Advertisement

تيسير التحرير 002


بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

الْفَصْل الْخَامِس
فِي الْمُفْرد بِاعْتِبَار اسْتِعْمَاله (هُوَ) أَي الْمُفْرد (بِاعْتِبَار اسْتِعْمَاله يَنْقَسِم إِلَى حَقِيقَة ومجاز فالحقيقة) فعيلة بِمَعْنى فَاعل، من حق: إِذا ثَبت، أَو مفعول، من حققت الشَّيْء أحقه بِالضَّمِّ: إِذا أثْبته: فَالْمَعْنى الْكَلِمَة الثَّابِتَة أَو المثبتة فِي مَكَانهَا الْأَصْلِيّ، وَالتَّاء للنَّقْل من الوصيفه إِلَى الاسمية الصرفة، وللتأنيث عِنْد السكاكي: أما إِذا كَانَ بِمَعْنى فَاعل فَظَاهر لِأَنَّهُ يذكر وَيُؤَنث حِينَئِذٍ جرى على موصوفه أَولا وَأما إِذا كَانَ بِمَعْنى مفعول، فالتأنيث بِاعْتِبَار مَوْصُوف مؤنث لَهَا: أَي الْكَلِمَة غير مجراة هِيَ عَلَيْهِ، وَفِيه تكلّف مُسْتَغْنى عَنهُ، وَهِي اصْطِلَاحا (اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل فِيمَا وضع لَهُ أَو مَا صدق) مَا وضع لَهُ (عَلَيْهِ) فالمستعمل فِيهِ حِينَئِذٍ فَرد من أَفْرَاد الْمَوْضُوع لَهُ (فِي عرف بِهِ) أَي بذلك الْعرف (ذَلِك الِاسْتِعْمَال) أَي بِنَاء الِاسْتِعْمَال على ذَلِك الْعرف، والظرف مُتَعَلق بِالْوَضْعِ، فَخرج بِالْمُسْتَعْملِ المهمل والموضوع قبل الِاسْتِعْمَال، وَبِقَوْلِهِ فِيمَا وضع لَهُ الْمجَاز والغلط كَمَا سَيَأْتِي (وتنقسم) الْحَقِيقَة (بِحَسب ذَلِك) الْوَضع (إِلَى لغوية) بِأَن يكون الْوَاضِع أهل اللُّغَة (وشرعية) بِأَن يكون الشَّارِع (كَالصَّلَاةِ) حَقِيقَة لغوية: فالدعاء شَرْعِيَّة فِي الْأَركان الْمَخْصُوصَة (وعرفية عَامَّة) بِأَن يكون يكون أهل الْعرف الْعَام (كالدابة) فِي ذَوَات الْأَرْبَع والحافر (وخاصة) بِأَن يكون أهل الْعرف الْخَاص (كالرفع) للحركة والحرف المخصوصين: فَإِن أهل الْعَرَبيَّة وضعوه لَهما (وَالْقلب) كجعل الْمَعْلُول عِلّة وَعَكسه فَإِن الْأُصُولِيِّينَ وضعوه لَهُ (وَيدخل) فِي الْحَقِيقَة اللَّفْظ (الْمَنْقُول) وَهُوَ (مَا وضع لِمَعْنى بِاعْتِبَار مُنَاسبَة لما كَانَ) اللَّفْظ مَوْضُوعا (لَهُ أَولا) وَسَيَأْتِي تَفْصِيله (والمرتجل) وَهُوَ الْمُسْتَعْمل فِي وضعي لم يسْبق بآخر (والأعم) الْمُسْتَعْمل (فِي الْأَخَص كَرجل فِي زيد) نقل عَن المُصَنّف أَنه قَالَ: لِأَن الْمَوْضُوع للأعم حَقِيقَة فِي كل فَرد من أَفْرَاده كالإنسان فِي زيد، لَا يعرف القدماء غير هَذَا إِلَى أَن أحدث التَّفْصِيل بَين أَن يُرَاد بِهِ خُصُوص الشَّخْص
(2/2)

يَجْعَل خُصُوص عوارضه الشخصية مرَادا مَعَ الْمَعْنى الْأَعَمّ، فَيكون مجَازًا، أَو لَا فَيكون حَقِيقَة وَكَأن هَذِه الْإِرَادَة قَلما تخطر عِنْد الْإِطْلَاق حَتَّى ترك الأقدمون ذَلِك التَّفْصِيل، بل الْمُتَبَادر من مُرَاد من يَقُول لزيد يَا إِنْسَان: يامن صدق عَلَيْهِ هَذَا اللَّفْظ لَا يُلَاحظ أَكثر من ذَلِك انْتهى (وَزِيَادَة أَولا) بعد قَوْله فِيمَا وضع لَهُ كَمَا ذكره الْآمِدِيّ وَغَيره (تخل بعكسه) أَي التَّعْرِيف (لصدق الْحَقِيقَة) فِي نفس الْأَمر (على الْمُشْتَرك) الْمُسْتَعْمل (فِي) الْمَعْنى (الْمُتَأَخر وَضعه لَهُ) وَهَذِه الزِّيَادَة تمنع صدق الْحَد عَلَيْهِ (وَلَيْسَ فِي اللَّفْظ) دلَالَة على (أَنه) أَي الْقَيْد الَّذِي زيد (بِاعْتِبَار وضع الْمجَاز) أَي إِنَّمَا أَتَى بِهِ بِسَبَب اعْتِبَار الْوَضع فِي الْمجَاز لما ذكرُوا من أَن اللَّفْظ مَوْضُوع بِإِزَاءِ الْمَعْنى الْمجَازِي وضعا نوعيا لكنه وضع ثانوي وَلَا بُد لَهُ من تقدم وضع عَلَيْهِ فَذكر أَولا ليخرج الْمجَاز، كَذَا ذكره بعض الأفاضل، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَن لَا يكون من شَأْنه الثانوية فَلَا يشكل بِالْمَعْنَى الثَّانِي للمشترك، لِأَن الثانوية لَيست لَازِمَة لحقيقته وَإِن تحققت فِيهِ غير أَن هَذَا التَّأْوِيل مِمَّا لَا يدل عَلَيْهِ اللَّفْظ كَمَا ذكره المُصَنّف رَحمَه الله (على أَنه لَو فرض) وضع الْمجَاز (جَازَ أولية وضع الْمجَاز كاستعماله) أَي كَمَا يجوز أولية اسْتِعْمَال الْمجَاز بِالنِّسْبَةِ إِلَى اسْتِعْمَال الْحَقِيقَة بِأَن يوضع اللَّفْظ فيستعمل فِيمَا بَينه وَبَين مَا وضع لَهُ علاقَة قبل أَن يسْتَعْمل فِيمَا وضع لَهُ، كَذَلِك يجوز أولية وضع الْمجَاز قبل وَضعه لمعناه بِأَن يَقُول وضعت هَذَا اللَّفْظ لِأَن يَسْتَعْمِلهُ فِيمَا بَينه وَبَين مَا سأضعه لَهُ مُنَاسبَة مُعْتَبرَة، كَذَا نقل عَن المُصَنّف فِي تَوْجِيه هَذَا الْمحل (وَبلا تَأْوِيل) أَي وَزِيَادَة السكاكي بِلَا تَأْوِيل بعد ذكر الْوَضع ليحترز بِهِ عَن الِاسْتِعَارَة لعد الْكَلِمَة مستعملة فِيمَا هِيَ مَوْضُوعَة لَهُ، لَكِن بالتأويل فِي الْوَضع: وَهُوَ أَن يستعار الْمَعْنى الْمَوْضُوع لَهُ لغيره بطرِيق الادعاء مُبَالغَة ثمَّ يُطلق عَلَيْهِ اللَّفْظ فَيكون مُسْتَعْملا فِيمَا وضع لَهُ بِتَأْوِيل، وَهَذِه الزِّيَادَة وَاقعَة (بِلَا حَاجَة) إِلَيْهَا فِي صِحَة الْحَد (إِذْ حَقِيقَة الْوَضع لَا تَشْمَل الادعائي) كَمَا سيتضح قَرِيبا وَقد يعْتَذر عَنهُ فِي ذَلِك بِأَنَّهُ أَرَادَ دفع الْوَهم لمَكَان الِاخْتِلَاف فِي الِاسْتِعَارَة هَل هُوَ مجَاز لغَوِيّ أَو حَقِيقَة لغوية (وَالْمجَاز) فِي الأَصْل مفعل: أما مصدر بِمَعْنى اسْم الْفَاعِل من الْجَوَاز بِمَعْنى العبور والتعدي، سميت بِهِ الْكَلِمَة المستعملة فِي غير مَا وضعت لَهُ لما فِيهَا من التَّعَدِّي من محلهَا الْأَصْلِيّ. أَو اسْم مَكَان سميت بِهِ لكَونهَا مَحل التَّعَدِّي للمعنى الْأَصْلِيّ أَو من جعلت كَذَا مجَازًا إِلَى حَاجَتي أَو طَرِيقا لَهَا، على أَن معنى جَازَ الْمَكَان سلكه، فَإِن الْمجَاز بِاعْتِبَار مَعْنَاهُ الْأَصْلِيّ طَرِيق إِلَى مَعْنَاهُ الْمُسْتَعْمل فِيهِ (مَا اسْتعْمل لغيره) أَي لفظ مُسْتَعْمل لغير مَا وضع لَهُ وَمَا صدق عَلَيْهِ (لمناسبة) بَينه وَبَين ذَلِك الْغَيْر (اعْتِبَار) بَين أهل الْعَرَبيَّة (نوعها) أَي نوع تِلْكَ الْمُنَاسبَة، وَسبب اعْتِبَار النَّوْع أَنه وجد فِي كَلَام الْعَرَب اسْتِعْمَال الْكَلِمَة فِي معنى وجد فِيهِ فَرد من أَفْرَاد ذَلِك
(2/3)

النَّوْع من الْمُنَاسبَة (وينقسم) الْمجَاز إِلَى لغَوِيّ وشرعي، وعرفي عَام وخاص (كالحقيقة لِأَن الِاسْتِعْمَال فِي غير مَا وضع لَهُ، إِمَّا لمناسبة لما وضع لَهُ لُغَة أَو شرعا، أَو عرفا خَاصّا أَو عَاما (وَتدْخل الْأَعْلَام فيهمَا) أَي فِي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز، فالمرتجل فِي الْحَقِيقَة وَهُوَ ظَاهر وَالْمَنْقُول إِن لم يكن مَعْنَاهُ الثَّانِي من أَفْرَاد الْمَعْنى الأول: فَهُوَ حَقِيقَة فِي الأول مجَاز فِي الثَّانِي من جِهَة الْوَضع الثَّانِي وَإِن كَانَ مَعْنَاهُ الثَّانِي من أَفْرَاد مَعْنَاهُ الأول، فَإِن كَانَ إِطْلَاقه عَلَيْهِ بِاعْتِبَار أَنه من أَفْرَاد الأول فَهُوَ حَقِيقَة من جِهَة الْوَضع الأول مجَاز فِي الثَّانِي من جِهَة الْوَضع الأول ومجاز فِي الأول حَقِيقَة فِي الثَّانِي من جِهَة الْوَضع الثَّانِي وَإِن كَانَ مَعْنَاهُ الثَّانِي من أَفْرَاد مَعْنَاهُ الأول، فَإِن كَانَ إِطْلَاقه عَلَيْهِ بِاعْتِبَار أَنه من أَفْرَاد الأول، فَهُوَ حَقِيقَة من جِهَة الْوَضع الأول، مجَاز من جِهَة الْوَضع الثَّانِي، وَإِن كَانَ بِاعْتِبَار أَنه من أَفْرَاد الثَّانِي فحقيقة من جِهَة الْوَضع الثَّانِي، مجَاز من جِهَة الْوَضع الأول، كَذَا ذكره الشَّارِح من غير تَنْقِيح وَلَا يخفى أَن الْأَعْلَام على تَقْدِير دُخُولهَا فِي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز كَغَيْرِهَا إِن اسْتعْملت فِيمَا وضعت لَهُ فِي عرف ذَلِك الِاسْتِعْمَال فحقيقة، وَإِن اسْتعْملت فِي غير ذَلِك فمجاز، سَوَاء كَانَت مرتجلة أَو منقولة إِلَى فَرد من أَفْرَاد الْمَعْنى الأول أَو إِلَى غَيره، فَإِذا كَانَ مدَار الِاسْتِعْمَال على الْوَضع الثَّانِي، وَأُرِيد بِالْعلمِ الْمَنْقُول مَا وضع لَهُ أَولا، أَو فَرد مَا وضع أَولا من حَيْثُ أَنه فَرد فَجَاز ايضا، وَإِن كَانَ مَدَاره على الْوَضع الأول وَأُرِيد بِهِ مَا وضع لَهُ ثَانِيًا من حَيْثُ انه وضع لَهُ ثَانِيًا من حَيْثُ أَنه وَله ضع لَهُ ثَانِيًا فمجاز أَيْضا، وَإِن كَانَ فَردا لما وضع لَهُ أَولا فَردا فالمدار على الِاسْتِعْمَال فِيمَا وضع لَهُ فِي عرف التخاطب وجودا وعدما فِي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فِي الْعلم وَغَيره (و) لزم (على من أخرجهَا) أَي الْأَعْلَام مِنْهُمَا كالآمدي والرازي (تَقْيِيد الْجِنْس) الْمَأْخُوذ فِي تعريفهما بِغَيْر الْعلم، قَالَ الشَّارِح وَاقْتصر الْبَيْضَاوِيّ على أَنَّهَا لَا تُوصَف بالمجاز بِالذَّاتِ لِأَنَّهَا لم تنقل لعلاقة، وَفِيه نظر انْتهى (وَخرج عَنْهُمَا) أَي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز (الْغَلَط) كخذ هَذَا الْفرس مُشِيرا إِلَى الْكتاب أما عَن الْحَقِيقَة فَظَاهر، وَأما عَن الْمجَاز فَلِأَنَّهُ لم يسْتَعْمل فِي غير الوضعي لعلاقة، لِأَن الِاسْتِعْمَال عبارَة عَن ذكر اللَّفْظ وَإِرَادَة الْمَعْنى بِهِ وَلم يتَحَقَّق، فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ الْمَعْنى تعلّقت بِهِ إِرَادَة الْمُتَكَلّم لَكِن من حَيْثُ أَنه جرى الْفرس على لِسَانه خطأ فَهُوَ حَال الْإِعْرَاب أَو اللَّفْظ بِاعْتِبَار تغير حكم إعرابه والتعريف للْأولِ، فَلَا ينْتَقض بِخُرُوج الْمجَاز بِالنُّقْصَانِ، وَالزِّيَادَة كَقَوْلِه - {واسئل الْقرْيَة} - وَلَيْسَ كمثله ذكره الشَّارِح، وَقَالَ المُصَنّف (ومجاز الْحَذف حَقِيقَة) مستعملة فِيمَا وضع لَهُ (لِأَنَّهُ) أَي مجَاز الْحَذف إِنَّمَا هُوَ (الْمَذْكُور) الْمُسْتَعْمل فِي مَعْنَاهُ كَلَفْظِ الْقرْيَة المُرَاد بِهِ الْمَكَان الَّذِي وَضعه بإزائه، وَإِنَّمَا سمي مجَازًا (بِاعْتِبَار تغير إعرابه) وَهُوَ الْجَرّ إِلَى النصب لِأَن التَّقْدِير اسئل أهل الْقرْيَة (وَلَو أُرِيد بِهِ) أَي بالمذكور وَهُوَ الْقرْيَة فِي هَذَا الْمِثَال (الْمَحْذُوف) بِذكر
الاثْنَي
(2/4)

الْمحل وَإِرَادَة الْحَال (كَانَ) الْمَذْكُور هُوَ الْمجَاز (الْمَحْدُود) ويشمله التَّعْرِيف الْمَذْكُور (ومجاز الزِّيَادَة قيل) فِي تَعْرِيفه هُوَ (مَا لم يسْتَعْمل لِمَعْنى) كالكاف فِي كمثله، لِأَن الْمَعْنى لَيْسَ مثله من غير زِيَادَة فِيهِ (وَمُقْتَضَاهُ) أَي مُقْتَضى هَذَا القَوْل (أَنه لَا حَقِيقَة وَلَا مجَازًا) لِأَن الِاسْتِعْمَال فِي الْمَعْنى مَأْخُوذ فِي كل مِنْهُمَا (وَلما لم ينقص) مجَاز الزِّيَادَة (عَن التَّأْكِيد قيل لَا زَائِد) فِي كَلَام الْعَرَب، فَالْمُرَاد بِنَفْي الزِّيَادَة نفي كَونه لَغوا لَا فَائِدَة لَهُ أصلا فِي الْمَعْنى، وبإثباتها عدم اسْتِعْمَاله فِي معنى حَقِيقَة أَو مجَازًا، فَلَا تدافع بَينهمَا، ثمَّ أَشَارَ إِلَى مَا هُوَ التَّحْقِيق عِنْده بقوله (وَالْحق أَنه) أَي مجَاز الزِّيَادَة (حَقِيقَة لوضعه لِمَعْنى التَّأْكِيد) واستعماله فِيهِ كَمَا وضع لغيره من التَّشْبِيه وَغَيره وَاسْتعْمل فِيهِ (لَا مجَاز لعدم العلاقة) الَّتِي هِيَ شَرط فِي الْمجَاز بَين مَعْنَاهُ الْمَشْهُور وَبَين التَّأْكِيد (فَكل مَا اسْتعْمل زَائِدا مُشْتَرك) بَين التَّأْكِيد وَغَيره (وزائد باصطلاح النَّحْوِيين) عطف على قَوْله حَقِيقَة، ومرادهم من الزِّيَادَة عدم إفادته غير التاكيد، لَا عدم إفادته مُطلقًا، فَإِنَّهُ يُنَافِي بلاغة الْكَلَام (وَاعْلَم أَن الْوَضع يكون لقاعدة) لَيست اللَّام صلَة الْوَضع لِأَن الْقَاعِدَة لَيست مَا وضع لَهُ، بل هِيَ لَام الْغَرَض، فَإِن الْمَقْصد من هَذَا النَّوْع من الْوَضع تَحْصِيل قَاعِدَة كُلية يعلم مِنْهَا وضع أَلْفَاظ كَثِيرَة بِإِزَاءِ معَان كَثِيرَة كَقَوْلِه: وضعت كل اسْم فَاعل بِإِزَاءِ ذَات ثَبت لَهَا مبدأ الِاشْتِقَاق بِمَعْنى الْحُدُوث وَقَوله (كُلية) صفة كاشفة، لِأَنَّهُ لَا تكون الْقَاعِدَة إِلَّا كُلية (جزئيات موضوعها) أَي مَوْضُوع تِلْكَ الْقَاعِدَة وَهُوَ فِي الْمِثَال الْمَذْكُور كل اسْم فَاعل (أَلْفَاظ مَخْصُوصَة) كضارب وناصر وكل وَاحِد مِنْهُمَا مَوْضُوع لِمَعْنى مَخْصُوص (ولمعنى خَاص) مَعْطُوف على قَوْله لقاعدة: أَي الْغَرَض من الْقسم الثَّانِي من الْوَضع إِفَادَة معنى خَاص وضع اللَّفْظ بإزائه بِخِلَاف الأول، فَإِن الْغَرَض مِنْهُ إِفَادَة معَان كَثِيرَة بِأَلْفَاظ كَثِيرَة (وَهُوَ) أَي الْوَضع لمُعين خَاص (الْوَضع الشخصي، وَالْأول) أَي الْوَضع لقاعدة إِلَى آخِره الْوَضع (النوعي) لكَون كل من الْمَوْضُوع لَهُ فِيهِ مفهوما كليا ينْدَرج تَحْتَهُ أَفْرَاد كَثِيرَة بِخِلَاف الأول (وينقسم) النوعي (إِلَى مَا) أَي إِلَى وضع نَوْعي (يدل جزئي مَوْضُوع مُتَعَلقَة) قد عرفت أَن الْوَضع النوعي مُتَعَلقَة الْقَاعِدَة الْكُلية وَأَن لَهَا مَوْضُوعا، لِأَنَّهَا قَضِيَّة كُلية وَأَن لموضوعها جزئيات: أَي أفرادا هى أَلْفَاظ مَخْصُوصَة، فَإِن كَانَ جزئي مَوْضُوع مُتَعَلّقه دَالا (بِنَفسِهِ) فَهُوَ الْقسم الْمشَار إِلَيْهِ بقوله (وَهُوَ) مَا يدل إِلَى آخِره (وضع قَوَاعِد التراكيب) الْقَوَاعِد مُتَعَلقَة بالتراكيب كَقَوْلِه: وضعت هَذِه الْهَيْئَة التركيبية للنسبة الإسنادية، وَهَذِه للنسبة الإضافية إِلَى غير ذَلِك (والتصاريف) أَي وقواعد مُتَعَلقَة بالتصاريف، والتصريف تَحْويل مبدأ الِاشْتِقَاق إِلَى أَمْثِلَة مُخْتَلفَة كالفعل وَاسم الْفَاعِل وَالْمَفْعُول وَغَيرهَا (و) إِلَى مَا يدل جزئي مَوْضُوع مُتَعَلّقه (بِالْقَرِينَةِ وَهُوَ) أَي مَا يَد بِالْقَرِينَةِ (وضع الْمجَاز كَقَوْل الْوَاضِع: كل مُفْرد
(2/5)

بَين مُسَمَّاهُ و) بَين (غَيره) من الْمعَانِي الْمُنَاسبَة لَهُ أَمر (مُشْتَرك) يَعْنِي علاقَة ذَات نِسْبَة إِلَى كل من الْمُسَمّى وَذَلِكَ الْغَيْر (اعتبرته) صفة لمشترك، ثمَّ فسر اعْتِبَاره لذَلِك الْمُشْتَرك بقوله (أَي استعملته) أَي الْفَرد (فِي الْغَيْر بِاعْتِبَارِهِ) أَي اسْتِعْمَاله فِي ذَلِك الْغَيْر بِاعْتِبَار ذَلِك الْمُشْتَرك الْمُوجب للمناسبة بَينهمَا (فَلِكُل) من النَّاس أَن يسْتَعْمل (ذَلِك) الْمُفْرد فِي ذَلِك الْغَيْر // بِاعْتِبَار الْمُشْتَرك بَينهمَا (مَعَ قرينَة) صارفة عَن الْمُسَمّى مُعينَة لذَلِك الْمَعْنى (وَلَفظ الْوَضع حَقِيقَة عرفية فِي كل من الْأَوَّلين) الشخصي والنوعي الدَّال جُزْء مَوْضُوع مُتَعَلّقه بِنَفسِهِ لتبادر كل مِنْهُمَا إِلَى الْفَهم من إِطْلَاق لفظ الْوَضع، توصيف الشخصي بالأولوية بِالنِّسْبَةِ إِلَى الثَّالِث فَلَا يُنَافِي ثانويته فِي التَّقْسِيم الأول (مجَاز فِي الثَّالِث) النوعي الدَّال جزئي مَوْضُوع مُتَعَلّقه بِالْقَرِينَةِ (إِذْ لَا يفهم) من إِطْلَاق الْوَضع (بِدُونِ تَقْيِيده) أَي الْوَضع بالمجاز كَأَن يُقَال: وضع الْمجَاز (فَانْدفع) بِهَذَا التَّحْقِيق (مَا قيل) على حد الْحَقِيقَة، وقائله الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ (أَن أُرِيد بِالْوَضْعِ) الْوَضع (الشخصي خرج من الْحَقِيقَة) كثير من الْحَقَائِق (كالمثنى والمصغر) وكل مَا تكون دلَالَته بِحَسب الْهَيْئَة لَا الْمَادَّة لِأَنَّهَا، مَوْضُوعَة بالنوع لَا بالشخص (أَو) أُرِيد بِهِ مُطلق الْوَضع (الْأَعَمّ) من الشخصي والنوعي (دخل الْمجَاز) فِي تَعْرِيف الْحَقِيقَة لِأَنَّهُ مَوْضُوع بالنوع وَحَاصِل الدّفع اخْتِيَار الشق الثَّالِث، وَهُوَ الْمَعْنى الْعرفِيّ الَّذِي يعم الْأَوَّلين: أَعنِي تعْيين اللَّفْظ للدلالة على الْمُسَمّى بِنَفسِهِ (وَظهر اقْتِضَاء الْمجَاز وضعين) وضعا (للفظ) لمسماه الَّذِي يسْتَعْمل فِيهِ حَقِيقَة (و) وضعا (لِمَعْنى نوع العلاقة) أَي لِمَعْنى بَينه وَبَين الْمُسَمّى نوع من العلاقة الْمُعْتَبرَة عِنْد أَرْبَاب الْعَرَبيَّة، والعلاقة بِكَسْر الْعين مَا ينْتَقل الذِّهْن بواسطته عَن الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ إِلَى الْمجَازِي، وَهِي فِي الأَصْل مَا يعلق الشَّيْء بِغَيْرِهِ، وَأما بِفَتْحِهَا فَهُوَ تعلق الْخصم بخصمه، والمحب بمحبوبه: كَذَا قيل، وَفِي الْقَامُوس العلاقة بِالْكَسْرِ: الْحبّ اللَّازِم للقلب، وبالفتح، الْمحبَّة وَنَحْوهَا، وبالكسر فِي السَّوْط وَنَحْوه (وَهِي) أَي العلاقة (بالاستقراء) خَمْسَة: (مشابهة صورية) بَين مَحل الْحَقِيقَة وَالْمجَاز (كإنسان للمنقوش) أَي كمشابهة الْإِنْسَان للصورة المنقوشة فِي الْجِدَار وَغَيره (أَو) مشابهة بَينهمَا (فِي معنى مَشْهُور) أَي صفة غير الشكل ظَاهِرَة الثُّبُوت بِمحل الْحَقِيقَة، لَهَا بِهِ مزِيد اخْتِصَاص وشهرة لينتقل الذِّهْن عِنْد إِطْلَاق اللَّفْظ من الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ إِلَى تِلْكَ الصّفة فِي الْجُمْلَة: فيفهم الْمَعْنى الْمجَازِي بِاعْتِبَار ثُبُوت الصّفة لَهُ (كالشجاعة للأسد) فَإِنَّهَا صفة مَشْهُورَة لَهُ (بِخِلَاف البخر) فَإِنَّهُ غير مَشْهُور بِهِ فَلَا يَصح إِطْلَاق الْأسد على الرجل الأبخر للاشتراك فِي البخر (ويخص) هَذَا النَّوْع من الْمجَاز (بالاستعارة) أَي باسم الِاسْتِعَارَة (فِي عرف) لأهل علم الْبَيَان وَإِن كَانَ كل مجَاز فِيهِ اسْتِعَارَة للفظ من مَحَله الْأَصْلِيّ بِحَسب اللُّغَة بِخِلَاف
(2/6)

ذِي اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل فِيمَا شبه بِمَعْنَاهُ الْأَصْلِيّ لعلاقة المشابهة: وَكَثِيرًا مَا يُطلق على اسْتِعْمَال الْمُشبه بِهِ فِي الْمُشبه، وَمَا عدا هَذَا النَّوْع يُسمى مجَازًا مُرْسلا (والكون) عَلَيْهِ أَي (كَون) الْمَعْنى (الْمجَازِي سَابِقًا) أَي فِي زمَان سَابق متلبسا (بالحقيقي) أَي بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيّ بِنَاء (على اعْتِبَار الحكم) وَإِن لم يكن كَذَلِك بِنَاء على اعْتِبَار حَال الْمُتَكَلّم (كآتوا الْيَتَامَى) أَمْوَالهم، فَإِنَّهُم موصوفون باليتم حَال الْخطاب بِهَذَا الْكَلَام، لكِنهمْ لَيْسُوا بموصوفين بِهِ حَال تعلق الإيتاء بهم: بل هم بالغون راشدون عِنْد ذَلِك، فَالْمُعْتَبر فِي اسْتِعْمَال اللَّفْظ حَال الحكم لِأَنَّهُ لم يذكر إِلَّا ليثبت الحكم لمعناه، فَالْمَعْنى الْمجَازِي لِلْيَتَامَى نظرا إِلَى اعْتِبَار الحكم الْمبلغ، وَقد كَانُوا متلبسين بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيّ وَهُوَ الْيُتْم قبل زمَان الحكم بالإيتاء، وَيحْتَمل أَن يكون قَوْله سَابِقًا خبر الْكَوْن، وَقَوله بالحقيقي حَالا، وعَلى اعْتِبَار الحكم صلَة لسابقا (وَالْأول) أَي كَون الْمَعْنى الْمجَازِي (آيلا إِلَيْهِ) أَي إِلَى الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ (بعده) أَي بعد اعْتِبَار الحكم (وَإِن كَانَ) أَي تحقق الْمَعْنى (الْحَقِيقِيّ حَال التَّكَلُّم) بِالْجُمْلَةِ الْمُشْتَملَة على هَذَا الْمجَاز (كقتلت قَتِيلا، وَإِنَّمَا لم يكن) هَذَا (حَقِيقَة لِأَن المُرَاد) قتلت (حبا) يصير قَتِيلا بعد الْقَتْل، فَكَانَ مجَازًا بِاعْتِبَار أَوله بعد الْقَتْل إِلَى الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ، ثمَّ ظَاهر هَذَا الْكَلَام أَنه لَا بُد من الصيرورة إِلَيْهِ فَلَا يَكْتَفِي بِمُجَرَّد توهمها، وَبِه جزم كثير. وَقَالَ بَعضهم يَكْفِي توهمها، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَكفى) فِي مجَاز الأول (توهمه) أَي الأول إِلَيْهِ (وَإِن لم يكن) أَي وَإِن لم يتَحَقَّق الأول إِلَيْهِ (كعصرت خمرًا فأريقت فِي الْحَال، وَكَونه) أَي الْحَقِيقِيّ الَّذِي يؤول إِلَيْهِ ثَانِيًا (لَهُ) أَي للمعنى الْمجَازِي ثبوتا (بِالْقُوَّةِ) حَاصله (الاستعداد) أَي كَون الْمَعْنى الْمجَازِي مستعدا لحُصُول الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ لَهُ (فيساوي) هَذَا الْكَوْن الْمعِين بالاستعداد (الأول على) سَبِيل (التَّوَهُّم) على قَول من يَكْتَفِي بِهِ، إِذْ لَا يلْزم من مُجَرّد الاستعداد الْحُصُول والمناقشة بِأَن توهم إتصاف الشَّيْء بالشَّيْء لَا يسْتَلْزم استعداده فِي نفس الْأَمر لَا يلائم هَذَا الْمقَام (وعَلى اعْتِبَار حَقِيقَة الْحُصُول لَا) يُسَاوِي الاستعداد الأول: بل الاستعداد أَعم (فَهُوَ) أَي اعْتِبَار تحقق الصيرورة إِلَيْهِ فِي الأول (أولى) لِأَنَّهُ من العلاقات وَالْأَصْل فِيهَا عدم الِاتِّحَاد (وَيصرف الْمِثَال) أَي عصرت خمرًا فأريقت فِي الْحَال (للاستعداد) لَا للْأولِ لوُجُود التَّوَهُّم فِيهِ، دون التحقق (والمجاورة) وَهَذِه هِيَ العلاقة الْخَامِسَة (وَمِنْهَا) أَي من الْمُجَاورَة (الْجُزْئِيَّة للمنتفى عرفا بانتفائه) أَي كَون الشَّيْء جُزْءا للشَّيْء الَّذِي يَنْتَفِي عرفا بِانْتِفَاء ذَلِك الْجُزْء، وَإِنَّمَا قَالَ عرفا، لِأَن انْتِفَاء الْمركب من الشَّيْء وَغَيره بِانْتِفَاء ذَلِك الشَّيْء ضرورى غير أَنه لَا يُقَال عرفا بِانْتِفَاء بعض الْأَجْزَاء انْتَفَى ذَلِك الشئ كَمَا إِذا انْتَفَى ظفر زيد مثلا لَا يُقَال انْتَفَى زيد عرفا (كالرقبة) فَإِنَّهَا جُزْء للذات وَهِي تَنْتفِي بانتفائها، فَيجوز ذكرهَا وَإِرَادَة
(2/7)

الذَّات كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - {فَتَحْرِير رَقَبَة} - (لَا الظفر) أَي وَلَيْسَ الظفر بِالنِّسْبَةِ إِلَى الذَّات كَذَلِك لما ذكر فَلَا يَصح إِطْلَاقه عَلَيْهَا (بِخِلَاف) اسْتِعْمَال (الْكل فِي الْجُزْء) فَإِنَّهُ يَصح مُطلقًا، وَلَا يشْتَرط فِيهِ أَن يكون الْجُزْء بِهَذِهِ المثابة (وَمِنْه) أَي من إِطْلَاق اسْم الْكل على الْجُزْء (الْعَام لفرده) أَي ذكر الْعَام لإِرَادَة فَرد مِنْهُ كَقَوْلِه تَعَالَى {الَّذين قَالَ لَهُم النَّاس} بِنَاء على أَن المُرَاد بِالنَّاسِ نعيم بن مَسْعُود الْأَشْجَعِيّ كَمَا ذكره ابْن عبد الْبر عَن طَائِفَة من الْمُفَسّرين وَابْن سعد فِي الطَّبَقَات وَجزم بِهِ السُّهيْلي، وَمَا قيل من أَنه من بَاب الْكُلِّي والجزئي لَا من بَاب الْكل والجزء مَدْفُوع بِمَا ذكر فِي أول مبَاحث الْعَام (و) مِنْهُ (قلبه) أَي إِطْلَاق فَرد من الْعَام على الْعَام نَحْو (علمت نفس) فَإِن المُرَاد كل نفس (والذهنية) أَي وَمن الْمُجَاورَة الْمُجَاورَة الْجُزْئِيَّة الذهنية (كالمقيد على الْمُطلق كالمشفر) بِكَسْر الْمِيم، وَهُوَ شفة الْبَعِير (على الشّفة مُطلقًا ولاجتماع الاعتبارين) التَّشْبِيه والمجاورة الذهنية من حَيْثُ الْإِطْلَاق وَالتَّقْيِيد (صَحَّ) إِطْلَاق المشفر على شفة الْإِنْسَان (اسْتِعَارَة) إِذا قصد تشبيهها بمشفر الْإِبِل فِي الْغَلَط كَمَا صَحَّ أَن يكون مجَازًا مُرْسلا من بَاب إِطْلَاق الْمُقَيد على الْمُطلق (وَقَلبه) أَي إِطْلَاق الْمُطلق على الْمُقَيد (وَالْمرَاد أَن يُرَاد خُصُوص الشَّخْص) كزيد (باسم الْمُطلق) كَرجل (وَهُوَ) أَي القَوْل بِأَن هَذَا مجَاز لبَعض الْمُتَأَخِّرين (مستحدث، والغلط) فِيهِ جَاءَ (من ظن) أَن المُرَاد بِوُقُوع (الِاسْتِعْمَال فِيمَا وضع لَهُ) وُقُوعه (فِي نفس الْمُسَمّى) الْكُلِّي (لَا) فِي (أَفْرَاده) فاستعماله فِي فَرد الْمُسَمّى من حَيْثُ الخصوصية الشخصية اسْتِعْمَال فِيمَا وضع لَهُ مَعَ زِيَادَة أَمر آخر، وَهُوَ الشَّخْص والمركب مِمَّا وضع لَهُ وَغَيره مُغَاير لما وضع لَهُ، فَيكون مجَازًا (ويلزمهم أَن أَنا) حَال كَونه صادرا (من مُتَكَلم خَاص وَهَذَا) حَال كَونه مُشْتَمِلًا (لمُعين مجَاز) خبر أَن، لِأَن كلا مِنْهُمَا مَوْضُوع لِمَعْنى كلي فاستعماله فِي جُزْء من حَيْثُ إِنَّه جُزْء اسْتِعْمَال فِي غير مَا وضع لَهُ، وعَلى هَذَا رَأْي الْمُتَقَدِّمين وَأما على رَأْي الْمُتَأَخِّرين فَهُوَ مَوْضُوع لكل وَاحِد من خصوصيات الْمَفْهُوم الْكُلِّي فالوضع عَام لكَون آلَة مُلَاحظَة الْأَشْخَاص مفهوما عَاما، والموضوع لَهُ خَاص على مَا حقق فِي مَوْضِعه (وَكثير) مَعْطُوف على مَحل اسْم أَن الْمُتَقَدّم الْمَبْنِيّ، وَذَلِكَ كَسَائِر الْمُضْمرَات والموصولات (والاتفاق) أَي اتِّفَاق الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين (على نَفْيه) أَي نفي كَون اسْتِعْمَال الْمَذْكُورَات فِي الخصوصيات مجَازًا، أما فِي المبهمات على رَأْي الْمُتَأَخِّرين فَظَاهر، وَأما على رَأْي غَيرهم فَلَمَّا سيشير إِلَيْهِ بقوله (فَإِنَّمَا هُوَ) أَي اسْتِعْمَال الْمُطلق فِي فَرد مِنْهُ (حَقِيقَة كَمَا ذكرنَا أول الْبَحْث، و) من الْمُجَاورَة (كَونهمَا) أَي الْحَقِيقِيّ والمجازي (عرضين فِي مَحل) وَاحِد (كالحياة للْعلم) أَي المستعملة فِي الْعلم بِهَذِهِ العلاقة (أَو) كَونهمَا عرضين (فِي محلين متشابهين ككلام السُّلْطَان) الْمُسْتَعْمل (لكَلَام
(2/8)

وزيره) فَإِن مَحل الْكَلَامَيْنِ وَإِن لم يَكُونَا متحدين: لكنهما متشابهان فِي نَفاذ الحكم وَغَيره (أَو) كَونهمَا (جسمين فيهمَا) أَي فِي محلين متشابهين (كالرواية للمزادة) وَهِي فِي الأَصْل اسْم للبعير الَّذِي يحمل المزادة: أَي المزود الَّذِي يَجْعَل فِيهِ الزَّاد: أَي الطَّعَام للسَّفر كَذَا ذكره الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ. وَقَالَ السَّيِّد الشريف: والمزادة ظرف المَاء يستقى بِهِ على الدَّابَّة الَّتِي تسمى راوية. قَالَ أَبُو عبيد: لَا تكون المزادة إِلَّا من جلدين تفأم بجلد ثَالِث بَينهمَا لتتسع وَجَمعهَا المزاود والمزايد، وَأما الظّرْف الَّذِي يَجْعَل فِيهِ الزَّاد فَهُوَ المزود وَجمعه المزاود (وكونهما) أَي الْحَقِيقِيّ والمجازي (متلازمين ذهنا) بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ (كالسبب للمسبب) نَحْو: رعينا الْغَيْث مرَادا بِهِ النَّبَات الَّذِي سَببه الْغَيْث (وَقَلبه) أَي إِطْلَاق اسْم الْمُسَبّب على السَّبَب (وَشَرطه) أَي شَرط قلبه (عِنْد الْحَنَفِيَّة الِاخْتِصَاص) أَي اخْتِصَاص الْمُسَبّب بِالسَّبَبِ (كإطلاق الْمَوْت على الْمَرَض) المهلك (والنبت على الْغَيْث) والاختصاص بِحَسب الْأَغْلَب، فَلَا يرد أَن الْمَوْت قد يَقع بِدُونِ الْمَرَض والنبت قد ينْبت بِدُونِ الْغَيْث (والملزوم على اللَّازِم كنطقت الْحَال) أَي دلّت فَإِن النُّطْق ملزوم الدَّالَّة وَقَلبه كشد الْإِزَار الاعتزال النِّسَاء كَقَوْلِه:
(قوم إِذا حَاربُوا شدو مآزرهم ... دون النِّسَاء وَلَو باتت باطهار)

(أَو) متلازمين (خَارِجا: كالغائط على الفضلات) لِأَن الْغَائِط وَهُوَ الْمَكَان المنخفض من الأَرْض مِمَّا يقْصد عَادَة لإزالتها (وَهُوَ) أَي إِطْلَاق الْغَائِط عَلَيْهَا (الْمحل) أَي إِطْلَاق الْمحل (على الْحَال، وَقَلبه) أَي الْحَال على الْمحل كَقَوْلِه تَعَالَى - {وَأما الَّذين ابْيَضَّتْ وُجُوههم فَفِي رَحْمَة الله} - الَّتِي هِيَ الْجنَّة الَّتِي تحل فِيهَا الرَّحْمَة (وأدرج فِي) التجاور (الذهْنِي أحد المتقابلين فِي الآخر) فَإِن بَينهمَا مجاورة فِي الْجنان، حَتَّى أَن الذِّهْن ينْتَقل من مُلَاحظَة السوَاد مثلا إِلَى الْبيَاض (وَمنع) الإدراج الْمَذْكُور (بامتناع إِطْلَاق الْأَب على الابْن) مَعَ أَن بَينهمَا تقَابل التضايف ومجاورة فِي الْوُجُود ذهنا وخارجا (وَإِنَّمَا هُوَ) أَي إِطْلَاق أحد المتقابلين على الآخر (من قبيل الِاسْتِعَارَة بتنزيل التضاد منزلَة التناسب لتمليح) أَي إتْيَان بِمَا فِيهِ ملاحة وظرافة (أَو تهكم) أَي سخرية واستهزاء (أَو تفاؤل كالشجاع على الجبان) فَإِنَّهُ إِن كَانَ الْغَرَض مِنْهُ مُجَرّد الملاحة، لَا السخرية فتمليح، وَإِلَّا فتهكم (والبصير على الْأَعْمَى) وَهُوَ صَالح للْكُلّ، وَالْفرق بَينهمَا بِحَسب الْمقَام (أَو) متلازمين (لفظا) بِمَعْنى إِذا ذكر الْمَوْضُوع لَهُ معبرا عَنهُ باسمه ذكر الْمَعْنى الْمجَازِي معبرا عَنهُ باسم الْمَوْضُوع لَهُ غَالِبا على سَبِيل المشاكلة، فَيكون بَين اللَّفْظَيْنِ تلازم والتغاير بَينهمَا اعتباري بِاعْتِبَار الْمُسْتَعْمل فِيهِ كَقَوْلِه تَعَالَى {وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة} أطلق السَّيئَة على الْجَزَاء مَعَ أَنه حسن لوُقُوعه فِي صحبتهَا، وَقد يُقَال إِنَّمَا سمى جزاؤها سَيِّئَة لِأَنَّهُ يسوء من ينزل بِهِ، فعلى
(2/9)

هَذَا لَيْسَ مِمَّا نَحن فِيهِ (وَمَا ذكر من) كَون (الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان من العلاقة مُنْتَفٍ) لما مر من أَنه حَقِيقَة (وَالْمجَاز) أَي إِطْلَاق لفظ الْمجَاز (فِي متعلقهما) أَي الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان (مجَاز) لعدم اسْتِعْمَاله فِي غير مَا وضع لَهُ، والعلاقة المشابهة فِي التَّعَدِّي من أَمر أُصَلِّي إِلَى غير أُصَلِّي (ويجمعها) أَي العلاقات (قَول فَخر الْإِسْلَام اتِّصَال) بَينهمَا (صُورَة أَو معنى) لِأَن كل مَوْجُود لَهُ صُورَة وَمعنى، لَا ثَالِث لَهما والعلاقة اتِّصَال: وَهُوَ إِمَّا بَين الصُّورَتَيْنِ وَإِمَّا بَين الْمَعْنيين (زَاد) فَخر الْإِسْلَام فِي نُسْخَة (فِي الصورى) أَي قَالَ بعد قَوْله اتِّصَال صُورَة (لَا تدخله شُبْهَة الِاتِّحَاد) بَين طرفِي الِاتِّصَال (فَانْدفع) بِهَذَا (لُزُوم إِطْلَاق بعض الْأَعْضَاء على بعض) فَإِن الِاتِّصَال بَينهمَا تدخله شُبْهَة الِاتِّحَاد بِاعْتِبَار الصُّورَة الاجتماعية، حَتَّى يُقَال للمجموع شخص وَاحِد (وَلم يحققوا علاقَة التغليب). قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ: وَأما بَيَان مجازية التغليب والعلاقة فِيهِ وَأَنه من أَي أَنْوَاعه فَمَا لم أر أحدا حام حوله (ولعلها) أَي العلاقة (فِي العمرين) لأبي بكر وَعمر (المشابهة سيرة) فِيمَا يتَعَلَّق بخلافة النُّبُوَّة (وخصوص الْمُغَلب) أَي تعْيين كَون الْمُغَلب اسْم عمر مَعَ أَن العلاقة الْمَذْكُورَة لَا تعين أحد الاسمين بِخُصُوصِهِ للتغليب (للخفة) فَإِن لفظ عمر أخف من لفظ أبي بكر (وَهُوَ) أَي تَغْلِيب لفظ عمر على لفظ أبي بكر (عكس التَّشْبِيه) فَإِن شَأْن التَّشْبِيه أَن يُغير اسْم مَا هُوَ أَعلَى فِي وَجه التَّشَبُّه عَمَّا هُوَ أدنى فِيهِ (و) العلاقة (فِي القمرين الإضاءة، وَالْخُصُوص) أَي وخصوص الْمُغَلب وَهُوَ تَخْصِيص لفظ الْقَمَر، فَإِن كَانَ لفظ الْقَمَر أخف (للتذكير) فَإِن الْقَمَر مُذَكّر وَالشَّمْس مؤنث (منكوسا) أَي معكوسا بِالنّظرِ إِلَى التَّشْبِيه فَإِن الشَّمْس هِيَ الْمُشبه بِهِ (وَأما الخافقان فَلَا تَغْلِيب) فِيهِ بِنَاء (على أَنه) أَي الخافق مَوْضُوع (للضدين وَقد نقل) كَونه لَهما. قَالَ ابْن السّكيت: الخافقان أفقا الْمشرق وَالْمغْرب لِأَن اللَّيْل وَالنَّهَار يخفقان فيهمَا: أَي يضطربان وَهُوَ معنى مَا قيل هما الهوا آن المحيطان بجانبي الأَرْض جَمِيعًا. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: هما طرفا السَّمَاء وَالْأَرْض، وَأما من جعل الخافق حَقِيقَة فِي الْمغرب، من خَفَقت النُّجُوم إِذا غَابَتْ، لِأَنَّهُ تحقق مِنْهُ الْكَوَاكِب تلمع فقد غلب أَحدهمَا على الآخر.
(تَنْبِيه: يُقَال) أَي يُطلق (الْحَقِيقَة وَالْمجَاز على غير الْمُفْرد بالاشتراك الْعرفِيّ، فعلى الْإِسْنَاد) أَي فَيُقَال عَلَيْهِ (عِنْد قوم) كصاحب التَّلْخِيص (وعَلى الْكَلَام على) اصْطِلَاح (الْأَكْثَر) مِنْهُم الشَّيْخ عبد القاهر والسكاكي (وَهُوَ) أَي إطلاقهما على الْكَلَام (أقرب) من إطلاقهما على الْإِسْنَاد، وَيَأْتِي وَجهه (فالحقيقة الْجُمْلَة الَّتِي أسْند فِيهَا الْفِعْل أَو مَعْنَاهُ) من الْمصدر وَاسم الْفَاعِل وَالْمَفْعُول وَالصّفة المشبهة، وَاسم التَّفْضِيل والظرف (إِلَى مَا) أَي شَيْء (هُوَ) أَي الْفِعْل أَو مَعْنَاهُ (لَهُ) أَي لذَلِك الشَّيْء: كالفاعل فِيمَا بني لَهُ وَالْمَفْعُول فِيمَا بني لَهُ، وَمعنى كَونه أَن يكون
(2/10)

مَعْنَاهُ قَائِما بِهِ ووصفا لَهُ وَحقه أَن يسند إِلَيْهِ سَوَاء كَانَ بِاخْتِيَارِهِ كضرب أَولا كمات (عِنْد الْمُتَكَلّم) مُتَعَلق لَهُ: أَي فِي اعْتِقَاده وَزَادُوا على هَذَا قيد فِي الظَّاهِر ليدْخل فِيهِ مَا يفهم من كَلَام ظَاهر كَلَامه أَي اعْتِقَاده أَنه لَهُ، وَلَيْسَ فِي نفس الْأَمر اعْتِقَاده كَذَلِك كَمَا دخل بقوله عِنْد الْمُتَكَلّم مَا لَيْسَ لَهُ فِي نفس الْأَمر، لكنه لَهُ عِنْد الْمُتَكَلّم، وَعند المُصَنّف رَحمَه الله أَنه لَا حَاجَة إِلَى زِيَادَة هَذَا الْقَيْد وَلذَا قَالَ (وَلَا حَاجَة إِلَيّ فِي الظَّاهِر لِأَن الْمُعَرّف) على صِيغَة الْمَجْهُول (الْحَقِيقَة فِي نَفسهَا) يَعْنِي الْمَذْكُور فِي التَّعْرِيف بِدُونِ قيد فِي الظَّاهِر كَاف فِي تَصْوِير مَاهِيَّة الْحَقِيقَة من حَيْثُ هِيَ، وَإِنَّمَا الْحَاجة إِلَى الْقَيْد الْمَذْكُور فِي الحكم بِأَن الْإِسْنَاد الَّذِي دلّ عَلَيْهِ كَلَام الْمُتَكَلّم هَل هُوَ مُعْتَقد الْمُتَكَلّم ليتَحَقَّق هُنَاكَ فَرد من الْحَقِيقَة، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (ثمَّ الحكم بوجودها) أَي الْحَقِيقَة (بدليله) أَي الْوُجُود فشيء آخر (غير ذَلِك) أَي غير الْحَقِيقَة فِي نَفسهَا، وَيلْزم من هَذَا أَنه إِذا ظهر لنا من ظَاهر حَال الْمُتَكَلّم أَن الْفِعْل لهَذَا الْفَاعِل فِي اعْتِقَاده وَلَيْسَ كَذَلِك فِي نفس الْأَمر لم يتَحَقَّق هُنَاكَ فَرد الْحَقِيقَة فِي نفس الْأَمر، وَإِن كَانَ فِي ظننا أَنه تحقق ويلتزمه المُصَنّف رَحمَه الله، لكنه بَقِي شَيْء: وَهُوَ أَن نَحْو زيد إِنْسَان جسم خَارج، مَعَ أَن ظَاهر كَلَام الشَّيْخ عبد القاهر والسكاكي أَنه حَقِيقَة لَا تدخل فِي التَّعْرِيف، وَذهب صَاحب التَّلْخِيص إِلَى أَنه لَيْسَ بِحَقِيقَة وَلَا مجَاز (وَالْمجَاز) الْجُمْلَة الَّتِي أسْند فِيهَا الْفِعْل أَو مَعْنَاهُ (إِلَى غَيره) أَي غير مَا هُوَ لَهُ عِنْد الْمُتَكَلّم (لمشابهة الملابسة) بَين الْفِعْل أَو مَعْنَاهُ، وَبَين غير مَا هُوَ لَهُ: يَعْنِي ينزل غير مَا هُوَ لَهُ فِي مَوضِع مَا هُوَ لَهُ لِكَوْنِهِمَا متشاركين فِي معنى الملابسة: يَعْنِي كَمَا أَن الْفِعْل أَو مَا فِي مَعْنَاهُ ملابس لما هُوَ لَهُ كَذَلِك ملابس لذَلِك الْغَيْر (أَو الْإِسْنَاد كَذَلِك) مَعْطُوف على قَوْله الْجُمْلَة الخ: أَي الْحَقِيقَة أما أَن تفسر بِالْجُمْلَةِ الْمَذْكُورَة، وَإِمَّا أَن تفسر بِإِسْنَاد الْفِعْل أَو مَعْنَاهُ إِلَى مَا هُوَ لَهُ عِنْد الْمُتَكَلّم، وعَلى هَذَا الْقيَاس تَعْرِيف الْمجَاز (وَالْأَحْسَن فيهمَا) أَي فِي تعريفي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز أَن يُقَال (مركب) نسب فِيهِ أَمر إِلَى مَا هُوَ لَهُ عِنْد المتكل، أَو إِلَى غير مَا هُوَ لَهُ عِنْده لمشابهة الملابسة (وَنسبَة ليدْخل) الْمركب (الإضافي) فِي نَحْو (إنبات الرّبيع) فَإِنَّهُ لَا يدْخل فِي تعريفهم لعدم الْإِسْنَاد فِيهِ، وَمِنْه - شقَاق بَينهمَا} - ومكر اللَّيْل وَالنَّهَار، وَذَلِكَ لشمُول النِّسْبَة التَّامَّة وَغير التَّامَّة بِخِلَاف الْإِسْنَاد، وَإِنَّمَا قَالَ الْأَحْسَن، لجَوَاز سهل الْإِسْنَاد على الْمَعْنى الْأَعَمّ وَإِن كَانَ خلاف الظَّاهِر، وَأَيْضًا لَا مساحة فِي الِاصْطِلَاح، وَزَاد السكاكي فِي تَعْرِيف الْمجَاز قَوْله بِضَرْب من التَّأْوِيل لِئَلَّا ينْتَقض بِمَا إِذا قصد الْمُتَكَلّم صُدُور الْكَذِب عَنهُ فيسند إِلَى غير مَا هُوَ لَهُ عِنْده من غير مُلَاحظَة الملابسة الْمَذْكُورَة فَإِنَّهُ لَيْسَ بمجاز، وَالْمُصَنّف رَحمَه الله أخرجه بقوله لمشابهته الملابسة وَلَا يخفى أَنه غير دَاخل فِي الْحَقِيقَة أَيْضا فَيبقى وَاسِطَة بَينهمَا (ويسميان) أَي هَذِه الْحَقِيقَة وَهَذَا الْمجَاز (عقليين) لِأَن
(2/11)

الْحَاكِم بِأَنَّهُ ثَابت فِي مَحَله أَو مجَاز عَنهُ إِنَّمَا هُوَ الْعقل لَا الْوَضع كَمَا فِي اللغوين (وَوجه الأقربية) أَي أقربية إِطْلَاق الْحَقِيقَة وَالْمجَاز على الْكَلَام من إطلاقهما على الْإِسْنَاد (اسْتِقْرَار أَنه) أَي الْوَصْف بهما (للفظ) يَعْنِي قد اسْتَقر فِي الأذهان أَنَّهُمَا من أَوْصَاف اللَّفْظ (والمركب) بِاعْتِبَار هَيئته النوعية (مَوْضُوع للتركيبي) أَي للمعنى التركيبي وضعا (نوعيا) لِأَن الْمَوْضُوع والموضوع لَهُ لَو حظا فِي هَذَا الْوَضع: يَعْنِي أَنه كلي (بدل أَفْرَاده) يَعْنِي أَن الْمركب الْمَذْكُور كلي، وكل مركب خَاص فَرد من أَفْرَاده وَكَذَلِكَ الْمَعْنى التركيبي، وَالْمَقْصُود وضع كل مركب خَاص بِإِزَاءِ معنى تركيبي خَاص، وتفصيل هَذِه الأوضاع غير مُمكن، فَجعل آلَة مُلَاحظَة الخصوصيات عنوان الْمركب الْكُلِّي وَآلَة مُلَاحظَة الْمعَانِي التركيبية عنوانا آخر مثله، فوضعوا ذَلِك لأفراد هَذَا دفْعَة وَاحِدَة، فَصَارَ هَذَا الْوَضع الْكُلِّي الإجمالي بدل وضع الْأَفْرَاد للإفراد تَفْصِيلًا (بِلَا قرينَة) مُتَعَلق بِالْوَضْعِ الْمَذْكُور: أَي وضع الْمركب الْمَذْكُور للدلالة على الْمَعْنى التركيبي بِنَفسِهِ بِلَا قرينَة، وَفِي نُسْخَة الشَّارِح تدل إِفْرَاده بِلَا قرينَة من الدّلَالَة وَهُوَ الأوفق بِمَا سبق، فالمجاز مُتَعَلق بِالدّلَالَةِ (فَهِيَ) أَي تِلْكَ المركبات من المستعملة فِيمَا وضعت لَهَا بِلَا قرينَة (حقائق فَإِذا اسْتعْمل) الْمركب (فِيمَا) أَي فِي معنى غير مَا وضع لَهُ حَال كَونه متلبسا (بهَا) أَي بِالْقَرِينَةِ (فمجاز) أَي فَذَلِك الْمركب مجَاز (و) يُسمى (الْأَوَّلَانِ) أَي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فِي الْمُفْرد (لغويين تعميما للغة فِي الْعرف) بِأَن يُرَاد بهَا معنى عَام يتَحَقَّق فِي عرف أَرْبَاب الْعَرَبيَّة وَغَيرهم أَو الْمَعْنى أَن التَّعْمِيم إِنَّمَا هُوَ فِي الْعرف (وتوصف النِّسْبَة بهما) أَي بِالْحَقِيقَةِ وَالْمجَاز فَيُقَال: نِسْبَة حَقِيقَة وَنسبَة مجَاز (وتنسب) النِّسْبَة إِلَيْهِمَا، فَيُقَال نِسْبَة حَقِيقِيَّة وَنسبَة مجازية (لنسبتها) أَي لأجل نِسْبَة النِّسْبَة (إِلَى الْحَقِيقَة وَالْمجَاز) لَا يظْهر وَجه لوضع الْمظهر مَوضِع الْمُضمر إِلَّا أَن يُقَال: المُرَاد بهما هَهُنَا غير مَا أُرِيد بهما أَولا: أَي الثَّابِت فِي مَحَله والمجاوز عَنهُ فَيكون نِسْبَة النِّسْبَة إِلَيْهِمَا من قبيل نِسْبَة الْأَخَص إِلَى الْأَعَمّ (واستبعاده) قَالَ الشَّارِح: أَي الْمجَاز الْعقلِيّ والأولي: أَي وصف النِّسْبَة بهما (باتحاد جِهَة الْإِسْنَاد) كَمَا ذكره ابْن الْحَاجِب من أَنه لَيْسَ للإسناد جهتان: جِهَة الْحَقِيقَة، وجهة الْمجَاز كالأسد، وَالْمجَاز لَا يتَحَقَّق إِلَّا عِنْد اخْتِلَاف الْجِهَتَيْنِ، وَفِي الشَّرْح العضدي: فَإِن قلت فقد قَالَ عبد القاهر فِي نَحْو أحياني اكتحالي بطلعتك: أَن الْمجَاز فِي الْإِسْنَاد فَإِن موجد الشرور هُوَ الله قُلْنَا هَذَا بعيد لِاتِّحَاد جِهَة الْإِسْنَاد، فَإِنَّهُ لَا فرق فِي اللُّغَة بَين قَوْلك سرني رؤيتك، وَمَات زيد وَضرب عَمْرو، فَإِن جِهَة الْإِسْنَاد وَاحِدَة لَا يخْطر بالبال عِنْد الِاسْتِعْمَال غَيرهَا. وَقَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ فِي حَاشِيَة عَلَيْهِ فِي منع كَون أَمْثَال هَذِه الصُّور من قبيل الْمجَاز إِلَّا بِاعْتِبَار الْمُفْردَات، وَهَذَا حق فِي مثل: شابت لمة اللَّيْل، لِأَن اللمة مجَاز عَن سَواد أَجزَاء اللَّيْل، والشيب الْبيَاض فِيهِ
(2/12)

بِخِلَاف قَامَت الْحَرْب على سَاق، فَإِنَّهُ تَمْثِيل لحَال الْحَرْب بِحَال من يقوم على سَاقه لَا يقْعد وَلَا مجَاز فِي شَيْء من مفرداته وَبِالْجُمْلَةِ المركبات مَوْضُوعَة بِإِزَاءِ مَعَانِيهَا التركيبة وضعا نوعيا بِحَيْثُ يدل عَلَيْهَا بِلَا قرينَة، فَإِن اسْتعْملت فِيهَا فحقائق وَإِلَّا فمجازات، وَهَذَا غير الْإِسْنَاد الْمجَازِي الَّذِي يَقُول بِهِ عبد القاهر وَمن تبعه من الْمُحَقِّقين، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْء من اسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي غير مَا وضع لَهُ، بل مَعْنَاهُ أَن حق الْفِعْل بِحكم الْعقل أَن يسند إِلَى مَا هُوَ لَهُ فإسناده إِلَى غير مَا هُوَ لَهُ مجَاز عَقْلِي واتحاد جِهَة الْإِسْنَاد بِحَسب الْوَضع، واللغة لَا يُنَافِي ذَلِك وَإِنَّمَا يُنَافِيهِ اتِّحَاد جِهَته بِحَسب الْعقل وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن إِسْنَاد الْفِعْل إِلَى مَا هُوَ متصف بِهِ محلا لَهُ فِي الْمَبْنِيّ للْفَاعِل ومتعلقا لَهُ فِي الْمَبْنِيّ للْمَفْعُول فَمَا يَقْتَضِيهِ الْعقل ويرتضيه، وَفِي غير ذَلِك مِمَّا يأباه إِلَّا بِتَأْوِيل، وَلِهَذَا قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق وَالَّذِي يزِيل الْوَهم بِالْكُلِّيَّةِ أَن يَجْعَل الْفِعْل مجَازًا وضعيا عَمَّا يَصح عِنْد الْعقل إِسْنَاده إِلَى الْفَاعِل الْمَذْكُور: وَهُوَ التَّسَبُّب العادي فَيكون أنبت مجَازًا عَن تسبب فِي الإنبات، وَصَامَ عَن تسبب فِي الصَّوْم إِلَى غير ذَلِك، وَهَذَا مُشكل فِيمَا أسْند إِلَى الْمصدر مثل جد جده، وَبِالْجُمْلَةِ كَلَام المُصَنّف فِي هَذَا الْمقَام يدل على قصر بَاعه فِي علم الْبَيَان انْتهى، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (بعيد إِذْ لَا يمْنَع اتحاده) أَي الْإِسْنَاد (بِحَسب الْوَضع) اللّغَوِيّ (انقسامه) أَي الْإِسْنَاد (عقلا إِلَى مَا هُوَ للمسند إِلَيْهِ) فَيكون حَقِيقَة (و) إِلَى (مَا لَيْسَ لَهُ) أَي للمسند إِلَيْهِ فَيكون مجَازًا (ثمَّ) لَا يمْنَع (وضع الِاصْطِلَاح) كَذَلِك بِأَن يُسمى الْإِسْنَاد إِلَى مَا هُوَ لَهُ حَقِيقَة، وَإِلَى غير مَا هُوَ لَهُ مجَازًا (والطرفان أَي الْمسند والمسند إِلَيْهِ، أَو الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ فِي الْمجَاز الْعقلِيّ (حقيقان كأشاب الصَّغِير الْبَيْت) أَي وأفنى الْكَبِير كرّ الْغَدَاة وَمر العشى، فَإِن كلا من الإشابة والإفناء مُسْتَعْمل فِي حَقِيقَته (أَو مجازان كأحياني اكتحالي بطلعتك) فَإِن المُرَاد بِالْإِحْيَاءِ: السرُور وبالاكتحال الرُّؤْيَة (أَو أَحدهمَا) نَحْو أَحْيَا الرّبيع الأَرْض، فَإِن المُرَاد بِالْإِحْيَاءِ الْمَعْنى الْمجَازِي وَهُوَ تهييج القوى النامية فِيهَا وأحداث نضارتها بالنبات كَمَا أَن الْحَيَاة صفة تَقْتَضِي الْحس وَالْحَرَكَة وبالربيع حَقِيقَته وكسا الْبَحْر الْفَيَّاض الْكَعْبَة: يَعْنِي الشَّخْص الْجواد وكسا مُسْتَعْمل فِي حَقِيقَته (وَقد يرد) الْمجَاز الْعقلِيّ (إِلَى التَّجَوُّز بالمسند) حَال كَونه مُسْتَعْملا (فِيمَا تصح نسبته) إِلَى الْمسند إِلَيْهِ بِقَرِينَة صارفة عَن كَونه مُسْندًا إِلَى مَا هُوَ لَهُ وقرينة مُعينَة لما اسْتعْمل فِيهِ مَا يَصح إِسْنَاده إِلَى الْفَاعِل الْمَذْكُور لكَونه وَصفا لَهُ أَو مُتَعَلقا بِهِ فِي نفس الْأَمر، والراد هُوَ ابْن الْحَاجِب (وَإِلَى كَون الْمسند إِلَيْهِ اسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ) مَعْطُوف على قَوْله إِلَى التَّجَوُّز، وَالتَّقْدِير وَقد يرد الْمجَاز الْعقلِيّ إِلَى كَون الْمسند إِلَيْهِ اسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ على مَا هُوَ مصطلح السكاكي، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (كالسكاكي) أَي كرد السكاكي (وَلَيْسَ) الرَّد إِلَى كَونه اسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ على اصْطِلَاحه مغنيا) عَن الرَّاد شَيْئا فِيمَا هُوَ
(2/13)

بصدده من رد الْإِسْنَاد الْمجَازِي إِلَى الْحَقِيقِيّ (لِأَنَّهَا) أَي الِاسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ عَن رَأْيه (إِرَادَة الْمُشبه بِهِ بِلَفْظ الْمُشبه) فِيهِ مُسَامَحَة، وَالْمرَاد لفظ الْمُشبه المُرَاد بِهِ الْمُشبه بِهِ (بادعائه) أَي بادعاء كَون الْمُشبه (من أَفْرَاده) أَي الْمُشبه بِهِ فيدعي أَن اسْم الْمنية فِي أنشبت الْمنية أظفارها اسْم للسبع مرادف لَهُ بِتَأْوِيل، وَهُوَ أَن الْمنية يَدعِي دُخُولهَا فِي جنس السبَاع مُبَالغَة فِي التَّشْبِيه: فَالْمُرَاد بِالنِّيَّةِ السَّبع بادعاء سبعيتها (فَلم يخرج) الْإِسْنَاد الْمَذْكُور (عَن كَون الْإِسْنَاد إِلَى غير من هُوَ لَهُ) عِنْد الْمُتَكَلّم إِلَى كَونه إِلَى من هُوَ لَهُ: فَإِن نِسْبَة إنشاب الْأَظْفَار إِلَى الْمنية لَا تصير نسبته إِلَى من هُوَ لَهُ بِمُجَرَّد أَن يَدعِي لَهَا السبعية: لِأَن السَّبع الادعائي لَيْسَ بِسبع حَقِيقِيّ وَلَا تصير نسبته إِلَى مَا هُوَ لَهُ إِلَّا بِكَوْن الْمنية سبعا حَقِيقِيًّا، وَذَلِكَ محَال (وَقد يعْتَبر) الْمجَازِي الْعقلِيّ (فِي الْهَيْئَة التركيبية الدَّالَّة على التَّلَبُّس الفاعلي، وَلَا مجَاز فِي الْمُفْردَات) كَمَا نسب إِلَى الشَّيْخ عبد القاهر، وَأنكر الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ أَن يكون قولا لأحد من عُلَمَاء الْبَيَان اعْتِبَار الْمجَاز الْعقلِيّ فِيمَا ذكر إِنَّمَا كَانَ فِي النِّسْبَة والمركب، وَهَهُنَا إِنَّمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَة الْعَارِضَة على الْمركب الدَّالَّة على النِّسْبَة الْقَائِمَة بَين الْفِعْل وَمَا قَامَ بِهِ من حَيْثُ أسْند فِيهِ إِلَى غير مَا يَقْتَضِي الْعقل إِسْنَاده إِلَيْهِ تَشْبِيها لَهُ بالفاعل الْحَقِيقِيّ، فَشبه تلبس الْغَيْر الفاعلي بالتلبس الفاعلي (فَهُوَ) أَي الْمجَاز (اسْتِعَارَة تمثيلية) وَهِي أَن يستعار الدَّال على هَيْئَة منتزعة من أُمُور من تِلْكَ الْهَيْئَة لهيئة أُخْرَى منتزعة من أُمُور أخر كَمَا إِذا شبهت هَيْئَة تردد الْمَعْنى فِي حكم بهيئة تردد من قَامَ ليذْهب، وَقلت أَرَاك أَيهَا الْمُفْتِي تقدم رجلا وتؤخر أُخْرَى لَيْسَ فِي شَيْء من هَذِه الْمُفْردَات تجوز، وَإِنَّمَا وَقع التَّجَوُّز فِي مَجْمُوع الْمركب الدَّال على الصُّورَة الأولى حَقِيقَة باستعارة للصورة الثَّانِيَة مُبَالغَة فِي كَمَال مشابهة الْمُسْتَعَار لَهُ بالمستعار مِنْهُ حَتَّى كَأَنَّهُ دخل تَحت جنسه فَسُمي باسمه فَإِن قلت هَذَا يدل على أَن التَّجَوُّز إِنَّمَا هُوَ فِي اللَّفْظ الْمركب، وَالْكَلَام فِي اعْتِبَار الْمجَاز للهيئة التركيبية الدَّال على التَّلَبُّس الفاعلي بِأَن يستعار للتلبس الْغَيْر الفاعلي قلت مَا ذَكرْنَاهُ إِنَّمَا هُوَ تَفْسِير للاستعارة التمثيلية على مَا ذكره الْقَوْم وَالْمُصَنّف أَرَادَ إِدْخَال الْمجَاز فِي الْهَيْئَة التركيبية تحتهَا: إِذْ الدَّال فِي الْمركب الْمَذْكُور بِالْحَقِيقَةِ إِنَّمَا هُوَ الْهَيْئَة الْعَارِضَة على مَجْمُوع مفرداتها، والتلبس الفاعلي هَيْئَة منتزعة من أُمُور، وَكَذَا التَّلَبُّس الْغَيْر الفاعلي فَيصدق عَلَيْهِ أَنه اسْتِعَارَة الدَّال على هَيْئَة لأخرى فَافْهَم (وَلم يقولوه) أَي عُلَمَاء الْبَيَان بِاعْتِبَار الْمجَاز الْعقلِيّ فِي الْهَيْئَة الْمَذْكُورَة (هُنَا) أَي فِي مَحل النزاع الَّذِي ذكر فِيهِ هَذِه الْوُجُوه هُنَا، نَحْو: أنبت الرّبيع البقل وَالْمعْنَى: لم يقل عُلَمَاء الْأُصُول هَذَا الِاعْتِبَار فِي هَذَا الْبَحْث (وَلَيْسَ) هَذَا الِاعْتِبَار (بِبَعِيد) كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ (فَإِنَّمَا هِيَ) أَي هَذِه الإرادات المجازية (اعتبارات) وتصرفات عقلية للمتكلم (قد
(2/14)

يَصح الْكل فِي مَادَّة) وَاحِدَة (وَقد لَا) يَصح الْكل فِي مَادَّة وَاحِدَة: بل يَصح الْبَعْض دون الْبَعْض (فَلَا حجر) فِي اعْتِبَارهَا عِنْد وجود مَا يصحح ذَلِك، وَمن ثمَّة اعْتبر صَاحب الْكَشَّاف التَّجَوُّز فِي قَوْله تَعَالَى - {ختم الله على قُلُوبهم} - من أَرْبَعَة أوجه.

مسئلة
(لَا خلاف أَن) الْأَسْمَاء (المستعملة لأهل الشَّرْع من نَحْو الصَّلَاة وَالزَّكَاة) فِي غير مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّة (حقائق شَرْعِيَّة يتَبَادَر مِنْهَا مَا علم) لَهَا من مَعَانِيهَا الشَّرْعِيَّة (بِلَا قرينَة) سَوَاء كَانَ ذَلِك لمناسبة بَين الشَّرْعِيّ واللغوي فَيكون مَنْقُولًا، أَو لَا فَيكون مَوْضُوعا مُبْتَدأ (بل) الْخلاف (فِي أَنَّهَا) أَي الْأَسْمَاء المستعملة لأهل الشَّرْع فِي مَعَانِيهَا حَقِيقَة (عرفية للفقهاء) بسب وضعهم إِيَّاهَا لتِلْك الْمعَانِي، فَهِيَ فِي تخاطبهم تدل عَلَيْهَا بِلَا قرينَة، وَأما الشَّارِع فَإِنَّمَا استعملها فِيهَا مجَازًا عَن مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّة بمعونة الْقَرَائِن فَلَا تحمل عَلَيْهَا إِلَّا بِقَرِينَة (أَو) حَقِيقَة شَرْعِيَّة (بِوَضْع الشَّارِع) حَتَّى تدل فِي كَلَامه على تِلْكَ الْمعَانِي بِلَا قرينَة (فالجمهور) أَي قَالَ جُمْهُور الْأُصُولِيِّينَ الْوَاقِع هُوَ (الثَّانِي) وَهُوَ أَنَّهَا حَقِيقَة شَرْعِيَّة بِوَضْع الشَّارِع (فَعَلَيهِ) أَي فعلى الْمَعْنى الشَّرْعِيّ (يحمل كَلَامه) أَي الشَّارِع إِذا وَقعت مُجَرّدَة عَن الْقَرَائِن (وَالْقَاضِي أَبُو بكر) الْوَاقِع هُوَ (الأول) أَي أَنَّهَا حَقِيقَة عرفية للفقهاء لَا للشارع (فعلى اللّغَوِيّ) يحمل كَلَام الشَّارِع إِذا لم يكن صَارف عَنهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (إِلَّا بِقَرِينَة) صارفة عَن اللّغَوِيّ إِلَى الشَّرْعِيّ. قَالَ الشَّارِح: قَالَ المُصَنّف فَإِن قلت كَيفَ يتَفَرَّع الْحمل على الْمَعْنى اللّغَوِيّ الْحَقِيقِيّ على كَونهَا مجازات قُلْنَا: مَعْنَاهُ أَنَّهَا مجازات عِنْد وجود الْقَرَائِن، وَيحمل على اللّغَوِيّ عِنْد عَدمه انْتهى قلت بَيَان الْمَتْن مغن عَن هَذَا الإطناب، وَقيل مُرَاده أَنَّهَا تسْتَعْمل فِي الدُّعَاء، ثمَّ شَرط فِيهِ الْأَفْعَال الرُّكُوع وَالسُّجُود وَغَيرهمَا فَتكون خَارِجَة عَن الصَّلَاة شرطا وَلَا يخفى بعده (وَفِيه) أَي فِيمَا ذهب إِلَيْهِ القَاضِي (نظر لِأَن كَونهَا) أَي الصَّلَاة مثلا مَوْضُوعَة (للأفعال) الْمَعْلُومَة شرعا (فِي عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يقبل التشكيك، وَأشهر) مَعْطُوف على قَوْله لَا يقبل فَهُوَ خبر أَن: يَعْنِي أَن أحد الْأَمريْنِ مُتَحَقق بِلَا شُبْهَة: أما الْعلم بِكَوْنِهَا للصَّلَاة بِوَضْع الشَّارِع، وَإِمَّا بِكَوْنِهَا مجَازًا فِي الْأَفْعَال أشهر من الْحَقِيقَة فِي زَمَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (وهم) أَي القَاضِي وَالْجُمْهُور (يقدمونه) أَي الْمجَاز الْأَشْهر من الْحَقِيقَة (على الْحَقِيقَة) فَكيف يحمل على اللّغَوِيّ فِي كَلَام الشَّارِع عِنْد الْقَرِينَة (فَمَا قيل) قَائِله الْبَيْضَاوِيّ (الْحق أَنَّهَا مجازات) لغوية (اشتهرت يَعْنِي فِي لفظ الشَّارِع) لَا مَوْضُوعَات مُبتَدأَة لَيْسَ قولا
(2/15)

آخر: بل هُوَ (مَذْهَب القَاضِي) بِعَيْنِه كَمَا ذكره الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ: إِذْ لَا شكّ فِي حُصُول الاشتهار بعد تَجْوِيز الشَّارِع (وَقَول فَخر الْإِسْلَام) وَالْقَاضِي ابي زيد وشمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ (بِأَنَّهَا) أَي الصَّلَاة (اسْم للدُّعَاء، سمي بهَا عبَادَة مَعْلُومَة) مجَازًا (لما أَنَّهَا) أَي الصَّلَاة (شرعت للذّكر) أَي لذكر الله تَعَالَى بنعوت جَلَاله وصفات كَمَاله قَالَ الله تَعَالَى - {أقِم الصَّلَاة لذكري} - أَي لتذكرني فِيهَا لاشتمالها على الْأَذْكَار الْوَارِدَة فِي أَرْكَانهَا فسميت الْعِبَادَة الْمَعْلُومَة بهَا مجَازًا من إِطْلَاق اسْم الْجُزْء على الْكل (يُرِيد) كَونهَا (مجَازًا لغويا هجرت حقائقها: أَي مَعَانِيهَا الْحَقِيقِيَّة لُغَة) فَلَيْسَ مذهبا آخر كالبديع) أَي كَمَا يدل عَلَيْهِ كَلَام صَاحب البديع (لنا) على أَنَّهَا حَقِيقَة شَرْعِيَّة بِوَضْع الشَّارِع (الْقطع بفهم الصَّحَابَة قبل حُدُوث الاصطلاحات فِي زَمَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ظرف لفهم الصَّحَابَة ومفعوله (ذَلِك) أَي الْمَعْنى الشَّرْعِيّ لَهَا (وَهُوَ) أَي فهمهم ذَلِك (فَرعه) أَي فرع الْوَضع لَهَا (نعم لَا بُد أَولا) أَي فِي أول خطاب الشَّارِع لمن هُوَ عَالم بِالْوَضْعِ اللّغَوِيّ دون الشَّرْعِيّ (من نصب قرينَة النَّقْل) عَن الْمَعْنى اللّغَوِيّ إِلَى الشَّرْعِيّ دفعا لتبادر اللّغَوِيّ (فمدار التَّوْجِيه) فِي مَحل الِاشْتِبَاه (على أَنه إِذا لزم تَقْدِير قرينَة غير اللّغَوِيّ) على تَقْدِير النَّقْل وَتَقْدِير قرينَة الْمجَاز على تَقْدِير عدم النَّقْل، فَإِنَّهُ لَا بُد من وجود الْقَرِينَة على الْوَجْهَيْنِ (فَهَل الأولى) فِي هَذِه الْقَرِينَة (تقديرها) واعتبارها (قرينَة تَعْرِيف النَّقْل) وتثبيته (أَو) تقديرها قرينَة تَعْرِيف (الْمجَاز) وتعيينه (وَالْأَوْجه الأول) أَي تقديرها قرينَة النَّقْل على اللّغَوِيّ إِلَى الشَّرْعِيّ كَمَا هُوَ قَول الْجُمْهُور (إِذْ علم استمراره) أَي الشَّارِع (على قَصده) أَي الشَّرْعِيّ (من اللَّفْظ أبدا إِلَّا لدَلِيل) وقرينة صارفة عَن الشَّرْعِيّ إِلَى غَيره، واستمرار الْقَصْد الْمَذْكُور أَمارَة نسخ إِرَادَة الأول: وَهُوَ معنى النَّقْل (وَالِاسْتِدْلَال) للمختار كَمَا فِي الْمُخْتَصر والبديع (بِالْقطعِ بِأَنَّهَا) فِي الشَّرْع مَوْضُوعَة (للركعات وَهُوَ) أَي الْقطع بِأَنَّهَا لَهَا فِي الشَّرْع هُوَ (الْحَقِيقَة) أَي دَلِيل الْحَقِيقَة الشَّرْعِيَّة (لَا يُفِيد) الْمَطْلُوب (لجَوَاز) كَونهَا فِي الأَصْل مجَازًا فِيهَا، ثمَّ (طروه) أَي الْقطع بذلك (بالشهرة) أَي بشهرة التَّجَوُّز بهَا للشرعي، فَإِن الْمجَاز إِذا شاع يصير الْمَعْنى الْمجَازِي بِحَيْثُ يفهم بِلَا قرينَة فَيصير حَقِيقَة (أَو بِوَضْع أهل الشَّرْع) وهم الْفُقَهَاء إِيَّاهَا لَهَا (قَالُوا) أَي القَاضِي وموافقوه اذا أمكن عدم النَّقْل تعين وَأمكن) عدم النَّقْل هَهُنَا (باعبارها) أى الصَّلَاة مثلا بَاقِيَة (فِي اللُّغَوِيَّة والزيادات) الَّتِي جَاءَت من قبل الشَّرْع على اللُّغَوِيَّة (شُرُوط اعْتِبَار الْمَعْنى شرعا وَهَذَا) الدَّلِيل جَار (على غير مَا حررنا عَنهُ) أَي القَاضِي من أَنَّهَا مجَاز أشهر من الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة (مخترع باختراع أَنه) أَي القَاضِي (قَائِل بِأَنَّهَا) مستعملة (فِي حقائقها اللُّغَوِيَّة) وَتقدم النّظر فِيهِ وَذكر الْأَبْهَرِيّ أَن للْقَاضِي قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا مَا حَرَّره المُصَنّف، وَالْآخر هَذَا وَعَن الإِمَام أَنه
(2/16)

قَالَ: وَأما القَاضِي فاستمر على لجاج ظَاهر فَقَالَ: الصَّلَاة الدُّعَاء والمسمى بهَا فِي الشَّرْع هُوَ الدُّعَاء لَكِن إِنَّمَا يعْتَبر عِنْد وُقُوع أَفعَال وأحوال، وطرد ذَلِك فِي الْأَلْفَاظ الَّتِي فِيهَا الْكَلَام (وَأجِيب باستلزامه) أَي هَذَا القَوْل (عدم السُّقُوط) للصَّلَاة الْمَفْرُوضَة عَن الْمُكَلف (بِلَا) قرينَة (دُعَاء لافتراضه) أَي الدُّعَاء (بِالذَّاتِ و) باستلزامه (السُّقُوط) بهَا عَن الذِّمَّة (بِفعل الشَّرْط) أَي بِمُجَرَّد أَن يفعل الشَّرْط من غير فعل الرُّكْن (مطردا) أَي دَائِما (فِي) حق (الْأَخْرَس الْمُنْفَرد) لصِحَّة صلَاته مَعَ انْتِفَاء الْمَشْرُوط الَّذِي هُوَ الدُّعَاء وَإِنَّمَا قيد بالمنفرد، لِأَنَّهُ إِذا كَانَ لَهُ إِمَام فدعاء الإِمَام دُعَاء لَهُ وَمنع السُّبْكِيّ هَذَا بِأَن الدُّعَاء هُوَ الطّلب الْقَائِم بِالنَّفسِ وَهُوَ يُوجد من الْأَخْرَس وَفِيه نظر، إِذْ مُجَرّد الطّلب إِذا قَامَ بِنَفس شخص لم يصدر عَنهُ مَا يدل عَلَيْهِ لَا يُقَال أَنه دُعَاء (ثمَّ لَا يَتَأَتَّى) هَذَا التَّوْجِيه (فِي بَعْضهَا) أَي فِي بعض الْأَسْمَاء الشَّرْعِيَّة كَالزَّكَاةِ، فَإِنَّهُ لُغَة النَّمَاء وَالزِّيَادَة، وَشرعا تمْلِيك قدر مَخْصُوص من مَال مَخْصُوص لشخص مَخْصُوص، وَلَا يُمكن أَن تحمل الزَّكَاة على النَّمَاء وَيجْعَل الْمَذْكُور شرطا كَمَا لَا يخفى (قَالُوا) أَيْضا (لَو نقلهَا) أَي الشَّارِع الْأَسْمَاء عَن الْمعَانِي اللُّغَوِيَّة إِلَى الشَّرْعِيَّة (فهمها) أَي الْمعَانِي المنقولة (لَهُم) أَي الصَّحَابَة لأَنهم كلفوا بهَا، والفهم شَرط التَّكْلِيف (وَلَو وَقع) التفهيم (نقل) إِلَيْنَا لأننا مكلفون بهَا أَيْضا (وَلزِمَ تواتره) أَي النَّقْل (عَادَة) لتوفر الدَّوَاعِي عَلَيْهِ وَلم يُوجد وَإِلَّا لما وَقع الْخلاف فِي النَّقْل (وَالْجَوَاب الْقطع بفهمهم) أَي الصَّحَابَة الْمعَانِي الشَّرْعِيَّة من الْأَسْمَاء الْمَذْكُورَة (كَمَا ذكرنَا وفهمنا) أَي وَالْقطع يفهمنا تِلْكَ الْمعَانِي الشَّرْعِيَّة أَيْضا مِنْهَا (وَبعد حُصُول الْمَقْصُود) وَهُوَ الْفَهم (لَا يلْزم تعْيين طَرِيقه) أَي طَرِيق الْمَقْصُود من التفهيم قصدا بالعبارة وَنَحْوهَا (وَلَو التزمناه) أَي تعْيين طَرِيقه (جَازَ) أَن يكون ذَلِك التفهيم (بالترديد) أَي بطرِيق التّكْرَار (بالقرائن) عِنْد سَماع تِلْكَ الْأَسْمَاء لَهُم: أَي للصحابة ثمَّ لنا مِنْهُم (كالأطفال) يتعلمون اللُّغَات من غير تَصْرِيح لَهُم بِوَضْع اللَّفْظ لمسماه، بل إِذا ردد اللَّفْظ وَكرر يفهمون مَعْنَاهُ بِالْقَرِينَةِ ويحفظونه (أَو) أَن يكون (أَصله) أَي أصل التفهيم (بإخباره) أَي الشَّارِع (ثمَّ اسْتغنى عَن إخبارهم) أَي أَخْبَار الصَّحَابَة (لمن يليهم) مِمَّن تلقى عَنْهُم (أَنه) أَي الشَّارِع (أخْبرهُم) أَي الصَّحَابَة فَقَوله ثمَّ اسْتغنى على صِيغَة الْمَجْهُول، وَقَوله عَن أخبارهم قَائِم مقَام فَاعله، وَقَوله من يليهم مفعول أَولا لأخبارهم، وَقَوله أَنه أخْبرهُم مَفْعُوله الثَّانِي: يَعْنِي لَا يلْزم على الصَّحَابَة أَن يخبروا من يليهم أَنه أخبرنَا الشَّارِع بِوَضْع الْأَسْمَاء الْمَذْكُورَة لمعانيها الشَّرْعِيَّة، وَذَلِكَ لِأَن من يليهم فَهموا من استعمالاتهم وَضعهَا كَمَا يفهم الْأَطْفَال من غير أَن يُقَال لَهُم هَذَا مَوْضُوع لذا أَو بأخبارهم بِالْوَضْعِ
(2/17)

من غير أَن يَقُولُوا أخبرنَا الشَّارِع بِهِ، وَيُمكن أَن يناقش فِيهِ بِأَن شَأْن الصَّحَابَة يَقْتَضِي أَن لَا يسكتوا عَن أَخْبَار الشَّارِع إيَّاهُم فِي مثله، وَفِي قَوْله (لحُصُول الْقَصْد) إِشَارَة إِلَى دَفعه: يَعْنِي أَن الْمَقْصد معرفَة الْوَضع سَوَاء حصلت بالأخبار أَو بالقرائن كالأطفال (قَالُوا) أَي القَاضِي وَمن تبعه ثَالِثا (لَو نقلت) الْأَسْمَاء عَن مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّة إِلَى الشَّرْعِيَّة (كَانَت) الْأَسْمَاء المنقولة إِلَيْهَا (غير عَرَبِيَّة لأَنهم) أَي الْعَرَب (لم يضعوها) على ذَلِك التَّقْدِير، بل الشَّارِع (وَيلْزم أَن لَا يكون الْقُرْآن عَرَبيا) لاشْتِمَاله على غير الْعَرَبِيّ، فَإِن الْمركب من الْعَرَبِيّ وَغَيره لَيْسَ بعربي، وَقد قَالَ الله تَعَالَى - {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا} - (أُجِيب بِأَنَّهَا) أَي الْأَسْمَاء المنقولة (عَرَبِيَّة إِذْ وضع الشَّارِع لَهَا ينزلها) ويصيرها (مجازات لغوية) إِذا كَانَ التخاطب بلغَة الْعَرَب فَإِن العلاقة بَين الْمَعْنى اللّغَوِيّ والشرعي مَوْجُودَة: لِأَن النَّقْل يقتضيها (وَيَكْفِي فِي الْعَرَبيَّة كَون اللَّفْظ مِنْهَا) أَي من الْأَلْفَاظ الْمَوْضُوعَة للْعَرَب (و) كَون (الِاسْتِعْمَال على شَرطهَا) أَي شَرط الْعَرَبيَّة بِأَن يكون الْمُسْتَعْمل فِيهِ إِمَّا عين الْمَوْضُوع لَهُ، أَو مَا بَينه وَبَين الْمَوْضُوع لَهُ نوع من العلاقات الْمُعْتَبرَة مَعَ وجود الْقَرِينَة الصارفة والمعينة (وَلَو سلم) أَنه لَا يَكْفِي ذَلِك فِي كَونهَا عَرَبِيَّة (لم يخل) كَونهَا غير عَرَبِيَّة (بعربيته) أَي الْقُرْآن (إِمَّا لكَون الضَّمِير) فِي قَوْله إِنَّا أَنزَلْنَاهُ (لَهُ) أَي لِلْقُرْآنِ (وَهُوَ) أَي الْقُرْآن (مِمَّا يصدق الِاسْم) أَي اسْمه (على بعضه) أَي بعض الْقُرْآن (ككله) أَي كَمَا يصدق على كُله (كالعسل) فَإِنَّهُ يصدق على القلل مِنْهُ وَالْكثير حَتَّى لَو حلف لَا يقْرَأ الْقُرْآن فَقَرَأَ جُزْء مِنْهُ حنث، فَيجوز أَن يُرَاد بالضمير بعض الْقُرْآن، وَلَا ريب فِي عربيته (بِخِلَاف) نَحْو (الْمِائَة والرغيف) مِمَّا لَا يُشَارك الْجُزْء الْكل فِي الْحَقِيقَة وَالِاسْم: فَلَا تطلق الْمِائَة والرغيف على بعض مِنْهَا (أَو) لكَون الضَّمِير (للسورة) بِاعْتِبَار الْمنزل، أَو الْمَذْكُور، وَهَذَا إِنَّمَا يتم إِذا لم يكن فِي تِلْكَ السُّورَة اسْم شَرْعِي (وَاعْلَم أَن الْمُعْتَزلَة سموا قسما من) الْحَقَائِق (الشَّرْعِيَّة) حَقِيقَة (دينية وَهُوَ مَا دلّ على الصِّفَات الْمُعْتَبرَة فِي الدّين وَعَدَمه) أَي عدم الدّين (اتِّفَاقًا) أَي اعْتِبَار اتّفق عَلَيْهِ الْمذَاهب (كالإيمان، وَالْكفْر، وَالْمُؤمن) وَالْكَافِر (بِخِلَاف الْأَفْعَال) أَي مَا هِيَ من فروع الدّين كَمَا يتَعَلَّق بالجوارح فَإِن فِي اعْتِبَارهَا فِي الدّين خلافًا (كَالصَّلَاةِ والمصلى وَلَا مشاحة) فِي الِاصْطِلَاح (وَوجه الْمُنَاسبَة) فِي تَسْمِيَة مَا ذكر دينية (أَن الْإِيمَان) على قَوْلهم (الدّين لِأَنَّهُ) أَي الدّين اسْم (لمجموع التَّصْدِيق الْخَاص) بِكُل مَا علم مَجِيئه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِهِ من عِنْد الله ضَرُورَة (مَعَ المأمورات والمنهيات لقَوْله تَعَالَى - {وَذَلِكَ دين الْقيمَة} - بعد ذكر الْأَعْمَال) أَي قَوْله تَعَالَى - {ويقيموا الصَّلَاة ويؤتوا الزَّكَاة} - بعد قَوْله - {وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا الله مُخلصين} -
(2/18)

فَذَلِك إِشَارَة إِلَى الْمَذْكُور من الْعِبَادَات إِجْمَالا وتفصيلا، فَإِن يعبدوا فِي تَأْوِيل الْمصدر الْمُضَاف لتقدير أَن المصدرية بعد لَام كي، والمصدر الْمُضَاف إِلَى الْمعرفَة يُفِيد الْعُمُوم، ويقيموا الصَّلَاة وَمَا بعده من عطف الْخَاص على الْعَام لزِيَادَة الاهتمام فَيكون جَمِيع الْعِبَادَات الْوَاجِبَة دين الْملَّة المستقيمة، وَكَانَ يُوجب هَذَا أَن لَا يكون الدّين إِلَّا الْأَعْمَال، غير أَن الْإِجْمَاع على اعْتِبَار الْإِيمَان فِي حَقِيقَة الدّين، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (والاتفاق على اعْتِبَار التَّصْدِيق فِي مُسَمَّاهُ) أَي الدّين بِخِلَاف الْأَفْعَال (فَنَاسَبَ تَمْيِيز الِاسْم الْمَوْضُوع لَهُ) أَي للتصديق الْخَاص (شرعا بالدينية وَهَذِه) الْمُنَاسبَة (على رَأْيهمْ) أَي الْمُعْتَزلَة (فِي اعْتِبَار الْأَعْمَال جُزْء مَفْهُومه) أَي الْإِيمَان (وعَلى) رَأْي (الْخَوَارِج) الْمُنَاسبَة فِي هَذِه التَّسْمِيَة (أظهر) مِنْهَا على رَأْي الْمُعْتَزلَة لجعل الْمُعْتَزلَة مرتكب الْكَبِيرَة لَيْسَ بِمُؤْمِن وَلَا كَافِر، وَجعل الْخَوَارِج مرتكبها كَافِرًا: فَكلما زَاد اعْتِبَار الْعَمَل فِي الْإِيمَان زَاد الِاحْتِيَاج إِلَى التَّمْيِيز (وَلَا يلْزم من نفي ذَلِك) أَي كَون الْأَعْمَال جزم مَفْهُوم الْإِيمَان كَمَا هُوَ قَول أَصْحَابنَا (نَفيهَا) أَي الْحَقِيقَة الدِّينِيَّة: لِأَنَّهُ لَا يَنْفِي مَا يصلح مُنَاسبَة بِوَضْع الِاصْطِلَاح (إِذْ يَكْفِي) فِي وَجه التَّسْمِيَة (أَنَّهَا) أَي الدِّينِيَّة (اسْم لأصل الدّين وأساسه أَعنِي التَّصْدِيق فَظهر أَن الْكَلَام فِي ذَلِك) أَي فِي نفي كَون الْأَعْمَال من الْإِيمَان (مَعَ أَنه) أَي الْكَلَام فِي ذَلِك (يخرج) من فن الْأُصُول (إِلَى فن آخر) أَي علم الْكَلَام (وَلَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ) أَي على ذَلِك (مَطْلُوب أصولي: بل اصطلاحي و) أَن الْكَلَام فِي ذَلِك كَلَام (فِي غَرَض سهل وَهُوَ إِثْبَات مُنَاسبَة تَسْمِيَة اصطلاحية لَا يُفِيد نَفيهَا: فعلى الْمُحَقق تَركه). قَالَ الشَّارِح وَفِي هَذَا تَعْرِيض بِابْن الْحَاجِب قلت لَو كَانَ التَّعْرِيض بِهِ بترك التَّعْرِيض لَكَانَ

تَتِمَّة
(كَمَا يقدم) الْمَعْنى (الشَّرْعِيّ فِي لِسَانه) أَي فِي خطاب أهل الشَّرْع (على مَا سلف) أَي اللّغَوِيّ (كَذَا الْعرفِيّ فِي لسانهم) أَي أهل الْعرف خَاصّا كَانَ أَو عَاما تقدم على اللّغَوِيّ (فَلَو حلف لَا يَأْكُل بيضًا كَانَ) الْمَحْمُول عَلَيْهِ (ذَا القشر) فِي الْمَبْسُوط فَهُوَ على بيض الطير من الدَّجَاج والأوز وَغَيرهمَا، وَلَا يدْخل فِيهِ بيض السّمك إِلَّا أَن ينويه: لأَنا نعلم أَنه لَا يُرَاد بِهِ بيض كل شَيْء فَإِن بيض الدُّود لَا يدْخل فِيهِ: فَيحمل على مَا ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الْبيض ويؤكل عَادَة (فَيدْخل النعام) أَي بيضه تَفْرِيع على كَون الْبيض مَحْمُولا على ذِي القشر، وَذَاكَ مُفَرع على تَقْدِيم الْعرفِيّ: فَعلم أَن المُرَاد دُخُوله فِيمَا إِذا كَانَ عرف خطاب الْحَالِف بِحَسب معتادهم فِي الاطلاقات مَا يعم بيض النعام، وَأما إِذا كَانَ الْعرف مَا هُوَ أخص من ذَلِك فَلَا يدْخل فِيهِ فيدور ذَلِك مَعَ التعارف وَلَا شكّ أَنه مِمَّا يخْتَلف فيختلف الْجَواب باختلافه (أَو) لَا يَأْكُل
(2/19)

(طبيخنا فَمَا طبخ من اللَّحْم فِي المَاء ومرقه) إِذا كَانَ الْمُتَعَارف بَينهم مَا ذكر بِحَيْثُ لَا يفهم فِي إِطْلَاقهم غَيره بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ الْمُتَعَارف مَا هُوَ أَعم من ذَلِك فَإِنَّهُ يَحْنَث على ذَلِك التَّقْدِير بِأَكْل كل مَا يُؤْكَل عَادَة فِي الطبائخ سَوَاء كَانَ من اللَّحْم (أَو) غَيره أَو لَا يَأْكُل (رَأْسا فَمَا يكبس) فِي التنانير عرف الْحَالِف وَيُبَاع مشويا من الرُّءُوس (بقرًا وَغنما) عِنْد أبي حنيفَة آخر لِأَنَّهُمَا الْمُتَعَارف فِي زَمَنه آخر لَا غير، وإبلا أَيْضا عِنْده أَولا إِذْ كَانَ متعارفا لأهل الْكُوفَة ثمَّ تَرَكُوهُ (وَلَو تعورف الْغنم فَقَط تعين) محلا لإِطْلَاق الرَّأْس بِاعْتِبَار ذَلِك الْعرف: فَالْخِلَاف خلاف زمَان لَا برهَان (أَو) لَا يَأْكُل (شواء خص اللَّحْم) فَلَا يَحْنَث بالمشوي من الْبيض والباذنجان وَغَيرهمَا: لِأَن الْمُتَعَارف مُخْتَصّ بِهِ (وَقَول فَخر الْإِسْلَام) فِي تَوْجِيه ترك الْحَقِيقَة بِالْعرْفِ (لِأَن الْكَلَام مَوْضُوع لاستعمال النَّاس وحاجتهم فَيصير الْمجَاز باستعمالهم كالحقيقة يحمل على ذَلِك الْمحمل) قَوْله يحمل الخ خبر الْمُبْتَدَأ لما بَين أَن إِطْلَاق اللَّفْظ فِي الْإِيمَان يحمل على مَا هُوَ الْمُتَعَارف فِي زمن الْحَالِف، لَا على مَا يَقْتَضِيهِ أصل وَضعه أَفَادَ أَن فَخر الْإِسْلَام أَرَادَ بِمَا ذكر هَذَا الْمَعْنى فَهُوَ مجَاز لغَوِيّ مهجور الْحَقِيقَة، فَصَارَ حَقِيقَة عرفية، وَلَا يخفى أَن مجازية مَا ذكر بِاعْتِبَار إِرَادَة بعض أَفْرَاد الْحَقِيقَة خَاصَّة بِمُوجب الْعرف.

مسئلة
(لَا شكّ أَن الْمَوْضُوع قبل الِاسْتِعْمَال لَيْسَ حَقِيقَة وَلَا مجَازًا لانْتِفَاء جنسهما) أَي جنس تعريفي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز، وَهُوَ الْمُسْتَعْمل (وَلَا) شكّ أَيْضا (فِي عدم استلزام الْحَقِيقَة مجَازًا) لجَوَاز أَن لَا يسْتَعْمل اللَّفْظ فِي غير مَا وضع لَهُ (وَاخْتلف فِي قلبه) أَي استلزام الْمجَاز الْحَقِيقَة (وَالأَصَح نَفْيه) أَي نفي قلبه (وَيَكْفِي فِيهِ) أَي فِي نفى استلزامه إِيَّاهَا (تَجْوِيز التَّجَوُّز بِهِ) أَي بِاللَّفْظِ لما يُنَاسِبه (بعد الْوَضع قبل الِاسْتِعْمَال) لَهُ فِيمَا وضع لَهُ (لكِنهمْ استدلوا بِوُقُوعِهِ) أى الْمجَاز وَلَا حَقِيقَة (بِنَحْوِ ثَابت لمة اللَّيْل) إِذا ظهر فِيهِ تباشير الصُّبْح، فَإِن هَذَا مجَاز لَا حَقِيقَة لَهُ (وَدفع) هَذَا الِاسْتِدْلَال (بِأَنَّهُ مُشْتَرك الْإِلْزَام) يَعْنِي أَن الِاسْتِدْلَال فرع تحقق الْمُسْتَعْمل فِيهِ، وَبِهَذَا الدَّلِيل يُمكن نفي الْوَضع لِأَن مَا لَا تحقق لَهُ لَا يصلح لِأَن يوضع لَهُ، لِأَن الْوَضع لمصْلحَة الِاسْتِعْمَال فَلَا يُمكن إِثْبَات مجَاز بِدُونِ الْحَقِيقَة بِهَذَا الدَّلِيل، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لاستلزامه) أَي الْمجَاز (وضعا) إِذْ الِاسْتِعْمَال فِي غير مَا وضع لَهُ فرع تحقق الْوَضع، وَقد عرفت أَن امْتنَاع الِاسْتِعْمَال لما ذكر يسْتَلْزم امْتنَاع الْوَضع، ثمَّ أَفَادَ أَن نَحْو مَا ذكر لَا يصلح للاستدلال بِهِ فِي مَحل النزاع بقوله (والاتفاق) على (أَن الْمركب لم يوضع)
(2/20)

وضعا (شخصيا وَالْكَلَام فِيهِ) أَي فِي الْوَضع الشخصي (وَأَيْضًا إِن اعْتبر الْمجَاز فِيهِ) أَي فِي شابت لمة اللَّيْل (فِي الْمُفْرد) أَي فِي شابت بِأَن أُرِيد بالشيب حُدُوث بَيَاض الصُّبْح فِي آخر سَواد اللَّيْل، وَفِي لمة بِأَن أُرِيد بهَا سَواد آخر اللَّيْل وَهُوَ الْغَلَس (منعنَا عدم حَقِيقَة شابت أَو لمة) لاستعمالهما فِي الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ لَهَا من بَيَاض الشّعْر، وَالشعر المجاور على شحمة الْأذن فِي غير هَذَا الْمركب (أَو) اعْتبر الْمجَاز فِيهِ (فِي نسبتهما) أَي النِّسْبَة الإسنادية للشيب إِلَى اللمة، وَالنِّسْبَة الإضافية للمة إِلَى اللَّيْل (فَلَيْسَ) الْمجَاز فيهمَا (النزاع) لِأَنَّهُ مجَاز عَقْلِي، والنزاع إِنَّمَا هُوَ فِي الْمجَاز فِي الْمُفْرد (وَأما منع الثَّانِي) أَي الْمجَاز فِي النِّسْبَة بِأَن يُقَال: لَا مجَاز فِي النِّسْبَة (لِاتِّحَاد جِهَة الْإِسْنَاد) كَمَا سبق فِي تَنْبِيه قَول الْحَنَفِيَّة: وَالْمجَاز على غير الْمُفْرد (فَغير وَاقع لما تقدم) هُنَاكَ وأوضحناه فَليُرَاجع (وَأَيْضًا) وضع (الرَّحْمَن لمن لَهُ رقة الْقلب وَلم يُطلق) إطلاقا (صَحِيحا إِلَّا عَلَيْهِ تَعَالَى) وَالله منزه عَن الْوَصْف بهَا (فَلَزِمَ) أَن يكون إِطْلَاقه عَلَيْهِ تَعَالَى (مجَازًا بِلَا حَقِيقَة بِخِلَاف قَوْلهم) أَي بني حنفية فِي مُسَيْلمَة الْكذَّاب (رَحْمَن الْيَمَامَة). وَقَول شَاعِرهمْ:
(وَأَنت غيث الورى لَا زلت رحمانا ...)
فَإِنَّهُ لم يُطلق عَلَيْهِ إطلاقا صَحِيحا لمُخَالفَته اللُّغَة إِذا انفق أَهلهَا أَن لَا يُطلق إِلَّا على الله سُبْحَانَهُ، أوقعهم فِيهِ لحاجهم فِي الْكفْر (وَلِأَنَّهُم لم يُرِيدُوا بِهِ) أَي بِلَفْظ رَحْمَن فِي إِطْلَاقه على مُسَيْلمَة الْمَعْنى (الْحَقِيقِيّ من رقة الْقلب) بل أَرَادوا أَن يثبتوا لَهُ مَا يخْتَص بالإله بعد مَا أثبتوا لَهُ مَا يخْتَص بالأنبياء وَهُوَ النُّبُوَّة وَقد يُجَاب عَنهُ بِأَنَّهُم لم يستعملوا الرَّحْمَن الْمُعَرّف بِاللَّامِ، وَإِنَّمَا استعملوه مُعَرفا بِالْإِضَافَة من رَحْمَن الْيَمَامَة، ومنكرا فِي لازلت رحمانا، ودعوانا فِي الْمُعَرّف بِاللَّامِ (قَالُوا) أَي الملزمون (لَو لم يسْتَلْزم) الْمجَاز الْحَقِيقَة (انْتَفَت فَائِدَة الْوَضع) وَهِي الِاسْتِعْمَال فِيمَا وضع لَهُ (وَلَيْسَ) هَذَا (بِشَيْء) يعْتد بِهِ (لِأَن التَّجَوُّز) بِاللَّفْظِ (فَائِدَة لَا تستدعى غير الْوَضع) أَي تتَحَقَّق هَذِه الْفَائِدَة بِمُجَرَّد الْوَضع، وَلَا تتَوَقَّف على الِاسْتِعْمَال فِيمَا وضع لَهُ: فَإِذا كَانَت هَذِه الْفَائِدَة حَاصِلَة بِمُجَرَّد الْوَضع كفى بِهِ فَائِدَة للوضع وَالله أعلم.

مسئلة
(الْمجَاز وَاقع فِي اللُّغَة وَالْقُرْآن والْحَدِيث خلافًا للاسفرايني فِي الأول) أَي اللُّغَة، وَحكى السُّبْكِيّ النَّفْي لوُقُوعه مُطلقًا عَنهُ وَعَن الْفَارِسِي، وَحكى الأسنوي عَنهُ وَعَن جمَاعَة (لِأَنَّهُ قد يُفْضِي إِلَى الْإِخْلَال بغرض الْوَضع) وَهُوَ فهم الْمَعْنى: يَعْنِي وُقُوعه يُفْضِي إِلَى الْإِخْلَال فِي الْجُمْلَة فِي بعض الصُّور (لخفاء الْقَرِينَة) الدَّالَّة على الْمَعْنى الْمجَازِي، وَمَا يُفْضِي إِلَى الْإِخْلَال لَا وُقُوع لَهُ فِيمَا يقْصد بِهِ الإفادة
(2/21)

والاستفادة (وَهُوَ) أَي خِلَافه فِي وُقُوعه (بعيد) لَا يشْتَبه وُقُوعه (على بعض المميزين) وَذكر لفظ الْبَعْض الَّذِي يعم من لَهُ أدنى تَمْيِيز مُبَالغَة، فَالْمَعْنى لَا يشْتَبه على من لَهُ أدنى تَمْيِيز وَلَا يصدر عَنهُ (فضلا عَنهُ) أَي فضلا عَن صدوره عَن الْأُسْتَاذ أبي إِسْحَاق، ثمَّ علل الْبعد بقوله (لِأَن الْقطع بِهِ) أَي بِوُقُوع الْمجَاز فِي اللُّغَة (أثبت من أَن يُورد لَهُ مِثَال) أَي الْقطع الْحَاصِل بِوُجُودِهِ بِدُونِ إِيرَاد الْمِثَال لَهُ أثبت من الْقطع الْحَاصِل بِوُجُودِهِ بسب إِيرَاد الْمِثَال أَو الْمَعْنى الْقطع بِهِ متجاوز عَن إيرادا لمثال لكَونه مغنيا عَنهُ، فَإِن أفعل التَّفْضِيل يلْزمه تجَاوز الْمفضل عَن الْمفضل عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لكثرته وَكَمَال ظُهُوره (وَيلْزمهُ) أَي يلْزم دَلِيل النَّافِي (نفي) وُقُوع (الْإِجْمَال مُطلقًا) فِي اللُّغَة، وَالْكتاب، وَالسّنة للإفضاء إِلَى الْإِخْلَال بفهم الْمَعْنى المُرَاد، وَاللَّازِم مُنْتَفٍ (و) خلافًا (للظاهرية فِي الثَّانِي) أَي الْقُرْآن. قَالَ الشَّارِح وَكَذَا فِي الثَّالِث إِلَّا أَنهم غير مطبقين على إِنْكَار وُقُوعه فيهمَا، وَإِنَّمَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو بكر بن دَاوُد الْأَصْبَهَانِيّ الظَّاهِرِيّ فِي طَائِفَة مِنْهُم (لِأَنَّهُ) أَي الْمجَاز (كذب لصدق نقيضه) إِذْ يَصح أَن يُقَال لمن قَالَ للبليد أَنه حمَار كذبت: إِذْ البليد لَيْسَ بِحِمَار (فيصدقان) أَي النقيضان إِذا وَقع فِي الْقُرْآن، أما صدق الْكَلَام الْمُشْتَمل على الْمجَاز فلاستحالة الْكَذِب فِي حق الله تَعَالَى، وَأما صدق نقيضه فلصدق نفي مَدْلُول اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل مجَازًا بِحَسب نفس الْأَمر (قُلْنَا جِهَة الصدْق مُخْتَلفَة) فمتعلق الْإِثْبَات الْمَعْنى الْمجَازِي ومتعلق النَّفْي الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ. فزيد حمَار صَادِق من جِهَة الْمَعْنى الْمجَازِي، وَزيد لَيْسَ بِحِمَار صَادِق من جِهَة الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ وَلَا مَحْذُور فِيهِ لما ذكر أَن الْمجَاز صَادِق أَرَادَ أَن يُحَقّق منَاط صدقه فَقَالَ (وتحقيقي صدق الْمجَاز التَّشْبِيه وَنَحْوه من العلاقة) فَإِذا صدق كَون زيد شَبِيها بالأسد بِأَن يكون شبهه بِهِ متحققا فِي نفس الْأَمر بِأَن يكون شجاعا صدق قَوْلنَا زيد أَسد، وَإِذا صدق كَون زيد منعما عَلَيْك، صدق قَوْلك: لَهُ على يَد (وَحِينَئِذٍ) أَي وَحين كَانَ منَاط صدق الْمجَاز صدق التَّشْبِيه هِيَ مبناه ومآله (وَهُوَ) أَي الْمجَاز (أبلغ) من الْحَقِيقَة لما فِيهِ من تصرف عَقْلِي لَيْسَ للْحَقِيقَة مثله (وَقَوْلهمْ) أَي الظَّاهِرِيَّة (يلْزم) على تَقْدِير وُقُوع الْمجَاز فِي كَلَامه تَعَالَى (وَصفه تَعَالَى بالمتجوز) لِأَن من قَامَ بِهِ فعل اشتق لَهُ مِنْهُ اسْم فَاعل وَاللَّازِم بَاطِل لِامْتِنَاع إِطْلَاقه عَلَيْهِ تَعَالَى اتِّفَاقًا (قُلْنَا إِن) أدرتم لُزُومه (لُغَة منعنَا بطلَان اللَّازِم) إِذْ لَا مَانع لَهُ مِنْهُ لُغَة (أَو) أردتم لُزُومه (شرعا منعنَا الْمُلَازمَة) لِأَن كَونه مَوْصُوفا بالْكلَام الْمُشْتَمل على الْمجَاز لَا يَقْتَضِي صِحَة إِطْلَاق المتجوز عَلَيْهِ شرعا، لِأَن صِحَة إِطْلَاق الِاسْم عَلَيْهِ مَشْرُوط بِأَن لَا يكون موهما لما لَا يَلِيق بِهِ، وَلَفظ المتجوز يُوهم أَنه يتسمح ويتوسع فِيمَا لَا يَنْبَغِي من الْأَفْعَال والأقوال، وَهُوَ نقص (وَلنَا الله نور السَّمَوَات) فَإِن النُّور فِي الأَصْل: كَيْفيَّة
(2/22)

تدركها الْأَبْصَار أَولا وبواسطتها سَائِر المبصرات كالكيفية الفائضة من النيرين على الأجرام الكثيفة المحاذية لَهما، وَالله سُبْحَانَهُ منزه عَن ذَلِك فَهُوَ على التَّجَوُّز بِمَعْنى منور السَّمَوَات وَقد قرئَ بِهِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى نورها بالكواكب وَمَا يفِيض عَنْهَا من الْأَنْوَار وبالملائكة والأنبياء إِذْ عَم النُّور، أَي بِمَعْنى مدبرها، من قَوْلهم للرئيس الْفَائِق فِي التَّدْبِير: نور الْقَوْم، لأَنهم يَهْتَدُونَ بِهِ فِي الْأُمُور أَو موجدها: فَإِن النُّور ظَاهر بِذَاتِهِ مظهر لغيره، وأصل الظُّهُور: هُوَ الْوُجُود كَمَا أَن أصل الخفاء هُوَ الْعَدَم وَهُوَ تَعَالَى مَوْجُود بِذَاتِهِ موجد لما عداهُ إِلَى غير ذَلِك (ومكر الله) لِأَن الْمَكْر فِي الأَصْل يجلب بهَا مضرَّة الْغَيْر وَهُوَ منزه سُبْحَانَهُ عَنْهَا، وَإِنَّمَا يسند إِلَيْهِ على سَبِيل الْمُقَابلَة والازدواج (الله يستهزئ بهم) لِأَن الِاسْتِهْزَاء السخرية ينْسب إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ مشاكلة، أَو اسْتِعَارَة لما ينزل إِلَيْهِم من الحقارة والهوان الَّذِي هُوَ لَازم الِاسْتِهْزَاء إِلَى غير ذَلِك (فاعتدوا عَلَيْهِ) بِمثل مَا اعْتدى عَلَيْكُم (و) جَزَاء (سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا) وَلَيْسَ جَزَاء الاعتداء اعتداء، بل هُوَ عدل، وَلَا جَزَاء السَّيئَة سَيِّئَة، فهما من إِطْلَاق اسْم أحد الضدين على الآخر بِجَامِع الْمُجَاورَة فِي التخيل (وَكثير) مِمَّا لَا يُحْصى عدده، فَلَا يَنْفَعهُمْ التَّأْوِيل فِي بعض الْأَمْثِلَة، كَأَن يُقَال: النُّور حَقِيقَة هُوَ الظَّاهِر فِي نَفسه الْمظهر لغيره، لَا الْعرض الْمَذْكُور فإطلاقه عَلَيْهِ تَعَالَى حَقِيقَة، وَقَالَ الإِمَام الرَّازِيّ: الْمَكْر إِيصَال الْمَكْرُوه خُفْيَة، والاستهزاء إِظْهَار الْإِكْرَام وإخفاء الأهانة فَيجوز صدورهما مِنْهُ تَعَالَى، وَقَوله - {أتتخذنا هزوا قَالَ أعوذ بِاللَّه أَن أكون من الْجَاهِلين} - لَا يدل على أَن كل استهزاء جهل، والاعتداء إِيقَاع الْفِعْل المؤلم، أَو هتك حرمه الشَّيْء، والسيئة مَا يسوء من ينزل بِهِ، وَلَا مجَاز فِي شَيْء مِنْهَا، (وَأما واسئل الْقرْيَة فَقيل) الْقرْيَة (حَقِيقَة) وَأمر بَنو يَعْقُوب أباهم أَن يسْأَلهَا (فتجيبه) أَي الْقرْيَة بإنطاق الله إِيَّاهَا، فَإِنَّهُ كَانَ زمَان النُّبُوَّة وخرق العوائد، وَضعف بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَقع للنَّبِي عِنْد التحدي وَإِظْهَار المعجزة، وَفِي غير ذَلِك لَا يَقع عَادَة وَإِن أمكن (وَقد مناه) أَي بَيَان مَا يتَعَلَّق بِهِ وَأَن لفظ الْقرْيَة (حَقِيقَة مَعَ حذف الْأَهْل) وَفِي قَوْلهم كنافيها إِشْعَار بِأَن المُرَاد سُؤال الْأَهْل أَن جَمِيع الجمادات مُتَسَاوِيَة فِي الشَّهَادَة عِنْد الْإِطْلَاق خرقا للْعَادَة إِظْهَارًا لصدقهم (وَلَيْسَ كمثله شَيْء) لَيْسَ (من مَحل النزاع) وَهُوَ مجَاز العلاقة لِأَنَّهُ من مجَاز الزِّيَادَة، أَلا ترى إِلَى تَعْلِيلهم: أَي الظَّاهِرِيَّة بِأَنَّهُ كذب، إِذْ لَا كذب فِي مجَاز الزِّيَادَة (وَقد أُجِيب) أَيْضا من قبلهم بِغَيْر هَذَا، فَأُجِيب (تَارَة بِأَنَّهُ) أَي لَيْسَ كمثله شَيْء لنفي التَّشْبِيه (حَقِيقَة) فالكاف مستعملة فِي مفهومها الوضعي (والمثل يُقَال لنَفسِهِ) أَي لنَفس الشَّيْء وذاته فَيُقَال (لَا يَنْبَغِي لمثلك) كَذَا: أَي لَك، قَالَ الله تَعَالَى - {فَإِن آمنُوا} - (بِمثل مَا آمنتم بِهِ) أَي بِمَا آمنتم بِهِ: وَهُوَ الْقُرْآن وَدين الْإِسْلَام، فَالْمَعْنى لَيْسَ كذاته شَيْء (وَتَمَامه) أَي تَمام هَذَا الْجَواب (باشتراك) لفظ (مثل) بَين النَّفس والتشبيه
(2/23)

إِذْ لَا ريب فِي كَونه حَقِيقَة فِي التَّشْبِيه، فَإِن كَانَ حَقِيقَة فِي النَّفس أَيْضا ثَبت الِاشْتِرَاك (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن فِي النَّفس حَقِيقَة بل كَانَ مجَازًا (ثَبت نقيض مطلوبهم) أَي الظَّاهِرِيَّة، وَهُوَ وجود الْمجَاز فِي الْقُرْآن (وَهُوَ) أَي الِاشْتِرَاك (مَمْنُوع) أَي غير وَاقع عَدمه وَالْمجَاز أولى مِنْهُ (وَتارَة) بِأَن لَيْسَ كمثله شَيْء (حَقِيقَة) على أَن الْكَاف بِمَعْنى مثل وكل مِنْهُمَا غير زَائِد (إِمَّا لنفي مثل مثله وَيلْزمهُ) أَي وَيلْزم (نفي) مثل (مثله وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يلْزمه (تنَاقض لِأَنَّهُ) تَعَالَى (مثل مثله) تَوْضِيحه أَنه على تَقْدِير نفي مثل مثله لَو تحقق مثله لزم اجْتِمَاع النقيضين: انْتِفَاء وجود مثل الْمثل، وَوُجُود مثل الْمثل، أما الأول فَلِأَنَّهُ الْمَنْطُوق الْمَدْلُول لقَوْله - {لَيْسَ كمثله} - وَأما الثَّانِي فَلِأَنَّهُ مَوْجُود وَهُوَ مثل مثله الْمَفْرُوض وجوده (وللزوم التَّنَاقُض) على تَقْدِير أَن لَا يلْزمه نفي مثله (انْتَفَى ظُهُوره) أَي ظُهُور نفي مثل مثله) (فِي إِثْبَات مثله) دفع لما قيل من أَنه يلْزم على تَقْدِير كَون الْكَاف بِمَعْنى الْمثل إِثْبَات الْمثل من حَيْثُ دلَالَة اللَّفْظ ظَاهر إِذْ لَا يَنْفِي عَادَة نَظِير الشَّيْء الا اذا كَانَ ذَلِك الشئ مَعْلُوم الْوُجُود، وَإِنَّمَا جعل دلَالَته ظَاهرا لَا نصا لجَوَاز عقلا نفى نَظِير الشئ مَعَ كَون ذَلِك الشَّيْء مَعْدُوما (وَبِه) أَي بِلُزُوم التَّنَاقُض على تَقْدِير وجود الْمثل مَعَ نفي الْمثل (ينْدَفع دَفعه) أَي دفع هَذَا الْجَواب الْقَائِل أَن الْكَاف بِمَعْنى الْمثل، وَلَيْسَ زَائِدا والدافع ابْن الْحَاجِب (باقتضائه) أَي الْجَواب الْمَذْكُور: وَهُوَ صلَة الدّفع (إِثْبَات الْمثل فِي مقَام نَفْيه) أَي نفي الْمثل (و) إِذْ قد عرفت أَن لُزُوم التَّنَاقُض صرف عَن حمل التَّرْكِيب على إِثْبَات الْمثل بِهِ ينْدَفع (ظُهُوره) أَي ظُهُور لَيْسَ كمثله على تَقْدِير كَون الْكَاف بِمَعْنى الْمثل (فِيهِ) أَي فِي إِثْبَات الْمثل (وَجعل هَذَا) الدّفع (مُرَتبا على الْجَواب الأول) كَون الْمثل بِمَعْنى الذَّات على مَا وَقع فِي حَوَاشِي الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ (سَهْو) لِأَن نفي مثل ذَاته لَا يَقْتَضِي إِثْبَات الْمثل فِي مقَام نَفْيه (وَأما لنفي شبه الْمثل) مَعْطُوف على قَوْله: أما لنفي مثل مثله لَا فرق بَينهمَا بِاعْتِبَار إِرَادَة الْمثل من الْكَاف لَكِن الثَّانِي اعْتبر فِيهِ الْمَعْنى الكوني وَحَاصِله أَنه تَارَة ينْسب إِلَى مثل الشَّيْء أَمر إِذا نظرت فِيهِ وجدته أليق انتسابا إِلَى ذَلِك الشَّيْء فَيكون الحكم بِهِ على الْمثل كِنَايَة عَن الحكم بِهِ على ذَلِك الشَّيْء كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (فينتفى الْمثل بِأولى) أَي بطرِيق أولى (كمثلك لَا يبخل) فَإِن مثله من حَيْثُ أَنه مثله إِذا انْتَفَى عَنهُ الْبُخْل كَانَ ذَاته أولى بانتفائه، وَهَهُنَا إِذا فرض لذاته المقدسة نَظِير تَعَالَى شَأْنه كَانَ ذَلِك الْمَفْرُوض عديم النظير، فَكيف يتَصَوَّر أَن لَا يكون هُوَ تَعَالَى عديم النظير (وَلَا شكّ أَن اقْتِضَاء شبه صفته انْتِفَاء الْبُخْل) إِنَّمَا أضَاف اقْتِضَاء انْتِفَاء الْبُخْل إِلَى شبه صفته، لَا إِلَى شبهه كَمَا يَقْتَضِيهِ الظَّاهِر، لِأَن الْبُخْل الْمَنْفِيّ عَن شبهه إِنَّمَا هُوَ مُقْتَضى صفة كَمَال فِي ذَات الْمُشبه وَتلك الصّفة شَبيهَة صفة من قصد انْتِفَاء بخله أَصَالَة فَافْهَم (أولى) خبر أَن (مِنْهُ)
(2/24)

أَي من قصد اقْتِضَاء شبه صفته انْتِفَاء الْبُخْل (اقْتِضَاء صفته) انْتِفَاء الْبُخْل، وَقَوله اقْتِضَاء فَاعل أولى، هَذَا على رَأْي بعض النُّحَاة، وَأما على رَأْي الْأَكْثَر، فَالْخَبَر الْجُمْلَة اقْتِضَاء صفته مُبْتَدأ وَأولى خَبره أَو الْعَكْس كَمَا ذهب إِلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ (لَكِن لَيْسَ مِنْهُ) أَي من بَاب مثلك لَا يبخل (مَا نَحن فِيهِ من نفي مثل الْمثل) لينتفي الْمثل، كلمة من لبَيَان الْمَوْصُول (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن كَذَلِك بِأَن يكون مَا نَحن فِيهِ من ذَلِك الْبَاب (لم يَصح نفي مثل لِثَابِت) مُتَعَلق بِمثل الثَّانِي: أَي لشخص ثَابت لَهُ مثل فَاعل ثَابت وَاحِد فضلا عَن الْأَكْثَر لكنه: أَي نفي مثل لما هُوَ ثَابت (لَهُ مثل وَاحِد لكنه) أَي نفي مثل هُوَ لما ثَابت لَهُ مثل (صَحِيح فَإِذا قيل لَيْسَ مثل مثل زيد أحد) اسْم لَيْسَ قدم عَلَيْهِ خَبره (اقْتضى ثُبُوت مثل لزيد) وَلقَائِل أَن يَقُول يجوز أَن يكون لَيْسَ كمثله من قبيل مثلك لَا يبخل وَلَا يلْزم مِنْهُ عدم صِحَة نفي مَا ذكره لجَوَاز أَن يسْتَعْمل لَيْسَ مثل مثله تَارَة لنفي الْمثل وَتارَة لنفي مثل الْمثل مَعَ وجود الْمثل وَيتَعَيَّن كل مِنْهُمَا بِحَسب الْقَرَائِن، فَفِي مثلك لَا يبخل الْعلم بِوُجُود الْمثل حَاصِل، والقرينة دَالَّة على أَن المُرَاد نفي الْبُخْل عَمَّن أضيف إِلَيْهِ الْمثل بطرِيق أولى، فَعِنْدَ اسْتِعْمَال لَيْسَ كمثله إِن كَانَ الْعلم بِوُجُود الْمثل حَاصِلا لم يكن المُرَاد نفي الْمثل بطرِيق أولى، وَإِن لم يعلم وجود الْمثل وَكَانَ سوق الْكَلَام لنفي الْمثل كَانَ المُرَاد نَفْيه بطرِيق أولى، نعم يتَّجه أَن يُقَال هَذَا التَّأْوِيل وَإِن جَازَ على سَبِيل التَّكْلِيف، لَكِن الْمُتَبَادر من اللَّفْظ نفي مثل الْمثل مَعَ وجود الْمثل كَمَا لَا يخفى على من لَهُ ذوق الْعَرَبيَّة، وسيشير إِلَيْهِ (وَصرف) مَا حققناه من أَن مُقْتَضى لَيْسَ مثل زيد ثُبُوت مثل لزيد وَأَنه يسْتَلْزم ثُبُوت زيد أَيْضا (لُزُوم التَّنَاقُض) اللَّازِم من نفي مثل مثله على مَا بَيناهُ (إِلَى نفي مثل) آخر (غير زيد) أَي صرف مَا ذكر انصراف النَّفْي عَمَّا يسْتَلْزم التَّنَاقُض من نفي مُطلق مثل الْمثل إِلَى نفي الْمثل الْخَاص (فَلم يتحد مَحل النَّفْي وَالْإِثْبَات) فَمحل النَّفْي مثل الْمثل الذى غير زيد، وَمحل الْإِثْبَات مثل الْمثل الَّذِي هُوَ زيد، وَيحْتَمل أَن يكون لُزُوم التَّنَاقُض فَاعل صرف، الْمَعْنى صَار لُزُوم التَّنَاقُض الْمَذْكُور قرينَة صارفة لحمل النَّفْي عَن الْإِطْلَاق إِلَى التَّخْصِيص (وَهُوَ) أَي الصّرْف الْمَذْكُور (أظهر من صرفه) أَي من صرف لُزُوم التَّنَاقُض (السَّابِق) أَي الَّذِي سبق ذكره القَوْل الْمَذْكُور، يَعْنِي لَيْسَ كمثله (عَن ظُهُوره) أَي القَوْل الْمَذْكُور (فِي إِثْبَات الْمثل) إِلَى نفي الْمثل مُطلقًا (لأسبقية هَذَا) أَي إِثْبَات الْمثل إِلَى الْفَهم (من التَّرْكِيب) الْمَذْكُور غير أَن الصّرْف السَّابِق بِهِ يفتح جَوَاب الظَّاهِرِيَّة وَهَذَا يُبطلهُ كَمَا لَا يخفى (فَالْوَجْه ذَلِك الدّفع) أَي دفع دفع ابْن الْحَاجِب كَون التَّرْكِيب لنفي مثل مثله وَيلْزمهُ نفي مثله باقتضائه إِثْبَات الْمثل فِي مقَام نَفْيه بِجعْل لُزُوم التَّنَاقُض قرينَة صارفة عَن ظُهُور التَّرْكِيب فِي إِثْبَات الْمسند.
(2/25)

مسئلة
(اخْتلف فِي كَون الْمجَاز نقليا) فَقَائِل قَالَ لَيْسَ نقليا وَآخر قَالَ نقلي، ثمَّ اخْتلفُوا (فَقيل) يشْتَرط النَّقْل (فِي آحاده) فَلَا بُد فِي كل فَرد من الْمجَاز من نقل عَن الْعَرَب أَنهم استعملوه فِي خُصُوص ذَلِك الْمَعْنى الْمجَازِي (وَقيل) يشْتَرط (فِي نوع العلاقة) فَيشْتَرط فِي كل مجَاز أَن ينْقل عَن الْعَرَب اعْتِبَار نوع علاقته (وَهُوَ) أَي هَذَا القَوْل هُوَ (الْأَظْهر) وَمن قَالَ لَا يشْتَرط ذَلِك قَالَ يَكْفِي وجود علاقَة مصححة للانتقال عَمَّا وضع لَهُ إِلَى الْمَعْنى الْمجَازِي بمعاونة الْقَرِينَة (فالشارط) للنَّقْل فِي نوع العلاقة يَقُول معنى اشْتِرَاطه للعلاقة (أَن يَقُول) الْوَاضِع (مَا) أَي معنى (بَينه وَبَين) معنى (آخر) وَهُوَ مَا وضع لَهُ اللَّفْظ (اتِّصَال كَذَا) كِنَايَة عَن العلاقة (إِلَى آخِره) أَي أجزت أَن يسْتَعْمل فِيهِ من غير احْتِيَاج إِلَى نقل آحاده، والشارط للنَّقْل فِي الْآحَاد يشْتَرط سَمَاعه مِنْهُم فِي عين كل صُورَة (وَالْمُطلق) للْجُوَاز من غير اشْتِرَاط نقل فِي الْآحَاد وَلَا فِي النَّوْع يَقُول (الشَّرْط) فِي صِحَة التَّجَوُّز أَن يكون (بعد وضع التَّجَوُّز) أَي بعد تعْيين الْوَاضِع اللَّفْظ للاستعمال فِي غير مَا وضع لَهُ عِنْد الْقَرِينَة الصارفة والمعينة (اتِّصَال) بَين المتجوز بِهِ والمجوز عَنهُ (فِي ظَاهر) الْأَوْصَاف المختصة بالمتجوز عَنهُ، فَحَيْثُ وجد لم يتَوَقَّف على غَيره (وعَلى النَّقْل) أَي على القَوْل بِاشْتِرَاط النَّقْل نوعا (لَا بُد من الْعلم بِوَضْع نوعها) أَي بِتَعْيِين الْوَاضِع اللَّفْظ للاستعمال فِي غير مَا وضع لَهُ مِمَّا لَهُ نوع اتِّصَال بالموضوع لَهُ من الْأَنْوَاع الْمُعْتَبرَة: وَإِلَّا لَكَانَ اسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي ذَلِك وضعا جَدِيدا أَو غير مُعْتَد بِهِ (وَاسْتدلَّ) للمطلق بِأَنَّهُ (على التَّقْدِيرَيْنِ) أَي تَقْدِير شَرط نقل الْآحَاد، وَتَقْدِير شَرط نقل الْأَنْوَاع (لَو شَرط) أَحدهمَا (توقف أهل الْعَرَبيَّة) فِي كل تجوز على التَّقْدِير الأول، وَفِي كل نوع من التَّجَوُّز على التَّقْدِير الثَّانِي (وَلَا يتوقفون أَي فِي) أَحْدَاث (الْآحَاد و) لَا فِي (أَحْدَاث أَنْوَاعهَا) أَي العلاقة، وَمن ثمَّة لم يدونوا المجازات تدوينهم الْحَقَائِق (وَهُوَ) أَي هَذَا الدَّلِيل (منتهض) أَي قَائِم ثَابت (فِي الأول) أَي فِي عدم اشْتِرَاط النَّقْل فِي الْآحَاد (مَمْنُوع) بطلَان (التَّالِي) أَي لَا نسلم عدم التَّوَقُّف (فِي الثَّانِي) وَهُوَ عدم اشْتِرَاط النَّقْل فِي الْأَنْوَاع، تَقْرِيره وَلَو اشْترط النَّقْل فِي الْأَنْوَاع لتوقفوا فِيهَا، لكِنهمْ لَا يتوقفون، فاستثناء نقيض التَّالِي مَمْنُوع (وعَلى الْآحَاد) أَي وَاسْتدلَّ على عدم اشْتِرَاط النَّقْل فِي الْآحَاد بِأَنَّهُ (لَو شَرط النَّقْل فِيهَا (لم يلْزم الْبَحْث عَن العلاقة) لِأَن النَّقْل بِدُونِهَا مُسْتَقلَّة بِتَصْحِيحِهِ حِينَئِذٍ فَلَا معنى للبحث فِيهَا لكنه لَازم بإطباق أهل الْعَرَبيَّة فَلَا يشْتَرط النَّقْل فِي الْآحَاد (وَدفع أَن أُرِيد نفي التَّالِي) أَي عدم لُزُوم الْبَحْث عَن العلاقة (فِي) حق (غير الْوَاضِع منعناه) أَي نفي التَّالِي لِأَنَّهُ
(2/26)

لَا يلْزم عَلَيْهِ الْبَحْث عَنْهَا (بل يَكْفِيهِ) أَي غير الْوَاضِع (نَقله) أَي نقل كل وَاحِد من الْآحَاد عِنْد اسْتِعْمَاله (وبحثه) عَن العلاقة (للكمال) وَهُوَ الِاطِّلَاع على الْحِكْمَة الباعثة لاستعمال من نقل عَنهُ اللَّفْظ فِي ذَلِك الْمعِين (أَو) أُرِيد نفي التَّالِي (فِيهِ) أَي حق الْوَاضِع (منعنَا الْمُلَازمَة) فَإِن الْوَاضِع مُحْتَاج إِلَى معرفَة الْمُنَاسبَة بَين الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ والمجازي المسوغة للتجوز (و) الْوَاضِع (غير) مَحل (النزاع) فَإِن النزاع فِي غير الْوَاضِع (قَالُوا) أَي الشارطون للنَّقْل (لَو لم يشْتَرط) النَّقْل فِيهَا (جَازَ) أَن يسْتَعْمل (نَخْلَة لطويل غير إِنْسَان) للمشابهة فِي الطول كَمَا جَازَت للْإنْسَان الطَّوِيل (وشبكة للصَّيْد) للمجاورة بَينهمَا (وَابْن لِأَبِيهِ) إطلاقا للمسبب على السَّبَب (وَقَلبه) أَي أَب لِابْنِهِ إطلاقا للسبب على الْمُسَبّب (وَهَذَا) الدَّلِيل (للْأولِ) أَي الْقَائِل بِاشْتِرَاط نقل فِي الْآحَاد (وَالْجَوَاب وجوب تَقْدِير الْمَانِع) فِي أَمْثَال هَذِه الصُّور (للْقطع بِأَنَّهُم) أَي أهل الْعَرَبيَّة (لَا يتوقفون) عَن استعمالات مجازات لم تسمع أعيانها بعد تحقق نوع عَن العلاقات الْمُعْتَبرَة وتخلف الصِّحَّة عَن الْمُقْتَضى فِي بعض الصُّور لمَانع مَخْصُوص بهَا لَا يقْدَح فِي الِاقْتِضَاء، إِذْ عدم الْمَانِع لَيْسَ جُزْءا من الْمُقْتَضى، وَقَالَ صدر الشَّرِيعَة: إِنَّمَا لم يجز نَخْلَة لطويل غير إِنْسَان لانْتِفَاء المشابهة فِيمَا لَهُ مزِيد اخْتِصَاص بالنخلة وَهُوَ الطول مَعَ فروع وأغصان فِي أعاليها وطراوة وتمايل فِيهَا، وَفِيه أَنه لَو فرض مَا يشاركها فِيمَا ذكر لَا يسْتَعْمل فِيهَا أَيْضا فَتَأمل.

