Advertisement

تيسير التحرير 003

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

الْبَاب الثَّانِي من الْمقَالة الثَّانِيَة
فِي أَحْكَام الْمَوْضُوع فِي أَدِلَّة الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة (أَدِلَّة الْأَحْكَام الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس) بِحكم الاستقراء، وَجه الضَّبْط الدَّلِيل الشَّرْعِيّ: إِمَّا وَحي أَو غَيره، وَالْوَحي إِمَّا متلوّ فَهُوَ الْكتاب، أَو غير متلوّ فَهُوَ السّنة، وَغير الْوَحْي إِمَّا قَول كل الْأمة من عصر فَهُوَ الْإِجْمَاع، وَإِلَّا فَالْقِيَاس، ويندرج فِي السّنة قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفعله وَتَقْرِيره (وَمنع الْحصْر) أَي إِبْطَاله (بقول الصَّحَابِيّ على قَول الْحَنَفِيَّة) فَإِنَّهُم يقدمُونَ قِيَاس الصَّحَابِيّ على قياسهم لما عرف فِي مَحَله، وَهُوَ لَيْسَ من الْأَرْبَعَة. (وَشرع من قبلنَا) من الْأَنْبِيَاء (وَالِاحْتِيَاط والاستصحاب والتعامل مَرْدُود) خير الْمُبْتَدَأ (بردهَا) أَي برد هَذِه الْمَذْكُورَات ثَانِيًا (إِلَى أَحدهَا) أَي الْمَذْكُورَات هُوَ أَولا حَال كَون ذَلِك الْأَحَد الْمَرْدُود إِلَيْهِ (معينا) فَمَا سوى الِاحْتِيَاط والاستصحاب كَقَوْل الصَّحَابِيّ فَإِنَّهُ مَرْدُود إِلَى السّنة، وَشرع من قبلنَا فَإِنَّهُ مَرْدُود إِلَى الْكتاب إِذا قصه الله تَعَالَى من غير إِنْكَار، وَإِلَى السّنة إِذا قصه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَذَلِك، وَهُوَ أَيْضا فِي الْحَقِيقَة رَاجع إِلَى الْكتاب لقَوْله تَعَالَى {وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ} - فَتَأمل. والتعامل فَإِنَّهُ مَرْدُود إِلَى الْإِجْمَاع (ومختلفا فِي الِاحْتِيَاط والاستصحاب) فَإِن مرجع كل مِنْهُمَا غير مُتَعَيّن، بل تَارَة من الْكتاب، وَتارَة من السّنة، وَتارَة من غَيرهمَا، هَذَا هُوَ الظَّاهِر فِي تَفْسِير التعين وَالِاخْتِلَاف، وَالْمَفْهُوم من كَلَام الشَّارِح غير أَنه لَا يظْهر تأثيرهما بالاختلاف مَعَ أَن شرع من قبلنَا أَيْضا كَذَلِك فَتَأمل وَسَيَأْتِي تفصيلها فِي خَاتِمَة هَذِه الْمقَالة (وَمعنى الْإِضَافَة) فِي أَدِلَّة الْأَحْكَام (أَن الْأَحْكَام النّسَب الْخَاصَّة النفسية) إِذْ هِيَ تعلقات الْكَلَام النَّفْسِيّ الْقَدِيم الْقَائِم بِالذَّاتِ المقدسة بِأَفْعَال الْمُكَلّفين: اقْتِضَاء، أَو تخييرا، أَو وضعا (وَالْأَرْبَعَة) أَي الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس (أدلتها) أَي النّسَب الْمَذْكُورَة (وَبِذَلِك) أَي بِسَبَب كَونهَا أَدِلَّة (سميت) الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَة (أصولا) لِأَن الأَصْل مَا يبْنى عَلَيْهِ غَيره، والمدلول مَبْنِيّ على الدَّال (وَجعل بَعضهم)
(3/2)

أَي الْحَنَفِيَّة (الْقيَاس أصلا من وَجه) لَا يثبت الحكم عَلَيْهِ ظَاهرا (فرعا من وَجه) آخر (لثُبُوت حجيته بِالْكتاب وَالسّنة). قَالَ الشَّارِح وَإِجْمَاع الصَّحَابَة، وَلَعَلَّه لم يذكرهُ لعدم الْجَزْم بإجماعهم، وَإِنَّمَا قُلْنَا لابتنائه عَلَيْهِ ظاهرأ لِأَن الْقيَاس مظهر لَا مُثبت. ثمَّ إِن قَوْله وَجعل مُبْتَدأ خَبره (يُوجب مثله) أَي الْكَوْن أصلا من وَجه فرعا من آخر (فِي السّنة) لثُبُوت حجيتها بِالْكتاب كَقَوْلِه - {وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ} -: إِلَى غير ذَلِك (وَالْإِجْمَاع) لثُبُوت حجيته بِالْكتاب وَالسّنة، فَلَا مُوجب للاقتصار على الْقيَاس. وَقيل إفرد بِالذكر لِأَنَّهُ أصل فِي الْفِقْه فَقَط، وَهِي أصل لَهُ ولعلم الْكَلَام (وَالْأَقْرَب) أَي إِفْرَاده بِالذكر (لاحتياجه فِي كل حَادِثَة إِلَى أَحدهَا) إِذْ لَا بُد لَهُ من عِلّة مستنبطة من أَحدهَا، وَعدم احتياجها إِلَيْهِ على هَذَا الْوَجْه (وَلَا يرد الْإِجْمَاع) نقضا على التَّعْلِيل الْمَذْكُور بِنَاء (على عدم لُزُوم الْمُسْتَند) لَهُ: يَعْنِي لَا يُقَال أَن الْإِجْمَاع أَيْضا مُحْتَاج إِلَى أَحدهَا إِذا قُلْنَا أَنه لَا يلْزم أَن يكون لَهُ مُسْتَند كَمَا ذهب إِلَيْهِ قوم وَقَالُوا: يجوز أَن يخلق فيهم علما ضَرُورِيًّا، ويوفقهم جَمِيعًا لاختيار الصَّوَاب، وَهَذَا ظَاهر (وَلَا) يرد أَيْضا (على لُزُومه) أَي على القَوْل بِلُزُوم الْمُسْتَند فِي الْإِجْمَاع كَمَا هُوَ قَول الْجُمْهُور (لِأَن الْمُحْتَاج إِلَيْهِ) أَي الْمُسْتَند (قَول كل) أَي كل وَاحِد وَاحِد (وَلَيْسَ) قَول كل وَاحِد (إِجْمَاعًا، بل هُوَ) أَي الْإِجْمَاع (كلهَا) أَي مَجْمُوع الْأَقْوَال (المتوقف على) قَول (كل وَاحِد، وَلَا يحْتَاج) الْمَجْمُوع إِلَى مُسْتَند (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن كَذَلِك بِأَن يحْتَاج الْمَجْمُوع إِلَى مُسْتَند (كَانَ الثَّابِت لَهُ) أَي بِالْإِجْمَاع (بمرتبة الْمُسْتَند) أَي فِي رتبته، وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن الثَّابِت بِهِ قَطْعِيَّة الحكم، وَالثَّابِت بالمستند ظنيته، وَأَيْنَ الْقطع من الظَّن؟. وَقد يُقَال: سلمنَا أَنه لَا يحْتَاج إِلَيْهِ بِنَفسِهِ، لكنه يحْتَاج بِوَاسِطَة مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ، وَبِه ثَبت الفرعية من وَجه وَيصير كالقياس. وَيُمكن أَن يُجَاب عَنهُ بِأَن حجية الْإِجْمَاع، وإفادته الْقطع يسْتَند إِلَى عصمَة الْكل عَن الْخَطَأ استنادا يضمحل بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ اعْتِبَار مدخلية السَّنَد الْمَذْكُور فِي أصل انْعِقَاده بِحَسب مَا يَجْعَل مُحْتَاجا إِلَيْهِ فِي حجيته، وَهَذَا أولى مِمَّا قيل: أَن الْإِجْمَاع إِنَّمَا يحْتَاج إِلَى الْمُسْتَند فِي تحَققه لَا فِي نفس الدّلَالَة على الحكم، فَإِن الْمُسْتَدلّ بِهِ لَا يلْتَفت إِلَيْهِ بِخِلَاف الْقيَاس فَإِن الِاسْتِدْلَال بِهِ لَا يُمكن بِدُونِ مُلَاحظَة الثَّلَاثَة فَتدبر.
(الْكتاب) هُوَ (الْقُرْآن) تعريفا (لفظيا) فَإِنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ عرفا، غير أَن الْقُرْآن أشهر (وَهُوَ) أَي الْقُرْآن (اللَّفْظ الْعَرَبِيّ الْمنزل للتدبر والتذكر الْمُتَوَاتر) فاللفظ جنس يعم الْكتب السماوية وَغَيرهَا، والعربي يخرج غير الْعَرَبِيّ من الْكتب السماوية وَغَيرهَا، والمنزل بِلِسَان جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يخرج مَا لَيْسَ بمنزل من الْعَرَبِيّ. وَقَوله للتدبر والتذكر لزِيَادَة التَّوْضِيح، والتدبر: التفهم
(3/3)

للاطلاع على مَا يتبع ظَاهره من التأويلات الصَّحِيحَة، والمعاني المستنبطة من الْأَحْكَام الْأَصْلِيَّة والفرعية، وَالْحكم الإلهية إِلَى غير ذَلِك، والتذكر الاتعاظ بقصصه، وَأَمْثَاله، ودلائله الدَّالَّة على وجود الصَّانِع الْخَبِير، ووحدانيته، وَكَمَال قدرته، وَلُزُوم التَّجَافِي عَن دَار الْغرُور، والتهيئ لدار السرُور، وَنَحْو ذَلِك وَقيل: التدبر لما لَا يعلم إِلَّا من الشَّرْع، والتذكر لما لَا يسْتَقلّ بِهِ الْعقل، وَبِقَوْلِهِ الْمُتَوَاتر خرج مَا لَيْسَ بمتواتر كَقِرَاءَة ابْن مَسْعُود - فَاقْطَعُوا أيمانهما وأمثالهما - وَبَعض الْأَحَادِيث الإلهية الَّتِي أسندها النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى الله تَعَالَى على لِسَان جِبْرِيل، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَخرجت الْأَحَادِيث القدسية) أَي الإلهية (والإعجاز) وَهُوَ ارتقاؤه إِلَى حد خَارج عَن طوق الْبشر حَيْثُ أعجزهم عَن معارضته (تَابع لَازم لأبعاض خَاصَّة مِنْهُ لَا) يتَقَيَّد (بِقَيْد سُورَة) كَمَا قَالَ بعض الْأُصُولِيِّينَ، وَالْإِضَافَة بَيَانِيَّة (وَلَا) هُوَ لَازم (كل بعض نَحْو {حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم} الْآيَة، فَإِنَّهَا جمل لَا إعجاز فِيهَا (وَهُوَ) أَي لفظ الْقُرْآن (مَعَ جزئية اللَّام) فِيهِ: أَي مَأْخُوذ مَعَ اللَّام الْمشَار بهَا إِلَى الْمَفْهُوم الْخَارِجِي، فِي الأَصْل صَار مَوْضُوعا (للمجموع) من الْفَاتِحَة إِلَى آخر سُورَة النَّاس فِي عرف الشَّرْع فَلَا يصدق على مَا دونه من آيَة وَلَا سُورَة (وَلَا مَعهَا) أَي اللَّفْظ الْمَذْكُور بِدُونِ اقترانه بهَا: تَعْرِيفه (لفظ إِلَى آخِره) أَي عَرَبِيّ منزل للتدبر والتذكر متواتر (فَيصدق على الْآيَة) وعَلى كل بعض يصدق عَلَيْهِ مَا ذكر فِي التَّعْرِيف (وَهَذَا) التَّعْرِيف (للحجة الْقَائِمَة) أَي مُنَاسِب لِلْقُرْآنِ من حَيْثُ أَنه حجَّة من الله قَائِمَة على الْعباد، إِذْ ثَبت بإعجازه نبوة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَبَين الْأَحْكَام أصولا وفروعا، وبتواتره سد طَرِيق إنكارهم بُلُوغهَا إِلَيْهِم (و) تَعْرِيفه (بِلَا هَذَا الِاعْتِبَار) أَي كَونه حجَّة (كَلَامه تَعَالَى الْعَرَبِيّ الْكَائِن للإنزال) أَي الثَّابِت فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ أثْبته الله تَعَالَى هُنَاكَ لمصْلحَة الْإِنْزَال بِلِسَان جِبْرِيل على نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَا ينْقض بِالْحَدِيثِ الْقُدسِي وَالْقِرَاءَة الشاذة لكَونهَا فِي اللَّوْح لقَوْله تَعَالَى - {وَلَا رطب وَلَا يَابِس إِلَّا فِي كتاب مُبين} - لأننا لَا نسلم أَنَّهَا أَثْبَتَت هُنَاكَ للإنزال فليتدبر (وللعربي) أَي ولاعتبار قيد الْعَرَبِيّ فِي ماهيته (رَجَعَ أَبُو حنيفَة) بَعْدَمَا تحقق عِنْده اعْتِبَار فِيهِ (عَن الصِّحَّة) أَي صِحَة الصَّلَاة (للقادر) على الْعَرَبِيّ إِذا عبر عَن الْمَضْمُون القرآني (بِالْفَارِسِيَّةِ) أَي بِالْفَارِسِيَّةِ مثلا، فَيدْخل مَا عدا الْعَرَبِيّ، وَذَلِكَ (لِأَن الْمَأْمُور) بِهِ فِي قَوْله - {فاقرءوا مَا تيَسّر من الْقُرْآن} - (وَقِرَاءَة مُسَمّى الْقُرْآن) وَقد عرفت أَن قيد الْعَرَبِيّ مُعْتَبر فِي مَفْهُوم مُسَمَّاهُ، وَلم يسم بِهَذَا الِاسْم إِلَّا الْمَوْجُود فِي الْخَارِج الْعَرَبِيّ على مَا رَوَاهُ عَنهُ نوح بن مَرْيَم وَعلي بن الْجَعْد، وَعَلِيهِ الْفَتْوَى حَتَّى قَالَ الإِمَام أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْفضل: لَو تعمد ذَلِك فَهُوَ مَجْنُون فيداوى، أَو زنديق
(3/4)

فَيقْتل (وَقَوْلهمْ) أَي بعض الْحَنَفِيَّة فِي التَّعْلِيل الْمَذْكُور لرجوعه توجيها لما ذهب إِلَيْهِ أَولا: أَن النّظم الْعَرَبِيّ (ركن زَائِد) لِلْقُرْآنِ بِمَعْنى كَونه يحْتَمل السُّقُوط، فَلَا يتَوَقَّف على جَوَاز الصَّلَاة لِأَنَّهُ مَقْصُود للإعجاز، وَالْمَقْصُود من الْقُرْآن فِي الصَّلَاة الْمُنَاجَاة لَا الإعجاز، فَلَا يكون النّظم لَازِما فِيهَا (لَا يُفِيد) دفع الِاعْتِرَاض عَنهُ، وَهُوَ كَونه مُخَالفا للنَّص الْمَذْكُور (بعد دُخُوله) أَي الرُّكْن الْمَذْكُور فِي مُسَمَّاهُ، فَإِن النَّص يطْلب الْعَرَبِيّ وَلَا يُجِيز غَيره، وَالتَّعْلِيل يُجِيزهُ، ولخصوصية الإعجازية مزية مَقْصُودَة للشارع فَلَا وَجه لإلغائه بِمثل هَذَا التَّعْلِيل، كَيفَ وَلَا يجوز معارضته النَّص بِالْمَعْنَى (وَدفعه) أَي هَذَا التعقيب (ب) أَن (إرادتهم الزِّيَادَة على مَا يتَعَلَّق بِهِ الْجَوَاز) للصَّلَاة من الْقُرْآن (مَعَ دُخُوله) أَي النّظم الْعَرَبِيّ (فِي الْمَاهِيّة) القرآنية، إِذْ لَا مُنَافَاة بَين كَونه ركنا لماهيته، وزائدا على مَا يتَعَلَّق بِهِ جَوَاز الصَّلَاة مِنْهُ (دفع) خبر الْمُبْتَدَأ: أَعنِي دَفعه يَعْنِي (بِعَين) مَادَّة (الْإِشْكَال لِأَن دُخُوله) أَي النّظم الْعَرَبِيّ فِي مَاهِيَّة الْقُرْآن هُوَ (الْمُوجب لتَعلق الْجَوَاز بِهِ) أَي بالنظم الْمَذْكُور، لِأَن الْمَأْمُور بِهِ قِرَاءَة الْقُرْآن، وَلَا يتَحَقَّق مُسَمَّاهُ إِلَّا بِهِ فَلَا جَوَاز بِدُونِهِ (على أَن معنى الرُّكْن الزَّائِد عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة (مَا قد يسْقط شرعا) كَمَا فِي الْإِقْرَار بِالنِّسْبَةِ إِلَّا الْأَيْمَان، فَإِنَّهُ يسْقط بعد الْإِكْرَاه الملجئ فِي حق من لم يجد وقتا يتَمَكَّن فِيهِ من الادعاء (فادعاؤه) أَي السُّقُوط شرعا (فِي النّظم) الْعَرَبِيّ (عين النزاع، وَالْوَجْه فِي الْعَاجِز) عَن النّظم الْعَرَبِيّ (أَنه) أَي الْعَاجِز عَنهُ (كالأمي) لِأَن قدرته على غير الْعَرَبِيّ كلا قدرَة، فَكَانَ أُمِّيا كَمَا هُوَ أحد الْقَوْلَيْنِ فِيهِ فِي الْمُجْتَبى.
وَاخْتلف فِيمَن لم يحسن الْقِرَاءَة بِالْعَرَبِيَّةِ وَيحسن بغَيْرهَا الأولى أَن يُصَلِّي بِلَا قِرَاءَة أَو بغَيْرهَا أه، وعَلى أَنه يُصَلِّي بِلَا قِرَاءَة الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة، بل يسبح ويهلل (فَلَو أدّى) الْعَاجِز (بِهِ) أَي بالفارسي (قصَّة) من الْقَصَص الْمَذْكُورَة فِي الْقُرْآن، أَو أمرا، أَو نهيا (فَسدتْ) الصَّلَاة لِأَنَّهُ تكلم بِكَلَام غير قُرْآن (لَا) تفْسد أَن أدّى الْعَاجِز بالفارسي (ذكرا) أَو تَنْزِيها: وَكَذَا غير الْعَاجِز إِلَّا إِذا اقْتصر على ذَلِك لإخلاء الصَّلَاة عَن الْقِرَاءَة حِينَئِذٍ قَالَ الشَّارِح: وَهَذَا اخْتِيَار المُصَنّف، وَإِلَّا فَلفظ الْجَامِع الصَّغِير مُحَمَّد عَن يَعْقُوب عَن أبي حنيفَة فِي الرجل يفْتَتح للصَّلَاة بِالْفَارِسِيَّةِ، أَو يقْرَأ بِالْفَارِسِيَّةِ، أَو يذبح ويسمي بِالْفَارِسِيَّةِ وَهُوَ يحسن الْعَرَبيَّة قَالَ يُجزئهُ فِي ذَلِك كُله. وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: لَا يُجزئهُ فِي ذَلِك كُله إِلَّا فِي الذَّبِيحَة، وَإِن كَانَ لَا يحسن الْعَرَبيَّة أَجزَأَهُ. قَالَ الصَّدْر الشَّهِيد فِي شَرحه: وَهَذَا تنصيص على أَن من يقْرَأ الْقُرْآن بِالْفَارِسِيَّةِ لَا تفْسد الصَّلَاة بِالْإِجْمَاع، وَمَشى عَلَيْهِ صَاحب الْهِدَايَة. وَأطلق نجم الدّين النَّسَفِيّ وقاضيخان نقلا عَن شمس الْأَئِمَّة الْحلْوانِي الْفساد بهَا عِنْدهمَا (وَعنهُ) أَي عَن التَّعْرِيف
(3/5)

الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن حَيْثُ أَخذ فِيهِ التَّوَاتُر (يبطل إِطْلَاق عدم الْفساد) للصَّلَاة (بِالْقِرَاءَةِ الشاذة) فِيهَا، إِذْ هِيَ غير متواترة، فَلَا يصدق عَلَيْهِ أَنه قُرْآن، فَيلْزم الإخلاء عَن الْقِرَاءَة فتفسد.
وَاخْتلف فِي المُرَاد بالشاذة، فَقيل: لغير أَئِمَّة الْقِرَاءَة فِيهَا قَولَانِ: أَحدهمَا أَنَّهَا مَا عدا الْقرَاءَات لأبي عَمْرو وَنَافِع وَعَاصِم وَحَمْزَة وَابْن كثير وَالْكسَائِيّ وَابْن عَامر. وَثَانِيهمَا مَا وَرَاء الْقرَاءَات الْعشْر للمذكورين وَيَعْقُوب وَأبي جَعْفَر وَخلف. وَقَالَ ابْن حبَان: لَا نعلم أحدا من من الْمُسلمين حظر الْقرَاءَات بِالثلَاثِ الزَّائِدَة على السَّبع. وَقَالَ غَيره: قد اتّفق المتفقون سلفا وخلفا على أَن الْقرَاءَات الثَّلَاث المنسوبة إِلَى الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة متواترة قرئَ بهَا فِي جَمِيع الْأَمْصَار والأعصار من غير نَكِير فِي وَقت من الْأَوْقَات. قَالَ السُّبْكِيّ: الْمُعْتَمد عِنْد أَئِمَّة الْقِرَاءَة أَن المُرَاد بِالْقِرَاءَةِ الَّتِي لَيست بشاذة كل قِرَاءَة يساعدها خطّ مصحف الإِمَام مَعَ صِحَة النَّقْل ومجيئها على الفصيح من لُغَة الْعَرَب. قَالَ أَبُو شامة: مَتى اخْتَلَّ أحد هَذِه الْأَركان الثَّلَاثَة أطلق على تِلْكَ الْقِرَاءَة شَاذَّة. فِي الدارية لَو قَرَأَ بِقِرَاءَة لَيست فِي مصحف الْعَامَّة كَقِرَاءَة ابْن مَسْعُود وَأبي تفْسد صلَاته عِنْد أبي يُوسُف وَالأَصَح أَنَّهَا لَا تفْسد، وَلكنه لَا يعْتد بِهِ من الْقِرَاءَة. وَفِي الْمُحِيط تَأْوِيل مَا روى عَن عُلَمَائِنَا أَنه تفْسد صلَاته إِذا قَرَأَ هَذَا وَلم يقْرَأ شَيْئا آخر، لِأَن الْقِرَاءَة الشاذة لَا تفْسد الصَّلَاة فَإِن قيل: كَيفَ لَا تجوز الصَّلَاة بِقِرَاءَة ابْن مَسْعُود وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رغبنا فِي قِرَاءَة الْقُرْآن بقرَاءَته قُلْنَا إِنَّمَا لَا يجوز بِمَا كَانَ فِي مصحفه الأول، لِأَن ذَلِك قد انتسخ، وَابْن مَسْعُود أَخذ بِقِرَاءَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي آخر عمره، وَأهل الْكُوفَة أخذُوا بقرَاءَته الثَّانِيَة، وَهِي قِرَاءَة عَاصِم فَإِنَّمَا رغبنا فِي تِلْكَ الْقِرَاءَة، كَذَا ذكره الطَّحَاوِيّ وَقَالَت الشَّافِعِيَّة: تجوز الْقِرَاءَة بالشاذة إِن لم يكن فِيهَا تَغْيِير معنى وَلَا زِيَادَة حرف وَلَا نقصانه (وَلزِمَ فِيمَا لم يتواتر) من الْقرَاءَات (نفي القرآنية) عَنهُ (قطعا غير أَن إِنْكَار الْقطعِي إِنَّمَا يكفر) بِهِ الْمُنكر (إِذا كَانَ) ذَلِك الْقطعِي (ضَرُورِيًّا) من ضروريات الدّين على مَا هُوَ التَّحْقِيق (وَمن لم يشرطه أَي كَون الْقطعِي الَّذِي يكفر منكره ضَرُورِيًّا كالحنفية يكفر منكره (إِذا لم يثبت فِيهِ) أَي فِي ذَلِك الْقطعِي (شُبْهَة قَوِيَّة) لقُوَّة مَا يُورثهَا، وَاحْتَاجَ دَفعهَا إِلَى مُقَدمَات كَثِيرَة كَمَا يظْهر فِي الْمِثَال كإنكار ركن من أَرْكَان الْإِسْلَام مثلا مِمَّا لَيْسَ فِيهِ شُبْهَة (فَلِذَا) أَي لاشْتِرَاط انْتِفَاء الشُّبْهَة الْمَذْكُورَة فِي التَّكْفِير (لم يتكافروا) أَي لم يكفر كل من الْمُخَالفين (فِي التَّسْمِيَة) الآخر لوُجُود الشُّبْهَة القوية فِي كل طرف لقُوَّة دَلِيله، لِأَن الْمُنكر حِينَئِذٍ غير مكابر للحق، وَلَا قَاصد إِنْكَار مَا ثَبت عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. فَإِن قلت كل من النَّفْي وَالْإِثْبَات يحْتَاج إِلَى دَلِيل قَطْعِيّ، إِذْ لَا يجوز نفي قرآنيتها وَلَا إِثْبَاتهَا إِلَّا بِهِ
(3/6)

وَهل يتَصَوَّر وجود دَلِيل كَذَا فِي الْجَانِبَيْنِ قلت كَون كل مِنْهُمَا قَطْعِيا بِحَسب ظن صَاحبه لَا بِحَسب نفس الْأَمر، إِذْ قُوَّة الشُّبْهَة تخرجه عَن الْقطع بِحَسبِهِ، فَيرجع كل مِنْهُمَا إِلَى ظن قوي، فَمنع قُوَّة الشُّبْهَة التَّكْفِير فِي الْجَانِبَيْنِ مَعَ أَنهم أَجمعُوا على تَكْفِير من يُنكر شَيْئا من الْقُرْآن، وعَلى تَكْفِير من يلْحق بِالْقُرْآنِ مَا لَيْسَ مِنْهُ. ثمَّ لما جعل الِاشْتِرَاط الْمَذْكُور سَببا لعدم تَكْفِير كل من الْفَرِيقَيْنِ الآخر اتجه أَن يُقَال لَا يصلح سَببا لَهُ: إِذْ لَا يَخْلُو هَذَا الِاخْتِلَاف من أحد الْأَمريْنِ: إِمَّا إِنْكَار جُزْء من الْقُرْآن، وَإِمَّا إِلْحَاق مَا لَيْسَ مِنْهُ بِهِ أجَاب عَنهُ بقوله: (لعدم تَوَاتر كَونهَا فِي الْأَوَائِل) أَي فِي أَوَائِل السُّور (قُرْآنًا) يَعْنِي أَن تَكْفِير الْمُنكر عِنْد كَون القرآنية متواترا وَلم يُوجد فِي التَّسْمِيَة، وَكَذَا تَكْفِير من يلْحق بِهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ عِنْد الْقطع بِكَوْنِهِ لَيْسَ مِنْهُ، وَيحْتَمل أَن يكون تَقْدِير الْكَلَام: وَذهب إِلَى نفي قرآنيتها فِي غير النَّمْل من ذهب كمالك لعدم إِلَى آخِره، يُؤَيّدهُ مَا سَيَأْتِي من قَوْله: وَالْآخر.
وَلما كَانَ هَهُنَا مَظَنَّة سُؤال، وَهُوَ أَنه كَيفَ يُنكر قرآنيتها فِي أَوَائِل السُّور مَعَ شدَّة اهتمام السّلف بتجريد الْمَصَاحِف أجَاب عَنهُ بقوله (وكتابتها) فِي أَوَائِل السُّور (لشهرة الاستنان بالافتتاح) أَي بِالتَّسْمِيَةِ لكل سُورَة سوى بَرَاءَة، فالاستنان سَبَب الْكِتَابَة، والشهرة دافعة لتوهم كَونه قُرْآنًا (بهَا فِي الشَّرْع) بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
" كل أَمر ذِي بَال لَا يبْدَأ فِيهِ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَهُوَ أقطع ": رَوَاهُ ابْن حبَان وَحسنه ابْن الصّلاح (وَالْآخر) أَي الْمُثبت لقرآنيتها فِي الْأَوَائِل يَقُوله: (إِجْمَاعهم) أَي الصَّحَابَة (على كتَابَتهَا) أَي التَّسْمِيَة بِخَط الْمُصحف فِي الْأَوَائِل (مَعَ أَمرهم بتجريد الْمَصَاحِف) عَمَّا سواهُ حَتَّى لم يثبتوا آمين فقد قَالَ ابْن مَسْعُود: جردوا الْقُرْآن وَلَا تخلطوه بِشَيْء: يَعْنِي فِي كِتَابَته. قَالَ الشَّارِح: قَالَ شَيخنَا الْحَافِظ حَدِيث حسن مَوْقُوف أخرجه ابْن أبي دَاوُد يُوجِبهُ: أَي كَونهَا من الْقُرْآن (والاستنان) لَهَا فِي أَوَائِل السُّور (لَا يسوغه) أَي الْإِجْمَاع على كتَابَتهَا بِخَط الْمَصَاحِف فِيهَا (لتحققه) أَي الاستنان (فِي الِاسْتِعَاذَة وَلم تكْتب) فِي الْمُصحف (والأحق أَنَّهَا) أَي التَّسْمِيَة فِي محالها (مِنْهُ) أَي الْقُرْآن (لتواترها فِيهِ) أَي فِي الْمُصحف (وَهُوَ) أَي تواترها فِيهِ (دَلِيل) تَوَاتر (كَونهَا قُرْآنًا). ثمَّ لما أَقَامَ دَلِيلا على تواترا أَنَّهَا قُرْآن، وَهُوَ تواترها فِي الْمُصحف أَفَادَ أَنه لَا يلْزم إِثْبَات قرآنيتها تَوَاتر الْأَخْبَار بِكَوْنِهَا قُرْآنًا، فَقَالَ (على أَنا نمْنَع لُزُوم تَوَاتر كَونهَا قُرْآنًا فِي القرآنية) أَي فِي إِثْبَات قرآنيته فِي الْأَوَائِل (بل التَّوَاتُر فِي مَحَله فَقَط) كَاف فِي إِثْبَات قرآنيته، يَعْنِي لَا يلْزم أَن ينْقل إِلَيْنَا خبر متواتر أَنَّهَا فِي تِلْكَ الْمَوَاضِع قُرْآن، بل يَكْفِي فِي ثُبُوت قرآنيتها نقل الْقُرْآن الثَّابِت فِي التَّسْمِيَة فِي أَوَائِل سُورَة على سَبِيل التَّوَاتُر (وَإِن لم يتواتر كَونه) أَي مَا هُوَ قُرْآن
(3/7)

(فِيهِ) أَي فِي مَحَله (مِنْهُ) أَي من الْقُرْآن إِذْ يَكْفِي ثُبُوته فِيهِ، وَهَذَا مَوْجُود فِي التَّسْمِيَة (وَعنهُ) أَي عَن كَون الشَّرْط مُجَرّد التَّوَاتُر فِي مَحَله (لزم قرآنية المكررات) كَقَوْلِه تَعَالَى - {فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ} - (وتعددها قُرْآنًا) مَعْطُوف على قرآنيتها: أَي وَلُزُوم تعددها من حَيْثُ أَنَّهَا قُرْآن، فَكل وَاحِد من ذَلِك المتعدد قُرْآن على حِدة (وَعَدَمه) أَي عدم التَّعَدُّد (فِيمَا تَوَاتر فِي مَحل وَاحِد فَامْتنعَ جعله) أَي مَا تَوَاتر فِي مَحل وَاحِد (مِنْهُ) أَي الْقُرْآن (فِي غَيره) أَي غير ذَلِك الْمحل (ثمَّ الْحَنَفِيَّة) الْمُتَأَخّرُونَ على أَن التَّسْمِيَة (آيَة وَاحِدَة منزلَة يفْتَتح بهَا السُّور) عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يعرف فصل السُّور حَتَّى ينزل عَلَيْهِ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم إِلَّا أَنه قَالَ: لَا يعرف انْقِضَاء السُّورَة، وَقَالَ صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ مَعَ مَا فِي صَحِيح مُسلم وَغَيره عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الله عز وَجل " قسمت الصَّلَاة بيني وَبَين عَبدِي ": الحَدِيث. وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي مبدأ الْوَحْي أَن جِبْرِيل أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ - {اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق خلق الْإِنْسَان من علق اقْرَأ وَرَبك الأكرم} -. فَقَالَ شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ أَنَّهَا نزلت للفصل لَا فِي أول السُّورَة وَلَا فِي آخرهَا، فَيكون الْقُرْآن مائَة وَأَرْبع عشرَة سُورَة، وَآيَة وَاحِدَة لَا مَحل لَهَا بخصوصها (وَالشَّافِعِيَّة) على أَنَّهَا (آيَات فِي السُّور) أَي آيَة كَامِلَة من أول كل سُورَة على الْأَصَح عِنْدهم فِيمَا عدا الْفَاتِحَة وَبَرَاءَة، فَإِنَّهَا آيَة كَامِلَة من أول الْفَاتِحَة بِلَا خلاف وَلَيْسَت بِآيَة من بَرَاءَة بِلَا خلاف (وَترك نصف الْقُرَّاء) أَي ابْن عَامر وَنَافِع وَأَبُو عمر وَلها فِي أَوَائِل السُّور مُطلقًا وَحَمْزَة فِي غير الْفَاتِحَة، وَترك مُبْتَدأ خَبره (تَوَاتر) لأجل (أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَركهَا) أَي ترك قرَاءَتهَا فِي أَوَائِل السُّور عِنْد قصد قرَاءَتهَا (وَلَا معنى) أَي وَلَا وَجه (عِنْد قصد قِرَاءَة سُورَة أَن يتْرك أَولهَا) أَي لِأَن تَركه (لَو لم يحث) على قِرَاءَة السُّورَة من أَولهَا، على أَن الْمَعْرُوف من الْحَث (على أَن يقْرَأ) الْقَارئ (السُّورَة على نَحْوهَا) أَي طبق ثُبُوتهَا فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ، فَإِن هَذَا التَّرْتِيب الْمَوْجُود فِي الْمَصَاحِف على طبق ذَلِك (وتواتر قرَاءَتهَا) أَي التَّسْمِيَة فِي أَوَائِل السُّور (عَنهُ) أَي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (بِقِرَاءَة الآخرين) من الْقُرَّاء فِي أَوَائِل السُّور (لَا يستلزمها) أَي لَا يسْتَلْزم كَون التَّسْمِيَة (مِنْهَا) أَي السُّورَة (لتجويزه) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (للافتتاح) بهَا فَإِن قلت هَب أَن قِرَاءَة الآخرين لَا يسْتَلْزم جزئيتها من السُّور كَيفَ التَّوْفِيق بَين التواترين، تَوَاتر تَركه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قرَاءَتهَا فِي الْأَوَائِل، وتواتر قرَاءَتهَا فِيهَا، قلت يجوز ذَلِك بِاعْتِبَار الْأَوْقَات تَعْلِيما للْجُوَاز وَعدم الْجُزْئِيَّة. وَعَن شمس الْأَئِمَّة الْحلْوانِي وَغَيره أَن أَكثر مَشَايِخنَا على أَنَّهَا آيَة من الْفَاتِحَة، وَبهَا تصير سبع آيَات. وَقَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ
(3/8)

لَيْسَ عَن أَصْحَابنَا رِوَايَة منصوصة على أَنَّهَا من الْفَاتِحَة، أَو لَيست آيَة مِنْهَا إِلَّا أَن شَيخنَا أَبَا الْحسن الكرحي حكى مَذْهَبهم فِي ترك الْجَهْر بهَا فَدلَّ على أَنَّهَا لَيست آيَة مِنْهَا عِنْدهم، وَإِلَّا لجهر بهَا كَمَا يجْهر بِسَائِر آي السُّور، وَقطع بِهِ البُخَارِيّ فِي شرح مَعَاني الْآثَار (وَمَا عَن ابْن مَسْعُود من إِنْكَار) كَون (المعوذتين) من الْقُرْآن (لم يَصح) عَنهُ كَمَا ذكره الطرطوسي وَغَيره (وَإِن ثَبت خلو مصحفه) مِنْهُمَا (لم يلْزم) كَون خلوه (لإنكاره) أَي ابْن مَسْعُود قرآنيتهما (لجوازه) أَي كَون خلوه (لغاية ظهورهما). وَفِيه أَن ظُهُور الْإِخْلَاص مثلا أَكثر مِنْهُمَا فَتَأمل (أَو لِأَن السّنة عِنْده) أَي ابْن مَسْعُود (أَن لَا يكْتب مِنْهُ) أَي الْقُرْآن (إِلَّا مَا أَمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بكتبه وَلم يسمعهُ) أَي أمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك أَقُول وَلَو قيل أَنه كَانَ يعلم أَنَّهَا كَلَام الله تَعَالَى بِلَا شُبْهَة، لَكِن اشتبهت جزئيته من الْقُرْآن، وَإِنَّمَا ارْتَفَعت هَذِه الشُّبْهَة بعد كِتَابَته ذَلِك الْمُصحف بِالْإِجْمَاع. ثمَّ تَوَاتر بعد ذَلِك إِمَّا بعد زَمَانه، أَو فِي زَمَانه، وَلم يتَّفق لَهُ إدخالهما فِيهِ وَلم يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مَحْذُور وَالله أعلم.

