Advertisement

تيسير التحرير 001



الكتاب: تيسير التحرير
المؤلف: محمد أمين بن محمود البخاري المعروف بأمير بادشاه الحنفي (المتوفى: 972 ه)
الناشر: مصطفى البابي الْحلَبِي - مصر (1351 ه - 1932 م)
وصورته: دار الكتب العلمية - بيروت (1403 ه - 1983 م)، ودار الفكر - بيروت (1417 ه - 1996 م)
عدد الأجزاء: 4
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
(وَبِهِ التَّوْفِيقُ، وَمِنْهُ اْلإِعَانَةُ)
سُبْحَانَ من نور الْعقل بنوره، ورتب أَحْكَام الْوُجُود قبل ظُهُوره، وَأظْهر بِحِكْمَتِهِ الْفُرُوع من الْأُصُول، وأوضح بكتابه الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول، فسر بمحكمه مَا تشابه على الْأَنَام، ونفع بِظَاهِرِهِ الْخَاص وَالْعَام، مَفْهُومه مَنْطُوق أسفار جَامِعَة، وإشارته من سوق الْعبارَة لامعة، وَبَين مجمله الرَّسُول الْأمين، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَآله وَصَحبه أَجْمَعِينَ، نَبِي أُوتِيَ جَوَامِع الْكَلم، فقبس مِنْهُ الْعلم كل من علم، أخْبرت الْأَنْبِيَاء عَن أَوْصَاف حَقِيقَته، وأجمعت الْعُقُول على اسْتِحْسَان شَرِيعَته، تَوَاتر فِي الْأَعْصَار حسن خصاله، فيا قبح من يخفاه صدق مقاله، عجز الْقيَاس عَن وصف كَمَاله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَآله. (أما بعد) فَيَقُول الْفَقِير إِلَى رَحْمَة الله " مُحَمَّد أَمِين " الشهير بأمير بادشاه الْحُسَيْنِي نسبا، الْحَنَفِيّ مذهبا، الْخُرَاسَانِي مولدا، البُخَارِيّ منشأ، الْمَكِّيّ موطنا: أَن الْعلم حَيَاة النَّفس وكمالها، وصفوته أَن تعرف مَا عَلَيْهَا وَمَا لَهَا، وَهِي ملكة لَا تحصل إِلَّا بأصولها، فَوَجَبَ معرفَة الْأُصُول قبل وصولها.
وَقد اشْتهر فِي الْآفَاق، بِمُوجب الِاسْتِحْقَاق، مُخْتَصر الإِمَام المدقق، والعلامة الْمُحَقق، ذِي الرَّأْي الثاقب، الشَّيْخ ابْن الْحَاجِب، وَشَرحه للعلامة الْمُحَقق، والتحرير المدقق، عضد الْملَّة وَالدّين، أَعلَى الله درجتهما فِي عليين، وحاشيته للمحقق الثَّانِي، الْعَلامَة التَّفْتَازَانِيّ، أستاذ المخلصين، وخلاصة الْمُتَأَخِّرين، شكر الله بره، وَقدس سره، وَكتاب التَّنْقِيح، مَعَ شَرحه التَّوْضِيح، للْإِمَام الْمُحَقق، وَالْبَحْر المدقق، صدر الشَّرِيعَة وَالْإِسْلَام، أَعلَى الله دَرَجَته فِي دَار السَّلَام، وحاشيته الْمُسَمّى بالتلويح، ناهيك بِهِ فَإِنَّهُ غَنِي عَن المديح.
وَكنت أَقُول: إِن الْعلم انْتهى إِلَيْهِم، وَلَا يطْلب التَّحْقِيق إِلَّا لديهم، إِلَى أَن ظَفرت بمتن بسيط، وبحر مُحِيط بِمَا فِي الْكتب المزبورة، وَغَيرهَا من المؤلفات الْمَشْهُورَة، مَعَ تحقيقات خص بهَا عَن غَيره، فَللَّه در مُصَنفه، وَكَثْرَة خَيره، أبطاله التحقيقات من ذكر غير مَحْصُور، وَدفعهَا غَايَة المرام وَهُوَ غير مَقْدُور، من سلك مَعَه مَسْلَك الْإِنْصَاف، وتجنب عَن التعصب والاعتساف، علم أَن يَدُور مَعَ الْحق أَيْنَمَا دَار، ويسير مَعَ الصَّوَاب حَيْثُمَا سَار، غير أَنه أفرط
(1/2)

فِيهِ من الإيجاز، فكاد أَن يُجَاوز التعمية وَيلْحق بالألغاز، مسالكه من الوعورة تقصر عَنْهَا الْخَطَأ، تهَامَة فيح يحار فِيهَا القطا، فَصَارَ بذلك محجوبا عَن الْأَبْصَار، وَإِن اشْتهر عنوانه بمعظم الْأَمْصَار، تصدى لشرحه بعض من حضر دراسته، وَلم يكن فَارس ميدان فراسته، فَبَقيت مخدراته عذارى فِي خدورها، وَلم تجل عرائسه بمنصة ظُهُورهَا، لكنه لم يقصر فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من النَّقْل، وَقد ينْقل عَن المُصَنّف مَا يقبله الْعقل، ويحكى أَنه عرض عَلَيْهِ كِتَابه، وَسمع بعد الْعرض جَوَابه.
(سَارَتْ مشرقة وسرت مغربا ... شتان بَين مشرق ومغرب)

تغمده الله بغفرانه، وَأدْخلهُ فِي جنانه، فَلَمَّا علمت أَنه مجمع الدقائق، ومعدن الْحَقَائِق، وَفِيه بغية المرتحلين هَذِه الأوطان، لطلب مزِيد الْعلم وَكَمَال الْعرْفَان، عرفت أَن شَرحه من أهم المطالب، والكشف عَنهُ من أعظم المآرب، وأنفت همتي عَن التقاعد عَنهُ تعسيرا، فَنَهَضت وشمرت عَن سَاق الْجد تشميرا، مستعينا بجوار بَيت الله الْكَرِيم زَاده الله من التشريف والتعظيم، فَدخلت بادية لم تسلكها سابلة لتقتفي آثَارهم، وَلم يرد مناهلها وَارِدَة ليتبع أخبارهم، فصرفت خِيَار عمري فِي حل مشكلاته، وبذلت كَمَال جهدي فِي فتح مغلقاته، وبالغت فِي التَّنْقِيح والتوضيح، واكتفيت فِيمَا يتَبَادَر بالتلويح، واقتصدت بَين الإيجاز والإطناب، احْتِرَازًا عَن الإملال والإسهاب، وكررت فِيهِ من التَّغْيِير والتبديل، لإِصْلَاح الْخلَل وَقصد التسهيل. فَكَانَ ذَلِك عِنْد المذاكرة والمدارسة، بِمحضر جمع من الحذاق فِي المباحثة والممارسة. فتم بِحَمْد الله مَا كَانَ منيتي بمنة رَبِّي، لَا بحولي وقوتي، فَأصْبح قريب التَّنَاوُل بعد أَن لم تَجِد إِلَيْهِ سَبِيلا، وَصَارَ كجنة أينعت ثمارها، وذللت قطوفها تذليلا، وَحَيْثُ يسر بِهَذَا الشَّرْح ذَلِك الْمَتْن العسير. دعتني هَذِه الْمُنَاسبَة أَن أُسَمِّيهِ " تيسير التَّحْرِير " وأسأل الله تَعَالَى أَن يرزقه الإقبال، ويوفق لمطالعته المستعدين من أهل الْكَمَال.
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة، مُجْتَهد دهره، ومحقق عصره، شيخ الْإِسْلَام، ومفتي الْأَنَام، مُفِيد الطالبين، قطب العارفين.
(يَقُول العَبْد الْفَقِير مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد بن عبد الحميد، الإسكندري مولدا، السيواسي منتسبا، الشهير بِابْن همام الدّين: غفر الله ذنُوبه، وَستر عيوبه) وَالِده الْعَلامَة: كَانَ قَاضِي سيواس من بِلَاد الرّوم وَمن بَيت الْعلم وَالْقَضَاء، قدم الْقَاهِرَة وَولي خلَافَة الحكم بهَا عَن القَاضِي بدر الدّين لحنفي بهَا، ثمَّ ولي الْقَضَاء بالإسكندرية، وَتزَوج بهَا بنت القَاضِي الْمَالِكِي يَوْمئِذٍ، فَولدت لَهُ المُصَنّف، ومدحه الشَّيْخ بدر الدّين الدماميني بقصيدة بليغة يشْهد لَهُ فِيهَا بعلو الْمرتبَة فِي الْعلم،
(1/3)

وَحسن السِّيرَة فِي الحكم، ثمَّ رغب عَنْهَا وَرجع إِلَى الْقَاهِرَة فَأَقَامَ بهَا مشتغلا بكليته فِي الْعلم إِلَى أَن انْتقل إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى، كَذَا نَقله شَارِح هَذَا الْكتاب عَن المُصَنّف، وَهُوَ مِمَّن قَرَأَ عَلَيْهِ، " وَقَوله مولدا ومنتسبا " تَمْيِيز عَن نِسْبَة الصّفة إِلَى ضمير الْمَوْصُوف يَعْنِي مَنْسُوبا إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة من حَيْثُ الْولادَة وَإِلَى السيواس من حَيْثُ الانتساب والمولد، والمنتسب بِفَتْح السِّين مصدر ميمي وانتسابه إِلَى السيواس إِمَّا بِاعْتِبَار نِسْبَة آبَائِهِ إِلَيْهِ، أَو بِاعْتِبَار أَن النَّاس كَانُوا ينسبونه إِلَيْهِ (الْحَمد لله) إِخْبَار صِيغَة إنْشَاء معنى كصيغ الْعُقُود، وَلَا مَحْذُور فِي عدم محموديته فِي الْأَزَل بِمَا أنشأه الْعباد من المحامد، وَإِنَّمَا الْمَحْذُور عدم اتصافه بِمَا يحمدونه بِهِ من الكمالات، وَهُوَ غير لَازم، وَالله اسْم للذات الْوَاجِب الْوُجُود الْمُسْتَحق لجَمِيع المحامد، وَالصَّحِيح أَنه عَرَبِيّ كَمَا ذهب إِلَيْهِ الْجُمْهُور، لَا عبراني أَو سرياني كَمَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو زيد، وَقيل أَنه صفة، وَالْجُمْهُور على أَنه علم مرتجل من غير اعْتِبَار أصل أَخذ مِنْهُ: مِنْهُم أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد بن الْحسن وَالشَّافِعِيّ رَحْمَة الله تَعَالَى عَلَيْهِم والخليل والزجاج وَابْن كيسَان والحليمي وَالْغَزالِيّ والخطابي وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ، وروى هِشَام عَن مُحَمَّد عَن أبي حنيفَة أَنه اسْم الله الْأَعْظَم، وَبِه قَالَ الطَّحَاوِيّ وَكثير (الَّذِي أنشأ) أَي أوجد ابْتِدَاء (هَذَا الْعَالم) اسْم لكل مَا سوى الله، إِمَّا مُشْتَقّ من الْعلم فإطلاقه على غير الثقلَيْن وَالْمَلَائِكَة تَغْلِيب، وَإِمَّا من الْعَلامَة فَإِن فَاعِلا يسْتَعْمل فِي الْآلَة كثيرا كالطابع والخاتم، فَإِنَّهُ كالآلة فِي الدّلَالَة على صانعه، وَفِي كلمة هَذَا إِشَارَة إِلَى قرب مَا يسْتَدلّ بِهِ على وجود الصَّانِع من ذَوي الْأَبْصَار فَلَا تغفل عَنهُ (البديع) أَي المخترع، فَقَوله (بِلَا مِثَال سَابق) تَصْرِيح بِمَا علم ضمنا، أَو الْغَايَة فِي الْكَمَال فَهُوَ تأسيس، وَقيل الْإِنْشَاء والإبداع إِيجَاد الشَّيْء بِلَا سبق مَادَّة وزمان وَلَا وَاسِطَة آلَة، فيقابل التكوين لمسبوقيته بالمادة، والأحداث لكَونه مَسْبُوقا بِالزَّمَانِ، ورد بقوله تَعَالَى - {وَهُوَ الَّذِي أنشأكم من نفس وَاحِدَة} - و - {ثمَّ الله ينشئ النشأة الْآخِرَة} -، وَفِيه نظر لجَوَاز التَّجْرِيد عِنْد الْقَرِينَة (وأنار) أَي أظهر وأوضح (لأبصار الْعُقَلَاء) جمع بصر، وَهُوَ حاسة النّظر وَفِي بعض النّسخ لبصائر، وَهُوَ جمع بَصِيرَة، وَهِي للنَّفس كالبصر للبدن (طرق دلَالَته) وَلَا يخفى مَا فِيهِ من براعة الاستهلال، لِأَن الْأُصُول يبْحَث عَن طرق دلَالَة الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة (على وجوده وَتَمام قدرته) أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن من لم يَتَّضِح لَهُ الطّرق لَيْسَ من الْعُقَلَاء فَإِن قلت وُجُوه الِاسْتِدْلَال لَيست مِمَّا يدْرك بالأبصار، فَمَا معنى إنارته لَهَا؟ قلت الإنارة للعقول حَقِيقَة لَكِنَّهَا لما كَانَت بِوَاسِطَة اسْتِعْمَال الْبَصَر غَالِبا نَسَبهَا إِلَيْهَا (فَهُوَ إِلَى الْعلم) أَي الله تَعَالَى أَو الْعَالم (بذلك) الْإِنْشَاء والتنوير (سائق) جعل خلق الْعَالم مَعَ إِيضَاح طرق دلَالَته بِمَنْزِلَة السُّوق تَنْبِيها على أَن الْإِنْسَان كالمضطر فِي الاهتداء إِلَى ذَلِك كالحيوان المسوق إِلَى جِهَة أُرِيد
(1/4)

سوقه إِلَيْهَا، ويناسب هَذَا قَوْله (دفع) أَي ألجأ الْمَدْفُوع إِلَيْهِ (نظامه) أَي حسن تَرْتِيب الْعَالم على الْوَجْه الْمشَاهد (المستقر) أَي الثَّابِت على أتم وُجُوه الانتظام من غير اختلال وَلَا انخرام (إِلَى الْقطع) أَي الْعلم الْقطعِي مُتَعَلق بِالدفع (بوحدانيته) لِأَنَّهُ - {لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا} - (كَمَا أوجب توالي نعمائه تَعَالَى المستمر) أَي تتابعها الدَّائِم على عَامَّة الْخلق، والنعماء بِالْفَتْح ممدودة بِمَعْنى النِّعْمَة (الْعلم برحمانيته) لِأَن الرَّحْمَن هُوَ الْمُنعم الْحَقِيقِيّ الْبَالِغ فِي الرَّحْمَة غايتها بِأَن يسع كل شَيْء تفضلا من غير انْقِطَاع الْمعْصِيَة وَغَيرهَا، وَفِيمَا ذكر إِشَارَة إِلَى مُعظم مَقَاصِد علم أصُول الدّين الْمُقدم على علم أصُول الْفِقْه من إِثْبَات الْوَاجِب وَقدرته وإيجاده إِلَى غير ذَلِك (وَصلى الله على رَسُوله مُحَمَّد). قَالَ بعض الْمُحَقِّقين: أجمع الْأَقْوَال الشارحة للرسالة الإلهية أَنَّهَا سفارة بَين الْحق والخلق تنبه أولي الْأَلْبَاب على مَا تقصر عَنهُ عُقُولهمْ من صِفَات معبودهم ومعادهم، ومصالح دينهم ودنياهم، ومستحثات تهديهم، ودوافع شبه ترديهم. قَالَ المُصَنّف رَحمَه الله فِي المسايرة: وَأما على مَا ذكره الْمُحَقِّقُونَ: من أَن النَّبِي: إِنْسَان بَعثه الله لتبليغ مَا أُوحِي إِلَيْهِ، وَكَذَا الرَّسُول فَلَا فرق انْتهى، وَمِمَّا قيل فِي الْفرق: أَن الرَّسُول مَأْمُور بالإنذار، وَيَأْتِي بشرع مُسْتَأْنف، وَلَا كَذَلِك النَّبِي، وَإِن أمره بالتبليغ، وَيَأْتِي الْوَحْي الرَّسُول من جَمِيع وجوهه، وَالنَّبِيّ من بَعْضهَا، وَإِنَّمَا سمي بِمُحَمد لِأَنَّهُ مَحْمُود عِنْد الله وَعند أهل السَّمَاء وَالْأَرْض، وَهُوَ أَكثر النَّاس حمدا إِلَى غير ذَلِك.
(وشق لَهُ من اسْمه ليجله ... فذو الْعَرْش مَحْمُود وَهَذَا مُحَمَّد)

(أفضل من عَبده من عباده) فِيهِ إِشَارَة إِلَى تَفْضِيل الْبشر على الْملك، وَمن تبعيضية لِأَن الْعباد: وهم المماليك يعم من عبد وَمن لم يعبد، وَالْعِبَادَة الطَّاعَة (وَأقوى من ألزم أوامره) بالمعجزات الباهرة والحجج الظَّاهِرَة: وَهُوَ كالدليل على أفضليته. قَالَ تَعَالَى - {كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ} - الْآيَة وَإِنَّمَا قدم الْوَصْف الأول لكَونه موصلا إِلَى الثَّانِي وَاكْتفى بِذكر الْأَوَامِر، لِأَن إِلْزَامه أصعب، فَإِن الْفِعْل أشق على النَّفس من التّرْك مَعَ أَنه يفهم بِقَرِينَة التقابل، وَترك الْمنْهِي عَنهُ مَأْمُور بِهِ (وَنشر) أَي فرق أَو بسط (ألوية شرائعه) جمع لِوَاء بِالْمدِّ، وَهُوَ الْعلم، أَو شَرِيعَة، وَهُوَ مَا شرع الله لِعِبَادِهِ، شبه الشَّرَائِع بالألوية لكَونهَا عَلامَة الْملك وأضافها، فَيكون التَّشْبِيه أبلغ كَمَا فِي لجين المَاء (فِي بِلَاده حَتَّى افترت) الْبِلَاد: أَي سكنت بعد حِدة، ولانت بعد شدَّة (ضاحكة) حَال من ضمير افترت (عَن جذل) بِفَتْح الْجِيم والذال الْمُعْجَمَة أَي عَن فَرح وابتهاج، شبه بِاعْتِبَار كَثْرَة أَفْرَاده بالأسنان الْبَادِيَة حَال الضحك فِي الظُّهُور عِنْد الانبساط، وَعَن مُتَعَلقَة بِضَاحِكَةٍ لتَضَمّنه معنى الْكَشْف، وَيجوز أَن يُرَاد كَون الضحك ناشئا
(1/5)

عَن الْفَرح (بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان) مُتَعَلق بجذل، فَإِنَّهُمَا يوجبانه (بعد طول انتحابها) أَي بكائها أَشد الْبكاء (على انبساط بهجة الْإِيمَان) أَي حسنه، الْجَار مُتَعَلق بالضحك، فَإِن بِنَاء الضحك على الانبساط وَهُوَ ضد الانقباض، أَو بالانتحاب على أَن يكون مبكيا عَلَيْهِ، شبه الْبِلَاد بِمن يَتَّصِف بالفرح تَارَة والحزن أُخْرَى تَشْبِيها مضمرا، وَأثبت لَهَا من لوازمه الضحك والبكاء تخييلا (وَلَقَد كَانَت) الْبِلَاد (كَمَا قيل:
(فَكَأَن وَجه الأَرْض خد متيم ... وصلت سجام دُمُوعه بسجام)
الخد مَعْرُوف، والمتيم العاشق، من تيمه الْحبّ إِذا ذلله، يُقَال سجم الدمع سجوما وسجاما إِذا سَالَ، وَالْمرَاد من وُصُول السجام بالسجام تواترها وتتابعها (صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى آله الْكِرَام، وَأَصْحَابه الَّذين هم مصابيح الظلام، وَسلم تَسْلِيمًا " وَبعد " فَإِنِّي لما أَن صرفت طَائِفَة من الْعُمر للنَّظَر فِي طريقي الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة فِي الْأُصُول) لما كَانَ علم الْأُصُول يتَوَصَّل بِهِ إِلَى كَيْفيَّة استنباط الْأَحْكَام سمي طَرِيقا، وَاخْتلفت الآراء فِي قَوَاعِده فَصَارَ طرقا، وَلم يقل أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ رحمهمَا الله لاشتمال الطَّرِيقَيْنِ مَا ذَهَبا إِلَيْهِ وَمَا ذهب إِلَيْهِ أصحابهما، وَيجوز أَن يُرَاد أسلوباهما فِيهِ. وظرفية الْأُصُول لَهما ظرفية الْكل للجزء، أَو الْكُلِّي للجزئي (خطر لي أَن أكتب كتابا مفصحا) أَي كاشفا يزِيل الخفاء (عَن الاصطلاحين) هُوَ اتِّفَاق طَائِفَة على وضع لفظ لِمَعْنى، والتثنية بِاعْتِبَار النَّوْعَيْنِ لَا الفردين، وَلَا يلْزم اخْتِلَافهمَا فِي كل فَرد، بل يَكْفِي بِاعْتِبَار الْمَجْمُوع وَلَا ينْحَصر الْكتاب فِي بَيَان الاصطلاحيات، لَكِنَّهَا الْعُمْدَة فِيهِ فَاكْتفى بذكرها (بِحَيْثُ يطير من أتقنه) أَي أحكم هَذَا الْكتاب الْمَذْكُور بفهمه على وَجه التَّحْقِيق يطير (إِلَيْهِمَا) أَي الاصطلاحين أَو طريقي الْفَرِيقَيْنِ (بجناحين) " قَوْله بِحَيْثُ " مُتَعَلق بِمَحْذُوف هُوَ صفة حَال " كتابا " أَو لمصدر " مفصحا " فَإِن قلت من أتقن الْكتاب المفصح عَن الاصطلاحين فقد بلغ الْغَايَة فيهمَا فَكيف يطير بعد ذَلِك إِلَيْهِمَا قلت مَعْنَاهُ أَن المتقن تحصل لَهُ ملكة يقتدر بهَا على استحضار كل من المصطلحات عِنْد الْحَاجة بِأَدْنَى توجه، وَبِهَذَا ظهر وَجه اسْتِعَارَة الطيران لسرعة الِانْتِقَال، وَفَائِدَة ذكر الجناحين مَعَ أَن الطيران لَا يكون بدونهما إِيهَام أَن الطيران مَحْمُول على حَقِيقَته (إِذْ كَانَ من عَلمته أَفَاضَ) أَي أَفَادَ (فِي هَذَا الْمَقْصد) أَي الإفصاح عَنْهُمَا (لم يوضحهما حق الْإِيضَاح وَلم يناد مرتادهما) أَي طَالب الاصطلاحين (بَيَانه) فَاعل لم يناد (إِلَيْهِمَا) أَي الاصطلاحين (بحي على الْفَلاح) هِيَ اسْم فعل بِمَعْنى أقبل يعدى بعلي، وَقد يَجِيء حَيّ مُتَعَدِّيا بِمَعْنى ائْتِ كَقَوْلِه:
(حَيّ الحمول: فَإِن الركب قد ذَهَبا ...)
والفلاح: الْفَوْز والنجاة والبقاء فِي الْخَيْر، وَالْمَجْمُوع صَار فِي الْعرف مثلا يسْتَعْمل فِي شهار التَّبْلِيغ والإيقاظ لَهُ، والإفصاح عَن الْقَصْد، مَأْخُوذ من قَول الْمُؤَذّن (فشرعت فِي هَذَا الْغَرَض) أَي تأليف الْكتاب الْمَذْكُور (ضاما إِلَيْهِ) أَي بَيَان الاصطلاحين (مَا ينقدح
(1/6)

لي) أَي يظْهر (من بحث) وَهُوَ فِي اللُّغَة التفتيش، وَفِي الِاصْطِلَاح إِثْبَات حَال الشَّيْء (وتحرير) تَحْرِير الْكتاب وَغَيره تقويمه (فَظهر لي بعد) كِتَابَة شَيْء (قَلِيل) أَو بعد قَلِيل من الزَّمَان (أَنه) أَي الْكتاب الْمَشْرُوع فِيهِ (سفر) أَي كتاب (كَبِير وَعرفت من أهل الْعَصْر انصراف هممهم) جمع همة بِالْكَسْرِ: وَهِي مَا يهم بِهِ من أَمر ليفعله، شاع فِي الْبَاعِث القلبي المنبعث من النَّفس بمطلوب كمالي ومقصود عَال (فِي غير الْفِقْه إِلَى المختصرات. وإعراضهم عَن الْكتب المطولات) عدم انصراف هممهم فِي الْفِقْه هَهُنَا، أما لكَونه ضَرُورِيًّا للْكُلّ بِاعْتِبَار حوادث جمة لَا تكَاد تُوجد إِلَّا فِيهَا، وَإِمَّا لما ترَتّب عَلَيْهِ من حطام الدُّنْيَا، والأغلب هُوَ الثَّانِي، والاختصار رد الْكثير إِلَى الْقَلِيل مَعَ بَقَاء مَعْنَاهُ: وَهُوَ أقرب إِلَى الْحِفْظ وَأنْشط للقارئ وأوقع فِي النَّفس، قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " أُوتيت جَوَامِع الْكَلم واختصرت لي الْحِكْمَة اختصارا " وَقَالَ الْحسن بن عَليّ رَضِي الله عَنْهُمَا " خير الْكَلَام مَا قل وَدلّ وَلم يطلّ فيمل " (فعدلت إِلَى مُخْتَصر مُتَضَمّن إِن شَاءَ الله تَعَالَى الغرضين) بَيَان الاصطلاحين على الْوَجْه الْمَذْكُور وَضم مَا يظْهر لَهُ (واف بِفضل الله سُبْحَانَهُ بتحقيق مُتَعَلق العزمين) الإفصاح والاختصار، وَلَا يخفى على من أتقن هَذَا الْمُخْتَصر الْجَامِع لما فِي المختصرات والمطولات مَعَ كَمَال التدقيق وَالتَّحْقِيق، وَأما الإفصاح وَإِن تبادر إِلَى الْوَهم ضِدّه لما فِيهِ من الصعوبة الَّتِي تعجز عقول الفحول إِلَّا من خصّه الله بمزيد التَّوْفِيق: فقد وَقع على أتم الْوُجُوه الممكنة فِي مثله مِمَّا لَفظه إِلَى مَعْنَاهُ كقطرة بِالنّظرِ إِلَى بَحر عميق (غير أَنه) أَي الْمُخْتَصر (مفتقر إِلَى الْجواد الْوَهَّاب تَعَالَى أَن يقرنه بِقبُول أَفْئِدَة الْعباد) الْجواد السخي، من أَسمَاء الله تَعَالَى من صِفَات الْأَفْعَال، وَكَذَا الْوَهَّاب إِلَّا أَن فِيهِ زِيَادَة مُبَالغَة " وَأَن يقرنه " بِحَذْف الْجَار مُتَعَلق بمفتقر، والأفئدة جمع فؤاد، وَهُوَ الْقلب: أَفَادَ أَن حسن التَّأْلِيف وكماله لَا يُوجب الْقبُول، لِأَنَّهُ موهبة من الله سُبْحَانَهُ، وَلَقَد تأدب فِي سُؤَاله الْمُقَارنَة بقبولها مَعَ الْخَلِيل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَيْثُ قَالَ: - {فَاجْعَلْ أَفْئِدَة من النَّاس تهوي إِلَيْهِم} - (وَأَن يتفضل عَلَيْهِ) أَي الْمُخْتَصر: أَي على مُؤَلفه على تأليفه، وَفِيه إِيهَام أَنه بِمَنْزِلَة طَالب لِلْأجرِ، ويلائمه مَا سبق من وَصفه بالافتقار (بِثَوَاب يَوْم التناد) أَي يَوْم الْقِيَامَة، سمي بِهِ لِأَنَّهُ يُنَادي فِيهِ بَعضهم بَعْضًا للاستغاثة، أَو يتنادى أَصْحَاب الْجنَّة وَأَصْحَاب النَّار، وَقيل غير ذَلِك، وَهَذَا إِذا لم تكن الدَّال مُشَدّدَة، فَإِن كَانَت فَالْمَعْنى يند بَعضهم من بعض: أَي يفر (وَالله سُبْحَانَهُ أسأله ذَلِك) أَي الْقبُول وَالثَّوَاب، وَتَقْدِيم الْمَفْعُول لإِفَادَة الْحصْر كَمَا فِي - {إياك نستعين} - (وَهُوَ حُسَيْنًا) كافينا (وَنعم الْوَكِيل) قيل بِمَعْنى موكول إِلَيْهِ تَدْبِير الْبَريَّة وَغَيره على الْحَذف والإيصال، أَو الْكَفِيل بالرزق، أَو الْمعِين، أَو الشَّاهِد، أَو الحفيظ أَو الْكَافِي، وَقدم الْمَخْصُوص بالمدح لإِفَادَة التَّخْصِيص (وسميته: بالتحرير) لتقويمه
(1/7)

قَوَاعِد الْأُصُول عَن مظان العوج، ولكمالها فِي الاتصاف بِهَذَا الْوَصْف، سمي باسم جنسه مُبَالغَة وادعاء لاتحاده بِهِ، وتنزيلا لما سواهُ منزلَة الْعَدَم (بعد ترتيبه على مُقَدّمَة) لتَكون التَّسْمِيَة بعد وجود الْمُسَمّى كَمَا هُوَ الأَصْل، والمقدمة مَأْخُوذَة من مُقَدّمَة الْجَيْش من قدم بِمَعْنى تقدم، يُقَال مُقَدّمَة الْعلم لما يتَوَقَّف عَلَيْهِ مسَائِله كمعرفة حَده، وغايته، وموضوعه، ومقدمة الْكتاب لطائفة من كَلَامه قدمت أَمَام الْمَقْصُود لارتباطه بهَا، وانتفاع بهَا فِيهِ (هِيَ الْمُقدمَات) أَي الْأُمُور الَّتِي جرت عَادَة الْأُصُولِيِّينَ بجعلها مُقَدّمَة لعلم الْأُصُول من بَيَان مَفْهُوم اسْمه وموضوعه، والمقدمات المنطقية، واستمداده كَمَا سَيَجِيءُ، فَاللَّام للْعهد (وَثَلَاث مقالات) أولاها (فِي المبادئ) اللُّغَوِيَّة (و) ثَانِيهَا فِي (أَحْوَال الْمَوْضُوع) أَي مَوْضُوع علم الْأُصُول (و) ثَالِثهَا فِي مَاهِيَّة (الِاجْتِهَاد) وَمَا يُقَابله من التَّقْلِيد وَمَا يتبعهَا من الْأَحْكَام (وَهُوَ) أَي الِاجْتِهَاد وَمَا يتبعهُ (متمم) لمسائل الْأُصُول، لَا مِنْهَا (مسَائِله) أَي الِاجْتِهَاد (فقهية) أَي بَعْضهَا كوجوب الِاجْتِهَاد فِي حق نَفسه وَفِي حق غَيره إِذا خَافَ فَوت الْحَادِثَة على غير الْوَجْه وحرمته فِي مُقَابلَة قَاطع (لمثل مَا سنذكر) فِي بَيَان الْمَوْضُوع من أَن الْبَحْث عَن حجية خبر الْوَاحِد، وَالْقِيَاس لَيْسَ من مسَائِل الْأُصُول، لِأَن موضوعها فعل الْمُكَلف، ومحمولها الحكم الشَّرْعِيّ، وَهُوَ الْوُجُوب وَالْحُرْمَة، فَتكون فقهية (واعتقادية) كَمَسْأَلَة لَا حكم فِي الْمَسْأَلَة الاجتهادية، وَجَوَاز خلو الزَّمَان عَن مُجْتَهد.
(الْمُقدمَة)

(الْمُقدمَة أُمُور) هِيَ الْمَدْلُول عَلَيْهَا بقوله هِيَ الْمُقدمَات، نكرت هَهُنَا لِأَنَّهَا ذكرت تَوْطِئَة لتفصيلها، والتنكير بمقام الْإِجْمَال أليق، وَمَا قيل من أَن الْمعرفَة إِذا أُعِيدَت نكرَة، فَهِيَ غير الأولى، فَلَيْسَ على إِطْلَاقه، على أَن ذَلِك عِنْد إِعَادَة اللَّفْظ بِعَيْنِه (الأول) من الْأُمُور الْمَذْكُورَة (مَفْهُوم اسْمه) أَي الْعلم الْمَذْكُور، وَالِاسْم أصُول الْفِقْه، لم يقل تَعْرِيفه مَعَ أَنه أخصر إِشَارَة إِلَى أَن التَّعْرِيف اسْمِي لَا حَقِيقِيّ كَمَا سَيَجِيءُ، مَعَ أَنه جرت عَادَتهم بِاعْتِبَار حَال الِاسْم فِي مقَام تَعْرِيفه (وَالْمَعْرُوف) أَي الْمَشْهُور بَين الْأُصُولِيِّينَ (كَونه) أَي الِاسْم الْمَذْكُور (علما) هُوَ مَا وضع لشَيْء بِعَيْنِه غير متناول غَيره بِوَضْع وَاحِد، وَسَيَجِيءُ بَيَانه (وَقيل) هُوَ (اسْم جنس لإدخاله اللَّام) أضيف الإدخال إِلَى الِاسْم مجَازًا لِأَنَّهُ فعل الْمُتَكَلّم تَنْزِيلا للقابل منزلَة الْفَاعِل مُبَالغَة فِي قبُوله، فَكَأَنَّهُ أدخلها بِنَفسِهِ عَلَيْهِ، يَعْنِي لَو كَانَ علما لما دَخلته اللَّام، وَإِذا انْتَفَى العلمية تعْيين كَونه اسْم جنس، وَيرد عَلَيْهِ أَنَّهَا تدخل فِي كثير من الْأَعْلَام، إِمَّا لُزُوما كَمَا فِي الْأَعْلَام الْغَالِبَة، أَو بِغَيْرِهِ كَمَا فِي كثير من الْأَعْلَام المنقولة من الصّفة أَو الْمصدر، أَو مَا فِيهِ معنى الْمَدْح أَو الذَّم كالعباس
(1/8)

وَالْحسن وَالنضْر والأسد وَالْكَلب فِي الْمُسَمّى بهَا، وَإِن لم يكن مُحْتَاجا إِلَى التَّعْرِيف، وَذَلِكَ للمح الوصفية، ومدح الْمُسَمّى بهَا وذمه (وَلَيْسَ بِشَيْء فَإِن الْعلم) على مَا هُوَ الْمَعْرُوف إِنَّمَا هُوَ (الْمركب) الإضافي: أَي أصُول الْفِقْه (لَا الْأُصُول) الَّذِي هُوَ جُزْء مِنْهُ، فالعلم مَا دَخلته اللَّام، وَمَا دَخلته اللَّام فَلَيْسَ بِعلم بل جزؤه، وَلما عين مَدْخُول اللَّام أَرَادَ أَن يبين معنى اللَّام فِيهِ، فَقَالَ (بل الْأُصُول بعد كَونه عَاما فِي المباني) جمع مبْنى، وَهُوَ مَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ الشَّيْء (يُقَال) أَي يُطلق (خَاصّا فِي المباني الْمَعْهُودَة للفقه) وَهِي الْأَدِلَّة السمعية (فَاللَّام للْعهد) الْخَارِجِي، لِأَنَّهَا حِصَّة مُعينَة من المباني الْمُطلقَة، وَكلمَة بل اضراب عَمَّا يفهم من الْكَلَام السَّابِق من علمية لفظ الْأُصُول وَحَاصِله أَنه لَيْسَ بِعلم، بل معرف بلام الْعَهْد، وَقيل الأَصْل بعد مَا كَانَ عَاما فِي المباني نقل إِلَى الدَّلِيل، وَقَالَ صدر الشَّرِيعَة النَّقْل خلاف الأَصْل، وَلَا ضَرُورَة إِلَى الْعُدُول إِلَيْهِ، لِأَن الابتناء كَمَا يَشْمَل الْحسي كابتناء السّقف على الجدران كَذَلِك يَشْمَل الْعقلِيّ كابتناء الحكم على دَلِيله (وَالْوَجْه أَنه) أَي الْمركب علم (شخصي) حَقِيقَة الْعُلُوم إِمَّا الْمسَائِل، أَو التصديقات الْمُتَعَلّقَة بهَا، أَو الملكة الْحَاصِلَة من ممارستها، وَيُؤَيّد الْأَخيرينِ تَسْمِيَتهَا بِالْعلمِ، وَالْأول قَول الْقَائِل: علمت النَّحْو وَالصرْف، وَكَلَام المُصَنّف يُشِير إِلَى الأول إِذْ التصديقات أَو الملكة الْقَائِمَة بعالم غير الْقَائِمَة بآخر، فالاسم بِهَذَيْنِ الاعتبارين اسْم جنس كَمَا حَقَّقَهُ السَّيِّد السَّنَد، بِخِلَاف مُتَعَلق علومهم، وَهِي الْمسَائِل، فَإِنَّهُ وَاحِد، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (إِذْ لَا يصدق على مَسْأَلَة) يَعْنِي مثلا، فَيشْمَل كل مَا سوى مَجْمُوع الْمسَائِل، وَلم يتَعَرَّض لما سوى الْجَزَاء، لِأَن عدم صدقه على مَا هُوَ خَارج عَنْهَا فِي غَايَة الظُّهُور فَإِن قلت مسَائِل الْعُلُوم تتزايد بتلاحق الأفكار، فالموجود فِي الزَّمَان السَّابِق مُغَاير بِالذَّاتِ للموجود فِي اللَّاحِق تغاير الْجُزْء وَالْكل، وَهَذَا يسْتَلْزم تعدد الْمُسَمّى، وَهُوَ يُنَافِي كَون الِاسْم علما شخصيا قلت الْمَوْجُود فِي كل زمَان شخص معِين، ويلتزم اشْتِرَاك الِاسْم وتعدد وَضعه بِحَسب تعدد الْأَزْمِنَة، وَلَا مَحْظُور وَهَهُنَا بحث، وَهُوَ أَن مَجْمُوع الْمسَائِل إِنَّمَا هُوَ مَوْجُود ذهني لاشتمالها على النّسَب الاعتبارية، وَمن ضَرُورَة تعدد الأذهان: تعدد وجوداته، وَمن ضَرُورَة تعدد الوجودات: تعدد تشخصاته، فَلَزِمَ كَون الِاسْم للْجِنْس بِهَذَا الِاعْتِبَار أَيْضا وَالْجَوَاب أَن حَقِيقَة مَجْمُوع الْمسَائِل من حَيْثُ هِيَ مَعَ قطع النّظر عَن وجودهَا وتشخصها فِي الذِّهْن جزئي حَقِيقِيّ لعدم إِمْكَان فرض اشتراكها بَين كثيرين، والتعدد إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَار صورها الْحَاصِلَة فِي الأذهان، فمتعلق تِلْكَ الصُّور وَاحِد بِالذَّاتِ، وَإِن كَانَ كثيرا بِاعْتِبَار التعلقات وَالله أعلم (وَالْعَادَة تعريفة مُضَافا وعلما) أَي عَادَة الْأُصُولِيِّينَ تَعْرِيف الِاسْم الْمَذْكُور تَارَة من حَيْثُ أَنه مركب إضافي
(1/9)

نظرا إِلَى مَعْنَاهُ الْأَصْلِيّ الَّذِي نقل عَنهُ إِلَى العلمي، وَتارَة من حَيْثُ أَنه مُفْرد علم نظرا إِلَى مَعْنَاهُ الشخصي الَّذِي نقل إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا عرفوه على الْوَجْهَيْنِ لمزيد الانكشاف (فعلى الأول) يحْتَاج إِلَى تَعْرِيف الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ (الْأُصُول الْأَدِلَّة) مُبْتَدأ وَخبر، والظرف مُتَعَلق بِمَحْذُوف تَقْدِيره فتعريفه الْمَبْنِيّ على الأول هَكَذَا، وَالْمرَاد بِالدَّلِيلِ مَا يُمكن التَّوَصُّل بِالنّظرِ فِيهِ إِلَى مَطْلُوب خبري كَالصَّلَاةِ وَاجِبَة وَالْخمر حرَام، وَسَيَجِيءُ بَيَانه مفصلا (وَالْفِقْه التَّصْدِيق) قد يُرَاد بِهِ مَا يُقَابل التَّصَوُّر، وَهُوَ إِدْرَاك أَن النِّسْبَة وَاقعَة أَو لَيست بواقعة، وَقد يُرَاد بِهِ مَا هُوَ أخص مِنْهُ، وَهُوَ يُقَابل الظَّن، وَكِلَاهُمَا هَهُنَا جَائِز، تبع عَامَّة الْأُصُولِيِّينَ فِي تَفْسِير الْفِقْه بِمَا هُوَ من مقولة الْعلم، وَإِن كَانَ الْمُخْتَار عِنْده كَونه من مقولة الْمَعْلُوم كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِيمَا سبق (لأعمال الْمُكَلّفين) قيل اللَّام بِمَعْنى على كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - {وتله للجبين} - مُتَعَلق بالتصديق لتَضَمّنه معنى الحكم، وَفِي الْكَشَّاف فِي - {يخرون للأذقان} - فَإِن قلت: حرف الاستعلاء ظَاهر الْمَعْنى إِذا قلت خر على وَجهه، وعَلى ذقنه فَمَا معنى اللَّام؟ قلت مَعْنَاهُ جعل وَجهه وذقنه للخرور واختصه بِهِ، وَهَذَا يدل على أَن كَونهَا بِمَعْنى على لم يثبت عِنْده، فَالْأولى أَن يُقَال لتَضَمّنه الاثبات عدي بهَا ولتضمنه الحكم عدي بِالْبَاء فالمثبت لَهُ الموضوعات، وَهِي الْأَعْمَال، والمحكوم بِهِ المحمولات، وَهِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة، والأعمال تعم أَفعَال الْقُلُوب أَيْضا كالنية وَغَيرهَا، وَخرج التَّصْدِيق لغير الْأَعْمَال، ولأعمال غير الْمُكَلف (الَّتِي لَا تقصد لاعتقاد) فصل ثَالِث يخرج التَّصْدِيق لأعمالهم الَّتِي تقصد لَهُ كالتصديق بِأَن الْخَيْر وَالشَّر بِقَضَاء الله وَقدرته وإرادته، والاعتقاد حكم لَا يحْتَمل النقيض عِنْد الْحَاكِم، وَلَو عرض عَلَيْهِ طرفاه يجوز أَن يحكم بَينهمَا بالنقيض لكَونه على خلاف الْوَاقِع، أَو لعدم استناده إِلَى مُوجب من حس أَو ضَرُورَة أَو عَادَة أَو دَلِيل، بل اتّفق لسَبَب تَقْلِيد أَو شُبْهَة، وَقد يُرَاد بالاعتقاد مَا يعم الْيَقِين والجزم وَالظَّن وَالْجهل الْمركب، وَهُوَ الْمَشْهُور عِنْد الْمُتَكَلِّمين، وَالْمرَاد هَهُنَا، وَإِلَّا لم يخرج مَا قصد لاعتقاد لَا يصدق عَلَيْهِ الْمَعْنى الأول (بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة) الحكم إِسْنَاد أَمر إِلَى آخر إِيجَابا أَو سلبا، أَو خطاب الله الْمُتَعَلّق بِفعل الْمُكَلف اقْتِضَاء أَو تخييرا، وَالْأول هَهُنَا أولى لِئَلَّا يَلْغُو التَّقْيِيد بالشرعية، وَقد يُقَال يجوز أَن يُرَاد بالشرعية مَا لَا يدْرك لَوْلَا خطاب الشَّارِع، وَمن الْأَحْكَام مَا يدْرك بِدُونِهِ كوجوب الْإِيمَان بِاللَّه وتصديق النَّبِي عَلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِيه مَا فِيهِ، وعَلى الثَّانِي يُرَاد مَا يَتَرَتَّب على الْخطاب كالوجوب وَالْحُرْمَة، لأنفسه كالإيجاب وَالتَّحْرِيم لِأَنَّهُ الْمَحْكُوم بِهِ على الْأَعْمَال، وَقيل هما متحدان بِالذَّاتِ متغايران بِالِاعْتِبَارِ، وَفِيه بحث، وَبِهَذَا الْقَيْد احْتَرز عَن مثل قَوْلنَا أَفعَال الْمُكَلّفين أَعْرَاض قَائِمَة بذواتهم منقسمة إِلَى الْجَوَارِح والقلوب (القطعية) أَي الثَّابِتَة بِدَلِيل قَطْعِيّ لَا شُبْهَة فِيهِ: أَي الشُّبْهَة الناشئة عَن الدَّلِيل.
(1/10)

فَانْدفع مَا قيل: من أَنه إِن أُرِيد بِالْأَحْكَامِ جَمِيعهَا لم يُوجد الْفِقْه وَلَا الْفَقِيه، لِأَن الْحَوَادِث وَإِن كَانَت متناهية ضَرُورَة انْقِضَاء دَار التَّكْلِيف، لَكِنَّهَا لكثرتها وَعدم انقطاعها مَا دَامَت الدُّنْيَا غير دَاخِلَة تَحت ضبط الْمُجْتَهدين، وَإِن أُرِيد بَعْضهَا، فإمَّا بعض لَهُ نِسْبَة مُعينَة إِلَى الْكل كالنصف، فَيلْزم الْجَهَالَة بِجَهَالَة الْكل، وَإِمَّا مُطلق فَيلْزم كَون الْعَالم بِمَسْأَلَة فَقِيها، وَلَيْسَ كَذَلِك اصْطِلَاحا، وَجه الاندفاع أَن القطعية تدخل تَحت الضَّبْط فَيمكن الْإِحَاطَة بهَا (مَعَ ملكة الاستنباط) فَخرج التَّصْدِيق الَّذِي لَيْسَ مَعهَا، وَهِي كَيْفيَّة راسخة فِي النَّفس حَاصِلَة باستجماع المآخذ والأسباب والشروط الَّتِي يَكْفِي الْمُجْتَهد الرُّجُوع إِلَيْهَا فِي معرفَة الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة يقتدر بهَا على اسْتِخْرَاج كل مَسْأَلَة ترد عَلَيْهِ بعد التَّأَمُّل، فَلَا يخل قَول مَالك: لَا أَدْرِي فِي سِتّ وَثَلَاثِينَ من أَرْبَعِينَ مَسْأَلَة سُئِلَ عَنْهَا فِي اجْتِهَاده، وَلَا توقف أبي حنيفَة رَحمَه الله فِي مسَائِل مَعْدُودَة، لجَوَاز أَن يكون لتعارض الْأَدِلَّة، أَو وجود الْمَانِع، اَوْ مُعَارضَة الْوَهم الْعقل، أَو مشاكلة الْحق الْبَاطِل، فَإِن الخلوص عَن هَذِه الْمَوَانِع خَارج عَن الطَّاقَة، فَلَا يشْتَرط (وَدخل نَحْو الْعلم بِوُجُود النِّيَّة) لما مر من عُمُوم الْأَعْمَال، فَإِن النِّيَّة من الْأَعْمَال القلية، وَالْمرَاد دُخُول الْجُزْء فِي الْكل إِن أَرَادَ الدُّخُول فِي الْمُعَرّف، أَو الجزئي فِي الْكُلِّي إِن أَرَادَ الدُّخُول فِي مَا يعم الْكل والجزء الْمَفْهُوم ضمنا أَي التَّصْدِيق لعمل الْمُكَلف بالحكم الشَّرْعِيّ، وَالْمرَاد بِنَحْوِهِ مَا كَانَ مَوْضُوعه فعل الْقلب ومحموله حكم شَرْعِي (وَقد يخص) الْفِقْه (بظنها) أَي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة للأعمال الْمَذْكُورَة، قيل الْمُخَصّص الإِمَام الرَّازِيّ، وَذَلِكَ لِأَن الْفِقْه مُسْتَفَاد من الْأَدِلَّة السمعية، وَهِي لَا تفِيد إِلَّا الظَّن
لتوقف إفادتها الْيَقِين على نفي الِاشْتِرَاك، وَالْمجَاز وَنَحْوه، ونفيها لَا يثبت إِلَّا بِأَن الأَصْل عدمهَا، وَهَذَا دَلِيل ظَنِّي، وَجَوَابه منع الْحصْر (وعَلى مَا قُلْنَا) من أَنه التَّصْدِيق للأعمال بِالْأَحْكَامِ القطعية (لَيْسَ هُوَ) أَي الظَّن (شَيْئا من الْفِقْه) أَي جُزْءا من أَجْزَائِهِ، فضلا عَن أَن يكون عينه، وَذَلِكَ لِأَن التَّصْدِيق الْمُتَعَلّق بِالْأَحْكَامِ القطعية لَا يكون إِلَّا قَطْعِيا (وَلَا الْأَحْكَام المظنونة) أَي وَلَا الْأَحْكَام المظنونة شَيْئا من أَحْكَامه ومحمولاته، عطف على ضمير لَيْسَ، وَلِهَذَا أكد بالمنفصل وَلَا، بِإِعَادَة النَّفْي (إِلَّا بإصطلاح) اسْتثِْنَاء مُنْقَطع: أَي لكنه مِنْهُ إِن وَقع الِاصْطِلَاح على وضع اسْم الْفِقْه لما يصدق على الظَّن فَقَط، أَو لما يعمه وَغَيره، وَلَا مشاحة فِي الِاصْطِلَاح، لَكِن الْأَلْيَق بِالِاعْتِبَارِ مَا ذَكرْنَاهُ لما مر (ثمَّ على هَذَا التَّقْدِير) أَي على تَقْدِير تَخْصِيصه بِالظَّنِّ (يخرج) مِنْهُ (مَا علم من الْمسَائِل بِالضَّرُورَةِ الدِّينِيَّة) بطرِيق البداهة الْحَاصِلَة من الْخَبَر الْمُتَوَاتر الْمَشْهُور الَّذِي عرفت الْعَامَّة حَتَّى النِّسَاء وَالصبيان فِي دين الْإِسْلَام كَونه مِنْهُ بِإِخْبَار الْمخبر الصَّادِق كوجوب الصَّلَوَات الْخمس وَصَوْم رَمَضَان، لِأَن التَّصْدِيق بهَا يقيني، وَكَذَا يخرج على تَفْسِيره
(1/11)

بِالْعلمِ بِالْأَحْكَامِ العملية عَن أدلتها التفصيلية بالاستدلال، وَإِنَّمَا دعاهم إِلَى إِخْرَاجه كَون الْفِقْه لُغَة إِدْرَاك الْأَشْيَاء الْخفية، وَذَلِكَ فِي النظريات: يُقَال فقهت كلامك، وَلَا يُقَال فقهت السَّمَاء وَالْأَرْض وَأَنت خَبِير بِأَنَّهُ لَا يلْزم اعْتِبَار وَجه التَّسْمِيَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى كل جُزْء من الْمُسَمّى، على أَن مَا علم بالضررة كَانَ خفِيا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَوَائِل (وَأما قصره) أَي الْفِقْه (على الْيَقِين وَجعل الظَّن فِي طَرِيقه) أَي الْفِقْه أَو الْيَقِين دفعا لاعتراض القَاضِي أبي بكر على التَّعْرِيف بِأَنَّهُ من بَاب الظنون، فَلَا يجوز أَن يعْتَبر الْعلم جِنْسا فِي تَعْرِيفه تَلْخِيص الْجَواب الْتِزَام كَون الْأَحْكَام الْفِقْهِيَّة كلهَا يقينية، وَإِن كَانَ أَكثر أدلتها أَمَارَات ظنية، لانعقاد الْإِجْمَاع على وجوب الْعَمَل بِالظَّنِّ على الْمُجْتَهد إِذا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده، فَكل حكم كَذَا يجب الْعَمَل بِهِ قطعا تعلق بِهِ الْخطاب قطعا وَلَا نعني بالقطعي إِلَّا هَذَا فَثَبت أَنَّهَا قَطْعِيَّة، وَالظَّن فِي طريقها (فمغير لمفهومه) جَوَاب أما، بِمَعْنى قصره على الْيَقِين بالتأويل الْمَذْكُور يسْتَلْزم أَن يُرَاد بِهِ غير مُسَمَّاهُ، لِأَن مُسَمَّاهُ تصديقات، أَو مسَائِل موضوعاتها أَفعَال الْمُكَلّفين، ومحمولاتها الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة كالوجوب وَالْحُرْمَة، وَهِي قد تكون ظنية نَحْو الْوتر وَاجِب، وَمَا ذكر لَا يُخرجهَا من الظَّن إِلَى الْقطع بل يُفِيد الْقطع بِوُجُوب الْعَمَل بهَا قطعا، وَهُوَ لَا يسْتَلْزم كَونهَا مُتَعَلق حكم الله قطعا لظُهُور عدم الْقطع بِكَوْن الْوتر مثلا مَطْلُوبا غير جَائِز التّرْك، وَلِهَذَا وَقع الِاخْتِلَاف فِي وُجُوبه: نعم هَهُنَا تصديقات أخر موضوعاتها الْأَحْكَام الْمَذْكُورَة ومحمولها مَفْهُوم وَاحِد أَعنِي وجوب الْعَمَل بهَا قطعا وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (ويقصره على حكم) أَي يقصر الْقصر الْمَذْكُور الْفِقْه على حكم وَاحِد بِاعْتِبَار الْمَحْمُول لَا الْمَوْضُوع لما عرفت فَإِن قلت الْقطع بِوُجُوب الْعَمَل رَفعهَا عَن حضيض الظَّن لي ذرْوَة الْيَقِين فالوتر مثلا بَعْدَمَا كَانَ ظَنِّي الثُّبُوت نظرا إِلَى أمارته صَار قَطْعِيّ الثُّبُوت بِاعْتِبَار تعلق الطّلب بِالْعَمَلِ بِهِ قطعا قلت لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حكم خَاص فِي كل عمل، وَحكم عَام وَهُوَ وجوب الْعَمَل بِمَا أدّى إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد وَالْعلم بِالْأولِ تَارَة يكون قَطْعِيا، وَتارَة يكون ظنيا بِخِلَاف الثَّانِي، فَإِنَّهُ قَطْعِيّ دَائِما، والمجتهد مَأْمُور بمظنونه وَإِن كَانَ خلاف حكم الله بِالْمَعْنَى الأول نعم عِنْد المصوبة الْكل حكم الله، وَالتَّحْقِيق خِلَافه، وَالْمُعْتَبر فِي مَفْهُوم الْفِقْه الْقطع، وَالظَّن بِاعْتِبَار الأول لَا الثَّانِي، وَالْمُصَنّف رَحمَه الله يُشِير إِلَى مَا قلت بقوله (وَمَا قيل فِي إِثْبَات قَطْعِيَّة مظنونات الْمُجْتَهد مظنونه) بدل من ضمير الْمَوْصُول (مَقْطُوع بِوُجُوب الْعَمَل بِهِ) بِالْإِجْمَاع وَالْأَخْبَار المتواترة معنى (وكل مَا قطع إِلَى آخِره) أَي وجوب الْعلم بِهِ مَقْطُوع بِهِ (فَهُوَ) أَي مظنونه (مَقْطُوع بِهِ، مَمْنُوع الْكُبْرَى) يَعْنِي كل مَا قطع إِلَى آخِره لجَوَاز وجوب الْعَمَل بِهِ من غير أَن يكون مُتَعَلق الْخطاب الْخَاص على مَا عرفت (وَالْمرَاد بالملكة) الْمَذْكُورَة فِي التَّعْرِيف (أدنى مَا تتَحَقَّق بِهِ الْأَهْلِيَّة) للاستنباط، وَفِي إِضَافَة الملكة إِلَيْهِ إِشْعَار بالمراد، لِأَن مَعْنَاهَا ملكة يقتدر
(1/12)

بهَا على مَا يصدق عَلَيْهِ مُطلق الاستنباط، وَلَيْسَ المُرَاد اعْتِبَار الْأَدْنَى بِعَيْنِه وَنفي الزِّيَادَة، بل المُرَاد الْأَدْنَى سَوَاء تحقق مُنْفَردا، أَو فِي ضمن الْأَوْسَط، أَو الْأَعْلَى، وَلَا جَهَالَة فِيهِ حَتَّى يلْزم فَسَاد التَّعْرِيف، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَهُوَ) أَي المُرَاد (مضبوط) انضباط الْمُطلق إِذا أُرِيد بِهِ الْإِطْلَاق من غير إِرَادَة خُصُوصِيَّة من خصوصياته، فَإِن الْإِيهَام عِنْد ذَلِك، ثمَّ المُرَاد من التَّصْدِيق مَا هُوَ الْمُتَبَادر بِقَرِينَة السِّيَاق، وَهُوَ الْحَاصِل بالاستنباط الْمُتَرَتب على الملكة فَلَا يرد علم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَجِبْرِيل بِالْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَة بطرِيق الضَّرُورَة الحاصلين من الْأَدِلَّة بطرِيق الحدس، وَيتَّجه حِينَئِذٍ مَا علم بِالضَّرُورَةِ الدِّينِيَّة فَتَأمل (وعَلى الثَّانِي) أَي بِاعْتِبَار علمية الِاسْم الْمَذْكُور (فَقَالَ كثير) مِمَّن عرفه، وَالْفَاء للتفصيل كَمَا فِي الأول (أما تَعْرِيفه لقبا) حَال من الضَّمِير (ليشعروا) أَي الْكثير مُتَعَلق بقال، يَعْنِي يذكر الْكثير اللقب بدل الْعلم، فَإِن اللقب مِمَّا يدل على الْمَدْح أَو الذَّم، وَهُوَ غير مُحْتَمل هَهُنَا (برفعة مُسَمَّاهُ) أَي الِاسْم لكَونه مَبْنِيّ الْفِقْه الَّذِي هُوَ أهم الْعُلُوم وأنفعها، (و) قَالَ (بَعضهم علما) مَوضِع لقبا (لِأَن التَّعْرِيف) أَي التَّعْرِيف الأسمى (إِفَادَة مُجَرّد الْمُسَمّى) فالمنظور فِيهِ بَيَان مَا وضع لَهُ اللَّفْظ (لَا) إِفَادَة الْمُسَمّى (مَعَ اعْتِبَار ممدوحيته وَإِن كَانَت) الممدوحية (ثَابِتَة) فِي نفس الْأَمر (فَلَا يعْتَرض) على من قَالَ علما بدل لقبا (بثبوتها) أَي الممدوحية بِأَن يُقَال الممدوحية ثَابِتَة فِي نفس الْأَمر، وَلَفظ الْعلم لَا يدل عَلَيْهَا لكَونه أَعم من اللقب فَإِن قلت مُسَمّى الْعلم الشخصي لَا يحد لِأَن مَعْرفَته لَا تحصل إِلَّا بتعين مشخصاته بِالْإِشَارَةِ وَنَحْوهَا، والتعريف غَايَته الْحَد التَّام، وَهُوَ إِنَّمَا يشْتَمل على مقومات الْمَاهِيّة دون مشخصاتها قلت الْحق كَمَا ذكره الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ أَنه يحد بِمَا يُفِيد امتيازه عَن جَمِيع مَا عداهُ بِحَسب الْوُجُود لَا بِمَا يُفِيد تعينه وتشخصه، وَلما ذكر اخْتِلَاف الْقَوْم فِي التَّعْبِير عَن تَعْرِيفه على اعْتِبَار العلمية أَرَادَ أَن يصدر التَّعْرِيف بتوطئة مفيدة لمزيد الانكشاف لَهُ، فَقَالَ (وكل علم) من الْعُلُوم الْمُدَوَّنَة (كثرتا ادراكات) تصورية وتصديقية (ومتعلقاتها) أَي تِلْكَ الادراكات، وَهِي الْمسَائِل وموضوعاتها ومحمولاتها وَمَا يتَعَلَّق بهَا، وَفِيه مُسَامَحَة لِأَن الْعلم عبارَة عَن أَحدهمَا لَا الْمَجْمُوع الْمركب مِنْهُمَا، وَالْمرَاد وجودهما فِي كل علم، وَالْكَثْرَة بِمَعْنى الْكَثِيرَة وَإِضَافَة الكثرتين إِلَى الادراكات كإضافة حُصُول صُورَة الشَّيْء، أَي الادراكات الْكَثِيرَة والمدركات الْكَثِيرَة (وَلها) أَي لتِلْك الْكَثْرَة المتحققة فِي ناحيتي الْإِدْرَاك والمدرك (وحدة غَايَة) أَي وحدة بِاعْتِبَار الْغَايَة، وَهِي الْعلَّة الغائية الباعثة لإقدام الطَّالِب على تَحْصِيله، وَهِي معرفَة الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة المفضية إِلَى السَّعَادَة الدِّينِيَّة والدنيوية (تستتبع) تِلْكَ الْوحدَة (وحدة موضوعها) أَي تِلْكَ الْكَثْرَة يَعْنِي أَن وحدة الْغَايَة تستدعى، وحدة الْمَوْضُوع وَالثَّانيَِة تَابِعَة للأولى، وَذَلِكَ لِأَن الطَّالِب إِذا
(1/13)

كَانَ لَهُ مطلب وَاحِد علمي يعمد إِلَى أُمُور مُنَاسبَة لذَلِك الْمطلب فيبحث عَن أحوالها الَّتِي لَهَا مدْخل فِي الإيصال إِلَيْهِ فَيصدق على كل وَاحِد من تِلْكَ الْأُمُور الْكَثِيرَة مَا يبْحَث عَن حَاله للإيصال إِلَى غَايَة كَذَا، وَلَا يَعْنِي بوحدة الْمَوْضُوع الأمثل هَذَا (أول الملاحظة) ظرف للاستتباع يَعْنِي الاستتباع الْمَذْكُور بِاعْتِبَار مُلَاحظَة الْغَايَة أَولا، فَإِن مدون الْعلم يُلَاحظ الْغَايَة أَولا، لِأَنَّهَا الباعثة لإقدامه على التدوين فملاحظته إِيَّاهَا من حَيْثُ يستدعى تدوين علم مَوْضُوعه كَمَا عَرفته مُتَقَدّمَة، وَأما بِاعْتِبَار تحققهما فِي الْخَارِج، فَالْأَمْر بِالْعَكْسِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَفِي التَّحْقِيق إِلَّا تصافى بِالْقَلْبِ 1) يَعْنِي إِذا نَظرنَا إِلَى تحقق الوحدتين من حَيْثُ أَنَّهُمَا وصفان ثابتان لموصوفيهما أَي الْغَايَة والموضوع وجدنَا وحدة الْمَوْضُوع سَابِقَة على وحدة الْغَايَة ضَرُورَة تَأَخّر وصف الْمُتَأَخر عَن وصف الْمُتَقَدّم وَتَأَخر الْعلَّة الغائية عَن معلولها بِاعْتِبَار الْوُجُود الْخَارِجِي (وَأَسْمَاء الْعُلُوم الْمُدَوَّنَة مَوْضُوعَة لكل) من الكثرتين لِأَن الِاسْتِعْمَال فِي كل مِنْهُمَا على السوية، وَهُوَ دَلِيل الْوَضع عِنْد عدم الِاحْتِيَاج إِلَى الْقَرِينَة وَلم يذكر الملكة مَعَ أَنهم جَعَلُوهُ من جملَة مسمياتها، لِأَن أَكثر الاستعمالات يَأْبَى عَنْهَا وَيلْزم أَن لَا يكون إِطْلَاق اسْم الْعلم على الْأَلْفَاظ والنقوش من بَاب تَسْمِيَة الدَّال باسم الْمَدْلُول (وَكَذَا الْقَاعِدَة والقضية) مَوْضُوعَة لكل من الادراكات إِدْرَاك الْمَحْكُوم عَلَيْهِ، وَبِه وَالنِّسْبَة وَالْحكم ومتعلقاتها، والقضية أَعم من الْقَاعِدَة، فالقاعدة قَضِيَّة كُلية منطبقة على جزئياتها كَقَوْلِنَا: الْفَاعِل مَرْفُوع وجزئياتها كزيد مَرْفُوع فِي جَاءَ زيد، والقضية قَول يحْتَمل الصدْق وَالْكذب (فعلى) اعْتِبَار (الأول) وَهُوَ وَضعهَا للادراكات (هُوَ) أَي أصُول الْفِقْه (إِدْرَاك الْقَوَاعِد الَّتِي يتَوَصَّل بهَا إِلَى استنباط الْفِقْه) وَجه التَّوَصُّل أَن الْأَدِلَّة التفصيلية تدل على الْأَحْكَام الْفِقْهِيَّة بِوَاسِطَة كيفيات فِيهَا متنوعة، وكل قَاعِدَة من الْأُصُول تبين نوعا من تِلْكَ الكيفيات وَعند الاستنباط كَمَا تقع الْحَاجة إِلَى معرفَة تِلْكَ الكيفيات تقع إِلَى معرفَة الْقَوَاعِد المبينة لَهَا، لِأَن معرفَة تِلْكَ الكيفيات بِدُونِ الْقَوَاعِد لَا تخلص عَن الشُّبْهَة، وَلَا يرد عَلَيْهِ قَوَاعِد الْعَرَبيَّة والمنطقية لِأَن التَّوَصُّل بهَا بعيد والمتبادر مِنْهُ الْقَرِيب (وَقَوْلهمْ) أَي الْأُصُولِيِّينَ فِي التَّعْرِيف (عَن الْأَدِلَّة التفصيلية) بعد قَوْلهم هُوَ الْعلم بالقواعد الَّتِي يتَوَصَّل بهَا إِلَى استنباط الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة (تَصْرِيح بِلَازِم) يفهم ضمنا، لِأَن المُرَاد استنباط الْأَحْكَام تَفْصِيلًا، وَهُوَ لَا يكون إِلَّا عَن أدلتها تَفْصِيلًا فَهُوَ لمزيد الْكَشْف لَا للِاحْتِرَاز فَلَا يضر تَركه (وَإِخْرَاج) علم (الْخلاف) عَن التَّعْرِيف (بِهِ) أَي القَوْل الْمَذْكُور (غلط) لِأَنَّهُ علم يتَوَصَّل بِهِ إِلَى حفظ الْأَحْكَام المستنبطة الْمُخْتَلف فِيهَا أَو هدمها، لَا إِلَى الاستنباط، وَكَذَلِكَ علم الجدل فَإِنَّهُ علم يتَوَصَّل بِهِ إِلَى حفظ رَأْي أَو هَدمه، أَعم من أَن يكون
(1/14)

فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة أَو غَيرهَا، وعَلى تَقْدِير تَسْلِيم كَونه يتَوَصَّل بِهِ إِلَى الاستنباط لَا يخرج بالقيد الْمَذْكُور، لِأَنَّهُ لَا يسْتَعْمل إِلَّا عِنْد استنباط الْأَحْكَام عَن أدلتها التفصيلية (وَعَلِيهِ) أَي على الأول (مَا تقدم من) تَعْرِيف (الْفِقْه) وَهُوَ قَوْله التَّصْدِيق الخ، فَإِنَّهُ إِدْرَاك فتعريف الْفِقْه مَبْنِيّ على الأول (وَجعل الْجِنْس) فِي تَعْرِيف الْأُصُول (الِاعْتِقَاد الْجَازِم المطابق) للْوَاقِع احْتِرَازًا عَن الظَّن وَالْجهل (مُشكل بقضية الْمُخطئ فِي الْكَلَام) يَعْنِي يلْزم اعْتِبَار الْجَزْم والمطابقة فِي جَمِيع مَا ينْدَرج تَحت الْجِنْس، وَمن جملَته علم الْأُصُول الْكَلَام فَيلْزم أَن يخرج مِنْهُ الْمُخطئ فِي الِاعْتِقَاد سَوَاء بدع كالمعتزلة أَو كفر كالمجسمة، وَقد صَرَّحُوا باندراج اعْتِقَاد الْمُخطئ تَحْتَهُ (ولأنا نمْنَع اشْتِرَاطه) أَي المجعول جِنْسا (فِي أصُول الْفِقْه) نقل سَنَد الْمَنْع عَن المُصَنّف، ومحصوله أَن الظَّن يَكْفِي فِي إِثْبَات محمولات مسَائِل الْأُصُول لموضوعاتها نَحْو الْأَمر للْوُجُوب وَالنَّهْي للْحُرْمَة، وَتَخْصِيص الْعَام يجوز والمشترك لَا يعم، وَخبر الْوَاحِد مقدم على الْقيَاس، فَإِنَّهَا غير قَطْعِيَّة لعدم قَطْعِيَّة أدلتها، وَرُبمَا لم يكن مطابقا للْوَاقِع، وَالْمرَاد من الْمَنْع النَّقْض الَّذِي يُورد فِي التعريفات (فَالْأَوْجه كَونه) أَي جنس التَّعْرِيف (أَعم) من أَن يكون جَازِمًا أم لَا، مطابقا أم لَا، أَشَارَ إِلَى أَن عدم التَّعْمِيم أَيْضا لَهُ وَجه لما مر من أَنه لَا مشاحة فِي الِاصْطِلَاح، لَكِن الأولى والأنسب هُوَ التَّعْمِيم (وعَلى) اعْتِبَار (الثَّانِي) وَهُوَ وَضعهَا للمتعلقات هُوَ (الْقَوَاعِد الَّتِي يتَوَصَّل بمعرفتها) إِلَى استنباط الْفِقْه (وَالْقَوَاعِد فِيهِ) أَي فِي هَذَا التَّعْرِيف (مَعْلُومَات) لَا عُلُوم وتصديقات فِيهِ أَن الْقَاعِدَة مُشْتَركَة بَين الْعلم والمعلوم، والاحتراز عَن إِيرَاد الْمُشْتَرك فِي التعريفات وَاجِب قلت لَا يضر فِي مثل هَذَا، لِأَن التَّعْرِيف صَحِيح على التَّقْدِيرَيْنِ على أَن قَوْله بمعرفتها يعين المُرَاد و (أَعنِي) بالمعلومات (المفاهيم التصديقية الْكُلية) الْفَهم هُوَ الْإِدْرَاك وَالْمَفْهُوم مُتَعَلقَة يَنْقَسِم إِلَى التصوري والتصديقي ضَرُورَة انقسام الْإِدْرَاك إِلَى التَّصَوُّر والتصديق، والكلية مَا حكم فِيهِ على كل فَرد من أَفْرَاد مَوْضُوعَة (من نَحْو الْأَمر للْوُجُوب) من بَيَانِيَّة للمفاهيم (وَلذَا) أَي لأجل أَن المُرَاد بهَا المعلومات (قُلْنَا بمعرفتها) لِأَنَّهَا تُضَاف إِلَى الْمَعْلُوم لَا الْعلم (وَمَعْنَاهَا) أَي الْقَاعِدَة (كالضابط والقانون وَالْأَصْل والحرف) فَهِيَ أَلْفَاظ مترادفة اصْطِلَاحا، وَإِن كَانَت فِي الأَصْل لمعان مُخْتَلفَة، أما الأَصْل فقد مر، وَأما الْقَاعِدَة فَهُوَ اسْم فَاعل من قعد، وقواعد الهودج خشبات أَربع تَحْتَهُ ركب فِيهِنَّ، وَالضَّابِط من ضبط، والقانون، قيل سرياني اسْم مسطر الْكِتَابَة أَو الْجَدْوَل، وَفِي الْقَامُوس مقياس كل شَيْء، وَأما الْحَرْف فَلهُ معَان مِنْهَا الطّرف، وَأحد حُرُوف التهجي، والمناسبة بَين اللُّغَة والاصطلاح تظهر بِأَدْنَى تَأمل (قَضِيَّة كُلية كبرى لسهلة الْحُصُول) أَي لقضية صغرى سهلة الْحُصُول بترتيبها مَعهَا تحصل النتيجة، وَأَشَارَ إِلَى وَجه سهولتها
(1/15)

بقوله (لانتظامها) أَي الصُّغْرَى (عَن) أَمر (محسوس) وَهِي (كَهَذا أَمر و) هَذَا (نهي) وكل أَمر للْوُجُوب فَهَذَا للْوُجُوب، وكل نهي للتَّحْرِيم فَهَذَا للتَّحْرِيم، فقولنا الْأَمر للْوُجُوب قَضِيَّة جعلت كبرى لصغرى وَهِي كَقَوْلِنَا أقِيمُوا الصَّلَاة أَمر وسهولة حُصُولهَا ظَاهِرَة، لِأَن الْعلم بِكَوْنِهَا أمرا للْعَالم باللغة والاصطلاح بديهي لَا يحْتَاج إِلَى تَأمل، والنتيجة، وَهِي أَن أقِيمُوا الصَّلَاة للْوُجُوب من جزئيات الْأَمر للْوُجُوب فَيرجع مآل هَذَا التَّعْرِيف إِلَى مَا مر من تَعْرِيفهَا، وَمعنى انتظام الصُّغْرَى تركب أَجْزَائِهَا من الْمَوْضُوع والمحمول وَالْحكم، وَإِنَّمَا ينشأ هَذَا الانتظام عَن محسوس، وَهُوَ موضوعها، وَإِنَّمَا حكم بِكَوْن موضوعها محسوسا على الْإِطْلَاق لاندراجها تَحت مَوْضُوع الْكُبْرَى الَّتِي هِيَ من مسَائِل الْأُصُول، وموضوع مسَائِل الْأُصُول على الْإِطْلَاق مندرج تَحت مَوْضُوع الْأُصُول، وَهُوَ الدَّلِيل السمعي، وَهُوَ محسوس بحاسة السّمع، وَكَيْفِيَّة الانتظام أَنَّك إِذا نظرت فِي المحسوس الَّذِي هُوَ أقِيمُوا الصَّلَاة مثلا وجدت أَنه أَمر، فتحكم أَنه أَمر ثمَّ تضم هَذِه الْقَضِيَّة الَّتِي انتظمت إِلَى الْكُلية الَّتِي تكون النتيجة من جزئياتها (وَهَذَا) التَّعْرِيف (حد أسمى) الْحَد عِنْد الْأُصُولِيِّينَ مَا يُمَيّز الشَّيْء عَن غَيره، وينقسم إِلَى حَقِيقِيّ وأسمى ولفظي، فالحقيقي مَا أنبأ عَن ذاتياته الْكُلية المركبة، لِأَنَّهَا فُرَادَى لَا تفِيد الْحَقِيقَة لفقد الصُّورَة، والأسمى مَا أنبأ عَن الشَّيْء بلازمه مثل الْخمر مَائِع يقذف بالزبد، واللفظي مَا أنبأ عَن الشَّيْء بِلَفْظ أظهر مرادف، كَذَا ذكر الشَّيْخ ابْن الْحَاجِب فِي مُخْتَصره، وَقَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ فِي حَاشِيَته عَلَيْهِ: الْحَد اللَّفْظِيّ عِنْد الْمُحَقِّقين هُوَ أَن يقْصد بَيَان مَا تعقله الْوَاضِع، فَوضع الِاسْم بإزائه سَوَاء كَانَ بِلَفْظ مرادف، أَو باللوازم، أَو بالذاتيات حَتَّى أَن مَا يُقَال فِي أول الهندسة أَن المثلث شكل يُحِيط بِهِ ثَلَاثَة أضلاع تَعْرِيف اسْمِي، ثمَّ بعد مَا يتَبَيَّن وجوده يصير هُوَ بِعَيْنِه حدا حَقِيقِيًّا انْتهى، وَالْمرَاد بِالْحَدِّ الأسمى هُنَا مَا ذكره الْمُحَقق يُشِير إِلَى قَوْله (وَلَا يُنَافِي الْحَقِيقِيّ) أَي لَا يُنَافِي كَونه الْحَد الأسمى كَونه الْحَد الْحَقِيقِيّ، وَقد عرفت لجَوَاز أَن يبين وجوده، وَتَكون الْمَذْكُورَات ذاتيات الْمُعَرّف (وَاخْتلف) بَين الْأُصُولِيِّينَ (فِيهِ) أَي الْحَد من حَيْثُ كَونه (مُقَدّمَة الشُّرُوع وَلَا خلاف) بَينهم (فِي خِلَافه) وَهُوَ الْحَد بِدُونِ الْقَيْد الْمَذْكُور: أَي لم يَخْتَلِفُوا فِي جَوَاز أَن أَن يكون للْعلم حد حَقِيقِيّ من غير أَن يَجْعَل مُقَدّمَة، فَالضَّمِير للمقيد (كَمَا قيل) من أَنه لَا خلاف فِيهِ بَينهم، وَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى كَمَا قيل من أَن بَينهم فِيهِ خلافًا، وَإِنَّمَا لم يَخْتَلِفُوا (لِإِمْكَان تصور) الْعقل (مَا يَتَّصِف بِهِ) الضَّمِير الْمَرْفُوع لِلْعَقْلِ المرموز إِلَيْهِ بِذكر التَّصَوُّر، وَالْمَجْرُور للموصول حَاصِل التَّعْلِيل رفع مَا يتَوَهَّم أَن يكون مَانِعا عَن التَّحْدِيد من أَنه لَا يجوز تَحْدِيد الْعلم، لِأَنَّهُ إِدْرَاك، وَالْحَد كَذَلِك فَلَا يتَعَلَّق بِهِ إِلَّا يلْزم إِدْرَاك الْإِدْرَاك، فَالْجَوَاب منع بطلَان الثَّانِي
(1/16)

لجَوَاز أَن يتَصَوَّر الْعقل مَا قَامَ بِهِ أَي وصف كَانَ (وَلَو) كَانَ ذَلِك الْوَصْف (تصورا) من تصوراته، لَا يُقَال لَا يجوز أَن يتَصَوَّر تصَوره، وَإِلَّا يلْزم تَحْصِيل الْحَاصِل (إِذْ الْحُصُول) أَي حُصُول التَّصَوُّر الَّذِي اتّصف بِهِ الْعقل فِي نفس الْأَمر (لَا يستلزمه) أَي لَا يسْتَلْزم تصور التَّصَوُّر، بل علمه وتصوره كَسَائِر صِفَاته الْمَوْجُودَة فِيهِ، وَلَا شكّ أَنه لَا يلْزم من اتصافه بِتِلْكَ الصِّفَات شعوره بهَا فَإِن قلت تصور التَّصَوُّر عينه، لأَنهم صَرَّحُوا بِأَن علم النَّفس بذاتها وصفاتها حضوري لَا حصولي: يَعْنِي يحضر عِنْدهَا بِذَاتِهِ لَا بصورته ومثاله قلت لَكِن لَا بُد من توجه النَّفس إِلَى مَا يَتَّصِف بِهِ لينكشف عِنْده بِذَاتِهِ لَا بصورته، والحصول لَا يسْتَلْزم ذَلِك، على أَن التَّوَهُّم الْمَذْكُور مَبْنِيّ على كَون الْمَحْدُود إِدْرَاك الْقَوَاعِد لَا نَفسهَا، ثمَّ بَين الِاخْتِلَاف بقوله (فَقيل لَا) يجوز أَن يكون الْحَد الْحَقِيقِيّ مُقَدّمَة الشُّرُوع (لِأَن الْكَثْرَة) الْمَذْكُورَة فِي الادراكات ومتعلقاتها (بِتِلْكَ الْوحدَة) الاعتبارية الْحَاصِلَة للْعلم من جِهَة الْغَايَة والموضوع (لَا تصير نوعا حَقِيقِيًّا) وَلَا بُد أَن يكون الْمَحْدُود نوعا حَقِيقِيًّا لاتحاده مَعَ الْحَد الْحَقِيقِيّ الَّذِي هُوَ مركب من الْجِنْس والفصل الَّذِي لَا يتركب مِنْهُمَا إِلَّا الماهيات الْحَقِيقِيَّة الَّتِي وحدتها حَقِيقِيَّة، لَا بِمُجَرَّد اعْتِبَار الْعقل (وَمُقْتَضى هَذَا) الدَّلِيل (نَفْيه) أَي نفي الْحَد الْحَقِيقِيّ للْعلم (مُطلقًا) سَوَاء جعل مُقَدّمَة الشُّرُوع أم لَا (فَفِيهِ) أَي فِي حكم وجود الْحَد الْحَقِيقِيّ للْعلم (الْخلاف أَيْضا) كَمَا فِي كَونه مُقَدّمَة الْعلم: يَعْنِي الْخلاف الْمَذْكُور خلاف فيهمَا جَمِيعًا بِاعْتِبَار هَذَا الدَّلِيل فَصَاحب هَذَا الدَّلِيل يَنْفِيه، وخصمه يُثبتهُ (وَلِأَنَّهُ) أَي الْحَد الْحَقِيقِيّ إِنَّمَا يتَحَقَّق (بسرد الْعقل) كل الْمسَائِل) أَي بتعقلها متتابعة، لِأَن الْحَد عبارَة عَن تعقل كنه الْمَاهِيّة، وكنه مَاهِيَّة الْعلم عين مسَائِله (وَلَيْسَ) الْحَد الْحَقِيقِيّ (حِينَئِذٍ الْمُقدمَة) أَي مُقَدّمَة الشُّرُوع للْعلم، بل هُوَ نفس الْعلم وَتَمَامه مفصلا (وَقيل نعم) أَي يجوز أَن يكون الْحَد الْحَقِيقِيّ مُقَدّمَة الشُّرُوع (لِأَن الادراكات أَو متعلقاتها كالمادة) وَهِي مَا بِهِ الْمركب مَوْجُود بِالْقُوَّةِ كأجزاء السرير بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ قبل التَّرْكِيب وَبعده إِذا قطعت النّظر عَن هَيئته (ووحدتها الدَّاخِلَة) أَي وحدة الادراكات أَو متعلقاتها بِاعْتِبَار الْمَوْضُوع والغاية الدَّاخِلَة فِي حَقِيقَتهَا (كالصورة) وَهِي مَا بِهِ الْمركب مَوْجُود بِالْفِعْلِ، وَإِنَّمَا لم يقل مَادَّة وَصُورَة، لِأَنَّهُمَا لَا يتحققان إِلَّا فِي المركبات الخارجية (فينتظم) الْمركب (الْمَأْخُوذ مِنْهُمَا) أَي شبهي الْمَادَّة وَالصُّورَة (جِنْسا وفصلا) أَي يَنْتَظِم الْمركب الْمَأْخُوذ من شبهي الْمَادَّة وَالصُّورَة بِأَن يُؤْخَذ الْجِنْس مَا هُوَ كالمادة والفصل مِمَّا هُوَ كالصورة فيركب حد مِنْهُمَا، وَهَذَا هُوَ الْمُتَبَادر من الْعبارَة، وَلَا يخفى فَسَاده لِأَن الْمَادَّة وَالصُّورَة متباينان
(1/17)

فَكيف يكون المأخوذان مِنْهُمَا المحمولان عَلَيْهِمَا جِنْسا وفصلا مَعَ أَن الْجِنْس مَحْمُول على الْفَصْل، وَيُمكن أَن يكون المُرَاد أَخذ كل وَاحِد من الْجِنْس والفصل من مَجْمُوع الْمَادَّة وَالصُّورَة، وَلَا يخفى مَا فِيهِ (من غير حَاجَة) للحاد (إِلَى سرد الْكل) كَمَا زعم النَّافِي، ثمَّ لما ذكر الْخلاف أَرَادَ بَيَان مَا عِنْده من تَحْقِيق الْمقَام، فَقَالَ (وَإِذا كَانَ الْعلم مُطلقًا) أَي مَفْهُوم الْعلم الَّذِي يصدق على كل وَاحِد من الْعُلُوم الْمُدَوَّنَة من غير تَقْيِيد (ذاتيا لما) ينْدَرج (تَحْتَهُ) كالفقه وَالْأُصُول وَالْكَلَام وَغَيرهَا دَاخِلا فِي حَقِيقَتهَا (وَالْعلم الْمَحْدُود) كالأصول (لَيْسَ إِلَّا صنفا) مِنْهُ، وَلَعَلَّه قَالَ صنفا، وَلم يقل نوعا لكَون الْعُلُوم الْمُدَوَّنَة كلهَا مندرجة تَحت نوع من أَنْوَاع الْعلم الْمُطلق، وَهُوَ الْعلم الْمُتَعَلّق بالمسائل المتحدة بِاعْتِبَار الْمَوْضُوع والغاية، والصنف كلي مندرج تَحت النَّوْع حَقِيقَته النَّوْع الْمُقَيد بِعَارِض غير شخص (لم يبعد) جَوَاب إِذا (كَونه) أَي الْخلاف (لفظيا) أَي فِي اللَّفْظ دون الْمَعْنى، لعدم وُرُود النَّفْي وَالْإِثْبَات على مَحل وَاحِد (مَبْنِيا على) اخْتِلَاف (الِاصْطِلَاح فِي مُسَمّى) الْحَد (الْحَقِيقِيّ أهوَ) اصْطِلَاحا (ذاتيات) الْمَاهِيّة (الْحَقِيقِيَّة) أَي الْمَوْجُودَة فِي الْخَارِج الثَّابِتَة فِي نفس الْأَمر مَعَ قطع النّظر عَن اعْتِبَار الْعقل كَمَا هُوَ اصْطِلَاح المنطقيين (أَو) هُوَ ذاتيات الْمَاهِيّة (مُطلقًا) حَقِيقِيَّة كَانَت أَو اعتبارية، فَمن ذهب إِلَى الأول نفي، وَمن ذهب إِلَى الثَّانِي أثبت، فمورد النَّفْي الْحَد بِالْمَعْنَى الأول، وَالْإِثْبَات بِالْمَعْنَى الثَّانِي، وَلَا مُنَافَاة بَين نفي الْأَخَص وَإِثْبَات الْأَعَمّ.
(الثَّانِي) من الْأُمُور الَّتِي هِيَ مُقَدّمَة الْكتاب مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف: أَي فِي بَيَان مَوْضُوعه أَو قَوْله (مَوْضُوعه الدَّلِيل السمعي الْكُلِّي) إِلَى آخر المبحث: مَوْضُوع الْعلم مَا يبْحَث فِيهِ عَن عوارضه الذاتية، والعارض الْخَارِج الْمَحْمُول والذاتي الَّذِي منشأ عروضه الذَّات كالمدرك للْإنْسَان، أَو مَا هُوَ مسَاوٍ للذات كالضاحك الْعَارِض لَهُ بِوَاسِطَة التَّعَجُّب، أَو جزئها الْأَعَمّ كالمتحرك بِوَاسِطَة الْحَيَوَان، والبحث عَنْهَا حملهَا على نفس الْمَوْضُوع بِدَلِيل، نَحْو الدَّلِيل السمعي يُفِيد الحكم قطعا أَو ظنا، أَو على نوع مِنْهُ نَحْو الْأَمر يُفِيد الْوُجُوب، أَو على عرضه الذاتي نَحْو الْعلم يُفِيد الْقطع، أَو على نَوعه نَحْو الْعَام الَّذِي يخص مِنْهُ الْبَعْض يُفِيد الظَّن، قيد بالكلى لِئَلَّا يتَوَهَّم أَن المُرَاد مَا صدقاته، وَقيل مَوْضُوعه الْأَدِلَّة الْأَرْبَعَة وَالْأَحْكَام لِأَن الْأَحْوَال بَعْضهَا رَاجع إِلَى الْأَدِلَّة، وَبَعضهَا إِلَى الْأَحْكَام، وَقيل هُوَ الْأَدِلَّة وَمَا يتَعَلَّق بِالْأَحْكَامِ من حَيْثُ الثُّبُوت رَاجع إِلَى الْأَدِلَّة من حَيْثُ الْإِثْبَات، وَقيل هُوَ الْأَحْكَام من حَيْثُ ثُبُوتهَا بالأدلة. وَاخْتَارَ المُصَنّف رَحمَه الله مفهوما وَاحِدًا، أَفْرَاده الْأَدِلَّة نظرا إِلَى كَونه أقرب إِلَى الضَّبْط (من حَيْثُ يُوصل الْعلم بأحواله إِلَى قدرَة إِثْبَات الْأَحْكَام لأفعال الْمُكَلّفين) الْحَيْثِيَّة الْمَذْكُورَة
(1/18)

قيد للموضوع عِنْد الْمُحَقِّقين: يَعْنِي موضوعيته لَهُ بِاعْتِبَار الإيصال الْمَذْكُور فَلَا يبْحَث فِيهِ إِلَّا عَن أَحْوَاله الَّتِي لَهَا مدْخل فِي الإيصال، وَقيل قد يكون جُزْءا مِنْهُ، وَذَلِكَ إِذا لم يبْحَث فِي الْعلم عَنْهَا كحيثية الْوُجُود فِي مَوْضُوع الْعلم الإلهي الباحث عَن أَحْوَال الموجودات الْمُجَرَّدَة، وَهُوَ الْمَوْجُود من حَيْثُ هُوَ مَوْجُود، إِذْ لَا يبْحَث فِيهِ عَن نفس الْوُجُود، لِأَنَّهُ لَا يبْحَث فِي الْعلم عَن نفس الْمَوْضُوع وَعَن أَجْزَائِهِ، وَقد تكون خَارِجَة عَنهُ وَلَيْسَت بِقَيْد لَهُ، بل تذكر لبَيَان الْأَعْرَاض المبحوث عَنْهَا كالصحة وَالْمَرَض فِي مَوضِع الطِّبّ وَهُوَ بدن الْإِنْسَان، وَيرد عَلَيْهِ أَنه يلْزم حِينَئِذٍ تشارك العلمين الباحثين عَن أَحْوَال شَيْء وَاحِد فِي مَوْضُوع وَاحِد بِالذَّاتِ وَالِاعْتِبَار، لعدم تَقْيِيد الْمَوْضُوع بِقَيْد، وَقد تقرر أَن تمايز الْعُلُوم بِحَسب تمايز الموضوعات، فالتحقيق أَنَّهَا قيد لَهُ، وَإِنَّمَا اعْتبر الْقُدْرَة لَا الْإِثْبَات بِالْفِعْلِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يتَحَقَّق عِنْد معرفَة تفاصيل الْأَدِلَّة، وَالْمَذْكُور فِي الْأُصُول إجمالها، فَالْمُرَاد إِثْبَات الْأَحْكَام تَفْصِيلًا وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (أخذا من شخصياته) حَال من الْأَحْكَام لكَونهَا مفعول الْإِثْبَات معنى: أَي إِثْبَاتهَا حَال كَونهَا مَأْخُوذَة من شخصيات الدَّلِيل السمعي الْكُلِّي: يَعْنِي أَفْرَاد الشخصية، وَذَلِكَ لِأَن الْأَدِلَّة التفصيلية تدل على الْأَحْكَام التفصيلية بِوَاسِطَة كيفيات متنوعة كل نوع مِنْهَا يبين مَسْأَلَة من مسَائِل الْأُصُول، فَمن عرف الْأُصُول عرف تِلْكَ الْأَنْوَاع فَحصل لَهُ قدرَة إِثْبَات الْأَحْكَام لحُصُول الاستعداد لَهُ بمعرفتها، فَكل حكم أَرَادَ إثْبَاته بدليله وجد عِنْده مَا يبين كَيْفيَّة إثْبَاته، وَهَذَا هُوَ المُرَاد بِالْقُدْرَةِ (وبالفعل فِي الْمسَائِل أَنْوَاعه وأعراضه وأنواعها) عطف على مَحْذُوف هُوَ مُتَعَلق الْمُبْتَدَأ، وَالتَّقْدِير مَوْضُوعَة بِالْقُوَّةِ الدَّلِيل السمعي إِلَى آخِره، وبالفعل فِي الْمسَائِل أَنْوَاع الدَّلِيل السمعي، وأنواع تِلْكَ الْأَعْرَاض، أما كَون هَذِه الْأَشْيَاء مَوْضُوعَات فَظَاهر لِأَنَّك إِذا نظرت فِي مسَائِل الْأُصُول وجدت موضوعاتها هَذِه الْأَشْيَاء، وَهِي الَّتِي يبْحَث عَن عوارضها الذاتية فِي هَذَا الْعلم، وَأما الدَّلِيل السمعي الْمُطلق فَلَا يكَاد يُوجد الْبَحْث عَن عَارضه الذاتي من حَيْثُ هُوَ مَوْضُوع بِالْفِعْلِ فِي مَسْأَلَة غير أَنه لما كَانَت من مَوْضُوعَات الْمسَائِل كلهَا جزئيات إضافية لَهُ أمكن أَن يُؤْخَذ من كل طَائِفَة مستوعبة جَمِيع أَفْرَاد الْمُطلق من محمولات الْمسَائِل مَفْهُوم مردد بَين آحَاد تِلْكَ الطَّائِفَة فَيثبت للمطلق، وكما أَن كل وَاحِد من تِلْكَ الْآحَاد عرض ذاتي للجزئي الإضافي للمطلق كَذَلِك المردد الْمَأْخُوذ مِنْهَا عرض ذاتي للمطلق، فَثَبت كَونه مَوْضُوعا بِالْقُوَّةِ، وَسَيَجِيءُ فِي كَلَام المُصَنّف رَحمَه الله تَعَالَى مَا يُشِير إِلَى هَذَا (فَالْمُرَاد بالأحوال) الَّتِي يتَوَصَّل الْعلم بهَا إِلَى الْقُدْرَة الْمَذْكُورَة (مَا يرجع إِلَى الْإِثْبَات) يَعْنِي أحوالا حَاصِل الْبَحْث عَنْهَا ومآله يرجع إِلَى كَون الدَّلِيل مثبتا للْحكم، وَلِهَذَا يُفِيد الْعلم بهَا قدرَة الاثبات
(1/19)

وَبِهَذَا ظهر وَجه التَّفْرِيع، وَهَذَا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بعض الْمُحَقِّقين من أَن فَائِدَة قيد الْحَيْثِيَّة أَن جَمِيع الْعَوَارِض المبحوث عَنْهَا فِي الْعلم لَا بُد أَن يكون لَهَا مدْخل فِي الْمَعْنى الَّذِي صَار قيدا للموضوع (وَهُوَ) أَي الْإِثْبَات الَّذِي هُوَ مرجع الْأَحْوَال عرض (ذاتي للدليل) السمعي الَّذِي هُوَ مَوْضُوع الْعلم، فمرجع الْأَحْوَال عرض ذاتي لَهُ مبحوث عَنهُ بِالْقُوَّةِ، وَهَذَا مَا وعدناك آنِفا (وَإِن لم يحمل الْإِثْبَات بِعَيْنِه) على الدَّلِيل: أَن وصلية، وَالْمعْنَى هُوَ ذاتي لَهُ مبحوث عَنهُ بإثباته لَهُ فِي ضمن إِثْبَات مَا يرجع إِلَيْهِ بجزئياته: وَإِن لم يكن هُوَ بِعَيْنِه مَحْمُولا عَلَيْهِ، وَوضع الظَّاهِر مَوضِع الضَّمِير للتنصيص على أَن الْمَنْفِيّ عَنهُ الْحمل إِنَّمَا هُوَ نفس الْإِثْبَات لَا مَا يرجع إِلَيْهِ، وَقد عرفت (وَنَظِيره) أَي الْإِثْبَات فِي كَونه عرضا ذاتيا للموضوع غير مَحْمُول عَلَيْهِ مَا يرجع إِلَيْهِ (فِي الْمنطق) الإيصال، لِأَنَّهُ (لَا مَسْأَلَة) فِيهِ (محمولها الإيصال) كَمَا لَا مَسْأَلَة فِي الْأُصُول محمولها الْإِثْبَات وموضوع الْمنطق الْمَعْلُوم التصوري أَو التصديقي من حَيْثُ الإيصال إِلَى التَّصَوُّر، أَو التَّصْدِيق بِمَعْنى أَن جَمِيع الْأَحْوَال المبحوث عَنْهَا فِيهِ يرجع إِلَى الإيصال (وَمُقْتَضى الدَّلِيل خُرُوج عنوان الْمَوْضُوع) أَي خُرُوج الْبَحْث عَن عنوان الْمَوْضُوع عَن مبَاحث الْعلم الَّذِي هُوَ مَوْضُوعه: والبحث عَنهُ إثْبَاته لنَفس الْمَوْضُوع، وَالْمرَاد بعنوانه مَا جعل آلَة ملاحظته عِنْد تَعْيِينه فِي قَوْلهم: مَوْضُوع الْعلم كَذَا من حَيْثُ كَذَا، مَأْخُوذ من عنوان الْكتاب الدَّال على مضمونه إِجْمَالا، فالعنوان هَهُنَا الدَّلِيل السمعي من حَيْثُ يُوصل الخ، وَذَلِكَ لِأَن وَظِيفَة الْعلم بَيَان أَحْوَال الْمَوْضُوع، وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون بعد الْعلم بِذَاتِهِ وعنوانه الَّذِي بِهِ يعرف وَلِأَن الْمَوْضُوع إِنَّمَا وضع لِأَن يحمل عَلَيْهِ، لَا لِأَن يحمل على شَيْء، فَإِنَّهُ قلب الْمَوْضُوع (فالبحث عَن حجية الْإِجْمَاع) بِأَن يُقَال الْإِجْمَاع حجَّة (وَخبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس) بِأَن يُقَال هما حجتان (لَيْسَ مِنْهُ) أَي علم الْأُصُول لِأَن معنى " حجَّة " دَلِيل. وَهُوَ عنوان الْمَوْضُوع (بل من) مسَائِل (الْفِقْه لِأَن موضوعاتها أَفعَال الْمُكَلّفين ومحمولاتها الحكم الشَّرْعِيّ إِذْ معنى حجَّة يجب الْعَمَل بِمُقْتَضَاهُ وَهُوَ) أَي مَا ذكرنَا (فِي الْقيَاس على تَقْدِير كَونه فعل الْمُجْتَهد) بِأَن يُفَسر ببذل الْجهد فِي اسْتِخْرَاج الْحق أَو حمل الشَّيْء على غَيره بإجراء حكمه عَلَيْهِ وَنَحْوه (أما على) تَقْدِير (أَنه الْمُسَاوَاة الكائنة عَن تَسْوِيَة الله تَعَالَى بَين الأَصْل وَالْفرع فِي الْعلَّة) المشيرة للْحكم (فَلَيْسَتْ) حجيته (مَسْأَلَة) أصلا (لِأَنَّهَا) أَي حجية الْمُسَاوَاة الْمَذْكُورَة (ضَرُورِيَّة دينية) أَي بديهية فِي الدّين وضروريات الدّين لَا تكون مسَائِل، لِأَن المسأله مَا يبرهن عَلَيْهِ فِي الْفَنّ، والبديهي لَا يبرهن عَلَيْهِ، أما البداهة فَلِأَن من عرف معنى الْقيَاس على الْوَجْه الْمَذْكُور وَعرف معنى الحجية لَا يتَوَقَّف فِي الحكم بِأَنَّهُ حجَّة، وَلَا يضر فِي بداهة الحكم نظرية طَرفَيْهِ (بِخِلَاف) الْبَحْث عَن
(1/20)

(عُمُوم النكرَة) الْوَاقِعَة (فِي) سِيَاق (النَّفْي) فَإِنَّهُ غير خَارج عَن مبَاحث الْأُصُول بِمُقْتَضى الدَّلِيل لعدم اندراجه تَحت عنوان الْمَوْضُوع (فَإِنَّهُ) أَي الْعُمُوم (حَال للدليل) أَي عرض ذاتي للدليل الَّذِي هُوَ مَوْضُوع الْأُصُول، لَا من عنوانه، وَلَيْسَ ببديهي أَيْضا، وَكَأَنَّهُ تَركه لظُهُوره (فَعَن هلية الْمَوْضُوع البسيطة أولى) يَعْنِي إِذا كَانَ الْبَحْث عَن حجية الْمَذْكُورَات خَارِجا عَن الْأُصُول، بِمُقْتَضى الدَّلِيل لاندراجها تَحت العنوان بالتأويل الْمَذْكُور، فالبحث عَن وجود الْمَوْضُوع أولى بِالْخرُوجِ عَنهُ، لِأَن الْعلم بِوُجُود الشَّيْء يقدم على الْعلم بعنوانه لِأَن عنوانه وصف ثَابت لَهُ وَثُبُوت الشَّيْء للشَّيْء فرع ثُبُوت الْمُثبت لَهُ، وَفِيه مَا فِيهِ، وَلِأَن الْأَحْوَال المبحوث عَنْهَا لَا بُد أَن يكون لَهَا مدْخل فِي الإيصال، والوجود لَا مدْخل لَهُ فِيهِ ثمَّ اعْلَم أَن " هَل " لطلب التَّصْدِيق، وَهِي قِسْمَانِ بسيطة، وَهِي الَّتِي يطْلب بهَا وجود الشَّيْء أَولا وجوده كَقَوْلِه: هَل الْحَرَكَة مَوْجُودَة أَو لَا مَوْجُودَة، ومركبة، وَهِي الَّتِي يطْلب بهَا وجود شَيْء لشَيْء كَقَوْلِنَا: هَل الْحَرَكَة دائمة أَو لَا دائمة؟، وَقد أَخذ فِي هَذِه شيآن غير الْوُجُود، فَإِن الْمَطْلُوب فِيهِ وجود الدَّوَام لَهَا أَو لَا وجوده، والوجود فِي البسيطة مَحْمُول، وَفِي المركبة رابطة، وَتَسْمِيَة وجود الشَّيْء هليته لِأَنَّهُ مَنْسُوب إِلَى " هَل " لِأَنَّهُ يسْأَل عَنهُ بهَا وَإِنَّمَا قيد بالبسيطة لِأَن الْبَحْث عَن المركبة من الْعلم، بل الْمَطْلُوب فِي كل مَسْأَلَة وجود شَيْء للموضوع (وَقَوْلهمْ) أَي الْقَائِلين بِأَن الْبَحْث عَن الهلية من الْفَنّ فِي إِثْبَات مدعاهم (مَا لم يثبت وجوده) أَي الْمَوْضُوع (كَيفَ يثبت لَهُ الْأَحْكَام.) فَإِن ثُبُوت شَيْء لشَيْء فرع ثُبُوت الْمُثبت لَهُ (يَقْتَضِي التَّوَقُّف) أَي توقف الْبَحْث عَن أَحْوَال الْمَوْضُوع على ثُبُوت وجوده (لَا) يقتضى (كَونهَا) أَي هليته (من مسَائِل الْعلم) كَيفَ وَقد صَرَّحُوا بِأَن التَّصْدِيق بموضوعيته لَيْسَ من مسَائِل الْعلم، وَهُوَ بعد الْعلم بِوُجُودِهِ، كَذَا قيل، وَلَا يخفى عدم استلزام الأول للثَّانِي غير أَن الأول أقرب مِنْهُ فِي كَونه من الْمسَائِل (وعَلى) قَول (من أَدخل الْأَحْكَام) الشَّرْعِيَّة فِي مَوْضُوع الْأُصُول (إِذْ يبْحَث) فِيهِ (عَنْهَا) أَي عَن أَحْوَال الْأَحْكَام (من حَيْثُ تثبت) أَي الْأَحْكَام (بالأدلة لَا يبعد إِدْخَال الْمُكَلف الْكُلِّي) أَيْضا فِيهِ لاشْتِرَاكهمَا فِي الْمُقْتَضى (إِذْ يبْحَث عَنهُ) أَي الْمُكَلف الْكُلِّي أَيْضا فِيهِ (من حَيْثُ تتَعَلَّق بِهِ الْأَحْكَام وَقد وَضعه الْحَنَفِيَّة) أَي عدوا الْمُكَلف الْكُلِّي من الْمَوْضُوع (معنى) أَي يُسْتَفَاد من كتبهمْ من غير تَصْرِيح مِنْهُم (وأحواله) أَي وضعُوا أَحْوَال الْمُكَلف أَيْضا (فِي تَرْجَمَة الْعَوَارِض السماوية والمكتسبة) تَرْجَمَة الْبَاب عنوانه لِأَنَّهُ يترجم عَن مضمونه إِجْمَالا من الترجمان، وَهُوَ الْمُفَسّر للسان، وَالْمرَاد بالعوارض السماوية مَا لَيْسَ للْعَبد فِيهِ اخْتِيَار، والمكتسبة الَّتِي اكتسبها العَبْد (لبَيَان كَيفَ تتَعَلَّق بِهِ الْأَحْكَام) أَي وضع
(1/21)

الْحَنَفِيَّة الْمُكَلف وأحواله فِي الْبَحْث الْمَذْكُور لبَيَان كَيْفيَّة تعلق الْأَحْكَام بِهِ، وَقَوله لبَيَان كَيفَ الخ كَقَوْلِهِم فِي جَوَاب مَا هُوَ: أَي فِي جَوَاب السُّؤَال بِمَا هُوَ. أَي فِي جَوَاب هَذَا اللَّفْظ فَلَا يرد أَنه لَا يجوز إِضَافَة الْبَيَان إِلَى مَا يقتضى صدر الْكَلَام (وَإِذا كَانَت الْغَايَة الْمَطْلُوبَة) من الْعلم (لَا تترتب إِلَّا على) الْبَحْث عَن أَحْوَال (أَشْيَاء كَانَت) تِلْكَ الْأَشْيَاء (الْمَوْضُوع) أَي مَوْضُوع الْعلم المغيا بِتِلْكَ الْغَايَة (كَمَا لَو ترتبت غايات على جمل من أَحْوَال) شَيْء (وَاحِد) كَانَ ذَلِك الْوَاحِد من مَوْضُوع عُلُوم فَهُوَ تَشْبِيه مركب بمركب، وهما الهيئتان الحاصلتان من الشرطيتين، وَوجه الشّبَه استتباع الْغَايَة من حَيْثُ الترتب الْمَوْضُوع من حيثية التَّعَدُّد أَو الْوحدَة فَفِي الْمُشبه استتبع ترتبها، وَهِي وَاحِدَة على الْبَحْث عَن أَحْوَال المتعدد ووحدة الْمَوْضُوع، وَفِي الْمُشبه بِهِ استتبع ترتبها، وَهِي مُتعَدِّدَة على أَحْوَال شَيْء وَاحِد تعدده، وَكلمَة مَا زَائِدَة مسوغة دُخُول الْحَرْف على الشّرطِيَّة، فَالْعِبْرَة فِي وحدة الْمَوْضُوع وكثرته بِحَال الْغَايَة ووحدتها وتعددها وترتبها (حَيْثُ يكون) الْوَاحِد الَّذِي ترتبت الغايات على جمل من أَحْوَاله (مَوْضُوع عُلُوم يخْتَلف) ذَلِك الْوَاحِد الْمَوْضُوع (فِيهَا) فِي تِلْكَ الْعُلُوم (بالحيثية) بِأَن يَجْعَل مَوْضُوع هَذَا الْعلم من حَيْثُ يُوصل الْعلم بجملة من أَحْوَاله إِلَى غَايَة كَذَا، وموضوع ذَلِك الْعلم من حَيْثُ يُوصل إِلَى جملَة أُخْرَى إِلَى غَايَة أُخْرَى وَهَكَذَا (وَمن هُنَا) أَي من أجل مَا ذكر من أَن الْعبْرَة بِحَال الْغَايَة فِي تعْيين الْمَوْضُوع (استتبعته) أَي الْغَايَة الْمَوْضُوع، إِشَارَة إِلَى مَا ذكر من قَوْله وَلها وحدة غَايَة تستتبع وحدة موضوعها (وَلُزُوم التناسب) بَين الْأَشْيَاء الَّتِي ترتبت عَلَيْهَا الْغَايَة وَجعلت مَوْضُوعا أَمر (اتفاقي) لَا يَقْتَضِيهِ دَلِيل عَقْلِي فَإِن قلت كَيفَ جمع بَين اللُّزُوم والاتفاق قلت لَا مُنَافَاة، لِأَنَّهُ لم يرد بِهِ اللُّزُوم الْعقلِيّ بل كَونه أمرا مطردا لَا يتَخَلَّف فِي مَادَّة أصلا، فاللزوم أُرِيد بِهِ لَازمه (وَلَو اتّفق ترتبها) أَي الْغَايَة على الْأَشْيَاء (مَعَ عَدمه) أَي التناسب كَمَا اتّفق مَعَه (أهْدر) أَي التناسب وَأسْقط عَن دَرَجَة الِاعْتِبَار لعدم الِاحْتِيَاج إِلَيْهِ، وَاخْتَارَ كلمة لَو لِأَنَّهُ غير وَاقع (وبحسب اتِّفَاق الترتب) أَي ترَتّب الْغَايَة على مَا يُوصل الْبَحْث عَن أَحْوَاله إِلَيْهَا (كَانَت) طَائِفَة من الْعُلُوم (متباينة) غير متشاركة فِي الْمَوْضُوع لترتب غَايَة بَعْضهَا على شَيْء مباين لما يَتَرَتَّب عَلَيْهِ غَايَة الآخر (و) طَائِفَة أُخْرَى مِنْهَا (متداخلة) لترتب غاياتها على شَيْء وَاحِد (إِلَّا فِي لُزُوم عرُوض عَارض المباين للْآخر فِي الْبَحْث) اسْتثِْنَاء من عُمُوم اعْتِبَار التباين والتداخل بِحَسب اتِّفَاق الترتب، يَعْنِي تباينها وتداخلها إِنَّمَا يعْتَبر بِحَسبِهِ فِي جَمِيع الصُّور إِلَّا فِي صُورَة لُزُوم الْعرُوض، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يعْتَبر التَّدَاخُل بِاعْتِبَار ذَلِك اللُّزُوم بِأَن يكون علمَان غَايَة كل مِنْهُمَا يَتَرَتَّب على مَا يباين مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ غَايَة الآخر لكنهما متشاركان فِي لُزُوم عرُوض
(1/22)

عَارض لموضوعيهما (فتتداخل) الْعُلُوم المتشاركة فِي لُزُوم عرُوض الْعَارِض على الْوَجْه الْمَذْكُور (مَعَ التباين) بِحَسب الْمَوْضُوع (للْعُمُوم الاعتباري) فَإِن موضوعاتها، وَإِن كَانَت متباينة بِحَسب الْحَقِيقَة لَكِنَّهَا بِسَبَب اشتراكها فِي لُزُوم الْعَارِض الْمَذْكُور صَارَت كَأَنَّهَا مَفْهُوم وَاحِد عَام يَشْمَل تِلْكَ الْعُلُوم، فالعموم الاعتباري بِاعْتِبَار الِاشْتِرَاك فِي الْمَحْمُول (كالمويسيقي) بِضَم الْمِيم وَكسر الْمُهْملَة وَالْقَاف يوناني مَعْنَاهُ تأليف الألحان، واللحن من الْأَصْوَات المصنوعة (مَوْضُوعه النغم) محركة ويسكن، الْكَلَام الْخَفي، الْوَاحِدَة بهاء، وَفِي الِاصْطِلَاح النغمة صَوت يتصاعد أَو يتنزل بِدَرَجَة من الدَّرَجَات الشَّرِيفَة ظَاهرا أومخيلا كَمَا إِذا سمع شخص صَوتا مُخْتَلفا فِي الحدة والثقل، وَاسْتقر فِي سامعته، ثمَّ بَدَأَ بِصَوْت لَا اخْتِلَاف فِيهِ فيتخيل التصاعد أَو التنزل فِيهِ بِاعْتِبَار مَا اسْتَقر فِي سامعته، والدرجات الشَّرِيفَة تعرف بِأَن يبْدَأ بِصَوْت معِين بعلامة خَاصَّة فيتصاعد دَرَجَة دَرَجَة بِأَن يكون التَّفَاضُل فِي كل دَرَجَة يسع مِقْدَار حَده المبدأ إِلَى أَن يبلغ إِلَى سبع وَعشْرين دَرَجَة، وَهَذَا نِهَايَة التصاعد بِحَسب الاستقراء فيتضاعف الأَصْل أَربع مَرَّات، وَهَذِه الدَّرَجَات تسمى بالدرجات الشَّرِيفَة (ويندرج) المويسيقى (تَحت علم الْحساب، وموضوعه الْعدَد) وَهُوَ نصف مَجْمُوع الحاشيتين، وَقيل مَا يبين بِهِ كمية الشَّيْء (مَعَ تبَاين موضوعيهما كَمَا قيل إِذْ كَانَ الْبَحْث فِي النغم عَن النّسَب العددية) تَعْلِيل لاندراجه تَحت علم الْحساب، يُرِيد أَن النّسَب العددية عوارض ذاتية للعدد الَّذِي هُوَ مَوْضُوع علم الْحساب المباين لموضوع علم المويسيقى، وَقد بحث عَنْهَا فِي المويسيقى، كَمَا سبق إِلَيْهِ إِشَارَة على سَبِيل اللُّزُوم بِحَيْثُ لَا يَخْلُو عَنْهَا مَبْحَث مِنْهُ، فَصَارَ عرُوض هَذَا الْعَارِض للنغم لَازِما للبحث عَن النغم، وَهَذَا معنى لُزُوم عرُوض عَارض المباين: أَي الْعدَد الَّذِي هُوَ مَوْضُوع الْحساب فِي الْبَحْث عَن النغم الَّذِي هُوَ مَوْضُوع المويسيقى وَاعْلَم أَن الْمُعْتَبر فِي عَامَّة مسَائِل المويسيقى تأليف الألحان المتناسبة والتناسب بَينهَا إِنَّمَا يظْهر بِاعْتِبَار عدم الْأَجْزَاء وكيفياتها مثل الْبعد الصُّغْرَى إِنَّمَا يحصل بترتيب ثَلَاث دَرَجَات من الشَّرِيفَة، والكبرى من الْأَرْبَع، والكامل من الْخمس، وعَلى هَذَا الْقيَاس فالتناسب بَين الأبعاد لَا يظْهر إِلَّا بِالنّسَبِ العددية (وَاعْلَم أَن إيرادهم) أَي الْأُصُولِيِّينَ وَغَيرهم (كلا من الْحَد والموضوع والغاية لتَحْصِيل البصيرة) للشارع فِي الْعلم (لَا يَخْلُو عَن اسْتِدْرَاك) لِأَنَّهُ فِي الْحَد يعرف الْمَوْضُوع والغاية، لِأَنَّهُ إِذا قيل: علم باحث عَن أَحْوَال كَذَا من حَيْثُ إِنَّه يُفِيد فَائِدَة كَذَا علم الْمَوْضُوع والغاية، فَإِن مَا يبْحَث عَن أَحْوَاله هُوَ الْمَوْضُوع، وَتلك الْفَائِدَة هِيَ الْغَايَة (إِلَّا من حَيْثُ التَّسْمِيَة باسم خَاص) اسْتثِْنَاء مِمَّا يدل عَلَيْهِ الِاسْتِدْرَاك، وَهُوَ نفي الْفَائِدَة، والمستثنى معرفَة اسْم خَاص للموضوع والغاية، وَفِي قَوْله لَا يَخْلُو إِشَارَة إِلَى أَنه لَيْسَ
(1/23)

بمستدرك من كل وَجه (وَلم يوردوه) أَي كلا مِنْهَا (لذَلِك) أَي لبَيَان ذَلِك الِاسْم الْخَاص بل لأجل البصيرة.
(الثَّالِث) من الْأُمُور الَّتِي هِيَ مُقَدّمَة الْكتاب (الْمُقدمَات المنطقية) سميت بهَا لكَونهَا من مسَائِل الْمنطق (مبَاحث النّظر) عطف بَيَان للمقدمات (وَتَسْمِيَة جمع) من الْأُصُولِيِّينَ كالآمدي وَمن تبعه (لَهَا) أَي للمقدمات المنطقية، أَو مبَاحث النّظر (مبادي كلامية بعيد) لِأَنَّهَا لَيست من الْكَلَام وَلَا كَونهَا مبادي يقْتَصر عَلَيْهِ (بل الْكَلَام فِيهَا كَغَيْرِهِ) من الْعُلُوم (لِاسْتِوَاء نسبتها إِلَى كل الْعُلُوم وَهُوَ) أَي وَجه الاسْتوَاء (أَنه) أَي الشَّأْن (لما كَانَ الْبَحْث ذاتيا للعلوم) أَي دَاخِلا فِي حَقِيقَتهَا (وَهُوَ) أَي الْبَحْث (الْحمل) أَي إِثْبَات شَيْء لشَيْء (بِالدَّلِيلِ) لِأَن حَقِيقَتهَا التصديقات المدللة وَالْإِثْبَات جُزْء مِنْهَا (وَصِحَّته) أَي الدَّلِيل (بِصِحَّة النّظر وفساده بِهِ) أَي بِفساد النّظر، والجمل مُعْتَرضَة بَين لما وجوابها: أَعنِي قَوْله (وَجب التَّمْيِيز) بَين صَحِيحه وفاسده بِبَيَان شَرَائِط صِحَّته من حَيْثُ الْمَادَّة وَالصُّورَة بالقوانين الْمَوْضُوعَة لذَلِك كَمَا سَيَجِيءُ (ليعلم) بالتمييز بَينهمَا (خطأ المطالب) الْمَقْصُودَة من الْأَدِلَّة الْقَائِمَة على الأبحاث الْمَذْكُورَة فِي الْعُلُوم (وصوابها) الْخَطَأ وَالصَّوَاب إِنَّمَا يستعملان فِي الْأَحْكَام العملية كَمَا أَن الْحق وَالْبَاطِل يستعملان فِي العقائد، وَلَكِن المُرَاد مِنْهُمَا هَهُنَا مَا هُوَ أَعم (وَلَيْسَ فِي الْأُصُول من) مسَائِل (الْكَلَام إِلَّا مَسْأَلَة الْحَاكِم) وَهِي أَن الْحَاكِم بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة كلهَا هُوَ الله سُبْحَانَهُ بِلَا خلاف، لَكِن هَل يتَعَلَّق لَهُ تَعَالَى حكم قبل الْبعْثَة وبلوغ الدعْوَة أم لَا، الأشعرية لَا، فَلَا يحرم كفر، وَلَا يجب إِيمَان قبلهَا، والمعتزلة نعم فِيمَا أدْرك الْعقل فِيهَا حسنا أَو قبحا (وَمَا يتَعَلَّق بهَا) بِمَسْأَلَة الْحَاكِم (من) مَسْأَلَة (الْحسن والقبح) هَل هما عقليان أم لَا (وَنَحْوه) أَي الْمَذْكُور، قيل كَمَسْأَلَة الْمُجْتَهد يُخطئ ويصيب، وَمَسْأَلَة خلو الزَّمَان عَن مُجْتَهد (وَهَذِه) أَي الْمَذْكُورَات (من الْمُقدمَات) لهَذَا الْعلم لَا من مسَائِله (يتَوَقَّف عَلَيْهَا زِيَادَة بَصِيرَة) فِي معرفَة بعض مقاصده وَلَيْسَت بمقدمة الشُّرُوع لعدم مدخليتها فِي أَكثر الْمَقَاصِد، وَلِهَذَا لم يوردوها قبل الشُّرُوع (وَتَصِح) أَن تكون (مبادي على) اصْطِلَاح (الْأُصُولِيِّينَ) قَالَ الْآمِدِيّ فِي الْأَحْكَام: اعْلَم أَن مبادي كل علم هِيَ التصورات والتصديقات الْمسلمَة فِي ذَلِك الْعلم، وَهِي غير مبرهنة فِيهِ لبِنَاء مسَائِل ذَلِك الْعلم عَلَيْهَا سَوَاء كَانَت مسلمة فِي نَفسهَا كمبادي الْعلم الْأَعْلَى، أَو غير مسلمة فِي نَفسهَا، بل مَقْبُولَة على سَبِيل المصادرة أَو الْوَضع على أَن تبرهن فِي علم أَعلَى من ذَلِك الْعلم انْتهى، وَلَا يخفى عَلَيْك أَن الْمسَائِل الْمَذْكُورَة مبرهنة فِي الْأُصُول فَلَا تكون من المبادي على مَا ذكره الْآمِدِيّ، نعم ذكر غَيره أَنَّهَا قد تطلق على مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الشُّرُوع والبحث عَن مسَائِله بوسط أَو بِغَيْرِهِ وَلم يشْتَرط فِيهَا أَلا تكون
(1/24)

مبرهنة فِي الْعلم الَّذِي يتَوَقَّف الْبَحْث عَن مسَائِله عَلَيْهَا، وَقد يُقَال كَونهَا مبرهنة فِي كتب الْأُصُول لَا يستدعى كَونهَا جُزْءا من الْعلم لجَوَاز كَونهَا استطرادية (وَلما انقسم) النّظر (إِلَى مَا يُفِيد علما) (و) إِلَى مَا يُفِيد (ظنا ميزا) أَي الْعلم وَالظَّن بِأَن عرف كل مِنْهُمَا (لِأَن تمييزهما) يسْتَلْزم التَّمْيِيز بَين مفيديهما (وَتَمَامه) أَي تَمام تمييزهما (بالمقابلات) أَي تَمْيِيز مقابلاتهما من الْوَهم وَالشَّكّ وَالْجهل والتقليد، وَهَذَا مَا قيل من أَن الْأَشْيَاء تتبين بأضدادها، قَالَ حجَّة الْإِسْلَام: رُبمَا يعسر تَحْدِيد الْعلم بِالْجِنْسِ والفصل، لِأَن ذَلِك متعسر فِي أَكثر المدركات كرائحة الْمسك، فَكيف فِي الادراكات؟ لَكِن يقدر على شرح مَعْنَاهُ بتقسيم وَمِثَال، أما التَّقْسِيم فَهُوَ أَن تميزه عَمَّا يلتبس بِهِ من الظَّن وَالشَّكّ بِالْجَزْمِ، وَعَن الْجَهْل بالمطابقة وَعَن اعْتِقَاد الْمُقَلّد بِأَنَّهُ يبْقى مَعَ تغير المعتقد وَيصير جهلا، وَأما الْمِثَال فَهُوَ أَن إِدْرَاك البصيرة شَبيه إِدْرَاك الباصرة كانطباع الصُّورَة فِي الْمرْآة، كَذَلِك الْعلم عبارَة عَن انطباع صُورَة المعقولات فِي الْعقل، وَالنَّفس بِمَنْزِلَة حَدِيدَة الْمرْآة وغريزتها الَّتِي بهَا تتهيأ لقبُول الصُّور: أَعنِي الْعقل بِمَنْزِلَة صقالة الْمرْآة واستنارتها وَحُصُول الصُّور فِي مرْآة الْعقل هُوَ الْعلم، فالتقسيم يقطعهُ عَن مظان الِاشْتِبَاه، وَهَذَا الْمِثَال يفهمك حَقِيقَته، وَالْمُصَنّف رَحمَه الله اقْتصر على الأول فَقَالَ (فالعلم) عِنْد الْأُصُولِيِّينَ (حكم) أَي إِدْرَاك وُقُوع النِّسْبَة أَو لَا وُقُوعهَا (لَا يحْتَمل طرفاه) أَي الْمَحْكُوم عَلَيْهِ وَبِه (نقيضه) أَي الحكم، فَإِن كَانَ إِدْرَاك الْوُقُوع فنقيضه إِدْرَاك اللاوقوع، وَإِلَّا فبالعكس (عِنْد من قَامَ) الحكم (بِهِ) وَهُوَ الْحَاكِم (لموجب) مُتَعَلق لَا يحْتَمل. وَسَيَجِيءُ بَيَان الْمُوجب، وَالْمرَاد باحتمالهما النقيض عِنْد الْحَاكِم كَونهمَا بِحَيْثُ لَو فرض بَينهمَا نقيض لَا يعده الْحَاكِم محالا، بل يجوزه تجويزا مَا، فالعلم حكم لَا يكون طرفاه مَوْصُوفا بِهَذَا الْكَوْن وَنقض التَّعْرِيف بِالْعلمِ بالأمور العادية كَالْحكمِ بِكَوْن الْجَبَل الْغَائِب عَن النّظر حجرا لاتصاف طَرفَيْهِ بالكون الْمَذْكُور لجَوَاز انقلابه ذَهَبا لتجانس الْجَوَاهِر واستوائها فِي قبُول الصِّفَات مَعَ ثُبُوت الْقَادِر الْمُخْتَار وَأجِيب بِأَنَّهُ إِذا علم كَونه حجرا فِي وَقت اسْتَحَالَ كَونه ذَهَبا فِي ذَلِك الْوَقْت، فَإِذا علم كَونه حجرا دَائِما اسْتَحَالَ كَونه ذَهَبا فِي وَقت من الْأَوْقَات، وَلَا يخفى ضعفه وَالْجَوَاب مَا ذكره المُصَنّف رَحمَه الله تَعَالَى بقوله (فَدخل العادي لِأَن إِمْكَان كَون الْجَبَل ذَهَبا لَا يمْنَع الْجَزْم بنقيضه عَن مُوجبه) وَأَنت خَبِير بِأَنَّهُ إِن أُرِيد بِالْجَزْمِ مَا لَا يُنَافِي تَجْوِيز النقيض فَهُوَ خَارج عَن المبحث، وَإِلَّا فالإمكان يمنعهُ، وَلذَا قَالَ (وَالْحق أَن إِمْكَان خرق الْعَادة الْآن) أَي آن الحكم بِكَوْنِهِ حجرا (وَهُوَ) أَي الْإِمْكَان (ثَابت) فِي نفس الْأَمر (يسْتَلْزم تَجْوِيز النقيض الْآن) أَي آن الحكم الْمَذْكُور (إِذا لوحظ النقيض) لِأَن عدم احْتِمَاله لخلو الذِّهْن عَنهُ خَارج عَن دَائِرَة الِاعْتِبَار، لِأَن الْعبْرَة بالتجويز وَعَدَمه عِنْد
(1/25)