المعرفات للمجاز
(يعرف الْمجَاز بتصريحهم) أَي أهل اللُّغَة (باسمه) أَي الْمجَاز كَهَذا اللَّفْظ مجَاز فِي كَذَا (أَو حَده) بِأَن يُصَرح بِحَدّ الْمجَاز كَهَذا اللَّفْظ مُسْتَعْمل فِي غير مَا وضع لَهُ (أَو بعض لوازمه) كاستعماله فِي كَذَا يتَوَقَّف على العلاقة (وبصحة نفي مَا) أَي معنى (لم يعرف) معنى حَقِيقِيًّا (لَهُ) أَي للفظ، وَهُوَ الْمُسْتَعْمل فِيهِ عَن الْمَعْنى الْمَعْرُوف كَونه حَقِيقِيًّا لَهُ (فِي الْوَاقِع) مُتَعَلق بِالصِّحَّةِ كَقَوْلِك: للبليد حمَار فَإِنَّهُ يَصح فِيهِ أَن يُقَال الْحمار لَيْسَ ببليد، وَغَيره جعل العلاقة صِحَة نفي الْحَقِيقِيّ عَن الْمُسْتَعْمل فِيهِ وهما متلازمان، وَإِنَّمَا قَالَ فِي الْوَاقِع لصِحَّة سلب الْإِنْسَان لُغَة وَعرفا عَن الفاقد بعض الصِّفَات الإنسانية المعتد بهَا، وَعَكسه بِنَاء على اعتبارات خطابية (قيل) وَالْقَائِل ابْن الْحَاجِب (وَعَكسه) وَهُوَ عدم صِحَة نفي مَا لم يعرف حَقِيقِيًّا لَهُ (دَلِيل الْحَقِيقَة) كَعَدم صِحَة نفي الإنسانية عَن البليد وَعَكسه فَإِنَّهُ دَلِيل على أَنه إِنْسَان حَقِيقَة (وَاعْترض) والمعترض الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ (بِالْمُسْتَعْملِ فِي الْجُزْء وَاللَّازِم) الْمَحْمُول كاسنان
(2/27)

(من قَوْلنَا عِنْد نفي خَواص الإنسانية) عَن زيد مقول القَوْل (مَا زيد بِإِنْسَان أَي كَاتب) إِن اسْتعْمل فِي اللَّازِم (أَو نَاطِق) إِن اسْتعْمل فِي الْجُزْء حَاصِل الِاعْتِرَاض أَنكُمْ قُلْتُمْ صِحَة النَّفْي دَلِيل الْحَقِيقَة وَلَفظ إِنْسَان فِي الْمِثَال الْمَذْكُور سَوَاء اسْتعْمل فِي كَاتب أَو نَاطِق مجَاز بِلَا شُبْهَة مَعَ أَنه (لَا يَصح النَّفْي) فِيهِ فقد وجد الدَّلِيل (وَلَا حَقِيقَة) فَتخلف الْمَدْلُول عَن الدَّلِيل وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَصح نفي الْإِنْسَان عَن الْكَاتِب وَلَا عَن النَّاطِق، لِأَن كل كَاتب إِنْسَان، وَكَذَا كل نَاطِق إِنْسَان، ورد عَلَيْهِ المُصَنّف بقوله: (وَالْحق الصِّحَّة) أَي صِحَة النَّفْي (فيهمَا) أَي فِي كَاتب وناطق فَيصح أَن يُقَال: الْكَاتِب لَيْسَ بِإِنْسَان، وَكَذَا النَّاطِق لَيْسَ بِإِنْسَان على أَن تكون الْقَضِيَّة طبيعية: إِذْ لَيْسَ مَفْهُوم الْإِنْسَان غير شَيْء مِنْهُمَا وَإِن كَانَ مَحْمُولا على أَفْرَاد كل مِنْهُمَا على أَن تكون الْقَضِيَّة متعارفة (قيل) على مَا فِي شرح العضدي (وَأَن يعرف لَهُ مَعْنيانِ) مَعْطُوف على مَدْخُول الْبَاء فِي قَوْله بتصريحهم: أَي وَيعرف الْمجَاز بِأَن يعرف للفظ مَعْنيانِ (حَقِيقِيّ ومجازي) بدل من مَعْنيانِ (ويتردد فِي المُرَاد) مِنْهُمَا فِي مورده فَكل من الْمَعْنيين بِخُصُوصِهِ مَعْلُوم، وَهَذَا حَقِيقِيّ، وَهَذَا مجازي، غير أَنه لَا يعرف المُرَاد بِخُصُوصِهِ، وَيعرف أَن أَحدهمَا مُرَاد (فصحة) نفي (الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ) عَن الْإِرَادَة فِي مثل هَذَا المورد (دَلِيله) أَي دَلِيل كَون اللَّفْظ مُسْتَعْملا فِي الْمَعْنى الْمجَازِي (وَلَيْسَ) هَذَا القَوْل (بِشَيْء) يعْتد بِهِ (لِأَن الحكم بِالصِّحَّةِ) أَي بِصِحَّة نفي الْحَقِيقِيّ عَن الْإِرَادَة فِي هَذَا المورد (يحِيل الصُّورَة) الْمَذْكُورَة أَي يحِيل كَونهَا مِمَّا يعرف بِهِ كَون اللَّفْظ مجَازًا (لِأَنَّهُ) أَي الحكم بِأَن الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ غير مُرَاد فِيهَا (فرع عدم التَّرَدُّد) فِي المُرَاد بِخُصُوصِهِ، وَالْعلم بِأَن الْمَعْنى الْمجَازِي مُرَاد: فالعلم بمجازية اللَّفْظ على هَذَا مقدم على الحكم بِالصِّحَّةِ، فَكيف يكون الحكم بهَا دَلِيل المجازية (وَإِن أُرِيد) بِكَوْن صِحَة نفي الْحَقِيقِيّ دَلِيلا إِثْبَات الدّلَالَة (لظُهُور الْقَرِينَة) الْمقيدَة للمجازية (بِالآخِرَة) بعد التَّرَدُّد بِسَبَب التَّأَمُّل إِسْنَادًا لوصف الشَّيْء إِلَى سَببه (فقصور) أَي فَهَذَا التَّأْوِيل قُصُور عَن فهم مَا يلْزمه من الْوُقُوع فِيمَا هُوَ أوهن (إِذْ حَاصله) أَي حَاصِل هَذَا التَّأْوِيل أَنه (إِذا دلّت الْقَرِينَة على أَن اللَّفْظ مجَاز فَهُوَ مجَاز) وَلَا طائل تَحْتَهُ: إِذْ حَاصله أَنه إِذا قَامَ دَلِيل المجازية يحكم بِمُوجبِه (وَمَعْلُوم وجوب الْعلم بِالدَّلِيلِ، و) يعرف الْمجَاز (بِأَن يتَبَادَر) من اللَّفْظ إِلَى الْفَهم (غَيره) أَي غير الْمَعْنى الْمُسْتَعْمل فِيهِ (لَوْلَا الْقَرِينَة) فَلَو كَانَ حَقِيقَة لما تبادر غَيره (وَقَلبه) أَي قلب مَا ذكر وَهُوَ لَا يتَبَادَر غير الْمُسْتَعْمل فِيهِ لَوْلَا الْقَرِينَة الدَّالَّة على المُرَاد غَيره (عَلامَة الْحَقِيقَة) فَمَا ذكره مطردَة منعكسة (وإيراد الْمُشْتَرك) نفضا على عَلامَة الْحَقِيقَة (إِذْ لَا يتَبَادَر فِيهِ الْمَعْنى (الْمعِين) الْمُسْتَعْمل فِيهِ، وَعدم تبادر غير الْمُسْتَعْمل فِيهِ يدل على كَون الْمُسْتَعْمل فِيهِ
(2/28)

متبادرا عرفا (وَهُوَ) أَي الْمُشْتَرك (حَقِيقَة فِيهِ) أَي فِي ذَلِك الْمعِين (مَبْنِيّ على) اشْتِرَاط (انعكاس الْعَلامَة وَهُوَ) أَي اشْتِرَاط انعكاسها (مُنْتَفٍ) بل الشَّرْط اطرادها فَقَط (واصلاحه) أَي تَوْجِيه إِيرَاد الْمُشْتَرك على عَلامَة الْمجَاز، وَهُوَ أَن يُقَال الْمُشْتَرك على عَلامَة الْمجَاز، وَهُوَ أَن يُقَال الْمُشْتَرك لَيْسَ بمجاز، وعلامة الْمجَاز مَوْجُودَة فِيهِ: إِذْ الْمُتَبَادر مِنْهُ غير مَا اسْتعْمل فِيهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (تبادر غَيره) خبر اصلاحه على الْمُسَامحَة (وَهُوَ) أَي غير الْمُسْتَعْمل فِيهِ (الْمُبْهم) يعين أَحدهمَا لَا على التَّعْيِين (إِلَّا بِقَرِينَة) تعين أَحدهمَا بِعَيْنِه، اسْتثِْنَاء من أَعم الْأَحْوَال أَي تبادر غَيره فِي جَمِيع الْأَحْوَال إِلَّا حَال كَونه متلبسا بِقَرِينَة (وَدفعه) أَي دفع الْإِيرَاد الْمَذْكُور (بِأَن فِي معنى التبادر) أَي تبادر الْغَيْر مَأْخُوذ (أَنه) أَي الْغَيْر (مُرَاد، وَهُوَ) أَي الْمَعْنى الْمَذْكُور (مُنْتَفٍ بالمبهم، واندفع مَا) ذكر من إِيرَاد الْمُشْتَرك (إِذا قرر) بِوَجْه آخر مشار إِلَيْهِ بقوله (بِمَا إِذا اسْتعْمل) الْمُشْتَرك (فِي) معنى (مجازي) مَا مَصْدَرِيَّة، وَإِذا زَائِدَة (فَإِنَّهُ لَا يتَبَادَر) حِينَئِذٍ (غَيره) أَي غير ذَلِك الْمجَاز لما عرفت من أَن المُرَاد تبادر الْغَيْر من حَيْثُ أَنه مُرَاد (فَبَقيت عَلامَة الْحَقِيقَة فِي الْمجَاز) ثمَّ أَفَادَ وَجه الاندفاع بقوله (بِأَن عَلامَة الْحَقِيقَة تبادر الْمَعْنى) الْمُسْتَعْمل فِيهِ (لَوْلَا الْقَرِينَة وَهُوَ المُرَاد بِعَدَمِ تبادر غَيره) أَي لَا يَكْفِي فِي الْحَقِيقَة مُجَرّد عدم تبادر غير الْمُسْتَعْمل فِيهِ: بل لَا بُد مَعَ ذَلِك من تبادر الْمُسْتَعْمل فِيهِ بِدُونِ الْقَرِينَة (فَلَا وُرُود لهَذَا) الْإِيرَاد (إِذْ لَيْسَ يتَبَادَر) الْمَعْنى (الْمجَازِي) من لفظ الْمُشْتَرك حَتَّى يكون حَقِيقَة (ثمَّ هُوَ) أَي هَذَا التَّقْرِير (يُنَاقض مناضلة الْمُقَرّر) أَي مباراته ومجادلته: يَعْنِي القَاضِي عضد الدّين (فِيمَا سلف) فِي مسئلة عُمُوم الْمُشْتَرك بتنصيصه (على أَن الْمُشْتَرك ظَاهر فِي كل معِين ضَرْبَة) أَي دفْعَة وَاحِدَة (عِنْد عدم قرينَة معِين، و) يعرف الْمجَاز أَيْضا (بِعَدَمِ اطراده) أَي اللَّفْظ (بِأَن اسْتعْمل) فِي مَحل (بِاعْتِبَار، وَامْتنع) اسْتِعْمَاله (فِي) مَحل (آخر مَعَه) أَي مَعَ ذَلِك الِاعْتِبَار (كاسأل الْقرْيَة دون) اسْأَل (الْبسَاط) فَإِن لفظ اسْأَل اسْتعْمل فِي سُؤال الْقرْيَة بِاعْتِبَار نسبته إِلَى أَهلهَا، وَلم يسْتَعْمل فِي سُؤال الْبسَاط بِاعْتِبَار نسبته إِلَى أَهلهَا، فَلَو كَانَ اسْتِعْمَاله بذلك الِاعْتِبَار على مَا يَقْتَضِيهِ وَضعه الْأَصْلِيّ لما اخْتلف بِاعْتِبَار الْمجَاز (وَلَا تنعكس) هَذِه الْعَلامَة: أَي لَيْسَ الاطراد دَلِيل الْحَقِيقَة فَإِن الْمجَاز قد يطرد كالأسد للشجاع (وَأورد) على هَذِه الْعَلامَة: أَعنِي عدم الاطراد (السخي والفاضل امتنعا فِيهِ تَعَالَى مَعَ) وجود (المناط) أَي منَاط إطلاقهما، وَهُوَ الْجُود وَالْعلم فِي حَقه تَعَالَى، فقد تحقق فيهمَا عدم الاطراد وَلم يتَحَقَّق الْمجَاز (والقارورة) امْتنع اسْتِعْمَاله (فِي الدن) أَي لَا يُسمى قَارُورَة مَعَ وجود المناط فقد تحقق فِيهَا عدم الاطراد
(2/29)

وَهُوَ كَونه مقرا للمائع (وَأجِيب بِأَن عَدمه) أَي عدم اسْتِعْمَال هَذِه الْأَلْفَاظ فِيمَا ذكر (لُغَة عرف تقييدها) أَي الْمَذْكُورَات (بِكَوْنِهِ) أَي الْجُود (مِمَّن شَأْنه أَن يبخل و) الْعلم مِمَّن شَأْنه أَن (يجهل و) الْمقر (بالزجاجية) فَانْتفى منَاط الْإِطْلَاق فِيمَا امْتنع اسْتِعْمَالهَا فِيهِ، ثمَّ تعقب هَذَا الْجَواب بقوله (وَيَجِيء مثله) أَي مثل هَذَا الْجَواب (فِي الْكل) أَي فِي كل مَادَّة يَجْعَل فِيهَا عدم الاطراد عَلامَة للمجاز (إِذْ لَا بُد من خُصُوصِيَّة) لذَلِك الْمحل الْمُسْتَعْمل فِيهِ (فتجعل) تِلْكَ الخصوصية (جُزْءا) من المناط (و) يعرف المناط أَيْضا (بجمعه) أَي اللَّفْظ (على خلاف مَا عرف لمسماه) أَي إِذا كَانَ للاسم جمع بِاعْتِبَار مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ، وَقد اسْتعْمل فِي معنى آخر لَا يعلم كَونه حَقِيقَة فِيهِ غير أَنه جمعه بِاعْتِبَار ذَلِك الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ الآخر مُخَالف لجمعه بِاعْتِبَار الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ كَانَ هَذَا الِاخْتِلَاف دَلِيلا على أَنه مجَاز فِي الْمَعْنى الآخر كالأمر فان جمعه بِاعْتِبَار مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ وَهُوَ الصِّيغَة الْمَخْصُوصَة أوَامِر، وَبِاعْتِبَار الْفِعْل أُمُور فَدلَّ على أَنه مجَاز فِيهِ (دفعا للاشتراك) اللَّفْظِيّ لِأَنَّهُ خير مِنْهُ (وَهَذَا) الَّذِي علل بِهِ كَون الِاخْتِلَاف الْمَذْكُور عَلامَة للمجاز (فِي التَّحْقِيق يُفِيد أَن لَا أثر لاخْتِلَاف الْجمع) إِذْ الْمُؤثر إِنَّمَا هُوَ الِاحْتِرَاز عَن الِاشْتِرَاك، فَإِن الِاخْتِلَاف الْمَذْكُور كَمَا يتَحَقَّق بِاعْتِبَار الْحَقِيقَة وَالْمجَاز، كَذَلِك يتَحَقَّق بِاعْتِبَار الِاشْتِرَاك فَلَا اخْتِصَاص لَهُ بِأَحَدِهِمَا دون الآخر (وَلَا تنعكس) هَذِه الْعَلامَة، إِذْ لَيْسَ كل مجَاز يُخَالف جمعه جمع الْحَقِيقَة فَإِن الْأسد بِمَعْنى الشجاع، وَالْحمار بِمَعْنى البليد يجمعان على أَسد وحمر، وَهَذَا الْكَلَام يُؤَيّد مَا قبله. قَالَ الشَّارِح لَا حَاجَة إِلَى قَوْله (كَالَّتِي قبلهَا) لتصريحه بِهِ ثمَّة قلت لَعَلَّه أَشَارَ بِهِ إِلَى وَجه إيرادها متصلين (و) يعرف الْمجَاز أَيْضا (بِالْتِزَام تَقْيِيده) أَي اللَّفْظ عِنْد اسْتِعْمَاله فِي الْمَعْنى المتردد فِيهِ بِشَيْء من لوازمه كجناح الذل، ونار الْحَرْب، وَنور الْإِيمَان، فَإِنَّهَا فِي مَعَانِيهَا الْحَقِيقَة تسْتَعْمل مُطلقَة، وَفِي هَذِه بِهَذِهِ الْقُيُود، فَهَذَا الِالْتِزَام دَلِيل التَّجَوُّز: إِذْ لَو كَانَت حَقِيقَة فِيهَا لاستعملت فِيهَا مُطلقَة كَمَا تسْتَعْمل فِي مَعَانِيهَا الْمَشْهُورَة كَمَا هُوَ أصل اللُّغَة فِي الاستعمالات الْحَقِيقِيَّة، وَهَذِه الْعَلامَة قد لَا تُوجد فِي بعض المجازات اعْتِمَادًا على الْقَرَائِن، وَإِنَّمَا اعْتبر الِالْتِزَام احْتِرَازًا عَن الْمُشْتَرك، فَإِنَّهُ رُبمَا يُقيد كرأيت عينا جَارِيَة، لَكِن من غير الْتِزَام (و) يعرف الْمجَاز أَيْضا (بتوقف إِطْلَاقه) أَي اللَّفْظ للمعنى المتردد فِيهِ الَّذِي هُوَ وصف مُتَعَلق بموصوف (على) ذَلِك (مُتَعَلقَة) صلَة للتوقف حَال كَونه فِي ذَلِك الْإِطْلَاق (مُقَابلا للْحَقِيقَة) بِأَن يسْتَعْمل قبيل هَذَا الْإِطْلَاق فِي مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ نَحْو قَوْله تَعَالَى {ومكروا ومكر الله} فَإِن إِطْلَاق الْمَكْر على الْمَعْنى اللَّائِق بجناب الْحق سُبْحَانَهُ مقرون بِذكر مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ، وَهُوَ الذَّات الْمُقَدّس الْمُتَعَلّق
(2/30)

بذلك الْمَعْنى، وَقد قَابل إِطْلَاقه لهَذَا الْمَعْنى إِطْلَاقه لمعناه الْحَقِيقِيّ الْقَائِم بِمَا عبر عَنهُ بضمير الْجمع، وَصِحَّة هَذَا التَّمْثِيل مَبْنِيّ (على أَنه) أَي الْمجَاز لفظ (مكر الْمُفْرد وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يعْتَبر التَّجَوُّز فِي لفظ مكر، بل فِي نِسْبَة مكر الذَّات الْمُقَدّس (فَلَيْسَ) الْمِثَال على ذَلِك التَّقْدِير (الْمَقْصُود) أَي مطابقا لما قصد من الْمجَاز اللّغَوِيّ (كالتمثيل لعدم الاطراد باسأل الْقرْيَة) فَإِنَّهُ غير مُطَابق للقصد، لِأَن الْمجَاز فِي النِّسْبَة، لَا فِي الْمُفْرد الَّذِي هُوَ الْمَقْصد، ثمَّ علل قَوْله فَلَيْسَ هُوَ الْمَقْصد بقوله، (فَإِن الْكَلَام فِي) الْمجَاز (اللّغَوِيّ لَا) الْمجَاز (الْعقلِيّ) الَّذِي هُوَ الْمجَاز فِي النِّسْبَة.

مسئلة
(إِذا لزم) كَون اللَّفْظ (مُشْتَركا) بَين مُسَمَّاهُ الْمَعْرُوف، والمتردد فِيهِ لم يكن مجَازًا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن مُشْتَركا لزم كَونه (مجَازًا) فِي المتردد فِيهِ (لزم مجَازًا) أَي لزم اعْتِبَار كَونه مجَازًا فِيهِ، وَهُوَ جَزَاء الشَّرْط وَحَاصِله أَنه إِذا دَار الْأَمر بَين الِاشْتِرَاك والتجوز تعين اخْتِيَار التَّجَوُّز (لِأَنَّهُ) أَي الْحمل على التَّجَوُّز (لَا يخل بالحكم) بِمَا هُوَ المُرَاد مِنْهُ بِعَيْنِه سَوَاء وجد قرينَة الْمجَاز أَولا (إِذْ هُوَ) أَي الحكم (عِنْد عدمهَا) أَي الْقَرِينَة (بالحقيقي) أَي بِكَوْن المُرَاد الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ للفظ (وَمَعَهَا) أَي الْقَرِينَة (بالمجازي) أَي بِكَوْنِهِ الْمَعْنى الْمجَازِي لَهُ (أما الْمُشْتَرك فَلَا) يحكم بِأَن المُرَاد بِهِ معِين من معنييه (إِلَّا مَعهَا) أَي الْقَرِينَة الْمعينَة لَهُ: كَذَا قَالُوا، ورد عَلَيْهِم المُصَنّف بقوله (وَلَا يخفى عدم الْمُطَابقَة) أَي عدم مُطَابقَة مَا ذكر من الْإِخْلَال بالحكم على تَقْدِير الِاشْتِرَاك وَعدم الْقَرِينَة للْوَاقِع لِأَنَّهُ إِن لم يُمكن اجْتِمَاعهمَا أَو لم يقل بِالْعُمُومِ الاستغراقي للمشترك يحكم بإجماله، والإجمال مِمَّا يقْصد فِي الْكَلَام فَلَا إخلال، وَإِن أمكن وَقُلْنَا بِهِ تعين المُرَاد فَلَا إخلال على التَّقْدِيرَيْنِ (وَقَوْلهمْ) أَي المرجحين للْحَمْل على الْمجَاز (يحْتَاج) الْمُشْتَرك (إِلَى قرينتين) بِاعْتِبَار معنييه كل مِنْهُمَا تعين فِي مَحل بِاعْتِبَار الاستعمالات (بِخِلَاف الْمجَاز) فَإِنَّهُ يحْتَاج إِلَى وَاحِدَة فبعيد إِنَّمَا يتمشى على عدم تعميمه فِي مفاهيمه ظَاهره (لَيْسَ بِشَيْء) إِذْ لَا يَقْتَضِي وجود القرنيتين فِي كل اسْتِعْمَال (بل كل) من الْمُشْتَرك وَالْمجَاز (فِي الْمَادَّة) أَي فِي كل مَادَّة مَخْصُوصَة من مواد الِاسْتِعْمَال (يحْتَاج) فِي إِفَادَة المُرَاد (إِلَى قرينَة) وَاحِدَة (وتعددها) أَي الْقَرِينَة فِي الْمُشْتَرك (لتعدده) أَي فِي الْمَعْنى المُرَاد مِنْهُ (على) سَبِيل (الْبَدَل) إِذْ المُرَاد مِنْهُ فِي هَذَا الِاسْتِعْمَال فَرد يدل على فَرد أُرِيد مِنْهُ فِي ذَلِك الِاسْتِعْمَال: فالتعدد فِي الْقَرِينَة على هَذَا القَوْل (كتعددها) أَي الْقَرِينَة فِي الْمجَاز (لتَعَدد) الْمعَانِي (المجازيات) للفظ وَاحِد بِاعْتِبَار الاستعمالات (كَذَلِك) أَي على الْبَدَل
(2/31)

فهما سيان بِاعْتِبَار وحدة الْقَرِينَة وتعددها على هَذَا الْوَجْه الْمَذْكُور، وَإِن اخْتلفَا من حَيْثُ أَن قرينَة الِاشْتِرَاك لتعيين الدّلَالَة وقرينة الْمجَاز لنَفس الدّلَالَة (وَلَعَلَّ مُرَادهم لُزُوم الِاحْتِيَاج إِلَى قرينتين (دَائِما على تَقْدِير الِاشْتِرَاك دون الْمجَاز لتعيين المُرَاد،) من الْمَعْنيين (وَنفى الآخر) يعْنى أَن القرينتين إِحْدَاهمَا لتعيين المُرَاد، وَالْأُخْرَى لنفي مَا لَيْسَ بِمُرَاد وَلَا يخفى أَن الْمعِين لأحد الْمَعْنيين لَا بُد أَن يكون نافيا للْآخر، فالتعدد بِاعْتِبَار الْحَيْثِيَّة، لَا بِاعْتِبَار الذَّات (وَهَذَا) أَي احْتِيَاج الْمُشْتَرك إِلَيْهِمَا بِنَاء (على) مَذْهَب (معممه) أَي الْمُشْتَرك فِي مفاهيمه إِنَّمَا هُوَ (فِي حَالَة عدم التَّعْمِيم) فَإِنَّهُ عِنْد قصد استغراقه لكل مَا يصلح لَهُ لَا يتَصَوَّر وجود الْقَرِينَة الْمعينَة لبَعض مفاهيمه (وَالْمجَاز كَذَلِك) أَي يلْزم كَونه مُحْتَاجا إِلَى القرينتين: إِحْدَاهمَا لتعيين المُرَاد، وَهُوَ الْمَعْنى الْمجَازِي، وَالْأُخْرَى لنفي الْحَقِيقَة بِنَاء (على الْجمع) على قَول من يُجِيز الْجمع بَين الْحَقِيقِيّ والمجازي فِي اسْتِعْمَال وَاحِد فِي حَال عدم التَّعْمِيم، فَإِنَّهُ عِنْد التَّعْمِيم يحْتَاج إِلَى قرينَة إردة الْمجَاز لَا إِلَى قرينَة نفي الْحَقِيقَة، بل هِيَ حِينَئِذٍ تفِيد خلاف مَقْصُوده: هَذَا وَقد يفرق بَينهمَا بِأَن الْمجَاز قد يسْتَعْمل فِي الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ فَيصير حِينَئِذٍ حَقِيقَة وَلَا يحْتَاج إِلَى قرينَة بِخِلَاف الْمُشْتَرك، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ اسْتِعْمَال لَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى الْقَرِينَة إِلَّا عِنْد المعمم حَال التَّعْمِيم، وَهُوَ قَلِيل (وأبلغ) مَعْطُوف على قَوْله لَا يخل بالحكم فَهُوَ دَلِيل آخر على اخْتِيَار الْمجَاز إِلَى الْمجَاز أبلغ من الْحَقِيقَة، لِأَن اشتماله على نكت البلاغة أَكثر، وَاعْترض عَلَيْهِ المُصَنّف بقوله (وإطلاقه) أَي إِطْلَاق كَونه أبلغ (بِلَا مُوجب) يُفِيد ذَلِك (لِأَنَّهُ) أَي قَوْلهم أبلغ إِن كَانَ (من البلاغة) فَهُوَ (مَمْنُوع) كَيفَ (و) قد (صرح بأبلغية الْحَقِيقَة) من الْمجَاز (فِي مقَام الْإِجْمَال) مُطلقًا الدَّاعِي للأبهام على السَّامع أَولا ثمَّ التَّفْصِيل ثَانِيًا فَإِن ذَلِك أوقع فِي نفس (فَإِن الْمُشْتَرك) فِي مثل هَذَا الْمقَام (هُوَ المطابق لمقْتَضى الْحَال) لاقتضائها الْإِجْمَال الْحَاصِل فِي الْمُشْتَرك (بِخِلَاف الْمجَاز) فَإِن اللَّفْظ مَعَ عدم الْقَرِينَة يحمل على الْحَقِيقَة، وَمَعَهَا على الْمجَاز فَلَا إِجْمَال (و) إِن كَانَ (بِمَعْنى تَأْكِيد إِثْبَات الْمَعْنى) أَي , وَإِن كَانَ من الْمُبَالغَة بِمَعْنى كَونه أكمل وَأقوى فِي الدّلَالَة على مَا أُرِيد بِهِ من الْحَقِيقَة على مَا أُرِيد بهَا (كَذَلِك) أَي فَهُوَ مَمْنُوع أَيْضا (للْقطع بمساواة رَأَيْت أسدا ورجلا هُوَ والأسد سَوَاء) فِي الأَسدِية، وَقَالَ الشَّارِح الشجَاعَة وَحِينَئِذٍ يرد منع الْمُسَاوَاة بِفَوَات ادِّعَاء كَونه أسدا فَتَأمل (نعم هُوَ) أَي الْمجَاز (كَذَلِك) أَي يُفِيد التَّأْكِيد (فِي) رَأَيْت أسدا بِالنِّسْبَةِ إِلَى رَأَيْت (رجلا كالأسد) فَإِن فِي ادِّعَاء الأَسدِية تَأْكِيدًا لإِثْبَات الشجَاعَة (وَكَونه) أَي الْمجَاز، بل التَّعْبِير عَن المُرَاد بطرِيق التَّجَوُّز (كدعوى الشَّيْء بَيِّنَة) أَي متلبسا بَيِّنَة فِي كَون كل مِنْهُمَا
(2/32)

أَعنِي الْمَعْنى الْمجَازِي وَالشَّيْء الْمَدْلُول عَلَيْهِ بَيِّنَة مَقْرُونا بِمَا يستلزمه ويوضحه (بِنَاء على أَن الِانْتِقَال إِلَى الْمَعْنى الْمجَازِي دَائِما من الْمَلْزُوم) وَهُوَ الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ إِلَى اللَّازِم كالانتقال من الْغَيْث الى النبت (ولزومه) أى لُزُوم الِانْتِقَال فِيهِ دَائِما من الْمَلْزُوم الى اللَّازِم (تكلّف) وَفِي نُسْخَة مصححة " وَإِنَّمَا يتَحَقَّق بتكلف " وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يُرَاد باللزوم الِانْتِقَال فِي الْجُمْلَة سَوَاء كَانَ هُنَاكَ لُزُوم عَقْلِي حَقِيقِيّ، أَو عادي أَو اعتقادي أَو ادعائي (وَهُوَ) أَي التَّكَلُّف الْمَذْكُور (مُؤذن بحقية انتفائه) أَي انْتِفَاء لُزُوم الِانْتِقَال الْمَذْكُور الْمُسْتَند إِلَيْهِ الأبلغية الْمَذْكُورَة (مَعَ أَنه إِنَّمَا يلْزم) هَذَا التَّرْجِيح (فِي) اللُّزُوم (التحقيقي لَا الادعائي وَأما الأوجزية) أَي وَأما تَرْجِيح الْمجَاز على الْمُشْتَرك بِأَن الْمجَاز أوجز فِي اللَّفْظ من الْحَقِيقَة، فَإِن أسدا يقوم مقَام رجل شُجَاع (والأخفية) أَي وَبِأَن الْمجَاز أخف لفظا من الْحَقِيقَة كالحادثة والخنفقيق للداهية (والتوصل إِلَى السجع) أَي وَبِأَن الْمجَاز أخف لفظا من الْحَقِيقَة كَمَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى تواطؤ الفاصلتين من النثر على الْحَرْف الآخر نَحْو الْحمار ثرثار إِذا وَقعا فِي أَوَاخِر القوافي بِخِلَاف بليد ثرثار: أَي كثير الْكَلَام (والطباق) أَي وَبِأَنَّهُ يتَوَصَّل بِهِ إِلَى الْجمع بَين مَعْنيين مُتَقَابلين فِي الْجُمْلَة أَو مَا هُوَ مُلْحق بِهِ نَحْو:
(لَا تعجبي يَا سلم من رجل ... ضحك المشيب بِرَأْسِهِ فَبكى)

فَضَحِك مجَاز عَن ظهر، وَلَو ذكره مَكَانَهُ لفات هَذَا التحسين البديعي (والجناس) أَي وَبِأَن يتَوَصَّل بِهِ إِلَى تشابه اللَّفْظَيْنِ لفظا مَعَ تغايرهما معنى (والروي) وَبِأَن يتَوَصَّل بِهِ إِلَى الْمُحَافظَة على الْحَرْف الَّذِي تبنى عَلَيْهِ القصيدة (فمعارض بِمثلِهِ فِي الْمُشْتَرك) فقد يكون أوجز وأخف كَالْعَيْنِ للجاسوس أَو للينبوع ويتوصل بِهِ إِلَى السجع والروي نَحْو: لَيْث مَعَ غيث دون أَسد، والمطابقة نَحْو حسننا خير من خياركم والجناس نَحْو: رحبة رحبة، بِخِلَاف وَاسِعَة، كَذَا ذكره الشَّارِح، وَلَا يخفى مَا فِيهِ، فَالْوَجْه أَن يُعَارض بنكات أخر مُخْتَصَّة بالمشترك كَمَا فِي الشَّرْح العضدي (ويترجح) الْمُشْتَرك (بالاستغناء عَن العلاقة وَمُخَالفَة الظَّاهِر وَهُوَ) أَي الظَّاهِر (الْحَقِيقَة، وَهَذَا) أَي كَون الْحَقِيقَة هُوَ الظَّاهِر (إِن عمم فِي غير الْمُنْفَرد) وَهُوَ الْمُشْتَرك (فَمَمْنُوع) لِأَن الْمُشْتَرك حَقِيقَة وَلَيْسَ بِظَاهِر فِي شَيْء من مَعَانِيه إِلَّا بِقَرِينَة (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يعمم فِيهِ (لَا يُفِيد) لِأَن الْكَلَام فِيهِ (و) أَيْضا ترجح الْمُشْتَرك بالاستغناء (عَن ارْتِكَاب الْغَلَط) يَعْنِي أَن الْحمل على الِاشْتِرَاك مخلص عَن ارْتِكَاب احْتِمَال الْغَلَط (للتوقف) أَي لتوقف الْمُخَاطب عَن تعْيين المُرَاد مِنْهُ (لعدمها) أَي عِنْد عدم الْقَرِينَة الْمعينَة لأحد معنييه، والغلط إِنَّمَا يَقع فِي التَّعْيِين، وَهَذَا على رَأْي من لَا يعممه فِي مفاهيمه، وَأما عِنْد المعمم فَحكمه مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (أَو للتعميم) يَعْنِي اسْتغْنَاء عَن ارْتِكَاب
(2/33)

الْغَلَط لكَونه علما فِي جَمِيع مَا يصلح لَهُ فَلَا يبْقى للغلط مجَال، وَفِيه مَا سَنذكرُهُ (بِخِلَافِهِ) أَي بِخِلَاف الْحمل على الْمجَاز فَإِنَّهُ ارْتِكَاب للغلط إِذْ لَا يتَوَقَّف فِيهِ عَن تعْيين المُرَاد عِنْد عدم الْقَرِينَة بل يحكم بِإِرَادَة الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ (و) الْحَال أَنه (قد لَا يُرَاد) من اللَّفْظ عِنْد عدمهَا الْمَعْنى (الْحَقِيقِيّ) وَقد أقيم على إِرَادَة الْمجَازِي قرينَة خُفْيَة، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وتخفى الْقَرِينَة) على الْمُخَاطب فَيَقَع فِي الْغَلَط بِحمْلِهِ على الْحَقِيقِيّ (وَالْوَجْه أَن جَوَاز اللَّفْظ) المتحقق (فيهمَا) أَي فِي الْمُشْتَرك وَالْمجَاز كِلَاهُمَا (بتوهمها) أَي بِسَبَب توهم الْقَرِينَة وهما فِي توهمهما سَوَاء، أما فِي الْمُشْتَرك فيتوهم قرينَة مُعينَة لأحد الْمَعْنيين وَلم يقصدها الْمُتَكَلّم فَيَقَع فِي الْغَلَط، وَأما فِي الْمجَاز فيتوهما مُعينَة للمجازي وَلم يقصدها بل قصد الْحَقِيقَة فَيَقَع أَيْضا فِي الْغَلَط (وَلَا أثر لاحتياج) أَي لاحتياج الْمجَاز (إِلَى علاقته) المسوغة للتجوز بِهِ عَن الْحَقِيقِيّ فِي حُصُول هَذَا التَّوَهُّم كَمَا يظْهر (بِقَلِيل تَأمل) قَالَ الشَّارِح لِأَن الْكَلَام فيهمَا بعد تحقق كل مِنْهُمَا وَلَا تحقق للمجاز بِدُونِ علاقته الْمَذْكُورَة انْتهى، وَفِيه أَن التَّأْثِير لَا ينْحَصر اعْتِبَاره فِي أَن يكون بعد تحققهما فَالْوَجْه أَن يُقَال أَن من أثبت لَهُ تَأْثِيرا زعم أَن الْمجَاز لكَونه مُحْتَاجا إِلَيْهَا لَا يَخْلُو عَنْهَا، ووجودها يُفْضِي إِلَى توهم الْقَرِينَة، وَيظْهر بِأَدْنَى تَأمل أَن وجود العلاقة فِي نفس الْأَمر لَا يَسْتَدْعِي تعقله ومدارا لتوهم الْمَذْكُور على التعقل لَا الْوُجُود فَتدبر، وَهَذَا مَبْنِيّ على جعل الْكَلَام من تَتِمَّة جَوَاز الْغَلَط فيهمَا، وَأما إِذا جَعَلْنَاهُ جَوَابا على تَرْجِيح الْمُشْتَرك باحتياج الْمجَاز إِلَى العلاقة وَالْمعْنَى لَا أثر لَهُ فِي التَّرْجِيح كَمَا يظْهر بِقَلِيل من التَّأَمُّل، إِذْ غَايَته قلَّة الْمُؤْنَة فِي جَانب الْمُشْتَرك وَلَا عِبْرَة بِهَذِهِ فِي مُقَابلَة مَا يحصل للْكَلَام من البلاغة فِي مُلَاحظَة العلاقة، فَهَذَا الْأَثر مَعْدُوم فِي جنب ذَلِك الْأَثر (و) أَيْضا يتَرَجَّح الْمُشْتَرك (بِأَنَّهُ يطرد) فِي كل وَاحِد من مَعَانِيه لِأَنَّهُ حَقِيقَة فِيهِ، بِخِلَاف الْمجَاز فَإِن من علاماته عدم الاطراد (وَتقدم مَا فِيهِ) من أَن الْمجَاز قد يطرد كالأسد الشجاع (و) أَيْضا يتَرَجَّح الْمُشْتَرك (بالاشتقاق من مفهوميه) إِذا كَانَ مِمَّا يشتق مِنْهُ، لِأَنَّهُ حَقِيقَة فِي كل مِنْهُمَا وَهُوَ من خواصها (فيتسع) الْكَلَام وتكثر الْفَائِدَة، وَهَذَا على رَأْي مانعي الِاشْتِقَاق من الْمجَاز كَالْقَاضِي وَالْغَزالِيّ (وَالْحق أَن الِاشْتِقَاق يعْتَمد المصدرية) أَي مَدَاره على كَون اللَّفْظ مصدرا (حَقِيقَة كَانَ) الْمصدر (أَو مجَازًا كالحال ناطقة ونطقت الْحَال) من النُّطْق بِمَعْنى الدّلَالَة (وَقد تَتَعَدَّد) الْمعَانِي (المجازية للمنفرد) تعددا (أَكثر من) تعدد مَعَاني (مُشْتَرك) ويشتق من ذَلِك الْمُنْفَرد إِذا كَانَ مصدرا بِاعْتِبَار كل وَاحِد من تِلْكَ الْمعَانِي المجازية (فَلَا يلْزم أوسعيته) أَي الْمُشْتَرك بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمجَاز (فَلَا يَنْضَبِط) الاتساع الْمُقْتَضى للترجيح (وَعَدَمه) أَي عدم الِاشْتِقَاق (من الْأَمر بِمَعْنى الشَّأْن) جَوَاب سُؤال مُقَدّر، وَهُوَ أَنه لَو كَانَ يشتق من اللَّفْظ بِاعْتِبَار الْمَعْنى الْمجَازِي لاشتق من
(2/34)

لفظ الْأَمر بِمَعْنى الشَّأْن وَحَاصِل الْجَواب أَن عدم الِاشْتِقَاق فِيهِ (لعدمها) أَي المصدرية لَا للمجازية كَمَا زعم الْبَعْض وَعدم الِاشْتِقَاق (من) الإقبال والإدبار فِي قَوْلهم: (فَإِنَّمَا هِيَ إقبال وإدبار) مَعَ وجود الْمصدر بِأَن يُقَال هِيَ مقبلة ومدبرة (لفوت غَرَض الْمُبَالغَة) أَي غَرَض هُوَ الْمُبَالغَة الْحَاصِلَة من حمل الْمصدر على النَّاقة لِكَثْرَة مَا تقبل وتدبر، كَأَنَّهَا تجسمت من الإقبال والإدبار لَا للمجازية (وترجح أكثرية الْمجَاز للْكُلّ) أَي جَمِيع مرجحات الِاشْتِرَاك فَإِن من تتبع كَلَام الْعَرَب علم أَن الْمجَاز فِيهِ أَكثر من الْمُشْتَرك حَتَّى ظن بعض الْأَئِمَّة أَن أَكثر اللُّغَة مجَاز فيترجح الْحمل على الْأَعَمّ الْأَغْلَب.

مسئلة
(يعم الْمجَاز فِيمَا تجوز بِهِ فِيهِ فَقَوله) أَي فَلفظ الصَّاع فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " لَا تَبِيعُوا الدِّينَار بِالدِّينَارَيْنِ وَلَا الدِّرْهَم بِالدِّرْهَمَيْنِ (وَلَا الصَّاع بالصاعين) إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم الرِّبَا " (يعم فِيمَا يُكَال بِهِ) وَهُوَ مَوْضُوع للمكيال الْخَاص مُسْتَعْمل مجَازًا فِيمَا يُكَال بِهِ مُسْتَغْرق جَمِيع أَفْرَاده (فَيجْرِي الرِّبَا فِي نَحْو الجص) مِمَّا لَيْسَ بمطعوم (ويفيد مناطه) أَي عِلّة الرِّبَا، لِأَن الحكم علق بالمكيل فَيُفِيد عَلَيْهِ مبدأ الِاشْتِقَاق (وَعَن بعض الشَّافِعِيَّة لَا) يعم، وَعَزاهُ غير وَاحِد إِلَى الشَّافِعِي (لِأَنَّهُ) أَي الْمجَاز (ضَرُورِيّ) أَي لضَرُورَة التَّوسعَة فِي الْكَلَام إِذْ الأَصْل فِيهِ الْحَقِيقَة (فَانْتفى) الرِّبَا (فِيهِ) أَي فى نَحْو الجص وَجه التَّفْرِيع أَن الثَّابِت ضَرُورَة يقْتَصر على قدر الضَّرُورَة والعموم زَائِد على قدرهَا، وَالْإِجْمَاع على أَن الطَّعَام مُرَاد، فَصَارَ المُرَاد بالصاع من أجمع عَلَيْهِ لَا غير (فَسلم عُمُوم الطَّعَام) يَعْنِي لَو ثَبت عَلَيْهِ الْكَيْل بِعُمُوم الصَّاع فِي مَعْنَاهُ الْمجَازِي بِحَيْثُ دخل تَحت عُمُومه نَحْو الجص لما سلم عُمُوم الطَّعَام، لِأَن عليته تَقْتَضِي عدم تحقق الحكم عِنْد عدم الْكَيْل، فالطعام لَا يدْخل تَحت الحكم عِنْد عدم الْكَيْل: كالطعام الَّذِي لَا يدْخل تَحت الْكَيْل، لَا يجْرِي فِيهِ الرِّبَا: فَعِنْدَ ذَلِك لم يسلم عُمُومه، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لانْتِفَاء علية الْكَيْل) وَعند انْتِفَاء عليته تتَعَيَّن عَلَيْهِ الطّعْم على مَا يفهم من قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " لَا تَبِيعُوا الطَّعَام بِالطَّعَامِ إِلَّا سَوَاء بِسَوَاء ". أخرج مَعْنَاهُ الشَّافِعِي فِي مُسْنده، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَامْتنعَ) أَن تبَاع (الحفنة بالحفنتين مِنْهُ) أَي من الطَّعَام (ولزمت عليته) أَي الطّعْم عِنْدهم (قيل) على مَا يفهم من كَلَام الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ (لم يعرف) نفي عُمُوم الْمجَاز (عَن أحد وَيبعد) أَن يَقُول بِهِ أحد (لِأَنَّهَا) أَي الضَّرُورَة الْمَدْلُول عَلَيْهَا بقوله لِأَنَّهُ ضَرُورِيّ (بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُتَكَلّم مَمْنُوع) يَعْنِي فَقَوْل مَانع عُمُوم الْمجَاز: أَن الْمجَازِي إِنَّمَا يُصَار إِلَيْهِ للضَّرُورَة غير مُسلم (للْقطع بتجويز
(2/35)

الْعُدُول) عَن الْحَقِيقَة (إِلَيْهِ) أَي الْمجَاز (مَعَ قدرَة الْحَقِيقَة) أَي الْقُدْرَة على جَوَازًا وقوعيا (لفوائده) أَي الْمجَاز لما فِيهِ من لطائف الاعتبارات، ومحاسن الاستعارات الْمُوجبَة أَعلَى دَرَجَة الْكَلَام فِي البلاغة على أَنه وَاقع فِي كَلَام من يَسْتَحِيل عَلَيْهِ الْعَجز عَن اسْتِعْمَال الْحَقِيقِيَّة (و) بِالنِّسْبَةِ (إِلَى السَّامع: أَي لتعذر الْحَقِيقَة) تَفْسِير لموجب الضَّرُورَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى السَّامع فَإِنَّهُ إِذا تعذر الْحمل على الْحَقِيقَة للقرينة الصارفة عَنْهَا، واضطر إِلَى الْحمل على الْمجَاز تحققت الضَّرُورَة بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا لَكِنَّهَا (لَا تَنْفِي الْعُمُوم) وَحَاصِل الْكَلَام أَن الضَّرُورَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُتَكَلّم تستدعى نفى الْعُمُوم لما ذكر لَكِنَّهَا لَيست بموجودة، وبالنسبة إِلَى السَّامع بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور مَوْجُودَة لَكِنَّهَا لَا تستدعي نَفْيه: بل الْمُتَكَلّم لما أَرَادَ الْعُمُوم لعدم تحقق الضَّرُورَة بِالنِّسْبَةِ اليه لزم حمل السَّامع اللَّفْظ على الْعُمُوم وَهُوَ ظَاهر (وَلَا) تتَحَقَّق الضَّرُورَة الْمُوجبَة لنفي الْعُمُوم أَيْضا (بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَاضِع) ثمَّ بَين كَيْفيَّة تحقق الضَّرُورَة بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ بقوله (بِأَن اشْترط فِي اسْتِعْمَاله) أَي الْمجَاز (تعذرها) أَي الْحَقِيقَة وَلَا يخفى مَا فِيهِ من الْمُسَامحَة إِذْ لم يتَحَقَّق فِي حق الْوَاضِع إِلَّا اعْتِبَار الضَّرُورَة فِي الِاسْتِعْمَال لَا نَفسهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ (لما ذكرنَا) من الْمَنْع فَإِن وُقُوع الِاشْتِرَاط مِنْهُ مَمْنُوع، وَمن أَنه لَا يَنْفِي الْعُمُوم فَإِنَّهُ على تَقْدِير وُقُوعه مِنْهُ لَا يَقْتَضِي عدم إِرَادَة الْعُمُوم إِذا اسْتعْمل بعد تعذر الْحَقِيقَة فِي الْمَعْنى الْمجَازِي (وَلِأَن الْعُمُوم للْحَقِيقَة بِاعْتِبَار شُمُول المُرَاد) بِاللَّفْظِ (بِمُوجبِه) أَي الشُّمُول بِأَسْبَاب زَائِدَة على ذَاتهَا كأداة التَّعْرِيف، ووقوعها فِي سِيَاق النَّفْي (لَا) بِاعْتِبَار (ذَاتهَا) فَإِذا وجدت تِلْكَ الْأَسْبَاب فِي الْمجَاز أَيْضا أوجبته (قيل) وقائله الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ (وَلَا يَتَأَتَّى نزاع لأحد فِي صِحَة قَوْلنَا جَاءَنِي الْأسود الرُّمَاة إِلَّا زيد لَكِن الْوَاجِد) للْخلاف (مقدم) على نافيه للعجز النَّافِي عَن إِقَامَة الدَّلِيل على أَنه لم يقل بِعَدَمِ صِحَة عُمُوم الْمجَاز أحد (واندرج الْوَجْه) أَي وَجه صِحَة عُمُوم الْمجَاز الْمَذْكُور فِي المسئلة الْمُتَنَازع فِيهَا بَين الْفَرِيقَيْنِ تَحت مَا ذكر على وَجه الْإِجْمَال (ولزمت الْمُعَارضَة) بَين عِلّة وصف الطّعْم وَوصف الْكَيْل، ويترجح الْأَعَمّ، وَهُوَ الْكَيْل لتعديه إِلَى مَا لَيْسَ بمطعوم، وَهُوَ الْأَحْوَط الْأَنْسَب بِبَاب الرِّبَا.
مسئلة

(الْحَنَفِيَّة وفنون الْعَرَبيَّة) أَي عَامَّة عُلَمَاء الْعَرَبيَّة والمحققون من الشَّافِعِيَّة (وَجمع من الْمُعْتَزلَة) مِنْهُم أَبُو هَاشم (لَا يسْتَعْمل) اللَّفْظ (فيهمَا) أَي فِي الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ والمجازي حَال كَونهمَا (مقصودين بالحكم) بِأَن يُرَاد كَون كل مِنْهُمَا ظرفا للنسبة الْمُعْتَبرَة فِي الْكَلَام فِي
(2/36)

إِطْلَاق وَاحِد (وَفِي الْكِنَايَة البيانية) إِنَّمَا يسْتَعْمل اللَّفْظ فيهمَا لَا لِأَن يكون كل مِنْهُمَا مَقْصُودا بالحكم بل (لينتقل) الذِّهْن (من) الْمَعْنى (الْحَقِيقِيّ الْوَاقِع بَينه إِلَى) الْمَعْنى (الْمجَازِي) فَقَوْلهم كثير الرماد أُرِيد بِهِ كَثْرَة الرماد ليَكُون سلما لفهم الْجُود الَّذِي هُوَ منَاط صدق الْكَلَام، فَيصدق زيد كثير الرماد إِذا كَانَ لَهُ جود وَإِن لم يكن لَهُ ذرة من الرماد، فَلَيْسَ الْمَقْصد بالحكم إِلَّا الْجُود (وَأَجَازَهُ) أَي اسْتِعْمَاله فيهمَا مقصودين بالحكم فِي إِطْلَاق وَاحِد (الشَّافِعِيَّة وَالْقَاضِي وَبَعض الْمُعْتَزلَة) كَعبد الْجَبَّار وَأبي عَليّ الجبائي (مُطلقًا إِلَّا أَن لَا يُمكن الْجمع) بَينهمَا (كالفعل أمرا وتهديدا) فَإِن الْأَمر طلب الْفِعْل والتهديد يَقْتَضِي التّرْك فَلَا يَجْتَمِعَانِ مَعًا (وَالْغَزالِيّ وَأَبُو الْحُسَيْن يَصح) اسْتِعْمَاله فيهمَا (عقلا لَا لُغَة، وَهُوَ الصَّحِيح إِلَّا فِي غير الْمُفْرد) أَي مَا لَيْسَ بمثنى وَلَا مَجْمُوع اسْتثِْنَاء من قَوْله لَا لُغَة (فَيصح) الِاسْتِعْمَال فيهمَا فِي غير الْفَرد (لُغَة) أَيْضا (لتَضَمّنه) أَي غير الْمُفْرد (المتعدد) من اللَّفْظ، وَفِيه أَن تضمن الْمثنى وَالْمَجْمُوع للمتعدد من الْمَعْنى مُسلم، وَأما من حَيْثُ اللَّفْظ فَلَا: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُرَاد تعدده حكما، وَلذَا قَالُوا التَّثْنِيَة وَالْجمع اخْتِصَار الْعَطف (فَكل لفظ) من المتعددين مُسْتَعْمل (لِمَعْنى، وَقد ثَبت) فِي الْكَلَام لفصيح (الْقَلَم أحد اللسانين، وَالْخَال أحد الْأَبَوَيْنِ) فقد تعدد لفظ اللِّسَان، وَأُرِيد بِأَحَدِهِمَا الْقَلَم، وبالآخر الْجَارِحَة، وَكَذَلِكَ تعدد لفظ الْأَب، وَأُرِيد بِأَحَدِهِمَا الْخَال وبالآخر الْوَالِد: فَجمع بَين الْمجَازِي والحقيقي فيهمَا فِي اسْتِعْمَال وَاحِد (والتعميم فِي المجازية) أَي وَاسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي مَعَانِيه المجازية (قيل على الْخلاف كلا أَشْتَرِي) مُسْتَعْملا (بشرَاء الْوَكِيل والسوم) فَإِن الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ لَا يشترى مُبَاشَرَته بِنَفسِهِ لحقيقة الشِّرَاء فشراء الْوَكِيل مَعْنَاهُ الْمجَازِي، وَكَذَلِكَ السّوم على الشِّرَاء فَإِنَّهُ مُبَاشرَة لأسبابه كتعيين الثّمن وَنَحْوه (و) قَالَ (الْمُحَقِّقُونَ لَا خلاف فِي مَنعه) أَي التَّعْمِيم فِي المجازية، فَيحكم بخطأ من قَالَ لَا أَشْتَرِي وَأَرَادَ شِرَاء الْوَكِيل والسوم (وَلَا) خلاف أَيْضا (فِيهِ) أَي منع تعميمه فِي الْحَقِيقِيّ والمجازي (على أَنه حَقِيقَة ومجاز) على أَن يكون اللَّفْظ الَّذِي عمم فيهمَا حَقِيقَة ومجازا بِحَسب هَذَا الِاسْتِعْمَال (وَلَا) خلاف أَيْضا (فِي جَوَازه) أَي اسْتِعْمَال اللَّفْظ (فِي) معنى (مجازي ينْدَرج فِيهِ الْحَقِيقِيّ) بِأَن يعم الْحَقِيقِيّ وَغَيره (لنا فِي الأول) أَي فِي صِحَّته عقلا (صِحَة إِرَادَة مُتَعَدد بِهِ) أَي بِاللَّفْظِ (قطعا) للإمكان وَانْتِفَاء الْمَانِع (وَكَونه) أَي اللَّفْظ مَوْضُوعا (لبعضها) أَي الْمعَانِي المتعددة، وَهُوَ الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ دون الْبَعْض (لَا يمْنَع عقلا إِرَادَة غَيره) أَي غير ذَلِك الْبَعْض الَّذِي هُوَ لَهُ (مَعَه) أَي مَعَ الَّذِي هُوَ لَهُ (بعد صِحَة طَرِيقه) أَي غير الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ (إِذْ حَاصله) أَي حَاصِل مَا ذكر من إِرَادَة الْمَعْنيين مَعًا بطرِيق صَحِيح عقلا (نصب مَا يُوجب الِانْتِقَال من لفظ) وَاحِد
(2/37)

إِلَى الْحَقِيقِيّ والمجازي (بِوَضْع) أَي بوساطة علاقَة الْوَضع بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا وضع لَهُ (و) بوساطة قرينه) دَالَّة على إِرَادَة الْمجَازِي مَعَ الْحَقِيقِيّ (فَقَوْل بعض الْحَنَفِيَّة) على مَا نقل عَن كثير مِنْهُم (يَسْتَحِيل) الْجمع بَينهمَا (كَالثَّوْبِ) الْوَاحِد يَسْتَحِيل أَن يكون (ملكا وعارية فِي وَقت) وَاحِد (تهافت) أَي تساقط (إِذْ ذَاك) أَي اسْتِحَالَة كَون الشَّيْء الْوَاحِد ظرفا لجسمين مُخْتَلفين مالئا لكل مِنْهُمَا إِيَّاه إِنَّمَا يكون (فِي الظّرْف الْحَقِيقِيّ) وَاللَّفْظ لَيْسَ بظرف حَقِيقِيّ للمعنى، وَإِنَّمَا يُقَال الْمَعْنى فِي اللَّفْظ تَنْزِيلا لَهُ منزلَة الظّرْف بِضَرْب من التَّشْبِيه وإلحاق الْمَعْقُول بالمحسوس فِي حكم يتَوَقَّف على وجود عِلّة جَامِعَة، وَهِي مَقْصُودَة هَهُنَا. وَقَول الشَّارِح هَهُنَا كَالثَّوْبِ الْوَاحِد يَسْتَحِيل أَن يكون على اللابس الْوَاحِد ملكا وعارية فِي مَحَله لعدم كَون اللَّفْظ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَعْنى الْوَاحِد حَقِيقَة ومجازا حَتَّى يكون نظرا لما قَالَ، وَإِنَّمَا ذكر المُصَنّف الْملك وَالْعَارِية ليدل على تعدد اللابس الْمَالِك وَالْمُسْتَعِير (لَا يُقَال) الْمَعْنى (الْمجَازِي يسْتَلْزم معاند) الْمَعْنى (الْحَقِيقِيّ) فيستحيل اجْتِمَاعهمَا، فأعني بالمعاند (قرينَة عدم إِرَادَته) أَي الْحَقِيقِيّ (لِأَنَّهُ) أَي ادِّعَاء الاستلزام الْمَذْكُور (بِلَا مُوجب) لَهُ (بل ذَاك) أَي استلزامه إِيَّاه (عِنْد عدم قصد التَّعْمِيم، أما مَعَه) أَي مَعَ قصد التَّعْمِيم بِهِ (فَلَا يُمكن) وجود قرينَة عدم إِرَادَة الْحَقِيقِيّ (نعم يلْزم عقلا كَونه) أَي اللَّفْظ (حَقِيقَة ومجازا فِي اسْتِعْمَال وَاحِد وهم) أَي المصححون عقلا (ينفونه) أَي كَون اللَّفْظ حَقِيقَة ومجازا مَعًا، (لَا يُقَال بل) هُوَ (مجَاز للمجموع) فِي التَّلْوِيح، بل يَجعله مجَازًا قَطْعِيا لكَونه مُسْتَعْملا فِي الْمَجْمُوع الَّذِي هُوَ غير الْمَوْضُوع لَهُ (لِأَنَّهُ) أَي اللَّفْظ (لكل) من الْحَقِيقِيّ والمجازي (إِذْ كل) مِنْهُمَا (مُتَعَلق الحكم لَا الْمَجْمُوع) يرد عَلَيْهِ أَنه أَرَادَ بِنَفْي كَون الْمَجْمُوع مُتَعَلق الحكم عدم تعلقه بالمجموع من حَيْثُ هُوَ مَجْمُوع فَهُوَ لَا يسْتَلْزم عدم كَون الْمَجْمُوع مُسْتَعْملا فِيهِ إِذْ كل عَام مُسْتَغْرق لأفراده بِحَيْثُ ينشأ الحكم لكل مِنْهُمَا لَا يتَعَلَّق حكمه بِمَجْمُوع أَفْرَاده من حَيْثُ هُوَ مَجْمُوع مَعَ أَنه لَا شكّ فِي أَنه مُسْتَعْمل فِي الْمَجْمُوع وَإِن أَرَادَ بِهِ عدم تعلقه بِكُل فَرد من الْمَجْمُوع فَهُوَ بِخِلَاف مَا يَقُوله المعمم فَإِنَّهُ يَقُول بِثُبُوت الحكم لكل فَرد من الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ والمجازي (لَكِن نفيهم) أَي الْحَنَفِيَّة جَوَاز الْجمع بَينهمَا (غير عَقْلِي) وَإِنَّمَا هُوَ لغَوِيّ إِذْ الْعقل لَا يَنْفِي ذَلِك وَإِن نَفَاهُ الِاسْتِعْمَال اللّغَوِيّ (بل يَصح عقلا) أَي يسْتَعْمل فيهمَا مَعًا (حَقِيقَة لإِرَادَة الْحَقِيقِيّ ومجازا لنحوه) أَي لنَحْو مَا ذكر: يَعْنِي لإِرَادَة الْمَعْنى الْمجَازِي (وَلنَا فِي الثَّانِي) أَي نفي صِحَّته لُغَة (تبادر) الْمَعْنى (الوضعي فَقَط) من غير أَن يُشَارِكهُ غَيره فِي التبادر عِنْد إِطْلَاق اللَّفْظ، هَذَا عَلامَة كَونه مُقْتَضى الْوَضع (يَنْفِي غير الْحَقِيقِيّ) وَهُوَ الْمَجْمُوع الْمركب من الْحَقِيقِيّ والمجازي
(2/38)

أَن يكون اللَّفْظ فِيهِ (حَقِيقَة) لِأَن عدم تبادره دَلِيل على ذَلِك، وَوضع الظَّاهِر مَوضِع الضَّمِير لزِيَادَة التَّمَكُّن فِي ذهن السَّامع والوضعي والحقيقي وَاحِد (وَعدم العلاقة) بَين غير الْحَقِيقِيّ وَبَينه (يَنْفِيه) أَي بِنَفْي غير الْحَقِيقِيّ أَن يكون اللَّفْظ فِيهِ (مجَازًا بِمَا قدمْنَاهُ فِي الْمُشْتَرك) من أَنه لَا يجوز إِرَادَة مَجْمُوع معنييه مِنْهُ لعدم العلاقة بَينه وَبَين كل وَاحِد مِنْهُمَا وَصِحَّة إِطْلَاق لفظ الْجُزْء على الْكل مَشْرُوط بالتركيب الْحَقِيقِيّ وَكَون الْجُزْء بِحَيْثُ إِذا انْتَفَى انْتَفَى الِاسْم عَن الْكل عرفا: كالرقبة بِخِلَاف الظفر وَنَحْو الأَرْض لمجموع السَّمَوَات وَالْأَرْض (وعَلى النَّفْي) أَي نفي الْجمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز (اخْتصَّ الموَالِي بِالْوَصِيَّةِ) الْوَاقِعَة (لَهُم) أَي للموالي (دون مواليهم) أَي موَالِي الموَالِي فِيمَا إِذا أوصى من لَا ولَايَة عَلَيْهِ بِشَيْء لمواليه وَله عُتَقَاء وعتقاء عُتَقَاء، لِأَن العتقاء موَالِيه حَقِيقَة لمباشرته عتقهم وعتقاء العتقاء موَالِيه مجَازًا لتسببه فِي عتقهم بِإِعْتَاق معتقهم وَالْجمع منفي فتعينت الْحَقِيقَة (إِلَّا أَن يكون) أَي يُوجد (وَاحِد) من الموَالِي لَا غير (فَلهُ النّصْف) أَي نصف الْمُسَمّى (وَالْبَاقِي للْوَرَثَة) لِأَنَّهُ لما تعيّنت الْحَقِيقَة وَيسْتَحق الِاثْنَان مِنْهُم ذَلِك، لِأَن لَهما حكم لجمع فِي الْوَصِيَّة كَمَا فِي الْمِيرَاث صَار النّصْف للْوَاحِد ضَرُورَة وَالنّصف للْوَرَثَة لَا لعتقاء الْعَتِيق لِئَلَّا يلْزم الْجمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز لَا يُقَال إِذا لم يكن لَهُ من العتقاء الأواحد، فَالظَّاهِر من إِطْلَاق لفظ الْجمع إِرَادَة الْوَاحِد لأَنا نقُول هَذَا إِذا لم يكن عِنْد الْوَصِيَّة وجود وَاحِد آخر منتظر (وَكَذَا لأبناء فلَان مَعَ حفدته عِنْده) أَي وَمثل حكم الموَالِي مَعَ موَالِي الموَالِي فِي الْوَصِيَّة حكم الْأَبْنَاء مَعَ أَبنَاء الْأَبْنَاء عِنْد أبي حنيفَة، لِأَن الْأَبْنَاء حَقِيقَة وَأَبْنَاء الْأَبْنَاء مجَاز وَالْجمع منفي إِلَّا ان يُوجد ابْن صلبي لَا غير فَلهُ النّصْف، وَالنّصف للْوَرَثَة (وَقَالا) أَي صَاحِبَاه (يدْخلُونَ) أَي موَالِي الموَالِي والحفدة فِي الْوَصِيَّة (مَعَ الْوَاحِد) من الموَالِي وَالْأَبْنَاء (فيهمَا) أَي فِي المسئلتين (بِعُمُوم الْمجَاز) لِأَن الموَالِي يُطلق عرفا على الْفَرِيقَيْنِ وَكَذَا الْأَبْنَاء (والاتفاق دُخُولهمْ فيهمَا إِن لم يكن أحد) من الموَالِي وَالْأَبْنَاء (لتعيين الْمجَاز حِينَئِذٍ) احْتِرَازًا عَن الإلغاء (وَأما النَّقْض) لنفي الْجمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز (بِدُخُول حفدة الْمُسْتَأْمن على بنيه) مَعَ بني بنيه فِي الْأمان (وبالحنث بِالدُّخُولِ) وَلَو دخل (رَاكِبًا) أَو منتعلا (فِي حلفه لَا يضع قدمه فِي دَار فلَان) وَلَا نِيَّة كَمَا لَو دَخلهَا حافيا مَعَ أَنه حَقِيقَة فِيهِ حَتَّى لَو نَوَاه صدق ديانَة وَقَضَاء مجَاز فِي دُخُوله رَاكِبًا ومنتعلا، (وَبِه) أَي وبالبحث (بِدُخُولِهِ دَار سكناهُ) أَي فلَان (إِجَارَة) أَو إِعَارَة (فِي حلفه لَا يدْخل دَاره) وَلَا نِيَّة لَهُ كَمَا لَو دخل دَار سكناهُ الْمَمْلُوكَة مَعَ أَنَّهَا حَقِيقَة فِي الْمَمْلُوكَة بِدَلِيل عدم صِحَة نَفيهَا عَنهُ مجَاز فِي الْمُسْتَأْجرَة والمستعارة بِدَلِيل صِحَة نَفيهَا عَنهُ (وبالعتق) لعَبْدِهِ (فِي إِضَافَته إِلَى يَوْم يقدم) فلَان (فَقدم لَيْلًا) وَلَا نِيَّة لَهُ مَعَ أَنه حَقِيقَة فِي النَّهَار حَتَّى لَو نَوَاه صدق
(2/39)

قَضَاء وديانة مجَاز فِي اللَّيْل لصِحَّة نَفْيه (وَيجْعَل لله عَليّ صَوْم كَذَا بنية النّذر وَالْيَمِين يَمِينا ونذرا حَتَّى وَجب الْقَضَاء وَالْكَفَّارَة بمخالفته) خلافًا لأبي يُوسُف مَعَ أَن الْكَلَام حَقِيقِيَّة للنذر حَتَّى لَا يتَوَقَّف على النِّيَّة مجَاز للْيَمِين حَتَّى يتَوَقَّف على نِيَّتهَا لَا على قَول أبي يُوسُف، فَإِنَّهُ يَقُول نذر فَقَط (فَأُجِيب عَن الأول) أَي النَّقْض بِدُخُول حفدته فِي الاستئمان على بنيه (بِأَن الِاحْتِيَاط فِي الحقن) أَي حفظ الدَّم وصيانته عَن السفك (أوجبه) أَي دُخُول الحفدة (تبعا لحكم) الْمَعْنى (الْحَقِيقِيّ) أَي حقن دِمَاء الْأَبْنَاء (عِنْد تحقق شبهته) أَي شُبْهَة الْحَقِيقِيّ فَإِن فِي الحفدة شُبْهَة الْبُنُوَّة (للاستعمال) أَي لِأَن لفظ الْبَنِينَ يسْتَعْمل فيهم كَمَا فِي (نَحْو بني هَاشم وَكثير) من نَظَائِره، أَلا ترى أَنه يثبت الْأمان بِمُجَرَّد صُورَة المسالمة بِأَن أَشَارَ مُسلم إِلَى كَافِر بالنزول من حصن، أَو قَالَ انْزِلْ إِن كنت رجلا وتريد الْقِتَال أَو ترى مَا أفعل بك وَظن الْكَافِر مِنْهُ الْأمان، بِخِلَاف الْوَصِيَّة فَإِنَّهَا لَا تسْتَحقّ بِصُورَة الِاسْم والشبهة (ففرعوا) على (عَدمه) أَي عدم الدُّخُول (فِي الأجداد والجدات بالاستئمان على الْآبَاء والأمهات بِنَاء على كَون الْأَصَالَة فِي الْخلق) فِي الأجداد والجدات (تمنع التّبعِيَّة فِي الدُّخُول فِي اللَّفْظ) لِأَن الصالة الخلقية لَا تناسبها التّبعِيَّة بِحَسب تنَاول اللَّفْظ (وَإِعْطَاء الْجد السُّدس لعدم الْأَب لَيْسَ بإعطائه) أَي السُّدس (الْأَبَوَيْنِ) أَي بطرِيق التّبعِيَّة فِي تنَاول لفظ الْأَب لتخالف مُقْتَضى اصالته الخلقية (بل بِغَيْرِهِ) أى بِدَلِيل آخر: وَهُوَ اقامة الشَّرْع اياه مقَام الْأَب عِنْد عَدمه كَمَا فِي بنت الابْن عِنْد عدم الْبِنْت (إِلَّا أَنه) أَي هَذَا الْجَواب (يُخَالف قَوْلهم الْأُم الأَصْل لُغَة وَقَول بَعضهم الْبَنَات الْفُرُوع لُغَة) فَإِن هَذَا يُفِيد استواءهم فِي الدُّخُول (وَأَيْضًا إِذا صرف الِاحْتِيَاط عَن الِاقْتِصَار فِي الْأَبْنَاء) على الْأَبْنَاء (عِنْد شُبْهَة الْحَقِيقَة بِالِاسْتِعْمَالِ فَعَنْهُ) أَي فَيصْرف الِاحْتِيَاط على الِاقْتِصَار فِي الْأَبْنَاء) على الْآبَاء (لذَلِك) أَي لشُبْهَة الْحَقِيقَة بِالِاسْتِعْمَالِ (كَذَلِك) أَي كَمَا فِي الْأَبْنَاء (بِعُمُوم الْمجَاز فِي الْأُصُول كَمَا هُوَ فِي الْفُرُوع إِن لم يكن حَقِيقَة فَيدْخلُونَ) أَي الأجداد والجدات فِي الْآبَاء والأمهات (ومانعية الْأَصَالَة خلقَة مَمْنُوع) لعد اقْتِضَاء عقل أَو نقل ذَلِك (هَذَا وَالْحق أَن هَذَا من مَوَاضِع جَوَاز الْجمع عندنَا) قَالَ الشَّارِح: أَي عِنْد المُصَنّف، وَلَا يخفى أَن قَوْله عندنَا مَعْنَاهُ عِنْد الْحَنَفِيَّة (لِأَن الْآبَاء وَالْأَبْنَاء جمع) وَقد جَوَّزنَا الْجمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز عقلا ولغة فِي غير الْمُفْرد كَمَا قدمْنَاهُ (وَعَن) النَّقْض (الثَّانِي) بِالْحِنْثِ بِالدُّخُولِ رَاكِبًا فِي حلفه لَا يضع قدمه فِي دَار فلَان (بهجر) الْمَعْنى (الْحَقِيقِيّ) لوضع الْقدَم، لِأَنَّهُ لَو اضْطجع خَارِجهَا وَوضع قَدَمَيْهِ فِيهَا لَا يُقَال عرفا وضع الْقدَم فِي الدَّار وَلَا يَحْنَث بذلك كَمَا فِي الْخَانِية (لفهم صرف الْحَامِل) إِلَى مَا ذكر أَي لِأَنَّهُ فهم الْمُجْتَهد أَن مَا حمل الْحَالِف على الْحلف من المنافرة صَارف عَن إِرَادَة الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ
(2/40)

إِلَى مَا ذكر من الْمَعْنى الْعرفِيّ وَهُوَ الدُّخُول الْمُطلق على أَي كَيْفيَّة كَانَ (وَالْجَوَاب عَن الثَّالِث) أَي النَّقْض بِالْحِنْثِ بِدُخُول دَار سُكْنى فلَان إِجَارَة أَو إِعَارَة فِي حلفه لَا يدْخل دَاره (بِأَن حَقِيقَة إِضَافَة الدَّار) إِنَّمَا تتَحَقَّق (بالاختصاص) الْكَامِل الْمُصَحح لِأَن يخبر عَن الْمُضَاف بِأَنَّهُ للمضاف إِلَيْهِ (بِخِلَاف نَحْو كَوْكَب الخرقاء) فِي قَوْله:
(إِذا كَوْكَب الخرقاء لَاحَ بسحرة ... سُهَيْل أذاعت غزلها فِي القرائب)

فَإِن المُرَاد بكوكب الخرقاء سُهَيْل: وَهُوَ كَوْكَب بِقرب القطب الجنوبي يطلع عِنْد ابْتِدَاء الْبرد، وإضافته إِلَى الخرقاء وَهِي الَّتِي فِي عقلهَا هوج وَبهَا حَمَاقَة مجازية لاخْتِصَاص مجازي غير كَامِل وَهُوَ كَون زمَان طلوعه وَقت ظُهُور جَسدهَا فِي تهيئة ملابس الشتَاء بتفريقها قطنها فِي قرائها ليغزل لَهَا، فَجعلت هَذِه الملابسة بِمَنْزِلَة الِاخْتِصَاص الْكَامِل (وَهُوَ) أَي اخْتِصَاصه الْكَامِل بِالدَّار يكون (بِالسُّكْنَى وَالْملك فَيحنث) بِكُل مِنْهُمَا حَتَّى يَحْنَث (بالمملوكة غير مسكونة كفاضيحان) أَي كَمَا ذكره لوُجُود الِاخْتِصَاص الْكَامِل (خلافًا للسرخسي) وَوَافَقَهُ صَاحب الْكَافِي بِنَاء على انْقِطَاع نِسْبَة السُّكْنَى إِلَيْهِ بِفعل غَيره على أَن الْبَاعِث على هَذَا الْحلف عرفا قَصده الْبعد عَن فلَان وَكَون غيظه بِحَيْثُ يحملهُ على أَن يَحْنَث عَن الدُّخُول فِيمَا ينْسب إِلَيْهِ مُطلقًا وَإِن كَانَ مُحْتملا، لَكِن الْمُتَبَادر هُوَ الأول (وَعَن) النَّقْض (الرَّابِع) بِعِتْق من أضَاف عتقه إِلَى يَوْم يقدم فلَان فَقدم لَيْلًا (بِأَنَّهُ) أَي الْيَوْم (مجَاز فِي الْوَقْت) الْمُطلق (عَام لثُبُوت الِاسْتِعْمَال) لَهُ كَذَلِك (عِنْد ظرفيته لما لَا يَمْتَد) من الْأَفْعَال وَهُوَ مَالا يقبل التأفيت نَحْو قَوْله تَعَالَى: {وَمن يولهم} يَوْمئِذٍ دبره فَإِن التولي عَن الزَّحْف حرَام لَيْلًا كَانَ أَو نَهَارا (فَيعْتَبر) الْمجَازِي الْعَام (إِلَّا لموجب) يَقْتَضِي كَون المُرَاد بَيَاض لنهار خَاصَّة (كطالق يَوْم أَصوم) فَإِن الطَّلَاق مِمَّا لَا يَمْتَد، والموجب لإِرَادَة بَيَاض النَّهَار أَن الصَّوْم إِنَّمَا يكون فِيهِ (بِخِلَاف) مَا كَانَ ظرف (مَا يَمْتَد) من الْأَفْعَال يقبل التأفيت (كالسير والتفويض) فَإِنَّهُ يكون المُرَاد بِهِ حِينَئِذٍ بَيَاض النَّهَار (لاا بِمُوجب) يَقْتَضِي كَون المُرَاد مُطلق الْوَقْت (كأحسن الظَّن يَوْم تَمُوت) فَإِن إِحْسَان الظَّن مِمَّا يَمْتَد، والموجب لإِرَادَة مُطلق الْوَقْت إِضَافَته إِلَى الْمَوْت (وَلَو لم يخْطر هَذَا) الْفرق للقائل (فقرينة) إِرَادَة (الْمجَاز) فِي مَادَّة النَّقْض (علم أَنه) أَي الْعتْق إِنَّمَا هُوَ (للسرور وَلَا يخْتَص بِالنَّهَارِ) فَاسْتعْمل فِي مجَاز عَام تندرج فِيهِ الْحَقِيقَة (وَعَن) النَّقْض (الْخَامِس) يكون لله عَليّ صَوْم كَذَا نذرا ويمينا بنيتهما (تَحْرِيم الْمُبَاح) الَّذِي هُوَ فطر الْأَيَّام الْمَنْذُور صيامها (وَهُوَ) أَي تَحْرِيمه (معنى الْيَمين) هَذَا لما عرف من أَن تَحْرِيم الْمُبَاح يَمِين بِالْكتاب وَالسّنة (يثبت مدلولا التزاميا للصيغة) أَي لله عَليّ صَوْم كَذَا، لِأَن الْمَقْصُود مِنْهَا إِيجَاب الْمَنْذُور لما عرف من أَن الْمَنْذُور لَا بُد أَن يكون
(2/41)

قبل النّذر مُبَاح الْفِعْل وَالتّرْك ليَصِح الْتِزَامه بِالنذرِ، فَيصير تَركه الَّذِي كَانَ مُبَاحا حَرَامًا بِهِ لَازِما لَهُ بِمَعْنى أَنه مَمْنُوع عَنهُ بِسَبَب لُزُوم الْفِعْل بالتزامه وَأما كَونه مدلولا التزاميا فَظَاهر، لِأَن منطوقه الْتِزَام الصَّوْم، وَيلْزم عدم جَوَاز الْفطر (ثمَّ يُرَاد بِهِ) أَي بالمدلول الالتزامي (الْيَمين) أَي مَعْنَاهُ (فَأُرِيد) معنى الْيَمين (بِلَازِم مُوجب اللَّفْظ) وَهُوَ النّذر (لَا بِهِ) أَي لَا بِنَفس اللَّفْظ، على أَنه قد علم مِمَّا سبق تَحْرِيم الْمُبَاح عين معنى الْيَمين، وَهُوَ الْمَدْلُول الالتزامي بِعَيْنِه، وَقَوله يُرَاد بِهِ الْيَمين إِلَى آخِره يدل على أَن الْمَدْلُول الالتزامي وَسِيلَة لإِرَادَة الْيَمين، وَهُوَ الْمَدْلُول الالتزامي بِعَيْنِه لَا عينه: فبينهما تدافع وَيُجَاب عَنهُ بِأَن المُرَاد بِكَوْنِهِ معنى الْيَمين أَنه يقْصد بِهِ إنشاؤه، لَا أَنه عينه كَمَا هُوَ الْمُتَبَادر فَلَا تدافع تَوْضِيحه أَن وجوب الصَّوْم يسْتَلْزم حُرْمَة ضِدّه المفوت لَهُ، وَهُوَ الْفطر، وَهَذَا معنى ثُبُوته، وَلَا شكّ أَنه يتعقل حُرْمَة الْفطر عِنْد تعقل وجوب الصَّوْم، وَهَذَا معنى كَونه مدلولا التزاميا، ثمَّ إِن التَّحْرِيم الْمَذْكُور لَا يصير يَمِينا مُوجبَة لِلْكَفَّارَةِ إِلَّا بِإِرَادَة كَونه يَمِينا، وَهَذَا إنشاؤه، وَإِنَّمَا سميناه معنى الْيَمين قبل الْإِنْشَاء لما فِيهِ من الْمَنْع عَن الْفِعْل كَمَا فِي الْيَمين (وَلَا جمع) بَين الْحَقِيقَة الْمجَاز: يَعْنِي الْجمع الْمُتَنَازع فِيهِ (دون الِاسْتِعْمَال فيهمَا) أَي الْحَقِيقِيّ والمجازي، وَقد عرفت أَن الِاسْتِعْمَال فِي النّذر فَقَط وَالْيَمِين مُرَاد بالمدلول الالتزامي (وَمَا قيل لَا عِبْرَة لإِرَادَة النّذر) لِأَنَّهُ ثَابت بِنَفس الصِّيغَة من غير تَأْثِير للإرادة (فَالْمُرَاد الْيَمين فَقَط) أَي فَكَأَنَّهُ لم يرد إِلَّا الْمَعْنى الْمجَازِي (غلط إِذْ تحَققه) أَي النّذر (مَعَ الْإِرَادَة وَعدمهَا) أَي الْإِرَادَة (لَا يسْتَلْزم عدم تحققها وَإِلَّا) لَو استلزم عدم تحقق الْإِرَادَة (لم يمْتَنع الْجمع) بَين الْحَقِيقِيّ والمجازي (فِي صُورَة) من الصُّور أصلا، لِأَن الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ فِي كل صُورَة من الصُّور أصلا يثبت بِاللَّفْظِ من غير تَأْثِير للإرادة (وَقد فرض إرادتهما) أَي الْحَقِيقِيّ والمجازي (وَفِيه) أَي فِي الْجَواب عَن هَذَا النَّقْض (نظر، إِذْ ثُبُوت) التَّحْرِيم (الالتزامي) حَال كَونه (غير مُرَاد) وَهُوَ (خطورة عِنْد فهم ملزومه) الَّذِي هُوَ مَدْلُول اللَّفْظ حَال كَونه (مَحْكُومًا) عَلَيْهِ (بِنَفْي إِرَادَته) أَي بِنَفْي كَونه مرَادا للمتكلم (وَهُوَ) أَي الحكم بذلك أَو خطوره على الْوَجْه الْمَذْكُور (يُنَافِي إِرَادَة الْيَمين الَّتِي هِيَ إِرَادَة التَّحْرِيم (حَال كَونه ملحوظا (على وَجه) هُوَ بِاعْتِبَارِهِ (أخص مِنْهُ) أَي من نَفسه حَال كَونه (مدلولا التزاميا) يَعْنِي التَّحْرِيم من حَيْثُ أَنه مَدْلُول التزامي يحْتَمل أَن يكون ملحوظا قصدا ومرادا فالتزامي يعم الْوَجْهَيْنِ وَأحد وجهيه أخص مِنْهُ مُطلقًا، ثمَّ اسْتدلَّ على الأخصية الْمَذْكُورَة بقوله (لِأَنَّهُ) أَي التَّحْرِيم الْمُعْتَبر عِنْد إِرَادَة الْيَمين (تَحْرِيم يلْزم بخلقه) وَالْعَمَل بِخِلَاف مُوجبه (الْكَفَّارَة) وَمثل هَذَا التَّحْرِيم لَا يتَحَقَّق بِمُجَرَّد الخطور من غير قصد وَإِرَادَة فَلَا بُد فِيهِ من تحقق الْإِرَادَة، ثمَّ اسْتدلَّ على التَّنَافِي بقوله (وَعدم إِرَادَة الْأَعَمّ)
(2/42)

الَّذِي هُوَ الْمَدْلُول الالتزامي على مَا بَيناهُ (يُنَافِيهِ إِرَادَة الْأَخَص) لِأَن إِرَادَة الْأَخَص تَسْتَلْزِم إِرَادَة الْأَعَمّ، وَلَو فِي ضمن الْأَخَص لَا يُقَال يجوز أَن يخْطر التَّحْرِيم غير مُرَاد فِي ضمن النّذر، ثمَّ يَجْعَل وَسِيلَة للتَّحْرِيم الملحوظ مرَادا أَو قصدا لِأَن الملحوظ بالتبع من حَيْثُ هُوَ ملحوظ بالتبع لَا يصلح لِأَن يكون وَسِيلَة للمقصد بِالذَّاتِ: إِذْ الْوَسِيلَة لَا بُد أَن تجْعَل آلَة لملاحظته، وَعند ذَلِك يلْزم الْقَصْد إِلَيْهِ فَتدبر، وَقد يُقَال: الْمَنْفِيّ الْإِرَادَة من اللَّفْظ وَهُوَ لَا يُنَافِي أصل الْإِرَادَة فَتَأمل (وَظَاهر) كَلَام (بَعضهم إِرَادَته) أَي معنى الْيَمين (بِالْمُوجبِ) أَي بِمُوجب النّذر بِفَتْح الْجِيم (بِعَيْنِه) لَا بلازمه على مَا ذكر (إِلْحَاقًا لإِيجَاب الْمُبَاح) الَّذِي هُوَ معنى النّذر (بتحرميه) أَي بِتَحْرِيم الْمُبَاح الَّذِي هُوَ معنى الْيَمين (فِي الحكم وَهُوَ) أَي الحكم (لُزُوم الْكَفَّارَة) بِالْحلف، (وَيَتَعَدَّى اسْم الْيَمين) إِلَى مَا ألحق بِهِ (ضمنه) أَي فِي ضمن هَذَا الْإِلْحَاق بالتبع (لَا لتعدية الِاسْم ابْتِدَاء) فَإِنَّهُ غير جَائِز، نقل الشَّارِح عَن المُصَنّف أَنه فِيهِ نظر أَيْضا، لِأَن إِرَادَة الْإِيجَاب على أَنه يَمِين إِرَادَته على وَجه يستعقب الْكَفَّارَة بِالْحلف وإرادته على أَنه ندر إِرَادَته على وَجه لَا يستعقبها بِهِ، بل الْقَضَاء فبينهما تناف انْتهى: يَعْنِي فيكف يُرَاد معنى الْيَمين بِمُوجب النّذر، وَيجْعَل لله عَليّ صَوْم كَذَا بنية الْيَمين مَعَ النّذر يَمِينا ونذرا (وشمس الْأَئِمَّة) السَّرخسِيّ ذهب إِلَى أَنه (أُرِيد الْيَمين بِاللَّه) لِأَن قَوْله لله بِمَنْزِلَة بِاللَّه (و) أُرِيد (النّذر بعلي أَن أَصوم رَجَب) (وَجَوَاب الْقسم) حِينَئِذٍ (مَحْذُوف مَدْلُول عَلَيْهِ بِذكر الْمَنْذُور) أَي (كَأَنَّهُ قَالَ لله لأصومن وَعلي أَن أَصوم) رَجَب (وعَلى هَذَا لَا يرادان) النّذر وَالْيَمِين (بِنَحْوِ عَليّ أَن أَصوم) لعدم وجود مَا يُرَاد بِهِ الْيَمين فِيهِ، وعَلى مَا قبله وَهُوَ لله عَليّ أَن أَصوم يرادان لوُجُود مَا يُرَاد بِهِ الْيَمين وَهُوَ لله، وَمَا يُرَاد بِهِ النّذر، وَهُوَ عَليّ أَن أَصوم غير أَنه لَيْسَ من الْجمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز لِأَنَّهُمَا لم يرادا بِلَفْظ وَاحِد (وَالْأَوْجه أَن يكون الْمَعْنى (وعَلى مَا قبله) من الْأَقْوَال السَّابِقَة (يرادان) بعلي أَن أَصوم ليظْهر التَّفَاوُت بَين قَوْله وَقَوْلهمْ بِاعْتِبَار المُرَاد كَمَا بَين التَّفَاوُت بَين قَوْله وَقَول الْبَعْض بِاعْتِبَار آخر بقوله (وَهَذَا) الَّذِي ذهب إِلَيْهِ السَّرخسِيّ (يُخَالف الأول) أَي أول الْأَقْوَال (باتحاد الْمَنْذُور والمحلوف) فِيهِ فَإِنَّهُ فِيهِ ناذر للصيام حَالف عَلَيْهِ (وَالْأول) لَيْسَ كَذَلِك، بل فِيهِ (الْمَحْلُوف تَحْرِيم التّرْك والمنذور الصَّوْم) قَالَ الشَّارِح فِيمَا ذكره السَّرخسِيّ نظر لِأَن اللَّام إِنَّمَا تكون للقسم إِذا كَانَت للتعجب أَيْضا كَمَا صرح بِهِ النحويون عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا " دخل آدم الْجنَّة فَللَّه مَا غربت الشَّمْس حَتَّى خرج " وَمَا أُجِيب بِهِ من أَن نذر الْإِنْسَان وإيجابه على نَفسه صَالح لِأَن يتعجب مِنْهُ فَمَا يتعجب مِنْهُ انْتهى، وَلَعَلَّ المُصَنّف لم يتَعَرَّض لهَذَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَمْر لَازم من حَيْثُ النَّحْو: كَيفَ وَبَاب الِاسْتِعَارَة وَاسع
(2/43)

هَذَا وَعَن أبي يُوسُف أَن لله على أَن أَصوم نذر فَقَط وَإِن نوى بِهِ الْيَمين وَلم يخْطر لَهُ النّذر يكون نذرا أَو يَمِينا على قَوْلهمَا خلافًا لَهُ حَيْثُ قَالَ: هُوَ يَمِين لَا غير، وللمسئلة زِيَادَة تَفْصِيل فِي الشَّرْح
(تَنْبِيه: لما لم يشرط نقل الْآحَاد) لأنواع العلاقة فِي خصوصيات المجازات عَن الْعَرَب فِي الْأَلْفَاظ اللُّغَوِيَّة، بل اكْتفى بِنَقْل أَنْوَاعهَا فِي صِحَة التَّجَوُّز (جَازَ فِي) الْأَلْفَاظ (الشَّرْعِيَّة) بِالْقَرِينَةِ الصارفة عَن الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ الْمعينَة للمجازي إِذا وجدت العلاقة الْمُعْتَبرَة معنوية كَانَت أَو صورية (فالمعنوية فِيهَا) أَي فِي الشَّرْعِيَّة (أَن يشْتَرك التصرفان) الْمُسْتَعَار مِنْهُ والمستعار لَهُ (فِي الْمَقْصُود من شرعيتهما) ثمَّ بَين الْمَقْصُود بقوله (علتهما الغائبة) عطف بَيَان للمقصود (كالحوالة وَالْكَفَالَة) مِثَال للتصرفين (الْمَقْصُود مِنْهَا التَّوَثُّق فيطلق كل) أَي لفظ كل مِنْهُمَا (على الآخر (كَلَفْظِ الْكفَالَة) المقرون (بِشَرْط بَرَاءَة الْأَصِيل) يُطلق على الْحِوَالَة مجَازًا بعلاقة اشتراكهما فِي الْمَقْصُود من شرعيتهما (وَهُوَ) أَي شَرط بَرَاءَة الْأَصِيل (الْقَرِينَة فِي جعله) أَي لفظ الْكفَالَة (مجَازًا فِي الْحِوَالَة وَهِي) أَي الْحِوَالَة (بشر مُطَالبَته) أَي الْأَصِيل (كَفَالَة) والقرينة فِي هَذَا التَّجَوُّز شَرط مُطَالبَة الْأَصِيل (وَقَول مُحَمَّد) أَي وَكَقَوْلِه فِيمَا إِذا فرق الْمضَارب وَرب المَال وَلَيْسَ فِي المَال ربح وَبَعض رَأس المَال دين لَا يجْبر الْمضَارب على نَقده (وَيُقَال لَهُ) أَي للْمُضَارب (أحل رب المَال) على المدينين (أَي وَكله) بِقَبض الدُّيُون (لاشْتِرَاكهمَا) أَي الْوكَالَة وَالْحوالَة (فِي إِفَادَة ولَايَة الْمُطَالبَة) للمديون لاشْتِرَاكهمَا (لَا فِي النَّقْل الْمُشْتَرك الدَّاخِل) فِي مفهومهما فَإِنَّهُ مُشْتَرك (بَين الْحِوَالَة الَّتِي هِيَ نقل الدّين) من ذمَّة الْمُحِيل إِلَى ذمَّة الْمحَال عَلَيْهِ على مَا هُوَ الصَّحِيح (و) بَين (الْكفَالَة على أَنَّهَا نقل الْمُطَالبَة) من ذمَّة الْمَكْفُول فِي ذمَّة الْكَفِيل (و) بَين (الْوكَالَة على أَنَّهَا نقل الْولَايَة) من الْمُوكل إِلَى الْوَكِيل على مَا ذكرُوا (إِذْ الْمُشْتَرك) بَين الْحَقِيقِيّ والمجازي (الدَّاخِل) فِي مفهومهما (غير مُعْتَبر) علاقَة للتجوز (لَا يُقَال لإِنْسَان فرس وَقَلبه لَهُ) أَي وَلَا يُقَال للْفرس إِنْسَان لاشْتِرَاكهمَا فِي الْمُشْتَرك الدَّاخِل وَهُوَ الحيوانية (فَكيف وَلَا نقل فِي الْأَخيرينِ) أَي الْكفَالَة: إِذْ هِيَ ضم ذمَّة إِلَى ذمَّة فِي الْمُطَالبَة على الْأَصَح وَقيل فِي الدّين، وَالْوكَالَة، إِذْ هِيَ إِقَامَة الْإِنْسَان غَيره مقَام نَفسه فِي تصرف مَعْلُوم (والصورية الْعلية والسببية) إِذْ الْمُجَاورَة بَين الْعلَّة وَالْحكم وَبَين الْمُسَبّب وَالسَّبَب شَبيهَة بالاتصال الصُّورِي فِي المحسوسات (فالعلية كَون الْمَعْنى وضع شرعا لحُصُول الآخر فَهُوَ) أَي الآخر (علته الغائية كالشراء) وضع شرعا (للْملك فصح كل) من الشِّرَاء وَالْملك مجَازًا (فِي الآخر لتعاكس الافتقار) أَي افتقار الْعلَّة إِلَى حكمهَا من حَيْثُ الْغَرَض وَلذَا لم يشرع فِي مَحل لَا يقبله كَشِرَاء الْحر وافتقار الحكم إِلَى علته من حَيْثُ الثُّبُوت، فَإِنَّهُ لَا يثبت بِدُونِهَا (وَإِن كَانَ) الافتقار (فِي الْمَعْلُول) إِلَى علته (على) طَرِيق
(2/44)

(الْبَدَل مِنْهُ) أَي من علته والتذكير بِاعْتِبَار عنوان مَا وضع لحصوله شرعا كالشراء (وَمن نَحْو الْهِبَة) كالصدقة مَعْطُوف على ضمير مِنْهُ، فَإِن الْملك يحصل بِكُل مِنْهُمَا فَلَا يفْتَقر إِلَى خُصُوص الشِّرَاء بل إِلَى أَحدهمَا على سَبِيل الْبَدَل (فَلَو عني بِالشِّرَاءِ الْملك فِي قَوْله: إِن اشْتَرَيْته فَهُوَ حر فَاشْترى نصفه وَبَاعه وَاشْترى) النّصْف (الآخر لَا يعْتق هَذَا النّصْف) وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا النّصْف إِذْ لَا وَجه لِلْعِتْقِ عِنْد شِرَاء النّصْف الأول لعدم تحقق ملك العَبْد الَّذِي هُوَ عبارَة عَن مَجْمُوعَة بِخِلَاف النّصْف الْأَخير، إِذْ عِنْد شِرَائِهِ يتَحَقَّق ملك الْكل وَلَو على التدريج، غير أَن النّصْف الأول خرج عَن ملكه فَلم يبْق محلا لِلْعِتْقِ (إلاقضاء) أَي لَا يعْتق هَذَا النّصْف ديانَة تَخْفِيفًا عَلَيْهِ إِلَّا أَن يكون مُرَاده ملك الْكل دفْعَة أَو تدريجا، وَإِمَّا أَنه يعْتق قَضَاء فَلِأَن الْملك للْكُلّ كَمَا يكون دفْعَة كَذَلِك يكون تدريجا فَالشَّرْط عَام والاهتمام بِالْحُرِّيَّةِ أَكثر (وَفِي قلبه) وَهُوَ أَن يَقُول إِن ملكته وَيَعْنِي بِهِ الشِّرَاء ثمَّ يَشْتَرِي النّصْف ثمَّ يَبِيعهُ ثمَّ يَشْتَرِي النّصْف الآخر يعْتق (مُطلقًا) أَي قَضَاء وديانة (لتغليظه) على نَفسه حَتَّى تجوز بِالْملكِ عَن الشِّرَاء إِذْ لَو أرد الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ كَانَ أرْفق بِهِ لما أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (فَإِنَّهُ) أَي العَبْد (لَا يعْتق فِيهِ) أَي فِي الْملك إِذا أُرِيد بِهِ حَقِيقَته (مَا لم يجْتَمع) جَمِيع العَبْد (فِي الْملك قَضِيَّة لعرف الِاسْتِعْمَال فيهمَا) أَي عملا بِمَا يَقْتَضِيهِ عرف الِاسْتِغْنَاء بِملكه، وَهُوَ إِنَّمَا يتَحَقَّق إِذا كَانَ بِصفة الِاجْتِمَاع، بِخِلَاف الشِّرَاء إِذْ لَيْسَ فِيهِ ذَلِك الْمَعْنى عرفا حَتَّى لَو قَالَ إِن اشْتريت عبدا فامرأته طَالِق، ثمَّ اشْترى عبدا لغيره يَحْنَث، وَهَذَا إِذا كَانَ مُنْكرا فَإِن كَانَ معينا بِأَن قَالَ لعبد إِن اشتريتك أَو مَلكتك فَأَنت حر والمسئلة بِحَالِهَا يعْتق النّصْف الْبَاقِي فِي الْوَجْهَيْنِ، لِأَن الْعرف إِنَّمَا هُوَ فِي الْمُنكر لَا الْمعِين إِذْ فِي الْمعِين يقْصد نفي ملكه عَن الْمحل، وَقد تحقق ملكه فِيهِ وَإِن كَانَ فِي أزمنة مُتَفَرِّقَة، كَذَا ذكره الشَّارِح، وَظَاهر الْمَتْن يأباه ثمَّ هَذَا إِذا كَانَ الشِّرَاء صَحِيحا، وَأما إِذا كَانَ فَاسِدا فَلَا يعْتق قَالَ الشَّارِح: أَن القَوْل بِعِتْق النّصْف فِي هَذِه الْمسَائِل ماش على قَول أبي حنيفَة، أما عِنْدهمَا فَيَنْبَغِي أَن يعْتق كُله وَتجب السّعَايَة أَو الضَّمَان للِاخْتِلَاف الْمَعْرُوف فِي تجزؤ الْإِعْتَاق (وَالسَّبَب) الْمَحْض (لَا يقْصد) حُصُول الْمُسَبّب (بِوَضْعِهِ وَإِنَّمَا يثبت) الْمُسَبّب (عَن الْمَقْصُود) فِي السَّبَب اتِّفَاقًا (كزوال ملك الْمَنْفَعَة، بِالْعِتْقِ لم يوضع) الْعتْق (لَهُ) أَي للزوال الْمَذْكُور (بل يستتبعه) أَي بل يتبع زَوَاله (مَا هُوَ) أَي الَّذِي الْعتْق مَوْضُوع (لَهُ) وَهُوَ زَوَال ملك الرَّقَبَة فالسبب الْعتْق والمسبب زَوَال ملك الْمَنْفَعَة، وَالْعِتْق لم يوضع لحصوله وَإِنَّمَا يثبت عَن زَوَال ملك الرَّقَبَة الَّذِي هُوَ الْمَقْصُود بِالْعِتْقِ وَوضع لَهُ (فيستعار) السَّبَب (للمسبب لافتقاره) أَي الْمُسَبّب (إِلَيْهِ) أَي السَّبَب (على الْبَدَل مِنْهُ) أَي من السَّبَب الَّذِي هُوَ الْعتْق (وَمن الْهِبَة وَالْبيع) وَالصَّدَََقَة إِذْ كل
(2/45)

مِنْهَا سَبَب لزوَال ملك الرَّقَبَة (فصح الْعتْق) أَي فِي إِطْلَاقه مجَازًا (للطَّلَاق) حَتَّى لَو قَالَ لامْرَأَته أَعتَقتك وَنوى الطَّلَاق بِهِ وَقع، وَإِنَّمَا احْتَاجَ إِلَى النِّيَّة لتعيين الْمجَاز (وَالْبيع وَالْهِبَة) مجَازًا (للنِّكَاح) لِأَن كلا مِنْهُمَا سَبَب مفض لملك الْمُتْعَة (وَمنع الشَّافِعِي هَذَا) التَّجَوُّز بهما عَنهُ (لانْتِفَاء) العلاقة (المعنوية) بَينه وَبَينهمَا (لَا يَنْفِي غَيرهمَا) وَهُوَ السَّبَبِيَّة الْمَحْضَة الَّتِي هِيَ أحد نَوْعي العلاقة الصورية (وَلَا عكس) أَي لَا يتجوز بالمسبب عَن السَّبَب (خلافًا لَهُ) أَي للشَّافِعِيّ فَإِنَّهُ جوزه (فصح عِنْده الطَّلَاق) مجَازًا (لِلْعِتْقِ لشمُول الْإِسْقَاط) فيهمَا لِأَن فِي الْإِعْتَاق إِسْقَاط ملك الرَّقَبَة، وَفِي الطَّلَاق إِسْقَاط ملك الْمُتْعَة والاتصال الْمَعْنَوِيّ علاقَة مجوزة للمجاز (وَالْحَنَفِيَّة تَمنعهُ) أَي التَّجَوُّز بِالطَّلَاق عَن الْعتْق (والمجوز) للتجوز الْمَعْنى الْمُشْتَرك بَين المتجوز بِهِ والمتجوز عَنهُ على وَجه يكون المتجوز عَنهُ أقوى مِنْهُ فِي المتجوز، كَذَا ذكره الشَّارِح، وَهُوَ غير تَعْلِيل المُصَنّف ويناسب مَا ذكر فِي الْبَيَان من إِلْحَاق النَّاقِص بالكامل، وَأما اعْتِبَاره فِي الْأُصُول فَغير مَعْلُوم، وَقد بَين المُصَنّف المجوز بقوله (الْمَشْهُور الْمُعْتَبر) أَي الثَّابِت اعْتِبَاره عَن الْوَاضِع نوعا بِاسْتِعْمَالِهِ اللَّفْظ بِاعْتِبَار جزئي من جزئياته أَو ينْقل اعْتِبَاره عَنهُ (وَلم يثبت) التَّجَوُّز (بالفرع) يَعْنِي الْمُسَبّب عَن الأَصْل وَهُوَ السَّبَب (بل) ثَبت (بِالْأَصْلِ) عَن الْفَرْع (إِذا لم يجيزوا الْمَطَر للسماء بِخِلَاف قلبه) أَي أَجَازُوا السَّمَاء للمطر فَنقل عَنْهُم " مَا زلنا نَطَأ السَّمَاء حَتَّى أَتَيْنَاكُم " أَي الْمَطَر (مَعَ اشتراكهما) أَي السَّبَب والمسبب (فِي) الِاتِّصَال (الصُّورِي فَلَا يَصح طَالِق أَو بَائِن أَو حرَام لِلْعِتْقِ) عِنْد أَصْحَابنَا (إِلَّا أَن يخْتَص) الْمُسَبّب (بِالسَّبَبِ) بِأَن لَا يُوجد بِدُونِهِ (فكالمعلفول) أَي فَيجوز التَّجَوُّز بِكُل مِنْهُمَا عَن الآخر فِي الْعلَّة والمعلول لِأَنَّهُمَا يصيران حِينَئِذٍ فِي مَعْنَاهُمَا كالنبت للغيب وَبِالْعَكْسِ.

مسئلة
(الْمجَاز خلف) عَن الْحَقِيقَة (اتِّفَاقًا) بِمَعْنى أَن الْحَقِيقَة هِيَ الأَصْل الرَّاجِح الْمُقدم فِي الِاعْتِبَار، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي جِهَة الخلفية (فَأَبُو حنيفَة) يَقُول هُوَ خلف عَنْهَا (فِي التَّكَلُّم) فِي التَّوْضِيح فبعض الشَّارِحين فسروه بِأَن لفظ هَذَا ابْني خلف عَن لفظ هَذَا حر، فَيكون التَّكَلُّم بِاللَّفْظِ الَّذِي يُفِيد هَذَا الْمَعْنى بطرِيق الْمجَاز خلفا عَن التَّكَلُّم بِاللَّفْظِ الَّذِي يفِيدهُ بطرِيق الْحَقِيقَة، وَبَعْضهمْ فسره بِأَن لفظ هَذَا الْمَعْنى ابْني إِذا أُرِيد بِهِ الْحُرِّيَّة خلف عَن لفظ هَذَا الْمَعْنى ابْني، اذا أُرِيد بِهِ الْبُنُوَّة، وَفِيه أَيْضا أَن الْخلف مَا يقوم مقَام الأَصْل، وَأَن الأَصْل إِذا كَانَ صَحِيحا لفظا أَو حكما كَانَ الْخلف كَذَلِك، وَأَن الْوَجْه الثَّانِي أليق، لِأَن الْخلاف حِينَئِذٍ لَا يكون إِلَّا فِي وَجه
(2/46)

الخلفية لَا فِي الْخلف، وَالْأَصْل بِخِلَاف الْوَجْه الأول وَلِأَن الأَصْل إِذا كَانَ هَذَا ابْني يتَحَقَّق شَرط الْمصير إِلَى الْمجَاز من صِحَة الأَصْل من حَيْثُ أَنه مُبْتَدأ وَخبر مَوْضُوع للْإِيجَاب بصيغته وَتعذر الْعَمَل بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيّ بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ الأَصْل هَذَا حرَام لعدم تعذر الْعَمَل بِالْحَقِيقَةِ حِينَئِذٍ وَحَاصِل الْخلاف هَل يشْتَرط فِي صِحَة إِرَادَة الْمَعْنى الْمجَازِي إِمْكَان الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ؟ عِنْدهمَا نعم، وَعِنْده لَا، بل يَكْفِي صِحَة اللَّفْظ من حَيْثُ الْعَرَبيَّة، وَإِذا عرفت هَذَا (فالمتكلم بِهَذَا ابْني) مجَازًا (فِي التَّحْرِير) الَّذِي هُوَ معنى مجازي لَهُ خلف (عَن التَّكَلُّم بِهِ) أَي بِهَذَا ابنى حَقِيقَة (فِي النّسَب) أَي فِي إِرَادَة الْبُنُوَّة الَّذِي هُوَ الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ لَهُ من غير نظر إِلَى ثُبُوت الخلفية فِي الحكم بِأَن يكون ثُبُوت التَّحْرِير بالمجازي فرع ثُبُوت إِمْكَان ثُبُوت النّسَب بِالْأَصْلِ (وهما) أَي صَاحِبَاه قَالَا: الْمجَاز خلف عَن الْحَقِيقَة (فِي حكمهَا فَأَنت ابنى) خطابا (لعَبْدِهِ الْأَكْبَر مِنْهُ) سنا مجَاز (على عتق على من وَقت ملكته عِنْده) أَي أبي حنيفَة اسْتِعْمَالا لاسم الْمَلْزُوم فِي لَازمه (وَقَالا لَا) يعْتق (لعدم إِمْكَان الْحَقِيقِيّ) إِذْ الْمَفْرُوض كَون العَبْد أكبر، وَشرط صِحَة الْخلف إِمْكَان الأَصْل (فلغا) قَوْله أَنْت ابنى، وَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ حكم، وَإِنَّمَا اعْتبر الخلفية فِي الحكم (لِأَن الحكم) هُوَ (الْمَقْصُود، فالخلفية بِاعْتِبَارِهِ أولى، وَقد يلْحق) عدم الْعتْق فِي هَذِه (بِعَدَمِ انْعِقَاد الْحلف) فِي قَوْله (لبشر بن مَاء الْكوز وَلَا مَاء) فِيهِ فَإِنَّهُ غير مُنْعَقد (لعدم تصَوره) أَي تصور الْمَحْلُوف عَلَيْهِ، وَهُوَ شرب المَاء الْكَائِن فِي الْكوز الْمشَار إِلَيْهِ عِنْد الْحلف وَإِمْكَان الْمَحْلُوف عَلَيْهِ شَرط الِانْعِقَاد كَمَا أَن شَرط الخلفية للمعنى الْمجَازِي لقَوْله: أَنْت بَائِن إِمْكَان الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ لَهُ (وَعَن هَذَا) أَي اشْتِرَاط تصور حكم الأَصْل للخلف (لَغَا قطعت يدك) خطأ (إِذا أخرجهُمَا) أَي الْمُخَاطب يَدَيْهِ (صحيحتين) بعد الْإِقْرَار بقطعهما (وَلم يَجْعَل مجَازًا عَن الْإِقْرَار بِالْمَالِ) أَي دِيَة الْيَد لعدم إِمْكَان مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ، ثمَّ تعقب عَلَيْهِ بقوله (لَكِن لَا يلْزم من لُزُوم إِمْكَان مَحل حكم شَرْعِي) يُرِيد بِالْمحل مَاء الْكوز فَإِنَّهُ مَحل وجوب الْبر (لتَعلق الحكم) أَي الْخطاب مُتَعَلق بِلُزُوم (بخلفه) أَي بخلف ذَلِك الحكم الشَّرْعِيّ، وَهُوَ وجوب الْكَفَّارَة لعَجزه عَن الْبر، وفاعل لَا يلْزم (لُزُوم صدق معنى لفظ) يَعْنِي حَقِيقَة قَوْله: أَنْت ابْني (لاستعماله) أَي ذَلِك (مجَازًا) إِذْ لَا يظْهر بَينهمَا مُلَازمَة فَلَا يَصح الْإِلْحَاق بِهِ (وَالثَّانِي) أَي ولغو الْإِقْرَار بِقطع الْيَد أَي إِذا أخرجهُمَا صحيحتين لَيْسَ (لتعذر) الْحَقِيقِيّ فَقَط: بل لَهُ ولتعذر (الْمجَازِي أَيْضا فَإِن الْقطع سَبَب مَال مَخْصُوص) على الْعَاقِلَة (فِي سنتَيْن) لما عرف فِي مَحَله (وَلَيْسَ) هَذَا المَال الْمَخْصُوص هُوَ (المتجوز عَنهُ) بِالْقطعِ: إِذْ لَو تجوز بِهِ عَنهُ لما لزم فِي ذمتهم، لِأَن لُزُوم المَال عَلَيْهِم فِي سنتَيْن مَخْصُوص بِمَاذَا تحقق الْقطع وَلَا يلْزم بِمُجَرَّد قَوْله: قطعت يَده من غير تحقق الْقطع،
(2/47)

ثمَّ إِنَّه لَا علاقَة بَين الْمجَازِي والحقيقي هَهُنَا إِلَّا المسببية والسببية، وَهَذِه العلاقة لَيست مَوْجُودَة بَين الْمَعْنى الْمجَازِي الَّذِي هُوَ المَال الْمُطلق وَالْقطع، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَالْمُطلق) أَي وَالْمَال الْمُطلق الَّذِي يُمكن إثْبَاته بِالْإِقْرَارِ (لَيْسَ مسببا عَنهُ) أَي عَن الْقطع (وَله) أَي لأبي حنيفَة (أَنه) أَي التَّجَوُّز (حكم لغَوِيّ يرجع للفظ) أَي إِلَى اللَّفْظ (هُوَ) أَي الحكم (صِحَة اسْتِعْمَاله) أَي اللَّفْظ (لُغَة فِي معنى) مجازى (بِاعْتِبَار صِحَة اسْتِعْمَاله) أَي اللَّفْظ (فِي) معنى (آخر وضعي) أَي حَقِيقِيّ (لمشاكلته) مُتَعَلق بِصِحَّة الِاسْتِعْمَال: أَي لمشاكلة ذَلِك الْمَعْنى الْمجَازِي للمعنى الوضعي بِاعْتِبَار العلاقة المصححة للتجوز (ومطابقته) أَي وَكَون الوضعي مطابقا للْوَاقِع (لَيست جُزْء الشَّرْط) أَي جُزْء شَرط الِاسْتِعْمَال فِي الْمَعْنى الْمجَازِي (فَكل) من اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل حَقِيقَة، والمستعمل مجَازًا (أصل فِي إِفَادَة حكمه) وَإِن كَانَ الثَّانِي فرعا للْأولِ بِاعْتِبَار الِاسْتِعْمَال لُغَة (فَإِذا تكلم) الْمُتَكَلّم بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور (وَتعذر) الْمَعْنى (الْحَقِيقِيّ وَجب مجازيته فِيمَا ذكر من الْإِقْرَار) أَي الْإِخْبَار بحريَّته لِأَنَّهَا لَازِمَة للبنوة 0 فَتَصِير أمه أم ولد) لِأَنَّهُ كَمَا جعل إِقْرَارا بحريَّته جعل إِقْرَارا بأمومية الْوَلَد لأمه بِاعْتِبَار مَا يلْزمهَا من اسْتِحْقَاق الْحُرِّيَّة بعد الْمَوْت (وَقيل) بل وَجب مجازيته (فِي إنشائه) التَّحْرِير وإحداثه (فَلَا تصير) أم ولد لَهُ: يَعْنِي اسْتِحْقَاق الْحُرِّيَّة لَهَا إِذا كَانَت فِي ملكه، لِأَن ذَلِك يثبت مسببا عَن الْإِقْرَار لَا الْإِنْشَاء (وَالأَصَح الأول) أَي مجازيته فِي الْإِخْبَار عَن عتقه (لقَوْله) أَي مُحَمَّد (فِي) كتاب (الْإِكْرَاه إِذا أكره على هَذَا ابْني لعَبْدِهِ لَا يعْتق) عَلَيْهِ (وَالْإِكْرَاه يمْنَع صِحَة الْإِقْرَار بِالْعِتْقِ لَا إنشاءه) أَي الْإِكْرَاه لَا يمْنَع صِحَة إنْشَاء الْعتْق: فَعلم أَنه جعل قَوْله هَذَا ابْني مجَازًا فِي الْإِخْبَار بِالْعِتْقِ، وَإِلَّا لما قَالَ بِعَدَمِ الْعتْق فِيهِ (فَإِن تحقق) الْمَعْنى الْمجَازِي من الْإِقْرَار بِثُبُوت الْحُرِّيَّة (عتق مُطلقًا) أَي قَضَاء وديانة (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يتَحَقَّق بِأَن لم يكن الْإِخْبَار بِالْحُرِّيَّةِ مطابقا للْوَاقِع لعدم صُدُور التَّحْرِير مِنْهُ بعد حُدُوث الْملك (فقضاء) أَي فَعتق قَضَاء مُؤَاخذَة لَهُ بِإِقْرَارِهِ لَا ديانَة (لكذبه حَقِيقَة ومجازا) أما حَقِيقَة فَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِابْن لَهُ، كَيفَ وَهُوَ أكبر مِنْهُ، وَأما مجَازًا فَلِأَنَّهُ لم يصدر مِنْهُ تَحْرِير وَلم يَقع مَا يُوجِبهُ (إِلَّا أَنه قد يمْنَع تعين الْمجَازِي) أَي (الْعتْق لجَوَاز) إِرَادَة (معنى الشَّفَقَة) من قَوْله: هَذَا ابْني (وَدفعه) أَي دفع منع تعْيين الْمجَازِي (بتقدم الْفَائِدَة الشَّرْعِيَّة) وَهِي الْعتْق (عِنْد إمكانها) أَي الْفَائِدَة الشَّرْعِيَّة (وَغَيرهَا) يَعْنِي أَن الْحمل على مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ التَّحْرِير مُتَعَيّن لِأَنَّهُ فَائِدَة شَرْعِيَّة، بِخِلَاف الْحمل على الشَّفَقَة، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ فَائِدَة شَرْعِيَّة وَإِذا تعَارض احْتِمَالَانِ فِي أجدهما فَائِدَة شَرْعِيَّة دون الآخر تعين مَا فِيهِ الْفَائِدَة لترجحه (معَارض) خبر الْمُبْتَدَأ: أَعنِي دَفعه (بِإِزَالَة الْملك الْمُحَقق) وَالْأَصْل فِي الشَّيْء الثَّابِت الْبَقَاء (مَعَ احْتِمَال عَدمه
(2/48)

أَي عدم زَوَال الْملك، والمتيقن لَا يَزُول بِالِاحْتِمَالِ (وَعَدَمه) أَي ومعارض أَيْضا بِمَا فِي ظَاهر الرِّوَايَة من عدم وُقُوع الْعتْق (فِي هَذَا أخي) فَإِنَّهُم (بنوه) أَي بنوا عدم تحقق وُقُوع الْعتْق بِهَذَا أخي (على اشتراكه) أَي اشْتِرَاك لفظ الْأَخ (اسْتِعْمَالا فاشيا فِي المشارك نسبا ودينا، وقبيلة، ونصيحة فتوقف) الْعَمَل بِهِ (إِلَى قرينَة) مُعينَة لأحد الْمعَانِي الْأَرْبَعَة (كمن أبي) أَي كَمَا إِذا وصل بقوله: هَذَا أخي قَوْله: من أبي وَأمي، أَو من النّسَب إِلَى غير ذَلِك (فَيعتق) لكَونه ملك ذَا رحم محرم مِنْهُ (و) بنوه (على أَن الْعتْق بعلة الولاد) بِأَن يكون الْمَمْلُوك والدا أَو مولودا بِوَاسِطَة أَو بِغَيْر وَاسِطَة (وَلَيْسَ فِي اللَّفْظ) مَا يدل عَلَيْهِ الولاد ليَكُون مجَازًا عَن لَازمه فَامْتنعَ طَرِيقه (وَعَلِيهِ) أَي وعَلى أَن الْعتْق بعلة الولاد (بنى عَدمه) أَي عدم الْعتْق (فِي جدي لعَبْدِهِ الصَّغِير) فَإِن حَقِيقَة هَذَا الْكَلَام لَا وجود لَهَا إِلَّا بِوَاسِطَة الْأَب وَلَا وجود لَهُ فِي اللَّفْظ (وَيرد أَنَّهَا) أَي عِلّة عتق الْقَرِيب (الْقَرَابَة الْمُحرمَة) لَا خُصُوص الولاد (وَلذَا) أَي وَلكَون الْعلَّة فِيهِ مَا ذكر (عتق بعمى وخالى) بِلَا خلاف: ذكر فِي الْبَدَائِع وَغَيره (فترجح رِوَايَة الْحسن) عَن أبي حنيفَة الْعتْق فِي جدي وَأخي (وَعَدَمه) أَي الْعتْق (بيابني لِأَنَّهُ) أَي النداء (لإحضار الذَّات وَلم يفْتَقر هَذَا الْقدر) الَّذِي قصد بالنداء (لتحقيق الْمَعْنى) أَي لَا يحْتَاج إِفَادَة هَذَا الْمَقْصُود إِلَى أَن يتَحَقَّق لفظ الابْن يَعْنِي (فِيهَا) أَي فِي الذَّات (حَقِيقِيًّا) كَانَ ذَلِك الْمَعْنى (أَو مجَازًا) يَعْنِي الْقَصْد من هَذَا اللَّفْظ مُجَرّد إِحْضَار الذَّات، وَفِي هَذَا الْقَصْد يَكْفِي التَّلَفُّظ المستلزم مُجَرّد تصور الْمَعْنى من غير التَّصْدِيق بِثُبُوتِهِ للذات (بِخِلَاف يَا حر) حَيْثُ يعْتق بِهِ (لِأَن لَفظه صَرِيح فِي الْمَعْنى) الَّذِي هُوَ الْعتْق لكَونه مَوْضُوعا لَهُ وعلما لإِسْقَاط الرّقّ فَيقوم عينه مقَام مَعْنَاهُ (فَيثبت) الْعتْق (بِلَا قصد) حَتَّى لَو قصد التَّسْبِيح فَجرى على لِسَانه: عَبدِي حر يعْتق (وَقيل إِذا كَانَ الْوَصْف الْمعبر بِهِ عَن الذَّات) فِي مقَام النداء (يُمكن تَحْقِيقه من جِهَته) أَي الْمُتَكَلّم بِأَن يكون قَادِرًا على إنشائه (بِاللَّفْظِ حكم بتحقيقه) أَي الْوَصْف (مَعَ الاستحضار) تَصْدِيقًا لَهُ (كيا حر) فَإِن الْحُرِّيَّة مِمَّا يقدر على إنشائه فِي اللَّفْظ وَلَو كَانَ ذَلِك الْوَصْف اسْمه فناداه بِهِ لما عتق لِأَن المُرَاد حِينَئِذٍ مُجَرّد إِعْلَامه باسمه الْعلم: لِأَن الْإِعْلَام لَا يُرَاعِي فِيهَا الْمعَانِي عِنْد الِاسْتِعْمَال (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الْمعبر بِهِ عَن الذَّات مِمَّا يُمكن تَحْقِيقه من جِهَته (لَغَا) ذَلِك الْوَصْف (ضَرُورَة) إِذْ لَا يُمكن حِينَئِذٍ تَصْدِيقه بإنشائه فيتمحض للإعلام (كيا بني إِذا تحقق الْأَبْنِيَة غير مُمكن لَهُ بِهَذَا اللَّفْظ لِأَنَّهُ إِن تخلق من مَاء غَيره فَظَاهر، وَكَذَا مِنْهُ لِأَن النّسَب) حِينَئِذٍ (إِنَّمَا يثبت بِهِ لَا بِاللَّفْظِ وَأما إلزامهما) أَي أبي يُوسُف وَمُحَمّد
(2/49)

(المناقضة بالانعقاد) أَي بالِاتِّفَاقِ مَعَه فِي انْعِقَاد النِّكَاح (بِالْهبةِ فِي الْحرَّة وَلَا يتَصَوَّر) معنى التَّمْلِيك (الْحَقِيقِيّ) الَّذِي هُوَ (الرّقّ) فِيهَا (فَلَا يلْزمهُمَا إِذْ لم يشرطاه) أَي إِمْكَان الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ (إِلَّا عقلا) وَهُوَ مُمكن عقلا، كَيفَ وَقد وَقع فِي شَرِيعَة يَعْقُوب عَلَيْهِ السَّلَام وَفِي أول الْإِسْلَام (وَلم تذكر الشَّافِعِيَّة هَذَا الأَصْل) وَهُوَ أَن خلفية الْمجَاز فِي التَّكَلُّم أَو فِي الحكم (وموافقتهما) أَي مُوَافقَة الشَّافِعِيَّة لَهما (فِي الْفَرْع) أَي فِي قَوْله لعَبْدِهِ الْأَكْبَر سنا مِنْهُ: أَنْت ابْني (لَا يُوجِبهَا) أَي الْمُوَافقَة (فِي أَصْلهَا) كَمَا يفهم من كَلَام صَاحب الْكَشْف وَغَيره، وَصرح بَعضهم بِأَن الأَصْل فِيهِ عِنْد الشَّافِعِيَّة عدم ثُبُوت النّسَب.