مسئلة
(الْقِرَاءَة الشاذة حجَّة ظنية خلافًا للشَّافِعِيّ لنا) أَنَّهَا (مَنْقُول عدل عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) فَيجب قبُوله كَسَائِر منقولاته (قَالُوا) أَي الشَّافِعِيَّة: أَنَّهَا (مُتَيَقن الْخَطَأ، قُلْنَا) الْخَطَأ (فِي قرآنيته لَا) فِي (خبريته مُطلقًا) لعدم الْخَطَأ فِي أصل مضمونه (وَانْتِفَاء الْأَخَص) وَهُوَ كَونه خَبرا قرآنيا (لَا يَنْفِي الْأَعَمّ) وَهُوَ كَونه خَبرا صَحِيحا مَنْقُولًا (فَكَمَا لأخبار الأحاد) مِمَّا لم ينْسب إِلَى الْقُرْآن وَلم يبلغ حد التَّوَاتُر والشهرة، ثمَّ المفاد من كَلَام الْفَرِيقَيْنِ الْجَزْم بالْخَطَأ فِي قرآنيتها وَعدم التَّوَاتُر لَا يسْتَلْزم الْقطع بِالنَّفْيِ، غَايَة الْأَمر النَّفْي بِالْقطعِ بقرآنيتها فَمن أَيْن يحكم بالْخَطَأ فِيهَا؟ وَقد بَقِي فِي قَوْله تَعَالَى - {إِنَّا نخن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون} - يُفِيد حفظه عَن وُقُوع الشُّبْهَة فِيهِ فَتَأمل (ومنعهم) أَي مانعي حجيتها (الْحصْر) الَّذِي ادَّعَاهُ مثبتوها فِي كَونه قُرْآنًا أَو خَبرا ورد بَيَانا من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَظن قُرْآنًا فَألْحق بِهِ، وعَلى هَذَا التَّقْدِيرَيْنِ يجب الْعَمَل بِهِ (بتجويز ذكره) أَي الصَّحَابِيّ ذَلِك (مَعَ التِّلَاوَة) حَال كَون هَذَا الْمَذْكُور الَّذِي أدرجه فِي أثْنَاء تِلَاوَته الْقُرْآن (مذهبا) لَهُ غير أَن يسمعهُ من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بل لما أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده فَذكره فِي معرض الْبَيَان (بعيد جدا لِأَن نظم مذْهبه مَعَه) أَي الْقُرْآن (إِيهَام) ظن (أَن مِنْهُ) أَي الْقُرْآن (مَا لَيْسَ مِنْهُ) أَي الْقُرْآن وَهَذَا نوع تلبيس لَا يَلِيق بشأن الصَّحَابِيّ (لَا جرم أَن) القَوْل (الْمُحَرر) أَي الْمُسْتَقيم الْمَرْوِيّ (عَنهُ) أَي الشَّافِعِي (كَقَوْلِنَا بِصَرِيح لَفظه) قَالَ: ذكر الله الْأَخَوَات
(3/9)

من الرَّضَاع بِلَا تَوْقِيت، ثمَّ وقتت عَائِشَة الْخمس وأخبرت أَنه مِمَّا نزل من الْقُرْآن فَهُوَ وَإِن لم يكن قُرْآنًا يقْرَأ فَأَقل حالاته أَن يكون عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَن الْقُرْآن لَا يَأْتِي بِهِ غَيره، فَهَذَا عين قَوْلنَا وَعَلِيهِ جُمْهُور أَصْحَابنَا كَمَا نَقله الأسنوي وَغَيره حَتَّى احْتَجُّوا بِقِرَاءَة ابْن مَسْعُود - فَاقْطَعُوا أيمانهما - على قطع الْيُمْنَى (ومنشأ الْغَلَط) فِي أَن مذْهبه عدم حجيته كَمَا نسبه إِلَيْهِ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَتَبعهُ النَّوَوِيّ (عدم إِيجَابه) أَي الشَّافِعِي (التَّتَابُع) فِي صَوْم الْكَفَّارَة (مَعَ قِرَاءَة ابْن مَسْعُود) فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام مُتَتَابِعَات. نقل الشَّارِح عَن المُصَنّف أَنه قَالَ: وَهَذَا عَجِيب لجَوَاز كَون ذَلِك لعدم ثُبُوته عِنْده أَو لقِيَام معَارض انْتهى، وعَلى هَذَا مَشى السُّبْكِيّ فَقَالَ: لَعَلَّه لمعارضة ذَلِك مَا قالته عَائِشَة نزلت - فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام مُتَتَابِعَات - فَسَقَطت مُتَتَابِعَات أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ إِسْنَاد صَحِيح.

مسئلة
(لَا يشْتَمل) الْقُرْآن (على مَا لَا معنى لَهُ خلافًا لمن لَا يعْتد بِهِ من الحشوية) قيل بِإِسْكَان الشين، لِأَن مِنْهُم المجسمة، والجسم محشو، وَالْمَشْهُور فتحهَا، لأَنهم كَانُوا يَجْلِسُونَ أَيَّام الْحسن الْبَصْرِيّ فِي حلقته فَوجدَ كَلَامهم رديئاً فَقَالَ: ردوا هَؤُلَاءِ إِلَى حَشا الْحلقَة: أَي جَانبهَا (تمسكوا بالحروف الْمُقطعَة) فِيهِ أَي الْقُرْآن فِي أَوَائِل السُّور (وَنَحْو إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ) إِنَّمَا هُوَ إِلَه وَاحِد (ونفخة وَاحِدَة قُلْنَا التَّأْكِيد كثير وإبداء فَائِدَته قريب) فِي الْكَشَّاف الِاسْم الْحَامِل لِمَعْنى الْإِفْرَاد والتثنية دَال على شَيْئَيْنِ: الجنسية وَالْعدَد الْمَخْصُوص، فَإِذا أريدت الدّلَالَة على أَن الْمَعْنى بِهِ مِنْهُمَا وَالَّذِي سَاق لَهُ الحَدِيث هُوَ الْعدَد شفع بِمَا يؤكده، فَدلَّ بِهِ على الْقَصْد إِلَيْهِ والعناية بِهِ، أَلا ترى أَنَّك لَو قلت إِنَّمَا هُوَ إِلَه وَلم تؤكده بِوَاحِد لم يحسن، وخيل أَنَّك تثبت الإلهية انْتهى، ثمَّ فَائِدَة التَّأْكِيد تَحْقِيق مَفْهُوم الْمُؤَكّد بِحَيْثُ لَا يظنّ بِهِ غَيره، وَدفع توهم التَّجَوُّز والسهو وَعدم الشُّمُول إِلَى غير ذَلِك (وَأما الْحُرُوف) الْمُقطعَة فِي أَوَائِل السُّور (فَمن الْمُتَشَابه وأسلفنا فِيهِ) أَي الْمُتَشَابه (خلافًا) فِي (أَن مَعْنَاهُ يعلم أَولا) وَظهر ثمَّة أَنه عِنْد الْجُمْهُور لَا يعلم فِي الدُّنْيَا وَأَنه الْأَوْجه (فاللازم) للمتشابه عِنْدهم (عدم الْعلم بِهِ) أَي بِمَعْنَاهُ (لَا عَدمه) أَي الْمَعْنى (وَقيل مُرَادهم) أَي الحشوية بقَوْلهمْ يشْتَمل على مَالا معنى لَهُ (لَا يُوقف على مَعْنَاهُ) كَمَا هُوَ ظَاهر صَنِيع عبد الْجَبَّار وَأبي الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ من جَوَاز اشْتِمَال الْقُرْآن على مَالا يفهم المكلفون مَعْنَاهُ (فكقول النَّافِي) أَي فَقَوْل الحشوية حِينَئِذٍ كَقَوْلِنَا فِي إِدْرَاك الْمَعْنى (فِي الْمُتَشَابه فَلَا خلاف) بَين الْجُمْهُور وَبينهمْ، وَقَالَ ابْن برهَان: يجوز أَن يشْتَمل على مَالا يفهم
(3/10)

مَعْنَاهُ إِلَّا أَن يتَعَلَّق بِهِ تَكْلِيف وَإِلَّا كَانَ تكليفا بِمَا لَا يُطَاق، وَفِي شرح البديع للشَّيْخ سراج الدّين أَن الْمُخْتَار عِنْد أَكثر الْعلمَاء أَنَّهَا أَسمَاء للسور فلهَا معَان.

مسئلة
(قِرَاءَة السَّبْعَة مَا) كَانَ (من قبيل الْأَدَاء) بِأَن كَانَ هَيْئَة اللَّفْظ يتَحَقَّق بِدُونِهَا وَلَا يخْتَلف خطوط الْمَصَاحِف بِهِ (كالحركات والإدغام) فِي المثلين أَو المتقاربين: وَهُوَ إدراج الأول مِنْهُمَا سَاكِنا فِي الثَّانِي، هَكَذَا ذكره الشَّارِح، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بهيئة اللَّفْظ كَيْفيَّة تحصل من تركيب الْحُرُوف والتقديم وَالتَّأْخِير بَينهَا مَعَ قطع النّظر عَن خصوصيات الحركات والسكنات، وَنَظِير ذَلِك فِي صُورَة الْخط، وَإِلَّا فَلَا شكّ فِي التَّغَيُّر فِيهَا بتبدل الحركات والإدغام (والإشمام) وَهُوَ الْإِشَارَة بالشفتين إِلَى الْحَرَكَة بعيد الإسكان من غير تصويت فيدركه الْبَصِير لَا غير (وَالروم) وَهُوَ إخفاء الصَّوْت بالحركة (والتفخيم والإمالة) وَهُوَ الذّهاب بالفتحة إِلَى الكسرة (وَالْقصر وَتَحْقِيق الْهمزَة وأضدادها) أَي الْمَذْكُورَات من الفك وَعدم الإشمام وَالروم والترقيق وَعدم الإمالة وَالْمدّ وَتَخْفِيف الْهمزَة (لَا يجب تواترها، وخلافه) أَي خلاف مَا كَانَ من قبيل الْأَدَاء (مِمَّا اخْتلف بالحروف كملك) فِي قِرَاءَة من عدا الْكسَائي وعاصما (وَمَالك) فِي قرائتهما (متواتر وَقيل مَشْهُور) أَي آحَاد الأَصْل متواتر الْفُرُوع (وَالتَّقْيِيد) لما هُوَ خلاف مَا كَانَ من قبيل الْأَدَاء مِنْهَا (باستقامة وَجههَا فِي الْعَرَبيَّة) كَمَا فِي شرح البديع (غير مُفِيد لِأَنَّهُ إِن أُرِيد) باستقامة وَجههَا فِي الْعَرَبيَّة (الجادة) وَهِي فِي اللُّغَة مُعظم الطَّرِيق، وفسرها الشَّارِح بالظاهرة فِي التَّرْكِيب، وَالظَّاهِر أَن المُرَاد بِهِ قرآنيتها الْمَشْهُورَة الَّتِي أَكثر الِاسْتِعْمَال عَلَيْهَا (لزم عدم القرآنية فِي قتل أَوْلَادهم شركائهم) بِرَفْع قتل وَنصب أَوْلَادهم وجر شركائهم على أَن قتل مُضَاف إِلَى شركائهم وَفصل بَينهمَا بالمفعول الَّذِي هُوَ أَوْلَادهم، هَذَا يدل على أَنه حمل الحركات على غير الإعرابية وَإِلَّا فَهُوَ من الْقسم الأول (لِابْنِ عَامر) لِأَن الجادة فِي سَعَة الْكَلَام أَنه لَا يفصل بَين الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ بِغَيْر الظّرْف، وَالْجَار وَالْمَجْرُور (أَو) أُرِيد بهَا الاسْتقَامَة وَلَو (بتكلف شذوذ وَخُرُوج عَن الْأُصُول) أَي قوانين الْعَرَبيَّة (فممكن) أَي فَهَذَا التَّكْلِيف متيسر (فِي كل شَيْء) إِذْ لَا يَقع بِهِ الِاحْتِرَاز عَن شَيْء فَلَا فَائِدَة فِي التَّقْيِيد (وَقد نظر فِي التَّفْصِيل) الْمَذْكُور فِي مَحل التَّوَاتُر والناظر الْعَلامَة الشِّيرَازِيّ. وَجه النّظر أَن الْقُرْآن بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ متواتر فَلَا يخص التَّوَاتُر، بِخِلَاف مَا هُوَ من قبيل الْأَدَاء (لِأَن الحركات وَمَا مَعهَا) من الْمَذْكُورَات (أَيْضا قُرْآن) وَالْقُرْآن بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ متواتر، ثمَّ اسْتَزَادَ المُصَنّف فِي النّظر فَقَالَ (وَلَا يخفى أَن الْقصر وَالْمدّ من قبيل
(3/11)

الثَّانِي) أَي خلاف مَا كَانَ من قبيل الْأَدَاء (فَفِي عدهما من) قبيل (الأول) أَي مَا كَانَ من قبيل الْأَدَاء (نظر، وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يجعلا من قبيل الثَّانِي بل من الأول (لزم مثله) وَهُوَ أَن يَجْعَل من الأول (فِي مَالك وَملك) إِذْ لَا يزِيد مَالك عَن ملك إِلَّا بالمدة الَّتِي هِيَ الْألف (لنا) فِي أَن مَا هُوَ من قبيل الثَّانِي متواتر أَنه (قُرْآن فَوَجَبَ تواتره) وَالْقُرْآن كُله متواتر إِجْمَاعًا (قَالُوا) أَي الْقَائِلُونَ بِأَن مَا كَانَ من الْقسم الثَّانِي من قِرَاءَة السَّبْعَة مَشْهُور آحَاد الأَصْل (الْمَنْسُوب إِلَيْهِم) أَي الَّذين نسب إِلَيْهِم قِرَاءَة السَّبْعَة: وهم السَّبْعَة (آحَاد) لأَنهم سَبْعَة نفر والتواتر لَا يحصل بِهَذَا الْعدَد فِيمَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ فضلا عَمَّا اخْتلفُوا فِيهِ (أُجِيب بِأَن نسبتها) أَي القراآت السَّبع إِلَيْهِم (لاختصاصهم) أَي الْقُرَّاء السَّبْعَة (بالتصدي) للاشتغال بهَا وَتَعْلِيمهَا واشتهارهم بذلك (لَا لأَنهم النقلَة) خَاصَّة بِأَن تكون رِوَايَتهَا مَقْصُورَة عَلَيْهِم (بل عدد التَّوَاتُر) كَانَ مَوْجُودا (مَعَهم) فِي كل طبقَة إِلَى أَن يَنْتَهِي إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (وَلِأَن الْمدَار) لحُصُول التَّوَاتُر (الْعلم) أَي حُصُول الْعلم عِنْد الْعدَد (لَا الْعدَد) الْخَاص (وَهُوَ) أَي الْعلم (ثَابت) وَثُبُوت مدَار الشَّيْء مُسْتَلْزم لحصوله.

مسئلة
(بعد اشْتِرَاط الْحَنَفِيَّة الْمُقَارنَة فِي الْمُخَصّص) الأول للعام (لَا يجوز) عِنْدهم (تَخْصِيص الْكتاب بِخَبَر الْوَاحِد) لما كَانَ هَهُنَا مَظَنَّة سُؤال وَهُوَ أَنه كَيفَ يتَصَوَّر هَذَا بعد لُزُوم الْمُقَارنَة، فَإِن خبر الْوَاحِد إِنَّمَا يتَحَقَّق بعد زمَان الشَّارِع ونزول الْكتاب فِي زَمَانه قَالَ (لَو فرض نقل الرَّاوِي) للمخبر الْمَذْكُور (قرَان الشَّارِع) مفعول النَّقْل وإضافته لفظية لِأَن الشَّارِع قَارن وَالْقرَان مُتَعَدٍّ مَفْعُوله (الْمخْرج بالتلاوة) صلَة الْقُرْآن بِأَن يرْوى أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام قرن كلَاما دَالا على خُرُوج بعض أَفْرَاد الْكَلَام بتلاوته حَال كَون ذَلِك الْمخْرج (تقييدا) لإِطْلَاق عُمُوم المتلو (مفَاد الغيرية) أَي حَال كَون ذَلِك الْمخْرج بِحَيْثُ أفيد غيريته للمتلو قُرْآنًا سَوَاء كَانَت هَذِه الإفادة بِلَفْظ أَو بِقَرِينَة، وَتقدم أَن الِاشْتِرَاط الْمَذْكُور قَول أَكثر الْحَنَفِيَّة وَبَعْضهمْ كالشافعية على عدم اشْتِرَاطهَا فِي التَّخْصِيص مُطلقًا، لَكِن لم يعلم بَينهم الْخلاف فِي عدم تَجْوِيز تَخْصِيص الْكتاب بِخَبَر الْوَاحِد، وَفَائِدَة ذكره هَهُنَا بَيَان أَن الْمَنْع لَيْسَ لعدم قُصُور الشَّرْط: أَي الْمُقَارنَة بالغرض الْمَذْكُور (وَكَذَا) لَا يجوز (تَقْيِيد مطلقه) أَي الْكتاب (وَهُوَ) أَي تَقْيِيد مُطلقَة (الْمُسَمّى بِالزِّيَادَةِ على النَّص) بِخَبَر الْوَاحِد (عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة (و) لَا يجوز أَيْضا (حمله) أَي الْكتاب (على الْمجَاز لمعارضته) أَي خبر الْوَاحِد للْكتاب لأجل الْجمع بَينهمَا،
(3/12)

وَهَذَا عِنْد الْقَائِلين من الْحَنَفِيَّة بِأَن الْعلم قَطْعِيّ كالقراءتين ظَاهر (وَكَذَا الْقَائِل بظنية الْعَام مِنْهُم) أَي الْحَنَفِيَّة كَأبي مَنْصُور لَا يجوز ذَلِك عِنْده (على الْأَصَح) كَمَا ذكره صَاحب الْكَشْف وَغَيره (لِأَن الِاحْتِمَال) ثَابت (فِي ثُبُوت) نفس (الْخَبَر) يَعْنِي يحْتَمل أَن لَا يكون ثَابتا فِي نفس الْأَمر (وَالدّلَالَة) أَي ودلالته على المُرَاد مِنْهُ (فَرعه) أَي فرع ثُبُوت الْخَبَر (فاحتماله) أَي احْتِمَال ثُبُوت الْخَبَر احْتِمَال (عدمهَا) أَي الدّلَالَة لِأَنَّهُ على تَقْدِير عدم ثُبُوت الْخَبَر تنعدم الدّلَالَة بالطريقة الأولى (فَزَاد) خبر الْوَاحِد احْتِمَالا على احْتِمَال الْكتاب (بِهِ) أَي بِسَبَب الِاحْتِمَال فِي ثُبُوته. (لنا) فِي أَنه لَا يجوز تَخْصِيص الْكتاب بِخَبَر الْوَاحِد أَن خبر الْوَاحِد (لم يثبت ثُبُوته) أَي مثل ثُبُوت الْكتاب لِأَن ثُبُوته قَطْعِيّ وَثُبُوت خبر الْوَاحِد ظَنِّي (فَلَا يسْقط) خبر الْوَاحِد (حكمه) أَي الْكتاب (عَن تِلْكَ الْأَفْرَاد) الَّتِي يُخرجهَا خبر الْوَاحِد من عُمُوم الْكتاب على تَقْدِير أَن يخصصه (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن كَذَلِك بِأَن يسْقط الْكتاب عَنْهَا (قدم الظني) أَي لزم تَقْدِيم الدَّلِيل الظني (على) الدَّلِيل (الْقَاطِع) وَهُوَ بَاطِل (بِخِلَاف مَا لَو ثَبت) الْخَبَر (تواترا أَو شهرة) فَإِنَّهُ يجوز تَخْصِيص الْكتاب بِهِ (للمقاومة) بَين الْكتاب وَبَينهمَا، أما بَينه وَبَين الْمُتَوَاتر فبالاتفاق، وَأما بَينه وَبَين الْمَشْهُور على رَأْي الْجَصَّاص وَمن وَافقه فَإِنَّهُ يُفِيد علم الْيَقِين فَظَاهر، وَأما على رَأْي ابْن أبان وَمن وَافقه فِي أَنه علم طمأنينة فَلِأَنَّهُ قريب من الْيَقِين، وَالْعَام لَيْسَ بِحَيْثُ يكفر جاحده فَهُوَ قريب من الظَّن، وَقد انْعَقَد الْإِجْمَاع على تَخْصِيص عمومات الْكتاب بالْخبر الْمَشْهُور كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " لَا يَرث الْقَاتِل شَيْئا " وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " لَا تنْكح الْمَرْأَة على عَمَّتهَا وَلَا خَالَتهَا " وَغير ذَلِك (فَثَبت) كل من الْخَبَر الْمُتَوَاتر وَالْمَشْهُور (تَخْصِيصًا وَزِيَادَة) أَي من حَيْثُ التَّخْصِيص بِعُمُوم الْكتاب وَمن حَيْثُ الزِّيَادَة على مطلقه حَال كَونه (مُقَارنًا) لَهُ إِذا كَانَ هُوَ الْمُخَصّص الأول (و) ثَبت كل مِنْهُمَا (نسخا) أَي من حَيْثُ الناسخية حَال كَونه (متراخيا) عَمَّا يُعَارضهُ (وَعنهُ) أَي اشْتِرَاط الْمُقَارنَة فِي الْمُخَصّص (حكمُوا بِأَن تَقْيِيد الْبَقَرَة) فِي قَوْله تَعَالَى - {اذبحوا بقرة} - بالمقيدات الْمَذْكُورَة فِي الْأَجْوِبَة عَن أسئلتهم (نسخ) لإطلاقها لتأخر المقيدات عَن طلب ذبح مُطلقهَا، فنسخ حكم بقرات غير مَوْصُوفَة بِتِلْكَ الْقُيُود: وَهُوَ الْأَجْزَاء عَمَّا هُوَ الْوَاجِب (كالآيات الْمُتَقَدّمَة فِي بحث التَّخْصِيص) {كأولات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ} بِالنِّسْبَةِ إِلَى - {وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا} - الْآيَة - وَالْمُحصنَات من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ} - بِالنِّسْبَةِ إِلَى - {وَلَا تنْكِحُوا المشركات} - (وَعَن لُزُوم الزِّيَادَة بالآحاد) أَي كأخبار الأحاد (منعُوا) أَي الْحَنَفِيَّة (إِلْحَاق الْفَاتِحَة وَالتَّعْدِيل) للأركان (وَالطَّهَارَة) من الْحَدث والخبث (بنصوص الْقِرَاءَة)
(3/13)

أَي قَوْله تَعَالَى: {فاقرءوا مَا تيَسّر من الْقُرْآن} - (والأركان) أَي ارْكَعُوا واسجدوا (وَالطّواف) أَي وليطوفوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق حَال كَون الملحقات (فَرَائض) لما ألحقت بهَا بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ لَا صَلَاة لمن لم يقْرَأ الْفَاتِحَة، وَأَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دخل الْمَسْجِد فَدخل رجل فصلى ثمَّ جَاءَ فَسلم على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: " ارْجع فصل فَإنَّك لم تصل فساقه إِلَى أَن قَالَ فَقَالَ: وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ نَبيا مَا أحسن غير هَذَا فعلمني فَقَالَ:
إِذا قُمْت إِلَى الصَّلَاة فَكبر ثمَّ اقْرَأ مَا تيَسّر مَعَك من الْقُرْآن ثمَّ اركع حَتَّى تطمئِن رَاكِعا من ارْفَعْ حَتَّى تطمئِن قَائِما ثمَّ اسجد حَتَّى تطمئِن سَاجِدا ثمَّ اجْلِسْ حَتَّى تطمئِن جَالِسا ثمَّ افْعَل ذَلِك فِي صَلَاتك كلهَا " وَبِمَا روى ابْن حبَان وَالْحَاكِم عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
" الطوف بِالْبَيْتِ صَلَاة إِلَّا أَن الله قد أحل فِيهِ الْمنطق فَمن نطق فَلَا ينْطق إِلَّا بِخَير (بل) ألحقوها حَال كَونهَا (وَاجِبَات) للصَّلَاة وَالطّواف مكملات لَهما لَا يحكم ببطلانهما بِدُونِهَا (إِذْ لم يرد) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى (بِمَا تيَسّر) من الْقُرْآن (الْعُمُوم الاستغراقي) وَهُوَ جَمِيع مَا تيَسّر (بل) المُرَاد (هُوَ) أَي مَا تيَسّر (من أَي مَكَان) تيَسّر من الْقُرْآن سَوَاء كَانَ (فَاتِحَة أَو غَيرهَا) فَلَو قيل لَا يحوز بِدُونِ الْفَاتِحَة وَالتَّعْدِيل وَالطَّهَارَة الصَّلَاة وَالطّواف بِهَذِهِ الْأَخْبَار لَكَانَ نسخا لهَذِهِ الاطلاقات بهَا وَهُوَ لَا يجوز لما عرفت، ثمَّ كَون التَّعْدِيل وَاجِبا قَول الْكَرْخِي وَقَالَ الْجِرْجَانِيّ سنة (وَتَركه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم المسئ) صلَاته بعد أول رَكْعَة حَتَّى أتم (يرجح تَرْجِيح الْجِرْجَانِيّ الاستنان) إِذْ يبعد تَقْرِيره على مَكْرُوه تَحْرِيمًا، وَقَالَ فِي شرح اهداية الأول أولى، لِأَن الْمجَاز حِينَئِذٍ يكون أقرب إِلَى الْحَقِيقَة فَإِنَّهَا فِي الصِّحَّة، وَالْمَكْرُوه التحريمي أقرب إِلَيْهَا من التنزيهي، وللمواظبة، وَقد سُئِلَ مُحَمَّد عَن تَركهَا فَقَالَ: إِنِّي أَخَاف أَن لَا يجوز، وَفِي الْبَدَائِع عَن أبي حنيفَة مثله، ثمَّ شبه منع إلحاقهم المكملات الْمَذْكُورَة لضعف دَلِيله بِمَنْع إلحاقهم الْمَذْكُورَات بعد قَوْله (كَقَوْلِهِم) أَي الْحَنَفِيَّة (فِي تَرْتِيب الْوضُوء وولائه وَنِيَّته) أَنَّهَا سنة (لضعف دلَالَة مقيدها) لما عرف فِي مَحَله (بِخِلَاف وجوب الْفَاتِحَة) إِذْ (نفي الْكَمَال) أَي إِرَادَته (فِي خَبَرهَا) أَي الْفَاتِحَة: وَهُوَ الحَدِيث الْمَذْكُور (بعيد عَن معنى اللَّفْظ) لِأَن مُتَعَلق الْجَار وَالْمَجْرُور الْوَاقِع خَبرا إِنَّمَا هُوَ الثُّبُوت والكون الْعَام، وَالْمعْنَى لَا صَلَاة كائنة وَعدم الكينونة شرعا هُوَ عدم الصِّحَّة وَبَين عدم الصِّحَّة وَعدم الْكَمَال بون بعيد، فمدلوله عدم الصِّحَّة غير أَنه لما كَانَ خبر الْآحَاد نزل عَن دَرَجَة الْقطع إِلَى دَرَجَة الظَّن صَارَت وَاجِبَة (وبظني الثُّبُوت وَالدّلَالَة) كأخبار الْآحَاد الَّتِي مدلولاتها ظنية يثبت (النّدب وَالْإِبَاحَة وَالْوُجُوب) يثبت (بقطعيها) أَي الدّلَالَة (مَعَ ظنية الثُّبُوت) كأخبار الْآحَاد الَّتِي مفهوماتها قَطْعِيَّة (وَقَلبه) أَي وبظنيها مَعَ قَطْعِيَّة الثُّبُوت: كالآيات المؤولة (وَالْفَرْض) يثبت (بقطعيهما) أَي الثُّبُوت وَالدّلَالَة
(3/14)

كالنصوص المفسرة والمحكمة وَالسّنة المتواترة الَّتِي مفهوماتها قَطْعِيَّة (وَيشكل) على أَن بظنيتهما يثبت النّدب وَالسّنة (استدلالهم) أَي الْحَنَفِيَّة لوُجُوب الطَّهَارَة فِي الطّواف كَمَا هُوَ الْأَصَح عِنْدهم (بِالطّوافِ) مَرْفُوع على الْحِكَايَة: أَي بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الطّواف (بِالْبَيْتِ صَلَاة لصدق التَّشْبِيه) أَي تَشْبِيه الطّواف بِالصَّلَاةِ (بالثواب) أَي بِاعْتِبَارِهِ بِأَن يكون وَجه الشّبَه هُوَ الثَّوَاب، قَوْله لصدق التَّشْبِيه يَعْنِي لَو حمل الْكَلَام على الْحَقِيقَة لزم عدم الصدْق وَلَو حمل على التَّشْبِيه صدق فَيتَعَيَّن التَّشْبِيه والتشبيه ثَابت بِمُجَرَّد اشتراكهما فِي الثَّوَاب وَلَا يلْزم من صدقه اشتراكهما فِي جَمِيع الْأَحْكَام كَمَا يَقْتَضِيهِ ظَاهر الِاسْتِثْنَاء الْمَذْكُور بعده كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وَقَوله) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعد قَوْله " الطّواف بِالْبَيْتِ صَلَاة " (إِلَّا أَن الله أَبَاحَ فِيهِ الْمنطق): أَي النُّطْق (لَيْسَ) مَحْمُولا (على ظَاهره) وَهُوَ كَون الِاسْتِثْنَاء مُتَّصِلا وَأَن الْمَعْنى الطّواف كَالصَّلَاةِ فِي جَمِيع الْأَحْكَام، إِلَّا أَن الله تَعَالَى أَبَاحَ فِيهِ الْمنطق ليَكُون (مُوجبا مَا سواهُ) أَي النُّطْق (من أَحْكَام الصَّلَاة فِي الطّواف) حَتَّى يدْخل فِيهِ وجوب الطَّهَارَة، وَوجه الْإِشْكَال أَن الحَدِيث ظَنِّي لكَونه خبر آحَاد ودلالته على اشْتِرَاط الطَّهَارَة فِي الطّواف أَيْضا ظَنِّي بل ضَعِيف (لجَوَاز نَحْو الشّرْب) فِيهِ تَعْلِيل لكَونه غير مَحْمُول على الظَّاهِر، فَالظَّاهِر أَنه كَمَا لَا يشْتَرط فِيهِ ترك نَحْو الشّرْب لَا يشْتَرط فِيهِ الْوضُوء، وَكَذَا قَالَ ابْن شُجَاع: هِيَ سنة (فَالْوَجْه) الِاسْتِدْلَال لَهُ (بِحَدِيث عَائِشَة حِين حَاضَت مُحرمَة) فَقَالَ لَهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
" اقضي مَا يقْضِي الْحَاج غير أَن لَا تطوفي بِالْبَيْتِ " مُتَّفق عَلَيْهِ رتب منع الطّواف على انْتِفَاء الطَّهَارَة (وَادعوا) أَي الْحَنَفِيَّة (للْعَمَل بالخاص لفظ جَزَاء) فِي قَوْله تَعَالَى - {وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا جَزَاء بِمَا كسبا} - وَقَوله لفظ جَزَاء عطف بَيَان للخاص، ومفعول ادعوا (انْتِفَاء عصمَة الْمَسْرُوق حَقًا للْعَبد) أَي انْتَفَى عصمته من حَيْثُ أَنه حق للْعَبد (لاستخلاصها) أَي عصمته حَقًا لله تَعَالَى (عِنْد الْقطع) لما يَأْتِي قَرِيبا (فَإِن قطع) السَّارِق (تقرر) خلوصها لله تَعَالَى قبيل فعل السّرقَة الْقبلية الَّتِي علم الله تَعَالَى أَنَّهَا تتصل بهَا السّرقَة كَانَ الْقطع مُبينًا لنا ذَلِك (فَلَا يضمن) الْمَسْرُوق (باستهلاكه لِأَنَّهُ) أَي الْجَزَاء الْمُطلق (فِي الْعُقُوبَات) يكون (على حَقه تَعَالَى خَالِصا بالاستقراء) لِأَنَّهُ الْمجَازِي على الْإِطْلَاق، وَلذَا سميت الْآخِرَة دَار الْجَزَاء، وَلَا تراعى فِيهِ الْمُمَاثلَة كَمَا روعيت فِي حق العَبْد مَالا كَانَ أَو عُقُوبَة وَلَا يَسْتَوْفِيه إِلَّا حَاكم الشَّرْع وَلَا يسْقط بِعَفْو الْمَالِك، وَإِذا كَانَ حَقه تَعَالَى كَانَت الْجِنَايَة وَاقعَة على حَقه فَيسْتَحق العَبْد جَزَاء من الله تَعَالَى فِي مُقَابلَة مَا فَاتَ من مَاله وَمن ضَرُورَة تحول الْعِصْمَة الَّتِي هِيَ مَحل الْجِنَايَة من العَبْد إِلَى الله تَعَالَى عِنْد فعل السّرقَة حَتَّى تقع جِنَايَة فِي حَقه تَعَالَى أَن يصير المَال فِي حق العَبْد مُلْحقًا بِمَا لَا قيمَة لَهُ كعصير الْمُسلم إِذا تخمر
(3/15)

فَإِنَّهُ لَا يضمن من سَرقه، وَقد استوفى بِالْقطعِ مَا وَجب بالهتك فَلم يجب عَلَيْهِ شَيْء آخر، وروى الْحسن عَنهُ أَنه يجب الضَّمَان، لِأَن الِاسْتِهْلَاك فعل آخر غير السّرقَة وَأجِيب بِأَنَّهُ وَإِن كَانَ فعلا آخر فَهُوَ اتمام الْمَقْصُود بهَا، وَهُوَ الِانْتِفَاع بالمسروق فَكَانَ معدودا مِنْهَا، وَأَيْضًا الْمَسْرُوق سَاقِط الْعِصْمَة لما قُلْنَا وَمَا يُؤْخَذ من السَّارِق غير ساقطها فَلَا مماثلة، وَالضَّمان يعْتَمد عَلَيْهَا بِالنَّصِّ، ثمَّ هَذَا فِي الْقَضَاء، وَأما ديانَة فَفِي الْإِيضَاح قَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يحل للسارق الِانْتِفَاع بِهِ بِوَجْه من الْوُجُوه وَفِي الْمَبْسُوط عِنْد مُحَمَّد يُفْتى بِالضَّمَانِ للحوق الخسران للْمَالِك من جِهَة السَّارِق. قَالَ أَبُو اللَّيْث، وَهَذَا القَوْل أحسن (وَلَا يخفى أَنه) أَي لفظ جَزَاء (حِينَئِذٍ) أَي حِين يكون خَاصّا بالعقوبة على الْجِنَايَة على حَقه تَعَالَى إِنَّمَا هُوَ (بعادة الِاسْتِعْمَال، وَالْخَاص) إِنَّمَا يكون (بِالْوَضْعِ) لَا بعادة الِاسْتِعْمَال. ثمَّ عطف على قَوْله لاستخلاصها قَوْله (أَو لِأَنَّهُ) أَي الْجَزَاء (الْكَافِي فَلَو وَجب) الضَّمَان مَعَ الْقطع (لم يكف) الْقطع، وَالْفَرْض أَنه كَاف (وَفِيه نظر، إِذْ لَيْسَ الْكَافِي جَزَاء الْمصدر الْمَمْدُود بل) الْكَافِي (المجزئ من الْأَجْزَاء أَو الجازئ من الْجُزْء وَهُوَ الْكِفَايَة) كَمَا هُوَ الْمَذْكُور فِي كتب اللُّغَة الْمَشْهُورَة (فَهُوَ) أَي سُقُوط الضَّمَان عَن السَّارِق بعد الْقطع (بالمروى) عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ على مَا ذكره الْمَشَايِخ (لَا غرم على السَّارِق بعد مَا قطعت يَمِينه على مَا فِيهِ) من أَنه لَا يعرف بِهَذَا اللَّفْظ، وَأقرب لفظ إِلَيْهِ لفظ الدَّارَقُطْنِيّ " لَا غرم على السَّارِق بعد قطع يَمِينه " ثمَّ أَن رَاوِيه الْمسور بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن جده مَقْبُول، فإرساله غير قَادِح (وَالْحق أَنه) أَي عدم وجوب الضَّمَان مَعَ الْقطع (لَيْسَ من الزِّيَادَة) بِخَبَر الْوَاحِد على النَّص الْمُطلق الَّذِي هُوَ الْقطع (لِأَن الْقطع لَا يصدق على نفي الضَّمَان وإثباته فيكونا) أَي نفي الضَّمَان وإثباته (من مَا صدقَات الْمُطلق) يَعْنِي لَو كَانَ الْقطع كالطواف الصَّادِق على طواف لَا طَهَارَة فِيهِ وَطواف فِيهِ طَهَارَة صَادِقا على نفي الضَّمَان وإثباته بِحَيْثُ يكونَانِ فردين لَهُ لَكَانَ يلْزم الزِّيَادَة بالْخبر الْمَذْكُور، لكنه لَيْسَ كَذَلِك (بل هُوَ) أَي نفي الضَّمَان (حكم آخر) غير مندرج تَحت الْقطع (أثبت بِتِلْكَ الدّلَالَة) الاستقرائية لجزاء (أَو بِالْحَدِيثِ) الْمَذْكُور، وَقد يُقَال وَكَذَلِكَ اشْتِرَاط الطَّهَارَة حكم آخر لَا يصدق عَلَيْهِ الطّواف فَإِن قلت مَا صدق عَلَيْهِ الطّواف إِنَّمَا هُوَ طواف لَيْسَ فِيهِ طَهَارَة قُلْنَا كَذَلِك هَهُنَا مَا صدق عَلَيْهِ الْقطع إِنَّمَا هُوَ قطع لَا تضمين فِيهِ، فَكَمَا أَن مُوجب إِطْلَاق الطّواف حُصُول الِامْتِثَال بإيقاع طواف بِلَا طَهَارَة وَمُوجب الْخَبَر عدم حُصُوله فبينهما تدافع، كَذَلِك مُوجب إِطْلَاق الْقطع حُصُول الِامْتِثَال بِقطع مَعَه ضَمَان وَمُوجب الْخَبَر عدم حُصُوله. فَالْجَوَاب أَنا لَا نسلم عدم حُصُول الِامْتِثَال بِالْقطعِ مَعَ التَّضْمِين بِمُوجب الْخَبَر الْمَذْكُور لِأَن الِامْتِثَال لأمر فَاقْطَعُوا يحصل بِالْقطعِ على أَي وَجه كَانَ، غَايَة الْأَمر أَنه لَا يحصل الِامْتِثَال.
(3/16)

