على الحكم والحاملة أو الداعية، إن أراد به إثبات غرض حادث له فهو محال قررنا بطلانه في علم التوحيد، وإن أراد به أن يعقبها حصول الصلاح في العادة فسميت باعثة تجوزاً فهذا لا
(3/208)

يجوز إطلاقه على الباري تعالى، لما فيه من الإيهام بالمحال، إلا أن يتحقق إذن من الشارع في إطلاقه ولا سبيل إليه.
(ص): وقد تكون دافعة أو رافعة أو فاعلة الأمرين.
(ش): الوصف المجعول علة ثلاثة أقسام:
الأول: يكون دافعاً للحكم فقط، كالعدة فإنها دافعة لحل النكاح إذا وجدت في ابتدائه وليست رافعة له إذا وجدت في أثنائه، فإن الموطوءة بشبهة تعتد وهي باقية على الزوجية.
الثاني: أن يكون رافعاً للحكم فقط كالطلاق فإنه يرفع حل الاستمتاع ولكن لا يدفعه، إذ الطلاق لا يمنع وقوع نكاح جديد.
الثالث: أن يكون رافعاً دافعاً كالرضاع، فإنه يمنع من ابتداء النكاح ومن دوامه إذا طرأ، وإنما كانت موانع النكاح تمنع في الابتداء والدوام لتأبدها واعتضادها بكون الأصل في الأوضاع هو الحرمة.
(ص): ووصفاً حقيقاً ظاهراً منضبطاً أو عرفياً مطرداً وكذا في الأصح لغوياً أو حكماً شرعياً، وثالثهما إن كان المعلول حقيقاً.
(ش): العلة باعتبار ذاتها تارة تكون وصفاً حقيقاً وتارة تكون شرعياً وتارة تكون لغويا، وتارة تكون عرفياً، ولا يخلو معلوم بوضع علة عن هذه الأقسام، ووجه
(3/209)

الحصر فيها هو أن ما لم يعلم لا يخلو إما أن يتوقف العلم به على وضع أم لا فإن لم يتوقف على وضع وإخبار فهو المسمى في الاصطلاح وصفاً حقيقياً وهو الذي يعقل باعتبار نفسه، وما يتوقف على وضع إما أن يكون الواضع الشرع أو غيره.
فالأول: الحكم الشرعي.
والثاني: إن كان العرب فاللغوي، أو من بعدهم فالعرفي.
أما الوصف الحقيقي فلا خلاف في التعليل به إذا اشتمل على ما ذكره المصنف كقولنا: مطعوم فيكون ربوياً، والطعم يدرك بالحس، وهو أمر حقيقي أي لا تتوقف معقوليته على معقولية غيره، فاحترز بالظاهر عن الخفي، والمنضبط عن غيره، وما خلا منها سيذكر الخلاف فيه، والمراد بالمنضبط أن يتميز عن غيره، وأما الأوصاف العرفية وهي الشرف والخسة، والكمال والنقص، فيجوز التعليل بها حيث أمكن كما في الكفاءة وغيرها، فإن الشرف يناسب التعظيم والتكريم والإهانة، والخسة تناسب ضد هذه الأحكام، ويشترط أن يكون مطردا أي لا يختلف باختلاف الأوقات، فإنه إن لم يكن كذلك لجاز أن لا يكون ذلك العرف حاصلاً باختلاف الأوقات، فإنه إن لم يكن كذلك لجاز أن لا يكون ذلك العرف حاصلاً في زمان الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحينئذ لا يجوز التعليل به وهي من مسائل (المحصول).
(3/210)

وأما بالأمر الغوي كقولنا في النبيذ: إنه مسمى الخمر، فيحرم كالمنعصر من العنب وأما الشرعي فذهب الأكثرون، إلى تجويز تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي، كتعليل حرمة بيع الكلب بنجاسته لأن العلة هي العرف، فلا بدع في جعل الحكم معرفاً للآخر، وقيل: يمتنع لأنه معلول فكيف يكون علة، وعلى الأصح فلو كان الحكم حقيقياً فهل يجوز تعليله بالحكم الشرعي؟ على قولين حكاهما في (المحصول)، وأصحهما كما قاله الهندي وغيره الجواز، لأن المراد من العلة المعرف ولا يبعد أن يكون الحكم الشرعي يعرف الحكم الحقيقي، وفي المسألتين يتحصل ثلاثة
(3/211)

مذاهب ومثال الحقيقي قولنا في إثبات الحياة في الشعر بأنه يحرم بالطلاق ويحل بالنكاح فيكون حياً كاليد.
(ص): أو مركباً وثالثها لا تزيد عن خمس.
(ش): تنقسم العلة باعتبار كميتها إلى الوصف الواحد، ولا خلاف في التعليل به، وإلى المركبة من أوصاف، والتعليل به جائز عند المعظم، فإنا نعلل القصاص بوجود القتل العمد العدوان الذي لا شبهة فيه، وهذه أوصاف مناسبة فلا يبعد أن تكون الهيئة الاجتماعية ينشأ عنها الحكم، وقيل: يمتنع لأنه يفضي إلى تخلف المعلول عن العلة العقلية، أو تحصيل الحاصل وهما محالان، وفي المسألة قول ثالث غريب: إنه لا تزيد الأوصاف على خمسة، وعزاه صاحب (الخصال) إلى الجرجاني من الحنفية،
(3/212)

وحكاه أبو إسحاق وغلط قائله، وأما الإمام فذكر أن الشيخ حكاه سبعة.
(ص): ومن شروط الإلحاق بها اشتمالها على حكمة تبعث على الامتثال وتصلح شاهداً لإناطة الحكم، ومن ثم كان مانعها وصفاً وجودياً يخل بحكمتها.
(ش): وجه اشتراط اشتمالها على الحكمة ظاهر، وقوله: تبعث (15/ك) على الامتثال، فيه بيان للمراد بقول الفقهاء: الباعث على الحكم كذا أنهم لا يريدون بعث الشارع بل إن العلة باعثة للمكلف على الامتثال، مثاله: حفظ النفوس فإنه علة باعثة على القصاص (95/ز) الذي هو فعل المكلف المحكوم به من جهة الشرع، فحكم الشرع لا علة باعثة عليه، لأنه قادر أن يحفظ النفوس، بدون ذلك بخلاف المكلف فإذا انقاد المكلف امتثالاً لأمر الله تعالى إلى حفظ النفوس، كان لهم أجران، أجر على القصاص، وأجر على حفظ النفوس وكلاهما مأمور به من جهة الله تعالى أحدهما: بقوله: {كتب عليكم القصاص} والثاني: بالإيماء من قوله
(3/213)

تعالى: {ولكم في القصاص حياة} وقوله: (ومن ثم كان مانعها) أي مانع العلة وهو مراد الأصوليين بمانع السبب فإنهم جعلوا من خطاب الوضع الحكم على الوصف بالمانع وقسموه إلى قسمين مانع الحكم وقد ذكره المصنف في صدر الكتاب ومانع السبب وذكره المصنف هنا، وهو منعه لسبب الحكم لحكمة تخل بحكم السبب كالدين المانع للزكاة عند القائل به، فإن الدين وصف مانع لسبب الحكم، والحكم وجوب الزكاة، والسبب هو الاستغناء عن قدر النصاب، فالدين مانع من الاستغناء الذي هو السبب ومنعه كذلك لحكمة هي احتياج مالكه إليه، وهذه الحكمة تخل بحكم السبب في وجوب الزكاة، فإن الحكمة التي لأجلها
(3/214)

وجبت الزكاة في ذلك النصاب وهي الاستغناء أزالها الدين، فإن المديون ليس مستغنياً عن النصاب الذي ملكه.
(ص): وأن تكون ضابطاً لحكمة وقيل: يجوز كونها نفس الحكمة، وقيل إن انضبطت.
(ش): لفظ الحكمة يطلق في استعمالهم لمعنيين.
أحدهما: بإزاء المصلحة المقصودة لشرع الحكم.
والثاني: بمعنى الوصف الضابط لها إذا كان خفياً وهذا مجازاً، لأنه ضابط الحكمة لا نفس الحكمة من باب تسمية الدليل باسم المدلول، فأما الحكمة بالمعنى الأول فلا يصح نصبها أمارة الحكم، إذ هي متأخرة عن الحكم في الوجود، فكيف يعرف الشيء بما لا يوجد إلا بعد وجوده، وكيف يعلل الحكم بفرع ثبوته؟ وأما بالمعنى الثاني فيمتنع التعليل بها لخفائها واضطرابها فإن كان الوصف الحقيقي مستقلاً كانت مظنته مستقلة هكذا قاله المقترح وحاصل ما ذكره المصنف في جواز التعليل بالحكمة ثلاثة مذاهب.
أحدها: وهو الأصح عند الإمام: الجواز.
(3/215)

والثاني: المنع.
والثالث: التفصيل.
فإن كانت ظاهرة منضبطة بحيث يجوز ربط الحكم بها جاز التعليل بها، وإلا فلا، واختاره الهندي وصححه ابن الحاجب لأنا نعلم قطعاً أنها هي المقصود للشارع، وإنما عدل عن اعتبارها لمانع خفائها واضطرابها فإذا زال المانع جاز اعتبارها.
(ص): وأن لا تكون عدما في الثبوتي وفاقاً للإمام وخلافاً للآمدي.
(ش): مثاله: بيع الآبق باطل لعدم القدرة على التسليم، وقد صار كثيرون إلى امتناعه، فإنه لا يناسب الحكم ولا يشعر به، فإن المناسبة، ما تقتضيه مصلحة عادة، والعادة مطردة في أن الإنسان لا يقنع بالنفي المحض، ووجهه بعض الجدليين: بأن العدم طرد، والتعليل بالطرد ممتنع، قال: ولو قال الشارع أثبت حكم كذا لعدم كذا كان للتأقيت بمعنى إذا انعدم فاعرفوا ثبوت الحكم لا للتعليل فإنه غير صالح للتعليل، وجوزه آخرون لجواز كون العدم مظنة لمعنى مناسب فصح أن يكون علته،
(3/216)

ووجهه الإمام في الرسالة البهائية بتوجيه حسن فقال: الوصف إذا كان ضابطاً لمصلحة يلزم حصول المفسدة عند ارتفاعها، فكان عدم ذلك الوصف ضابطاً لتلك المفسدة، فيكون ذلك العدم مناسباً للحرمة، قال المقترح، والصحيح الأول، لأن العدم لا يصلح أن يكون مظنة، لأنه إما أن يكون مطلقا ًأو مضافاً، فالعدم المطلق نسبته إلى كل الأحكام متساوية ضرورة، فلا مطمع في جعله مظنة لمعين وإن كان مضافاً وهو عدم أمر ما فهذا الذي قدر عدمه إن كان وجوده منشأ مصلحة فلا يناسب تعليق الحكم على عدمه، وإن كان وجوده منشأ مفسدة فهو تابع ولا بد من مقتضى، وإن لم يكن منشأ شيء فلا فرق بين وجوده وعدمه، ونبه على أنه ليس المراد بالوجود المشترط الذات المتحققة كما يريده الأصوليون، بل هو أمر تعليقي أو نسبي أو إضافي، إذا علمت هذا فنسبة المصنف المنع للإمام والجواز للآمدي معكوس وهو سبق قلم، فإن الإمام قال في (المحصول): يجوز التعليل بالعدم خلافاً لبعض الفقهاء، وقال الآمدي في (الإحكام): المختار أن العدم لا يصلح أن يكون علة بمعنى الباعث، وعول في دليله على أن العلة أمر وجودي، لأن (لا علة) أمر عدمي، ولا يقال: فالإمام اختار في المعالم المنع، لأنا نقول لم يختر الآمدي الجواز على أن في ثبوت الخلاف بينهما نظراً، لعدم تواردهما على محل واحد، فإن الإمام بناه على رأيه أن العلة بمعنى المعرف، وهو بهذا التفسير
لا ينبغي أن يقع فيه خلاف، إذ لا امتناع في أن يكون العدم علة للموجود، والآمدي بناه على أنها بمعنى الباعث.
(3/217)

وذكر ابن التلمساني بناء هذه المسألة على تخصيص العلة فمن منع التخصيص جوز هنا، ومن جوز التخصيص يقول العلة ضابط المصلحة والعدم لا شيء والمصلحة شيء.
تنبيه: أهمل المصنف أن يكون العدم جزءاً من العلة، وقد (ذكر هذا) ابن الحاجب والخلاف فيه كالخلاف في أصل المسألة، فلو قال: وأنه لا تكون عدما هي أو أجزاؤها، لكان أشمل، والعجب من المصنف كيف أسقط المسألة في (شرح المختصر) وهي ثابتة في (المختصر الكبير) و (الصغير)؟ وجعل أعني المصنف ما جعله ابن الحاجب دليلاً لهذه المسألة دليلاً لمسألة التعليل بالمحل وهو عجيب، وكلام ابن الحاجب في الكبير مصرح بخلافه.
(ص): والإضافي عدمي.
(3/218)

(ش): الوصف الإضافي: هو ما يعقل باعتبار غيره كالأبوة والبنوة والتقدم والتأخر والمعية والقبلية والبعدية، وسيأتي في المباحث الكلامية الخلاف في الإضافيات هل هي وجودية أو عدمية؟ فإذا قلنا عدمية وهو المختار، فهل يجوز التعليل بها؟ والعلة بمعنى الأمارة أم لا؟ فيه خلاف مفرع على الأمر العدمي هل يجوز أن يكون علة للأمر الوجودي أم لا؟ ووجه التفريع ظاهر فمن منع هناك منع هنا لاستوائها في العدم في الخارج، وإنما يفترقان (16/ك) في أن الإضافة وجودها ذهني فقط، أي موجود في الأذهان مقدرة في الأعيان، والأوصاف العدمية عدم مطلقاً في الذهن والخارج.
(ص): ويجوز التعليل بما لا يطلع (96/ز) على حكمته، فإن قطع بانتفائها في صورة فقال الغزالي وابن يحيى، يثبت الحكم فيها للمظنة وقال الجدليون: لا.
(ش): يجوز التعليل بما لا يطلع على حكمته لأنه لا يخلو عنها في نفس الأمر، وليس التعبدي عبارة عما لا علة له، بل عما لا نعلم علته، فينظر لذلك، وما لا تعقل فيه المناسبة نسميه أمارة، فإن قطع بانتفائها في بعض الصور: كاستبراء الصغيرة، فإن الاستبراء شرع لتيقن براءة الرحم وهو مفقود في الصغيرة، فقال الغزالي رحمه الله
(3/219)

وصاحبه محمد بن يحيى: يثبت له الحكم للمظنة، فإن الحكم قد صار معلقاً بها، وذهب الجدليون إلى أنه لا يثبت لانتفاء الحكمة فإنها روح العلة واقتصار المصنف في نقل الخلاف عمن ذكر هو باعتبار الممكن في نظر الأصوليين، وإلا فالخلاف في هذه المسألة ثابت بين الأصحاب فإنهم قالوا: يكره لمن قام من نوم وشك في طهارة يده غمسها في الإناء قبل غسلها ثلاثاً فلو تيقن طهارتها فلا يكره له الغمس قبل الغسل، وقال إمام الحرمين: يكره، وإن كان قد علق الغسل في الخبر على توهم النجاسة، وقال: يجوز أن يكون للتوهم ثم يعم ما وجد منه ذلك، وما عدم كالعدة شرعت لبراءة الرحم في موضع يعلم فيه البراءة قال الشاشي في (المعتمد)
(3/220)

والمذهب الأول، لأنه علق على علة، معلومة وهي توهم النجاسة، وما علق على معنى معلوم قصر عليه، ولا يلحق به ما لم يوجد المعنى فيه، هذا هو الأصل في العلل، قال: وقد أبعد المزني في تشبيهه بالعدة، وإلحاقه بالنجاسة المحققة أولى، فإنها تؤثر في المنع من غمس اليد في الإناء، ثم لا يثبت هذا الحكم فيه إذا كانت النجاسة متوهمة، أو يجعل توهم النجاسة كتحققها كما قال أحمد في المنع، ويلحق ذلك بالعدة، فإذا لم يلحق حال توهم النجاسة بالعدة في وجوب المنع فلأن يلحق حال تحقق الطهارة في الاستحباب بالعدة أولى، والعدة فيها ضرب من التعبد، وحال تحقق البراءة حالة نادرة فألحقت بالغالب، لعدم إمكان الضبط، وتيقن الطهارة ليس بنادر والأصل طهارة اليد انتهى، ومن أمثلة المقطوع بانتفائها أيضاً: ما لو قال أنت طالق في آخر حيضتك أو مع آخر حيضتك
فهل هو سني أو بدعي؟
(3/221)

وجهان:
أصحهما: سني ونسبه الإمام في النهاية للقياسين.
والثاني: بدعي قال الإمام: وهذا القائل يعتضد بالرجوع إلى التوقف بالتعبد. انتهى.
ومأخذ الأول: أن الحكم في تحريم طلاق الحائض تطويل العدة، وهو مقطوع بانتفائه في هذه الصورة فلا يثبت الحكم.
ومأخذ الثاني: أن الحكمة وإن انتفت فالعلة وهي الحيض ثابتة فيعلق بها، وليس معنى قول الإمام بالتعبد أنه لا علة له، ولا يخفى أن العلة الحيض فقد يكون الشيء متعبداً من وجه معقولاً من وجه، وطلاق الحائض من ذلك، فمن علقه بمسمى الحيض، فقد قضى بالتعبد من حيث إرادته الحكم على هذا الاسم سواء وجد معه تطويل العدة أم لا، وكل من تعلق بالمظنة شرط اشتمالها على الحكمة، وهذا هو الجاري على المعنى، واعلم أن أصحابنا ذكروا خلافاً في باب صلاة العيد أن ما فعله النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمعنى وزال هل تبقى سنيته أم لا؟ على وجهين كالرمل ونحوه، وليس هو هذا الخلاف المذكور هنا، لأنا حيث قلنا تبقى سنيته
(3/222)

فلا بد له من علة، وهو جار على قولنا: يجوز تعليل الحكم الواحد في حال بعلة وفي أخرى بغيرها.
(ص): والقاصرة منعها قوم مطلقاً، والحنفية إن لم تكن بنص أو إجماع والصحيح جوازها، وفائدتها معرفة المناسبة، ومنع الإلحاق، وتقوية النص، قال الشيخ الإمام: وزيادة الأجر عند الامتثال لأجلها.
(ش): العلة القاصرة وهي التي لم تتعد عن محل النص بل مقتصرة عليه إن عرفت عليتها بنص أو إجماع جاز التعليل بها، ونقل الاتفاق عليه جماعة منهم القاضي أبو بكر لكن القاضي عبد الوهاب طرد فيها الخلاف الآتي وإليه أشار بقوله: منعها قوم مطلقاً وإن عرفت عليتها بغيرهما كتعليل الربا في النقدين بجوهريتهما، فذهب الحنفية إلى بطلانها، وذهب الجمهور منهم الأئمة الثلاثة إلى
(3/223)

الصحة لأنها مناسبة للحكم فيصح، والمانعون قالوا: لو كانت صحيحة كانت مفيدة لكنها غير مفيدة، لأن الحكم في الأصل ثابت بغيرها، وليس لها فرع إذ هي قاصرة، وهذا منقوض بالقاصرة بنص أو إجماع، فإن الخصم وافق على تجويزه فلو صح ما قالوه كان النص عليها عبثاً، والإجماع عليها خطأ، وبأن الفائدة غير منحصرة فيما ذكرتم من إثبات الحكم بها، بل لها فوائد، فقول المصنف: فائدتها هو جواب عن سؤال الخصم وذكر لها أربع فوائد.
أحدها: معرفة حكمة الحكم فيكون أدعى إلى القبول والانقياد مما لا تعلم مناسبته، ونازع المقترح في هذه الفائدة بأن مشروعية حكم السببية لم يكن لذلك،
(3/224)

بل للتعريف فماذا ينفع النظر في فوائد لم يشرع لها الشيء.
ثانيها: أنها تفيد منع حمل الفرع على الأصل كما أن المتعدية تفيد إثبات الحمل فإنه إذا علمنا أنها قاصرة امتنع القياس عليه.
ثالثها: أنها تزيد النص قوة ويتعاضدان، ذكره القاضي أبو بكر وغيره، قال: وكذلك سبيل كل دليلين اجتمعا في مسألة، فيكون الحكم ثابتاً بالعلة والنص معاً، وينبغي أن يحمل هذا على ما إذا كان النص ظاهراً فيمكن أن يقال: إنها تقوي الظاهر وتعصمه من التأويل، فكأنها باقية في محل النصوصية منه متعدية إلى ما يقبل التأويل، أما إذا كان بقاطع فلا تقوية إذن، وقد صرح بذلك الإمام في (البرهان).
رابعها: إن المكلف يقصد الفعل لأجلها فيحصل له أجران: أجر قصد الفعل للامتثال وأجر قصد الفعل لأجلها فيفعل المأمور به لكونه أمراً وللعلة، ذكره والد المصنف،
(3/225)

وظهر بهذه الفوائد بطلان قول أبي زيد الحنفي، إنها لا تفيد علماً ولا عملاً.
(ص): ولا تعدى لها عند كونها محل الحكم (97/ز) أو جزأه الخاص أو وصفه اللازم.
(ش): علة الحكم إما محله الذي يثبت فيه أو جزء ماهيته الخاص، أو وصفه اللازم للموصوف.
فالأول: كقولنا: الذهب ربوي لكونه ذهباً، فإن علة ذلك الحكم ذلك المحل، وكذلك علة حرمة الخمر كونه معتصراً من العنب.
(3/226)

الثاني: كونه معتصراً فقط.
والثالث: كالنقدية في الذهب والفضة (17/ك) فإنه وصف لازم لهما، ومثله في (المستصفى) بالصغر يعني في الولاية عليه، وفيه نظر لأنه يزول بالكبر، فأشبه الشدة المسكرة في العروض، وهذه الثلاثة لا تكون إلا في العلة القاصرة، لاستحالة وجود خصوصية المحل أو جزئه الخاص أو وصفه اللازم له في غيره، وإما أن يكون جزء العام المشترك بينه وبين غيره لا يكون إلا في المتعدية، كتعليل إباحة البيع بكونه عقد معاوضة فعقد المعاوضة من حيث إنها جنسه جزء له لا يختص به، وعلم من كلامه جواز التعليل بمحل الحكم جزئه الخاص، وهو قول الأكثرين، وقال الهندي: الخلاف فيه مبني على جواز التعليل بالقاصرة، فإن جوز ذلك جوز هذا وإن منع منع، وقال الأصفهاني شارح (المحصول): ذهب
(3/227)

الأكثرون إلى جواز التعليل بالمحل وبجزئه، وقيل يمتنع فيهما، وقيل: يجوز بالجزء دون المحل ومختار الإمام: يجوز التعليل بالمحل في القاصرة دون المتعدية، وقد يقال: لا حقيقة لهذا المذهب، لأن العلة بالمحل هي القاصرة، وإطلاق الأول وإن أطلق فهو مخصوص بها فكيف يصح التفصيل.
(ص): ويصح التعليل بمجرد الاسم اللقب، وفاقاً لأبي إسحاق الشيرازي وخلافاً للإمام، وأما المشتق فوفاق، وأما نحو الأبيض فشبه صوري.
(ش): للتعليل بالاسم ثلاث صور:
أحدها: اسم اللقب، كما لو عللنا كون النقدين ربويين بأن اسمهما ذهب وفضة، قال الشيخ أبو إسحاق في (اللمع): يجوز أن يكون وصف العلة صفة كالطعم في البر واسماً كقولنا: تراب وماء، وقيل: لا يجوز أن يكون الاسم علة، وهو خطأ، لأن كل معنى جاز أن يعلق الحكم عليه من جهة النص، جاز أن يستنبط من النص، ويعلق الحكم عليه كالصفات والأحكام، وأما الإمام في (المحصول)
(3/228)

فقال: اتفقوا على أنه لا يجوز التعليل بالاسم كتعليل تحريم الخمر بأن العرب سمته خمراً، فإنا نعلم بالضرورة أن هذا اللفظ لا أثر له، فإن أريد به تعليله بمسمى هذا الاسم من كونه مخامراً للعقل، فذلك تعليل بالوصف لا بالاسم فتحصل طريقان:
أحدهما: القطع بالمنع.
والثانية: إثبات خلاف، والصحيح الجواز، وهو الذي صححه ابن السمعاني وغيره وقد استعمله الشافعي رضي الله عنه فقال في بول ما يؤكل لحمه: لأنه بول فأشبه بول الآدمي وذكر صاحب (الخصال) من الحنابلة: أن الإمام أحمد نص على التعليل به أيضاً.
الثانية: اسم اشتق من فعل كالسارق والقاتل فيجوز جعله علة، وحكاية المصنف فيه الاتفاق، ممنوع، ففي (التقريب) لسليم الرازي حكاية قول بمنع الاسم
(3/229)

مطلقاً لقباً ومشتقاً.
الثالثة: اسم اشتق من صفة كالأبيض والأسود، وقال ابن السمعاني فهذا من علل الاشتباه الصورية، فمن احتج بالشبه الصوري احتج به.
تنبيه: لك أن تسأل عن مسألة الفرق بين العلة القاصرة والتعليل بالمحل والتعليل بالاسم، والجواب: أن العلة القاصرة أعم من المحل لأن المحل ما وضع له اللفظ كالخمر والبر، والقاصرة وصف اشتمل عليه محل النص لم يوضع له اللفظ كالنقدية، فكل محل علة قاصرة وليس كل علة قاصرة محلاً، وأما الفرق بين المحل والاسم فقيل من وجهين.
أحدهما: أن المراد بالاسم الجامد الذي لا ينبئ عن صفة مناسبة، فيصح إضافة الحكم إليها بخلاف الخمر الدال على التخمير المناسب للتحريم، وهذا يشكل بالبر، فإنه يجوز التعليل به وهو جامد.
والثاني: أن يكون المراد التعليل بالتسمية نحو: حرمت الخمر لتسميتها خمراً، والتفاضل في البر لتسميته براً ونحوه، إذ التسمية لا تأثير لها بخلاف المعنى المستفاد من المحل بإشارة وتنبيه، وربما التفت الكلام ههنا إلى الاسم والمسمى، ثم قال: هما واحد أو متغايران، والمراد المسمى الذي هو مدلول الاسم فحكمه حكم سائر العلل، إن كان مؤثراً أو مناسباً علل به وإلا فلا، ومن أراد الاسم الذي هو اللفظ لم يعلل به قطعاً.
(3/230)

(ص): وجوز الجمهور التعليل بعلتين، وادعوا وقوعه وابن فورك والإمام في المنصوصة دون المستنبطة ومنعه إمام الحرمين شرعاً مطلقاً وقيل: يجوز في التعاقب، والصحيح القطع بامتناعه عقلاً مطلقاً للزوم المحال من وقوعه كجمع النقيضين.
(ش): يجوز تعليل الحكم الواحد نوعاً المختلف شخصاً بعلل مختلفة، وفاقاً، كتعليل إباحة قتل زيد بردته وعمرو بالقصاص، وخالد بالزنا، أما الواحد بالشخص فلا خلاف في امتناع تعليله بعلل عقلية، وأما بعلل شرعية كتحريم وطء الحائض المعتدة المحرمة، فعلى مذاهب:
أحدهما: وعليه الجمهور: جوازه مطلقاً ووقوعه فإن اللمس والبول والغائط والمذي يثبت بكل واحد منها الحدث، والقصاص والردة يثبت بكل منهما القتل، وكذلك إذا أرضعت صغيرة لبن زوجة أخيك وأختك، حرمت لكونك خالها وعمها دفعة، ويخرج المانع كل صورة على أنها أحكام متعددة كقولهم في القتل بأسباب: أن أشخاص القتل متعددة، وإن اتحد النوع بمحل، فإن القتل في صورة واحدة محال تعدده، إذ هو إزهاق الروح، وصورة العم والخال يدفع كل إشكال.
الثاني: المنع مطلقاً، واختاره الآمدي ونقله عن القاضي وإمام الحرمين.
(3/231)

والثالث: يجوز في المنصوصة دون المستنبطة وهو رأي الأستاذ ابن فورك، واختاره الإمام وأتباعه.
والرابع: يجوز عقلاً ولكنه يمتنع شرعاً، وهو ما نقله ابن الحاجب (98/ز) عن إمام الحرمين، وقال الصفي الهندي: إنه الأشهر عنه، يعني: بخلاف نقل الآمدي وعليه جرى المصنف، فإنه الموجود في (البرهان) حيث قال: ليس ممتنعاً عقلاً وتسويغاً، ونظراً إلى المصالح الكلية لكنه ممتنع شرعاً، وحاصله أنه جائز عقلاً لكنه لم يقع قط، وذكر أنه تصفح الشريعة فلم يجد ذلك، وقال: إن المختلفين في المسائل يختلفون في العلل كاختلافهم في الحكم كمسألة الربا هذا مع أنه في كتب الفروع قال في تدبير المستولدة: إنه يصح، ويكون لعتقها يوم موت السيد سببان، لكنه اعترف بأنه لا أثر لبقاء التدبير، وكأنه إنما منع اجتماع علتين معرفان أو مؤثران، فحيث لا يحصل التأثير لم يجتمع، وهل يجري هذا الخلاف في التعليل (18/ك) بعلتين سواء كانا متعاقبين
(3/232)

أو معاً، أو هو مختص بالمعية؟ كلام ابن الحاجب يقتضي الأول، والصواب عند المصنف الثاني، ولهذا ضعفه، بقوله: وقيل يجوز في التعاقب، واحتج عليه بأنه يلزم من شموله حالة التعاقب أن يكون في الأمة من يمنع أن اللمس والمس مثلاً ليسا بعلتين وإن وجد أحدهما بمفرده بل لا علة إلا واحد فقط، فلا يكون للحدث مثلاً غير علة واحدة، وهذا لا يقوله أحد، ثم الصحيح عند المصنف القطع بامتناعه عقلاً.
(ص): المختار وقوع حكمين بعلة إثباتاً كالسرقة للقطع والغرم، ونفياً كالحيض للصوم والصلاة وغيرهما، وثالثها: إن لم يتضاداً.
(ش): في تعليل الحكمين بعلة مذاهب:
أصحها: الجواز، سواء الإثبات كالسرقة، فإنها تناسب القطع زجراً للسارق حتى لا يعود، وتناسب التغريم جبراً لصاحب المال، وفي النفي كالحيض يناسب المنع من الصلاة والصوم وغيرهما من الأحكام كالطواف وقراءة القرآن، ومس المصحف.
(3/233)

والمذهب الثاني: المنع مطلقاً.
والثالث: الجواز إن لم يتضادا كالحيض لحرمة الصوم والصلاة دون ما إذا تضاداً، كما يكون مبطلاً لعقد مصححاً لآخر كالتأبيد في الإجازة والبيع.
(ص): ومنها أن يكون ثبوتها متأخراً عن ثبوت حكم الأصل خلافاً لقوم.
(ش): أي: من أهل العراق كما قاله القاضي عبد الوهاب كما يقال فيما أصابه عرق الكلب: أصابه عرق حيوان نجس فيكون نجساً كلعابه فيمنع كون عرق الكلب نجساً فيقال: لأنه مستقذر، فإن استقذاره إنما يحصل بعد الحكم بنجاسته وقال الهندي: الحق الجواز إن أريد بالعلة المعرف، وإن أريد بها الموجب أو الباعث فلا.
(ص): ومنها أن لا تعود على الأصل بالإبطال.
(3/234)

(ش): لأن العلة فرع هذا الحكم، والفرع لا يرجع إلى إبطال أصله، وإلا يلزم أن يرجع إلى نفسه بالإبطال، ولهذا ضعف مأخذ الحنفي في تأويله حديث: ((في أربعين شاة شاة))، أي: قيمة شاة، لأن القصد دفع الحاجة بالشاة أو القيمة، فإنه يلزم منه أن لا تجنب الشاة عينا فإن غير الشاة ليست بشاة، قال السهروردي: وأنصف أمير المتأخرين، يعني: الغزالي رحمه الله، فقال: ليس هذا دافعاً للنص وإنما يلزم أن لو جوزوا الترك مطلقاً إما إلى بدل فلا تخرج الشاة عن كونها واجبة، فإن من أدى خصلة من خصال الكفارة المخير فيها فقد أدى واجباً وإن كان الوجوب يتأدى بغيرها، فهذا موضع الوجوب لا إسقاط له، وأما تخصيص الشاة بالذكر فيجوز أن يكون لكثرة الوجود عندهم، كتخصيصهم الاستنجاء بذكر الحجر مع الجواز بالمدر، أو لسهولة الأداء على المالك، قلت: فيه رفع للنص من حيث إبطال تعلق الزكاة
(3/235)

بالعين، ونقلها إلى الذمة، ولئن سلم أنه لا يتضمن الإبطال لكنه يتضمن التغيير ولا يجوز تغير حكم النص بعلته لا سيما ومبنى الزكاة على التعبد.
(ص): وفي عودها بالتخصيص لا التعميم قولان.
(ش): الخلاف في عودها بالتخصيص ليس هو الخلاف في تخصيص العموم بالقياس كما توهمه بعضهم، لأن ذلك في قياس نص خاص إذا قابل عموم نص آخر، وهذا معناه أن العلة المستنبطة من أصل عام من كتاب أو سنة، هل يشترط أن لا تعود على أصلها بالتخصيص؟ فيه قولان للشافعي رضي الله عنه مستنبطان من اختلاف قوليه في نقض الوضوء بلمس المحارم.
أحدهما: لا ينقض نظراً إلى أن العلة مظنة الاستمتاع لا سيما إذا فسر الملامسة في الآية بالجماع فهذه العلة عادت على الأصل بالتخصيص.
والثاني: ينتقض تمسكاً بالعموم، وكذلك ورد النهي عن بيع اللحم
(3/236)

بالحيوان، وعمومه يقتضي عدم الفرق بين المأكول وغيره، والمعنى يقتضي تخصيصه بالمأكول لأنه بيع الربوي بأصله وما ليس بربوي لا مدخل له في النهي وللشافعي رضي الله عنه في بيعه بغير المأكول قولان مأخذهما هذا الأصل، والأصح المنع تمسكاً بالعموم وإنما لم يرجح شيئاًَ من القولين لأن الأصحاب لم يطردوا فيه ترجيحاً بل في بعض الصور يخصونه بالمعنى كالمحارم، وفي بعضها لا يخصونه كاللحم بالحيوان، وذكر الهندي في (الرسالة السيفية) أن القولين هما القولان في تخصيص العلة فقال: ما استنبط من الحكم يجب أن لا يبطله بالكلية لأنه فرعه، وإن اقتضى تخصيصه ففيه خلاف مبني على تخصيص العلة لأن التخصيص مناف، والفرع لا ينافي أصله ثم قال: قيل المستنبطة لا يجوز أن تكون مخصصة للكتاب والسنة المتواترة وهو بناء على أنه لا يجوز تخصيصهما بالقياس ومذهبنا صحته، وذكر في موضع آخر أن ما ثبت علته بالإيماء وهو ترتيب الحكم على الوصف لا يجوز أن يستنبط منه تخصيص الحكم قطعاً، وإن جوز ذلك في غيره وهو مصرح بتخصيص الخلاف بالعلة المنصوصة، وجزم في (المستصفى) بأن العلة إذا عكرت على الأصل بالتخصيص لا تقبل، واستثنى ما إذا سبق المعنى إلى الفهم فيجوز أن
(3/237)

يكون قرينة مخصصة للعموم، قال: أما المستنبطة بالتأمل ففيه نظر، وأما عودها (99/ز) على الأصل بالتعميم فمحل وفاق، وهو غالب الأقيسة، كاستنباط ما يشوش الفكر من قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا يقضي القاضي وهو غضبان)) قال القاضي أبو الطيب الطبري: وأجمعوا على أنه ليس لنا علة تعود على أصلها بالتعميم إلا هذا المثال وذلك جائز بالإجماع وفيما قاله نظر.
(ص): وأن لا تكون المستنبطة معارضة بمعارض مناف موجود في الأصل، قيل: ولا في
(3/238)

الفرع.
(ش): من الشروط إذا كانت مستنبطة أن لا تكون معارضة بمعارض مناف موجود في الأصل صالح للعلية ليس موجوداً في الفرع، فإنه متى كان للأصل وصفان متعارضان يقتضي كل منهما نقيض حكم الآخر لم يصح إعمال واحد منهما إلا بترجيح، ومثاله قول الحنفية، في التبييت: صوم عين فيؤدى بالنية قبل الزوال كالنفل فنقول: صوم فرض فيحتاط فيه ولا يبنى على السهولة، قيل: ولا في الفرع أي ويشترط أيضاً (19/ك) أن لا يكون في الفرع وصف معارض، وإلا فمتى عورضت لم يثبت الحكم لأنه من حيث إنه معارض مناف يلحقها بأصل آخر مثله في مسح الرأس: ركن في الوضوء فيسن تثليثه كغسل الوجه، فيعارض الخصم فيقول: مسح فلا يسن تثليثه كالمسح على الخفين، وإنما قيد المعارض بالمنافي مع أن التعارض ظاهر في المنافي تحقيقاً، لأنه المراد هنا خلافاً لما ظن أن المراد به الإتيان بوصف آخر لا ينافي، وهو باطل فإنه لو كان المراد بالمعارض هنا غير المنافي لم يمتنع اجتماعهما، ويكونان علتين، وقد صرح المصنف بأن المعارض لا يكون منافياً فيما بعده، بقوله: والمعارض هنا وصف صالح إلى آخره، بقي أن قوله: قيل: ولا في الفرع يقتضي أن الراجح خلافه، ولا ينافيه قوله فيما سبق في شروط الفرع تقبل المعارضة على المختار، وذلك أن القول بأنه شرط في العلة: أن لا يعارض مستنبطها في
(3/239)

الفرع ضعيف عنده، وإليه أشار بقوله: وقيل: وهذا لأن انتفاء التعارض في الفرع شرط ثبوت حكم العلة فيه لا شرط صحة العلة في نفسها، فإنها في نفسها يجوز أن تكون صحيحة سواء ثبت الحكم في الفرع أم تخلف لسبب من الأسباب اقتضى تخلفه، فمن ادعاه شرطاًَ للعلة نفسها فقد وهم، وأما قبول المعارضة في الفرع فحق لأن ذلك دافع لغرض المستدل فكان قبوله والانفصال عنه حقاً، والحاصل أن انتفاء المعارض في الفرع شرط ثبوت الحكم لا شرط صحة العلة، فليس من قوادح العلة في شيء، وإن كان من قوادح القياس، قال المصنف: وليس في الكتاب أشكل من هذه المسألة،
قال: وفي الحقيقة قولنا هناك وتقبل المعارضة جواب سؤال مقدر وتقديره: إذا لم يشترط نفي المعارض في الفرع فهل تقبل المعارضة؟ وتقرير الجواب نعم تقبل لا لكونها قدحاً في العلة، بل لكونها قدحاً في القياس.
(ص): وأن لا تخالف نصاً أو إجماعاً.
(ش): لأنهما أولى من القياس ومثال مخالفة النص قول الحنفي: المرأة مالكة لبضعها فيصح نكاحها بغير إذن وليها قياساً على بيع سلعتها فهذه علة مخالفة
(3/240)

نص قوله عليه الصلاة والسلام: ((إيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل)) ومثال الإجماع: قياس صلاة المسافر على صومه في عدم الوجوب بجامع السفر الموجب للمشقة، فهذه علة مخالفة للإجماع.
(ص): ولا تتضمن زيادة عليه إن نافت الزيادة مقتضاه وفاقاً للآمدي.
(ش): أي زيادة على النص (بأن يكون النص) دالاً على علية وصف، ويزيد الاستنباط على ذلك الوصف قيداً، ثم منهم من أطلق ذلك، وقال الآمدي: إنما يشترط إذا نافت الزيادة مقتضى النص، واختاره المصنف، وقال الهندي: إنما يتجه الأول لو كانت الزيادة على النص نسخاً، وليس كذلك.
(3/241)

(ص): وأن تتعين خلافاً لمن اكتفى بعلية مبهم مشترك.
(ش): ذهب بعضهم إلى أنه يجوز الإلحاق بمجرد الاشتراك في وصف عام أو مطلق كقول عمر رضي الله عنه: (اعرف الأشباه والنظائر وقس الأمور برأيك) قالوا: ويكفي في كون الشيء شبهاً للشيء الاشتراك في وصف واحد قال الهندي وأطلق الجماهير على فساده لإفضائه إلى التسوية بين العامي والمجتهد في إثبات الأحكام الشرعية في الحوادث لأن ما من عامي جاهل بغرض إلا ويعلم أن هذا النوع أصل من الأصول في وصف عام وقد أجمع السلف على أنه لا بد في الإلحاق من الاشتراك بوصف خاص فإنهم كانوا يتوقفون في الحادثة ولا يلحقونها بأي أصل اتفق بعد عجزهم عن إلحاقها بما شاركها في وصف خاص.
(ص): وأن لا تكون وصفاً مقدراً وفاقاً للإمام.
(3/242)

(ش): مثاله أن يقول: جواز التصرف نحو البيع والهبة والوقف والإعتاق معلل بالملك، ولا وجود له حقيقة ولا تقديراً فيكون عدماً محضاً، وهو ممتنع فيكون الملك معنى مقدراً وشرعياً في المحل، أثره جواز التصرف المذكور، وما نقله المصنف عن الإمام صحيح وعبارته في (المحصول): الحق أنه لا يجوز التعليل بالصفات المقدرة خلافاً للفقهاء العصريين، بل قال صاحب (تنقيح المحصول): أنكر المصنف وجماعة تصور التقدير في الشرع فضلاً عن التعليل به.
(3/243)

(ص): وأن لا يتناول دليلها حكم الفرع بعموم أو خصوصه على المختار.
(ش): مثال العموم قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((الطعام بالطعام مثلاً بمثل)) فإنه دال على علة الطعم، فلو قلنا: التفاح ربوي قياساً على البر بجامع الطعم، فإنه علة لهذا الحديث لم يصح، لأن النص يتناول التفاح بحكم العموم فلا يحتاج إلى القياس، ثم إنه قد يحكم بجعل البر أصلاً والتفاح فرعاً وليس هو بأولى من العكس، ومثال الخصوص كما روي: ((من قاء أو رعف فليتوضأ)) فلو قيل في القيء خارج من غير السبيلين فينقض، كالخارج منهما، ثم استدل على أن الخارج منهما ينقض بهذا الحديث لم يصح، لأنه تطويل بلا فائدة.
(3/244)

(ص): والصحيح لا يشترط القطع بحكم الأصل.
(ش): شرط بعضهم في العلة أن تكون مستنطبة من أصل مقطوع بحكمه، وهو باطل، لأنه يجوز القياس على الذي ثبت حكمه بدليل ظني كخبر الواحد والبراءة الأصلية والعموم والمفهوم وغيرها.
(ص): ولا انتفاء مخالفة مذهب الصحابي.
(ش): شرط بعضهم ألا تكون مخالفة لمذهب الصحابي، وهو أيضاً باطل، لأنه ليس بحجة، وبتقدير كونه حجة فلا نسلم أرجحيته على القياس.
(ص): ولا القطع بوجودها في الفرع.
(ش): شرط بعضهم أن يعلم وجودها في الفرع على وجه القطع، وهو أيضاً باطلح= لأنه من جملة مقدمات القياس فجاز أن يكون ظنياً كغيره من المقدمات.
(ص): أما انتفاء المعارض فمبني على التعليل بعلتين.
(3/245)

(ش): قد سبق اشتراط انتفاء المعارض المنافي، وأما غير المنافي ففي اشتراطه خلاف مبني على التعليل بعلتين، صرح بذلك إمام الحرمين والآمدي وغيرهما، ثم شرع المصنف في بيان المراد بالمعارض غير المنافي (20/ك).
(ص): والمعارض هنا وصف صالح للعلية كصلاحية المعارض غير مناف، ولكن يؤول إلى الاختلاف كالطعم مع الكيل في الربا لا ينافي، ويؤول إلى الاختلاف.
(ش): أشار بقوله (هنا) إلى أن المعارضة تطلق ويراد بها شيئان.
أحدهما: الإتيان بوصف يقتضي مقابل ما اقتضاه المستدل، كما إذا اعتل بوصف يقتضي التحريم فعارضه بوصفه يقتضي الجواز، وهذا هو المراد بقوله فيما سبق: المعارضة في الفرع، بما يقتضي نقيض الحكم.
الثاني: الإتيان بعلة صالحة لأن يتعلق بها في الحكم كما صلحت علية المستدل، وينشأ الخلاف عنهما في الفرع لا في الأصل، وهو المراد بقوله هنا: وصف، أي يقابل وصف المستدل بوصف آخر صالح للعلية كصلاحية وصف المعارض غير مناف، أي: في الأصل، ولكن يؤول إلى الاختلاف، أي: بين المتناظرين في الفرع المعقود له مجلس المناظرة، وإيضاحه: أنهما إذا اتفقا مثلاً على كون البر ربوياً، واعتل أحدهما بالطعم، وبين وجه مناسبته كان للمعترض أن يقول: لا، تعلقت
(3/246)

بالكيل، وهو أيضاً مناسب، وبين ذلك، وإذا لاحت مناسبتهما، واحتج إلى أن التعليق بأحدهما وترك الآخر تحكم، فإذا قال الشافعي: التفاح ربوي، قياساً على البر بجامع الطعم، فللمعترض أن يقول: إن العلة غير الطعم، وجاز أن تكون الكيل، فلا يكون التفاح ربوياً، فآل اعتراضه إلى النزاع في الفرع، وليس من شرط المعارضة أن تأتي بوصف تكون مناسبته أو شبهه مساوياً لمناسبة أو لشبه في وصف المستدل، بل يجوز كونه دونه في المناسبة والشبه إذا اشتركا في أصل المناسبة والشبه، فلا يفهم من قوله: كصلاحية وصف المعارض أنه مساو له من كل وجه، بل المراد أصل المساواة في صلاحية التعليل.
(ص): ولا يلزم المعترض نفي الوصف عن الفرع، وثالثها: إن صرح بالفرق.
(ش): هل يلزم المعترض بيان نفي الوصف الذي عارض به الأصل عن الفرع؟ فيه مذاهب.
أحدها: لا يلزمه، وهو الصحيح.
والثاني: يلزمه لتنفعه دعوى التعليل به، إذ لولاه لم تنتف العلة في الفرع، وإذا لم تنتف ثبت الحكم فيه.
والثالث: يلزمه إن صرح المعترض بالفرق بين الأصل والفرع، لأنه إذا صرح به فقد التزمه فعليه الوفاء به، جرياً على قضية التزامه وإلا فلا وإنما قال المصنف: نفي
(3/247)

الوصف، ولم يقل: بيان نفي الوصف، كما عبر به ابن الحاجب وغيره، لنكتة حكاه عن والده رحمه الله وهي: النفي في اللغة له معنيان.
أحدهما: فعل الفاعل للنفي، تقول: نفيت الشيء فانتفى، وهذا هو أظهر المعنيين.
والثاني: نفس الانتفاء، تقول: نفيت الشيء هكذا سمع من اللغة، وعلى هذا المعنى الثاني يكون الإثبات والنفي نقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، ويكون المراد بالإثبات الثبوت كما أن المراد بالنفي الانتفاء، وأما إذا أردت بالنفي نفيك للشيء، وبالإثبات إثباتك له فيكونان ضدين لا نقيضين، لأنك لا تنفي ولا تثبت، إذا ثبت هذا فقوله: (نفي الوصف) أحسن من قوله: بيان نفيه، لأن ابن الحاجب أراد بالنفي الانتفاء وأظهر معنييه خلافه والمصنف أراد أظهر معنييه، فلذلك لم يحتج إلى لفظ بيان فكان أخصر وأحسن، ولا يقال: إن ابن الحاجب وغيره أراد بالنفي فعل الفاعل، لأنهم لو أرادوا ذلك لم يحتاجوا إلى لفظ بيان، بل كان حشوا.
(ص): ولا إبداء أصل على المختار.
(ش): أي: لا يلزم المعترض إبداء أصل يبين تأثير الوصف الذي هو
(3/248)

عارض به وشهد له بالاعتبار، كما تقول: العلة الطعم دون القوت بدليل الملح، لأن حاصل سؤاله نفي الحكم في الفرع لعدم العلة أو صد المستدل على التعليل بذلك الوصف لجواز تأثير هذا، وهو لا يدعي عليه ما أبداه حتى يحتاج إلى شهادة أصل.
(ص): للمستدل الدفع بالمنع والقدح وبالمطالبة بالتأثير أو الشبه إن لم يكن سبراً، وببيان استقلال ما عداه في صورة ولو بظاهر عام إذا لم يتعرض للتعميم.
(ش): للمستدل دفع المعارضة بوجوه:
أولها: منع وجود الوصف في الأصل فتقول مثلاً: لو عورض طعمية البطيخ بالكيل لا نسلم أنه مكيل، لأن العبرة بعادة زمن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان إذ ذاك موزوناً أو معدوداً.
ثانيها: القدح في الوصف بأنه يقول: ما ذكرت من الوصف خفي فلا يعلل به، أو غير منضبط، أو غير ظاهر، أو غير وجودي، ونحوه، والمراد هنا فساد العلة بطريق من طرق إفسادها، وليس المعنى به مطلق القدح في الدليل عليها، وإلا لم يعطفه على المنع مع أن المنع قدح، وكذلك المطالبة بالتأثير وما بعده، ومن هذا العطف يعلم أنه أراد قدحاً خاصاً، وأن اللفظ أطلق اختصاراً وهذان الجوابان يشملان التعليل بالمناسب والشبه والسبر وغيرها.
(3/249)