مسئلة
(يتَعَيَّن) وَفِي نُسْخَة يتَفَرَّع (على الخلفية) أَي خلفية الْمجَاز عَن الْحَقِيقَة (تعينها) أَي الْحَقِيقَة (إِذا أمكنا) أَي صَحَّ إِرَادَة كل من الْحَقِيقَة وَالْمجَاز (بِلَا مُرَجّح) أَي حَال كَونهمَا متلبسين بِعَدَمِ مُرَجّح خارجي لرجحانها فِي نَفسهَا عَلَيْهِ (فَتعين الْوَطْء) أَي إِرَادَته (من قَوْله) تَعَالَى {وَلَا تنْكِحُوا مَا نكح آباؤكم} لِأَن الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ للنِّكَاح على مَا هُوَ الصَّحِيح وَهُوَ هَهُنَا مُمكن مَعَ الْمجَاز الَّذِي هُوَ العقد (فَحرمت مزنية الْأَب) على فروعه بِالنَّصِّ وَأما حُرْمَة الْمَعْقُود لَهُ عَلَيْهَا عقدا صَحِيحا عَلَيْهِم فبالإجماع (وَتعلق بِهِ) أَي بِالْوَطْءِ الْجَزَاء (فِي قَوْله لزوجته: إِن نكحتك) فَأَنت طَالِق (فَلَو تزَوجهَا بعد إبانة قبل الْوَطْء) ظرف لإبانة، قيد بِهِ لِأَنَّهُ لَو تزَوجهَا بعد إبانة بعد الْوَطْء لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الْجَزَاء بِالْوَطْءِ بعد هَذَا التَّزْوِيج لانحلال الْيَمين قبله (طلقت بِالْوَطْءِ) لَا بِالْعقدِ كَمَا ذكرنَا (وَفِي الْأَجْنَبِيَّة) أَي وَفِي قَوْله للأجنبية: أَن نكحتك فَعَبْدي حر يتَعَلَّق الحكم (بِالْعقدِ) لِأَن وَطأهَا لما حرم عَلَيْهِ شرعا كَانَت الْحَقِيقَة مهجورة شرعا فَتعين الْمجَاز، وَفِيه أَنه مَا تمّ هجران الْحَقِيقَة لجَوَاز إِرَادَة الْوَطْء الْحَلَال لَا مَكَان أَن يعْقد عَلَيْهَا (وَأما المنعقدة) أَي إِرَادَة الْيَمين المنعقدة، وَهِي الْحلف على ان يفعل أمرا أَو يتْركهُ فِي الْمُسْتَقْبل (بعقدتم) فِي قَوْله تَعَالَى - {وَلَكِن يُؤَاخِذكُم بِمَا عقدتم الْأَيْمَان} - (لِأَن العقد) حَقِيقَة (لما ينْعَقد (أَي للفظ يرْبط بآخر لايجاب حكم كَمَا قَالَ (وَهُوَ مَجْمُوع اللَّفْظ المستعقب حكمه) كمجموع الْإِيجَاب وَالْقَبُول فِي النِّكَاح وَالْبيع فَإِن قلت كَانَ الْوَاجِب أَن يَقُول فَلِأَن العقد الخ لِأَن الْفَاء فِي جَوَاب أما لَازم قلت: قَالَ الْمُحَقق الرضي وَلَا يحذف الْفَاء فِي جَوَاب أما إِلَّا لضَرُورَة نَحْو قَوْله:
(فَأَما الصدود لَا صدود لديكم ...)
أَو مَعَ قَول مَحْذُوف يدل عَلَيْهِ محكية كَقَوْلِه تَعَالَى - {فَأَما الَّذين كفرُوا أفلم تكن آياتي تتلى عَلَيْكُم} -
(2/50)

أَي فَيُقَال لَهُم أفلم تكن آياتي انْتهى، وَهَهُنَا كَذَلِك فَإِن تَقْدِير الْكَلَام: وَأما إِرَادَة المنعقدة بعقدتم: فَيُقَال لَهُم فِي بَيَانهَا لِأَن العقد إِلَى آخِره، فَقَوله لِأَن العقد محكية، وَيدل عَلَيْهِ (مجَاز) خبر بعد خبر لِأَن (فِي الْعَزْم) أَي الْقَصْد القلبي (السَّبَب) صفة للعزم (لَهُ) أَي لمجموع اللَّفْظ الْمَذْكُور: إِذْ لَا يعْتَبر بِدُونِهِ (فَلَا كَفَّارَة فِي الْغمُوس) وَهِي الْحلف على أَمر مَاض تعمد الْكَذِب فِيهِ (لعدم الِانْعِقَاد) الَّذِي هُوَ الْحَقِيقَة فِي الْغمُوس، وَإِنَّمَا نَفينَا الِانْعِقَاد عَنهُ (لعدم استعقابها) أَي استعقاب الْيَمين الْغمُوس (وجوب الْبر) الَّذِي هُوَ حكم عقد الْيَمين (لتعذره) أَي الْبر فِيهَا: لِأَن الْبر إِنَّمَا يكون فِي أَمر استقبالي عزم عَلَيْهِ من الْفِعْل أَو التّرْك الْمُؤَكّد بالقسم، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن الْمَعْنى الْمجَازِي أَيْضا لَا يتَصَوَّر فِي الْغمُوس: لِأَن الْعَزْم أَيْضا إِنَّمَا يكون فِي أَمر كَذَا على أَن الْعَزْم الْمَذْكُور إِنَّمَا وصف بِكَوْنِهِ سَببا لحكم العقد وَهُوَ الْبر، وَحَيْثُ تعذر سَببه من حَيْثُ هُوَ سَببه فَالْحَاصِل أَن الْغمُوس لَا يتَصَوَّر فِيهَا حَقِيقَة العقد وَلَا مجازه، فَتعين إِرَادَة المنعقدة غير أَنه سَيَجِيءُ مَا يدل عَلَيْهِ أَن الْخصم يحملهُ على الْعَزْم، ويظن أَنه مَوْجُود فِي الْغمُوس أَيْضا. وَفِي بعض النّسخ فقد يُقَال بِالْفَاءِ، وعَلى هَذَا لَا حَاجَة إِلَى مَا ذكر فِي ترك الْفَاء (وَقد يُقَال) فَيكون مَا قبل هَذَا كَلَام غَيره تعليلا لإِرَادَة المنعقدة بعقدتم (كَونهَا) أَي المنعقدة (حَقِيقَة فِيهِ) أَي فِيمَا ينْعَقد (فِي عرف أهل الشَّرْع لَا يستلزمه) أَي لَا يسْتَلْزم كَونهَا حَقِيقَة (فِي عرف الشَّارِع وَهُوَ) أَي عرف الشَّارِع (المُرَاد) هَاهُنَا (لِأَنَّهُ) أَي الْكَلَام (فِي لَفظه) أَي الشَّارِع (وَيدْفَع هَذَا بِأَن الْوَاجِب فِي مثله) مِمَّا لَا يعرف لَهُ غير الْمَعْنى اللّغَوِيّ معنى فِي الشَّارِع (اسْتِصْحَاب) أَي إبْقَاء (مَا) كَانَ (قبله) أَي قبل هَذَا الِاسْتِعْمَال من الشَّارِع على مَا كَانَ (إِلَّا بناف) أَي بِدَلِيل يدل على أَن المُرَاد غير مَا قبله فالمرجع هَهُنَا اللُّغَة الَّتِي هِيَ مدَار الخطابات القرآنية غَالِبا. وَفِي الْقَامُوس عقد الْحَبل وَالْبيع والعهد وَذكر فِيهِ مَعَاني غير هَذَا، وَلَا يُوجد شَيْء من ذَلِك فِي الْغمُوس (وَأَيْضًا) يُقَال فِي بَيَان كَون المُرَاد هُوَ المنعقدة أَنه (إِن كَانَ) العقد الْمُسْتَعْمل فِي مَجْمُوع اللَّفْظ المستعقب حكمه حَقِيقَة فَالْأَمْر كَمَا عرفت (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن حَقِيقَة فِيهِ (فالمجاز الأول) أَي فَهُوَ الْمجَاز الأول عَن الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة الَّتِي هِيَ شدّ بعض الْحَبل بِبَعْض على مَا قيل (بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَزْم لقُرْبه) إِلَيْهَا أَكثر من الْعَزْم، وَالْمجَاز الْأَقْرَب مقدم (وَمِنْه) أَي من الْعَمَل بِالْحَقِيقَةِ لإمكانها وَلَا مُرَجّح قَوْله هَذَا (ابْني لممكن) أَي لعبد لَهُ يُولد مثله (لمثله مَعْرُوف النّسَب) من غَيره (لجوازه) أَي لجَوَاز كَونه (مِنْهُ) بِكَوْنِهِ من منكوحته أم أمته (مَعَ اشتهاره) أَي نسبته (من غَيره) فَيصدق الْمقر فِي حق نَفسه، لَا فِي إبِْطَال حق الْغَيْر فَحِينَئِذٍ (عتق وَأمه أَو وَلَده على ذَلِك) أَي
(2/51)

على تعين الْحَقِيقَة لإمكانها وَلَا مُرَجّح للمجاز (فرع فَخر الْإِسْلَام قَول أبي حنيفَة بِعِتْق ثلث كل من الثَّلَاثَة) الْأَوْلَاد (إِذا أَتَت بهم الْأمة فِي بطُون ثَلَاثَة) بِأَن يَتَخَلَّل بَين كل اثْنَيْنِ مِنْهُم سِتَّة أشهر فَصَاعِدا (بِلَا نسب) مَعْرُوف لَهُم (فَقَالَ) الْمولى فِي صِحَّته (أحدهم ابْني وَمَات) الْمولى مجهلا) أَي قبل الْبَيَان (خلافًا لقولهما) أَي أبي يُوسُف وَمُحَمّد (بِعِتْق الْأَصْغَر وَنصف الْأَوْسَط وَثلث الْأَكْبَر نظرا إِلَى مَا يُصِيبهَا من الْأُم) فسر الشَّارِح ضمير شَأْن التَّثْنِيَة بالأوسط والأكبر للقرب، وَلَا يَنْبَغِي لِأَنَّهُ لَا يُصِيب الْأَكْبَر من الْأُم شَيْء كَمَا ستعرفه: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُرَاد بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ مَا يُصِيبهُ عدما، وَفِيه سماجة، فَالْوَجْه أَن يُفَسر بِالْأَصْغَرِ والأوسط فَإِنَّهُ يُصِيب كلا مِنْهُمَا من الْأُم نصيب من الْعتْق، وَذَلِكَ لِأَن الْإِقْرَار الْمَذْكُور لَهُ ثَلَاثَة احتمالات لجَوَاز أَن يكون ذَلِك الْأَحَد هُوَ الْأَكْبَر، أَو الْأَوْسَط، أَو الْأَصْغَر: فالأكبر لَا يثبت نسبه إِلَّا بالدعوة وَيثبت نسب كل من الْأَخيرينِ بِلَا دَعْوَة إِذا لم ينفه على تَقْدِير كَون الْمقر بِهِ من قبله، وَهَذَا يعين مَا يصيبهما من الْأُم: فالأصغر جزئي من جَمِيع الِاحْتِمَالَات، أما إِذا كَانَ هُوَ الْمقر بِهِ فَظَاهر: إِذْ تثبت جزئيته حِينَئِذٍ بالدعوة وَأما إِذا كَانَ من عداهُ فَيثبت من قبل ثُبُوت أمومية الْأُم وَأما الْوسط فَتثبت حُرِّيَّته فِي الِاحْتِمَالَيْنِ فِيمَا إِذا كَانَت الدعْوَة لَهُ أَو للأكبر وَلَا يثبت على احْتِمَال كَون الْمقر بِهِ الْأَصْغَر غير أَن أَحْوَال الْإِصَابَة وَإِن كثرت تعْتَبر وَاحِدَة: إِذْ الشَّيْء لَا يصاب إِلَّا من جِهَة وَاحِدَة كالملك إِذا أُصِيب بِالشِّرَاءِ لَا يصاب بِالْهبةِ فَتثبت جزئيته فِي حَال فانتصف الْعتْق فِي حَقه وَأما الْأَكْبَر فَتثبت جزئيته على احْتِمَال كَونه الْمقر بِهِ وَلَا يثبت فِي الِاحْتِمَالَيْنِ، والحرمان يجوز أَن تَتَعَدَّد جهانه: إِذْ يُقَال لم يثبت ملكه بِالشِّرَاءِ وَلَا باهلبة وَلَا بِالْإِرْثِ فَيعتق ثلثه كَذَا قَالُوا، فَقَوله نظرا تَعْلِيل لقولهما وَأما تَعْلِيل قَوْله فَأَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (لِأَنَّهُ) أَي مَا يصيبهما من الْأُم (كالمجاز بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِقْرَاره) يَعْنِي إِقْرَاره بأبنية أحدهم حَقِيقَة فِي إِثْبَات النّسَب غير أَنه لَا يُمكن إثْبَاته بِاعْتِبَار نَفسه فِي غير الْمعِين فَأثْبت بِاعْتِبَار لَازمه: وَهُوَ الْمعِين على سَبِيل التَّوْزِيع على السوية لَهُم، وَأما الْعتْق الْحَاصِل من قبل الْأُم فكالمجاز بِالنِّسْبَةِ إِلَى نفس الْإِقْرَار: فَكَمَا أَن الْمجَاز يثبت بِوَاسِطَة الْحَقِيقَة لعلاقة بَينهمَا كَذَلِك الْعتْق بِالْأُمِّ يثبت بِوَاسِطَة الدعْوَة الْمُتَعَلّقَة بِالْوَلَدِ الْمُتَقَدّم، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (للواسطة) فَكَمَا لَا يعْتَبر الْمجَاز مَعَ إِمْكَان الْحَقِيقَة كَذَلِك لَا يعْتَبر مَا هُوَ كالمجاز مَعَ إمكانها (و) فرع (البديع) أَي صَاحبه قَول أبي حنيفَة بِعِتْق ثلث الْكل إِلَى آخِره (على) مسئلة (تَقْدِيم حكم الْمجَاز بِلَا وَاسِطَة عَلَيْهِ) أَي على الْمجَاز (بهَا) أَي بِوَاسِطَة (لقُرْبه) أَي الْمجَاز بِلَا وَاسِطَة (إِلَى الْحَقِيقَة، وَتَقْرِيره) أَي تَقْرِير كَلَام البديع هَكَذَا (تعذر) الْمَعْنى (الْحَقِيقِيّ) الَّذِي هُوَ الْإِقْرَار بِالنِّسْبَةِ لعدم إِثْبَات النّسَب بِهَذَا اللَّفْظ (لِامْتِنَاع) ثُبُوت (نسب الْمَجْهُول)
(2/52)

من شخص لِأَنَّهُ لَا يثبت من الْمَجْهُول إِلَّا مَا يحْتَمل التَّعْلِيق بِالشّرطِ ليتعلق بخطر الْبَيَان، وَالنّسب لَا يحْتَمل التَّعْلِيق بِالشّرطِ (فَلَزِمَ مجازيته) أَي الْإِقْرَار الْمَذْكُور (فِي اللَّازِم) أَي لَازم الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ (إِقْرَاره بحريَّته) عطف بَيَان للازم (فَيعتق) أَي فَيَقَع الْعتْق (كَذَلِك) أَي أَثلَاثًا (بِاللَّفْظِ) وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ أحدهم حر، وَلَا تَرْجِيح لأحد. وَلَا يلغى إِقْرَاره فَيقسم بَينهم بِالسَّوِيَّةِ فالمجاز حِينَئِذٍ بِلَا وَاسِطَة (وقولهما) أَي وَيثبت الْعتْق على قَوْلهمَا بِعِتْق الْأَصْغَر إِلَى آخِره (بِوَاسِطَة) أَي بمجاز بِوَاسِطَة هُوَ الْمعِين من جِهَة الْأُم كَمَا فِي الِاثْنَيْنِ (مَعَه) أَي مَعَ اللَّفْظ كَمَا فِي الْأَكْبَر: إِذْ لَا يُصِيبهُ من قبل الْأُم عتق كَمَا عرفت (وَالْأول) وَهُوَ الْعتْق بِلَا وَاسِطَة وَمَا يثبت بِاللَّفْظِ (أقرب) إِلَى الْحَقِيقَة من الْعتْق بِوَاسِطَة فَتعين (مُنْتَفٍ) خبر تَقْرِيره: أَي غير مُطَابق للْوَاقِع (إِذْ لَا مُوجب حِينَئِذٍ) أَي حِين لم يرد بِاللَّفْظِ إِلَّا الْإِقْرَار بِالْحُرِّيَّةِ (للأمومة) إِذْ ثُبُوت الأمومة فرع ثُبُوت النّسَب: وَهُوَ فرع إِرَادَة الْحَقِيقَة فَلَا وجود للمجاز بالواسطة وَغَيرهَا (وَهِي) أَي وَالْحَال أَن الأمومة (ثَابِتَة) فَهَذَا التَّقْرِير غير مُسْتَقِيم من وَجْهَيْن: أَحدهمَا عدم وجود الْمجَاز، وَالْكَلَام مَبْنِيّ عَلَيْهِ، الثَّانِي عدم ثُبُوت الأمومة وَهِي ثَابِتَة اتِّفَاقًا (وَأَيْضًا لَا صَارف للحقيقي) عَن الْحَقِيقَة (إِذْ الْحَقِيقِيّ مُرَاد) وَإِن لم يكن إثْبَاته من جَمِيع الْوُجُوه (فَتثبت لوازمه من الأمومة وحرية أحدهم وانتفى مَا تعذر) إثْبَاته (من النّسَب) بَيَان للموصول (فتنقسم) الْحُرِّيَّة (بِالسَّوِيَّةِ لَا بِتِلْكَ الملاحظة) الْمُعْتَبرَة عِنْدهمَا من اعْتِبَار الْعتْق بِوَاسِطَة الْأُم (لِأَنَّهَا) أَي تِلْكَ الملاحظة (مَبْنِيَّة على ثُبُوت النّسَب) وَهُوَ مُنْتَفٍ كَمَا عرفت (وَعرف) مِمَّا ذكرنَا (تَقْدِيم مجَاز على) مجَاز (آخر بِالْقربِ) إِلَى الْحَقِيقَة، وَذَلِكَ لِأَن الْحَقِيقَة هِيَ الْمَطْلُوب الأولى فَإِن لم تتيسر فَالْأَقْرَب مِنْهَا ثمَّ الْأَقْرَب كَمَا لَا يخفى (وَأما قَوْله فِي صِحَّته لِابْني ابْن عَبده) الكائنين (لبطنين) بِأَن تخَلّل بَين ولادتيهما سِتَّة أشهر فَصَاعِدا (وأبيهما) مَعْطُوف على الْمَجْرُور فِي لِابْني وَالْمرَاد بِهِ الْأَب وَالْجد بِقَرِينَة ذكرهمَا، وَبِنَاء المسئلة على إرادتهما. وَقَالَ الشَّارِح: فَبنى الْأَب على لُغَة النَّقْص فِيهِ (أحدهم ابْني وَهُوَ) أَي كَون كل مِنْهُم ابْنا لَهُ (مُمكن) بِأَن يجوز أَن يُولد مثله لمثله (وَمَات) الْمولى (مجهلا فَفِي الْكَشْف الْكَبِير الْأَصَح الْوِفَاق) للأئمة الثَّلَاثَة (على عتق ربع عَبده) لعتقه (ان عناه لَا) إِن عَنى (أحد الثَّلَاثَة) البَاقِينَ فقد عتق فِي حَال ورق فِي ثَلَاثَة أَحْوَال فَيعتق ربعه (وَثلث ابْنه) وعَلى عتق ثلث ابْن عَبده (لعتقه إِن عناه أَو أَبَاهُ) لَا بِسَبَب عتق الْأَب، لِأَن حريَّة الْأَب لَا توجب حريَّة الابْن بِخِلَاف الْأُم، بل لِأَنَّهُ يصير حِينَئِذٍ ابْن الابْن، وَالْجد إِذا ملك حافده يعْتق عَلَيْهِ (لَا) إِن عني (أحد الِابْنَيْنِ) الآخرين (وأحوال الْإِصَابَة حَالَة) وَاحِدَة لما سبق آنِفا
(2/53)

فقد عتق فِي حَالَة ورق فِي حالتين لما عرفت من أَن الحرمان يجوز أَن يَتَعَدَّد جهاله فَيعتق ثلثه (و) على عتق (ثَلَاثَة أَربَاع كل مِنْهُمَا) أَي الِابْنَيْنِ (لعتق أَحدهمَا) وَهُوَ الَّذِي ولد آخرا مِنْهُمَا فِي نفس الْأَمر (فِي الْكل) أَي كل الْأَحْوَال بِيَقِين بِأَن عَنى هُوَ وَأَبوهُ أَو جده أَو أَخُوهُ ضَرُورَة ثُبُوت نسبه بِغَيْر دَعْوَة بصيرورة أمه أم ولد (و) عتق (الآخر فِي ثَلَاث) من الْأَحْوَال بِأَن عَنى هُوَ وَأَبوهُ أَو جده (لَا إِن عَنى أَخَاهُ وَلَا أَوْلَوِيَّة) أَي لَيْسَ أَحدهمَا بِعَيْنِه أولى بِأَن يَجْعَل معتقا فِي كل الْأَحْوَال، لِأَن الْمَفْرُوض عدم الْعلم بِخُصُوص الْمُتَأَخر ولادَة، وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يذكر هَذَا الْقَيْد فِي تَصْوِير المسئلة وَلم يتَنَبَّه الشَّارِح لهَذَا وَلم يبين وَجه عدم الْأَوْلَوِيَّة وَلم يذكر فِي تَفْسِير كل من الْأَحْوَال احْتِمَال كَون الْمقر بِهِ أَخَاهُ، وَفِيه اعْتِبَار الْإِصَابَة من قبل الْأُم فَلَا تغفل. وَفِي بعض النّسخ المصححة وَلَا أولويته بدل وَلَا أَوْلَوِيَّة: يَعْنِي عدم الْعلم بِخُصُوص الأول ولادَة (فبينهما) أَي الْأَخَوَيْنِ (عتق) الْأَصْغَر فِي نفس الْأَمر (وَنصف) للْأَكْثَر فِي نفس الْأَمر فوزع مَجْمُوع الْعتْق وَالنّصف (وَلَو كَانَ) ابْن ابْن عَبده (فَردا أَو توءمين يعْتق كُله) لعتقه فِي كل حَال سَوَاء عني هُوَ أَو أَخُوهُ أَو أَبوهُ أَو جده، فَإِن ثُبُوت نسب وَاحِد من التوءمين يسْتَلْزم ثُبُوت نسب الآخر وَهُوَ ظَاهر (وَثلث الأول) لِأَنَّهُ عتق فِي حَاله: وَهُوَ مَا إِذا الخ (وَنصف الثَّانِي) لِأَن أَحْوَال الْإِصَابَة تجْعَل وَاحِدَة: وَهُوَ مَا إِذا عناه أَو أَبَاهُ، وَكَذَا الحرمان أَو هُوَ مَا إِذا عَنى ابْنه فيتنصف (وَجزم فِي الْكَشْف الصَّغِير بِعِتْق ربع كل) من الْأَرْبَعَة (عِنْده) أَي عِنْد أبي حنيفَة كَمَا لَو قَالَ أحدهم لآخر (وَهُوَ الأقيس بِمَا قبله: إِذْ الْكل مُضَافا إِلَى الإيحاب بِلَا وَاسِطَة) على هَذَا التَّقْدِير كَمَا هُوَ قَول أبي حنيفَة (وبواسطة) كَمَا هُوَ قَوْلهمَا، غَايَة الْأَمر أَن الْوَاسِطَة فِيمَا سبق اعْتِبَار الْأَمر، وَهَهُنَا ملك الْجَزَاء (وَلذَا) أَي لكَون عتق الْكل مُضَافا إِلَى الْإِيجَاب (لَو اسْتعْمل) قَوْله: أحدهم ابْني (مجَازًا فِي الْإِعْتَاق) أَي التَّحْرِير ابْتِدَاء (عتق فِي) المسئلة (الثَّانِيَة) أَي فِيمَا إِذا قَالَ ذَلِك لعَبْدِهِ وَابْنه وَابْن ابْنه وَاحِدًا أَو توءمين (ثلث كُله) أَي كل وَاحِد مِنْهُم كَمَا لَو قَالَ أحدهم حر (و) عتق (ربعه) أَي ربع كل من الْأَرْبَعَة (فِي الأولى) أَي فِيمَا إِذا قَالَ ذَلِك لعَبْدِهِ وَابْنه وَابْني ابْنه فِي بطنين، وَقيد بِكَوْنِهِ فِي الصِّحَّة لِأَنَّهُ لَو قَالَ فِي مَرضه وَلَا مَال لَهُ غَيرهم وَلَا تجز الْوَرَثَة عتقوا من الثُّلُث بِحِسَاب حَقهم، وَذَلِكَ فِيهِ تَفْصِيل فِي الشَّرْح: هَذَا وَفِي الزِّيَادَات اعْتِبَارا أَحْوَال الْإِصَابَة كاعتبار أَحْوَال الحرمان، وَقد عرفت أَن مَا فِي الْجَامِع الصَّغِير هُوَ الْأَصَح وَالله أعلم.
مسئلة

(يلْزم الْمجَاز لتعذر) الْمَعْنى (الْحَقِيقِيّ كحلفه وَلَا نِيَّة) لَهُ (لَا يَأْكُل كل من هَذَا الْقدر فَلَمَّا يحله)
(2/54)

أَي فَينْعَقد الْحلف لما يحل الْقدر بِتَأْوِيل: وَإِلَّا فالقدر مؤنث سَمَاعي يَعْنِي مَا يطْبخ فِيهَا لتعذر أكل عينهَا عَادَة، تجوز باسم الْمحل عَن الْحَال، بِخِلَاف مَا إِذا نوى حَقِيقَتهَا أَو غَيرهَا من الْمعَانِي المجازية فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يحمل عَلَيْهَا (ولعسره) أَي الْحَقِيقِيّ مَعْطُوف على قَوْله لتعذره (كمن الشَّجَرَة) أَي كحلفه لَا يَأْكُل من الشَّجَرَة الَّتِي لَا تُؤْكَل عَادَة (فَلَمَّا تخرج) الشَّجَرَة من الثَّمر وَغَيره حَال كَونه (مَأْكُولا بِلَا كَبِير صنع) بِخِلَاف مَا يخرج مِنْهَا بصنع كَبِير كالعصر الشَّديد وَغَيره تجوزا باسم السَّبَب عَن الْمُسَبّب (وَمِنْه) أَي مِمَّا تخرجه مَأْكُولا (الْجمار) وَهُوَ شَحم النّخل والعصير (والخل لأبي الْيُسْر) الْبزورِي أَي لقَوْله وَأبي اللَّيْث. وَفِي فتح الْقَدِير وفَاقا لكثير لَا يَحْنَث لِأَنَّهُ لَا يخرج كَذَلِك وَلم يذكرَا فِيهِ نقلا عَن الْمُتَقَدِّمين (لَا ناطفها) يسيل من الرطب (ونبيذها) لِأَن الْمُتَبَادر بِحَسب الْمُتَعَارف مَا يخرج مِنْهَا من غير توقف على الصنع كَمَا يُسْتَفَاد من قَوْله تَعَالَى - {ليأكلوا من ثمره وَمَا عملته أَيْديهم} - (وَلَو لم تخرج) الشَّجَرَة الْمَحْلُوف عَلَيْهَا (مَأْكُولا فلثمنها) أَي فَيحنث بِأَكْل مَا اشْتَرَاهُ مِنْهُ (وللهجر) أَي لكَون الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ مَهْجُورًا (عَادَة وَأَن سهل) تنَاوله (كمن الدَّقِيق) أَي كحلفه لَا يَأْكُل مِنْهُ (فلمآ لَهُ) أَي ينْعَقد لما يؤول إِلَيْهِ كالعصيدة فَيحنث بأكلها، لَا بِسَفَه لِأَنَّهُ لَا يُؤْكَل هَكَذَا عَادَة خلافًا للشَّافِعِيّ (و) حلفه (لَا يشرب من الْبِئْر) وَهِي غير ملأى (فلمائه) أَي الْمَكَان الْمُسَمّى بالبئر، وَإِلَّا فَهِيَ مؤنث سَمَاعي (اغترافا اتِّفَاقًا فَلَا يَحْنَث بالكرع) أَي بتناوله بِفِيهِ من مَوْضِعه من غير أَن يشرب بكفيه أَو بِإِنَاء. وَفِي الفتاوي الظَّهِيرِيَّة تَفْسِير الكرع عِنْد أبي حنيفَة أَن يَخُوض الْإِنْسَان فِي المَاء ويتناوله بِفِيهِ من مَوْضِعه، وَلَا يكون إِلَّا بعد الْخَوْض فِي المَاء فَإِنَّهُ من الكراع وَهُوَ من الْإِنْسَان مَا دون الرّكْبَة، وَمن الدَّوَابّ مَا دون الكعب انْتهى، وَالْأول هُوَ الْمَعْرُوف، وَيَكْفِي فِي التَّسْمِيَة أَن الدَّابَّة لَا تكَاد تشرب إِلَّا بِإِدْخَال أكارعها فِيهِ: فحين شاركها الْإِنْسَان فِي هَذَا النَّوْع من الشّرْب سمي شَرّ بِهِ بالكرع (فِي الْأَصَح) وَفِي الذَّخِيرَة فِي الصَّحِيح (وَلَو) كَانَت (ملأى فعلى الْخلاف الْمَشْهُور فِي: لَا يشرب من هَذَا النَّهر) فَعنده على الكرع، وَعِنْدَهُمَا على الاغتراف أَيْضا (وأفادوا أَن مجازي الْبِئْر الاغتراف) فقولهما مَبْنِيّ على حمل الشّرْب من الْبِئْر على الْمَعْنى الْمجَازِي وَهُوَ الِاعْتِرَاف، وَقَوله على الْحَقِيقِيّ وَهُوَ الكرع. قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَإِنَّمَا قُلْنَا أَن الكرع حَقِيقَة اللَّفْظ، لِأَن من هَهُنَا لابتداء الْغَايَة: فَالْمَعْنى ابْتِدَاء الشّرْب من نفس رجله، وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون بِوَضْع الْفَم عَلَيْهَا نَفسهَا، فَإِذا وضع الْفَم على يَدَيْهِ وكوز وَنَحْوه، وَفِيه مَاؤُهَا لم يصدق حَقِيقَة اللَّفْظ (وَفِيه بعد) لَا لعدم العلاقة الثَّابِتَة الِاعْتِبَار كَمَا قَالَ الشَّارِح: بل لما نقل فِي شرح الْهِدَايَة عَن أبي سُهَيْل من أَن الْبِئْر إِذا كَانَ ملآن فعندهما يَمِينه على الاغتراف
(2/55)

ثمَّ قَالَ وَيَنْبَغِي أَن يُقَال على مَا هُوَ أَعم من الاغتراف (وَالْأَوْجه أَن تَعْلِيق الشّرْب بهَا) أَي بالبئر (على حذف مُضَاف) أَي من مَائِهَا (فَهِيَ) أَي الْبِئْر (حَقِيقَة) والحنث بالكرع لتحَقّق الشّرْب من مَاء الْبِئْر فِيهِ، وَذكر الشَّارِح وَجها آخر، وَهُوَ التَّجَوُّز باسم الْمحل عَن الْحَال، وَجعله أوجه لأكثرية مجَاز العلاقة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مجَاز الْحَذف، ثمَّ قَالَ وأياما كَانَ يلْزم تَرْجِيح الْحِنْث بالكرع وَإِن كَانَت غير ملأى انْتهى، وَأَنت خَبِير بِأَن مجَاز الْحَذف فِي التَّحْقِيق حَقِيقَة كَمَا تقدم، والحقيقة خير من الْمجَاز إِذا لم يكن صَارف (وَمِنْه) أَي من لُزُوم الْمجَاز للهجر عَادَة حلفه (لَا يضع قدمه) فِي دَار فلَان فَإِنَّهُ مجَاز (عَمَّا تقدم) وَهُوَ دُخُولهَا على مَا أوضحه ثمَّة (و) للهجر (شرعا) حلفه (لينكحن أَجْنَبِيَّة فَلَا يَحْنَث بِالزِّنَا إِلَّا بنيته) أَي بنية الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ الَّذِي هُوَ الْوَطْء: إِذْ كالمهجور شرعا كالمجهور عرفا لمنع الْعقل وَالدّين مِنْهُ ظَاهرا، وَإِنَّمَا يَحْنَث بِالْعقدِ كَمَا تقدم، ثمَّ أَن الْمَوْجُود فِي نُسْخَة الشَّارِح وَغَيرهَا مِمَّا رَأَيْته لينكحن وَالظَّاهِر أَنه سَهْو من النَّاسِخ وَالصَّوَاب لَا ينكحن (وَالْخُصُومَة فِي التَّوْكِيل بهَا) أَي بِالْخُصُومَةِ، لِأَن حَقِيقَتهَا وَهِي الْمُنَازعَة مهجورة شرعا فِيمَا عرف الْخصم فِيهِ محقا لِأَنَّهَا حرَام لقَوْله تَعَالَى - {وَلَا تنازعوا} - وَغَيره فَهِيَ (للجواب) مجَازًا إطلاقا لاسم السَّبَب على الْمُسَبّب (عِنْد القَاضِي) لَا غير لِأَن إِقْرَاره إِنَّمَا يَصح بِاعْتِبَار أَنه جَوَاب الْخُصُومَة، وَالْخُصُومَة تخْتَص بِمَجْلِس الْقَضَاء كالبينة والاستحلاف وَغَيرهمَا، فَكَذَا جوابها. وَفِي بعض النّسخ على اسْم السَّبَب فِي الْمُسَبّب أَي بِنَاء على اسْتِعْمَاله (فتعم) الْخُصُومَة المستعملة فِي الْجَواب (الْإِقْرَار) كالإنكار، لِأَن الْجَواب كَلَام يستدعيه كَلَام الْغَيْر ويطابقه، مَأْخُوذ من جَانب الفلاة إِذا قطعهَا، فَإِن كَلَام الْغَيْر يقطع بِهِ، وَذَلِكَ كَمَا يكون بِلَا، يكون بنعم (وَلَا يكلم الصَّبِي فَيحنث بِهِ شَيخا) أَي وَمن المهجور شرعا إِرَادَة الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ بِالصَّبِيِّ فِي حلفه: لَا يكلم هَذَا الصَّبِي، لِأَن الصَّبِي من حَيْثُ هُوَ صبي مَأْمُور فِيهِ بالمرحمة شرعا، فَانْصَرف الْيَمين عِنْد الْإِشَارَة إِلَى ذَات الصَّبِي إِلَى خُصُوص الذَّات من غير اعْتِبَار وصف الصِّبَا فَيحنث بِكَلَامِهِ حَال كَونه شَيخا لوُجُود الذَّات (بِخِلَاف الْمُنكر) كَأَن حلف لَا يكلم صَبيا لِأَنَّهُ لم يشر إِلَى خُصُوص ذَات كَأَن الصِّبَا نَفسه مثير الْيَمين، وَإِن كَانَ على خلاف الشَّرْع كحلفه ليشربن خمرًا (وَقد يتَعَذَّر حكمهمَا) أَي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز (فيتعذران) أَي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فَيكون ذَلِك لَغوا (كبنتي لزوجته المنسوبة) أَي كَقَوْلِه لزوجته الثَّابِت نَسَبهَا من غَيره هَذِه بِنْتي (فَلَا تحرم) عَلَيْهِ حُرْمَة أبدية سَوَاء كَانَت أكبر مِنْهُ أَو أَصْغَر، أصر على ذَلِك أم رَجَعَ، فَقَالَ: غَلطت أَو وهمت، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَإِن أصر) أَي دَامَ على هَذَا الْكَلَام (فَفرق) أَي حَتَّى فرق القَاضِي بَينهمَا (منعا من الظُّلم) بترك قربانها، وَإِنَّمَا قُلْنَا تَعَذَّرَتْ
(2/56)

الْحَقِيقَة هَهُنَا (للاستحالة فِي الْأَكْبَر مِنْهُ وَصِحَّة رُجُوعه) عَن كَونهَا بنته (فِي الممكنة) أَي فِي الْأَصْغَر مِنْهُ سنا (وَتَكْذيب الشَّرْع) لَهُ فِي هَذَا الْإِقْرَار لكَونه مُبْطلًا حق الْغَيْر (بدله) أَي قَائِم مقَام رُجُوعه لِأَن تَكْذِيب الشَّرْع لَا يكون أدنى من تَكْذِيب نَفسه (فَكَأَنَّهُ رَجَعَ وَالرُّجُوع عَن الْإِقْرَار بِالنّسَبِ صَحِيح) وَعند الرُّجُوع لَا يبْقى الْإِقْرَار فَلَا يثبت النّسَب مُطلقًا وَلَا فِي حق نَفسه (بِخِلَافِهِ) أَي الْإِقْرَار بِالنُّبُوَّةِ (فِي عَبده الْمُمكن) كَونه مِنْهُ من حَيْثُ السن الثَّابِت نسبه من الْغَيْر لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِقْرَار على الْغَيْر لِأَنَّهُ صَار مجَازًا عَن الْحُرِّيَّة، وَالْعَبْد وَالْأَب لَا يتصوران بهَا، وَذَلِكَ بِنَاء على مَا هُوَ الأَصْل من أَن الْكَلَام إِذا كَانَ لَهُ حَقِيقَة وَلها حكم يُصَار إِلَى إِثْبَات حكم تِلْكَ الْحَقِيقَة مجَازًا عِنْد تعذر الْحَقِيقَة، وَحَيْثُ لزم أَن يكون المُرَاد بِهِ دلك لَا يَصح رُجُوعه عَنهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لعدم صِحَة الرُّجُوع عَن الْإِقْرَار بِالْعِتْقِ وَلِأَن ثُبُوته) أَي التَّحْرِيم الَّذِي هُوَ الْمَعْنى الْمجَازِي لهَذِهِ بِنْتي (إِمَّا حكما للنسب وَهُوَ) أَي النّسَب قد ثَبت (من الْغَيْر) فَيثبت للْغَيْر، لَا لَهُ (أَو بِالِاسْتِعْمَالِ) لهَذِهِ بِنْتي (فِيهِ) أَي فِي التَّحْرِيم (وَهُوَ) أَن التَّحْرِيم الَّذِي هُوَ حكم النّسَب: أَعنِي الأبدي (منَاف لسبق الْملك) بِالنِّكَاحِ لانْتِفَاء صِحَة نِكَاح الْمُحرمَات (لَا أَنه) أَي التَّحْرِيم الْمَذْكُور (من حُقُوقه) أَي حُقُوق ملك النِّكَاح (وَالَّذِي من حُقُوقه) أَي التَّحْرِيم الَّذِي من حُقُوق ملك النِّكَاح وَهُوَ إنْشَاء التَّحْرِيم الْكَائِن بِالطَّلَاق (لَيْسَ اللَّازِم) للمعنى الْحَقِيقِيّ (ليتجوز بِهِ) أَي بِهَذِهِ بِنْتي (فِيهِ) أَي فِي التَّحْرِيم الْكَائِن بِالطَّلَاق.

مسئلة
(الْحَقِيقَة المستعملة أولى من الْمجَاز الْمُتَعَارف الأسبق) إِلَى الْفَهم (مِنْهَا) أَي من الْحَقِيقَة المستعملة (عِنْده) أَي أبي حنيفَة (وَعِنْدَهُمَا، وَالْجُمْهُور قلبه) أَي الْمجَاز الْمُتَعَارف الأسبق أولى من الْحَقِيقَة المستعملة (وَتَفْسِير التعارف بالتفاهم) كَمَا قَالَ مَشَايِخ الْعرَاق بِأَن يكون الْمَعْنى الْمجَازِي مَشْهُورا فِي إطلاقات اللَّفْظ، فالتعارف بِاعْتِبَار تفاهم النَّاس عِنْد الاستعمالات (أولى مِنْهُ) أَي من تَفْسِيره (بالتعامل) كَمَا قَالَ مَشَايِخ بَلخ: أَن يكون الْمُتَعَارف هُوَ الْعَمَل بِالْمَعْنَى الْمجَازِي لَا الْحَقِيقِيّ كَمَا سيشير إِلَيْهِ (لِأَنَّهُ) أَي التَّعَامُل (فِي غير مَحَله) أَي الْمجَاز، أَو مَحَله مواقع الِاسْتِعْمَال والتفاهم، ثمَّ بَين كَونه فِي غير مَحَله بقوله (لِأَنَّهُ) أَي التَّعَامُل هُوَ (كَون الْمَعْنى الْمجَازِي مُتَعَلق عَمَلهم) أَي أهل الْعَرَب، تَفْسِير باللازم: إِذْ حَقِيقَته مَا يَقع فِيمَا بَينهم من الْعَمَل الْمُتَعَلّق بِالْمَعْنَى الْمجَازِي (وَهَذَا) أَي عَمَلهم على هَذَا الْوَجْه (سَببه) أَي سَبَب التفاهم، لِأَن الأذهان عِنْد سَماع اللَّفْظ تنْتَقل إِلَى مَا هُوَ المتداول فِيمَا بَينهم من حَيْثُ الْعَمَل، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (إِذْ بِهِ) أَي بالتعامل (يصير)
(2/57)

الْمجَاز (أسبق) إِلَى الْفَهم. قَالَ الشَّارِح هَهُنَا فَمحل التَّعَامُل الْمَعْنى، وَمحل الِاسْتِعْمَال والحقيقة وَالْمجَاز اللَّفْظ انْتهى: فَعلم أَنه فهم أَن المُرَاد أَوْلَوِيَّة التَّفْسِير الأول على الثَّانِي بِاعْتِبَار أَن الأول يتَعَلَّق بِاللَّفْظِ، وَالثَّانِي بِالْمَعْنَى، وَلَا يخفى ضعفه (ثمَّ هَذَا) التَّقْرِير فِي وضع المسئلة بِنَاء (على تَسْمِيَة الْمَعْنى بهما) أَي بِالْحَقِيقَةِ وَالْمجَاز، وإطلاقهما عَلَيْهِ مُسَامَحَة لإِجْمَاع أهل اللُّغَة على أَنَّهُمَا من أَوْصَاف اللَّفْظ، وَهَذَا بِنَاء على الظَّاهِر: إِذْ يبعد أَن يُرَاد بِالْحَقِيقَةِ المستعملة اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل فِي الْمَوْضُوع لَهُ، وَالْمجَاز الْمُتَعَارف اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل فِي الْمجَازِي الْمُتَعَارف، وَيكون الْمَعْنى: حمل اللَّفْظ على الْحَقِيقِيّ الَّذِي قد يسْتَعْمل فِيهِ أولى من حمله على الْمجَازِي الْمُتَعَارف (والتحرير) أَي تَقْرِير الْمحل على وَجه التَّحْقِيق (أَنه) أَي الْمجَاز الْمُتَعَارف هُوَ (الْأَكْثَر اسْتِعْمَالا فِي الْمجَازِي مِنْهُ فِي الْحَقِيقِيّ) أَي اللَّفْظ الَّذِي اسْتِعْمَاله فِي الْمَعْنى الْمجَازِي أَكثر من اسْتِعْمَاله فِي الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ وَمَا يُقَابله ظَاهر فمدار الْمجَاز الْمُتَعَارف على أكثرية اسْتِعْمَاله فِي الْمجَازِي، ومدار مُقَابِله على عدمهَا الْمُتَعَارف بالتفاهم والتعامل، وَبَيَان الْأَوْلَوِيَّة حِينَئِذٍ على الْوَجْه الَّذِي ذكر آنِفا لَا يتَّجه (وَمَا قيل) على مَا روى عَن مَشَايِخ مَا وَرَاء النَّهر من قَوْلهم (الثَّانِي) وَهُوَ التَّفْسِير بالتعامل (قَوْلهمَا وَالْأول) وَهُوَ التَّفْسِير بالتفاهم (قَوْله للحنث عِنْده بِأَكْل آدَمِيّ وخنزير) إِذا حلف لَا يَأْكُل لَحْمًا لِأَن التفاهم يَقع عَلَيْهِ: إِذْ الْمُتَبَادر مِنْهُ مَا يُطلق عَلَيْهِ اللَّحْم وَعدم الْحِنْث عِنْدهمَا: لِأَن التَّعَامُل لَا يَقع عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يُؤْكَل عَادَة (غير لَازم: بل) الْحِنْث عِنْده فيهمَا (لاستعمال اللَّحْم فيهمَا) أَي فِي لحم الْآدَمِيّ وَالْخِنْزِير فَهُوَ يعْمل بِأَصْلِهِ، وَهُوَ الْحمل على الْحَقِيقَة عِنْد تَحْقِيق الِاسْتِعْمَال نعم لَو لم يسْتَعْمل فيهمَا وَكَانَ الْمصير إِلَى الْمجَاز لَكَانَ للتَّعْلِيل وَجه (فَيقدم) الِاعْتِبَار للْحَقِيقَة وَعدم الْحِنْث عِنْدهمَا كَمَا أَفَادَ بقوله (ولأسبقية مَا سواهُمَا) أَي مَا سوى لحم الْآدَمِيّ وَالْخِنْزِير إِلَى الأفهام عِنْد الْإِطْلَاق (عِنْدهمَا، وَيشكل عَلَيْهِ) أَي على أبي حنيفَة (مَا تقدم من التَّخْصِيص بِالْعَادَةِ بِلَا خلاف) فَإِنَّهُ يَقْتَضِي اقْتِصَار الْحِنْث على مَا اُعْتِيدَ أكله من اللحوم، فَإِذا كَانَ الْحَالِف مُسلما كَانَ فِي حَقه الْمُتَعَارف عدم أكلهما، ومبني الْأَيْمَان على الْعرف، فِي العتابي هُوَ الصَّحِيح، وَفِي الْكَافِي وَعَلِيهِ الْفَتْوَى (وَكَون هَذِه) المسئلة (فرع جِهَة الخلفية فرجح) أَبُو حنيفَة (التَّكَلُّم بهَا) أَي بِالْحَقِيقَةِ على التَّكَلُّم بالمجاز (ورجحا الحكم بأعميته) أَي بِسَبَب أعمية حكم الْمجَاز وشموله (لحكمهما) أَي لحكم الْحَقِيقَة وَغَيره فتكثر فَائِدَته، فَفِيهِ عمل بِالْحَقِيقَةِ من وَجه لدخولها فِيهِ وَلَا يخفى عَلَيْك أَن فرعية هَذِه المسئلة لمسئلة الخلفية لَا يُنَاسب القَوْل بترجيح أبي حنيفَة التَّكَلُّم وترجيحهما الحكم، لِأَن التَّرْجِيح إِنَّمَا يعْتَبر إِذا كَانَ كل من المتخاصمين يجوز كلا من الْأَمريْنِ: اعْتِبَار التَّكَلُّم، وَاعْتِبَار الحكم وفرعيتها لجِهَة
(2/58)

الخلفية ملزمة لاعْتِبَار التَّكَلُّم بِالنِّسْبَةِ إِلَى أبي حنيفَة وَاعْتِبَار الحكم بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمَا: إِذْ كل مِنْهُمَا برهن على مَا ذهب إِلَيْهِ فِي الأَصْل، وَالْفرع يتبع الأَصْل.
وَأَنت خَبِير بِأَن مُقْتَضى ذَلِك الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ إِذا أمكن إِرَادَته لَا يُصَار إِلَى الْمجَازِي بِلَا مُرَجّح وَهَهُنَا يُمكن: إِذْ الْمَفْرُوض أَن الْحَقِيقَة مستعملة وَلَا مُرَجّح: إِذْ الأعمية مُعَارضَة بأصالة الْحَقِيقَة فَكيف تكون هَذِه فرعا لتِلْك (لَا يتم) خبر الْمُبْتَدَأ: أعنى قَوْله كَون هَذِه (إِذْ الْغَرَض يتَعَلَّق بالخصوص كضده) أَي كَمَا يتَعَلَّق بِالْعُمُومِ (والمعين) لمتعلق الْغَرَض مِنْهُمَا (الدَّلِيل) مَعَ أَن حكم الْمجَاز الْمُتَعَارف قد لَا يعم حكم الْحَقِيقَة (فالمبنى) لهَذِهِ المسئلة (صلوح غَلَبَة الِاسْتِعْمَال) فِي الْمَعْنى الْمجَازِي لِأَن يكون (دَلِيلا) على رُجْحَان إِرَادَته على الْحَقِيقِيّ (فأثبتاه) أَي أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد الصلوح الْمَذْكُور (ونفاه) أَي أَبُو حنيفَة إِيَّاه محتجا (بِأَن الْعلَّة لَا ترجح بِالزِّيَادَةِ من جِنْسهَا) يَعْنِي أَن أصل الِاسْتِعْمَال الْوَاقِع على قانون الْعَرَبيَّة غَلَبَة إِرَادَة الْمَعْنى الْمجَازِي، وَغَلَبَة الِاسْتِعْمَال زِيَادَة من جنس الِاسْتِعْمَال، وَقد تقرر أَن إِحْدَى العلتين الكائنتين من جنس وَاحِد لَا ترجح على الْأُخْرَى بِالزِّيَادَةِ من ذَلِك الْجِنْس (فتكافآ) أَي فتساوي الْحَقِيقِيَّة وَالْمجَاز فِي الِاعْتِبَار (ثمَّ تترجح) الْحَقِيقَة عِنْده لرجحانها لذاتها عَلَيْهِ (لَا ذَلِك) أَي لَا أَن الرجحان بِسَبَب كَون حكم الْمجَاز أَعم كَمَا ذكر (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الْمَبْنِيّ على مَا ذكرنَا، وَكَانَ سَبَب التَّرْجِيح الأعمية (اطرد) التَّرْجِيح بِالْعُمُومِ عِنْدهمَا (فرجحا) الْمجَاز (الْمسَاوِي) للْحَقِيقَة فِي التبادر إِلَى الْفَهم (إِذا عَم) حكم الْحَقِيقَة، وَقد يُقَال: يجوز أَن يكون مُرَاد من رجح بالأعمية أَن الْمُرَجح مَجْمُوع الْأَمريْنِ التبادر مَعَ الأعمية غير أَنه ترك ذكر التبادرلظهوره فَتَأمل (وَقَالا العقد) الْمَذْكُور فِي - {عقدتم} - (الْعَزْم لعمومه) أَي الْعَزْم (الْغمُوس) والمنعقدة. قَوْله: وَقَالا مَعْطُوف على قَوْله رجحا إِذْ هُوَ أَيْضا يتَفَرَّع على الاطراد الْمَذْكُور، وهما مَعَ أبي حنيفَة فِي الْحمل على المنعقدة، لَا الْعَزْم (ونظائره) مِمَّا يَقْتَضِيهِ الاطراد (كثير وَلَيْسَ) شَيْء مِنْهَا كَذَلِك (و) الْمجَاز (الْمسَاوِي) للْحَقِيقَة فِي التبادر (اتِّفَاق) أَي مَحل اتِّفَاق بَين الْأَئِمَّة فَإِنَّهُم أَجمعُوا على تَقْدِيم الْحَقِيقَة عَلَيْهِ (وفرعها) أَي هَذِه المسئلة حلف (لَا يشرب من الْفُرَات) بِالتَّاءِ الممدودة فِي الْخط فِي حالتي الْوَصْل، وَالْوَقْف: النَّهر الْمَعْرُوف بَين الشَّام والجزيرة، وَرُبمَا قيل بَين الشَّام وَالْعراق حلف (لَا يَأْكُل الْحِنْطَة) وَلَا نِيَّة لَهُ (انْصَرف) الْحلف (عِنْده إِلَى الكرع) فِي الشّرْب من الْفُرَات (وَإِلَى عينهَا) أَي إِلَى كل عين الْحِنْطَة (وَإِلَى مَا يتَّخذ مِنْهَا) أَي من الْحِنْطَة (ومائه) أَي الْفُرَات (عِنْدهمَا، و) يرد (على) مسئلة (الْحِنْطَة التَّخْصِيص بِالْعَادَةِ) بِلَا خلاف كَمَا مر آنِفا: فَإِن مُقْتَضَاهُ اقْتِصَار الْحِنْث على مَا يتَّخذ مِنْهَا
(2/59)

عَادَة، لِأَن الْعرف الْعَمَل مُخَصص (وَأجِيب بِأَنَّهَا). قَالَ الشَّارِح: أَي الْعَادة أَو المسئلة الخلافية (فِي) الْحِنْطَة (غير الْمعينَة) وَلَا يخفى عَلَيْك أَنه على تَقْدِير إرجاع الضَّمِير إِلَى الخلافية كَمَا يشْعر بِهِ قَوْله (أما فِيهَا) أَي الْمعينَة (فَقَوله مثلهمَا) لَا يتم الْكَلَام: إِذْ الْجَواب عَن الْإِيرَاد لَا يحصل إِلَّا بِنَفْي الْعَادة الْمَحْضَة، بِأَن يُقَال: أَبُو حنيفَة إِنَّمَا خالفهما فِي غير الْمعِين، وَلَا عَادَة فِيهِ: بل فِي الْمعينَة، وَفِي الْمعينَة قَوْله كقولهما: وعَلى تَقْدِير إرجاعه إِلَى الْعَادة يرد أَن الْفرق بَين الصُّورَتَيْنِ بِإِثْبَات الْعَادة فِي إِحْدَاهمَا دون الْأُخْرَى تحكم: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال مَقْصُود الْمُجيب تقليل الِاعْتِرَاض لَا دَفعه بِالْكُلِّيَّةِ، وَالضَّمِير رَاجع إِلَى الخلافية: وَفِيه مَا فِيهِ، هَذَا وَقيل الْخلاف فِي الْمعينَة، وَأما فِي غير الْمعينَة فَيَنْبَغِي أَن يكون جَوَابه كجوابهما: كَذَا ذكره شيخ الْإِسْلَام وَالْمُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة (وَيُمكن ادعاؤه) أَي أبي حنيفَة (أَن الْعَادة فِيهَا) أَي فِي الْحِنْطَة (مُشْتَركَة) بَين تنَاول عينهَا وَمَا يتَّخذ مِنْهَا (وَإِن غلبت) الْعَادة (فِيمَا) يتَّخذ (مِنْهَا كالكرع) فَإِن الْعَادة فِي الشّرْب مُشْتَركَة بَينه وَبَين الشّرْب بِالْإِنَاءِ وَنَحْوه (وَتقدم بَقِيَّة الصوارف) عَن الْحَقِيقَة (فِي التَّخْصِيص) فِي مسئلة: الْعَادة للْعُرْف الْعَمَل مُخَصص فَليُرَاجع.

(تَتِمَّة)
(يَنْقَسِم كل من الْحَقِيقَة وَالْمجَاز بِاعْتِبَار تبادر المُرَاد) عِنْد إِطْلَاقه (للغلبة اسْتِعْمَالا) فِي ذَلِك المُرَاد (وَعَدَمه) أَي وَبِاعْتِبَار عدم تبادره لعدم الْعلَّة الْمَذْكُورَة (إِلَى صَرِيح يثبت حكمه الشَّرْعِيّ بِلَا نِيَّة، وكناية) لَا يثبت حكمه إِلَّا بنية أَو مَا يقوم مقَامهَا (وَمِنْه) أَي من هَذَا الْقسم الَّذِي هُوَ الْكِنَايَة (أَقسَام الخفاء) أَي الْخَفي والمشكل والمجمل وَقد مر تَفْسِيرهَا (وَالْمجَاز غير المشتهر وَيدخل الصَّرِيح الْمُشْتَرك المشتهر فِي أَحدهمَا) أَي أحد معنييه (بِحَيْثُ تبادر) ذَلِك الْأَحَد عِنْد إِطْلَاقه (و) يدْخل الصَّرِيح (الْمجَاز كَذَلِك) أَي الْمجَاز المشتهر فِي الْمَعْنى الْمجَازِي بِحَيْثُ يتَبَادَر عِنْد إِطْلَاقه (مَعَ الهجر) أَي حَال كَون مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ مَهْجُورًا لَا يسْتَعْمل فِيهِ (اتِّفَاقًا) أَي اتِّفَاق الْأَئِمَّة (وَمَعَ اسْتِعْمَال الْحَقِيقَة) هُوَ صَرِيح أَيْضا (عِنْدهمَا و) يدْخل الصَّرِيح (الظَّاهِر وَبَاقِي الْأَرْبَعَة) من أَقسَام الظُّهُور: وَهُوَ النَّص، والمفسر، والمحكم (إِن اشتهرت) فِي المُرَاد مِنْهُ بِحَيْثُ تبادر (فإخراج شَيْء مِنْهَا) أَي من الظَّاهِر وَبَاقِي الْأَرْبَعَة (مُطلقًا) من الصَّرِيح كَمَا فعله صَاحب الْكَشْف وَغَيره (لَا يتَّجه) أَي غير موجه، بل يخرج مِنْهَا مَا لَيْسَ بمشتهر (لَكِن مَا لَا يشْتَهر مِنْهَا لَا يكون كِنَايَة وَالْحَال) أَي وَحَال مَا لَا يشْتَهر مِنْهَا (تبادر) مَعْنَاهُ (الْمعِين) عِنْد إِطْلَاقه (وَإِن كَانَ) تبادره (لَا للغلبة) الاستعمالية (بل) تبادره (للْعلم بِالْوَضْعِ) أَي وضع اللَّفْظ لَهُ (وقرينة النَّص) من كَون الْكَلَام مسوقا لَهُ (وأخويه) أَي وقرينة
(2/60)

الْمُفَسّر من السُّوق لَهُ وَعدم احْتِمَاله التَّخْصِيص والتأويل، وقرينة الحكم مِنْهُ وَكَونه غير قَابل للنسخ (فَيلْزم تثليث الْقِسْمَة إِلَى مَا لَيْسَ صَرِيحًا وَلَا كِنَايَة، لَكِن حكمه) أَي حكم هَذَا الْقسم (إِن اتَّحد بِالصَّرِيحِ أَو بِالْكِنَايَةِ فَلَا فَائِدَة) فِي التَّثْلِيث (فليترك مَا مَال إِلَيْهِ كثير من) ذكر (قيد الِاسْتِعْمَال ويقتصر) فِي تَعْرِيف الصَّرِيح (على مَا تبادر خُصُوص مُرَاده) سَوَاء كَانَ (لغَلَبَة أَو غَيرهَا) من سوق وتنصيص وَتَفْسِير وإحكام كَمَا مَال إِلَيْهِ شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ وَالْقَاضِي أَبُو زيد (لَكِن أخرجُوا) من الصَّرِيح (الظَّاهِر على هَذَا) التَّعْرِيف لِأَن الظُّهُور فِيهِ لَيْسَ بتام لعدم السُّوق لَهُ (وَلَا فرق) بَين الظَّاهِر والصريح (إِلَّا بِعَدَمِ الْقَصْد الْأَصْلِيّ) فِي الظَّاهِر: إِذْ هُوَ غير الْمَقْصد الْأَصْلِيّ الَّذِي سيق الْكَلَام لَهُ بِخِلَافِهِ فِي النَّص: وَهُوَ غير مُؤثر فِي التبادر (ثمَّ من) صور (ثُبُوت حكمه) أَي الصَّرِيح (بِلَا نِيَّة جَرَيَانه) على لِسَانه كَأَنْت طَالِق وَأَنت حر (غَلطا فِي نَحْو سُبْحَانَ الله اسْقِنِي) بِأَن أَرَادَ أَن يَقُول هَذَا فَقَالَ ذَلِك فَيثبت الطَّلَاق وَالْعِتْق قَضَاء وديانة (أما قَصده) إِلَى الصَّرِيح (مَعَ صرفه) أَي الصَّرِيح الْإِضَافَة فيهمَا إِلَى الْمَفْعُول، وَفِي الأول احْتِرَاز عَن الْغَلَط، فَإِن الذِّهْن غافل عَن اللَّفْظ فِيهِ (بِالنِّيَّةِ إِلَى محتمله) أَي مُحْتَمل لفظ الصَّرِيح مِمَّا يسْتَعْمل فِيهِ فِي الْجُمْلَة (فَلهُ) أَي للناوي (ذَلِك) الْمعِين الَّذِي قَصده (ديانَة) أَي فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى (كقصد الطَّلَاق) أَي الْإِطْلَاق (من وثاق) فِي قَوْله أَنْت طَالِق (فَهِيَ زَوجته ديانَة) لاحْتِمَال اللَّفْظ لَهُ، لَا قَضَاء لِأَنَّهُ خلاف الظَّاهِر وَفِيه تَخْفيف عَلَيْهِ (وَمُقْتَضى النّظر كَونه) أَي كَون ثُبُوت حكمه بِلَا نِيَّة (فِي الْكل) فِيمَا قصد اللَّفْظ وَلم يقْصد حكمه وَفِيمَا لم يقْصد اللَّفْظ وَلَا ثُبُوت الحكم وَفِيمَا قصد اللَّفْظ وَقصد بِهِ غير مَا هُوَ سَبَب لَهُ شرعا (قَضَاء فَقَط) لَا ديانَة، لِأَن القَاضِي يحكم بِالظَّاهِرِ، وَظَاهر الْحَال يدل على ثُبُوته الْمُتَبَادر من مُبَاشرَة الْعقل الْمُخْتَار السب الْمَوْضُوع شرعا لنَوْع من التَّصَرُّف عَالما بالسببية أَنه قصد السب وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ، فَلَا يصدق فِي عدم قصد شَيْء من السَّبَب أَو الْمُسَبّب وَقصد أَمر آخر غير السَّبَب لمَكَان التُّهْمَة، وَأما الْعَالم الْخَبِير بأسرار الْعباد فَلَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء مِنْهُم، فَلَا يؤاخذهم بِمَا لَا قصد لَهُم فِيهِ، ثمَّ اسْتدلَّ على مَا ادَّعَاهُ بقوله (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الْأَمر كَذَلِك بِأَن يثبت الحكم فِي نفس الْأَمر: أَعنِي عِنْد الله سُبْحَانَهُ بِمُجَرَّد مُبَاشرَة السَّبَب قصد حكم أَولا (أشكل بِعْت واشتريت: إِذْ لَا يثبت حكمهمَا فِي الْوَاقِع مَعَ الْهزْل و) ثُبُوت الحكم (فِي نَحْو الطَّلَاق وَالنِّكَاح) بِمُجَرَّد الْمُبَاشرَة قصدا وَلَا على خلاف الْقيَاس (بِخُصُوصِهِ دَلِيل) وَهُوَ الحَدِيث الْآتِي (وَكَذَا فِي الْغَلَط) يثبت الحكم قَضَاء فَقَط ذكره ثَانِيًا مَعَ اندراجه فِي لفظ الْكل لمزيد الاهتمام: إِذْ ثُبُوت الحكم فِيهِ قَضَاء مَعَ أَنه مِمَّا لَا يُمكن الِاحْتِرَاز عَنهُ مِمَّا يستبعده الْعقل (لما
(2/61)

ذكرته فِي فتح الْقَدِير) وَهُوَ قريب كَمَا ذكرنَا من قَوْله وَالْحَاصِل انه إِذا قصد السَّبَب عَالما بِأَنَّهُ سَبَب رتب الشَّرْع حكمه عَلَيْهِ، أَرَادَهُ أَو لم يردهُ إِلَّا أَن أَرَادَ مَا يحْتَملهُ، وَأما أَنه إِذا لم يَقْصِدهُ أَو لم يدر مَا هُوَ فَيثبت الحكم عَلَيْهِ شرعا: وَهُوَ غير رَاض بِحكم اللَّفْظ وَلَا بِاللَّفْظِ فِيمَا ينبو عَنهُ قَوَاعِد الشَّرْع، وَقد قَالَ تَعَالَى - {لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم} -، وَفسّر بأمرين: أَن يحلف على أَمر يَظُنّهُ كَمَا قَالَ مَعَ أَنه قَاصد للسب عَالم بِحكمِهِ فألغاه لغلطه فِي ظن الْمَحْلُوف عَلَيْهِ، وَالْآخر أَن يجْرِي على لِسَانه بِلَا قصد إِلَى الْيَمين كلا وَالله، وبلى وَالله فَرفع حكمه الدنيوي من الْكَفَّارَة لعدم قَصده إِلَيْهِ: فَهَذَا تشريع لِعِبَادِهِ أَن لَا يرتبوا الْأَحْكَام على الْأَشْيَاء الَّتِي لم تقصد وَكَيف وَقد فرق بَينه وَبَين النَّائِم عِنْد الْعَلِيم الْخَبِير من حَيْثُ لَا قصد لَهُ إِلَى اللَّفْظ وَلَا حكمه، وَإِنَّمَا لم يصدقهُ غير الْعَلِيم: وَهُوَ القَاضِي (وَلَا يَنْفِيه) أَي هَذَا القَوْل (الحَدِيث الْحسن) الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَل عِنْد أَهله من الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم " وَغَيرهم (ثَلَاث جدهن إِلَى آخِره) أَي جد وهزلهن لَهُنَّ جد: النِّكَاح وَالطَّلَاق وَالرَّجْعَة " لِأَن الهازل رَاض بِالسَّبَبِ لَا بالحكم، والغالط غير رَاض بهما فَلَا يلْزم من ثُبُوت الحكم من حق الأول ثُبُوته فِي حق الثَّانِي، ثمَّ لَا يخفى عَلَيْك أَن مُقْتَضى النّظر عدم ثُبُوت الحكم فِي الْكل ديانَة، وَمَا فِي فتح الْقَدِير من تَرْتِيب الشَّرْع الحكم إِذا قصد السَّبَب وَإِن لم يردهُ يدل على ثُبُوته ديانَة، فبينهما تدافع، وَمَا ذكر فِي تَفْسِير الْآيَة يُؤَيّد الأول، وَقد يُجَاب بِأَن مَا فِي فتح الْقَدِير مَبْنِيّ على كَلَام الْقَوْم، والمرضي عِنْده مَا يَقْتَضِيهِ النّظر (وَمَا قيل لفظ كنايات الطَّلَاق مجَاز) يَعْنِي: يُطلق لفظ الْكِنَايَة على تِلْكَ الْأَلْفَاظ مجَازًا: إِذْ هِيَ مستعملة فِي مَعَانِيهَا الْحَقِيقَة (لِأَنَّهَا) أَي كنايات الطَّلَاق (عوامل بحقائقها) للْقطع بِأَن معنى بَائِن الِانْفِصَال الْحَقِيقِيّ الَّذِي هُوَ ضد الِاتِّصَال، وَكَذَا الْبَتّ والبتل للْقطع إِلَى غير ذَلِك، والتردد إِنَّمَا هُوَ فِي متعلقهما: وَهُوَ الوصلة، وَهُوَ أَعم من وصلَة النِّكَاح وَالْخَيْر وَالشَّر، فَإِذا تعين عمل بحقيقته (غلط) لِأَنَّهُ يدل على أَن المجازية لَازِمَة للكناية، وَالْكِنَايَة لَا تكون حَقِيقَة وَلَيْسَ كَذَلِك (إِذْ لَا تنَافِي الْحَقِيقَة الْكِنَايَة) لِأَن الْكِنَايَة مَا استتر المُرَاد مِنْهَا، والاستتار قد يتَحَقَّق فِي الْحَقِيقَة كَمَا فِي الْمُشْتَرك وَغَيره (وَمَا قيل) فِي وَجه أَنه مجَاز (الْكِنَايَة الْحَقِيقَة) حَال كَونهَا (مستترة المُرَاد وَهَذِه) أَي كناياته (معلومته) أَي المُرَاد (والتردد فِيمَا يُرَاد بهَا) فيتردد مثلا فِي أَن المُرَاد بهي بَائِن (أبائن من الْخَيْر وَالنِّكَاح مُنْتَفٍ) خبر مَا قيل (بِأَن الْكِنَايَة) إِنَّمَا تتَحَقَّق (بالتردد فِي المُرَاد) من اللَّفْظ سَوَاء كَانَ ذَلِك المُرَاد معنى حَقِيقِيًّا لَهُ أَو مجازيا، وَسَوَاء كَانَ نفس الْمَعْنى الْمُسْتَعْمل فِيهِ أَو مُتَعَلّقه الَّذِي أضيف إِلَيْهِ (و) الْكِنَايَات (إِنَّمَا هِيَ مَعْلُومَة) الْمَعْنى (الوضعي) لَهَا (كالمشترك) فَإِن مَا وضع لَهُ مَعْلُوم غير أَنه مُتَعَدد، نَشأ التَّرَدُّد من قبل تعدده، وَاحْتِمَال إِرَادَة
(2/62)

هَذَا الْمَوْضُوع لَهُ أَو ذَلِك فمعلوميته وضعية مَا نفى التَّرَدُّد فِي المُرَاد مِنْهُ (وَالْخَاص) بالنوع الْمُسْتَعْمل (فِي فَرد معِين) فِي الْوَاقِع غير مَعْلُوم عِنْد السَّامع فَمَا وضع لَهُ وَهُوَ الْمَفْهُوم الَّذِي هُوَ وضعيه مَعْلُوم غير أَنه أُرِيد من حَيْثُ تحَققه فِي ضمن فَرد معِين: وَهُوَ غير مَعْلُوم (وَإِنَّمَا المُرَاد) بِكَوْنِهَا مجَازًا (مجازية إضافتها إِلَى الطَّلَاق فَإِن الْمَفْهُوم) من كنايات الطَّلَاق (أَنَّهَا كِنَايَة عَنهُ) أَي عَن مُجَرّد الطَّلَاق (وَلَيْسَ) كَذَلِك (وَإِلَّا) لَو كَانَت عَنهُ (وَقع الطَّلَاق) بهَا (رَجْعِيًا) مُطلقًا لِأَن الرّجْعَة لَازِمَة للطَّلَاق مَا لم يكن على مَال، وثالثا فِي حق الْحرَّة أَو ثَانِيًا فِي حق الْأمة وَلَيْسَت مُطلقًا كَذَلِك بل بَعْضهَا، وَقد يناقش فِيهِ بِأَنا لَا نسلم أَن الرّجْعَة لَازِمَة للطَّلَاق مُطلقًا بل لصريحه غير أَن إِطْلَاق قَوْله تَعَالَى - {الطَّلَاق مَرَّتَانِ} - يُؤَيّد مَا ذكره المُصَنّف.

مسَائِل الْحُرُوف
(قيل) وقائله صدر الشَّرِيعَة وَغَيره (جرى فِيهَا) أَي الْحُرُوف (الِاسْتِعَارَة تبعا كالمشتق) أَي كَمَا جرى الِاسْتِعَارَة فِي المشتقات تبعا حَال كَون الْمُشْتَقّ (فعلا ووصفا بتبعية اعْتِبَار التَّشْبِيه فِي الْمصدر لاعْتِبَار التَّشْبِيه) تَعْلِيل لجَرَيَان الِاسْتِعَارَة فِي الْحُرُوف تبعا 0 أَولا فِي مُتَعَلق مَعْنَاهُ) أَي الْحَرْف (الجزئي) صفة كاشفة لمعناه: إِذْ كل حرف مَوْضُوع بِإِزَاءِ نِسْبَة جزئية غير ملحوظة قصدا بل آلَة الملاحظة غَيره (وَهُوَ) أَي مُتَعَلق مَعْنَاهُ (كليه) أَي الْمَفْهُوم الْكُلِّي الَّذِي هُوَ الْمَعْنى الجزئي فِي جزئي من جزئياته، مثلا كلمة من مَوْضُوعَة بِإِزَاءِ الِابْتِدَاء الْخَاص من حَيْثُ أَنه آله لملاحظة السّير مثلا، وَهُوَ جزئي للابتداء الْمُطلق الْمَوْضُوع لَهُ لفظ الِابْتِدَاء من حَيْثُ أَنه مُسْتَقل بالمفهومية غير مَقْصُود بالتبع كَمَا فِي الْمَعْنى الْحرفِي (على مَا تحقق) فِي مَوْضِعه (فيستعمل) لفظ الْحَرْف (فِي جزئي الْمُشبه) إِذْ قد عرفت أَن التَّشْبِيه وَقع ابْتِدَاء فِي الْكل: فالمشبه والمشبه بِهِ كليان لَا محَالة، والجزئي الْمُسْتَعْمل فِيهِ الْحَرْف من جزئيات الْمُشبه كَمَا شبه ترَتّب الْعَدَاوَة والبغضاء على الِالْتِقَاط بترتب الْعلَّة الغائية على الْمَعْلُول، فَاسْتعْمل اللَّام الْمَوْضُوعَة بخصوصيات الترتب الْعلي فِي جزئيات ترَتّب الْعَدَاوَة على الِالْتِقَاط، وَهُوَ خصوصيتها ترَتّب عَدَاوَة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام على خُصُوص الْتِقَاط آل فِرْعَوْن (وَهَذَا) الْكَلَام (لَا يُفِيد وُقُوع) الْمجَاز (الْمُرْسل فِيهَا) أَي فِي الْحُرُوف (ثمَّ لَا يُوجب) هَذَا الْكَلَام (الْبَحْث عَن خصوصيتها) أَي الْحُرُوف (فِي الْأُصُول لَكِن الْعَادة) جرت بالبحث عَن بعض أحوالها (تتميما للفائدة) للاحتياج إِلَيْهَا فِي بعض الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة، وَذكرت عقيب مبَاحث الْحَقِيقَة وَالْمجَاز لانقسامها إِلَيْهِمَا (وَهِي) أَي الْحُرُوف (أَقسَام) مِنْهَا:
(2/63)

حُرُوف الْعَطف
(الْوَاو للْجمع فَقَط) أَي بِلَا شَرط تَرْتِيب وَلَا معية (فَفِي الْمُفْرد) أَي فالعطف بهَا فِي الْمُفْرد اسْما كَانَ أَو فعلا حَال كَونه (مَعْمُولا) لعامل (فِي حكم الْمَعْطُوف عَلَيْهِ من الفاعلية والمفعولية والحالية) إِلَى غير ذَلِك من أَحْكَام المعمولات (وعاملا) فِي حكم الْمَعْطُوف عَلَيْهِ (فِي مسنديته كضرب وَأكْرم وَفِي جمل لَهَا مَحل) من الْإِعْرَاب (كَالْأولِ) أَي كالعطف بهَا فِي الْمُفْرد (وَفِي مقابلها) أَي فِي الْجمل الَّتِي لَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب (لجمع مضمونها) أَي تِلْكَ الْجمل (فِي التحقق) أَي يُفِيد الْعَطف فِي الْجمل مُشَاركَة تِلْكَ الْجمل فِي أصل تحقق الْمَضْمُون من غير تعرض للاقتران بِحَسب الزَّمَان أَو التعقيب بمهلة وَغير مهلة كَمَا فِي الْمُفْرد (و) مسئلة (هَل يجمع) الْعَطف الْمَذْكُور الْجمل (فِي متعلقاتها) بِأَن يُشَارك المعطوفة الْمَعْطُوف عَلَيْهَا فِيمَا يتَعَلَّق بهَا (يَأْتِي) فِي المسئلة الَّتِي بعد هَذِه (وَقيل) الْوَاو (للتَّرْتِيب، وَنسب لأبي حنيفَة) وَالشَّافِعِيّ أَيْضا (كَمَا نسب إِلَيْهِمَا) أَي أبي يُوسُف وَمُحَمّد، وَمَالك أَيْضا (الْمَعِيَّة) أَي كَونهَا للمعية، وَإِنَّمَا نسب إِلَيْهِ (لقَوْله فِي: إِن دخلت) الدَّار (فطالق وَطَالِق وَطَالِق لغير المدخولة تبين بِوَاحِدَة) مقول قَوْله (وَعِنْدَهُمَا) تبين (بِثَلَاث) فلولا أَنه جعلهَا للتَّرْتِيب لما أَبَانهَا بِالْأولَى: بل الثَّلَاث لوقوعها مَعًا عِنْد عدم التَّرْتِيب، وَفِيه أَن عدم كَونهَا للتَّرْتِيب لَا يسْتَلْزم كَونهَا للمعية لجَوَاز أَن تكن لمُطلق الْجمع، فَلَا يلْزم وُقُوعهَا مَعًا إِذا سبق تحقق الأولى عِنْد وجود الشَّرْط على طبق سبقها عِنْد التَّعْلِيق يسْتَلْزم تحقق حكمهَا، وبمجرد التَّحْقِيق تبين أَن لَا عدَّة لغير المدخولة، وَأما دلَالَة حكمهَا بالبينونة بِالثلَاثِ على كَونهَا للمعية فلأنهما لَو لم يجعلاها للمعية لما حكما بِالثلَاثِ لما ذكر وَفِيه أَيْضا نظر لما سَيظْهر وَجهه من قَوْله (وَلَيْسَ) كلا الْقَوْلَيْنِ بِنَاء على ذَلِك (بل لِأَن مُوجبه) أَي الْعَطف (عِنْده) أَي أبي حنيفَة (تعلق الْمُتَأَخر) أَي الْمَعْطُوف بِمَا تعلق بِهِ الْمَعْطُوف عَلَيْهِ (بِوَاسِطَة الْمُتَقَدّم) أَي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ (فينزلن) أَي الطلقات الثَّلَاث (كَذَلِك) أَي على طبق تَرْتِيب التَّعَلُّق مُرَتبا (فَيَسْبق) الطَّلَاق (الأول) بِمَا ذكر (فَيبْطل محليتها) أَي غير المدخولة فَلَا يكون مَا بعده محلا يتَعَلَّق بِهِ (وَقَالا بعد مَا اشتركت) المعطوفات (فِي التَّعْلِيق وَإِن) كَانَ اشتراكها (بِوَاسِطَة) أَي بِوَاسِطَة الْمَعْطُوف عَلَيْهِ (تنزل) كلهَا (دفْعَة لِأَن نزُول كل) مِنْهَا (حكم الشَّرْط) وَحكم الشَّرْط لَازمه فَلَا يتَأَخَّر عَن ملزومه فِي التحقق شرعا، وَإِن تَأَخّر ذكرا، واذا كَانَ كل مِنْهُمَا حكماله، وَقد تقرر أَن حكم الشَّيْء لَا ينْفَصل عَنهُ (فتقترن أَحْكَامه) بِالضَّرُورَةِ (كَمَا فِي تعدد الشَّرْط) نَحْو إِن دخلت فَأَنت طَالِق، وَإِن دخلت فَأَنت طَالِق: فَإِن تعلق الطَّلَاق الثَّانِي بِالشّرطِ بعد تعلق
(2/64)

الأول بِهِ، ثمَّ إِذا وجد الشَّرْط بِأَن دخلت مرّة يَقع ثِنْتَانِ مَعًا (وَدفع هَذَا) الْقيَاس (بِالْفرقِ) بَين الملحق والملحق بِهِ (بِانْتِفَاء الْوَاسِطَة) فِيمَا بَين الطَّلَاق وَالدُّخُول فِي تعدد الشَّرْط. إِذْ لَيْسَ تعلق الطَّلَاق بِالشّرطِ فِي الثَّانِي بِوَاسِطَة تعلقه بِهِ فِي الشَّرْط الأول وَإِن كَانَ بعده فِي الذّكر بِخِلَاف الطَّلَاق الثَّانِي فِي: إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق وَطَالِق فَإِنَّهُ لم يتَعَلَّق بِالشّرطِ إِلَّا بِوَاسِطَة الأول، وَعطفه عَلَيْهِ (لَا يضر) فِي الْمَطْلُوب خبر الْمُبْتَدَأ (إِذْ يَكْفِي) لَهما فِي إِثْبَات النُّزُول دفْعَة (مَا سواهُ) أَي هَذَا الْقيَاس من نزُول كل مِنْهُمَا حكما للشّرط وَلُزُوم اقتران أَحْكَامه (وَفِيه) أَي فِي الْجَواب لَهما عَن دَلِيله (ترديد آخر) فِي الْوَاسِطَة (ذَكرْنَاهُ فِي الْفِقْه). قَالَ فِي شرح الْهِدَايَة وقولهما أرجح قَوْله تعلق بِوَاسِطَة تعلق الأول، إِن أُرِيد أَنه عِلّة تعلقه فَمَمْنُوع: بل علته جمع الْوَاو ياه إِلَى الشَّرْط، وَإِن أُرِيد كَونه سَابق التَّعَلُّق سلمناه، وَلَا يُفِيد كالأيمان المتعاقبة، وَلَو سلم أَن تعلق الأول عِلّة لتَعلق الثَّانِي لم يلْزم كَون نُزُوله عِلّة لنزوله: إِذْ لَا تلازم فَجَاز كَونه عِلّة لتَعَلُّقه فَيقدم فِي التَّعَلُّق وَلَيْسَ نُزُوله عِلّة لنزوله (لنا) فِي أَن الْوَاو للْجمع فَقَط (النَّقْل عَن أَئِمَّة اللُّغَة، وتكرر من سِيبَوَيْهٍ كثيرا) ذكره فِي سَبْعَة عشر موضعا من كِتَابه (وَنقل إِجْمَاع أهل البلدين عَلَيْهِ) الْبَصْرَة والكوفة، كَذَا نَقله الصَّيْرَفِي والسهيلي والفارسي إِلَّا أَنهم نوقشوا فِيهِ بِأَن جمَاعَة مِنْهُم ثَعْلَب وَغُلَامه وقطرب وَهِشَام على أَنَّهَا للتَّرْتِيب: كَذَا ذكره الشَّارِح (وَأما الِاسْتِدْلَال) للمختار (بِلُزُوم التَّنَاقُض) على تَقْدِير التَّرْتِيب (فِي تقدم السُّجُود على قَول حطة) كَمَا فِي سُورَة الْبَقَرَة (وَقَلبه) أَي تقدم حطة على السُّجُود كَمَا فِي سُورَة الْأَعْرَاف (مَعَ الِاتِّحَاد) أَي اتِّحَاد الْقِصَّة لِأَن وجوب دُخُول الْبَاب سجدا مقدما على القَوْل ومؤخرا عَنهُ فِي حَادِثَة وَاحِدَة يسْتَلْزم التَّنَاقُض (وَامْتِنَاع تقَاتل زيد وَعَمْرو) أَي وَيلْزم امْتِنَاعه إِذْ لَا يتَصَوَّر فِي فعل يَقْتَضِي مَفْهُومه معية مَا بعده من الْمَعْطُوف عَلَيْهِ والمعطوف التَّرْتِيب (و) يلْزم امْتنَاع (جَاءَ زيد وَعَمْرو قبله) للتناقض فَإِن الْوَاو تَقْتَضِي التَّرْتِيب المستلزم لبعدية عَمْرو، وَلَفْظَة قبله عَكسه (و) بِلُزُوم (التّكْرَار) فِي (بعده) فِي جَاءَنِي زيد وَعَمْرو بعده (فمدفوع بِجَوَاز التَّجَوُّز بهَا) أَي بِالْوَاو باستعمالها (فِي الْجمع) الْمُطلق (فَصحت) للْجمع (فِي الخصوصيات) أَي فِي هَذِه الصُّور الْمَخْصُوصَة (و) الِاسْتِدْلَال للمختار (بِلُزُوم صِحَة دُخُولهَا فِي الْجَزَاء) بِأَنَّهَا لَو كَانَت للتَّرْتِيب لزم صِحَة دُخُولهَا على جَزَاء الشَّرْط الرابطة بِهِ على سَبِيل التَّرْتِيب عَلَيْهِ (كالفاء) وَلَا شكّ فِي عدم صِحَة أَن جَاءَ زيد وأكرمه وَصِحَّة فَأكْرمه فَهُوَ مَدْفُوع (بِمَنْع الْمُلَازمَة كثم) أَي لَا نسلم أَنَّهَا لَو كَانَت للتَّرْتِيب لصَحَّ دُخُولهَا على الْجَزَاء فَإِنَّهُ منقوض بثم فَإِنَّهَا للتَّرْتِيب اتِّفَاقًا، وَلَا يجوز دُخُولهَا على الْجَزَاء اتِّفَاقًا،
(2/65)

وَقد يُقَال ثمَّ لَا تصلح سندا للْمَنْع لِأَنَّهَا تدل على التَّرْتِيب مَعَ المهلة، وَالْجَزَاء مُرَتّب على الشَّرْط بِلَا مهلة (و) الِاسْتِدْلَال للمختار (بِحسن الاستفسار) أَي بِأَنَّهَا لَو كَانَت للتَّرْتِيب لما حسن من السَّامع أَن يستفسر الْمُتَكَلّم (عَن الْمُتَقَدّم) والمتأخر فِي نَحْو: جَاءَ زيد وَعَمْرو لِكَوْنِهِمَا مفهومين من الْوَاو فَهُوَ مَدْفُوع (بِأَنَّهُ) أَي حسن الاستفسار (لدفع وهم التَّجَوُّز بهَا) لمُطلق الْجمع، (و) الِاسْتِدْلَال للمختار (بِأَنَّهُ) أَي مُطلق الْجمع معنى (مَقْصُود) للمتكلم (فاستدعى) لفظا (مُفِيدا) لَهُ كَيْلا يقصر الْأَلْفَاظ عَن الْمعَانِي (وَلم يسْتَعْمل فِيهِ) أَي فِي الْمَعْنى الْمَذْكُور (إِلَّا الْوَاو) فَتعين وَضعه لَهُ فَلَا يكون للتَّرْتِيب، وَإِلَّا يلْزم الِاشْتِرَاك، وَهُوَ خلاف الأَصْل، فَهُوَ مَدْفُوع (بِأَن الْمجَاز كَاف فِي ذَلِك) أَي فِي إفادته فَيَكْفِي أَن يكون الْوَاو مجَازًا فِي الْجمع الْمُطلق، وَلَا يلْزم أَن يكون مَوْضُوعا لَهُ وَلَا يخفى أَن الأولى أَن يكون لَهُ لفظ مَوْضُوع (والنقض بالترتيب للبينونة بِوَاحِدَة فِي قَوْله لغير المدخولة طَالِق وَطَالِق وط طَالِق) أَي نقض دَلِيل كَونهَا لمُطلق الْجمع بِمَا اسْتدلَّ بِهِ على كَونهَا للتَّرْتِيب بِأَن يُقَال: إِنَّهَا لَو كَانَت لمُطلق الْجمع لما بَانَتْ بِوَاحِدَة، بل بِالثلَاثِ فِيمَا إِذا قَالَ لغير المدخولة: أَنْت طَالِق إِلَى آخِره (كَمَا) تبين بِوَاحِدَة فِيمَا إِذا أَتَى (بِالْفَاءِ وَثمّ) مَكَان الْوَاو فِي الْمِثَال الْمَذْكُور (مَدْفُوع بِأَنَّهُ) أَي وُقُوع الْوَاحِدَة لَا غير لَيْسَ لكَونهَا للتَّرْتِيب بل (لفَوَات الْمَحَلِّيَّة) بِوُقُوع الأولى (قبل الثَّانِيَة: إِذْ لَا توقف) للأولى على ذكر الثَّانِيَة لعدم مُوجب التَّوَقُّف، إِذْ أَنْت طَالِق تَنْجِيز لَيْسَ فِي آخِره مَا يُغَيِّرهُ من شَرط أَو غَيره فَينزل بهَا الأولى فِي الْمحل قبل التَّلَفُّظ بِالثَّانِيَةِ وَلَا تبقى الْمَحَلِّيَّة للْبَاقِي لعدم الْعدة (بِخِلَاف مَا لَو تعلّقت بمتأخر) أَي بِشَرْط مُتَأَخّر كَأَنْت طَالِق وَطَالِق وَطَالِق إِن دخلت فَإِنَّهُ يَقع الثَّلَاث حِينَئِذٍ اتِّفَاقًا لتوقف الْكل على آخر الْكَلَام فتعلقت دفْعَة وَنزلت دفْعَة (وَمَا عَن مُحَمَّد) فِي صُورَة التَّنْجِيز من قَوْله (إِنَّمَا يَقع) الطَّلَاق (عِنْد الْفَرَاغ من الْأَخير مَحْمُول على الْعلم بِهِ) أَي بِوُقُوع الطَّلَاق، لَا على نَفسه، وَإِنَّمَا تَأَخّر الْعلم إِلَى ذَلِك (لتجويز إِلْحَاق المغير) من شَرط أَو نَحوه بِهِ (والا) أى وان لم يحمل عَلَيْهِ، وَحمل على عدم وُقُوع الطَّلَاق الى أَن يفرغ من الْأَخير (لم تفت الْمَحَلِّيَّة) بِالْأولِ (فَيَقَع الْكل) لوُجُود الْمَحَلِّيَّة حَال التَّكَلُّم بِالْبَاقِي (وَلِأَنَّهُ) أَي تَأْخِير حكم الأول إِلَى الْفَرَاغ من الْأَخير (قَول بِلَا دَلِيل و) النَّقْض لكَونهَا لمُطلق الْجمع بِأَنَّهَا تفِيد التَّرْتِيب (بِبُطْلَان نِكَاح الثَّانِيَة) أَي بِدَلِيل بطلَان نِكَاح الْأمة الثَّانِيَة (فِي قَوْله) أَي الْمولى لأمته (هَذِه حرَّة وَهَذِه) حرَّة (عِنْد بُلُوغه تَزْوِيج فُضُولِيّ أمتيه من وَاحِد) كَمَا لَو أعتقهما بكلامين منفصلين: إِذْ لَو لم تفد التَّرْتِيب لما بَطل نِكَاح وَاحِدَة مِنْهُمَا كَمَا لَو أعتقهما مَعًا فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يبطل شَيْء من الْعقْدَيْنِ الموقوفين أَيْضا مَدْفُوع بِأَنَّهُ لَيْسَ بطلَان الثَّانِيَة بِكَوْنِهَا للتَّرْتِيب بل
(2/66)

(بتعذر توقفه) أَي نِكَاح الثَّانِيَة (إِذْ لَا يقبل) نِكَاح الثَّانِيَة (الْإِجَازَة لِامْتِنَاع) نِكَاح الْأمة على الْحرَّة) وَهَذَا بِنَاء على أَن إِعْتَاق الْمولى عِنْد بُلُوغ تَزْوِيج الْفُضُولِيّ إجَازَة بهَا يَصح نِكَاح الْأمة إِذْ لَو لم يتم بهَا نِكَاح الأولى وتنتقل الْإِجَازَة من الْمولى إِلَيْهَا وَإِلَى وَليهَا لما بَطل نِكَاح الثَّانِيَة لجَوَاز أَن لَا تتَحَقَّق الْإِجَازَة فِي الأولى فَلَا يلْزم نِكَاح الْأمة على الْحرَّة إِن قُلْنَا بِقبُول نِكَاح الثَّانِيَة الْإِجَازَة، وَمَا ذكره الشَّارِح فِي تَعْلِيل عدم قبُوله الْإِجَازَة من أَن النِّكَاح الْمَوْقُوف مُعْتَبر بابتداء النِّكَاح وَلَيْسَت الْأمة متضمنة إِلَى الْحرَّة بِمحل الابتدائية: فَكَذَا لتوقفه فَغير موجه إِذْ لَو سلم عدم جَوَاز تَزْوِيج الْأمة مَعَ الْحرَّة كَانَ ذَلِك إِلْحَاقًا لصورة الْمعينَة بِصُورَة تَزْوِيج الْأمة بعد الْحرَّة فَصَارَ كَأَنَّهُ كَانَ تَحْتَهُ حرَّة فَتزَوج بِأمة وَأما إِذْ ضم فُضُولِيّ أمة مَعَ حرَّة لوَاحِد قبل أَن يتم نِكَاح الْحرَّة لَا وَجه لبُطْلَان نِكَاح الْأمة لجَوَاز أَن لَا يتم نِكَاح الْحرَّة أَو يتم نِكَاح الْأمة قبل تَمام نِكَاح الْحرَّة (و) النَّقْض لكَونهَا لمُطلق الْجمع (بالمعية) أَي بِكَوْنِهَا لَو كَانَت لَهُ لما أفادت الْمَعِيَّة، وَقد أفادت (لبُطْلَان إنكاحه) أى الفضولى (أُخْتَيْنِ فِي عقدين من وَاحِد فَقَالَ) الزَّوْج (أجزت فُلَانَة وفلانة) أَي نِكَاح فُلَانَة وَنِكَاح فُلَانَة كَمَا لَو قَالَ أجزت نِكَاحهمَا، وَقيد بعقدين لِأَن تزويجهما فِي عقد وَاحِد لَا ينفذ بِحَال (ولعتق ثلث كل من الْأَعْبد الثَّلَاثَة إِذا قَالَ: من مَاتَ أَبوهُ عَنْهُم) أَي الْأَعْبد الثَّلَاثَة (فَقَط) أَي لم يتْرك غَيرهم شَيْئا وهم متساوون فِي الْقيمَة وَلَا وَارِث غَيره، ومقول قَوْله (أعتق) أبي (فِي مَرضه هَذَا وَهَذَا وَهَذَا مُتَّصِلا) بعضه بِبَعْض بِالْوَاو فَلَو لم يكن للمعية والمقارنة لعتق كل الأول وَنصف الثَّانِي وَثلث الثَّالِث كَمَا لَو أقرّ بِهِ مُتَفَرقًا بِأَن قَالَ: أعتق هَذَا وَسكت، ثمَّ قَالَ لآخر: أعتق هَذَا وَسكت، ثمَّ قَالَ: أعتق هَذَا لِأَنَّهُ لما أقرّ بِإِعْتَاق الأول وَهُوَ ثلث المَال عتق من غير سِعَايَة لعدم المزاحم، ثمَّ لما أقرّ بِإِعْتَاق الثَّانِي فقد زعم أَنه بَين الأول وَالثَّانِي نِصْفَيْنِ فَيصدق فِي حق الثَّانِي لَا فِي حق الأول، لِأَن الْمعِين تعين بِشَرْط الْوَصْل وَلم يُوجد، ثمَّ لما أقرّ للثَّالِث فقد زعم أَنه بَينهم أَثلَاثًا فَيصدق فِي حق الثَّالِث لَا الْأَوَّلين لما ذكرنَا أَيْضا مَدْفُوع (بِأَنَّهُ) أَي كلا من بطلَان نِكَاح الثَّانِيَة وَعتق ثلث كل من إِلَّا عبد (للتوقف) لصدر الْكَلَام على آخِره (لمغيره) أَي الصَّدْر (من صِحَة إِلَى فَسَاد) يَعْنِي إِذا كَانَ فِي آخر الْكَلَام مَا يُغير حكم الأول بِسَبَب اجتماعه مَعَه بعطف أَو بِغَيْرِهِ يتَأَخَّر حكم الصَّدْر إِلَى أَن يتم، ثمَّ أَشَارَ إِلَى تعْيين منشأ التَّغْيِير بقوله (بِالضَّمِّ) أَي بِضَم إِحْدَى الْأُخْتَيْنِ إِلَى الْأُخْرَى فِي الْإِجَازَة (فِي الأول) أَي فِي نِكَاح الْأُخْتَيْنِ (وَمن كَمَال الْعتْق إِلَى تجز) لِلْعِتْقِ (عِنْده) أَي أبي حنيفَة: إِذا الْعتْق يتَجَزَّأ عِنْده خلافًا لَهما (وَمن بَرَاءَة) لذمته (إِلَى شغل) لَهَا (عِنْد الْكل) أبي حنيفَة وصاحبيه فَإِنَّهُم
(2/67)

متفقون على أَنه يجب عَلَيْهِ أَن يسْعَى فِي ثُلثي قِيمَته غير أَنه رَقِيق فِي الْأَحْكَام عِنْده كَالْمكَاتبِ إِلَّا أَنه لَا يرد إِلَى الرّقّ بِالْعَجزِ، وَعِنْدَهُمَا كَالْحرِّ الْمَدْيُون (بِخِلَاف النقضين الْأَوَّلين) أَي النَّقْض بالبينونة بِوَاحِدَة فِي تَنْجِيز الطَّلَاق بطالق وَطَالِق وَطَالِق، والنقض بِبُطْلَان نِكَاح الْأمة الثَّانِيَة فِي هَذِه حرَّة وَهَذِه (لِأَن الضَّم) لما بعد الْوَاو إِلَى مَا قبله فيهمَا (لَا يُغير مَا قبله) يَعْنِي الطَّلَاق وَالْعتاق (من الْوُقُوع) التنجيزي إِلَى عَدمه فَلَا يتَوَقَّف شَيْء مِنْهُمَا على مَا بعده (وَلقَائِل أَن يَقُول: الضَّم الْمُفْسد لَهما) أَي لنكاح الْأُخْتَيْنِ هُوَ الضَّم (الدفعي كتزوجتهما وأجزتهما) أَي نِكَاحي الْأُخْتَيْنِ لِأَنَّهُ جمع بَينهمَا (لَا) الضَّم (الْمُرَتّب لفظا لِأَنَّهُ) أَي إفسادهما فِيهِ (فرع التَّوَقُّف) أَي توقف الأول على الآخر فِي إفادته الحكم (وَلَا مُوجب لَهُ) أَي لتوقفه عَلَيْهِ (فَيصح لأولى) أَي نِكَاحهَا (دون الثَّانِيَة كَمَا لَو كَانَ) الضَّم (بمفصول) أَي بِكَلَام مُتَأَخّر عَن الأول بِزَمَان اسْتدلَّ (المرتبون) بقوله تَعَالَى - {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا ارْكَعُوا واسجدوا} فَإِنَّهُ فهم مِنْهُ تَأَخّر السُّجُود فلولا أَن الْوَاو للتَّرْتِيب لم يتَعَيَّن فَكَانَت حَقِيقَة فِيهِ لِأَن الأَصْل عدم الْمجَاز (وسؤالهم) أَي الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم (لما نزل: {إِن الصَّفَا والمروة}، بِمَ نبدأ)؟ عطف بَيَان لسؤالهم، وَلَوْلَا أَنَّهَا للتَّرْتِيب لما سَأَلُوهُ، وَلما قَالَ " ابدءوا بِمَا بَدَأَ الله بِهِ ". وَلما وَجب الِابْتِدَاء بِهِ، إِذْ لَا مُوجب لَهُ غَيره (وإنكارهم) أَي الصَّحَابَة (على ابْن عَبَّاس تَقْدِيم الْعمرَة) على الْحَج (مَعَ وَأَتمُّوا الْحَج) وَالْعمْرَة لله}، فلولا أَنهم فَهموا التَّرْتِيب لم ينكروا عَلَيْهِ، وهم أهل اللِّسَان (وَبِقَوْلِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بئس الْخَطِيب أَنْت لقَائِل: وَمن يعصهما) أَي الله وَرَسُوله فقد غوى (هلا قلت وَمن يعْص الله وَرَسُوله) فَلَو لم يكن للتَّرْتِيب لما فرق بَين العبارتين بالإنكار: إِذْ لَا فرق بَينهمَا إِلَّا بِالْوَاو الدَّالَّة على التَّرْتِيب كَمَا أَفَادَ بقوله (وَلَا فرق إِلَّا بالترتيب وَبِأَن الظَّاهِر أَن التَّرْتِيب اللَّفْظِيّ للتَّرْتِيب الوجودي وَالْجَوَاب عَن الأول) أَي ارْكَعُوا واسجدوا (بِأَنَّهُ) أَي التَّرْتِيب بَينهمَا (من) قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: صلوا (كَمَا رَأَيْتُمُونِي) أُصَلِّي، رَوَاهُ البُخَارِيّ، فَإِن ظَاهره وجوب جَمِيع خصوصيات صلَاته، غير أَنه خص مِنْهُ مَا دلّ على عدم وُجُوبه دَلِيل (وَعَن الثَّانِي) أَي عَن سُؤَالهمْ: بِمَ يبدءون؟ (بِالْقَلْبِ) أَي دليلكم يقلب عَلَيْكُم فيستدل بِهِ على نقيض مدعاكم: وَهُوَ أَن يُقَال (لَو) كَانَ (للتَّرْتِيب لما سَأَلُوا) ذَلِك لفهمهم إِيَّاه مِنْهُ إِذْ هم أهل اللِّسَان (فَالظَّاهِر أَنَّهَا للْجمع، وَالسُّؤَال لتجويز إِرَادَة الْبدَاءَة بِمعين) مِنْهُمَا وَعدم التَّخْيِير بَين أَن يبْدَأ من الصفاة والمروة (وَالتَّحْقِيق سُقُوطه) أَي الِاسْتِدْلَال بهَا لشَيْء من الْجَانِبَيْنِ (لِأَن الْعَطف فِيهَا) أَي فِي الْآيَة (إِنَّمَا يضم) أَي الْمَعْطُوف إِلَى الْمَعْطُوف عَلَيْهِ (فِي الشعائر) فِي كَونهمَا شَعَائِر الله (وَلَا تَرْتِيب فِيهَا) أَي فِي الشعائر، وَلَو فرض كَون الْوَاو للتَّرْتِيب فَإِنَّهُ يجب فِي خُصُوص الْمقَام الْعُدُول عَن
(2/68)

التَّرْتِيب وَإِرَادَة مُطلق الْجمع (فسؤالهم) إِنَّمَا هُوَ (عَمَّا) أَي عَن تَرْتِيب (لم يفد بِلَفْظِهِ) أَي لم يصلح لِأَن يفاد بِلَفْظ الْوَاو وَالْمَذْكُور فِي الْآيَة لما عرفت (بل) عَمَّا أفيد (بِغَيْرِهِ) أَي بِغَيْر لفظ الْوَاو. وَقَالَ الشَّارِح: وَهُوَ التطوف بَينهمَا وَلَا يظْهر وَجهه، إِذْ التطوف يصلح لِأَن يكون منشأ للسؤال لَا مُفِيدا للتَّرْتِيب، فَالْمُرَاد بِغَيْرِهِ مَا دلّ على التَّرْتِيب من السّنة (وَأجَاب هُوَ) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقوله (ابدءوا بِمَا بَدَأَ الله) بِهِ "، وَلم يقل بِمَا أَمر الله أَن يبْدَأ بِهِ بِمُوجب الْعَطف (وَعَن الثَّالِث) أَي عَن إنكارهم على ابْن عَبَّاس تَقْدِيم الْعمرَة (أَنه) أَي إنكارهم (لتعيينه) تَقْدِيمهَا عَلَيْهِ (وَالْوَاو للأعم مِنْهُ) أَي من الَّذِي عين وَهُوَ مُطلق الْجمع (وَعَن الرَّابِع) أَي إِنْكَاره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الْخَطِيب (بِأَنَّهُ ترك الْأَدَب لقلَّة مَعْرفَته) بِاللَّه تَعَالَى، أَو بِمَا يتَعَلَّق بالخطابة، لِأَن فِي الْإِفْرَاد بِالذكر تَعْظِيمًا جَلِيلًا (بِخِلَاف مثله) أَي مثل هَذَا التَّعْبِير: أَي الْجمع بَينهمَا فِي التَّعْبِير عَنْهُمَا بضمير الْمثنى (مِنْهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ " لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى يكون الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا " فَإِنَّهُ أعلم الْخلق بِاللَّه، وَبِمَا يتَعَلَّق بالخطابة فَلَا يكون ذَلِك مِنْهُ إخلالا بالتعظيم أَو البلاغة، بل رِعَايَة لنكتة بليغة، وَلَا ترَتّب بَين المعصيتين حَتَّى يُؤَاخذ بترك إفادته، لِأَن عصيان كل مِنْهُمَا عصيان للْآخر (وَعَن الْخَامِس) وَهُوَ أَن التَّرْتِيب اللَّفْظِيّ للتَّرْتِيب الوجودي (بِالْمَنْعِ) إِذْ لَا نسلم أَن التَّرْتِيب اللَّفْظِيّ كَذَلِك (والنقض برأيت زيدا رَأَيْت عمرا) فَإِنَّهُ لَا خلاف فِي صِحَّته مَعَ تقدم رُؤْيَة عَمْرو وَقد قَالَ تَعَالَى - {يوحي إِلَيْك وَإِلَى الَّذين من قبلك} - (وَلَو سلم) أَن التَّرْتِيب اللَّفْظِيّ للتَّرْتِيب الوجودي (فَغير مَحل النزاع) لِأَن النزاع إِنَّمَا هُوَ فِي الْمَذْكُور بعد الْوَاو بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا قبلهَا بِاعْتِبَار دلَالَة الْوَاو لَا بِاعْتِبَار التَّرْتِيب اللَّفْظِيّ

مسئلة
الْوَاو (إِذا عطفت جملَة تَامَّة) أَن غير مفتقرة إِلَى مَا يتم بِهِ وسيظهر لَك فَائِدَة الْقَيْد فِي النَّاقِصَة (على) جملَة (أُخْرَى لَا مَحل لَهَا) من الْإِعْرَاب (شركت) بَينهمَا (فِي مُجَرّد الثُّبُوت) والتحقق لاستقلاها بالحكم. وَمن ثمَّة سَمَّاهَا بَعضهم وَاو الِاسْتِئْنَاف والابتداء نَحْو - {وَاتَّقوا الله ويعلمكم الله} - (وَاحْتِمَال كَونه) أَي التَّشْرِيك فِي الثُّبُوت مستفادا (من جوهرهما) أَي الجملتين من غير حَاجَة إِلَى الْوَاو (يُبطلهُ ظُهُور احْتِمَال الاضراب مَعَ عدمهَا) أَي الْوَاو: يَعْنِي لَو كَانَ التَّشْرِيك مستفادا من جَوْهَر الجملتين من غير حَاجَة إِلَى الْوَاو يُبطلهُ ظُهُور احْتِمَال الِاضْطِرَاب مَعَ عدمهَا: أَي الْوَاو، يَعْنِي لَو كَانَ للتشريك لَكَانَ فِي قَامَ زيد قَامَ عَمْرو احْتِمَال الِاضْطِرَاب عَن تحقق مَضْمُون قيام زيد إِلَى تحقق قيام عَمْرو ظَاهرا، لِأَنَّهُ يلْزم على تَقْدِير إِفَادَة
(2/69)

جوهرهما التَّشْرِيك مَعَ ظُهُوره المستلزم لعدم التَّشْرِيك التَّنَاقُض (و) يُبطلهُ أَيْضا (انتفاؤه) أَي انْتِفَاء احْتِمَال الإضراب (مَعهَا) أَي الْوَاو، فَإِن قَامَ زيد وَقَامَ عَمْرو لَا يحْتَمل الإضراب عَن الْإِخْبَار الأول إِلَى الْإِخْبَار الثَّانِي إِذْ بِهِ يظْهر أَن احْتِمَال الإضراب لَيْسَ من الْجَوْهَر، لِأَن مَا بِالذَّاتِ لَا يَزُول بِالْغَيْر، وَإِذا لم يكن احْتِمَال الإضراب من الْجَوْهَر لم يكن التَّشْرِيك أَيْضا مِنْهُ لتساويهما فِي الظُّهُور فَتدبر، وَلَك أَن تجْعَل الْمَجْمُوع دَلِيلا وَاحِدًا وَحَاصِله دوران التَّشْرِيك والإضراب على الْوَاو وجودا وعدما (فَلِذَا) أَي فلكون الْعَطف الْمَذْكُور يُشْرك فِي مُجَرّد الثُّبُوت (وَقعت وَاحِدَة فِي هَذِه طَالِق ثَلَاثًا وَهَذِه طَالِق) على الْمشَار إِلَيْهَا ثَانِيًا (و) إِذا عطفت جملَة تَامَّة على (مَا لَهَا) مَحل من الْأَعْرَاب (شركت المعطوفة) مَعَ الْمَعْطُوف عَلَيْهَا (فِي موقعها إِن) كَانَ الْمَعْطُوف عَلَيْهَا (خَبرا) فِي مَوضِع (أَو جَزَاء) للشّرط فِي مَوضِع آخر (فخبر) أَي فالمعطوف خبر فِي الأول (وَجَزَاء) فِي الثَّانِي نقل الشَّارِح عَن المُصَنّف أَن هَذَا يُفِيد أَن جملَة الْجَزَاء قد يكون لَهَا مَحل، وَبِه قَالَ طَائِفَة من الْمُحَقِّقين، وَهُوَ مَا إِذا كَانَت بعد الْفَاء وَإِذا جَوَابا لشرط جازم، ثمَّ لما بَين حكم الْجُمْلَة المعطوفة على الْجُمْلَة الَّتِي لَهَا مَحل من الْأَعْرَاب خَبرا كَانَت أَو جَزَاء أَرَادَ أَن يبين حكم جملَة عطفت على مَا لَا مَحل لَهَا من الْأَعْرَاب، لَكِن لَهَا موقع من حَيْثُ وُقُوعهَا مرتبطة بجملة أولى لِكَوْنِهِمَا شرطا وَجَزَاء فَقَالَ (وَكَذَا مَا) أَي الْجُمْلَة الَّتِي (لَهَا موقع من غير الابتدائية) بَيَان للموصول: أَي الْجُمْلَة الابتدائية لَا يكون لَهَا موقع كَذَلِك (مِمَّا لَيْسَ لَهَا مَحل) من الْأَعْرَاب بَيَان آخر لَهُ لِئَلَّا يتَوَهَّم التّكْرَار، فَعلم أَن مَا ذكر فِي صدر الْبَحْث أُرِيد بِهِ مَا لَيْسَ لَهَا موقع كَذَا، كَمَا هُوَ الْمُتَبَادر مِنْهُ، وللشارح فِي حل هَذَا الْمحل كَلَام لَا يصلح إِلَّا لِأَن يطوى (كَأَن دخلت) الدَّار (فَأَنت طَالِق وعبدي حر) فَإِن لقَوْله أَنْت طَالِق موقعا بِاعْتِبَار ارتباطه بِالْجُمْلَةِ الشّرطِيَّة، وَالْوَاو شرك قَوْله عَبدِي حر مَعهَا فِي موقعها الَّذِي هُوَ الجزائية (فَيتَعَلَّق) عَبدِي حر أَيْضا بِدُخُول الدَّار (إِلَّا بصارف) اسْتثِْنَاء من قَوْله وَكَذَا: أَي شركت فِي جَمِيع الْأَحْوَال إِلَّا حَال كَونهَا متلبسة بِمَا دلّ على عدم التَّشْرِيك فِي الْموقع، أَو من قَوْله فَيتَعَلَّق نَحْو أَن دخلت فَأَنت طَالِق (وضرتك طَالِق) لِأَن طَلَاق الضرة لَا يصلح لِأَن يكون باعثا لعدم الدُّخُول بل بِشَارَة لَهَا، والبشارة إِنَّمَا تتَحَقَّق بالتنجيز (فعلى الشّرطِيَّة) أَي فَهِيَ معطوفة على الْجُمْلَة الشّرطِيَّة برمتها، لَا على الْجُزْئِيَّة فَإِن قلت إِذن يلْزم عطف الْإِنْشَاء على الاخبار قلت المعطوفة أَخْبَار صُورَة على أَن الْمَعْطُوف عَلَيْهَا إنْشَاء للتعليق (فيتنجز) طَلَاق الضرة لِأَنَّهُ غير مُعَلّق (وَمِنْه) أَي مِمَّا صرفه الصَّارِف عَن كَونه مَعْطُوفًا على الجزائية مَعَ قربهَا إِلَى الشّرطِيَّة (وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ بعد وَلَا تقبلُوا بِنَاء على) الْمَذْهَب (الْأَوْجه من عدم)
(2/70)

جَوَاز (عطف الْأَخْبَار على الْإِنْشَاء) فَإِنَّهُ لَازم على تَقْدِير عطف - {أُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ} - على لَا تقبلُوا أَو فاجلدوا (و) بِنَاء على (مُفَارقَة) الجملتين (الْأَوليين) المذكورتين إِضَافَة إِلَى الْمَفْعُول: يَعْنِي أَن المعطوفة فارقتهما وبعدت عَنْهُمَا (بِعَدَمِ مُخَاطبَة الْأَئِمَّة) أَي بِسَبَب أَنَّهَا مَا خُوطِبَ بمضمونها الْحُكَّام بخلافهما إِذا خوطبوا بمضمونهما، ثمَّ لما كَانَ فِي الْآيَة احْتِمَال آخر وَهُوَ أَن يكون الْجَزَاء الأولي مِنْهُمَا فَقَط وَيكون قَوْله - {وَلَا تقبلُوا} - ابتدائية فيعطف عَلَيْهِ قَوْله - {وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ} - على التَّأْوِيل كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - {وَبشر الَّذين} - وَكَانَ ذَلِك مفوتا لرعاية الْأَنْسَب اللَّائِق بالحكمة جعل دَلِيل مَا ذهب إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّة مَا ذكر مَعَ رِعَايَة الْأَنْسَب فَقَالَ (مَعَ الأنسبية من إِيقَاع الْجَزَاء على الْفَاعِل، أَعنِي اللِّسَان) فَإِن رد الشَّهَادَة حد فِي اللِّسَان الصَّادِر مِنْهُ جريمة الْقَذْف (كَالْيَدِ فِي الْقطع) أَي كَمَا أوقع جَزَاء السّرقَة على الْفَاعِل: وَهُوَ الْيَد إِلَّا أَنه ضم إِلَيْهَا أَلا يلام الْحسي تكميلا للزجر، فَإِن من النَّاس من لَا ينزجر بِمُجَرَّد رد الشَّهَادَة (وَأما اعْتِبَار قيود) الْجُمْلَة (الأولى فِيهَا) أَي فِي الثَّانِيَة الْمَعْطُوف عَلَيْهَا (فَإلَى الْقَرَائِن) أَي فَهُوَ مفوض إِلَى قَرَائِن الْمقَام (لَا الْوَاو وَإِن) عطفت جملَة (نَاقِصَة وَهِي) الْجُمْلَة (المفتقرة فِي تَمامهَا إِلَى مَا تمت بِهِ الأولى) بِعَيْنِه (وَهُوَ) أَي الْعَطف الْمَذْكُور (عطف الْمُفْرد) وَهُوَ لَا يُنَافِي قَوْله وَإِن نَاقِصَة على مَا فسرنا، إِذْ نِسْبَة عطف الْمُفْرد يحصل مَضْمُون الْجُمْلَة كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (انتسب) الْمُفْرد الْمَعْطُوف (إِلَى عين مَا انتسب إِلَيْهِ) الْمُفْرد (الأول) الْمَعْطُوف عَلَيْهِ (بجهته) مُتَعَلق بانتسب الأول إِشَارَة إِلَى مَا اعْتبر فِي التَّابِع مُطلقًا فِي قَوْلهم: كل ثَان بأعراب سَابِقَة من جِهَة وَاحِدَة، وَضمير جِهَته رَاجع إِلَى الْمَعْطُوف عَلَيْهِ، إِن كَانَت تِلْكَ الْجِهَة الفاعلية مثلا، فانتساب الْمَعْطُوف أَيْضا على الفاعلية (مَا أمكن) تَقْيِيد للانتساب إِلَى المنتسب إِلَيْهِ بِاعْتِبَار جَمِيع قيوده مهما أمكن فِيهِ اسْتثِْنَاء لبَعض الْقُيُود الَّذِي دلّ الدَّلِيل على اخْتِصَاصه بالمعطوف عَلَيْهِ (فَإِن دخلت فطالق وَطَالِق وَطَالِق تعلق) فِيهِ طَالِق الثَّانِي (بِهِ) أى بدخلت بِعَيْنِه (لَا بِمثلِهِ كقولهما) أى كَمَا قَالَ ابو يُوسُف وَمُحَمّد من أَنه تعلق بِمثل مَا تعلق بِهِ الأول، وَلَيْسَ المُرَاد بِمثلِهِ دُخُولا آخر مغايرا بِالذَّاتِ لما تعلق بِهِ الْمَعْطُوف عَلَيْهِ بل مغايرا بِالِاعْتِبَارِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فيتعدد الشَّرْط) كَمَا لَو قَالَ إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق، ثمَّ بعد زمَان قَالَ: إِن دخلت فَأَنت طَالِق فَإِنَّهُ يَقع الْكل بِدُخُول وَاحِد اتِّفَاقًا غير أَنه لما كَانَ الْمُعَلق بِالثَّانِي غير الْمُعَلق بِالْأولِ صَار الْمُعَلق بِهِ فِي الثَّانِي مغايرا للمعلق بِهِ فِي الأول بِالِاعْتِبَارِ كَمَا قَالَه كَذَلِك (وَعلمت) فِي المسئلة الَّتِي قبل هَذِه (أَن لَا ضَرَر عَلَيْهِمَا فِي الِاتِّحَاد) أَي فِي اتِّحَاد مُتَعَلق الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ من اعْتِبَار التغاير الْمَذْكُور إِذْ مقصودهما وُقُوع الْكل دفْعَة عِنْد وجود الشَّرْط وَهُوَ حَاصِل فِيهِ لِأَنَّهُمَا يجعلان إِن دخلت طَالِق فطالق وَطَالِق بِمَنْزِلَة طَالِق
(2/71)

ثِنْتَيْنِ، والتفريق اللَّفْظِيّ لَا أثر لَهُ لِأَنَّهُ فِي حَال التَّكَلُّم بتعليق الطَّلَاق لَا فِي حَال التَّطْلِيق تَنْجِيز إِذْ لَا مُوجب للتوقف فِي التَّنْجِيز فَيَقَع بِمُجَرَّد التَّكَلُّم بتعليق الطَّلَاق لَا فِي حَال التَّعْلِيق بِالْأولِ قبل التَّكَلُّم بِالثَّانِي وَلم يبْق للمحل قابلية لوُقُوع الثَّانِي: إِذْ الْمَفْرُوض كَونهَا غير مدخوله، وَأما فِي التَّعْلِيق فالتعليق بِمُجَرَّد التَّكَلُّم لَا يتَصَوَّر لتوقفه على وجود الشَّرْط، والمتعلقات بِشَرْط وَاحِد على التَّعَاقُب يتْرك جملَة عِنْد وجوده كَمَا لَو حصل بأيمان يتحللها أزمنة على أَنه إِن أُرِيد بِكَوْن تعلق الأول وَاسِطَة فِي تعلق الثَّانِي أَنه عِلّة لَهُ فَمَمْنُوع: بل علته جمع الْوَاو إِيَّاه إِلَى الشَّرْط، وَإِن أُرِيد كَونه سَابق التَّعَلُّق سلمناه، وَلَا يُفِيد كالأيمان المتعاقبة، وَلَو سلم عَلَيْهِ تعلق الأول لم يلْزم كَون نُزُوله عِلّة نُزُوله: إِذْ لَا تلازم (وَمَا تقدم لَهما) فِي أول بحث الْوَاو من التَّعْلِيق الْمَذْكُور الْمُشبه بتعداد الشَّرْط فِي وُقُوع الْكل جملَة (تنظيره) أَي مُجَرّد تنظير لاشْتِرَاكهمَا فِيمَا ذكر (لَا اسْتِدْلَال) بِقِيَاس الأجزئة المتعاطفة المتعاقبة فِي الذّكر على المتعاقبة فِي تعليقات مُتعَدِّدَة ليرد أَنه قِيَاس مَعَ الْفَارِق (لاستقلا مَا سواهُ) أَي مَا سوى التَّعْلِيق الْمَذْكُور فِي إِثْبَات الْمَقْصُود: يَعْنِي بِهِ مَا ذكر من أَن الِاشْتِرَاك فِي التَّعَلُّق وَأَن بِوَاسِطَة يسْتَلْزم النُّزُول دفْعَة، لِأَن نزُول كل حكم الشَّرْط فتقترن أَحْكَامه (فتفريع) مَا إِذا قَالَ (كلما حَلَفت) بطلاقك (فطالق) أَي فَأَنت طَالِق (ثمَّ) قَالَ (إِن دخلت فطالق وَطَالِق على الِاتِّحَاد يَمِين، و) على (التَّعَدُّد يمينان) فَقَوله كلما حَلَفت الخ كَلَام مُفَرع، وَقَوله على الِاتِّحَاد إِلَى هُنَا خير ضمير رَاجع إِلَى قَوْله إِن دخلت الخ: يَعْنِي إِن قُلْنَا بِأَن الْمَعْطُوف تعلق بِعَين مَا تعلق بِهِ الْمَعْطُوف عَلَيْهِ لَا بِمثلِهِ كَانَ قَوْله: إِن دخلت الخ حلفا وَاحِدًا فَيَقَع طَلَاق وَاحِد وَإِن قُلْنَا بالتعدد بِجعْل مُتَعَلق الثَّانِي مثل الأول كَانَ القَوْل الْمَذْكُور يمينين (فَتطلق ثِنْتَيْنِ) كَمَا ذكر فِي شرح البديع للهندي، تَفْرِيع (على غير خلافية) لما عرفت من أَنه لَا خلاف بَينهمَا وَبَينه بِاعْتِبَار اتِّحَاد الْمُتَعَلّق وَعَدَمه لعدم توقف مقصودهما وَهُوَ وُقُوع الْكل جملَة على التَّعَدُّد (بل) المُرَاد بقول من فرع وحدة الْيَمين على الِاتِّحَاد وتعددها على التَّعَدُّد أَنه (لَو فرض) خلاف بَينه وَبَينهمَا فِي ذَلِك (كَانَ) التَّفْرِيع (كَذَا) أَي على هَذَا المنوال (والنقض) للضابطة الْمَذْكُورَة مَعَ أَن مُوجب الْوَاو فِي النَّاقِصَة انتساب الثَّانِي إِلَى عين مَا انتسب إِلَيْهِ الأول بجهته (بِهَذِهِ طَالِق ثَالِثا، وَهَذِه إِذْ طلقنا ثَالِثا لاثْنَتَيْنِ) تَعْلِيل للنقض: يَعْنِي وُقُوع الثَّلَاث على كل مِنْهُمَا خلاف مُقْتَضى تِلْكَ الضابطة لِأَنَّهَا تَقْتَضِي وُقُوع ثِنْتَيْنِ على كل وَاحِدَة، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (بانقسام الثَّلَاث عَلَيْهِمَا) ليحصل لكل وَاحِد وَنصف، ويكمل كل نصف (دفع) خبر الْمُبْتَدَأ (بِظُهُور الْقَصْد إِلَى إِيقَاع الثَّلَاث) على كل وَاحِدَة مِنْهُمَا (والمناقشة فِيهِ) أَي فِي هَذَا الْقَصْد بِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لقَالَ وَهَذِه طَالِق ثَلَاثًا،
(2/72)

وَلم يقل وَهَذِه لِأَنَّهُ يحْتَمل الانقسام الْمَذْكُور (احْتِمَال لَا يدْفع الظُّهُور) أَي ظُهُور الْقَصْد الْمَذْكُور (وَفِيمَا لَا يُمكن) فِيهِ الانتساب إِلَى غير مَا انتسب الأول إِلَيْهِ (يقدر الْمثل) وَهُوَ مَعْطُوف على قَوْله انتسب الخ بعد قَوْله وَهُوَ عطف الْمُفْرد (كجاء زيد وَعَمْرو بِنَاء على اعْتِبَار شخص الْمَجِيء) لِاسْتِحَالَة اشتراكهما فِي عرضي شخصي (وَإِن كَانَ الْعَامِل) وَهُوَ فعل الْمَجِيء (بكليه) أَي بِاعْتِبَار مَفْهُومه الْكُلِّي (ينصب) من حَيْثُ الْإِسْنَاد وَالْعَمَل (عَلَيْهِمَا) أَي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ والمعطوف (مَعًا لِأَن هَذَا) أَي مَا ذكرنَا من تَقْدِير الْمثل إِنَّمَا هُوَ (تَقْدِير حَقِيقَة الْمَعْنى) أَي بَيَان مَا هُوَ المتحقق فِي نفس الْأَمر من الْكَلَام: إِذْ الْكُلِّي من حَيْثُ هُوَ كلي لَا يتَحَقَّق فِي الْخَارِج إِلَّا فِي ضَرُورَة الشخصي فالمتحقق مِنْهُ فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ شخص آخر مثله (وَعنهُ) أَي عَن اعْتِبَار تعلق الْمَعْطُوف بِعَين مَا تعلق بِهِ الْمَعْطُوف عَلَيْهِ فِي الْمُفْرد لَا بِمثلِهِ قُلْنَا (فِي (قَوْله لفُلَان عَليّ ألف، وَلفُلَان انقسمت) الْألف (عَلَيْهِمَا) فَيكون لكل خَمْسمِائَة (وَنقل عَن بَعضهم أَن عطفها) أَي الْوَاو الْجُمْلَة (المستقلة) على غَيرهَا (يُشْرك فِي الحكم وَبِه) أَي بِسَبَب هَذَا التَّشْرِيك (انْتَفَت الزَّكَاة فِي مَال الصَّبِي كَالصَّلَاةِ) أَي كَمَا أَن الصَّلَاة منتفية عَن الصَّبِي (من) دلَالَة الْعَطف فِي (أقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة). قَالَ الشَّارِح بِنَاء على أَنه يجب أَن يكون الْمُخَاطب بِأَحَدِهِمَا عين الْمُخَاطب بِالْآخرِ، وَلما لم يكن الصَّبِي مُخَاطبا بأقيموا الصَّلَاة لم يكن مُخَاطبا بآتوا الزَّكَاة انْتهى. وَلم يبين مُرَادهم بالحكم الَّذِي يشركهما الْعَطف فَإِن أُرِيد بِهِ جَمِيع الْأَحْكَام وَالْأَحْوَال ففساده ظَاهر، وان أُرِيد بَعْضهَا فِي الْجُمْلَة فَلَا يُفِيد، وان أُرِيد بِهِ وَاحِد من الْأَحْكَام الْخَمْسَة فالعطف لَا يَقْتَضِيهِ: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُرَاد فِي الْجُمْلَة الخبرية التحقق والحصول، وَفِي الإنشائية الطّلب وَلَا يخفى مَا فِيهِ (وَدفع) لُزُوم انْتِفَاء الزَّكَاة فِي مَاله لما ذكرنَا بِأَن الصَّبِي (خص من عُمُوم الأول) أَي أقِيمُوا الصَّلَاة (بِالْعقلِ) أَي بالمخصص الْعقلِيّ وَهُوَ مَا أَفَادَهُ بقوله (لِأَنَّهَا) أَي الصَّلَاة عبَادَة (بدنية) وَهِي مَوْضُوعَة عَن الصَّبِي (بِخِلَاف الزَّكَاة) فَإِنَّهَا عبَادَة مَالِيَّة مَحْضَة (تتأدى بالنائب فَلَا مُوجب لتخصيصه) فِيهَا.

(تَتِمَّة)
(تستعار) الْوَاو (للْحَال) أَي لربط الْجُمْلَة الحالية بِذِي الْحَال إِذْ هِيَ لمُطلق الْجمع وَهُوَ مَوْجُود فِي الْمُسْتَعَار لَهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (بمصحح الْجمع) أَي يستعار للْحَال بِسَبَب العلاقة المصححة الَّتِي هِيَ وجود مَعْنَاهُ الْأَصْلِيّ فِيهِ حَال كَون هَذَا الْمُصَحح مُشْتَمِلًا (على مَا فِيهِ) من الْإِشْكَال إِذا أطلق الْأَعَمّ على الْأَخَص حَقِيقَة على مَا مر، وَلذَا أضْرب، فَقَالَ (بل هُوَ) أَي الْجمع بَين الْحَال وصاحبهما (مِمَّن مَا صدقاته) أَي من أَفْرَاد مُطلق الْجمع (والعطف أَكثر) أَي اسْتِعْمَالهَا
(2/73)

فِي الْعَطف أَكثر (فَيلْزم) الْعَطف: أَي حملهَا عَلَيْهِ (إِلَّا بِمَا) أَي بِدَلِيل (لَا مرد لَهُ) فَعنده تحمل على غَيره (فَإِن أمكنا) أَي الْعَطف وَالْحَال بِأَن تصح إِرَادَة كل مِنْهُمَا (رده) أَي الْحَال (القَاضِي) فَلَا يصدق من يَقُول أردْت بهَا الْحَال لِأَنَّهُ يحكم بِالظَّاهِرِ، وَهُوَ الْعَطف (وَصَحَّ) أَن يُرَاد بهَا الْحَال ب (نِيَّته) أَي الْحَال أَو الْمُتَكَلّم (ديانَة فأد) أَي فَقَوْل الْمولى لعَبْدِهِ أد إِلَيّ ألفا (وَأَنت حر، و) الإِمَام للحربي (انْزِلْ وَأَنت آمن تعذر) الْعَطف فِيهِ (لكَمَال الِانْقِطَاع) بَين مَا قبل الْوَاو وَمَا بعده إنْشَاء وإخبار نظرا إِلَى الأَصْل، فَلَا يرد أَن قَوْله أَنْت حر قصد بِهِ إنْشَاء الْعتْق (وللفهم) أَي لفهم الْحَال من مثله أَلْبَتَّة عرفا (فللحال على الْقلب) أَي كن حرا وَأَنت مؤد، وَكن آمنا وَأَنت نَازل: أَي أَنْت حر فِي حَالَة الْأَدَاء، وآمن فِي حَالَة النُّزُول (لِأَن الشَّرْط الْأَدَاء وَالنُّزُول) لَا الْحُرِّيَّة والأمان، إِذْ الْمُتَكَلّم يتَمَكَّن من تَعْلِيق مَا يتَمَكَّن من تنجيزه وَهُوَ لَا يتَمَكَّن من تَنْجِيز الْأَدَاء وَالنُّزُول (وَقيل) للْحَال 0 على الأَصْل) لَا على الْقلب (فَيُفِيد ثُبُوت الْحُرِّيَّة مُقَارنًا لمضمون الْعَامِل وَهُوَ) أَي مضمونه (التأدية، وَبِه) أَي بِمَا ذكر من إِفَادَة ثُبُوتهَا مُقَارنًا لَهُ (يحصل الْمَقْصُود) من كَون التَّحْرِير مَشْرُوطًا بِالْأَدَاءِ فَانْدفع مَا قيل من لُزُوم الْحُرِّيَّة، والأمان قبل الْأَدَاء أَو النُّزُول، لِأَن الْحَال قيد، والقيد مقدم على الْمُقَيد (وَمُقَابِله) أَي مُقَابل تعذر الْعَطف وَهُوَ تعذر الْحَال، وَتعين الْعَطف قَول رب المَال للضارب (خُذْهُ) أَي هَذَا النَّقْد (واعمل فِي الْبَز) وَهُوَ الثِّيَاب. وَقَالَ مُحَمَّد: هُوَ فِي عرف الْكُوفَة ثِيَاب الْكَتَّان والقطن دون الصُّوف والخز (تعين الْعَطف للإنشائية) أَي لكَون كل من الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ جملَة إنشائية، وَالْأَصْل هُوَ الْعَطف، هَذَا مَا يفهم من كَلَام الشَّارِح، وَالْوَجْه أَن يُقَال مَعْنَاهُ: أَن قَوْله اعْمَلْ إنْشَاء، والإنشاء لَا يَقع حَالا (وَلِأَن الْأَخْذ لَيْسَ حَال الْعَمَل) أَي لَا يقارنه فِي الْوُجُود: إِذْ الْعَمَل بعده فَلَا يكون للْحَال، وَإِن نوى (فَلَا تتقيد الْمُضَاربَة) الْمَذْكُورَة (بِهِ) أَي الْعَمَل فِي الْبَز: بل تكون مَشْهُورَة (وَفِي أَنْت طَالِق وَأَنت مَرِيضَة أَو مصلية يحتملهما) أَي الْعَطف وَالْحَال (إِذْ لَا مَانع) فِي شَيْء مِنْهُمَا (وَلَا معِين) لوَاحِد بِخُصُوصِهِ (فتنجز) الطَّلَاق (قَضَاء) لِأَنَّهُ الظَّاهِر لأصالة الْعَطف، وَكَون حَالَة الْمَرَض وَالصَّلَاة مَظَنَّة الشَّفَقَة وَالْإِكْرَام لَا الْمُفَارقَة والإيلام، وَالْأَصْل فِي التَّصَرُّف التَّنْجِيز وَالتَّعْلِيق بِعَارِض الشَّرْط (وَتعلق) بِالْمرضِ وَالصَّلَاة (ديانَة أَن إراده) أَي التَّعْلِيق بهما لَا مَكَانَهُ، وَفِيه تَخْفيف عَلَيْهِ (وَاخْتلف فِيهَا) أَي الْوَاو (من طَلقنِي وَلَك ألف فعندهما) أَي الْإِمَامَيْنِ الْوَاو مستعارة (للْحَال) فَيجب لَهُ عَلَيْهَا الْألف إِذا طَلقهَا (للتعذر) أى لتعذر الْعَطف (بالانقطاع) لإنشائية الأولى وإخبارية الثَّانِيَة (وَفهم الْمُعَاوضَة) إِذْ مثلهَا فِي الْعرف يقْصد
(2/74)

بِهِ الْخلْع وَهُوَ مُعَاوضَة من جَانبهَا، وَلذَا صَحَّ رُجُوعهَا قبل إيقاعها، فَالْمَعْنى طَلقنِي فِي حَال يكون لَك عَليّ ألف عوضا من الطَّلَاق الْمُوجب لِسَلَامَةِ نَفسِي لي، فَإِذا قَالَ طلقت وَجب عَلَيْهَا الْألف (أَو مستعارة للإلصاق) الَّذِي هُوَ معنى الْبَاء بِدلَالَة الْمُعَاوضَة لِأَنَّهُ لَا يعْطف أحد الْعِوَضَيْنِ على الآخر، وَإِنَّمَا استعيرت لَهُ (للْجمع) أَي للتناسب بَينهمَا فِي الْجمع فَإِن كلا مِنْهُمَا يدل على الْجمع (وَعِنْده) الْوَاو (للْعَطْف) وَلَا يلْزم عطف الْأَخْبَار على الْإِنْشَاء لِأَن قَوْلهَا: لَك ألف إنْشَاء الِالْتِزَام (تَقْدِيمًا للْحَقِيقَة فَلَا شَيْء لَهُ) إِذا طَلقهَا (وصارف الْمُعَاوضَة غير لَازم فِيهِ) أَي فِي الطَّلَاق (بل عَارض) لندرة عرُوض الْتِزَام المَال فِي الطَّلَاق والبضع غير مُتَقَوّم حَالَة الْخُرُوج، والعارض لَا يُعَارض الْأَصْلِيّ (وَلذَا) أَي لعروضه (لزم) الطَّلَاق مُعَلّقا (فِي جَانِبه) أَي الزَّوْج فَصَارَ يَمِينا إِذا قَالَ طَلقتك على ألف: إِذْ لَو لم يكن عروضه وَكَانَ لَازِما لَكَانَ مُعَاوضَة وَالرُّجُوع فِي الْمُعَاوضَة بعد الْإِيجَاب قبل الْقبُول جَائِز، ثمَّ فرع على اللُّزُوم فَقَالَ (فَلَا يملك) الزَّوْج (الرُّجُوع قبل قبُولهَا) الْألف (بِخِلَاف الْإِجَارَة) أَي بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ مثل: طَلقنِي وَلَك ألف فِي عقد الْإِجَارَة وَهُوَ (احمله وَلَك دِرْهَم) لِأَن الْتِزَام المَال فِيهَا أُصَلِّي، لِأَن الْإِجَارَة بيع الْمَنَافِع بعوض فَتحمل الْوَاو بِدلَالَة صَارف الْمُعَاوضَة على الْبَاء فَكَأَنَّهُ قَالَ احمله بدرهم (وَالْأَوْجه) فِي طَلقنِي وَلَك ألف (الِاسْتِئْنَاف) فِي قَوْلهَا وَلَك ألف على أَن يكون (عدَّة) مِنْهَا، والوعيد لَا يلْزم (أَو غَيره) أَي غير وعد بِأَن تُرِيدُ لَك ألف فِي بَيْتك يقدر على تَحْصِيل غَيْرِي وَنَحْو ذَلِك (للانقطاع) الْمُوجب ترك الْعَطف (فَلم يلْزم الْحَال) عِنْد عدم إِرَادَة الْعَطف (لجَوَاز) إِرَادَة معنى (مجازي آخر ترجح) لذَلِك الْمجَازِي على إِرَادَة الْحَال (بِالْأَصْلِ بَرَاءَة الذِّمَّة) عطف بَيَان للْأَصْل (وَعدم إِلْزَام المَال بِلَا معِين) لإلزامه: يَعْنِي أَن الأَصْل هُوَ الْبَرَاءَة وإلزام المَال الْمُوجب شغل الذِّمَّة خلاف الأَصْل لَا يُصَار إِلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيل بِعَيْنِه.