الِالْتِفَات إِلَى النقيض، كَيفَ وَإِلَّا فطرفا الظَّن أَيْضا لَا يحْتَملهُ من حَيْثُ خلو ذهن الظَّان عَنهُ (فَالْحق أَن الْعلم كَذَلِك) أَي الْعلم الْمَوْصُوف بِكَوْن طَرفَيْهِ غير مُحْتَمل إِيَّاه (هُوَ مَا) أَي حكم (لَا يحْتَمل مُوجبَة التبدل) أَي الَّذِي أَفَادَهُ يكون بِحَيْثُ يَسْتَحِيل عِنْد الْعقل تخلف مفاده لما فِيهِ مِمَّا يَقْتَضِي ذَلِك (كالعقلي) أَي كالبرهان الْعقلِيّ الَّذِي مقدماته يقينية، وإنتاجه كَذَلِك (وَالْخَبَر الصَّادِق) الَّذِي يَسْتَحِيل عِنْد الْعقل كذبه وَحَاصِل هَذَا الْكَلَام إِن جَعَلْنَاهُ جَوَابا عَن الأشكال الْتِزَام خُرُوجه عَن التَّعْرِيف، وَمنع دُخُوله فِي الْمُعَرّف (وَالظَّن حكم يحْتَملهُ) أَي يحْتَمل طرفاه نقيضه عَن الظَّان إِن عرض عَلَيْهِ (مرجوحا) حَال مُؤَكدَة عَن الْمَفْعُول لكَون المرجوحية لَازِمَة لنقيضه، وَيجوز أَن يكون مَنْصُوبًا على المصدرية كَمَا لَا يخفى (وَهُوَ) الْمُحْتَمل الْمَرْجُوح (الْوَهم وَلَا حكم فِيهِ) أَي الْوَهم (لاستحالته) أَي الحكم (بالنقيصين) وَذَلِكَ لِأَن النقيض الَّذِي هُوَ مُتَعَلق الظَّن قد حكم بِهِ، فَإِن كَانَ فِي نقيضه أَعنِي مُتَعَلق الْوَهم حكم أَيْضا لزم الحكم بهما جَمِيعًا (وَالشَّكّ عدم الحكم بِشَيْء) من وُقُوع النِّسْبَة وَلَا وُقُوعهَا (بعد الشُّعُور) بهما، لِأَنَّهُ على تَقْدِير عدم الشُّعُور بِشَيْء مِنْهُمَا عدم الحكم ثَابت فِي مثل الْوَاحِد نصف الِاثْنَيْنِ (للتساوي) أَي تَسَاوِي الْوُقُوع، واللاوقوع فِي نظر الْعقل، فَإِن حكم بِشَيْء مِنْهُمَا لزم التَّرْجِيح بِلَا مُرَجّح، وَإِن حكم بهما جَمِيعًا لزم الحكم بالنقيضين، وَقد عرفت، وَلَا يخفى مَا فِي قَوْله: الشَّك عدم الحكم من الْمُسَامحَة، لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَة نوع من الْإِدْرَاك يلْزمه عدم الحكم، فَهُوَ تَفْسِير باللازم (فَيخرج أحد قسمي الْجَهْل الْبَسِيط) الْجَهْل وَهُوَ عدم الحكم المطابق عَمَّا من شَأْنه الْعلم قِسْمَانِ: أَحدهمَا مَا لم يقارن الحكم بنقيض مُتَعَلّقه، إِمَّا مَعَ عدم الشُّعُور بالمتعلق، وَقد خرج عَن تَعْرِيف الشَّك، وَإِمَّا مَعَه وَلم يخرج عَنهُ، وَثَانِيهمَا مَا يقارنه، فَالْأول أقل أَجزَاء، وَلذَا سمي بالبسيط، وَبِهَذَا ظهر وَجه تَسْمِيَة الْمركب، وَالْجهل الْمركب الحكم غير المطابق، فَلم يدْخل فِي التَّعْرِيف الْمَذْكُور (وَلم نشترط جرما) فِي الْجَهْل الْمركب بل يعمه بِحَيْثُ يَشْمَل الظَّن، وَلذَا قَالَ (لِأَن الظَّن غير المطابق لَيْسَ سواهُ) أَي لَيْسَ خَارِجا عَنهُ بل هُوَ دَاخل فِيهِ كَمَا أَن الْجَزْم الْغَيْر المطابق دَاخل فِيهِ فَإِن قلت هَذَا يُخَالف مَا فِي المواقف والمقاصد من أَنه عبارَة عَن اعْتِقَاد جازم غير مُطَابق قلت لَعَلَّه ظفر بِنَقْل مفصل لم يظفرا بِهِ، أَو هُوَ من تفَاوت اصطلاحي العلمين، وَفِي التَّلْوِيح مَا يُوَافق المُصَنّف رَحمَه الله (وَأما التَّقْلِيد) وَهُوَ الْعَمَل بقول الْغَيْر من غير حجَّة كأخذ الْعَاميّ والمجتهد بقول مثله، فالرجوع إِلَى الرَّسُول وَالْإِجْمَاع، وَرُجُوع الْعَاميّ إِلَى الْمُفْتِي وَالْقَاضِي إِلَى الشُّهُود لَيْسَ تقليدا لقِيَام الْحجَّة فِيهَا كَمَا بَين فِي مَحَله، وَإِن سمى بعض ذَلِك تقليدا فِي الْعرف فَلَا مشاحة فِي الِاصْطِلَاح، كَذَا أَفَادَهُ الْعَلامَة الْمُحَقق القَاضِي عضد الدّين (فَلَيْسَ
(1/26)

من حَقِيقَته ظن) أَي لَيْسَ من لَوَازِم حَقِيقَة التَّقْلِيد أَن يحصل للمقلد ظن بمضمون مَا قلد فِيهِ، وَذَلِكَ لما عرفت من أَنه عبارَة عَن الْعَمَل الْمَذْكُور بِغَيْر حجَّة، وَالَّذِي يعْمل بقول مثله من غير دَلِيل يجوز خلوه عَن التَّصْدِيق بمضمون ذَلِك القَوْل، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي اعْتِبَاره، وَالْأَصْل عدم الحكم وَإِن اتّفق ذَلِك، فَهُوَ أَمر لَا تَقْتَضِيه حَقِيقَته (فضلا عَن الْجَزْم كَمَا قيل) من أَن التَّقْلِيد لَا يَقْتَضِي التَّصْدِيق بمضمون مَا قلد فِيهِ فَإِن قلت الظَّن رُجْحَان أحد طرفِي النِّسْبَة مَعَ تَجْوِيز الآخر، فَيجوز أَلا يكون هَذَا الْقَيْد من حَقِيقَة التَّقْلِيد، بِاعْتِبَار الْقَيْد، وَهَذَا الْقَيْد مُنْتَفٍ فِي الْجَزْم، فَيجوز أَن يكون من حَقِيقَته قلت أَرَادَ بِالظَّنِّ الْمَنْفِيّ كَونه من حَقِيقَة التَّقْلِيد الرجحان الْمَذْكُور، فَكَأَنَّهُ قَالَ لَيْسَ من حَقِيقَته رُجْحَان مَا قلد فِيهِ على نقيضه فضلا عَن الْجَزْم الَّذِي فِيهِ ذَلِك الرجحان مَعَ زِيَادَة عدم احْتِمَال عدم النقيض فَإِن قلت المُصَنّف رَحمَه الله قد صرح فِي مَبْحَث التَّقْلِيد أَن إِيمَان الْمُقَلّد صَحِيح، لكنه آثم بترك النّظر، وَكَيف يَصح وتقليده لَا يسْتَلْزم التَّصْدِيق، وَهُوَ جُزْء من الْإِيمَان قلت معنى الْكَلَام أَن التَّصْدِيق لَيْسَ من لَوَازِم التَّقْلِيد مُطلقًا، فَيجوز أَن يكون لَازِما إِذا قيد بِقَيْد يَقْتَضِيهِ ككون مَا قلد فِيهِ من مقولة التَّصْدِيق، فَإِن الْعَمَل بِهِ لَا يتَصَوَّر بِدُونِهِ، على أَنه يجوز أَن يكون مَبْنِيّ هَذَا الْكَلَام على مَا ذهب إِلَيْهِ القَاضِي على مَا مر، فَإِن إِيمَان الْمُقَلّد بعد وجود الْمُجْتَهدين رُجُوع إِلَيْهِم، فَهُوَ من بَاب رُجُوع الْعَاميّ إِلَى الْمُفْتِي، وَهُوَ لَيْسَ بتقليد بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور، لِأَنَّهُ عمل بقوله مَعَ حجَّة، وَهِي الْإِجْمَاع على وجوب اتِّبَاعه إِيَّاه، وَمَا ذكره فِي آخر الْكتاب على تَحْقِيقه من أَن التَّقْلِيد هُوَ الْعَمَل بقول من لَيْسَ قَوْله إِحْدَى الْحجَج بِلَا حجَّة مِنْهَا، فَمِنْهُ رُجُوع الْعَاميّ إِلَى الْمُفْتِي (بل قد يقدر عَلَيْهِ) أَي على ظن مَا قلد فِيهِ (إِذا كَانَ الْمُقَلّد) فَاعل يقدر وَكَانَ، على سَبِيل التَّنَازُع (قَرِيبا) من الِاجْتِهَاد بِأَن يكون عَالما بِطرف صَالح من عُلُوم الِاجْتِهَاد بدليله لَا يُقَال عِنْد حُصُول الظَّن عَن الدَّلِيل يخرج عَن التَّقْلِيد لِأَن من لم يبلغ دَرَجَة الِاجْتِهَاد لَا عِبْرَة بظنه، وَلذَا لَا يجب عَلَيْهِ اتِّبَاع ظَنّه (وَقد لَا) يقدر عَلَيْهِ إِمَّا لبعده عَنهُ، أَو لمَانع آخر كتعارض الأمارات من غير قُوَّة التَّرْجِيح (وغايته) أَي الْمُقَلّد (إِذن) أَي إِذا لم يقدر على ظن مَا قلد فِيهِ (حسن ظَنّه بمقلده) فَيحصل لَهُ بذلك ظن بِمَا قلد فِيهِ لَكِن لَا عَن دَلِيله، بل بِأَنَّهُ حكم أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاد عَالم عَظِيم الشَّأْن، فَالظَّاهِر أَن يكون صَوَابا (وَقد يكون) أَي يُوجد التَّقْلِيد (وَلَا ظن) للمقلد بِأحد الْوَجْهَيْنِ (مَعَ علمه) أَي الْمُقَلّد (أَنه) أَي الْمُقَلّد بِفَتْح اللَّام (مفضول) فِيمَا قلد فِيهِ أَو مُطلقًا، لِأَن الْجُمْهُور على جَوَاز تَقْلِيد الْمَفْضُول مَعَ وجود الْفَاضِل كَمَا سَيَأْتِي (وَخرج التَّصَوُّر عَن الْعلم وَالظَّن على) قَول (الْأَكْثَر) أَي أَكثر الْأُصُولِيِّينَ (اصْطِلَاحا) على وضع لفظ الْعلم بِإِزَاءِ مَا لَا يصدق على التَّصَوُّر
(1/27)

(لَا لاعْتِبَار الْمُوجب) أَي لَا لأجل أَنهم اعتبروا فِي حد الْعلم أَن يكون عدم احْتِمَال النقيض فِيهِ لموجب وَلَا مُوجب لعدم احْتِمَاله فِي التَّصَوُّر، كَيفَ وَهُوَ غير مندرج فِي جنس التَّعْرِيف؟.
(وَقد يُقَال) فِي تَعْرِيف الْعلم (صفة) أَي أَمر قَائِم بِغَيْرِهِ (توجب تمييزا) أَي توجب كَون محلهَا، وَهُوَ النَّفس مُمَيزَة لما تعلّقت بِهِ الصّفة، فَإِن الْعلم صفة ذَات تعلق، والمميز هُوَ الْعَالم لَا الْعلم، فَخرج مَا عدا الادراكات من الصِّفَات النفسية كالشجاعة وَغَيرهَا كالسواد، فَإِنَّهَا وَإِن أوجبت لمحالها تمييزا ضَرُورَة تَمْيِيز الشجاع بشجاعته عَن الجبان، وَالْأسود بسواده عَن الْأَبْيَض لَكِنَّهَا لَا توجب لَهَا تمييزا، بِأَن تميز بِسَبَب اتصافها بهَا شَيْئا عَن شَيْء، كَمَا إِذا حصلت فِي النَّفس صُورَة زيد واتصفت بهَا ميزت بذلك الاتصاف زيدا عَن غَيره (لَا يحْتَمل) نقيض مُتَعَلّقه، أَي مَعَ حُصُول ذَلِك التَّمْيِيز لَا يجوز الْعقل تحقق النقيض فِي نفس الْأَمر، فَإِن كَانَ التَّمْيِيز الْمَذْكُور إِدْرَاك وُقُوع النِّسْبَة على سَبِيل الْجَزْم لم يجوز عدم وُقُوعهَا فِيهِ، وَإِن كَانَ إِدْرَاك اللاوقوع فبالعكس، وَإِن كَانَ تصورا ساذجا لَا يجوز كَون مُتَعَلّقه خلاف مَا تميز وانكشف بِهِ وَلذَا قَالَ (فَيدْخل) أَي التَّصَوُّر فِي هَذَا التَّعْرِيف لصدقه عَلَيْهِ بِخِلَاف التَّعْرِيف الأول، وَخرج بقوله لَا يحْتَمل الظَّن لاحْتِمَال النقيض، وَكَذَا الْجَهْل الْمركب لاحْتِمَال أَن يطلع صَاحبه على مَا فِي الْوَاقِع فيزول عَنهُ مَا حكم بِهِ من الْإِيجَاب وَالسَّلب إِلَى نقيضه، وَكَذَا التَّقْلِيد لاحْتِمَال زَوَاله بالتشكيك (وَعدم الْمُطَابقَة فِي تصور الْإِنْسَان صها لَا للْحكم الْمُقَارن، أما الصُّورَة فَلَا تحْتَمل غَيرهَا) جَوَاب سُؤال، وَهُوَ أَن التَّصَوُّر لَو لم يحْتَمل نقيض مُتَعَلّقه، لَكَانَ كل تصور مطابقا لمتعلقه لَا محَالة، كَمَا أَن كل تَصْدِيق لَا يحْتَملهُ كَذَلِك، وَاللَّازِم بَاطِل، فَإِن تصور الْإِنْسَان بِصُورَة الصاهلية مثلا تصور غير مُطَابق لمتعلقه، وَهِي الْحَقِيقَة الإنسانية، وَالْجَوَاب أَنه لَيْسَ مُتَعَلق ذَلِك التَّصَوُّر حَقِيقَة الْإِنْسَان بل حَقِيقَة الْفرس، غَايَة الْأَمر أَن المتصور أَخطَأ فِي الحكم بِأَن مُتَعَلّقه الْإِنْسَان فَعدم الْمُطَابقَة إِنَّمَا هُوَ فِي هَذَا الحكم، وَأما الصُّورَة الْمَذْكُورَة فَلَا تحْتَمل غير متعلقها الَّذِي هُوَ الْفرس فِي نفس الْأَمر، وَذَلِكَ لِأَن مُتَعَلق كل صُورَة مَا هِيَ ظلّ لَهُ وانعكست عَنهُ وَصَارَت هِيَ سبّ انكشافه، وَلَا شكّ أَن صور الصهال سَبَب انكشاف حَقِيقَة الْعَكْس عَنْهَا تِلْكَ الصُّورَة، وَهِي حَقِيقَة الْفرس، وتسميتها إنْسَانا خطأ نَشأ من التَّوَهُّم، فَهِيَ لَا تحْتَمل غَيرهَا.
(وَالْوَجْه) فِي تَعْرِيف الْعلم على وَجه يعم التَّصَوُّر أَن يُقَال (أَنه تَمْيِيز، وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يقل كَذَا، بل يُقَال صفة كَمَا ذكر لم يكن التَّعْرِيف مَانِعا (فَإِنَّمَا يصدق على القوه الْعَاقِلَة) وَهِي كَيْفيَّة للنَّفس بهَا تدْرك الْأَشْيَاء، لِأَنَّهَا صفة توجب التَّمْيِيز، لِأَن المُرَاد بإيجابها استعقابها بِخلق الله التَّمْيِيز عَادَة فَإِن قلت إِيجَابهَا التَّمْيِيز بِوَاسِطَة الْعلم، وَإِيجَاب الْعلم إِيَّاه بِغَيْر وَاسِطَة، والمتبادر
(1/28)

هُوَ الْإِيجَاب بِغَيْر وَاسِطَة، فَيحمل عَلَيْهِ فَلَا نقض حِينَئِذٍ قلت مُرَاده الْوَجْه الْأَحْسَن أَنه تَمْيِيز لِأَنَّهُ غير مُحْتَاج إِلَى التَّأْوِيل وَاعْلَم أَن ابْن الْحَاجِب عرف الْعلم بِمَا يعم التَّصَوُّر وَذكر مباحثه وَالْمُصَنّف رَحمَه الله اقْتصر على مَا هُوَ الأهم فِي الْأُصُول وَتركهَا لقلَّة الِاحْتِيَاج إِلَيْهَا لِأَن الْمَقْصُود مِنْهُ بَيَان طرق الِاسْتِدْلَال بالأدلة الشَّرْعِيَّة على الْأَحْكَام، لَا طرق التَّعْرِيف بالمعرفات وَلما وَقع التَّعَرُّض للتصور، وَمِنْه الْحَد، وَقد ذكرُوا أَنه لَا يكْتَسب بالبرهان وَلَا يُعَارض وَلَا يمْنَع أَشَارَ إِلَى مَا يُفِيد هَذِه الْأَحْكَام، فَقَالَ (وَلَا دَلِيل) يُقَام (إِلَّا على نِسْبَة) إيجابية أَو سلبية، وَلَا نِسْبَة فِي تعقل حَقِيقَة الْحَد، فَلَا يُقَام عَلَيْهِ وَلَا يكْتَسب بِهِ (وَكَذَا الْمُعَارضَة) لِأَنَّهَا إِقَامَة الدَّلِيل على خلاف مَا أَقَامَ عَلَيْهِ الْخصم، وَكَذَا الْمَنْع، لِأَنَّهُ طلب الدَّلِيل على مُقَدّمَة الدَّلِيل (وَذَلِكَ) أَي إِقَامَة الدَّلِيل والمعارضة إِنَّمَا تكون (عِنْد ادعائها) أَي الصُّور التصورية (صُورَة كَذَا) ثَانِي مفعولي الادعاء (كصور الْحُدُود) أَي كادعاء صور الْحُدُود صور محدوداتها كَمَا إِذا ادعيت أَن الصُّورَة الْحَاصِلَة فِي الْعقل من الْحَيَوَان النَّاطِق صُورَة الْإِنْسَان (وَحِينَئِذٍ) أَي حِين يدعى ذَلِك فِي الْحُدُود (تقبل) صور الْحُدُود بِسَبَب انضمام الحكم الْمَذْكُور إِلَيْهَا (الْمَنْع) إِمَّا حَقِيقَة إِن أقيم عَلَيْهِ دَلِيل، وَإِمَّا مجَازًا إِن لم يقم (وَيدْفَع) الْمَنْع (فِي) الْحَد (الأسمى) وَهُوَ على مَا مر بَيَانه مَا وضع الِاسْم بإزائه، وَمنعه مَعْنَاهُ لَا نسلم كَون هَذَا مَا وضع بإزائه الِاسْم (بِالنَّقْلِ) مُتَعَلق بيدفع، فَإِن كَانَ لغويا ينْقل عَن أهل اللُّغَة، وَإِن كَانَ شَرْعِيًّا عَن أهل الشَّرْع، وعَلى هَذَا الْقيَاس (وَفِي) منع الْحَد (الْحَقِيقِيّ) بِأَن يُقَال لَا نسلم أَن هَذَا مَجْمُوع ذاتيات هَذَا الْمَحْدُود (الْعَجز) أَي عجز الحاد عَن دفع هَذَا الْمَنْع (لَازم) لِأَن معرفَة ذاتيات الماهيات الْحَقِيقِيَّة متعذرة، وَالْمرَاد تعذره بِالْقُوَّةِ الْعَاقِلَة، فَلَا يُنَافِي حُصُوله بالكشف الإلهي (لَا لما قيل) من أَنه (لَا يكْتَسب الْحَد بالبرهان للاستغناء عَنهُ) من جملَة الْمَقُول، وَكَذَا قَوْله (إِذْ ثُبُوت أَجزَاء الشَّيْء لَهُ لَا يتَوَقَّف إِلَّا على تصَوره) بَيَانه أَن الْحَد مَجْمُوع أَجزَاء الْمَحْدُود، وَلَا فرق بَينهمَا إِلَّا بالإجمال وَالتَّفْصِيل فتغايرهما اعتباري، وكما أَن ثُبُوت الشَّيْء لنَفسِهِ من غير اعْتِبَار تغاير بَينهمَا ضَرُورِيّ مستغن عَن الْبَيَان كَذَلِك مَعَ التغاير الاعتباري غَايَة الْأَمر فِيهِ تَفْصِيل الْأَجْزَاء بِثُبُوت أَجزَاء الشَّيْء لَهُ لَا يتَوَقَّف إِلَّا على تصور ذَلِك الشَّيْء تَفْصِيلًا، وَهُوَ حَاصِل فِي نفس الْحَد، ثمَّ علل النَّفْي بقوله (لِأَن الْفَرْض) أَي الْمَفْرُوض (جَهَالَة كَونهَا) أَي أَجزَاء الشَّيْء الَّتِي هِيَ الْحَد (أَجزَاء الصُّورَة الإجمالية) الَّتِي هِيَ الْمَحْدُود (ونسبتها) أَي تِلْكَ الْأَجْزَاء (إِلَيْهَا) أَي الصُّورَة الإجمالية (بالجزئية مُجَرّد دَعْوَى فَلَا يُوجِبهُ) أَي ثُبُوت كَونهَا أَجزَاء للصورة الإجمالية (إِلَّا دَلِيل) والمفروض عَدمه (أَو للدور) عطف على قَوْله للاستغناء أَي لَا يكْتَسب الْحَد بالبرهان للُزُوم
(1/29)

الدّور على تَقْدِير اكتسابه، لِأَن الِاسْتِدْلَال على ثُبُوت شَيْء لشَيْء يتَوَقَّف على تعقلهما فَلَزِمَ توقف الِاسْتِدْلَال على ثُبُوت الْحَد للمحدود على تعقل الْمَحْدُود، فَكَانَ تعقله مقدما بِالذَّاتِ على الِاسْتِدْلَال الْمَذْكُور، فَلَو اكْتسب الْحَد الْمُقدم بِالذَّاتِ على تعقل الْمَحْدُود بالبرهان لزم تقدم الْبُرْهَان على مَا هُوَ مقدم عَلَيْهِ: أَعنِي تعقل الْمَحْدُود، وَهَذَا هُوَ الدّور، ثمَّ علل نفي الْعَجز بِسَبَب الدّور بقوله (لِأَن توقف الدَّلِيل) إِنَّمَا هُوَ (على تعقل الْمَحْكُوم عَلَيْهِ بِوَجْه) مَا، وَمُوجب هَذَا تقدم تعقل الْمَحْدُود على الْبُرْهَان بِاعْتِبَار وَجه من وجوهه لَا على التَّعْيِين (وَهُوَ) أَي تعقل الْمَحْكُوم عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ الْمَحْدُود إِنَّمَا يتَوَقَّف (عَلَيْهِ) أَي الدَّلِيل (بِوَاسِطَة توقفه) أَي الْمَحْكُوم عَلَيْهِ (على الْحَد بحقيقته) وَمُوجب هَذَا تقدم الدَّلِيل على تعقل الْمَحْدُود بحقيقته وكنهه وَلَا مَحْذُور فِي أَن يكون تعقله لَا من حَيْثُ حَقِيقَته مقدما على الدَّلِيل، وَمن حَيْثُ حَقِيقَته مُؤَخرا عَنهُ (أَو لِأَنَّهُ) أَي الْبُرْهَان (إِنَّمَا يُوجب أمرا) وَهُوَ الْمَحْكُوم بِهِ (فِي الْمَحْكُوم عَلَيْهِ) لِأَن حَقِيقَته وسط يسْتَلْزم ذَلِك، وَقَوله أَو عطف على قَوْله للاستغناء أَو للدور (وبتقديره) أَي على تَقْدِير اكْتِسَاب الْحَد بالبرهان (يسْتَلْزم) الْبُرْهَان (عينه) أَي عين الْمَحْكُوم عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَحْدُود وَلَا يُوجب أمرا آخر فِيهِ، وَهَذَا خلاف مُوجب الْبُرْهَان، ثمَّ بَين نفي كَون الْعَجز مُعَللا بِهَذَا بقوله (لِأَنَّهُ) أَي استلزام الْبُرْهَان عينه: أَي عين الْمَحْكُوم عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَحْدُود (غير ضائر) لِأَن إِثْبَات عين الشَّيْء لَهُ من غير اعْتِبَار مُغَايرَة أصلا محَال أَو تَحْصِيل للحاصل.، وَأما إِذا تغايرا بِوَجْه مَا كالإجمال وَالتَّفْصِيل فَلَا يضر الِاتِّحَاد الذاتي لجَوَاز عدم الْعلم بالاتحاد والاحتياج فِيهِ إِلَى دَلِيل (فَإِن قَالَ) الْمُعَلل بِهَذَا الْإِثْبَات بطلَان اللَّازِم كَيفَ لَا يضر استلزام الْبُرْهَان عين الْمَحْدُود بِسَبَب اكْتِسَاب الْحَد بِهِ فَإِنَّهُمَا متحدان مَعَ أَنه يسْتَلْزم تعقل الْمَحْدُود قبل الْحَد ضَرُورَة تعقل الْمَطْلُوب قبل الدَّلِيل (وتعقلها) أَي عين الْمَحْدُود (إِنَّمَا يحصل بِالْحَدِّ) أَي بتعقله لكَونه أجزاءه فَيلْزم تقدم الشَّيْء على مَا هُوَ مقدم عَلَيْهِ (فكالأول) أَي فَالْجَوَاب عَن هَذَا التَّعْلِيل كالجواب عَن التَّعْلِيل الأول، وَهُوَ الِاسْتِغْنَاء عَن الْبُرْهَان إِذْ ثُبُوت أَجزَاء الشَّيْء إِلَى آخِره وَتَقْرِيره أَن قَوْلكُم وتعقل عين الْمَحْدُود يحصل بِالْحَدِّ غير مُسلم، لِأَن الْحَاصِل بِهِ المكتسب بالبرهان إِنَّمَا هُوَ تعقلها من حَيْثُ كَون الْحَد أَجزَاء لصورته الإجمالية وتعقلها الْمُتَقَدّم تصورها بِوَجْه مَا، وَلَا يخفى أَنه بِهَذَا التَّقْرِير أشبه بِالْجَوَابِ عَن التَّعْلِيل الثَّانِي، فَالْوَجْه أَن الْمَعْنى إِذا كَانَ الْبُرْهَان يسْتَلْزم عين الْمَحْدُود كَانَ نتيجة تعقلها، وَهُوَ حَاصِل بتعقل أَجزَاء الْحَد، فَلَا حَاجَة إِلَى الْبُرْهَان فَصَارَ مثل الأول بل عينه وَجَوَابه جَوَابه (بل لعدمه) أَي بل الْعَجز لَازم لعدم مَا يدْفع الْمَنْع الْوَارِد فِي الْحَد الْحَقِيقِيّ من برهَان يدل على كَون الْحَد ذاتيات الْمَحْدُود لتعذر معرفَة ذاتيات الماهيات الْحَقِيقِيَّة كَمَا مر غير
(1/30)

مرّة (فَإِن قيل) كَيفَ يحكم بِعَدَمِ الْبُرْهَان الْمَذْكُور و (المتعجب) مثلا وسط (يفِيدهُ) أَي إِثْبَات الْحَد للمحدود: أَي الْحَيَوَان النَّاطِق للْإنْسَان (كناطق) أَي كَأَن يُقَال الْإِنْسَان حَيَوَان نَاطِق (لِأَنَّهُ) أَي الْإِنْسَان (متعجب وكل متعجب) حَيَوَان نَاطِق، فالإنسان حَيَوَان نَاطِق (قُلْنَا) هَذَا الدَّلِيل (يُفِيد مُجَرّد ثُبُوته) أَي الْحَد الْمَذْكُور للمحدود للمساواة بَين النَّاطِق والمتعجب (وَالْمَطْلُوب) من الْبُرْهَان الْمَذْكُور مَا هُوَ (أخص مِنْهُ) أَي من مُجَرّد ثُبُوت الْحَد للمحدود وَهُوَ (كَونه) أَي كَون ثُبُوته (على وَجه الْجُزْئِيَّة) فَقَوله كَونه بدل من قَوْله أخص (فَالْحق حكم الإشراقيين) وهم قوم من الفلاسفة يؤثرون طَريقَة أفلاطون من الْكَشْف والعيان على طَريقَة أرسطو من الْبَحْث والبرهان (لَا يكْسب الْحَقِيقَة إِلَّا الْكَشْف) وَهُوَ علم ضَرُورِيّ تدْرك بِهِ حقائق الْأَشْيَاء يحصل بالرياضة غير مَقْدُور للمخلوق تَحْصِيله، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَهُوَ) أَي كَونهَا مكسوب الْكَشْف (معنى الضَّرُورَة) فِي قَول من قَالَ: لَا يكْتَسب بالبرهان، لكَونه ضَرُورِيًّا (وَكَذَا منع التَّمام) أَي وَكَذَا الْعَجز لَازم إِذا منع كَون الْحَد جَمِيع ذاتيات الْمَحْدُود لِأَن إِثْبَات الْمُقدمَة الممنوعة مَوْقُوف على معرفَة الْحَقِيقَة، وَقد عرفت منع تعذرها (فَلَو قَالَ) الحاد فِي دفع الْمَنْع الْمَذْكُور (لَو كَانَ) هَذَا الْحَد غير تَامّ (لم نعقلها) أَي حَقِيقَة الْمَحْدُود بالكنه لتعذره بِدُونِ تعقل جَمِيع الذاتيات لَكنا عقلناها بالكنه (منع نفي التَّالِي) بِأَن يَقُول لَا نسلم أَنَّك عقلتها بالكنه (فالاعتراض) على الْحَد (بِبُطْلَان الطَّرْد) وَهُوَ كَونه مَانِعا بِأَن يُقَال هَذَا الْحَد غير مَانع لصدقه على غير الْمَحْدُود، وَهُوَ كَذَا (وَالْعَكْس) وَهُوَ كَونه جَامعا بِأَن يُقَال غير جَامع لعدم صدقه على كَذَا لفرد من أَفْرَاد الْمَحْدُود (بِنَاء على الِاعْتِبَار فِي الْمَفْهُوم وَعَدَمه) أَي بِنَاء على اعْتِبَار الْمُعْتَرض فِي مَفْهُوم الْمَحْدُود مَا لم يعتبره الحاد فَصدق الْحَد بِسَبَب ذَلِك على غير الْمَحْدُود، أَو على عدم اعْتِبَاره فِيهِ مَا اعْتَبرهُ الحاد، فَخرج بِسَبَب ذَلِك فَرد من الْمَحْدُود (فَإِنَّمَا يُورد) الِاعْتِرَاض بِكُل مِنْهُمَا (عَلَيْهِ) أَي الْحَد (من حَيْثُ هُوَ) أَي الْحَد (اسمى) وَهُوَ كَمَا مر مَا وضع الِاسْم بإزائه لَا من حَيْثُ هُوَ حَقِيقِيّ (وَالنَّظَر حَرَكَة النَّفس من المطالب) التصورية أَو التصديقية (أَي فِي الكيف) لما فسر النّظر بالحركة، وَلَا بُد لَهَا من متحرك، ومبدأ ومنتهى، وَمَا تقع فِيهِ من الأين، أَو الْوَضع، أَو الْكمّ، أَو الكيف عين الأول بِأَنَّهُ النَّفس الناطقة، وَالثَّانِي بِأَنَّهُ المطالب، وَالثَّالِث بِأَنَّهُ الكيف، وَالرَّابِع بِأَنَّهُ المبادي بقوله (طالبة للمبادي) وَهِي المعلومات التصورية أَو التصديقية الْمُنَاسبَة للمطالب الْمَذْكُورَة المفضية إِلَى الْعلم بهَا، ثمَّ بَين كَيْفيَّة حركتها بَين المطالب والمبادي فِي الكيف بقوله (باستعراض الصُّور: أَي
(1/31)

تكيفها بِصُورَة صُورَة) تَصْرِيح بِأَن الْعلم من الكيفيات النفسانية، وكما أَن الْجِسْم يَتَحَرَّك فِي الكيفيات المحسوسة كالعنب يصفر، ثمَّ يحمر، ثمَّ يسود كَذَلِك النَّفس تتكيف بِصُورَة بعد صُورَة من حِين تتَوَجَّه من الْمَطْلُوب نَحْو المبادي إِلَى أَن تحصل الْمُنَاسب وترتبه، وَعبر عَن التكيف الْمَذْكُور باستعراض الصُّور، لِأَن النَّفس عِنْد ذَلِك كَأَنَّهَا طالبة لعروض تِلْكَ الصُّور لَهَا (لتجد الْمُنَاسب) كَمَا أَن الإبصار يتَوَقَّف على مُوَاجهَة المبصر وتقليب الحدقة نَحوه وَإِزَالَة الغشاوة كَذَلِك إِدْرَاك البصيرة يتَوَقَّف على التَّوَجُّه نَحْو الْمَطْلُوب وتحديقها نَحْو طلبا لإدراكه وَتَجْرِيد الْعقل عَن الْغَفْلَة، وَلَا شُبْهَة فِي أَن كل مَجْهُول لَا يُمكن اكتسابه من أَي مَعْلُوم اتّفق، بل لَا بُد لَهُ من مَعْلُومَات مُنَاسبَة، وَمن تَرْتِيب معِين بَينهَا، وَمن حيثية مَخْصُوصَة (وَهُوَ) أَي الْمُنَاسب فِي النّظر الْوَاقِع للمطلوب التصديقي (الْوسط) سمي بِهِ، لِأَنَّهُ هُوَ الْوَاسِطَة للْحكم فِي ثُبُوت الْمَحْكُوم بِهِ للمحكوم عَلَيْهِ (فترتبه مَعَ طرفِي الْمَطْلُوب) يَعْنِي مَوْضُوعه ومحموله بِأَن يحمل عَلَيْهِمَا، أَو يحملا عَلَيْهِ، أَو يحمل على مَوْضُوعه، وَيحمل محموله عَلَيْهِ، أَو الْعَكْس (على وَجه مُسْتَلْزم) للمطلوب بِأَن يكون مستجمعا شَرَائِط الإنتاج على مَا سَيَجِيءُ، وَهُوَ شَامِل للنَّظَر الصَّحِيح وَالْفَاسِد، لِأَن التَّرْتِيب على وَجه مُسْتَلْزم لَا يسْتَلْزم صِحَة النّظر، لِأَن الْفساد قد يكون من حَيْثُ الْمَادَّة على أَنه لَو أُرِيد بِالْوَجْهِ المستلزم مَا هُوَ بِحَسب ظن النَّاظر يجوز أَن يكون الْفساد من حَيْثُ الصُّورَة أَيْضا، فَالْمُرَاد بالمناسب مَا هُوَ مُنَاسِب بِحَسب اعْتِقَاده، وَالْأَظْهَر أَن الْمُعَرّف هَهُنَا النّظر التصديقي كَمَا لَا يخفى على النَّاظر فِي التَّعْرِيف، فَإِن قلت التَّخْصِيص مَا ذكرت لَهُ وجهة نظر إِلَى مَا هُوَ الْمَقْصُود فِي الْأُصُول فَمَا وَجه التَّخْصِيص بِالْقِيَاسِ الاقتراني؟ قلت الاستثنائي يرجع إِلَيْهِ مَآلًا يرشدك إِلَيْهِ مَا فِي الشَّرْح العضدي، من أَنه لَا بُد فِي الدَّلِيل من مُسْتَلْزم للمطلوب حَاصِل للمحكوم عَلَيْهِ ليلزم من ثُبُوته لَهُ ثُبُوت لَازمه لَهُ، فَيكون الْحَاصِل جزئيا، وَلذَا وَجَبت فِيهِ المقدمتان لتنبئ إِحْدَاهمَا عَن اللُّزُوم، وَهِي الْكُبْرَى وَالْأُخْرَى عَن ثُبُوت اللُّزُوم، وَهِي الصُّغْرَى فَإِن قلت هَذَا مُخْتَصّ بِبَعْض الدَّلَائِل، وَإِلَّا فَمَا تَقْرِيره فِي نَحْو لَا شَيْء من الْملح بمقتات وكل رِبَوِيّ مقتات، وَفِي نَحْو لَو كَانَ الْملح ربويا لَكَانَ مقتاتا وَلَيْسَ فَلَيْسَ، قُلْنَا مهما جعلنَا الْمَطْلُوب وَالْوسط هما النَّفْي أَو الْإِثْبَات يَزُول هَذَا الْوَهم، وَتَقْرِيره فِي المثالين أَن نفي الاقتيات حَاصِل لَهُ، ويستلزم نفي الربوية، وَفِي الثَّانِي كَذَلِك انْتهى، فَيصير الْقيَاس هَكَذَا الْملح مُنْتَفٍ عَنهُ الاقتيات، وكل مَا انْتَفَى عَنهُ الاقتيات مُنْتَفٍ عَنهُ الربوية ينْتج أَن الْملح مُنْتَفٍ عَنهُ الربوية، قَوْله مهما جعلنَا إِلَى آخِره، يَعْنِي أَن منشأ الْوَهم توهم أَن المُرَاد بالمطلوب هُوَ النتيجة، وبالوسط الْحَد الْأَوْسَط، وبحصوله للمحكوم
(1/32)

عَلَيْهِ أَن يحمل عَلَيْهِ بِالْإِيجَابِ وَلَيْسَ كَذَلِك، بل المُرَاد بالمطلوب النَّفْي، أَو الْإِثْبَات بَين الْأَكْبَر والأصغر، وبالمستلزم الْإِثْبَات أَو النَّفْي بَين الْأَوْسَط والأصغر، وَلَا يخفى أَن الحدس وَمَا يتوارد على النَّفس من الْمعَانِي بِلَا قصد خَارج عَن الْحَد (وَالدَّلِيل) ذكر القَاضِي عضد الدّين أَنه فِي اللُّغَة يَأْتِي لثَلَاثَة معَان: أَحدهَا المرشد، وَعبر عَنهُ الْآمِدِيّ: بالناصب للدليل وَالْمُصَنّف بقوله (الْموصل بِنَفسِهِ) وَالثَّانِي: الذاكر لَهُ، وَعبر عَنهُ بقوله (والذاكر لما فِيهِ إرشاد، و) الثَّالِث (مَا بِهِ الْإِرْشَاد) كالأحجار المنصوبة فِي الطّرق، فَيُقَال الدَّلِيل على الصَّانِع: هُوَ الصَّانِع، أَو الْعَالم أَو الْعَالم، لِأَن الصَّانِع نصب الْعَالم دَلِيلا عَلَيْهِ، والعالم بِكَسْر اللَّام يذكر للمستدلين كَون الْعَالم دَلِيلا على الصَّانِع، والعالم بِالْفَتْح: هُوَ الَّذِي بِهِ الْإِرْشَاد، وَقَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ رَحمَه الله: هُوَ فعيل بِمَعْنى فَاعل من الدّلَالَة: وَهِي أَعم من الْإِرْشَاد وَالْهِدَايَة انْتهى. وَإِنَّمَا اخْتَار المُصَنّف رَحمَه الله الْموصل بِنَفسِهِ على المرشد والناصب، لِأَن الأول يُطلق على مَا بِهِ الْإِرْشَاد وَلَو مجَازًا، وَالثَّانِي يُطلق على من ينصب عَلامَة فِي الطَّرِيق وَغَيره من النَّاس، وَلَا يُطلق الدَّلِيل على شَيْء مِنْهُمَا بِاعْتِبَار الْمَعْنى الأول، وَإِنَّمَا يُطلق بِاعْتِبَارِهِ على ناصب الْعَالم دَلِيلا: وَهُوَ الصَّانِع جلّ ذكره وَلَا يصدق الْموصل بِنَفسِهِ إِلَى الْمَقْصُود على غَيره، لِأَن كل من هُوَ غَيره يُوصل بِوَاسِطَة (وَفِي الِاصْطِلَاح) للأصوليين (مَا يُمكن التَّوَصُّل بذلك النّظر) إِشَارَة إِلَى مَا ذكر تَعْرِيفه (فِيهِ) الضَّمِير عَائِد على الْمَوْصُول (إِلَى مَطْلُوب خبري) الْجَار مُتَعَلق بالتوصل، وَكلمَة مَا بِمَعْنى الشَّيْء جنس وَمَا عداهُ فصل، وَفِي اعْتِبَار الْإِمْكَان إِشَارَة إِلَى أَن وُقُوع النّظر والتوصل بِالْفِعْلِ غير لَازم، بل يَكْفِي إِمْكَانه، وَقيد ابْن الْحَاجِب النّظر فِي هَذَا التَّعْرِيف بِالصَّحِيحِ، وَعلله الشَّارِح بِأَن الْفَاسِد لَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى الْمَطْلُوب وَإِن كَانَ قد يفضى إِلَيْهِ اتِّفَاقًا، وَلَا يخفى عَلَيْك أَنه على هَذَا يُغني قيد التَّوَصُّل عَن ذَلِك التَّقْيِيد، وَلذَا اكْتفى بِهِ المُصَنّف رَحمَه الله، وَصِحَّة النّظر أَن يكون فِيهِ وَجه الدّلَالَة أَعنِي مَا بِهِ ينْتَقل الذِّهْن كالحدوث للْعَالم، وفساده بِخِلَافِهِ كَمَا فِي قَوْلنَا الْعَالم بسيط وكل بسيط لَهُ صانع، إِذْ لَيست البساطة مِمَّا ينْتَقل مِنْهُ إِلَى ثُبُوت الصَّانِع، وَإِن أفْضى إِلَيْهِ فِي الْجُمْلَة، وَهَذَا فَسَاد من حَيْثُ الْمَادَّة، وَأما من حَيْثُ الصُّورَة فكانتفاء شَرط من شُرُوط الإنتاج فِي الأشكال وَقَالَ السَّيِّد السَّنَد: أَن الحكم بِكَوْن الْإِفْضَاء فِي الْفَاسِد اتفاقيا إِنَّمَا يَصح إِذا لم يكن بَين الكواذب ارتباط عَقْلِي يصير بِهِ بَعْضهَا وَسِيلَة إِلَى الْبَعْض، أَو يخص بِفساد الصُّورَة؟ أَو بِوَضْع مَا لَيْسَ بِدَلِيل مَكَانَهُ انْتهى، قَالَ بعض الشَّارِحين رَحِمهم الله، وَأُرِيد بِالنّظرِ فِيهِ مَا يتَنَاوَل النّظر فِيهِ نَفسه وَفِي صِفَاته وأحواله، فَيشْمَل الْمُقدمَات الَّتِي هِيَ بِحَيْثُ إِذا رتبت أدَّت إِلَى الْمَطْلُوب
(1/33)

الخبري، والمفرد الَّذِي من شَأْنه أَنه إِذا نظر فِي أَحْوَاله أوصل إِلَيْهِ كالعالم، وَأما إِذا أخذت الْمُقدمَات مَعَ التَّرْتِيب فَلَا معنى للنَّظَر، وحركة النَّفس فِي الْأُمُور الْحَاضِرَة الْمرتبَة، وَقَوله خبري احْتِرَازًا عَمَّا يُمكن التَّوَصُّل بِهِ إِلَى مَطْلُوب تصوري ويشمل مَا كَانَ بطرِيق الْعلم وَالظَّن (فَهُوَ) أَي الدَّلِيل (مُفْرد) يَعْنِي مَا يُقَابل الْجُمْلَة، ومبني هَذَا التَّفْرِيع على أَن المُرَاد بِمَا يُمكن هُوَ الْمَوْجُود الْعَيْنِيّ الَّذِي بِهِ التَّوَصُّل كالعالم، لَا القضايا والتصديقات، وَمَا سبق من التَّعْمِيم: إِنَّمَا هُوَ مُقْتَضى ظَاهر التَّعْرِيف (قد يكون) ذَلِك الْمُفْرد (الْمَحْكُوم عَلَيْهِ فِي الْمَطْلُوب) الخبري (كالعالم) فِي قَوْلنَا: الْعَالم حَادث، فَإِنَّهُ يتَوَصَّل بِالنّظرِ فِي حَاله: وَهُوَ الْمُتَغَيّر بِأَن نحمله عَلَيْهِ مثلا، ثمَّ نجعله مَوْضُوعا للحادث فينتج (أَو الْوسط) عطف على الْمَحْكُوم عَلَيْهِ كالمتغير فِي الْمِثَال الْمَذْكُور فَإِنَّهُ يتَوَصَّل بِالنّظرِ فِيهِ بجعله مَحْمُولا فِي الصُّغْرَى وموضوعا فِي الْكُبْرَى إِلَى الْمَطْلُوب الْمَذْكُور 0 (وَلَو كَانَ) كَونه مَحْكُومًا عَلَيْهِ أَو حدا أَوسط (معنى) أَي من جِهَة الْمَعْنى والمآل، لَا بِحَسب ظَاهر الْحَال (فِي السمعيات) ظرف لكَونه معنى، وَالْمرَاد بهَا الْأَدِلَّة السمعية، فَإِنَّهَا بِحَيْثُ إِذا فصلت وأبرزت فِي صُورَة الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة يظْهر عِنْد ذَلِك أَن مَا هُوَ منَاط الِاسْتِدْلَال مَحْكُوم عَلَيْهِ أَو حد أَوسط (وَمِنْه) أَي من الدَّلِيل الْمُفْرد (نَحْو أقِيمُوا الصَّلَاة) وَإِن كَانَ جملَة صُورَة، لِأَن الْجُمْلَة إِذا أُرِيد بهَا لَفظهَا كَانَت مُفردا، فَهُوَ دَلِيل مُفْرد يتَوَصَّل بِالنّظرِ فِيهِ إِلَى مَطْلُوب خبري نَفسه مَحْكُومًا عَلَيْهِ فِيهِ، وَصفته حد أَوسط فِيهِ، تَقْرِيره أقِيمُوا الصَّلَاة أَمر بإقامتها. وَالْأَمر بإقامتها يُفِيد الْوُجُوب، فأقيموا الصَّلَاة يفِيدهُ (ذكر كل) من هذَيْن يَعْنِي الْعَالم، وَأقِيمُوا الصَّلَاة إِنَّه دَلِيل اصْطِلَاحا (إِلَّا أَن من أفرد) أَي قَالَ بِأَن الدَّلِيل مُفْرد (وَأدْخل الِاسْتِدْلَال فِي مُسَمّى الدَّلِيل) كالآمدي وَابْن الْحَاجِب فَإِنَّهُمَا ذكرا أَن من أَقسَام الدَّلِيل السمعي الِاسْتِدْلَال زِيَادَة على الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس (فَهُوَ ذاهل) عَن اعْتِبَاره الْإِفْرَاد فِي مُسَمَّاهُ، وَإِلَّا لما أَدخل فِيهِ مَا لَيْسَ بمفرد، فَإِن الِاسْتِدْلَال ثَلَاثَة: التلازم، وَشَرَائِع من قبلنَا، والاستصحاب، وَقيل: وَالِاسْتِحْسَان، وَقيل بل الْمصَالح الْمُرْسلَة، وَسَيَجِيءُ بَيَانه، والتركيب لَازم فِي التلازم (وَعند المنطقيين) الدَّلِيل (مَجْمُوع الْمَادَّة) وَهِي المعلومات التصديقية الَّتِي ترتبت (وَالنَّظَر: فَهُوَ الْأَقْوَال) وَالْقَوْل الْمركب التَّام الْمُحْتَمل للصدق وَالْكذب، وَالْمرَاد بِالْجمعِ مَا فَوق الْوَاحِد (المستلزمة) قولا آخر، حذفه لشهرته (وَلَا تخرج) عَن التَّعْرِيف (الأمارة) كَقَوْلِك إِن كَانَت بغلة القَاضِي على بَابه فَهُوَ فِي الْمنزل لَكِنَّهَا على بَابه (وَلَو يُزَاد لنَفسهَا) بعد المستلزمة لِأَنَّهَا تَسْتَلْزِم لذاتها استلزاما ظنيا كَون القَاضِي فِي الْمنزل (بل) يُرَاد (ليخرج قِيَاس الْمُسَاوَاة) وَهُوَ مَا ركب من قضيتين مُتَعَلق مَحْمُول أولاهما مَوْضُوع الْأُخْرَى كأمساو لب وب مسَاوٍ لج، ينْتج أمساولج، لَكِن لَا لذاته، بل بِوَاسِطَة مُقَدّمَة أَجْنَبِيَّة كَمَا أَشَارَ
(1/34)

إِلَيْهِ بقوله (لِأَنَّهُ) (أَي الاستلزام للأجنبية) وَهِي أَن كل مسَاوٍ لمساوي الشَّيْء مسَاوٍ لذَلِك الشَّيْء، وَلذَا لَا ينْتج أمباين لب وب مباين لج لعدم صدق الْأَجْنَبِيَّة هُنَا (وَلَا حَاجَة) إِلَى هَذِه الزِّيَادَة لإخراجه (لأعميته) أَي الدَّلِيل مَا هُوَ مُسْتَلْزم بِنَفسِهِ وَمَا هُوَ بِوَاسِطَة (فَيدْخل) قِيَاس الْمُسَاوَاة فِي الدَّلِيل وَلَا مَحْظُور، غَايَة الْأَمر يسْتَلْزم كَون الدَّلِيل أَعم من الْقيَاس، ثمَّ إِنَّه وَقع فِي عبارَة كَثِيرَة: مَتى سلمت لزم عَنْهَا فَقَالَ (وَلَا) حَاجَة (لقيد التَّسْلِيم) اللَّام بِمَعْنى إِلَى (لِأَنَّهُ) أَي قيد التَّسْلِيم (لدفع الْمَنْع) الَّذِي يتَوَهَّم وُرُوده على أَفْرَاد الْقيَاس (لَا) لِأَنَّهُ شَرط (للاستلزام) أَي استلزام الْأَقْوَال (لِأَنَّهُ) لَازم (للصورة) أَي لصورتها الْحَاصِلَة من ترتيبها، وَإِذا كَانَ لَازِما لَهَا (فتستلزم) الْأَقْوَال مَا تستلزمه الصُّورَة، لَكِن الصُّورَة لَازِمَة لتِلْك الْأَقْوَال (دَائِما على نَحْوهَا) أَي الْأَقْوَال، فَإِن كَانَت قَطْعِيَّة استلزمت قَطْعِيا، وَإِن كَانَت ظنية استلزمت ظنيا، وَإِن كَانَت صَادِقَة أنتجت صَادِقا وَإِلَّا كَاذِبًا، وَلَك إرجاع ضمير فتستلزم إِلَى الصُّورَة وَالْمعْنَى ظَاهر، فَعلم أَن معنى قَوْلهم: مَتى سلمت حَاصِل وَإِن لم يذكر (وَلزِمَ) من الْعلم بِحَقِيقَة النّظر (سبق الشُّعُور بالمطلوب) على النّظر وَالدَّلِيل، لِأَن حَرَكَة النَّفس مِنْهُ نَحْو مباديه، ثمَّ مِنْهَا إِلَيْهِ فرع تصَوره كَمَا هُوَ شَأْن الْعلَّة الغائية، فَإِن طلب الْمَجْهُول محَال (كطرفي الْقَضِيَّة وكيفيتي الحكم): أَي كلزوم سبق الشُّعُور بالمحكوم عَلَيْهِ وَبِه الشُّعُور بكيفيتي النِّسْبَة الْوُقُوع واللاوقوع: يَعْنِي تصورهما بِلَا إذعان على الْقَضِيَّة لِأَنَّهَا عبارَة عَن المعلومات الْأَرْبَعَة وتحققها فِي الذِّهْن بِدُونِ الشُّعُور بهَا محَال، وَاكْتفى بِذكر كيفيتي النِّسْبَة عَنْهَا لِأَنَّهُمَا لَا يتصوران بِدُونِهَا، وكما أَن سبق الشُّعُور بِمَا ذكر بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقَضِيَّة لَازم كَذَلِك بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يتركب مِنْهَا: وَهُوَ الدَّلِيل (والتردد) أَي وَلُزُوم تردد النَّاظر والمستدل قبل التَّوَصُّل بِهِ إِلَى الْمَطْلُوب (فِي) أَن (ثُبُوت أَحدهمَا) وَهُوَ الْمَحْكُوم بِهِ للْآخر وَهُوَ الْمَحْكُوم عَلَيْهِ (على أَي كيفيتيه) من الْوُقُوع أَو اللاوقوع ضَرُورَة الْعلم بتحقق أَحدهمَا، لَا على التَّعْيِين، وَإِلَّا يلْزم ارْتِفَاع النقيضين، وَإِنَّمَا قُلْنَا بِلُزُوم التَّرَدُّد لِئَلَّا يلْزم الِاسْتِغْنَاء عَن الدَّلِيل، فَلم يلْزم طلب مَا لَا شُعُور بِهِ وَلَا طلب مَا هُوَ حَاصِل وَلَا عدم معرفَة أَنه الْمَطْلُوب إِذا حصل، وَلما ذكر الرَّازِيّ امْتنَاع اكْتِسَاب الْمَطْلُوب التصوري، لِأَنَّهُ إِمَّا مشعور بِهِ فَيلْزم تَحْصِيل الْحَاصِل، وَأما لَيْسَ بمشعور بِهِ فَيلْزم طلب الْمَجْهُول الْمُطلق، أَرَادَ أَن يدْفع ذَلِك فَقَالَ (والمحدود مَعْلُوم) للحاد (من حَيْثُ هُوَ مُسَمّى) للفظ معِين عِنْده مَجْهُول من حَيْثُ الْحَقِيقَة (فيطلب أَنه) أَي الْمَحْدُود (أَي مَادَّة مركبة) من الْموَاد المركبة: يَعْنِي أَن الحاد بعد علمه بالمحدود من حَيْثُ أَنه مُسَمّى بِهَذَا اللَّفْظ يطْلب حَقِيقَته المركبة من ذاتياته فَيتَوَجَّه نَحْو الْموَاد المركبة من ذاتيات الماهيات ليتعين عِنْده مِنْهَا مَا هُوَ حَقِيقَة فِي نفس الْأَمر بأمارات تدل على ذَلِك، وَهَذَا مَبْنِيّ على أَن الْبَسِيط لَا يكْتَسب
(1/35)

بِالْحَدِّ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وتجويز الِانْتِقَال) عَن الْمَطْلُوب الْمَعْلُوم بِوَجْه عِنْد حَرَكَة النَّفس نَحْو المبادي (إِلَى) مبدأ (بسيط) مُنَاسِب للمطلوب (يلْزمه الْمَطْلُوب لَيْسَ) شَيْئا يعْتد (بِهِ وَلَو كَانَ) الِانْتِقَال الْمَذْكُور مَسْبُوقا (بِالْقَصْدِ) فَلَا يتَوَهَّم أَن المُرَاد بالانتقال الْمَذْكُور مَا لم يكن مَسْبُوقا بِقصد تَحْصِيل الْمَطْلُوب: وَهُوَ الْمُوجب لعدم الِاعْتِدَاد بِهِ لفَوَات شَرط النّظر (إِذْ لَيْسَ النّظر الْحَرَكَة الأولى) أَي حَرَكَة النَّفس من الْمَطْلُوب إِلَى المبادي، بل هِيَ وَالْحَرَكَة الثَّانِيَة وَهِي حركتها من المبادي إِلَى الْمَطْلُوب، أَشَارَ إِلَى أَن الِانْتِقَال الْمَذْكُور لَيْسَ شَيْئا غير الْحَرَكَة الأولى، وَالنَّظَر لَا يتَحَقَّق بمجرها، وَذَلِكَ أَن الِانْتِقَال من الْمَطْلُوب إِلَى بسيط يلْزمه الْمَطْلُوب حَرَكَة وَاحِدَة، لِأَن الْمَلْزُوم وَاللَّازِم متحدان بِالزَّمَانِ فَلَا يُمكن اعْتِبَار حَرَكَة ثَانِيَة من ذَلِك الْبَسِيط إِلَى الْمَطْلُوب، وَلما كَانَ الْمَفْهُوم من بعض عِبَارَات الْقَوْم أَن الْحَرَكَة الأولى تَسْتَلْزِم الثَّانِيَة، وَكَانَ يتَّجه على ذَلِك أَن يُقَال سلمنَا أَن النّظر مَجْمُوع الحركتين، لَكِن الأولى تَسْتَلْزِم الثَّانِيَة، وَعند تحقق الْمَلْزُوم يتَحَقَّق اللَّازِم لَا محَالة، وَحِينَئِذٍ يتَحَقَّق النّظر، أَشَارَ إِلَى دفع ذَلِك بقوله (إِذْ لَا تَسْتَلْزِم) الْحَرَكَة الأولى الْحَرَكَة (الثَّانِيَة بِخِلَاف الثَّانِيَة) فَإِنَّهَا تَسْتَلْزِم الأولى (وَلذَا) أَي وَلكَون الثَّانِيَة تَسْتَلْزِم الأولى (وَقع التَّعْرِيف) أَي تَعْرِيف النّظر (بهَا) أَي بالحركة الثَّانِيَة من غير ذكر الأولى مَعهَا كترتيب أُمُور الخ: أَي مَعْلُومَة للتأدي إِلَى مَجْهُول، أَو على وَجه يُؤَدِّي إِلَى استلزام مَا لَيْسَ بِمَعْلُوم، بَيَان ذَلِك أَن النَّفس إِذا تَوَجَّهت من الْمَطْلُوب نَحْو المبادي وتحركت فِي الكيف بِأَن تكيفت بِوَاحِد بعد وَاحِد من الْمعَانِي المخزونة عِنْدهَا إِلَى أَن ظَفرت بمباديه الْمُنَاسبَة انْتهى عِنْد ذَلِك حركتها الأولى، وَعند ذَلِك تبدأ بحركتها الثَّانِيَة فترتب تِلْكَ المبادي بحملها الْأَوْسَط على الْأَصْغَر والأكبر على الْأَوْسَط، وَغير ذَلِك حَتَّى تَنْتَهِي إِلَى الْمَطْلُوب، وَهَذِه حركتها الثَّانِيَة، وَقد اعْتبر فِيهَا أَن يكون مبدؤها من حَيْثُ تَنْتَهِي إِلَيْهِ الْحَرَكَة الأولى، فَلذَلِك استلزمتها، وَالْأولَى بِمَنْزِلَة الْمَادَّة للفكر، وَالثَّانيَِة بِمَنْزِلَة الصُّورَة لَهُ. وَقد علم بذلك أَنه لَا بُد فِي النّظر من مَجْمُوع الحركتين وَمن التَّرْتِيب الْمَذْكُور، ثمَّ الْكَلَام فِي أَن هَذَا التَّرْتِيب هَل هُوَ عين الْحَرَكَة الثَّانِيَة المستلزمة للأولى، أَو هما متلازمان وَأَن النّظر هَل هُوَ عين الحركتين أَو التَّرْتِيب، فَإِنَّمَا هُوَ نزاع فِي إِطْلَاق اللَّفْظ على مَا حَقَّقَهُ السَّيِّد السَّنَد، وَقد فسر بِكُل مِنْهُمَا وَبِكُل من الحركتين أَيْضا بطرِيق الِاكْتِفَاء بِذكر أحد جزئي الشَّيْء عَنهُ وَالله أعلم (وَقد ظهر) من تَعْرِيف النّظر وَالدَّلِيل (أَن فَسَاد النّظر) بأمرين (بِعَدَمِ الْمُنَاسبَة) بَين المبادي وَالْمَطْلُوب بِحَيْثُ لَا يُفْضِي الْعلم بهَا إِلَى الْعلم بِهِ (وَهُوَ) أَي عدم الْمُنَاسبَة (فَسَاد الْمَادَّة) كَمَا إِذا جعلت مَادَّة حُدُوث الْعَالم بساطته (وَعدم ذَلِك الْوَجْه) إِشَارَة إِلَى مَا ذكر فِي تَعْرِيف النّظر من قَوْله على وَجه يسْتَلْزم
(1/36)

فَإِنَّهُ عبارَة عَن الصُّور كَمَا أَفَادَ بقوله (وَهُوَ) أَي ذَلِك الْوَجْه (جعل الْمَادَّة) مرتبَة (على حد معِين) من وُجُوه التَّرْتِيب (فِي انتساب بَعْضهَا) أَي الْمَادَّة (إِلَى بعض) كَمَا صورناه فِي تركيب الْحَد الْأَوْسَط مَعَ طرفِي الْمَطْلُوب إِجْمَالا، وتفصيله مَا أَفَادَهُ بقوله (وَذَلِكَ) الْحَد الْمعِين (طرق) أَرْبَعَة (الأول مُلَازمَة بَين مفهومين، ثمَّ نفي اللَّازِم لينتفي الْمَلْزُوم، أَو إِثْبَات الْمَلْزُوم ليثبت اللَّازِم) أَي الأول، خلاصته مُلَازمَة بَين مفهومين هما مَضْمُونا قضيتين الْمُقدم والتالي، ثمَّ نفي اللَّازِم الَّذِي هُوَ التَّالِي لينتج نفي الْمَلْزُوم، أَو إِثْبَات الْمَلْزُوم الَّذِي هُوَ الْمُقدم لينتج ثُبُوت اللَّازِم، فَهُوَ بِالْحَقِيقَةِ مقدمتان شَرْطِيَّة مُتَّصِلَة مُوجبَة لزومية واستثنائية حملية هِيَ عين مقدم الشّرطِيَّة الْمَذْكُورَة، أَو نقيض تَالِيهَا، وَيُقَال لَهُ الْقيَاس الاستثنائي لما فِيهِ من اسْتثِْنَاء عين الْمُقدم أَو نقيض التَّالِي كَمَا عَلَيْهِ الْمُقدم والتالي ونقيضهما فِي صدر الْكَلَام من كَونهَا مَشْكُوك الْوُجُود والعدم وَكَون الْمُقدمَة الثَّانِيَة فِيهِ مصدرة بأداة الِاسْتِثْنَاء: أَعنِي كلمة لَكِن (أَو نفي الْمَلْزُوم لنفي اللَّازِم فِي الْمُسَاوَاة) يَعْنِي فِيمَا إِذا كَانَ الْمُقدم والتالي متساويين فِي التحقق بِأَن يكون كل مِنْهُمَا لَازِما للْآخر ينْتج نفي الْمُقدم نفي التَّالِي، لِأَن نفي اللَّازِم يسْتَلْزم نفي الْمَلْزُوم، وَكَذَا ينْتج ثُبُوت التَّالِي ثُبُوت الْمُقدم، لِأَن ثُبُوت الْمَلْزُوم يسْتَلْزم ثُبُوت اللَّازِم، وَإِلَيْهِ أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (أَو ثُبُوت اللَّازِم لثُبُوت الْمَلْزُوم فِيهِ) أَي التَّسَاوِي (أَيْضا) غير أَن شَارِح الْمُخْتَصر قَالَ: وَلَا يلْزم من اسْتثِْنَاء نقيض الْمُقدم نقيض التَّالِي وَلَا من اسْتثِْنَاء عين التَّالِي عين الْمُقدم لجَوَاز أَن يكون اللَّازِم أَعم، نعم لَو قدر التَّسَاوِي لزم ذَلِك، وَلَكِن لخُصُوص الْمَادَّة لَا لنَفس صُورَة الدَّلِيل، وَهُوَ بِالْحَقِيقَةِ لملاحظة لُزُوم الْمُقدم للتالي وَهُوَ مُتَّصِل آخر، وَالْمُصَنّف رَحمَه الله نظر إِلَى أصل الإنتاج وَقطع النّظر عَن نفس صورته كَمَا هُوَ اللَّائِق باعتبارات الْأُصُولِيِّينَ، أَلا ترى أَنه أَدخل قِيَاس الْمُسَاوَاة فِي الدَّلِيل، والمنطقيون أَخْرجُوهُ مِنْهُ (كَانَ) كَانَ هَذَا الْفِعْل وَاجِبا (أَو كلما) كَانَ هَذَا الْفِعْل وَاجِبا (أَو لَو كَانَ) هَذَا الْفِعْل (وَاجِبا فتاركه يسْتَحق الْعقَاب) فَهَذِهِ شَرْطِيَّة كَمَا ذكر (لَكِن لَا يسْتَحق) تَارِك هَذَا الْفِعْل الْعقَاب، فَهَذِهِ الحملية الْمَذْكُورَة مضمونها نفي التَّالِي ينْتج نفي الْمُقدم، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (فَلَيْسَ) هَذَا الْفِعْل وَاجِبا (أَو وَاجِب) عطف على قَوْله لَا يسْتَحق: أَي لَكِن هَذَا الْفِعْل وَاجِب ينْتج إِثْبَات اللَّازِم أَعنِي (فَيسْتَحق) تَاركه الْعقَاب، وَلما كَانَ الْمِثَال الْمَذْكُور من صور الْمُسَاوَاة، لِأَن كل وَاجِب يستحن تَاركه الْعقَاب، وكل مَا يسْتَحق تَاركه الْعقَاب وَاجِب صور الْوُجُوه الْأَرْبَعَة فِيهِ فَقَالَ (أَو لَيْسَ وَاجِبا) مِثَال لنفي الْمَلْزُوم ينْتج نفي اللَّازِم أَعنِي (فَلَا يسْتَحق تَاركه) غَايَة الْأَمر أَنه لم يُصَرح بِذكر الرَّابِع اعْتِمَادًا على فهم الْمُخَاطب واكتفاء بِالْإِشَارَةِ، وَهُوَ: أَي يسْتَحق فَهُوَ وَاجِب (الطَّرِيق الثَّانِي) الْقيَاس الاستثنائي الْمُنْفَصِل، وَهُوَ أَيْضا
(1/37)

مقدمتان أولاهما شَرْطِيَّة مُنْفَصِلَة حَقِيقِيَّة مُوجبَة حاصلها (عناد بَينهمَا) أَي بَين مفهومين على مَا تقدم (فِي الْوُجُود والعدم) مَعًا فهما قضيتان لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يرتفعان، وإحداهما حملية هِيَ عين الْمُقدم أَو التَّالِي فينتج نقيض الآخر أَو نقيض أَحدهمَا فينتج عين الآخر، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَفِي وجود أَحدهمَا عدم الآخر وَفِي عَدمه) أَي أَحدهمَا (وجوده) أَي الآخر، لِأَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يرتفعان (أَو) شَرْطِيَّة مُنْفَصِلَة مَانِعَة الْجمع مُوجبَة حاصلها عناد بَينهمَا (فِي الْوُجُود فَقَط) عطف على قَوْله فِي الْوُجُود والعدم، فهما قضيتان لَا يَجْتَمِعَانِ، ولكنهما قد يرتفعان (فَمَعَ وجود كل) مِنْهُمَا من الجزءين (عدم الآخر) ضَرُورَة عدم اجْتِمَاعهمَا (وَعَدَمه) أَي عدم كل مِنْهُمَا (عقيم) أَي غير منتج لوُجُود الآخر لجَوَاز ارتفاعهما مَعًا، مِثَال العناد فِي الْوُجُود فَقَط (الْوتر إِمَّا وَاجِب أَو مَنْدُوب، لكنه وَاجِب لِلْأَمْرِ الْمُجَرّد) عَن الْقَرَائِن الصارفة عَن الْوُجُوب (بِهِ) أَي بالوتر (فَلَيْسَ مَنْدُوبًا) وَلَو قيل لكنه مَنْدُوب أنتج فَلَيْسَ وَاجِبا، لكنه لَو قيل: لكنه لَيْسَ بِوَاجِب، أَو لَيْسَ بمندوب لم ينْتج لجَوَاز أَن لَا يكون وَاجِبا وَلَا مَنْدُوبًا (أَو) مُنْفَصِلَة حاصلها عناد بَينهمَا (فِي الْعَدَم) فَقَط فالمنفصلة حِينَئِذٍ مَانِعَة الْخُلُو (فَقلب الْمِثَال وَحكمه) أَي فمثاله قلب الْمِثَال الْمَذْكُور وقلب حكمه: يَعْنِي الْوتر إِمَّا لَا وَاجِب وَإِمَّا لَا مَنْدُوب، لِأَنَّهُ لَا يُمكن ارتفاعهما، إِذْ ارْتِفَاع لَا مَنْدُوب يَقْتَضِي وجود مَنْدُوب، فَلَو ارْتَفع مَعَ ذَلِك لَا وَاجِب لزم تحقق وَاجِب فَيلْزم أَن يكون ذَلِك الشَّيْء وَاجِبا ومندوبا، وَهَذَا خلف، وَإِذا ثَبت أَنَّهُمَا لَا يرتفعان مَعًا فمهما فرض ارْتِفَاع أَحدهمَا لزم وجود الآخر، وَإِلَّا يلْزم ارتفاعهما مَعًا (الطَّرِيق الثَّالِث) الْقيَاس الاقتراني وَهُوَ (انتساب الْمُنَاسب) للمطلوب (وَهُوَ) أَي الْمُنَاسب (الْوسط) أَي الْحَد الْأَوْسَط (لكل) اللَّام صلَة للانتساب: أَي لكل وَاحِد (من طرفِي الْمَطْلُوب) الْمَوْضُوع والمحمول (بِالْوَضْعِ والحل) بَيَان للانتساب أَي بِأَن يكون مَوْضُوعا لكل مِنْهُمَا، أَو مَحْمُولا لكل مِنْهُمَا أَو مَوْضُوعا لأَحَدهمَا مَحْمُولا للْآخر على مَا سنبين، وَذَلِكَ لِأَن النِّسْبَة بَين طَرفَيْهِ لما كَانَت مَجْهُولَة نظرية احْتِيجَ إِلَى أَمر ثَالِث مَعْلُوم النِّسْبَة إِلَى كل مِنْهُمَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى الْعلم بهَا (فَيلْزم) فِي تحقق انتسابه لَهما (جملتان خبريتان) تشْتَمل إِحْدَاهمَا على مَوْضُوع الْمَطْلُوب وَالْوسط، وَالْأُخْرَى على محموله مَعَه، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وهما) أَي الجملتان (المقدمتان) اللَّتَان هما جزآ الْقيَاس المركبان فِي الْحَقِيقَة (من) حُدُود (ثَلَاثَة) طرفِي الْمَطْلُوب، وَالْحَد الْأَوْسَط ينْفَرد كل مِنْهُمَا بِأحد طَرفَيْهِ، ويشتركان فِي الْأَوْسَط، وَإِنَّمَا لم يعْتَبر الْأَوْسَط اثْنَيْنِ مَعَ أَنه فِي الصُّورَة كَذَلِك (لتكرر الْوسط) والمكرر شَيْء وَاحِد فِي الْمَعْنى (وَيُسمى الْمَحْكُوم عَلَيْهِ فِي الْمَطْلُوب) حدا (أَصْغَر) لِأَنَّهُ فِي الْأَغْلَب أخص من الْمَحْمُول، والأخص أقل أفرادا، فَيكون
(1/38)

أَصْغَر (وَبِه فِيهِ) أَي وَيُسمى الْمَحْكُوم بِهِ فِي الْمَطْلُوب حدا (أكبر) لِأَنَّهُ فِي الْأَغْلَب أَعم (والمشترك) المكرر بَين الْأَصْغَر والأكبر حدا (أَوسط) لتوسطه بَينهمَا (وباعتبارهما) أَي الْأَصْغَر والأكبر يُسمى (المقدمتان) صغرى وكبرى لاشتمالهما عَلَيْهِمَا (وَيتَصَوَّر) على صِيغَة الْمَجْهُول الانتساب الْمَذْكُور (بِأَرْبَع صور لِأَن المتكرر) أما (مَحْمُول فِي الصُّغْرَى مَوْضُوع فِي الْكُبْرَى، أَو عَكسه، أَو مَوْضُوع فيهمَا) أَي الصُّغْرَى والكبرى (أَو مَحْمُول) فيهمَا (وكل صُورَة) من الصُّور الْأَرْبَع (تسمى شكلا) فَالْأولى تسمى الشكل الأول، وَالثَّانيَِة الشكل الرَّابِع، وَالثَّالِثَة الشكل الثَّالِث، وَالرَّابِعَة الشكل الثَّانِي، كَمَا سنبين (وقطعية اللَّازِم) أَي لَازم الأشكال يَعْنِي: النتيجة (بقطعيتهما) أَي الصُّغْرَى والكبرى، لِأَن لَازم الْقطعِي قَطْعِيّ إِذا كَانَ الاستلزام قَطْعِيا، كَمَا فِي الأشكال الْأَرْبَعَة (وَهُوَ) أَي الْقيَاس الْقطعِي اللَّازِم لقطعيتهما (الْبُرْهَان) وَإِنَّمَا سمي بِهِ لوضوح دلَالَته، أخذا من برهَان الشَّمْس، وَهُوَ الشعاع الَّذِي يَلِي وَجههَا (وظنيته) أَي اللَّازِم (بظنية إِحْدَاهمَا) أَي الصُّغْرَى والكبرى (وَهُوَ) أَي الْقيَاس الظني اللَّازِم (الأمارة) غير أَن الإنتاج قَطْعِيّ سَوَاء كَانَ اللَّازِم والملزوم قطعيين أَو ظنيين (الشكل الأول) يتَحَقَّق (بِحمْلِهِ) أَي الْوسط (فِي الصُّغْرَى وَوَضعه فِي الْكُبْرَى شَرط استلزامه) أَي هَذَا الشكل للمطلوب من حَيْثُ الكيف (إِيجَاب صغراه) ليندرج الْأَصْغَر تَحت الْأَوْسَط ليثبت لَهُ الْأَكْبَر أَو يَنْفِي عَنهُ فِي الْكُبْرَى عِنْد إثْبَاته للأوسط أَو نَفْيه عَنهُ، وَهَذَا الشَّرْط مُعْتَبر فِي جَمِيع صوره (إِلَّا فِي) صُورَة (مُسَاوَاة طرفِي الْكُبْرَى) موضوعها، وَهُوَ الْأَوْسَط ومحمولها وَهُوَ الْأَكْبَر فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ ينْتج، وَإِن كَانَت صغراه سالبة، لَكِن بِشَرْط أَن تكون الْكُبْرَى مُوجبَة، وَذَلِكَ لِأَن أحد المتساويين إِذا سلب عَن شَيْء سلبا كليا أَو جزئيا لزم سلب الآخر كَذَلِك، وَإِلَّا لزم تحقق أَحدهمَا بِدُونِ الآخر، وَلم يذكر الشَّرْط اكْتِفَاء بِمَا سَيَأْتِي من قَوْله وَقَلبه فِي التَّسَاوِي، وَظُهُور عدم إنتاج السالبتين نَحْو لَا شَيْء من الْإِنْسَان بفرس وَلَا شَيْء من الْفرس بناطق (و) شَرطه من حَيْثُ الْكمّ (كُلية الْكُبْرَى) ليعلم اندراج الْأَصْغَر تَحت حكمهَا تَحْقِيقا، فَإِن قَوْلنَا الْإِنْسَان حَيَوَان، وَبَعض الْحَيَوَان فرس غير منتج (فَيحصل) بِاشْتِرَاط الْأَمريْنِ (ضروب) أَرْبَعَة فِي غير صُورَة الْمُسَاوَاة، وَبهَا سِتَّة، الأول (كليتان موجبتان) فينتج مُوجبَة كُلية نَحْو (كل جص مَكِيل، وكل مَكِيل رِبَوِيّ، فَكل جص رِبَوِيّ و) الثَّانِي مَا كَانَ (بكيفيته) أَي الضَّرْب الأول، وهما إِيجَاب الصُّغْرَى والكبرى (وَالصُّغْرَى جزئية) نَحْو (بعض الْوضُوء منوي، وكل منوي عبَادَة، فبعض الْوضُوء عبَادَة، و) الثَّالِث (كليتان الأولى مُوجبَة) وَالثَّانيَِة سالبة والنتيجة سالبة كُلية نَحْو (كل وضوء
(1/39)

مَقْصُود لغيره) وَهُوَ فعل مَا لَا يَصح بِدُونِهِ (وَلَا مَقْصُود لغيره يشْتَرط فِيهِ نِيَّة فَلَا وضوء يشْتَرط فِيهِ نِيَّة و) الْخَامِس وَالسَّادِس (قلبه) أَي الثَّالِث من حَيْثُ الكيف بِأَن تكون الصُّغْرَى سالبة كُلية أَو جزئية كَمَا عرفت، والكبرى مُوجبَة (فِي التَّسَاوِي فَقَط) نَحْو (لَا شَيْء من الْإِنْسَان بصهال، وكل صهال فرس) فَلَا شَيْء من الْإِنْسَان بفرس (وَلَو قلت بدل فرس (حَيَوَان لم يَصح) لعدم الإنتاج لجَوَاز أَن يكون الأخض مسلوبا عَن شَيْء مَعَ ثُبُوت الْأَعَمّ لَهُ (و) الرَّابِع مَا كَانَ (بكيفيتي مَا قبله) أَي قبل الْقلب، وهما إِيجَاب الصُّغْرَى وسلب الْكُبْرَى (وَالْأولَى جزئية) فتركيبه من مُوجبَة جزئية وسالبة كُلية، والنتيجة سالبة جزئية نَحْو بعض الْأَبْيَض حَيَوَان، وَلَا شَيْء من الْحَيَوَان بِحجر فبعض الْأَبْيَض لَيْسَ بِحجر (وإنتاج) الضروب المنتجة فِي (هَذَا) الشكل (ضَرُورِيّ) بَين بِنَفسِهِ لَا يحْتَاج إِلَى دَلِيل (وباقيها) أَي وإنتاج بَاقِي الْإِشْكَال الْأَرْبَعَة (نَظَرِي) يحْتَاج إِلَيْهِ (فَيرد) أَي الْبَاقِي عِنْد بَيَان إنتاجه (إِلَى الضَّرُورِيّ) أَي إِلَى الشكل الأول الضَّرُورِيّ إنتاجه، وَاللَّام للْعهد، وَسَيَأْتِي كَيْفيَّة الرَّد، وَفِيه إِشَارَة إِلَى انحصار الضَّرُورِيّ فِيهِ (الشكل الثَّانِي) يحصل (بِحمْلِهِ) أَي الْوسط (فيهمَا) أَي الصُّغْرَى والكبرى على الْأَصْغَر والأكبر (شَرطه) أَي شَرط استلزامه الْمَطْلُوب بِحَسب الكيف (اخْتِلَافهمَا) أَي الصُّغْرَى والكبرى (كيفا) تَمْيِيز عَن نِسْبَة الِاخْتِلَاف إِلَيْهِمَا كَأَن تكون إِحْدَاهمَا مُوجبَة وَالْأُخْرَى سالبة (و) بِحَسب الْكمّ (كُلية كبراه فَلَا ينْتج) هَذَا الشكل (إِلَّا سلبا والنتيجة تَتَضَمَّن أبدا) أَي دَائِما (مَا فيهمَا) أَي المقدمتين (من خسة) بَيَان للموصول (سلب وجزئية) بدل من الخسة، وَذَلِكَ لِأَن الْأَشْرَف الْإِيجَاب الْكُلِّي (ضروبه) المنتجة بِحَسب الشَّرْطَيْنِ أَرْبَعَة، الأول (كليتان الأولى مُوجبَة) وَالثَّانيَِة سالبة فينتج سالبة كُلية نَحْو (السّلم) أَي بيع السّلم (رخصَة للمفاليس وَلَا حَال) أَي بيع الْحَال الَّذِي يجب تَسْلِيمه فِي الْحَال (بِرُخْصَة للمفاليس فَلَا سلم حَال، رده) أَي رد هَذَا الضَّرْب إِلَى الشكل الأول (بعكس الثَّانِيَة) أَي الْكُبْرَى عكسا مستويا بِأَن يُقَال وَلَا رخصَة لَهُم بِحَال (والسالبة تنعكس) إِلَى سالبة كميتها (ككميتها) فالسالبة الْكُلية إِلَى السالبة الْكُلية والجزئية إِلَى الْجُزْئِيَّة (بالاستقامة) أَي بالاستواء أَو من غير تخلف، فَإِن الضَّابِط إِذا تخلف خرج عَن الاسْتقَامَة (والموجبة الْكُلية) تنعكس مستويا مُوجبَة (جزئية إِلَّا فِي) صُورَة (مُسَاوَاة طرفيها) فَإِنَّهَا تنعكس حِينَئِذٍ كُلية فَكل إِنْسَان حَيَوَان ينعكس إِلَى بعض الْحَيَوَان إِنْسَان، وكل إِنْسَان نَاطِق ينعكس إِلَى كل نَاطِق إِنْسَان وَالِاسْتِثْنَاء هَهُنَا، وَفِيمَا تقدم من زَوَائِد المُصَنّف على المنطقيين (و) الضَّرْب الثَّانِي (قلبه) أَي الضَّرْب الأول كليتان سالبة صغرى وموجبة كبرى
(1/40)

فينتج سالبة كُلية نَحْو لَا شَيْء من الْحَال بِرُخْصَة، وكل سلم رخصَة فَلَا شَيْء من الْحَال بسلم (ورده) إِلَى الشكل الأول (بعكس الصُّغْرَى) وَهُوَ لَا شَيْء من الرُّخْصَة بِحَال (وَجعلهَا) أَي الصُّغْرَى (كبرى) والكبرى صغرى، فَيصير كل سلم رخصَة، وَلَا شَيْء من الرُّخْصَة بِحَال فينتج لَا شَيْء من السّلم بِحَال (ثمَّ عكس النتيجة) وَهُوَ عين الْمَطْلُوب (و) الضَّرْب الثَّالِث (كَالْأولِ إِلَّا أَن الأولى جزئية) نَحْو (بعض الْوضُوء غير منوي، وَلَا عبَادَة غير منوي فبعض الْوضُوء لَيْسَ عبَادَة)، و (رده) إِلَى الشكل الأول (كَالْأولِ) أَي كرد الضَّرْب الأول من هَذَا الشكل فَهُوَ بعكس الْكُبْرَى، فَتَقول بعض الْوضُوء غير منوي وَلَا غير منوي بِعبَادة فينتج الْمَذْكُور (و) الضَّرْب الرَّابِع (كالثاني) أَي كالضرب الثَّانِي من هَذَا الشكل (إِلَّا أَن أولاه) أَي أولى هَذَا (جزئية) وَأولى الثَّانِي كُلية، فَهُوَ صغرى سالبة جزئية وكبرى مُوجبَة كُلية ينْتج سالبة جزئية نَحْو (بعض الْغَائِب لَيْسَ بِمَعْلُوم وكل مَا يَصح بَيْعه مَعْلُوم، فبعض الْغَائِب لَا يَصح بَيْعه، رده بعكس الثَّانِيَة بعكس النقيض) وَهُوَ عِنْد قدماء المنطقيين جعل نقيض الْجُزْء الثَّانِي أَولا، ونقيض الأول ثَانِيًا مَعَ بَقَاء الكيف والصدق بحالهما، وَعند متأخريهم، وَعين الْجُزْء الأول ثَانِيًا مَعَ الْمُخَالفَة فِي الكيف، فعلى الأول تَقول كل مَا لَيْسَ بِمَعْلُوم مَا لَا يَصح بَيْعه، وعَلى الثَّانِي لَا شَيْء مِمَّا لَيْسَ بِمَعْلُوم يَصح بَيْعه (وبالخلف) أَي بِالْقِيَاسِ الْخلف عطف على قَوْله بعكس الثَّانِيَة (فِي كل ضروبه جعل نقيض الْمَطْلُوب) تَفْسِير للخلف وَبدل مِنْهُ (وَهُوَ) أَي نقيض الْمَطْلُوب (الْمُوجبَة الْكُلية هُنَا) أَي فِي هَذَا الضَّرْب الرَّابِع من الشكل الثَّانِي، لِأَن الْمَطْلُوب فِيهِ سالبة جزئية (صغرى) الشكل (الأول وتضم الْكُبْرَى) من ضروبه مَعَ الصُّغْرَى (إِلَيْهَا يسْتَلْزم) هَذَا الصَّنِيع (بِالآخِرَة كذب نقيض الْمَطْلُوب، فالمطلوب حق) تَصْوِيره فِي الْمِثَال الْمَذْكُور كل غَائِب يَصح بَيْعه، وكل مَا يَصح بَيْعه مَعْلُوم، ينْتج كل غَائِب مَعْلُوم، وَهَذَا يُنَاقض مَا هُوَ صَادِق: أَعنِي صغرى الضَّرْب الْمَذْكُور، وَهُوَ بعض الْغَائِب لَيْسَ بِمَعْلُوم، ونقيض الصَّادِق لَا يكون صَادِقا، فقد علمت أَن الصَّنِيع الْمَذْكُور يسْتَلْزم نقيض الصُّغْرَى الصادقة، وعندك مُقَدّمَة مقررة، وَهِي أَن مَا يسْتَلْزم نقيض الصادقة كَاذِب فيتهيأ لَك بِضَم هَذِه مَعَ تِلْكَ برهَان على كذب نقيض الْمَطْلُوب، وَلِهَذَا قَالَ يسْتَلْزم بِالآخِرَة وَقس عَلَيْهِ الضروب الْمَاضِيَة، وَإِنَّمَا سمي خلفا لاستلزامه بَاطِلا كَمَا عرفت، وَقيل لِأَنَّهُ يَأْتِي الْمَطْلُوب لَا على سَبِيل الاسْتقَامَة بل من خَلفه (الشكل الثَّالِث) يحصل (بِوَضْعِهِ) أَي بِوَضْع الْوسط (فيهمَا) أَي فِي صغراه وكبراه (شَرطه) بِحَسب الكيف (إِيجَاب صغراه و) بِحَسب الْكمّ (كُلية إِحْدَاهمَا) الصُّغْرَى أَو الْكُبْرَى (ضروبه) المنتجة سِتَّة: الأول (كليتان موجبتان) والنتيجة
(1/41)

مُوجبَة جزئية نَحْو (كل بر مَكِيل وكل بر رِبَوِيّ فبعض الْمكيل رِبَوِيّ) وَإِنَّمَا ينْتج بَريَّة (لِأَن رده بعكس الأولى) عكسا مستويا، والموجبة الْكُلية تنعكس إِلَى الْجُزْئِيَّة والنتيجة تتبع أخس المقدمتين (فَلَو كَانَت) الأولى من هَذَا الضَّرْب (مُتَسَاوِيَة الجزءين أنتج كليا) لِأَن عكس الْمُوجبَة الْكُلية مُوجبَة كُلية كَمَا مر (و) الضَّرْب الثَّانِي مِنْهُ (مثله) أَي مثل الضَّرْب الأول مِنْهُ فِي الكيف والكم (إِلَّا أَن الأولى جزئية) فَهُوَ مُوجبَة جزئية صغرى وموجبة كُلية كبرى (ينْتج مثله) أَي مثل الضَّرْب الأول مُوجبَة جزئية نَحْو بعض الْمكيل بر وكل مَكِيل رِبَوِيّ، فبعض الْبر رِبَوِيّ (وَيرد) إِلَى الشكل الأول (بعكس الصُّغْرَى) وَهُوَ ظَاهر (و) الضَّرْب الثَّالِث مِنْهُ (عكس) الضَّرْب (الثَّانِي) مِنْهُ، فَهُوَ مُوجبَة كُلية صغرى وموجبة جزئية كبرى (ينْتج كَالْأولِ) أَي كالضرب الأول مِنْهُ مُوجبَة جزئية (ورده) إِلَى الشكل الأول (بِجعْل عكس الْكُبْرَى صغرى) لعدم صلاحيتها لِأَن تكون كبرى الشكل الأول لجزئيتها وَتجْعَل عين الصُّغْرَى كبرى تَقول فِيمَا إِذا كَانَ الْمُدَّعِي بعض الْمكيل رِبَوِيّ بعض الرِّبَوِيّ بر وكل بر مَكِيل، فبعض الرِّبَوِيّ مَكِيل (وَعكس النتيجة) اللَّازِمَة ليصير بعض الْمكيل رِبَوِيّ (فَلَو) كَانَت (الصُّغْرَى مُتَسَاوِيَة) أَي مُتَسَاوِيَة الجزءين (عكست) فَإِن الْمُوجبَة الْكُلية تنعكس حِينَئِذٍ كنفسها كَمَا مر غير مرّة (وَعكس النتيجة) ذكر بعض من قَرَأَ الْكتاب على المُصَنّف رَحمَه الله فِي شَرحه عَلَيْهِ أَن المُصَنّف رَحمَه الله زَاد قَوْله فَلَو الصُّغْرَى إِلَى آخِره بِالآخِرَة، وَفَسرهُ بِمَا حَاصله أَن عدم عكس الصُّغْرَى هَهُنَا لِأَنَّهَا تنعكس جزئية وَلَا يصلح الشكل الأول من الجزئيتين وَالصُّغْرَى المتساوية الجزءين تنعكس كُلية، وَحِينَئِذٍ لَا حَاجَة إِلَى عكس النتيجة انْتهى، ثمَّ ذكر أَن هَذِه الزِّيَادَة غير مُسْتَقِيمَة عِنْده وَحملهَا على الذهول والغفلة إِذْ لَا يحصل الشكل الأول بعكس الصُّغْرَى هُنَا أصلا، لِأَنَّهَا إِن جعلت صغرى كَأَصْلِهَا فَاتَ كُلية الْكُبْرَى. وَإِن جعلت كبرى فإمَّا أَن يَجْعَل عين الْكُبْرَى صغرى أَو عكسها، فعلى الأول كَانَ الْأَوْسَط مَوْضُوعا فِي الصُّغْرَى مَحْمُولا فِي الْكُبْرَى، وعَلى الثَّانِي مَحْمُولا فيهمَا، هَذَا ملخص كَلَامه وَاعْلَم هداك الله لفهم الإشارات الْخفية فِي الْعبارَات الْعلية أَن مُسَاوَاة طرفِي صغرى الشكل الأول تسْقط اشْتِرَاط الْكُلية فِي كبراه كَمَا أَن مُسَاوَاة طرفِي كبراه تسْقط اشْتِرَاط الْإِيجَاب فِي صغراه، فَكَمَا أَن نفي أحد المتساويين وَهُوَ الْأَوْسَط عَن الْأَصْغَر يسْتَلْزم نفي الآخر، وَهُوَ الْأَكْبَر عَنهُ، وَإِلَّا لم يبْق بَينهمَا مُسَاوَاة، فَكَذَلِك إِثْبَات أحد المتساويين وَهُوَ الْأَوْسَط لشَيْء، وَهُوَ الْأَصْغَر هُنَا يسْتَلْزم إِثْبَات الآخر وَهُوَ الْأَكْبَر لَهُ، وَإِلَّا لزم وجود أحد المتساويين بِدُونِ الآخر، وكما أَن الإنتاج فِي صُورَة الْمُسَاوَاة مَعَ عدم كُلية الْكُبْرَى
(1/42)

لَيْسَ لصورة الشكل، بل لخصوصية الْمَادَّة وَوُجُود الْمُسَاوَاة كَذَلِك فِيهَا مَعَ عدم إِيجَاب الصُّغْرَى غير أَن المُصَنّف رَحمَه الله صرح فِي صُورَة مُسَاوَاة طرفِي الْكُبْرَى بِعَدَمِ اشْتِرَاط إِيجَاب الصُّغْرَى وَاكْتفى هُنَا بِالْإِشَارَةِ كَمَا يَقْتَضِيهِ شَأْن هَذَا الْكتاب ثمَّ اعْلَم أَن قَوْله وَعكس النتيجة هَهُنَا غير مَحْمُول على مَا حمل عَلَيْهِ أَولا، بل المُرَاد بِهِ أَن النتيجة الْحَاصِلَة حِينَئِذٍ على عكس النتيجة الْحَاصِلَة على تَقْدِير جعل عكس الْكُبْرَى صغرى وَعين الصُّغْرَى كبرى، فَلَا حَاجَة إِلَى أَن تعكس، وَفَائِدَة عكس الصُّغْرَى كُلية صيرورة الْوسط مَحْمُولا فِيهَا وَظُهُور الْمُسَاوَاة بَين طرفيها بملاحظة الأَصْل وَالْعَكْس (و) الضَّرْب الرَّابِع مِنْهُ (كليتان الثَّانِيَة سالبة) وَالْأولَى مُوجبَة نَحْو (كل بر مَكِيل وكل بر لَا يجوز بَيْعه بِجِنْسِهِ مُتَفَاضلا فبعض الْمكيل لَا يجوز بَيْعه بِجِنْسِهِ مُتَفَاضلا، ينْتج) هَذَا الضَّرْب (كَالْأولِ) أَي كالضرب الأول مِنْهُ (فِي) صُورَة (الْمُسَاوَاة) أَي مُسَاوَاة جزئي الصُّغْرَى، فالنتيجة هَهُنَا سالبة كُلية، نَحْو كل فرس صهال، وَلَا شَيْء من الْفرس بانسان فَلَا شَيْء من الصهال بانسان (و) فِي صُورَة (الأعمية) أَي فِيمَا إِذا كَانَ مَحْمُول الصُّغْرَى أَعم من موضوعها، فالنتيجة حِينَئِذٍ سالبة جزئية (وَيرد) إِلَى الشكل الأول (بعكس الصُّغْرَى) كَمَا فِي الضَّرْب الأول (و) الضَّرْب الْخَامِس مِنْهُ (كالرابع إِلَّا أَن أولاه جزئية) فَهُوَ جزئية مُوجبَة صغرى وكلية سالبة كبرى (ينْتج سلبا جزئيا) نَحْو بعض الْمَوْزُون رِبَوِيّ وَلَا شَيْء من الْمَوْزُون يُبَاع بِجِنْسِهِ مُتَفَاضلا، فبعض الرِّبَوِيّ لَا يُبَاع بِجِنْسِهِ مُتَفَاضلا (وَيرد) إِلَى الشكل الأول بعكس الصُّغْرَى (مثله) أَي الرَّابِع فِي صُورَة الأعمية، فَيُقَال فِي الْمِثَال الْمَذْكُور بعض الرِّبَوِيّ مَوْزُون الخ (و) الضَّرْب السَّادِس (قلبه) أَي الضَّرْب الْخَامِس (كمية) لَا كَيْفيَّة فَهُوَ مُوجبَة كُلية صغرى وسالبة جزئية كبرى (ينْتج مثله) أَي الْخَامِس سلبا جزئيا نَحْو (كل بر مَكِيل وَبَعض الْبر لَا يُبَاع بِجِنْسِهِ مُتَفَاضلا، فبعض الْمكيل لَا يُبَاع إِلَى آخِره) أَي بِجِنْسِهِ مُتَفَاضلا (ورده بِاعْتِبَار الْكُبْرَى مُوجبَة سالبة الْمَحْمُول) أَي رده إِلَى الشكل الأول بِأَن يعْتَبر كبراه السالبة الْجُزْئِيَّة مُوجبَة سالبة الْمَحْمُول بِجعْل السَّلب الْوَارِد على النِّسْبَة الإيجابية جُزْءا للمحمول، ثمَّ إِثْبَات ذَلِك السَّلب للموضوع (وَهِي) أَي الْمُوجبَة الْمَذْكُورَة (لَازِمَة للسالبة) البسيطة كَمَا أَن السالبة البسيطة لَازِمَة لَهَا، وَمن ثمَّ لَا تَقْتَضِي وجود الْمَوْضُوع، بِخِلَاف المعدولة، فَإِنَّهَا تَقْتَضِيه كَمَا بَين فِي مَوْضِعه، ولصيرورتها مُوجبَة تنعكس مَعَ كَونهَا جزئية (وبجعل عكسها صغرى) للشكل الأول، فَهُوَ إِذن مُوجبَة سالبة الْمَوْضُوع صغرى، وموجبة كُلية كبرى كَانَت فِي الأَصْل صغرى، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لكل بر مَكِيل فينتج مَا ينعكس إِلَى الْمَطْلُوب) وَهُوَ مَا لَا يُبَاع بِجِنْسِهِ مُتَفَاضلا مَكِيل ينعكس إِلَى بعض الْمكيل لَا يُبَاع إِلَى آخِره (وَيبين هَذَا) الضَّرْب
(1/43)

(وَمَا قبله) من الضروب الْخَمْسَة (بالخلف) أَيْضا، وَقد مر بَيَانه فِي الشكل الثَّانِي (إِلَّا أَنَّك تجْعَل نقيض الْمَطْلُوب كبرى) لصغرى الشكل الأول هُنَا، وَقد جعلته صغرى لكبراه هُنَاكَ فَتَقول لَو لم يصدق بعض الْمكيل لَا يُبَاع إِلَى آخِره لصدق كل مَكِيل يُبَاع إِلَى آخِره فَيجْعَل كبرى للصغرى الْمَذْكُورَة، وَهِي كل بر مَكِيل، فَيصير كل بر مَكِيل وكل مَكِيل يُبَاع إِلَى آخِره فينتج كل بر يُبَاع إِلَى آخِره، وَهَذَا يُنَاقض كبرى الأَصْل الْمَفْرُوض صدقهَا: أَي بعض الْبر لَا يُبَاع إِلَى آخِره فَيتَعَيَّن كذب نقيض الْمَطْلُوب فَيثبت (الشكل الرَّابِع خَالف) الشكل (الأول فيهمَا) أَي الصُّغْرَى والكبرى، فالأسوط مَوْضُوع فِي الصُّغْرَى مَحْمُول فِي الْكُبْرَى (فَرده) إِلَى الأول (بعكسهما) أَي الصُّغْرَى والكبرى مستويا ويبقيان على حَالهمَا من التَّرْتِيب (أَو قلبهما) بِتَقْدِيم الْكُبْرَى على الصُّغْرَى (فَإِذا كَانَت صغراه) أَي الرَّابِع (مُوجبَة كُلية أنتج مَعَ السالبة الْكُلية) الَّتِي هِيَ كبراه سالبة جزئية، لِأَن صغراه تنعكس إِلَى مُوجبَة جزئية، والنتيجة تتبع الأخس من الْجُزْئِيَّة وَالسَّلب كَمَا عرفت (برده) إِلَى الشكل الأول (بعكس المقدمتين فَقَط) أَي لَا مَعَ الْقلب أَيْضا (لعدم السَّلب فِي صغرى) الشكل (الأول) وَهُوَ لَازم للقلب (و) أنتج صغراه الْمُوجبَة الْكُلية (مَعَ الموجبتين) الْكُلية والجزئية كبريين مُوجبَة جزئية برده (بقلبهما) أَي المقدمتين (ثمَّ عكس النتيجة لَا بعكسهما لبُطْلَان) تركيب الْقيَاس من (الجزئيتين فَسَقَطت السالبة الْجُزْئِيَّة) فِي هَذَا الشكل لعدم صلاحيتها أَن تكون صغرى أَو كبرى (لانْتِفَاء) الإنتاج بِأحد (الطَّرِيقَيْنِ) الْعَكْس وَالْقلب (مَعهَا) أَي السالبة الْجُزْئِيَّة فِي هَذَا الشكل إِن كَانَت إِحْدَى مقدمتيه فَإِنَّهَا إِن كَانَت صغرى لَا تنعكس وَلَا تصلح لِأَن تكون كبرى لجزئيتها فَامْتنعَ الْقلب أَيْضا، وَإِن كَانَت كبرى لَا يَصح إبقاؤها لما ذكر، وَلَا جعلهَا صغرى لكَونهَا سالبة (وَلَو تَسَاويا) أَي الطرفان (فِي الْكُبْرَى الْمُوجبَة الْكُلية صَحَّ) رد هَذَا الضَّرْب إِلَى الشكل الأول (بعكسهما) أَي الصُّغْرَى والكبرى لانْتِفَاء الْمَانِع، وَهُوَ جزئية الْكُبْرَى، فَإِن الْمُوجبَة الْكُلية عِنْد مُسَاوَاة طرفيها تنعكس كُلية، فالنتيجة حِينَئِذٍ كُلية إِن تَسَاويا فِي الصُّغْرَى أَيْضا وَإِلَّا فموجبة جزئيه (وَإِذا كَانَت الصُّغْرَى) فِي هَذَا الشكل (مُوجبَة جزئية فَيجب كَون الْأُخْرَى السالبة الْكُلية) لسُقُوط السالبة الْجُزْئِيَّة لما مر، وانعكاس الموجبتين جزئية فَلَا يصلحان لِأَن يَكُونَا كبريين بعد الْعَكْس، وَلَو جعلا صغريين بطرِيق الْقلب لزم حِينَئِذٍ أَن يَجْعَل الْمُوجبَة الْجُزْئِيَّة كبرى (وعَلى التَّسَاوِي) أَي تَسَاوِي طرفِي الْكُبْرَى (تجوزا الْمُوجبَة الْكُلية) أَن تكون كبرى لانْتِفَاء الْمَانِع بانعكاسها كُلية (أَو) كَانَت الصُّغْرَى فِي هَذَا الشكل (السالبة الْكُلية فَيجب) حِينَئِذٍ
(1/44)

أَن تكون (الْكُبْرَى كُلية مُوجبَة لِامْتِنَاع خلاف ذَلِك) أما الْمُوجبَة الْجُزْئِيَّة فَلِأَنَّهَا لَو عكست وعكست الأولى لزم كَون الْكُبْرَى جزئية فِي الشكل الأول وَلَو قلبت لم يكن بُد من قلب النتيجة، والسالبة الْجُزْئِيَّة لَا تنعكس، وَأما السالبة الْكُلية أَو الْجُزْئِيَّة فَلِأَنَّهُ يلْزم حِينَئِذٍ تركب الْقيَاس من سابتين وهما غير منتجان كَمَا مر، فَحِينَئِذٍ (ضروبه) المنتجة خَمْسَة الأول (كليتان موجبتان) تنْتج مُوجبَة جزئية نَحْو (كل مَا يلْزم عبَادَة مفتقر إِلَى النِّيَّة وكل تيَمّم يلْزم عبَادَة لَازمه كل تيَمّم مفتقر إِلَى النِّيَّة بقلب المقدمتين) فَتَقول كل تيَمّم يلْزم عبَادَة وكل مَا يلْزم عبَادَة مفتقر إِلَى النِّيَّة فينتج اللَّازِم الْمَذْكُور ثمَّ يعكس إِلَى الْمَطْلُوب) جزئيا (وَهُوَ بعض المفتقر) إِلَى النِّيَّة (تيَمّم فَإِن قلت مَا السَّبَب) فِي اعْتِبَار هَذِه الْجُزْئِيَّة مَطْلُوبا للضرب الْمَذْكُور دون الْكُلية الَّتِي ينعكس إِلَيْهَا (وكل) وَاحِد (من لُزُوم الْكُلية) الْمَذْكُورَة للضرب الْمَذْكُور لُزُوما بَينا (و) من (مَعْنَاهَا) أَي الْكُلية الْمَذْكُورَة من حَيْثُ كليتها (صَحِيح) وَالْأول يدل على صِحَة الْقيَاس من حَيْثُ الصُّورَة. وَالثَّانِي على صِحَّته من حَيْثُ الْمَادَّة (قيل) فِي الْجَواب إِنَّمَا اعْتبرت دون الْكُلية (لفرض كَون الصُّغْرَى مُطلقًا): أَي لِأَن الْمَفْرُوض فِي الْقيَاس الاقتراني كَون الصُّغْرَى مُطلقًا فِي أَي شكل كَانَت (مَا اشْتَمَل) أَي قَضِيَّة اشْتَمَلت (على مَوْضُوع الْمَطْلُوب والكبرى) مُطلقًا مَا اشْتَمَل على (محموله فَإِذا زعمت أَن الِاسْتِدْلَال) فِي الْمِثَال الْمَذْكُور مثلا على أَن بعض المفتقر إِلَى النِّيَّة تيَمّم (بالرابع) أَي بالشكل الرَّابِع (كَانَ المفتقر مَوْضُوعه) أَي الْمَطْلُوب (وَالتَّيَمُّم محموله) حَتَّى إِذا قلبنا أنتج بالشكل الأول مَا ينعكس إِلَى الْمَطْلُوب على مَا بَين فِي بَيَان رده إِلَى الأول، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَالْحَاصِل) من الشكل الرَّابِع بعد الصَّنِيع الْمَذْكُور (عِنْد) قصد (الرَّد) إِلَى الشكل الأول (عَكسه) أَي الْمَطْلُوب (فينعكس) الْحَاصِل من الضَّرْب الْمَذْكُور (جزئيا) لِأَنَّهُ مُوجبَة كُلية، وَقد عرفت أَنَّهَا تنعكس مُوجبَة جزئية (وَلَو تَسَاويا) أَي الطرفان فِي الْحَاصِل الْمَذْكُور (كَانَ) عَكسه (كليا) كَمَا مر غير مرّة، الضَّرْب (الثَّانِي مثله) أَي الضَّرْب الأول (إِلَّا أَن) الْمُقدمَة (الثَّانِيَة جزئية) نَحْو (كل عبَادَة بنية وَبَعض الْوضُوء عبَادَة) فبعض مَا هُوَ بنية وضوء (وَالرَّدّ وَاللَّازِم كَالْأولِ) غير أَن الْحَاصِل هَهُنَا مُوجبَة جزئية، تَقول بعض الْوضُوء عبَادَة، وكل عبَادَة بنية، فبعض الْوضُوء بنية وينعكس إِلَى بعض مَا هُوَ بنية وضوء، الضَّرْب (الثَّالِث كليتان، الأولى سالبة) وَالثَّانيَِة مُوجبَة نَحْو (كل عبَادَة لَا تستغنى عَن النِّيَّة، وكل مَنْدُوب عبَادَة ينْتج سالبة كُلية لَا مُسْتَغْنى) عَن النِّيَّة بمندوب (بِالْقَلْبِ وَالْعَكْس) أَي بقلب المقدمتين ليرد إِلَى الشكل الأول، ثمَّ عكس النتيجة إِلَى الْمَطْلُوب، الضَّرْب (الرَّابِع كليتان الثَّانِيَة سالبة) وَالْأولَى مُوجبَة (ينْتج جزئية سالبة) نَحْو (كل مُبَاح مستغن) عَن
(1/45)

النِّيَّة (وكل وضوء لَيْسَ بمباح، فبعض المستغنى عَن النِّيَّة لَيْسَ بِوضُوء، يرد) إِلَى الشكل الأول (بعكس المقدمتين) الأولى إِلَى مُوجبَة جزئية وَهِي بعض المستغنى عَن النِّيَّة مُبَاح، وَالثَّانيَِة إِلَى سالبة كُلية هِيَ كل مُبَاح لَيْسَ بِوضُوء فينتج بعض المستغنى لَيْسَ بِوضُوء (وَلَو كَانَ فِي الْمُوجبَة تساو) بَين طرفيها (كَانَت) النتيجة سالبة (كُلية) لكلية كلتا المتقدمتين عينا وعكسا الضَّرْب (الْخَامِس جزئية مُوجبَة وسالبة كُلية كالرابع لَازِما وردا) أَي لَازِمَة الْمَطْلُوب كلازمة الضَّرْب الرَّابِع فَهُوَ سلب جزئي، وَيرد إِلَى الشكل الأول مثله أَيْضا بعكس المقدمتين (وَيبين الْكل) أَي الضروب الْخَمْسَة (بالخلف) بِضَم نقيض النتيجة إِلَى إِحْدَى المقدمتين ينْتج مَا ينعكس إِلَى نقيض الْأُخْرَى فَفِي الضربين الْأَوَّلين المضموم إِلَيْهَا هُوَ الصُّغْرَى وَمَا ينعكس إِلَى نقيضه النتيجة هُوَ الْكُبْرَى، وَفِي الْبَاقِي هُوَ الْكُبْرَى وَمَا ينعكس إِلَى نقيضه هُوَ الصُّغْرَى، تَقول لَو لم يصدق بعض المفتقر إِلَى النِّيَّة تيَمّم لصدق لَا شَيْء من المفتقر إِلَيْهَا بِتَيَمُّم، وَيضم إِلَيْهَا كل مَا يلْزم عبَادَة مفتقر إِلَى النِّيَّة، فالصغرى هَذِه الْمُوجبَة الْكُلية، والكبرى تِلْكَ السالبة الْكُلية والنتيجة لَا شَيْء مِمَّا يلْزم عبَادَة بِتَيَمُّم وتنعكس إِلَى لَا شَيْء من التَّيَمُّم يلْزم عبَادَة وَهَذَا يُنَاقض كبرى الْمَرْدُود وَتقول لَو لم يصدق لَا مُسْتَغْنى عَن النِّيَّة بمندوب لصدق بعض المستغنى عَنْهَا مَنْدُوب وكل مَنْدُوب عبَادَة ينْتج بعض المستغنى عَنْهَا عبَادَة وتنعكس إِلَى بعض الْعِبَادَة مستغن، وَهُوَ يُنَاقض كل عبَادَة لَا تستغنى (الطَّرِيق الرَّابِع الاستقراء تتبع الجزئيات) أَي استقصاء جزئية كلي كلهَا، أَو أَكْثَرهَا ليعرف ثُبُوت حكم لَهَا على سَبِيل الْعُمُوم أَو ضِدّه (فيستدل) بعد تتبعها (على الحكم الْكُلِّي) الشَّامِل لكل فَرد من أَفْرَاد الْمَحْكُوم عَلَيْهِ (بِثُبُوتِهِ): أَي ذَلِك الحكم (فِيهَا): أَي الجزئيات الْمَذْكُورَة، فَهُوَ اسْتِدْلَال بِحَال الجزئي على حَال الْكُلِّي (وَهُوَ) أَي الاستقراء قِسْمَانِ (تَامّ إِن استغرقت) الجزئيات بالتتبع (يُفِيد الْقطع) كالعدد إِمَّا زوج وَإِمَّا فَرد، وكل مِنْهُمَا بعده الْوَاحِد، فَكل عدد بعده الْوَاحِد، وَيُسمى قِيَاسا مقسمًا (وناقص خِلَافه) بِأَن لم تستغرق جزئياته بل أَكْثَرهَا، فَلَا يُفِيد الْقطع، بل الظَّن لجَوَاز أَن يكون مَا لم يستقرأ مِنْهَا على خلاف مَا استقرئ كتحرك الفك الْأَسْفَل عِنْد المضغ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَكثر أَفْرَاد الْحَيَوَان بِخِلَاف التمساح، فَإِنَّهُ يُحَرك فكه الْأَعْلَى (فَأَما التَّمْثِيل وَهُوَ الْقيَاس الفقهي الْآتِي فَمن مَقَاصِد الْفَنّ) فَلَا يجوز عده من الْمُقدمَات بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ (الرَّابِع) من الْأُمُور الَّتِي هِيَ مُقَدّمَة الْكتاب (استمداده) أَي مَا يستمد الْأُصُول مِنْهُ من قبيل إِطْلَاق اسْم أحد المتلازمين على الآخر (أَحْكَام) كُلية لغوية (استنبطوها) أَي استخرجها أهل هَذَا الْعلم من اللُّغَة الْعَرَبيَّة (لأقسام من) الْأَلْفَاظ (الْعَرَبيَّة) كالعام وَالْخَاص والمشترك والمرادف والحقيقة وَالْمجَاز
(1/46)

وَالظَّاهِر وَالنَّص إِلَى غير ذَلِك، وَالْجَار فِي قَوْله لأقسام مُتَعَلق بِمَحْذُوف هُوَ صفة أَحْكَام: أَعنِي مثبتة (جعلوها) أَي تِلْكَ الْأَحْكَام (مَادَّة لَهُ) أَي لهَذَا الْعلم وأجزاء لَهُ (لَيست) تِلْكَ الْأَحْكَام (مدونة قبله) أَي قبل تدوين هَذَا الْعلم وَإِن ذكرت فِي أثْنَاء استدلالاتهم فِي الْفُرُوع وأكثرها (فَكَانَت) الْأَحْكَام الْمَذْكُورَة بَعْضًا (مِنْهُ) أَي هَذَا الْعلم وَلما كَانَ هَهُنَا مَظَنَّة سُؤال وَهُوَ أَن يُقَال بعض مَقَاصِد هَذَا الْعلم يتَوَقَّف على معرفَة بعض هَذِه الْأَحْكَام وَمَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ مسَائِل الْعلم خَارج عَنهُ، أَشَارَ إِلَى الْجَواب بقوله (وَتوقف إِثْبَات بعض مطالبه) أَي هَذَا الْعلم (عَلَيْهَا) أَي الْأَحْكَام الْمَذْكُورَة (لَا يُنَافِي الاصالة لجَوَاز) كَون (مَسْأَلَة) من الْعلم (مبدأ لمسألة) أُخْرَى مِنْهُ، غَايَة الْأَمر كَونهَا خَارِجَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يتَوَقَّف عَلَيْهَا (وَهَذَا) أَي كَون هَذَا الْعلم يستمد من هَذِه الْأَحْكَام (لِأَن الْأَدِلَّة من الْكتاب وَالسّنة مِنْهَا) أَي من تِلْكَ الْأَقْسَام (وَحمل حكم الْعَام مثلا) وَحمل حكم الْمُطلق على الْعَام (وَالْمُطلق لَيْسَ بِقَيْد كَونه) أَي الْعَام أَو الْمُطلق الْمَحْمُول عَلَيْهِ (عَام الْأَدِلَّة) الْمَذْكُورَة أَو مُطلقهَا (بل) على مُطلق الْعَام وَالْمُطلق غَايَة الْأَمر أَن الحكم الْمَحْمُول (ينطبق عَلَيْهَا) أَي عَام الْكتاب وَالسّنة ومطلقه انطباق حكم الْكُلِّي على جزئياته الإضافية، فَانْدفع مَا قيل من أَن الْأَحْكَام الكائنة لأقسام من الْعَرَبيَّة إِنَّمَا هِيَ مثبتة فِي هَذَا الْعلم على موضوعاتها من حَيْثُ إِنَّهَا من الْكتاب وَالسّنة لَا مُطلقًا، فَلَا يكون الْعلم مستمدا من الْأَحْكَام على الْوَجْه الَّذِي ذكرْتُمْ (وَقد يجْرِي فِيهَا) أَي فِي الْأَحْكَام الْمَذْكُورَة (خلاف) كَمَا سَيَأْتِي (وأجزاء مُسْتَقلَّة) مَعْطُوف على قَوْله أَحْكَام، وَتلك الْأَجْزَاء (تصورات الْأَحْكَام) الشَّرْعِيَّة الْخَمْسَة الْوُجُوب وَالْحُرْمَة وَالنَّدْب وَالْكَرَاهَة وَالْإِبَاحَة، يُرِيد أَن وَجه استمداد الْأُصُول من الْأَحْكَام إِنَّمَا هُوَ من جِهَة مباديه التصورية إِذْ لَا بُد فِيهِ من تصورها ليمكن إِثْبَاتهَا أَو نَفيهَا كَمَا إِذا قُلْنَا الْأَمر للْوُجُوب لَا النّدب، وَإِنَّمَا صرح بِكَوْنِهَا أَجزَاء مُسْتَقلَّة دفعا لما ذكر فِي بعض الْحَوَاشِي من أَنَّهَا جعلت فِي الْفِقْه مبادئ اسْتِقْلَالا، وَفِي الْأُصُول استمدادا لكَونهَا محمولات لمسائل الْفِقْه وأعراضا ذاتية لموضوعه ومتعلقات لمحمولات مسَائِل الْأُصُول، وَبَين ذَلِك بقوله (كالفقه) أَي كَمَا أَن الْفِقْه يستمد من هَذِه الْأَجْزَاء (يجمعهما) أَي الْأُصُول وَالْفِقْه فِي الاستمداد مِنْهَا (الِاحْتِيَاج) الْكَائِن لكل مِنْهُمَا (إِلَى تصور محمولات الْمسَائِل) أَي مسائلهما، وَذَلِكَ لما عرفت من أَن مَوْضُوعَات مسَائِل الْأُصُول الْأَدِلَّة السمعية ومحمولاتها مَا يرجع إِلَى كَونهَا مثبتا للْحكم الشَّرْعِيّ، وموضوعات مسَائِل الْفِقْه أَفعَال الْمُكَلّفين ومحمولاتها الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة (على أَن الظَّاهِر) أَن يكون (استمداد الْفِقْه إِيَّاهَا) أَي تصورات الْأَحْكَام الْمَذْكُورَة (مِنْهُ) أَي من علم الْأُصُول (لسبقه) أَي الْأُصُول الْفِقْه لكَونه فرعا
(1/47)

عَلَيْهِ (وَإِن لم يدون) الْأُصُول قبل الْفِقْه، فَإِن أول من دون الْفِقْه ورتب كتبه وأبوابه الإِمَام أَبُو حنيفَة رَحمَه الله. قَالَ الإِمَام الشَّافِعِي رَحْمَة الله عَلَيْهِ من أَرَادَ الْفِقْه فَهُوَ عِيَال على أبي حنيفَة نَقله الفيروزابادي الشَّافِعِي رَحمَه الله فِي طَبَقَات الْفُقَهَاء وَغَيره، وَقَالَ المطرزي فِي الْإِيضَاح ذكر الإِمَام السَّرخسِيّ فِي كِتَابه أَن ابْن سُرَيج وَكَانَ مقدما فِي أَصْحَاب الشَّافِعِي بلغه أَن رجلا يَقع فِي أبي حنيفَة رَحمَه الله، فَدَعَاهُ فَقَالَ: يَا هَذَا أتقع فِي رجل يسلم لَهُ النَّاس ثَلَاثَة أَربَاع الْعلم وَهُوَ لَا يسلم لَهُم الرّبع، فَقَالَ: وَكَيف ذَلِك؟ فَقَالَ الْفِقْه: سُؤال وَجَوَاب، وَهُوَ الَّذِي تفرد بِوَضْع السُّؤَال فَسلم لَهُ نصف، ثمَّ أجَاب عَن السُّؤَال، وخصومه لَا يَقُولُونَ أَنه أَخطَأ فِي الْكل، فَإِذا جعلت مَا وافقوه فِيهِ مُقَابلا لما خالفوه فِيهِ سلم ثَلَاثَة أَربَاع الْعلم لَهُ وَبَقِي بَينه وَبَين جَمِيع النَّاس ربع الْعلم فَتَابَ الرجل، وَيُقَال أَن أول من دون فِي أصُول الْفِقْه اسْتِقْلَالا الإِمَام الشَّافِعِي رَحْمَة الله عَلَيْهِ صنف فِيهِ كتاب الرسَالَة بالتماس ابْن الْمهْدي (وَيزِيد) الْأُصُول على الْفِقْه استمدادا (بهَا) أَي بتصورات الْأَحْكَام الْمَذْكُورَة لكَونهَا (مَوْضُوعَات) لمسائله (فِي مثل الْمَنْدُوب مَأْمُور بِهِ أَولا، وَالْوَاجِب إِمَّا مُقَيّد بِالْوَقْتِ أَولا) وَلَيْسَ مثله فِي الْفِقْه فَلِذَا كَانَ أَكثر احتياجا (وَعنهُ) أَي عَن كَونهَا مَوْضُوعَات (عدت) الْأَحْكَام الْمَذْكُورَة (من الْمَوْضُوع) أَي من مَوْضُوع الْأُصُول، ثمَّ مُرَاد المُصَنّف رَحمَه الله بِمَا مِنْهُ الاستمداد مَا بِحَيْثُ يكون مَادَّة وجزءا لهَذَا الْعلم، وَلِهَذَا لم يَجْعَل الاستمداد من ثَلَاثَة هذَيْن، وَالْكَلَام كَمَا جعله الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب مِنْهَا، وَلَا مشاحة فِي الِاصْطِلَاح والشأن فِي اخْتِيَار مَا هُوَ أولى بِالِاعْتِبَارِ (وَمَا قيل) من أَن علم الْأُصُول لَيْسَ علما بِرَأْسِهِ، بل هُوَ (كُله أَجزَاء عُلُوم) وأبعاضها جمعت من الْكَلَام وَالْفِقْه واللغة والْحَدِيث والجدل (بَاطِل) قَالَ شَارِح هَذَا الْكتاب أَن الْقَائِل هُوَ السُّبْكِيّ (وَمَا يخال) أَي يظنّ (من علم الحَدِيث) من الْأَحْوَال الراجعة إِلَى مَتنه أَو طَرِيقه كالعبرة بِعُمُوم اللَّفْظ لَا بِخُصُوص السَّبَب وبعمل الصَّحَابِيّ لَا بروايته أَو بِالْعَكْسِ، وعدالة الرَّاوِي وجرحه أَن الْأُصُول يستمد مِنْهُ (لَيْسَ) الْبَحْث عَنهُ (استمدادا) لِلْأُصُولِ (بل تدَاخل موضوعي علمين) يَتَرَتَّب غايتهما على الْبَحْث عَن أَحْوَال شَيْء وَاحِد فيشتركان فِي الْمَوْضُوع أَو ينْدَرج مَوْضُوع أَحدهمَا تَحت مَوْضُوع الآخر على مَا مر (يُوجب مثله) أَي الِاشْتِرَاك فِي بعض الْأَحْكَام (و) الدَّلِيل (السمعي) الَّذِي هُوَ مَوْضُوع الْأُصُول (من حَيْثُ يُوصل) الْعلم بأحواله إِلَى قدرَة إِثْبَات الْأَحْكَام لأفعال الْمُكَلّفين (ينْدَرج فِيهِ) أَي السمعي (السمعي النَّبَوِيّ) الَّذِي هُوَ مَوْضُوع علم الحَدِيث اندراج الجزئي الإضافي تَحت الْكُلِّي، وَالْمرَاد بِهِ أَدِلَّة السّنة كَمَا ينْدَرج فِيهِ أَدِلَّة الْكتاب (من حَيْثُ كَيْفيَّة الثُّبُوت) وَكَون الْأُصُول باحثا من حَيْثُ
(1/48)

الإيصال لَا يُنَافِي بحثها من حَيْثُ كَيْفيَّة الثُّبُوت، بل الْبَحْث عَن الإيصال السمعي بعد معرفَة كَيْفيَّة ثُبُوته من صِحَة وَحسن وَغَيرهمَا، وَمن ثمَّة تخْتَلف صِفَات إِثْبَات الْأَحْكَام باخْتلَاف كَيْفيَّة ثُبُوت أدلتها قُوَّة وضعفا فالبحث من الْحَيْثِيَّة الثَّانِيَة رَاجع إِلَى الأولى، فَظهر أَن مبَاحث السّنة من مبَاحث الْأُصُول أَصَالَة (ومباحث الْإِجْمَاع وَالْقِيَاس والنسخ ظَاهر) كَونهَا من مسَائِل الْأُصُول المختصة بِهِ، وَلَا يعلم علم من الْعُلُوم الْمُدَوَّنَة كَفِيل بهَا سواهُ.
(الْمقَالة الأولى) من المقالات الثَّلَاث (فِي المبادئ اللُّغَوِيَّة) جمع مبدأ، هُوَ فِي الأَصْل مَكَان الْبدَاءَة فِي الشَّيْء أَو زَمَانه، وَالْمرَاد بِهِ هَهُنَا على مَا سبق، تصورات وتصديقات يتَوَقَّف عَلَيْهَا الْبَحْث عَن مسَائِل الْفَنّ بوسط أَو بِغَيْرِهِ كبيان معنى اللُّغَة، وَسبب وَضعهَا، والواضع، وَلُزُوم الْمُنَاسبَة بَين اللَّفْظ وَمَعْنَاهُ، وَعدم لُزُومهَا، وَمَا وضع لَهُ اللَّفْظ ذهني أَو خارجي أَو أَعم مِنْهُمَا، وَطَرِيق معرفَة الْوَضع وَهل يجْرِي الْقيَاس إِلَى غير ذَلِك؟ وَوجه التَّسْمِيَة أَن الْمَوْقُوف عَلَيْهِ مبدأ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَوْقُوف، وَتَقْدِيم هَذِه الْمقَالة لاحتياج الْكل إِلَيْهَا (اللُّغَات الْأَلْفَاظ الْمَوْضُوعَة) للمعاني أَشَارَ بِلَفْظ الْجمع إِلَى عدم اخْتِصَاص التَّعْرِيف بلغَة الْعَرَب، والمتبادر من الْوَضع تعْيين اللَّفْظ للدلالة بِنَفسِهِ، فعلى هَذَا لَا يكون الْمجَاز لُغَة حَقِيقَة بل مجَازًا، وَيُمكن أَن يُرَاد بِهِ مَا يعم الْوَضع الْمجَازِي فَيكون لُغَة حَقِيقَة (ثمَّ تُضَاف كل لُغَة إِلَى أَهلهَا) وَهُوَ من تنْسب إِلَيْهِ لَا واضعها، يُقَال لُغَة الْعَرَب ولغة الْعَجم (وَمن لطفه) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: أَي إفَاضَة إحسانه برفقه على عباده، والإضمار فِي مَحل الْإِظْهَار للإشعار بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ حَاضر فِي الأذهان بِحَيْثُ لَا يحْتَاج إِلَى سبق الذّكر (الظَّاهِر تَعَالَى) أَشَارَ بِهَذَا الْوَصْف إِلَى أَن لطفه على قسمَيْنِ الظَّاهِر والخفي (وَقدرته) وَهِي صفة أزلية مُؤثرَة فِي المقدورات عِنْد تعلقهَا بهَا (الباهرة) أَي الْغَالِبَة الْعَالِيَة عَن الْعَجز عَن إِيجَاد مَا تعلّقت إِرَادَته من المقدورات (الاقدار) وَهِي إعطا الْقُدْرَة (عَلَيْهَا) أَي على الْأَلْفَاظ الْمَوْضُوعَة بالنطق بهَا مَتى شَاءُوا إعلاما بِمَا فِي ضمائرهم (وَالْهِدَايَة) عطف على الْمُبْتَدَأ: أَعنِي الاقدار وَالْخَبَر هُوَ قَوْله من لطفه، وَهِي الدّلَالَة على مَا يُوصل إِلَى البغية، وَلَا يخفى عَلَيْك أَن هَهُنَا نشرا على غير تَرْتِيب اللف، فَإِن الْهِدَايَة مُتَعَلقَة باللطف والاقدار بِالْقُدْرَةِ (للدلالة بهَا) اللَّام صلَة الْهِدَايَة فَإِنَّهَا تتعدى بِاللَّامِ وَإِلَى وبنفسه، وَالْهِدَايَة صفة الْحق سُبْحَانَهُ، وَالدّلَالَة وَهِي الْإِرْشَاد إِلَى مَا فِي الضَّمِير بِوَاسِطَة اللَّفْظ صفة الْمُتَكَلّم بهَا (فَخفت الْمُؤْنَة) بِهَذَا الطَّرِيق فِي الإفادة والاستفادة ليسره وسهولته (وعمت الْفَائِدَة) لتناول إفادتها الْمَوْجُود والمعدوم والمحسوس والمعقول. ووجودها مَعَ الْحَاجة وانقضائها مَعَ انْقِضَائِهَا بِخِلَاف الْكِتَابَة وَالْإِشَارَة والمثال وَهُوَ الجرم الْمَوْضُوع على شكل مَا فِي الضَّمِير (والواضع للأجناس) أَي الْمعَانِي الْكُلية الْمُسَمَّاة باسم
(1/49)