ثالثها: يختص (101/ز) بما إذا لم يكن الطريق الذي أثبت بها الوصف سبراً، وهو أن يطالبه بتأثير الوصف شبهاً كان أو مناسباً، أما إذا كان أثبت وصفه بطريق السبر والتقسيم فليس له أن يطالب المعترض بالتأثير، فإن مجرد الاحتمال كاف في دفع السبر، فعليه دفعه لتتم طريقة السبر.
رابعها: أن يبين المستدل أن ما عدا الوصف الذي عورض به مستقل في صورة من الصور، إما بظاهر من النصوص أو إجماع، فيمتنع لذلك أن يكون وصف المعترض عليه في موضع التعليل، لئلا يلزم إلغاء المستقل واعتبار غيره.
وقوله: إذا لم يتعرض للتعميم، قيد في هذا الرابع، أي: يشترط أن لا يتعرض للتعميم وإلا فتستحيل صورة المسألة، لأنه لو تعرض للتعميم لكان مثبتاً للحكم بالنص لا بالقياس، ويخرج عما نحن فيه، ويحصل بهذا اندفاع المعارضة بطريقين عامين وهما: المنع والقدح، وبطريق يختص بما إذا لم يكن القياس سبراً، وهو الثالث، وبطريق بشرط أن لا يتعرض فيه للتعميم (21/ك) لئلا تستحيل صورة المسألة وهو الرابع، وهذا هو السبر في إثباته بحرف الجر في الثالث والرابع حيث قال: وبالمطالبة وببيان وعدم إثباته في القدح.
(ص): ولو قال: ثبت الحكم مع انتفاء وصفك لم يكف إذا لم يكن معه
(3/250)

وصف المستدل، وقيل: مطلقاً وعندي أنه منقطع لاعترافه ولعدم الانعكاس.
(ش): لو قال المستدل: ثبت الحكم في صورة مع انتفاء هذا الوصف الذي عارضتني به فتارة يأتي بصورة مشتملة على الوصف الذي ادعى هو أنه العلة، وتارة يأتي بصورة لا تشتمل عليه فإن كان الأول فهو كاف، لأنه في الحقيقة قادح في وصف المعترض لعدم الانعكاس والعكس شرط بناء على منع تعدد العلل، وإن كان لم يكف، لأنه كما يفسد علية المعترض كذلك يفسد علية المستدل، لأن الانعكاس لازم لهما لوجدان الحكم بدون وصفهما، وعند المصنف المستدل ينقطع حينئذ بإيراد الصورة المشار إليها لاعترافه بعدم انعكاس علته، قال: وينقطع سواء منعنا التعليل بعلتين أو جوزنا، إذا منعناه فواضح، وأما إن جوزناه فلأنه بإيراده الصورة التي لم تشتمل إلا على وصف المعترض، ولا على وصفه، واعترف بأنها قادحة، وإلا لم يكن لإيراده إياها وجه، وقدحها في وصفه كقدحها في وصف المعترض سواء، فإذا قدح بها وصف المعترض كان معترفاً ببطلان وصفه، وذلك عين الانقطاع، وأشار بقوله: إذا لم يكن معه وصف المستدل إلى أنه يكفي إذا كان معه، فشمل كلامه الصورتين، وقوله: وقيل مطلقاً، يعني: قيل: إنه لا يكفي مطلقاً سواء اشتملت الصورة التي أوردها على وصفه أم لم تشتمل، وهذا ظاهر إطلاق ابن الحاجب حيث قال: ولا يكفي إثبات الحكم في صورة دونه لجواز علة أخرى.
(ص): ولو أبدى المعترض ما يخلف الملغى سمي تعدد الوضع، وزالت فائدة
(3/251)

الإلغاء ما لم يلغ المستدل الخلف بغير دعوى قصوره أو دعوى من سلم وجود المظنة ضعف المعنى خلافاً لمن زعمهما إلغاء.
(ش): لو أبدى المعترض أمراً آخر يخلف الوصف الذي ألغاه المستدل ويقوم مقامه سمي تعدد الوضع، لتعدد أصل العلة فإنها تعددت بأصلين، لأن المعترض أورد الوصف، فلما ألغاه، عوض بآخر وصار معللاً بكل منهما، كقولنا فيما إذا أمن العبد حربياً: أمان مسلم عاقل فصح كالحر، لأن الإسلام والعقل مظنتان لإظهار مصالح الإيمان، فيعترض المعترض بالحرية مدعياً أنها جزء العلة، فالعلة أمان المسلم العاقل الحر، لا المسلم العاقل فقط، فإن الحرية مظنة الفراغ للنظر فيكون النظر فيها أكمل، فلا يجوز قياس العبد على الحر فيلغيها المستدل بالمأذون له في القتال، فإن الحنفية وافقونا على صحة أمانه، فيقول المعترض: خلف الإذن الحرية في صورة المأذون، فإن الإذن مظنة لبذل الوسع في النظر إذ لا شاغل له، وقول المصنف: وزالت فائدة الإلغاء أحسن من قول ابن الحاجب: فسد الإلغاء، فإن الإلغاء لا يفسد بل هو صحيح، وإذا أتى المعترض بما يخلفه فذلك اعتراف منه بصحته ولن إتيانه بما يخلفه يزيل فائدته التي هي سلامة وصف المستدل، لأنه المعترض، وقوله: ما لم يلغ يشير إلى أن للمستدل إلغاء الخلف وإخراجه عن درجة الاعتبار بما بينا من الطرق، إلا طريقين:
أحدهما: عام لكل مستدل وهو دعوى أن الخلف الذي ذكره المعترض قاصر، فإن قصوره لا يخرجه عن كونه صالحاً للعلية، لجواز التعليل بالقاصرة ولكونها
(3/252)

للمتعدية، إذ لا ترجح العلة بتعديها، والخلاف فيها معروف، أما في التعليل بالقاصرة فسبق في القياس: وأما في أنه هل ترجح المتعدية أو القاصرة أو يستويان فذكره في باب التراجيح.
والثاني: خاص بمستدل سلم وجود المظنة، فلا يفيده، أن يقول: الوصف الثاني الذي عارضتني به ضعيف المعنى لأن ضعف معناه لا يضر بعد ثبوت المظنة التي بها التعليل.
وإلى الطريقين أشار بقوله: بغير دعوى قصوره أو دعوى من سلم وجود المظنة ضعف المعنى، أي: فإنه لا إلغاء بهذين و (ما) في قوله ما لم يلغ، مصدرية، أي: مدة إلغاء المستدل الخلف، وقوله خلافاً لمن زعمهما إلغاء، أي زعم أن دعوى القصور إلغاء، وهذا من قاله إما بناء على أن التعليل بالقاصرة باطل إذا كان يعتقد ذلك، أو على أنها دون المتعدية عند التعارض وأن رجحان وصف المستدل كان في دفع المعارضة، ورغم أن تسليم وجود المظنة لا يدفع الإلغاء لضعف المعنى، وهو مذهب ضعيف، وأشار بقوله: زعمهما إلغاء إلى أن أحداً لا يقول: إنهما غير إلغاء، ويجوز للمستدل ذكرهما، وإنما يجوز للمستدل ذكرهما ويجعلهما رافعين للخلف من يعتقدهما إلغاء،
(3/253)

فعاد الخلاف إلى أنهما هل هما إلغاء أو لا؟ فمن قال: هما إلغاء ادعاهما مفسدين للإلغاء، ومن قال: ليس بإلغاء لا يمكنه إلا دعوى عدم قبولهما لعدم فائدتهما.
(ص): ويكفي رجحان وصف المستدل بناء على منع التعدد.
(ش): سبق أنه لا يشترط في الوصف المعارض كونه مساوياً لوصف المستدل بل يكفي اشتراكهما في أصل المناسبة أو الشبه، نعم إذا عارض بوصف (102/ ز) لا يكون مساوياً من كل وجه فللمستدل الدفع بأن وصفه أنسب وأخيل أو أكثر شبهاً إن كان القياس شبهاً، ويكفي رجحان وصف المستدل على وصف المعترض في دفع المعارضة، وهذا قاله (22/ك) المصنف بناء على اختياره منع تعدد العلل فمتى كان وصفان صالحان للعلة تعلقنا بأولاهما وحذفنا الآخر عن درجة الاعتبار، وأما ابن الحاجب فاختار أنه لا يكفي حيث قال: ولا يكفي رجحان المعين، أي: لا يكفي في جواب المعارضة كون الوصف المعين راجحاً على وصف المعترض وذلك بناء منه على جواز اجتماع علتين على معلول واحد، فكل منهما جرى على أصله.
(ص): وقد يعترض باختلاف جنس المصلحة وإن اتحد ضابط الأصل والفرع.
(ش): كقولنا في اللائط، أولج فرجاً في فرج مشتهى طبعاً محرم شرعاً فحد
(3/254)

كالزاني، فيقال: الضابط وإن كان متحدا ًلكن الحكمة مختلفة، إذ حكمة الفرع الصيانة عن رذيلة اللواط، وفي الأصل دفع محذور الأنساب فقد يتفاوتان في نظر الشرع فيناط الحكم بإحدى الحكمتين دون الأخرى، وعلم من ذكر المصنف القدح باختلاف جنس المصلحة هنا أنه ضرب من المعارضة في الأصل لأنه أبدى، خصوصية فيه كأنه قال: بل العلة ما ذكرت مع كونه مؤدياً إلى اختلاف الأنساب واستغنى المصنف بذكر تعدد الوضع واختلاف جنس المصلحة هنا عن ذكرها في القوادح.
(ص): فيجاب بحذف خصوص الأصل عن الاعتبار.
(ش): أي بطريق من الطرق، فتكون العلة القدر المشترك، أو يبين أن حكم الفرع مثل حكم الأصل أو أكثر كما في مسألتنا فإن الزنا وإن أدى إلى ضياع المولود المؤدي إلى انقطاع النسل فاللواط يؤدي إلى عدم الولادة بالكلية.
(ص): وأما العلة إذا كانت وجود مانع أو انتفاء شرط فلا يلزم وجود المقتضى وفاقاً للإمام وخلافاً للجمهور.
(ش): وإذا كانت العلة لانتفاء الحكم، وجود مانع كعدم وجوب القصاص على الأب لمانع الأبوة.
(3/255)

أو انتفاء شرط كعدم وجوب الرجم لعدم الإحصان الذي هو شرط وجوب الرجم، لم يلزم وجود المقتضى، وهو اختيار الإمام في المحصول وأتباعه لم يتصور لأن التعليل بالمانع لا نتصوره فضلاً عن أن يكون مشروطاً ببيان وجود المقتضى أم لا وهو في هذا البناء متابع للإمام وفيه نظر، فقد يقول المانع من تخصيصها ما تسمونه بالمانع هو مقتضى عندي للحكم بالعدم، فالقتل المكافئ في غير الأب هو من العلة في إيجاب القصاص وقتل الأب بخصوصه هو المقتضى لعدم الإيجاب، ويعود الخلاف عند التحقيق لفظياً.
(ص): مسالك العلة: الأول الإجماع.
(ش): المراد بالمسالك الطرق الدالة على أن الوصف علة، وقدم الإجماع على
(3/256)

النص تبعاً للبيضاوي، لأنه مقدم عليه في العمل وقدم ابن الحاجب وغيره النص وهو الأولى لأنه أصل الإجماع فإذا أجمعوا على علية وصف إجماعاً قطعياً أو ظنياً تثبت علته، مثاله قوله عليه الصلاة والسلام ((لا يقضي القاضي وهو غضبان)) قال القاضي أبو الطيب: أجمعوا أن النهي فيه لأن الغضب يشغل قلبه.
(3/257)

(ص): الثاني النص الصريح مثل: العلة كذا، فلسبب، فمن أجل، فنحو: كي وإذن.
(ش): المراد بالنص هنا ما دل عليه من الكتاب والسنة على العلية وهو قسمان: صريح وعبر عنه البيضاوي بالقاطع، وهو ما يدل بالوضع على العلية من غير احتياج فيه إلى نظر واستدلال، وله ألفاظ منها: لعلة كذا أو بسبب كذا أو لأجل كذا كقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((إنما جعل الاستئذان من أجل البصر)).
ومنها (كي) لقوله تعالى: {كي لا يكون دولة} أي: إنما وجب تخميسه كي لا يتداوله الأغنياء منكم فلا يحصل للفقراء شيء، ومنها: إذن لقوله عليه
(3/258)

الصلاة والسلام لأبي بن كعب وقد قال له أجعل لك صلاتي كلها قال ((إذن يغفر الله لك ذنبك كله)) وجعل ابن السمعاني لأجل وكي دون ما قبلهما في الصراحة، فلهذا أتى المصنف بفاء التعقيب المشعرة بتراخي الرتبة.
(3/259)

(ص): والظاهر كاللام ظاهرة فمقدرة نحو إن كان كذا، فالباء فالفاء في كلام الشارع فالراوي الفقيه فغيره.
(ش): الثاني من قسمي النص الظاهر وهو ما يحتمل غير العلية احتمالاً مرجوحاً، وله ألفاظ منها: اللام وهي إما مظهرة كقوله تعالى: {كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور} وإنما لم يكن صريحاً لاحتمال الاختصاص والملك وغيره، وإما مقدرة نحو: أن كان كذا بفتح أن كقوله: {عتل بعد ذلك زنيم أن كان ذا مال وبنين} لأن ذلك في تقدير اللام فهي في الحقيقة لام مقدرة، ولهذا جعلها المصنف بعد رتبة المظهرة، ومنها الباء كقوله تعالى: {جزاء بما كانوا يعملون} وإنما لم يكن صريحا لمجيئها لغير التعليل ومنها: ترتب الحكم على العلة بحرف الفاء لأنها ظاهرة في التعقيب، ويلزم من ذلك العلية غالباً لأنه لا معنى لكون الوصف علة إلا ما ثبت الحكم عقبه، وترتب عليه، وإنما لم
(3/260)

تكن صريحاً لأنها قد ترد بمعنى الواو، وقد تجئ للتعقيب من غير علة ثم هي ضربان.
أحدهما: أن تدخل الفاء على العلة فيكون الحكم مقدماً كقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المحرم الذي وقصته ناقته: ((لا تمسوه طيباً ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً)) متفق عليه، وهذا أولى من تمثيل ابن الحاجب بقوله: فإنهم يحشرون فإنه لا يحفظ بهذا اللفظ.
وثانيهما: أن تدخل على الحكم في كلام الشارع كقوله تعالى {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} أو في كلام الراوي مثل (سها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسجد).
وسواء كان الراوي فقيهاً أو غيره لكن هي في كلام الفقيه أقوى ممن ليس
(3/261)

بفقيه، كما أن الفاء في كلام الشارع أقوى دلالة على العلية منه، في كلام الراوي لتطرق احتمال الخطأ إليه، وهذا الترتيب مستفاد من تعقبة المصنف بينهن بالفاء، وجعل ابن الحاجب دلالة هذه الأقسام من باب الصريح، وخالفه المصنف، وقال ترتيب الحكم على الوصف (23/ك) بحرف الفاء يفيد العلية بوضع اللغة، ولم تضع العرب ذلك دالاً على مدلوله بالقطع والصراحة بل بالإيماء والتنبيه، وإنما يجعله صريحاً لتخلفه في بعض محاله عن أن يكون إيماء (301/ز) وهو حيث تكون الفاء بمعنى الواو فكانت دلالته أضعف ويقوي كلام ابن الحاجب إذا كان فيه صريح شرط أو معنى شرط كالنكرة الموصوفة، والاسم الموصول فإنه لا يمكن حمل الفاء فيهما على الواو العاطفة إذ العطف لا يحسن قبل تمام الجملة، ومن هنا يظهر لك أنه لا يصح تمثيلهم الظاهر بقوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا} ((أحيا أرضاً ميتة فهي له)) لأن الأول فيه معنى الشرط، والثاني
(3/262)

صريحه فيكون نصاً في اعتبار الوصيف المذكور، نعم جعل ابن الحاجب: سها فسجد، وزنا ماعز فرجم من أمثلة الصريح، وهذا ليس بمسلم له، على أنه قد
(3/263)

يقال في الأول: وإن كان نصاً في الاعتبار فليس نصاً في الاستقلال، بل يجوز أن يعتبر جزاء آخر لم يذكر كقوله تعالى {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا} والقيام لا يستقل بالوجوب بدون الحدث ولكن قوله تعالى {والسارق والسارقة فاقطعوا} والسرقة لا تستقل بالوجوب نعم هو ظاهر في الاستقلال أو هو الأصل في الاتباع، والفاء في اللسان متبعة الثاني للأول وإنما يكون ذلك حقيقة عند الاستقلال
تنبيه: أطلقوا أن هذه الصيغ من قسم الظاهر، وهو باعتبار الأصل، لكن قد يدل بالصريح، وذلك فيما إذا تعذر حملها على غير التعليل في بعض المواضع لدليل خاص فتصير نصاً في التعليل، ذكره بعض الجدليين، قال: لذلك يكون حملها على غير التعليل يؤدي إلى حمل كلام الشارع على الركيك المستهجن، فحينئذ لا يحمل عليه ويصير نصاً في التعليل قلت: وكذا إذا كان فيه صريح شرط أو معناه كما سبق.
(ص): ومنه إن وإذا وما مضى من الحروف.
(ش): تجيء إن للتعليل كقوله تعالى: {إنك إن تذرهم يضلوا عبادك} وقوله عليه الصلاة والسلام ((الثلث والثلث كثير إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير)) وقد
(3/264)

أنكر التبريزي في (التنقيح) مجيئها للتعليل وسبقه إليه ابن الأنباري، ومما لم يذكره الأصوليون (إذا) قال ابن مالك: تجيء حرفاً للتعليل، كقوله تعالى: {وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف} {اذكروا نعمة الله عليكم
(3/265)

إذ جعل فيكم أنبياء} ومنها حروف أخر سبقت في فصل الحروف فلتراجع.
(ص): الثالث الإيماء وهو اقتران الوصف الملفوظ، قيل أو المستنبط بحكم ولو مستنبطاً، لو لم يكن للتعليل هو أو نظيره كان بعيداً.
(ش): الإيماء وهو الإشارة إلى التعليل: عبارة عن اقتران الوصف بحكم لو لم يكن للتعليل هو أي وصف أو نظيره كان ذلك، أي ذلك الاقتران بعيداً من الشارع تنزه عنه فصاحته، والوصف ستأتي أمثلته، والتقدير في النظير، لمن سألته الحج عن أبيها: ((أرأيت لو كان عليه دين فقضيته أكان ينفعه؟)) قالت: نعم
(3/266)

فنظيره في السؤال كذلك وفيه تنبيه على الأصل الذي هو دين الآدمي، والفرع
(3/267)

وهو الحج الواجب عليه، والعلة هي قضاء دين الميت، وأشار بقوله، قيل إلى أنه لا خلاف في إفادته العلية إذا ذكر الوصف والحكم معاً، فإن ذكر الحكم صريحاً والوصف مستنبط كما في أكثر العلل المستنبطة نحو: ((لا تبيعوا البر بالبر)) أو بالعكس، أي: ذكر الوصف صريحاً والحكم مستنبط، مثل: {وأحل الله البيع وحرم الربا} فإن الوصف الذي هو حل البيع مصرح به، والحكم وهو الصحة غير ملفوظ به، بل مستنبط من الحل، فإنه يلزم من حله صحته فاختلفوا على مذاهب: ثالثها، واختاره الهندي: أن
الأول: وهو التلفظ بالوصف، إيماء إلى تعليل الحكم المصرح به لا العكس، بل ادعى بعضهم الاتفاق على أن الثاني: ليس بإيماء ومال إليه الهندي، وقال: الخلاف فيه بعيد لفظاً ومعنى، لأنه يقتضي أن تكون العلة والإيماء متلازمين، لا
(3/268)

ينفك أحدهما عن الآخر.
(ص): كحكمه بعد سماع وصف، وكذكره في الحكم وصفاً لو لم يكن علة لم يفد، وكتفريقه بين حكمين بصفة مع ذكرهما أو ذكر أحدهما أو شرط أو غاية أو استثناء أو استدارك، وكترتيب الحكم على الوصف، وكمنعه مما قد يفوت المطلوب.
(ش): الإيماء على خمسة أوجه:
أحدها: أن يحكم عقب علمه بصفة المحكوم عليه، وقد انتهى إليه المحكوم عليه حاله، كقول الأعرابي، واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال: ((أعتق رقبة)) رواه ابن ماجه وأصله في الصحيح فإنه دليل أن الوقاع علة للتكفير كأنه قال: إذا واقعت فكفر أو أعتق رقبة لكونك واقعت، إذ الأمر بالعتق ابتداء من غير ترتيب
(3/269)

بعيد، وقد ثبت أن الوصف إذا رتب عليه الحكم في كلام الشارع بفاء التعقيب تحقيقاً، فإنه يكون علة، فكذلك، إذا رتب عليه بالفاء تقديراً.
ثانيها: أن يذكر الشارع في لفظه وصفاً لو لم يكن علة فيه لم يكن لذكره فائدة، فيدل على عليته إيماء، وإلا كان ذكره عبثاً، كقولك: إنك تدخل على بني فلان وعندهم هرة، فقال عليه الصلاة والسلام: ((إنها ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم والطوافات)) وفي هذا الحديث جهتان يدلان على التعليل بما ذكرنا وتقديره: فإن.
(3/270)

ثالثها: أن يفرق صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين شيئين في الحكم إما بذكر صفة فاصلة، فهو تنبيه على أن الوصف الفاصل هو الموجب للحكم الذي عرف به المفارقة، ثم تارة يذكر القسمان كقوله: ((للفرس سهمان، وللراجل سهم)) رواه البخاري وتارة يقتصر على ذكر أحدهما مثل: ((القاتل لا يرث)) رواه الترمذي فإنه تقرر أن القريب وارث، فإذا بان أن القاتل لا يرث علم أن القتل هو
(3/271)

العلة في نفي الإرث، وإما أن يفرق بينهما بصيغة الشرط كقوله: إذا اختلف الجنسان، أو الغاية كقوله تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} أو الاستثناء {فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون} أو الاستدراك كقوله تعالى (24/ك) {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} فدل على أن التعقيد علة المؤاخذة، والمعتمد في هذا النوع على أنه لا بد للتفرقة من فائدة، وجعل الوصف سبب التفرقة فائدة، والأصل عدم غيره.
(3/272)

رابعها: ترتيب (104/ ز) الحكم على الوصف، كذا أطلق المصنف، وفي (المنهاج) قيده بالفاء، وحسن ذلك منه، لأنه لم يذكر الفاء في قسم النص، وابن الحاجب ذكر الفاء في قسم النص، وجعل هذا من الإيماء لكن عبر عنه بقوله: ذكر وصف مناسب مع الحكم، ومثله بقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((لا يقضي القاضي وهو غضبان)) فإنه فيه إيماء إلى أن الغضب علة، لأنه يشوش الفكر، والأحسن في هذا المقصود عبارة ابن الحاجب، والفرق بين العبارتين أن الوصف تارة يعتبر من جهة خصوصه، وتارة من جهة عمومه، وأن يشتغل تارة بكون الوصف مذكوراً، وتارة لا يكون.
فالأول: هو المعبر عنه بترتيب الحكم على الوصف، وقد سبقت أمثلته، والوصف فيها كلها مذكور، ولهذا جعلت من قسم الظاهر الملفوظ به.
والثاني: هو المعبر عنه بذكر الوصف المناسب مع الحكم فإنه يشعر بأن الغضب علة لكيلا، نعلم أن خصوص كونه غضباً لا مناسبة فيه، فيلزم أن يكون معتبراً من جهة عمومه، وهو كونه مشوشاً للفكر، وهذا الوصف غير مذكور لكنه مناسب، فيلزم أن يلحق به ما في معناه من الجوع والعطش وغيرهما: وظهر بهذا أن العلة في الحقيقة إنما هي التشويش لا الغضب خلافاً لما وقع في عبارة كثير من الناس، وقال الإمام فخر الدين: لا ملازمة بين التشويش والغضب، لأن التشويش إنما ينشأ عن الغضب الشديد لا عن مطلقه، لأن مطلق الغضب لا يمنع، فلا يصح للدلالة على العلية،
(3/273)

والجواب: أن وصف الغضب مظنة التشويش الذي هو الحكمة، ولما كانت الحكمة التي هي تشويش الذهن غير منضبطة علق الحكم على مظنتها وهو الغضب كالسفر مع المشقة.
خامسها: إذا نهى عن فعل يمنع الإتيان به حصول ما تقدم وجوبه علينا، كان إيماء إلى أن علة ذلك النهي كونه مانعاً من الوجوب كقوله تعالى: {فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} فإنه لما أوجب السعي ونهى عن البيع مع علمنا بأنه لو لم يكن المنهي عنه، لمنعه من السعي الواجب لما جاء ذكره في هذا الموضع لكونه يخل بالفصاحة، دل على إشعاره بالعلة، وقال القرافي: إنه يستفاد من السياق فإن الآية لم تنزل لبيان أحكام البياعات بل لتعظيم شأن الجمعة.
(ص): ولا يشترط مناسبة المومئ إليه عند الأكثر.
(ش): في اشتراط المناسبة في صحة علل الإيماء مذاهب:
أحدها: يشترط مطلقاً، واختاره الغزالي رحمه الله لأن تصرفات العقلاء المستندة إلى التعليل لا تتعدى التعليل بالحكمة فلا يصح أكرم الجاهل وأهن العالم.
(3/274)

الثالث: واختاره ابن الحاجب أن فهم التعليل من المناسبة كما في قوله: ((لا يقضي القاضي وهو غضبان)) اشترطت المناسبة لامتناع فهم التعليل منه بدون فهم المناسبة، وإن لم يفهم التعليل منها لم يشترط الامتناع وجود المناسبة من غير فهم التعليل، واعلم أن هذا الخلاف إنما هو بالنسبة إلى أنه هل يشترط ظهور المناسبة، وإلا فلا بد منهما في نفس الأمر قطعاً للاتفاق على امتناع خلو الأحكام من الحكمة إما وجوباً أو تفضيلاً على الخلاف الكلامي.
(ص): الرابع: السبر والتقسيم، وهو: حصر الأوصاف في الأصل وإبطال ما لا يصلح فيتعين الباقي.
(ش): أي: العلية تسمى بذلك لأن الناظر في العلة يقسم الصفات ويختبر صلاحية كل واحدة منها للعلية، والسبر في اللغة: الاختبار، لا يقال: كان الأولى
(3/275)

أن يقول: التقسيم والسبر لأنه يقسم ثم يسبر، لأنا نقول: ما ذكره أولى، وقولكم يقسم إلى آخره صحيح لكنه ثاني سبر، لأنه يسبر المحل أولاً، هل فيه أوصاف أو لا؟ ثم يقسم ثم يسبر ثانياً، فيكون السبر والتقسيم علماً على السبر في الأصل، ويكون من القسمية بالمعطوف والمعطوف عليه.
(ص): ويكفي قول المستدل: بحثت فلم أجد، والأصل عدم ما سواها.
(ش): من طرق نفي العلة قول المستدل وهو أهل ثقة: بحثت فلم أجد سوى الأوصاف المذكورة، لأنه إذا كان عدلاً أهلاً للنظر غلب على الظن انتفاء ما سوى المذكور، أي: إلا أن يدل الدليل فإنه يحصل ظن الحصر فيما ذكره، فإن بين المعترض وصفاً آخر لزم المستدل إبطال كونه علة حتى يتم الاستدلال، هذا كله في حق المناظر، وحينئذ يكون الحكم بنفي وصف آخر مستنداً إلى الظن بعدمه لا إلى
(3/276)

عدم العلم به.
(ص): والمجتهد يرجع إلى ظنه، فإن كان الحصر والإبطال قطعياً فقطعي، وإلا فظني.
(ش): متى كان الحصر في الأوصاف، ودليل بعضها قطعياً فتعليل الناظر بالوصف الباقي، وحكم المجتهد قطعي، وقوله: وإلا يشمل صورتين: أن يكونا ظنيين أو أحدهما ظني والآخر قطعي، فتعليل المناظر بالوصف الباقي وحكم المجتهد به ظني.
(ص): وهو حجة للناظر والمناظر عند الأكثر، وثالثاً إن أجمع على تعليل ذلك الحكم وعليه إمام الحرمين ورابعها للناظر دون المناظر,
(ش): الضمير يرجع إلى أقرب مذكور، وهو الظني، فإنه متى كان الحصر والإبطال قطعياً كان دليلاً قطعياً بلا خلاف، وإنما اختلفوا في الظني على مذاهب:
أحدها: أنه حجة مطلقة لأنه يثير غلبة الظن، واختاره القاضي أبو بكر وقال: إنه أقوى ما تثبت به العلل.
والثاني: ليس بحجة مطلقاً وحكاه في (البرهان) عن بعض الأصوليين.
(3/277)

والثالث: حجة بشرط انعقاد الإجماع على تعليل حكم الأصل على الجملة واختاره إمام الحرمين، قال: فإذا أجمعوا على كون المحل معللاً فهنا يفيد السبر فإذا ما نفي علته أدى تقدير بطلانه وقد بطل غيره خطأ أهل الإجماع قيل له: فالقائسون بعض الأمة، قال: بل منكر القياس وليس من العلماء.
الرابع: أنه حجة للناظر دون المناظر (105/ز) واختاره الآمدي.
(ص): فإن أبدى المعترض وصفاً زائداً لم يكلف بيان صلاحيته للتعليل، ولا ينقطع المستدل حتى يعجز عن إبطاله.
(ش): إذا تم السبر بركنيه، وهو الحصر ظاهراً وإبطال سائر الأقسام، فللمعترض إبداء وصف آخر لم يدخل في حصر المستدل ويكفيه ذلك ولا يحتاج إلى بيان كونه علة أو صالحاً للتعليل، وعلى السابر إبطال التعليل به ولا يتم دليله إلا بذلك، وإلا فيحتمل أن تكون العلة ما أبداه المعترض، ولا يعد المستدل منقطعاً بمجرد بيان المعترض وصفاً آخر ما لم يعجز عن إبطاله، فإنه لم (25/ك) يدع القطع
(3/278)

بالحصر، بل جوز أن يكون ثم وصف آخر شذ عن سبره، فإذا ظهر فما لم يبطله لم يتعين ما استبقاه، وإنما لم يلزم من ذلك انقطاع المستدل فيما يقصده من التعليل بالوصف الباقي، إذ غايته منع مقدمة من مقدمات دليله، وقيل: ينقطع لأنه ادعى حصراً أظهر بطلانه، قال المصنف: وعندي أنه ينقطع إن كان ما اعترض به مساوياً في العلة لما ذكره في حصره وإبطاله لأنه ليس ذكر المذكور وإبطاله أولى من ذلك المسكوت عنه المساوي له، وإن كان دونه فلا انقطاع له لأن له أن يقول: هذا لم يكن عندي محتملاً البتة بخلاف ما ذكرته وأبطلته.
(ص): وقد يتفقان على إبطال ما عدا وصفين فيكفي المستدل التردد بينهما.
(ش): لو اتفق الخصمان على انحصار العلة في وصفين وإبطال ما عداهما لم يحتج المستدل إلى ذكر ما اتفقا على بطلانه في التقسيم، بل يردد بين الباقي ويثبت أن العلة أحدها، ولو قال: اتفقنا على أن هذا معلل، وأن العلة فيه أحد المعنيين، إما المعنى الذي ذكرته أنا الذي ذكرته أنت ومع علتي مرجح كذا، فقال القاضي أبو الطيب في مناظرته مع أبي الحسين
(3/279)

القدوري: لا يكفي، فإن اتفاقي معك على أن العلة أحد المعنيين لا يكفي في الدلالة على صحة العلة، لأن إجماعنا ليس بحجة، وإنما تنهض الحجة بإجماع الأمة، وقال القدروي: يكفي ذلك لقطع المنازعة.
(ص): ومن طرق الإبطال بيان أن الوصف طرد ولو في ذلك الحكم كالذكورة والأنوثة في العتق.
(ش): أي من طرق إبطال كون بعض الأوصاف علة بيان أن الوصف طردي من جنس ما علم من الشارع إلغاؤه إما مطلقاً، أي: في جميع أحكام الشرع، كالطول والقصر، فإنه لم يعتبره في القصاص، ولا في الكفارة، ولا الإرث، والعتق، ولا التقديم للصلاة ولا غيرها، فلا يعلل به حكم أصلاً، أو بالنسبة إلى ذلك الحكم كالذكورة في أحكام العتق، إذ هي ملغاة فيه مع كونها معتبرة في الشهادة والقضاء وولاية النكاح والإرث، فلا يعلل بها شيء من أحكام العتق وقد ينازع في هذا
(3/280)

بأن الشارع اعتبرها في حصول الأجر، فروى الترمذي: ((من أعتق عبداً مسلماً أعتقه الله من النار، ومن أعتق اثنين مسلمين أعتقه الله من النار)).
(ص): ومنها ألا تظهر مناسبة المحذوف ويكفي قول المستدل: بحثت فلم أجد موهم مناسبة، فإن ادعى المعترض أن المستبقى كذلك فليس للمستدل بيان مناسبته لأنه انتقال، ولكن يرجح سبره بموافقة التعدية.
(ش): من طرق الإبطال أن لا تظهر مناسبة الوصف المقصود حذفه بعد البحث، وإذا لم تظهر مناسبته سقط.
(3/281)

عن درجة الاعتبار، ويكفي أن يقول المناظر: بحثت فلم أجد مناسبة بينه وبين الحكم لغلبة الظن بذلك، فإن ادعى المعترض أن الوصف المستبقى كذلك، لأني بحثت فلم أجد مناسبة بينه وبين الحكم تعارضا، وليس للمستدل بيان مناسبته، لأنه حينئذ انتقال من السبر إلى المناسبة لكن المستدل يحتاج إلى إثبات مرجح يترجح به سبره على سبر المعترض بأن يبين أن سبره موافق لتعدية الحكم.
وسبر المعترض قاصر، وهو بناء على أن المتعدية أرجح من القاصرة وهو المختار، وقد نازع بعضهم في الترجيح، لأن المعترض إذا قال: بحثت عن المستبقى فلم أجد له مناسبة فلا يخلو، إما أن يتعرض إلى نفي مناسبة المحذوف أيضاً أو يسكت، فإن كان الأول كما هو ظاهر كلام ابن الحاجب فكل منهما سبر لمحذوف والمستبقى سبره المعترض فلم يجده مناسباً والمستدل لم يسبره فكيف يرجح عدم السبر على السبر أو سبر واحد على سبرين، وكل منهما يكفيه: بحثت فلم أجده مناسباً، ويمكن الجواب على ثبوت مقدمة وهو أنه لما ثبت أن الأحكام معللة، وكان سبر المستدل يؤدي إلى ثبوت العلة، ويتعدى الحكم إلى الفرع، وسبر المعترض يؤدي إلى قصور الحكم على محله لعدم ظهور علته، كان سبر المستدل أولى، وإن كان الثاني وهو
(3/282)

بيان عدم مناسبة المستبقى والسكوت، عن المحذوف، أو ادعى نقيضه للعلة، لأن المعترض حصر الأوصاف فقد تعارض السبران، فكيف يقدم سبر المستدل عليه، لا يقال: يمكن أن يكون الوصف المحذوف قاصراً والمستبقى متعدياً في سبر المستدل بخلاف المعترض فلذلك رجح سبر المستدل، لأنا نقول: المسألة عامة وهذا جزئي ولا يثبت الكلية بمثال جزئي.
(ص): الخامس: المناسبة والإخالة، ويسمى استخراجها تخريج المناط، وهو في الاصطلاح: تعيين العلة بإبداء مناسبة مع الاقتران والسلامة عن القوادح كالإسكار.
(ش): سميت بالإخالة لأنه بالنظر إليه يخال أنه علته أي: يظن، واستخراج المناط لأنه ابتداء ما نيط به الحكم، أي: علق عليه، وهو تعيين العلة، أي: في
(3/283)

الأصل بإبداء مناسبة بينها، وبين الحكم مع اقتران الحكم للوصف والسلامة عن القوادح، فخرج بقوله: بإبداء المناسبة تعين العلة بالطرد، وهو ما عدي عن المناسبة، وكذا تعينها (106/ز) بالشبه، وابن الحاجب قال: من ذاتية الأصل ليخرجه، فإن مناسبته بالتبع، وقوله: مع الاقتران قيد زائد، زاده على ابن الحاجب وهو لبيان اعتبار المناسبة لا لتحقيق ماهيتها بدليل قولهم: المناسبة مع الاقتران دليل العلية، ولو دخل الاقتران في ماهية المناسبة لما صح هذا، وتمثيله بالإسكار في تحريم الخمر فإن تحريمه منصوص، وعلته غير منصوص عليها، ولكن استنبطها الأئمة بالنظر والاجتهاد، فإن الإسكار لكونه مزيلا للعقل المطلوب حفظه يناسب التحريم وألحقوا به النبيذ، وهذا هو الاستنباط القياسي الذي عظم الخلاف فيه وأنكره أهل الظاهر وغيرهم،
(3/284)

وقيل في هذا التعريف دور، لأن معرفة إبداء المناسبة تتوقف على معرفة المناسبة، فكيف يعرف بها، وجوابه أن المناسبة المذكورة في التعريف لغوية بمعنى الملائمة، فلا دور،
(ص): ويتحقق الاستقلال بعدم ما سواه بالسبر.
(ش): أي ولا يكفي قوله بحثت فلم أجد، وإلا لزم الاكتفاء فيه بذلك ابتداء في مسألة خلافية، ولا قائل به بخلافه فيما سبق حيث اكتفي بذلك في جانب النفي لأنه لا طريق له سواه.
(ص): والمناسب الملائم لأفعال العقلاء عادة (26/ك) وقيل ما يجلب نفعاً أو يدفع ضرراً وقال أبو زيد ما لو عرض على العقول لتلقته بالقبول، وقيل: وصف ظاهر منضبط يحصل عقلاً من ترتيب الحكم عليه ما يصلح كونه مقصوداً للشارع من حصول مصلحة أو دفع مفسدة.
(ش): للمناسب تعريفات.
أحدها: الملائم لأفعال العقلاء في العادة، أي ما يكون بحيث يقصد العقلاء تعقله على مجرى العادة لتحصيل مقصود مخصوص، كما يقال: هذه اللؤلؤة تناسب هذه اللؤلؤة، وهذه الجبة تناسب هذه العمامة.
والثاني: ما يجلب نفعاً أو يدفع مضرة، والمراد بالنسبة للعبد لتعالي الرب عز
(3/285)

وجل عن الضرر والانتفاع وعليه اقتصر في (المنهاج)، والإمام ذكر التفسيرين واختلافهما باختلاف قول الناس في تعليل أفعال الله تعالى فمن أباه قال بالأول، ومن قال به قال بالثاني، ولما كان الحق قول الأشعري عدم التعليل صدر المصنف به.
والثالث: قول أبي زيد، قال في (البديع): وهو أقرب إلى اللغة وبنى عليه امتناع الاحتجاج به على العلة في قيام المناظرة دون النظر، لإمكان أن يقول الخصم: هذا لا يتلقاه عقلي بالقبول، وليس الاحتجاج على تلقي عقل غيري له أولى من الاحتجاج على ذلك الغير بعدم تلقي عقلي له بالقبول، ومنهم من اعتنى به، وقال الحاكم: ليس عقله ولا عقل مناظره بل العقول السليمة والطباع المستقيمة فإذا عرض عليها وتلقته انتهض دليلاً على مناظره.
(3/286)

والرابع: للآمدي وابن الحاجب بالظاهر المنضبط احتراز عن الوصف الخفي وما لا ينضبط فإنه لا يسمى مناسباً، (وما يصلح كونه مقصوداً) فاعل (يحصل) احتراز عن الوصف المستبقى في السبر والمدار في الدوران، وغيرهما من الأوصاف التي تصلح للعلية، ولا تكون متعددة بالمعنى المذكور، وهو حصول مصلحة أو دفع مفسدة وقوله: من حصول مصلحة أو دفع مفسدة بيان لما فيما يصلح، واعلم أن قوله: وصف، جرى على الغالب، وإلا فقد سبق أن العلة تكون حكماً شرعياً ووصف =عرفياً ولغوياً، فلو قال معلوم لعم ذلك.

(ص): فإن كان خفياً أو غير منضبط اعتبر ملازمه وهو المظنة.
(ش): الضمير إن كان يعود للوصف أي فإن كان الوصف الذي يحصل من ترتيب الحكم عليه المقصود خفياً أو غير منضبط لم يعتبر، لأنه لا يعلم به الحكم؟ فامتنع التعليل به فالطريق أن يعتبر ملازمه أي يعتبر وصف ظاهر منضبط ملازم الوصف الخفي الغير المنضبط أي يوجد بوجوده، ويعدم بعدمه، فيجعل معرفاً للحكم وهو المظنة أي مظنة المناسبة كالسفر للمشقة فإنه
(3/287)

المناسب لترتيب الرخص واعتبارها في نفسها متعذر لعدم انضباطها فنيط الترخيص بملازمها وهو السفر.
(ص): وقد يحصل المقصود من شرع الحكم يقيناً أو ظناً كالبيع والقصاص، وقد يكون محتملاً سواء كحد الخمر أو نفيه أرجح كنكاح الآيسة للتوالد، والأصح جواز التعليل بالثالث والرابع، كجواز القصر للمترفه.
(ش): لحصول المقصود من شرع الحكم مراتب.
أحدها: أن يحصل يقيناً كالبيع فإنه إذا كان صحيحاً حصل منه الملك الذي هو المقصود يقيناً.
الثاني: أن يحصل ظناً كالقصاص للانزجار، فإن مشروعيته تقلل الإقدام على القتل، وليس قطعياً لتحقق الإقدام عليه من شرع القصاص كثيراً.
الثالث: أن يكون حصول المقصود من شرع الحكم ونفي الحصول منه
(3/288)

متساويين، قال في البديع: ولا مثال له على التحقيق ويقرب منه ما مثل ابن الحاجب بالحد على الشارب لحفظ العقل، فإن حصول المقصود من ذلك مساو لنفيه، لأن كثرة المجتنبين له مساوية تقريباً لكثرة المقدمين عليه.
الرابع: أن يكون نفي المقصود من شرع الحكم أرجح من حصوله كنكاح الآيسة لمصلحة التوالد، فإنه وإن أمكن حصول الولد منها عقلاً، غير أنه بعيد عادة فكان نفي حصول المقصود في هذه الصورة أرجح من حصوله، فأما الأولان فظاهر كلام المصنف الاتفاق على الاعتبار بهما من القائلين بالمناسبة وهو كذلك، وأما الثالث والرابع، فقيل لا يعلل بهما، أما الثالث فلتردده بين حصول المقصود وعدمه من غير ترجيح، وكذا الرابع لرجحان نفي المقصود والأصح عنده وفاقاً لابن الحاجب الجواز، فإن السفر مظنة المشقة، وقد اعتبر، وإن انتفى الظن في الملك المترفه فدل على الاكتفاء في صحة التعليل لمجرد احتمال المقصود وقال في البديع: وأما الأخيران فاتفقوا على اعتبارهما إذا كان المقصود ظاهراً من الوصف في محال صور الجنس وإلا فلا.
(ص): فإن كان فائتاً قطعاً فقالت الحنفية: يعتبر، والأصح لا يعتبر سواء ما لا تعبد فيه كلحوق نسب المشرقي بالمغربية، وما فيه تعبد كاستبراء جارية اشتراها بايعها في المجلس.
(3/289)

(ش): لو كان القصد من شرع الحكم فائتاً قطعاً في بعض الصور النادرة (107/ز) مع حصوله في غالب الصور كلحوق نسب المشرقي بتزويج مغربية توكيلاً فأتت بولد مع القطع بأن الولد ليس منه، وإن كان لحوق الولد بالزوج ظاهراً فيما عدا هذه الصورة كذلك صورة الاستبراء فإنا نعلم قطعاً عدم العلوق منه في الأولى وبراءة الرحم في الثانية فلا وجه لاعتباره لأن شرع الحكم مع انتفاء الحكمة لا يكون مفيداً وإنما أوجب أصحابنا الاستبراء، والحالة هذه بمجرد نقل الملك على ما عرف في الفقهيات، وهو يؤول إلى ضرب من التعبد، فلهذا غاير المصنف بينه وبين الأولى، وليستحضر قوله في شرائط العلة، فإن قطع بانتفائها إلى آخره، وتحقيقه مع هذا.
(3/290)

(ص): والمناسب ضروري فحاجي فتحسيني، والضروري كحفظ الدين فالنفس فالعقل فالنسب فالمال والعرض.
(ش): المناسب إما أن يكون في محل الضرورة أو الحاجة، أو في محل الضرورة ولا الحاجة، بل كان مستحسناً في العادات، وهو التحسين، واستفيد من عطف المصنف بالفاء ترتيبها هكذا في التقديم عند التعارض، ومثال اجتماعها في وصف واحد وهو أن نفقة النفس ضرورية، والزوجة حاجية، والأقارب تتمية، وتكملة ولهذا فقد قدم الأول (27/ك) فالأول الضروري، وهو أعلاها في إفادة ظن الاعتبار بما تضمن حفظ مقصود من المقاصد الخمسة التي دعيت في كل مسألة، ووجه الحصر فيها مستفاد من العادة وهي المجموعة في قوله تعالى: {على أن لا يشركن بالله ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن، ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن} فحفظ الدين كقتل الكافر وعقوبة الداعين إلى البدع والنفس كالقصاص، والعقل كحد الشرب، والنسب كحد الزاني، والمال كعقوبة السارق والمحارب، هذا ما ذكره الأصوليون، وزاد المصنف سادساً ذكره الطوفي أيضاً وهو
(3/291)

العرض ففي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال في خطبة حجة الوداع: ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام)) الحديث وما من مصنف في الشرعيات إلا وفيه تحرم الأعراض، وهو أمر معلوم من الدين بالضرورة، وحفظه بحد القذف، أما كونه من الكليات فشيء آخر يحتمل أن يجعل في رتبة الأموال فيكون في مرتبة أدنى الكليات، وإليه يشير عطف المصنف إليه بالواو دون الفاء، ويحتمل أن يجعل فيما دونها، فيكون من الملحق بها، والظاهر أن الأعراض تتفاوت فيها ما هو في الكليات، وهي الأنساب، وهي أرفع من الأموال، فإن حفظ النسب بتحريم الزنا تارة وبتحريم القذف المؤدي إلى الشك المؤذي في أنساب الخلق
(3/292)

ونسبهم إلى أهلهم أخرى، وتحريم الأنساب مقدم على الأموال وفيها ما هو دونها وهو ما هو من الأعراض غير الأنساب.
(ص): ويلحق به مكمله كحد قليل المسكر.
(ش): يلحق بالضروري مكمل الضروري كالمبالغة في حفظ العقل بتحريم شرب قليل المسكر، والحد عليه، ووجه كونه مكملاً أن الكثير من المسكر مفسد للعقل، ولا يحصل إلا بإفساد كل واحد من أجزائه فحد شارب القليل، لأن القليل متلف لجزء من العقل، وإن قل، ومثله: المبالغة في حفظ الدين بتحريم البدعة، وعقوبة المبتدع، والمبالغة في حفظ النسب بتحريم النظر والمس، والتعزير عليه.
(ص): والحاجي كالبيع والإجارة وقد يكون ضرورياً كالإجارة لتربية الطفل.
(ش): الثاني ما يكون في محل الحاجة كتجويز البيع والإجارة والقراض ونحوها فليست ضرورية، إذا لا يلزم من فواتها فوات شيء من الضرورات الخمس، لكن الحاجة داعية إليها،
(3/293)

وادعى إمام الحرمين أن البيع ضروري فإن الناس لو لم يبادلوا ما بأيديهم لجر ذلك ضرورة فيلحق بمشروعية القصاص وقوله: وقد تكون أي قد يرقى بعضها إلى الضرورة وهذا نادر ولهذا أتى فيه بقد، ومثله تمكين الولي من شراء المطعوم والملبوس له.
(ص): ومكمله كخيار البيع.
(ش): يلحق بالحاجي مكمله كالخيار في البيع فإنه شرع للتروي، وإن كان أصل الحاجة حاصلة بدونه.
(ش): والتحسيني غير معارض القواعد كسلب العبد أهلية الشهادة، والمعارض كالكتابة.
(ش): الثالث التحسيني وهو قسمان.
(3/294)

أحدهما: ما لا تعارضه قاعدة معتبرة كسلب أهلية الشهادة عن العبد، لأنه نازل القدر، والشهادة منصب شريف فلا يليق بحاله.
والثاني: ما يعارضها قاعدة معتبرة كالكتابة فإنها وإن كانت مستحسنة في العادات لكن احتمل الشرع فيها جزم قاعدة سهلة، وهي امتناع بيع الرجل ماله بماله.
(ص): ثم إن المناسب إن اعتبر بنص أو إجماع عين الوصف في عين الحكم فالمؤثر وإن لم يعتبر بهما، بل بترتيب الحكم على وفقه ولو باعتبار جنسه في جنسه فالملائم، وإن لم يعتبر فإن دل الدليل على إلغائه فلا يعلل به وإلا فهو المرسل.
(ش): الوصف بحسب شهادة الشرع له بالاعتبار وعدمه ينقسم ثلاثة أقسام:
(3/295)