مسئلة
(الْفَاء للتَّرْتِيب بِلَا مُهْملَة فَدخلت فِي الأجزئة) لتعقبها الشُّرُوط بِلَا مهلة (فَبَانَت غير الملموسة) أَي غير الْمَدْخُول بهَا (بِوَاحِدَة فِي أَنْت طَالِق فطالق) لزوَال الْمَحَلِّيَّة لما بعد الْفَاء بِسَبَب وُقُوع مَا قبلهَا (و) دخلت فِي (المعلولات) لِأَنَّهَا تتعقب عليتها بِلَا تراخ (كجاء الشتَاء فتأهب) أَي هِيَ مَا تحْتَاج إِلَيْهِ فِيهِ مَحْمُولا (على التَّجَوُّز بجاء عَن قرب فَإِن قربه عِلّة التأهب لَهُ) يَعْنِي أَن قرينَة السِّيَاق وَالْمقَام دلّت على أَن الْفَاء دَاخِلَة على الْمَعْلُول وَالتَّأَهُّب لَيْسَ بمعلول
(2/75)

حَقِيقَة للشتاء بل قربه (وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) " لن يَجْزِي ولد وَالِده إِلَّا أَن يجد مَمْلُوكا " (فيشتريه فيعقته) رَوَاهُ مُسلم (لِأَن الْعتْق مَعْلُول معلوله) أَي الشِّرَاء إِذْ الشِّرَاء عِلّة للْملك، وَالْملك عِلّة لِلْعِتْقِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله أَي فيشتريه (فَيعتق بِسَبَب شِرَائِهِ) إِنَّمَا فسره بِهِ لِئَلَّا يحمل على ظَاهره: وَهُوَ أَنه بعد مَا يَشْتَرِيهِ يعتقهُ قصدا مثل مَا يعْتق غير الْقَرِيب فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يكون الْعتْق إِلَّا بِسَبَب الْإِعْتَاق لَا الشِّرَاء، وَقد علم بذلك أَن هَذَا الْمَعْلُول بالواسطة مُغَاير بِالذَّاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعلَّة (فَلَيْسَ) هَذَا الْمِثَال (من) قبيل (اتِّحَاد الْعلَّة والمعلول فِي الْوُجُود) كَمَا زعم الْبَعْض من أَن الشِّرَاء وَالْعِتْق شَيْء وَاحِد فِي الْخَارِج وَإِن تغايرا بِحَسب الْمَفْهُوم (وَلَا) من (نَحْو: سقَاهُ فأرواه) كَمَا ذكره صدر الشَّرِيعَة: إِذْ الإرواء يَتَرَتَّب على السَّقْي بِلَا وَاسِطَة، وَالْعِتْق إِنَّمَا يَتَرَتَّب على الشِّرَاء بِوَاسِطَة الْملك (فَلذَلِك) أَي لكَون الْفَاء لترتيب مَا بعْدهَا على مَا قبلهَا (تضمن الْقبُول) للْبيع (قَوْله فَهُوَ حر) حَال كَونه (جَوَاب) من قَالَ (بعتكه بِأَلف) لِأَن تَرْتِيب الْحُرِّيَّة على هَذَا القَوْل لَا يتَصَوَّر إِلَّا بِقبُول البيع الْمُوجب للْملك الْمُصَحح للإعتاق فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: قبلت فَهُوَ حر (لَا هُوَ حر) أَي لَا يتَضَمَّن هُوَ حر الْقبُول بعد قَوْله بعتكه بِأَلف لعدم مَا يدل على مَا قبله (بل هُوَ رد للْإِيجَاب) وَهُوَ قَوْله بعتكه الخ وَمَعْنَاهُ كَيفَ تبيعه وَهُوَ حر (و) كَذَلِك (ضمن الْخياط) الثَّوْب إِذا (قَالَ لَهُ) مَالِكه (أيكفيني قَمِيصًا قَالَ) الْخياط (نعم قَالَ) مَالِكه (فاقطعه فَقَطعه فَلم يكفه) لِأَن الْفَاء دلّت على أَن الْأَمر بِالْقطعِ مُرَتّب على الْكِفَايَة مَشْرُوط بهَا لَا فِي اقطعه فَلم يكفه) أَي لَا يضمن الْخياط فِيمَا إِذا قَالَ صَاحب الثَّوْب اقطعه بدل فاقطعه والمسئلة بِحَالِهَا لعدم مَا يدل على كَون الْأَمر بِالْقطعِ مَشْرُوطًا بالكفاية (وَتدْخل) الْفَاء (الْعِلَل) حَال كَونهَا (خلاف الأَصْل) لعدم ترَتّب الْعلَّة على الْمَعْلُول وَتحقّق الْعَكْس دُخُولا (كثيرا لدوامها) أَي لكَون الْعِلَل مَوْجُودَة بعد وجود الْمَعْلُول مُدَّة مديدة (فَتَأَخر) الْعلَّة عَن الْمَعْلُول (فِي الْبَقَاء) فَبِهَذَا الِاعْتِبَار تدخل الْفَاء عَلَيْهَا (أَو بِاعْتِبَار أَنَّهَا) أَي الْعلَّة (معلولة فِي الْخَارِج) أَي فِي خَارج الذِّهْن (للمعلول) وَهَذَا إِذا كَانَ مَدْخُول الْفَاء عِلّة غائية لما قبلهَا، فَإِنَّهُ بِحَسب الْوُجُود الذهْنِي مقدم على الْمَعْلُول فَإِن تعقل الرِّبْح مقدم على تحقق التِّجَارَة فِي الْخَارِج وَتحقّق الرِّبْح مُؤخر عَن تحقق التِّجَارَة فِي الْخَارِج (وَمن الأول لَا الثَّانِي أبشر فقد أَتَاك الْغَوْث) قَالَ الشَّارِح أَي من دُخُولهَا على الْعلَّة الْمُتَأَخِّرَة فِي الْبَقَاء، لَا من دُخُولهَا على الْمَعْلُول فِي الْخَارِج، فَإِن الْغَوْث بَاقٍ بعد الإبشار كَذَا قَالُوا، وَفِيه تَأمل انْتهى. إِنَّمَا جعل هَذَا الْمِثَال مِمَّا دخلت على الْعلَّة نظرا إِلَى الظَّاهِر، إِذْ إتْيَان الْغَوْث عِلّة للبشارة لَا الْعَكْس. وَقد يُقَال أَن قَوْله أبشر عِلّة للإخبار بمضمون قد أَتَاك الْغَوْث، لِأَنَّهُ يدل إِجْمَالا على مُوجب السرُور، وَبِه يحصل قلق واضطراب لَا ينْدَفع
(2/76)

إِلَّا بِذكر المبشر بِهِ، فَالْمُرَاد بِالْأولِ دخلوها فِي المعلولات. وَبِالثَّانِي دُخُولهَا فِي الْعِلَل، لَا يُقَال قد دخلت فِيمَا هُوَ عِلّة فِي نفس الْأَمر، فَكيف يَنْفِي، لِأَن النَّفْي باعتبارات الْمُتَكَلّم لم يقْصد إدخالها عَلَيْهِ من حَيْثُ أَنه عِلّة، بل من حَيْثُ أَنه مَعْلُول من حَيْثُ الْإِخْبَار، لَكِن آخر الْكَلَام يمْنَع تَفْسِير الأول وَالثَّانِي بِالْمَعْنَى الَّذِي ذكر على مَا سَيظْهر، ثمَّ وَجه التَّأَمُّل فِي كَلَام الشَّارِح أَن إتْيَان الْغَوْث الَّذِي هُوَ عِلّة الْبشَارَة لَا بَقَاء لَهُ بعد الْبشَارَة (وَمِنْه) أَي وَمن الأول أَيْضا (أد) إِلَيّ ألفا (فَأَنت حر) فقد دخلت الْفَاء على الْعلَّة الْمُتَأَخِّرَة فِي الْبَقَاء إِذْ الْعتْق يَمْتَد. وَوجه علية الْحُرِّيَّة للْأَدَاء أَن صِحَة الْأَدَاء مَوْقُوفَة على الْحُرِّيَّة الْحَاصِلَة عِنْد قبُول العَبْد مَا علق الْمولى عتقه عَلَيْهِ إِذْ العَبْد لَا يقدر على الْأَدَاء فِي حَال مملوكيته إِذْ مَا فِي يَده ملك للْمولى فَلَا يصلح بَدَلا عَن نَفسه (_ و) مِنْهُ أَيْضا قَول الإِمَام للحربي (انْزِلْ فَأَنت آمن) فَإِن الْأمان يَمْتَد فَأشبه المتراخي عَن النُّزُول (وَتعذر الْقلب) بِأَن يكون بِمَعْنى أَنْت حر فأد وَأَنت آمن فَانْزِل لتَكون الْفَاء دَاخِلَة على الْمَعْلُول معنى (لِأَنَّهُ) أَي الْحمل على الْقلب (بِكَوْنِهِ) أَي مَا بعد الْفَاء (جَوَاب الْأَمر) لِأَنَّهُ إِذا كَانَ جَوَابه كَانَ بِمَنْزِلَة جَزَاء الشَّرْط فَإِن أنزل تصب خيرا فِي معنى أَن تنزل تصبه، وَفِي مثله قد يحصل على الْقلب فيراد إِن تصب خيرا تنزل لكَونه لَازِما للْأَصْل: إِذْ سَبَبِيَّة النُّزُول لإصابة الْخَيْر يلْزمه أَن من تقرر فِي حَقه إِصَابَة الْخَيْر ينزل فَتدبر (وَجَوَابه يخص الْمُضَارع) لِأَن الْأَمر إِنَّمَا يسْتَحق الْجَواب بِتَقْدِير إِن المختصة بِهِ: وَهِي إِذا كَانَت مقدرَة لَا تجْعَل الْمَاضِي وَالْجُمْلَة الاسمية بِمَعْنى الْمُسْتَقْبل، هَذَا غَايَة مَا تيَسّر من التَّوْجِيه، وَفِيه مَا فِيهِ، وَهَذَا كُله بِنَاء على مَا فسر بِهِ الشَّارِح الْقلب، وَالْحق أَن المُرَاد من الْقلب عكس قَوْله من الأول لَا الثَّانِي: أَي من الثَّانِي: وَهُوَ الدُّخُول على الْعلَّة بِاعْتِبَار أَنَّهَا معلولة فِي الْخَارِج لَا الأول: وَهُوَ الدُّخُول عَلَيْهَا بِاعْتِبَار تأخرها فِي الْبَقَاء، وَذَلِكَ لِأَن تعقل الْأَمْن عِلّة النُّزُول وَهُوَ مَعْلُول النُّزُول فِي الْخَارِج، لِأَن الْمَعْنى أَن تنزل تأمن فَيصير نُزُوله سَببا للأمن، وَلذَا علل تعذره بِأَن هَذَا مَبْنِيّ على كَون فَأَنت آمن جَوَاب الْأَمر، وَلَا يَصح لِأَنَّهُ يخص الْمُضَارع وَقد بَيناهُ (فَيعتق) فِي الْحَال أدّى أَو لم يؤد، لِأَن الْمَعْنى لِأَنَّك حر (و) كَذَا (يثبت الْأمان فِي الْحَال) نزل أَو لم ينزل، فَقَوله فِي الْحَال مُتَعَلق بالفعلين جَمِيعًا (وَمن الثَّانِي) أَي دُخُولهَا على الْعلَّة المعلولة فِي الْخَارِج مَا أخرج النَّسَائِيّ فِي الشُّهَدَاء عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ (زملوهم الحَدِيث) أَي بدمائهم فَإِنَّهُ لَيْسَ كلم يكلم فِي سَبِيل الله إِلَّا يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة يدمي، لَونه لون الدَّم وريحه ريح الْمسك، فَإِن الْإِتْيَان على هَذِه الْكَيْفِيَّة يَوْم الْقِيَامَة عِلّة تزميلهم فِي الذِّهْن، والتزميل: الْإخْفَاء واللف فِي الثَّوْب وَهُوَ معلوله فِي الْخَارِج (وَاخْتلفُوا فِي عطفها) أَي الْفَاء (الطلقات) حَال كَونهَا (معلقَة) على الشَّرْط فِي
(2/77)

غير الْمَدْخُول بهَا كَأَن دخلت فَأَنت طَالِق فطالق (قيل) هُوَ (كالواو) أَي على الْخلاف فَعنده تبين بِوَاحِدَة وَيسْقط مَا بعْدهَا لزوَال الْمَحَلِّيَّة بِالْأولَى، وَعِنْدَهُمَا يَقع الْكل جملَة على مَا ذكر (وَالأَصَح الِاتِّفَاق على الْوحدَة للتعقيب) الْمُفِيد وُقُوع الْمَعْطُوف بعد الْمَعْطُوف عَلَيْهِ فَصَارَ كثم وَبعد (وتستعار الْفَاء لِمَعْنى الْوَاو فِي لَهُ عَليّ دِرْهَم فدرهم) إِذْ التَّرْتِيب فِي الْأَعْيَان لَا يتَصَوَّر، إِنَّمَا التَّرْتِيب فِي الْمعَانِي جَاءَ زيد فعمرو، وَقيل هَذَا من إِطْلَاق اسْم الْكل على الْجُزْء، لِأَن مَفْهُوم الْوَاو: وَهُوَ الْجمع الْمُطلق جُزْء مَفْهُوم الْفَاء: إِذْ هُوَ الْجمع مَعَ التَّرْتِيب، ثمَّ هَذِه الِاسْتِعَارَة مسموعة. قَالَ امْرُؤ الْقَيْس
(بسقط اللوى بَين الدُّخُول فحومل ...)
فَإِنَّهُمَا اسمان لموضعين (يلْزمه اثْنَان) كَمَا فِي قَوْله لَهُ عَليّ دِرْهَم وَدِرْهَم، وَعَن الشَّافِعِي أَنه يلْزمه دِرْهَم وَاحِد بِجعْل قَوْله فدرهم جملَة مُبتَدأَة لتحَقّق الدِّرْهَم الأول، تَقْدِيره فَهُوَ دِرْهَم.

مسئلة
(ثمَّ لتراخي مدخولها عَمَّا قبله) حَال كَونهَا مدخولها (مُفردا، والاتفاق على وُقُوع الثَّلَاث على المدخولة فِي طَالِق ثمَّ طَالِق ثمَّ طَالِق فِي الْحَال بِلَا زمَان) متراخ بَينهمَا (لاستعارتها لِمَعْنى الْفَاء) إِذْ لَا فَائِدَة لاعْتِبَار التَّرَاخِي فِي المدخولة، لَا بِاعْتِبَار الحكم وَلَا بِاعْتِبَار التَّكَلُّم كَمَا لَا يحفى (وتنجيزه) أَي أبي حنيفَة (فِي غَيرهَا) أَي المدخولة (وَاحِدَة وإلغاء مَا بعْدهَا) أَي تِلْكَ الْوَاحِدَة (فِي طَالِق ثمَّ طَالِق ثمَّ طَالِق إِن دخلت و) قَوْله (فِي المدخولة تنجزا) أَي الْأَوَّلَانِ (وَتعلق الثَّالِث وَإِن تقدم الشَّرْط تعلق الأول وَوَقع مَا بعده فِي المدخولة وَفِي غَيرهَا) أَي المدخولة (تعلق الأول وتنجز الثَّانِي فَيَقَع الأول عِنْد الشَّرْط بعد التَّزَوُّج الثَّانِي) صفة التَّزَوُّج، قيد بِهِ لِأَنَّهَا بَانَتْ بِالثَّانِي الْمُنجز، وَذَلِكَ لِأَن زَوَال الْملك لَا يبطل الْيَمين وَهِي لم تنْحَل (ولغا الثَّالِث) لعدم الْمحل. وَقَوله تنجيزه مُبْتَدأ خَبره (لاعتباره) أَي أبي حنيفَة التَّرَاخِي الْمَدْلُول عَلَيْهِ بثم (فِي (التَّكَلُّم فَكَأَنَّهُ سكت بَين الأول وَمَا يَلِيهِ) إِنَّمَا قَالَ كَأَنَّهُ لِأَنَّهُ لم يَقع مِنْهُ سكُوت بَينهمَا غير أَنه أَفَادَ بثم أَن مَا بعْدهَا متراخ عَمَّا قبلهَا، وَحمل ذَلِك على التَّرَاخِي بِاعْتِبَار التَّكَلُّم: يَعْنِي أَن التَّكَلُّم بِالثَّانِي متراخ عَن التَّكَلُّم بِالْأولِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ سكت بَينهمَا (وَحَقِيقَة) أَي السُّكُوت (قَاطِعَة لِلْعِتْقِ) بِالشّرطِ فَكَذَا مَا هُوَ بِمَنْزِلَتِهِ (كَمَا لَو قَالَ لَهَا) أَي لغير المدخولة (بِلَا أَدَاة إِن دخلت فَأَنت طَالِق طَالِق طَالِق: ذكره الطَّحَاوِيّ) ووجهة أَن الأول تعلق بِالشّرطِ، وَالثَّانِي وَقع مُنجزا، تَقْدِيره أَنْت طَالِق ولغا الثَّالِث لإبانتها إِلَى عدَّة، فالتشبيه بِاعْتِبَار الحكم لَا الْوَجْه (وعلقاها) أَي الإمامان الثَّلَاث بِالشّرطِ (فيهمَا) أَي فِي تقدم الشَّرْط وتأخره (فَيَقَع
(2/78)

عِنْد) وجود (الشَّرْط فِي غَيرهَا) أَي غير المدخولة (وَاحِدَة) وَهِي الأولى (للتَّرْتِيب) عِنْد الْوُقُوع على طبق التَّرْتِيب عِنْد التَّعْلِيق، وَيَلْغُو الْبَاقِي لانْتِفَاء الْمَحَلِّيَّة بالبينونة بِالْأولِ إِلَى عدَّة (وفيهَا) أَي المدخولة يَقع (الْكل مُرَتبا لِأَن التَّرَاخِي) الْمَدْلُول عَلَيْهِ بثم (فِي ثُبُوت حكم مَا قبلهَا) أَي ثمَّ (لما بعْدهَا) كَمَا تَقْتَضِيه اللُّغَة فَإِنَّهُ لَا يفهم من جَاءَ زيد ثمَّ عَمْرو إِلَّا تراخي عَمْرو عَن زيد فِي ثُبُوت حكم الْمَجِيء بِثُبُوتِهِ لعَمْرو وَبعد زمَان، وَأما كَون التَّكَلُّم بِعَمْرو بعد التَّكَلُّم بزيد فَلَيْسَ مِمَّا يقْصد مِنْهُ لُغَة، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لَا فِي التَّكَلُّم، واعتباره) أَي أبي حنيفَة التَّرَاخِي فِي التَّكَلُّم حَتَّى كَأَنَّهُ قَالَ: إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق و (سكت) ثمَّ قَالَ وَأَنت طَالِق اعْتِبَار (بِلَا مُوجب، وَمَا خيل دَلِيلا) على اعْتِبَار التَّرَاخِي فِيهِ (من) لُزُوم (ثُبُوت تراخي حكم الإنشاءات عَنْهَا) أَي عَن الإنشاءات على تَقْدِير اعْتِبَاره فِي الحكم من غير اعْتِبَاره فِي التَّكَلُّم (وَهِي) أَي الْأَحْكَام (لَا تتأخر) عَن الإنشاءات، فِي التَّوْضِيح إِنَّمَا جعل رَاجعا إِلَى التَّكَلُّم، لِأَن التَّرَاخِي فِي الحكم مَعَ عَدمه فِي التَّكَلُّم يمْنَع فِي الإنشاءات لِأَن الْأَحْكَام لَا تتراخى عِنْد التَّكَلُّم فِيهَا، فَلَمَّا كَانَ الحكم متراخيا كَانَ التَّكَلُّم متراخيا تَقْديرا كَمَا فِي التَّعْلِيق فَإِن قَوْله إِن دخلت فَأَنت طَالِق يصير كَأَنَّهُ قَالَ عِنْد الدُّخُول أَنْت طَالِق، وَلَيْسَ هَذَا القَوْل فِي الْحَال تطليقا: أَي تكلما بِالطَّلَاق: بل يصير تطليقا عِنْد الشَّرْط (فَلَزِمَ الحكم على اللُّغَة بِهَذَا الِاعْتِبَار) أَي اعْتِبَار التَّرَاخِي فِي التَّكَلُّم، تَفْرِيع على مَا علم ضمنا كَأَنَّهُ قَالَ إِن لم تعْتَبر هَكَذَا ثَبت تراخي الْأَحْكَام عَن الإنشاءات وَهِي لَا تتأخر فَلَزِمَ علينا أَن نحكم على لَفْظَة ثمَّ بِأَنَّهُ قد يُرَاد بِهِ لُغَة التَّرَاخِي فِي التَّكَلُّم، وَفِيه إِشْعَار بالاعتراض، وَهِي أَن اللُّغَة تحكم وَلَا يحكم عَلَيْهَا (مَمْنُوع الْمُلَازمَة) خبر الْمَوْصُول، وَذَلِكَ لِأَن توهم لُزُوم التَّرَاخِي الحكم، وَهُوَ وُقُوع الطَّلَاق عَن الْإِنْشَاء، وَهُوَ تَنْجِيز الطَّلَاق اللَّازِم للتعليق إِنَّمَا هُوَ عِنْد وجود الشَّرْط: إِذْ الطَّلَاق الْمُعَلق عِنْد تحقق الْمُعَلق بِهِ يصير مُنجزا فَكَأَنَّهُ قَالَ عِنْد دُخُول الدَّار: أَنْت طَالِق ثمَّ طَالِق ثمَّ طَالِق. وَأَنت خَبِير بِأَن تراخيه إِنَّمَا يلْزم لَو اعْتبر وجود مَا عطف بثم مُتَّصِلا بِوُجُود الشَّرْط، وَأما إِذا اعْتبر متراخيا فَلَا تراخي لحكمه عَنهُ فَإِن قلت كَيفَ يعْتَبر الْجَزَاء متراخيا عَن الشَّرْط قُلْنَا لكَونه علق على هَذَا الْوَجْه، وَقد استبان بِهَذَا أَن تَقْرِير السُّكُوت فِي زمَان التَّعْلِيق بِحَيْثُ يمْنَع عِنْد كَون مَجْمُوع المتعاطفات مُعَلّقا بِالشّرطِ فِي صُورَتي تَقْدِيم الشَّرْط وتأخيره مَعَ أَنه لَا يتَصَوَّر هُنَاكَ تَرْتِيب الحكم مَا لَا يظْهر لَهُ وَجه فَتدبر (وَلَو اكْتفى) أَبُو حنيفَة فِي اعْتِبَار التَّرَاخِي فِي التَّكَلُّم (بِاعْتِبَارِهِ) أَي التَّرَاخِي الْمَذْكُور (شرعا) أَي من حَيْثُ الشَّرْع لَا من حَيْثُ اللُّغَة (فَفِي محلّة تراخي حكمه) أَي فَلَا يعْتَبر حِينَئِذٍ إِلَّا فِي مَحل تراخي حكم الْإِنْشَاء (وَهُوَ) أَي مَحل تراخيه إِنَّمَا يتَحَقَّق
(2/79)

(فِي الْإِضَافَة) كَمَا إِذا قَالَ أَنْت طَالِق غَدا (وَالتَّعْلِيق) كَمَا إِذا قَالَ أَنْت طَالِق إِن دخلت الدَّار (دون عطفه) بعض أَجزَاء الْإِنْشَاء (بثم) على الْبَعْض (لِأَنَّهُ) أَي الْعَطف (النزاع) أَي مَحل النزاع، أَو المنازع فِيهِ (على أَنا نمنعه) أَي تراخي الحكم (فيهمَا) أَي الْإِضَافَة وَالتَّعْلِيق (أَيْضا بِمَعْنى اعْتِبَار السُّكُوت، وَمَا قيل) قَالَه غير وَاحِد (هِيَ) أَي ثمَّ (للتراخي فَوَجَبَ كَمَاله) لانصراف الْمُطلق إِلَى الْكَامِل (وَهُوَ) أَي كَمَاله (بِاعْتِبَارِهِ) أَي التَّرَاخِي فِي التَّكَلُّم وَالْحكم (مَمْنُوع) الْمُقدمَة (الثَّانِيَة) أَي كَمَاله بِاعْتِبَارِهِ (إِذْ الْمَفْهُوم) من التَّرَاخِي بثم (لَيْسَ غير حكم اللَّفْظ) أَي التَّرَاخِي بِاعْتِبَار حكم اللَّفْظ (فِي الْإِنْشَاء وَمَعْنَاهُ) أَي وتراخي معنى اللَّفْظ (فِي الْخَبَر، وَهَذَا) الْجَواب (يصلح) جَوَابا (عَن الأول أَيْضا) وَهُوَ مَا ظن دَلِيلا (وَكَذَا) ثمَّ للتراخي (فِي الْجمل) أَيْضا (وموهم خِلَافه) أَي خلاف كَونهَا للتراخي فِيهَا من نَحْو قَوْله تَعَالَى - {وَإِنِّي لغفار لمن تَابَ وآمن وَعمل صَالحا ثمَّ اهْتَدَى}: إِذْ الاهتداء لَيْسَ بمتراخ عَن الْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح، وَقَوله تَعَالَى - {فَلَا اقتحم الْعقبَة} - إِلَى قَوْله {ثمَّ كَانَ من الَّذين آمنُوا} إِذْ كَونه من الْمُؤمنِينَ الخ لَيْسَ بمتراخ عَمَّا ذكر قبله، إِذْ هُوَ أصل كل طَاعَة (تؤول بترتب الِاسْتِمْرَار) أَي ثمَّ اسْتمرّ على الْهدى، ثمَّ اسْتمرّ على الْإِيمَان كَمَا قيل:
(لكل إِلَى نيل العلى حركات ... وَلَكِن عَزِيز فِي الرِّجَال ثبات)

وَيجوز أَن يكون فِي نَحْوهمَا مستعار للتفاوت فِي الْمرتبَة والمنزلة، فَإِن للاهتداء الْكَامِل مرتبَة بعيدَة عَن حُدُوث أصل الْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح، وَأما مرتبَة الْإِيمَان بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا ذكر قبله فَلَا تحْتَاج إِلَى الْبَيَان.

مسئلة
(تستعار) ثمَّ (لِمَعْنى الْوَاو) إِذْ كل مِنْهُمَا للْجمع بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ غير أَن الْجمع غير مَفْهُوم أَحدهمَا ولازم مَفْهُوم الآخر، وَذَلِكَ نَحْو قَوْله تَعَالَى - {وَإِمَّا نرينك بعض الَّذِي نعدهم أَو نتوفينك فإلينا مرجعهم (ثمَّ الله شَهِيد} على مَا يَفْعَلُونَ} - أَي وَالله شَهِيد: إِذْ لَا يُمكن حملهَا على الْحَقِيقَة: إِذْ لَا يتَصَوَّر تراخي مَضْمُون الله شَهِيد عَمَّا قبله (إِن لم يكن) قَوْله تَعَالَى شَهِيد (مجَازًا عَن معاقب) على مَا يَفْعَلُونَ، إِذْ الْعقَاب لَازم لشهادته، وَإِلَيْهِ ينْتَقل الذِّهْن (فِي مقَام التهديد فَفِي) قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " من حلف على يَمِين فَرَأى غَيرهَا خيرا مِنْهَا (فليأت بِالَّذِي هُوَ خير ثمَّ ليكفر) عَن يَمِينه كلمة " ثمَّ (حَقِيقَة) لِأَن التَّكْفِير متراخ عَن الْإِتْيَان بِمَا يُوجب الْكَفَّارَة (ومجاز عَن الْجمع) الَّذِي هُوَ معنى الْوَاو (فِي فليكفر ثمَّ ليأت) على مَا ورد فِي بعض الرِّوَايَات،
(2/80)

وَقد يعْطف بِالْوَاو مَا هُوَ مقدم فِي الْوُجُود على الْمَعْطُوف عَلَيْهِ (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن مجَازًا عَن الْجمع، وَكَانَ مَحْمُولا على الْحَقِيقَة (كَانَ الْأَمر) بالتكفير على وَجه التَّقْدِيم على الْإِتْيَان بِمَا يُوجِبهُ (للْإِبَاحَة) إِذْ لَا قَائِل بِوُجُوب التَّكْفِير قبل الْحِنْث (و) كَانَ (الْمُطلق) أَي مُطلق التَّكْفِير المفاد بقوله فليكفر (للمقيد) أَي مَا سوى الصَّوْم: أَي التَّكْفِير بِمَا سوى الصَّوْم من الْإِطْعَام وَالْكِسْوَة والتحرير (فَيتَحَقَّق مجازان) كَون الْأَمر للْإِبَاحَة وَالْمُطلق للمقيد من غير ضَرُورَة (وعَلى قَوْلنَا) مجَاز (وَاحِد) هُوَ كَون ثمَّ بِمَعْنى الْوَاو ضَرُورَة الْجمع بَين الرِّوَايَتَيْنِ.

مسئلة
(بل قيل) مَعْطُوف (مُفْرد للإضراب فَبعد الْأَمر كاضرب زيدا بل بكرا، وَالْإِثْبَات) مَعْطُوف على الْأَمر، والتقابل بِاعْتِبَار أَن الْإِثْبَات إِخْبَار نَحْو (قَامَ زيد بل بكر لإثباته) أَي مَا قبله من الْأَمر وَالْإِثْبَات (لما بعْدهَا) وَالْمرَاد بالإثبات الثَّانِي أَن يَجْعَل الْمَعْطُوف بهَا كالمعطوف عَلَيْهِ فِي كَونه مُتَعَلق الْأَمر أَو الْإِثْبَات، وَيثبت لَهُ ذَلِك النَّوْع من النِّسْبَة فبكر مَطْلُوب الضَّرْب فِي الأول مُسْند إِلَيْهِ الْقيام فِي الثَّانِي (وَجعل الأول) وَهُوَ الْمَعْطُوف عَلَيْهِ: أَي ولجعل الأول (كالمسكوت فَهُوَ) أَي الأول (على الِاحْتِمَال) بَين أَن يكون مَطْلُوب الضَّرْب أَو غير مَطْلُوبه فِي الْمِثَال الأول، وَبَين أَن يكون مَوْصُوفا بِالْقيامِ أَو غير مَوْصُوف بِهِ فِي الْمِثَال الثَّانِي، وَهَذَا إِذا لم يذكر مَعَ لَا (وَمَعَ لَا) نَحْو: جَاءَنِي زيد لَا بل عَمْرو (ينص) أَي ينص حَال كَونه مَعَ لَا (على نَفْيه) الْإِضَافَة لأدني مُلَابسَة: إِذْ الأول لَيْسَ بمنفي بل نفى عَنهُ تِلْكَ النِّسْبَة الَّتِي فهم حُصُولهَا لَهَا قبل ذكر بل مَعَ لَا، هَذَا إِذا كَانَ ضمير نَفْيه للمعطوف عَلَيْهِ، وَأما إِذا كَانَ لما قبله فالإضافة ظَاهِرَة (وَهُوَ) أَي بل بِغَيْر لَا أَو الإضراب (فِي كَلَام غَيره تَعَالَى تدارك)، ثمَّ فسر كَونه تداركا بقوله (أَي كَون الْأَخْبَار الأول أولى مِنْهُ) الْأَخْبَار (الثَّانِي فَيعرض عَنهُ) أَي عَن الأول (إِلَيْهِ) أَي إِلَى الثَّانِي (لَا إِبْطَاله) أَي لَا أَنه إبِْطَال الأول وَإِثْبَات الثَّانِي (كَمَا قيل، وَبعد النَّهْي) كلا تضرب زيدا بل عمروا (وَالنَّفْي) كَمَا قَامَ زيد بل عَمْرو (لإِثْبَات ضِدّه) أَي ضد مَا قبله من النَّهْي لما بعْدهَا (وَتَقْرِير الأول) لَا لجمعه كالمسكوت عَنهُ، فَفِي الأول قررت النَّهْي عَن ضرب زيد، وَأثبت الْأَمر بِضَرْب عَمْرو، وَفِي الثَّانِي قررت نفي الْقيام عَن زيد وأثبته لعَمْرو (و) قَالَ (عبد القاهر) الْجِرْجَانِيّ وَبَعض النُّحَاة بل كَذَلِك لَكِن (يحْتَمل نقل النَّهْي وَالنَّفْي) عَن الأول (إِلَيْهِ) أَي إِلَى الثَّانِي. قَالَ ابْن مَالك وَهُوَ مُخَالف لاستعمال الْعَرَب
(2/81)

(فَقَوْل زفر يلْزمه ثَلَاثَة فِي لَهُ عَليّ دِرْهَم بل دِرْهَمَانِ لَا يتَوَقَّف على إِفَادَة إبِْطَال الأول وَإِن قيل بِهِ) أَي بإبطاله أَو بتوقفه يَعْنِي زعم بَعضهم أَن قَول زفر مَوْقُوف على كَون بل إبطالا للْأولِ لِأَنَّهُ إِذا كَانَت كَذَلِك فَفِي الاعترافات والإنشاءات يلْزم على الْمُتَكَلّم حكم مَا قبلهَا وَمَا بعْدهَا لعَجزه عَن إبِْطَال مَا صدر عَنهُ وَجرى على لِسَانه، وَإِن قيل بِهِ: يَعْنِي بعض النُّحَاة قَالُوا بِأَنَّهُ لإبطال الأول لَكِن زفر لَا يحْتَاج إِلَى ذَلِك القَوْل (بل يَكْفِي) فِي قَوْله بِلُزُوم الثَّلَاثَة (كَونه) أَي الْمقر أعرض عَن الْإِقْرَار بدرهم حَال كَونه (كالساكت عَنهُ) أَي عَن الْإِقْرَار بِهِ (بعد إِقْرَاره فِي رده) أَي فِي الإضراب عَنهُ إِلَى الْإِقْرَار بِدِرْهَمَيْنِ مُتَعَلق بِكَوْنِهِ أعرض (كالإنشاء) يَعْنِي أَن الِاعْتِرَاف الْمَذْكُور كالإنشاء إِذا عطف فِيهِ ببل فِي وُقُوع مَا بعْدهَا مَعَ مَا قبلهَا وَعدم توقفه على إفادتها إبِْطَال الأول وكفاية كَونه أعرض إِلَى آخِره نَحْو قَوْله للمدخول بهَا أَنْت (طَالِق وَاحِدَة بل ثِنْتَيْنِ يَقع ثَلَاث وَفِي غير المدخولة) تقع (وَاحِدَة لفَوَات الْمحل) بالبينونة بِتِلْكَ الْوَاحِدَة وَهَذَا الَّذِي ذكر فِي غير المدخولة من وُقُوع وَاحِدَة لَا غير لفَوَات الْمحل (بِخِلَاف تَعْلِيقه كَذَلِك فِي غير المدخولة (بقوله إِن دخلت فطالق وَاحِدَة، بل ثِنْتَيْنِ يَقع عِنْد) وجود (الشَّرْط ثَلَاث لِأَنَّهُ) أَي الإضراب ببل (كتقدير شَرط آخر) فَكَأَنَّهُ قَالَ إِن دخلت فطالق وَاحِدَة إِن دخلت فَأَنت طَالِق ثِنْتَيْنِ، وَقد عرفت أَن فِي هَذَا يَقع الثَّلَاث، فَكَذَا فِيمَا هُوَ بِمَنْزِلَتِهِ، وَذَلِكَ لِأَن وُقُوع الْوَاحِدَة فَقَط فِي صُورَة التَّنْجِيز إِنَّمَا كَانَ لفَوَات الْمحل وَلَا فَوَات هَهُنَا (إِلَّا حَقِيقَته) أَي تَقْدِير شَرط آخر كَمَا زعم صدر الشَّرِيعَة (إِذْ لَا مُوجب) لاعتبارها (وتحميل فَخر الْإِسْلَام ذَلِك) أَي تحميل من جعله اعْتِبَار حَقِيقَة تَقْدِير شَرط آخر بِأَن عزاهُ إِلَيْهِ لقَوْله لما كَانَ بل لإبطال الأول وَإِقَامَة الثَّانِي مقَامه كَانَ من قَضيته اتِّصَاله بذلك الشَّرْط بِلَا وَاسِطَة لَكِن بِشَرْط اتِّصَال الأول، وَلَيْسَ فِي وَسعه إبِْطَال الأول، وَلَكِن فِي وَسعه إِفْرَاد الثَّانِي بِالشّرطِ ليتصل بِهِ بِغَيْر وَاسِطَة، كَأَنَّهُ قَالَ: لَا بل أَنْت طَالِق ثِنْتَيْنِ إِن دخلت فَيصير كالحلف بيمينين انْتهى (غير لَازم) يَعْنِي أَنه تحميل فِي معرض السُّقُوط إِذْ لَا يلْزم من كَلَامه الْمَذْكُور اعْتِبَار حَقِيقَة شَرط آخر، كَمَا يظْهر من تَعْلِيله تَأمل (بل) قَول فَخر الاسلام (تَشْبِيه للعجز عَن إبِْطَال) الطَّلَاق (الأول فَلَا يتوسط) تَفْرِيع عَن الْإِبْطَال: يَعْنِي لَو لم يعجز عَن إبِْطَال الأول الَّذِي هُوَ مُتَّصِل بِالشّرطِ لأبطله، وَلَو أبْطلهُ لَا يتَّصل مَا بعد بل بِالشّرطِ، وَلم يَقع إِلَّا هُوَ لفرض بطلَان الأول لما عجز عَن إِبْطَاله، واتصل الأول بِالشّرطِ، ثمَّ بِهِ تَعْلِيق، ثمَّ إِنَّه لَا يلغي مَا بعد بل، وَمن الْمَعْلُوم أَنه لَيْسَ بتنجيز فَتعين إِرَادَة تَعْلِيق آخر من حَيْثُ الْمَعْنى، لَا من حَيْثُ اللَّفْظ بِأَن يقدر شَرط آخر غير أَن صَنِيعه يشبه تَقْدِير شَرط آخر، فَصَارَ التَّشْبِيه محمل قَوْله لَا التَّقْدِير (بِخِلَافِهِ) أَي الْعَطف
(2/82)

(بِالْوَاو عِنْده) أَي أبي حنيفَة كَأَن دخلت فطالق وَاحِدَة وثنتين، وَهِي غير مدخولة تبين بالواحدة، لِأَن الْوَاو للْعَطْف على سَبِيل الْمُشَاركَة، فيتصل الْمَعْطُوف بِالشّرطِ، لَكِن بِوَاسِطَة الأول مُتَقَدما فجَاء التَّرْتِيب وَلزِمَ فَوَات الْمَحَلِّيَّة بِتِلْكَ الْوَاسِطَة (وَقُلْنَا) فِي جَوَاب زفر الإضراب الَّذِي معنى بل يحصل بِالْإِعْرَاضِ عَن الدِّرْهَم الْوَاحِد (إِلَى دِرْهَمَيْنِ) حاصلين (بِإِضَافَة) دِرْهَم (آخر إِلَيْهِ) أَي إِلَى الدِّرْهَم المقربة أَولا، وَلَا يلْزم اعْتِبَار دِرْهَمَيْنِ يغاير كل مِنْهُمَا (فَلم يبطل الْإِقْرَار) بِالْأولِ ليقال لَيْسَ فِي وَسعه إِبْطَاله (وَلم يلْزمه ثلَاثه، وَأما) إِذا كَانَ بل (قبل الْجُمْلَة فالإضراب عَمَّا قبله) أَي بل (بإبطاله) أَي مَا قبله لَا لجعله كالمسكوت على الِاحْتِمَال على مَا فِي الْمُفْرد، كَقَوْلِه تَعَالَى وَقَالُوا اتخذ الرَّحْمَن ولدا سُبْحَانَهُ (بل عباد مكرمون: أَي بل هم) عباد مكرمون، إضراب عَن اتِّخَاذ الْوَلَد وَإِبْطَال لَهُ وَإِثْبَات لكَوْنهم أَي الَّذين زَعَمُوا الاتخاذ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِم عباد مكرمون، وَكَذَا قَوْله تَعَالَى - {أم يَقُولُونَ بِهِ جنَّة بل جَاءَهُم بِالْحَقِّ} إضراب عَن الْجُنُون وَإِثْبَات للرسالة لما كَانَ مَا قبل بل فِي هذَيْن المثالين كَلَام من يَصح إبِْطَال كَلَامه أَفَادَ أَنه إِذا كَانَ كَلَام من لَا يُمكن إبِْطَال كَلَامه كَيفَ يَصح وُقُوع بل فِيهِ بقوله (أما فِي كَلَامه تَعَالَى فللإفاضة) والإفادة (فِي غَرَض آخر) أَي فِي بَيَان فَائِدَة أُخْرَى من غير إبِْطَال لما قبله فتجرد حِينَئِذٍ عَن الْإِبْطَال نَحْو قَوْله تَعَالَى - {قد أَفْلح من تزكّى وَذكر اسْم ربه فصلى بل تؤثرون الْحَيَاة الدُّنْيَا} - وَقَوله تَعَالَى - {ولدينا كتاب ينْطَلق بِالْحَقِّ وهم لَا يظْلمُونَ (بل قُلُوبهم فِي غمرة} من هَذَا} - (وادعاء حصر الْقُرْآن عَلَيْهِ) أَي على أَنَّهَا للانتقال من غَرَض إِلَى آخر كَمَا زَعمه ابْن مَالك (منع بِالْأولِ) أَي بقوله بل عباد مكرمون، بل بقوله عباد مكرمون، بل جَاءَهُم بِالْحَقِّ وَقَوله (لَا عاطفة) عطف على قَوْله للإضراب أَي بل قبل الْجُمْلَة سَوَاء كَانَت للإضراب أَو للانتقال حرف ابْتِدَاء على مَا صَرَّحُوا بِهِ، وَنَصّ ابْن هِشَام على أَنه الصَّحِيح، وَظَاهر كَلَام ابْن مَالك، وَصرح بِهِ بَعضهم بِأَنَّهَا عاطفة للجملة الَّتِي بعْدهَا على مَا قبلهَا.

مسئلة
(لَكِن للاستدراك) حَال كَونهَا (خَفِيفَة) من الثَّقِيلَة وعاطفة كَذَا ذكره الشَّارِح، وَفِي الإتقان لَكِن مُخَفّفَة ضَرْبَان: أَحدهمَا مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة، وَهِي حَرْب ابْتِدَاء لَا يعْمل، بل لمُجَرّد الِاسْتِدْرَاك، وَلَيْسَت عاطفة، وَالثَّانِي عاطفة إِذا تَلَاهَا مُفْرد، وَهِي أَيْضا للاستدراك فَحق الْعبارَة أَن يُقَال إِمَّا مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة أَو عاطفة (وثقيلة، وَفسّر) الِاسْتِدْرَاك (بمخالفة حكم مَا بعْدهَا لما قبلهَا) أَي لحكمه (فَقَط) حَال كَونه (ضدا) لما قبلهَا، نَحْو مَا زيد
(2/83)

أَبيض لَكِن أسود (أَو نقيضا) نَحْو مَا زيد سَاكِنا لَكِن متحركا (وَاخْتلف فِي الْخلاف) نَحْو (مَا زيد قَائِم) على لُغَة تَمِيم (لَكِن شَارِب، وَقيل) الِاسْتِدْرَاك مَا ذكر (بِقَيْد رفع توهم تحَققه) صفة توهم أَي توهم تثبته مَا قبل لَكِن، فِي التَّلْوِيح وَفَسرهُ الْمُحَقِّقُونَ بِرَفْع التَّوَهُّم النَّاشِئ من الْكَلَام السَّابِق، مثل مَا جَاءَنِي زيد لَكِن عمر إِذا تفهم الْمُخَاطب عدم مَجِيء عَمْرو أَيْضا بِنَاء على مُخَالطَة وملابسة بَينهَا (كليس بِشُجَاعٍ لَكِن كريم) لِأَن الشجَاعَة وَالْكَرم لَا يفترقان غَالِبا، فنفي أَحدهمَا يَوْم انْتِفَاء الآخر (وَمَا قَامَ زيد لَكِن بكر للمتلابسين، وَإِذا ولى الْخَفِيفَة جملَة) بِالرَّفْع على أَنه فَاعل ولى (فحرف ابْتِدَاء واختلفتا) أَي الجملتان مَا قبلهَا وَمَا بعْدهَا (كيفا وَلَو) كَانَ اخْتِلَافهمَا كيفا (معنى كسافر زيد لَكِن عَمْرو حَاضر، أَو) وَليهَا (مُفْرد فعاطفة، وَشَرطه) أَي شَرط عطفها (تقدم نفي) نَحْو مَا قَامَ زيد لَكِن عَمْرو (أَو نهي) نَحْو لَا يقم زيد لَكِن عَمْرو (وَلَو ثَبت) مَا قبلهَا فَلم يكن نفيا وَلَا نهيا (كمل مَا بعْدهَا) بِذكر مَا يتم بِهِ نسبته (كقام زيد لَكِن عَمْرو لم يقم وَلَا شكّ فِي تأكيدها) أَي تَأْكِيد لَكِن لمضمون مَا قبلهَا (فِي نَحْو لَو جَاءَ أكرمته لكنه لم يَجِيء) لدلَالَة لَو على انْتِفَاء الثَّانِي لانْتِفَاء الأول (وَلم يخصوا) أَي الأصوليون (الْمثل) أَي كلمة لَكِن فِي الْأَمْثِلَة الْمَذْكُورَة 0 بالعاطفة إِذْ لَا فرق) بَين العاطفة وَغَيرهَا فِي الْمَعْنى الَّذِي هُوَ الِاسْتِدْرَاك، فَلَا يعْتَرض التَّمْثِيل بِغَيْر العاطفة (وفرقهم) أَي جمَاعَة من مَشَايِخنَا (بَينهَا) أَي بَين لَكِن (وَبَين بل بِأَن بل توجب نفي الأول وَإِثْبَات الثَّانِي بِخِلَاف لَكِن) فَإِنَّهَا توجب إِثْبَات الثَّانِي، فَأَما نفي الأول فَإِنَّمَا يثبت بدليله، وَهُوَ النَّفْي الْمَوْجُود فِي صدر الْكَلَام (مَبْنِيّ على أَنه) أَي إِيجَابهَا نفي الأول وَإِثْبَات الثَّانِي هُوَ (الإضراب) كَمَا هُوَ قَول بَعضهم (لَا جعله) أَي لَا على أَن الإضراب جعل الأول (كالمسكوت) كَمَا هُوَ قَول الْمُحَقِّقين (وعَلى) قَول (الْمُحَقِّقين يفرق) بَينهمَا (بإفادتها) أَي بل (معنى السُّكُوت عَنهُ) أَي الأول (بِخِلَاف لَكِن) وَاعْترض عَلَيْهِ الشَّارِح بِأَن لَكِن أَيْضا تفِيد معنى السُّكُوت عَن الأول، بل الْفرق أَن بل للإضراب عَن الأول مُطلقًا نفيا كَانَ أَو إِثْبَاتًا، فَلَا يشْتَرط اخْتِلَافهمَا بِالْإِيجَابِ وَالسَّلب بِخِلَاف لَكِن، فَإِنَّهُ يشْتَرط فِي عطف المفردين بهَا كَون الأول منفيا وَالثَّانِي مثبتا، وَفِي عطف الجملتين اخْتِلَافهمَا فِي النَّفْي وَالْإِثْبَات انْتهى، وَأَنت خَبِير بِأَن هَذَا الْفرق إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَار الشَّرْط لَا بِاعْتِبَار نفس الْمَعْنى، وَمَا ذكره المُصَنّف إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَار أصل الْمَعْنى، وَلَو كَانَ لَكِن أَيْضا يُفِيد معنى السُّكُوت عَن الأول لما كَانَ لتصريح الْمُحَقِّقين بِهَذَا الْمَعْنى فِي تَعْرِيف بل دون لَكِن كَمَا سَمِعت وَجه، وَكَأَنَّهُ زعم أَن وجود الْفرق الَّذِي ذَكرُوهُ يَنْفِي الْفرق الَّذِي ذكره المُصَنّف (و) قد (علمت) فِيمَا سبق (عدم اخْتِلَاف الْفُرُوع)
(2/84)

الَّتِي هِيَ اختلافها فِي مسئلة بل على إِبْطَالهَا الأول كلزوم ثَلَاثَة دَرَاهِم فِي لَهُ دِرْهَم، بل دِرْهَمَانِ عِنْد زفر ودرهمين عندنَا علمت (على هَذَا التَّقْدِير) أَي تَقْدِير جعل الأول كالمسكوت (وَقَول الْمقر لَهُ بِعَين) مُتَعَلق بِالْإِقْرَارِ بِأَن يَقُول من هُوَ بِيَدِهِ هَذَا لفُلَان فَيَقُول فلَان (مَا كَانَ) لي ذَلِك الْعين (قطّ لَكِن) كَانَ (لفُلَان) حَال كَون قَوْله لَكِن لفُلَان (مَوْصُولا) بقوله مَا كَانَ لي قطّ خبر الْمُبْتَدَأ (يحْتَمل رد الْإِقْرَار) الْمَذْكُور (فَلَا يثبت) الْعين (لَهُ) أَي للْمقر إِذْ الْإِقْرَار يرْتَد برد الْمقر لَهُ فَيصير كَالْعدمِ (و) يحْتَمل (التَّحْوِيل) ثمَّ فسر التَّحْوِيل بقوله (قبُوله) أَي قبُول كَون الْعين لَهُ (ثمَّ الْإِقْرَار بِهِ) أَي بِالْعينِ لفُلَان فَلَا رد حِينَئِذٍ للإقرار، فَالْمُرَاد تَحْويل الْعين من ملكه إِلَى ملك فلَان (فَاعْتبر) هَذَا الِاحْتِمَال (صونا) لإِقْرَاره عَن الإلغاء (وَالنَّفْي) وَهُوَ قَوْله مَا كَانَ لي رد حِينَئِذٍ (مجَاز: أَي لم يسْتَمر) ملك هَذَا لي (فانتقل إِلَيْهِ) أَي إِلَى فلَان (أَو) النَّفْي الْمَذْكُور (حَقِيقَة: أَي اشْتهر) كَونه (لي وَهُوَ) فِي الْحَقِيقَة (لَهُ فَهُوَ) أَي قَوْله لَكِن لفُلَان (تَغْيِير للظَّاهِر) أَي قيد فِي الْكَلَام صَارف لَهُ عَن ظَاهره الَّذِي هُوَ الرَّد، فَكَأَنَّهُ قَالَ إقرارك صَادِق نظرا إِلَى ظَاهر الْحَال بِحَسب مَا اشْتهر بَين النَّاس، لَكِن فِي الْحَقِيقَة هُوَ ملك فلَان فَلَيْسَ برد للإقرار، وَإِذا لم يرد لزم بِمُوجب اعْتِرَاف الْمقر تَفْوِيض التَّصَرُّف فِي ذَلِك الْعين إِلَى الْمقر لَهُ فَلَا مُنَازع لَهُ فِيهِ، فَيصح إِقْرَاره لفُلَان، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فصح) قَوْله لَكِن لفُلَان قيد مغير لأوّل الْكَلَام لكَونه (مَوْصُولا) إِذْ شَرط المغير لأوّل الْكَلَام اتِّصَاله بِهِ، وَهُوَ مَوْجُود (فَيثبت النَّفْي) الْمَدْلُول عَلَيْهِ بقوله مَا كَانَ لي قطّ (مَعَ الْإِثْبَات) يَعْنِي إِثْبَات كَون الْمعِين لفُلَان بالتأويل الْمَذْكُور لعدم حمل صدر الْكَلَام على ظَاهره وَهُوَ الرَّد (للتوقف) أَي لتوقف تعْيين المُرَاد من الْكَلَام على آخِره (للمغير) أَي لوُجُود الْقَيْد المغير فِي آخِره (وَمِنْه) أَي من هَذَا الْقَبِيل (ادّعى دَارا على جَاحد) دَعْوَى مقرونة (بَيِّنَة فَقضى) لَهُ بهَا (فَقَالَ) الْمقْضِي عَلَيْهِ، وَفسّر الشَّارِح الضَّمِير بالجاحد فأفسد (مَا كَانَت) الدَّار (لي لَكِن) كَانَت (لزيد) حَال كَون قَوْله لَكِن لزيد (مَوْصُولا) بقوله مَا كَانَ لي (فَقَالَ) زيد (كَانَ) الدَّار (لَهُ) أَي للمقضي لَهُ، وَفسّر الشَّارِح هَهُنَا أَيْضا الضَّمِير بالجاحد، فَعلم أَن التَّفْسِير الأول لم يكن سَهْو الْقَلَم (فباعنيه) الْمقْضِي لَهُ (بعد الْقَضَاء فَهِيَ) الدَّار (لزيد لثُبُوته) أَي الْإِقْرَار لزيد (مُقَارنًا للنَّفْي للوصل) إِذْ الْمَفْرُوض أَنه وصل قَوْله لَكِن لزيد بِالنَّفْيِ، وَلَو كَانَ مَفْصُولًا لكَانَتْ الدَّار للمقضي عَلَيْهِ لما سَيظْهر (والتوقف) أَي وَلكَون صدر الْكَلَام وَهُوَ النَّفْي مَوْقُوفا على مَا بعده لكَونه قيدا لَهُ مغيرا صارفا إِيَّاه عَن ظَاهره وَهُوَ الِاعْتِرَاف بِكَوْن الدَّار للمقضي عَلَيْهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَتَكْذيب شُهُوده) أَي تَكْذِيب
(2/85)

الْمقْضِي لَهُ شُهُوده (وَإِثْبَات ملك الْمقْضِي عَلَيْهِ حكمه) أَي مُوجب كَلَامه. قَالَ صدر الشَّرِيعَة لِأَنَّهُ إِذا وصل فَكَأَنَّهُ تكلم بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَات مَعًا، فَثَبت موجبهما وَهُوَ النَّفْي عَن نَفسه وَثُبُوت ملك زيد، ثمَّ تَكْذِيب الشُّهُود وَإِثْبَات ملك الْمقْضِي عَلَيْهِ لَازم انْتهى (فَتَأَخر) الحكم الْمَذْكُور: أَعنِي إِثْبَات ملك الْمقْضِي عَلَيْهِ بِالنَّفْيِ (عَنهُ) وَتَكْذيب الشُّهُود بِسَبَب صيرورة الدَّار لزيد (فقد أتلفهَا) أَي الْمقر الدَّار (على الْمقْضِي عَلَيْهِ بِالْإِقْرَارِ لزيد على ذَلِك الْوَجْه) أَي بِنَفْي كَونهَا لَهُ وَوصل كَونهَا لزيد بِالنَّفْيِ بعد الْقَضَاء لَهُ (فَعَلَيهِ) أَي الْمقْضِي لَهُ الْمقر لزيد (قيمتهَا) للمقضي عَلَيْهِ (وَلَو صدقه) أَي الْمقر لَهُ، وَهُوَ زيد الْمقْضِي لَهُ (فِيهِ) أَي فِي النَّفْي أَيْضا كَمَا صدقه فِي الْإِقْرَار لَهُ (ردَّتْ) الدَّار (للمقضي عَلَيْهِ لِاتِّفَاق الْخَصْمَيْنِ) الْمقْضِي لَهُ وَالْمقر لَهُ (على بطلَان الحكم) أَي حكم القَاضِي للْمُدَّعِي الْمَذْكُور (بِبُطْلَان الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَة) أما الْمقْضِي لَهُ فَلِأَنَّهُ قَالَ مَا كَانَت الدَّار لي لَكِنَّهَا لزيد، فَعلم أَنه كَانَ دَعْوَاهُ بَاطِلا، وَكَانَ شُهُوده كاذبين، وَأما الْمقر لَهُ فَكَذَلِك إِذا صدقه فِي النَّفْي الْمَذْكُور، وَقَوله بَاعَنِي بعد الْقَضَاء بعد تَصْدِيقه فِي النَّفْي اعْتِرَاف بِأَنَّهُ بَاعَ مَا لَا يملكهُ فِي نفس الْأَمر (وَشرط عطفها) أَي لَكِن (الاتساق) هُوَ فِي الأَصْل الانتظام، وَالْمرَاد بِهِ هَاهُنَا مَا أوضحه بعطف بَيَانه، وَهُوَ قَوْله (عدم اتِّحَاد مَحل النَّفْي وَالْإِثْبَات) اللَّذين يتوسط بَينهمَا لَكِن إِذْ لَو اتَّحد لم يبْق للْكَلَام انتظام وَلم يُمكن الْجمع بَينهمَا فَلم يتَحَقَّق الْعَطف (وَهُوَ) أَي الاتساق (الأَصْل فَيحمل) الْكَلَام الْمُشْتَمل عَلَيْهَا (عَلَيْهِ) أَي الاتساق إِن احْتمل اتِّحَاد محلهَا، وَإِن كَانَ ظَاهرا فِيهِ (مَا أمكن) بِخِلَاف مَا إِذا لم يُمكن، فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ لَا تكون عاطفة (فَلِذَا) أَي لوُجُوب الْحمل عَلَيْهَا مَا أمكن بِخِلَاف مَا إِذا لم يُمكن (صَحَّ) قَول الْمقر لَهُ مُتَّصِلا (لَا لَكِن غصب جَوَاب) قَول الْمقر (لَهُ عَليّ مائَة قرضا لصرف النَّفْي) يَعْنِي قَوْله (للسبب) تَعْلِيل للصِّحَّة، وَالْمرَاد بِالسَّبَبِ الْقَرْض: أَي لَيْسَ سَبَب شغل ذمَّته بِالْمِائَةِ الْقَرْض، ثمَّ تدارك بِبَيَان سَبَب آخر وَهُوَ الْغَصْب فَصَارَ الْكَلَام منتظما وَصَحَّ الْعَطف بهَا وَلَا يكون ردا لإِقْرَاره، بل لخُصُوص السَّبَب (بِخِلَاف من بلغه تَزْوِيج أمته) فضولا (بِمِائَة، فَقَالَ لَا أُجِيز النِّكَاح وَلَكِن) أجيزه (بمائتين) فَإِنَّهُ لَا يُمكن حمله على الاتساق، لِأَن اتساقه أَن لَا يَصح النِّكَاح الْمَوْقُوف بِمِائَة، لَكِن يَصح بمائتين، وَهُوَ غير مُمكن، لِأَن الَّذِي عقده الْفُضُولِيّ قد أبْطلهُ الْمولى بقوله لَا أُجِيز النِّكَاح فَلم يبْق نِكَاح آخر مَوْقُوف ليجيزه بقوله: وَلَكِن بمائتين، ثمَّ أَن الْإِجَازَة لَا تلْحق إِلَّا تعين الْمَوْقُوف، فَلَزِمَ اتِّحَاد مَحل النَّفْي وَالْإِثْبَات، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (للاتحاد) أَي اتِّحَاد مَحل النَّفْي وَالْإِثْبَات، وَذَلِكَ (لنفي أصل النِّكَاح) بقوله لَا أُجِيز النِّكَاح (ثمَّ ابْتِدَائه)
(2/86)

أَي ابْتِدَاء النِّكَاح (بِقدر آخر) من الْمهْر (بعد الِانْفِسَاخ) أَي انْفِسَاخ عقد الْفُضُولِيّ وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا إجَازَة العقد الْمَوْقُوف على إِجَازَته لَا إنْشَاء عقد آخر بِمهْر آخر (بِخِلَاف) قَوْله (لَا أجيزه) أَي النِّكَاح (بِمِائَة لَكِن) أجيزه (بمائتين) فَإِن النَّفْي الدَّاخِل على الْمُقَيد بتوجه على الْقَيْد وَهُوَ هَهُنَا قَوْله بِمِائَة، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لِأَن التَّدَارُك) بلكن (فِي قدر الْمهْر لَا أصل النِّكَاح) فَيكون متسقا.

مسئلة
(أَو قبل مُفْرد لإِفَادَة أَن حكم مَا قبلهَا ظَاهر لأحد الْمَذْكُورين) اسْمَيْنِ كَانَا أَو فعلين. قَوْله ظَاهرا قيد للإفادة بِاعْتِبَار كَون المفاد ثُبُوت الحكم لأَحَدهمَا: إِذْ بِحَسب التَّحْقِيق والمآل تَارَة يُسْتَفَاد كَونه لكل مِنْهُمَا كَمَا إِذا وَقعت فِي سِيَاق النَّفْي، ثمَّ بَين الْمَذْكُورين بقوله (مِنْهُ) أَي مِمَّا قبلهَا (وَمَا بعْدهَا وَلذَا) أَي ولكونها لإِفَادَة الحكم لأَحَدهمَا لَا على التَّعْيِين (عَم) الحكم كل وَاحِد مِنْهُمَا (فِي) سِيَاق (النَّفْي) لِأَن مَفْهُوم أَحدهمَا يصدق على كل وَاحِد مِنْهُمَا بِخُصُوصِهِ فَهُوَ أَعم من كل بِخُصُوصِهِ وَنفي الحكم عَن الْأَعَمّ يسْتَلْزم نَفْيه عَن الْأَخَص (و) كَذَا فِي (شبهه) أَي شبه النَّفْي وَهُوَ النَّهْي (على الِانْفِرَاد) مُتَعَلق بعم وعمومه على الِانْفِرَاد أَن يتَحَقَّق فِي كل مِنْهُمَا منتقلا فَقَوله تَعَالَى: و {لَا تُطِع مِنْهُم آثِما أَو كفورا} وَكَذَا قَول الْحَالِف وَالله (لَا أكلم زيدا أَو بكرا منع) للمخاطب والحالف (من كل) أَي من إطاعة كل من الآثم والكفور فِي الأول، وَفِي تكليم كل من زيد وَبكر فِي الثَّانِي لِأَن التَّقْدِير والمآل لَا تُطِع (وَاحِدًا مِنْهُمَا) وَلَا أكلم وَاحِد مِنْهُمَا وَهُوَ نكرَة فِي سِيَاق النَّفْي وَالنَّهْي فتعم (لَا) أَن التَّقْدِير لَا تُطِع وَلَا أكلم (أَحدهمَا ليَكُون معرفَة) فَلَا يعم، وَذَلِكَ لعدم الْإِضَافَة على التَّقْدِير الأول ووجودها على الثَّانِي (وَحِينَئِذٍ لَا يشكل بِلَا أقرب) أَي بوالله لَا أقرب (ذى أَو ذى) إِشَارَة إِلَى زوجيته بِأَن يُقَال أَو لأحد الْأَمريْنِ، وَمُقْتَضَاهُ أَن لَا يصير موليا مِنْهُمَا جَمِيعًا، وَحكم المسئلة أَنه (يصير موليا مِنْهُمَا) لِأَنَّهُ فِي معنى وَاحِدَة مِنْهُمَا وَالْمعْنَى لَا يشكل بِأَن يُقَال لَا أقرب ذى أَو ذى مثل: لَا أقرب أحدا كَمَا لِأَن أَو لأحد الْأَمريْنِ، فَلم قُلْتُمْ فِي الأول يصير موليا مِنْهُمَا؟ (فتبينان) مَعًا عِنْد انْقِضَاء مُدَّة الْإِيلَاء: وَهُوَ أَرْبَعَة أشهر من غير فَيْء (وَفِي) قَوْله لَا أقرب (أحدا كَمَا) يصير موليا (من إِحْدَاهمَا) لَا مِنْهُمَا، وَذَلِكَ لِأَن إِحْدَى بِسَبَب الْإِضَافَة صَارَت معرفَة فَلَا تعم فِي سِيَاق النَّفْي (بِخِلَافِهِ) أَي بِخِلَاف الْمَنْع من الْأَمريْنِ (بِالْوَاو) بدل أَو كلا أكلم زيدا وعمرا (فَإِنَّهُ) أَي الْمَنْع بِالْوَاو (من الْجمع) لِأَنَّهَا مَوْضُوعَة لَهُ فَيتَعَلَّق بالمجموع (لعُمُوم الِاجْتِمَاع)
(2/87)

خبر بعد خبر لِأَن: أَي لَيْسَ لعُمُوم الِانْفِرَاد كَمَا فِي أَو فَتبقى صور الِاجْتِمَاع كلهَا وَلَا تبقى صور الِانْفِرَاد فيكلم أَحدهمَا دون الآخر كَمَا قَالَ (فَلَا يَحْنَث بِأَحَدِهِمَا) أَي بِكَلَام أَحدهمَا (إِلَّا بِدَلِيل) يدل على أَن المُرَاد الِامْتِنَاع من كل مِنْهُمَا فَيحنث بِأَحَدِهِمَا (كلا تزن وتشرب) الْخمر فَإِنَّهُ يَأْثَم بِكُل مِنْهُمَا للقرينة الدَّالَّة على الِامْتِنَاع من كل مِنْهَا وَهِي حُرْمَة كل مِنْهُمَا (أَو يَأْتِي بِلَا) الزَّائِدَة الْمُؤَكّدَة للنَّفْي، مَعْطُوف على قَوْله بِدَلِيل، تَقْدِيره إِلَّا بِدَلِيل أَو بِأَن يَأْتِي بِلَا مثل مَا رَأَيْت (لَا زيدا وَلَا بكرا وَنَحْوه) مِمَّا يُفِيد هَذَا (وتقييده) أَي تَقْيِيد كَون الْمَنْع بِالْوَاو من الْجمع (بِمَا إِذا كَانَ للاجتماع تَأْثِير فِي الْمَنْع) أَي فِي منع الْحَالِف مثلا من تنَاول الْأَمريْنِ كَمَا إِذا حلف لَا يتَنَاوَل السّمك وَاللَّبن لما فِي اجْتِمَاعهمَا من الضَّرَر (بَاطِل) خبر تَقْيِيده (بِنَحْوِ لَا أكلم زيدا وعمرا وَكثير) مِمَّا هُوَ للْمَنْع من الْجمع مَعَ أَنه لَا تَأْثِير للاجتماع فِي الْمَنْع (والعموم) المُرَاد (بِأَو) أَي مَا يشْتَمل عَلَيْهِ (فِي الْإِثْبَات كلا أكلم أحدا إِلَّا زيدا أَو بكرا) إِذْ النَّفْي قد انْتقض بِالِاسْتِثْنَاءِ فَيحنث بِتَكْلِيم غَيرهمَا لَا بتكليمهما وَلَا بِتَكْلِيم أَحدهمَا، إِنَّمَا يفهم (من خَارج) وَهُوَ الْإِبَاحَة الْحَاصِلَة من الِاسْتِثْنَاء من الْحَظْر لِأَنَّهَا إِطْلَاق وَرفع قيد، كَذَا ذكره الشَّارِح، وَالْأَظْهَر أَنه للْإِبَاحَة لِأَن الْكَلَام الْمُشْتَمل على الِاسْتِثْنَاء تكلم بِمَا بَقِي بعد الثنيا، فالمنفي إِنَّمَا هُوَ كَلَام من عداهما، وَأَيْضًا الْمُسْتَثْنى كَلَام أَحدهمَا سَوَاء كَانَ فِي ضمن الِانْفِرَاد والاجتماع وَهُوَ على سَبِيل منع الْخُلُو لَا الْجمع إِذْ علم من استثنائه أَنه لَا يكره كَلَامهمَا، وَلَيْسَ فِي الْجمع بَينهمَا مَا يُوجب كَرَاهَته (فَهِيَ) أَي أَو (للأحد فيهمَا) أَي النَّفْي وَالْإِثْبَات، غير أَنه يُسْتَفَاد الْعُمُوم تَارَة بسياق النَّفْي وَتارَة بِغَيْرِهِ كَمَا عرفت (فَمَا قيل) كَمَا ذكره فَخر الْإِسْلَام وَمن تبعه من أَن أَو (تستعار للْعُمُوم تساهل) إِذْ هِيَ لم تسْتَعْمل فِي الْعُمُوم إِذْ هُوَ يُسْتَفَاد من الْخَارِج غير أَنه لما كَانَ مُتَعَلقا فِي بعض الْموَاد محلا للْعُمُوم الْحَاصِل من غَيرهَا، قيل يستعار لَهُ مُسَامَحَة، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (بل يثبت) الْعُمُوم (مَعهَا لَا بهَا وَلَيْسَت) أَو (فِي الْخَبَر للشَّكّ أَو التشكيك) كَمَا ذكره أَبُو زيد وَأَبُو إِسْحَاق الاسفرايني وَجَمَاعَة من النُّحَاة لانْتِفَاء كَونهَا لما ذكر (لَا لِأَن الْوَضع) أَي وضع الْأَلْفَاظ (للإفهام وَهُوَ) أَي الإفهام (مُنْتَفٍ) فِي الشَّك والتشكيك (لِأَنَّهُ إِن أُرِيد) بالإفهام الْمَذْكُور (إفهام الْمعِين) الَّذِي لَا إِبْهَام فِيهِ (منعنَا الْحصْر) وَيُقَال لَا، ثمَّ أَن الْوَضع لَيْسَ إِلَّا للإفهام كَيفَ والإجمال مِمَّا وضع لَهُ وَهُوَ غير معِين (أَو) أُرِيد بِهِ الإفهام (مُطلقًا) سَوَاء كَانَ مُبْهما أَو معينا (لم يفد) التَّعْلِيل الْمَذْكُور الْمَطْلُوب، لِأَن الإفهام الْمُطلق حَاصِل فِي الشَّك والتشكيك إِذْ رَأَيْت زيدا أَو عمرا أَفَادَ تَعْلِيق الرُّؤْيَة بِوَاحِدَة مِنْهُمَا لَا على التعين، وَالشَّكّ إِنَّمَا هُوَ فِي الْخُصُوص (بل) يَنْفِيه (لِأَن الْمُتَبَادر) من الْكَلَام الْمُشْتَمل عَلَيْهَا (أَولا إِفَادَة النِّسْبَة إِلَى أَحدهمَا)
(2/88)

أَي المتعاطفين بأولا على التَّعْيِين، والتبادر دَلِيل الْحَقِيقَة فَهُوَ الْمَعْنى الْمُسْتَعْمل فِيهِ (ثمَّ ينْتَقل) الذِّهْن بعد ذَلِك (إِلَى كَون سَبَب الْإِبْهَام أَحدهمَا) أَي الشَّك من الْمُتَكَلّم إِن لم يكن عَالما والتشكيك إِن كَانَ عَالما بِطرف النِّسْبَة عينا وَأَرَادَ أَن يلبس على السَّامع (فَهُوَ) أَي الشَّك والتشكيك مَدْلُول (التزامي) للْكَلَام (عادي لَا عَقْلِي) لِإِمْكَان انفكاكهما بِأَن يَسْتَفِيد السَّامع نِسْبَة الْمَجِيء إِلَى أَحدهمَا مُبْهما من غير أَن ينْتَقل ذهنه إِلَى سَبَب الْإِبْهَام إِلَيْهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لِإِمْكَان عدم إخطاره) كَذَا فِي نُسْخَة، وَفِي نُسْخَة أُخْرَى عدم إِحْضَاره (وَعنهُ) أَي وَعَن كَون الشَّك أَو التشكيك مدلولا التزاميا عاديا لأو (تجوز بِأَنَّهَا للشَّكّ) قَالَ الشَّارِح لعلاقة التلازم العادي فَكَأَنَّهُ لم يفرق بَين تجوز بهَا عَن الشَّك وَتجوز بِأَنَّهَا للشَّكّ.
وَأَنت خَبِير بِأَن التَّجَوُّز على الأول فِي أَو، وعَلى الثَّانِي فِي أَنَّهَا للشَّكّ: أَي فِي هَذَا الحكم إِذْ هِيَ فِي الْحَقِيقَة لما يلْزمه الشَّك عَادَة لَا لنَفس الشَّك (وَقد يعلم بِخَارِج التَّعْيِين) أَي قد يعلم طرف النِّسْبَة بِعَيْنِه من الْخَارِج فَلَيْسَ المُرَاد إِفَادَة كَون أحد الْأَمريْنِ لَا على التَّعْيِين) طرف النِّسْبَة إِذْ لَا حاجه إِلَيْهِ كَمَا أَنه لَا حَاجَة إِلَّا إِفَادَة كَون أَحدهمَا بِعَيْنِه طرفها (فَيكون) أَو حِينَئِذٍ (للإنصاف). أَي لإِظْهَار النصفة حَتَّى أَن كل من سَمعه من موَالٍ ومخالف يَقُول لمن خُوطِبَ بِهِ قد أنصفك الْمُتَكَلّم نَحْو قَوْله تَعَالَى - (وَإِنَّا أَو إيَّاكُمْ الْآيَة) {لعلى هدى أَو فِي ضلال مُبين} - قَالَ الْعَلامَة الْبَيْضَاوِيّ: أَي وَأَن أحد الْفَرِيقَيْنِ من الْمُوَحِّدين المتوحد بالرزق وَالْقُدْرَة الذاتية بِالْعبَادَة، وَالْمُشْرِكين بِهِ الجماد النَّازِل فِي أدنى الْمَرَاتِب الإمكانية لعلى أحد الْأَمريْنِ من الْهدى والضلال الْمُبين وَهُوَ بعد مَا تقدم من التَّقْرِير البليغ الدَّال على من هُوَ على الْهدى وَمن هُوَ فِي ضلال أبلغ من التَّصْرِيح لِأَنَّهُ فِي صور الْإِنْصَاف المسكت للخصم المشاغب انْتهى فَإِن قلت أَن الْإِنْصَاف إِنَّمَا يحصل بالترديد فِي جَانب الْمسند بتجويز الْهِدَايَة والضلال صُورَة فِي الموحد والمشرك فَمَا وَجه الترديد فِي جَانب الْمسند إِلَيْهِ، وَلم لم يقل إِنَّا وَإِيَّاكُم؟ وَأَيْضًا كَون أحد الْفَرِيقَيْنِ مَوْصُوفا بِأحد الْأَمريْنِ بديهي جلي فَمَا فَائِدَة الْأَخْبَار بِهِ؟ قلت فَائِدَته التَّنْبِيه على أَن الْعَامِل إِذا علم أَن أمره دَار بَين السَّعَادَة الأبدية والشقاوة السرمدية يجب عَلَيْهِ بذل الوسع جَمِيع الْعُمر فِي استكشاف طَرِيق النجَاة، والترديد فِي جَانب الْمسند إِلَيْهِ يزِيد فِي الْإِنْصَاف لما يُوهِمهُ الترديد من التَّسْوِيَة بَين شقيه بِصُورَة المعادلة بَينهمَا وَتَحْقِيق الْجَواب عَنْهُمَا أَنه قصد بِهَذَا الْكَلَام معنى لَا يحصل إِلَّا بالترديدين مَعًا، وَهُوَ أَن الْفَرِيقَيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ على الْهِدَايَة وَلَا على الضَّلَالَة فَلَو قَالَ إِنَّا وَإِيَّاكُم إِلَى آخِره لَكَانَ الْمَعْنى إِنَّا لعلى هدى أَو فِي ضلال مُبين وَأَنْتُم كَذَلِك وَهَذَا لَا يُفِيد الْمَقْصُود لجَوَاز اجْتِمَاعهمَا على أحد شقي الترديد، بِخِلَاف وَأَنا وَإِيَّاكُم فَإِنَّهُ لَا يحْتَمل
(2/89)

ذَلِك، فَإِن قيل هَذَا إِذا جعل قضيتين: إِحْدَاهمَا، إِنَّا وَإِيَّاكُم لعلى هدى على سَبِيل منع الْجمع وَالْأُخْرَى إِنَّا أَو إيَّاكُمْ لفي ضلال كَذَلِك، فَحِينَئِذٍ لَا يُمكن اتِّفَاقهمَا على الْهِدَايَة وَلَا على الضَّلَالَة، وَالظَّاهِر أَنه قَضِيَّة وَاحِدَة مرددة الْمَوْضُوع والمحمول حاصلها الحكم على أحد الْفَرِيقَيْنِ بِأحد الْأَمريْنِ على سَبِيل منع الْجمع، فَلَو فرض كَونهمَا جَمِيعًا على الْهِدَايَة مثلا صدقت قُلْنَا لَا نسلم أَن ظَاهره مَا ذكرت، بل هُوَ عرفا عبارَة عَن تينك القضيتين واختصار لَهما وَالله أعلم، ثمَّ عطف على قَوْله قبل مُفْرد (وَقبل جملَة لِأَن الثَّابِت) أَي لإِفَادَة أَن الثَّابِت (أحد المضمونين وَكَذَا تجوز) أَي كَمَا تجوز بِأَن لَو للتشكيك أَو الشَّك وَهُوَ تساهل كَذَلِك تجوز (بِأَنَّهَا للتَّخْيِير أَو الْإِبَاحَة بعد الْأَمر) فَفِيهِ تساهل أَيْضا (وَإِنَّمَا هِيَ لإيصال معنى الْمَحْكُوم بِهِ) كالرؤية (إِلَى أَحدهمَا) كزيد أَو عَمْرو فِي رَأَيْت زيدا أَو عمرا (فَإِن كَانَ) الْمَحْكُوم بِهِ (أمرا) كالضرب زيدا أَو عمرا، وَالْمرَاد بِهِ الْمسند إِذْ لَا حكم فِي الْأَمريْنِ (لزم أَحدهمَا) أَي لزم إِيقَاع الْفِعْل مُتَعَلقا بِأَحَدِهِمَا (وَيتَعَيَّن) كل من الْإِبَاحَة والتخير (بِالْأَصْلِ فَإِن كَانَ) الأَصْل (الْمَنْع فتخيير) أَي فَلَا يتَعَيَّن تَخْيِير (فَلَا يجمع) الْمُخَاطب بَينهمَا (كبع عَبدِي ذَا أَو ذَا) فيبيع أَحدهمَا لِأَن بيع مَمْلُوك الْغَيْر مَمْنُوع، والمستفاد من اللَّفْظ الْإِذْن فِي بيع أَحدهمَا فَمَا زَاد عَلَيْهِ على مَا كَانَ عَلَيْهِ من الْمَنْع (أَو) كَانَ الأَصْل (الْإِبَاحَة فإلزام أَحدهمَا) أَي فَالْمُرَاد إِلْزَام إِيقَاع الْفِعْل مُتَعَلقا بِأَحَدِهِمَا (وَجَاز الآخر بِالْأَصْلِ) أَي بِمُوجب الْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة (وَفِي) قَوْله لعبيده الثَّلَاثَة (هَذَا حر أَو هَذَا) بأوو (ذَا) بِالْوَاو (قيل لَا عتق إِلَّا بِالْبَيَانِ لهَذَا) أَي كَانَ يُشِير إِلَى وَاحِد بِعَيْنِه للْبَيَان وَبِقَوْلِهِ هَذَا حر (أَو هَذَانِ) أَي يُشِير إِلَى اثْنَيْنِ بعينهما وَيَقُول هَذَانِ حران وَهَذَا إِذا كَانَ قَوْله لهَذَا إِلَى آخِره تصويرا للْبَيَان، وَالْأَوْجه أَن يَجْعَل مقيسا عَلَيْهِ يَعْنِي حكم هَذِه المسئلة عدم الْعتْق إِلَّا بِالْبَيَانِ كَمَا أَن حكم مسئلة هَذَا حر وَهَذَانِ كَذَلِك بالِاتِّفَاقِ وَذَلِكَ لِأَن الْجمع بِالْوَاو بِمَنْزِلَة الْجمع بِأَلف التَّثْنِيَة فَيتَخَيَّر بَين الأول والآخرين، وَهَذَا قَول زفر وَالْفراء ذكره الشَّارِح (وَقيل يعْتق الْأَخير) فِي الْحَال وَيتَخَيَّر فِي الْأَوَّلين يعين أَيهمَا شَاءَ (لِأَنَّهُ) أَي القَوْل الْمَذْكُور (كأحدهما) أَي كَقَوْلِه أَحدهمَا حر (وَهَذَا) وَفِي القَوْل يعْتق الْأَخير وَيتَخَيَّر فِي الْأَوَّلين، فَكَذَا مَا هُوَ بِمَعْنَاهُ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور (وَرجح) القَوْل الثَّانِي والمرجح صدر الشَّرْعِيَّة (باستدعاء) القَوْل (الأول تَقْدِير حران) لِأَن الْخَبَر الْمَذْكُور وَهُوَ حر لَا يصلح خَبرا لاثْنَيْنِ (وَهُوَ) أَي تَقْدِير حران (بِدلَالَة) الْخَبَر (الأول) وَذَلِكَ أَن الْعَطف للتشريك فِي الْخَبَر أَو لإِثْبَات خبر آخر مثله (وَهُوَ) أَي الأول (مُفْرد) فَيلْزم عدم الْمُنَاسبَة بَين الدَّال والمدلول (وَيُجَاب) والمجيب الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ (بِأَنَّهَا) أَي صِحَة دلَالَة
(2/90)

الْخَبَر على الْمُقدر (تَقْتَضِي اتِّحَاد الْمَادَّة لَا الصِّيغَة قَالَ الشَّاعِر:
(نَحن بِمَا عندنَا وَأَنت بِمَا ... عنْدك رَاض والرأي مُخْتَلف)

(وَلَو سلم) اقْتِضَاء اتِّحَاد الصِّيغَة (فَإِنَّمَا يلْزم) كَون الْخَبَر مثله (لَو ثنى مَا بعد أَو) لم يثن هَاهُنَا (فالمقدر مُفْرد فِي كل مِنْهُمَا) أَي هَذَا وَذَاكَ فَكَأَنَّهُ قَالَ هَذَا حر أَو هَذَا حر وَذَا حر، لَا يُقَال يلْزم كَثْرَة الْحَذف لِأَنَّهُ مُشْتَرك الْإِلْزَام فَتَأمل (و) رجح أَيْضا (بِأَن أَو مُغيرَة) لِمَعْنى هَذَا حر (فتوقف عَلَيْهِ) أَي على مَا بعْدهَا (الأول) أَي حكم مَا قبلهَا وَبعد ذكره يصير مَعْنَاهُ أَحدهمَا (لَا الْوَاو) أَي لَيست بمغيرة لما قبلهَا لِأَنَّهَا (للتشريك) فَيَقْتَضِي بَقَاء حكم الأول ومشاركة مَا بعْدهَا لَهُ فِي الحكم (فَلَا يتَوَقَّف) الأول على قَوْله: وَهَذَا حر فَيتم الترديد قبلهَا (فَلَيْسَ) الثَّالِث (فِي حيّز أَو فَينزل) مَا قبل الْوَاو لعدم التَّوَقُّف على مَا بعْدهَا، وَيثبت التَّخْيِير بَين الأول وَالثَّانِي فَيصير مَعْنَاهُ: أَحدهمَا حر، وَهَذَا حر (وَيمْنَع) هَذَا التَّرْجِيح (بِأَنَّهُ) أَي قَوْله وَهَذَا (عطف على مَا بعد أَو فشرك) على صِيغَة الْمَجْهُول أَي مَا بعد الْوَاو (فِي حكمه) أَي مَا بعد أَو فِي (ثُبُوت مَضْمُون الْخَبَر) وَهُوَ الْحُرِّيَّة (للأحد) ثمَّ بَين الْأَحَد الْمُثبت لَهُ الْمَضْمُون بقوله (مِنْهُ) أَي مِمَّا بعد أَو (وَمِمَّا قبله) مرجع هَذَا الضَّمِير مرجع الأول، أَو كلمة أَو بِتَأْوِيل وَالْحَاصِل أَن حكم مَا بعد أَو قبل عطف الثَّالِث عَلَيْهِ كَونه أحد شقي الترديد مُسْتقِلّا بعد مَا عطف عَلَيْهِ أَن يكون مَعَ مَا عطف عَلَيْهِ أحد شقي الترديد، فلولا هَذَا التَّشْرِيك كَانَ لَهُ أَن يخْتَار الثَّانِي وَحده وَبعده لَيْسَ لَهُ ذَلِك بل يجب عَلَيْهِ اخْتِيَار الْأَخيرينِ مَعًا (فتوقف) مَا قبل الْوَاو (عَلَيْهِ) أَي على مَا بعْدهَا لكَونه مغيرا لَهُ كَمَا عرفت (وَلم يعْتق) أحدهم (إِلَّا باختيارهما) أَي الثَّانِي وَالثَّالِث، الشق الثَّانِي فِي الترديد فيعتقان (أَو) بِاخْتِيَار (الأول) من الترديد فَيعتق وَحده (فَصَارَ كحلفه لَا يكلم ذَا أَو ذَا أَو ذَا لَا يَحْنَث بِكَلَام أحد الْأَخيرينِ) وَإِنَّمَا يَحْنَث بكلامهما أَو الأول، وروى الشَّارِح عَن مُحَمَّد من طَرِيق ابْن سَمَّاعَة كَون الطَّلَاق وَالْعتاق كاليمين فِي هَذَا الحكم، وروى أَن ظَاهر الْعبارَة عتق الآخر وَطَلَاق الْأَخِيرَة وَالْخيَار فِي الْأَوليين، ثمَّ ذكر زِيَادَة تَفْصِيل لَا يحْتَاج إِلَيْهَا حل الْمَتْن، ثمَّ لما توهم بعض الْمُعْتَزلَة منع التَّكْلِيف بِوَاحِد مُبْهَم من أُمُور مُعينَة لكَونه مَجْهُولا حَتَّى ذهب إِلَى أَن الْوَاجِب الْجَمِيع، وَيسْقط بِوَاحِد وَكَانَ هَذَا من لَوَازِم التَّخْيِير أَشَارَ المُصَنّف إِلَى رده، فَقَالَ (وَمنع صِحَة التَّكْلِيف مَعَ التَّخْيِير فَحكم بِوُجُوب خِصَال الْكَفَّارَة) وَهِي الْإِطْعَام وَالْكِسْوَة والتحرير (وَيسْقط) وجوبهما بِالنّصب عطفا على الْوُجُوب بِتَقْدِير أَن (بِالْبَعْضِ) منعا (بِلَا مُوجب لِأَن صِحَّته) أَي التَّكْلِيف (بِإِمْكَان الِامْتِثَال وَهُوَ) أَي إِمْكَانه (ثَابت مَعَ التَّخْيِير لِأَنَّهُ) أَي الِامْتِثَال (بِفعل إِحْدَاهمَا) أَي
(2/91)

الْخِصَال، وَسَيَأْتِي تَفْصِيل الْكَلَام فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى (والإنشاء كالأمر) فأوفيه للتَّخْيِير أَو الْإِبَاحَة (فَلِذَا) أَي لكَون أَو للتَّخْيِير أَو الْإِبَاحَة فِي الْإِنْشَاء (وَعدم الْحَاجة) أَي تحمل الْجَهَالَة (أبطل أَبُو حنيفَة التَّسْمِيَة وَحكم مهر الْمثل فِي التَّزَوُّج على كَذَا) أَي الْألف مثلا (أَو كَذَا) كألفين (لِأَنَّهُ) أَي كَون الْمهْر أمرا مَجْهُولا لكَونه أحد الْأَمريْنِ (جَهَالَة لَا حَاجَة إِلَى تحملهَا إِذْ كَانَ لَهُ) أَي لقعد النِّكَاح (مُوجب أُصَلِّي) مَعْلُوم يلْزم بِدُونِ الذّكر إِذا لم يكن الْمهْر مَعْلُوما، وَهُوَ مهر الْمثل، وَمعنى تحكيم مهر الْمثل هَهُنَا أَنه ينظر إِلَى مِقْدَار مهر الْمثل، فَإِن كَانَ ألفي دِرْهَم أَو أَكثر، فَإِن شِئْت أخذت الْألف الْحَالة أَو الْأَلفَيْنِ عِنْد حُلُول الْأَجَل لِأَنَّهَا التزمت أحد الْوَجْهَيْنِ، وَإِن كَانَ أقل من ألف دِرْهَم فَأَيّهمَا شَاءَ أَعْطَاهَا، وَإِن كَانَ بَينهمَا كَانَ لَهَا مهر الْمثل (وصححاه) أَي أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد مَا سمى على وَجه التَّخْيِير، فَيكون الْمهْر أحد الْمَذْكُورين وَالِاخْتِيَار إِلَى الزَّوْج (إِن أَفَادَ التَّخْيِير) أَي إِن كَانَ التَّخْيِير مُفِيدا لكل من الزَّوْج وَالزَّوْجَة، أَو للزَّوْج نوع تيسير وَذَلِكَ (باخْتلَاف الْمَالَيْنِ) الْمَذْكُورين بَينهَا أَو (حلولا وأجلا) نصبهما على التَّمْيِيز عَن نِسْبَة الِاخْتِلَاف إِلَى الْمَالَيْنِ: أَي من حَيْثُ الْحُلُول والتأجيل: يَعْنِي أَن الْمُصَحح هَذَا الِاخْتِلَاف وَلَا يلْزم مِنْهُ عدم اخْتِلَافهمَا من وَجه أخر كعلي ألف حَالَة أَو أَلفَانِ إِلَى سنة، فَفِي الْألف يسر للزَّوْج بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَلفَيْنِ، وللزوجة بِالنِّسْبَةِ للحول، وَفِي الْأَلفَيْنِ يسري للزَّوْج من حَيْثُ التَّأْجِيل، وللزوجة من حَيْثُ التكثير (أَو) باخْتلَاف الْمَالَيْنِ (جِنْسا) كعلي ألف دِرْهَم أَو مائَة دِينَار إِذْ قد يكون تَحْصِيل أَحدهمَا على الزَّوْج أيسر (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن التَّخْيِير مُفِيدا لما ذكر بِأَن يَقع بَين أَمريْن لَيْسَ فِي كل مِنْهُمَا نوع يسر بِأَن يتَعَيَّن الْيُسْر فِي أَحدهمَا كعلي ألف أَو أَلفَانِ (تعين الْأَقَل) لتعين اخْتِيَار مَا هُوَ الأرفق بِهِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَة ذكر الْأَقَل بِدُونِ الترديد، هَذَا وَذكر المَال فِي النِّكَاح لَيْسَ من تَمَامه وَمن ثمَّة لَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْتِزَام مَال ابْتِدَاء من غير عقد، فَيجب الْقدر الْمُتَيَقن (كَالْإِقْرَارِ وَالْوَصِيَّة وَالْخلْع وَالْعِتْق) بِأَن أقرّ لإِنْسَان أَو وصّى لَهُ بِأَلف أَو أَلفَيْنِ أَو خَالعهَا أَو اعْتِقْ على ألف أَو أَلفَيْنِ، فَإِن الْأَقَل مُتَعَيّن فِي الْجَمِيع (وَلُزُوم الْمُوجب الْأَصْلِيّ) فِي النِّكَاح بِغَيْر مهر الْمثل إِنَّمَا هُوَ (عِنْد عدم تَسْمِيَة مُمكنَة) من مُطَالبَة مَال معِين، وَهِي هَهُنَا متحققة وَظَاهر هَذَا الْكَلَام تَرْجِيح قَوْلهمَا (وَفِي وكلت هَذَا أَو هَذَا صَحَّ) التَّوْكِيل (لِإِمْكَان الِامْتِثَال) يَعْنِي أَن التَّوْكِيل بِالْبيعِ مثلا أَمر للْوَكِيل بِأَن يَبِيع عَبده وَصِحَّته بِإِمْكَان امْتِثَال الْمَأْمُور بِأَن يفعل مَا أَمر بِهِ، ثمَّ بَين الْإِمْكَان بقوله (بِفعل أَحدهمَا) أَي بِأَن يفعل الْمَأْمُور بِهِ أحد الشخصين إِذْ الْإِذْن لأَحَدهمَا غير معِين فِي معنى قَوْله أَيهمَا بَاعَ، فَهُوَ مَأْذُون من عِنْدِي ممتثل
(2/92)

لأمري (وَلَا يمْتَنع اجْتِمَاعهمَا) بِأَن يُبَاشر البيع مَعًا، فَكَانَ فعلهمَا جَمِيعًا امتثالا لأمر الْمُوكل قِيَاسا على فعل أَحدهمَا، وَذَلِكَ لِأَن التَّصَرُّف فِي ملك الْغَيْر مَمْنُوع غير مُبَاح إِلَّا بِإِذْنِهِ وَإِذا أذن لأَحَدهمَا ثَبت للأحد الْإِبَاحَة فِي التَّصَرُّف، لِأَنَّهُ رَضِي بتصرفه، وَإِذا رَضِي بِتَصَرُّف كل مِنْهُمَا مُنْفَردا دلّ ذَلِك على رِضَاهُ بتصرفهما مَعًا بِالطَّرِيقِ الأول، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَهُوَ) أَي الحكم بِإِبَاحَة تصرفهما مَعًا (تَسْوِيَة) بَين تصرفهما مَعًا وَتصرف أَحدهمَا فَقَط فِي الْإِبَاحَة الْحَاصِلَة من إِذن الْمَالِك (مُلْحق) على صِيغَة الْفَاعِل والتذكير بِاعْتِبَار الْمصدر: أَي يلْحق إِبَاحَة صُورَة الِاجْتِمَاع (بِالْإِبَاحَةِ) المنصوصة فِي صُورَة الِانْفِرَاد أَو على صِيغَة الْمَفْعُول وَالْمعْنَى فَهُوَ أَي التَّخْيِير مُلْحق بِالْإِبَاحَةِ فِي جَوَاز الِاجْتِمَاع (بِخَارِج) أَي بِدَلِيل خَارج من لفظ الْمُوكل، ثمَّ أَشَارَ إِلَى ذَلِك الْخَارِج بقوله (للْعلم) بِأَنَّهُ أَي الْمُوكل إِذا رضى بِرَأْي أَحدهمَا فَهُوَ (برأيهما أرْضى) لِاجْتِمَاع الرأيين (بِخِلَاف) قَوْله (بِعْ ذَا أَو ذَا) مُشِيرا إِلَى عَبْدَيْنِ مثلا (يمْتَنع الْجمع) بَينهمَا فِي البيع (لانتفائه) أَي الرِّضَا ببيعهما جَمِيعًا (وَالْقِيَاس الْبطلَان) أَي بطلَان الطَّلَاق (فِي هَذِه طَالِق أَو هَذِه لايجابه) الطَّلَاق (فِي الْمُبْهم وَلَا يتَحَقَّق) الطَّلَاق (فِيهِ) أَي الْمُبْهم (لكنه) أَي قَوْله هَذِه طَالِق، وَكَذَا هَذِه حرَّة (شرعا إنْشَاء عِنْد عدم احْتِمَال الْأَخْبَار) وَلَا يحْتَمل هَهُنَا (بِعَدَمِ قيام طَلَاق إِحْدَاهمَا) قبل التَّكَلُّم بِهَذَا الْكَلَام (وَعدم) قيام (حريتها) أَي إِحْدَاهمَا (فِي هَذِه حرَّة أَو هَذِه مُوجب) بِالرَّفْع صفة إنْشَاء توَسط بَينهمَا الظّرْف وَمَا يتَعَلَّق بِهِ (للتعيين) صلَة مُوجب، فَيجْبر الْمُطلق وَالْمُعتق أَن يعين المُرَاد من الْمُبْهم حَال كَون التَّعْيِين (إنْشَاء من وَجه لِأَن بِهِ) أَي بِالتَّعْيِينِ ينزل (الْوُقُوع) أَي وُقُوع الطَّلَاق وَالْعتاق، إِذْ قبل التَّعْيِين لَا يصلح الْمحل للوقوع لإبهامه، ثمَّ رتب على كَونه إنْشَاء من وَجه آخر قَوْله (فَلَزِمَ قيام أَهْلِيَّته) أَي الْموقع للطَّلَاق وَالْعتاق (ومحليتهما) أَي شقي الترديد (عِنْده) أَي التَّعْيِين، لِأَن الْإِنْشَاء لَا بُد لَهُ من أَهْلِيَّة المنشئ حَال الْإِنْشَاء وصلاحية الْمحل للمحلية (فَلَا يعين) الْمُطلق وَالْمُعتق إِذا مَاتَ إِحْدَى الزوجتين أَو الجاريتين (الْمَيِّت) بِأَن يَقُول كَانَ مرادي من أَحدهمَا هَذِه الْميتَة لانْتِفَاء محليتها للوقوع حِينَئِذٍ (و) لزم (اعْتِبَاره) أَي الْإِنْشَاء (فِي) صُورَة (التُّهْمَة) أَي فِيمَا كَانَ الْمُطلق مُتَّهمًا فِي جعله إِخْبَارًا لغَرَض يرجع إِلَيْهِ (فَلم يَصح تزوج أُخْت الْمعينَة من المدخولتين) اللَّتَيْنِ قَالَ فيهمَا هَذِه طَالِق أَو هَذِه، ثمَّ عين إِحْدَاهمَا وَأَرَادَ أَن يتَزَوَّج بأختها من غير مُضِيّ الْعدة بعد التَّعْيِين (أَخْبَارًا من وَجه) لِأَن الصِّيغَة صِيغَة أَخْبَار (فأجبر عَلَيْهِ) أَي على الْبَيَان إِذْ لأجبر فِي الإنشاءات بِخِلَاف الْإِقْرَار، فَإِنَّهُ لَو أقرّ بِمَجْهُول صَحَّ وأجبر على بَيَانه (وَاعْتبر) الْأَخْبَار (فِي
(2/93)

غَيرهمَا) أَي المدخولتين (فصح ذَلِك) أَي تزوج أُخْت الْمعينَة: يَعْنِي إِذا طلق إِحْدَى زوجتيه بِغَيْر عينهَا وَلم يكن دخل بهَا، ثمَّ تزوج أُخْت إِحْدَاهمَا، ثمَّ بَين الطَّلَاق فِي أُخْتهَا لعدم التُّهْمَة لقدرته على إنْشَاء الطَّلَاق فِي الَّتِي عينهَا وَعدم الْعدة لَهَا لكَونهَا غير مدخولة، وَلَا يخفى أَن فرض كَونهمَا غير مدخولتين اتفاقي وَلَا يَكْفِي كَون مَحل التَّعْيِين غير مدخولة، ثمَّ لما كَانَ يشكل على كَون أَو للتَّخْيِير فِي الْإِنْشَاء آيَة الْمُحَاربَة، فَإِنَّهَا مُشْتَمِلَة على أَو، وَهِي إنْشَاء، وَلم يُؤَخر التَّخْيِير فِيمَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ من الحكم، أَشَارَ إِلَى الْجَواب بقوله (وَترك مقتضاها) أَي وَلُزُوم ترك مُقْتَضى أَو الْوَاقِعَة فِي الْإِنْشَاء فِي آيَة الْمُحَاربَة " إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله ويسعون فِي الأَرْض فَسَادًا أَن يقتلُوا أَو يصلبوا أَو تقطع أَيْديهم وأرجلهم من خلاف أَو ينفوا من الأَرْض " (للصارف) عَن الْعَمَل (لَو لم يكن أثر) مُفِيد لمُخَالفَته أَيْضا: يَعْنِي لَو فرض عدم الْأَثر يَكْفِي الصَّارِف الْمَذْكُور (وَهُوَ) أَي الصَّارِف (أَنَّهَا) أَي آيَة الْمُحَاربَة (أجزية بِمُقَابلَة جنايات لتصور الْمُحَاربَة) أَي لِأَن الْمُحَاربَة تتَصَوَّر: أَي تتَحَقَّق (بصور) شَتَّى (أَخذ) لِلْمَالِ الْمَعْصُوم فَقَط بدل بعض من صور (أَو قتل) للنَّفس المعصومة فَقَط (أوكليهما) أى أَخذ وَقتل (أَو إخافة) للطريق فَقَط (فَذكرهَا): أَي الأجزية من حَيْثُ أَنَّهَا أجزية (مُتَضَمّن ذكرهَا) أَي الْجِنَايَات، فَكَأَنَّهَا ذكرت أَيْضا (ومقابلة مُتَعَدد بمتعدد ظَاهر فِي التَّوْزِيع، وَأَيْضًا مُقَابلَة أخف الْجِنَايَات بالأغلظ وَقَلبه) أَي مُقَابلَة أغْلظ الْجِنَايَات بالأخف (ينبو) أَي يبعد (عَن قَوَاعِد الشَّرْع) كَيفَ، وَقد قَالَ تَعَالَى {وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا} فَوَجَبَ الْقَتْل بِالْقَتْلِ وَقطع الْيَد) الْيُمْنَى (وَالرجل) الْيُسْرَى (بِالْأَخْذِ) لِلْمَالِ الْمَعْصُوم إِذا أصَاب كل مِنْهُم نِصَابا، وَمَالك شَرط كَون الْمَأْخُوذ نِصَابا فَصَاعِدا أصَاب كل نِصَاب أَولا، وَإِنَّمَا قطعناهما مَعًا فِي الْأَخْذ مرّة وَاحِدَة بِخِلَاف السّرقَة، لِأَنَّهُ أغْلظ من أَخذ السّرقَة، حَيْثُ كَانَ مجاهرة ومكابرة مَعَ إشهار السِّلَاح (والصلب) حَيا، ثمَّ يعج بَطْنه بِرُمْح حَتَّى يَمُوت كَمَا عَن الْكَرْخِي وَغَيره، أَو بعد الْمَوْت كَمَا عَن الطحاوى وَهُوَ الأوضح وأيا مَا كَانَ بعد قطع يَده وَرجله من خلاف أَو لَا، وَالْقَتْل بِلَا صلب وَلَا قطع على حسب اخْتِيَار الإِمَام كَمَا هُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَزفر، و (بِالْجمعِ) بَين الْقَتْل وَالْأَخْذ، وَقَالا لَا بُد من الصلب (وَالنَّفْي) من الأَرْض أَي الْجِنْس (بالإخافة فَقَط، فأثر أبي يُوسُف عَن الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وادع الخ) أَي أَبَا بردة هِلَال بن عريم الْأَسْلَمِيّ، فجَاء أنَاس يُرِيدُونَ الْإِسْلَام، فَقطع عَلَيْهِم أَصْحَاب أبي بردة الطَّرِيق، فَنزل جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْحَدِّ: أَن من قتل وَأخذ المَال صلب، وَمن قتل وَلم يَأْخُذ المَال قتل
(2/94)

وَمن أَخذ مَالا وَلم يقتل قطعت يَده وَرجله من خلاف، وَمن جَاءَ مُسلما هدم الْإِسْلَام مَا كَانَ مِنْهُ فِي الشّرك وَفِي رِوَايَة عَطِيَّة عَن ابْن عَبَّاس: وَمن أَخَاف الطَّرِيق وَلم يقتل وَلم يَأْخُذ المَال نفي (على وَفقه) أَي الصَّارِف، وَقَوله أثر أبي يُوسُف مُبْتَدأ خَيره (زِيَادَة) أَي زَائِد على الصَّارِف فِي دفع الْإِشْكَال (لَا يَضرهَا) أَي الزِّيَادَة الْمَذْكُورَة (التَّضْعِيف) بِمُحَمد بن السَّائِب الْكَلْبِيّ لاتهامه بِالْكَذِبِ: إِذْ الْأَثر وَإِن كَانَ ضَعِيفا يصلح لتقوية مَا هُوَ مُسْتَقل فِي إِفَادَة الْمَقْصد (فَكيف وَلَا يَنْفِي) أَي التَّضْعِيف (الصِّحَّة فِي الْوَاقِع) لجَوَاز إجَازَة التَّضْعِيف فِي خُصُوص مَرْوِيّ (فموافقة الْأُصُول) الْمُعْتَبرَة شرعا من رِعَايَة الْمُنَاسبَة بَين الْجِنَايَة وَالْجَزَاء والمماثلة بَينهمَا بِمُوجب قَوْله تَعَالَى - {وَجَزَاء سَيِّئَة} - الْآيَة وَغَيره (ظَاهر فِي صِحَّتهَا) أَي الزِّيَادَة الَّتِي هِيَ الْأَثر الْمَذْكُور، الْمشَار إِلَيْهِ بقوله لَو لم يكن أثر (وَإِذ قبلت) أَو (معنى التَّعْيِين) أَي معنى الْإِبْهَام فِيهِ، وقبولها إِيَّاه اسْتِعْمَالهَا فِي مَوضِع الْإِبْهَام فِيهِ لَا باستعمالها فِيهِ: إِذْ التَّعْيِين يَأْتِي من الْخَارِج كَمَا سيصرح بِهِ، غير أَنهم أَرَادوا بِالْقبُولِ استعمالهما فِيهِ كَمَا يدل عَلَيْهِ آخر الْكَلَام (كالآية) أَي آيَة الْمُحَاربَة (وَصُورَة الْإِنْصَاف) {كَانَا أَو إيَّاكُمْ لعلى هدى أَو فِي ضلال مُبين} - (وَجب) الْمعِين أَي إِرَادَته مِنْهَا (فِي) صُورَة (تعذر) مَعْنَاهُ (الْحَقِيقِيّ) الَّذِي هُوَ أحد الْأَمريْنِ، لِأَنَّهُ أولى من إِلْغَاء الْكَلَام (فَعَنْهُ) أَي عَن وجوب الْمجَازِي عِنْد تعذر الْحَقِيقِيّ (قَالَ) أَبُو حنيفَة (فِي هَذَا حر أَو ذَا لعَبْدِهِ ودابته يعْتق) عَبده (وألغياه) أَي أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد هَذَا الْكَلَام (لعدم تصور حكم الْحَقِيقَة) وَهُوَ عتق أَحدهمَا لَا على التَّعْيِين لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمحل للْإِيجَاب: لِأَن أَحدهمَا، وَهِي الدَّابَّة لَيْسَ بِمحل لِلْعِتْقِ شرعا، وَقَالَ الشَّارِح: أَن شمس الْأَئِمَّة أَشَارَ إِلَى أَنه لَا يعْتق العَبْد عِنْدهمَا بِالنِّيَّةِ أَيْضا، لِأَن اللَّغْو لَا حكم لَهُ أصلا (كَمَا هُوَ أَصلهمَا) من أَن خَليفَة الْمجَاز للْحَقِيقَة بِاعْتِبَار الحكم، فَلَا بُد من إِمْكَان حكم الْحَقِيقَة، وَلِهَذَا لَا يرد الْحُرِّيَّة فِي هَذَا ابْني للأكبر مِنْهُ سنا (لَكِن) لَا يرد (عَلَيْهِ) أَي على قَول أبي حنيفَة (أَنهم) أَي الْحَنَفِيَّة (يمْنَعُونَ التَّجَوُّز فِي الضِّدّ) شرعا (والمعين ضد الْمُبْهم بِخِلَاف ابْني للأكبر لَا يضاد حَقِيقَة مجازيه وَهُوَ) أَي مجازيه (الْعتْق فَالْوَجْه أَنَّهَا) أَي أَو (دَائِما للأحد) أَي أحد الْأَمريْنِ (وَفهم التَّعْيِين أَحْيَانًا بِخَارِج) من اللَّفْظ (من غير أَن يسْتَعْمل) أَو (فِيهِ) أَي فِي التَّعْيِين، فَفِي قَوْله لعَبْدِهِ ودابته هَذَا حروذا بفهم التَّعْيِين من لُزُوم صون عبارَة الْعَاقِل مهما أمكن، وَقد أمكن إِذْ عرف أَن أَو يَقع فِي موقع يتَعَيَّن فِيهِ المُرَاد.
(2/95)

مسئلة
(تستعار) أَو (للغاية) أَي للدلالة على أَن مَا بعْدهَا غَايَة لما قبلهَا، وَهِي مَا يَنْتَهِي أَو يَمْتَد إِلَيْهِ الشَّيْء (قبل مضارع مَنْصُوب وَلَيْسَ قبلهَا) أَي أَو (مثله) أَي مضارع مَنْصُوب بل فعل ممتد (كلألزمنك أَو تُعْطِينِي) حَقي، فَإِن المُرَاد أَن ثُبُوت اللُّزُوم ممتد إِلَى وَقت أعطاء الْحق، وَهَذَا قَول النُّحَاة: أَن أَو هَذِه بِمَعْنى إِلَى أَن، وَجه الْمُنَاسبَة أَنَّهَا لأحد الْمَذْكُورين لَا يتَعَدَّى الحكم عَنْهُمَا كَمَا أَن الْفِعْل الممتد لَا يتَعَدَّى غَايَته، وَقيل لِأَن تعْيين كل مِنْهُمَا بِاعْتِبَار الْخِيَار قَاطع لاحْتِمَال الآخر كَمَا أَن الْوُصُول إِلَى الْغَايَة قَاطع للْفِعْل (وَلَيْسَ مِنْهُ) أَي من اسْتِعْمَال أَو للغاية قَوْله تَعَالَى {أَو يَتُوب عَلَيْهِم} كَمَا ذكره صدر الشَّرِيعَة تبعا للفراء حَيْثُ قَالَ: أَن أَو هَاهُنَا بِمَعْنى حَتَّى لِأَنَّهُ لَو كَانَ على حَقِيقَته، فإمَّا أَن يكون مَعْطُوفًا على شَيْء أَو على لَيْسَ، وَالْأول عطف الْفِعْل على الِاسْم، وَالثَّانِي عطف الْمُضَارع على الْمَاضِي، وَهُوَ لَيْسَ بِحسن فَسقط حَقِيقَته، واستعير لما لَا يحْتَملهُ وَهُوَ الْغَايَة: أَي لَيْسَ لَك من الْأَمر فِي عَذَابهمْ أَو اصطلاحهم شَيْء حَتَّى يَقع تَوْبَتهمْ أَو تعذيبهم، كَذَا ذكره الشَّارِح، وَفِيه أَنه يُفِيد أَن الْمَانِع عَن الْحمل على الْحَقِيقَة مُجَرّد عدم حسن الْعَطف، وَأَنت خير بِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِيم الْمَعْنى: إِن حملت عَلَيْهَا 0 بل عطف على يكتبهم) كَمَا صرح بِهِ الْبَيْضَاوِيّ والنسفي وَغَيرهمَا، أَو ليقطع كَمَا صرح بِهِ أَو الْقَاسِم، وَكَلَام صَاحب الْكَشَّاف يحتملها حَيْثُ قَالَ: أَو يَتُوب عطف على مَا قبله، فَقَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ عطف على ليقطع أَو يكْتب (وَلَيْسَ ومعمولاها) وهما لَك شَيْء مَعَ الْحَال من شَيْء، وَهُوَ من الْأَمر (اعْتِرَاض) بَين الْمَعْطُوف الَّذِي هُوَ التَّوْبَة والتعذيب الْمُتَعَلّق بالآجل والمعطوف عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ الْقطع والكبت، وَهُوَ شدَّة الغيظ، أَو وَهن يَقع فِي الْقلب الْمُتَعَلّق بالعاجل، ثمَّ احْتج على قَوْله لَيْسَ مِنْهُ بقوله (لما فِي ذَلِك) أَي فِي جعلهَا للغاية (من التَّكَلُّف مَعَ إِمْكَان الْعَطف) وَتَحْقِيق معنى الْآيَة يطْلب فِي التَّفْسِير وَالله أعلم.
مسئلة

(حَتَّى جَارة وعاطفة وابتدائية) أَي مَا بعْدهَا كَلَام مُسْتَأْنف لَا يتَعَلَّق من حَيْثُ الْأَعْرَاب بِمَا قبلهَا (بعْدهَا جملَة بقسميها) من الْمَاضِي والمضارع، نَحْو فزلزلوا - {حَتَّى يَقُول الرَّسُول} - بِالرَّفْع على قِرَاءَة نَافِع - {وبدلنا مَكَان السَّيئَة الْحَسَنَة حَتَّى عفوا وَقَالُوا} - واسمية مَذْكُور خَبَرهَا نَحْو:
(فَمَا زَالَت الْقَتْلَى تمج دماءها ... بدجلة حَتَّى مَاء دجلة أشكل)
(2/96)

ومحذوفة بِقَرِينَة الْكَلَام السَّابِق كَمَا سَيَأْتِي (وَصحت) الْوُجُوه الثَّلَاثَة (فِي أكلت السَّمَكَة حَتَّى رَأسهَا) بِالْجَرِّ، على أَنَّهَا جَارة أَو بِالنّصب على أَنَّهَا عاطفة لَهُ على السَّمَكَة، وبالرفع على أَنَّهَا مُبْتَدأ خبر مَحْذُوف أَعنِي مَأْكُول بِقَرِينَة السِّيَاق، وَقيل هَذَا على رَأْي الْكُوفِيّين، وَأما على رَأْي الْبَصرِيين فَرفع مَا بعده مَشْرُوط بِأَن يكون بعده مَا يصلح خَبرا لَهُ مثل أكلت السَّمَكَة حَتَّى رَأسهَا أَكلته (وَهِي) أَي حَتَّى على أَي وَجه كَانَت من الثَّلَاثَة (للغاية، وَفِي دُخُولهَا) أَي الْغَايَة الَّتِي هِيَ مدخولها فِيمَا قبلهَا حَال كَونهَا (جَارة) أَرْبَعَة أَقْوَال: أَحدهَا لِابْنِ السراج وَأبي عَليّ وَأكْثر الْمُتَأَخِّرين من النَّحْوِيين يدْخل مُطلقًا، ثَانِيهَا لجمهور النَّحْوِيين وفخر الْإِسْلَام وَغَيره لَا يدْخل مُطلقًا (ثَالِثهَا) للمبرد وَالْفراء والسيرافي والرماني وَعبد القاهر (إِن كَانَ) مَا جعل غَايَة (جُزْءا) مِمَّا قبله (دخل) وَإِلَّا لم يدْخل، و (رَابِعهَا لَا دلَالَة) على الدُّخُول وَلَا على عَدمه (إِلَّا للقرينة وَهُوَ) أَي هَذَا القَوْل (أحد) الْقَوْلَيْنِ (الْأَوَّلين) إِلَّا أَن يُرَاد) بهَا (أَنَّهَا) دَالَّة (على الْخُرُوج) أَي خُرُوج مَا بعْدهَا عَمَّا قبلهَا فِي بعض الاستعمالات (كَمَا) هِيَ دَالَّة (على الدُّخُول فِيمَا قبلهَا، وَفِيه) أَي فِي كَون هَذَا مرَادا (بعد) كَمَا لَا يخفى من لُزُوم الِاشْتِرَاك بَين الضدين وَلم يعرف لَهُ قَائِل، وَأظْهر الشَّارِح فرقا بَينه وَبَين الْأَوَّلين بِأَن الْمَدْلُول فِي الأول الدُّخُول مُطلقًا من غير توقف على قرينَة فَيحكم بِالدُّخُولِ من حَيْثُ لَا قرينَة، وَفِي الثَّانِي عَدمه مُطلقًا إِلَّا بِقَرِينَة فَيحكم بِعَدَمِ الدُّخُول حَيْثُ لَا قرينَة، وَمعنى الرَّابِع هُوَ أَنه لَا دلَالَة لحتى على دُخُول وَلَا على عَدمه بل الدَّال على أَحدهمَا الْقَرِينَة فَحَيْثُ لَا قرينَة يحكم بِعَدَمِ الدُّخُول بِالْأَصْلِ لَا بِاللَّفْظِ إِذا احتجنا إِلَى الحكم، وَإِلَّا لَا يحكم بِشَيْء انْتهى فحاصل الْفرق أَنه عِنْد وجود قرينَة الدُّخُول تُضَاف الدّلَالَة إِلَى الْقَرِينَة بِخِلَاف الأول إِذْ فِيهِ يُضَاف إِلَى حَتَّى، وَعند عدمهَا يُضَاف عدم الدُّخُول إِلَى عدم الْقَرِينَة لَا إِلَى حَتَّى بِخِلَاف الثَّانِي، غَايَة الْأَمر أَنه يلْزم حِينَئِذٍ عدم قرينَة الدُّخُول لِئَلَّا يلْزم الْمُعْتَبر إِلَى خلاف الْحَقِيقَة، وَكَأن المُصَنّف أَرَادَ أَن لفظ حَتَّى إِن كَانَ بِحَيْثُ يتَبَادَر مِنْهُ الدُّخُول مُطلقًا يتَعَيَّن أَن يكون المُرَاد فِي القَوْل الثَّانِي سلب دلَالَته بِنَفسِهِ على شَيْء من الدُّخُول وَالْخُرُوج، وَيكون فهم الْخُرُوج مُطلقًا من غير اللَّفْظ وَإِن كَانَ بِحَيْثُ يتَبَادَر مِنْهُ الْخُرُوج فعكس مَا قُلْنَا إِذْ يبعد كل الْبعد أَن يدعى كل من الْفَرِيقَيْنِ تبادر نقيض مَا يَدعِيهِ الآخر، فعلى كل تَقْدِير يتحد أحد الْقَوْلَيْنِ وَالْقَوْل الرَّابِع، وَهَذَا غَايَة التَّوْجِيه، وَبعد فِيهِ مَا فِيهِ (والاتفاق على دُخُولهَا) أَي الْغَايَة فِيمَا قبلهَا (فِي الْعَطف) بحتى لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تفِيد الْجمع فِي الحكم كالواو (وَفِي الابتدائية) أَي والاتفاق على دُخُولهَا فِي حَتَّى الابتدائية حَال كَونهَا (بِمَعْنى وجود المضمونين) مَضْمُون جملَة قبلهَا ومضمون جملَة بعْدهَا (فِي
(2/97)

وَقت) وَاحِد، فَفِي مرض حَتَّى لَا يرجونه تخقق الْمَرَض واليأس فِي زمَان وَاحِد (وَشرط الْعَطف البعضية) أَي كَون مَا بعْدهَا بَعْضًا مِمَّا قبلهَا كقدم الْحَاج حَتَّى المشاة (أَو نَحْوهَا) أَي البعضية بِكَوْن مَا بعْدهَا كالجزء مِمَّا قبلهَا من حَيْثُ اللُّزُوم نَحْو: قتل الْجند حَتَّى دوابهم، وَخرج الصيادون حَتَّى كلابهم، فَإِن كلا من الدَّوَابّ وَالْكلاب لَازِمَة للجند والصيادين، وَكَذَا يُقَال أعجبني الْجَارِيَة حَتَّى حَدِيثهَا: وَلَا يُقَال حَتَّى وَلَدهَا، إِذْ لَيْسَ الْوَلَد من لَوَازِم الْجَارِيَة، وَخَالف فِي هَذَا الشَّرْط فَأجَاز كَلْبِي يصيد الأرانب حَتَّى الظباء، وَهَذَا خطأ عِنْد الْبَصرِيين (فَامْتنعَ جَاءَ زيد حَتَّى بكر) لعدم البعضية (وَفِي كَونهَا) أَي العاطفة (للغاية نظر وَكَونه) أَي الْمَعْطُوف (أَعلَى مُتَعَلق للْحكم) كمات النَّاس حَتَّى الْأَنْبِيَاء (أَو أحط) مُتَعَلق لَهُ كقدم الْحَاج الخ (لَيْسَ) الْكَوْن الْمَذْكُور (مَفْهُوم الْغَايَة، إِذْ لَيْسَ) مفهومها (إِلَّا مُنْتَهى الحكم وَلَا يسْتَلْزم) كَون الْمَعْطُوف أَعلَى أَو أحط كَونه مُنْتَهى، وَفِي) أكلت السَّمَكَة (حَتَّى رَأسهَا بِالنّصب) وَقع الرَّأْس (مُنْتَهى الحكم اتفاقي لَا مدلولها) أَي لِأَن حَتَّى يدل عَلَيْهِ فَلَا يطرد (وَهُوَ) أَي عدم دلَالَة حَتَّى العاطف على انْتِهَاء الحكم (ظَاهر) قَول (الْقَائِل) وَهُوَ صَاحب البديع: حَتَّى (للغاية) تَارَة (وللعطف) أُخْرَى إِذْ لَو كَانَ مُرَاده للغاية والعطف بل للْعَطْف والغاية بِدُونِ ذكر اللَّام ثَانِيًا (وَهُوَ) أَي هَذَا القَوْل (الْحق) لما عرفت (وتأويله) أَي تَأْوِيل كَون العاطفة للغاية بِأَن حكم مَا عطفت عَلَيْهِ يَنْقَضِي شَيْئا فَشَيْئًا حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى الْمَعْطُوف (فِي اعْتِبَار الْمُتَكَلّم) وملاحظته لَا بِحَسب الْوُجُود نَفسه إِذْ قد يجوز ثُبُوت الحكم أَولا للمعطوف كَمَا فِي قَوْلك مَاتَ كل أَب لي حَتَّى آدم، أَو فِي الْوسط كمات وَمَات النَّاس حَتَّى الْأَنْبِيَاء (تكلّف) وَمَعَ هَذَا (يَنْفِيه الوجدان إِذْ لَا يجد الْمُتَكَلّم اعْتِبَاره كَون الْمَوْت تعلق شَيْئا فَشَيْئًا إِلَى أَن انْتهى) وَمَعَ هَذَا يَنْفِيه (إِلَى آدم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مَاتَ الْآبَاء حَتَّى آدم وَكثير) من الْأَمْثِلَة الَّتِي لَا يجد فِيهَا الِاعْتِبَار الْمَذْكُور لَا يُحْصى عدده، فَقَوله كثير بِالْجَرِّ عطفا على مَدْخُول فِي، وَيجوز فِيهِ الرّفْع على أَن أَمْثِلَة عدم الوجدان كَثِيرَة لَا تحصى (إِلَّا أَن قَوْله) أَي الْقَائِل الْمَذْكُور (وَقد تعطف) حَتَّى (تَاما أَي جملَة) أَي مصرحة بجزئيتها، والتذكير فِي تَاما بِتَأْوِيل الْكَلَام حَال كَون الْقَائِل (ممثلا بضربت الْقَوْم حَتَّى زيد غَضْبَان خلاف الْمَعْرُوف) إِذْ الْمَعْرُوف أَنَّهَا لعطف الْمُفْرد، كَيفَ وَشَرطه الْمَذْكُور لَا يَتَأَتَّى إِلَّا فِيهِ، وَأَيْضًا العاطفة مَحْمُولَة على الجارة وَهِي لَا تدخل إِلَّا على الِاسْم، وَعند الْبَعْض يعْطف الْفِعْل على الْفِعْل مَاضِيا كَانَ أَو مُسْتَقْبلا إِذا كَانَ فِيهِ معنى السَّبَب نَحْو ضربت زيدا حَتَّى بَكَى أَي فَبكى ولأضربته حَتَّى يبكي: أَي فيبكي، فَهُوَ يرفع الْمُسْتَقْبل بعده وَعند الْجُمْهُور لَا يجوز فِيهِ إِلَّا النصب (وادعاؤه) أَي عطفها الْجُمْلَة (فِي حَتَّى تكل مطيهم على سريت بهم فِي قَول امْرِئ الْقَيْس:
(2/98)

(سريت بهم حَتَّى تكل مطيهم ... وَحَتَّى الْجِيَاد مَا يقدن بأرسان)

أَي امْتَدَّ بهم السّير حَتَّى أعييت الْإِبِل وَالْخَيْل فطرحت حبالها على أعناقها لذهاب نشاطها فَلم تذْهب يَمِينا وَشمَالًا حَتَّى سَارَتْ مَعَهم فَوضع مَا يقدن مَوضِع الكلال، وَهَذَا الادعاء زَعمه ابْن السَّيِّد على رِوَايَة رفع تكل (لَا يستلزمه) أَي جَوَازه مُطلقًا قِيَاسا لِأَنَّهُ شَاذ (لَو لزم) الْعَطف فِيهِ فَكيف (وَهُوَ) أَي اللُّزُوم (مُنْتَفٍ بل) هُوَ حَتَّى فِيهِ (ابتدائية، وَصرح فِي الابتدائية بِكَوْن الْخَبَر من جنس) الْفِعْل (الْمُتَقَدّم) وَمن المصرحين الْمُحَقق الرضي (فَامْتنعَ ركب الْقَوْم حَتَّى زيد ضَاحِك بل) إِنَّمَا يُقَال حَتَّى زيد (رَاكب، وَمِنْه) أَي من قسم الابتدائية (سرت حَتَّى كلت الْمطِي ويتجوز بالجارة دَاخِلَة على الْفِعْل عِنْد تعذر) إِرَادَة (الْغَايَة) مِنْهَا (بِأَن لَا يصلح الصَّدْر) أَي مَا قبلهَا (للامتداد وَمَا بعْدهَا للانتهاء) إِمَّا بِأَن لَا يكون الصَّدْر أمرا ذَا امتداد، أَو يكون لَكِن مَا بعْدهَا لَا يصلح لِأَن يكون انْتِهَاء لَهُ (فِي سَبَبِيَّة مَا قبلهَا لما بعْدهَا إِن صلح) مَا قبلهَا لسببية مَا بعْدهَا فمدخوله هُوَ المتجوز فِيهِ (وَالْوَجْه) أَن يُقَال يتجوز بهَا فِي سَبَبِيَّة أَحدهمَا للْآخر) أَي مَا قبلهَا لما بعْدهَا أَو بِالْعَكْسِ (ذهنا) بِأَن يكون وجود الأول فِي الذِّهْن سَببا لوُجُود الثَّانِي فِيهِ كرتبت معلوماتي حَتَّى وجدت النتيجة أَو عَكسه، نَحْو علمت النتيجة حَتَّى رتبت مباديها (أَو خَارِجا) بِكَوْن وجود الأول خَارِجا كوجود الثَّانِي خَارِجا نَحْو أسلمت حَتَّى أَدخل الْجنَّة، أَو عَكسه نَحْو ربحت حَتَّى اتجرت، أَو يكون وجود الأول ذهنا سَببا لوُجُود الثَّانِي خَارِجا، نَحْو قصدت الرِّبْح حَتَّى اتجرت، أَو عَكسه كعكس الْمِثَال: هَذَا مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهر الْمَتْن وتصريح الشَّارِح، لَكِن دُخُول حَتَّى على سَبَب لَيْسَ بمسبب من وَجه غير مأنوس. نعم إِذا كَانَ سَببا بِاعْتِبَار وجوده الذهْنِي سَببا بِاعْتِبَار وجوده الْخَارِجِي أَو بِالْعَكْسِ، فَوجه دُخُول حَتَّى عَلَيْهِ ظَاهر (لمساعدة الْمثل) حِينَئِذٍ إِذْ الْأَمْثِلَة وَارِدَة على طبق التَّعْمِيم الْمَذْكُور بِخِلَاف مَا إِذا اقْتصر على سَبَبِيَّة مَا قبلهَا لما بعْدهَا، فَإِنَّهُ لَا يَتَأَتَّى فِي بعض صور تجوز الجارة (كأسلمت حَتَّى أَدخل الْجنَّة) فَإِنَّهُ تعذر فِيهِ إِرَادَة الْغَايَة إِذْ (لَيْسَ) الدُّخُول (منتهاه) أَي الْإِسْلَام بِمَعْنى إحداثه لعدم امتداده (إِلَّا أَن أُرِيد) بِالْإِسْلَامِ (بَقَاؤُهُ) أَي الْإِسْلَام (وَحِينَئِذٍ) أَي وَحين يُرَاد بَقَاؤُهُ يتَحَقَّق لَهُ امتداد لَكِن (لَا يصلح الآخر) وَهُوَ دُخُول الْجنَّة أَن يكون (مُنْتَهى) لبَقَائه إِذْ بَقَاؤُهُ مَوْجُود بعد الدُّخُول على الْوَجْه الأتم مؤيد (وَبِه) أَي بِعَدَمِ صلوح دُخُول الْجنَّة انْتِهَاء (رد تعْيين العلاقة) أَي علاقَة التَّجَوُّز الْمَذْكُور بَين الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ، وَهُوَ الْغَايَة والمجازي وَهُوَ السَّبَبِيَّة (انْتِهَاء الحكم بِمَا بعْدهَا) إِذْ الحكم الَّذِي هُوَ السَّبَب يَنْتَهِي بِوُجُود الْمُسَبّب
(2/99)

كَمَا يَنْتَهِي الْفِعْل الممتد بغايته، والراد الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ، والمردود قَول صَاحب الْكَشَّاف (واختير أَنَّهَا) أَي العلاقة (مقصوديته) أَي كَون مَا بعد حَتَّى مَقْصُودا (مِمَّا قبله) بِمَنْزِلَة الْغَايَة من المغيا (وَهُوَ) أَي هَذَا الْمُخْتَار (أبعد) من الأول (لِأَنَّهَا) أَي الْغَايَة (لَا تستلزمه أَي كَونهَا الْمَقْصد مِمَّا قبلهَا (كرأسها) فِي أكلت السَّمَكَة حَتَّى رَأسهَا: إِذْ لَيْسَ الْمَقْصد من أكلهَا (وَغَيره) أَي غير رَأسهَا مِمَّا لَيْسَ بمقصد من الغايات (وَالْأول) أَي كَون العلاقة اشتراكهما فِي انْتِهَاء الحكم بِمَا بعْدهَا (أوجه) إِذْ يُمكن تَوْجِيهه بِخِلَاف الثَّانِي، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَالدُّخُول مُنْتَهى إِسْلَام الدُّنْيَا) أَي الانقياد لتحمل التكاليف (وَالصَّلَاة) أَي ومنتهى فعلهَا (فِي) أسلمت حَتَّى أَدخل الْجنَّة و (صليت حَتَّى أَدخل) الْجنَّة (وَمِنْه) أَي من كَونهَا للسَّبَبِيَّة قَوْلك (لآتينك حَتَّى تغديني) لعدم امتداد الْإِتْيَان وَعدم صَلَاحِية التغدي لِأَن يَجْعَل نِهَايَة الْإِتْيَان بل هُوَ دَاع الْإِتْيَان، ثمَّ الْإِتْيَان سَبَب للتغدي، فَالْمَعْنى: لَكِن تغديني (فيبر) الْحَالِف بوالله لآتينك حَتَّى تغديني إِذا أَتَاهُ (بِلَا تغد) عِنْده لتحَقّق الْمَحْلُوف عَلَيْهِ بِمُجَرَّد الْإِتْيَان لَهُ (بِخِلَاف مَا إِذا صلج) الصَّدْر للامتداد (فبمعنى إِلَى) نَحْو قَوْله تَعَالَى - {قَالُوا لن نَبْرَح عَلَيْهِ عاكفين حَتَّى يرجع إِلَيْنَا مُوسَى} لِأَن اسْتِمْرَار عكوفهم صَالح للامتداد وَرُجُوع مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام إِلَيْهِم صَالح لِأَن يَجْعَل انْتِهَاء لَهُ (فَإِن لم يصلح) الصَّدْر (لَهما) أَي الْغَايَة والسببية (فلعطف مُطلق التَّرْتِيب) الْأَعَمّ من كَونه بمهلة وَبلا مهلة خلافًا لِابْنِ الْحَاجِب إِذْ جعلهَا كثم، وَلمن قَالَ لَا يسْتَلْزم التَّرْتِيب أصلا بل قد يتَعَلَّق الْعَامِل بِمَا بعْدهَا قبل تعلقه بِمَا قبلهَا، وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَار فِي النَّحْو كَقَوْلِهِم: مَاتَ النَّاس حَتَّى آدم، وَإِنَّمَا يتم الِاسْتِدْلَال بِهِ إِذا ثَبت أَنه من كَلَام الْعَرَب هَذَا وَإِضَافَة عطف إِلَى مُطلق التَّرْتِيب لأدنى مُلَابسَة: إِذْ لَيْسَ مُطلق التَّرْتِيب مَعْطُوفًا بل المُرَاد أَنَّهَا تسْتَعْمل عاطفة لما بعْدهَا على مَا قبلهَا مفيدة الْمَعْطُوف مترتبا على الْمَعْطُوف عَلَيْهِ ترتبا مُطلقًا (لعلاقة التَّرْتِيب) الْحَاصِل (فِي الْغَايَة) الَّتِي وضعت لَهَا الْمَوْجُود فِي الْمَعْنى الْمجَازِي الَّذِي هُوَ عطف مُطلق التَّرْتِيب (وَإِن كَانَت) الْغَايَة (بالتعقيب أنسب) مِنْهَا بالترتيب الْمُطلق الَّذِي يعم التَّرَاخِي: إِذْ الْغَايَة لَا تراخي عَن المغيا (كجئت حَتَّى أتغدى عنْدك من مَالِي) عطفت التغدي على الْمَجِيء لإِفَادَة التَّشْرِيك فِي الْحُصُول على وَجه التَّرْتِيب مُطلقًا وَلَا يصلح للصدر وَهُوَ الْمَجِيء للغاية لعدم امتداده وَلَا للسَّبَبِيَّة أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (لَا عقلية) أَي لَا معقولية (لسببيته) أَي الْمَجِيء (لذَلِك) أَي عِنْد التغدي للمخاطب من مَال نَفسه (فَشرط الفعلان) أَي تحقق الْمَعْطُوف، والمعطوف عَلَيْهِ فِي الْبر (للتشريك) أَي ليتَحَقَّق التَّشْرِيك الَّذِي هُوَ معنى الْعَطف بَينهمَا (كَكَوْنِهِ غَايَة) أَي كَمَا شَرط وجود المغيا والغاية إِذا كَانَت للغاية، وتذكير الضَّمِير
(2/100)

لإرجاعه إِلَى مدلولها (كَأَن لم أضربك حَتَّى تصيح) فَكَذَا إِذا الضَّرْب بالتكرار يحْتَمل الامتداد فَلَا يحصل الْبر إِلَّا بتحقق الضَّرْب والصياح حَال كَون الْمَعْطُوف (معقبا) للمعطوف عَلَيْهِ تَارَة (ومتراخيا) عَنهُ أُخْرَى (فيبر بالتغدي فِي إتْيَان وَلَو) كَانَ التغدي (متراخيا عَنهُ) أَي الْإِتْيَان فِي أَن لم آتِك حَتَّى أتغدى عنْدك فَكَذَا (كَمَا) ذكر (فِي الزِّيَادَات) وشروخها وَإِنَّمَا يَحْنَث إِذا لم يتغد بعد الْإِتْيَان مُتَّصِلا أَو متراخيا فِي جَمِيع الْعُمر (إِلَّا أَن نوى الْفَوْر) والاتصال فَلَا يبر إِلَّا إِن تغدى بعد الْإِتْيَان من غير تراخ (وَفِي الْمُقَيد بِوَقْت يلْزم أَن لَا يُجَاوِزهُ) أَي ذَلِك الْوَقْت (التَّرَاخِي) فَاعل لَا يُجَاوِزهُ (كَأَن لم آتِك الْيَوْم الخ) أَي حَتَّى أتغدى عنْدك فَكَذَا، وَلما كَانَ هَا هُنَا مَظَنَّة سُؤال، وَهُوَ أَن مُطلق التَّرْتِيب لَيْسَ بمدلول لفظ أصلا، وَإِنَّمَا الْمَعْرُوف مَدْلُول اللَّفْظ التَّرْتِيب بِلَا مهلة أَو بمهلة كالفاء وَثمّ، فَكيف يتجوز بحتى عَنهُ، أَشَارَ إِلَى الجوب بقوله (وَإِذا كَانَ التَّجَوُّز بِاللَّفْظِ) عَن معنى (لَا يلْزم كَونه) أَي التَّجَوُّز (فِي مطابقي لفظ) بِأَن يكون الْمَعْنى الْمجَازِي معنى لعين اللَّفْظ (بل وَلَا) يلْزم كَونه (معنى لفظ أصلا) مطابقيا كَانَ أَو غير مطابقي (وَإِذا لم يشرط فِي الْمجَاز نقل) على مَا سبق من أَن الشَّرْط مُجَرّد وجود العلاقة الْمُعْتَبرَة بِاعْتِبَار نوعها لَا تقل أَن هَذَا اللَّفْظ اسْتعْمل فِي هَذَا الْمَعْنى مجَازًا (جَازَ هَذَا) الْمجَاز يَعْنِي كَون حَتَّى لعطف مُطلق التَّرْتِيب (وَإِن لم يسمع) اسْتِعْمَالهَا فِيهِ (وباعتباره) أَي الْجَوَاز الْمَذْكُور (جوزوا) أَي الْفُقَهَاء (جَاءَ زيد حَتَّى عَمْرو) إِذا جَاءَ عَمْرو بعد زيد (وَإِن مَنعه النُّحَاة) (ناء على مَا تقدم من اشْتِرَاط كَون مَا بعْدهَا بعض مَا قبلهَا أَو كبعضه (غير أَن الثَّابِت) من العلاقة بَين هَذَا الْمجَازِي والحقيقي (عِنْدهم) أَي المجوزين (التَّرْتِيب) على مَا مر (وَتقدم النّظر فِيهِ) أَي فِي تحقق التَّرْتِيب كَمَا بَين الْغَايَة والمغيا حَال كَونهَا (عاطفة كمات النَّاس حَتَّى الْأَنْبِيَاء وَحَتَّى آدم وَأَنه لَا غَايَة) بِمَعْنى الِانْتِهَاء (يلْزم فِيهِ) أَي فِي الْعَطف (بل ذَلِك الْغَايَة) لِأَن التَّرْتِيب الْكَائِن بَين مَا بعْدهَا وَمَا قبلهَا فِي العاطفة إِنَّمَا هِيَ (فِي الرّفْعَة والضعة) بَان يكون مَا بعْدهَا أقوى الْأَجْزَاء أَو أضعفها وَأَدْنَاهَا (لَا) الْغَايَة (الاصطلاحية مُنْتَهى الحكم) وَقد مر بَيَانه وَالْحَاصِل أَن هَذَا الْمجَازِي الْمُعْتَبر فِيهِ معنى الْعَطف فرع الْحَقِيقِيّ لحتى العاطفة وَالتَّرْتِيب لَيْسَ بموجود فِي أَصله، فَكيف يعْتَبر علاقَة بَينهمَا، وَجعله فرعا لغير العاطفة فِي غَايَة الْبعد (وَلم يلْزم الِاسْتِثْنَاء بهَا) أَي بحتى فِيمَا استدلوا بِهِ من قَوْله تَعَالَى - {حَتَّى يَقُولَا} - على كَونهَا فِيهِ بِمَعْنى إِلَّا على مَا ذكره ابْن مَالك وَغَيره، فَالْمَعْنى: إِلَّا أَن يَقُولَا على أَن يكون الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطِعًا، فَأَشَارَ إِلَى جوابهم بقوله (وَقَوله تَعَالَى) - {وَمَا يعلمَانِ من أحد (حَتَّى يَقُولَا صحت} حَتَّى هَهُنَا أَن تكون (غَايَة للنَّفْي) أَي لنفي عدم التَّعْلِيم (كإلى وَكَذَا لَا
(2/101)

أفعل حَتَّى تفعل) أَي إِلَى أَن تفعل وَأما قَول ابْن هِشَام الْمصْرِيّ كَونهَا بِمَعْنى أَلا ظَاهر فِيمَا أنْشدهُ ابْن مَالك من قَوْله
(لَيْسَ الْعَطاء من الفضول سماحة ...)
وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَقَوله
(حَتَّى تجود وَمَا لديك قَلِيل ...)
وَمن قَوْله
(وَالله لَا يذهب شَيْخي بَاطِلا ...)
وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَقَوله: حَتَّى أبير مَالِكًا وكاهلا) فقد أجَاب عَنهُ بقوله (للسَّبَبِيَّة أَو للغاية وَالله أعلم) فَمَعْنَى الْبَيْت الأول لَيْسَ إِعْطَاء الْإِنْسَان من المَال الْفَاضِل عَن حَاجته سماحة، حَتَّى يعد بِهِ الْمُعْطِي سَمحا جوادا، فَهُوَ لَا يزَال على عدم الْجُود إِلَى أَن يجود، وَلَيْسَ عِنْده إِلَّا مَا يحْتَاج إِلَيْهِ، وَمعنى الْبَيْت الثَّانِي: لَا أترك أحدا أهلك أبي وَاسْتمرّ على الأبارة والإهلاك إِلَى أَن أبير هذَيْن الْحَيَّيْنِ من أَسد فَإِنَّهُمَا تعاضدا على قَتله، هَذَا على تَقْدِير الْمحل على الْغَايَة، وَأما على السَّبَبِيَّة، فالتوجيه أَن يُقَال عدم كَون الْعَطاء من الفضول سماحة سَبَب للجود من الْقَلِيل، لِأَن الاتصاف بالجود مطلب الْكِرَام فَإِذا لم يحصل بذلك، فَلَا جرم يتَمَسَّك بِمَا يحصل، وَكَذَا إِرَادَة الانتقام إِذا غلبت على النَّفس بِحَيْثُ لَا يَنْتَهِي عَنْهَا بِدُونِ التشفي، فَلَا جرم يفعل مَا يحصل بِهِ وَهُوَ إهلاك الْحَيَّيْنِ، وَزعم الشَّارِح أَن التَّرَدُّد بَين السَّبَبِيَّة والغاية إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبَيْت الثَّانِي، وَأما الْبَيْت الأول فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا الْغَايَة.