كالإنسان وَالْحَيَوَان وَالْأكل وَالشرب، فالمفعول مَحْذُوف أَو الْأَلْفَاظ الْمَوْضُوعَة بِإِزَاءِ الْمعَانِي الْكُلية، فَاللَّام لتقوية الْعَمَل والموضوع لَهُ مَحْذُوف (أَولا الله سُبْحَانَهُ) وَيجوز أَن يتوارد على بَعْضهَا وضعان لله أَولا، وللعباد ثَانِيًا (قَول الْأَشْعَرِيّ) أَي القَوْل بِأَن الْوَاضِع لَهَا أَولا الله سُبْحَانَهُ قَوْله (وَلَا شكّ فِي أوضاع أخر لِلْخلقِ علمية شخصية) على مَا يشْهد بِهِ الْوَاقِع، وَإِنَّمَا جعل مَحل الْخلاف الْأَجْنَاس، لِأَن الْأَشْخَاص بَعْضهَا بِوَضْع الله تَعَالَى بِغَيْر خلاف كأسماء الله تَعَالَى المتلقاة من السّمع وَأَسْمَاء الْمَلَائِكَة وَبَعض أَسمَاء الْأَنْبِيَاء، وَبَعضهَا بِوَضْع الْبشر بِلَا ريب، وَإِنَّمَا قيد بالشخصية لانْتِفَاء الْقطع فِي العلمية الجنسية كانتفائه فِي أَسمَاء الْأَجْنَاس (وَغَيرهَا) أَي غير أوضاع الْأَعْلَام الشخصية الَّتِي هِيَ لِلْخلقِ بِلَا شكّ مَا لَا يقطع بِكَوْنِهِ للحق دون الْخلق (جَائِز) وجوده، فَإِن كَانَ مَا وضع لَهُ فِيهِ عين مَا وضع وَمَا ضع لَهُ بِوَضْع الْحق فَهُوَ مُجَرّد توارد، وَإِلَّا فَيلْزم ترادف إِن كَانَت الْمُغَايرَة فِي الأول دون الثَّانِي، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَيَقَع الترادف) أَو اشْتِرَاك إِن كَانَت فِي الثَّانِي فَقَط، أَو انْفِرَاد فِي الْوَضع كَمَا ذكر من وضع الْعلم الشخصي إِن كَانَت فيهمَا، وَكَأَنَّهُ ذكر الترادف مثلا وَترك غَيره بالمقايسة (لقَوْله تَعَالَى {وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا} تَعْلِيل للأشعري، وَالْمرَاد بالأسماء المسميات والعلامات، لَا مصطلح النُّحَاة فَيعم الْأَفْعَال والحروف أَيْضا على أَنه لَو أُرِيد لثبت الْمَطْلُوب أَيْضا لعدم الْقَائِل بِالْفَصْلِ، وَلِأَن التَّعْلِيم بِمُجَرَّد الْأَسْمَاء دونهمَا متعسر. وَالظَّاهِر أَن التَّعْلِيم بإلقائها عَلَيْهِ مُبينًا لَهُ مَعَانِيهَا إِمَّا بِخلق علم ضَرُورِيّ لَيْسَ بإعمال شَيْء من أَسبَاب الْعلم اخْتِيَارا أَو إِلْقَاء فِي روعه، وَهُوَ يجْتَمع مَعَ التَّوَجُّه وأعمال السَّبَب أَو غير ذَلِك وأياما كَانَ فَهُوَ غير مفتقر إِلَى سَابِقَة اصْطِلَاح ليتسلسل، بل إِلَى وضع، وَالْأَصْل يَنْفِي أَن يكون ذَلِك الْوَضع مِمَّن كَانَ قبل آدم وَمِمَّنْ مَعَه فِي الزَّمَان من الْمَخْلُوقَات، فَيكون من الله وَهُوَ الْمَطْلُوب (وَأَصْحَاب أبي هَاشم) المعتزلي الْمَشْهُور، وَيُقَال لَهُم الدهشمية قَالُوا الْوَاضِع (الْبشر آدم وَغَيره) وضع الْأَوَائِل، ثمَّ عرف الْبَاقُونَ بتكرار الْأَلْفَاظ مَعَ قرينَة الْإِشَارَة وَغَيرهَا (لقَوْله تَعَالَى {وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه} أَي بلغتهم مجَاز من تَسْمِيَة الشَّيْء باسم سَببه (أَفَادَ) النَّص (نسبتها) أَي اللُّغَة (إِلَيْهِم) أَي الْقَوْم (وَهِي) أَي النِّسْبَة الْمَذْكُورَة إِنَّمَا تكون (بِالْوَضْعِ) أَي بوضعهم إِيَّاهَا بِإِزَاءِ مَعَانِيهَا، لِأَن الأَصْل فِي الْإِطْلَاق الْحمل على الْكَامِل مِمَّا يحْتَملهُ اللَّفْظ (وَهُوَ) أَي هَذَا التَّقْرِير (تَامّ) فِي الِاسْتِدْلَال (على الْمَطْلُوب) يَعْنِي على تَقْدِير تَسْلِيم مقدماته يستلزمه فَلَا يُنَافِي وُرُود منع على بعض مقدماته (وَأما تَقْرِيره) أَي الِاسْتِدْلَال بِهَذَا النَّص (دورا) مفعول التَّقْرِير لتَضَمّنه معنى التصيير: أَي جعله مُفِيدا للدور (كَذَا) إِشَارَة إِلَى مَا ذكر بعده
(1/50)

من التَّقْرِير: وَهُوَ حَال عَن ضمير تَقْرِيره، وَلَيْسَ المُرَاد بِمثل هَذَا حَقِيقَة التَّشْبِيه، بل كَون مَا قصد بَيَانه بِحَيْثُ يعبر عَنهُ بِهَذِهِ الْعبارَة وَنَحْوهَا وَمَا بعده بدل عَنهُ وَهُوَ قَوْله (دلّ) أَي النَّص الْمَذْكُور (على سبق اللُّغَات الْإِرْسَال) لدلالته على مُلَابسَة الرُّسُل اللُّغَة المنسوبة إِلَى الْقَوْم قبل الْإِرْسَال، لِأَن تخاطبهم بِتِلْكَ اللُّغَة يسبب كَون الرَّسُول متلبسا بهَا حَال الْإِرْسَال ليبين لَهُم مَا أمروا بِهِ فيفهموا بِيَسِير (وَلَو كَانَ) حُصُول اللُّغَات لَهُم (بالتوقيف) من الله تَعَالَى (وَلَا يتَصَوَّر) التَّوْقِيف (إِلَّا بِالْإِرْسَال) لِأَنَّهُ الطَّرِيق الْمُعْتَاد فِي تَعْلِيم الله سُبْحَانَهُ للعباد (سبق الْإِرْسَال اللُّغَات فيدور) وَهُوَ دور تقدم بِمَعْنى مسبوقية الشَّيْء بِمَا هُوَ مَسْبُوق بذلك الشَّيْء، وَهُوَ محَال وَإِن كَانَ سبقا زمانيا لَا ذاتيا، فَإِن سبق الشَّيْء على نَفسه زَمَانا ظَاهر الاستحالة (فغلط) جَوَاب أما (لظُهُور أَن كَون التَّوْقِيف لَيْسَ إِلَّا بِالْإِرْسَال إِنَّمَا يُوجب سبق الْإِرْسَال على التَّوْقِيف لَا) سبق الْإِرْسَال على (اللُّغَات) حَتَّى يلْزم الدّور، وَلَك أَن تَقول سبق الْإِرْسَال على التَّوْقِيف لعدم حُصُوله بِلَا إرْسَال رَسُول، وَلَا شكّ أَنه لَا يحصل إِلَّا برَسُول عَالم باللغات ليعلم قومه إِيَّاهَا، وَالْحَاصِل أَن النَّص يدل على تقدم اللُّغَات من حَيْثُ أَنَّهَا مَعْلُومَة للْقَوْم على الْإِرْسَال والتوقيف يدل على أَنَّهَا من تِلْكَ الْحَيْثِيَّة مُتَأَخِّرَة عَن الْإِرْسَال فَسبق الْإِرْسَال على التَّوْقِيف يسْتَلْزم سبقه على اللُّغَات من حَيْثُ كَونهَا مَعْلُومَة لَهُم وَإِن لم يسْتَلْزم سبقه عَلَيْهَا من حَيْثُ ذواتها، وَذَلِكَ كَاف فِي إِثْبَات الدّور، وَيُمكن أَن يُجَاب عَنهُ بِأَنَّهُ يجوز أَن يتَعَلَّق باللغات نَوْعَانِ من الْعلم، أَحدهمَا بطرِيق التَّوْقِيف، وَالْآخر بطرِيق آخر: كالضرورة مثلا، وَتَكون اللُّغَات من حَيْثُ معلوميتها بالنوع الأول مُتَأَخِّرًا عَن الْإِرْسَال، وَمن حَيْثُ معلوميتها بِالثَّانِي مُتَقَدما عَلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ معنى قَوْله لَا على اللُّغَات لَا عَلَيْهَا من حَيْثُ معلوميتها بِغَيْر طَرِيق التَّوْقِيف أَولا عَلَيْهَا من جَمِيع الحيثيات، فالآية لَا تدل على أَن الْوَاضِع إِنَّمَا هُوَ الْبشر، وَإِن سلم دلالتها على سبق اللُّغَات على الْإِرْسَال، وَكَون التَّوْقِيف لَيْسَ إِلَّا بِالْإِرْسَال (بل يُفِيد سبقها) أَي كَون التَّوْقِيف كَمَا ذكر لَا يُوجب سبق الْإِرْسَال على اللُّغَات بل يُفِيد سبق اللُّغَات على الْإِرْسَال، لِأَن الْإِرْسَال لتعليمها إِنَّمَا يكون بعد وجودهَا مَعْلُومَة للرسول عَادَة ليترتب فَائِدَة الْإِرْسَال عَلَيْهِ بِلَا تَأَخّر (فَالْجَوَاب) من قبل التوقيفية عَن الِاسْتِدْلَال الْمَذْكُور (بِأَن آدم علمهَا) بِلَفْظ الْمَبْنِيّ للْمَفْعُول بتعليم الله، وَالضَّمِير للأسماء (وَعلمهَا) بِلَفْظ الْمَبْنِيّ للْفَاعِل آدم غَيره (فَلَا دور) إِذْ تَعْلِيمه بِالْوَحْي يستدعى تقدم الْوَحْي على اللُّغَات، لَا تقدم الْإِرْسَال وَلَا يتَصَوَّر الْإِرْسَال عِنْد ذَلِك لعدم الْقَوْم وَبعد أَن وجدوا وتعلموا اللُّغَات مِنْهُ أرسل إِلَيْهِم وَحَاصِل الْجَواب منع كَون التَّوْقِيف لَيْسَ إِلَّا بِالْإِرْسَال فَقَوله (وبمنع حصر التَّوْقِيف على الْإِرْسَال) يغاير الْجَواب الأول بِاعْتِبَار السَّنَد، فَإِن سَنَد هَذَا تَجْوِيز، وَسَنَد
(1/51)

ذَلِك أَمر نقلي، وَالْأَوْجه أَن يُقَال الأول مُعَارضَة، وَالْمُدَّعِي أَن الْبشر لَيْسَ بواضع، لِأَن آدم علمه الله تَعَالَى: وَغَيره علمه آدم، فَلم يكن أحد وَاضِعا، غَايَة الْأَمر أَنه أُشير فِي ضمنه إِلَى بطلَان دليلهم بِأَنَّهُ لَو كَانَ التوفيف يسْتَلْزم الدّور لما وَقع لكنه وَقع (لجوازه) أَي التَّوْقِيف من الله (بالإلهام) أَي بإلقاء الله تَعَالَى فِي روع الْعَاقِل من غير كسب مِنْهُ أَن هَذِه الْأَلْفَاظ مَوْضُوعَة بِإِزَاءِ هَذِه الْمعَانِي (ثمَّ دَفعه) أَي هَذَا التجويز (بِخِلَاف الْمُعْتَاد) أَي بِأَن التَّوْقِيف بِغَيْر الْإِرْسَال من الإلهام وَنَحْوه خلاف مَا جرت بِهِ الْعَادة الألهية، فَإِن لم يقطع بِعَدَمِهِ فَلَا أقل من أَن يكون خلاف الظَّاهِر فَلَا يُصَار إِلَيْهِ بِمُجَرَّد التجويز (ضائع) خبر قَوْله فَالْجَوَاب إِلَى آخِره وَذَلِكَ لكَونه مَبْنِيا على الدّور، وَقد عرفت أَنه غلط مُسْتَغْنى عَنهُ (بل الْجَواب) الْمُعْتَمد الْمَبْنِيّ على تَقْرِير استدلالهم بِالْآيَةِ على الْوَجْه التَّام (أَنَّهَا) أَي الْإِضَافَة فِي قَوْله تَعَالَى بِلِسَان قومه (للاختصاص) أَي اخْتِصَاص اللِّسَان بهم من بَين النَّاس لتخاطبهم بهَا من سَائِر اللُّغَات (وَلَا يسْتَلْزم) الِاخْتِصَاص (وضعهم) إِيَّاهَا (بل يثبت) الِاخْتِصَاص (مَعَ تَعْلِيم آدم بنيه إِيَّاهَا) أَي اللُّغَات (وتوارث الأقوام) من السّلف وَالْخلف بالتعليم والتعلم (فاختص كل) أَي كل قوم (بلغَة) دلّت الْفَاء التعقيبية على أَن اخْتِصَاص كل قوم بلغَة إِنَّمَا حدث بعد التَّوَارُث، فعلى هَذَا لَا يلْزم أَن الْأَوَائِل لم يَكُونُوا كَذَلِك، بل كَانُوا يخاطبون بِكُل لُغَة (وَأما تَجْوِيز كَون علم) أَي كَون المُرَاد بِعلم آدم الْأَسْمَاء (ألهمه الْوَضع) بِأَن بعث داعيته وَألقى فِي روعه كيفيته حَتَّى فعل كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - {وعلمناه صَنْعَة لبوس} - (أَو مَا سبق وَضعه مِمَّن تقدم) أَي أَو ألهمه الْأَسْمَاء السَّابِق وَضعهَا مِمَّن تقدم آدم، فقد ذكر غير وَاحِد من الْمُفَسّرين أَن الله تَعَالَى خلق جانا قبله وأسكنهم الأَرْض، ثمَّ أهلكهم بِذُنُوبِهِمْ (فخلاف الظَّاهِر) لِأَن الأَصْل عدم الْوَضع السَّابِق، والمتبادر من التَّعْلِيم أَن يكون بطرِيق الْخطاب لَا الإلهام (و) هَذِه (الْمَسْأَلَة ظنية) فَلَا يتَّجه أَن دليلها لَا يُفِيد الْقطع فَلَا يعْتَبر وَهِي (من الْمُقدمَات) لِلْأُصُولِ، وَمَا يذكر قبل الشُّرُوع فِيهِ لمزيد بَصِيرَة، لَا من مقاصده وَلَا من مباديه الَّتِي يتَوَقَّف عَلَيْهَا مسَائِله (و) إِطْلَاق (المبادي فِيهَا) أَي الْمَسْأَلَة الْمَذْكُورَة (تَغْلِيب) فَلَا يتَّجه أَنه كَيفَ ذكرت فِي المبادي اللُّغَوِيَّة (كَالَّتِي تَلِيهَا) أَي كَمَا فِي الْمَسْأَلَة الَّتِي تلِي هَذِه الْمَسْأَلَة من أَن الْمُنَاسبَة بَين اللَّفْظ، وَالْمعْنَى مُعْتَبرَة أم لَا، فَإِنَّهَا أَيْضا ظنية من الْمُقدمَات، ثمَّ أَشَارَ إِلَى دفع مَا دفع بِهِ احتجاج التوقيفية بِالْآيَةِ بقوله (وَكَون المُرَاد بالأسماء) الْمَذْكُورَة فِي الْآيَة (المسميات) وَهِي الْحَقَائِق الْمَوْضُوعَة بإزائها الْأَسْمَاء (بعرضهم) أَي بِدلَالَة قَوْله تَعَالَى عرضهمْ فِي قَوْله - {ثمَّ عرضهمْ على الْمَلَائِكَة فَقَالَ أنبئوني بأسماء هَؤُلَاءِ} - لِأَن الْعرض للسؤال عَن أَسمَاء المعروضات، فَلَا يكون المعروض الَّذِي هُوَ مرجع
(1/52)

الضَّمِير الْمَنْصُوب نفس الْأَلْفَاظ، وَلِأَن عرض الْأَلْفَاظ إِنَّمَا يكون بالتلفظ بهَا ويأباه الْأَمر التعجيزي وَلِأَن ضمير جمع الْمُذكر الْعَاقِل إِنَّمَا يَصح إِذا أُرِيد بِهِ الْحَقَائِق مَعَ تَغْلِيب الْعُقَلَاء (مندفع) خبر الْكَوْن (بالتعجيز بأنبئوني بأسماء هَؤُلَاءِ) يَعْنِي الْقَصْد من طلب الإنباء بالأسماء تعجيز الْمَلَائِكَة عَنهُ ليظْهر فضل آدم عَلَيْهِم بِسَبَب إنبائه بهَا وَكَونه عَالما بهَا دونهم وَتَعْلِيم آدم الْأَسْمَاء لهَذِهِ الْمصلحَة فَلَو كَانَ معنى قَوْله تَعَالَى - {علم آدم الْأَسْمَاء} - علم المسميات لزم ترك ذكر مَا لَا بُد مِنْهُ، وَذكر مَا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ مَعَ حُصُول مطلب التوقيفية أَن فرض تعليمها مَعَ تَعْلِيم أسمائها أَو عدم استقامة معنى الْكَلَام أَن فرض بِدُونِهِ لِأَنَّهُ يُخَالف حِينَئِذٍ قَوْله تَعَالَى - {فَلَمَّا أنبأهم} - وَالْوَجْه أَن يُقَال المُرَاد بالأسماء أَولا وَثَانِيا مَعْنَاهَا الْمُتَبَادر، وبالضمير الرَّاجِع إِلَيْهَا فِي عرضهمْ المسميات بطرِيق الِاسْتِخْدَام (وَبعد) كَون المُرَاد بِعلم الْأَسْمَاء (علم المسميات) عطف على التَّعْجِيز، وَذَلِكَ لِأَن إِرَادَة المسميات بِلَفْظ الْأَسْمَاء بعيد عَن الْفَهم، وَقيل لِأَن الْمَفْعُول الثَّانِي للتعليم من قبيل الصِّفَات والأعراض لَهُ الْأَشْخَاص والذوات، وَأَنت خَبِير بِأَن نفس الْأَلْفَاظ أَيْضا لَا تصلح إِلَّا بِاعْتِبَار وَضعهَا، وَمثل هَذَا الِاعْتِبَار يُمكن من جَانب المسميات أَيْضا بِأَن يُقَال علمهَا بِاعْتِبَار أَحْكَامهَا غير أَن التَّأْوِيل فِي الأول أظهر لشيوع تعلم اللُّغَة وَعلمهَا، ثمَّ أَشَارَ إِلَى الْمَذْهَب الثَّالِث بقوله (وَتوقف القَاضِي) أبي بكر الباقلاني عَن تعْيين الْوَاضِع (لعدم) دَلِيل (الْقطع) بذلك (لَا يَنْفِي الظَّن) بذلك (والمتبادر من قَوْله) أَي القَاضِي (كل) من الْمذَاهب فِيهَا (مُمكن عَدمه) أَي الظَّن، لِأَن مثل هَذَا الْإِطْلَاق يُفِيد بِظَاهِرِهِ الْمُسَاوَاة فِي الِاحْتِمَال (وَهُوَ) أَي عدم الظَّن بأحدها (مَمْنُوع) لوُجُود مَا يفِيدهُ كَمَا مر من دَلِيل الْأَشْعَرِيّ (وَلَفظ كلهَا) فِي قَوْله تَعَالَى - {وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا} - (يَنْفِي اقْتِصَار الحكم على كَون مَا وَضعه سُبْحَانَهُ الْقدر الْمُحْتَاج إِلَيْهِ فِي تَعْرِيف الِاصْطِلَاح) كلمة على صلَة الِاقْتِصَار لَا الحكم، لِأَن الْكَوْن لَيْسَ بموضوع الْقَضِيَّة، بل هُوَ عبارَة عَن نِسْبَة الْمَحْمُول، وَهُوَ الْقدر إِلَى الْمَوْضُوع، وَالْحكم الَّذِي هُوَ إِيقَاع النِّسْبَة هَهُنَا مَقْصُور على نِسْبَة هَذَا الْمَحْمُول إِلَيْهِ دون غَيره، وَهُوَ الزَّائِد على الْقدر الْمَذْكُور، احْتج الْأُسْتَاذ بِأَنَّهُ إِن لم يكن الْقدر الْمُحْتَاج إِلَيْهِ فِي الِاصْطِلَاح: أَي فِي بَيَان أَن هَذِه الْأَلْفَاظ مَوْضُوعَة بِإِزَاءِ هَذِه الْمعَانِي ليستفيد غير الْوَاضِع الْعلم بِالْوَضْعِ من الْوَاضِع بالتوقيف من الله لزم الدّور لتوقف الِاصْطِلَاح على سبق معرفَة ذَلِك الْقدر، والمفروض أَنه يعرف بالاصطلاح (إِذْ يُوجب) لفظ كلهَا (الْعُمُوم) أَي عُمُوم التَّعْلِيم جَمِيع الْأَسْمَاء الْقدر الْمَذْكُور وَغَيره على أَن اللَّام ظَاهِرَة فِي الِاسْتِغْرَاق غَايَة الْأَمر أَنه تخصص مِنْهُ مَا تقدم لقِيَام الدَّلِيل عَلَيْهِ (فَانْتفى) بِهَذَا (توقف الْأُسْتَاذ فِي غَيره) أَي فِي غير مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي بَيَان الِاصْطِلَاح (كَمَا نقل عَنهُ) الْأُسْتَاذ
(1/53)

نقل عَنهُ الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب وَنقل الرَّازِيّ والبيضاوي عَنهُ أَن الْبَاقِي اصطلاحي فِيهِ أَن معلم الْكل لَا يلْزم أَن يكون وَاضعه بل التَّعْلِيم إِنَّمَا يكون بعد الْوَضع: وَهُوَ يحْتَمل أَن يكون من الله أَو غَيره كالجن فَإِن قلت الأَصْل عدم الْوَضع من غَيره قلت المتمسك بالاستصحاب لَا يعْتَبر فِي مثل هَذَا الْمطلب، غَايَة الْأَمر أَن كَون الْقدر الْمَذْكُور بِوَضْع الله أَفَادَهُ الدَّلِيل فَقَالَ بِهِ وَتوقف فِي غَيره لعدم الدَّلِيل (وإلزام الدّور أَو التسلسل) على اخْتِلَاف الْقَوْم فِي تَقْرِير الْإِلْزَام: الْآمِدِيّ يسْتَلْزم التسلسل لتوقفه على اصْطِلَاح سَابق وَهُوَ على آخر وَهَكَذَا، وَاقْتصر ابْن الْحَاجِب على الدّور كَمَا ذَكرْنَاهُ آنِفا، وَذكر التَّفْتَازَانِيّ فِي وَجه اقْتِصَار الْآمِدِيّ على التسلسل أَن الدّور أَيْضا نوع من التسلسل بِنَاء على عدم تناهي التوقفات، وَفِيه مَا فِيهِ، وَفِي وَجه اقْتِصَار ابْن الْحَاجِب أَنه لَا بُد بِالآخِرَة من الْعود إِلَى الِاصْطِلَاح الأول ضَرُورَة تناهي الاصطلاحات (لَو لم يكن تَوْقِيف الْبَعْض) أَي الْقدر الْمَذْكُور (مُنْتَفٍ) خير الْمُبْتَدَأ يعين إِلْزَام أحد الْأَمريْنِ على تَقْدِير عدم تَوْقِيف الْبَعْض غير وَارِد، لِأَن طَرِيق معرفَة الْقدر الْمَذْكُور لَا ينْحَصر فِي الِاصْطِلَاح (بل الترديد) أَي اسْتِعْمَال اللُّغَات فِي مَعَانِيهَا مرّة بعد أُخْرَى (مَعَ الْقَرِينَة) الدَّالَّة على أَن المُرَاد من هَذَا اللَّفْظ هَذَا الْمَعْنى من الْإِشَارَة وَنَحْوهَا (كَاف فِي الْكل) أَي كل اللُّغَات فضلا عَن الْقدر الْمَذْكُور (وَتدْخل الْأَفْعَال والحروف) فِي عُمُوم الْأَسْمَاء (لِأَنَّهَا أَسمَاء لُغَة) لِأَن اسْم الشَّيْء هُوَ اللَّفْظ الدَّال عَلَيْهِ، والتخصيص بِمَا يُقَابل الْفِعْل والحرف اصْطِلَاح النُّحَاة، وَقيل فَائِدَة الِاخْتِلَاف أَن من قَالَ بالتوقيف جعل التَّكْلِيف مُقَارنًا لكَمَال الْعقل، وَمن قَالَ بالاصطلاح أَخّرهُ عَن مُدَّة يُمكن فِيهَا من معرفَة الِاصْطِلَاح (وَهَذَا) أَي معنى هَذَا أَو هَذَا كَمَا ذكر (وَأما اعْتِبَار الْمُنَاسبَة) بَين اللَّفْظ وَالْمعْنَى الداعية لتعيين خُصُوص هَذَا اللَّفْظ لهَذَا الْمَعْنى (فَيجب الحكم بِهِ) أَي باعتبارها بَينهمَا (فِي وَضعه تَعَالَى) فَإِن خَفِي ذَلِك علينا فلقصور منا أَو لحكمة اقتضته (للْقطع بِحِكْمَتِهِ) وَهِي على مَا ذكره الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ فِي شرح الْكَشَّاف العملم بالأشياء كَمَا هُوَ وَالْعلم بالأمور على مَا يَنْبَغِي وَيُطلق على مَا يشملها، وَمن الْعُلُوم أَن كل معنى لَيْسَ نسبته إِلَى جَمِيع الْأَلْفَاظ على السوية بل بَينه وَبَين بَعْضهَا مُنَاسبَة لَيست بَينه وَبَين غَيرهَا، وَيَنْبَغِي أَن يُرَاعى ذَلِك فِي الْوَضع والقادر الْحَكِيم لَا يفوت ذَلِك (وَهُوَ) أَي اعْتِبَار الْمُنَاسبَة (ظَاهر فِي) وضع (غَيره) بِنَاء على أَن الظَّاهِر من حَاله عدم التَّرْجِيح بِلَا مُرَجّح، فَهُوَ مظنون فِي حَقه (وَالْوَاحد قد يُنَاسب بِالذَّاتِ الضدين) جَوَاب على استدلالنا فِي اعْتِبَار الْمُنَاسبَة، تَقْرِيره اللَّفْظ الْوَاحِد قد يكون للشَّيْء ونقيضه أَو ضِدّه، كالجون للأحمر والأبيض وَالْأسود. والقرء للْحيض وَالطُّهْر، ومناسبته لأَحَدهمَا تَسْتَلْزِم عدمهَا إِلَى الآخر وَحَاصِل الْجَواب منع الاستلزام بِهَذَا السَّنَد (فَلَا يسْتَدلّ على نفي
(1/54)

لُزُومهَا) أَي الْمُنَاسبَة (بِوَضْع) اللَّفْظ (الْوَاحِد لَهما) أَي الضدين، وَهَذَا بِنَاء على تَقْرِير الِاسْتِدْلَال على الْوَجْه الْمَذْكُور، وَأما إِذا قررت بِأَنَّهُ لَو كَانَت دلَالَة الْأَلْفَاظ لمناسبة ذاتية لما وضع اللَّفْظ الْوَاحِد للنقيضين، لِأَنَّهُ يسْتَلْزم الِاخْتِلَاف فِيمَا بِالذَّاتِ إِن دلّ عَلَيْهِمَا، فَلَا يُجَاب بِمَا ذكر، لَكِن القَوْل بِدلَالَة الْأَلْفَاظ الْمُنَاسبَة طبيعية، فَلَا يحْتَاج إِلَى الْوَضع كَمَا عزى إِلَى بعض الْمُعْتَزلَة مِنْهُم عباد بن سُلَيْمَان مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَن يصدر من الْعَاقِل، وَلذَا أولوه بِمَا ذكر فِي مَحَله، وأوله المُصَنّف رَحمَه الله بِمَا يَأْتِي، وَالْجُمْهُور على أَن نِسْبَة الْأَلْفَاظ إِلَى الْمعَانِي على السوية وَتَخْصِيص الْبَعْض بِالْبَعْضِ إِرَادَة الْوَاضِع الْمُخْتَار، غير أَن المُصَنّف رَحمَه الله مَال إِلَى اعْتِبَار الْمُنَاسبَة على مَا ذكر، وأيده بقوله (وَهُوَ) أَي اعْتِبَار الْمُنَاسبَة على الْوَجْه الْمَذْكُور (مُرَاد الْقَائِل بِلُزُوم الْمُنَاسبَة فِي الدّلَالَة) لَا الْمُنَاسبَة الذاتية الْمُقْتَضِيَة إِيَّاهَا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن مُرَاده مَا ذكر بل مَا هُوَ الْمُتَبَادر مِنْهُ (فَهُوَ) أَي مُرَاده أَو قَوْله (ضَرُورِيّ الْبطلَان) فَلَا يحْتَاج إِبْطَاله إِلَى الْحجَّة والبرهان كَمَا فعله ابْن الْحَاجِب وَكثير من أهل الشَّأْن (والموضوع لَهُ) اللَّفْظ (قيل الذهْنِي دَائِما) أَي الصُّور الذهنية سَوَاء كَانَ مَوْجُودا فِي الذِّهْن وَالْخَارِج أَو فِي الذِّهْن فَقَط، وَهَذَا مُخْتَار الإِمَام الرَّازِيّ (وَقيل) الْمَوْضُوع لَهُ الْمَوْجُود (الْخَارِجِي) وعزى إِلَى أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ (وَقيل الْأَعَمّ) من الذهْنِي والخارجي، وَقَالَ الْأَصْفَهَانِي هُوَ الْحق (وَنحن) نقُول اللَّفْظ (فِي الْأَشْخَاص) أَي فِي الْأَعْلَام الشخصية مَوْضُوع (للخارجي) أَي للموجود الْخَارِجِي (وَوُجُوب استحضار الصُّورَة) أَي الصُّورَة الذهنية للموجود الْخَارِجِي (للوضع) أَي لِأَن يضع اللَّفْظ بِإِزَاءِ ذَلِك وَالْمَوْجُود الْخَارِجِي (لَا يَنْفِيه) أَي لَا يَنْفِي كَونه للخارجي جَوَاب لمن قَالَ للذهني، لِأَن الْوَاضِع إِنَّمَا يستحضر صُورَة فَيَضَع الِاسْم بإزائها، فالموضوع لَهُ تِلْكَ الصُّورَة وَحَاصِله أَن الصُّورَة آلَة لملاحظة الْخَارِجِي، لَا أَنه وضع لَهَا (ونفيناه) أَي وضع الْأَلْفَاظ (للماهيات الْكُلية) لما سنذكر فِي بحث الْمُطلق (سوى علم الْجِنْس على رَأْي) أَي على رَأْي من يفرق بَينه وَبَين اسْم الْجِنْس بِأَنَّهُ للْحَقِيقَة المتحدة، وَاسم الْجِنْس لفرد مِنْهَا غير معِين، وَهُوَ الْأَوْجه على مَا ذكره المُصَنّف رَحمَه الله، وَفِي اسْم الْجِنْس مذهبان: أَحدهمَا أَنه مَوْضُوع للماهية مَعَ وحدة لَا بِعَينهَا، وَيُسمى فَردا منتشرا وَذهب إِلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيّ وَابْن الْحَاجِب، وَاخْتَارَهُ التَّفْتَازَانِيّ وَقطع بِهِ المُصَنّف رَحِمهم الله، وَالْآخر أَنه مَوْضُوع للماهية من حَيْثُ هِيَ، وَاخْتَارَهُ السَّيِّد الشريف رَحمَه الله، فالموضوع لَهُ على الأول الْمَاهِيّة بِشَرْط شَيْء، وعَلى الثَّانِي لَا بِشَرْط شَيْء، وَسَيَجِيءُ بَيَانه فِي بحث الْمُطلق إِن شَاءَ الله تَعَالَى (بل) مَا سوى الْأَعْلَام الشخصية والجنسية مَوْضُوع (لفرد غير معِين) وَهُوَ
(1/55)

الْفَرد الْمُنْتَشِر (فِيمَا) وضع لمَفْهُوم كلي (أَفْرَاده خارجية أَو ذهنية) فَإِن كَانَت خارجية فالموضوع لَهُ فَرد مَا من تِلْكَ الْأَفْرَاد الخارجية، وَإِن كَانَت ذهنية من الذهنية، وَإِن كَانَت ذهنية وخارجية، فَالظَّاهِر أَن الْعبْرَة بالخارجية (وَطَرِيق مَعْرفَتهَا) أَي معرفَة الأوضاع (التَّوَاتُر كالسماء وَالْأَرْض وَالْحر وَالْبرد وَأكْثر) أوضاع (أَلْفَاظ الْقُرْآن مِنْهُ) أَي مِمَّا عرف بالتواتر، أَشَارَ إِلَى دفع مَا شكك بِهِ بعض المبتدعة من أَن أَكثر الْأَلْفَاظ دورانا على الألسن كالجلالة وَقع فِيهِ الْخلاف أسرياني أم عَرَبِيّ مُشْتَقّ، ومم؟ أَو مَوْضُوع ابْتِدَاء، وَلم؟ فَمَا ظَنك بِغَيْرِهِ، وَأَيْضًا الروَاة لَهُ معدودون كالخليل والأصمعي، وَلم يبلغُوا عدد التَّوَاتُر، فَلَا يحصل الْقطع بقَوْلهمْ، وَأَيْضًا الْغَلَط عَلَيْهِم فِي تتبع كَلَام البلغاء جَائِز، وَالْجَوَاب مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (والتشكيك فِيهِ) أَي فِيمَا عرف بالتواتر (سفسطة) أَي مُكَابَرَة (فِي مَقْطُوع) بِهِ بأخبار من يحِيل الْعقل تواطأهم على الْكَذِب (والآحاد) مَعْطُوف على التَّوَاتُر، وَهِي مَا لم يبلغ حد التَّوَاتُر من الْأَخْبَار (كالقر) بِضَم الْقَاف وَتَشْديد الرَّاء للبرد (واستنباط الْعقل من النَّقْل) طَرِيق ثَالِث لمعرفتها (كنقل أَن الْجمع الْمحلى) بِاللَّامِ (يدْخلهُ الِاسْتِثْنَاء) الْمُتَّصِل، وَهَذِه مُقَدّمَة نقلية (وَأَنه) أَي الِاسْتِثْنَاء (إِخْرَاج بعض مَا يَشْمَلهُ اللَّفْظ) أَي لفظ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ وَهِي أَيْضا نقلية (فَيحكم) الْعقل بعد التَّأَمُّل فِي هَاتين المقدمتين النقليتين (بِعُمُومِهِ) أَي الْجمع الْمَذْكُور وتناوله جَمِيع الْأَفْرَاد بضميمة عقلية، هِيَ أَن الْإِخْرَاج تَحْقِيقا لَا يتَحَقَّق إِلَّا بتناول صدر الْكَلَام للمخرج تَحْقِيقا، وَذَلِكَ لَا يتَحَقَّق بِدُونِ الْعُمُوم، ولمزيد حَاجَة هَذَا الْقسم إِلَى أَعمال الْعقل سمي بِالِاسْمِ الْمَذْكُور، وَإِن كَانَ الْعقل لَهُ مدْخل تَامّ فِي الْأَقْسَام كلهَا (أما) الْعقل (الصّرْف) أَي الْخَالِص من غير مدخلية النَّقْل (فبمعزل) بِفَتْح الْمِيم وَكسر الزَّاي بمَكَان بعيد عَن الِاسْتِقْلَال بِمَعْرِِفَة الْوَضع (وَلَيْسَ المُرَاد) من النَّقْل (نقل قَول الْوَاضِع كَذَا لكذا) أَي اللَّفْظ الْفُلَانِيّ مَوْضُوع للمعنى الْفُلَانِيّ (بل) المُرَاد (توارث فهم كَذَا من كَذَا) أَي الْخلف من السّلف أَنه يفهم الْمَعْنى الْفُلَانِيّ من اللَّفْظ الْفُلَانِيّ إِفَادَة واستفادة (فَإِن زَاد) طَرِيق النَّقْل على الْقدر الْمَذْكُور بِنَحْوِ هَذَا اللَّفْظ مَوْضُوع لهَذَا الْمَعْنى (فَذَاك) أقوى وأصرح (وَاخْتِلَاف فِي) جَوَاز إِثْبَات اللُّغَة بطرِيق (الْقيَاس) وَهُوَ إِلْحَاق معنى بِمَعْنى مُسَمّى باسم فِي التَّسْمِيَة بذلك الِاسْم، فجوزه القَاضِي وَابْن سُرَيج وَأَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وَالْإِمَام الرَّازِيّ، وَقيل عَلَيْهِ أَكثر عُلَمَاء الْعَرَبيَّة، وَالأَصَح مَنعه، وَهُوَ قَول عَامَّة الْحَنَفِيَّة وَأكْثر الشَّافِعِيَّة وَالْغَزالِيّ والآمدي (أَي إِذا سمي مُسَمّى باسم فِيهِ) أَي ذَلِك الِاسْم (معنى) بِاعْتِبَار أَصله من حَيْثُ الِاشْتِقَاق أَو غَيره (يخال) أَي يظنّ صفة معنى (اعْتِبَاره) أَي ذَلِك الْمَعْنى (فِي التَّسْمِيَة) بِأَن يكون سَبَب تَسْمِيَة ذَلِك الْمُسَمّى بذلك الِاسْم (للدوران) مُتَعَلق بيخال: أَي الظَّن
(1/56)

الْمَذْكُور لأجل دوران الِاسْم مَعَ ذَلِك الْمَعْنى وجودا وعدما (وَيُوجد) ذَلِك الْمَعْنى عطف على يخال (فِي غَيره) أَي غير ذَلِك الْمُسَمّى (فَهَل يتَعَدَّى الِاسْم إِلَيْهِ) أَي إِلَى غير ذَلِك الْغَيْر بِسَبَب وجود ذَلِك الْمَعْنى فِيهِ (فيطلق) ذَلِك الِاسْم (عَلَيْهِ) أَي على ذَلِك الْغَيْر (حَقِيقَة) وَأما مجَازًا فَلَا نزاع فِيهِ (كالمسمى نقلا) أَي كَمَا يُطلق اسْم كَانَ لِمَعْنى، ثمَّ نقل إِلَى معنى آخر، فَسمى بِهِ لمشاركتهما فِي معنى يتضمنه الِاسْم على الْمُسَمّى الْمَنْقُول إِلَيْهِ حَقِيقَة، وَقَوله نقلا نصب على الْمصدر: أَي تَسْمِيَة نقل: أَي بطرِيق النَّقْل (كَالْخمرِ) الَّتِي هِيَ اسْم للنئ من مَاء الْعِنَب إِذا غلا وَاشْتَدَّ وَقذف بالزبد إِذا أطلق (على النَّبِيذ) إِلْحَاقًا لَهُ بالنئ الْمَذْكُور (للمخامرة) وَهِي التخمير والتغطية لِلْعَقْلِ، وَهُوَ معنى فِي الِاسْم يظنّ اعْتِبَاره فِي تَسْمِيَة النئ بِهِ لدوران التَّسْمِيَة مَعَه، فَمَا لم يُوجد فِي مَاء الْعِنَب لَا يُسمى خمرًا بل عصيرا، وَإِذا وجد فِيهِ سمي بِهِ، وَإِذا زَالَ عَنهُ لم يسم بِهِ بل خلا، وَقد وجد فِي النَّبِيذ (أَو يخص) اسْم الْخمر (بمخامر هُوَ مَاء الْعِنَب) الْمَذْكُور، فَلَا يُطلق حَقِيقَة على النَّبِيذ، وَقَوله يخص مَعْطُوف على يتَعَدَّى (وَالسَّارِق) أَي وكالسارق الَّذِي هُوَ اسْم للآخذ مَال الْحَيّ خُفْيَة من حرز لَا شُبْهَة لَهُ فِيهِ إِذا أطلق (على النباش) وَهُوَ من يَأْخُذ كفن الْمَيِّت خُفْيَة من الْقَبْر بعد دَفنه (للأخذ خُفْيَة) أَي لهَذَا الْمَعْنى الْمَوْصُوف بِمَا ذكر (وَالزَّانِي) الَّذِي هُوَ اسْم للمولج آلَته فِي قبل آدمية حَيَّة مُحرمَة عَلَيْهِ بِلَا شُبْهَة إِذا أطلق (على اللائط) وَهُوَ من يعْمل عمل قوم لوط (للإيلاج الْمحرم) الَّذِي هُوَ الْمَعْنى الْمَوْصُوف بِمَا ذكر (وَالْمُخْتَار نَفْيه) أَي الْقيَاس الْمَذْكُور (قَالُوا) أَي المثبتون (الدوران) يُفِيد أَن صِحَة إِطْلَاق الِاسْم مَبْنِيّ على وجود الْمَعْنى الْمَذْكُور مهما وجد، وَقد وجد فِيمَا قصد إِلْحَاقه (قُلْنَا إفادته) أَي الدوران ذَلِك (مَمْنُوعَة) أَي كَون الدوران طَرِيقا صَحِيحا لإِثْبَات الْمَطْلُوب غير مُسلم، كَمَا يَأْتِي فِي مسالك الْعلَّة (وَبعد التَّسْلِيم) لإِفَادَة الدوران، وَكَونه طَرِيقا صَحِيحا كَمَا هُوَ مَذْهَب جمَاعَة نقُول (إِن أردتم) بدوران الِاسْم مَعَ الْمَعْنى الْمَذْكُور دورانا (مُطلقًا) سَوَاء وجد فِي أَفْرَاد الْمُسَمّى أَو غَيرهَا بادعاء ثُبُوت الِاسْم فِي كل مَادَّة يُوجد فِيهَا ذَلِك الْمَعْنى، وانتفائه فِي كل مَا لم يُوجد فِيهِ بطرِيق النَّقْل (فَغير الْمَفْرُوض) أَي فَمَا أردتموه خلاف الْمَفْرُوض (لِأَن مَا يُوجد فِيهِ) ذَلِك الْمَعْنى (حِينَئِذٍ) أَي حِين إِذْ ثَبت كَون الِاسْم لما فِيهِ ذَلِك الْمَعْنى مُطلقًا (يكون) خبر إِن (من أَفْرَاد الْمُسَمّى) يَعْنِي مَا فِيهِ ذَلِك الْمَعْنى لَا يتَحَقَّق حِينَئِذٍ فرع يلْحق بِأَصْل الْقيَاس، وَهَذَا خلاف الْمَفْرُوض (أَو) أردتم بدوران الِاسْم أَن يَدُور مَعَه (فِي الأَصْل) الْمَقِيس عَلَيْهِ (فَقَط) بِوُجُود الِاسْم فِي كل مَادَّة يُوجد فِيهَا الْمُسَمّى وانتفائه فِي كل مَا لم يُوجد فِيهِ (منعنَا) حِينَئِذٍ
(1/57)

(كَونه) أَي الدوران (طَرِيقا) مثبتا تَسْمِيَة الشَّيْء باسم لمشاركته الْمُسَمّى فِي معنى دَار الِاسْم مَعَه وجودا وعدما فِي الْمُسَمّى (هُنَا) أَي فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، وَإِن سلمنَا كَون الدوران طَرِيقا صَحِيحا لإِثْبَات المطالب فِي الْجُمْلَة (وَكَونه) أَي الدوران (كَذَلِك) أَي طَرِيقا صَحِيحا لإِثْبَات الحكم (فِي الشرعيات) العمليات (للْحكم الشَّرْعِيّ) أَي لتعديته من مَحل إِلَى مَحل أَو لإثباته بِهَذَا الطَّرِيق (لَا يستلزمه) أَي كَونه طَرِيقا صَحِيحا (فِي) إِثْبَات (الِاسْم) وتعديته من مُسَمّى إِلَى مَحل آخر حَاصِل استدلالهم أَنه ثَبت الْقيَاس بالدوران شرعا فَيثبت لُغَة، إِذْ الْمَعْنى الْمُوجب للثبوت فيهمَا وَاحِد، وَهُوَ الِاشْتِرَاك فِي معنى يظنّ مدَار الحكم (لِأَنَّهُ) أَي الْقيَاس فِي الشرعيات (سَمْعِي) ثَبت اعْتِبَاره بِالسَّمَاعِ من الشَّارِع (تعبد بِهِ) أَي تعبدنا الشَّارِع بِهِ لوُرُود الْقَاطِع مِنْهُ فِي حَقه، وَهُوَ الْإِجْمَاع إِذْ لَا عِبْرَة بِخِلَاف الظَّاهِرِيَّة فِيهِ (لَا) أَنه أَمر (عَقْلِي) ليَكُون للرأي مدْخل فِيهِ فَيرد نقضا على عدم اعتبارنا الْقيَاس فِي اللُّغَة، ثمَّ أيد سَنَد الْمَنْع الْمَذْكُور فِي ثَانِي شقي الترديد بقوله (ثمَّ تَجْوِيز كَون خُصُوصِيَّة الْمُسَمّى مُعْتَبرَة) فِي التَّسْمِيَة بِالِاسْمِ الْمَذْكُور (ثَابت) وَالْمرَاد بِثُبُوت التجويز أَنه لَيْسَ مُجَرّد احْتِمَال عَقْلِي بل هُوَ إِمْكَان وقوعي (بل) ثُبُوته (ظَاهر بِثُبُوت مَنعهم) أَي عُلَمَاء الْعَرَبيَّة، قَالَ أهل الْعَرَبيَّة فِي مَبْحَث الِاشْتِقَاق: الْمُشْتَقّ قد يطرد كاسم الْفَاعِل، وَالزَّمَان وَغَيرهمَا، وَقد لَا يطرد كالقارورة والدبران، وتحقيقه أَن وجود معنى الأَصْل فِي مَحل التَّسْمِيَة قد يعْتَبر بِحَيْثُ أَنه دَاخل فِي التَّسْمِيَة، وَالْمرَاد ذَات مَا بِاعْتِبَار نسبته لَهُ إِلَيْهَا، فَهَذَا يطرد فِي كل ذَات كَذَلِك، وَقد يعْتَبر بِحَيْثُ أَنه مصحح للتسمية مُرَجّح لَهَا من بَين الْأَسْمَاء من غير دُخُوله فِي التَّسْمِيَة، وَالْمرَاد ذَات مَخْصُوصَة فِيهَا الْمَعْنى: لَا من حَيْثُ هُوَ فِيهَا بل بِاعْتِبَار خصوصها، فَهَذَا لَا يطرد وَالْجَار مُتَعَلق بِثَابِت أَو بِظَاهِر (طرد الأدهم) مفعول الْمَنْع أَي صِحَة إِطْلَاق الأدهم الَّذِي هُوَ اسْم الْفرس الْأسود على كل مَا فِيهِ سَواد (والأبلق) الَّذِي هُوَ اسْم للْفرس الَّذِي فِيهِ سَواد وَبَيَاض على كل مَا فِيهِ ذَلِك (والقارورة) الَّتِي هِيَ اسْم لمقر الْمَائِعَات من الزّجاج على كل مَا هُوَ مقرّ لَهَا من غَيره (والأجدال) الَّذِي هُوَ اسْم للصقر لقُوته، على كل مَا فِيهِ قُوَّة (والأخيل) الَّذِي هُوَ اسْم لطائر بِهِ خيلان على كل مَا بِهِ ذَلِك (وَمَا لَا يُحْصى) من نَظَائِر هَذِه الْمَذْكُورَات، كالسماك الَّذِي هُوَ اسْم لكل من كوكبين مخصوصين مرتفعين، على كل مُرْتَفع، وَقرر هَذَا الْكَلَام مُعَارضَة، بَيَانه أَن الْقيَاس فِي اللُّغَة إِثْبَات لَهَا الْمُحْتَمل وَهُوَ بَاطِل، أما الأولى فَلِأَنَّهُ يحْتَمل التَّصْرِيح بِمَنْعه كَمَا يحْتَمل التَّصْرِيح بِاعْتِبَارِهِ بِدَلِيل مَنعهم اطراد الْأَسْمَاء الْمَذْكُورَة، وَأما الثَّانِيَة فَلِأَنَّهُ بِمُجَرَّد احْتِمَال الْوَضع لَا يَصح الحكم بِهِ فَإِن ذَلِك يسْتَلْزم جَوَاز الحكم بِالْوَضْعِ بِغَيْر قِيَاس، إِذا قَامَ احْتِمَال، وَذَلِكَ بَاطِل اتِّفَاقًا (فَظهر)
(1/58)

بِمَا ذكر من اعْتِبَار خُصُوصِيَّة الْمُسَمّى (أَن المناط) أَي منَاط التَّسْمِيَة (فِي مثله) أَي مثل مَا ذكر مِمَّا فِيهِ معنى يُنَاسب أَن يعْتَبر فِي التَّسْمِيَة هُوَ (الْمَجْمُوع) من الذوات وَالْوَصْف الْمَخْصُوص (فإثباتها) أَي اللُّغَة (بِهِ) أَي بِالْقِيَاسِ إِثْبَات (بِالِاحْتِمَالِ) وَفِي بعض النّسخ بمحتمل وَهُوَ بَاطِل لما عرفت، ثمَّ قيل ثَمَرَة الْخلاف تظهر فِي الْحُدُود فِي الْجِنَايَات الْمَذْكُورَة، فالقائل بِالْقِيَاسِ يحد شَارِب النَّبِيذ والنباش واللائط، وَمن لم يقل لَا يحد (وَاللَّفْظ أَن وضع لغيره) أَي لغير نَفسه سَوَاء كَانَ لفظا آخر كالاسم وَالْفِعْل، أَو معنى كزيد وَضرب كَذَا قيل، وَيرد عَلَيْهِ أَن الِاسْم وَالْفِعْل وضعا لمفهومين كليين وَيُمكن الْجَواب بِأَن أفرادهما أَلْفَاظ فكون مَا وضعا لَهُ ألفاظا بِاعْتِبَار مَا صدقا عَلَيْهِ، والتمثيل بالضمائر الراجعة إِلَى الْأَلْفَاظ ونظائرها على رَأْي الْمُتَأَخِّرين من أَن الْوَضع فِيهَا عَام والموضوع لَهُ خَاص (فمستعمل وَإِن لم يسْتَعْمل) قطّ فِيمَا وضع لَهُ والمستعمل يسْتَعْمل فِي مَعْنيين أَحدهمَا هَذَا، وَالْآخر مَا أطلق وَأُرِيد بِهِ الْمَعْنى (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يوضع لغيره (فمهمل وَإِن اسْتعْمل) أَي أطلق وَأُرِيد بِهِ نَفسه (كديز ثَلَاثَة) فَإِنَّهُ لم يوضع دير لغيره من لفظ أَو معنى (وبالمهمل) أَي بِاسْتِعْمَال المهمل فِي نَفسه اسْتِعْمَالا صَحِيحا (ظهر وضع لَك لفظ لنَفسِهِ) لِأَن ذكر اللَّفْظ وَإِرَادَة نَفسه لَا يخْتَص بالمهمل بل يعم الْأَلْفَاظ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي دلَالَته عَلَيْهِ وَتلك الدّلَالَة لَيست عقلية فَهِيَ وضعية (كوضعها لغيره) أَي كظهور وضع بَعْضهَا لغير نَفسه بِاسْتِعْمَالِهِ فِي الْغَيْر فَشبه ظُهُور وضع الْكل للنَّفس بِظُهُور وضع الْبَعْض للْغَيْر بِجَامِع الِاسْتِعْمَال بِلَا قرينَة، غَايَة الْأَمر أَن منَاط الِاسْتِعْمَال والإهمال الْوَضع للْغَيْر (لِأَن الْمجَاز يسْتَلْزم وضعا) أَي وَضعه قبل أَن يسْتَعْمل فِي الْمَعْنى الْمجَازِي (للمغاير) أَي لمغاير الْمَعْنى الْمجَازِي: لِأَن الْمجَاز هُوَ اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل فِي غير مَا وضع لَهُ فَلَو فرض كَون الْمُسْتَعْمل فِي نَفسه مجَازًا لزم كَون نَفسه مغايرا لما وضع لَهُ فَالْحَاصِل أَن مجازيه المهمل الْمُسْتَعْمل فِي نَفسه تَسْتَلْزِم وَضعه للمغاير وَهُوَ خلاف الْمَفْرُوض، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَهُوَ) أَي الْوَضع للمغاير (مُنْتَفٍ فِي المهمل) كَمَا علم من تَعْرِيفه الْحَاصِل من التَّقْسِيم، وَإِذا انْتَفَى الْمجَاز تعين الْحَقِيقَة، وَهِي مستلزمة للوضع، وعَلى هَذَا التَّقْرِير يثبت الْوَضع فِي المهمل الْمُسْتَعْمل فِي نَفسه، ثمَّ يحمل عَلَيْهِ الْمُسْتَعْمل لعدم الْقَائِل بِالْفرقِ بَين المهمل والمستعمل بِاعْتِبَار الِاسْتِعْمَال فِي نَفسهَا وَيُمكن أَن يُرَاد استلزام مجازية الْمُسْتَعْمل فِي نَفسه وَضعه لغير نَفسه، لِأَن مَا وضع لَهُ اللَّفْظ مُغَاير لمعناه الْمجَازِي (وَلعدم العلاقة) تَعْلِيل آخر لنفي مجازية الْمُسْتَعْمل فِي نَفسه وَحَاصِله أَن العلاقة لَازِمَة فِي الْمجَاز وَلَا يتَصَوَّر شَيْء من أَنْوَاع العلاقة الْمُعْتَبرَة بَين نفس اللَّفْظ وَمَا وضع لَهُ أما فِي المهمل فَظَاهر، وَأما فِي الْمُسْتَعْمل فَلِأَنَّهُ لَا علاقَة بَين اللَّفْظ وَمَعْنَاهُ، أَعنِي من العلاقات الْمُعْتَبرَة كَمَا لَا يخفى على الْعَارِف بهَا، وَمَا قيل من أَن العلاقة بَينهمَا الْمُجَاورَة لارتسامهما فِي الخيال مَعًا لَيْسَ
(1/59)

بِشَيْء، لِأَن العلاقة فِي الْمجَاز وَسِيلَة للانتقال من الدَّال إِلَى الْمَدْلُول وهما متحدان هَهُنَا والتغاير اعتباري، فَمن حَيْثُ أَنه سَبَب لإحضار نَفسه دَال، وَمن حَيْثُ أَنه مُرَاد بِذكرِهِ مَدْلُول وَلَا يحْتَاج مثل هَذِه الدّلَالَة إِلَى وَسِيلَة، نعم يحْتَاج إِلَى قرينَة تعين أَن المُرَاد بِهِ نَفسه، وَهُوَ غير العلاقة وَلما كَانَ هُنَا مَظَنَّة سُؤال وَهُوَ أَن كَون اللَّفْظ مَوْضُوعا لنَفسِهِ يسْتَلْزم الْمُسَاوَاة بَين دلَالَته على نَفسه ودلالته على مَعْنَاهُ، وَاللَّازِم مُنْتَفٍ لتبادر مَعْنَاهُ وَسَبقه إِلَى الْفَهم، أَشَارَ إِلَى الْجَواب بقوله (وَيجب كَون الدّلَالَة) أَي دلَالَة اللَّفْظ الْمَوْضُوع لغيره (على مُغَاير) أَي على مَا وضع لَهُ المغاير لنَفسِهِ دون نَفسه (قبل) ذكر (الْمسند) ظرف للدلالة الْمَذْكُورَة وَإِنَّمَا قيدت بِهِ، لِأَنَّهُ بعد ذكره يتَعَيَّن كَون المُرَاد بِهِ نَفسه لِأَنَّهُ صَارف عَن المغاير لعدم صِحَة إِسْنَاده إِلَيْهِ (لعدم الشُّهْرَة) خبر الْكَوْن، يَعْنِي عدم شهرة وضع اللَّفْظ لنَفسِهِ أَو عدم شهرة اسْتِعْمَاله فِي نَفسه كشهرة اسْتِعْمَاله فِي الْغَيْر فَإِن كل وَاحِد من العدمين يُوجب عدم تبادر النَّفس خُصُوصا مَعَ شهرة وَضعه للْغَيْر، أَو شهرة اسْتِعْمَاله فِيهِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وشهرة مَا يُقَابله) فكون الدّلَالَة قبل الْمسند على المغاير لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَة لَا يُنَافِي وَضعه لَهما (وَلما كَانَ) وَضعه لنَفسِهِ (غير قصدي) بِأَن قَالَ الْوَضع مثلا وضعت كل لفظ بِإِزَاءِ نَفسه (لِأَن الظَّاهِر أَنه) أَي وَضعه لنَفسِهِ (لَيْسَ إِلَّا تَجْوِيز اسْتِعْمَاله) فِي نَفسه (ليحكم عَلَيْهِ) أَي على اللَّفْظ (نَفسه) تَأْكِيد للمجرور، وَذَلِكَ لِأَن الْوَضع القصدي إِنَّمَا يحْتَاج إِلَيْهِ عِنْد المباينة والبعد بَين الدَّال والمدلول، وَلَا بعد بَين اللَّفْظ وَنَفسه، بل فهم نَفسه عِنْد ذكره ضَرُورِيّ، لَكِن لَا يُسمى ذَلِك دلَالَة إِلَّا إِذا صرفت قرينَة عنان الْقَصْد إِلَيْهِ بِالذَّاتِ ليحكم عَلَيْهِ، فَيكون حِينَئِذٍ مرَادا، وَلما وجدنَا هَذِه الْإِرَادَة فِي الاطلاقات الصَّحِيحَة فِي جَمِيع اللُّغَات عرفنَا التجويز فِي ذَلِك من الْوَاضِع، وَإِلَّا لما وَقعت كَذَلِك، وَلَا شكّ أَن هَذَا التجويز نوع من الْوَضع مِنْهُ (لم يوضع الألقاب الاصطلاحية بِاعْتِبَارِهِ) جَوَابا لما، وَالْمَقْصُود من هَذَا الْكَلَام دفع إِيرَاد يدل عَلَيْهِ قَوْله (فَلم يكن كل مَوْضُوع للمغاير مُشْتَركا) تَقْرِيره أَن القَوْل بِوَضْع الْأَلْفَاظ لأنفسها يسْتَلْزم انحصار اللَّفْظ الْمَوْضُوع فِي الْمُشْتَرك فَلَا يَصح تقسيمه إِلَى الْمُفْرد والمشترك وَكَذَلِكَ انحصاره فِي الْعلم إِلَى غير ذَلِك وَحَاصِل الْجَواب أَن الِاشْتِرَاك وَغَيره من الْأَسْمَاء الاصطلاحية لم تُوضَع لمعانيها بِاعْتِبَار هَذَا الْوَضع، بل بِاعْتِبَار وَضعهَا لغير أَنْفسهَا (وَلم يسم) اللَّفْظ الْمَوْضُوع (بِاعْتِبَارِهِ) أَي وَضعه لنَفسِهِ (عُلَمَاء وَلَا اسْم جنس وَلَا دَالا بالمطابقة) إِلَى غير ذَلِك وَإِنَّمَا سميت الْأَسْمَاء الْمَذْكُورَة ألقابا، لكَونهَا مشعرة بمعان اعْتبرت فِي تَسْمِيَة مسمياتها بهَا كَمَا أَن الألقاب مشعرة بمعان اعْتبر فِي تَسْمِيَتهَا فِي مدح أَو ذمّ (والاعتراض بِأَنَّهُ) أَي القَوْل بِوَضْع اللَّفْظ لنَفسِهِ (مُكَابَرَة لِلْعَقْلِ بل لَا وضع) للفظ لنَفسِهِ (لاستدعائه) أَي الْوَضع (التَّعَدُّد) أَي
(1/60)

تعدد مُتَعَلقَة ضَرُورَة استلزامه مَوْضُوعا وموضوعا لَهُ وَلَا تعدد على تَقْدِير وَضعه لنَفسِهِ (وَلِأَنَّهُ) أَي الْوَضع (للْحَاجة) أَي إِفَادَة الْمَعْنى الْقَائِم بِالنَّفسِ (وَهِي) أَي الْحَاجة الْمَذْكُورَة إِنَّمَا تحصل (فِي) إِفَادَة (المغاير) أَي إِفَادَة اللَّفْظ مَا يغايره (مَبْنِيّ) خبر الْمُبْتَدَأ، وَهُوَ قَوْله الِاعْتِرَاض على حمل كَلَام الْقَائِل بِالْوَضْعِ (على ظَاهر اللَّفْظ) أَي على معنى يدل عَلَيْهِ ظَاهر عِبَارَته من إِطْلَاق لفظ الْوَضع (وَمَا قُلْنَا) من أَن المُرَاد من وضع اللَّفْظ لنَفسِهِ تَجْوِيز اسْتِعْمَاله فِي نَفسه ليحكم عَلَيْهِ (مخلص مِنْهُ) أَي من الِاعْتِرَاض الْمَذْكُور وَأجِيب أَيْضا بِأَن التغاير الاعتباري كَاف فِي كَون الشَّيْء دَالا ومدلولا، وَلَا يخفى عَلَيْك أَن المخلص مغن عَن هَذَا التَّكَلُّف. قَالَ السَّيِّد السَّنَد فِي حَاشِيَة الْكَشَّاف ردا على الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ التَّحْقِيق أَنه إِذا أُرِيد إِجْرَاء الحكم على لفظ مَخْصُوص تلفظ بِهِ نَفسه وَلم يحْتَج هُنَاكَ إِلَى وضع وَلَا إِلَى دَال على الْمَحْكُوم عَلَيْهِ للاستغناء بتلفظه وحضوره بذلك فِي ذهن السَّامع عَمَّا يدل عَلَيْهِ ويحضره فِيهِ، وَمَا ذكره المُصَنّف قريب مِنْهُ (والمستعمل مُفْرد ومركب، فالمفرد مَاله دلَالَة لاستقلاله بِوَضْع) الْجَار الأول مُتَعَلق بِالدّلَالَةِ، وَالثَّانِي بالاستقلال: أَي بِكَوْن دلَالَته على الْمَعْنى بِسَبَب وَضعه لَهُ مُسْتقِلّا لَا فِي ضمن لفظ آخر كتاء تضرب (وَلَا جُزْء مِنْهُ) أَي مِمَّا لَهُ الدّلَالَة الْمَذْكُورَة (لَهُ) أَي الْجُزْء الْمَذْكُور (مثلهَا) أَي مثل الدّلَالَة الْمَذْكُورَة بِأَن يدل على معنى لاستقلاله بِوَضْع، فَقَوله مِنْهُ صفة جُزْء وَله خبر مثلهَا، وَالْجُمْلَة خبر لَا (والمركب مَا لَهُ ذَلِك) أَي الدّلَالَة الْمَذْكُورَة (ولجزئه) مَعْطُوف على الضَّمِير الْمَجْرُور: أَي ولجزئه أَيْضا تِلْكَ الدّلَالَة (وَلم يشْتَرط كَونه) أَي كَون جزئه (دَالا على جُزْء الْمُسَمّى) أَي مُسَمّى الْكل كَمَا شَرط المنطقيون (فَدخل نَحْو عبد الله علما فِي الْمركب) لِأَن جزءه دَال لَكِن لَا على جُزْء الْمَعْنى فَإِن قلت صرح الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ بِعَدَمِ دلَالَة جُزْء مِنْهُ عِنْد الْقَرِينَة الدَّالَّة على إِرَادَة الْمَعْنى العلمي، وَشبه عبد فِي عبد الله بِأَن من إِنْسَان، وَلَا قَائِل فِيهِ بالتركيب وَدلَالَة أَن على الشَّرْط قُلْنَا الْقَرِينَة صارفة عَن الْإِرَادَة لَا الدّلَالَة وَلَيْسَ امتزاج مَاله دلَالَة بِمَا لَا دلَالَة لَهُ كامتزاجه بِمَا لَهُ دلَالَة بِحَيْثُ لَا يشابه الْمركب مِنْهُمَا بهيئة المركبات (وَخرج) عَن الْمركب (تضرب وأخواته) من المبدوء بِالْهَمْزَةِ وَالنُّون وَالْيَاء وفيهَا مَذَاهِب وَالْمُخْتَار أَن الْكل مُفْرد وَمُقَابِله أَن الْكل مركب، وَالثَّالِث التَّفْصِيل وَهُوَ قَول ابْن سينا أَن المبدوء بِالْيَاءِ مُفْرد وَغَيره مركب، وَجه الثَّانِي دلَالَة حرف المضارعة على مَوْضُوع معِين فِي غير ذِي الْيَاء وَغير معِين فِيهِ، وَلَا وَجه للتفصيل كَذَا نقل عَن المُصَنّف وَلَا يبعد أَن يُقَال فِي تَوْجِيهه أَن الْفِعْل من حَيْثُ أَنه عرض لَا بُد لَهُ من مَوْضُوع يدل على مَوْضُوع غير معِين فالياء كَأَنَّهَا لَا تفِيد أمرا زَائِدا بِخِلَاف مَا يدل على تعين الْمَوْضُوع (لِأَنَّهُ) أَي الْمُضَارع مَوْضُوع
(1/61)

(لمُجَرّد فعل الْحَال أَو الِاسْتِقْبَال) على سَبِيل منع الْخُلُو، فَيصح على الْأَقْوَال كَونه للْحَال فَقَط أَو الِاسْتِقْبَال فَقَط، أَو لَهما على الِاشْتِرَاك كَمَا هُوَ الْمُخْتَار (لموضوع خَاص) يَعْنِي مَا قَامَ بِهِ من الْمُتَكَلّم والمخاطب وَالْغَائِب الْمعِين، فمنعاه مركب من ثَلَاثَة حدث وزمان وَنسبَة إِلَى معِين وَالْجَار مُتَعَلق بِمَحْذُوف، وَهُوَ صفة فعل: أَي لمُجَرّد الْفِعْل الثَّابِت لموضوع، الْمُثبت لَهُ خَارج عَمَّا وضع لَهُ وَحَاصِل التَّعْلِيل أَن الْمُضَارع الَّذِي فِيهِ حرف المضارعة كلمة وَاحِدَة وضعت دفْعَة وَاحِدَة للمعنى الَّذِي فِيهِ النِّسْبَة إِلَى الْمُتَكَلّم أَو الْمُخَاطب أَو الْغَائِب إِلَّا أَنه وضع مَدْخُول حرف المضارعة للْحَدَث وَالزَّمَان وَالنِّسْبَة، وحرف المضارعة لوصف ذَلِك الْمَوْضُوع من التَّكَلُّم الخ (بِخِلَاف ضربت) بالحركات الثَّلَاث فِي التَّاء (لاستقلال تائه بِالْإِسْنَادِ) الَّذِي يقْضِي اسْتِقْلَال الْمسند إِلَيْهِ لفظا لكَونه محلا للإعراب، وَمعنى لكَونه مُسْندًا إِلَيْهِ (بِخِلَاف تَاء تضرب) سَوَاء كَانَت للمخاطب أَو للغائبة، وَهُوَ حَال من التَّاء، وَالْمعْنَى تَاء ضربت مُسْتَقلَّة حَال كَونهَا مُلَابسَة بِخِلَاف تَاء تضرب فِي الِاسْتِقْلَال (وَقيد المنطقيون) فِي تعريفي الْمُفْرد الْمركب (دلَالَة الْجُزْء بِجُزْء الْمَعْنى) أَي بِكَوْنِهَا على جُزْء الْمَعْنى (وقصدها) أَي وبكونها مَقْصُودَة، فالمفرد عِنْدهم مَا لَيْسَ لَهُ جُزْء دَال على جُزْء مَعْنَاهُ دلَالَة مَقْصُودَة إِمَّا بِأَن لَا يكون لَهُ جُزْء كالهمزة، أَو كَانَ بِلَا دلَالَة كزاي زيد، أَو مَعَ دلَالَة لَكِن لَا على جُزْء الْمَعْنى كَعبد الله، أَو مَعَ دلَالَة على جُزْء مَعْنَاهُ لَكِن دلَالَة غير مَقْصُودَة كالحيوان النَّاطِق الْمَوْضُوع لشخص، وَإِلَى الآخرين أَشَارَ بقوله (فعبد الله مُفْرد، و) كَذَا (الْحَيَوَان النَّاطِق لإِنْسَان) تَفْرِيع على اعْتِبَار القيدين نفيا وإثباتا (وإلزامهم) أَي المنطقيين (بتركيب نَحْو مخرج) وضارب وسكران لدلَالَة جَوْهَر الْكَلِمَة على مبدأ الِاشْتِقَاق، وَمَا ضم إِلَيْهِ من مَا زيد عَلَيْهِ (غير لَازم) عَلَيْهِم، وَلما كَانَ الْإِلْزَام الْمَذْكُور محررا على وَجْهَيْن تَارَة بِاعْتِبَار الْهَيْئَة، وَتارَة بِاعْتِبَار الْحُرُوف الزَّوَائِد فصل الْجَواب فَقَالَ (فعلى اعْتِبَار الْجُزْء الْهَيْئَة) مفعول ثَان للاعتبار لتَضَمّنه معنى التصيير وَالْمعْنَى فَعدم لُزُومه بِنَاء على اعْتِبَار الْجُزْء الْمُوجب تركيبها الْهَيْئَة مفَاد (لتصريحهم) أَي المنطقيين فِي تَفْسِير الْجُزْء الْمُعْتَبر فِي الْمُفْرد والمركب (بالمسموع بالاستقلال) فمرادهم جُزْء مسموع بِذَاتِهِ لَا فِي ضمن شَيْء والهيئة إِن سلم كَونهَا مسموعة فَهِيَ مسموعة فِي ضمن الْمَادَّة، وَقَرِيب من هَذَا مَا قيل من أَن المُرَاد الْجُزْء الميرتب فِي السّمع (وَلِأَن الْكَلَام فِي تركيب اللَّفْظ ظَاهر) أَي وَلِأَن كَلَام المنطقيين هَهُنَا فِي تركيب لفظ مَعَ لفظ ظَاهر متبادر والتعريفات تحمل على مَا هُوَ الْمُتَبَادر مِنْهَا، وَالْحَاصِل أَنه دفع الِاعْتِرَاض عَنْهُم بِوَجْهَيْنِ: الأول أَنهم صَرَّحُوا بمرادهم، وَالثَّانِي أَن مُرَادهم ظَاهر من كَلَامهم من غير حَاجَة إِلَى تصريحهم (وعَلى اعْتِبَاره) أَي الْجُزْء (الْمِيم) فِي نَحْو
(1/62)

مخرج (وَنَحْوه) كالألف فِي ضَارب (فلمنع دلَالَته) أَي كل من الْمِيم وَنَحْوه (بل) الدَّال على مَجْمُوع الْمَعْنى المُرَاد فِي هَذِه الْأَلْفَاظ (الْمَجْمُوع) من الْحُرُوف الْأُصُول والزوائد لوضع الْمَجْمُوع دفْعَة للمجموع من غير وضع الْجُزْء للجزء، لَا يُقَال لَزِمَهُم القَوْل بتركيب نَحْو مخرج لقَولهم بتركيب الْمُضَارع، لِأَن اعْتِبَار التَّرْكِيب فِيهِ يسْتَلْزم كَون الْحَرْف الزَّائِد مَوْضُوعا بِإِزَاءِ مَا هُوَ الأَصْل فِي الْمَعْنى: أَعنِي الذَّات الَّتِي يقوم بهَا مبدأ الِاشْتِقَاق، بِخِلَاف حرف المضارعة، فَإِنَّهَا بِإِزَاءِ وصف الْفَاعِل من التَّكَلُّم وَالْخطاب والغيبة، نعم الْوَجْه عدم التَّرْكِيب فِي الْمُضَارع أَيْضا كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وَجعل تضرب) بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق للمخاطب أَو الغائبة (مركبا إِن كَانَ) سَببه (الْإِسْنَاد فِي تائه فخلاف أهل اللُّغَة) أَي مخالفهم وَكَيف لَا والمسند إِلَيْهِ الِاسْم لَا غير وحروف المضارعة من حُرُوف المباني، مَجْمُوع الشَّرْط وَالْجَزَاء خبر الْمُبْتَدَأ (أَو للمستكن) مَعْطُوف على قَوْله إِلَى تائه، وَاللَّام بِمَعْنى إِلَى كَقَوْلِه تَعَالَى - {فسقناه لبلد} - (فَمَا ذكرنَا) أَي فَجَوَابه مَا ذكرنَا من أَن الْمُضَارع مَوْضُوع لمُجَرّد الْفِعْل الثَّابِت لموضوع خَاص وَلَا تركيب فِيهِ، وَالضَّمِير الْمُسْتَتر فِيهِ كلمة أُخْرَى مَوْضُوعَة لذَلِك الْمَوْضُوع، وَلَا نزاع فِي تركيب مَجْمُوع الْمُضَارع وَالضَّمِير (وَلذَا) أَي وَلعدم اقْتِضَاء المستكن تركبه (لم يركب) أَي لم يصر مركبا (اضْرِب) على صِيغَة الْأَمر (وَيضْرب فِي زيد يضْرب) مَعَ وجود المستكن فيهمَا (وَجَوَاب مركبه) أَي من ذهب إِلَى تركيب الْمُضَارع مُطلقًا (مِنْهُم) أَي من المنطقيين (مَا ذكرنَا) من التَّفْصِيل، وَذهب الرضي إِلَى أَن الْمُضَارع، وَمثل مسلمان ومسلمون وَبصرى وقائمة والمؤنث بِالْألف والمعرف بِاللَّامِ مركبات عدت لشدَّة الامتزاج وَعدم اسْتِقْلَال الْحُرُوف الْمُتَّصِلَة فِيهَا كلمة وَاحِدَة وأعربت إِعْرَاب الْكَلِمَة الْوَاحِدَة، وَمَا اخْتَارَهُ المُصَنّف رَحمَه الله أنسب بقواعد الْإِعْرَاب، وَلما ذكر (وينقسم كل من الْمُفْرد والمركب، فالمركب) قدمه لقلَّة أقسامه وَكَون مَفْهُومه وجوديا (إِن أَفَادَ نِسْبَة تَامَّة) يَصح السُّكُوت عَلَيْهَا (بِمُجَرَّد ذَاته) من غير انضمامه إِلَى كلمة أُخْرَى، فَخرج قَائِم مَعَ ضَمِيره فِي زيد قَائِم، لِأَنَّهُ يدل عَلَيْهَا بانضمامه إِلَى زيد (فجملة) أَي فَهُوَ جملَة اسمية أَن بُدِئَ باسم كزيد قَائِم وفعلية إِن بُدِئَ بِفعل كقام زيد وَيَا عبد الله وَإِن أكرمتني أكرمتك، وَيُقَال لهَذِهِ شَرْطِيَّة، وأمامك أَو فِي الدَّار خَبرا عِنْد الْبَصرِيين بِتَقْدِير حصل أَو اسْتَقر، وَيُقَال لهَذِهِ ظرفية خلافًا للكوفيين فَإِنَّهُم جَعَلُوهُ مُفردا بِتَقْدِير نَحْو حَاصِل، وَمِنْهُم من جعله قسما بِرَأْسِهِ لَا من الْمُفْرد وَلَا من الْجُمْلَة (أَو نَاقِصَة) عطف على تَامَّة: أَي إِن أَفَادَ نِسْبَة نَاقِصَة لَا يَصح السُّكُوت عَلَيْهَا (فالتقييدي) أَي فَهُوَ الْمركب التقييدي لتقييد الْجُزْء الأول بِالْآخرِ كغلام زيد وَالْحَيَوَان النَّاطِق (ومفرد
(1/63)

أَيْضا) لِأَن الْمُفْرد مُشْتَرك بَين معَان مِنْهَا مَا يُقَابل الْجُمْلَة، وَمِنْهَا مَا أَفَادَ بقوله (وَكَذَا فِي مُقَابلَة الْمثنى وَالْمَجْمُوع) أَي كَمَا يُطلق فِي مُقَابلَة الْجُمْلَة كَذَلِك يُطلق فِي مقابلتهما، وَمِنْهَا مَا يُقَابل الْمُضَاف إِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (والمضاف) عطف على الْمثنى وَالْمَجْمُوع (وَنَحْو قَائِم) من الصِّفَات (لَا يرد) على تَعْرِيف الْجُمْلَة بتوهم كَون مَا أَفَادَهُ من نِسْبَة الْمصدر إِلَى الذَّات تَاما (لِأَنَّهُ مُفْرد) لعدم دلَالَة جزئه على معنى (وَأَيْضًا) لَا يدل على النِّسْبَة وضعا (إِنَّمَا يدل على ذَات متصفة) بِمَا اشتق مِنْهُ بِوَضْعِهِ لَهَا (فَيلْزم) أَن يفهم (النِّسْبَة) بَين الذَّات وَالْوَصْف (عقلا) أَي لُزُوما عقليا ضَرُورَة أَن الْوَصْف لَا بُد أَن يقوم بموصوف (لَا أَنَّهَا مَدْلُول اللَّفْظ) فَإِن قلت الدّلَالَة على الذَّات المتصفة بِوَصْف يسْتَلْزم كَون النِّسْبَة الَّتِي هِيَ الاتصاف المتعقل بسين الذَّات وَالْوَصْف مدلولا قلت الْمَعْنى الْمركب الْمُشْتَمل على النِّسْبَة إِذا وضع بإزائه لفظ وَاحِد يكون الْوَضع لَهُ هُنَاكَ أمرا وحدانيا إِذا أَخذ بِالْعقلِ فِي تَفْصِيله ينْحل إِلَى مُتَعَدد مِنْهُ النِّسْبَة فَتَأمل (وَحَال وُقُوعه) أَي نَحْو قَائِم (خَبرا فِي نَحْو زيد قَائِم نسبته إِلَى الضَّمِير لَيست تَامَّة بِمُجَرَّد ذَاته) مُسْند إِلَى فَاعله (بل) النِّسْبَة (التَّامَّة) نسبته مَعَ فَاعله (إِلَى زيد وَلذَا) أَي وَلكَون نسبته إِلَى الضَّمِير غير تَامَّة (عد مَعَه) أَي مَعَ الضَّمِير (مُفردا) كَمَا يدل عَلَيْهِ اختلافه باخْتلَاف العوامل وَوَضعه على أَن يكون مُعْتَمدًا على من هُوَ لَهُ لإفادته معنى فِي ذَات تقدم ذكرهَا، (و) إِفْرَاد نَحْو قَائِم حَال وُقُوعه خَبرا (على) رَأْي (المنطقيين فِي اعْتِبَاره) أَي الضَّمِير (الرابطة) ثَانِي مفعول الِاعْتِبَار لما يرتبط بِهِ الْمَحْمُول بالموضوع (أظهر فإسناده لَيْسَ إِلَّا إِلَى زيد) لِأَن الرابطة دَالَّة على النِّسْبَة لَا أَنَّهَا ظرفها (وَهُوَ) أَي الضَّمِير (يُفِيد أَن مَعْنَاهُ) أَي قَائِم ثَابت (لَهُ) أَي لزيد (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يفد ذَلِك (لاستقل كل) من الْمَوْضُوع والمحمول (بمفهومه) عَن الآخر (فَلم يرتبط، وَغَايَة مَا يلْزم) المنطقيين فِي الِاعْتِبَار الْمَذْكُورَة (طرده) أَي اعْتِبَار الضَّمِير (فِي الجامد) من الْأَخْبَار كَمَا فِي الْمُشْتَقّ طردا للباب من اطرد الْأَمر: أَي تبع بعضه بَعْضًا (وَقد يلْتَزم) طرده فِي الجامد (كالكوفيين) أَي كالتزام الْكُوفِيّين ذَلِك فَإِنَّهُم يؤولون غير الْمُشْتَقّ بِهِ، فيؤولون زيد أَسد بِشُجَاعٍ، وأخوك بمواخيك، وكل جامد بِمَا يُنَاسِبه، عَن الْكسَائي أَن الجامد يتَحَمَّل الضَّمِير بِلَا تَأْوِيل (وَإِن كَانَ) الِالْتِزَام الْمَذْكُور (على غير مهيعم) أَي طريقهم الْبَين فَإِنَّهُم لَا يلتزمون تحمل الْمُشْتَقّ لَهُ فضلا عَن الجامد، بل إِن كَانَ ملفوظا يسمون الْقَضِيَّة ثلاثية، وَإِلَّا قَالُوا هُوَ مَحْذُوف للْعلم بِهِ، ويسمونها ثنائية، فعلى هَذَا يحْتَاج قَوْله، وعَلى المنطقيين إِلَى آخِره إِلَى تَأْوِيله، لِأَن ظَاهره يَقْتَضِي اعْتِبَار الضَّمِير وَجعله رابطة فَتدبر (وبخفائه) أَي الضَّمِير الْمُسْتَتر (وَالدَّال) أَمر
(1/64)

ظَاهر، لِأَنَّهُ إِذا كَانَ خفِيا فِي ذَاته كَيفَ يكون سَببا لظُهُور الْمَدْلُول، وَلَا بُد من أَمر بعيد الرَّبْط بَين الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر (قيل الرابط حَرَكَة الْإِعْرَاب) ضمة ظَاهِرَة فِي آخر المعرب، ويلحقها مَا يقوم مقَامهَا وَاو أَو ألف (وَلَا يُفِيد) الْأَعْرَاب الْمَذْكُور أَيْضا مَا قصدوه من الظُّهُور (إِذْ يخفى) الْأَعْرَاب أَيْضا (فِي المبنى والمعتل) مَقْصُورا كَانَ أَو منقوصا، وَكَذَا المعرب عِنْد الْوَقْف (وَالْأَظْهَر أَنه) أَي الرَّبْط (فعل النَّفس) وَهُوَ الْإِيقَاع والانتزاع (وَدَلِيله) أَي فعل النَّفس (الضَّم الْخَاص) أَي التَّرْكِيب الْخَاص الْمَوْضُوع نَوعه لإِفَادَة ذَلِك، وَأما الْحَرَكَة (فَعِنْدَ ظُهُورهَا) لفقد الْمَانِع (يتَأَكَّد الدَّال) وَهُوَ الضَّم الْمَذْكُور (وَإِلَّا انْفَرد) أَي وَإِن لم تظهر لمَانع انْفَرد الضَّم بِالدّلَالَةِ الْمَذْكُورَة (وَاعْلَم أَن الْمَقْصُود) الْأَصْلِيّ (من وضع الْمُفْردَات لَيْسَ إِلَّا إِفَادَة الْمعَانِي التركيبية) هَذِه تَوْطِئَة لما بعْدهَا من بَيَان أَقسَام حَاصِلَة فِي اعْتِبَار الْمَعْنى التركيبي (وَالْجُمْلَة خبر إِن دلّ) أَي الْجُمْلَة، والتذكير بِاعْتِبَار الْخَبَر (على مُطَابقَة) نسبتها المفادة مِنْهَا لأمر (خَارج) عَن مدلولها بِاعْتِبَار تِلْكَ الملاحظة المستفادة من دلالتها كَائِن بَين طرفِي الْإِمْكَان فِي الْوَاقِع من الْوُقُوع، أَو اللاوقوع، وَلَا يذهب عَلَيْك الْفرق بَين الدّلَالَة على الْمُطَابقَة وَبَين الْمُطَابقَة بِحَسب نفس الْأَمر، فَإِن الأولى لَازِمَة للنسبة الْجُزْئِيَّة لَا الثَّانِيَة، وَذَلِكَ لكَونهَا حاكية عَن نِسْبَة خارجية بَين الطَّرفَيْنِ، إِذْ لَا بُد من الْمُطَابقَة فِي التَّصَوُّر بَين الحاكي والمحكي عَنهُ، فَإِن كَانَ مَا هُوَ الْوَاقِع فِي نفس الْأَمر بِعَيْنِه هُوَ المحكي تحصل الثَّانِيَة، وَإِلَّا فَلَا (وَأما عدمهَا) أَي عدم مُطَابقَة نسبتها المفادة مِنْهَا (فَلَيْسَ مدلولا وَلَا مُحْتَمل اللَّفْظ) لِأَن مَا يفهم من الحاكي إِنَّمَا هُوَ مِثَال المحكي عَنهُ لَا غير، وَلَكِن (إِنَّمَا يجوز الْعقل أَن مَدْلُوله) أَي الْخَبَر (غير وَاقع) لِأَن الْحِكَايَة عَن الشَّيْء لَا تَسْتَلْزِم تحَققه فِي الْوَاقِع (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم تدل الْجُمْلَة على مُطَابقَة خَارج بِأَن لم تكن نسبتها المدلولة حاكية عَن نِسْبَة خارجية (فإنشاء) أَي فالجملة حِينَئِذٍ إنْشَاء (وَلَا حكم فِيهِ) وَفسّر الحكم بقوله (أَي إِدْرَاك أَنَّهَا) أَي النِّسْبَة (وَاقعَة أَولا) أَي لَيست بواقعة (فَلَيْسَ كل جملَة قَضِيَّة) إِذْ لَا بُد فِيهَا من الحكم وَكَونهَا حاكية عَن خارجية، وَلذَا يحْتَمل الصدْق وَالْكذب، فالجملة أَعم من الْقَضِيَّة (وَالْكَلَام يرادفها) أَي الْجُمْلَة (عِنْد قوم) من النُّحَاة، قيل مِنْهُم الزَّمَخْشَرِيّ عَفا الله عَنهُ (وأعم) مِنْهَا مُطلقًا (عِنْد الأصولين كاللغويين) أَي كَمَا أَنه أَعم عِنْدهم، وَنقل الأمدي عَن أَكثر الْأُصُولِيِّينَ، وَالْإِمَام الرَّازِيّ عَن جَمِيعهم أَن الْكَلِمَة المركبة من حرفين فَصَاعِدا كَلَام، وَشرط صدورها عَن مُخْتَار، فالصادر من الساهي أَو النَّائِم لَيْسَ بِكَلَام.
(1/65)

وَاخْتلف فِي إِطْلَاقه على كَلِمَات غير متضمنة الْمعَانِي، وَلَيْسَ مثل " ق " كلَاما إِلَّا إِذا اعْتبر الْمُسْتَتر (وأخص) أَي الْكَلَام أخص مُطلقًا من الْجُمْلَة (عِنْد آخَرين) مِنْهُم ابْن مَالك، وَاخْتَارَهُ الرضي. وَقَالَ التَّفْتَازَانِيّ أَنه الِاصْطِلَاح الْمَشْهُور، فَقَالُوا الْكَلَام مَا تضمن الْإِسْنَاد الْأَصْلِيّ، وَكَانَ مَقْصُودا لذاته، وَالْجُمْلَة مَا تضمن الْإِسْنَاد الْأَصْلِيّ مَقْصُودا لذاته أَولا، فالمصدر وَالصِّفَات المسندة إِلَى فاعلها إسنادها لَيْسَ أصلا، لِأَن اعْتِبَاره نِسْبَة الْفِعْل، وَالْجُمْلَة الْوَاقِعَة خَبرا أَو وَصفا أَو حَالا، أَو شرطا، أَو صلَة، أَو نَحْو ذَلِك لَيْسَ إسنادها مَقْصُودا لذاته (وللمفرد بِاعْتِبَار ذَاته) كَكَوْنِهِ مشتقا أَو جَامِدا (ودلالته) ككونها مُطَابقَة، أَو تضمنا، أَو التزاما، وَكَونهَا ظَاهرا أَو خفِيا (ومقايسته لمفرد آخر) كالترادف والتساوي (ومدلوله) كالعموم وَالْخُصُوص (واستعماله) كالحقيقة وَالْمجَاز (وإطلاقه وتقييده) كَذَا وجد فِي النّسخ، وَلَا يظْهر وَجهه، فَإِن الْإِطْلَاق وَالتَّقْيِيد إِنَّمَا ذكرهمَا فِي جملَة أَقسَام انقسامه بِالِاعْتِبَارِ الرَّابِع قبل الْفَصْل الْخَامِس (انقسامات فِي) خَمْسَة (فُصُول)

الْفَصْل الأول
فِي انقسام الْمُفْرد بِاعْتِبَار ذَاته من حَيْثُ أَنه مُشْتَقّ أَولا
(وَهُوَ) أَي الْمُفْرد قِسْمَانِ (مُشْتَقّ) وَهُوَ (مَا وَافق مصدرا) هُوَ اسْم الْحَدث الْجَارِي على الْفِعْل: أَي الْمَعْنى الْقَائِم بِالْغَيْر، وجريانه عَلَيْهِ كَونه أصلا لَهُ ومأخذا (بِحُرُوفِهِ الْأُصُول وَمَعْنَاهُ) مَعْطُوف على الْمَجْرُور الْمُتَعَلّق بوافق، فَلَا يكون الذّهاب من الذَّهَب، وَلَا ضرب بِمَعْنى دق من الضَّرْب بِمَعْنى السّير، وَلَا يضر عدم مُوَافَقَته لَهَا لسَبَب الإعلال، وَلم يذكر التَّرْتِيب لتبادره إِلَى الذِّهْن، فَخرج مثل الجبذ والجذب (مَعَ زِيَادَة) فِي الْمَعْنى سَوَاء كَانَت فِي اللَّفْظ أَولا (هِيَ) أَي الزِّيَادَة الْمَذْكُورَة (فَائِدَة الِاشْتِقَاق) وغايته (فالمقتل) حَال كَونه (مصدرا مَعَ الْقَتْل أصلان) غير مُشْتَقّ أَحدهمَا عَن الآخر (مزِيد وَغير مزِيد) هَذَا إِذا لم يعْتَبر فِي المقتل زِيَادَة تَقْوِيَة (وَإِن اعْتبر بِهِ) أَي بِالْقَتْلِ أَو بِالزَّائِدِ (زِيَادَة تَقْوِيَة) فِي مَعْنَاهُ الْمَوْجُود فِي الْقَتْل (فمشتق مِنْهُ) أَي فالمقتل مُشْتَقّ من الْقَتْل لصدق التَّعْرِيف عَلَيْهِ، وَهَذَا التَّعْرِيف على رَأْي الْبَصرِيين، وَعند الْكُوفِيّين الْمُشْتَقّ مِنْهُ إِنَّمَا هُوَ الْفِعْل، وَالْمرَاد بِالْمَصْدَرِ مَا هُوَ أَعم من الْمُسْتَعْمل والمقدر، فَدخل الْأَفْعَال وَالصِّفَات الَّتِي لم تسْتَعْمل مصادرها: كنعم، وَبئسَ، وتبارك، وربعة بِمَعْنى مربوعة بَين الطول وَالْقصر، والقفاخر: أَي الضخم الجثة، ثمَّ أَسمَاء الْفَاعِل وَالْمَفْعُول مُشْتَقَّة من المصادر عِنْد الْجُمْهُور، وَمن الْفِعْل الْمُشْتَقّ مِنْهَا عِنْد الْبَعْض، وَيجوز الِاشْتِقَاق من المصادر
(1/66)

عِنْد الْجُمْهُور، وَمن الْفِعْل الْمُشْتَقّ مِنْهَا عِنْد الْبَعْض، وَيجوز الِاشْتِقَاق من المصادر بِاعْتِبَار مَعَانِيهَا المجازية، وَلَا بُد من التغاير بَين الْمُشْتَقّ والمشتق مِنْهُ بِزِيَادَة حرف أَو حَرَكَة أَو نقصانهما (وجامد) عطف على مُشْتَقّ (خِلَافه) فَهُوَ مَا لَيْسَ بموافق مصدر إِلَى آخِره كَرجل وَأسد (والاشتقاق الْكَبِير) وَهُوَ مُوَافقَة لفظين فِي الْحُرُوف الْأُصُول غير مرتبه مَعَ مُوَافقَة أَو مُنَاسبَة فِي الْمَعْنى: كالجبذ والجذب (لَيْسَ من حَاجَة الأصولي) لِأَن المبحوث عَنهُ فِي الْأُصُول إِنَّمَا هُوَ الْمُشْتَقّ بالاشتقاق الصَّغِير، وَقد علم حَده من تَعْرِيف الْمُشْتَقّ، وَاكْتفى بِذكر الْكَبِير عَن الْأَكْبَر، وَهُوَ مُنَاسبَة لفظين فِي الْحُرُوف الْأُصُول وَالْمعْنَى، كالثلب والثلم، والنعيق، والنهيق، لِأَن عدم حَاجَة الأصولي إِلَى الْكَبِير تَسْتَلْزِم عدم حَاجته إِلَيْهِ بِالطَّرِيقِ الأولى (والمشتق) قِسْمَانِ (صفة) وَهُوَ (مَا دلّ على ذَات مُبْهمَة) أَي على حَقِيقَة غير مُعينَة بتعين شخصي وَلَا جنسي (متصفة بِمعين) أَي بِوَصْف لَهُ تعين مَا كضارب، فَإِن مَعْنَاهُ ذَات لَهُ الضَّرْب، فالذات فِي غَايَة الْإِبْهَام لعدم اختصاصها بِشَيْء من الْأَشْيَاء، وَالضَّرْب وصف ممتاز من سَائِر الْأَوْصَاف (فَخرج) بِقَيْد الْإِبْهَام (اسْم الزَّمَان وَالْمَكَان لِأَن المقتل) مثلا (مَكَان أَو زمَان فِيهِ الْقَتْل) وَلَا شكّ أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا مُتَعَيّن بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَات مَا، لكَونهَا من الْأُمُور الْعَامَّة مُسَاوِيَة بِشَيْء مَا (قيل تتَحَقَّق الْفَائِدَة) بالأخبار (فِي نَحْو الضَّارِب جسم) فِي الْجُمْلَة لِإِمْكَان الذهول عَن جسميته (فَلم يكن) الْجِسْم (جُزْءا) من مَفْهُوم الضَّارِب (والألم يفد) نَحْو الضَّارِب جسم (كالإنسان حَيَوَان) أَي كَمَا لَا يُفِيد الْإِنْسَان حَيَوَان لكَون الْحَيَوَان جُزْءا مِنْهُ، نقل عَن المُصَنّف أَن هَذَا دَلِيل على لُزُوم إِبْهَام الذوات فِي الصّفة، وَيتَّجه عَلَيْهِ أَن عدم جزئية الْجِسْم فِي مَفْهُوم الصّفة لَا يسْتَلْزم الْمُدَّعِي، وَهُوَ غَايَة الْإِبْهَام لجَوَاز أَن يكون لَهُ جُزْء آخر مِمَّا يُخرجهُ عَن غَايَة الْإِبْهَام، وَيُجَاب عَنهُ بِأَن كل مَا تفرض جزئيته مِنْهُ بقول الْمُسْتَدلّ هُوَ يحصل عَلَيْهِ، وَالْحمل مُفِيد فَلَا يكون جُزْءا مِنْهُ، ثمَّ منع المُصَنّف رَحمَه الله تحقق الْفَائِدَة بقوله (وَلقَائِل منع الْفرق) بَين الضَّارِب جسم، وَبَين الْإِنْسَان حَيَوَان، وادعاء تساويهما فِي عدم الْفَائِدَة (وَالِاسْتِدْلَال) مَعْطُوف على الْمَنْع: أَي لقَائِل أَن يسْتَدلّ على عدم إِبْهَام الذَّات على الْوَجْه الْمَذْكُور فِي نَحْو الضَّارِب (بتبادر الْجَوْهَر مِنْهُ) فَإِن تبادره من نَحْو الضَّارِب دَلِيل على أَن الذَّات لَا تعم الْعرض، فَلم يكن فِي غَايَة الْإِبْهَام مُسَاوِيا لشَيْء مَا (وَالْأَوْجه) فِي الِاسْتِدْلَال على إِبْهَام الذَّات (صِحَة الْحمل) أَي حمل الصّفة الْمَأْخُوذَة فِي مفهومها الذَّات (على كل من الْعين) وَهُوَ الْجَوْهَر (وَالْمعْنَى) وَهُوَ الْعرض، فَلَو اعْتبر فِي مفهومها مَا يَخُصهَا بالجوهر لما صَحَّ حملهَا على الْعرض، وَيجوز أَن يُرَاد بِالْعينِ وَالْمعْنَى الْمَوْجُود الْخَارِجِي، وَمَا لَيْسَ بموجود فِي الْخَارِج
(1/67)

(وَغير صفة) مَعْطُوف على قَوْله صفة وَهُوَ (خِلَافه) أَي مَا لَا يدل على ذَات مُبْهمَة متصفة بِمعين بِأَن يدل على ذَات مُعينَة أَو مُبْهمَة غير متصفة بِمَا ذكر وَظَاهر هَذَا يَقْتَضِي أَن مَا يدل على ذَات متصفة بِوَصْف غير معِين كالإمكان الْعَام، والوجود الْمُطلق لَيْسَ بِصفة، وَلَا يخفى عَلَيْك أَن الْمَوْجُود والممكن وَنَحْوهمَا صِفَات: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال بتعين هَذِه الْأَوْصَاف، وَلَو بِوَجْه مَا فاذن عدم اعْتِبَار قيد التعين فِي التَّعْرِيف أولى كَمَا قيل: مَا دلّ على ذَات مَا بِاعْتِبَار معنى هُوَ الْمَقْصُود.

مَسْأَلَة
(وَلَا يشتق) من مصدر وصف (لذات وَالْمعْنَى) المصدري (قَائِم بِغَيْرِهِ) أَي غير الْمُشْتَقّ لَهُ، وَالْمرَاد بالاشتقاق لَهَا أَن يشتق لِأَن يُطلق عَلَيْهَا وَتسَمى بِهِ، قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ فِي تَفْسِير كَلَام شَارِح الْمُخْتَصر: الاستقراء يُفِيد الْقطع بذلك، يَعْنِي حصل لنا من تتبع كَلَام الْعَرَب حكم كلي قَطْعِيّ بذلك كوجوب رفع الْفَاعِل، وَإِن كَانَ الاستقراء فِي نَفسه لَا يُفِيد إِلَّا الظَّن انْتهى، كَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يلْزم عَلَيْهِ حُصُول الْقطع من غير مُوجب: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال انْضَمَّ مَعَ الاستقراء قَرَائِن يُفِيد الْمَجْمُوع الْقطع بذلك (وَقَول الْمُعْتَزلَة) مُبْتَدأ خَبره (معنى كَونه) تَعَالَى (متكلما خلقه) أَي خلق الْكَلَام، وَالْمعْنَى مقولهم هَذَا الْكَلَام الْمُخَالف لما ذكرنَا، وَيجوز أَن يكون الْخَبَر محذوفا، وَالْمَذْكُور مقول القَوْل: أَي قَوْلهم هَذَا مُخَالف لما ذكرنَا (فِي الْجِسْم) مُتَعَلق بالخلق، والجسم كالشجرة الَّتِي سمع مِنْهَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام. قَالَ تَعَالَى - {نُودي من شاطئ الواد الْأَيْمن فِي الْبقْعَة الْمُبَارَكَة من الشَّجَرَة أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنا الله رب الْعَالمين} - (وألزموا) أَي الْمُعْتَزلَة بطرِيق النَّقْض (جَوَاز) إِطْلَاق (المتحرك والأبيض) على الله، تَعَالَى شَأْنه عَن ذَلِك علوا كَبِيرا: لخلقه هَذِه الْأَعْرَاض فِي الْأَجْسَام الَّتِي هِيَ محالها، (وَدفع) الْإِلْزَام الْمَذْكُور (عَنْهُم بِالْفرقِ) بَين الْمُتَكَلّم وَمَا ألزموا بِهِ (بِأَنَّهُ ثَبت) بِالسَّمْعِ (الْمُتَكَلّم لَهُ) تَعَالَى كَقَوْلِه - {وكلم الله مُوسَى تكليما} -، وَغَيره (وَامْتنع قِيَامه) أَي الْكَلَام (بِهِ) تَعَالَى بالبرهان، لِأَنَّهُ أصوات وحروف عِنْدهم، وَهِي حَادِثَة فَلَا تكون قَائِمَة بِهِ تَعَالَى، وَإِلَّا لزم كَونه محلا للحوادث (فَلَزِمَ أَن مَعْنَاهُ) أَي الْمُتَكَلّم (فِي حَقه خالقه) أَي الْكَلَام فِي جسم، وَلَا كَذَلِك المتحرك والأبيض وَنَحْوهمَا فَإِنَّهُ لم يثبت لَهُ بِالسَّمْعِ شَيْء مِنْهَا، بل ثَبت الْمَنْع عَن إِطْلَاقهَا (وَلَيْسَ) هَذَا الدّفع (بِشَيْء، لِأَنَّهُ لَا تَفْصِيل فِي الحكم اللّغَوِيّ) أَي الحكم الْكُلِّي المستبط من تتبع اللُّغَة، وَهُوَ أَنه لَا يشتق لذات، وَالْمعْنَى قَائِم بِغَيْرِهِ (بَين
(1/68)

من يمْتَنع الْقيام بِهِ) أَي قيام الْمصدر بِهِ عقلا أَو شرعا (فَيجوز) إِطْلَاق الْمُشْتَقّ عَلَيْهِ (وَهُوَ) أَي وَالْحَال أَن الْمصدر قَائِم (بِغَيْرِهِ) أَي بِغَيْر من يمْتَنع الْقيام بِهِ (و) بَين (غَيره) أَي من لم يمْتَنع قيام الْمصدر بِهِ (فَلَا) يجوز إِطْلَاق الْمُشْتَقّ عَلَيْهِ، وَالْمعْنَى قَائِم بِغَيْرِهِ وَالْحَاصِل أَن الحكم اللّغَوِيّ الْكُلِّي الْمُقْتَضى عدم جَوَاز إِطْلَاق الْمُشْتَقّ على من لم يقم بِهِ الْمصدر من غير تَفْصِيل يقْضِي عَلَيْكُم بِعَدَمِ صِحَة إِطْلَاق الْمُتَكَلّم عَلَيْهِ تَعَالَى بِالْمَعْنَى الَّذِي ذكرْتُمْ فَإِن قُلْتُمْ الِامْتِنَاع الْمَذْكُور قرينَة صارفة عَن إِرَادَة الْحَقِيقَة إِلَى الْمَعْنى الْمجَازِي الَّذِي ذكرنَا قُلْنَا ذَلِك عِنْد تعذر الْحَقِيقَة، وَهِي غير متعذرة لوُجُود الْكَلَام النَّفْسِيّ على مَا هُوَ مَذْهَبنَا (بل) نقُول لَا يمْتَنع قيام الْكَلَام بِهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ (لَو امْتنع لم يصغ) الْمُتَكَلّم (لَهُ) تَعَالَى (أصلا فَحَيْثُ صِيغ) لَهُ تَعَالَى (لزم قِيَامه) أَي الْكَلَام (بِهِ تَعَالَى) فَتعين أَن المُرَاد من الْكَلَام غير الْأَصْوَات والحروف وَهُوَ الْكَلَام النَّفْسِيّ (فَلَو ادعوهُ) أَي الْمُعْتَزلَة أَن معنى التَّكَلُّم خلق الْكَلَام (مجَازًا) لَا حَقِيقَة، فَلم يصغ لَهُ تَعَالَى، وَلَا يُنَافِي الحكم اللّغَوِيّ (ارْتَفع الْخلاف فِي الأَصْل الْمَذْكُور) وَهُوَ أَنه لَا يشتق لذات، وَالْمعْنَى قَائِم بغَيْرهَا، لِأَن الِاشْتِقَاق لَهَا أَن يُطلق عَلَيْهَا حَقِيقَة، وَقد اعْتَرَفُوا بنفيه، وَإِن لم يرْتَفع الْخلاف فِي المسئلة الكلامية لِأَن كَلَامه تَعَالَى عِنْدهم حَادث قَائِم بجسم، وَعِنْدنَا قديم قَائِم بِذَاتِهِ تَعَالَى، وَفِي أَن الْمُتَكَلّم يُطلق عَلَيْهِ حَقِيقَة (وَهُوَ) أَي الادعاء الْمَذْكُور مِنْهُم (أقرب) إِلَى الْقبُول من ادِّعَاء كَون معنى كَلَامه ذَلِك حَقِيقَة لعدم مُخَالفَته الحكم اللّغَوِيّ، وسعة دَائِرَة الْمجَاز وَإِن كَانَ فِي حد ذَاته بعيد الارتكاب مثل هَذَا التَّجَوُّز من غير تعذر الْحَقِيقَة، والتفريق بَين المشتقات الَّتِي تطلق عَلَيْهِ تَعَالَى يَجْعَل مبدأ اشتقاق الْبَعْض قَائِما بِغَيْرِهِ تَعَالَى إِلَى غير ذَلِك (غير أَنهم) أَي الْأُصُولِيِّينَ (نقلوا استدلالهم) أَي الْمُعْتَزلَة على كَون الْمُتَكَلّم بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكرُوهُ (بِإِطْلَاق ضَارب حَقِيقَة) على شخص (وَهُوَ) أَي الضَّرْب قَائِم (بِغَيْرِهِ) أَي غير ذَلِك الشَّخْص، لِأَن الضَّرْب هُوَ الْأَثر الْحَاصِل فِي الْمَفْعُول، وَهُوَ الْمَضْرُوب فَإِن صَحَّ هَذَا النَّقْل عَنْهُم تعين أَن مُرَادهم ادِّعَاء الْحَقِيقَة لَا الْمجَاز (وَأجِيب) عَن استدلالهم (بِأَنَّهُ) أَي الضَّرْب (التَّأْثِير) أَي تَأْثِير ذَلِك أثر الْقَائِم بالمضروب وإيجاده (وَهُوَ) أَي التَّأْثِير قَائِم (بِهِ) أَي بالضارب والمضروب لَا بالمضروب فَقَط، وَقد استوفيت الْكَلَام فِي تَحْقِيق هَذَا فِي رسالتي الْمَوْضُوعَة لبَيَان الْحَاصِل بِالْمَصْدَرِ وَهَذَا مَبْنِيّ على مَا هُوَ الْحق من أَن التَّأْثِير لَيْسَ هُوَ الْأَثر على أَن الْأَثر الَّذِي هُوَ الْحَاصِل بِالْمَصْدَرِ إِنَّمَا هُوَ قَائِم بالضارب (وَبِأَنَّهُ) مَعْطُوف على إِطْلَاق ضَارب، وَالضَّمِير للشأن (ثَبت الْخَالِق لَهُ) تَعَالَى (بِاعْتِبَار الْخلق) الَّذِي هُوَ مبدأ اشتقاقه (وَهُوَ) أَي الْخلق (الْمَخْلُوق). قَالَ تَعَالَى - {هَذَا خلق الله} - مُشِيرا بِهِ إِلَى
(1/69)

الْمَخْلُوق، والمخلوق غير قَائِم بِذَاتِهِ تَعَالَى (لَا التَّأْثِير) أَي الْخلق لَيْسَ هُوَ التَّأْثِير (والأقدم الْعَالم إِن قدم) التَّأْثِير لعدم انفكاك الْأَثر عَن التَّأْثِير (وَإِلَّا) وَإِن لم يكن التَّأْثِير قَدِيما، بل حَادِثا (تسلسل) أَي لزم التسلسل فِي التأثيرات، لِأَن الْحَادِث أثر يحْتَاج إِلَى مُؤثر وتأثير، فَيَعُود الْكَلَام إِلَى ذَلِك التَّأْثِير، وَهَكَذَا (وَهُوَ) أَي هَذَا الِاسْتِدْلَال على تَقْدِير تَسْلِيم مقدماته (مُثبت لجزء الدَّعْوَى) لَا لَهَا لِأَنَّهَا مركبة من مقدمتين، أَحدهمَا الِاشْتِقَاق لذات لَا يقوم بهَا المبدأ، وَثَانِيهمَا أَنه قَائِم بغَيْرهَا، وَالدَّلِيل لَا يُفِيد إِلَّا الأولى، إِذْ الْخلق بِمَعْنى الْمَخْلُوق مَجْمُوع الْجَوْهَر وَالْعرض، وَبَعضه قَائِم بِنَفسِهِ، وَبَعضه بذلك الْبَعْض، وَالْمَجْمُوع يعد قَائِما بِنَفسِهِ لَا بِغَيْرِهِ كالجسم الْمركب من الْمَادَّة وَالصُّورَة ونوقش بِأَن إِطْلَاق الْخَالِق لَا يجب أَن يكون بِاعْتِبَار جَمِيع الْمَخْلُوقَات، بل يَصح بِاعْتِبَار الْأَفْعَال وَالصِّفَات، وَحِينَئِذٍ يثبت تَمام الدَّعْوَى فَالْجَوَاب مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (أُجِيب بِأَن معنى خلقه كَونه سُبْحَانَهُ تعلّقت قدرته بالإيجاد وَهُوَ) أَي كَونه تَعَالَى كَذَا (إِضَافَة اعْتِبَار تقوم بِهِ) تَعَالَى أما كَونه إِضَافَة لكَونهَا معقولة بِالْقِيَاسِ إِلَى الْغَيْر، وَأما إِضَافَته إِلَى الِاعْتِبَار، فباعتبار أَنه يعقل بَين الذَّات الأقدس، وَأمر اعتباري هُوَ تعلق قدرته سُبْحَانَهُ بالإيجاد، ومبني هَذَا الْجَواب على نفي كَون التكوين صفة حَقِيقِيَّة أزلية تتكون بهَا المكونات الْحَادِثَة فِي أَوْقَاتهَا كَمَا هُوَ مَذْهَب الماتريدية كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (لَا صفة متقررة) مَعْطُوف على إِضَافَة اعْتِبَار (ليلزم كَونه محلا للحوادث) غَايَة للمنفي، يَعْنِي كَونه صفة متقررة يسْتَلْزم كَونه تَعَالَى محلا للحوادث على تَقْدِير حُدُوثه (أَو قدم الْعَالم) أَي تَقْدِير قدمه مَعْطُوف على كَونه (وَأورد) على الْجَواب الْمَذْكُور بطرِيق الترديد كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (إِن قَامَت بِهِ) تَعَالَى (النِّسْبَة) الَّتِي هِيَ (الِاعْتِبَار) الْمَذْكُور فِي قَوْله إِضَافَة اعْتِبَار، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن الْإِضَافَة بَيَانِيَّة (فَهُوَ) تَعَالَى حِينَئِذٍ (مَحل للحوادث، وَإِن لم تقم بِهِ ثَبت مطلوبهم، وَهُوَ الِاشْتِقَاق لذات وَلَيْسَ الْمَعْنى) قَائِما (بِهِ) أَي الذَّات بِتَأْوِيل مَا اشتق لَهُ، وَقد سبق أَنه مُثبت لجزء الْمُدَّعِي (مَعَ أَن الْوَجْه) الَّذِي مَعَ وجوده لَا يُسمى غَيره وَجها (أَن لَا تقوم) النِّسْبَة الْمَذْكُورَة (بِهِ) تَعَالَى (لِأَن الاعتباري لَيْسَ لَهُ وجود حَقِيقِيّ) وَهُوَ الْوُجُود الْخَارِجِي (فَلَا يقوم بِهِ حَقِيقَة) لِأَن الْقيَاس فرع وجود مَا يقوم بِهِ، وَفِيه نظر، لِأَن الْعَمى وَهُوَ عدم الْبَصَر عَمَّا من شَأْنه أَن يبصر غير مَوْجُود فِي الْخَارِج مَعَ أَنه قَائِم فِيهِ بالأعمى، وَمن ثمَّ اشْتهر بَينهم أَن ثُبُوت شَيْء لشَيْء فرع ثُبُوت الْمُثبت لَهُ لَا الْمُثبت: نعم ذكر بعض الأفاضل على سَبِيل الِاعْتِرَاض أَنه فرع ثُبُوت الْمُثبت أَيْضا، فَلَا وَجه للتخصيص، وَكَأن المُصَنّف رَحمَه الله مَال إِلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ يُنكر قيام الْعمي فِي الْخَارِج، بل فِي الذِّهْن، وَهُوَ الْمُصَحح للاشتقاق كَمَا يُشِير إِلَيْهِ بقوله
(1/70)

(لَكِن كَلَامهم) أَي الْأُصُولِيِّينَ (أَنه يَكْفِي فِي الِاشْتِقَاق) أَي فِي اشتقاق الْخَالِق من الْخلق لَهُ تَعَالَى (هَذَا الْقدر من الانتساب) بَيَان ذَلِك مَا أَفَادَهُ السَّيِّد من أَن للقدرة تعلقا حَادِثا لولاه لم تُوجد الْحَوَادِث، وَإِذا انتسب إِلَى الْعَالم فَهُوَ صدوره عَن الْخَالِق، أَو إِلَى الْقُدْرَة، فَهُوَ إيجادها للْعَالم، أَو إِلَى ذِي الْقُدْرَة، فَهُوَ خلقه للْعَالم، أَو يُمكن أَن يُقَال إِذا نسب إِلَى الْعَالم صَار مُبْتَدأ وصف لَهُ، هُوَ صدوره عَن الْخَالِق، وَإِلَى الْقُدْرَة مُبْتَدأ وصف آخر هُوَ الإيجاد، وَإِلَى ذِي الْمقدرَة صَارَت مُبْتَدأ وصف آخر، وَهُوَ كَونه تعلّقت قدرته، وَبِاعْتِبَار هَذِه النِّسْبَة اشتق اسْم الْخَالِق، وَلَا نعني بقيامه كَونه صفة حَقِيقِيَّة قَائِمَة بِهِ، بل مَا هُوَ أَعم من ذَلِك، فَإِن سَائِر الإضافات الَّتِي هِيَ أُمُور اعتبارية لَا تحقق لَهَا فِي الْأَعْيَان قَائِمَة بمحالها، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَلْيَكُن) هَذَا الْقدر من الانتساب (هُوَ المُرَاد بِقِيَام الْمَعْنى فِي صدر المسئلة) حِين أورد عَلَيْهِم بِأَن نَحْو الْخَالِق والرازق اشتق لَهُ تَعَالَى، وَالْمعْنَى غير قَائِم بِهِ (ثمَّ هَذَا الْجَواب) أَي بِأَن معنى خلقه كَونه تعلّقت قدرته بإيجاده (ينبو) أَي يبعد (عَن كَلَام الْحَنَفِيَّة) أَي متأخريهم من عهد أبي مَنْصُور الماتريدي (فِي صِفَات الْأَفْعَال) وَهِي مَا أفادت تكوينا، كالخالق، والرازق، والمحيي، والمميت، فَإِنَّهُم صَرَّحُوا بِأَنَّهَا صِفَات قديمَة مُغَايرَة للقدرة والإرادة فَقَوله ينبو خبر يكن، وَقَوله أَنه يَكْفِي بدل عَن اسْمهَا كَمَا أَن مَدْخُول ثمَّ مَعْطُوف عَلَيْهِ (غير أَنا بَينا فِي الرسَالَة الْمُسَمَّاة بالمسايرة) فِي العقائد المنجية فِي الْآخِرَة (أَن قَول أبي حنيفَة) رَحمَه الله (لَا يُفِيد مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ وَأَنه) أَي مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ (قَول مستحدث) لَيْسَ فِي كَلَام الْمُتَقَدِّمين (وَقَوله) أَي أبي حنيفَة رَحمَه الله أَنه تَعَالَى (خَالق قبل أَن يخلق إِلَى آخِره) أَي ورازق قبل أَن يرْزق (بِالضَّرُورَةِ يُرَاد بِهِ) أَي بالخلق الْمَذْكُور فِي قَوْله هَذَا (قدرَة الْخلق) الَّتِي هِيَ صفة حَقِيقِيَّة (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يرد بِهِ قدرته، بل الْخلق بِالْفِعْلِ (قدم الْعَالم) لِأَن وجود الْمَخْلُوق لَازم لَهُ فَإِن قلت هَذَا يرجع إِلَى قَول الكرامية، وهم أَصْحَاب مُحَمَّد بن كرام الْقَائِل بِأَن معبوده مُسْتَقر على الْعَرْش، وَأَنه جَوْهَر، تَعَالَى الله عَن ذَلِك. قَالَ فَخر الْإِسْلَام: وَأما الكرامية فَيَقُولُونَ إِنَّا نُسَمِّيه خَالِقًا فِي الْأَزَل لَا على معنى أَنه خلق الْخلق، بل لِأَنَّهُ قَادر على الْخلق، وَهَذَا فَاسد فَإِنَّهُ لَو جَازَ لجَاز أَن يُسَمِّي الْقَادِر على الْكَلَام متكلما انْتهى قلت هم يفسرون اسْم الْخَالِق بالقادر عَلَيْهِ كتفسير الْمُعْتَزلَة الْمُتَكَلّم بخالق الْكَلَام، وَالْإِمَام أَرَادَ بِهِ ذَلِك مجَازًا فِي بعض الاطلاقات (و) الْخلق (بِالْفِعْلِ تعلقهَا) أَي الْقُدْرَة بالإيجاد، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن الأول تَعْبِير لِلْخلقِ بالإمكان (وَهُوَ) أَي التَّعَلُّق الْمَذْكُور (عرُوض الْإِضَافَة للقدرة) وَهِي إيجادها للمقدور (وَيلْزم حُدُوثه) أَي التَّعَلُّق الْمَذْكُور، وَإِلَّا يلْزم قدم الْعَالم (وَلَو صرح)
(1/71)

أَبُو حنيفَة رَحمَه الله (بِهِ) أَي بِأَن المُرَاد بالخلق الْمَذْكُور فِي قَوْله الْمَشْهُور الْخلق بِالْفِعْلِ (فقد نَفَاهُ الدَّلِيل) أَي لَا يتبع فِي ذَلِك، لِأَنَّهُ قد نَفَاهُ الدَّلِيل الْقطعِي، وَهُوَ لُزُوم قدم الْعَالم على تَقْدِير قدم الْخلق بِالْفِعْلِ فَإِن قلت قَوْلنَا: الله تَعَالَى خَالق بِالْفِعْلِ مُطلقَة عَامَّة، وَصدق الْمُطلقَة دائمي لِأَنَّهُ لَا يلْزم فِيهَا إِلَّا ثُبُوت الْمَحْمُول للموضوع فِي الْجُمْلَة، فَلَا يلْزم دوَام ثُبُوت الْخلق حَتَّى يلْزم قدم الْعَالم قلت هَذَا من الاعتبارات الفلسفية لَا تساعده اللُّغَة، فَإِن إِطْلَاق الْمُشْتَقّ على شَيْء حَقِيقَة يقتضى ثُبُوت مبدأ الِاشْتِقَاق فِي زمَان الْإِطْلَاق على قَول الْجُمْهُور، أَو فِيهِ، أَو قبله عِنْد الْبَعْض، وَللَّه در المُصَنّف حَيْثُ ذكر مَسْأَلَة اشْتِرَاط بَقَاء الْمَعْنى فِي كَون الْمُشْتَقّ حَقِيقَة عقيب هَذَا الْبَحْث، فَقَالَ:

مَسْأَلَة
(الْوَصْف) وَهُوَ على مَا مر مَا دلّ على ذَات مُبْهمَة متصفة بِمعين (حَال الاتصاف حَقِيقَة) أَي إِذا أطلق على ذَات متصفة بمبدأ اشتقاقه فِي زمَان اتصافها بِهِ حَقِيقَة اتِّفَاقًا، وَلَا يخفى عَلَيْك أَن رَاكِبًا فِي جَاءَنِي رَاكب، وَسَيَجِيءُ رَاكب حَقِيقَة إِن كَانَ الرّكُوب مَوْجُودا عِنْد ثُبُوت الْمَجِيء لموصوفه وَإِن لم يكن مَوْجُودا فِي زمَان الاخبار فَالْعِبْرَة بِزَمَان تعلق مَا نسب إِلَيْهِ فِي الْكَلَام، فَإِن وجد الْمَعْنى فِيهِ فالوصف حَقِيقَة سَوَاء وجد فِي زمَان الاخبار أَولا، ثمَّ الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب جعلا مَوْضُوع المسئلة الْمُشْتَقّ. وَقَالَ التَّفْتَازَانِيّ: التَّحْقِيق أَن المنازع اسْم الْفَاعِل بِمَعْنى الْحُدُوث، وسيظهر لَك أَن الْوَجْه مَا اخْتَارَهُ المُصَنّف رَحمَه الله (وَقَبله) وَإِذا أطلق على ذَات قبل أَن يَتَّصِف بِالْمَعْنَى المصدري (مجَاز) اتِّفَاقًا (وَبعد انقضائه) أَي وَإِذا طلق ثَانِيًا حَقِيقَة عَلَيْهَا بعد مَا اتصفت بِهِ وانقضى ذَلِك الاتصاف، فقد اخْتلف فِيهِ على ثَلَاثَة أَقْوَال: أَولهَا مجَاز مُطلقًا (ثَالِثهَا) التَّفْصِيل، وَهُوَ أَنه (إِن كَانَ بَقَاؤُهُ) أَي الاتصاف (مُمكنا) بِأَن لم يكن الْمصدر من المصادر السيالة الْغَيْر القارة لعدم اجْتِمَاع أزائها فِي الْوُجُود كالتكلم والاخبار، بل يكون مثل الْقيام وَالْقعُود (فمجاز، وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن بَقَاؤُهُ مُمكنا بِأَن كَانَ من المصادر الْمَذْكُورَة فالوصف حِينَئِذٍ (حَقِيقَة) وَاكْتفى بِذكر الثَّالِث اختصارا مَعَ أَن الْأَوَّلين يفهمان فِي أَمْثَال هَذَا الْمقَام كَمَا لَا يخفى، كَيفَ وَقَوله ثَالِثهَا دلّ على أَن هَهُنَا قَوْلَيْنِ غَيره؟ وَلَا يخلوا إِمَّا فيهمَا التَّفْصِيل أَولا، لَا سَبِيل إِلَى الأول لِأَنَّهُ يجب إِذن ذكرهمَا، وعَلى الثَّانِي يتَعَيَّن أَن يكون أَحدهمَا القَوْل بالمجاز مُطلقًا وَالْآخر بِالْحَقِيقَةِ مُطلقًا (كَذَا) إِشَارَة إِلَى مَا ذكرت فِي بَيَان الْأَقْوَال، وَالْكَاف اسْم مُبْتَدأ خَبره (شرح بِهِ) وَالضَّمِير الْمَجْرُور عَائِد إِلَى الْمُبْتَدَأ (وَضعهَا) قَائِم مقَام فَاعل شرح،
(1/72)

وَالضَّمِير رَاجع إِلَى المسئلة، وَوضع المسئلة عبارَة عَن ذكرهَا فِي صدر المبحث لِأَن يُقَام عَلَيْهَا الْبُرْهَان، وَهَذَا كَمَا هُوَ الْمُعْتَاد من وضع الْمُدَّعِي أَولا، ثمَّ إِقَامَة الْبَيِّنَة عَلَيْهِ، وَقَوله (هَل يشْتَرط لكَونه حَقِيقَة بَقَاء الْمَعْنى، ثَالِثهَا إِن كَانَ مُمكنا اشْترط) بدل من قَوْله وَضعهَا، وَالْمعْنَى شرح وضع المسئلة، وَهُوَ هَل يشْتَرط إِلَى آخِره بِمثل مَا ذكرنَا، والواضع ابْن الْحَاجِب، وَالشَّارِح القَاضِي عضد الدّين (وَهُوَ) أَي الشَّرْح الْمَذْكُور (قَاصِر) عَن إِفَادَة مَا يفِيدهُ الْوَضع الْمَذْكُور (إِذْ يُفِيد) الْوَضع إِطْلَاق اشْتِرَاط الْحَقِيقَة بِبَقَاء الْمَعْنى فِي كل مَا يُمكن بَقَاؤُهُ فِيهِ، و (إِطْلَاق الِاشْتِرَاط) على الْوَجْه الْمَذْكُور يُفِيد (المجازية حَال قيام جُزْء) من الْمَعْنى بعد انْقِضَاء بعض أَجْزَائِهِ (فِي) كل (مَا يُمكن) بَقَاؤُهُ فِيهِ ضَرُورَة انْتِفَاء شَرط الْحَقِيقَة، وَهُوَ بَقَاء الْمَعْنى بسب انْقِضَاء بعض أَجْزَائِهِ (وَالشَّرْح) الْمَذْكُور يُفِيد (الْحَقِيقَة) فِيهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ذكر للوصف ثَلَاث حالات: حَال الاتصاف، وَقَبله، وَبعد انقضائه، وَلَا شكّ أَن مَا يُمكن بَقَاء الْمَعْنى فِيهِ إِذا انْقَضى بعض أَجْزَائِهِ دون بعض لَا تندرج حَاله هَذِه تَحت الثَّالِثَة، لِأَن انْقِضَاء الْمَعْنى عبارَة عَن انْقِضَاء جَمِيع أَجْزَائِهِ، وَلَا تَحت الثَّانِيَة، وَهُوَ ظَاهر، فَتعين دُخُوله فِي الأولى، وَلزِمَ الحكم بِكَوْنِهِ حَقِيقَة لقَوْله حَال الاتصاف حَقِيقَة، وَالْأَوْجه أَن يُقَال: معنى قَوْله: وَهُوَ قَاصِر أَن الْوَضع قَاصِر عَمَّا هُوَ الْحق فِي الْأَدَاء، إِذْ الْمَفْهُوم من كَلَام المُصَنّف رَحمَه الله الْمُوَافقَة مَعَ القَاضِي فِيمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامه لموافقته إِيَّاه فِي الْوَضع، وَيُؤَيِّدهُ قرب الْمرجع حِينَئِذٍ الضَّمِير هُوَ وَالله أعلم.
(الْمجَاز) أَي دَلِيل الْمجَاز مُبْتَدأ خَبره (يَصح فِي الْحَال نَفْيه مُطلقًا) وَالْمعْنَى دَلِيل الْقَائِل بمجازية الْوَصْف بعد انْقِضَاء الْمَعْنى صِحَة نفي الْوَصْف المنقضي مبدأ اشتقاقه عَن الذَّات الَّتِي انْقَضى عَنهُ فِيمَا بعد الِانْقِضَاء نفيا مُطلقًا عَن التَّقْيِيد بالماضي أَو الْحَال أَو الِاسْتِقْبَال، وَهُوَ النَّفْي فِي الْجُمْلَة، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَصح نَفْيه فِي الْحَال، وَهُوَ أخص من النَّفْي مُطلقًا، والأخص يسْتَلْزم الْأَعَمّ (وَهُوَ) أَي نَفْيه مُطلقًا (دَلِيله) أَي دَلِيل كَون الْوَصْف مجَازًا (وَكَونه) أَي كَون نفي الْوَصْف فِي الْجُمْلَة (لَا يُنَافِي الثُّبُوت المنقضى فِي نفس الْأَمر) لعدم الْمُنَافَاة بَين السالبة الْمُطلقَة والموجبة الْغَيْر الدائمة، وَقَوله فِي نفس الْأَمر ظرف عدم الْمُنَافَاة (لَا يَنْفِي مُقْتَضَاهُ) أَي مُقْتَضى النَّفْي الْمَذْكُور (من نفي كَونه حَقِيقَة) بَيَان لمقتضاه: أَي عدم الْمُنَافَاة بَين النَّفْي والثبوت لَا يسْتَلْزم عدم اقْتِضَاء النَّفْي مجازية الْمَنْفِيّ (نعم لَو كَانَ المُرَاد) من النَّفْي الَّذِي جعل دَلِيل الْمجَاز (نفي ثُبُوت الضَّرْب مثلا فِي الْحَال وَهُوَ) أَي نفي ثُبُوت الضَّرْب فِي الْحَال (نفي الْمُقَيد) بِالْحَال لَكَانَ يبْقى اقْتِضَاء المجازية، لِأَن دَلِيل المجازية نفي الضَّرْب بِلَا تَقْيِيد (لَكِن المُرَاد صدق زيد لَيْسَ ضَارِبًا من غير قصد التَّقْيِيد) أَي تَقْيِيد
(1/73)