للنَّهْي عَن تغريم السَّارِق، بِخِلَاف الحَدِيث الدَّال على اشْتِرَاط الطَّهَارَة فِي الطّواف فَإِن مُقْتَضَاهُ عدم حُصُول الِامْتِثَال لأمر - وليطوفوا - بِلَا طَهَارَة، وَهُوَ مُبين للمراد من الطّواف الْمَأْمُور بِهِ فَافْهَم (بِخِلَاف قَوْلهم) أَي الْحَنَفِيَّة (وَجب لَهُ) أَي لأجل الْعَمَل بالخاص (مهر الْمثل بِالْعقدِ فِي المفوضة) بِكَسْر الْوَاو الْمُشَدّدَة، من زوجت نَفسهَا أَو زَوجهَا غَيرهَا بِإِذْنِهَا بِلَا تَسْمِيَة مهر، أَو على أَن لَا مهر لَهَا، ويروى بِفَتْحِهَا وَهِي من زَوجهَا وَليهَا بِلَا مهر بِغَيْر إِذْنهَا (فَيُؤْخَذ) مهر الْمثل (بعد الْمَوْت بِلَا دُخُول عملا بِالْبَاء) الَّذِي هُوَ لفظ خَاص فِي الإلصاق حَقِيقَة فِي قَوْله تَعَالَى - {أَن تَبْتَغُوا بأموالكم} - (لإلصاقها) أَي الْبَاء (الابتغاء وَهُوَ العقد) الصَّحِيح (بِالْمَالِ، وَحَدِيث بروع) وَهُوَ مَا عَن ابْن مَسْعُود فِي رجل تزوج امْرَأَة فَمَاتَ عَنْهَا وَلم يدْخل بهَا وَلم يفْرض لَهَا الصَدَاق. قَالَ لَهَا الصَدَاق كَامِلا، وَعَلَيْهَا الْعدة، وَلها الْمِيرَاث، فَقَالَ معقل بن سِنَان: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُفْتِي بِهِ بروع بنت واشق: أخرجه أَصْحَاب السّنَن وَاللَّفْظ لأبي دَاوُد، وَالْمرَاد صدَاق مثلهَا كَمَا صرح بِهِ فِي رِوَايَة لَهُ وَلغيره، وَسَيَأْتِي فِي الْكَلَام فِي جَهَالَة الرَّاوِي. فِي التَّلْوِيح بروع بِفَتْح الْبَاء وَأَصْحَاب الحَدِيث يكسرونها. وَفِي الْغَايَة بِكَسْر الْبَاء وَفتحهَا وَالْكَسْر أشهر، وَفِي الْمغرب بِفَتْح الْبَاء وَالْكَسْر خطأ (مؤيد) لِمَعْنى الْبَاء على صِيغَة الْفَاعِل، وَكَذَلِكَ فِي قَوْله (فَإِنَّهُ) أَي الحَدِيث الْمَذْكُور (مُقَرر لَهُ). قَوْله بِخِلَاف قَوْلهم إِلَى آخِره مربوط بقوله أَو بِالْحَدِيثِ مَعَ مَا قبله، فَإِن مدَار نفي الضَّمَان هُنَاكَ على ذَلِك الحَدِيث، لَا على الْعَمَل بالخاص، وَهَهُنَا وجوب الْمهْر بِالْعَمَلِ بِهِ، والْحَدِيث مُقَرر لَهُ (بِخِلَاف ادِّعَاء تَقْرِير أَقَله) أَي الْمهْر (شرعا) أَي فِي الشَّرْع، أَو تَقْديرا شَرْعِيًّا (عملا بقوله تَعَالَى قد علمنَا مَا فَرضنَا) عَلَيْهِم فِي أَزوَاجهم، لِأَن الْفَرْض لفظ خَاص وضع لِمَعْنى خَاص، وَهُوَ التَّقْدِير، وَالضَّمِير الْمُتَّصِل بِهِ لفظ خَاص يُرَاد بِهِ ذَات الْمُتَكَلّم، فَدلَّ على أَن الشَّارِع قدره إِلَّا أَنه فِي تعْيين الْمِقْدَار مُجمل (فالتحق) قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لَا مهر أقل من عشرَة) رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَابْن أبي حَاتِم وَسَنَد ابْن أبي حَاتِم حسن (بيانابه) فَصَارَت عشرَة دَرَاهِم من الْفضة تَقْديرا لَازِما، لِأَنَّهُ الْمُتَيَقن (إِذْ يدْفع) كَون المُرَاد من الْآيَة، هَذَا تَعْلِيل لما يفهم من قَوْله بِخِلَاف إِلَى آخِره مُتَعَلق بقوله مُقَرر: أَي لَا يُقرر ادِّعَاء تَقْدِير الْأَقَل حَدِيث لَا مهر إِلَى آخِره: إِذْ كَونه مقررا لَهُ فرع كَون الْفَرْض بِمَعْنى التَّقْدِير وَهُوَ غير مُسلم (بِجَوَاز كَونه) أَي الْمَفْرُوض الْمَدْلُول عَلَيْهِ بِمَا فَرضنَا (النَّفَقَة وَالْكِسْوَة وَالْمهْر بِلَا كمية خَاصَّة فِيهِ) أَي فِي الْمهْر (لَا تنقص) تِلْكَ الكمية (شرعا). قَوْله لَا تنقص صفة كمية (كَمَا فيهمَا) أَي كالمفروض فِي النَّفَقَة وَالْكِسْوَة فِي عدم الكمية الْخَاصَّة (وَتعلق
(3/17)

الْعلم) بالمفروض فِي قَوْله - {قد علمنَا مَا فَرضنَا} -. (لَا يستلزمه) أَي التَّعْيِين فِي الْمَفْرُوض (لتَعَلُّقه) أَي الْعلم (بضده) وَهُوَ غير الْمعِين أَيْضا (وَأما قصر المُرَاد) بالمفروض (عَلَيْهِمَا) أَي النَّفَقَة وَالْكِسْوَة (لعطف مَا ملكت أَيْمَانهم) على أَزوَاجهم فِي قَوْله تَعَالَى - {قد علمنَا مَا فَرضنَا عَلَيْهِم فِي أَزوَاجهم وَمَا ملكت أَيْمَانهم} - للْعلم بِعَدَمِ مُشَاركَة المملوكات فِي الْمهْر، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَلَا مهر لَهُنَّ) على ساداتهن (فَغير لَازم) لجَوَاز أَن يكون الْمَفْرُوض بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأزْوَاج الْأُمُور الثَّلَاثَة، وبالنسبة إِلَى الْإِمَاء الْأَوَّلين (فَإِنَّمَا هُوَ) أَي تَقْدِير الْمهْر شرعا ثَابت (بالْخبر) الْمَذْكُور حَال كَونه (مُقَيّدا لإِطْلَاق المَال فِي أَن تَبْتَغُوا) بأموالكم، لَا بِالْعَمَلِ الْخَاص الَّذِي هُوَ لفظ فَرضنَا، غير أَنه يلْزم حِينَئِذٍ الزِّيَادَة على الْكتاب بِخَبَر الْوَاحِد كَمَا ذكره المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة (وَكَذَا ادِّعَاء وُقُوع الطَّلَاق فِي عدَّة الْبَائِن للْعَمَل بِهِ) أَي بالخاص (وَهُوَ الْفَاء لإفادتها) أَي الْفَاء (تعقيب) الطَّلَاق فِي قَوْله تَعَالَى (فَإِن طَلقهَا الافتداء) غير مُسلم (بل) هِيَ (لتعقيب) مَدْخُول الطلقتين المدلولتين بقوله (الطَّلَاق مَرَّتَانِ لِأَنَّهَا) أَي آيَة فَإِن طَلقهَا (بَيَان الثَّالِثَة: أَي الطَّلَاق مَرَّتَانِ فَإِن طَلقهَا) بعد ذَلِك طَلْقَة (ثَالِثَة فَلَا تحل حَتَّى تنْكح، وَاعْترض) بَينهمَا إِفَادَة (جَوَازه) أَي الطَّلَاق مُطلقًا (بِمَال). ثمَّ بَين الْإِطْلَاق بقوله (أولى) أَي طَلْقَة أولى (كَانَت أَو ثَانِيَة أَو ثَالِثَة) دلَالَة على أَن الطَّلَاق يَقع مجَّانا تَارَة، وبعوض أُخْرَى (وَلذَا) أَي لأجل أَن الْفَاء لتعقيب مَا بعْدهَا لما ذكر لَا للافتداء (لم يلْزم فِي شَرْعِيَّة الثَّالِثَة تقدم خلع) يرد عَلَيْهِ أَنه يدل على أَنه لَو أفادت تعقيب الثَّالِثَة للافتداء للَزِمَ مشروعيته تقدم الْخلْع وَفِيه نظر، لِأَنَّهَا لَا تفِيد حِينَئِذٍ إِلَّا مَشْرُوعِيَّة الثَّالِثَة بعد الْخلْع، وَأما الْحصْر فَلَا تفيده: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يَدعِي عدم دَلِيل آخر على مشروعيتها بِدُونِ تقدم الْخلْع، وإثباته مُشكل (وَأما إِيرَاد أثبتم التَّحْلِيل) للزَّوْج الثَّانِي (بلعن الْمُحَلّل) فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " لعن الله الْمُحَلّل والمحلل لَهُ ": رَوَاهُ ابْن مَاجَه، فَإِن الْمُحَلّل من يثبت الْحل كالمحرم من يثبت الْحُرْمَة (أَو بقوله) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لزوجة رِفَاعَة الْقرظِيّ لما أَتَتْهُ فَقَالَت: كنت عِنْد رِفَاعَة الْقرظِيّ فطلقني، فَأَبت طَلَاقي، فَتزوّجت عبد الرَّحْمَن بن الزبير، وَإِن مَا مَعَه مثل هدبة الثَّوْب (أَتُرِيدِينَ) أَن تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَة (لَا، حَتَّى تَذُوقِي) عُسَيْلَته وَيَذُوق عُسَيْلَتك، رَوَاهُ الْجَمَاعَة إِلَّا أَبَا دَاوُد (زِيَادَة على الْخَاص لفظ حَتَّى فِي حَتَّى تنْكح) زوجا غَيره لِأَنَّهُ وضع لِمَعْنى خَاص وَهُوَ الْغَايَة، فنكاح الثَّانِي غَايَة للْحُرْمَة الثَّابِتَة بِالثلَاثِ لَا غير، فَلَا يثبت الْحل الْجَدِيد بِهِ، فإثباته بِأحد الْخَبَرَيْنِ زِيَادَة على الْخَاص مبطلة لَهُ، وَهَذَا الْإِيرَاد من فَخر الْإِسْلَام وَغَيره من قبل مُحَمَّد وَزفر وَالْأَئِمَّة الثَّلَاثَة فِي مسئلة الْهدم: وَهِي الْمُطلقَة وَاحِدَة أَو ثِنْتَيْنِ إِذا انْقَضتْ
(3/18)

عدتهَا وَتَزَوَّجت بآخر وَدخل بهَا ثمَّ طَلقهَا ثمَّ رجعت إِلَى الأول حَيْثُ قَالُوا: ترجع إِلَيْهِ بِمَا بَقِي من طَلاقهَا، وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف قَالَا: ترجع إِلَيْهِ بِثَلَاث قِيَاسا على الْمُطلقَة الثَّلَاث عملا بِكُل من الْخَبَرَيْنِ (فَلَا وَجه لَهُ إِذْ لَيْسَ عدم تَحْلِيله) أَي الزَّوْج الثَّانِي الزَّوْجَة للْأولِ (و) عدم (الْعود) أَي عودهَا (إِلَى الْحَالة الأولى) وَهِي ملك الأول الثَّلَاث عَلَيْهَا (من مَا صدقَات مدلولها) أَي حَتَّى فِي الْآيَة (ليلزم إِبْطَاله) أَي مدلولها (بِالْخَيرِ) فَهُوَ: أَي إِثْبَات التَّحْلِيل بِالثَّانِي (إِثْبَات مسكوت الْكتاب بالْخبر، أَو بِمَفْهُوم حَتَّى على أَنه) أَي مفهومها: يَعْنِي الْعَمَل بِهِ (اتِّفَاق) أَي مُتَّفق عَلَيْهِ، أما عِنْد غير الْحَنَفِيَّة فَظَاهر، وَأما عِنْدهم فَلِأَنَّهُ من قبيل الْإِشَارَة على مَا ذكر فِي البديع وَغَيره (أَو بِالْأَصْلِ) الْكَائِن فِيهَا قبل ذَلِك (وعَلى تَقْدِيره) أَي كَونه إِثْبَات مسكوت الْكتاب بِأحد هَذِه الْمَذْكُورَات (يرد) أَن يُقَال (الْعود) إِلَى الْحَالة الأولى (والتحليل إِنَّمَا جعل) كل مِنْهُمَا (فِي حرمتهَا بِالثلَاثِ وَلَا حُرْمَة قبلهَا) أَي لَا يتَحَقَّق حُرْمَة الثَّلَاث قبل الثَّلَاث (فَلَا يتصوران) أَي الْعود والتحليل، إِذْ لم تحرم فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة تِلْكَ الْحُرْمَة حَتَّى تعود، فَلَو أثبت حل بِهَذَا التَّزْوِيج كَانَ تحصيلا للحاصل (فَلَا يحصل مقصودهما) أَي أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف، وَهُوَ (هدم الزَّوْج) الثَّانِي (مَا دون الثَّلَاث خلافًا لمُحَمد). (وَلَا يخفى تضاؤل) أَي تصاغر (أَنه) أَي مَا دون الثَّلَاث (أولى بِهِ) أَي بِالْحلِّ الْجَدِيد من الثَّلَاث (أَو) أَنه ثَابت (بِالْقِيَاسِ) عَلَيْهَا، أما الأول فَلِأَنَّهُ لما أثبت الزَّوْج الثَّانِي حلا جَدِيدا فَلحقه الطلقات الثَّلَاث فِي الأغلظ كَانَ أَن يُثبتهُ فِي الأخف أولى، وَأما الثَّانِي فيجامع أَنه نِكَاح زوج ثَان بالغاء كَونه فِي حُرْمَة غَلِيظَة، ثمَّ أَن التضاؤل إِنَّمَا هُوَ بِسَبَب أَن مورد النَّص الدَّال على تَحْلِيل الزَّوْج الثَّانِي بِزَوْج كَائِن بعد اسْتِيفَاء الطلقات، وَلَا دَلِيل على إِلْغَاء هَذِه الخصوصية فَلَا مجَال للْقِيَاس فضلا عَن الْإِثْبَات بِالطَّرِيقِ الأولى، يُؤَيّد أَنه هُنَاكَ احتجنا إِلَى إِثْبَات حل جَدِيد وترتب عَلَيْهِ أَن يملك الثَّلَاث، وَهَهُنَا لَا يحْتَاج إِلَى ذَلِك لِأَنَّهُ حَاصِل كَمَا مر، وَلذَلِك (فَالْحق هدم الْهدم) الْمَبْنِيّ على الْوَجْهَيْنِ الضعيفين.

الْبَاب الثَّالِث
(السّنة) فِي اللُّغَة (الطَّرِيقَة الْمُعْتَادَة) حَسَنَة كَانَت أَو سَيِّئَة، فِي الحَدِيث " من سنّ فِي الْإِسْلَام سنة حَسَنَة فَلهُ أجرهَا وأجرمن عمل بهَا إِلَى أَن قَالَ: وَمن سنّ سنة سَيِّئَة كَانَ عَلَيْهِ وزرها ووزر من عمل بهَا ". (وَفِي) اصْطِلَاح (الْأُصُول قَوْله) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (وَفعله وَتَقْرِيره) مِمَّا
(3/19)

لَيْسَ من الْأُمُور الطبيعية، لم يذكر هَذَا الْقَيْد للْعلم بِأَنَّهَا من الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة، والأمور الْمَذْكُورَة لَيست مِنْهَا (وَفِي فقه الْحَنَفِيَّة: مَا واظب) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (على فعله مَعَ ترك مَا بِلَا عذر) لم يقل مَعَ تَركه أَحْيَانًا كَمَا هُوَ الْمَشْهُور عِنْدهم لدلَالَة الْمُوَاظبَة على ندرة التّرْك، وَذكر بِلَا عذر لِأَن التّرْك مَعَ الْعذر مُتَحَقق فِي الْوَاجِب أَيْضا (ليلزم كَونه) أَي الْمَفْعُول المواظب عَلَيْهِ (بِلَا وجوب) لَهُ. قَوْله ليلزم مُتَعَلق بترك مَا الخ (وَمَا لم يواظبه) أَي فعله بِحَذْف على وَقد قصد بِهِ الْقرْبَة (مَنْدُوب ومستحب، وَإِن لم يَفْعَله بعد مَا رغب فِيهِ). قَوْله وَأَن وصلية (وَعَادَة غَيرهم) أَي الْحَنَفِيَّة (ذكر مسئلة الْعِصْمَة) حَال كَونهَا (مُقَدّمَة كلامية) إِذْ لَيست من مسَائِل الْأُصُول بل من الْكَلَام، من جملَة مَا يتَوَقَّف عَلَيْهَا الْأُصُول (لتوقف حجية مَا قَامَ بِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) من القَوْل وَالْفِعْل والتقرير (عَلَيْهَا) أَي الْعِصْمَة: إِذْ بثبوتها يثبت حَقِيقَة (وَهِي) أَي الْعِصْمَة (عدم قدرَة الْمعْصِيَة) فعلى هَذَا مفهومها عدمي، وَقيل وجودي، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (أَو خلق مَانع) من الْمعْصِيَة (غير ملجئ) إِلَى تَركهَا، وَإِلَّا يلْزم الِاضْطِرَار الْمنَافِي للابتلاء وَالِاخْتِيَار (ومدركها) أَي الْعِصْمَة عِنْد الْمُحَقِّقين من الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيّ وَالْقَاضِي أبي بكر (السّمع، وَعند الْمُعْتَزلَة) السّمع و (الْعقل أَيْضا). ثمَّ اخْتلف فِي تفصيلها (الْحق أَن لَا يمْتَنع قبل الْبعْثَة كَبِيرَة وَلَو) كَانَت (كفرا عقلا) أَي امتناعا عقليا كَمَا هُوَ قَول القَاضِي وَأكْثر الْمُحَقِّقين (خلافًا لَهُم) أَي أَي الْمُعْتَزلَة (ومنعت الشِّيعَة الصَّغِيرَة أَيْضا) أَي وُقُوعهَا وجوازها. (وَأما الْوَاقِع) فِي نفس الْأَمر (فالمتوارث) أَي الْخَبَر المتوارث (أَنه لم يبْعَث نَبِي قطّ أشرك بِاللَّه طرفَة عين، وَلَا من نَشأ فحاشا) أَي متكلما بِمَا يستقبح ذكره عِنْد أهل الْمُرُوءَة فضلا عَن أَن يَفْعَله (سَفِيها) فِي أُمُور الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَهُوَ ضد الرشد (لنا) فِي عدم امْتنَاع مَا ذكر عقلا (لَا مَانع فِي) نظر (الْعقل من) حُصُول (الْكَمَال) التَّام (بعد النَّقْص) التَّام (و) بعد (رفع الْمَانِع) من حُصُوله (قَوْلهم) أَي الْمُعْتَزلَة والشيعة (بل فِيهِ) أَي فِي الْعقل مَانع من ذَلِك (وَهُوَ) أَي الْمَانِع (إفضاؤه) أَي صُدُور الْمعْصِيَة (إِلَى التنفير عَنْهُم واحتقارهم) بعد الْبعْثَة (فنافى) صدورها عَنْهُم (حِكْمَة الْإِرْسَال) ويه اهتداء الْخلق بهم (مَبْنِيّ على التحسين والتقبيح الفعليين) أذ لَو لم يَقُولُوا: إِن إرْسَال من ينفر عَنهُ الْمُرْسل إِلَيْهِ قَبِيح لم يتم دليلهم (فَإِن بَطل) القَوْل بهما (كدعوى الأشعرية) من أَن القَوْل بهما بَاطِل (بَطل) قَوْلهم الْمَبْنِيّ عَلَيْهِمَا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يبطل القَوْل بهما مُطلقًا (منعت الْمُلَازمَة) بَين صُدُور الْمعْصِيَة والإفضاء إِلَى التنفير عَنْهُم بعد الْبعْثَة واحتقارهم (كالحنفية) أَي كدعوى الْحَنَفِيَّة، من أَن القَوْل بهما لَيْسَ بَاطِلا مُطلقًا، وَأَن الْمُلَازمَة الْمَذْكُورَة مَمْنُوعَة (بل بعد صفاء السريرة) أَي الْبَاطِن
(3/20)

(وَحسن السِّيرَة) أَي الْأَخْلَاق (ينعكس حَالهم) أَي الَّذين صدر عَنْهُم الْمعْصِيَة فِي الْبِدَايَة (فِي الْقُلُوب) من تِلْكَ الْحَال إِلَى التَّعْظِيم والإجلال (ويؤكده) أَي انعكاس حَالهم حِينَئِذٍ (دلَالَة المعجزة) على صدقه وحقية مَا أَتَى بِهِ، فَإِن كثيرا من الْأَوْلِيَاء كَانُوا أَرْبَاب مَعْصِيّة فِي بَدْء حَالهم أَلا ترى أَن الله تَعَالَى قدم التوابين على المتطهرين فِي كِتَابه الْمجِيد عِنْد ذكر الْمحبَّة - {إِن الله يحب التوابين وَيُحب المتطهرين} - (والمشاهدة وَاقعَة بِهِ) أَي بالانعكاس الْمَذْكُور (فِي آحَاد انْقَادَ الْخلق) النَّقْد تَمْيِيز الْجيد من الدَّرَاهِم وَغَيرهَا عَن الرَّدِيء، وَالْمرَاد: الممتازون من الصلحاء بِأَنَّهُم كَانُوا فِي الْبِدَايَة موصوفين بضد الصّلاح محقرين عِنْد الْخلق ثمَّ انعكس حَالهم (إِلَى إجلالهم بعد الْعلم بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ) من أَحْوَال تنَافِي ذَلِك، بل رُبمَا يكونُونَ أعز لمزيد ظُهُور عناية الْحق سُبْحَانَهُ فِي حَقهم (فَلَا معنى لإنكاره، وَبعد الْبعْثَة الِاتِّفَاق) من أهل الشَّرَائِع كَافَّة (على عصمته) أَي النَّبِي (عَن تعمد مَا يخل بِمَا يرجع إِلَى التَّبْلِيغ) من الله إِلَى الْخلق كالكذب فِي الْأَحْكَام، وَإِلَّا لَأَدَّى إِلَى إبِْطَال دلَالَة المعجزة وَهُوَ محَال (وَكَذَا) الِاتِّفَاق على عصمته مِمَّا يخل بِمَا ذكر (غَلطا) ونسيانا (عِنْد الْجُمْهُور خلافًا للْقَاضِي أبي بكر، لِأَن دلَالَة المعجزة) على عدم كذبه إِنَّمَا هِيَ (على عدم الْكَذِب قصدا) وَذَلِكَ لَا يُنَافِي صدوره غَلطا، وَمَا هُوَ من فلتات اللِّسَان (و) على (عدم تَقْرِيره على السَّهْو) إِذْ لَا بُد من بَيَانه والتنبيه عَلَيْهِ فَإِن لم يَقع يخل بمصلحة التَّبْلِيغ (فَلم يرْتَفع الْأمان عَمَّا يخبر بِهِ عَنهُ تَعَالَى) فَانْدفع مَا قيل من أَنه يلْزم مِنْهُ عدم الوثوق بتبليغه لاحْتِمَال السَّهْو والغلط على تَقْدِير عدم عصمته عَنْهُمَا (وَأما غَيره) أَي غير مَا يخل بِمَا يرجع إِلَى التَّبْلِيغ (من الْكَبَائِر والصغائر الخسية) وَهِي مَا يلْحق صَاحبهَا بالأرذال والسفل وينسب إِلَى دناءة الهمة، وَسُقُوط الْمُرُوءَة كسرقة كسرة والتطفيف بِحَبَّة (فالإجماع على عصمتهم عَن تعمدها سوى الحشوية وَبَعض الْخَوَارِج) وهم الْأزَارِقَة حَتَّى جوزوا عَلَيْهِ الْكفْر فَقَالُوا: يجوز أَن يبْعَث الله نَبيا علم أَنه يكفر بعد نبوته. ثمَّ الْأَكْثَر على أَن امْتِنَاعه مُسْتَفَاد من السّمع وَإِجْمَاع الْأمة قبل ظُهُور الْمُخَالفين فِيهِ، والمعتزلة على أَنه مُسْتَفَاد من الْعقل على أصولهم (و) على (تجويزها) أَي الْكَبَائِر والصغائر الخسية (غَلطا وبتأويل خطأ) بِنَاء على تَجْوِيز اجْتِهَاد النَّبِي وخطئه فِيهِ، وَقَوله وتجويزها مَعْطُوف على عصمتهم، فَالْمَعْنى وَأَجْمعُوا أَيْضا على التجوير الْمَذْكُور (إِلَّا الشِّيعَة فيهمَا) فِي الْغَلَط وَالْخَطَأ الْمَذْكُورين، هَذَا على مَا فِي البديع وَغَيره، وَفِي المواقف وَأما سَهوا فجوزه الْأَكْثَرُونَ، وَقَالَ السَّيِّد السَّنَد وَالْمُخْتَار خِلَافه (وَجَاز تعمد غَيرهَا) أَي الْكَبَائِر والصغائر الْمَذْكُورَة كنظرة وَكلمَة سفه نادرة فِي غضب (بِلَا إِصْرَار عِنْد) أَكثر (الشَّافِعِيَّة والمعتزلة وَمنعه) أَي تعمد غَيرهَا (الْحَنَفِيَّة وجوزوا الزلة فيهمَا) أَي الْكَبِيرَة وَالصَّغِيرَة (بِأَن
(3/21)

يكون الْقَصْد إِلَى مُبَاح فَيلْزمهُ مَعْصِيّة) لذَلِك لَا أَنه قصد عينهَا (كوكز مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام) أَي كدفعه بأطراف أَصَابِعه، وَقيل بِجمع الْكَفّ القبطي واسْمه فانون (وتقترن) الزلة (بالتنبيه) على أَنَّهَا زلَّة، أما من الْفَاعِل كَقَوْلِه: هَذَا من عمل الشَّيْطَان: أَي هيج غَضَبي حَتَّى ضَربته فَوَقع قَتِيلا، أَو من الله تَعَالَى كَمَا قَالَ تَعَالَى - {وَعصى آدم ربه فغوى} - أَي أَخطَأ بِأَكْل الشَّجَرَة الَّتِي نهى عَن أكلهَا وَطلب الْملك والخلد بذلك (وَكَأَنَّهُ) أَي هَذَا النَّوْع خطأ من حَيْثُ أَنه لم يقْصد مَا آل إِلَيْهِ (شبه عمد) من حَيْثُ الصُّورَة لقصده إِلَى أصل الْفِعْل (فَلم يسموه خطأ) نظرا إِلَى قصد أصل الْفِعْل (وَلَو أَطْلقُوهُ) أَي الْخَطَأ عَلَيْهِ كَمَا أطلقهُ غَيرهم (لم يمْتَنع وَكَانَ أنسب من الِاسْم المستكره) أَي الزلة، وَقد قَالُوا: لَو رمى غَرضا فَأصَاب آدَمِيًّا كَانَ خطأ مَعَ قصد الرَّمْي غير أَن قَوْله تَعَالَى - {فأزلهما الشَّيْطَان عَنْهَا} - رُبمَا يؤيدهم، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يفرق بَين أَن يكون الْإِطْلَاق من الله تَعَالَى فِي حق نبيه، وَأَن يكون من الْعباد فِي حَقه.

(فصل: حجية السّنة)
سَوَاء كَانَت مفيدة للْفَرض أَو الْوَاجِب أَو غَيرهمَا (ضَرُورَة دينية) كل من لَهُ عقل وتمييز حَتَّى النِّسَاء وَالصبيان يعرف أَن من ثَبت نبوته صَادِق فِيمَا يخبر عَن الله تَعَالَى وَيجب اتِّبَاعه (ويتوقف الْعلم بتحققها) أَي السّنة بِمَعْنى كَونهَا صادرة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَيْسَ مرجع الضَّمِير حجيتها كَمَا زعم الشَّارِح (وَهِي) أَي السّنة (الْمَتْن) أَي تسمى عِنْد الْأُصُولِيِّينَ والمحدثين بِالْمَتْنِ، جملَة مُعْتَرضَة بَين الْفِعْل وصلته: أَعنِي قَوْله (على طَرِيقه) أَي الْمَتْن، ثمَّ فسر طَرِيقه بقوله (السَّنَد) إِذْ بِهِ يعرف ثُبُوته، ثمَّ فسره بقوله (الْأَخْبَار عَنهُ) أَي عَن الْمَتْن (بِأَنَّهُ حدث بِهِ) أَي بِالْمَتْنِ، (فلَان) وَفُلَان فَصَاعِدا مَا لم يصل حد التَّوَاتُر (أَو خلق) يحِيل الْعقل تواطأهم على الْكَذِب، وَأَشَارَ فِي أثْنَاء التَّعْرِيف إِلَى عدَّة من الْأَلْفَاظ الاصطلاحية فَلَا يرد أَنه يَكْفِي بَعْضهَا، وَقيل السَّنَد مَأْخُوذ من السَّنَد: مَا ارْتَفع وَعلا عَن سفح الْجَبَل: أَي أَسْفَله لِأَن الْمسند يرفعهُ إِلَى قَائِله، وَمن قَوْلهم: فلَان سَنَد: أَي مُعْتَمد لاعتماد الْمُحدث عَلَيْهِ فِي صِحَّته وَضَعفه (وَهُوَ) أَي الْمَتْن (خبر وإنشاء) وَجه الْحصْر ذكر فِي الْمقَالة الأولى (فَالْخَبَر قيل لَا يحد لعسره) أَي لعسر تحديده على وَجه جَامع للْجِنْس والفصل لتعسر معرفَة الذاتيات كَمَا قيل مثله فِي الْعلم (وَقيل لِأَن علمه) أَي الْخَبَر (ضَرُورِيّ) والتعريف إِنَّمَا يكون للنظريات وَهَذَا اخْتِيَار الإِمَام الرَّازِيّ والسكاكي (لعلم كل) أحد سَوَاء كَانَ من أهل النّظر أَولا (بِخَبَر خَاص ضَرُورَة، وَهُوَ) أَي الْخَبَر الْخَاص (أَنه مَوْجُود، وتمييزه) أَي ولتمييز الْخَبَر (عَن قسيمه) الَّذِي هُوَ الْإِنْشَاء (ضَرُورَة) من غير احْتِيَاج إِلَى نظر وفكر، فَلَو كَانَ تصَوره نظريا لما كَانَ تَمْيِيزه عَنهُ ضَرُورِيًّا لاحتياجه إِلَى تصَوره، وَإِذا كَانَ الْخَبَر الْمُقَيد الَّذِي هُوَ الْخَاص ضَرُورِيًّا
(3/22)

(فالمطلق) أَي الْخَبَر الْمُطلق الَّذِي هُوَ جزءه (كَذَلِك) أَي كَانَ ضَرُورِيًّا بالاستلزام ضَرُورَة توقف تصور الْكل على تصور الْجُزْء (وَأورد) على هَذَا القَوْل (الضَّرُورَة) أَي كَون الْعلم بالْخبر ضَرُورِيًّا (تنافى الِاسْتِدْلَال) على كَونه ضَرُورِيًّا، لِأَن الِاسْتِدْلَال إِنَّمَا يكون فِي النظري، (وَأجِيب بِأَنَّهُ) أَي كَون الضَّرُورَة مُنَافِيَة للاستدلال إِنَّمَا هُوَ (عِنْد اتِّحَاد الْمحل) أَي مَحل الضَّرُورَة وَالِاسْتِدْلَال (وَلَيْسَ) مَحلهمَا هُنَا متحدا (فالضروري) هُنَا (حُصُول الْعلم) بِمَفْهُوم الْخَبَر (بِلَا نظر) أَي علمه الْحَاصِل بِغَيْر نظر وفكر (وَكَونه) أَي الْعلم (حَاصِلا كَذَلِك) أَي على وَجه الضَّرُورَة (غَيره) أَي غير حُصُوله بِلَا نظر (وَلَو أورد كَذَا الْحَاصِل ضَرُورَة يلْزمه ضَرُورِيَّة الْعلم بِكَوْنِهِ ضَرُورِيًّا إِذْ بعد حُصُوله) أَي حُصُول الْعلم فِي الْعقل كَذَلِك: أَي على وَجه الضَّرُورَة (لَا يتَوَقَّف الْعلم الثَّانِي) وَهُوَ الْعلم بِكَوْن الْعلم الْحَاصِل ضَرُورِيًّا (بعد تَجْرِيد مَفْهُوم الضَّرُورِيّ) الْمَوْصُوف بِهِ الْحَاصِل ضَرُورَة على شَيْء (سوى) أَي إِلَّا (على الِالْتِفَات) وتوجيه الذِّهْن نَحوه: يَعْنِي أَن مَادَّة الْعلم الثَّانِي الَّذِي هُوَ التَّصْدِيق يكون ذَلِك الْحَاصِل ضَرُورِيًّا مَوْجُودَة بَين يَدي الْعقل قريبَة المأخذ، فَإِذا قَصده يحصل لَهُ بِمُجَرَّد الِالْتِفَات إِلَيْهِ، وَتَجْرِيد مَفْهُوم الضَّرُورِيّ الَّذِي يُرِيد أَن يحكم بِهِ على الْحَاصِل الْمَذْكُور عبارَة عَن ملاحظته على الْوَجْه الْكُلِّي مُجَرّدَة عَن خصوصيات أَفْرَاده كتصوره بعنوان مَا يحصل بِلَا نظر (وتطبيق) هَذَا (الْمَفْهُوم) على الْعلم الْحَاصِل بِلَا نظر فَإنَّك إِذا فعلت ذَلِك تَجدهُ مطابقا فتعلم أَنه ضَرُورِيّ، وَهُوَ الْعلم الثَّانِي بِعَيْنِه (وَلَيْسَ) مَا ذكر من التَّجْرِيد والالتفات والتطبيق (النّظر) وَهُوَ ظَاهر (كَانَ) هَذَا الْإِيرَاد (لَازِما) لَا وَجه لإنكاره، وَهَذَا جَوَاب لَو أورد (فَالْحق أَنه) أَي الدَّلِيل الْمَذْكُور (تَنْبِيه) على خفائه، لما دفع إِيرَاد الْمُنَافَاة بَين دَعْوَى الضَّرُورَة، وَالِاسْتِدْلَال، يَقُول الْخَبَر لَا يحد، لِأَن علمه ضَرُورِيّ الخ بِبَيَان عدم اتِّحَاد الْمحل. ثمَّ ذكر الْإِيرَاد على وَجه لَا مدفع لَهُ، وَتبين أَن كَون الْخَبَر ضَرُورِيًّا لَا يحْتَاج إِلَى الدَّلِيل يُوهم أَن مَا ذكره الْقَائِل الْمَذْكُور فِي معرض الِاسْتِدْلَال غير موجه، فَذكر أَنه تَنْبِيه فِي صُورَة الِاسْتِدْلَال، وَمثله شَائِع فِي البديهيات الْخفية (وَالْجَوَاب) عَن المنبه الْمَذْكُور (أَن تعلق الْعلم بِهِ) أَي الْخَبَر (بِوَجْه) مَا بِغَيْر نظر (لَا يسْتَلْزم تصور حَقِيقَته) أَي الْخَبَر (ضَرُورَة) وتصور حَقِيقَته هُوَ المُرَاد بالتعريف. ثمَّ ذكر مَا يسْتَلْزم تصور الْحَقِيقَة بِوَجْه مسَاوٍ بقوله (وَالظَّاهِر أَن إِعْطَاء اللوازم) أَي إِعْطَاء لَوَازِم الْخَبَر للْخَبَر، ولوازم الْإِنْشَاء للإنشاء. ثمَّ بَين الْإِعْطَاء الْمَذْكُور بقوله (من وضع كل) مِنْهُمَا (مَوْضِعه) فَلَا يضع أحد قُمْت مَكَان قُم وَلَا عَكسه: وَمن تَجْوِيز الصدْق وَالْكذب وَعَدَمه (وَنفى مَا يمْتَنع) على كل مِنْهُمَا (عَنهُ) أَي عَن كل مِنْهُمَا، فَلَا تَقول قُم يحْتَمل الصدْق وَالْكذب إِلَى غير ذَلِك (فرع تصور
(3/23)