إما أن يعلم أنه اعتبره أو ألغاء، أو لا يعلم واحد منهما،
الأول: المعتبر وهو إما أن يعتبر عين الوصف في عين الحكم بنص أو إجماع، أو بترتيب الحكم على وفقه في أصل بنص أو إجماع، فالأول، هو المؤثر، سمي بذلك لظهور تأثيره فيهما، فإنه إذا ثبت بالنص أو الإجماع أن الوصف يؤثر لم يحتج إلى المناسبة حتى لو ثبت بهما أن إيلاج الفرج في الفرج المحرم يؤثر في وجوب الحد، ووجدنا هذا المعنى في اللائط حكمنا بالحد وإن لم نجد مناسبة حفظ الأنساب مثال اعتباره بالنص مس الذكر، فإن الشارع اعتبر عين مس المتوضئ ذكره في عين الحدث بنصه عليه في قوله: ((من مس ذكره فليتوضأ)) ومثال اعتباره بالإجماع
(3/296)

الصغر، فإنه اعتبر عينه في عين ولاية المال بالإجماع وقول المصنف: (بنص أو إجماع) تابع فيه ابن الحاجب وغيره، وهو يخرج ما علم اعتباره بطريق الإيماء والتنبيه وحكى الهندي فيه خلافاً منهم من جعله قسيم المؤثر، ومنهم من جعله من قسيم الملائم.
الثاني: أن لا يعتبر عين الوصف في عين الحكم بالنص أو الإجماع، بل بترتيب (108/ز) الحكم على وفقه، فقط أن يثبت معه في المحل من غير نص ولا إجماع على كونه علة لعين الحكم المرتب عليه، وذلك صادق على ثلاث صور، أن يعتبر النص أو الإجماع عين الوصف في جنس الحكم، أو جنسه في عين الحكم، أو جنس الوصف في جنس الحكم، وهو الملائم سمي بذلك لكونه موافقاً لما اعتبره الشرع، وهذه المسألة مستفادة من قول المصنف وإن لم يعتبر بهما، ففاعل (يعتبر) هو ما سبق في قوله: عين الوصف في عين الحكم، وانتفاء هذا يصدق بالصور الثلاث وصرح منها بالثالث بلو لأنه أبعدها فإنه يكون في تعليل الأحكام بالحكمة التي لا تشهد لها أصول معينة، ومثلوه بحد القذف مع حد الشرب، فإن الشرب مظنة الافتراء، كما أن الخلوة بالأجنبية مظنة وطئها، فألحق حد الشرب بحد القذف إقامة للشرب مقام الافتراء الذي هو مظنة الافتراء، فقد أثر جنس المظنة في جنس
(3/297)

الحرمة ومثال تأثير عين الوصف في جنس الحكم ثبوت ولاية النكاح على الصغير كما ثبتت ولاية المال لوصف الصغر، وهو واحد، والحكم الولاية وهو جنس فاعتبر عين الصغر في جنس الولاية، ومثال تأثير جنس الوصف في عين الحكم: المشقة فإنها جنس أثر في نوع، وهو إسقاط صلاة، أما في الحيض فبالكلية، وأما السفر فإسقاط (28/ ك) شطر الرباعية، وهذه الأنواع متفاوتة، وتأثير النوع في الجنس مقدم على تأثير الجنس في النوع، وهو مقدم على تأثير الجنس في الجنس وقول المصنف: إن لم يعتبر بهما، يوهم اشتراط نفي اجتماعهما، وليس كذلك، غير أن وضوح أن كلا من النص والإجماع حجة بمفرده يزيل هذا الإبهام، وأيضاً فالضمير بين المتعاطفين ب (أو) يجب إفراده.
الثاني: قد يعلم أن الشارع ألغاه فلا يعلل به بالاتفاق كقول بعضهم
(3/298)

لبعض الملوك وقد سأله عن وقاعه في رمضان فأفتاه بصوم شهرين متتابعين وقال: لو أفتيته بالعتق لاستحقره في مقابلة شهوة الجماع لاتساع ماله، وانتهك حرمة الشرع كلما شاء، فكانت المصلحة في الصوم لينزجر، فهذا وإن كان مناسباً لكن الشرع ألغاء بإطلاقه لإيجاب الترتيب على كل مكلف من غير فرق بين المكلفين.
الثالث: أن لا يعلم أن الشرع اعتبره ولا ألغاه فهو المرسل، ويسمى بالمصالح المرسلة، فإن قيل يلزم على هذا أن يكون كل المرسل ملائماً، لأن كل مرسل لا بد أن يكون مشتملاً على مصلحة، وقد اعتبر الشارع جنس المصالح في جنس الأحكام قلنا: المراد بالوصف هنا الأقرب دون الأبعد فإن جنس المصالح يعتبر في جنس الأحكام وليس بملائم.
فائدة: قال الشيخ عز الدين في (الفوائد) ملك جارية لابن بإحبال الأمة مفسدة في حق الابن مصلحة الأب لا أعرف لها مشاهداً بالاعتبار.
(3/299)

(ص): وقد قبله مالك مطلقاً، وكاد إمام الحرمين يوافقه مع مناداته عليه بالنكير، ورده الأكثر مطلقاً وقوم في العبادات، وليس منه مصلحة ضرورية كلية قطعية، لأنها مما دل الدليل على اعتبارها، فهي حق قطعاً واشترطها الغزالي، للقطع بالقول به لا الأصل القول به، قال: والظن القريب من القطع كالقطع.
(ش): الضمير في (قبله) عائد إلى أقرب مذكور، وهو مرسل، لأن المؤثر مقبول بالاتفاق والملغى مردود بالاتفاق، كما نقل ابن الحاجب، ومن ظن أن مالكاً يخالف فيه فقد أخطأ، وقد قال إمام الحرمين في كتاب (التراجيح): لا نرى التعلق عندنا بكل مصلحة، ولم ير ذلك أحد من العلماء، ومن ظن بمالك فقد أخطأ انتهى، وإنما الخلاف في المرسل بالتفسير السابق، وفيه مذاهب.
أحدها: المنع منه مطلقاً وعليه الأكثرون.
والثاني: قبوله مطلقاً لأنه يفيد ظن العلية، لأن الحكم إن ثبت لا العلة فهو بعيد، أو بعلة غير ظاهرة فكذلك فتعين هذه الظاهرة وهو المنقول عن مالك،
(3/300)

وقول المصنف كاد الإمام يوافقه، يعني لاعتباره المصلحة في الجملة، لكنه لم يعتبر جنس المصلحة مطلقاً كمالك، بل قد بالغ في (البرهان) في الرد عليه، وقال: الذي ننكر من مذهبه تركه رعاية ذلك، وجريانه على استرساله في (الاستصواب) من غير اقتصاد، ونحن نعرض على مالك، واقعة نادرة لا يعهد مثلها، ونقول: لو رأى ذو نظر فيها جدع أنفه، أو اصطلام سيفه، وأبدى رأيه لا تنكره العقول صائراً إلى أن العقوبة شرعت لحسم الفواحش وهذه العقوبة لائقة بهذه النازلة للزمك التزام هذا لأنك تجوز لأصحاب الإيالات القتل في التهمة العظيمة، حتى نقل عنك الثقات أنك قلت: أقتل ثلث الأمة في استبقاء ثلثيها، ثم إنا نقول له ثانياً: لا يجوز التعلق بكل رأي فإن أبى ذلك لم نجد مرجعاً يفد عنه إلا ما ارتضاه الشافعي رضي الله عنه من اعتبار المصالح المشبهة بما علم اعتباره، وإن لم يذكر ضابطاً، وصرح بأن كل ما لا نص فيه، ولا أصل له فهو مردود إلى الرأي، واستصواب ذوي العقول، فهذا اقتحام عظيم، وخرج عن الضبط، ومصير إلى إبطال أبهة الشريعة، وأن كلا يفعل ما يرى ثم يختلف ذلك باختلاف الزمان والمكان ولصيانة الخلق وهو في الحقيقة خروج عما درج عليه الأولون.
(3/301)

المذهب الثالث: التفصيل بين العبادات وغيرها مما يتعلق بالبيع والنكاح وفصل الخصومات في القصاص والحدود، وظهر فيه المعنى المناسب اعتبر، وما لا يظهر فيه وهو العبادات فلا يعلل فيها بالمعاني القريبة، وإن كانت ظاهرة، لأنا لم نعتمد على نفس المعنى بخلاف المعاملات، وهذا التفصيل قاله الأبياري في (شرح البرهان) وقال: إنه الذي يقتضيه مذهب مالك.
الرابع: إن كانت تلك المصلحة ضرورية كلية قطعية كتترس الكفار بأسارى المسلمين أعتبرت وإلا فلا، وهذه ثلاث قيود ضرورية أي لا يمكن تحصيلها بطريق آخر، كلية: أي راجعة إلى كافة الأمة، قطعية: أي حاصلة بشرع
(3/302)

الحكم قطعاً ويقيناً، لا ظناً ولا تخميناً، واختاره البيضاوي وأخذه من الغزالي، فإنه قال (109/ز): يحصل قتالهم بهذا الطريق، وهو قتل من لم يذنب، لم يشهد له أصل معين فيقدح اعتبار هذه المصلحة باعتبار الأوصاف الثلاثة وهي كونها ضرورية قطعية كلية فليس في معناها ما لو تترس الكفار في قلعة بمسلم، فإنه لا يحل رمي الترس إذ لا ضرورة بنا إلى أخذ القلعة، فيعدل عنها، وليس في معناها، ما إذا لم يقطع بظفرهم فإنها ليست قطعية بل ظنية، وهذا منه إشارة إلى اعتبار القطع بحصول المصلحة ونازع المصنف في اشتراط القطع، وقد حكى الأصحاب في مسألة التترس وجهين من غير تصريح منهم باشتراط القطع وعللوا وجه المنع أن غاية الأمر أن نخاف على أنفسنا، ودم المسلم لا يباح بالخوف، وهذا تصريح بجريان الخلاف في صورة الخوف ولا قاطع فيه، وقد يقال: إن المسألة في حالة القطع مجزوم باعتبارها، والخلاف إنما هو في حال الخوف، وقد صرح الغزالي بذلك في (المستصفى) فقال: إنما يجوز ذلك عند القطع أو ظن قريب من القطع وقول المصنف: وليس منه رد على الإمام والآمدي وغيرهم في قولهم إن الشافعي رضي الله عنه لم يقل بالمرسل إلا في هذه المسألة وعلى تفصيل (المنهاج) فإنه لم
(3/303)

يلاق موضوع المسألة فإن هذا ليس من المرسل الذي لم يعتبر، بل مما دل الدليل على اعتباره، فإن قول القائل: هذا سفك دم معصوم يعارضه أن في الكف عنه إهلاك دماء معصومة لا حصر لها، ونحن نعلم أن الشرع يؤثر حفظ الكلي على الجزئي، وأن حفظ أصل الإسلام عن اصطلام الكفار، أهم في مقصود الشرع، فقد رجعت المصلحة (29/ك) فيه إلى حفظ مقصود شرعي علم كونه مقصوداً بالنص والإجماع، فليس هذا خارجاً من الأصول، لكنه لا يسمى
قياساً بل مصلحة مرسلة، إذ القياس له أصل معين، وكون هذه المعاني مقصودة عرفت لا لدليل واحد بل بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال تسمى لذلك مصلحة مرسلة، قال الغزالي، وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع فلا وجه للخلاف فيها، بل نقطع بكونها حجة، وحيث جاء خلاف فهو عند تعارض مصلحتين ومقصودين فيرجح الأقوى ولذلك قطعنا بكون الإكراه مبيحاً لكلمة الكفر، والشرب لأن الحذر من سفك دم أشد من هذه الأمور، ولا يباح به الزنا لأنه في مثل محذور الإكراه.
(ص): مسألة المناسبة تنخرم بمفسدة تلزم راجحة أو مساوية خلافاً للإمام.
(ش): لا خلاف أن الوصف إذا اشتمل على المصلحة الخالية عن المفسدة، والراجحة عليها يكون مناسباً ويعتبر تناسبه، وأما إذا اشتمل على مفسدة تلزم من الحكم راجحة على المصلحة أو مساوية لها، هل تنخرم مناسبته بترك المفسدة فيه
(3/304)

مذهبان:
أحدهما - واختاره ابن الحاجب والصفي الهندي -: نعم.
والثاني - وبه جزم الإمام والبيضاوي: المنع والمراد بانخرامها وبطلانها: هو ما لا يقضي العقل بمناسبتها للحكم إذ ذاك، فلا يكون لها أثر في اقتضاء الأحكام لأنه يلزم خلو الوصف عن استلزام المصلحة، وذهابها عنه، فإن ذلك لا يكون معارضاً، واعلم أن اشتراط الترجيح في تحقيق المناسبة، يتحقق على قول من يمنع تخصيص العلة، وأما من يجوزه ويجوز إحالة انتفاء الحكم على تحقيق المانع المعارض مع وجود المقتضى فلا بد له من الاعتراف بالمناسبة سواء كانت المصلحة مرجوحة أو مساوية، وإلا لكان انتفاء الحكم لانتفاء المناسبة، لا لوجود المانع المعارض، ومن الفروع المرتبة هذه المسألة لو سلك السائر الطريق البعيد لا لغرض لا يقصر لانخرام المناسبة.
(3/305)

(ص): السادس الشبه منزلة بين المناسب والطرد، وقال القاضي: هو المناسب بالتبع.
(ش): جعله المصنف بين منزلتين لأنه يشبه المناسب الذاتي من حيث التفات الشارع إليه، ويشبه الوصف الطردي من حيث إنه غير مناسب، ويتميز عن الطردي بأن وجوده كالعدم بخلاف الشبه فإنه معتبر في بعض الأحكام، ويتميز عن المناسب بأن مناسبته عقلية، وإن لم يرد شرع كالإسكار في التحريم بخلاف الشبه، وهذا مما لا خلاف فيه، وإن أكثر الأصوليون والجدليون في تعاريفه وقد اعترف إمام الحرمين بأنه لا يتحرر فيه عبارة مستمرة في صناعة الحدود، وقال القاضي: إنه
(3/306)

المناسب بالتبع، أي بالالتزام كالطهارة لاشتراط النية فإن الطهارة من حيث هي لا تناسب اشتراط النية لكن تناسبها من حيث إنها عبادة، والعبادة مناسبة لاشتراط النية، وقال بعض الجدليين: الأوصاف ثلاثة وصف علم مناسبته فلا كلام فيه، ووصف لم تعلم مناسبته، وينقسم إلى ما علم عدوله عن المناسبة وهو الطردي وإلى ما لم يعلم عدوله عن المناسبة وهو الشبه.
(ص): ولا يصار إليه مع إمكان قياس العلة إجماعاً فإن تعذرت فقال الشافعي رضي الله عنه حجة، وقال الصيرفي والشيرازي: مردود.
(ش): أجمع الناس كما قاله القاضي في (التقريب) على أنه لا يصار إلى القياس الشبه مع إمكان قياس العلة، فإن تعذر قياس العلة، ولم يصادف في محل الحكم إلا الوصف الشبهي، وهو محتمل للمناسبة فاختلفوا فيه، فظاهر مذهب الشافعي قبوله لأنه يغلب على الظن عليته حينئذ، فإنا بين أمور ثلاثة: إما أن نقول لا علة لهذا الحكم وهو مستحيل، فإن الحكم لا بد أن يكون مشروعاً لحكمة، وإما أن نقول العلة غير هذا وهذا وإن كان ممكناً لكنا لم نصادفه، فتعين الثالث وهو أن العلة هذا الوصف الشبهي وكان قدماء الأصحاب يستعملونه في المناظرات
(3/307)

وحكي عن الحليمي والأستاذ أبي إسحاق أنه حجة إذا انضم إليه السبر، قال ابن السمعاني: وقد أشار الشافعي رضي الله عنه إلى الاحتجاج به في مواضع من كتبه لقوله في إيجاب النية في الوضوء كالتيمم طهارتان كيف يفترقان ورده القاضي أبو بكر والصيرفي وأبو إسحاق المروزي (110/ز) وأبو إسحاق الشيرازي.
ونازع في صحة القول به عن الشافعي رضي الله عنه وقال: إنما أراد قياس العلة، وأنه يرجح أحد العلتين في الفرع بكثرة الشبه ثم اختلف القائلون
(3/308)

بقياس الشبه فمنهم من اعتبره مطلقاً ومنهم من شرط في اعتباره أن يجتذب الفرع أصلان فيلحق بأحدهما بغلبة الأشباه، ويسمونه قياس غلبة الأشباه، وهو ما يدل عليه نص الشافعي في (الأم).
(ص): وأعلاه قياس غلبة الأشباه في الحكم والصفة، ثم الصوري، وقال الإمام المعتبر حصول المشابهة لعلة الحكم أو مستلزمها.
(ش): لا شك أن رتب الشبه عند القائل به متفاوتة، فأعلاه قياس غلبة الأشباه وهو أن يتردد الفرع بين أصلين، ويشبه أحدهما في أكثر الأحكام،
(3/309)

فيلحق به وعليه اعتمد الشافعي رضي الله عنه في إيجاب القيمة في قتل العبد ما بلغت، لأنه يشبه الأموال في أكثر الأقسام ويشبه الأحرار في قليل منها، فوجب اعتبار الكثير ومنهم من يعتبر الأشباه الحكمية ثم الراجعة إلى الصفة، ومنهم من يسوي بينهما، ثم شبه الصورة كقياسنا الخيل على البغال والحمير في سقوط الزكاة، وقياسهم في حرمة اللحم، وقال الإمام في (المحصول): المعتبر حصول المشابهة فيما يظن أنه علة الحكم، أو مستلزم لعلته سواء كان ذلك في الصورة، أو في الحكم عملاً بموجب الظن واعلم أن ظاهر كلام المصنف أن هذه المراتب من القائلين بحجيته، وليس كذلك فإن الشافعي رضي الله عنه لا يقول بالشبه الصوري كما بينه ابن برهان وغيره.
(3/310)

(ص): السابع الدوران: وهو أن يوجد الحكم عند وجود وصف وينعدم عند عدمه، قيل: لا يفيد، وقيل قطعي، والمختار وفاقاً للأكثر ظني.
(ش): إنما قال (عند وجود وصف) ولم يقل بوجود وصف كما عبر في (المنهاج) وغيره لئلا يوهم المناسبة والكلام في الدوران المجرد المناسبة، والمراد من كون الحكم يوجد عند وجود الوصف وكونه يحال تعذره إما (30/ ك) حقيقة أو تقديراً، وإن تقدم عليه في التصوير حتى تدخل حركة الأصبع فإنها ملازمة لحركة الخاتم، ومثال الحرمة مع وصف الإسكار في العصير، فإنه إذا وجد فيه الإسكار حرم، وإذا عدم وصار خلاً عدمت الحرمة،
(3/311)

وفيه مذاهب:
أحدها: أنه لا يفيد بمجرد ظن العلة ولا القطع بها لجواز أن يكون الوصف الدائر ملازماً للعلة لا نفسها، إلا أن يدل دليل على أن هذا الوصف معتبر في إثبات الحكم فحينئذ يكون حجة، وهو قول القاضي وأبي الطيب الطبري، واختاره ابن السمعاني والغزالي، والآمدي، وابن الحاجب.
والثاني: يفيد القطع بها ونقل عن بعض المعتزلة.
والثالث: أنه يفيد الظن بها وعليه الأكثر منهم القاضي والإمام الرازي قال: ونعني بالدوران الذي يقيم دليلاً على أنه ليس من دوران العلة مع المعلول، فإن قيل الاطراد وحده لا يكفي والعكس غير معتبر شرعاً قلنا: المجموع غيرهما.
(3/312)

فائدة: نص ابن الحاجب والحريري وغيرهما على أنه لا يجوز أن يأتي بالفعل مطاوعاً لفعل لازم، وقولهم: انعدم الشيء وانفسد وانضاف لحن، فلو قال المصنف: وينتفي عند انتفائه لاستقام.
(ص): ولا يلزم المستدل بيان نفي ما هو أولى منه.
(ش): لا يجب على المستدل نفي ما هو أولى منه بالعلة، لأنه من قبل نفي المعارض، ولا يجب على المستدل بيان نفي المعارض وعلى من يدعي وصفاً آخر إبداؤه بخلاف الشبه كما سبق، هذا ما أطبق عليه الجدليون معتلين بأنه لو لزم المستدل ذلك للزمه بيان السلامة على سائر القوادح، وأن لا يبقى للخصم كلام، وينتشر الكلام ويخرج عن الضبط، وذهب القاضي أبو بكر إلى أنه يلزمه ذلك، قال الغزالي في (شفاء الغليل): وكان من عادة القاضي في المناظرة ذلك فكان يستقصي في
(3/313)

أول الأمر كل ما يتوهم تعلق الخصم به بطريق السبر ويبطله بحيث كان لا يبقي للخصم متعلقاً، قال وهذا بعيد في حق المناظر لما ذكرنا، متجه في حق المجتهد، إذ على المجتهد تمام النظر لتحل له الفتوى، وليس على المعلل الارتقاء مرتبة من مراتب النظر إلى أن ينزل عنه إلى مرتبة أخرى بالمعاونة والمناظرة فتحصلنا على ثلاثة مذاهب.
(ص): فإن أبدى المعترض وصفاً آخر ترجح جانب المستدل بالتعدية، وإن كان متعدياً إلى الفرع ضر عند مانع العلتين أو إلى فرع آخر طلب الترجيح.
(ش): لو أبدى المعترض وصفاً آخر مثل الأول تعادلا، وترجح جانب المستدل بأن دورانه موافق لتعدية الحكم، والوصف الحادث قاصر، وهو بناء على أن المتعدية أرجح من القاصرة، وأن المتعدي إلى فروع أولى من المتعدي إلى فرع واحد، فإن كان الوصف الذي أبداه المعترض متعدياً إلى الفرع المتنازع فيه انبنى على التعليل بعلتين، فإن منعنا ضر وإلا فلا، إذ يجوز اجتماع معرفين على معرف واحد، وإن كانت علته متعدية إلى فرع آخر غير صورة النزاع تعادلا وطلب الترجيح من خارج، أما إذا كان الوصف الذي أبداه المعترض مناسباً، والأول غير مناسب قدم قطعاً.
فائدة: استدل المالكية على طهارة الكلب بأن الحياة علة للطهارة، فإن الشاة ما دامت حية فهي طاهرة، فإذا زالت الحياة زالت الطهارة، واعترض على الدوران بالمزكى والجلد المدبوغ، فأجابوا: بأن العلل الشرعية يخلف بعضها بعضاً فالزكاة والدباغ علتان للطهارة، خلفتا الحياة، وأقوى من إيراد المزكى والمدبوغ إيراد السمك والجراد، فإنه لا يتجدد فيها سوى الموت، ولا يمكن إحالة طهارتهما على شيء آخر
(3/314)

يخلف الحياة.
(ص): الثامن الطرد: وهو مقارنة الحكم للوصف والأكثر على رده، قال علماؤنا: قياس المعنى مناسب والشبه تقريب، والطرد تحكم وقيل: إن قارنه فيما عدا صورة النزاع أفاد وعليه الإمام وكثير، وقيل: تكفي المقارنة في صوره وقال الكرخي: يفيد المناظر دون الناظر,
(ش): ما عرف به الطرد ذكره القاضي فقال: المقارن للحكم إن ناسب بالذات فهو المناسب أو بالتبع فهو الشبه، وإن لم يناسبه مطلقاً فهو الطرد، وإنما لم يصرح المصنف بنفي المناسبة لأنه معلوم مما قبله ومثاله: قول بعضهم في إزالة النجاسة بنحو خل مائع لا تبنى القنطرة عليه فلا يجوز إزالة النجاسة به كالدهن، وقولهم: في عدم نقض الوضوء بمس الذكر: طويل مشقوق فأشبه البوق وقولهم
(3/315)

في طهارة الكلب: حيوان مألوف له شعر كالصوف فأشبه الخروف وظاهر كلام المصنف اعتبار المقارنة في جميع الصور ولهذا قال صاحب (البديع): قيل: إنه الموجود عند (111/ز) الوجود ولكن الذي في (المنهاج) اعتبار المقارنة فيما سوى صورة النزاع، فيقول: يثبت فيها إلحاقاً للفرد بالأعم الأغلب وعزاه في (المحصول) للأكثرين، قال: وبالغ بعضهم فقال يكفي الاقتران في صورة واحدة وهو ضعيف ثم فيه مذاهب:
أحدها: أنه مردود مطلقاً، وعليه الجمهور كما قاله إمام الحرمين وغيره فإنه لا يفيد علماً ولا ظناً فهو تحكم قال القاضي والأستاذ من طرد عن غرة فجاهل، ومن مارس الشريعة واستجازه فهازئ بالشريعة، قال: ومثل الحليمي فساد الوضع والمخيل والطرد.
(3/316)

فالأول: كمن تنسم نسيماً بارداً فقال: وراءه حريق.
والثاني: كمن رأى دخاناً فقال: وراءه حريق، والثالث كمن رأى غباراً فقال: وراءه حريق، وما حكاه المصنف عن علمائنا هو الذي أورده ابن السمعاني في (القواطع) فقال: قياس المعنى: تحقيق والشبه تقريب والطرد تحكم ثم قال: فقياس المعنى ما يناسب الحكم ويستدعيه، ويؤثر فيه، والطرد عكسه، والشبه أن يكون فرع تجاذبه أصلان فيلحق بأحدهما بنوع شبه مقرب، أي يقرب الفرع من الأصل في الحكم المطلوب من غير تعرض لبيان المعنى، وهو حسن.
الثاني: إن قارن الحكم في جميع صور حصوله غير صورة النزاع أفاد العلية وإلا فلا، واختاره الإمام في (المحصول)، وقال: إنه قول كثير من فقهائنا.
والثالث: أنه حجة مطلقاً ولا يشترط ذلك بل تكفي المقارنة ولو في صورة واحدة.
والرابع: قول الكرخي: إنه يفيد المناظر دون المجتهد، قال في (البرهان): وقد
(3/317)

ناقص إذ المناظرة بحث عن المآخذ الصحيحة فإذا كان مذهبه أنه لا يصلح مأخذاً فهذا مراد خصمه في الجدل وليس في الجدل ما يقبل مع الاعتراف بأنه باطل.
(ص): التاسع تنقيح المناط: وهو أن يدل ظاهراً على التعليل (31/ك) بوصف فيحذف خصوصه عن الاعتبار بالاجتهاد، ويناط بالأعم أو تكون أوصاف فيحذف بعضها ويناط بالباقي.
(ش): التنقيح لغة: التخليص والتهذيب، يقال نقحت العظم إذا استخرجت مخه والمناط ما نيط به الحكم أي علق عليه، والمناط اسم للعلة من حيث ارتباط الحكم بها يقال: نيطت به الأمور إذا علقت به وهو الاجتهاد في تعيين السبب الذي أناط الشارع الحكم به، وأضافه إليه وهو قسمان:
أحدهما: أن يرد ظاهر في التعليل بوصف ينحذف ذلك الوصف بخصوصه عن الاعتبار بالاجتهاد ويناط بالأعم، وهذا كما فعل مالك وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى في حديث المجامع.
(3/318)

فإنهما حذفا خصوص الوقاع واجتهدا فعلقا الكفارة بوصف عام وهو مطلق الإفطار.
والثاني: أن يدل لفظ ظاهر على التعليل بمجموع أوصاف، فيحذف بعضها عن درجة الاعتبار إما لأنه طردي أو لثبوت الحكم على بقية الأوصاف بدونه، ويناط بالباقي فهو بمنزلة لفظ عام أخرج بعضه وبين المراد به بالاجتهاد، كتعيين وقاع المكلف لاعتبار الكفارة من الأوصاف المذكورة في حديث الأعرابي من كونه أعرابياً أو كون الموطوءة زوجة أو أمة، أو في قبلها، وكونه شهر تلك السنة فإنها كلها طردية حاشا الوقاع في نهار رمضان، وحذف مالك وأبو حنيفة خصوص الوقاع وأوجبا الكفارة في الأكل والشرب، ولا بد لهما من دليل على الحذف، وتنقيح المناط قال به أكثر منكري القياس حتى إن أبا حنيفة ينكر القياس في الكفارة واستعمل تنقيح المناط فيها، وسماه استدلالاً، وحاصله تأويل ظاهر بدليل قال ابن التلمساني، واعتراف منكري القياس بهذا النوع بناء على مسألة أخرى، وهي أن النص على
(3/319)

التعليل نص على التعميم أم لا فمن قال: نعم اعترف بهذا وأنكر القياس.
(ص): أما تحقيق المناط فإثبات العلة في آحاد صورها كتحقيق أن النباش سارق وتخريجه مر.
(ش): عادة الجدليين يتعرضون للفرق بين الثلاثة تنقيح المناط، تحقيق المناط، وتخريج المناط، وقد عرفت التنقيح، وأما تحقيق المناط فهو أن يتفق على علية وصف بنص أو إجماع، وتختلف في وجوده في صورة النزاع فتحقق وجودها مثاله أن يقال أخذ المال خفية علة القطع وهو موجود في النباش والحياء علة الاكتفاء للبكر في تزويجها بالسكوت، وهو موجود فيمن زالت بكارتها بغير نكاح، وهل يشترط القطع بتحقيق المناط أم يكتفى فيه بالظن؟ حكى ابن التلمساني فيه أقوالاً ثالثها الفرق بين أن تكون ذات العلة وصفاً شرعياً أو وصفاً حقيقياً أو عرفياً، إن كان شرعياً جاز إثباته بطريق الظنون وإن كان عقلياً أو عرفياً فلا بد من القطع بوجوده، قال: وهذا أعدل الأقوال وأما تخريج المناط فقد مر أي في مسلك المناسبة، وهو الاجتهاد في استنباط علة الحكم الثابت بنص أو إجماع من غير تعرض لبيان
(3/320)

علته لا بالصراحة، ولا بالإيماء، كقوله: ((لا تبيعوا البر بالبر)) فإنه ليس فيه ما يدل على أن العلة الطعم لكن المجتهد نظر فاستنبطها فكأنه أخرج العلة من خفاء، فلذلك سمي تخريج المناط بخلاف تنقيح المناط فإنه لم يستخرجها لكونها مذكورة في النص بل نقح النص، وأخذ منه ما يصلح للعلية، وترك ما لا يصلح.
(ص): العاشر إلغاء الفارق كإلحاق الأمة بالعبد في السراية وهو الدوران والطرد ترجع إلى ضرب شبه إذ تحصل الظن في الجملة ولا تعين جهة المصلحة.
(ش): إلغاء الفارق هو بيان أن الفرع لم يفارق الأصل إلا فيما لا يؤثر فيلزم اشتراكهما في المؤثرة، هو بالضد من قياس العلة فإن القياس هناك عين جامعاً بين الأصل والفرع وعين هنا الفارق بينهما، وكما أن السبر عين هناك الجامع، فالسبر عين هنا الفارق، فإذا تعين بحيث لا يبقى فارق آخر فحينئذ يبحث عما بين له، والذي يسبر أن الفارق لا أثر له، هو أن يكون طرداً محضاً أو ملغى، فإن حصل ذلك عن دليل قاطع، فالإلحاق بمعلوم وإلا فمظنون مثال: المقطوع به: النهي عن البول في الماء الراكد يعطي أن صب البول من كوز في معناه، وكذلك صب
(3/321)

غير البول من النجاسات، وقد خص بعض النظار هذا النوع بالقياس في معنى الأصل والمظنون بنفي الفارق، والأمر فيه قريب، ونحو منه قوله صلى الله عليه وسلم: ((من أعتق شركاً له في عبد قوم عليه)) فالأمة في معناه، وقد تخيل قوم أن هذا من قبيل المعلوم، وليس كذلك، لاحتمال أن يلاحظ الشرع (112/ز) في عتق العبد أنه إذا أعتق استقل بنفسه في الجهاد والجمعة وغيرهما مما لا مدخل للمرأة فيه، لكن الأظهر فيه أن المقصود التخلص من موت الرق وإحياؤه بالحرية فهو إذن ظاهر قوي وفسر في (المنهاج) تنقيح المناط: بالغاء الفارق: نحو لا فارق بين العبد والأمة في سراية العتق فوجب استواؤهما فيه، والتحقيق التغاير بينهما، وإنما أخره عن تنقيح المناط إذا لم يعتضد بظاهر في التعليل بمجموع أوصاف واعتضد به تنقيح المناط، نعم قد يكون السبر الدال على نفي الفارق قاطعاً والفارق المحقق طرداً محضاً
(3/322)

فبلغ نفي الفارق رتبة المؤثر بدليل قاطع، وبين في غير المؤثر بدليل ظاهر كما سبق.
(ص): خاتمة: ليس تأتي القياس بعلية وصف ولا العجز عن إفساده دليل عليته على الأصح فيهما.
(ش): هذان طريقان ظن بعض الأصوليين أنهما يفيدان العلية ختم المصنف بهما.
أحدهما: أن يقال: هذا الوصف على تقدير عدم عليته لا يتأتى معه ذلك
فوجب أن يكون علة ليمكن الإتيان (. .) (1) بالمأمور به، وهو دور لأن تأتي القياس متفق على ثبوت العلة فلو أثبتنا العلة (. .) (2) ثبوت العلة عليه، ولزم الدور.
الثاني: عجز الخصم عن إفساد كون الوصف علة دليل على كونه علة، بدليل أن المعجزة، من أقوى الأدلة، وإنما انتهضت دليلاً على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم لعجز الناس عن معارضتها، وإذا كان العجز دليلاً في المعجزة التي هي عصام الأدلة فبطريق الأولى ما نحن فيه، وهو فاسد لأنه ليس جعل العجز عن الإفساد على الصحة أولى من جعل العجز على التصحيح دليلاً على الإفساد، وليس نظيراً لعجزه لأن العجز هناك من الخلق، وهنا من الخصم وحده فمن أين له أن سائر الناس كذلك.
(ص): القوادح.
(ش): مراده بالقوادح ما يقدح في الدليل بجملته سواء العلة وغيرها.
_________
(1) (*) كلمة ساقطة من الأصل.
(2) (*) كلام ساقط من الأصل.
(3/323)

(ص): منها تخلف الحكم عن العلة وفاقاً للشافعي رضي الله عنه وسماه النقض، وقالت (32/ك) الحنفية: لا يقدح وسموه تخصيص العلة، وقيل: في المستنبطة، وقيل: عكسه، وقيل: يقدح إلا أن يكون لمانع أو فقد شرط وعليه أكثر فقهائنا، وقيل: يقدح إلا أن يرد على جميع المذاهب كالعرايا وعليه الإمام، وقيل: يقدح في الحاضرة، وقيل في المنصوصة: إلا بظاهر عام، والمستنبطة إلا لمانع أو فقد شرط، وقال الآمدي: إن كان التخلف لمانع أو فقد شرط أو في معرض الاستثناء أو كانت منصوصة بما لا يقبل التأويل لم يقدح.
(ش): النقض وجود المدعى علة مع تخلف الحكم عنه، وفي (المحصول) هو وجود كالعلة، ولا حكم، لا وجود الحكم ولا علة فيه مذاهب:
أحدها: أنه يقدح مطلقاً بناء على أن شرط العلة الاطراد وعزاه المصنف
(3/324)

للشافعي رضي الله عنه لكن قال الغزالي في (شفاء الغليل): إنه لا يعرف له فيها نص، وعمدة المصنف فيما نقله ابن السمعاني في (القواطع) أن ذلك مذهب الشافعي رضي الله عنه وجميع أصحابه إلا القليل منهم قال:
وهو قول كثير من المتكلمين وقالوا: تخصيصها نقض لها ونقضها يتضمن إبطالها وعلى هذا فالفرق بينها وبين اللفظ العام حيث جاز تخصيصه: أن العام لغة يجوز إطلاقه على بعض ما تناوله فإذا أورد لم ينافه، وأما العلة المستنبطة فإنها منتزعة بالقياس من الأصل ومقتضاه الاطراد هكذا رأيته في كتاب القفال الشاشي وهو صحيح.
والثاني: لا يقدح وهو المشهور عن الحنفية ولا يسمونه نقضاً بل تخصيص العلة لكن ابن السمعاني عزاه للعراقيين منهم وادعى أبو زيد أنه مذهب أبي حنيفة
(3/325)

وأصحابه قال وأما الخراسانيون منهم فقالوا بالأول، حتى قال أبو منصور الماتريدي: تخصيص العلة باطل، ومن قال بتخصيصها فقد وصف الله تعالى بالسفه والعبث، فأي فائدة في وجود العلة ولا حكم.
والثالث: يقدح في المستنبطة دون المنصوصة، ومثلوا تخصيص المنصوصة بقوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما ذلك دم عرق)) مع القول بعدم النقض بالخارج
(3/326)

النجس من غير السبيلين، فإنه تخصيص لعلة منصوصة، ومثلوا تخصيص المستنبطة بقولنا: القتل العمد العدوان علة القصاص مع القول بعدم استيفائه في قتل الأب.
الرابع: عكسه هكذا حكاه المصنف تبعاً لابن الحاجب، لكن قال في شرحه: إن مراده لا يقدح في المستنبطة إذا كان لمانع أو عدم شرط دون المنصوصة.
الخامس: يقدح إلا أن يكون لمانع أو فقد شرط فلا يقدح مطلقاً سواء العلة المنصوصة والمستنبطة، واختاره البيضاوي والهندي.
السادس: يقدح إلا أن يرد على سبيل الاستثناء ويعترض على جميع المذاهب كالعرايا، وعزاه المصنف للإمام والذي في (المحصول)، أنه إن تخلف لمانع لم يقدح وإلا قدح، ثم قال: فإن كان وارداً على سبيل الاستثناء هل يقدح؟ قال قوم: لا يقدح سواء كانت العلة معلومة أو مظنونة، أما المعلومة فلأنا نعلم أن من لم يقدح على جناية لم
(3/327)

يؤاخذ بضمانها، ثم هذا لا ينقض بضرب الدية على العاقلة، وأما المظنونة فالتعليل بالطعم فإنه لا ينقض بمسألة العرايا فإنها وردت على سبيل الاستثناء رخصة، قال الإمام: واعلم أنا إنما نعلم ورود النقض على سبيل الاستثناء إذا كان لازماً جميع المذاهب مثل مسألة العرايا فإنها لازمة على جميع العلل كالقوت والكيل والمال والطعم، وإنما قلنا إن الواردة على مورد الاستثناء لا يقدح في العلة، لأن الإجماع لما انعقد على أن حرمة الربا لا تعلل إلا بأحد الأمور الأربعة ومسألة العرايا واردة عليها أربعتها فكانت هذه المسألة واردة على علة قطعنا بصحتها والنقض لا يقدح في مثل هذه العلة، وأما أنه هل يجب الاحتراز عنه في اللفظ؟ فقد اختلفوا فيه والأولى الاحتراز عنه انتهى.
والسابع: إن كانت علة حظر لم يجز تخصيصها وإلا جاز حكاه القاضي عن بعض المعتزلة.
والثامن: يقدح في المنصوصة إلا إذا كان بظاهر عام، وإنما قال بظاهر، لأنه لو كان بقاطع لم يتخلف الحكم عنه، وإنما قال عام لأنه لو كان خاصاً بمحل الحكم لم يثبت التخلف وهو خلاف المقدر، والحاصل يجوز في النص الظني، ولو قدر مانع أو فوات شرط ولا يجوز في القطعي، أي لا يمكن وقوعه.
(3/328)

وأما المستنبطة: فيجوز في صورتين لا يقدح فيهما، وهما ما إذا كان التخلف لمانع أو انتفاء شرط، ولا يجوز في صورة واحدة فيقدح فيها (113/ز) وهي ما إذا كان التخلف دونهما وهو مختار ابن الحاجب.
والتاسع: إذا كان التخلف لمانع أو فقد شرط أو في معرض الاستثناء أو كانت منصوصة بما لا يقبل التأويل لم يقدح وإلا قدح وهو رأي الآمدي، فإن قيل كيف يقبل النص التأويل؟ قلت: مراده بالنص ما هم أعم من الصريح والظاهر ولا يخفى قبول الظاهر للتأويل.
فائدة معرض: بكسر الميم وفتح الراء.
(ص): والخلاف معنوي لا لفظي خلافاً لابن الحاجب ومن فروعه التعليل بعلتين والانقطاع وانخرام المناسبة بمفسدة وغيرها.
(ش) زعم إمام الحرمين في (البرهان) وابن الحاجب وغيرهما أن الخلاف في
(3/329)

هذه المسألة لفظي لا فائدة فيه، لأن من جوز تخصيص العلة، ومن لم يجوزه اتفقوا على اقتضاء العلة للحكم لا بد فيه من عدم المخصص، وسلموا أن المعلل لو ذكر القيد في ابتداء التعليل لاستقامت العلة، فلم يبين الخلاف إلا ذلك القيد العدمي، هل يسمى جزء العلة أم لا؟ ورد الإمام في (المحصول) هذه المقالة.
وقال: إذا فسرنا العلة بالداعي أو الموجب لم نجعل العدم جزءاً من العلة بل كاشفاً عن حدوث جزء العلة، ومن يجوز التخصيص لا يقول ذلك، وإن فسرنا العلة بالأمارة ظهر الخلاف في المعنى أيضاً، لأن من أثبت العلة بالمناسبة يبحث عن ذلك القيد العدمي، فإن وجد فيه مناسبة صحح العلة وإلا أبطلها، ومن يجوز التخصيص لا يطلب المناسبة البتة، من هذا القيد العدمي، وذكر المصنف لها فوائد منها: أن يترتب عليها مسألة التعليل بعلتين، وقد سبقت.
ومنها: انقطاع الخصم، وأنه لا تسمع منه بعد ذلك دعوى أنه إنما أراد بالعموم الخصوص، وباللفظ المطلق ما وراء محل النقض، لأنه يشبه الدعوى بعد الإقرار فلا يسمع إلا ممن له قدرة على الإنشاء في الوصفين، والقائلون بجواز التخصيص يقبلون دعواه، كذا قال المصنف، وفيه نظر، فإن إمام الحرمين قال في (البرهان) إذا ذكر لفظ مقتضياً عموم العلة فورد نقض فقال: اخصص لفظي، نظر فإن كان النقض مبطلاً لم يقبل فيه التخصيص، وإن كان غير مبطل فمن الجدليين من جعله منقطعاً إذا لم يف بظاهر لفظه، قال: والمختار لا يكون منقطعاً، لكنه خالف الأحسن، إذ كان ينبغي له أن يشير إليه فيقول هذه علة ما لم يستثن (33/ك).
(ص): وجوابه منع وجود العلة أو انتفاء الحكم إن لم يكن انتفاؤه مذهب المستدل وعند من يرى نفي الموانع بيانها.
(ش): جواب النقض بوجوه.
أحدها: منع وجود العلة في محل النقض بناء على وجود قيد مناسب أو مؤثر في العلة، وهو غير حاصل في صفة النقض، كما لو قيل في الحلي: مال معد للاستعمال مباح فلا يجب فيه الزكاة كثياب البذلة، فإن نقض بالمعد لاستعمال محرم أو مكروه فدفعه واضح لأنه غير معد لاستعمال مباح.
ثانيها: يمنع انتفاء الحكم عن صورة النقض إذا لم يكن انتفاؤه مذهب
(3/330)

المستدل، فأما إذا كان مذهباً للمستدل فقط أو مذهباً له وللمعترض لم يكن ذلك.
ثالثها: أن يبين المعلل مانعاً من ثبوت الحكم في صورة النقض فيدفع النقض بذلك عند من يجعل تخلف الحكم لمانع لا يقدح.
ورابعها: وكان ينبغي للمصنف ذكره: دفعه بورود صورة النقض على سبيل الاستثناء فإنه مانع عند من يجعله غير قادح.
(ص): وليس للمعترض الاستدلال على وجود العلة عند الأكثر للانتقال،
(3/331)

وقال الآمدي ما لم يكن دليل أولى بالقدح.
(ش): إذا منع المستدل وصف العلة في صورة النقض فهل يمكن المعترض من الاستدلال على وجودها فيه مذاهب:
أحدها: وعليه الأكثر منهم الإمام الرازي وأتباعه: لا، لأنه انتقال من مسألة قبل تمامها إلى أخرى.
وثانيها: نعم، لأن فيه تحقيقاً للنقض فكان من متمماته.
وثالثها: قال الآمدي: إنه يمكن ما لم يكن للمعترض دليل أولى بالقدح من النقض، فإن أمكنه القدح بطريق آخر هو أفضى إلى المقصود فلا.
وحكى ابن الحاجب:
رابعاً: يمكن ما لم يكن حكماً شرعياً، وإنما لم يحكه المصنف لقوله في شرح المختصر: إنه لا يوجد لغيره، وهو عجب، فلم يذكر الإمام أبو منصور البروي تلميذ محمد بن يحيى في كتاب (المقترح) غيره، فقال: إن كان حكماً شرعياً كما لو علل الحنفي في مسألة المضمضة بأنه عضو يجب غسله عن الخبث، فيجب في الجنابة،
(3/332)

فإذا نقض تعليله بالعين فله منع وصف العلة بأن العين لا يجب غسله من الخبث فليس للمعترض أن يثبت عليه وجوب غسل العين من الخبث فإنه وضع للكلام، في مسألة أخرى استدلالا من الابتداء، وإن كان وصف العلة أمراً حقيقياً فله ذلك كما إذا علل الحنفي مسألة الأجرة بأنه عقد على منفعة فلا يملك عوضه بنفس العقد كالمضاربة، فإذا انتقض بالنكاح منع ورود النكاح على المنفعة قلنا إثباته بالدليل انتهى وجرى عليه شارحه الإمام أبو العز جد ابن دقيق العيد لأمه فقال: لأن الأمر الحقيقي يمكن الاستدلال عليه لقربه من الأحكام الشرعية إذا كانت مختلفة فهي في مظنة تشعب الظنون، والوصف الحقيقي يكون في الغالب من جهة عدم تصور حقيقة=.
(ص): ولو دل على وجودها بموجود في محل النقض ثم منع وجودها فقال ينتقض دليلك فالصواب أنه لا يسمع لانتقاله من نقض العلة إلى نقض دليلها.
(ش): ولو دل المستدل (على وجود العلة في محل التعليل بدليل موجود في محل النقض، ثم منع بعد ذلك وجودها في صورة النقض) فقال المعترض:
(3/333)

ينتقض دليلك على العلة، لم يسمع منه عند الجدليين، لأنه انتقال من نقض العلة بنفسها إلى نقض دليلها، مثاله قول الحنفي في التبييت آتي بمسمى الصوم فصح كما في النفل، واستدل على وجود العلة بالإمساك مع النية، فيقول المستدل: لا نسلم وجود العلة فيما إذا نوى بعد الزوال فيقول ينتقض دليلك الذي استدللت به على وجود العلة في محل التعليل ومقابل الصواب احتمال ابن الحاجب بجواز الانتقال لأن المعترض في مكان دفع العلة فليكن له القدح فيها تارة وفي دليلها أخرى، ولا يكون انتقالاً ممنوعاً.
(ص): وليس له الاستدلال على تخلف الحكم في الأصح وثالثها إن لم يكن طريق أولى.
(ش): لو منع المستدل تخلف الحكم عن العلة، فإن كان عدم الحكم في صورة النقض مجمعاً عليه أو مذهبه لم يسمع منعه وإلا سمع، وإذا سمع منعه فهل يتمكن المعترض من إقامة الدليل على تخلف الحكم؟ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: نعم إذ به يتحقق نقض العلة.
وثانيها: المنع لما فيه من قلب القاعدة بانقلاب المستدل معترضاً والمعترض مستدلاً وعليه أكثر النظار.
(3/334)

وثالثها: يتمكن من ذلك ما لم يكن له (114/ز) طريق (أولى بالقدح في كلام المستدل من ذلك، أما إذا كان له طريق) آخر أفضى إلى المقصود فلا.
(ص): ويجب الاحتراز منه على المناظر مطلقاً وعلى المناظر إلا فيما اشتهر من المستثنيات فصار كالمذكور، وقيل يجب مطلقاً، وعلى الناظر إلا في المستثنيات مطلقاً.
(ش): إذا قلنا: إن النقض يقدح فهل يجب على المستدل الاحتراز في دليله منه ابتداء؟ على مذاهب.
أحدهما: وعزاه الهندي للأكثرين لا يجب، لأن المستدل مطالب بذكر الدليل فقط، وليس ذلك إلا في الوصف أو حكمته، وأما نفي المانع فمن قبل دفع المعارض فلم يجب كما في سائر المعارض.
والثاني: يجب مطلقاً لأنه مطالب بالمعرف للحكم وليس هذا الوصف فقط، بل هو مع عدم المانع.
والثالث: يجب إلا في الصور المستثناة من القاعدة كالعرايا، والمختار عند
(3/335)

المصنف الوجوب، لكنه قيده بقيد حسن، وهو أن لا يكون مشتهراً وإلا فالمشتهر منزل منزلة المذكور، فلا حاجة للتصريح به، وجعل محل الخلاف في المجتهد الناظر، أما المناظر فيجب الاحتراز منه مطلقاً، وقال صاحب (المقترح): إن كانت صورة النقض مستثناة، فالاتفاق لم يكلف الاحتراز عنها، وإن اتفق الخصمان على أنها مستثناة فإن كان اعتماده على إيماء النص في ثبوت القول بالتعليل فلا يجوز أن يتحرز إلا بوصف يشهد له الإيماء، وإن كان بطريق الاستنباط فلا فرق بينهما عند الاعتذار إلا بوصف هو موجود في صورة النقض حتى يصلح كونها مانعاً فيكون تأويلاً لدلالة تخلف الحكم من الوصف، ولا يلزم الاحتراز ابتداء، بل إن ورد عليه النقض احترز عنه.
(ص): ودعوى صورة معينة أو مبهمة أو نفيها ينتقض بالإثبات أو النفي العامين وبالعكس.
(ش): المقصود من هذا التنبيه على ما يتجه من النقوض، ويستحق الجواب، وما ليس كذلك.
اعلم: أن المقصود من ثبوت الحكم إما إثباته ونفيه معاً أو أحدهما، فإن كان الأول ولم يتعرض له المصنف وجب أن يكون الحكم مطرداً ومنعكساً مع علته، كالحد مع المحدود، فمتى ثبت عند عدمه أو عدم عند وجوده، توجه عليه النقض، وإن كان الثاني فالمدعى إما ثبوت الحكم أو نفيه، وكل منهما، إما أن يكون في بعض الصور أو جميعها، وإذا كان في بعض الصور فإما أن يكون في (34/ك) صورة معينة أو مبهمة، فهذه أربعة أقسام داخلة في كل من القسمين، أعني ثبوت الحكم أو نفيه
(3/336)