الضَّرْب الْمَنْفِيّ بِكَوْنِهِ فِي الْحَال، وَإِن كَانَ صدق النَّفْي فِي نفس الْأَمر بِاعْتِبَار ثُبُوت الضَّرْب فِي الْحَال وَغَيره (وَأجِيب بِمَنْع صدق) النَّفْي (الْمُطلق على طَلَاقه) قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ إِن ادّعى صِحَة النَّفْي الْمُطلق بِحَسب اللُّغَة: أَي يَصح لُغَة أَنه لَيْسَ بضارب فَهُوَ مَمْنُوع، بل هُوَ عين النزاع، وَإِن ادّعى صِحَّته عقلا، بِمَعْنى أَنه يصدق عقلا أَنه لَيْسَ بضارب فِي الْجُمْلَة بِنَاء على أَنه يصدق أَنه لَيْسَ بضارب فِي الْحَال، والضارب فِي الْحَال ضَارب فِي الْجُمْلَة، فصحة النَّفْي بِهَذَا الْمَعْنى لَا يُنَافِي كَون اللَّفْظ حَقِيقَة، بل النَّافِي لَهُ صِحَة النَّفْي بِالْكُلِّيَّةِ انْتهى، وَالْمُصَنّف رَحمَه الله اكْتفى بِمَا هُوَ الْعُمْدَة فِي الْجَواب (قَالُوا) ثَانِيًا (لَو كَانَ) الْوَصْف (حَقِيقَة بِاعْتِبَار مَا) أَي اتصاف كَانَ (قبله) أَي قبل الْإِطْلَاق (لَكَانَ) حَقِيقَة أَيْضا (بِاعْتِبَار مَا بعده) أَي الْإِطْلَاق (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن حَقِيقَة بِاعْتِبَار مَا بعده على تَقْدِير كَونه حَقِيقَة بِاعْتِبَار مَا قبله (فتحكم) أَي فَيلْزم تحكم، أَو فَالْفرق تحكم (بَيَان الْمُلَازمَة) بَين الاعتبارين (أَن صِحَّته) أَي كَون الْإِطْلَاق حَقِيقَة (فِي الْحَال) فِي حَال اتصاف مَا يُطلق عَلَيْهِ بِالْمَعْنَى (أَن تقيد بِهِ) أَي بالاتصاف فِي الْحَال (فمجاز فيهمَا) أَي فالوصف مجَاز فِي الصُّورَتَيْنِ جَمِيعًا لانْتِفَاء مَا قيد بِهِ فيهمَا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يتَقَيَّد بالقيد الْمَذْكُور (فحقيقة فيهمَا) لِأَن الْمُعْتَبر حِينَئِذٍ فِي الْحَقِيقَة تحقق الْمَعْنى فِي وَقت مَا وهما متساويان فِيهِ (وَغَيره) أَي غير أحد الْأَمريْنِ من كَونه حَقِيقَة فيهمَا مَعًا أَو مجَازًا فيهمَا مَعًا (تحكم) لعدم الْفَارِق (الْجَواب) أَنه (لَا يلْزم من عدم التَّقْيِيد بِهِ) أَي الاتصاف فِي الْحَال (عدم التَّقْيِيد) بِمَا يَخُصهَا بِمَا عدا الصُّورَة الَّتِي لَا نزاع فِي مجازيتها (لجَوَاز تقيده) أَي كَون الْإِطْلَاق حَقِيقَة (بالثبوت) أَي ثُبُوت الْمَعْنى (قَائِما) حَال الْإِطْلَاق (أَو منقضيا) حالان عَمَّا أضيف إِلَيْهِ الثُّبُوت فَحذف وَعوض عَنهُ اللَّام، أَعنِي الْمَعْنى فَإِنَّهُ فَاعل معنى (الْحَقِيقَة) أَي دَلِيل كَون الْوَصْف حَقِيقَة فِيمَا أطلق عَلَيْهِ بعد انْقِضَاء الْمَعْنى، هَذَا الْكَلَام (أجمع اللُّغَة) أَي أَهلهَا (على) صِحَة إِطْلَاق (ضَارب أمس) على من قَامَ بِهِ الضَّرْب بالْأَمْس وانقضى (وَالْأَصْل) فِي الْإِطْلَاق (الْحَقِيقَة) فَلَا يعدل عَنهُ إِلَّا لمَانع، وَالْأَصْل عَدمه (عورض) الدَّلِيل الْمَذْكُور (بإجماعهم) أَي أهل اللُّغَة (على صِحَّته) أَي إِطْلَاق ضَارب (غَدا) على من لم يقم بِهِ الضَّرْب بعد وسيقوم فِي غَد (وَلَا حَقِيقَة) فِي هَذَا الْإِطْلَاق بِالْإِجْمَاع وَلَا فرق بَينهمَا لاشْتِرَاكهمَا فِي صِحَة الْإِطْلَاق إِجْمَاعًا وَعدم وجود الْمَعْنى فِي الْحَال فَيحكم بمجازيتهما مَعًا (وَحَاصِله خص الأَصْل لدَلِيل الْإِجْمَاع على مجازية الثَّانِي، وَلَيْسَ مثله فِي الآخر) ضمير حَاصله رَاجع إِلَى جَوَاب الْمُعَارضَة الْمَفْهُوم بِقَرِينَة الْمقَام لكَونه مترقيا بعْدهَا سِيمَا عِنْد كَونهَا ظَاهِرَة الدّفع، على أَن مَا بعده يُنَادي بتفسير الْمرجع، تَقْرِيره خص الأَصْل الْمَذْكُور وَهُوَ الأَصْل الْحَقِيقَة
(1/74)

فِي الثَّانِي وَهُوَ ضَارب غَدا للْإِجْمَاع، وَلَا إِجْمَاع على مجازية الأول ليخص فِيهِ أَيْضا، فَعدم الْفرق بَينهمَا غير صَحِيح يعلم أَن قَول الشَّارِح: الْوَجْه حذف وَلَيْسَ مثله فِي الآخر الْوَجْه حذفه وَلَا يخفى عَلَيْك مَا فِي قَوْله خص الأَصْل من اللطف (قَالُوا) ثَانِيًا (لَو لم يَصح) إِطْلَاق الْوَصْف بعد انْقِضَاء الْمَعْنى (حَقِيقَة لم يَصح) أَن يُقَال (الْمُؤمن لغافل) عَن تذكر الْإِيمَان (ونائم) حَقِيقَة لِكَوْنِهِمَا غير متصفين بالتصديق وَالْإِقْرَار فِي الْحَالَتَيْنِ، كَمَا أَنَّهُمَا غير متصفين بضدهما فيهمَا (وَالْإِجْمَاع) على (أَنه) أَي الْمُؤمن (لَا يخرج بهما) أَي بالغفلة وَالنَّوْم (عَنهُ) أَي الْإِيمَان (أُجِيب بِأَنَّهُ) أَي الْمُؤمن (مجَاز) فيهمَا، وَالْإِجْمَاع على صِحَة إِطْلَاق الْمُؤمن عَلَيْهِمَا، لَا على إِطْلَاقه عَلَيْهِمَا حَقِيقَة (لِامْتِنَاع) أَن يُقَال (كَافِر لمُؤْمِن لكفر تقدم) على إيمَانه تَعْلِيل لكَون إِطْلَاق الْمُؤمن عَلَيْهِمَا مجَازًا، تَوْضِيحه لَو كَانَ حَقِيقَة بِاعْتِبَار إِيمَان تقدم لما امْتنع إِطْلَاق كَافِر لمُؤْمِن تقدم كفره لكنه مُمْتَنع (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يمْتَنع ذَلِك (كَانَ أكَابِر الصَّحَابَة كفَّارًا حَقِيقَة) لتقدم الْكفْر على إِيمَانهم، فَتعين كَون الْمُؤمن مجَازًا فِي الغافل والنائم (وَكَذَا النَّائِم لليقظان) أَي وَكَذَا كَانَ إِطْلَاق النَّائِم على الْيَقظَان حَقِيقَة لنوم تقدم، وبطلانه لُغَة ظَاهر (قيل وَالْحق أَنه) أَي الْمُؤمن وَنَحْوه (لَيْسَ من مَحل النزاع، وَهُوَ) أَي محلّة (اسْم الْفَاعِل بِمَعْنى الْحُدُوث) يَعْنِي أَن مَا هُوَ على صِيغَة اسْم الْفَاعِل قد يكون بِمَعْنى الْحُدُوث كالعالم لله سُبْحَانَهُ، فَإِنَّهُ بِمَعْنى الِاسْتِمْرَار (لَا) بِمَعْنى الثُّبُوت كَمَا (فِي مثل الْمُؤمن وَالْحر وَالْعَبْد مِمَّا لَا يعْتَبر فِيهِ طريان) أَي من الصِّفَات الَّتِي لم يعْتَبر فِيهَا حُدُوث مبدأ اشتقاقها، أَعنِي عروضه لموصوفاتها بعد مَا لم يكن. قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ: وَالتَّحْقِيق أَن النزاع فِي حَقِيقَة اسْم الْفَاعِل، وَهُوَ الَّذِي بِمَعْنى الْحُدُوث، لَا فِي مثل الْكَافِر، وَالْمُؤمن، والنائم، وَالْيَقظَان، والحلو، والحامض، وَالْعَبْد، وَالْحر مِمَّا يعْتَبر فِي بعضه الاتصاف بِهِ مَعَ عدم طريان المنافى، وَفِي بعضه الاتصاف بِهِ بِالْفِعْلِ أَلْبَتَّة انْتهى، وَقد علم بذلك أَن الْحُدُوث لم يعْتَبر فِي شَيْء من الْمَذْكُورَات، وَالْمُعْتَبر فِي الْبَعْض الأول الاتصاف فِي الْجُمْلَة مَعَ عدم طريان المنافى، وَالْكَافِر وَالْمُؤمن من الْبَعْض الأول، وَالْبَاقِي من الثَّانِي (وَقد يُقَال وَلَو سلم) كَون الْمُؤمن اسْم الْفَاعِل بِمَعْنى الْحُدُوث (فَالْجَوَاب الْحق) الكاشف عَن حَقِيقَة المُرَاد الحاسم مَادَّة الشُّبْهَة (أَنه إِذا أجمع على أَنه) أَي الْمُؤمن (إِذا لم يخرج بهما) أَي النّوم والغفلة (عَن الْإِيمَان أَو عَن كَونه مُؤمنا) يجوز أَن يكون تَفْسِيرا للْإيمَان، وَبَيَان كَونه مصدرا مَبْنِيا للْفَاعِل، وَيجوز أَن يُرَاد بِالْإِيمَان الْحَاصِل بِالْمَصْدَرِ، وَذكر هَذَا للْمُبَالَغَة بِاعْتِبَار إِفَادَة عدم خُرُوجه عَن الْإِيمَان وَعَن لَازمه فَهُوَ كالتأكيد (باعترافكم) مُتَعَلق بأجمع لَا بيخرج كَمَا توهمه الشَّارِح لفساد الْمَعْنى حِينَئِذٍ، لِأَنَّهُ يقتضى الْإِجْمَاع على عدم الْخُرُوج
(1/75)

باعتراف الْخصم (بل حكم أهل اللُّغَة وَالشَّرْع) كلمة بل للترقي بِضَم أهل اللُّغَة إِلَى أهل الْإِجْمَاع الَّذِي هُوَ أصل الشَّرْع (بِأَنَّهُ) أَي الشَّأْن (مَا دَامَ الْمَعْنى مودعا حافظة الْمدْرك كَانَ قَائِما بِهِ) المُرَاد بِالْمَعْنَى الْإِيمَان وَنَحْوه من الصِّفَات النفسية الإدراكية، والمدرك الْعقل، وَلَيْسَ المُرَاد بالحافظة مصطلح الْحُكَمَاء، أعيى خزانَة الواهمة الَّتِي تدْرك الْمعَانِي الْجُزْئِيَّة الْمُتَعَلّقَة بالمحسوسات كصداقة زيد وعداوة عَمْرو، بل الْقُوَّة الَّتِي تحفظ مدركات الْعقل مُطلقًا، وَالْمعْنَى حكم الْفَرِيقَانِ بِقِيَام الْإِيمَان وَنَحْوه بالمدرك مَا دَامَ مَوْجُودا فِي خزانته (مَا لم يطْرَأ) على الْمدْرك (حكم يناقضه) أَي الْمَعْنى الْمَذْكُور، كلمة مَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَصْدَرِيَّة نائبة عَن الظّرْف الْمُضَاف إِلَى الْمصدر المؤولة هِيَ وصلتها بِهِ: أَي مُدَّة دوَام الْمَعْنى وَمُدَّة عدم طروحكم، والظرف الثَّانِي بدل عَن الأول، وَفِي الْحَقِيقَة تَفْسِير لَهُ، لِأَن مُدَّة دوَام الْمَعْنى هِيَ مُدَّة عدم طرُو مَا يناقضه، وَالْعَامِل فيهمَا كَذَلِك، وَلَك أَن تجْعَل الظّرْف الثَّانِي مَعْمُولا لقوه مودعا، غير أَنه موهم وجود الْإِيدَاع على تَقْدِير الطرو أَيْضا، وَالْمرَاد بالحكم المناقض مَا يُنَافِي الْإِيمَان من قَول أَو فعل كالتكلم بِكَلِمَة الْكفْر وَعبادَة الْأَوْثَان، وتسميتهما حكما، لِأَنَّهُ سَبَب لترتيب أَحْكَام بِوَضْع الشَّارِع فَهُوَ من خطاب الْوَضع الَّذِي يُسمى حكما عِنْد الْأُصُولِيِّينَ (بِلَا شَرط دوَام الْمُشَاهدَة) مُتَعَلق بِحكم: أَي لَا يشْتَرط فِي قيام الْإِيمَان بالمدرك الْمُؤمن دوَام مشاهدته باستحضار صورته، وَالنَّظَر إِلَيْهَا من غير أَن تغيب (فالإطلاق) أَي إِطْلَاق الْمُؤمن على الغافل والنائم وَغَيرهمَا (حِينَئِذٍ) أَي حِين إِذْ يكون الْإِيمَان مودعا فِي الحافظة كامنا (حَال قيام الْمَعْنى) الَّذِي هُوَ الْإِيمَان (وَهُوَ) أَي إِطْلَاق الْوَصْف على الذَّات حَال قيام الْمَعْنى (حَقِيقِيّ اتِّفَاقًا فَلم يفد) صِحَة إِطْلَاق الْمُؤمن على الغافل والنائم (فِي مَحل النزاع شَيْئا) من الْفَائِدَة لِأَن النزاع فِيمَا بعد انْقِضَاء الْمَعْنى (وَبِه) أَي بِهَذَا الْجَواب الْحق (يبطل الْجَواب بِأَنَّهُ) أَي الْمُؤمن فِي الغافل والنائم (مجَاز) لما عرفت من أَن إِطْلَاقه عَلَيْهِمَا حَال قيام الْمَعْنى، وَهُوَ حَقِيقِيّ (وإثباته) أَي إِثْبَات أَنه مجَاز (بامتناع) أَن يُقَال (كَافِر لمُؤْمِن صَحَابِيّ أَو غَيره الخ بَاطِل) لِأَن امْتنَاع إِطْلَاق كَافِر لمُؤْمِن تقدم كفره إِنَّمَا هُوَ من جِهَة الشَّرْع، وَأما امْتِنَاعه من جِهَة اللُّغَة فَعدم صِحَّته غير مُسلم (بل صِحَّته) أَي صِحَة إِطْلَاق كَافِر عَلَيْهِ (لُغَة اتِّفَاق) أَي مُتَّفق عَلَيْهِ بَين أهل اللُّغَة (وَإِنَّمَا الْخلاف فِي أَنه) أَي الْكَافِر فِي الْمُؤمن الْمَذْكُور (حَقِيقَة) لُغَة أَو مجَازًا (وَالْمَانِع) عَن الْإِطْلَاق أَمر (شَرْعِي) لَا لغَوِيّ فَإِنَّهُ مَنْهِيّ تَعْظِيمًا لَهُ (واذن) ظرف زمَان فِيهِ معنى الشَّرْط غَالِبا، وَقد يكون لمُجَرّد الظَّرْفِيَّة، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - {فعلتها إِذا وَأَنا من الضَّالّين} - أَصله إِذا حذفت الْجُمْلَة الْمُضَاف إِلَيْهَا، وَعوض مِنْهَا التَّنْوِين، والعالم فِيهِ الادعاء الْمَذْكُور فِي قَوْلهم (لَهُم ادِّعَاء كَونه حَقِيقَة)
(1/76)

أَي وَإِذا لم يكن الْمَانِع لغويا لأهل الْحَقِيقَة ادعا كَون كَافِر حَقِيقَة فِي الْمُؤمن الْمَذْكُور لُغَة، وَأَن امْتنَاع إِطْلَاقه لمَانع شرعا (مَعَ صِحَة إِطْلَاق) لفظ (الضِّدّ) وَهُوَ الْمُؤمن (كَذَلِك) أَي حَقِيقَة (وَلَا يمْتَنع) صِحَة إِطْلَاق الضدين على شَيْء وَاحِد على جَمِيع التقادير (إِلَّا لَو قَامَ مَعْنَاهُمَا فِي وَقت الصحتين) أَي على تَقْدِير قيام معنى الضدين فِي وَقت وَاحِد هُوَ وَقت الصحتين (وَلَيْسَ الْمُدَّعِي) أَي مدعي أهل الْحَقِيقَة (سوى كَون اللَّفْظ) أَي الْوَصْف المنازع فِيهِ (بعد انْقِضَاء الْمَعْنى حَقِيقَة، وَأَيْنَ هُوَ؟) أَي كَونه حَقِيقَة بعد انْقِضَاء الْمَعْنى (من قِيَامه) أَي الْمَعْنى (فِي الْحَال) أَي فِي حَال صِحَة الْإِطْلَاق (ليجتمع المتنافيان) فِي وَقت وَاحِد (أَو يلْزم قيام أَحدهمَا) أَي المتنافيين (بِعَيْنِه) قَوْله يلْزم مَعْطُوف على يجْتَمع، وَإِنَّمَا قَالَ بِعَيْنِه لِأَن الْخُلُو عَن أَحدهمَا لَا على التَّعْيِين فِيمَا نَحن فِيهِ غير مُتَصَوّر، إِذْ انْتِفَاء الْإِيمَان يسْتَلْزم الْكفْر وَبِالْعَكْسِ، وَأما إِذا كَانَ الضدان بِحَيْثُ لَا يمْتَنع ارتفاعهما عَن الْمحل كالأسود والأبيض، فَيجوز أَن لَا يقوم شَيْء مِنْهُمَا مَعَ صِحَة إطلاقهما بِاعْتِبَار الاتصاف السَّابِق تَلْخِيص الْكَلَام أَن حَاصِل الِاسْتِدْلَال صِحَة إِطْلَاق الْمُؤمن على الغافل والنائم اللَّازِمَة عدم خروجهما عَن الْإِيمَان يَقْتَضِي كَونه حَقِيقَة، وَكَذَا سَائِر الْأَوْصَاف بعد الِانْقِضَاء وخلاصة الْجَواب: إِمَّا منع لُزُوم الْحَقِيقَة لجَوَاز كَون الْإِطْلَاق مجازيا مُسْتَندا بامتناع كَافِر الخ أَو الْمُعَارضَة بادعا المجازية وإثباتها بالامتناع الْمَذْكُورَة ومحصول الْكَلَام الْمُحَقق منع استلزام دَلِيل مدعي الْحَقِيقَة وخصمه مدعاه لخُرُوج الْمُؤمن وَالْكَافِر عَن مَحل النزاع على تَقْدِير الْمُعَارضَة، أَو عدم صَلَاحِية خَصمه لسندية لما ذكر وَحَاصِل تَحْقِيق المُصَنّف منع استلزام الدَّلِيل الْمُدَّعِي على تَقْدِير كَون الْمُؤمن اسْم الْفَاعِل بِمَعْنى الْحُدُوث لِأَنَّهُ لَيْسَ من مَحل النزاع لعدم انْقِضَاء الْمَعْنى فِيهِ، وَإِبْطَال دَلِيل مدعى الْمجَاز لصِحَّة إِطْلَاق كَافِر لمُؤْمِن لُغَة بالِاتِّفَاقِ على تَقْرِير الْمُعَارضَة، وَعدم صَلَاحِية السندية على تَقْرِير الْمَنْع مَعَ زِيَادَة التَّحْقِيق على مَا ترى، كَيفَ وَقد أبطل جَوَابا صرح بقوته القَاضِي عضد الدّين، وناهيك بِهِ (قَالُوا) ثَالِثا (لَو اشْترط لكَونه) أَي الْوَصْف (حَقِيقَة بَقَاء الْمَعْنى لم يكن لأكْثر المشتقات) من المصادر السيالة (حَقِيقَة) لِأَنَّهُ لَا يتَصَوَّر بَقَاؤُهَا إِلَّا بعد حُصُولهَا، وَهُوَ لَا يتَصَوَّر إِلَّا باجتماع أَجْزَائِهَا، وَأَنَّهَا تَنْقَضِي أَولا فأولا (كضارب ومخبر) أما الضَّرْب فَفِي كَونه نظر كَمَا سَيَأْتِي، وَأما الْأَخْبَار فَلِأَنَّهُ عبارَة عَن التَّلَفُّظ بحروف تَنْقَضِي أَولا فأولا، فَقبل أَن يتَلَفَّظ بالحرف الْأَخير لم يتَحَقَّق الْأَخْبَار، وَحين تلفظ بِهِ قد انْقَضى، فَمَتَى يُطلق عَلَيْهِ عِنْد بَقَاء الْمَعْنى ليَكُون حَقِيقَة (بل) تكون الْحَقِيقَة (لنَحْو قَائِم وقاعد) مِمَّا اشتق من غير السيالة مِمَّا يجْتَمع أجزاؤه فِي الْوُجُود وَيبقى (وَالْجَوَاب أَنه) أَي بَقَاء الْمَعْنى (يشْتَرط إِن أمكن) بَقَاؤُهُ (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يُمكن (فوجود جُزْء) أَي فَيشْتَرط وجود جُزْء فَلَا يلْزم أَن لَا يكون لأكْثر
(1/77)

المشتقات حَقِيقَة، فَمَا دَامَ جُزْء مِنْهَا مَوْجُودا يُطلق الْوَصْف حَقِيقَة، وَلَا يلْزم كَون الْمُجيب مُطلق الِاشْتِرَاط، ليرد أَن هَذَا الْجَواب خلاف مذْهبه (وَالْحق أَن هَذَا) التَّفْصِيل (يجب أَن يكون مُرَاد مُطلق الِاشْتِرَاط) أَي من اشْتِرَاط بَقَاء الْمَعْنى فِي مُطلق الْأَوْصَاف (ضَرُورَة) أَي وجوبا أَو للضَّرُورَة الْمُقْتَضِيَة الْوُجُوب الْمَذْكُور، وَذَلِكَ لِأَن الْعَاقِل الْعَارِف باللغة لَا يسْتَلْزم نفي الْحَقِيقَة رَأْسا عَن أَكثر المشتقات (لَا مذهبا ثَالِثا) مَعْطُوف على خبر يكون فَلَا يكون فِيمَا بعد الِانْقِضَاء إِلَّا مذهبان: نفي الِاشْتِرَاط مُطلقًا، وَالتَّفْصِيل (فَهُوَ) أَي مُطلق الِاشْتِرَاط (وَإِن قَالَ يشْتَرط بَقَاء الْمَعْنى) والمتبادر مِنْهُ بَقَاؤُهُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ لكنه (يُرِيد) بِهِ (وجود شَيْء مِنْهُ) أَي جُزْء من الْمَعْنى لظُهُور فَسَاد إِرَادَة مَا هُوَ الْمُتَبَادر فِيمَا لَا يُمكن بَقَاؤُهُ، وَلَا يخفى عَلَيْك أَن هَذَا يُفِيد التَّعْمِيم فِيمَا يُمكن ومالا يُمكن، وَلَا ضَرُورَة فِي ارتكابه فِيمَا يُمكن، وَقد صرح التفتازابي أَن مُرَاد الْمُطلق أَنه لَا بُد من بَقَاء الْمَعْنى بِتَمَامِهِ إِن أمكن وَإِلَّا فبجزء مِنْهُ، وَيُمكن حمل هَذَا الْكَلَام عَلَيْهِ بِضَرْب من الْمُسَامحَة، وَإِنَّمَا لم يقل آخر جُزْء كَمَا فِي الْمُنْتَهى لِأَن الْمُعْتَبر الْمُبَاشرَة الْعُرْفِيَّة، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (فَلفظ مخبر وضارب إِذا أطلق فِي حَال الاتصاف) أَي اتصاف الْمخبر (بِبَعْض الْأَخْبَار) بِكَسْر الْهمزَة: أَي عِنْد مُبَاشَرَته بِبَعْض حُرُوفه وبشيء من الضَّرْب (يكون حَقِيقَة لِأَن مثل ذَلِك) الْإِطْلَاق (يُقَال فِيهِ أَنه) إِطْلَاق حَال اتصافه) أَي الْمخبر والضارب (بالأخبار وَالضَّرْب عرفا) أَي فِي عرف اللُّغَة، ومدار معرفَة الْحَقِيقَة وَالْمجَاز على الْعرف (وَإِذا كَانَ) الْعرف أَو الْأَمر (كَذَلِك وَجب أَن يحمل كَلَامه) أَي مُطلق الِاشْتِرَاط (عَلَيْهِ) أَي على مَا ذكر من المُرَاد تَصْحِيحا لكَلَام الْعَاقِل الْعَارِف باللغة (وَمن المستبعد أَن يَقُول أحد) مِمَّن لَهُ أدنى معرفَة باللغة (لفظ ضَارب) إِذْ أطلق على شخص (فِي حَال الضَّرْب مجَاز) لعدم قيام مَجْمُوع أَجْزَائِهِ فِي تِلْكَ الْحَالة (وَإنَّهُ) أَي الضَّارِب (لم يسْتَعْمل حَقِيقَة أبدا، وَكثير مثل هَذَا) من إِثْبَات الْخلاف بِنَاء على مَا يتَوَهَّم من ظواهر الْأَقْوَال (فِي كَلَام المولعين) من أولع بالشَّيْء إِذا علق بِهِ (بِإِثْبَات الْخلاف) وهم الَّذين ابتلوا بالوقوع فِيهِ من غير توقف وَتَأمل وُقُوع (وَنقل الْأَقْوَال) مَعْطُوف على إِثْبَات لخلاف: أَي المولعين بِمُجَرَّد نقل الْأَقْوَال من غير تدبر وتعمق فِي فهم مَقَاصِد الْقَوْم، وَيجوز أَن يكون مُبْتَدأ خَبره (لمن تتبع) أَي نقلهَا مُسلم لمن تتبع حق التتبع، والمولعون لَيْسُوا مِنْهُم، فعلى الأول مُتَعَلق بِمَحْذُوف: أَي مَعْلُوم كثرته لمن تتبع (ثمَّ الْحق أَن ضَارِبًا لَيْسَ مِنْهُ) أَي من الْوَصْف الَّذِي لَا يُمكن بَقَاء مَعْنَاهُ (لِأَن الْوُجُود) عِنْد إِطْلَاقه على من يُبَاشر الضَّرْب (تَمام الْمَعْنى) لَا جزؤه كَمَا يتَوَهَّم من ضرب مائَة عَصا أَنه ضرب وَاحِد، وكل وَاحِد من الْمِائَة
(1/78)

جُزْء مِنْهُ بل كل وَاحِد مِنْهَا يصدق عَلَيْهِ مَفْهُوم الضَّرْب مَوْجُود فِيهِ تَمام حَقِيقَته (وَإِن انْقَضى كثير من الْأَمْثَال) أَي من أَفْرَاد الضَّرْب الْمُمَاثلَة للموجود حَال الْإِطْلَاق (لَا يُقَال فَالْوَجْه حِينَئِذٍ) أَي حِين أُجِيب عَن أَدِلَّة الْمجَاز والحقيقة، وَلم يبْق لأَحَدهمَا رُجْحَان على الآخر من حَيْثُ الدَّلِيل (الْحَقِيقَة) أَي اخْتِيَارهَا (تَقْدِيمًا للتواطئ) وَهُوَ كَون اللَّفْظ مَوْضُوعا لما يعم الْمَعْنى الَّذِي هُوَ حَقِيقَة فِيهِ بِلَا شُبْهَة، وَالْمعْنَى الَّذِي فِيهِ شُبْهَة المجازية (على الْمجَاز) أَي المجازية (لَا التَّوَقُّف) أَي لَيْسَ الْوَجْه التَّوَقُّف (كظاهر بعض الْمُتَأَخِّرين) أَي كمفهوم ظَاهر كَلَام بَعضهم، وَهُوَ الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب (لعدم لَازمه) أَي التواطئ تَعْلِيل لقَوْله: لَا يُقَال وَحَاصِله الِاسْتِدْلَال بِنَفْي اللَّازِم على نفي الْمَلْزُوم (وَهُوَ) أَي لَازمه (سبق الْأَحَد) أَي أحد الْأَمريْنِ: من الْمُثبت لَهُ الْمَعْنى قَائِما، والمثبت لَهُ منقضيا (الدائر) بَين الْأَمريْنِ الْمَذْكُورين، يَعْنِي لَو كَانَ الْوَصْف مَوْضُوعا لأحد الْأَمريْنِ لسبق إِلَى الْفَهم عِنْد إِطْلَاقه كَمَا هُوَ شَأْن الْمَوْضُوع لَهُ، لكنه لم يسْبق فَلَا وضع فَلَا تواطؤ (لسبقه) أَي الْمَعْنى إِلَى الْفَهم (بِاعْتِبَار الْحَال من نَحْو زيد قَائِم) وَسبق أحد الْأَمريْنِ بِعَيْنِه يسْتَلْزم عدم سبق أَحدهمَا لَا بِعَيْنِه، وَظَاهر هَذَا الْكَلَام أَن المُصَنّف رَحمَه الله: اخْتَار المجازية فِي مَحل النزاع، وَقد استبان بِمَا ذكر من التَّفْصِيل أَن مَحل النزاع الْوَصْف الَّذِي هُوَ مَظَنَّة لَا يكون إِلَّا حَقِيقَة بعد الِانْقِضَاء، بِخِلَاف مَا اعْتبر فِيهِ الاتصاف بِالْفِعْلِ اتِّفَاقًا، وَمَا اعْتبر فِيهِ عدم طريان المنافى وَالله أعلم.

الْفَصْل الثَّانِي
(فِي) تَقْسِيم الْمُفْرد بِاعْتِبَار (الدّلَالَة وظهورها وخفائها) فَهِيَ (تقسيمات) ثَلَاثَة
(التَّقْسِيم الأول) وَهُوَ تقسيمه بِاعْتِبَار الدّلَالَة نَفسهَا، التَّقْسِيم ضم قيود متباينة ذاتا أَو اعْتِبَارا إِلَى مَفْهُوم كلي بِحَيْثُ يحصل من انضمام كل قسيم، وَهُوَ قسيم بِالنِّسْبَةِ إِلَى الآخر (اللَّفْظ الْمُفْرد إِمَّا دَال بالمطابقة أَو التضمن أَو الِالْتِزَام) وَسَيَجِيءُ تَفْسِيرهَا (وَالْعَادَة) أَي عَادَة الْأُصُولِيِّينَ (التَّقْسِيم فِيهَا) أَي الدّلَالَة نَفسهَا، لَا الدَّال (ويستتبعه) أَي الدّلَالَة اللَّفْظ فِي الانقسام: أَي يَنْقَسِم اللَّفْظ تبعا للدلالة، وَإِنَّمَا عدل عَنْهَا لتَكون التقسيمات كلهَا للمفرد تسهيلا للضبط (وَالدّلَالَة كَون الشَّيْء) بِحَيْثُ (مَتى فهم فهم) مِنْهُ (غَيره فَإِن كَانَ التلازم) أَي لُزُوم فهم الْغَيْر لذَلِك فهم الشَّيْء، وملزومية ذَلِك الشَّيْء لفهم الْغَيْر الْمُسْتَفَاد من قَوْله مَتى فهم فهم الخ، وَالْمرَاد عدم الانفكاك لَا امْتِنَاعه (بعلة الْوَضع) بِسَبَب كَون ذَلِك الشَّيْء مَوْضُوعا لذَلِك الْغَيْر، أَو لما هُوَ جزؤه أَو لَازمه (فوضعية) أَي فالدلالة وضعية (أَو الْعقل) والتقابل بِاعْتِبَار اسْتِقْلَال الْعقل وَعَدَمه، وَإِلَّا
(1/79)

فالعقل لَهُ مدْخل فِي الوضعية أَيْضا (فعقلية، وَمِنْهَا الطبيعية) أَي من الْعَقْلِيَّة الدّلَالَة الطبيعية، وَهِي مَا كَانَت الطبيعة سَبَب وجود الدَّال (إِذْ دلَالَة أح على الْأَذَى) وَهُوَ وجع الصدرا لملجئ صَاحبه إِلَى إِيقَاعه (دلَالَة الْأَثر) وَهُوَ أح (على مبدئه) ومنشئه، وَهُوَ الوجع الْمَذْكُور (كالصوت) أَي كدلالة الصَّوْت المسموع من وَرَاء الْجِدَار على صَاحبه (وَالْكِتَابَة) بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكَاتِب (وَالدُّخَان) بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّار، فَإِنَّهَا عقليات كلهَا (والوضعية) تَارَة (غير لفظية كالعقود) جمع عقد، وَهُوَ مَا يعْقد بالأصابع على كَيْفيَّة خَاصَّة مَوْضُوع لعدد معِين (وَالنّصب) جمع نصبة، وَهُوَ الْعَلامَة المنصوبة لمعْرِفَة الطَّرِيق (ولفظية) وَهِي (كَون اللَّفْظ بِحَيْثُ إِذا أرسل) لم يقل أطلق لِأَن الْمُتَبَادر من الْإِطْلَاق مَا قرن بالإرادة، والإرسال أَعم وَاللَّفْظ يدل على مَعْنَاهُ إِذا تلفظ بِهِ، وَإِن لم يرد بِهِ الْمَعْنى (فهم) مِنْهُ (الْمَعْنى للْعلم بِوَضْعِهِ) أَي اللَّفْظ (لَهُ) أَي الْمَعْنى والمتبادر كَون اللَّام مُتَعَلقا بفهم، وَهُوَ يُوهم كَون اللَّازِم الْفَهم من حَيْثُ إِنَّه مُعَلل، وَيرد أَنه إِذا أرسل وَلم يكن السَّامع عَالما بِالْوَضْعِ لم يفهم، وَهُوَ يُنَافِي مَتى فهم فهم فَتعين كَونه مُتَعَلقا بِالْإِرْسَال، وَاللَّام بِمَعْنى عِنْد كَقَوْلِه تَعَالَى - {أقِم الصَّلَاة لدلوك الشَّمْس} - (وَأورد) نقضا على عكس التَّعْرِيف من حَيْثُ تضمنه لُزُوم حُدُوث فهم الْمَعْنى عِنْد الْإِرْسَال (سَمَاعه) أَي اللَّفْظ (حَال كَون الْمَعْنى مشاهدا) للسامع لعدم حُدُوث الْفَهم حِينَئِذٍ لِامْتِنَاع حُصُول الْحَاصِل (وَأجِيب بِقِيَام الْحَيْثِيَّة) المفسرة بهَا الدّلَالَة اللفظية، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَهِي) أَي الْحَيْثِيَّة الْمَذْكُورَة (الدّلَالَة) تَوْضِيحه سلمنَا انْتِفَاء حُدُوث فهم الْمَعْنى حَال الْمُشَاهدَة، لكنه لَا يخل فِيهَا، لِأَنَّهَا عبارَة عَن تِلْكَ الْحَيْثِيَّة، وَهِي مَوْجُودَة فِي الدَّال لكَونه بِحَيْثُ إِلَى آخِره، وَلقَائِل أَن يَقُول لَا نسلم قيام الْحَيْثِيَّة، لِأَن كلمة إِذا فِيهَا بِمَعْنى مَتى لما مر فِي تَعْرِيف مُطلق الدّلَالَة، فَيجب حُدُوث الْمَعْنى فِي كل إرْسَال، وَقد عرفت عَدمه عِنْد إرْسَاله حَال الْمُشَاهدَة، وَلعدم حقية هَذَا الْجَواب. قَالَ (وَالْحق) أَن يُقَال إِنَّه حصل (الِانْقِطَاع) أَي انْقِطَاع الْمُشَاهدَة (بِالسَّمَاعِ) أَي بِسَبَب اشْتِغَال البال باستماع اللَّفْظ (ثمَّ التجدد) أَي تجدّد فهم حَادث (عَنهُ) أَي عَن اللَّفْظ، وَيتَّجه أَنه لَا تَنْقَطِع الْمُشَاهدَة غَايَة الْأَمر أَن يَنْقَطِع الالتفاف إِلَى الْمُشَاهدَة بِالذَّاتِ، وَالْجَوَاب أَن المُرَاد بِانْقِطَاع الْمُشَاهدَة هُوَ هَذَا، وَالْمرَاد بالفهم اللَّازِم فِي الدّلَالَة مَا يعم الْفَهم الْحَادِث من حَيْثُ الذَّات، والحادث من حَيْثُ الِالْتِفَات (وللدلالة إضافات) أَي صِفَات إضافية حَاصِلَة لَهَا بِالْقِيَاسِ (إِلَى تَمام مَا وضع لَهُ اللَّفْظ، وجزئه، ولازمه) فَإِذا اعْتبرت الدّلَالَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَمام مَا وضع لَهُ حصلت إِضَافَة، وَإِلَى جزئه أُخْرَى، وَإِلَى لَازمه أُخْرَى (إِن كَانَا) أَي إِن وجد الْجُزْء وَاللَّازِم فَكَانَ تَامَّة، وَيجوز كَونهَا نَاقِصَة، وَالْخَبَر مَحْذُوف،
(1/80)

أَعنِي موجودين، وَقَوله للدلالة إِلَى آخِره دَال على الْجَزَاء الْمَحْذُوف والمشروط إِنَّمَا هُوَ الإضافتان الأخيرتان بِالْحَقِيقَةِ، أَشَارَ إِلَى مَا هُوَ الْمَشْهُور من أَن الْمُطَابقَة لَا تَسْتَلْزِم التضمن والالتزام، لجَوَاز أَن يكون مَا وضع لَهُ بسيطا لَا لَازم أَو مركب كَذَا (وَلها) أَي للدلالة (مَعَ كل) إِضَافَة (اسْم، فَمَعَ الأول) اسْمهَا (دلَالَة الْمُطَابقَة، وَمَعَ الثَّانِي دلَالَة التضمن، وَكَذَا الِالْتِزَام) أَي وَمَعَ إضافتها إِلَى اللَّازِم اسْمهَا دلَالَة الِالْتِزَام، وَالتَّعْبِير عَن الْإِضَافَة بِالْأولِ وَالثَّانِي بِاعْتِبَار كَونهَا مصدرا، (ويستلزم اجتماعها) أَي الدلالات الثَّلَاث (انتقالين) من لفظ (وَاحِد) مِنْهُ (إِلَى الْمَعْنى المطابقي والتضمني) وَإِنَّمَا قُلْنَا بوحدة الِانْتِقَال فيهمَا (لِأَن فهمه) أَي الْجُزْء (فِي ضمنه) أَي تَمام مَا وضع (لَا كظن) أَي كمظنون (شَارِح الْمطَالع) الْفَاضِل الْمَشْهُور قطب الدّين الرَّازِيّ من أَنه ينْتَقل الذِّهْن من اللَّفْظ إِلَى جُزْء مَا وضع لَهُ، ثمَّ مِنْهُ إِلَى تَمَامه، وَأَن الْمُطَابقَة تَابِعَة للتضمن فِي الْفَهم لسبق الْجُزْء فِي الْمَوْجُودين، وَمَا ذكره المُصَنّف رَحمَه الله إِشَارَة إِلَى مَا ذكره الْمُحَقق شَارِح الْمُخْتَصر القَاضِي عضد الدّين فِي الدّلَالَة اللفظية من أَنه ينْتَقل الذِّهْن من اللَّفْظ إِلَى الْمَعْنى ابْتِدَاء، وَهِي وَاحِدَة لَكِن رُبمَا تضمن الْمَعْنى الْوَاحِد جزءين فيفهم مِنْهُ الجزءان، وَهُوَ بِعَيْنِه فهم الْكل، فالدلالة على الْكل لَا تغاير الدّلَالَة على الجزءين مَعًا مُغَايرَة بِالذَّاتِ بل بِالْإِضَافَة وَالِاعْتِبَار، وَقرر هَذَا التَّحْقِيق الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ، ثمَّ قَالَ ومبني هَذَا التَّحْقِيق على أَن التضمن فهم الْجُزْء فِي ضمن الْكل، والالتزام فهم اللَّازِم بعد فهم الْمَلْزُوم، حَتَّى إِذا اسْتعْمل اللَّفْظ فِي الْجُزْء أَو اللَّازِم مَعَ قرينَة مَانِعَة عَن إِرَادَة الْمُسَمّى لم يكن تضمنا أَو التزاما بل مُطَابقَة لكَونهَا دَالَّة على تَمام الْمَعْنى: أَي مَا عَنى بِاللَّفْظِ وَقصد انْتهى بَيَان ذَلِك أَن دلَالَة اللَّفْظ بِوَضْعِهِ للمعنى فالعالم بِهِ إِذا فهم اللَّفْظ يتَوَجَّه قصدا بِمُقْتَضى علمه نَحْو الْمَوْضُوع لَهُ لَا إِلَى جزئه وَإِن كَانَ يتعقل قبل تعقل الْكل ضَرُورَة، لِأَن الذِّهْن غير مُتَوَجّه إِلَيْهِ قصدا، وَكَونه وَاسِطَة فِي الِانْتِقَال فرع توجه الذِّهْن إِلَيْهِ قصدا لَا يُقَال لم لَا يجوز أَن يكون مَقْصُود شَارِح الْمطَالع من كَون الْجُزْء وَاسِطَة فِي الِانْتِقَال مُقَدّمَة فِي التعقل لِأَن ذَلِك بديهي لَا يحْتَاج إِلَى الْبَيَان وَلَا تنَازع فِيهِ مَعَ أَنه شبه وساطته بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكل بوساطة الْمَوْضُوع لَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَعْنى الالتزامي (يَلِيهِ) أَي يَلِي ذَلِك الْوَاحِد انْتِقَال (آخر) من الْمَعْنى المطابقي (إِلَى) الْمَعْنى (الالتزامي لُزُوما) أَي لكَون الالتزامي لَازِما للمطابقي، وَإِنَّمَا صَار لُزُومه سَبَب الِانْتِقَال (لِأَنَّهُ) أَي اللُّزُوم هَهُنَا (بِالْمَعْنَى الْأَخَص) اللُّزُوم عِنْد المنطقيين يُطلق على مَعْنيين: أَحدهمَا أخص، وَهُوَ كَون اللَّازِم بِحَيْثُ يحصل فِي الذِّهْن كلما حصل الْمَلْزُوم فِيهِ، وَثَانِيهمَا الْأَعَمّ، وَهُوَ كَونه بِحَيْثُ إِذا تصور مَعَ الْمَلْزُوم يحكم الْعقل باللزوم بَينهمَا على الْفَوْر أَو بعد التَّأَمُّل، أما لعلاقة عقلية أَو لعرف خَاص أَو عَام وَمَا يجْرِي مجْرَاه والأخصية بِاعْتِبَار أَنه كلما
(1/81)

تحقق اللُّزُوم بَين الشَّيْئَيْنِ إِذا تعقلا يحكم الْعقل باللزوم بَينهمَا من غير عكس وَهُوَ ظَاهر (فَانْتفى لُزُوم الالتزامي مُطلقًا) كَمَا زعم الإِمَام الرَّازِيّ من أَن كل مُسَمّى لَهُ لَازم ذهني، وَذَلِكَ الزَّعْم (للُزُوم تعقل أَنه) أَي الْمُسَمّى (لَيْسَ غَيره) أَي غير نَفسه (لِأَن ذَلِك) أَي التعقل الْمَذْكُور لَازم (بالأعم) أَي بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ، وَقد عَرفته وَالْمُعْتَبر هَهُنَا اللَّازِم بِالْمَعْنَى الْأَخَص (هَذَا) كُله (على) اصْطِلَاح (المنطقيين فَلَا دلَالَة للمجازات على) الْمعَانِي (المجازية) لعدم كَونهَا بِحَيْثُ مَتى أرْسلت فهم مِنْهَا تِلْكَ الْمعَانِي، بل إِذا أرْسلت مَعَ الْقَرِينَة، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (بل ينْتَقل إِلَيْهَا) أَي الْمعَانِي المجازية (بِالْقَرِينَةِ فَهِيَ) أَي الْمعَانِي المجازية (مرادات) بالمجازات (لَا مدلولات لَهَا فَلَا تورد) المجازات نقضا (عَلَيْهِم) أَي على عكس تَعْرِيف المنطقيين بِأَنَّهَا خَارِجَة عَنهُ (إِذْ يلتزمونه) أَي خُرُوجهَا عَن التَّعْرِيف لعدم دُخُولهَا فِي الْمُعَرّف (وَلَا ضَرَر) فِي ذَلِك (إِذْ لم يسْتَلْزم) عدم دلالتها على الْمعَانِي المجازية (نفى فهم المُرَاد) مِنْهَا ليَكُون التزامهم بَاطِلا لكَونه خلاف الْوَاقِع (فَلَيْسَ للمجاز) الْمُسْتَعْمل (فِي الْجُزْء وَاللَّازِم دلَالَة مُطَابقَة فيهمَا) أَي بِاعْتِبَار اسْتِعْمَاله فِي الْجُزْء وَاللَّازِم (كَمَا قيل) قَائِله الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ، وَقد مر آنِفا (بل اسْتِعْمَال يُوجب الِانْتِقَال مَعَه إِلَى كل فَقَط الْقَرِينَة) اضراب عَن ثُبُوت الدّلَالَة المطابقية للمجاز على الْجُزْء اللَّازِم إِلَى ثُبُوت اسْتِعْمَال لَهُ توجب الْقَرِينَة المفيدة إِرَادَة أَحدهمَا حَال كَونهَا مَعَ ذَلِك الِاسْتِعْمَال الِانْتِقَال عَن الْمَوْضُوع لَهُ إِلَى كل من الْجُزْء وَاللَّازِم فَقَط: أَي بِدُونِ مُشَاركَة شَيْء آخر إِيَّاه فِي الْإِرَادَة (وَدلَالَة) مَعْطُوف على اسْتِعْمَال (تضمنية والتزامية فيهمَا) مُتَعَلق بِاسْتِعْمَال، وَإِنَّمَا تثبت الدلالتان (تبعا للمطابقية الَّتِي لم ترد) فَلَا يرد أَنه يلْزم تحقق الدّلَالَة التضمنية والالتزامية بِدُونِ المطابقية (وَهَذَا) أَي وجود المطابقية فِي الْمجَاز الْمَذْكُور مَعَ كَونهَا غير مُرَاد (لِأَن بعد) تحقق (الْوَضع لَا تسْقط الدّلَالَة) المطابقية (عَن) الدَّال (الوضعي) إِذا كَانَ الشَّارِح عَالما بِالْوَضْعِ (فَكَذَا لَا تسْقط) الدّلَالَة (عَن لَازمه) أَي لَازم الوضعي إِذا كَانَ لَهُ لَازم (فتتحقق) الدّلَالَة المطابقية فِي الْمجَاز الْمَذْكُور (لتحَقّق علتها) أَي الدّلَالَة (وَهُوَ) أَي علتها (الْعلم بِالْوَضْعِ) فَإِن قلت قَوْله بعد الْوَضع إِلَى آخِره يدل على أَن مُجَرّد الْوَضع كَاف فِي تحقق الْحَيْثِيَّة، وَهَذَا يدل على أَنه لَا بُد من الْعلم بِالْوَضْعِ أَيْضا قلت لَيْسَ المُرَاد من التحقق هُنَا اتصاف اللَّفْظ بالحيثية الْمَذْكُورَة بل ثَمَرَتهَا، وَهُوَ الِانْتِقَال إِلَى مَا وضع لَهُ، وَمُجَرَّد الْوَضع كَاف فِي اتصافه بالحيثية الْمَذْكُورَة غير كَاف فِي الِانْتِقَال بل لَا بُد فِيهِ من الْعلم بِالْوَضْعِ أَيْضا (وَالْمرَاد) من اللَّفْظ الْمجَازِي (غير متعلقها) أَي غير مُتَعَلق الدّلَالَة المطابقية، وَهُوَ الْمَدْلُول المطابقي، يَعْنِي المُرَاد المعني الْمجَازِي الَّذِي هُوَ غير متعلقها (وَأما الأصوليون فَمَا للوضع دخل
(1/82)

فِي الِانْتِقَال) أَي فعندهم الدّلَالَة الوضعية هِيَ الَّتِي للوضع دخل فِي الِانْتِقَال من دالها إِلَى مدلولها (فتتحقق) الدّلَالَة على اصطلاحهم (فِي الْمجَاز) لدخل الْوَضع فِي الِانْتِقَال الْمجَازِي، لِأَن العلاقة بَين الْمَعْنى الْمجَازِي والموضوع لَهُ سَببه، وَعدم اعتبارهم اللُّزُوم الْكُلِّي بَين فهم الْمَعْنى وَفهم اللَّفْظ اكْتِفَاء باللزوم فِي الْجُمْلَة (والالتزامية بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ) أَي وتتحقق الدّلَالَة الالتزامية باللزوم بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ وَلَا يشْتَرط اللُّزُوم بِالْمَعْنَى الْأَخَص، وَقد مر تفسيرهما (ثمَّ اخْتلف الِاصْطِلَاح) للأصوليين فِي أَصْنَاف الدّلَالَة الوضعية بِاعْتِبَار مفهوماتها وأسمائها (وَفِي ثُبُوت بَعْضهَا) بِإِثْبَات بَعضهم قسما لم يُثبتهُ الْبَعْض الآخر كالمفهوم الْمُخَالف أثْبته الشَّافِعِيَّة لَا الْحَنَفِيَّة (أَيْضا، فالحنفية) أَي فَقَالَت الْحَنَفِيَّة (الدّلَالَة) الوضعية قِسْمَانِ (لفظية وَغير لفظية، وَهِي) أَي غير اللفظية (الضرورية) أَي الَّتِي أوجبت الضَّرُورَة الناشئة من الدَّلِيل اعْتِبَارهَا من غير لفظ يدل (ويسمونها) أَي الْحَنَفِيَّة (بَيَان الضَّرُورَة) أَي الْحَاصِل بِسَبَبِهَا، فَهُوَ من إِضَافَة الشَّيْء إِلَى سَببه، وَأما تَسْمِيَة الدّلَالَة بَيَانا فباعتبار أَن موصوفها بَيَان لمدلوله (وَهِي) أَي الضرورية (أَرْبَعَة أَقسَام كلهَا دلَالَة سكُوت مُلْحق باللفظية) لِأَن السُّكُوت بمعاونة الْمقَام يَقْتَضِي اعْتِبَارهَا (الأول مَا يلْزم منطوقا) لِأَن السُّكُوت بِدُونِ اتصالها مَعَ الْمَنْطُوق وَلَا يُفِيد اعْتِبَارهَا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَورثه أَبَوَاهُ فلأمه الثُّلُث} دلّ سُكُوته) عَن ذكر نصيب الْأَب (أَن للْأَب الْبَاقِي) لِأَنَّهُ لَا شكّ أَن تعْيين نصِيبه مَقْصُود كتعيين نصيب الْأُم، فَإِن لم يكن الْبَاقِي لَهُ لَا يتَعَيَّن فَيلْزم عدم صِحَة السُّكُوت لَا يُقَال الْمَنْطُوق يدل على انحصار الْوَارِث فيهمَا وَتَعْيِين نصيب الْأُم، وَيلْزمهُ كَون الْبَاقِي للْأَب، فَهُوَ مَدْلُوله التزاما لأَنا نقُول: لَو سلم دلَالَته على الانحصار لَا نسلم كَونه دَالا عَلَيْهِ التزاما، لجَوَاز أَن يكون لَهُ بعض الْبَاقِي وَالْبَعْض الآخر يقسم بَينهمَا بطرِيق الرَّد، أَو يُعْطي لبيت المَال فَإِن قلت الْأَب عصبَة فَلَا يحْتَمل مَا ذكرت قلت الْكَلَام فِي دلَالَة اللَّفْظ، وَلَيْسَ الْمُخَاطب منحصرا فِيمَن يعلم قَوَاعِد الْفَرَائِض فاحتيج إِلَى أَن يُقَال لَو كَانَ نصِيبه بعض الْبَاقِي لما صَحَّ السُّكُوت عَن بَيَانه قَوْله - {وَورثه} - إِلَى آخِره مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف: أَي مِنْهَا، وَقَوله دلّ إِلَى آخِره اسْتِئْنَاف، وَكَذَا قَوْله (ودفعته) أَي النَّقْد (مُضَارَبَة) وَهِي عقد شركَة فِي الرِّبْح الْحَاصِل بِعَمَل الْمضَارب (على أَن لَك نصف الرِّبْح يُفِيد) سُكُوته (أَن الْبَاقِي) وَهُوَ النّصْف الآخر (للْمَالِك) وَيتَّجه هَهُنَا نَظِير الْإِيرَاد الْمَذْكُور وَلَيْسَ فِيهِ نَظِير ذَلِك الْجَواب، لِأَن الْبَاقِي من حَيْثُ أَنه نَمَاء ملكه يتَعَيَّن أَن يكون لَهُ: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال المُرَاد بِدلَالَة السُّكُوت مَا لم يكن الدَّال فِيهِ منطوقا، وملاحظة الْحَيْثِيَّة الْمَذْكُورَة كَذَلِك (وَكَذَا فِي قلبه اسْتِحْسَانًا) أَي وَمِنْهَا قَوْله دَفعته إِلَيْك مُضَارَبَة على أَن لي نصف الرِّبْح فَالْقِيَاس فَسَاده لعدم بَيَان نصيب الْمضَارب، وَالِاسْتِحْسَان صِحَّته، لِأَن الْمَنْطُوق دلّ على أَن نصيب الْمَالِك
(1/83)

النّصْف فَتعين النّصْف الآخر للْمُضَارب لعدم مُسْتَحقّ آخر وَالرِّبْح مُشْتَرك بَينهمَا.
(الثَّانِي دلَالَة حَال السَّاكِت) الَّذِي وظيفته الْبَيَان مُطلقًا، أَو فِي تِلْكَ الْحَادِثَة (كسكوته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْد أَمر يُشَاهِدهُ) من قَول أَو فعل لَيْسَ مُعْتَقد كَافِر مَعَ قدرته على الْإِنْكَار وَعدم سبق بَيَان حكمه مِنْهُ، فَإِنَّهُ يدل حِينَئِذٍ على الْجَوَاز من فَاعله وَغَيره، لِأَنَّهُ لَو لم يكن جَائِزا لزم ارتكابه لمحرم، وَهُوَ تَقْرِيره على الْمحرم، هَذَا إِذا لم يُنكر وَلم يستبشر، وَأما إِذا استبشر فدلالته على الْجَوَاز أوضح (وَسَيَأْتِي فِي السّنة) بَيَانه مستقصى إِن شَاءَ الله تَعَالَى (وسكوت الصَّحَابَة عَن تَقْوِيم مَنَافِع ولد الْمَغْرُور) هُوَ ولد الرجل من امْرَأَة ملكهَا فِي ظَنّه ملك يَمِين أَو نِكَاح، ثمَّ اسْتحقَّهَا شخص بِإِثْبَات كَونهَا أمة لَهُ، فَردَّتْ عَلَيْهِ مَعَ الْعقر، وَيثبت نسب الْوَلَد مِنْهُ، وَهُوَ حر بِالْقيمَةِ. قَالَ الشَّيْخ أَبُو بكر الرَّازِيّ: لَا خلاف بَين الصَّدْر الأول وفقهاء الْأَمْصَار فِي أَنه حر الأَصْل، وَفِي أَنه مَضْمُون على الْأَب، إِلَّا أَن السّلف اخْتلفُوا فِي كَيْفيَّة ضَمَانه، فَذهب أَصْحَابنَا أَن عَلَيْهِ الْقيمَة بَالِغَة مَا بلغت، وَفِي الْهِدَايَة وَغَيرهَا إِجْمَاع الصَّحَابَة على ذَلِك، وَقد وَقعت الْحَادِثَة فِي زمن الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم فبينوا مَا تعلق بهَا من الْأَحْكَام، وسكتوا عَن تَقْوِيم مَنَافِع الْوَلَد ليَأْخُذ الْمُسْتَحق قيمتهَا كَمَا يَأْخُذ قيمَة الْوَلَد، وَقد جَاءَ طَالبا لحكم الْحَادِثَة غير عَالم بِجَمِيعِ مَاله وهم عالمون بِهِ، فسكوتهم هَذَا (يُفِيد عدم تَقْوِيم الْمَنَافِع) لِأَنَّهَا لَو كَانَت مُتَقَومَة فِي الشَّرْع مُسْتَحقَّة للْمولى للَزِمَ عَلَيْهِم ارْتِكَاب محرم، وَهُوَ كتمان حكم الله عِنْد وجوب بَيَانه. قَالَ الله تَعَالَى - {وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق الَّذين أُوتُوا الْكتاب لتبيننه للنَّاس وَلَا تكتمونه} -، (وَمِنْه) أَي من الثَّانِي (سكُوت الْبكر) عِنْد اسْتِئْذَان الْوَلِيّ، أَو رَسُوله إِلَيْهَا فِي تَزْوِيجهَا من معِين مَعَ ذكر الْمهْر أَولا على اخْتِلَاف الْمَشَايِخ، أَو عِنْد بُلُوغهَا ذَلِك عَن الْوَلِيّ على الْأَصَح فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يُفِيد الرِّضَا بِهِ بِدلَالَة حَالهَا من الرَّغْبَة فِي الزواج كَمَا هُوَ شَأْن النِّسَاء، وَعدم الْمَانِع عَن الرَّد، لِأَن الْحيَاء يمْنَعهَا عَن الْإِجَازَة لما فِيهَا من إِظْهَار الرَّغْبَة فِي الرِّجَال، لَا عَن الرَّد، بل الْحيَاء يَقْتَضِي الرَّد، لِأَن السُّكُوت لَا يَخْلُو عَن تَجْوِيز قلت سِيمَا إِذا علمت أَن سكُوت الْبكر رضَا، فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا " قلت يَا رَسُول الله تستأمر النِّسَاء؟ قَالَ: نعم، قلت: إِن الْبكر تَسْتَحي فتسكت؟ فَقَالَ سكُوتهَا إِذْنهَا ". (وَفِي ادِّعَاء أكبر ولد من ثَلَاثَة بطُون أمته نفي لغيره) أَي وَمِنْهَا سُكُوته عَن دَعْوَة وَلدين من ثَلَاثَة بطُون أمته بعد دَعْوَة الْأَكْبَر، فَإِنَّهُ فِي ادِّعَاء الْأَكْبَر خَاصَّة نفي لَهما.
اعْلَم أَن الْفراش ثَلَاثَة: قوي، وَضَعِيف، ومتوسط، وَهِي فرَاش الْمَنْكُوحَة، وَالْأمة أم الْوَلَد، وَفِي الأول يثبت النّسَب بِغَيْر الدعْوَة، وَلَا يَنْفِي بنفيه إِلَّا بالملاعنة، وَفِي الثَّانِي لَا يثبت
(1/84)

بدون الدعوى، وفي الثالث يثبت بدونها، لكن ينفى بنفيه، فيرد حينئذ أن الأمة فيما نحن فيه قد صارت أم ولد بادعاء الأكبر، فأشار الجواب بقوله (ولا يلزم ثبوته) أي نسب غير الأكبر منه لما ذكرنا (لمقارنة النفي) أي نفي نسب غيره المفهوم من السكوت مع اقتضاء المقام عند السكوت لوجوب البيان عليه، خصوصا بعد بيان نسب الأكبر (الاعتراف بالأمومة) أي اعتراف المولى بكون الأمة أم ولد، وإنما قيد بثلاثة بطون، لأنها لو ولدتهم في بطن واحد بأن كان ما بين كل اثنين منهم ما دون ستة أشهر لكان اعترافه بأحدهم اعترافا بالباقي ضرورة.
(الثالث) من الأقسام الأربعة (اعتباره) أي اعتبار بيان الضرورة (لدفع التغرير) أي لضرورة دفع وقوع الناس في الغرور (كدلالة سكوته) أي المولى (عند رؤية عبده يبيع) له أو لغيره بإذنه بيعا صحيحا أو فاسدا، ويشتري ما لم تتعلق به الحاجة المعتادة كالخبز واللحم (عن النهي) متعلق بسكوته: أي نهي العبد ذلك (على الإذن) في التجارة متعلق بالدلالة، لعلمه بأن الناس إذا رأوا عبده يبيع وسكت عنه يستدلون بذلك على الإذن، فلا يمتنعون عن معاملته، ويفضي ذلك إلى ضررهم عند لحوق الدين بتأخر أدائه إلى وقت العتق، فالسكوت مع علمه بذلك دليل الإذن والتزام ما يترتب على ذلك التصرف، فإن المؤمن لا يرضى بضرر الناس من جهته، قال صلى الله عليه وسلم "من غشنا فليس منا"، ثم هذا مذهب علمائنا الثلاثة، وقال زفر والشافعي رحمهما الله لا يكون حجة لاحتمال أن يكون سكوته لفرط الغيظ وقلة المبالاة بناء على أنه محجور شرعا، والمحتمل لا يكون حجة. قلنا ترجح جانب الرضا، لأن المعروف نهيه إذا لم يرض (وسكوت الشفيع) أي وكدلالة سكوت الشفيع عن طلب الشفعة بعد علمه بالبيع على إسقاطها لضرورة دفع الغرور عن المشتري بتصرفه في الدار بهدم وبناء وزيادة ونقص بظن أنه لا غرض للشفيع فيها، والطلب فيها ثلاثة: طلب مواثبة بأن يطلبها كما علم بالبيع سواء كان عنده أحد أو لا من غير توقف عند أكثر المشايخ، وإلى آخر مجلس علمه عند غيرهم، وطلب تقرير بالإشهاد على البائع إن كانت في يده، أو على المشتري، أو عند العقار، وإظهار أنه طلبها قبل ذلك ويطلبها الآن، وقوله اشهدوا على ذلك، ومدته مقدرة بتمكنه منه، وطلب خصومة، وتملك بالمرافعة إلى القاضي وطلب القضاء، واتفقوا على أنه لا يبطل بمجرد السكوت، وقيل يبطل بالتأخير شهرا بلا عذر، وعند أبي حنيفة رحمه الله لا يبطل أبدا وعليه الفتوى، فالمراد ههنا سكوته عن الأولين.
(الرابع) بيان الضرورة التي هي دلالة السكوت (الثابت ضرورة الطول) مفعول له للثبوت، لأن علة تحقق السكوت عن ذكر ما يدل عليه إنما هو ضروريته للاحتراز عن طول
(1/85)

الكلام، فالفعل المعلل هو الثبوت وفاعله السكوت، والضرورة فعل قائم به فوجد شرط نصب المفعول له، وهو كونه فعلا لفاعل الفعل المعلل (فيما تعورف) ظرف للثبوت يعني لا يثبت في كل مقام سكت فيه عن ذكر شيء مخافة الطول، بل فيما تعورف في عرف اللغة السكوت عند ضرورة الطول كالسكوت عن مميز عدد عطف عليه عدد مفسر كمائة وثلاثة أثواب، أو عطف عليه ما يدل على جنس يصلح تفسيرا للمعطوف عليه (كمائة ودرهم أو ودينار أو وقفيز) من بر مثلا: أي مائة درهم ودرهم، ومائة دينار ودينار، ومائة قفيز من بر وقفيز منه، فالسكوت عن مميز هذه عرفا يدل على أنه من جنس ما عطف عليها (بخلاف) مائة (وعبد) أو مائة (وثوب) فإنه تعورف السكوت عن مميز عدد عطف عليه الدرهم والدينار، وما كان مقدارا كالمكيل والموزون، وما تعورف في الأخيرين، وعلله التفتازاني بعد مشابهة العبد والثوب العدد الذي تعورف فيه خصوصا بعد قوله: له علي، فإن موجبه الثبوت في الذمة، ومثلهما لا يثبت في الذمة إلا في السلم للضرورة، ثم إن الشافعي رحمه الله يوافقنا في أن البيان قد يكون بالسكوت لضرورة الطول، ويخالفنا في بناء هذه المسائل عليه، لأن العطف مبناه على التغاير، ومبنى التفسير على الاتحاد، على أنه لو كان بيانا في مائة ودرهم لكان بيانا في مائة وعبد، وهو منتف بالاتفاق، وقد عرفت الفرق آنفا.
(واللفظية) أي الدلالة اللفظية أيضا أربعة أقسام (عبارة وإشارة ودلالة واقتضاء) وجه الضبط إما ثابتة بنفس اللفظ أو لا، والأولى إما مقصودة وهي العبارة أو لا، وهي الإشارة، والثانية إن فهم مدلولها لغة فهي الدلالة، وإلا فإن توقف عليه صدق اللفظ أو صحته فهو الاقتضاء، وإلا فهي من التمسكات الباطلة (وباعتباره) أي هذا التقسيم (ينقسم اللفظ إلى دال بالعبارة إلى آخره) أي ودال بالإشارة، ودال بالدلالة، ودال بالاقتضاء (فعبارة النص: أي اللفظ) فسر لئلا يتوهم أن المراد ما يقابل الظاهر كما سيشير إليه، ومعنى اللفظ المفهوم به المعنى حقيقة أو مجازا، والعبارة لغة تفسير الرؤيا، مأخوذ من العبر، جانب النهر، يقال عبرت النهر: أي قطعته إلى الجانب الآخر، كأن عابر الرؤيا بالحركة الفكرية يعبر من جانب إلى جانب، وسمي هذا النوع به لأنه يعبر ما في الضمير الذي هو مستور (دلالته) أي اللفظ (على المعنى) حال كونه (مقصودا أصليا) من ذكره (ولو) كان ذلك المعنى (لازما) لما وضع له، ولو بالمعنى الأعم (وهو) أي كون المعنى مقصودا أصليا من ذكر لفظه هو (المعتبر عندهم) أي الحنفية (في النص) المقابل للظاهر (أو) دلالته على المعنى حال كونه مقصودا (غير أصلي) من ذكره (وهو) كون المعنى مقصودا غير أصلي هو (المعتبر) عندهم (في الظاهر كما سيذكر)
(1/86)

كل مِنْهُمَا فِي التَّقْسِيم الثَّانِي (ففهم إِبَاحَة النِّكَاح وَالْقصر على الْعدَد) أَي الْأَرْبَع عِنْد اجتماعهن فِي حق الْحر (من آيَة - {فانكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء مثنى وَثَلَاث وَربَاع} - (من الْعبارَة) لِأَنَّهُمَا مقصودان من اللَّفْظ، وَإِن كَانَ الأول غير أُصَلِّي كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وَإِن كَانَت) أَي الْآيَة (ظَاهرا فِي الأول) أَي إِبَاحَة النِّكَاح، لِأَن الْمَقْصُود بالإفادة بالْكلَام أَصَالَة إِنَّمَا هُوَ بَيَان الْعدَد، والسياق لَهُ لَا لنَفس الْحل، لِأَنَّهُ عرف من غَيرهَا قبل نُزُولهَا، وَفِي الْعبارَة مُسَامَحَة، لِأَن الْفَهم الْمَذْكُور من مَدْلُول الْعبارَة، لَا مِنْهَا، وَيجوز أَن يكون من للابتداء لَا للتَّبْعِيض (وَكَذَا حُرْمَة الرِّبَا وَحل البيع والتفرقة) بَين البيع والربا بِالْحلِّ وَالْحُرْمَة من آيَة، {وَأحل الله البيع وَحرم الرِّبَا} من عبارَة النَّص، وَإِن كَانَت ظَاهرا فِي الْأَوَّلين نصا فِي التَّفْرِقَة، لِأَن سياقها لإنكار تَسْوِيَة الْكفَّار بَينهمَا وَبَيَان الْفرق وَإِبْطَال قياسهم الْمَفْهُوم من قَوْلهم: إِنَّمَا البيع مثل الرِّبَا (والتفرقة لَازم مُتَأَخّر) لمسمى اللَّفْظ فَيصح جعله من الْعبارَة، وَبِخِلَاف الْمُتَقَدّم فَإِنَّهُ من الِاقْتِضَاء، وَذَلِكَ لِأَن الْمُتَأَخر كالمعلول، والمتقدم كالعلة، وَدلَالَة الْعلَّة على الْمَعْلُول مطردَة بِخِلَاف الْعَكْس كَمَا بَين فِي مَوْضِعه (وَلذَا) أَي وَلِأَن الْمَعْنى العباري يكون لَازم مَا وضع لَهُ (لم يُقيد بالوضعي) أَرَادَ بالوضعي هَهُنَا بِقَرِينَة الْمقَام مَا هُوَ عين الْمَوْضُوع لَهُ أَو جزؤه كَمَا هُوَ الْمُتَبَادر مِنْهُ، وَإِن كَانَ مَا سبق فِي تَعْرِيف الوضعية يعم اللَّازِم أَيْضا (و) قد (يُقَال) فِي تَعْرِيفهَا كَمَا قَالَ فَخر الْإِسْلَام وَمن تبعه (مَا سيق لَهُ الْكَلَام) قَالَ صَاحب الْكَشَّاف وَغَيره (وَالْمرَاد) مَا سيق لَهُ (سوقا أَصْلِيًّا أَو غير أُصَلِّي وَهُوَ) أَي غير الْأَصْلِيّ (مُجَرّد قصد الْمُتَكَلّم بِهِ) أَي بِاللَّفْظِ (لإِفَادَة مَعْنَاهُ) ليتوسل بِهِ إِلَى أَدَاء مَا هُوَ الْمَقْصُود بِالذَّاتِ من السِّيَاق (وَلذَا) أَي لكَون المُرَاد السُّوق الْأَعَمّ (عممنا الدّلَالَة للعبارة فِي الْآيَتَيْنِ) فِيهِ تَعْرِيض لصدر الشَّرِيعَة حَيْثُ جعل الدّلَالَة على التَّفْرِقَة بَين البيع والربا عبارَة لكَونهَا مَقْصُودَة بِالسوقِ، وعَلى الْحل وَالْحُرْمَة إِشَارَة لعدم كَونهمَا مقصودين، وَلَا يخفى عَلَيْك أَن تَسْمِيَة مَا دلّ عَلَيْهِ اللَّفْظ صَرِيحًا بِالْإِشَارَةِ لَا يَخْلُو عَن بعد (ودلالته) أَي اللَّفْظ (على مَا لم يقْصد بِهِ أصلا) لَا أَصَالَة وَلَا تبعا (إِشَارَة) كانتقال الْملك وَوُجُوب التَّسْلِيم فِي البيع وَحُرْمَة الِانْتِفَاع وَوُجُوب رد الزَّائِد فِي الرِّبَا (وَقد يتَأَمَّل) أَي الْمَعْنى الإشاري أَصله يتَأَمَّل فِيهِ حذف الْجَار، وأوصل الضَّمِير إِلَى الْفِعْل مستترا وَالْمعْنَى قد يَقع التَّأَمُّل فِي اسْتِخْرَاج الْمَعْنى الإشاري من اللَّفْظ، قَالَ صَاحب الْكَشَّاف: فَكَمَا أَن إِدْرَاك مَا لَيْسَ بمقصود بِالنَّصِّ مَعَ الْمَقْصُود بِهِ من قُوَّة الْأَبْصَار فهم مَا لَيْسَ بمقصود من الْكَلَام فِي ضمن الْمَقْصُود بِهِ من قُوَّة الذكاء، وَلِهَذَا يخْتَص بفهم الْإِشَارَة الْخَواص (كالاختصاص) أَي اخْتِصَاص الْوَلَد (بالوالد نسبا) أَي من حَيْثُ
(1/87)

نسبه، فَإِنَّهُ مَفْهُوم إِشَارَة (من آيَة: {وعَلى الْمَوْلُود لَهُ رزقهن وكسوتهن بِالْمَعْرُوفِ} (دون الْأُم) لِأَن اللَّام للاختصاص، فَيجب كَون الْوَالِد أخص بِالْوَلَدِ من سواهُ فِي الْولادَة الَّذِي هُوَ الانتساب، وَهُوَ غير مَقْصُود مِنْهَا، وَإِنَّمَا الْمَقْصُود من سوقها إِيجَاب النَّفَقَة وَالْكِسْوَة على الْوَلَد فَإِن قلت قد سبق أَن السُّوق الْأَصْلِيّ وَغَيره، والاختصاص لكَونه معنى اللَّام مسوق لَهُ تبعا قلت معنى اللَّام الِاخْتِصَاص مُطلقًا، لَا من حَيْثُ النّسَب فَتَأمل، وَهَذَا مِثَال لما يتَأَمَّل فِيهِ لغموضه، وَلذَا خَفِي على كثير من الأذكياء (فَيثبت أَحْكَام) متفرعة على الِاخْتِصَاص الْمَذْكُور (من انْفِرَاده) أَي الْأَب (بِنَفَقَتِهِ) أَي الْوَلَد كَالْعَبْدِ لما كَانَ مُخْتَصًّا بالمولى لَا يُشَارِكهُ أحد فِي نَفَقَته، لِأَن غرمه على من لَهُ غنمه، فَأصل النَّفَقَة وُجُوبه بِعِبَارَة النَّص، والانفراد بإشارته (والإمامة والكفاءة وعدمهما) أَي الْإِمَامَة والكفاءة، يَعْنِي من تِلْكَ الْأَحْكَام أَهْلِيَّة الْوَلَد للْإِمَامَة الْكُبْرَى وكفاءته للقرشية مثلا، إِذا كَانَ الْأَب أَهلا وكفؤا لَهما: أَي من حَيْثُ النّسَب فَلَا يرد الْوَلَد الَّذِي لَا يستجمع شرائطها لم يَتَعَدَّ إِلَيْهِ، وَكَذَا إِذا لم يكن الْأَب أَهلا وكفؤا لم يكن الْوَلَد أَهلا وكفؤا (مَا لم يُخرجهُ الدَّلِيل) اسْتثِْنَاء معنى: أَي يثبت جَمِيع الْأَحْكَام الَّتِي يقتضيها الِاخْتِصَاص الْمَذْكُور إِلَّا مَا أخرجه الدَّلِيل عَن أَن يثبت، فَلَا يثبت حُرِّيَّته ورقه بتبعية الْأَب لكَونه تَابعا للْأُم فيهمَا، لما ورد فيهمَا من الْأَثر (وَزَوَال ملك المُهَاجر) من دَار الْحَرْب إِلَى دَار الْإِسْلَام مَعْطُوف على الِاخْتِصَاص، فَهُوَ مِثَال آخر لما يتَأَمَّل فِيهِ (عَن المخلف) مُتَعَلق بالزوال: أَي عَمَّا خَلفه فِي دَار الْحَرْب باستيلاء الْكفَّار واحرازهم إِيَّاه (من لفظ الْفُقَرَاء)، فِي قَوْله تَعَالَى - {للْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين الَّذين أخرجُوا من دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ} - وَالْجَار مُتَعَلق بِمَحْذُوف هُوَ صفة الزَّوَال: أَي الْمَفْهُوم إِشَارَة مِنْهُ، وَالْكَلَام إِنَّمَا سيق لبَيَان اسْتِحْقَاق الْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة سَهْما من الْغَنِيمَة، وَلم يقْصد بِهِ زَوَال ملكهم عَنهُ أصلا، لكنه يفهم بِإِشَارَة لفظ الْفُقَرَاء، فَإِن الْفَقِير لُغَة من لَهُ مَا يَكْفِي عِيَاله، أَو من يجد الْقُوت، والمسكين من لَا شَيْء لَهُ، وَقيل المعتر الْمُحْتَاج، والمسكين من أذله الْفقر وَغَيره، وَقيل هُوَ أخس حَالا من الْفَقِير، وَقيل هما سَوَاء، وَشرعا من لم يملك النّصاب، وكل وَاحِد من الْمعَانِي الْمَذْكُورَة يلْزمه زَوَال الْملك، لِأَنَّهُ لَو لم يزل لصدق عَلَيْهِم الْأَغْنِيَاء لَا الْفُقَرَاء، لِأَن الْغَنِيّ يتَحَقَّق بِملك المَال وَإِن بَعدت يَده عَنهُ، وَكَذَا ذكر ابْن السَّبِيل مُقَابلا للْفُقَرَاء فِي النُّصُوص، وَاتفقَ على عدم دُخُوله فيهم عَامَّة الْعلمَاء فَإِن قيل هُوَ اسْتِعَارَة شبهوا بالفقراء لاحتياجهم، وَانْقِطَاع أطماعهم عَن أَمْوَالهم بِقَرِينَة إِن الله لم يَجْعَل للْكَافِرِينَ على الْمُؤمنِينَ سَبِيلا، وَالْمرَاد السَّبِيل الشَّرْعِيّ لَا الْحسي، وبقرينة إِضَافَة الديار وَالْأَمْوَال إِلَيْهِم أُجِيب بِأَن الأَصْل الْحَقِيقَة، وَنفي السَّبِيل بِاعْتِبَار أَنهم لَا يملكُونَ أنفس الْمُؤمنِينَ
(1/88)

بالاستيلاء، وإضافة الديار والأموال إليهم مجازيا باعتبار ما كان، لأن في حملها على الحقيقة، وحمل الفقراء على المجاز مصيرا إلى الخلف، قبل تعذر الأصل، على أن المعتبر في الحقيقة حالة اعتبار الحكم من الثبوت، لا حالة التكلم والإثبات، فإضافة الديار والأموال إليهم حقيقة، لأنها كانت ملكا لهم حالة الإخراج (والوجه أنه) أي الزوال المذكور دلالة الآية عليه (اقتضاء) لا إشارة (لأن صحة إطلاق الفقر) أي الفقير على المهاجرين المخلفين أموالهم (بعد ثبوت ملك) تلك (الأموال) لهم (متوقفة على الزوال) أي زوال ملكهم عنها، والإشارة دلالة على ما لم يقصد باللفظ، ولم يتوقف عليه صحة المنطوق، وإنما اعتبر هذا القيد فيها لكونها مقابلة للاقتضاء المعتبر فيه ذلك (ودلالة لفظ الثمن في الحديث على انعقاد بيع الكلب)، وهو قوله صلى الله عليه وسلم "إن مهر البغي، وثمن الكلب، وكسب الحجام، وحلوان الكاهن من السحت" رواه ابن ماجه في صحيحه، وفي رواية لمسلم "خبيث" وحلوان الكاهن أجرته، كان مقتضى العطف على الاختصاص أن يقول وانعقاد بيع الكلب من لفظ الثمن في الحديث، لكنه لما كان الكلام في بيان الدلالات، وكان اللائق بذلك التمثيل بالدلالة، أراد أن يشير إلى أن لفظ الدلالة فيما سبق مقدرة: أي كدلالة الاختصاص، وزوال ملك المهاجرين الحاصلة من كذا وكذا من قبيل إضافة المصدر إلى المفعول فيما سبق، وإلى الفاعل ههنا، ووجه الدلالة أن لفظ الثمن موضوع لغة وشرعا لما يلزمه البيع تعقلا وتحققا، وهو مال يقصد به بدله عند مبادلة المال بالمال، وهي معنى البيع. فإن قلت المنع عن أخذ ثمن الكلب لا يدل على صحة بيعه. قلت: المنع عن الشيء فرع إمكانه، ولا يمكن أن يكون له ثمن من غير انعقاد بيعه، وذلك لأن الممتنع لا يحتاج إلى المنع، لا يقال يجوز أن يكون إطلاقه مجازيا، لأن الأصل هو الحقيقة، ولا شك أن الانعقاد المذكور غير مقصود من اللفظ، بل هو مدلول التزامي، فيكون دلالته إشارة (و) دلالة (آية أحل لكم ليلة الصيام) الرفث إلى نسائكم (على) جواز (الإصباح جنبا) لأنها دلت على جواز الجماع إلى آخر جزء من الليل، وجواز الملزوم يستلزم جواز اللازم (وظهر) من المعاني المذكورة في الأمثلة المدلولة إشارة (أنها) أي الإشارة الدلالة (الالتزامية وإن خفي) اللزوم واحتيج إلى تأمل، وفي بعض النسخ أنها الالتزامية للعبارة، فإن صح فالمعنى للدال عبارة، والمراد بالعبارة المعنى المشهور (فإن لم يرد سواه) أي سوى اللازم المفهوم من الالتزامية باللفظ الدال عليه التزاما (فكان) اللفظ الذي أريد به (مجازا) لاستعماله في غير ما وضع له، والفاء للعطف على الشرطية، أو لمجرد السببية، والجزاء قوله (لزم) حينئذ كون دلالة اللفظ عليه (عبارة) ويجوز أن يكون المفعول لزم بتضمين معنى الصيرورة كقولهم يتم التسعة بهذا
(1/89)

عشرة (لأنه) أي اللازم المذكور، وهو (المقصود بالسوق) حينئذ سواء كان سوقا أصليا أو غير أصلي (وكذا في الجزء) يعني إذا لم يرد باللفظ سوى جزء ما وضع له، فكان مجازا فيه لزم أن يكون دلالة اللفظ عليه عبارة، فالمعنى الإشاري قد يكون جزء الموضوع له، وقد يكون لازمه المتأخر كانعقاد البيع المذكور، وقيد المتأخر احتراز عن اللازم المتقدم، فإن الدلالة عليه اقتضاء كما سيجيء (وإن دل) اللفظ (على) ثبوت (حكم منطوق) بالإضافة: أي حكم ما نطق به باستعمال اللفظ فيه (لمسكوت) متعلق بالثبوت، وهو ما لم ينطق به، ويقصد باللفظ (لفهم مناطه) تعليل للدلالة، يعني إنما يدل على ثبوته للمسكوت، لأنه يفهم السامع منه علة ذلك الحكم، وهي موجودة في المسكوت، ثم أفاد ذلك الفهم (بمجرد فهم اللغة) أي الفهم الحاصل من العلم بوضع اللفظ لغة من غير حاجة إلى اجتهاد وقياس، فخرج ما دل على ثبوته لفهم مناطه بطريق القياس، ثم إن جمهور مشايخنا رحمهم الله على أن الدلالة ليست من القياس، ومنهم من قال إنها نوع منه، وهو نص الشافعي رحمة الله عليه في رسالته، واختيار إمام الحرمين، والرازي، وسموها قياسا جليا. قال المحقق التفتازاني ما حاصله إن الثابت بها فوق الثابت بالقياس، لأن المناط هنا يدركه كل من يعرف اللغة، فكأنه ثابت بنفس النظم ويستدل على مغايرتهما بأن الأصل في القياس لا يكون جزءا من الفرع إجماعا، وهنا قد يكون، فإن قوله لا تعطه ذرة يدل على منع ما فوقها، والذرة جزء منه، وبأنها ثابتة قبل شرع القياس، فإن كل أحد يفهم من لا تقل له أف ألا تضربه ولا تشتمه سواء علم شرعية القياس أو لا، وبأن النافين للقياس قائلون به، والنزاع لفظي يرجع إلى الخلاف في تعين مسمى القياس (فدلالة) جزاء الشرط: أي فدلالة للفظ على ما ذكر تسمى دلالة، وإنما غير الأسلوب، ولم يقل ودلالته على حكم إلى آخره دلالة، لأنه لا يخلو عن اللغو صورة (كان) أي سواء كان السكوت (أولى) بحكم المنطوق منه باعتبار تحقق المناط فيه على الوجه الأتم (أو لا) يكون أولى بأن يكونا متساووين (كدلالة) قوله تعالى ({لا تقل لهما أف} على تحريم الضرب) فحكم المنطوق التحريم المستفاد من النهي الثابت للمنطوق الذي هو التأفيف، وكل من يعرف اللغة يعرف أن النهي عنه لعلة الأذى، فيفهم منه حرمة الضرب والشتم والمسكوت ههنا، وهو الضرب والشتم أولى بالحرمة لوجود العلة فيه أتم، وأف: صوت يدل على تضجر المتكلم، أو اسم الفعل الذي هو أتضجر، وأتبرم (وأما) دلالة اللفظ (على مجرد لازم المعنى) من غير اعتبار ما ذكر من كونه حكم منطوق لمسكوت إلى آخره (كدلالة الضرب على الإيلام) كما ذكره فخر الإسلام ومن تبعه، فإن الضرب إذا ذكر في
(1/90)

مقَام التَّأْدِيب والتعذيب يدل على الإيلام، فَمن حلف لَا يضْرب كَانَ حَالفا أَن لَا يؤلم، فَيحنث بالخنق، أَو العض، وَمَا فِيهِ إيلام كالضرب (فَغير مَشْهُور) كَونهَا من دلَالَة النَّص (و) إِن دلّ اللَّفْظ (على مسكوت يتَوَقَّف صدقه) أَي الْمَنْطُوق (عَلَيْهِ) أَي على ذَلِك الْمَنْطُوق، واعتباره فِي الْكَلَام (كرفع الْخَطَأ) فِي الحَدِيث المتداول بَين الْفُقَهَاء " رفع عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان "، وَلَا يضر عدم العثور بروايته بِهَذَا اللَّفْظ، فَإِنَّهُ روى بِمَعْنَاهُ عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا " رفع الله عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ ". وَقيل رِجَاله ثِقَات، وَيجوز أَن يقْرَأ بِلَفْظ الْمصدر الْمُضَاف مشارا بِهِ إِلَى الرِّوَايَة الصَّحِيحَة، هَذَا وَلَا شكّ أَن ذَات الْخَطَأ غير مَرْفُوع لِكَثْرَة وُقُوعه، فَلَو لم يرد حكم الْخَطَأ أَو إثمه لم يكن الْكَلَام صَادِقا لعدم رفع ذَاته (أَو صِحَّته) مَعْطُوف على صدقه: أَي يتَوَقَّف صِحَة الْمَنْطُوق على اعْتِبَار ذَلِك الْمَسْكُوت كَمَا فِي: أعتق عَبدك عني بِأَلف فَإِنَّهُ لَو لم يكن المعني بِعْ عَبدك مني بِأَلف، وَكن وَكيلِي فِي إِعْتَاقه لم يَصح هَذَا الْكَلَام وَلم يستقم (على مَا سنذكر) تَفْصِيله فِي مسئلة الْمُقْتَضى (اقْتِضَاء) أَي لدلَالَة على الْمَسْكُوت المتوقف عَلَيْهِ صدق الْمَنْطُوق، أَو صِحَّته اقْتِضَاء، وَوجه التَّسْمِيَة ظَاهر فَإِن قلت كل وَاحِد كَمَا دلّ عَلَيْهِ لفظ دلَالَة أَو اقْتِضَاء، إِمَّا مَقْصُود مِنْهُ أَولا، فعلى الأول ينْدَرج تَحت الْعبارَة، وعَلى الثَّانِي تَحت الْإِشَارَة، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يلْزم كَون قسم الشَّيْء قسيما لَهُ قلت لَيْسَ شَيْء مِنْهُمَا مَقْصُودا مِنْهُ، وَلَا ينْدَرج تَحت الْإِشَارَة، لِأَن المُرَاد مِنْهَا مَا لم يكن بطرِيق الدّلَالَة والاقتضاء لقَرِينَة التقابل (والشافعة قسموها) أَي الدّلَالَة الوضعية اللفظية (إِلَى مَنْطُوق دلَالَة اللَّفْظ) عطف بَيَان لمنطوق إِن جر على مَا جوزه الزَّمَخْشَرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى - {مقَام إِبْرَاهِيم} - إِنَّه عطف بَيَان لآيَات، أَو بدل مِنْهُ، وَخبر مَحْذُوف إِن رفع، ومفعول أَعنِي إِن نصب (فِي مَحل النُّطْق) ظرف للدلالة بِاعْتِبَار الْمَدْلُول، فاللفظ إِذا دلّ على حَال مَنْطُوق يُقَال دلَالَته فِي مَحل النُّطْق، وَإِذا دلّ على حَال مسكوت يُقَال دلَالَته لَيست فِي مَحل النُّطْق، لِأَن بَيَان حَال الْمَنْطُوق حقيق بِأَن يَقع النُّطْق فِيهِ وَمحل لَهُ، وَبَيَان حَال غَيره حقيق بِأَن يسكت عَنهُ (على) ثُبُوت (حكم الْمَذْكُور وَإِن) كَانَ ذَلِك الحكم (غير مَذْكُور كفى السَّائِمَة) أَي كدلالة قَوْله فِي السَّائِمَة (مَعَ قرينَة الحكم) وَهِي وُقُوعه فِي جَوَاب من قَالَ فِي الْغنم المعلوفة الزَّكَاة أم فِي السَّائِمَة على حكم غير مَذْكُور، وَهِي وجوب الزَّكَاة فِي مَحل النُّطْق لكَونه بَيَان حَال الْمَنْطُوق، وَهُوَ السَّائِمَة، وَإِضَافَة الْقَرِينَة إِلَى الحكم من قبيل إِضَافَة الدَّال إِلَى الْمَدْلُول.
(وَمَفْهُوم) مَعْطُوف على مَنْطُوق (دلَالَته) وَالْكَلَام فِيهِ كَمَا مر (لَا فِيهِ) أَي لَا فِي مَحل النُّطْق (على) ثُبُوت (حكم مَذْكُور لمسكوت) لم يذكر فِي الْكَلَام (أَو نَفْيه) أَي الحكم الْمَذْكُور (عَنهُ) أَي عَن
(1/91)

الْمَسْكُوت سَوَاء كَانَ الحكم الْمَذْكُور إِيجَابا أَو سلبا (وَقد يظْهر) من كَلَام الْقَوْم (أَنَّهُمَا) أَي الْمَنْطُوق وَالْمَفْهُوم (قِسْمَانِ للمدلول): قَالَه الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ: جَعلهمَا من أَقسَام الدّلَالَة محوج إِلَى تكلّف عَظِيم فِي تَصْحِيح عِبَارَات الْقَوْم، نقل عَن المُصَنّف أَن كلمة قد هَهُنَا للتكثير، وَهِي قد تسْتَعْمل لذَلِك كَمَا قَالَه سِيبَوَيْهٍ وَغَيره (فالدلالة حِينَئِذٍ دلَالَة الْمَنْطُوق، وَدلَالَة الْمَفْهُوم لأنفسهما) يَعْنِي حِين جعل الْمَنْطُوق وَالْمَفْهُوم قسمي الْمَدْلُول، يُقَال فِي التَّقْسِيم إِلَيْهِمَا الدّلَالَة الوضعية: أما دلَالَة الْمَنْطُوق بِأَن كَانَ مدلولها، وَأما دلَالَة الْمَفْهُوم كَذَلِك (والمنطوق) قِسْمَانِ (صَرِيح) هُوَ (دلَالَته) أَي اللَّفْظ الناشئة (عَن) مُجَرّد (الْوَضع وَلَو) كَانَت تِلْكَ الدّلَالَة (تضمنا) فانحصر الصَّرِيح فِي الْمُطَابقَة والتضمن، وَخرجت الالتزامية، لِأَنَّهَا لَيست عَن مُجَرّد الْوَضع، بل لَا بُد فِيهَا من علاقَة اللُّزُوم أَيْضا (وَغَيره) أَي غير الصَّرِيح وَهُوَ دلَالَته (على مَا يلْزم) أَي مَا وضع لَهُ (وينقسم) غير الصَّرِيح (إِلَى) الدّلَالَة على لَازم (مَقْصُود من اللَّفْظ) يتَعَلَّق قصد الْمُتَكَلّم بِهِ وَإِرَادَة إِفَادَة اللَّفْظ (فتنحصر) الدّلَالَة على اللَّازِم الْمَقْصُود بالاستقراء (فِي الِاقْتِضَاء كَمَا ذكرنَا آنِفا) أَي من سَاعَة، وَفِي أول وَقت يقرب بِنَا، يَعْنِي قَوْله وعَلى مسكوت يتَوَقَّف صدقه عَلَيْهِ كرفع الْخَطَأ أَو صِحَّته (والإيماء) وَهُوَ دلَالَته على لَازم مَقْصُود بِسَبَب (قرانه) أَي اللَّفْظ (بِمَا) أَي بِشَيْء (لَو لم يكن هُوَ) أَي ذَلِك الشَّيْء (عِلّة لَهُ) أَي لمدلوله (كَانَ) ذَلِك الْقرَان (بَعيدا) عَمَّا هُوَ الْمُتَعَارف فِي المحاورات، لكَون الْمُتَعَارف فِي المحاورات إِرَادَة علية مَا قرن بِهِ لَهُ (وَيُسمى) هَذَا الْقسم الْمُسَمّى بِالْإِيمَاءِ (تَنْبِيها) أَيْضا لِأَنَّهُ كَمَا فِيهِ إِيمَاء إِلَى علية ذَلِك الشَّيْء بِسَبَب ذَلِك الْقرَان كَذَلِك فِيهِ تَنْبِيه عَلَيْهَا أَيْضا (كقران) قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أعتق) رَقَبَة (بواقعت) أَي بقول الْأَعرَابِي " واقعت فِي نَهَار رَمَضَان يَا رَسُول الله " كَذَا ذكر الحَدِيث فِي كتب الْأُصُول، وَالْمَذْكُور فِي الصِّحَاح السِّتَّة عَن أبي هُرَيْرَة " أَتَى رجل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: هَلَكت، قَالَ مَا شَأْنك؟ قَالَ: وَقعت على امْرَأَتي فِي رَمَضَان، قَالَ: فَهَل تَجِد رَقَبَة تعتقها؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَل تَسْتَطِيع أَن تَصُوم شَهْرَيْن مُتَتَابعين؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَل تَسْتَطِيع أَن تطعم سِتِّينَ مِسْكينا؟ قَالَ: لَا، قَالَ اجْلِسْ، فَأتى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعرق فِيهِ تمر، فَقَالَ: تصدق بِهِ، قَالَ: عَليّ أفقر مني يَا رَسُول الله؟ فوَاللَّه مَا بَين لابتيها يُرِيد الحرتين أهل بَيت أفقر من أهل بَيْتِي، فَضَحِك عَلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى بَدَت ثناياه، وَفِي لفظ أنيابه، وَفِي لفظ نَوَاجِذه، ثمَّ قَالَ خُذْهُ فأطعمه أهلك " ذكره المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة، فقران قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْجَواب وَقعت إِلَى آخِره يُفِيد علية الوقاع للاعتاق، فَإِن غَرَض السَّائِل بَيَان مُوجب فعله (وَغير مَقْصُود) عطف على مَقْصُود، فَهُوَ الْقسم الثَّانِي
(1/92)

من غير الصريح (وهو الإشارة، ويقال له) أيضا (دلالة الإشارة، وكذا ما قبله) يعني يقال له دلالة اقتضاء، ودلالة الإيماء (كدلالة مجموع) قوله تعالى (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا)، وقوله تعالى (وفصاله في عامين) على (أن أقل) مدة (الحمل ستة أشهر) لأن المراد أن مدة الحمل والفصال الذي هو الرضاع التام المنتهي إلى الفطام من تسمية الشيء باسم غايته ثلاثون شهرا، وقد حط عنه الفصال حولان لقوله -وفصاله في عامين-، فلم يبق الحمل إلا ستة أشهر.
والمقصود من الآية بيان ما تكابده الأم في تربية الولد مبالغة في التوصية بها، فما ذكر يفهم بطريق الإشارة. لا يقال لم لا يجوز أن يراد أن كل واحد من الحمل والفصال أكثر مدته ثلاثون. لأنه ينفيه قوله تعالى -والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة-، وعليه ما قيل في الآية دليل على أن مدة أكثر الرضاع سنتان كما هو قول الإمامين والأئمة الثلاثة. وقال الإمام: إن الثلاثين توقيت لكل على حدة إلا أنه وجد المنقص في مدة الحمل، وهو قول عائشة رضي الله عنها: "ما تزيد المرأة في الحمل على سنتين قدر ما يتحول عمود المغزل"، وبقي مدة الفصال على ظاهرها، فلا يكون في الآية على هذا دليل على أن أقل الحمل ستة أشهر لعدم التبعيض حينئذ، وفيه أنه يلزم حينئذ إبطال ما يدل عليه الكتاب بخبر الواحد فتدبر (و) دلالة (آية) أحل لكم (ليلة الصيام الرفث، على جواز الإصباح جنبا) وقد مر بيانه (وليس شيء منهما) أي حق كون أقل الحمل ستة، وجواز الإصباح جنبان (مقصودا باللفظ بل لزم) كل منهما (منه) أي من اللفظ كما بينا (وكدلالة) ما يعزى إليه صلى الله عليه وسلم في صفة النساء من أنه قال (تمكث) إحداهن (شطر عمرها لا تصلي) البيهقي أنه لم يجده وقال ابن الجوزي: لا يعرف، وعن النووي أنه باطل (على أن أكثر الحيض خمسة عشر) يوما كما هو مذهب الشافعي رحمه الله، وكذا أقل الطهر، لأن المراد بالشطر النصف (وثم) مناط الاستدلال، وهو كون المراد بالشطر النصف (لكن القطع بعدم إرادة حقيقة النصف به) أي بالشطر ههنا (لأن أيام الإياس والحبل والصغر من العمر) ولا حيض فيها (ومعتادة خمسة عشر لا تكاد توجد ولا يثبت حكم العموم) وهو الحكم بانتفاء الصلاة في نصف عمر كل امرأة (بوجوده) أي الحكم المذكور (في فرد نادر) إن سلم تحققه (واستعمال الشطر في طائفة من الشيء) أي بعض منه سواء كان نصفا أو لا (شائع) في الكلام كما في قوله تعالى: فول وجهك شطر المسجد الحرام) في القاموس الشطر نصف الشيء وجزؤه، ومنه حديث الإسراء "فوضع شطرها" أي بعضها، والجهة انتهى، وتفسير ما في الآية بالبعض أنسب
(1/93)

بما ذهب إليه الشافعي في الاستقبال، وبالجهة أنسب بما ذهب إليه أصحابنا (ومكثت شطرا من الدهر فوجب كونه) أي المذكور، وهو طائفة من الشيء (المراد به) أي بالشطر (في المروي) لتعذر إرادة النصف مع شيوع إرادة البعض مطلقا، وقد استبان لك أن الصريح من المنطوق على اصطلاحهم يندرج في العبارة على اصطلاحنا، وغير الصريح منه إن كان مقصودا من اللفظ أحد قسميه، وهو الإيماء كذلك، والآخر هو الاقتضاء قسيم لها كما كان قسيما لها عندنا، وإذا لم يكن مقصودا منه فهو إشارة عندنا وعندهم (والمفهوم) ينقسم (إلى مفهوم موافقة) بالإضافة إلى المصدر لحصول فهم المدلول فيه بسبب موافقة المسكوت للمذكور في المناط، أو لموافقتهما في الحكم (وهو) أي مفهوم الموافقة (فحوى الخطاب) أي يسمى به، وفحوى الخطاب معناه، وذلك لأن مدلوله يفهم بمجرد الخطاب، مع أن اللفظ غير مستعمل فيه (ولحنه) أي ويسمى لحن الخطاب أيضا: أي معناه. قال الله تعالى -ولتعرفنهم في لحن القول-، واللحن قد يطلق على اللغة، وعلى الفطنة أيضا، والمناسبة في كل منهما ظاهرة (ما ذكرنا) من دلالة اللفظ على حكم منطوق لمسكوت يفهم مناطه بمجرد اللغة (من الدلالة) أي دلالة النص (إلا أن منهم) أي الشافعية (من شرط أولوية المسكوت بالحكم) من المذكور (ولا وجه له) أي لهذا الشرط (إذ بعد فرض فهم ثبوته) أي الحكم (للمسكوت كذلك) أي لفهم مناطه بمجرد اللغة (لا وجه لإهدار هذه الدلالة) غاية الأمر كون الاحتجاج بما فيه الشرط المذكور أقوى، عن الواسطي أن اشتراط الأولوية ظاهر المنقول عن الشافعي، وعليه يدل كلام أكثر أئمتنا، وطريقة الإمام الرازي وأتباعه أنه لا يشترط (وعبارتهم) أي الشارطين (تنبيه بالأدنى على الأعلى) مثل قوله تعالى -فلا تقل لهما أف- (وقلبه) أي بالأعلى على الأدنى (مثل) قوله تعالى -ومن أهل الكتاب من إن تأمنه (بقطنار) يؤده إليك- كعبد الله بن سلام: استودعه رجل من قريش ألفا ومائتي أوقية ذهبا فأداه إليه، فإنه يدل على أنه إذا ائتمن على دينار يؤديه بالطريق الأولى (وقد يكتفى بالأول) وهو تنبيه بالأدنى على الأعلى كما فعله ابن الحاجب (على أن يراد بالأدنى مناسبة للحكم) اللام للتقوية، لا صلة المناسبة، يعني كونه أدنى باعتبار مناسبته للحكم في حد ذاته لا باعتبار دلالته على كمال المحكوم عليه في الحكم بعد ما أثبت (فالقنطار) في حد ذاته (أقل مناسبة بالتأدية من الدينار) لغلبة الشح على النفس في المال الكثير، والمانع عن التأدية دون القليل فإنه مبذول عادة (والدينار أقل مناسبة بعدمها) أي التأدية (منه) أي القنطار، فإذا ثبت الحكم مع وجود ما لا يناسبه، وهو القنطار المناسب لعدم التأدية لزم ثبوته مع وجود
(1/94)

مَا يُنَاسِبه، وَهُوَ الدِّينَار الْمُنَاسب بالتأدية (ولاعتبار الْحَنَفِيَّة) الْمَسْكُوت (الْمسَاوِي) للمنطوق فِي الحكم ومناطه (أثبتوا الْكَفَّارَة) على الْأكل فِي رَمَضَان من غير مُبِيح شَرْعِي، وَلَا شُبْهَة مُلْحقَة بِهِ (بعمد الْأكل كالجماع) أَي كَمَا أثبتها النَّص الْمَذْكُور فِي الْكتب السِّتَّة فِي الْجِمَاع الْعمد والمناط المستوي فِيهِ الْأكل، وَالْجَامِع تَفْوِيت ركن الصَّوْم اعتداء، وَإِنَّمَا حكمنَا بِكَوْنِهِ مناطا (لتبادر أَنَّهَا): أَي الْكَفَّارَة (فِيهِ) أَي الْجِمَاع (لتفويت الرُّكْن اعتداء).
وَمن أَسبَاب الْعلم بالمناط تبادره من النَّص، كَيفَ وَالْجِمَاع من حَيْثُ ذَاته لم يكن محرما؟ وَمَا ثمَّ إِلَّا كَونه مفوتا لركن الصَّوْم عمدا، وَلَا شكّ فِي مساواتهما فِي معنى التفويت، والركن فِي اللُّغَة الْجَانِب الْقوي، وَفِي الشَّرْع جُزْء الشَّيْء إِذا كَانَ لَهُ جزآن فَصَاعِدا وَإِلَّا فنفسه، وَالْمُصَنّف رَحمَه الله صرح فِي شرح الْهِدَايَة فِي الصَّوْم بِأَن رُكْنه وَاحِد، وَهُوَ الْكَفّ عَن كل مِنْهَا: أَي الْأكل وَالشرب وَالْجِمَاع. وَقَالَ فتساوت كلهَا فِي أَنَّهَا مُتَعَلق الرُّكْن لَا يفضل وَاحِد على أَخَوَيْهِ بِشَيْء فِي ذَلِك انْتهى، وَالْمرَاد بالاعتداء: الْعدوان وَالظُّلم بتعمد الْإِفْسَاد، وَقد يُقَال لَا، ثمَّ أَن الْمُتَبَادر مُجَرّد تَفْوِيت الرُّكْن، بل تفويته على نَفسه وعَلى غَيره مَعَ زِيَادَة خصوصيات جماعية مُوجبَة لكَمَال الْفَضِيلَة فَتدبر (وَلما انقسم) مَفْهُوم الْمُوَافقَة (إِلَى قَطْعِيّ) هُوَ مَا يكون فِيهِ التَّعْلِيل بِالْمَعْنَى، وَكَونه أَشد مُنَاسبَة للفرع قطعيين على مَا ذكره القَاضِي عضد الدّين وَالظَّاهِر أَنه مَبْنِيّ على رَأْي شارط الْأَوْلَوِيَّة وَإِلَّا يَكْفِي قَطْعِيَّة التَّعْلِيل بِالْمَعْنَى ووجوده بالمسكوت (كَمَا سبق) من الْأَمْثِلَة الْمَذْكُورَة (وظني) وَهُوَ مَا فِيهِ أحد الْمَذْكُورين ظنيا (كَقَوْل الشَّافِعِي) رَحمَه الله (إِذا وَجَبت الْكَفَّارَة) وَهِي تَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة لمن قدر عَلَيْهِ، وَصِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين لمن لم يقدر (فِي) الفتل (الْخَطَأ). قَالَ النَّوَوِيّ رَحمَه الله الْعمد: قصد الْفِعْل والشخص بِمَا يقتل غَالِبا: جارح، أَو مثقل، فَإِن فقد قصد أَحدهمَا بِأَن وَقع عَلَيْهِ فَمَاتَ، أَو رمى شَجَرَة فَأَصَابَهُ فخطأ (وَغير الْغمُوس) أَي وَوَجَبَت الْكَفَّارَة، وَهِي إطْعَام عشرَة مَسَاكِين من أَوسط مَا يطعم الشَّخْص أَهله، أَو كسوتهم، أَو تَحْرِير رَقَبَة فِي حق المستطيع، وَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام إِذا يسْتَطع فِي الْيَمين المنعقدة، وَهِي الْحلف على أَمر فِي الْمُسْتَقْبل ليفعله أَو يتْركهُ بِالنَّصِّ على ذَلِك (ففيهما) أَي فوجوب الْكَفَّارَة فِي الْقَتْل الْعمد الْمَفْهُوم بِذكر مُقَابِله، والغموس وَهُوَ الْحلف على أَمر حَال، أَو مَاض يتَعَمَّد فِيهِ الْكَذِب (أولى) من وُجُوبهَا فِي الْأَوَّلين (لفهم الْمُتَعَلّق) تَعْلِيل لقَوْل الشَّافِعِي رَحمَه الله: أَي قَالَ ذَلِك، لِأَنَّهُ فهم من النصين الدالين على وجوب التَّعَلُّق فِي الْمَنْطُوق أَن الحكم فيهمَا مُتَعَلق (بالزجر) على ارتكابهما تعلق الْمَعْلُول بعلته، وَأَن الْعمد والغموس أَشد مُنَاسبَة بِهَذِهِ الْعلَّة، فَهُوَ أولى بالحكم، وَذَلِكَ لِأَن احتياجهما إِلَى الزّجر أَكثر،
(1/95)

وَهَذَا الْفَهم ظَنِّي لعدم مَا يُفِيد الْقطع بِهِ، وَمن ثمَّ لم يُوَافقهُ أَصْحَابنَا، بل ذَهَبُوا إِلَى أَن المناط فيهمَا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (لَا بتدارك مَا فرط) عطف على قَوْلهمَا بالزجر: أَي لَا التَّعَلُّق مثلا فِي مُسَافر قصر من التثبت فِي الرَّمْي، والتحفظ عَن هتك حُرْمَة اسْم الله تَعَالَى بترك الْيَمين، أَو بِعَدَمِ ارْتِكَاب مَا يُوجب الْحِنْث (بالثواب) الْحَاصِل بِالْكَفَّارَةِ، لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنهُ، وَإِنَّمَا الْكَلَام فِي أَن معنى الْعِبَادَة فِيهَا أغلب، أَو الْعقُوبَة، فعلى الأول يتَرَجَّح تعلقهَا بالتدارك، وعَلى الثَّانِي بالزجر، والأغلب فِيهَا عندنَا الأول، وَعِنْده الثَّانِي، وَلَا يخفى أَن مَا يتدارك بِهِ الأخف لَا يصلح لِأَن يتدارك بِهِ الأغلظ، والعمد من أكبر الْكَبَائِر، والغموس كَبِيرَة مَحْضَة مَعْدُودَة فِي الْخَبَر الصَّحِيح من الْكَبَائِر. وَقَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة عِنْد قَوْله وَلَا كَفَّارَة فِيهَا: أَي فِي الْغمُوس إِلَّا التَّوْبَة وَالِاسْتِغْفَار، وَهُوَ قَول أَكثر الْعلمَاء: مِنْهُم مَالك وَأحمد (جَازَ الِاخْتِلَاف فِيهَا) جَوَاب لما، يَعْنِي لما كَانَ قسم مِنْهَا ظنيا محلا للِاجْتِهَاد جَازَ الِاجْتِهَاد فِيهَا، وتفرع عَلَيْهِ جَوَاز الِاخْتِلَاف فِيهَا، وَلَو كَانَ كلهَا قَطْعِيا لما جَازَ ذَلِك (وَالْخَطَأ) عطف على الِاخْتِلَاف (كَمَا ذكرنَا) لِأَن جَوَاز الِاخْتِلَاف يسْتَلْزم جَوَاز الْخَطَأ لعدم إِمْكَان صوابية الْقَوْلَيْنِ الْمُخْتَلِفين، (وَلذَا) أَي لجَوَاز الِاخْتِلَاف فِي دلَالَة النَّص بِنَاء على الِاخْتِلَاف فِي فهم المناط (فرع أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وجوب الْحَد باللواطة على دلَالَة نَص وُجُوبه) أَي الْحَد (بِالزِّنَا بِنَاء) عِلّة للتفريع، أَو الدّلَالَة (على تعلقه) أَي تعلق وجوب حد الزِّنَا (بسفح المَاء) أَي إِرَاقَة الْمَنِيّ (فِي مَحل محرم مشتهي وَالْحُرْمَة قَوِيَّة) حَال من مفعول فرع: أَي فرع وجوب حد اللواطة عَلَيْهَا حَال كَون الْحُرْمَة الْمُقْتَضِيَة ذَلِك الْوُجُوب أقوى من الْحُرْمَة الْمُوجبَة حد الزِّنَا لكَونهَا مُؤَبّدَة لَا تنكشف بِحَال، بِخِلَاف الْأُخْرَى لانكشافها فِي بعض الْمحَال بِملك النِّكَاح أَو الْيَمين، وَبِه أَفَادَ أَوْلَوِيَّة الْمَسْكُوت بالحكم هَذَا، وَالْأَئِمَّة الثَّلَاثَة ذَهَبُوا إِلَى مَا ذَهَبا (وَالْإِمَام) أَبُو حنيفَة رَحمَه الله يمْنَع وجوب الْحَد باللواطة، فَإِنَّهُ (يَقُول السفح) بِالزِّنَا (أَشد ضَرَرا) من السفح باللواطة (إِذْ هُوَ) أَي السفح بِالزِّنَا (إهلاك نفس معنى) يُؤَيّدهُ أَنه قرن بَينه وَبَين الْقَتْل فِي قَوْله تَعَالَى - {وَلَا يقتلُون النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يزنون} -، قيل لِأَنَّهُ مفض إِلَى الْإِثْبَات ظَاهرا وَإِذا ثَبت وَلَيْسَ لَهُ مرب وَلَا قيم لعجزهن عَن الِاكْتِسَاب يهْلك الْوَلَد، وَالْأَوْجه أَن يُقَال الإهلاك الْمَعْنَوِيّ لهتك الْعرض بِعَدَمِ النّسَب، وَفِي الحَدِيث " عرض الْمُؤمن كدمه "، وَعدم الاتصاف بالكمالات العلمية والعملية، والاتصاف بالرذائل مِمَّا يُنَاسب مثبته السوء، فَإِن عجز النِّسَاء والهلاك لعدم من ينْفق لَا عِبْرَة بِهِ مَعَ قَوْله تَعَالَى - {وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض إِلَّا على الله رزقها} - على أَن الزَّانِيَة لَا تعجز (وَهُوَ) أَي القَوْل الْمُعَلل مَبْنِيّ (على اعْتِبَاره) أَي الإهلاك الْمَذْكُور
(1/96)

(المناط) ثاني مفعولي الاعتبار: أي قوله المذكور مبني على أنه جعل مناط وجوب حد الزنا السفح المفضي إلى الإهلاك (لا مجرده) معطوف على ضمير اعتباره: أي لا اعتبار مجرد سفح الماء في محل محرم مشتهى، لتكون اللواطة مشاركة في هذا المعنى، ولا يخفى عليك أن قوله على اعتباره المناط ظاهره يدل على أنه المناط استقلالا، وقوله لا مجرده يدل على أنه جزء منه والتوجيه ظاهر (والشهوة) المأخوذة في المناط الموجودة في الزنا (أكمل) من الشهوة الكائنة في اللواطة، فإذا اعتبر في المناط تلك الشهوة لزم عدم تحققه فيها، والجملة حال عن المناط، يعني يجعل الإهلاك عن المناط حال كون الشهوة المعتبرة فيه المتحققة في الزنا أكمل (لأنها) أي الشهوة في الزنا (من الجانبين) لميلانهما إليه بالطبع بخلاف اللواطة لعدم ميل المفعول فيه بالطبع إليها، على ما هو الأصل في الجبلة السليمة، ونقصان الشهوة في المفعول فيه يستدعي نقصانها في الفاعل، لأن زيادة جاذبة المحبوب توجب زيادة محبة المحب، ولأنه يصدر عنه حينئذ أفعال تقتضي زيادة هيجان الشهوة. فإن قلت سلمنا التفاوت بين الشهوتين، لكن لا نسلم اعتبار تلك الزيادة في المناط. قلنا لا بد أن يعتبر، لأن زيادة التلذذ في المعصية يستدعي زيادة التشديد فيما يترتب عليها لما بين العمل والجزاء من المماثلة، فاللواطة لا تشارك الزنا في مناط الحكم فلا دلالة في نص وجوب حده على وجوب حدها (وهذا) القول (أوجه) من قولهما لما مر من اشتماله على اعتبار قيدين ينبغي اعتبارهما في المناط (والترجيح) الذي ذكرناه (بزيادة قوة الحرمة) في اللواطة على الحرمة في الزنا (ساقط) عن درجة الاعتبار عند انعدام تحقق المناط على ما بينا. قال الشارح في بيان السقوط: ألا ترى أن حرمة الدم والبول فوق حرمة الخمر من حيث إن حرمتهما لا تزول أبدا، وحرمتهما [وحرمتها] تزول بالتخليل، مع أنه لا يجب الحد بشربهما انتهى، ولا يخفى عليك أن الحرمة مأخوذة في المناط اتفاقا، فزيادة قوتها في اللواطة تصلح لأن تكون موجبة لأولويتها بالحكم لولا المانع، وهو عدم الإهلاك في اللواطة والأكملية، وليس في مناط حد الخمر ما يزداد قوته بما ذكر في البول فتدبر (وكذا قولهما بإيجاب القتل بالمثقل) أي كما أن قوله بعدم إيجاب الحد باللواطة بدلالة نص الزنا أوجه من قولهما كذلك قولهما بإيجاب القتل قصاصا بالقتل عمدا بالمثقل الذي لا يحتمله البنية بدلالة نص إيجاب القتل بالمثقل بما يفرق الأجزاء كالسيف أوجه من قوله (لظهور تعلقه) أي إيجاب القتل بما يفرق الأجزاء (بالقتل العمد العدوان) وعدم اعتبار خصوصية تفريق الأجزاء في الآلة، وإنما المعتبر كونها قاتلة عادة، لأن العمد، وهو القصد معتبر في قوله تعالى -كتب عليكم القصاص في القتلى-، لقوله عليه السلام في بيان موجب القتل العمد قود: أي موجبه، وحكمه الزجر به يتوفر، والعقوبة
(1/97)

المتناهية لا شرع لها دون ذلك، ولا يوقف عليه إلا بدليله، وهو استعمال الآلة القاتلة، فكل من يعرف اللغة يفهم وجوب القود بالمثقل المذكور بالنص المذكور، وإليه أشار بقوله (ويتحقق) القتل العمد العدوان (بما لا تحتمله البنية) من المثقل كما يتحقق بما يفرق الأجزاء، قيل بل ربما كان أبلغ لأنه يزهق الروح بنفسه، والجارح بواسطة السراية (فادّعاء قصوره) أي القتل بالمثقل (في العمدية) كما ذكره بعض المشايخ في وجه قول أبي حنيفة رحمه الله (مرجوح) والراجح عند العقل خلافه، وقيل المناط: الضرب بما لا يطيقه البدن، وفي التلويح هو مما لا يفهمه كل من يعرف اللغة، ولذا ذهب أبو حنيفة رحمه الله إلى أن الجرح الناقص للبنية ظاهرا وباطنا: بأن يكون مزهقا للروح، مفسدا للطبائع الأربع، فإنه حينئذ تقع الجناية قصدا على النفس الحيوانية التي هي البخار المتكون من ألطف أجزاء الأغذية: السبب للحس، والحركة القوام للحياة، واحترز به عن النفس الإنسانية التي لا تفنى بخراب البدن، فتكون أكمل من لجناية بدون القصد كقتل الخطأ، أو بنقض، ظاهرا فقط كالجرح بدون السراية، أو باطنا فقط كالقتل بالمثقل، ولا يخفى تعلق القود بالقتل العمد العدوان كما ذكره المصنف رحمه الله، ولا شك في أنه أظهر مما ذهب إليه أبو حنيفة، فلا شك في كون قولهما أوجه. فإن قلت إثبات القصاص بالقتل بالمثقل بطريق القياس غير جائز، لأن الحدود تندرئ بالشبهات، والقياس لا يخلو عنها، فتعين أن يكون بدلالة النص، ويلزمها فهم المناط بمجرد فهم اللغة، وهو يستدعي توارد الأفهام عليه من غير خفاء واختلاف. قلت: لا نسلم استدعاءه ذلك، وإنما يستدعي بداهته، والبداهة لا تنافي الخفاء، وعند الخفاء قد يقع الخلاف (وإلى مفهوم مخالفة) معطوف على مفهوم موافقة (وهو) أي مفهوم المخالفة (دلالته) أي اللفظ (على) ثبوت (نقيض حكم المنطوق للمسكوت، ويسمى) أي مفهوم المخالفة (دليل الخطاب) ولما كان الدلالة في الأول على ثبوت حكم المنطوق للمفهوم، وفي الثاني على ثبوت نقيضه له ناسب أن يسمى فحوى الخطاب: أي معناه في الأول، وهو ظاهر، ودليل الخطاب في الثاني لحصولها بنوع من الاستدلال ببعض الاعتبارات الخطابية كالوصفية والشرطية (وهو أقسام، مفهوم الصفة) بدل من أقسام، أو مبتدأ خبره محذوف: أي منها (عند تعليق حكم) ظرف للدلالة المفهومة من القسمة: أي منها دلالته على ثبوت نقيض حكم المنطوق للمسكوت الحاصلة من الصفة عند تعليق حكم (بموصوف بمخصص) صفة موصوف: أي بوصف مخصوص (لا كشف) أي لا بوصف كاشف عن معنى الوصف غير مخصص إياه كقوله تعالى -إن الإنسان خلق هلوعا، إذا مسه الشر جزوعها، وإذا مسه الخير منوعا-، ومن ثم
(1/98)

قَالَ ثَعْلَب لمُحَمد بن عبد الله بن طَاهِر لما سَأَلَهُ مَا الْهَلَع؟ قد فسره الله تَعَالَى، وَلَا يكون تَفْسِير أبين من تَفْسِيره (ومدح وذم) أَي وَلَا بِوَصْف مادح، وَلَا ذام يقْصد بِهِ مُجَرّد الْمَدْح والذم، وَلَا مترجم بِهِ على الْمَوْصُوف، نَحْو جَاءَ زيد الْعَالم، أَو الْجَاهِل، أَو الْفَقِير، وَلَا بِوَصْف مُؤَكد، وَهُوَ مَا موصوفه مُتَضَمّن لمعناه كأمس الدابر لَا يعود (ومخرج الْغَالِب) أَي وَلَا بِوَصْف خرج مخرج الْغَالِب الْمُعْتَاد بِأَن لَا يَنْفَكّ عَن الْمَوْصُوف فِي أَكثر تحققاته، فخروجه وبروزه مَعَ الْمَوْصُوف فِي الذّكر على حسب بروزه مَعَه فِي الْوُجُود، وَلَا يقْصد بِهِ التَّخْصِيص (كاللاتي فِي جحوركم) فِي قَوْله تَعَالَى - {وربائبكم اللَّاتِي فِي حجوركم} - جمع ربيبة، بنت زَوْجَة الرجل من آخر، سميت بهَا، لِأَنَّهُ يُرَبِّيهَا غَالِبا كولده، وَإِنَّمَا لحقته الْهَاء، مَعَ أَنه فعيل بِمَعْنى مفعول لصيرورته اسْما، وكونهن فِي حجور أَزوَاج الْأُمَّهَات هُوَ الْغَالِب من حالهن، فوصفهن بِهِ لذَلِك لَا للتخصيص (فَلَا يدل) الْكَلَام الْمُشْتَمل على الْمَوْصُوف بِوَصْف من الْأَوْصَاف الْمَذْكُورَة، أَو قَوْله - {وربائبكم} - الخ (على نفي الحكم عِنْد عَدمه) أَي عدم ذَلِك الْوَصْف، أَو عدم كونهن فِي حجوركم، وَفَائِدَة ذكر الاحتضان تَقْوِيَة الشّبَه بَينهَا وَبَين الْأَوْلَاد المستدعية كَونهَا حَقِيقَة بِأَن تجْرِي مجراهم، وَذهب جُمْهُور الْعلمَاء إِلَى تَعْمِيم الحكم، وَقد روى عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ جعله شرطا حَتَّى أَن الْبعيد عَن الزَّوْج لَا يحرم عَلَيْهِ، وَنقل عَن ابْن عبد السَّلَام أَن الْقَاعِدَة تَقْتَضِي الْعَكْس، وَهُوَ أَنه إِذا خرج مخرج الْغَالِب يكون لَهُ مَفْهُوم، لَا إِذا لم يكن غَالِبا، لِأَن الْغَالِب على الْحَقِيقَة تدل الْعَادة على ثُبُوتهَا لَهَا، فالمتكلم يَكْتَفِي بدلالتها عَن ذكره، فَإِنَّمَا ذكره ليدل على نفي الحكم عَمَّا عداهُ، وَإِذا لم يكن عَادَة فغرض الْمُتَكَلّم بِذكرِهِ إفهام السَّامع ثُبُوته للْحَقِيقَة، وَفِيه مَا فِيهِ (وَجَوَاب سُؤال عَن الْمَوْصُوف) أَي وَلَا بِوَصْف ذكر فِي جَوَاب سُؤال عَن مَوْصُوف بِهِ، كَأَن يُقَال هَل فِي الْغنم السَّائِمَة زَكَاة؟ فَيَقُول الْمُجيب فِي الْغنم السَّائِمَة زَكَاة، فَذكر الْوَصْف لتنصيص الْجَواب فِي مَحل السُّؤَال، فَلَا يدل على عدم الْوُجُوب فِي غَيرهَا (وَبَيَان الحكم لمن هوله) وَلَا بِوَصْف ذكر لبَيَان الحكم لمن لَهُ الْمَوْصُوف بِهَذَا الْوَصْف كَمَا إِذا كَانَ لزيد غنم سَائِمَة، وَأَنت تُرِيدُ بَيَان حكم غنم زيد لَا غَيره، فَتَقول فِي الْغنم السَّائِمَة زَكَاة تنصيصا على أَن الْغَرَض بَيَان وجوب الزَّكَاة لأجل زيد (ولتقدير جهل الْمُخَاطب بِحكمِهِ) أَي وَلَا بِوَصْف ذكر لغَرَض جَهَالَة الْمُخَاطب بِحكم الْمَوْصُوف بِاعْتِبَار هَذَا الْوَصْف فَقَط لعلمه بِاعْتِبَار وصف آخر كَمَا إِذا لم يعلم فِي السَّائِمَة مَعَ علمه فِي العلوفة (أَو ظن الْمُتَكَلّم) أَي ولتقدير ظن الْمُتَكَلّم علم الْمُخَاطب بِحَال الْمَسْكُوت كظنه أَن الْمُخَاطب عَالم بِأَنَّهُ لَا زَكَاة فِي المعلوفة (أَو جَهله) أَي لتقدير جهل الْمُتَكَلّم بِحَال الْمَسْكُوت فِيمَا إِذا كَانَ غير الشَّارِع (وَخَوف يمْنَع ذكر حَاله)
(1/99)

وَلَا بِوَصْف ذكر لتقدير خوف يمْنَع الْمُتَكَلّم عَن ذكر السُّكُوت (أَو غير ذَلِك) كَمَا يقتضى تَخْصِيصه بِالذكر، فَإِن مَفْهُوم الصّفة إِنَّمَا يُصَار إِلَيْهِ إِذا لم يكن لذكرها فَائِدَة أُخْرَى (كفى السَّائِمَة الزَّكَاة يُفِيد) الْوَصْف بالسوم (نَفْيه) أَي نفي الحكم، وَهُوَ وجوب الزَّكَاة (عَن العلوفة) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة: أَي المعلوفة، وَالْقَائِل بِمَفْهُوم الصّفة الشَّافِعِي وَأحمد والأشعري وَكثير من الْعلمَاء: رَضِي الله عَنْهُم، ونفاه أَبُو حنيفَة رَضِي الله عَنهُ وَابْن سُرَيج وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْقَاضِي أَبُو بكر وَالْغَزالِيّ رَضِي الله عَنهُ والمعتزلة.
(وَالشّرط على شَرط) أَي وَمَفْهُوم الشَّرْط عِنْد تَعْلِيق حكم على شَرط، فَإِنَّهُ يَنْتَفِي بِانْتِفَاء الشَّرْط، فَيثبت نقيضه، والعاطف إِمَّا لعطف الشَّرْط على الصّفة، والظرف وَمَا أضيف إِلَيْهِ مُقَدّر بِقَرِينَة السِّيَاق، أَو لعطف الشَّرْط وَمَا بعده على الصّفة وصلَة التَّعْلِيق، أَعنِي الْمَوْصُوف، والعطف على معمولي عاملين مُخْتَلفين جَائِز مُطلقًا عِنْد الْأَخْفَش إِلَّا إِذا وَقع فصل بَين العاطف والمعطوف الْمَجْرُور، وَكَذَا على مَا هُوَ الْمُخْتَار وَابْن الْحَاجِب إِذا كَانَ الْمَجْرُور مقدما مثل قَوْله تَعَالَى {وَإِن كن أولات حمل فأنفقوا عَلَيْهِنَّ فَلَا نَفَقَة لمبانة غَيرهَا} أَي غير الْحَامِل، علق إِيجَاب النَّفَقَة على كَون المبانة ذَات حمل، فَدلَّ على عدم وُجُوبهَا غير حَامِل، وَقيد الْمُطلقَة بالمبانة لوُجُوب نَفَقَة الْمُطلقَة الرَّجْعِيَّة إِجْمَاعًا حَامِلا كَانَت أَو لَا.
(والغاية) أَي وَمَفْهُوم الْغَايَة (عِنْد مده) أَي الحكم الثَّابِت للمنطوق (إِلَيْهَا) أَي إِلَى الْغَايَة، لِأَن ذكر الْغَايَة يدل على انتهائه عِنْدهَا، فَلم يثبت للمسكوت الَّذِي هُوَ بعد الْغَايَة، فَيثبت لَهُ نقيضه كَقَوْلِه تَعَالَى {فَلَا تحل لَهُ من بعد حَتَّى تنْكح} زوجا غَيره، فَإِن حكم الْمَنْطُوق، وَهُوَ عدم الْحل انْتهى عِنْد نِكَاح الزَّوْج الآخر (فَتحل) للْأولِ (إِذا نكحت) غَيره وَانْقَضَت الْعدة، فالمسكوت عَنهُ نِكَاح الأول يعد نِكَاح الثَّانِي، ونقيض الحكم الْحل.
(وَالْعدَد) أَي وَمَفْهُوم الْعدَد، وَهُوَ دلَالَته على ثُبُوت نقيض حكم الْمَنْطُوق (عِنْد تَقْيِيده) أَي حكم الْمَنْطُوق (بِهِ) أَي بِالْعدَدِ الْمَسْكُوت فِيمَا عدا الْعدَد كَقَوْلِه تَعَالَى - {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جلدَة} فَإِنَّهُ يدل على نفي الْوُجُوب عَن الزَّائِد على الثَّمَانِينَ كَمَا يدل على وُجُوبهَا بِسَبَب تَقْيِيد الْوُجُوب بِالْعدَدِ الْمَذْكُور (فَرجع الْكل) أَي الشَّرْط والغاية وَالْعدَد (إِلَى الصّفة معنى) لِأَن الْمَقْصُود من الصّفة تَخْصِيص الْمَنْطُوق، وَهُوَ حَاصِل فِي الْكل، وَلَيْسَ الْمَقْصُود عدم التَّفَاوُت بَين الْمَذْكُورَات بِوَجْه حَتَّى يرد أَنه لَو كَانَ الْكل سَوَاء لما وَقع الِاخْتِلَاف بَين الْقَائِلين بهَا، فالشافعي وَأحمد والأشعري وَأَبُو عبيد من اللغويين، وَكثير من الْفُقَهَاء والمتكلمين قَالُوا بِمَفْهُوم الصّفة. وَقَالَ بِمَفْهُوم الشَّرْط كل من قَالَ بمفهومها، وَبَعض من لم يقل بِهِ
(1/100)