الْحَقِيقَة، إِذْ هِيَ) أَي حَقِيقَة معنى الْخَبَر، والإنشاء هِيَ (المستلزمة) لذَلِك الْإِعْطَاء (نعم لَا يتصورهما) أَي المتصور بِاعْتِبَار هَذَا التَّصَوُّر اللَّازِم لذَلِك الْإِعْطَاء الحقيقيين (من حَيْثُ هما مسميا) لَفْظِي (الْخَبَر والإنشاء) أَو غَيرهمَا، وَهَذَا لَا يُنَافِي تصور نفيهما (فيعرفان اسْما) أَي تعريفا اسميا لإِفَادَة أَن مُسَمّى لفظ الْخَبَر كَذَا، فالمقصد من هَذَا التَّعْرِيف بَيَان مَا وضع لَهُ اللَّفْظ (وَإِن كَانَ قد يَقع حَقِيقِيًّا) بِأَن كَانَت أجزاؤه ذاتيات الْحَقِيقَة فِي نفس الْأَمر، وَهِي مَوْجُودَة فِي الْخَارِج (فَالْخَبَر) مُسَمَّاهُ (مركب يحْتَمل الصدْق وَالْكذب بِلَا نظر إِلَى خُصُوص مُتَكَلم) فَلَا يشكل بِخَبَر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِذْ هُوَ مَعَ قطع النّظر عَن قَائِله يحتملهما، وَلَا بِخَبَر من يخبر بِمَا يحكم الْعقل بنقيضه ضَرُورَة، لِأَنَّهُ إِذا قطع النّظر عَن حكمه بالنقيض، وَينظر إِلَى نفس الْأَمر يحتملهما، فَالْمُرَاد قطع النّظر عَن جَمِيع مَا سوى نفس الْخَبَر (وَنَحْوه) أَي نَحْو مَا ذكركما يُفِيد هَذَا الْمَعْنى أَو مَا يُسَاوِيه (وَأورد) على هَذَا التَّعْرِيف (الدّور لتوقف) كل من (الصدْق) وَالْكذب (عَلَيْهِ) أَي على معنى الْخَبَر (لِأَنَّهُ) أَي الصدْق (مُطَابقَة الْخَبَر) للْوَاقِع وَالْكذب عدم مطابقته لَهُ، فقد توقف الْخَبَر على كل مِنْهُمَا لِكَوْنِهِمَا جزئي مَفْهُومه، وَتوقف كل مِنْهُمَا على الْخَبَر لكَونه جُزْء مفهوميهما (وبمرتبة) أَي وَأورد لُزُوم الدّور أَيْضا بمرتبة (لَو قيل التَّصْدِيق والتكذيب) مَكَان الصدْق وَالْكذب، إِذْ التَّصْدِيق أَن ينْسب الْخَبَر إِلَى مطابقته للْوَاقِع، والتكذيب أَن ينْسب إِلَى خلاف ذَلِك: فالدور على الأول بِلَا وَاسِطَة، وَهَهُنَا بِوَاسِطَة: إِذْ التَّصْدِيق يتَوَقَّف على الصدْق، وَهُوَ على الْخَبَر، و (إِنَّمَا يلْزم) الدّور (لَو لزم) ذكر الْخَبَر (فِي تَعْرِيفه) أَي الصدْق وَكَذَا فِي الْكَذِب (وَلَيْسَ) ذكره لَازِما، بل يعرفان بِحَيْثُ لَا يتَوَقَّف على معرفَة الْخَبَر (إِذْ يُقَال فيهمَا) أَي الصدْق وَالْكذب (مَا) أَي صفة كَلَام (طابق نفسيه) أَي نسبته النفسية الَّتِي هِيَ جُزْء مَدْلُوله (لما) أَي للنسبة الَّتِي بَين طَرفَيْهِ (فِي نفس الْأَمر) بِأَن يَكُونَا ثبوتيين أَو سلبيين (أَولا) تطابق لما ذكر فِي تَعْرِيف الْكَذِب، أَو الْمَعْنى لَو لزم ذكر الصدْق وَالْكذب فِي تَعْرِيف الْخَبَر، إِذْ يُقَال فيهمَا: أَي فِي الْخَبَر والإنشاء مَا طابق الخ، فعلى هَذَا يكون تَعْرِيف الْإِنْشَاء مطويا اعْتِمَادًا على الْمُقَابلَة، وَالثَّانِي أولى. (وَقَول أبي الْحُسَيْن) وتعريف الْخَبَر (كَلَام يُفِيد بِنَفسِهِ نِسْبَة) يرد (عَلَيْهِ أَن نَحْو قَائِم) من المشتقات (عِنْده) أَي أبي الْحُسَيْن (كَلَام) لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْمُعْتَمد: الْحق أَن يُقَال الْكَلَام هُوَ مَا انتظم فِي الْحُرُوف المسموعة المتميزة المتواضع على اسْتِعْمَالهَا فِي الْمعَانِي (ويفيدها) أَي قَائِم النِّسْبَة (بِنَفسِهِ) لِأَنَّهَا جُزْء من مُسَمَّاهُ (وَلَيْسَ) نَحْو قَائِم (خَبرا) بالِاتِّفَاقِ، وَلما جعل ابْن الْحَاجِب قيد بِنَفسِهِ لإِخْرَاج نَحوه لإفادتها النِّسْبَة بل مَعَ الْمَوْضُوع الَّذِي هُوَ زيد مثلا أَشَارَ المُصَنّف إِلَيْهِ بقوله (وَمَا قيل مَعَ الْمَوْضُوع مَمْنُوع)
(3/24)

بل قَائِم بِنَفسِهِ يفيدها، (إِذْ الْمُشْتَقّ دَال على ذَات مَوْصُوفَة) أَي لِأَن كل مُشْتَقّ من الصِّفَات وضع لذات مَا بِاعْتِبَار اتصافها بمبدأ الِاشْتِقَاق، وَأما مَعَ الْمَوْضُوع فَيُفِيد النِّسْبَة إِلَى معِين، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فالموضوع لمُجَرّد تعْيين الْمَنْسُوب إِلَيْهِ، وَأما إِيرَاد نَحْو قُم عَلَيْهِ) أَي على أبي الْحُسَيْن بِأَنَّهُ صَادِق عَلَيْهِ (لإفادته نِسْبَة الْقيام) إِلَى الْمُخَاطب، لِأَن الْمَطْلُوب هُوَ الْقيام الْمَنْسُوب إِلَيْهِ، وإفادته الطّلب (فَلَيْسَ) بوارد عَلَيْهِ (إِذْ لم يوضع) نَحْو قُم لشَيْء (سوى) أَي إِلَّا (لطلب الْقيام) أَي طلب الْقيام من الْمُخَاطب، كَذَا فسر الشَّارِح وَلَا يَنْبَغِي لِأَنَّهُ يُوهم أَن نِسْبَة الطّلب وَالْقِيَام إِلَى الْمُتَكَلّم والمخاطب مَأْخُوذَة فِي مَفْهُومه، وَلَيْسَ كَذَلِك: بل هُوَ مَوْضُوع لطلب الْقيام مُطلقًا (وَفهم النِّسْبَة) أَي نِسْبَة وُقُوع الْقيام من الْمُخَاطب (بِالْعقلِ والمشاهدة) إِذْ الْعقل يحكم بِأَن الشَّخْص لَا يطْلب مِنْهُ الْفِعْل الصَّادِر عَن غَيره، ونشاهد أَن الْمَأْمُور يصدر مِنْهُ الْمَطْلُوب دَائِما عِنْد الِامْتِثَال، لَا من غَيره (لَا يسْتَلْزم الْوَضع) أَي وضع نَحْو قُم (لَهَا) أَي للنسبة الْمَذْكُورَة فَإِن قلت: قُم يدل على الطّلب، وَهُوَ نِسْبَة بَين الطَّالِب وَالْمَطْلُوب قلت المُرَاد من النِّسْبَة مَا هُوَ الْمُتَبَادر مِنْهَا، وَهُوَ الْإِسْنَاد الْمُعْتَبر بَين ركني السَّنَد والمسند إِلَيْهِ، والطالب لَيْسَ بِشَيْء مِنْهُمَا، وَقد يُقَال: قُم فعل وفاعل فَلَا بُد من نِسْبَة بَينهمَا، وَلَا وَجه لجعلها مِنْهَا وَهِي منتفية فِيهِ (فَلَيْسَ) فهم النِّسْبَة (بِنَفسِهِ) أَي بِنَفس لفظ قُم مثلا (وَمَا قيل) وَالْقَائِل ابْن الْحَاجِب وَغَيره من أَن (الأولى) فِي تَعْرِيفه (كَلَام مَحْكُوم فِيهِ بِنِسْبَة لَهَا خَارج) هِيَ حِكَايَة عَنهُ (فطلبت الْقيام مِنْهُ) أَي من الْخَبَر، لِأَنَّهُ حكم فِيهِ بِنِسْبَة طلب الْقيام إِلَى الْمُتَكَلّم، وَلها خَارج قد يطابقه فَيكون صدقا، وَقد لَا يطابقه فَيكون كذبا (لاقم) أَي لَيْسَ مِنْهُ قُم. قَالَ الشَّارِح فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ كلَاما مَحْكُومًا فِيهِ بِنِسْبَة الْقيام إِلَى الْمَأْمُور وَنسبَة الطّلب إِلَى الْآمِر، لَكِن هَذِه النِّسْبَة لَيْسَ لَهَا خَارج تطابقه أَو لَا تطابقه، لِأَنَّهَا لَيست إِلَّا مُجَرّد الطّلب الْقَائِم بِالنَّفسِ انْتهى.
أثبت فِي الْأَمر نسبتين: إِحْدَاهمَا بَين مبدأ الِاشْتِقَاق والمأمور. وَالثَّانيَِة بَين الطّلب والآمر، فَإِن أَرَادَ بِهِ دخولهما فِيمَا وضع لَهُ، فَهَذَا يُنَافِي مَا مر آنِفا أَنه لم يوضع إِلَّا لطلب الْقيام، وَإِن أَرَادَ كَونهمَا لازمين لَهُ فِي التحقق فَهُوَ خَارج المبحث، لِأَن الْكَلَام فِي نِسْبَة تكون فِيهِ. ثمَّ قَوْله لَكِن هَذِه النِّسْبَة الخ غير موجه، لِأَنَّهُ مهد نسبتين وَلم يعلم مُرَاد أَيهمَا فَإِن قلت رُبمَا أرادهما جَمِيعًا بِضَرْب من التَّأْوِيل قلت على جَمِيع التقادير لَا معنى لقَوْله، لِأَنَّهَا لَيست إِلَّا مُجَرّد الطّلب، إِذْ قد ذكر أَن النِّسْبَة الأولى بَين الْقيام والمأمور بِهِ، فَهِيَ لَيست عين الطّلب الْقَائِم بِنَفس الْأَمر، وَكَذَا الثَّانِيَة فَإِنَّهَا بَين الطّلب والآمر وَأَيْضًا قَوْله مَحْكُومًا فِيهِ الخ ظَاهره
(3/25)

غير صَحِيح، إِذْ لَا حكم فِي الْإِنْشَاء، وتأويله غير ظَاهر، فَكَأَنَّهُ حرر هَذَا الْمحل من عِنْد نَفسه. وَالْوَجْه أَن يُقَال: إِنَّمَا خرج نَحْو قُم بقوله مَحْكُوم فِيهِ بِنِسْبَة، وَقَوله لَهَا خَارج لزِيَادَة التَّوْضِيح وَإِشَارَة إِلَى أَنه مُشْتَمل على نِسْبَة لَيست على طرز نِسْبَة الْخَبَر بِأَن يكون لَهَا خَارج هِيَ حاكية عَنهُ ليتصور فِيهَا الْمُطَابقَة وَعدمهَا وَالله أعلم. وَمَا قيل مُبْتَدأ خَبره (فعلى إِرَادَة مَا يحسن عَلَيْهِ السُّكُوت بالْكلَام) الْمَذْكُور فِي صدر التَّعْرِيف (فَلَا يرد) نَحْو (الْغُلَام الَّذِي لزيد) إِذْ لَا يحسن السُّكُوت عَلَيْهِ فَهُوَ غير دَاخل فِي التَّعْرِيف فَلَا يضر صدق مَا بعد الْجِنْس عَلَيْهِ لَو اعْتبر فِيهِ الحكم وَالنِّسْبَة الْمَذْكُورَة بِاعْتِبَار أَن الْأَوْصَاف قبل الْعلم بهَا أَخْبَار، والمركب التوصيفي يبْنى عَلَيْهِ (وَلَا حَاجَة إِلَى مَحْكُوم) حِينَئِذٍ لإِخْرَاج نَحْو الْغُلَام الَّذِي لزيد: إِذْ لم يدْخل فِي الْجِنْس حَتَّى يخرج (بل قد يُوهم) ذكره (أَن مَدْلُول الْخَبَر الحكم) بِوُقُوع النِّسْبَة (وَحَاصِله) أَي الحكم (علم) لِأَنَّهُ إِدْرَاك أَن النِّسْبَة وَاقعَة أَو لَيست بواقعة، فَهُوَ قسم من الْعلم إِن فسرنا الْعلم بِمَا يعم التَّصَوُّر والتصديق، أَو نفس الْعلم إِن فسرناه بالتصديق (ونقطع بِأَنَّهُ) أَي الْخَبَر (لم يوضع لعلم الْمُتَكَلّم بل) إِنَّمَا وضع (لما عِنْده) أَي الْمُتَكَلّم من وُقُوع النِّسْبَة أَولا وُقُوعهَا وَالْحَاصِل أَنه مَوْضُوع للمعلوم لَا الْعلم (فَالْأَحْسَن) فِي تَعْرِيفه (كَلَام لنسبته خَارج) لِئَلَّا يرد شَيْء مِمَّا ذكر، فيحوج إِلَى تكلّف لَا يَلِيق بالتعريف.
(وَاعْلَم أَنه) أَي الْخَبَر (يدل على مطابقته) للْوَاقِع، وَلذَا قيل: مَدْلُول الْخَبَر الصدْق، وَالْكذب احْتِمَال (فَإِنَّهُ يدل على نِسْبَة) تَامَّة ذهنية (وَاقعَة) فِي الْإِثْبَات (أَو غير وَاقعَة) فِي السَّلب مشعرة بِحُصُول نِسْبَة أُخْرَى فِي الْوَاقِع، لكَونهَا حاكية عَنْهَا مُوَافقَة لَهَا فِي الْكَيْفِيَّة فالثانية مدلولة بتوسط الأولى وَهِي الْمَقْصُودَة بالإفادة، فَإِن كَانَ مَا فِي نفس الْأَمر على طبق مَا فِي الذِّهْن على الْوَجْه الَّذِي أشعرت بِهِ فَهُوَ صَادِق، وَإِلَّا فَهُوَ كَاذِب، وَلذَا قيل: صدق الْخَبَر بِثُبُوت مَدْلُوله مَعَه، وَكذبه تخلف مَدْلُوله عَنهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (ومدلول اللَّفْظ لَا يلْزم كَونه ثَابتا فِي الْوَاقِع فجَاء احْتِمَال الْكَذِب بِالنّظرِ إِلَى أَن الْمَدْلُول) الْمَذْكُور هُوَ (كَذَلِك فِي نفس الْأَمر أَولا، وَمَا) أَي الْكَلَام الَّذِي (لَيْسَ بِخَبَر إنْشَاء وَمِنْه) أَي من الْإِنْشَاء (الْأَمر وَالنَّهْي والاستفهام وَالتَّمَنِّي، والترجي، وَالْقسم، والنداء: وَيُسمى الأخيران) أَي الْقسم والنداء (تَنْبِيها أَيْضا) بل المنطقيون يسمون الْأَرْبَعَة الْأَخِيرَة تَنْبِيها، وَزَاد بَعضهم الِاسْتِفْهَام وَابْن الْحَاجِب على أَن مَا لَيْسَ بِخَبَر يُسمى إنْشَاء وتنبيها، كَذَا ذكره الشَّارِح.
(وَاخْتلف فِي صِيغ الْعُقُود والإسقاطات كبعت وأعتقت إِذا أُرِيد حُدُوث الْمَعْنى بهَا) أَي بِتِلْكَ الصِّيَغ (فَقيل: إخبارات عَمَّا فِي النَّفس من ذَلِك) أَي من خصوصيات تِلْكَ الْعُقُود
(3/26)

والاسقاطات، فيقرر ذَلِك فِي نَفسه ثمَّ يخبر عَنهُ بهَا: وَهَذَا قَول الْجُمْهُور (فيندفع الِاسْتِدْلَال على إنشائيته) أَي مَا ذكر من الصِّيَغ (بِصدق تَعْرِيفه) أَي الْإِنْشَاء عَلَيْهِ، وَهُوَ كَلَام لَيْسَ لنسبته خَارج، وَالْجَار وَالْمَجْرُور صلَة الِاسْتِدْلَال (وَانْتِفَاء لَازم الْأَخْبَار) مَعْطُوف على الْمَجْرُور. ثمَّ بَين لَازمه بقوله (من احْتِمَال الصدْق وَالْكذب) عَنهُ لِأَن بِعْت لَيْسَ بأخبار عَن بيع سَابق ليحتملهما، وَإِنَّمَا انْدفع (لِأَن ذَلِك) الِاسْتِدْلَال إِنَّمَا يتم (لَو لم يكن) مَا ذكر من الصِّيَغ (إِخْبَارًا عَمَّا فِي النَّفس) أما إِذا كَانَ إِخْبَارًا عَنهُ فَلَا، إِذْ لَا يصدق عَلَيْهِ تَعْرِيف الْإِنْشَاء حِينَئِذٍ، وَلَا ينتفى عَنهُ لَازم الْأَخْبَار (وَغَايَة مَا يلْزم) هَذَا القَوْل (أَنه) أَي مَا ذكر من الصِّيَغ (إِخْبَار يعلم صدقه بِخَارِج) عَن نَفسه. ثمَّ صور ذَلِك الْخَارِج فِي الْمِثَال، فَقَالَ (كأخباره بِأَن فِي ذهنه كَذَا) يَعْنِي لما كَانَت النِّسْبَة الخارجية الَّتِي هِيَ مصداق صدق هَذَا الْإِخْبَار أمرا حَاصِلا فِي ذهن الْمخبر أمكن لَهُ الْعلم بمطابقة النِّسْبَة الذهنية الْمَدْلُول عَلَيْهَا بِهِ إِيَّاهَا، والإعلام بهَا لغيره: وَهَذَا لَا يُنَافِي كَونه مُحْتملا للصدق وَالْكذب فِي ذَاته، وَزعم الشَّارِح أَن المُرَاد بِخَارِج هُوَ نفس اللَّفْظ كَقَوْلِه: بِعْت فَإِنَّهُ يُفِيد أَن مَعْنَاهُ قَائِم بِنَفسِهِ فَيعلم صدقه هَذَا كَلَامه، وَلَا يخفى عَلَيْك أَن بِعْت نفس الْخَبَر الْمَذْكُور فَمَا معنى خُرُوجه، ثمَّ أَنه إِن أَرَادَ بإفادته أَن مَعْنَاهُ قَائِم بِنَفسِهِ دلَالَته عَلَيْهِ فَلَا يعلم بِهِ صدقه لاحْتِمَال الْمُوَاضَعَة والهزل وَغَيرهمَا، وَكَذَا إِن أَرَادَ بهَا استلزامه إِيَّاه بِحَسب التَّحْقِيق، لِأَن الْمُلَازمَة مَمْنُوعَة لاحتمالهما فَإِن قلت: الشَّرْع يحكم عَلَيْهِ بِمُوجب البيع بِمُجَرَّد قَوْله بِعْت، فَلَو كَانَ مُحْتملا للصدق وَالْكذب لما ألزمهُ بِهِ قلت هَذَا اعْتِبَار لفظ شَرْعِي لصيانة حُقُوق النَّاس، وَهُوَ لَا يُنَافِي كَونه مُحْتملا لَهما فِي حد ذَاته فَتدبر (وَمَا اسْتدلَّ) أَي اسْتدلَّ بِهِ الإنشائيون من أَنه (لَو كَانَ خَبرا لَكَانَ مَاضِيا) لوضع لَفظه لذَلِك، وَعدم صَارف (وَامْتنع التَّعْلِيق) أَي تَعْلِيقه بِالشّرطِ، لِأَن التَّعْلِيق تَوْقِيف دُخُول أَمر فِي الْوُجُود على دُخُول غَيره فِيهِ، والماضي قد دخل فِيهِ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ ذَلِك (مَدْفُوع بِأَنَّهُ مَاض: إِذْ ثَبت فِي ذهن الْقَائِل البيع وَالتَّعْلِيق وَاللَّفْظ) الْمُشْتَمل على تَعْلِيق البيع (إِخْبَار عَنْهُمَا) أَي عَن التَّعْلِيق وَالْبيع الثابتين قبل التَّكَلُّم بِهِ (وألزم امْتنَاع الصدْق) أَي ادّعى أَن صدق هَذَا الْخَبَر مُمْتَنع (لِأَنَّهُ) أَي الصدْق لَا يتَحَقَّق إِلَّا (بالمطابقة) بل هُوَ عين مُطَابقَة مَدْلُول الْخَبَر الْوَاقِع (وَهِي) أَي الْمُطَابقَة لَا تتَصَوَّر إِلَّا (بالتعدد) أَي تعدد طرفِي الْمُطَابقَة: أَحدهمَا النَّفْسِيّ الَّذِي هُوَ مَدْلُول الْكَلَام، وَالْآخر مَا فِي الْوَاقِع (وَلَيْسَ) فِي الْوَاقِع هُنَا شَيْء (إِلَّا مَا فِي النَّفس، وَهُوَ الْمَدْلُول) بِعَيْنِه (فَلَا خَارج) عَن الْمَدْلُول لتغير الْمُطَابقَة بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ فَلَا مُطَابقَة فَلَا صدق (وَأجِيب بِثُبُوتِهِ) أَي التَّعَدُّد اعْتِبَارا، وَإِن لم يكن ذاتا (فَمَا فِي النَّفس من حَيْثُ هُوَ مَدْلُول اللَّفْظ غَيره)
(3/27)

أَي غير مَا فِي النَّفس (من حَيْثُ هُوَ فِيهَا) أَي فِي النَّفس (فتطابق المتعدد) وَلَا يخفى عَلَيْك أَن التَّعَدُّد اللَّازِم للمطابقة لَو لم يكن بِالذَّاتِ لم يكن احْتِمَال الصدْق وَالْكذب اللَّازِم لماهية الْخَبَر: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال يَكْفِي احتمالهما فِي بادئ النّظر نظرا إِلَى التَّعَدُّد الاعتباري فَتَأمل (ومبني هَذَا التَّكَلُّف على أَنه) أَي مَا ذكر من الصِّيَغ (إِخْبَار عَمَّا فِي النَّفس) كَمَا نقل فِي الشَّرْح العضدي وَغَيره (لَكِن الوجدان شَاهد بِأَن الْكَائِن فِيهَا) أَي النَّفس (مَا لم ينْطق لَيْسَ) شَيْئا (غير إِرَادَة البيع لَا يعلم قَوْلهَا) أَي النَّفس: يَعْنِي القَوْل النَّفْسِيّ لَا اللَّفْظِيّ (بِعْتُك) مقول القَوْل الْمَذْكُور (قبله) أَي النُّطْق بِهِ، بل من الْمَعْلُوم عَدمه حِينَئِذٍ (إِنَّمَا ينْطق) النَّفس بِهِ (مَعَه أَي مَعَ بِعْتُك (فَهِيَ) أَي صِيغ الْعُقُود والاسقاطات (إنشاآت) لَفظهَا عِلّة لإيجاد مَعْنَاهَا (ثمَّ ينْحَصر) الْخَبَر (فِي صدق إِن طابق) حكمه (الْوَاقِع) أَي الْخَارِج الْمَذْكُور (وَكذب إِن لَا) يُطَابق، فَلَا وَاسِطَة بَينهمَا، وحصره عَمْرو بن بَحر (الجاحظ فِي ثَلَاثَة): الصَّادِق. والكاذب (الثَّالِث مَالا) أَي لَيْسَ بصادق (وَلَا) كَاذِب (لِأَنَّهُ) أَي الْخَبَر (إِمَّا مُطَابق) للْوَاقِع (مَعَ الِاعْتِقَاد) للمطابقة (أَو) مُطَابق للْوَاقِع مَعَ (عَدمه) أَي عدم الِاعْتِقَاد للمطابقة، وَهَذَا على قسمَيْنِ: أَحدهمَا أَن لَا يعْتَقد الْمُطَابقَة وَلَا عدمهَا، وَالثَّانِي أَن لَا يعْتَقد الْمُطَابقَة ويعتقد عدمهَا (أَو غير مُطَابق) للْوَاقِع (كَذَلِك) أَي مَعَ عدم اعْتِقَاد الْمُطَابقَة، أَو مَعَ عدم اعْتِقَاد عدمهَا. وَقد عرفت أَن الْعَدَم على قسمَيْنِ، فِي المطول تَحْقِيق كَلَامه أَن الْخَبَر إِمَّا مُطَابق للْوَاقِع أَولا، وكل مِنْهُمَا إِمَّا مَعَ اعْتِقَاد أَنه مُطَابق، أَو اعْتِقَاد أَنه غير مُطَابق، أَو بِدُونِ الِاعْتِقَاد: فَهَذِهِ سِتَّة أَقسَام: وَاحِد مِنْهَا صَادِق، وَهُوَ المطابق للْوَاقِع مَعَ اعْتِقَاد أَنه مُطَابق، وَوَاحِد كَاذِب وَهُوَ غير المطابق مَعَ اعْتِقَاد أَنه غير مُطَابق، وَالْبَاقِي لَيْسَ بصادق وَلَا كَاذِب انْتهى (الثَّانِي مِنْهُمَا) أَي من الْقسمَيْنِ، وَهُوَ من الأول المطابق مَعَ عدم اعْتِقَاد الْمُطَابقَة، وَقد عرفت وَجْهي الْعَدَم، وَمن الثَّانِي غير المطابق مَعَ عدم اعْتِقَاد عدم الْمُطَابقَة (لَيْسَ كذبا وَلَا صدقا لقَوْله تَعَالَى حِكَايَة) عَن الْكفَّار {أفترى على الله كذبا أم بِهِ جنَّة} أَي جُنُون (حصروا) أَي الْكفَّار (قَوْله) أَي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم - {إِذا مزقتم كل ممزق إِنَّكُم لفي خلق جَدِيد} - (فِي الْكَذِب وَالْجنَّة فَلَا كذب مَعهَا) أَي الْجنَّة، لأَنهم جَعَلُوهُ قسيم الْكَذِب (وَلم يعتقدوا صدقه) وَهُوَ ظَاهر، ثمَّ هم عقلاء عارفون باللغة، فَيجب أَن يكون من الْخَبَر مَا لَيْسَ صَادِقا وَلَا كَاذِبًا حَتَّى لَا يعابوا فِيمَا بَينهم وَبَين غَيرهم (وَالْجَوَاب حصروه) أَي خَبره (فِي الافتراء تعمد الْكَذِب) عطف بَيَان للافتراء (وَالْجنَّة الَّتِي لَا عمد مَعهَا فَهُوَ) أَي حصرهم (فِي كذب عمد و) كذب (غير عمد) أَي نوعيه المتباينين (أَو) حصروا مَا تلفظ بِهِ (فِي تَعَمّده) أَي الْكَذِب (وَعدم
(3/28)

الْخَبَر) لخلوة عَن الْقَصْد والشعور المعتد بِهِ على مَا هُوَ حَال الْمَجْنُون، والخالي عَنهُ لَيْسَ بِكَلَام فضلا عَن كَونه خَبرا (وَقَول عَائِشَة فِي ابْن عمر من رِوَايَة البُخَارِيّ) حَيْثُ روى عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
" الْمَيِّت يعذب ببكاء أَهله عَلَيْهِ ". (مَا كذب وَلكنه وهم) إِنَّمَا قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لرجل مَاتَ يَهُودِيّا " أَن الْمَيِّت ليعذب وَأَن أَهله ليبكون عَلَيْهِ " حسن صَحِيح (تُرِيدُ) عَائِشَة بِهِ لم يكذب (عمدا، وَقيل) وَالْقَائِل النظام (الصدْق مُطَابقَة الِاعْتِقَاد) وَإِن كَانَ الِاعْتِقَاد غير مُطَابق للْوَاقِع (وَالْكذب عدمهَا) أَي عدم مُطَابقَة الِاعْتِقَاد وَإِن كَانَ مطابقا للْوَاقِع، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فالمطابق) للْوَاقِع (كذب إِذا اعْتقد عدمهَا) أَي الْمُطَابقَة وَلَا وَاسِطَة بَين الصدْق وَالْكذب (لقَوْله تَعَالَى: {وَالله يشْهد أَن الْمُنَافِقين لَكَاذِبُونَ فِي قَوْلهم}: نشْهد أَنَّك لرَسُول الله) فَإِنَّهُ مُطَابق للْوَاقِع دون اعْتِقَادهم (أُجِيب) بِأَن التَّكْذِيب إِنَّمَا هُوَ (فِي) الحكم الْمَفْهُوم من لفظ (الشَّهَادَة) الدَّال على مُوَافقَة اللِّسَان الْقلب (لعدم المواطأة) أَي مُوَافقَة اللِّسَان الْقلب (أَو فِيمَا تضمنته) الشَّهَادَة (من الْعلم) لكَونه إِخْبَارًا عَن مُعَاينَة يلْزمهَا الْعلم، فَقَوله: أشهد بِكَذَا تضمن أَنِّي أقوله عَن علم، أَو المُرَاد أَنهم قوم شَأْنهمْ الْكَذِب وَإِن صدقُوا فِي هَذِه الشَّهَادَة (والموجب لهَذَا) التَّأْوِيل (وَمَا قبله) من تَأْوِيل قَول عَائِشَة (الْقطع من اللُّغَة) أَي الْقطع الْحَاصِل من تتبعها (بالحكم) صلَة الْقطع (بِصدق) صلَة الحكم (قَول الْكَافِر كلمة الْحق) مقول القَوْل، وَالْمرَاد بهَا الْكَلَام كَقَوْلِه: الْإِسْلَام حق لكَونه مطابقا للْوَاقِع مَعَ أَنه لَا يُطَابق اعْتِقَاده، وَمَا ذكره الْفَرِيقَانِ من الظنون، والقطعي لَا يتْرك بهَا: بل الْأَمر بِالْعَكْسِ (وينقسم) الْخَبَر (بِاعْتِبَار آخر) أَي بِاعْتِبَار إفادته الْقطع بصدقه وَعَدَمه (إِلَى مَا يعلم صدقه ضَرُورَة) أَي علما ضَرُورِيًّا إِمَّا بِنَفسِهِ من غير انضمام غَيره إِلَيْهِ، وَهُوَ الْمُتَوَاتر فَإِنَّهُ بِنَفسِهِ يُفِيد الْعلم الضَّرُورِيّ بمضمونه، وَإِمَّا بِغَيْرِهِ بِأَن يكون مُتَعَلّقه مَعْلُوما لكل أحد من غير نظر، نَحْو الْوَاحِد نصف الِاثْنَيْنِ (أَو نظرا) أَي علما نظريا (كَخَبَر الله وَرَسُوله) وَأهل الْإِجْمَاع وَخبر من ثَبت بِأَحَدِهِمَا صدقه: بِأَن أخبر الله، أَو رَسُوله، أَو أهل الْإِجْمَاع بصدقه، وَخبر من دلّ الْعقل بالبرهان على صدقه، فَإِن هَذِه كلهَا علم وُقُوع مضمونها بِالنّظرِ، وَالِاسْتِدْلَال: وَهُوَ الْأَدِلَّة القاطعة على صدق الله وَرَسُوله، وعصمة الْأمة عَن الْكَذِب، وَيَتَرَتَّب عَلَيْهَا الْبَاقِي أَو) مَا يعلم (كذبه بمخالفة ذَلِك) أَي مَا علم صدقه ضَرُورَة أَو نظرا أ (وَمَا يظنّ) فِيهِ (أَحدهمَا) أَي صدقه أَو كذبه (كَخَبَر الْعدْل) لرجحان صدقه على كذبه (والكذوب) أَي الَّذِي اعْتَادَ الْكَذِب لرجحان كذبه على صدقه (أَو) مَا (يتساويان) أَي الاحتمالان فِيهِ (كالمجهول) أَي كَخَبَر مَجْهُول الْحَال بِأَن لم يعلم حَاله فِي الْعَدَالَة وَعدمهَا (وَمَا قيل مَا لم يعلم صدقه
(3/29)

يعلم كذبه) وَإِلَّا لنصب على صدقه دَلِيل (كَخَبَر مدعي الرسَالَة) إِذْ لَو كَانَ صَادِقا دلّ عَلَيْهِ بالمعجزة، وَهَذَا مَذْهَب بعض الظَّاهِرِيَّة (بَاطِل للُزُوم ارْتِفَاع النقيضين فِي أَخْبَار مستورين بنقيضين) من غير دَلِيل على صدق أَحدهمَا للُزُوم كذبهما بِمُوجب مَا قيل ويستلزم اجْتِمَاعهمَا، لِأَن كذب كل نقيض يسْتَلْزم صدق الآخر (وَلُزُوم الحكم بِكفْر كثير من الْمُسلمين) الَّذين حَالهم مَسْتُور من حَيْثُ الْعَدَالَة. وَفِي الشَّرْح العضدي، وَأَيْضًا يلْزم الْعلم بكذب كل شَاهد إِذْ لَا يعلم صدقه وَالْعلم بِكفْر كل مُسلم فِي دَعْوَى إِسْلَامه: إِذْ لَا دَلِيل على مَا فِي بَاطِنه، وَذَلِكَ بَاطِل بِالْإِجْمَاع والضرورة (بِخِلَاف أهل ظُهُور الْعَدَالَة) من الْمُسلمين: وهم الَّذين ظَاهر حَالهم الْعَدَالَة فَإِنَّهُ لَا يلْزم الحكم بكفرهم إِذْ ادعوا الْإِسْلَام (لِأَنَّهَا) أَي عدالتهم (دَلِيل) يدل على صدقهم فقد نصب عَلَيْهِ دَلِيل وَهَذَا مَبْنِيّ (على أَن يُرَاد بِالْعلمِ الأول) الْمَذْكُور فِي قَوْله مَالا يعلم صدقه يعلم كذبه (الظَّن) لِأَن ظُهُور الْعَدَالَة دَلِيل يُفِيد الْعلم الظني، وَإِذا تحقق الْعلم الظني لم يتَحَقَّق مَضْمُون مَا لم يعلم فَلَا يتَحَقَّق الْعلم بِالْكَذِبِ وَلَا بُد أَن يحمل قَوْلهم على هَذَا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يرد بِهِ الظَّن بل الْقطع (بَطل خبر الْوَاحِد) لِأَنَّهُ يُفِيد الظَّن، لَا الْقطع فَيدْخل تَحت قَوْلهم: مَا لم يعلم صدقه فَيلْزم كذبه (وَلَا يَقُوله) أَي بطلَان خبر الْوَاحِد المستلزم بطلَان الْعَمَل بِهِ (ظاهري فَلَا يتم إِلْزَام كفر كل مُسلم) كَمَا ذكره ابْن الْحَاجِب لوُجُود الْعلم الظني بصدقه عِنْد ظُهُور عَدَالَته (وَالْحكم بكذب الْمُدَّعِي) الرسَالَة بِلَا معْجزَة (بدليله) أَي دَلِيل التَّكْذِيب لِأَن الرسَالَة عَن الله تَعَالَى على خلاف الْعَادة وَهِي تقضي بكذب من يَدعِي مَا يُخَالِفهَا بِلَا دَلِيل يدل على صدقه، بِخِلَاف الْأَخْبَار عَن الْأُمُور الْمُعْتَادَة، فَإِن الْعَادة لَا تقضي بكذب من يدعيها بِلَا دَلِيل فَالْقِيَاس فَاسد، ثمَّ الحكم بكذب من يَدعِي الرسَالَة بِلَا دَلِيل قَطْعِيّ، وَالصَّحِيح على مَا ذكره السُّبْكِيّ، وَقيل لَا يقطع بكذبه لتجويز الْعقل صدقه، قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَغير خَافَ أَن المُرَاد مدعيها قبل نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (و) يَنْقَسِم الْخَبَر (بِاعْتِبَار آخر) أَي السَّنَد (إِلَى متواتر وآحاد فالمتواتر) لُغَة المتتابع على التَّرَاخِي، وَاصْطِلَاحا (خبر جمَاعَة يُفِيد الْعلم، لَا بالقرائن الْمُنْفَصِلَة) عَنهُ فبقيد جمَاعَة خرج خبر الْفَرد، وبإفادة الْعلم خبر آحَاد هِيَ جمَاعَة غير أَنه لَا يُفِيد الْعلم، وبنفي الْقَرَائِن الْمُنْفَصِلَة خرج مَا يُفِيد الْعلم من خبر جمَاعَة بِسَبَب دلَالَة الْعقل كإخبارهم بِأَن النَّفْي وَالْإِثْبَات لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يرتفعان، أَو بِسَبَب مُوَافَقَته لخَبر الله أَو خبر رَسُوله، أَو بِدلَالَة الْحس من مُشَاهدَة حَالهم كَمَا إِذا أخبروا عَن عطشهم وَعَن جوعهم، وآثار ذَلِك مُعَاينَة فيهم، أَو أخبروا عَن موت أَبِيهِم مثلا مَعَ شقّ الْجُيُوب، وَضرب الخدود، والتفجع عَلَيْهِ، وَهَذِه الْقَرَائِن الَّتِي احترزوا عَنْهَا (بِخِلَاف مَا يلْزم) من الْقَرَائِن (نَفسه) أَي نفس الْخَبَر مثل الهيئات الْمُقَارنَة لَهُ، الْمُوجبَة لتحَقّق مضمونه (أَو الْمخبر) مثل كَونه موسوما
(3/30)