في صورة أو ثبوته أو نفيه مطلقاً، والحاصل أن الحكم إذا ثبت في صورة معينة كقولنا (زيد كاتب، أو في صورة غير معينة كقولنا) إنسان ما كاتب، فالثبوت في هاتين الصورتين يناقضه النفي العام، كقولنا: لا شيء من الإنسان كاتب، وكذلك قولنا: زيد ليس بكاتب، أو إنسان ما ليس بكاتب، يناقضه كل إنسان كاتب، وإذا ادعينا الثبوت العام كقولنا: كل إنسان كاتب، ناقضه النفي عن صورة معينة، كقولنا: زيد ليس بكاتب، أو مبهم كقولنا: إنسان ما ليس بكاتب، وكذلك إذا ادعينا النفي العام كقولنا: لا شيء من الإنسان بكاتب, ناقضه الثبوت في صورة معينة، كقولنا: زيد كاتب أو مبهمة، كقولنا: إنسان ما كاتب فعلم أن الثبوت في الصورة المعينة أو المبهمة يناقضه النفي العام، وبالعكس، وأن النفي غير صورة معينة أو مبهمة يناقضه الإثبات العام وبالعكس.
(ص): ومنها الكسر قادح على الصحيح، لأنه نقض المعنى وهو إسقاط وصف من العلة إما مع إبداله كما يقال في الخوف صلاة يجب قضاؤها فيجب أداؤها كالأمن، فيعترض بأن خصوص الصلاة ملغى فليبدل العبادة ثم ينقض بصوم الحائض، أو لا يبدل فلا يبقى علة إلا يجب قضاؤها وليس كل ما يجب قضاؤه يؤدى دليله الحائض.
(3/337)

(ش): اختلف في تعريف الكسر ففي (المنهاج) أنه عدم تأثير أحد جزأي العلة ونقض الآخر المؤثر، وهو قضية كلام الإمام، وعبر الآمدي وابن الحاجب عن هذا بالنقض المكسور وهو تعبير حسن، وجعلا الكسر إبداء الحكمة بدون الحكم، قال الآمدي: وهو نقض على العلة دون ضابطها وقال الأكثرون من الأصوليين والجدليين: الكسر عبارة عن إسقاط وصف من أوصاف العلة المركبة وخارجه عن الاعتبار، أي يتبين أن أحد جزأي العلة لا أثر له، على هذا جرى المصنف، قال الشيخ أبو إسحاق في (الملخص): هو سؤال مليح، والاشتغال به ينتهي إلى بيان الفقه، وتصحيح العلة، واتفق أكثر أهل العلم على صحته، وإفساد العلة به، ويسمونه النقض من طريق المعنى، والإلزام من طريق الفقه وأنكر ذلك طائفة من الخراسانيين انتهى، ولهذا صححه المصنف، وذكر للكسر صورتين:
(3/338)

إحداهما: أن يبدل ذلك الوصف الخاص بوصف عام ثم ينقضه عليه.
الثانية: أن لا يفعل ذلك، بل يعرض عن ذلك الذي أسقطه بالكلية، ويذكر صورة النقض، ومثاله: قولنا في إثبات صلاة الخوف، صلاة يجب قضاؤها فيجب أداؤها كصلاة الأمن، فيقول المعترض: خصوص كونها صلاة ملغى لا أثر له، لأن الحج كذلك، وليس بصلاة فلم يبق إلا الوصف العام، وهو كونها عبادة وينقضه، فهذا كسر، ثم هو بالخيرة بين أمرين: إما أن يأتي بكسره على الصورة الأولى فيلزمه بالتعليل بكونها عبادة، ويقول: كأنك قد قلت عبادة إلى آخر ما ذكرت، ويلزمك صوم الحائض فإنه عبادة يجب قضاؤها، ولا يجب أداؤها، بل يحرم، وأما على الصورة الثانية، فيقول: إذا أسقط وصف الصلاة الذي هو أحد أوصاف علتك، فلم يبق إلا قولك: يجب قضاؤها إلى آخره، وليس كل ما يجب قضاؤه يجب أداؤه بدليل الحائض، وقد ظهر لك أنه نقض يرد على المعنى، وبذلك صرح ابن الحاجب في الاعتراضات، وإن كان هنا سماه النقض المكسور، واختار، أنه لا يبطل، وهو اسم لا يعرفه الجدليون فإنهم لا يعرفون إلا الكسر،
(3/339)

وهو أن يبين عدم التأثير، وذكر الآمدي أن الأكثرين على أن الكسر لا يقدح، وليس كذلك (فقد ذكر) أستاذ أرباب الجدل أبو إسحاق الشيرازي وتبعه ابن السمعاني وغيره أن الأكثر أنه قادح وهو كما قال، لأنه نقض، فالكلام فيه كالكلام في النقض سواء بسواء، والشيخ الهندي قال: الكسر نقض يرد على بعض أوصاف العلة وذلك هو ما عبر عنه الآمدي بالنقض المكسور، ثم قال الهندي: وهو مردود عند الجماهير (إلا إذا بين الخصم إلغاء القيد، قال المصنف (115/ ز): ونحن لا نعني بالكسر إلا إذا بين، أما إذا لم يبين فلا خلاف في أنه) مردود، كيف وهو كلام غير موجه؟ وكل ما كان كذلك فهو رد على قائله.
فائدة: قال الشيخ في (المهذب) لو ماتت الأمهات أو بقي منها دون النصاب ونتجت تامة وجبت الزكاة، وقال الأنماطي ينقطع الحول بموت كل الأمهات، قال الشيخ: وينكسر عليه بأم الولد فإن يثبت لولدها حكمها في الاستيلاد مع بقائها حتى تعتق بموت السيد كما تعتق هي بموته، ولو ماتت قبل السيد لم
(3/340)

يبطل هذا الحكم في حق الولد، وإن بطل في حقها.
(ص): ومنها العكس وهو انتفاء الحكم لانتفاء العلة فإن ثبت مقابله فأبلغ وشاهده قوله صلى الله عليه وسلم: ((أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر)) في جواب: أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟.
(ش): ما ذكره المصنف في التعريف ذكره ابن الحاجب وغيره وقال الهندي: إنه الأولى، قال: وإنما قلنا لانتفاء العلة ولم نقل: لانتفاء علته، لأنه يقتضي أن يشعر بانتفاء جميع علته، ولا نزاع في أن العكس بهذا المعنى يضر وعرفه في (المنهاج) تبعاً للإمام في (المحصول): بحصول مثل هذا الحكم في صورة أخرى لعلة تخالف العلة الأولى، ورده الهندي بأنه ليس من شرط العكس أن يحصل مثل ذلك الحكم في صورة أخرى، بل لو حصل في تلك الصورة بعينها لعلة أخرى كان ذلك عكساً أيضاً وهو أبلغ في قياس العكس، وإليه أشار المصنف بقوله: فإن ثبت مقابله فأبلغ واستشهد له بقوله صلى الله عليه وسلم حين عدد لأصحابه
(3/341)

وجوه الصدقة: ((وفي بضع أحدكم صدقة)) قالوا: يا رسول الله! أو يأتي أحدنا شهوته ويؤجر؟ قال: ((أرأيتم لو وضعها في حرام)) يعني أكان يعاقب؟ قالوا: نعم قال: ((فكذلك إذا وضعها في حلال يؤجر)) فجعل النبي صلى الله عليه وسلم نقيض حكم الوطء المباح وهو الإثم في غيره، وهو الوطء الحرام لافتراقهما في علة الحكم، وهو كون هذا مباحاً وهذا حراماً.
(ص): وتخلفه قادح عند مانع علتين.
(ش): لأنه حينئذ لا يكون للحكم إلا دليل واحد فينتفى عند انتفاء العلة لانتفاء الحكم عند انتفاء دليله، فإن قلنا: لا يجوز فليس بقادح، وهذا البناء ذكره القاضي أبو بكر والجمهور وجعله في (المنهاج) بالتفسير السابق مبنياً على منع تعليل الحكم الواحد بالنوع بعلتين، وبناؤه ظاهر لأن النوع باق (35/ك) فيه.
(ص): ونعني بانتفائه انتفاء العلم أو الظن إذ لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول.
(ش): أي لا يلزم من انتفاء الدليل على شيء انتفاؤه عن نفسه، بل انتفاء العلم
(3/342)

به فقط، فلا يلزم من انتفاء الدليل على وجود الصانع انتفاء الصانع.
(ص): ومنها عدم التأثير أي أن الوصف لا مناسبة فيه ومن ثم اختص بقياس المعنى وبالمستنبطة المختلف فيها.
(ش): عرف عدم التأثير بكون الوصف لا مناسبة فيه، أي لثبات الحكم ولا نفيه، ووجهه أن التأثير، وهو إفادة الوصف أثره، فإذا لم يفده فهو عدم التأثير، وعرفه في (المحصول) و (المنهاج) بثبوت الحكم بدون الوصف وتعريف المصنف أعم ويبنى على هذا التفسير أن هذا السؤال إنما يقدح في قياس المعنى دون الشبه، والطرد وفي المستنبطة المختلف فيها دون المنصوصة أو المستنبطة المجمع عليها.
واعلم أن الوصف إنما يكون عديم التأثير (إذا لم يفد فائدة أصلاً، فإن كان فيه فائدة دفع النقض بأن يشير إلى أن الفرع حال مما يمنع ثبوت الحكم فيه أو إلى اشتمال الفرع على شرط الحكم فلا يكون عديم التأثير) كقوله: في التبييت صوم مفروض، فافتقر إلى التبييت قياساً على القضاء فإن كونه مفروضاً يتحقق به شرط اعتبار النية في الفرع، وهو صوم رمضان، وأنه خال عما يمنع، ثبوت التبييت فيه،
(3/343)

ويندفع به النقض بالنفل إذ لو قال: صوم فافتقر إلى التبييت لا ينتقض بالنفل، لأنه صوم ولا يفتقر إليه، مع أن فرضية الصوم بالنسبة إلى تبييت النية طردي لا مناسبة فيه.
(ص): وهو أربعة.
(ش): عدم التأثير ينقسم إلى أربعة أقسام: ما لا تأثير له مطلقاً، وما لا تأثير له في ذلك الأصل، وما اشتمل على قيد لا تأثير له، وما لا يظهر فيه شيء عن ذلك، ولكن لا يطرد في محل النزاع، فعلم من ذلك عدم تأثيره، ولكل قسم اسم.
(ص): في الوصف بكونه طردياً.
(ش): الأول عدم التأثير في الوصف بكونه طردياً، كقولهم في الصبح صلاة لا تقصر فلا يقدم أذانها كالمغرب لأن عدم القصر في نفي التقديم طردي لا مناسبة له ولا شبه، ولذلك كان الحكم الذي هو منع تقديم الأذان على الوقت موجوداً فيما قصر من الصلوات ويرجع حاصله إلى سؤال المطالبة بالدلالة على كون العلة علة.
(ص): وفي الأصل مثل مبيع غير مرئي فلا يصح كالطير في الهواء فيقول لا أثر لكونه غير مرئي، فإن العجز عن التسليم كاف وحاصله معارضة في الأصل.
(ش): الثاني عدم التأثير في ذلك الأصل بأن يقع الاستغناء عنه بوصف آخر
(3/344)

كقولنا في بيع الغائب: بيع مرئي فلا يصح كالطير في الهواء بجامع عدم الرؤية، فيقول الخصم لا أثر لكونه غير مرئي، فإن العجز عن التسليم في الطير كاف بأمارة الحكم فكونه غير مرئي وإن ناسب نفي الصحة لا تأثير له هنا، كذا أطبقوا على هذا المثال، وأنه قادح، وقال القاضي أبو الطيب الطبري في تعليقه في الكلام على بيع الغائب: لنا أنه باع عيناً لم ير منها شيئاًَ فلا يصح كما لو باع النوى في التمر، فإن قيل: قولكم: لم ير منها شيئاً لا تأثير له، لأن بعض النوى إذا كان ظاهراً يراه، وبعضه غير ظاهر، فإن البيع لا يصح، فالجواب: أنه ليس من شرط التأثير أن يكون موجوداً في كل موضع، وإنما يكون وجود التأثير في موضع واحد، وتأثيره في بيع البطيخ واللوز فإنه يرى بعضها ويكون بيعها صحيحاً، وقال الإمام في البرهان: عدم التأثير في الأصل هو تقييد علة الأصل بوصف لا أثر لأصله في الأصل كقول الشافعي رضي الله عنه في منع نكاح الأمة الكتابية: أمة كافرة فلا تنكح كالأمة المجوسية فلا أثر للرق في الأصل، قال: والمحققون على فساد العلة بذلك وقيل بصحتها إذ للرق على الجملة أثر في المنع وشبهه بالشاهد الثالث المستظهر به وهو ضعيف، إذ الثالث منهي لوقوعه، وكذا عند تعذر أحد الشاهدين بخلاف (116/ز)
(3/345)

الرق ثم نبه الإمام على أن ذلك الوصف إذا لم يكن له أثر ولا عرض فيه، فهو لغو ولا يبطل العلة لاستقلالها مع حذف القيد، وهو قول المصنف: وحاصله معارضة في الأصل أي بإبداء علة أخرى، وهو العجز عن التسليم، ولذلك بناه بانون على التعليل بعلتين.
(ص): وفي الحكم وهو أضرب لأنه إما أن لا يكون لذكره فائدة كقولهم في المرتدين مشركون أتلفوا مالا في دار الحرب فلا ضمان كالحربي، ودار الحرب عندهم طردي فلا فائدة لذكره، إذ من أوجب الضمان أوجبه وإن لم يكن في دار الحرب، وكذا من نفاه فيرجع إلى الأول لأنه يطالب بتأثير كونه في دار الحرب أو تكون له فائدة ضرورية كقول معتبر العدد في الاستجمار بالأحجار: عبادة متعلقة بالأحجار ولم يتقدمها معصية فاعتبر فيها العدد كالجمار فقوله لم يتقدمها معصية عديم التأثير في الأصل والفرع لكنه مضطر إلى ذكره لئلا ينتقض بالرجم، أو غير ضرورية فإن لم تغتفر الضرورية لم يغتفر وإلا فتردد مثاله
(3/346)

الجمعة صلاة مفروضة فلم يفتقر إلى إذن الإمام كالظهر فإن مفروضه حشو إذ لو حذف لم ينتقض بشيء لكنه ذكر لتقريب الفرع من الأصل بتقوية الشبه بينهما إذ الفرض بالفرض أشبه.
(ش): الثالث عدم التأثير في الحكم المعلل وهو أضرب.
أحدها: أن لا يكون لذكره فائدة، أي ولا تأثير له أصلاً لا في الأصل ولا في الفرع ووجه تسميته عدم التأثير في الحكم: أنه لا مدخل له في الحكم ولا تعلق له به، مثاله: قولهم في المرتدين: مشركون أتلفوا مالا في دار الحرب فلا ضمان عليهم كالحربي، ودار الحرب عندهم طردي فلا فائدة في ذكره، فإن من أوجب الضمان أوجبه مطلقاً، ومن نفاه نفاه مطلقاً، سواء كان في دار الحرب أم غيرها فيرجع إلى القسم الأول، لأنه مطالب بتأثير كونه في دار الحرب، إذ لا تأثير للوصف بالنسبة إلى الحكم المذكور في القسمين فلا فرق بينهما.
(3/347)

الثاني: أن لا يكون له تأثير فيها، ولكن لذكره فائدة ضرورية، كقول من اعتبر العدد في الاستجمار بالأحجار عبادة متعلقة بالأحجار لم يتقدمها معصية (فاعتبر فيها العدد كرمي الجمار في الحج، فقوله لم يتقدمها معصية) عديم التأثير في الأصل والوصف، والمعلل مضطر إلى ذكره إذ لو حذفه لانتقضت عليه بالرجم فإنه عبادة تتعلق بالأحجار ولا يعتبر فيها العدد، وهو كالذي قبله في رجوعه إلى الأول فلا فرق.
الثالث: أن يكون له فائدة، لكل المعلل لا يضطر إليه ويسمى الحشو، فإن اغتفر له ذكر ما اضطر إليه اغتفر له هذا وإلا ففيه خلاف مثاله، قولنا في الجمعة تصح بغير إذن الإمام لأنها صلاة مفروضة فلم تفتقر إقامتها إلى إذنه كالظهر، فنقول: هذا قيد زائد لا لإثبات الحكم بل لتقريب الفرع من الأصل وتقوية الشبه بينهما إذ الغرض (36/ك) بالفرض أشبه من غيره.
(ص): الرابع في الفرع مثل زوجت نفسها (بغير كفء فلا يصح كما لو زوجت) من غير كفء وهو كالثاني إذ لا أثر للتقييد بغير الكفء ويرجع إلى المناقشة في الفرض وهو تخصيص بعض صور النزاع بالحجاج والأصح جوازه، وثالثها بشرط البناء أي بناء غير محل الفرض عليه.
(3/348)

(ش): الرابع عدم التأثير في الفرع من جهة أن الوصف لا يطرد في جميع صور النزاع، كقولنا: في ولاية المرأة: زوجت نفسها من كفء فلا يصح كما لو زوجت من غير كفء، فالتزويج من غير كفء وإن ناسب البطلان إلا أنه لا اطراد له في صورة النزاع إذ النزاع فيمن زوجت نفسها مطلقاً فبان أن الوصف لا تأثير له في الفرع المتنازع فيه، وحاصله كالثاني، أي من حيث إن حكم الفرع هنا إلى غير الوصف المذكور فيه كما أن حكم في الأصل= في القسم الثاني مضاف إلى غير الوصف المذكور، وهو في ذلك متابع لابن الحاجب في مختصره الصغير، لكنه قال في الكبير إنه كالثالث، وقيل إنه الصواب، وقوله: ويرجع إشارة إلى أن قبول هذا مبنى الفرض فمن منع جواز الفرض في الدليل رده، ومن لم يمنع من ذلك قبله، والفرض تخصيص بعض الصور النزاع بالدليل كما إذا قال المسؤول عن نفوذ عتق
(3/349)

الراهن: أفرض الكلام في العسر أو عن من زوجت نفسها أفرض فيمن زوجت من غير كفء فإذا خصص المستدل تزويجها نفسها من غير الكفء بالدليل فقد فرض دليله في بعض صور النزاع وفيه مذاهب:
أحدها: المنع منه وهو قول ابن فورك وقال: من شرط الدليل أن يكون عاماً لجميع مواقع النزاع ليكون دفعاً لاعتراض الخصم مطابقاً للسؤال.
والثاني: وهو الذي عليه الجمهور الجواز، لأنه قد لا يساعده على الكل أو يساعده غير أنه لا يقدر على دفع كلام الخصم بأن يكون كلامه في بعض الصور أشكل، فيستفيد من الفرض غرضاً صحيحاً وليس منه ما يوجب فساد الجواب، فإن من يسأل عن الكل فقد سأل عن البعض وقال ابن الحاجب: إن كان الوصف المجهول في الفرض طرداً فمردود وإلا فمقبول وقال ابن التلمساني: الوجه أن يقال: قد يستفاد بالفرض تضييق مجاري الاعتراض على الخصم، وهو من مقصود الجدل أو وضوح التقرير، ولهذا المعنى عدل الخليل عليه الصلاة والسلام في تقرير الاستدلال على النمرود بالأثر على المؤثر من صورة إن الله يحيي ويميت لما اشتبه
(3/350)

عليه إلى أوضح منها عند النمرود فقال: {إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب} الآية.
الثالث: يجوز بشرط البناء، أي: بناء ما خرج عن محل الفرض إلى محل الفرض واختلفوا في طريق البناء، فقيل: يكفيه فيه أن يقول: إذا ثبت الحكم في بعض الصور لزم القول بثبوته في الباقي ضرورة إذ لا قائل بالفرق، وقيل: لا يكفيه ذلك بل يحتاج إلى رد ما خرج عن محل الفرض إلى محل الفرض لجامع صحيح كما هو قاعدة القياس، وقيل: إن كان الفرض في صورة السؤال فلا يحتاج إلى البناء، وإن عدل في الفرض إلى غير محل السؤال فعند ذلك لا بد من بناء على السؤال على محل الفرض بطريق القياس.
(ص): ومنها القلب وهو دعوى أن ما استدل به في المسألة على ذلك الوجه عليه لا له إن صح، ومن ثم أمكن معه تسليم صحته، وقيل هو تسليم للصحة مطلقاً، وقيل: إفساد مطلقاً.
(3/351)

(ش): قوله: في المسألة. أي: في تلك المسألة بعينها (ليخرج ما يدل عليه في غير تلك المسألة التي استدل هو به عليها فلا يسمى قلباً وقوله على ذلك الوجه ليخرج ما يدل عليه (117/ز) في تلك المسألة لكن على غير ذلك الوجه مثل: أن يستدل المستدل بنص بطريق الحقيقة، والمعترض يستدل به عليه في تلك المسألة بطريق التجوز، وكان ينبغي إسقاط قوله: لا له، ولهذا قال الآمدي: قلب الدليل: هو أن يبين القلب، أن ما ذكره المستدل يدل عليه لا له أو يدل عليه وله قال: والأول قل ما يتفق له مثال في الأقيسة، ومثله بالمنصوص من استدلال الحنفي في توريث الخال بقوله عليه الصلاة والسلام ((الخال وارث من لا وارث له)) فأثبت إرثه عند
(3/352)

عدم وارث غيره، فيقول المعترض: هذا يدل عليك لا لك، إذ معناه نفي توريث الخال بطريق المبالغة أي: الخال لا يرث كما يقال: الجوع زاد من لا زاد له، والصبر حيلة من لا حيلة له، أي: ليس الجوع زاداً ولا الصبر حيلة، والثاني: وهو يدل على المستدل وله، إما أن يتعرض القالب فيه لتصحيح مذهب نفسه كمسألة الاعتكاف أو إبطال مذهب المستدل صريحاً كمسح الرأس أو التزاماً كمسألة الخيار، وقول
(3/353)

المنصف: إن صح أي على تقدير الترك ولهذا يمكن مع القلب تسليم صحة الدليل (وقيل: هو تسليم للصحة مطلقاً) أي تسليم لأن الجامع دليل صحيح، وإنما اختلفوا في أنه دليل للمستدل أو عليه، وقيل: إنه إفساد العلة مطلقاً، وتبين أنه لا يصح التعلق بها لواحد منهما لأن الشيء الواحد، لا يجوز أن يعتبر بالشيء وضده.
واعلم: أن الخلاف هكذا لا يوجد صريحاً، وإنما المصنف أخذ الأول من ظاهر قول من سمى القلب معارضة، فإن المعارضة لا تفسد العلة، بل تمنع من التعلق بها إلى أن يثبت رجحانها من خارج، وأخذ الثاني: من قول بعض أصحابنا: القلب شاهد زور كما يشهد لك يشهد عليك، وقول ابن السمعاني توجيه سؤال القلب: أن يقال: إذا علق على العلة ضد ما علقه المستدل من الحكم، فلا يكون أحد الحكمين أولى من الآخر، ويبطل تعلقها بهما قلت: كذا ذكره
(3/354)

المصنف في (شرح المختصر) أنه استنبط الخلاف من ذلك، وقال الإمام في (البرهان): ذهب ذاهبون إلى رده لكون ما جاء به القالب ليس مناقضاً لما صرح به المعلل بل كالمعارضة الجامدة، وقيل: بقبوله لكون العلة وقلبها مشتملين على حكمين يستحيل الجمع بينهما، فهو مناقض للمقصود، قال: ولا يمكن القالب أن يعتقد صحة قلبه لكون قياس العلل قلباً له بل هو عنده من باب معارضة الفاسد بالفاسد بخلاف المعارضة إذ قد تكون صحيحة لترجيحها على قياس المعلل، ونازعه بعضهم في ذلك وقال: ربما كان القلب أرجح من قياس المعلل فيكون صحيحاً فهو كالمعارضة، وقد أشار الإمام فيما بعد إلى ذلك، وقال النيلي في جدله القسم الأول من القلب، وهو ما يدل على (37/ك) المستدل لا له من قبل الاعتراضات ولا يتجه إلى قبوله خلاف، وأما الثاني وهو ما يدل على المستدل من وجه آخر كمثال الاعتكاف، ومسح الرأس، وبيع الغائب، فاختلفوا فيه هل هو اعتراض أو معارضة؟ فزعم قوم أنه معارضة، لأن المعترض يعارض دلالة المستدل بدلالة أخرى فحقيقة المعارضة موجودة فيه، وذكر لهذا الخلاف فوائد منها: أنه إذا قيل معارضة جازت الزيادة في علته كقوله في بيع الغائب: عقد معاوضة مقتضاه التأبيد، فلا ينعقد على خيار الرؤية
(3/355)

كالنكاح، وإن قيل: هو اعتراض لم تجز الزيادة، انتهى.
والفرق بين المعارضة والاعتراض أن المعارضة كدليل مستقل فلا يتعذر بدليل المستدل، بخلاف الاعتراض فإنه منع للدليل فتمتنع الزيادة عليه إذ يكون كالكذب على المستدل حيث يقول ما لم يقل ومنها إن قلنا: معارضة جاز قلبه من المستدل كما يعارض العلة كما سيأتي في بيع الفضولي، ومن قال: إنه اعتراض لم يجز ذلك، لأنه منع والمنع لا يمنع، ومنها إن قلنا: (إنه معارضة جاز أن يتأخر عن المعارضة لأنه كالجزء منها وإن قلنا) اعتراض لم يجز ووجب تقديمه عليها، لأن المنع مقدم على المعارضة، ومنها إن قلنا: معارضة قبلنا فيها الترجيح، وإن قلنا: اعتراض فلا، لأن المعارضة تقبل الترجيح كالدليل المبتدأ، والمنع لا يقبل الترجيح.
(ص): وعلى المختار فهو مقبول معارضة عند التسليم قادح عند عدمه، وقيل: شاهد زور لك وعليك.
(ش): أي إذا قلنا: إنه لا يفسد العلة، فإن كان لتسليم صحة الدليل فهو معارضة بقياس بجامع المستدل وأصله فيجاب عنه بالترجيح، وإن لم يكن فهو اعتراض قادح قال علماؤنا: المعارضة قد تكون لعلة أخرى وهي ما عدا القلب، وقد تكون لعلة المستدل نفسها وهي القلب، وتسمى مشاركة في الدليل، وقال الهندي: يمتاز القلب عن مطلق المعارضة بأمرين لا غير:
أحدهما: أنه لا يمكن فيه الزيادة في العلة، وسائر المعارضات يمكن.
وثانيهما: أنه لا يمكن منع وجود العلة في الفرع والأصل، لأن أصل القالب
(3/356)

وفرعه هما أصل المستدل وفرعه ويمكن ذلك في سائر المعارضات وقول المصنف: وقيل: شاهد زور هو القول الذي حكاه أولاً بالإفساد.
(ص): وهو قسمان الأول لتصحيح مذهب المعترض إما مع إبطال مذهب المستدل صريحاً كما يقال في بيع الفضولي: عقد في حق الغير بلا ولاية فلا يصح كالشراء، فيقال: عقد فيصح كالشراء أولاً مثل لبث فلا يكون بنفسه قربة كوقوف عرفة، فيقال: فلا يشترط فيه الصوم كعرفة).
(ص): القلب لتصحيح مذهب المعترض ضربان:
أحدهما: أن يدل مع ذلك على بطلان مذهب المستدل بالصراحة، كقولنا: في بيع الفضولي عقد في حق الغير بلا ولاية ولا نيابة فلا يصح، قياساً على ما إذا اشترى شيئاً لغيره بغير إذنه، فيقول الخصم: أنا أقل هذا الدليل، فأقول: تصرف في مال الغير بلا ولاية ولا نيابة فلا يقع عن أضافة =إليه كالشراء فإن الشراء لم يصح لمن أضيف له وهو المشتري له بل صح للمشتري وهو الفضولي.
(3/357)

والثاني: أن لا يدل مع ذلك على إبطال مذهب المستدل صريحاً كقول الحنفي في الاعتكاف: لبث في محل مخصوص فلا يكون قربة بنفسه كالوقوف بعرفة، وغرضه التعرض لاشتراط الصوم فيه، ولكنه لم يتمكن من (118/ز) التصريح باشتراطه إذ لو صرح به لم يجده أصلاً، فيقول الشافعي: لبث في محل مخصوص فلا يشترط فيه الصوم كالوقوف بعرفة، فقد تعرض للعلة بتصريحه بنقض المقصود وقد تكلم إمام الحرمين في هذا المثال، وقال: الصوم عبادة مستقلة، فوقوعه شرطاً بعيداً وليس تعبداً، فإن الإيمان مقصود في نفسه، وهو شرط في كل عبادة
(ص): الثاني لإبطال مذهب المستدل بالصراحة عضو وضوء فلا يكفي أقل ما يطلق عليه الاسم كالوجه، فيقال: فلا يتقدر غسله بالربع كالوجه، أو بالالتزام عقد معاوضة فيصح مع الجهل بالعوض كالنكاح فيقال: فلا يشترط خيار الرؤية كالنكاح.
(ش): القلب لإبطال مذهب المستدل ضربان: ضرب بالصراحة وضرب بالالتزام فالأول كقولك في مسح الرأس عضو وضوء فلا يكتفى فيه بأقل ما ينطلق عليه اسم المسح كغيره (من أعضاء الوضوء، فيقول الشافعي فلا يتقدر بالربع)
(3/358)

كغيره.
والثاني: كقوله في بيع الغائب، عقد معاوضة فيصح مع الجهل بالعوض كالنكاح، فيقول الشافعي: فلا يشترط فيه خيار الرؤية كالنكاح فقد تعرض لإبطال مذهب المستدل بالالتزام، لأنه أبطل لازم الصحة وهو خيار الرؤية لأن من قال في بيع الغائب بالصحة، قال بخيار الرؤية، فالخيار لازم للصحة، فإذا انتفى اللازم، وهو خيار الرؤية انتفى الملزوم وهو الصحة.
(ص): ومنه خلافاً للقاضي قلب المساواة مثل طهارة بالمائع، فلا تجب فيها النية كالنجاسة، فيقول: فيستوي جامدها ومائعها كالنجاسة.
(ش): يلحق بالقسم الآخر نوع يقال له قلب المساواة وهو أن يكون في الأصل قسمان.
أحدهما: منتف في الفرع باتفاق الخصمين، والآخر متنازع فيه بينهما فإذا أراد أن يثبته في الفرع قياساً على الأصل فيقول المعترض تجب التسوية بينهما في
(3/359)

الفرع بالقياس على الأصل، ويلزم من وجود التسوية في الفرع عدم ثبوته فيه كقولهم في نية الوضوء: طهارة بالماء فلا يفتقر إلى النية كإزالة النجاسة، فنقول يستوي جامدها ومائعها في النية كإزالة النجاسة، وقد اختلف فيه فذهب الأكثرون منهم الأستاذ أبو إسحاق وإمام الحرمين، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي إلى قبوله أيضاً وذهب القاضي أبو بكر، وابن السمعاني وطائفة ممن قبل أصل القلب إلى رده، لأنه لا يمكن التصريح فيه بحكم العلة، فإن الحاصل في الأصل نفي، وفي الفرع إثبات، ألا ترى المستدل يعتبر الوصفين في الأصل، والمعترض لا يعتبرهما، بمقتضى القلب، والأول هو المختار عند المصنف، فإن القياس على الأصل إنما هو حيث عدم الاختلاف، وهو ثابت فيه، فلا يضر كونه في الأصل الصحة، وفي الفرع عدمها، إذ هذا الاختلاف غير مناف لأصل الاستواء الذي جعل جامعاً.
(3/360)

(ص): ومنها: القول بالموجب وشاهده {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} في جواب {ليخرجن الأعز منها الأذل} وهو تسليم الدليل مع بقاء النزاع كما يقال في المثقل: قتل بما يقتل غالباً فلا ينافي القصاص كالإحراق، فيقال: سلمنا عدم المنافاة، ولكن لم قلت يقتضيه وكما يقال: التفاوت في الوسيلة لا يمنع القصاص كالمتوسل إليه، فيقال مسلم، ولكن لا يلزم إبطال مانع انقضاء الموانع ووجود (38/ك) الشرايط والمقتضى.
(ش): الموجب بفتح الجيم أي القول بما أوجبه دليل المستدل، واقتضاه، أما الموجب بكسرها فهو الدليل المقتضي للحكم، وهو غير مختص بالقياس ومنه الآية الكريمة، أي صحيح ما يقولونه من أن الأعز يخرج الأذل والنزاع باق فإن العزة لله ولرسوله فالله ورسوله يخرجانكم، وتعريف المصنف له: بتسليم الدليل تبع فيه ابن الحاجب.
(3/361)

وقال بعضهم: ينبغي أن يقال: تسليم مقتضى الدليل لأن تسليم الخصم، إنما هو لمقتضى الدليل وموجبه، لا لنفس الدليل إذ الدليل ليس مراداً لذاته، بل لكونه وسيلة إلى معرفة المدلول وهو أقسام.
أحدها: أن يستنتجه ما يتوهم أنه محل النزاع أو ملازمه، كقولنا في القتل بالمثقل، قتل بما يقتل غالباً، فلا ينافي وجوب القصاص كالإحراق، فيقول المعترض: عدم المنافاة ليست محل النزاع ولا تقتضيه، وأنا أقول بموجب ما ذكرته، وإنما النزاع في وجوب القصاص، وهو ليس عدم المنافاة ولا ملازمة.
الثاني: تستنتجه إبطال ما يتوهم أنه مأخذ مذهب الخصم، كقولنا في القتل بالمثقل أيضاً التفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القصاص، كالتفاوت في المتوسل إليه، فيقول الخصم: أنا أقول بموجب هذا الدليل وأن التفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القصاص، ولكن لا يلزم من ذلك وجوب القصاص الذي هو محل النزاع، إذ لا يلزم من إبطال كون التفاوت في الوسيلة مانعاً، انتفاء كل مانع لوجوب القصاص، فلا يلزم وجود جميع شرايطه، ووجود مقتضيه، فيجوز أن لا يجب القصاص لمانع آخر آو لفوات شرط، أو لعدم المقتضى.
(3/362)

(ص): والمختار تصديق المعترض في قوله: ليس هذا مأخذي.
(ش): لأنه أعرف بمذهبه، وقيل: لا يصدق إلا ببيان مأخذ آخر، إذ ربما كان ذلك مأخذه، ولكنه يعاند قصداً لإيقاف كلام خصمه، والصحيح الأول، كيف؟ وإنا لو أوجبنا عليه إبداء المأخذ فإن ملكنا المستدل من إبطاله لزم قلب المستدل معترضاً، والمعترض مستدلاً وإن لم نملكه فلا فائدة في إبداء المأخذ لإمكان ادعائه ما لا يصلح ترويجاً لكلامه.
(ص): وربما سكت المستدل عن مقدمة غير مشهورة مخافة المنع فيرد القول بالموجب.
(ش): من أنواع القول بالموجب أن يسكت عن الصغرى، وهي غير مشهورة كقول الشافعي في افتقار الوضوء إلى النية، ما ثبت أنه قربة فشرطه النية كالصلاة وسكت عن قوله والوضوء قربة مخافة المنع فيرد القول بالموجب، أي فيقول المعترض: أنا أقول بموجب ما ذكرته، ولكن مقدمة واحدة لا تنتج، فلا يثبت
(3/363)

مدعاك، فلو ذكرها فقال: والوضوء قربة، وكلما ثبت كونه قربة شرط النية كالصلاة، فينتج أن الوضوء شرط النية فلا يرد عليه إلا منع الصغرى (119/ز) أو الكبرى، فيقول: لا نعلم أن الوضوء قربة، ويكون حينئذ منعاً للصغرى لا قولاً بالموجب، وإنما قال: غير مشهورة، لأنها لو كانت مشهورة كانت بمنزلة المذكورة فيمتنع، أو كانت متفقاً عليها فلا يتأتى المنع أصلاً وإن صرح بذكرها.
فائدة: جعله القلب من مفسدات العلة ذكره الآمدي والهندي، ووجهوه بأنه إذا كان تسليم موجب ما ذكره من الدليل لا يرفع الخلاف علمنا أن ما ذكره ليس بدليل الحكم، ونازع المصنف في (شرح المنهاج) فيه، وقال: هذا التقرير يخرج لفظ القول بالموجب عن إجرائه على قضيته، بل الحق أن القول بالموجب تسليم له وهذا ما اقتضاه كلام الجدليين، وإليهم المرجع في ذلك، وحينئذ لا يتجه عده من مبطلات العلة، قلت: وبه صرح إمام الحرمين في (البرهان) فقال متى تحقق انقطع المستدل، وليس اعتراضاً في الحقيقة لاتفاق الخصمين فيه على صحة العلة، وإنما ينشأ من اعتناء المعلل بالموجب.
(3/364)

(ص): ومنها القدح في المناسبة وفي صلاحية إفضاء الحكم إلى المقصود، وفي الانضباط وفي الظهور، وجوابها بالبيان.
(ش): هذه أربعة قوادح في العلة، وإنما جمعها المصنف في موضع واحد لاختصاصها بالمناسبة.
أولها: القدح في المناسبة هو إبداء مفسدة راجحة أو مساوية لما مر أن المناسبة تنخرم بالمعارضة، وهذه المسألة عين تلك، فلا فرق وإنما أعيدت لتعداد صور القوادح وجوابه: بيان رجحان تلك المصلحة على تلك المفسدة تفصيلاً أو إجمالاً.
ثانيها: القدح في صلاحية إفضائه إلى المصلحة المقصودة من شرع الحكم له كما لو علل حرمة المصاهرة على التأبيد في حق المحارم بالحاجة إلى ارتفاع الحجاب المؤدي إلى الفجور فإذا تأبد التحريم انسد باب الطمع المفضي إلى مقدمات الهم، فيقول المعترض، بل سد باب النكاح أفضى إلى الفجور والنفس مائلة إلى الممنوع، وجوابه: بيان أن التأبيد يمنع عادة من ذلك لانسداد باب الطمع، فيصير بتطاول الأمر وتماديه كالطبيعي بحيث لا يبقى المحل مشتهى كالأمهات.
ثالثها: كون الوصف غير منضبط مثل الجرح يجعل علة للفطر، والمشقة في القصر، والزجر في التعذير فإنها لا تتميز، وتختلف بالأشخاص والأحوال والزمان، ولا يمكن تعيين القدر المقصود منها، وجوابه: ببيان أنه منضبط إما بنفسه كما يقول في المشقة والمضرة: إنه منضبط عرفاً، وإما بوضعه كالمشقة في السفر والزجر بالحد.
(3/365)

ورابعها: كون الوصف غير ظاهر كالرضى في العقود، والقصد في الأفعال الدالة على الإزهاق في وجوب القصاص فإن الحكم الشرعي خفي، والخفي لا يعرف الخفي، وجوابه: أن يبين ظهوره بصفة ظاهرة كضبط الرضى بما يدل عليه من الصيغ، وضبط القصد بفعل يدل عليه عادة كاستعمال الجارح والمثقل، ولما اشتركت هذه القوادح في أن جوابها بالبيان بالمعنى السابق جمع المصنف في الجواب بذلك.
(ص): ومنها الفرق، وهو راجع إلى المعارضة في الأصل أو الفرع، وقيل إليهما معاً والصحيح أنه قادح، وإن قيل: إنه سؤالان.
(ش): من القوادح في العلة الفرق بين الأصل والفرع فينقطع به الجمع كقول الحنفي في التبييت (39/ك) صوم عين فيتأدى بالنية قبل الزوال كالنفل فيقال: ليس المعنى في الأصل ما ذكرت، بل إن النفي يبنى على السهولة، فجاز بنية متأخرة بخلاف الفرض، وهو في التحقيق راجع إلى سؤال المعارضة في الأصل أو الفرع فحكمه رداً وقبولاً حكمها، واستغنى المصنف بذلك عن التعرض لتعريفه،
(3/366)

وفي جواب المستدل عنه وعند كثير من المتقدمين: هو معارضة في الأصل والفرع معاً، حتى لو اقتصر على أحدهما لا يكون فرقاً وذكر إمام الحرمين أنه وإن اشتمل على معارضة، لكن ليس المقصود منه المعارضة، وإنما الغرض منه المناقضة للجمع، فالكلام في الفرق وراء المعارضة وخاصيته وسر نفيه تناقض أصل الجمع، وقد رده من يقبل المعارضة، وأشار بقوله: والصحيح إلى أنه اختلف في قبوله على قولين:
أحدهما: أنه مردود فلا يكون قادحاً وعزاه ابن السمعاني للمحققين، وقال: إنه ليس مما يمس العلة التي نصبها المعلل بوجه ما ووجهه غيره بأن الوصف الواقع فرقاً إن استقل بالمناسبة فهو علة أخرى ولا تناقض بينهما، وإن لم يستقل، بل كان محل المصلحة، فلا حاجة إلى هذه الزيادة، بل المستقل هو المعتبر وأصحهما: أنه مقبول لأنه على أي وجه ورد يوهن غرض المستدل من الجميع، ويبطل مقصوده، وذكر الشيخ أبو إسحاق في (الملخص): أنه أفقه شيء يجري في النظر، وبه يعرف فقه المسألة،
(3/367)

وذكر إمام الحرمين أنه الذي عليه جماهير الفقهاء لأن شرط علة الخصم خلوها من المعارض، والحق أنه إن كان معارضة في الفرع فهو قادح قطعاً، وإن كان في الأصل انبنى على التعليل بعلتين: فمن منع رآه اعتراضاً قادحاً وإلا للزم تعدد العلة، ومن لم يمنعه لم ير ذلك قادحاً، إذ لا امتناع في إبداء معنى آخر، واجتماع علتين القدر المشترك والتعيين الخاص وقوله: وإن قيل إنه سؤالان، إشارة إلى الخلاف في أنه سؤال واحد أو سؤالان فقال ابن سريج: إنه سؤالان لاشتماله على معارضة علة الأصل بعلة، ثم معارضة علة الفرع بعلة مستنبطة في جانب الفرع، وقيل: سؤال واحد لاتحاد المقصود منه، هو قطع الجمع فإن قلنا بهذا: فهو مقبول قطعاً، وإن قلنا: سؤالان ففي قبوله خلاف فمنهم من منعه لجمعه بين أسئلة مختلفة المراتب، فإنه منع لعلة الأصل، فهو سؤال مستقل وإبداء لعلة أخرى موجودة في الأصل، وهو المعارضة في الأصل، وموجودة في الفرع وهي المعارضة في الفرع، وكل واحد منها سؤال مستقل فلا وجه للجمع فينبغي أن يورد كل سؤال على حياله، والصحيح (120/ز) القبول، وجاز الجمع بينهما لأنه أضبط للغرض، وأجمع لشعب الكلام، وقال إمام الحرمين: حاصل القول في مذهب الجدليين يؤول إلى ثلاثة مذاهب:
أحدها: رده، وإنما يستمر مع القول برد المعارضة في الأصل والفرع وهو
(3/368)

مذهب ساقط.
والثاني: ويعزى إلى ابن سريج واختاره الأستاذ أبو إسحاق أن الفرق ليس سؤالاً على حياله، وإنما هو معارضة معنى الأصل بمعنى، ومعارضة الفرع بعلة مستقلة، ومعارضة العلة بعلة مقبولة وإن تردد في معارضة.
والثالث: وهو المختار عندنا وارتضاه كل من ينتمي إلى التحقيق أنه صحيح مقبول، وإن اشتمل على معنى معارضة الأصل ومعارضة علة الفرع بعلة، فليس المقصود منه المعارضة، بل مناقضة الجمع إذا علمت هذا فالقائل بأنه سؤالان لم يقبله على أنه فرق بل معارضة، فكلام المصنف ينخدش بهذا.
(ص): وأنه يمتنع تعدد الأصول للانتشار، وإن جوز علتان.
(ش): القائلون بأنه من القوادح اختلفوا في أنه هل يجب على الفارق نفيه عن الفرع فمنهم: من أوجبه لأن قصده افتراق صورتين، وقيل: لا يجب، وقيل: بالتفصيل إن صرح في أفراد الفرق بالافتراق بين الأصل والفرع فلا بد من نفيه عنه، وإن لم يصرح بل قصد المعارضة، ودليله غير تام فلا، وقال المقترح: إنه أقرب إلى الصواب، هذا إذا كان المقيس عليه واحداً منهما وهو المختار عند المصنف، وإن جوزنا علتين، ومنهم من جوز ذلك لما فيه من تكثير الأدلة هو أقوى في إفادة الظن.
(ص): قال المجيزون: ثم لو فرق بين الفرع وأصله منها كفاه وثالثها
(3/369)

إن قصد الإلحاق بمجموعها (ثم في اقتصار المستدل على جواب أصل واحد قولان).
(ش): المجوزون للتعداد اختلفوا في أنه إذا فرق المعترض بين واحد وبين الفرع هل يكفيه ذلك أم لا؟
والأصح كما قاله الهندي: الاكتفاء، لأن إلحاق الفروع بتلك الأصول بأسرها غرض المستدل وإلا لم يعدده، وهو غير حاصل ضرورة أنه لم يكن ملحقاً بالأصل الذي فرق المعترض بينه وبين الفرع فلم يكن ملحقاً به بأسرها.
والثاني: لا يكفيه بل يحتاج إلى أن يفرق بين الفرع وبين كل واحد من تلك الأصول ثم اختار الهندي تفصيلاً.
ثالثاً: وهو أنه إن كان غرض المستدل من الأقيسة المتعددة إثبات المطلوب بصفة الرجحان، وغلبة الظن المخصوص، فالفرق المذكور قادح في غرضه ومحصل لغرض المعترض، وإن كان غرضه إثبات أصل المطلوب أو إثباتها برجحان ما فيها في قياس واحد أو التزامه سليماً عن الفرق لم يقدح ذلك في غرضه، ولا يحصل به غرض المعترض.
(3/370)

(ص): ومنها فساد الوضع بأن لا يكون الدليل على الهيئة الصالحة لاعتباره في ترتيب الحكم كتلقي التخفيف من التغليظ والتوسيع من التضييق والإثبات من النفي مثل: القتل جناية عظيمة فالتكفير كالردة.
(ش): ينبغي أن تعرف أولاً وضع القياس حتى تسهل معرفة فساد وضعه، فإن معرفة الضد تعين على معرفة الضد الآخر، وصحة وضع القياس أن يكون (40/ك) على هيئة صالحة، بحيث يترتب عليه ذلك الحكم المطلوب إثباته، وحينئذ ففساد الوضع أن يكون على هيئة غير صالحة لأن يترتب عليه ذلك الحكم، سواء كان على هيئة تصلح لأن يترتب عليه ضد ذلك الحكم من النفي أو الإثبات أو التخفيف أو التغليظ كما إذا كان المذكور في القياس وصفاً مشعراً بضد ذلك الحكم أو لم يصلح لذلك أيضاً كما إذا كان المذكور في القياس وصفاً لا يصلح للعلية كالطردي فمثال تلقي التخفيف من التغليظ: قول الحنفي القتل العمد جناية عظيمة فلا يجب فيه الكفارة، كما في غيره من الكبائر نحو الردة والفرار من
(3/371)

الزحف، فإن كونه جناية عظيمة يناسب التغليظ لا التخفيف، ومثال التوسيع من التضييق: كقولهم في أن الزكاة على التراخي مال وجب على وجه الإرفاق لدفع الحاجة، فكان على التراخي كالدية على العاقلة، فإن كونه وجب لدفع الحاجة يقتضي أن يكون واجباً على الفور لا التراخي ومثال الإثبات من النفي: قولنا في بيع المعاطاة في المحقرات: بيع لم يوجد فيه سوى الرضى فوجب أن لا ينعقد كما في غير المحقرات، فإن حصول الرضى مما يناسب الانعقاد لا عدمه.
(3/372)

(ص): ومنه كون الجامع ثبت اعتباره بنص أو إجماع في نقيض الحكم.
(ش): أي أن المقيس عليه يشعر بنقيض الحكم كقول الحنفي في تنجيس سؤر السباع: سبع ذو ناب فكان سؤره نجساً كالكلب فيقول: علقت على العلة ضد مقتضاها لأن كونه سبعاً علة للطهارة بدليل أنه صلى الله عليه وسلم دعي إلى دار قوم فأجاب دون دار آخرين، فقال: ((إن في دراهم كلباً)) قيل: وفي دار الذين أجبتهم هرة، فقال: ((الهرة سبع)) فجعل السبع علة للطهارة.
واعلم أن ابن الحاجب لم يذكر لفساد الوضع غير هذا القسم فكأن المصنف
(3/373)