كابن سريج وأبي الحسن [؟ الحسين] البصري. وقال بمفهوم الغاية كل من قال بمفهوم الشرط، وبعض من لم يقل به كالقاضي عبد الجبار، فإن كل من يرد الكل إليها يريد بها ما هو أعم من النعت: أي ما يفيد معنى تخصيص المنطوق، والتفاوت إنما هو بين الصفة بمعنى النعت وباقي الأقسام، ثم قالوا أقواها مفهوم الغاية، ثم الشرط، ثم الصفة، وثمرته تظهر في الترجيح عند التعارض (والاتفاق) بين القائلين بالمفهوم على (أنه) أي المفهوم (ظني) وإلا لما كان للاجتهاد مجال (ومفهوم اللقب) لم يقل واللقب تنبيها على أنه ليس في عدد تلك الأقسام، ولذا لم يقل به إلا شذوذ كما سيشير إليه (وهو تعليق بجامد) أي ودلالة تعليق حكم بجامد على نفيه عن غيره، والمراد دلالة اللفظ على ثبوت نقيض حكم المنطوق للمسكوت عند تعليقه بجامد (كفي الغنم زكاة) أي نفي مفهوم اللقب (سوى شذوذ على ما سنذكر، والحنفية ينفونه) أي مفهوم المخالفة (بأقسامه في كلام الشارع فقط) قال الكردري: تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه في خطابات الشرع، فأما في متفاهم الناس وعرفهم وفي المعاملات والعقليات فيدل انتهى. ثم لما وافق أصحابنا الشافعية في غالب أحكام الأمثلة السابقة، وكان ذلك موهما كونهم قائلين بمفهوم المخالفة أزال ذلك بقوله (ويضيفون حكم الأولين) مفهوم الصفة والشرط (إلى الأصل) وهو العدم الأصلي بحكم الاستصحاب وإبقاء ما كان على ما كان، وإنما أخرج المنطوق من ذلك الحكم الأصلي لمكان النطق المصرح بخلافه، فما سواه أبقي على حاله (إلا لدليل) يعني حكم الموصوف عند اتصافه بوصف آخر، والمشروط عند عدم الشرط إنما هو العدم الأصلي دائما إلا إذا بت له حكم حادث لدليل اقتضى ذلك (والأخيرين) أي ويضيفون حكم ما بعد الغاية وما وراء العدد (إلى الأصل الذي قرره السمع) أي الشرع من العمومات وغيرها كقوله تعالى -وأحل لكم ما وراء ذلكم-: في حل نكاح المطلقة ثلاثا بعد نكاح الزوج الثاني، وعموم المنع من الأذى الدال على حرمة الضرب بعد الثمانين في القذف، ولعل تخصيص الأصل في الأخيرين بتقرير السمع بحكم الاستقراء بأن وجدوا موادهما كلها داخلة تحت أصل قرره السمع، بخلاف الأولين (ويمنعون نفي النفقة) للمبانة التي ليست بحامل، جواب إشكال وهو أنكم قلتم يضاف حكم الأولين إلى الأصل، ولا يستقيم ذلك في المبانة المذكورة، لأن الأصل فيها وجوب النفقة ما دامت في العدة، لأن النفقة في مقابلة احتباسها له: نعم كان الأصل عدم الوجوب قبل النكاح لكنه انعكس الأمر بناء على علته، فأجيب بمنع نفيها، فإن نفقتها واجبة عندنا (وألحق بعض مشايخهم) أي الحنفية
(1/101)

(بالمفهوم) المخالف في النفي (دلالة الاستثناء) فقال ليس فيه دلالة على ثبوت نقيض حكم الصدر لما بعد إلا (والحصر) أي وألحق أيضا دلالة الحصر على نفي الحكم عما عدا المحصور فيه كما في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات).
اختلف في إنما، فقيل لا تفيد الحصر فهو إن وما مؤكدة، فقوله تعالى -إنما أنت نذير- في قوة إنك نذير، وقيل: تفيده بالمنطوق، وقيل بالمفهوم فينفى الحكم عما يقابل المذكور في الكلام آخرا، فالمعنى صحة الأعمال أو ثوابها بالنيات لا بدونها (والعالم زيد) فقيل لا يفيد الحصر أصلا، وقيل يفيد بالمنطوق، وقيل بالمفهوم، دليل الأول أنه لو أفاد أفاد عكسه: أي زيد العالم، واللازم باطل، ودليل الثاني أن العالم لا يصلح للجنس، لأن الحقيقة الكلية ليست زيدا الجزئي، ولا لمعين لعدم القرينة، فكان لما صدق عليه الجنس مطلقا، فيفيد أن كل ما صدق عليه العالم زيد الجزئي، وهو معنى الحصر الادعائي، ودليل الثالث أن وضع اللغة لا يقتضي إلا إثبات زيد العالم، فالحصر إنما يفهم بعرف الاستعمال، والمختار عند المصنف رحمه الله ما أفاد بقوله (وهو) أي ما ذكر من دلالة الاستثناء والحصر (عندنا عبارة ومنطوق إلا في حصر اللام والتقديم) فإن دلالتهما ليست بعبارة ولا منطوق (فما) أي فدلالة الحصر (بالأداتين) حرف الاستثناء، وإنما (ظاهر) كونه عبارة ومنطوقا (وسيعرف) كل واحد في موضعه مفصلا (وقد نفوا) أي الحنفية (اليمين عن المدعى بحديث "البينة على المدعي) واليمين على المدعى عليه" المخرج في الصحيحين (بواسطة العموم) أي عموم اليمين المستفاد باللام الاستغراقية، فإنه في قوة كل يمين عليه، أو عموم البنية، فإنه إذا كان كل بينة على المدعى يلزم أن لا يكون عليه يمين أصلا، فإنه لو فرض لزوم يمين عليه لزم أن يكون على خصمه، وهو المدعى عليه البينة، فلم تكن كل بينة على المدعي (فلم تبق يمين) تستحق (عليه) أي على المدعى. وحاصل هذا الكلام تضعيف نسبة مانعي دلالة الحصر على النفي إلى الحقيقة، لأن كلامهم مشحون باعتبارها (وقيل العدد اتفاق) أي اعتبار مفهوم العدد متفق عليه بين القائلين بمفهوم المخالفة وبين أصحابنا (لقول الهداية) في دفع قول الشافعي رحمه الله: لا يجب الجزاء على المحرم بقتل ما لا يؤكل من الصيد كالسباع لأنها جبلت على الأذى، فدخلت في الفواسق المستثناة، ولنا أن السبع صيد لتوحشه، وكونه مقصودا بالأخذ لجلده، أو ليصاد به، أو لدفع أذاه، والقياس على الفواس ممتنع (لما فيه من إبطال العدد) المذكور في حديث الصحيحين "خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: العقرب، والفأرة، والكلب العقور، والغراب، والحدأة"، فإن تجويز قتل
(1/102)

غيرها إلحاقا بها ينفي فائدة ذكر العدد الخاص مع التصريح بأسامي المعدودات. فإن قلت لم لا يجوز أن تكون فائدته نفي حل قتل ما ليس في معنى واحد منها. قلت: إذن يكفي ذكر المعدودات من غير ذكر العدد (والحق أن نفي الزائد) أي نفي حل قتل ما سوى هذه الخمسة من الصيد البري إذا قلنا به إنما هو (بالأصل) الذي أفاده السمع، وهو قوله تعالى -وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما- لا بالمفهوم المخالف للعدد المذكور. قال الشارح فلا يرد قتل الذئب، لأنه ليس من الصيد في ظاهر الرواية، وهذا مخالف لما سبق (وقوله) أي صاحب الهداية (يكفي إلزاما) يعني في مقام المناظرة أن يكون بحثا إلزاميا، فإن الخصم قائل بمفهوم العدد (على ما ظن) من كونه إلزاما للشافعي رحمه الله، وهو ينفصل عنه لأنه يقدم القياس على المفهوم (لكنهم) أي الحنفية (قد زادوا على الخمس) استدراك عما يفهم من قوله من أن الحنفية ما زادوا على الخمس شيئا، فإنهم زادوا قتل الذئب ابتداء قول الكرخي رحمه الله وتبعه صاحب الهداية والمحيط، وظاهر الرواية أنه ليس بصيد، وفي البدائع الأسد والذئب والنمر والفهد يحل قتلها ولا شيء فيها، وإن لم تصل لأنها تبتدئ بالأذى، وبالجملة اختلفت أقوال المشايخ رحمهم الله في اعتبار مفهوم العدد والزيادة على الخمس، والمصنف جزم بالزيادة ولم يصح عنده بالاتفاق على اعتبار مفهوم العدد، بل يصح خلافه (قالوا) أي القائلون بمفهوم الصفة (صح عن أبي عبيد) بلفظ المصغر بلا هاء كما ذكره الأكثرون، وهو القاسم بن سلام الكوفي أو بها كما ذكر إمام الحرمين، وهو معمر بن المثنى (فهمه) أي مفهوم الصفة (من لي الواجد، ومطل الغني) أي من الحديث الحسن الذي أخرجه أحمد وإسحاق والطبراني "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته" وليه بفتح اللام مطله، وهو مدافعته والتعلل في أداء الحق الذي عليه، وحل عرضه أن يقول مطلني، وعقوبته الحبس: ذكره النجاري [؟ البخاري] عن سفيان الثوري، وذكر أحمد وإسحاق عنه حل عرضه أن يشكوه انتهى، فقال يدل على أن لي من ليس بواجد لا يحل عرضه وعقوبته، ومن الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري وغيره "مطل الغني ظلم" فقال يدل على أن مطل غير الغني ليس بظلم اعتبارا لمفهوم الصفة، فإن الواجد والغني صفتا مقدر: أي المديون، والمراد بالغنى: القدرة على الإيفاء (وكذا) صح (عن الشافعي) رحمه الله فهم مفهوم الصفة (نقله) أي الفهم المذكور (عنه خلق) كثيرون (وهما) أي أبو عبيد والشافعي رحمهما الله (عالمان باللغة) وفهما ذلك من مجرد اللفظ من غير اجتهاد، فيجب كون ما فهماه مدلوله (وعورض) الاستدلال المذكور (بقول الأخفش ومحمد بن الحسن) بخلاف ذلك، وهما إمامان في العربية: أما الأخفش فهو من الثلاثة
(1/103)

المشهورين أبو الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد شيخ سيبويه، وأبو الحسن سعيد بن مسعدة صاحب سيبويه، وأبو الحسن علي بن سليمان صاحب ثعلب والمبرد، وأما محمد فناهيك به، وقد روى الخطيب بإسناده عنه قال: ترك أبي ثلاثين ألف درهم، فأنفقت خمسة عشر ألفا على النحو والشعر، وخمسة عشر ألفا على الحديث والفقه (ولو ادعى) على صفة المجهول (السليقة في الشافعي) أي مذاق العربية فيه ذوقا طبيعيا، وفي القاموس يتكلم بالسليقة: أي عن طبعه، لا عن تعلم (فالشيباني) يعني محمد بن الحسن منسوب إلى شيبان، وهي قبيلة من العرب، والخبر محذوف: أي مثله، وكذلك (مع تقدم زمانه) على زمان الشافعي رحمه الله، فإنه ولد سنة اثنين وثلاثين ومائة، وتوفي سنة تسع وثمانين ومائة، والشافعي رحمه الله ولد سنة خمسين [و] مائة، وتوفي سنة أربع ومائتين، والمتقدم قد أدرك من صحة الألسنة ما لم يدركه المتأخر، ومن ثم استغنى الصدر الأول عن تدوين علم العربية. وعلى زمان أبي عبيد فإنه توفي سنة أربع وعشرين ومائتين عن سبع وستين أو ثلاث وسبعين، وأيضا رأي المتقدم أقرب إلى الصواب لقوله عليه الصلاة والسلام "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم" الحديث، وروي أن كليهما ممن تتلمذ له، وأخذ عنه خصوصا الشافعي رحمه الله حتى ذكر أصحابه وغيرهم عنه أنه قال حملت عن محمد بن الحسن وقري بختي كتبا، وأسند الخطيب البغدادي عنه قال ما رأيت سمينا أخف روحا من محمد بن الحسن، وما رأيت أفصح منه: كنت إذا رأيته يقرأ كأن القرآن نزل بلغته. وقال أبو إسحاق في الطبقات، وروى الربيع قال: كتب الشافعي رحمه الله إلى محمد وقد طلب منه كتبا ينسخها فأخرها عنه:
قولوا لمن لم تر عين من رآه مثله * ومن كأن من رآه قد رأى من قبله
العلم ينهى أهله أن يمنعوه أهله * لعله يبذله لأهله لعله
وعن أبي عبيد "ما رأيت أعلم بكتاب الله من محمد بن الحسن" (أو العلم) معطوف على السليقة، يعني أو ادعى في الشافعي العلم البالغ إلى حد لم يبلغ إليه علم محمد بن الحسن (وصحة النقل) أي وادعى أنه صح عنه نقل ذلك (للأتباع) أي لكثرة الأتباع، وكونهم ثقات (فكذا) أي الشيباني مثله في العلم، وصحة النقل عنه لكثرة أصحابه، وكونهم ثقات، وبهذا تبين ضعف ما قيل من أن أبا يوسف ومحمدا لم يكونا مجتهدين على الإطلاق، بل من المجتهدين في المذهب. (فإن قيل) الدليل (المثبت) للحكم (أولى) بالقبول من الدليل النافي إياه عند التعارض، ودليل القائل بمفهوم الصفة مثبت للحكم فهو أولى بالقبول من الدليل النافي إياه عند التعارض، ودليل خصمه ينفيه، فإن القائل يقول يدل اللفظ عليه، وخصمه يقول لا يدل عليه: وذلك
(1/104)

لأن المنفي لعدم الوجدان، وهو لا يدل على عدم الوجود إلا ظنا، والإثبات للوجدان، وهو يدل عليه قطعا. (قلنا ذلك) أي كونه أولى إنما هو (في نقل الحكم عن الشارع و) نقل (نفيه) لأن الإحاطة بالنفي هناك غير ممكن فعدم الوجدان، وهو لا يدل على عدم الوجود إلا ظنا (أما هنا) أي فيما نحن فيه من إثبات المفهوم ونفيه بحسب اللغة (فلا أولوية) للمثبت على النافي لإمكان الإحاطة بالنفي للحاذق بمعرفة اللغة (وسيظهر) وجها قريبا (قالوا) أي المثبتون مطلقا (لو لم يدل) الكلام المشتمل على ما ذكر من الصفة والشرط والغاية واللقب (على نفي الحكم) عن المسكوت (خلا التخصيص) أي تخصيص الحكم بأحد المذكورات (عن فائدة) لأن غيره من الفوائد معدوم ظاهرا، واللازم باطل لخروج كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم عن البلاغة. (أجيب بمنع انحصار الفائدة فيه) أي في نفي الحكم عن المسكوت لجواز أن يكون له فائدة أخرى، وعدم ظهورها بالنسبة إلى بعض الأفهام لا يستلزم عدم ظهورها بالنسبة إلى الكل (و) أجيب أيضا (بأنه) أي ما ذكرتم (إثبات اللغة: أي وضع التخصيص لنفي الحكم عن المسكوت) تفسير للغة، فإنها عبارة عن اللفظ الموضوع، وإثباته بمعنى إثبات وضعه، والتخصيص لما كان من اعتبارات اللفظ الموضوع جعل بمنزلته (فإنه) أي التخصيص متعلق بإثباته (حينئذ) أي حين يجعل دالا على ما ذكر (مفيد) بخلاف ما إذا لم يجعل، فإنه على ذلك التقدير يلزم خلوه عن الفائدة فلا يصار إليه، ويتعين جعله دالا (وهو) أي إثبات اللغة بدليل العقل بدون النقل (باطل) كما عرفت في موضعه. فإن قلت الخلاف في إثبات اللغة بالقياس لا بغيره. قلت منشأ الخلاف كونه إثباتا بالعقل، وهو موجود في التعليل المذكور لأن كون التخصيص مفيدا يحتمل أن لا يجعل سببا للوضع (وتحقيق الاستدلال) بالخلو عن الفائدة فلا يصار إليه على تقدير عدم اعتبار المفهوم (يدفعه) أي هذا الجواب (وهو) أي تحقيقه (أن الاستقراء) أي تتبع اللغة (دل) حاكيا (عنهم) أي عن أهلها على (أن ما من التخصيص) بوصف: أي غيره بيان للموصول (ظن) على صيغة المجهول، وقوله (أن لا فائدة فيه) قائم مقام فاعله، والجملة صلة الموصول (سوى كذا) مما يصلح أن تكون فائدة له، استثناء من الفائدة المنفية (تعين) ذلك الذي استثني منها مرادا من التخصيص المذكور. (وحاصله) أي التحقيق، أو الاستقراء (أن) بالتخفيف (وضع) على المجهول (التخصيص) بالرفع (لفائدة) يعني أن الوضع يعرف بالاستعمال، وقد علم باستقراء مواد التخصيص إرادة فائدة ما من غير تخلف، فعلم أنه وضع لها (فإن ظنت) الفائدة (غير النفي عن المسكوت فهي) أي الفائدة المظنونة هي الموضوع لها التخصيص (وإلا) أي وإن لم تظن
(1/105)

غير النفي المذكور (حمل) التخصيص (عليه) لكونه من أفراد ما وضع له (ولا يخفى أن مفيده) أي وضع التخصيص لما ذكر إنما هو (نقل اللفظ) لأن دلالة الاستقراء التتبع للغة تابعة لدلالة الألفاظ المنقولة إليه، فإفادته وضع التخصيص لما ذكر إفادة نقل اللفظ في الحقيقة. فإن قلت إذا كان التخصيص موضوعا لما ذكر كان دلالته من قبيل المنطوق لا المفهوم. قلت: هو ليس بلفظ ليلزم ذلك (ولا معنى له) أي لكونه موضوعا للفائدة التي تتعين بالظن الذي يختلف (لاختلاف الفهم) ففهم يظن انحصار فائدته في شيء، وآخر في شيء آخر (فكان) وضعه لما ذكر (وضعا للإفادة) ودفع الجهل باعتبار قصد الواضع (مؤديا) بالآخرة (إلى الجهل) باعتبار اختلاف الفهم، وموجبا لاختلاف الكلام لعدم انضباط مدلوله بحسب المفهوم (والاستقراء إنما يفيد وجود الاستعمال) أي استعمال ما فيه تخصيص بالوصف وغيره (ثم غاية ما) قد (يعلم عنده) أي عند وجود الاستعمال (انتفاء الحكم) المنطوق في ذلك الاستعمال (عن المسكوت) وفيه إشارة إلى أن هذا العلم مفقود في أكثر المواد (والكلام بعد ذلك) أي بعد حصول العلم المذكور (في أنه) أي الانتفاء المذكور، هل هو (مدلول اللفظ) أي الذي فيه التخصيص (أو) مدلول (الأصل) الذي هو الاستصحاب، فإن الأصل عدم الحكم للمنطوق خرج عن حكم الأصل بالتصريح، والمسكوت بقي على حاله، أو الذي قرره السمع على ما مر (أو علم الواقع) يعني أو ليس فهم الانتفاء مدلول شيء من اللفظ أو الأصل، بل هو علم حاصل للمخاطب بما هو الواقع، يعني الانتفاء المذكور، فهذه احتمالات لم يرجح واحد منها، فكيف يتعين كونه مدلول اللفظ (لا يفيد ذلك) أي كونه مدلول اللفظ (الاستقراء) بالرفع على الفاعلية، والمفعول ذلك، والجملة تأكيد لما علم ضمنا في قوله الاستقراء إنما يفيد وجود الاستعمال، وفذلكة للكلام السابق (ولهذا) أي لأجل ما ذكرنا من عدم إفادة الاستقراء ذلك إلى آخره (نفاه) أي المفهوم (من ذكرنا من أهل اللغة) من الأخفش ومحمد بن الحسن وغيرهما (مع أن الاستعمالات والمرادات لم تخف عليهم) تأييد لمنع دلالة الاستقراء، بأنه لو دل ما اختص بفهمه من أهل الاستقراء بعض دون بعض، ولما كان قوله: ولهذا نفاه في معرض مناقشة أن ما قبله أفاد التردد في أنه مدلول اللفظ أو لا، فكيف يتفرع عليه نفي كونه مدلولا له، أشار إلى دفعها بقوله (وهذا) أي التردد والنفي (لأن أكثر ما انتفى فيه الحكم عن المسكوت) من الاستعمالات التي شملها (يوافق الأصل) لكون الانتفاء المذكور موجب الأصل الذي هو الاستصحاب، أو الذي قرره السمع، فالنفي المذكور بموجب الأصل مثبت، وباعتبار الفهم من اللفظ منفي لما ذكر من التردد (والاستقراء
(1/106)

يفِيدهُ) أَي كَون الْأَكْثَر مُوَافقا للْأَصْل (فَلَا يتَمَكَّن من إثْبَاته) أَي انْتِفَاء الحكم (بِاللَّفْظِ و) الْحَال أَنه (فِيهِ) أَي فِي إثْبَاته بِاللَّفْظِ (النزاع) بَين الْفَرِيقَيْنِ وَالْحَاصِل أَنه لَو لم يكن الأَصْل الَّذِي يصلح لِأَن يثبت بِهِ انْتِفَاء الحكم علن الْمَسْكُوت مَوْجُودا فِي الْأَكْثَر كَأَن يظنّ ثُبُوته بِالْمَفْهُومِ، لِأَنَّهُ إِذا علم مَشْرُوعِيَّة الحكم وَلم يظْهر لَهُ فِي الشَّرْع مَا يظنّ كَونه دَلِيلا لَهُ سوى أَمر خَاص يكَاد أَن يتَعَيَّن لذَلِك، وَأما إِذا وجد لَهُ مَا يصلح لذَلِك سوى أَمر هُوَ مَحل النزاع تعين إِسْنَاده إِلَيْهِ (وَإِذ قد ظهر) بِمَا ذكر من الِاسْتِدْلَال بفهم أبي عبيد وَغَيره على الْمَفْهُوم (أَن الدَّلِيل) لإِثْبَات الْمَفْهُوم (الْفَهم) أَي فهم انْتِفَاء الحكم عَن الْمَسْكُوت فِي الْموَاد الْمَذْكُورَة (وَفِي مفيده) أَي الْفَهم الْمَذْكُور (احْتِمَال لما ذكرنَا) من التَّرَدُّد فِي أَنه مَدْلُول اللَّفْظ أَو الأَصْل الخ (اتَّحد حَال الْإِثْبَات وَالنَّفْي) أَي نِسْبَة إِثْبَات الْمَفْهُوم ونفيه إِلَى اللَّفْظ على السوية لتساوي احتمالية الْإِرَادَة وَعدمهَا بِالنّظرِ إِلَيْهِ، وَالدَّال على الشَّيْء لَا يشك فِي أَنه يفِيدهُ أم لَا، فالشك فِي إفادته يسْتَلْزم نفي دلَالَته، وَهَذَا هُوَ الْمَطْلُوب (فَإِن أُجِيب عَن الْمَنْع) أَي منع انحصار الْفَائِدَة فِي النَّفْي عَن الْمَسْكُوت بتحرير الدَّلِيل على وَجه لَا يتَّجه الْمَنْع الْمَذْكُور بِأَن يُقَال (وضع التَّخْصِيص للفائدة) على صِيغَة الْمَجْهُول أَو الْمصدر الْمُضَاف (وضع الْمُشْتَرك الْمَعْنَوِيّ) بِالنّصب على الأول وَالرَّفْع على الثَّانِي: أَي وضع مَا وضع لمَفْهُوم عَام تَحْتَهُ أَفْرَاد هِيَ الْفَوَائِد الْجُزْئِيَّة كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وكل فَائِدَة فَرد مِنْهُ) أَي الْمُشْتَرك الْمَذْكُور (تتَعَيَّن بِالْقَرِينَةِ) لتِلْك الْفَائِدَة الْمُطلقَة الْمَوْضُوع لَهَا التَّخْصِيص (فِي المورد) فِي كل كَلَام ورد فِيهِ التَّخْصِيص بِالْقَرِينَةِ الْمعينَة لَهَا (وَهِي) أَي الْقَرِينَة (عِنْد عدم قرينَة غير الْمَنْفِيّ عَن الْمَسْكُوت لُزُوم عدم الْفَائِدَة) للتخصيص الْمُوجب وجود الْمَوْضُوع بِدُونِ مَا وضع لَهُ فَيجب (إِن لم يكن) النَّفْي عَن الْمَسْكُوت مرَادا من التَّخْصِيص (فَيجب) أَن يكون النَّفْي عَنهُ حِينَئِذٍ (مدلولا لفظيا) لِأَن الْمَوْضُوع للْجِنْس إِذا أُرِيد بِهِ فَرد مِنْهُ بِالْقَرِينَةِ يكون دَالا عَلَيْهِ (قُلْنَا لَا دلَالَة للأعم على الْأَخَص) بِخُصُوصِهِ بِإِحْدَى الدلالات الثَّلَاث، يَعْنِي إِذا قُلْتُمْ بِوَضْع التَّخْصِيص لمُطلق الْفَائِدَة الَّذِي نفى الحكم عَن الْمَسْكُوت فَرد مِنْهُ لزم كَون التَّخْصِيص أَعم مِنْهُ، وَقُلْنَا لَا دلَالَة إِلَى آخِره (فَلَيْسَ) النَّفْي الْمَذْكُور مدلولا (لفظيا بل) الدّلَالَة (للقرينة) مَعْطُوف على قَوْله للأعم فَإِن قلت ذكر الْعَام وَإِرَادَة الْخَاص بمعاونة الْقَرِينَة إِطْلَاق مجازى ومدلول الْمجَاز مَدْلُول لَفْظِي قلت النزاع فِي إِثْبَات الْمَفْهُوم وَهُوَ عبارَة عَن دلَالَة اللَّفْظ بِاعْتِبَار التَّخْصِيص من غير حَاجَة إِلَى أَمر آخر وَمَا ذكرته من لُزُوم عدم الْفَائِدَة أَمر آخر على أَن قَوْلنَا فَلَيْسَ لفظيا سَنَد للْمَنْع، فَإِن الْمُجيب عَن الْمَنْع منصبه إِثْبَات الْمُدعى بادعاء وضع التَّخْصِيص إِلَى آخِره، والخصم يمْنَع وَضعه لما ذكر، وَيُؤَيّد مَنعه بِنَفْي
(1/107)

المدلولية اللفظية، وَلَا خَفَاء فِي أَنه سَنَد أخص، وإبطاله غير موجه، وَأَيْضًا يتَحَقَّق النزاع فِي كل مَادَّة بقول الْخصم بِثُبُوت الْمَفْهُوم مُدعيًا وجود الْقَرِينَة، أَعنِي لُزُوم عدم الْفَائِدَة، فَيُقَال لَهُ لَا نسلم ذَلِك: لم لَا يجوز أَن يكون هُنَاكَ فَائِدَة أُخْرَى؟ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَالثَّابِت) فِي الْمَوَاضِع الَّتِي يدعى فِيهَا الْخصم ثُبُوت الْمَفْهُوم (عدم الْعلم بِقَرِينَة الْغَيْر) أَي غير نفي الحكم عَن الْمَسْكُوت (لَا عدمهَا) أَي عدم قرينَة الْغَيْر فِي نفس الْأَمر لعدم الْإِحَاطَة بِالنَّفْيِ (فَيكون) التَّخْصِيص الَّذِي ادّعى وَضعه لمُطلق الْفَائِدَة (مُجملا) لازدحام الْمعَانِي الممكنة إرادتها وَعدم مَا تعين بَعْضهَا (فِي) نفي الحكم عَن (الْمَسْكُوت وَغَيره) أَي غير النَّفْي (لَا مُوجبا فِيهِ) أَي فِي الْمَسْكُوت (شَيْئا) من نفي الحكم عَنهُ وَغَيره أَو شَيْئا من الْإِيجَاب (كَرجل بِلَا قرينَة فِي زيد) فَإِنَّهُ مُجمل فِي زيد وَعَمْرو وَغَيرهمَا، وَلَا يُوجب فِي زيد شَيْئا (فَإِن قيل) لَيْسَ الْأَمر كَمَا زعمتم من أَن الثَّابِت عدم الْعلم بهَا لَا لعدمها، وَأَن الأول لَا يدل على الثَّانِي (بل) عدم الْعلم بِقَرِينَة الْغَيْر (ظَاهر فِي عدمهَا) أَي فِي عدمهَا بِحَسب الْوَاقِع، وَإِن لم يكن نصافيه (بعد فحص الْعَالم) بأساليب الْكَلَام، وقرائن الْمقَام مَعَ كَمَال الاهتمام عَن قرينَة الْغَيْر، فَيدل عدم علمه بهَا على عدمهَا بِحَسب غَالب الظَّن لِأَنَّهَا لَو كَانَت لم تخف عَلَيْهِ، وَهَذَا الْكَلَام إِثْبَات للمقدمة الممنوعة على تَقْدِير أَن يكون مَا قبله منعا، وَإِبْطَال لعدم ثُبُوت عدم الْقَرِينَة إِن كَانَ مُعَارضَة (قُلْنَا) ظُهُور عدمهَا (مَمْنُوع) أَن عدم الْعلم بِشَيْء وَلَو بعد فحص الْعَالم لَا يسْتَلْزم عَدمه (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن كَذَلِك بِأَن يستلزمه (لم يتَوَقَّف) الْعَالم بعد الفحص (فِي حكم) لِأَنَّهُ لَا تَخْلُو حَادِثَة من الْحَوَادِث عَن حكم ثَابت من الله تَعَالَى مَعَ أَمارَة أُقِيمَت عَلَيْهِ كَمَا هُوَ الْحق عِنْد أهل التَّحْقِيق، وَمن ضَرُورَة استلزام عدم الْعلم بالشَّيْء عدم استلزام وجود الْعلم فَلَا وَجه للتوقف (وَقد ثَبت) التَّوَقُّف (عَن الْأَئِمَّة) الْمُجْتَهدين فِي كثير من الْأَحْكَام فَإِن قلت لَعَلَّ توقفهم لعدم الْقطع، وَنحن قُلْنَا ظَاهر فِي عدمهَا، وَلم نَدع الْقطع بِهِ قُلْنَا ثَبت عَنْهُم التَّوَقُّف فِيمَا يَكْتَفِي فِيهِ بِالظَّنِّ من الْفُرُوع (فَإِن قيل) لاثبات الْمُقدمَة الممنوعة، وَهُوَ ظُهُور عدم قرينَة الْغَيْر بِإِبْطَال السَّنَد الْمسَاوِي للْمَنْع بزعم الْخصم التَّوَقُّف (نَادِر) كَالْمَعْدُومِ فَلَا يُنَافِي الظُّهُور الْمَذْكُور (قُلْنَا) لتأييد الْمَنْع بِسَنَد آخر إِن لم يسلم ذَلِك السَّنَد (فمواضع الْخلاف) بَين الْقَائِلين بِالْمَفْهُومِ والنافين، أَو بَين الْمُجْتَهدين فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة (كَثِيرَة تفِيد) تِلْكَ الْمَوَاضِع (عدم الْوُجُود بالفحص) أَي عدم وجود علم (للْعَالم) بِسَبَب الفحص مَعَ وجود المفحوص عَنهُ فِي الْوَاقِع، أَو عدم وجود مَا فحص عَنهُ لما زعمتم من أَن عدم علم الْعَالم بِهِ دَلِيل على عَدمه وَهُوَ بَاطِل لوُجُوده بِدَلِيل مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده الْمُخَالف تَوْضِيحه أَن كلا من الْمُجْتَهدين
(1/108)

المخالفين لم يعلم ما أدى إليه اجتهاد الآخر، ولا شك أن ما أدى إليه اجتهاد أحدهما حكم الله لم يعلمه الآخر مع وجوده في نفس الأمر، والمفروض أن قول كل منهما نقيض الآخر لجاز أن لا يكون شيء منهما حكم الله (ولو سلم) ظهور عدم علم العالم بعد الفحص في عدم قرينة غير المنفي عن المسكوت (في) كلام (غير الشارع) لعدم سعة دائرة ما يقصدون بالتخصيص من الفوائد بحيث لا يمكن إحاطة علم العالم بها (اقتصر) جواب لو: أي اقتصر اعتبار المفهوم على كلام غير الشارع (فقلنا به) أي باعتبار المفهوم (في غيره) أي في كلام غير الشارع (من المتكلمين للزوم الانتفاء) أي انتفاء فائدة التخصيص اللام متعلق بقلنا (لولاه) أي لولا انتفاء الحكم عن المسكوت، فالضمير راجع إلى الانتفاء بطريق الاستخدام، وذلك لما فرض من تسليم استلزام عدم علم العالم الفاحص عن قرينة غير انتفاء الحكم عن المسكوت عدمها (أما الشارع فللقطع بقصدها) أي الفائدة إجمالا (منه) أي من الشارع في التخصيص (يجب تقديرها) أي اعتبار الفائدة في كلامه المخصص واعتقاد وجودها فيه إجمالا (فلا يلزم الانتفاء) أي انتفاء الفائدة (لولا الانتفاء) أي انتفاء الحكم عن المسكوت (فإثباته) أي نفي الحكم عن المسكوت (إقدام على تشريع حكم بلا ملجئ) أي موجب، فلزوم انتفاء الفائدة لولا اعتبار انتفاء الحكم عن المسكوت للعمل بوجود الفائدة إجمالا من غير دليل على تعيينها. (فإن قيل) نفي الحكم عن المسكوت (ظني) فيكفي لإثباته ظن أن لا فائدة في التخصيص سواه. (قلنا ظن المعين) بصيغة المفعول، وهو الانتفاء المذكور (عند انتفاء معينه) بصيغة الفاعل المضاف إلى ضمير المعين، وهي القرينة المعينة له (ممنوع، وعلمت أنه) أي المعين للنفي المذكور (لزوم انتفاء الفائدة) أي فائدة التخصيص إن لم يرد به (وانتفاءه) أي وعلمت انتفاء اللزوم المذكور لا سيما في كلام الشارع (واندفع بما ذكرنا قولهم) أي المثبتين للمفهوم (تثبت دلالة الإيماء) وهو قران الحكم بما لو لم يكن علة له كان بعيدا على ما مر (لدفع الاستبعاد) متعلق بتثبت (فالمفهوم) أي فثبوت دلالة التخصيص على النفي المذكور (لدفع عدم الفائدة) اللازم على تقدير عدم انتفاء الحكم عن المسكوت (أولى) لأن الاحتراز عن إيراد ما لا فائدة فيه أهم منه عن الاستبعاد (ولو جعل) القول المذكور (إثباتا لإثبات الوضع بالفائدة) ردا على من حكم ببطلان إثبات الوضع بها، وكلمة لو وصلية إشارة إلى أنه لا فرق في الاندفاع بين أن يجعل دليلا مستقلا على المطلوب كما فعله القاضي عضد الدين، وبين أن يجعل جوابا ثانيا يمنع إثبات الوضع بالفائدة كما فعل غيره من شارحي المختصر، ووجه الاندفاع ظهور الفرق بين ثبوت دلالة الإيماء، ودلالة التخصيص لظهور وجود القرينة المعينة هناك،
(1/109)

وهو الاستبعاد المذكور على ما مر، وعدمه ههنا لعدم لزوم عدم الفائدة على ما بين بما لا مزيد عليه (وأما الاعتراض عليه) أي الدليل المذكور، وهو لزوم خلو التخصيص عن الفائدة (بأن تقوية دلالته) أي دلالة ما وقع فيه التخصيص (على الثبوت) أي ثبوت الحكم المنطوق (في الموصوف) بدفع توهم خروجه على سبيل التخصيص (فائدة) فإنه لو قال في الغنم زكاة توهم أن يراد في المعلوفة دون السائمة زال الوهم (وكذا) في المشروط والمغيا، والمعدود، وكذا الاعتراض على الدليل المذكور بأن يقال (ثواب القياس) والاجتهاد في إلحاق المسكوت بالمذكور لاشتراكهما في العلة فائدة تصلح لأن يكون التخصيصلها فلا يتعين النفي المذكور لأن يكون فائدة له (فدفع الأول بأنه) أي الأول، وهو التقوية المذكورة (فرع عموم الموصوف في نحو في الغنم السائمة زكاة) حتى يكون معناه في الغنم سيما السائمة زكاة (ولا قائل به) أي بعموم الموصوف في نحوه (ولو ثبت) العموم (في مادة) كالصورة المذكورة فرضا (وصار المعنى في الغنم سيما السائمة) زكاة (خرج عن) محل (النزاع) لأن النزاع فيما لا شيء يقتضي التخصيص فيه سوى مخالفة المسكوت عنه للمذكور، ودفع وهم التخصيص فائدة سواها (و) دفع (الثاني بأنا شرطنا في دلالته) أي التخصيص على نفي الحكم عن المسكوت (عدم المساواة في المناط) أي عدم مساواة المسكوت عنه للمنطوق في علة الحكم (والرجحان) أي وعدم كونه أولى من المنطوق به، وثواب الاجتهاد إنما يتصور فيما إذا كانا متساويين في العلة وإلحاق المسكوت في الحكم بالمنطوق بدلالة النص إنما يكون عند الرجحان (وسيدفع هذا) أي الدفع الثاني (ونقضه) أي الدليل المذكور (بمفهوم اللقب) وهو تعليق الحكم بجامد كفي الغنم زكاة، بأن يقال لو لم يدل على نفي الحكم عما عداه لم يكن التخصيص باللقب مفيدا، فيلزمكم إثباته ولستم بمثبتيه، وإن أثبته شذوذ (مدفوع بأنه) أي ذكر اللقب (ليصح الأصل) أي أصل الكلام في إفادة أصل المراد فإنه يختل بدونه، وهذا أعظم فائدة. (ومن أدلتهم) أي القائلين بالمفهوم (المزيفة) أي المضعفة، وأصله زيف الدراهم: إذا جعلها زيوفا مردودة لغش (لو لم يكن) التخصيص (للحصر لزم اشتراك المسكوت، والمذكور في الحكم) لعدم الواسطة بين الاختصاص والاشتراك (وهو) أي الاشتراك (منتف) اتفاقا (للقطع بأنه) أي الحكم (ليس له) أي للمسكوت (بل) هو للمذكور (محتمل) لأن يكون ثابتا للمسكوت أيضا، فتعين الحصر (ودفع بمنع الملازمة) أي لا نسلم أنه لو لم يكن للحصر لزم الاشتراك (بل اللازم) إذن (عدم الدلالة) أي عدم دلالة التخصيص (على اختصاص ولا) على (اشتراك، بل) الدلالة (على مجرد تعلق الحكم بالمذكور) والمسكوت على
(1/110)

الاحتمال (وللإمام) أي إمام الحرمين استدلال (قريب منه) أي من هذا الدليل، وهو أن التخصيص (لو لم يفد) بيان (الحصر لم يفد اختصاص الحكم) بالمذكور دون غيره، واللازم منتف، أما الملازمة فلأنه لا معنى للحصر فيه إلا اختصاصه به دون غيره، وأما انتفاء اللازم فللعلم الضروري أنه يفيد اختصاص الحكم بالمذكور، وإليه أشار بقوله (لكنه يفيده في المذكور، وجوابه منع انتفاء اللازم) بأن يقال لا نسلم أن عدم إفادته الاختصاص منتف (بل إنما يفيد الحكم على المذكور لاختصاصه به) أي بالمذكور (مع ما في تركيبه) أي جوابه المنع مع الذي في تركيب الدليل أو المستدل من المحذور، يعني المصادرة على المطلوب أو ما يقرب منه (إذ هو) أي ما في التركيب ما حاصله (لو لم يفد الحصر لم يفد الحصر) قال الأبهري: في تالي هذه الشرطية تفصيل ليس في مقدمها، فلا يعد من استلزام الشيء لنفسه، وفي نقيض تاليها تفصيل ليس في نقيض مقدمها، فلا يعد من المصادرة على المطلوب، بل هو من الاستدلال من التفصيل على الجملة انتهى. وقال المحقق التفتازاني: لا تفاوت بين المقدم والتالي إلا في اللفظ، وكان لفظ الاختصاص أوضح دلالة فجعل التالي انتهى، فغاية العناية به الفرار عن المحذورين لا إثبات المطلوب (وما روي لأزيدن على السبعين) أي ومن أدلتهم المزيفة احتجاجهم بأنه صلى الله عليه وسلم فهم مفهوم العدد من قوله تعالى -إن تستغفر لهم سبعين مرة-، وهو أعلم الناس بلسان العرب لما روي عنه صلى الله عليه وسلم "لأزيدن على السبعين" في الصحيحين "لما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي على عبد الله بن أبي ابن سلول، قام عمر، فأخذ بثوبه، فقال يا رسول الله: تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ فقال صلى الله عليه وسلم إنما خيرني الله فقال تعالى -استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة- وسأزيد على السبعين" وأخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد في تفسيره عن قتادة والطبري عن عروة مرسلا بلفظ الكتاب، ولو لم يفهم صلى الله عليه وسلم أن حكم ما زاد على السبعين خلاف حكمها، وهو المغفرة لما قال ذلك، بل امتنع عن الاستغفار، وإذا ثبت مفهوم العدد ثبت مفهوم الصفة بالطريق الأولى، ولذا كل من قال بمفهوم العدد قال بمفهوم الصفة من غير عكس، وكذا ثبت مفهوم الشرط لكونه أقوى لمثل ما ذكرنا، وكذا الحال في مفهوم الغاية. (وأجيب بأنه) أي ما روي (ليس محل النزاع للعلم بأن ذكرها) أي السبعين ليس لتقييد عدم المغفرة بخصوص هذا العدد بل (للمبالغة) في الكثرة، فإنها صارت معناها عرفا في مثل هذا المقام، فالمراد سلب المغفرة بالكلية وإقناط منها، وإن بلغ عدد الاستغفار غاية الكثرة، ويلزمه عدم التفاوت بينها وبين ما فوقها، وإليه أشار بقوله (واتحاد الحكم في الزائد) أي وللعلم باتحاده
(1/111)

فيه، والرسول صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بذلك (فكيف يفهم الاختلاف) بأن يكون حكم سبعين عدم المغفرة، وحكم ما زاد عليها المغفرة (فلأزيدن تأليف) أي فقوله صلى الله عليه وسلم لأزيدن تأليف لقلب ابنه وأقاربه من المؤمنين، روي أن عبد الله بن عبد الله بن أبي، وكان من المخلصين سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض أبيه أن يستغفر الله له ففعل، فنزلت، فقال صلى الله عليه وسلم "لأزيدن على السبعين" على أنه لم يكن عند ذلك ممنوعا عن الاستغفار لهم حتى يلزم مخالفة النهي. وقد يجاب عنه بأنه يجوز أن يكون من قبيل حل الكلام على غير المراد مع العلم به استعطافا وطلبا للرحمة والفضل كقول القبعثرى للحجاج وقد قال له متوعدا: لأحملنك على الأدهم، يعني القيد: مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب يحمل كلامه على الفرس الأدهم، فقال ثانيا: إنه حديد، فقال: لأن يكون حديدا خير من أن يكون بليدا: الأدهم الذي غلب سواده حتى ذهب البياض الذي فيه، والأشهب الذي غلب بياضه حتى ذهب ما فيه من السواد، ثم أجاب بطريق التنزل وفرض كونه من محل النزاع وأنه ليس للمبالغة فقال: (وعلم أن الاختلاف) أي اختلاف السبعين والزائد عليها في الحكم (جائز) خبر أن (إن ثبت) العلم المذكور (يجب كونه) أي ذلك الثبوت أو العلم حاصلا (من خصوص المادة) فقوله يجب إلخ جواب الشرطن وهو مع جزائه خبر المبتدأ: أعني علم وفي كلمة إن إشارة إلى أنه لم يثبت. يعني إن فرض علمه صلى الله عليه وسلم بأن حكم ما زاد على السبعين بخلاف السبعين، وهو الغفران، فذلك العلم ليس بسبب مفهوم العدد، بل يجب كونه من خصوص المادة (وهو) أي خصوص المادة (قبول دعائه) صلى الله عليه وسلم. ولا يخفى بعد هذا العلم بعد العلم بموت ابن أبي على الكفر (وقول يعلى بن أمية لعمر ما بالنا نقصر وقد أمنا) أي ومن الأدلة المزيفة احتجاجهم بأن يعلى وهو من البلغاء فهم مفهوم المخالفة من قوله تعالى -ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم- الآية، وأن القصر مقصور على الخوف، فقال وما بالنا إلى آخره ووافقه عمر في فهم ذلك، ولذا لم يرد عليه في فهمه ذلك (في الشرط) متعلق بيعلى، فإن هذا القول الدال على فهم المفهوم المخالف إنما وقع منه في مادة الشرط، وإذا ثبت فيه يثبت في الباقي قياسا عليه، فقال عمر ليعلى (عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صدقة تصدق الله بها عليكم) فدل على أنه صلى الله عليه وسلم أقر عمر في فهمه مفهوم الشرط ولم ينكر عليه كما أنه أقر يعلى عليه غير أنه بين عدم إرادة المفهوم في خصوص المادة بقوله صدقة، يعني حكم الرخصة في السفر يعم الخوف والأمن
(1/112)

وإن كان سببه الخوف فالتخصيص بالشرط لا بد له من فائدة لوقوعه في كلام الله لمزيد العناية بشأنه لكونه سببا للتشريع في الأصل إلى غير ذلك (والجواب) منع بلزوم فهم المفهوم من كلامهما، والسند (جواز بنائهما) العجب من القصر (على الأصل) في الصلاة قبل رخصة القصر للخوف (وهو) أي الأصل المذكور (الإتمام وإنما خولف) الأصل (في الخوف) لورود النص، وخلاف الأصل مقتصر على مورد النص، فيبقى فيما عداه على الأصل، قيل هذا مخالف لما ذهب إليه أصحابنا رحمهم الله من أن الأصل في السفر عندنا القصر، والإتمام في حق المقيم بعارض الإقامة حتى لو صلى المسافر الرباعية أربعا إن أتى بالقعدة الأولى أساء، وإلا فسدت صلاته، ويشهد لهم ما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها "فرض الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في السفر والحضر، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر" واللفظ للبخاري، والجواب أن سند المنع جواز بنائهما على الأصل هو الإتمام لما يفهم من نفي الجناح المقرون بما يصلح لعليته من الخوف، فإن المتبادر منه أنه لولا ذلك كان المطلوب الإتمام، وبالجملة لا يلزم كون تلك الأصالة المظنونة لهما لما قامت عندهما من الأمارة مذهبا لأصحابنا (وإن في القول به تكثير الفائدة) أي ومن الأدلة المزيفة أن في القول بمفهوم المخالفة تكثير فائدة الكلام اللائق ببلاغته لاستلزامه نفي الحكم عن المسكوت مع إثباته للمذكور (ونقض) هذا الدليل نقضا إجمالي، والناقض الآمدي (بلزوم الدور) لأنه يتوقف حينئذ ثبوت المفهوم على التكثير لكونه علة لوضع التخصيص له مع أن التكثير متوقف عليه لحصوله به (وليس) هذا النقض (بشيء، لظهور أن الموقوف عليه الدلالة) أي دلالة اللفظ على نفي الحكم عن المسكوت (تعقلها) أي تعقل الواضع كثرة الفائدة (واقعة) مفعول ثان للتعقل لتضمنه معنى العلم فعلم أن علة الوضع قصورها بصفة الوقوع لا تحققها في نفس الأمر (وتحققها) أي كثرة الفائدة بحسب الواقع (هو الموقوف عليها) أي الدلالة، فالدلالة متأخرة عنها باعتبار الوجود الذهني متقدمة عليها باعتبار الوجود الخارجي، هكذا شأن العلل الغائية (بل الجواب ما تقدم) من أنه يلزمه إثبات اللغة بالفائدة وهو باطل، ولا يدفعه تحقيق الاستدلال ههنا كما دفعه هناك وهو ظاهر (وأنه لو لم يكن المسكوت مخالفا) المذكور في الحكم (لزم حصول الطهارة قبل السبع) أي ومن أدلتهم المزيفة على مفهوم العدد أنه لو لم يكن المسكوت، وهو ما دون السبع مخالفا للمذكور، وهو السبع لزم حصول طهارة الإناء الذي ولغ فيه الكلب قبل أن يغسل سبع مرات (في) حديث ذكر في صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة مرفوعا (طهور إناء أحدكم) إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات إحداهن بالتراب". (والتحريم) أي وحصول تحريم النكاح
(1/113)

بين رجل وامرأة اشتركتا في رضاع مدته (قبل الخمس) أي خمس رضعات (في خمس رضعات يحرمن) في حديث صحيح ذكره مسلم وغيره عن عائشة موقوفًا عليها (كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات يحرمن، فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو فيما يقرأ من القرآن) بيان ذلك أنه إذا لم يعتبر مفهوم العدد كان حكم ما دون الخمس في التحريم كالخمس (ويلزم) عند تحصيل الطهارة والتحريم بالعدد المذكورين (تحصيل الحاصل) لحصولهما قبل تحقق العددين بالأقل منهما (والجواب منع الملازمة) لأن المراد بقوله لو لم يكن المسكوت مخالفا فرض عدم دلالة التخصيص على كونه مخالفا لاعدم كونه في نفس الأمر، لأن المدعى إنما هو الدلالة المذكورة فلابد من فرض نقيضها، وبيان استلزامه المحال. وحاصل المنع أنه لا نسلم أن اللازم على تقدير نقيض المدعى لزوم حصول الطهارة إلى آخره (بل اللازم عدم الدلالة على نفي الطهارة والتحريم) قبل تحقق السبع (وإنما يلزم ما ذكر) من التحريم قبل الخمس (لو لم يكن الأصل) المعتمد قبل هذا النص (عدم التحريم) أي عدم تحريم النكاح بين كل اثنين من الذكر والأنثى إذا لم يكن ثمة شيء من موجباته لكن الواقع كون الأصل عدم التحريم (فيبقى) عدم التحريم الذي هو موجب الأصل مستمرًا (إلى وجود ما علق) التحريم (به) وهو الخمس من الرضعات المعلق بها (ضده) أي ضد عدم التحريم، وهو التحريم (ولذا صارت النجاسة) الحاصلة من ولوغ الكلب في الإناء (متقررة) في الإناء (بالدليل) وهو العلم بولوغ نجس العين المستلزم إصابة لعابه المتولد من لحمه الاناء (فتبقى) تلك النجاسة مستمرة (كذلك) أي إلى وجود ما علق به ضد النجاسة: أي الطهارة، وهو السبع من الغسلات، وهذا كله مبني على مذهب الشافعية، (وأما الحنفية فالتحريم) بالرضاع عندهم لا يتوقف على السبع، بل يثبت (بالثلاث) على ما ذكر الحاكم في إشاراته، ونقل عن أبي حنيفة رحمه الله وجوبها واستحباب الأربعة بعدها أو بغلبة ظن زوالها على ما ذكره الوبري من أنه لا توقيت في غسلها، بل العبرة لأكبر الرأي ولو مرة، ونقله النووي عن ابي حنيفة رحمهما الله. قال شيخ الإسلام ظاهر الرواية نجاسة عين الكلب، وفرع عليه قاضيخان بتنجس البئر الواقع فيها الكلب وإن لم يصب فمه الماء، لكنه اختار طهارة عينه، ونجاسة لحمه، وما يتولد منه لعموم قوله صلى الله عليه وسلم (أيما إهاب دبغ فقد طهر). رواه الترمذي وصححه، وإخراج الخنزير منه لمعارضة الكتاب إياه، فعلى هذا نجاسته لنجاسة سائر السباع (وهما) أي توقف التحريم بالرضاع على خمس،
(1/114)

وتوقف طهارة الإناء على سبع (منسوخان) عندهم، وحكمهم بالنسخ إما بالاجتهاد، وإما بالنقل، وأفاد الأول بقوله (اجتهاد بالترجيح) نقل الشارح في تفسيره: أي بسبب ترجيح ما عندهم من المعارضة فإن كل موضع تعارض فيه دليلا، فرجح المجتهد أحدهما يلزم بالضرورة القول بمنسوخية الآخر، وإلا كان تركا لدليل صحيح عن الشارع فتأمل انتهى، لعل وجه التأمل أن الترجيح لا يستلزم النسخ لجواز عدم صدور المرجوح عن الشارع في الواقع، لأن أخبار الآحاد لا يفيد إلا الظن، فلا يقطع بعدم نقيضه، والمعارض الراجح ما روى ابن عدي عن عطاء عن ابي هريرة مرفوعا " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه وليغسله ثلاث مرات " مع ما أخرجه الدارقطني بسند صحيح عن عطاء موقوفا على أبي هريرة أنه كان إذا ولغ الكلب في الإناء أهرقه ثم غسله ثلاث مرات، أو ثبوت عمل أبي هريرة، وهو راوي السبع على خلاف روايته يوجب ومنافيها فيعارضه، وتقد عليه لما ثبت من نسخ التشديد في أمر الكلاب أول الأمر حتى أمر بقتلها على أن القياس بسائر النجاسات أيضا يفيد التحريم، وفي تحريم قليل الرضاع إطلاق الكتاب كقوله تعالى - وأمهاتكم التي أرضعنكم - والسنة لحديث " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب "، ويقدم لقطعية الكتاب وسلامة الحديث من القوادح سندا ومتنا، بخلاف حديث الخمس فقد قال الطحاوي منكر، والقاضي عياض لا حجة فيه، لأن عائشة رضي الله عنها أحالت ذلك على أنه قرآن. وقد ثبت أنه ليس بقرآن، ولا تحل القراءة به، ولا إثباته في المصحف إذ القرآن لا يثبت بخبر الواحد (أو نقلا) أو هما منسوخان نقلا، والفيد له عمل أبي هريرة على خلافه، فإن ظنية خبر الواحد بالنسبة إلى رواية الذي سمعه من فم النبي صلى الله عليه وسلم فقطعي ينسخ به الكتاب إذا كان قطعي الدلالة، فيلزم أنه لم يتركه إلا قطعه بالنسخ، فتركه بمنزلة روايته للناسخ، وما روى عن ابن عباس لما قيل له: إن الناس يقولون إن الرضعة لا تحرم. قال كان ذلك ثم سخ، وعن ابن مسعود قال " آل أمر الرضاع إلى أن قليله وكثيره يحرم " عن ابن عمر أن القليل يحرم، وهذه الآثار صالحة لنسخ حديث عائشة رضي الله عنها، وإن لم تكافئه في صحة السند لكثرتها، ولما يلزمه من نسخ القرآن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثبوت قول الرافضة ذهب كثير من القرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تثبته الصحابة، بطلان اللازم من ضروريات الدين. وقد قال الله تعالى - إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون - (فاللازم) على تقدير عدم دلالة التخصيص في الحديثين من حصول الطهارة والتحريم قبل الخمس والسبع على ما ادعى الخصم (حق) في حد ذاته لا من حيث أنه لازم لما عرفت من أن الملازمة غير مسلمة (فيسقطان)
(1/115)

أي الدليلان المذكوران، (واعلم ان المعول عليه نفي المفهوم عدم ما يوجبه) أي القول به (إذا علم أن الأوجه) المذكورة لاثباته (لم تفده) أي الاثبات (وأيضا الاتفاق) من الفريقين على أن المصير إليه) أي القول بالمفهوم إنما هو (عند عدم فائدة أخرى) للتخصيص سواء (وهي) أي الفائدة الأخرى (لازمة) متحققة في جميع مواد التخصيص فيجب أن يضار إليه اتفاقا (إذ ثواب الاجتهاد للالحاق) أي إلحاق المسكوت بالمذكور في حكمه بجامع بينهما (فائدة لازمة) للتخصيص (والدفع) بهذا اللزوم (بأن شرطه) أي القول بالمفهوم (عدم المساواة) بين المذكور والمسكوت في المناط، واكتفى بذكر المساواة عن الرجحان لما تقدم ذكرها والوعد بهذا الدفع بقوله، وسيدفع (فعندها) أي المساواة المحل (غير) محل (النزاع) لوجوب اشتراك المذكور والمسكوت في الحكم حينئذ (ليس بشيء) خبر المبتدأ: أعني الدفع (لأن فائدة الثواب) الإضافة بيانية (تلزم الاجتهاد) سواء (أوصل) الاجتهاد (إلى ظن المساواة) بينهما فتحقق الإلحاق (أو) أوصله (إلى عدمها) أي المساواة (أولا) أي أو لم يوصله إلى شيء آخر منها (ثم ينتفي الحكم) الثابت للمذكور عن المسكوت على كل من الأخيرين (بالأصل) وقد مر بيانه (وعدم المساواة ليس لازما بينا لكل تخصيص ليمتنع الاجتهاد لاستكشاف حال المسكوت) فإنه إذا كان بينا كان عدم مشاركتهما بديهيا غير محتاج إلى اجتهاد واستكشاف (ولهم) أي الحنفية (غيره) أي المعول عليه (أدلة منظور فيها) أي يرد عليها الاعتراض (منها انتفاؤه) أي المفهوم (في الخير نحو الشام غنم سائمة) فإنه لا يدل على عدم المعلوفة فيها لغة وعرفا (مع عموم أوجه الاثبات) أي إثبات المفهوم في الخبر والانشاء، حاصل الاستدلال انه لو كان التخصيص دالا على المفهوم للأوجه المذكورة كان يدل في نحو ما ذكر لجريانها فيه لكنه لا يدل فلا دلالة. (وأجيب) عنه بوجهين (بالتزامه) أي عموم المفهوم فيها (إلا لدليل) خارجي دال على عدم إرادته في البعض (ومنه) أي من ذلك الدليل (المثال) أي ما في مثال المذكور من العلم بوجود المعلوفة فيه (وبالفرق) بين الخبر والإنشاء (بأن كون المسكوت في الخبر غير مخبر عه لا يستلزم عدم ثبوت الحكم في نفس الأمر) للمسكوت إذ لا يلزم من عدم إدراك الوقوع واللاوقوع عدمها في نفس الأمر، وتوضيحه أن في الخبر نسبتين بين طرفي الحكم خارجية كائنة بينهما في الواقع وذهنية حاكية عن الخارجية، وانتفاء الثانية لا يستلزم انتفاء الأولى (بخلاف الأمر ونحوه) من الإنشاء (فإنه لا خارج له يجري فيه ذلك الاحتمال) وهو كون المسكوت متعلق الحكم في الواقع مع عدم كونه متعلقه في العقل بحسب دلالة اللفظ (فإذا انتفي تعرضه) أي الأمر ونحوه (للمسكوت
(1/116)

ينتفى الحكم عَنهُ فِي نفس الْأَمر) لِأَن ثُبُوت الحكم لَهُ فرع تعرضه (وَدفع الأول) من الْوَجْهَيْنِ (بِأَنَّهُ مُكَابَرَة) لظُهُور عدم اعْتِبَار مَفْهُوم المخالقة فِي الْأَخْبَار مُطلقًا، وَفِيه نظر كَيفَ وأوجه الْإِثْبَات غير مُخْتَصَّة بالإنشاء (و) دفع (الثَّانِي) وَهُوَ الْفرق بَينهمَا (بإفادته) أَي إِفَادَة انْتِفَاء تعرضه للمسكوت (السُّكُوت عَن الْمَسْكُوت) لانْتِفَاء الحكم فِي نفس الْأَمر فَلَا فرق بَينهمَا (وَهُوَ) أَي السُّكُوت عَن المكسوت وَعدم إِفَادَة الحكم ثَابت لَهُ (قَول النافين) للمفهوم فِيهِ أَن قَول النافين السُّكُوت عَنهُ إِثْبَاتًا ونفيا، وَاللَّازِم من انْتِفَاء التَّعَرُّض الَّذِي ذكره الْخصم السُّكُوت عَنهُ إِثْبَاتًا فَقَط (وَمِنْهَا) أَي وَمن الْأَدِلَّة المنظور فِيهَا أَنه (لَو ثَبت الْمَفْهُوم ثَبت التَّعَارُض) فِي حكم الْمَسْكُوت بَين الدَّال على نفي الحكم عَنهُ وَبَين مَا يدل على مشاركته للمذكور فِيهِ (لثُبُوت الْمُخَالفَة) فِي مواد التَّخْصِيص بَين مَا يَقْتَضِيهِ الْمَفْهُوم من نفي الحكم، وَبَين مَا يَقْتَضِيهِ دَلِيل آخر من ثُبُوته للمسكوت (كثيرا) وَيلْزمهُ ثُبُوت التَّعَارُض كثيرا، وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أضعافا مضاعفة} - إِذْ مَفْهُومه عدم النَّهْي عَن الْقَلِيل إِذْ النَّهْي عَن الْقَلِيل وَالْكثير ثَابت لقَوْله - {وَحرم الرِّبَا} - وَغَيره (وَهُوَ) أَي التَّعَارُض (خلاف الأَصْل لَا يُصَار إِلَيْهِ) أَي التَّعَارُض أَو خلاف الأَصْل (إِلَّا بِدَلِيل) ملجئ إِلَى الْمصير إِلَيْهِ، وَيتَّجه حِينَئِذٍ أَن الْأَدِلَّة الْمَذْكُورَة للمفهوم كَثِيرَة فيصار إِلَيْهِ، فَأَشَارَ إِلَى الْجَواب بقوله (فَإِن أقيم) الدَّلِيل على اعْتِبَاره (فَبعد صِحَّته) فِيهِ إِشَارَة إِلَى عدم صِحَّته وَعدم صلاحيته لِأَن يُعَارض دليلنا لصِحَّته: أَي فَبعد تَسْلِيم صِحَّته (كَانَ دليلنا مُعَارضا) وَإِذا تَعَارضا تساقطا فَلَا يبْقى بعد ذَلِك الِاعْتِبَار الْمَفْهُوم مُرَجّح، وَتعقبه المُصَنّف بِأَن ذَلِك إِذا لم ترجح عَلَيْهِ، فَقَالَ (وَالْحق أَن كل دَلِيل يخرج) الحكم (عَن الأَصْل) بإفادته إِيَّاه على خلاف إِفَادَة مَا يُوَافق الأَصْل (بعد صِحَّته يقدم) ذَلِك الدَّلِيل الْمخْرج على مَا يُوَافق (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يقدم (لزم مثله) أَي مثل مَا ذكر من ثُبُوت التَّعَارُض الَّذِي هُوَ خلاف الأَصْل إِلَى آخِره (فِي حجية خبر الْوَاحِد وَغَيره) مِمَّا يدل على خلاف الأَصْل يَعْنِي إِذا دلّ ظَنِّي كالقياس على حكم مُوَافق للْأَصْل، وَخبر الْوَاحِد على خِلَافه يُقَال: لَو ثَبت حجية الْخَبَر ثَبت التَّعَارُض، ثمَّ تقديمهم الْمخْرج عَن الأَصْل كترجيحهم بَيِّنَة الْخَارِج على ذِي الْيَد (وَيدْفَع) هَذَا الْإِيرَاد: أَعنِي تَقْدِيم الْمخْرج للُزُوم مثله الخ من قبل النافين (بِأَن ذَلِك) أَي تَرْجِيح مُثبت خلاف الأَصْل إِنَّمَا هُوَ (عِنْد تساويهما) أَي الْأَدِلَّة المتعارضة (فِي استلزام الْمَطْلُوب وأدلتكم) أَيهَا المثبتون (بَينا أَن شَيْئا مِنْهَا لَا يسْتَلْزم اعْتِبَاره) أَي الْمَفْهُوم فَإِذن لَا تصلح، لِأَن تعَارض أدلتنا لاستلزامها عدم اعْتِبَاره (وَمثله فِي الشَّرْط) أَي وَمثل ذكره فِي الصّفة من الْأَدِلَّة مَا أورد عَلَيْهَا ذكره
(1/117)

فِي الشَّرْط (من الْجَانِبَيْنِ) الْمُثبت والنافي (وَشَرطه) أَي مَفْهُوم الشَّرْط (وَمَا تقدم من عدم خُرُوجه) أَي الْقَيْد، وَهُوَ الشَّرْط هَهُنَا (مخرج الْغَالِب) وَقد مر تَفْسِيره كَقَوْلِه تَعَالَى - {وَلَا تكْرهُوا فَتَيَاتكُم على الْبغاء إِن أردن تَحَصُّنًا} - على أحد الْوُجُوه (وَنَحْوه) مِمَّا لَا يتَعَيَّن مَعَه كَون الْمَفْهُوم فَائِدَة للتَّقْيِيد (ويخصه) أَي مَفْهُوم الشَّرْط (قَوْلهم أَنه) أَي الشَّرْط (سَبَب) للجزاء (فعلى) تَقْدِير (اتحاده) أَي السَّبَب انْتِفَاء الحكم عَنهُ انْتِفَاء الشَّرْط (ظَاهر) ضَرُورَة انْتِفَاء الشَّيْء عِنْد انْتِفَاء السَّبَب بِالْكُلِّيَّةِ (وعَلى) تَقْدِير (جَوَاز التَّعَدُّد) أَي تعدد السَّبَب (الأَصْل عدم غَيره) أَي الشَّرْط من الْأَسْبَاب الْأُخَر، فَإِن سَبَبِيَّة الشَّرْط مَعْلُومَة وسببية غَيره غير مَعْلُومَة، وَالْأَصْل فِي الْأَشْيَاء الْعَدَم كَمَا أَفَادَ بقوله (فَإِذا انْتَفَى) الشَّرْط الَّذِي هُوَ السَّبَب (انْتَفَى) الْمُسَبّب (مُطلقًا) لانحصار السَّبَب فِيهِ لما ذكر (مُلَاحظَة النَّفْي الْأَصْلِيّ مَا لم يقم دَلِيل الْوُجُود) أَي وجود سَبَب آخر للجزاء (مَعَ أَن الْكَلَام فِيمَا إِذا استقصى الْبَحْث) أَي بولغ فِي التفتيش والفحص إِلَى أقْصَى الْغَايَة (عَن) وجود سَبَب (آخر فَلم يُوجد فَإِن احْتِمَال وجوده) أَي سَبَب آخر (يضعف) حِينَئِذٍ جدا (فيترجح الْعَدَم) رجحانا تَاما (وَالْمَفْهُوم) ثُبُوته (ظَنِّي لَا يُؤثر فِيهِ) ذَلِك (الِاحْتِمَال) الضَّعِيف، بل حَقِيقَة الظَّن لَا يتَحَقَّق بِدُونِهِ، وَالِاحْتِمَال الْمَرْجُوح إِنَّمَا يُنَافِي الْقطعِي (وَلَا يخفى أَن هَذَا) التَّقْرِير (رُجُوع عَن أَنه) أَي مَفْهُوم الشَّرْط (مَدْلُول اللَّفْظ إِلَى إِضَافَته) أَي الْمَفْهُوم (إِلَى انْتِفَاء السَّبَب) فكأنهم اعْتَرَفُوا بِأَنَّهُ لَا يدل عَلَيْهِ اللَّفْظ، بل يدل عَلَيْهِ دَلِيل عَقْلِي هُوَ انْتِفَاء السَّبَب المستلزم انْتِفَاء الْمُسَبّب الَّذِي هُوَ الحكم (وَهُوَ) أَي الرُّجُوع إِلَيْهَا (قَول الْحَنَفِيَّة أَنه) أَي انتفام الحكم عِنْد عدم الشَّرْط (يبْقى على عَدمه الْأَصْلِيّ فِي التَّحْقِيق) ظرف لنسبة الْخَبَر إِلَى الْمُبْتَدَأ (وَالْأَقْرَب لَهُم) أَي المثبتة (إِضَافَته) أَي مَفْهُوم الشَّرْط (إِلَى شَرْطِيَّة اللَّفْظ المفادة للأداة) بِنَاء (على أَن الشَّرْط) الَّذِي هُوَ من حَيْثُ شرطيته مفادة للأداة لُغَة مَعْنَاهَا (مَا ينتفى الْجَزَاء بانتفائه فَيكون) انْتِفَاء الْجَزَاء لانْتِفَاء الشَّرْط (مدلولا) لفظيا (للأداة) إِشَارَة إِلَى مَا قَالُوا من أَن أهل اللُّغَة قاطبة أطْلقُوا حرف الشَّرْط على كلمة إِن، وَالْأَصْل فِي الْإِطْلَاق الْحَقِيقَة، فَيكون مَا دخلت عَلَيْهِ شرطا، وَالشّرط ينتفى الْمَشْرُوط بانتفائه: أَلا ترى أَن الْعلم وَالزَّكَاة ينتفيان بِانْتِفَاء الْحَيَاة والحول انْتهى، وَلَا يخفى عَلَيْك أَنه من بَاب اشْتِبَاه الشَّرْط الْحكمِي بِالشّرطِ النَّحْوِيّ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَالْجَوَاب منع كَون الشَّرْط) النَّحْوِيّ شَيْئا (سوى مَا جعل سَببا للجزاء) ذهنا أَو خَارِجا سَوَاء كَانَ عِلّة للجزاء كطلوع الشَّمْس لوُجُود النَّهَار أَو معلولاله كَعَكْسِهِ أَو غَيرهمَا، كَانَ دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق (والانتفاء) أَي انْتِفَاء الْجَزَاء (للانتفاء) أَي لانْتِفَاء الشَّرْط (لَيْسَ
(1/118)

من مفهومه) أي الشرط مستفادًا من أدلته (بل) الانتفاء للانتفاء (لازم لتحققه) أي الشرط غالبا لانحصار السببية فيه وعدم وجود شيء بدون سببه (ويجيء الأول) وهو انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط لعدم دليل ثبوته (ويتحد) حينئذ قول مثبته (بقول الحنفية) أن عدم المشروط هو العدم الأصلي (وفائدة الخلاف أن النفي) أي نفي الحكم عند عدم الشرط (حكم شرعي عنده) أي عند الشافعي رحمه الله لكونه مدلول الدليل اللفظي عنده (وعدم أصلي عندهم) أي الحنفية (فلا يخص) عموم ما وراء المحرمات المذكورة قبل قوله تعالى (وأحل لكم ما وراء ذلكم بمفهوم) قوله تعالى (ومن لم يستطع الآية) فإن قوله تعالى - ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات - يدل بمفهومه عند القائل بمفهوم الشرط على عدم حل نكاح الأمة عند القدرة على نكاح الحرة المؤمنة بالقدرة على المهر فيخص به عموم ما ذكر، ولما لم تقل به لم يخصص به، لأن مدلول الشرط المذكور عندنا الحل عند عدم الاستطاعة من غير تعرض بحال الاستطاعة، ولولا أن قوله تعالى - وأحل لكم ما وراء ذلكم -، دل بعمومه على جواز نكاح الأمة عند الاستطاعة المذكورة لكنا نقول بعدم جوازه بناء على العدم الأصلي لا لمفهوم الشرط، كذا قيل، وفيه نظر (وإن لم يشترط الاتصال) أي اتصال المخصص بالخصص وإن وصلية متصلة فلا يخص (كقوله) أي الشافعي إشارة إلى خلافية أخرى، وهي أن من شرط المخصص أن يكون متصلا بما يخصص به عندنا خلافا له، فهذا بحث على طريق التنزل، وإيماء إلى مانع آخر عن التخصيص (و) كما لا يخص عموم ما ذكر بمفهوم من لم يستطع كذلك (لا ينسخ) به بناء (على قولنا) الخاص (المتأخر ناسخ) للعام المتقدم في القدر الذي وقع فيه التعارض بينهما، لأن التخصيص والنسخ ههنا فرع اعتبار مفهوم المخالفة، وإفادة الشرط المذكور عدم نكاح الأمة مع استطاعة الحرة المؤمنة، وحيث لا دلالة له عليه لا يتحقق شيء منها (خلافا له) أي الشافعي رحمه الله فإنه يقول إن الخاص المتأخر المتراخي مخصص لا ناسخ كما سيأتي، يعني لو اعتبر هنا مفهوم المخالفة لكان يلزم أحد الأمرين: إما التخصيص على قول من يقول: الخاص المتأخر مخصص، وإما النسخ على من يقول ناسخ، وذلك لأن قوله تعالى - ومن لم يستطع - الاية متأخر متراخ من قوله - وأحل لكم ما وراء ذلكم - (وما قيل من بناء الخلاف) المذكور، وهو أن النفي حكم شرعي عنده عدم أصلي عندنا (على أن الشرط) والتعليق في مثل: إن دخلت الدار فأنت طالق (مانع من انعقاد السبب) أي سبب الحكم قبل وجود فأنت طالق لا يتصف بسبيته للطلاق
(1/119)

قبل دخول الدار (فعدم الحكم) كالطلاق (بالأصل عندنا) لأن الأصل في الأحكام وغيرها العدم عند عدم أسبابها على أن الشرط مانع (من) انعقاد (الحكم عنده) لا من انعقاد السبب، بل السبب موجود مع وجود التعليق، ونظيره التعليق الحسي في القنديل، فإنه مانع عن السقوط لا عن سببه الذي هو الثقل، وعدم الحكم (بانتفاء شرطه) عند وجود سببه لا يكون عدما أصليا، بل يكون حكما شرعيا، وسيجيء أن هذا الكلام غلط كما لا يخفى على الفطن (وانبنى عليه) أي على كون الشرط مانع السبب، أو الحكم (صحة تعليق الطلاق) للاجنبة، (و) تعليق (العتاق) لغير المملوك (بالملك) أي يملك النكاح في الطلاق كقوله إن تزوجت فلانة فهي طالق، وبملك الرقبة في العتاق كقولك: إن ملكتك فأنت حر (عندنا) ظرف للصحة حتى إذا ملك يقع الطلاق والعتاق (و) ابتنى على ما ذكر (عدمه) أي عدم صحة تعليقهما بالملك (عنده) أي الشافعي رحمه الله ظرف لعدم الصحة، وجه الابتناء أن وجود المحل شرط لانعقاد السبب، وقبل الملك لا وجود له فلا ينعقد، وإذا كان تأثير التعليق في عدم انعقاد الحكم فقط، فالسبب باق على سببته وصحة التعليق تستلزم صحة السببية فعدم وجود المحلي يستلزم عدم صحة السببية، وعدم السببية يستلزم عدم صحة التعليق.
ولما كان تأثير التعليق عندنا في السبب والحكم معا صح التعليق بدون السبب (بل الصحة) أي صحة تعليقهما بالملك حال عدم قيامه (أولى منها) أي من صحة تعليقهما بغير الملك كما هو على خطر التحقق مع زوال الملك (حال قيامه) أي الملك (للتيقن بوجود المحل) هو الملك في التعليق بالملك (عند) وجود (الشرط) وهو عين الملك، بخلاف ما إذا علقا بغير الملك، والملك موجود في زمان التعليق لجواز زواله عند وجود الشرط (وكذا) يبتني على المبتني المذكور (تعجيل المنذور المعلق) بشرط قبل وجود الشرط، نحو: إن شفى الله مريضي فالله علي أن أتصدق بكذا جوازا وامتناعا (يمتنع عندنا) لعدم انعقاد السبب، وعدم صحة أداء الواجب قبل وجود سببه، فإن تصدق بذلك قبل الشفاء لا يمنع، ويجب التصدق بعده (خلافا له) أي الشافعي رحمه الله فإنه يجوز عنده التعجيل قبل وجود الشرط لانعقاد السبب، وإنما مثلناه في المنذور المالي للاتفاق على أنه في البدني كالصلاة والصوم لا يجوز التعجيل قبل وجود الشرط (غلط) خبر المبتدأ، أعني ما قيل (لأن ما يدعيه الشافعي سببا) مفعول ثان للادعاء المتضمن معنى الجعل (ينتفي الحكم) المعلق بالشرط (بانتفائه) الضمير للموصوف بالجملة أعني سببا (في الخلافية) المذكورة، وهي أنه هل يدل التعليق بالشرط على انتفاء الحكم المعلق به عند انتفائه أم لا إنما هو (معنى لفظ الشرط لا) معنى لفظ (الجزاء)
(1/120)

كَمَا يفهم مِمَّا قبل (وَالْخلاف الْمشَار إِلَيْهِ) بقوله الشَّرْط مَانع إِلَى آخِره (هُوَ أَن اللَّفْظ الَّذِي ثبتَتْ سببيته) مشروعيته (شرعا) أَي ثبوتا شَرْعِيًّا، أَو سَبَبِيَّة شَرْعِيَّة (لحكم) كَأَنْت طَالِق لإنشاء الطَّلَاق (إِذا جعل جَزَاء لشرط) كَانَ دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق (هَل يسلبه) أَي الْجعل الْمَذْكُور المجعول جَزَاء (سببيته) الثَّابِتَة شرعا (لذَلِك الحكم) الْمُسَبّب شرعا (قبل وجود الشَّرْط) ظرف للسبب (كَأَنْت طَالِق و) أَنْت (حرَّة) مثل اللَّفْظ الثَّابِت سببيته شرعا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (جعل) شرعا (سَببا لزوَال الْملك) أَي ملك النِّكَاح والرقبة (فَإِذا دخل الشَّرْط) على السَّبَب الْمَذْكُور (منع) دُخُوله عَلَيْهِ (الحكم) عَن الِانْعِقَاد (عِنْده) أَي عِنْد الشَّافِعِي (فَقَط) لَا السَّبَب، فَلَا يسلب سببيته قبل وجود الشَّرْط، فغايته تَأْخِير انْعِقَاد الحكم إِلَى وجوده (وَعِنْدنَا منع) دُخُوله عَلَيْهِ (سببيته) أَي السَّبَب الْمَذْكُور، فَيلْزم منع الحكم بِالطَّرِيقِ الأولى (فتفرعت الخلافيات) الْمَذْكُورَة، وَلَا يخفى عَلَيْك أَن منشأ الْغَلَط اشْتِرَاك الخلافيتين فِي أَمر التَّعْلِيق بِالشّرطِ، وَذكر السَّبَب شرعا، وَعدم الحكم بِانْتِفَاء الشَّرْط وَعدم الْفرق بَين السَّبَب فَمَا نَحن فِيهِ، وَهُوَ الشَّرْط، وَالسَّبَب الْمَذْكُور فِي تِلْكَ الخلافية، وَهُوَ السَّبَب الشَّرْعِيّ الْوَاقِع جَزَاء الشَّرْط، وَأَن عدم سَبَب الشَّرْط سَببه سَبَب الحكم شرعا لَا يسْتَلْزم كَون عدم الحكم عِنْد عدم الشَّرْط حكما شَرْعِيًّا لَا عدما أَصْلِيًّا، وَلَا مُنَاسبَة بَينهمَا، ثمَّ لما بَين عدم بِنَاء الْخلاف فِيمَا نَحن فِيهِ على مَا ذكر أَرَادَ أَن يبين مُنَاسبَة أُخْرَى بَينهمَا، فَقَالَ (وَإِنَّمَا يتفرعان مَعًا) أَي الْخلاف الَّذِي نَحن بصدد بَيَانه، وَمَا جعله الغالط مَبْنِيّ لَهُ (على الْخلاف فِي اعْتِبَار الْجَزَاء) حَال كَونه جُزْءا (من التَّرْكِيب الشرطي) وَالِاعْتِبَار لتَضَمّنه معنى الْجعل يتَعَدَّى إِلَى مفعولين، فَالْأول مَا أضيف إِلَيْهِ، وَالثَّانِي قَوْله (يُفِيد) أَي الْجَزَاء (حكمه على عُمُوم التقادير) وَيحْتَمل أَن يكون قَوْله يُفِيد استئنافا لبَيَان الِاعْتِبَار كَأَن سَائِلًا قَالَ كَيفَ الْخلاف فِي اعْتِبَاره، فَقَالَ هَل يُفِيد الْجَزَاء الَّذِي هُوَ سَبَب شَرْعِي لحكم حكمه على جَمِيع التقادير أم لَا بِأَن يدل من حَيْثُ ذَاته مَعَ قطع النّظر على تَقْيِيده بِالشّرطِ على ثُبُوت حكمه فِي جَمِيع الْأَوْقَات بِاعْتِبَار جَمِيع أَحْوَاله وأوضاعه غير أَنه (خصصه الشَّرْط) أَي خصص الشَّرْط عُمُومه الْمُسْتَفَاد مِنْهُ (بِإِخْرَاج مَا) أَي بِإِخْرَاج التقادير الَّتِي هِيَ (سوى مَا تضمنه) الشَّرْط من التقادير الْحَاصِلَة مَعَ وجود الشَّرْط (عَن ثُبُوت الحكم مَعَه) كلمة عَن مُتَعَلقَة بالاخراج، وَضمير مَعَه رَاجع إِلَى مَا سوى الشَّرْط، يَعْنِي يخرج الشَّرْط مَا سوى متضمنه عَن أَن يثبت الحكم مَعَه، فَيلْزم إِفَادَة الشَّرْط نفي الحكم عِنْد التقادير المخرجة (فَيكون النَّفْي) أَي نفي حكم الْجَزَاء عِنْد عدم الشَّرْط (مُضَافا إِلَيْهِ) أَي الشَّرْط (لِأَنَّهُ) أَي الشَّرْط (دَلِيل التَّخْصِيص) أَي تَخْصِيص الحكم بِمَا
(1/121)

تضمنه الشَّرْط، فالثبوت والانتفاء حكمان شرعيان ثابتان بِاللَّفْظِ منطوقا ومفهوما ذكر السَّيِّد الشريف أَن هَذَا ظَاهر مَا ذهب إِلَيْهِ السكاكي لأهل الْعَرَبيَّة، فَإِن عِنْدهم على مَا ذكره الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ الحكم فِي الْجَزَاء وَالشّرط قيد لَهُ بِمَنْزِلَة الظّرْف وَالْحَال حَتَّى أَن الْجَزَاء إِذا كَانَ خَبرا، فالشرطية خبرية وَإِلَّا فإنشائية، فَالْقَوْل بِمَفْهُوم الشَّرْط يتَفَرَّع على هَذَا الْمَذْهَب، كَذَا قيل، وَلَا يظْهر مدافعة مَا نقل عَن الْمُحَقق لكَلَام السكاكي فَتَأمل فَإِن قلت عرفنَا تفرع كَون عدم الحكم حكما شَرْعِيًّا على إِفَادَة الْجَزَاء حكمه على عُمُوم التقادير، وتحصيص الشَّرْط، إِذْ حَاصله قصر الحكم على تقادير، وَهُوَ مركب من حكمين: أَحدهمَا أَن الحكم ثَابت مَعَ تقاديره، وَالثَّانِي أَنه مُنْتَفٍ فِيمَا عَداهَا، لَكِن مَا عرفنَا تفرع كَون الشَّرْط غير مَانع من انْعِقَاد السَّبَب عَلَيْهِ قلت يُمكن أَن يُقَال لما تربت على الشَّرْط التَّأْثِير الْمَذْكُور ناسب أَن يَجْعَل سَببا متراخيا عَنهُ الحكم لَا أمرا خَالِيا عَن السَّبَبِيَّة فَتَأمل جزاءه (وَأهل النّظر) وهم المنطقيون، وَفِي هَذَا التَّعْبِير إِشْعَار بِأَن الصَّوَاب مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ كَمَا هُوَ التَّحْقِيق (يمْنَعُونَ إفادته) أَي الْجَزَاء (شَيْئا) من الحكم (حَال وُقُوعه) أَي الْجَزَاء جُزْءا وَالْمرَاد بِالْأولِ ذَاته، وَبِالثَّانِي وَصفه، يَعْنِي فِي زمَان اتصافه بالجزائية، وَأما إِذا اسْتعْمل بِلَا تَقْيِيد بِالشّرطِ فَيُفِيد الحكم كَسَائِر الْجمل (بل هُوَ) أَي الْجَزَاء (حِينَئِذٍ) أَي حِين كَونه جُزْءا (كزاي زيد) فِي أَنه (جُزْء الْكَلَام الْمُفِيد) أَي للْحكم، وَلَيْسَ بمفيد لَهُ اسْتِقْلَالا، وَلَيْسَ التَّشْبِيه من كل وَجه، فَلَا يتَّجه أَن لَيْسَ فِي الْمُشبه بِهِ دلَالَة أصلا، بِخِلَاف الْمُشبه (فضلا عَن إِيجَابه) أَي الْجَزَاء الحكم (على عُمُوم التقادير) حَتَّى يكون الشَّرْط مُخَصّصا، لذَلِك الْعُمُوم، وفضلا ينصب بِمَحْذُوف، ويتوسط بَين أدنى وَأَعْلَى بعد نفي صَرِيح، أَو ضمني تَنْبِيها بِنَفْي الْأَدْنَى، واستبعاده على نفي الْأَعْلَى، واستحالته، وَضمير ناصبه بمضمون المنفية، نَحْو: فلَان لَا ينظر إِلَى الْفَقِير، فضلا عَن الْإِعْطَاء، من فضل عَن المَال إِذا ذهب أَكْثَره وَبَقِي أَقَله، وَالْمعْنَى نفي عدم النّظر عَن الْإِعْطَاء، وَلَا يخفى مَا فِيهِ من التهكم (وَالْمَجْمُوع) أَي مَجْمُوع الشَّرْط وَالْجَزَاء عِنْدهم (يُفِيد حكما مُقَيّدا بِالشّرطِ) وَذَلِكَ الحكم الْمُقَيد مَا يُسْتَفَاد من قَوْله (فَإِنَّمَا دلَالَته) أَي الْمَجْمُوع (على الْوُجُود) أَي على مَضْمُون الْجَزَاء (عِنْد وجوده) أَي وجود مَضْمُون الشَّرْط (فَإِذا لم يُوجد) الشَّرْط (بَقِي مَا قيد) أَي الحكم الَّذِي قيد (وجوده بِوُجُودِهِ) أَي الشَّرْط (على عَدمه الْأَصْلِيّ) مُتَعَلق بقوله بَقِي وَذَلِكَ لِأَن الأَصْل فِي الحكم الْعَدَم، وَلم يُوجد مَا يُخرجهُ عَن الأَصْل إِلَّا الحكم بِوُجُودِهِ عِنْد وجود الشَّرْط، وَلم يُوجد الحكم بِوُجُودِهِ عِنْد عدم الشَّرْط ليخرج هُوَ أَيْضا عَن الْعَدَم الْأَصْلِيّ. فَالْقَوْل بِعَدَمِ مَفْهُوم الشَّرْط متفرع على هَذَا التَّحْقِيق وَحَاصِل تَحْقِيق السَّيِّد
(1/122)

فِي هَذَا الْمقَام أَنه لَو كَانَ الْخَبَر هُوَ التَّالِي لم يتَصَوَّر صدق الشّرطِيَّة مَعَ كذبه ضَرُورَة استلزام انْتِفَاء الْمُطلق انْتِفَاء الْمُقَيد وَحَاصِل اعْتِرَاض الدواني عَلَيْهِ منع كَون الْمُطلق الَّذِي قيد بِالشّرطِ ثُبُوت النِّسْبَة بِحَسب الْوَاقِع، بل مَا يعم الْوَاقِع وَالظَّن، فكذب زيد قَائِم فِي الْوَاقِع لَا يسْتَلْزم كذب زيد قَائِم فِي ظَنِّي، فَاعْتبر بدل الظَّن حَال وجود الشَّرْط قلت إِذا أطلق زيد قَائِم يفهم مِنْهُ بِحَسب الْوَاقِع، فَإِذا قيد بِالشّرطِ يُقيد بذلك الِاعْتِبَار، وَلَو قَالَ أَن المُرَاد أَن يتَحَقَّق عِنْد تحَققه أَن يتَحَقَّق فَهُوَ بِعَيْنِه تَحْقِيق أهل النّظر فَتدبر (وَأما تَفْرِيع) جَوَاز (تَعْجِيل الْكَفَّارَة الْمَالِيَّة) أَو أعتق الرَّقَبَة (قبل الْحِنْث) على أَن السَّبَب مُنْعَقد قبل وجود الشَّرْط وَأثر الشَّرْط إِنَّمَا هُوَ فِي تَأْخِير الحكم إِلَى وجوده على مَا مر، فَلَيْسَ بِظَاهِر لعدم لُزُوم التَّعْلِيق وَالْيَمِين (فَقيل) فِي تَأْوِيله أَن تفريعه (بِاعْتِبَار الْمَعْنى) الَّذِي هُوَ مدَار الأَصْل الْمَذْكُور، وَهُوَ أَن انْتِفَاء شَرط الشَّيْء لَا يمْنَع انْعِقَاد سَببه، وَقد تقرر عِنْد الشَّافِعِي رَحمَه الله أَن سَبَب الْكَفَّارَة الْيَمين والحنث شَرطهَا، وَإِنَّمَا قيد بالمالية، لِأَن المدنية لَا يجوز تَعْجِيلهَا، لِأَن وجوب أَدَائِهَا إِنَّمَا هُوَ بعد الْحِنْث إِجْمَاعًا، وَالْوُجُوب فِيهَا إِمَّا عين وجوب الْأَدَاء أَو هما متلازمان، فتعجيلها تَعْجِيل قبل الْوُجُوب بِخِلَاف الْمَالِيَّة، فَإِن وجوب المَال فِي الذِّمَّة قد يثبت قبل وجوب الْأَدَاء كَالثّمنِ الْمُؤَجل (وَلَا يخفى مَا فِيهِ) أَي فِي هَذَا التَّأْوِيل من التَّكَلُّف من غير ضَرُورَة، لِأَن تفريعه على الأَصْل الْمَذْكُور مُسْتَغْنى عَنهُ لكَونه من فروع أَن انْتِفَاء الشَّرْط الشَّرْعِيّ لَا يمْنَع انْعِقَاد السَّبَب، فَإِن الْحِنْث عِنْده شَرط وجوب الْكَفَّارَة وَالْيَمِين سَبَب لَهُ، وَقد انْعَقَد من غير مَانع، (وَالْأَوْجه خلاف قَوْله) أَي الشَّافِعِي رَحمَه الله فِي الْفَرْع الْمَذْكُور، وَهُوَ عدم جَوَاز تَعْجِيل أَدَاء الْكَفَّارَة الْمَالِيَّة قبل الْحِنْث (لعقلية سَبَبِيَّة الْحِنْث) أَي لمعقولية سَبَب هُوَ الْحِنْث بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكَفَّارَة (لَا الْيَمين) أَي لَا معقولية سَبَب هُوَ الْيَمين، فالإضافة بَيَانِيَّة تَوْضِيحه أَن سَببهَا عِنْده الْيَمين، لِأَنَّهُ تَعَالَى أضافها إِلَى الْيَمين فِي قَوْله - {ذَلِك كَفَّارَة أَيْمَانكُم} - ويتبادر مِنْهَا السَّبَبِيَّة، وعندما الْحِنْث، لِأَن الْكَفَّارَة تنبئ عَن ستر مَا وَقع من الْإِخْلَال بتوقير مَا يجب لاسم الله، فَيَنْبَغِي أَن يكون سَببهَا مَا يُوجب الْإِخْلَال، وَهُوَ الْحِنْث لكَونه مفضيا إِلَيْهَا من حَيْثُ أَنه جِنَايَة لَا الْيَمين الَّتِي انْعَقَدت للبر، وَوضعت للإفضاء إِلَيْهِ، فَلَا يَنْبَغِي أَن تجْعَل سَببا، ومفضيا إِلَى مَا لَا يجب إِلَّا عِنْد عدم الْبر على أَن السَّبَب يجب تَقْدِيره عِنْد وجود الْمُسَبّب، وَالْيَمِين لَا تبقى عِنْد وجود الْكَفَّارَة لانتقاضها بِالْحِنْثِ، غَايَة الْأَمر أَن الْكَفَّارَة لَا تتَحَقَّق بِلَا سبق الْيَمين، وَهَذَا يقتضى كَونهَا شرطا فَإِن قلت لم لَا يجوز أَن تُفْضِي الْيَمين إِلَيْهَا بطرِيق الانقلاب، يَعْنِي أَنَّهَا مفضية إِلَى الْبر ابْتِدَاء، وَعند فَوَاته تصير مفضية إِلَى الْكَفَّارَة فَهِيَ خلف للبر قُلْنَا الافضاء
(1/123)

بطرِيق الانقلاب خلاف الظَّاهِر، وَلَا يُصَار إِلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيل، وَلَا دَلِيل سوى الْإِضَافَة، وَهُوَ ضَعِيف لَا يُقَاوم عقلية سَبَب الْحِنْث، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَإِن أضيفت) الْكَفَّارَة (إِلَيْهِ) أَي الْحلف (فِي النَّص) الْمَذْكُور فَإِنَّهَا من إِضَافَة الحكم إِلَى شَرطه (كإضافة صَدَقَة الْفطر عندنَا) فَإِن الْفطر عندنَا شَرطهَا وسببها رَأس يمونه ويلي عَلَيْهِ، وَبِالْجُمْلَةِ دلَالَة الْإِضَافَة على السَّبَبِيَّة لَيست بِأَمْر مُسلم، وَلَا سِيمَا إِذا وجد مَا هُوَ مُتَعَيّن للسَّبَبِيَّة نظرا إِلَى مَا يفيدها لَهُ (وَوَجهه) أَي وَجه مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ: من أَن الشَّرْط مَانع من انْعِقَاد سَبَبِيَّة مَا علق عَلَيْهِ لحكمه (أَولا أَن السَّبَب) الشَّرْعِيّ هُوَ المفضي إِلَى الحكم) أَي الطَّرِيق الْمُؤَدِّي إِلَيْهِ (وَالتَّعْلِيق) أَي تَعْلِيق السَّبَب الْمَذْكُور (مَانع من الْإِفْضَاء) أَي من إفضائه إِلَى الحكم قبل وجود الشَّرْط (لمَنعه) أَي التَّعْلِيق السَّبَب الَّذِي علق من التَّأْثِير (من الْمحل) أَي مَحل الحكم، وَذَلِكَ لِأَن السَّبَب كَأَنْت طَالِق إِنَّمَا يُؤثر شرعا فِي مَحَله الَّذِي هُوَ ملك النِّكَاح إِنَّمَا نجز من غير تَعْلِيق بِشَيْء، وَإِذا علق بِهِ مَنعه عَن التَّأْثِير إِلَى حِين وجوده، فَعِنْدَ ذَلِك يصير تنجيزا (والأسباب الشَّرْعِيَّة لَا تصير قبل الْوُصُول إِلَى الْمحل أسبابا) وَالْمرَاد بوصوله: تعلقه بِهِ عِنْد وجود الْمُعَلق بِهِ، فَإِن الْمُتَكَلّم لم يقْصد تعلق مُوجب السَّبَب، وَهُوَ الطَّلَاق بِالْمحل الَّذِي هُوَ ملك النِّكَاح إِلَّا عِنْده فَلَا وُصُول قبله، فتسميتها قبل الْوُصُول أسبابا بِاعْتِبَار مَا تئول إِلَيْهِ (فضعف قَوْله) أَي الشَّافِعِي رَحمَه الله (السَّبَب) بِوُقُوع الطَّلَاق قَول الْمُعَلق (أَنْت طَالِق، وَالشّرط لم يعدمه) لِأَنَّهُ إِن أَرَادَ عدم إعدامه ذَات السَّبَب من حَيْثُ هِيَ، فَلَا يجديه نفعا، وَإِن أَرَادَ من حَيْثُ إِنَّهَا سَبَب فَغير مُسلم لما عرفت من منع الْإِفْضَاء إِلَى آخِره (فَإِنَّمَا أخر الحكم) يَعْنِي لَا يمْنَع انْعِقَاد السَّبَب بل يُؤَخر الحكم إِلَى وجود الشَّرْط (وَأورد) علينا إِذا منع الشَّرْط انْعِقَاد السَّبَب وَالْحكم مَعًا لزم عدم إِفَادَة مَا علق بِهِ الشَّرْط شَيْئا (فَيجب أَن يَلْغُو) ذكر السَّبَب الْمُعَلق لعدم الإفادة شَيْء من الفائدتين (كالأجنبية) أَي كَمَا يَلْغُو ذكر الطَّلَاق مُنجزا فِي الْأَجْنَبِيَّة لتساويهما فِي عدم الْوُصُول إِلَى الْمحل، وَإِن كَانَ الْمحل مَوْجُودا فِي الأول دون الثَّانِي (وَأجِيب) عَن الْإِيرَاد الْمَذْكُور بِأَنَّهُ (لَو لم يرج) وُصُول السَّبَب الْمُعَلق إِلَى الْمحل بِأَن علق مَا لَا يُرْجَى الْوُقُوف عَلَيْهِ (لَغَا) جَوَاب لَو (كطالق إِن شَاءَ الله) فَإِن مَشِيئَته تَعَالَى فِيمَا لَا يعلم وُقُوعه بِدَلِيل لَا يُرْجَى الْعلم بهَا بوصول السَّبَب الْمُعَلق إِلَى الْمحل، فَيلْغُو (وَغَيره) أَي غير مَا لم يرج وُصُوله إِلَى الْمحل من الْأَسْبَاب الشَّرْعِيَّة الْمُعَلقَة بِالشّرطِ (بعرضية السَّبَبِيَّة) فعلة بِمَعْنى الْمَفْعُول كَالْقبْضَةِ، يُقَال لما يعرض دون الشَّيْء، وللمعرض لِلْأَمْرِ المنهى لَهُ، وَهَذَا هُوَ المُرَاد هَهُنَا، وَالْيَاء للمصدرية وَالْإِضَافَة من إِضَافَة الْمصدر إِلَى الْمَفْعُول بِوَاسِطَة حرف الْجَرّ وَالْمعْنَى كَون الْجَزَاء متهيئا للسَّبَبِيَّة
(1/124)

بِحَيْثُ لَا يتَوَقَّف على شَيْء سوى وجود الشَّرْط مَعَ بَقَاء الْمحل قَابلا لوُرُود الحكم (فَلَا يلغى) ذكر السَّبَب وَلَا يعد لَغوا (تَصْحِيحا) لكَلَام الْعَاقِل، فَإِن عرضيته فَائِدَة مترتبة على ذكره مُعَلّقا فَإِن قلت السَّبَب مثل: أَنْت طَالِق مَوْضُوع لإِثْبَات التَّطْلِيق، وَعقد الطَّلَاق شرعا، فَإِذا علق بِالشّرطِ يتَأَخَّر حكمه بِالْإِجْمَاع، فالتعليق يمْنَع الحكم ضَرُورَة، وَلَا ضَرُورَة فِي منع سببيته، فَلَا يعدل عَن مُوجب وَضعه الشَّرْعِيّ من غير ضَرُورَة، فَينْعَقد قبل وجوب الشَّرْط سَببا، ويتأخر حكمه، وَأَيْضًا جَوَاب الشَّرْط يتَضَمَّن نِسْبَة أحد جزءيه إِلَى الآخر وَالْحكم بهَا، وَالثَّانِي هُوَ المنقسم إِلَى الْأَخْبَار والإنشاء، وكل مِنْهُمَا يَسْتَحِيل تَعْلِيقه لِأَنَّهُمَا نَوْعَانِ من الْكَلَام يَسْتَحِيل وجودهما حَيْثُ لَا كَلَام، وَالشّرط قد يُوجد حِين يكون الشارط سَاهِيا ونائما، وَغير مُتَكَلم، ويستحيل كَون الْإِنْسَان مخبرا ومنشئا عِنْد ذَلِك، فَتعين أَن التَّعْلِيق بِاعْتِبَار الأول، فالمعلق مخبر ومنشئ عِنْد التَّعْلِيق، وَالْحكم حَاصِل عِنْده، فَالْمَوْقُوفُ على دُخُول الدَّار مثلا إِنَّمَا هُوَ الطَّلَاق لَا التَّطْلِيق، فَقَوله: إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق إنْشَاء التَّعْلِيق، لَا تَعْلِيق الْإِنْشَاء أَقُول: إِن أردْت بِقَوْلِك مَوْضُوع لإثباتهما شرعا أَنه مَوْضُوع على الْإِطْلَاق مُنجزا كَانَ أَو مُعَلّقا فَمَمْنُوع، لِأَنَّهُ لم يثبت سببيته شرعا إِلَى حَال التَّنْجِيز، وَإِن أردْت وَضعه عِنْد التَّعْلِيق فَهُوَ عين مَحل النزاع، وَإِن أردْت وَضعه عِنْد التَّنْجِيز فَلَا يجديك نفعا، ثمَّ إِن الْجَزَاء إِن كَانَ خَبرا فالمعلق خبري، وَإِن كَانَ إنْشَاء فإنشائي، فَيتَحَقَّق تَعْلِيق الْإِنْشَاء وإنشاء التَّعْلِيق مَعًا، وقولك: يَسْتَحِيل وجودهما حَيْثُ لَا كَلَام إِن أردْت بوجودهما تحقق مضمونهما فِي نفس الْأَمر مترتبا عَلَيْهِ الحكم الشَّرْعِيّ فَلَا يَسْتَحِيل حَيْثُ لَا كَلَام، وَهُوَ ظَاهر، وَإِن أردْت وجودهما فِي الذِّهْن والتلفظ، فَذَلِك عِنْد التَّعْلِيق، وَلَا سَهْو وَلَا نِسْيَان، ثمَّ الحكم التنجيزي نَوْعَانِ: ابتدائي يثبت بِمُجَرَّد التَّكَلُّم بِسَبَبِهِ الَّذِي مَا علق بِشَيْء، وَغير ابتدائي يثبت بِسَبَبِهِ الَّذِي يعْتَبر وجوده عِنْد تحقق مَا علق بِهِ، فَكَأَن الْمُتَكَلّم بِالتَّعْلِيقِ يصير متكلما بذلك السَّبَب عِنْد تحقق الشَّرْط، فَلَا يستدعى حصور الذِّهْن والتكلم إِلَّا عِنْد التَّعْلِيق إِذا تحقق، فَكَأَن الْمُعَلق يَقُول عِنْد التَّعْلِيق إِذا تحقق هَذَا الشَّرْط فَلْيَكُن هَذَا السَّبَب وَحكمه منجزين مني وَمن اعْتِبَار الشَّارِع هَذَا مِنْهُ، وَدفع عَنهُ مؤونة العقد الْجَدِيد حَال وجود الشَّرْط اكْتِفَاء بذلك التَّعْلِيق توسعة عَلَيْهِ فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من التعليقات لمصالحهم (وَثَانِيا) أَي وَوجه مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ من أَن الشَّرْط مَانع من انْعِقَاد سَبَبِيَّة مَا علق عَلَيْهِ الحكم ثَانِيًا (توقف) السَّبَب الَّذِي صَار جُزْءا (على الشَّرْط فَصَارَ) السَّبَب الْمُعَلق بِهِ (كجزء سَبَب) فِي احْتِيَاج الحكم إِلَيْهِ مَعَ عدم استقلاله فِي إِيجَابه، وَالشَّيْء لَا يتَحَقَّق بِمُجَرَّد تحقق جُزْء مِنْهُ أَو الْمَعْنى، فَصَارَ الشَّرْط كجزء سَبَب
(1/125)

ومآلهما وَاحِد، وَالْأول أظهر (بِخِلَاف) مَا ألحق الشَّافِعِي رَحمَه الله التَّعْلِيق بِهِ من (البيع الْمُؤَجل) فِيهِ الثّمن (و) بِخِلَاف البيع (بِشَرْط الْخِيَار و) بِخِلَاف السَّبَب الشَّرْعِيّ (الْمُضَاف) إِلَى الزَّمَان (كطالق غَدا) فَإِن كلا مِنْهُمَا (سَبَب) مُنْعَقد (فِي الْحَال) أَي فِي حَال صدوره عَن الْمُتَكَلّم لَا يمنعهُ شَيْء من الْوُصُول إِلَى الْمحل، وَهَذَا جَوَاب عَمَّا يُمكن تَقْرِيره بِوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا الْمُعَارضَة بِقِيَاس الْمُعَلق بِالشّرطِ على الْأَسْبَاب الْمَذْكُورَة فِي حكم الِانْعِقَاد من حَيْثُ السَّبَبِيَّة بِجَامِع الِاشْتِرَاك فِي كَونهَا معلقَة بِحَسب الْمَعْنى كَالْبيع بالأجل، وَالْخيَار، وَالطَّلَاق بالغد. وَثَانِيهمَا النَّقْض بَيَانه أَن القَوْل بِكَوْن الْمُتَعَلّق مَانِعا من الْإِفْضَاء إِلَى آخِره، أَو بصيرورة الْمَوْقُوف على الشَّرْط كجزء سَبَب مَنْقُوص بِهَذِهِ المعلقات وَحَاصِل الْجَواب إِمَّا منع صِحَة الْقيَاس لكَونه مَعَ الْفَارِق، أَو منع جَرَيَان الدَّلِيل بِبَيَان أَن الْمُعَلق فِي الْمَذْكُورَات الحكم دون السَّبَب، بِخِلَاف المنازع فِيهِ (لِأَن الْأَجَل) الَّذِي يعلق الْمُؤَجل بِالْوَقْتِ الْمعِين إِنَّمَا يعْتَبر (دُخُوله) ووروده فِي الْمَعْنى (على الثّمن) أَي على لُزُوم مُطَالبَته، فتأثير التَّأْجِيل فِي تَأْخِير الْمُطَالبَة فَقَط (لَا) يعْتَبر دُخُوله على (البيع) الَّذِي هُوَ سَبَب، لِأَن الْمَقْصُود مِنْهُ تَأْخِيرهَا، وَهُوَ يحصل بِمُجَرَّد دُخُوله على لُزُوم مُطَالبَة الثّمن فِي الْحَال، فَلَا وَجه لاعْتِبَار دُخُوله على السَّبَب من غير حَاجَة، مَعَ أَنه على خلاف الْقيَاس، وَهُوَ متقدر بِقدر الضَّرُورَة (و) لِأَن (الْخِيَار) أَي شَرطه إِنَّمَا شرع (بِخِلَاف الْقيَاس لدفع الْغبن) أَي النَّقْص المتوهم فِي البيع عِنْد قلَّة التروي من البَائِع وَالْمُشْتَرِي بِاسْتِيفَاء النّظر فِي مُدَّة الْخِيَار (لِأَن إِثْبَات ملك المَال لَا يحْتَمل الْخطر) تَعْلِيل لكَونه على خلاف الْقيَاس، يَعْنِي أَن البيع إِثْبَات لملك المَال لكَونه عِلّة لَهُ شرعا، وَإِثْبَات ملك المَال لَا يحْتَمل أَن يعلق بِمَا بَين أَن يكون وَأَن لَا يكون (لصيرورته) أَي لصيرورة الْإِثْبَات الْمَذْكُور أَن يعلق بِمَا بَين أَن يكون وَأَن لَا يكون ذكر (قمارا) فِي الْمَعْنى لمشاركته إِيَّاه فِي عِلّة الْحُرْمَة، وَهِي التَّعْلِيق على أَمر لَا يعلم وجوده وَعَدَمه (فَاكْتفى) فِي البيع بِشَرْط الْخِيَار (بِاعْتِبَارِهِ) أَي شَرط الْخِيَار (فِي الحكم) بِتَأْخِيرِهِ إِلَى أَن يُجِيز أَو يرد، وَلم يعْتَبر فِي السَّبَب الَّذِي هُوَ البيع حذرا عَن صَيْرُورَته قمارا واحترازا عَن مُخَالفَة الْقيَاس بِغَيْر ضَرُورَة. قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَلقَائِل أَن يَقُول: الْقمَار مَا حرم لِمَعْنى الْخطر، بل بِاعْتِبَار تَعْلِيق الْملك بِمَا لم يَضَعهُ الشَّرْع سَببا للْملك، فَإِن الشَّارِع لم يضع ظُهُور الْعدَد الْفُلَانِيّ سَببا للْملك، والخطر طرد فِي ذَلِك لَا أثر لَهُ انْتهى وَمعنى كَون الْخطر طردا فِيهِ عدم تحَققه بِدُونِ الْخطر، نعلم أَنه حقق هُنَاكَ ومشي مَعَ الْقَوْم هُنَا، وَيُمكن أَن يُعلل بنهيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن بيع وَشرط (وَالْحق أَنه) أَي اعْتِبَاره فِي الحكم دون السَّبَب ل (مُقْتَضى اللَّفْظ) أَي اللَّفْظ الدَّال على خِيَار الشَّرْط، وَهُوَ قَوْله على أَنِّي بِالْخِيَارِ
(1/126)

بعد قوله بعت أو اشتريت ونحوه (لأن الشرط) أي الاشتراط (بعلى) أي بواسطة كلمة على الداخلة على المشروط (لتعليق ما بعده) أي على (فقط) فلا يعلق ما قبله (فآتيك على أن تآتيني المعلق) فيه (إتيان المخاطب) على إتيان المتكلم، بخلاف آتيك إن أتيتني فإنه بالعكس، ويرد عليه أن خلاف المشهور غير أن المصنف رحمه الله بين في شرح الهداية أن الحق أنه حقيقة للاستعلاء إذا اتصلت بالأجسام، وفي غير ذلك حقيقة في معنى اللزوم المستحق في موارد استعماله من الشرط والمعارضة، وإذا تتبعت مواضع الشرط وجدت في الأكثر أنه لتعليق ما بعده، وقد قال الله تعالى - يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا - وظاهره تعليق المبايعة بعدم الاشراك، والمعنى: إذا جاءك المؤمنات حال اشتراطهن المبايعة بعدم الاشراك، وكذا فبايعهن، ويحتمل أن يكون المعنى حال اشتراطهن عدم الاشراك، وكذا بالمبايعة بأن يلزمن أنفسهن تلك الأشياء على تقدير المبايعة فبايعهن، ولاشك أن هذا أدعى إلى إجابة صلى الله عليه وسلم لما سألن من البايعة، فإن قلت عدم الاشتراك شرط صحة المبايعة لكونها عبادة لا تصح بدون الإيمان، فكيف يعلق عليها، قلت المعلق إنما هو التزام الاستقامة على عدم الاشراك، فكأنهن يقلن إن بايعتنا يا رسول الله نستقيم على هذه الأشياء، وأما لزوم كون الخيار معلقا على البيع بناء على ما مهده، فقد أشار إلى دفعه بقوله (فبعتك على أني بالخيار أي في الفسخ فهو) أي الفسخ (المعلق) بالخيار لا البيع على ما زعم الخصم (والبيع منجز) يعني لما تقرر أن الشرط بعلى لتعليق ما بعده فقط، وأن المعلق ما بعده لا ما قبله لزم عدم كون البيع معلقا بالخيار وإذا لم يكن معلقا كان منجزا لأن كلمة بعت موضوعة شرعا لتنجيز البيع ولم يوجد مانع عن ذلك من التعليق وغيره، ولا شك أنه لا يمكن جعل الخيار معلقا بالبيع، وكان الفسخ الذي يجب اعتباره بعد الخيار صالحا لأن يعلق صرف إليه التعليق المستفاد من كلمة على، فصار كل من المشروط والشرط بعد على وكان موجب ذلك عدم لزوم تعليق حكم البيع أيضا غير أنه يستلزم ضرر من ليس له الخيار بتصرفه في المبيع أو الثمن كزيادة البناء ونحوه اعتمادا على لزوم ملكه عند رد من له الخيار فاعتبر تعلق الحكم بالخيار، وإليه أشار بقوله (فتعلق الحكم دفعا للضرر) عمن ليس له الخيار (لو تصرف) من ليس له الخيار اعتمادا على ملكه الحاصل في العدل الموجبة من غير تعليق لا في الموجب ولا في الموجب تصرفا يبذل فيه مالا أو قوة بدنية، وأما إذا علق الحكم، فعلم من ليس له الخيار عدم خروج البدل عن ملك من له الخيار منعه ذلك عن التصرف، وليس المراد دفع ضرر من له الخيار لو تصرف من ليس له كما زعم الشارح والحق أن الأولى تعميم الضرر، فإن تصرفه
(1/127)

المشترى إذا كان الخيار للبائع مثلا قد يكون موجبا لنقصان في البيع (بخلاف الطلاق) والعتاق متعلق بمحذوف هو حال عن فاعل لا يحتمل: أي لا يحتمل إثبات ملك المال الخطر حال كونه ملتبسا بمخالفة الطلاقة والعتاق ولا يضر طول الفصل بالجمل الاعتراضية لظهور الارتباط فإن كلا منهما (اسقاط محض) والاسقاط (يحتمله) أي الخطر لعدم صيرورته قمارا عند التعليق، لأن القمار تعليق إثبات الملك بالخطر (وإن كان العتاق اثباتا لكنه ليس إثباتا لملك مال) بل هو اثبات قوة شرعية هي القدرة على تصرفات شرعية من الولايات: كالشهادة، والقضاء وإنكاح نفسه وابنته، وفي كون العتاق إثباتا مسامحة، لأن الاثبات وصف الاعتاق لا العتاق، فإنه خلوص حكمي مما كان ثابتا فيه بالرق، وكلمة إن وصلية، ولا منافاة بين كونه إسقاطا محضا، وكونه إثباتا لأنه محض إسقاط باعتبار حقيقته وإثبات باعتبار لازمه على أن المراد نفي شائبة إثبات المال لا الاثبات مطلقا (فبطل إيراد أنه) أي الاعتاق (إثبات أيضا) كما أورده المحقق التفتازاني في التلويح، ولما فرغ من بيان الفرق بين البيع المؤجل والمشروط بالخيار، وبين السبب المعلق المنازع فيه شرع في بيان الفرق بينه وبين المضاف فقال (والتعليق يمين) قال المصنف في شرح الهداية لفظ اليمين مشترك بين الجارحة والقوة والقسم لغة، وأما مفهومه الاصطلاحي فجملة أولى انشائية مقسم فيها باسم الله أو صفته يؤكد بها مضمون جملة ثانية في نفس السامع ظاهرًا أو يحمل المتكلم على تحقيق معناها، فدخلت بقيد ظاهرا الغموس أو إلتزام مكروه كفرا وزوال ملك على تقدير ليمتنع عنه أو محبوب ليحمل عليه، فدخلت التعليقات مثل أن فعل فهو يهودي، وإن دخلت فأنت طالق، وإن بشرتني فأنت حر (وهي) أي اليمين تعقد (للبر) وهي المحافظة على موجب اليمين ضد الحنث (اعدام موجب المعلق) بدل من البر، فإن اليمين في اليمين المنعقدة متضمن إعدام ما يوجبه المعلق الذي هو السبب الشرعي: يعني الطلاق مثلا كان دخلت فأنت طالق لكونه منعقدا للمنع عن الدخول، وإذا امتنع عن الدخول لا جرم أنه لا يقع ما علق به، وإن لم يقع لم يقع مجبه (فلا يفضي) المعلق (إلى الحكم) الذي هو سبب عند التنجيز، وهذا على تقدير أن يكون موجب المعلق بفتح الجيم، وأما إن كان بكسرها فالمراد به الشرط، والمعنى أن التعليق لئلا يتحقق الشرط المستلزم لوجود الجزاء الذي يكره وجوده المعلق (أما الإضافة) المذكورة في السبب الشرعي المضاف إلى الزمان (فلثبوت حكم السبب في وقته) أي الوقت الذي أضيف إليه السبب المذكور فالمقصود منها وجود الحكم على خلاف التعليق (لا لمنعه) أي السبب كما في التعليق، فالمقصود من أنت حر يوم الجمعة ثبوت الحرية فيه (فيتحقق السبب) المضاف قبل تحقق الوقت الذي أضيف إليه (بلا مانع)
(1/128)

كالتعليق الْمَانِع من انْعِقَاد السَّبَب الْمُعَلق بِالشّرطِ كَمَا عرفت، وَعدم الْمَانِع مَعَ وجود الْمُقْتَضى وَهُوَ التَّكَلُّم بِالسَّبَبِ بِلَا تَعْلِيق يقتضى تحَققه، غَايَة الْأَمر تَأْخِير الحكم الْمُسَبّب إِلَى وجود الْوَقْت الْمعِين الَّذِي هُوَ كَائِن لَا محَالة (إِذْ الزَّمَان من لَوَازِم الْوُجُود) الْخَارِجِي فالإضافة إِلَيْهِ إِضَافَة إِلَى مَا قطع بِوُجُودِهِ، وَفِي مثله مَا يكون الْغَرَض من الْإِضَافَة تَحْقِيق الْمُضَاف إِلَيْهِ (وَيرد) على القَوْل بِأَن الْيَمين إعدام مُوجب الْمُعَلق أَنه لَا يَصح على إِطْلَاقه بل (كَون الْيَمين توجب الإعدام) لما ذكر إِنَّمَا يَصح (فِي الْمَنْع) أَي فِيمَا إِذا كَانَ الْمَقْصُود من الْيَمين الْمَنْع عَن إِيقَاع مَا عقدت للِاحْتِرَاز عَنهُ، و (أما) إِذا قصد بهَا (الْحمل) على الْإِثْبَات بِمَا عقدت لقصد تَحْصِيله (فَلَا) توجب الإعدام وَهُوَ ظَاهر (كَأَن بشرتني بقدوم وَلَدي فَأَنت حر) فَإِن غَرَض الْمُتَكَلّم فِيهِ حث عَبده على الْمُبَادرَة إِلَى الْبشَارَة (فَالْأولى) فِي التَّفْرِقَة بَين الْمُعَلق والمضاف، وَالْقَوْل بِأَن الأول يمْنَع السَّبَب عَن الِانْعِقَاد دون الثَّانِي أَن يُقَال (الْفرق) بَينهمَا حَاصِل (بالخطر وَعَدَمه) أَي بِأَن وجود الشَّرْط الْمُعَلق بِهِ السَّبَب على الْخطر فَهُوَ بَين أَن يُوجد، بِخِلَاف الْوَقْت الْمُضَاف إِلَيْهِ السَّبَب فَإِنَّهُ كَائِن لَا محَالة لما عرفت، وَإِذا كَانَ وجود الشَّيْء مشكوكا فِيهِ فانعقاده سَببا أولى بذلك، وَالْإِضَافَة إِلَى الْكَائِن لَا محَالة لَا تورث شكا فِي وجود الْمُضَاف: فَلَا يمنعهُ عَن الِانْعِقَاد شَيْء، لِأَن الأَصْل عدم مَانع آخر فَإِن قلت فِي الْإِضَافَة يثبت الحكم فِي الْمُسْتَقْبل إِذا بَقِي الْمحل، فَأَما إِذا لم يبْق فَلَا، فَكيف ينْعَقد الْمُضَاف سَببا مَعَ التَّرَدُّد فِي وجود مسببه بِسَبَب التَّرَدُّد فِي وجود مَحل ذَلِك الْمُسَبّب قلت الأَصْل فِي الشَّيْء الثَّابِت الْبَقَاء (ثمَّ) إِن الْفرق بالخطر وَعَدَمه (يَقْتَضِي كَون) أَنْت حر) (يَوْم يقدم فلَان كَانَ قدم) فلَان (فِي يَوْم) كَذَا لاشْتِرَاكهمَا فِي الْبناء على الْخطر، وَإِن سمي الأول إِضَافَة، وَالثَّانِي تَعْلِيقا، لِأَن الْعبْرَة بالمعاني، وَلَا فرق بَينهمَا معنى لتوقف الْحُرِّيَّة فِي كل مِنْهُمَا على مَا لَا يعم وجوده، لِأَن الْيَوْم الْمُقَيد بقدوم فلَان مَشْكُوك الْوُجُود بِاعْتِبَار قَيده (ويستلزم) أَيْضا (عدم جَوَاز التَّعْجِيل) بِالصَّدَقَةِ (فِيمَا لَو قَالَ عَليّ صَدَقَة يَوْم يقدم فلَان) أَي فِي صَدَقَة فرض إِيجَابهَا يَوْم قدوم فلَان فِي القَوْل الْمَذْكُور (وَإِن كَانَ) كل من القيدين متلبسا (بِصُورَة إِضَافَة) لِأَنَّهُ لَا عِبْرَة بصورته بعد مَا ظهر عدم الْفرق بَينه وَبَين الْمُعَلق بِالشّرطِ فِي معنى الْخطر، وَهُوَ يسْتَلْزم عدم انْعِقَاد السَّبَب وَالْأَدَاء قبل انْعِقَاد السَّبَب غير جَائِز اتِّفَاقًا (و) كَذَا يسْتَلْزم (كَون إِذا جَاءَ غَد فَأَنت حر كإذا مت فَأَنت حر) فِي انْعِقَاد سَبَب الْحُرِّيَّة فِي كل مِنْهُمَا (لعدم الْخطر) الْمَانِع عَن الِانْعِقَاد (فَيمْتَنع بَيْعه قبل الْغَد كَمَا يمْتَنع) بَيْعه (قبل الْمَوْت لانعقاده) أَي انْعِقَاد إِذا جَاءَ غَد إِلَى آخِره كانعقاد أَنْت حر إِذا مت (سَببا فِي الْحَال) أَي بِمُجَرَّد التَّكَلُّم قبل مَجِيء الْغَد وَالْمَوْت (على مَا عرف)
(1/129)

من أَن سَبَب الْحُرِّيَّة فِي الْمُدبر القَوْل الْمَذْكُور، لِأَنَّهَا تثبت بعد الْمَوْت، وَلَا ثُبُوت بِلَا سَبَب، وَلَا سَبَب غَيره، فإمَّا أَن يَجْعَل سَببا فِي الْحَال، أَو بعد الْمَوْت، وَلَا سَبِيل إِلَى الثَّانِي، لِأَن الْمَوْت سالب الْأَهْلِيَّة، وَسبب التَّصَرُّف لَا ينْعَقد إِلَّا من أَهله (لكِنهمْ) أَي الْحَنَفِيَّة (يجيزون بَيْعه قبل الْغَد، والأجوبة عَنهُ) أَي عَن الأشكال على الْفرق والخطر وَعَدَمه بِالْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورين (لَيست بِشَيْء) مِنْهَا كَون الْغَد كَائِنا لَا محَالة لجَوَاز قيام الْقِيَامَة قبله، ورد بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَسْتَقِيم إِذا كَانَ التَّعْلِيق بعد أَشْرَاط السَّاعَة، وَمِنْهَا أَن الْكَلَام فِي الْأَغْلَب فَيلْحق النَّادِر بِهِ، ورد بِأَنَّهُ اعْتِرَاف بالإيراد على أَن التَّعْلِيق بِمثل مَجِيء الْغَد وَرَأس الشَّهْر غير نَادِر إِلَى غير ذَلِك (وَقيل) فِي دفع مَا ذكر من استلزام الْفرق بالخطر وَعَدَمه المحذورات الْمَذْكُورَة (المُرَاد بِالسَّبَبِ فِي نَحْو قَوْلنَا الْمُعَلق لَيْسَ سَببا فِي الْحَال) أَي فِي حَال التَّعْلِيق قبل وجود الْمُعَلق بِهِ (الْعلَّة) اعتبروا فِي حَقِيقَة الْعلَّة ثَلَاثَة أُمُور: إِضَافَة الحكم إِلَيْهَا كَمَا يُقَال قَتله بِالرَّمْي، وَعتق بِالشِّرَاءِ وَهلك بِالْجرْحِ، أَو كَونهَا مَوْضُوعَة لَهُ شرعا، وتأثيرها فِيهِ وحصوله مَعهَا فِي الزَّمَان، وَفِي حَقِيقَة السَّبَب أَن يكون طَرِيقا للْحكم من غير تَأْثِير وَمن غير أَن يُضَاف إِلَيْهِ وجوبا أَو وجودا وَيُطلق اسْم كل مِنْهُمَا عَن الآخر لما بَينهمَا من الْمُنَاسبَة (وَفِي الْمُضَاف السَّبَب المفضي) معطوفان بعطف وَاحِد على قَوْله فِي نَحْو قَوْلنَا، وَقَوله الْعلَّة على مَذْهَب الْأَخْفَش، أَو من عطف الْجُمْلَة على الْجُمْلَة بِحَذْف الْمُبْتَدَأ مَعَ مَا يتَعَلَّق بِهِ: أَي المُرَاد بِالسَّبَبِ فِي قَوْلنَا الْمُضَاف سَبَب فِي الْحَال السَّبَب المفضي إِلَى الحكم من غير تَأْثِير (وَهُوَ) أَي السَّبَب المفضي (السَّبَب الْحَقِيقِيّ) اصْطِلَاحا كَمَا مر (وَحِينَئِذٍ) أَي وَحين إِذْ اخْتلف مورد النَّفْي وَالْإِثْبَات بِأَن نفى عَن السَّبَب الْمُعَلق السَّبَبِيَّة بِمَعْنى علية الْعلية، وَأثبت للمضاف بِمَعْنى الْإِفْضَاء على الْوَجْه الْمَذْكُور و (لَا خلاف) فِي الْمَعْنى بَين الْمُعَلق والمضاف بِاعْتِبَار النَّفْي وَالْإِثْبَات، فَلَا يتَوَجَّه أَنه لَا فرق بَينهمَا فِي الِانْعِقَاد سَببا، وَعَدَمه فِيمَا إِذا كَانَ مَا بِهِ التَّقْيِيد أمرا كَائِنا لَا محَالة أَو مَشْكُوك الْوُجُود فَلم فرقتم بَينهمَا؟ لأَنا لم نفرق بَينهمَا، بل نَفينَا الْعلية عَن الْمُعَلق، وَلم نثبتها للمضاف، وأثبتنا الْإِفْضَاء للمضاف وَمَا نفيناه عَن الْمُعَلق (وَارْتَفَعت الاشكالات وَصدق أَن الْمُضَاف لَيْسَ سَببا أَيْضا فِي الْحَال) كَمَا أَن الْمُعَلق لَيْسَ سَببا فِي الْحَال (بذلك الْمَعْنى) أَي بِمَعْنى الْعلَّة كَمَا عرفت (إِلَّا أَن اخْتِلَاف الْأَحْكَام حَيْثُ قَالُوا: الْمُضَاف سَبَب فِي الْحَال فَجَاز تَعْجِيله) أَي تَعْجِيل مُوجب حكمه إِذا كَانَ عبَادَة بدنية أَو مَالِيَّة أَو مركبة مِنْهُمَا كَمَا هُوَ قَول أبي حنيفَة رَحمَه الله وَأبي يُوسُف، لِأَنَّهُ تَعْجِيل بعد وجود سَبَب الْوُجُوب، خلافًا لمُحَمد رَحمَه الله فِيمَا عدا الْمَالِيَّة، ولزفر فِي الْكل (وَالْمُعَلّق لَيْسَ سَببا فِي الْحَال فَلَا يجوز تَعْجِيله بنفيه) خبران: أَي
(1/130)

يَنْفِي كَون المُرَاد مَا ذكر لرفع الاشكالات، لِأَنَّهُ لَو لم يتحد مورد النَّفْي وَالْإِثْبَات لم يتَفَرَّع اخْتِلَافهمَا فِي جَوَاز التَّعْجِيل وَعَدَمه.