بِالصّدقِ مباشرا لِلْأَمْرِ الَّذِي أخبر بِهِ، كَذَا ذكره الشَّارِح. وَفِيه أَن عدم الْمُبَاشرَة من غير الْقَرَائِن الْمُنْفَصِلَة، ومعاينة آثَار الْجُوع والعطش من الْمُنْفَصِلَة لحكم (أَو الْمخبر عَنهُ) أَي الْوَاقِعَة الَّتِي أخبروا عَن وُقُوعهَا ككونها أمرا مترقبا قريب الْوُقُوع، فَإِن حُصُول الْعلم بِمَعْرِِفَة مثل هَذِه الْقَرَائِن لَا يقْدَح فِي التوتر، وَفِي الشَّرْح العضدي أَو الْمخبر بِفَتْح الْبَاء، وَفَسرهُ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ بالسامع الَّذِي ألقِي إِلَيْهِ الْخَبَر وَلم يذكرهُ المُصَنّف، وَلَا يبعد أَنه عده من الْمُنْفَصِلَة (وَعنهُ) أَي عَمَّا ذكر من هَذَا النَّوْع من الْقَرَائِن (يتَفَاوَت عدده) أَي الْمُتَوَاتر كَمَا إِذا كَانَ المخبرون موسومين بِالصّدقِ وَالْعدْل يحصل الْعلم بِإِخْبَار عدد أقل من عدد الموسومين، بِخِلَاف ذَلِك (ومنعت السمنية) بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم: فرقة من عَبدة الْأَصْنَام، ذكره الْجَوْهَرِي. وَفِي شرح البديع، وهم طَائِفَة منسوبة إِلَى سومنان بلد مَشْهُور بِالْهِنْدِ، والبراهمة وهم طَائِفَة لَا يجوزون على الله بعثة الرُّسُل (إفادته) أَي الْخَبَر (الْعلم، وَهُوَ) أَي مَنعهم (مُكَابَرَة لأَنا نقطع بِوُجُود نَحْو مَكَّة والأنبياء وَالْخُلَفَاء) بالأخبار المتواترة كَمَا يقطع بالمحسوسات بالإحساس (وتشكيكهم) أَي السمنية فَمَا هُوَ مَبْنِيّ إفادته الْعلم من اتِّفَاق الجم الْغَفِير على خبر وَاحِد (بِأَنَّهُ) أَي الِاجْتِمَاع الْمَذْكُور كاشتهاء الْكل طَعَاما وَاحِدًا. وَفِي بعض النّسخ (كَأَكْل الْكل طَعَاما) وَهُوَ مُمْتَنع (وَأَن الْجَمِيع) أَي وَبِأَن الْجَمِيع مركب (من الْآحَاد، وكل) مِنْهُم (لَا يعلم خَبره) أَي لَا يُفِيد الْعلم (فَكَذَا الْكل) وَإِلَّا يلْزم انقلاب الْمَاهِيّة (وبلزوم تنَاقض المعلومين) المتناقضين (إِذا أخبر جمعان) بلغ كل مِنْهُمَا عدد التَّوَاتُر (كَذَلِك) بِأَن يُفِيد خبر كل مِنْهُمَا الْعلم بِنَفسِهِ (بهما) صلَة أخبر: أَي بذينك المعلومين المتناقضين كَمَا إِذا أخْبرك أَحدهمَا بِمَوْت زيد فِي وَقت معِين وَالْآخر بحياته فِي ذَلِك الْوَقْت (و) يلْزم (صدق الْيَهُود فِي) نقلهم عَن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام (لَا نَبِي بعدِي). وَقد ثَبت خِلَافه بالأدلة القطعية (و) بِلُزُوم (عدم الْخلاف) فِي إفادته الْعلم بِنَاء على دَعْوَى الضَّرُورَة فِي الْعلم الَّذِي يفِيدهُ (وبأنا نفرق بَينه) أَي بَين الْعلم الَّذِي يفِيدهُ الْمُتَوَاتر (و) بَين (غَيره من الضروريات ضَرُورَة) أَي فرقا بديهيا حَتَّى لَو عرضنَا على أَنْفُسنَا وجود جالينوس، وَكَون الْوَاحِد نصف الِاثْنَيْنِ وجدنَا الثَّانِي أقرب من الأول بِالضَّرُورَةِ، وَلَو كَانَ الْحَاصِل بالتواتر علما ضَرُورِيًّا لما اخْتلفَا فِي الْجَزْم، لِأَن الِاخْتِلَاف فِيهِ لتطرق احْتِمَال النقيض وَهُوَ غير مُمكن فِيهَا. ثمَّ قَوْله تشكيكهم بِكَذَا وَكَذَا مُبْتَدأ خَبره (تشكيك فِي ضَرُورَة) أَي فِي أَمر بديهي، فَلَا يسْتَحق الْجَواب (وأبعدها) أَي التشكيكات (الأول) وَهُوَ التَّشْبِيه بالِاتِّفَاقِ على أكل طَعَام وَاحِد، إِذْ سَبَب الِاخْتِلَاف فِيهِ اخْتِلَاف الأمزجة والشهوات، وَلم يتَحَقَّق مَا يُوجب الِاخْتِلَاف فِي بعض الْأَخْبَار (وَإِنَّمَا خيل) ذَلِك (فِي الْإِجْمَاع عَن) دَلِيل (ظَنِّي)
(3/31)

كَمَا سَيَأْتِي مَعَ جَوَابه فِي بَاب الْإِجْمَاع (وَاخْتِلَاف حَال الْجُزْء وَالْكل ضَرُورِيّ) أَلا ترى مَا فِي مَجْمُوع طاقات الْحَبل من الْقُوَّة وَمَا فِي طَاقَة أَو طاقتين من الضعْف إِلَى غير ذَلِك مِمَّا لَا يُحْصى، وَلَا يلْزم الانقلاب بِسَبَب كَون كل من الْآحَاد غير مُفِيد للْعلم، وَكَون الْكل مُفِيدا لعدم اتِّحَاد مُتَعَلق النَّفْي وَالْإِثْبَات، وَلم يقل وَالثَّانِي لظُهُوره، وَلقَوْله (وَالثَّالِث) أَي تَوَاتر الْخَبَرَيْنِ المتناقضين (مُمْتَنع) عَادَة وَإِن كَانَ مُمكنا ذاتا (وأخبار الْيَهُود آحَاد الأَصْل) يَكْفِي للمانع احْتِمَال كَونه آحَاد الأَصْل، على أَنه ثَبت بِالنَّقْلِ أَن بخْتنصر قَتلهمْ بِحَيْثُ قلوا وَلم يبْق فيهم عدد التَّوَاتُر. وَقد شَرط فِي التَّوَاتُر اسْتِوَاء الطَّرفَيْنِ وَالْوسط فِي الْكَثْرَة الَّتِي يحصل بهَا التَّوَاتُر، وَهَذَا هُوَ الرَّابِع (وَقد يُخَالف فِي الضَّرُورِيّ مكابر كالسوفسطائية) فَإِن مِنْهُم من يُنكر ثُبُوت حقائق الْأَشْيَاء وَيَقُول أَنَّهَا خيالات بَاطِلَة، وهم العنادية، وَمِنْهُم من يزْعم أَنَّهَا تَابِعَة للاعتقادات لَو اعْتقد المعتقد الْعرض جوهرا وَبِالْعَكْسِ، فَالْأَمْر كَمَا اعْتقد، وهم العندية، وَمِنْهُم من يُنكر الْعلم بِثُبُوت شَيْء وَلَا ثُبُوته وَيَزْعُم أَنه شَاك وشاك فِي أَنه شَاك، وهلم جرا وهم اللاأدرية وَالْحق أَنهم لَا يسْتَحقُّونَ الْجَواب، بل يقتلُون ويضربون، وَيُقَال لَهُم لَا تجزعوا فَإِنَّهُ لَا ثُبُوت لشَيْء، وسوفسطا: اسْم للحكمة المموهة وَالْعلم المزخرف، وَيُقَال سفسط فِي الْكَلَام إِذْ هذى، وَهَذَا الْخَامِس (وَالْفرق) بَين الْعلم الْحَاصِل بالتواتر وَغَيره من الضروريات إِنَّمَا هُوَ (فِي السرعة للِاخْتِلَاف فِي الْجلاء والخفاء) للتفاوت فِي الْألف، وَالْعَادَة، والممارسة، والأخطار بالبال، وتصورات أَطْرَاف الْأَحْكَام (لَا) لاخْتِلَاف (فِي الْقطع) بِوَاسِطَة احْتِمَال النقيض، فَانْتفى التشكيك السَّادِس أَيْضا. (ثمَّ الْجُمْهُور) من الْفُقَهَاء والمتكلمين (على أَن ذَلِك الْعلم ضَرُورِيّ، والكعبي وَأَبُو الْحُسَيْن) قَالَا هُوَ (نَظَرِي وَتوقف الْآمِدِيّ قَالُوا) أَي النظريون (يحْتَاج) الْعلم الْحَاصِل بِهِ (إِلَى المقدمتين) هما (الْمخبر عَنهُ محسوس فَلَا يشْتَبه) بِخِلَاف الْعقلِيّ فَإِنَّهُ قد يشْتَبه كحدوث الْعَالم على الفلاسفة (وَلَا دَاعِي لَهُم) أَي للمخبرين (إِلَى الْكَذِب) من جلب مَنْفَعَة أَو دفع مضرَّة (وكل مَا هُوَ كَذَلِك) أَي محسوس لَا دَاعِي لمخبر بِهِ إِلَى الْكَذِب (صدق) فَهَذَا الْمخبر صدق (قُلْنَا احْتِيَاجه) أَي الْعلم الْحَاصِل بِهِ (إِلَى سبق الْعلم بذلك) أَي المقدمتين وترتيبهما (مَمْنُوع فَإنَّا نعلم علمنَا بِوُجُود بَغْدَاد من غير خطور شَيْء من ذَلِك) بالبال (فَكَانَ) الْعلم الْحَاصِل بِهِ (مخلوقا عِنْده) أَي الْخَبَر الْمُتَوَاتر لسامعه (بِالْعَادَةِ وَإِمْكَان صُورَة التَّرْتِيب) للمقدمتين فِيهِ (لَا يُوجب النظرية لإمكانه) أَي ترتيبهما (فِي أجلى البديهيات كالكل أعظم من جزئه) بِأَن يُقَال للْكُلّ جُزْء آخر، والمركب من الشَّيْء وَغَيره أعظم من ذَلِك الشَّيْء (ومرجع) كَلَام (الْغَزالِيّ) حَيْثُ قَالَ فِي المستقصى الْعلم الْحَاصِل بالتواتر ضَرُورِيّ بِمَعْنى أَنه لَا يحْتَاج إِلَى
(3/32)

الشُّعُور بتوسط وَاسِطَة مفضية إِلَيْهِ مَعَ أَن الْوَاسِطَة حَاضِرَة فِي الذِّهْن وَلَيْسَ ضَرُورِيًّا بِمَعْنى أَنه حَاصِل من غير وَاسِطَة كَقَوْلِنَا الْمَوْجُود لَا يكون مَعْدُوما فَإِنَّهُ لَا بُد فِيهِ من حُصُول مقدمتين إِحْدَاهمَا أَن هَؤُلَاءِ مَعَ كثرتهم وَاخْتِلَاف أَحْوَالهم لَا يجمعهُمْ على الْكَذِب جَامع. وَالثَّانيَِة أَنهم قد اتَّفقُوا على الْأَخْبَار عَن الْوَاقِعَة، لكنه لَا يفْتَقر إِلَى تَرْتِيب المقدمتين بِلَفْظ منظوم، وَلَا إِلَى الشُّعُور بتوسطهما أَو إفضائهما إِلَيْهِ (إِلَى أَنه) أَي الْخَبَر الْمُتَوَاتر (من قبيل القضايا الَّتِي قياساتها مَعهَا) كالعشرة نصف الْعشْرين (وَظهر) من قَوْلنَا نعلم علمنَا بِوُجُود بَغْدَاد إِلَى آخِره (عَدمه) أَي عدم كَونه من ذَلِك الْقَبِيل (قَالُوا) أَي المنكرون لضرورته (لَو كَانَ ضَرُورِيًّا علم ضروريته بِالضَّرُورَةِ) إِذْ الْعلم ببداهة الْعلم الْحَاصِل بِلَا نظر لَازم (فَلم يخْتَلف فِيهِ) لَكِن اخْتلف فِيهِ فَلَيْسَ ضَرُورِيًّا (قُلْنَا) معَارض بِأَنَّهُ (لَو كَانَ نظريا علم نظريته بِالضَّرُورَةِ) لمثل مَا ذكر (والحل) لمادة الشُّبْهَة (لَا يلْزم من حُصُول الْعلم الضَّرُورِيّ الشُّعُور بِصفتِهِ) الَّتِي هِيَ الضَّرُورَة، لِأَن تصور الْمَوْصُوف لَا يسْتَلْزم تصور الصّفة وَلَا التَّصْدِيق وجود التَّصْدِيق بثبوتها لَهُ (وَلَا يخفى أَنهم) أَي المنكرين للضَّرُورَة (لم يلزموا) المثبتين لَهَا (من الشُّعُور بِهِ) أَي بِالْعلمِ (الشُّعُور بِصفتِهِ) أَي بِصفة الْعلم (بل ألزموا كَون الْعلم بهَا) أَي بِصفتِهِ (ضَرُورِيًّا وَلَا يلْزم من كَونه) أَي الْعلم بهَا (ضَرُورِيًّا الشُّعُور بِهِ) أَي بِكَوْنِهِ ضَرُورِيًّا (بل الضَّرُورَة) أَي كَون الشَّيْء ضَرُورِيًّا (لَا تَسْتَلْزِم الْحُصُول) أَي حُصُول ذَلِك الشَّيْء فِي الْعقل وتصوره (بِوَجْه) مَا، لِأَن معنى كَونه ضَرُورِيًّا كَونه بِحَيْثُ لَا يحْتَاج إِلَى نظر (إِذْ يتَوَقَّف) الشُّعُور بِكَوْنِهِ ضَرُورِيًّا (على توجه النَّفس وتطبيق مَفْهُوم الضَّرُورِيّ الْمَشْهُور) أَي كَونه لَا يتَوَقَّف على نظر وَكسب (وَلَيْسَ المتوقف على ذَلِك) أَي التَّوَجُّه والتطبيق الْمَذْكُورين (نظريا) وَهُوَ ظَاهر (بل الْجَواب منع انْتِفَاء التَّالِي) فِي قَوْلهم: لَو كَانَ ضَرُورِيًّا علم ضروريته بِالضَّرُورَةِ والتالي: أَي لَكنا لَا نعلم كَونه ضَرُورِيًّا بِالضَّرُورَةِ مُنْتَفٍ فحاصل الْمَنْع أَنا لَا نسلم أَنه لَا نعلم ذَلِك بل هُوَ ضَرُورِيّ، ونعلم ضروريته على تَقْدِير التَّوَجُّه والتطبيق فَلم يخْتَلف (وَقد مر مثله) حَيْثُ قَالَ فِي فصل حجية السّنة ضَرُورِيَّة دينية، وَلَو أورد كَذَا الْحَاصِل ضَرُورَة يلْزمه إِلَى آخِره (وَالْحق أَن الضَّرُورَة لَا توجب عدم الِاخْتِلَاف فقد ينشأ) الِاخْتِلَاف لموجب (لَا من جهل الْمَفْهُوم) جهلا محوجا إِلَى النّظر. وَفِي بعض النّسخ لَا من جِهَة الْمَفْهُوم (بل من الْغَلَط بِظَنّ كل مُتَوَقف) علمه على الْعلم بِشَيْء آخر نظريا، وَهَذَا الظَّن غلط (وَقد انتظم الْجَواب) وَهُوَ قَوْله قَلما احْتِيَاجه إِلَى سبق الْعلم بذلك مَمْنُوع (دَلِيل الْمُخْتَار) وَهُوَ أَنه ضَرُورِيّ: يَعْنِي أَنه لم يذكر
(3/33)

للمختار دَلِيلا على حِدة، لَكِن الْجَواب الْمَذْكُور للرَّدّ على المنكرين صَار دَلِيلا لَهُ، فَقَوله دَلِيل الْمُخْتَار حَال من فَاعل انتظم (وشروط الْمُتَوَاتر) الصَّحِيحَة فِي المخبرين ثَلَاثَة: أَحدهَا (تعدد النقلَة بِحَيْثُ يمْنَع التواطأ عَادَة) على الْكَذِب (و) ثَانِيهَا (الِاسْتِنَاد) فِي إخبارهم (إِلَى الْحس) أَي إِحْدَى الْحَواس الْخمس لَا إِلَى الْعقل لما سبق (وَلَا يشْتَرط) الِاسْتِنَاد إِلَى الْحس (فِي كل وَاحِد). وَفِي الشَّرْح العضدي لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يكون بعض المخبرين مُقَلدًا فِيهِ أَو ظَانّا أَو مجازفا. وَقَالَ السُّبْكِيّ: وَعِنْدِي هُنَا وَقْفَة (و) ثَالِثهَا (اسْتِوَاء الطَّرفَيْنِ وَالْوسط فِي ذَلِك) التَّعَدُّد والاستناد، لِأَن أهل كل طبقَة بعد الطَّبَقَة الأولى كالأولى فِيمَا يشْتَرط لإِفَادَة الْعلم (وَالْعلم بهَا) أَي بِهَذِهِ الشُّرُوط (شَرط الْعلم) الْحَاصِل (بِهِ) أَي بالْخبر الْمُتَوَاتر (عِنْد من جعله) أَي الْعلم الْمَذْكُور (نظريا) لِأَنَّهُ الطَّرِيق إِلَيْهِ (وَعِنْدنَا) الْعلم بِالشُّرُوطِ (بعده) أَي بعد الْعلم الْحَاصِل بِهِ (عَادَة) يَعْنِي جرت الْعَادة بِأَن هَذَا الْعلم يحصل بعده غَالِبا من غير أَن يكون لَهُ مُوجب عَقْلِي (وَقد لَا يلْتَفت إِلَيْهَا) أَي الشُّرُوط لذهوله عَنْهَا (وَلَا يتَعَيَّن عدد) مَخْصُوص يتَوَقَّف عَلَيْهِ حُصُول التَّوَاتُر (وَقيل) يتَعَيَّن (أقلهم خَمْسَة) لِأَن الْأَرْبَعَة بَيِّنَة شَرْعِيَّة فِي الزِّنَا يجب تزكيتهم لإِفَادَة خبرهم الظَّن بِالْإِجْمَاع، إِذْ لَو أفادت الْعلم لما احْتَاجَت إِلَى التَّزْكِيَة (و) قيل أقلهم (اثْنَا عشر) كعدد نقباء بني إِسْرَائِيل المبعوثين طَلِيعَة إِلَى الْجَبَابِرَة والكنعانيين بِالشَّام، وَإِنَّمَا كَانَ اخْتِيَار هَذَا الْعدَد لإِفَادَة الْعلم (و) قيل (وَعِشْرُونَ) لقَوْله تَعَالَى - {إِن يكن مِنْكُم عشرُون صَابِرُونَ} - الْآيَة (و) قيل (أَرْبَعُونَ) لقَوْله تَعَالَى - {حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ} - وَكَانُوا أَرْبَعِينَ رجلا كَلمهمْ عمر رَضِي الله عَنهُ وَلَا يخفى مَا فِي الِاسْتِدْلَال بِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ (و) قيل (سَبْعُونَ) لقَوْله تَعَالَى - {وَاخْتَارَ مُوسَى قومه سبعين رجلا لِمِيقَاتِنَا} - أَي للاعتذار إِلَيْهِ من عبَادَة الْعجل وسماعهم كَلَامه من أَمر وَنهي ليخبروا قَومهمْ بِمَا يسمعونه، وَكَانَ اخْتِيَار هَذَا الْعدَد لإِفَادَة الْعلم، وَذكر الشَّارِح أقوالا أخر تَركهَا المُصَنّف، وَقد أحسن فِيهِ فتركناه (و) قيل (مَا لَا يُحْصى وَمَا لَا يحصرهم بلد) فَيمْتَنع تواطؤهم على الْكَذِب، وَالْكل غير صَحِيح (وَالْحق عَدمه) أَي عدم تعْيين عدد مَخْصُوص (لقطعنا بقطعنا بمضمونه) أَي الْخَبَر الْمُتَوَاتر (بِلَا علم مُتَقَدم بِعَدَد) مَخْصُوص، وَإِنَّمَا قيد الْعلم الْمَنْفِيّ بِوَصْف التَّقَدُّم بِنَاء (على النظرية) أَي على قَول الْقَائِلين بِأَنَّهُ يُفِيد علما نظريا، فَإِنَّهُم يعتبرون فِي طَرِيق ذَلِك الْعلم بِالْعدَدِ الْمَخْصُوص، هَكَذَا هَذَا خبر أخبرهُ عدد كَذَا، وكل مَا يكون كَذَلِك صدقا لِامْتِنَاع تواطؤ هَذَا الْعدَد على الْكَذِب (وَلَا) علم (مُتَأَخّر) بِعَدَد مَخْصُوص بِنَاء (على) قَول (الضرورية) أَي الْقَائِلين بِأَنَّهُ يُفِيد علما ضَرُورِيًّا، فَإِنَّهُم يَقُولُونَ أَن الْعلم بِعَدَد المخبرين
(3/34)

بِحَيْثُ يمْنَع التواطؤ عَادَة كَمَا مر آنِفا يحصل عَادَة بعد حُصُول الْعلم بمضمون الْخَبَر، وَيرد عَلَيْهِ أَن حَاصِل هَذَا التَّعْلِيل عدم لُزُوم الْعلم بِعَدَد مَخْصُوص مُتَقَدما ومتأخراً لَا عدم تعين عدد مَخْصُوص فِي نفس الْأَمر، وَقَوله وَالْحق عَدمه يدل على هَذَا وَالْجَوَاب أَن الْعلم بِالْعدَدِ الْمَخْصُوص إِذا لم يتَوَقَّف عَلَيْهِ إِفَادَة الْخَبَر الْمُتَوَاتر الْعلم، وَلَا يلْزم حُصُوله بهَا بعْدهَا، فَمن أَيْن يعلم توقفها على نفس ذَلِك الْعدَد، على أَنه يدل على نفي توقفها عَلَيْهِ فِي نفس الْأَمر قَوْله (وللعلم باختلافه) أَي اخْتِلَاف حَال الْخَبَر الْمُتَوَاتر بِاعْتِبَار الْعدَد (بِحُصُول الْعلم مَعَ عدد) خَاص (فِي مَادَّة وَعَدَمه) أَي عدم حُصُوله (فِي) مَادَّة (أُخْرَى مَعَ) عدد (مثله) أَي مثل ذَلِك الْعدَد الْخَاص، فَلَو كَانَ الْمدَار خُصُوص الْعدَد كَانَ يحصل الْعلم فِي الْمَادَّة الْأُخْرَى أَيْضا، وَقد يُقَال تعين الْعدَد الْخَاص لَيْسَ بِمَعْنى كَونه مناطا للعدم بل بِمَعْنى كَونه شرطا لَهُ فَيجوز أَن يكون عدم حُصُول الْعلم فِي الْمَادَّة الْأُخْرَى لفَوَات شَرط آخر فَتَأمل (فَبَطل) بِهَذَا (قَول أبي الْحُسَيْن وَالْقَاضِي: كل خبر عدد أَفَادَ علما) بمضمونه لشخص (فَمثله) أَي فَمثل ذَلِك الْخَبَر بِاعْتِبَار عدده (يفِيدهُ) أَي علما بمضمونه (فِي غَيره) أَي غير ذَلِك الشَّخْص، لزعمهما أَن منَاط إِفَادَة الأول للْعلم إِنَّمَا هُوَ الْعدَد الْخَاص، والاشتراك فِي المناط يسْتَلْزم الِاشْتِرَاك فِي الحكم، ثمَّ بَين منشأ اخْتِلَاف حَاله بقوله (للِاخْتِلَاف فِي لَوَازِم مَضْمُون الْخَبَر من قربه) أَي قرب الْخَبَر من وَقت وُقُوع الْمَضْمُون (وَبعده) عَنهُ (وأطرافه) أَي الْخَبَر أَو الْمَضْمُون: يَعْنِي الْأُمُور الْمُتَعَلّقَة والقرائن الدَّالَّة على الْوُقُوع، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد الْمخبر عَنهُ وَبِه (وَمن ممارسة المخبرين) يُقَال مارسه: أَي عالجه وزاوله، وَالْمرَاد كَمَال اطلاعهم (بمضمونه وَالْعلم) أَي علم السَّامع (بأمانتهم وضبطهم وَحسن إِدْرَاك المستمعين) وَقد عرفت مِمَّا سبق أَن هَذِه الْأُمُور مِمَّا يلْزم نفس الْخَبَر أَو الْمخبر أَو الْمخبر عَنهُ وَلَيْسَت من الْقَرَائِن الْمُنْفَصِلَة الَّتِي احْتَرز عَنْهَا فِي تَعْرِيف الْمُتَوَاتر (إِلَّا أَن يُرَاد مَعَ التَّسَاوِي) اسْتثِْنَاء من عُمُوم قَول أبي الْحُسَيْن وَالْقَاضِي بِاعْتِبَار حكم الْبطلَان: يَعْنِي أَن حكمهمَا بِكَوْن الْمثل مشاركا لما هُوَ مثل لَهُ فِي الإفادة للْعلم على الْإِطْلَاق بَاطِل إِلَّا أَن يُرَاد كَون الْخَبَرَيْنِ مماثلين فِي الْعدَد منع التَّسَاوِي بَينهمَا فِي ذاتيتهما ومخبريهما من كل وَجه، فَإِن كَانَ المُرَاد هَذَا (فَصَحِيح) حِينَئِذٍ قَوْلهمَا، لَكِن التَّسَاوِي من كل الْوُجُوه (بعيد) جدا لعدم مثل هَذَا التَّسَاوِي عَادَة (وَفِي الْوُقُوع) مَعْطُوف على قَوْله فِي لَوَازِم، يَعْنِي أَن الِاخْتِلَاف كَمَا هُوَ ثَابت بِاعْتِبَار اللوازم، وَذَلِكَ يُفِيد معقولية الِاخْتِلَاف فِي إِفَادَة الْعلم كَذَلِك ثَابت بِاعْتِبَار الْوُقُوع كَمَا أَفَادَهُ بقوله بِحُصُول الْعلم مَعَ عدد فِي مَادَّة وَعَدَمه فِي أُخْرَى مَعَ عدد مثله وَذَلِكَ يُفِيد إِجْمَالا أَن لَهُ مُوجبا فِي نفس الْأَمر (وَأما شُرُوط الْعَدَالَة وَالْإِسْلَام كَيْلا يلْزم تَوَاتر) خبر (النَّصَارَى بقتل الْمَسِيح) وَهُوَ بَاطِل بقوله تَعَالَى - {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صلبوه} -
(3/35)

وَإِجْمَاع الْمُسلمين (فساقط كشروط الْيَهُود أهل الذلة) أَي وجود أهل الذلة والمسكنة فِي المخبرين (لخوفهم المواطأة) على الْكَذِب إِذا لم يكن فيهم هَؤُلَاءِ بِأَن كَانَ الْكل من الأكابر لعدم خوفهم من الْمُؤَاخَذَة على الْكَذِب لعزتهم وجاههم، وَقد يُقَال وجود الأذلة بَين المخبرين يُورث وَهنا فِي الْخَبَر لاحْتِمَال أَن يكون إخبارهم لتبعية الأكابر كَمَا هُوَ الْمُعْتَاد من حَالهم، أما سُقُوط الأول فلعدم تحقق الشَّرْط الْمُتَّفق عَلَيْهِ: وَهُوَ اسْتِوَاء الطَّرفَيْنِ وَالْوسط فِي الْعدَد (وخبرهم آحَاد الأَصْل) لأَنهم كَانُوا قليلين فِي ابْتِدَاء أَمرهم جدا، وَقد يُقَال سُقُوطه لِأَن الْمَسِيح شبه لَهُم فَقَتَلُوهُ بِنَاء على اعْتِقَادهم أَنه هُوَ كَمَا قَالَ - {وَلَكِن شبه لَهُم} - وَأما سُقُوط الثَّانِي فَلَمَّا ذكرنَا، ولحصول الْعلم بِإِخْبَار العظماء إِذا كَانَ عَددهمْ بِحَيْثُ يَسْتَحِيل تواطؤهم على الْكَذِب عَادَة فَلَا يضر بعد ذَلِك عدم وجود الأذلة (وينقسم) الْمُتَوَاتر (إِلَى مَا يُفِيد الْعلم بموضوع) صلَة الْعلم: أَي بِمَعْنى مَدْلُول عَلَيْهِ بِوَاسِطَة الْوَضع مُطَابقَة أَو تضمنا أَو التزاما (فِي أَخْبَار الْآحَاد) وَفِي بعض النّسخ الْعدَد بدل الْآحَاد، وَمثل الشَّارِح الْمَوْضُوع بالأمكنة النائية والأمم الخالية، وَلَا يظْهر وَجه التَّسْمِيَة بموضوع وَلَا يُنَاسِبه قَوْله (وَغير مَوْضُوع فِي شَيْء مِنْهَا) أَي أَخْبَار الْآحَاد (بل يعلم) هَذَا الَّذِي هُوَ غير مَوْضُوع فِي شَيْء مِنْهَا للسامع (عِنْدهَا) أَي الْأَخْبَار الْمَذْكُورَة (بِالْعَادَةِ كأخبار عَليّ) رَضِي الله عَنهُ فِي الحروب (وَعبد الله بن جَعْفَر) فِي الْعَطاء (يحصل عِنْدهَا) أَي أخبارهما (يدل على السجية) أَي الملكة النفسية: يَعْنِي الشجَاعَة والسخاء (ضمنا إِذْ لَيْسَ الْجُود جُزْء مَفْهُوم إِعْطَاء آلَاف، وَلَا الشجَاعَة جُزْء مَفْهُوم قتل آحَاد مخصوصين) لِأَن الشجَاعَة ملكة نفسانية تَقْتَضِي اعْتِدَال الْقُوَّة الغضبية (وَلَا) يدل على السجية (التزاما إِلَّا بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ) للالتزام (لجَوَاز تعقل قَائِل ألفا بِلَا خطور معنى الشجَاعَة) تَعْلِيل لنفي دلَالَة الِالْتِزَام بِالْمَعْنَى الْأَخَص، وَهُوَ كَون الدَّال بِحَيْثُ يلْزم من تعقله تعقل الْمَدْلُول، وَأما وجود دلَالَة الِالْتِزَام بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ فَلِأَنَّهُ إِذا تصور مُقَابلَة الْألف وَمَفْهُوم الشجَاعَة وَطلب الْمُلَازمَة بَينهمَا حكم بهَا، فِي الشَّرْح العضدي إِذا كثرت الْأَخْبَار فِي الوقائع وَاخْتلفت فِيهَا لَكِن كل وَاحِد مِنْهَا يشْتَمل على معنى مُشْتَرك بَينهَا بِجِهَة التضمن أَو الِالْتِزَام حصل الْعلم بِالْقدرِ الْمُشْتَرك وَيُسمى الْمُتَوَاتر من جِهَة الْمَعْنى، وَذَلِكَ كوقائع حَاتِم فِيمَا يحْكى من عطاياه من فرس وابل وَعين وثوب فَإِنَّهَا تَتَضَمَّن جوده فَيعلم، وَإِن لم يعلم شَيْء من تِلْكَ القضايا بِعَيْنِه، وكوقائع عَليّ رَضِي الله عَنهُ فِي حروبه أَنه هدم فِي خَيْبَر كَذَا وَفعل فِي أحد كَذَا إِلَى غير ذَلِك، فَإِنَّهُ يدل بالالتزام على شجاعته وَقد تَوَاتر مِنْهُ ذَلِك وَأَن كَانَ شَيْء من تِلْكَ الوقائع لم يبلغ دَرَجَة الْقطع انْتهى. وَقَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ قَوْله فَإِنَّهَا تَتَضَمَّن جوده يُشِير إِلَى أَن الأول مِثَال للتضمن،
(3/36)

وَالثَّانِي للالتزام، أما الِالْتِزَام فَظَاهر، وَأما التضمن فَلِأَن الْجُود لما كَانَ إِفَادَة مَا يَنْبَغِي لَا لعوض كَانَ جُزْءا من كل إِعْطَاء مَخْصُوص، وَهَذَا بِالنّظرِ إِلَى الظَّاهِر، وَإِلَّا فالجود صفة فِي النَّفس هِيَ مبدأ تِلْكَ الإفادة انْتهى (فَمَا قيل) وَالْقَائِل ابْن الْحَاجِب إِذا اخْتلف الْمُتَوَاتر فِي الوقائع (الْمَعْلُوم مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ بتضمن أَو الْتِزَام تساهل) إِذْ قد عرفت أَنه لَيْسَ فِي الْقسم الثَّانِي تضمن وَلَا الْتِزَام، وَفِي الْقسم الأول تتَحَقَّق الدلالات الثَّلَاث، لَكِن قد يُرَاد بالالتزام الْمَعْنى الْأَعَمّ (وَأما الْآحَاد فخبر لَا يُفِيد بِنَفسِهِ الْعلم) سَوَاء لم يفد أصلا أَو يفِيدهُ بالقرائن الْمُنْفَصِلَة، فَلَا وَاسِطَة بَين الْمُتَوَاتر وَخبر الْآحَاد، وَهَذَا التَّعْرِيف لَا يتم على قَول أَحْمد: خبر الْوَاحِد يُفِيد الْعلم بِنَفسِهِ مطردا، وعَلى قَول بَعضهم يُفِيد غير مطرد وَسَيَأْتِي (وَقيل مَا يُفِيد الظَّن، وَاعْترض بِمَا لم يفده، وَدفع بِأَنَّهُ) أَي الْخَبَر الَّذِي لم يفده (لَا يُرَاد) دُخُوله فِي التَّعْرِيف لِأَنَّهُ غير دَاخل فِي الْمَحْدُود (إِذْ لَا يثبت بِهِ) أَي بِمَا لم يفده (حكم) وَالْمرَاد مَا يُفِيد الحكم وَهل هَذَا يثبت الْوَاسِطَة (وَلَيْسَ) هَذَا الدّفع بِشَيْء (إِذْ ثَبت بالضعيف) أَي بِالْحَدِيثِ الَّذِي ضعفه (بِغَيْر وضع) أَي كذب (الْفَضَائِل وَهُوَ النّدب) وَهُوَ حكم شَرْعِي، وَقد يُقَال: إِذا ثَبت النّدب لزمَه إِفَادَة الظَّن، وَالْكَلَام فِيمَا لَا يفِيدهُ فَلْيَكُن مَادَّة النَّقْض الْخَبَر الْمَوْضُوع، وَحَاصِل الدّفع تَقْيِيد الْمَحْدُود بِمَا يثبت الحكم، وَقد يُقَال ثُبُوت الْفَضَائِل بِالْحَدِيثِ الضَّعِيف لَا يسْتَلْزم إفادته الظَّن، كَيفَ وإفادة الظَّن وَظِيفَة الصَّحِيح وَالْحسن، بل ثُبُوت مندوبية الْعَمَل بالضعيف: أَي بمضمونه إِنَّمَا هُوَ لرعاية الِاحْتِمَال الْمَرْجُوح أَو الْمسَاوِي رَغْبَة فِي الطَّاعَة وَعدم الْمَانِع عَن الْعَمَل بِهِ لإباحته الْأَصْلِيَّة (وَمِنْه) أَي خبر الْآحَاد (قسم يُسمى المستفيض) وَهُوَ (مَا رَوَاهُ ثَلَاثَة فَصَاعِدا أَو مَا زَاد عَلَيْهَا) أَي الثَّلَاثَة، وَالْمرَاد مَا لم ينْتَه إِلَى التَّوَاتُر، تَركه لظُهُوره بِقَرِينَة التقابل وَغَيره. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ: أقل مَا يثبت بِهِ الاستفاضة اثْنَان. وَقَالَ السُّبْكِيّ وَالْمُخْتَار عندنَا أَن المستفيض مَا يعده النَّاس شَائِعا وَقد صدر عَن أصل (وَالْحَنَفِيَّة) قَالُوا (الْخَبَر متواتر وآحاد ومشهور وَهُوَ) أَي الْمَشْهُور (مَا كَانَ آحَاد الأَصْل متواترا فِي الْقرن الثَّانِي وَالثَّالِث فبينه) أَي الْمَشْهُور (وَبَين المستفيض عُمُوم من وَجه) لصدقهما على مَا رَوَاهُ الثَّلَاثَة فَصَاعِدا مَا لم يتواتر فِي الْقرن الأول ثمَّ تَوَاتر فِي أحد القرنين وانفراد المستفيض إِذا لم ينْتَه فِي أَحدهمَا إِلَى التَّوَاتُر وانفراد الْمَشْهُور فِيمَا رَوَاهُ وَاحِد أَو اثْنَان فِي الأَصْل ثمَّ تَوَاتر فِي الثَّانِي أَو الثَّالِث (وَهُوَ) أَي الْمَشْهُور (قسم من الْمُتَوَاتر عِنْد الْجَصَّاص) فِي جمَاعَة من الْحَنَفِيَّة (وعامتهم) أَي الْحَنَفِيَّة على أَن الْمَشْهُور (قسيم) للمتواتر (فالآحاد مَا لَيْسَ أَحدهمَا) أَي الْمُتَوَاتر وَالْمَشْهُور (والمتواتر عِنْده) أَي الْجَصَّاص (مَا أَفَادَ الْعلم بمضمون الْخَبَر ضَرُورَة أَو نظرا وَهُوَ) أَي مُفِيد الْعلم بمضمونه نظرا (الْمَشْهُور وعَلى هَذَا)
(3/37)