قصد التنبيه على الاعتراض عليه في اقتصاره على نوع منه، وتفسيره الكل بالجزء، وقال إمام الحرمين في (البرهان): فساد الوضع نوعان:
أحدهما: بيان أن القياس مخالف لمتمسك تقدم عليه لمخالفة النص.
والثاني: أن يشعر المعنى بنقيض الحكم، وهو أوضح فساداً من الطرد.
(ص): وجوابهما بتقرير كونه كذلك.
(ش): أي جواب النوعين بتقرير المدعى أما في الأول: فلأنه قد يكون للوصف وجهتان يناسب بإحداهما التغليظ، والأخرى التخفيف، وأما الثاني فبأن يمنع كون علته تقتضي نقيض ما علق عليه، أو نسلم ذلك، ولكن تبين وجود مانع في أصل المعترض.
(ص): ومنها فساد الاعتبار بأن يخالف نصاً أو إجماعاً، وهو أعم من فساد الوضع وله تقديمه على المنوعات وتأخيره.
(ش): النص يشمل الكتاب والسنة، مثال ما خالف الكتاب: (121/ز) قولنا: في التبييت صوم مفروض فلا يصح بنية من النهار كالقضاء، قال: هذا فاسد الاعتبار لمخالفة قوله تعالى: {والصائمين والصائمات} فإنه يدل على أن كل من صام يحصل له الأجر العظيم وذلك يستلزم الصحة.
(3/374)

ومثال ما خالف السنة: قولنا: لا يصح السلم في الحيوان لأنه عقد يشتمل على الضرر فلا يصح كالسلم في المختلطات فيقال: هذا فاسد الاعتبار لمخالفته ما روي أنه صلى الله عليه وسلم رخص في السلم ومثال ما خالف الإجماع، قول الحنفي: لا يجوز للرجل أن يغسل زوجته لأنه يحرم النظر إليها كالأجنبية فيقال: هذا فاسد الاعتبار لمخالفته الإجماع السكوتي وهو أن علياً
(3/375)

رضي الله عنه غسل فاطمة رضي الله عنها.
واعلم أن اقتصار المصنف على تفسيره المخالفة بالنص أو الإجماع غير واف بحقيقته، بل منه كما قال الهندي وغيره: أن يكون أحد مقدماته مخالفاً للنص أو الإجماع، أو كان الحكم مما لا يمكن إثباته بالقياس كإلحاق المصراة، بغيرها من المعيب في حكم الرد وعدمه ووجوب بدل لبنها الموجود في الضرع، لأن هذا القياس مخالف لصريح النص الوارد فيها، أو كان تركيبه مشعراً بنقيض الحكم المطلوب سمي بذلك لأن اعتبار القياس مع مخالفته النص أو الإجماع اعتبار له مع دليل أقوى
(3/376)

منه، وهو اعتبار فاسد لحديث معاذ فإنه أخر الاجتهاد عن النص وقوله: (وهو أعم جواب= عن سؤال مقدر، وهو أن هذا النوع يؤول إلى ما قبله لاشتراكهما في أنه اجتهاد في مقابلة النص فما وجه تميزه عنه، وأجاب بأن بينهما عموم وخصوص مطلقاً، وهذا أعم فإن من جملة أقسام فاسد الاعتبار: كون تركيبه مشعراً بنقيض الحكم المطلوب، وهذا قاله الجدليون في ترتيب الأسئلة، قالوا: يقدم بعد الاستفسار سؤال فساد الاعتبار، لأنه نظر في فساد القياس من حيث الجملة، وهو قبل النظر في تفصيله، ثم سؤال فساد الوضع لأنه أخص من فساد الاعتبار، لأن فساد وضع القياس يستلزم عدم اعتبار القياس لأنه قد يكون بالنظر إلى أمر خارج عنه.
(3/377)

واعلم أن الأعمية ذكرها الصفي الهندي أيضاً، ولكن ظاهره على تفسيره فساد الاعتبار بما ذكرنا، وأما على تفسير المصنف لمخالفة النص أو الإجماع، وتفسير فساد الوضع بأن لا يكون على الهيئة الصالحة، وبأن يعتبر الجامع في نقيض الحكم فهذا يقتضي أن فساد الوضع أعم فلينظر، وللمستدل تقديم هذا السؤال على سؤال المنوعات لأنه لما كان فاسد الاعتبار أغنى ذلك عن منع مقدماته، وله أن يؤخره لأن المستدل يطالب أولاً بتصحيح مقدمات ما ادعاه من صحة القياس، فإذا قام به فبعد ذلك إن أمكن إثبات مقتضاه أثبت وإلا رد لعدم اعتباره.
(3/378)

(ص): وجوابه الطعن في سنده أو المعارضة له أو منع الظهور أو التأويل.
(ش): للجواب عن هذا السؤال طرق منها: الطعن في النص الذي ادعى أن القياس على خلافه إما بمنع صحته لضعف إسناده، وإما بمنع دلالته ولهذا أطلق ابن الحاجب الطعن وقيده المصنف (41/ك) بالسند، وحمله في شرحه كلام ابن الحاجب عليه وليس كذلك.
ومنها: المعارضة بنص آخر مثله حتى يتساقطا، فيسلم قياسه.
ومنها: منع ظهور دلالته ما يلزم منه فساد القياس.
ومنها: إن سلم ظهوره أن يدعي أنه مؤول بدليل يرجحه على الظاهر، وهذا الذي ذكره المصنف ليس للحصر.
(3/379)

فمنها: القول بالموجب بأن يبقيه على ظاهره، ويدعي أن مدلوله لا ينافي القياس، وغير ذلك.
(ص): ومنها منع علية الوصف ويسمى المطالبة بتصحيح العلة، والأصح قبوله.
(ش): من القوادح منع كون الوصف علة، وهو من أعظم الأسئلة لعمومه في كل ما يدعى عليته، ويسمى المطالبة بتصحيح العلة بل إذا أطلق في عرفهم المطالبة لم يفهم سواه، ومتى أريد غيره ذكر مقيداً قيل المطالبة بكذا، واختلف فيه فقيل لا يقبل وإلا أدى إلى الانتشار وعدم الضبط، والأصح نعم وإلا أدى الحال إلى اللعب في التمسك بكل وصف طردي.
(ص): وجوابه بإثباته.
(ش): جواب هذا السؤال بأن يثبت المستدل علية الوصف بأحد المسالك من
(3/380)

الإجماع أو النص والمناسبة والسبر غيره.
(ص): ومنه منع وصف العلة كقولنا في إفساد الصوم بغير الجماع الكفارة للزجر عن الجماع المحذور في الصوم فوجب اختصاصها به كالحد فيقال: بل عن الإفطار المحذور منه.
(ش): من جملة المنوع القوية منع وصف العلة، كقولنا: في إفساد صوم رمضان بالأكل والشرب: لا يوجب الكفارة لأنها شرعت زجراً عن ارتكاب الجماع الذي هو محذور الصوم، فوجب أن يختص به كالحد، فيقول المعترض: لا نسلم أن الكفارة شرعت زجراً عن الجماع الذي هو محذور الصوم لخصوصيته بل زجراً عن الإفطار الذي هو محذور الصوم، وهو شامل للموضعين أعني الجماع والإفطار.
(3/381)

(ص): وجوابه تبيين اعتبار الخصوصية، وكأن المعترض ينقح المناط والمستدل يحققه.
(ش): جوابه أن يبين أن ذلك الوصف حاصل في العلة، لأنه عليه الصلاة والسلام رتب الكفارة على الجماع، لأن الأعرابي لما سأله عن ذلك، أوجب عليه الكفارة فكان نازلاً منزلة قوله: جامعت في نهار رمضان فكفر، وترتب الحكم على الوصف يشعر بالعلية، فوجب أن تكون العلة هي الجماع بخصوصيته لا الإفطار بعمومه، لأنه ترتب على عموم الإفطار، وكأن المعترض ينقح المناط لأنه حذف خصوص الجماع، وأناط بالأعم وهو الإفطار: والمستدل يحققه، أي يحقق وصف الخصوصية المتنازع فيه، ولك أن تقول: كل منهما من مسالك العلة وذلك يؤدي إلى التوقيف للتعارض، وجوابه أن التحقيق يترجح لأنه يرفع النزاع.
(ص): ومنع حكم الأصل، وفي كونه قطعاً للمستدل مذاهب ثالثها: قال: الأستاذ: إن كان ظاهراً وقال الغزالي: يعتبر (122/ز) عرف المكان، وقال أبو إسحاق الشيرازي لا يسمع.
(ش): مثال منع حكم الأصل: قول الشافعي: الخل مائع لا يرفع حكم الحدث، فلا يزيل حكم النجاسة كالدهن، فيقول الحنفي: لا أسلم الحكم في
(3/382)

الأصل: فإن الدهن عندي مزيل لحكم النجاسة، واختلفوا في أن هذا بمجرده، هل يكون قطعاً للمستدل؟ على مذاهب:
أصحها: ليس قطعاً له، لأنه منع مقدمة من مقدمات القياس، فيمكن إثباته كسائر المقدمات.
والثاني: ينقطع لأنه انتقال من حكم الفرع إلى حكم الأصل فلا يتم مقصوده فينقطع.
والثالث: إن كان المنع جلياً بحيث يعرفه أكثر الفقهاء صار منقطعاً في بناء الفرع عليه، لأنه بنى المختلف فيه على المختلف فيه وإن كان المنع خفياً لا يعرفه إلا الخواص فلا، وهو اختيار الأستاذ أبي إسحاق، نقل ابن برهان في (الأوسط) عنه أنه استثنى من الجلي ما إذا تقدم منه في صدر الاستدلال بهذه الشريطة بأن يقول:
(3/383)

إن سلمت، وإلا نقلت الكلام إليه فلا يعد منقطعاً وهذا وارد على نقل المصنف.
والرابع: يتبع في ذلك عرف المكان فإن عدوه منقطعاً فذاك وإلا لم ينقطع، قالوا: وللجدل عرف ومراسم في كل مكان فيتبع، ونقل عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي أن سؤال المنع لا يسمع ولا يجب عليه ذكر الدلالة على الحكم أيضاً، بل له أن يقول: أنا قست على أصلي، وهو بعيد، لأن القياس على أصل غير ثابت حكمه عند الخصم لا بطريق الاعتقاد ولا بطريق الدلالة على علية، لا ينهض دليلاً على الخصم، نعم يستقيم ذلك إذا فرع على مذهب نفسه، لكن لا يتصور في ذلك منع، ولا تسليم وما نقله المصنف عن الشيخ أبي إسحاق تابع فيه ابن الحاجب وغيره، ولكن الموجود في الملخص له سماع المنع، ثم كان ينبغي أن يعكس فيحكي الخلاف في أنه هل يسمع أم لا؟ وإذا قلنا: بالسماع فهل ينقطع أم لا؟
(ص): فإن دل عليه لم ينقطع المعترض على المختار، بل له أن يعود ويعترض.
(ش): إذا قلنا إن المنع يسمع وعلى المستدل إقامة الدليل عليه، فإذا أقام الدلالة، فقيل ينقطع المعترض بمجرد الدلالة لأن اشتغاله بالاعتراض على دليل المنع خارج عن المقصود الأصلي، والمختار أنه لا ينقطع، بل للمعترض أن يعود ويعترض على دليل المنع محل المنع، إذ لا يلزم من وجود صورته دليل صحته.
(ص): وقد يقال: لا نسلم حكم الأصل، سلمنا ولا نسلم أنه مما يقاس فيه، (سلمنا ولا نسلم أنه معلل، سلمنا ولا نسلم أن هذا الوصف علته، سلمنا ولا نسلم وجوده فيه) سلمنا ولا نسلم أنه متعد، سلمنا ولا نسلم وجوده في الفرع.
(3/384)

(ش): هذه سبع اعتراضات، ثلاثة تتعلق بالأصل، ثلاثة بالعلة وواحدة بالفرع، وعلم من إيرادها هكذا وجوب الترتيب، لأنه المناسب للترتيب الطبيعي فيقدم من الاعتراضات ما يتعلق بالأصل من منع حكمه أو كونه مما لا يقاس عليه، أو ليس بمعلل وغيره، ثم بعده العلة لأنها كمستنبطة منه فتكون فرعاً عليه فيمنع وجودها في الأصل، أو كونه غير متعد أو ظاهر أو منضبط، ثم بعد ما يتعلق بالفرع لانبنائه عليهما كمنع وجود العلة في الفرع، ومخالفة حكمه حكم الأصل وسؤال القلب وغيره.
(ص): (فيجاب بالدفع بما عرف من الطرق) ومن ثم عرف جواز إيراد المعارضات من نوع، وكذا من أنواع وإن كانت مترتبة أي يستدعي تاليها تسليم متلوه، لأن تسليمه تقديري، وثالثها التفصيل (42/ك).
(ش): علم مما سبق أمران.
أحدهما: الترتيب وقد ذكرناه.
وثانيهما: جواز إيراد المعارضات، وتفصيل القول بأنها كانت من نوع واحد بأن يورد نقوضاً كثيرة، أو معارضات في الأصل والفرع، فيجوز بلا خلاف، ولا يلزم منه تناقض، ولا انتقال من سؤال إلى آخر، بل الكل بمنزلة سؤال واحد، وإن كانت من أنواع مختلفة كالمنع والمطالبة والنقض والمعارضة نظر، فإن كانت غير مرتبة أي لا يستدعي تاليها تسليم متلوه كالنقض مع عدم التأثير فإن كلا منهما يقدح
(3/385)

في أن الوصف ليس بعلة ولا ترتيب بينهما إذ يجوز أن يقال: ما ذكرت من الوصف ليس بعلة لأنه منقوض أو غير مؤثر، فالجمهور على جواز التعدد لما سبق، ومنع منه أهل سمرقند للانتشار وأوجبوا الاقتصار على سؤال واحد، قال الهندي: ويلزمهم ذلك في النوع الواحد، ولهم أن يفرقوا فإن الانتشار في المختلفة أكثر منه في المتفقة، فلا يلزم من ذلك المنع عند الكثرة المنع عند القلة، وإن كانت مرتبة، أي يستدعي تاليها تسليم متلوه كالمعارضة مع منع وجود الوصف في الأصل، فإن المعارضة إنما تكون بعد تسليم وجود الوصف في الأصل، فالجمهور على المنع لما فيه من التسليم المتقدم، فإن السؤال الثاني يتضمن تسليم الأول، والثالث يتضمن تسليم الثاني، وهلم جرا، لأنك تقول: لا نسلم ثبوت الحكم في الأصل، ولئن
(3/386)

سلمناه، فلا نسلم أن العلة فيه ما ذكره ففي الآخر تسليم الأول فتعين الآخر للجواب، فلا يستحق ما قبله الجواب، والمختار الجواز قال الهندي وهو الحق وعليه العمل في المصنفات، لأن التسليم ليس بتحقيقي بل تقديري، ومعناه ولو سلم الأول فالثاني وارد وذلك لا يستلزم التسليم في نفس الأمر، وعلى هذا فيجب ترتيب الأسئلة، وإلا كان إيرادها بلا ترتيب منعاً بعد تسليم، فإنك لو قلت: لا نسلم أن الأصل معلل بكذا فقد سلمت ضمناً ثبوت الحكم، فكيف تمنعه بعد؟ ومن هذا الخلاف في المسألتين، أعني في الأنواع المترتب وغيرها يجمع مذاهب.
ثالثها: التفصيل فيجوز في المترتبة، ويمنع في غيره.
(ص): ومنها اختلاف الضابط في الأصل والفرع لعدم الثقة بالجامع وجوابه: بأن القدر المشترك أو بأن الإفضاء سواء، لا إلغاء التفاوت.
(ش): حاصل (123/ز) هذا السؤال يرجع إلى منع وجود علة الأصل في الفرع، مثاله: قولنا في شهادة الزور بالقتل: تسببوا بالشهادة إلى القتل عمداً فوجب عليهم القصاص كالمكره فيقول المعترض: الضابط في الفرع الشهادة، وفي
(3/387)

الأصل الإكراه، فلا يتحقق التساوي بينهما في ضبط الحكمة، فلا يصح الإلحاق ولم يحك المصنف تبعاً لابن الحاجب خلافاً في كونه قادحاً، وحكى أبو العز في (شرح المقترح) في قبوله قولين، قال: ومدار الكلام فيه ينبني على شيء واحد وهو أن المعتبر في القياس القطع بالجامع أو ظن وجود الجامع كاف، وينبني على ذلك القياس في الأسباب، فمن اعتبر القطع منع القياس فيها، إذ لا يتصور عادة القطع بتساوي المصلحتين، فلا يتحقق جامع بين الوصفين باعتبار يثبت حكم السببية بكل واحد منهما، ومن اكتفى بالظن صحح ذلك، إذ يجوز تساوي المصلحتين، فيتحقق الجامع، ولا يمنع القياس ولم يذكر المصنف اختلاف جنس المصلحة، كما فعل ابن الحاجب بهذا السؤال عنه، لأن تعدد الضابط في الأصل والفرع تارة يكون مع اتحاد المصلحة، وتارة يكون مع اختلافها، فإذا قدح مع الاتحاد فلأن يقدح مع اختلاف الجنس في التأثير فإنه يحصل جهتين في التفاوت، جهة في كمية المصلحة ومقدارها، وجهة في إفضاء ضابطها إليها، فالتساوي يكون أبعد.
وجوابه بأن يبين أن الجامع هو عموم ما اشترك فيه الضابطان بين التسبب المضبوط عرفاً، وإما بأن يبين أن إفضاء الضابط في الفرع إلى المقصود مثل: إفضاء ضابط الأصل إليه أو أرجح وهو معلوم من اقتصار المصنف على
(3/388)

المساواة من باب أولى، وقوله ولا إلغاء التفاوت أي لا يفيد قوله إن التفاوت في الصورتين ملغى، مراعاة لحفظ النفس كما ألغي التفاوت بين قطع الأنملة إذا أسرى إلى النفس، وقطع الرقبة في وجوب القصاص لحفظ السبب، وإن كان قطع الرقبة أشد إفضاء، وإنما لم يفده ذلك لأنه من إلغاء تفاوت القابل إلغاء كل تفاوت.
(ص): والاعتراضات راجعة إلى المنع.
(ش): قال الجدليون: الاعتراضات ترجع إلى المنع في المقدمات أو المعارضة في الحكم لأنه متى قصد الجواب عنها تم الدليل، ولم يبق للمعترض مجال فيكون ما سواهما من الأسئلة باطلاً، فلا يسمع، وقال المصنف: لقائل أن يقول كلها راجعة إلى المنع وحده، لأن المعارضة منع العلة عن الجريان.
قلت: وهذا صار إليه بعض الجدليين، فقال: إن المعارضة ترجع إلى المنع فعلى هذا تكون سائر الاعتراضات ترجع إلى المنع، واستثنى بعضهم الاستفسار لأنه طلب بيان المراد من اللفظ ويمكن رجوعه إلى المنع، لأن الكلام إذا كان مجملاً لا يحصل غرض المستدل إلا بتفسيره، فالمطالبة بتفسيره يستلزم منع تحقق الوصف، ومنع لزوم الحكم عنه.
(3/389)

(ص): ومقدمها الاستفسار وهو طلب ذكر معنى اللفظ حيث غرابة أو إجمال.
(ش): هو استفعال من الفسر وهو لغة: طلب الكشف والإظهار، ومنه التفسير لأنه يفسر عن باطن الألفاظ، وفي الاصطلاح ما ذكره المصنف فأما الغرابة فتارة تكون بحسب الاصطلاح، بأن يذكر في القياس الفقهي لفظ الدور والتسلسل والهيولي والمادة والمبدأ، والغاية ونحوه من اصطلاح المتكلمين، فيقول مثلاً: في شهود القتل إذا رجعوا لا يجب القصاص، لأن وجوب القصاص تجرد مبدؤه عن غاية مقصودة فوجب أن لا يثبت، فإن لفظ المبدأ، والغاية باصطلاح المتكلمين أشبه منهما باصطلاح الفقهاء، إلا أن يعلم من خصمه معرفة ذلك فلا غرابة، وتارة يكون
(3/390)

بحسب الوضع (43/ك) بذكر وحشي الألفاظ، كقوله: لا يحل السيد يعني الذئب فيقال: ما تعني بذلك، وأما الإجمال، فلأنه لا يفيد معنى معيناً، مثل أن يقول يجب على المطلقة أن تعتد بالأقراء فيقول، ما تعني بالأقراء، وقول المصنف: حيث غرابة أو إجمال لا ينحصر في ذلك، وقد قال القاضي: ما ثبت فيه الاستبهام صح عنه الاستفهام، حكاه ابن الحاجب في مختصره الأكبر عنه، وإنما كان هذا مقدم الاعتراضات لأنه إذا لم يعرف مدلول اللفظ استحال منه المنع أو المعارضة، وكان شيخنا عماد الدين الإسنوي رحمه الله يقول: في كون الاستفسار من جملة الاعتراضات: نظر، إذ الاعتراض: عبارة عما يخدش به كلام المستدل،
(3/391)

والاستفسار ليس من هذا القبيل، بل هو معرف المراد، ومبين له ليتوجه عليه السؤال، فإذا هو طليعة السؤال، وليس بسؤال، قلت: وحكى الهندي عن بعض المتأخرين من الجدليين أنه أنكر هذا السؤال.
(ص): والأصح أن بيانهما على المعترض ولا يكلف بيان تساوي المحامل، ويكفيه أن الأصل عدم تفاوتهما.
(ش): على المعترض بيان اشتمال اللفظ على إجمال أو غرابة ليصح منه الاستفسار فتثبت، الغرابة بعدم شهرته لغة أو شرعاً، وإجماله بصحة وقوعه على متعدد، وقيل بل على المستدل، لأن شرط الدليل عدم إجماله أو غرابته فليكن عليه، والصحيح الأول، لأن الأصل، عدم الإجمال والغرابة، فليبرهن عليه المعترض، ولا يكلف بيان تساوي المحامل، أي تساوي إطلاق اللفظ على المعاني المتعددة من المقصودة وغيره لأنه يعسر عليه ذلك، وقوله: ويكفيه أي في البيان أن يقول:
(3/392)

التفاوت بينهما يستدعي ترجيحاً بأمر والأصل عدم ذلك الأمر وهذا تابع فيه ابن الحاجب فإنه قال: إنه جيد، وفي (جودته نظر فإنا لا نسلم أن الأصل عدمه، بل وجوده لأن ذلك الأمر المرجح هو الأصل عدم الإجمال) والأصل وجوده فإذا ثبت أن الأصل عدم الإجمال فيثبت مقابله، وهو الظهور، فتسقط جودة هذا الدليل ويبقى سؤال الاستفسار وارداً.
(ص): فيبين المستدل عدمهما أو يفسر اللفظ بمحتمل قيل: وبغير محتمل، وفي قبول دعواه (124/ ز) الظهور في مقصده دفعاً للإجمال لعدم الظهور في الآخر خلاف.
(ش): جواب المستدل أن يبين عدم الإجمال والغرابة بطريقه فيثبت ظهور اللفظ في مقصده بالنقل عن أهل اللغة أو الشرع أو بالعرف، أو يفسره بمحتمل في اللغة أو العرف، فإن فسره بما لا يحتمل ذلك، وهي المسألة المعروفة بالعناية، فقد: قيل يقبل لأن غاية الأمر أنه ناطق بلغة جديدة قال الجوادي: وهو الحق
(3/393)

والأصح عند كثيرين المنع لأن مخالفة ظاهر اللفظ من غير قرينة بعيد عن الإرشاد، والمناظرة ينبغي أن تكون على وجه يحسم مادة العناد، وفي قبوله فتح باب لا ينسد ولو قال المستدل الأصل خلاف الإجمال فيلزم ظهور اللفظ فيما قصدت لأنه غير ظاهر في معنى آخر اتفاقاً إذ هو مجمل عندك، وعندي ظاهر فيما ادعيته دون غيره فقد صوبه بعض الجدليين دفعاً للإجمال، ومنعه آخرون: لأنه لا يلزم من عدم ظهوره في الآخر ظهوره في مقصوده، لجواز عدم الظهور فيهما جميعاً.
(ص): ومنها التقسيم: وهو كون اللفظ بين أمرين أحدهما: ممنوع والمختار وروده.
(ش): التقسيم في الاصطلاح، تردد اللفظ بين احتمالين متساويين أحدهما: مسلم لا يحصل المقصود، والآخر ممنوع وهو يحصل المقصود، وأهمل المصنف
(3/394)

تبعاً لابن الحاجب كون الممنوع هو المحصل للمقصود ولا بد له منه، لأن كلاهما لو كانا مسلمين يحصلان المقصود أو لا يحصلانه لم يكن للتقسيم معنى لأن المقصود حاصل على التقديرين أو غير حاصل على التقديرين، نعم لو كانا يحصلان المقصود ويرد على أحدهما من القوادح بخلاف ما يرد على الآخر، كان من التقسيم أيضاً لأنه له حينئذ غرضاً صالحاً في التقسيم.
مثاله: أن يستدل على ثبوت حصول الملك للمشتري في زمن الخيار بأنه وجد سبب ثبوت الملك للمشتري، فوجب أن يثبت وتبين وجود السبب بالبيع الصادر من الأهل المضاف إلى المحل، فيعترض بأن بالسبب مطلق البيع، أو البيع المطلق الذي لا شرط فيه، والأول ممنوع، والثاني مسلم، لكنه مفقود في صورة
(3/395)

النزاع، ضرورة أنه مشروط بالخيار.
وقول المصنف: متردد بين أمرين (أي على السواء، إذا لو كان ظاهراً في أحدهما وجب تنزيله على ما هو الظاهر فيه وقوله (بين أمين) ليس لشرط، بل إن كان متردداً بين ثلاثة فصاعداً جاز، كما لو استدل في المرأة بأنها بالغة عاقلة، فيصح منها إنكاح، كالرجل، فيقول المعترض: ما الذي تعني بالعاقلة؟ التي لها التجربة، أو التي لها حسن الرأي والتدبير، أو التي لها عقل غريزي، والأول والثاني ممنوع، والثالث مسلم، ولكن لم يكف، إذ للصغيرة عقل غريزي، ولا يصح منها النكاح، ثم اختلفوا في هذا الاعتراض، فقيل: لا يرد، وسؤال الاستفسار كان، والمختار وروده لكن بعدما يبين المعترض الاحتمالين.
(3/396)

(ص): وجوابه أن اللفظ موضوع ولو عرفا أو ظاهر ولو بقرينة في المراد.
(ش): جواب هذا السؤال بأمور:
أحدها: أن يبين أن اللفظ موضوع لهذا المعنى المقصود إثباته بالنقل عن أئمة اللغة، أو بالاستعمال، فإنه دليل الحقيقة.
ثانيها: إن لم يمكن دعوى ذلك ادعى أنه ظاهر بحسب عرف الاستعمال كما في الألفاظ الشرعية والعرفية العامة والمجازات الراجحة بعرف الاستعمال.
ثالثها: أن يدعي ظهور أحد احتمالي اللفظ بسبب ما انضم إليه من القرينة من لفظ المستدل إن كان هناك قرينة لفظية وإلا فيدعي قرينة عقلية أو حالية.
فائدة: لا نظن أن المصنف أهمل التركيب فقد تقدم في شروط حكم الأصل: أنه راجع إلى منع حكم الأصل أو منع العلة أو وجودها، ولا التعدية، وتعدد الوضع واختلاف جنس المصلحة لرجوعها إلى المعارضة، فإنها معارضة خاصة.
(ص): ثم المنع لا يعترض الحكاية بل الدليل، إما قبل تمامه لمقدمة منه أو بعده: والأول إما مجرد أو مع المستند كلا نسلم ولم لا يكون كذا أو إنما يلزم كذا، لو كان كذا وهو المناقضة فإن احتيج لانتفاء المقدمة فغصب لا يسمعه المحققون، والثاني إما مع منع دليل بناء على تخلف حكمه، فالنقض
(3/397)

الإجمالي، أو مع تسليمه والاستدلال بما ينافي ثبوت المدلول فالمعارضة فيقول: ما ذكرت وإن دل فعندي ما ينفيه وينقلب مستدلاً.
(ش): لما أنهى القوادح شرع في شرح ألفاظ يتداولها أهل الجدل، وذكر لها ضابطاً، وهو: أن المنع في الدليل إما أن يمنع قبل تمامه لمقدمة من مقدماته، أو بعده والأول إما أن يكون مجرداً عن المستند أو مع المستند وهو المناقضة، ولهذا قال الجدليون: المناقضة منع مقدمة الدليل سواء ذكر معنى المستند أو لم يذكر، قالوا: ومسند المنع هو ما يكون المنع مبنياً عليه لقوله: لا نسلم كذا أو لم لا يكون كذا، أو لا نسلم لزوم كذا وإنما يلزم هذا أن لو كان كذا، وأشار بقوله: وإن احتيج إلى تفسير الغصب أي غصب منصب التعليل، فهو عبارة عن تصدي المعترض لإقامة دليل على فساد مقدمة من مقدمات الدليل، وهو غير مسموع عند النظار لاستلزامه الخبط في البحث، نعم يتوجه ذلك من المعترض بعد إقامة المستدل الدليل على تلك المقدمة.
والثاني: أي وهو المنع بعد تمامه، فإما أن يكون مع منع الدليل بناء على تخلف حكمه فهو النقض الإجمالي وإنما قيده بالإجمالي، لأن الجدليين عرفوا النقض: بتخلف الحكم عن الدليل ثم قسموه إلى إجمالي وتفصيلي فالإجمالي هو تخلف الحكم عن الدليل بالقدح في مقدمة من مقدماته (على التعيين والتفصيلي: هو تخلف الحكم عنه في مقدمة معينة من مقدماته) وإما أن يكون مع تسليم الدليل والاستدلال مما ينافي ثبوت المدلول فهو المعارضة فهي تسليم للدليل وممانعة لدلالته
(3/398)

(125/ز) وعلم منه أن المعارضة إنما تكون بعد تسليم الدليل، فلا يسمع منه بعدها منع، فضلاً عن سؤال الاستفسار، وتوجهه أن يقول المعترض: ما ذكره من الدليل، وإن دل على ما يدعيه فعندي ما ينفيه، أو يدل على نقيضه ويثبته بطريقته، وأشار بقوله: فينقلب مستدلاً، إلى الخلاف في قبوله فلم يقبله بعضهم لما فيه من انقلاب دست المناظرة ضرورة إذ يصير المستدل معترضاً والمعترض مستدلاً، ولأن وظيفة المعترض الهدم لا البناء والصحيح قبوله، لأنها بناء بالعرض، هدم بالذات، والمستدل مدع بالذات معترض بالعرض والمعترض عكسه، فصارا كالمتخالفين مثاله: المسح ركن في الوضوء فيسن تثليثه كالوجه فيعارضه قائلاً مسح فلا يسن تثليثه كالمسح على الخفين.
(ص): وعلى الممنوع الدفع بدليل فإن منع ثانياً فكما مر وهكذا وهلم إلى إفحام المعلم إن انقطع بالمنوع أو إلزام المانع بالانتهاء إلى ضروري أو يقيني مشهور.
(ش): (على المعلل وهو الممنوع دفع الاعتراض عنه بدليل ولا يكفيه المنع المجرد، فإن ذكر دليله، ومنع) ثانياً فكما سبق.
(3/399)

وهكذا إلى أن ينتهي الأمر إما إلى الإقحام أو الإلزام، والإفحام عندهم عبارة عن انقطاع المستدل بالمنع أو المعارضة، والالتزام: عبارة: عن انتهاء دليل المستدل إلى مقدمات ضرورية أو يقيني مشهور، يلزم المعترض الاعتراف به ولا يمكنه جحده فينقطع بذلك، فإذا الإلزام من المستدل للمعترض، والإفحام من المعترض للمستدل.
(ص): خاتمة: القيام مع الدين، وثالثها حيث يتعين.
(ش): الأقوال الثلاثة غريبة جداً وقد ظفرت بها في المعتمد لأبي الحسين فقال: وأما كون القياس دين الله فلا ريب فيه إذا عنى أنه ليس ببدعة، وإن أريد غير ذلك فعند الشيخ أبي الهذيل، لا يطلق عليه، وذلك لأن اسم الدين يقع على من هو ثابت مستمر، وأبو علي الجبائي يصف ما كان واجباً منه بذلك وبأنه إيمان دون ما كان منه ندباً، والقاضي عبد الجبار يصف بذلك واجبه ومندوبه، وكلام المصنف ظاهر في ترجيح مقالة عبد الجبار والحق إن عنوا الأحكام المقصودة لأنفسها بالوجوب والندب فليس القياس كذلك، فليس بدين، وإن عنوا ما تعبدنا
(3/400)

به فهو دين.
(ص): ومن أصول الفقه خلافاً لإمام الحرمين.
(ش): شبهته أن أصول الفقه: أدلته، وأدلته إنما تطلق على المقطوع بها والقياس لا يفيد إلا الظن، وهذا ممنوع لأن القياس، قد يكون قطعياً، سلمنا لكن لا نسلم أن أصول الفقه عبارة عن أدلته فقط وهذا ممنوع سلمنا لكن لا نسلم أن الدليل لا يقع إلا على المقطوع به.
(ص): وحكم المقيس، قال ابن السمعاني يقال: إنه دين الله تعالى وشرعه ولا يجوز أن يقال: قاله الله تعالى.
(3/401)

(ش): قال ابن السمعاني يقال: إنه دين الله تعالى أو دين رسول صلى الله عليه وسلم ولا يجوز أن يقال: قول الله تعالى أو قول رسوله صلى الله عليه وسلم.
(ص): ثم هو فرض كفاية يتعين على مجتهد احتاج إليه.
(ش): القياس فرض كفاية مع تعدد المجتهدين، وفرض عين على من تعين عليه الاجتهاد مع ضيق الوقت، ومندوب فيما يجوز حدوثه، ولم يحدث بعد كغيره من الأدلة الشرعية، لا سيما، وقد ورد قوله تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} وقوله تعالى: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} والاعتبار اعتبار الشيء بغيره واجراء حكمه عليه والاستنباط إخراج المعنى المودع في النص، وقول معاذ: أجتهد برأيي عند فقد الكتاب والسنة وإن كان خبر واحد تكلم في سنده، لكن العلماء تلقوه بالقبول.
(ص): وهو جلي وخفي، فالجلي: ما قطع فيه بنفي الفارق أو كان
(3/402)

احتمالاً ضعيفاً، والخفي خلافه، وقيل: الجلي هذا، والخفي: الشبه، والواضح بينهما، وقيل الجلي الأولى، والواضح المساوي، والخفي الأدون.
(ش): القياس ينقسم باعتبار القوة والضعف إلى جلي، وخفي، فالجلي ما قطع فيه بنفي الفارق أو كان احتمال الفارق فيه ضعيفاً، مثال الأول (45/ك) إلحاق الأمة بالعبد في التقويم على العتق، وكقياس الصبية على الصبي في الأمر بالصلاة، فإنا نقطع بعدم اعتبار الشرع الذكورة والأنوثة فيه، ونقطع أن لا فارق سوى ذلك، ومثال الثاني: إلحاق العمياء بالعوراء في حديث المنع من التضحية بالعوارء ونقل ابن
(3/403)

برهان أن فيهم من سمى الأول أجلى والثاني جلياً، والخفي: بخلافه فيهما، ومن أصحابنا من قسمه إلى ثلاثة أقسام: جلي وواضح وخفي، فالجلي الأولى، والخفي قياس الشبه، والواضح ما بينهما، وقيل: الجلي ما كان ثبوت الحكم في الفرع أولى من الأصل، والواضح ما كان مساوياً لثبوته في الأصل كالنبيذ مع الخمر، والخفي ما كان دونه كقياس اللينوفر على الأرز لجامع الطعم، وكونه ينبت في الماء وهذه أمور اصطلاحية.
(ص): وقياس العلة ما صرح فيه بها، وقياس الدلالة ما جمع فيه بلازمها فأثرها فحكمها، والقياس في معنى الأصل الجمع بنفي الفارق.
(3/404)

(ش): ينقسم باعتبار العلة إلى: قياس علة وقياس دلالة وقياس في معنى الأصل، لأنه إما أن يكون بذكر الجامع، أو بالغاء الفارق، إن كان بذكر الجامع فذلك الجامع إن كان هو العلة فهو قياس العلة، سمي بذلك لكون المذكور في الجمع بين الأصل والفرع يتضمن العلة، كقولنا في المثقل: قتل عمد عدواني فيجب فيه القصاص، كما في صورة الجارح، ويسمى في المنطق بالقياس الجلي، وقياس التمثيل، وفي علم الكلام برد الغائب إلى الشاهد، وإن كان الجامع وصفاً لازماً من لوازم العلة، وأثراً من آثارها أو حكماً من أحكامها فهو قياس الدلالة، سمي بذلك لكون المذكور في الجمع بينهما ليس عين العلة، بل شيء يدل عليها.
فمثال الأول: قياس تحريم النبيذ على تحريم الخمر بجامع الرائحة الفائحة الملازمة للشدة، المطربة، وهي ليست نفس العلة، بل هي لازمة من لوازمها.
ومثال الثاني: قولنا في المثقل قتل أثم به صاحبه من حيث كونه قتلاً فوجب أن يجب فيه القصاص كالجارح، فكونه آثماً به ليس هو نفس العلة، بل أثر من آثارها.
(ومثال الثالث: قولنا في قطع الأيدي) باليد قطع فوجب كوجوب الدية عليهم فيكون واجباً كوجوب القصاص عليهم، كما لو قتل جماعة واحداً
(3/405)

فوجوب الدية على المباشر ليس نفس العلة الموجبة للقصاص، بل هو حكم من أحكام العلة الموجبة للقصاص، بدليل اطرادها وانعكاسها، كما في القتل العمد، والخطأ وشبه العمد (126/ز)، وإن كان بإلغاء الفارق فهو قياس في معنى الأصل كإلحاق البول في الكوز، وصبه في الماء الدائم بالبول فيه، في النهي عنه، وقد سبق من المصنف تسميته تنقيح المناط، وهذه الأنواع متفق عليها بين القائلين بالقياس، لكن أبا الحسين في المعتمد لما حكى عن الشافعي رضي الله عنه تقسيم القياس إلى ما تحقق فيه العلة، وإلى ما لم يتحقق كإيجابه الجمعة على من هو خارج المصر إذا سمع النداء، ثم قال ويبعد أن يستدل على الأحكام بطريق
(3/406)

مستنبطة لا تحقق فيها للعلة، لأن العلة هي الطريق إلى الحكم، فما لا يتحقق لا يمكن التوصل فيه إلى الحكم، وقال إمام الحرمين في باب التراجيح: حكينا خلافاً فيما هو في معنى الأصل، هل يسمى قياساً، والمختار إن كان في اللفظ إشارة إليه فليس بقياس، كإلحاق الأمة بالعبد، وإلا فقياس، كإلحاق عرق الكلب بلعابه في التعدد والتعفير.
(3/407)

الكتاب الخامس: في الاستدلال
وهو دليل ليس بنص ولا إجماع ولا قياس فيدخل الاقتراني والاستثنائي، وقياس العكس.
(ش): لما انتهى الكلام في الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وكان الأئمة أجمعوا على أن الأدلة لا تنحصر فيها، وأنه ثم دليل شرعي غيرها، واختلفوا في تشخيصه من استصحاب واستحسان، وغيرها، عقد هذا الكتاب لذلك، وإنما أفردوه عما قبله، لأن تلك الأدلة قام القاطع عليها ولم يتنازع المعتبرون في شيء منها فكان قيامها لم ينشأ من اجتهادهم، بل أمر ظاهر، وأما المعقود في هذا الكتاب فهو شيء قاله كل إمام بمقتضى اجتهاده وإنما سمعوه استدلالاً، لأنه في وضع اللسان عبارة عن طلب الدليل، أو اتخاذه دليلاً كاستأجر أجيراً أي اتخذه كما تقول احتج بكذا، وعرفه في الاصطلاح بما ليس بنص ولا إجماع ولا قياس
(3/408)

والمراد بقوله ولا قياس أي شرعي بالمعنى الخاص لا نفي القياس مطلقاً وإلا يخرج عنه القياس الاقتراني والاستثنائي، وهذا خلاف عنده في الاستدلال، لا يقال: هذا تعريف بالمساوي في الجلاء والخفاء، لأنه عرف الاستدلال ببعض الأنواع وهو ما ليس بنصه إلى آخره، لدخول الاستدلال وغيره تحت العام وهو ذكر الدليل، ولا يجوز التعريف بالمساوي كما لا يعرف الإنسان بأنه ليس بحمار ولا فرس، للاستواء فيهما، لأنا نسلم تساويهما، فإن النص والإجماع والقياس كل منهما متقدم معلوم فصارت أعرف من الاستدلال فهو إذا تعريف للمجهول بالمعلوم.
واعلم: أن هذا اصطلاح حادث، وقد كان الشافعي، رضي الله عنه يسمي القياس استدلالا، لأنه فحص ونظر، ويسمي الاستدلال قياساً لوجود التعليل فيه حكاه أبو الحسين في (المعتمد) وقوله: (فيدخل فيه أي في هذا التعريف أمور منها القياس الاقتراني: وهو الذي لا تذكر النتيجة ولا نقيضها في المقدمتين وهو مراد المنطقيين بقولهم: قول مؤلف من قضايا متى سلمت لزم عنه لذاته قول آخر كقولنا
(3/409)

العالم متغير وكل متغير حادث، فإنه متى سلم أن العالم متغير (وسلم أن كل متغير) حادث، لزم من هذا القول لذاته من غير واسطة قضية أخرى لزوماً ذهنياً، وإن كابر الخصم، وتلك القضية: العالم حادث، لأن وجود الملزوم يستلزم وجود اللازم، والتغيير (46/ك) مستلزم للحدوث، وهو حجة في العقليات على المشهور، وفي الشرعيات: اختلف فيه فقيل: ليس بحجة إلا إذا تأيد بأحد الأدلة الأربعة كما يقال: لو كان القيء ناقضاً للطهارة لكان قليله ناقضاً لأن خروج النجس يوجب الانتقاض كما في السبيلين ومنها الاستثنائي: وهو ما تكون
(3/410)

النتيجة أو نقيضها مذكوراً فيه كقولنا: إن كان هذا إنساناً فهو حيوان ولكن ليس هذا بحيوان فليس بإنسان، قال الله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} والتقدير، والله أعلم (لو كان في خلق السماوات والأرض اجتماع آلهة لفسدتا لكن لم يتحقق الفساد، بل يقينا منتظمين، فلم يكن خالقهما آلهة وسمي هذا والذي قبله بالقياس العقلي، ويختص الاستثنائي بالشرطيات (ووضع المقدم أعني الملزوم فيه غير منتج، وكذا رفع التالي أعني اللازم) ورفع المقدم ووضع التالي غير منتج لاحتمال عموم اللازم، كما يقال: لو كان هذا إنساناً فهو حيوان، لكنه إنسان فهو حيوان، أو هذا ليس بحيوان فلا يكون إنساناً، أما لو قلت: فليس هذا بإنسان فلا ينتج أنه ليس بحيوان، وكذا لو قلت: هذا حيوان، فلا ينتج أنه إنسان، ولما قلنا من عموم اللازم، فالقياس إذاً لم ينتج في مادة من المواد لا نعتمد عليه في
الإنتاج، مثال وضع المقدم، قوله تعالى: {ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاًَ} أي لو جعلنا الرسول ملكاً لجعلناه في صورة رجل، وقد أنزل جبريل عليه السلام في صورة دحية، وأخرى في صورة أعرابي، ولولا بيان محمد صلى الله عليه
(3/411)

وسلم لالتبس عليهم الأمر، ومثال رفع التالي قوله تعالى: {وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض} أي لو كان مع الله تعالى آلهة لأفنى كل ما خلقه الآخر، ولعلا بعضهم على بعض، ومنها قياس العكس وهو إثبات نقيض حكم الشيء في شيء آخر لافتراقهما في العلة، كقولنا في الصبح: لا تقصر شفع فلا تصير وتراً كما أن الوتر لا يصير شفعاً يعني صلاة المغرب، وحكى الشيخ أبو إسحاق في (الملخص): والاستدلال به وجهين لأصحابنا أصحهما وقال إنه المذهب أنه يصح، وقد استدل به الشافعي في عدة مواضع ويدل عليه أن الله تعالى دل على التوحيد بالعكس، قال تعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً} وهذه دلالة بالعكس فدل على أن ذلك طريق
(3/412)

الأحكام: انتهى، وقد سبق من المصنف في العكس ذكر حديث: ((أيأتي أحدنا بضعه ويؤجر عليه)).
(ص): وقولنا: الدليل يقتضي أن لا يكون كذا خولف في كذا لمعنى مفقود في صورة النزاع فيبقى على الأصل.
(ش): الدليل الملقب بالنافي، كقولنا: الدليل يقتضي تحريم قتل الإنسان مطلقاً إلا أنا خالفناه في الأصل لمعنى يختص به، فيجب العمل بالدليل (127/ ز) النافي فيما عداه، وكقولنا في تزويج المرأة نفسها: الدليل النافي للصحة موجود، وما خولف لأجله مفقود فوجب استصحاب حكم الدليل وتقريره أن النكاح إذلال للمرأة في إرقاق، والإنسانية تأبى ذلك إظهاراً، لشرفها، وقد ظهر اعتبار ما ذكرناه في السفاح غير أنا خالفنا هذا الدليل فيما إذا صدر عن الرجل لكمال عقله وصحة نظره، وهذا مفقود في المرأة فوجب أن يبقى على مقتضى الدليل.
(3/413)

(ص): وكذا انتفاء الحكم لانتفاء مدركه، كقولنا الحكم يستدعي دليلاً وإلا لزم تكليف الغافل ولا دليل بالسبر أو الأصل.
(ش): ومن أنواعه الاستدلال على انتفاء الحكم بانتفاء دليله، وتقريره: أن الحكم الشرعي لا بد له من دليل لأنه لو ثبت من غير دليل، فإما أن نكون مكلفين به أولا والثاني باطل لأنه لا معنى للحكم الشرعي إلا خطاب يتعلق بعقل المكلف والأول باطل أيضاً، لأن التكليف بالشيء من غير الشعور به، ومن غير طريق يفضي إلى الشعور به تكليف ما لا يطاق فثبت أنه لو كان ثابتاً لكان عليه دليل، والدليل إما النص أو الإجماع أو القياس، وهو هنا منتف بالسبر أو بأن يقول شيء من هذه الملازمة غير موجود، إذ الأصل عدمه، والأصل بقاء ما كان على ما كان، وهذا ما اختاره البيضاوي، وجعله من جملة الأدلة وهو بناء على أن النفي حكم شرعي سواء استفدناه من دليل ناف أو انتفاء دليل مثبت وقد يتعين دليلاً في بعض المسائل لإعواز سائر المسالك والاعتراض عليه بأن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود.
(ص): وكذا قولهم وجد المقتضى أو المانع أو فقد الشرط خلافاً للأكثر.
(ش): من أنواع الاستدلال ما يقتصر فيه على إحدى المقدمتين اعتماداً على شهرة الأخرى كقولنا: وجد المقتضى أي السبب فيوجد المسبب، أو وجد المنافع
(3/414)

فينتفي الحكم (أو فقد الشرط فينتفي الحكم) فإنه ينتج بناء على مقدمة أخرى مقدرة وهي: قولنا: كل سبب إذا وجد وجد الحكم فأهملت لظهوروها= كما في قوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} فإنه لولا إضمار وما فسدتا لأعقلت النتيجة مثال قولنا في مسألة الأيدي باليد: وجد سبب وجوب القصاص فيجب وعلى المستدل وظيفتان: بيان السبب وبيان وجوده، وقد اختلف فيه فقيل: ليس بدليل، بل دعوى دليل، لأن معنى قولنا: وجد السبب أنه وجد الدليل، فهو دعوى وجوده، وكذا الباقي، وقيل: بل دليل، فإنه يلزم من ثبوته ثبوت المطلوب والقائلون بهذا اختلفوا في أنه استدلال أم لا؟ فقيل: إنه استدلال مطلقاً لدخوله في تعريف الاستدلال، فإنه ليس بنص ولا إجماع ولا قياس وقيل: إن أثبت السبب أو المانع أو الشرط بغير النص أو الإجماع أو القياس، فهو الاستدلال وإلا فلا والأصح عند المصنف الأول لأن أحد الثلاثة حينئذ دليل على إحدى مقدمتي) استدلال المثبت للحكم لا نفس الاستدلال.
(3/415)

(ص): مسألة: الاستقراء بالجزئي على الكلي إن كان تاماً، أي بالكل إلا صورة النزاع فقطعي عند الأكثر أو ناقصاً أي: بأكثر، الجزئيات فظني ويسمى إلحاق الفرد بالأغلب.
(ش): من أنواع الاستدلال الاستقراء وهو ينقسم إلى تام، وناقص، فالتام: هو إثبات الحكم في جزئي لثبوته في الكلي كقولنا: كل جسم متحيز، فإنا استقرينا جميع الأجسام كذلك، وهذا هو القياس القطعي المنطقي المفيد للقطع عند الأكثرين قال الهندي، وهو حجة لا خلاف والناقص إثبات الحكم في كلي لثبوته في أكثر جزئياته من غير أن يبين العلة المؤثرة في الحكم (47/ك) وهو المسمى عند الفقهاء بإلحاق الفرد بالأعم الأغلب، وقد اختلف فيه، واختيار المتأخرين كالبيضاوي وصاحب الحاصل والهندي أنه يفيد الظن لا القطع، لاحتمال أن يكون ذلك الجزئي مخالفاً لباقي الجزئيات المستقراة وقال الإمام الرازي: الأظهر أنه لا يفيد الظن إلا بدليل منفصل ثم بتقدير الحصول يكون حجة، وبهذا يعلم أن الخلاف في
(3/416)