مسئلة
(من المفاهيم مَفْهُوم اللقب) هُوَ فِي اللُّغَة النبز، وَفِي اصْطِلَاح النُّحَاة قسم من الْعلم، والأعلام ثَلَاثَة اضْرِب: اسْم، وَهُوَ مَا لَا يقْصد بِهِ مدح وَلَا ذمّ كزيد، ولقب، وَهُوَ مَا يقْصد بِهِ أَحدهمَا كبطة وَقْفَة فِي الذَّم، ومصطفى ومرتضى فِي الْمَدْح، وكنية، وَهُوَ الْمصدر بِالْأَبِ أَو الْأُم أَو الابْن أَو الْبِنْت نَحْو أَبُو عَمْرو وَأم كُلْثُوم وَابْن آوى وَبنت وردان، وَالْمرَاد باللقب هَهُنَا مَا لَيْسَ بِصفة (نَفَاهُ) أَي مَفْهُوم اللقب (الْكل إِلَّا بعض الْحَنَابِلَة وشذوذا) ابْن خويز منداد من الْمَالِكِيَّة والدقاق والصيرفي وَأَبا حَامِد من الشَّافِعِيَّة (وَهُوَ) أَي مَفْهُوم اللقب (إِضَافَة نقيض حكم) أَي نِسْبَة نقيض حكم مُسَمّى (معبر عَنهُ) أَي عَن ذَلِك الْمُسَمّى الْمعبر عَنهُ (باسمه) حَال كَون ذَلِك الِاسْم (علما أَو جِنْسا إِلَى مَا سواهُ) مُتَعَلق بإضافته: أَي مَا سوى ذَلِك الْمُسَمّى الْمعبر عَنهُ باسمه، وَهُوَ الْمَسْكُوت عَنهُ على مَا عرفت فِي سَائِر المفاهيم، مثل فِي الْغنم زَكَاة، فتنفى عَن غير الْغنم (وَقد يُقَال الْعلم) بدل للقب لقَوْل الْحَنَفِيَّة التَّنْصِيص على الشَّيْء باسمه الْعلم لَا يدل على نفي الحكم (وَالْمرَاد الْأَعَمّ) أَي مَا يعم نوعيه: علم الشَّخْص، وَعلم الْجِنْس، وَاسم الْجِنْس وَهُوَ مَا لَيْسَ بِصفة (والمعول) فِي نَفْيه (عدم الْمُوجب) للمقول بِهِ كَمَا مر فِي نفي مَفْهُوم الْمُخَالفَة (وللزوم ظُهُور الْكفْر) مَعْطُوف على مَا فهم من السِّيَاق كَأَنَّهُ قَالَ نفوه لعدم الْمُوجب، وللزوم نفي ظُهُور الْكفْر، وَذكر الظُّهُور لِأَنَّهُ عِنْد الْقَائِل بِهِ ظَنِّي مَبْنِيّ على الظَّاهِر (من نَحْو مُحَمَّد رَسُول الله) لكَون مَفْهُومه على القَوْل بِهِ نفي رِسَالَة غَيره ظَاهرا، لَا نصا، لِأَن القَوْل بِهِ لَا يسْتَلْزم اعْتِبَاره فِي جَمِيع الْموَاد، بل إِذا لم يكن قرينَة صارفة، وَلُزُوم الْكفْر قرينَة غير أَن ظَاهر الْكَلَام قبل التَّأَمُّل يُفِيد ذَلِك على القَوْل بِهِ (وَفُلَان مَوْجُود) أَي وللزوم ظُهُور الْكفْر من نَحْو فلَان مَوْجُود: يَعْنِي نفي وجود الْحق سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَهُوَ: أَي ظُهُور الْكفْر من نَحْوهمَا (وَهُوَ) مُنْتَفٍ) بالِاتِّفَاقِ قطعا، فَالْقَوْل بِهِ بَاطِل قطعا، قيل وَقع الْإِلْزَام بِهِ للدقاق فِي مجْلِس النّظر بِبَغْدَاد، قيل هَذَا إِذا لم يكن للتخصيص فَائِدَة أُخْرَى، لم لَا يجوز أَن يقْصد بِهِ الاخبار بذلك؟ وَلَا طَرِيق إِلَيْهِ سوى التَّصْرِيح بِالِاسْمِ، ورد بِأَنَّهُ اعْتِرَاف بانتفائه رَأْسا، لِأَن هَذِه الْفَائِدَة حَاصِلَة فِي جَمِيع الصُّور فَتَأمل (وَاسْتدلَّ) على نَفْيه (بِلُزُوم انْتِفَاء الْقيَاس) على تَقْدِير اعْتِبَاره، وانتفاؤه بَاطِل، وَذَلِكَ لِأَن النَّص الدَّال على حكم الأَصْل أَن تنَاول حكم الْفَرْع ثَبت
(1/131)

الْأَخَص بِالنَّصِّ لَا بِالْقِيَاسِ، وَإِلَّا فإمَّا أَن يدل بمفهومه اللقى على نفي الحكم عَن غير الْمَذْكُور أَولا، وعَلى الأول ينتفى الْقيَاس لاقْتِضَاء ثُبُوته للْغَيْر، وعَلى الثَّانِي يثبت الْمُدَّعِي، وَأَنت خَبِير بِأَن اللَّازِم انْتِفَاء الْقيَاس فِيمَا اعْتبر فِيهِ بِمَفْهُوم اللقب لَا مُطلقًا (وَالْجَوَاب) عَن الِاسْتِدْلَال الْمَذْكُور أَن الْقيَاس يستدعى مُسَاوَاة الْفَرْع للْأَصْل فِي عِلّة الحكم و (إِذا ظهر الْمُسَاوَاة قدم) الْقيَاس على الْمَفْهُوم اللقبى، إِذْ الْقَائِلُونَ بِهِ قَائِلُونَ بِتَقْدِيم الْقيَاس عَلَيْهِ (لزِيَادَة قوته) أَي الْقيَاس على الْمَفْهُوم اللقبى كَمَا إِذا ظهر أَوْلَوِيَّة الْمَسْكُوت من الْمَنْطُوق فِي المناط، فَإِنَّهُ عِنْد ذَلِك لَا مَحل لمَفْهُوم الْمُخَالفَة بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ أصلا لثُبُوت مَفْهُوم الْمُوَافقَة لَهُ (قَالُوا) أَي الْقَائِلُونَ بِمَفْهُوم اللقب (لَو قَالَ) قَائِل (لمخاصمه لَيست أُمِّي زَانِيَة أَفَادَ) قَوْله هَذَا (نسبته) أَي الزِّنَا (إِلَى أمه) أَي أم المخاصم لتبادره إِلَى الْفَهم، وَلذَا قَالَ مَالك وَأحمد رحمهمَا الله تَعَالَى يجب الْحَد على الْقَائِل إِذا كَانَت عفيفة، وَلَوْلَا أَن تَعْلِيق الحكم بِالِاسْمِ يدل على نَفْيه عَمَّا عداهُ لما تبادر إِلَى الْفَهم (أُجِيب بِأَنَّهُ) أَي التبادر الْمَذْكُور (بِقَرِينَة الْحَال) وَهُوَ الْخِصَام الَّذِي هُوَ مَظَنَّة الْأَذَى والتقبيح قلت وَلَوْلَا ذَلِك الْقَصْد لَكَانَ ذكر الْبَريَّة الْمَذْكُورَة أَجْنَبِيّا لَا يَلِيق بمقام الْخِصَام.

مسئلة
(النَّفْي فِي) الْكَلَام الْمُشْتَمل على (الْحصْر) الْمُسْتَفَاد (بإنما) نَحْو إِنَّمَا زيد قَائِم، وَإِنَّمَا الْعَالم زيد، وَإِمَّا ضرب زيد عمرا يَوْم الْجُمُعَة (لغير الآخر) أَي النَّفْي الْمَذْكُور مُخْتَصّ بِمَا يُقَابل الْجُزْء الآخر من الْكَلَام كالقيام وَزيد وَيَوْم الْجُمُعَة فِي الْأَمْثِلَة الْمَذْكُورَة، وَمَا يقابلها النَّفْي كالقعود وَعَمْرو وَيَوْم غير الْجُمُعَة (قيل) انفهام النَّفْي الْمَذْكُور (بِالْمَفْهُومِ) الْمُخَالف قَائِله أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وَجَمَاعَة (وَقيل بالمنطوق) وقائله القَاضِي أَبُو بكر وَالْغَزالِيّ (وَهُوَ الْأَرْجَح وَنسب للحنفية) أَي إِلَيْهِم كَقَوْلِه تَعَالَى - {لعادوا لما نهوا عَنهُ} - (عَدمه) أَي عدم النَّفْي الْمَذْكُور أَو الْحصْر (فَإِنَّمَا زيد قَائِم) لَا يُفِيد الْحصْر عِنْدهم بل هُوَ (كَأَنَّهُ قَائِم) أَي مثل أَن زيدا قَائِم فِي عدم الدّلَالَة على نفي غير الْقيام، وَكلمَة مَا زَائِدَة ألحقت بِأَن لمزيد التَّأْكِيد فَقَط، قيل وَهُوَ مُخْتَار الْآمِدِيّ، وَأبي حَيَّان، وَنسبه إِلَى الْبَصرِيين، وَنسبه إِلَى الْحَنَفِيَّة صَاحب البديع، وَتعقبه المُصَنّف رَحمَه الله بقوله (وَقد تكَرر مِنْهُم) أَي الْحَنَفِيَّة (نسبته) أَي الْحصْر إِلَى إِنَّمَا كَمَا فِي كشف الْأَسْرَار وَالْكَافِي وجامع الْأَسْرَار وَغَيرهَا (وَأَيْضًا) يُؤَيّد ذَلِك أَنه (لم يجب أحد من الْحَنَفِيَّة بِمَنْع إفادتها) أَي إِنَّمَا للحصر (فِي
(1/132)

الِاسْتِدْلَال بإنما الْأَعْمَال) بِالنِّيَّاتِ (على شَرط النِّيَّة فِي الْوضُوء) بِأَن الْوضُوء عمل وَلَا عمل إِلَّا بِالنِّيَّةِ، لِأَن كلمة إِنَّمَا تفِيد الْحصْر كَمَا وَإِلَّا، وَكلمَة على صلَة الِاسْتِدْلَال (بل) إِنَّمَا أجابوا (بِتَقْدِير الْكَمَال أَو الصِّحَّة) لِأَنَّهُ لَو لم يقدر مثل ذَلِك لم يَصح الْكَلَام للْقطع بِوُجُود الْعَمَل بِلَا نِيَّة كعمل الساهي، فَالْمُرَاد لَا كَمَال للأعمال أَو لَا صِحَة لَهَا إِلَّا بِالنِّيَّةِ وكمالها: أَي يَتَرَتَّب عَلَيْهَا الثَّوَاب إِن كَانَت من الْعِبَادَة أَو الْأَثر الْمَطْلُوب مِنْهَا إِن كَانَت من الْمُعَامَلَات (وَهُوَ) أَي تَقْدِير الْكَمَال أَو الصِّحَّة (الْحق) وَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى أَن الْعُدُول عَن الْمَنْع الْمَذْكُور إِلَى التَّقْدِير فِي الْجَواب هُوَ الْحق ثمَّ أَنه أورد على تَقْدِير الصِّحَّة أَن نفي الْأَعْمَال مُطلقًا بِدُونِ النِّيَّة غير مُسلم، كَيفَ والضوء عِنْدهم يَصح بِدُونِهَا؟ فَأَشَارَ إِلَى الْجَواب بقوله (وَلَا يَصح الْوضُوء عبَادَة إِلَّا بِالنِّيَّةِ) يَعْنِي المُرَاد من الْأَعْمَال الْعِبَادَات على اعْتِبَار تَقْدِير الصِّحَّة فَإِن قلت الْأَعْمَال جمع محلى بِاللَّامِ، وَهُوَ من صِيغ الْعُمُوم قلت الْعُمُوم لَيْسَ بِمُرَاد قطعا، لِأَن الْأَعْمَال العادية لَا مدْخل للنِّيَّة فِيهَا لَا سِيمَا السَّيِّئَات، ثمَّ بَين أَن الْوضُوء الَّذِي يتَوَقَّف صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا هُوَ مُطلق الْوضُوء لَا الْمُقَيد بِوَصْف الْعِبَادَة بقوله (لَكِن منعُوا) أَي الْحَنَفِيَّة (توقف صِحَة الصَّلَاة على وضوء هُوَ عبَادَة كباقي الشُّرُوط) كستر الْعَوْرَة وتطهير الثِّيَاب وَغير ذَلِك أَي لم يتَوَقَّف الصَّلَاة على وضوء هُوَ عبَادَة كَمَا لم يتَوَقَّف على ستر هُوَ عبَادَة، بل يتَوَقَّف على مُطلق السّتْر سَوَاء كَانَ عبَادَة بمقارنة النِّيَّة أَو لَا، قيل عدم مَنعهم لَيْسَ لتسليمهم إِفَادَة إِنَّمَا الْحصْر، بل لِأَن الْحصْر أَمر مُسلم لكَونه مستفادا من عُمُوم الْأَعْمَال بِاللَّامِ، فَالْمَعْنى كل عمل بنية، وَقد عرفت أَن الْعُمُوم لَيْسَ بِمُرَاد قطعا على أَن الْكَلَام فِي معرض التأييد لَا الْحجَّة، لِأَن الْمُسْتَند فِي قَول الْحَنَفِيَّة بالحصر إِنَّمَا هُوَ النَّقْل (لنا يفهم مِنْهُ الْمَجْمُوع) مُبْتَدأ وَخَبره نَحْو تسمع بالمعيدي خير من أَن ترَاهُ تَقْدِيره فهم الْمَجْمُوع من النَّفْي وَالْإِثْبَات من إِنَّمَا حجَّة لنا (فَكَانَ) إِنَّمَا مَوْضُوعا (لَهُ) أَي للمجموع، لِأَن فهم الْمَعْنى من اللَّفْظ من غير احْتِيَاج إِلَى قرينَة دَلِيل الْوَضع (وَكَون النَّافِي الْمَعْهُود) إفادته النَّفْي (منتفيا) إِنَّمَا (لَا يسْتَلْزم نَفْيه) أَي نفي النَّفْي الَّذِي يتضمنه الْحصْر، أَو نفي الْفَهم الْمَذْكُور، جَوَاب سُؤال تَقْدِيره دلَالَة إِنَّمَا على النَّفْي وَالِاسْتِثْنَاء غير مُسْتَقِيم، لِأَن الْمَوْضُوع الْمَعْهُود للنَّفْي كلمة لَا وَنَحْوهَا لَا إِنَّمَا، (لِأَن مُوجب الِانْتِقَال) بِكَسْر الْجِيم (الْوَضع) خبران: أَي وضع لفظ بل وضع لشَيْء مَعَ الْعلم بِالْوَضْعِ (لَا) الْوَضع (بِشَرْط لفظ خَاص) كَمَا وَلَا وَحَتَّى إِذا لم يُوجد لم يُوجد الِانْتِقَال (وَكَون فهمه) أَي الْمَجْمُوع من النَّفْي وَالْإِثْبَات من إِنَّمَا (لَا يستلزمه) أَي وَضعهَا لَهُ (لجوازه) أَي فهمه (بِالْمَفْهُومِ) الْمُخَالف (لَا يَنْفِي الظُّهُور) خبر الْمُبْتَدَأ: يَعْنِي أَن جَوَاز انفهامه
(1/133)

بطرِيق الْمَفْهُوم احْتِمَالا فَلَا ينفى ظُهُور منطوقيته الْمُسْتَفَاد من تبادره إِلَى الْفَهم عِنْد سَماع كلمة إِنَّمَا (وَلَو ثَبت) فهمه بِالْمَفْهُومِ (كَانَ) ذَلِك الْفَهم (بِمَفْهُوم اللقب) لعدم احْتِمَال غَيره من المفاهيم وَهُوَ ظَاهر (وَهُوَ) أَي مَفْهُوم اللقب (منفي) بِاتِّفَاق الْجُمْهُور. قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ النَّفْي مَفْهُوم لَا مَنْطُوق، وَيدل عَلَيْهِ أَمَارَات مثل جَوَاز: إِنَّمَا زيد قَائِم لَا قَاعد بِخِلَاف مَا زيد إِلَّا قَائِم لَا قَاعد، وَإِن صَرِيح النَّفْي وَالِاسْتِثْنَاء يسْتَعْمل عِنْد إِصْرَار الْمُخَاطب على الْإِنْكَار بِخِلَاف إِنَّمَا انْتهى، وَصرح الشَّيْخ عبد القاهر، وَاخْتَارَهُ الْمُتَأَخّرُونَ أَنه لَا يحسن الْجمع بَين لَا العاطفة وَبَين النَّفْي وَالِاسْتِثْنَاء لَا نفي الصِّحَّة وتصريح السكاكي بِعَدَمِ الصِّحَّة متعقب، وَفِي الْكَشَّاف فِي قَوْله تَعَالَى - {زين للنَّاس} - الْآيَة: أَي المزين لَهُم حبه مَا هُوَ إِلَّا الشَّهَوَات لَا غير، وَأما اسْتِعْمَال صَرِيح النَّفْي وَالِاسْتِثْنَاء عِنْد الْإِصْرَار دون إِنَّمَا فَلِأَن من يُخَاطب الْمصر عَلَيْهِ يخْتَار مَا يدل على دَفعه قطعا، وَنحن نعترف بِأَن دلَالَة إِنَّمَا عَلَيْهِ ظنية، وَإِلَّا لما وَقع الْخلاف فِي إفادتها ذَلِك (وَأما الْحصْر) الْمُسْتَفَاد (بِاللَّامِ) الاستغراقية المفيدة (للْعُمُوم) أَي عُمُوم الْجِنْس الَّذِي دخلت عَلَيْهِ، وَهُوَ أحد جزئي الْكَلَام (و) الْجُزْء (الآخر أخص) حَال عَن اللَّام أَو الْعُمُوم: أَي وَالْحَال أَن الْجُزْء الآخر أخص من الْمحلي بِاللَّامِ (كالعالم وَالرجل زيد) فَإِن كل وَاحِد مِنْهُمَا دخله اللَّام للْعُمُوم والجزء الآخر هُوَ زيد أخص مِنْهُ مُطلقًا (تقدم أَو تَأَخّر) حَال أُخْرَى عَن الْمَذْكُور وَالضَّمِير للْآخر (فَلَا يَنْبَغِي أَن يخْتَلف فِيهِ) جَوَاب أما، وَالضَّمِير الْمَجْرُور للحصر (وَلَو نفي الْمَفْهُوم) كلمة لَو وصلية، أَشَارَ إِلَى مَا قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ من أَن كَون هَذَا الْحصْر مفهوما لَا منطوقا مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَن يَقع فِيهِ خلاف للْقطع بِأَنَّهُ لَا نطق بِالنَّفْيِ أصلا وَحَاصِل تَحْقِيق الرضي فِي هَذَا الْمقَام أَن تقدم الْوَصْف مُبْتَدأ على الْمَوْصُوف والأخص خَبرا لَهُ يُفِيد قصره على الْمَوْصُوف للعدول عَن التَّرْتِيب الطبيعي: وَهُوَ تقدم الذَّات على الْوَصْف، وَلِأَن المُرَاد بالعالم وصديقي هُوَ الْجِنْس بَاقِيا على عُمُومه لعدم قرينَة الْعَهْد، وَالْحكم بالاتحاد بَين الْجِنْس الْمُسْتَغْرق وَزيد إِنَّمَا يكون بادعاء انحصاره فِيهِ بتنزيل مَا عداهُ منزلَة الْعَدَم انْتهى، وَهَذَا يدل على أَن الْحصْر يفِيدهُ فِي صُورَة تَقْدِيم الْوَصْف فَقَط، وَصرح الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ بِأَن إِفَادَة الْحصْر عِنْد كَون الْمُبْتَدَأ مُعَرفا ظَاهرا فِي الْعُمُوم صفة كَانَت أَو اسْم جنس، وَكَون خَبره مَا هُوَ أخص مِنْهُ هما لَا خلاف فِيهِ بَين عُلَمَاء الْمعَانِي تمسكا بِاسْتِعْمَال الفصحاء، وَلَا خلاف فِي عَكسه أَيْضا غير أَن القَاضِي عضد الدّين ذكر أَن الْوَصْف إِذا وَقع مُسْندًا إِلَيْهِ قصد بِهِ الذَّات الموصوفة بِهِ، وَإِذا وَقع مُسْندًا قصد بِهِ ذَات مَا مَوْصُوفَة بِهِ وَهُوَ عَارض الأول انْتهى، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ على الأول يُرَاد بِهِ الذَّات الموصوفة بِالْوَصْفِ العنواني، وعَلى الثَّانِي يُرَاد بِهِ مَفْهُوم ذَات مَا مَوْصُوفَة بذلك الْوَصْف
(1/134)

وَهَذَا غارض للذات الْمَخْصُوصَة، واتحاد زيد مَعَ الذَّات الموصوفة يُفِيد الْحصْر بِخِلَاف اتحاده مَعَ عَارضه، فَإِنَّهُ لَا يمْتَنع اشْتِرَاك المعروضات فِيهِ، واتحاد كل مِنْهُمَا بِحِصَّة مِنْهُ، كَذَا أَفَادَهُ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ، ثمَّ قَالَ وَالْحق أَن مَا ذكره فِي الْوَصْف النكرَة مثل زيد عَالم دون زيد الْعَالم، فَإِن مَعْنَاهُ الذَّات الموصوفة فَردا أَو جِنْسا كَمَا فِي الْعَالم زيد، فَيكون عدم الْفرق ضَرُورِيًّا هَذَا، وَكَلَام المُصَنّف رَحمَه الله مشْعر بِأَن الْحصْر الْمُسْتَفَاد فِيهِ اتِّفَاقًا لَيْسَ بطرِيق الْمَفْهُوم، بل هُوَ مُسْتَفَاد من خُصُوصِيَّة الْهَيْئَة الْحَاصِلَة من الْمُبْتَدَأ الْمُعَرّف بِاللَّامِ الظَّاهِر فِي الْعُمُوم مَعَ أخصية الْخَبَر حَقِيقَة أَو مجَازًا عرفيا، وَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى لَا خلاف فِي ثُبُوت الْمَفْهُوم فِي هَذِه الصُّور وَإِن نفى فِي غَيرهَا وَالله أعلم (بِخِلَاف صديقي زيد إِذا أخر) صديقي نَحْو زيد صديقي (لانْتِفَاء عُمُومه) أَي عُمُوم صديقي، لِأَن عُمُومه إِنَّمَا كَانَ عِنْد التَّقْدِيم للعدول عَن التَّرْتِيب الطبيعي كَمَا ذكره القَاضِي، وَقد عرفت مَا حَقَّقَهُ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ (ويندرج) الْحصْر الْمَذْكُور (فِي بَيَان الضَّرُورَة عِنْد الْحَنَفِيَّة) فَإِن قلت قد صرح بِأَن أَقسَام بَيَان الضَّرُورَة كلهَا دلَالَة سكُوت، وَقَوله (إِذْ ثُبُوت الْجِنْس) الثَّابِت (برمتِهِ) أَي بجملته (لوَاحِد) بِحَيْثُ لَا يُوجد فِي غَيره حِصَّة مِنْهُ (بِالضَّرُورَةِ ينتفى عَن غَيره) يدل على أَنه أَمر مَدْلُول أَمر لَفْظِي هُوَ ثُبُوت الْجِنْس إِلَى آخِره قلت الْحصْر الْمَذْكُور مركب من جزءين: إِثْبَات وَنفي، وَاللَّفْظ نَاطِق بِالْأولِ فَقَط، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله ثُبُوت الْجِنْس برمتِهِ لوَاحِد، وَالثَّانِي يثبت لضَرُورَة اتِّحَاد الْجِنْس بجملته مَعَه، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله بِالضَّرُورَةِ ينتفى عَن غَيره، فالدال عَلَيْهِ أَمر معنوي: أَعنِي كَون الْجِنْس برمتِهِ للْوَاحِد بَقِي أَن كَونه دلَالَة سكُوت يَقْتَضِي أَن يكون للمسكوت مدْخل فِيهَا، وَهُوَ غير ظَاهر: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال: إِن قَوْلنَا الْعَالم زيد إِنَّمَا يدل على الْحصْر لسكوت الْمُتَكَلّم عَن ذكر غير زيد مَعَه، وَعند ذَلِك يتَحَقَّق ثُبُوت الْجِنْس برمتِهِ لزيد، وَيرد عَلَيْهِ أَنكُمْ حكمتم فِي آيَة للْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين بِأَن دلالتها على زَوَال ملك المُهَاجر إِشَارَة، وَكَذَا فِي جَوَاز الإصباح جنبا فِي آيَة - {أحل لكم لَيْلَة الصّيام الرَّفَث} - وَلَا فرق بَين الْحصْر الْمَذْكُور وَبَينهمَا، وَيُمكن أَن يفرق بمدخلية السُّكُوت وَعدمهَا فَتَأمل، وَقَوله ثُبُوت الْجِنْس مُبْتَدأ خَبره ينتفى، وبرمته حَال عَن الْجِنْس، وبالضرورة مُتَعَلق بينتفى، وَيُمكن أَن يَجْعَل جملتين بِأَن يكون لوَاحِد خبر ثُبُوت الْجِنْس، وَضمير ينتفى للْجِنْس، واختلافهما اسمية وفعلية اقْتضى الْفَصْل، وَفِيه بعد (وتكرر من الْحَنَفِيَّة مثله) أَي مثل القَوْل بالحصر الْمَذْكُور مِنْهَا (فِي نفي الْيَمين عَن الْمُدَّعِي بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَالْيَمِين على من أنكر) فِي الْهِدَايَة جعل جنس الْإِيمَان على المنكرين، وَلَيْسَ وَرَاء الْجِنْس شَيْء انْتهى (وَغَيره) أَي وَفِي غير نفي الْيَمين (والتشكيك) فِي إِفَادَة نَحْو الْعَالم زيد الْحصْر (بتجويز كَونه) أَي الْجِنْس (لوَاحِد) كزيد
(1/135)

(وَلآخر) كعمرو وَعدم كَونه برمتِهِ لوَاحِد (غير مَقْبُول) بعد التَّمَسُّك بِاسْتِعْمَال الفصحاء (وَقد حكى نَفْيه) أَي نفي الْحصْر الْمَذْكُور (وإثباته مفهوما ومنطوقا) فَهَذِهِ ثَلَاثَة مَذَاهِب (واستبعد) إثْبَاته منطوقا (لعدم النُّطْق بالنافي) أَي إِنَّمَا يدل على نفي الْعلم عَن غير زيد مثلا (وَعلمت فِي إِنَّمَا أَن لَا أثر لَهُ) أَي لعدم النُّطْق بالنافي الْمَعْهُود كَمَا وَلَا بعد وجود مُوجب الِانْتِقَال من وضع إِنَّمَا لمجموع النَّفْي وَالْإِثْبَات (بل وَجهه) أَي وَجه هَذَا الاستبعاد (عدم لفظ يتَبَادَر مِنْهُ) النَّفْي أَو الْمَجْمُوع بِاعْتِبَارِهِ (لِأَن اللَّام) فِي الْعَالم زيد (للْعُمُوم) وشمول اللَّفْظ بِجَمِيعِ أَفْرَاد الْمُسَمّى (فَقَط) فَلَيْسَ النَّفْي جُزْء مفهومها، لكنه يلْزم لما ذكره بقوله (فَإِنَّمَا يثبت) النَّفْي عَن الْغَيْر حَال كَونه (لَازِما لإثباته) أَي إِثْبَات الْجِنْس برمتِهِ لوَاحِد، أَو لإِثْبَات النَّفْي الْمَذْكُور وَالْإِضَافَة بِأَدْنَى مُلَابسَة (بِخِلَاف إِنَّمَا) فَإِنَّهُ يتَبَادَر مِنْهُ النَّفْي كالإثبات (وَمَا نسب إِلَى المنطقيين من جعلهم إِيَّاه) أَي ذَا اللَّام الَّتِي للْعُمُوم (جزئيا) أَي غير مُسْتَغْرق لأفراده لعدم اعتبارهم اللَّام سور الْكُلية (يَنْفِيه) خبر الْمَوْصُول، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب لَهُ، وَالْمَرْفُوع قَوْله (مَا حقق) فِي الْمنطق (من أَن السُّور مَا دلّ على كمية) أَفْرَاد (الْمَوْضُوع) كلا أَو بَعْضًا، وَلَا شكّ أَن اللَّام تدل (فذو اللَّام مسور بسور الْكُلية) فَهِيَ كلفظة كل.

التَّقْسِيم الثَّانِي
من التقسيمات الْمَذْكُورَة فِي عنوان هَذَا الْفَصْل (بِاعْتِبَار ظُهُور دلَالَته) أَي اللَّفْظ الْمُفْرد ومراتبها فِي الظُّهُور (إِلَى ظَاهر وَنَصّ ومفسر ومحكم) مُتَعَلق بِمَحْذُوف تَقْدِيره التَّقْسِيم الثَّانِي تَقْسِيم اللَّفْظ بِاعْتِبَار ظُهُور دلَالَته إِلَى ظَاهر وَكَذَا وَكَذَا (فمتأخروا الْحَنَفِيَّة) أَي فَقَالَ متأخروهم (مَا ظهر مَعْنَاهُ الوضعي) قد عرفت أَن الوضعي مَا للوضع مدْخل فِيهِ، فَدخل الْمَعْنى الْمجَازِي أَيْضا (بِمُجَرَّدِهِ) أَي ظهر وَفهم من غير خَفَاء بِمُجَرَّد سَماع اللَّفْظ، ظَاهر هَذِه الْعبارَة خُرُوج الْمجَاز، لِأَن ظُهُور مَعْنَاهُ بِالْقَرِينَةِ لَا بِمُجَرَّد اللَّفْظ، لَكِن لَا يجوز أَن يكون المُرَاد بِمُجَرَّد اللَّفْظ مَعَ مَا لَا بُد مِنْهُ فِي دلَالَته من غير احْتِيَاج إِلَى أَمر مُسْتَقْبل من كَلَام أَو دَلِيل عَقْلِي، وَأما الْقَرِينَة فَهِيَ كَالْعلمِ بِالْوَضْعِ فِي فهم الْمَوْضُوع لَهُ من اللَّفْظ. قَالَ ابْن الْحَاجِب: مَا دلّ دلَالَة ظنية، أما بِالْوَضْعِ كالأسد، أَو بِالْعرْفِ كالغائط انْتهى، وَفسّر القَاضِي مُرَاده بقوله كالأسد للحيوان، وَأما بعرف الِاسْتِعْمَال كالغائط للْخَارِج المستقذر، وَقَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ هَهُنَا: وَظَاهر كَلَام المُصَنّف رَحمَه الله أَن قَوْلنَا إِمَّا بِالْوَضْعِ أَو بِالْعرْفِ من تَمام الْحَد احْتِرَازًا بِهِ عَن الْمجَاز، وَبِه صرح الْآمِدِيّ
(1/136)

رَحمَه الله (مُحْتملا) لغير مَعْنَاهُ الظَّاهِر احْتِمَالا مرجوحا (إِن لم يسق) الْكَلَام (لَهُ) أَي لمعناه (أَي لَيْسَ) مَعْنَاهُ (الْمَقْصُود الْأَصْلِيّ من اسْتِعْمَاله) فاسم لَيْسَ ضمير الْمَعْنى وَخَبره الْمَقْصد، قَيده بالأصلي لِئَلَّا يتَوَهَّم أَن المُرَاد نفى كَونه مَقْصُودا مُطلقًا، وَهَذَا هُوَ الْمَوْعُود بقوله كَمَا سنذكر عِنْد تَعْمِيم الْمَقْصد الْأَصْلِيّ وَغَيره فِي عبارَة المُصَنّف رَحمَه الله (فَهُوَ) أَي اللَّفْظ (بِهَذَا الِاعْتِبَار) أَي بِاعْتِبَار ظُهُور مَعْنَاهُ الوضعي بِمُجَرَّدِهِ إِلَى آخِره (الظَّاهِر) أَي يُسمى بِهِ، وَوجه التَّسْمِيَة ظَاهر (وَبِاعْتِبَار ظُهُور مَا سيق لَهُ مَعَ احْتِمَال التَّخْصِيص والتأويل النَّص) احْتِمَال التَّخْصِيص فِيمَا إِذا كَانَ عَاما، وَأما التَّأْوِيل فَهُوَ يتَحَقَّق فِي الْعَام وَالْخَاص فَلَا وَجه لتخصيص الشَّارِح إِيَّاه بالخاص، والتأويل من أولت الشَّيْء صرفته ورجعته، وَهُوَ اعْتِبَار دَلِيل يصير الْمَعْنى بِهِ أغلب على الظَّن من الْمَعْنى الظَّاهِر، وَالنَّص من نصصت الشَّيْء رفعته، سمى بِهِ لارتفاعه بِالنِّسْبَةِ إِلَى الظَّاهِر (وَيُقَال) النَّص (أَيْضا لكل) شَيْء (سَمْعِي) أَي لكل لفظ سمع من الشَّارِع سَوَاء كَانَ ظَاهرا أَولا (وَمَعَ عدم احْتِمَاله غير النّسخ الْمُفَسّر) التَّفْسِير مُبَالغَة الفسر: وَهُوَ الْكَشْف، فيراد بِهِ كشف لَا شُبْهَة فِيهِ، وَلِهَذَا يحرم التَّفْسِير بِالرَّأْيِ دون التَّأْوِيل لِأَنَّهُ الظَّن بالمراد، وَحمل الْكَلَام على غير الظَّاهِر بِلَا جزم فيقبله الظَّاهِر وَالنَّص، لِأَن الظَّاهِر يحْتَمل غير المُرَاد احْتِمَالا بَعيدا، وَالنَّص يحْتَملهُ احْتِمَالا أبعد دون الْمُفَسّر، لِأَنَّهُ لَا يحْتَملهُ أصلا: غير أَنه يحْتَمل أَن ينْسَخ (وَيُقَال) الْمُفَسّر (أَيْضا ل) كل (مَا بَين) المُرَاد مِنْهُ (بقطعي مِمَّا فِيهِ خَفَاء من الْأَقْسَام الْآتِيَة) للفظ بِاعْتِبَار خَفَاء مَعْنَاهُ الوضعي، والمشكل مَا عدا الْمُتَشَابه مِنْهَا كَمَا هُوَ الْمُخْتَار من أَن الْمُتَشَابه لَا يلْحقهُ الْبَيَان فِي هَذِه الدَّار، وَهُوَ الْخَفي والمشكل والمجمل وَاعْترض الشَّارِح على المُصَنّف بِمَا حَاصله أَن كَلَام المُصَنّف يدل على أَن بَين الْمَعْنيين عُمُوما من وَجه لاجتماعهما فِيمَا لَا يحْتَمل إِلَّا النّسخ، وَقد كَانَ لَهُ خَفَاء أزيل بقطعي، وافتراق الأول عَن الثَّانِي فِي غير مُحْتَمل لم يكن لَهُ خَفَاء أزيل بقطعي: وَهُوَ يحْتَمل غير النّسخ، وَكَلَام فَخر الْإِسْلَام على خِلَافه حَيْثُ قَالَ: وَأما الْمُفَسّر فَمَا ازْدَادَ وضوحا على النَّص: سَوَاء كَانَ بِمَعْنى فِي النَّص أَو بِغَيْرِهِ بِأَن كَانَ مُجملا فَلحقه بَيَان قَاطع فانسد بَاب التَّأْوِيل والتخصيص انْتهى، لِأَنَّهُ يدل على أَن لَهُ معنى وَاحِدًا يعم مَا لَا يحْتَمل من الأَصْل، وَمَا لَا يحْتَمل بعد الْبَيَان، وَكَذَا يدل على خِلَافه على مَا فِي الْمِيزَان من أَن الْمُفَسّر كَمَا يَقع على مَا كَانَ مَكْشُوف المُرَاد من الأَصْل بِأَن لَا يحْتَمل إِلَّا وَجها وَاحِدًا يَقع على الْمُشْتَرك والمشكل والمجمل الَّذِي صَار مُرَاد الْمُتَكَلّم مِنْهُ مَعْلُوما للسامع بِوَاسِطَة انْقِطَاع الِاحْتِمَال والإشكال انْتهى وَأَنت خَبِير بِأَن المُصَنّف رَحمَه الله لم يُصَرح بِالنِّسْبَةِ بَين الْمَعْنيين، وَكَلَام الْمَتْن مُوَافق لما فِي الْمِيزَان، فَإِنَّهُ وَإِن لم يُصَرح بِكَوْنِهِ مَكْشُوف المُرَاد من الأَصْل، لكنه يفهم من قرينَة التقابل وَكَونه من أَقسَام ظَاهر
(1/137)

الدّلَالَة، وَلَا مَحْظُور فِي أَن يُخَالف فَخر الْإِسْلَام إِذا وَافق غَيره على أَنه يجوز أَن فَخر الْإِسْلَام لما رأى أَن لفظ الْمُفَسّر يسْتَعْمل تَارَة فِي هَذَا، وَتارَة فِي ذَاك جعله بِإِزَاءِ مَا يعمهما اصْطِلَاحا مِنْهُ وَلَا مشاحه فِيهِ (وان) بَين المُرَاد بِمَا فِيهِ خَفَاء من الْأَقْسَام الْمَذْكُورَة (بظني) كَخَبَر الْوَاحِد وَبَعض الأقيسة (فمؤول) ذكره تَقْرِيبًا وتتميما لبَيَان مَا بَين مِنْهُ المُرَاد (وَمَعَ عَدمه) أَي عدم اعْتِبَار ظُهُور مَا سيق لَهُ مَعَ عدم احْتِمَال غير النّسخ وَمَعَ عدم احْتِمَاله، وَيفهم هَذَا من سِيَاق الترقي من الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى، وَيحْتَمل أَن يرجع ضمير عَدمه إِلَى مُطلق الِاحْتِمَال، وبنفي الْمُطلق يحصل الْمَقْصُود (فِي زَمَانه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) قَيده بذلك الزَّمَان، لِأَن احْتِمَاله لَا يتَصَوَّر بعد مَوته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لانْقِطَاع الْوَحْي، فَجَمِيع السمعيات مُتَسَاوِيَة فِي عدم احْتِمَاله كَمَا سَيذكرُهُ (الْمُحكم) وَلَا يخفى وَجه التَّسْمِيَة وَهُوَ (حَقِيقَة عرفية) مُخْتَصَّة بالأصوليين (فِي الْمُحكم لنَفسِهِ) وَهُوَ مَا لَا يحْتَمل النّسخ لَا فِي زَمَانه وَلَا فِي غَيره: كالآيات الدَّالَّة على وجود الصَّانِع ووحدانيته وَسَائِر صِفَاته، وعَلى الْأَخْبَار عَمَّا كَانَ أَو سَيكون عِنْد الْجُمْهُور لِامْتِنَاع التَّغَيُّر فِي مدلولاتها وَلُزُوم الْكَذِب (وَالْكل) من الْأَقْسَام الْأَرْبَعَة وَغَيرهَا من السمعيات (بعده) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (مُحكم لغيره) وَهُوَ انْقِطَاع الْوَحْي فَإِن قلت قَوْله الْكل يَشْمَل الْمُحكم لنَفسِهِ أَيْضا قلت فليشمل، غَايَة الْأَمر لُزُوم كَونه محكما لنَفسِهِ وَغَيره (يلْزمه) أَي لفظ الْمُحكم عِنْد إِطْلَاقه على الْمُحكم لغيره أَو يلْزم الْمُحكم لغيره عِنْد إِطْلَاق لفظ الْمُحكم عَلَيْهِ (التَّقْيِيد) بِقَيْد لغيره (عرفا) أصوليا تمييزا بَين الصِّنْفَيْنِ فِي اللَّفْظ بعد اشتراكهما فِي الْمَعْنى اللّغَوِيّ: وَهُوَ الإتقان والإحكام الْمنَافِي للتغيير والتبديل وَإِنَّمَا لزم التَّقْيِيد فِي الثَّانِي، لِأَن الأول أكمل فِي معنى الإحكام فَيَنْصَرِف الْمُطلق إِلَيْهِ، ثمَّ قبل زِيَادَة الوضوح فِي النَّص على الظَّاهِر بِكَوْنِهِ مسوقا لَهُ، وَفِي الْمُفَسّر بِكَوْنِهِ لَا يحْتَمل التَّأْوِيل والتخصيص، وَأما فِي الْمُحكم فَغير ظَاهر، لِأَن عدم احْتِمَال النّسخ لَا يُؤثر فِي زِيَادَة الوضوح فِي النَّص على الظَّاهِر بِكَوْنِهِ، وَأجِيب بِأَن المُرَاد بِزِيَادَة الوضوح فِيهِ لازمها وَهُوَ زِيَادَة الْقُوَّة، ثمَّ إِذا كَانَت الْأَقْسَام متمايزة بقيود متباينة (فَهِيَ متباينة) هَذَا على مَا هُوَ الْمَشْهُور عِنْد الْمُتَأَخِّرين، فَيشْتَرط فِي الظَّاهِر عدم السُّوق، وَفِي النَّص احْتِمَال التَّخْصِيص والتأويل: أَي أَحدهمَا، وَفِي الْمُفَسّر احْتِمَال النّسخ، وَأما مُقْتَضى كَلَام الْمُتَقَدِّمين فَهُوَ أَن الْمُعْتَبر فِي الظَّاهِر ظُهُور المُرَاد سَوَاء سيق لَهُ أَولا، وَفِي النَّص السُّوق احْتمل أَولا، وَفِي الْمُفَسّر عدم احتمالهما احْتمل النّسخ أَولا على مَا سَيَجِيءُ (وَلَا يمْتَنع الِاجْتِمَاع) أَي اجْتِمَاع قسمَيْنِ مِنْهَا فَأكْثر (فِي لفظ) وَاحِد (بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا سيق إِلَيْهِ وَعَدَمه) عطف على الْمَوْصُول وَالضَّمِير لَهُ، فَالْمُرَاد بِعَدَمِهِ مَا لم يسق لَهُ من بَاب ذكر اللَّازِم وَإِرَادَة الْمَلْزُوم مَعَ ظُهُور الْقَرِينَة، وَيجوز أَن يكون عَدمه على صِيغَة الْمَاضِي، من
(1/138)

قَوْلهم عَدمه إِذا لم يجده، فَيكون مَعْطُوفًا على صلَة الْمَوْصُول، وَالضَّمِير للسوق فَتدبر وَلَا تدافع بَين إِمْكَان الِاجْتِمَاع وَلُزُوم التباين بَين الْأَقْسَام، لِأَن ذَلِك بِاعْتِبَار الْمَعْنى الْوَاحِد، وَهَذَا بِاعْتِبَار الْمَعْنيين (كَمَا تفيده الْمثل، {وَأحل الله البيع وَحرم الرِّبَا} بدل الْبَعْض من الْمثل بِغَيْر عَائِد إِلَى الْمُبدل للْعلم الْوَاضِح ببعضيته مِنْهَا (ظَاهر) أَي النَّص الْمَذْكُور ظَاهر (فِي الْإِبَاحَة وَالتَّحْرِيم إِذا لم يسق لذَلِك) أَي الْإِبَاحَة وَالتَّحْرِيم (نَص) خبر بعد خبر (بِاعْتِبَار) معنى مَفْهُوم مِنْهُ (خَارج) عَن منطوقه (هُوَ) أَي ذَلِك الْخَارِج (رد تسويتهم) المفهومة من قَوْلهم إِنَّمَا البيع مثل الرِّبَا، فَمَا وضع لَهُ اللَّفْظ غير مسوق لَهُ ولازمه الْمَدْلُول التزاما هُوَ المسوق لَهُ {فانكحوا مَا طَابَ لكم} الْآيَة) أَي مَا طَابَ لكم من النِّسَاء مثنى وَثَلَاث وَربَاع (ظَاهر فِي الْحل) أَي فِي حل أصل النِّكَاح، لِأَن الْأَمر للْإِبَاحَة (نَص بِاعْتِبَار) معنى (خَارج) عَن الْمُسَمّى (هُوَ قصره) أَي النِّكَاح أَو التناكح (على الْعدَد) الْمَذْكُور (إِذْ السُّوق لَهُ) أَي الْعدَد أَو الْقصر عَلَيْهِ، إِذْ الْحل قد كَانَ مَعْلُوما قبل نُزُولهَا، يُؤَيّد ذَلِك ذكره بعد خوف الْجور، وَترك الْعدْل فِي الْيَتَامَى الْمَدْلُول بقوله تَعَالَى - {وَإِن خِفْتُمْ أَن لَا تقسطوا فِي الْيَتَامَى} -، فَكَأَنَّهُ يَقُول: اتْرُكُوا زواج الْيَتَامَى عِنْد خوف ذَلِك، فَإِن لكم سَعَة فِي غَيْرهنَّ إِلَى هَذَا الْحَد (فيجتمعان) أَي القسمان كَالظَّاهِرِ، وَالنَّص (دلَالَة) تَمْيِيز عَن نِسْبَة الْفِعْل إِلَى فَاعله، يَعْنِي اجْتِمَاع الدلالتين كَيفَ، وَإِلَّا فالدال وَاحِد لَا يتَصَوَّر فِيهِ الِاجْتِمَاع إِلَّا باعتبارها (ثمَّ الْقَرِينَة تعين المُرَاد بِالسوقِ) فَلَا يشْتَبه على الْمُخَاطب بِسَبَب اجْتِمَاع الدلالتين (وَهُوَ) أَي المُرَاد بِالسوقِ الْمَدْلُول (الالتزامي) فِيمَا تقدم من المثالين (فيراد) الْمَعْنى (الآخر) الَّذِي هُوَ ملزوم ذَلِك الالتزامي معنى (حَقِيقِيًّا) للفظ لكَونه مُسَمَّاهُ (لَا) يُرَاد معنى (أَصْلِيًّا) مَقْصُودا بِالسوقِ (أَعنِي) بِالْآخرِ الْحَقِيقِيّ الْمَعْنى (الظَّاهِرِيّ، وَيصير الْمَعْنى النصي مدلولا التزاميا لمجموع الظاهرين) فِي قَوْله تَعَالَى - {وَأحل الله البيع وَحرم الرِّبَا} -، فَعلم أَن النَّص قد يكون مركبا من جملتين، فَلَا يَنْبَغِي تَقْيِيد الْمقسم بالأفراد (وَمِثَال انْفِرَاد النَّص) عَن الظَّاهِر قَوْله تَعَالَى {يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم} لكَون مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ هُوَ المسوق لَهُ واحتماله التَّخْصِيص بِمَا عدا الصّبيان والمجانين (وكل لفظ سيق لمفهومه) الْحَقِيقِيّ الْمُحْتَمل للتخصيص أَو التَّأْوِيل الظَّاهِر مُرَاده بِمُجَرَّدِهِ مَعْطُوف على خبر الْمُبْتَدَأ، أَعنِي يَا أَيهَا النَّاس إِلَى آخِره و (أما الظَّاهِر فَلَا ينْفَرد) عَن النَّص (إِذْ لَا بُد) فِي كل أَمر تحقق فِيهِ ظَاهر (من أَن يساق اللَّفْظ لغَرَض) وَيمْتَنع خلو الْكَلَام عَن مَقْصُود أُصَلِّي يساق لَهُ، فَإِن كَانَ مُسَمَّاهُ لم يكن هُنَاكَ غير النَّص، وَإِن كَانَ غَيره لم ينْفَرد الظَّاهِر عَنهُ (ومثلوا) أَي الْمُتَأَخّرُونَ (الْمُفَسّر كالمتقدمين) أَي كَمَا مثل المتقدمون بقوله تَعَالَى {فَسجدَ الْمَلَائِكَة} الْآيَة، ويلزمهم) أَي
(1/139)

الْمُتَأَخِّرين على مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ من اعْتِبَار التباين بَين الْأَقْسَام، وَاحْتِمَال النّسخ فِي الْمُفَسّر (أَن لَا يَصح) تمثيلهم هَذَا (لعدم احْتِمَال النّسخ) لكَونه من الْأَخْبَار (وثبوته) أَي احْتِمَال النّسخ (مُعْتَبر) فِي الْمُفَسّر (للتباين) الْمُعْتَبر بَين الْأَقْسَام على رَأْيهمْ (فَإِنَّمَا يتَصَوَّر الْمُفَسّر) أَي تحَققه بعد احْتِمَال النّسخ فِيهِ (فِي مُفِيد حكم) أَي فِي لفظ يُفِيد حكما شَرْعِيًّا ليمكن نسخه (بِخِلَاف الْمُحكم) فَإِنَّهُ يتَحَقَّق فِي الْأَخْبَار أَيْضا كَقَوْلِه تَعَالَى {وَالله بِكُل شَيْء عليم}، لِأَنَّهُ) أَي شَرط الْمُحكم بِتَقْدِير الْمُضَاف (نَفْيه) أَي نفي الِاحْتِمَال النّسخ، وَالنَّفْي مُتَحَقق فِي الْأَخْبَار (وَالْأولَى) أَن يذكر فِي تَمْثِيل الْمُحكم (نَحْو) قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (الْجِهَاد مَاض) مُنْذُ بَعَثَنِي الله إِلَى أَن يُقَاتل آخر أمتِي الدَّجَّال لَا يُبطلهُ جور جَائِر، وَلَا عدل عَادل: مُخْتَصر من حَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد، وَجه الْأَوْلَوِيَّة أَن قصد الأصولي بِالذَّاتِ نَحْو بَيَان أَنْوَاع مَا يدل على الحكم الشَّرْعِيّ. (و) قَالَ (المتقدمون) من الْحَنَفِيَّة (الْمُعْتَبر فِي الظَّاهِر ظُهُور) الْمَعْنى (الوضعي بِمُجَرَّدِهِ) أَي بِمُجَرَّد اللَّفْظ الدَّال عَلَيْهِ، وَقد مر بَيَانه (سيق لَهُ أَولا) أَي سَوَاء سيق اللَّفْظ لذَلِك الوضعي أَولا (و) الْمُعْتَبر (فِي النَّص ذَلِك) أَي الظُّهُور المتحقق فِي ضمن السُّوق وَعَدَمه (مَعَ ظُهُور مَا سيق لَهُ) إِذا كَانَ مَا سيق لَهُ غير مَعْنَاهُ الوضعي كآية الرِّبَا، وَعدد النِّسَاء (احْتمل التَّخْصِيص والتأويل أَولا، وَفِي الْمُفَسّر) الْمُعْتَبر (عدم الِاحْتِمَال) لَهما مَعَ ظُهُور مَعْنَاهُ الوضعي والمسوق لَهُ سَوَاء (احْتمل النّسخ أَولا و) الْمُعْتَبر (فِي الْمُحكم عَدمه) أَي احْتِمَال النّسخ مَعَ ظُهُور مَا ذكر، وَعدم احْتِمَال التَّخْصِيص (فَهِيَ) أَي الْأَقْسَام (متداخلة) لكَون الأول يعم الثَّلَاثَة الْبَاقِيَة، وَالثَّانِي الباقيين، وَالثَّالِث وَالرَّابِع (وَقَول فَخر الْإِسْلَام فِي الْمُفَسّر إِلَّا أَنه يحْتَمل النّسخ سَنَد للمتأخرين فِي اعتبارهم (التباين) بَينهمَا، لِأَنَّهُ لَا وَجه لاعْتِبَار التباين بَين الْمُفَسّر والمحكم دون غَيرهمَا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (إِذْ لَا فصل بَين الْأَقْسَام) فِي اعْتِبَار التباين وَعَدَمه (وَبِه) أَي بقول فَخر الْإِسْلَام هَذَا (يبعد نفي) اعْتِبَار (التباين) بَين الْأَقْسَام (عَن كل الْمُتَقَدِّمين) لِأَن الظَّاهِر عدم مُخَالفَته كلهم (وَلعدم) اعْتِبَار (التباين) بَينهَا (مثلُوا) أَي المتقدمون (الظَّاهِر) أَي صوروه بقوله تَعَالَى {يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا}، الزَّانِي) بِحَذْف العاطف أَو بسردهما على طَرِيق التعداد، وَيُؤَيّد الأول ذكره العاطف فِي قَوْله (وَالسَّارِق وبالأمر) بِإِظْهَار الْبَاء فِي الْمُقدر فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ إِشَارَة إِلَى كَون الْأَمر (وَالنَّهْي) بِاعْتِبَار كثرتهما متميزين عَن الْأَمْثِلَة الْمَذْكُورَة (مَعَ ظهورما) أَي معنى (سيق لَهُ) كل وَاحِد من الْمَذْكُورَات: أَي مثلُوا بهَا مَعَ علمهمْ بِكَوْنِهَا نصوصا بِاعْتِبَار مَعَانِيهَا الظَّاهِرِيَّة لكَونهَا مسوقا لَهَا، فَعلم أَن الْمُعْتَبر فِي الظَّاهِر عِنْدهم ظُهُور الْمَعْنى سَوَاء كَانَ مسوقا لَهُ أَولا، فَالظَّاهِر أَعم من النَّص لَا مباين لَهُ
(1/140)

(وَاقْتصر بَعضهم) أَي الْمُتَقَدِّمين (فِي) تَمْثِيل (النَّص) على إِبَاحَة الْعدَد (على) ذكر (مثنى إِلَى رباع) وَلم يذكر - فانكحوا إِلَى مثنى -، وَفِي تَمْثِيل النَّص على التَّفْرِقَة بَين البيع والربا على مَا ذكر حرم الرِّبَا ظنا مِنْهُ أَن النَّص إِنَّمَا هُوَ مثنى وَثَلَاث وَربَاع فِي الأول، (وَحرم الرِّبَا) فِي الثَّانِيَة (وَالْحق أَن كلا من انكحوا، وَاسم الْعدَد لَا يسْتَقلّ نصا إِلَّا بملاحظة الآخر) وَكَذَا كل من أحل الله البيع، وَمن حرم الرِّبَا لَا يسْتَقلّ نصا على التَّفْرِقَة إِلَّا بملاحظة الآخر (فالمجموع) هُوَ (النَّص) وَذَلِكَ لِأَن التَّنْصِيص على عدد معِين بِاعْتِبَار حكم خَاص لَا يحصل بِمُجَرَّد ذكر الْعدَد من غير ذكر الْمَعْدُود وَالْحكم، وَكَذَا التَّنْصِيص على الْفرق لَا يحصل إِلَّا بِمُجَرَّد حُرْمَة الرِّبَا بِدُونِ ذكر حل البيع. (و) قَالَت (الشَّافِعِيَّة الظَّاهِر مَا) أَي لفظ (لَهُ دلَالَة ظنية) ناشئة (عَن وضع) كالأسد للحيوان المفترس، وعَلى هَذَا فالنص مَا دلّ دلَالَة قَطْعِيَّة (أَو عرف) كالغائط للْخَارِج المستقذر إِذا غلب فِيهِ بعد أَن كَانَ فِي الأَصْل للمكان المطمئن من الأَرْض (وَإِن كَانَ) الدَّال الْمَذْكُور (مجَازًا بِاعْتِبَار اللُّغَة) يَعْنِي أَن لفظ الْغَائِط كَانَ فِي اللُّغَة مَوْضُوعا بِإِزَاءِ الْمَكَان المطمئن الَّذِي هُوَ مَحل عَادَة للْخَارِج المستقذر، وَبِاعْتِبَار هَذِه العلاقة كَانَ يسْتَعْمل فِيهِ مجَازًا، ثمَّ صَار لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال فِيهِ مَوْضُوعا عرفا، فَإِن اسْتعْمل فِيهِ بِاعْتِبَار الْوَضع الْعرفِيّ كَانَ حَقِيقَة، وَإِن بنى التخاطب فِيهِ على الْوَضع اللّغَوِيّ وَاسْتعْمل فِيهِ بِاعْتِبَار تِلْكَ العلاقة كَانَ مجَازًا لغويا، وَقَوله عَن الخ إِن كَانَ من تَمام الْحَد لزم خُرُوج الْمجَاز عَن التَّعْرِيف وَإِن كَانَ إِشَارَة إِلَى التَّقْسِيم بعد تَمام الْحَد لم يلْزم، غير أَن التَّقْسِيم حِينَئِذٍ لَا يكون حاصرا، (ويستلزم) كَونه ظَنِّي الدّلَالَة أَن يحْتَمل (احْتِمَالا مرجوحا) غير الْمَعْنى الظَّاهِرِيّ، وَإِلَّا لزم كَونه قَطْعِيّ الدّلَالَة على الْمَعْنى الظَّاهِرِيّ (وَهُوَ قسم من النَّص عِنْد الْحَنَفِيَّة) أَي الَّذِي هُوَ ظَاهر عِنْد الشَّافِعِيَّة قسم مِمَّا هُوَ نَص عِنْد الْحَنَفِيَّة، فالظرف مُتَعَلق بِمَا يُسْتَفَاد من قَوْله من النَّص، وَالْمعْنَى من الْمُسَمّى بِالنَّصِّ عِنْدهم، وَيجوز أَن يكون ظرفا لكَون الظَّاهِر قسما مِنْهُ، ومآلهما وَاحِد وَلما كَانَ يتَّجه هَهُنَا سُؤال، وَهُوَ أَن مَا دلّ عَلَيْهِ اللَّفْظ ظنا قد لَا يكون مسوقا لَهُ وَلَا ظَاهرا مِنْهُ بِمُجَرَّدِهِ، وهما معتبران فِي النَّص عِنْد الْحَنَفِيَّة مَعَ الدّلَالَة الظنية، فَكل نَص دَال ظنا من غير عكس، فالدال ظنا أَعم من النَّص، وَكَيف يكون الْأَعَمّ قسما من الْأَخَص؟ أَرَادَ تَقْيِيد الْأَعَمّ بِمَا يُسْتَفَاد من قَوْله (وَهُوَ) أَي مَاله دلَالَة ظنية (مَا) أَي لفظ (كَانَ سوقه لمفهومه) وَلَا شكّ أَن النَّص كَمَا يكون سوقه لمفهومه كَذَلِك يكون لغير مَفْهُومه كآية الرِّبَا وَالسَّرِقَة، وَالْجُمْلَة إِمَّا حَال عَن قَوْله هُوَ، أَو مستأنفة لبَيَان الْمَحْكُوم عَلَيْهِ بالقسمية، وَهَذَا على رَأْي الْمُتَقَدِّمين، وَأما على رَأْي الْمُتَأَخِّرين فالنص اعْتبر فِيهِ احْتِمَال التَّخْصِيص والتأويل،
(1/141)

فَالظَّاهِر بعد التَّقْيِيد الْمَذْكُور يكون أَيْضا أخص مِنْهُ إِلَّا أَن مَادَّة الِافْتِرَاق حِينَئِذٍ تَنْحَصِر فِيمَا سيق لغير مَفْهُومه، بِخِلَاف الأول، فَإِن الْمُفَسّر والمحكم كَذَلِك فِي مَادَّة الِافْتِرَاق فَإِن قلت هَل يجوز إرجاع الْمَرْفُوع الثَّانِي إِلَى النَّص قلت لَا، لِأَنَّهُ يلْزم حِينَئِذٍ كَون الظَّاهِر على إِطْلَاقه قسما من النَّص لعدم مَا يُقَيِّدهُ، مَعَ أَنه مضى تَفْسِيره قَرِيبا، وَلَا يحْتَاج إِلَى التَّفْسِير ثَانِيًا، وَلَيْسَ من دأب المُصَنّف مثل هَذَا التّكْرَار ثمَّ لما كَانَ هَهُنَا مَظَنَّة أَن يُقَال كَيفَ يكون ظَاهر الشَّافِعِيَّة قسما من نَص الْحَنَفِيَّة مَعَ تصريحهم بقطعية دلَالَة النَّص أَفَادَ أَن لَا مُنَافَاة بَينهمَا بقوله (وَإِن اخْتلفُوا) أَي الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة (فِي قَطْعِيَّة دلَالَته) أَي النَّص (وظنيتها) أَي دلَالَته، ثمَّ أَفَادَ وَجه التَّوْفِيق بقوله (وَالْوَجْه أَنه) أَي الْخلاف والنزاع الْمَذْكُور (لَفْظِي) أَي مَنْسُوب إِلَى اللَّفْظ بِاعْتِبَار مَا يُوهم ظَاهره، وَلَا خلاف فِي الْمَعْنى لعدم اتِّحَاد مورد الْقطع وَالظَّن (فالقطعية) الَّتِي ذكرهَا الْحَنَفِيَّة (للدلالة) أَي لدلَالَة هَذَا الْقسم من النَّص على مَعْنَاهُ (والظنية) الَّتِي ذكرهَا الشَّافِعِيَّة (بِاعْتِبَار الْإِرَادَة) وَأَيْنَ الدّلَالَة من الْإِرَادَة؟ فَإِن دلَالَة اللَّفْظ الْمَوْضُوع على مَعْنَاهُ بعد الْعلم بِالْوَضْعِ لَا تنفك عَنهُ قطعا، بِخِلَاف إِرَادَة مَا وضع لَهُ، فَإِنَّهُ قد يصرف عَنهُ الْقَرِينَة الصارفة إِلَى مَا تعينه الْمعينَة (فَلَا اخْتِلَاف) فِي الْمَعْنى هَذَا، وَيرد عَلَيْهِ أَن القطعية بِاعْتِبَار الدّلَالَة لَا تخص النَّص، بل الظَّاهِر أَيْضا دلَالَة قَطْعِيَّة بالتأويل الْمَذْكُور، وَالِاحْتِمَال بِاعْتِبَار الْإِرَادَة فَتدبر (واستمروا) أَي الشَّافِعِيَّة (على إِيرَاد المؤول قرينا لَهُ) أَي الظَّاهِر، (فَيُقَال الظَّاهِر، والمؤول كالخاص وَالْعَام) أَي كَمَا اسْتمرّ الأصوليون على إِيرَاد الْعَام قرينا للخاص (لإِفَادَة الْمُقَابلَة) بَين الظَّاهِر والمؤول (فَيلْزم فِي الظَّاهِر عدم الصّرْف) أَي لما جعلُوا الظَّاهِر مُقَابلا للمؤول لزم أَن يعْتَبر فِي مَفْهُوم الظَّاهِر عدم الصّرْف عَن مَعْنَاهُ الظَّاهِر تَحْقِيقا للمقابلة، فَإِن الصّرْف عَن الظَّاهِر مُعْتَبر فِي مَفْهُوم المؤول (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يعْتَبر عدم الصّرْف فِي الظَّاهِر (اجْتمعَا) أَي الظَّاهِر والمؤول فِي لفظ وَاحِد، والمتقابلان لَا يَجْتَمِعَانِ، بَيَان الْمُلَازمَة مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (إِذْ المصروف) أَي اللَّفْظ الَّذِي صرف عَن مَعْنَاهُ الَّذِي دلَالَته عَلَيْهِ ظنية إِلَى معنى يحْتَملهُ احْتِمَالا مرجوحا لدَلِيل يَقْتَضِيهِ (لَا تسْقط دلَالَته على) الْمَعْنى (الرَّاجِح) يَعْنِي أَن دلَالَته عَلَيْهِ بعد الصّرْف لم تَتَغَيَّر عَن حَالهَا، لِأَن الصّرْف بِاعْتِبَار الْإِرَادَة فَقَط كَمَا عرفت، وَأما الدّلَالَة وَفهم الْمَعْنى فَلَا يتَصَوَّر أَن يصرف عَنْهَا بعد الْعلم بِالْوَضْعِ (فَيكون) اللَّفْظ المصروف عَن الظَّاهِر (بِاعْتِبَارِهِ) أَي كَونه دَالا على الرَّاجِح (ظَاهرا) لصدق تَعْرِيفه عَلَيْهِ، لَان الْمَفْرُوض عدم اعْتِبَار مَا يحصل بِهِ التقابل فِي الْمَفْهُوم (وَبِاعْتِبَار الحكم بِإِرَادَة) الْمَعْنى (الْمَرْجُوح) الَّذِي يحْتَملهُ احْتِمَالا مرجوحا (مؤوّلا)، وَلَا يعلم أَنه لَا يحصل التباين بَين الْقسمَيْنِ إِلَّا بِاعْتِبَار الصّرْف وجودا وعدما
(1/142)

فِي مفهومهما فَإِن قلت قد سبق أَن ظنية دلَالَة الظَّاهِر عِنْد الشَّافِعِيَّة الْإِرَادَة والمصروف تسْقط دلَالَته على الرَّاجِح من حَيْثُ أَنه مُرَاد قلت المصروف من حَيْثُ ذَاته من غير أَن يُلَاحظ مَعَه الصَّارِف يدل دلَالَة ظنية على أَن الرَّاجِح مُرَاد مِنْهُ، وَمُرَاد المُصَنّف صدق التَّعْرِيف بِهَذَا الِاعْتِبَار، لَا مَعَ مُلَاحظَة الصَّارِف فَإِن قيل لَا بَأْس باجتماع المتقابلين باعتبارين وَإِنَّمَا الْمَحْذُور اجْتِمَاعهمَا بِاعْتِبَار وَاحِد قلت هَذَا إِذا كَانَ التَّقْسِيم اعتباريا، وَأما إِذا كَانَ حَقِيقِيًّا فَلَا بُد أَن لَا يجتمعا أصلا، وَالْأَصْل فِي التَّقْسِيم أَن يكون حَقِيقِيًّا، كَيفَ والتباين بَين أَحْكَام الْأَقْسَام يستدعى التباين بَينهَا؟ نعم تَارَة تَسْتَلْزِم ذَلِك عِنْد الضَّرُورَة كَمَا لزم الْمصير إِلَيْهِ بَين الْأَقْسَام الْمَذْكُورَة على رَأْي الْمُتَقَدِّمين (وَتقدم المؤول عِنْد الْحَنَفِيَّة) وَهُوَ مَا بَين بظني بِمَا فِيهِ خَفَاء على مَا مر قَرِيبا (وَلَا يُنكر إِطْلَاقه) أَي المؤول (على) اللَّفْظ (المصروف) عَن ظَاهره (أَيْضا أحد) فَاعل لَا يُنكر، فالمؤول لَهُ مَعْنيانِ: أَحدهمَا مَخْصُوص بالحنفية، وَالْآخر مُشْتَرك بَينهم وَبَين غَيرهم. وَقَالَ الإِمَام الْغَزالِيّ: إِن التَّأْوِيل احْتِمَال يعضده دَلِيل يصير بِهِ أغلب على الظَّن من الْمَعْنى الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الظَّاهِر، وَفِيه مُسَامَحَة لِأَن التَّأْوِيل إِنَّمَا هُوَ الْحمل على الِاحْتِمَال الْمَرْجُوح، لَا نَفسه فَإِنَّهُ شَرطه، إِذْ لَا يَصح حمل اللَّفْظ على مَا لَا يحْتَملهُ، وَيرد على عَكسه التَّأْوِيل الْمَقْطُوع بِهِ، وَيُمكن دَفعه بِأَنَّهُ اكْتفى بِذكر الْأَدْنَى، فَيعلم الْأَعْلَى بِالطَّرِيقِ الأولى إِلَّا أَنه ذكر الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ أَن التَّأْوِيل ظن بالمراد، وَالتَّفْسِير قطع بِهِ، ثمَّ هَذَا هُوَ التَّأْوِيل الصَّحِيح، وَأما التَّأْوِيل الْفَاسِد فَهُوَ حمله على الْمَرْجُوح بِلَا دَلِيل، أَو بِدَلِيل مَرْجُوح، أَو مسَاوٍ (وَالنَّص) عِنْد الشَّافِعِيَّة مَا دلّ على معنى (بِلَا احْتِمَال) لغيره، وَلذَا فسروه بِمَا دلّ دلَالَة قَطْعِيَّة، فَإِن عدم احْتِمَال الْغَيْر يستدعى الْقطع فَهُوَ (كالمفسر عِنْد الْحَنَفِيَّة) فِي عدم احْتِمَال معنى آخر، لَا من كل وَجه فَلَا يرد أَن ظُهُور الْمَعْنى والسوق لَهُ مُعْتَبر فِيهِ عِنْد الْحَنَفِيَّة، وَالشَّافِعِيَّة لم يعتبروا ذَلِك فِي النَّص (لَا النَّص) عِنْدهم (فَإِنَّهُ) أَي النَّص عِنْدهم (يحْتَمل الْمجَاز باتفاقهم) أَي الْحَنَفِيَّة، ويخرجه الِاحْتِمَال عَن كَونه قَطْعِيّ الدّلَالَة (وَعلمت) من قَوْلنَا: القطعية للدلالة، والظنية بِاعْتِبَار الْإِرَادَة (أَنه) أَي احْتِمَال الْمجَاز (لَا يُنَافِي القَوْل بقطعيته) أَي بقطعية النَّص بِاعْتِبَار الدّلَالَة (وَقد يفسرون) أَي الشَّافِعِيَّة (الظَّاهِر بِمَا لَهُ دلَالَة وَاضِحَة، فالنص قسم مِنْهُ عِنْدهم) أَي الظَّاهِر حِينَئِذٍ. قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ لِأَن الدّلَالَة الْوَاضِحَة أَعم من الظنية والقطعية انْتهى، فَيتَّجه أَنه يجوز عدم وضوح الْمَعْنى المُرَاد قطعا، فَكيف بأخصية النَّص مُطلقًا، وَيُمكن أَن يُجَاب عَنهُ بِأَنَّهُ مُجَرّد احْتِمَال فَلَا يصلح للنقض فَتَأمل (والمحكم) عِنْدهم (أَعم يصدق على كل مِنْهُمَا) أَي الظَّاهِر، وَالنَّص (وَلَا يُنَافِي التَّأْوِيل أَيْضا فَهُوَ) أَي الْمُحكم (عِنْدهم) أَي الشَّافِعِيَّة
(1/143)

(مَا استقام نظمه للإفادة وَلَو بِتَأْوِيل) فَإِن المؤول بالتأويل الصَّحِيح قد استقام نظمه للإفادة. وَقَالَ القَاضِي عضد الدّين: الْمُحكم هُوَ المتضح الْمَعْنى سَوَاء كَانَ نصا أَو ظَاهرا، والمتشابه غير المتضح الْمَعْنى، وَمِنْهُم من قَالَ الْمُحكم: مَا استقام نظمه للإفادة وَهُوَ حق، لَكِن مَا يُقَابله من الْمُتَشَابه يكون مَا احْتمل نظمه لعدم الإفادة. وَقَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ: وَالظَّاهِر أَن القَوْل باخْتلَاف نظم الْقُرْآن مِمَّا لَا يصدر عَن الْمُسلم، بل الْمُقَابل مَا استقام نظمه لَا للإفادة، فَيكون الْمُحكم مَا انتظم وترتب للإفادة: إِمَّا من غير تَأْوِيل أَو مَعَ التَّأْوِيل، والمتشابه: مَا انتظم وترتب لَا للإفادة، بل للابتلاء وَالْمرَاد بالنظم: اللَّفْظ كَمَا فِي التَّلْوِيح (وَالْحَنَفِيَّة أوعب وضعا للحالات) من قَوْلهم: وعبه، وأوعبه، واستوعبه: أَخذه أجمع، وَقَوله وضعا تَمْيِيز عَن نِسْبَة أوعب إِلَى ضمير الْحَنَفِيَّة، وَقَوله للحالات صلَة الْوَضع، فَالْمَعْنى وضعهم الْأَلْفَاظ الاصطلاحية بِإِزَاءِ الْمعَانِي الْحَاصِلَة من تنوع أَحْوَال الْأَدِلَّة أوعب، وأشمل من وضع الشَّافِعِيَّة لَهَا: نقل الشَّارِح عَن المُصَنّف أَنه قَالَ: وَلذَا كَانَ ê أَقسَام مَا ظهر مَعْنَاهُ أَرْبَعَة متباينة عِنْد الْمُتَأَخِّرين، وَعند الشَّافِعِيَّة لَيْسَ فِي الْخَارِج إِلَّا قِسْمَانِ، لِأَن الْمُحكم أَعم من الظَّاهِر وَالنَّص، وَلَا يتَحَقَّق إِلَّا فِي ضمن أَحدهمَا وَالْمرَاد من الْحَالَات حَالَة احْتِمَال غير الوضعي، وَحَالَة سوقه لشَيْء من مَفْهُومه أَو غَيره، وَحَالَة عدم سوقه لمفهومه، وَحَالَة عدم احْتِمَال النّسخ واحتماله انْتهى (وَمَوْضِع الِاشْتِقَاق يرجح قَوْلهم فِي الْمُحكم) أَي رِعَايَة الْمُنَاسبَة بَين مَا اشتق مِنْهُ الْأَسَامِي الْمَذْكُورَة ومسمياتها يرجح قَول الْحَنَفِيَّة فِي الْمُحكم، وَقَوله فِي الْمُحكم إِمَّا مُتَعَلق بقَوْلهمْ، وَهُوَ الْأَقْرَب، أَو يرجح، أَو بِمَحْذُوف هُوَ صفة الْمُبْتَدَأ، وَذَلِكَ لِأَن مَا لَا يحْتَمل تَخْصِيصًا وَلَا تَأْوِيلا وَلَا نسخا كَأَن الْأَحْكَام فِيهِ أتم وأكمل، بِخِلَاف مَا يحْتَمل شَيْئا مِنْهَا.
بَقِي أَن المُصَنّف لم يذكر لَهُم الْمُفَسّر، وَفِي الْمَحْصُول أَن لَهُ مَعْنيين: أَحدهمَا مَا احْتَاجَ إِلَى التَّفْسِير، وَقد ورد تَفْسِيره، وَثَانِيهمَا الْكَلَام الْمُبْتَدَأ المستغنى عَن التَّفْسِير لوضوحه انْتهى وَالظَّاهِر أَن المُصَنّف لم يلْتَفت إِلَيْهِ لعدم شهرته عِنْدهم، على أَنه لَا حَاجَة فِيهِ إِلَى ارْتِكَاب اصْطِلَاح مِنْهُم، بل اللُّغَة كَافِيَة فِيهِ.
(تَنْبِيه) على تَفْصِيل للتأويل (وقسموا) أَي الشَّافِعِيَّة (التَّأْوِيل إِلَى قريب) من الْفَهم (وبعيد) عَنهُ (ومتعذر) فهمه (غير مَقْبُول) عِنْد الْأُصُولِيِّينَ (قَالُوا) أَي الشَّافِعِيَّة (وَهُوَ) أَي المعتذر (مَا لَا يحْتَملهُ اللَّفْظ) لعدم وَضعه لَهُ، وَعدم العلاقة بَينه وَبَين مَا وضع لَهُ (وَلَا يخفى أَنه) أَي مَا لَا يحْتَملهُ اللَّفْظ (لَيْسَ من أقسامه) أَي التَّأْوِيل (وَهُوَ) أَي التَّأْوِيل مُطلقًا (حمل الظَّاهِر على الْمُحْتَمل الْمَرْجُوح) على مَا مر فَلَا بُد من الِاحْتِمَال وَلَو مرجوحا (إِلَّا
(1/144)

أَن يعرف) التَّأْوِيل (بِصَرْف اللَّفْظ عَن ظَاهره فَقَط) من غير اعْتِبَار حمله على الْمُحْتَمل فَيصدق عَلَيْهِ حِينَئِذٍ، ثمَّ أَنهم قَالُوا حمل الظَّاهِر، لِأَن النَّص لَا يحْتَمل التَّأْوِيل عِنْدهم، وَتَعْيِين أحد مدلولي الْمُشْتَرك لَا يُسمى تَأْوِيلا، وَقيد بالمجروح لِأَن مَا يحمل على الرَّاجِح ظَاهر (ثمَّ ذكرُوا من الْبَعِيدَة تأويلات) وَاقعَة (للحنفية) مِنْهَا قَوْلهم (فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لغيلان ابْن سَلمَة الثَّقَفِيّ وَقد أسلم) حَال كَونه (على عشر) من النِّسَاء على مَا كَانُوا عَلَيْهِ من عَادَة الْجَاهِلِيَّة (أمسك أَرْبعا، وَفَارق سائرهن) مقول قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم (أَي ابتدئ نِكَاح أَربع، أَو أمسك الْأَرْبَع الأول) مقول قَوْلهم فِي مقَام التَّأْوِيل تَفْسِيرا لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " أمسك إِلَى آخِره " فسروا الْإِمْسَاك بِالْأَمر بابتداء نِكَاح أَربع مِنْهُنَّ على تَقْدِير علمه بِأَنَّهُ تزوجهن بِعقد وَاحِد لفساد نِكَاح الْكل حِينَئِذٍ بِقَرِينَة أَن إمساكهن لَا يجوز بِدُونِهِ، فَإِن الْأَمر بِمَا يتَوَقَّف جَوَازه على شَيْء أَمر بذلك الشَّيْء أَو بإمساك الْأَرْبَع الأول على تَقْدِير علمه بِأَنَّهُ تزوجهن بعقود مُتَفَرِّقَة، لِأَن الْفساد حِينَئِذٍ فِيمَا بعد الْأَرْبَع (فَإِنَّهُ يبعد أَن يُخَاطب بِمثلِهِ) أَي بِمثل هَذَا الْكَلَام المصروف عَن ظَاهره إِلَى مَا يتَوَقَّف فهمه على معرفَة الشرعيات مُخَاطب (متجدد) دُخُوله (فِي الْإِسْلَام بِلَا بَيَان) لما أُرِيد بِهِ، فَإِن الظَّاهِر من الْأَمر بالإمساك اسْتِدَامَة أَربع مِنْهُنَّ: أَي أَربع شَاءَ مَعَ عدم الْقَرِينَة الصارفة عَن الظَّاهِر، لِأَن الْمَفْرُوض عدم معرفَة الْمُخَاطب الْقَوَاعِد الشَّرْعِيَّة، فَقَوله فَإِنَّهُ إِلَى آخِره تَعْلِيل لبعد التَّأْوِيل، وَقيل فِي تأييد الْبعد مَعَ أَنه لم ينْقل تَجْدِيد فَقَط، لَا مِنْهُ وَلَا من غَيره أصلا مَعَ كَثْرَة إِسْلَام الْكَفَرَة المتزوجين (و) مِنْهَا قَوْلهم فِي (قَوْله) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لفيروز الديلمي وَقد أسلم على أُخْتَيْنِ: أمسك أَيَّتهمَا شِئْت) حذف مقولهم لوضوحه: أَي ابتدئ نِكَاح من شِئْت مِنْهُمَا، بِنَاء على فرض علمه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بتزوجه إِيَّاهَا فِي عقد وَاحِد، لِأَنَّهُ لَو تزوجهما فِي عقدين لبطل نِكَاح الثَّانِيَة فَقَط وَتعين إمْسَاك الأولى. قَالَ الشَّارِح ثمَّ هَذَا اللَّفْظ وَإِن لم يحفظ فقد حفظ مَعْنَاهُ، وَهُوَ " اختر أَيَّتهمَا شِئْت " كَمَا هُوَ رِوَايَة التِّرْمِذِيّ (أبعد) خبر مَحْذُوف: أَي هَذَا أبعد من الأول، وَذَلِكَ لما فِيهِ من تَفْسِير الْإِمْسَاك بابتداء النِّكَاح وَفرض أَنه تزوجهما فِي عقد وَاحِد، واطلاعه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على ذَلِك كَمَا فِي التَّأْوِيل الأول من نَحْو مَا ذكر على أحد تقديريه، وَمَا يحذو حذوه على الآخر، وَهُوَ إمْسَاك أَربع مُعينَة لفرض اطِّلَاعه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على أَنه تزوجهن فِي عُقُود مُتَفَرِّقَة مَعَ زِيَادَة شَيْء آخر هُنَا، وَهُوَ التَّصْرِيح بقوله " أَيَّتهمَا شِئْت " فَإِنَّهُ يدل على أَن التَّرْتِيب غير مُعْتَبر كَذَا ذكرُوا، وَفِيه نظر لِأَن التَّخْيِير الْمُسْتَفَاد من أَيَّتهمَا شِئْت إِذا كَانَ مَبْنِيا على اطِّلَاعه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على أَنه
(1/145)

تزوجهما فِي عقد وَاحِد لَا يدل على أَن التَّرْتِيب بَينهمَا فِي العقد غير مُعْتَبر فِي جَوَاز إمْسَاك إِحْدَاهمَا بِلَا تَجْدِيد عقد، وَإِنَّمَا كَانَ يدل عَلَيْهِ لَو لم يعلم بذلك، فَإِنَّهُ كَانَ يُقَال حِينَئِذٍ تخييره فِي تعْيين إِحْدَاهمَا من غير أَن يسْأَل عَن التَّرْتِيب وَعَدَمه دَال على مَا ذكر، وَالْوَجْه أَن يُقَال إِن كَون الْأَمر بالإمساك مَبْنِيا على اطِّلَاعه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر بعيد، وَلَا بُد من ارتكابه فِي الحَدِيث الثَّانِي، بِخِلَاف الأول لعدم التَّنْصِيص على تَعْمِيم مُتَعَلق التَّخْيِير فِيهِ، لِأَن قَوْله: أَرْبعا يصلح لِأَن يُرَاد بِهِ أَربع مُعينَة أَو غير مُعينَة، فَكَأَنَّهُ قيل لَهُ: إِن كنت عقدتهن فِي عقد وَاحِد فاختر أَي أَربع شِئْت، أَو فِي عُقُود فالأربع الأول لَا يُقَال كَيفَ يُخَاطب بِمثل هَذَا المتجدد فِي الْإِسْلَام، فَإِن هَذَا الاستبعاد مُشْتَرك بَين الْحَدِيثين، غير أَن الثَّانِي أبعد، لِأَنَّهُ لَا مخلص فِيهِ من فرض الِاطِّلَاع الْمَذْكُور، بِخِلَاف الأول (و) مِنْهَا (قَوْلهم فِي) قَوْله تَعَالَى {فإطعام سِتِّينَ مِسْكينا} فِي كَفَّارَة الظِّهَار (إطْعَام طَعَام سِتِّينَ) مقول لَهُم فِي التَّأْوِيل وَحَاصِله حذف مَا أضيف إِلَيْهِ الْإِطْعَام، وَهُوَ الْمُضَاف إِلَى سِتِّينَ، لِأَن 9 الْإِطْعَام إِذا أضيف إِلَى سِتِّينَ يلْزم اعْتِبَار الْعدَد الْمَخْصُوص، لِأَنَّهُ إِذا أعْطى لوَاحِد طَعَام سِتِّينَ لَا يَصح أَن يُقَال: أطْعم سِتِّينَ مِسْكينا، بل يَصح أَن يُقَال: أطْعم طَعَام سِتِّينَ مِسْكينا فَإِن قلت كَمَا أَن إِضَافَة الْإِطْعَام إِلَى السِّتين تَسْتَلْزِم اعْتِبَار عدم تحقق الْعدَد كَذَلِك إِضَافَة الطَّعَام إِلَيْهَا يستلزمه، فَلَا يَصح إطْعَام طَعَام سِتِّينَ قلت يُرَاد بِطَعَام سِتِّينَ فِي عرف اللُّغَة مَا يكفيهم، والمدار على الْعرف، وَالْمرَاد بِالْإِطْعَامِ حِينَئِذٍ: الْإِعْطَاء وَالْمعْنَى: فكفارته إِعْطَاء هَذَا الْمِقْدَار من الطَّعَام، فَيجوز أَن يُعْطي لوَاحِد، والداعي إِلَى ارْتِكَاب خلاف الظَّاهِر أَن الْمَقْصُود دفع سِتِّينَ حَاجَة من حاجات الْمَسَاكِين (وحاجة وَاحِد فِي سِتِّينَ يَوْمًا حَاجَة سِتِّينَ) وَالْحمل فِيهِ إِمَّا كَقَوْلِهِم: زيد أَسد، وَالْمعْنَى كحاجة سِتِّينَ فِي حُصُول الْمَقْصُود وَالْعبْرَة بِهِ، وَإِمَّا بِدُونِ الْحَذف بِأَن يكون المُرَاد بحاجة سِتِّينَ مَا يكفيهم كَمَا قُلْنَا فِي طَعَام سِتِّينَ، وَهُوَ الْأَظْهر، وَذكر سِتِّينَ يَوْمًا لتجدد الْحَاجَات بتجدد الْأَيَّام (مَعَ إِمْكَان قَصده) أَي من الْبَعِيدَة قَوْلهم بِهَذَا التَّأْوِيل الملغي اعْتِبَار خُصُوص الْعدَد الْمَذْكُور مَعَ إِمْكَان مقصوديته للشارع (لفضل الْجَمَاعَة) تَعْلِيل للقصد، يَعْنِي إِذا أعْطى طَعَام السِّتين للستين أدْرك فَضِيلَة تطييب قُلُوب الْجَمَاعَة الْكَثِيرَة (وبركتهم) أَي بركَة دُعَائِهِمْ (وتضافر قُلُوبهم) أَي تظافرها وتعاضدها (على الدُّعَاء لَهُ) أَي للمكفر (وَعُمُوم الِانْتِفَاع) وشموله للعدد الْمَذْكُور مَعْطُوف على فضل الْجَمَاعَة (دون الْخُصُوص) أَي دون خُصُوص الِانْتِفَاع بِأَن يعْطى وَاحِدًا طَعَام سِتِّينَ، وَيُمكن أَن يُرَاد بالخصوص مَا دون السِّتين، لِأَنَّهُ فِي مُقَابلَة الْعُمُوم بِمَعْنى الشُّمُول للستين (و) مِنْهَا (قَوْلهم فِي نَحْو فِي أَرْبَعِينَ شَاة شَاة) كَذَا فِي كتاب رَسُول الله
(1/146)

صلى الله عليه وسلم إلى اليمين من رواية أبي بكر بن حزم عن أبه عن جده على ما في مراسيل أبي داود، وهو حديث حسن، والمراد بنحوه نظائره كقوله صلى الله عليه وسلم " من كل ثلاثين بقرة تبيع أو تبيعة " وغيره (أي قيمتها). وفي بعض النسخ: أي ماليتها، وهو مقول قولهم، وإنما استبعد هذا التأويل (إذ لا يلزم أن لا تجب الشاة) لتعذر الجمع بينها وبين القيمة في الوجوب، وما قيل من أنه يلزم على الحنفية أن لا تكون الشاة مجزئة وهي مجزئة إجماعا ليس بشيء، لأن مرادهم بالقيمة ماليتها وهي موجودة في نفسها (وكل معنى استنبط من حكم) أي مما يدل عليه، أو من التأمل فيه وما يتعلق به ليعرف مناطه، وهو وجوب الشاة هذا (فأبطله) أي المعنى الحكم (باطل) خبر المبتدأ، والجملة لبيان بطلان اللازم، والمعنى المستنبط هنا جواز دفع قيمة الواجب في الزكاة قياسيا على عينه بعلة دفع حاجة الفقير، وإبطاله لاستلزامه عدم وجوبه بعينه، وبطلانه لأنه يوجب بطلان أصله، وكل ما بطل أصله باطل ضرورة بطلان الفرع عند بطلان أصله فتأمل، (ومنها) أي التأويلات البعيدة (حمل) الحنفية قوله صلى الله عليه وسلم (أيمان امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل إلى آخره) بإعادة قوله فنكاحها باطل مرتين، رواه أصحاب السنن، وحسنه الترمذي، وكلمة ما في أيما مزيدة. قال الرضي: وقلت زيادتها بعد المضاف، نحو - أيما الأجلين قضيت -، و - مثل ما أنكم تنطقون - وقيل إنها المضاف إليه، والمجرور بدل منها (على الصغيرة والأمة والمكاتبة) والمجنونة، والجار متعلق بالجمل: أي المراد بالصغيرة إلى آخره (أو باطل) معطوف على مفعول الحمل، يعني أو حمل قوله باطل على المجاز: (أي يؤول إلى البطلان غالبا لاعتراض الولي) أي تفريقه بينهما فإن أصله المنع، يقال: اعترض في الطريق بتاء: أي يمنع السابلة من سلوكه (لأنها مالكة لبعضها) بضم الباء الفرج، وعقد النكاخ تعليل للتأويل، وصرف الكلام عن ظاهره (فكان) نكاحها نفسها (كبيع سلعة) أي متاع (لها) في كون كل منهما تصرفا في خالص ملكها، فكان المعتبر رضاها مستقلا كالبيع (مع إمكان قصده) صلى الله عليه وسلم (لمنع استقلالها) مفعول للقصد، واللام لتقوية العمل، يعني حملوه على الخصوص مع أنه يمكن أن يكون قصده منع استقلال المرأة على الاطلاق على تزويج نفسها كما هو المتبادر من اللفظ (فيما) أي في تصرف (لا يليق بمحاسن العادات استقلالها) فاعل لا يليق (به) أي بذلك التصرف، يعني أن في استقلال المرأة في تزويج نفسها غير مستحق عادة، لأن اللائق بشأن النساء الحياء، وبشأن البضع الاحترام، وهو إنما يحصل عند التفويض إلى رأي الرجال الكاملين في العقل، وعند ذلك لا تكون مبتذلة
(1/147)

سهلة الحصول. (ومنها حملهم) لقوله صلى الله عليه وسلم (لا صيام لمن لم يبت الصيام من الليل)، يقال بيت الأمر: دبره ليلا، يعني لا صيام لمن لم ينوه من الليل، فموجبه اشتراط وقوع النية في جزء من الليل في مطلق الصيام لوقوعه في حيز النفي (على القضاء والنذر المطلق) ولم يذكر وجه البعد لظهوره، فإن حمل العام على بعض غير متبادر منه من غير قرينة ظاهر البعد، والحديث أخرجه النسائي وأبو داود. قال: بعض الحفاظ أنه حسن، ورجح الجمهور كونه موقوفا (وحملهم) قوله تعالى (ولذي القربى) في قوله - واعلموا أنما غنمتم من شيء - الآية، وهو عام يشمل الأغنياء والفقراء منهم (على الفقراء منهم) أي من ذوي القربى من بني هاشم وبني المطلب (لأن المقصود) من الدفع إليهم (سد خلة المحتاج) أي دفع حاجته، ولا حاجة للأغنياء، فالمعنى يخصص عمومه، وهذا تعليل للتأويل، وأشار إلى وجه بعده بقوله (مع ظهور أن القرابة) أي قرابة النبي صلى الله عليه وسلم (قد تجعل سببا للاستحقاق) أي لاستحقاق الغنيمة مع قطع النظر عن الفقر، بل (مع الغنى تشريفا للنبي صلى الله عليه وسلم، وعد بعضهم) أي الشافعية كإمام الحرمين من التأويلات البعيدة (حمل) الحنفية والمالكية قوله (إنما الصدقات الآية على بيان) جنس (المصرف) لها فيجوز الصرف إلى صنف واحد من الأصناف المذكورة فيها، لا على بيان الاستحقاق كما هو الظاهر ليجب الصرف إلى جميع الأصناف، وجه الظهور أن اللام للملك، والاستحقاق قريب منه، ثم أخذ المصنف رحمه الله في الجواب إجمالا وتفصيلا من غير مراعاة الترتيب تقديما لما تأويله أقرب إلى القبول، فقال: (وأنت تعلم أن بعد التأويل لا يقدح في) ثبوت (الحكم) المستنبط من المؤول، فهذا بحث على تقدير تسليم البعد (بل يفتقر) التأويل وارتكابه (إلى) وجود (المرجح) لئلا يلزم ترجيح الاحتمال المرجوح بالنظر إلى نفس اللفظ المؤول إضراب عن القدح مع بيان ما ينبني على صحة التأويل (فأما الأخير) وهو بعد الحمل على بيان المصرف (فدفع بأن السياق) أي ما سيق له الكلام ههنا، (وهو رد لمزهم) أي طعن المنافقين، وعيبهم (المعطين) على صيغة جمع الفاعل، والمراد به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه روى أن قوله تعالى - ومنهم من يلمزك - الاية: نزلت في أبي الجواظ المنافق قال: ألا ترون إلى صاحبكم إنما يقم صدقاتكم في رعاة الغنم، وقيل في ابن ذي الخو يصرة رأس الخوارج كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم غنائم حنين فاستعطف قلوب أهل مكة بتوفير الغنائم عليهم، فقال: اعدل يارسول، فقال ويلك إن لم أعدل فمن يعدل؟ (ورضاهم عنهم) أي عن المؤمنين أو المعطين (إذا أعطوهم، وسخطهم إذا منعوا يدل) خبر أن (أن المقصود) أي
(1/148)

على أَن الْمَقْصُود (بَيَان المصارف) فَإِنَّهُم حِين لمزوا وَزَعَمُوا أَن الَّذين أعْطوا مِنْهَا لَيْسُوا من مصارفها، وَإِنَّمَا أعْطوا بِمُوجب هوى النَّفس، فسيق الْكَلَام (لدفع وهم أَنهم) أَي المعطين (يختارون) من يحبونَ، وَمن يبغضون (فِي الْعَطاء وَالْمَنْع) عَنهُ (ورد) الدّفع الْمَذْكُور (بِأَنَّهُ) أَي كَون السِّيَاق لما ذكر (لَا يُنَافِي الظَّاهِر فَلَا يصلح صارفا عَنهُ). وَقَالَ الْآمِدِيّ إِن سلمنَا أَنه لبَيَان الْمصرف، فَلَا نسلم أَنه لَا مَقْصُود سواهُ، فَلْيَكُن الِاسْتِحْقَاق بِصفة التَّشْرِيك أَيْضا مَقْصُودا عملا بِظَاهِر اللَّفْظ انْتهى ثمَّ ذكر المُصَنّف رَحمَه الله الرَّد الْمَذْكُور بقوله: (وَلَا يخفى أَن ظَاهره) أَي ظَاهر قَوْله تَعَالَى - {إِنَّمَا الصَّدقَات} - الْآيَة (من الْعُمُوم) بَيَان لظاهره: أَي عُمُوم الصَّدقَات، وَعُمُوم الْفُقَرَاء، والمذكورين بِمَعْنى أَن كل صَدَقَة يَسْتَحِقهَا كل فَقير، وكل مِسْكين إِلَى غير ذَلِك (مُنْتَفٍ اتِّفَاقًا) أَي غير مُرَاد إِجْمَاعًا (ولتعذره) أَي الْعُمُوم (حملوه) أَي الشَّافِعِيَّة الْعُمُوم فيهم (على ثَلَاثَة من كل صنف) من الثَّمَانِية إِذا كَانَ المفرق غير الْمَالِك ووكيله ووجدوا (وَهُوَ) أَي حملهمْ هَذَا (بِنَاء على أَن معنى الْجمع مُرَاد) بِلَفْظِهِ (مَعَ اللَّام) حَال عَن ضمير مُرَاد، وَهَذَا من قبيل معية الْمَدْلُول، والمتصل بداله، وَيجوز أَن يكون حَالا عَن لَفظه الْمُقدر كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ (والاستغراق) مَعْطُوف على معنى الْجمع، أَو على ضمير مُرَاد، وَترك التَّأْكِيد بالمنفصل لوُقُوع الْفَصْل وَالْمعْنَى أَن الْجمع الْمحلي بِاللَّامِ يُرَاد بِهِ معنى الْجمع، والاستغراق أَيْضا إِن لم يمْنَع مَانع (وَهُوَ) أَي الِاسْتِغْرَاق (مُنْتَفٍ) هَهُنَا بِالْإِجْمَاع كَمَا عرفت وَلَا يخفى أَن هَذَا على خلاف مَا هُوَ الْمَشْهُور أَن اللَّام تبطل الجمعية، وَتَكون اللَّام لاستغراق الْآحَاد، لَا الْمَجْمُوع، وَلذَا قَالُوا: أَن أشملية استغراق الْمُفْرد فِي مثل: لَا رجل فِي الدَّار فِي لَا، كَمَا فِي الجموع المحلاة بِاللَّامِ، فَإِن استغراقها كاستغراق الْمُفْرد، وَلَا فرق بَين يحب الْمُحْسِنِينَ وَيُحب كل محسن فِي معنى الِاسْتِغْرَاق: نعم يفرق بَينهمَا بِاعْتِبَار أَحْكَام لفظية كَمَا فِي مَوْضِعه، وَيُمكن أَن يكون الْمَعْنى إِن معنى الْجمع مُرَاد بِلَفْظِهِ مَعَ اللَّام إِذا لم يقْصد الْعُمُوم، والاستغراق مُرَاد إِذا قصد، فاشتراكهما فِي الْإِرَادَة بِالْجمعِ الْمحلي على سَبِيل الْبَدَلِيَّة لَا الِاجْتِمَاع فَتَأمل، ثمَّ أَنه لما انْتَفَى الِاسْتِغْرَاق وَبقيت الجمعية، وأقلها ثَلَاثَة حمل عَلَيْهَا لتيقنها، وَذَلِكَ فِيمَا عدا الصَّدقَات من الجموع الْمَذْكُورَة بعْدهَا (وَكَونه) أَي اللَّام مَعْطُوف على قَوْله ظَاهره (للتَّمْلِيك لغير معِين) على مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ (أبعد) مِمَّا ذهب إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّة من التَّأْوِيل الَّذِي سَمَّاهُ الْخصم بَعيدا وَلَيْسَ فِي هَذَا اعْتِرَاف بالبعد، بل كَقَوْلِه تَعَالَى - {مَا عِنْد الله خير من اللَّهْو} -، ثمَّ بَين كَونه أبعد بقوله (ينبو عَن الشَّرْع وَالْعقل) أَي يقصر عَن تَوْجِيهه، من قَوْلهم نبا السهْم عَن الهدف: أَي قصر، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لم يعْهَد مثله فِي الشَّرْع، وَغير الْمعِين من حَيْثُ
(1/149)

إِنَّه غير معِين لَا وجود لَهُ، وَمن حَيْثُ التَّحْقِيق فِي ضمن الْفَرد يتَعَيَّن، فَيلْزم ثُبُوت الْملك لأشخاص مُعينَة، وَلَا يُمكن أَن يثبت لجَمِيع الْأَفْرَاد، فَيلْزم تَرْجِيح بَعْضهَا من غير مُرَجّح فينبو عَنهُ الْعقل أَيْضا، وكما أَنه لَا يُمكن اعْتِبَار الْملك لغير معِين، كَذَلِك لَا يُمكن اعْتِبَار الِاسْتِحْقَاق لَهُ (فالمستحق الله تَعَالَى وَأمر بِصَرْف مَا يسْتَحقّهُ إِلَى من كَانَ من الْأَصْنَاف الْمَذْكُورَة، وَذَلِكَ لوُرُود النُّصُوص فِي إِيجَاب الزَّكَاة فِي أَمْوَال الْأَغْنِيَاء وصرفها إِلَى الْفُقَرَاء، فالزكاة عبَادَة، وَالْعِبَادَة خَالص حق الله تَعَالَى، فَلَا يجب للْفُقَرَاء ابْتِدَاء، وَإِنَّمَا يصرف إِلَيْهِم إنجازا لعدة أَرْزَاقهم (فَإِن كَانُوا) أَي الْأَصْنَاف الْمَذْكُورَة (بِهَذَا الْقدر) أَي بِمُجَرَّد أَمر الله تَعَالَى بِصَرْف مَا يسْتَحقّهُ إِلَيْهِم (مستحقين) للصدقات (فبلا ملك) أَي فاستحقاقهم بِلَا ملك فَلم يثبت مدعى الْخصم من حمل الْكَلَام على الظَّاهِر، وَهُوَ الْملك، وَفِي قَوْله: إِن كَانُوا إِشَارَة إِلَى منع استحقاقهم بِهَذَا الْقدر (وَدون اسْتِحْقَاق الزَّوْجَة النَّفَقَة) مَعْطُوف على قَوْله بِلَا ملك يَعْنِي إِذا كَانَ استحقاقهم بِمُجَرَّد الْأَمر كَانَ دون اسْتِحْقَاقهَا لاشْتِرَاكهمَا فِي الْأَمر، ومزية اسْتِحْقَاقهَا لتعيين الْمُسْتَحق وَهِي الزَّوْجَة دونهم (وَلَا تملك) على صِيغَة الْمَعْلُوم: أَي الزَّوْجَة، أَو الْمَجْهُول: أَي النَّفَقَة (إِلَّا بِالْقَبْضِ) يرد عَلَيْهِ أَن الْخصم يَكْفِيهِ أدنى دَرَجَات الِاسْتِحْقَاق وأنكم مَا نفيتموه بِالْكُلِّيَّةِ، وَذَلِكَ لِأَن كَون اللَّام لاسْتِحْقَاق يقربهُ إِلَى الْحَقِيقَة، فَلَا يضرّهُ كَون استحقاقهم دون اسْتِحْقَاق الزَّوْجَة: فَالْوَجْه نفي الِاسْتِحْقَاق رَأْسا كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ إِمَّا لما ذكرنَا، وَإِمَّا لِأَن الْمُتَبَادر كَون الْآيَة لبَيَان الْمصرف نظرا إِلَى السِّيَاق وَكَمَال ضعف الِاسْتِحْقَاق (وَلنَا آثَار صِحَاح عَن عدَّة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ صَرِيحَة فِيمَا قُلْنَا، وَلم يرو عَن أحد مِنْهُم خلَافَة) بعض الْفُقَهَاء يُسمى الْمَوْقُوف على الصَّحَابِيّ أَو التَّابِعِيّ بالأثر، وَالْمَرْفُوع بالْخبر، وَأما أهل الحَدِيث فيطلقون الْأَثر عَلَيْهِمَا، وَقَوله: وَلنَا: أَي وَالْحجّة الثَّابِتَة لنا، وآثار خبر الْمُبْتَدَأ، وصحاح صفة أثار، وَكَذَلِكَ صَرِيحَة، أما الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم فَمنهمْ عمر رَضِي الله عَنهُ، روى عَنهُ ابْن أبي شيبَة والطبري، وَمِنْهُم ابْن عَبَّاس روى عَنهُ الْبَيْهَقِيّ والطبري، وَمِنْهُم حُذَيْفَة، وَأما التابعون فَمنهمْ سعيد بن جُبَير وَعَطَاء وَالنَّخَعِيّ وَأَبُو الْعَالِيَة وَمَيْمُون بن مهْرَان روى عَنْهُم ابْن أبي شيبَة والطبري (وَلَا ريب فِي فعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِخِلَاف قَوْلهم) أَي الشَّافِعِيَّة ذكر أَبُو عبيد فِي كتاب الْأَمْوَال أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (قسم الذهيبة الَّتِي بعث بهَا معَاذ من الْيمن فِي الْمُؤَلّفَة فَقَط: الْأَقْرَع وعيينة وعلقمة بن علاثة وَزيد الْخَلِيل) قَالَ الْمُؤلف رَحمَه الله فِي شرح الْهِدَايَة: الْمُؤَلّفَة كَانُوا ثَلَاثَة أَقسَام، قسم كفار كَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يعطيهم لتأليفهم على الْإِسْلَام، وَقسم كَانَ يعطيهم لدفع شرهم، وَقسم أَسْلمُوا وَفِيهِمْ ضعف فِي الْإِسْلَام، وَكَانَ
(1/150)

يتألفهم ليثبتوا، ثم بين المؤلفة التي قسم فيها بقوله: الأقرع إلى آخره (ثم أتاه مال آخر فجعله في صنف الغارمين فقط) والغارم عندما من لزمه دين، أوله دين على الناس لا يقدر على أحده، وليس عنده نصاب فاضل في الفصلين، وقال البيضاوي رحمه الله: المديون لنفسه في غير معصية إذا لم يكن له وفاء، أولا صلاح ذات البين وإن كان غنيا (حيث قال) طرف لجعل (لقبيصة ابن المخارق حين أتاه) ظرف لقال (وقد تحمل حمالة) حال عن ضمير أتاه، والحمالة بفتح المهملة وتخفيف الميم الكفالة (أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها) مقول قوله صلى الله عليه وسلم (وفي حديث سلمة بن صخر البياضي أنه أمر له بصدقة قومه) ثم أجاب عما قبل الأخير بقوله (وأما شرط الفقر) في استحقاق ذوي القربى (فقالوا) أي الحنفية (لقوله صلى الله عليه وسلم يا بني هاشم: إن الله كره لكم) أوساخ الناس (إلى) قوله (وعوضكم عنها بخمس الخمس والمعوض عنه) وهو الزكاة إنما هو (للفقير) لا الغني إلا بعارض عمل عليها، فكذا العوض، وقال المصنف في شرح الهداية: لفظ العوض إنما وقع في عبارة بعض التابعين، وذكر فيه أنه قد صح عن الخلفاء الراشدين أنهم لم يعطوا ذوي القربى من الصدقات، والمختار عنده في سبب منعهم ذلك أن قوله تعالى - ولذوي القربى - بيان المصرف لا الاستحقاق، وأنهم كانوا أغنياء إذ ذاك، ورأوا صرفه إلى غيرهم أنفع لمصالح المسلمين، وذهب الشافعي وأحمد رحمهما إلى استواء غنيهم وفقيرهم فيه، لكن للذكر مثل حظ الأثنين، وقال الشارح: والحديث بهذا اللفظ يحفظ نعم في حديث مسلم: إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وأنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد، وفي معجم الطبراني: إنه لا يحل لكم أهل البيت من الصدقات شيء إنما هي غسالة الأيدي، وإن لكم في اخمس الخمس لما يغنيكم انتهى، وفي قوله: قالوا اشارة إلى أنه لم يصح عنده (وأما الأولان) وهما مسألتان: اسلام الرجل على أكثر من أربع، واسلامه على أختين (فالأوجه) فيهما (خلاف قول أبي حنيفة) رحمه الله (وهو) أي خلاف قوله (قول محمد بن الحسن) ومالك والشافعي وأحمد رضي الله عنهم: وهو أنه في الأول يختار أي أربع يشاء منهن ويفارق الآخر من غير فرق في المستئلتين بين أن يكون تزوجهن في عقد واحد، أو في عقود من غير حاجة إلى تجديد نكاح، وفي المبسوط أن محمدا فرق في السير الكبير بين أهل الحرب وأهل الذمة فقال في أهل الذمة كأبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، كذا ذكر الشارح والمصنف رحمه الله ذكر الخلاف في شرح الهداية على الوجه الذي ذكره هنا ولا شك أن قوله عدول عن الظاهر بلا موجب يجليء إليه (وأما) حمل (لا صيام) إلى آخره على ما ذكر (فلمعارض صح في النقل) وهو ما في صحيح مسلم وغيره عن عائشة رضي الله
(1/151)

عنها قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم " يا عائشة هل عندكم شيء؟ فقلت يا رسول الله ما عندنا شئ، قال فإني صائم، وقدم هذا لرجحانه لصحته مع أنه مثبت، وذاك ناف كذا قيل (وفي رمضان) أي ولمعارض صح عنه صلى الله عليه وسلم دالا على جواز النية نهارا في رمضان (بعد الشهادة بالرؤية) في يوم عاشوراء حين كان صومه واجبا، الظرف متعلق بقوله (قال) صلى الله عليه وسلم (ومن لم يكن أكل فليصم) في الصحيحين عن سلمة بن الأكوع قال أمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من أسلم أن أذن في الناس من كان أكل فليصم بقية يومه ومن لم يكن أكل فليصم، فعلم أن من تعين عليه صوم يوم ولم ينوه ليلا فإنه تجزئه نيته نهارا (وهو) أي قوله فليصم (بعد تعين) الصوم (الشرعي) لأن يراد منه لأنه مسماه شرعا ولا صارف عنه (مقرون) خبر هو ومتعلق الظرف وقوله (بدلالة) من السياق والفحوي (عليه) أي على الصوم الشراعي ل (أنه) صلى الله عليه وسلم (قال: من أكل فلا يأكل بقية يومه) لعله في حديث آخر غير ما سبق، أو نقل بالمعنى، وفيه ما فيه (ومن لم يكن أكل فليصم، فلو اتحد حكم الأكل وغيره فيه) أي غير الأكل في كون كل منهما ليس بصوم شرعي لفوات شرطه وهو النية من الليل في صورة عدم الأكل (لقال لا يأكل أحد) من غير تفصيل، ولا يخفى ما في هذه الاستنباط من غاية الحسن (ثم هو) أي الصوم المأمور به في الحديث المذكور (واجب معين) لما عرفت من ان الصوم يوم عاشوراء كان واجبا، ولا فرق بين الواجبات المعينة، فكذا الحكم في صوم رمضان (فلم يبق) من عموم قوله لا صيام في الحديث المذكور (إلا غير المعين فعملوا) أي الحنفية (به) أي بموجب حديث لا صيام (فيه) أي في غير المعين من الصوم الواجب الذي بينه بقوله (من القضتء والنذر المطلق وهو) أي العمل بموجب لا صيام في غير المعين دون الكل رعاية لموجب الأدلة (أولى من إهدار بعض الأدلة بالكلية) وهو ما ورد في صوم عاشوراء على ما عرفت (وأما النكاح) أي وأما جواز نكاح المرأة العاقلة البالغة نفسها من غير إذن الولي مخالفا لظاهر حديث أي امرأة الحديث (فلضعف الحديث) المذكور، لكن يرد حينئذ أنه لا حاجة إذن إلى ارتكاب التأويل البعيد، بل يكفي عدم صلاحية الحديث للاحتاج مع اقتضاء صحة النكاح المذكور: اللهم إلا أن يراد تزييف دليل الخصم من وجهين: عدم الصحة، وعدم قطعية الدلالة لاحتمال التخصيص، ثم بين وجه الضعف بقوله (بما صح من إنكار الزهري روايته) أي الحديث المذكور (وقول ابن جريج) معطوف على إنكار الزهري وبيان له، وهذا القول ذكر (في رواية ابن عدى) روى ابن عدى عن ابن جريج أنه قال لقيت الزهرى فسألته عن هذا الحديث (فلم يعرفه) أي
(1/152)

الحَدِيث (فَقلت لَهُ أَن سُلَيْمَان بن مُوسَى حَدثنَا بِهِ عَنْك، فَقَالَ أخْشَى أَن يكون وهم عَليّ، وَأثْنى على سُلَيْمَان) خيرا (فصمم) الزُّهْرِيّ على الْإِنْكَار (وَمثله) أَي مثل هَذَا الْكَلَام مِمَّن روى عَنهُ خبر إِنْكَار (فِي عرف الْمُتَكَلِّمين) من أَرْبَاب اللِّسَان، أَو من أهل الْعلم سِيمَا الْمُحدثين الموثقين بِالْحِفْظِ والإتقان (لَا شكّ) مَرْفُوع عطفا على إِنْكَار، أَو مَبْنِيّ على الْفَتْح على أَن لَا لنفي الْجِنْس، وَالْخَبَر مَحْذُوف، أَي لَا شكّ فِيهِ فَإِن قلت قَوْله أخْشَى مشْعر بِعَدَمِ جزمه بِكَوْنِهِ وهما قلت عدم الْجَزْم لَيْسَ بتجويز أَنه رَوَاهُ ثمَّ نسى، بل لاحْتِمَال أَن يكون الْوَهم من ابْن جريج لَا من سُلَيْمَان، على أَن الْعدْل لَا يقطع بِعَدَمِ تَعَمّده الْكَذِب، بل يظنّ بِهِ ثمَّ اعْلَم أَن ابْن جريج أحد الْأَعْلَام الثِّقَات بِاتِّفَاق الْمُحدثين، وَكَذَا ابْن عدي (أَو لمعارضة مَا هُوَ أصح) من الحَدِيث الْمَذْكُور إِيَّاه عطف على قَوْله لضعف الحَدِيث، فعلى هَذَا لَا يكون التَّأْوِيل بَعيدا لوُجُود مَا يدل عَلَيْهِ وَهُوَ (رِوَايَة مُسلم) وَهُوَ بدل من الْمَوْصُول: أَي مرويه، وَهُوَ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (الأيم أَحَق بِنَفسِهَا من وَليهَا، وَهِي) أَي الأيم (من لَا زوج لَهَا بكرا كَانَت أَو ثَيِّبًا، وَلَيْسَ للْوَلِيّ حق فِي نَفسهَا) أَي الأيم (سوى التَّزْوِيج) فَلَا يُقَال لم لَا يجوز أَن يكون أحقيتها بِاعْتِبَار حق آخر؟ (فَجَعلهَا) النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أَحَق بِهِ) أَي بِالتَّزْوِيجِ (مِنْهُ) أَي من الْوَلِيّ (فَهُوَ) أَي حَدِيث " أَيّمَا امْرَأَة " إِلَى آخِره دائر (بَين أَن يحمل) فِيهِ من كلمة بَاطِل (على أول الْبطلَان) أَي على أَنه يَئُول إِلَى الْبطلَان كَمَا مر (أَو يتْرك) الْعَمَل بِهِ (للمعارض الرَّاجِح) وَمن لطف طبع المُصَنّف رَحمَه الله أَنه لم يرض فِي جَوَاب حَدِيث " أَيّمَا امْرَأَة " بحملها على الصَّغِيرَة، وَمَا ذكر مَعهَا لما فِيهِ من تَخْصِيص الْعَام بِحَيْثُ يخرج من دَائِرَة عُمُومه أَكثر الْأَفْرَاد، وَيبقى الْأَقَل الَّذِي لَا يتَبَادَر إِلَى الذِّهْن، وَلَا بإهمال هَذَا التَّأْوِيل بِالْكُلِّيَّةِ، بل اسْتِعْمَاله فِي الحَدِيث الْآتِي لملاءمته بِهِ كَمَا سَيظْهر، غير أَنه بَقِي شَيْء، وَهُوَ أحقية الأيم بِنَفسِهَا لَا يَقْتَضِي أَن لَا يكون للْوَلِيّ حق فِيهَا، لجَوَاز أَن يكون التَّزْوِيج حَقّهمَا مَعًا، وَتَكون هِيَ أَحَق كَمَا يدل عَلَيْهِ قَوْله: من وَليهَا. وَقد أَشَارَ المُصَنّف رَحمَه الله فِي شرح الْهِدَايَة إِلَى مَا يصلح جَوَابا عَنهُ، وَهُوَ قَوْله: أثبت لكل مِنْهَا وَمن الْوَلِيّ حَقًا فِي ضمن قَوْله أَحَق، وَمَعْلُوم أَنه لَيْسَ للْوَلِيّ سوى مُبَاشرَة العقد إِذا رضيت، وَقد جعلهَا أَحَق مِنْهُ بِهِ أَقُول للمناقشة مجَال، فللخصم أَن يَقُول أحقيتها من الْوَلِيّ بِالتَّزْوِيجِ لَا يسْتَلْزم أحقيتها مِنْهُ بِالْمُبَاشرَةِ، لِأَن التَّزْوِيج لَيْسَ مُجَرّد الْمُبَاشرَة، بل هُوَ إتْمَام أحد ركني العقد، وَهُوَ كَمَا يحْتَاج إِلَى الْمُبَاشرَة يحْتَاج إِلَى تحقق الرِّضَا بالتمليك، فَلْيَكُن الرِّضَا حَقّهَا، والمباشرة حَقه، وَلَا شكّ أَن الأَصْل هُوَ الرِّضَا، وَإِذا كَانَ مُعظم أَمر التَّزْوِيج حَقّهَا تكون هِيَ أَحَق بِنَفسِهَا فِي التَّزْوِيج
(1/153)

وَالله أعلم (وَأما الْحمل على الْأمة وَمَا ذكر) مَعهَا من الصَّغِيرَة وَالْمُكَاتبَة (فَإِنَّمَا هُوَ فِي لَا نِكَاح إِلَّا بولِي أَي من لَهُ ولَايَة) ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى، غير الْمَنْكُوحَة أَو نَفسهَا كَمَا إِذا كَانَت حرَّة عَاقِلَة بَالِغَة (فَيخرج) من النِّكَاح الْمُعْتَبر شرعا (نِكَاح العَبْد) لنَفسِهِ امْرَأَة (و) نِكَاح (الْأمة) نَفسهَا بِغَيْر إِذن الْمولى، (و) نِكَاح (مَا ذكر) من الصَّغِيرَة وَالْمُكَاتبَة، وَكَذَا الصَّغِير وَالْمَجْنُون كَمَا سيشير إِلَيْهِ: وَذَلِكَ لعدم وَلَا يتهم، وَقد انحصر النِّكَاح فِيمَا صدر عَن ولَايَة (وَإِذ دلّ) الحَدِيث (الصَّحِيح) وَهُوَ مَا فِي مُسلم " الأيم أَحَق بِنَفسِهَا " (على صِحَة مباشرتها) عقد النِّكَاح كَمَا مر من تَقْرِيره من أَن الْوَلِيّ تصح مُبَاشَرَته وَهِي أَحَق بِهِ مِنْهُ، وَصِحَّة الْمُبَاشرَة دَلِيل الْولَايَة فاشتراط الْوَلِيّ فِي النِّكَاح لَيْسَ بمخرج نِكَاحهَا نَفسهَا فَحِينَئِذٍ (لزم كَونه) أَي كَون شَرط الْوَلِيّ (لإِخْرَاج) نِكَاح (الْأمة وَالْعَبْد والمراهقة) وَهِي من قُلُوب الْبلُوغ، فَلَزِمَ إِخْرَاج من لم يُقَارِبه بِالطَّرِيقِ الأولى (والمعتوهة) وَهِي من يخْتَلط كَلَامه وَأمره، وَكَذَا نِكَاح الْمُرَاهق وَالْمَجْنُون وَلم يذكر الْمكَاتب لِأَنَّهُ عبد مَا بَقِي عَلَيْهِ دِرْهَم فَإِن قلت إِذا خرج نِكَاح هَؤُلَاءِ عَن النِّكَاح الشَّرْعِيّ، فَمَا معنى الْحمل على الأية وَمَا ذكر فِي " لَا نِكَاح إِلَّا بولِي " وَفَائِدَة حمل النكرَة المنفية على بعض أفرادها وُرُود النَّفْي على ذَلِك الْبَعْض خَاصَّة لعدم صِحَة نَفيهَا مُطلقًا، وَهَذَا إِذا لم يكن فِي الْكَلَام مَا يبين مورد النَّفْي وَالْإِثْبَات، وَقد تبين هَهُنَا بِالنَّفْيِ وَالِاسْتِثْنَاء قلت لم يرد حمل النِّكَاح الْمَذْكُور فِي لَا نِكَاح على مَا ذكر ليرد مَا قلت، بل أَرَادَ حمل النِّكَاح الصَّادِر لَا عَن ولَايَة شَرْعِيَّة الْمَفْهُوم ضمنا لاندراجه تَحت النَّفْي مَعَ عدم اندراجه فِي الِاسْتِثْنَاء، فَهَذَا الْحمل تَفْسِير للمجمل، لَا تَخْصِيص للعام، على أَنه لَو كَانَ من تَخْصِيص الْعلم بِدَلِيل نقيضه فِي حَدِيث أَيّمَا امْرَأَة لم يكن فِيهِ بعد كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وَتَخْصِيص الْعَام لَيْسَ من الِاحْتِمَالَات الْبَعِيدَة) كَيفَ وَمَا من عَام إِلَّا وَقد خصص مِنْهُ الْبَعْض (و) لَا سِيمَا (قد ألجأ إِلَيْهِ) أَي إِلَى التَّخْصِيص (الدَّلِيل) وَهُوَ حَدِيث مُسلم الْمَذْكُور وَعَن المُصَنّف رَحمَه الله أَنه يخص حَدِيث أَيّمَا امْرَأَة بِمن نكحت غير الْكُفْء على قَول من لم يصحح مَا باشرته من غير كُفْء، وَالْمرَاد بِالْبَاطِلِ حَقِيقَته أَو حكمه على قَول من يُصَحِّحهُ وَيثبت للْوَلِيّ حق الْفَسْخ، كل ذَلِك شَائِع فِي اطلاقات النُّصُوص، فَيثبت مَعَ الْمَنْقُول، وَالْوَجْه الْمَعْنَوِيّ وَهُوَ أَنَّهَا تصرفت فِي خَالص حَقّهَا: وَهِي من أَهله كَالْمَالِ فَيجب تَصْحِيحه مَعَ كَونه خلاف الأولى (وَأما الزَّكَاة) أَي وَأما الدَّاعِي إِلَى اعْتِبَار الْمَالِيَّة فِي الزَّكَاة (فَمَعَ الْمَعْنى النَّص) أَي النَّص مَعَ الْمَعْنى، وكل مِنْهُمَا مُسْتَقل فِي الْمَقْصُود وَقدم الْعقلِيّ لِأَنَّهُ منَاط النقلي (أما الأول فللعلم) أَي اعْتِبَار الْقيمَة للْعلم (بِأَن الْأَمر بِالدفع) أَي بِدفع الزَّكَاة (إِلَى الْفَقِير) فِي النُّصُوص (إِيصَال لرزقهم الْمَوْعُود مِنْهُ سُبْحَانَهُ) فَإِن الْمولى إِذا وعد
(1/154)

عَبده يُعْطِيهِ، ثمَّ أَمر من لَهُ حق عَلَيْهِ بِإِعْطَاء مَا يصلح لِأَن يكون أَدَاء للموعود، فَلَا شكّ فِي أَنه يحمل أمره على إنجاز وعده السَّابِق، لِأَن الْمَوْعُود كالواجب فَلَا يقدم مَا لم يجب عَلَيْهِ، وَإسْنَاد الإيصال إِلَى الْآمِر مجازى قصد بِهِ الْمُبَالغَة فِي استلزام أمره إِيَّاه كَمَا يُشِير إِلَيْهِ قَوْله - {إِنَّمَا قَوْلنَا لشَيْء إِذا أردناه أَن نقُول لَهُ كن فَيكون} - (وَهُوَ) أَي رزقهم الْمَوْعُود (مُتَعَدد من طَعَام وشراب وَكِسْوَة) وَغَيرهَا من مسكن ومنكح، وَغير الرزق وَمَا يَسُوقهُ الله إِلَى الْحَيَوَان فينتفع بِهِ (فقد وعدهم الله أصنافا) لِأَنَّهُ وعدهم الرزق: وَهُوَ أَصْنَاف (وَأمر من عِنْده من مَاله) أَي وَأمر غَنِيا عِنْده من مَال الله عز وَجل (صنف وَاحِد) كالغنم وَالْإِبِل أَو غَيرهَا (أَن يُؤَدِّي مواعيده) الَّتِي هِيَ أَصْنَاف، لِأَن الْأَمر بِالدفع إنجاز الْوَعْد السَّابِق المندرج تَحْتَهُ الْأَصْنَاف أَمر بأَدَاء المواعيد (فَكَانَ) أَمر الله من عِنْده صنف من مَاله بِدفع جُزْء من ذَلِك المَال أَدَاء للمواعيد، فَكَانَ أَمر الله من عِنْده (إِذْنا بِإِعْطَاء الْقيم) نظرا إِلَى حِكْمَة الْآمِر (كَمَا فِي مثله من الشَّاهِد) تأييد للمعنى الْمَذْكُور بِقِيَاس الْغَائِب على الشَّاهِد، وَهُوَ أَن السَّيِّد إِذا أَمر عَبده أَن يُؤَدِّي أَصْنَاف مواعيده، مِمَّا عِنْد العَبْد، وَهُوَ صنف وَاحِد، وَعين مِقْدَار مَا أَمر بإعطائه كَانَ ذَلِك إِذْنا بأَدَاء الْقيمَة معنى (وَحِينَئِذٍ) أَي وَحين كَانَ الْمَأْمُور بِهِ فِي الزَّكَاة إِعْطَاء الْقيم، وَهِي عبارَة عَن مَالِيَّة المنصوصات، ومالية الشَّيْء تصدق على عين ذَلِك الشَّيْء كَمَا يصدق على مَا يماثله (لم تبطل الشَّاة) مثلا بِأَن لَا يتَأَدَّى بهَا الْوَاجِب كَمَا زعم الْخصم (بل) يبطل (تَعْيِينهَا) بِحَيْثُ لَا يسوغ غَيرهَا (وَحَقِيقَته) أَي حَقِيقَة بطلَان تَعْيِينهَا (بطلَان عدم إِجْزَاء غَيرهَا) مِمَّا يساويها فِي الْقيمَة (وَصَارَت) الشَّاة (محلا هِيَ وَغَيرهَا) مِمَّا يساويها فِي الْقيمَة، والصيرورة بِاعْتِبَار مُشَاركَة الْغَيْر إِيَّاه فِي الْمَحَلِّيَّة، لَا بِاعْتِبَار محليتها فِي نَفسهَا، فَإِن ذَلِك ثَابت من الأَصْل (فالتعليل) الْمَذْكُور (وسع الْمحل) أَي مَحل الْوُجُوب وَمَا يتَأَدَّى بِهِ الْوَاجِب (وَلَيْسَ التَّعْلِيل) حَيْثُ كَانَ (إِلَّا لتوسعته) أَي الْمحل لِأَنَّهُ لإلحاق غير الْمَنْصُوص بالمنصوص فِي الحكم لمشاركتهما فِي الْعلَّة الَّتِي هِيَ منَاط الحكم (وَأما النَّص) الدَّال على اعْتِبَار الْقيمَة فِي الزَّكَاة (فَمَا علقه البُخَارِيّ) فِي صَحِيحه، وَالتَّعْلِيق أَن يحذف من مبدأ الْإِسْنَاد وَاحِد فَأكْثر كَقَوْل الشَّافِعِي رَحمَه الله: قَالَ نَافِع، وَقَول مَالك: قَالَ ابْن عمر، أَو قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (وتعليقاته صَحِيحَة) قَالَ الشَّارِح وَوَصله يحيى بن آدم فِي كتاب الْخراج (من قَول معَاذ) بَيَان للموصول توَسط بَينهمَا المعترضة (ائْتُونِي بخميس) بِالسِّين الْمُهْملَة كَمَا هُوَ الصَّوَاب، لَا الصَّاد. قَالَ الْخَلِيل هُوَ ثوب طوله خَمْسَة أَذْرع، وَقَالَ الدَّاودِيّ كسَاء قيسه ذَا، وَقيل سمي بِملك من مُلُوك الْيمن أول من أَمر بِعِلْمِهِ (أَو لبيس) هُوَ مَا يلبس من الثِّيَاب والملبوس الْخلق (مَكَان الشّعير والذرة أَهْون عَلَيْكُم) أما بِاعْتِبَار
(1/155)

أَنه كَانَ يُوجد عِنْدهم مِنْهُمَا مَا لم يَكُونُوا مُحْتَاجين إِلَيْهِ، أَو بِاعْتِبَار أَن حَاجَة الْإِنْسَان إِلَى الْمَأْكُول أَشد مِنْهَا إِلَى الملبوس أَو غير ذَلِك (وَخير لأَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْمَدِينَةِ) لكَون حَاجتهم إِلَيْهَا أَشد، أَو لِأَنَّهُ كَانَ عِنْدهم الكفاف من الْمَأْكُول، أَو لقلَّة أكلهم وَقُوَّة توكلهم بِحَيْثُ لم يَكُونُوا يدخرون الطَّعَام وَشدَّة الْبرد بِالْمَدِينَةِ كَمَا يشْعر بِهِ التَّقْيِيد، وَذكر الشَّارِح نصا آخر وَهُوَ مَا فِي كتاب الصّديق لأنس مَرْفُوعا إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ " من بلغت عِنْده من الْإِبِل صَدَقَة الْجَذعَة، وَلَيْسَ عِنْد جَذَعَة وَعِنْده حَقه، فَإِنَّهُ يُؤْخَذ مِنْهُ الحقة وَيجْعَل مَعهَا شَاتين أَو عشْرين درهما " الحَدِيث (فَظهر أَن ذكر الشَّاة والجذعة) وَغَيرهمَا (كَانَ لتقدير الْمَالِيَّة، وَلِأَنَّهُ) أَي إِعْطَاء الشَّاة والجذعة (أخف على أَرْبَاب الْمَوَاشِي) لوجودها عِنْدهم (لَا لتعيينها) بِحَيْثُ لَا يُجزئ عَنْهَا الْبَدَل (وَقَوْلهمْ) أَي الْحَنَفِيَّة (فِي الْكَفَّارَة) فِي إطْعَام سِتِّينَ مِسْكينا طَعَام سِتِّينَ على مَا مر (مثله) أَي مثل قَوْلهم (فِي الْأَوَّلين) وهما مسألتا، إِسْلَام الرجل على أَكثر من أَربع، وعَلى أُخْتَيْنِ فِي أَنه خلاف الْأَوْجه، وَإِنَّمَا الْأَوْجه قَول الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة: إِنَّه إِذا أطْعم مِسْكينا وَاحِدًا سِتِّينَ يَوْمًا لَا يُجزئهُ، وَذَلِكَ لما مر من إِمْكَان قصد فضل الْجَمَاعَة وتضافر قُلُوبهم إِلَى آخِره مَعَ ارْتِكَاب الْمجَاز من غير ضَرُورَة، وَهُوَ جعل السِّتين أَعم من الْحَقِيقِيّ والحكمي (وَالله أعلم).