أَي أَن الْمَشْهُور يُفِيد الْعلم نظرا (قيل) الْجَصَّاص (يكفر) جاحده (بجحده)، وعامتهم لَا يكفرونه، وَالْقَائِل صدر الشَّرِيعَة (وَالْحق الِاتِّفَاق على عَدمه) أَي الإكفار كَمَا نَص السَّرخسِيّ (لآحادية أَصله فَلم يكن) جَحده (تَكْذِيبًا لَهُ عَلَيْهِ السَّلَام، بل ضَلَالَة لتخطئة الْمُجْتَهدين) فِي الْقبُول وَاتِّبَاع مُوجبه (وَلِأَن الإفادة) للْعلم (إِذا كَانَت نظرية توقفت عَلَيْهِ) أَي النّظر (وَقد يعجز عَنهُ) النّظر (أَو يذهل عَنهُ، وَحَاصِل ذَلِك النّظر) فِي الْعلم المفاد بالمشهور على قَوْله ثُبُوت (الْإِجْمَاع الْمُتَأَخر) على (أَنه) أَي الْمَشْهُور (صَحَّ عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَيلْزم الْقطع بِهِ) أَي الْمَشْهُور (قُلْنَا اللَّازِم) من تلقيهم بِالْقبُولِ (الْقطع بِصِحَّة الرِّوَايَة) لَهُ (بِمَعْنى اجْتِمَاع شَرَائِط الْقبُول لَا الْقطع بِأَنَّهُ) أَي الْمَشْهُور (قَالَه) أَي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (وَلَو كَانَ) الْإِجْمَاع الْمُتَأَخر (على) وجوب (الْعَمَل بِهِ) أَي الْمَشْهُور (فَكَذَلِك) أَي لَا يكفر جاحده (لما ذكرنَا من معنى الخفاء) الْمُوجب للعجز أَو الذهول فِي الْبَعْض بِخِلَاف الْمُتَوَاتر فَإِنَّهُ كالمسموع مِنْهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وتكذيبه كفر (ثمَّ يُوجب) الْمَشْهُور عِنْد عَامَّة الْحَنَفِيَّة (ظنا فَوق) ظن الْخَبَر (الْآحَاد قَرِيبا من الْيَقِين) وَهُوَ مَا سَمَّاهُ الْقَوْم علم طمأنينة لاطمئنان النَّفس وتوطينها وتسكيها عَن مزاجة احْتِمَال النقيض (لمقولية الظَّن) على أَفْرَاده (بالتشكيك) فبعضها أقوى من الْبَعْض (فَوَجَبَ تَقْيِيد مُطلق الْكتاب بِهِ) أَي الْمَشْهُور (كتقييد) مُطلق (آيَة جلد الزَّانِي) الشَّامِل للمحصن وَغَيره (بِكَوْنِهِ) أَي الزَّانِي (غير مُحصن برجم مَاعِز) أَي بِدَلِيل أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رجم ماعزا من غير جلد كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا (وَقَوله) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم:
" الثّيّب بِالثَّيِّبِ جلد مائَة " (ورجم بِالْحِجَارَةِ) ذكر المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة أَن هَذَا الحَدِيث مَنْسُوخ وَلَا يجمع بَين الْجلد وَالرَّجم، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَرِوَايَة عَن أَحْمد وَيجمع فِي رِوَايَة أُخْرَى عَنهُ، وَأهل الظَّاهِر كَذَلِك، ثمَّ إِن النّسخ إِنَّمَا هُوَ للْجمع بَينهمَا، وأصل الرَّجْم لَيْسَ بمنسوخ فيصلح مُقَيّدا (و) تَقْيِيد مُطلق (صَوْم كَفَّارَة الْيَمين) الشَّامِل للتتابع وَغَيره (بالتتابع بِقِرَاءَة ابْن مَسْعُود) فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام مُتَتَابِعَات كَمَا مر (لشهرتها) أَي قِرَاءَته (فِي الصَّدْر الأول، وَهُوَ) أَي الشُّهْرَة فِيهِ (الشَّرْط) فِي وجوب تَقْيِيد الْكتاب بِهِ (و) تَقْيِيد (آيَة غسل الرجل) فِي الْوضُوء (بِعَدَمِ التخفف) أَي لبس الْخُف (بِحَدِيث الْمسْح) على الْخُف الْمخْرج فِي الصِّحَاح وَالسّنَن وَالْمَسَانِيد وَغَيرهَا (إِن لم يكن متواترا) قَالَ أَبُو حنيفَة: من أنكر الْمسْح على الْخُفَّيْنِ يخَاف عَلَيْهِ الْكفْر، فَإِنَّهُ ورد فِيهِ من الْأَخْبَار مَا يشبه الْمُتَوَاتر. وَقَالَ أَبُو يُوسُف خبر الْمسْح يجوز نسخ الْكتاب بِهِ لشهرته، وَقد نَص ابْن عبد الْبر على أَنه متواتر، وَفِي شرح الطَّحَاوِيّ. قَالَ الْكَرْخِي أثبتنا الْكفْر على من لَا يرى الْمسْح على الْخُفَّيْنِ.
(3/38)

(فصل: فِي شَرَائِط الرَّاوِي. مِنْهَا كَونه بَالغا حِين الْأَدَاء)
وَإِن لم يكن بَالغا وَقت التَّحَمُّل (لإنفاقهم) أَي الصَّحَابَة وَغَيرهم (على) قبُول رِوَايَة (ابْن عَبَّاس وَابْن الزبير والنعمان ابْن بشير وَأنس بِلَا استسفار) عَن الْوَقْت الَّذِي تحملوا فِيهِ مَا يَرْوُونَهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. جَاءَ فِي صَحِيح البُخَارِيّ مَا يدل على أَن ابْن عَبَّاس أدْرك فِي حَيَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غير أَنه تحمل صَغِيرا وَأدّى كَبِيرا، فقد قيل لَهُ أشهدت الْعِيد مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَ نعم، وَلَوْلَا مَكَاني مِنْهُ مَا شهدته من الصغر، رَوَاهُ البُخَارِيّ، توفّي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَسن ابْن الزبير والنعمان دون الْعشْر، وَاتفقَ أهل السبر وَالْأَخْبَار وَمن صنف أَن ابْن الزبير أول مَوْلُود فِي الْإِسْلَام فِي الْمَدِينَة من قُرَيْش، ولد فِي السّنة الثَّانِيَة، والنعمان من أقرانه، وَهُوَ أول مَوْلُود فِي الْأَنْصَار بعد الْهِجْرَة، وَأما أنس فَكَانَ ابْن عشر سِنِين لما قدم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَدِينَة وعرضته أمه على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لخدمته فَقبله، وَتُوفِّي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ ابْن عشْرين سنة. وَقد روى لَهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ألفا حَدِيث وَمِائَتَا حَدِيث وَسِتَّة وَثَمَانُونَ حَدِيثا (فَبَطل الْمَنْع) أَي منع قبُوله لكَون الصغر مَظَنَّة عدم الضَّبْط والتحرير. (وَأما إسماعهم الصّبيان) للْحَدِيث كَمَا جرت بِهِ عَادَة السّلف وَالْخلف (فَغير مُسْتَلْزم) قبُول رِوَايَته بعد الْبلُوغ أَلْبَتَّة، لجَوَاز أَن يكون ذَلِك للتبرك (وَقبل الْمُرَاهق شذوذ مَعَ تحكيم الرَّأْي) فَإِذا وَقع فِي ظن السَّامع صدقه قبل رِوَايَته فِي الْمُعَامَلَات والديانات (قُلْنَا: الْمُعْتَمد الصَّحَابَة وَلم يرجِعوا إِلَيْهِ) أَي الصَّحَابَة إِلَى الْمُرَاهق (واعتماد أهل قبَاء على أنس أَو ابْن عمر لسن الْبلُوغ) هَذَا جَوَاب شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ عَن الْقَائِلين بِقبُول رِوَايَة الصَّبِي فِي بَاب الدّين بِحَدِيث أهل قبَاء حَيْثُ قَالُوا أَن عبد الله بن عمر أَتَاهُم وَأخْبرهمْ بتحويل الْقبْلَة إِلَى الْكَعْبَة وهم كَانُوا فِي الصَّلَاة فاستداروا كَهَيْئَتِهِمْ، وَكَانَ يَوْمئِذٍ صَغِيرا لِأَنَّهُ عرض عَلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم بدر وَهُوَ ابْن أَربع عشرَة سنة، وتحويل الْقبْلَة كَانَ قبل بدر بشهرين، فقد اعتمدوا خَبره فِيمَا لَا يجوز الْعَمَل بِهِ إِلَّا بِعلم، وَهُوَ الصَّلَاة وَلم يُنكر عَلَيْهِم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَالَ: وَلَكنَّا نقُول أَن الَّذِي أَتَاهُم أنس بن مَالك، وَقد روى أَنه عبد الله بن عمر رَضِي الله عَنهُ فَإنَّا نحمل على أَنَّهُمَا جَاءَ أَحدهمَا بعد الآخر وأخبرا بذلك، فَإِنَّمَا تحولوا معتمدين على رِوَايَة الْبَالِغ وَهُوَ أنس، أَو ابْن عمر كَانَ بَالغا يَوْمئِذٍ، وَإِنَّمَا رده رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لضعف بنيته، لَا لِأَنَّهُ كَانَ صَغِيرا انْتهى. وَقَالَ الْأَتْقَانِيّ: أَن الْمخبر لم يكن ابْن عمر، وَإِنَّمَا هُوَ رَاوِي أخباره، وَأَنه عرض يَوْم أحد وَهُوَ ابْن أَربع عشرَة سنة، وَلم يجزه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَعرض يَوْم الخَنْدَق وَهُوَ ابْن خمس عشرَة سنة فَأَجَازَهُ: ذكره البُخَارِيّ فِي صَحِيحه، وَأَن تَحْويل الْقبْلَة كَانَ بعد الْهِجْرَة لسِتَّة
(3/39)

عشر شهرا أَو سَبْعَة عشر، وأنسا كَانَ ابْن عشر سِنِين فَكيف كَانَ بَالغا، وَأحد كَانَت فِي شَوَّال سنة ثَلَاث، فعمره ثَلَاث عشرَة سنة، وَابْن عمر كَانَ يَوْمئِذٍ ابْن أَربع عشرَة سنة فَهُوَ أكبر من أنس بِسنة، لَا بِالْعَكْسِ (و) ذكر (المحدثون) أَن الَّذِي أَتَاهُم (عباد بن نهيك بن إساف) الشَّاعِر (وَهُوَ شيخ) كَبِير وضع عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْغَزْو، وَهُوَ الَّذِي صلى مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الظّهْر رَكْعَتَيْنِ إِلَى بَيت الْمُقَدّس، وَرَكْعَتَيْنِ إِلَى الْكَعْبَة، ثمَّ أَتَى قومه بني حَارِثَة وهم رُكُوع فِي صَلَاة الْعَصْر فَأخْبرهُم بتحويل الْقبْلَة فاستداروا إِلَى الْكَعْبَة. قَالَ الشَّارِح: حَكَاهُ المُصَنّف، وَقيل عباد بن بشر بن قيظي الأشْهَلِي: ذكره الفاكهي فِي أَخْبَار مَكَّة. قَالَ شَيخنَا الْحَافِظ الْعَسْقَلَانِي: وَهَذَا أرجح، رَوَاهُ ابْن أبي خَيْثَمَة وَغَيره انْتهى.
وَالَّذِي فِي صَحِيح البُخَارِيّ من رِوَايَة الْبَراء بن عَازِب أَن الرجل الْمُبْهم صلى مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْعَصْر فَمر على أهل الْمَسْجِد وهم رَاكِعُونَ، وَفِي الشَّرْح فِيهِ زِيَادَة تَفْصِيل، وَحكى النَّوَوِيّ عَن الْجُمْهُور قبُول إِخْبَار الصَّبِي الْمُمَيز فِيمَا طَرِيقه الْمُشَاهدَة، بِخِلَاف مَا طَرِيقه النَّقْل كالإفتاء وَرِوَايَة الْأَخْبَار وَنَحْوه (وَالْمَعْتُوه كَالصَّبِيِّ) فِي حكمه لاشْتِرَاكهمَا فِي نُقْصَان الْعقل، وَرُبمَا يكون الصَّبِي أَعقل من الْبَالِغ، بِخِلَاف الْمَعْتُوه (ثمَّ قيل سنّ التَّحَمُّل خمس). قَالَ ابْن الصّلاح: هُوَ الَّذِي اسْتَقر عَلَيْهِ عمل أهل الحَدِيث الْمُتَأَخِّرين (لعقلية مَحْمُود المجة) حَال كَونه (ابْن خمس) والْحَدِيث (فِي البُخَارِيّ) روى عَن مَحْمُود بن الرّبيع قَالَ: عقلت من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مجة مجها فِي وَجْهي وَأَنا ابْن خمس سِنِين (أَو) ابْن (أَربع). والمجة الْوَاحِدَة من المج: وَهُوَ إرْسَال المَاء من الْفَم مَعَ النفخ، وَقيل: لَا يكون مجا حَتَّى يتباعد بِهِ. (وَقيل) أقل سنّ التَّحَمُّل (أَربع لذَلِك) أَي لكَون سنّ مَحْمُود الْمَذْكُور أَرْبعا (ولتسمع ابْن اللبان) أَي تسميع أبي بكر الْمقري للْقَاضِي أبي مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن اللبان الْأَصْفَهَانِي وَهُوَ ابْن أَربع سِنِين. قَالَ ابْن الصّلاح: بلغنَا عَن إِبْرَاهِيم بن سعيد الْجَوْهَرِي قَالَ: رَأَيْت صَبيا ابْن أَربع سِنِين وَقد حمل إِلَى الْمَأْمُون قد قَرَأَ الْقُرْآن وَنظر فِي الرَّأْي غير أَنه إِذا جَاع يبكي. وَقَالَ الْحَافِظ زين الدّين الْعِرَاقِيّ فروينا عَن الْخَطِيب قَالَ سمعته يَقُول: حفظت الْقُرْآن ولي خمس سِنِين، وأحضرت عِنْد أبي بكر بن الْمقري ولي أَربع سِنِين، فأرادوا أَن يسمعوا لي فِيمَا حضرت قِرَاءَته فَقَالَ بَعضهم أَنه يصغر عَن السماع، فَقَالَ لي ابْن الْمقري: اقْرَأ سُورَة الْكَافِرُونَ فقرأتها: فَقَالَ: اقْرَأ سُورَة التكوير فقرأتها، فَقَالَ لي غَيره: اقْرَأ سُورَة المرسلات فقرأتها، فَقَالَ ابْن الْمقري: سمعُوا لَهُ والعهدة عَليّ (وَصحح عدم التَّقْدِير، بل) المناط فِي الصِّحَّة (الْفَهم، وَالْجَوَاب) فَإِذا فهم الْخطاب ورد الْجَواب كَانَ سَمَاعه صَحِيحا، وَإِن كَانَ ابْن أقل من خمس وَإِلَّا لم يَصح، وَأَن
(3/40)

زَاد عَلَيْهَا وَمَا ذَاك إِلَّا (للِاخْتِلَاف) أَي اخْتِلَاف الصّبيان، بل النَّاس فِي فهم الْخطاب ورد الْجَواب، فَلَا يتَقَيَّد بسن (وَحفظ المجة، وَإِدْرَاك ابْن اللبان لَا يطرد) بِأَن يحصل كل من الْحِفْظ والإدراك لكل من أدْرك ذَلِك السن (وَهَذَا) أَي كَون الصَّحِيح عدم التَّقْدِير بسن خَاص (يُوقف الحكم بِقبُول من علم سَمَاعه صَبيا على معرفَة حَاله فِي صباه) فَإِن علم أَنه كَانَ بِحَيْثُ يفهم الْخطاب وَيرد الْجَواب تقبل رِوَايَته، وَإِلَّا فَلَا (أما مَعَ عدمهَا) أَي معرفَة حَاله (فَيجب اعْتِبَار) السن (الْغَالِب) فِي (التَّمْيِيز) أَي لذِي يحصل فِيهِ التَّمْيِيز غَالِبا (سبع) عطف بَيَان للْغَالِب لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " مروا الصَّبِي بِالصَّلَاةِ إِذا بلغ سبع سِنِين فَإِنَّهُ عِنْد ذَلِك يَأْكُل وَحده وَيشْرب وَحده، ويستنجي وَحده ". (وأفرط مُعْتَبر خَمْسَة عشر) حَتَّى قَالَ أَحْمد فِيهِ: بئس القَوْل. حكى ذَلِك عَن ابْن معِين، وَقيل هُوَ عَجِيب من هَذَا الْعَالم المكين، وَقيل مَتى فرق بَين الْبَقَرَة وَالْحمار، وَهُوَ مَنْقُول عَن عِيسَى بن هَارُون الْحمال (وَالْإِسْلَام كَذَلِك) أَي وَمِنْهَا كَون الرَّاوِي مُسلما حِين الْأَدَاء، لَا التَّحَمُّل (لقبُول) رِوَايَة (جُبَير فِي قِرَاءَته) أَي أَنه سمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقْرَأ (فِي الْمغرب بِالطورِ) والْحَدِيث (فِي الصَّحِيحَيْنِ) مَعَ أَن سَمَاعه إِيَّاهَا مِنْهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا كَانَ قبل أَن يسلم لما جَاءَ فِي فدَاء أُسَارَى بدر (وَلعدم الاستفسار) عَن مَرْوِيّ الصَّحَابِيّ وَغَيره هَل تحمله فِي حَالَة الْكفْر أَو الْإِسْلَام؟ وَلَو كَانَ التَّحَمُّل فِي حَالَة الْإِسْلَام شَرط قبُول الرِّوَايَة لاستفسر، وَلَو استفسر لنقل (بِخِلَافِهِ) أَي أَدَائِهِ (فِي الْكفْر) فَإِنَّهُ لَا يقبل لقَوْله تَعَالَى {إِن جَاءَكُم فَاسق} الْآيَة (وَهُوَ) أَي الْفَاسِق (الْكَافِر بعرفهم) أَي السّلف (وَهُوَ) أَي الْكَافِر (مِنْهُ) أَي مِمَّا صدق عَلَيْهِ الْفَاسِق، لِأَنَّهُ اسْم للْخَارِج عَن طَاعَة الله (وللتهمة) أَي تُهْمَة الْعَدَاوَة الدِّينِيَّة، لِأَن الْكَلَام فِيمَا يثبت بِهِ الْأَحْكَام، فَرُبمَا تحمله الْعَدَاوَة الدِّينِيَّة على السَّعْي فِيمَا يخل بِالدّينِ (والمبتدع بِمَا) أَي ببدعة (هُوَ كفر) كغلاة
الروافض والخوارج (مثله) أَي الْكَافِر الْأَصْلِيّ (عِنْد الْمُكَفّر) وَهُوَ الْأَكْثَرُونَ على مَا قَالَه الْآمِدِيّ، وَاخْتَارَهُ ابْن الْحَاجِب بِجَامِع الْفسق وَالْكفْر (وَالْوَجْه خِلَافه) أَي خلاف هَذَا القَوْل وَهُوَ أَنه إِن اعْتقد حُرْمَة الْكَذِب قبلنَا رِوَايَته، وَإِلَّا فَلَا كَمَا اخْتَارَهُ الإِمَام الرَّازِيّ والبيضاوي وَغَيرهمَا (لِأَنَّهُ) أَي ابتداعه بِمَا هُوَ سَبَب لتكفيره مقرون (بِتَأْوِيل) كَلَام (الشَّرْع) فَكيف يكون كالمنكر لدين الْإِسْلَام على أَن اعْتِقَاده حُرْمَة الْكَذِب يمنعهُ من الْإِقْدَام عَلَيْهِ، فيغلب على الظَّن صدقه: فَالْمُعْتَمَد عِنْد الْمُحَقِّقين أَن الَّذِي ترد رِوَايَته من أنكر أمرا متواترا من الشَّرْع مَعْلُوما من الدّين بِالضَّرُورَةِ، وَكَذَا من اعْتقد عَكسه كَذَا نقل الشَّارِح عَن الْحَافِظ الْعَسْقَلَانِي، وَمن لم يكن بِهَذِهِ الصّفة وَكَانَ ضابطا لما يرويهِ مَعَ ورعه وتقواه فَلَا مَانع من قبُوله (وَغَيره)
(3/41)

أَي غير المبتدع بِمَا هُوَ كفر (كالبدع الجلية) أَي كالمبتدع بالبدع الجلبة (كفسق الْخَوَارِج) وهم سبع فرق: لَهُم ضلالات فاضحة، وأباطيل وَاضِحَة تعرف فِي كتب الْكَلَام. وَالْمرَاد بفسقهم بمذهبهم الْبَاطِل المستلزم خُرُوجهمْ عَن طَاعَة الله سُبْحَانَهُ (وفيهَا) أَي الْبدع الجلية مذهبان (الرَّد) للشَّهَادَة وَالرِّوَايَة لقَوْله تَعَالَى {إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا}، وَالْأَمر بالتبين دَلِيل الرَّد وَهُوَ فَاسق (وَالْأَكْثَر الْقبُول) لما اشْتهر بَين الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاء عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من قَوْله (أمرت أَن أحكم بِالظَّاهِرِ) وَالله يتَوَلَّى السرائر، وَقَول صَاحب الْبِدْعَة ظَاهِرَة الصدْق. وَقَالَ الذَّهَبِيّ وَغَيره: لَا أصل لَهُ، وَنقل عَن بعض الْمُحدثين أَنه رَآهُ فِي كتاب يُسمى: " إدارة الْأَحْكَام ". وَقَالَ بعض الْحفاظ: لم أَقف على هَذَا الْكتاب. وَقَالَ ابْن كثير: يُؤْخَذ من حَدِيث أم سَلمَة فِي الصَّحِيحَيْنِ " إِنَّمَا أَنا بشر وَإِنَّكُمْ تختصمون إِلَيّ فَلَعَلَّ بَعْضكُم أَن يكون أَلحن بحجته من بعض فأقضي لَهُ على نَحْو مَا أسمع، فَمن قضيت لَهُ بِشَيْء من حق أَخِيه فَلَا يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا فَإِنَّمَا أقطع لَهُ قِطْعَة من النَّار ". (وَلَا يُعَارض) هَذَا الْمَرْوِيّ (الْآيَة لنأولها بالكافر أَو) بِأَن المُرَاد الْفَاسِق (بِلَا تَأْوِيل أَنه) أَي فسقه (من الدّين) وَهَذَا المبتدع يعد فسقه من الدّين (بِخِلَاف استدلالهم) أَي الْأَكْثَرين بِأَن السّلف (أَجمعُوا على قبُول) رِوَايَة (قتلة عُثْمَان) رَضِي الله عَنهُ (وَهِي) أَي بِدعَة قَتله (جلية) عِنْد أهل الْحق فَإِنَّهُ (رد بِمَنْع إِجْمَاع الْقبُول) لروايتهم. قَالَ السُّبْكِيّ: بل الْإِجْمَاع قَائِم على رد روايتهم لعدم الريب فِي كفرهم لاستحلالهم قَتله، وَالْكَافِر مَرْدُود إِجْمَاعًا وَأَن لم يستحلوه فَلَا ريب فِي فسقهم. وَقَالَ بعض الْحفاظ أَن دَعْوَى الْإِجْمَاع مجازفة، لِأَنَّهُ أَرَادَ من بَاشر قَتله فَلَيْسَ لأحد مِنْهُم رِوَايَة، وَإِن أَرَادَ من حاصره أَو رَضِي بقتْله، فَأهل الشَّام قاطبة مَعَ من كَانَ فيهم من الصَّحَابَة وكبار التَّابِعين، إِمَّا مكفر لأولئك وَإِمَّا مفسق. وَأما غير أهل الشَّام فَكَانُوا ثَلَاث فرق: فرقة على هَذَا الرَّأْي، وَفرْقَة سَاكِنة، وَفرْقَة على رَأْي أُولَئِكَ فَأَيْنَ الْإِجْمَاع؟ (وَلَو سلم) قبُول رِوَايَة قتلته (فَلَيْسَ) قتل عُثْمَان (مِنْهَا) أَي الْبدع الجلية (لِأَن بَعضهم يرَاهُ) أَي قَتله حَقًا (اجتهاديا فَلَا يفسقهم وَنقل) هَذَا (عَن عمار وعدي بن حَاتِم) من الصَّحَابَة (وَالْأَشْتَر) فِي جمَاعَة (وَأما غير) الْبدع (الجلية كنفي زِيَادَة الصِّفَات) الثبوتية من الْحَيَاة وَالْقُدْرَة وَالْعلم وَغَيرهَا لله تَعَالَى كَمَا عَلَيْهِ الْمُعْتَزلَة وَقَالَ هُوَ حَيّ عَالم قَادر بِنَفسِهِ من غير حَاجَة إِلَى صفة زَائِدَة على الذَّات (فَقيل يقبل) خَبره (اتِّفَاقًا، وَإِن ادّعى كل) من المتخالفين (الْقطع بخطأ الآخر لقُوَّة شبهته عِنْده وَإِطْلَاق فَخر الْإِسْلَام رد) رِوَايَة (من دَعَا إِلَى بدعته) وشهادته (وَقبُول غَيره) أَي غير الدَّاعِي إِلَى بدعته من المبتدعة، لِأَن ذَلِك قد يحمل على تَحْرِيف الرِّوَايَات إِلَى مَا يَقْتَضِيهِ مذْهبه، وعزى
(3/42)

إِلَى مَالك وَأحمد والمحدثين أَن الصدوق المتقن إِذا كَانَ فِيهِ بِدعَة وَلم يكن يَدْعُو إِلَيْهَا يحْتَج بإخباره، وَإِذا دَعَا إِلَيْهَا سقط الِاحْتِجَاج. قَالَ ابْن الصّلاح وَغَيره: هُوَ أعدل الْأَقْوَال وأقواها (يخصصه) أَي إِطْلَاق عدم قبُول ذِي الْبِدْعَة الجلية اتِّفَاقًا، كَذَا قَالَ الشَّارِح. وَالْمَذْكُور فِيمَا سبق أَن فِي الْبِدْعَة الجلية مذهبين، وَالْأَكْثَر الْقبُول فَالْحق أَن الْمَعْنى تَخْصِيص إِطْلَاق قبُول ذِي الْبِدْعَة الَّتِي لَيست بالجلية الْمَدْلُول عَلَيْهِ بقوله، فَقيل: يقبل اتِّفَاقًا إِلَى آخِره كَمَا يدل عَلَيْهِ قَوْله (لاقْتِضَائه) أَي إِطْلَاق فَخر الْإِسْلَام (رد الدَّاعِي من نفاة الزِّيَادَة) لِأَن قَوْله من دعى إِلَى بدعته يعم صَاحب الجلية وَغَيرهَا (وتعليله) أَي تَعْلِيل فَخر الْإِسْلَام (بِأَن الدعْوَة دَاع إِلَى التقول) أَي الْكَذِب (يخصصه) أَي الرَّد، كَذَا فِي نُسْخَة الشَّارِح، وَفِي النُّسْخَة الَّتِي يعْتَمد عَلَيْهَا يُقيد النَّفْي (بِرِوَايَة وفْق مذْهبه) أَي بِرِوَايَة الدَّاعِي مَا هُوَ على وفْق مذْهبه، لِأَن دَعوته إِلَى مذْهبه لَا تستدعي الْكَذِب فِيمَا لَا تعلق لَهُ بترويج مذْهبه وَهُوَ ظَاهر (لَا مُطلقًا) بِأَن لَا تقبل رِوَايَته فِيمَا لَا تعلق لَهُ بمذهبه أَيْضا كَمَا هُوَ ظَاهر كَلَام بعض الْمُحدثين (وتعليله) أَي فَخر الْإِسْلَام (قبُول شَهَادَة أهل الْأَهْوَاء) جمع هوى مَقْصُور: وَهُوَ الْميل إِلَى الشَّهَوَات والمستلذات من غير دَاعِيَة الشَّرْع، وَالْمرَاد المبتدعون المائلون إِلَى مَا يهوونه من أَمر الدّين (إِلَّا الخطابية) من الرافضة المنسوبين إِلَى أبي الْخطاب مُحَمَّد بن أبي وهب، وَقيل ابْن أبي زَيْنَب الْأَسدي الأجدع كَانَ يزْعم أَن عليا الْإِلَه الْأَكْبَر وجعفرا الصَّادِق الْإِلَه الْأَصْغَر، وَفِي المواقف قَالُوا: الْأَئِمَّة أَنْبيَاء وَأَبُو الْخطاب نَبِي ففرضوا طَاعَته، بل زادوا على ذَلِك الْأَئِمَّة آلِهَة والحسنان ابْنا الله، وجعفر إِلَه، لَكِن أَبُو الْخطاب أفضل مِنْهُ وَمن عَليّ، فقبحهم الله تَعَالَى مَا أَشد غباوتهم (المتدينين بِالْكَذِبِ لموافقتهم) أَي الَّذين اتَّخذُوا جَوَاز شَهَادَة الْكَذِب لمن وافقهم فِي الْمَذْهَب دينا لَهُم (أَو للْحَالِف) لَهُم على صدقه (بِأَن) صلَة التَّعْلِيل (صَاحب الْهوى وَقع فِيهِ) أَي فِي الْهوى (لتعمقه) فِي الْخَوْض فِي الدّين (وَذَلِكَ) أَي تعمقه فِيهِ (يصده) أَي يمنعهُ (عَن الْكَذِب أَو يرَاهُ) أَي الْكَذِب (حَرَامًا) لِأَن حرمته بِاتِّفَاق جَمِيع الْمذَاهب سوى الخطابية، ثمَّ قَوْله: وتعليله إِلَى آخِره مُبْتَدأ خَبره (يُوجب قبُول) رِوَايَة (الْخَوَارِج كالأكثر) أَي كَقَوْلِهِم لِأَن التعمق الصَّادِر عَن الْكَذِب مَوْجُود فيهم (وَأما شرب النَّبِيذ) من التَّمْر أَو الزَّبِيب إِذا طبخ أدنى طبخة وَإِن اشْتَدَّ مَا لم يسكر من غير لَهو (واللعب بالشطرنج) بالشين مُعْجمَة ومهملة مَفْتُوحَة ومكسورة وَالْفَتْح أشهر بِلَا قمار (وَأكل مَتْرُوك التَّسْمِيَة عمدا من مُجْتَهد ومقلده) أَي الْمُجْتَهد (فَلَيْسَ بفسق) قَوْله من مُجْتَهد مُتَعَلق بِكُل وَاحِد من الْأَفْعَال الْمَذْكُورَة وَذَلِكَ لِأَن تفسيقهم مُخَالف لما أجمع عَلَيْهِ من أَن للمجتهد أَن يعْمل بِمَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده، وللمقلد
(3/43)

اتِّبَاع الْمُقَلّد (وَمِنْهَا) أَي وَمن الشَّرَائِط (رُجْحَان ضَبطه) أَي الرَّاوِي (على غفلته ليحصل الظَّن) بِثُبُوتِهِ من الشَّارِع (وَيعرف) رُجْحَان ضَبطه (بالشهرة وبموافقة الْمَشْهُورين بِهِ) أَي الضَّبْط فِي رواياته فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى (أَو غلبتها) أَي الْمُوَافقَة (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يعرف رُجْحَان ضَبطه بذلك (فغفلة) أَي فَظَاهر حَاله غَفلَة فَلَا يحْتَج بروايته وَمَا ذكره من الشُّهْرَة والموافقة الخ عَلامَة خَارِجَة عَن حَقِيقَة الضَّبْط (وَأما) تَعْرِيفه بِمَا هُوَ (فِي نَفسه فللحنفية) فِيهِ قَول واف وَهُوَ (توجهه) أَي السَّامع (بكليته) بِأَن لَا يكون لَهُ الْتِفَات إِلَى غير الْمَرْوِيّ (إِلَى كُله) أَي إِلَى مَجْمُوع كَلَام الْمُحدث من أَوله إِلَى آخِره (عِنْد سَمَاعه ثمَّ حفظه) أَي محافظته للمروي فِي الْقلب أَو فِي الْكتاب (بتكريره) لفظا وَمعنى على الأول، وبصون الْكتاب على الثَّانِي (ثمَّ الثَّبَات) عَلَيْهِ بمذاكرته (إِلَى أَدَائِهِ وَمِنْهَا الْعَدَالَة حَال الْأَدَاء وَإِن تحمل فَاسِقًا إِلَّا بفسق) تعمد (الْكَذِب عَلَيْهِ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْد أَحْمد وَطَائِفَة) كَأبي بكر الْحميدِي شيخ البُخَارِيّ والصيرفي، يُؤْخَذ هَذَا من قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
" إِن كذبا عَليّ لَيْسَ ككذب على أحد من كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار " فَإِنَّهُ متواتر على مَا ذكره ابْن الصّلاح، وَذَهَبت طَائِفَة من الْعلمَاء أَن الْكَذِب عَلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كفر، غير أَن أَمْثَاله تحمل على الِاسْتِمْرَار عَلَيْهِ من غير تَوْبَة (وَالْوَجْه الْجَوَاز) لروايته وشهادته (بعد ثُبُوت الْعَدَالَة) لِأَن الْمُخْتَار كَمَا ذكره النَّوَوِيّ الْقطع بِصِحَّة تَوْبَته من ذَلِك وَقبُول رِوَايَته بعد صِحَة تَوْبَته، وَقد أَجمعُوا على قبُول رِوَايَة من كَانَ كَافِرًا وَقت التَّحَمُّل ثمَّ أسلم وَكَذَا شَهَادَته (وَهِي) أَي الْعَدَالَة (ملكة) أَي كَيْفيَّة راسخة فِي النَّفس (تحمل على مُلَازمَة التَّقْوَى) وَهُوَ اجْتِنَاب الْكَبَائِر، إِذا الصَّغَائِر مكفرة باجتنابها لقَوْله تَعَالَى - {إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ نكفر عَنْكُم سيآتكم} {والمروءة} بِالْهَمْز وَيجوز تَركه وَتَشْديد الرَّاء: وَهِي صِيَانة النَّفس عَن الأدناس، وَمَا يشينها عِنْد النَّاس، وَقيل أَن لَا يَأْتِي مَا يعْتَذر مِنْهُ مِمَّا يبخسه من مرتبته عِنْد الْعُقَلَاء، وَقيل السمت الْحسن وَحفظ اللِّسَان والاجتناب من السخف: أَي الِارْتفَاع عَن كل خلق دنيء (وَالشّرط) لقبُول الرِّوَايَة وَالشَّهَادَة (أدناها) أَي أدنى مَرَاتِب الْعَدَالَة وَهُوَ (ترك الْكَبَائِر والإصرار على صَغِيرَة) لِأَن الصَّغَائِر قل من سلم مِنْهَا، والإصرار أَن تكَرر فِيهِ الصَّغِيرَة تَكْرَارا يشْعر بقلة مبالاته بِدِينِهِ كَمَا يشْعر بِهِ ارْتِكَاب الْكَبِيرَة، وَلذَا قيل لَا حَاجَة إِلَى ذكر ترك الْإِصْرَار على صَغِيرَة لدُخُوله فِي ترك الْكَبَائِر، لِأَن الْإِصْرَار على الصَّغِيرَة كَبِيرَة، وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
" لَا كَبِيرَة مَعَ الاسْتِغْفَار وَلَا صَغِيرَة مَعَ الْإِصْرَار ". قَالَ الشَّارِح: وَلَو اجْتمعت الصَّغَائِر مُخْتَلفَة النَّوْع يكون حكمهَا حكم الْإِصْرَار على الْوَاحِدَة إِذا كَانَت بِحَيْثُ يشْعر مجموعها بِمَا يشْعر بِهِ الْإِصْرَار على أَصْغَر الصَّغَائِر. قَالَه ابْن عبد السَّلَام (و) ترك الْإِصْرَار على
(3/44)