حُرُوف الْجَرّ: مسئلة
(الْبَاء) بِاعْتِبَار مَا وضعت لإِقْرَاره من النّسَب الْجُزْئِيَّة وَجعل آلَة لملاحظتها عِنْد الْوَضع (مشكك) بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِضَافَة الَّتِي ستذكر وَلَيْسَ بمتواطئ، ثمَّ بَين ذَلِك بقوله (للالصاق) وَهُوَ تَعْلِيق الشَّيْء بالشَّيْء وإيصاله بِهِ (الصَّادِق فِي أَصْنَاف الِاسْتِعَانَة) بدل بعض، وَهُوَ طلب المعونة بِشَيْء على شَيْء، وَهِي الدَّاخِلَة على آلَة الْفِعْل نَحْو: كتبت بالقلم لالصاقك الْكِتَابَة بالقلم (والسببية) وَهِي الدَّاخِلَة على اسْم لَو أسْند الْفِعْل المعدي بهَا إِلَيْهِ صلح أَن يكون فَاعِلا لَهُ مجَازًا كَقَوْلِه تَعَالَى - {فَأخْرج بِهِ من الثمرات} -: إِذْ يَصح أَن يُقَال أخرج المَاء الثمرات مجَازًا. وَقَالَ ابْن مَالك ينْدَرج فِيهَا بَاء الِاسْتِعَانَة: إِذْ يَصح أَن يُقَال كتبت الْقَلَم، نعم فِي مثل قَوْله تَعَالَى - {وأيده بِجُنُود} - اسْتِعْمَال السَّبَبِيَّة يجوز الِاسْتِعَانَة لِأَن الله تَعَالَى غنى عَن الْعَالمين انْتهى، وَفِيه أَن استغناءه كَمَا يَقْتَضِي عدم الِاسْتِعَانَة بِحَسب الْحَقِيقَة كَذَلِك يَقْتَضِي عدم السب بحسبها، وَأما بِحَسب الظَّاهِر فَلَا يمْنَع شَيْئا مِنْهُمَا: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال لم يرد فِي الشَّرْع استعانته وَلَو تجوزا فَلْيتَأَمَّل (والظرفية) مَكَانا أَو زَمَانا وَهُوَ مَا يحسن فِي موضعهَا كلمة فِي - {وَلَقَد نصركم الله ببدر} {نجيناهم بِسحر} - (والمصاحبة) وَهِي مَا يحسن فِي موضعهَا مَعَ - {قد جَاءَكُم الرَّسُول بِالْحَقِّ} -، ثمَّ علل كَونهَا
(2/102)

مشككا بقوله (فَإِنَّهُ) أَي الالصاق (فِي الظَّرْفِيَّة مثلا كقمت بِالدَّار أتم مِنْهُ) أَي الالصاق (فِي) نَحْو (مَرَرْت بزيد فتفريع بَاء الثّمن) أَيْن الدَّاخِلَة على الْأَثْمَان كبعت هَذَا بِعشْرَة أَو بِثَوْب (عَلَيْهِ) أَي على الإلصاق بِجُزْء من جزئياته (على النَّوْع) الشَّامِل للأصناف (و) مَا فرعت عَلَيْهِ (على الْخُصُوص) أَي الصِّنْف الْخَاص فَهُوَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (الالصاق الِاسْتِعَانَة) أَي الالصاق المتحقق فِي ضمن الِاسْتِعَانَة، فَقَوله فتفريع بَاء الثّمن مُبْتَدأ، وَقَوله على النَّوْع خَبره: أَي تَفْرِيع للفرد على النَّوْع، وَقَوله على الْخُصُوص مُتَعَلق بصلَة الْمَوْصُول الْمُقدر، وَقَوله الالصاق الخ خبر الْمَوْصُول، والاستعانة صفة الالصاق (الْمُتَعَلّقَة بالوسائل) صفة الِاسْتِعَانَة (دون الْمَقَاصِد الْأَصْلِيَّة) إِذْ بالوسائل يستعان على الْمَقَاصِد، والمقصد الْأَصْلِيّ من البيع: الِانْتِفَاع، وَالثَّمَر وَسِيلَة إِلَيْهِ لِأَنَّهُ فِي الْغَالِب من النُّقُود الَّتِي لَا ينْتَفع بهَا بِالذَّاتِ (فصح الِاسْتِبْدَال بالكر) من الْحِنْطَة (قبل الْقَبْض فِي) قَوْلك (اشْتريت هَذَا العَبْد بكر حِنْطَة وَصفه) بِوَصْف يزِيل الْجَهَالَة من جودة وَغَيرهَا لِأَنَّهُ ثمن لدُخُول الْبَاء عَلَيْهِ فَكَانَ كَسَائِر الْأَثْمَان فِي صِحَة الِاسْتِبْدَال بِهِ وَالْوُجُوب فِي الذِّمَّة حَالا، لِأَن الْمكيل مِمَّا يثبت فِي الذِّمَّة حَالا وَعدم اشْتِرَاط الْقَبْض: إِذْ الْمَقْصد من الْقَبْض التَّعْيِين، وَلَا يشْتَرط التَّعْيِين فِي الْأَثْمَان بل يَكْفِي فِيهَا معرفَة الْقدر المنجية عَن الْإِفْضَاء إِلَى النزاع (دون الْقلب) أَي بِعْت كرا من الْحِنْطَة الموصوفة بِكَذَا بِهَذَا العَبْد (لِأَنَّهُ) أَي القَوْل الْمَذْكُور (حِينَئِذٍ) أَي حِين قلب، وَأدْخل الْبَاء على العَبْد فَجعل ثمنا فَصَارَ الْكر مَبِيعًا (سلم) أَي بيع سلم إِذْ الْكر الْمَبِيع دين فِي الذِّمَّة، وَالْمَبِيع الدّين لَا يكون إِلَّا سلما، وَصِحَّة السّلم مفقودة هَهُنَا إِذْ هُوَ (يُوجب الْأَجَل) الْمعِين عِنْد الْجُمْهُور مِنْهُم أَصْحَابنَا (وَغَيره) أَي وَغير الْأَجَل كقبض رَأس مَال السّلم (فَامْتنعَ الِاسْتِبْدَال بِهِ) أَي بالكر (قبله) أَي قبل الْقَبْض فَإِن قلت الْمَبِيع فِي السّلم مَعْدُوم، والمعدوم غير مُتَعَيّن، وَلَا فَائِدَة للقبض سوى التعين فَمَا معنى تَفْرِيع امْتنَاع الِاسْتِبْدَال بالكر قبل الْقَبْض على مُوجب السّلم بل هُوَ متفرع على كَون الْكر مَبِيعًا قلت لَيْسَ المُرَاد من الِاسْتِبْدَال بِهِ الِاسْتِبْدَال على وَجه السّلم من الِاسْتِبْدَال الْمُطلق وَحَاصِله أَن الِاسْتِبْدَال حِينَئِذٍ إِمَّا على وَجه السّلم وَقد عرفت أَنه لَا يَصح لِانْعِدَامِ شُرُوطه، أَو على غَيره فَلَا بُد فِيهِ من التَّعْيِين، وَغير الْمَقْبُوض لَيْسَ بمتعين فَلَا يَصح الِاسْتِبْدَال مُطلقًا (وَإِثْبَات الشَّافِعِي كَونهَا) أَي الْبَاء (للتَّبْعِيض فِي امسحوا برءوسكم هُوَ الالصاق) أَي إِثْبَات الالصاق (مَعَ تبعيض مدخولها) أَي الْبَاء: أَي ألصقوا الْمسْح بِبَعْض الرَّأْس (وَأنْكرهُ) أَي التَّبْعِيض (محققو الْعَرَبيَّة) مِنْهُم ابْن جني. قَالَ ابْن برهَان النَّحْوِيّ الأصولي: من زعم أَن الْبَاء للتَّبْعِيض فقد أَتَى أهل الْعَرَبيَّة بِمَا لَا يعرفونه (وشربت بِمَاء الدحرضين) أَي وَالْبَاء فِي قَول
(2/103)

عنترة أَخْبَارًا عَن النَّاقة:
(شربت بِمَاء الدحرضين فَأَصْبَحت ... زوراء تنفر عَن حِيَاض الديلم)

(للظرفية) أى شربت النَّاقة فِي مَحل هَذَا المَاء، والدحرضان ماءان، يُقَال لأَحَدهمَا وشيع، وَللْآخر: الدحرض فغلب فِي التَّثْنِيَة، وَقيل مَاء لبني سعد، وَقيل بلد والزوراء المائلة والديلم نوع من التّرْك ضربه مثلا لأعدائه، يَقُول هَذِه النَّاقة تتخلف عَن حِيَاض أعدائه وَلَا تشرب مِنْهَا، وَقيل الديلم أَرض (و:
(شربن بِمَاء الْبَحْر) ثمَّ ترفعت ... مَتى لجج خضر لَهُنَّ نئيج)

وَمَتى بِمَعْنى من، والنئيج من نئج الثور إِذا خار، وَالْبَيْت فِي وصف السَّحَاب، وَالْبَاء فِيهِ (زَائِدَة وَهُوَ) أَي كَونهَا زَائِدَة (اسْتِعْمَال) مُحَقّق (كثير) يشْهد بِهِ التتبع (وإفادة البعضية لم تثبت بعد) معنى مُسْتقِلّا لَهَا (فالحمل عَلَيْهِ) أَي كَونهَا زَائِدَة (أولى) من الْحمل على البعضية (مَعَ أَنه لَا دَلِيل) على البعضية (إِذْ المتحقق) بِالْقَرِينَةِ (علم البعضية) أَي الْعلم بِأَن مُتَعَلق الحكم بِحَسب نفس الْأَمر بعض مدخولها (وَلَا يتَوَقَّف) عَملهَا (على الْبَاء لعقلية أَنَّهَا) أَي لِأَن الْعقل يحكم بِأَن النَّاقة (لم تشرب كل مَاء الدحرضين وَلَا استغرقن) أَي السحب (الْبَحْر) فَلَا حَاجَة إِلَى إِرَادَة البعضية من الْبَاء لاستقلال الْعقل بإفادتها، هَذَا. وَقَالَ ابْن مَالك: والأجود تضمين شربن معنى روين (وَمثله) أَي مثل هَذَا التَّبْعِيض (تبعيض الرَّأْس فَإِنَّهَا) أَي الْبَاء (إِذا دخلت عَلَيْهِ) أَي الرَّأْس (تعدى الْفِعْل) أَي الْمسْح (إِلَى الْآلَة العادية) للمسح (أَي الْيَد) يَعْنِي أَن الْمسْح لَا بُد لَهُ من آلَة وَمحله وَيذكر وَيقدر الآخر، وَحقّ الْبَاء أَن تدخل على الْآلَة وَلَا تستوعبها وتتعدى إِلَى الْمحل بِغَيْر وَاسِطَة وتستوعبه، وَفِي الْآيَة دخلت على الْمحل فَلَزِمَ عدم استيعابه وَلزِمَ تعديه إِلَى الْآلَة بِغَيْر وَاسِطَة فيستوعبها إِذْ كل مِنْهُمَا نزل منزلَة الآخر فيعطي حَقه وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فالمأمور) بهَا (استيعابها) أَي الْآلَة (وَلَا يسْتَغْرق) استيعابه مِقْدَار الْآلَة (غَالِبا سوى ربعه) أَي الرَّأْس، إِنَّمَا قَالَ غَالِبا لِأَنَّهُ قد يكون الْكَفّ كَبِيرا جدا، وَالرَّأْس صَغِيرا جدا فيستوعبه (فَتعين) الرّبع (فِي ظَاهر الْمَذْهَب وَلُزُوم التَّبْعِيض عقلا غير مُتَوَقف عَلَيْهَا) أَي الْبَاء: أَي حكم الْعقل بِكَوْن الْمَمْسُوح بعض الرَّأْس لَيْسَ مَوْقُوفا على كَون الْبَاء للتَّبْعِيض لِئَلَّا يلْزم القَوْل بِأَن الْبَاء للتَّبْعِيض وَإِنَّمَا الْحَاجة إِلَيْهَا لتعين الْمِقْدَار. وَقد عرف (وَلَا على حَدِيث أنس فِي) سنَن (أبي دَاوُد وَسكت عَلَيْهِ) فَهُوَ حجَّة لقَوْله ذكرت فِيهِ الصَّحِيح وَمَا يُشبههُ ويقاربه، وَقَوله: مَا كَانَ فِي كتابي من حَدِيث فِيهِ وَهن شَدِيد فقد بَينته وَمَا لم أذكر فِيهِ شَيْئا فَهُوَ صَالح وَبَعضهَا أصح من بعض. قَالَ ابْن الصّلاح: فعلى هَذَا مَا وَجَدْنَاهُ فِي كِتَابه مَذْكُورا مُطلقًا، وَلَيْسَ فِي وَاحِد
(2/104)

من الصَّحِيحَيْنِ وَلَا نَص على صِحَّته أحد مِمَّن يُمَيّز بَين الصَّحِيح وَالْحسن عَرفْنَاهُ بِأَنَّهُ من الْحسن عِنْده، وَفِي الشَّرْح زِيَادَة بسط فِيهِ وَلَفظ حَدِيثه " رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يتَوَضَّأ وَعَلِيهِ عِمَامَة قطرية فَأدْخل يَده من تَحت الْعِمَامَة فَمسح مقدم رَأسه " (بل هُوَ) أَي حَدِيث أنس (مَعَ ذَلِك الدَّلِيل) الْمَذْكُور آنِفا (قَائِم على مَالك) فِي إِيجَابه مسح جَمِيع الرَّأْس (إِذْ قَوْله) أَي أنس (فَأدْخل يَدَيْهِ) قَالَ الشَّارِح وَالَّذِي رَأَيْته فِي نُسْخَة صَحِيحَة يَده (من تَحت الْعِمَامَة فَمسح مقدم رَأسه ظَاهر فِي الِاقْتِصَار) عَلَيْهِ: وَهُوَ الرّبع الْمُسَمّى بالناصية فَلَا يُقَال أَن مسح مقدمه لَا يُنَافِي مسح الْبَاقِي، وَفِي الأَصْل تَقْدِيره بِثَلَاثَة أَصَابِع وَفِي الْمُحِيط والتحفة أَنه ظَاهر الرِّوَايَة قَالَ الشَّارِح اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال الْمَذْكُور فِيهِ قَول مُحَمَّد (وَلُزُوم تكَرر الْإِذْن) للبر (فِي أَن خرجت إِلَّا بإذني) فَأَنت طَالِق (لِأَنَّهُ) أَي الِاسْتِثْنَاء (مفرغ للمتعلق) بِفَتْح اللَّام، يَعْنِي أَن الْمُسْتَثْنى الَّذِي فرغ الْعَامِل عَن الْعَمَل فِي الْمُسْتَثْنى مِنْهُ للْعَمَل فِيهِ إِنَّمَا هُوَ مُتَعَلق الْبَاء وَهُوَ الْخُرُوج، إِذْ التَّقْدِير (أَي) خرجت خُرُوجًا (إِلَّا خُرُوجًا مُلْصقًا بِهِ) أَي بإذني فَمَا اسْتثْنى من دَائِرَة النَّفْي الشَّامِل لكل خُرُوج كَمَا سيصرح بِهِ إِلَّا خُرُوج ملصق بِالْإِذْنِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَمَا لم يكن) أَي فالخروج الَّذِي لم يكن مُلْصقًا (بِهِ) أَي بِالْإِذْنِ (دَاخل فِي الْيَمين لعُمُوم النكرَة) المفهومة من الْفِعْل وَسِيَاق النَّفْي الْحَاصِل من الْيَمين إِذْ هِيَ للْمَنْع من الْخُرُوج فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا تخرجي خُرُوجًا إِلَّا خُرُوجًا مُلْصقًا بِهِ (فَيحنث بِهِ) أَي بذلك الْخُرُوج الَّذِي لَيْسَ بِإِذْنِهِ (بِخِلَاف) إِن خرجت (إِلَّا أَن آذن) لَك فَإِنَّهُ (لَا يلْزم فِي الْبر) فِيهِ (تكرره) أَي الْإِذْن (لِأَن الْإِذْن غَايَة) لِلْخُرُوجِ (تجوز بإلا فِيهَا) أَي الْغَايَة (لتعذر اسْتثِْنَاء الْأذن من الْخُرُوج) لعدم المجانسة وَلَا يحسن فِيهِ ذَلِك التَّقْدِير لاختلال أَن خرجت خُرُوجًا إِلَّا خُرُوجًا أَن آذن لَك فَإِن قلت لم لَا يجوز أَن يكون معنى إِلَّا خُرُوجًا كَائِنا فِي وَقت الْإِذْن قلت لَا يقْصد بِهَذِهِ الْعبارَة هَذَا التَّطْوِيل الممل كَمَا لَا يخفى على أَرْبَاب اللِّسَان فَلَا يحمل عَلَيْهِ مَعَ جَوَاز هَذَا التَّجَوُّز الظَّاهِر لوُجُود الْمُنَاسبَة الظَّاهِرَة بَين الْغَايَة وَالِاسْتِثْنَاء: إِذْ كل مِنْهُمَا يُفِيد انْتِهَاء شَيْء إِلَى شَيْء، أما الْغَايَة فلانتهاء المغيا إِلَيْهَا، وَأما الِاسْتِثْنَاء فلانتهاء حكم الْمُسْتَثْنى مِنْهُ الى الْمُسْتَثْنى (وبالمرة) من الْإِذْن (يتَحَقَّق) الْبر (فينتهي الْمَحْلُوف عَلَيْهِ) وَهُوَ الْخُرُوج الْمَمْنُوع عَنهُ مثلا 0 وَلُزُوم تكْرَار الْإِذْن) من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (فِي دُخُول بيوته عَلَيْهِ السَّلَام مَعَ تِلْكَ الصِّيغَة) أَي إِلَّا أَن يُؤذن لكم لَيْسَ بهَا بل (بِخَارِج) عَنْهَا أَي (تَعْلِيله) تَعَالَى الدُّخُول بِغَيْر الْإِذْن (بالأذى) حَيْثُ قَالَ - {إِن ذَلِكُم كَانَ يُؤْذِي النَّبِي} - فَإِن الاجتناب عَن الْأَذَى يتَوَقَّف على طلب الْإِذْن فِي كل دُخُول فَلَا إِشْكَال.
(2/105)

(مسئلة)
(على: للاستعلاء حسا) كَقَوْلِه تَعَالَى - {وَعَلَيْهَا وعَلى الْفلك تحملون} - (وَمعنى) كأوجبه عَلَيْهِ وَعَلِيهِ دين (فَهِيَ فِي الْإِيجَاب وَالدّين حَقِيقَة فَإِنَّهُ) أَي الْمَذْكُور من الْإِيجَاب وَالدّين (يَعْلُو الْمُكَلف) أما فِي الدّين فَظَاهر، وَأما فِي الْإِيجَاب فَلِأَنَّهُ يَقْتَضِي شغل ذمَّة الْمُكَلف بِحَق مطَالب كَدين الْعباد، وَيحْتَمل إرجاع الضَّمِير إِلَى الدّين أَعم من أَن يكون دين الْحق أَو العَبْد فَيعلم بِهِ الاستعلاء فِي الْإِيجَاب المستلزم دين الْحق (وَيُقَال رَكبه دين) لِأَنَّهُ علاهُ للزومه فِيهِ لَهُ (فَيلْزم فِي عَليّ ألف) لفُلَان لِأَن باللزوم يتَحَقَّق الاستعلاء حَيْثُ يثبت للْمقر لَهُ الْمُطَالبَة (وَالْحَبْس للْمقر، وَهَذَا (مَا لم يصله) أَي قَوْله عَليّ ألف (بمغير وَدِيعَة) أَي بِمَعْنى هُوَ لفظ وَدِيعَة بِالرَّفْع على أَن يكون صفة ألف، أَو النصب على الْحَال فَإِن وَصله بهَا حمل على وجوب الْحِفْظ (لقَرِينَة الْمجَاز) وَهِي وَدِيعَة، وَإِنَّمَا اشْترط وَصله لِأَن الْبَيَان المغير لَا يعْتَبر إِلَّا عِنْد الِاتِّصَال (و) قد مر (فِي الْمُعَاوَضَات الْمَحْضَة) أَي الخالية عَن معنى الْإِسْقَاط (كَالْإِجَارَةِ) فَإِنَّهَا مُعَاوضَة الْمَنَافِع بِالْمَالِ (وَالنِّكَاح) فَإِنَّهُ مُعَاوضَة الْبضْع بِالْمَالِ وَالْبيع فَإِنَّهُ مُعَاوضَة مَال بِمَال، وَلَيْسَ فِي شَيْء مِنْهَا معنى الْإِسْقَاط (مجَاز فِي الالصاق) فِي التَّوْضِيح، وَهُوَ فِي الْمُعَاوَضَات الْمَحْضَة بِمَعْنى الْبَاء إِجْمَاعًا مجَازًا، لِأَن اللُّزُوم يُنَاسب الالصاق، وَهَذَا بَيَان علاقَة الْمجَاز، وَإِنَّمَا يُرَاد بِهِ مجَازًا لِأَن الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ وَهُوَ الشَّرْط لَا يُمكن فِي الْمُعَاوَضَات الْمَحْضَة انْتهى. وَقَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ كَونهَا للشّرط بِمَنْزِلَة الْحَقِيقَة عِنْد الْفُقَهَاء لِأَنَّهَا فِي أصل الْوَضع للُزُوم، وَالْجَزَاء لَازم للشّرط نَحْو (احمله على دِرْهَم وَتَزَوَّجت على ألف لمناسبته) أَي الالصاق (اللُّزُوم) إِذْ اللَّازِم ملتصق بالملزوم (وَفِي الطَّلَاق للشّرط عِنْده) أَي أبي حنيفَة (فَفِي طَلقنِي ثَلَاثًا على ألف لَا شَيْء لَهُ) أَي للزَّوْج عَلَيْهَا إِذا أجباها (بِوَاحِدَة) وَإِنَّمَا يَقع عَلَيْهَا طَلْقَة رَجْعِيَّة عِنْده (لعدم انقسام على الشَّرْط الْمَشْرُوط) يَعْنِي لَو كَانَ يَنْقَسِم الْألف على الطلقات الثَّلَاث كَانَ يلْزم فِي مُقَابلَة كل طَلَاق ثلث الْألف لكنه لَيْسَ بمنقسم لِأَنَّهُ مَشْرُوط والمشروط لَا يَنْقَسِم على الشَّرْط اتِّفَاقًا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن كَذَلِك وانقسم على الطلقات فَلَزِمَ بالواحدة ثلث الْألف (تقدم بعضه) أَي بعض الْمَشْرُوط وَهُوَ ثلث الْألف (عَلَيْهِ) أَي على الشَّرْط وَهُوَ الطلقات الثَّلَاث، وَقد يُقَال إِن كَون مَجْمُوع الْألف مَشْرُوطًا بِمَجْمُوع الطلقات الثَّلَاث لَا يسْتَلْزم كَون كل جُزْء مِنْهُ مَشْرُوطًا بمجموعها، وَإِذا لم يلْزم فَلَا مَحْذُور فِي تقدم بعض الْمَشْرُوط على الشَّرْط: نعم يُقَال حِينَئِذٍ أَن لُزُوم ثلث الْألف لَا مُوجب لَهُ، لِأَنَّهُ لَا انقسام للمشروط على الشَّرْط ليَكُون فِي مُقَابلَة كل طَلَاق ثلث الْألف كَيفَ ومقصد الزَّوْجَة هُوَ الْبَيْنُونَة
(2/106)

وَبِدُون حُصُول الْمَقْصد لَا ترْضى بِإِعْطَاء شَيْء من الْألف فِي مُقَابلَة شَيْء مِنْهَا (وَعِنْدَهُمَا) على هَهُنَا (للالصاق عوضا) أَي للالصاق الَّذِي يكون بَين الْعِوَضَيْنِ: إِذْ كل مِنْهُمَا لَا يُفَارق الآخر وَذَلِكَ لِأَن الطَّلَاق على مَال مُعَاوضَة من جَانبهَا، وَلِهَذَا كَانَ لَهَا الرُّجُوع قبل كَلَام الزَّوْج (فتنقسم الْألف للمعية) الثَّانِيَة بَين الْعِوَضَيْنِ المستلزمة للالصاق الْمُوجبَة للمقابلة بَين أَجْزَائِهَا، لِأَن ثُبُوت الْعِوَضَيْنِ بطرِيق الْمُقَابلَة اتِّفَاقًا (وَلمن يرجحه) أَي قَوْلهمَا أَن يَقُول (أَن الأَصْل فِيمَا علمت مُقَابلَته) بِمَال (العوضية) وَهَذَا مِنْهُ فتعينت، والاتفاق على أَن الْعِوَض تَنْقَسِم أجزاؤه على أَجزَاء المعوض فَتبين مِنْهُ بِوَاحِدَة بِثلث الْألف (وَكَونه) أَي على (مجَازًا فِيهِ) أَي الالصاق (حَقِيقَة فِي الشَّرْط) كَمَا ذكره شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ فَيتَعَيَّن الْحمل على الشَّرْط (مَمْنُوع لفهم اللُّزُوم فيهمَا) أَي الشَّرْط والالصاق: يَعْنِي أَن اللُّزُوم الْمُطلق الَّذِي يتَحَقَّق فِي ضمن كل وَاحِد مِنْهُمَا يتَبَادَر إِلَى الذِّهْن فِي كل من الاطلاقين (وَهُوَ) أَي اللُّزُوم هُوَ الْمَعْنى (الْحَقِيقِيّ وَكَونه) أَي على مستعملة حَقِيقَة (فِي معنى يُفِيد اللُّزُوم) فِي الْمُعَاوَضَات (لَا فِيهِ) أَي لِأَنَّهَا مستعملة فِي اللُّزُوم (ابْتِدَاء يصيره) أَي على (مُشْتَركا) بَين هَذَا الْمعِين واللزوم اشتراكا لفظيا: إِذْ كَونه حَقِيقَة فِي اللُّزُوم ثَابت لما ذكر من التبادر، وَالْأَصْل عدم الِاشْتِرَاك وَإِذا تبين كَونهَا حَقِيقَة فِي اللُّزُوم (فمجاز فيهمَا) أَي الالصاق وَالشّرط كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ.

مسئلة
(من: تقدم مسائلها) فِي بحثي من وَمَا (وَالْغَرَض) هَهُنَا (تَحْقِيق مَعْنَاهَا فكثير من الْفُقَهَاء) كفخر الْإِسْلَام وَصَاحب البديع قَالُوا هِيَ (للتَّبْعِيض) وعلامته إِمْكَان وضع لفظ بعض فِي موضعهَا وَلَيْسَ بمرادف لَهُ، إِذْ الترادف لَا يكون بَين مختلفي الْجِنْس كالاسم والحرف (وَكثير من أَئِمَّة اللُّغَة) كالمبرد وَغَيره ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهَا (لابتداء الْغَايَة وَرجع مَعَانِيهَا إِلَيْهِ) أَي إِلَى ابْتِدَاء الْغَايَة، وَالْمرَاد بهَا المساقة من إِطْلَاق الِاسْم الْجُزْء على الْكل، إِذْ هِيَ فِي الأَصْل بِمَعْنى النِّهَايَة وَلَيْسَ لَهَا ابْتِدَاء وانتهاء كَذَا فِي التَّلْوِيح (فَالْمَعْنى فِي أكلت من الرَّغِيف ابْتِدَاء أكلي) الرَّغِيف، وَفِي أخذت من الدَّرَاهِم ابْتِدَاء أخذى الدَّرَاهِم (وَهُوَ) أَي هَذَا الْمَعْنى (معنى تعسفه) لمُخَالفَته الظَّاهِر هُوَ من غير مُوجب (لَا يَصح لِأَن ابْتِدَاء أكلي وأخذى لَا يفهم من التَّرْكِيب وَلَا) هُوَ (مَقْصُود الإفادة) مِنْهُ (بل) الْمَقْصُودَة بالإفادة مِنْهُ (تعلقه) أَي الْفِعْل كَالْأَكْلِ وَالْأَخْذ فيهمَا (بِبَعْض مدخولها) وَهُوَ الرَّغِيف وَالدَّرَاهِم (وَكَيف) يَصح هَذَا (وابتداؤه) أَي وَارِدَة ابْتِدَاء الْفِعْل (مُطلقًا) فِي جَمِيع مواردها غير صَحِيح لِأَنَّهَا (قد تكذب) فِي بعض الْمَوَاضِع كَمَا إِذا ابْتَدَأَ
(2/107)

الْأكل من اللَّحْم ثمَّ أكل بعض الرَّغِيف ثمَّ قَالَ: أكلت من الرَّغِيف، فَإِذا أَرَادَ كَون ابْتِدَاء أكله من الرَّغِيف كَانَ المُرَاد بِهَذَا الِاعْتِبَار كذبا (وتخصيصه) أَي الْفِعْل الْمَقْصد تعْيين ابْتِدَاء بِهِ (بذلك) الْمحل (الجزئي) كالرغيف فِي: أكلت من الرَّغِيف (غير مُفِيد) أَي يُوجب كَون الْكَلَام غير مُفِيد، جَوَاب سُؤال، وَهُوَ أَنه لَا نسلم لُزُوم الْكَذِب فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة لجَوَاز أَن يُرَاد تعْيين ابْتِدَاء الْأكل الْمُتَعَلّق بالرغيف، لَا مُطلق الْأكل فِي ذَلِك الْوَقْت ليلزم الْكَذِب وَحَاصِله أَنه حِينَئِذٍ يكون الْمَعْنى ابْتِدَاء أكل الْمُتَعَلّق بالرغيف الرَّغِيف وَلَا فَائِدَة فِيهِ (واستقراء مواقعها يُفِيد أَن متعلقها أَن تعلق بمسافة) حَال كَونه (قطعا لَهَا) أَي لتِلْك الْمسَافَة: يَعْنِي كَونه لبَيَان قطعهَا (كسرت ومشيت أَولا) يكون قطعا لَهَا (كبعت) من هَذَا الْحَائِط إِلَى هَذَا الْحَائِط (وأجرت) الدَّار من شهر كَذَا إِلَى شهر كَذَا (فلابتداء الْغَايَة أَي ذِي الْغَايَة) قصد بِهِ تَفْسِير قَوْلهم لابتداء الْغَايَة، وَقد مر آنِفا (وَهُوَ) أَي ذُو الْغَايَة (ذَلِك الْفِعْل) الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ تَفْسِير قَوْلهم لابتداء الْغَايَة، وَقد مر آنِفا (وَهُوَ) أَي ذُو الْغَايَة (ذَلِك الْفِعْل) الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ (أَو مُتَعَلّقه) وَهُوَ الْمَكَان أَو الزَّمَان الَّذِي وَقع فِيهِ (الْمُبين) أَي الَّذِي بَين (منتهاه) بإلى وَنَحْوه، (وَإِن أَفَادَ) الْفِعْل الَّذِي تعلق بِهِ من (تناولا) أَي معِين التَّنَاوُل (كأخذت وأكلت وَأعْطيت فَلَا يصاله) أَي فَمن لَا يصال مَا يتَعَلَّق بِهِ (إِلَى بعض مدخولها فَعلمت تبادر كل من المعنين) أَي الِابْتِدَاء والتبعيض (فِي مَحَله) تبادرا حَاصِلا عَن كلمة من (أَي مَعَ خُصُوص ذَلِك الْفِعْل) على الْوَجْه الَّذِي بَين (فَلم يبْق) بعد هَذَا التبادر (إِلَّا) أحد الْأَمريْنِ: أما (إِظْهَار مُشْتَرك) معنوي بَين الِابْتِدَاء والتبعيض (يكون) من مَوْضُوعا (لَهُ) أَي لذَلِك الْمُشْتَرك (أَو) الِاشْتِرَاك (اللَّفْظِيّ) بَينهمَا (أما) أَنه (حَقِيقَة فِي أَحدهمَا مجَاز فِي الآخر بعد استوائهما) أَي الْمَعْنيين (فِي المدلولية والتبادر فِي محليهما فتحكم وانتفى جعلهَا) مَوْضُوعا (للابتداء) فَقَط لعدم صِحَة إِرَادَته فِي كثير من المواقع لما عرفت (ورد التَّبْعِيض إِلَيْهِ) أَي الِابْتِدَاء وَلم يظْهر مُشْتَرك معنوي غَيره أَيْضا (فمشترك) أَي فَإِذن هُوَ مُشْتَرك (لَفْظِي) بَين مَعَانِيهَا، ومعين كل وَاحِد مِنْهَا الْمُتَعَلّق الْخَاص (وَيرد الْبَيَان) أَي كَونهَا للْبَيَان وعلامته صِحَة وضع الَّذِي موضعهَا أَو جعل مدخولها مَعَ ضمير مَرْفُوع قبله صلتها كَقَوْلِه تَعَالَى - {فَاجْتَنبُوا الرجس من الْأَوْثَان} -: إِذْ يَصح الرجس الَّذِي هُوَ الْأَوْثَان (إِلَى التَّبْعِيض بِأَنَّهُ) أَي التَّبْعِيض فِيهِ (أَعم من كَونه تبعيض مدخولها من حَيْثُ هُوَ مُتَعَلق الْفِعْل، أَو كَون مدخولها) فِي نَفسه (بَعْضًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُتَعَلق الْفِعْل، فالأوثان بعض الرجس) وَلَا يخفى أَن كلمة من بِمَنْزِلَة لفظ الْبَعْض، وَالْمَفْهُوم من قَوْلنَا: أكلت بعض الرَّغِيف تبعيض الرَّغِيف، وعَلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يُرَاد من قَوْله - {من الْأَوْثَان} - تبعيض الْأَوْثَان لَا تبعيض الرجس، وَلَا يَصح تبعيضها بِاعْتِبَار تعلق
(2/108)

الْفِعْل لوُجُوب الاجتناب من الْكل، وَلَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرجس بِأَن يُقَال: بعض الْأَوْثَان رِجْس إِذْ الْكل رِجْس بِخِلَاف أَن يُقَال: الْأَوْثَان بعض الرجس، فَإِن فِي إدخالها فِي دَائِرَة الرجس مُبَالغَة فِي ذمها: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال: الْمَعْنى على الْقلب.

مسئلة
(إِلَى: للغاية أَي دَالَّة على أَن مَا بعْدهَا مُنْتَهى حكم مَا قبلهَا، وَقَوله لانْتِهَاء الْغَايَة تساهل) لَا من حَيْثُ أَن الْغَايَة لَا امتداد لَهَا لما ذكر من أَنَّهَا قد تطلق على ذِي الْغَايَة وَلما سَيذكرُ (وَكَذَا) التساهل مَوْجُود وَلم يرْتَفع (بِإِرَادَة المبدأ) بالغاية تحملا بِمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (إِذْ تطلق) الْغَايَة (بالاشتراك عرفا بَين مَا ذكرنَا) وَهُوَ الْمُنْتَهى (وَنِهَايَة الشَّيْء من طَرفَيْهِ) بَيَان لنهايته وهما أَوله وَآخره (وَمِنْه) أَي من هَذَا الِاشْتِرَاك الْعرفِيّ نَشأ قَوْلهم (لَا تدخل الغايتان) فِي قَوْله عَليّ من دِرْهَم إِلَى عشرَة حَتَّى تلْزم ثَمَانِيَة كَمَا هُوَ قَول زفر، وَإِنَّمَا لم يحمل على التغليب لِأَنَّهُ مجَاز، ثمَّ علل التساهل بقوله (لِأَن الدّلَالَة بهَا) أَي بإلى (على انْتِهَاء حكمه) أَي حكم مَا قبلهَا (لَا) على (انتهائه) أَي مَا قبلهَا نَفسه فَفِي قَوْلك أكلت السَّمَكَة إِلَى رَأسهَا نصفهَا يظْهر مَا قُلْنَا (وَفِي دُخُوله) أَي مَا بعْدهَا فِي حكم مَا قبلهَا. أَرْبَعَة مَذَاهِب. يدْخل مُطلقًا. لَا يدْخل مُطلقًا. يدْخل أَن كَانَ من جنس مَا قبلهَا. وَلَا يدْخل إِن لم يكن. والاشتراك: أَي يدْخل حَقِيقَة وَلَا يدْخل حَقِيقَة، كَذَا ذكره صدر الشَّرِيعَة (كحتى) أَرَادَ أَن الرَّابِع فِي حَتَّى الِاشْتِرَاك فتعقبه بقوله (وَنقل مَذْهَب الِاشْتِرَاك فِي إِلَى غير مَعْرُوف، وَمذهب يدْخل) بِالْقَرِينَةِ (وَلَا يدْخل بِالْقَرِينَةِ غَيره) أَي غير مَذْهَب الِاشْتِرَاك وَسَيَجِيءُ بَيَانه، فَلَمَّا أَفَادَ أَن الِاشْتِرَاك فِي حَتَّى من حَيْثُ النَّقْل ثَابت دون إِلَى أَرَادَ أَن يبين أَن المرضي عِنْده عدم ثُبُوته فِي شَيْء مِنْهُمَا بِحَسب نفس الْأَمر ومنشأ ذَلِك النَّقْل التباس فَقَالَ (فَلَعَلَّهُ) أَي مَذْهَب يدْخل وَلَا يدْخل بِالْقَرِينَةِ (الْتبس بِهِ) أَي بِمذهب الِاشْتِرَاك فَوضع مَوْضِعه مَذْهَب الِاشْتِرَاك (فَلَا يُفِيد حَتَّى وَإِلَى سوى) شَيْء (أَن مَا بعْدهَا مُنْتَهى الحكم) أَي حكم مَا قبل كل مِنْهُمَا (ودخوله) أَي مَا بعد كل مِنْهُمَا فِي حكم مَا قبله (وَعَدَمه) أَي عدم دُخُول مَا بعد كل فِي حكم مَا قبله إِنَّمَا هُوَ (بِالدَّلِيلِ) على ذَلِك بِحَسب الْمَوَارِد (وَإِلَيْهِ) أَي وَإِلَى هَذَا الْمَذْهَب (أذهب فيهمَا) أَي فِي حَتَّى وَالِي (وَلَا يُنَافِي) هَذَا الْمَذْهَب (إِلْزَام الدُّخُول فِي حَتَّى) عِنْد عدم الْقَرِينَة كَمَا هُوَ قَول أَكثر الْمُحَقِّقين (وَعَدَمه) أَي عدم الدُّخُول (فِي إِلَى) عِنْد عدم الْقَرِينَة كَمَا هُوَ قَول أَكثر الْمُحَقِّقين أَيْضا (لِأَنَّهُ) أَي إِلْزَام الدُّخُول وَعَدَمه، أَو الضَّمِير للشأن (إِيجَاب الْحمل) أَي حمل حَتَّى وَإِلَى على الدُّخُول وَعَدَمه (عِنْد
(2/109)

عدم القرنية) الْمعينَة للدخول أَو عَدمه، فعلى الأول قَوْله إِيجَاب الْحمل خبر إِن، وعَلى الثَّانِي مُبْتَدأ خَبره (للأكثرية فيهمَا) يَعْنِي إِذا لم يكن حَتَّى وَإِلَى مَوْضُوعَيْنِ للدخول وَعَدَمه وَلم تكن الْقَرِينَة الْمعينَة وَالْحمل على مَا هُوَ الْأَكْثَر فِي الِاسْتِعْمَال مُتَعَيّن (حملا على) الِاحْتِمَال (الْأَغْلَب) احْتِرَازًا عَن تَرْجِيح المغلوب الْمَرْجُوح (لَا) إِيجَاب حملهَا على الدُّخُول وَعَدَمه حَال كَونهمَا (مدلولا لَهما) أَي حَتَّى وَإِلَى حَتَّى يُنَافِي الْمَذْهَب الْمُخْتَار (وَالتَّفْصِيل) بَين بِالْفرقِ بَين أَن يكون مَا بعْدهَا من جنس مَا قبلهَا فَيدْخل، وَأَن لَا يكون فَلَا يدْخل (بِلَا دَلِيل) وَأَشَارَ إِلَى نفي مَا يخال دَلِيلا عَلَيْهِ بقوله (وَلَيْسَ يلْزم الْجُزْئِيَّة) أَي كَون مَا بعْدهَا من جنس مَا قبلهَا (الدُّخُول) بِالرَّفْع فَاعِلا ليلزم: أَي لَيْسَ الدُّخُول من لَوَازِم الْجُزْئِيَّة وَلَا عدم الدُّخُول من لَوَازِم عدمهَا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَلَا) يلْزم (عدمهَا) أَي الْجُزْئِيَّة (عَدمه) أَي الدُّخُول (إِلَّا أَن يثبت استقراؤه) أَي استقراء الدُّخُول وَعَدَمه فِي موارد الِاسْتِعْمَال فَوجه (كَذَلِك) أَي على التَّفْصِيل الْمَذْكُور (فَيحمل) حَتَّى وَإِلَى عَلَيْهِمَا (كَمَا قُلْنَا وَكَذَا) بِلَا دَلِيل (تَفْصِيل، فَخر الْإِسْلَام إِن كَانَت) الْغَايَة (قَائِمَة: أَي مَوْجُودَة قبل التَّكَلُّم غير مفتقرة) فِي الْوُجُود (إِلَى المغيا: أَي مُتَعَلق الْفِعْل) الَّذِي تعلّقت بِهِ من الزَّمَان وَالْمَكَان (لَا الْفِعْل لم تدخل) الْغَايَة فِي حكم المغيا (كإلى هَذَا الْحَائِط) فِي قَوْله: بعنا أَو أجرت من هَذَا الْحَائِط إِلَى هَذَا الْحَائِط (وَاللَّيْل فِي الصَّوْم) أَي فِي - {أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل} - فالحائط لَا تدخل فِي حكم البيع وَالْإِجَارَة وَكَذَا اللَّيْل أَي لَا يدْخل فِي الصَّوْم (إِلَّا أَن تنَاولهَا) أَي الْغَايَة (الصَّدْر كالمرافق) فِي - {وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق} - لِأَن الْيَد اسْم تنَاول الْجَارِحَة من رُءُوس الْأَصَابِع إِلَى الْإِبِط، فَتدخل الْمرَافِق فِي حكم الْغسْل (فَأدْخل) فَخر الْإِسْلَام (فِي) الْغَايَة (الْقَائِمَة الْجُزْء مُطلقًا) أَي سَوَاء كَانَ آخرا أَولا (و) كَذَا أَدخل فِيهَا (اللَّيْل) الْمَذْكُور فِي الْآيَة، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ اسْتثْنى من الْقَائِمَة بِنَفسِهَا مَا يتَنَاوَلهُ الصَّدْر والجزء مِمَّا يتَنَاوَلهُ آخرا كَانَ أَولا، والمستنثى دَاخل فِي الْمُسْتَثْنى مِنْهُ لَا محَالة. وَقد صرح فِي التَّمْثِيل بِدُخُول اللَّيْل فِيهَا (وَغَيره) أَي غير فَخر الْإِسْلَام كصاحب الْمنَار وَصدر الشَّرِيعَة قَالَ (إِن قَامَت) الْغَايَة (لَا) تدخل (كرأس السَّمَكَة وَإِلَّا) أَي وَإِن لم تقم (فَإِن تنَاولهَا) الصَّدْر (كالمرافق دخلت) الْغَايَة فِي حكم المغيا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يَتَنَاوَلهَا الصَّدْر (لَا) تدخل (كالليل) لِأَن مُطلق الصَّوْم ينْصَرف إِلَى الْإِمْسَاك سَاعَة بِدَلِيل مسئلة الْحلف (فأخرجوهما) أَي أخرج غير فَخر الْإِسْلَام الْمرَافِق، وَاللَّيْل عَن الْقَائِمَة لادخالهما فِيمَا يُقَابل الْقَائِمَة، وَلم يذكر المُصَنّف فِي تَفْصِيل فَخر الاسلام حكم مَا يُقَابل الْقَائِمَة اكْتِفَاء بِذكرِهِ فِي تَفْصِيل غَيره: إِذْ لَا خلاف بَينهم فِي أَن غير الْقَائِمَة أَن تنَاوله الصَّدْر دخل وَإِلَّا فَلَا، وَإِنَّمَا الْخلاف بَينهم فِي الْقَائِمَة، فَغير فَخر الْإِسْلَام
(2/110)

حكم بِعَدَمِ دُخُول الْقَائِمَة مُطلقًا. وَهُوَ اسْتثْنى مِنْهَا مَا تنَاوله الصَّدْر (قيل مبناه) أَي مَبْنِيّ قَول غير فَخر الْإِسْلَام (على تَفْسِيره الْقَائِمَة بِكَوْنِهَا غَايَة قبل التَّكَلُّم) أَي (غَايَة بذاتها لَا يَجْعَلهَا) غَايَة (بِإِدْخَال إِلَى عِنْدهم) أَي غير فَخر الْإِسْلَام ظرف للتفسير، وَلَا شكّ فِي عدم صدق الْقَائِمَة بِهَذَا الْمَعْنى على الْمرَافِق وَاللَّيْل: إِذْ لَا يتَحَقَّق فيهمَا معنى الْغَايَة إِلَّا بجعلهما مَدْخُول إِلَى، بِخِلَاف مَا فسر بِهِ فَخر الْإِسْلَام من كَونهَا مَوْجُودا غير مفتقر إِلَى المغيا فَإِنَّهُ يصدق عَلَيْهِمَا (وَلَا يخفى أَنه) أَي تفسيرهم بِمَا ذكر (مَبْنِيّ على إِرَادَة مُنْتَهى الشَّيْء) الَّذِي هُوَ مُتَعَلق الْفِعْل على مَا مر (لَا) مُنْتَهى (الحكم) إِذْ مُنْتَهى الشَّيْء هُوَ الَّذِي يَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ: أَعنِي الْغَايَة بذاتها والغاية بالجعل، وَأما مُنْتَهى الحكم فَلَا يكون إِلَّا بالجعل (فَخرج اللَّيْل والجزء) الَّذِي هُوَ (غير الْمُنْتَهى) من الْقَائِمَة كالمرافق فَإِنَّهُ لَيْسَ بغاية مَعَ قطع النّظر عَن الْجعل كَمَا أَن اللَّيْل لَيْسَ بغاية للصَّوْم الْمُطلق الصَّادِق على إمْسَاك سَاعَة (واختص) كَونهَا قَائِمَة على تفسيرهم (بِنَحْوِ إِلَى الْحَائِط، وَرَأس السَّمَكَة) مِمَّا هُوَ غَايَة فِي حد ذَاتهَا مَعَ قطع النّظر عَن جعل الْجَاعِل (و) اخْتصَّ كَونهَا قَائِمَة (بالمجموع) أَي بِمَجْمُوع كَونهَا مَوْجُودَة قبل التَّكَلُّم غير مفتقرة إِلَى المغيا (عِنْده) أَي فَخر الْإِسْلَام (فدخلا) أَي الْمرَافِق وَاللَّيْل فِي الْقَائِمَة كَذَا قيل (وَفِيه) أى فِي اخْتِصَاص كَونهَا قَائِمَة بالمجموع (نظر لِأَنَّهُ) أى فَخر الاسلام (أَدخل الْمرَافِق) فِي الْقَائِمَة (مَعَ انْتِفَاء صدق الْمَجْمُوع عَلَيْهَا) أى الْمرَافِق فِي أَنَّهَا مفتقرة إِلَى الْيَد (وَالْحق أَن الِاعْتِبَار) فِي الدُّخُول وَعَدَمه (بالتناول) أَي بتناول صدر الْكَلَام للمغيا والغاية مَعًا (وَعَدَمه) أَي التَّنَاوُل (فَيرجع) الِاعْتِبَار الْمَذْكُور (إِلَى التَّفْصِيل النَّحْوِيّ) إِلَى أَن مَا بعْدهَا إِن كَانَ جُزْءا مِمَّا قبلهَا دخل وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا سبق من أَن التَّفْصِيل بِلَا دَلِيل، لِأَن المُرَاد ثمَّة نفي كَون إِلَى مَوْضُوعَة للدخول فِي صُورَة التَّنَاوُل وللخروج فِي غَيرهَا، وَاعْتِبَار التَّنَاوُل هَهُنَا لَيْسَ مَعْنَاهُ أَن الدُّخُول وَالْخُرُوج يَأْتِي من قبل وَاضع وضع إِلَى بِسَبَب أَنه إِذا كَانَ متناولا فَالظَّاهِر ثُبُوت الحكم لجَمِيع مَا تنَاوله الصَّدْر وَإِلَّا فَالْأَصْل عدم الحكم فِيمَا بعد إِلَى (وَلذَا خطئَ من أَدخل الرَّأْس) من السَّمَكَة (فِي الْقَائِمَة وَحكم بِعَدَمِ دُخُول الْقَائِمَة مُطلقًا) فِي حكم المغيا، وَهُوَ صدر الشَّرِيعَة (وَلم يزدْ التَّفْصِيل إِلَى الْقَائِمَة وَغَيرهَا سوى الشغب) فِي المُرَاد بالقائمة، وَمِمَّا يَقْتَضِيهِ تَفْسِير كل من الْفَرِيقَيْنِ، وَهُوَ بالتسكين تهييج الشَّرّ فِي الأَصْل، وَالْمرَاد هُنَا كَثْرَة القيل والقال (فَعدم دُخُول الْعَاشِر عِنْده) أَي أبي حنيفَة (فِي لَهُ) عَليّ (من دِرْهَم إِلَى عشرَة لعدم تنَاوله) أَي الدِّرْهَم الَّذِي هُوَ صدر الْكَلَام (إِيَّاه) أَي الْعَاشِر فَلَزِمَهُ تِسْعَة (وأدخلاه) أَي الْعَاشِر (بادعاء الضَّرُورَة: إِذْ لَا يقوم) الْعَاشِر غَايَة (بِنَفسِهَا) لعدم وجوده بِدُونِ تِسْعَة قبله فَلم يكن لَهُ
(2/111)

وجود قبل هَذَا الْكَلَام (فَلَا يكون) الْعَاشِر (إِلَّا مَوْجُودَة وَهُوَ) أَي وجودهَا (بِوُجُوبِهَا) فِي الذِّمَّة فَيجب (وَصَارَ) الْعَاشِر (كالمبدأ) وَهُوَ الدِّرْهَم الأول فِي الدُّخُول ضَرُورَة فَلَزِمَهُ عشرَة. (وَقَالَ) أَبُو حنيفَة (المبدأ) أَي دُخُوله (بِالْعرْفِ وَالْإِثْبَات) للْأولِ (لمعروض الثانوية) أَي لأجل إِثْبَات الثَّالِث بِوَصْف الثالثية وهلم جرا (إِلَى العاشرية) وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُمكن إِثْبَات الثَّانِي مثلا من حَيْثُ هُوَ ثَان فِي الذِّمَّة إِلَّا بِإِثْبَات الأول فِيهَا أَيْضا وَإِلَّا لَكَانَ الثَّابِت فِيهَا وَاحِدًا لَا ثَانِيًا وَهُوَ ظَاهر، وَقَوله وَالْإِثْبَات مُبْتَدأ خَبره (لَا يثبت الْعَاشِر) لعدم احْتِيَاج إِثْبَات التاسعية للتاسع إِلَى العاشرية (ووجوده) أَي الْعَاشِر فِي الْعقل إِنَّمَا هُوَ (لكَونه غَايَة فِي التعقل لتحديد الثَّابِت) أَي لتحديد مَا قصد إثْبَاته فِي الذِّمَّة مِمَّا هُوَ (دونه) أَي دون الْعَاشِرَة وَهُوَ التَّاسِع (وَإِضَافَة كل مَا) أَي عدد كَائِن (قبله) أَي الْعَاشِر (من الثَّانِي إِلَى التَّاسِع يستدعى) ثُبُوت (مَا) أَي عدد كَائِن (قبلهَا) أَي قبل تِلْكَ الْإِضَافَة فالثانوية مثلا مَفْهُوم إضافي إِذا ثَبت معروضها استدعى ثُبُوت الأول، والثالثية تستدعى ثُبُوت الأول وَالثَّانِي، وعَلى هَذَا الْقيَاس (لَا) يستدعى ثُبُوت (مَا بعْدهَا كالعاشر وَلَو استدعاه) أَي لَو فرض أَن الثَّانِي مثلا يستدعى الثَّالِث (كَانَ) ذَلِك الاستدعاء (فِي الْوُجُود) بِحَسب التعقل (لَا فِي ثُبُوت حكمه) أَي حكم الْعدَد الْمُتَقَدّم كالثبوت فِي الذِّمَّة (لَهُ) أَي لما بعده بِأَن يثبت الآخر فِي الذِّمَّة (لِأَنَّهُ) أَي الحكم بِشَيْء (على معروض وصف مضايف) لوصف آخر بِأَن يكون تعقل كل مِنْهُمَا يسْتَلْزم تعقل الآخر (لَا يُوجِبهُ) أَي الحكم بذلك الشَّيْء (على معروض) الْوَصْف (الآخر وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن كَذَلِك بِأَن أوجبه (وَجب قيام الابْن للْحكم بِهِ) أَي بِالْقيامِ (على الْأَب) فَإِن الْأُبُوَّة وصف مضايق للبنوة. وَقد فرض أَن الحكم عل معروض أحد المتضايقين بِشَيْء يُوجب الحكم بِهِ على معروض الآخر، فَيجب أَن يحكم بِكَوْن الابْن قَائِما أَيْضا (وَلذَا) أَي وَلأَجل أَن الحكم على معروض أحد المتضايفين لَا يُوجب الحكم على معروض الآخر (لم يَقع بطالق ثَانِيَة غير وَاحِدَة) وَإِن كَانَت الثَّانِيَة لَا تتَحَقَّق بِدُونِ وُقُوع الأول لَكِن يُمكن الحكم على ذَات معروض أحد المتضايقين من غير اعْتِبَار اتصافه بِالْوَصْفِ بِدُونِ الحكم على معروض الآخر، وَلَا شكّ أَن الْمَقْصد هَهُنَا إِيقَاع ذَات الطَّلَاق من غير اعْتِبَار وصف الثانوية لعدم إِمْكَان اعْتِبَاره لِأَنَّهُ فرع سبق طَلَاق وَلم يسْبق مِنْهُ لفظ إِطْلَاق، قيل وَلَا يَقع الطَّلَاق إِلَّا بِاللَّفْظِ (ووقوعهما) أَي الطلقتين عِنْد أبي حنفية (فِي) أَنْت طَالِق (من وَاحِدَة إِلَى ثَلَاث بِوُقُوع الأولى للْعُرْف لَا لذَلِك) أَي التضايق بَينهَا وَبَين الثَّانِيَة (وَلَا لجَرَيَان ذكرهَا) أَي الأولى (لِأَن مجرده) أَي ذكرهَا (لَا يُوجِبهُ) أَي وُقُوعهَا
(2/112)

(إِذا لم تقتضه) أَي وُقُوعهَا (اللُّغَة وَبِهَذَا) الَّذِي يكون مُجَرّد ذكر الشَّيْء لَا يقتضى وُقُوعه: إِذا لم تقتضه اللُّغَة (بعد قَوْلهمَا فِي إِيقَاع الثَّالِثَة) أَي بإيقاع (وَمثله) أَي هَذَا (الْخلاف) الْخلاف (فِي دُخُول الْغَد) حَال كَونه (غَايَة للخيار وَالْيَمِين) فِي: بِعْتُك هَذَا بِكَذَا على أَنِّي بِالْخِيَارِ إِلَى غَد، وَوَاللَّه لَا أُكَلِّمك إِلَى غَد (فِي رِوَايَة الْحسن) بن زِيَاد عَن أبي حنيفَة (عِنْده) أَي أبي حنيفَة (للتناول) أَي تنَاول صدر الْكَلَام الْغَايَة (لِأَن مطلقه) أَي مُطلق كل وَاحِد من ثُبُوت الْخِيَار، وَنفي الْكَلَام بِأَن لَا يتَقَيَّد بغاية مُعينَة (يُوجب الْأَبَد) إِذا أَرَادَ بعض الْأَزْمِنَة دون بعض تَرْجِيح بِلَا مُرَجّح فيستغرق أَوْقَات الْعُمر (فَهِيَ) أَي الْغَايَة فيهمَا (لإِسْقَاط مَا بعْدهَا) فَيدْخل الْغَد فِي الْخِيَار وَالْيَمِين فَإِن قلت كَونهَا للإسقاط مُسلم، لِأَن مد الحكم إِلَى مَا بعْدهَا حَاصِل بِدُونِ ذكرهَا، وَلَا يظْهر لذكرها فَائِدَة إِلَّا الْإِسْقَاط، غير أَنه لَا يسْتَلْزم دُخُول مَا بعْدهَا لجَوَاز أَن يَجْعَل دَاخِلا فِي الْإِسْقَاط قُلْنَا أصل التَّنَاوُل لَهَا كَانَ مَعْلُوما بِدُونِ ذكرهَا، فَعِنْدَ الذّكر وَقع التَّرَدُّد فِي بَقَائِهَا على مَا كَانَ وَفِي سُقُوطهَا، وَالْأَصْل هُوَ الْبَقَاء فَتدبر (وَمَا وَقع) فِي نسخ من أصُول فَخر الْإِسْلَام، وَكَذَلِكَ (فِي الْآجَال والأثمان) فِي رِوَايَة الْحسن عَنهُ (غلط لِاتِّفَاق الرِّوَايَة) وَفِي نُسْخَة الشَّارِح الروَاة بدل الرِّوَايَة وَهُوَ الْأَظْهر (على عَدمه) أَي دُخُول الْغَايَة (فِي أجل الدّين وَالثمن وَالْإِجَارَة) كاشتريت هَذَا بِأَلف إِلَى شهر كَذَا، وأجرتك هَذِه الدَّار بِمِائَة إِلَى كَذَا فَلَا يدْخل ذَلِك الشَّهْر فِي الْأَجَل (وَهُوَ) أَي عدم الدُّخُول هُوَ (الظَّاهِر فِي الْيَمين فَلَزِمَهُ) أَي أَبَا حنيفَة (الْفرق) بَين هَذِه وَبَين الْيَمين (فَقيل) فِي الْفرق بَينهمَا ذكر الْغَايَة (فِي الْأَوَّلين) أَي الدّين وَالثمن هُوَ (للترفيه) أَي التَّخْفِيف والتوسعة (وَيصدق) الترفيه (بِالْأَقَلِّ زَمَانا فَلم يَتَنَاوَلهَا) أَي الْكَلَام الْغَايَة (فَهِيَ) أَي الْغَايَة فيهمَا (للمد) أَي لمد الحكم إِلَيْهَا (وَالْإِجَارَة تمْلِيك مَنْفَعَة) بعوض مَالِي (وَيصدق) تمليكها (كَذَلِك) أَي بِالْأَقَلِّ زَمَانا (وَهُوَ) أَي تمليكها كَذَلِك (غير مُرَاد) لِأَن الْمَقْصد من شرعيتها دفع الْحَاجة وَهِي لَا تحصل بِهَذَا الْإِطْلَاق فَيجب أَن يكون المُرَاد مِقْدَارًا معينا وَهُوَ غير مَعْلُوم (فَكَانَ) المُرَاد مِنْهَا (مَجْهُولا) بِاعْتِبَار الْمدَّة (فَهِيَ) أَي الْغَايَة فِيهَا (لمده) أَي الحكم (إِلَيْهَا) أَي الْغَايَة (بَيَانا لقدر) مَجْهُول فَلم يدْخل لعدم مَا يقتضى دُخُوله تَحت الحكم (وَقَول شمس الْأَئِمَّة فِي وَجه: الظَّاهِر) فِي عدم دُخُول الْغَد فِي الْيَمين (فِي حُرْمَة الْكَلَام) وَوُجُوب الْكَفَّارَة بِهِ (فِي مَوضِع الْغَايَة شكّ) مقول قَوْله، وَذَلِكَ لِأَن الأَصْل عدم الْحُرْمَة للنَّهْي عَن هجران الْمُسلم وَعدم وجوب الْكَفَّارَة بِكَلَامِهِ (وَمَا نسب إِلَيْهِمَا) أَي الصاحبين من أَن الْغَايَة (لَا تدخل) فِي المغيا
(2/113)

(إِلَّا بِدَلِيل، وَلذَا) أَي وَلعدم دُخُولهَا فِيهِ (سيمت غَايَة لِأَن الحكم يَنْتَهِي إِلَيْهَا، وَإِنَّمَا دخلت الْمرَافِق بِالسنةِ) فعلا، على مَا روى الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ عَن جَابر قَالَ: رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُدِير المَاء على الْمرْفق (وَبحث القَاضِي) وَهُوَ أَنه (إِذا قرن الْكَلَام بغاية أَو اسْتثِْنَاء أَو شَرط لَا يعْتَبر بالمطلق) الْمَذْكُور فِي صدر الْكَلَام بِأَن يحمل على إِطْلَاقه أَولا (لم يخرج) من إِطْلَاقه (بالقيد) أَي الْغَايَة وَالِاسْتِثْنَاء وَالشّرط مَا يَقْتَضِي إِخْرَاجه أحد هَذِه الْمَذْكُورَات (بل) يعْتَبر الْكَلَام (بجملته) ابْتِدَاء يَعْنِي يُؤَخر الحكم إِلَى آخر الْكَلَام فيلاحظ بعد ذكر الْغَايَة وَمَا عطف عَلَيْهِ مَا يبْقى من إِطْلَاقه فَيحكم عَلَيْهِ ابْتِدَاء (فالفعل مَعَ الْغَايَة كَلَام وَاحِد) سيق (للْإِيجَاب) وَإِثْبَات الحكم للمغيا (إِلَيْهَا) أَي الْغَايَة (لَا للْإِيجَاب) أَي لإثباته للمغيا والغاية أَولا (والإسقاط) ثَانِيًا بِأَن يخرج الْغَايَة عَن الحكم بعد دُخُولهَا (فِيهِ فَإِنَّهُ مُنَاقض (وَيجب أَن لَا اعْتِبَار بذلك التَّفْصِيل) الرَّاجِع إِلَى التَّفْصِيل النَّحْوِيّ، فَقَوله وَقَول شمس الْأَئِمَّة مُبْتَدأ عطف عَلَيْهِ كل من قَوْله مَا نسب إِلَيْهَا إِلَى آخِره، وَمن قَوْله: وَبحث القَاضِي إِلَى آخِره، وَقَوله يُوجب إِلَى آخِره خَبره: إِذْ حَاصِل التَّفْصِيل إِدْخَال الْغَايَة فِي بعض الصُّور وإخراجها فِي الْبَعْض وَحَاصِل هَذِه عدم الإدخال مُطلقًا بِنَفس الْكَلَام (بل الإدخال) للغاية مُطلقًا فِي حكم المغيا (بِالدَّلِيلِ) ثمَّ بَين الدَّلِيل بقوله (من وجوب احْتِيَاط) إِذا كَانَ الِاحْتِيَاط فِي الإدخال احْتِرَاز عَن إهمال الحكم الشَّرْعِيّ وَذَلِكَ إِذا لم يكن الأَصْل فِيهِ الْحَظْر (أَو قرينَة) دَالَّة على دُخُولهَا فِي الحكم (وَهُوَ) أَي الدَّلِيل على الإدخال (فِي الْخِيَار كَونه) أَي الْخِيَار شرع (للتروي، وَقد ضرب الشَّرْع لَهُ) أَي للتروي (ثَلَاثَة) من الْأَيَّام بلياليها (حَيْثُ ثَبت) التروي (كَالْبيع) فِي الْمُسْتَدْرك عَن ابْن عمر أَنه قَالَ كَانَ حبَان بن منقذ رجلا ضَعِيفا، وَكَانَ قد أَصَابَته فِي رَأسه مأمومة فَجعل لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْخِيَار إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام فِيمَا اشْتَرَاهُ، وَعنهُ غير هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْمَعْنى (وَالرِّدَّة) فِي الْمُوَطَّأ عَن عمر أَن رجلا أَتَاهُ من قبل أبي مُوسَى قَالَ رجل ارْتَدَّ عَن الْإِسْلَام فقلناه، فَقَالَ: هلا حبستموه فِي بَيت ثَلَاثَة أَيَّام وأطعمتموه كل يَوْم رغيفا لَعَلَّه يَتُوب، ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي لم أحضر وَلم آمُر وَلم أَرض (لِأَنَّهَا) أَي الثَّلَاثَة (مَظَنَّة إتقانه) أَي التروي إتقانا (تَاما، فَالظَّاهِر إِدْخَال مَا عين غَايَة) للتروي (دونهَا) أَي ثَلَاثَة أَيَّام: يَعْنِي إِذا كَانَ مَا عين غَايَة للتروي مَعَ مغياها ثَلَاثَة أَيَّام أَو أقل مِنْهَا كَانَ دَاخِلا فِي حكمه فبالضرورة يكون مَا قبل الْغَايَة حِينَئِذٍ دون الثَّلَاثَة (وعَلى هَذَا) التَّحْقِيق (انْتَفَى بِنَاء إِيجَاب) غسل (الْمرَافِق عَلَيْهِ) أَي على تنَاول الصَّدْر إِيَّاهَا: إِذْ لَا تَأْثِير لَهُ فِي الإدخال، وَإِنَّمَا التَّأْثِير للدليل على مَا تبين (وَمَا قيل) أَي وانتفى أَيْضا مَا قَالَه بعض الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة من ابتناء
(2/114)

وجوب غسل الْمرَافِق (على اسْتِعْمَالهَا) أَي إِلَى (للمعية) كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهم إِلَى أَمْوَالكُم} - (بعد قَوْلهم: الْيَد) من رُءُوس الْأَصَابِع (إِلَى الْمنْكب) وَإِنَّمَا انْتَفَى (لِأَنَّهُ) أَي هَذَا القَوْل إِن صَحَّ (يُوجب الْكل) أَي غسل الْأَيْدِي إِلَى الْمنْكب حِينَئِذٍ (لِأَنَّهُ كاغسل الْقَمِيص وكمه وغايته) أَي غَايَة، ذكر الْمرَافِق حِينَئِذٍ (كأفراد فَرد من الْعَالم) بِحكم الْعَام (إِذْ هُوَ) أَي ذكر الْمرَافِق (تنصيص على بعض مُتَعَلق الحكم) وَهُوَ الْيَد (بتعليق عين ذَلِك الحكم) بذلك الْبَعْض (وَذَلِكَ) أَي وإفراد فَرد من الْعَام بِحكم الْعَام (لَا يخرج غَيره) أَي غير ذَلِك الْفَرد عَن حكم الْعَام فَكَذَا التَّنْصِيص على الْمرَافِق لَا يخرج مَا وَرَاءَهَا عَن وجوب الْغسْل الْمُتَعَلّق بِالْأَيْدِي (وَلَو أخرج) التَّنْصِيص على الْفَرد مِنْهُ غَيره عَن حكمه (كَانَ) إخراجا (بِمَفْهُوم اللقب) وَقد مر تَفْسِيره فِي أَوَائِل الْمقَالة وَهُوَ مَرْدُود فَكَذَا هُنَا (وَمَا قيل) وانتفى أَيْضا مَا ذكره صَاحب الْمُحِيط فِي تَوْجِيه افتراض غسل الْمرَافِق من أَنه (لضَرُورَة غسل الْيَد، إِذْ لَا يتم) غسلهَا (دونه) أَي دون غسل الْمرْفق (لتشابك عظمى الذِّرَاع والعضد) وَعدم إِمْكَان التَّمْيِيز بَينهمَا فَتعين لِلْخُرُوجِ من عُهْدَة افتراض غسل الذِّرَاع بتعين غسل الْمرَافِق، وَإِنَّمَا انْتَفَى (لِأَنَّهُ لم يتَعَلَّق الْأَمر بِغسْل الذِّرَاع ليجب غسل مَا لَازمه) وَهُوَ طرف عظم الْعَضُد (بل) تعلق وجوب الْغسْل (بِالْيَدِ إِلَى الْمرْفق وَمَا بعد إِلَى لما لم يدْخل) على مَا هُوَ الْمَفْرُوض (لم يدْخل جزآهما) أَي الذِّرَاع والعضد (الملتقيان) فِي الْمرْفق (وَمَا قيل) أَي وانتفى أَيْضا مَا قيل فِي تَوْجِيه افتراض غسله من أَنه افْترض لاشتباه المُرَاد بِغسْل الْيَد إِلَى الْمرَافِق (للاجمال وغسله) عَلَيْهِ السَّلَام أى الْمرْفق (فالتحق) غسله (بِهِ) أى بِالنَّصِّ الْمُجْمل الْمَذْكُور (بَيَانا) لما هُوَ المُرَاد مِنْهُ، وانما انْتَفَى (لِأَن عدم دلَالَة اللَّفْظ) يعْنى وَأَيْدِيكُمْ الى الْمرَافِق على دُخُول الْمرْفق فِي الْغسْل (لَا يُوجب الْإِجْمَال) فِيمَا هُوَ المُرَاد إِذْ وجوب غسل الْيَد إِلَى الْمرْفق مَنْطُوق والمرفق مسكوت عَنهُ وبالسكوت لَا يلْزم عدم الْوُجُوب كَمَا لَا يلْزم الْوُجُوب، فَالْمُرَاد وجوب غسل مَا فَوق الْمرْفق، وَلَا إِجْمَال فِي هَذَا المُرَاد، وَلَا سِيمَا (وَالْأَصْل الْبَرَاءَة) أَي بَرَاءَة ذمَّة الْمُكَلف عَن الْوُجُوب فَيُؤْخَذ عدم وجوب غسل الْمرَافِق بالاستصحاب (بل) الَّذِي يُوجب الْإِجْمَال (الدّلَالَة المشتبهة) بِأَن يكون الْمَدْلُول مُحْتملا لوجوه شَتَّى وَلم يتَعَيَّن أَحدهَا بِحَيْثُ لَا يدْرك إِلَّا بِبَيَان من قبل الْمُتَكَلّم وَهِي مَقْصُودَة هَهُنَا، وَإِن كَانَ الْأَمر على هَذَا (فَبَقيَ مُجَرّد فعله) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (دَلِيل السّنة) أَي يدل على مسنونية غسله كَقَوْلِه زفر (وَمَا قيل) أَي وانتفى أَيْضا مَا قيل فِي تَوْجِيه افتراضه من أَن الْغَايَة (تدخل) تَارَة كَمَا فِي حفظت الْقُرْآن من أَوله إِلَى آخِره (وَلَا) تدخل أُخْرَى كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - {فنظرة إِلَى ميسرَة} - (فَتدخل) من الإدخال بِقَرِينَة قَوْله (احْتِيَاطًا)
(2/115)

هَهُنَا لِأَن الحَدِيث مُتَيَقن فَلَا يَزُول بِالشَّكِّ، وَإِنَّمَا انْتَفَى (لِأَن الحكم إِذا توقف على الدَّلِيل لَا يجب) أَي لَا يثبت (مَعَ عَدمه) أَي عدم الدَّلِيل لِامْتِنَاع ثُبُوت الْمَوْقُوف بِدُونِ الْمَوْقُوف عَلَيْهِ وَمن الْمَعْلُوم توقفه والمفروض عدم الدَّلِيل هَهُنَا (وَالِاحْتِيَاط) إِنَّمَا هُوَ (الْعَمَل بأقوى الدَّلِيلَيْنِ وَهُوَ) أَي الْعَمَل بأفواهما (فرع تجاذبهما) بِأَن يتَحَقَّق دَلِيل يجذب الحكم إِلَيْهِ وَدَلِيل آخر يجذب نقيضه إِلَيْهِ جذب الْمُقْتَضى للمقتضى (وَهُوَ) أَي تجاذبهما (مُنْتَفٍ) لعدم وجودهما (وَمَا قيل) أَي وانتفى أَيْضا مَا قيل فِي تَوْجِيهه من أَن قَوْله إِلَى الْمرَافِق غَايَة (لمسقطين مُقَدّر) صفة مسقطين لِأَنَّهُ لم يرد بِهِ خُصُوصِيَّة لفظ مسقطين، بل مَا يعمه وَمَا فِي مَعْنَاهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ فَاغْسِلُوا أَيْدِيكُم حَال كونكم مسقطين الْمنْكب إِلَى الْمرْفق، وَإِنَّمَا انْتَفَى (لِأَنَّهُ خلاف الظَّاهِر بِلَا ملجئ) إِلَيْهِ، إِذْ الظَّاهِر تعلقه بِالْفِعْلِ الْمَذْكُور (وَمَا قيل) أَي وانتفى أَيْضا مَا قيل من أَن قَوْله إِلَى الْمرَافِق (مُتَعَلق باغسلوا مَعَ أَن الْمَقْصُود مِنْهُ) أَي من اغسلوا (الْإِسْقَاط) فَهُوَ غَايَة لاغسلوا، لَكِن لأجل إِسْقَاط مَا وَرَاء الْمرَافِق عِنْد حكم الْغسْل، وَإِنَّمَا انْتَفَى (لِأَنَّهُ) أَي اللَّفْظ (لَا يُوجِبهُ) أَي لَا يُوجب كَون الْمَقْصد مِنْهُ الْإِسْقَاط مَعَ تعلقه باغسلوا (وَكَونه مُتَعَلقا باغسلوا مَعَ أَن الْمَقْصُود مِنْهُ الْإِسْقَاط) على تَقْدِير تَسْلِيمه (لَا يُوجِبهُ) أَي الْإِسْقَاط (عَمَّا وَرَاء الْمرْفق بل) إِنَّمَا يُوجب الْإِسْقَاط (عَمَّا قبله) أَي الْمرْفق تَوْضِيحه أَن الْإِسْقَاط الَّذِي يتضمنه الْغسْل إِنَّمَا هُوَ إِسْقَاط الْوَاجِب فِي الذِّمَّة بأَدَاء الْمَأْمُور بِهِ وَلَا يتَحَقَّق ذَلِك إِلَّا فِيمَا قبل الْمرْفق لَا الْإِسْقَاط بِمَعْنى عدم وجوب الْغسْل ابْتِدَاء ليتَحَقَّق فِيمَا فَوْقه (بِاللَّفْظِ مَعَ أَنه) أَي هَذَا التَّوْجِيه (بِلَا قَاعِدَة) أَي لَا ينْدَرج تَحت قَاعِدَة من قَوَاعِد الْعَرَبيَّة (وَالْأَقْرَب) من الْكل أَن يُقَال أَن الحكم بِوُجُوب غسل إِنَّمَا هُوَ (الِاحْتِيَاط لثُبُوت الدُّخُول) أَي دُخُول الْغَايَة فِي حكم المغيا (وَعَدَمه) أَي الدُّخُول (كثيرا وَلم يرو عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قطّ تَركه) أَي غسل الْمرَافِق (فَقَامَتْ قرينَة إِرَادَته) أَي الدُّخُول (من النَّص ظنا فَأوجب) هَذَا الْمَجْمُوع: أَعنِي كَثْرَة الدُّخُول وَعَدَمه مَعَ الْقَرِينَة الْمَذْكُورَة (للِاحْتِيَاط) بِالْغسْلِ كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى أَن كل وَاحِد من الكثرتين بِمَنْزِلَة دَلِيل، وَكَثْرَة الدُّخُول مَعَ الْقَرِينَة الْمَذْكُورَة أقوى الدَّلِيلَيْنِ فيطابق مَا سبق أَن الِاحْتِيَاط الْعَمَل بأقوى الدَّلِيلَيْنِ (إِلَّا أَن مُقْتَضَاهُ) أَي هَذَا الدَّلِيل (وجوب إدخالهما) أَي الْمرْفقين فِي غسل الْيَدَيْنِ (على أصلهم) أَي الْحَنَفِيَّة، لِأَنَّهُ ثَبت بِدَلِيل ظَنِّي لَا افتراض دخولهما وَلَكِن كَلَامهم صَرِيح فِي الافتراض وَإِن أطلق بَعضهم الْوُجُوب عَلَيْهِ، وَيُؤَيّد الْوُجُوب عدم تكفيرهم الْمُخَالف فِي ذَلِك (أَو يثبت) من الْإِثْبَات على صِيغَة الْمَجْهُول أقيم مقَام فَاعله (استقراء التَّفْصِيل) بَين أَن يكون جُزْءا فَيدْخل وَبَين أَن لَا يكون فَلَا (فَتحمل) الْغَايَة (عَلَيْهِ) أَي على التَّفْصِيل (عِنْد عدم الْقَرِينَة
(2/116)

فِي الْآيَة) فَتدخل افتراضا إِن كَانَ الاستقراء تَاما، وَقَوله أَو يثبت مَعْطُوف على مَا قبله بِحَسب الْمَعْنى كَأَنَّهُ قَالَ: يحكم بِوُجُوبِهِ مِمَّا ذكر أَو ثَبت الاستقراء فَيحكم بِأَقَلّ مِنْهُ.

مسئلة
(فِي للظرفية) أَي وضع للدلالة على أَن مجرورها ظرف لمتعلقها زَمَانا أَو مَكَانا (حَقِيقَة) ككون المَاء فِي الْكَوْن وَالصَّلَاة فِي يَوْم الْجُمُعَة (فلزما) أَي الظّرْف والمظروف (فِي غصبته) أَي مِنْهُ (ثوبا فِي منديل) أَو الضَّمِير كِنَايَة عَن الْمَغْصُوب وثوبا حَال عَنهُ، وَجه اللُّزُوم أَنه اقر بِغَصب مظروف فِي ظرف وَهُوَ لَا يتَحَقَّق بِدُونِ غصب الظّرْف (ومجازا كَالدَّارِ فِي يَده و) هُوَ (فِي نعْمَة) جعلت يَده ظرفا للدَّار لاقتداره على التَّصَرُّف فِيهَا اقتدار الْإِنْسَان على مَا فِي يَده، وَالنعْمَة ظرفا لصَاحِبهَا لغمرها وإحاطتها إِيَّاه (وَعم متعلقها) أَي فِي (مدخولها) باستيعابه إِيَّاه حَال كَونهَا (مقدرَة لَا ملفوظة لُغَة) أَي عُمُوما تَقْتَضِيه اللُّغَة (للْفرق) بل وَعرفا (بَين صمت سنة وَفِي سنة) كَانَ الأول يُفِيد اسْتِيعَاب السّنة بِالصَّوْمِ وَهُوَ يصدق بِوُقُوعِهِ فِي بعض يَوْم مِنْهَا (فَلم يصدق قَضَاء فِي نِيَّته آخر النَّهَار فِي) أَنْت (طَالِق غَدا) وَيصدق ديانَة عِنْد الْكل (وَصدق) فِي أَنْت طَالِق (فِي غَد) قَضَاء وديانة فِي نِيَّته آخر النَّهَار عِنْده (خلافًا لَهما) فَإِنَّهُ يصدق عِنْدهمَا ديانَة لَا غير، لِأَنَّهُ وصفهَا بِالطَّلَاق فِي جَمِيع الْغَد كَالْأولِ لِأَن حذفهَا مَعَ إرادتها وإثباتها سَوَاء، فَكَانَ حذفهَا يُفِيد عُمُوم الزَّمَان كَذَلِك إِثْبَاتهَا يفِيدهُ، وَكَذَا يَقع فِي إِثْبَاتهَا عِنْد عدم النِّيَّة فِي أول جُزْء من الْغَد اتِّفَاقًا، فَأجَاب عَن هَذَا بقوله (وَإِنَّمَا يتَعَيَّن أول أَجْزَائِهِ) أَي الْغَد (مَعَ عدمهَا) أَي النِّيَّة (لعدم المزاحم) لسبقه: يَعْنِي أَن وُقُوع متعلقها فِي بعض أَجزَاء الْغَد مَدْلُول قطعا عِنْد ذكرهَا، وكل جُزْء يحْتَمل ذَلِك فاشتركت الْأَجْزَاء فِي هَذَا الِاحْتِمَال، وترجح الْجُزْء الأول لعدم الْمُزَاحمَة: إِذْ الْمُزَاحمَة فرع الْوُجُود وَلم يُوجد فِي يَدَيْهِ سوى الْجُزْء الأول فَيتَعَيَّن (وتنجز نَحْو) أَنْت (طَالِق فِي الدَّار، و) أَنْت طَالِق فِي (الشَّمْس لعدم صلاحيته) أَي كل من الدَّار وَالشَّمْس (للإضافة) أَي إِضَافَة الطَّلَاق إِلَيْهِ لِأَنَّهَا تَعْلِيق معنى، وَالتَّعْلِيق إِنَّمَا يكون بمعدوم على خطر الْوُجُود، وَالْمَكَان الْمعِين وَمَا فِي مَعْنَاهُ مَوْجُود فَيَقَع فِي الْحَال (إِلَّا أَن يُرَاد) بقوله فِي الدَّار (نَحْو دخولكها) أَي فِي دخولك الدَّار حَال كَون الدُّخُول (مُضَافا) إِلَى الدَّار محذوفا للاختصار (أَو) يرد (الْمحل) أَي اسْتِعْمَال الْمحل، وَهُوَ الدَّار، أَو الشَّمْس (فِي الْحَال) وَهُوَ الدُّخُول مجَازًا (أَو) يُرَاد (اسْتِعْمَالهَا) أَي فِي (فِي الْمُقَارنَة) أَي بمعونة مَعَ لِأَن فِي الظّرْف معنى الْمُقَارنَة للمظروف (كالتعليق) أَي فَهُوَ حِينَئِذٍ كالتعليق (توقفا) لتوقف الطَّلَاق على الْمُقَارنَة كتوقف الْمُعَلق على
(2/117)

الْمُتَعَلّق بِهِ كالتعلق (لَا ترتبا) إِذْ لَا يَتَرَتَّب الطَّلَاق على الْمُقَارنَة كترتبه على الشَّرْط كَمَا زعم الْبَعْض غير أَنه لَا يَقع بِدُونِهَا (فَعَنْهُ) أَي عَن كَونه كالتعليق توقفا لَا ترتبا (لَا تطلق أَجْنَبِيَّة قَالَ لَهَا أَنْت طَالِق فِي نكاحك) ثمَّ تزَوجهَا كَمَا لَو قَالَ مَعَ نكاحك: أَي إِيجَاب الطَّلَاق الْمُقَارن للنِّكَاح لَغْو بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ أَنْت طَالِق إِن تَزَوَّجتك: إِذْ حِينَئِذٍ يكون الطَّلَاق مُرَتبا على النِّكَاح، وَهَكَذَا شَأْن الطَّلَاق يكون بعد النِّكَاح لَا مَعَه، وَحذف الْمُضَاف والتجوز خلاف الظَّاهِر، وَلذَا لم يصدق فِيهِ قَضَاء، وَيصدق ديانَة لاحْتِمَال اللَّفْظ، ثمَّ إِن ظرفية الدَّار وَالشَّمْس للدخول على سَبِيل التَّجَوُّز بتنزيل الْمَعْنى منزلَة الْجِسْم المتمكن، وَمثل هَذَا التَّجَوُّز شَائِع (وَتعلق طَالِق فِي مَشِيئَة الله) أَي تعلق الطَّلَاق فِي أَنْت طَالِق فِي مَشِيئَة الله كَانَ شَاءَ الله: إِذْ الْمَشِيئَة بِاعْتِبَار تعلقهَا بِالطَّلَاق لَيست من الْأَشْيَاء الثَّابِتَة لِئَلَّا يصلح لكَونهَا فِي معنى التَّعْلِيق كَالدَّارِ وَالشَّمْس (فَلم يَقع) الطَّلَاق (لِأَنَّهُ) أَي وُقُوعه فِي مَشِيئَة الله غيب لَا سَبِيل إِلَى الِاطِّلَاع عَلَيْهِ (لاختصاصها) أَي لاخْتِصَاص الْعلم بِالْمَشِيئَةِ بِاللَّه لَا يعلمهَا إِلَّا هُوَ، وَالْأَصْل عدم الْوُقُوع (وتنجز) الطَّلَاق فِي أَنْت طَالِق (فِي علم الله لشُمُوله) أَي شُمُول علمه جَمِيع المعلومات لِأَنَّهُ بِكُل شَيْء عليم (فَلَا خطر) فِي التَّعْلِيق بِهِ لما مر من أَن الْخطر إِنَّمَا يكون فِي أَمر يحْتَمل الْوُجُود وَالْعلم (بل) التَّعْلِيق بِهِ (تَعْلِيق بكائن) لَا محَالة لِأَنَّهُ لَا يَصح نَفْيه عَنهُ تَعَالَى بِحَال فَكَانَ تَعْلِيقا بموجود فَكَانَ تنجيزا فَإِن قلت: علم الله على نَوْعَيْنِ على وزان الْعلم التصوري، وَهُوَ مُتَعَلق بِكُل شَيْء مُحِيط بِهِ حَتَّى الْمُمْتَنع، وَعلم على وزان الْعلم التصديقي وَهُوَ لَا يتَعَلَّق إِلَّا بِمَا هُوَ وَاقع فِي نفس الْأَمر، فَإِن أَرَادَ بقوله فِي علم الله النَّوْع الأول فَالْأَمْر كَمَا ذكرت، وَإِن أَرَادَ النَّوْع الثَّانِي فَلَا نسلم أَن التَّعْلِيق بِهِ تَعْلِيق بكائن لجَوَاز عدم تحقق الْعلم الْمُتَعَلّق بِوُقُوع الطَّلَاق: أَلا ترى إِلَى قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَن هَذَا الْأَمر خير لي " وإدخاله حرف الشَّك على الْعلم الْمُتَعَلّق بالخيرية قلت لما أطلق وَلم يُقَيِّدهُ بِمَا يخصصه بِهَذَا النَّوْع من التَّعْلِيق يحمل على مُطلق الْعلم الْمُتَعَلّق بِكُل شَيْء لِأَنَّهُ الْمُتَبَادر مِنْهُ، ثمَّ أَشَارَ إِلَى بعض التَّعْلِيل الْمَذْكُور بقوله (وَأورد) على هَذَا الدَّلِيل بِأَنَّهُ يلْزم مثل مَا قُلْتُمْ فِي الْقُدْرَة (فَيجب الْوُقُوع) أَي وُقُوع الطَّلَاق فِي: أَنْت طَالِق (فِي قدرَة الله للشمول) أَي لشمُول الْقُدْرَة لكل شَيْء كل كَالْعلمِ فالتعليق بِهِ تَعْلِيق بكائن لَا محَالة (أُجِيب) بِبَيَان الْفرق بَين الْعلم وَالْقُدْرَة (بِكَثْرَة إِرَادَة التَّقْدِير) من قدرَة الله، وَهُوَ تعلق الْإِرَادَة بِوُقُوع شَيْء فَهُوَ غير مَعْلُوم الْوُقُوع (فكالمشيئة) أَي فَهِيَ كالمشيئة فِي أَنه لَا يعلم كينونته (وَدفع) هَذَا الْجَواب بِأَنَّهَا (تسْتَعْمل بِمَعْنى الْمَقْدُور) الشَّامِل كل مُمكن (بِكَثْرَة أَيْضا) وَفِيه أَنَّهَا حِينَئِذٍ تكون مُحْتملا للأمرين فَلَا يتَعَيَّن التَّعْلِيق بكائن وَالْحَاصِل أَن قَوْله أُجِيب إِلَى آخِره منع جَرَيَان الدَّلِيل فِي مَادَّة النَّقْض
(2/118)

فَيجب على الْخصم إِثْبَات الْمُقدمَة الممنوعة، وَقَوله دفع إِلَى آخِره لَا يثبتها (وَأجِيب) عَن هَذَا الدّفع (بِأَن الْمَعْنى بِهِ) أَي بالمقدور (آثَار الْقُدْرَة) على حذف الْمُضَاف (وَلَا أثر للْعلم) حَتَّى يكون الْمَعْنى فِي علم الله آثَار علم الله، فَكيف يكون فِي قدرَة الله مثل فِي علم الله (وَدفع) هَذَا الْجَواب (باتحاد الْحَاصِل من مَقْدُور) الَّذِي يسْتَعْمل فِيهِ الْقُدْرَة بِكَثْرَة (و) الْحَاصِل من (آثَار الْقُدْرَة) وَإِذا كَانَ الْقُدْرَة مستعملة فِي آثَار الْقُدْرَة الَّتِي هِيَ بِمَعْنى الْمَقْدُور (فَلم لم يكن) فِي قدرَة الله بِمَعْنى مَقْدُور الله (كالمعلوم) فِي علم الله فَيَقَع بِهِ الطَّلَاق، ثمَّ حقق المُصَنّف الْمحل بقوله (وَالْوَجْه إِذا كَانَ الْمَعْنى) أَي معنى أَنْت طَالِق فِي قدرَة الله (على التَّعْلِيق) قَوْله وَالْوَجْه مُبْتَدأ وَالْخَبَر (أَن لَا معنى للتعليق بمقدوره) وَالْجُمْلَة الشّرطِيَّة مُعْتَرضَة جَوَابه مَحْذُوف يدل عَلَيْهِ الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر (إِلَّا أَن يُرَاد وجوده) أَي الْمَقْدُور: إِذْ تَعْلِيق الطَّلَاق بِذَات الْمَقْدُور غير مَعْقُول: إِذْ الْمُتَعَلّق بِهِ مَدْخُول حرف الشَّرْط من حَيْثُ الْمَعْنى، ومدخولها لَا يكون إِلَّا مَعَاني الْأَفْعَال كالوجود والثبوت (فَتطلق فِي الْحَال) لتحَقّق الْمُعَلق بِهِ (أَو) كَانَ الْمَعْنى (على أَن هَذَا الْمَعْنى) الطَّلَاق (ثَابت فِي جملَة مقدوراته فَكَذَلِك) أَي فَتطلق فِي الْحَال (كَمَا قَرَّرَهُ بَعضهم فِي علمه) أَي فِي أَنْت طَالِق فِي علم الله، فَقَالَ الْمَعْنى أَنْت طَالِق فِي مَعْلُوم الله: أَي هَذَا الْمَعْنى ثَابت فِي جملَة معلوماته فَلَو لم يَقع الطَّلَاق لم يكن فِي معلوماته وَكَذَا لم يُمكن فِي مقدوراته (وَيُجَاب) عَن هَذَا الْوَجْه (بِاخْتِيَار الثَّانِي، و) هُوَ أَي أَن هَذَا الْمَعْنى ثَابت فِي جملَة مقدوراته، ثمَّ يُقَال (بِالْفرقِ) بَينه وَبَين فِي علمه (بِأَن ثُبُوته) أَي طَلاقهَا (فِي علمه بِثُبُوتِهِ فِي الْوُجُود وَهُوَ) أَي ثُبُوته فِي الْوُجُود (بِوُقُوعِهِ بِخِلَاف ثُبُوته فِي الْقُدْرَة فَإِن مَعْنَاهُ أَنه مَقْدُور، وَلَا يلْزم من كَون الشَّيْء مَقْدُورًا كَونه مَوْجُودا تعلّقت بِهِ الْقُدْرَة) وَكَذَا يُقَال لفاسد الْحَال فِي قدرَة الله صَلَاحه مَعَ عدم تحَققه فِي الْحَال (هَذَا حَقِيقَة الْفرق، وَلَا حَاجَة إِلَى غَيره مِمَّا تقدم) من أَن الْمَعْنى بِأَن الْمَقْدُور أثار الْقُدْرَة إِلَى آخِره، ثمَّ الدّفع باتحاد الْحَاصِل إِلَى آخِره ثمَّ إِرَادَة الْوُجُود على تَقْدِير كَون الْمَعْنى على التَّعْلِيق (وَأَيْضًا الْمَبْنِيّ الْحمل على الْأَكْثَر فِيهِ اسْتِعْمَالا) أَي على الْمَعْنى الَّذِي يسْتَعْمل فِيهِ مثل طَالِق فِي قدرَة الله فِي الْأَغْلَب (فَلَا يُرَاد الثَّانِي) وَهُوَ أَن يُرَاد بِالْقُدْرَةِ التَّقْدِير لندرة الِاسْتِعْمَال فِيهِ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ ثَانِيًا لِأَنَّهُ ذكر فِي الْمرتبَة الثَّانِيَة فِي هَذِه المناظرة فِي جَوَاب الْبَعْض (وَلَو تَسَاويا) أَي اسْتِعْمَاله فِي الْمَقْدُور واستعماله فِي التَّقْدِير (لَا يَقع) الطَّلَاق (بِالشَّكِّ) إِذْ على تَقْدِير إِرَادَة التَّقْدِير لَا يَقع، وعَلى تَقْدِير إِرَادَة الْمَقْدُور يَقع، وَلَا رُجْحَان لأَحَدهمَا، وَالْأَصْل عدم الطَّلَاق: هَذَا وَذكر فِي الْكَافِي أَنه لَو أَرَادَ حَقِيقَة قدرته تَعَالَى يَقع فِي الْحَال (ولبطلان الظَّرْفِيَّة لزم عشرَة فِي لَهُ) عَليّ (عشرَة فِي عشرَة) لِأَن الشَّيْء لَا يصلح ظرفا لنَفسِهِ، لَا يُقَال يَنْبَغِي حِينَئِذٍ أَن يحمل على مجازه وَهُوَ معنى مَعَ أَو وَاو الْعَطف كَمَا هُوَ قَول زفر
(2/119)

لتَعَدد الْمَعْنى الْمجَازِي، وَعدم تَرْجِيح بعضه على بعض على أَن الأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة (إِلَّا أَن قصد بِهِ الْمَعِيَّة أَو الْعَطف) أَي معنى الْوَاو (فعشرون) أَي فَيلْزم عشرُون (لمناسبة الظَّرْفِيَّة) الَّتِي هِيَ حَقِيقَة فِي (كليهمَا) أَي الْمَعِيَّة والعطف: إِذْ بنية قصد التَّشْدِيد على نَفسه فَلَزِمَهُ (وَمثله) أَي مثل عشرَة فِي عشرَة فِي بطلَان الظَّرْفِيَّة أَنْت (طَالِق وَاحِدَة فِي وَاحِدَة) فَيَقَع وَاحِدَة مَا لم ينْو الْمَعِيَّة أَو الْعَطف، فَإِن نوى أَحدهمَا وَهِي مدخولة وَقع ثِنْتَانِ، وَإِن كَانَت غير مدخولة وَقع وَاحِدَة فِي نِيَّة الْعَطف وثنتان فِي نِيَّة الْمَعِيَّة (وَإِنَّمَا يشكل إِذا أَرَادَ عرف الْحساب) فِي مثل لَهُ عَليّ عشرَة فِي عشرَة حَيْثُ قَالُوا يلْزمه عشرَة (لِأَن مؤد اللَّفْظ حِينَئِذٍ) أَي حِين أَرَادَ عرف الْحساب (كمؤدي عشر عشرات) لِأَن عرفهم تَضْعِيف أحد العددين بِقدر الآخر، وَقد بنى كَلَامه على عرفهم فَصَارَ كَمَا لَو أوقع بلغَة أُخْرَى عَالما بهَا، وَلذَا قَالَ زفر وَبَاقِي الْأَئِمَّة: يلْزمه مائَة حَتَّى لَو ادّعى الْمقر لَهُ الْمِائَة وَأنكر الْمقر حلف أَنه مَا أَدَّاهُ.

أدوات الشَّرْط
(أَي تَعْلِيق مَضْمُون جملَة على جملَة أُخْرَى تَلِيهَا وَحَاصِله) أَي الشَّرْط بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور (ربط خَاص) وَهُوَ جعل الْمُعَلق بِحَيْثُ يَتَرَتَّب على الْمُعَلق بِهِ إِذا تحقق (ونسبتها) أَي نِسْبَة الْجُمْلَة الْمُعَلق عَلَيْهَا (عَلَيْهِ) أَي الشَّرْط فِي قَوْلهم جملَة شَرْطِيَّة (لدلالتها) أَي الْجُمْلَة الْمَذْكُورَة (عَلَيْهِ) أَي الشَّرْط بانضمام أدوات الشَّرْط إِلَيْهَا (وَيُقَال) لفظ الشَّرْط أَيْضا (لمضمون) الْجُمْلَة الْمَذْكُورَة (الأولى) فَهُوَ بِالْمَعْنَى الأول صفة الْمُتَكَلّم، وبالمعنى الثَّانِي لَيْسَ صفته (وَمِنْه) أَي من الْمَعْنى الثَّانِي قَوْلهم (الشَّرْط) بِمَعْنى مَضْمُون الْجُمْلَة الأولى (مَعْدُوم) أَي عِنْد التَّعْلِيق: إِذْ لَو كَانَ مَوْجُودا لم يكن الْكَلَام تَعْلِيقا بل تنجيزا (على خطر الْوُجُود) أَي مترددا بَين أَن يكون وَأَن لَا يكون لَا مُسْتَحِيل وَلَا مُتَحَقق (وَإِن أَصْلهَا) أَي أدوات الشَّرْط (لتجردها لَهُ) أَي لدلالتها على مُجَرّد معنى الشَّرْط (وَغَيرهَا) أَي غير إِن من بَقِيَّة الأدوات للشّرط (مَعَ خُصُوص زمَان وَنَحْوه) من مَكَان وَغَيره، وَمَا فِي التَّحْرِير: شرح الْجَامِع الْكَبِير الأَصْل فِي أَلْفَاظ الشَّرْط كلما، وَالْبَاقِي مُلْحق بهَا غَرِيب: كَذَا ذكره الشَّارِح (وَاشْترط) لُغَة (الْخطر فِي مدخولها) أَي إِن (ومدخول الْأَسْمَاء الجازمة كمتى حَتَّى امْتنع إِن أَو مَتى طلعت الشَّمْس أفعل) كَذَا لِأَن طُلُوع الشَّمْس لَا خطر فِيهِ (إِلَّا لنكتة) من توبيخ أَو تَغْلِيب أَو غير ذَلِك مِمَّا فصل فِي علم الْمعَانِي، وَهَذَا الِامْتِنَاع وَاقع لُغَة (لَا لِأَنَّهُ) أَي الْخطر (شَرط الشَّرْط) لَا يتَحَقَّق حَقِيقَة إِلَّا بِهِ (وَحَاصِله) أَي حَاصِل الْكَلَام فِي إِن والأسماء الجازمة (أَنَّهَا إِنَّمَا وضعت لإِفَادَة التَّعْلِيق كَذَلِك) أَي على
(2/120)

خطر الْوُجُود (وَلذَا) أَي وَلكَون الْخطر لَيْسَ بِشَرْط مُطلقًا (صَحَّ) الشَّرْط (مَعَ ضِدّه) أَي الْخطر (فِي إِذا جَاءَ غَد أكرمك) إِذْ مَجِيء الْغَد مُحَقّق (لوضعها) أَي إِذا (لذَلِك) أَي لإِفَادَة التَّعْلِيق على مَا هُوَ مَقْطُوع بِوُجُودِهِ إِذا كَانَت للشّرط فَلَا تسْتَعْمل فِي غير الْمَقْطُوع (إِلَّا لنكته كإذا جَاءَ زيد) فَإِنَّهُ يُقَال مَعَ عدم الْقطع (تفاؤلا) إِذا كَانَ مَجِيئه مَطْلُوبا وَهُوَ على خطر الْوُجُود وكقول عبد بن قيس:
(واستغن مَا أَغْنَاك رَبك بالغنى
(وَإِذا تصبك) خصَاصَة فَتحمل)

(تَنْزِيلا لَهُ) أَي لما هُوَ على الْخطر (محققا) أَي منزلَة الْمُحَقق (لعادة الْوُجُود) لما هُوَ مُعْتَاد فِي عَالم الْكَوْن من رد الْغَائِب وإصابة الخصاص (وتوطينا) للنَّفس على تحمل مشقة الْفقر والفاقة وَالصَّبْر عَلَيْهَا (لدفع الْجزع عِنْده) أَي عِنْد وُقُوعه (وتخصيصهم) أَي الْمَشَايِخ (تَفْرِيع) مسئلة (إِن لم أطلقك فطالق) يُرِيد بتخصيصهم التَّفْرِيع الْمَذْكُور حصرهم الْمُسْتَفَاد من قَوْلهم (لَا تطلق إِلَّا بآخر) جُزْء من (حَيَاة أَحدهمَا) أَي الزَّوْجَيْنِ إِذا لم يطلقهَا من عقيب التَّعْلِيق إِلَى الآخر الْمَذْكُور تعميما فِي الزَّوْجَيْنِ بِنَاء (على) القَوْل (الصَّحِيح فِي مَوتهَا) احْتِرَازًا عَمَّا فِي النَّوَادِر من أَنَّهَا لَا تطلق بآخر حَيَاتهَا لِأَنَّهُ قَادر على تطليقها، وَإِنَّمَا يعجز عَنهُ بموتها فَيَقَع بِمَوْتِهِ لَا بموتها، وَوجه التَّسْوِيَة أَنه إِذا بَقِي من حَيَاة أَحدهمَا مَا لَا يسع التَّطْلِيق بِلَفْظ مَا فَذَلِك الْقدر صَالح لوُقُوع الطَّلَاق، وَإِن لم يصلح للتطليق بِلَفْظ فَيَقَع لتحَقّق الشَّرْط وَهُوَ النَّفْي الْمُسْتَوْعب أَجزَاء الْعُمر المستلزم لليأس من إِيقَاع الطَّلَاق بِلَفْظ مَعَ وجود الْمحل، ثمَّ علل التَّخْصِيص الْمَذْكُور بقوله (للتّنْبِيه على أَنه) أَي شَرط وُقُوع الطَّلَاق (الْعَدَم) أَي عدم التَّطْلِيق الْمَدْلُول عَلَيْهِ بقوله إِن لم أطلقك (مُطلقًا) أَي عدما مُسْتَغْرقا جَمِيع أَجزَاء حَيَاة أَحدهمَا سوى النقطة الْأَخِيرَة: إِذْ التَّطْلِيق الَّذِي تضمنه الْفِعْل الْمَذْكُور نكرَة فِي سِيَاق النَّفْي مستغرقة جَمِيع التطليقات الممكنة فِي الْعُمر، وَقَوله تخصيصهم: مُبْتَدأ خَبره قَوْله (لدفع توهم الْوُقُوع) أَي وُقُوع الطَّلَاق الْمُعَلق، وَيحْتَمل أَن يكون الْخَبَر قَوْله للتّنْبِيه، وَقَوله لدفع توهم تعليلا لَهُ (بسكوت يَسعهُ) أَي التَّطْلِيق بعد زمَان التَّعْلِيق (كَمَا هُوَ) الحكم (فِي مَتى) لم أطلقك فَأَنت طَالِق لإضافة الطَّلَاق إِلَى زمَان خَال عَن تطليقها إِذْ هُوَ ظرف زمَان، وبمجرد سُكُوته يُوجد الزَّمَان الْمُضَاف إِلَيْهِ فَيَقَع فَالشَّرْط فِي إِن لم أطلقك الْعَدَم الْمُطلق وَهُوَ لَا يتَحَقَّق إِلَّا فِي الْجُزْء الْأَخير، وَفِي مَتى لم أطلقك وجود زمَان خَال عَن التَّطْلِيق: إِذْ هُوَ ظرف يُوجد فِيمَا ذكر فَافْتَرقَا هَكَذَا عبارَة الْمَتْن فِي نُسْخَة الشَّارِح، وَفِي نُسْخَة أُخْرَى مصححة لدفع توهم الْوُقُوع بِالسُّكُوتِ لتحَقّق الْعَدَم بِهِ وَإِلَّا كَانَ الشَّرْط عدما مُقَيّدا بِزَمَان عَدمه فَيَقَع بسكوت يَسعهُ انْتهى، وَضمير بِهِ رَاجع إِلَى السُّكُوت، وَمعنى قَوْله
(2/121)

وَإِلَّا: أَي لَا يكون الشَّرْط عدما مُطلقًا، وَضمير عَدمه رَاجع إِلَى التَّطْلِيق وَلَا يخفى عَلَيْك مَا فِيهِ مَعَ أَن الأولى تفِيد مَا فِي الثَّانِيَة فِي إيجاز ووضوح (فقد تضمن) هَذَا الْكَلَام (مسئلتها) أَي مَتى (وَمِنْهَا) أَي من أَحْكَامهَا أَنه إِذا قَالَ (أَنْت طَالِق مَتى شِئْت لَا يتَقَيَّد) تَفْوِيض الْمَشِيئَة إِلَيْهَا (بِالْمَجْلِسِ فلهَا مَشِيئَة الطَّلَاق بعده) أَي الْمجْلس لِأَنَّهَا لعُمُوم أَفْرَاد مدخولها بِحَسب عُمُوم الْأَزْمِنَة بِخِلَاف إِن شِئْت.

مسئلة
(إِذا) وضعت (لزمان) حُدُوث (مَا أضيفت إِلَيْهِ) كَقَوْلِه تَعَالَى {وَاللَّيْل إِذا يغشى} أَي وَقت غشيانه بدل من اللَّيْل لَا حَال عَنهُ كَمَا ذهب إِلَيْهِ ابْن الْحَاجِب، إِذْ لَيْسَ المُرَاد تَقْيِيد تعلق الْقسم بذلك الْوَقْت (وتستعمل للمجازاة) أَي للشّرط على خلاف أَصْلهَا حَال كَونهَا (دَاخِلَة على مُحَقّق) كَمَا هُوَ الأَصْل فِيهَا (وموهوم) لنكتة كَمَا سبق (وتوهم أَنه) أَي دُخُولهَا على موهوم (مَبْنِيّ حكم فَخر الْإِسْلَام أَنَّهَا حِينَئِذٍ) تدخل على موهوم (حرف) بِمَعْنى أَن (فَدفع) كَونه منشأ لحرفيتها (بِجَوَازِهِ) أَي دُخُولهَا على موهوم (لنكتة) وَهَذَا التَّوَهُّم وَالدَّفْع فِي التَّلْوِيح (وَلَيْسَ) هُوَ مبناه (وَكَلَامه) أَي وَحَاصِل كَلَامه (يجازي بهَا وَلَا) يجازي بهَا (عِنْد الْكُوفِيّين وَإِذا جوزي) بهَا (سقط عَنْهَا الْوَقْت) أَي إِفَادَة الزَّمَان الْمَذْكُور وَصَارَت (كَأَنَّهَا حرف شَرط، ثمَّ قَالَ) فَخر الْإِسْلَام (لَا يَصح طَرِيق أبي حنيفَة إِلَّا أَن يثبت أَنَّهَا قد تكون حرفا بِمَعْنى الشَّرْط) مثل إِن، وَقد ادّعى ذَلِك أهل الْكُوفَة (ثمَّ أثْبته) أَي فَخر الْإِسْلَام كَونهَا حرفا بِمَعْنى الشَّرْط (بِالْبَيْتِ وَإِذا تصبك) خصَاصَة فَتحمل (فلاح أَن الْمَبْنِيّ) أَي مبْنى فَخر الْإِسْلَام أَنَّهَا حرف (كَونهَا إِذن لمُجَرّد الشَّرْط، وَهُوَ) أَي كَونهَا كَذَلِك مَبْنِيّ (صَحِيح) لدعوى حرفيتها (لِأَن مجرده) أَي الشَّرْط (ربط خَاص) وَهُوَ تَعْلِيق مَضْمُون جملَة بِأُخْرَى (وَهُوَ) أَي الرَّبْط الْمَذْكُور (من مَعَاني الْحُرُوف، وَقد تكون الْكَلِمَة حرفا واسما) كالكاف وَقد، بل وفعلا أَيْضا كعلى وَعَن، فَلَا استبعاد فِي كَون إِذا اسْما أَو حرفا (بل الْوَارِد) على فَخر الْإِسْلَام (منع سُقُوطه) أَي الزَّمَان عَنْهَا إِذا كَانَت جازمة (والجزم لَا يستلزمه) أَي سُقُوط الزَّمَان، إِذا لَا مُنَافَاة بَين جازميتها ودلالتها على الزَّمَان (كمتى وَأَخَوَاتهَا وَهُوَ) أَي كَونهَا مجازي بهَا مَعَ دلالتها على الزَّمَان (قَوْلهمَا، وَعَلِيهِ) أَي كَونهَا للشّرط مَعَ دلالتها على الزَّمَان (تفرع الْوُقُوع) أَي وُقُوع الطَّلَاق (فِي الْحَال عِنْدهمَا فِي إِذا لم أطلقك فطالق و) هِيَ (كَانَ عِنْده) أَي أبي حنيفَة فَلَا تطلق بِمَوْت أَحدهمَا وَهَذَا إِذا لم يكن لَهُ نِيَّة، فَأَما إِذا نوى الْوَقْت أَو الشَّرْط الْمَحْض وَهُوَ
(2/122)

على مَا نوى بالِاتِّفَاقِ ذكره غير وَاحِد. قَالَ الشَّارِح وَتعقبه شَيخنَا المُصَنّف بِأَنَّهُ يجب على قَوْلهمَا إِذا أَرَادَ معنى الشَّرْط أَن لَا يصدقهُ القَاضِي لظُهُوره عِنْدهمَا فِي الظّرْف فأراده الشَّرْط خلاف الظَّاهِر، وَفِيه تَخْفيف عَلَيْهِ فَلَا يصدق قَضَاء بل ديانَة فَقَط (والاتفاق على عدم خُرُوج الْأَمر عَنْهَا فِي أَنْت طَالِق إِذا شِئْت) إِذا قَامَت عَن الْمجْلس عَن غير مَشِيئَة (لشك الْخُرُوج بعد تحقق الدُّخُول عِنْده) أَي أبي حنيفَة (لجَوَاز عدم المجازاة كَقَوْلِه فِي إِذا لم أطلقك) فَأَنت طَالِق فَإِنَّهُ قَالَ: الأَصْل عدم وُقُوع الطَّلَاق فَلَا يَقع عقيب تَعْلِيقه بِالشَّكِّ لجَوَاز سُقُوط الْوَقْت عَنْهَا فَصَارَت كَانَ وَالْحَاصِل أَن الْأَمر صَار بِيَدِهَا بالتفويض ثمَّ على اعْتِبَار أَنَّهَا للشّرط يخرج الْأَمر من يَدهَا وعَلى اعْتِبَار أَنَّهَا للْوَقْت لَا يخرج فَلَا يخرج بِالشَّكِّ.

مسئلة
(لَو للتعليق فِي الْمَاضِي مَعَ انْتِفَاء الشَّرْط فِيهِ) أَي فِي الْمَاضِي (فَيمْتَنع لجواب الْمسَاوِي) للشّرط فَلَو كَانَت الشَّمْس طالعة كَانَ النَّهَار مَوْجُودا: يَعْنِي إِذا كَانَ مَضْمُون جَوَاب لَو مُسَاوِيا لمضمون مدخولها فِي التحقق لزم عدم تحَققه لكَون الْمُعَلق بِهِ ملزوما واستلزام انْتِفَاء الْمَلْزُوم إِذا كَانَ اللَّازِم لَا يَنْفَكّ عَن الْمَلْزُوم (فدلالته) أَي لَو (عَلَيْهِ) أَي امْتنَاع الْجَواب دلَالَة (التزامية وَلَا دلَالَة) للو على امْتنَاع الْجَواب (فِي) الْجَواب (الْأَعَمّ) من الشَّرْط (الثَّابِت مَعَه) أَي الشَّرْط (و) مَعَ (ضِدّه) أَي الشَّرْط فالثابت إِلَى آخِره صفة كاشفة للأعم، وَهَذَا تنصيص على أَن لَو لم يوضع لانْتِفَاء الثَّانِي لانْتِفَاء الأول وَإِلَّا لَكَانَ دلَالَته على كل من الانتفاءين تضمنية، وَإِنَّمَا جَاءَت دلَالَته على امْتنَاع الْجَواب فِي صُورَة الْمُسَاوَاة من قبل خُصُوصِيَّة الْمحل لَا من الْوَضع (كَلَوْ لم يخف الله لم يَعْصِهِ) فَإِن عدم مَعْصِيّة صُهَيْب جَوَاب أَعم من الشَّرْط، إِذْ هُوَ أَمر لَا يَنْفَكّ عَنهُ يدل عَلَيْهِ تحَققه مَعَ فرض عدم الْخَوْف فَإِنَّهُ إِذا لم يعْص مَعَ عدم خوف فَكيف يعْصى مَعَ وجوده فقد ثَبت تحَققه مَعَ عدم الْخَوْف وَمَعَ وجوده، وَهَذَا معنى كَونه أَعم (غير أَنَّهَا) أَي لَو (لما اسْتعْملت) شرطا فِي الْمُسْتَقْبل (كَانَ تجوزا) كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى وليخش الَّذين (لَو تركُوا من خَلفهم) ذُرِّيَّة ضعافا خَافُوا عَلَيْهِم الضّيَاع، فعلى هَذَا هُوَ خطاب للموصين بِأَن ينْظرُوا للْوَرَثَة فَلَا يُسْرِفُوا فِي الْوَصِيَّة، وللآية وُجُوه أخر ذكرت فِي التَّفْسِير (جعلت لَهُ) أَي الشَّرْط كَانَ (فِي قَوْله لَو دخلت عتقت فتعتق بِهِ) أَي بِالدُّخُولِ (بعده) أَي بعد قَوْله ذَلِك (فَعَن أبي يُوسُف) أَنْت طَالِق (لَو دخلت كَانَ دخلت صونا عَن اللَّغْو عِنْد الْإِمْكَان) أما الصون فَلِأَنَّهَا لَو حملت على حَقِيقَتهَا أَفَادَ الْكَلَام عدم الدُّخُول وَعدم الطَّلَاق وَلَا طائل تَحْتَهُ
(2/123)

وَإِن حمل على مجازها ترَتّب عَلَيْهِ الطَّلَاق على تَقْدِير الدُّخُول فِي الْمُسْتَقْبل، وَقد أمكن حملهَا عَلَيْهِ لتحَقّق هَذَا الِاسْتِعْمَال وَلَو قَالَ لَو دخلت فَأَنت طَالِق وَقع فِي الْحَال عِنْد أبي الْحسن لِأَن جَوَاب لَوْلَا تدخل عَلَيْهِ الْفَاء، وَذكر أَبُو عَاصِم العامري أَنَّهَا لَا تطلق مَا لم تدخل، لِأَنَّهَا لما جعلت بِمَعْنى أَن جَازَ دُخُول الْفَاء فِي جوابها، وعَلى هَذَا مَشى التُّمُرْتَاشِيّ (بِخِلَاف لَوْلَا لِأَنَّهُ لِامْتِنَاع الثَّانِي لوُجُود الأول لَيْسَ غير فَلَا تطلق فِي أَنْت طَالِق لَوْلَا حسنك أَو أَبوك) أَي مَوْجُود (وَإِن زَالَ) الْحسن (وَمَات) الْأَب لِأَن وجودهما عِنْد التَّكَلُّم مَانع من وُقُوع الطَّلَاق.