التَّقْسِيم الثَّالِث
من التقسيمات الثَّلَاثَة للفظ بِاعْتِبَار ظُهُور دلَالَته وخفائه (مُقَابل) التَّقْسِيم (الثَّانِي) وَهُوَ تَقْسِيم اللَّفْظ بِاعْتِبَار ظُهُور دلَالَته، فَلَزِمَ كَون هَذَا (بِاعْتِبَار الخفاء) أَي خَفَاء دلَالَة اللَّفْظ على الْمَعْنى المُرَاد (فَمَا) أَي اللَّفْظ الَّذِي (كَانَ خفاؤه بِعَارِض) من الْأُمُور الخارجية من نفس اللَّفْظ من الْأَحْوَال الطارئة عَلَيْهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (غير الصِّيغَة فالخفي) أَي فَهُوَ الْخَفي، سمي بِهِ مَعَ كَونه أقل خَفَاء من الْأَقْسَام الْبَاقِيَة، لكَونه مُقَابلا للظَّاهِر الَّذِي هُوَ أقل ظهورا من تِلْكَ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَهُوَ) أَي الْخَفي (أقلهَا) أَي أقل أَقسَام هَذَا التَّقْسِيم (فِي الخفاء كَالظَّاهِرِ) فَإِنَّهُ أقل أَقسَام ذَلِك التَّقْسِيم (فِي الظُّهُور) فَإِن قيل يَنْبَغِي أَن يكون الْخَفي مَا خَفِي المُرَاد مِنْهُ بِنَفس اللَّفْظ، لِأَنَّهُ فِي مُقَابلَة الظَّاهِر، وَهُوَ مَا ظهر المُرَاد مِنْهُ بِنَفس اللَّفْظ وَأجِيب بِأَن الخفاء بِنَفس اللَّفْظ فَوق الخفاء بِعَارِض، فَلَو كَانَ الْخَفي مَا ذكرت لزم أَن لَا يكون فِي أول مَرَاتِب الخفاء، فَلَا يكون إِذن مُقَابلا للظَّاهِر (وَحَقِيقَته) أَي حَده الكاشف عَن حَقِيقَته فَوق كشف
(1/156)

مَا ذكر من تَعْرِيفه (لفظ) وضع (لمَفْهُوم عرض) وصف بِحَال مُتَعَلّقه (فِيمَا هُوَ ببادئ الرَّأْي) بادئ الرَّأْي ظَاهره، والرأي الِاعْتِقَاد، وَالْبَاء بِمَعْنى فِي، وَالْمعْنَى فِي أول الملاحظة (من أَفْرَاده) أَي من أَفْرَاد ذَلِك الْمَفْهُوم خبر هُوَ، قدم عَلَيْهِ مَا هُوَ ظرف نسبته إِلَى الْمُبْتَدَأ، أَو (مَا يخفى) فَاعل عرض أَو عَارض يخفي (بِهِ) أَي بِسَبَب ذَلِك الْعَارِض (كَونه) فَاعل يخفى، وَالضَّمِير للموصول الأول، (مِنْهَا) أَي من أَفْرَاد ذَلِك الْمَفْهُوم فَالْحَاصِل أَن عرُوض هَذَا الْعَارِض فِي ذَلِك الْمحل أورث فِي كَونه فَردا لذَلِك الْمَفْهُوم خَفَاء بعد مَا كَانَ يحكم الْعقل فِي بادئ النّظر بفرديتها (إِلَى قَلِيل تَأمل) غَايَة الخفاء فيرتفع بتأمل قَلِيل (ويجتمعان) أَي الْخَفي وَمَا يُقَابله وَهُوَ الظَّاهِر (فِي لفظ) وَاحِد (بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَفْهُومه) وَهُوَ مَا ببادئ الرَّأْي من أَفْرَاده وَعرض مَا يخفي فِيهِ كَونه مِنْهَا (كالسارق ظَاهر فِي مَفْهُومه الشَّرْعِيّ) وَهُوَ الْعَاقِل الْبَالِغ الْآخِذ مَا يوازي عشرَة دَرَاهِم خُفْيَة من المَال المتناول مِمَّا لَا يتسارع إِلَيْهِ الْفساد من حرز بِلَا شُبْهَة مِمَّن هُوَ بصدد الْحِفْظ (خَفِي فِي النباش) آخذ كفن الْمَيِّت من الْغَيْر خُفْيَة بنبشه، وَهُوَ إبراز المستور وكشف الشَّيْء (والطرار) آخذ المَال الْمَذْكُور من الْيَقظَان من غَفلَة مِنْهُ بطر أَو غَيره، والطر هُوَ الْقطع، وَأَشَارَ إِلَى الْعَارِض الْمُورث للخفاء الْمَذْكُور بقوله (للاختصاص) مُتَعَلق بخفي (باسم) مُتَعَلق بالاختصاص، وَذَلِكَ لِأَن الِاخْتِصَاص الْمَعْنى باسم بِحَيْثُ لَا يُطلق عَلَيْهِ غَيره مِمَّا ينْدَرج تَحت مَفْهُوم يظنّ كَون ذَلِك الْمَعْنى من أَفْرَاده فِي بادئ الرَّأْي يُورث خَفَاء فِي كَونه مِنْهَا ويرجح عَدمه، لِأَن الظَّاهِر عدم اخْتِصَاص بعض أَفْرَاد مَفْهُوم باسم عَن سَائِر أَفْرَاده، ثمَّ غيا الخفاء فِي النباش والطرار بغاية يدل عَلَيْهَا قَوْله (إِلَى ظُهُور أَنه) أَي بِأَن يظْهر بعد قَلِيل تَأمل أَن الِاخْتِصَاص (فِي الطرار لزِيَادَة) أَي لزِيَادَة مُسَمَّاهُ فِي الْمَعْنى الَّذِي هُوَ منَاط حكم السّرقَة: وَهِي الحذاقة فِي فعل السّرقَة وَفضل فِي جِنَايَته، لِأَنَّهُ يسارق الْأَعْين المستيقظة لغفلة، وَعند ظُهُور هَذِه المزية يَزُول الخفاء وَيعلم كَونه من أَفْرَاد السَّارِق (فَفِيهِ) أَي فَيجب فِي الطرار (حَده) أَي السَّارِق (دلَالَة) أَي بِدلَالَة النَّص الْوَارِد فِي إِيجَاب هَذِه، لكَونه أولى بِثُبُوت الحكم لَهُ لوُجُود المناط فِيهِ على الْوَجْه الأتم فَإِن قلت ظُهُور كَونه من أَفْرَاد السَّارِق بعد التَّأَمُّل يُنَافِي ثُبُوت حكمه بِدلَالَة النَّص قلت كَأَنَّهُ أَرَادَ ثُبُوت دلَالَة قبل الظُّهُور فَتَأمل (لَا قِيَاسا) عَلَيْهِ حَتَّى يرد أَن الْحُدُود لَا تثبت بِالْقِيَاسِ لِأَنَّهُ لَا يعرى عَن شُبْهَة الْحُدُود تدرأ بهَا، غير أَن الْإِطْلَاق إِنَّمَا يَتَأَتَّى على قَول أبي يُوسُف وَالْأَئِمَّة الثَّلَاثَة، وَإِلَّا فَظَاهر الْمَذْهَب فِيهِ تَفْصِيل. قَالَ المُصَنّف رَحمَه الله فِي شرح الْهِدَايَة قَوْله وَمن شقّ: أَي شقّ صرة والصرة الْهِمْيَان، وَالْمرَاد من الصرة هُنَا الْموضع المشدود فِيهِ الدَّرَاهِم لم يقطع وَإِن أَدخل يَده فِي الْكمّ قطع، لِأَن فِي الْوَجْه الأول يتَحَقَّق الْأَخْذ من خَارج
(1/157)

فَلَا يُوجد هتك الْحِرْز، وَفِي الثَّانِي الرِّبَاط من دَاخل يتَحَقَّق الْأَخْذ من الْحِرْز وَهُوَ الْكمّ، وَلَو كَانَ مَكَان الطر حل الرِّبَاط ثمَّ الْأَخْذ فِي الْوَجْهَيْنِ ينعكس الْجَواب (والنباش) مَعْطُوف على الطرار أَي وَإِن الِاخْتِصَاص فِي النباش (لنَقص) فِي منَاط الحكم لعدم الْحِرْز، وَعدم الْحَافِظ، وقصور الْمَالِيَّة لِأَن المَال مَا يرغب فِيهِ، والكفن ينفر عَنهُ، وَعدم المملوكية لأحد، لِأَن الْمَيِّت لَيْسَ بِأَهْل للْملك وَالْوَارِث لَا يملك من التَّرِكَة إِلَّا مَا يفضل عَن حَاجَة الْمَيِّت (فَلَا) يجب فِيهِ حد السّرقَة، وَلِأَن شرع الْحَد للانزجار، وَالْحَاجة إِلَيْهِ عِنْد كَثْرَة وجوده، والنبش نَادِر، والانزجار حَاصِل طبعا، وَهَذَا عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى، خلافًا لأبي يُوسُف، وَالْأَئِمَّة الثَّلَاثَة، وَقَول أبي حنيفَة، قَول ابْن عَبَّاس وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَمَكْحُول وَالزهْرِيّ، وَقَوْلهمْ مَذْهَب عمر وَابْن مَسْعُود وَعَائِشَة وَالْحسن وَأبي ثَوْر ثمَّ الْكَفَن للْوَارِث عِنْدهم، فَهُوَ الْخصم فِي الْقطع وَإِن كَفنه أَجْنَبِي فَهُوَ الْخصم (وَمَا) أَي اللَّفْظ الَّذِي كَانَ خفاؤه (لتَعَدد الْمعَانِي الاستعمالية) أَي الَّتِي تسْتَعْمل فِي كل مِنْهَا (مَعَ الْعلم بالاشتراك) أَي بِكَوْن اللَّفْظ مَوْضُوعا لكل مِنْهَا بِوَضْع على حِدة (وَلَا معِين) أَي وَلم يكن هُنَاكَ قرينَة مُعينَة للمراد (أَو تجويزها مجازية) مَعْطُوف على الْعلم، وَلَا شكّ أَن تَجْوِيز كَون كل من الْمعَانِي الاستعمالية مرَادا من اللَّفْظ مجَازًا إِنَّمَا يتَحَقَّق إِذا صرف صَارف عَن إِرَادَة مَا وضع لَهُ، وَكَانَ الْمقَام صَالحا لإِرَادَة كل مِنْهَا، وَلم يكن مَا يعين وَاحِدًا مِنْهَا، وَقَوله مجازية مَنْصُوب على أَنه مفعول ثَان للتجويز لتَضَمّنه معِين التصيير (أَو بَعْضهَا) مَعْطُوف على الضَّمِير الْمَجْرُور، وَذَلِكَ بِأَن يزدحم معَان استعمالية بَعْضهَا حَقِيقِيَّة وَبَعضهَا مجازية بِحَسب التجويز، وَهُوَ إِنَّمَا يتَصَوَّر إِذا كَانَ الْمقَام صَالحا لإِرَادَة الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ، والمجازي بِأَن لم يكن الصَّارِف عَن الْحَقِيقِيّ قَاطعا فِي الصّرْف وَإِلَّا يتَعَيَّن الْمجَازِي (إِلَى تَأمل) غَايَة للخفاء فِي هَذَا الْقسم، وَقد مر أَن الْعقل يدْرك المُرَاد فِيهِ بعد التَّأَمُّل، وَإِنَّمَا قيد تعدد الْمعَانِي الْمُوجب للخفاء بِالْعلمِ بالاشتراك أَو التجويز الْمَذْكُور، لِأَن تعدد الْمعَانِي لاستعماله من غير أَن يعلم السَّامع اشتراكها أَو تجوزها مجازية أَو بَعْضهَا لَا يتَصَوَّر، لِأَن شَرط الِاسْتِعْمَال فِي الْمَعْنى أَن يكون مَوْضُوعا لَهُ، أَو يكون بَينه وَبَين الْمَوْضُوع لَهُ علاقَة من أَنْوَاع العلاقات الْمُعْتَبرَة فِي المجازات، وَقد علمت أَن مُجَرّد التَّعَدُّد لَا يَكْفِي، بل لَا بُد أَن يكون الْمقَام بِحَيْثُ يحْتَمل كلا مِنْهَا (مُشكل) خبر الْمَوْصُول، من أشكل عَلَيْهِ الْأَمر إِذا دخل فِي أشكاله وَأَمْثَاله، بِحَيْثُ لَا يعرف إِلَّا بِدَلِيل يتَمَيَّز بِهِ (وَلَا يُبَالِي بصدقه) أَي الْمُشكل (على الْمُشْتَرك) كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي أثْنَاء التَّعْرِيف (كَأَنِّي فِي) قَوْله تَعَالَى - {نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فَأتوا حَرْثكُمْ} - (أَنى شِئْتُم) قَالَه مُشكل لخفا مَعْنَاهُ لاشتراكه بَين معَان يسْتَعْمل فِي كل مِنْهَا، قَالَ الرضي:
(1/158)

أنى لها ثلاث معان استفهامية كانت أو شرطية: أحدها أين ولابد حينئذ أن تستعمل مع من، أما ظاهرة نحو من أين عشرون لنا من أنى، أو مقدرة نحو أني لك هذا: أي من أين لك، ولا يقال أني زيد، بمعنى أين زيد، وتجيء بمعنى كيف نحو - أي تؤفكون - وتجيء بمعنى متى، وقد أول قوله تعالى - أنى شئتم - على الأوجه الثلاثة، واقتصر المصنف رحمه الله على ذكر معنيين لحصول ما هو بصدده بهما، فقال (لاستعماله كأين وكيف) كقوله تعالى - أني يحيى هذه الله بعد موتها - (إلى أن تؤمل) في طلب المراد منه على صيغة المجهول، من باب التفعيل غاية للإشكال المحكوم به على أني (فظهر) أن المراد هو (الثاني) أي معنى كيف (بقرينة الحرث وتحريم الأذى)، فإن الأول يدل على أن المأتي إنما هو محل الحرث دون غيره، فلا سبيل إلى أن يراد جواز الاتيان من أي مكان شاء من الطريقين، على أن يكون المعنى من أين شئتم، والثاني وهو تحريم قربان المحيض بعلة الأذى والاستقذار المؤذي من يقرب نفرة منه موجود في الاتيان في الدبر على الأوجه الأتم، فتعين أن المراد بيان ما يفهم جواز الاتيان باعتبار الكيفية، ردا على اليهود، على ما روي أنهم كانوا يقولون: إن من جامع امرأته من دبرها في قبلها كان كان ولده أحول، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت (وما) أي اللفظ الذي خفاؤه بالتأمل (كمشترك) لفظي (تعذر ترجيحه) أي ترجيح بعض معانيه للإرادة (كوصية لمواليه) أي كلفظ الموالي المشترك بين المعتقين، والمعتقين في وصية من أوصى لمواليه، وهو معتق جمع، ومعتق جمع آخرين، فإنه حينئذ لا يعرف مراده بدون البيان، كما أشار إليه بقوله (حتى بطلت) الوصية (فيمن له الجهتان) أي في وصية من له جهة المعتقين والمعتقين، فإنه لا يرجى البيان بعد موت الموصى، وهذا ظاهر الرواية، وعن محمد إلا أن يصلطحا على أن يكون الموصى به بينهما، فإنه يجوز كذلك، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله جوازها، ويكون للفريقين (أو ابهام متكلم) عطف على المجرور في صلة الموصول، أي واللفظ: أي خفاؤه، لأنه أبهم متكلم على المخاطب مراده (ب) سبب (وضعه) ذلك اللفظ (لغير ما عرف) من إرادته عند الإطلاق (كالأسماء الشرعية من الصلاة والزكاة والربا) الموضوعة لمعانيها الشرعية التي هي غير معانيها المعروفة قبل الوضع الشرعي، فإن الشارع لما استعملها ابتداء فيما وضعها بازائه أبهمها باعتبار ما أراد منها قبل علمهم بالوضع الثاني، وأحوجها إلى التفسير، فكأن فائدة الخطاب الإيمان بموجب ما أراد بها إجمالا، وطلب البيان، والاستفسار (مجمل) من أجمل الحساب رده إلى الجملة، أو الأمر أبهمه، وهو أخفى من المشكل لعدم امكان الوقوف عليه
(1/159)

بالاجتهاد وتوقفه على البيان، بخلاف المشكل، فهو مقابل المفسر (وما) أي اللفظ الذي خفي المراد منه بحيث (لم يرج معرفته في الدنيا متشابه) من التشابه، بمعنى الالتباس (كالصفات) أي صفات الله تعالى التي ورد فيها الكتاب والسنة (في نحو اليد والعين) مما يجب تنزيه الذات المقدسة عن معانيها الظاهرة كما قال الله تعالى - يد الله فوق أيهم - ولتصنع على عيني، (والأفعال) التي صدورها منه باعتبار ظواهر معانيها مستحيل (كالنزول) كما ورد في الصحيحين " ينزل ربك كل ليلة إلى سماء الدنيا " الحديث إلى غير ذلك مما دل عليه السمع القاطع بناء على ما عليه السلف من تفويض علمه إلى الله تعالى، والسكوت عن التأويل، واعتقاد عدم إرادة الظواهر المقتضية للحدوث والتشبيه (وكالحروف في أوائل السور) كالم وص وحم، وإطلاق الحروف عليها باعتبار مسمياتها، أو أريد بها الكلمات من قبيل إطلاق الخاص على العام، ذهب الأكثرون منهم أصحابنا والشعبي والزهري ومالك ووكيع والأوزاعي إلى أنها سر من أسرار الله تعالى استأثر الله بعلمه. قال البيضاوي: وقد روى عن الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة ما يقرب منه، ولا يلزم منه الخطاب بما لا يفيد، إذ يجوز أن يكون فائدته طلب الإيمان بها كما يدل عليه الوقف على الجلالة في قوله - وما يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا -، وهو مذهب أكثر السلف والخلف والابتلاء لتبيين أهل الزيغ عن الراسخين، ثم لما كان هذا أشد خفاء مما قبله كان مقابله الحكم (وظهر) ما أشرنا إليه في أثناء تعريفات المسميات الثلاثة (أن الأسماء الثلاثة) المشكل، والمجمل، والمتشابه يدور ما يتضمن كل منها من الإشكال، والإجمال، والمتشابه المنبئ عن الخفاء (مع الاستعمال لا) يدور مع (الوضع كالمشترك) كما يدور اسم المشترك مع الوضع، لأن مدار الاشتراك على وضع اللفظ لأكثر من معنى واحد بوضع متعدد (والخفي) عطف على الأسماء: أي وظهر أن اسم الخفي دائر (مع عروض التسمية) أي مع عروض عارض عورض لبعض أفراد المسمى، فخفي شمول التسمية إياه كما عرفت (و) قالت (الشافعية ما) أي اللفظ الذي (خفي) المراد منه (مطلقا) سواء كان بنفس الصيغة أو يعارض عليها (مجمل، والإجمال) يكون (في) لفظ (مفرد للاشتراك) كالعين لتردده بين معانيه (أو الاعلال) هو تغيير حرف العلة للتخفيف، ويجمعه القلب والحذف والإمكان كمختار لتردده بين الفاعل والمفعول باعلال بقلب يائه المكسورة أو المفتوحة ألفا (أو جملة المركب) أكثر لتركبه أي مجموعه عطف على مفرد نحو قوله تعالى (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) العقد من النكاح ومن كل شيء أو وجوبه ولزومه، ويجوز أن تكون الإضافة بيانية، فمجموع
(1/160)

الْمَوْصُول مَعَ صلته مركب فِيهِ إِجْمَال لاحْتِمَال أَن يُرَاد بِهِ الزَّوْج، وَإِلَيْهِ ذهب أَصْحَابنَا وَالشَّافِعِيّ وَأحمد لما روى الدَّارَقُطْنِيّ عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ " ولي الْعقْدَة الزَّوْج وَالْوَلِيّ " كَمَا ذهب إِلَيْهِ مَالك، وَالْمعْنَى على الأول أَن الْوَاجِب على من طلق قبل الْمَسِيس بعد تَسْمِيَة الْمهْر النّصْف " إِلَّا أَن يعفون " أَي المطلقات فَلَا يَأْخُذن شَيْئا، وَالْوَاو حِينَئِذٍ لَام الْفِعْل، وَالنُّون ضمير، أَو يعْفُو الزَّوْج عَمَّا يعود إِلَيْهِ بالتشطير، فيسوق الْمهْر إِلَيْهَا كملا، وعَلى الثَّانِي أَو يعْفُو الَّذِي يَلِي عقده نِكَاحهنَّ، وَذَلِكَ إِذا كَانَت صَغِيرَة (ومرجع الضَّمِير) مَعْطُوف على مُفْرد، وَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى ومرجع الضَّمِير مِنْهُ، وَذَلِكَ إِذا تقدم أَمْرَانِ يصلح لكل مِنْهُمَا كَمَا فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " لَا يمْنَع أحد جَاره أَن يضع خَشَبَة فِي جِدَاره " يحْتَمل عوده إِلَى أحدكُم، وَإِلَيْهِ ذهب أَحْمد، وَإِلَى الْجَار كَمَا ذهب إِلَيْهِ الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة، وَذَلِكَ إِذا كَانَ لَا يضرّهُ، وَلَا يجد الْوَاضِع بدا مِنْهُ، وَلَا يخفى أَن الْأَلْيَق بالوضعية فِي حق الْجَار الأول، وَقد سُئِلَ عَن أبي بكر وَعلي رَضِي الله عَنْهُمَا أَيهمَا أفضل؟ فَأُجِيب من بنته فِي بَيته (وَتَقْيِيد الْوَصْف وإطلاقه فِي نَحْو طَبِيب ماهر) وَفِي الشَّرْح العضدي: وَمِنْهَا مرجع الصّفة فِي نَحْو زيد طَبِيب ماهر لتردده بَين المهارة مُطلقًا، والمهارة فِي الطِّبّ انْتهى. أَرَادَ بمرجع مَا يَئُول إِلَيْهِ فَإِنَّهُ مُتَرَدّد بَين الْوَجْهَيْنِ وَحَاصِله أَن الْوَصْف وَهُوَ ماهر مثلا مردد بَين أَن يكون مُقَيّدا بِكَوْنِهِ فِي الطِّبّ، أَو مُطلقًا بِأَن تكون مهارته فِي الطِّبّ وَغَيره، فَقَوله وَتَقْيِيد الْوَصْف مَعْطُوف على مَا عطف عَلَيْهِ مرجع الضَّمِير أَو عَلَيْهِ (وَالظَّاهِر أَن الْكل) أَي إِجْمَال كل مَا تقدم من الْمثل ونظائرها (فِي مُفْرد بِشَرْط التَّرْكِيب) لِأَن الحكم بِكَوْن اللَّفْظ مُجملا إِذا لم يكن جُزْء الْكَلَام، وطرف نِسْبَة غَيرهَا ظَاهر، لِأَنَّهُ عبارَة عَن عدم تعين المُرَاد مِنْهُ عِنْد الِاسْتِعْمَال، واستعماله إِنَّمَا يتَحَقَّق فِي التراكيب، فَإِن إِطْلَاق لفظ مُفْرد، وَإِرَادَة معنى بِهِ من غير أَن يكون مَحْكُومًا عَلَيْهِ، أَو بِهِ، أَو مُتَعَلقا بِأَحَدِهِمَا، أَو طرفا لنسبة مَا يكَاد أَن لَا يصدر من الْعَاقِل، ثمَّ فِيمَا يظنّ كَونه إِجْمَالا فِي الْمركب كَقَوْلِه تَعَالَى - {الَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح} - يظْهر بعد التَّأَمُّل أَنه فِي الْمُفْرد، وَهُوَ الْمَوْصُول هَهُنَا غير أَنه لَا يتم بِدُونِ الصِّلَة، فَشرط التَّرْكِيب فَتدبر (وَعِنْدهم) أَي الشَّافِعِيَّة خبر الْمُبْتَدَأ، وَهُوَ (الْمُتَشَابه) أَي اسْم الْمُتَشَابه مَوْجُود فِي اصطلاحهم (لَكِن مُقْتَضى كَلَام الْمُحَقِّقين تساويهما) أَي الْمُجْمل والمتشابه (لتعريفهم) أَي الشَّافِعِيَّة، أَو تحقيقهم (الْمُجْمل بِمَا لم تتضح دلَالَته) قيل من قَول أَو فعل، فَإِن الْفِعْل لَهُ دلَالَة عقلية، وَخرج المهمل لعدم الدّلَالَة، والمبين لاتضاحها فِيهِ (وَبِمَا لم يفهم مِنْهُ معنى أَنه مُرَاد) أَي لم يفهم مِنْهُ الْمَعْنى من حَيْثُ أَنه مُرَاد، وَإِلَّا فَالْأَصْل الْفَهم على سَبِيل
(1/161)

الِاحْتِمَال غير منفي، فَقَوله أَنه مُرَاد بدل اشْتِمَال (وَعَلِيهِ) أَي على التَّعْرِيف الثَّانِي (اعتراضات) مثل أَنه غير مطرد لصدقه على المهمل وَلَا منعكس، لِأَنَّهُ يجوز أَن يفهم من الْمُجْمل أحد محامله لَا بِعَيْنِه وَهُوَ معِين، وَقد يكون الْمُجْمل فعلا، والمتبادر من الْمَوْصُول اللَّفْظ (لَيست بشي) لِأَن الْمُتَبَادر مِنْهُ أَن يكون لَهُ دلَالَة، وَلَا دلَالَة للمهمل، وَفهم أحد المحامل لَا بِعَيْنِه لَا يكون فهم المُرَاد، والموصول أَعم من القَوْل وَالْفِعْل (والمتشابه) أَي ولتعريفهم إِيَّاه (بِغَيْر المتضح الْمَعْنى) وَهُوَ التَّسَاوِي بَين التعريفات ظَاهر، بل الْكَلَام فِي الِاتِّحَاد (وَجعل الْبَيْضَاوِيّ إِيَّاه) أَي الْمُتَشَابه (مُشْتَركا بَين الْمُجْمل والمؤول) حَيْثُ قَالَ والمشترك بَين النَّص، وَالظَّاهِر الْمُحكم، وَبَين الْمُجْمل والمؤول الْمُتَشَابه (مُشكل) لَا يذهب عَلَيْك لطف هَذَا التَّعْبِير (لِأَن المؤول ظَهرت دلَالَته على الْمَرْجُوح) فَصَارَ متضح الْمَعْنى (بِالْمُوجبِ) أَي بِالدَّلِيلِ الْمُوجب حمله على الِاحْتِمَال الْمَرْجُوح حَتَّى صَار بِهِ راجحا (لَا يُقَال يُريدهُ) أَي يُرِيد الْبَيْضَاوِيّ كَون المؤول غير متضح الْمَعْنى (فِي نَفسه مَعَ قطع النّظر عَن الْمُوجب لِأَنَّهُ) أَي المؤول (حِينَئِذٍ) أَي حِين قطع النّظر عَن الْمُوجب (ظَاهر لَا يصدق عَلَيْهِ متشابه) إِذْ الِاحْتِمَال الرَّاجِح لَا يُعَارضهُ الْمَرْجُوح على ذَلِك التَّقْدِير فَتعين أَن يكون مرَادا بِحَسب الظَّاهِر، فَلَا يصدق عَلَيْهِ إِذن غير متضح المُرَاد فَلَا يصدق على المؤول تَعْرِيف الْمُتَشَابه، لَا بِالنّظرِ إِلَى نَفسه، وَلَا بِالنّظرِ إِلَى الْمُوجب، فَلَا وَجه لإدراجه فِي الْمُتَشَابه (وَأَيْضًا يَجِيء مثله فِي الْمُجْمل) جَوَاب آخر عَن قَوْله لَا يُقَال الخ تَقْرِيره أَنكُمْ حَيْثُ سميتم المؤول المقرون بِمَا يُوجب حمله على الْمَعْنى الْمَرْجُوح متشابها بِاعْتِبَار نَفسه مَعَ قطع النّظر عَن الْبَيَان احْتِرَازًا عَن التحكم (لَكِن مَا لحقه الْبَيَان خرج عَن الْإِجْمَال بالِاتِّفَاقِ) من الْفَرِيقَيْنِ (وَسمي مُبينًا عِنْدهم) أَي الشَّافِعِيَّة (وَالْحَنَفِيَّة) قَالُوا (إِن كَانَ) الْبَيَان (شافيا) رَافعا للإجمال رَأْسا (بقطعي فمفسر) أَي فَمَا لحقه الْبَيَان الْمَذْكُور يُسمى مُفَسرًا عِنْدهم كبيان الصَّلَاة وَالزَّكَاة (أَو) كَانَ الْبَيَان شافيا (بظني فمؤول) كبيان مِقْدَار الْمسْح بِحَدِيث الْمُغيرَة (أَو) كَانَ الْبَيَان (غير شاف خرج) الْمُجْمل (عَن الْإِجْمَال إِلَى الْإِشْكَال) كبيان الْعدَد بِالْحَدِيثِ الْوَارِد فِي الْأَشْيَاء السِّتَّة فِي الصَّحِيحَيْنِ فَإِنَّهُ يبْقى فِيهِ الْإِشْكَال بَعْدَمَا ارْتَفع الْإِجْمَال بِاعْتِبَار منَاط الحكم هَل هُوَ الْجِنْس وَالْقدر، أَو الطّعْم؟ على مَا عرف فِي مَوْضِعه (فَجَاز طلبه) أَي طلب بَيَانه حِينَئِذٍ (من غير الْمُتَكَلّم) لِأَن بَيَان الْمُشكل مِمَّا يَكْتَفِي فِيهِ بِالِاجْتِهَادِ، بِخِلَاف الْإِجْمَال، فَظهر أَن الْمُجْمل الَّذِي لحقه الْبَيَان: قَطْعِيا كَانَ أَو ظنيا: شافيا كَانَ أَو غير شاف لَا يُوصف بالإجمال عِنْد الْحَنَفِيَّة أَيْضا (فَلِذَا) أَي لما ذكر من التَّفْصِيل (رد مَا ظن من أَن الْمُشْتَرك المقترن بِبَيَان مُجمل بِالنّظرِ إِلَى نَفسه مُبين بِالنّظرِ إِلَى الْمُقَارن) الظَّان الْأَصْفَهَانِي، والراد
(1/162)

المحقق التفتازاني حيث قال: وليس بشيء إذا لم يعرف اصطلاح على ذلك، بل كلام القوم صريح في خلافه، لكن الحق أنه يصدق على المشترك المبين من حيث أنه مبين أنه لا يمكن أن يعرف منه مراده، بل إنما عرف بالبيان (والحاص أن لزوم الأسمين) المجمل والمبين (باعتبار ما ثبت في نفس الأمر للفظ من البيان) فيما لحقه البيان ((أو الاستمرار على عدمه) أي عدم البيان فيما لم يلحقه، فالمجمل لا يخلو: إما لحقه البيان فلزمه اسم المبين، ولا يطلق عليه بعد ذلك املجمل ولو باعتبار ما كان، وإما لم يلحقه فلزمه اسم المجمل، وهذا ظاهر (فالمجمل أعم عند الشافعية) منه عند الحنفية، لأنه عند الشافعية ما خفي مطلقا، وهذا المعنى مقسم الأقسام الأربعة التي من جملتها المجمل (ويلزمه) أي كونه أعم عندهم (أن بعض أقسامه) أي المجمل (يدرك عن غير المتكلم) وهو فيما يدرك بالاجتهاد (وبعضه لا) يدرك بيانه (إلا منه) أي المتكلم (إذ لا ينكر جواز وجود إبهام كذلك) أي لا يدرك معرفته إلا ببيان المتكلم، وكأنه أراد الجواز المقارن للوقوع (وكذا المتشابه) في كونه منقسما إلى القسمين (إلا أنهم) أي الشافعية (والأكثر) اتفقوا (على إمكان دركه) أي المتشابه المتفق على أنه متشابه (خلافا للحنفية) حيث قالوا لا يمكن دركه في الدنيا كما ذهب إليه الصحابة والتابعون وعامة المتقدمين، غير أن فخر الإسلام وشمس الأئمة استثنيا النبي صلى الله عليه وسلم (وحقيقة الخلاف) بين الطائفتين (في وجود قسم) للفظ باعتبار خفاء دلالته (كذلك) أي على الوجه المذكور، وهو عدم إمكان دركه (ولا يخفى أنه) أي الخلاف المذكور (بحث عن) وجود (قسم شرعي استتبع) يعني هل يوجد في خطابات الشارع لفظ لا يمكن إدراكه المراد منه مطلوب اتباع المكلف إياه من حيث الإيمان به، ولا يجوز اتباعه للتأويل أولا، بل كان متشابه يمكن إدراكه، فيجوز اتباعه طلبا للتأويل (لا لغوى) أي ليس البحث عن وجود لفظ كذا غير متعلق لحكم شرعي (فجاز عندهم) أي الشافعية (اتباعه طلبا للتأويل) وأما الاتباع للإيمان به إجمالا والتوسل به إلى التقرب باعتبار قراءته فهو مطلوب بالإجماع (وامتنع عندنا) لما سيجيء (فلا يحل) اتباعه طلبا للتأويل (ولا نزاع في عدم امتناع الخطاب بما لا يفهم، ابتلاء للراسخين) بل وللزائغين أيضا فإنه فتنة بالنسبة اليهم، والراسخون في العلم الذين ثبتوا وتمكنوا فيه (بإيجاب اعتقاد الحقية) أي حقية ما أراد الله تعالى منه على الإجمال، والجار متعلق بالابتلاء (وترك الطلب) للوقوف عليه (تسليما عجزا) أي استسلاما لله، واعترافا بالقصور عن دركه (بل) النزاع (في وقوعه) أي الخطاب بما لا يفهم (فالحنفية نعم) هو واقع (لقوله تعالى - وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون) في العلم - إلى
(1/163)

قوله - كل من عند ربنا - (عطف جملة) اسمية المبتدأ منها الراسخون (خبره يقولون لأنه تعالى) تعليل لكونه عطف جملة، لا عطف مفرد حتى يلزم مشاركة الراسخين في علم التأويل (ذكر أن من الكتاب متشابها يتبغي تأويله قسم وصفهم بالزيغ) والعدول عن الحق (فلا اقتصر) على ذكر القسم المذكور (حكم) من حيث السياق والسباق (بمقابلهم) أي في مقابل الموصوفين بالزيغ (قسم بلا زيغ لا يبتغون) تأويله، ولا الفتنة (على وزان - فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه -) فإنه تعالى لما اقتصر على هذا (اقتضى مقابله) وهو، وأما الذين كفروا به ولم يعتصموا به فسيدخلهم في نار جهنم أو نحو ذلك (فتركه) أي المقابل إيجاز الدلالة قسيمه عليه (فكيف) لا يحكم بمقابلة القسم المذكور (وقد صرح به) أي بالقسم المقابل (أعني الراسخون، وصحت جملة التسليم) أي الجملة التي مضمونها التسليم، وهي - يقولون آمنا به كل من عند ربنا - (خبرا عنه) أي عن الراسخون، فلا يقال إنه إذا لم يعطف الراسخون على الجلالة يلزم كونه مبتدأ بلا خبر (فيجب اعتباره) أي اعتبار قوله - والراسخون - إلى آخره (كذلك) أي على الوجه المذكور في حل التركيب، (فإن قيل قسم الزيغ المتبعون ابتغاء) مجموع الأمرين (الفتنة والتأويل، فالقسم المحكوم بمقابلته) أي في مقابلة قسم الزيغ قسم حكم فيه (بنفي) مجموع (الأمرين) فيصدق على من انتفي عنه أحدهما دون الآخر (قلنا قسم الزيغ) يتقوم حقيقته (بابتغاء كل) من الفتنة والتأويل (لا) بانتفاء (المجموع) من حيث من هو مجموع ليلزم أن يكون المقابل من لم يبتغ المجموع، فلا يلزم حينئذ ذم من يبتغي التأويل فقط، أو يبتغي الفتنة فقط، وإن استلزمت الفتنة ابتغاء التأويل، وإنما اعتبر في الزيغ كل من البغيين مستقلا (إذ الأصل استقلال) كل واحد من (الأوصاف) المذكورة للأشعار بعلة الحكم فيما سيق لأجله (إذ الأصل استقلال) كل واحد من (الأوصاف) المذكورة للأشعار بعلة الحكم فيما سيق لأجله (ولأن جملة يقولون حينئذ) أي حين يعطف الراسخون على الله كما ذهب إليه الحضم (حال) عن الراسخين (ومعنى متعلقها) أي متعلق الحال وهو مقول القول (ينبو) أي يبعد ويقصر (عن موجب عطف المفرد) وهو الراسخون على المفرد، وهو الله (لأن مثله) أي مثل متعلق الحال، وهو قولهم - آما إلى آخره (في عادة الاستعمال يقال للعجز والتسليم) أي لافادتهما فصار معنى حرفيا للقول المذكور، وهذا لا يناسب موجب العطف، وهو مشاركة الراسخين علام الغيوب في علم التأويل على وجه الانحصار، لا يقال لم لا يجوز أن يكون من باب التواضع، لأنا نقول قوله تعالى - يقولون - يفيد استمرارهم على هذا القول، وإيثار الله إياهم بنعمة علم التأويل يقتضي أن يحدثوا بنعمة وبهم، وعند ذلك يستفاد ضد العجز فلا يتحقق الاستمرار، بل لا يليق بحال الغنى أن يظهر
(1/164)

نَفسه فِي لِبَاس الْفَقِير وَالله أعلم (وَغَايَة الْأَمر) أَي أَمر الْخصم وشأنه فِي المناقشة أَن يدعى (أَن مُقْتَضى الظَّاهِر) على تَقْدِير كَون الْجُمْلَة المعطوفة لبَيَان قسم مُقَابل لقسم الزيغ (أَن يُقَال: وَأما الراسخون) ليعادل قسيمه، وَلِأَن الشَّائِع فِي كلمة: أما فِي مثل هَذَا الْمقَام أَن يثنى ويكرر، ثمَّ أَشَارَ إِلَى الْجَواب بقوله (فَإِذا ظهر الْمَعْنى) المُرَاد بإماراته، وَهُوَ هَهُنَا بَيَان حَال الْقسمَيْنِ على الْوَجْه الَّذِي ذكر (وَجب كَونه) أَي كَون الْكَلَام وَاقعا (على مُقْتَضى الْحَال) وَهُوَ الْأَمر الدَّاعِي لاعْتِبَار خُصُوصِيَّة مَا فِي الْكَلَام (الْمُخَالف لمقْتَضى الظَّاهِر) وَهُوَ إِيرَاد كلمة أما، وَالْحَال الَّتِي مُقْتَضى الْمُخَالف إبراز الْكَلَام فِي صُورَة توهم مُوجب عطف الْمُفْرد ليتمسك بِهِ أهل الزيغ فيستحكم فِيهِ، ويتميز عَنْهُم الراسخون بالثبات عَن الزلل كَقَوْلِه تَعَالَى - {وَمَا جعلنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أريناك إِلَّا فتْنَة للنَّاس} - {يضل بِهِ كثيرا وَيهْدِي بِهِ كثيرا} - (مَعَ أَن الْحَال قيد لِلْعَامِلِ) وَهُوَ الْعلم هَهُنَا (وَلَيْسَ علمهمْ) أَي الراسخين بتأويله (مُقَيّدا بِحَال قَوْلهم - {آمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا} -) بل هُوَ مَوْجُود فِي جَمِيع الْأَحْوَال (وأيد حملنَا) الْآيَة على الْمَعْنى الَّذِي ذكرنَا (قِرَاءَة ابْن مَسْعُود: وَأَن تَأْوِيله إِلَّا عِنْد الله) فَإِنَّهُ لَا يُمكن فِيهَا عطف والراسخون على الله لكَونه مجرورا، فموجبه حصر علم التَّأْوِيل فِي الله، والتوفيق بَين الْقرَاءَات مَطْلُوب، وَكَذَا قَرَأَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا وَيَقُول الراسخون فِي الْعلم آمنا بِهِ كَمَا أخرجه سعيد بن مَنْصُور عَنهُ بِإِسْنَاد صَحِيح، وعزيت إِلَى أبي أَيْضا (فَلَو لم تكن) قِرَاءَة ابْن مَسْعُود (حجَّة) لكَونهَا شَاذَّة (صلحت مؤيدا) لما قدمْنَاهُ (على وزان ضَعِيف الحَدِيث) الَّذِي ضعفه لَيْسَ بِسَبَب فسق رُوَاته (يصلح شَاهدا وَإِن لم يكن مثبتا) قَالَ المُصَنّف رَحمَه الله فِي مبَاحث السّنة حَدِيث الضعْف للفسق لَا يرتقي بِتَعَدُّد الطّرق إِلَى الحجية وَلغيره مَعَ الْعَدَالَة يرتقي، فمراده من شَهَادَته تَكْمِيل وجبر لنُقْصَان كَانَ فِي الدَّلِيل لموجبه الْمُورث لشُبْهَة فِيهِ، فَإِذا صلحت مؤيدا على تَقْدِير عدم حجيتها (فَكيف) لَا يصلح (وَالْوَجْه) أَي الدَّلِيل (منتهض) أَي قَائِم (على الحجية كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى) أَي على حجية الْقِرَاءَة الشاذة. قَالَ فِي مبَاحث الْكتاب: الشاذ حجَّة ظنية خلافًا للشَّافِعِيّ رَحمَه الله، لنا مَنْقُول عدل عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انْتهى قلت بل وفيهَا زِيَادَة، وَهِي أَنه نِسْبَة إِلَى الله تَعَالَى، والجرأة على الله أصعب من الجرأة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (وَجَرت عَادَة الشَّافِعِيَّة بِاتِّبَاع الْمُجْمل بِخِلَاف) صلَة الِاتِّبَاع (فِي جزئيات) مُتَعَلق بِالْخِلَافِ (أَنَّهَا) أَي تِلْكَ الجزئيات (مِنْهُ) أَي من الْمُجْمل، وَقَوله أَنَّهَا مِنْهُ: بدل من الجزئيات، لِأَن الْخلاف فِي أَنَّهَا أَي تِلْكَ الجزئيات هَل هِيَ من الْمُجْمل أم لَا (فِي مسَائِل) أَي حَال كَون تِلْكَ الجزئيات مَذْكُورَة فِي ضمن مسَائِل.
(1/165)

(الأولى) مُبْتَدأ خَبره (التَّحْرِيم الْمُضَاف إِلَى الْأَعْيَان) إِلَى آخِره {كحرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم} - {حرمت عَلَيْكُم الْميتَة} -، والتحليل الْمُضَاف إِلَيْهَا نَحْو - {أحلّت لكم الْأَنْعَام} -، وَالْمرَاد بِالْإِضَافَة النِّسْبَة، والأعيان مَا يُقَابل الْمعَانِي وَالْأَفْعَال (عَن الْكَرْخِي والبصري) أبي عبد الله نقل (إجماله) أَي إِجْمَال التَّحْرِيم الْمَذْكُور (وَالْحق) كَمَا قَالَ (ظُهُوره) أَنه ظَاهر (فِي) مُرَاده (معِين) بِحَسب كل مقَام كَمَا سيتبين (لنا) أَي الْحجَّة فِي الظُّهُور (الاستقراء) أَي مفَاد الاستقراء أَو المستقرأ (فِي مثله) من إِضَافَة الحكم إِلَى الذوات (إِرَادَة منع الْفِعْل الْمَقْصُود مِنْهَا) أَي من الْأَعْيَان، فَإِن مِمَّا يقْصد من النِّسَاء مثلا النِّكَاح ودواعيه، وَمن الْحَرِير اللّبْس، وَمن الْخمر الشّرْب، فالتحريم بِالْحَقِيقَةِ مُضَاف إِلَى هَذِه الْأَفْعَال (حَتَّى كَانَ) الْمَنْع الْمَذْكُور (متبادرا) أَي سَابِقًا إِلَى الْفَهم عرفا (من) نَحْو (حرمت الْحَرِير وَالْخمر والأمهات فَلَا إِجْمَال) إِذْ المُرَاد مُتَعَيّن (قَالُوا) أَي الْقَائِلُونَ بالإجمال (لَا بُد من تَقْدِير فعل) إِذْ التَّحْرِيم والتحليل تَكْلِيف بِالْفِعْلِ الْمَقْدُور، والمعين غير مَقْدُور، وَلَا يَصح تَقْدِير جَمِيع الْأَفْعَال (وَلَا معِين) للْبَعْض، فَلَزِمَ الْإِجْمَال (قُلْنَا تعين) الْبَعْض، وَهُوَ الْمَقْصُود من الْعين (بِمَا ذكرنَا) من التبادر (وادعاء فَخر الْإِسْلَام وَغَيره من الْحَنَفِيَّة الْحَقِيقَة) فِي اللَّفْظ الْمركب الدَّال على تَحْرِيم الْعين، مَعَ أَن الْحُرْمَة وَغَيرهَا من الْأَحْكَام الْخَمْسَة إِنَّمَا يُوصف بهَا أَفعَال الْمُكَلّفين، وَمُقْتَضَاهُ أَن يكون من الْمجَاز الْعقلِيّ (لقصد إِخْرَاج الْمحل) الَّذِي هُوَ الْعين الْمُضَاف إِلَيْهَا التَّحْرِيم (عَن الْمَحَلِّيَّة) عَن أَن يكون محلا للْفِعْل، وَقَوله لقصد مُتَعَلق بالادعاء، يَعْنِي أَن الْمَقْصُود من تَحْرِيم الْعين خُرُوجهَا عَن الْمَحَلِّيَّة، وَالْخُرُوج عَن الْمَحَلِّيَّة وصف ثَابت للعين حَقِيقَة فإسناده إِلَيْهَا على سَبِيل الْحَقِيقَة، وَلَا يخفى أَن تَفْسِير التَّحْرِيم بِهَذَا الْمَعْنى يحْتَاج إِلَى تَأْوِيل تَصْحِيح، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (تَصْحِيحه) أَي الادعاء الْمَذْكُور، وَهُوَ خبر الْمُبْتَدَأ (بادعاء تعارف تركيب منع الْعين) كَحُرْمَةِ الْحَرِير وَالْخمر (لإخراجها) أَي الْعين (عَن محلية الْفِعْل) الْمَقْصُود مِنْهَا (الْمُتَبَادر) إِلَى الْفَهم (لَا) عَن محلية الْفِعْل (مُطلقًا) أَلا ترى أَن الْأُم خرجت عَن محليتها للنِّكَاح ودواعيه وَلم تخرج عَن محليتها لِأَن تقبل رَأسهَا إِكْرَاما، وَنَحْو ذَلِك (وَفِيه) أَي فِيمَا ذكرنَا من التَّصْحِيح (زِيَادَة بَيَان سَبَب الْعُدُول عَن التَّعْلِيق) أَي تَعْلِيق التَّحْرِيم (بِالْفِعْلِ إِلَى التَّعْلِيق بِالْعينِ) وَمِنْهُم من خصص ادِّعَاء الْحَقِيقَة بالحرام لعَينه، وَمِنْهُم من عمم فَأدْخل الْحَرَام لغيره أَيْضا فِيهِ وَهُوَ الْأَظْهر، وَقد نَص الْكرْمَانِي على تَسْلِيم كَونه مجَازًا فِي اللُّغَة حَقِيقَة فِي الْعرف، يَعْنِي عرف الشَّرْع.
المسئلة (الثَّانِيَة) مُبْتَدأ خَبره (لَا إِجْمَال فِي وأمسحوا برءوسكم) فَإِن قلت لَا بُد فِي المسئلة من
(1/166)

حكم كلي والحكم ههنا جزئي، قلت المراد لا إجمال في نحو هذا أي في كل محل داخل عليه بالآلة متعلقة بفعل يحتمل أن تستوعبه (خلافا لبعض الحنفية) القائلين بالإجمال فيه (لأنه لو لم يكن في مثله) أي هذا التركيب (عرف يصحح إرادة البعض كمالك) في الشرح العضدي في تعليل نفي الأعمال لها أنه لغة لمسح الرأس هو الكل، فإن لم يثبت في مثله عرف في إطلاقه على البعض اتضح دلالته في الكل للمقتضي السالم عن المعارض كما هو مذهب مالك والقاضي أبي بكر وابن جنى انتهى، يعنى أنهم ذهبوا إلى عدم ثبوته، واتضاح الدلالة في الكل لما ذكروا أنه المراد، وإليه أشار بقوله (أفاد) أي التركيب المذكور (مسح مسماه) أي مسح الرأس (وهو) أي مسماه (الكل أو كان) فيه عرف يصحح إرادة البعض منه (أفاد) التركيب حينئذ (ببعضا مطلقا) يتحقق في ضمن كل بعض، ويتبين أن المراد إنما هو الإطلاق وحصول المقصود ببعض ما: أي بعض كان (ويحصل) أي البعض المطلق (في ضمن الاستيعاب) واستيفاء الكل (وغيره) أي غير الاستيعاب (فلا إجمال) بوجه: أما على الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأنه ظاهر في بعض مطلق (ثم ادعى مالك عدمه) أي عدم العرف المذكور (فلزم الاستيعاب) لما ذكر (والشافعية) أي وادعى الشافعية (ثبوته) أي ثبوت الطرف المصحح إرادة البعض (في نحو مسحت يدى بالمنديل) بكسر الميم فإنه يفهم منه عرفا مسحها ببعض المنديل، فإذا ذكر في موضع المنديل المحل: أي الرأس فهم التبعيض (أجيب بأنه) أي التبعيض (هو العرف فيما هو آلة لذلك) أي فيما كان مدخول الباء آلة الفعل، ومدخلها في الآية المحل، لا الآلة، ولا نسلم أنه إذا دخلت على المحل فهم التبعيض عرفا (والأوجه أنه) أي التبعيض فيما هو آلة لذلك (ليس للعرف) أي ليس مدلولا عرفيا (بل) يحكم به (للعلم بأنه) أي ما هو آلة يعتبر (للحاجة) وبقدرها (وهي) أي الحاجة مندفعة ببعضه أي ببعض ما هو آلة للفعل كالمنديل مثلا (فتعلم إرادته) أي إرادة البعض بهذه القرينة، لا لكون الكلام موضوعا عرفا للتبعيض في مثل ذلك التركيب (قالوا) أي الشافعية (الباء للتبعيض، أجيب بإنكاره) أي بإنكار كون الباء للتبعيض لغة (كابن جنى) بسكون الياء معرب كنى بكسر الكاف والجيم: أي لانكار ابن جني، وهو من كبار أئمة اللغة كون التبعيض من معاني الباء، (واعلم أن طائفة من المتأخرين) النحويين كالفارسي والقتيبي وابن مالك (ادعوه) أي كون الباء للتبعيض (في نحو).
(شربن بماء البحر ثم ترفعت) .... متى لجج خضر لهن نئيج
يقول شربت السحب من ماء، ثم ترفعت من لجج خضر، والحال أن لهن تصويتًا،
(1/167)

في القاموس في متى، وقد يكون بمعنى من نحو أخرجها متى مكة (وابن جنى يقول في سر الصناعة لا يعرفه) أي كون الباء للتبعيض (أصحابنا) لا يقال شهادة على النفي فلا يتعين، لأن عدم معرفة أئمة الاستقرار الصحيح لمعنى في اللغة دليل ظني على عدم وجوده فيها، (والحاصل أنه) أي كونها للتبعيض أو ادعاء الطائفة المذكورة (ضعيف للخلاف القوي) أي لقوة ما يخالفه لكونه مذهب الجمهور، وعدم ظهور شيوعه في الاستعمالات (ولأن الالصاق معناها المجمع عليه) في كونه (لها ممكن) خبر إن، ومعناها بدل من اسمها، والمجمع عليه صفته، يعني ممكن أن يراد منها، (فيلزم) كونه مرادا منها، لأن صحة إرادته مجمع عليه، بخلاف صحة إراد التبعيض فإنها مختلف فيه، والظاهر خلافه (ويثبت التبعيض اتفاقيا) لخصوصية المقام لا قياسيا بعرف ونحوه، ثم علل ثبوته الاتفاقي بقوله (لعدم استيعاب الملصق) الذي هو آلة المسح ههنا الملصق به وهو الرأس (لا) أن التبعيض يثبت (مدلولا) لها (وجه الاجمال أن الباء إذا دخلت في الآلة يتعدى الفعل) الذي دخل الباء على آلته (إلى المحل) أي إلى محله (فيستوعبه) أي الفعل محل (كمسحت يدي بالمنديل) فاليد كلها ممسوخة (وفي قلبه) هو ما إذا دخلت في محل (يتعدى إلى الالة فتستوعبها) أي الآلة (وخصوص المحل) وهو الرأس (هنا لا يساويها) أي الآلة (فلزم تبعيضه) أي تبعيض المحل ضرورة نقصانها في المقدار، ثم لما أثبت أن التبعيض لازم للضرورة أراد بيان أن المراد بعض معين لا مطلق، فقال (ثم مطلقه) أي مطلق البعض (ليس بمراد وإلا) أي وإن لم يكن كما قلنا، بل أريد المطلق (اجتريء) أي الكتفيء (بالحاصل) أي بمسح البعض الحاصل (في) ضمن (غسل الوجه عند من لا يشترط الترتيب، والكل) أي من شرط الترتيب ومن لم يشترط الترتيب متفقون (على نفيه) أي نفي الاجتزاء بذلك (فلزم كونه) أي البعض المراد (مقدرا) بمقدار معين عند الشارع هنا (ولا معين) لذلك المقدار عند المخاطبين (فكان مجملا في) حق (الكمية الخاصة، وقد يقال) أي من قبل الشافعية منعا للملازمة المذكورة في قوله والا اجتزيء إلى آخره (عدم الاجتزاء لحصوله) أي غسل البعض (تبعا لتحقق غسل الوجه) فإن المتوضي يقصد ان يتحقق أداء الفرض في غسل الوجه، وهذا التحقيق لا يحصل عادة بدون غسل شيء من أجزاء الرأس (لا يوجب نفي الإطلاق اللازم) للإلصاق في البعض المذكور لأن قوله بعدم الاجتزاء ليس لتعين المقدار، وعدم حصول ذلك المعين في ضمن غسل الوجه، بل لابد، الفرض في المسح يجب أن يتحقق أصالة بفعل مبتدأ مستقل لأداء المسح الواجب لانتفائه في ضمن أداء غسل الوجه (والحق أن التبعيض اللازم) اتفاقا (ما) أي بعض مقدر (بقدر الآلة لأنه)
(1/168)

أَي التَّبْعِيض (جَاءَ) وَثَبت (ضَرُورَة استيعابها) اسْتِيعَاب الْمسْح الْآلَة، فَإِن الْبَاء حِين دخلت فِي الْمحل تعدى الْفِعْل، وَهُوَ الْمسْح إِلَى الْآلَة تَقْديرا واستوعبها (وَهِي) أَي الْآلَة (غَالِبا كالربع) أَي كربع الرَّأْس فِي الْمِقْدَار، فَلَزِمَ الرّبع كَمَا هُوَ ظَاهر الْمَذْهَب، فَلَا إِجْمَال حِينَئِذٍ وَلَا إِطْلَاق (وَكَونه) أَي الرّبع الْمَمْسُوح (الناصية) وَهِي الْمُقدم من الرَّأْس (أفضل لفعله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) كَمَا سَيذكرُهُ المُصَنّف رَحمَه الله فِي مسئلة الْبَاء.
المسئلة (الثَّالِثَة لَا إِجْمَال فِي نَحْو " رفع عَن أمتِي الْخَطَأ ") مِمَّا يَنْفِي صفته، وَالْمرَاد لَازم من لوازمها (لِأَن الْعرف) أَي الْمَعْنى الْعرفِيّ (فِي مثله قبل) وُرُود (الشَّرْع رفع الْعقُوبَة) فَإِن السَّيِّد إِذا قَالَ لعَبْدِهِ رفعت عَنْك الْخَطَأ كَانَ الْمَفْهُوم مِنْهُ أَنِّي لَا أؤاخذك بِهِ وَلَا أعاقبك عَلَيْهِ، فَهُوَ وَاضح فِيهِ (وَالْإِجْمَاع) مُنْعَقد (على إِرَادَته) أَي رفع الْعقُوبَة من الحَدِيث الْمَذْكُور (شرعا) أَي إِرَادَة شَرْعِيَّة فَلَزِمَ مُوَافقَة عرف الشَّرْع بعرف اللُّغَة (وَلَيْسَ الضَّمَان عُقُوبَة) فَلَا يُرَاد أَن رفع الْعقُوبَة مُطلقًا فِي الْخَطَأ يسْتَلْزم سُقُوط الضَّمَان فِيمَا إِذا أتلف مَال الْغَيْر خطأ (بل) يجب (جبرا لحَال المغبون) الْمُتْلف عَلَيْهِ فَلَا يجب عُقُوبَة (قَالُوا) أَي الذاهبون إِلَى الْإِجْمَال فِيمَا ذكر المذكورون فِيمَا سبق بطرِيق الْإِشَارَة، لِأَن الْمسَائِل المعدودة مِمَّا اخْتلف الأصوليون فِيهَا بِاعْتِبَار الْإِجْمَال وَعَدَمه (الْإِضْمَار) وَالتَّقْدِير لمتعلق الرّفْع (مُتَعَيّن) لِأَن نفس الْخَطَأ غير مَرْفُوع لوُقُوعه أَكثر من أَن يُحْصى (وَلَا معِين) لخُصُوص المُرَاد فَلَزِمَ الْإِجْمَال (أُجِيب) عَن احتجاجهم بِأَنَّهُ (عينه) أَي الْبَعْض بِخُصُوصِهِ، وَهُوَ رفع الْعقُوبَة (الْعرف الْمَذْكُور) على مَا عرفت.
المسئلة (الرَّابِعَة لَا إِجْمَال فِيمَا يَنْفِي من الْأَفْعَال الشَّرْعِيَّة محذوفة الْخَبَر) أَي خبر لَا النافية الدَّاخِلَة على الْأَفْعَال الْمَذْكُورَة (كلا صَلَاة إِلَّا بِفَاتِحَة الْكتاب)، لَا صَلَاة (إِلَّا بِطهُور) فَهَذَا من قبيل زيد عَالم (خلافًا للْقَاضِي) أبي بكر الباقلاني (لنا أَن نثبت أَن الصِّحَّة جُزْء مَفْهُوم الِاسْم الشَّرْعِيّ) وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ (وَلَا عرف) للشارع (يصرف عَنهُ) أَي الْمَفْهُوم الشَّرْعِيّ (لزم تَقْدِير الْوُجُود) لِأَن الْمُتَبَادر إِلَى الْفَهم من نفي الْفِعْل الشَّرْعِيّ أحد الْأَمريْنِ: إِمَّا نفي الْوُجُود وَهُوَ الْأَظْهر، وَإِمَّا نفي الصِّحَّة، وَحَيْثُ فرض جزئية الصِّحَّة من مَفْهُوم الْكُلِّي كَانَ نفي الصِّحَّة مستلزما لنفي الْوُجُود، وَلَا شكّ أَن نفي الْوُجُود مُسْتَلْزم لنفي الصِّحَّة، لِأَنَّهُ لَا صِحَة بِدُونِ الْوُجُود فاذن بَينهمَا تلازم، وَقد عرفت أَن نفي الْوُجُود أظهر وَأقرب إِلَى الْفَهم فَتعين (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم تثبت جزئيتها لَهُ (فَإِن تعورف صرفه) أَي نفي الْفِعْل شرعا فِي مثل ذَلِك (إِلَى) نفي (الْكَمَال لزم) صرفه إِلَيْهِ كَمَا فِي لَا صَلَاة لِجَار الْمَسْجِد لَا فِي الْمَسْجِد أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه، وَقَالَ ابْن خرم هُوَ صَحِيح من قَول عَليّ (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يتعارف صرفه إِلَى نفي الْكَمَال (لزم
(1/169)

تَقْدِير الصِّحَّة لِأَنَّهُ) أَي تقديرها (أقرب إِلَى نفي الذَّات) من تَقْدِير الْكَمَال يَعْنِي أَن الْحَقِيقَة المعتذرة هِيَ نفي الذَّات، وَعند تعذرها يتَعَيَّن الْأَقْرَب إِلَيْهَا فَإِن قلت قد سبق أَن نفي الْوُجُود أظهر وَهُوَ أقرب إِلَيْهِ قُلْنَا الْمَفْرُوض عدم الصِّحَّة جزئية من مَفْهُوم الِاسْم، وَعند ذَلِك يتَحَقَّق الْمَفْهُوم بِدُونِ الصِّحَّة، وكما أَن نفي الذَّات غير صَحِيح، لِأَنَّهُ خلاف الْوَاقِع كَذَلِك نفي الْوُجُود بِدُونِ الصِّحَّة غير صَادِق فَلَا تصح إِرَادَته فَتعين أَن يُرَاد نفي الصِّحَّة (وَهَذَا) أَي التَّعْلِيل بالأقربية على إِرَادَة نفي الصِّحَّة (تَرْجِيح لإِرَادَة بعض المجازات المحتملة) أَي بعض الْمعَانِي المجازية الَّتِي يحْتَملهُ اللَّفْظ بِحَسب الْمقَام على الْبَعْض (لَا إِثْبَات اللُّغَة بالترجيح) فَإِنَّهُ غير جَائِز على مَا ذهب إِلَيْهِ الْجُمْهُور من عدم جَوَاز إِثْبَات اللُّغَة بِالْقِيَاسِ خلافًا للْقَاضِي وَابْن سُرَيج، وَبَعض الْفُقَهَاء، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي تَسْمِيَة مسكوت عَنهُ باسم إِلْحَاقًا لَهُ بِمَعْنى يُسمى بذلك الِاسْم لِمَعْنى تَدور التَّسْمِيَة بِهِ مَعَه كَمَا بَين فِي مَوْضِعه، وكما أَنه لَا يجوز بِالْقِيَاسِ كَذَلِك لَا يجوز بالترجيح لاشْتِرَاكهمَا فِي الْعلَّة، وَهِي عدم صِحَة الحكم بِوَضْع اللَّفْظ بالمحتمل (قَالُوا) أَي المجملون (الْعرف فِيهِ) أَي فِيمَا يَنْفِي من الْأَفْعَال الشَّرْعِيَّة (مُشْتَرك بَين الصِّحَّة والكمال) يَعْنِي كَمَا أَنه يُرَاد بِهِ نفي الصِّحَّة عرفا فِي بعض الْموَاد كَذَلِك يُرَاد بِهِ نفي الْكَمَال عرفا فِي بعض آخر، (ف) إِذا كَانَ اللَّفْظ مُشْتَركا عرفا بَين الْمَعْنيين (لزم الْإِجْمَال قُلْنَا) الِاشْتِرَاك بَينهمَا عرفا (مَمْنُوع بل) إِرَادَة نفي الْكَمَال فِي بعض الاستعمالات الشَّرْعِيَّة مجَازًا (لاقْتِضَاء الدَّلِيل) الدَّال على أَن المُرَاد نفي الْكَمَال (فِي خصوصيات الْمَوَارِد) فَهُوَ قرينَة مُعينَة للمعنى الْمجَازِي مُخْتَصَّة بموارد جزئية، وَعند انْتِفَاء تِلْكَ الْقَرِينَة يتَعَيَّن الْمجَازِي الْأَقْرَب إِلَى الْحَقِيقَة على مَا ذكر من غير مزاحمة مجازى آخر فَلَا إِجْمَال.
الْمَسْأَلَة (الْخَامِسَة لَا إِجْمَال فِي الْيَد وَالْقطع فَلَا إِجْمَال فِي فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا) يَعْنِي لَو كَانَ فِيهِ إِجْمَال لَكَانَ باعتبارهما، لِأَن غَيرهمَا من الْأَجْزَاء لَا يتَوَهَّم فِيهِ ذَلِك، وَإِذا لم يكن فِي شَيْء مِنْهُمَا لزم نفي الْإِجْمَال فِيهِ مُطلقًا (و) قَالَ (شرذمة) بِالْكَسْرِ: أَي قَلِيل من النَّاس (نعم) حرف إِيجَاب يُقرر مَا قبلهَا خبريا أَو إستفهاميا مثبتا أَو منفيا، يَعْنِي نعم فِيهَا إِجْمَال (فَنعم) أَي فَفِي فَاقْطَعُوا إِلَى آخِره إِجْمَال باعتبارهما، وَقد سبق أَن فِي أَمْثَاله الْإِجْمَال فِي الْمُفْرد بِشَرْط التَّرْكِيب، وَالْحجّة (لنا أَنَّهُمَا) أَي الْيَد وَالْقطع (لُغَة) موضوعان (لجملتها) أَي الْيَد من رُءُوس الْأَصَابِع (إِلَى الْمنْكب) وَهُوَ مجمع رَأس الْكَتف والعضد (والأبانة) وَهِي فصل الْمُتَّصِل (قَالُوا) أَي المجملون (يُقَال) الْيَد (للْكُلّ و) يُقَال للجزء مِنْهَا من رُءُوس الْأَصَابِع (إِلَى الْكُوع) وَهُوَ طرف الزند الَّذِي يَلِي الْإِبْهَام (و) يُقَال (الْقطع للإبانة وَالْجرْح) وَهُوَ شقّ الْعُضْو من غير إبانة لَهُ بِالْكُلِّيَّةِ (وَالْأَصْل) فِي اسْتِعْمَال اللَّفْظ (الْحَقِيقَة) فَهُوَ حَقِيقَة فِي كل مِنْهُمَا وَلَا مُرَجّح
(1/170)

لوَاحِد من الْكل والجزء فِي الأول، والأبانة وَالْجرْح فِي الثَّانِي، فَكَانَا مجملين (وَالْجَوَاب) أَنا لَا نسلم اشتراكهما (بل) كل من الْيَد وَالْقطع (مجَاز فِي) الْمَعْنى (الثَّانِي) أَي الْجُزْء وَالْجرْح (للظهور) أَي لظُهُور الْيَد وَالْقطع (فِي الْأَوَّلين) الْكل والأبانة، وتبادر الْمَعْنى من اللَّفْظ دَلِيل الْحَقِيقَة، وَلَو كَانَا مشتركين لم يتَبَادَر أحد الْمَعْنيين (فَلَا إِجْمَال، وَاسْتدلَّ) بمزيف على نفي الْإِجْمَال وَهُوَ أَن كلا مِنْهُمَا (يحْتَمل الِاشْتِرَاك) اللَّفْظِيّ على الْوَجْه الْمَذْكُور (والتواطؤ) بِأَن تكون الْيَد مَوْضُوعَة للقدر الْمُشْتَرك بَين الْكل والجزء، وَالْقطع للقدر الْمُشْتَرك بَين الأبانة وَالْجرْح (وَالْمجَاز) بِأَن يكون كل مِنْهُمَا حَقِيقَة فِي أحد فِي الْمَعْنيين مجَازًا فِي الآخر (والإجمال) يتَحَقَّق (على أَحدهَا) أَي أحد الِاحْتِمَالَات الثَّلَاثَة (وَعَدَمه) أَي عدم الِاحْتِمَال يتَحَقَّق (على اثْنَيْنِ) من الثَّلَاثَة (فَهُوَ) أَي عدم الْإِجْمَال (أولى) بِالِاعْتِبَارِ، لِأَن وُقُوع وَاحِد لَا بِعَيْنِه من اثْنَيْنِ أقرب من وُقُوع وَاحِد بِعَيْنِه فيغلب على الظَّن الْأَقْرَب المستلزم عدم الْإِجْمَال (وَدفع) الِاسْتِدْلَال الْمَذْكُور (بِأَنَّهُ) أَي هَذَا الِاسْتِدْلَال (إِثْبَات اللُّغَة) وَوضع اللَّفْظ: أَي الْيَد وَالْقطع (بِتَعْيِين مَا وضع لَهُ الْيَد) وَالْقطع، الْبَاء للْبَيَان مُتَعَلق بالإثبات (بالترجيح) مُتَعَلق بِالتَّعْيِينِ (لعدم الْإِجْمَال) على الْإِجْمَال، فَاللَّام صلَة التَّرْجِيح، وَحَاصِله إِثْبَات أَن الْيَد وَالْقطع مَوْضُوع للْكُلّ والإبانة، بِدَلِيل تَرْجِيح عدم الْإِجْمَال عَلَيْهِ لكَونه أقرب مَوْضُوعا من وجوده لما ذكر، وَقد مر أَن إِثْبَات اللُّغَة بِمثلِهِ غير صَحِيح (على أَن نفي الْإِجْمَال) هُنَا أَعنِي (فِي الْآيَة على تَقْدِير التواطئ مَمْنُوع إِذْ الْحمل) أَي حمل كل وَاحِد من الْيَد وَالْقطع (على الْقدر الْمُشْتَرك لَا يتَصَوَّر، إِذْ لَا يتَصَوَّر إِضَافَة الْقطع) ونسبته (إِلَيْهِ) أَي إِلَى الْقدر الْمُشْتَرك (إِلَّا على إِرَادَة الْإِطْلَاق) بِأَن يُرَاد إِيقَاع الْقطع على أَفْرَاد مَا من أَفْرَاد الْمُشْتَرك: أَي فَرد كَانَ لِأَنَّهُ لَو لم يرد ذَلِك لامتنع إِضَافَة الْقطع إِلَيْهِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ إِمَّا أَن يُرَاد بِهِ الْمَاهِيّة من حَيْثُ هِيَ، وَهِي أَمر اعتباري لَا وجود لَهُ فِي الْخَارِج، وَإِمَّا أَن يُرَاد بِهِ كل فَرد مِنْهُ فَيلْزم قطع كل مَا يصدق عَلَيْهِ الْقدر الْمُشْتَرك، وَهُوَ ظَاهر الْبطلَان فَلم يبْق إِلَّا الْإِطْلَاق (وَهُوَ) أَي الْإِطْلَاق (مُنْتَفٍ إِجْمَاعًا) لِأَن مُقْتَضَاهُ حُصُول إِقَامَة حد السّرقَة بِقطع جُزْء من أَجزَاء الْيَد مُطلقًا وَهُوَ خلاف الْإِجْمَاع فَعلم أَنه على تَقْدِير التواطئ لَا يُرَاد الْقدر الْمُشْتَرك (فَكَانَ) المُرَاد (محلا معينا مِنْهَا) أَي من الْيَد (لَا معِين) فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى فَلَزِمَ الْإِجْمَال (وَالْحق أَنه لَا تواطؤ) أَي لَيْسَ بموضوع للقدر الْمُشْتَرك (وَإِلَّا نَاقض) تواطؤه (كَونه) مَوْضُوعا (للْكُلّ) وَوَضعه ثَابت للْكُلّ نقلا وَيدل عَلَيْهِ تبادره عِنْد الْإِطْلَاق من غير قرينَة صارفة عَنهُ (لَكِن يعلم إِرَادَة الْقطع فِي خُصُوص) أَي فِي جُزْء مَخْصُوص (مِنْهُ) أَي من الْكل لإِرَادَة قطع الْكل، وَهَذَا الْعلم بِمَا
(1/171)

قَامَ عِنْد المخاطبين من الْقَرَائِن الدَّالَّة على كَون المُرَاد محلا معينا من غير تعْيين ذَلِك الْمعِين، وَلذَا قَالَ (وَلَا معِين، فإجماله فِيهِ) أَي فَكَانَ الْقطع مُجملا فِي حق مَحَله الْمعِين (وَأما إِلْزَام أَن لَا مُجمل حِينَئِذٍ) جَوَاب سُؤال مُقَدّر على الِاسْتِدْلَال المزيف، تَقْرِيره يلْزم أَن لَا يكون مُجمل أبدا أَو مَا من الْجمل وَإِلَّا يجْرِي فِيهِ ذَلِك بِعَيْنِه، وَقَوله حِينَئِذٍ أَي حِين يتم هَذَا التَّوْجِيه (فَدفع) الْإِلْزَام الْمَذْكُور (بِأَن ذَلِك) أَي جَرَيَان الدَّلِيل فِيمَا (إِذا لم يتَعَيَّن) الْإِجْمَال بدليله (لَكِن تعينه) أَي الْإِجْمَال فِي موَاضعه (ثَابت بِالْعلمِ بالاشتراك والحقائق الشَّرْعِيَّة) إِشَارَة إِلَى مَا سبق من أَن الأجمال قد يكون لتَعَدد مَكَان لَا يعرف إِلَّا بِبَيَان كمشترك تعذر تَرْجِيحه، وَقد يكون لإبهام مُتَكَلم لوضعه لغير مَا عرف كالأسماء الشَّرْعِيَّة من الصَّلَاة وَالزَّكَاة والربا، وَقد مر بَيَانه، فَالْمُرَاد بقوله بِالْعلمِ الخ الْعلم بِهِ مَعَ تعذر التَّرْجِيح، وَقَوله والحقائق مَعْطُوف على الِاشْتِرَاك يَعْنِي الْإِجْمَال ثَابت بعلمنا بِأَن الصَّلَاة مثلا لَهَا حَقِيقَة شَرْعِيَّة مُعينَة غير اللُّغَوِيَّة مُرَادة للشارع عِنْد اسْتِعْمَالهَا وَلَا معِين لَهَا عِنْد التخاطب بهَا، فَلَزِمَ الْإِجْمَال.
الْمَسْأَلَة (السَّادِسَة لَا إِجْمَال فِيمَا) أَي لفظ (لَهُ مسميان لغَوِيّ وشرعي) كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْم وضعا فِي اللُّغَة للدُّعَاء والإمساك، وَفِي الشَّرْع للمحققين الشرعيين (بل) ذَلِك اللَّفْظ إِذا صدر عَن الشَّارِع (ظَاهر فِي) الْمُسَمّى (الشَّرْعِيّ) فِي الْإِثْبَات وَالنَّهْي، وَهَذَا أحد الْأَقْوَال فِي هَذِه المسئلة: وَهُوَ الْمُخْتَار (وَثَانِيها للْقَاضِي أَنه مُجمل فيهمَا) و (ثَالِثهَا للغزالي) وَهُوَ أَن (فِي النَّهْي مُجمل) وَفِي الْإِثْبَات الشَّرْعِيّ (وَرَابِعهَا) لقوم مِنْهُم الْآمِدِيّ وَهُوَ أَنه (فِيهِ) أَي فِي النَّهْي (اللّغَوِيّ) وَفِي الْإِثْبَات الشَّرْعِيّ (لنا عرفه) أَي عرف الشَّرْع (يقْضِي) أَي يحكم (بظهوره) أَي اللَّفْظ (فِيهِ) أَي فِي الشَّرْع، لِأَنَّهُ صَار مَوْضُوعا فِي عرف الشَّرْع وَالظَّاهِر من الشَّارِع، بل وَمن أهل الشَّرْع أَيْضا أَن يُخَاطب بعرفه، كَيفَ وَلَو خَاطب بِغَيْرِهِ كَانَ مجَازًا إِلَّا إِذا كَانَ التخاطب بذلك الْغَيْر (الْإِجْمَال) أَي دَلِيل الْإِجْمَال فِي الْإِثْبَات وَالنَّهْي أَنه (يصلح لكل) من الْمُسَمّى اللّغَوِيّ والشرعي وَلم يَتَّضِح وَهُوَ معنى الْإِجْمَال، وَالْجَوَاب ظُهُوره فِي الشَّرْعِيّ. قَالَ (الْغَزالِيّ) مَا ذكرْتُمْ من الظُّهُور فِي الْإِثْبَات وَاضح، وَأما فِي النَّهْي فَلَا يُمكن حمله على الْمُسَمّى (الشَّرْعِيّ) إِذْ الشَّرْعِيّ (مَا وَافق أمره) أَي الشَّارِع (وَهُوَ) مَا وَافق أمره (الصَّحِيح) فالشرعي هُوَ الصَّحِيح (وَيمْتَنع) الْوِفَاق (فِي النَّهْي) لِأَن الْمنْهِي عَنهُ مُخَالف لِلْأَمْرِ، لِأَن النَّهْي يدل على فَسَاده (أُجِيب) عَنهُ بِأَنَّهُ (لَيْسَ الشَّرْعِيّ الصَّحِيح) أَي لَا يعْتَبر الصِّحَّة فِي الْمُسَمّى الشَّرْعِيّ لَا جَزَاء وَلَا شرطا (بل) الشَّرْعِيّ (الْهَيْئَة) بِالنّصب عطف على خبر لَيْسَ، وَلَا يضر انْتِقَاض النَّفْي ببل، لِأَن عَملهَا للفعلية: يَعْنِي لَيْسَ الْمُسَمّى الشَّرْعِيّ هُوَ الصَّحِيح، بل مَا يُسَمِّيه الشَّارِع
(1/172)

بذلك الِاسْم من الهيآت الْمَخْصُوصَة حَيْثُ يَقُول هَذِه صَلَاة صَحِيحَة، وَهَذِه صَلَاة فَاسِدَة (وَالرَّابِع) أَي وَالْقَوْل الرَّابِع (مثله) أَي مثل القَوْل الثَّالِث فِي الْإِثْبَات وَقد عرفت أَن الثَّالِث أَنه فِي الْإِثْبَات الشَّرْعِيّ (غير أَنه) فِي اللَّفْظ فِي هَذَا القَوْل (فِي النَّهْي) مُتَعَيّن (للغوي إِذْ لَا ثَالِث) للغوي والشرعي (وَقد تعذر الشَّرْعِيّ) لما عرفت فِي الثَّالِث، فَلَا إِجْمَال حَيْثُ تعين اللّغَوِيّ (وَجَوَابه مَا تقدم) من قَوْله أُجِيب لَيْسَ الشَّرْعِيّ الصَّحِيح إِلَى آخِره، وَأَنه يلْزم أَن يكون معنى قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " لَا صَلَاة لِجَار الْمَسْجِد " الحَدِيث، ودعى الصَّلَاة للحائض وَنَحْوهمَا لَا دُعَاء ودعى الدُّعَاء إِلَى غير ذَلِك، وبطلانه ظَاهر، وَلَك أَن تَقول لم لَا يجوز أَن يكون مُرَاد هَذَا الْقَائِل كَون اللَّفْظ فِي النَّهْي للهيئة الْمُجَرَّدَة عَن اعْتِبَار الصِّحَّة من حَيْثُ أَنه فَرد من أَفْرَاد الْمَعْنى اللّغَوِيّ، فاللفظ مُسْتَعْمل فِي الْفَرد الْمُنْتَشِر، والخصوصية مَأْخُوذَة من الْقَرِينَة فَلَا مجَاز وَلَا إِجْمَال فَتَأمل ذَلِك، كَيفَ وَإِن لم يؤول كَلَامه بِمثلِهِ، لَكِن إِن ظَاهر الْبطلَان لَا يَقُول بِهِ عَاقل (فَأَما الْحَنَفِيَّة فاعتبروا وصف الصِّحَّة فِي الِاسْم الشَّرْعِيّ على مَا يعرف) فِي مَبْحَث النَّهْي، لَكِن لَهُم تَفْصِيل فِي تَفْسِيرهَا كَمَا أَفَادَ بقوله (فالصحة فِي) بَاب (الْمُعَامَلَة ترَتّب الْآثَار) واستتباع الْغَايَة الْمَطْلُوبَة مِنْهَا كَمَا فِي قَوْله (مَعَ عدم وجوب الْفَسْخ) أَي فسخ تِلْكَ الْمُعَامَلَة الَّتِي ترَتّب عَلَيْهَا الْآثَار، احْتِرَازًا عَن ترَتّب الْأَثر الَّذِي فِي الْفَاسِد، فَإِنَّهُ يجب فَسخهَا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَالْفساد عِنْدهم) أَي عِنْد الْحَنَفِيَّة ترَتّب الْآثَار (مَعَه) أَي مَعَ وجوب الْفَسْخ (وَإِن كَانَ) الصَّحِيح (عبَادَة فالترتب) أَي فالصحة فِيهِ ترَتّب الْأَثر بِدُونِ قيد آخر، والأثر بَرَاءَة الذِّمَّة فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَاب فِي الْآخِرَة (فيراد) بِالِاسْمِ الشَّرْعِيّ (فِي النَّفْي) وَهُوَ يَشْمَل النَّهْي أَيْضا (الصُّورَة) وَهِي مُجَرّدَة ذَلِك الْمُسَمّى خَالِيَة عَن وصف الصِّحَّة (مَعَ النِّيَّة فِي الْعِبَادَة) أَي فِيمَا إِذا كَانَ الْمُسَمّى الشَّرْعِيّ الْمَنْفِيّ عبَادَة (وَيكون) الِاسْم الشَّرْعِيّ حِينَئِذٍ (مجَازًا شَرْعِيًّا) مرعيا فِيهِ الْعَلامَة بَين الْمَعْنى الْمجَازِي وَبَين مَا وضع لَهُ الِاسْم فِي عرف الشَّرْع مُسْتَعْملا (فِي جُزْء الْمَفْهُوم) الشَّرْعِيّ وَذَلِكَ لِأَن الْمنْهِي عَنهُ لَا ثَوَاب لَهُ فَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الْأَثر، والترتب عين الصِّحَّة فِي الْعِبَادَة بِخِلَاف الْمُعَامَلَة، فَإِنَّهُ جُزْء مفهومها فِيهَا وَهُوَ يتَحَقَّق فِي الْفَاسِد أَيْضا، فالفاسد فِي الْمُعَامَلَات غير صَحِيح يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الْأَثر كالملك فِي البيع الْفَاسِد إِذا اتَّصل بِهِ الْقَبْض بِخِلَاف الْبَاطِل، فَإِنَّهُ مُقَابل للصحيح وَالْفَاسِد.
الْمَسْأَلَة (السَّابِعَة إِذا حمل الشَّارِع لفظا شَرْعِيًّا على) لفظ شَرْعِي (آخر) حمل مواطأة وَكَانَ بَين مفيديهما تبَاين فِي الْوَاقِع، فَحمل من بَاب التَّشْبِيه البليغ كزيد أَسد (وَأمكن فِي وَجه الشّبَه محملان) محمل (شَرْعِي) ومحمل (ولغوي لزم الشَّرْعِيّ كالطواف صَلَاة) تَمَامه الطّواف بِالْبَيْتِ صَلَاة إِلَّا أَن
(1/173)

الله تَعَالَى قد أحل لكم فِيهِ الْكَلَام، فَمن تكلم فَلَا يتَكَلَّم إِلَّا بِخَير، وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد حمل الشَّارِع لفظ الصَّلَاة الْمَوْضُوع شرعا للأركان الْمَخْصُوصَة على الطّواف الْمَوْضُوع شرعا للأشراط الْمَخْصُوصَة وَلَا اتِّحَاد بَينهمَا، فاحتيج إِلَى أَن يصرف عَن الظَّاهِر، وَحمل على أَنه كَالصَّلَاةِ فاحتجنا إِلَى بَيَان وَجه الشّبَه، وَله وَجْهَان، فَأَشَارَ إِلَيْهِمَا بقوله (تصح) فِي وَجه الشّبَه أَن يكون الْمَعْنى كَونهَا مثلهَا (ثَوابًا أَو لاشْتِرَاط الطَّهَارَة) عطف على ثَوابًا لكَونه معلولا لَهُ للشبيه الْمَفْهُوم من فحوى الْكَلَام: أَي شبه للثَّواب: أَي الْمُشَاركَة فِيهِ، أَو للمشاركة فِي اشْتِرَاط الطَّهَارَة، فَقَوله تصح إِلَى آخِره مستأنفة لبَيَان المحملين (وَهُوَ) أَن الْمحمل على أحد الْأَمريْنِ: الثَّوَاب أَو الِاشْتِرَاط هُوَ الْمحمل (الشَّرْعِيّ) لِأَن حَاصله يرجع إِلَى بَيَان حكم شَرْعِي، أَو لِأَن الملحوظ فيهمَا المعنيان الشرعيان (أَو لوُقُوع الدُّعَاء فِيهِ) أَي فِي الطّواف وَالدُّعَاء هُوَ معنى الصَّلَاة لُغَة فالمشبه حِينَئِذٍ بِالْمَعْنَى الشَّرْعِيّ والمشبه بِهِ مَا صدق عَلَيْهِ بِالْمَعْنَى اللّغَوِيّ، وَوجه الشّبَه اشْتِمَال كل مِنْهُمَا على الدُّعَاء وَإِن كَانَ فِي أَحدهمَا من قبيل اشْتِمَال الظّرْف على المظروف، وَفِي الآخر من قبيل الْفَرد على الطبيعة (وَهُوَ) أَي الْحمل على هَذَا الْمَعْنى هُوَ الْمحمل (اللّغَوِيّ) لبنائه على الْمَعْنى اللّغَوِيّ، أَو لِأَن فَائِدَة الْخطاب حِينَئِذٍ لَيست بَيَان حكم شَرْعِي، بل مُجَرّد اشتمالهما على الدُّعَاء وَهِي مِمَّا يفاد فِي المحاورات اللُّغَوِيَّة، وَلَا يخفى مَا فِيهِ (والاثنان جمَاعَة) معطوفة على قَوْله الطّواف صَلَاة: أَي الِاثْنَان كالجماعة، يَصح أَن يكون من حَيْثُ الثَّوَاب مثلهَا (فِي) مِقْدَار (ثَوَابهَا و) فِي (سنة تقدم الامام) إِضَافَة سنة بَيَانِيَّة، وإذافة تقدم إِضَافَة الْمصدر إِلَى الْفَاعِل (و) فِي (الْمِيرَاث) حَتَّى يحجب الِاثْنَان من الْأُخوة للْأُم من الثُّلُث إِلَى السُّدس كالثلاثة فَصَاعِدا، وَهَذَا هُوَ الشَّرْعِيّ (أَو يصدق) عَلَيْهِ مَفْهُوم الْجَمَاعَة (عَلَيْهِمَا) أَي الِاثْنَيْنِ (لُغَة) أَي بِاعْتِبَار الْمَعْنى اللّغَوِيّ، فَقَوله أَو يصدق مَعْطُوف على مجرور فِي، لِأَنَّهُ فِي تَأْوِيل الْمصدر، وَالْمعْنَى أَو فِي صدقه عَلَيْهِمَا صدقا بِحَسب اللُّغَة، وَالْحجّة (لنا) فِي نفي الْإِجْمَال مُطلقًا (عرفه) النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَا هُوَ الْمُعْتَاد مِنْهُ (تَعْرِيف الْأَحْكَام) الشَّرْعِيَّة وتبينها، فالمحمل الشَّرْعِيّ على طبقه دون الْمحمل اللّغَوِيّ فَيتَعَيَّن، فَلَا إِجْمَال (وَأَيْضًا لم يبْعَث) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لتعريف اللُّغَة) فَبعد حمل كَلَامه عَلَيْهِ ومرجع الْمحمل اللّغَوِيّ، وَهُوَ كَون الطّواف صَلَاة لوُقُوع الدُّعَاء فِيهِ، وَكَون الِاثْنَيْنِ جمَاعَة لصدقه عَلَيْهِمَا تَعْرِيف بِهِ، وَبَيَان اللُّغَة الصَّلَاة من حَيْثُ إِنَّهَا تصدق على الطّواف من حَيْثُ اشتماله على الدُّعَاء، وللغة الْجَمَاعَة من حَيْثُ إِنَّهَا تصدق على الِاثْنَيْنِ (قَالُوا) أَي المجملون (يصلح) اللَّفْظ (لَهما) أَي للمحمل الشَّرْعِيّ واللغوي لِأَنَّهُ هُوَ الْمَفْرُوض، وَلم يَتَّضِح دلَالَته على أَحدهمَا لعدم الدَّلِيل، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وَلَا معرف) لأَحَدهمَا بِعَيْنِه (قُلْنَا
(1/174)

مَا ذكرنَا) دلَالَته من أَن عرفه تَعْرِيف الْأَحْكَام لَا اللُّغَة (معرف) لتعيين المُرَاد مِنْهُمَا.
المسئلة (الثَّامِنَة إِذا تساوى إِطْلَاق لفظ لِمَعْنى ولمعنيين) بِأَن أطلق لِمَعْنى وَاحِد تَارَة ولمعنيين تَارَة أُخْرَى، وَلَيْسَ أحد الاستعمالين أرجح من الآخر (فَهُوَ) أَي اللَّفْظ الْمَذْكُور (مُجمل) لتردده بَين الْمَعْنى والمعنيين على السوَاء (كالدابة للحمار، وَله) أَي للحمار (مَعَ الْفرس وَمَا رجح بِهِ) القَوْل بظهوره فِي الْمَعْنيين (من كَثْرَة الْمَعْنى) فَإِن الْمَعْنيين أَكثر فَائِدَة (إِثْبَات الْوَضع بِزِيَادَة الْفَائِدَة) وَقد علم بُطْلَانه، فالترجيح بِهِ بَاطِل، كَذَا قَالُوا، وَاعْترض المُصَنّف عَلَيْهِ بقوله (وَهُوَ) أَي الحكم بِأَنَّهُ إِثْبَات الْوَضع إِلَى آخِره (غلط بل هُوَ) أَي مَا رجح بِهِ (إِرَادَة أحد المفهومين) أَي دَلِيل إِرَادَته (بهَا) أَي بِزِيَادَة الْفَائِدَة وَلَا مَحْذُور فِيهِ (نعم هُوَ) أَي مَا رجح بِهِ (معَارض بِأَن الْحَقَائِق) أَي الْأَلْفَاظ المستعملة فِي مَعَانِيهَا الَّتِي وضعت بإزائها إِطْلَاقهَا (لِمَعْنى) وَاحِد (أغلب) وَأكْثر من إِطْلَاقهَا لمعنيين فَصَاعِدا (وَقَوْلهمْ) أَي المجملين (يحْتَمل) اللَّفْظ الْمَذْكُور الِاحْتِمَالَات (الثَّلَاثَة) الِاشْتِرَاط اللَّفْظِيّ والتواطؤ وَالْمجَاز فِي أحد الاطلاقين (كَمَا فِي وَالسَّارِق) على مَا تقدم (انْدفع) بِمَا ذكرنَا ثمَّة، فَارْجِع ليه ولتعلم أَن اللَّفْظ إِذا أطلق تَارَة لِمَعْنى وَأُخْرَى لذَلِك الْمَعْنى بِعَيْنِه مَعَ معنى آخر، فالإجمال فِيهِ بِاعْتِبَار هَذَا الآخر فَقَط، لِأَن ذَلِك الْمَعْنى لَا شكّ فِي كَونه مرَادا وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.

الْفَصْل الثَّالِث
(اللَّفْظ) بل الْمُفْرد (بالمقايسة إِلَى) مُفْرد (آخر إِمَّا مرادف مُتحد مفهومهما) وصف بِحَال الْمُتَعَلّق لمرادف كاشف، لِأَن الترادف توارد كَلِمَتَيْنِ فَصَاعِدا فِي الدّلَالَة على الِانْفِرَاد بِأَصْل الْوَضع على معنى وَاحِد من جِهَة وَاحِدَة، فَخرج بِقَيْد الِانْفِرَاد توارد التَّابِع والمتبوع وبأصل الْوَضع توارد الْكَلِمَات الدَّالَّة مجَازًا على معنى وَاحِد من جِهَة وَاحِدَة، فَخرج بِقَيْد الِانْفِرَاد توارد التَّابِع والمتبوع، وبأصل الْوَضع توارد الْكَلِمَات الدَّالَّة مجَازًا على وَجه معنى وَاحِد، والدالة بَعْضهَا مجَازًا وَبَعضهَا حَقِيقَة، وبوحدة الْمَعْنى التَّأْكِيد والمؤكد، وبوحدة الْجِهَة الْحَد والمحدود كالإنسان، وَالْحَيَوَان النَّاطِق لاخْتِلَاف مَعْنَاهُمَا من حَيْثُ الْإِجْمَال وَالتَّفْصِيل، كَذَا قَالُوا وَصفته أَن الْحَد مركب، وَقد اعْتبر فِي تَعْرِيف الترادف الْإِفْرَاد لقَولهم توارد كَلِمَتَيْنِ، وَهُوَ مَأْخُوذ من الترادف الَّذِي هُوَ ركُوب وَاحِد خلف الآخر كَأَن الْمَعْنى مركوب لَهما (كالبر والقمح) للحنطة (أَو مباين) للْآخر (مُخْتَلفَة) أَي الْمَفْهُوم صفة كاشفة، وأصل المباينة الْمُفَارقَة
(1/175)

(تواصلت) معانيهما بِأَن يدل أَحدهمَا على الذَّات وَالْآخر على صفتهَا (كالسيف والصارم) أَي شَدِيد الْقطع، أَو أَحدهمَا صفة، وَالْآخر صفة الصّفة كالناطق والفصيح (أَولا) أَي أَو تفاصلت كالسواد وَالْبَيَاض.

مَسْأَلَة
(المترادف وَاقع) مَوْجُود فِي اللُّغَة (خلافًا لقوم قَوْلهم) أَي الْقَوْم الْمُخَالفين لَو وَقع لزم أَن يعرف من اللَّفْظ الثَّانِي مَا عرفه اللَّفْظ الأول وَهُوَ الْمَعْنى (وَلَا فَائِدَة فِي تَعْرِيف الْمُعَرّف) فَرده بقوله (لَو صَحَّ) مَا قَالُوا (لزم امْتنَاع تعدد العلامات) لشَيْء وَاحِد، فَإِن الْعَلامَة الثَّانِيَة تعرف مَا تعرفه الأولى، وَاللَّازِم بَاطِل لجَوَاز تعددها ووقوعها، ثمَّ أَشَارَ إِلَى حل الشُّبْهَة بقوله (ثمَّ فَائِدَته) أَي الترادف (التَّوَصُّل إِلَى الروي) وَهُوَ الْحَرْف الَّذِي تنبني عَلَيْهِ القصيدة وتنسب إِلَيْهِ، فَيُقَال قصيدة لامية أَو نونية، من الرّيّ لِأَن الْبَيْت ريوي عِنْده (وأنواع البديع) كالتجنيس مَعْطُوف على الْمَجْرُور (إِذْ قد يَتَأَتَّى) التَّوَصُّل الْمَذْكُور (بِلَفْظ دون آخر) وَذَلِكَ لِأَن أحد المترادفين قد يصلح للروي دون الآخر، وَكَذَا التجانس وَهُوَ تشابه اللَّفْظَيْنِ فِي التَّلَفُّظ كالاتفاق فِي أَنْوَاع الْحُرُوف، وأعدادها، وهيآتها، وترتيبها قد يحصل بِأحد المترادفين دون الآخر (وَأَيْضًا فالجلوس، وَالْقعُود، والأسد، والسبع مِمَّا لَا يَتَأَتَّى فِيهِ كَونه من الِاسْم وَالصّفة أَو الصِّفَات أَو الصّفة وصفتها كالمتكلم والفصيح يحققه) أَي الترادف (فَلَا يقبل التشكيك) ردا لما قَالُوا من أَن كل لفظين يظنّ بَينهمَا الترادف لتقاربهما معنى ليسَا مترادفين فِي نفس الْأَمر، بل بَين معنييهما نوع اتِّصَال لكَون أَحدهمَا صفة ذَات، وَالْآخر صفة صفتهَا وَحَاصِل الْجَواب أَن هَذَا تشكيك فِيمَا علم قطعا فَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ، فَإِن مثل الْجُلُوس، وَالْقعُود، والأسد، والسبع لَا يتَصَوَّر كَونه من قبيل مَا ذكر.

مسئلة
(يجوز إِيقَاع كل مِنْهُمَا) أَي المترادفين (بدل الآخر) حَتَّى يَتَرَتَّب على كل مِنْهُمَا مَا يَتَرَتَّب على الآخر من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة (إِلَّا لمَانع شَرْعِي على) القَوْل (الْأَصَح إِذْ لَا حجر فِي التَّرْكِيب لُغَة بعد صِحَة تركيب معنى المترادفين) يَعْنِي أَن إِيقَاع كل مِنْهُمَا بدل الآخر عبارَة عَن تركيبه، وَجعل جُزْءا من الْكَلَام، وَبعد صِحَة تركيب مَعْنَاهُمَا بجعله جُزْءا من معنى الْكَلَام، وَيلْزم صِحَة تركيب كل مِنْهُمَا فِي الْكَلَام اللَّفْظِيّ لعدم الْفرق بَينهمَا فِي إِفَادَة ذَلِك الْمَعْنى الْمَفْرُوض صِحَة تركيبه إِذْ الْعبْرَة بِالْمَعْنَى، وَالْمَقْصُود من اللَّفْظ أَن يتوسل بِهِ إِلَيْهِ، وَلَا فرق بَينهمَا فِيهِ، ثمَّ هَذَا هُوَ الأَصْل
(1/176)

فَلَا يعدل عَنهُ إِلَّا لمَانع، وَقد اسْتَثْنَاهُ (قَالُوا) أَي المانعون (لَو صَحَّ) إِيقَاع كل مِنْهُمَا بدل الآخر (لصَحَّ) فِي تَكْبِيرَة الْإِحْرَام (خداي) هُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ اسْم للذات المقدسة (أكبر) بإيقاع خداي وَهُوَ مرادف للجلالة بدلهَا (قُلْنَا الْحَنَفِيَّة يلتزمونه) أَي جَوَاز الْإِيقَاع فِيهِ وَلَا إِلْزَام إِلَّا بمجمع عَلَيْهِ حَيْثُ لَا دَلِيل سواهُ (وَالْآخرُونَ) الَّذين لَا يلتزمونه وَلم يجوزوه يَقُولُونَ عدم جَوَاز الْإِيقَاع فِيهِ (للمانع الشَّرْعِيّ) وَهُوَ التَّقْيِيد بِاللَّفْظِ الْمَأْثُور مَعَ كَون الْمحل مِمَّا يلْزم فِيهِ غَايَة الِاحْتِيَاط. (وَأما كَون اخْتِلَاط اللغتين) كالفارسية والعربية (مَانِعا من التَّرْكِيب بعد الْفَهم) أَي بعد فهم الْمَعْنى التركيبي (فبلا دَلِيل عَلَيْهِ) أَي فَهُوَ ادِّعَاء بِلَا دَلِيل، فَلَا يسمع فِيهِ تعَارض لِابْنِ الْحَاجِب (سوى عدم فعلهم) أَي الْعَرَب اسْتثِْنَاء مُنْقَطع، يَعْنِي سوى هَذَا، وَهُوَ لَا ينتهض حجَّة (وَقد يبطل) الادعاء الْمَذْكُور (بالمعرب) وَهُوَ لفظ استعملته الْعَرَب فِي معنى وضع لَهُ فِي غير لغتهم، فَإِن كثيرا مَا يركب مَعَ الْكَلِمَات الْعَرَبيَّة فِي كَلَام الْعَرَب، فَيلْزم مِنْهُ الِاخْتِلَاط الْمَذْكُور، ثمَّ لما كَانَ يتَوَهَّم أَن اسْتِعْمَال الْعَرَب إِيَّاه فِي كَلَامهم أخرجه عَن العجمية دَفعه بقوله (وَلم يخرج) المعرب (عَن العجمية) بالتعريب، ثمَّ دفع أَن يُقَال تغييرهم إِيَّاه دَلِيل خُرُوجه عَنْهَا بقوله (والتغيير لعدم إحسانهم النُّطْق بِهِ) لعدم ممارستهم فِيهِ (أَو التلاعب) كَمَا نقل عَن بعض الْعَرَب حِين اعْترض عَلَيْهِ فِي التَّغْيِير أَنه قَالَ: عجمي أَلعَب بِهِ (لَا قصدا لجعله عَرَبيا) فَإِن المغير غير الأَصْل فَكَانَ وضع آخر مِنْهُم للفظ آخر (وَلَو سلم) أَن التَّغْيِير للقصد الْمَذْكُور وَلم يبطل بالمعرب (لَا يسْتَلْزم) عدم فعلهم (الحكم بامتناعه) أَي امْتنَاع اخْتِلَاط اللغتين ليلزم مِنْهُ امْتنَاع الْإِيقَاع الْمَذْكُور (إِلَّا مَعَ عدم علم الْمُخَاطب) معنى ذَلِك المرادف من لُغَة أُخْرَى (مَعَ قصد الإفادة) لَهُ بذلك الْمركب الْمُخْتَلط فَإِنَّهُ لَا يجوز حِينَئِذٍ إِيقَاع المرادف الَّذِي لَا علم للمخاطب بِمَعْنَاهُ بدل المرادف الَّذِي لَهُ علم بِهِ، وَهَذَا ظَاهر غير أَنه عِلّة مُسْتَقلَّة للامتناع الْمَذْكُور، وَقَوله إِلَّا مَعَ إِلَى آخِره يدل على أَنه ضميمة عدم فعلهم فِي الاستلزام فَتَأمل.

مسئلة
(وَلَيْسَ مِنْهُ) أَي المترادف (الْحَد والمحدود) زعم قوم أَنَّهُمَا مترادفات، وَلذَلِك قَالُوا مَا الْحَد إِلَّا تَبْدِيل لفظ بِلَفْظ أَجلي، وَلَيْسَ بِمُسْتَقِيم كَمَا سَيظْهر الْحَد إِمَّا بِحَسب الِاسْم، وَهُوَ مَا دلّ على تَفْصِيل مَا دلّ عَلَيْهِ الِاسْم إِجْمَالا فَيُفِيد تصورا لم يكن حَاصِلا، وَإِمَّا بِحَسب الْحَقِيقَة، وَهُوَ مَا دلّ على هَيْئَة الشَّيْء الثَّابِتَة فيخص الموجودات، وَأما تَعْرِيف الشَّيْء بِمَا يرادفه فَهُوَ حد لَفْظِي يقْصد بِهِ التَّصْدِيق بِأَن الْحَد مَوْضُوع لهَذَا، ثمَّ الْحَد إِن اشْتَمَل على جَمِيع ذاتيات الْمَحْدُود
(1/177)

فَهُوَ تَامّ، وَإِلَّا فَهُوَ نَاقص (أما التَّام) أَي أما عدم كَون الْحَد التَّام مرادفا للمحدود (فلاستدعائه) أَي التَّام (تعدد الدَّال على أَبْعَاضه) أَي الْمَحْدُود لكَونه مركبا من جنسه وفصله القريبين فَهُوَ يدل على حَقِيقَة الْمَحْدُود بأوضاع مُتعَدِّدَة بِإِزَاءِ أَجْزَائِهِ مفصلة، والمحدود يدل عَلَيْهَا بِوَضْع وَاحِد بإزائها إِجْمَالا، والمترادفان إِنَّمَا يكون وضعهما ودلالتهما على لفظ وَاحِد، وَلَا يكونَانِ إِلَّا مفردين (وَأما) الْحَد (النَّاقِص فَإِنَّمَا مَفْهُومه) ومدلوله (الْجُزْء الْمسَاوِي) للمحدود، وَهُوَ الْفَصْل، وَلَا اتِّحَاد بَين الْجُزْء وَالْكل (فَلَا ترادف: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن لَا يلْتَزم الِاصْطِلَاح على اشْتِرَاط الْأَفْرَاد) فِي الترادف، فَيكون الْحَد التَّام والمحدود مترادفين (فَهِيَ) أَي فَهَذِهِ المسئلة حِينَئِذٍ (لفظية) يرجع الْخلاف فِيهَا إِلَى أَمر لَفْظِي، وَهُوَ الِاخْتِلَاف فِي الِاصْطِلَاح وَلَا مشاحة فِيهِ، فَمن يعْتَبر الْأَفْرَاد كَمَا هُوَ الْمَشْهُور لَا يجعلهما من المترادفين، وَلَا يعْتَبر بجعلهما مِنْهُمَا (وَلَا التَّابِع مَعَ الْمَتْبُوع) فِي مثل (حسن بسن) فِي الرضي أَن التَّأْكِيد اللَّفْظِيّ على قسمَيْنِ: إِعَادَة لفظ الأول بِعَيْنِه، وتقويته بموازنة مَعَ اتِّفَاقهمَا فِي الْحَرْف الْأَخير إِمَّا بِأَن يكون للثَّانِي معنى ظَاهر نَحْو - {هَنِيئًا مريئا} -، أَو لَا يكون لَهُ معنى أصلا مَعَ ضم إِلَى الأول لتزيين الْكَلَام لفظا، وتقويته معنى وَإِن لم يكن لَهُ فِي حَالَة الْإِفْرَاد معنى، نَحْو: حسن بسن، أَوله معنى التَّكْلِيف غير ظَاهر، نَحْو: خَبِيث نبيث من نبثت الشَّرّ: أَي استخرجته (قيل) عدم كَون التَّابِع والمتبوع مترادفين (لِأَنَّهُ) أَي التَّابِع (إِذا أفرد لَا يدل على شَيْء) فَكيف يكون مرادفا لما يدل على معنى إِذا أفرد (فَإِن كَانَت دلَالَته) أَي التَّابِع (مَشْرُوطَة) بِذكر الْمَتْبُوع (فَهُوَ حرف) لِأَن هَذَا شَأْن الْحُرُوف، وَلَا ترادف بَين الْحَرْف وَالِاسْم (وَلَيْسَ) بِحرف إِجْمَاعًا (وَقيل لفظ بِوَزْن الأول لازدواجه لَا معنى لَهُ وَالْأَوْجه أَنه) لفظ وضع (لتقوية متبوع خَاص) وَهُوَ المسموع متبوعا لَهُ (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يعْتَبر خُصُوص الْمَتْبُوع فِي تقويته (لزم) أَن يجوز (نَحْو: زيد بسن) وَقد عرفت تعْيين الخصوصية من كَلَام الرضي (وَأما التوكيد) بِكُل وَأجْمع وتصاريفه (كأجمعين) وأكتع وَغَيرهَا من التأكيدات المعنوية (فلتقوية عَام سَابق) عَلَيْهِ (فَوَضعه) أَي هَذَا التَّأْكِيد (أَعم من) وضع (التَّابِع) الْمَذْكُور لعدم اشْتِرَاط تعين الْمَتْبُوع (فَلَا ترادف) بَين الْمُؤَكّد، والمؤكد، بل لَا يتَوَهَّم فِيهِ الترادف لعدم الِاخْتِصَاص كَمَا عرفت (وَمَا قيل المرادف لَا يزِيد مرادفه قُوَّة) قَوْله المرادف إِلَى آخِره عطف بَيَان للموصول، وَهُوَ مُبْتَدأ خَبره (مَمْنُوع إِذْ لَا يكون) المرادف (أقل من التوكيد اللَّفْظِيّ) الَّذِي هُوَ تَكْرِير اللَّفْظ الأول، وَهُوَ مِمَّا يُفِيد مؤكده قُوَّة حَتَّى ينْدَفع بِهِ توهم التَّجَوُّز والسهو إِلَى غير ذَلِك. (تَنْبِيه: تكون المقايسة) بَين الاسمين لِأَن تصرف النِّسْبَة بَينهمَا (بِالذَّاتِ) وبحسب
(1/178)

الْحَقِيقَة (للمعنى فيكتسبه) من الِاكْتِسَاب أَو الاكتساء، وَالضَّمِير لما يعلم بالمقايسة كالتساوي والتباين (الِاسْم لدلالته) أَي الِاسْم (عَلَيْهِ) أَي الْمَعْنى هُوَ ظرف النِّسْبَة فِي المقايسة بِحَسب الْحَقِيقَة (فالمفهوم) الَّذِي هُوَ معنى الِاسْم (بِالنِّسْبَةِ إِلَى) مَفْهُوم (آخر إِمَّا مسَاوٍ) لَهُ، وَتَفْسِير الْمُسَاوَاة أَنه (يصدق كل) مِنْهُمَا (على كل مَا يصدق عَلَيْهِ الآخر) فالجملة مستأنفة بَيَانِيَّة (أَو مباين مباينة كُلية لَا يتصادقان) أصلا أَي لَا يصدق كل مِنْهُمَا على شَيْء مِمَّا يصدق عَلَيْهِ الآخر كالإنسان وَالْفرس (أَو) متباين لَهُ مباينة (جزئية يتصادقان) فِي الْجُمْلَة (ويتفارقان) فِي الْجُمْلَة بِأَن يصدق كل مِنْهُمَا على شَيْء لَا يصدق عَلَيْهِ الآخر (كالإنسان، والأبيض) يتصادقان فِي الرُّومِي، ويتفارقان فِي الزنْجِي، وَالْفرس الْأَبْيَض (وَالْعَام وَالْمجَاز) يتصادقان فِي الْمجَاز الْمُسْتَغْرق أَفْرَاد الْمَعْنى الْمجَازِي، ويتفارقان فِي الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ، وَالْمجَاز الْخَاص (وَلَا وَاجِب وَلَا مَنْدُوب) يتصادقان فِي الْحَرَام وَالْمَكْرُوه، ويتفارقان فِي الْعَام الْمُسْتَعْمل فِي الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ وَالْمَنْدُوب وَالْوَاجِب (وَأما أَعم مِنْهُ مُطلقًا يصدق) أَي الْمَفْهُوم (عَلَيْهِ) أَي على كل مَا يصدق عَلَيْهِ الآخر (و) يصدق (على غَيره) أَي على غير الْأَعَمّ أَيْضا (كالعبادة) الصادقة (على) جَمِيع أَفْرَاد (الصَّلَاة و) على (الصَّوْم) أَيْضا (وَالْحَيَوَان على الْإِنْسَان وَالْفرس) تَكْرِير الْأَمْثِلَة إِشْعَار بِأَن النّسَب الْمَذْكُورَة تعم الشرعيات وَغَيرهَا، وَكَذَلِكَ تعم المفهومات الوجودية والعدمية (ونقيضا المتساويين متساويان) فَيصدق أَن لَا إِنْسَان على كل مَا يصدق عَلَيْهِ لَا نطاق، وَكَذَا الْعَكْس (و) نقيضا (المتباينين مُطلقًا) أَي مباينة جزئية أَو كُلية (متباينان مباينة جزئية كلا إِنْسَان، وَلَا أَبيض، وَلَا إِنْسَان، وَلَا فرس) نشر على غير تَرْتِيب اللف، لِأَن الْمَفْهُوم أَولا من قَوْله متباينين مُطلقًا المباينة: الْكُلية، ثمَّ المباينة الْجُزْئِيَّة بِاعْتِبَار ترَتّب ذكر الْأَقْسَام سَابِقًا للاهتمام بشأن المباينة الْجُزْئِيَّة لِئَلَّا يذهل عَنهُ لظُهُور لفظ المتباينين فِي الْكُلية أما اجْتِمَاع لَا إِنْسَان وَلَا أَبيض، فَفِي نَحْو: الْفرس الْأسود، وَأما افتراقهما فَفِي الْفرس الْأَبْيَض وَالْإِنْسَان الْأسود، وَأما اجْتِمَاع: لَا إِنْسَان وَلَا فرس، فَفِي نَحْو الْأسد، وَأما افْتِرَاق لَا إِنْسَان وَلَا فرس فَفِي الْفرس وَالْإِنْسَان (إِلَّا أَنَّهَا) أَي المباينة الْجُزْئِيَّة (فِي الأول) بِاعْتِبَار تَرْتِيب النشر، وَهُوَ المباينة الْجُزْئِيَّة الْمُعْتَبرَة بَين نقيض المتباينين مباينة جزئية (تخص الْعُمُوم من وَجه) فَلَا يتَحَقَّق فِي ضمن المباينة الْكُلية أصلا (بِخِلَاف الثَّانِي) وَهِي المباينة الْجُزْئِيَّة الْمُعْتَبرَة بَين نقيضي المتباينين مباينة كُلية (فقد يكون) أَي الثَّانِي (كليا) أَي يتَحَقَّق تَارَة فِي ضمن المباينة الْجُزْئِيَّة، وَتارَة فِي ضمن المباينة الْكُلية (كلا مَوْجُود وَلَا مَعْدُوم) فَإِنَّهُ كَمَا أَن بَين مَوْجُود ومعدوم مباينة كُلية كَذَلِك بَين لَا مَوْجُود وَلَا مَعْدُوم، لِأَن كل مَا يصدق
(1/179)

عَلَيْهِ لَا مَوْجُود يصدق عَلَيْهِ مَعْدُوم، وكل مَا يصدق عَلَيْهِ لَا مَعْدُوم يصدق عَلَيْهِ مَوْجُود، وَهَذَا بِنَاء (على نفي الْحَال) وَأما على إثْبَاته كَمَا هُوَ قَول الْبَعْض، فَبين لَا مَوْجُود وَلَا مَعْدُوم عُمُوم من وَجه لتصادقهما فِيهَا لِأَنَّهَا صفة لموجود غير مَوْجُودَة فِي نَفسهَا، وَلَا مَعْدُومَة كالأجناس والفصول، وتفارقهما فِي الْمَعْدُوم وَالْمَوْجُود (وَمَا) أَي وكل مفهومين (بَينهمَا عُمُوم مُطلق يتعاكس نقيضاهما، فنقيض الْأَعَمّ أخص من نقيض الْأَخَص، ونقيض الْأَخَص أَعم من نقيض الْأَعَمّ) يَعْنِي كل مَا يصدق عَلَيْهِ نقيض الْأَعَمّ يصدق عَلَيْهِ نقيض الْأَخَص، وَإِلَّا لصدق نقيض الْأَعَمّ على شَيْء لم يصدق عَلَيْهِ نقيض الْأَخَص، فَيصدق عَلَيْهِ عين الْأَخَص ضَرُورَة امْتنَاع ارْتِفَاع النقيضين فَلَزِمَ تحقق الْأَخَص بِدُونِ الْأَعَمّ، وَلَيْسَ كل مَا يصدق عَلَيْهِ نقيض الْأَخَص يصدق عَلَيْهِ نقيض الْأَعَمّ لصدق نقيض الْأَخَص على شَيْء لَا يصدق عَلَيْهِ نقيض الْأَعَمّ، فَإِن مَادَّة افْتِرَاق الْأَعَمّ من الْأَخَص يصدق عَلَيْهِ نقيض الْأَخَص، وَلَا يصدق عَلَيْهَا نقيض الْأَعَمّ، بل عينه وَهُوَ ظَاهر.