أنه هل يفيد الظن لا في أن الظن المستفاد منه هل يكون حجة؟ ومثاله تمسك أصحابنا في أن الوتر ليس بواجب، لأنه يؤدى على الراحلة (وهذه مقدمة مجمع عليها ثم قالوا: لا شيء من الواجبات يؤدى على الراحلة) وتمسكوا في هذه المقدمة بالاستقراء فقالوا: إنا استقرينا الواجبات من الصلوات أداء وقضاء فرأيناها لا تفعل على الراحلة وبقي من التقسيم إثبات الحكم في جزئي لثبوته في جزئي آخر بجامع، وهو القياس الشرعي، ويخالف الاستقراء الناقص فإنه حكم بمجرد ثبوته في أكثر جزئياته.
(ص): مسألة: قال علماؤنا: استصحاب العدم الأصلي، والعموم أو النص إلى ورود المغير وما دل الشرع على ثبوته لوجود سببه حجة مطلقاً وقيل في الدفع دون الرفع، وقيل: بشرط أن لا يعارضه ظاهر مطلقا ًوقيل: ظاهر غالب وقيل: ذو سبب ليخرج بول وقع في ماء كثير فوجد متغيراً واحتمل كون التغير به، والحق سقوط الأصل إن قرب العهد، واعتماده إن بعد.
(ش): أطلق جماعة من الأصوليين الخلاف في الاستصحاب، والتحقيق أن للاستصحاب عندنا صوراً.
(3/417)

إحداها: استصحاب العدم الأصلي، وهو الذي عرف العقل نفيه بالبقاء على العدم الأصلي، كنفي وجوب صلاة سادسة وصوم شوال فالعقل يدل على وجوب انتفاء ذلك، لا لتصريح الشارع، لكن لأنه لا مثبت للوجوب، فيبقى على النفي الأصلي، لعدم ورود السمع وأصحابنا مطبقون على أنه حجة وفيه خلاف لغيرهم، كذا قال المصنف وغيره، لكن ذكر جماعة من أصحابنا لما ذكروا الأقوال في الأفعال قبل ورود الشرع أن فائدة الخلاف أن من حرم شيئاً أو أباحه فسئل عن
(3/418)

حجته فقال طلبت دليلاً في الشرع فلم أجد فبقيت على حكم العقل من تحريم أو إباحة، هل يصح ذلك أم لا؟ ثم هل يلزم خصمه المحاجة لهذا (128/ز) القول أم لا؟
ثانيها: استصحاب مقتضى العموم أو النص إلى أن يرد المخصص أو الناسخ، ولم يختلف أصحابنا في أنه حجة، ومنع ابن السمعاني من تسميته (بالاستصحاب، قال: لأن ثبوت الحكم فيه من ناحية اللفظ لا الاستصحاب.
ثالثها: استصحاب حكم دل الشرع على ثبوته ودوامه لوجود سببه كالملك عند حصول السبب، وشغل الذمة عن قرض أو إتلاف، وهذا إن لم يكن حكماً أصلياً فهو حكم شرعي دل الشرع على ثبوته ودوامه جميعاً، ولولا أن الشرع دل على دوامه إلى أن يوجد السبب المزيل أو المبرئ لما جاز استصحابه، ولا نعرف
(3/419)

في الثلاثة خلافاً عندنا، ولهذا قال المصنف حجة مطلقاً، ونقل عن بعض المتكلمين أنه ليس بحجة، وعزاه الإمام للحنفية، والموجود في كتبهم: المذهب أنه حجة لإبقاء ما كان لأنه ترجيح جانب الوجود في الوجود، وليس بحجة لإثبات أمر لم يكن ولهذا قالوا مسألة المفقود لا يرث ولا يورث منه، أما أنه لا يورث منه لإبقاء ما
(3/420)

لي= ما كان، والأصل الحياة، وأما أنه لا يرث فباعتبار أنه لم يكن مالكاً لمال مورثه قبل هذه الحالة، والأصل دوامه، إذ في الحياة شك وإلى هذا أشار المصنف بقوله: وقيل: في الدفع دون الرفع وهو حسن، وينبغي أن يخرج عندنا وجهاً مثله، فإنه لو بلغ مصلحاً لماله صالحاً لدينه ارتفع عنه الحجر، فلو عاد المفسق في الدين دون المال فقال ابن سريج: يحجر عليه كما يستدام به الحجر، وقال الجمهور: لا يحجر، ويخالف الاستدامة، لأن الحجر كان ثابتاً، والأصل بقاؤه وههنا يثبت الإطلاق والأصل بقاؤه، فلا يلزم من الاكتفاء بالفسق للاستصحاب الاكتفاء به لترك الاستصحاب، ونظيره إذا ظهر لبنت تسع لبن فارتضع منه صغير حرم ولا يحكم ببلوغها، قالوا: لأن احتمال البلوغ قائم، والرضاع كالنسب، يكفي فيه الاحتمال والمذهب وجوب فطرة العبد الغائب المنقطع الخبر، ولا يجوز إعتاقه عن الكفارة وأشار بقوله: وقيل: بشرط أن لا يعارضه، إلى أن شرط العمل
(3/421)

بالأصل بالاتفاق أن لا يعارضه ظاهر، فإن عارضه ظاهر، فهي قاعدة الأصل، والظاهر المشهورة في الفقه، وللشافعي فيما إذا تعارض أصل وظاهر قولان في ترجيح أحدهما على الآخر، قال ابن عبد السلام في القواعد: لا من جهة كونه استصحاباً، بل لمرجح ينضم
إليه من خارج، ثم قيل: القولان يجريان دائماً، وقيل غالباً ثم قيل: الأصح الأخذ بالأصل دائماً، وقيل: غالباً، والأول هو الذي أطلق الرافعي ترجيحه في باب الاجتهاد في الأواني، قال: لأن الأصل أصدق وأضبط من الغالب الذي يختلف باختلاف الأزمان والأحوال، والنقل يعضده فقد حمل النبي صلى الله عليه وسلم أمامة في الصلاة.
(3/422)

وكانت بحيث لا تحترز عن النجاسة، انتهى، والتحقيق الأخذ بأقوى الظنين فيترجح الأصل جزماً إن عارضه احتمال مجرد كاحتمال حدث لمن تيقن الطهر بمجرد مضي الزمان وعلى الأصح: إن استند الاحتمال إلى سبب ضعيف عام كثياب مدمني الخمر وطين الشوارع، ويرجح الظاهر، منها: إن استند إلى سبب منصوب
(3/423)

شرعاً كالشهادة، تعارض الأصل براءة الذمة، وقوله: وقيل مطلقاً يشير إلى أن القائلين بالظاهر الغالب اختلفوا، فقيل: يشترط السبب، وقيل: مطلقا إلا أنه أطلق السبب، وعلى الصحيح إن كان سبباً قوياً خاصاً، كحيوان يبول في ماء كثير ثم يوجد متغيراً، فإن استند إلى سبب، كما لو رأى ظبية تبول في الماء الكثير وكان بعيداً عن الماء فانتهى إليه فوجده متغيراً وشك أنه تغير بالبول، أو بغيره فنص الشافعي رضي الله عنه على أنه نجس، وتابعه الأصحاب إعمالاً للسبب الظاهر، ومثله: ما لو جرح صيداً وغاب عنه فوجده ميتاً، حل أكله على المشهور، وكذا لو جرح رجلاً، ومات فإنه يضمنه وإن جاز أن يموت بسبب آخر سواه لأنه قد وجد سبب يمكن الإحالة عليه، لكن يشكل (48/ك) على هذا ما لو جرح المحرم صيداً ثم غاب عنه ثم وجده ميتاً، ولم يدر أمات بجراحه أم بحادث، فهل يلزمه جزاء كامل أم أرش الجرح فقط؟ قولان أظهرهما في (زوائد الروضة) الثاني قلت: ونص عليه في (الأم) فلم يعمل السبب الظاهر، وما قال المصنف: إنه الحق ذكره القفال في (شرح التلخيص) في هذه المسألة، أي بول الظبية، فقال: هذا إذا
(3/424)

رأى الماء قبل بول الظبية عن قرب غير متغير، فإن لم يتعهده أصلاً أو طال عهده به، فهو طاهر عملاً بالأصل وذكره الجرجاني المعروف بالختن مثله في (شرح التلخيص)، فقال: هذا إذا تعقب التغير البول فإن لم يتعقبه بأن غاب عنه زماناً ثم وجده متغيراً لم يحكم عليه بالنجاسة، لأن إحالته على السبب الظاهر قد ضعف بطول الزمان.
(ص): ولا يحتج باستصحاب حال الإجماع في محل الخلاف خلافاً للمزني والصيرفي وابن سريج والآمدي.
(ش): الرابعة: من صور الاستصحاب، استصحاب حال الإجماع في محل الخلاف، وهو: أن يحصل الإجماع على حكم في حال فيتغير الحال، ويقع الخلاف، فهل يستصحب حال الإجماع؟ هذا محل الخلاف بين أصحابنا، والأكثرون منهم الغزالي على أنه ليس بحجة.
(3/425)

وما نقله ابن الحاجب عنه بخلافه مردود قال أصحابنا: والقول به في موضع الخلاف يؤدي إلى التكافؤ لأنهما ما من أحد يستصحب حال الإجماع في موضع الخلاف وإلا ولخصمه أن يستصحب حال الإجماع في مقابله، وبيانه أن من قال في مسألة التيمم: إذا رأى الماء في أثناء صلاته لا تبطل، لأن أجمعنا على صحة صلاته فلا يبطل الإجماع إلا بدليل، قيل له: أجمعنا على اشتغال ذمته بفرض الصلاة ولا يسقط إلا بدليل.
(ص): فعرف أن الاستصحاب ثبوت أمر في الثاني (129/ز) لثبوته في الأول لفقدان ما يصلح للتغيير أما ثبوته في الأول لثبوته في الثاني فمقلوب وقد يقال فيه: لو لم يكن الثابت اليوم ثابتاً أمس لكان غير ثابت فيقضي استصحاب أمس بأنه الآن غير ثابت وليس كذلك فدل على أنه ثابت.
(ش): علم مما سبق أن الاستصحاب ثبوت أمر في الثاني لثبوته في الأول لعدم وجدان ما يصلح أن يكون مغيراً بعد البحث التام وأما ثبوته في الأول لثبوته في الثاني فهو الاستصحاب المقلوب، كما إذا وقع النظر في هذا الكيل، هل كان على
(3/426)

عهد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقال: نعم إذ الأصل موافقة الماضي للحال، قال الشيخ الإمام: ولم يقل الأصحاب به إلا في مسألة واحدة فيمن اشترى شيئاً، وادعاه مدع وأخذه منه بحجة مطلقة، فقالوا: يثبت له به الرجوع على البائع بل لو باع المشتري، أو وهبه وانتزع الثاني المتهب أو المشترى منه كان للمشتري الأول الرجوع أيضاً، وهذا استصحاب الحال في الماضي، فإن البينة لا توجب الملك، ولكنها تظهره فيجب أن يكون الملك سابقاً على إقامتها، ويقدر له لحظة لطيفة، ومن المحتمل انتقال الملك من المشتري إلى المدعي، ولكنهم استصحبوا مقلوباً وهو عدم الانتقال منه قلت: قالوا به في صور كثيرة بينتها في غير هذا الموضع منها: لو قذفه فزنا المقذوف سقط الحد عن القاذف، وأشار بقوله: وقد يقال: إلى أن الطريق في الاستصحاب المقلوب أن يقال: لو لم يكن الحكم
(3/427)

الثابت الآن ثابتاً أمس لكان غير ثابت، إذ لا واسطة، وإن كان غير ثابت فيقضى الاستصحاب بأنه الآن غير ثابت، فدل أنه كان ثابتاً أيضاً.
(ص): مسألة لا يطالب النافي بالدليل إن ادعى علماً ضرورياً وإلا فيطالب به في الأصح.
(ش): النافي للشيء إن دل عليه أمر ضروري لم يطالب بالدليل إذ الضروريات لا يذكر عليها الدليل بل يثبته عليها، وإلا لكانت نظرية، وإن لم يكن ضرورياً فاختلفوا فيه فذهب الأكثرون إلى أنه يجب عليه الدليل مطلقاً كما في الإثبات وقيل: لا يجب عليه مطلقاً، وعزاه المصنف في (شرح المختصر) للظاهرية والذي في كتاب (الإحكام) لابن حزم أن عليه الدليل محتماً.
(3/428)

بقوله تعالى: {قل هاتوا برهانكم} {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} والثالث: يجب في العقليات دون الشرعيات وأطلق الهندي حكاية الأقوال، ثم قال: لا يتجه فيها الخلاف، لأنه إذا أريد بالنافي من يدعي العلم أو الظن بالنفي فهذا يجب عليه الدليل، لأنه إذا لم يكن المنفي معلوماً بالضرورة، إذ الكلام مفروض فيه، إذ الضروري لا يستدل عليه فإما أن يكون معلوماً بالنظر والاستدلال أو مظنوناً بالنظر في العلامات والأمارات، وإلا استحال حصول العلم أو الظن، وعلى التقديرين يجب عليه ذكر ذلك، كما في الإثبات وإن أريد من يدعى عدم علمه أو ظنه فهذا لا دليل عليه لأنه يدعي جهله بالشيء والجاهل بالشيء غير مطالب بالدليل على جهله.
(ص): وهل يجب الأخذ بأقل المقول، وقد مر.
(ش): هذه المسألة قد مرت عند الإجماع السكوتي، فلم يحتج لشرحها، وإنما ذكرها هنا لئلا يتوهم أنه أهملها وكان ينبغي له أن ينبه على دلالة الاقتران
(3/429)

أيضاً فإنها من جملة أنواع الاستدلال، وقد مرت له في تعقب الاستثناء الجمل.
(ص): وهل يجب الأخذ بالأخف أو الأثقل فيه أو لا يجب شيء أقوال.
(ش): ذهب بعضهم إلى أن من جملة طرق الاستدلال الأخذ بأخف القولين وأنه واجب على المكلف كما قيل هناك: يجب الأخذ بأقل ما قيل لقوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر} {وما جعل عليكم في الدين من حرج} وقوله عليه أفضل الصلاة والسلام: ((لا ضرر ولا ضرار)) ويرجع حاصل هذا أن الأصل في الملاذ الإذن والمضار المنع، أو الأخف فيهما هو ذلك، وذهب بعضهم إلى
(3/430)

أن الأخذ بأثقل القولين واجب كما قيل هناك يجب بالأكثر، لأنه أكثر ثواباً، فكان المصير إليه واجباً، لقوله تعالى: {فاستبقوا الخيرات} ومنهم من لم يوجب الأخذ بشيء.
واعلم أن هذه المسألة قد تكون في المذاهب وقد تكون بين أقوال الرواة، وقد تكون بين الاحتمالات التي تتعارض أماراتها.
(ص): مسألة اختلفوا هل كان المصطفى صلى الله عليه وسلم متعبداً قبل النبوة بشرع، واختلف المثبت فقيل: نوح، وإبراهيم، وموسى وعيسى صلى الله عليهم وسلم، وما ثبت أنه شرع أقوال والمختار الوقف تأصيلاً وتفريعاً وبعد النبوة المنع.
(ش): في المسألة بحثان أحدهما فيما كان النبي صلى الله (49/ك) عليه وسلم قبل أن يبعث برسالته، قال إمام الحرمين: وهذا يرجع فائدته إلى ما يجري مجرى التواريخ، وقد اختلفوا في ذلك على مذاهب:
أحدها: أنه كان قبل النبوة متعبداً بشرع، واختاره ابن الحاجب والبيضاوي
(3/431)

وضبط المصنف بخطه متعبداً بفتح الباء وعلى هذا، فقيل: كان على شريعة آدم وقيل: نوح، وقيل: إبراهيم وقيل: موسى، وقيل: عيسى صلى الله عليهم وسلم، وقال بعضهم: ما ثبت أنه شرع من غير تخصيص.
والثاني: لم يكن قبل البعثة متعبداً بشيء أصلاً، ونقله القاضي عن جمهور المتكلمين، واختلف القائلون به هل انتفى ذلك عقلاً لما فيه من التنفير عنه أو نقلاً وعزاه القاضي عياض
(3/432)

لحذاق أهل السنة فإنه لو كان لنقل ولتداولته الألسنة.
والثالث: الوقف وبه قال إمام الحرمين والغزالي والآمدي: وهو المختار وقد اعتمد القاضي على ما ذهب إليه أنه لم يقع، ولكنه غير ممتنع عقلاً فإنه لو كان على ملة لاقتضى العرف ذكره لها لما بعثه نبياً، ولتحدث أحد بذلك، في زمانه وبعده، وعارض ذلك إمام الحرمين بأنه لو لم يكن على دين أصلاً لنقل فإن ذلك أبدع وأبعد عن المعتاد مما ذكره القاضي، قال: فقد تعارض الأمران والوجه (130/ز) أن يقال: كانت العادة انخرقت لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمور منها: انصراف همم الناس عن أمر دينه والبحث عنه، ولا يخفى أن الخلاف في هذه المسألة إنما هو بالنسبة للفروع التي تختلف فيها الشرائع، أما ما اتفقوا
(3/433)

عليه كالتوحيد فلا شك في حصوله للكل قبل النبوة.
الثاني: وهو نظير الخلاف في التي قبلها في أنه صلى الله عليه وسلم، هل تعبد بعد النبوة بشرع من قبله، والخلاف هنا مع من لم ينفه فيما قبله، وأما من نفاه قبل النبوة فقد نفاه بعدها بطريق أولى، وقد ذهب الأكثرون منا والمعتزلة إلى أنه لم يكن متعبداً بشرع أصلاً ثم افترقوا، فقالت المعتزلة: إن التعبد غير جائز عقلاً لتضمنه نقيضه في شرعنا، وقال آخرون العقل لا يحيله ولكنه ممنوع شرعاً واختاره الإمام والآمدي، وقالت طائفة: كان متعبداً بما لم ينسخ من شرع من قبله، على أنه موافق لا متابع، واختاره ابن الحاجب قال إمام الحرمين: وللشافعي
(3/434)

رضي الله عنه ميل إلى هذا وبنى عليه أصلاً من أصوله في كتاب الأطعمة وتابعه معظم أصحابه.
(ص): مسألة حكم المنافع والمضار قبل الشرع مر وبعده الصحيح أن أصل المضار التحريم، والمنافع الحل، قال الشيخ الإمام إلا أموالنا لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام)).
(ش): حكم المنافع والمضار فيما قبل الشرع مر في أول الكتاب عند قوله: ولا حكم قبل الشرع بل الأمر موقوف إلى وروده، والكلام الآن فيما بعد ورود الشرع، والأصل في المنافع الإذن وفي المضار التحريم خلافاً لبعضهم، لنا قوله
(3/435)

تعالى: {خلق لكم ما في الأرض جميعاً} ذكره في معرض الامتنان، فلو لم يجز لم يمتن به، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا ضرر ولا ضرار)) وأطلق الجمهور أن الأصل في المنافع الإباحة، قال والد المصنف: ولك أن تقول الأموال من جملة المنافع، والظاهر أن الأصل فيها التحريم لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: ((إن دماءكم وأموالكم ...)) الحديث، وهو أخص من الدلائل المتقدمة التي استدلوا بها على الإباحة، فيكون قاضياً عليها إلا أنه أصل طارئ على أصل سابق، فإن المال من حيث كونه من المنافع الأصل فيه الإباحة بالدلائل السابقة، ومن خصوصيته الأصل فيه التحريم بهذا الحديث.
(ص): مسألة الاستحسان قال به أبو حنيفة وأنكره الباقون، وفسر بدليل ينقدح في نفس المجتهد تقصر عنه عبارته، ورد بأنه إن تحقق فمعتبر، وبعدول عن قياس إلى أقوى ولا خلاف فيه، أو عن الدليل إلى العادة، ورد بأنه إن ثبت
(3/436)

أنها حق فقد قام دليلها، وإلا ردت فإن تحقق استحسان مختلف فيه فمن قال به فقد شرع.
(ش): حكايته القول به عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى خاصة يقدح في حكاية ابن الحاجب له عن الحنابلة أيضاً وذكر أبو الخطاب الحنبلي قول أحمد: أصحاب أبو حنيفة إذا قالوا شيئاً خلاف القياس قالوا: نستحسن هذا وندع القياس، فيدعون ما يزعمون أنه الحق بالاستحسان وأنا أذهب إلى كل حديث جاء ولا أقيس عليه، قال أبو الخطاب: وعندي أنه أنكر عليهم الاستحسان من غير دليل، فلو كان عن دليل لم ينكره، لأنه حق وهو معنى قوله: أنا أذهب إلى كل حديث جاء ولا أقيس عليه، أي أنا أترك القياس بالخبر وهو الاستحسان بالدليل وقال القاضي
(3/437)

عبد الوهاب: ليس بنصوص عن مالك إلا أن كتب أصحابنا مملوءة بذكره، والقول نص عليه ابن القاسم وأشهب، وغيرهما. انتهى.
ولا بد أولاً من تبيين المراد بالاستحسان، وذكر المصنف ثلاث مقالات لهم:
الأولى: أنه عبارة عن دليل ينقدح في نفس المجتهد وتقصر عنه عبارته فلا يقدر أن يفوه به، ورده ابن الحاجب بأنه لم يتحقق كونه دليلاً فمردود اتفاقاً، وإن تحقق فمعتبر اتفاقاً ورده البيضاوي بأنه لا بد من ظهوره ليتميز صحيحه عن فاسده، فإن ما ينقدح في نفس المجتهد قد يكون وهماً لا عبرة له.
الثانية: أنه عدول عن قياس إلى قياس أقوى، ولا خلاف فيه أي أن أقوى القياس معمول به عند التعارض.
(3/438)

الثالثة: أنه العدول عن حكم الدليل إلى العادة لمصلحة الناس كدخول الحمام من غير تقدير الماء، وشرب الماء من السقاء، ورد بأن العادة إن ثبت جريانها بذلك في زمنه عليه الصلاة والسلام فهو ثابت بالسنة أو في زمانهم من غير إنكار فهو إجماع وإلا فهو مردود وظهر بهذا أنه لا يتحقق استحسان مختلف فيه، فإن تحقق استحسان مختلف فيه فمن قال به فقد شرع وهو بتشديد الراء أي لو جاز أن يستحسن بغير دليل لكان هذا نصب شريعة على خلاف ما أمر الله تعالى به ورسوله صلى الله عليه وسلم لأنه لا دليل عليه يوجب تركه.
(ص): أما استحسان الشافعي رضي الله عنه التحليف على المصحف والخط في الكتابة ونحوها فليس منه.
(ش): هذا جواب عن سؤال (50/ ك) مقدر وهو أن الشافعي رضي الله عنه استحسن في مسائل كثيرة، وجوابه يعلم مما سبق وأن الخلاف لفظي راجع إلى معنى التسمية، وأن المنكر عند أصحابنا، إنما هو جعل الاستحسان أصلاً من
(3/439)

أصول الشريعة مغايراً لسائر الأدلة، أما استعمال لفظ الاستحسان مع موافقة الدليل فلا ينكر، فقد قال الشافعي رضي الله عنه أستحسن التحليف على المصحف وأستحسن أن يترك للمكاتب شيء من نجوم الكتابة، وحسن أن يضع أصبعيه في صماخي أذنيه إذا أذن واستحسن في المتعة ثلاثين درهماً، ونحو ذلك فلم يرد الشافعي رضي الله عنه أن دليل هذه الأمور الاستحسان، ألا ترى أنه
(3/440)

لم يوجب التحليف، ولا الخط، وإنما استحسن ذلك لمآخذ فقهية لا من الاستحسان المجرد، كيف؟ والشافعي رضي الله عنه من أشد المنكرين للاستحسان؟ وقال: من استحسن فقد شرع، هذا حاصل ما أجاب به الأصحاب، لكن رأيت في سنن الشافعي رضي الله عنه وقد ذكر خيار الشفعة (131/ ز) ثلاثاً وقال الشافعي رحمه الله ورضي الله عنه: قلت: هذا استحسان مني ليس بأصل، ولا بد من تأويله.
(ص): مسألة: قول الصحابي رضي الله عنه على الصحابي غير حجة وفاقاً، وكذا على غيره، قال الشيخ الإمام: إلا في التعبدي، وفي تقليده قولان لارتفاع الثقة بمذهبه إذ لم يدون.
(3/441)

(ش): مذهب الصحابي المجتهد ليس حجة على صحابي آخر اتفاقاً، سواء كان مجتهداً أم لا، أما إن كان فواضح وأما إن لم يكن فوظيفته التقليد، وليس قول المجتهد حجة في نفسه، وإنما لم يقل المصنف مذهب الصحابي العالم كما قيده بعض الحنابلة، لأن العامي لا قول له، لأنه صادر عن غير نظر، ونقله الاتفاق تابع فيه ابن الحاجب، وغيره، لكن الشيخ أبا إسحاق في (اللمع) قال: إذا اختلفوا على قولين ينبني على القولين في أنه حجة أم لا، فإن قلنا: ليس بحجة لم يكن على قولين ينبني على القولين في أنه حجة أم لا، فإن قلنا: ليس بحجة لم يكن قول بعضهم حجة على بعض ولم يجز تقليد واحد منهما، بل يرجع إلى الدليل، وإن قلنا: إنه حجة فيها فهما دليلان تعارضا يرجح أحدهما على الآخر بكثرة العدد من أحد الجانبين أو يكون فيهما إمام. انتهى.
وأما قول الصحابي هل يكون حجة على غير الصحابي اختلفوا فيه وللشافعي رحمه الله ورضي عنه وأحمد رحمه الله قولان، والجديد أنه ليس بحجة وادعى الشيخ الإمام أن
(3/442)

الشافعي رحمه الله ورضي عنه استثنى من قوله في الجديد ليس بحجة الأمر التعبدي الذي لا مجال للقياس فيه، قال: لأن الشافعي رحمه الله رضي الله عنه قال في اختلاق الحديث: روي عن علي رضي الله عنه (أنه صلى في ليلة ست ركعات في كل ركعة ست سجدات) ولو ثبت ذلك عن علي رضي الله عنه قلت به، فإنه لا مجال للقياس فيه، فالظاهر أنه نقله توقيفاً، هذا كلام الشافعي رحمه الله ورضي عنه،
(3/443)

وذكر الأصوليون هذا من تفاريع القديم فالظاهر أنه حجة قديماً وجديداً، لأنه يفيد ظناً لا معارض له، قلت: ولا نقل عند المصنف ووالده في ذلك، وقد جزم به ابن الصباغ في كتاب الإيمان من كتابه المسمى ب (الكامل) والإمام في (المحصول) في باب الأخبار وإذا قلنا إنه ليس بحجة فهل يجوز للمجتهد تقليده ينبني على أنه هل يجوز للمجتهد تقليد المجتهد فإن جوزناه مطلقاً فتقليد الصحابي
(3/444)

أولى، وإن منعناه ففي تقليد الصحابة ثلاثة أقوال للشافعي رحمه الله ورضي عنه الجديد: أنه لا يجوز مطلقاً، الثاني: يجوز، والثالث وهو قديم: إن انتشر جاز وإلا فلا وأما غير المجتهد من العامة فهل يجوز لهم تقليده وهو مراد المصنف؟ فيه خلاف حكاه إمام الحرمين وقال: إن المحققين على الامتناع، وليس هذا، لأنهم دون المجتهد من غير الصحابة، فهم أجل قدراً بل لأن مذاهبهم لا يوثق بها فإنها لم تثبت حق الثبوت، كما تثبت مذاهب الأئمة الذين لهم أتباع وبهذا جزم ابن الصلاح في كتاب (الفتيا) وزاد أنه لا يقلد التابعين أيضاً ولا غيرهم ممن لم يدون مذهبه وأن التقليد يتعين للأئمة الأربعة دون غيرهم، لأن مذاهبهم انتشرت وانبسطت حتى ظهر منها تقييد مطلقها وتخصيص عامها، وأما غيرهم فنقلت عنهم الفتاوى مجردة، فلعل لها مكملاً أو مقيداً أو مخصصاً لو انبسط كلام
(3/445)

قائله لظهر خلاف ما يبدو منه، بخلاف هؤلاء الأربعة فامتناع التقليد إذن لتعذر نقل حقيقة مذهبهم، وذهب غيرهم إلى أنهم يقلدون لأنهم قد نالوا رتبة الاجتهاد، وهم بالصحبة، يزدادون رفعة، قال المصنف: وهذا هو الصحيح عندي غير أني أقول: لا خلاف بين الفريقين في الحقيقة، بل إن تحقق ثبوت مذهب عن واحد منهم جاز تقليده وفاقاً وإلا فلا لا لكونه لا يقلد بل لأن مذهبه لم يثبت حق الثبوت.
قلت: الخلاف يتحقق من وجه آخر ذكره ابن برهان في (الأوسط) فقال: تقليد الصحابة مبني على جواز الانتقال في المذاهب فمن منعه منع تقليدهم، لأن فتاويهم لا يقدر على استحضارها في كل واقعة، وإلى العلة الأولى أشار المصنف بقوله: لارتفاع الثقة بمعرفة مذهبه إذ لم يدون والمأخذ الذي ذكره ابن برهان للمنع حسن أيضاً، وما ذكره في هاتين المسألتين أعني الحجة والتقليد قد صرح به الغزالي والرازي والآمدي، وغيرهم وأفردوا لكل حكم مسألة فتوهم صاحب (الحاصل)
(3/446)

خلاف ذلك وخلط مسألة بمسألة وتابعه عليه البيضاوي فوقع في الغلط، ولا يلزم من كون قوله غير حجة أن لا يقلد ألا ترى إلى المقلدين غيرهم، فإنهم يقلدون وليست أقوالهم بحجة.
(ص): وقيل حجة فوق القياس فإن اختلف صحابيان فكدليلين، وقيل: دونه، وفي تخصيصه العموم قولان، وقيل: حجة إن انتشر، وقيل: إن خالف القياس، وقيل: إن انضم إليه قياس تقريب، وقيل: قول الشيخين فقط وقيل: الخلفاء الأربعة، وعن الشافعي رحمه الله ورضي عنه إلا علياً رضي الله عنه.
(ش): يخرج مما سبق ثلاثة أقوال أحدها: أنه غير حجة مطلقاً.
والثاني: غير حجة إلا في التعبدي.
والثالث: غير حجة ولكن يصلح للتقليد.
والرابع: عن القديم أنه حجة مطلقاً يقدم على القياس، وهو قول مالك وأكثر الحنفية وعلى هذا فإن اختلف صحابيان كان كدليلين تعارضا فيرجح أحدهما
(3/447)

بدليل.
والخامس: حجة دون القياس (51/ك) وعلى هذا فتخصيص العموم حكاهما الرافعي في الأقضية بلا ترجيح، أحدهما: الجواز لأنه حجة شرعية، والثاني: المنعئ= لأنه محجوج بالعموم وقد كانت الصحابة يتركون أقوالهم إذا سمعوا العموم، قال المصنف: وهذه المسألة غير التي سبقت في باب التخصيص حيث قلنا: إن العام لا يخص بمذهب الراوي، ولو كان صحابياً، أي سواء كان قوله حجة أو لا، والمذكور هنا: أنا إن فرعنا على أن قوله حجة دون القياس ففي التخصيص به قولان، وهذا سواء كان الصحابي راوياً أم لا، قلت: لكن قوله في الأولى لا يخص به سواء كان قوله (132/ز) حجة أم لا فيه نظر، فإن الشيخ أبا إسحاق وغيره قالوا هناك: إن قلنا قوله ليس بحجة امتنع التخصيص به قطعاً، وإن قلنا: حجة، ففي التخصيص به وجهان، وإنما جعل المصنف الوجهين مفرعين على القول بأنه حجة دون القياس وإن أطلقهما مرة، لأنهما لو كانا مفرعين على أنه حجة فوق
(3/448)

القياس لم يجز خلافه عندنا في التخصيص به، وإذا قطع الشافعي رضي الله عنه وغيره من الأئمة قولهم بجواز التخصيص بالقياس فلئن يخص بما فوقه أولى.
والسادس: إن انتشر ولم يخالف فهو حجة ونقله الأصوليون عن القديم، أيضاً، لكن قال ابن الصباغ في (العدة): إنما احتج الشافعي رضي الله عنه بقول
(3/449)

عثمان في الجديد في مسألة البراءة من العيوب، لأن مذهبه أنه إذا انتشر ولم يظهر له مخالف كان حجة، انتهى، واعترض الغزالي، وقال: السكوتي ليس بقول فأي فرق بين إن انتشر أو لا قال الهندي: والعجب منه فإنه تمسك بمثل هذا الإجماع في القطع على أن خبر الواحد والقياس حجة، ولعله إنما قال ذلك لاعتقاده أن حجته لو قيل بها ليس على طريق الإجماع بل بغيره وهو الحق، وحينئذ فلا يكون لسكوت الغير في حجته مدخل.
والسابع: إن خالف القياس كان حجة، وإلا فلا، وقال ابن برهان في
(3/450)

(الوجيز) إنه الحق البين، وإن نصوص الشافعي رحمه الله ورضي عنه يدل عليه.
والثامن: حجة إن انضم إليه قياس التقريب حكاه الماوردي قولاً للشافعي رضي الله عنه.
والتاسع: قول الشيخين أبو بكر وعمر رضي الله عنهما حجة دون غيرهما.
والعاشر: قول الخلفاء الأربعة حجة دون غيرهم وإذا تأملت هذه المذاهب عرفت أن بعضها ينظر إلى القائلين كهذا وما فعله، وبعضها إلى صفة القول كالثلاثة التي قبلهما.
والحادي عشر: قول الخلفاء الأربعة إلا علياً، وهذا أخذوه من قول الشافعي رضي الله عنه في الرسالة القديمة أن الصحابة إذا اختلفوا وفي أحد الطرفين أبو بكر
(3/451)

أو عمر أو عثمان رجح ولم يذكر علياً فاختلف أصحابنا على ثلاثة أوجه حكاها القفال في أول شرح (التلخيص).
أحدها: أن حكمة حكمهم وإنما تركه اختصاراً أو اكتفاء بذكر الأكثر، وهذا ما اختاره ابن القاص فقال: قاله يعني الشافعي رضي الله عنه في أبي بكر وعمر وعثمان نصاً وقلته في علي تخريجاً.
والثاني: إنما لم يذكره لأنه كان يرمى بالتشيع فأراد نفي الريبة عن نفسه، وهذا ساقط.
والثالث: وصححه القفال وجماعة أنه إنما لم يذكره لأنه ليس في قوله من القوة والحجة، كما في قولهم: وليس ذلك لتقصير في قوته الاجتهادية معاذ الله بل قالوا: وسبب ذلك أن الصحابة كانوا كثيرين إذ ذاك، وكان الخلفاء الثلاثة تستشيرهم كما فعل أبو بكر رضي الله عنه في مسألة الجدة وعمر رضي الله عنه
(3/452)

في الطاعون وغير ذلك فكان قول كل منهم كقول أكثر الصحابة، ولما آل الأمر إلى علي رضي الله عنه خرج إلى الكوفة، وما مات خلق من الصحابة رضي الله عنهم فلم يكن قوله كقولهم لهذا المعنى لا نقصان فيه كرم الله وجهه، ورضي عنه، وهذا ما حكاه المصنف هنا من الأقوال في هذه المسألة، وإذا نظرت كلامه فيما سيأتي في باب التراجيح حيث قال: وثالثها في موافق الصحابي إن كان.
حيث ميزه النص كزيد إلى آخره يجتمع أقوال =آخر أحدها: أنه غير حجة
(3/453)

ولا ترجيح به.
وثانيها: غير حجة ولكن يصلح للترجيح.
وثالثها: غير حجة ولا ترجيح فيه إلا أن يكون أحد الأربعة فيرجح به فقط.
رابعها: يترجح بمن ميزه نص.
(ص): أما وفاق الشافعي رحمه الله زيداً رضي الله عنه في الفرائض فلدليل لا تقليداً.
(ش): لما بين أن الصحيح في المذاهب أن قول الصحابي لا يحتج به، استشعر سؤالاً، وهو أن الشافعي رضي الله عنه نظر في مواضع اختلاف الصحابة في الفرائض، واختار مذهب زيد حتى تردد قوله: حيث ترددت الرواية عن زيد، وأجاب: بأن ذلك لم يكن تقليداً، ولكن رجح عنده مذهبه من وجهين.
أحدهما: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أفرضكم زيد)).
والثاني: قال القفال: ما تكلم أحد من الصحابة في الفرائض إلا وقد وجد له قول في بعض المسائل هجره الناس بالاتفاق إلا زيداً فإنه لم يقل بقول مهجور بالاتفاق.
وذلك يقتضي الترجيح كالعمومين إذا وردا وقد خص أحدهما بالاتفاق دون
(3/454)

الثاني، كان الثاني أولى واعترض الرافعي رحمه الله بأنه إن رجح عنده مذهب زيد لدليل فهو اجتهاد وافق اجتهاده، وإن لم يكن عن دليل لم يخرج عن كونه تقليداً، والجواب: أنه لم يذهب إلى ما صار إليه إلا عن دليل لكنه استأنس بما يرجح عنده من مذهب زيد، وربما ترك به القياس الجلي في بعض الصور وعضض =قوله بالقياس الخفي، كما نقول في قول الواحد من الصحابة إذا اشتهر ولم يعرف له مخالف، فباعتبار الاستئناس قيل: إنه أخذ مذهب زيد، وباعتبار الاحتجاج، قيل: إنه لم يقلده.
واعلم أن الشافعي رضي الله عنه خرج في مواضع كثيرة من كتبه الجديدة بتقليد الصحابة، فقال في (الأم) في قتال المشركين، وكل من يحبس نفسه بالترهيب: تركنا قتله اتباعاً لأبي بكر يرحمه الله، ثم قال: وإنما قلنا: هذا اتباعاً لا قياساً، وقال في البويطي: لا يحل تفسير المتشابه إلا بسنة عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو خبر عن أصحابه أو عن واحد من أصحابه أو إجماع العلماء هذا لفظه.
(ص): مسألة الإلهام إيقاع شيء في الصدر يثلج له الصدر يخص به الله تعالى بعض أصفيائه وليس بحجة لعدم ثقة من ليس معصوماً بخواطره خلافاً لبعض (52/ ك) الصوفية.
(ش): معنى يثلج: يطمئن، وهو بضم اللام وفتحها لغة ذكرها الجوهري،
(3/455)

ويقال في ماضيه: بفتح اللام وجرها على اللغتين، ذكره الإلهام في هذا الباب لم يفعل أصحابنا، إنما ذكره الحنفية منهم أبو زيد وقد نقل ابن السمعاني كلامه في (القواطع) قال أبو زيد (133/ز): الإلهام ما حرك القلب بعلم يدعوك إلى العمل به من غير استدلال به ولا نظر في حجة، قال: والذي عليه جمهور العلماء أنه خيال لا يجوز العمل به إلا عند فقد الحجج كلها في باب ما أبيح له علمه بغير علم وقال بعض الجبرية: إنه حجة بمنزلة الوحي المسموع عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم واحتج بقوله تعالى: {ونفس وما سواها فألهمها
(3/456)

فجورها وتقواها} أي: عرفها بالإيقاع في القلب، وبقوله تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً} وبقوله عليه الصلاة والسلام: ((اتقوا فراسة المؤمن)) وقوله عليه الصلاة والسلام ((الإثم ما حاك في قلبك فدعه وإن أفتاك الناس وأفتوك)) فقد جعله عليه الصلاة والسلام شهادة قلبه بلا حجة أولى من الفتوى، فثبت أن
(3/457)

الإلهام حق وأنه وحي باطن إلا أن العبد إذا عصى الله وعمل بهواه حرم هذه الكرامة، وأما حجة أهل السنة فقوله تعالى: {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} فألزمهم الكذب لعجزهم عن إظهار الحجة، والإلهام حجة باطنة لا يمكن إظهارها، وأنات الأمر بالنظر والاعتبار، ولم يأمر بالرجوع إلى القلب، وكذلك حديث معاذ بم يحكم، ولم يذكر فيه إلهام القلب، ولأن الإلهام قد يكون من الله تعالى ومن الشيطان ومن النفس ولا علامة قطعية على التعيين، وأما قوله: {فألهمها فجورها} أي عرفها طريق العلم قال ابن السمعاني:
وإنكار أصل الإلهام لا يجوز، ويجوز أن يفعل الله تعالى ذلك بعبده بلطفه كرامة له، ويقول في التمييز بين الحق والباطل: والحق من ذلك أن كلما استقام على شرع النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن في الكتاب أو السنة ما يرده فهو مقبول، وما لا فمردود، ويكون من تسويلات النفس، على أنا لا ننكر زيادة نور من الله تعالى كرامة للعبد، وزيادة نظر فأما أنه يرجع إلى قلبه في جميع الأمور كلها فقول لا
(3/458)

نعرفه، قلت: وممن أثبته الإمام شهاب الدين السهروردي قال في بعض أماليه: هو علوم تحدث في النفوس المطمئنة الزكية، وفي الحديث: ((إن من أمتي محدثين مكلمين وإن عمر منهم)) وقال تعالى: {فألهمها فجورها وتقواها} أخبر أن النفوس ملهمة، فالنفس الملهمة علوماً لدنية هي التي تبدلت صفتها واطمأنت بعد أن كانت أمارة، ثم نبه على أمر حسن يرتفع به الخلاف، فقال: وهذا النوع لا تتعلق به المصالح العامة من عالم الملك والشهادة، بل تختص فائدته بصاحبه دون غيره، إذا لم يكن له ثمرة السراية إلى الغير على طريق العموم وإن كانت له فائدة تتعلق بالاعتبار على وجه خاص قال وإنما لم يكن له ثمرة السراية إلى الغير طريق العموم من مفاتيح الملك لكون محله النفس، وقربها من الأرض والعالم السفلي، بخلاف المرتبة الأولى، وهي الوحي الذي قام به الملك الملقى، لأنه محله القلب المجانس للروح الروحاني العلوي وقال في كتابه (رشف النصائح الإيمانية): قد غسلت بتوفيق الله كتاب ابن سينا المترجم (بالشفاء) نحو اثني عشر مجلداً بإذن شريف مقدس نبوي.
فائدة: أهمل المصنف سد الذرائع عند المالكية وبسطه في (شرح المختصر).
(3/459)

(ص): خاتمة قال القاضي حسين: مبنى الفقه على أن اليقين لا يرفع الشك، والضرر يزال، والمشقة تجلب التيسير والعادة محكمة، قيل: والأمور بمقاصدها.
(ش): زعم القاضي الحسين أن مبنى الفقه على هذه القواعد الأربع وزعم بعضهم أنه أهمل خامسة وهي: الأمور بمقاصدها، وقال الإسلام بني على
(3/460)

خمس والفقه مبني على هذه واستحسنه بعضهم بأن الشافعي رضي الله عنه قال يدخل في حديث: ((إنما الأعمال بالنيات)) ثلث العلم واعتذر آخرون عن القاضي الحسين في إهمالها لرجوعها إلى قاعدة: تحكم العادة كما سنبينه، والتحقيق أنه إن أريد رجوع الفقه إلى الخمس فتعسف، وقول جملي وقد رجعها الشيخ عز الدين إلى اعتبار المصالح ودرء المفاسد، ولو ضايقه مضايق لقال: أرجع الكل إلى اعتبار المصالح فإن درء المفاسد من جملتها وإن أريد الرجوع بوضوح تفصيلي فإنها تربوا على المائتين ثم المراد بها ما لا يخص باب من أبواب الفقه، وهو المراد هنا، ويسمى
(3/461)

بالقاعدة في اصطلاح الفقهاء، وأما ما يخص بعض الأبواب فيسمى الضوابط، ولا بد من الإشارة إلى قول جملي في هذه القواعد فتقول:
القاعدة الأولى: اليقين لا يرفع بالشك، وأصلها: ((لا ينصرفن حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)) وله أمثلة أحدها: انتفاء الأحكام عن المكلفين يقين فلا يزال بالشك، بل بدليل مثبت له أو لسببه، إذ لا حكم إلا بالشرع، والدليل منطوق وحي والمنبت له مفهومه أو معقوله، والمثبت لسببه البينات والعيان نحو الزوال وآلات المواقيت.
وثانيها: انتفاء الأفعال وعدم وقوعها من الإنسان يقين فلا يزال بالشك.
وثالثها: ثبوت الأحكام عند قيام سببها المقتضي بيقين شرعي فلا يزال بالشك، بل بمانع يزيل بنفيه أصل عدمه، من أجل هذا لا يصرف اللفظ عن حقيقة من شمول عام، ووجوب مأمور، وحرمة منهي إلا لعارض أرجح، ولا يزول
(3/462)

حكم فعل وضوء مثلاً إلا لناسخ فعل أخر كحدث وبهذا التقرير تبين أنه لا تختص هذه القاعدة بالفقه كما يوهمه كلام القاضي، بل تجرى في أصوله ويمكن رجوع غالب مسائل الفقه إلى هذه القاعدة إما بنفسها أو بدليلها، ولأجل هذه القاعدة كان الاستصحاب حجة، ولم يكن على المانع في المناظرة (53/ك) دليل وكان القول قول نافي الوطء غالباً، ولو وجد الماء الراكد متغيراً، فإن علم أنه لطول المكث فطهور أو لنجاسة فنجس وإن أشكل فهو على أصل الطهارة، نص عليه في (الأم) والبويطي ولو رأى كلباً يلغ في ماء كثير فشك هل شرب منه حتى نقص عن القلتين أم لا؟ فهو على الكثرة ما لم يعلم نقصه، ويكون طاهراً ذكره الحاوي قال في البحر: وهو صحيح.
القاعدة الثانية: الضرر يزال ولعلها شرط الفقه فإن مقصود الأحكام
(3/463)

الفقهية مهمات جلب المنافع ودفع المضار، فالقسم الثاني كله وبعض الأول مثال لهذه القاعدة (134/ز) إذ يشمل الباب على حدود الجنايات وفصل الخصومات، فالحدود لدفع الضرر عن الضروريات الخمس الشرعية في كل مسألة المجموعة في آية الممتحنة فما سبق في المناسبة، فالشرك مضرة في الدين فيزال بقتال المشركين المحاربين والمرتدين {حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} فلا يبقى إلا مسلم أو مسالم بهدنة أو بجزية، ومن حفظ الدين الانقيادي الملازم للإيمان الحقيقي تقرير مباني الإسلام المزيلة ضرر الغفلة والقسوة على الشهوات الحسية، والدعوات النفسية، ومنهم إيجاب تبليغ الرواة المزيل ضرر الدين ودراية الدين المزيل ضرر الشبه والشكوك، ومن ثم كان الإقامة بحجج الأصول من فرائض الكفايات، والسرقة مضرة في المال، ومثلها المحاربة والإتلافات والغصب والتفويت فيزال بقطع السارق والمحارب، وبضمان المتلفات والغصوب بأنواعها، وبالحجر على الصبي والمجنون والسفيه والمفلس والراهن والعبد والمريض، فيما زاد على الثلث وسائر
(3/464)

أنواع الحجر التي أنهيت إلى نحو الخمسين، والزنا مضرة في النسل، ومثله الاستفراش قبل تبين الحال، والإلحاق البهتاني والاتهام فيزال بحد الزاني رجما وجلداً، فإنه مع ذلك ينزجر أو يقل فساده، وبالعدد والاستبراء، وباللعان وتحريم خفي البهتان، وبدعوى النسب والإقرار به، والقتل وقد يفضي إلى قطع الأطراف، ونحوه مضرة في النفس تزال بالقصاص أو الدية، وبحل الميتة للمضطر وإتلاف المكره مالاً وتلفظه بالكفر والبهتان إن ضر في النسل فقد تقدم، أو في العرض فيزال ضرره بالتعزير أو بحد القذف، وزوال العقل مضرة في ذلك كله فيزال بتحريم المسكر وبالحد، والصيال على الدين أو المال أو البضع أو النفس أو الأطراف أو غير ذلك مضرة فيزال بدفع الصائل، وإن أتى على نفسه، وأما الخصومات المضرة في ذلك كله
فيزال بأن يفصلها إمام مقسط فيعتمد الحق في الدعاوي والبينات والإقرار، قال بعضهم: فهذه القاعدة ترجع إلى تحصيل المقاصد أو تقريرها بدفع المفاسد أو تخفيفها ويدخل فيها: (الضرر لا يزال بالضرر) ومن ثم لا تجب العمارة على الشريك في الجديد، وإذا وقع جريح على جرحى، وإذا وقع في نار ولم يمكنه
(3/465)

الخلاص إلا بأن يرمي نفسه في ماء يموت فيه، وقطع السلعة التي يخاف منها ووجوب القصاص على المكره على القتل، وكذلك: (الضرورات تبيح المحظورات) بشرط عدم نقصانها عنها ومن ثم جاز، بل وجب أكل الميتة عند المخمصة.
الثالثة: المشقة تجلب التيسير ومثالها موجود في العبادات والمعاملات والأنكحة والجنايات أما العبادات: فكون الصلاة خمساً فقط، وكون مجموعها سبعة عشر ركعة وتفريقها على أوقات الفراغ توسعاً، وإباحة الجمع والقصر فيها للمسافر واغتفار الفعل الفاحش في الصلاة للخائف، وكيف أمكنه لمن اشتد خوفه وإسقاطها بالأعذار من حيض أو صبى أو جنون، واشتراط الطهارة فيها عن نجاسة
(3/466)