(مَا يخل بالمروءة) من الْمُبَاحَات.
(وَأما الْكَبَائِر فروى ابْن عمر) رَضِي الله عَنْهُمَا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي تفصيلها (الشّرك) بِاللَّه (وَالْقَتْل وَقذف المحصنة وَالزِّنَا والفرار من الزَّحْف وَالسحر وَأكل مَال الْيَتِيم وعقوق الْوَالِدين الْمُسلمين والإلحاد فِي الْحرم: أَي الظُّلم وَفِي بَعْضهَا) أَي الطّرق (الْيَمين الْغمُوس) وَفِي الشَّرْح تَفْصِيل فِي بَيَان رَفعه وَوَقفه وكنهه روى مجموعا أَو مفرقا، وَأَنه يصحف الرِّبَا بِالزِّنَا وَأَن الْوَقْف أصح إِسْنَادًا، فَمن أَرَادَ التَّفْصِيل فَليرْجع إِلَيْهِ (وَزَاد أَبُو هُرَيْرَة أكل الرِّبَا، وَعَن عَليّ إِضَافَة السّرقَة وَشرب الْخمر) إِلَى الْكَبَائِر الْمَذْكُورَة. وَقَالَ السُّبْكِيّ: وَالسَّرِقَة لَا نَعْرِف لَهَا إِسْنَادًا عَنهُ كرم الله وَجهه، وَالْخمر: روى عَنهُ أَن مدمنه كعابد وثن انْتهى (وَفِي) الحَدِيث (الصَّحِيح) الْمُتَّفق عَلَيْهِ (قَول الزُّور وَشَهَادَة الزُّور) من الْكَبَائِر، وَمن أكبر الْكَبَائِر أَيْضا، وَهل يتَقَيَّد الْمَشْهُود بِهِ بِقدر نِصَاب السّرقَة تردد فِيهِ ابْن عبد السَّلَام، وَجزم الْقَرَافِيّ بِعَدَمِ التَّقْيِيد بِهِ (وَمِمَّا عد) من الْكَبَائِر أَيْضا نقلا عَن الْعلمَاء (الْقمَار والسرف وَسَب السّلف الصَّالح) من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ (والطعن فِي الصَّحَابَة) من عطف الْخَاص على الْعَام (وَالسَّعْي فِي الأَرْض بِالْفَسَادِ فِي المَال وَالدّين وعدول الْحَاكِم عَن الْحق وَالْجمع بَين صَلَاتَيْنِ بِلَا عذر) لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
" من جمع بَين صَلَاتَيْنِ بِلَا عذر فقد أَتَى بَابا من أَبْوَاب الْكَبَائِر " رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (وَقيل الْكَبِيرَة مَا توعد عَلَيْهِ) أَي توعد الشَّارِع عَلَيْهِ (بِخُصُوصِهِ) قَالَ الشَّارِح وَقَالَ شَيخنَا الْحَافِظ: وَهَذَا القَوْل جَاءَ عَن جمَاعَة من السّلف وَأَعْلَاهُمْ ابْن عَبَّاس (قيل وكل مَا مفسدته كأقل مَا روى) كَونه كَبِيرَة (مفْسدَة فَأكْثر) أَي فَصَاعِدا (فدلالة الْكفَّار على الْمُسلمين للِاسْتِئْصَال أَكثر من الْفِرَار) من الزَّحْف الْمَعْدُود من الْكَبَائِر (وإمساك المحصنة ليزنى بهَا أَكثر من قَذفهَا، وَمن جعل الْمعول) أَي الضَّابِط للكبيرة (أَن يدل الْفِعْل على الاستخفاف بِأَمْر دينه ظَنّه) أَي الضَّابِط (غَيره) أَي غير مَا قبله (معنى) تَعْرِيض لما فِي الشَّرْح العضدي وَإِشَارَة إِلَى أَن مآلهما وَاحِد (وَمَا يخل بالمروءة صغائر دَالَّة على خسة) فِي النَّفس (كسرقة لقْمَة وَاشْتِرَاط) أَخذ الْأُجْرَة (على) سَماع (الحَدِيث) كَذَا فِي شرح البديع، وَذهب أَحْمد وَإِسْحَاق وَأَبُو حَاتِم الرَّازِيّ إِلَى أَنه لَا تقبل رِوَايَة من أَخذ على التحديث أجرا، وَرخّص آخَرُونَ فِيهِ: كالفضل ابْن دُكَيْن شيخ البُخَارِيّ وَعلي بن عبد الْعَزِيز الْبَغَوِيّ. قَالَ ابْن الصّلاح: وَذَلِكَ شَبيه بِأخذ الْأُجْرَة لتعليم الْقُرْآن، غير أَن فِي هَذَا من حَيْثُ الْعرف خرما للمروءة إِن لم يقْتَرن ذَلِك بِعُذْر يَنْفِي ذَلِك عَنهُ كَمَا لَو كَانَ فَقِيرا معيلا وَكَأن الِاشْتِغَال بِالتَّحْدِيثِ يمنعهُ من الِاكْتِسَاب لِعِيَالِهِ (وَبَعض مباحات كَالْأَكْلِ فِي السُّوق) فَفِي مُعْجم الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد لين أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ
" الْأكل فِي
(3/45)

السُّوق دناءة " وَفِي فروع الشَّافِعِيَّة المُرَاد بِهِ أَن تنصب مائدة وتأكل وَعَادَة مثله خِلَافه، فَلَو كَانَ مِمَّن عَادَته ذَلِك كَأَهل الصَّنَائِع والسماسرة أَو كَانَ فِي اللَّيْل فَلَا، وكالأكل فِي السُّوق الشّرْب من سقايات الْأَسْوَاق إِلَّا أَن يكون سوقيا أَو غَلبه الْعَطش (وَالْبَوْل فِي الطَّرِيق). قَالَ الشَّارِح كَذَا فِي شرح البديع، وَفِي إِبَاحَته نظر لما روى عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
" من سل سخيمته فِي طَرِيق من طرق الْمُسلمين فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ " وَرِجَاله ثِقَات إِلَّا مُحَمَّد بن عَمْرو الْأنْصَارِيّ وَثَّقَهُ ابْن حبَان، وَضَعفه غَيره (والإفراط فِي المزح المفضى إِلَى الاستخفاف بِهِ وصحبة الأراذل وَالِاسْتِخْفَاف بِالنَّاسِ وَفِي إِبَاحَة هَذَا) أَي الاستخفاف بِالنَّاسِ (نظر) وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
" لَا يدْخل الْجنَّة من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من كبر " فَقَالَ رجل: أَن الرجل يحب أَن يكون ثَوْبه حسنا وَنَعله حسنه قَالَ " إِن الله جميل وَيُحب الْجمال، الْكبر بطر الْحق وغمط النَّاس " رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ، وغمط النَّاس: احتقارهم وازدراؤهم (وتعاطى الْحَرْف الدنيئة) بِالْهَمْز من الدناءة: وَهِي السقاطة الْمُبَاحَة (كالحياكة والصياغة) والحجامة والدباغة وَغَيرهَا مِمَّا لَا يَلِيق بأرباب المروآت وَأهل الديانَات فعلهَا وَلَا ضَرَر عَلَيْهِم فِي تَركهَا، وَفِي بعض فروع الشَّافِعِيَّة، فَإِن اعتادها وَكَانَت حِرْفَة أَبِيه فَلَا فِي الْأَصَح، وَفِي الرَّوْضَة يَنْبَغِي أَن لَا يُقيد بصنعة آبَائِهِ، بل ينظر هَل يَلِيق بِهِ هُوَ أم لَا (وَلبس الْفَقِيه قبَاء وَنَحْوه) كالقلنسوة التركية فِي بلد لم يعتادوه (وَلعب الْحمام) إِذا لم يكن قمارا، لِأَن الْغَالِب فِيهِ الِاجْتِمَاع مَعَ الأراذل: وَهُوَ فعل يستخف بِهِ، وَذَلِكَ لِأَن من لم يجْتَنب هَذِه الْأُمُور لَا يجْتَنب الْكَذِب فِي الْكَذِب فَلَا يوثق بقوله (وَأما الْحُرِّيَّة وَالْبَصَر وَعدم الْحَد فِي قذف و) عدم (الْوَلَاء) أَي الْقَرَابَة من النّسَب أَو النِّكَاح على مَا بَين فِي الْفُرُوع (و) عدم (الْعَدَاوَة) الدُّنْيَوِيَّة (فتختص بِالشَّهَادَةِ) أَي يشْتَرط فِيهَا لَا فِي الرِّوَايَة فَلَا تقبل شَهَادَة الْأَعْمَى لِأَنَّهَا تحْتَاج إِلَى التَّمْيِيز بِالْإِشَارَةِ بَين الْمَشْهُود لَهُ وَعَلِيهِ وَإِلَى الْإِشَارَة إِلَى الْمَشْهُود بِهِ فِيمَا يجب إِحْضَاره مجْلِس الحكم، وَفِي التَّمْيِيز بالنغمة شُبْهَة يُمكن التَّحَرُّز عَنْهَا بِجِنْس الشُّهُود، وَهَذَا الِاحْتِيَاج مُنْتَفٍ فِي الرِّوَايَة، وَقد ابتلى جمَاعَة من الصَّحَابَة بكف الْبَصَر: كَابْن عَبَّاس وَلم يخْتَلف أحد فِي قبُول روايتهم من غير فحص أَنَّهَا كَانَت قبل الْعَمى أَو بعده، وَلَا شَهَادَة للْعَبد فِي غير هِلَال رَمَضَان لتوقفها على كَمَال ولَايَة الشَّاهِد: إِذْ هِيَ تَنْفِيذ القَوْل على الْغَيْر شَاءَ أَو أَبى، وَهَذَا غير مَوْجُود فِي العَبْد لِأَنَّهَا تعدم بِالرّقِّ وَالرِّوَايَة لَا تعتمد الْولَايَة لِأَن وجوب الْعَمَل بالمروي لَيْسَ بإلزام الرَّاوِي، بل الْتِزَامه طَاعَة الشَّارِع، فَإِذا ترجح صدق الرَّاوِي يلْزمه الْعَمَل بِمُوجب ذَلِك، وَقد يُقَال: إِن الشَّارِع أمره بالانقياد لحكم القَاضِي عِنْد إِقَامَة الْبَيِّنَة وَقد الْتزم طَاعَته فَلَا فرق فَتَأمل (وَعَن أبي حنيفَة) فِي رِوَايَة الْحسن (نفى) قبُول (رِوَايَته) أَي الْمَحْدُود لِأَنَّهُ مَحْكُوم بِفِسْقِهِ لقَوْله تَعَالَى
(3/46)

- {وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ} - (وَالظَّاهِر) من الْمَذْهَب (خِلَافه) أَي خلاف نفى رِوَايَته (لقبُول) الصَّحَابَة وَغَيرهم رِوَايَة (أبي بكرَة) من غير تفحص عَن التَّارِيخ فِي خَبره أَنه رَوَاهُ بعد مَا أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَد أم قبله فَعدم الْحَد مُخْتَصّ بِالشَّهَادَةِ (وَظهر) مِمَّا ذكر من اشْتِرَاط الْعَدَالَة (أَن شَرط الْعَدَالَة يُغني عَن ذكر كثير من الْحَنَفِيَّة شَرط الْإِسْلَام) الْإِضَافَة بَيَانِيَّة، والمضاف مفعول ذكر ثمَّ بَين الشَّرْط بقوله (بِالْبَيَانِ إِجْمَالا) أَي بِأَن يبين الرَّاوِي إِسْلَامه بِأَن يَقُول: آمَنت بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر، والبعث بعد الْمَوْت، وَالْقدر خَيره وشره، لِأَن فِي اعْتِبَاره تَفْصِيلًا حرجا (أَو مَا يقوم مقَامه) أَي مقَام بَيَان الْإِسْلَام إِجْمَالا (من الصَّلَاة) فِي جمَاعَة الْمُسلمين (ولزكاة وَأكل ذبيحتنا) لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

" من صلى صَلَاتنَا، واستقبل قبلتنا، وَأكل ذبيحتنا فَذَلِك الْمُسلم الَّذِي لَهُ ذمَّة الله وَذمَّة رَسُوله فَلَا تخفروا الله فِي ذمَّته " رَوَاهُ البُخَارِيّ (دون النشأة فِي الدَّار) أَي لَا يقوم مقَامه أَنه نَشأ فِي دَار الْإِسْلَام (بَين أبوين مُسلمين) فَإِنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِهَذَا الْإِسْلَام الْحكمِي شرطا فِي صِحَة الرِّوَايَة. (ثمَّ الْحَنَفِيَّة قَالُوا هَذَا) كُله (فِي الرِّوَايَة وَفِي غَيرهَا) أَي غير الرِّوَايَة (لَا يقبل الْكَافِر) أَي إخْبَاره (مُطلقًا فِي الديانَات كنجاسة المَاء وطهارته وَإِن وَقع عِنْده) أَي السَّامع (صدقه) أَي الْكَافِر، لِأَنَّهُ لَا يستأهل لِأَن يَبْنِي عَلَيْهِ حكم شَرْعِي (إِلَّا أَن فِي النَّجَاسَة) أَي فِيمَا إِذا أخبر بِنَجَاسَة المَاء، وَلم يكن هُنَاكَ مَاء آخر للْوُضُوء (تسْتَحب إراقته) أَي المَاء (للتيمم دفعا للوسوسة العادية) فَإِن الْكفْر لَا يُنَافِي الصدْق، وعَلى تَقْدِيره لَا تحصل الطَّهَارَة بالتوضؤ بِهِ وبتجنس الْأَعْضَاء: فالاحتياط فِي الإراقة وَالتَّيَمُّم لتحصل الطَّهَارَة، والاحتراز عَن النَّجَاسَة بِيَقِين (وَلَا تجوز) الصَّلَاة بِالتَّيَمُّمِ (قبلهَا) أَي إراقته لوُجُود المَاء الطَّاهِر ظَاهرا (بِخِلَاف خبر الْفَاسِق بِهِ) أَي بِكُل من النَّجَاسَة وَالطَّهَارَة (وبحل الطَّعَام وحرمته يحكم) السَّامع (رَأْيه فَيعْمل بِالنَّجَاسَةِ وَالْحُرْمَة إِن وَافقه) أَي رَأْيه كلا مِنْهُمَا (وَالْأولَى إِرَاقَة المَاء) وَإِن وَافق رَأْيه فِي الْأَخْبَار بِنَجَاسَتِهِ لاحْتِمَال كذبه (ليتيمم) تيمما صَحِيحا بِيَقِين (وَتجوز) صلَاته (بِهِ) أَي بِالتَّيَمُّمِ (إِن لم يرقه) وَإِنَّمَا كَانَ خبر الْفَاسِق بِهِ بِخِلَاف خبر الْكَافِر بِهِ (لِأَن الْأَخْبَار بِهِ) أَي بِمَا ذكر من الطَّهَارَة والنجاسة إِنَّمَا (يتعرف مِنْهُ) أَي من الْفَاسِق غَالِبا (لَا من غَيره) أَي الْفَاسِق (لِأَنَّهُ أَمر خَاص) لَا يقف عَلَيْهِ الْجمع الْكثير مثل رِوَايَة الحَدِيث حَتَّى يُمكن تلقيه من الْعُدُول، لِأَن ذَلِك يكون غَالِبا فِي الفيافي والأسواق: فالغالب فيهمَا الْفُسَّاق، فَقيل مَعَ التَّحَرِّي ضَرُورَة (لَكِنَّهَا) أَي النَّجَاسَة (غير لَازِمَة) للْمَاء بل عارضة عَلَيْهِ (فضم التَّحَرِّي) إِلَى أخباره (كَيْلا يهدر فسقه بِلَا ملجئ، وَالطَّهَارَة) تثبت (بِالْأَصْلِ) إِذْ هِيَ الأَصْل فِيهِ،
(3/47)

فَيعْمل بِهِ عِنْد تعَارض جهني الصدْق وَالْكذب فِي خَبره (بِخِلَاف الحَدِيث، لِأَن فِي عدُول الروَاة كَثْرَة بهم غنية بِخِلَافِهِ) أَي خبر الْفَاسِق (فِي الْهَدِيَّة وَالْوكَالَة وَمَا لَا إِلْزَام فِيهِ من الْمُعَامَلَات للزومها) أَي الضَّرُورَة (للكثرة) لوُجُوبهَا (وَلَا دَلِيل) عَلَيْهَا متيسر عَادَة (سواهُ) أَي خبر الْفَاسِق: إِذْ لَا يَتَيَسَّر لكل مهد ومرسل بِخَبَر وَنَحْوهمَا عدل يقوم بِهِ، وَقد جرت السّنة والتوارث بإرسال الْهَدَايَا على يَد العبيد والجواري مُسلمين كَانُوا أَولا، وَقبُول ذَلِك من غير النفات إِلَى حَال الْوَاصِل بهما فَكَانَ ذَلِك إِجْمَاعًا على الْقبُول فَاعْتبر مُطلقًا (وَمثله) أَي الْفَاسِق (المستور) وَهُوَ من لم تعرف عَدَالَته وَلَا فسقه (فِي الصَّحِيح) فخبره لَيْسَ بِحجَّة حَتَّى تظهر عَدَالَته، وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة كالعدل فِي الْإِخْبَار بِنَجَاسَة المَاء وطهارته وَرِوَايَة الْإِخْبَار (وَأما الْمَعْتُوه وَالصَّبِيّ فِي نَحْو النَّجَاسَة) أَي الْإِخْبَار بِنَجَاسَة المَاء وطهارته، وَفِي رِوَايَة الحَدِيث وَغَيرهَا من الديانَات، (فكالكافر) فِي عدم قبُول إخْبَاره لعدم ولايتهما على نفسهما فعلى غَيرهمَا أولى وَالصَّبِيّ مَرْفُوع الْقَلَم فَلَا يُبَالِي عَن الْكَذِب (وَكَذَا الْمُغَفَّل) أَي الشَّديد الْغَفْلَة، وَهُوَ الَّذِي غلب على طبعه الْغَفْلَة وَالنِّسْيَان فِي سَائِر الْأَحْوَال (والمجازف) وَهُوَ الَّذِي يتَكَلَّم من غير احْتِيَاط، وَلَا يشْتَغل بالتدارك بعد الْعلم كالكافر فِي عدم قبُول إخْبَاره فالسهو والغلط فِي روايتهما يتَرَجَّح كَمَا يتَرَجَّح الْكَذِب فِي الْكَافِر وَالْفَاسِق.

مسئلة
(مَجْهُول الْحَال وَهُوَ المستور غير مَقْبُول، وَعَن أبي حنيفَة فِي غير الظَّاهِر) من الرِّوَايَة عَنهُ (قبُول مَا لم يردهُ السّلف، وَجههَا) أَي هَذِه الرِّوَايَة (ظُهُور الْعَدَالَة بالتزامه الْإِسْلَام، ولأمرت أَن أحكم بِالظَّاهِرِ) وَقد مر الْكَلَام فِيهِ قَرِيبا (وَدفع) وَجههَا (بِأَن الْغَالِب أظهر وَهُوَ) أَي الْغَالِب (الْفسق) فِي هَذِه الْأَزْمِنَة (فَيرد) خَبره (بِهِ) أَي بِهَذَا الْغَالِب (مَا لم تثبت الْعَدَالَة بِغَيْرِهِ) أَي غير الْتِزَامه الْإِسْلَام (وَقد ينْفَصل) الْقَائِل بِهَذِهِ الرِّوَايَة (بِأَن الْغَلَبَة) للفسق (فِي غير رُوَاة الحَدِيث) لَا فِي الروَاة وَلَا سِيمَا الماضين (وَيدْفَع) هَذَا (بِأَنَّهُ) أَي كَون الْغَلَبَة فِي غير رُوَاة الحَدِيث إِنَّمَا هُوَ (فِي المعروفين) مِنْهُم (لَا فِي المجهولين مِنْهُم، وَالِاسْتِدْلَال) لظَاهِر الرِّوَايَة (بِأَن الْفسق سَبَب التثبت) قَالَ تَعَالَى - {إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} - (فَإِذا انْتَفَى) الْفسق (انْتَفَى) وجوب التثبت (وانتفاؤه) أَي الْفسق لَا يتَحَقَّق إِلَّا (بالتزكية) وَمَا لم ينتف الْفسق تبقى شبهته وَهِي مُلْحقَة بأصلها، وَجعل الشَّارِح الِاسْتِدْلَال لغير ظَاهر الرِّوَايَة وَلَا معنى لَهُ كَمَا لَا يخفى، ثمَّ قَوْله الِاسْتِدْلَال مُبْتَدأ خَبره (مَوْقُوف على) صِحَة (هَذَا الدّفع) الْمَدْلُول عَلَيْهِ
(3/48)

بقوله بِأَنَّهُ فِي المعرفين إِلَى آخِره (إِذْ يُورد عَلَيْهِ) أَي على الِاسْتِدْلَال الْمَذْكُور بِاعْتِبَار مَا تضمنه من الْحصْر الْمشَار إِلَيْهِ بقوله بالتزكية (منع الْحصْر) أَي لَا نسلم أَن انتفاءه لَا يَصح إِلَّا بالتزكية بل يحصل (بِالْإِسْلَامِ) أَيْضا (وَيدْفَع) بِمَا ذكر (وَأما ظَاهر الْعَدَالَة) وَهُوَ على مَا نَقله الشَّارِح عَن المُصَنّف من الْتزم أوَامِر الله ونواهيه وَلم يظْهر فِيهِ خلاف ذَلِك، وباطن أمره غير مَعْلُوم (فَعدل وَاجِب الْقبُول، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ مَسْتُورا بعض) من الشَّافِعِيَّة كالبغوي. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: لَا يحْتَج بِأَحَادِيث المجهولين مَعَ أَن قَول الشَّافِعِي لَا يجوز أَن يتْرك الحكم بِشَهَادَتِهِمَا إِذا كَانَا عَدْلَيْنِ فِي الظَّاهِر صَرِيح فِي قبُوله، وَأَنه لَيْسَ بداخل فِي الْمَجْهُول.

مسئلة
(عرف أَن الشُّهْرَة) للراوي بِالْعَدَالَةِ والضبط بَين أَئِمَّة النَّقْل (معرف الْعَدَالَة والضبط كمالك) وَشعْبَة (والسفيانين) الثَّوْريّ وَابْن عُيَيْنَة (وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَابْن الْمُبَارك وَغَيرهم) كوكيع وَأحمد وَابْن معِين وَابْن الْمَدِينِيّ وأمثالهم فِي نباهة الذّكر واستقامة الْأَمر (للْقطع بِأَن الْحَاصِل بهَا) أَي بالشهرة (من الظَّن فَوق التَّزْكِيَة، وَأنكر أَحْمد على من سَأَلَهُ عَن إِسْحَاق) بن رَاهَوَيْه، فَقَالَ: مثل إِسْحَاق يسْأَل عَنهُ (و) أنكر (ابْن معِين) على من سَأَلَهُ (عَن أبي عبيد وَقَالَ أَبُو عبيد يسْأَل عَن النَّاس) لَا يسْأَل النَّاس عَنهُ (و) وَثبتت الْعَدَالَة أَيْضا (بالتزكية وأرفعها) أَي أرفع مَرَاتِب التَّزْكِيَة (قَول الْعدْل نَحْو حجَّة ثِقَة بتكرير لفظا) كثقة ثِقَة، أَو حجَّة حجَّة (أَو معنى) كثبت حجَّة ثَبت حَافظ ثَبت ثِقَة وَنَحْوهَا (ثمَّ) يَليهَا (الْأَفْرَاد) كحجة أوثقه أَو متقن، وَجعل الْخَطِيب هَذَا أرفع الْعبارَات (وحافظ ضَابِط تَوْثِيق للعدل يصيره كَالْأولِ) أَي تَكْرِير التوثيق (ثمَّ) يَليهَا (مَأْمُون صَدُوق وَلَا بَأْس وَهُوَ) أَي لَا بَأْس (عِنْد ابْن معِين وَعبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم كثقة على نظر فِي عبارَة ابْن معِين) على مَا ذكر ابْن أبي خَيْثَمَة حَيْثُ قَالَ: قلت ليحيى بن معِين إِنَّك تَقول: فلَان لَيْسَ بِهِ بَأْس، وَفُلَان ضَعِيف، قَالَ: إِذا قلت لَك لَيْسَ بِهِ بَأْس فَهُوَ ثِقَة، وَإِذا قلت هُوَ ضَعِيف فَهُوَ لَيْسَ بِثِقَة لَا يكْتب حَدِيثه. قَالَ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ: لم يقل ابْن معِين قولي لَيْسَ بِهِ بَأْس كَقَوْلي ثِقَة ليلزم التَّسَاوِي بَين اللَّفْظَيْنِ، يَعْنِي التَّفَاوُت بَينهمَا فِي التَّعْبِير، وَإِلَّا فَقَوله فَهُوَ ثِقَة قريب من ذَلِك (وَخيَار تَعْدِيل فَقَط لقَوْل بَعضهم كَانَ من خِيَار النَّاس إِلَّا أَنه يكذب وَلَا يشْعر، ثمَّ) يَليهَا (صَالح شيخ، وَهُوَ) أَي صَالح شيخ (أرفع من شيخ وسط، ثمَّ حسن الحَدِيث وصويلح). قَالَ ابْن أبي حَاتِم: من قيل فِيهِ صَالح
(3/49)

الحَدِيث يكْتب حَدِيثه للاعتبار (والمرجع الِاصْطِلَاح، وَقد يخْتَلف فِيهِ وَفِي الْجرْح) أَسْوَأ مراتبه كأكذب النَّاس، إِلَيْهِ الْمُنْتَهى فِي الْوَضع، ثمَّ (كَذَّاب وَضاع دجال يكذب هَالك) يضع الحَدِيث، أَو وضع حَدِيثا ثمَّ (سَاقِط). وَذكر الْخَطِيب أَن أدون الْعبارَات كَذَّاب سَاقِط (مُتَّهم بِالْكَذِبِ والوضع) وَالْوَاو بِمَعْنى أَو (ذَاهِب) أَو ذَاهِب الحَدِيث (ومتروك) أَو مَتْرُوك الحَدِيث، ومتفق على تَركه أَو تَرَكُوهُ) (وَمِنْه للْبُخَارِيّ فِيهِ نظر وسكتوا عَنهُ لَا يعْتَبر بِهِ) لَا يعْتَبر بحَديثه (لَيْسَ بِثِقَة) لَيْسَ بالثقة غير ثِقَة غير (مَأْمُون، ثمَّ ردوا حَدِيثه) مَرْدُود الحَدِيث (ضَعِيف جدا، واه بِمرَّة طرحوا حَدِيثه مطرح، ارْمِ بِهِ لَيْسَ بِشَيْء لَا يُسَاوِي شَيْئا، فَفِي هَذِه) الْمَرَاتِب (لَا حجية وَلَا استشهاد وَلَا اعْتِبَار، ثمَّ ضَعِيف مُنكر الحَدِيث مُضْطَر بِهِ واه ضَعَّفُوهُ) طعنوا فِيهِ. وَذكر فِي الْمِيزَان ضَعَّفُوهُ فِيمَا قبل هَذِه الْمرتبَة (لَا يحْتَج بِهِ، ثمَّ فِيهِ مقَال) اخْتلف فِيهِ (ضعف ضعف) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَكَذَا (تعرف وتنكر لَيْسَ بِذَاكَ) الْقوي لَيْسَ (بِالْقَوِيّ) لَيْسَ (بِحجَّة) لَيْسَ (بعمدة) لَيْسَ (بالمرضي سيئ الْحِفْظ لين) الحَدِيث فِيهِ لين تكلمُوا فِيهِ (وَيخرج) الحَدِيث (فِي هَؤُلَاءِ) الْمَذْكُورين فِي هَاتين المرتبتين (للاعتبار والمتابعات) الِاعْتِبَار أَن تَأتي إِلَى حَدِيث لبَعض الروَاة فتعتبره بروايات غَيره باختبارك طرقه لتعرف هَل شَاركهُ راو آخر فَرَوَاهُ عَن شَيْخه أم لَا؟ وَحِينَئِذٍ إِن وجد من تَابعه أَو تَابع شَيْخه أَو شيخ شَيْخه فَصَاعِدا فَرَوَاهُ مثل مَا رَوَاهُ يُسمى مُتَابعَة (إِلَّا ابْن معِين فِي ضَعِيف وَيثبت التَّعْدِيل) للشَّاهِد والراوي (بِحكم القَاضِي الْعدْل) بِشَهَادَة الشَّاهِد (وَعمل الْمُجْتَهد) الْعدْل بِرِوَايَة الرَّاوِي (الشارطين) للعدالة فِي قبُول الشَّهَادَة وَالرِّوَايَة، ثمَّ إِنَّمَا يكون الْعَمَل بروايته تعديلا بِشَرْطَيْنِ: أَن يعلم أَن لَا مُسْتَند لَهُ فِي الْعَمَل سوى رِوَايَته، وَأَن يعلم أَن عمله لَيْسَ من الِاحْتِيَاط فِي الدّين كَمَا يُشِير إِلَيْهِ بقوله (لَا إِن لم يعلم) شَيْء (سوى كَونه) أَي عمل الْمُجْتَهد (على وَفقه) أَي مَا رَوَاهُ الرَّاوِي الْمَذْكُور وَهل رِوَايَة الْعدْل الحَدِيث عَن الرَّاوِي تَعْدِيل لَهُ؟ قيل نعم مُطلقًا، وَقيل لَا مُطلقًا: وَنسبه ابْن الصّلاح إِلَى أَكثر الْعلمَاء من أهل الحَدِيث وَغَيرهم، وَقَالَ أَنه الصَّحِيح، وَالْمُخْتَار عِنْد الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب وَغَيرهمَا إِن علم من عَادَته أَنه لَا يرْوى إِلَّا عَن عدل فتعديل وَإِلَّا فَلَا.
(تَنْبِيه: حَدِيث) الرَّاوِي (الضَّعِيف للفسق لَا يرتقى بِتَعَدُّد الطّرق) بِأَن يكون الْفَاسِق مَوْجُودا فِي كل مِنْهَا شخصا معينا أَو كَانَ فِي كل مِنْهَا شخص آخر (إِلَى الحجية، و) حَدِيث الضَّعِيف (لغيره) أَي الْفسق كسوء الضَّبْط مَعَ الْعَدَالَة (يرتقى) بِتَعَدُّد الطّرق إِلَى الحجية (وَهَذَا التَّفْصِيل أصح مِنْهُ) أَي من التَّفْصِيل الْقَاسِم للْحَدِيث (إِلَى الْمَوْضُوع) وَغَيره بِأَن
(3/50)

يُقَال إِن كَانَ مَوْضُوعا (فَلَا) يرتقى بِتَعَدُّد الطّرق إِلَى الحجية (أَو) كَأَن على (خِلَافه) أَي الْمَوْضُوع (فَنعم) أَي يرتقى بِتَعَدُّد الطّرق إِلَى الحجية وَذَلِكَ (لوُجُوب الرَّد) للشَّهَادَة وَالرِّوَايَة (للفسق وبالتعدد) لطرقه (لَا يرْتَفع) هَذَا الْمُوجب للرَّدّ (بِخِلَافِهِ) أَي الرَّد (لسوء الْحِفْظ لِأَنَّهُ) أَي هَذَا الرَّد (لوهم الْغَلَط والتعدد يرجح أَنه) أَي الرَّاوِي السَّيئ الْحِفْظ (أَجَاد فِيهِ) أَي فِي ذَلِك الْمَرْوِيّ (فيرتفع الْمَانِع) وَهُوَ وهم الْغَلَط (وَأما) الطعْن فِي الحَدِيث (بالجهالة) لرِوَايَة بِأَن لم يعرف فِي رِوَايَة الحَدِيث إِلَّا بِحَدِيث أَو حديثين (فبعمل السّلف) أَي فيرتفع بعملهم، لِأَن عَمَلهم إِمَّا لعلمهم بعدالته وَحسن ضَبطه، أَو لموافقته سماعهم ذَلِك من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو من سامع مِنْهُ (وسكوتهم) أَي السّلف (عِنْد اشتهار رِوَايَته) أَي الحَدِيث. قَوْله سكوتهم مُبْتَدأ خَبره (كعملهم) بِهِ (إِذْ لَا يسكتون عَن مُنكر) يَسْتَطِيعُونَ إِنْكَاره، وَالْأَصْل ثُبُوت الِاسْتِطَاعَة (فَإِن قبله) أَي الحَدِيث (بعض) مِنْهُم (ورده آخر) مِنْهُم (فكثير) من أهل الحَدِيث وَغَيرهم (على الرَّد، وَالْحَنَفِيَّة) قَالُوا (يقبل، وَلَيْسَ) قبُوله (من تَقْدِيم التَّعْدِيل على الْجرْح، لِأَن ترك الْعَمَل) بِالْحَدِيثِ (لَيْسَ جرحا) فِي رِوَايَة (كَمَا سَيذكرُ فَهُوَ) أَي قبُوله الْبَعْض لَهُ (تَوْثِيق) للراوي (بِلَا معَارض ومثلوه) أَي الْحَنَفِيَّة مَا قبله بَعضهم ورده بَعضهم (بِحَدِيث معقل بن سِنَان أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قضى لبروع بنت واشق بِمهْر مثل نسائها حِين مَاتَ عَنْهَا هِلَال بن مرّة) قبل التَّسْمِيَة (قبله ابْن مَسْعُود، ورده عَليّ). أخرج التِّرْمِذِيّ عَن ابْن مَسْعُود أَنه سُئِلَ عَن رجل تزوج امْرَأَة وَلم يفْرض لَهَا صَدَاقا وَلم يدْخل بهَا حَتَّى مَاتَ عَنْهَا، فَقَالَ ابْن مَسْعُود: لَهَا مثل صدَاق نسائها وَلَا وكس وَلَا شطط وَلها الْمِيرَاث، فَقَامَ معقل بن سِنَان الْأَشْجَعِيّ، فَقَالَ قضى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي بروع بنت واشق امْرَأَة منا مثل مَا قضيت ففرح بهَا ابْن مَسْعُود. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث ابْن مَسْعُود حَدِيث حسن صَحِيح وَبِه يَقُول الثَّوْريّ وَأحمد وَإِسْحَاق، وَقَالَ بعض أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْهُم عَليّ ابْن أبي طَالب وَزيد بن ثَابت وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر لَهَا الْمِيرَاث وَلَا صدَاق لَهَا وَعَلَيْهَا الْعدة، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي، وروى عَنهُ أَنه رَجَعَ بِمصْر من هَذَا القَوْل، وَقَالَ بِحَدِيث بروع قلت وَقد صَحَّ عَنهُ أَنه قَالَ إِذا صَحَّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَدِيث فَهُوَ مذهبي، غير أَنه قَالَ ابْن الْمُنْذر ثَبت مثل قَول ابْن عَبَّاس عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَبِه نقُول (وَلَا يخفى أَن عمله) أَي ابْن مَسْعُود (كَانَ بِالرَّأْيِ غير أَنه سر بِرِوَايَة الْمُوَافق لرأيه من إِلْحَاق الْمَوْت بِالدُّخُولِ بِدَلِيل إِيجَاب الْعدة بِهِ) أَي بِالْمَوْتِ (كالدخول) أَي كَمَا يجب بِالدُّخُولِ (وَهُوَ) أَي الْعَمَل بِهِ (أَعم من الْقبُول لجَوَاز اعْتِبَاره) أَي الْمَرْوِيّ الْمَذْكُور بِالنِّسْبَةِ إِلَى رَأْيه الْمَذْكُور (كالمتابعات) فِي بَاب الرِّوَايَات لإِفَادَة
(3/51)