الْفَصْل الرَّابِع
(عَن الْأُصُول الْخَمْسَة الْمشَار إِلَيْهَا فِيمَا سبق بقوله: وللمفرد انقسامات بِاعْتِبَار ذَاته، ودلالته، ومقايسته لمفرد آخر، ومدلوله، وإطلاقه، وتقييده فِي فُصُول انْتهى، وَهَذَا مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف يَعْنِي فِي الْمُفْرد بِاعْتِبَار مَدْلُوله (وَفِيه) أَي فِي الْفَصْل الرَّابِع (تقاسيم).
التَّقْسِيم (الأول: وَيَتَعَدَّى إِلَيْهِ من مَعْنَاهُ إِمَّا كلي) قَوْله الأول مُبْتَدأ خَبره جملَة حذف صدرها، أَعنِي الْمُفْرد إِمَّا كلي إِلَى آخِره، وَمَا بَينهمَا مُعْتَرضَة، وَالْوَاو للاعتراض، وَالْمعْنَى: وَيَتَعَدَّى التَّقْسِيم الأول: أَي بِاعْتِبَار قيوده المنضمة إِلَى مقسمه: أَي الْمُفْرد من مَعْنَاهُ، فَإِن الْكُلية والجزئية من عوارض الْمعَانِي بِاعْتِبَار وجودهَا فِي الذِّهْن، ويوصف بهما الْأَلْفَاظ مجَازًا تَسْمِيَة للدال باسم الْمَدْلُول (لَا يمْنَع تصور مَعْنَاهُ) أَي لَا يمْنَع الصُّورَة الْحَاصِلَة فِي الْعقل المنعكسة من مَعْنَاهُ الْعقل (فَقَط) قطّ من أَسمَاء الْأَفْعَال بِمَعْنى انته، وَكَثِيرًا مَا يصدر بِالْفَاءِ تزيينا للفظ، فَكَأَنَّهُ جَزَاء شَرط مَحْذُوف: أَي إِذا نسبت الْمَنْع إِلَى التَّصَوُّر فانته عَن نسبته إِلَى الْغَيْر وَحَاصِله أَن الْعبْرَة بِنَفس التَّصَوُّر مَعَ قطع النّظر عَمَّا سواهَا (من الشّركَة فِيهِ) أَي من فرض شركَة كثيرين فِي مَعْنَاهَا، فكلمة من صلَة الْمَنْع (أَو جزئي حَقِيقِيّ يمْنَع) تصور مَعْنَاهُ الْعقل من فرض شركَة كثيرين فِيهِ بِأَن يحمل عَلَيْهَا مواطأة (بِخِلَاف) الجزئي (الإضافي) أَي (كل أخص)
(1/180)

مندرج (تَحت أَعم) فَهُوَ أَعم من الجزئي الْحَقِيقِيّ لصدقه على مثل الْإِنْسَان المندرج تَحت الْحَيَوَان كصدقه على زيد المندرج تَحت الْإِنْسَان، وَيُسمى الأول كليا لكَونه جُزْءا غَالِبا من فَرده الَّذِي هُوَ كل مَنْسُوبا إِلَيْهِ. وَالثَّانِي جزئيا لكَونه فَردا من الْكُلِّي مَنْسُوبا إِلَيْهِ. وَالثَّالِث إضافيا لاعْتِبَار الْإِضَافَة إِلَى الْأَعَمّ فِي مَفْهُومه (والكلي إِن تَسَاوَت أَفْرَاد مَفْهُومه فِيهِ) أَي فِي مَفْهُومه، وستعرف الْمُسَاوَاة بِذكر مَا يقابلها (فمتواطئ) من التواطئ، وَهُوَ التوافق لتوافق الْأَفْرَاد فِيهِ (كالإنسان، أَو تفاوتت) أَفْرَاد مَفْهُومه فِيهِ (بِشدَّة وَضعف كالأبيض) فَإِن مَعْنَاهُ، وَهُوَ اللَّوْن المفرق لِلْبَصَرِ فِي الثَّلج أَشد مِنْهُ فِي العاج (وَالْمُسْتَحب) فَإِن مَا طلب فعله مَعَ تَجْوِيز التّرْك حُصُوله فِي ضمن السّنَن الْمُؤَكّدَة أولى وَأَشد من حُصُوله فِي ضمن السّنَن الزَّوَائِد (فمشكك) بِصِيغَة اسْم الْفَاعِل، وَإِنَّمَا يُسمى بِهِ (للتردد فِي) أَن (وَضعه للخصوصيات) بِأَن يكون مَوْضُوعا بِإِزَاءِ هَذِه الخصوصية بِوَضْع، وإزاء تِلْكَ الخصوصية بِوَضْع آخر (فمشترك) أَي فَهُوَ على هَذَا التَّقْدِير مُشْتَرك بَين الخصوصيات اشتراكا لفظيا (أَو) وَضعه (للمشترك) بَينهمَا مَعَ قطع النّظر عَن التَّفَاوُت الَّذِي بَينهمَا (فمتواطئ) ومنشأ التَّرَدُّد وجود التَّفَاوُت الْآتِي بِحَسب الظَّاهِر كَون تِلْكَ الْأَفْرَاد أَفْرَاد مَفْهُوم وَاحِد، وَظُهُور عدم مَا يُعينهُ من ذَلِك بعد التَّأَمُّل لوُجُود الْقدر الْمُشْتَرك (وَلِهَذَا) بِعَيْنِه (قيل بنفيه) أَي بِنَفْي التَّرَدُّد بَين الْأَمريْنِ الْمَذْكُورين التشكيك (لِأَن الْوَاقِع) فِي نفس الْأَمر (أَحدهمَا) أَي أحد الِاحْتِمَالَيْنِ، وَلَا تشكيك فِي شَيْء مِنْهُمَا: أما على الأول فَلِأَنَّهُ لَا يتَحَقَّق على ذَلِك التَّقْدِير مَفْهُوم عَام لَهُ أَفْرَاد مُتَفَاوِتَة، وَأما على الثَّانِي فَلِأَن الْقدر الْمُشْتَرك قطع النّظر عَن التَّفَاوُت ليستوي فِيهِ الْأَفْرَاد (وَالْجَوَاب أَن الِاصْطِلَاح) وَاقع (على تَسْمِيَة) لفظ (متفاوت) مَعْنَاهُ بِاعْتِبَار تحَققه فِي ضمن أَفْرَاده بالشدة والضعف (بِهِ) أَي بالمشكك (والتفاوت) الْمُعْتَبر فِي الْمُسَمّى الْمَذْكُور (وَاقع) أَي مُحَقّق فِي معنى بعض الْأَلْفَاظ الْمَوْضُوع بِإِزَاءِ مَفْهُوم كلي لَهُ أَفْرَاد مُتَفَاوِتَة فِيهِ، وَإِذا ثَبت التَّسْمِيَة بالمشكك وَتحقّق الْمُسَمّى فِي الْخَارِج (فَكيف يَنْفِي) المشكك، الظَّاهِر أَن هَذَا الْبَحْث مُعَارضَة وَحَاصِله: إِن كَانَ لكم دَلِيل على نفي وجود المشكك فلنا دَلِيل على وجوده، وَحِينَئِذٍ يكون قَوْله (فَإِن قيل بِنَفْي مُسَمَّاهُ) منعا للمقدمة القائلة أَن التَّفَاوُت الَّذِي هُوَ مُسَمّى المشكك وَاقع، وَالضَّمِير فِي مُسَمَّاهُ عَائِد إِلَى المشكك بِاعْتِبَار مَا يتَضَمَّن من التَّفَاوُت الْمَذْكُور، ثمَّ بَين النَّفْي بقوله (فَإِن مَا بِهِ) التَّفَاوُت (كخصوصية الثَّلج) الَّتِي حصل بهَا الشدَّة (أَن أخذت) أَي الخصوصية (فِي مَفْهُومه) أَي المشكك بِأَن تكون الشدَّة المفرقة لِلْبَصَرِ الْمَوْجُودَة فِي الثَّلج جُزْء مَفْهُوم الْأَبْيَض (فَلَا شركَة) لغير الثَّلج كالعاج مَعَه فِي مَفْهُوم الْأَبْيَض (فَلَا تفَاوت) حِينَئِذٍ إِذْ لم
(1/181)

يبْق لَهُ أَفْرَاد غير أَفْرَاد الثَّلج، وَلَا تفَاوت فِيهَا (وَلزِمَ الِاشْتِرَاك) اللَّفْظِيّ، إِذْ من الْمَعْلُوم أَن إِطْلَاق الْأَبْيَض على العاج وَغَيره مِمَّا سوى الثَّلج مِمَّا يُطلق عَلَيْهِ الْأَبْيَض بطرِيق الْحَقِيقَة، وَحَيْثُ لم يُوجد قدر مُشْتَرك لزم الِاشْتِرَاك اللَّفْظِيّ (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم تُوجد الخصوصية فِي مَفْهُومه اسْتَوَت أَفْرَاد الثَّلج والعاج وَغَيرهمَا فِي مَفْهُومه وَهُوَ ظَاهر (فَلَا تفَاوت) بَين أَفْرَاده فِي مَفْهُومه (وَلزِمَ التواطؤ قُلْنَا مَا بِهِ) التَّفَاوُت من الخصوصيات المستلزمة حُصُول الْمَفْهُوم بطرِيق الشدَّة فِي الْبَعْض والضعف فِي الْبَعْض الآخر (مُعْتَبر فِيمَا صدق عَلَيْهِ الْمَفْهُوم) بطرِيق اعْتِبَار على وَجه الْجُزْئِيَّة كَمَا سَيظْهر (من أَفْرَاد تِلْكَ الخصوصية) بَيَان لما صدق الْمَفْهُوم عَلَيْهِ وَظَاهره يَقْتَضِي عدم اعْتِبَار مَا بِهِ التَّفَاوُت فِي مَاهِيَّة تِلْكَ الخصوصية، وَسَيَأْتِي اعْتِبَاره فضلا مِنْهَا، وَكَأَنَّهُ يُشِير إِلَى أَن للمجيب أَن يعتبره فِي أفرادها دون الْمَاهِيّة فَإِنَّهُ أَدخل فِي دفع الِاعْتِرَاض، ثمَّ يُصَرح ثَانِيًا بِمَا هُوَ التَّحْقِيق، وَفِي إِضَافَة الْأَفْرَاد إِلَى تِلْكَ الخصوصية مُسَامَحَة، وَالْمرَاد أَفْرَاد مَا فِيهِ تِلْكَ الخصوصية، وَهُوَ الثَّلج مثلا (لَا) أَنه مُعْتَبر (فِي نَفسه) أَي نفس الْمَفْهُوم الَّذِي وضع لَهُ الْأَبْيَض مثلا (وَحَاصِل هَذَا) الْجَواب (أَن كل خُصُوصِيَّة) من الخصوصيات الْمُوجبَة للشدة أَو الضعْف (مَعَ الْمَفْهُوم) الَّذِي وضع الْأَبْيَض بإزائه مثلا (نوع ويستلزم) كَون كل خُصُوصِيَّة مَعَه نوعا (أَن مُسَمّى المشكك كالسواد وَالْبَيَاض لَا يكون إِلَّا جِنْسا، وَمَا بِهِ التَّفَاوُت فُصُول تحصله) أَي الْجِنْس الْمَذْكُور (أنواعا) مفعول ثَان للتحصيل فَإِنَّهُ يتَضَمَّن معنى الْجعل، وَيجوز أَن يكون حَالا عَن الضَّمِير الْمَنْصُوب وَالْمعْنَى: أَن الخصوصيات الَّتِي بهَا تَتَفَاوَت أَفْرَاد مُسَمّى المشكك إِذا انضمت إِلَى الْمَاهِيّة الجنسية الَّتِي هِيَ الْمُسَمّى تجْعَل تِلْكَ الْمَاهِيّة أنواعا، لِأَنَّهُ يتقوم بانضمام كل مِنْهَا إِلَى الْمَاهِيّة نوع مركب من الْجِنْس والفصل، أَو تحققها، أَو يقومها حَال كَونهَا أنواعا، فَإِنَّهُ لَا وجود للأجناس إِلَّا فِي ضمن الْأَنْوَاع كَمَا لَا وجود للأنواع إِلَّا فِي ضمن الْأَشْخَاص، فالجنس، وَالنَّوْع، والشخص مُتحد وجودا وَجعلا، وَإِن كَانَت مُتَغَايِرَة بِحَسب التعقل (فَمن الماهيات الجنسية مَا) أَي ماهيات جنسية (فُصُول أَنْوَاعهَا مقادير من الشدَّة والضعف) أَي ذُو مقادير مِنْهُمَا، فاختلاف تِلْكَ الْأَنْوَاع بِاعْتِبَار تِلْكَ الْفُصُول، وَاخْتِلَاف تِلْكَ الْفُصُول بِاعْتِبَار اخْتِلَاف مقاديرها من الْكَيْفِيَّة الجنسية، فَإِن الْبيَاض مثلا كَيْفيَّة جنسية يتَحَقَّق فِي أَنْوَاع كَثِيرَة، وَفِي كل نوع مِقْدَار خَاص من تِلْكَ الْكَيْفِيَّة لَهُ مرتبَة مَخْصُوصَة من الشدَّة والضعف، وهما أَمْرَانِ إضافيان (وَذَلِكَ) أَي مَا فُصُول أَنْوَاعهَا مقادير مِنْهَا يتَحَقَّق (فِي ماهيات الْأَعْرَاض وَلذَا) أَي وَلأَجل أَن تحقق هَذَا الْقسم إِنَّمَا يكون فِي الْأَعْرَاض (يَقُولُونَ) أَي المتكلمون، بل الْحُكَمَاء (الْمَقُول) أَي الْمَحْمُول على
(1/182)

أفراده (بالتشكيك) بأن يكون تحققه في ضمن البعض أشد وأقوى من تحققه في ضمن البعض الآخر (خارج) عن حقيقة أفراده التي يقال علها كما اشتهر فيما بينهم من أن الماهية وأجزاءها لا تكون مقولة بالتشكيك على أفرادها، وتحقيق ذلك في غير هذا العلم، (ومنها) أي الماهيات الجنسية ما فصول أنواعها (خلافه) أي غير المقادير المذكورة كفصل نفس ماهية المشكك الذي يميزه عن مشكك آخر كفصل نحو السواد فإنه يميز عن البياض وغيره مما يندرج تحت اللون كقولنا: قابض للبصر في السواد مفرق له في البياض (ثم وضعنا اسم المشكك للاول) أي لما فصول أنواعه مقادير.
التقسيم الثاني
(مدلوله) أي المفرد (إما لفظ كالجملة والخبر) فلأنه قد سبق أن المركب أن أفاد نسبة تامة بمجرد ذاته فجملة، وهو إن دل على مطابقة خارج فخبر، وإلا فإنشاء (والاسم، والفعل، والحرف) والحكم بكون مدلول أمثال هذه الألفاظ لفظا مبنى (على نوع مساهلة، إذ الألفاظ ما صدقات مدلوله) أي المفرد (الكلى) صفة مدلول: يعني أن لك واحد من المفردات المذكورة موضوع بإزاء مفهوم كلي أفراده ألفاظ وهو ظاهر، فنفس مدلوله ليس بلفظ، بل اللفظ أفراد مدلوله (إلا أن يراد) بالجملة (كل جملة متحققة خارجًا) أي تحققا خارجيًا مثل: ضرب زيد، واضرب زيدا، وزيد قائم، الحكم بالتساهل مبني على حمل المدلول على المدلول المطابقي، وحاصل التأويل حمله على المدلول الضمني، فإن كل فرد معين من أفراد مسمى الجملة مدلول ضمنا ضرورة فتضمن الكلي لجزئياته، وهكذا الحال في الخبر والفعل والحرف وغيرها (أو) مدلوله (غيره) أي غير لفظ، وحينئذ فالأول: أي فالمفرد الذي مدلوله ليس بلفظ (فأما لا يدل عليه) أي على مدلوله (إلا بضميمة إليه) أي إلى الدال، والضميمة لفظ آخر، وإنما احتاج إليها (لوضعه) أي لكونه موضوعا (لمعنى جزئي) أي لنسبة جزئية (من حيث هو) أي المعنى الجزئي (ملحوظ بين نسبتين خاصيتين) آلة لمعرفة حالهما ملتفت بالتبع، والمقصود بالذات معرفتهما، ولا يلزم أن يكونا جزئيين حقيقيين فيعم خصوص الشخص والنوع والجنس، لكن انسبة وإن كان طرفاها كليين فهي جزئية على ما قالوا (فهو الحرف كمن) فإها موضوعة للابتداء الخاص الذي هو نسبة جزئية ملحوظة بين المسير والبصرة مثلا (والى) فإنها موضوعة لانتهاء الغاية على الوجه المذكور (بخلاف) الأسماء (اللازمة للإضافة) كذو، وقبل، وبعد فإنها موضوعة
(1/183)

لمعنى كلي من صاحب وسبق، وتأخر، فالتزم ذكر ما أضيف إليه لبيانه، لا لأن معانيها ملحوظة بين شيئين آلة لتعرف حالهما مقصودة بالتبع (أو يستقل بالدلالة) معطوف على مدخول إما فإن حاصله إما لا يستقل بالدلالة فهو الحرف، أو يستقل بها (لعدم ذلك) أي وضعه لمعنى من حيث هو ملحوظ بين شيئين خاصيين، فإن ذلك أخرجه إلى ذكر ذينك من الشيئين، وأخرجه عن الاستقلال فعند عدمه، والمفروض عدم مخرج آخر يلزم الاستقلال وحينئذ (فأما لا يكون) المفرد المستقل بالدلالة (معناه حدثا مقيدا بأحد الأزمنة الثلاثة) الماضي، والحال، والاستقبال حال كون أحد الأزمنة مدلولا (بهيئة) فدخل ما كان معناه حدثا مقيدا بأحدهما بمادته كلفظ الماضي والحال والاستقبال، وكذا ما لا يكون معناه حدثا كزيد، أو حدثا غير مقيد: كضرب وقيل (فهو) المفرد المستقل بالدلالة على ما لا يكون حدثا كذا (الاسم كالابتداء والانتهاء) فإن معناهما الابتداء والانتهاء المطلق، وأنهما ليس بحدثين مقيدين بما ذكر (فالكاف وعن وعلى حيئنذ) أي حين كان الأمر على ما عرفت من البون البعيد بين حقيقتي الاسم والحرف وتبياينهما باعتبار الاستقلال وعدم الاستقلال وغيره مع العلم بأن كلا منهما يستعمل تارة استعمال الحروف فيجري عليه أحكامها، وتارة استعمال الأسماء فيجري عليه أحكامها (مشترك لفظي له وضع للمعنى الكلي يستعمل فيه) أي في المعنى الكلي (اسما) أي استعمال اسم، أو حال كونه اسما (كبكابن الماء) في قول امريء القيس:
ورحنا بكابن الماء يجنب وسطنا ... تصوب فيه العين طورا وترتقي
أي بفرس مثل الكركي، شبه به لخفته وطول عنقه (و) وضع (لخصوص منه) أي من المعنى الكلي (كذلك) أي من حيث هو ملحوظ بين شيئين خاصين (فيستعمل فيه) أي في الخصوص (حرفا كجاء الذي كعمرو) أي الذي استقر كعمرو، فإن حرفيتها في مثله متعينة عند الجمهور لئلا يلزم افراد الصلة راجحة عند الأخفش والجزولي وابن مالك مجوزين اسميتها على اضمار مبتدا كما في قراءة بعضهم - تماما على الذي أحسن - (وقس الأخيرين) أي عن وعلى (عليه) أي على الكاف باعتبار وضع عن للكلي وهو الجانب فيستعمل فيه اسما نحو:
ولقد رأني للرماح دريئة ... من عن يميني مرة وأمامي
وللجزئي كما هو المشهور (أو يكون) معناه حدثا مقيدا بأحد الآن منه بهيئة (فالفعل) بأقسامه.
(1/184)

التَّقْسِيم الثَّالِث
من تقاسيم الْفَصْل الرَّابِع (قسم فَخر الْإِسْلَام اللَّفْظ) الْمُفْرد (بِحَسب اللُّغَة والصيغة) الْجَار مُتَعَلق بقسم، واللغة اللَّفْظ الْمَوْضُوع، والصيغة الْهَيْئَة الْعَارِضَة لَهُ بِاعْتِبَار الحركات والسكنات وَتَقْدِيم بعض الْحُرُوف على بعض، وَالظَّاهِر أَنه يُرَاد باللغة هَهُنَا جَوْهَر الْحُرُوف بِقَرِينَة انضمام الصِّيغَة إِلَيْهَا، وَلما كَانَتَا متعلقي الْوَضع عبر بهما عَنهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (أَي بِاعْتِبَار وَضعه إِلَى خَاص وعام، ومشترك، ومؤول) فسر بِمَا ترجح من الْمُشْتَرك بعض وجوهه بغالب الرَّأْي، وَأورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قد لَا يكون من الْمُشْتَرك، وترجحه قد لَا يكون بغالب الرَّأْي، فِي الْمِيزَان: أَن الْخَفي والمشكل والمشترك والمجمل إِذا لحقها الْبَيَان بِدَلِيل قَطْعِيّ سمي مُفَسرًا، وَإِن زَالَ خفاؤه بِدَلِيل فِيهِ شُبْهَة كَخَبَر الْوَاحِد، وَالْقِيَاس سمي مؤولا انْتهى وَأجِيب عَن الأول بِأَن المُرَاد تَعْرِيف المؤول من الْمُشْتَرك، وَعَن الثَّانِي بِأَن المُرَاد بغالب الرَّأْي، مِمَّا يعم الْحَاصِل من الْقيَاس وَخبر الْوَاحِد. وَقَالَ صدر الشَّرِيعَة: وَإِنَّمَا لم أورد المؤول فِي الْقِسْمَة، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِاعْتِبَار الْوَضع، بل بِاعْتِبَار رَأْي الْمُجْتَهد انْتهى، وَإِلَيْهِ أَشَارَ المُصَنّف رَحمَه الله بقوله (وَاعْترض بِأَن المؤول وَلَو) كَانَ (من الْمُشْتَرك لَيْسَ بِاعْتِبَار الْوَضع) وَلم يلْتَفت إِلَى مَا قيل فِي تَوْجِيه كَلَام فَخر الْإِسْلَام من أَن معنى كَونه بِاعْتِبَار الْوَضع أَن الحكم بعد التَّأْوِيل يُضَاف إِلَى الصِّيغَة، لِأَن مَا يحصل من التَّأَمُّل بِالدَّلِيلِ لَا وَجه لجعله من الاعتبارات الْمُتَعَلّقَة بِالْوَضْعِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (بل عَن رفع إِجْمَال بظني) أَي التَّأْوِيل لم ينشأ عَن الْوَضع، بل هُوَ نَاشِئ عَن إِزَالَة إِبْهَام حَاصِل بازدحام احتمالات ناشئة من الِاشْتِرَاك بِدَلِيل ظَنِّي قياسي أَو خبر (فِي الِاسْتِعْمَال) مُتَعَلق بإجمال، فالطرفان: أَعنِي بظني، وَهَذَا يتعلقان بِرَفْع وإجمال على تَرْتِيب اللف والنشر، وَلَا شكّ أَن الْإِبْهَام إِنَّمَا يعرض للمشترك فِي حَال الِاسْتِعْمَال لَا الْوَضع (فَهِيَ) أَي الْأَقْسَام إِذا (ثَلَاثَة، لِأَن اللَّفْظ أَن كَانَ مُسَمَّاهُ متحدا وَلَو بالنوع) كَرجل وَفرس (أَو مُتَعَددًا مدلولا على خُصُوص كميته) لِأَن كمية المتعدد الْمَذْكُور (بِهِ) أَي بِلَفْظ ذَلِك المتعدد مَعَ كميته الْمَخْصُوصَة مدلولا مطابقيا للفظه، فَقَوله مدلولا وضعا للمتعدد بِحَال مُتَعَلقَة: أَعنِي كَونه بِحَيْثُ يدل على خُصُوص كمية لَفظه، لِأَنَّهُ لم يقْصد مدلولية ذَلِك المتعدد، لِأَنَّهُ ظَاهر لكَونه مُسَمّى لَفظه (فالخاص) جَوَاب للشّرط: أَي فَهُوَ الْخَاص (فَدخل) فِي الْخَاص (الْمُطلق) تَفْرِيع على قَوْله وَلَو بالنوع: كَمَا أَن قَوْله (وَالْعدَد) تَفْرِيع على قَوْله: وَلَو بالنوع كَمَا أَن قَوْله تَفْرِيع على قَوْله أَو مُتَعَددًا إِلَى آخِره (وَالْأَمر وَالنَّهْي)
(1/185)

لِاتِّحَاد مسماهما نوعا كَمَا ستعرف، وَالْمُطلق على مَا سَيَجِيءُ مَا دلّ على فَرد شَائِع لَا قيد مَعَه مُسْتقِلّا لفظا (وَإِن تعدد) مُسَمَّاهُ (بِلَا مُلَاحظَة حصر) وَإِن كَانَ محصورا فِي الْوَاقِع (فَأَما بِوَضْع وَاحِد) أَي فَذَلِك اللَّفْظ المتعدد مُسَمَّاهُ أما مَوْضُوع بِإِزَاءِ ذَلِك المتعدد بِوَضْع وَاحِد (فَمن حَيْثُ هُوَ كَذَلِك) أَي فاللفظ من حَيْثُ أَنه مَوْضُوع بِوَضْع وَاحِد لمتعدد غير مَحْصُور هُوَ (الْعَام، أَو) بِوَضْع (مُتَعَدد فَمن حَيْثُ هُوَ كَذَلِك الْمُشْتَرك) فَهُوَ مَا وضع وضعا مُتَعَددًا لمعان مُتعَدِّدَة، فَعدم مُلَاحظَة الْحصْر فِي الْمُشْتَرك قيد واقعي لَا اجترازي كَمَا فِي الْعَام فَإِنَّهُ فِيهِ لإِخْرَاج أَسمَاء الْعدَد والتثنية (فَيدْخل فِي الْعَام الْجمع الْمُنكر) كرجال المتعدد مُسَمَّاهُ من غير مُلَاحظَة الْحصْر مَعَ اتِّحَاد الْوَضع (وعَلى اشْتِرَاط الِاسْتِغْرَاق) فِي الْعَام (فمتحد الْوَضع) أَي اللَّفْظ الْمَوْضُوع بِوَضْع وَاحِد لغير المنحصر (أَن استغرق) جَمِيع مَا يصلح لَهُ (فالعام) جَوَاب الشَّرْط: أَي فَهُوَ الْعَام (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يسْتَغْرق (فالجمع) أَي فَهُوَ الْجمع الْمُنكر فَهُوَ حِينَئِذٍ وَاسِطَة بَين الْخَاص وَالْعَام (وَأخذ) قيد (الْحَيْثِيَّة) كَمَا ذكرنَا فِي التعريفين المستنبطين من التَّقْسِيم (يبين عدم العناد) والتباين (بِجُزْء الْمَفْهُوم بَين الْمُشْتَرك وَالْعَام) أَي لَيْسَ مَا يُوجب العناد بَينهمَا ذاتيا كالإنسان وَالْفرس حَتَّى يكون التَّقْسِيم حَقِيقِيًّا، بل بِحَسب الِاعْتِبَار والحيثية فيتصادقان لَا من حيثية وَاحِدَة كَمَا سَيَجِيءُ (وَلذَا) أَي لعدم العناد بَينهمَا بِجُزْء الْمَفْهُوم (لَا يحْتَاج إِلَيْهَا) أَي إِلَى الْحَيْثِيَّة (فِي تعريفهما ابْتِدَاء) لَا فِي ضمن التَّقْسِيم، لِأَن الْمَنْطُوق حِينَئِذٍ بَيَان أَجزَاء الْمَاهِيّة، والحيثية لَيست مِنْهَا، وَإِذا قد عرفت أَنه لَا عناد بَين الْعَام والمشترك بِالذَّاتِ إِذا لم يعْتَبر فِي الْعَام عدم تعدد الْوَضع وَأَنت تعلم أَن العناد بالذت مَوْجُود بَين الْمُنْفَرد والمشترك لاعْتِبَار عدم تعدده فِيهِ (فَالْحق) أَي اللَّائِق الْحقيق بِالِاعْتِبَارِ أَن يعْتَبر (تقسيمان):
التَّقْسِيم (الأول بِاعْتِبَار اتِّحَاد الْوَضع وتعدده يخرج الْمُنْفَرد) وَهُوَ الْمَوْضُوع لِمَعْنى وَاحِد لَا غير (وَلم يُخرجهُ) أَي الْمُنْفَرد (الْحَنَفِيَّة على كَثْرَة أقسامهم) أَي مَعَ كثرتها، وَأخرجه الشَّافِعِيَّة (و) يخرج (الْمُشْتَرك و) ذكرت (فِيهِ) أَي فِي قسم الْمُشْتَرك (مسئلة) وَاحِدَة وَهِي هَذِه (الْمُشْتَرك) مُبْتَدأ خَبره (خَامِسهَا) إِلَى آخِره، وَالضَّمِير رَاجع إِلَى الْأَقْوَال تَقْدِير الْكَلَام الْمُشْتَرك فِي جَوَازه ووقوعه أَقْوَال: غير جَائِز، جَائِز غير وَاقع، وَاقع فِي اللُّغَة لَا غير، فِي اللُّغَة وَالْقُرْآن لَا غير، خَامِسهَا فِيهِ أَي فِي الْمُشْتَرك جَائِز و (وَاقع فِي اللُّغَة وَالْقُرْآن والْحَدِيث) وَهُوَ الْمُخْتَار و (لنا) على الْجَوَاز (لَا امْتنَاع لوضع لفظ مرَّتَيْنِ فَصَاعِدا لمفهومين فَصَاعِدا على أَن يسْتَعْمل) ذَلِك اللَّفْظ (لكل) من المفهومين أَو المفهومات (على الْبَدَل) لَا على الِاجْتِمَاع، لَا خَفَاء فِي أَن مَنْظُور الْوَاضِع فِي كل وضع أَن يسْتَعْمل ذَلِك اللَّفْظ لكل من المفهومين أَو المفهومات على
(1/186)

البدل لا على الاجتماع، ولا خفاء في أن منظور الواضع في كل وضع أن يستعمل في معنى بعينه لا غير لكن إذا تعدد الوضع، والمفروض أن الواضع واحد كام قصده من تلك الأوضاع المتعددة أن يستعمل تارة في هذا دون غيره، وتارة في ذلك دون غيره، (وقولهم) أي المانعين (يستلزم) جواز المشترك (العبث) أي جواز العبث واللعب (لانتفاء فائدة الوضع) وهي فهم المراد لاستحالة الترجيح بلا مرجح (مندفع) خبر قولهم (بأن الإجمال مما يقصد) فلا تنحصر فائدة الوضع في فهم المراد على سبيل التعيين، فإذا سمع المشترك يفهم أن المراد أحد تلك المعاني وهذا نوع من العلم: ويقصد به مصالح كطلب التعيين، والاجتهاد فيه، والابهام على بعض السامعين إلى غير ذلك. (ولنا) في الاستدل (على الوقوع ثبوت استعمال القرء) بفتح القاف ويضم (لغة لكل من الحيض والطهر) على البدل (لا يتبادر أحدهما) بعينه (مرادا) تمييز عن نسبة الفعل إلى الفاعل (بلا قرينة) معينة له متعلق بلا يتبادر (وهو) أي استعماله، كذلك (دليل الوضع كذلك) أي وضع لفظ القرء مرتين لهما على البدل (وهو) أي اللفظ الموضوع لذلك (المراد بالمشترك. وما قيل) في دفع هذا من أنه (جاز كونه) أي القرء (لمشترك) أي لمعنى مشترك بينهما (أو) كونه (حقيقة) في أحدهما (ومجازا) في الاخر (وخفي التعيين) للحقيقةعن المجاز لشيوعه في المعنى المجازي، وفلا نعلم ايهما حقيقة (وكذا كل ما ظن) من الألفاظ (أنه منه) أي من المشترك اللفظي يقال فيه هذا (ثم يترجح الأول) وهو كونه لمعنى مشترك بينهما، لأن الأصل عدم تعدد الوضع، والحقيقة أولى من المجاز (مدفوع) خبر ما قيل (بعدمه) أي بعدم القرء المشترك (بينهما) أي الحيض والطهر، وإلا لكان يفهم عند الإطلاق ما وضع له (وكونه) أي القرء موضوعا (لنحو الشيئة)، في القاموس شيئته شيئا أردته، والاسم الشيئة، كشيعة، وكل شيء شيئه الله انتهى، والمراد به الشيء المرادة (والوجود بعيد، ويوجب) كونه موضعا لذلك (أن نحو الإنسان والفرس والقعود وما لا يحصى من أفراد القرء) وهو ظاهر الفساد، فظهر عدم وضعه للقدر المشترك (واشتهار المجاز بحيث يساوي الحقيقة) في تبادر معناه المجازي (ويخفى التعيين) أي تعيين المراد لتساوي المعنى الحقيقي والمجازي في التبادر كما في المشترك (نادر لا نسبة له) أي لاشتهاره على الوجه المذكور (بمقابله) وهو عدم اشتهاره بتلك المثابة، فلا يصار إلى الاحتمال المرجوح (فأظهر الاحتمالات كونه) أي القرء (موضوعا لكل) من الحيض والطهر على البدل، واعتبار غير الأظهر ترجيح للمرجوح، فوجب كونه مشتركا (وهو) أي كونه موضوعا لكل (دليل وقوعه) أي المشترك (في القرآن) لوقوع القرء في قوله تعالى - ثلاثة قروء - (والحديث)
(1/187)

لوقوعه فيما روى الدارقطني والطحاوي رحمهما الله عن فاطمة بنت حبيش قالت: يا رسول الله إني امرأة استحاض فلا أطهر قال (دعي الصلاة أيام أقرائك، وبه) أي بالوقوع فيهما (كان قول النافي) للوقوع (إن وقع) المشترك (مبينا) أي مقرونا بما يبين المراد منه (طال) الكلام (بلا فائدة) لا مكان افائدة المراد بمنفرد لا يحتاج إلى البيان (أو غير مبين لم يفد) لعدم تعين المراد (تشكيكا) خبر كان (بعد التحقق) فلا يسمع، فإن قلت التحقق غير مقطوع به. بل أظهر الاحتمالات فما ذكره النافي يصلح لأن يورث شبهة فيه، قلنا لا يصلح لأن الاحتراز عن ترجيح المرجوح واجب، فما ذكره غير مسلم، بل هو باطل كما صرح به بقوله (مع أنه) أي قول النافي (باطل) لأنا نختار الشق الأول ونمنع التطويل بلا فائدة، لأن البيان بعد الابهام يوجب زيادة التقرير، أو الشق الثاني ونمنع عدم الفائدة (فإن افادته) أي المشترك (كالمطلق) أي كافادة المطلق في أن كلا منهما يدل على أمر غير معين، وهذا يوجد في الشرعيات وغيرها (وفي الشرعيات) خاصة فائدته أي المشترك ونحوه (العزم) أي عزم المكلف (عليه) أي على العمل بالمراد (إذا بين، والاجتهاد) أي بذل المجهود لنيل المقصود (في استعلامه) أي طلب فهم المراد (فينال ثوابه) أي ثواب كل من العزم والاجتهاد أن أصاب أجرينن وإن أخطأ واحدا. (واستدل) للمختار بدليل مزيف وهو أنه (لو لم يقع) المشترك (كان الموجود في القديم والحادث) مشتركا (معنويا لأنه) أي الموجود (فيهما حقيقة اتفاقا وهو) أي كونه مشتركا معنويا فيهما (منتف لأنه) أي الموجود اسم (لذات له وجود وهو) أي الوجود (في القديم يباين الممكن) أي يباين الوجود في الممكن، لأن الأول ضروري دون الثاني، فالموجود إذا أطلق على القديم معناه ذات له وجود ضروري، وإذا أطلق على الممكن معناه ذات له وجود غير ضروري (فلا اشتراك) بينهما معنويا (وليس) هذا الاستدلال (بشيء لأن الأختلاف) أي اختلاف الأفراد (بالخصوصيات) السخصية كما في الأفراد الشخصية، أو النوعية كما في الأفراد النوعية (ويوصف الوجوب والامكان) معطوف على الخصوصيات (لا يمنع الاندراج) أي ادراج تلك الأفراد المختلفة باعتبار ما ذكر (تحت مفهوم عام تختلف أفراده فيه) شدة وضعفا (فيكون) الاشتراك بين القديم والحادث (معنويا، واستدل أيضا لو لم يوضع) المشترك (خلت أكثر المسميات) عن الأسماء (لعدم تناهيها) أي المسميات، لأنها ما بين موجود، ومجرد، ومادي، ومعدوم ممكن وممتنع، ومن جملتها الأعداد: وهي غير متناهية (دون الألفاظ) فإنها متناهية (لتركبها من الحروف المتناهية) فالمركب من المتناهي متناه كما سيجيء (لكنها) أي المسميات (لم تخل) عن الأسماء (وهو أضعف) من الاستدلال
(1/188)

الأول (لمنع عدم تناهي الْمعَانِي الْمُخْتَلفَة والمتضادة). قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ فِي حَاشِيَة على الشَّرْح العضدي أَن المفهومين إِذا اشْتَركَا فِي الصِّفَات النفسية فمتماثلان وَإِلَّا كَانَا مَعْنيين يمْنَع اجْتِمَاعهمَا فِي مَحل وَاحِد من جِهَة وَاحِدَة فمتضادان، وَإِلَّا فمختلفان (وتحققه) أَي عدم التناهي (فِي المتماثلة وَلَا يلْزم لتعريفها) أَي المتماثلة (الْوَضع لَهَا) بِأَن يوضع لكل مِنْهَا على حِدة (بل الْقطع) حَاصِل (بنفيه) أَي الْوَضع لَهَا بِحَسب الخصوصيات، وَإِنَّمَا الْحَاجة إِلَى أَن يوضع لكل نوع اسْم، وَذَلِكَ متناه (وَإِن سلم) عدم تناهي الْمعَانِي الْمُخْتَلفَة والمتضادة (فالوضع) لَازم (للمحتاج إِلَيْهِ) مِنْهَا لَا غير (وَهُوَ) أَي الْمُحْتَاج إِلَيْهِ مِنْهَا (متناه، وَلَو سلم) الْوَضع للْكُلّ (فخلوها) أَي المسميات عَن الْأَسْمَاء (على التَّقْدِيرَيْنِ مُشْتَرك الْإِلْزَام) على من يثبت الِاشْتِرَاك، وعَلى من يَنْفِيه، لِأَنَّهُ إِذا قوبل أُمُور متناهية بِأُمُور غير متناهية بطرِيق التَّوْزِيع تفنى المتناهية، وَإِن جعل كل مِنْهَا بِإِزَاءِ أُلُوف غير متناهية، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (إِذْ لَا نِسْبَة للمتناهى بِغَيْر المتناهى، وَلَو سلم) لُزُوم الْخُلُو على تَقْدِير عدم الِاشْتِرَاك فَقَط (فبطلان الْخُلُو مَمْنُوع) لِأَن بُطْلَانه على تَقْدِير عدم إِفَادَة مَا هُوَ خَال عَن الِاسْم (وَلَا تَنْتفِي الإفادة فِيمَا إِذا لم يوضع لَهُ) لحصولها بِأَلْفَاظ مجازية وتركيب كليات كإفادة أَنْوَاع الروائح والطعوم (وَأما تَجْوِيز عدم تناهي الْمركب من المتناهي) فِي مقَام منع تناهي الْأَلْفَاظ المركبة من الْحُرُوف المتناهية لدفع لُزُوم الْخُلُو على تَقْدِير عدم الْمُشْتَرك (إِذا لم يكن) التَّرْكِيب (بالتكرار) أَي بتكرار الْحُرُوف (والإضافات) أَي وبإضافة بعض الْكَلِمَات إِلَى بعض فِي أَدَاء الْمَعْنى المُرَاد (كتركيب الْأَعْدَاد) الْحَاصِلَة بتكرار الْوحدَة المتفاوتة فِي الْقلَّة وَالْكَثْرَة المضافة فِيهَا مَرَاتِب الْآحَاد، والعشرات، أَو المئات إِلَى مرتبَة فَوْقهَا (فَبَاطِل) جَوَاب أما وَخبر تَجْوِيز (بِأَيّ اعْتِبَار فرض) التَّرْكِيب سوى مَا كَانَ بالتكرار وَالْإِضَافَة الْمَذْكُورين: أَي عدم تناهيه بَاطِل وَلَو استوعب فِي عَالم الْفَرْض جَمِيع التراكيب الممكنة على الأنحاء الْمُخْتَلفَة سوى مَا ذكر (وَلَو) فرض انضمام الْوَضع (مَعَ الإهمال) أَي الْمَوْضُوع مَعَ المهمل (إِذْ الْإِخْرَاج) أَي إِخْرَاج الْأَلْفَاظ من الْحُرُوف (بضغط) أَي بزحمة وَشدَّة (فِي محَال) الصَّدْر وَالْحلق وَغَيرهمَا (متناهية على أنحاء) أَي أَنْوَاع من الكيفيات (متناهية) وَمَا قَامَ بالمحال المتناهية وإحاطة الكيفيات المتناهية متناه لَا محَالة (وَإِنَّمَا اشْتبهَ) تناهي الْأَلْفَاظ (للكثرة الزَّائِدَة) فِيهَا على كَثْرَة غَيرهَا.
(1/189)

التَّقْسِيم الثَّانِي
من التقسيمين الْمَذْكُورين فِي التَّقْسِيم الثَّالِث من تقاسيم الْفَصْل الرَّابِع (بِاعْتِبَار الْمَوْضُوع لَهُ يخرج الْخَاص وَالْعَام) كَمَا أخرج التَّقْسِيم الأول الْمُنْفَرد والمشترك (وتتداخل) أَقسَام التقسيمين (فالمشترك عَام، وخاص، وَالْمُنْفَرد كَذَلِك) أَي عَام وخاص أَيْضا، أما انقسام الْمُنْفَرد إِلَيْهِمَا فَظَاهر، وَأما انقسام الْمُشْتَرك إِلَيْهِمَا فَإِنَّهُ إِذا نَظرنَا إِلَى كل وَاحِد من مَعَانِيه فحاله كَحال الْمُنْفَرد تَارَة يكون عَاما، وَتارَة يكون خَاصّا، وَيجوز أَن يكون عَاما بِاعْتِبَار بعض مَعَانِيه، وخاصا بِاعْتِبَار آخر (وَلَا وَجه لإِخْرَاج الْجمع) الْمُنكر (عَنْهُمَا) أَي الْخَاص وَالْعَام (على التَّقْدِيرَيْنِ) بِاشْتِرَاط الِاسْتِغْرَاق، وَعدم اشْتِرَاطه فِي الْعَام، لِأَنَّهُ إِن لم يشْتَرط فَهُوَ دَاخل فِي الْعَام وَإِلَّا فَفِي الْخَاص (لِأَن رجَالًا فِي الْجمع مُطلق كَرجل فِي الوحدان) لَا فرق بَينهمَا إِلَّا بِاعْتِبَار أَن مَا صدق عَلَيْهِ رجال كل جمَاعَة جمَاعَة على الْبَدَل، وَمَا صدق عَلَيْهِ رجل كل فَرد فَرد، وَالْمُطلق مندرج فِي الْخَاص على مَا سبق (وَالِاخْتِلَاف) بَين مَا صدق عَلَيْهِ الْجمع وَمَا صدق عَلَيْهِ الْمُفْرد (بِالْعدَدِ وَعَدَمه لَا أثر لَهُ) فِي الِاخْتِلَاف بِالْإِطْلَاقِ وَعَدَمه فَإِن قلت قَول المُصَنّف فِيمَا سبق، وَإِلَّا فالجمع بعد ذكر الْخَاص وَالْعَام تَصْرِيح بِكَوْنِهِ وَاسِطَة بَينهمَا قلت سِيَاق الْكَلَام هُنَاكَ على طَريقَة صدر الشَّرِيعَة وَغَيره، وَهَهُنَا على التَّحْقِيق لَكِن بَقِي شَيْء، وَهُوَ أَنه على تَقْدِير عدم اشْتِرَاط الِاسْتِغْرَاق أَيْضا يَنْبَغِي أَن يدْخل الْجمع فِي الْخَاص لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَة: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال أَنه ذُو جِهَتَيْنِ: جِهَة تعدد وشمول من حَيْثُ الْأَجْزَاء، وجهة اتِّحَاد وَإِطْلَاق من حَيْثُ الْمَفْهُوم لَكِن الْأَلْيَق فِيهِ بِالِاعْتِبَارِ فِيهِ الأول فاعتبرها من لم يشْتَرط وَحكم بِعُمُومِهِ، وَمن يشْتَرط يعْتَبر الثَّانِيَة وَيحكم من تِلْكَ الْحَيْثِيَّة بِإِطْلَاقِهِ لَا من حيثية التَّعَدُّد بِحَسب الْأَجْزَاء (فالمفرد عَام) اعْتبر الْأَفْرَاد فِي الْعَام دفعا لتوهم عدم اعْتِبَاره لما يُوهِمهُ كَمَا سَيَجِيءُ، وَفصل بَين الْقسمَيْنِ بِمَا يتَعَلَّق بالقسم الأول من المباحث احْتِرَازًا عَن التّكْرَار (وَهُوَ) أَي الْعَام (مَا دلّ على استغراق أَفْرَاد مَفْهُوم) وَإِنَّمَا لم يقل مَفْهُومه، لِأَن الْمُتَبَادر مِنْهُ المطابقي واستغراق الْجمع وَمَا فِي مَعْنَاهُ لَيْسَ بِاعْتِبَارِهِ: بل بِاعْتِبَار أَفْرَاد مَفْهُوم مفرده، وَهُوَ مَفْهُومه التضمني كَمَا سَيَجِيءُ (وَيدخل الْمُشْتَرك) فِي الْحَمد (لَو عَم) واستغرق (أَفْرَاد مَفْهُوم) أَو أَكثر من مفهوماته (أَو فِي المفاهيم) وَكَانَ مُقْتَضى الظَّاهِر أَن يَقُول، أَو المفاهيم، فَعدل عَنهُ لِئَلَّا يتَوَهَّم أَن المُرَاد استغراقه أفرادها بِاسْتِعْمَالِهِ فِي معنى مجازي يعمها فيستوعبها، فَإِن كَانَ ذَلِك غير مَبْنِيّ (على) قَول (من
(1/190)

يعممه) وَإِنَّمَا الْمَبْنِيّ عَلَيْهِ استغراقه إِيَّاهَا بِاسْتِعْمَالِهِ فِي مفاهيمه، فَالْمَعْنى أَو عَم الْأَفْرَاد مُسْتَعْملا فِي المفاهيم، وَالضَّمِير فِي يعممه رَاجع إِلَى الْمُشْتَرك، والمعمم الشَّافِعِي، وَمن وَافقه (وَالْحَاصِل أَن الْعُمُوم) يتَحَقَّق (بِاعْتِبَار) استغراق (أَفْرَاد مَفْهُوم) وَاحِد أُرِيد بِهِ سَوَاء انْفَرد فِي الأرادة بِهِ، أَو أُرِيد مَعَه مَفْهُوم آخر، فتعريف الْعَام بِمَا دلّ على استغراق أَفْرَاد مَفْهُوم من غير تَقْيِيد الْمَفْهُوم بِقَيْد فَقَط تَعْرِيف بِمُطلق يَشْمَل الْوَجْهَيْنِ (وَمن لم يشْتَرط الِاسْتِغْرَاق) فِي الْعَالم (كفخر الأسلام) فتعريفه عِنْده (مَا يَنْتَظِم جمعا من المسميات) وَالْمرَاد بهَا أَفْرَاد مُسَمَّاة، أَو مُسَمّى مُفْرد، فَلَا يدْخل فِيهِ الْمُشْتَرك لعدم انتظامه جمعا مِنْهَا لكَونه يحْتَمل كل وَاحِد مِنْهَا على سَبِيل الْبَدَل، والانتظام عبارَة عَن الشُّمُول (وَكَذَا) أَي مثل التَّعْرِيف الْمَذْكُور فِي الابتناء على عدم الِاشْتِرَاط تَعْرِيف صَاحب الْمنَار، وَهُوَ (مَا يتَنَاوَل أفرادا متفقة الْحُدُود شمولا) فَخرج بقوله أفرادا الْخَاص، لِأَنَّهُ إِمَّا يُرَاد بِهِ الْوَاحِد بالشخص أَو بالنوع، وَأما يُرَاد بِهِ المتعدد لَكِنَّهَا لَيست بأفراد مُسَمَّاهُ وَلَا أَفْرَاد مُسَمّى مفرده، وَبِقَوْلِهِ متفقة الْحُدُود الْمُشْتَرك، لِأَن الْأَفْرَاد الَّتِي يتَنَاوَل حُدُودهَا مُخْتَلفَة، فَإِن لفظ الْعين مثلا متناول لمجموع أَفْرَاد حَقِيقَة بَعْضهَا مَاهِيَّة الْعين الْجَارِيَة، وَبَعضهَا الآخر مَاهِيَّة الْعين الباصرة، وَهَكَذَا، وَبِقَوْلِهِ شمولا اسْم الْجِنْس لِأَن متناولها على سَبِيل الْبَدَل (وَأما تَعْرِيفه على) اشْتِرَاط (الِاسْتِغْرَاق) بِمَا دلّ على مسميات بِاعْتِبَار أَمر اشتركت) تِلْكَ المسميات (فِيهِ) فِي ذَلِك الْأَمر (مُطلقًا ضَرْبَة) قَوْله على مسميات أخرج نَحْو زيد، وَقَوله بِاعْتِبَار أَمر اشتركت مُتَعَلق بدل، وَأخرج نَحْو عشرَة فَإِنَّهَا دلّت على آحادها لَا بِاعْتِبَار أَمر اشتركت الْآحَاد فِيهِ، لِأَنَّهَا أَجزَاء الْعشْرَة لَا جزئياتها، وَقَوله مُطلقًا مفعول مُطلق لدل، أَو حَال عَن ضمير فِيهِ لإِخْرَاج الْمَعْهُود فَإِنَّهُ يدل على مسميات بِاعْتِبَار مَا اشتركت فِيهِ مَعَ قيد خصصه بالمعهود، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فمطلقا لإِخْرَاج الْمُشْتَركَة الْمَعْهُودَة) أَي لإِخْرَاج مَا دلّ على المسميات الْمُشْتَركَة فِي أَمر الْمشَار إِلَيْهَا بِاللَّامِ العهدية وَنَحْوهَا الدَّاخِلَة على الْمَفْهُوم الْعَام الَّذِي جعل آلَة لملاحظة تِلْكَ الْأَفْرَاد الْمُشْتَركَة فِيهِ (لِأَنَّهَا) أَي الْمُشْتَركَة الْمَعْهُودَة (مدلولة مُقَيّدَة بالعهد) أَي الْمَعْهُود بِهِ، وَقَوله ضَرْبَة أَي دفْعَة وَاحِدَة لإِخْرَاج نَحْو رجل فَإِنَّهُ يدل على مسمياته لَا دفْعَة، بل دفعات على الْبَدَل (وَيرد) على جامعية التَّعْرِيف الْمَذْكُور (خُرُوج) نَحْو (عُلَمَاء الْبَلَد) مِمَّا يُضَاف الْمَفْهُوم الْكُلِّي إِلَى مَا يخصصه، مَعَ أَنه عَام قصد بِهِ الِاسْتِغْرَاق بِسَبَب اعْتِبَار قيد الْإِطْلَاق فِي التَّعْرِيف، وتقيده بالمضاف إِلَيْهِ (وَأجِيب بِأَن الْمُشْتَرك فِيهِ) أَي الَّذِي اشتركت المسميات فِيهِ (عَالم الْبَلَد مُطلقًا) لَا الْعَالم، وعالم الْبَلَد لم يتَقَيَّد بِقَيْد وَإِنَّمَا قيد الْعَالم فَإِن قلت قد اعْتبر الْأَفْرَاد فِي الْعَالم، وعالم الْبَلَد مركب قلت الْعَالم إِنَّمَا هُوَ
(1/191)

الْمُضَاف من حَيْثُ هُوَ مُضَاف، والمضاف إِلَيْهِ خَارج (بِخِلَاف الرِّجَال المعهودين) فَإِن الْمُشْتَرك فِيهِ (هُوَ الرجل الْمَعْهُود) أَي الرجل الَّذِي قيد بالمعهودية بعد مَا كَانَ مُطلقًا بِمُقْتَضى أصل وَضعه (وَالْحق أَن لَا فرق) بَينهمَا من حَيْثُ الْإِطْلَاق وَالتَّقْيِيد (لِأَن عَالم الْبَلَد مَعْهُود) إِذْ لَيْسَ المُرَاد كل مَا يصدق عَلَيْهِ هَذَا الْمركب الإضافي، بل الْمَوْجُودين فِي حَال التَّكَلُّم، وَلَا شكّ أَنهم حِصَّة مُعينَة مِنْهُ وَأَن كثر عَددهمْ، وَقد اشْتهر إِلَيْهَا بِالْإِضَافَة العهدية (وَكَون المُرَاد) من الْعَهْد الَّذِي احْتَرز عَنهُ بقوله مُطلقًا (عهدا اعْتبر خصوصيته) بِأَن كَانَ مفادا بلام الْعَهْد (لَا يدل عَلَيْهِ) أَي على المُرَاد الْمَذْكُور (اللَّفْظ) لِأَن اللَّفْظ وَهُوَ مُطلقًا يدل على الِاحْتِرَاز عَن مُطلق الْعَهْد، بل مُطلق التَّقْيِيد (فَيرد) نَحْو عُلَمَاء الْبَلَد على عكس التَّعْرِيف (وَيرد) أَيْضا على التَّعْرِيف الْمَذْكُور، لَكِن على طرده (الْجمع الْمُنكر) كرجال، فَإِنَّهُ يدل على مسميات وَهِي آحَاد بِاعْتِبَار أَمر اشتركت، وَهُوَ مَفْهُوم رجل مُطلقًا لعدم الْعَهْد، وَلَيْسَ بعام عِنْد من يشْتَرط الِاسْتِغْرَاق (فَإِن أُجِيب بِإِرَادَة مسميات الدَّال) من المسميات الْمَذْكُورَة فِي التعريفات فالآحاد لَيست بمسميات للدال الَّذِي هُوَ لفظ الْجمع، لِأَن مسمياته الْجَمَاعَات (فَبعد حمله) أَي الْمَذْكُور فِي التعريفات: أَي المسميات (على أَفْرَاد مُسَمَّاهُ ليَصِح) التَّعْرِيف (وَلَا يشْعر بِهِ) أَي وَالْحَال أَن (اللَّفْظ) غير مشْعر بِهَذَا المُرَاد، لِأَن مَدْلُول المسميات إِنَّمَا هُوَ الْإِطْلَاق، وَلَا يخفى عَلَيْك أَن المسميات وَإِن أطلق، فالمتبادر مِنْهَا أَن تكون مسميات بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّفْظ الَّذِي تنَاولهَا الْعَام فَعدم إِشْعَار اللَّفْظ مَحل نظر (فباعتبار إِلَى آخِره مُسْتَدْرك) أَي مُسْتَغْنى عَنهُ (لخُرُوج الْعدَد) عَن التَّعْرِيف بقوله على مسميات على مَا فَسرهَا الْمُجيب (لِأَنَّهَا) أَي آحَاد الْعدَد (لَيست أَفْرَاد مُسَمَّاهُ) بل أجزاؤه (ثمَّ أَفْرَاد الْعَام الْمُفْرد الوحدان و) أَفْرَاد (الْجمع الْمحلي) بِاللَّامِ (الجموع فَإِن الْتزم كَون عُمُومه) أَي الْجمع الْمحلي (باعتبارها) أَي الجموع الَّتِي هِيَ أَفْرَاده (فَقَط) من غير اعْتِبَار الوحدان الَّتِي هِيَ أجزاؤه (فَبَاطِل) هَذَا الِالْتِزَام (للإطباق) من أَئِمَّة اللُّغَة وَالتَّفْسِير وَالْأُصُول وَغَيرهم (على فهمها) أَي الوحدان من حَيْثُ تعلق الحكم الْمَنْسُوب إِلَيْهِ (مِنْهُ) أَي من الْجمع الْمحلي مُتَعَلق بفهمها (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يعْتَبر الْآحَاد تَحت عُمُومه على مَا وَقع الإطباق عَلَيْهِ (فتعليق الحكم حِينَئِذٍ بِهِ) أَي بِالْجمعِ الْمحلي (لَا يُوجِبهُ) أَي لَا يُوجب تَعْلِيق الحكم (فِي كل فَرد) أَي فِي كل وَاحِد من الوحدان، بل يقْتَصر على الجموع، وَثُبُوت الحكم لشَيْء لَا يسْتَلْزم ثُبُوته لأجزائه (وَالْحق أَن لَام الْجِنْس تسلب الجمعية إِلَى الجنسية) فيراد بِالْجمعِ الْمحلي الْجِنْس الَّذِي وضع مُفْرد بإزائه (مَعَ بَقَاء الْأَحْكَام اللفظية) من إرجاع ضمير الْجمع إِلَيْهِ وتوصيفه بِمَا يُوصف بِهِ الْجمع إِلَى غير ذَلِك (لفهم الثُّبُوت) أَي ثُبُوت الحكم الْمُثبت لَهُ تَعْلِيل
(1/192)

للسلب الْمَذْكُور (فِي الْوَاحِد فِي: لَا أَشْتَرِي العبيد، وَيُحب الْمُحْسِنِينَ) أَي يفهم فِي موارد اسْتِعْمَال لمحلي ثُبُوت الحكم الْمُتَعَلّق بِهِ لكل وَاحِد وَاحِد من آحَاد مفرده، لَا لكل جمَاعَة جمَاعَة من أَفْرَاده، فيفهم نفي شِرَاء العَبْد الْوَاحِد، وَلِهَذَا يَحْنَث لَو حلف لَا يَشْتَرِي العبيد، وَلَا يفهم مِنْهُ أَن مُرَاد الْحَالِف الِامْتِنَاع عَن شِرَاء العبيد بِوَصْف الجمعية، وَكَذَا يفهم من يحب الْمُحْسِنِينَ تعلق الْمحبَّة بِكُل فَرد فَرد، لَا بِكُل جمَاعَة، وَهُوَ ظَاهر، فلولا أَن اللَّام أبطل الجمعية لما فهمنا ذَلِك لِأَن اللَّام لَا تستغرق إِلَّا أَفْرَاد مَفْهُوم مدخولها، وَمَعَ بَقَاء الجمعية أَفْرَاد مدخوله الْجَمَاعَات لَا الْآحَاد فَإِن قلت أهوَ حَقِيقَة أم مجَاز قلت قَالَ صدر الشَّرِيعَة أَن مَا قَالُوهُ أَنه يحمل على الْجِنْس مجَازًا مُقَيّد بِصُورَة لَا يُمكن حمله فِيهَا على الْعَهْد أَو الِاسْتِغْرَاق حَتَّى لَو أمكن يحمل عَلَيْهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - {لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار} - فَإِن علماءنا قَالُوا أَنه لسلب الْعُمُوم لَا لعُمُوم السَّلب فَجعلُوا اللَّام لاستغراق الْجِنْس انْتهى. وَقَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ هَهُنَا: لَا شكّ أَن حمل الْجمع على الْجِنْس مجَاز، وعَلى الْعَهْد أَو الِاسْتِغْرَاق حَقِيقَة، وَلَا مساغ للخلف إِلَّا عِنْد تعذر الأَصْل انْتهى: فَعلم أَن الْجمع الْمحلى للاستغراق حَقِيقَة غير أَن الْمُحَقق لم يُصَرح بسلب اللَّام جمعيته، لكنه لَازم كَلَامه حَيْثُ صرح بِثُبُوت الحكم الْمُتَعَلّق بِالْجمعِ الْمحلي لكل من الوحدان كَمَا عرفت فَوَجَبَ إِثْبَات وضع ثَان لَهُ بعد دُخُول اللَّام، لِأَن كَونه حَقِيقَة بِاعْتِبَار الْوَضع الأول مَعَ سلب الجمعية ظَاهر الْبطلَان، لَكِن عدم صِحَة تَخْصِيصه إِلَى مَا دون الثَّلَاثَة يدافعه: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال أَحْكَام الْوَضع الأول مرعية فِيهِ فِي الْجُمْلَة كَمَا فِي إرجاع الضَّمِير والتوصيف، وَكَون سلب الجمعية بِاعْتِبَار ثُبُوت حكمه، لَا بِاعْتِبَار اسْتِعْمَاله فِيهَا غير موجه (ثمَّ يُورد) على استغراق الْعَام (مُطلقًا) مُفردا كَانَ أَو جمعا (أَن دلَالَته على الْمُفْرد تضمنية، إِذْ لَيْسَ) الْمُفْرد مدلولا (مطابقيا) لِأَن مَدْلُوله المطابقي مَجْمُوع الْأَفْرَاد الْمُشْتَركَة فِي الْمَفْهُوم الْمُعْتَبر فِيهِ على مَا صَرَّحُوا بِهِ (وَلَا خَارِجا لَازِما، وَلَا يُمكن جعله) أَي الْفَرد (من مَا صدقاته) أَي مَفْهُوم الْعَام، جمع مَا صدق لصيرورته بِمَنْزِلَة كلمة وَاحِدَة فِي اصْطِلَاح الْعلمَاء (لِأَنَّهُ) أَي الْعَام (لَيْسَ) بِاعْتِبَار تنَاوله لكل فَرد (بدليا) أَي على سَبِيل الْبَدَلِيَّة كَمَا مر فِي رجل، بل على سَبِيل الشُّمُول، وَمَا صرح بِهِ صدر الشَّرِيعَة من أَنه قد يكون على سَبِيل الْبَدَل كَمَا فِي: من دخل هَذَا الْحصن أَولا، فَكَأَنَّهُ غير مرضِي للْمُصَنف كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ فِي التَّلْوِيح (فالتعليق بِهِ) أَي تَعْلِيق الحكم بِالْعَام (تَعْلِيق بِالْكُلِّ) أَي مَجْمُوع الْأَفْرَاد (فَلَا يلْزم) من التَّعْلِيق بِالْكُلِّ التَّعْلِيق (فِي الْجُزْء وَالْجَوَاب الْعلم باللزوم) أَي لُزُوم التَّعْلِيق فِي الْجُزْء من التَّعْلِيق بِالْكُلِّ (لُغَة) أَي لُزُوما لغويا
(1/193)

لَا عقليا حَاصِل (فِي خُصُوص هَذَا الْجُزْء، لِأَنَّهُ جزئي من وَجه، فَإِنَّهُ جزئي الْمَفْهُوم الَّذِي بِاعْتِبَار الِاشْتِرَاك فِيهِ يثبت الْعُمُوم) أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن هَذَا اللُّزُوم اللّغَوِيّ لَا يَخْلُو عَن وَجه عَقْلِي (وَقد يُقَال الْعَام مركب) تَارَة، كَالرّجلِ (فَلَا يُؤْخَذ) فِي تَعْرِيفه (الْجِنْس) الَّذِي هُوَ (الْمُفْرد) فَلم أخذتموه (وَيُجَاب بِأَنَّهُ) أَي الْعَام فِي مثل الرجل مُفْرد غير أَن عُمُومه مَشْرُوط (بِشَرْط التَّرْكِيب، فالعام رجل بِشَرْط اللَّام) كَمَا هُوَ قَول السكاكي، فالموضوع للاستغراق الرجل المقرون مَعَ اللَّام وَاللَّام شَرط (أَو بعلتها) مَعْطُوف على قَوْله بِشَرْط اللَّام بِأَن يكون رجل بعد دُخُول اللَّام على وَضعهَا الأول، والموضوع للاستغراق هُوَ اللَّام كَلَفْظِ كل (فالحرف يُفِيد مَعْنَاهُ) وَهُوَ الِاسْتِغْرَاق (فِيهِ) أَي فِي رجل، فالعام مَا دلّ على استغراقه الْحَرْف (أَو الْمقَام) كوقوع النكرَة فِي سِيَاق النَّفْي أَو الشَّرْط (فَيصير) رجل (الْمُسْتَغْرق) بإفادة اللَّام أَو الْمقَام الِاسْتِغْرَاق فِيهِ، وَهُوَ خبر يصير، واستفادة الْعَام معنى الْعُمُوم من غَيره (وَفِي الْمَوْصُول أظهر) مِنْهُ فِي الْمحلى لِأَن الصِّلَة هِيَ المفيدة للموصول وصف الْعُمُوم لِأَنَّهُ لَا يتم إِلَّا بهَا (فيندفع الِاعْتِرَاض بِهِ) أَي بالموصول (على الْغَزالِيّ فِي قَوْله) فِي تَعْرِيف الْعَام (اللَّفْظ الْوَاحِد) الدَّال من جِهَة وَاحِدَة على شَيْئَيْنِ فَصَاعِدا من حَيْثُ اعْترض عَلَيْهِ أَن الموصولات بصلاتها لَيست لفظا وَاحِدًا، وَوجه الاندفاع أَن الْعَام هُوَ نفس الْمَوْصُول، غَايَة الْأَمر أَنه اسْتَفَادَ الْعُمُوم من صلته كَمَا اسْتَفَادَ الْمحلي من اللَّام (وخاص) عطف على عَام، وَهُوَ (مَا لَيْسَ بعام) على اخْتِلَاف الِاصْطِلَاح فِيهِ من حَيْثُ اشْتِرَاط الِاسْتِغْرَاق وَعَدَمه (أما الْعَام فَيتَعَلَّق بِهِ مبَاحث:
(الْبَحْث الأول هَل يُوصف بِهِ) أَي بِالْعُمُومِ (الْمعَانِي حَقِيقَة كاللفظ) أَي كَمَا يُوصف بِهِ للفظ حَقِيقَة (أَو) يُوصف بِهِ الْمعَانِي (مجَازًا أَو لَا) يُوصف بِهِ لَا حَقِيقَة (وَلَا) مجَازًا أَقْوَال (وَالْمُخْتَار الأول، وَلَا يلْزم) من اتصافهما بِهِ حَقِيقَة (الِاشْتِرَاك اللَّفْظِيّ) بِأَن يكون الْعُمُوم مَوْضُوعا بِإِزَاءِ مَعْنيين مُخْتَلفين لوضعين يَتَّصِف بِأَحَدِهِمَا الْأَلْفَاظ، وبالآخر الْمعَانِي (إِذْ الْعُمُوم شُمُول أَمر لمتعدد) وَلَا شكّ فِي اتصاف كل من الْأَلْفَاظ والمعاني بِهَذَا الشُّمُول حَقِيقَة، غَايَة الْأَمر أَنه فِي الأول من قبيل شُمُول الدَّال لمدلولاته، وَفِي الثَّانِي من شُمُول الْكُلِّي الْأَفْرَاد، وَالْكل للأجزاء وَنَحْوهمَا، وَإِنَّمَا يُصَار إِلَى الِاشْتِرَاك اللَّفْظِيّ إِذا لم يكن معنى يَشْتَرِكَانِ فِيهِ (فَهُوَ) أَي اشْتِرَاك الْأَلْفَاظ والمعاني فِي الشُّمُول الْمَذْكُور اشْتِرَاك (معنوي خير مِنْهُمَا) أَي من الْمُشْتَرك اللَّفْظِيّ، وَكَونه مجَازًا فِي الْمعَانِي، لِأَن الْمجَاز خلاف الأَصْل كَمَا أَن الأَصْل عدم الِاشْتِرَاك (وكل من الْمَعْنى وَاللَّفْظ مَحل) للاتصاف بالشمول الْمَذْكُور، فالمقتضى لاعْتِبَار الِاشْتِرَاك الْمَعْنَوِيّ، وَهُوَ الْمَعْنى الْمُشْتَرك فِيهِ مَعَ الخبرية مَوْجُود، وَالْمَانِع عَنهُ وَهُوَ عدم الْمَحَلِّيَّة مَعْدُوم (ومنشؤه) أَي
(1/194)

الخلاف المذكور (الخلاف في معناه) أي العموم (وهو) أي معناه (شمول الأمر) اللام للعهد: أي شمول أمر المتعدد، وتنوين أمر للوحدة، وإضافة شمول إليه إضافة إلى الفاعل (فمن اعتبر وحدته) أي الأمر (شخصية منع الإطلاق الحقيقي) أي منع أن يطلق على المعاني لفظ العام حقيقة بأن يقال هذا المعنى عام لأن الواحد بالشخص لا شمول له (إذ لا يتصفه به) أي بالشمول لمتعدد (إلا) الموجود (الذهني) يعني المفهوم الكلي ووحدته ليست بشخصية، والمفروض أنه اعتبر في العموم شمول أمر واحد بالشخص، وهو لا يوجد في غير اللفظ (ولا يتحقق) الموجود الذهني (عندهم) أي الأصوليين، فإذا لا يوجد معنى يتصف بالشمول لمتعدد عندهم (وكان) إطلاق العام على المعاني (مجازا كفخر الإسلام) أي كما قاله (ولم يظهر طريقه) أي طريق المجاز، وعلاقته (للآخر) القائل بأنه لا يتصف به المعنى لا حقيقة ولا مجازا (فمنعه) أي منع وصف المعنى بالعموم غيره (مطلقا) حقيقة ومجازا، (ومن فهم من اللغة أنه) أي الأمر الواحد الذي أضيف إليه الشمول في معنى العموم (أعم منه) أي من الشخصي (ومن النوعي، وهو) أي كونه أعم منهما (الحق لقولهم) أي العرب (مطر عام) في الأعيان (وخصب عام) في الأعراض (في) الواحد (النوعي) فإن الموجود من المطر في مكان يباين الموجود في مكان آخر، فالاتحاد باعتبار النوع (وصوت عام في) الواحد (الشخصي بمعنى كونه مسموعا) أي قولهم: صوت عام بمعنى عموم مسموعيته للسامعين فإنه امر واحد يتعلق به استماعات كثيرة فله شمول بالنسبة إليها بهذا الاعتبار (أجازه) أي وصف المعاني به (حقيقة) قوله أجازه خبر المبتدأ: أعني قوله من فهم (وكونه) أي الشمول أي الذي هو معنى العموم (مقتصرا على الذهني) وهو المفهوم الكلي (وهو) أي الذهني (منتف) بأدلة إبطال الوجود الذهني (فينتفي الإطلاق) أي إطلاق العام حقيقة على المعاني لأن المعاني الذهنية لا وجود لها، وثبوت الشيء للشيء فرع ثبوت المثبت له، وغير الذهنية مقصور عنها (ممنوع) خبر كونه (بل المراد) بالشمول المذكر في تعريف العام (التعلق) أي تعلق الأمر الواحد بالمتعدد (الأعم من المطابقة) أي مطابقة الشامل بالمشمول بأن يصح حمله عليه مواطأة (كما في المعنى الذهني) أي المفهوم الكلي بالنسبة إلى أفراده (والحلول) معطوف على المطابقة (كما في المطر والخصب) باعتبار تعلقهما بالأماكن تعلق حلول (وكونه) معطوف على ما عطف عليه الحلول: أي التعلق المذكور أعم أيضا من كون ذلك المتعلق (مسموعا) لذلك المتعدد (كالصوت) فلو سلم انتفاء الذهني، فاقتصار الشمول عليه غير مسار لأن التعلق المعتبر فيه أعم من التعلق المخصوص بالذهني، وانتفاء الأخص لا يستلزم انتفاء الأعم، فإن
(1/195)

قلت تعرف العام بما دل على أفراده مفهومه ونحوه يأبى عن العموم المذكور، قلت ذلك التعميم للفظ العام، والكلام في المعنى العام على أن التعميم في جنس التعريف لا يستلزم التعميم للفظ العام فيه. تحقيق الجواب ما أشار إليه بقوله (على أن نفي الذهني) بخلاف من أثبته خلاف (لفظي) إذا حققنا مورد النفي والإثبات لم يبق نزاع في المعنى (كما يفيده) أي كونه لفظيا (استدلالهم) أي النافين للوجود الذهني وهم جمهور المتكلمين، وهو أنه لو اقتضى قصوره حصوله في ذهننا لزم كون الذهن حارا، باردا، مستقيما معوجا، وإن حصول حقيقة الخبل في ذهننا لا يعقل، وأجيب بأن الحاصل في الذهن صورة وماهية لا هوية عينية، والحار ما يقوم به هوية الحرارة، والممتنع حصوله في الذهن هوية الخبل، لا مفهومه الكلي، فمورد النفي وجود الماهية من حيث يترتب عليها الآثار الخارجية، ومورد الإثبات وجودها لا من تلك الحيثية (وقد استبعد هذا الخلاف)، فان شمول بعض المعاني لمتعدد أكثر وأظهر من أن يقع فيه نزاع) من قبيل قولهم: أنا أكبر من الشعر، وأنت أعظم من أن تقول كذا ليس المقصود تفضيل المتكلم على الشعر، والمخاطب على القول، بل بعدهما عنهما كبعد المفضل على المفضل عليه، فمن هذه ليست تفضيلية، بل هي مثل قولك: انفصلت من زيد تعلقت بأفعل المستعمل بمعنى متجاوز بائن، كذا أفاده المحقق الرضى، فالمقصود أنه لا نزاع في اتصاف المعاني بالعموم، بل (إنما هو) أي النزاع (في أنه هل يصح تخصيص المعنى العام كاللفظ) أي كما يصح تخصيص اللفظ (وهو) أي الكلام المذكور (استبعاد) أي عين الاستبعاد مبالغة جدا، ثم بينه بقوله (يتعذر فيه) أي في هذا التأويل (القول الثاني: إذ لا معنى لجواز التخصيص مجازا) كما أنه لا وجه لمنع التخصيص في المعاني حقيقة مع تسليمه في الألفاظ حقيقة، ولذا قال استبعاد يتعذر فيه إشارة إلى المحذورين (نعم صرح مانعو تخصيص العلة بأن المعنى لا يخص) يعني إذا علق الشارع حكما على علة فهل تعم حتى يوجد الحكم في جميع صورة وجودها، فمنهم من قال نعم، ومنهم من نفاه (وصرح بعضهم) أي ما في نفي تخصيص العلة (بأنه) أي منع تخصيص العلة (لأنه) أي المعنى (لا يعم وهو) أي تصريح البعض بأن عدم التخصيص لعدم العموم (ينافي ما ذكر) المستبعد من المنازع فيه تخصيص المعنى العام، فلا يمكن تأويل كلامه بما صرح به ما نعو تخصيص العلة بعد تصريح بعضهم بمرادهم، وإليه أشار بقوله (ويتعذر إرادة أنه) أي المعنى (يعم ولا يخص من قوله) أي البعض الذي صرح بأنه (لا يعم) وهو ظاهر، وقوله لا يعم بدل من قوله:
(1/196)

الْبَحْث الثَّانِي
(هَل الصِّيَغ من أَسمَاء الشَّرْط والاستفهام والموصولات و) الْمُفْرد (الْمحلي) بِاللَّامِ (و) النكرَة (المنفية وَالْجمع بِاللَّامِ وَالْإِضَافَة) مَعْطُوف على اللَّام (مَوْضُوعَة) خبر الْمُبْتَدَأ (للْعُمُوم على الْخُصُوص) أَي للْعُمُوم خَاصَّة، وَلَيْسَت بموضوعة للخصوص (أَو) للخصوص على الْخُصُوص (مجَاز فِيهِ) أَي فِي الْعُمُوم (أَو مُشْتَركَة) بَينهمَا (وَتوقف الْأَشْعَرِيّ) عَن الحكم بِشَيْء من الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فِي الْعُمُوم أَو الْخُصُوص (مرّة كَالْقَاضِي) أبي بكر (و) قَالَ (مرّة بالاشتراك) اللَّفْظِيّ كجماعة (وَقيل) الصِّيَغ الْمَذْكُورَة مَوْضُوعَة للْعُمُوم (فِي الطّلب) أَي فِيمَا إِذا كَانَت وَاقعَة فِي الْكَلَام الطلبي (مَعَ الْوَقْف فِي الْأَخْبَار وتفصيل) معنى (الْوَقْف إِلَى معنى لَا نَدْرِي) أَوضعت للْعُمُوم أَو لَا (وَإِلَى نعلم الْوَضع، وَلَا نَدْرِي أحقيقة أم مجَاز؟) فِي الْعُمُوم، وعَلى تَقْدِير كَونهَا فِيهِ لَا نَدْرِي أَنَّهَا وضعت لَهُ مُنْفَردا، أَو مُشْتَركَة بَينه وَبَين الْخُصُوص، هَكَذَا فسر الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ الْمحل (لَا يَصح) خبر تَفْصِيل الْوَقْف: يَعْنِي بَيَان الْوَقْف على الْوَجْه الْمَذْكُور غير مُسْتَقِيم (إِذْ لَا شكّ فِي الِاسْتِعْمَال) أَي اسْتِعْمَال الصِّيَغ الْمَذْكُورَة فِي الْعُمُوم (وَبِه) أَي الِاسْتِعْمَال (يعلم وَضعه) أَي وضع الْمُسْتَعْمل للمستعمل فِيهِ (فَلم يبْق إِلَّا التَّرَدُّد فِي أَنه) أَي وَضعه الْوَضع (النوعي) فَيكون مجَازًا فِيهِ (أَو الشخصي) فَيكون حَقِيقَة فِيهِ (فَيرجع) الأول (إِلَى الثَّانِي) لِأَن التَّرَدُّد فِي الْوَضع الْمُطلق بعد الِاسْتِعْمَال غير مَعْقُول والمتردد فِي الْوَضع الشخصي نفي الْجَزْم بِأَصْل الْوَضع هُوَ عين التَّرَدُّد فِي أَنه حَقِيقَة أَو مجَاز (وَلَا شكّ فِي فهمه) أَي الْعُمُوم (من) اسْم الْجمع الْمُعَرّف بِاللَّامِ فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أمرت أَن أقَاتل النَّاس) حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله، فَإِذا قالوها فقد حقنوا مني دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ إِلَّا بِحَقِّهَا " كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَإِلَّا لما قرر أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ احتجاج عمر بِهِ فِي منع فَقَالَ: مانعي الزَّكَاة وَعدل إِلَى الِاحْتِجَاج بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعد مَا ذكر " إِلَّا بِحقِّهِ) وَقَالَ " وَالزَّكَاة من حَقه " فَإِن النَّاس لَو لم تعم الْكل لم يلْزم أَن يَعْنِي كل قتال بالغاية الْمَذْكُورَة، وَمن الْجمع الْمحلي فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (الْأَئِمَّة من قُرَيْش) كَمَا احْتج أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ على الْأَنْصَار حَيْثُ قَالُوا: منا أَمِير ومنكم أَمِير، وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (نَحن معاشر الْأَنْبِيَاء) لَا نورث وَمن الْمُفْرد الْمحلى فِي قَوْله تَعَالَى {وَالسَّارِق والسارقة} وَقَوله تَعَالَى {لننجينه وَأَهله} فِي اسْم الْجمع الْمُضَاف وفهمه) أَي الْعُمُوم (الْعلمَاء قاطبة) فِي الْقَامُوس: جَاءُوا قاطبة جَمِيعًا، لَا تسْتَعْمل إِلَّا
(1/197)

حَالا من اسْم الشَّرْط (فِي من دخل) دارى فَهُوَ حر (و) اسْم الِاسْتِفْهَام كَمَا فِي (مَا صنعت وَمن جَاءَ سُؤال عَن كل جَاءَ ومصنوع، و) من النكرَة المنفية كَمَا فِي (لَا تَشْتُم أحدا إِنَّمَا هُوَ) أَي التَّرَدُّد (فِي أَنه) أَي الْعُمُوم مَفْهُوم (بِالْوَضْعِ أَو بالقرنية كَقَوْل الْخُصُوص) أَي لقَوْل من يَقُول إِنَّهَا مَوْضُوعَة للخصوص، وتستعمل مجَازًا فِي الْعُمُوم بِالْقَرِينَةِ وَهِي (كالترتيب) للْحكم (على) الْوَصْف (الْمُنَاسب) الْمشعر بعليته لَهُ (فِي نَحْو السَّارِق، وَأكْرم الْعلمَاء) لظُهُور مُنَاسبَة السّرقَة وَالْحكم بِالْقطعِ وَالْإِكْرَام من حَيْثُ الْعلية (وَالْعلم) عطف على التَّرْتِيب: أَي علم المخاطبين (بِأَنَّهُ) أَي الحكم (تمهيد قَاعِدَة) كُلية، فَعلم الْعُمُوم بِقَرِينَة الْعلم بذلك (كرجم مَاعِز) كعلم الصَّحَابَة بِأَن رجمه تشريع قَاعِدَة شَرْعِيَّة: هِيَ وجوب الرَّجْم على من أقرّ بِالزِّنَا بالشرائط الْمُعْتَبرَة شرعا من الْإِحْصَان وَغَيره (إِذْ علم أَنه) أَي الْحَاكِم يَرْجُمهُ (شَارِع) ومنصبه بَيَان الْقَوَاعِد الشَّرْعِيَّة (و) قد روى عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (حكمي على الْوَاحِد) حكمي على الْجَمَاعَة " كَمَا هُوَ الْمَشْهُور عِنْد الْفُقَهَاء، وَقد صَحَّ مَا يُؤدى مَعْنَاهُ عَن أُمَيْمَة أتيت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي نسْوَة نُبَايِعهُ على الْإِسْلَام، فَقلت يَا رَسُول الله هَل نُبَايِعك؟ فَقَالَ: إِنِّي لَا أُصَافح النِّسَاء، وَإِنَّمَا قولي لمِائَة امْرَأَة كَقَوْلي لامْرَأَة وَاحِدَة (أَو ضَرُورَة) مفعول لَهُ للفهم مَعْطُوف على قَوْله بِالْوَضْعِ فَإِن الْبَاء فِيهِ للسَّبَبِيَّة وَالْمعْنَى أَن التَّرَدُّد فِي أَن الْعُمُوم هَل هُوَ مَفْهُوم بِسَبَب الْوَضع أَو بِسَبَب الْقَرِينَة على مَا ذكر، أَو لأجل الضَّرُورَة الْحَاصِلَة (من نفي النكرَة) الْمَوْضُوعَة للفرد الْمُبْهم المستلزم انتفاؤها انْتِفَاء جَمِيع الْأَفْرَاد (وألزموا) أَي الْقَائِلُونَ بوضعها للخصوص واستعمالها فِي الْعُمُوم بالقرائن بِأَنَّهُ لَو صَحَّ مَا ذكرْتُمْ لزمكم (أَن لَا يحكم بوضعي) أَي بِمَعْنى وضعي (للفظ) من الْأَلْفَاظ (إِذا لم ينْقل قطّ عَن الْوَاضِع) التَّنْصِيص على الْوَضع (بل أَخذ) الحكم بِوَضْع هَذَا لذا (من التبادر) أَي تبادر الْمَعْنى إِلَى الذِّهْن (عِنْد الِاسْتِعْمَال) وَفِي بعض النّسخ عِنْد الْإِطْلَاق، وَالْمعْنَى وَاحِد: أَي تبادر الْمَعْنى إِلَى ذهن الْمُخَاطب بِمُجَرَّد سَماع اللَّفْظ عِنْد الِاسْتِعْمَال قبل أَن يتَأَمَّل فِي الْقَرَائِن دَلِيل كَونه مَوْضُوعا لَهُ، وَلَا مَأْخَذ للْعلم بِالْوَضْعِ سوى هَذَا (وَأَيْضًا شاع) من غير نَكِير (احتجاجهم) أَي الْعلمَاء سلفا وخلفا (بِهِ) أَي الْعُمُوم من الصِّيَغ الْمَذْكُورَة (كعمر) أَي كاحتجاج (عمر على أبي بكر فِي مانعي الزَّكَاة) حِين أَرَادَ مُقَاتلَتهمْ (بأمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله) الحَدِيث، وَقد مر آنِفا بِحمْل الْمُعَرّف بِاللَّامِ على الْعُمُوم المغيا بقول لَا إِلَه إِلَّا الله، وَتَقْرِير أبي بكر رَضِي الله عَنهُ على مَا مر، (و) كاحتجاج (أبي بكر) على الْأَنْصَار بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (الْأَئِمَّة من قُرَيْش) نقل الشَّارِح عَن بعض الْحفاظ أَنه لَيْسَ هَذَا اللَّفْظ مَوْجُودا فِي كتب الحَدِيث عَن أبي بكر رَضِي الله عَنهُ،
(1/198)

وَإِنَّمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا فِي قصَّة السَّقِيفَة قَول أبي بكر أَن الْعَرَب لَا تعرف هَذَا الْأَمر إِلَّا لهَذَا الْحَيّ من قُرَيْش، وَذكر مَا أخرجه أَحْمد بِسَنَد رِجَاله ثِقَات، لَكِن فِيهِ انْقِطَاع: أَن أَبَا بكر قَالَ لسعد: يَعْنِي ابْن عبَادَة لقد علمت يَا سعد أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لقريش أَنْتُم وُلَاة هَذَا الْأَمر (و) كاحتجاج أبي بكر على من ظن أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُورث (نَحن معاشر الْأَنْبِيَاء لَا نورث) بِحمْل الْأَنْبِيَاء على الْعُمُوم ليدْخل فِيهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والمعاشر جمع معشر كمكسر: وَهُوَ الْجَمَاعَة (على وَجه) مُتَعَلق بالاحتجاج (يجْزم بِأَنَّهُ) أَي الِاحْتِجَاج الْمَذْكُور أَو الْعُمُوم (بِاللَّفْظِ) أَي لفهم الْعُمُوم من مُجَرّد اللَّفْظ، لَا من الْقَرَائِن وَإِلَّا لذكرت عِنْد الِاحْتِجَاج (وَاسْتدلَّ) للمختار بمزيف (بِأَنَّهُ) أَي الْعُمُوم (معنى كثرت الْحَاجة إِلَى التَّعْبِير عَنهُ فكغيره) أَي فَهُوَ كَغَيْرِهِ من الْمعَانِي كثرت الْحَاجة إِلَى التَّعْبِير عَنْهَا فَوَجَبَ الْوَضع لَهُ كَمَا وضع لغيره (وَأجِيب بِمَنْع الْمُلَازمَة) أَي لَا نسلم أَن كَثْرَة الْحَاجة إِلَى التَّعْبِير عَنهُ تَقْتَضِي الْوَضع لَهُ، بل مُطلق التَّعْبِير وَهُوَ يحصل بطرِيق الْمجَاز أَيْضا، ثمَّ شرع فِي بَيَان القَوْل الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّهَا مَوْضُوعَة للخصوص مجَازًا فِي الْعُمُوم فَقَالَ (الْخُصُوص) مُسَمّى الصِّيَغ دون الْعُمُوم لِأَنَّهُ (لَا عُمُوم إِلَّا لمركب) إِذْ الْمَعْنى دَلِيل الْخُصُوص أَنه لَا عُمُوم إِلَّا لمركب: أَي لَا يُسْتَفَاد الْعُمُوم إِلَّا من الْمركب (وَلَا وضع لَهُ) أَي للمركب: يَعْنِي أَن الْمركب من حَيْثُ هُوَ مركب غير مَوْضُوع (بل) الْوَضع (لمفرداته) أَي الْمركب (وَالْقطع) أَي الْمَقْطُوع بِهِ (أَنَّهَا) أَي الْمُفْردَات كل وَاحِد مِنْهَا مَوْضُوع (لغيره) أَي الْعُمُوم فَلم يوضع مُفْرد للْعُمُوم أصلا (فَلَا وضع لَهُ) أَي الْعُمُوم لانحصار الْوَضع فِي وضع الْمُفْرد وَعدم وضع الْمُفْرد للْعُمُوم رَأْسا (فَصدق أَنَّهَا) أَي الصِّيَغ الْمَذْكُورَة (للخصوص) إِذْ لَا وَاسِطَة بَينهمَا على الْمُخْتَار، وَكَذَا سَائِر الصِّيَغ إِذْ لم يوضع للْعُمُوم لفظ (بَيَانه) أَي بَيَان مَا ذكر من أَنه لَا عُمُوم إِلَّا لمركب (أَن معنى الشَّرْط) الَّذِي فِيهِ الْعُمُوم (وأخواته) أَي الِاسْتِفْهَام، وَالنَّفْي، والموصول إِلَى آخرهَا (لَا يتَحَقَّق إِلَّا بِأَلْفَاظ لكل مِنْهَا وضع على حِدته) وانفراده، وَإِذا كَانَ لكل مِنْهَا وضع مُسْتقِلّا يلْزم التَّرْكِيب فِي الْمَجْمُوع (وَإِنَّمَا يثبت) معنى كل من الْمَذْكُورَات (بالمجموع) أَي بِمَجْمُوع الْأَلْفَاظ الْمَذْكُورَة (مثلا معنى من عَاقل) أَي عَالم لِأَنَّهُ يُطلق على الله وَالظَّاهِر الْحَقِيقَة وَالْعقل لَا يُضَاف إِلَيْهِ، وَفِي الْقَامُوس اسْم من بِمَعْنى الَّذِي، فعلى هَذَا يكون الْعَاقِل حَقِيقَة عرفا (فيضم إِلَيْهِ) أَي إِلَى اللَّفْظ (الآخر) متلبسا (بِخُصُوص من النِّسْبَة) المفهومة من الْهَيْئَة التركيبية (فَيحصل) بانضمام ذَلِك وملاحظة تِلْكَ النِّسْبَة مِنْهُمَا (معنى الشَّرْط والاستفهام وَبِهِمَا) أَي بِمَعْنى الشَّرْط والاستفهام يحصل (الْعُمُوم، وَصرح فِي) كتب (الْعَرَبيَّة بِأَن تضمن من معنى الشَّرْط والاستفهام طَارِئ على
(1/199)

مَعْنَاهَا الْأَصْلِيّ، وَالْجَوَاب) من قبل المثبتين (أَن اللَّازِم) من الدَّلِيل الْمَذْكُور مُجَرّد (التَّوَقُّف) أَي توقف حُصُول معنى الشَّرْط وأخواته (على التَّرْكِيب) لَا كَون الْمركب مُسْتَعْملا فِي الْعُمُوم (فَلَا يسْتَلْزم) الدَّلِيل (أَن الْمَجْمُوع) هُوَ (الدَّال) على الْعُمُوم (وَتقدم الْفرق) بَين كَون الْمركب دَالا وَكَون التَّرْكِيب يتَوَقَّف عَلَيْهِ الدّلَالَة (وَلَيْسَ بِبَعِيد قَول الْوَاضِع) اسْم لَيْسَ (فِي) وضع (النكرَة) ظرف القَوْل (لفرد) فَقَوله: أَي وَضَعتهَا لفرد (يحْتَمل) ذكر الْفَرد الْمَوْضُوع لَهُ (كل فَرد) من أَفْرَاد الْجِنْس الملحوظ للواضع. قَوْله يحْتَمل أَن يكون من مقوله، فعلى هَذَا يُوصف الْفَرد بِالْوَصْفِ الْمَذْكُور من الْوَاضِع وَأَن يكون من كَلَام المُصَنّف بَيَانا للْوَاقِع (فَإِذا عرفت) النكرَة الْمَذْكُورَة بِشَيْء من طرق التَّعْرِيف (فللكل) أَي فوضعها للْكُلّ أَي جَمِيع الْأَفْرَاد (ضَرْبَة) أَي جملَة، من قَوْلهم ضرب الشَّيْء بالشَّيْء: أَي خلط فَهُوَ حَال عَن الْكل (وَهُوَ) أَي كَونهَا للْكُلّ إِذا عرفت هُوَ (الظَّاهِر) الْمُتَبَادر إِلَى الْفَهم، وَالْمَقْصُود من هَذَا الْكَلَام دفع الاستبعاد المتوهم فِي بادئ النّظر من تعلق الوضعين الْمُخْتَلِفين بِلَفْظ وَاحِد بِاعْتِبَار حَالية التنكير والتعريف الْمُقْتَضى كَون الْمُفْرد مَوْضُوعا للْعُمُوم بعد وَضعه للخصوص (لأَنا نفهمه) أَي كَونهَا للْكُلّ وعمومها (فِي أكْرم الْجَاهِل، وأهن الْعَالم، وَلَا مُنَاسبَة) بَين الْإِكْرَام وَالْجهل، وَلَا بَين الإهانة وَالْعلم حَتَّى يُقَال: يجوز أَن يكون فهم الْعُمُوم بِقَرِينَة ترَتّب الحكم على الْمَوْصُوف بِوَصْف هُوَ عِلّة مَوْجُودَة فِي كل فَرد كَمَا قيل فِي أكْرم الْعَالم كَمَا مر (فَكَانَ) الْعُمُوم (وضعيا) لتبادره من نفس اللَّفْظ من غير قرينَة (وغايته) أَي غَايَة قَول الْوَاضِع ذَلِك (أَن وَضعه) أَي الْعُمُوم فِيمَا ذكر (وضع الْقَوَاعِد اللُّغَوِيَّة كقواعد النّسَب والتصغير) الْوَضع اللّغَوِيّ على قسمَيْنِ: قسم يُلَاحظ فِيهِ خُصُوص اللَّفْظ عِنْد الْوَضع، وَقسم لَا يُلَاحظ فِيهِ خصوصيته، بل الملحوظ فِيهِ مَفْهُوم كلي ينْدَرج فِيهِ أَلْفَاظ كَثِيرَة وَيجْعَل كل مِنْهَا فِي تِلْكَ الملاحظة الإجمالية بِإِزَاءِ معنى ملحوظ إِجْمَالا كَقَوْلِه: جعلت كل وَاحِد من صِيغ النِّسْبَة لذات مَا منسوبة إِلَى مَدْلُول الأَصْل، فَالْمُرَاد بِوَضْع الْقَوَاعِد اللُّغَوِيَّة الْقسم الثَّانِي (وأفراد موضوعها) أَي مَوْضُوع الْقَوَاعِد اللُّغَوِيَّة (حقائق) لما عرفت من أَن آلَة مُلَاحظَة الْوَاضِع حِين وَضعهَا مَفْهُوم كلي أفرادها أَلْفَاظ يعين كل وَاحِد مِنْهَا للدلالة على معنى خَاص من الْمعَانِي المندرجة تَحت مَفْهُوم كلي جعل آلَة لملاحظتها فِي مُقَابلَة الْكُلِّي الأول، فالموضوع والموضوع لَهُ فِي الْحَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ كل فردين مِنْهُمَا، وَلَا شكّ أَن تِلْكَ الْأَلْفَاظ إِنَّمَا وضعت للدلالة بِنَفسِهَا، فَهِيَ حَقِيقَة عِنْد الِاسْتِعْمَال بِخِلَاف الْوَضع النوعي فِي المجازات، فَإِن الْمَوْضُوع فِيهَا مَا وضع للدلالة بِنَفسِهِ، بل بانضمام الْقَرِينَة كَأَنَّهُ قَالَ الْوَاضِع: كل لفظ مَوْضُوع لِمَعْنى بِإِزَاءِ مَا يُنَاسب ذَلِك الْمَعْنى بِنَوْع من العلاقات الْمُعْتَبرَة، لَكِن لَا
(1/200)

لِأَن يدل بِنَفسِهِ، بل بانضمام الْقَرِينَة فأفراد مَوْضُوعه مجازات (وَلذَا) أَي وَلأَجل أَن الْكَلِمَة الْوَاحِدَة من حَيْثُ أَنَّهَا نكرَة مَوْضُوعَة للفرد الْمُنْتَشِر، وَمن حَيْثُ أَنَّهَا معرفَة مَوْضُوعَة للْكُلّ ضَرْبَة بِالْوَضْعِ الْمَذْكُور (وَقع التَّرَدُّد فِي كَونه مُشْتَركا لفظيا) بَين الْخُصُوص والعموم نظرا إِلَى جَانب الِاتِّحَاد الذاتي، والتغاير الاعتباري، فَإِن الأول يَقْتَضِي الِاشْتِرَاك، وَالثَّانِي عَدمه، فَإِن الْمَوْضُوع للفرد الْمُنْتَشِر إِنَّمَا هُوَ الْمُجَرّد عَن التَّعْرِيف، وللكل الْمُعَرّف، فَلَا اشْتِرَاك، ثمَّ أَرَادَ تَحْقِيق الْمقَام بتفصيل مواد الْعُمُوم، فَقَالَ (وَالْوَجْه أَن عُمُوم غير الْمحلى) بِاللَّامِ (والمضاف) من أَسمَاء الشَّرْط والاستفهام، والموصول، والنكرة المنفية (عَقْلِي) لَا يحْتَاج إِلَى وضع الْوَاضِع إِيَّاهَا للْعُمُوم (لجزم الْعقل بِهِ) أَي الْعُمُوم (عِنْد ضم) معنى (الشَّرْط، و) معنى (الصِّلَة إِلَى مُسَمّى من) الموصولة مثلا (وَهُوَ عَاقل) أَي ذَات لَهُ الْعقل (و) إِلَى مُسَمّى (الَّذِي وَهُوَ ذَات) مُبْهمَة توضح الصِّلَة إبهامه، وَذَلِكَ لِأَن تَعْلِيق الحكم بهَا يُفِيد علية مَضْمُون الشَّرْط والصلة لَهُ والمعلول دائر مَعَ علته فَيعم جَمِيع أفرادها لتحَقّق الْعلَّة فِي الْجَمِيع، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَيثبت مَا علق بِهِ) أَي بِالْمُسَمّى من الحكم (لكل متصف) بِالْمُسَمّى من أَفْرَاده (لوُجُود مَا صدق عَلَيْهِ مَا علق) الحكم (عَلَيْهِ) الْمَوْصُول الأول عبارَة عَن أَفْرَاد الْمُسَمّى، وَالثَّانِي عَن الشَّرْط والصلة: وَهُوَ فَاعل صدق، فَإِن كل فَرد من أَفْرَاد الْمُسَمّى يصدق عَلَيْهِ مَضْمُون الشَّرْط وَالصّفة وَهُوَ فَاعل صدق، فَإِن كل فَرد من أَفْرَاد الْمُسَمّى يصدق عَلَيْهِ مَضْمُون الشَّرْط أَو الصِّلَة الَّذِي هُوَ عِلّة الحكم، وَهُوَ يَدُور مَعَه (وَكَذَا النكرَة المنفية) لجزم الْعقل بِالْعُمُومِ فِيهِ أَيْضا (لِأَن نفي ذَات مَا) وَهِي الْفَرد الْمُنْتَشِر الَّذِي هُوَ مُسَمّى النكرَة (لَا يتَحَقَّق) أَي النَّفْي الْمَذْكُور (مَعَ وجود ذَات) مِمَّا يصدق عَلَيْهِ ذَات مَا فَإِن قلت لَا نسلم ذَلِك، بل يتَحَقَّق النَّفْي الْمَذْكُور عِنْد الْبَعْض مَعَ وجود الْبَعْض قلت المتحقق حِينَئِذٍ نفي ذَات فِي الْمحل الْخَاص لَا انْتِفَاء مُطلقًا، فَإِن نفي الْخَاص لَا يستلزمه نفي الْعَام والمنفي فِي النكرَة المنفية إِنَّمَا هُوَ الْفَرد الْمُنْتَشِر مُطلقًا كَمَا أَن نفي الْمَاهِيّة الْمُطلقَة يسْتَلْزم نفي كل فَرد من أفرادها (وَهَذَا) أَي كَون الْعُمُوم فِي الْمَذْكُورَات عقليا (وَإِن لم يناف الْوَضع) أَي وضع الْمَذْكُورَات للْعُمُوم لجَوَاز دلَالَة الْعقل والوضع (لَكِن يصير) الْوَضع (ضائعا، وحكمته) أَي الْوَضع (تبعده) أَي وُقُوع الْوَضع، لِأَن الْمَقْصُود مِنْهُ فهم الْمَعْنى، وَهُوَ حَاصِل بِدُونِهِ (كَمَا لَو وضع لفظ للدلالة على حَيَاة لافظة) فَإِنَّهُ ضائع، لِأَن مُجَرّد وجود اللَّفْظ مَعَ قطع النّظر عَن كَونه مَوْضُوعا كَاف فِي الدّلَالَة على وجود لفظ عقلا (وَاعْلَم أَن الْعَرَبيَّة) أَي أهل الْعَرَبيَّة قَالُوا (النكرَة المنفية بِلَا) حَال كَونهَا (مركبة) مَعَ لَا تركيب مزج، إِمَّا لكَون تركيبه للْبِنَاء كتركيب خَمْسَة عشر، أَو لعدم انْفِصَاله عَن لَا كَمَا لَا ينْفَصل عشر عَن خَمْسَة عشر على اخْتِلَاف
(1/201)

الْقَوْلَيْنِ فِي اسْم لأبناء أَو أعرابا إِذا لم يكن مُضَافا وَلَا شُبْهَة (نَص فِي الْعُمُوم) قَالَ الْمُحَقق الرضى وَالْحق أَن نقُول أَنه مَبْنِيّ لتَضَمّنه معنى من الاستغراقية، وَذَلِكَ لِأَن قَوْلك لَا رجل نَص فِي نفي الْجِنْس بِمَنْزِلَة لَا من رجل، بِخِلَاف: لَا رجل فِي الدَّار وَلَا امْرَأَة، فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ فِي سِيَاق النَّفْي يُفِيد الْعُمُوم لَكِن لَا نصا بل ظَاهر فِيهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَغَيرهَا) أَي غير المنفية بِلَا مركبة (ظَاهر) فِي الْعُمُوم (فَجَاز) أَن يُقَال لَا رجل فِي الدَّار (بل رجلَانِ وَامْتنع) بل رجلَانِ (فِي الأول وبعلته) أَي بِسَبَب كَون المركبة نصا فِيهِ (يلْزم امْتِنَاعه) أَي امْتنَاع بل رجلَانِ (فِي لَا رجال) لكَونه نصا فِي نفي الْجِنْس وهم لَا يَقُولُونَ بامتناعه فِيهِ (فَإِن قَالُوا) فِي التفصي عَن هَذَا الْإِشْكَال (الْمَنْفِيّ) فِي لَا رجال (الْحَقِيقَة) الْمقيدَة (بِقَيْد تعدد) هُوَ مَدْلُول صِيغَة الْجمع، وَمن نفي الْجِنْس الْمُقَيد بِقَيْد لَا يلْزم نَفْيه بِدُونِ ذَلِك الْقَيْد (قُلْنَا إِذا صَحَّ) مَا ذكرْتُمْ فِي الْمُقَيد بِقَيْد الْعدَد (فَلم لَا يَصح) فِي الْمُقَيد (بِقَيْد الْوحدَة) فِي نفي الْجِنْس بِأَن يُقَال لَا رجل فِي الدَّار بل رجلَانِ أَن أَو رجال (كجوازه) أَي أَن يُقَال بل رجلَانِ (فِي الظَّاهِر) وَهُوَ غير الْمَنْفِيّ بِلَا مركبة على مَا مر آنِفا نَحْو لَا رجل بِالرَّفْع بل رجلَانِ لكَون الْمَنْفِيّ الْحَقِيقَة الْمقيدَة بِقَيْد الْوحدَة (وَحكم الْعَرَب بِهِ) أَي بِكَوْن الْمَنْفِيّ فِي رجل نصا فِي الْعُمُوم كَمَا قَالُوا (مَمْنُوع) بل هُوَ من كَلَام المولدين (والقاطع بنفيه) أَي نفي حكم الْعَرَب بِمَا ذكر من التَّنْصِيص على الْعُمُوم بِحَيْثُ لَا يجْرِي فِيهِ التَّخْصِيص (مِنْهَا مَا) روى (عَن ابْن عَبَّاس) رَضِي الله عَنْهُمَا (مَا من عَام إِلَّا وَقد خصص) أَي مَا من عَام مَوْجُود كَائِنا فِي حَال خص فِيهَا، فَمن بعض أَفْرَاده عَن تنَاول الحكم (وَقد خص) عُمُوم هَذَا الْمَرْوِيّ بِنَحْوِ - وَالله بِكُل شَيْء عليم فَلَا يرد أَن عُمُوم هَذَا من أَفْرَاد مَوْضُوعه وَلم يخصص لِأَنَّهُ خصص (بِنَحْوِ) مَا ذكر لِأَن قَوْله تَعَالَى {وَالله بِكُل شَيْء عليم} عَام لم يخصص، فَالْمُرَاد بقوله مَا من عَام مَا سوى نَحْو ذَلِك، وَإِذا ثَبت تَخْصِيص كل عَام فَلَا تنصيص فِي المنفى بِلَا المركبة على الْعُمُوم فَيجوز بل رجلَانِ فِي لَا رجل، لِأَن الْعَام إِذا خصص لَا يبْقى عُمُومه قَطْعِيا (وَلَا ضَرَر) مَعْطُوف على قَوْله عَن ابْن عَبَّاس، أَي وَأَيْضًا الْقَاطِع بنفيه قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " لَا ضَرَر وَلَا ضرار " على مَا روى كثير مِنْهُم مَالك وَصَححهُ الْحَاكِم على شَرط مُسلم فَإِنَّهُ منفي بِلَا المركبة (و) قد (أوجب) النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (كثيرا من الضَّرَر) من حد، وقصاص وتعزير وَغَيرهَا لمرتكب أَسبَابهَا، فَالْمُرَاد نفي ضَرَر لم يرد فِي الشَّرْع، وَقد يُقَال أَن الْوَارِد فِي الشَّرْع لَيْسَ بِضَرَر كَيفَ وَقد قَالَ الله تَعَالَى - {وَلكم فِي الْقصاص حَيَاة} - الْآيَة، وَفِيه مَا فِيهِ (وتنتفى) بِمَا ذكرنَا من عدم الْفرق بَين المنفيات وَمنع مَا حكى عَن الْعَرَب مُسْتَندا بِمَا ذكر (منافاته) أَي مُنَافَاة كَون المركبة نصا
(1/202)

فِي الْعُمُوم (لإِطْلَاق) عُلَمَاء (الْأُصُول) جَوَاز تَخْصِيص (الْعَام) فِي قَوْلهم الْعَام (يجوز تَخْصِيصه) وَجه الْمُنَافَاة أَن كَون المركبة لنفي الْجِنْس والحقيقة مُطلقًا يسْتَلْزم تنَاول الحكم على كل فَرد بِحَيْثُ لَا يشذ مِنْهَا شَيْء، والتخصيص إِخْرَاج للْبَعْض عَن دَائِرَة تنَاوله فَلَا يجوز اجْتِمَاعهمَا وَوجه انتفائهما أَن حَاصِل بحثنا كَون المركبة أقوى دلَالَة على الِاسْتِغْرَاق من غَيرهَا، لَا كَونهَا نصا فِيهِ بِحَيْثُ لَا يجوز إِخْرَاج فَرد مِنْهُ، وَنقل عَن المُصَنّف أَن قَول الزَّمَخْشَرِيّ أَن قِرَاءَة النصب فِي لَا ريب فِيهِ يُوجب الِاسْتِغْرَاق، وَقِرَاءَة الرّفْع تجوزه غير حسن، لِأَنَّهُ أطبق أَئِمَّة الْأُصُول على أَن النكرَة فِي سِيَاق النَّفْي تفِيد الْعُمُوم سَوَاء كَانَت مركبة بِلَا أَو لَا، وَلَا مَأْخَذ لَهُم فِي ذَلِك سوى اللُّغَة وهم المتقدمون فِي أَخذ الْمعَانِي من قوالب الْأَلْفَاظ، ثمَّ إِن وجدنَا الْمُتَكَلّم لم يعقب الْمَنْفِيّ بِإِخْرَاج شَيْء حكمنَا بِإِرَادَة ظَاهره من الْعُمُوم وَوَجَب الْعَمَل بِهِ، وَأَن ذكر مخرجا، نَحْو: بل رجلَانِ علمنَا أَن قَصده النَّفْي لقيد الْوحدَة، أَو مخرجا آخر مُتَّصِلا أَو مُنْفَصِلا علمنَا أَنه أَرَادَ بِالْعَام بعضه، وكل من قراءتي النصب وَالرَّفْع يُوجب الِاسْتِغْرَاق غير أَن إِيجَاب النصب أقوى (فَإِن قيل فَهَل) فِي (بل رجلَانِ تَخْصِيص) للأرجل (مَعَ أَن حَاصله) أَي حَاصِل لَا رجل (نفي الْمُقَيد ب) قيد (الْوحدَة (وَإِذا قيد الْمَنْفِيّ بهَا (فَلَيْسَ عُمُومه) أَي النَّفْي (إِلَّا فِي الْمُقَيد بهَا) أَي الْوحدَة، وَلَا شكّ أَنه لم يخرج من أَفْرَاده الْمقيدَة شَيْء ليَكُون تَخْصِيصًا، فَإِن الْمخْرج مَوْصُوف بضد الْوحدَة (قُلْنَا التَّخْصِيص) فِيهِ (بِحَسب الدّلَالَة ظَاهِرَة لَا) بِحَسب (المُرَاد) فَإِن الدّلَالَة تتبع الْعلم بِالْوَضْعِ، وَقد علم وضع اللَّفْظ الَّذِي دخله النَّفْي بِإِزَاءِ الْمَاهِيّة الْمُطلقَة، ونفيها يسْتَلْزم نفي كل فَرد من أفرادها، وَأما المُرَاد فيفهم تَارَة بالقرائن الصارفة عَن مُقْتَضى الظَّاهِر، وبل رجلَانِ قرينَة صارفة عَن إِرَادَة نفي الْجِنْس إِلَى نفي وصف الْوحدَة، وَحِينَئِذٍ لَا تَخْصِيص فَإِن قلت هَذَا على تَقْدِير كَون اسْم الْجِنْس مَوْضُوعا للماهية الْمُطلقَة، وَأما على تَقْدِير كَونه للفرد الْمُنْتَشِر كَمَا هُوَ تَحْقِيق المُصَنّف فَلَيْسَ الْأَمر كَمَا ذكرت، لِأَن الْمَنْفِيّ حِينَئِذٍ مُقَيّد بِقَيْد الْوحدَة قُلْنَا نفي الْمُقَيد على وَجْهَيْن: أَحدهمَا تَوْجِيه النَّفْي نَحْو الْقَيْد كَمَا عرفت. وَالثَّانِي تَوْجِيهه إِلَى الْمُقَيد: يَعْنِي مَا من شَأْنه التَّقْيِيد بِقَيْد الْوحدَة الْمُطلقَة وَهُوَ مسَاوٍ للماهية الْمُطلقَة بِحَسب الصدْق، فنفيه يُفِيد الِاسْتِغْرَاق كنفي الْمُطلقَة، فقولنا: بل رجلَانِ حِينَئِذٍ يكون تَخْصِيصًا، لِأَن الْمثنى حِينَئِذٍ يصدق عَلَيْهِ الْمَاهِيّة الْمقيدَة بِقَيْد الْوحدَة، وَقد خرج من دَائِرَة عُمُوم نفي الْمُقَيد، وَلَا نعني بالتخصيص إِلَّا هَذَا وَيرد عَلَيْهِ أَن هَذَا الْمَعْنى لَيْسَ مُقْتَضى الْوَضع، وَالدّلَالَة تَابِعَة لَهُ فَالصَّوَاب أَن يُقَال مُرَاد المُصَنّف أَن الْمَنْفِيّ بِلَا: تَارَة يُرَاد بِهِ نفي الْجِنْس مُطلقًا، وَهُوَ الْمُتَبَادر، وَتارَة نَفْيه مُقَيّدا، فالعالم بهما حِين يسمعهُ يتَّصل إِلَى الأول قبل الْعلم بالمراد بِقَرِينَة، بل رجلَانِ
(1/203)

بعد التَّأَمُّل، فبالنظر إِلَى تِلْكَ الدّلَالَة تَخْصِيص (فَلَا شكّ) فِيمَا قُلْنَا من أَنه تَخْصِيص بِنَاء (على) اصْطِلَاح (الشَّافِعِيَّة) فَإِن قصر الْعَام على بعض مُسَمَّاهُ تَخْصِيص عِنْدهم سَوَاء كَانَ بِمُتَّصِل أَو بمنفصل مُسْتَقل أَو غير مُسْتَقل (وَأما الْحَنَفِيَّة فَهُوَ) أَي مثل: بل رجلَانِ عِنْدهم (كالمتصل) أَي كالمستثنى الْمُتَّصِل أَو الْمَعْنى، وَأما على اصْطِلَاح الْحَنَفِيَّة فَهُوَ كالمتصل (والتخصيص) عِنْدهم إِنَّمَا يكون (بمستقل) فِي التَّلْوِيح: قصر الْعَام على بعض مَا يتَنَاوَلهُ تَخْصِيص عِنْد الشَّافِعِيَّة، وَأما عِنْد الْحَنَفِيَّة فَفِيهِ تَفْصِيل، وَهُوَ أَنه إِمَّا أَن يكون بِغَيْر مُسْتَقل، أَو بمستقل، وَالْأول لَيْسَ بتخصيص، بل إِن كَانَ بألا وَأَخَوَاتهَا اسْتثِْنَاء، وَإِلَّا فَإِن كَانَ بِأَن وَمَا يُؤدى مؤداها بِشَرْط، وَإِلَّا فَإِن كَانَ بإلى وَمَا يُفِيد مَعْنَاهَا فغاية وَإِلَّا فصيغة. وَالثَّانِي هُوَ التَّخْصِيص سَوَاء كَانَ بِدلَالَة اللَّفْظ، أَو الْعقل، أَو الْحس، أَو الْعَادة، أَو نُقْصَان بعض الْأَفْرَاد، أَو زِيَادَته، وَفسّر غير المستقل بِكَلَام يتَعَلَّق بصدر الْكَلَام وَلَا يكون تَاما بِنَفسِهِ انْتهى (قَالُوا) أَي الْقَائِلُونَ بِأَن الصِّيَغ الْمَذْكُورَة مَوْضُوعَة للخصوص على (الْخُصُوص) أَي الْمَعْنى الْمَذْكُور اعْتِبَاره يُسمى اللَّفْظ خَاصّا، وَهُوَ هَهُنَا نفس الْمَاهِيّة من غير اعْتِبَار عدد مَعهَا من حَيْثُ تحققها فِي ضمن الْأَفْرَاد (مُتَيَقن) لوُجُوده فِي الصِّيَغ الْمَذْكُورَة بِاتِّفَاق الْكل، فَإِن الِاخْتِلَاف فِي كَونه حِين مُسَمّى اللَّفْظ وجزئه يكون اللَّفْظ
مَوْضُوعا لَهُ مَعَ وصف الْعُمُوم (فَيجب) كَونه مُسَمّى لتعينه (وينفى الْمُحْتَمل) أَي الْعُمُوم لِأَنَّهُ مُشْتَرك الْوُجُود (وَأجِيب بِأَنَّهُ) أَي الِاسْتِدْلَال الْمَذْكُور (إِثْبَات اللُّغَة بالترجيح) أَي بترجيح معنى على غَيره، وَهُوَ لَا يجوز كَمَا لَا يجوز إِثْبَاتهَا بِالْقِيَاسِ لِأَنَّهَا لَا تثبت إِلَّا بِالنَّقْلِ كَمَا مر (وَبِأَن الْعُمُوم أرجح) من الْخُصُوص (للِاحْتِيَاط) لِأَن فِي اعْتِبَار الْخُصُوص دون الْعُمُوم مَعَ احْتِمَال كَونه مرَادا للشارع تضعيفا لأمر يحْتَمل أَن يكون حكما شَرْعِيًّا فِي نفس الْأَمر (وَفِي هَذَا) الْجَواب (إِثْبَاتهَا) أَي اللُّغَة (بالترجيح مَعَ أَن الِاحْتِيَاط) الَّذِي جعل مرجحا (لَا يسْتَمر) أَي لَا يتَحَقَّق فِي جَمِيع الْموَاد، بل فِي بَعْضهَا كالإباحة، والرخص: الِاحْتِيَاط فِي عدم الْحمل على الْعُمُوم (بل الْجَواب) الْحسن أَن يُقَال (لَا احْتِمَال) لعدم الْوُجُود (بعد مَا ذكرنَا) من أَدِلَّة الْعُمُوم (وَأما استدلالهم) أَي الْقَائِلين بِالْوَضْعِ للخصوص بِمَا ينْسب إِلَى ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا (مَا من عَام إِلَّا وَقد خص، ففرع دعوانا) أَن وَضعهَا للْعُمُوم فِي الأَصْل، والتخصيص لأسباب ودواع (الِاشْتِرَاك) أَي دَلِيل الِاشْتِرَاك قَوْلهم (ثَبت الْإِطْلَاق) أَي إِطْلَاق الصِّيَغ الْمَذْكُورَة على الْعُمُوم وَالْخُصُوص (وَالْأَصْل) فِي الاطلاق (الْحَقِيقَة، وَالْجَوَاب لَو لم يثبت بِمَا ذكرنَا) من أَدِلَّة الْعُمُوم لَكَانَ الْأَمر كَمَا ذكرْتُمْ لكنه ثَابت. قَالَ (الْمفصل) وَقد عرفت تَفْصِيله فِي صدر المبحث انْعَقَد (الْإِجْمَاع على عُمُوم التَّكْلِيف) وشموله جَمِيع
(1/204)

الْمُكَلّفين (وَهُوَ) أَي عُمُومه إِنَّمَا يحصل (بِالطَّلَبِ) على وَجه الْعُمُوم فَإِنَّهُ لَو لم يكن الطّلب عَاما لم يكن التَّكْلِيف عَاما (قُلْنَا وَكَذَا الْأَخْبَار فِيمَا) أَي فِي كَلَام (لَيْسَ فِيهِ) أَي فِي ذَلِك الْكَلَام (صِيغَة خُصُوص) كَمَا إِذا كَانَ فِيهِ كَاف خطاب الْمُفْرد (مثل - {نَحن نقص عَلَيْك} - لتَعَلُّقه) أَي الْأَخْبَار (بِحَال الْكل) وَإِن اخْتلف كَيْفيَّة التَّعْلِيق، فَفِي الطّلب بطرِيق الِاقْتِضَاء، وَفِي الْأَخْبَار بطرِيق الْإِرْشَاد، وَطلب الْإِيمَان بِهِ. قَالَ القَاضِي فِي شرح الْمُخْتَصر فِي هَذَا الْمقَام، وَالْجَوَاب الْمُعَارضَة بِمثلِهِ فِي الْأَخْبَار للْإِجْمَاع على أَن الْأَخْبَار بِمَا ورد فِي حق جَمِيع الْأمة وَإِنَّا مكلفون بمعرفتها (وَلَا معنى للتوقف) الْمَنْقُول عَن الْأَشْعَرِيّ وَالْقَاضِي على مَا سبق (بعد استدلالنا) بِمَا ذكر بمعرفتها لقُوته وظهوره.

الْبَحْث الثَّالِث
من المباحث الْمُتَعَلّقَة بِالْعَام: بحث الْجمع الْمُنكر، وَيجوز أَن يكون الْخَبَر قَوْله (لَيْسَ الْجمع الْمُنكر عَاما) إِلَى آخر المبحث (خلافًا لطائفة من الْحَنَفِيَّة) مِنْهُم فَخر الْإِسْلَام وَعَامة الْأُصُولِيِّينَ على أَن جمع الْقلَّة النكرَة لَيْسَ بعام لظُهُوره فِي الْعشْرَة فَمَا دونهَا، وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي جمع الْكَثْرَة النكرَة، فَقَوْل فَخر الْإِسْلَام: أما الْعَام بصيغته وَمَعْنَاهُ فَهُوَ صِيغَة كل جمع يُخَالف قَول الْعَامَّة (لنا الْقطع بِأَن رجَالًا لَا يتَبَادَر مِنْهُ عِنْد إِطْلَاقه) عَن قرينَة الْعُمُوم (استغراقهم) أَي استغراق رجَالًا فِي: رَأَيْت رجَالًا مثلا جَمِيع الرِّجَال (كَرجل) أَي كَمَا أَن رجلا عِنْد إِطْلَاقه عَنْهَا لَا يتَبَادَر مِنْهُ استغراق أَفْرَاد مَفْهُومه، وَلَو كَانَ حَقِيقَة الْعُمُوم لتبادر مِنْهُ ذَلِك (فَلَيْسَ) الْجمع الْمُنكر (عَاما) كَمَا أَن رجلا كَذَلِك: كَذَا فِي شرح التلميذ (فَمَا قيل الْمرتبَة المستغرقة) فَهِيَ الْجَمَاعَة الَّتِي تندرج فِيهَا كل جمَاعَة يصدق عَلَيْهَا صِيغَة الْجمع: يَعْنِي مَجْمُوع أَفْرَاد الرجل (من) جملَة (مراتبه) أَي مَرَاتِب الْجمع الْمُنكر، لِأَنَّهُ يصدق عَلَيْهِ صِيغَة الْجمع (فَيحمل) الْجمع الْمُنكر (عَلَيْهَا) أَي على الْمرتبَة المستغرقة فَيتَحَقَّق الْعُمُوم عِنْد ذَلِك، وَإِنَّمَا يحمل عَلَيْهَا (للِاحْتِيَاط) على مَا سبق آنِفا (بعد أَنه) أَي مَا قيل، والظرف مُتَعَلق بِخَبَر الْمَوْصُول: أَعنِي لَيْسَ (معَارض) خبر أَن (بِأَن غَيرهَا) أَي غير المستغرقة، وَهُوَ أقل مَرَاتِب الْجمع (أولى للتيقن) بِهِ لوجودها فِي جَمِيع الْمَرَاتِب، وَمَا سواهُ مَشْكُوك فِيهِ (و) بعد أَنه معَارض بِكَوْن الِاحْتِيَاط لَا يسْتَمر) فِي الِاسْتِغْرَاق (بل) قد (يكون) الِاحْتِيَاط (فِي عَدمه) أَي عدم الِاسْتِغْرَاق كَمَا مر و (لَيْسَ) مَا قيل (فِي مَحل النزاع لِأَنَّهُ) أَي النزاع (فِي أَنه) أَي الْعُمُوم (مَفْهُومه) أَي مَفْهُوم الْجمع الْمُنكر أم لَا (وَأَيْنَ الْحمل) أَي حمل جمع الْمُنكر (على
(1/205)

بعض مَا صدقاته) الَّذِي هُوَ الْمرتبَة المستغرقة (للِاحْتِيَاط) مُتَعَلق بِالْحملِ (مِنْهُ) أَي من مَحل النزاع، وَالْجَار مُتَعَلق بِمَا تعلق بِهِ خبر الْمُبْتَدَأ: أَعنِي أَيْن، وَالْمعْنَى الْحمل الْمَذْكُور فِي أَي مَكَان من مَحل النزاع، أَي من قربه، وَالْمرَاد إبعاده عَن ساحته لعدم الْمُنَاسبَة (وَأما إِلْزَام) منكرى عُمُوم الْجمع الْمُنكر على مثبتيه بِأَنَّهُ يلْزم عَلَيْك عدم عُمُوم الْجمع لعدم الْمُنَاسبَة عُمُوم (نَحْو رجل فمدفوع بِأَنَّهُ) أَي نَحْو رجل (لَيْسَ من أَفْرَاده) الْمرتبَة (المستغرقة) ليحمل عَلَيْهَا (بِخِلَاف رجال فَإِنَّهُ للْجمع) الْمُطلق (الْمُشْتَرك بَين الْمُسْتَغْرق وَغَيره) مِمَّا صدقاته (قيل مَبْنِيّ الْخلاف) فِي أَنه عَام أم لَا؟ على مَا ذكره الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ فِي التَّلْوِيح (الْخلاف فِي اشْتِرَاط الِاسْتِغْرَاق فِي الْعُمُوم، فَمن لَا) يشْتَرط (كفخر الْإِسْلَام وَغَيره جعله) أَي الْجمع الْمُنكر (عَاما) وَمن لَا يشْتَرط لَا يَجعله عَاما (وَإِذا) أَي وَحين يكون مبْنى الْخلاف ذَلِك (لَا وَجه لمحاولة استغراقه) أَي الْجمع الْمُنكر، فِي الْقَامُوس حاوله حوالا، ومحاولة، رامه (بِالْحملِ على مرتبَة الِاسْتِغْرَاق بل) النزاع (لَفْظِي) إضراب عَن كَون الْخلاف فِيهِ مَبْنِيا على ذَلِك الْخلاف، لِأَنَّهُ فرع وجود الْخلاف بِحَسب الْحَقِيقَة وَالْمعْنَى، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل وَاللَّفْظ فَقَط (فمراد الْمُثبت) لجمع الْمُنكر الْعُمُوم (مَفْهُوم) أَي إِثْبَات مَفْهُوم لفظ (عُمُوم) لُغَة (وَهُوَ) أَي مَفْهُومه (شُمُول مُتَعَدد) وَهُوَ (أَعم من الِاسْتِغْرَاق) والخصم لَا يَنْفِيه بِهَذَا الْمَعْنى (وَمُرَاد النَّافِي) من الْعُمُوم الَّذِي نَفَاهُ (عُمُوم الصِّيَغ الَّتِي أثبتنا كَونهَا) أَي كَون تِلْكَ الصِّيَغ (حَقِيقَة فِيهِ) أَي فِي ذَلِك الْعُمُوم (وَهُوَ) أَي عُمُوم الصِّيَغ الْمَذْكُورَة (الاستغراقي حَتَّى قبل) عمومها (الْأَحْكَام) الْمرتبَة على الْعُمُوم الاستغراقي (من التَّخْصِيص وَالِاسْتِثْنَاء) وَغَيرهمَا مِمَّا يقْصد الْبَحْث عَنهُ فِي مَبْحَث الْعَام (وَلَا نزاع فِي) أَن مُرَاد النَّافِي من الْعُمُوم الَّذِي نَفَاهُ هُوَ (هَذَا) الْعُمُوم الاستغراقي (لأحد) من أهل هَذَا الشَّأْن (وَلَا) نزاع أَيْضا (فِي عَدمه) أَي عدم هَذَا الْعُمُوم (فِي رجال) وَلِهَذَا (لَا يُقَال: اقْتُل رجَالًا إِلَّا زيدا) أَشَارَ بقوله (لِأَنَّهُ) أَي الِاسْتِثْنَاء ل (إِخْرَاج مالولاه) أَي الِاسْتِثْنَاء (لدخل) فِي حكم صدر الْكَلَام (وَلَو قيل) اقْتُل رجَالًا (وَلَا تقتل زيدا كَانَ) وَلَا تقتل زيدا (ابْتِدَاء) لكَلَام آخر (لَا تَخْصِيصًا) لِأَنَّهُ فرع الْعُمُوم الاستغراقي (وَإِذ بَينا أَنه) أَي الْجمع الْمُنكر مَوْضُوع (للمشترك) بَين مَرَاتِب الْجمع (وَهُوَ) أَي الْمُشْتَرك بَينهَا (الْجمع مُطلقًا، فَفِي أَقَله) أَي أقل الْجمع مُطلقًا (خلاف) فِي التَّلْوِيح: ذهب أَكثر الصَّحَابَة وَالْفُقَهَاء وأئمة اللُّغَة إِلَى أَنه ثَلَاثَة، وَفصل الْخلاف بقوله (قيل) أَقَله (ثَلَاثَة) من آحَاد مفرده (مجَاز لما دونهَا) أَي الِاثْنَيْنِ وَالْوَاحد، فَإِذا أطلق على الثَّلَاثَة فَمَا فَوْقهَا أَي عدد كَانَ فَهُوَ حَقِيقَة لكَونهَا من أَفْرَاد مَا وضع لَهُ الْجمع، بِخِلَاف مَا دون الثَّلَاثَة فَإِنَّهُ لَيْسَ من أَفْرَاده (وَهُوَ)
(1/206)

أَي هَذَا القَوْل هُوَ (الْمُخْتَار) لما سَيَجِيءُ (وَقيل حَقِيقَة فِي اثْنَيْنِ أَيْضا) لكَونه من أَفْرَاد مُسَمّى الْجمع للاكتفاء بِمَا فَوق الْوَاحِد فِيهِ، فالأقل على هَذَا اثْنَان (وَقيل) حَقِيقَة فِي الثَّلَاثَة (مجَاز فيهمَا) أَي فِي اثْنَيْنِ لَا فِيمَا دونه، وَهُوَ الْوَاحِد (وَقيل) حَقِيقَة فِي الثَّلَاثَة، وَلَا يُطلق على اثْنَيْنِ (لَا) حَقِيقَة (وَلَا) مجَازًا، فَلَزِمَ عدم إِطْلَاقه على الْوَاحِد بِالطَّرِيقِ الأول، ثمَّ شرع فِي بَيَان وَجه الْمجَاز، فَقَالَ (لقَوْل ابْن عَبَّاس) رَضِي الله عَنْهُمَا (لَيْسَ الأخوان إخْوَة) أخرج ابْن خُزَيْمَة وَالْبَيْهَقِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَنهُ أَنه دخل على عُثْمَان، فَقَالَ أَن الأخوان لَا يرد أَن الْأُم عَن الثُّلُث، فَإِن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقُول - {فَإِن كَانَ لَهُ إخْوَة فلأمه السُّدس} - والأخوان ليسَا بإخوة بِلِسَان قَوْمك، فَقَالَ عُثْمَان: لَا أَسْتَطِيع أرد أمرا توارث عَلَيْهِ النَّاس وَكَانَ قبلي وَمضى فِي الْأَمْصَار انْتهى (أَي حَقِيقَة) أَي أَرَادَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا نفى إِطْلَاق الْأُخوة على الْأَخَوَيْنِ بطرِيق الْحَقِيقَة، لَا نفى إِطْلَاقهَا عَلَيْهِمَا بطرِيق الْمجَاز (لقَوْل زيد: الأخوان إخْوَة). قَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد عَن خَارِجَة بن زيد عَن ثَابت عَن أَبِيه أَنه كَانَ يحجب الْأُم عَن الثُّلُث بالأخوين، فَقَالَ أَبَا سعيد فَإِن الله عز وَجل يَقُول - {فَإِن كَانَ لَهُ إخْوَة فلأمه السُّدس} - وَأَنت تحجبها بالأخوين؟ فَقَالَ: إِن الْعَرَب تسمى الْأَخَوَيْنِ إخْوَة (أَي مجَازًا) وَإِنَّمَا جعلنَا مورد النَّفْي الْحَقِيقَة، وَمحل الْإِثْبَات الْمجَاز (جمعا) بَين كل مِنْهُمَا، وتوفيقا بَين الْأَمريْنِ الصَّحِيحَيْنِ على مَا تَقْتَضِيه قَاعِدَة الْأُصُول (وَتَسْلِيم عُثْمَان لِابْنِ عَبَّاس تمسكه، ثمَّ عدوله إِلَى الْإِجْمَاع دَلِيل على الْأَمريْنِ) أما على الأول فَظَاهر، وَأما على الثَّانِي فَلِأَنَّهُ لما تمسك بِالْإِجْمَاع، وَلَا بُد لَهُ من التَّوْفِيق بَين الْكتاب وَالْإِجْمَاع تعين ارتكابه الْمجَاز فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة لِئَلَّا يلْزم مُخَالفَة الْإِجْمَاع لمفهومها، وَفِيه أَنه إِنَّمَا يتم إِذا كَانَ عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ قَائِلا بِمَفْهُوم الْعدَد فَتَأمل، ثمَّ أَشَارَ إِلَى إِطْلَاق الْجمع على الْوَاحِد مجَازًا بقوله (وَلَا شكّ فِي صِحَة الْإِنْكَار على متبرجة) أَي مظهرة زينتها (لرجل) أَجْنَبِي بقوله (أتتبرجين للرِّجَال) فقد أطلق فِي هَذَا الْإِنْكَار الرِّجَال على الرجل الْوَاحِد لِأَنَّهَا مَا تبرجت إِلَّا لوَاحِد (وَلَا يخفى أَنه) أَي لفظ الرِّجَال هُنَا (من الْعَام) الْمُسْتَعْمل (فِي الْخُصُوص) لكَونه محلى بِاللَّامِ الاستغراقية (لَا الْمُخْتَلف) فِيهِ (من نَحْو رجال الْمُنكر) صفة الْمُخْتَلف، أَو رجال لِأَنَّهُ أُرِيد بِهِ لَفظه، وَهُوَ بِهَذَا الِاعْتِبَار معرفَة، الْجَار وَالْمَجْرُور مُتَعَلق بمقدر حَال عَن الضَّمِير فِي الْمُخْتَلف (على أَنه) أَي الْمِثَال الْمَذْكُور (لَا يستلزمه) أَي كَون الْجمع (مجَازًا فِيهِ) أَي فِي الْوَاحِد (لجَوَاز أَن الْمَعْنى أهوَ) أَي التبرج (عادتك لَهُم) أَي للرِّجَال مُتَعَلق بالتبرج (حَتَّى تبرجت لهَذَا) الرجل (وَهُوَ) أَي هَذَا الْمَعْنى (مِمَّا يُرَاد فِي مثله) أَي فِي مثل هَذَا الْكَلَام (نَحْو: أتظلم الْمُسلمين) لمن ظلم وَاحِدًا
(1/207)

يحْتَمل أَن يُرَاد بِصِيغَة الْجمع الْجِنْس كَمَا فِي: فلَان يركب الْخَيل وَحَاصِل الجوابين مَعَ استلزام صِحَة الْإِنْكَار اسْتِعْمَال الْجمع الْمُنكر فِي الْوَاحِد مُسْتَندا بِأَن الْجمع الْمَذْكُور فِيهِ لَيْسَ بمنكر، وَبِأَن الْمَعْنى لَيْسَ كَمَا زعمت من أَن المُرَاد بِالرِّجَالِ ذَلِك الرجل (وَالْحق جَوَازه) أَي جَوَاز إِطْلَاق الْجمع على الْوَاحِد مجَازًا (حَيْثُ يثبت الْمُصَحح) من نُكْتَة بليغة محسنة لتنزيل الْوَاحِد منزلَة الْجَمَاعَة (كرأيت رجَالًا فِي رجل يقوم مقَام الْكثير) كَمَا إِذا كَانَ متفننا بصنائع يسْتَقلّ كل مِنْهَا لرجل كَامِل (وَحَيْثُ لَا) يثبت الْمُصَحح (فَلَا) يجوز (وتبادر مَا فَوق الِاثْنَيْنِ) عِنْد إِطْلَاق الْجمع (يُفِيد الْحَقِيقَة فِيهِ) على مَا مر غير مرّة وَهَذَا دَلِيل عَقْلِي، وَالْأول وَمَا بعده نقلي (واستدلال النافين) لصِحَّة إِطْلَاقه على الِاثْنَيْنِ مُطلقًا (بِعَدَمِ جَوَاز) تركيب (الرِّجَال العاقلان) لعدم صِحَة إِطْلَاق العاقلان على الرِّجَال، وَلَا بُد فِي التوصيف مِنْهَا (وَالرجلَانِ العاقلون) على عكس الأول لعكس مَا ذكرنَا (مجَازًا) لعدم جوازهما حَقِيقَة. قَوْله مجَازًا حَال عَن كل وَاحِد مِنْهُمَا لكَونه فَاعِلا للْجُوَاز معنى، والتجوز الْمَنْفِيّ إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَار النِّسْبَة التوصيفية (دفع) خبر الْمُبْتَدَأ (بمراعاتهم مُطَابقَة الصُّورَة) أَي الْمُطَابقَة بِحَسب الصُّورَة بَين الصِّيغَة والموصوف، وَعدم اكتفائهم بالمطابقة بِحَسب الْمَعْنى بِسَبَب حمل لفظ الْجمع على مَا فَوق الْوَاحِد مجَازًا مُحَافظَة على التشاكل بَينهمَا (وَنقض) الدّفع الْمَذْكُور (بِجَوَاز زيد وَعَمْرو الفاضلان، وَفِي ثَلَاثَة) نَحْو: زيد، وَعَمْرو، وَبكر (الفاضلون) وَلَا يخفى أَن الدّفع الْمَذْكُور منع، وَسَنَد: تَوْضِيحه أَنا لَا نسلم استلزام عدم جَوَاز مَا ذكر عدم صِحَة الْإِطْلَاق مُطلقًا لجَوَاز أَن يكون ذَلِك لمَانع مَخْصُوص بِبَعْض الصُّور كرعاية مُطَابقَة الصُّورَة، وَلَا يلْزم على الْمَانِع دَعْوَى لُزُوم رِعَايَة الْمُطَابقَة مُطلقًا وَإِبْطَال السَّنَد الْأَخَص غير موجه وَيُمكن الْجَواب بِأَن الْمَنْع الْمَذْكُور بِدُونِ لُزُوم رِعَايَة الْمُطَابقَة صُورَة غير موجه، لِأَن صِحَة الْمجَاز لوُجُود العلاقة يقتضى جَوَاز الرِّجَال العاقلان، وَلَا يَنْفِي الْجَوَاز الْمَذْكُور سوى اللُّزُوم الْمَذْكُور، وَالْأَصْل عدم مَانع آخر فَالسَّنَد مسَاوٍ للْمَنْع، وَإِبْطَال أحد المتساويين يسْتَلْزم إبِْطَال الآخر (وَدفعه) أَي النقيض الْمَذْكُور على مَا ذكره الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ (بِأَن الْجمع) بَين مُتَعَدد (بِحرف الْجمع) كواو الْعَطف، وَالْمرَاد بِالْجمعِ الْمَعْنَوِيّ اللّغَوِيّ (كالجمع بِلَفْظ الْجمع) المُرَاد بِهَذَا الْمَعْنى الاصطلاحي فَتحصل الْمُطَابقَة بَين الصّفة والموصوف إِذا كَانَ الْمَوْصُوف جمعا بِالْمَعْنَى الأول، وَالصّفة بِالْمَعْنَى الثَّانِي (لَيْسَ بِشَيْء) خبر الْمُبْتَدَأ: أَعنِي دَفعه (إِذْ لَا يُخرجهُ) أَي لَا يخرج الِاشْتِرَاك فِي معنى الْجمع على مَا ذكر مَا بِهِ النَّقْض عَن عدم الْمُطَابقَة (إِلَى مُطَابقَة الصُّورَة، وَالْوَجْه) فِي الدّفع (اعْتِبَارا لمطابقة الْأَعَمّ. من الْحَقِيقِيَّة والحكمية) بَين الصّفة والموصوف بِمَا قدمنَا من رِعَايَة الْحَقِيقَة
(1/208)

فِي توصيف الْمثنى بالمجموع وَعَكسه، وَلذَلِك لم يجوزوه، وَمن رِعَايَة الْحكمِيَّة فِي زيد وَعَمْرو الفاضلان وَلذَلِك جوزوه، فالحقيقة مَا تكون الْمُطَابقَة بِحَسب اللَّفْظ وَالْمعْنَى مَعًا، والحكمية مَا تكون بِحَسب الْمَعْنى فَقَط (وَلَا خلاف فِي نَحْو صغت قُلُوبكُمَا) فَإِنَّهُ أطلق الْجمع فِيهِ على الِاثْنَيْنِ اتِّفَاقًا (و) لَا خلاف أَيْضا فِي لفظ (نَا) الَّذِي يعبر بِهِ الْمُتَكَلّم عَن نَفسه وَغَيره، وَإِن كَانَ ذَلِك الْغَيْر وَاحِدًا (و) لَا فِي لفظ (جمع) أَي فِي ج م ع (أَنه) أَي فِي أَن كلا مِنْهَا (لَيْسَ مِنْهُ) أَي من مَحل النزاع (وَلَا) خلاف أَيْضا فِي أَن (الْوَاو فِي ضربوا مِنْهُ) أَي من مَحل النزاع، وَكَذَا غَيرهَا من الضمائر ثمَّ أَنهم لم يفرقُوا فِي هَذَا بَين جمع الْقلَّة وَالْكَثْرَة: كَذَا فِي التَّلْوِيح وَغَيره.
(تَنْبِيه: لم تزد الشَّافِعِيَّة فِي) بَيَان أَحْوَال (صِيغ الْعُمُوم) شَيْئا (على إِثْبَاتهَا) بل اكتفوا بِمُجَرَّد الْإِثْبَات من غير زِيَادَة تَفْصِيل (وفصلها الْحَنَفِيَّة إِلَى عَام بصيغته وَمَعْنَاهُ) بِكَوْن اللَّفْظ جمعا، وَالْمعْنَى مُسْتَغْرقا كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وَهُوَ) أَي الْعَام بصيغته وَمَعْنَاهُ (الْجمع الْمحلي) بِاللَّامِ (للاستغراق، و) إِلَى عَام (بِمَعْنَاهُ) فَقَط (وَهُوَ الْمُفْرد الْمحلي) بِاللَّامِ (كَالرّجلِ والنك