مسئلة
(كَيفَ أَصْلهَا سُؤال عَن الْحَال) أَي عَن حَال الشئوكيفيته (ثمَّ اسْتعْملت للْحَال) من غير اعْتِبَار السُّؤَال كَمَا (فِي انْظُر إِلَى كَيفَ تضع) حَكَاهُ قطرب عَن بعض الْعَرَب: أَي حَال صَنعته (وقياسها الشَّرْط جزما) أَي الْقيَاس فِي كَيفَ المتسعملة للْحَال أَن تكون للشّرط حَال كَونهَا جَازِمًا كَانَ اقترنت بِمَا أَولا (كالكوفيين) أَي كَقَوْلِهِم وقطرب لِأَنَّهَا للْحَال وَالْأَحْوَال تكون شُرُوطًا، وَالْأَصْل فِي الشَّرْط الْجَزْم، وَقيل يشْتَرط اقترانها بِمَا وَلم يجوزه سَائِر الْبَصرِيين إِذا شذوذا (وَأما) كَونهَا للشّرط (معنى فاتفاق) لإفادتها الرَّبْط وَقَالُوا إِذا كَانَت للشّرط جزما فَيجب فِيهَا اتِّفَاق فعلى الشَّرْط وَالْجَوَاب لفظا وَمعنى، نَحْو كَيفَ تصنع أصنع فَلَا يجوز كَيفَ تجْلِس أذهب، وَكَذَا لم يجْزم عِنْد الْبَصرِيين لمخالفتها أدوات الشَّرْط: إِذْ هِيَ غير مُقَيّدَة بِهَذَا الشَّرْط (وَمَا قيل لَكِنَّهَا) أَي الْحَال الَّتِي تدل عَلَيْهَا (غير اختيارية كالسقم والكهولة فَلَا يَصح التَّعْلِيق) للجواب (بهَا) أَي بِتِلْكَ الْحَال إِذْ الْمُعَلق بِهِ يكون اختياريا غَالِبا، لِأَن الْمَقْصد من التَّعْلِيق الْمَنْع والحث فِي الْأَغْلَب (إِلَّا إِذا ضمت إِلَيْهَا) كلمة (مَا) إِذْ بانضمامها تصير كلمة أُخْرَى فَلَا يلْزم حِينَئِذٍ فِي مدلولها عدم الِاخْتِيَار، خبر الْمَوْصُول مَحْذُوف: أَي لَيْسَ بِشَيْء أَو نَحوه يدل عَلَيْهِ قَوْله (لَيْسَ بِلَازِم فِي الشَّرْط ضِدّه) أَي ضد الِاخْتِيَار (وَلَا هُوَ): أَي وَلَا غير الِاخْتِيَار بل تَارَة وَتارَة، وَالْمعْنَى لَا ضم كلمة مَا إِلَيْهَا، أَلا ترى (فِي) قَوْلهم (كَيفَ كَانَ تمريض زيد وَكَيف تجْلِس أَجْلِس) فَإِن كَيْفيَّة التمريض وَالْجُلُوس تكون اختيارية وَغير اختيارية كَمَا لَا يخفى، وَالْأول للسؤال وَالثَّانِي للشّرط وَالْحَال، وَلم تنضم كلمة مَا إِلَيْهَا (وعَلى الحالية) أَي وعَلى إِرَادَة الْحَال من كَيفَ بنى (التَّفْرِيع) الْمَذْكُور فِي قَوْله إِن دخلت (فطالق كَيفَ شِئْت) إِذْ هُوَ (تَعْلِيق للْحَال) أَي تَعْلِيق حَال الطَّلَاق وَصفته من الْبَيْنُونَة والرجعية وَنَحْوهمَا (عِنْدهمَا) أَي أبي يُوسُف وَمُحَمّد (بمشيئتها فِي الْمجْلس وَإِذ لَا انفكاك) للطَّلَاق عَن كَيْفيَّة من
(2/124)

كَونه رَجْعِيًا أَو بَائِنا خَفِيفَة أَو غَلِيظَة بِمَال أَو بِلَا مَال إِلَى غير ذَلِك (تعلق الأَصْل) أَي أصل الطَّلَاق (بهَا) أَي بمشيئتها الْمَذْكُورَة فَهُوَ تَعْلِيق للطَّلَاق وكيفيته أَيْضا بِالْمَشِيئَةِ (غير مُتَوَقف) تعلق الأَصْل بمشيئتها (على امْتنَاع قيام الْعرض بِالْعرضِ كَمَا ظن) والظان صدر الشَّرِيعَة فِي التَّوْضِيح فِي أَنْت طَالِق كَيفَ شِئْت يتَعَلَّق بتعلق أصل الطَّلَاق أَيْضا بمشيئتها فعندهما مَا لَا يقبل الْإِشَارَة فحاصله وَأَصله سَوَاء أَظن هَذَا مَبْنِيا على امْتنَاع قيام الْعرض بِالْعرضِ فَإِن الْعرض الأول لَيْسَ محلا للعرض الثَّانِي بل كِلَاهُمَا حالان فِي الْجِسْم فَلَيْسَ أَحدهمَا أولى بِكَوْنِهِ أصلا ومحلا، بل هما سَوَاء لَكِن بِعَدَمِ الانفكاك إِذا تعلق أَحدهمَا بمشيئتها تعلق الآخر (لِأَنَّهُ) أَي قيام الْعرض بِالْعرضِ (بِالْمَعْنَى المُرَاد هُنَا وَهُوَ النَّعْت) أَي اخْتِصَاص الناعت بالمنعوت (غير مُمْتَنع) إِنَّمَا الْمُمْتَنع قِيَامه بِهِ بِمَعْنى حُلُوله فِيهِ على مَا عرف فَلَا يَقع شَيْء مَا لم تشأ، فَإِذا شَاءَت فالتفريع مَا سَيَأْتِي (وَعِنْده) أَي أبي حنيفَة (نقع) وَاحِدَة (رَجْعِيَّة) فِي الْمَدْخُول بهَا إِن لم تكن مسبوقة بِمَا يحصل بانضمامه الْبَيْنُونَة الْمُغَلَّظَة (وَيتَعَلَّق صيرورتها بَائِنَة وَثَلَاثًا) بمشيئتها وَالْحَاصِل أَنَّهَا إِن كَانَت غير مدخولة بَانَتْ فَلَا مَشِيئَة بعد، وَإِن كَانَت مدخولة فالكيفية مفوضة إِلَيْهَا فِي الْمجْلس، لِأَن كَيفَ إِنَّمَا تدل على تَفْوِيض الْأَحْوَال وَالصِّفَات إِلَيْهَا دون الأَصْل، فَفِي الْعتْق وَغير المدخولة لَا مَشِيئَة بعد وُقُوع الأَصْل فَيلْغُو التَّفْوِيض وَفِي المدخولة يكون التَّفْوِيض إِلَيْهَا بِأَن تجعلها بَائِنَة أَو ثَلَاثًا، وَصَحَّ هَذَا التَّفْوِيض لِأَن الطَّلَاق قد يكون رَجْعِيًا فَيصير بَائِنا بِمُضِيِّ الْمدَّة وَقد يكون وَاحِدًا فَيصير ثَلَاثًا بِضَم اثْنَيْنِ إِلَيْهِ، وَلما كَانَ مَدْلُول كَيفَ مُطلق الْحَال وَالصّفة لَا خُصُوص البينونه وَكَونه ثَلَاثًا احْتَاجَ إِلَى بَيَان مَا يخصصهما بالإرادة فَقَالَ (تَخْصِيصًا بِالْعقلِ لما لَا بُد مِنْهُ) يَعْنِي أَن التَّعْلِيق عِنْده لما كَانَ بِاعْتِبَار الْوَصْف دون الأَصْل لزم وُقُوع الأَصْل تنجيزا بِمُجَرَّد قَوْله أَنْت طَالِق قبل أَن يَقُول كَيفَ شِئْت لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَيْد يتَوَقَّف صدر الْكَلَام عَلَيْهِ وَحَيْثُ كَانَ لَا يُوجد الأَصْل إِلَّا مَعَ وصف تعين أدناه محققا لوُجُوده وَهُوَ الرّجْعَة وَأَيْضًا لَا يتَصَوَّر التَّفْوِيض باعتبارها إِذْ التَّصَرُّف الَّذِي يُفَوض إِلَى الْغَيْر مَوْقُوف على فعل الْغَيْر: وَهِي تتَحَقَّق مَعَ الأَصْل فَلَا يصلح للتفويض إِلَّا مَا لَيْسَ بِلَازِم لَهُ وَهِي الْبَيْنُونَة، فاستثنى الرّجْعَة من الْوَصْف الْمُفَوض إِلَيْهَا، وَهَذَا معنى قَوْله تَخْصِيصًا إِلَى آخِره (فَلَزِمَ فِي غير المدخولة الْبَيْنُونَة) إِذْ الرّجْعَة إِنَّمَا تكون فِي الْعدة وَلَا عدَّة لَهَا (فتتعذر الْمَشِيئَة) لِأَن الْمَشِيئَة فرع عدم حُصُول الْبَيْنُونَة بِمُجَرَّد الطَّلَاق، وَقد تحققت بِمُجَرَّدِهِ وَلَا يتَصَوَّر تفويضها اليها بعد تحققها (وَمثله) أَي مثل أَنْت طَالِق كَيفَ شِئْت (أَنْت حر كَيفَ شِئْت) فعندهما لَا يعْتق مَا لم يَشَأْ فِي الْمجْلس، وَعِنْده يعْتق فِي الْحَال وَلَا مَشِيئَة لَهُ.
(2/125)

الظروف
(مسئلة: قبل وَبعد وَمَعَ متقابلات) تقَابل التضاد مَوْضُوعَات (لزمان مُتَقَدم على مَا أضيف) أَحدهَا (إِلَيْهِ ومتأخر ومقارن) معطوفان على مُتَقَدم غير أَنه يقدر لَهما عَن وَمَعَ بدل على (فهما) أَي قبل وَبعد (بإضافتهما إِلَى) اسْم (ظَاهر صفتان لما قبلهمَا، و) بإضافتهما (إِلَى ضَمِيره) أَي الِاسْم الظَّاهِر صفتان (لما بعدهمَا لِأَنَّهُمَا خبران عَنهُ) أَي عَمَّا بعدهمَا، وَالْخَبَر فِي الْمَعْنى وصف للمبتدأ (فَلَزِمَ) طَلْقَة (وَاحِدَة فِي) أَنْت (طَالِق وَاحِدَة قبل وَاحِدَة) فَإِن قيل مُضَاف إِلَى ظَاهر: أَعنِي وَاحِدَة فَيكون صفة لوَاحِدَة الأولى فَلَزِمَ كَونهَا مُتَقَدّمَة على الثَّانِيَة، وَقَوله (لغير المدخولة) حَال عَن قَوْله طَالِق وَاحِدَة الخ: أَي حَال كَونه خطابا لغير المدخولة وَذَلِكَ (لفَوَات الْمَحَلِّيَّة) فَإِن غير المدخولة بِوُقُوع الْوَاحِدَة الأولى بَانَتْ بِلَا عدَّة فَلم تبْق محلا (للمتأخرة) أَي الْمُطلقَة الْمُضَاف إِلَيْهَا قبل (وثنتان فِي) أَنْت طَالِق وَاحِدَة (قبلهَا) وَاحِدَة فَإِن وَاحِدَة الثَّانِيَة مُبْتَدأ خَبَرهَا قبلهَا فَلَزِمَ كَون الْوَاحِدَة الْمَذْكُورَة أَولا مَوْصُوفا بمسبوقيتها بِالنِّسْبَةِ إِلَى الثَّانِيَة وَفِي مثله يلْزم الْمُقَارنَة بَينهمَا فِي الزَّمَان (لِأَن الْموقع مَاضِيا) أَي الطَّلَاق الَّذِي وَصفه الْمُطلق بِكَوْنِهِ فِي الزَّمَان الْمَاضِي وَلم يَقع بِحَسب نفس الْأَمر (يَقع حَالا) لِأَن الْوَاقِع حَالا لَا يُمكن رَفعه إِلَى الْمَاضِي: إِذْ هُوَ لَا يملك الْإِيقَاع فِيهِ وَيملك الْإِيقَاع فِي الْحَال فَيثبت مَا يملكهُ صونا لكَلَام الْعَاقِل عَن اللَّغْو (فيقترنان كمع وَاحِدَة) أَو مَعهَا وَاحِدَة، وَعَن أبي يُوسُف فِي مَعهَا وَاحِدَة تقع وَالصَّحِيح أَنه كمع وَاحِدَة (وعكسهما) أَي عكس الْحكمَيْنِ الْمَذْكُورين (فِي) صُورَتي قبل الحكم فِي أَنْت طَالِق وَاحِدَة (بعد وَاحِدَة و) أَنْت طَالِق وَاحِدَة (بعْدهَا) وَاحِدَة فَتطلق ثِنْتَيْنِ فِي الأولى لإيقاعه وَاحِدَة مَوْصُوفَة بِأَنَّهَا بعد أُخْرَى وَلَا قدرَة لَهُ على تَقْدِيم مَا لم يسْبق فيفترقان لما ذكر، وَوَاحِدَة فِي الثَّانِيَة لإيقاعه وَاحِدَة مَوْصُوفَة بتعدية أُخْرَى لَهَا فَوَقَعت الأولى وَلم تلحقها الثَّانِيَة لفَوَات الْمَحَلِّيَّة (بِخِلَاف المدخولة) أَي بِخِلَاف مَا إِذا وضعت المدخولة مَوضِع غير المدخولة فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة، وَالْبَاقِي على حَاله (و) بِخِلَاف (الْإِقْرَار) إِذا وضع مَوضِع الطَّلَاق ولوحظ إِضَافَة قبل وَبعد إِلَى الظَّاهِر أَو الْمُضمر (فثنتان) أَي فاللازم ثِنْتَانِ من الطَّلَاق فِي الأولى وَمن الدِّينَار وَنَحْوه فِي الثَّانِيَة (مُطلقًا) فِي جَمِيع الصُّور من غير تَفْصِيل، وَمنع الشَّارِع كَون الحكم فِي الْإِقْرَار هَكَذَا إِذا كَانَ مُضَافا إِلَى الظَّاهِر، وَنقل عَن الْمَبْسُوط أَنه حِينَئِذٍ يلْزم دِرْهَم وَاحِد فَإِن صَحَّ نَقله يحمل على الْخلاف وَاخْتِلَاف الرِّوَايَة وَالله أعلم.
(2/126)

مسئلة
(عِنْد للحضرة) إِمَّا الحسية نَحْو - {فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقرًّا عِنْده} - وَأما اللُّغَوِيَّة نَحْو - {قَالَ الَّذِي عِنْده علم} - وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَهُوَ) أَي الْمَوْصُوف بالحضور (أَعم من) نَحْو (الدّين) مِمَّا حُضُوره معنوي (و) من نَحْو (الْوَدِيعَة) مِمَّا حُضُوره حسي، وَفسّر الشَّارِح الضَّمِير بِكَوْن المَال حَاضرا عِنْد الْمقر وَلَا يخفى مَا فِيهِ (وَإِنَّمَا تثبت الْوَدِيعَة بإطلاقها) أَي إِطْلَاق عِنْد الْمَذْكُورَة فِي توصيف مَا أقرّ بِهِ من المَال مَعَ أَنَّهَا دَالَّة على مُطلق الْحُضُور الْأَعَمّ مِمَّا ذكر (كعندي) لفُلَان (ألف لأصلية الْبَرَاءَة) أَي لمرجح خَارج عَن مدلولها: وَهُوَ أَن الأَصْل بَرَاءَة ذمَّة الْمقر وَإِثْبَات الْوَدِيعَة مُوَافق لما هُوَ الأَصْل (فتوقف الدّين) أَي ثُبُوته على الْمقر (على ذكره) أَي الدّين (مَعهَا) أَي عِنْد بِأَن يَقُول لَهُ عِنْدِي ألف دِينَار وَلَا يتَوَقَّف ثُبُوت الْوَدِيعَة على ذكرهَا لِأَنَّهَا أدنى مؤدي اللَّفْظ متعينة حَيْثُ لَا معِين لغَيْرهَا.
مسئلة

(غير) اسْم متوغل فِي الْإِبْهَام (صفة) لما قبلهَا وَهُوَ الأَصْل فِيهِ (فَلَا يُفِيد حَال مَا أضيفت إِلَيْهِ) إِذْ لست بِصفة (كجاء رجل غير زيد، واستثناء) وَهُوَ عَارض عَلَيْهَا (فيفيده) أَي حَال مَا أضيفت إِلَيْهِ (وَيلْزمهُ) أَي غير إِذا كَانَ اسْتثِْنَاء (أَعْرَاب الْمُسْتَثْنى كجاءوا غير زيد) بِنصب غير (أفادت عَدمه) أَي الْمَجِيء (مِنْهُ) أَي زيد، وأعراب الْمُسْتَثْنى فِي مثله النصب لكَون الْكَلَام مُوجبا (فَلهُ) أَي فَفِي قَوْله عَليّ (دِرْهَم غير دانق) بِرَفْع غير (يلْزمه) الدِّرْهَم (تَاما) لِأَن غير حِينَئِذٍ صفة لدرهم، فَالْمَعْنى دِرْهَم مُغَاير للدانق وَهُوَ بِالْفَتْح وَالْكَسْر قيراطان كَذَا فِي الْمغرب (وَبِالنَّصبِ) يلْزمه دِرْهَم (بنقصه) أَي الدانق مِنْهُ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ اسْتثِْنَاء فَالْمَعْنى دِرْهَم إِلَّا دانقا (وَفِي) لَهُ عَليّ (دِينَار غير عشرَة) من الدَّرَاهِم (بِالنّصب كَذَلِك) أَي بِنَقص من الدِّينَار قيمَة عشرَة دَرَاهِم، وَيلْزمهُ الْبَاقِي عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف (و) يلْزمه دِينَار (تَامّ عِنْد مُحَمَّد للانقطاع) أَي لِأَنَّهُ اسْتثِْنَاء مُنْقَطع (لشرطه) أَي مُحَمَّد (فِي الِاتِّصَال الصُّورَة وَالْمعْنَى) أَي التجانس الصُّورِي والمعنوي بَين الْمُسْتَثْنى مِنْهُ والمستثنى وَالدِّرْهَم لَيْسَ بمجانس للدينار صُورَة (واقتصرا) أَي أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف (عَلَيْهِ) أَي التجانس الصُّورِي (وَقد جَمعهمَا) أَي الدِّرْهَم وَالدِّينَار بِاعْتِبَار التجانس الْمَعْنَوِيّ (الثمينة، فَالْمَعْنى مَا قِيمَته دِينَار غير عشرَة) فَكَانَ مُتَّصِلا فَلَزِمَهُ من قيمَة الدِّينَار مَا سوى الْعشْرَة.
(2/127)

الْمقَالة الثَّانِيَة: فِي أَحْوَال الْمَوْضُوع
وَقد فسر الْمَوْضُوع وَبَين المُرَاد بأحواله فِي الْمُقدمَة (وَعلمت) هُنَاكَ (إِدْخَال بَعضهم) أَي الْأُصُولِيِّينَ كصدر الشَّرِيعَة (الْأَحْكَام) فِي الْمَوْضُوع (فَانْكَسَرت) أَي انقسمت انقسام الْكل إِلَى الْأَجْزَاء مُشْتَمِلَة (على خَمْسَة أَبْوَاب).

الْبَاب الأول
(فِي الْأَحْكَام وَفِيه أَرْبَعَة فُصُول) فِي الحكم، وَالْحَاكِم، والمحكوم فِيهِ، والمحكوم عَلَيْهِ.

الْفَصْل الأول
(لفظ الحكم يُقَال للوضعي) أَي للخطاب الوضعي (قَوْله) تَعَالَى بِالْجَرِّ عطف بَيَان للوضعي (النَّفْسِيّ) صفة قَوْله احْتِرَاز عَن اللَّفْظِيّ (جعلته) أَي الشَّيْء الْفُلَانِيّ (مَانِعا) من كَذَا ككشف الْعَوْرَة الْمَانِع من صِحَة الصَّلَاة (أَو) جعلت كَذَا (عَلامَة) دَالَّة (على تعلق الطّلب) لفعل أَو ترك من الْمُكَلف، وَقَوله جعلته إِلَى آخِره مقول القَوْل (كالدلوك والتغير) فَإِن دلوك الشَّمْس، وَهُوَ زَوَالهَا، وَقيل غُرُوبهَا، وَالْأول الصَّحِيح كَمَا نطق بِهِ الْأَحَادِيث عَلامَة على طلب إِقَامَة الصَّلَاة، وتغيرها للغروب عَلامَة على عدم طلب غير الوقتية (أَو) عَلامَة على (الْملك أَو زَوَاله) كَالْبيع فَإِنَّهُ عَلامَة على ملك المُشْتَرِي الْمَبِيع وَالْبَائِع الثّمن، وعَلى زَوَال ملك البَائِع عَن الْمَبِيع، وَزَوَال ملك المُشْتَرِي عَن الثّمن، وكل مِنْهَا يشْتَمل على وضع إلهي فَظهر وَجه التَّسْمِيَة (فَفِي الْمَوْقُوف عَلَيْهِ الحكم) أَي الَّذِي وضع لحكم فَكَانَ ذَلِك الحكم مَوْقُوفا عَلَيْهِ (مَعَ ظُهُور الْمُنَاسبَة) بَينهمَا (الباعثة) لشرعية الحكم عِنْد ذَلِك الْوَضع صفة الْمُنَاسبَة (وضع الْعلية) أَي الْوَضع فِيمَا ذكر وضع الْعلية، فالموضوع عِلّة كَالْقصاصِ للْقَتْل الْعمد الْعدوان، وَسَيَجِيءُ بَيَان الْمُنَاسبَة فِي مبَاحث الْقيَاس (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن بَينهمَا مُنَاسبَة ظَاهِرَة (فَمَعَ الْإِفْضَاء) أَي مَعَ إفضاء الْمَوْقُوف عَلَيْهِ إِلَى الحكم (فِي الْجُمْلَة) أَي فِي بعض الصُّور كالنصاب المفضي إِلَى وجوب الزَّكَاة فِي صُورَة السَّبَب (وضع السَّبَب، و) فِي الْمَوْقُوف عَلَيْهِ الحكم الْكَائِن (مَعَه) أَي مَعَ توقف الحكم عَلَيْهِ (جعله) أَي جعل الْمَوْقُوف عَلَيْهِ (دلَالَة عَلَيْهِ) أَي دَالَّة على الحكم (الْعَلامَة) أَي وضع الْعَلامَة مِنْهُ كالأوقات للصَّلَاة (وَفِي اعْتِبَاره) أَي الْمَوْقُوف عَلَيْهِ (دَاخِلا فِي الْمَفْعُول) أَي فِيمَا يَفْعَله الْمُكَلف سَوَاء كَانَ من أَفعَال الْخَارِج أَو الْقلب أَو الْمركب مِنْهُمَا (وضع
(2/128)

الرُّكْن فَإِن لم ينتف حكم الْمركب) الَّذِي اعْتبر الْمَوْقُوف عَلَيْهِ دَاخِلا فِيهِ (بانتفائه شرعا) أَي انْتِفَاء شَرْعِيًّا (فالزائد) أَي فَهُوَ الرُّكْن الزَّائِد (كَالْإِقْرَارِ فِي الْإِيمَان على رَأْي) لطائفة من مَشَايِخنَا (وَإِلَّا) أَي وَإِن انْتَفَى حكم الْمركب بانتفائه شرعا (فَالْأَصْل) أَي فالركن الأَصْل كالقيام حَال الْقُدْرَة فِي الصَّلَاة فَإِن الْإِيمَان لَا يَنْتَفِي بِانْتِفَاء الاقرار لعذر شرعا، وَلِهَذَا تجرى عَلَيْهِ أَحْكَامه وَإِن انْتَفَى عقلا ضَرُورَة انْتِفَاء الْكل بِانْتِفَاء الْجُزْء، بِخِلَاف الصَّلَاة فَإِنَّهَا تَنْتفِي بانتفائه (وَغير الدَّاخِل) أَي وَالْمَوْقُوف عَلَيْهِ غير الدَّاخِل فِي الْمَفْعُول (الشَّرْط) وَلما كَانَ التَّعْرِيف الْخَارِج للشّرط من التَّقْسِيم، وَهُوَ الْمَوْقُوف عَلَيْهِ غير الدَّاخِل صَادِقا على بعض أَفْرَاد السَّبَب أَشَارَ إِلَى دفع النَّقْض بقوله (وَقد يُجَامع) الشَّرْط (السَّبَب) بِأَن يكون أَمر وَاحِد يتَوَقَّف عَلَيْهِ الحكم ذَا جِهَتَيْنِ شَرط لَهُ من حيثية، وَسبب من حيثية أُخْرَى (مَعَ اخْتِلَاف النِّسْبَة كوقت الصَّلَاة) فَإِنَّهُ شَرط بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَدَائِهَا سَبَب بِالنِّسْبَةِ إِلَى وجوب أمرهَا، وَهَذَا معنى اخْتِلَاف النِّسْبَة وَأَيْضًا يَكْفِي فِي التقسيمات الاعتبارية المباينة بِاعْتِبَار الْحَيْثِيَّة، فَمن حَيْثُ أَنه مفض إِلَى الحكم سَبَب، وَمن حَيْثُ أَنه يتَوَقَّف عَلَيْهِ وَهُوَ غير دَاخل شَرط، ثمَّ لما كَانَ لَهُ كَلَام مُتَعَلق بتحقيق هَذَا الِاجْتِمَاع فِي الْفَصْل الثَّالِث أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (على مَا فِيهِ مِمَّا سَيذكرُ و) يُقَال الحكم (على أثر الْعلَّة) أَيْضا (كَنَفس الْملك) وَأَنه أثر للْبيع، وَقد يعبر عَنهُ بأثر فعل الْمُكَلف (و) يُقَال أَيْضا على (معلوله) أَي أثر الْعلَّة مثل (إِبَاحَة الِانْتِفَاع) بالمملوك بِالْبيعِ فَإِنَّهَا معلولة للْملك الَّذِي هُوَ أثر البيع (و) يُقَال أَيْضا (على وصف الْفِعْل) سَوَاء كَانَ (أثرا للخطاب الَّذِي هُوَ الْإِيجَاب وَالتَّحْرِيم (كالوجوب وَالْحُرْمَة) فَإِنَّهُمَا صفتان لفعل الْمُكَلف أثران للْإِيجَاب وَالتَّحْرِيم (أَولا) مَعْطُوف على أثرا للخطاب أَو غير أثر لَهُ (كالنافذ وَاللَّازِم) وَالْمَوْقُوف كعقد الْفُضُولِيّ الْمَوْقُوف على إجَازَة من لَهُ التَّصَرُّف (وَغير اللَّازِم كالوقف عِنْده) أَي أبي حنيفَة إِذا لم يحكم بلزومه قَاض يرى ذَلِك فَإِن كل وَاحِد من الْمَذْكُورَات وصف لتصرف الْمُكَلف وَلَيْسَ أثرا للخطاب. وَفِي التَّلْوِيح: التَّحْقِيق أَن إِطْلَاق الحكم على خطاب الشَّارِع، وعَلى أَثَره، وعَلى الْأَثر الْمُرَتّب على الْعُقُود والفسوخ إِنَّمَا هُوَ بطرِيق الِاشْتِرَاك انْتهى: أَي اللَّفْظِيّ (وَيُقَال) الحكم أَيْضا (على) الْخطاب (التكليفي خطابه تَعَالَى) بِالْجَرِّ عطف بَيَان للتكليفي (الْمُتَعَلّق بِأَفْعَال الْمُكَلّفين) حَال كَونه (طلبا أَو تخييرا) أَفعَال الْمُكَلف تعم الجارحية والقلبية، وَاحْترز بِقَيْد الْمُتَعَلّق بِأَفْعَال الْمُكَلّفين عَن غَيره كالمتعلق بِذَات الله وَصِفَاته وَغَيرهمَا مِمَّا يقْصد بِهِ الِاعْتِقَاد (فالتكليفي) إِطْلَاقه على مَا يعم الطلبي والتخيري (تَغْلِيب) إِذْ لَا تَكْلِيف فِي الْإِبَاحَة. قَالَ الشَّارِح: بل وَلَا فِي النّدب وَالْكَرَاهَة التنزيهية عِنْد الْجُمْهُور كَمَا سَيَأْتِي (وَلَو أُرِيد) التَّكْلِيف (بِاعْتِبَار
(2/129)

الِاعْتِقَاد) لَا بِاعْتِبَار الْعَمَل بِأَن يقْصد بِالْخِطَابِ أَن يعْتَقد الْمُكَلف مَضْمُون مُتَعَلّقه، ويؤمن بِهِ على مَا ذكره بعض الْأُصُولِيِّينَ فِي تَأْوِيل إِدْخَال نَحْو الْإِبَاحَة فِي التكليفى فَإِن العَبْد قد كلف باعتقاد إِبَاحَة الْمُبَاح وَندب الْمَنْدُوب (فَلَا تَخْيِير) أَي لَا يذكر فِي التَّعْرِيف حِينَئِذٍ: إِذْ لَا تَخْيِير فِي طلب الِاعْتِقَاد (وَهُوَ) أَي ذكر الطّلب (أوجه من قَوْلهم بالاقتضاء) بدل طلبا) إِذْ كَانَ) الْخطاب (نَفسه) أَي الِاقْتِضَاء، فَيصير الْمَعْنى خطاب الله تَعَالَى الْمُتَعَلّق بِأَفْعَال الْمُكَلّفين بِالْخِطَابِ كَذَا فسره الشَّارِح، وَفِي التَّلْوِيح الْخطاب فِي اللُّغَة تَوْجِيه الْكَلَام نَحْو الْغَيْر للإفهام، نقل إِلَى مَا يَقع بِهِ التخاطب، وَهُوَ هَهُنَا الْكَلَام النَّفْسِيّ الأزلي، وَفِي معنى الِاقْتِضَاء طلب الْفِعْل مِنْهُ مَعَ الْمَنْع عَن التّرْك وَهُوَ الْإِيجَاب أَو بِدُونِهِ وَهُوَ النّدب أَو طلب التّرْك مَعَ الْمَنْع عَن الْفِعْل: وَهُوَ التَّحْرِيم أَو بِدُونِهِ: وَهُوَ الْكَرَاهَة انْتهى، فَلَيْسَ الْخطاب نفس الِاقْتِضَاء بِالْمَعْنَى اللّغَوِيّ وَلَا بِالْمَعْنَى الْمَنْقُول إِلَيْهِ وَهُوَ ظَاهر، وَأما بِمَعْنى الْكَلَام النَّفْسِيّ فَهُوَ صفة أزلية بسيطة وحدانية، بِاعْتِبَار بعض تعلقاته اقْتِضَاء وَبَعضهَا تَخْيِير وَبَعضهَا أَخْبَار إِلَى غير ذَلِك، وَحِينَئِذٍ لَا فرق بَينه وَبَين الطّلب، وَكَأن مُرَاد المُصَنّف الأوجهية بِاعْتِبَار كلمة الْبَاء المنبئة عَن الْمُغَايرَة بِالذَّاتِ بَين الْخطاب والاقتضاء وَالله أعلم (وَالْأَوْجه دُخُول) الْخطاب (الوضعي فِي الْجِنْس) وَهُوَ الْخطاب الْمُتَعَلّق بِفعل الْمُكَلف (إِذا أُرِيد الْأَعَمّ) أَي تَعْرِيف الْأَعَمّ بِحَيْثُ يَشْمَل النَّوْعَيْنِ (وَيُزَاد) فِي التَّعْرِيف على مَا سبق (أَو وضعا، لَا) يلْتَفت إِلَى (مَا قيل) من أَنه (لَا) يُزَاد وضعا لإدخاله فَإِنَّهُ دَاخل فِيهِ بِدُونِهِ (لِأَن وضع السَّبَب الِاقْتِضَاء) للْفِعْل (عِنْده) أَي السَّبَب، فَمَعْنَى كَون الدلوك سَببا أَو دَلِيلا للصَّلَاة وجوب الْإِتْيَان بهَا عِنْده وَهُوَ الِاقْتِضَاء، وَمعنى جعل النَّجَاسَة مَانِعَة من الصَّلَاة حرمتهَا مَعهَا وجوازها دونهَا وَهُوَ التَّخْيِير، وعَلى هَذَا كَمَا ذهب إِلَيْهِ الإِمَام الرَّازِيّ وَاخْتَارَهُ السبكى وَأَشَارَ إِلَى تَوْجِيهه فِي الشَّرْح العضدي وَلم يرفضه المُصَنّف (لتقدم وَضعه) أَي السَّبَب (على هَذَا الِاقْتِضَاء) لِأَنَّهُ عِنْد تحقق الدلوك لَا عِنْد وَضعه سَببا (ولمخالفة نَحْو نفس الْملك وَوصف الْفِعْل) مِمَّا هُوَ من خطاب الْوَضع، وَلَيْسَ فِيهِ اقْتِضَاء، فَإِن كَون نَحْوهمَا من خطاب الْوَضع يدل على خلاف مَا قيل، أما كَون الْملك مِنْهُ فَلِأَنَّهُ جعل أثرا للْبيع وَنَحْوه وسببا لإباحة الِانْتِفَاع، وَأما وصف الْفِعْل كالنفوذ واللزوم فَهُوَ أَيْضا بِوَضْع الشَّارِع (وإخراجه) أَي الوضعي من الْجِنْس (اصْطِلَاحا) أَي من حَيْثُ الِاصْطِلَاح بِأَن يعْتَبر فِي الْخطاب الْمَذْكُور اصْطِلَاحا قيد يخرج خطاب الْوَضع (إِن لم يقبل المشاحة) إِذْ لَا مشاحة فِي الِاصْطِلَاح (يقبل قُصُور ملحظ وَضعه) أَي الِاصْطِلَاح، يَعْنِي يُقَال لصَاحب الِاصْطِلَاح هَب أَنَّك فِي سَعَة من وضع اللَّفْظ لما شِئْت غير أَنه لَا يَنْبَغِي مِنْك اخْتِيَار الْمَرْجُوح على الرَّاجِح من غير ضَرُورَة فِي وضعك (وَالْخطاب) مَحْمُول (على
(2/130)

ظَاهره) بِنَاء (على تَفْسِيره) اصْطِلَاحا (بالْكلَام الَّذِي بِحَيْثُ يُوَجه إِلَى المتهيء لفهمه) وَهَذِه الْحَيْثِيَّة إِنَّمَا تحصل للْكَلَام إِذا تمّ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ وَلم يبْق سوى التَّوْجِيه نَحْو المستعدّ لفهمه وَإِنَّمَا حمل على ظَاهره الْمَذْكُور (لِأَن النَّفْسِيّ) الَّذِي أُرِيد بِلَفْظ الْخطاب هَهُنَا متصف (بِهَذِهِ الْحَيْثِيَّة فِي الْأَزَل وَكَونه) أَي الْخطاب (تَوْجِيه الْكَلَام) نَحْو الْغَيْر للإفهام معنى (لغَوِيّ) وَلَيْسَ بِمُرَاد هُنَا (وَالْخلاف فِي خطاب الْمَعْدُوم) فِي الْأَزَل لَفْظِي، يَعْنِي أَن الْخلاف بَين الْفَرِيقَيْنِ بِحَسب اللَّفْظ لَا بِحَسب الْمَعْنى فذهاب كل مِنْهُمَا إِلَى مَا يُخَالف الآخر صُورَة (مَبْنِيّ عَلَيْهِ) أَي على تَفْسِير الْخطاب (فالمانع) كَونه تَعَالَى مُخَاطبا فِي الْأَزَل (يُرِيد) بِالْخِطَابِ الْخطاب (الشفاهي) المستلزم لحضور الْمُخَاطب عِنْده، من المشافهة (التنجيزي) صفة مُؤَكدَة للشفاهي، أَصله من نجز الْكَلَام إِذا انْقَطع فَإِن الْكَلَام الشفاهي الْمُقَارن للإفهام يَنْقَطِع، بِخِلَاف مَا يهيأ لَهُ وَلم يَقع بِهِ بعد فالمعدوم لَا يتَصَوَّر فِيهِ المشافهة والتنجيز (إِذا كَانَ مَعْنَاهُ) أَي الْخطاب عِنْده (تَوْجِيه) الْكَلَام وَهُوَ صَحِيح، إِذْ لَيْسَ موجها إِلَيْهِ فِي الْأَزَل (والمثبت) كَونه مُخَاطبا (يُرِيد الْكَلَام) المتصف (بالحيثية) الْمَذْكُورَة (وَمَعْنَاهُ) أَي حَقِيقَة هَذَا المُرَاد ومآله (قيام طلب) أَي طلب فعل أَو ترك بِذَات الطَّالِب مثلا، فَمثله كل معنى كَلَام هيء للإفهام إنشائيا كَانَ أَو خبريا وَلم يُوجد الْمُخَاطب بِهِ بعد، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (مِمَّن سيوجد ويتهيأ) لفهمه، وَلَا اسْتِحَالَة فِي طلب كَذَا من الْمَعْدُوم إِذْ لم يطْلب مِنْهُ فِي حَال عَدمه، بل طلب مِنْهُ أَن يَفْعَله بعد الْوُجُود والاستعداد وَحين يُوجد ويتهيأ لفهمه يتَعَلَّق بِهِ تعلقا آخر، وَهَذَا التَّعْلِيق حَادث فَإِن قلت فَمَا فَائِدَة التَّعَلُّق الأول قلت ظُهُور الْأَثر فِي أَوَانه وَالْكَلَام كَمَال لَا يَنْفَكّ عَنهُ الذَّات فِي الْأَزَل وَهُوَ أَمر وجداني يتكثر بِاعْتِبَار تعلقاته وتنوعات اعتباراته من الخبرية والإنشائية والماضوية والاستقبالية إِلَى غير ذَلِك فَظهر أَن الْخلاف لَفْظِي إِذْ لم يتحد مورد الْإِيجَاب وَالسَّلب فَإِن قلت بل الْخلاف معنوي إِذْ لم يثبت الْخصم صفة كَذَا قلت هَذَا خلاف آخر، إِنَّمَا الْكَلَام فِي الْخلاف الَّذِي بَينا عدم توارد الْإِيجَاب وَالسَّلب فِيهِ على نِسْبَة وَاحِدَة (وَاعْتِرَاض الْمُعْتَزلَة) على التَّعْرِيف الْمَذْكُور لمُطلق الحكم (بِأَن الْخطاب قديم عنْدكُمْ وَالْحكم حَادث) كَقَوْلِنَا (حرم شربه) أَي النيء من مَاء الْعِنَب إِذا اشتدّ (بعد أَن لم يكن حَرَامًا) فالحرمة الثَّابِتَة لَهُ المسبوقة بِالْعدمِ لَا شُبْهَة فِي حُدُوثه (مَدْفُوع بِأَن المُرَاد) أَي بقولنَا حرم بعد أَن لم يكن حَرَامًا (تعلق تَحْرِيمه) الْقَدِيم فالموصوف بالحدوث التَّعَلُّق (وَهُوَ) أَي التَّعَلُّق (حَادث، والتعلق يُقَال) على سَبِيل الِاشْتِرَاك اللَّفْظِيّ (بِهِ) أَي بِهَذَا الْمَعْنى وَهُوَ التَّعَلُّق الْحَادِث (وَيكون الْكَلَام) أَي وَبِمَعْنى كَون الْكَلَام (لَهُ معلقات) على صِيغَة الْمَفْعُول (وَهُوَ) أَي هَذَا الْمَعْنى (أزلي) وَهَذَا الْكَوْن الأزلي إِجْمَال ينْدَرج تَحْتَهُ تعلقات كَثِيرَة
(2/131)

كتحريم هَذَا، وَإِيجَاب هَذَا إِلَى غير ذَلِك وكل مِنْهُمَا قديم وَعند بروز أَثَره فِي الْوُجُود يحدث تعلق آخر (وباعتباره) أَي هَذَا الْمَعْنى (أورد وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ) على تَعْرِيف مُطلق الحكم، إِذْ لم يذكر فِيهِ بالاقتضاء أَو التَّخْيِير كَمَا فعل الْغَزالِيّ لصدقه عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ خطاب مُتَعَلق بِفعل الْمُكَلف لِأَن مِمَّا يعلمونه أفعالهم مَعَ أَنه لَيْسَ بِحكم فَلَا يكون مَانِعا، وَأما كَونه لَيْسَ بِحكم فَظَاهر (فاحترس عَنهُ) أَي فاحترز عَن مثل مَا ذكر من موادّ النَّقْض (بالاقتضاء إِلَى آخِره) إِذْ لَيْسَ فِيهِ اقْتِضَاء وَلَا تَخْيِير بل هُوَ إِخْبَار عَن أفعالهم (وَأجِيب أَيْضا) عَن هَذَا الْإِيرَاد (بمراعاة الْحَيْثِيَّة) فِي الْمُكَلّفين (أَي من حَيْثُ أَنهم مكلفون) وَالْخطاب لم يتَعَلَّق فِي هَذِه الْآيَة بأفعالهم من حَيْثُ أَنَّهَا أَفعَال الْمُكَلّفين، بل من حَيْثُ أَفعَال المخلوقين (وعَلى هَذَا) الْجَواب (فبالاقتضاء الخ لبَيَان وَاقع الْأَقْسَام) أَي لبَيَان مَا وجد من أَقسَام الْخطاب، لَا للِاحْتِرَاز لِأَن مَا يقْصد الِاحْتِرَاز مِنْهُ قد خرج بِقَيْد الْحَيْثِيَّة (فَيسلم حد الْغَزالِيّ الْمَتْرُوك مِنْهُ ذَلِك) أَي بالاقتضاء إِلَى آخِره عَن الْإِيرَاد الْمَذْكُور بمراعاة الْحَيْثِيَّة (وَأورد) أَيْضا عَن التَّعْرِيف الْمَذْكُور الحكم (الْمُتَعَلّق بِفعل الصَّبِي من مندوبية صلَاته وَصِحَّة بَيْعه) إِذا كَانَ مُمَيّزا مَأْذُونا، إِذْ لَا يصدق عَلَيْهِ الْخطاب الْمُتَعَلّق بِفعل الْمُكَلف (وَوُجُوب الْحُقُوق الْمَالِيَّة فِي ذمَّته) أَي الصَّبِي (وَقَوْلهمْ) فِي جَوَاب هَذَا الْإِيرَاد (التَّعَلُّق) أَي تعلق الْخطاب فِي الْأَحْكَام الْمَذْكُورَة لَيْسَ بِفعل الصَّبِي بل (بِفعل وليه) فَيجب على وليه أَدَاء الْحُقُوق من مَاله، وَكَذَا يسْتَحبّ لَهُ أَن يَأْمُرهُ بِالصَّلَاةِ وَصِحَّة بَيْعه مَنُوط بِإِذن لَهُ فِي البيع (دفع بِأَنَّهُ) أَي التَّعَلُّق بِفعل الْوَلِيّ (حكم آخر) مُرَتّب على الحكم الْمُتَعَلّق بِالصَّبِيِّ، وَهَذَا فِي الْمَالِيَّة، وَأما فِي الْبَدَنِيَّة فَفِي الْأَمر بِالصَّلَاةِ فَانْدفع مَا ذكر، وَأما فِي صِحَة البيع وَالصَّلَاة وَالصَّوْم فَلَا يتَعَلَّق بِفعل الْوَلِيّ خطاب (فَيجب أَن يُقَال) مَكَان الْمُكَلّفين (الْعباد) ذكره صدر الشَّرِيعَة (وَأجِيب) أَيْضا عَن الْإِيرَاد (بِمَنْع تعلق حكم بِهِ) أَي بِفعل الصَّبِي فَلم يطْلب مِنْهُ صَلَاة وَلَا صَوْم وَلَا ندبا (وَالصِّحَّة وَالْفساد) حكمان (عقليان) لَا شرعيان (للاستقلال) أَي لاستقلال الْعقل (بفهم مُطَابقَة الْأَمر) أَي مُوَافقَة الْفِعْل أَمر الشَّارِع وَهُوَ معنى الصِّحَّة (وَعدمهَا) أَي الْمُطَابقَة (فِي الْمَفْعُول) أَي فِيمَا يَفْعَله الْعباد صَبيا كَانَ أَو غَيره والظرف مُتَعَلق بالمعطوف والمعطوف عَلَيْهِ وَعدم الْمُطَابقَة معنى الْبطلَان، وَهَذَا تفسيرهما عِنْد الْمُتَكَلِّمين، وَعند الْفُقَهَاء إِيقَاع الْفِعْل على وَجه ينْدَفع بِهِ الْقَضَاء وَلَا ينْدَفع (وَإِن استعقبا) أَي الصِّحَّة وَالْفساد العقليان (حكما) شَرْعِيًّا إِذا اعتبرا فِي فعل الْمُكَلف وَهُوَ الْأَجْزَاء وَإِسْقَاط مَا فِي الذِّمَّة فِي صِحَة نَحْو: الصَّلَاة وَالصَّوْم وَعدم الْأَجْزَاء فِي إفساده وترتب الْأَثر فِي الْمُعَامَلَات كَالْبيع وَالْإِجَارَة (أَو) هما حكمان (وضعيان) وضع الشَّارِع الصِّحَّة للأجزاء فِي الْعِبَادَة ولترتب الْأَثر فِي الْمُعَامَلَة
(2/132)

وَالْفساد لما يقابلهما (وَكَون صلَاته) أَي الصَّبِي (مَنْدُوبَة) مَعْنَاهُ (أَمر وليه بأَمْره) أَي بِأَن يَأْمُرهُ بِالصَّلَاةِ لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " مروا الصَّبِي بِالصَّلَاةِ إِذا بلغ سبع سِنِين وَإِذا بلغ عشر سِنِين فَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا " (لَا خطاب الصَّبِي بهَا ندبا) لِأَن الْأَمر بِالْأَمر بالشَّيْء لَيْسَ أمرا بذلك الشَّيْء على مَا هُوَ الْمُخْتَار، كَذَا ذكره الشَّارِح، وَلَا حَاجَة لنا إِلَيْهِ لِأَنَّهُ على غير الْمُخْتَار أَيْضا يتم الْمُدَّعِي لِأَن ذَلِك الْخلاف فِيمَا إِذا كَانَ الْمَأْمُور بِالْأَمر الثَّانِي أَهلا للتكليف (وترتب الثَّوَاب لَهُ) أَي للصَّبِيّ على فعلهَا (ظَاهر) إِذْ الثَّوَاب لَيْسَ من لَوَازِم التَّكْلِيف، بل من فَضله تَعَالَى فَإِن الله لَا يضيع أجر من أحسن عملا، وَالصَّبِيّ محسن فِي عمله (وَالْحكم الثَّابِت بِمَا سوى الْكتاب) من السّنة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس (دَاخل) فِي حكمه تَعَالَى (لِأَنَّهُ) أَي الحكم الثَّابِت بأحدها (خطابه تَعَالَى، وَالثَّلَاثَة) الْمَذْكُورَة (كاشفة) عَنهُ (وَبِهَذَا الْقدر) من الْكَشْف (قيل) هِيَ (مثبتة) للْحكم (وتركهم عد نظم الْقُرْآن مِنْهُ) أَي الكاشف (سد لطريق التحريف) أَي وَلم يقل لنظم الْكتاب أَنه كاشف مَعَ أَنه فِي الْكَشْف مثلهَا سدا لطريق التحريف وَالنَّفْي بِأَن يُقَال لَيْسَ كَلَامه بل هُوَ كاشف عَنهُ (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن هَذَا الْمَانِع (فَهُوَ) أَي نظم الْقُرْآن (الكاشف عَن) الْخطاب (النَّفْسِيّ) الْقَائِم (بِالذَّاتِ) الْمُقَدّس، أَو هُوَ احْتِرَاز عَن النَّفْسِيّ لَا بِالذَّاتِ، وَهُوَ النّظم فَإِنَّهُ نَفسِي بِاعْتِبَار دلَالَته على النَّفْسِيّ بِالذَّاتِ (ثمَّ قيل) التَّعْرِيف (الصَّحِيح) خطابه تَعَالَى الْمُتَعَلّق (بِفعل الْمُكَلف ليدْخل خصوصيته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم)
أَي ليدْخل فِي التَّعْرِيف خطابه تَعَالَى الْمُتَعَلّق بِفعل أَو ترك مَخْصُوص بِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِذْ لَا يصدق عَلَيْهِ أَنه خطاب يتَعَلَّق بِأَفْعَال الْمُكَلّفين، وَكَذَا الْخطاب الْمُتَعَلّق بِصِحَّة شَهَادَة خُزَيْمَة وَحده (وَلَا يُفِيد) الْعُدُول عَن الْمُكَلّفين إِلَى الْمُكَلف ذَلِك (لِأَنَّهُ) أَي الْمُكَلف (كالمكلفين عُمُوما) أَي مثله فِي الْعُمُوم: إِذْ لَا فرق بَين الْجمع الْمحلي بلام الِاسْتِغْرَاق والمفرد الْمحلي بهَا، لِأَن اللَّام تبطل الجمعية، ويستغرق أَفْرَاد الْجِنْس كالمفرد، ثمَّ احْتَرز عَن إِفَادَة الْعُمُوم، فَقيل مُكَلّف بِغَيْر لَام الِاسْتِغْرَاق (وَيدْفَع) أصل الِاعْتِرَاض (بِأَن صدق عُمُوم الْمُكَلّفين) فِي خطابه الْمُتَعَلّق بِفعل الْمُكَلّفين (لَا يتَوَقَّف على صُدُور كل فعل) مِمَّا تعلق بِهِ الْخطاب (من كل مُكَلّف، بل لَو انقسمت الْآحَاد) من الْأَفْعَال (على الْآحَاد) من الْمُكَلّفين لاقتضى تقَابل الْجمع بِالْجمعِ توزيع الْآحَاد على الْآحَاد (صدق) الْعُمُوم (أَيْضا) فَيصدق التَّعْرِيف على الْخطاب الْمُتَعَلّق بِفعل مَخْصُوص بمكلف خَاص: هَذَا وَيجوز أَن يكون من قبيل: فلَان يركب الْخَيل وَإِن لم يركب إِلَّا وَاحِد مِنْهَا، فَالْمُرَاد تعلقه بِجِنْس فعل الْمُكَلف (ثمَّ الِاقْتِضَاء إِن كَانَ حتما لفعل غير كف) للنَّفس عَن فعل وَذَلِكَ بِعَدَمِ تَجْوِيز الطَّالِب ترك ذَلِك الْفِعْل، قيد الْفِعْل بِكَوْنِهِ غير كف، لِأَنَّهُ
(2/133)

لَو كَانَ كفا لَكَانَ تَحْرِيمًا (فالإيجاب) أَي فِي هَذَا الِاقْتِضَاء (وَهُوَ) الْإِيجَاب، وَقد عرفت أَن الِاقْتِضَاء هُوَ نفس الْكَلَام الْمَذْكُور (هُوَ) أَي الْإِيجَاب (نفس الْأَمر النَّفْسِيّ، وَيُسمى وجوبا أَيْضا بِاعْتِبَار نسبته إِلَى الْفِعْل) يَعْنِي أَن الْإِيجَاب وَالْوُجُوب متحدان بِالذَّاتِ مُخْتَلِفَانِ بِالِاعْتِبَارِ، بِاعْتِبَار الْقيام بِذَاتِهِ تَعَالَى إِيجَاب، وَبِاعْتِبَار تعلقه بِفعل العَبْد وجوب (وَهُوَ) أَي الْوُجُوب بِهَذَا الْمَعْنى (غير) المُرَاد فِي (الْإِطْلَاق الْمُتَقَدّم) فَإِن الْمَذْكُور ثمَّة أَن الْوُجُوب يُقَال لأثر الْخطاب وَهُوَ صفة فعل الْمُكَلف لَا نفس الْإِيجَاب بِاعْتِبَار نسبته إِلَى الْفِعْل، وَأورد عَلَيْهِ أَنه يُقَال أوجب الْفِعْل فَوَجَبَ، فالإيجاب صفة الْمُوجب، وَالْوُجُوب مترتب عَلَيْهِ صفة لمتعلق فعله، فَلَا اتِّحَاد، وَقَرِيب من هَذَا مَا قيل: من أَن الْإِيجَاب من مقولة الْفِعْل، وَالْوُجُوب من مقولة الانفعال، وَقد يُقَال إِن القَوْل بالاتحاد على سَبِيل الْمُسَامحَة، أَو لَيْسَ المُرَاد بهما مَا هُوَ الْمُتَبَادر مِنْهُمَا: بل أَمر وَاحِد لَهُ اعتباران بِالْقِيَاسِ إِلَى الْأَمر والمأمور بِهِ بِكُل اعْتِبَار لَهُ اسْم وَالله أعلم. (أَو) كَانَ (تَرْجِيحا) لفعل غير مُكَلّف (فالندب، أَو لكف حتما) صرح بحتما مَعَ أَنه كَانَ يفهم بِمُوجب الْعَطف لِئَلَّا يتَوَهَّم أَن المُرَاد بالْعَطْف مُجَرّد التَّشْرِيك فِي الطّلب (فالتحريم) أَي فَهَذَا الِاقْتِضَاء التَّحْرِيم (وَالْحُرْمَة) المتحدان بِالذَّاتِ المختلفان (بِالِاعْتِبَارِ غير مَا تقدم) أَي المُرَاد بِالْحُرْمَةِ هُنَا غير مَا تقدم أَن المُرَاد ثمَّة أثر الْخطاب صفة للكف، وَهَهُنَا نفس التَّحْرِيم (وَظهر مَا قدمنَا من فَسَاد تعريفهم الْأَمر وَالنَّهْي النفسيين بتركهم) لفظ (حتما) فِي تعريفي الْأَمر وَالنَّهْي النفسيين بِطَلَب صلَة التَّعْرِيف الخ أَي طلب فعل غير كف من غير ذكر حتما، وَمن غير استعلاء، وَيفْسد التّرْك الْمَذْكُور طردهما أَي طرد تَعْرِيف الْأَمر الإيجابي النَّفْسِيّ لصدقه على الندبي، وتعريف النَّهْي النَّفْسِيّ التحريمي لصدقه على الكرهي (وَكَذَا) ظهر مِمَّا ذكر الْفساد (بترك الاستعلاء فِي التَّقْسِيم) أَي تَقْسِيم الطّلب إِلَى الْأَمر وَالنَّهْي، وَالدُّعَاء والالتماس، وَاعْتِبَار الاستعلاء إِنَّمَا هُوَ فِي الْقسم الَّذِي هُوَ مقسم الْأَوَامِر والنواهي، وَفَسَاد التَّقْسِيم بِاعْتِبَار عدم امتياز الْقسم الْمَذْكُور عَن قسميه، فَإِذا لم يعْتَبر فِي جَانب الْأَمر وَالنَّهْي الاستعلاء صدق تعريفاهما المستنبطان من التَّقْسِيم على نظيريهما من الدُّعَاء والالتماس على مَا سيشير إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا ظهر هَذَا الْفساد من اعْتِبَار الحتم لكَون الاستعلاء نَظِير الحتم فِي أَن تَركه مَحل للطرد، والذهن ينْتَقل من أحد النظيرين إِلَى الآخر (لِأَنَّهُ) أَي التَّقْسِيم (يخرج التَّعْرِيف) لِأَن التَّقْسِيم عبارَة عَن ضم الْقُيُود الْمُخَالفَة إِلَى الْمقسم بِحَيْثُ يحصل بانضمام كل قيد قسم فالمجموع الْمركب من الْمقسم وَذَلِكَ الْقَيْد تَعْرِيف لذَلِك الْقسم، وَقيد الاستعلاء لَا بُد مِنْهُ فِي الْأَمر وَالنَّهْي لما عرفت (هَذَا) الَّذِي ذكرنَا فِي تَحْقِيق ماهيتي الْإِيجَاب وَالتَّحْرِيم إِنَّمَا كَانَ (بِاعْتِبَار نفسهما) وبحسب حَالهمَا فِي حدّ ذاتهما فِي نفس الْأَمر،
(2/134)

وَأما بِحَسب اطلاعنا عَلَيْهِمَا فَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (أما بِاعْتِبَار الِاتِّصَال) إِلَيْنَا بالألفاظ الدَّالَّة عَلَيْهِمَا (فَكَذَلِك عِنْد غير الْحَنَفِيَّة) أَي تَفْسِير الْإِيجَاب بِطَلَب الْفِعْل غير الْكَفّ من غير مُلَاحظَة حَال الدَّال، وَهَكَذَا فِي التَّحْرِيم (وَأما هم) أَي الْحَنَفِيَّة فلاحظوا ذَلِك فَقَالُوا (فَإِن ثَبت الطّلب الْجَازِم بقطعي) متْنا وَدلَالَة من كتاب أَو سنة أَو إِجْمَاع (فالافتراض) إِن كَانَ الْمَطْلُوب غير كف (وَالتَّحْرِيم) إِن كَانَ كفا (أَو) ثَبت الطّلب الْجَازِم (بظني) دلَالَة من كتاب أَو دلَالَة، أَو ثبوتا من سنة أَو إِجْمَاع (فالإيجاب) فِي غير الْكَفّ (وَكَرَاهَة التَّحْرِيم) فِي الْكَفّ (ويشار كانهما) أَي الْإِيجَاب وَكَرَاهَة التَّحْرِيم الافتراض وَالتَّحْرِيم (فِي اسْتِحْقَاق الْعقَاب بِالتّرْكِ) لما هُوَ الْمَطْلُوب مِنْهُ (وَعنهُ) أَي عَن التشارك فِي الِاسْتِحْقَاق. (قَالَ مُحَمَّد كل مَكْرُوه حرَام) مرِيدا بِهِ (نوعا من التَّجَوُّز) فِي لفظ حرَام بِاعْتِبَار التشارك الْمَذْكُور (وَقَالا) أَي أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف (على الْحَقِيقَة) الْمَكْرُوه (إِلَى الْحَرَام أقرب) مِنْهُ إِلَى الْمحل، وَإِنَّمَا قُلْنَا نوعا من التَّجَوُّز (للْقطع بِأَن مُحَمَّدًا لَا يكفر جَاحد الْوُجُوب وَالْمَكْرُوه) كَمَا يكفر جَاحد الْفَرْض وَالْحرَام (فَلَا اخْتِلَاف) بَينه وَبَينهمَا فِي الْمَعْنى (كَمَا يظنّ).

مسئلة
(أَكثر الْمُتَكَلِّمين) ذَهَبُوا إِلَى أَنه (لَا تَكْلِيف إِلَّا بِفعل) كسبي سَوَاء كَانَ فعل الْجَوَارِح أَو الْقلب (وَهُوَ) أَي الْفِعْل الْمُكَلف بِهِ (فِي النَّهْي كف النَّفس عَن الْمنْهِي) جَوَاب سُؤال وَهُوَ أَن الْمُكَلف بِهِ فِي النَّهْي عدم الْإِتْيَان بالمنهي عَنهُ وَهُوَ أَمر أُصَلِّي حَاصِل وَلَيْسَ بِفعل وَحَاصِل الْجَواب أَن الْمُكَلف بِهِ لَيْسَ الْعَدَم الْأَصْلِيّ، بل هُوَ كف النَّفس عَن ميلها إِلَى الْمنْهِي عَنهُ، والكف فعل، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (ويستلزم) كَون الْفِعْل الْمُكَلف بِهِ فِي النَّهْي كف النَّفس (سبق الداعية) أَي دَاعِيَة النَّفس إِلَى الْمنْهِي عَنهُ (فَلَا تَكْلِيف قبلهَا) أَي الداعية (تنجيزا) إِذْ لَو طلب مِنْهُ مُنجزا كف النَّفس عَن فعل لَيْسَ لَهَا دَاعِيَة لزم التَّكَلُّف بِمَا لَا يُطَاق: إِذْ لَا يتَصَوَّر كف النَّفس عَن شَيْء لم ترده وَلم تمل إِلَيْهِ فَإِذن يكون نَحْو: لَا تقربُوا الزِّنَا تَعْلِيق الْكَفّ أَي إِذا طلبته نَفسك فكفها عَنهُ، فَظهر فَائِدَة قَوْله تنجيزا فَإِن قيل لزم حِينَئِذٍ فَوَات فَضِيلَة امْتِثَال نهي شرب الْخمر لأبي بكر رَضِي الله عَنهُ لما قيل من أَنه لم تطلب نَفسه الْخمر فِي الْجَاهِلِيَّة وَلَا فِي الْإِسْلَام قُلْنَا لَا نقض فِيهِ مَعَ وجود مَا هُوَ أَعلَى مِنْهُ فِيهِ، وَهُوَ هَذَا النَّوْع من الْعِصْمَة (وَكثير من الْمُعْتَزلَة) مِنْهُم أَبُو هَاشم قَالُوا: الْمُكَلف بِهِ فِي النَّهْي (عَدمه) أَي الْفِعْل (لنا لَا تَكْلِيف إِلَّا بمقدور) كَمَا سَيَأْتِي (والعدم غَيره) أَي غير مَقْدُور
(2/135)

(إِذْ لَيْسَ) الْعَدَم (أَثَرهَا) أَي الْقُدْرَة (وَلَا استمراره) أَي وَلَا اسْتِمْرَار الْعَدَم أثر الْقُدْرَة، لِأَن الْعَدَم نفي مَحْض، وَلما نظر فِي هَذَا ابْن الْحَاجِب وَغَيره وَقرر فِي الشَّرْح العضدي بِأَنا لَا نسلم أَن اسْتِمْرَار الْعَدَم لَا يصلح أثر للقدرة إِذْ يُمكنهُ أَن لَا يفعل فيستمر، وَأَيْضًا يَكْفِي فِي طرف النَّفْي أثرا أَنه لم يَشَأْ فَلم يفعل، وَذَلِكَ لِأَن الْفَاء المتوسطة بَين عدم الْمَشِيئَة وَعدم الْفِعْل تدل على ترَتّب الثَّانِي على الأول، والمترتب على الشَّيْء أثر لَهُ، وَفِيه نظر: إِذْ الترتب إِنَّمَا يسْتَلْزم المعلولية، وكل مَعْلُول لَا يلْزم أَن يكون أثر الْعلية: أَلا ترى أَن الْمَشْرُوط مَعْلُول الشَّرْط، وَلَا يُقَال أَنه أثر لَهُ. وَقَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ: وَحَاصِله أَنا لَا نفسر الْقَادِر بِالَّذِي إِن شَاءَ فعل وَإِن شَاءَ ترك بل بِالَّذِي إِن شَاءَ فعل وَإِن لم يَشَأْ لم يفعل، فَدخل فِي الْمَقْدُور عدم الْفِعْل إِذْ ترَتّب على عدم الْمَشِيئَة وَكَانَ الْفِعْل مِمَّا يَصح ترتبه على الْمَشِيئَة، وَتخرج العدميات الَّتِي لَيست كَذَلِك: أَشَارَ المُصَنّف إِلَيْهِ ورده، فَقَالَ (وَتَفْسِير الْقَادِر بِمن إِن شَاءَ فعل، وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يَشَأْ (لم يفعل، لَا) بِمن إِن شَاءَ فعل (وَإِن شَاءَ ترك، وَكَونه لم يَشَأْ فَلم يفعل) كَمَا يَقْتَضِيهِ التَّفْسِير الأول بِإِدْخَال الْفَاء الدَّاخِلَة على ترَتّب مدخولها على مَا قبله الموهمة كَون الْعَدَم أثرا لعدم الْمَشِيئَة (لَا يُوجب اسْتِمْرَار) الْعَدَم (الْأَصْلِيّ أثر الْقُدْرَة بِهِ) أَي الْمُكَلف: أَي يُوجب كَون الِاسْتِمْرَار الْمَذْكُور أثرا لَهَا (فَيكون ممتثلا للنَّهْي) فَقَوله تَفْسِير الْقَادِر مُبْتَدأ عطف عَلَيْهِ كَونه إِلَى آخِره، وَقَوله لَا يُوجب خَبره (بل عدم مَشِيئَة الْفِعْل أصلا) بِأَن لم يتَعَلَّق بِهِ مَشِيئَة لَا وجودا وَلَا عدما (صُورَة عدم الشُّعُور بالتكلف) يَعْنِي أَنَّك بدلت إِن شَاءَ ترك فِي تَفْسِير الْقَادِر بِأَن لم يَشَأْ لم يفعل ليصير عدم الْفِعْل مَقْدُورًا للمكلف، وَلَيْسَ الْأَمر كَمَا زعمت: إِذْ الْمُكَلف لَا يَخْلُو من أَن يكون لَهُ شُعُور بِالنَّهْي أَو لَا، وعَلى الثَّانِي جعل اسْتِمْرَار الْعَدَم الْأَصْلِيّ أثر الْقُدْرَة، وامتثالا للنَّهْي مِمَّا لَا يرتضيه عَاقل: إِذْ الِامْتِثَال للنَّهْي فرع الشُّعُور بِهِ، وَأثر قدرَة الْفَاعِل الْمُخْتَار يجب أَن يكون مشعورا بِهِ إِذا كَانَ مَقْصُود الْحُصُول بِهِ، وَأما على الأول فَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وَأما مَعَه) أَي مَعَ الشُّعُور بِالنَّهْي (فَلَيْسَ الثَّابِت) من حَيْثُ قصد الِامْتِثَال اللَّازِم للشعور بِهِ بِمُوجب الْإِيمَان (إِلَّا مَشِيئَة عدم الْفِعْل وَإِن عبر عَنهُ) أَي عَن مَشِيئَة عدم الْفِعْل، والتذكير لكَونه مصدرا (بِعَدَمِ مَشِيئَته) أَي الْفِعْل تسامحا (فَيتَحَقَّق التّرْك) حِينَئِذٍ فَلَا فَائِدَة فِي الْعُدُول عَن الأول إِلَى الثَّانِي (وَهُوَ) أَي التّرْك (فعل إِذا طلبته) النَّفس (ويثاب) الْمُكَلف (على هَذَا الْعَزْم) الَّذِي هُوَ مَشِيئَة عدم الْفِعْل إِن كَانَ لله من غير طلب النَّفس إِيَّاه (لَا) يُثَاب (على امْتِثَال النَّهْي) حِينَئِذٍ (إِذْ لم يُوجد) الِامْتِثَال بِمُجَرَّد الْعَزْم بل عِنْد الطّلب والكف وَأَيْضًا لَا نسلم الْفرق بَين التفسيرين بِأَن يصير الِاسْتِمْرَار على الأول مَقْدُورًا دون الثَّانِي، إِذْ
(2/136)

لم يعْتَبر فِي شَيْء مِنْهَا تحقق الْمَشِيئَة بل يَكْفِي فَرضهَا، والمكلف الَّذِي لَا شُعُور لَهُ بالمنهي عَنهُ، وبعدمه يصدق عَلَيْهِ إِن شَاءَ فعل وَإِن شَاءَ ترك بِالنِّسْبَةِ إِلَى الِاسْتِمْرَار الْمَذْكُور وَالْفِعْل وَالتّرْك ملحوظ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُتَعَلق الْعَدَم المستمر فَتدبر.

مسئلة
(الْقُدْرَة شَرط التَّكْلِيف بِالْعقلِ) أَي بِالدَّلِيلِ الْعقلِيّ (عِنْد الْحَنَفِيَّة والمعتزلة لقبح التَّكْلِيف بِمَا لَا يُطَاق) مثلا (عقلا واستحالة نِسْبَة الْقَبِيح) اللَّازِمَة للتكليف بِمَا لَا يُطَاق (إِلَيْهِ تَعَالَى) وَهَذَا الدَّلِيل يُفِيد كَونهَا شَرط جَوَاز التَّكْلِيف، وَيلْزم مِنْهُ كَونهَا شَرط وُقُوعه بِالطَّرِيقِ الأولي، (و) شَرطه (بِالشَّرْعِ) أَي بِالدَّلِيلِ السمعي عِنْد الأشاعرة، وَالدَّلِيل (للأشاعرة) قَوْله تَعَالَى {لَا يُكَلف الله} الْآيَة) أَي نفسا إِلَّا وسعهَا وَلَا يخفى أَنه يُفِيد كَونهَا شرطا للوقوع: إِذْ مَدْلُول قَوْله تَعَالَى - {لَا يُكَلف الله} - عدم وُقُوع التَّكْلِيف، لَا عدم جَوَازه، وسيشير إِلَيْهِ (فِي الْمُمكن) لذاته ظرف لاشْتِرَاط الْقُدْرَة بِالشَّرْعِ عِنْد الأشاعرة: إِذْ فِي اشْتِرَاطهَا بِالشَّرْعِ فِي غير الْمُمكن لذاته خلاف كَمَا سَيذكرُهُ (كحمل جبل) بدل من الْمُمكن، أَو مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف لَا يُكَلف بِهِ عقلا عِنْد الْأَوَّلين، وَشرعا عِنْد الأشاعرة: يَعْنِي لم يَقع التَّكْلِيف بِهِ (وَلَو كلف بِهِ حسن) عِنْد الأشاعرة (وَهِي) أَي هَذِه المسئلة فرع (مسئلة التحسين والتقبيح) فَمن جَعلهمَا عقليين حكم بِعَدَمِ جَوَاز التَّكْلِيف بِمثل حمل الْجَبَل: إِذْ الْعقل يحكم بقبحه، وَمن لم يجعلهما عقليين حسن عِنْده ذَلِك لقَوْله تَعَالَى - {يفعل الله مَا يَشَاء} -، ونظائره (وَاخْتلفُوا) أَي الأشاعرة (فِي الْمحَال لذاته) كالجمع بَين النقيضين (فَقيل عدم جَوَازه) أَي التَّكْلِيف بالمحال لذاته (شَرْعِي لِلْآيَةِ) الْمَذْكُورَة (فَلَو كلف الْجمع بَين الضدين) كالحركة والسكون فِي زمَان وَاحِد لجسم وَاحِد (جَازَ). قَالَ الشَّارِح عقلا، وَيرد عَلَيْهِ أَن الْعقل لَا يحكم بِالْجَوَازِ وَعَدَمه عِنْد الْأَشْعَرِيّ فَالظَّاهِر أَن المُرَاد شرعا، إِذْ على تَقْدِير فرض التَّكْلِيف - {لَا يسئل عَمَّا يفعل} -، وكل مَا يَفْعَله حسن شرعا: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون مُرَاده بِالْجَوَازِ عقلا أَن الْعقل لَا يحكم بقبحه: إِذْ لَا حكم لَهُ فِي التحسين والتقبيح (وَنسب) هَذَا القَوْل (للأشعري) أَي إِلَيْهِ (وَقيل) عدم جَوَازه (عَقْلِي لملزومية الطّلب تصور الْمَطْلُوب) يَعْنِي أَن التَّكْلِيف بِفعل طلب لَهُ، وَطلب الْفِعْل يسْتَلْزم أَن يتَصَوَّر الطَّالِب وُقُوعه لَا يُقَال لَا حجر فِي التَّصَوُّر، فَيجوز أَن يتَصَوَّر وُقُوع الْمحَال لِأَن المُرَاد تصَوره، على وَجه يجوز وُقُوعه فِي الْخَارِج لَا على سَبِيل فرض الْمحَال كَمَا سيشير إِلَيْهِ (على وَجه المطلوبية) أَي تصورا على وَجه تعلق الطّلب بِهِ على ذَلِك الْوَجْه (فيتصور) الْمَطْلُوب للطَّالِب
(2/137)

(مثبتا) إِذْ هُوَ مَطْلُوبه من حَيْثُ الثُّبُوت والوقوع (وَهُوَ) أَي تصور الْمحَال مثبتا (تصور الْمَلْزُوم ملزوما لنقيض اللَّازِم) فَإِنَّهُ إِذا فرض أَرْبَعَة مَوْصُوفَة بنقيض لازمها الَّذِي هُوَ الزَّوْجِيَّة تحقق تصور الْمَلْزُوم الَّذِي هُوَ الْأَرْبَعَة مَوْصُوفا لكَونه ملزوما لنقيض اللَّازِم: أما ملزوميتها فبحسب نفس الْأَمر، وَأما ملزوميتها للنقيض فبمقتضى الْفَرْض، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وتصور أَرْبَعَة لَيْسَ زوجا) فِي الْمَآل (تصور أَرْبَعَة لَيست أَرْبَعَة) إِذْ الزَّوْجِيَّة لَازِمَة لَهَا، وَانْتِفَاء اللَّازِم يسْتَلْزم انْتِفَاء الْمَلْزُوم (ونوقض) هَذَا الدَّلِيل (بِلُزُوم امْتنَاع الحكم بامتناعه) أَي الْمُمْتَنع صلَة للْحكم (خَارِجا) ظرف للامتناع: يَعْنِي كَمَا أَن تصور الْمحَال مثبتا مُسْتَلْزم لما ذكرْتُمْ كَذَلِك الحكم بامتناع الْمُمْتَنع فِي الْخَارِج مُسْتَلْزم لَهُ (لِأَنَّهُ) أى الحكم بامتناع خَارِجا (فرع تصَوره) أى الْمُمْتَنع (خَارِجا) فالممتنع لَازمه عدم التحقق فِي الْخَارِج، وَإِذا تصورته مثبتا لزم تصور وُقُوعه فِيهِ، والوقوع فِيهِ نقيض اللاوقوع فِيهِ فَلَزِمَ تصور الْمَلْزُوم ملزوما لنقيض اللَّازِم (أُجِيب) عَن النَّقْض الْمَذْكُور (بِأَن اللَّازِم) للْحكم بالامتناع على الْمُمْتَنع (تصَوره) أَي تصور الْمُمْتَنع الْمَحْكُوم عَلَيْهِ مُطلقًا (لَا) تصَوره (بِقَيْد إثْبَاته) بِأَن يجوز الْعقل ثُبُوته فِي الْخَارِج ملزوما للوازمه كَمَا يلْزم عِنْد طلب الْفِعْل (وَهُوَ) أَي تصَوره بِقَيْد الْإِثْبَات (الْمُمْتَنع) لَا تصَوره مُطلقًا (فيتصور) الْحَاكِم (الْجمع بَين المختلفات) الْغَيْر المتضادة كالحلاوة وَالْبَيَاض فِي الحكم بِأَن الضدين لَا يَجْتَمِعَانِ (وبنفيه) أَي الِاجْتِمَاع (عَنْهُمَا) أَي الضدين وَالْحَاصِل أَن الَّذِي لَا وجود لَهُ فِي الْخَارِج، وَأَنت قصدت الحكم عَلَيْهِ بِنَفْي الْوُجُود مثلا لَا يحْتَاج إِلَى تصور مورد النَّفْي على وَجه يجوز ثُبُوته فِي الْخَارِج بل يَكْفِيك تصَوره على وَجه الْفَرْض، فَإِذا قصدت أَن تحكم على الضدين بِنَفْي الِاجْتِمَاع تتَصَوَّر لَهما اجتماعا كاجتماع المختلفات الْغَيْر المتضادة، ثمَّ تنفيه (وَهُوَ) أَي تصور الْجمع بَينهمَا على الْوَجْه الْمَذْكُور (كَاف) فِي الحكم الْمَذْكُور (بِخِلَاف مَا) أَي تصور (يستدعيه طلب إثْبَاته) أَي الْفِعْل (فِي الْخَارِج) فَإِنَّهُ لَا بُد فِيهِ من تصَوره بِقَيْد الْإِثْبَات، وَقد عرفت مَعْنَاهُ: هَذَا كَلَام الْقَوْم فِي هَذَا الْمقَام، ثمَّ أَفَادَ مَا هُوَ التَّحْقِيق عِنْده بقوله (وَالْحق أَنا نعلم بِالضَّرُورَةِ إِمْكَان كلفتك الْجمع بَينهمَا) أَي الضدين: يَعْنِي أَن كَلَامهم يَسْتَدْعِي عدم إِمْكَان التَّكْلِيف بالمحال لملزومية الطّلب إِلَى آخِره، وَالْعلم الضَّرُورِيّ يحكم بإمكانه فاستدلالهم هَذَا مصادم للْعلم الضَّرُورِيّ فَلَا يعْتَبر (وَهُوَ) أَي وُقُوع مُتَعَلق هَذَا الْإِمْكَان (أما فرع قَوْله) تَعَالَى (النَّفْسِيّ ذَلِك) أَي معنى كلفتك الْجمع بَينهمَا على رَأْي من يثبت الْكَلَام النَّفس لَهُ (أَو) فرع (الْعلم) بِمَعْنى هَذَا على رَأْي من لم يثنه (فَإِن استدعى) هَذَا التَّكْلِيف (قدرا من التعقل) للطَّالِب أَو للمكلف: يَعْنِي تصور الْمَطْلُوب على وَجه المطلوبية مثبتا وَإِلَّا فَأصل التحقق
(2/138)

لَا شُبْهَة فِيهِ فَلَا يُنَاسب كلمة الشَّك، وَحِينَئِذٍ قَوْله (فقد تحقق) لَك الْقدر غير مُسْتَقِيم: إِذْ تَجْوِيز وُقُوع الْمحَال محَال، وَقد يُجَاب عَنهُ بِأَن الحكم بالتحقق على تَقْدِير الاستدعاء يسْتَلْزم الحكم بِهِ مُطلقًا غير أَنه لَا يَسْتَقِيم حِينَئِذٍ قَوْله (وَلَا حَاجَة لنا إِلَى تَحْقِيقه) أَي تصَوره مثبتا بِحَيْثُ يجوز الْعقل وُقُوعه وَلَا مخلص إِلَّا بِالْتِزَام حمله كلمة الشَّك على خلاف الظَّاهِر، وَإِرَادَة قدر مَا من التعقل وَالله أعلم (وَأَيْضًا يُمكن تصور الثُّبُوت بَين الخلافين فيكلف بِهِ) أَي بالثبوت (بَين الضدين) مَعْطُوف على قَوْله وَالْحق وَحَاصِله أَي الْمَنْع توقف التَّكْلِيف بِالْجمعِ بَين الضدين على تصَوره وَاقعا، بل يَكْفِي فِيهِ تصور الِاجْتِمَاع كَمَا يَكْفِي فِي الحكم على مَا ذكر (وَحَدِيث تصور المستحيل) الْمَدْلُول عَلَيْهِ بقوله وَهُوَ تصور الْمَلْزُوم ملزوما لنقيض اللَّازِم إِلَى آخِره (بِمَا فِيهِ) أَي مَعَ مَا فِيهِ من الْبَحْث المفاد بقوله وَأجِيب إِلَى آخِره (لَا وُقُوع لَهُ بعد مَا ذكرنَا) من أَنا نعلم بِالضَّرُورَةِ إِمْكَان كلفتك الْجمع بَينهمَا (وَلَا خلاف فِي وُقُوع التَّكْلِيف بالمحال لغيره كَمَا) أَي كالفعل الَّذِي (علم) الله (سُبْحَانَهُ عدم كَونه) أَي تحَققه فِي الْخَارِج، وَمَعَ هَذَا كلف بِهِ، وَلما استدلوا بِهَذَا التَّكْلِيف على جَوَاز التَّكْلِيف بالمحال لذاته وَكَانَ ذَلِك غير موجه أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وَالْوَجْه أَنه) أَي مَا علم الله سُبْحَانَهُ عدم كَونه (لم يَتَّصِف بالاستحالة) الَّتِي هِيَ مَحل النزاع (لذَلِك) أَي لعلمه سُبْحَانَهُ بِعَدَمِ كَونه (لِاسْتِحَالَة اجتماعه) أَي اجْتِمَاع كَونه محالا (مَعَ الْإِمْكَان) الثَّانِي الْمَوْجُود فِيهِ اتِّفَاقًا (بل هُوَ) أَي مَا علم سُبْحَانَهُ عدم كَونه (مُمكن مَقْطُوع بِعَدَمِ وُقُوعه فاستدل الْمُجِيز) لوُقُوع التَّكْلِيف بالمستحيل لذاته (بِهِ) أَي بِوُقُوع التَّكْلِيف بالممكن الْمَقْطُوع بِعَدَمِ وُقُوعه كَلَام وَقع (فِي غير مَحل النزاع، و) مَعَ كَونه كلَاما فِي غير مَحل النزاع (يَقْتَضِي وُقُوع تَكْلِيف المستحيل لنَفسِهِ اتِّفَاقًا) فَلَا وَجه لجعله دَلِيلا على جَوَاز وُقُوع التَّكْلِيف بالمحال لذاته وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذا لم يفرق بَين الْمحَال لغيره والمحال لذاته ويجعله محالا لذاته، وَمَا علم سُبْحَانَهُ عدم كَونه قد كلف بِهِ اتِّفَاقًا لزم من هَذَا الِاتِّفَاق على وُقُوع التَّكْلِيف بالمستحيل لذاته (والاتفاق) بَين الأشاعرة (على نَفْيه) أَي وُقُوع التَّكْلِيف بالمستحيل لذاته كغيرهم (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الِاتِّفَاق مِنْهُم على نَفْيه (ناقضوا الْآيَة) أَي لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا لدلالته على نفي الْوُقُوع صَرِيحًا (وَالْخلاف فِي جَوَازه) لَا غير (وَكَذَا استدلالهم) على جَوَاز التَّكْلِيف بالمحال لذاته (بِأَن الْقُدْرَة مَعَ الْفِعْل) فَقبل الْفِعْل لَا قدرَة لَهُ وصدور الْفِعْل من غير قدرَة محَال، وَقد كلف بِالْفِعْلِ قبله اتِّفَاقًا كَلَام فِي غير مَحل النزاع وَيَقْتَضِي الِاتِّفَاق على وُقُوع التَّكْلِيف بالمحال وَقَوله (وَهُوَ مَخْلُوق لَهُ تَعَالَى) لإِفَادَة أَن الْمَعِيَّة لَا تضر لكَون الْفِعْل يُوجد بتأثير قدرَة الْخَالِق من غير تَأْثِير لقدرة الْمَخْلُوق وَمن غير مدخلية لَهَا فَلَيْسَتْ من أَجزَاء الْعلَّة فليزم تقدمها غير أَنه لَو فرض مدخليتها أَيْضا لم يلْزم
(2/139)

تقدمها زَمَانا، وَالْمرَاد معيتها زَمَانا، فَالْوَجْه أَن يَجْعَل دَلِيلا مُسْتقِلّا كَمَا فِي الشَّرْح العضدي، وَأما فَائِدَة إِثْبَات هَذِه الْقُدْرَة فَسَيَأْتِي بَيَانهَا (وَمِنْه) أَي وَمِمَّا ذكر من أَن الْقُدْرَة مَعَ الْفِعْل وَأَن الْفِعْل مَخْلُوق لَهُ تَعَالَى، وَمن هَذَا الِاسْتِدْلَال (ألزم الْأَشْعَرِيّ القَوْل بِهِ) أَي بتكليف الْمحَال وَإِلَّا فَهُوَ لم يُصَرح بِهِ (وَيلْزم) أَيْضا من هَذَا الِاسْتِدْلَال (كَون كل مَا كلف بِهِ محَال لذاته) قَالَ الشَّارِح: أَي فَهُوَ محَال لذاته، وَالْوَجْه الظَّاهِر محالا انْتهى وَلَا يخفى سماجة هَذَا التَّأْوِيل فَالْوَجْه أَن يُقَال سقط الْألف عَن الْقَلَم سَهوا، وَإِنَّمَا يلْزم ذَلِك لِأَن كَون الْقُدْرَة مَعَ الْفِعْل مُوجب للاستحالة الذاتية على رَأْيه، وَهَذَا مَوْجُود فِي كل تَكْلِيف (وَقَوْلهمْ) أَي المجيزين لوُقُوع التَّكْلِيف بالمحال لذاته (وَقع) التَّكْلِيف بِهِ إِذا (كلف أَبُو لَهب) أَي كلفه الله تَعَالَى (بالتصديق بِمَا أخبر) بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِجْمَاعًا (وَأخْبر) أَي أخبرهُ الله تَعَالَى وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أَنه) أَي أَبَا لَهب (لَا يصدقهُ) التزاما لإخباره بِأَنَّهُ من أهل النَّار بقوله - {سيصلى نَارا ذَات لَهب} - (وَهُوَ) أَي تَكْلِيفه بالتصديق بِمَا أخبر على الْعُمُوم لَا بِخُصُوص هَذَا الْأَخْبَار (تَكْلِيف بِأَن يصدقهُ فِي أَنه لَا يصدقهُ وَهُوَ) أَي تَصْدِيقه فِي أَنه لَا يصدقهُ (محَال لنَفسِهِ) لِأَن تحَققه يسْتَلْزم عدم تحَققه إِذْ مُتَعَلّقه عدم التَّصْدِيق الْمُطلق الَّذِي هُوَ من أَفْرَاده، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لاستلزام تَصْدِيقه عدم تَصْدِيقه) وَكَانَ مُقْتَضى الظَّاهِر الْإِضْمَار بِأَن يَقُول عَدمه، لَكِن لما كَانَ لُزُوم عَدمه فِي ضمن عدم التَّصْدِيق مُطلقًا أَشَارَ إِلَيْهِ بِوَضْع الْمظهر مَوضِع الْمُضمر بِأَن يَقُول عَدمه
وَيرد عَلَيْهِ أَن المستلزم لعدم التَّصْدِيق وَتحقّق مَضْمُون مُتَعَلّقه فِي الْخَارِج، لَا فِي ذهن الْمُصدق والتصديق الْمَذْكُور إِنَّمَا يسْتَلْزم تحقق الْمَضْمُون فِي الذِّهْن لَا فِي الْخَارِج، فغاية الْأَمر لُزُوم كَون التَّصْدِيق لما فِي نفس الْأَمر وَيُجَاب بِأَن الْمُكَلف بِهِ التَّصْدِيق اليقيني الْمُطلق لما فِي نفس الْأَمر قطعا، وَأَيْضًا كَيفَ يصدق بِعَدَمِ تَصْدِيقه إِيَّاه مُطلقًا حَال كَونه مُصدقا إِيَّاه فِي أَنه لَا يصدقهُ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال يجوز أَن لَا يكون عَالما بِعِلْمِهِ (غلط) خبر الْمُبْتَدَأ: أَعنِي قَوْلهم، لم يُصَرح بِوَجْه الْغَلَط لِكَثْرَة وجوهه مَعَ الِاعْتِمَاد على مَا يفهم بطرِيق الْإِشَارَة: مِنْهَا أَنه مَبْنِيّ على أَنه تَعَالَى أخبر بِأَنَّهُ لَا يصدق وَجعل هَذَا الْخَبَر بِخُصُوصِهِ مُتَعَلق إيمَانه وَلم يثبت شَيْء مِنْهُمَا، أما الأول فَلِأَن صلية النَّار يحْتَمل أَن يكون بالارتداد بعد التَّصْدِيق فَلَا ينتهض حجَّة، وَأما الثَّانِي فَلِأَنَّهُ لَا يجب أَن يكون كل مَا أخبر بِهِ مُطلقًا للْإيمَان تَفْصِيلًا، وَمِنْهَا أَنه لَو سلم تَكْلِيفه بالتصديق الْمَذْكُور لم يكن محالا لذاته إِذْ لَا يسْتَلْزم تحَققه عدم تحَققه إِلَّا بِشُبْهَة كَونه مطابقا للْوَاقِع، وَهَذَا الْكَوْن خَارج عَن ذَاته فَلَا يسْتَلْزم تحَققه لذاته عدم تحَققه فَلَا يكون محالا لذاته (بل هُوَ) أَي تَكْلِيف أبي لَهب بالتصديق تَكْلِيف (بِمَا علم الله عدم وُقُوعه فَهُوَ) محَال (لغيره) وَهُوَ تعلق الْعلم
(2/140)

الأزلي بِعَدَمِ تَصْدِيقه فَإِنَّهُ يَسْتَحِيل انقلابه جهلا سَوَاء (كلف) أَبُو لَهب (بتصديقه) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (قبل علمه) أَي أبي لَهب بِأَنَّهُ تعلق علم لله بِعَدَمِ صدقه (أَو) كلف (بعده) أَي بعد علمه بذلك، أما الأول فَظَاهر، وَأما الثَّانِي فَلِأَن علم أبي لَهب بِأَن تَصْدِيقه مَعْلُوم الْعَدَم عِنْد الله لَا يَجعله محالا لذاته بل لَا يَجعله مُضْطَرّا فِي عدم التَّصْدِيق كَمَا حقق فِي مَحَله (فَهُوَ) أَي هَذَا الدَّلِيل لَهُم (تشكيك بعد) النَّص (الْقَاطِع) فِي أَنه لم يَقع وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {لَا يُكَلف الله} الْآيَة فَهُوَ) أَي التَّكْلِيف بالمحال لذاته (مَعْلُوم الْبطلَان). قَالَ الشَّارِح عقلا غير وَاقع شرعا انْتهى، وَأَنت خَبِير بِأَن المُصَنّف لم يثبت بُطْلَانه عقلا فَارْجِع إِلَى قَوْله وَالْحق الخ.

مسئلة
(نقل عَن الْأَشْعَرِيّ بَقَاء التَّكْلِيف) بِالْفِعْلِ أَي كَونه مَطْلُوبا من الْمُكَلف (حَال) مُبَاشرَة ذَلِك (الْفِعْل) كَمَا كَانَ قبل الْمُبَاشرَة لَهُ (واستبعد) هَذَا مِنْهُ (بِأَنَّهُ) أَي الْأَشْعَرِيّ (إِن أَرَادَ) بِبَقَائِهِ فِي هَذَا الْحَال (أَن تعلقه) أَي التَّكْلِيف (لنَفسِهِ) أَي لذاته لِأَن حَقِيقَته الطّلب الْمُضَاف إِلَى الْمَطْلُوب، وَهَذِه الْإِضَافَة والتعلق لَا يَنْفَكّ عَن حَقِيقَته. قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ لَو انْقَطع التَّكْلِيف بعد الْفِعْل لزم أَن يتَعَدَّى الطّلب الْقَائِم بِذَاتِهِ تَعَالَى وَهُوَ محَال، لِأَن صِفَاته كَمَا هِيَ أزلية أبدية، وَجَوَابه أَن الْكَلَام فِي الْأَزَل كَسَائِر صِفَاته وَاحِد لَا تعدد فِيهِ، وَكَونه أمرا أَو نهيا من الْعَوَارِض الَّتِي تتجدد لَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُتَعَلّقه، فَلَا يلْزم من انْتِفَاء الطّلب انْتِفَاء كَلَامه الْقَائِم بِذَاتِهِ تَعَالَى (فَحق) أَي فَهَذَا الْمَعْنى حق (لَكِن يشكل عَلَيْهِ) أَي على هَذَا المُرَاد (انْقِطَاعه بعده) أَي بعد صُدُور الْفِعْل (اتِّفَاقًا) وَذَلِكَ التَّعَلُّق الَّذِي يَقْتَضِيهِ الذَّات لَا يَنْفَكّ عَنْهَا مَا دَامَت الذَّات بَاقِيَة، وَعدم انْقِطَاعه بعده خلاف الْإِجْمَاع (أَو) أَرَادَ بذلك (تَنْجِيز التَّكْلِيف) أَي إِرَادَة إِيقَاعه مُنجزا كَمَا هُوَ الْمُتَبَادر من عباراته (فَبَاطِل) أَي فَهَذَا المُرَاد بَاطِل (لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ) أَي التَّكْلِيف بِهَذَا الْمَعْنى حَال الْفِعْل تَكْلِيف (بإيجاد الْمَوْجُود) هَذَا كَلَامهم، وَتعقبه المُصَنّف بقوله (وَلَيْسَ) الْأَمر كَذَلِك (لِأَن ذَلِك) أَي التَّكْلِيف بإيجاد الْمَوْجُود إِنَّمَا يكون (بعده) أَي الْفِعْل (وكلامنا) فِي التَّكْلِيف بِهِ (حَال هَذَا الإيجاد، وَمَا يُقَال إِحَالَة للصورة) أَي لأجل إِحَالَة صُورَة هَذِه المسئلة، وَبَيَان كَونهَا محالا (الْفِعْل إِن كَانَ آنيا) أَي دفعي الْوُجُود لَا زمانيا تدريجيا ممتدا على طبق أَجزَاء الزَّمَان: قَوْله الْفِعْل إِلَى آخِره بدل من الْمَوْصُول أَو ضَمِيره (لم يتَصَوَّر لَهُ) أَي لذَلِك الْفِعْل (بَقَاء) إِذا الْمَفْرُوض أَن حُدُوثه ووجوده لَيْسَ إِلَّا فِي آن وَاحِد (يكون مَعَه) أَي مَعَ ذَلِك الْبَقَاء (التَّكْلِيف، وَإِن) كَانَ (طَويلا)
(2/141)

كَالصَّوْمِ (أَو ذَا أَفعَال) كَالصَّلَاةِ (فحال فعله) أَي فَفِي حَال إِيقَاعه (انْقَضى) ذَلِك الْفِعْل شَيْئا فَشَيْئًا) إِذْ هُوَ حِينَئِذٍ غير قار الذَّات لم تَجْتَمِع أجزاؤه فِي الْوُجُود لأجزاء الْحَرَكَة وَالزَّمَان (فالمنقضي سقط تَكْلِيفه) فَلَا بَقَاء لَهُ (وَمَا لم يُوجد) من أَجْزَائِهِ (بَقِي) التَّكْلِيف فِي حَقه، وَهَذَا الْبَقَاء كالبقاء قبل الشُّرُوع فِي الْفِعْل فَلَيْسَ من مَحل النزاع (لَا يُفِيد) خبر مَا يُقَال (ذَلِك) أَي إِحَالَة الصُّورَة (لِأَن الْمُمكن آنيا) كَانَ (أَو زمانيا) لَا بُد لَهُ من حَال عدم وَحَال بروز) من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود (وَإِن لم يدْرك) مِقْدَار زمَان بروزه (لسرعته وَحَال تقرر وجوده، والبقاء إِنَّمَا هُوَ مَحْكُوم بِهِ للتكليف لَا للْفِعْل) ثمَّ فسر بَقَاء التَّكْلِيف بِالْفِعْلِ بقوله (أَي التَّكْلِيف السَّابِق على الْفِعْل يبْقى مَعَ الْحَالة الثَّانِيَة) من الْأَحْوَال الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة (وَإِن سبقت) الْحَالة الثَّانِيَة (اللحظة) فِي السرعة، واللحظة فِي الأَصْل: النظرة بمؤخر الْعين، وَالْمرَاد هَهُنَا طرفَة الْعين وَالْحَاصِل أَن التَّكْلِيف بَاقٍ بعد الْحَالة الأولى قبل الثَّانِيَة، وَلَو كَانَ مَا دون طرفَة الْعين (وَهُوَ) أَي هَذَا التَّحْقِيق على هَذَا الْوَجْه (صَحِيح) مَبْنِيّ على أصُول الْأَشْعَرِيّ وَغَيره من أهل الْحق فَيكون كالمنصوص عَلَيْهِ مِنْهُم (وَيكون نصا من الْأَشْعَرِيّ) على (أَن التَّكْلِيف سبقه) أَي الْفِعْل بِاعْتِبَار تقرر وجوده (لَا) أَنه (مَعَ الْمُبَاشرَة) للْفِعْل (كَمَا نسب إِلَيْهِ لِأَنَّهُ) أَي مَا نسب إِلَيْهِ من أَن التَّكْلِيف مَعَه (بَاطِل وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الْأَمر كَذَلِك، بل كَانَ مَعَ الْمُبَاشرَة (انْتَفَت الْمعْصِيَة) إِذْ الْمعْصِيَة تَقْتَضِي عدم سبق التَّكْلِيف والمكلف لَا يَخْلُو من أحد الْأَمريْنِ: إِمَّا أَنه يَأْتِي بالمأمور بِهِ أَو لَا، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لَا مَعْصِيّة: أما على الأول فَظَاهر، وَأما على الثَّانِي فَلِأَن انْتِفَاء الْمُبَاشرَة يسْتَلْزم انْتِفَاء التَّكْلِيف حِينَئِذٍ (وَنسب هَذَا الْخبط) إِلَى الْأَشْعَرِيّ نِسْبَة ناشئة (عَن) قَوْله (أَن الْقُدْرَة مَعَ الْفِعْل) فَلَا قدرَة قبل الْفِعْل وَبعده (وَلَا تَكْلِيف إِلَّا بمقدور. قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ) فِي الْبُرْهَان: والذهاب إِلَّا أَن التَّكْلِيف عِنْد الْفِعْل (مَذْهَب لَا يرتضيه لنَفسِهِ عَاقل) إِذْ هُوَ خارق للاجماع، لِأَن الْقَاعِد فِي الْحَال قعوده مُكَلّف بِالْقيامِ إِلَى الصَّلَاة بِاتِّفَاق أهل الْإِسْلَام وَأَيْضًا التَّكْلِيف طلب والطلب يَسْتَدْعِي مَطْلُوبا وَعدم حُصُوله وَقت الطّلب (وينفي) هَذَا أَيْضا (تَكْلِيف الْكَافِر بِالْإِيمَان قبله) أَي الْإِيمَان وَهُوَ ظَاهر (وَالتَّحْقِيق أَن الْقُدْرَة صفة لَهَا صَلَاحِية التَّأْثِير) فِي المعدومات الممكنة بالإيجاد (و) الْقُدْرَة (الَّتِي يُقَام بهَا) الْفِعْل (جزئي حَقِيقِيّ مِنْهَا) أَي من الْقُدْرَة الْكُلية الْمَذْكُورَة فَإِن قلت الْمَذْكُورَة قَائِمَة بالشخص فِي الْخَارِج وكل مَا يقوم بِهِ جزئي حَقِيقِيّ قلت هُوَ كَذَلِك، لَكِن قطع النّظر عَن تعينها الْحَاصِل بِسَبَب خُصُوصِيَّة الْمحل وَحكم بكليتها الْمَفْهُوم الْكُلِّي الْقَائِم بِالْفِعْلِ (والمتقدم والمتأخر) بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذَا الجزئي الْحَقِيقِيّ من الجزئيات الصادرة فِي الإيجادات المتعاقبة (الْأَمْثَال) وَلَيْسَ بَينهمَا اتِّحَاد (فَالشَّرْط)
(2/142)

للتكليف (مثل سَابق) على الْمثل الْمُقَارن للْفِعْل (وَقد علمت) من قَوْلنَا الْقُدْرَة صفة لَهَا صَلَاحِية التَّأْثِير (أَن الصلاحية لَازِمَة لماهيتها) أَي الْقُدْرَة (فتلزم) الصلاحية الْمَذْكُورَة (كل فَرد) من أفرادها ضَرُورَة عدم تخلفه اللَّازِم عَن أَفْرَاد الْمَلْزُوم (وَذَلِكَ) الْمثل السَّابِق (مَدْلُول عَلَيْهِ بسلامة آلَات الْفِعْل وَصِحَّة أَسبَابه فَلِذَا فَسرهَا) أَي الْقُدْرَة الَّتِي هِيَ شَرط الْفِعْل (الْحَنَفِيَّة بِهِ) أَي بِمَا ذكر من سَلامَة الْأَسْبَاب والآلات (وَأما دَفعه) أَي قَول الْأَشْعَرِيّ من الْمُعْتَزلَة (بِأَن عِنْد الْمُبَاشرَة) للْفِعْل (مَعَ الداعية) إِلَيْهِ (وَالْقُدْرَة) عَلَيْهِ (يجب) الْفِعْل (فَلَا يدْخل تَحت الْقُدْرَة) لعدم التَّمَكُّن من التّرْك وَلَا تَكْلِيف إِلَّا بمقدور، وَفِيه أَن قَوْله وَالْقُدْرَة مَعْطُوف على الداعية، فليزم مقارنتها مَعَ الْمُبَاشرَة فَمَا معنى قَوْله لَا يدْخل تَحت الْقُدْرَة فَتَأمل (فمدفوع بِأَنَّهُ) أَي وجوب الْفِعْل حِينَئِذٍ (وجوب) تَأْثِير (عَن اخْتِيَار سَابق فِي الْفِعْل وَعدم) للْفِعْل السَّابِق (مَعَ إِمْكَان) للْفِعْل وَالتّرْك (مصحح للتكليف حِينَئِذٍ وَلَيْسَ) هَذَا الدّفع بجيد (لِأَن الْوُجُوب لَا يتَحَقَّق إِلَّا بِالْفِعْلِ) على التَّمام، وَإِنَّمَا قَالَ (فِي التَّحْقِيق) إِشَارَة إِلَى مَا اشْتهر من أَن كل مُمكن محفوف بوجوبين: وجوب سَابق نظرا إِلَى علته التَّامَّة لكَون الْأَسْبَاب العادية مُؤثرَة فِي نفس الْأَمر، وجوب لَاحق للوجود أَو بعد الْوُجُود لَا يَنْفِي إِمْكَان عدم ذَلِك الْوُجُود من الأَصْل بِأَن يبْقى إِمْكَان عدم بَقَائِهِ كَلَام ظاهري (وَالْقُدْرَة) للْعَبد (لَا يُقَام بهَا الْفِعْل عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة والأشاعرة، وَمعنى الْإِقَامَة بهَا كَونهَا مُؤثرَة فِيهِ (بل تصاحبه) أَي تقارن الْقُدْرَة الْفِعْل كَمَا قارنته لسَائِر الْأَسْبَاب العادية (إِذْ لَا يُقَام) الْفِعْل (إِلَّا بقدرته تَعَالَى، وَلَا تَأْثِير أصلا لقدرة العَبْد فِيهِ) أَي الْفِعْل (فَلَيْسَ شَرط التَّكْلِيف إِلَّا مَا ذكرنَا) من سَلامَة آلَات الْفِعْل وَصِحَّة أَسبَابه (وَلَا يَسْتَدْعِي) مَا ذكر من الشَّرْط وَغَيره (الْمَعِيَّة) أَي كَون التَّكْلِيف مَعَ الْفِعْل بتأثير قدرته تَعَالَى من غير مدخلية للْعَبد يحْتَاج إِلَى تَأْوِيل، أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (فَإِن عِنْده) أَي عِنْد مَا ذكر من سَلامَة الْآلَات وَصِحَّة الْأَسْبَاب (يخلق بقدرته) تَعَالَى (عَادَة) بِمَعْنى أَن عَادَته جرت بِأَنَّهُ يخلق أَفعَال الْعباد مَقْرُونا بذلك، فحاصل الِاشْتِرَاط التلازم لَا التَّوَقُّف (عِنْد الْعَزْم) أَي عزم العَبْد على الْفِعْل (المصمم) صفة مُؤَكدَة للعزم والظرف الثَّانِي بدل من الأول بدل الاشتمال أَو الْبَعْض، ثمَّ لما أَفَادَ عدم جودة الدّفع الْمَذْكُور بِاعْتِبَار تَأَخّر الْوُجُوب الْمَذْكُور عَن الْفِعْل أَرَادَ أَن يُفِيد أَن الِاخْتِيَار السَّابِق الَّذِي حكم بِكَوْنِهِ منشأ للْوُجُوب الْمَذْكُور إِنَّمَا يعْتَبر لِأَن يكون فعل الْمُكَلف امتثالا وَإِذا اعْتَبرهُ سَابِقًا على التَّكْلِيف لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ ذَلِك الْقَصْد فَقَالَ (وَأَيْضًا سبق الِاخْتِيَار التَّكْلِيف بسبق مَا قارنه) أَي التَّكْلِيف وَهُوَ مُبَاشرَة الْفِعْل كَمَا يفِيدهُ القَوْل بِأَن التَّكْلِيف عِنْد الْمُبَاشرَة (لَا يُوجب وُقُوع) وجوب (الْفِعْل امتثالا لِأَنَّهُ) أَي الِامْتِثَال إِنَّمَا
(2/143)

يتَحَقَّق (بِاخْتِيَارِهِ) أَي الْمُكَلف (بعد علمه بالتكليف) وَهُوَ مُنْتَفٍ حَيْثُ كَانَ الْفِعْل مُقَارنًا للتكليف.
(تَنْبِيه: قسم الْحَنَفِيَّة الْقُدْرَة إِلَى مُمكنَة) على صِيغَة الْفَاعِل فِي التَّلْوِيح، وَهُوَ شَرط لوُجُوب أَدَاء كل وَاجِب فضلا من الله لَا لنَفس الْوُجُوب لِأَنَّهُ قد يَنْفَكّ عَن وجوب الْأَدَاء فَلَا حَاجَة إِلَى الْقُدْرَة إِذْ هُوَ ثَابت بِالسَّبَبِ والأهلية (وَهِي السَّابِقَة) أَي الَّتِي سبق ذكرهَا أَو السَّابِقَة فِي التحقق على الْفِعْل: أَي سَلامَة آلَات الْفِعْل وَصِحَّة أَسبَابه (وميسرة) على صِيغَة الْفَاعِل أَيْضا وَهِي مَا يُوجب يسر الْأَدَاء على العَبْد بعد مَا ثَبت الْإِمْكَان بِالْقُدْرَةِ الممكنة، فِي التَّوْضِيح فالممكنة أدنى مَا يتَمَكَّن بِهِ الْمَأْمُور من أَدَاء الْمَأْمُور بِهِ من غير حرج غَالِبا، وَإِنَّمَا قيدنَا بِهَذَا لأَنهم جعلُوا الزَّاد وَالرَّاحِلَة دَاخِلَة من الممكنة، وَالْمُصَنّف أَرَادَ تقسيمها فَقَالَ (وَالْأولَى) أَي الممكنة (إِن كَانَ الْفِعْل) يتَحَقَّق (مَعهَا) إِذا اتّصف الْمَأْمُور (بالعزم) على ذَلِك الْفِعْل (غَالِبا) أَي فِي غَالب الْأَوْقَات قَيده بذلك إِذْ قد يعزم مَعَ الزَّاد وَالرَّاحِلَة وَلَا يَقع: أَي الْمَعْنى غَالِبا على الظَّن كوقت الصَّلَاة قبل التَّعْلِيق على مَا فسر بِهِ الشَّارِح (فَالْوَاجِب) عِنْد هَذَا الْقسم من الْقُدْرَة (الْأَدَاء) أَي إِيقَاع الْفِعْل فِي وقته الْمعِين لَهُ شرعا (عينا) أَي الْأَدَاء بِعَيْنِه لَا قَضَاء (فَإِن لم) يؤد (بِلَا تَقْصِير) مِنْهُ فِي ترك الْأَدَاء (حَتَّى انْقَضى وقته) أَي الْأَدَاء لم (يَأْثَم وانتقل الْوُجُوب إِلَى قَضَائِهِ) أَي ذَلِك الْفِعْل (إِن كَانَ لَهُ) أَي لذَلِك الْفِعْل (ثمَّة خلف، وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن لَهُ خلف (فَلَا قَضَاء وَلَا إِثْم أَو) إِن لم يؤد (بتقصير) مِنْهُ (أَثم على الْحَالين) أَي فِيمَا لَهُ خلف وَمَا لَا خلف لَهُ كَصَلَاة الْعِيدَيْنِ (وَإِن لم يكن) الْفِعْل مَعهَا (غَالِبا) قيد للنَّفْي لَا للمنفي (وَجب الْأَدَاء لخلفه) أَي الْمَقْصد من إِيجَاب الْأَدَاء على الْمَأْمُور مَعَ عدم تحققها غَالِبا لَيْسَ إِلَّا وجوب الْقَضَاء الَّذِي هُوَ خلف الْأَدَاء (لَا لعَينه) أَي الْأَدَاء (كالأهلية) أَي كصيرورة الْمُكَلف أَهلا للْوُجُوب (فِي الْجُزْء الْأَخير من الْوَقْت) فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ الْأَدَاء لَا لعَينه لعدم سَعَة الْوَقْت إِيَّاه بِحَسب الْغَالِب الْمُعْتَاد، فَلَا يرد عَلَيْهِ إِمْكَان الامتداد والبسط فِي ذَلِك الْجُزْء كَمَا حكى عَن سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام (خلافًا لزفَر لاعتباره إِيَّاهَا) أَي الْأَهْلِيَّة (قبله) أَي قبل الْجُزْء الْأَخير (عِنْدَمَا يَسعهُ) أَي الْأَدَاء وَالشَّافِعِيّ مَا يسع رَكْعَة فَيَقُول يجب الْقَضَاء ابْتِدَاء من غير وجوب الْأَدَاء إِذا أحدث الْأَهْلِيَّة فِي الْجُزْء الْأَخير، وَعلل الْمَذْهَب بقوله (لِأَنَّهُ لَا قطع بالأخير) أَي الْجُزْء الَّذِي يظنّ أَنه الْأَخير لَا قطع بِكَوْنِهِ أخيرا (لَا مَكَان الامتداد) وَهُوَ الْمُسَمّى يبسط الزَّمَان وعَلى تَقْدِير أَن يَمْتَد ذَلِك الْجُزْء لم يكن جُزْءا أخيرا، فَأَي جُزْء كَانَ مَعَه سَلامَة الْآلَات يجب عِنْده الْأَدَاء وَإِن كَانَ الْجُزْء الْأَخير بِنَاء على الْإِمْكَان الْمَذْكُور (وَلَا يشْتَرط بَقَاؤُهَا) أَي الْقُدْرَة الممكنة (للْقَضَاء) كالأداء فَيجب
(2/144)

الْقَضَاء وَإِن كَانَ فِي وَقت عدم الْقُدْرَة عَلَيْهِ (لِأَن اشْتِرَاطهَا) للْأَدَاء (لاتجاه التَّكْلِيف وَقد تحققت) الْقُدْرَة على الْأَدَاء عِنْد توجه الْخطاب (وَوُجُوب الْقَضَاء بَقَاء ذَلِك الْوُجُوب) وَشرط حُدُوث الشَّيْء لَا يسْتَلْزم وجوده عِنْد بَقَاء ذَلِك الشَّيْء (لِاتِّحَاد سَببهَا) أَي الْأَدَاء وَالْقَضَاء (عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة (فَلم يتَكَرَّر) الْوُجُوب (لتكرر) الْقُدْرَة توضيحة أَن شَرط وجوب الْأَدَاء وَسَببه إِذا تحقق صَار الْفِعْل مَطْلُوبا من الْمُكَلف وجوبا على سَبِيل الْأَدَاء مَا دَامَ الْوَقْت مَوْجُودا وَبعد مضيه لَا يرْتَفع طلبه غير أَنه قبل مضيه كَانَ مَطْلُوبا على سَبِيل الْأَدَاء وَبعده على سَبِيل الْقَضَاء فَأصل الطّلب بَاقٍ على حَاله وَلَا يحدث بعده وجوب آخر، لِأَن تعدد الحكم يسْتَلْزم تعدد السَّبَب، وَحَيْثُ لم يتَكَرَّر الْوُجُوب لم تَتَكَرَّر الْقُدْرَة عِنْد حُدُوث الْوُجُوب (فوجوب الصَّلَوَات الْكَثِيرَة) قَضَاء (فِي آخر نفس) من الْحَيَاة (عين وُجُوبهَا) أَدَاء (المستكمل لشرطه) من سَلامَة الْأَسْبَاب والآلات (لكنه) أَي الَّذِي أخر إِلَى آخر نفس (قصر) حَتَّى ضَاقَ الْوَقْت عَنْهَا (وَأَيْضًا لَو لم يجب) الْقَضَاء (إِلَّا بقدرة متجددة لم يَأْثَم بترك) للْقَضَاء (بِلَا عذر) يَعْنِي لَو شَرط فِي وجوب الْقَضَاء وجود الْقُدْرَة فِي وَقت يُمكن الْقَضَاء فِيهِ لزم أَن لَا يَأْثَم بترك الْقَضَاء بِلَا عذر إِذا أدْرك ذَلِك الْوَقْت وَهُوَ غير قَادر، فَالْمُرَاد بالعذر الْمَنْفِيّ مَا عدا عدم الْقُدْرَة (وَذَلِكَ) أَي عدم الْإِثْم بِالتّرْكِ (يبطل معنى وُجُوبهَا، قَضَاء) يرد عَلَيْهِ أَن من يشْتَرط بَقَاء الْقُدْرَة فِي وجوب الْقَضَاء لَا يُبَالِي من بطلَان معنى وُجُوبهَا قَضَاء: اللَّهُمَّ أَلا أَن يُرَاد بطلَان معنى وُجُوبهَا مُطلقًا إِذا ترك الْأَدَاء بِعُذْر وَلم يقدر بعد فَالْمُرَاد بِمَعْنى الْوُجُوب لُزُوم الْإِثْم عِنْد التّرْك فَتَأمل، فعلى عدم اشْتِرَاط الْقُدْرَة فِي وجوب الْقَضَاء يلْزم تَخْصِيص النَّص الدَّال على عدم التَّكْلِيف بِغَيْر الوسع، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فيخص لَا بكلف الله الْآيَة الْأَدَاء كَمَا أوجبته) أَي ذَلِك التَّخْصِيص (نُصُوص قَضَاء الصَّوْم) كَقَوْلِه تَعَالَى - {فَعدَّة من أَيَّام أخر} - (وَالصَّلَاة) كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " من نَام عَن صَلَاة أَو نَسِيَهَا فليصلها إِذا ذكرهَا " (الْمُوجبَة) صفة النُّصُوص (الْإِثْم بِتَرْكِهِ) أَي الْقَضَاء بِلَا عذر (المستلزم لتَعَلُّقه) أَي الْوُجُوب بِالْقضَاءِ (فِي آخر نفس) والمعين يخص لَا يُكَلف الخ تَخْصِيصًا كَائِنا على طبق مَا اقتضته هَذِه النُّصُوص، ثمَّ اسْتدلَّ على إِيجَابهَا الْإِثْم بِالتّرْكِ الْمَذْكُور بقوله (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يَأْثَم بِالتّرْكِ بِلَا عذر (انْتَفَى إِيجَابهَا) أَي نُصُوص الْقَضَاء (الْقَضَاء) لانْتِفَاء لَازِمَة وَهُوَ الْإِثْم بِالتّرْكِ بِلَا عذر (وَأَيْضًا الْإِجْمَاع على التأثيم) بِالتّرْكِ بِلَا عذر (إِجْمَاع عَلَيْهِ) أَي تَخْصِيص الْآيَة كَمَا ذكر استلزاما (وَمن الممكنة الزَّاد وَالرَّاحِلَة) أَي ملكهمَا ذاتا أَو مَنْفَعَة بِالْإِجَارَة بِحَيْثُ يتَوَصَّل بهما إِلَى الْحَج (لِلْحَجِّ) إِذْ لَا يتَمَكَّن مِنْهُ أَكثر النَّاس بِدُونِ الْحَرج إِلَّا بهما (وَالْمَال) أَي ملك
(2/145)

نِصَاب صَدَقَة الْفطر على الْوُجُوب الْمَعْرُوف (لصدقة الْفطر فَلَا تسْقط) صَدَقَة الْفطر (بهلاكها) أَي هَذِه الْقُدْرَة بِوَاسِطَة هَلَاك المَال (الثَّانِيَة) من قسمي الْقُدْرَة (الميسرة) وَهِي مَا يُوجب الْيُسْر على العَبْد فِي أَدَاء الْوَاجِب (الزَّائِدَة على الأولى باليسر فضلا مِنْهُ تَعَالَى) على الْعباد (كَالزَّكَاةِ زَادَت) الْقُدْرَة الْمُتَعَلّق بهَا وُجُوبهَا (على أصل الْإِمْكَان) للْفِعْل (كَون الْمخْرج قَلِيلا جدا من كثير) أَي قَلِيلا على سَبِيل الْمُبَالغَة كَائِنا من مَال كثير، وَقَوله كَون الْمخْرج بَدَلا من ضمير زَادَت (وَكَونه) أَي الْمخْرج وَاقعا (مرّة بعد الْحول الْمُمكن من استنمائه فتقيد الْوُجُوب بِهِ) أَي باليسر (فَسقط) الْوُجُوب (بِالْهَلَاكِ) أَي بِهَلَاك المَال لفَوَات الْقُدْرَة الميسرة الَّتِي هِيَ وصف النَّمَاء بَقَاء، وبقاؤها كابتدائها فِي الِاشْتِرَاط، فابتداؤها شَرط ابْتِدَاء الْوُجُوب، وبقاؤها شَرط بَقَائِهِ لما سَيظْهر (وانتفى) الْوُجُوب (بِالدّينِ) المطالب من جِهَة الْعباد لمنافاته الْيُسْر والغنى لكَون المَال مَشْغُولًا بِالْحَاجةِ الْأَصْلِيَّة، وَإِنَّمَا لم يقل فَسقط بِالْهَلَاكِ وَالدّين، لِأَن السُّقُوط فرع الثُّبُوت، وبالدين لم يجب من الِابْتِدَاء كَذَا ذكره الشَّارِح، وَفِيه أَن هَذَا إِنَّمَا يتم فِيمَا إِذا كَانَ الدّين قبل الْقُدْرَة الميسرة، وَأما إِذا حدث بعْدهَا وَبعد ثُبُوت الْوُجُوب فَلَا، على أَن الْهَلَاك أَيْضا كَذَلِك فَلَا فرق بَينهمَا وَالْحق أَن الدّين الْحَادِث لَا أثر لَهُ فِي السُّقُوط، وَالْمرَاد بِالْهَلَاكِ مَا كَانَ بعد الْوُجُوب، وَإِنَّمَا قيدناه بدين الْعباد لِأَن غَيره كالنذور وَالْكَفَّارَات لَا تنَافِي الْوُجُوب (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يسْقط بِهَلَاك النّصاب وَلم ينتف بِالدّينِ (انْقَلب) الْيُسْر (عسرا) أَي يصير الْوَاجِب الْمُقَيد باليسر غير مُقَيّد بِهِ (بِخِلَاف الِاسْتِهْلَاك) أَي إِتْلَاف النّصاب قصدا بِغَيْر توفر شُرُوط الْوُجُوب فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يسْقط بِهِ (لتعديه) أَي الْمَالِك (على حق الْفُقَرَاء) بِحَيْثُ أَلْقَاهُ فِي الْبَحْر أَو أنفقهُ فِي حَاجته إِلَى غير ذَلِك، وَاشْتِرَاط الْقُدْرَة الميسرة كَانَ نظرا لَهُ، وَقد خرج بِالتَّعَدِّي عَن اسْتِحْقَاقه النّظر (وَهُوَ) أَي سُقُوط الْوُجُوب بِهَلَاك النّصاب (بِنَاء على أَنه) أَي الْوَاجِب شرعا (جُزْء من الْعين) أَي من عين النّصاب كَمَا يدل عَلَيْهِ ظَاهر قَوْله تَعَالَى - {وَآتوا الزَّكَاة} -: إِذْ مُتَعَلق الإيتاء هُوَ الْجُزْء الْمعِين من المَال الْمَوْجُود فِي الْأَعْيَان لَا الْأَمر الاعتباري الْمَوْجُود فِي الذِّمَّة، وَإِذا كَانَ الْوَاجِب الْجُزْء الْعَيْنِيّ وَقد هلك عين المَال الَّذِي هُوَ النّصاب جَمِيعًا، وَمن ضَرُورَته هَلَاك كل جُزْء مِنْهُ لم يبْق للْوُجُوب مَحل فَيسْقط الْوُجُوب بِالْهَلَاكِ، وَهَذَا بِنَاء على الظَّاهِر، وَالتَّحْقِيق أَن مَحل الْوُجُوب نفس الإيتاء: إِذْ مُتَعَلق الْأَحْكَام أَفعَال الْمُكَلّفين (وَلذَا) أَي وَلكَون الزَّكَاة جُزْءا من الْعين (سَقَطت بِدفع النّصاب) أَي بالتصدق بِهِ (بِلَا نِيَّة) أصلا أَو بِلَا نِيَّة الْفَرْض بِأَن يَنْوِي النَّفْل لوصول الْجُزْء الْوَاجِب إِلَى مُسْتَحقّه وَهُوَ لَا يحْتَاج إِلَى نِيَّة تخصه من بَين الْأَجْزَاء بِكَوْنِهِ قربَة: إِذْ الْمَفْرُوض التَّصَدُّق
(2/146)

بِكُل جُزْء، وَإِنَّمَا الْحَاجة عِنْد الْمُزَاحمَة بَينه وَبَين سَائِر الْأَجْزَاء (وَكَذَا الْكَفَّارَة) للْيَمِين وُجُوبهَا بقدرة ميسرَة (بِدَلِيل تَخْيِير الْقَادِر على الْأَعْلَى بَينه) أَي الْأَعْلَى (وَبَين الْأَدْنَى) إِذْ التَّحْرِير وَالْكِسْوَة وَالْإِطْعَام مُتَفَاوِتَة فِي الْمَالِيَّة فَإِن فِيهِ رفقا للمخير فِي الترفق بِمَا هُوَ الْأَيْسَر عَلَيْهِ مَعَ الْقُدْرَة على الْأَعْلَى، بِخِلَاف صَدَقَة الْفطر فَإِن التَّخْيِير فِيهَا بَين المتماثلة فِي الْمَالِيَّة إِذْ نصف صَاع من الْبر مثل الصَّاع من الشّعير أَو التَّمْر فَلَا يُفِيد التَّخْيِير فِيهَا التَّيْسِير قصدا، بل التَّأْكِيد، فوجوبها بقدرة مُمكنَة، ثمَّ أيد الدَّلِيل الْمَذْكُور بِمَا يُفِيد إِرَادَة التَّيْسِير من الشَّارِع فِي الْكَفَّارَة الْمَذْكُورَة بقوله (فَلم يشْتَرط فِي أَجزَاء الصَّوْم) فِي الْكَفَّارَة (الْعَجز المستدام) إِلَى الْمَوْت عَن الْإِطْعَام وأخويه (كَمَا) شَرط (فِي الْفِدْيَة) فِي صَوْم رَمَضَان بِالنِّسْبَةِ إِلَى الشَّيْخ الْعَاجِز عَنهُ (وَالْحج عَن الْغَيْر) الْحَيّ الْقَادِر على النَّفَقَة الْعَاجِز عَن الْحَج بِنَفسِهِ (فَلَو أيسر) الْمُكَفّر بالصيام لعَجزه عَن الْخِصَال الثَّلَاث (بعده) أَي الصّيام (لَا يبطل) التَّكْفِير بِهِ بِخِلَاف الشَّيْخ الْمَذْكُور فَإِنَّهُ إِذا قدر على الصّيام بعد الْفِدْيَة بطلت وَوَجَب عَلَيْهِ الْقَضَاء، بِخِلَاف المحجوج عَنهُ الْمَذْكُور فَإِنَّهُ إِذا قدر عَلَيْهِ بِنَفسِهِ وَجب عَلَيْهِ، وَلَو شَرط فيهمَا دوَام الْعَجز لبطل ترَتّب الصَّوْم عَلَيْهِ، لِأَن الْعلم بِهِ لَا يتَحَقَّق إِلَّا فِي آخر الْعُمر فَالْمُعْتَبر فيهمَا الْعَجز فِي الْحَال مَعَ احْتِمَال حُصُول الْقُدْرَة فِي الِاسْتِقْبَال (وَلَو فرط) الْمُوسر الَّذِي وَجب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة بِالْمَالِ (حَتَّى هلك المَال انْتقل) وجوب التَّكْفِير بِهِ عَنهُ (إِلَى الصَّوْم) أَي إِلَى التفكير بِهِ (بِخِلَاف الْحَج) فَإِنَّهُ لَو فرط من وَجب عَلَيْهِ الْحَج حَتَّى عجز لَا يسْقط، فَإِن لم يقدر عَلَيْهِ بعد ذَلِك حَتَّى يَمُوت أوخذ بِهِ فِي الْآخِرَة لِأَنَّهُ مَبْنِيّ على الْقُدْرَة الممكنة كَمَا مر (وَإِنَّمَا سَاوَى الِاسْتِهْلَاك) لِلْمَالِ (الْهَلَاك) فِي سُقُوط الْكَفَّارَة بِالْمَالِ وَلم يساوه فِي سُقُوط الزَّكَاة مَعَ تساويهما فِي الْبناء على الْقُدْرَة الميسرة (لعدم تعين المَال) فِي الْكَفَّارَة للتكفير بِهِ فَلَا يكون الِاسْتِهْلَاك مُتَعَدِّيا (بِخِلَافِهِ) أَي المَال (فِي الزَّكَاة) فَإِن الْوَاجِب جُزْء من النّصاب اتِّفَاقًا، فَإِذا اسْتَهْلكهُ فقد اسْتهْلك الْوَاجِب فَافْتَرقَا (وَنقض) الدَّلِيل الدَّال على كَون وجوب الْكَفَّارَة مَبْنِيا على الْقُدْرَة الميسرة لَا الدَّال على كَون وجوب الزَّكَاة مَبْنِيا عَلَيْهَا على مَا توهم الشَّارِح، وَهُوَ ظَاهر من السباق والسياق وَغَيرهمَا (بِوُجُوبِهَا) أَي الْكَفَّارَة بِالْمَالِ (مَعَ الدّين بِخِلَاف الزَّكَاة) بِأَن يُقَال لَو قصد من التَّخْيِير الْمَذْكُور التَّيْسِير على الْمُكَفّر لما أوجب عَلَيْهِ المَال مَعَ الدّين كَمَا لم يُوجب الزَّكَاة عَلَيْهِ مَعَه (أُجِيب) عَن النَّقْض (بِمَنْعه مَعَه) أَي بِمَنْع وجوب الْكَفَّارَة بِالْمَالِ مَعَ الدّين (كَقَوْل بَعضهم) أَي الْمَشَايِخ فَلَا نقض (و) أُجِيب (بِالْفرقِ) بَينهمَا على قَول الْأَخيرينِ (بِأَن وجوب الزَّكَاة للإغناء) أَي إغناء الْمُحْتَاج عَن الِاحْتِيَاج (شكرا لنعمة الْغنى وَهُوَ) أَي الْغنى
(2/147)

(مُنْتَفٍ بِالدّينِ) إِن استغرق الدّين النّصاب (أَو يقدر) الْغَنِيّ (بِقَدرِهِ) أَي الدّين إِن لم يسْتَغْرق (وَالْكَفَّارَة) إِنَّمَا شرعت (للزجر) للْحَالِف عَن هتك حُرْمَة اسْم الله تَعَالَى (والستر) لجنايته عَلَيْهِ لما فِيهَا من معنى الْعِبَادَة (والإغناء غير مَقْصُود بهَا) أَي الْكَفَّارَة بِالذَّاتِ (وَلذَا) أَي لما ذكر من الزّجر والستر الخ (تأدت) أَي الْكَفَّارَة (بِالْعِتْقِ وَالصَّوْم) لوُجُود الزّجر والستر فيهمَا وَالله أعلم.

مسئلة
(قيل) وَالْقَائِل الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب وَغَيرهمَا (حُصُول الشَّرْط الشَّرْعِيّ) لفعل الْمُكَلف (لَيْسَ شرطا للتكليف بِهِ) فَيجوز التَّكْلِيف بِهِ وَإِن لم يحصل شَرطه، وَالشّرط على مَا اخْتَارَهُ ابْن الْحَاجِب مَا استلزم نَفْيه نفي أَمر على غير جِهَة السَّبَبِيَّة، فَإِن كَانَ ذَلِك بِحكم الْعقل فعقلي، أَو الشَّرْع فشرعي، أَو اللُّغَة فلغوي، وَالْمرَاد شَرط صِحَة الْفِعْل كالإيمان للطاعات وَالطَّهَارَة للصَّلَاة (خلافًا للحنفية، وَفرض الْكَلَام فِي بعض جزئيات مَحل النزاع) يَعْنِي أَن النزاع فِي مُطلق صِحَة التَّكْلِيف بِدُونِ حُصُول الشَّرْط وتصوير المسئلة فِي بعض الصُّور الجزئيات كَمَا هُوَ دأب أهل الْعلم من فرض الْمسَائِل الْكُلية فِي بعض الصُّور الْجُزْئِيَّة تَقْرِيبًا للفهم وتسهيلا للمناظرة (وَهُوَ) أَي الْبَعْض الْمَذْكُور (تَكْلِيف الْكفَّار بالفروع) كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَالْحج (وَلَا يحسن) كَون الْخلاف على هَذَا النمط من الْإِطْلَاق وَلَا يَلِيق (بعاقل) مُخَالفَة هَذَا الأَصْل الْكُلِّي على صرافته فضلا على الْأَئِمَّة الْمُحَقِّقين، أَو الْمَعْنى لَا يحسن أَن يظنّ بعاقل مثل ذَلِك، على أَن كتبهمْ الْمَشْهُورَة لَيْسَ فِيهَا ذَلِك، وعزى أَيْضا إِلَى أبي حَامِد الإسفرايني من الشَّافِعِيَّة وَبَعض أَئِمَّة الْمَالِكِيَّة وَعبد الْجَبَّار وَأبي هَاشم من الْمُتَكَلِّمين (بل هِيَ) أَي مسئلة تَكْلِيف الْكفَّار بالفروع (تَمام مَحَله) أَي النزاع (وَالْخلاف) بَين الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة (فِيهَا) أَي المسئلة الْمَذْكُورَة (غير مَبْنِيّ على ذَلِك) الأَصْل الْكُلِّي (المستلزم عدم جَوَاز التَّكْلِيف بِالصَّلَاةِ حَال الْحَدث) وَمَا أشبه ذَلِك، فَإِنَّهُ لَا يحسن أَن ينْسب إِلَى عَاقل كَمَا قَالَه المُصَنّف، لله دره (بل) الْخلاف وَاقع (ابْتِدَاء فِي جَوَاز التَّكْلِيف بِمَا شَرط فِي صِحَّته الْإِيمَان حَال عَدمه) أَي الْإِيمَان، لَا بِنَاء على عُمُوم الأَصْل الْمَذْكُور ليَكُون من فروعه هَذَا، وَيحْتَمل أَن يكون قَوْله ابْتِدَاء مَرْفُوعا على أَن يكون الْمَعْنى بل الْخلاف مُبْتَدأ فِيمَا ذكر (فمشايخ سَمَرْقَنْد) مِنْهُم أَبُو زيد وشمس الْأَئِمَّة وفخر الْإِسْلَام يَقُولُونَ لَا يجوز التَّكْلِيف جَوَازًا وقوعيا بِمَا شَرط فِيهِ الْإِيمَان قبله (لخصوصية فِيهِ) أَي الْإِيمَان (لَا لجِهَة عُمُومه) أَي الْإِيمَان (وَهُوَ) أَي عُمُومه (كَونه شرطا وَهِي) أَي الخصوصية فِيهِ (أَنه أعظم
(2/148)

الْعِبَادَات فَلَا يَجْعَل شرطا تَابعا فِي التَّكْلِيف) لما دونه، لما فِيهِ من قلب الْأُصُول وَعكس الْمَعْقُول، وَفِيه أَن هَذَا إِنَّمَا يتم إِن اكْتفى فِي إِيجَابه بِمَا يعلم ضمنا، وَأما إِذا أفرد بِإِيجَاب مُسْتَقل قصد بِهِ الذَّات فَلَا نسلم أَنه غير لَائِق، غَايَة الْأَمر أَن يكون لَهُ دليلان: ضمني وصريح (وَمن عداهم) أَي مَشَايِخ سَمَرْقَنْد (متفقون على تكليفهم) أَي الْكفَّار (بهَا) أَي الْفُرُوع (وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي أَنه) أَي التَّكْلِيف (فِي حق الْأَدَاء كاعتقاد) أَي طلب مِنْهُم فِي تِلْكَ الْمرتبَة أَدَاء الصَّلَاة امتثالا كَمَا طلب مِنْهُم الِاعْتِقَاد بحقيقتها ووجوبها (أَو) فِي حق (الِاعْتِقَاد، فالعراقيون) قَالُوا الْكفَّار مخاطبون (بِالْأولِ) أَي الْأَدَاء والاعتقاد (كالشافعية فيعاقبون) أَي الْكفَّار على قَوْلهم (على تَركهمَا) أَي الْأَدَاء والاعتقاد (والبخاريون) قَالُوا مخاطبون (بِالثَّانِي) أَي بالاعتقاد فَقَط (فَعَلَيهِ فَقَط) أَي فيعاقبون على ترك الِاعْتِقَاد فَقَط لَا على ترك الْأَدَاء (وَلَيْسَ) جَوَاب هَذِه المسئلة (مَحْفُوظًا عَن أبي حنيفَة وَأَصْحَابه) نصا (بل أَخذهَا) أَي هَذِه الْمقَالة: وَهِي أَن الْكفَّار غير مخاطبين بالعبادات فِي حق الْأَدَاء (هَؤُلَاءِ) البخاريون (من قَول مُحَمَّد) فِي الْمَبْسُوط (فِيمَن نذر صَوْم شهر فَارْتَد ثمَّ أسلم لم يلْزمه) الْمَنْذُور (فَعلم أَن الْكفْر يبطل وجوب أَدَاء الْعِبَادَات) لعدم الْفرق بَين الْوَاجِب بِالنذرِ وَسَائِر الْوَاجِبَات فِي الْوُجُوب (بِخِلَاف الِاسْتِدْلَال بِسُقُوط الصَّلَاة أَيَّام الرِّدَّة) على عدم تَكْلِيف الْكَافِر بِمَا شَرط فِيهِ الْإِيمَان (لجَوَاز سُقُوطه) أَي وجوب الْقَضَاء (بِالْإِسْلَامِ) بعد الْكفْر الْعَارِض (كالإسلام) أَي كسقوطه بِالْإِسْلَامِ (بعد) الْكفْر (الْأَصْلِيّ) بقوله تَعَالَى - {إِن ينْتَهوا يغْفر لَهُم مَا قد سلف} - وَيدل عَلَيْهِ السّنة وَالْإِجْمَاع (وَلَو قيل الرِّدَّة تبطل الْقرب) لعدم أَهْلِيَّة الْكَافِر للقربة (والتزام الْقرْبَة فِي الذِّمَّة قربَة فَيبْطل) الِالْتِزَام الْمَذْكُور وَهُوَ وجوب الْمَنْذُور، و (لم يلْزم ذَلِك) جَوَاب لَو: أَي لَو قيل مَا ذكر لقيل فِي جَوَابه لم يلْزم الِاسْتِدْلَال على الْمَطْلُوب بمسئلة النّذر لوُجُود مسَائِل أُخْرَى يسْتَدلّ بهَا وَلَا يرد عَلَيْهَا شَيْء، وَقد ذكر فِي الشَّرْح عدَّة: مِنْهَا دُخُول الْكَافِر مَكَّة ثمَّ إِسْلَامه ثمَّ إِحْرَامه فَإِنَّهُ لَا يجب عَلَيْهِ دم لِأَنَّهُ لم يجب عَلَيْهِ الدُّخُول محرما إِلَى غير ذَلِك، وَفِيه مَا فِيهِ (وَظَاهر) قَوْله تَعَالَى وويل للْمُشْرِكين (الَّذين لَا يُؤْتونَ الزَّكَاة) وَقَوله تَعَالَى حِكَايَة عَن الْكفَّار قَالُوا (لم نك من الْمُصَلِّين) دَلِيل (للعراقيين) لدلالتهما على أَن ترك الصَّلَاة وَالزَّكَاة صَار سَببا لتعذيبهم، وَلَا يتَصَوَّر ذَلِك إِلَّا بكونهما واجبتين عَلَيْهِم (وخلافه) أَي وَخلاف ظَاهر كل مِنْهُمَا كَأَن يكون المُرَاد بِالْأولَى عدم فعل مَا يُزكي أنفسهم: وَهُوَ الْإِيمَان وَالطَّاعَة، وبالثانية عدم كَونهم من الْمُؤمنِينَ كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " نهيت عَن قتل الْمُصَلِّين " إِذْ المُرَاد بِهِ المعتقدون فَرضِيَّة الصَّلَاة (تَأْوِيل) بعيد لم يُعينهُ دَلِيل (وترتيب الدعْوَة فِي حَدِيث معَاذ) لما بَعثه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ لَهُ " ادعهم إِلَى شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنِّي
(2/149)

رَسُول الله فَإِن هم أطاعوك لذَلِك فأعلمهم أَن الله قد افْترض خمس صلوَات فِي كل يَوْم وَلَيْلَة، فَإِن هم أطاعوك لذَلِك فأعلمهم أَن الله قد افْترض عَلَيْهِم صَدَقَة فِي أَمْوَالهم تُؤْخَذ من أغنيائهم وَترد على فقرائهم " أخرجه السِّتَّة (لَا يُوجب توقف التَّكْلِيف) بأَدَاء الشَّرَائِع على الْإِجَابَة بِالْإِيمَان أَلا ترى أَنه ذكر افتراض الزَّكَاة بعد الصَّلَاة وَلَا قَائِل بالترتيب بَينهمَا، غَايَة مَا فِيهِ تَقْدِيم الأهم مَعَ رِعَايَة التَّخْفِيف فِي التَّبْلِيغ (وَأما) أَنهم مخاطبون (بالعقوبات والمعاملات فاتفاق) وَقَالُوا فِي وَجه الْعُقُوبَات لِأَنَّهَا تُقَام زاجرة عَن ارْتِكَاب أَسبَابهَا وباعتقاد حرمتهَا يتَحَقَّق ذَلِك، وَالْكفَّار أليق بِهِ من الْمُؤمنِينَ، وَفِي وَجه الْمُعَامَلَات لِأَن الْمَطْلُوب بهَا معنى دُنْيَوِيّ، وَذَلِكَ بهم أليق لأَنهم آثروا الدُّنْيَا على الْآخِرَة، وَلِأَنَّهُم التزموا بِعقد الذِّمَّة مَا يرجع إِلَيْهَا.