تفحش لا غير، والاكتفاء فيها بالتطهير برش في بول صبي أو إبقاء أثر إذا عسر زواله، وإخراج شعر المأكول ولبنه وأنفحته والمسك وقاربه، ونحو ذلك منها، واشتراط الوضوء في الأعضاء الأربعة دون جميع البدن وعند الحدث لا عند كل صلاة، وحصر الأحداث فيما يقل وجوده مع أنه أربعة فقط، والجنابة فيما ندر، وإقامة التراب بدل الماء في مواضعه، ومسح الخف والرأس مقام الغسل، وأحكام الحيض والاستحاضة وجعل المطهر الماء العام الموجود المتيسر الحصول، وعدم تنجيسه ببعض النجاسات، وعدم إفساده ببعض المغسولات والمغيرات وإعادة الطهورية إليه بعد سلبها باستعمال أو
تنجس أو غير ذلك، والاكتفاء في القبلة بمجتهد
(3/467)

البلد ومحاريب المسلمين وعدم اعتبارها في حق العاجز والخائف، ومسافر يتنفل، وفي عورة غير الحرة السرة والركبة، والعفو عن بعض الأفعال والأقوال، والاكتفاء بما يستطاع في أركان الصلاة وشروطها في الخوف والأمن وإسقاط الأعذار للجمعة والجماعة، وعدم مخاطبة الناقص بهما وندبية العبد، والاستسقاء والكسوفين دون إيجابها، وجعل الجنازة فرض كفاية، كل ذلك تيسير جلبه مشقة ما سوى ذلك، وتقريره تعالى نصب الزكوات مع اشتراط الحول، والسوم، وتقليل الواجب ورعاية العشر ونصفه، واعتبار المتمكن للأداء والضمان وما يعفى عنه من خيل ورقيق وعقار وغير ذلك وتعيين الأصناف المستحقين، وتجويز التعجيل والتوكل واستحباب صدقة التطوع الشاق تركها على سخي أو متقرب إلى الله تعالى، أو رقيق القلب رحمة من غير تقييد بجنس ولا قدر ولا مصرف ولا زمان ولا مكان وتقديره الصيام بشهر، وإلى الليل فقط، والعفو عما يشق وإباحة الفطر، وبالعذر واستحباب صيام التطوع، وكونه بنية من النهار وإباحة الخروج منه لمن يشاء وتوسيع القضاء وفدية لحواملهم ونحوه، وتقديره تعالى وجوب الحج بالاستطاعة والمواقيت بأماكنها المقاربة للحرم، وتقليل الأعمال، وتوسيع وجوبه، وتجويز النيابة فيه، وإباحة محظوراته بالعذر، وتقدير كفاراته، وتجويز التحلل بالإحصار والفوات وشبهه،
(3/468)

وإيجابه تعالى الجهاد (54/ك) على الكفاية، وفي السنة كلها مرة واحدة، وتجويز المتحرف للقتال والتحيز إلى فئة، والفرار لأكثر من الضعف وإحلال الغنائم، وتملك النساء والصبيان، وقبول الجزية ونحوه، وعفوه تعالى عن لغو اليمين وتكفيرها قبل الحنث، والتخيير بينها وبين المنذور لجاجاً، واستحبابه تعالى العتق والتدبير والكتابة من غير وجوب ولا تحريم، وإباحته تعالى الطيبات والتشبع منها، والتداوي حتى بالنجس ولبس غير النقدين والحرير الصرف وإباحة الذبائح من كل مناكح ونحوه، وأنواع الصيد
وأما (135/ز) الأموال فإحلال الله تعالى البيع من غير إيجاب له وإطلاقه في الأماكن والأزمان، وإثبات الخيار فيه، ثم جعله لازماً، وإباحة الرد بالعيب وخلف الشرط، وتجويز الإقالة والتحالف، وتأجيل الثمن في أي جنس، وبأي قدر، والنهي عن العقود المؤدية وإباحة العرايا والقرض، والسلم والحوالة والرهن والصلح، والضمان وإحلاله الإجارة والعارية وتجويز عقد الإرفاق
(3/469)

وجعلها غير لازمة كالوكالة والقراض والشركة العارية والوديعة، وشرعية الأوقاف والهبات والهدايا والمواريث والوصايا، وإحياء الموات واللقطة، ومن ذلك الشفعة والقسمة وما يوهم ضرراً، وأما النكاح فإباحته من غير إيجاب وإطلاقه في غير المحارم، وتجويز مثنى وثلاث ورباع ومن غير معاينة، وإطلاق الاستمتاع فيه، وتفويضه للأولياء، وتقرير أنكحة الكفار وتجويز فسخه بأسباب الفسخ وإطلاق الصداق في الجنس والقدر وتشطيره، وإسقاطه بالمفارقة، وإيجاب القسم وحسن المعاشرة، وإباحة الخلع والطلاق والرجعة ومطالبة الولي، وتحريم الظهار، وإعادة الحل للمظاهر بالكفارة، وإيجاب النفقات وجعلها على الموسر قدره وعلى المقتر قدره وأما الجنايات فبالعصمة في غير العمد المحض ورعاية المماثلة، وتحريم المثلة، وتجويز العفو وقتال البغات والإعلام بأنه تعالى لم يجعل شفاء فيما حرم، وإنما الخمر داء وأن التعريض ليس بقذف وجعل الإمامة والقضاء على الكفاية، واعتماد الظاهر ولو بالاجتهاد وإثابة من أخطأ دون تأثيمه ورد شهادة المتهم وقبول غيرها، واليمين
(3/470)

مع الشاهد، ورجل مع امرأتين والنسوة الخلص في مواطن الحاجة ومن جعل الدية من هذا فقد وهم، لأنها زاجرة عن ضرر المجني عليه وجابرة ما فات عليه، والعفو عليها رافع ضرر القتل عن الجاني قال الأئمة، وقد تقوم الحاجة مقام المشقة في نظر عورة أو امرأة.
القاعدة الرابعة: العادة تحكم وذكر القاضي الحسين أصلها من حديث ((ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن)) والمعروف عند المحدثين في هذا: الوقف على ابن مسعود، والأحسن الاحتجاج بقوله صلى الله عليه وسلم لهند: ((خذي من ماله ما يكفيك ويكفي ولدك بالمعروف))
(3/471)

وقوله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف} وقال ابن السمعاني في (القواطع): والعرف في الآية ما يعرفه الناس ويتعارفونه فيما بينهم، وكذا قال ابن عطية: معناه بكل ما عرفته النفوس مما لا ترده الشريعة، وقال ابن ظفر في (الينبوع): ما عرفته العقلاء أنه حسن وأقرهم الشارع عليه فمنه الرجوع إلى العرف، والعادة في معرفة أسباب الأحكام من الصفات الإضافية كصغر صبية وكبرها، وإطلاق ماء وتقييده، وكثرة تغيره وقلته، وغالب الكثافة ونادر العذر ودائمة، وقرب منزلة وبعدها، وطول فصل في السهو وقصره، وكثرة فعل أو كلام وقلته ومشقة احتراز من نجاسة مثلاً وسهولته، وقوة خف وضعفه وتكلب الجوارح وما
(3/472)

يعد ساتراً وطيباً للمحرم، ومقابلاً بعوض في البيع، وعيناً وفضلاً بين المتعاقدين وثمن مثل، وكفء نكاح، وتهيؤ زفاف، وحفظ ماشية وزرع ومؤنة وكسوة وسكنى مثل، ومردود وظرف هدية وفرس غاز وما يليق بحال الشخص في متعة وفي عدواة برد الشهادة والحكم، ومنها الرجوع إليها في مقادير الحيض والنفاس، والطهر وأكثر مدة الحمل وسن اليأس، ومهر مثلها، ومنها الرجوع إليها في فعل غير منضبط رتبت عليه الأحكام كالقصر والإحياء والحد وإعراض عن معدن ومتحجر وضال، والإذن في الضيافات وإباحة نحو أكل وشرب دابة، ودخول بيت حميم والتبسط مع الأصدقاء، وما يعد قبضاً وإيداعاً وإعطاء وهدية وغصباً ومعروف المعاشرة، وتصرف الملاك، وانتفاع عارية، وحفظ وديعة وتجارة قراض ونحل ومساقاة، وصيغة إجارة، وصغار ذمي وناقض عهده وموجب لوث، ومنها الرجوع إليها في تخصيص عين أو فعل أو مقدار يحمل اللفظ عليه كألفاظ الأيمان والأوقات والوصايا والتعويضات،
والدينار والدرهم والصاع والوسق، والقلة والأوقية، وكذا إطلاق النقود في المعاملات ينصرف إلى الغالب ومنه صحة المعاطاة بما يعده الناس بيعاً على المختار في الفتوى.
(3/473)

الخامسة: الأمور بمقاصدها ودليلها قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات)) فمنه العبادات لا يميزها عن العادات ولا يميز رتب بعضها عن بعض إلا النية، ولا يحصل الثواب غيرها، ومنه كتابات العقود، وكل أداء ملتبس ونحوه يفتقر إلى النية المميزة ولو كان من كافر، وأما كونها تقربة إلى الله تعالى من أنها موصلة إلى عبادة فتختص بالمسلمين، ومنها: أن المباحات كلها لا تتميز عن المعاصي إلا بالنية، وبما صارة= قربة بنية قبول رخصة الله والاستعانة بها ذكره، ومنها أن ما تميز بنفسه لا يحتاج إلى النية، ومن ثم لم يحتج الإيمان والعرفان والآذان والأذكار والقراءة إلى نية التقرب، بل يكفي مجرد القصد ليخرج الذاهل فإنه غير فاعل على الحقيقة، قال بعض مشايخنا المحققين: وإنما ترك القاضي الحسين هذه القاعدة لعلة الاستغناء عنها بأن العادة تحكم فغير المنوي من غسل وصلاة وكتابة مثلاً لا تسمى في العادة غسلاً ولا قربة ولا عقداً.

[الكتاب السادس: في التعادل والتراجيح]
(ص): الكتاب السادس في (55/ك) التعادل والتراجيح.
(ش): لما انتهى الكلام في الأدلة المتفق عليها، والمختلف فيها وكان معرفة الأدلة من حيث هي لا بد معه (136/ز) في الاستدلال من شروط وهي كيفية الاستدلال بها عند التعارض، عقد هذا الكتاب لذلك، وأخرها عن الأدلة، لأنها صفات للأدلة فترتيبها متأخرة عنها.
(3/474)

(ص): يمتنع تعادل القاطعين وكذا الأمارتين في نفس الأمر على الصحيح.
(ش): التعادل بين القاطعين ممتنع عقليين كانا أم نقليين، وإلا ثبت مقتضيهما وهما نقيضان، وكذا بين القطعي والظني لانتفاء الظن عند القطع بالنقيض، وأما التعادل بين الأمارتين في الأذهان فصحيح وأما في نفس الأمر فمنعه الكرخي، والإمام أحمد، وجمع من أصحابنا لأنه يقتضي التخيير بين الحكمين والإجماع
(3/475)

على بطلانه، وهل منعوه عقلاً أو شرعاً؟ فيه نظر وجوزه الباقون، وهو أن ينصب علامات متساويات في اقتضاء الظنين، وفصل الإمام الرازي فقال: إما أن يكون بين حكمين متناقضين والفعل واحد، أو بين فعلين متنافيين، والحكم واحد، فالأول ككون الفعل الواحد واجباً وحراماً ومباحاً، فيجوز، ولكنه غير واقع شرعاً، إذ لا يمكن العمل بهما ولا تركهما، وبأحدهما تحكم، والتخيير بين مباح ومحرم، إذن في الترك وهو ترجيح عين أمارة الإباحة وهو تحكم، والثاني جائز كوجوب التوجه إلى جهتين قد غلب على الظن أنهما جهتا القبلة، ونقح الشيخ عز الدين في قواعده فقال: لا يتصور في الظنون تعارض كما لا يتصور في العلوم، وإنما يقع التعارض بين أسباب الظنون، قال وإذا تعارضت أسباب الظنون فإن حصل الشك لم يحكم بشيء، وإن وجدنا الظن في أحد الطرفين حكمنا به، لأن ذهاب مقابله يدل على ضعفه، وإن كان كل منهما مكذباً للآخر تساقطا لتعارض الخبر والشهادتين، وإن لم يكذب كل منهما صاحبه عمل به على حسب الإمكان كدابة عليها راكبان، نحكم بها لهما، لأن كل من اليدين لا تكذب الأخرى.
(3/476)

(ص): فإن توهم التعادل فالتخيير، أو التساقط، أو الوقف، أو التخيير في الواجبات أو التساقط في غيرها، أقوال.
(ش): إذا جوزنا تعادلهما فاختلفوا في حكمه عند وقوعه على مذاهب.
أحدها: التخيير وهو اختيار القاضي أبي بكر منا وأبي علي، وأبي هاشم من المعتزلة.
وثانيها: التساقط، ويجب الرجوع إلى غيرها وهو البراءة الأصلية وهو مذهب كثير من الفقهاء.
وثالثها: الوقف كالبينتين المتعارضتين.
والرابع: إن وقع التعادل بالنسبة إلى الواجبات، فالتخيير، إذ لا يمتنع التخيير في الشرع بينهما، كمالك مائتين من الإبل يجب أن يخرج ما شاء من الحقاق وبنات اللبون.
(3/477)

عند من يجعل الخيرة للمالك، وإن وقع بالنسبة إلى حكمين متناقضين، كالإباحة والتحريم، فحكمه التساقط والرجوع إلى البراءة الأصلية، وقضية إطلاق المصنف جريان هذا الخلاف فيما إذا وقع هذا التعادل للإنسان في عمل نفسه أو للمفتي، وقال الهندي: جريان قول الوقف في عمل نفسه بعيد جداً، إذ الوقف فيه لا إلى غاية تنتظر أو لا يرجى منه ظهور الرجحان، وإلا لم تكن مستثناة بخلاف التعادل الذهني فإنه يتوقف فيه إلى أن يظهر المرجح وقوله: (فإن توهم) أحسن من قول غيره: (فإن ظن) الظن للطرف الراجح ولا يوجد ذلك وإنما هو بالنسبة إلى ظن المجتهد.
(ص): وإن نقل عن مجتهد قولان متناقضان فالمتأخر قوله وإلا فما ذكر
(3/478)

فيه المشعر بترجيحه وإلا فهو متردد، ووقع للشافعي رضي الله عنه في بضعة عشر مكاناً، وهو دليل على علو شأنه علماً وديناً.
(ش): تعارض القولين لمجتهد واحد بالنسبة إلى المقلدين كتعارض الأمارتين عند المجتهدين، فلذلك أعقبه بتعادل الأمارتين، وحاصله: أنه إذا نقل عن مجتهد قولان فإما أن يكونا في موضع واحد أو لا:
الحالة الأولى: أن يكون في موضعين فإن علم المتأخر منهما فهو مذهبه، ويكون الأول مرجوعاً عنه، وذهب بعض الأصحاب إلى أنه لا بد وأن ينص على الرجوع فلو لم ينص في الجديد على الرجوع عن القديم لم يكن رجوعاً، حكاه الرافعي في باب صلاة الجماعة، وإن جهل الحال حكي عنه القولان، ولا يحكم عليه بالرجوع إلى أحدهما بعينه، وإن كان أحدهما مرجوعاً عنه ظاهراً، قال الهندي: ولا يخفى عليك أنه لا يجوز العمل بأحدهما إذ ذاك قبل التبيين.
(3/479)

الثاني: أن يكون في موضع واحد بأن يقول في هذه المسألة القولان، فإذا عقب أحدهما بما يشعر بترجيحه كقوله: وهذا أشبه ولو بالتفريع عليه، فيكون ذلك قولاً له، لأن قول المجتهد ليس غير ما يترجح عنده، وإن لم يكن شيئاً من ذلك فيدل على توقفه في المسألة لعدم ترجيح أحد الحكمين في نظره وقوله: (فيها قولان) يحتمل أن يريد احتمالين على سبيل التجويز لوجود أمارتين متساويتين، ولكن يريد بهما مذهبين لمجتهدين وعلى التقديرين لا ينسب إليه قول في المسألة لتوقفه فيها، وهذا قاله الإمام في (المحصول) وتابعه المصنف، وقال الآمدي: يجب اعتقاد نسبة أحدهما إليه، ورجوعه عن الآخر غير معين دون نسبتهما جميعاً، ويمتنع العمل بهما حتى يتبين، كالنصين إذا علمنا نسخ أحدهما غير معين، وكالراوي إذا اشتبه عليه ما رواه من شيئين وهذا أحسن من قول الإمام لكنه خلاف عمل الفقهاء، وفي المسألة رأي ثالث صار إليه القاضي وهو: أن له قولين وحكمهما التخيير قال إمام الحرمين في (التلخيص): وهذا بناه القاضي على اعتقاده أن مذهب الشافعي رضي الله عنه تصويب المجتهدين، لكن الصحيح من مذهبه: أن المصيب واحد فلا يمكن منه القول بالتخيير، وأيضاً فقد يكون القولان بتحريم وإباحة ويستحيل التخيير بينهما واعلم أنه قد وقع الحالان للشافعي رضي الله عنه لكن
(3/480)

وقوعه في موضع واحد من غير تنبيه على ما يشعر (137/ز) بترجيح أحدهما قليل. نقل الشيخ أبو إسحاق في (شرح اللمع) عن القاضي أبي حامد المروزي أنه ليس للشافعي رضي الله عنه ذلك إلا في بضعة عشر موضعاً وهو ستة عشر أو سبعة عشر، وهو دليل على علو شأنه.
أما الحالة الأولى: فلدلالة على صرف عمره في النظر والمأخذ ولاج في الدقائق، وعلى دينه لإظهار الشيء يلوح له غير مبال بما صدر منه أولاً ولا واقف (56/ك) عند كلام غبي ينسبه للتناقض في المقال، وقد عاب عليه القولين من قصر نظره عن مقاصده.
وأما في الثانية: فإن المجتهد كلما زاد علماً وتدقيقاً كان نظره أتم تنقيحاً وتحقيقاً، وعلى دينه فلم يكن ممن إذا ظهر وجه الرجحان صمم على مقالته الأولى بل أبطل تلك وعدل إلى ما هو الأولى، وفائدة ذكر القولين من غير ترجيح، التنبيه على أن ما سواهما لم يترجح عنده، وأن هذين الاحتمالين لم يترجح أحدهما في نظره، فأطلق القولين بمعنى أن كل واحد منهما يمكن جعله قولاً لا أنهما معاً مذهبه، وقد
(3/481)

وقع مثل ذلك عمر رضي الله عنه في الشورى على ستة وحصر الخلافة فيهم؛ تنبيهاً على أن الاستحقاق منحصر فيهم، وأن غيرهم ليس أهلاً لذلك، ولم ينكر ذلك عليه أحد، بل اتبعوه، وفيه أيضاً التنبيه على المأخذ وانحصار جهتها في ذينك القولين، فإن قلت: فلا معنى لقولهم للشافعي رضي الله عنه في هذه المسألة قولان، إذ هو متوقف غير حاكم بشيء، قلت: قال إمام الحرمين في (التلخيص): هكذا القول ولا نتحاشى منه وإنما وجه إضافته إلى الشافعي رضي الله عنه ذكره لهما واستقصاؤه وجوه الاشتباه فيهما.
(ص): ثم قال الشيخ أبو حامد: مخالف أبي حنيفة منهما أرجح من موافقه، وعكس القفال. والأصح الترجيح بالنظر فإن وقف، فالوقف.
(ش): قد سبق ترجيح أحد القولين على الآخر بتأخره أو بالإشعار بترجيحه وذكر هنا مرجحاً آخر وهو: ما إذا كان أحد القولين يوافق مذهب أبي حنيفة والآخر يخالفه فقال القفال: الموافق أولى، وقال الشيخ أبو حامد الإسفراييني: المخالف أولى، فإن الشافعي رضي الله عنه إنما خالفه لاطلاعه على دليل يقتضي المخالفة، والأول هو الأصح عند الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله في (شرح المهذب) و (الروضة) وهو بناء على طريقته في الترجيح في المذهب بالكثرة كالرواية، وهو
(3/482)

ضعيف فإن الكثرة إنما يظهر تأثيرها في النقل، وأما الاجتهاد فالمعتبر فيه قوة الدليل لا جرم كان ما صححه المصنف هو الأصح، وقال بعضهم: تصوير هذا الفرع يحتاج إلى نظر، فإن أحد القولين فيه إما أن يكون قبل الآخر أو لا، فإن كان، فالعمل بالمتأخر، لأنه كالجديد بالنسبة إلى القديم، وإن كان فيما إذا قالهما معاً أو لم يعلم، فالتعليل بأنه ما خالف إلا بعد اطلاعه على مقتضى المخالفة يقتضي تقديم الموافقة، وينظر في السبعة عشر مسألة التي نص فيها على قولين معاً هل هي بهذه الصفة أعني: أحدهما يوافق أبا حنيفة والآخر يخالفه أم لا؟ وينتج من هذا البحث أنهم لم يطرحوا القديم فإن قول القفال يقتضي أن يكون متقدماً، فإن الشافعي رضي الله عنه وافق أبا حنيفة في الاجتهاد ثم خالفه لظهور دليل يقتضي المخالفة.
(ص): وإن لم يعرف للمجتهد قول في المسألة، لكن في نظيرها، فهو قوله المخرج فيها على الأصح لا ينسب إليه مطلقاً بل مقيداً، ومن معارضة نص آخر للنظير تنشأ الطرق.
(ش): ذكر الشيخ أبو إسحاق أنه إذا نص الإمام في واقعة على حكم وفي
(3/483)

الأخرى شبهها على خلافه لا يجوز نقل قوله من إحديهما إلى أخرى، وتخريجها على قول وأن ما يقتضيه قوله لا يجعل قولا له إلا إذا لم يحتمل، كقوله: تثبت الشفعة في الشقص من الدار، فيقال: قوله في الحانوت كذلك، قال الرافعي: والمعروف في المذهب خلاف ما قاله وإلى هذا الخلاف عبر المصنف بالأصح، وإذا قلنا بجواز التخريج فهل ينسب القول المخرج لذلك المجتهد؟ فيه وجهان، أصحهما المنع، لأنه ربما يذكر فرقاً ظاهراً لو رجع، ومأخذهما أن لازم المذهب هل هو مذهب؟ والمختار أنه ليس بمذهب، ولهذا قال الرافعي: الأولى أن يقال: هذا قياس قوله، أو قياس أصله، ولا يقال: هو قوله، وإليه أشار المصنف بقوله: ولا ينسب إليه مطلقاً بل مقيداً، وأشار بقوله: (من معارضة نص)، إلى سبب اختلاف الطرق في نقل المذهب: أن يجيب الشافعي رضي الله عنه بحكمين مختلفين في صورتين متشابهتين، ولا يظهر ما يصلح للفرق بينهما فيختلف حينئذ الأصحاب، فمنهم من يقرر النصين ويتكلف فرقاً، ومنهم من ينقل جوابه في كل صورة إلى أخرى فيجعل في كل صورة منهما قولان منصوص ومخرج، والمنصوص في هذه هو المخرج في تلك، والمنصوص في تلك هو المخرج في هذه، وحينئذ فيقولون: قولان بالنقل والتخريج، أي نقل المنصوص من هذه الصورة إلى تلك وخرج فيها، وكذا بالعكس، والغالب في مثل هذا عدم إطباق الأصحاب على
(3/484)

التخريج بل ينقسمون إلى فريقين: فريق مخرج وفريق يمنع ويستخرج فارقاً بينهما ليستند إليه، وهذا هو منشأ الخلاف في أن القول المخرج هل ينسب إليه.
(ص): والترجيح تقوية أحد الطريقين.
(ش): أي المتعارضين، على الآخر، ليعمل بالقوية، وهذه عبارة (المحصول)، وعبر في (المنهاج) بالأمارتين، عوض الطريقين واستحسنه المصنف في شرحه، إذ يمتنع الترجيح في غير الأمارتين الأمارتين فلا أدري لما خالفه هنا، وقد نازع الهندي في جعلهم الترجيح عبارة عن التقوية التي هي مستندة إلى الشارع أو المجتهد حقيقة وإلى ما به الترجيح مجازاً (138/ز) وهو غير ملائم له بحسب الاصطلاح، إذ هو في الاصطلاح عبارة عن نفس ما به الترجيح، فلا يجوز أن يجعل عبارة عن التقوية قلت: ولذلك قال أبو الحسين: هو الشروع في تقوية أحد الطريقين على الآخر وزاد صاحب (البديع) في الحد قوله: (وصفا) ليخرج الترجيح بدليل مستقل فلا يجوز لأنه يؤدي إلى انتقال إلى دليل آخر، إذ لا تعلق للثاني بالأول، بل هو مستقل بنفسه، فيكون تركا له وعدولاً إلى الثاني وهو معنى الانتقال.
(3/485)

(ص): والعمل بالراجح واجب، وقال القاضي: إلا ما رجح ظنا، إذ لا ترجيح بظن عنده، وقال البصري: إن رجح أحدهما بالظن فالتخيير.
(ش): ذهب الأكثرون إلى وجوب العمل بالراجح، سواء كان المترجح معلوماً أو مظنوناً، حتى أن المنكرين للقياس عملوا بالترجيح في ظواهر الأخبار، والمخالف فيه رجلان أحدهما القاضي أبو بكر؛ قال: لا يجوز العمل بالترجيح المظنون، قال: وأنا أقبل الترجيح المقطوع به كتقديم النص على القياس، وأما المظنون وهو الترجيح بالأوصاف والأحوال وكثرة الأدلة ونحوها فأرده وأخالف فيه، لأن الأصل المقرر أنه لا يجوز اتباع شيء من الظنون، لأنه عرضة الغلط، والخطأ، خالفنا هذا (57/ك) في الظنون المستقل بأنفسها لإجماع الصحابة عليها والترجيح عمل بظن لا يستقل بنفسه دليلاً، فيبقى على الأصل في عدم اتباعه، وأجيب بأن الإجماع منعقداً أيضاً على وجوب العمل بالظن الذي لا يستقل كالمستقل.
(3/486)

والثاني أبو عبد الله البصري أنكر التمسك بالترجيح، فقال: عند التعارض يلزم التخيير أو الوقف، ولا نرجح أحد الطرفين على الآخر وإن تفاوتا، قال الإمام في (البرهان) هذا حكاه القاضي عن البصري وهو الملقب بجعل، قال: ولم أر ذلك في شيء من مصنفاته مع بحثي عنها، وقال: غيره إن صح عنه لم يلتفت إليه، فإنه مسبوق بإجماع الصحابة والأمة قاطبة بترجيح بعضهم على بعض الأدلة، وهذا معلوم بالضرورة ولا التفات لمن قاس عدم الترجيح في الأخبار على عدمه في الشهادات، فإن هذه مسألة من مسائل الاجتهاد، وقد قال بعضهم بالترجيح فيها، ومن أنكر فمستنده نوع من التعبد في الشهادات لا يكفي في غيرها.
(ص): ولا ترجيح في القطعيات لعدم التعارض.
(ش): الترجيح مختص بالدلائل الظنية، ولا جريان له في الدلائل اليقينية عقلية أو نقلية، لأن الترجيح فرع وقوع التعارض وهو غير متصور فيها، لأنه لو وقع لزم اجتماع النقيضين، أو ارتفاعهما، وبحث الشيخ الهندي فيها بما حاصله أنه إن
(3/487)

كان هذا دليلاً على منع تعارض القاطعين في نفس الأمر وليس الكلام فيه، وهو غير ممكن، وإن كان على المنع في الأذهان فممنوع، لأنه قد يتعارض عند المجتهد شيئان يعتقد أنهما دليلان يقينيان، ويعجز عن القدح في أحدهما، وإن كان يعلم بطلان أحدهما في نفس الأمر وحينئذ فيجوز بطريق الترجيح إليها بناء على هذا التعارض بالنظر في أحوال المقدمات والتراكيب، ويرجح بقلة المقدمات والتراكيب، وهذا طريق يقبله العقل ولا يدفعه ما ذكرتم، قلت: ولا سيما إذا قلنا العلوم تتفاوت.
(ص): والمتأخر ناسخ.
(ش): إن كان التاريخ معلوماً والمدلول قابل للنسخ، فالمتأخر ناسخ للمتقدم سواء كانا آيتين أو خبرين، أو أحدهما آية والآخر خبراً متواتراً، قال في (المحصول) فإن قلت فما قول الشافعي رضي الله عنه هنا مع أن مذهبه أن القرآن لا ينسخ بالخبر المتواتر ولا بالعكس؟ قلت: القصد من هذه المسألة: أنه لو وقع لكان
(3/488)

المتأخر ناسخاً للمتقدم والشافعي رضي الله عنه يقول: لم يقع ذلك فليس بين مقتضى هذا وبين قول الشافعي رضي الله عنه منافاة وأشار المصنف بقوله (وإن نقل المتأخر بالآحاد) إلى أن كون المتأخر ناسخاً للمتقدم إذا علم المتأخر بالقطع.
(ص): إن نقل المتأخر بالآحاد عمل به لأن دوامه مظنون.
(ش): أي: لأن الأصل فيه الدوام، وهذه المسألة ذكر الأبياري في (شرح البرهان) له فيها احتمالين أحدهما: المنع، لأنه يؤدي إلى إسقاط المتواتر بالآحاد، وهو ممنوع قال: والأظهر القبول، ولا يكون بمثابة استقلال قول العدول بنقل
(3/489)

التواتر، وقال أبو العز في (المقترح): يكفي في التأخير نقل الآحاد، لأن السلف اكتفوا بذلك فإنا نعلم قطعاً أنه لو نقل الصديق تأخير آية حكموا بها على الأخرى، ولم يستريبوا مع أنه يمكن أن يقال: إن غلبة الظن بأنه ناسخ مرجح لأحد النصين على الآخر فيعمل بالراجح وهذا لا خفاء به.
(ص): والأصح الترجيح بكثرة الأدلة والرواة.
(ش): فيه مسألتان إحداهما: يجوز الترجيح بكثرة الأدلة، خلافاً للحنفية فإنها تفيد تقوية الظن والظنيين أقوى من الظن الواحد لكونه أقرب إلى القطع.
الثانية: يرجح أحد الخبرين على الآخر بكثرة الرواة والخلاف فيه أضعف من الذي قبله، ولهذا وافق هنا بعض المخالفين ونقل صاحب (الميزان) من الحنفية
(3/490)

المنع عن أكثر أصحابهم كالشهادة، ولأن خبر الواحد يحتمل أن يكون متأخراً فيكون ناسخاً فلا معنى للترجيح والكثرة، ونقل إمام الحرمين هنا عن بعض المعتزلة وقال: الذي ذهب إليه الأكثرون الترجيح بكثرة العدد، ثم نقل أن القاضي قال: ما أرى تقديم الخبر بكثرة الرواة قطعياً والوجه فيه أن المجتهدين إذا لم يجدوا متمسكاً إلا الخبرين، واستوى رواتهما في العدالة والثقة وزاد أحدهما بعدد الرواة فالعمل به، قال: بهذا أقطع لأنا نعلم أن الصحابة رضي الله عنهم لو تعارض لهما خبران بهذه الصفة لم يعطلوا الواقعة بل كانوا يقدموا هذه قال: وأما إذا كان في المسألة قياس وخبران متعارضان كثرت رواة أحدهما فالمسألة الآن ظنية (وهذا الذي ذكره القاضي حق، ويشبه أن لا يكون محل الخلاف إلا في الصورة التي جعلها ظنية) وأما في الأولى فلا مساغ له، نعم، لو اجتمع مزية الثقة وقوة العدد بأن روى أحد (139/ز) الخبرين ثقة، وروى الآخر جمع لا يبلغ آحادهم مبلغ راوي الخبر الآخر في الثقة والعدالة، فهذه صورة أخرى، وقد اعتبر بعض المحدثين مزية العدد وبعضهم مزية الثقة، قال إمام الحرمين: والمسألة لا تبلغ مبلغ القطع، والغالب على الظن التعلق بمزية الثقة فإن الغلب= على الظن أن الصديق لو روى خبراً وروي جمع على خلافه لكان الصحابة يؤثرون رواية الصديق. انتهى.
(3/491)

(ص): وأن العمل بالمتعارضين ولو من وجه أولى من إلغاء أحدهما ولو سنة قابلها كتاب ولا يقدم الكتاب على السنة، ولا السنة عليه خلافاً لزاعمهما.
(ش): إنما يرجح أحد الدليلين على الآخر إذا لم يمكن العمل بكل واحد منهما، فإن أمكن ولو من وجه دون وجه فلا يصار إلى الترجيح بل يصار إلى ذلك لأنه أولى من العمل بأحدهما دون الآخر، إذ فيه إعمال الدليلين، فالإعمال أولى من الإهمال ومثاله: ((أيما إهاب دبغ فقد طهر)).
(3/492)

مع قوله: ((لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب)) فيحمل الحظر على ما قبل الدباغ والإباحة على ما بعده، فيستعمل المتنان على الوجه الممكن، ولا نطرح أحدهما بالآخر وقوله: (ولو سنة) أي إذا تقابل ظاهر الكتاب وظاهر السنة سواء أمكن الجمع بينهما من وجه صرنا إليه وقيل: نحمله ونخصص ظاهره، فيقدم الكتاب، لأنه أرجح، ولحديث معاذ، وقيل: تقدم السنة، لأنها بيان ومثاله (58/ك) قوله صلى الله عليه وسلم في البحر: ((الحل ميتته)) فإنه عام في ميتة البحر مطلقاً،
(3/493)

سواء خنزيره وغيره، مع قوله: {أو لحم خنزير} فإنه يقتضي تحريم كل لحم سوى خنزير البحر وغيره، فتعارض عموم السنة، والكتاب في الخنزير، فمنهم من يقدم الكتاب ويحرمه، ومنهم من يقدم السنة ويحلله، ومنهم من يقول: ننظر فإن أمكن الجمع ولو من وجه جمعنا، وإلا قضينا بالتقابل ونقول: إذ ذاك نقدم الكتاب إن كانت السنة آحاداً، وإن كانت متواترة فسيأتي كلامه إن شاء الله تعالى، وقد يقال: إن هذه المسألة عين المسألة السابقة في باب التخصيص أنه يخص عموم القرآن بخبر الواحد، ولهذا قال في (المستصفى) هناك: خبر الواحد إذا ورد مخصصاً لعموم القرآن، اتفقوا على جواز التعبد فيه بتقديم أحدهما على الآخر، لكن اختلفوا في وقوعه على أربعة مذاهب، فقال قوم بتقديم العموم، وبتقديم الخبر قوم، وبتقابلهما، والتوقف إلى ظهور دليل آخر، وقال قوم إن كان العموم مما دخله التخصيص بقاطع فقد ضعف فالخبر أولى، وإلا فالعموم أولى انتهى، لكن يلزم من هذا مع التكرار المناقضة، فإن المصنف اختار هناك التخصيص، وهنا التعارض، فلينظر
(ص): فإن تعذر وعلم المتأخر فناسخ، وإلا رجع إلى غيرهما، وإن تقارنا
(3/494)

فالتخيير إن تعذر الجمع والترجيح، وإن جهل التاريخ وأمكن النسخ رجع إلى غيرهما، وإلا فخير أن تعذر الجمع والترجيح.
(ش): تعارض الدليلين إن أمكن معه العمل بكل منهما فقد سبق، وإن تعذر فإما أن يكون أحدهما متقدماً والآخر متأخراً، أو يتقارنا، أو يجهل التاريخ.
الحالة الأولى: أن يعلم المتأخر فإن كان حكم المتقدم قابلاً للنسخ فالمتأخر ناسخ للمتقدم، سواء كانا معلومين أو مظنونين، وإن لم يقبل النسخ فإن كانا معلومين وهو مراد المصنف تساقطا، ويجب الرجوع إلى غيرهما، كذا قاله الإمام، واعترض عليه التقشواني بأن المدلول إذا لم يقبل النسخ يمتنع العمل بالمتأخر فلا يعارض المتقدم، بل يجب إعمال المتقدم كما كان قبل ورود المتأخر، وإن كانا مظنونين طلب الترجيح.
الثانية: إن يتقارنا والحكم قابل للنسخ فحكمه التخيير إن أمكن لتعذر الجمع والترجيح، أما الجمع فلأن صورة المسألة أن يتعذر العمل بكل منهما، وأما الترجيح فلأن المعلوم لا يقبل الترجيح لا بحسب الإسناد، ولا بحسب الحكم، لجواز أن يكون الحكم حظراً أو مثبتاً أو شرعياً لأنه يقتضي طرح المعلوم بالكلية.
الثالثة: أن يجهل التاريخ، فإن كان الحكم قابلاً للنسخ وجب الرجوع إلى غيرهما، لأنه يجوز في كل واحد منهما أن يكون هو المتأخر فيكون ناسخاً لحكم
(3/495)

المتأخر وأن يكون هو المتقدم فيكون منسوخاً بالآخر، فلم يجز تقدم على الآخر فيجب الرجوع إلى غيرهما وإن لم يكن قابلاً للنسخ فحكمه حكم المتقارنين وقد علمته، وكان ينبغي للمصنف أن يحيل عليه.
(ص): فإن كان أحدهما أعم فكما سبق.
(ش): هذا إذا تساويا في العموم أو الخصوص، فإن كان أحدهما أعم من الآخر من وجه فقد سبق في آخر التخصيص أنه يصار إلى الترجيح، فلا حاجة إلى الإعادة.
(3/496)

(ص): مسألة: يرجح بعلو الإسناد وفقه الراوي، ولغته، ونحوه، وورعه، وضبطه، وفطنته، ولو روى المرجوح باللفظ إلى آخره.
(ش): ترجيح الأخبار، ويقع في سبعة أوجه.
الأول: بحسب حال الراوي وذلك باعتبارات أولها: بكثرة الرواة وقد مر.
ثانيها: بقلة الوسائط، وعلو الإسناد، لأن احتمال الخطأ فيما قلت وسائطه أقل (وما برحت الحفاظ والجهابذة تطلب علو) الإسناد وتفتخر به.
ثالثها: بفقه الراوي: سواء كانت الرواية بالمعنى أو باللفظ، ومنهم من قال: إن روى باللفظ فلا يرجح بذلك والصحيح الأول، لأن للفقيه مزية التمييز بين ما يجوز وبين ما لا يجوز بخلاف الجاهل.
(3/497)

رابعها: أن يكون أحدهما عالماً باللغة والنحو، لأن العالم بهما يمكنه التحفظ عن مواقع الزلل، فكان الوثوق بروايته أكثر، قال الإمام: ويمكن أن يقال: هو مرجوح، لأن العالم بهما يعتمد على معرفته فلا يبالغ في الحفظ، والجاهل بهما يكون خائفاً يبالغ في الحفظ.
خامسها: أن يكون أحدهما راجحاً على الآخر في وصف يغلب ظن الصدق كالورع، والضبط، والفطنة، ولذلك رجح أصحابنا رواية مالك وسفيان عن أبي حازم حديث ((زوجتكها بما معك من القرآن)) على رواية عبد العزيز بن أبي
(3/498)

حازم وزائدة عن أبي حازم بلفظ ((ملكتكها)) لأن مالكاً وسفيان أعلم منهما وأوثق وأضبط، وقوله: (ولو روي (المرجوح) هو بالرفع، أي: يرجح بذلك، ولو كان الراجح بها روي بالمعنى (140/ز) والمرجوح روي) باللفظ وقد سبق ذكر الخلاف فيه في فقه الراوي.
سادسها: حسن اعتقاد الراوي، فرواية غير المبتدع أولى من رواية المبتدع، كذا قطعوا به، وفيه احتمال إذا كانت بدعته بذهابه إلى أن الكذب كفر أو
(3/499)

كبيرة فإن ظن صدقه أغلب.
سابعها: شهرة عدالته، وفي معناه شهرته بالصفات السابقة من ورع، وفطنة، علم.
ثامنها: كونه مزكى بالاختبار والممارسة فيقدم على من عرفت عدالته بالتزكية، لأن الخبر أضعف من المعاينة.
تاسعها: كثرة المزكين للراوي، ولهذا قدمنا حديث بسرة في مس الذكر على حديث
(3/500)

طلق.
عاشرها: رواية معروف النسب راجحة على رواية مجهوله، قاله في (المحصول)، وقال الآمدي وابن الحاجب: يقدم مشهور النسب، وعلله الآمدي بأن احترازه عما يوجب نقيض منزلته المشهورة يكون أكثر، واختار المصنف أنه لا يرجح بشهرة النسب، ولهذا ضعفه، والأول أقوى، لأن من ليس بمشهور النسب قد يشاركه ضعيف في الاسم.
حادي عاشرها: من صرح بتزكيته على من حكم بشهادته وعمل بروايته، وهذا تابع فيه الآمدي وغيره وقدم في (المنهاج) من ثبتت عدالته بعمل من روى عنه على ما راويه معدل بغير ذلك فالمراتب عنده ثلاثة: التعديل بالاختبار، ثم بالعمل، ثم بغير ذلك.
(3/501)

ثاني عاشرها: حفظ المروى بأن يحكي لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، والآخر ينقله في الجملة، كقول أبي محذورة: لقنني رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان تسع عشر= كلمة ويروي عبد الله (الأذان بلا ترجيع) لا يحكيه لفظاً (59/ ك) عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
ثالث عشرها: بذكر السبب على من لم يذكره لزيادة الاهتمام من
(3/502)

حاكي السبب بمعرفة ذلك الحكم.
رابع عشرها: أن يكون أحدهما يعول على حفظه فيما يرويه، والآخر على كتابه، فالأول أولى، لما لعله يعتور الخط من نقص وتغيير، قال الإمام: وفيه احتمال، قال المصنف: وهذا الاحتمال بعيد، بل ذهب بعض العلماء إلى أنه لا يحتج برواية من يعول كتابه، قال أشهب: سئل مالك أيؤخذ ممن لا يحفظ وهو ثقة صحيح أيؤخذ عنه الأحاديث؟ فقال: لا يؤخذ عنه، أخاف أن يزاد في كتبه بالليل. قلت: بل هذا الاحتمال قوي إذا كانت النسخة محفوظة عنده وهي بخط ضابط، أو يؤمن الحافظ، وما ذكره من تطرق النقض للخط، معارض بتطرق النسيان، والاشتباه إلى الحفظ دون الكتابة.
خامس عشرها: بأن يكون أحدهما سمع شفاها والآخر من وراء حجاب، كرواية القاسم عن عائشة رضي الله عنها.
(3/503)

أن بريرة عتقت وكان زوجها عبداً، رواه مسلم على من روى أنه كان حراً، لأن عائشة رضي الله عنها عمة القاسم، فسمع منها شفاها بخلاف الأسود.
سادس عشرها: كونه من أكابر الصحابة لقربه من غالباً مجلس النبي
(3/504)

صلى الله عليه وسلم، والمراد بالأكابر رؤساء الصحابة، لا الأكابر بالسن، وعن أحمد أنه لا يرجح بذلك ونظيره: كونه أكثر صحبة فيقدم، ولهذا قدموا خبر عائشة رضي الله عنها في صحة صوم الجنب على رواية أبي هريرة ((أنه لا صوم له)) وإذا قلنا بتقديم رواية الأكابر على غير الأكابر فينبغي أن تقدم رواية الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم على غيرهم، ولذلك كان: علي رضي الله عنه يحلف
(3/505)

الرواة ويقبل رواية الصديق رضي الله عنه من غير تحليف.
سابع عشرها: بكونه ذكراً يرجح على رواية المرأة، لأن الضبط مع الذكورة أشد، هذا ما رجحه المصنف، وهو ضعيف، والصواب ما قاله الأستاذ، أنه لا يرجح بها.
وقال ابن السمعاني في (القواطع): إنه ظاهر المذهب ولم يذكر الأول إلا احتمال له وحكى الكيا الطبري= الاتفاق عليه، فقال: اعلم أننا لا ننكر تفاوتاً بين الذكور والإناث في جودة الفهم، وقوة الحفظ، ومع هذا كله لم يقل أحد: إن رواية الرجال مرجحة على رواية النساء، ولم نر أحداً من المتقدمين ذكره مع استقصائهم وجوه الترجيح، وكأن المانع من ذلك أن الذي يقتضي الترجيح يجب رجوعه إلى عين ما وقع الاحتجاج به ويظهر به التفاوت بين المتعارضين والتفاوت بين الذكور والإناث في قوة الحفظ أمر كلي، يرجع إلى الجنس، كما يقال: الفرس أعقل، وهذا النوع لا يظهر رجوعه إلى آحاد الجنس فلا يقع في التفاضل وقد يفرض امرأة أضبط من الرجل أو أحفظ فإذا لم يظهر التفاوت في غير الخبر لم ينظر إلى الجنس وإنما ينظر إليه في تمهيد الصواب، وذلك في الشرع كما فعل في شهادة النسوة مع الرجال، وهذا مقطوع به لا ريبة فيه، انتهى، وفي المسألة مذهب ثالث: التفصيل
(3/506)

بين أن يكون المروى في أحكام النساء فيقدمن على غيرهن، لأن همتهن إلى حفظه أكثر وإن كان في أحكام غيرهن قدم، حكاه الأستاذ.
ثامن عشرها: كونه حرا وهذا ضعيف كالذي قبله، قال ابن السمعاني: والحرية لا تأثير لها في قوة الظن.
تاسع عشرها: كونه متأخر الإسلام، لأنه يحفظ آخر الأمرين، وكذا إذا كان أحدهما متأخر الصحبة ولذلك قدموا خبر أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم (سلم من اثنتين) وتكلموا على حديث ابن مسعود في الكلام في
(3/507)

الصلاة وقدموا رواية ابن عباس في التشهد على رواية ابن مسعود، ونقل ابن السمعاني عن الحنفية أنه لا يقدم بهذا، لأن المتقدم قد دامت صحبته إلى حال وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يكون للمتأخر ترجيح عليه قال وما قلناه أولى، لأن سماع المتأخر تحقق تأخيره، وسماع المتقدم يحتمل التقدم والتأخر، فما تأخر سماعه يتعين أن يكون أولى، ولهذا قال ابن عباس: كنا نأخذ بالأحدث
(3/508)

فالأحدث انتهى، وأما ابن الحاجب، والهندي فجزما بتقديم رواية متقدم الإسلام وتابعا فيه الآمدي، وعلله بأنها تثير قوة الظن لزيادة أصالته في الإسلام، وتجرزه فيه ولكن الهندي ذكر هذا في الترجيح بما يرجع إلى نفس الراوي، ثم ذكر أواخر الباب فيما يرجع إلى الترجيح بأمر خارج أن متأخر الإسلام يقدم مطلقاً، وهذا منه رجوع إلى قول الجمهور.
العشرون: كونه محتملاً= بعد التكليف، وهو يشتمل ما إذا لم يرو شيئاً إلا بعد بلوغه، يقدم على من لم يرو إلا في صباه، لأن البالغ أقرب إلى الضبط، وعلى من روى البعض في صباه، والبعض في بلوغه، لاحتمال أن هذا الحديث من المحتمل في الصبا، ويشمل تعبيره بالتكليف من روى حال الكفر أو حال الكفر والإسلام فإن من (141/ز) لم يرو إلا في الإسلام يقدم عليه.
الحادي والعشرون: كونه غير مدلس مقدم على رواية المدلس، أي: إن
(3/509)

كان بحيث تقبل روايته، وإلا فليس هو من باب الترجيح، وكأن المصنف استغنى عن تقييده لذلك.
الثاني والعشرون: كونه اشتهر باسم واحد مقدم على من اشتهر باسمين، لاحتمال أنه مجروح بأحدهما.
الثالث والعشرون: كونه مباشراً للواقعة فإنه أعرف بالقصة من الآخر، ولهذا قدم الشافعي رواية أبي رافع في (نكاح النبي صلى الله عليه وسلم
(3/510)

ميمونة حلالاً) على رواية ابن عباس رضي الله عنه (أنه كان محرماً).
الرابع والعشرون: كونه صاحب الواقعة كرواية ميمونة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال) رواه مسلم.
الخامس والعشرون: كونه راوياً باللفظ على الراوي بالمعنى، والمشكوك فيه كونه مروياً باللفظ أو المعنى حتى يرجح الحديث المشتمل على صيغة واحدة مروية
(3/511)

بلفظها على ما كله مروي بالمعنى.
السادس والعشرون: كونه لم ينكر الأصل رواية الفرع فيه، فيقدم على ما أنكره، مثل إنكار أبي معبد، ما حدث به عنه عمرو بن دينار من حديث ابن عباس رضي الله عنه أنه كان يعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتكبير، وهذا إذا صمم على إنكاره، فإن لم يصمم، وحمل أمر شكه، في نفسه على النسيان فلا تظهر مرجوحيته وقد كانوا يحدثون بعد ذلك عن من روى
(3/512)

عنهم، كما فعل سهيل في حديث ((القضاء باليمين مع الشاهد)) وقول المصنف: راوي الأصل، هي عبارة (المحصول) و (المنهاج)، وقال المصنف في شرحه الصواب زيادة في الراوي أو حذفه بالكلية.
السابع والعشرون: (60/ ك) كونه في الصحيحين مقدم على ما التزم فيه بالصحة في غيرها ولو كان على شرطهما، لأن لشهرتهما بتلقي الأمة لهما بالقبول
(3/513)