الْفَصْل الثَّانِي
فِي الْحَاكِم (الْحَاكِم لَا خلاف فِي أَنه الله رب الْعَالمين، ثمَّ الأشعرية) قَالُوا (لَا يتَعَلَّق لَهُ تَعَالَى حكم) بِأَفْعَال الْمُكَلّفين (قبل بَعثه) لرَسُول إِلَيْهِم (وبلوغ دَعْوَة) من الله إِلَيْهِم (فَلَا يحرم كفر وَلَا يجب إِيمَان) قبلهمَا فضلا عَن سَائِر الْأَحْكَام (والمعتزلة) قَالُوا (يتَعَلَّق) لَهُ تَعَالَى حكم (بِمَا أدْرك الْعقل فِيهِ) من فعل الْمُكَلف (صفة حسن أَو قبح) وَسَيَأْتِي تفسيرهما (لذاته) وصف لأحد الْأَمريْنِ، وَالضَّمِير للموصول الْمعبر بِهِ عَن فعل الْمُكَلف كحسن الصدْق النافع وقبح الْكَذِب المضر، فَإِن الْعقل إِذا نظر فِي ذاتهما وجد فيهمَا الْحسن والقبح، وَهَذَا (عِنْد قدمائهم و) عِنْد (طَائِفَة) مِنْهُم يتَعَلَّق بِمَا أدْرك الْعقل فِيهِ صفة حسن أَو قبح (لصفة) توجب ذَلِك فِيهِ بِمَعْنى أَن لَهَا مدخلًا فِي ذَلِك لَا أَنَّهَا تستقل بِدُونِ الذَّات (والجبائية) أَي أَبُو عَليّ الجبائي وَأَتْبَاعه بِمَا أدْرك فِيهِ ذَلِك (لوُجُوده واعتبارات) مُخْتَلفَة كلطم الْيَتِيم فَإِنَّهُ بِاعْتِبَار كَونه تأديبا حسن، وَبِاعْتِبَار مُجَرّد التعذيب قَبِيح (وَقيل) وقائله أَبُو الْحُسَيْن مِنْهُم بِمَا أدْرك فِيهِ الْقبْح (لصفة فِي الْقَبِيح) فَقَط (وَعدمهَا) أَي الصّفة الْمُوجبَة للقبح (كَاف فِي) ثُبُوت (الْحسن وَمَا لم يدْرك فِيهِ) الْعقل صفة حسن أَو قبح كَصَوْم آخر يَوْم من رَمَضَان وَفطر أول يَوْم من شَوَّال إِنَّمَا يتَعَلَّق بِهِ الحكم (بِالشَّرْعِ، والمدرك) من الصِّفَات (أما حسن فعل بِحَيْثُ يقبح تَركه فَوَاجِب) أَي فَذَلِك الْفِعْل وَاجِب (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن حسنه بِحَيْثُ يقبح تَركه (فمندوب أَو) الْمدْرك حسن (ترك على وزانه) أَي على وزان الْمدْرك حسن فعله بِأَن يكون حسن تَركه بِحَيْثُ يقبح فعله (فَحَرَام و) إِلَّا فَهُوَ (مَكْرُوه، وَالْحَنَفِيَّة) قَالُوا (للْفِعْل) صفة حسن وقبح (كَمَا تقدم) فِي ذيل النَّهْي وكل مِنْهُمَا (فلنفسه وَغَيره) الضميران للْفِعْل (وَبِه) أَي بِسَبَب
(2/150)

مَا فِي الْفِعْل من الصّفة (يدْرك الْعقل حكمه تَعَالَى فِيهِ) أَي فِي الْفِعْل (فَلَا حكم لَهُ) أَي لِلْعَقْلِ إِن الحكم إِلَّا لله، غير أَن الْعقل (إِنَّمَا اسْتَقل بدرك بعض أَحْكَامه تَعَالَى) وَلذَا قَالَ المُصَنّف على مَا نَقله الشَّارِح: وَهَذَا عين قَول الْمُعْتَزلَة لَا كَمَا يحرفه بَعضهم (ثمَّ مِنْهُم كَأبي مَنْصُور من أثبت وجوب الْإِيمَان وَحُرْمَة الْكفْر وَنسبَة مَا هُوَ شنيع إِلَيْهِ تَعَالَى كالكذب والسفه وَهُوَ) أَي هَذَا الْمَجْمُوع (وجوب شكر الْمُنعم، وَزَاد أَبُو مَنْصُور) وَكثير من مَشَايِخ الْعرَاق (إِيجَابه) أَي الْإِيمَان (على الصَّبِي الْعَاقِل) الَّذِي يناظر فِي وحدانية الله تَعَالَى (ونقلوا عَنهُ) أَي أبي حنيفَة (لَو لم يبْعَث الله للنَّاس رَسُولا لوَجَبَ عَلَيْهِم مَعْرفَته بعقولهم، والبخاريون) قَالُوا (لَا تعلق) لحكم الله بِفعل الْمُكَلف قبل بعثة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وتبليغه حكم الله فِي ذَلِك (كالأشاعرة وَهُوَ الْمُخْتَار وَحَاصِل مُخْتَار فَخر الْإِسْلَام وَالْقَاضِي أبي زيد) وشمس الْأَئِمَّة الْحلْوانِي (النَّفْي) لوُجُوب الْإِيمَان (عَن الصَّبِي) الْعَاقِل (لرِوَايَة عدم انْفِسَاخ النِّكَاح) أَي نِكَاح المراهقة وَهِي المقاربة للبلوغ إِذا كَانَت بَين أبوين مُسلمين تَحت زوج مُسلم (بِعَدَمِ وصف المراهقة الْإِسْلَام) مفعول للوصف بِأَن كَانَت عَاقِلَة فاستوصفته فَلم تقدر على وَصفه، ذكره فِي الْجَامِع الْكَبِير، إِذْ لَو كَانَت الصبية الْعَاقِلَة مكلفة بِالْإِيمَان لبانت كَمَا بلغت غير واصفة وَلَا قادرة على وَصفه، وَأما نفس الْوُجُوب فثابت كَمَا يَأْتِي فِي الْفَصْل الرَّابِع (و) حَاصِل مختارهما (فِي الْبَالِغ) النَّاشِئ على شَاهِق وَنَحْوه إِذا (لم تبلغه دَعْوَة) أَنه (لَا يُكَلف بِهِ) أَي الْإِيمَان (بِمُجَرَّد عقله مَا لم تمض مُدَّة التَّأَمُّل وقدرها) أَي الْمدَّة مفوض (إِلَيْهِ تَعَالَى) فَإِن مَضَت مُدَّة علم ربه أَنه قدر على ذَلِك وَلم يُؤمن يُعَاقِبهُ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا وَمَا قيل من أَنَّهَا مقدرَة بِثَلَاثَة أَيَّام اعْتِبَارا بالمرتد فَإِنَّهُ يُمْهل ثَلَاثَة أَيَّام قِيَاس مَعَ الْفَارِق، والعقول مُتَفَاوِتَة فَرُبمَا عَاقل يَهْتَدِي فِي زمَان قَلِيل إِلَى مَا لَا يَهْتَدِي إِلَيْهِ غَيره فِي زمَان كثير (فَلَو مَاتَ قبلهَا) أَي تِلْكَ الْمدَّة (غير مُعْتَقد إِيمَانًا وَلَا كفرا لَا عِقَاب عَلَيْهِ، أَو) مَاتَ (مُعْتَقدًا الْكفْر) واصفا لَهُ أَو غير واصف (خلد) فِي النَّار لِأَن اعْتِقَاد الْكفْر دَلِيل خطور الصَّانِع بِبَالِهِ، وَوُقُوع الِاسْتِدْلَال مِنْهُ فَلم يبْق لَهُ عذر، (وَكَذَا) يخلد فِي النَّار (إِذا مَاتَ بعْدهَا) أَي الْمدَّة (غير مُعْتَقد) إِيمَانًا وَلَا كفرا وَإِن لم تبلغه الدعْوَة، لِأَن الْإِمْهَال وَإِدْرَاك مُدَّة التَّأَمُّل بِمَنْزِلَة دَعْوَة الرَّسُول فِي حق تَنْبِيه الْقلب من نَومه الْغَفْلَة فَلَا يعْذر (وَبِهَذَا) التَّحْرِير (يبطل الْجمع) الَّذِي ذكره الشَّيْخ أكمل الدّين بَين مَذْهَب الأشاعرة وَغَيرهم (بِأَن قَول الْوُجُوب) أَي قَول من يَقُول بِالْوُجُوب قبل الْبعْثَة (مَعْنَاهُ تَرْجِيح الْعقل الْفِعْل) وَقَول (الْحُرْمَة) مَعْنَاهُ (تَرْجِيحه) أَي الْعقل (التّرْك) فمرجع كَلَام الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم وَاحِد، وَإِنَّمَا بَطل الْجمع لِأَنَّك قد عرفت الْفرق بَين اعتباري الْفَرِيقَيْنِ فِي ثُبُوت الْأَحْكَام، وَمَا
(2/151)

يثبت بِهِ بَين اللوازم المتخالفة المترتبة عَلَيْهِمَا فَإِن اخْتِلَاف اللوازم يسْتَلْزم اخْتِلَاف الملزومات، وَهَذَا كُله (بعد كَونه) أَي هَذَا الْجمع بتفسير الْوُجُوب وَالْحُرْمَة بِمَا ذكر (خلاف الظَّاهِر) إِذْ لَا يفهم من الْوُجُوب التَّرْجِيح الْمَذْكُور (وَمَا ذَكرْنَاهُ عَن البخاريين) من عدم تعلق الحكم قبل التَّبْلِيغ (نَقله الْمُحَقق ابْن عين الدولة عَنْهُم غير أَنه قَالَ أَئِمَّة بُخَارى الَّذين شهدناهم كَانُوا على القَوْل الأول: يَعْنِي قَول الأشاعرة، وحكموا بِأَن المُرَاد من رِوَايَة لَا عذر لأحد فِي الْجَهْل بخالقه لما يرى من خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَخلق نَفسه) أَنه لَا عذر لَهُ فِيهِ (بعد الْبعْثَة) وَالرِّوَايَة الْمَذْكُورَة فِي الْمُنْتَقى وَالْمِيزَان عَن مُحَمَّد بن سَمَّاعَة عَن أبي حنيفَة، وَفِي غَيره كجامع الْأَسْرَار عَن أبي يُوسُف عَن مُحَمَّد وَحِينَئِذٍ (فَيجب) بِنَاء على التَّفْسِير الْمَذْكُور (حمل الْوُجُوب فِي قَوْله) أَي أبي حنيفَة (لوَجَبَ عَلَيْهِم مَعْرفَته بقَوْلهمْ على يَنْبَغِي) أَي على الانبغاء: إِذْ حمله على حَقِيقَة الْوُجُوب يُنَافِي التَّقْيِيد ببعد الْبعْثَة (وَكلهمْ) أَي الْحَنَفِيَّة (على امْتنَاع تَعْذِيب الطائع عَلَيْهِ تَعَالَى، و) امْتنَاع (تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق، فتمت ثَلَاثَة) من الْأُصُول فِي مَحل النزاع، تَفْرِيع على مَا فصل من الْمذَاهب، وَهِي (أَنْصَاف الْفِعْل) بالْحسنِ والقبح، وَهَذَا هُوَ الأول (وَمنع استلزامه) أَي الاتصاف (حكما فِي العَبْد وإثباته) أَي إِثْبَات استلزام الاتصاف حكما فِي العَبْد، وَهَذَا هُوَ الثَّانِي، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة أصلان: حكما عدلا وَاحِدًا لِكَوْنِهِمَا نفيا وإثباتا لشَيْء وَاحِد وَهُوَ الاستلزام الْمَذْكُور (واستلزامه) أَي الاتصاف (منعهما) أَي تَعْذِيب الطائع وتكليف مَا لَا يُطَاق (مِنْهُ تَعَالَى) وَهَذَا هُوَ الثَّالِث (وَلَا نزاع فِي دركه) أَي الْعقل الْحسن والقبح (للْفِعْل بِمَعْنى صفة الْكَمَال و) صفة (النَّقْص) فَإِنَّهُمَا قد يستعملان فيهمَا (كَالْعلمِ وَالْجهل) أَي كَمَا إِذا قيل: الْعلم حسن، وَالْجهل قَبِيح، فَإِنَّهُ يُرَاد بهما مَا ذكر، وَالْعقل مدركهما فيهمَا (وَلَا فيهمَا) أَي وَلَا نزاع أَيْضا فِي دَرك الْعقل إيَّاهُمَا للْفِعْل (بِمَعْنى الْمَدْح والذم) أَي بِمَعْنى أَنه يمدح فَاعله، ويذم (فِي مجاري الْعَادَات) فَإِن الْعَادة أَن يمدح الْفَاعِل فِي بعض الْأَحْوَال ويذم، وَعلم الْعقل تفاصيلهما (بل) النزاع (فيهمَا) أَي فِي إِدْرَاك الْعقل الْحسن والقبح (بِمَعْنى اسْتِحْقَاق مدحه تَعَالَى وثوابه) للْفَاعِل على ذَلِك الْفِعْل (ومقابلهما) أَي وَبِمَعْنى اسْتِحْقَاق ذمه تَعَالَى وعقابه للْفَاعِل على ذَلِك وَالْحجّة (لنا فِي الأول) أَي اتصاف الْفِعْل بالْحسنِ والقبح (أَن قبح الظُّلم ومقابلة الْإِحْسَان بالإساءة مِمَّا اتّفق عَلَيْهِ الْعُقَلَاء حَتَّى من لم يتدين بدين) وَلَا يَقُول بشرع كالبراهمة (مَعَ اخْتِلَاف عاداتهم وأغراضهم) يرد عَلَيْهِ أَنه سلمنَا اتِّفَاق الْعُقَلَاء على قبح مَا ذكر بِمَعْنى أَنه يذم فَاعله، لَكِن لَا نسلم اتِّفَاقهم عَلَيْهِ بِمَعْنى اسْتِحْقَاقه الذَّم عِنْد الله تَعَالَى وَالْعِقَاب، والنزاع فِيهِ (فلولا أَنه) أَي اتصاف الْفِعْل بذلك (مدرك بِالضَّرُورَةِ فِي الْفِعْل لذاته لم يكن ذَلِك) الِاتِّفَاق من ضَرُورَة
(2/152)

الِاتِّفَاق على قبح مَا ذكر الِاتِّفَاق على حسن مَا يُقَابله (وَمنع الِاتِّفَاق على كَون الْحسن والقبح متعلقها) أَي الْأَحْكَام صادرة (مِنْهُ تَعَالَى) يَعْنِي سلمنَا الِاتِّفَاق على إِدْرَاك الْحسن والقبح فِي بعض أَفعَال الْعباد كَمَا ذكرْتُمْ لَكِن لَا نسلم الِاتِّفَاق على أَن مَا استحسنه الْعقل أَو استصحبه صَار مُتَعَلقا لِلْأَمْرِ وَالنَّهْي، وَهَذَا الْمَنْع مَذْكُور فِي شرح الْمَقَاصِد (لَا يمسنا) أَي لَا يلحقنا مِنْهُ ضَرَر لأَنا لم نقل بِأَن مُجَرّد اتصاف الْعقل بالْحسنِ والقبح يسْتَلْزم كَونه مُتَعَلقا بِحكم، بل يُوقف هَذَا التَّعَلُّق على السّمع، فِيهِ أَنه قد سبق أَن الْمُتَنَازع فِيهِ الْقبْح بِمَعْنى اسْتِحْقَاق الذَّم عِنْد الله وَالْعِقَاب، وَإِذا كَانَ هَذَا الْمَعْنى ضَرُورِيًّا يلْزم كَونه مذموما عِنْده مُسْتَحقّا للعقاب، وَهَذَا عين التَّحْرِيم، وَقد يُجَاب عَنهُ أَنه لَيْسَ من الضروريات الَّتِي يُمكن عدم مطابقتها للْوَاقِع فَيحْتَاج إِلَى السّمع، وَلَو سلم فكونه مُسْتَحقّا لما ذكر لَا يسْتَلْزم توجه الْخطاب مِنْهُ تَعَالَى بِطَلَب تَركه وَالله أعلم (وَقَوْلهمْ) أَي الأشاعرة فِي دفع اتصافه بالْحسنِ والقبح (وَهُوَ) أَي مَا ذكرْتُمْ من قبح الظُّلم، والمقابلة الْمَذْكُورَة لَيْسَ الِاتِّفَاق عَلَيْهِ لكَونه مدْركا بِالضَّرُورَةِ، بل لكَونه (مِمَّا أبقت فِيهِ الْأَغْرَاض والعادات وَاسْتحق) على صِيغَة الْمَجْهُول (بِهِ) أَي بِسَبَبِهِ، وَالضَّمِير للموصول (الْمَدْح) مَرْفُوع لقِيَامه مقَام الْفَاعِل، وَهَذَا إِذا فعل مَا يُقَابله (والذم) إِذا فعله (فِي نظر الْعُقُول جَمِيعًا) ظرف للاستحقاق، فمنشأ الِاتِّفَاق اتِّبَاع الْأَغْرَاض والعادات على مُقْتَضى الطبيعة ومحبة الْمَدْح، وَكَرَاهَة الذَّم، لِأَن مَا ذكرْتُمْ من إِدْرَاك الْحسن والقبح على سَبِيل الضَّرُورَة (لتَعلق مصَالح الْكل بِهِ) أَي بِمَا ذكرْتُمْ، وَهُوَ تَعْلِيل للاتفاق الْمَذْكُور (لَا يُفِيد) خبر الْمُبْتَدَأ أَعنِي قَوْلهم: أَي القَوْل الْمَذْكُور لَا يدْفع حجتنا: إِذْ هُوَ إِنْكَار للبديهي (بل هُوَ) أَي كَون الْفِعْل بِحَيْثُ يسْتَحق فَاعله الْمَدْح أَو الذَّم، وَلَو لتَعلق الْمصَالح هُوَ (المُرَاد بالذاتي) أَي بِكَوْن الْفِعْل مَوْصُوفا بالْحسنِ أَو الْقبْح لذاته، لَا لكَون الْفِعْل مقتضيا لذاته الْحسن والقبح (للْقطع بِأَن مُجَرّد حَرَكَة الْيَد قتلا) أَي حَرَكَة قتل (ظلما) صفة لقتل (لَا تزيد حَقِيقَتهَا) أَي الْحَرَكَة الْمَذْكُورَة (على حَقِيقَتهَا) أَي حركتها قتلا (عدلا، فَلَو كَانَ الذاتي) هُوَ مَا يكون (مُقْتَضى الذَّات اتَّحد لازمها) أَي الحركتين (حسنا وقبحا) يَعْنِي إِن كَانَ لَازم أَحدهمَا الْحسن كَانَ لَازم الآخر كَذَلِك، وهما منصوبان على الظَّرْفِيَّة: أَي اتَّحد اللازمان فِي الْحسن والقبح، أَو على الحالية: أَي حَال كَونهمَا حسنا، أَو حَال كَونهمَا قبحا (فَإِنَّمَا يُرَاد) بالذاتي (مَا يجْزم بِهِ الْعقل لفعل من الصّفة) الَّتِي هِيَ الْحسن والقبح بَيَان للموصول (بِمُجَرَّد تعقله) أَي الْفِعْل حَال كَون هَذَا المجزوم بِهِ (كَائِنا) أَي ناشئا (عَن صفة نفس مَا قَامَ بِهِ) ذَلِك الْفِعْل، فههنا صفتان: إِحْدَاهمَا قَائِمَة بِالنَّفسِ الناطقة كالسماحة والجود وَمَا يقابلهما، وَالْأُخْرَى ناشئة عَن الأولى أثر
(2/153)

لَهَا يظْهر فِي الْخَارِج (فباعتبارها) أَي تِلْكَ الصّفة الناشئة عَن صفة نفس الْفَاعِل (يُوصف) ذَلِك الْفِعْل (بِأَنَّهُ عدل حسن، أَو ضِدّه) أَي ظلم قَبِيح (هَذَا) الْجَزْم من الْعقل وَالْوَصْف بذلك (باضطرار الدَّلِيل) أَي الْعقل مُضْطَر فِي ذَلِك بِسَبَب الدَّلِيل الْمُوجب لذَلِك (وَيُوجب) مَا ذكر من الْقطع بِأَن مُجَرّد الْحَرَكَة الخ، وَمن جزم الْعقل إِلَى آخِره (كَونه) أَي كَون اتصاف الْفِعْل بالْحسنِ والقبح (مُطلقًا) أَي على الْإِطْلَاق إِنَّمَا هُوَ (لخارج) أَي لأَمره خَارج عَن ذَات الْفِعْل من الوصفين الْمَذْكُورين (وَمثله) أَي مثل اتِّفَاق الْعُقَلَاء على مَا ذكر فِي إِفَادَة الْمَطْلُوب (تَرْجِيح الصدْق) أَي تَرْجِيح الصدْق على الْكَذِب (مِمَّن اسْتَوَى فِي تَحْصِيل غَرَضه) من جلب نفع أَو دفع ضرّ (هُوَ) أَي الصدْق (وَالْكذب وَلَا علم لَهُ بشريعة) مبينَة حسن الصدْق وقبح الْكَذِب، فلولا أَنَّهُمَا معلومان بِالضَّرُورَةِ لما كَانَ الْأَمر كَذَلِك (وَالْجَوَاب) عَن هَذَا من قبل الأشاعرة (بِأَن الإيثار) أَي التَّرْجِيح من الْعقل للصدق على الْكَذِب فِي فِي هَذَا (لَيْسَ لحسنه) أَي الصدْق (عِنْده تَعَالَى) بل لحسنه عندنَا (لَيْسَ يضرنا) لِأَنَّهُ لم يثبت بذلك الحكم حَتَّى يُقَال ثُبُوته مَوْقُوف على كَونه مَوْصُوفا بالْحسنِ والقبح عِنْد الله كَمَا هُوَ عندنَا، وَإِنَّمَا يضر الْمُعْتَزلَة لادعائهم استلزام الاتصاف بذلك تعلق الحكم بِهِ من غير توقف على سمع (نعم يرد عَلَيْهِ) أَي هَذَا الدَّلِيل (منع التَّرْجِيح) للصدق على الْكَذِب (على التَّقْدِير) أَي تَقْدِير مُسَاوَاة الصدْق وَالْكذب فِي حُصُول الْغَرَض: إِذْ قد يرجح الْكَذِب على ذَلِك التَّقْدِير كَمَا سيشير إِلَيْهِ (قَالُوا) أَي الأشاعرة أَولا (لَو اتّصف) الْفِعْل بالْحسنِ والقبح (كَذَلِك) أَي اتصافا ذاتيا (لم يتَخَلَّف) كل مِنْهُمَا عَمَّا اتّصف بِهِ فِي بعض الْمَوَارِد (و) قد (تخلف) قبح الْكَذِب (فِي) وَقت (تعينه) أَي الْكَذِب طَرِيقا (لعصمة نَبِي) من ظَالِم مثلا فَإِنَّهُ حسن وَاجِب (وَالْجَوَاب هُوَ) أَي الْكَذِب الْمُتَعَيّن للغرض بَاقٍ (على قبحه) وَلم يتَخَلَّف عَنهُ كإجراء كلمة الْكفْر على اللِّسَان رخصَة (و) لَكِن (حسن الإنقاذ) أَي التَّلْخِيص للنَّبِي (يَرْبُو) أَي يزِيد (قبح تَركه) أَي ترك التَّلْخِيص (عَلَيْهِ) أَي على الْكَذِب الَّذِي بِهِ الإنقاذ (وَغَايَة مَا يسْتَلْزم) هَذَا (أَنَّهُمَا) أَي الْحسن والقبح فِيهِ (لخارج لكنهما) أَي الْحسن والقبح (من جِهَتَيْنِ) فالقبح من جِهَة كَونه كذبا، وَالْحسن من جِهَة كَونه إنقاذا (ترجحت إِحْدَاهمَا) وَهِي جِهَة الْحسن على الْأُخْرَى (وَقيل هُوَ) أى تعين الْكَذِب (فرض مَا لَيْسَ بواقع: اذ لَا كذب الا وَعنهُ مندوحة التَّعْرِيض) أَي سعته: يَعْنِي كل من يكذب لَيْسَ لَهُ ضَرُورَة ملجئه إِلَى الْكَذِب: إِذْ يُمكنهُ أَن يتَكَلَّم بِمَالِه محمل صَادِق هُوَ يَقْصِدهُ، وَالنَّاس يفهمون مِنْهُ الْمحمل الآخر الَّذِي لَو قَصده لصار كَاذِبًا فسعته باستغنائه عَن
(2/154)

الْكَذِب إِنَّمَا حصل بِسَبَب التَّعْرِيض، فالإنقاذ لَا يتَوَقَّف على الْكَذِب ليتعين فيترتب عَلَيْهِ مَا ذكر (قَالُوا) أَي الأشاعرة ثَانِيًا (لَو اتّصف) الْفِعْل بالْحسنِ والقبح لذاته (اجْتمع المتنافيان فِي لأكذبن غَدا، لِأَن صدقه) أَي لأكذبن غَدا (الَّذِي بِهِ حسنه) إِنَّمَا يتَحَقَّق (بكذب غَد فيقبح) لكَونه يسْتَلْزم كذبا فَاجْتمع الْحسن والقبح فِيهِ (وَقَلبه) أَي وَلِأَن كذبه الَّذِي بِهِ قبحه بِعَدَمِ كذب غَد فَيحسن، ولكونه ترك كذب فَاجْتمع الْحسن والقبح فِي كذبه (ومبناه) أَي هَذَا الدَّلِيل (على أَن الْمَلْزُوم لخارج حسن حسن) فَإِن لم يكن لَهُ فِي حد ذَاته حسن، والملزوم لخارج قَبِيح قَبِيح، وَإِن كَانَ لَهُ حسن فِي حد ذَاته (وَجَوَابه مَا مر من عدم التَّنَافِي) بَين كَونه حسنا وقبيحا (للجهتين) أَي لَا يُنَافِي كَون الشَّيْء حسنا من جِهَة كَونه قبيحا من جِهَة أُخْرَى (لما مر من المُرَاد بالذاتي) تَعْلِيل لِإِمْكَان اعْتِبَار الْجِهَتَيْنِ الْمَفْهُوم ضمنا، كَأَنَّهُ قيل كَيفَ يُمكن ذَلِك مَعَ كَون الْحسن والقبح ذاتيين والذات جِهَة وَاحِدَة، فَالْجَوَاب أَن إِمْكَانه لِمَعْنى وَجب الْمصير إِلَيْهِ، وَذَلِكَ الْمَعْنى هُوَ الَّذِي ذكر أَنه مُرَاد بالذاتي، وَبَين مفصلا (فَلَا ينتهض) الدَّلِيل الْمَذْكُور حجَّة (على أحد، قَالُوا) أَي الأشاعرة (ثَالِثا لَو اتّصف) الْفِعْل بالْحسنِ والقبح لذاته (وهما) أَي الْحسن والقبح لذاته (عرضان قَامَ الْعرض) الَّذِي هُوَ أَحدهمَا (بِالْعرضِ) الَّذِي هُوَ الْفِعْل (لِأَن الْحسن زَائِد) على مَفْهُوم الْفِعْل (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن زَائِدا عَلَيْهِ: بل كَانَ عينه أَو جزءه (كَانَت عقلية الْفِعْل عقليته) أَي الصُّورَة الْحَاصِلَة فِي الْعقل من الْفِعْل عين الصُّورَة الْحَاصِلَة فِيهِ من الْحسن، وَلَيْسَ كَذَلِك إِذْ قد يعقل الْفِعْل وَلَا يعقل حسنه وَلَا قبحه (و) أَيْضا الْحسن وصف (وجودي لِأَن نقيضه) أَي نقيض حسن (لَا حسن) وَهُوَ (سلب وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن سلبا بل وجوديا (استلزم محلا مَوْجُودا) لِامْتِنَاع قيام الصّفة الثبوتية بِالْمحل الْمَعْدُوم، وَإِذا استلزم محلا مَوْجُودا (فَلم يصدق على الْمَعْدُوم) لاحسن، وَهُوَ بَاطِل بِالضَّرُورَةِ، وَإِذا كَانَ أحد النقيضين سلبيا كَانَ الآخر وجوديا ضَرُورَة امْتنَاع النقيضين. قَالَ الشَّارِح وَالْكَلَام فِي الْقبْح كَالْكَلَامِ فِي الْحسن، وَهُوَ مُقْتَضى كَلَام الْمَتْن حَيْثُ قَالَ: وهما عرضان الخ، غير أَن قَوْله: لِأَن الْحسن زَائِد لَا يظْهر فِيهِ وَجه التَّخْصِيص مَعَ أَن الْمُدَّعِي مركب، وَدَلِيل الزِّيَادَة لَا يخْتَص بالْحسنِ إِلَّا بِأَن يُقَال الوجودية مُعْتَبرَة فِي كَون الْوَصْف عرضا كَمَا يفِيدهُ قَوْله وجودي الخ، وَهُوَ الْحق فَبين أول كَلَامه وَآخره نوع تدافع، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُرَاد بقوله: عرضان وصفان قائمان بِالْفِعْلِ، وبالعرض فِي قَوْله: قَامَ الْعرض الْحسن، وَحِينَئِذٍ لَا يُنَافِي قَول الشَّارِح: وَالْكَلَام إِلَى آخِره، وَيُؤَيّد مَا قُلْنَاهُ قَوْله (وَدفع) هَذَا الدَّلِيل (بِأَن عدمية صُورَة السَّلب) أَي مَا صدق عَلَيْهِ السَّلب على الْإِطْلَاق، عبر بهَا لكَونه
(2/155)

من الصُّور العقلة، أَو لِأَن صُورَة توهم العدمية (مَوْقُوفَة على كَون مَدْخُول النَّافِي وجوديا) وضع الظَّاهِر مَوضِع الْمُضمر لِئَلَّا يتَوَهَّم أَن المُرَاد بِهِ ثَانِيًا مَا أُرِيد بِهِ أَولا وَهُوَ مجوع النَّافِي ومدخوله (وَإِثْبَات وجوديته) أَي مَدْخُول النَّافِي (بعدميتها) أَي صُورَة السَّلب (دور، و) يرد (عَلَيْهِ) أَي على هَذَا الدّفع أَن يُقَال (إِنَّمَا أثْبته) أَي أثبت النَّفْي وجود مدخوله (باستلزام مَحل مَوْجُود) أَي باستلزام النَّفْي محلا مَوْجُودا لَو لم يكن عدميا يَعْنِي لَيْسَ الِاسْتِدْلَال بالعدمية الْمَأْخُوذَة مِمَّا ذكر بل الْمَأْخُوذَة من عدم استلزامه محلا وجوديا (ثمَّ ينْتَقض) الدَّلِيل (بِإِمْكَان الْفِعْل وَنَحْوه) كامتناعه بِأَن يُقَال لَو كَانَ الْإِمْكَان ذاتيا للْفِعْل لزم قيام الْعرض بِالْعرضِ، لِأَن الْإِمْكَان زَائِد على مَفْهُومه وَإِلَّا لزم أَن يتعقل بتعقله ثمَّ يلْزمه كَونه وجوديا لِأَنَّهُ يَقْتَضِي سلب إِلَى آخِره وَاللَّازِم بَاطِل للاتفاق على أَن الْإِمْكَان وَنَحْوه لَيْسَ بموجود بل من الاعتبارات الْعَقْلِيَّة والعوارض الذهنية (وَلَا ينْتَقض) هَذَا الدَّلِيل (باقتضائه) أَي هَذَا الدَّلِيل (أَنه لَا يَتَّصِف فعل بِحسن شَرْعِي) للُزُوم قيام الْعرض بِالْعرضِ، وَإِنَّمَا لَا ينْتَقض (لِأَنَّهُ) أَي الْحسن الشَّرْعِيّ (لَيْسَ عرضا لِأَنَّهُ) أَي حسنه (طلبه تَعَالَى الْفِعْل) وَطَلَبه من تعلقات كَلَامه الْقَدِيم بِفعل الْمُكَلف لَا صفة لَهُ (وَالتَّحْقِيق أَن صُورَة السَّلب قد تكون وجودا) أَي مَوْجُودا (كاللامعدوم) أَي مَا لَيْسَ بمعدوم (و) قد يكون (منقسما) إِلَى مَوْجُود ومعدوم (كاللاممتنع) فَإِنَّهُ يَنْقَسِم إِلَى الْوَاجِب والممكن الشَّامِل للمعدوم (وَلَو سلم) أَنه لَو اتّصف بِأَحَدِهِمَا لذاته لزم قيام الْعرض بِالْعرضِ (فقيام الْعرض) بِالْعرضِ (بِمَعْنى النَّعْت) للعرض (بِهِ) أَي بِالْعرضِ، فالقيام بَينهمَا اخْتِصَاص الناعت والمنعوت (غير مُمْتَنع) بل وَاقع كاتصاف الْحَرَكَة بالسرعة والبطء (إِذْ حَقِيقَته) أَي كَون الْعرض قَائِما بِالْعرضِ بِمَعْنى النَّعْت بِهِ (عدم الْقيام) للعرض بِالْعرضِ (خُصُوصا) أَي فِي خُصُوص الْمَادَّة وَهُوَ فِيمَا إِذا كَانَ مَا قَامَ معنى لَا وجود لَهُ فِي الْأَعْيَان (وَحسن الْفِعْل) أَمر (معنوي إِذْ لَيْسَ المحسوس سوى الْفِعْل) وَلَو كَانَ الْحسن الْقَائِم بِهِ من الْأَعْرَاض الْمَوْجُودَة فِي الْخَارِج لَكَانَ محسوسا (قَالُوا) أَي الأشاعرة (رَابِعا فعل العَبْد اضطراري) لَيْسَ باختياري (واتفاقي) يصدر مِنْهُ كَيْفَمَا اتّفق: أَي يَنْقَسِم إِلَيْهِمَا (لِأَنَّهُ) أَي فعله إِن كَانَ (بِلَا مُرَجّح) لوُجُوده على عَدمه بل يصدر عَنهُ تَارَة وَلَا يصدر عَنهُ أُخْرَى بِلَا تجدّد أَمر فَهُوَ (الثَّانِي) أَي اتفاقي (وَإِن) كَانَ (بِهِ) أَي بمرجح (فإمَّا) أَن يكون بمرجح (من العَبْد وَهُوَ بَاطِل للتسلسل) إِذْ ينْقل الْكَلَام إِلَى ذَلِك الْمُرَجح وهلم جرا (أَو) بمرجح (لَا مِنْهُ) أَي العَبْد (فَإِن لم يجب الْفِعْل مَعَه) أَي مَعَ ذَلِك الْمُرَجح (بِأَن صَحَّ تَركه) أَي الْفِعْل كَمَا صَحَّ فعله (عَاد الترديد) وَهُوَ أَنه إِمَّا أَن يكون ذَلِك الْمُرَجح بِلَا مُرَجّح أَو بِهِ، وَمَا كَانَ بِهِ فإمَّا من العَبْد أَو من غَيره وأياما كَانَ يلْزم الْمَحْذُور (وَإِن وَجب) الْفِعْل
(2/156)

مَعَه (فاضطراري وَلَا يتصفان) أَي الاضطراري والاتفاق (بهما) أَي الْحسن والقبح اتِّفَاقًا (وَهُوَ) أَي هَذَا الدَّلِيل (مَدْفُوع بِأَنَّهُ) أَي صُدُور الْفِعْل (بمرجح مِنْهُ) أَي العَبْد وَهُوَ الِاخْتِيَارِيّ (وَلَيْسَ الِاخْتِيَار بآخر) أَي بِاخْتِيَار آخر ليتسلسل (وصدور الْفِعْل عِنْد الْمُعْتَزلَة مَعَ الْمُرَجح على سَبِيل الصِّحَّة لَا الْوُجُوب) يَعْنِي مَعَ وجود ذَلِك الْمُرَجح يَصح صدوره فَلَا يلْزم التَّرْجِيح بِلَا مُرَجّح، لَا أَنه يصير صدوره ضَرُورِيًّا بِحَيْثُ يمْتَنع عدم الصُّدُور (إِلَّا أَبَا الْحُسَيْن) مِنْهُم فَإِنَّهُ يَقُول بِالْوُجُوب، لِأَن الْمُرَجح إِذا رجح جَانب الْوُجُود لَا يُمكن أَن يتَحَقَّق مَا يُقَابله وَإِلَّا يلْزم تَرْجِيح الْمَرْجُوح (وَلَو سلم) أَن الْمُرَجح يُوجب الْفِعْل (فالوجوب بِالِاخْتِيَارِ لَا يُوجب الِاضْطِرَار الْمنَافِي لِلْحسنِ والقبح، وَدفع) هَذَا الدّفع بِأَنَّهُ (ثَبت لُزُوم الِانْتِهَاء) أَي انْتِهَاء تسلسل الْعلَّة (إِلَى مُرَجّح لَيْسَ من العَبْد) لما ذكر من بطلَان التسلسل (يجب مَعَه) أَي مَعَ ذَلِك الْمُرَجح (الْفِعْل) وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَو لم يجب مَعَه يعود الترديد على مَا ذكر، واجملتان صفتان للمرجح (و) بذلك (يبطل اسْتِقْلَال العبدية) أَي بِالْفِعْلِ (وَمثله) أَي مثل هَذَا الْفِعْل الَّذِي لَيْسَ العَبْد مُسْتقِلّا بِهِ (عِنْد الْمُعْتَزلَة لَا يحسن وَلَا يقبح وَلَا يَصح التَّكْلِيف بِهِ، وَهُوَ) أَي الدّفع لذَلِك الدّفع (رد الْمُخْتَلف الى الْمُخْتَلف) لما كَانَ الِاسْتِدْلَال من قبل الأشاعرة فِي مُقَابلَة الْقَائِلين باتصاف الْفِعْل بالْحسنِ والقبح، وهم الْمُعْتَزلَة وَالْحَنَفِيَّة بعض مقدماته غير مُسلم عِنْد الْمُعْتَزلَة وَهُوَ الْوُجُوب المستلزم للاضطرار، وَبَعضهَا غير مُسلم عِنْد الْحَنَفِيَّة وَهُوَ اقْتِضَاء الْوُجُوب مُطلقًا الِاضْطِرَار الْمنَافِي للاتصاف الْمَذْكُور، وَكَانَ حَاصِل الدّفع من الْقَائِلين بِهِ منع الْوُجُوب مُسْتَندا بِأَن صُدُور الْفِعْل عِنْد الْمُعْتَزلَة على سَبِيل الصِّحَّة وَمنع الِاقْتِضَاء الْمَذْكُور، وَكَانَ حَاصِل دفع الدّفع من قبل الأشاعرة إِثْبَات الْمُدَّعِي بتغيير الدَّلِيل إِلَى مُقَدمَات: مِنْهَا لُزُوم الِانْتِهَاء إِلَى مُرَجّح لَيْسَ من العَبْد، وَهُوَ غير مُسلم عِنْد الْمُعْتَزلَة، وَمِنْهَا بطلَان اسْتِقْلَال العَبْد وَهُوَ كَذَلِك، وَمِنْهَا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله وَمثله عِنْد الْمُعْتَزلَة الخ، وَيفهم مِنْهُ أَن مثله يحسن ويقبح عِنْد الْحَنَفِيَّة وَيصِح بِهِ التَّكْلِيف كَانَ كل وَاحِد من الِاسْتِدْلَال وَمَا غير إِلَيْهِ مركبا من مُقَدمَات مُخْتَلفَة كل مِنْهَا على رَأْي يؤم وكل مِنْهَا مُخْتَلف، وَالْأول مَرْدُود إِلَى الثَّانِي أَو الْعَكْس لكَونه بَدَلا مِنْهُ وَالْمرَاد من الْمُخْتَلف الأول: الأشاعرة، وَمن الثَّانِي الْمُعْتَزلَة، وَمن الرَّد تَوْجِيه إِلْزَام الأشاعرة عَن الْحَنَفِيَّة نَحْو الْمُعْتَزلَة وَالله أعلم.
وَيُؤَيّد هَذَا قَوْله (وَلَا يلْزمنَا) معشر الْحَنَفِيَّة مَا لزم الْمُعْتَزلَة من الدَّلِيل الْمشَار إِلَيْهِ بقوله ثَبت إِلَى آخِره (لِأَن وجود الِاخْتِيَار) فِي الْفِعْل (عندنَا كَاف فِي الْإِنْصَاف) بالْحسنِ والقبح (وَصِحَّة التَّكْلِيف) الْمَبْنِيّ عَلَيْهِ فَلَا يضر الْوُجُوب الْمَسْبُوق بِالِاخْتِيَارِ (وَهَذَا الدّفع) المفاد بقوله مَدْفُوع إِلَى آخِره (يشْتَرك بَين أهل القَوْل الَّذِي اخترناه) وَهُوَ مَا ذكره ابْن عين الدولة عَن
(2/157)

شاهدهم من أَئِمَّة بخاري (وَجمع من الأشاعرة) وهم الَّذين لَيْسَ مرجع نظرهم فِي الْأَفْعَال الْجَبْر (وَلَا ينتهض) هَذَا الدّفع (مِنْهُم) أَي الأشاعرة غير الْجمع الْمَذْكُور (إِذْ مرجع نظرهم فِي الْأَفْعَال الْجَبْر، لِأَن الِاخْتِيَار أَيْضا مَدْفُوع للْعَبد) أَي إِلَيْهِ (بخلقه تَعَالَى لَا صنع لَهُ) أَي للْعَبد (فِيهِ) أَي الِاخْتِيَار، ثمَّ لما ذكر عدم انتهاض مَا ذكر من الأشاعرة الَّذين أدّى نظرهم إِلَى الْجَبْر أَرَادَ أَن يبين لَهُم انتهاضه من الْحَنَفِيَّة فَقَالَ (أما الْحَنَفِيَّة) إِن شاركوا الأشاعرة فِي إِثْبَات الْكسْب للْعَبد لم يشاركوهم فِي تَفْسِيره (فالكسب) عِنْدهم (صرف الْقُدْرَة المخلوقة إِلَى الْقَصْد المصمم إِلَى الْفِعْل) فالجار الثَّانِي مُتَعَلق بِالْقَصْدِ أَو بالمصمم لتَضَمّنه معنى التَّوَجُّه (فأثرها) أَي الْقُدْرَة المخلوقة، لَا قدرَة الله كَمَا زعم الشَّارِح وَإِلَّا يلْزم مَا لزم الأشاعرة من الْجَبْر وَهُوَ ظَاهر (فِي الْقَصْد) الْمَذْكُور (ويخلق) الله (سُبْحَانَهُ الْفِعْل عِنْده) أَي عِنْد الْقَصْد المصمم (بِالْعَادَةِ) أَي بطرِيق الْعَادة بِأَن جرت عَادَة الله أَن يخلق فعل العَبْد بعد قَصده كَمَا جرت عَادَته فِي خلق الْأَشْيَاء عِنْد الْأَسْبَاب الظَّاهِرَة من غير تَأْثِير لتِلْك الْأَسْبَاب وَلَا مدخلية فِيهَا، ثمَّ أَرَادَ أَن يبين أَن تَأْثِير الْقُدْرَة المخلوقة فِي الْقَصْد الْمَذْكُور لَا يُوجب نقصا فِي الْقُدْرَة الْقَدِيمَة فَقَالَ (فَإِن كَانَ الْقَصْد) الْمَذْكُور (حَالا) أَي وَصفا (غير مَوْجُود وَلَا مَعْدُوم) فِي نَفسه قَائِما بموجود (فَلَيْسَ) الْكسْب (بِخلق) إِذْ هُوَ إِخْرَاج الْمَوْجُود من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود فَلَا يلْزم إِثْبَات خَالق غير الله (وَعَلِيهِ) أَي على ثُبُوت الْحَال أَو على كَون الْقَصْد حَالا (جمع من الْمُحَقِّقين) مِنْهُم القَاضِي أَبُو بكر وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ أَولا وَجوزهُ صدر الشَّرِيعَة (وعَلى نَفْيه) أَي الْحَال كَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور (فَكَذَلِك) أَي لَيْسَ الْكسْب بِخلق أَيْضا (على مَا قيل) وَالْقَائِل صدر الشَّرِيعَة (الْخلق أَمر إضافي يجب أَن يَقع بِهِ الْمَقْدُور لَا فِي مَحل الْقُدْرَة) أَي لَا فِيمَن قَامَت بِهِ الْقُدْرَة (وَيصِح انْفِرَاد الْقَادِر بإيجاد الْمَقْدُور بذلك الْأَمر) الإضافي (وَالْكَسْب أَمر إضافي يَقع بِهِ) الْمَقْدُور (فِي محلهَا) أَي الْقُدْرَة، وَهَذَا الْقدر كَاف فِي الْفرق بَينهمَا فَقَوله (وَلَا يَصح انْفِرَاده) أَي الْقَادِر (بإيجادها) أَي الْمَقْدُور لزِيَادَة التَّمْيِيز، فأثر الْخَالِق فِي فعل العَبْد إِيجَاد الْفِعْل فِي غَيره، وَأثر الكاسب التَّسَبُّب إِلَى ظُهُور ذَلِك الْفِعْل الْمَخْلُوق على جوارحه (وَلَو بطلت هَذِه التَّفْرِقَة) بَين الْخلق وَالْكَسْب (على تعذره) أَي مَعَ تعذر الْبطلَان الْمَذْكُور بِقِيَام الْبُرْهَان على وجودهَا، لنا مخلص آخر وَهُوَ أَنه (وَجب تَخْصِيص) خلق (الْقَصْد المصمم من عُمُوم الْخلق) الْمَدْلُول عَلَيْهِ بالنصوص الدَّالَّة على أَنه تَعَالَى خلق كل شَيْء (بِالْعقلِ) مُتَعَلق بالتخصيص: أَي بِالدَّلِيلِ الْعقلِيّ لَا السّمع، ثمَّ أَشَارَ إِلَى ذَلِك الدَّلِيل بقوله (لِأَنَّهُ) أَي كَون الْقَصْد المصمم مخلوقا للْعَبد (أدنى مَا يتَحَقَّق بِهِ فَائِدَة خلق الْقُدْرَة) الَّتِي من شَأْنهَا التَّمَكُّن من الْفِعْل وَالتّرْك وينتفى بِهِ الْجَبْر (وَيتَّجه بِهِ
(2/158)

حسن التَّكْلِيف المستعقب الْعقَاب بِالتّرْكِ وَالثَّوَاب بالامتثال) بل لَا امْتِثَال أصلا وَلَا مَعْصِيّة يَعْنِي إِذا لم يكن لقدرة العَبْد تَأْثِير فِي نفس الْفِعْل وَفِي الْعَزْم الْمَسْبُوق بِهِ الْفِعْل لَا يبْقى لحسن التَّكْلِيف الَّذِي يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الثَّوَاب وَالْعِقَاب وَجه، بل لَا يتَحَقَّق من الْمُكَلف امْتِثَال لِأَنَّهُ إِذا كَانَ الْفِعْل والعزم بتأثير الْقُدْرَة الْقَدِيمَة من غير مدخلية للحادثة كَانَ العَبْد مَحْجُورا فيهمَا وَالْفِعْل الاضطراري لَا يتَحَقَّق بِهِ الِامْتِثَال لِأَنَّهُ شَرط فِيهِ الْإِجْبَار وَأَيْضًا لَا مَعْصِيّة: إِذْ هِيَ ارْتِكَاب الْمحرم اخْتِيَارا (قَالُوا) أَي الأشاعرة (خَامِسًا لَو حسن) الْفِعْل (لذاته أَو لصفة أَو اعْتِبَار لم يكن الْبَارِي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُخْتَارًا فِي الحكم) وَذَلِكَ (لِأَنَّهُ) أَي الحكم حِينَئِذٍ (يتَعَيَّن كَونه) أَي الحكم (على وفْق مَا فِي الْفِعْل من الصّفة) الَّتِي هِيَ الْحسن أَو الْقبْح، لِأَن الحكم على خلاف مَا هُوَ الْمَعْقُول قَبِيح لَا يَصح مِنْهُ تَعَالَى، وَفِي التعين نفي الِاخْتِيَار (وَهُوَ) أَي هَذَا الدَّلِيل (وَجه عَام) لرد من عدا الأشاعرة بزعمهم (و) لَكِن (لَا يلْزمنَا) معشر الْحَنَفِيَّة (لِأَنَّهُ) أَي الحكم (إِذا كَانَ قَدِيما عندنَا) لِأَنَّهُ كَلَامه النَّفْسِيّ، بِخِلَاف الْمُعْتَزلَة فَإِن الحكم عِنْدهم حَادث وَحَيْثُ تعين صَار اضطراريا (كَيفَ يكون اختياريا) إِذْ أثر الْفِعْل الْمُخْتَار يجب أَن يكون حَادِثا، فَهُوَ عندنَا فَاعل مُوجب بِالنِّسْبَةِ إِلَى صِفَاته (فَهُوَ) أَي هَذَا التَّعْلِيل (إلزامي على الْمُعْتَزلَة ومدفوع عَنْهُم بِأَن غَايَته) أَي غَايَة مَا يلْزم الْمُعْتَزلَة فِي مقَام التَّأْوِيل (أَنه) تَعَالَى (مُخْتَار فِي مُوَافقَة تعلق حكمه للحكمة) صلَة الْمُوَافقَة: يَعْنِي لَيْسَ بمضطر فِي هَذِه الْمُوَافقَة، فَيصح مِنْهُ أَن يتَعَلَّق حكمه غير مُوَافق لَهَا وَلَا يخفى أَن هَذَا لَا يَتَأَتَّى مِنْهُم مَعَ القَوْل بِوُجُوب الْأَصْلَح عَلَيْهِ فَإِن قيل المُرَاد بِهَذَا الْوُجُوب بِالْغَيْر وَبِذَلِك الصِّحَّة بِالنّظرِ إِلَى الذَّات قُلْنَا الْمُعْتَبر فِي الِاخْتِيَار الصِّحَّة بِحَسب نفس الْأَمر، لَا بِحَسب الذَّات فَقَط فَتَأمل (وَذَلِكَ) أَي اخْتِيَار تِلْكَ الْمُوَافقَة المستلزم تعلق إِرَادَته بِأحد الطَّرفَيْنِ (لَا يُوجب اضطراره) تَعَالَى فِي الحكم، وَإِنَّمَا يُوجِبهُ الِاضْطِرَار فِيهَا (وَلنَا فِي الثَّانِي) من الْأُمُور الثَّلَاثَة الْمشَار إِلَيْهَا بقوله فِيمَا سبق فتمت ثَلَاثَة: وَهُوَ عدم استلزام اتصاف الْفِعْل بالْحسنِ والقبح حكما فِي العَبْد (لَو تعلق) الحكم بِالْفِعْلِ المتصف بالْحسنِ أَو الْقبْح فِي الْجُمْلَة، لِأَن الْمُدَّعِي سلب كلي ونقيضه إِيجَاب ضَرُورِيّ جزئي (قبل الْبعْثَة لزم التعذيب بِتَرْكِهِ) أَي بترك الْفِعْل الْمُتَعَلّق بِهِ الحكم (فِي الْجُمْلَة) بِأَن لم يتَعَلَّق بِتَرْكِهِ الْعَفو كَذَا ذكر، وَيرد عَلَيْهِ أَنه يجوز الْعَفو فِي جَمِيع صور الْمُخَالفَة، وَيُجَاب بِأَن الشّرك لَا يُعْفَى وَالظَّاهِر أَن قَوْله فِي الْجُمْلَة مَبْنِيّ على مَا ذكرنَا من اعْتِبَار الْإِيجَاب الجزئي فِي جَانب الشَّرْط (وَهُوَ) أَي التعذيب بِتَرْكِهِ قبل الْبعْثَة (مُنْتَفٍ) فَإِن قلت انْتِفَاء التعذيب قبل الْبعْثَة لَا يسْتَلْزم نفي التَّكْلِيف قبلهَا لجَوَاز كَونه مُكَلّفا مُسْتَحقّا للعذاب بِالتّرْكِ معفوا عَنهُ قلت الْآيَة تدل على أَنه لَا يسْتَحقّهُ أَيْضا
(2/159)

قبلهَا لدلالتها على ثُبُوت الْعذر لَهُم، وكونهم معذورين يُنَافِي اسْتِحْقَاق الْعَذَاب وَالله أعلم (بقوله تَعَالَى {وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا} قيل أَي وَلَا مثيبين فاستغنى عَن ذكر الثَّوَاب بِذكر الْعَذَاب الَّذِي هُوَ أظهر فِي تحقق معنى التَّكْلِيف (وتخصيصه) أَي الْعَذَاب بِعَذَاب الدُّنْيَا كَمَا جرى للأمم السالفة من مُكَذِّبِي الرُّسُل، أَو بِمَا عدا الْإِيمَان (بِلَا دَلِيل) وَأبْعد من هَذَا أَن يُرَاد بالرسول الْعقل (وَنفي التعذيب) الْمَذْكُور فِي الْآيَة (وَإِن لم يسْتَلْزم نفي التَّكْلِيف) بِالْكُلِّيَّةِ (عِنْد أبي مَنْصُور) وموافقيه لجَوَاز الْعَفو عِنْدهم عَن الْمُكَلف الَّذِي ترك مَا كلف بِهِ كَذَا ذكره الشَّارِح، وَيرد عَلَيْهِ أَن عدم استلزام نفي التعذيب نفي التَّكْلِيف لجوار الْعَفو لَا يخْتَص بِأبي مَنْصُور، فَالْوَجْه أَن يُقَال أَنه لما قَالَ يكون العَبْد مُكَلّفا قبل الْإِرْسَال بِبَعْض الْأَحْكَام دون بعض على مَا ذكر كَانَ معنى الْآيَة عِنْده: مَا كُنَّا معذبين بترك مَا يتَوَقَّف على السّمع (خلافًا للمعتزلة) قَالَ الشَّارِح فَإِنَّهُ يسْتَلْزم عِنْدهم قطعا لعدم تجويزهم الْعَفو جَريا مِنْهُ على مَا أسلف، وَأما على مَا ذَكرْنَاهُ فَمَعْنَاه خلافًا لَهُم فَإِنَّهُم يعممون التَّكْلِيف وَلَا يَقُولُونَ بِمثل مَا قَالَه أَبُو مَنْصُور غير أَنه يروج أَنهم لَا يثبتون بِالْعقلِ بعض الْأَحْكَام، فنفي التعذيب بترك تِلْكَ الْأَحْكَام لَا يسْتَلْزم نفي التَّكْلِيف عِنْدهم أَيْضا وَالْجَوَاب أَن مَا لَا يدْرك الْعقل فِيهِ حسنا أَو قبحا قَلِيل فالتكليف بِالْأَكْثَرِ قبل الْإِرْسَال مَوْجُود، وَتَخْصِيص الْآيَة بذلك الْقَلِيل تَأْوِيل بعيد فَتدبر (لكنه) أَي نفي التعذيب (يستلزمه) أَي نفي التَّكْلِيف عِنْد أبي مَنْصُور (فِي الْجُمْلَة) استلزام نفي التعذيب نفي التَّكْلِيف فِي الْجُمْلَة مَعْنَاهُ أَن نفي التعذيب على ترك فعل يتَوَقَّف حكمه على السّمع يسْتَلْزم نفي التَّكْلِيف بذلك الْفِعْل ونظائره، وَلَا يسْتَلْزم نفي التَّكْلِيف بِمَا لَا يتَوَقَّف حكمه عَلَيْهِ فَعلم أَن المُرَاد بِنَفْي التعذيب بالمحكوم عَلَيْهِ بِعَدَمِ الملزومية لنفي التَّكْلِيف مُطلقًا إِنَّمَا هُوَ نفي التعذيب على ترك بعض الْأَعْمَال لَا على ترك الْعَمَل مُطلقًا، لِأَن نَفْيه على تَركه مُطلقًا لَازمه نفي التَّكْلِيف مُطلقًا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَإِنَّمَا لَا يلْزم) ترك التَّكْلِيف مُطلقًا (فِي) نفي التعذيب (معِين) بِأَن يكون مُتَعَلّقه ترك مَخْصُوص، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْعينِ مَا لَيْسَ صفة للْعُمُوم (فنفيه) أَي التعذيب (مُطلقًا لنفيه) أَي التَّكْلِيف مُطلقًا، فيستدل بالمعلول على الْعلَّة (وَأَيْضًا) يسْتَدلّ على انْتِفَاء التَّكْلِيف بِانْتِفَاء التعذيب بترك الْفِعْل الْمُتَعَلّق بِهِ الحكم عقلا بقوله تَعَالَى (وَلَو أَنا أهلكناهم بِعَذَاب من قبله الْآيَة) أَي لقالوا {رَبنَا لَوْلَا أرْسلت إِلَيْنَا رَسُولا فنتبع آياتك من قبل أَن نذل ونخزى} -: وَجه الِاسْتِدْلَال أَنه تَعَالَى (لم يرد عذرهمْ) وَهُوَ أَنه على تَقْدِير عدم الْإِرْسَال لَا يسْتَحقُّونَ الْعَذَاب، بل هم معذورون لجهلهم (وَأرْسل) إِلَيْهِم رَسُولا (كي لَا يعتذروا بِهِ) وَلم يقل: هَذَا لَيْسَ بِعُذْر، لِأَن الْعقل كَاف فِي معرفَة الْأَحْكَام (وَأَيْضًا)
(2/160)

يسْتَدلّ بقوله تَعَالَى {لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل} فَإِنَّهُ يفهم مِنْهُ ثُبُوت الْحجَّة لَهُم على الله لَو عذبهم قبل الْبعْثَة، فَيُفِيد أَمنهم من الْعَذَاب، وَهُوَ يُوجب عدم الحكم قبلهَا (قَالُوا) أَي الْمُعْتَزلَة (لَو لم يثبت) حكم من الْأَحْكَام إِلَّا بِالشَّرْعِ (لزم إفحام الْأَنْبِيَاء) أَي عجزهم عَن إِثْبَات النُّبُوَّة، لِأَن النَّبِي إِذا ادّعى النُّبُوَّة وأتى بالمعجزة فَحِينَئِذٍ (إِذا قَالَ) النَّبِي للمبعوث إِلَيْهِ (انْظُر) فِي معجزتي (لتعلم) صدقي (قَالَ) الْمَبْعُوث إِلَيْهِ (لَا أنظر فِيهِ مَا لم يثبت الْوُجُوب) أَي وجوب النّظر (عَليّ) إِذْ لَهُ أَن يمْتَنع عَمَّا لم يجب عَلَيْهِ (وَلَا يثبت) الْوُجُوب عَليّ مَا لم أنظر) فِي معجزتك: إِذْ لَا وجوب إِلَّا بِالشَّرْعِ وَلم يثبت الشَّرْع بعد (أَو) قَالَ بِعِبَارَة أُخْرَى أوضح، وَهِي لَا أنظر (مَا لم يثبت الشَّرْع إِلَى آخِره) وَلَا يثبت الشَّرْع مَا لم أنظر، وَإِنِّي لَا أنظر، وَلَا سَبِيل حِينَئِذٍ للنَّبِي إِلَى دَفعه، وإفحامه بَاطِل، فَبَطل كَون وجوب النّظر فِيهِ شَرْعِيًّا فَتعين كَونه عقليا (وَالْجَوَاب أَن قَوْله: وَلَا يثبت إِلَى آخِره) أَي وَلَا يثبت الْوُجُوب عَليّ مَا لم أنظر (بَاطِل لِأَنَّهُ) أَي الْوُجُوب ثَابت (بِالشَّرْعِ) فِي نفس الْأَمر نظر فِي المعجز أَولا، غَايَة الْأَمر أَنه لَا يعلم ثُبُوته علما تصديقيا فَإِن قلت أَي فَائِدَة فِي ثُبُوته بِحَسب نفس الْأَمر إِذا لم يعلم بِهِ، وَهل يلْزم الْحجَّة عَلَيْهِ إِلَّا بعد علمه بِالطَّلَبِ، فَكَذَا إِذا عرض عَلَيْهِ النَّبِي أَن مَعَه معجزا إِن نظر فِيهِ يحصل بِهِ الْيَقِين بِكَوْنِهِ نَبيا صَادِقا فِيمَا يخبر بِهِ عَن الله تَعَالَى من طلب الْإِيمَان وَغَيره، وَلَا يتَوَقَّف هَذَا على شَيْء سوى النّظر فِيهِ كَانَ ذَلِك أوفى حجَّة عَلَيْهِ، وَكَانَ فِي إبائه متمردا ومتمتعا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَلَيْسَ) إِيجَاب النّظر عَلَيْهِ قبل النّظر، وَثُبُوت الشَّرْع عِنْده (تَكْلِيف غافل) بِمَا هُوَ غافل عَنهُ، وَلَا طلب فعل مِمَّا هُوَ خَالِي الذِّهْن عَن تصَوره عَن ذَلِك الْفِعْل (بعد فهم مَا خُوطِبَ بِهِ) وطولب مِنْهُ (وَمَا قيل تَصْدِيق من ثبتَتْ نبوته فِي أول إخباراته وَاجِب وَإِلَّا انْتَفَت فَائِدَة الْبعْثَة) وَذَلِكَ لِأَن الْمَقْصد من إرْسَال الرَّسُول تَبْلِيغ الْأَحْكَام الإلهية ليؤمنوا بهَا ويعملوا بموجبها، وَهُوَ لَا يحصل إِلَّا بالتصديق بإخباره فَيجب عَلَيْهِم التَّصْدِيق بالإخبار الأول: إِذْ عدم وُجُوبه يسْتَلْزم عدم وجوب مَا سواهُ بِالطَّرِيقِ الأولى فَيلْزم عدم وجوب تَصْدِيق شَيْء من إخباراته، وَإِذا لم يجب تَصْدِيق شَيْء مِنْهَا فَلهُ أَن لَا يصدقهُ فِي شَيْء مِنْهَا فَيصير مثل وَاحِد من آحَاد النَّاس فَلَا يبْقى للبعثة فَائِدَة، فِي التَّوْضِيح فِي تَفْسِير أَن وجوب تَصْدِيق النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن توقف على الشَّرْع يلْزم الدّور أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن توقف على الشَّرْع إِذا ادّعى بِالنُّبُوَّةِ وَأظْهر المعجزة، وَعلم السَّامع أَنه نَبِي فَأخْبر بِأُمُور مثل: أَن الصَّلَاة وَاجِبَة، فَإِن لم يجب تَصْدِيق شَيْء من ذَلِك يبطل فَائِدَة النُّبُوَّة، وَإِن وَجب فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون وجوب تَصْدِيق إخباراته عقليا
(2/161)

أَو لَا بل يكون وجوب تَصْدِيق كلهَا شَرْعِيًّا، وَالثَّانِي بَاطِل لِأَنَّهُ على تَقْدِيره كَانَ وجوب الْكل بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلَزِمَ أَنه قَالَ تَصْدِيق الْإِخْبَار الأول وَاجِب فيتكلم فِي هَذَا القَوْل فَإِن لم يجب تَصْدِيقه لزم عدم وجوب تَصْدِيق الْإِخْبَار، وَإِن وَجب فإمَّا أَن يجب بالإخبار الأول فَيلْزم الدّور أَو بقول آخر فيتكلم فِيهِ فَيلْزم التسلسل، فَتعين كَون وجوب شَيْء من إخباراته عقليا انْتهى وَلَا يخفى أَن فَائِدَة انْتِفَاء الْبعْثَة لَازم للسلب الْكُلِّي، وَانْتِفَاء السَّلب الْكُلِّي يتَحَقَّق بِالْإِيجَابِ الجزئي، وَقَوله وَإِن وَجب إِلَى آخر الْمُقدمَات مَبْنِيّ على الْإِيجَاب الْكُلِّي، فَيبقى بَينهمَا وَاسِطَة لم يذكر حكمهَا فَاخْتَارَ التَّقْرِير الْمَذْكُور لِئَلَّا يرد عَلَيْهِ ذَلِك مَعَ أَنه أخصر، ثمَّ لما أثبت وجوب التَّصْدِيق الْإِخْبَار الأول ردد فِيهِ، فَقَالَ (فَأَما) أَي فثبوت وُجُوبه إِمَّا (بِالشَّرْعِ) أَو بِالْعقلِ. وَالثَّانِي عين الْمَطْلُوب كَمَا سَيَأْتِي، وعنى الأول (فبنص وجوب تَصْدِيق) أَي فثبوته الشَّرْعِيّ إِنَّمَا يكون بِنَصّ دَال على وجوب تَصْدِيق النَّبِي فَهُوَ إِخْبَار ثَان عَن الله، فيتكلم فِيهِ على سَبِيل الترديد فَيَقُول (الثَّانِي) ثُبُوته (لَا يكون بِنَفسِهِ) وَإِلَّا يلْزم توقف الشَّيْء على نَفسه، فَيلْزم أَن يكون بِغَيْرِهِ (فإمَّا) أَن يكون ثُبُوته (بِالْأولِ) فَيكون ذَلِك الْغَيْر هُوَ الْإِخْبَار الأول (فيدور) أَي فَيلْزم الدّور، لِأَن الْمَفْرُوض توقف ثُبُوت وجوب تَصْدِيق الأول عَلَيْهِ (أَو) يكون ثُبُوته (بثالث) أَي بأخبار ثَالِث (فيتسلسل فَهُوَ) أَي وجوب تَصْدِيقه فِي أول إخباراته (بِالْعقلِ، وَكَذَا) أَي لوُجُوب تَصْدِيق الْإِخْبَار الأول (وجوب امْتِثَال أوامره) أَي الشَّارِع فِي أَن وجوب ثُبُوتهَا بِالْعقلِ، فَيُقَال (لَو) كَانَ ثُبُوته (بِالشَّرْعِ توقف) أَي وُجُوبه (على الْأَمر بالامتثال) وَهُوَ من ثَان (فوجوب امْتِثَال الْأَمر بالامتثال) صلَة الْأَمر (إِن كَانَ بِالْأولِ دَار، وَإِلَّا) بِأَن كَانَ بثالث، وَالثَّالِث برابع، وهلم جرا (تسلسل) فَمَا قيل مُبْتَدأ خَبره (فَجَوَابه أَن اللَّازِم) من هَذَا الدَّلِيل (جزم الْعقل بصدقه) أَي النَّبِي فِي أول إخباراته، وَيُوجب ذَلِك امْتِثَال أوامره (استنباطا من دليلها) أَي من دَلِيل صدق إخباراته ووجوبات امْتِثَال أوامره وَهُوَ ظُهُور المعجزة على يَدَيْهِ ليثبت صدقه فِيمَا يخبر عَن الله تَعَالَى، وامتثال مَا يَأْمر بِهِ (فَأَيْنَ الْوُجُوب عقلا بِمَعْنى اسْتِحْقَاق الْعقَاب) فِي الآجل (بِالتّرْكِ، بل يتَوَقَّف) الْوُجُوب عقلا بِهَذَا الْمَعْنى (على نَص) فَإِن قلت: إِذا ثَبت صدقه وَعلم أَن مَا يَدْعُو إِلَيْهِ من الله تَعَالَى مَطْلُوب من العَبْد يثبت أَنه إِذا عَصَاهُ يسْتَحق الْعقَاب فِي الْآخِرَة قُلْنَا لَا نسلم لِأَنَّهُ يرجع إِلَيْهِ ضَرَر من عصيانهم وَلَا يتأثر بِهِ، فَيجوز أَن لَا يغْضب على العَاصِي، والاستحقاق الْمَذْكُور فرع ذَلِك فَلَا بُد من نَص دَال عَلَيْهِ (قَالُوا) أَي الْمُعْتَزلَة (ثَانِيًا نقطع بِأَنَّهُ يقبح عِنْد الله من الْعَارِف بِذَاتِهِ المنزهة وَصِفَاته الْكَرِيمَة أَن ينْسب إِلَيْهِ مَا لَا يَلِيق من صِفَات النَّقْص) سَوَاء (ورد شرع)
(2/162)

أَفَادَ ذَلِك (أَولا فَيحرم عقلا) أَن ينْسب إِلَيْهِ (أُجِيب بِأَن الْقطع) بالقبح الْمَذْكُور بِمَعْنى اسْتِحْقَاق الْعَذَاب للتنازع فِيهِ (لما ركز فِي النُّفُوس من الشَّرَائِع الَّتِي لم تَنْقَطِع مُنْذُ بعثة آدم) عَلَيْهِ السَّلَام (فَتوهم) بِهَذَا السَّبَب (أَنه) أَي الْقطع الْمَذْكُور (بِمُجَرَّد حكم الْعقل) ثمَّ لما كَانَ الْمُخْتَار عِنْد المُصَنّف أَن الْفِعْل يَتَّصِف بالْحسنِ والقبح بِخَارِج، وَلَا تَكْلِيف قبل الْبعْثَة قَالَ (وعَلى أصلنَا ثُبُوت الْقبْح) لِلْعَقْلِ (فِي الْعقل) أَي عِنْد الْعقل (وَعِنْده تَعَالَى لَا يسْتَلْزم عقلا) أَي استلزاما عقليا (تَكْلِيفه) بِحكم يمنعهُ من الْفِعْل، ثمَّ بَين وَجه الاستلزام بقوله (بِمَعْنى أَنه يقبح مِنْهُ تَعَالَى تَركه) أَي ترك تَكْلِيفه بكف النَّفس عَن ذَلِك الْقَبِيح (وللحنفية والمعتزلة فِي الثَّالِث) أَن استلزام اتصاف الْفِعْل بالْحسنِ والقبح امْتنَاع تَعْذِيب الطائع وتكليف مَا لَا يُطَاق أَنه (ثَبت بالقاطع اتصاف الْفِعْل بالْحسنِ والقبح فِي نفس الْأَمر، فَيمْتَنع اتصافه) أَي اتصاف فعله تَعَالَى (بِهِ) أَي بالقبيح (تَعَالَى) الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا (وَأَيْضًا فالاتفاق على اسْتِقْلَال الْعقل بدركهما) أَي الْحسن والقبح (بِمَعْنى صفة الْكَمَال و) صفة (النَّقْص كَالْعلمِ وَالْجهل على مَا مر، فبالضرورة يَسْتَحِيل عَلَيْهِ تَعَالَى مَا أدْرك فِيهِ نقص وَحِينَئِذٍ) أَي وَحين كَانَ مستحيلا عَلَيْهِ مَا أدْرك فِيهِ نقص (ظهر الْقطع باستحالة اتصافه تَعَالَى بِالْكَذِبِ وَنَحْوه، تَعَالَى عَن ذَلِك وَأَيْضًا) لَو لم يمْتَنع اتصاف فعله بالقبح (يرْتَفع الْأمان عَن صدق وعده، و) صدق (خبر غَيره) أَي غير الْوَعْد (و) يرْتَفع الْأمان عَن صدق (النُّبُوَّة) أَي لم يجْزم بصدقها أصلا لَا عقلا، لِأَن صدقهَا مَوْقُوف على امْتنَاع اتصاف فعله بالقبح الَّذِي من جملَته الشَّهَادَة الكاذبة على أَنَّهَا دَعْوَى النَّفس، وَلَا شرعا، لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُمكن إثْبَاته بِالسَّمْعِ لِأَن حجيته فرع صدقه تَعَالَى، وَاكْتفى بِذكر الْوَعْد عَن ذكر الْوَعيد، وَمَا قَالَ الأشاعرة من جَوَاز الْخلف فِي الْوَعيد كغيرهم، لِأَنَّهُ لَا يعد نقصا، بل هُوَ من بَاب الْكَرم (وَعند الْأَشْعَرِيّ كَسَائِر الْخلق) كَمَا عِنْد سَابق الْخلق (الْقطع بِعَدَمِ اتصافه تَعَالَى) بِشَيْء من القبائح (دون الاستحالة الْعَقْلِيَّة) إِذْ الْقبْح لَيْسَ بعقل عِنْده، فَكيف يَسْتَحِيل عِنْده عقلا الاتصاف بِمَا لَا يحكم الْعقل بقبحه، فسائر الْخلق مَعَه فِي الْقطع بِعَدَمِ الاتصاف بِمَا ذكر، لَا فِي نفي الاستحالة الْعَقْلِيَّة، ثمَّ هَذَا الحكم القطعى (كَسَائِر الْعُلُوم الَّتِي يقطع فِيهَا بِأَن الْوَاقِع) فِي نفس الْأَمر (أحد النقيضين مَعَ اسْتِحَالَة الآخر لَو قدر) أَنه الْوَاقِع، وَذَلِكَ (كالقطع بِمَكَّة) أَي بوجودها (وبغداد) فَإِنَّهُ لَا يحِيل الْعقل عدمهَا (وَحِينَئِذٍ) أَي وَحين كَانَ الْقطع بِعَدَمِ اتصافه تَعَالَى بالقبيح كالقطع بِكَوْن الْجَبَل حجرا مَعَ إِمْكَان انقلابه ذَهَبا، ونظائره من الْعُلُوم العادية (لَا يلْزم ارْتِفَاع الْأمان) عِنْد صدق الْوَعْد وَغَيره، لِأَنَّهُ وَإِن لم يكن خَلفه محالا عقليا لَكنا نقطع بِعَدَمِهِ كَمَا نقطع بِعَدَمِ الْجَبَل
(2/163)

ذَهَبا (وَالْخلاف) الْجَارِي فِي اسْتِحَالَة اتصافه بِالْكَذِبِ وَنَحْوه على مَا ذكر (جَار) نَظِيره (فِي كل نقيصة) ثمَّ صور كيفيته بقوله (أقدرته) تَعَالَى (عَلَيْهَا) أَي على تِلْكَ النقيصة (مسلوبة أم هِيَ) أَي النقيصة (بهَا) أَي بقدرته (مشمولة) فالجملتان الإنشائيتان فِي مَحل الرّفْع على الخبرية بِتَقْدِير الْكَلَام تَصْوِير الْخلاف بِاعْتِبَار السُّؤَال الَّذِي يَقع جَوَاب كل من المتخالفين عَنهُ، بِأَن يُقَال: أقدرته إِلَى آخِره (وَالْقطع بِأَنَّهُ لَا يفعل) أَي وَالْحَال الْقطع بِعَدَمِ فعل تِلْكَ النقيصة (وَالْحَنَفِيَّة والمعتزلة على الأول) أَي على أَن قدرته عَلَيْهَا مسلوبة لِاسْتِحَالَة تعلق قدرته بالمحال (وَعَلِيهِ فرعوا) أَي على أَن قدرته (امْتنَاع تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق، و) امْتنَاع (تَعْذِيب الطائع). قَالَ المُصَنّف فِي المسايرة: وَاعْلَم أَن الْحَنَفِيَّة لما استحالوا عَلَيْهِ تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق، فهم لتعذيب المحسن الَّذِي استغرق عمره فِي الطَّاعَة مُخَالفا لهوى نَفسه فِي رضَا مَوْلَاهُ أمنع بِمَعْنى أَنه يتعالى عَن ذَلِك فَهُوَ من بَاب التنزيهات: إِذْ التَّسْوِيَة بَين الْمُسِيء والمحسن غير لَائِق بالحكمة فِي نظر سَائِر الْعُقُول، وَقد نَص تَعَالَى على قبحه حَيْثُ قَالَ - {أم حسب الَّذين اجترحوا السَّيِّئَات أَن نجعلهم كَالَّذِين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات سَوَاء محياهم ومماتهم سَاءَ مَا يحكمون} - فَجعله سَيِّئًا، هَذَا فِي التجويز عَلَيْهِ وَعَدَمه، أما الْوُقُوع فمقطوع بِعَدَمِهِ غير أَنه عِنْد الأشاعرة للوعد بِخِلَافِهِ وَعند الْحَنَفِيَّة وَغَيرهم لذَلِك، ولقبح خِلَافه انْتهى (وَذكرنَا فِي المسايرة) بطرِيق الْإِشَارَة (أَن الثَّانِي) وَهُوَ أَنَّهَا بهَا مشمولة، وَالْقطع بِأَنَّهُ لَا يَفْعَلهَا اخْتِيَارا (أَدخل فِي التَّنْزِيه). قَالَ فِي المسايرة، ثمَّ قَالَ: يَعْنِي صَاحب الْعُمْدَة من مَشَايِخنَا، وَلَا يُوصف تَعَالَى بِالْقُدْرَةِ على الظُّلم والسفه وَالْكذب، لِأَن الْمحَال لَا يدْخل تَحت الْقُدْرَة وَعند الْمُعْتَزلَة يقدر وَلَا يفعل انْتهى وَلَا شكّ أَن سلب الْقُدْرَة عَمَّا ذكر هُوَ مَذْهَب الْمُعْتَزلَة، وَأما ثُبُوتهَا ثمَّ الِامْتِنَاع عَن متعلقها فمذهب الأشاعرة أليق وَلَا شكّ أَن الِامْتِنَاع عَنْهَا من بَاب التنزيهات فيسبر الْعقل فِي أَن أَي الْفَصْلَيْنِ أبلغ فِي التَّنْزِيه عَن الْفَحْشَاء أهوَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ مَعَ الِامْتِنَاع عَنهُ مُخْتَارًا فِي الشق الأول، أَو الِامْتِنَاع لعدم الْقُدْرَة فَيجب القَوْل بِإِدْخَال الْقَوْلَيْنِ فِي التَّنْزِيه انْتهى. فَفِي قَوْله مَعَ الِامْتِنَاع مُخْتَارًا فِي الشق الأول، وَقَوله أَو الِامْتِنَاع لعدم الْقُدْرَة مَعَ مَا سبق من قَوْله: وَلَا شكّ أَن الِامْتِنَاع عَنْهَا من بَاب التنزيهات إِشْعَار بِأَن الأول أَدخل فِي التَّنْزِيه: إِذْ التَّنْزِيه فِيمَا لَيْسَ باختياري غير ظَاهر، وَيُؤَيّد مَا ذكرنَا تَقْدِيم ذَلِك الشق فِي الذّكر، وَالْأول فِي المسايرة ثَان فِي هَذَا الْكتاب، خُذ (هَذَا وَلَو شَاءَ الله قَالَ قَائِل) فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن مَا سَنذكرُهُ لم يقل بِهِ أحد قبله (هُوَ) أَي النزاع بَين الْفرق الثَّلَاثَة (لَفْظِي، فَقَوْل الأشاعرة هُوَ أَنه) أَي الشَّأْن (لَا يحِيل الْعقل) أَي يجوز مَعَ قطع النّظر عَن الْأَدِلَّة الخارجية (كَون من اتّصف بالألوهية)
(2/164)

أَي الْعُبُودِيَّة بِالْحَقِّ (وَالْملك) أَي الْمَالِكِيَّة (لكل شَيْء متصفا بالجور) أَي بِمَا هُوَ خلاف الْعدْل إِذا صدر من شخص يَقُول: هَذَا جور وظلم (وَمَا لَا يَنْبَغِي: إِذْ حَاصله) أَي الاتصاف بِمَا ذكر (أَنه مَالك جَائِر، وَلَا يحِيل الْعقل وجود مَالك كَذَلِك) أَي جَائِر على مماليكه (وَلَا يسع الْحَنَفِيَّة والمعتزلة إِنْكَاره) أَي عدم إِحَالَة الْعقل ذَلِك (وَقَوْلهمْ) أَي الْحَنَفِيَّة والمعتزلة (يَسْتَحِيل) كَونه متصفا بالجور، وَمِمَّا لَا يَنْبَغِي إِنَّمَا هُوَ (بِالنّظرِ إِلَى مَا قطع بِهِ من ثُبُوت اتصاف هَذَا الْعَزِيز الَّذِي ثَبت أَنه الْإِلَه) لَا غَيره، وَهُوَ الله سُبْحَانَهُ (بأقصى كمالات الصِّفَات من الْعدْل وَالْإِحْسَان وَالْحكمَة: إِذْ يَسْتَحِيل اجْتِمَاع النقيضين فلحظهم) أَي ملحوظ الْحَنَفِيَّة والمعتزلة (إِثْبَات الضَّرُورَة بِشَرْط الْمَحْمُول فِي المتصف الْخَارِجِي) المُرَاد بالمتصف الْخَارِجِي: الشَّخْص الْمَوْجُود فِي الْخَارِج الثَّابِت ألوهيته المتصف بأقصى الكمالات، وبالمحمول الْوَصْف الَّذِي حمل عَلَيْهِ من كَونه متصفا بأقصى الكمالات وَلَا شكّ فِي أَنه إِذا شَرط مَعَ ذَاته الْوَصْف الْمَذْكُور بِأَن يعْتَبر من حَيْثُ أَنه مَوْصُوف بِهِ، وينسب إِلَيْهِ الْجور الَّذِي هُوَ نقيض مَا شَرط فِيهِ بِحكم الْعقل باستحالته بِالضَّرُورَةِ، وَهَذَا معنى إِثْبَات الضَّرُورَة الخ (والأشعرية) يجوزون ذَلِك (بِالنّظرِ إِلَى مُجَرّد مَفْهُوم إِلَه وَمَالك كل شَيْء) مَعَ قطع النّظر عَن كَون مَا صدق عَلَيْهِ هَذَا الْمَفْهُوم متصفا بأقصى الكمالات (وَاسْتمرّ الأشعرية أَن تنزلوا) فِي مَبْحَث التحسين والتقبيح العقليين (إِلَى اتصاف الْفِعْل) أَي باحوا بطرِيق التنزل، وَتَسْلِيم أَن الْفِعْل يَتَّصِف بالْحسنِ والقبح المستدعي تعلق الحكم بِهِ (ويبطلوا مسئلتين) متعلقتين باتصافه بهما (على التنزل) أَي مَعَ تنزلهم إِلَى ذَلِك (وَنحن وَإِن ساعدناهم) أَي الأشاعرة (على نفي التَّعَلُّق) أَي تعلق الحكم بِالْفِعْلِ (قبل الْبعْثَة لَكنا نورد كَلَامهم لما فِيهِ) أَي فِي كَلَامهم مِمَّا لَا نرتضيه لقصد التَّحْقِيق وَإِظْهَار الصَّوَاب.
المسئلة (الأولى: شكر الْمُنعم) أَي اسْتِعْمَال جَمِيع مَا أنعم الله تَعَالَى على العَبْد فِيمَا خلق لأَجله كصرف النّظر إِلَى مُشَاهدَة مصنوعاته ليستدل بهَا على صانعها، والسمع إِلَى تلقي أوامره وإنذاراته، وَاللِّسَان إِلَى التحدث بِالنعَم وَالثنَاء الْجَمِيل على الْمُنعم قيل هَذَا معنى الشُّكْر حَيْثُ ورد فِي الْكتاب الْعَزِيز، وَلذَا قَالَ تَعَالَى - {وَقَلِيل من عبَادي الشكُور} - (لَيْسَ بِوَاجِب عقلا لِأَنَّهُ) أَي الشُّكْر (لَو وَجب) عقلا (فلفائدة) أَي فإيجابه لَا يكون إِلَّا لفائدة. وَذَلِكَ (لبُطْلَان الْعَبَث) وَهُوَ أَن يفعل الْفَاعِل اخْتِيَارا مَا لَا فَائِدَة فِيهِ (فإمَّا لله تَعَالَى) أَي وَإِذا كَانَ لفائدة فإمَّا أَن يكون لفائدة رَاجِعَة إِلَى الله (أَو للْعَبد) أَي أَو لفائدة رَاجِعَة إِلَى العَبْد، وَحِينَئِذٍ إِمَّا أَن يكون حُصُولهَا لَهُ (فِي الدُّنْيَا أَو) فِي (الْآخِرَة، وَهِي) أَي هَذِه الْأَقْسَام الثَّلَاثَة (بَاطِلَة). ثمَّ بَين بُطْلَانهَا على تَرْتِيب اللف والنشر، فَقَالَ (لتعاليه) تَعَالَى عَن أَن يكون
(2/165)

فعله لفائدة رَاجِعَة إِلَيْهِ، أَو عَن رُجُوع فَائِدَة إِلَيْهِ (و) لحُصُول (الْمَشَقَّة) من الشُّكْر الَّذِي هُوَ فعل الْوَاجِبَات، وَترك الْمُحرمَات، وَنَحْوهمَا (فِي الدُّنْيَا) بِغَيْر حَقِيقَة تَعب لَا حَظّ للنَّفس فِيهِ، وَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ حَظّ لَهَا فَلَيْسَ للْعَبد فِيهِ فَائِدَة دنيوية (وَعدم اسْتِقْلَال الْعقل بِأُمُور الْآخِرَة) فَلَيْسَ لِلْعَقْلِ أَن يُوجب الشُّكْر لفائدة رَاجِعَة إِلَى العَبْد فِي الْآخِرَة، لِأَن ذَلِك فرع استقلاله بِمَا يحصل للْعَبد من الْفَوَائِد الأخروية فِي مُقَابلَة الشُّكْر، وَلَا اسْتِقْلَال لَهُ فِيهَا لِأَنَّهَا من الْعَبَث الَّذِي لَا مجَال لِلْعَقْلِ فِيهِ (وانفصل الْمُعْتَزلَة) عَن هَذَا الْإِلْزَام بِأَنَّهُ لفائدة (ثمَّ بِأَنَّهَا) للْعَبد (فِي الدُّنْيَا وَهِي) أَي تِلْكَ الْفَائِدَة الدُّنْيَوِيَّة (دفع ضَرَر خوف الْعقَاب) ثمَّ اسْتدلَّ على وجود الْخَوْف الْمَذْكُور بقوله (للُزُوم خطور مُطَالبَة الْملك الْمُنعم بالشكر) والأمن من الْعقَاب من أعظم الْفَوَائِد، وَكَذَلِكَ دفع خَوفه واندفاع الْخَوْف فَائِدَة دنيوية، وَالْمَشَقَّة الَّتِي يَتَرَتَّب عَلَيْهَا دفع الضَّرَر لَا تنَافِي وجود الْفَائِدَة (وَمنع الأشعرية لُزُوم الْخطر) الْمُوجب للخوف فَلَا يتَعَيَّن وجوده، وَالدَّفْع الْمَذْكُور فرع وجوده وَقد يُجَاب بِأَنَّهُ وَإِن لم يتَعَيَّن وجوده لكنه على خطر الْوُجُود، وبالشكر ينْدَفع احْتِمَال وجوده: وَهُوَ فَائِدَة جليلة، وَفِيه مَا فِيهِ، على أَن مَنعهم غير موجه لِأَن الظَّاهِر أَن مَا ذكره الْمُعْتَزلَة منع، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُرَاد بِالْمَنْعِ أَن سَنَد الْمُعْتَزلَة لَا يصلح للسندية وَفِيه مَا فِيهِ (وعَلى) تَقْدِير (التَّسْلِيم) للُزُوم الخطور الْمَذْكُور (فمعارض بِأَنَّهُ) أَي الشُّكْر (تصرف فِي ملك الْغَيْر) بالاتعاب بالأفعال والتروك الشاقة بِدُونِ إِذن الْمَالِك، وَمَا يتَصَرَّف فِيهِ من نَفسه وَغَيره ملك الله تَعَالَى، وَهَذَا يُفِيد عدم وُجُوبه (وَبِأَنَّهُ) أَي شكر النِّعْمَة (يشبه الِاسْتِهْزَاء) من وَجْهَيْن أما أَحدهمَا أَنه لَيْسَ للنعمة قدر يعْتد بِهِ بِالنّظرِ إِلَى مملكة الْمُنعم وَعظم شَأْنه، والمقابلة بالشكر تؤذن بالاعتداد بهَا عِنْد الْمُنعم، وَثَانِيهمَا أَن النعم لَا تعد وَلَا تحصى وَالشُّكْر فِي مقابلتها كإهداء فَقير للْملك حَبَّة شعير فِي مُقَابلَة مَا أنعم عَلَيْهِ من ملك الْبِلَاد شرقا وغربا (وَلَقَد طَال رواج هَذِه الْجُمْلَة) من الِاسْتِدْلَال والاعتراض وَالْجَوَاب فِيمَا بَينهم (على تهافتها) أَي تساقطها وَعدم أهليتها لِأَن يلْتَفت إِلَيْهَا، ثمَّ بَين التهافت بقوله (فَإِن الحكم بتعلق الحكم) يَعْنِي حكم الْمُعْتَزلَة بتعلق الْوُجُوب وَالْحُرْمَة مثلا بِالْفِعْلِ قبل الْبعْثَة (تَابع لعقلية مَا فِي الْفِعْل) أَي تَابع لكَون مَا فِي الْفِعْل من الْحسن والقبح عقليا (فَإِذا عقل فِيهِ) أَي فِي الْفِعْل (حسن يلْزم بترك مَا هُوَ) أَي الْحسن (فِيهِ الْقبْح كحسن شكر الْمُنعم المستلزم تَركه) أَي الشُّكْر (قبح الكفران) أَي الْقبْح الَّذِي هُوَ الكفران، فالإضافة بَيَانِيَّة (بِالضَّرُورَةِ) مُتَعَلق بالاستلزام أَو الكفران (فقد أدْرك) الْعقل (حكم الله الَّذِي هُوَ وجوب الشُّكْر قطعا) أَي أدْركهُ بِلَا شُبْهَة (وَإِذا ثَبت الْوُجُوب) أَي وجوب الشُّكْر (بِلَا مرد لم يبْق لنا حَاجَة فِي تعْيين فَائِدَة بل نقطع بثبوتها) اي
(2/166)

الْفَائِدَة (فِي نفس الْأَمر علم عينهَا أَولا) يَعْنِي بعد الْقطع بثبوتها لَا نورث تقسيمكم الْمَذْكُور للفائدة وَنفي أقسامها شُبْهَة إِذْ هُوَ لَيْسَ بحاظر وَلَا مَا يُفِيد النَّفْي بقاطع فَلَيْسَ لكم مخلص إِلَّا منع الْعَقْلِيَّة، والبحث إِنَّمَا هُوَ بطرِيق التنزل وَتَسْلِيم الْعَقْلِيَّة (وَلَو منعُوا) أَي الأشاعرة (اتصاف الشُّكْر) بالْحسنِ (و) اتصاف (الكفران) بالقبح (لم تصر المسئلة على التنزل) وَهُوَ خلاف الْمَفْرُوض (وَكَذَا انْفِصَال الْمُعْتَزلَة) بِأَنَّهَا فِي الدُّنْيَا الخ تَابع لعقلية مَا فِي الْفِعْل (فَإِن دفع ضَرَر) خوف (الْعقَاب) الَّذِي هُوَ سَنَد منع انْتِفَاء الْفَائِدَة الدُّنْيَوِيَّة (إِنَّمَا يَصح) حَال كَونه (حَامِلا) للشاكر (على الْعَمَل) الَّذِي بِهِ يتَحَقَّق بِهِ الشُّكْر (وَهُوَ) أَي الْخَوْف أَو الْعَمَل الْمَبْنِيّ عَلَيْهِ (بعد الْعلم بِالْوُجُوب) أَي وجوب الشُّكْر عقلا (بطريقه) أَي بطرِيق الْموصل إِلَى الْعلم بِالْوُجُوب حسن الشُّكْر الْمُقْتَضى تَركه الْقبْح (وَهُوَ) أَي طَرِيقه (الَّذِي فِيهِ الْكَلَام) أَي النزاع، فَدلَّ هَذَا الِانْفِصَال أَن الْبَحْث بطرِيق التنزل وَتَسْلِيم الْعَقْلِيَّة لما فِي الْفِعْل (وَتَسْلِيم لُزُوم الخطور) أَي خطور خوف الْعقَاب (ومعارضتهم) أَي الأشاعرة للمعتزلة (بِالتَّصَرُّفِ فِي ملك الْغَيْر) على مَا ذكر (إلزامي إِذْ اعْتَرَفُوا) أَي الأشاعرة (فِي المسئلة الثَّانِيَة) على مَا سَيَأْتِي (بِأَن حرمته) أَي التَّصَرُّف فِي ملك الْغَيْر (لَيست عقلية) فالتحريم الَّذِي ادَّعَاهُ الأشاعرة فِي التَّصَرُّف الْمَذْكُور عِنْد الْمُعَارضَة على زعم الْمُعْتَزلَة فالبحث إلزامي، (وَأما) معارضتهم (بِأَنَّهُ) أَي شكر النِّعْمَة مجازاة (يشبه الِاسْتِهْزَاء فَيَقْضِي مِنْهُ) أَي من صنعهم (الْعجب) لغرابته وسخافته، كَيفَ وَيلْزم مِنْهُ انسداد بَاب الشُّكْر قبل الْبعْثَة وَبعدهَا على أَن مَا ذكر فِي وَجه شبه الِاسْتِهْزَاء كَلِمَات واهية (وَالْوَجْه فِيهِ) أَي فِي انْتِفَاء تعلق الحكم بِالْفِعْلِ قبل الْبعْثَة أَن يُقَال (لَا طَرِيق لِلْعَقْلِ إِلَى الحكم بحدوث مَا لم يكن إِلَّا بِالسَّمْعِ) أَي إِلَّا طَرِيق السّمع (أَو الْبَصَر وَالْفَرْض) أَي الْمَفْرُوض (انتفاؤهما) أَي السّمع وَالْبَصَر، إِذْ الْكَلَام فِيمَا قبل الْبعْثَة، وَلَا سمع إِذْ ذَاك (فِي) حق (تعلق حكمه) تَعَالَى بِالْفِعْلِ (ودرك مَا فِي الْفِعْل) من حسن وقبح (غير مُسْتَلْزم) تَكْلِيفه بِفعل أَو ترك (إِلَّا لَو كَانَ ترك تَكْلِيفه تَعَالَى يُوجب نَقصه تَعَالَى وَهُوَ) أَي إِيجَاب ترك التَّكْلِيف النَّقْص (مَمْنُوع)
المسئلة (الثَّانِيَة: أَفعَال الْعباد الاختيارية مِمَّا لَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْبَقَاء) تَقْيِيد للأفعال الاختيارية ويقابلها الاضطرارية وَهِي مَا لَا يُمكن الْبَقَاء بِدُونِهَا: كالتنفس فِي الْهَوَاء حَال كَونهَا وَاقعَة (قبل الْبعْثَة أَن أدْرك فِيهَا جِهَة محسنة أَو مقبحة فعلى مَا تقدم من التَّقْسِيم عِنْد الْمُعْتَزلَة) من أَن الْمدْرك إِمَّا حسن فعل بِحَيْثُ يقبح تَركه فَوَاجِب وَإِلَّا فمندوب أَو ترك على وزانه فَحَرَام ومكروه (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يدْرك فِيهَا جِهَة محسنة وَلَا مقبحة (فَلهم) أَي للمعتزلة (فِيهَا) أَي الْأَفْعَال الاختيارية
(2/167)

ثَلَاثَة مَذَاهِب (الْإِبَاحَة) أَي عدم الْحَرج هُوَ قَول معتزلة الْبَصْرَة وَكثير من الشَّافِعِيَّة وَأكْثر الْحَنَفِيَّة قَالُوا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ مُحَمَّد فِيمَن هدد بِالْقَتْلِ على أكل الْميتَة أَو شرب الْخمر فَلم يفعل حَتَّى قتل بقوله خفت أَن يكون إِثْمًا، لِأَن أكل الْميتَة وَشرب الْخمر لم يحرما إِلَّا بِالنَّهْي عَنْهُمَا فَجعل الْإِبَاحَة أصلا وَالْحُرْمَة بِعَارِض النَّهْي (والحظر) أَي الْحُرْمَة: وَهُوَ قَول معتزلة بَغْدَاد وَبَعض الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة (وَالْوَقْف) وَهُوَ قَول بعض الْحَنَفِيَّة مِنْهُم أَبُو مَنْصُور الماتريدي وَصَاحب الْهِدَايَة وَعَامة أهل الحَدِيث وَنقل عَن الأشعرية (و) يُقَال (على الْأَوَّلين) الْإِبَاحَة والحظر (إِن الحكم بتعلق) حكم (معِين) بِفعل عقلا (فرع معرفَة حَال الْفِعْل) ليعلم أَنه هَل فِيهِ جِهَة محسنة أَو مقبحة على مَا تقدم من التَّقْسِيم أَولا، فَإِذا علم أَنه لَيْسَ فِيهِ شَيْء من ذَلِك حكم بعد ذَلِك الْمُبِيح بِالْإِبَاحَةِ والحاظر بالحظر (فَإِذا قَالَ الْمُبِيح بِنَاء على منع الْحصْر) يَعْنِي إِذا قَالَ لَيْسَ فِيهِ شَيْء من تِلْكَ الْجِهَات فَهُوَ مُبَاح فَمنع الْخصم الْحصْر فِي تِلْكَ الْجِهَات فالإباحة لجَوَاز الْحَظْر، قَالَ الْمُبِيح بِنَاء على هَذَا الْمَنْع (خلق) الله (العَبْد و) خلق (مَا يَنْفَعهُ) من الْأَفْعَال (فَمَنعه) من هَذَا الْفِعْل (و) الْحَال أَنه (لَا ضَرَر) فِي هَذَا الْفِعْل: إِذْ الْمَفْرُوض أَنه لَيْسَ فِيهِ جِهَة مقبحة (إخلال بفائدته) أَي خلقهما (وَهُوَ) أَي الْإِخْلَال (الْعَبَث) أَي ملزوم الْعَبَث وَهُوَ الْخلق بِلَا فَائِدَة (فمراده) أَي الْمُبِيح (وَهُوَ) أَي والعبث (نقيصة تمْتَنع عَلَيْهِ تَعَالَى) يَعْنِي هَذِه الْمُقدمَة مطوية منوية فِي هَذَا الِاسْتِدْلَال (والحاظر) يَعْنِي إِذا قَالَ الحاظر بِنَاء على منع الْحصْر فِي تِلْكَ الْجِهَات والحظر لجَوَاز الْإِبَاحَة لَا سَبِيل إِلَيْهَا لِأَنَّهُ (تصرف فِي ملك الْغَيْر فمراده) أَي الحاظر أَن التَّصَرُّف فِي ملك الْغَيْر (يحْتَمل الْمَنْع) وَإِن لم يتَعَيَّن (فالاحتياط الْعقلِيّ مَنعه) أَي العَبْد، إِذْ على تَقْدِير عدم التَّصَرُّف لَا يلْزم مَحْذُور، وعَلى تَقْدِير التَّصَرُّف يحْتَمل لُزُومه، وَالْعقل يحكم بترك مَا يحْتَمل الْمَحْذُور إِلَى مَا لَا يحْتَملهُ (فَانْدفع) بِهَذَا التَّقْرِير (مَا قيل على) دَلِيل (الْحَظْر) من منع بطلَان التَّصَرُّف فِي ملك الْغَيْر مُسْتَندا (بِأَن من ملك بحرا لَا ينفذ واتصف بغاية الْجُود، كَيفَ يدْرك الْعقل عُقُوبَته عَبده بِأخذ قدر سمسمة مِنْهُ) أَي الْبَحْر (لِأَنَّهُ) أَي الحاظر (لم يبن الْحَظْر على دَرك) الْعقل (ذَلِك) الْمَنْع (بل على احْتِمَاله) أَي مَنعه بِاعْتِبَار (أَنه تصرف فِي ملك الْملك بِلَا إِذْنه فيحتاط بِمَنْعه، و) انْدفع أَيْضا (منع أَن حُرْمَة التَّصَرُّف عَقْلِي بل سَمْعِي، وَلَو سلم) أَنه عَقْلِي (فَفِي حق من يتَضَرَّر) بذلك، وَالله سُبْحَانَهُ منزه عَن ذَلِك (وَلَو سلم) أَن التَّصَرُّف فِي حق كل مَالك مَمْنُوع عقلا (فمعارض بِمَا فِي الْمَنْع من الضَّرَر الناجز، وَدفعه) أَي الضَّرَر الناجز (عَن النَّفس وَاجِب عقلا وَلَيْسَ تَركه) أَي الْفِعْل (لدفع ضَرَر خوف الْعقَاب) الْحَاصِل من التَّصَرُّف فِي ملك الْغَيْر (أولى من الْفِعْل) المستلزم لدفع الضَّرَر الناجز بل بِاعْتِبَار العاجل أولى (مَعَ
(2/168)

مَا فِي هَذَا الْجَواب من كَونه) أَي الْمَذْكُور (غير مَحل النزاع فَإِنَّهُ) أَي النزاع إِنَّمَا هُوَ (فِي نَحْو أكل الْفَاكِهَة مِمَّا لَا ضَرَر فِي تَركه) كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي أول المسئلة بقوله: مِمَّا لَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْبَقَاء (وَمَا على الْإِبَاحَة) واندفع أَيْضا مَا ورد عَلَيْهَا (من أَنه أَن أُرِيد) بهَا أَنه (لَا حرج عقلا فِي الْفِعْل وَالتّرْك فَمُسلم) لَكِن لَا يثبت بِهِ حكم الله بِرَفْع الْحَرج (أَو) أُرِيد بهَا (خطاب الشَّارِع بِهِ) أَي بِأَنَّهُ لَا حرج فِي الْفِعْل وَالتّرْك (فَلَا شرع حِينَئِذٍ) إِذْ الْمَفْرُوض أَنه لَيْسَ هَهُنَا جِهَة محسنة وَلَا مقبحة وَلَا سمع (أَو) أُرِيد بهَا (حكم الْعقل بِهِ) أَي بِكَوْنِهِ مُبَاحا (فالفرض أَنه) أَي الْعقل (لَا حكم) فِيهِ (لَهُ بِحسن وَلَا قبح) وَإِنَّمَا انْدفع مَا ذكر على الْإِبَاحَة (إِذْ يختارون) أَي المبيحون (هَذَا) الشق الْأَخير (بملجئ) أَي بِسَبَب مَا يلجئهم إِلَى اخْتِيَاره وَهُوَ (لُزُوم الْعَبَث) على تَقْدِير الْمَنْع، وَعدم الْإِبَاحَة على مَا سبق (وَأما دَفعه) أَي دَلِيل الْمُبِيح الْمَذْكُور (بِمَنْع قبح فعل لَا فَائِدَة لَهُ) أَي لذَلِك الْفِعْل (بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ تَعَالَى فيخرجه) أَي هَذَا الْكَلَام (عَن التنزل) أَي كَونه بحثا بطرِيق التنزل وَتَسْلِيم كَون الْحسن والقبح عقليا والمفروض خِلَافه، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لِأَنَّهُ) أَي التنزل (دَفعه) أَي يدْفع الحضم كَلَام الْمُعْتَزلَة (على تَسْلِيم قَاعِدَة الْحسن والقبح، نعم يدْفع) دَلِيل الْمُبِيح (بِمَنْع الْإِخْلَال) لفائدة الْخلق على تَقْدِير الْمَنْع مِنْهُ (إِذْ أرَاهُ) أَي العَبْد (قدرته) تَعَالَى (على إيجاده مُحَققَة) قَيده بقوله مُحَققَة لِأَنَّهُ تَعَالَى قد أرَاهُ قدرته مُمكنَة بِخلق أَمْثَاله (مَعَ احْتِمَال غَيره) أَي غير مَا ذكر من فَوَائِد أُخْرَى (مِمَّا) قد (يقصر) الْعقل (عَن دركه) فَلَا يحكم بالإخلال على تَقْدِير الْمَنْع (و) أَيْضا يدْفع (الحاظر) أَي دَلِيله بِأَنَّهُ (لَا يثبت حكم الحكم الأخروي) الحكم الأخروي خطابه الْمُتَعَلّق بِفعل الْمُكَلف المستتبع الثَّوَاب وَالْعِقَاب فِي الْآخِرَة، وَالْحكم الْمُضَاف إِلَيْهِ أَن يحكم الْعقل (بِثُبُوتِهِ فِي نفس الْأَمر) يَعْنِي ثُبُوت الْخطاب الْمَذْكُور فِي نفس الْأَمر لَا يكون سَببا لِأَن يحكم الْعقل بِثُبُوتِهِ. هَذَا، وَيحْتَمل أَن تكون الْبَاء فِي بِثُبُوتِهِ صلَة الحكم الأول: يَعْنِي لَا يثبت حكم الْعقل على الْخطاب الْمَذْكُور بِثُبُوتِهِ فِي نفس الْأَمر (قبل إِظْهَاره للمكلفين) ظرف لَا يثبت: أَي قبل إِظْهَار الله إِيَّاه لَهُم بطرِيق السّمع ووساطة الرَّسُول (فَكيف يثبت (باحتماله) أَي بِمُجَرَّد احْتِمَال ثُبُوته فِي نفس الْأَمر (و) الْحَال أَنه (لَا خوف) على العَبْد (ليحتاط) إِذْ الْخَوْف بعد الْعلم بِالْوُجُوب أَو الْحُرْمَة، وَلَيْسَ هَهُنَا علم بِجِهَة حسن أَو قبح حَتَّى يعلم أَحدهمَا (وَأما الْوَقْف) الَّذِي هُوَ الْمَذْهَب الثَّالِث (ففسر بِعَدَمِ الحكم) أَي بِعَدَمِ حكم الله بِشَيْء من الْأَحْكَام لعدم إِدْرَاك الْعقل شَيْئا من الْجِهَات الْمَذْكُورَة وَهُوَ مَنْقُول عَن طَائِفَة من الْمُعْتَزلَة (وَلَيْسَ) هَذَا (بِهِ) أَي بِالْوَقْفِ لِأَنَّهُ قطع بِعَدَمِ الحكم لَا وقف عَنهُ (و) فسر أَيْضا (بِعَدَمِ الْعلم بِخُصُوصِهِ) أَي الحكم (فيقل عَن كَانَ) عدم الْعلم بِخُصُوصِهِ
(2/169)

(للتعارض) بَين الْأَدِلَّة الدَّالَّة على ثُبُوت الْأَحْكَام قبل الْبعْثَة والأدلة الدَّالَّة على عدم ثُبُوتهَا قبلهَا (ففاسد لأَنا بَينا بُطْلَانهَا) أَي بطلَان الْأَدِلَّة الدَّالَّة على ثُبُوتهَا قبلهَا، وَيرد عَلَيْهِ أَنه يلْزم حِينَئِذٍ التَّوَقُّف عَن الحكم مُطلقًا لَا عَن الحكم الْخَاص، فَالْوَجْه أَن يُقَال المُرَاد التَّعَارُض بَين دَلِيل الْمُبِيح والحاظر، فَإِن المُصَنّف قد بَين بطلَان كل مِنْهُمَا (أَو لعدم الشَّرْع) حِينَئِذٍ، وَالْفَرْض أَن الْعقل لَا يسْتَقلّ بإدراكه كَمَا ذكره بعض أَصْحَابنَا (فَمُسلم) وَهُوَ مَذْهَبنَا (والحصر) الْمُسْتَفَاد من ذكر التَّعَارُض دون غَيره (فِي) الشق (الأول) من شقي الترديد، وَهُوَ عدم الْعلم بِخُصُوص الحكم لَا لعدم الشَّرْع (مَمْنُوع بل) قد يكون (لعدم الدَّلِيل على خُصُوص الحكم) فَعدم الْعلم بِخُصُوص الحكم لعدم الدَّلِيل عَلَيْهِ، فالتوقف لأَجله، لَا للتعارض (فَإِن قلت هَذِه الْمذَاهب) الْمَذْكُورَة (توجب) حَال كَونهَا (من الْمُعْتَزلَة كَون الحكم لَيْسَ من قبيل الْكَلَام اللَّفْظِيّ إِذْ لَا تحقق لَهُ) أَي الْكَلَام اللَّفْظِيّ (إِلَّا بعد الْبعْثَة، وَلَا نَفسِي) فِي الْكَلَام (عِنْدهم) وَلَا يخفى أَن الْمَفْهُوم من قَوْله هَذِه الْمذَاهب الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة مَذْهَب الْإِبَاحَة والحظر والتوقف، والإيجاب الْمَذْكُور إِنَّمَا يَتَرَتَّب على إِثْبَات الحكم قبل الْبعْثَة سَوَاء كَانَت هَذِه الْمذَاهب أَو لم تكن، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال بَيَان الْمذَاهب الثَّلَاثَة من غير ذكر مَذْهَب رَابِع يدل على الْأَمريْنِ أَحدهمَا انحصار الْمُعْتَزلَة فِي أَصْحَاب هَذِه الْمذَاهب، وَالثَّانِي اسْتِيعَاب الْعقل الْأَحْكَام كلهَا فَيلْزم إِثْبَات الْكَلَام النَّفْسِيّ على جَمِيع الْمُعْتَزلَة بِاعْتِبَار جَمِيع الْأَحْكَام فَالْجَوَاب منع توقفه) أَي الْكَلَام اللَّفْظِيّ (عَلَيْهَا) أَي الْبعْثَة (لجَوَاز تقدمه) أَي الْكَلَام اللَّفْظِيّ (عَلَيْهَا) أَي الْبعْثَة (كخطاباته للْمَلَائكَة وآدَم) فَإِن قلت هَذَا يدل على وجود الْكَلَام اللَّفْظِيّ فِي الْجُمْلَة قبل الْبعْثَة، لَا على وجود الْكَلَام اللَّفْظِيّ الْوَاقِع حكما قلت الْمَقْصد من هَذَا منع مقدّمته الَّتِي يتَوَقَّف عَلَيْهَا الدَّلِيل وَهُوَ قَوْله إِذْ لَا تحقق لَهُ فَتَأمل هَذَا (وَنقل عَن الْأَشْعَرِيّ الْوَقْف أَيْضا على الْخلاف فِي تَفْسِيره) أَي الْوَقْف كَمَا تقدم (وَالصَّوَاب) أَن المُرَاد بِهِ التَّفْسِير (الثَّانِي) أَي عدم الْعلم بِخُصُوص الحكم (لعدم الحكم عِنْده) أَي الْأَشْعَرِيّ (أَي فِيهَا) أَي فِي الْأَفْعَال (حكم لَا يدْرِي مَا هُوَ) أَي ذَلِك الحكم (إِلَّا فِي) زمَان (الْبعْثَة) فَإِنَّهُ يدْرِي حِينَئِذٍ بِالشَّرْعِ (لِأَنَّهُ) أَي الحكم حِينَئِذٍ (يتَعَلَّق) بالأفعال (فيعلمه) حِينَئِذٍ الْمُكَلف (و) لَا يخفى أَن (مَحل وقف الْأَشْعَرِيّ غَيره) أَي غير وقف الْمُعْتَزلَة (لِأَنَّهُ) أَي الْوَقْف (عِنْدهم) على التَّفْسِير الثَّانِي (حِينَئِذٍ عَن الحكم الْمُتَعَلّق) بالأفعال (وَلَا يتَصَوَّر) وجود تعلق الحكم (عِنْده) أى الأشعرى (قبل الْبعْثَة فحاصلة) أَي كَلَام الْأَشْعَرِيّ (إِثْبَات قدم الْكَلَام) المندرج تَحْتَهُ الْخطاب الْمُتَعَلّق بِفعل الْمُكَلف (والتوقف فِيمَا) أَي فِي الْخطاب الَّذِي (سَيظْهر تعلقه) التنجيزي بِالْفِعْلِ (وَهَذَا) الْمَذْكُور من قدم الْكَلَام والتوقف فِيمَا ذكر (مَعْلُوم من كل ناف للتعلق) التنجيزي (قبل الْبعْثَة)
(2/170)

بِخِلَاف من أثبت قدمه وَلم ينف تعلقه قبلهَا (فَلَا وَجه لتخصيصه) أَي هَذَا التَّوَقُّف (بِهِ) أَي بالأشعري (كَمَا لَا وَجه لإثباتهم) أَي الْمُعْتَزلَة (تعلقه) أَي الحكم بالأفعال قبل الْبعْثَة (مَعَ فرض عدم علمه) أَي الْمُكَلف بِهِ (مَعَ أَنه) أَي الحكم (حِينَئِذٍ) أَي حِين يكون مُتَعَلقا بِهِ وَلَا يُعلمهُ المكلفون (لَا يثبت) الحكم (فِي حق الْمُكَلّفين) إِذْ ثُبُوته فِي حَقهم حِينَئِذٍ تَكْلِيف بِمَا لَا يُطَاق، وَأَيْضًا يلْزمه التعذيب، وَقَالَ - {وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا} - (بل الثُّبُوت) أَي ثُبُوت الحكم فِي حَقهم (مَعَ التَّعَلُّق) أَي مَعَ تعلق الحكم بِأَفْعَال الْمُكَلّفين لَا يُفَارق أَحدهمَا الآخر، فَلَا وَجه لإِثْبَات التَّعَلُّق بِدُونِ الثُّبُوت فِي حَقهم (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن كَذَلِك بِأَن يثبت التَّعَلُّق بِدُونِ الثُّبُوت فِي حَقهم (فَلَا فَائِدَة للتعلق) لانحصار فَائِدَته فِي الثُّبُوت فِي حَقهم (وَلَو قَالُوهُ) أَي الْمُعْتَزلَة لوقف (كالأشعري) أَي كوقف الْأَشْعَرِيّ بإثباتهم خطابا لفظيا مَوْقُوفا تعلقه على الْبعْثَة والسمع (كَانَ) مِنْهُم على أصولهم قولا (بِلَا دَلِيل إِذْ لَا دَلِيل على ثُبُوت لفظ فِيهِ) أَي فِي الحكم قبل الْبعْثَة (أصلا بِخِلَاف الْأَشْعَرِيّ) فَإِنَّهُ قَائِل بِأَنَّهُ (وَجب ثُبُوت) الْكَلَام (النَّفْسِيّ أَولا) لما قَامَ عَلَيْهِ من الدَّلِيل على قدم الْكَلَام، وَكَونه لَيْسَ من قبيل الْحَرْف وَالصَّوْت إِلَى غير ذَلِك ثمَّ ترَتّب عَلَيْهِ التَّوَقُّف الْمَذْكُور (وَأما الْخلاف الْمَنْقُول بَين أهل السّنة) وَالْجَمَاعَة، وَهُوَ (أَن الأَصْل فِي الْأَفْعَال الْإِبَاحَة أَو الْحَظْر فَقيل) اثباتهما (بعد الشَّرْع بالأدلة السمعية: أى دلّت) الْأَدِلَّة السمعية (على ذَلِك) الْخلاف بِأَن دلّ بَعْضهَا على الْإِبَاحَة وَبَعضهَا على الْحَظْر، فَكل من الْفَرِيقَيْنِ تمسك بِمَا ترجح لَهُ (وَالْحق أَن ثُبُوت هَذَا الْخلاف مُشكل، لِأَن السمعي لَو دلّ على ثُبُوت الْإِبَاحَة أَو التَّحْرِيم قبل الْبعْثَة) ظرف للثبوت لَا للدلالة لِأَنَّهَا فرع وجود السمعي الْمُتَأَخر عَن الْبعْثَة، فالمسمعي الْحَادِث بعد الْبعْثَة يدل على كَونهمَا ثابتين قبلهَا (بَطل قَوْلهم لَا حكم قبلهَا) إِذْ السّمع دلّ على ثُبُوت الْإِبَاحَة والحظر اللَّذين هما حكمان، وَقد يُقَال حَاصِل هَذَا التَّعْلِيل بطلَان دلَالَة السمعي على ثبوتهما قبل الْبعْثَة، لَا بطلَان دلَالَته على ثبوتهما بعْدهَا، وَإِثْبَات إِشْكَال الْخلاف مَوْقُوف على البطلانين جَمِيعًا فَتَأمل (فَإِن أمكن فِي الْإِبَاحَة تَأْوِيله) أَي قَوْلهم لَا حكم قبلهَا (بِأَن لَا مُؤَاخذَة بِالْفِعْلِ وَالتّرْك فمعلوم) أَي فَعدم الْمُؤَاخَذَة مَعْلُوم (من عدم التَّعَلُّق) أَي تعلق الحكم بِالْفِعْلِ فَلَا حَاجَة إِلَى ذكره (ثمَّ لَا يَتَأَتَّى) التَّأْوِيل الْمَذْكُور (فِي قَول الْحَظْر) للمؤاخذة فِيهِ على التّرْك (وَلَو أَرَادوا) بالحكم الْمُثبت قبل الْبعْثَة (حكما) أَي خطابا نفسيا (بِلَا تعلق) بِفعل الْمُكَلف (بِمَعْنى قدم الْكَلَام) أَي الْكَلَام الْقَدِيم كَمَا هُوَ الْمُخْتَار (لم يتَّجه) أَي فَهُوَ غير موجه (إِذْ بالتعلق ظهر أَن لَيْسَ كل) الْأَفْعَال مُبَاحَة وَلَا محظورة فِي كَلَام النَّفس) فَإِن التَّعَلُّق الْحَادِث بعد الْبعْثَة إِنَّمَا يظْهر لنا مَا كَانَ
(2/171)

مندرجا إِجْمَالا لافي الْكَلَام النَّفْسِيّ الْقَدِيم (لِأَن) الْكَلَام (اللَّفْظِيّ) الَّذِي مَعَه التَّعَلُّق الْمَذْكُور (دَلِيله) أَي النَّفْسِيّ فَكيف تكون الْأَفْعَال كلهَا قبل الْبعْثَة مُبَاحَة أَو محظورة (وَمَا يشْعر بِهِ قَول بَعضهم أَن هَذَا) أَي القَوْل بِالْإِبَاحَةِ أَو الْحَظْر قبل الْبعْثَة مَبْنِيّ (على التنزل من الأشاعرة) مَعَ الْخصم: أَعنِي الْمُعْتَزلَة بِمَعْنى أَنه لَو فرض أَن لِلْعَقْلِ أَن يثبت حكما قبل الْبعْثَة كَانَ ذَلِك إِبَاحَة أَو حظرا (جيد) خبر الْمَوْصُول مُقَيّدا بقوله (لَو لم يظْهر من كَلَامهم أَنه) أَي مَا ذكر فِي هَذِه الخلافية (أَقْوَال مقررة) فِيمَا بَينهم لِأَنَّهَا أبحاث على طَرِيق التنزل (وَالْمُخْتَار أَن الأَصْل الْإِبَاحَة عِنْد جُمْهُور الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة، وَلَقَد استبعده) أَي كَون الأَصْل الْإِبَاحَة بِمَعْنى عدم الْمُؤَاخَذَة بِالْفِعْلِ وَالتّرْك (فَخر الْإِسْلَام قَالَ: لَا نقُول بِهَذَا لِأَن النَّاس لم يتْركُوا سدى) أَي مهملين غير مكلفين (فِي شَيْء من الزَّمَان) لقَوْله تَعَالَى - {وَإِن من أمة إِلَّا خلا فِيهَا نَذِير} - (وَإِنَّمَا هَذَا) أَي كَون الأَصْل فِي الْأَشْيَاء الْإِبَاحَة بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور (بِنَاء على زمَان الفترة لاخْتِلَاف الشَّرَائِع) الْمُوجب تَفْرِقَة البال وصعوبة الضَّبْط (وَوُقُوع التحريفات) فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة الْمُتَعَلّقَة بالعقيدة وَالْعَمَل (فَلم يبْق الِاعْتِقَاد) للاختلال فِي الضَّبْط والتحريف (و) لم يبْق (الوثوق) أَي الِاعْتِمَاد (على شَيْء من الشَّرَائِع) اعتقادا كَانَ أَو عملا (فظهرت الْإِبَاحَة بِمَعْنى عدم الْعقَاب على الْإِتْيَان بِمَا) أَي بِفعل (لم يُوجد لَهُ محرم وَلَا مُبِيح) مَعْلُوم للمكلفين فَإِن قلت على هَذَا لزم ترك النَّاس فِي بعض الْأَزْمِنَة وَهُوَ مُخَالف لِلْآيَةِ الْكَرِيمَة قلت الْآيَة تدل على عدم خلو الْأُمَم من النذير، وزمان الفترة لَا يطول بِحَيْثُ تنقرض تِلْكَ الْأمة، بل يدركهم النذير قبل الانقراض بَعْدَمَا يمْضِي عَلَيْهِم بُرْهَة من الزَّمَان المندرس فِيهَا آثَار النُّبُوَّة كَمَا يدل عَلَيْهِ حِكَايَة سلمَان الْفَارِسِي رَضِي الله عَنهُ فَإِنَّهُ أدْرك أشخاصا بِدِمَشْق ونصيبين وَغَيرهمَا كَانُوا على الْحق حَتَّى انقرض آخِرهم، وَقد أخبرهُ بِأَن النَّبِي الْمَوْعُود بَعثه فِي آخر الزَّمَان قرب وقته جدا فَتوجه إِلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة بإشارته فَأدْرك النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعد مكثه بهَا قَلِيلا، فزمان الفترة مُسْتَثْنى من عُمُوم قَول فَخر الْإِسْلَام لم يتْركُوا فِي شَيْء من الزَّمَان، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَحَاصِله) أَي مَا قَالَه فَخر الْإِسْلَام (تَقْيِيده) أَي فَخر الْإِسْلَام (ذَلِك) أَي بِكَوْن الأَصْل الْإِبَاحَة (بِزَمَان عدم الوثوق) هَذَا وَنقل الْبَيْضَاوِيّ أَن من يَقُول الأَصْل فِي الْأَشْيَاء الْإِبَاحَة يَعْنِي فِي الْمَنَافِع، وَأما فِي المضار فَالْأَصْل فِيهَا التَّحْرِيم، وَقَالَ الأسنوي: هَذَا بعد وُرُود الشَّرْع بِمُقْتَضى أدلته، وَأما قبله فالمختار الْوَقْف، وَفِي أصُول الْبَزْدَوِيّ بعد وُرُود الشَّرْع الْأَمْوَال على الْإِبَاحَة بِالْإِجْمَاع مَا لم يظْهر دَلِيل الْحُرْمَة لِأَن الله تَعَالَى أَبَاحَهَا بقوله - {خلق لكم مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا} -.
(تَنْبِيه: بعد إِثْبَات الْحَنَفِيَّة اتصاف الْأَفْعَال) بالْحسنِ والقبح (لذاتها) بِالْمَعْنَى الَّذِي سبق
(2/172)

ذكره سَوَاء كَانَ لعينها أَو لجزئها (وَغَيرهَا) أَي لِمَعْنى ثَبت فِي غير ذَاتهَا (ضبطوا متعلقات أوَامِر الشَّارِع مِنْهَا) أَي الْأَفْعَال فِي الْأَرْبَعَة أَقسَام (بالاستقراء) مُتَعَلق بالضبط منحصرا (فِيمَا) أَي فِي فعل مُتَعَلق أَمر (حسن لنَفسِهِ حسنا لَا يقبل) ذَلِك الْحسن (السُّقُوط) فَلَا يسْقط حكمه الَّذِي هُوَ الْوُجُوب (كالإيمان) أَي التَّصْدِيق على مَا عرف فِي مَحَله فَإِن حسنه كَذَلِك (فَلم يسْقط) بِسَبَب من الْأَسْبَاب غير الْإِكْرَاه (وَلَا بِالْإِكْرَاهِ) أَو هُوَ من عطف الْخَاص على الْعَام تَأْكِيدًا للْعُمُوم لكَون الْخَاص بِحَيْثُ يلْزم من حكمه حكم مَا سواهُ بِالطَّرِيقِ الأولي (أَو) حسنا (يقبله) أَي السُّقُوط. قَالَ الشَّارِح: وَالْأَحْسَن ويقبله انْتهى، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يُقَال الْحصْر فِي هَذَا وَهَذَا، لَا فِي هَذَا أَو هَذَا قلت وَقد يُقَال فِي هَذَا وَهَذَا ليفاد بِأَو التريدية المستعملة فِي التقسيمات التَّنْصِيص على كَون الْقِسْمَة حاصرة، وَيصِح أَن يُقَال هَذَا منحصر فِي أحد هَذِه الْأُمُور: يَعْنِي لَا يتَجَاوَز عَنهُ (كَالصَّلَاةِ) فَإِنَّهَا حسنت لنَفسهَا لكَونهَا مُشْتَمِلَة على طَهَارَة الظَّاهِر وَالْبَاطِن وَجمع الهمة وإخلاء السِّرّ عَمَّا سوى الله كَمَا يشار إِلَيْهِ بِرَفْع الْيَدَيْنِ بنبذ مَا سواهُ وَرَاء ظَهره وَالتَّكْبِير الْبَالِغ فِي التَّعْظِيم وَالثنَاء الْغَيْر المشوب بِذكر مَا سواهُ ثمَّ الْمقَام فِي مقَام الْعُبُودِيَّة ثمَّ الرُّكُوع الدَّال على الخضوع، ثمَّ السُّجُود بِوَضْع أشرف الْأَعْضَاء على أذلّ العناصر: وَهُوَ التُّرَاب إِظْهَارًا لغاية التَّعْظِيم الْفعْلِيّ، وَمَا فِيهَا من تِلَاوَة الْقُرْآن وَالتَّكْبِير وَالتَّسْبِيح إِلَى غير ذَلِك إِلَّا أَنَّهَا (منعت فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة) عِنْد طُلُوع الشَّمْس حَتَّى ترْتَفع واستوائها وغروبها على الْوَجْه الْمَذْكُور فِي الْفِقْه لما دلّ عَلَيْهِ من السّنة وَالْإِجْمَاع، وَسَقَطت أَيْضا بِالْحيضِ وَالنّفاس إِجْمَاعًا (وَالْوَجْه) أَن يُقَال إِن كَانَ حسن الْأَفْعَال (لذاتها لَا يتَخَلَّف) عَنْهَا أصلا لِأَن مَا بِالذَّاتِ لَا يَزُول بِالْغَيْر (فحرمتها) أَي الْأَفْعَال الْحَسَنَة لذاتها حَيْثُ تكون إِنَّمَا تكون (لعروض قبح بِخَارِج) عَن ذَاتهَا عَلَيْهَا، فَحسن الصَّلَاة لَا يفارقها وَلَا فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة، وَإِنَّمَا منعت فِيهَا لعروض شبه فاعلها بالكفار عَبدة الشَّمْس فِي تِلْكَ الْأَوْقَات، وَفِي قَوْله فحرمتها الخ إِشَارَة إِلَى أَنه يَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ: إِذْ من الْمَعْلُوم أَن الْعَارِض الْمَذْكُور إِنَّمَا يعرض فِي بعض أَفْرَاده (وَمَا هُوَ مُلْحق بِهِ) أَي بالْحسنِ لذاته (مَا) أَي فعل حسن (لغيره) أَي لغير ذَات الْفِعْل حَال كَون ذَلِك الْغَيْر (بخلقه تَعَالَى لَا اخْتِيَار للْعَبد فِيهِ كَالزَّكَاةِ وَالصَّوْم وَالْحج) فَإِن حسنها (لسد الْخلَّة) أَي دفع حَاجَة الْفَقِير إِلَى الزَّكَاة (وقهر عدوه تَعَالَى) وَهُوَ النَّفس الأمارة بالسوء بكفها عَن الْأكل وَالشرب وَالْجِمَاع فِي الصَّوْم (وَشرف الْمَكَان) أَي الْبَيْت الشريف بزيارته وتعظيمه فَإِن شرفه بتشريف الله تَعَالَى إِيَّاه لَا اخْتِيَار للْعَبد فِيهِ وَلَا يخفى أَن إِخْرَاج المَال الَّذِي هُوَ قوام الْمَعيشَة وَقطع الْمسَافَة الْبَعِيدَة وزيارة أمكنة مُعينَة وَترك الْأكل وَالشرب وَالْجِمَاع لَا حسن لَهَا فِي
(2/173)

حد ذَاتهَا، بل حسنها لأمور مُغَايرَة للذات: وَهِي السد والقهر والسرف وَلَيْسَ شَيْء مِنْهَا بِاخْتِيَار العَبْد، وَلَوْلَا دفع الله الْحَاجة مَا اندفعت، وَلَوْلَا جعله النَّفس مغلوبة مَا انقهرت وَلَوْلَا تشريفه الْبَيْت مَا تشرف، فَلم يحصل الْحسن فِي الْمَذْكُورَات، إِلَّا بِأُمُور خلقهَا الله تَعَالَى من غير اخْتِيَار للْعَبد فِيهَا وَإِنَّمَا ألحق هَذَا الْقسم بالْحسنِ لذاته لكَون الوسائط فِيهِ مُضَافَة إِلَى الله تَعَالَى سَاقِطَة الِاعْتِبَار بِالنِّسْبَةِ إِلَى العَبْد فِي منشأ حسنه، بِخِلَاف الْقسم الرَّابِع فَإِن الوسائط فه لَيست كَذَلِك، بل بِاخْتِيَار العَبْد كَمَا سَيَجِيءُ (وَمَا) حسن (لغيره) أَي لغير ذَات الْفِعْل حَال كَونه (غير مُلْحق) بِمَا حسن لذاته (كالجهاد، وَالْحَد، وَصَلَاة الْجِنَازَة) فَإِن حسن الْجِهَاد (بِوَاسِطَة الْكفْر) وإعلاء كلمة الله، فلولا كفر الْكَافِر وَمَا يتبعهُ من الإعلاء مَا حسن الْقِتَال (و) حسن الْحَد بِوَاسِطَة (الزّجر) للجاني عَن الْمعاصِي (و) حسن صَلَاة الْجِنَازَة بِوَاسِطَة (الْمَيِّت الْمُسلم غير الْبَاغِي) ويندرج فِيهِ قَاطع الطَّرِيق، وَلَو لم يكن الْمَيِّت مُسلما غير بَاغ مَا حسن الصَّلَاة عَلَيْهِ، وَهُوَ بَين يَدَيْهِ وَإِنَّمَا (اعْتبرت الوسائط) فِي هَذَا الْقسم مُضَافَة إِلَى العَبْد غير مُضَافَة إِلَى الله تَعَالَى ليلحق بالْحسنِ لذاته (لِأَنَّهَا) أَي الوسائط (بِاخْتِيَارِهِ) أَي العَبْد المتصف بهَا، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن الوسائط لم تعْتَبر فِي الْقسم الثَّالِث، وَجعل حسنها كَأَنَّهُ ذاتي كَمَا يدل عَلَيْهِ الْإِلْحَاق بالْحسنِ لذاته، وَإِنَّمَا اخْتَار الْوَجْه الْمَذْكُور فِي التَّقْسِيم على الأول لكَونه موهما لكَون الْحسن لذاته قَابلا لسُقُوط حسنه وتخلفه عَنهُ وَإِن حسن الصَّلَاة يفارقها فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة، وَلَيْسَ كَذَلِك ولكونه قاصرا على التَّفْصِيل الْمَذْكُور فِي هَذَا الْوَجْه (وَتَقَدَّمت أَقسَام) الْأَفْعَال الَّتِي هِيَ (متعلقات النَّهْي) عَنهُ مَا بَين حسي وشرعي وَبَيَان المتصف مِنْهَا بالقبح لذاته أَو لغيره (وَكلهَا) أَي متعلقات أوَامِر الشَّرْع ونواهيه (يلْزمه حسن اشْتِرَاط الْقُدْرَة) لِأَن تَكْلِيف الْعَاجِز قَبِيح وَتقدم أَقسَام الْقُدْرَة إِلَى مُمكنَة وميسره عِنْد مَشَايِخنَا (وقسموا) أَي الْحَنَفِيَّة (متعلقات الْأَحْكَام) الشَّرْعِيَّة (مُطلقًا) أَي سَوَاء كَانَت عبادات أَو عقوبات أَو غَيرهمَا (إِلَى حَقه تَعَالَى على الخلوص) قَالُوا وَهُوَ مَا يتَعَلَّق بِهِ النَّفْع الْعَام من غير اخْتِصَاص بِأحد، نسب إِلَى الله تَعَالَى لعظم خطره وشمول نَفعه كَحُرْمَةِ الْبَيْت، وَحُرْمَة الزِّنَا (و) إِلَى حق (العَبْد كَذَلِك) أَي على الخلوص، وَهُوَ مَا يتَعَلَّق بِهِ مصلحَة خَاصَّة كَحُرْمَةِ مَال الْغَيْر، وَلذَا يُبَاح إِبَاحَة مَالِكه، وَلَا يُبَاح الزِّنَا بِإِبَاحَة الْمَرْأَة وَلَا بِإِبَاحَة أَهلهَا قيل وَيرد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالْحج، وَالْحق أَن يُقَال يَعْنِي بِحَق الله مَا يكون الْمُسْتَحق هُوَ الله، وبحق العَبْد مَا يكون الْمُسْتَحق هُوَ العَبْد، وَيرد حُرْمَة مَال الْغَيْر مِمَّا يتَعَلَّق بِهِ النَّفْع الْعَام، وَهُوَ صِيَانة أَمْوَال النَّاس، وَأجِيب بِأَنَّهَا لم تشرع لصيانة أَمْوَال النَّاس أجمع (وَمَا اجْتمعَا) أَي الحقان فِيهِ (وَحقه) تَعَالَى (غَالب وَقَلبه) أَي وَمَا اجْتمعَا فِيهِ وَحقّ العَبْد غَالب
(2/174)