ما ليس لغيرهما، وإن ساويهما في درجة الصحة، ولذلك قال الأستاذ وغيره: إن كل ما فيهما مقطوع به.
(ص): والقول فالفعل فالتقرير فالفصيح لا زائد الفصاحة على الأصح، والمشتمل على زيادة، والوارد بلغة قريش، والمدني، والمشعر بعلو شأن الرسول صلى الله عليه وسلم، والمذكور فيه الحكم مع العلة، والمتقدم فيه ذكر العلة على الحكم وعكس النقشواني، وما كان فيه تهديد أو تأكيد، وما كان عموماً مطلقاً على ذي السبب إلا في السبب، والعام الشرطي على النكرة المنفية على الأصح، وهي على الباقي، والجمع المعرف على ما ومن، والكل على الجنس المعرف لاحتمال العهد قالوا: وما لم يخصص وعندي عكسه والأقل تخصيصاً، والاقتضاء على الإشارة والإيماء، ويرجحان على المفهومين، والموافقة على المخالفة، وقيل عكسه.
(ش) الترجيح بحسب المتن يقع بأمور:
أولها: كونه عن لفظ النبي صلى الله عليه وسلم والآخر عن فعله, فالقول أولى لأن دلالة اللفظ غير مختلف فيه بخلاف دلالة الفعل؛ لأن ما يفعله النبي صلى الله عليه وسلم يحتمل اختصاصه به, ولا يتميز أحدهما عن الآخر إلا بمنفصل بخلاف اللفظ, فإنه متميز بنفسه.
(3/514)

ثانيها: أن يكون عن فعله والآخر عن تقريره، فالفعل أولى، لأن دلالة التقرير على التشريع مختلف فيها، وتطرق الاحتمال إليها أشد منه في الفعل فكان راجحاً.
ثالثها: فصاحة أحد اللفظين مع ركاكة الآخر، ومن الناس من لم يقبل الركيك، والحق قبوله، وحمله على أن الراوي رواه بلفظ نفسه.
رابعها: قال قوم: يترجح الأفصح على الفصيح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أفصح العرب فلا ينطق بغير الأفصح، والحق وبه جزم في (المنهاج) أنه لا يترجح به، لأن البليغ قد يتكلم بالأفصح والفصيح، لا سيما إذا كان مع ذوي لغة لا يعرفون سوى تلك اللفظة الفصيحة لقصد إفهامهم وإنما قال: (لا زائد الفصاحة) ولم يقل: لا الأفصح، كما قاله في (المنهاج) لأن الأفصح: أن يكون في كلمة واحدة لغتان إحداهما أفصح من الأخرى، والأزيد فصاحة: أن يكون في كلمات منها الفصيح والأفصح، ولكن الأفصح فيها أكثر.
خامسها: اشتمال أحدهما على زيادة لم يتعرض الآخر لها، لاشتماله على زيادة علم (كالتكبير في العيد سبعاً).
(3/515)

مقدم على رواية (الأربع).
سادسها: الخبر المشتمل على لغة قريش وأهل الحجاز راجح على ما ليس كذلك.
سابعها: المدني مرجح على المكي، لأن المدنيات متأخرة عن الهجرة والمكيات متقدمة إلا قليلاً والقليل يلحق بالكثير.
ثامنها: يرجح الخبر الدال على علو شأن الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم على ما ليس كذلك لأنه يدل على تأخيره، فإن الزيادة العظمى في علو شأنه، وظهوره، كانت في آخر أيامه وقال الإمام: إن دل الأول على علو الشأن والثاني على الضعف ظهر تقديم الأول، أما إذا لم يدل الثاني لا على القوة ولا الضعف فمن أين يجب تقديم الأول عليه؟ ورد بأن المشعر بعلو الرسول صلى الله عليه وسلم معلوم التأخير أو مظنونه، وما لم يشعر بذلك مشكوك فيه فليرجح الأول.
(3/516)

تاسعها: المذكور فيه الحكم مع علته مقدم على ما لم يذكر فيه علته، لأن ذكر علته يدل على الاهتمام به كحديث: ((من بدل دينه فاقتلوه)) مقدم على حديث النهي عن قتل النساء لأنه نيط الحكم فيه بوصف الردة، وهو مناسب لا يختلف مناسبته بالنسبة إلى الرجال والنساء، ولفظ النساء لا وصف فيه فأمكن حمله على الحربيات، ومن هذا القبيل أن يكون أحدهما مقروناً بمعنى ظاهر في المناسبة والآخر بخلافه.
عاشرها: المتقدم فيه ذكر العلة على الحكم أقوى من المتقدم فيه الحكم على العلة، وهذا لم يذكره الأصوليون هنا بل هو من زيادات المصنف، وهو بناء على أن الأول أقوى من الثاني، وهو ما قاله الإمام في (المحصول) في الكلام على الإيماء فقال: يشبه أن يكون تقدم العلة على الحكم أقوى وفي الإشعار بالعلية من الثاني، لأن الطرد واجب في العلل دون العكس، وعكس النقشواني الأمر معترضاً على الإمام بأنه إذا تقدم الحكم تطلب نفس السامع العلة فإذا سمع وصفاً معقباً بالفاء سكنت نفسه عن الطلب وركنت إلى أن ذلك هو العلة، وأما إذا تقدم معنى لم نعلم بعد حكمه، مثل السارق والسارقة، فالنفس تطلب الحكم، فإذا صار الحكم مذكوراً فبعد ذلك قد يكتفي في العلة بما سبق إن كان شديد المناسبة، مثل: {والسارق والسارقة} وقد لا يكتفي بل طلب العلة بعد ذلك بطريق آخر، بأن
(3/517)

يقول: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} تعظيماً للمعبود، وأما فيما تأخر ذكر العلة فلا يجوز ذكر علة أخرى، قال: ولو (142/ز) ذكر عد مناقضاً، فكان الإشعار بالعلية على عكس ما قاله الإمام، كيف وترتب الحكم على الوصف عند الإمام يقتضي العلة، وإن لم يكن مناسباً، ويلزمهم أن يقولوا إشعار قول القائل: أما الطوال فأكرموهم، فالعلية أقوى من: أكرموا هؤلاء فإنهم طوال، وليس كذلك، لإمكان قول القائل في الأول: لم أجعل الإكرام علة دون الثاني، وأما قول القائل: إشعار العلة بالمعلول أقوى، فهذا لا يتأتى إلا في شيء عرف كونه علة قبل الكلام، أو قبل الحكم، أما ما إذا كانت العلة فيه مستنبطة من ذلك الكلام فلا يتأتى فيه ما ذكر.
حادي عاشرها: ما فيه تهديد على ما لا يكون كذلك كقوله: (من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم).
ثاني عاشرها: ما دلالته مؤكدة على ما ليس كذلك كقوله: ((أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل, فنكاحها باطل))
(3/518)

فإنه راجح على ما ترويه الحنفية: ((الأيم أحق بنفسها من وليها)) ولو سلم دلالته على المطلوب، وشمل كلامه ما لو استويا في إفادة الظن لكن تأكد أحدهما بدلالة سياق فهو راجح على عين المتأكد.
ثالث عشرها: العام إذا ورد على سبب خاص وعارضه عام مطلق فإن تعارضا فيما عدا صورة السبب، فالعام المطلق أرجح للخلاف في تعميم الوارد على سبب صرح به أصحابنا.
(3/519)

قال إمام الحرمين: فإن قلنا إنه عام فهو عموم ضعيف، لتعين محل النص وهو السبب، ومتى امتاز أحد الظاهرين بقوة، ترجح، قالوا: وهو كما لو أجرينا: ((من بدل دينه فاقتلوه)) على عمومه وفسرنا نهيه عن (61/ك) قتل النساء بالحربيات، وأما إذا تعارضا في صورة السبب، فالعام في السبب يقدم، لأنا إن قلنا: إن الوارد على سبب يختص به فظاهر، لأنه حينئذ يكون خاصاً، والخاص يقدم على العام، وإن لم نقل به فكذلك، لأن دلالته على السبب الذي ورد عليه أقوى، ولهذا لا يجوز تخصيصه بالنسبة إليه.
واعلم: أن ما ذكره المصنف من التفصيل متعين، وقد أشار إليه ابن الحاجب وصرح به أصحابنا منهم: سليم الرازي في (التقريب) وشارحو لمع الشيخ أبي إسحاق ووجهوه بأن العام الذي لم يرد أدل فيما عدا صورة السبب، ولم يقف
(3/520)

الهندي على هذا نقلاً فذكره بحثا.
رابع عشرها: العام الشرطي، أي: الذي في معرض الشرط، كأي، ومن وما راجح على النكرة المنفية، فإن الأول فيه معنى التعليل فيكون أدل على المقصود بما ليس بمعلل، وحينئذ فإلغاء العام الشرطي يوجب إلغاء السببية الحاصلة بالشرط، وإلغاء العام غير الشرطي لا يوجب غير إلغاء العموم مفسدة أخرى، فكان أولى لذلك، وهذا ما قطع به ابن الحاجب وغيره، ويؤيده قول (المحصول) هناك: إن عموم الأول: بالوضع، والثاني بالقرينة، وجزم الهندي هنا بتقديم النكرة المنفية على غيرها من أنواع العموم، ولم يوجهه، وقد يوجه بقوة دلالتها من جهة بعد التخصيص فيها، فإن قال: لا رجل في الدار، وكان فيها واحد، يعد خلفاً في الكلام بخلاف غيرها من أنواع العموم، فإنه بخروج واحد من أفراده لا يعد خلفا، بل يحمل على التخصيص ويجيء قول ثالث: إنهما سواء، فإن الإمام في (البرهان) هناك سوى بين العام الشرطي والنكرة المنفية في معنى العموم، وادعى القطع بأن العرب وضعتها كذلك.
واعلم: أن ابن الحاجب قال: والعموم الشرطي على النكرة المنفية وغيرها، وإنما حذف المصنف غيرها، لأنه يؤخذ من طريق أولى، وقوله: وهي أن النكرة المنفية تقدم على باقي العمومات كالمعرف باللام، والمضاف وغيرها، ولهذا قيل:
(3/521)

إن دلالة النكرة على العموم بالوضع، واتفقوا في الباقي على أنه بالقرينة وقوله: (والجمع المعرف على من وما) مراده غير الشرطيتين بأن يكونا للاستفهام ولا بد من هذا القيد وإلا لتناقض كلامه، فإنه قدم أن الشرطي أعلاها، فكيف يكون في الرتبة الثالثة؟ وحاصله أن الجمع المعرف راجح على (ما ومن) لإمكان حمل (من وما) على واحد وعدم إمكان حمل المجموع على واحد، فكان المخصوص في من وما أقرب، وقوله: (والكل) أي: الجمع المعرف، وما ومن، راجح على اسم الجنس المعرف باللام، لأن الثلاثة لا تحتمل العهد أو تحتمله على بعد، بخلاف اسم الجنس، فإنه يحتمل العهد احتمالاً قريباً، ولذلك قال أكثر المحققين: إنه لا يفيد العموم.
خامس عشرها: يقدم العام الذي لم يخصص على العام الذي خص، لأن الذي دخله التخصيص صار مجازاً لإزالته عن تمام مسماه والاختلاف في حجيته بخلاف الأول، فإن حقيقة ولم يختلف في حجيته، هكذا قالوا، قال المصنف:
(3/522)

وعندي عكسه، يعني لأنه إذا كان الغالب أن كل عام مخصص، أو أنه ما من عام إلا وقد خصص، فالعمل بالمخصوص أولى، لأنه التحق بالغالب، فاطمأنت إليه النفس، ولم تنتظر بعده تطرق التخصيص إليه، بخلاف الباقي على عمومه فإن النفس لا تستيقن ذلك وهذا الاحتمال سبقه إليه الهندي فمال إلى العكس، قال لأن الخصوص راجح من حيث كونه خاصاً بالنسبة إلى ذلك العام الذي لم يدخله التخصيص، والخاص أولى من العام، فكان ما دخله التخصيص أولى.
(3/523)

سادس عشرها: ما قل تخصيصه على ما كثر، وينبغي أن يجيء فيه الاحتمال السابق.
سابع عشرها: دلالة الاقتضاء راجحة على دلالة الإشارة لترجيحها بقصد المتكلم، وعلى دلالة الإيماء لتوقف صدق المتكلم أو صحة الملفوظ به فيه بخلاف الإيماء وقوله: (ويرجحان) أي: دلالة الإشارة والإيماء على دلالة المفهومين، أي: مفهوم الموافقة والمخالفة أما مفهوم المخالفة فللاتفاق على دلالة الاقتضاء والخلف في المخالفة، وأما في الموافقة فلجواز أن لا يكون المسكوت أولى أو مساويا، وقول المصنف: (المفهومين) أوضح من قول ابن الحاجب: المفهوم.
(3/524)

ثامن عشرها: إذا كان أحدهما يدل بمفهوم الموافقة والآخر بمفهوم المخالفة، فالأول مقدم على الثاني، لأن الأول متفق عليه والثاني مختلف فيه، منهم من يرجح مفهوم المخالفة، واختاره الهندي، لأن فائدته تأسيسه بخلاف مفهوم الموافقة فإنه للتأكيد.
(ص): والناقل عن الأصل عند الجمهور، والمثبت على النافي (143/ز) وثالثها: سواء، ورابعها: إلا في الطلاق والعتاق، والنهي على الأمر، والأمر على الإباحة، والخبر على الأمر والنهي، وخبر الحظر على الإباحة، وثالثها: سواء، والوجوب والكراهة على الندب، والندب على المباح في الأصح، ونافي الحد، خلافاً لقوم والمعقول معناه، والوضعي على التكليفي في الأصح.
(ش): الترجيح باعتبار مدلول الخبر يقع بأمور:
أحدها: كون أحدهما مقرراً لحكم الأصل، والآخر ناقل، فالجمهور على أنه يجب ترجيح الناقل: لأنه يفيد حكماً شرعياً ليس في الآخر كحديث: ((من مس ذكره فليتوضأ)) مع حديث ((هل هو إلا بضعة منك)) وذهب الإمام والبيضاوي وغيرهما إلى ترجيح المقرر، لأن حمل الحديث على ما لا يستفاد إلا
(3/525)

من الشرع أولى من حمله على ما يستقل العقل بمعرفته، والتحقيق أنه إن تقرر حكم الناقل مدة في الشرع عند المجتهد، وعمل بموجبه ثم نقل له المقرر، وجهل التاريخ فههنا يرجح المقرر، لتضمنه العمل بالخبرين بالناقل في زمان والمقرر بعد ذلك، وإن كان الثابت بمقتضى البراءة الأصلية، ونقل الخبران، فههنا يتعارضان ويرجع إلى البراءة الأصلية، على أن القاضي عبد الجبار قال: إن تقديم الناقل أو المقرر على الخلاف ليس من باب الترجيح بل من النسخ لكنه ضعيف، وإلا لم يصح رفعه إلا بما يصح رفع الحكم الشرعي.
ثانيها: كون أحدهما مثبتاً والآخر نافيا، وهما شرعيان، كخبر بلال وأسامة في الصلاة في الكعبة،
(3/526)

فالمثبت مقدم على النافي عند الفقهاء لزيادة علمه، وعكس قوم، وقال القاضي عبد الجبار: يتساويا، لأن المثبت إن كان معه زيادة علم، فالنافي يعتضد بالأصل فتعارضا، ورابعها: يقدم النافي إلا في الطلاق والعتاق، وهذا أخذه المصنف من قول ابن الحاجب: إن الخبر الموجب للطلاق والعتاق راجح على المزيل لهما، لموافقته النفي الأصلي، قال: وقد يعكس فيقدم (62/ك) النافي للطلاق والعتق، وهو رأي قوم: ويجيء من كلام (المستصفى) مذهب خامس: أنهما لا يتعارضان لامتناع التعارض بين الفعلين لاحتمال وقوعهما في حالين فلا يكون بينهما تعارض، وإنما قيدت المسألة بالشرعي، لأن النفي الأصلي هو عين المسألة السابقة في الناقل والمقرر.
ثالثها: كون أحدهما أمراً والآخر نهياً، فالنهي أولى، لأن طلب الترك فيه أشد من طلب الفعل في الأمر، ولهذا قال كثير من المحققين ممن قال الأمر لا يفيد
(3/527)

التكرار أن النهي يفيده.
رابعها: كون أحدهما أمراً والآخر مبيحاً فالأمر أولى، لأنه أحوط، ولأن فيه حمل كلام الشرع على الحكم التكليفي، فإن المباح لا تكليف فيه، وقيل: المبيح أولى ورجحه الهندي، لأنه لو رجح الأمر لزم منه تعطيل المبيح بالكلية، وترجيح المبيح فيه تأويل الأمر بصرفه عن ظاهره، والتأويل أولى من التعطيل.
خامسها: كون أحدهما أمراً والآخر خبراً، فالخبر أولى، لأن دلالته على الثبوت والتحقيق أقوى من دلالة غيره عليه، ولأنه لو لم يقل به لزم الخلف في خبر الشارع، وبه يعلم أن صورة المسألة في الخبر المحض ليخرج ما صيغته خبر ومعناه فكالأمرين.
(3/528)

سادسها: كون أحدهما خبراً والآخر نهياً لما سبق.
سابعها: خبر الحظر على الإباحة للاحتياط وقيل العكس، لأنهما حكمان شرعيان، وفي ثالث: يستويان، ورجحه في (المستصفى)، وحكاه الهندي عن أبي هاشم وعيسى بن أبان.
ثامنها: كون أحدهما يقتضي الوجوب، والآخر الندب فالوجوب أولى لما ذكرنا.
تاسعاً: كون أحدهما يقتضي الكراهة والآخر الندب، فالكراهة أولى لما ذكرها.
عاشرها: كون أحدهما يقتضي الندب والآخر يقتضي الإباحة، فالندب أولى، قال الهندي: ويمكن أن نرجح الإباحة بكونه متأيداً بالأصل في جانب الفعل والترك وبكونه أعم وأسهل من حيث إنه مفوض إلى خيرة المكلف، ومن حيث إنه لا
(3/529)

احتمال في الصيغة الدالة عليه، بخلاف الندب فإنه يثبت بصيغة الأمر، وفيها الاحتمال، ولهذا الاحتمال عبر المصنف بالأصح.
حادي عاشرها: النافي للحد على الموجب له، لأن الحدود تدرأ بالشبهات، وفي وجه لأصحابنا أنهما سواء، ورجحه الغزالي، لأن الشبهة تؤثر في ثبوته شرعاً، ألا ترى أنه يثبت بخبر الواحد والقياس مع الشبهة فيهما ولأن الحد إنما يسقط بالشبهة إذا كانت في نفس الفعل يبيحه قوم ويحظره قوم، كالوطء في نكاح بلا ولي وليس هنا اختلاف في نفس الفعل، وإنما تعارض الخبران فيه فكانا سواء، وقد يظن أن الخلاف لفظي، فإن القائل بالتساوي يؤول قوله لتقديم النافي، فإنهما يتعارضان فتساقطا ويرجع إلى غيرهما إن كان هناك دليل شرعي، وإلا بقي الأمر على الأصل، فيلزم نفي الحد، والصواب أنه معنوي، فإن الأول يقول: نفي الحد بالحكم الشرعي، والآخر يقول: بالبقاء على العدل الأصلي.
(3/530)

ثاني عاشرها: كون أحدهما يثبت حكماً معقول المعنى والآخر غير معقول، فالأول أولى، لأن انقياد المكلف له أكثر فيكون أسرع إلى القبول، وأفضى إلى الوقوع، فيكون حصول مقصود الشارع أتم، ولأنه أكثر فائدة، لأنه يلحق علته بالقياس بخلاف غير المعقول.
ثالث عاشرها: المثبت للحكم الوضعي أولى من المثبت للحكم التكليفي، لأن الوضعي لا يتوقف على ما يتوقف عليه التكليفي من أهلية المخاطب وفهمه وتمكنه من الفعل، فكان أولى، وقيل: بالعكس، حكاه الهندي، لأنه مقصود بالذات ولأنه الأكثر من الأحكام فكان أولى.
(ص): والموافق دليلا آخر، وكذا مرسلاً أو صحابياً أو أهل المدينة أو الأكثر في الأصح، وثالثها: في موافق الصحابي إن كان حيث ميزه النص كزيد في الفرائض، ورابعها: إن كان أحد الشيخين مطلقاً، وقيل إلا أن يخالفهما معاذ في الحلال والحرام، أو زيد في الفرائض ونحوهما، قال الشافعي رضي الله عنه: وموافقة زيد في الفرائض فمعاذ فعلي، ومعاذ في أحكام غير الفرائض فعلي:
(ش): ترجيح الخبر بالأمور الخارجية يقع بأمور:
أحدها: بموافقة أحدهما لدليل آخر من كتاب، أو سنة، أو إجماع، أو قياس، والآخر غير موافق، فالموافق أولى ولهذا قدمنا حديث عائشة رضي الله عنها في
(3/531)

التغليس على حديث رافع في الإسفار لموافقته قوله تعالى: {حافظوا على (144/ ز) الصلوات} ومن المحافظة: إيقاعها أول الوقت.
ثانيها: موافقة أحدهما لخبر مرسل وإن لم يقل بحجيته، لأن التعاضد أقوى
(3/532)

في النفس، ولهذا عمل الشافعي رضي الله عنه بالمرسل إذا عضده مرسل، وألحق به الغزالي ما إذا عضده خبر مردود عنده لكن قال به بعض العلماء، قال: فهذا مرجح لكن بشرط أن لا يكون قاطعاً ببطلان مذهب القائلين به، بل يرى ذلك في محل الاجتهاد.
ثالثها: بموافقته لقول صحابي، أي: لم ينتشر، فإن انتشر وسكت عليه الآخرون، وقلنا إنه إجماع صار قاطعاً وسقط الظن في مقابلته، وفيه خلاف سنذكره.
رابعها: بموافقته لعمل أهل المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وإن لم يقل إن إجماعهم حجة كما قدمنا رواية (إفراد الإقامة) على رواية
(3/533)

أبي محذورة تعليمه الإقامة سبع عشرة كلمة على أنه صح عن أبي محذورة وأولاده دوام إفراد الإقامة، قال البيهقي: وهو يضعف رواية شفعها أو يدل على أن الأمر صار إلى إفرادها، وذكر إلكيا الطبري هذا الترجيح بالنسبة للرواية، فقال: حديث ينقل بمكة وآخر ينقل بالمدينة، تقدم رواية المدينة من حيث إن الهجرة تراخت، وإن اتفقت له غزوات إلى مكة.
خامسها: بموافقة الأكثر إذا كان الآخر لا يجوز خفاؤه عليهم، لأن الأكثر يوفق للصواب ما لا يوفق له الأقل، هذا ما جزم به كثيرون، ومنع آخرون منهم الغزالي من حصول الترجيح به، لأنه لا حجة في قول الأكثر، ولو شاع الترجيح بمذهب بعض المجتهدين لانسد باب الاجتهاد على البعض الآخر، والتحقيق أنه إن لم يكن في مقابلة الأكثر إلا شذوذ رجح به لأنه إجماع على أحد القولين، بل هو من باب تقديم الدليل على ما ليس بدليل إن قلنا بحجيته، وإن ينته إلى هذه الحالة فلا ترجيح بالكثرة وفي موافقة الصحابي مذاهب.
أحدها: يرجح به كما سبق.
والثاني: لا، بناء على عدم حجيته.
(3/534)

والثالث: التفصيل بين أن يكون ذلك الصحابي ممن شهد له الشرع بمزية المدرك في ذلك الفن أم لا، فإن لم يشهد له الشرع كان قوله كقول غيره من الأئمة وإن شهد له كزيد (63/ك) في الفرائض رجح به، ونسبه إمام الحرمين للشافعي رضي الله عنه.
والرابع: يرجح بموافقة أحد الشيخين أبي بكر أو عمر رضي الله عنهما.
والخامس: يرجح بعمل أحد الشيخين إلا أن يخالفهما معاذ في الحلال والحرام أو زيد في الفرائض ونحوها، وهو أقرب من الثالث، فإن المأخذ تمييزهما بالنص وأصحاب القول الرابع يقولون: قوله صلى الله عليه وسلم: ((أفرضكم زيد وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ وأقضاكم علي)) خطاب شفاهي لمخاطبين لم يكن فيهم أبو بكر ولا عمر ولا عثمان رضي الله عنهم فلم يدخلوا فيه، فلم يلزم كون من ذكر أرجح من الثلاثة فيما ذكر، وهذا هو الظاهر، قال الشافعي رضي الله عنه وإذا كان نصان أحدهما أعم أخذ بالأخص فالنص على أن زيداً أفرض أخص من النص على أن معاذاً أعلم بالحلال والحرام، فيرجح قول زيد في الفرائض على معاذ، ومعاذ على علي وعلي على غيره، لأنه جاء: ((أفرضكم زيد وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ، وأقضاكم علي)) والقضاء أعم من الكل، فالشهادة لزيد أخص من الجميع وبعده معاذ وبعدهما علي، فهي ثلاث مراتب، هكذا حكاه إمام الحرمين عن الشافعي رضي الله عنه، ثم قال: فإن اعتضد بقول الشيخين رضي الله عنهما فهي مرتبة رابعة أعم من الشهادة لعلي رضي الله عنه لاحتمال أن يكون إنما أشار إلى الخلافة، وإبداء الطاعة لهما، قال: ثم قال: الشافعي رضي الله عنه: قول علي
(3/535)

رضي الله عنه في القضاء كقول زيد في الفرائض، وقول معاذ في التحليل والتحريم في غير الفرائض كقول زيد في الفرائض، والحاصل: أنه في غير الفرائض يرجح معاذ ثم علي، وهو راجع إلى المقصود من خصوص الشهادة وعمومها فإن الشهادة لعلي رضي الله عنه أعم من الشهادة لزيد رضي الله عنه إذ الحلال والحرام يكون في المواريث وغيرها، والشهادة لزيد في الفرائض أخض الشهادات، فإذا عارض قول علي رضي الله عنه قول معاذ رضي الله عنه في الحلال والحرام، قدم قول معاذ، وإذا عارض قول معاذ في الفرائض قول زيد قدم قول زيد، وإذا عارض قول معاذ قول علي رضي الله عنه في القضاء في غير الفرائض قدم قول علي رضي الله عنه وإذا عارض قول معاذ في
الحلال والحرام قول زيد في غير الفرائض قدم قول معاذ.
(ص): والإجماع على النص، وإجماع الصحابة رضي الله عنهم على غيرهم، وإجماع الكل على ما خالف فيه العوام، والمنقرض عصره، وما لم يسبق بخلاف على غيرهما.
(ش): هذه المسائل في ترجيح بعض الإجماعات على بعض، وقدم أولاً أنه يرجح الإجماع على النص كتاباً كان، أو سنة متواترة، لأن النسخ مأمون فيه، وإذا تعارض إجماعان قدم المتقدم منهما على ما بعده كالصحابة على التابعين، والتابعين على تابعيهم، وهكذا، لأنهم أعلى رتبة وأقرب إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم المشهود لهم بالخيرية، ثم ذكر أن الإجماع المتفق عليه أولى من
(3/536)

المختلف فيه، فعلى هذا: الإجماع المشتمل على قول كل الأمة من المجتهدين والعوام أولى من الإجماع الذي يشتمل على قول المجتهدين فقط، ولك أن تقول: هذا يخالف ما قرره المصنف في باب الإجماع أنه لم يخالف أحد في عدم اعتبار قول العامة، وإجماع المنقرض عصرهم على من لم ينقرض للاتفاق على حجية الأول بخلاف الثاني، وكذا إجماع من لم يسبق بخلاف على المسبوق، للخلاف فيه، وبخط المصنف على الحاشية وقيل: المسبوق أولى، وقيل: سواء، ومنه يعرف الترجيح في بقية الإجماعات، قال الهندي متابعاً لابن الحاجب : واعلم أن هذه المسألة لا تتصور في الإجماعين القاطعين، لأنه لا ترجيح بين القاطعين، ولأنه لا يتصور التعارض بينهما وإنما يتصور في الظنيين، وما قالاه
(3/537)

ممنوع، فإن تعارض الإجماعين في نفس الأمر مستحيل، سواء كانا ظنيين أم قطعيين، وظن تعارض الإجماعين ممكن، سواء كانا في القطعي أم في الظني.
(ص): والأصح تساوي المتواترين من كتاب أو سنة (145/ز)، وثالثها السنة، لقوله عز وجل: {لتبين}.
(ش): في تعارض المتواترين من كتاب أو سنة، وهما في الدلالة على رتبة واحدة، مذاهب:
أصحها: تساويهما، لأن الكل من عند الله.
والثاني: تقدم الكتاب فإنه المنقول عن عمل الصحابة.
والثالث: تقدم السنة، لقوله تعالى: {لتبين للناس ما نزل إليهم} وحكى إمام الحرمين الأقوال ورجح الأول وضعف الثاني بالتعذر، والثالث بأنه ليس الخلاف في السنة المفسرة، وإنما الخلاف في السنة المعارضة، وهو جواب صحيح، وإنما قيد المصنف المتواتر من كتاب أو سنة، ليخرج المتواتر من سنته، فإنما يتساويان قطعاً.
(ص): ويرجح القياس بقوة دليل حكم الأصل، وكونه على سنن القياس، أي: فرعه من جنس أصله.
(3/538)

هذا باب تراجيح الأقيسة وهو الغرض الأعظم من باب التراجيح وفيه اتساع الاجتهاد وهو يقع بأربعة أشياء، وهي: أصله، وفرعه، والعلة، وخارج عن ذلك.
الأول: بحسب حكم الأصل، وذكر فيه قسمين، أحدهما: بحسب قوة دليله، وهو يشمل صوراً، منهما: أن يكون أحد القياسين دليله مقطوع به والآخر بخلافه، فالقطعي أولى، ومنها: كون أحدهما دليله نطق والآخر مفهوم، فما عرف بالنطق أولى فيكون المتفرع منه أقوى، ومنها: أن دليل أحدهما عموماً لم يخص والآخر عموماً مخصص، فما لم يدخله التخصيص أولى كما سبق، ومنها: أن يكون أصل إحدى العلتين قد نص بالقياس عليه وأصل الآخر لم ينص بالقياس عليه، فما ورد النص بالقياس عليه أولى، ومنها: أن يثبت حكم أصل أحدهما.
القسم الثاني: القياس الذي حكم أصله غير معدول به عن سنن القياس راجح على الذي حكم أصله معدول عنه، والمراد بكونه على سنن القياس أن يكون أصل أحدهما من جنس الفرع المتنازع فيه دون أصل الآخر، فيرجح ما هو من جنسه، لأنه على سننه، صرح به القاضيان: أبو الطيب، والماوردي، والشيخ أبو
(3/539)

إسحاق وابن السمعاني وغيرهم مثل قياسنا ما دون أرش الموضحة في تحمل العاقلة إياه، فهو أولى من قياسهم ذلك على غرامات الأموال في إسقاط التحمل، لأن الموضحة من جنس ما اختلف فيه فكان على سننه، والجنس بالجنس أشبه، كما تقول: قياس الطهارة على الطهارة أولى من قياسها على ستر العورة. قلت: وإنما احتاج المصنف لهذا التفسير، لأن من شرط الأصل أن لا يكون مخالفاً لسنن القياس.
(ص): والقطع بالعلة أو الظن الأغلب، وكون مسلكها أقوى، وذات أصلين على ذات أصل، وقيل: لا وذاتية على حكمية، وعكس السمعاني (64/ك)، لأن الحكم بالحكم أشبه، وكونها أقل أوصافاً، وقيل عكسه، والمقتضية احتياطاً في الفرض وعامة الأصل، والمتفق على تعليل أصلها، والموافقة الأصول على موافقة أصل واحد، قيل: والموافقة علة أخرى إن جوز علتان، وما ثبتت علته بالإجماع فالنص القطعيين، فالظنيين، فالإيماء، فالسبر، فالمناسبة، فالشبه، فالدوران، وقيل: النص فالإجماع، وقيل: الدوران فالمناسبة وما قبلها وما بعدها وقياس المعنى على الدلالة، وغير المركب عليه إن قبل، وعكس الأستاذ، والوصف الحقيقي، فالعرفي، فالشرعي الوجودي، فالعدمي البسيط،
(3/540)

فالمركب، والباعثة على الأمارة، والمطردة المنعكسة، ثم المطردة فقط على المنعكسة فقط، وفي المتعدية والقاصرة أقوال، ثالثها: سواء، وفي الأكثر فروعاً قولان.
(ش): الثاني يعود إلى علة حكم الأصل ويقع بأمور.
أحدها: أن يكون بالقطع بالعلة، أي: يكون وجود علة أحد القياسين مقطوعاً به بخلاف علة الآخر، فما وجود علته في أصله قطعي أولى، لكونه أغلب على الظن بصحة القياس، وكذلك ما يكون وجود العلتين في أصل القياس ظنياً ولكن وجودها في أصل أحد القياسين أغلب على الظن من وجود العلة الأخرى في أصل القياس الآخر فالأغلب على الظن أولى.
ثانيها: يرجح القياس الذي مسلك علته قطعي، من إجماع أو نص، دال على علته، على القياس الذي مسلك علته ظني.
ثالثها: أن تكون إحدى العلتين مردودة إلى أصل واحد، والأخرى مردودة إلى أصول أو أصلين، فذات الأصلين أولى، ومن أصحابنا من قال: هما سواء، قال ابن السمعاني: والأول أصح، لأن ما كثرت أصوله كان أولى، وحكاه في (المستصفى) عن قوم، ثم قال: وهذا يظهر إن كان طريق الاستنباط مختلفاً، فإن كان مساوياً فهو ضعيف، ولا يبعد أن يقوى ظن مجتهد فيه، ويكون كثرة
(3/541)

الأصول ككثرة الرواة للخبر، مثاله: إذا تنازعا في أن يد السوم لم يوجب الضمان، فقال الشافعي رضي الله عنه علته أنه أخذ لغرض نفسه من غير استحقاق وعداه إلى المستعير، وقال الخصم: بل علته أنه أخذ ليتملك فيشهد لعلة الشافعي رضي الله عنه يد الغصب، ويد المستعير من الغاصب، ولا يشهد لعلة أبي حنيفة رحمه الله إلا يد الرهن، ولا يبعد أن يغلب رجحان علة الشافعي رضي الله عنه عند مجتهد ويكون كل أصله كأنه شاهد آخر، وكذلك الربا إذا علل بالطعم يشهد له الملح، وإذا علل بالقوت لم يشهد، فلا يبعد أن يكون من المرجحات، فحصل أربعة مذاهب، رابعها: إن اختلف مسلك التعليل في كل أصل رجح به، وإن اتحد مرجع الأصول فلا.
رابعها: أن تكون إحداهما صفة ذاتية والأخرى صفة حكمية، فالذاتية أولى، لأنها ألزم وقيل: الحكمية، وصححه ابن السمعاني، لأن الحكم بالحكم أشبه فيكون الدليل عليه أولى، وفي (المستصفى): إذا كان إحدى العلتين حكماً ككونه حراماً أو نجساً، والآخر حسياً ككونه قوتاً أو مسكراً، زعموا أن رد الحكم إلى الحكم أولى حتى إن تعليل الحكم بالرق والحرية أولى من تعليله بالتمييز والعقل، وتعليله بالتكليف أولى من تعليله بالإنسانية، وهذا من المرجحات الضعيفة. انتهى.
(3/542)

خامسها: أن تكون إحداهما أقل أوصافاً والأخرى أكثر أوصافاً، فالقليلة أولى، لأنها أسلم، وقيل: الكثيرة أولى، لأنها أكثر شبهاً بالأصل.
سادسها: أن تكون إحداهما تقتضي احتياطاً في الغرض والأخرى لا تقتضيه، فالأولى أولى، لأنها أكثر شبهاً بالأصل وهذا ذكره ابن السمعاني في (القواطع) وبخط المصنف الفرض (بالفاء) وإنما ذكره ابن السمعاني: الغرض بالغين المعجمة.
سابعها: أن تكون إحداهما تعم حكم أصلها والأخرى تخص حكم أصلها، كتعليل الربا في البر بالطعم بعد ثبوت الربا في جميع البر قليله وكثيره، وتعليله بالكيل ينفيه ثبوت الربا فيما لا يكال من البر، وهو القليل، فيترجح التعليل بالطعم، لأنه عم حكم أصله، على التعليل بالكيل، لأنه خص حكم أصله.
ثامنها: أن تكون إحداهما مأخوذة من أصل متفق على تعليله والأخرى من
(3/543)

أصل مختلف في تعليله، فالأولى أولى.
تاسعها: أن تكون علة إحداهما على وفق (146/ز) الأصول الممهدة في الشريعة دون الأخرى فترجح الأولى لشهادة كل واحد من تلك الأصول لاعتبار تلك العلة، وقوله: (قيل والموافقة) يشير إلى خلاف حكاه ابن السمعاني أن انضمام علة إلى علة أخرى يوجب رجحان تلك العلة أي: إن جوزنا التعليل بعلتين، قال: والأصح أنها لا تترجح بذلك، لأن الشيء لا يتقوى إلا بصفة توجد في ذاته، أما بانضمام غيره إليه فلا تقوي الدليل علة المحسوسات، فكذلك العلل لا يتصور تقويتها بانضمام علة أخرى إليها، وإنما تتقوى بوجود صفة فيها، ولهذا قلنا: إن الشهادة لا تترجح بكثرة العدد.
عاشرها: ما ثبت علته بالنص، لأن النقل يقبل النسخ، والتخصيص، والتأويل، بخلاف الإجماع، وهذا ما نقله الإمام في (المحصول)، ثم قال: ويمكن أن يقدم النص على الإجماع، لأن الإجماع فرع عن النص يتوقف ثبوته على الأدلة القطعية، والأصل تقدم الفرع على علته، وعلى هذا جرى صاحب (الحاصل) و (المنهاج) وقوله: (والقطعي) أي: إذا استوى الإجماع والنص في القطع في المتن والدلالة، كان ما دليله الإجماع راجحاً لما ذكرنا، ودونهما إذا كانا ظنيين
(3/544)

بأن كان أحدهما نصاً ظنياً والآخر إجماعاً ظنياً، فما كان دليله الإجماع راجحاً أيضاً، لما ذكره أن الدليل القطعي يقبل النسخ والتخصيص بخلاف الإجماع، قال الهندي: وهذا صحيح بشرط التساوي في الدلالة، فأما إذا اختلفا في ذلك فالحق أنه يتبع فيه الاجتهاد، فما تكون إفادته للظن أكثر فهو أولى، فإن الإجماع وإن لم يقبل النسخ والتخصيص، لكن ربما تضعف دلالته على المطلوب بالنسبة إلى الدلالة القطعية، فقد ينجبر النقص بالزيادة وقد لا ينجبر، فيتبع فيه الاجتهاد.
حادي عشرها: ما ظهرت علته بالإيماء راجح على ما ظهرت علته بالطرق العقلية، لاستناد الظن فيه إلى سبب خاص، هذا إن (65/ك) لم يشترط المناسبة في الوصف المومئ إليه، فإن شرطناه فاللائق به ترجيح بعض الطرق العقلية عليه كالمناسبة لاستقلالها بإثبات العلية، بخلاف الإيماء، والإمام نقل اتفاق الجمهور على تقديم الإيماء على غيره مطلقاً من غير فصل، ثم قال: وفيه نظر، لأن الإيماء لم يوجد فيه لفظ يدل على العلية فلا بد وأن يكون الدال على عليته أمر آخر سوى اللفظ، وهو إما المناسبة، أو الدوران، أو السبر، وإذا ثبت أن الإيماء لا يدل إلا بواسطة أحد هذه الثلاثة كانت هي الأصل، والأصل لا محالة أقوى من الفرع، فكان كل واحد من هذه الثلاثة أقوى من الإيماء.
(3/545)

ثاني عشرها: يرجح ما ثبت علية وصفه بالسبر على ما ثبتت علته بالمناسبة، لإفادته لظن العلية ونفي المعارض، بخلاف المناسبة، فإنها لا تدل على نفي المعارض، وهذا ما اختاره الآمدي وابن الحاجب، ومنهم من قدم المناسبة، والخلاف في غير المقطوع به فإن العمل بالمقطوع متعين وليس من قبيل الترجيح، وإنما النزاع في السبر الذي بعض مقدماته قطعي أكثر من الظن الحاصل بالمناسبة، فهو أولى، وإلا فهما متساويان أو المناسبة أولى.
ثالث عشرها: المناسبة تقدم على النسبة، قال إمام الحرمين: وأدنى المعاني في المناسبة يرجع على أعلى الأشباه.
رابع عشرها: يرجح الثابت علية وصفه بالشبه على الثابت علية وصفه بالدوران لضعف الظن في الدوران، كذا جزم به المصنف، لكن ذكر إمام الحرمين في كلامه على ترتيب الأقيسة أن ما ثبت بالطرد والعكس، مقدم على غيره من الأشباه لجريانه مجرى الألفاظ ويجوز أن يحمل قوله فالدوران ما ثبتت علته
(3/546)

بالدوران مقدم على ما ثبتت علته بالطرد، إن قلنا إنه من المسالك وقوله: (وقيل النص فالإجماع) هو قول البيضاوي وقد سبق في الحادي عشر، وقوله: (وقيل الدوران فالمناسبة) أي: قدم بعضهم الدوران على المناسبة، محتجاً بأن المطردة المنعكسة أشبه بالعلل العقلية، وهذا ضعيف فإن العلل الشرعية أمارات، والعقلية عند القائل بها موجبة، فلا يمكن اعتبار هذه بتلك.
خامس عشرها: يقدم قياس المعنى على قياس الدلالة وهذا يرجع إلى تقديم المناسبة على الشبه.
سادس عشرها: يقدم غير المركب على المركب للاختلاف فيه، كما سبق في شروط حكم الأصل، ولهذا قال المصنف: (إن قبل) لأنه رجح هناك أن مركب الأصل ومركب الوصف لا يقبلان، وعكس الأستاذ، وقال إمام الحرمين: وهو من أكبر المركبين للمركب.
سابع عشرها: يرجح القياس المعلل بالوصف الحقيقي الذي هو مظنة
(3/547)

الحكمة على غيره، ولهذا أطلقه، فشمل تقديمه على القياس المعلل بنفس الحكمة للإجماع من القياسين على صحة التعليل بالمظنة، فيرجح التعليل بالسفر الذي هو مظنة المشقة على التعليل بنفس المشقة، وعلى القياس المعلل فيه بوصف اعتباري، أو وصف حكمي كقولنا في المني: مبتدأ خلق بشر، فأشبه الطين، مع قولهم: مانع يوجب الغسل فأشبه الحيض.
ثامن عشرها: يقدم التعليل بالوصف العرفي على الوصف الشرعي، لأن العلة الشرعية بمعنى الأمارة، والعرفي مناسب.
تاسع عشرها: يرجح الوجودي على العدمي، كقولنا في السفرجل: مطعوم، فكان ربوياً كالبر، مع قولهم ليس بمكيل ولا موزون، وهذا إذا كان الحكم وجودياً والعلة وجودية فإنه يرجح على ما كانا عدميين كما مثلناه، وعلى ما إذا كان أحدهما عدمياً، أما إذا كان الحكم عدمياً والعلة ثبوتية أو العكس فقال الإمام الرازي وأتباعه: إنه مرجوح بالنسبة إلى ما إذا كانا عدميين، واعتلوا بالمشابهة بين التعليل بالعدمي والعدمي.
العشرون: يقدم التعليل بالبسيط على التعليل بالمركب، لأن البسيطة تكثر
(3/548)

فروعها وفوائدها، وهذا ما عليه الجدليون، واختاره البيضاوي، وقيل: بترجيح المركبة، وقيل: هما سواء، وفي (التلخيص) لإمام الحرمين: قال القاضي: ولعله الصحيح، وقال في (البرهان): قدم بعضهم البسيطة على المركبة، لكثرة فروعها ولقلة الاجتهاد فيها، وهو باطل، فإن إطلاق القول بأن الوصف الواحد أكثر فروعاً لا يصح (147/ز) فقد يكون أقل وقد يكون قاصراً، نعم، إن فرضنا من أصل واحد فالمفردة أكثر فروعاً وينبني على التعليل بعلتين.
الحادي والعشرون: يقدم القياس الذي علته بمعنى الباعثة على الذي علته بمعنى الأمارة، لأن قبول الطاعة عليه أسرع، كذا ذكره ابن الحاجب قال المصنف في شرحه: (ولقائل أن يقول: العلة أبداً إما بمعنى الباعث، أو الأمارة، أو المؤثر، على ما سبق الخلاف فيه، أما القول بأنها تارة بمعنى الباعث وتارة بمعنى الأمارة، فلم يقل به أحد، وكأن مراده أن ذات التأثير والتخيل أرجح من التي لا يظهر لها معنى قلت: مراده: يرجح بالجامع الباعث على ما الجامع الأمارة للاتفاق على صحة التعليل بالوصف الباعث والخلاف في الأمارة، وهذا نظير ما لو كان إحداهما اسماً والأخرى وصفاً، فالصفة أولى من الاسم، لأن الأصح أن الاسم
(3/549)

لا يجوز أن يكون علة. قاله ابن السمعاني.
الثاني والعشرون: تقدم المطردة المنعكسة على التي لا تنعكس، لأن الأولى أغلب على الظن.
الثالث والعشرون: يقدم ما تكون العلة فيه مطردة فقط أي: غير منعكسة على ما تكون العلة فيه منعكسة فقط، أي: غير مطردة، لأن اعتبار الاطراد متفق عليه بخلاف الانعكاس.
الرابع والعشرون: رجح قوم العلة المتعدية على القاصرة، وعكس آخرون منهم الأستاذ، وذهب القاضي إلى أنه لا ترجيح بقصور ولا تعدية، واختاره ابن السمعاني، وحكى الأقوال الثلاثة إمام الحرمين وهي عنده لا تقع، لأنها من باب اجتماع علتين لحكم، ومن قال بوقوع ذلك فلا حاجة إلى الترجيح عنده إذ يقول بهما، وأما من لا يرى اجتماع العلتين فجمهورهم على ترجيح المتعدية لإفادتها، واحتج من رجح القاصرة بشهادة (66/ك) النص لها في جميع مواردها، فالتمسك بها أمن من الخطأ، ومنع القاضي ترجيح المتعدية بالفائدة، وقال: لا ترجيح
(3/550)

بالفائدة وإنما ينشأ الترجيح من مثار دليل صحتها، وعدم الفائدة لا تبطلها ولا يقدح في عليتها وهو قبحه، واختار الإمام ترجيح المتعدية لو وقع ذلك، قال: لوجداننا في الفرع وصفاً مناسباً مستنداً إلى أصل، ومال الغزالي إلى ترجيح القاصرة فإنها أوفق للنص، قال وترجيح المتعدية ضعيف عند من لا يفسد القاصرة لا بكثرة الفروع بل وجود أصل الفروع لا تبين قوة في ذات العلة قلت: ولو رجح المتعدية بأنها متفق عليها والقاصرة مختلف فيها لم يبعد.
الخامس والعشرون: إذا كان إحداهما أكثر فروعاً والأخرى قليلة، ففي ترجيح إحداهما على الأخرى قولان، ومن رجح المتعدية رجح الكثيرة الفروع على القليلة، واختاره الإمام على أصله السابق في أنا متى وجدنا في بعض الفروع معنى صحيحاً مستنداً إلى أصل، فلا يترك لعدم غيره، وإذا رجحنا بكثرة الفروع فإذا كانت القليلة الفروع لها نظائر تساوي في عدتها كثرة الفروع فهل تقوم كثرة النظائر مقام كثرة الفروع؟ فيه نظر، وقد عقد الإمام لها مسألة.
(3/551)

(ص): والأعرف من الحدود السمعية على الأخفي، والذاتي على العرضي والصريح والأعم، وموافقة نقل السمع واللغة، ورجحان طريق اكتسابه.
(ش): لما انتهى من وجوه الترجيح في الأدلة ختم بالترجيح في الحدود، وهي إما عقلية كتعريف الماهيات، وإما سمعية لثبوتها من الأحكام، وهو المقصود هنا، وهو إما باعتبار اللفظ، أو بحسب أمر خارج، فالأول يترجح الحد بمعرف أعرف عند السامع على الحد بمعرف أخفى، لأن الأول أفضى إلى مقصود التعريف من الثاني، ويترجح الحد بالذاتي على الحد بالعرضي، لأن الأول يوجب تصور كونه المطلوب بخلاف الثاني ويرجح بالألفاظ الصريحة على غيرها، وبكون أحدهما أعم على الآخر لفائدته المتكثرة، وقيل يرجح الأخص للاتفاق على ثبوت مدلوله الأخص، والاختلاف في ثبوت مدلول الأعم من الزيادة، ومدلوله متفق عليه أولى من المختلف فيه.
والثاني: يرجح الحد الموافق للنقل الشرعي أو اللغوي على غير الموافق لهما،
(3/552)

لأنه أغلب على الظن صحته من غيرها، ويرجح الحد برجحان طريق اكتسابه على الحد الذي يكون طريق اكتسابه مرجوحاً بأن كان طريق أحدهما قطعياً والآخر ظنياً، وإنما يترجح أحدهما على الآخر بهذا الطريق، لأن الحد السمعي لما كان متلقى من النقل، وطريق النقل قابلة للقوة والضعف جرى الترجيح فيه بحسب ترجيح الطرق بعضها على بعض.
(ص): والمرجحات لا تنحصر، ومثارها غلبة الظن وسبق كثير فلم نعده.
(ش): يشير إلى تقديم بعض أنواع المفاهيم على بعض، وسبق في بحث المفهوم، وإلى تقديم الشرعي، ثم العرفي، ثم اللغوي، وسبق في بحث الحقيقة، وإلى تعارض ما يخل بالفهم كالمجاز والاشتراك، وإلى تعارض القول والفعل، وسبق في بحث السنة، وإلى دخول الفاء في كلام الشارع أو الراوي الفقيه وغيره، وسبق في مسالك العلة، وإلى تقديم بعض أنواع المناسب على بعض، وسبق في فصل المناسبة وغير ذلك.
(3/553)