(وَلم يُوجد الاستقراء متساويين) أَي مَا اجْتمعَا فِيهِ وهما سَوَاء لَيْسَ أَحدهمَا غَالِبا على الآخر، وَقَوله وَلم يُوجد إِمَّا على صِيغَة الْمَعْلُوم والاستقراء فَاعله، ومتساويين بَين مَفْعُوله، والإسناد الْمجَازِي: إِذْ الاستقراء سَبَب للْعلم بالمساواة، أَو على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْمرَاد بالاستقراء: أَي المستقر لم يُوجد الحقان اللَّذَان تعلق بهما الاستقراء حَال كَونهمَا متساويين فِي مُتَعَلق الحكم (فَالْأول) أَي مَا هُوَ حق الله تَعَالَى على الخلوص (أَقسَام) ثَمَانِيَة بالاستقراء (عبادات مَحْضَة كالإيمان والأركان) الْأَرْبَعَة لِلْإِسْلَامِ وَهِي الصَّلَاة، ثمَّ الزَّكَاة، ثمَّ الصّيام، ثمَّ الْحَج (ثمَّ الْعمرَة، وَالْجهَاد، وَالِاعْتِكَاف وترتيبها) أَي هَذِه الْعِبَادَات (فِي الأشرفية هَكَذَا) أَي على طبق التَّرْتِيب الَّذِي ذكر هَهُنَا أما أشرفية الْإِيمَان مُطلقًا فَلِأَنَّهُ الأَصْل، وَلَا صِحَة لشَيْء مِنْهَا بِدُونِهِ، ثمَّ الصَّلَاة حَيْثُ سَمَّاهَا الله إِيمَانًا فِي قَوْله - {وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ} -، وَعنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " بَين الرجل وَبَين الشّرك وَالْكفْر ترك الصَّلَاة ". وَفِي البُخَارِيّ عَن ابْن مَسْعُود " قلت يَا رَسُول الله أَي الْأَعْمَال أفضل؟ قَالَ الصَّلَاة على ميقاتها إِلَى غير ذَلِك، وَفِي إِظْهَار شكر نعْمَة الْبدن، ثمَّ الزَّكَاة لِأَنَّهَا تالية الصَّلَاة فِي الْكتاب وَالسّنة، وفيهَا إِظْهَار شكر نعْمَة المَال الَّذِي هُوَ شَقِيق الرّوح، ثمَّ الصَّوْم لِأَنَّهُ لقهر النَّفس ورياضتها، وَلَا يصلح للْخدمَة إِلَّا بهما، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ " كل عمل ابْن آدم لَهُ الْحَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا إِلَى سَبْعمِائة ضعف ". قَالَ الله عز وَجل " إِلَّا الصّيام فَإِنَّهُ لي وَأَنا أجزي بِهِ ". وَمن هُنَا ذهب بَعضهم إِلَى أَنه أفضل عبادات الْبدن غير أَنه يجوز أَن يخْتَص الْمَفْضُول بِمَا لَيْسَ للفاضل كفرار الشَّيْطَان من الْأَذَان وَالْإِقَامَة دون الصَّلَاة ثمَّ الْحَج. قَالُوا لِأَنَّهُ عبَادَة هِجْرَة وسفر لَا يَتَأَتَّى إِلَّا بِأَفْعَال يقوم بهَا ببقاع معظمة، وَكَأَنَّهُ وَسِيلَة إِلَى مَا قصد بِالصَّوْمِ من قطع مُرَاد الشَّهَوَات، وقهر النَّفس، وَذهب القَاضِي حُسَيْن من الشَّافِعِيَّة إِلَى أَنه أفضل عبَادَة الْبدن وَفِي الْكَشَّاف أَن أَبَا حنيفَة كَانَ يفاضل بَين الْعِبَادَات قبل أَن يحجّ، فَلَمَّا حج فضل الْحَج على الْعِبَادَات كلهَا لما شَاهد من تِلْكَ الخصائص (قَالُوا وقدمت الْعمرَة وَهِي سنة على الْجِهَاد) وَإِن كَانَ فِي الأَصْل فرض عين ثمَّ صَار فرض كِفَايَة، لِأَن الْمَقْصد وَهُوَ كسر شَوْكَة الْمُشْركين وَدفع أذاهم عَن الْمُسلمين يحصل بِالْبَعْضِ (لِأَنَّهَا من تَوَابِع الْحَج) وأفعالها من جنس أَفعاله (وَلَا يخفى مَا فِيهِ) أَي فِي هَذَا التَّوْجِيه من أَن كَونهَا من توابعه لَا يَقْتَضِي تَقْدِيمهَا على الْجِهَاد. وَقد صَحَّ عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِكَايَة عَن الله تَعَالَى " مَا تقرّب إليّ عَبدِي بِشَيْء أحبّ إليّ مِمَّا افترضته عَلَيْهِ ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ " أفضل الْأَعْمَال إِيمَان بِاللَّه وَرَسُوله، ثمَّ جِهَاد فِي سَبِيل الله، ثمَّ حج مبرور ". وَقد صحّ أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول الله فأيّ الْإِسْلَام أفضل؟ قَالَ الْإِيمَان، ثمَّ قَالَ فَأَي الْأَعْمَال أفضل؟ قَالَ الْهِجْرَة. قَالَ وَمَا الْهِجْرَة؟ قَالَ أَن تهجر السوء.
(2/175)

قَالَ فَأَي الْهِجْرَة أفضل، قَالَ الْجِهَاد قَالَ فَأَي الْجِهَاد أفضل؟ قَالَ من عقر جَوَاده وَأُهْرِيقَ دَمه ". قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " ثمَّ عملان هما أفضل الْأَعْمَال إِلَّا من عمل بمثلهما: حجَّة مبرورة أَو عمْرَة مبرورة ". وَمن هُنَا ذهب بَعضهم إِلَى أَن الْجِهَاد أفضل عبادات الْبدن، وَقد يُجَاب عَمَّا فِي الصَّحِيحَيْنِ بِأَن فرض الْحَج تَأَخّر إِلَى السّنة التَّاسِعَة، وَكَانَ الْجِهَاد فرض عين فِي أول الْإِسْلَام فَلَعَلَّ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ ذَلِك قبل فرض الْحَج. قَالَ أَحْمد وَغَيره من الْعلمَاء إِن الْجِهَاد أفضل الْأَعْمَال بعد الْفَرَائِض. وَقَالَ مَالك: الْحَج أفضل من الْغَزْو، لِأَن الْغَزْو فرض كِفَايَة، وَالْحج فرض عين، وَكَانَ ابْن عمر يكثر الْحَج وَلَا يكثر الْغَزْو، وَلَكِن يشكل بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " حجَّة لمن لم يحجّ خير من عشر غزوات، وغزوة لمن قد حج خير من عشر حجج ".
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ: ذكر الشَّارِح هَذِه الْجُمْلَة فِي مسَائِل غَيرهَا من هَذَا الْجِنْس (وَعبادَة فِيهَا معنى الْمُؤْنَة) هِيَ فعولة على الْأَصَح من مأنت الْقَوْم: إِذا احتملت ثقلهم، وَقيل مفعلة من الأون وَهُوَ أحد جَانِبي الخرج لِأَنَّهُ ثقل، أَو من الأين وَهُوَ التَّعَب والشدة، وَهَذِه الْعِبَادَة (صَدَقَة الْفطر) وَكَونهَا فِيهَا معنى الْمُؤْنَة (إِذْ وَجَبت) على الْمُكَلف (بِسَبَب غَيره) كَمَا وَجب مُؤْنَته روى الْبَيْهَقِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ عَن ابْن عمر قَالَ " أَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِصَدقَة الْفطر عَن الصَّغِير وَالْكَبِير وَالْحر وَالْعَبْد مِمَّن يمونون، فَإِن الْعِبَادَة الْمَحْضَة لَا تجب على الْغَيْر بِسَبَب الْغَيْر (فَلم يشْتَرط لَهَا كَمَال الْأَهْلِيَّة) كَمَا شَرط للعبادات الْخَالِصَة لقُصُور معنى الْعِبَادَة (فَوَجَبت فِي مَال الصَّغِير وَالْمَجْنُون خلافًا لمُحَمد وَزفر) يتَوَلَّى أداءها الْأَب، ثمَّ وَصِيّه، ثمَّ الْجد، ثمَّ وَصِيّه، ثمَّ وَصِيّ نَصبه القَاضِي عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف أوجباه عَلَيْهِمَا إِلْحَاقًا لَهَا بِنَفَقَة ذِي الرَّحِم الْمحرم مِنْهُمَا فَإِنَّهَا تجب فِي مَالهمَا، إِذا كَانَا غَنِيَّيْنِ باتفاقهم. قَالَ صَاحب الْكَشَّاف ثمَّ تِلْمِيذه قوام الدّين الكاكي قَول مُحَمَّد وَزفر أوضح (وَمؤنَة فِيهَا معنى الْقرْبَة كالعشر: إِذْ الْمُؤْنَة مَا بِهِ بَقَاء الشَّيْء وَبَقَاء الأَرْض فِي أَيْدِينَا بِهِ) أَي بالعشر، لِأَن الله تَعَالَى حكم بِبَقَاء الْعَالم إِلَى الْوَقْت الْمَوْعُود، وَهُوَ بِبَقَاء الأَرْض، وَمَا يخرج من الْقُوت وَغَيره لمن عَلَيْهَا: فَوَجَبت عمارتها وَالنَّفقَة عَلَيْهَا كَمَا أوجب على الْملاك نَفَقَة عبيدهم ودوابهم وبقاؤها إِنَّمَا هُوَ بِجَمَاعَة الْمُسلمين لأَنهم الحافظون لَهَا، أما من حَيْثُ الدُّعَاء وَهُوَ من الضُّعَفَاء المحتاجين فَإِن بهم النَّصْر على الْأَعْدَاء وبهم يمطرون، وَأما من حَيْثُ الذب بِالشَّوْكَةِ عَن الدَّار وغوائل الْكفَّار وهم الْمُقَاتلَة فَوَجَبَ فِي بَعْضهَا الْعشْر نَفَقَة للأولين وَفِي بَعْضهَا الْخراج للآخرين، وَجعلت النَّفَقَة عَلَيْهَا تَقْديرا (وَالْعِبَادَة) فِيهِ (لتَعَلُّقه) أَي الْعشْر (بالنماء) الْحَقِيقِيّ لَهَا، وَهُوَ الْخَارِج مِنْهَا كتعلق الزَّكَاة بِهِ أَو لِأَن مصرفه الْفَقِير كمصرف الزَّكَاة (وَإِذا كَانَت الأَرْض الأَصْل) والنماء وَصفا تَابعا لَهَا (كَانَت الْمُؤْنَة غالبة) فِيهِ (وللعبادة)
(2/176)

فِيهِ (لَا يبتدأ الْكَافِر بِهِ) أَي بالعشر لِأَن الْكفْر منافي الْعِبَادَة من كل وَجه، وَلِأَن فِي الْعشْر ضرب كَرَامَة، وَالْكفْر مَانع مِنْهُ مَعَ إِمْكَان الْخَارِج (وَلَا يبْقى) الْعشْر (عَلَيْهِ) أَي الْكَافِر إِذا اشْترى أَرضًا عشرِيَّة عِنْد أبي حنيفَة (خلافًا لمُحَمد فِي الْبَقَاء) للعشر عَلَيْهِ (إِلْحَاقًا) للعشر (بالخراج) فَإِنَّهُ يبْقى عَلَيْهِ إِذا اشْترى أَرضًا خَرَاجِيَّة بِالْإِجْمَاع (بِجَامِع الْمُؤْنَة) فَإِن كلا مِنْهُمَا من مُؤَن الأَرْض، وَالْكَافِر أهل للمؤنة (وَالْعِبَادَة) فِي الْعشْر (تَابِعَة) للمؤنة فَيسْقط فِي حَقه لعدم أَهْلِيَّته لَهَا (فَلَا يُثَاب) الْكَافِر (بِهِ) أَي بالعشر (وَأجِيب) من قبله عَنهُ (بِأَنَّهُ) أَي معنى الْعِبَادَة (وَإِن تبع) الْمُؤْنَة (فَهُوَ ثَابت) فِي الْعشْر فَإِن كلا من تعلقه بالنماء وَصَرفه إِلَى مصارف الْفُقَرَاء مُسْتَمر (فَيمْنَع) ثُبُوته فِيهِ من الْغَايَة فِي حق الْكَافِر إِلَّا بطرِيق التَّضْعِيف، فَالْقَوْل بِوُجُوبِهِ بِدُونِ التَّضْعِيف عَلَيْهِ خرق للْإِجْمَاع (فَتَصِير) الأَرْض العشرية (خَرَاجِيَّة بِشِرَائِهِ) أَي الْكَافِر إِيَّاهَا عِنْد أبي حنيفَة، وَإِنَّمَا اخْتلفت الرِّوَايَة فِي وَقت صيرورتها خَرَاجِيَّة، فَفِي السّير كَمَا اشْترى، وَفِي رِوَايَة تبقى عشرِيَّة مَا لم يوضع عَلَيْهَا الْخراج، وَإِنَّمَا يُؤْخَذ إِذْ بقيت مُدَّة يُمكنهُ أَن يزرع فِيهَا، زرع أَولا (وَلأبي يُوسُف) أَي وَخِلَافًا لَهُ فِي أَنه (يضعف عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَا بُد من تَغْيِيره، لِأَن الْكفْر يُنَافِيهِ، والتضعيف تَغْيِير للوصف فَقَط، فَيكون أسهل من إبِْطَال الْعشْر وَوضع الْخراج، لِأَن فِيهِ تَغْيِير الأَصْل وَالْوَصْف جَمِيعًا، والتضعيف فِي حق الْكَافِر مَشْرُوع فِي الْجُمْلَة (كبني تغلب) وَلَا يُقَال فِيهِ تَضْعِيف للقربة، وَالْكفْر ينافيها، لأَنا نقُول بعد التَّضْعِيف صَار فِي حكم الْخراج الَّذِي هُوَ من خَواص الْكفَّار، وخلا عَن وصف الْقرْبَة (وَيُجَاب بِأَنَّهَا) أَي الصَّدَقَة الْمَأْخُوذَة من بني تغلب هِيَ فِي الْمَعْنى (أجزية سميت بذلك) أَي بِكَوْنِهَا صَدَقَة مضاعفة (بِالتَّرَاضِي لخُصُوص عَارض) فَإِن بني تغلب بِكَسْر اللَّام عرب نَصَارَى. قَالَ الْقَائِم بن سَلام فِي كتاب الْأَمْوَال: همّ: يَعْنِي عمر أَن يَأْخُذ مِنْهُم الْجِزْيَة، فتفرّقوا فِي الْبِلَاد، فَقَالَ النُّعْمَان بن زرْعَة أَو زرْعَة بن النُّعْمَان لعمر: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن بني تغلب قوم عرب يأنفون من الْجِزْيَة، وَلَيْسَ لَهُم أَمْوَال إِنَّمَا هم أَصْحَاب حروث ومواش، وَلَهُم مكانة فِي العدوّ فَلَا تعن عددّك عَلَيْك بهم: فَصَالحهُمْ عمر رَضِي الله عَنهُ على أَن يضع عَلَيْهِم الصَّدَقَة وَاشْترط عَلَيْهِم أَن لَا ينصرُوا أَوْلَادهم، وَفِي رِوَايَة عَن هَذِه جِزْيَة سَموهَا مَا شِئْتُم، وَإِنَّمَا اخْتلف الْفُقَهَاء فِي أَنَّهَا هَل هِيَ جِزْيَة على التَّحْقِيق من كل وَجه؟ فَقيل نعم حَتَّى لَو كَانَ للْمَرْأَة أَو الصَّبِي نقود أَو مَاشِيَة لَا يُؤْخَذ مِنْهُم شَيْء، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَرِوَايَة الْحسن عَن أبي حنيفَة، وَقيل لَا، بل وَاجِبَة بِشَرْط الزَّكَاة وأسبابها، وَهُوَ ظَاهر الرِّوَايَة، لِأَن الصُّلْح وَقع على ذَلِك، وَالصَّحِيح مَا قَالَه أَبُو حنيفَة من أَنَّهَا تصير خَرَاجِيَّة كَمَا ذكره فَخر الْإِسْلَام وَغَيره، وَهَذَا هُوَ الْقسم الثَّالِث (وَمؤنَة فِيهَا معنى الْعقُوبَة) وَهِي (الْخراج أما الْمُؤْنَة فلتعلق بَقَائِهَا) أَي الأَرْض
(2/177)

لأهل الْإِسْلَام (بالمقاتلة المصارف) لَهُ كَمَا بَيناهُ آنِفا (والعقوبة للانقطاع بالزراعة عَن الْجِهَاد) لِأَنَّهُ يتَعَلَّق بِالْأَرْضِ لصفة التَّمَكُّن من الزِّرَاعَة والاشتغال بهَا عمَارَة للدنيا وإعراض عَن الْجِهَاد، وَهُوَ سَبَب الذل شرعا (فَكَانَ) الْخراج (فِي الأَصْل صغَارًا) فِي صَحِيح البُخَارِيّ أَن أَبَا أُمَامَة الْبَاهِلِيّ قَالَ: وَرَأى سكَّة وشيئا من آلَة الْحَرْث سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول " لَا يدْخل هَذَا بَيت قوم إِلَّا دخله الذَّال " (وَبَقِي) الْخراج للْأَرْض الخراجية وَظِيفَة مستمرة (لَو اشْتَرَاهَا مُسلم) أَو ورثهَا أَو وَهبهَا أَو أسلم مَالِكهَا (لِأَن ذَلِك) الصغار (فِي ابْتِدَاء التوظيف) لَا فِي بَقَائِهِ نظرا إِلَى مَا فِيهِ من رُجْحَان معنى الْمُؤْنَة الَّتِي الْمُؤمن من أَهلهَا، وَهَذَا هُوَ الْقسم الرَّابِع (وَحقّ قَائِم بِنَفسِهِ: أَي لم يتَعَلَّق بِسَبَب مبَاشر) فسر الْقيام بِالنَّفسِ بِكَوْن الْحق بِحَيْثُ لم يتَعَلَّق وُجُوبه بِمَا جعله الشَّارِع سَببا لَهُ إِذْ بَاشرهُ العَبْد، بل يكون ثُبُوته بِحكم مَالك الْأَشْيَاء كلهَا وَهُوَ (خمس الْغَنَائِم) أَي الْأَمْوَال الْمَأْخُوذَة من الْكفَّار قهرا لإعلاء كلمة الله فالمصاب كُله حق الله تَعَالَى، وَالْعَبْد يعْمل لمَوْلَاهُ لَا يسْتَحق عَلَيْهِ شَيْئا إِلَّا أَنه سُبْحَانَهُ جعل أَرْبَعَة أخماسه للغانمين امتنانا مِنْهُ عَلَيْهِم، واستبقى الْخمس حَقًا لَهُ، وَأمر بصرفه إِلَى من سماهم فِي كِتَابه الْعَزِيز: فَتَوَلّى السُّلْطَان أَخذه وقسمته بَينهم لكَونه نَائِب الشَّرْع فِي إِقَامَة حُقُوقه (وَمِنْه) أَي الْحق الْقَائِم بِنَفسِهِ (الْمَعْدن) بِكَسْر الدَّال وَهُوَ فِي الأَصْل الْمَكَان بِقَيْد الِاسْتِقْرَار فِيهِ، من عدن بِالْمَكَانِ: أَقَامَ بِهِ، ثمَّ اشْتهر فِي نفس الْأَجْزَاء المستقرة الَّتِي ذكرهَا الله تَعَالَى فِي الأَرْض يَوْم خلقهَا (والكنز) وَهُوَ الْمُثبت فِيهَا من الْأَمْوَال بِفعل الْإِنْسَان، والركاز يعمهما لِأَنَّهُ من الركز المُرَاد بِهِ المركوز أَعم من أَن يكون راكزه الْخَالِق أَو الْمَخْلُوق، فَهُوَ مُشْتَرك معنوي بَينهمَا، ثمَّ المُرَاد بالمعدن هُنَا عِنْد أَصْحَابنَا. الجامد الَّذِي يذوب وَيَنْقَطِع كالنقدين وَالْحَدِيد والرصاص والنحاس، وبالكنز مَا لَا عَلامَة للْمُسلمين فِيهِ حَتَّى كَانَ جاهليا: فَإِن هذَيْن لَا حق لأحد فيهمَا، جعل أَرْبَعَة أَخْمَاس كل مِنْهُمَا للواجد، واستبقى الْخمس لَهُ تَعَالَى ليصرف إِلَى من سماهم (فَلم يلْزم أَدَاؤُهُ) أَي الْخمس من هَذِه الْأَمْوَال (طَاعَة) ليشترط لَهُ النِّيَّة ليَقَع قربَة (إِذْ لم يقْصد الْفِعْل) الَّذِي هُوَ الدّفع (بل) قصد (مُتَعَلّقه) أَي الْفِعْل وَهُوَ المَال الْمَدْفُوع (بل هُوَ) أَي الْخمس (حق لَهُ تَعَالَى فَلم يحرم على بني هَاشم إِذْ لم يتسخ إِذْ لم تقم بِهِ قربَة وَاجِبَة). قَالَ الشَّارِح: قلت وَالْأولَى الِاقْتِصَار على قربَة بِنَاء على حُرْمَة الصَّدَقَة الناقلة عَلَيْهِم كالمفروضة لعُمُوم قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " إِن الصَّدَقَة لَا تنبغي لآل مُحَمَّد إِنَّمَا هِيَ أوساخ النَّاس "، رَوَاهُ مُسلم إِلَى غير ذَلِك، فَوَجَبَ اعْتِبَاره كَمَا قَالَه المُصَنّف فِي فتح الْقَدِير انْتهى. وَالْعجب أَن المُصَنّف فِي الْكتاب الْمَذْكُور بعد مَا نَقله بِخَمْسَة أسطر قَالَ: وَلَا يخفى أَن هَذِه العمومات تنتظم الصَّدقَات الناقلة
(2/178)

والواجبة فجروا على مُوجب ذَلِك فِي الْوَاجِبَة فَقَالُوا: لَا يجوز صرف كَفَّارَة الْيَمين وَالظِّهَار وَالْقَتْل وَجَزَاء الصَّيْد وَعشر الأَرْض، وغلة الْوَقْف إِلَيْهِم إِلَّا إِذا كَانَ الْوَقْف عَلَيْهِم لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يكون بِمَنْزِلَة الْوَقْف على الْأَغْنِيَاء، فَإِن كَانَ على الْفُقَرَاء وَلم يسمّ بني هَاشم لَا يجوز الصّرْف إِلَيْهِم، وَأما صَدَقَة النَّفْل فَقَالَ فِي النِّهَايَة: يجوز النَّفْل بِالْإِجْمَاع، وَكَذَا يجوز النَّفْل للغني: كَذَا فِي فَتَاوَى العتابي وصرّح فِي الْكَافِي بِدفع صَدَقَة الْوَقْف إِلَيْهِم على أَنه بَيَان الْمَذْهَب من غير نفل خلاف، فَقَالَ: وَأما التطوّع وَالْوَقْف فَيجوز الصّرْف إِلَيْهِم، لِأَن المؤدّي فِي الْوَاجِب يظْهر نَفسه بِإِسْقَاط الْفَرْض فيتدنس المؤدّي كَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمل، وَفِي النَّفْل تبرّع بِمَا لَيْسَ عَلَيْهِ فَلَا يتدنس المؤدّي كمن تبرّد بِالْمَاءِ، إِلَى هُنَا كَلَام المُصَنّف. وَهَذَا هُوَ الْقسم الْخَامِس (وعقوبات كَامِلَة) أَي مَحْضَة لَا يشوبها معنى آخر فَهِيَ كَامِلَة فِي كَونهَا عُقُوبَة وَهِي (الْحُدُود) أَي حدّ الزِّنَا وحدّ السّرقَة وحدّ الشّرْب فَإِنَّهَا شرعت لصيانة الْأَنْسَاب وَالْأَمْوَال والعقول، وموجبها جنايات لَا يشوبها معنى الْإِبَاحَة فَيَقْتَضِي أَن يكون لكلّ مِنْهَا عُقُوبَة كَامِلَة زاجرة عَن ارتكابه حَقًا لله تَعَالَى على الخلوص، وَعَن الْمبرد سميت الْعقُوبَة عُقُوبَة لِأَنَّهَا تتلو الذُّنُوب، من عقبه يعقبه: إِذا اتبعهُ، وَهَذَا هُوَ الْقسم السَّادِس (و) عُقُوبَة (قَاصِرَة) وَهِي (حرمَان الْقَاتِل) إِرْث الْمَقْتُول لقَتله عمدا أَو غَيره على مَا فصل فِي الْفِقْه ثمَّ (كَونه) أَي حرمَان الْقَاتِل (حَقًا لَهُ تَعَالَى لِأَن مَا يجب لغيره) تَعَالَى (بالتعدّي عَلَيْهِ) أَي الْغَيْر يكون (فِيهِ نفع لَهُ) أَي للْغَيْر، والغير هُنَا: الْمَقْتُول (وَلَيْسَ فِي الحرمان نفع للمقتول) فَتعين كَونه لله تَعَالَى زاجرا عَن ارْتِكَاب مثل هَذَا الْعَمَل كالحدّ لِأَن مَا لَا يجب لغيره تَعَالَى يجب لَهُ ضَرُورَة (ومجرّد الْمَنْع) من الْإِرْث (قَاصِر) فِي معنى الْعقُوبَة، لِأَنَّهُ لم يلْحقهُ ألم فِي بدنه وَلَا نُقْصَان فِي مَاله: بل هُوَ مجرّد منع لثُبُوت ملكه فِي التَّرِكَة، وَقيل لَيْسَ لهَذَا الْقسم مِثَال غير هَذَا: وَهَذَا هُوَ الْقسم الرَّابِع (وَحُقُوق هما) أَي الْعِبَادَة والعقوبة مجتمعان (فِيهَا كالكفارات) للْيَمِين وَالْقَتْل وَالظِّهَار وَالْفطر الْعمد فِي نَهَار رَمَضَان، وَكَفَّارَة قتل الصَّيْد للْمحرمِ، وصيد الْحرم، أما أَن فِيهَا معنى الْعِبَادَات فَلِأَنَّهَا تؤدّى بِمَا هُوَ عبَادَة مَحْضَة من عتق أَو صَدَقَة أَو صِيَام، وَيشْتَرط فِيهَا النِّيَّة، وَيُؤمر من هِيَ عَلَيْهِ بِالْأَدَاءِ بِنَفسِهِ بطرِيق الْفَتْوَى، وَلَا يَسْتَوْفِي مِنْهُ جبرا، وَالشَّرْع لم يفوّض إِلَى الْمُكَلف إِقَامَة شَيْء من الْعُقُوبَات على نَفسه بل هِيَ مفوّضة إِلَى الْأَئِمَّة، وتستوفي جبرا، وَأما أَن فِيهَا معنى الْعقُوبَة فَإِنَّهَا لم تجب إِلَّا أجزية على أَفعَال من الْعباد لَا مُبتَدأَة، وَلِهَذَا سميت كَفَّارَات لِأَنَّهَا ستارة للذنوب (وجهة الْعِبَادَة غالبة فِيهَا) بِدَلِيل وُجُوبهَا على أَصْحَاب الْأَعْذَار مثل الخاطئ والناسى وَالْمكْره، وَالْمحرم المضطرّ إِلَى قتل الصَّيْد لمخمصة وَلَو كَانَت جِهَة الْعقُوبَة فِيهَا
(2/179)

غالبة لامتنع وُجُوبهَا بِسَبَب الْعذر: لِأَن الْمَعْذُور لَا يسْتَحق الْعقُوبَة، وَكَذَا لَو كَانَت مُسَاوِيَة لِأَن جِهَة الْعِبَادَة إِن لم تمنع الْوُجُوب على هَؤُلَاءِ المعذورين فجهة الْعقُوبَة تَمنعهُ، وَالْأَصْل عَدمه، فَلَا يثبت إِلَّا بِالشَّكِّ (إِلَّا الْفطر) أَلا كَفَّارَته فَإِن جِهَة الْعقُوبَة فِيهَا غالبة (وألحقها) أَي كَفَّارَة الْفطر (الشَّافِعِي بهَا) أَي بِسَائِر الْكَفَّارَات فِي تَغْلِيب معنى الْعِبَادَة فِيهَا على الْعقُوبَة حَيْثُ لم يُسْقِطهَا بِالشُّبْهَةِ كَمَا سَيَأْتِي (وَالْحَنَفِيَّة) إِنَّمَا قَالُوا بتغليب معنى الْعقُوبَة فِيهَا على الْعِبَادَة (لتقيدها) أَي وجوب كَفَّارَة الْفطر (بالعمد) أَي بِالْفطرِ الْعمد (ليصير) الْفطر الْعمد (حَرَامًا وَهُوَ) أَي كَونه حَرَامًا (المثير للعقوبة والتصور) أَي ولقصور الْعقُوبَة فِيهَا حَيْثُ لم تكن كَامِلَة (لكَون الصَّوْم) الَّذِي تعمد الْفطر فِي أَثْنَائِهِ (لم يصر حَقًا تَاما مُسلما لصَاحب الْحق) وَهُوَ الله عزّ وجلّ لَكِن (وَقعت الْجِنَايَة عَلَيْهِ) أَي على الصَّوْم (فَلِذَا) أَي فلأجل أَن الْجِنَايَة وَقعت عَلَيْهِ (تأدّى) هَذَا الْحق الْوَاجِب الَّذِي هُوَ الْكَفَّارَة (بِالصَّوْمِ وَالصَّدَََقَة) الَّتِي هِيَ الْإِطْعَام، فلولا أَن فِي هَذِه الْكَفَّارَة معنى الْعِبَادَة، وَإِن كَانَ مَغْلُوبًا مَا تأدّت بِمَا هُوَ من جنس الْعِبَادَة (وشرطت النِّيَّة) فِيهَا إِذْ الْعِبَادَة لَا تصح إِلَّا بِالنِّيَّةِ مَعْطُوف على تأدّى (فتفرع) على غَلَبَة معنى الْعقُوبَة (درؤها) أَي سُقُوط وجوب الْكَفَّارَة (بِالشُّبْهَةِ) أَي شُبْهَة الْإِبَاحَة كَمَا يدْرَأ الحدّ، وَمن ثمَّة لم يجب إِجْمَاعًا على من جَامع ظَانّا أَن الْفجْر لم يطلع، أَو أَن الشَّمْس غَابَتْ ثمَّ تبين خِلَافه (فَوَجَبَ) الْحق الْمَذْكُور (مرّة بمرار) أَي بفطر متعدّد فِي أَيَّام (قبل التَّكْفِير من رَمَضَان) وَاحِد عندنَا كَمَا يحدّ مرّة بزناة مرّة بعد أُخْرَى إِذا لم يحد بِكُل مرّة. وَقَالَ الشَّافِعِي: يجب بِكُل فطر يَوْم كَفَّارَة (وَمن اثْنَيْنِ) أَي وَيجب كَفَّارَة وَاحِدَة بفطر متعدّد قبل التَّكْفِير من رمضانين (عِنْد الْأَكْثَر) أَي أَكثر الْمَشَايِخ. وَفِي الْكَافِي فِي الصَّحِيح (خلافًا لما يرْوى عَنهُ) أَي عَن أبي حنيفَة من أَنه يجب التعدّد فِي الْكَفَّارَة بتعدّد فطر الْأَيَّام، وَإِنَّمَا قُلْنَا بالتداخل حَيْثُ قُلْنَا بِهِ (لِأَن التَّدَاخُل دَرْء) يَعْنِي أَنه لما كَانَ عَلَيْهِ الْعقُوبَة فِي الْكَفَّارَات ألحقها بالحدود الَّتِي تندرئ بِالشُّبُهَاتِ حصل عِنْد تكرّر مُوجبهَا قبل التَّكْفِير شُبْهَة الِاكْتِفَاء بكفارة وَاحِدَة عَن الْجِنَايَات المتعدّدة نظرا إِلَى حُصُول الْمَقْصد، وَهُوَ الانزجار بِوَاحِدَة، فاندرأ تعدّد الْوُجُوب بِهَذِهِ الشُّبْهَة (وَلَو كفر) عَن فطر يَوْم (ثمَّ أفطر) فِي آخر (فأخرى) أَي فَيجب كَفَّارَة أُخْرَى (لتبين عدم انزجاره بِالْأولَى) أَي الْكَفَّارَة الأولى (فتفيد الثَّانِيَة) الانزجار (وَالثَّانِي حُقُوق الْعباد كضمان الْمُتْلفَات وَملك الْمَبِيع وَالزَّوْجَة وَكثير) (و) الثَّالِث (مَا اجْتمعَا) أَي حق الله وَحقّ العَبْد فِيهِ (وَحقه تَعَالَى غَالب) وَهُوَ (حدّ الْقَذْف) لِأَنَّهُ من حَيْثُ أَنه يَقع نَفعه عَاما بإخلاء الْعَالم عَن الْفساد حق الله، وَمن حَيْثُ أَنه صِيَانة الْعرض وَدفع الْعَار عَن الْمَقْذُوف حق العَبْد: إِذْ هُوَ
(2/180)

ينْتَفع بِهِ على الْخُصُوص، ثمَّ فِي هَذَا حق الله تَعَالَى أَيْضا لما فِيهِ من حق الاستعباد فَكَانَ الْغَالِب حق الله (فَلَيْسَ للمقذوف إِسْقَاطه) أَي الحدّ: لِأَن حق الله لَا يسْقط بِإِسْقَاط العَبْد وَإِن كَانَ غير متمحض لَهُ كَمَا يشْهد بِهِ دلَالَة الْإِجْمَاع على عدم سُقُوط العدّة بِإِسْقَاط الزَّوْج إِيَّاهَا، وَإِن كَانَ الْمَقْصد مِنْهَا الِاحْتِرَاز عَن اخْتِلَاط مَاء الْغَيْر بمائه الْمُوجب الِاشْتِبَاه فِي نسب وَلَده، وَذَلِكَ لما فِيهَا من حق الله عزّ وجلّ (وَلذَا) أَي وَلكَون الْغَالِب فِي هَذَا الحدّ حق الله تَعَالَى (وَلم يفوّض إِلَيْهِ) أَي الْمَقْذُوف ليقيمه على قَاذفه (لِأَن حُقُوقه تَعَالَى لَا يستوفيها إِلَّا الإِمَام) لاستنابة الله إِيَّاه فِي استيفائها (وَلِأَنَّهُ) أَي حدّ الْقَذْف (لتهمته) أَي الْقَاذِف الْمَقْذُوف (بِالزِّنَا وَأثر الشَّيْء من بَابه) أَي بَاب ذَلِك الشَّيْء واتباعه، وحدّ الزِّنَا حق الله اتِّفَاقًا (فدار) حدّ الْقَذْف (بَين كَونه لله تَعَالَى خَالِصا) كحدّ الزِّنَا (أَو) كَونه (لَهُ) أَي لله تَعَالَى (وَلِلْعَبْدِ) فَلَا أقلّ من أَن يُقَال (فتغلب) حق الله (بِهِ). قَالَ الشَّارِح: أَي بحدّ الْقَذْف انْتهى، وَلَا وَجه لَهُ إِلَّا أَن تكون الْبَاء بِمَعْنى فِي، وَالْأَوْجه إرجاع الضَّمِير إِلَى مَا ذكر مِمَّا يدلّ على كَون حَقه تَعَالَى غَالِبا، وَذهب صدر الْإِسْلَام إِلَى أَن الْغَالِب فِيهِ حق العَبْد، وَبِه قَالَ الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة (و) الرَّابِع (مَا اجْتمعَا) أَي حق الله وَحقّ العَبْد فِيهِ (وَالْغَالِب حق العَبْد) وَهُوَ (الْقصاص بالِاتِّفَاقِ) فَإِن لله تَعَالَى فِي نفس العَبْد حق الاستعباد، وَلِلْعَبْدِ حق الِاسْتِمْتَاع، ثمَّ إِن الْقصاص من حَيْثُ أَنه يُنبئ عَن الْمُمَاثلَة يدلّ على أَن رِعَايَة جَانب العَبْد أَكثر والأفرعاية إخلاء الْعَالم عَن الْفساد الَّذِي هُوَ النَّفْع الْعَام الرَّاجِع إِلَى حق الله تَعَالَى كَانَ يَقْتَضِي زِيَادَة الزّجر بِضَم أَخذ المَال وَنَحْوه مَعَه، (وينقسم) مُتَعَلق الحكم الشَّرْعِيّ مُطلقًا (أَيْضا بِاعْتِبَار آخر أصل وَخلف) أَي يَنْقَسِم إِلَى أصل وَخلف: فَعلم أَن الِاعْتِبَار الآخر الْأَصَالَة والخلفية (لَا يثبت) كَونه خلفا (إِلَّا بِالسَّمْعِ) نصا أَو دلَالَة أَو إِشَارَة أَو اقْتِضَاء (صَرِيحًا أَو غَيره) أى غير صَرِيح (فَالْأَصْل كالتصديق فِي الْإِيمَان) فَإِنَّهُ أصل مُحكم لَا يحْتَمل السُّقُوط بِعُذْر مَا، وَلَا يبْقى مَعَ التبديل بِحَال (وَالْخلف عَنهُ) أَي عَن التَّصْدِيق (الْإِقْرَار) بِاللِّسَانِ لِأَنَّهُ معبر عَمَّا فِي الْقلب (إِذْ لم يعلم الأَصْل يَقِينا) لِأَنَّهُ غيب لَا يطلع عَلَيْهِ إِلَّا الله تَعَالَى تَعْلِيل لاعْتِبَار الْخلف: أَي لَا بدّ مِنْهُ، إِذْ لَا يُمكن إدارة الْأَحْكَام على حَقِيقَته لعدم الْعلم بهَا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (أدير) الحكم (عَلَيْهِ) أَي على الْخلف (فَلَو أكره) الْكَافِر على الْإِسْلَام (فأقرّ بِهِ حكم بِإِسْلَامِهِ) لوُجُوده ظَاهرا، وَإِن لم يُوجد الأَصْل فِي نفس الْأَمر (فرجوعه) عَن الْإِسْلَام إِلَى الْكفْر بِحَسب اللِّسَان (ردّة لَكِن لَا توجب الْقَتْل) لِأَن الْإِكْرَاه شُبْهَة لإسقاطه (بل) توجب (الْحَبْس وَالضَّرْب حَتَّى يعود) إِلَى الْإِسْلَام لَا يُقَال ينيغى أَن لَا يقبل بِدُونِ الْإِكْرَاه أَيْضا لوُجُود الشُّبْهَة بِاعْتِبَار عدم الْعلم بِحَقِيقَة الْأَيْمَان
(2/181)

يَقِينا، لأَنا نقُول: لَا عِبْرَة بِالشُّبْهَةِ مَا لم تكن ناشئة عَن دَلِيل مثل الْإِكْرَاه (وَدفن) من أكره على الْإِسْلَام حَتَّى أقرّبه، ثمَّ لم يظْهر مِنْهُ خِلَافه إِلَى أَن مَاتَ (فِي مَقَابِر الْمُسلمين بِهِ) أَي بِإِقْرَارِهِ بِالْإِسْلَامِ مكْرها (و) يثبت أَيْضا (بَاقِي أَحْكَام الخلفية فِي الدُّنْيَا) من إِسْقَاط الْجِزْيَة عَنهُ وَجَوَاز الصَّلَاة خَلفه وَعَلِيهِ إِلَى غير ذَلِك (فَأَما الْآخِرَة فَالْمَذْهَب للحنفية) وَهُوَ نصّ أبي حنيفَة (أَنه) أَي الْإِقْرَار (أصل) فِي أَحْكَامهَا أَيْضا (فَلَو صدّق) بِقَلْبِه (وَلم يقرّ) بِلِسَانِهِ (بِلَا مَانع) لَهُ من الْإِقْرَار واستمرّ (حَتَّى مَاتَ كَانَ فِي النَّار، وَكثير من الْمُتَكَلِّمين) وَرِوَايَة عَن أبي حنيفَة، وَأَصَح الرِّوَايَتَيْنِ عَن الْأَشْعَرِيّ الأَصْل فِي أَحْكَام الْآخِرَة (التَّصْدِيق وَحده وَالْإِقْرَار) شَرط (ل) إِجْرَاء (أَحْكَام الدُّنْيَا) عَلَيْهِ (كَقَوْل بَعضهم) أَي الْحَنَفِيَّة: مِنْهُم أَبُو مَنْصُور الماتريدي وَفِي شرح الْمَقَاصِد الْإِقْرَار لهَذَا الْغَرَض لَا بدّ أَن يكون على وَجه الإعلان على الإِمَام وَغَيره من أهل الْإِسْلَام، بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ لإتمام الْإِيمَان فَإِنَّهُ يَكْفِي فِيهِ مجرّد التَّكَلُّم وَإِن لم يظْهر على غَيره، ثمَّ الْخلاف فِيمَا إِذا كَانَ قَادِرًا وَترك التَّكَلُّم بِهِ لَا على وَجه الإباء، إِذْ الْعَاجِز كالأخرس مُؤمن اتِّفَاقًا، والمصرّ على عدم الْإِقْرَار مَعَ الْمُطَالبَة بِهِ كَافِر اتِّفَاقًا لكَون ذَلِك من أَمَارَات عدم التَّصْدِيق (ثمَّ صَار أَدَاء الْأَبَوَيْنِ فِي الصَّغِير وَالْمَجْنُون خلفا عَن أدائهما) أَي الصَّغِير وَالْمَجْنُون لعجزهما عَن ذَلِك (فَحكم بإسلامهما تبعا لأَحَدهمَا) أَي الْأَبَوَيْنِ إِذا كَانَ الْمَتْبُوع وَالتَّابِع حِين الْإِسْلَام فِي دَار وَاحِدَة، أَو الْمَتْبُوع فِي دَار الْحَرْب، وَالتَّابِع فِي دَار الْإِسْلَام، لَا بِالْعَكْسِ كَمَا نبه عَلَيْهِ فِي الْيَنَابِيع وَغَيره (ثمَّ تَبَعِيَّة الدَّار) صَارَت خلفا عَن أَدَاء الصَّغِير بِنَفسِهِ فِي إِثْبَات الْإِسْلَام لَهُ عِنْد عدم إِسْلَام أحد الْأَبَوَيْنِ على الْوَجْه الْمَذْكُور (فَلَو سبى فَأخْرج إِلَى دَار الْإِسْلَام وَحده حكم بِإِسْلَامِهِ، وَكَذَا تَبَعِيَّة الْغَانِمين) أَي تبعيته للْمُسلمين الْغَانِمين إِذا لم يكن مَعَه أَبَوَاهُ وَلَا أَحدهمَا، واختص بِهِ أحدهم فِي دَار الْحَرْب بِشِرَائِهِ من الإِمَام، أَو قسْمَة الإِمَام الْغَنِيمَة ثمَّة صَارَت خلفا عَن أَدَاء الصَّغِير كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (فَلَو قسم فِي دَار الْحَرْب فَوَقع فِي سهم أحدهم) أَي الْمُسلمين (حكم بِإِسْلَامِهِ، وَالْمرَاد أَن كلا من هَذِه خلف عَن أَدَاء الصَّغِير) بِنَفسِهِ على التَّرْتِيب الْمَذْكُور (لَا أَنه يخلف بَعْضهَا بَعْضًا) لِأَن الْخلف لَا خلف لَهُ كَذَا قَالُوا، ثمَّ كَون هَذِه التبعيات مرتبَة هَكَذَا: هُوَ الْمَذْكُور فِي أصُول فَخر الْإِسْلَام وموافقيه. وَفِي الْمُحِيط أَن تَبَعِيَّة صَاحب الْيَد مقدّمة على تَبَعِيَّة الدَّار، فَقيل يحْتَمل أَن يكون فِي المسئلة رِوَايَتَانِ بَقِي أَن الخلفية لَا تتثبت إِلَّا بِالسَّمْعِ، وَالظَّاهِر إِنَّه فِيمَا كَانَ بَين مُسلم أُصَلِّي وذمية الْإِجْمَاع، وَقد يُقَال مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا من مَوْلُود إِلَّا يُولد على الْفطْرَة، فَأَبَوَاهُ يهوّدانه، أَو ينصرَانِهِ، أَو يُمَجِّسَانِهِ يصلح سندا للْإِجْمَاع فَجعل اتِّفَاقهمَا عِلّة ناقلة للْوَلَد عَن أصل الْفطْرَة،
(2/182)

فَيثبت فِيمَا اتفقَا عَلَيْهِ وَيبقى على أصل الْفطْرَة فِيمَا اخْتلفَا فِيهِ، وَأما فِيمَا بَين مُسلم عَارض إِسْلَامه وذمية، وَبَين مسلمة عَارض إسلامهما وذميّ فَظَاهر كَلَامهم أَنه الحَدِيث الْمَذْكُور لِأَنَّهُ يُفِيد ثُبُوت الْأَوْصَاف الثَّلَاثَة للْوَلَد إِذا كَانَ أَبَوَاهُ على ذَلِك الْوَصْف، فَإِذا زَالَ الْوَصْف عَن أَحدهمَا انْتَفَت الْعلَّة، فينتفى الْمَعْلُول، فيترجح الْوَصْف المفطور عَلَيْهِ، وَهُوَ الْإِسْلَام، لَكِن يرد عَلَيْهِ أَن يُقَال: فليزم بِعَين هَذَا صيرورة الصَّغِير مُسلما بِمَوْت أَحدهمَا كَمَا هُوَ قَول الإِمَام أَحْمد، وَهُوَ خلاف مَا عَلَيْهِ بَاقِي الْأَئِمَّة. وَهَذِه الْجُمْلَة ذكرهَا الشَّارِح فِي تفاصيل أخر، و (هَذَا) كُله (إِذا لم يكن) الصَّغِير (عَاقِلا وَإِلَّا) أَي وَإِن كَانَ عَاقِلا (استقلّ بِإِسْلَامِهِ) فَإِن أسلم صَحَّ وَحِينَئِذٍ (فَلَا يرتدّ بردة من أسلم مِنْهُمَا) أَي أَبَوَيْهِ (على مَا سَيعْلَمُ) فِي فصل الْأَهْلِيَّة، لَكِن ذكر فَخر الْإِسْلَام فِي شرح الْجَامِع الصَّغِير وَيَسْتَوِي فِيمَا قُلْنَا أَن يعقل وَأَن لَا يعقل، وَذكر قَاضِي خَان فِي شَرحه عَلَيْهِ لَو أسلم أحد أَبَوَيْهِ يَجْعَل مُسلما تبعا سَوَاء كَانَ الصَّغِير عَاقِلا أَو لم يكن، لِأَن الْوَلَد يتبع خير الْأَبَوَيْنِ دينا (وَمِنْه) قَالَ الشَّارِح: أَي من الْخلف عَن الأَصْل (والصعيد) وَلَا يخفى أَنه حِينَئِذٍ لَا وَجه لذكر الْوَاو: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون الْمَعْنى وَمِنْه قَوْلهم والصعيد الخ على الْمُسَامحَة، وَقد يُقَال أَن قَوْله مِنْهُ مُتَعَلق بقوله سَيعْلَمُ، وَالضَّمِير للموصول والجارّ وَالْمَجْرُور فِي موقع الْفَاعِل فَإِنَّهُ (خلف عَن المَاء، فَيثبت بِهِ) أَي بالصعيد (مَا ثَبت بِهِ) أَي بِالْمَاءِ من الطَّهَارَة الْحكمِيَّة إِلَى وجود الناقض على مَا هُوَ مُقْتَضى الخلفية، فالأصالة والخلفية بَين الآلتين، فَيجوز إِمَامَة الْمُتَيَمم لوُجُود شَرط الصَّلَاة، وَهِي الطَّهَارَة فِي حق كلّ مِنْهُمَا، فَيجوز بِنَاء أَحدهمَا على الآخر كالغاسل على الماسح مَعَ أَن الْخُف بدل من الرجل فِي قبُول الْحَدث وَرَفعه، وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف (ولمحمد) وَزفر أَيْضا أَن الْأَصَالَة والخلفية (بَين الْفِعْلَيْنِ) أَي التَّيَمُّم وَالْوُضُوء أَو الْغسْل (فَلَا يلْزم ذَلِك) أَي أَن يثبت بالصعيد مَا يثبت بِالْمَاءِ، إِذْ الْمَفْرُوض أَن الْخَلِيفَة لَيست بَينهمَا (وَلَا يُصَلِّي الْمُتَوَضِّئ خلف الْمُتَيَمم لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمر) الْمُحدث (بِالْفِعْلِ) أَي الْوَصْف، فَقَالَ إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة (فَاغْسِلُوا) الْآيَة، وَإِن كُنْتُم جنبا فاطهروا (ثمَّ نقل) الْأَمر عَن الْوضُوء (إِلَى الْفِعْل) الآخر. وَهُوَ التَّيَمُّم عِنْد عدم الْقُدْرَة على المَاء، فَقَالَ - {وَإِن كُنْتُم مرضى} - إِلَى قَوْله - {فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا} - الْآيَة، وَإِذا لم يكن الصَّعِيد خلفا للْمَاء لم يثبت بِهِ طَهَارَة مُطلقَة كَمَا يثبت بِالْمَاءِ ليعتبر ذَلِك فِي حقّ المقتدى الْمُتَوَضِّئ (وَلَهُمَا) أَي أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف (أَنه) تَعَالَى (نقل) الطّلب عَن المَاء إِلَى الصَّعِيد (عِنْد عدم المَاء) حَيْثُ قَالَ (فَلم تَجدوا مَاء فَكَانَ) المَاء هُوَ (الأَصْل) وَيُؤَيِّدهُ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الصَّعِيد الطّيب وضوء الْمُؤمن وَلَو إِلَى عشر سِنِين. وَقد يُقَال كَمَا أَن الخلفية إِذا اعْتبرت بَين
(2/183)

الآلتين اقْتَضَت ثُبُوت مَا ثَبت بِالْمَاءِ فِي الصَّعِيد، كَذَلِك إِذا اعْتبرت بَين الْفِعْلَيْنِ اقْتَضَت أَن يرتب على التيميم مَا كَانَ يَتَرَتَّب على الْوضُوء من الطَّهَارَة الْحكمِيَّة إِلَى وجود الناقض بِمُقْتَضى الخلفية فَمَا الْفرق بَين الاعتبارين، وَالْجَوَاب أَنَّهَا إِذا اعْتبرت بَين الْفِعْلَيْنِ ثَبت ضَرُورَة الْحَاجة إِلَى إِسْقَاط الْفَرْض عَن الذِّمَّة مَعَ قيام الْحَدث كطهارة الْمُسْتَحَاضَة، وَيلْزمهُ عدم جَوَاز تَقْدِيمه على الْوَقْت وَعدم جَوَاز مَا شَاءَ من الْفَرَائِض والنوافل بِخِلَاف مَا إِذا اعْتبرت بَين الآلتين، فَإِنَّهَا تثبت حِينَئِذٍ مُطلقَة يرْتَفع بِهِ الْحَدث وَيلْزمهُ جَوَاز مَا ذكر فَإِن قلت مَا السرّ فِي ثُبُوتهَا على وَجه الضَّرُورَة إِذا اعْتبرت بَين الْفِعْلَيْنِ دون الآلتين مَعَ اشْتِرَاك مَا يَقْتَضِي اعْتِبَار الضَّرُورَة، وَهُوَ قَوْله - {فَلم تَجدوا مَاء} - فِي الْوَجْهَيْنِ (قلت الضَّرُورَة الَّتِي اقتضاها القَوْل الْمَذْكُور اعتبرناها فيهمَا والضرورة الَّتِي هِيَ مَحل النزاع لَا يقتضيها القَوْل الْمَذْكُور، بل يقتضيها خُصُوصِيَّة الأَصْل وَاعْتِبَار الخلفية بَين الْفِعْلَيْنِ، بَيَان ذَلِك أَن التُّرَاب فِي حدّ ذَاته مغبر مَحْض لَا يحصل حِكْمَة الْأَمر بالتطهير وَهُوَ تَحْسِين الْأَعْضَاء فاللائق بِشَأْنِهِ أَن يكون الْحَاصِل بِهِ مجرّد إِبَاحَة الصَّلَاة كطهارة من بهَا الِاسْتِحَاضَة غير أَن للشارع ولَايَة أَن يَجْعَل طَهَارَته كَامِلَة مثل المَاء على خلاف قِيَاس الْعقل، فالشأن فِي معرفَة اعْتِبَار الشَّارِع، وَذَلِكَ بِقَرِينَة اعْتِبَار الخلفية، فَإِن اعتبرها بَين المَاء وَالتُّرَاب كَانَ ذَلِك عَلامَة إِعْطَائِهِ الطَّهَارَة الْكَامِلَة لكَون أَصله مَعْرُوفا بالطهورية شرعا وعقلا، وَأَن اعتبرها بَين الْفِعْلَيْنِ كَانَ ذَلِك قرينَة إِعْطَائِهِ إِيَّاه مجرّد الْإِبَاحَة للصَّلَاة لعدم مَا هُوَ صَارف عَن اعْتِبَار مَا يَلِيق بِشَأْنِهِ من كَون الأَصْل مَعْرُوفا بِمَا ذكر حِينَئِذٍ (وَلَا بدّ فِي تَحْقِيق الخلفية من عدم الأَصْل) حَال انْتِقَال الحكم عَن الأَصْل إِلَى الْخلف إِذْ لَا معنى إِلَى الْمصير إِلَى الْخلف مَعَ وجود الأَصْل (و) من (إِمْكَانه) أَي الأَصْل لينعقد السَّبَب، ثمَّ بِالْعَجزِ عَنهُ يتحوّل الحكم عَنهُ إِلَى الْخلف (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الأَصْل مُمكنا لأمر مَا (فَلَا أصل) أَي فَلَا يُوصف ذَلِك الْأَمر بِالْأَصَالَةِ لغيره، وَإِذ لَا أصل لَهُ (فَلَا خلف) أَي فَلَا يُوصف ذَلِك الْغَيْر بالخلفية عَنهُ، وَمن هُنَا لزم التَّكْفِير من حلف ليمسنّ السَّمَاء لِأَنَّهَا انْعَقَدت مُوجبَة للبرّ لَا مَكَان مسّ السَّمَاء فِي الْجُمْلَة، لِأَن الْمَلَائِكَة يصعدون إِلَيْهَا وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صعد إِلَيْهَا لَيْلَة الْمِعْرَاج إِلَّا أَنه مَعْدُوم عرفا وَعَادَة، فانتقل الحكم مِنْهُ إِلَى الْخلف الَّذِي هُوَ الْكَفَّارَة، وَلم يلْزم من حلف على نفي مَا كَانَ، أَو ثُبُوت مَا لم يكن فِي الْمَاضِي لعدم إِمْكَان الأَصْل.

الْفَصْل الثَّالِث
فِي (الْمَحْكُوم فِيهِ) الْمَحْكُوم فِيهِ مُبْتَدأ وَقَوله (وَهُوَ) أَي الْمَحْكُوم فِيهِ (أقرب من الْمَحْكُوم
(2/184)

بِهِ) مُعْتَرضَة وَخَبره (فعل الْمُكَلف) يُرِيد أَن التَّعْبِير عَن فعل الْمُكَلف بالمحكوم فِيهِ أقرب من حَيْثُ الْمُنَاسبَة، وَأولى من التَّعْبِير عَنهُ بالمحكوم بِهِ كَمَا ذكره صدر الشَّرِيعَة والبيضاوي وَغَيرهمَا نقل الشَّارِح عَن المُصَنّف أَنه قَالَ: إِذا لم يحكم الشَّارِع بِهِ على الْمُكَلف، بل حكم فِي الْفِعْل بِالْوُجُوب، بِالْمَنْعِ، بِالْإِطْلَاقِ، وَالظَّاهِر أَن لَيْسَ مَنعه حكم بِهِ على الْمُكَلف وَلَا فِي إِطْلَاقه وَالْإِذْن فِيهِ، وَإِنَّمَا يخال ذَلِك فِي إِيجَابه، وَعند التَّحْقِيق يظْهر أَن لَيْسَ إِيجَابه: أَي إِيجَاب الشَّارِع فعله حكما بِنَفس الْفِعْل، وَلَو سلم كَانَ بِاعْتِبَار قسم يُخَالِفهُ أَقسَام (مُتَعَلق الْإِيجَاب) حَال من الْخَبَر (و) الْعَامِل معنوي (هُوَ الْوَاجِب) أَي يُسمى الْوَاجِب (لم يشتقوا لَهُ) أَي لفعله الْمَذْكُور (بِاعْتِبَار أَثَره) أَي الْإِيجَاب الْمُتَعَلّق بِهِ اسْما (إِلَّا اسْم الْفَاعِل) وَأما الْبَاقِي (فمتعلق النّدب وَالْإِبَاحَة وَالْكَرَاهَة مفعول) اشتق لمتعلقها بِاعْتِبَار أَثَرهَا اسْم مفعول، وَهُوَ (مَنْدُوب مُبَاح مَكْرُوه و) اشتقوا (كلا) من اسْمِي الْفَاعِل وَالْمَفْعُول (لمتعلق التَّحْرِيم) فَقَالُوا هُوَ (حرَام محرّم تَخْصِيصًا بالاصطلاح فِي الأول) أَي وَقع تَخْصِيص فِي مُتَعَلق الْإِيجَاب بالاقتصار على اسْم الْفَاعِل (و) فِي (الْأَخير) يَعْنِي مُتَعَلق التَّحْرِيم بِأَن وَسعوا لَهُ فِي الِاشْتِقَاق لَا لغيره، وكل ذَلِك بمجرّد الِاصْطِلَاح، لَا لموجب اقْتضى ذَلِك (ورسم الْوَاجِب بِمَا) أَي فعل (يُعَاقب تَاركه) على تَركه، قَوْله رسم الْوَاجِب مُبْتَدأ خَبره (مَرْدُود بِجَوَاز الْعَفو) عَنهُ: أَي سَبَب الرّد أَنه لَيْسَ الْعقَاب من لوازمه لجَوَاز أَن يعفي عَنهُ فَلَا يُعَاقب (و) رسمه (بِمَا أوعد) بالعقاب (على تَركه، إِن أُرِيد) بِالتّرْكِ التّرْك (الأعمّ من ترك) مُكَلّف (وَاحِد أَو) ترك (الكلّ) أَي كلّ الْمُكَلّفين فِي تِلْكَ النَّاحِيَة (ليدْخل الْكِفَايَة) أَي الْوَاجِب كِفَايَة فِي التَّعْرِيف (لزم التوعد بترك وَاحِد فِي الْكِفَايَة) مَعَ فعل غَيره (أَو) أُرِيد بِهِ (ترك الكلّ خرج مَتْرُوك الْوَاحِد) فِي الْوَاجِب عينا أَن لم يبين حكمه (أَو) أُرِيد بِهِ تَركه (الْوَاحِد خرج الْكِفَايَة، وَأما ردّه) أَي التَّعْرِيف الْمَذْكُور (بِصدق إيعاده كوعده فيستلزم الْعقَاب) يَعْنِي أَن الْعُدُول عَن المعاقبة إِلَى الإيعاد الْمعبر عَنهُ بأوعد لَا يصحح التَّعْرِيف للُزُوم وُقُوع مُتَعَلق الإيعاد، فَلَا فرق فِي الْمَآل بَين قَوْلكُم يُعَاقب وقولكم أوعده الله بالعقاب على التّرْك، فَكَمَا أَن ذَلِك مَرْدُود بِجَوَاز الْعَفو كَذَلِك هَذَا (فيناقض تجويزهم الْعَفو) إِذا أوعد تَارِك الْوَاجِب مُطلقًا بالعقاب، وقلتم إيعاده يسْتَلْزم الْعقَاب، فَلم يبْق لجَوَاز الْعَفو مجَال (وَهُوَ) أَي هَذَا الردّ (بالمعتزلة أليق) لِاسْتِحَالَة الْخلف فِي وعيده تَعَالَى عِنْدهم، بِخِلَاف أهل السّنة، ثمَّ إِن التَّنَاقُض يلْزم من ظنّ كَون الإيعاد الْمَذْكُور فِي التَّعْرِيف مستلزما للعقاب فِي جَمِيع الْأَوْقَات (إِلَّا) وَقت (أَن يُرَاد) بالإيعاد الْمَذْكُور (إيعاد ترك وَاجِب الْإِيمَان) فَإِن الْخلف فِيهِ غير جَائِز قطعا لقَوْله تَعَالَى - (إِن الله لَا يغْفر أَن
(2/185)

يُشْرك بِهِ} - وَأما الإيعاد على ترك وَاجِب غَيره فَيجوز الْخلف فِيهِ لقَوْله تَعَالَى - {وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء} -، وَلَا يخفى عَلَيْك أَنه لَا يجوز أَن يُرَاد هَذَا الإيعاد الْخَاص من التَّعْرِيف إِذْ لَا دلَالَة للعام على الْخَاص بِوَجْه (فَلَا يبطل التَّعْرِيف إِلَّا بِفساد عَكسه بِخُرُوج مَا سواهُ) أَي مَا سوى وَاجِب الْإِيمَان، لَا بِخُرُوج كلّ وَاجِب، وَقَالَ الشَّارِح: إِن ظَاهر المواقف والمقاصد أَن الأشاعرة على جَوَاز الْخلف فِي الْوَعيد، لِأَنَّهُ يعدّ جودا وكرما لَا نقصا، وَإِن فِي غَيرهمَا الْمَنْع مِنْهُ معزوّا إِلَى الْمُحَقِّقين، فَإِن الشَّيْخ حَافظ الدّين نصّ على أَنه الصَّحِيح، وَأَن الْأَشْبَه أَن يُقَال بِجَوَازِهِ فِي حق الْمُسلمين خَاصَّة جمعا بَين الْأَدِلَّة انْتهى.
قلت والحقّ أَن من الْوَعيد مَا فِيهِ تفاصيل كَثِيرَة كتخاصم أهل النَّار وحكاية أسئلتهم وأجوبتهم وتقريعات الْمَلَائِكَة وَغَيرهم عَلَيْهِم وتأسفاتهم على مَا فاتهم من طلب الرُّجُوع إِلَى الدُّنْيَا، فَعدم تحقق مثله مِمَّا يحيله الْعقل عَادَة إِذْ لَا يَلِيق بجنابه الْإِخْبَار عَن الْمُسْتَقْبل بِتِلْكَ التفاصيل من غير أَن يكون لَهُ مصداق، وَيُشبه أَن يكون تَجْوِيز مثل هَذَا الِاحْتِمَال من بَاب الْغرُور، وَإِنَّمَا يجوز الْخلف فِي مثل قَول الْملك لأَقْتُلَنك، وشتان بَينهمَا (وَأما) ردّ هَذَا التَّعْرِيف (بِأَن مِنْهُ) أَي الْوَاجِب (مَا لم يتوعد عَلَيْهِ) أَي على تَركه فَلَا يصدق عَلَيْهِ مَا أوعد على تَركه (فمندفع بِثُبُوتِهِ) أَي الإيعاد على التّرْك (لكلها) أَي الْوَاجِبَات (بالعمومات) أَي بالنصوص الْعَامَّة كَقَوْلِه تَعَالَى - {وَمن يعْص الله وَرَسُوله ويتعدّ حُدُوده يدْخلهُ نَارا} {} (وَمن يعْمل مِثْقَال ذرّة شرّا يره} - (ورسم) الْوَاجِب أَيْضا (بِمَا يخَاف الْعقَاب بِتَرْكِهِ، وأفسد طرده) أَي كَون هَذَا التَّعْرِيف مَانِعا (بِمَا لَيْسَ بِوَاجِب) أَي لم يثبت وُجُوبه شرعا (وَشك فِي وُجُوبه) فَإِن الْمَشْكُوك فِي وُجُوبه يخَاف على تَركه لاحْتِمَال كَونه وَاجِبا فِي نفس الْأَمر فَيصدق عَلَيْهِ الحدّ دون الْمَحْدُود، لِأَن الْمُعَرّف مَا ثَبت وُجُوبه شرعا (وَيدْفَع) هَذَا الْإِفْسَاد (بِأَن مَفْهُومه) أَي مَا يخَاف الْعقَاب بِتَرْكِهِ (مَا) أَي فعل (بِحَيْثُ) يخَاف الْعقَاب بِتَرْكِهِ: يَعْنِي أَن هَذِه الْحَيْثِيَّة لَازِمَة لَهُ (فَلَا يختصّ) ذَلِك الْفِعْل (بخوف وَاحِد دون آخر) بِأَن يخَاف بعض النَّاس الْعقَاب بِتَرْكِهِ وَلَا يخَاف بعض آخر، بل يعمّ الْخَوْف كلّ أحد (وَلَا خوف للمجتهد فِي ترك مَا شكّ فِيهِ) بعد الِاجْتِهَاد، وَذَلِكَ ليأسه عَمَّا يُفِيد زَوَال الشَّك بعد بذل الوسع فَلَا يصدق التَّعْرِيف على الْمَشْكُوك فِي وُجُوبه لما عرفت من اعْتِبَار عُمُوم الْخَوْف فِيهِ (و) أفسد (عَكسه) أَي جامعية التَّعْرِيف الْمَذْكُور (بِوَاجِب) أَي بِمَا ثَبت وُجُوبه شرعا غير أَنه (شكّ فِي عدم وُجُوبه) فَإِن قلت الشَّك عبارَة عَن تَسَاوِي الطَّرفَيْنِ، فالشك فِي عدم الْوُجُوب شكّ فِي الْوُجُوب قلت الشَّك كَمَا قلت غير أَن الشُّبْهَة طارئة فِي الأول على أَمر ثَبت وُجُوبه بدليله، وَفِي الثَّانِي على أَمر ثَبت عدم وُجُوبه. فَعبر عَن كلّ مِنْهُمَا بِمَا يَلِيق بِهِ
(2/186)

(أَو) مَا (ظنّ) عدم وُجُوبه بِأَن ظنّ الْمُجْتَهد الَّذِي ادّعى اجْتِهَاده إِلَى وُجُوبه ابْتِدَاء عدم الْوُجُوب أَو ظنّ غَيره (فَإِنَّهُ) أَي الشَّأْن أَو الْوَاجِب الْمَذْكُور (لَا يخَاف) الْعقَاب بِتَرْكِهِ فَلَا يصدق التَّعْرِيف على هَذَا الْفَرد من الْمُعَرّف، إِذْ لَيْسَ مثله مِمَّا يخَاف على تَركه خوفًا لَا يختصّ بِوَاحِد دون وَاحِد، أما إِذا كَانَ هُوَ الظانّ فالشارح ذكر أَنه لَا يخَاف بترك مَا ظنّ عدم وُجُوبه ابْتِدَاء عَادَة، وَفِيه نظر (وَهُوَ) أَي إِفْسَاد عَكسه بِهَذَا (حقّ، ومنبع دفع الأوّل) أَي منشأ دفع الْإِشْكَال على طرده من غير حَاجَة إِلَى تَفْسِيره بِمَا بحث بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور، إِذْ عدم الْخَوْف مُشْتَرك بِمَا لَيْسَ بِوَاجِب وَشك فِي وُجُوبه وَبَين مَا هُوَ وَاجِب وَشك فِي عدم وُجُوبه، وَذَلِكَ مَعْلُوم بِحَسب الْعَادة (وللقاضي أبي بكر) رسم آخر، وَهُوَ (مَا يذمّ شرعا تَاركه بِوَجْه مّا، يُرِيد) بقوله بِوَجْه مّا أحد الْوُجُوه الْمشَار إِلَيْهَا بِهَذَا التَّفْصِيل تَركه (فِي جَمِيع وقته) الَّذِي وَقت بِهِ، فاحترز بِهِ عَن تَركه فِي بعض ذَلِك الْوَقْت (بِلَا عذر نِسْيَان ونوم وسفر) فَلَا يذمّ إِذا ترك بِأحد هَذِه الْأَعْذَار، وَهَذَا فِي الْوَاجِب عينا. وَأما فِي الْوَاجِب كِفَايَة فَتعْتَبر هَذِه الْقُيُود مَعَ قيد آخر (و) هُوَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (مَعَ عدم فعل غَيره) بِأَن يتْركهُ الْجَمِيع (أَن) كَانَ الْوَاجِب (كِفَايَة و) ترك (الْكل) من الْأُمُور الْمُخَير فِيهَا (فِي) الْوَاجِب (الْمُخَير) فِيهِ بَين الْأُمُور (وَلَو أَرَادَ) القَاضِي (عدم الْوُجُوب مَعهَا) أَي الْأَعْذَار الْمَذْكُورَة على مَا صرّح بِهِ فِي التَّقْرِيب من أَنه لَا وجوب على النَّائِم وَالنَّاسِي وَنَحْوهمَا حَتَّى السَّكْرَان، وَأَن الْمُسَافِر يجب عَلَيْهِ صَوْم أحد الشَّهْرَيْنِ (فَلَا يذمّ) الْمُكَلف (مَعهَا) أَي الْأَعْذَار الْمَذْكُورَة وَلَو هَاهُنَا بِمَعْنى أَن بِدَلِيل دُخُول الْفَاء فِي جوابها (بِالتّرْكِ إِلَى آخر الْوَقْت) إِذْ لَا وجوب مَعهَا (وَبعد زَوَالهَا) أَي الْأَعْذَار (توجه وجوب الْقَضَاء عِنْده) أَي القَاضِي (فيذم) الْمُكَلف (بِتَرْكِهِ) أَي الْقَضَاء (بِوَجْه مَا وَهُوَ): أَي ترك الْقَضَاء بِوَجْه مّا (مَا): أَي التّرْك الَّذِي يكون (فِي جَمِيع الْعُمر) مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ (ولبعضهم اعْتِرَاض) عَلَيْهِ (جدير بِالْإِعْرَاضِ) ثمَّ عِنْده وجوب الْقَضَاء لَيْسَ فرع وجوب الْأَدَاء (أما على) اصْطِلَاح (الْحَنَفِيَّة فالوجوب يَنْفَكّ عَن وجوب الْأَدَاء وَهُوَ) أَي وجوب الْأَدَاء فِي هَذِه الْحَالَات هُوَ (السَّاقِط) لَا أصل الْوُجُوب.

(تَقْسِيم)
للْوَاجِب بِاعْتِبَار تقيده بِوَقْت يفوت بفواته، وَعدم تقيده بذلك
(الْوَاجِب) قِسْمَانِ وَاجِب (مُطلق) وَهُوَ الَّذِي (لم يُقيد طلب إِيقَاعه بِوَقْت من الْعُمر كالنذور الْمُطلقَة وَالْكَفَّارَات) وَقَضَاء رَمَضَان كَمَا ذكره القَاضِي أَبُو زيد وَصدر الْإِسْلَام وَصَاحب الْمِيزَان، وَذكر فَخر الْإِسْلَام وشمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ أَنه موقت، لِأَنَّهُ لَا يكون إِلَّا فِي النَّهَار، وَأَجَابُوا عَنْهُمَا
(2/187)

بِأَن كَونهمَا فِي النَّهَار دَاخل فِي مَفْهُومه لَا قيد لَهُ (وَالزَّكَاة) كَمَا هُوَ قَول الشَّيْخ أبي بكر الرَّازِيّ، وَالْوَجْه الْمُخْتَار أَن الْأَمر بِالصرْفِ إِلَى الْفَقِير مَعَه قرينَة الْفَوْر، وَهِي أَنه لدفع حَاجته، وَهِي مُعجلَة، فَلَزِمَ بِالتَّأْخِيرِ من غير ضَرُورَة إِثْم. نعم بِالنّظرِ إِلَى دَلِيل الافتراض لَا تجب الْفَوْرِيَّة كَمَا صرّح بِهِ الْحَاكِم الشَّهِيد والكرخي: وَذكر الْفَقِيه أَبُو جَعْفَر عَن أبي حنيفَة أَنه يكره التَّأْخِير من غير عذر، فَيحمل على كَرَاهَة التَّحْرِيم، وعنهما مَا يُفِيد ذَلِك، وَبِه قَالَت الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة (وَالْعشر وَالْخَرَاج، وأدرج الْحَنَفِيَّة صَدَقَة الْفطر) فِي هَذَا الْقسم (نظرا إِلَى أَن وُجُوبهَا طهرة للصَّائِم) عَن اللَّغْو والرفث فَلَا يتَقَيَّد بِوَقْت (وَالظَّاهِر تقييدها بيومه) أَي يَوْم الْفطر (من) قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " (أغنوهم الخ) أَي عَن المسئلة فِي هَذَا الْيَوْم ". قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة: روى الْحَاكِم فِي عُلُوم الحَدِيث عَن ابْن عمر قَالَ أمرنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن نخرج صَدَقَة الْفطر قبل الصَّلَاة وَيَقُول: أغنوهم عَن الطّواف فِي هَذَا الْيَوْم (فبعده) أَي فإخراجها فِيمَا بعد يَوْم الْفطر (قَضَاء ووجوبه) أَي الْوَاجِب الْمُطلق (على التَّرَاخِي: أَي جَوَاز التَّأْخِير) عَن الْوَقْت الَّذِي وَجب فِيهِ إِنَّمَا فسر بقوله ووجوبه بِهِ على التَّرَاخِي لِئَلَّا يتَوَهَّم أَن التَّرَاخِي وَاجِب فِيهِ كَمَا هُوَ ظَاهر اللَّفْظ: فَالْمَعْنى وُجُوبه كَائِن على وَجه يجوز فِيهِ التَّرَاخِي (مَا لم يغلب على ظَنّه فَوَاته) إِن لم يَفْعَله فقد وسع لَهُ فِي مدّة عمْرَة بِشَرْط أَن لَا يخليها مِنْهُ (عِنْد جَمَاهِير الْفرق) من الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة والمتكلمين (خلافًا للكرخي وَبَعض الشَّافِعِيَّة) والمالكية والحنابلة على مَا ذكره الشَّارِح فَإِنَّهُم قَالُوا بِوُجُوبِهِ فَوْرًا (ومبناه) أَي هَذَا الْخلاف (أَن الْأَمر) الْمُطلق (للفور أَو لَا) وَقد سبق الْكَلَام فِيهِ مفصلا (و) وَاجِب (مُقَيّد بِهِ) أَي بِوَقْت مَحْدُود (يفوت) الْوَاجِب (بِهِ) أَي بِفَوَات ذَلِك الْوَقْت (وَهُوَ) أَي الْوَاجِب الْمُقَيد بِهِ (بالاستقراء) أَقسَام (أَرْبَعَة: الأوّل أَن يفضل الْوَقْت عَن الْأَدَاء، وَيُسمى) ذَلِك الْوَقْت (عِنْد الْحَنَفِيَّة ظرفا اصْطِلَاحا) يَعْنِي أَن تَخْصِيصه بِهِ مجرّد اصْطِلَاح مِنْهُم: إِذْ هُوَ فِي اللُّغَة مَا يحلّ بِهِ الشَّيْء، وَهَذَا الْمَعْنى مُتَحَقق فِي كل وَقت سَوَاء فضل عَن الْأَدَاء أَو لَا. وَقد يُقَال لما كَانَ غَالب الظروف المحسوسة أعظم مِقْدَارًا من المظروف شبه هَذَا الظّرْف بهَا فَسُمي باسمها (وموسعا عِنْد الشَّافِعِيَّة، وَبِه) أَي الموسع (سَمَّاهُ فِي الْكَشْف الصَّغِير) أَي كشف الْأَسْرَار: شرح الْمنَار لمؤلفه كَذَا فسره الشَّارِح، وَقَالَ لم أَقف عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا وقفت عَلَيْهِ فِي الْكَشْف الْكَبِير من كَلَام الْغَزالِيّ انْتهى. وَعدم وُقُوفه لَا يسْتَلْزم عَدمه فِيهِ، مَعَ أَنه يحْتَمل أَن يكون اسْم كتاب آخر (كوقت الصَّلَاة) الْمَكْتُوبَة فَإِنَّهُ (سَبَب مَحْض عَلامَة) دَالَّة (على الْوُجُوب) أَي وُجُوبهَا فِيهِ (وَالنعَم) المتتابعة على الْعَاد (فِيهِ) أَي الْوَقْت هما (الْعلَّة) المثيرة للْوُجُوب فِيهِ (بِالْحَقِيقَةِ) لِأَنَّهَا صَالِحَة للعلية، بِخِلَاف
(2/188)

نفس الْوَقْت فَإِنَّهُ لَا مُنَاسبَة بَينه وَبَينهَا، وَإِنَّمَا جعل سَببا مجَازًا لِأَنَّهُ محلّ لحدوث النعم فأقيم مقَامهَا تيسيرا (وَشرط صِحَة مُتَعَلقَة) أَي الْوُجُوب مَعْطُوف على قَوْله سَبَب، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا تصحّ للصَّلَاة فِي غير الْوَقْت أَدَاء، ومتعلقه هُوَ المؤدّى (من حَيْثُ هُوَ كَذَلِك) أَي هُوَ شَرط صِحَة المؤدّى من حَيْثُ هُوَ مُتَعَلق الْوُجُوب: أَي من حَيْثُ هُوَ مؤدّى، إِذْ هُوَ بِهَذَا الِاعْتِبَار صَار مُتَعَلق الْوُجُوب (وَمَا قيل) وَالْقَائِل جمّ غفير من أَن وَقت الصَّلَاة (ظرفيته للمؤدّي وَهُوَ) أَي المؤدّي (الْفِعْل) يَعْنِي الْأَركان الْمَخْصُوصَة (وشرطيته للْأَدَاء وَهُوَ) أَي الْأَدَاء (غَيره) أَي الْفِعْل فَلَا يتحد المظروف والمشروط (غلط) خبر الْمَوْصُول (لِأَن الْفِعْل الَّذِي هُوَ الْمَفْعُول) أَي الَّذِي يفعل (فِي الْوَقْت) وَكَذَا قَالُوا الْمَفْعُول حَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ الْحَاصِل بِالْمَصْدَرِ (هُوَ المُرَاد بِالْأَدَاءِ، لَا أَدَاء الْفِعْل الَّذِي هُوَ فعل الْفِعْل) قَوْله الَّذِي صفة أَدَاء الْفِعْل، وَالْمرَاد بِفعل الْفِعْل هُوَ الْوَصْف الْقَائِم بالفاعل: أَعنِي كَونه مؤدّيا لما فِي ذمّته (لِأَنَّهُ) أَي فعل الْفِعْل أَمر (اعتباري لَا وجود لَهُ) وَمَا لَا وجود لَهُ لَا يصلح للمشروطية، وَفِيه أَن الْأَمر الاعتباري إِذا كَانَ لَهُ ثبوب بِحَسب نفس الْأَمر كزوجية الْأَرْبَعَة لم لَا يجوز أَن يَقع مَشْرُوطًا بِشَرْط فَتَأمل (وَفِيه) أَي هَذَا الْقسم (مسئلة) تذكر فِي مباحثه لَا أَنَّهَا من أَفْرَاده.
(السَّبَب) للصَّلَاة الْمَكْتُوبَة هُوَ (الْجُزْء الأول من الْوَقْت عينا) أَي من حَيْثُ عينه فَهُوَ مَنْصُوب على التَّمْيِيز (للسبق والصلاحية بِلَا مَانع) يَعْنِي بعد مَا تعين أَن يكون الْوَقْت هُوَ السَّبَب لوُجُوبهَا وَلَا يُمكن جعله مَجْمُوع أَجْزَائِهِ لاستلزامه وُقُوع الصَّلَاة بعد الْوَقْت لزم أَن يكون بعض أَجْزَائِهِ، وكل جُزْء يصلح لذَلِك، والجزء الأول أسبق فِي الْوُجُود والاستحقاق وَلَا معَارض لَهُ فَتعين للسَّبَبِيَّة (وَعَامة الْحَنَفِيَّة) على أَن السَّبَب (هُوَ) الْجُزْء الأول من الْوَقْت إِذا اتَّصل بِهِ الْأَدَاء (فَإِن لم يتَّصل بِهِ الْأَدَاء انْتَقَلت) السَّبَبِيَّة مِنْهُ إِلَى مَا يَلِيهِ (كَذَلِك) ينْتَقل من كل جُزْء إِلَى مَا يَلِيهِ إِلَى أَن يصل (إِلَى مَا) أَي جُزْء (يتَّصل بِهِ) أَي بِالْأَدَاءِ (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم ينْتَه إِلَى جُزْء مُتَّصِل بِالْأَدَاءِ تعين الْجُزْء (الْأَخير) للسَّبَبِيَّة، يرد عَلَيْهِ أَن الْجُزْء الْأَخير إِن اتَّصل بِالشُّرُوعِ فِي الصَّلَاة كَانَ دَاخِلا فِيمَا يتَّصل بِالْأَدَاءِ لما سَيَأْتِي من أَن التَّحْرِيمَة إِذا وَقعت فِي الْوَقْت تسمى أَدَاء، وَإِن لم يتَّصل فِينَا فِي مَا بعده، وَهُوَ قَوْله وَبعد خُرُوجه جملَته اتِّفَاقًا، وَالْجَوَاب أَنا نَخْتَار الشق الأول ونقول: اتِّصَاله بِالشُّرُوعِ يتَحَقَّق فِيمَا إِذا بَقِي من الْوَقْت مَا لَا يسع التَّحْرِيمَة فَحِينَئِذٍ لَا يتَحَقَّق الِاتِّصَال بِالْأَدَاءِ فَتدبر فَإِن قلت انْتِقَال السَّبَبِيَّة فرع تحققها وَلَا تحقق لَهَا بِدُونِ الِاتِّصَال بِالْأَدَاءِ قلت المُرَاد بهَا السَّبَبِيَّة بالقوّة الْقَرِيبَة من الْفِعْل (ولزفر) أَي وَالسَّبَب عِنْد زفر (مَا) أَي جُزْء (يسع) الْمَجْمُوع لتركب الْمُبْتَدَأ (مِنْهُ إِلَى آخر الْوَقْت الْأَدَاء) بِالنّصب
(2/189)

مفعول يسع، وَيجب أَن يشْتَرط وُقُوع الشُّرُوع فِي الصَّلَاة فِيمَا بَين الْجُزْء الْمَذْكُور وَآخر الْوَقْت: إِذْ لَو لم يَقع كَانَ السَّبَب جملَة الْوَقْت اتِّفَاقًا (وَبعد خُرُوجه) أَي الْوَقْت السَّبَب (جملَته) أَي مَجْمُوع الْوَقْت (اتِّفَاقًا) نقل الشَّارِح عَن أبي الْيُسْر أَن السَّبَب هُوَ الْجُزْء الْأَخير بعد مضيه أَيْضا وَكَأَنَّهُ لم يثبت عِنْد المُصَنّف (فتأدّى عصر يَوْمه فِي) الْوَقْت (النَّاقِص) وَهُوَ وَقت تغير الشَّمْس لِأَنَّهُ وَجب نَاقِصا، لِأَن نُقْصَان السَّبَب مُؤثر فِي نُقْصَان الْمُسَبّب، فتأدّى كَمَا وَجب تَفْرِيع على مَا سبق من أَن السَّبَب الْجُزْء الْمُتَّصِل بِالْأَدَاءِ فَإِن المقترن بالتغير نَاقص، فَيجب بِهِ على وصف النُّقْصَان بِالِابْتِدَاءِ فِي الْوَقْت النَّاقِص (لَا) عصر (أمسه لِأَنَّهُ) أَي سَبَب عصر أمسه (نَاقص من وَجه) لِأَن عصر يَوْم حَيْثُ لم يؤدّ فِي جُزْء من الْوَقْت كَانَ سَبَب وُجُوبه جملَة الْوَقْت، وَهِي تشْتَمل على النَّاقِص وَغَيره فَهُوَ نَاقص من وَجه دون وَجه (فَلَا يتَأَدَّى بالناقص) أى فِي الْوَقْت النَّاقِص (من كل وَجه) لعدم اشتماله على غير النَّاقِص (وَاعْترض بِلُزُوم صِحَّته) أَي عصر أمسه (إِذا وَقع بعضه) أَي بعض عصر أمسه (فِيهِ) أَي فِي الْوَقْت النَّاقِص وَبَعضه فِي الْوَقْت الْكَامِل الَّذِي هُوَ مَا قبل التَّغَيُّر لكِنهمْ نصوا على عدم الصِّحَّة (فَعدل) عَن الْجَواب الْمَذْكُور إِلَى الْجَواب بِأَن الْوَقْت الْكَامِل لما كَانَ أَكثر من النَّاقِص تعين وجوب الْقَضَاء كَامِلا ذَهَابًا (إِلَى تَغْلِيب الصَّحِيح) الَّذِي هُوَ أَكثر أَجزَاء سَبَب عصر أمسه على غير الصَّحِيح الَّذِي هُوَ الأقلّ الْفَاسِد (للغلبة) للْأَكْثَر لِأَن للْأَكْثَر حكم الكلّ فِي كثير من الْمَوَاضِع فَكَأَن سَببه كَامِل من غير نقص فَلَا يتأدّى فِي الْوَقْت النَّاقِص (فورد) حِينَئِذٍ (من أسلم وَنَحْوه) كمن بلغ وَمن طهرت من حيض (فِي) الْوَقْت (النَّاقِص) فَلم يصلّ فِيهِ حَتَّى مضى (لَا يصحّ مِنْهُ) قَضَاء تِلْكَ الصَّلَاة (فِي نَاقص غَيره) من الْأَوْقَات (مَعَ تعذّر الْإِضَافَة) للسبب (فِي حَقه) أَي من أسلم وَنَحْوه (إِلَى الكلّ) أَي كل الْوَقْت لعدم أهليتهم للْوُجُوب فِي جَمِيع أَجْزَائِهِ، فَيَنْبَغِي أَن يجوز لِأَن الْقَضَاء حِينَئِذٍ يكون بِالصّفةِ الَّتِي وَجب بهَا الْأَدَاء، وَقد تقرّر الْجُزْء الْأَخير للسَّبَبِيَّة فِي حَقه (فَأُجِيب بِأَن لَا رِوَايَة) فِي هَذَا عَن الْمُتَقَدِّمين (فيلتزم الصِّحَّة) أَي صِحَة قَضَاء من ذكر فِي الْوَقْت النَّاقِص كَمَا هُوَ قَول بعض الْمَشَايِخ، وَعَزاهُ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّة إِلَى فَخر الْإِسْلَام (وَالصَّحِيح أَن النُّقْصَان لَازم الْأَدَاء فِي ذَلِك الْجُزْء) الْأَخير لما فِيهِ من التَّشْبِيه بعبدة الشَّمْس فِي ذَلِك الْوَقْت (لَا) لَازم نفس (الْجُزْء) لانْتِفَاء هَذَا الْمَعْنى فِيهِ (فَيحمل) النُّقْصَان فِي الْأَدَاء فِيهِ (لوُجُوب الْأَدَاء فِيهِ) بِسَبَب شرف الْوَقْت وورود السّنة بِهِ (فَإِذا لم يؤدّ) فِي ذَلِك الْوَقْت (و) الْحَال أَنه (لَا نقص) فِي الْوَقْت أصلا (وَجب الْكَامِل) أَي وَجب الْقَضَاء على وَجه الْكَمَال بإيقاعه فِي وَقت لَا نقص لما يَقع فِيهِ (قَالُوا) أَي عَامَّة الْحَنَفِيَّة (كَونه) أَي
(2/190)

السَّبَب الْجُزْء (الأول يُوجب كَون الْأَدَاء بعده) أَي الْجُزْء الأول من الْوَقْت إِذا لم يتَّصل بِهِ الْأَدَاء (قَضَاء، و) كَونه (الْكل) أَي كل الْوَقْت (يُوجِبهُ) أَي الْأَدَاء (بعده) أَي الْوَقْت ضَرُورَة لزم تقدم السَّبَب على الْمُسَبّب (وهما) أَي كَون الْأَدَاء بعد الْجُزْء الأول فِي الْوَقْت ضَرُورَة وَقَضَاء وَإِيجَاب الْفِعْل بعد الْوَقْت أَدَاء (منتفيان) أما الأول فَلِأَنَّهُ لَا وَجه لِلْقَوْلِ بالتفويت مَعَ وجود الْوَقْت، وَأما الثَّانِي فبالإجماع (قُلْنَا) يخْتَار الأول ثمَّ (الْمُلَازمَة مَمْنُوعَة، وَإِنَّمَا يلْزم) كَون الْأَدَاء بعده قَضَاء (لَو لم يكن) الْجُزْء الأول (سَببا للْوُجُوب الموسع بِمَعْنى أَنه) أَي الْجُزْء الأول (عَلامَة) دَالَّة (على تعلق وجوب الْفِعْل) أَي تعلق الْوُجُوب بِالْفِعْلِ (مُخَيّرا فِي أَجزَاء زمَان مُقَدّر) أَي مَحْدُود أَو مَفْرُوض وُقُوع أَجْزَائِهِ ظرفا للْفِعْل (يَقع) الْفِعْل (أَدَاء فِي كل مِنْهَا) أَي فِي كل وَاحِد من أَجزَاء ذَلِك الزَّمَان (كالتخيير فِي الْمَفْعُول من) خِصَال (الْكَفَّارَة فجميعه) أَي جَمِيع أَجزَاء ذَلِك الزَّمَان (وَقت الْأَدَاء وَالسَّبَب الْجُزْء السَّابِق) وَلَا يجب اتِّصَال أَدَاء الْوَاجِب بِسَبَب وُجُوبه (وَلَا تنعكس الْفُرُوع) نقل الشَّارِح عَن المُصَنّف أَنه قَالَ أَنا وَإِن قُلْنَا السَّبَب هُوَ الْجُزْء الأول عينا لَا تنعكس الْفُرُوع المذهبية: بل يستمرّ قَوْلنَا أَن من أسلم وَبلغ إِلَى آخِره فِي الْوَقْت الَّذِي يلْزم الْأَدَاء فِيهِ نُقْصَان المؤدّى لَا يَصح أَدَاء عصره فِي مثله من يَوْم غَيره، لِأَن مَا يجب دَائِما كَامِل: إِذْ لَا نقص فِي الْوَقْت كَمَا حقق فَلَا يتأدّى بِمَا يثبت فِيهِ نقص إِلَّا عصر يَوْمه (وَمَا نقل عَن بعض الشَّافِعِيَّة) من (أَنه) أَي الْمَفْعُول الَّذِي هُوَ الصَّلَاة (قَضَاء بعده) أَي بعد الْجُزْء السَّابِق وَإِن كَانَ فِي الْوَقْت. وَفِي الْكَشْف الْكَبِير، وَهُوَ قَول بعض أَصْحَابنَا الْعِرَاقِيّين (و) عَن (بعض الْحَنَفِيَّة أَنه) أَي السَّبَب الْجُزْء (الْأَخير فَفِي مَا قبله) أَي فالفعل الْوَاقِع فِيمَا قبل الْجُزْء الْأَخير (نفل يسْقط بِهِ الْفَرْض لَيْسَ) شَيْء مِنْهُمَا (مَعْرُوفا عِنْدهم) أَي أهل المذهبين. هَذَا، وَنقل عَن بعض أَصْحَابنَا أَن مَا فعله فِي أول الْوَقْت مراعى، فَإِن لحق آخِره، وَهُوَ من أهل الْخطاب بهَا كَانَ مَا أدّاه فرضا، وَإِن لم يكن من أهل الْخطاب كَانَ نفلا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَإِنَّمَا عَن الْكَرْخِي إِذا لم يبْق) الْمُكَلف (بِصفة التَّكْلِيف بعده) أَي الْجُزْء السَّابِق (بِأَن يَمُوت أَو يجنّ كَانَ) ذَلِك الْمَفْعُول (نفلا، وَالْكل) من هَذِه الْأَقْوَال قَول (بِلَا مُوجب) وَاحْتج كل من يعلق الْوُجُوب بأوّل الْوَقْت لَا غير بِأَن الْوَاجِب الْمُؤَقت لَا ينْتَظر لوُجُوبه بعد وجود شَرَائِطه سوى دُخُول الْوَقْت فَعلم أَنه مُتَعَلق بِهِ، وَإِذا ثَبت الْوُجُوب بأوّل الْوَقْت لَا يتَعَلَّق بِمَا بعده لِامْتِنَاع التَّوَسُّع فِي الْوُجُوب، وَمن يعلقه بآخر الْوَقْت يحْتَج بِأَنَّهُ لما جَازَ التَّأْخِير إِلَى التَّضْيِيق وَامْتنع التَّوَسُّع كَانَ مُتَعَلقا بِآخِرهِ، وَمَا قبله لَا تعلق لَهُ بِالْإِيجَابِ، ثمَّ المؤدّى إِنَّمَا يكون نفلا كَمَا قَالَ الْبَعْض لِأَنَّهُ يتَمَكَّن من التّرْك فِي أوّله لَا إِلَى بدل
(2/191)

وإثم، وَهَذَا حدّ الْفِعْل إِلَّا أَن بِأَدَائِهِ يحصل الْمَطْلُوب وَهُوَ إِظْهَار فضل الْوَقْت فَيمْنَع لُزُوم الْفَرْض كمحدث تَوَضَّأ قبل الْوَقْت يَقع نفلا، وَمَعَ هَذَا يمْنَع لُزُوم فرض الْوَقْت بعد دُخُوله أَو مَوْقُوفا كَمَا قَالَ الْبَعْض الآخر كَالزَّكَاةِ المعجلة قبل الْحول للمصدّق كشاة من أَرْبَعِينَ شَاة فَإِنَّهُ إِن تمّ الْحول وَعِنْده تسع وَثَلَاثُونَ أَجزَأَهُ، وَإِن كَانَ أقلّ كَانَ لَهُ أَن يَأْخُذهَا من يَد المصدّق وَإِن كَانَت قَائِمَة كَذَا ذكره الشَّارِح فِي مسَائِل أُخْرَى من هَذَا الْبَاب: ثمَّ الاجماع على وُجُوبهَا على من بلغ أَو أسلم فِي وسط الْوَقْت أَو آخِره إِن كَانَ الْبَاقِي مِنْهُ يَسعهَا، وَلَو كَانَ الْوُجُوب مُتَعَلقا بأوّله لَا غير لما وَجب عَلَيْهِم (وَإِنَّمَا يلْزم) كَونه قَضَاء بعد الْجُزْء الأوّل فِي الْوَقْت (لَو كَانَ) الْجُزْء (الأوّل سَبَب) الْوُجُوب (الْمضيق) وَلَيْسَ كَذَلِك (وَقَوْلهمْ) أَي الْحَنَفِيَّة (تتقررّ السَّبَبِيَّة على مَا) أَي جُزْء (يَلِيهِ الشُّرُوع) فِي الْوَاجِب (فِيهِ) أَي فِي قَوْلهم (مَا سنذكر) فِي المسئلة الَّتِي تلِي هَذِه.
مسئلة

(الْوَاجِب بِالسَّبَبِ الْفِعْل عينا مُخَيّرا) فِي أَجزَاء زَمَانه الْمَحْدُود لَهُ (كَمَا قُلْنَا) آنِفا فِي السَّابِقَة (و) قَالَ (القَاضِي أَبُو بكر الْوَاجِب فِي كل جُزْء) من أَجزَاء الْوَقْت مَا لم يتضيق (أحد الْأَمريْنِ مِنْهُ) أَي الْفِعْل (وَمن الْعَزْم عَلَيْهِ) أَي الْفِعْل (فِيمَا بعده) أَي ذَلِك الْجُزْء الْخَالِي هُوَ وَمَا قبله من الْفِعْل، فَإِذا لم يبْق مِنْهُ إِلَّا مَا يسع الْفِعْل تعين الْفِعْل (فَإِن لم يفعل وَلم يعزم) على الْفِعْل حَتَّى مضى الْوَقْت (عصى، وَعند زفر عصى بِالتَّأْخِيرِ عَن قدر مَا يسع) الْأَدَاء من أَجزَاء الْوَقْت، وَكَذَا عندنَا فِي الْفجْر (وَدفع) قَول القَاضِي (بِأَن الْمُصَلِّي فِي الْجُزْء) الَّذِي لَيْسَ بالأخير (ممتثل لكَونه مُصَليا لَا) لكَونه (آتِيَا بِأحد الْأَمريْنِ) الْفِعْل والعزم مُبْهما وَلَو كَانَ هُنَا تَخْيِير بَين الصَّلَاة والعزم لَكَانَ الِامْتِثَال بهَا من حَيْثُ أَنَّهَا أحد الْأَمريْنِ (وَله) أَي للْقَاضِي (دَفعه) أَي دفع هَذَا الدّفع (بِأَن لَا مُنَافَاة) بَين كَونه ممتثلا لكَونه مُصَليا، وَكَونه آتِيَا بِأحد الْأَمريْنِ (فَلْيَكُن) امتثاله لكَونه مُصَليا (لكَون الصَّلَاة أَحدهمَا) أَي لأجل أَن الصَّلَاة أحد الْأَمريْنِ، إِذْ لَا شكّ أَن الْإِتْيَان بِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِه إتْيَان بِأَحَدِهِمَا لَا على التَّعْيِين، وَالْحق أَنه ورد التَّنْصِيص من الشَّارِع بِأَن الْمُصَلِّي فِي الْجُزْء الْمَذْكُور ممتثل لكَونه مُصَليا، فَالظَّاهِر من هَذِه الْعبارَة كَون الْمَأْمُور بِهِ الصَّلَاة عينا لَا مَا هُوَ أَعم مِنْهَا، وَإِلَّا لَكَانَ حق الْأَدَاء أَن يُقَال ممتثل لكَونه آتِيَا بالمأمور بِهِ ويعبر عَنهُ بِنَفس الْمَأْمُور بِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مسَاوٍ لَهُ لَا بِمَا هُوَ أخص مِنْهُ لاستلزامه الْأَعَمّ لَكِن وُرُوده من الشَّارِع غير ثَابت فَلَا يحْتَج بِهِ (وَدَعوى التعين) أَي
(2/192)

كَون الْوَاجِب أَحدهمَا بِعَيْنِه (مَحل النزاع) فَلَا يثبت إِلَّا بدليله وَمَا ذكر لَا يصلح دَلِيلا (إِنَّمَا ذَاك) أَي وجوب أَحدهمَا بِعَيْنِه فِي الْمصلى (عِنْد التَّضْيِيق) فِي الْوَقْت بِحَيْثُ لم يبْق مِنْهُ إِلَّا مَا يَسعهَا وَلَيْسَ الْكَلَام فِيهِ (وَفِي البديع) فِي جَوَاب القَاضِي (لَو كَانَ الْعَزْم بَدَلا) عَن الصَّلَاة (سقط بِهِ) أَي الْعَزْم (الْمُبدل) وَهُوَ الصَّلَاة (كَسَائِر الأبدال) كالمسح وَغَيره وَلَيْسَ كَذَلِك (وَالْجَوَاب) عَن هَذَا (منع الْمُلَازمَة) أَي لَا نسلم سُقُوط الْمُبدل مُطلقًا بالإتيان بِالْبَدَلِ مُطلقًا لجَوَاز أَن يكون الْبَدَل بَدَلا من كل وَجه، فَلَا نقُول أَن الْعَزْم بدل عَن الصَّلَاة من كل وَجه فَلَا يلْزم سُقُوطهَا مُطلقًا (بل اللَّازِم سُقُوط وُجُوبهَا فِي ذَلِك الْوَقْت والبدلية لَيست إِلَّا فِي هَذَا الْقدر) أَي فِي سُقُوط الْوُجُوب فِي ذَلِك الْوَقْت فَيسْقط الْوُجُوب فِيهِ بالعزم فِيهِ على الْفِعْل فِي ثَانِي الْحَال كَمَا يسْقط بالإتيان بِالصَّلَاةِ فِيهِ، قيل وَأَيْضًا هُوَ لم يَجْعَل الْعَزْم وَحده بَدَلا بل الْعَزْم مَعَ الْفِعْل فِي ثَانِي الْحَال، فمجرد الْعَزْم لَا يُوجب السُّقُوط (بل الْجَواب) عَن القَاضِي (أَن الْكَلَام فِي الْوَاجِب بِالْوَقْتِ وَلَا تعلق لوُجُوب الْعَزْم بِهِ) أَي بِالْوَقْتِ (بل وجوب الْعَزْم على فعل كل وَاجِب) موسعا كَانَ أَو مضيقا إِجْمَالا عِنْد الِالْتِفَات إِلَيْهِ إِجْمَالا وتفصيلا عَن التَّفْصِيل حكم (من أَحْكَام الْإِيمَان) يثبت مَعَ ثُبُوت الْإِيمَان سَوَاء دخل الْوَقْت الْوَاجِب أَو لَا، فَهُوَ وَاجِب مُسْتَمر قبل وُجُوبه وَمَعَهُ بِحَسب الِالْتِفَات إِلَيْهِ ليتَحَقَّق التَّصْدِيق الَّذِي هُوَ الإذعان وَالْقَبُول غير مُخْتَصّ بِالصَّلَاةِ وَلَا بدلية عَنْهَا (هَذَا، وَلَا يبعد أَن مَذْهَب القَاضِي أَن الْوَاجِب بأوّل الْوَقْت الصَّلَاة أَو الْعَزْم على فعلهَا) أَي الصَّلَاة (بعده) أَي أوّل الْوَقْت (فِيهِ) أَي الْوَقْت (كَمَا هُوَ الْمَنْقُول عَن الْمُتَكَلِّمين) فِي برهَان إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالَّذِي أرَاهُ أَنهم لَا يوجبون تَجْدِيد الْعَزْم فِي الْجُزْء الثَّانِي، بل يحكم بِأَن الْعَزْم الأوّل ينسحب على جَمِيع الْأَزْمِنَة الْمُسْتَقْبلَة: كانسحاب النِّيَّة على الْعِبَادَة الطَّوِيلَة (إِلَّا أَن كل جُزْء يلْزم فِيهِ الْفِعْل أَو الْعَزْم المستلزم لاستصحاب الْعَزْم من أول الْوَقْت إِلَى آخِره لِأَنَّهُ بعيد) قَالَ الشَّارِح: لِأَن أحد لَا يَقُول بِأَن الْعَزْم فِي الْجُزْء الْأَخير كَاف، ثمَّ نقل عَن القَاضِي أَن هَذَا التَّخْيِير عِنْده فِي غير الْجُزْء الْأَخير، أما فِي الْجُزْء الْأَخير فَيتَعَيَّن الْفِعْل قطعا انْتهى، وَأَنت خَبِير بِأَن سَبَب الْبعد مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله لَا أَن كل جُزْء إِلَى قَوْله المستلزم إِلَى آخِره وَهُوَ ظَاهر.

مسئلة
(تثبت السَّبَبِيَّة لوُجُوب الْأَدَاء) فِي الْوَاجِب البدني (بأوّل الْوَقْت موسعا كَمَا ذكرنَا) إِشَارَة إِلَى مَا سبق فِي تَفْسِير سببيته للْوُجُوب الموسع من قَوْله بِمَعْنى أَنه عَلامَة على تعلق وجوب الْفِعْل مُخَيّرا فِي أَجزَاء زمَان مُقَدّر يَقع أَدَاء فِي كل مِنْهَا (عِنْد الشَّافِعِيَّة بِخِلَاف الماليّ ليثبت بالنصاب)
(2/193)

أَي بِملكه (وَالرَّأْس) الَّذِي يمونه ويلي عَلَيْهِ على قَول (أَو الْفطر) أَي غرُوب الشَّمْس آخر يَوْم من رَمَضَان على الصَّحِيح عِنْد الشَّافِعِيَّة (وَالدّين) الْمُؤَجل إِلَى وَقت معِين (أصل الْوُجُوب) لِلزَّكَاةِ وَصدقَة الْفطر وتفريغ الذِّمَّة (وَتَأَخر وجوب الْأَدَاء) إِلَى تَمام الْحول وطلوع فجر أول يَوْم من شَوَّال وحلول الْأَجَل (بِدَلِيل السُّقُوط) لهَذِهِ الْأَشْيَاء عَن الْمُكَلف (بالتعجيل) لَهَا (وَهُوَ) أَي سُقُوطهَا (فرع سبق الْوُجُوب) لَهَا (و) فرع (تَأَخّر وجوب الْأَدَاء عِنْد الْحَنَفِيَّة كَذَلِك) أَي قَائِلُونَ بانفصال الْوُجُوب عَن وجوب الْأَدَاء (فِي البدني أَيْضا) كَمَا فِي المالي (فَثَبت بِالْأولِ) من أَجزَاء الْوَقْت (أصل الْوُجُوب فَيعْتَبر حَال الْمُكَلف فِي) الْجُزْء (الْأَخير) من الْوَقْت (من الْحيض) بَيَان لحاله (وَالْبُلُوغ) يرد عَلَيْهِ أَن قَوْله فَيثبت بِالْأولِ أصل الْوُجُوب إِن أَرَادَ بِهِ ثُبُوته بِشَرْط أَن يكون أَهلا لَهُ لزم وجود الْبَالِغ فِي الْجُزْء الأول بِلَا معنى لاعْتِبَار حَاله فِي الْجُزْء الْأَخير من حَيْثُ الْبلُوغ، وَإِن لم يكن أَهلا لزم إِثْبَات الحكم بِدُونِ الْأَهْلِيَّة، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يَقُول بأهلية الصَّبِي الْمُمَيز لوُجُوب الصَّلَاة كَمَا قيل فِي حق وجوب أصل الْإِيمَان، وَفِيه تَأمل (وَالسّفر وأضدادها) أَي الطَّهَارَة وَالصبَا وَالْإِقَامَة (فَلَو كَانَت طَاهِرَة أول الْوَقْت فَلم تصل حَتَّى حَاضَت آخِره لَا قَضَاء) عَلَيْهَا سَوَاء كَانَ الْبَاقِي مَا يسع الصَّلَاة أَو تحريهما فَقَط. وَقَالَ زفر: إِن بَقِي مَا يَسعهَا لَا قَضَاء وَإِلَّا فعلَيْهَا الْقَضَاء. وَقَالَ الشَّافِعِي إِن أدْرك من عرض لَهُ أحد هَذِه الْعَوَارِض يَعْنِي الْحيض وَالنّفاس وَالْجُنُون وَنَحْوهَا قبل عروضها أخف مَا يُمكنهُ فعله وَجب وَإِلَّا فَلَا (وَفِي قلبه) أَي فِيمَا إِذا كَانَت حَائِضًا أول الْوَقْت ثمَّ طهرت آخِره (قلبه) أَي قلب نفي الْقَضَاء وَهُوَ الْقَضَاء. قَالَ الشَّارِح لَو كَانَ الْبَاقِي من الْوَقْت قدر مَا يسع التَّحْرِيمَة عِنْد عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَة إِذا كَانَ حَيْضهَا عشرَة أَيَّام فَإِن كَانَ أقل وَالْبَاقِي قدر الْغسْل مَعَ مقدماته كالاستقاء وخلع الثَّوْب والستر عَن الْأَعْين والتحريمة فعلَيْهَا وَإِلَّا فَلَا انْتهى. وَقَالَ زفر لَا يثبت الْوُجُوب مَا لم يدْرك مَا يسع جَمِيع الْوَاجِب وعَلى هَذَا الْخلاف إِذا زَالَ الْكفْر وَالْجُنُون وَقد بَقِي من الْوَقْت قدر التَّحْرِيمَة يجب عِنْد الثَّلَاثَة وَلَا يجب عِنْد زفر. وَقَالَ الشَّافِعِي يجب إِذا زَالَت هَذِه الْعَوَارِض وَقد بَقِي من الْوَقْت قدر تَكْبِيرَة (وَلَا يُنكرُونَ) أَي الْحَنَفِيَّة (إِمْكَان ادِّعَاء الشَّافِعِيَّة) أَي أَن مَا ادَّعَاهُ الشَّافِعِيَّة من أَن الْوَقْت سَبَب لوُجُوب الْأَدَاء موسعا بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور أَمر مُمكن يصلح للاعتبار، و (لَكِن ادعوهُ) أَي لَكِن الْحَنَفِيَّة يدعونَ كَونه (غير وَاقع بِدَلِيل وجوب الْقَضَاء على نَائِم) استغرق نَومه (كل الْوَقْت) من الْجُزْء الأول إِلَى الْجُزْء الْأَخير (وَهُوَ) أَي وجوب الْقَضَاء عَلَيْهِ (فرع وجود) أصل (الْوُجُوب) عَلَيْهِ إِذْ وجوب الْقَضَاء فرع كَون الأَصْل وَاجِبا، أَلا ترى أَن من حدث لَهُ أَهْلِيَّة بعد مُضِيّ الْوَقْت بِإِسْلَام أَو بُلُوغ لَا يجب عَلَيْهِ الْقَضَاء إِجْمَاعًا، وَقد يفرق بَينهمَا مَعَ قطع النّظر عِنْد
(2/194)

وجود الْوُجُوب بِوُجُوب الْأَهْلِيَّة فِي النَّائِم دونهمَا وَلَا سَبِيل إِلَى القَوْل بِوُجُوب الْأَدَاء على النَّائِم الْمَذْكُور اتِّفَاقًا، إِذْ النَّائِم لَا يصلح للخطاب فَكيف يطْلب مِنْهُ أَدَاء الْفِعْل مُنجزا أورد عَلَيْهِ أَن وجوب الْقَضَاء بِالنَّصِّ ابْتِدَاء لما صَحَّ عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " فَإِذا نسى أحدكُم صَلَاة أَو نَام عَنْهَا فليصلها إِذا ذكرهَا " وَأجِيب بِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَا مَا روى فِيهِ شَرَائِط الْقَضَاء كنية الْقَضَاء وَغَيرهَا وَدفع بِأَن عِنْد الحضم لَا فرق بَين الْأَدَاء وَالْقَضَاء فِي النِّيَّة لَا فِي الصَّلَاة وَلَا فِي الصَّوْم بل يحْتَاج إِلَى أَن يَنْوِي مَا عَلَيْهِ فيهمَا (وَلَا اعْتِبَار بقول من جعله) أَي الْقَضَاء الْمَذْكُور (أَدَاء مِنْهُم) أَي الْحَنَفِيَّة. قَالَ فَخر الْإِسْلَام: النَّائِم والمغمى عَلَيْهِ إِذا مر عَلَيْهِمَا جَمِيع وَقت الصَّلَاة وَجب الأَصْل وتراخى وجوب الْأَدَاء وَالْخطاب انْتهى، فَإِذا لم يجب الْأَدَاء فِي الْوَقْت لَا يتَحَقَّق بعده الْقَضَاء إِذْ هُوَ فرع وجوب الْأَدَاء فِيهِ (والاتفاق على انْتِفَاء وجوب الْأَدَاء عَلَيْهِ) أَي النَّائِم الْمَذْكُور، وَفِي الْكَشْف الْأَدَاء نَوْعَانِ: أَحدهمَا مَا يكون الْمَطْلُوب فِيهِ نفس الْفِعْل فيأثم بِتَرْكِهِ وَلَا بُد فِيهِ من سَلامَة الْآلَات والأسباب، وَالثَّانِي مَا يكون الْمَطْلُوب فِيهِ خَلفه لَا نَفسه، وَهُوَ الْقَضَاء مَبْنِيّ على وجوب الْأَدَاء بِالْمَعْنَى الثَّانِي والمتفق على انتفائه وُجُوبه بِالْمَعْنَى الأول وَلَا يخفى عَلَيْك أَن أصل الْوُجُوب غير هَذَا: إِذْ لَيْسَ فِيهِ تعرض للْأَدَاء بِأحد النَّوْعَيْنِ فَتَأمل. وَفِي التَّلْوِيح لقَائِل أَن يمْنَع عدم الْخطاب، وَإِنَّمَا يلْزم اللَّغْو لَو كَانَ مُخَاطبا بِأَن يفعل فِي حَالَة النّوم مثلا وَلَيْسَ كَذَلِك بل هُوَ مُخَاطب بِأَن يفعل بعد الانتباه، وَالْعجب أَنهم جوزوا خطاب الْمَعْدُوم بِنَاء على أَن الْمَطْلُوب صُدُور الْفِعْل حَالَة الْوُجُوب. وَقَالَ شمس الْأَئِمَّة من شَرط وجوب الْأَدَاء الْقُدْرَة الممكنة إِلَّا أَنه لَا يشْتَرط وجودهَا عِنْد الْأَمر: بل عِنْد الْأَدَاء فَإِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى النَّاس كَافَّة، وَصَحَّ أمره فِي حق من وجد بعده ويلزمهم الْأَدَاء بِشَرْط أَن يبلغهم ويتمكنوا من الْأَدَاء انْتهى. وَهَذَا لَا يُنَافِي الِاتِّفَاق الْمَذْكُور، لِأَن المُرَاد مِنْهُ انْتِفَاء وجوب الْأَدَاء تنجيزا، وجوازه إِنَّمَا هُوَ وُجُوبه تَعْلِيقا فَإِن قلت الْمَعْدُوم والنائم مَعَ قطع النّظر عَن عدم قابليتهما بالإتيان بالمأمور بِهِ لَا يفهمان الْخطاب، فَلَا يخاطبان بِالْخِطَابِ التعليقي أَيْضا قلت يفهمان فِيمَا بعد، وَإِن لم يفهما فِي زمن الْخطاب فَتَأمل، وَفِي الْخُلَاصَة وَالْمُخْتَار أَن النَّائِم الْمَذْكُور عَلَيْهِ الْقَضَاء وَنَقله عَن أبي حنيفَة (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن قَول من جعله أَدَاء غير مُعْتَبر بِأَن يَجْعَل وُجُوبه ابْتِدَاء (كَانَ الْوُجُوب مُطلقًا لَا موقتا) وَقد قَالَ تَعَالَى - {إِن الصَّلَاة كَانَت على الْمُؤمنِينَ كتابا موقوتا} -، وَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى وَإِن لم ينتف وجوب الْأَدَاء بِأَن يجب الْأَدَاء فِي أول الْوَقْت كَانَ ذَلِك الْوُجُوب غير موقت، لِأَن الْمَفْرُوض استغراق النّوم الْوَقْت، وَكَانَ مُقْتَضَاهُ وجوب الْأَدَاء فِي وَقت مَا فَتدبر (وَكَذَا صِحَة صَوْم الْمُسَافِر عَن الْعرض) أَي فرض رَمَضَان
(2/195)

(فرع الْوُجُوب عَلَيْهِ) أَي على الْمُسَافِر لعدم وُقُوع مَا لَيْسَ بِفَرْض عَن الْفَرْض، وعَلى تقدري عدم الْوُجُوب يلْزم عدم فرضيته (وَعدم إثمه) أَي الْمُسَافِر (لَو مَاتَ بِلَا أَدَاء) الصَّوْم (فِي سَفَره) الَّذِي أفطر فِيهِ، وَقَوله عدم إثمه مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف: أَعنِي دَلِيل عدم وجوب الْأَدَاء عَلَيْهِ والقرينة قَوْله وَكَذَا، تَوْضِيحه انه ذكر فِيمَا سبق أَمريْن: أَحدهمَا دَلِيل سبق الْوُجُوب وَهُوَ وجوب الْقَضَاء على النَّائِم الْمَذْكُور، وَالثَّانِي دَلِيل انْتِفَاء وجوب الْأَدَاء وَهُوَ الِاتِّفَاق، أَو كَونه موقتا على مَا ذكر، وَهَهُنَا ذكر أَمريْن: أَحدهمَا دَلِيل سبق الْوُجُوب وَهُوَ صِحَة صَوْمه عَن الْفَرْض، وَالثَّانِي دَلِيل عدم وجوب الْأَدَاء، وَهُوَ عدم الْإِثْم فالمشبه والمشبه بِهِ الْمشَار إِلَيْهِ بقوله، وَكَذَا مَجْمُوع الْأَمريْنِ (وصرحوا) أَي الْحَنَفِيَّة (بِأَن لَا طلب فِي اصل الْوُجُوب، بل هُوَ) أَي أصل الْوُجُوب (مُجَرّد اعْتِبَار من الشَّارِع أَن فِي ذمَّته) أَي الْمُكَلف (جبرا الْفِعْل) فَقَوله الْفِعْل اسْم أَن، وَفِي ذمَّة خَبَرهَا وَهِي مَعَ اسْمهَا وخبرها مفعول اعْتِبَار، وجبرا نصب على الْمصدر: أَي جبر الْمُكَلف على شغل الذِّمَّة جبرا (كالشغل بِالدّينِ) أَي شغل ذمَّته كشغلها بدين النَّاس فِي أَن كلا مِنْهُمَا اعْتِبَار شَرْعِي (وَهُوَ) أَي الدّين (فعل عِنْد أبي حنيفَة) هُوَ تمْلِيك المَال أَو تَسْلِيمه: إِذْ يُوصف بِالْوُجُوب وَهُوَ صفة الْأَفْعَال، وَمعنى أَو فِي الدّين، أَتَى بِهَذَا الْفِعْل: أَي تمْلِيك المَال أَو تَسْلِيمه، وَمعنى قَوْله عَليّ ألف وَاجِبَة وَاجِب أَدَاؤُهَا (وَقد يشكل المذهبان) مَذْهَب الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة (بِأَن الْفِعْل) أَي فعل الْمُكَلف لقصد أَدَاء مَا فِي الذِّمَّة بعد أصل الْوُجُوب قبل وجوب الْأَدَاء (بِلَا) سبق (طلب كَيفَ يسْقط الْوَاجِب وَهُوَ) أَي الْوَاجِب إِنَّمَا يكون وَاجِبا (بِالطَّلَبِ والسقوط) إِنَّمَا يكون (بتقدمه) أَي الطّلب أَيْضا (وَقصد الِامْتِثَال) وَهُوَ إِنَّمَا يكون (بِالْعلمِ بِهِ) أَي بِالطَّلَبِ، فإسقاط الْوَاجِب يستدعى سبق الطّلب من الْوُجُوه الثَّلَاثَة فَكيف تثبته الْحَنَفِيَّة بِمُجَرَّد سبق الْوُجُوب الْخَالِي عَن الطّلب 0 وَالشَّافِعِيَّة إِن أرادوه) أَي أَرَادوا نفس الْوُجُوب فِي مَحل أثبتوه مَا أَرَادَ الْحَنَفِيَّة بِهِ (فَكَذَلِك) أَي ورد عَلَيْهِم مَا ورد على الْحَنَفِيَّة من أَنه إِسْقَاط قبل الطّلب (وَإِن دخله) أَي أصل الْوُجُوب (طلب) لأصل الْفِعْل، وَالْجُمْلَة معطوفة على قَوْله وصرحوا بِهِ إِلَى آخِره: فَهَذَا فرض لما يُقَابل مَا صَرَّحُوا بِهِ، وَمَا بَينهَا مُتَعَلق بالشق الأول (قُلْنَا لَا يعقل طلب فعل بِلَا طلب) أَدَائِهِ (و) بِلَا طلب (قَضَائِهِ لِأَنَّهُ) أَي الْفِعْل (إِمَّا مُطلق عَن الْوَقْت وَهُوَ) أَي الْمُطلق عَنهُ (مَطْلُوب الْأَدَاء فِي الْعُمر، أَو مُقَيّد بِهِ) أَي الْوَقْت (فَهُوَ مَطْلُوب الْأَدَاء فِيهِ) أى فى وقته الْمَحْدُود لَهُ (مُخَيّرا فِي الْأَجْزَاء) أى فِي ايقاعه فِي أى جُزْء من أَجزَاء ذَلِك الْوَقْت (وَهُوَ) أَي الْوَاجِب (الموسع) فِيهِ وَهَذَا التَّوَسُّع قبل أَن يتضيق الْوَقْت (ثمَّ) يجب (مضيقا) بِغَيْر تَخْيِير مُوجب للسلعة وَذَلِكَ عِنْد ضيق الْوَقْت (وَقَول
(2/196)

الْحَنَفِيَّة يتضيق) الْوُجُوب (عِنْد الشُّرُوع) فِي الْفِعْل (وتقرر السَّبَبِيَّة للَّذي يَلِيهِ) الشُّرُوع (يلْزمه) أَي القَوْل الْمَذْكُور (كَون الْمُسَبّب هُوَ الْمُعَرّف للسبب، وَهُوَ) أَي كَون الْمُسَبّب هُوَ الْمُعَرّف للسبب (عكس) فِي (وَضعه) أَي الْمُسَبّب لِأَن شَأْنه أَن يكون مُعَرفا لَا مُعَرفا (و) عكس (وضع الْعَلامَة) لِأَن الْعَلامَة هِيَ الْمعرفَة لما هِيَ عَلامَة لَهُ كَمَا أَن السَّبَب هُوَ مَا يعرف للمسبب. وَفِي بعض النّسخ (ومفوتا لمقصودها) وَهِي مَا عَلَيْهِ الشَّارِح، وَقَالَ الظَّاهِر ومفوت وَلَيْسَ فِي النُّسْخَة الَّتِي اعتمادي عَلَيْهَا هَذِه الزِّيَادَة، وَهُوَ أولى إِذْ لَيْسَ فِي تِلْكَ النُّسْخَة زِيَادَة فَائِدَة، أَو فسر مقصد الْعَلامَة بالتعريف لما هِيَ عَلامَة لَهُ، وَهَذَا الْمَعْنى يفهم بِدُونِ تِلْكَ الزِّيَادَة (وَبِه) أَي بِكَوْن الْمُسَبّب هُنَا هُوَ الْمُعَرّف للسبب (يصير) هَذَا القَوْل (أبعد من الْمَذْهَب المرذول) رذل ككرم وَعلم بِمَعْنى ذل، ورذله غَيره وأرذله عدَّة رذلة وَهُوَ (أَن التَّكْلِيف مَعَ الْفِعْل) لَا قبله (لقَولهم) أَي الْحَنَفِيَّة تَعْلِيل لبَيَان وجوب الْمَذْهَب المرذول (أَن الطّلب) الَّذِي هُوَ التَّكْلِيف (لم يسْبقهُ) أَي الْفِعْل (إِذْ لَا طلب فِي أصل الْوُجُوب كَمَا ذكرنَا) على مَا مر فِي قَوْله وصرحوا الخ (فَهُوَ) أَي أصل الْوُجُوب (السَّابِق) على الْفِعْل لَا طلبه إِذْ هُوَ مَعَ الْمُبَاشرَة، وَإِنَّمَا كَانَ أبعد لتَضَمّنه كَون التَّكْلِيف مَعَ الْفِعْل لُزُوم عكس وضع السَّبَب والعلامة (وَالْوَجْه أَن مَا أمكن فِيهِ اعْتِبَار وجوب الْأَدَاء بِالسَّبَبِ موسعا اعْتبر) وجوب أَدَائِهِ بذلك السَّبَب على الْوَجْه الْمَذْكُور (كَالدّين الْمُؤَجل يثبت بِالشغلِ) أَي شغل ذمَّة الْمَدْيُون بذلك الدّين (وجوب الْأَدَاء موسعا: أَي مُخَيّرا) فِي أَدَاء الدّين فِي أَي جُزْء شَاءَ من الْمدَّة المحدودة (إِلَى الْحُلُول) أَي حُلُول الْأَجَل (أَو) إِلَى (الطّلب بعده) أَي الْحُلُول (فيتضيق) فَإِن قلت أَن وجوب الْأَدَاء قد انْتقل عَن التَّوَسُّع إِلَى التَّضْيِيق بِمُجَرَّد حُلُول الْأَجَل فَمَا معنى حُدُوث التَّضْيِيق بعده الْمُسْتَفَاد من عطف الطّلب على الْحُلُول قلت هَذَا على تَقْدِير رضَا الدَّائِن بِالتَّأْخِيرِ عَن الْأَجَل (وكالثوب المطار) أَي الَّذِي أطارته الرّيح (إِلَى إِنْسَان يجب) أَدَاؤُهُ بِمَعْنى تَسْلِيمه للْمَالِك (كَذَلِك) أَي وجوبا موسعا (إِلَى طلب مَالِكه) فيتضيق حِينَئِذٍ (ومالا) يُمكن فِيهِ اعْتِبَار وجوب الْأَدَاء بِالسَّبَبِ موسعا (كَالزَّكَاةِ عِنْد الْحَنَفِيَّة فَإِنَّهُ لَو وَجب الْأَدَاء بِملك النّصاب موسعا، فَأَما إِلَى الْحول فيتضيق، وَأما إِلَى آخر الْعُمر، وَالْأول) أَي وجوب الْأَدَاء بِملك النّصاب موسعا إِلَى الْحُلُول (فيتضيق مُنْتَفٍ لِأَنَّهُ) أَي وجوب الْأَدَاء (بعد الْحول على التَّرَاخِي على مَا اختاروه، وَكَذَا الثَّانِي) أَي وجوب الْأَدَاء بِملك النّصاب موسعا إِلَى آخر الْعُمر (لِأَن حَاصِلَة) أَنه (وَاجِب موسع من حِين الْملك إِلَى آخر الْعُمر فيضيع معنى اشْتِرَاط الْحول، نعم يتم) كَون الزِّيَادَة وَاجِبَة الْأَدَاء بِملك النّصاب موسعا إِلَى الْحول (على) قَول (الْمضيق) للْوُجُوب (بالحول والمصرف) ثمَّ قَوْله
(2/197)

وَمَا لَا مُبْتَدأ أَو مَعْطُوف على مَا أمكن، خَبره (فَيجب أَن يعْتَبر فِيهِ) أَي فِي هَذَا (إِقَامَة السَّبَب مقَام الْوُجُوب شرعا فِي حق التَّعْجِيل فَلَو لم يعجل لَا يتَحَقَّق هَذَا الِاعْتِبَار) وَهُوَ أَن السَّبَب أقيم مقَام الْوُجُوب شرعا (أَو) يعْتَبر فِيهِ (أَنه بالمبادرة الْمَأْذُون فِيهَا شرعا إِلَى سد خلة أَخِيه) الْفَقِير (دفع عَنهُ) أَي الْمُعَجل (الطّلب أَن يتَعَلَّق بِهِ) أَي بِفِعْلِهِ وَهُوَ أَدَاء الزَّكَاة (شرعا) وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِك لِأَنَّهُ (ألزم) علينا اعْتِبَار هَذَا التَّأْوِيل (ذَلِك الدَّلِيل) الْمَذْكُور (وَكَذَا) أقيم السَّبَب مقَام وجوب الْأَدَاء (فِي مُسْتَغْرق الْوَقْت يَوْمًا) أَي فِي حق من استغرق أَوْقَات صلواته مَا أخرجه عَن صَلَاحِية طلب الْفِعْل مِنْهُ كنوم أَو إِغْمَاء وَنَحْوهمَا ليظْهر أَثَره فِي ثُبُوت وجوب الْقَضَاء (وَلَو أَرَادَ الْحَنَفِيَّة هَذَا) الَّذِي ذكرنَا بِمَا أجمله المتقدمون مِنْهُم فِي هَذَا الْمقَام (لم يَفْتَقِرُوا إِلَى اعْتِبَار شَيْء يُسمى بِالْوُجُوب وَلَا طلب فِيهِ وَلَا تكلّف كَلَام زَائِد) لم يحْتَج إِلَيْهِ فِي تَوْجِيه مَا تكلفوا لَهُ من الْمسَائِل (وَلَا يَسْتَقِيم مَا ذكرُوا إِلَّا على ذَلِك) لما عرفت مِمَّا أوردنا عَلَيْهِ.

مسئلة
(الْأَدَاء فعل الْوَاجِب) بِفَتْح الْفَاء وَهُوَ إِيقَاعه (فِي وقته الْمُقَيد) أَي الَّذِي هُوَ قيد الْوَاجِب (بِهِ شرعا) أَي فِي الشَّرْع فَهُوَ ظرف للتَّقْيِيد، وَالْمرَاد بتقييده بِهِ شرعا جعله ظرفا لإيقاعه لَا تَخْصِيصه بِوَقْت معِين من بَين الْأَوْقَات فَإِنَّهُ يخرج مَا جعل الْعُمر وقتا لَهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (الْعُمر) فَهُوَ بدل الْبَعْض من وقته الْمُقَيد بِهِ (وَغَيره) أَي الْعُمر من الْأَوْقَات المحدودة فاندرج فِيهِ الْوَاجِب الْمُطلق والموقت فِي الِاصْطِلَاح الْمَشْهُور، وَفِي الشَّرْح العضدي الْأَدَاء مَا فعل فِي وقته الْمُقدر لَهُ شرعا، وَإِلَّا فَخرج مَا لم يقدر لَهُ وَقت كالنوافل أَو قدر لَا شرعا كَالزَّكَاةِ يعين لَهُ الإِمَام شرعا، وَمَا وَقع فِي وقته الْمُقدر لَهُ ثَانِيًا كالناسي إِذا ذكر الصَّلَاة بعد خُرُوج وَقتهَا فَإِن وَقت التَّذْكِرَة قدر لَهَا شرعا لَكِن الْوَاقِع فِيهِ قَضَاء (وَهُوَ) أَي اعْتِبَار اشْتِرَاط إِيقَاع الْفِعْل فِي الْوَقْت الْمَذْكُور على وَجه يُوهم اشْتِرَاط استغراق الْوَقْت جَمِيع أَجزَاء الْفِعْل (تساهل) فِي الْعبارَة إِذا استغراقه كَذَلِك لَيْسَ بِشَرْط (بل) الشَّرْط أَن يَقع (ابتداؤه) أَي الْفِعْل (فِي غير الْعُمر) أَي فِيمَا عدا الْعُمر من الْأَوْقَات المحدودة لأَدَاء الْوَاجِبَات، ثمَّ مثل ذَلِك الِابْتِدَاء الْوَاجِب إِيقَاعه فِي الْوَقْت بقوله (كالتحريمة) ثمَّ التَّقْدِير فِي ابْتِدَاء الصَّلَاة بهَا والاكتفاء بِوُقُوع هَذَا الْقدر مِنْهَا فِي الْوَقْت إِنَّمَا هُوَ (للحنفية) فِي غير صَلَاة الْفجْر فَإِن بإدراكها فِي الْوَقْت يكون مدْركا للصَّلَاة وَإِن وَقع مَا سواهُ خَارجه وَهُوَ وَجه عِنْد الشَّافِعِيَّة تبعا لما فِي الْوَقْت (وركعة للشَّافِعِيَّة) وَهُوَ أصح الْأَوْجه عِنْدهم لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " من أدْرك رَكْعَة من الصَّلَاة فقد أدْرك الصَّلَاة " مُتَّفق عَلَيْهِ، وَفِي الْمُحِيط الصَّلَاة الْوَاحِدَة يجوز أَن يكون بَعْضهَا أَدَاء وَبَعضهَا قَضَاء كَمَا إِذا غربت الشَّمْس فِي
(2/198)

خلال صَلَاة الْعَصْر وَسَبقه إِلَى هَذَا الناطفي، وَقيل هُوَ قَول عَامَّة الشَّافِعِيَّة اعْتِبَار الْكل جُزْء بِزَمَانِهِ (والإعادة فعل مثله) أَي الْوَاجِب (فِيهِ) أَي فِي الْوَقْت، فَخرج بِهِ الْقَضَاء لِأَنَّهُ فعل الْمثل فِي غير وقته فَإِن قلت مَا يَأْتِي بِهِ ثَانِيًا غير الأول فَمَا معنى الْإِعَادَة قلت بتنزيل الثَّانِي منزلَة عين الأول لمماثلته (لخلل غي