التقوية (إِلَّا أَن ينْقل) عَن ابْن مَسْعُود (أَنه بعد) أَي بعد تِلْكَ الْوَاقِعَة (اسْتدلَّ بِهِ) أَي بالمروي الْمَذْكُور (وَهَذَا) إِلَّا يرد الْمَدْلُول عَلَيْهِ بقوله وَلَا يخفى الخ (نظر فِي الْمِثَال غير قَادِح فِي الأَصْل فَإِن قيل إِنَّمَا ذَكرُوهُ) أَي الْحَنَفِيَّة قبُول مَا قبله بعض السّلف ورده بَعضهم (فِي تَقْسِيم الرَّاوِي الصَّحَابِيّ إِلَى مُجْتَهد كالأربعة) أبي بكر، وَعمر، وَعُثْمَان، وَعلي (والعبادلة) جمع عبدل، لِأَن من الْعَرَب من يَقُول فِي زيد: بدل، أَو عبد وضعا كالنساء للْمَرْأَة، وهم عِنْد الْفُقَهَاء: عبد الله بن عَبَّاس، وَعبد الله بن عمر، وَعبد الله بن عَمْرو، وَعبد الله بن مَسْعُود. وَعند الْمُحدثين مقَام ابْن مَسْعُود عبد الله بن الزبير (فَيقدم) خَبره (على الْقيَاس مُطلقًا) أَي سَوَاء وَافقه أَو خَالفه (و) إِلَى (عدل ضَابِط) غير مُجْتَهد (كَأبي هُرَيْرَة وَأنس وسلمان وبلال، فَيقدم) خَبره (إِلَّا أَن خَالف كل الأقيسة على قَول عِيسَى) بن أبان (وَالْقَاضِي أبي زيد) وَأكْثر الْمُتَأَخِّرين (كَحَدِيث الْمُصراة) وَهُوَ مَا روى أَبُو هُرَيْرَة عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ:
" لَا تصروا الْإِبِل وَالْغنم، فَمن ابتاعها بعد ذَلِك فَهُوَ بِخَير النظرين بعد أَن يحلبها، فَإِن رضيها أمْسكهَا، وَإِن سخطها ردهَا وصاعا من تمر ": مُتَّفق عَلَيْهِ، والتصرية ربط أحلاف النَّاقة أَو الشَّاة وَترك حلبها يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثَة ليجتمع لَبنهَا فَيرى كثيرا فيزيد فِي الثّمن، ثمَّ إِذا حلبها الحلبة أَو الحلبتين عرف أَن ذَلِك لَيْسَ بلبنها وَهَذَا غرور: فَذهب إِلَى ظَاهر هَذَا الحَدِيث الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة وَأَبُو يُوسُف على مَا فِي شرح الطَّحَاوِيّ للاسبيجابي، وَذكر عَنهُ الْخطابِيّ وَابْن قدامَة أَنه يردهَا مَعَ قيمَة اللَّبن وَلم يَأْخُذ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد بِهِ لِأَنَّهُ خبر مُخَالف لِلْأُصُولِ (فَإِن اللَّبن مثلي وضمانه بِالْمثلِ) بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاع كَمَا يَأْتِي (وَلَو) كَانَ اللَّبن (قيميا فبالقيمة) أَي فضمانه بهَا من التَّقْدِير بِالْإِجْمَاع (لَا كمية) أَي لَا بِضَمَان كمية، يَعْنِي الْكَيْل الْمعِين وَهُوَ الصَّاع (تمر خَاصَّة) بِجِنْس خَاص وَهُوَ التَّمْر، وَهَذَا الْعَطف كَمَا فِي قَوْلهم الصابح فالعاتم للتفاوت بَين التقييدين (ولتقويم الْقَلِيل وَالْكثير بِقدر وَاحِد) عطف على مَا فهم من فحوى الْكَلَام كَأَنَّهُ قَالَ: خَالف الأقيسة لكَون اللَّبن مثلِيا إِلَى آخِره، وللزوم تَقْوِيم الْقَلِيل وَالْكثير بِاعْتِبَار التَّفَاوُت بَين لبن الْإِبِل وَالْغنم وَبَين أَفْرَاد كل مِنْهُمَا، وَالْأَصْل تَقْدِير الضَّمَان بِقدر التَّالِف (وَرب شَاة) تكون مُقَابلا فِي الْقيمَة (بِصَاع) من التَّمْر خُصُوصا فِي غلائه: وَهَذَا وَجه ثَالِث للْخلاف (فَيجب) حِينَئِذٍ (ردهَا) أَي الشَّاة (مَعَ ثمنهَا) وَهُوَ فِي معنى الرِّبَا (وَعند الْكَرْخِي وَالْأَكْثَر) من الْعلمَاء خبر الْعدْل الضَّابِط (كَالْأولِ) أَي كَخَبَر الْمُجْتَهد (وَيَأْتِي الْوَجْه) لكَونه كَذَلِك (وَتَركه) أَي حَدِيث الْمُصراة (لمُخَالفَة الْكتاب) وَهُوَ قَوْله - {فاعتدوا عَلَيْهِ} - (بِمثل مَا اعْتدى، و) مُخَالفَة السّنة (الْمَشْهُورَة) وَهُوَ مَا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ (من أعتق شِقْصا)
(3/52)

أَي نَصِيبا لَهُ من مَمْلُوك (قوم عَلَيْهِ نصيب شَرِيكه) أَن كَانَ مُوسِرًا كَمَا روى مَعْنَاهُ الْجَمَاعَة (وَالْخَرَاج بِالضَّمَانِ). أخرجه أَحْمد وَأَصْحَاب السّنَن، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن وَعَلِيهِ الْعَمَل عِنْد أهل الْعلم، وَمَعْنَاهُ أَن الرجل يَشْتَرِي الْمَمْلُوك فيستغله ثمَّ يجد بِهِ عَيْبا كَانَ عِنْد البَائِع فَيَقْضِي برد العَبْد على البَائِع وَيرجع بِالثّمن وَيَأْخُذهُ وَتَكون لَهُ الْغلَّة طيبَة وَهُوَ الْخراج، وَإِنَّمَا طابت لِأَنَّهُ كَانَ ضَامِنا للْعَبد حَتَّى لَو مَاتَ مَاتَ من مَال المُشْتَرِي لِأَنَّهُ فِي يَده (و) مُخَالفَته (الْإِجْمَاع على التَّضْمِين بِالْمثلِ) فِي المثلى الَّذِي لَيْسَ بمنقطع (أَو الْقيمَة) فِي الْقَائِم الْفَائِت عينه أَو المثلى الْمُنْقَطع مَعَ أَنه مُضْطَرب الْمَتْن، فَمرَّة يَجْعَل الْوَاجِب صَاعا من تمر، وَمرَّة صَاعا من طَعَام غير بر، وَمرَّة مثل أَو مثلى لَبنهَا قمحا، وَمرَّة ذكر الْخِيَار ثَلَاثَة أَيَّام، وَمرَّة لم يذكر، وَقيل هُوَ مَنْسُوخ (وَأَبُو هُرَيْرَة فَقِيه) لم يعْدم شَيْئا من أَسبَاب الِاجْتِهَاد، وَقد أفتى فِي زمن الصَّحَابَة وَلم يكن يُفْتِي فِي زمنهم إِلَّا مُجْتَهد: وروى عَنهُ أَكثر من ثَمَانمِائَة رجل مَا بَين صَحَابِيّ وتابعي: مِنْهُم ابْن عَبَّاس وَجَابِر وَأنس، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح (ومجهول الْعين وَالْحَال كوابصة) بن معبد. قَالَ الشَّارِح والتمثيل بِهِ مُشكل، فَإِن الْمَجْهُول الْمَذْكُور عِنْدهم من لم يعرف إِلَّا بِرِوَايَة حَدِيث أَو حديثين، وَلم يعرف عَدَالَته وَلَا فسقه وَلَا طول صحبته، وَقد عرفت عَدَالَة الصَّحَابَة بالنصوص، وسرد لَهُ خَمْسَة أَحَادِيث أخرجهَا أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَالطَّبَرَانِيّ وَحَاصِله المناقشة فِي الْمِثَال (فَإِن قبله السّلف أَو سكتوا إِذْ بَلغهُمْ أَو اخْتلفُوا قبل) وَقدم على الْقيَاس (كَحَدِيث معقل) فِي بروع وَقد عرفت اخْتِلَاف السّلف فِيهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذا قبله بعض السّلف صَار كَأَنَّهُ رَوَاهُ بِنَفسِهِ، وَإِذا كَانَ الْمُخْتَلف فِيهِ بِهَذِهِ المثابة فَمَا لم يَقع الِاخْتِلَاف فِيهِ، بل قبله الْكل أَو سكتوا كَانَ أولى بِالْقبُولِ (أَو ردُّوهُ) أَي السّلف حَدِيث الْمَجْهُول (لَا يجوز) الْعَمَل بِهِ (إِذا خَالفه) الْقيَاس، لأَنهم لَا يتهمون برد الحَدِيث الصَّحِيح، فاتفاقهم على الرَّد حِينَئِذٍ دَلِيل على اتهامه فِي الرِّوَايَة (وسموه مُنْكرا كَحَدِيث فَاطِمَة بنت قيس) أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لم يَجْعَل لَهَا سُكْنى وَلَا نَفَقَة) كَمَا فِي صَحِيح مُسلم وَغَيره (رده عمر) فَقَالَ لَا نَتْرُك كتاب رَبنَا، وَسنة نَبينَا لقَوْل امْرَأَة لَا نَدْرِي لَعَلَّهَا حفظت أَو نسيت: رَوَاهُ مُسلم أَيْضا. (وَقَالَ مَرْوَان) كَمَا (فِي صَحِيح مُسلم حِين أخبر) بحديثها الْمَذْكُور (لم يسمع هَذَا الْأَمر إِلَّا) من (امْرَأَة سنأخذ بالعصمة الَّتِي وجدنَا النَّاس عَلَيْهَا وهم) أَي النَّاس يَوْمئِذٍ (الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ، فَدلَّ أَنه مستنكر، وَإِن لم يظْهر) حَدِيث الْمَجْهُول (فِي السّلف، بل) ظهر (بعدهمْ فَلم يعلم ردهم وَعَدَمه) أَي عدم ردهم (جَازَ) الْعَمَل بِهِ (إِذا لم يُخَالف) الْقيَاس لترجح جَانب الصدْق لثُبُوت عَدَالَته ظَاهرا لِأَنَّهَا الْغَالِب فِي ذَلِك الزَّمَان (وَلم يجب) الْعَمَل بِهِ لِأَن وجوب الْعَمَل
(3/53)

بالْخبر لَا يثبت بِمثلِهِ (فَيدْفَع) مَنْصُوب على أَنه جَوَاب النَّفْي (نافي الْقيَاس) عَن منع هَذَا الْقيَاس (أَو يَنْفَعهُ) أَي نافي الْقيَاس، هَكَذَا حل الشَّارِح هَذَا الْمحل وَقَالَ: هَذَا تَعْرِيض بِدفع جَوَاب السَّائِل الْقَائِل إِذا وَافقه الْقيَاس وَلم يجب الْعَمَل بِهِ كَانَ الحكم ثَابتا بِالْقِيَاسِ فَمَا فَائِدَة جَوَاز الْعَمَل بِهِ بِأَنَّهَا جَوَاز إِضَافَة الحكم ثَابتا إِلَيْهِ فَلَا يتَمَكَّن نافي الْقيَاس من منع هَذَا الحكم لكَونه مُضَافا إِلَى الحَدِيث (وَإِنَّمَا يلْزم) الدّفع أَو النَّفْع (لَو قبله) أَي السّلف الحَدِيث فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يتَمَكَّن من منع الحكم الثَّابِت بِهِ، وَقد يَنْفَعهُ حَيْثُ يضيف الحكم إِلَيْهِ لَا إِلَى الْقيَاس لَكِن الْفَرْض عدم الْعلم بِهِ حَيْثُ لم يظْهر فيهم انْتهى.
أَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق إِذا كَانَ قَوْله فَيدْفَع جَوَاب النَّفْي لزم كَون أحد الْأَمريْنِ الدّفع والنفع لَازم المنفى: وَهُوَ وجوب الْعَمَل بِهِ غير مُتَحَقق مَعَ النَّفْي، أما دفع النَّافِي على تَقْدِير الْوُجُوب فبأن يُقَال: لَو لم يكن الْقيَاس مُعْتَبرا شرعا لما وَجب الْعَمَل بِحَدِيث راو مَجْهُول بِسَبَب مُوَافَقَته، وَأما النَّفْع على ذَلِك التَّقْدِير فبأن يُقَال لَو كَانَ الْقيَاس مُعْتَبرا لما أضيف الحكم إِلَى حَدِيث كَذَا مَعَ وجوده وَعدم تحقق أحد الْأَمريْنِ على تَقْدِير جَوَاز الْعَمَل بِهِ فَلَا يَخْلُو عَن خَفَاء لجَوَاز أَن يُقَال لَو لم يكن الْقيَاس مُعْتَبرا لما جَازَ الْعَمَل بِحَدِيث كَذَا بِسَبَب مُوَافَقَته فَإِنَّهُ لَو خَالفه لما جَازَ الْعَمَل بِهِ، أَو يُقَال: لَو كَانَ الْقيَاس مُعْتَبرا لما أضيف جَوَاز الْعَمَل إِلَى الحَدِيث الْمَذْكُور، بل كَانَ يُضَاف إِلَى الْقيَاس: غير أَن الدّفع والنفع حِينَئِذٍ لَيْسَ يُقَوي مثل الأول فَلم يعْتَبر بِهِ، وَأما تَقْرِير لُزُوم أحد الْأَمريْنِ على تَقْدِير قبُول السّلف فبأن يُقَال: لَوْلَا أَن الْقيَاس من الْأُصُول الشَّرْعِيَّة لما قبل السّلف مثل هَذَا الحَدِيث لموافقته، أَو يُقَال: لَو كَانَ مِنْهَا كَانُوا يضيفون هَذَا الحكم إِلَيْهِ لَا إِلَى مثل هَذَا الحَدِيث، وَأما ادِّعَاء كَونه تعريضا بِدفع الْجَواب الْمَذْكُور عَن السُّؤَال الْمَزْبُور فَمَا يُفْضِي إِلَيْهِ الْعجب، وطوينا الْكَلَام فِي إبِْطَال كثير مِمَّا ذكره هَهُنَا مَخَافَة الإملال عَن إكثار الشغب، هَذَا وَيحْتَمل أَن يكون معنى قَوْله لَو قبل نافي الْقيَاس وجوب الْعَمَل بِهِ أَو جَوَازه، وَأما إِذا لم يقبل فَلَا يَتَأَتَّى شَيْء من الدّفع والنفع، وَهَذَا الْوَجْه أوجه (وَرِوَايَة مثل هَذَا الْمَجْهُول فِي زَمَاننَا لَا تقبل) مَا لم يتأيد بِقبُول الْعُدُول لغَلَبَة الْفُسَّاق على أهل هَذَا الزَّمَان (قُلْنَا) لَيْسَ التَّقْسِيم الْمَذْكُور للراوي الصَّحَابِيّ (بل وضعهم) أَي الْحَنَفِيَّة التَّقْسِيم الْمَذْكُور فِيمَا هُوَ (أَعم) من الصَّحَابِيّ وَغَيره (وَهُوَ) أَي مَا وضعوه (قَوْلهم والراوي إِن عرف بالفقه إِلَى آخِره غير أَن التَّمْثِيل وَقع بالصحابة مِنْهُم وَلَيْسَ يلْزم) كَون الرَّاوِي (صحابيا) فَلَا مُخَصص لعُمُوم الرَّاوِي فِي قَوْلهم (فَصَارَ هَذَا) أَي الْمَذْكُور فِي هَذَا التَّقْسِيم (حكم غير الصَّحَابِيّ أَيْضا وَلَا جرح) للراوي وَالشَّاهِد (بترك الْعَمَل فِي رِوَايَة
(3/54)

وَلَا شَهَادَة) لَهما (لجوازه) أَي ترك الْعَمَل بروايته وشهادته (بمعارض) من رِوَايَة أَو شَهَادَة أُخْرَى أَو فقد شَرط غير الْعَدَالَة. قَالَ السُّبْكِيّ: فَإِن فرض ارْتِفَاع الْمَوَانِع بأسرها وَكَانَ مَضْمُون الْخَبَر وجوبا فَتَركه حِينَئِذٍ يكون جرحا، قَالَه القَاضِي فِي التَّقْرِيب وَسَيَجِيءُ فِيهِ تَفْصِيل (وَلَا) جرح (بِحَدّ لشهادة بِالزِّنَا مَعَ عدم النّصاب) للشَّهَادَة لدلالته على فسق الشَّاهِد، وَهَذَا فِي ظَاهر الْمَذْهَب بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرِّوَايَة، وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة ردهَا بِهِ كرد الشَّهَادَة بِلَا خلاف فِي الْمَذْهَب (وَلَا) جرح (بالأفعال الْمُجْتَهد فِيهَا) من الْمُجْتَهد الْقَائِل بإباحتها أَو مقلده كشرب النَّبِيذ مَا لم يسكر من غير لَهو، واللعب بالشطرنج بِلَا قمار (وركض الدَّابَّة) أَي حثها لتعدو: هُوَ رد لشعبة، فَإِنَّهُ قيل لَهُ: لَو تركت حَدِيث فلَان؟ قَالَ: رَأَيْته يرْكض على برذون كَيفَ وَهُوَ مَشْرُوع من عمل الْجِهَاد، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه فعل ذَلِك فِي حَضرته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بأَمْره (وَكَثْرَة المزاح غير المفرط) فقد كَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يمزح أَحْيَانًا وَلَا يَقُول إِلَّا حَقًا على مَا هُوَ الْمَذْكُور فِي كتب لحَدِيث فِي بَاب وضع لَهُ (وَعدم اعْتِبَار الرِّوَايَة) فَإِن من الصَّحَابَة من يمْتَنع عَن الرِّوَايَة فِي عَامَّة الْأَوْقَات، وَمِنْهُم من يشْتَغل بهَا فِي عامتها، ثمَّ لم يرجح أحد رِوَايَة من اعتادها على من لم يعتدها (وَلَا يدْخلهُ) أَي لَا يدْخل فِيمَن لم يعتدها (من لَهُ راو فَقَط) إِذْ يجوز اعْتِبَارهَا مَعَ وحد الْآخِذ (وَهُوَ) أَي من لَهُ راو فَقَط (مَجْهُول الْعين باصطلاح) الْمُحدثين (كسمعان ابْن مشاج والهزهاز بن ميزن لَيْسَ لَهما) راو (إِلَّا الشّعبِيّ وجبار الطَّائِي فِي آخَرين) وهم: عبد الله بن أغر الْهَمدَانِي والهيثم بن حَنش وَمَالك بن أغر وَسَعِيد بن ذِي حدان وَقيس بن كركم وبهر بن مَالك على مَا ذكره الشَّارِح (لَيْسَ لَهُم) راو (إِلَّا) أَبُو إِسْحَاق (السبيعِي وَفِي) لم (الحَدِيث) فِيهِ أَقْوَال (نَفْيه) أَي نفي قبُوله (للْأَكْثَر) من أهل الحَدِيث وَغَيرهم (وقبوله) مُطلقًا (قيل هُوَ) أَي هَذَا القَوْل (لمن لم يشْتَرط) فِي الرَّاوِي شرطا (غير الْإِسْلَام وَالتَّفْصِيل بَين كَون) ذَلِك الرَّاوِي (الْمُنْفَرد لَا يرْوى إِلَّا عَن عدل) كَابْن مهْدي وَيحيى بن سعيد مَعَ الِاكْتِفَاء فِي التَّعْدِيل بِوَاحِد (وَمَعْلُوم أَن الْمَقْصُود) مَا ذكر (مَعَ ضبط) فَيقبل وَإِلَّا فَلَا (وَقيل إِن زَكَّاهُ عدل) من أَئِمَّة الْجرْح وَالتَّعْدِيل قبل، وَإِلَّا فَلَا (وَقيل أَن شهر) فِي غير الْعلم (بالزهد كمالك بن دِينَار، أَو النجدة) وَهُوَ الْقِتَال والشجاعة (كعمرو بن معدي كرب) قبل وفلا (ومرجع التَّفْصِيل) الأول (وَمَا بعده وَاحِد: وَهُوَ أَن عرف عدم كذبه) قبل، وَإِلَّا فَلَا (غير أَن لمعرفتها طرقا التَّزْكِيَة وَمَعْرِفَة أَنه لَا يرْوى إِلَّا عَن عدل وزهده والنجدة فَإِن المتصف بهَا) أَي الْجدّة (عَادَة يرْتَفع عَن الْكَذِب، وَفِيه نظر فقد تحقق خِلَافه) وَهُوَ الْكَذِب مَعَ النجدة (فِيمَا ل الْمبرد عَنهُ) أَي عَن معدي كرب من نِسْبَة الْكَذِب إِلَيْهِ (وَالْوَجْه جعل أَن زَكَّاهُ)
(3/55)

عدل قبل وَإِلَّا فَلَا (مُرَاد الأول) وَهُوَ أَنه إِن كَانَ لَا يرْوى إِلَّا عَن عدل قبل وَإِلَّا فَلَا (وَلَا) جرح أَيْضا (بحداثة السن بعد اتقان مَا سمع) عِنْد التَّحَمُّل وَتحقّق الْعَدَالَة وَسَائِر شُرُوط الرِّوَايَة (واستكثار مسَائِل الْفِقْه) لِأَنَّهُ لَا يلْزم من ذَلِك خلل فِي الْحِفْظ كَمَا زعم بعض (وَكَثْرَة الْكَلَام كَمَا) نقل (عَن زَاذَان) قَالَ شُعْبَة: قلت للْحكم بن عتيبة لم لم ترو عَن زَاذَان؟ قَالَ كثير الْكَلَام، وَالْحق أَن مُجَرّد هَذَا غير قَادِح (وَبَوْل قَائِما كَمَا عَن سماك) قَالَ جرير: رَأَيْت سماك بن حَرْب يَبُول قَائِما فَلم أكتب عَنهُ، فَإِن مُجَرّد هَذَا غير قَادِح. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَال قَائِما، وَالظَّاهِر أَنه بَيَان للْجُوَاز كَمَا ذهب إِلَيْهِ بَعضهم فَهُوَ مُبَاح غير مخل بالمروة إِذا لم يرْتَد عَن البائل من غير كشف الْعَوْرَة (وَاخْتلف فِي رِوَايَة الْعدْل) عَن الْمَجْهُول على ثَلَاثَة أَقْوَال (فالتعديل) إِذْ الظَّاهِر أَنه لَا يرْوى إِلَّا عَن عدل احْتِرَازًا عَن التلبيس لما فِيهَا من الْإِيقَاع فِي الْعَمَل بِمَا لَا يجوز أَن يعْمل بِهِ (وَالْمَنْع) لَهُ، إِذْ كثيرا مَا يرْوى الْعدْل وَلَا يفكر عَمَّن يرْوى وَلَا يلتبس إِذْ لَا يجب الْعَمَل بِمُجَرَّد الرِّوَايَة، إِذْ غَايَته أَنه يَقُول سمعته كَذَا فَلَو عمل بِهِ السَّامع من غير استكشاف فالتقصير مِنْهُ، وَعزا ابْن الصّلاح هَذَا القَوْل إِلَى أَكثر الْعلمَاء من الْمُحدثين وَغَيرهم، وَذكر أَنه الصَّحِيح (وَالتَّفْصِيل بَين من علم أَنه لَا يروي إِلَّا عَن عدل) فَهِيَ تَعْدِيل (أَولا) يعلم ذَلِك من عَادَته فَلَا يكون تعديلا لما ذكر (وَهُوَ) أَي هَذَا التَّفْصِيل (الأعدل وَأما التَّدْلِيس) وَفَسرهُ بقوله (إِيهَام الرِّوَايَة عَن المعاصر الْأَعْلَى) سَمَاعا مِنْهُ سَوَاء لقِيه أَولا بِحَذْف المعاصر الْأَدْنَى سَوَاء كَانَ شَيْخه أَو شيخ شَيْخه فَصَاعِدا نَحْو قَالَ فلَان (أَو وصف شَيْخه بمتعدد) بِأَن يُسَمِّيه تَارَة ويكنيه أُخْرَى أَو ينْسبهُ إِلَى قَبيلَة أَو بلد أَو صَنْعَة أَو بِصفة بِمَا لَا يعرف بِهِ كَيْلا يعرف، وَيفْعل هَكَذَا (لإيهام الْعُلُوّ) فِي السَّنَد، أَو لصِغَر سنّ الْمَحْذُوف عَن سنّ الرَّاوِي، أَو لتأخر وَفَاته ومشاركته من دونه فِيهِ على التَّقْدِير الأول (وَالْكَثْرَة) فِي الشُّيُوخ على التَّقْدِير الثَّانِي لما فِيهِ من إِيهَام أَنه غَيره (فَغير قَادِح، أما) التَّدْلِيس (الْإِيهَام الثِّقَة) أَي كَون الْإِسْنَاد موثوقا بِهِ (بِإِسْقَاط مُخْتَلف فِي ضعفه) حَال كَون السَّاقِط وَاقعا (بَين ثقتين يوثقه) الْمسْقط بذلك (بِأَن ذكر) الثِّقَة (الأول بِمَا لَا يشْتَهر بِهِ من مُوَافق اسْم من عرف أَخذه عَن الثَّانِي) كلمة من بَيَان للموصول. وَحَاصِله أَن الثِّقَة الأول لَهُ اسمان: أَحدهمَا مَا اشْتهر بِهِ وَلم يسمه بِهِ، وَالثَّانِي مُشْتَرك بَينه وَبَين من أَخذ الحَدِيث عَن الثِّقَة الثَّانِي، وَذَلِكَ الْآخِذ ثِقَة مَعْرُوف فيعبر عَن الثِّقَة الأول بِهَذَا الِاسْم ليوهم السَّامع أَنه هُوَ (وَهُوَ) أَي هَذَا التَّدْلِيس (أحد قسمي) تَدْلِيس (التَّسْوِيَة فَيرد) الحَدِيث (عِنْد مانعي) قبُول (الْمُرْسل ويتوقف) على صِيغَة الْمَجْهُول (فِي عنعنته) أَي فِيمَا رَوَاهُ هَذَا المدلس بِلَفْظ عَن من غير بَيَان
(3/56)

للتحديث والإخبار وَالسَّمَاع. قَالَ الْعِرَاقِيّ: اخْتلفُوا فِي حكم الْإِسْنَاد المعنعن، فَالصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَل، وَذهب إِلَيْهِ الجماهير من أَئِمَّة الحَدِيث وَغَيرهم أَنه من قبيل الْإِسْنَاد الْمُتَّصِل بِشَرْط سَلامَة الرَّاوِي بالعنعنة من التَّدْلِيس، وبشرط ثُبُوت ملاقاته لمن رَوَاهُ عَنهُ بالعنعنة، ثمَّ قَالَ: وَمَا ذَكرْنَاهُ من اشْتِرَاط ثُبُوت اللِّقَاء مَذْهَب الْمَدِينِيّ وَالْبُخَارِيّ وَغَيرهمَا من أَئِمَّة هَذَا الْعلم، وَأنكر مُسلم اشْتِرَاطه، وَقَالَ الْمُتَّفق عَلَيْهِ بَين أهل الْعلم بالأخبار قَدِيما وحديثا أَنه يَكْفِي ثُبُوت كَونهمَا فِي عصر وَاحِد. وَقَالَ ابْن الصّلاح: وَفِيمَا قَالَه مُسلم نظر (دون المجيزين) لقبُول الْمُرْسل: حكى الْخَطِيب أَن جُمْهُور من يحْتَج بالمرسل يقبل خبر المدلس (وَلَا يسْقط) المدلس الْمَذْكُور فِي الْمَذْهَب الصَّحِيح (بعد كَونه إِمَامًا) من أَئِمَّة الحَدِيث (لاجتهاده) فِي طلب صِحَة الْخَبَر (وَعدم صَرِيح الْكَذِب، وَهُوَ) أَي هَذَا الْقسم من التَّدْلِيس (محمل فعل الثَّوْريّ وَالْأَعْمَش وَبَقِيَّة) فِي الْقَامُوس بَقِي بن مخلد حَافظ الأندلس، وَبَقِيَّة وَبَقَاء اسمان. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من هَذَا النَّوْع كثير كقتادة والسفيانين وَعبد الرَّزَّاق والوليد بن مُسلم. قَالَ النَّوَوِيّ: وَمَا كَانَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وشبههما من المدلسين بعن مَحْمُول على ثُبُوت السماع من جِهَة أُخْرَى. قَالَ الْحَافِظ عبد الْكَرِيم الْحلَبِي: قَالَ أَكثر الْعلمَاء المعنعنات الَّتِي فِي الصَّحِيحَيْنِ منزلَة بِمَنْزِلَة السماع (وَيجب) سُقُوط الرَّاوِي لتدليسه (فِي الْمُتَّفق) على ضعفه لِأَنَّهُ غير رشيد فِي الدّين. قَالَ الْهَيْثَم بن خَارِجَة للوليد بن مُسلم: أفسدت حَدِيث الْأَوْزَاعِيّ تروي عَنهُ عَن نَافِع وَعنهُ عَن الزُّهْرِيّ، وَغَيْرك يدْخل بَينه وَبَين نَافِع عبد الله بن عَامر الْأَسْلَمِيّ وَبَينه وَبَين الزُّهْرِيّ إِبْرَاهِيم بن مرّة وقرة، قَالَ لَهُ أنبل الْأَوْزَاعِيّ أَن يرْوى عَن مثل هَؤُلَاءِ. قَالَ الْهَيْثَم قلت لَهُ فَإِذا روى عَن هَؤُلَاءِ وهم ضعفاء أَحَادِيث مَنَاكِير فأسقطتهم وصيرتها من رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عَن الثِّقَات ضعف الْأَوْزَاعِيّ انْتهى، وَلذَا قَالَ شُعْبَة التَّدْلِيس أَخُو الْكَذِب، وَأَرَادَ بِهِ هَذَا الْقسم مِنْهُ (وتحققه) أَي هَذَا التَّدْلِيس يكون (بِالْعلمِ بمعاصرة الموصولين) بِإِسْقَاط الْوَاسِطَة بَينهمَا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يعلم معاصرتهما (لَا تَدْلِيس ويفضي) التَّدْلِيس لتكبير الشُّيُوخ (إِلَى تَضْييع) الشَّيْخ (الْمَوْصُول وَحَدِيثه) الْمَرْوِيّ أَيْضا قلت وَيَنْبَغِي أَن يحمل على تضييعه بِاعْتِبَار مَا يرْوى عَنهُ هَذَا الْمسْقط لَا مُطلقًا لِأَنَّهُ إِذا روى عَن الضَّعِيف مَعَ بَيَان ضعفه لَا يخل بِهِ، وَنقل عَن الشَّافِعِي وَالْبَزَّار والخطيب اشْتِرَاط اللِّقَاء فِي هَذَا التَّدْلِيس فَلم يكتفوا بِمُجَرَّد المعاصرة. قَالَ الشَّارِح: وَيعرف عدم الملاقاة بأخباره عَن نَفسه بذلك أَو بجزم إِمَام مطلع، وَلَا يَكْفِي أَن يَقع فِي بعض الطّرق زِيَادَة راو بَينهمَا.
(3/57)

مسئلة
قَالَ (الْأَكْثَر) مِنْهُم الرَّازِيّ والآمدي (الْجرْح وَالتَّعْدِيل) يثبتان (بِوَاحِد فِي الرِّوَايَة وباثنين فِي الشَّهَادَة، وَقيل) بل (بِاثْنَيْنِ فيهمَا) أَي فِي الرِّوَايَة وَالشَّهَادَة (وَقيل) يثبتان (بِوَاحِد فيهمَا) أَي الرِّوَايَة وَالشَّهَادَة، وَهُوَ مُخْتَار القَاضِي (للْأَكْثَر لَا يزِيد شَرط على مشروطه بالاستقراء وَلَا ينقص) شَرط عَن مشروطه أَيْضا بالاستقراء، وَالْعَدَالَة شَرط لقبولهما، وَالْجرْح لعدمه، وَالرِّوَايَة لَا يشْتَرط فِيهَا الْعدَد، وَالشَّهَادَة يشْتَرط فِيهَا، وَأقله اثْنَان: فَكَذَا التَّعْدِيل وَالْجرْح فيهمَا. قَالَ (المعدد) أَي شارط الْعدَد فيهمَا: كل وَاحِد من الْجرْح وَالتَّعْدِيل (شَهَادَة) وَلذَا ترد بِمَا ترد بِهِ الشَّهَادَة (فيتعدد) كَمَا فِي سَائِر الشَّهَادَات (عورض خبر) عَن حَال الرَّاوِي (فَلَا) يشْتَرط فِيهِ الْعدَد، بل يَكْتَفِي بِالْوَاحِدِ إِذا غلب على الظَّن صدقه (قَالُوا) أَي المعددون فيهمَا اشْتِرَاط الْعدَد فِي كل مِنْهُمَا (أحوط) لزِيَادَة الثِّقَة، فَالْقَوْل بِهِ أولى (أُجِيب بالمعارضة) وَهِي أَن عدم اشْتِرَاط الْعدَد أحوط حذرا عَن تَضْييع الْأَحْكَام (الْمُفْرد) الَّذِي لَا يشْتَرط: أَي الْعدَد (فيهمَا) أَي فِي التَّعْدِيل وَالْجرْح، وَالشَّهَادَة فِي الرِّوَايَة قَالَ: كل مِنْهُمَا (خبر) فَلَا يشْتَرط فِيهِ الْعدَد (فَيُقَال) لَهُ بل كل مِنْهُمَا (شَهَادَة) فَيشْتَرط فِيهِ الْعدَد (فَإِذا قَالَ) الْمُفْرد الْإِفْرَاد (أحوط عورض) بِأَن التَّعَدُّد أحوط (والأجوبة) من الطَّرفَيْنِ (كلهَا جدلية) لَا ينْكَشف بهَا الْحق، وَلَا يتَرَجَّح بهَا مَذْهَب (والمعارضة الأولى) وَهِي الْأَفْرَاد أحوط (تنْدَفع بِأَن شرع مَا لم يشرع شَرّ من ترك مَا شرع) لِأَن فِيهِ شَائِبَة شركَة فِي الربوبية تَعَالَى الله عَن ذَلِك، بِخِلَاف ترك مَا شرع (و) الْمُعَارضَة (الثَّانِيَة) وَهِي التَّعَدُّد أحوط (نقتضي التَّعَدُّد فيهمَا). قَالَ الشَّارِح: أَي الْجرْح وَالتَّعْدِيل انْتهى وَلَا يخفى عَلَيْك أَنه لَا مَحْذُور فِيهِ فَالصَّوَاب أَن يُقَال: أَي الرِّوَايَة وَالشَّهَادَة وَالْأَكْثَر لَا يَقُول بِهِ كَمَا ذكر فِي صدر المبحث، وَهَذِه الْمُعَارضَة من قبلهم (وَقَول الْأَكْثَر لَا يزِيد) شَرط على مَشْرُوط بالاستقراء (مُنْتَفٍ بِشَاهِد الْهلَال) أَي هِلَال رَمَضَان إِذا كَانَ بالسماء عِلّة فَإِنَّهُ يَكْتَفِي فِيهِ بِوَاحِد ويفتقر تعديله إِلَى اثْنَيْنِ (وَلَا ينقص) شَرط عَن مشروطه مُنْتَفٍ (بِشَهَادَة الزِّنَا) فَإِنَّهُ يلْزم كَونهم أَرْبَعَة، وَيَكْفِي فِي تعديلهم اثْنَان (وَمَا قيل لانقض) بِهَذَيْنِ (بل) زِيَادَة فِي الأَصْل فِي شَهَادَة الزِّنَا ونقصانه فِي الْهلَال إِنَّمَا يثبت (بِالنَّصِّ للِاحْتِيَاط فِي الدرء) للعقوبات (والإيجاب) لِلْعِبَادَةِ كَمَا هُوَ مَذْكُور فِي حَاشِيَة التَّفْتَازَانِيّ (لَا يُخرجهُ) أَي هَذَا الْجَواب لَا يخرج مَا ذكر من مادتي النَّقْض (عَنْهُمَا) أَي ثُبُوت الزِّيَادَة وَثُبُوت النَّقْص المنافيين لما ادّعى من الضابطين بالاستقراء
(3/58)

(وأوجهها) أَي هَذِه الْأَقْوَال (الْمُفْرد) أَي قَول الْقَائِل بِأَن الْمُفْرد كَافِي فيهمَا (فَإِذا قيل كَونه) أَي كَون كل من الْجرْح وَالتَّعْدِيل (شَهَادَة أحوط) يَعْنِي أَنه يحْتَمل أَن يكون شَهَادَة، وَأَن يكون خَبرا، وَحمله على الأول ورعاية جَانِبه تَسْتَلْزِم رِعَايَة الْجَانِب الآخر على الْوَجْه الآكد، بِخِلَاف الْعَكْس (منع محليته). قَالَ الشَّارِح: أَي التَّعْدِيل وَالصَّوَاب، أَي كل من الْجرْح وَالتَّعْدِيل لاقْتِضَاء السِّيَاق والسباق، وَكَأَنَّهُ دَعَاهُ إِلَيْهِ ظَاهر مَا سَيَأْتِي، وسيظهر لَك أَنه مُوَافق لما قُلْنَا (لَهُ) أَي للِاحْتِيَاط (إِذْ الِاحْتِيَاط عِنْد تجاذب متعارضين) أَي دَلِيلين كل مِنْهُمَا يجذب إِلَى مُوجبه مَعَ الْمُخَالفَة بَين لازميهما (فَيعْمل بأشدهما) كلفة وأوفرهما امتثالا (وَلَا تزيد التَّزْكِيَة) الَّتِي هِيَ التَّعْدِيل (على أَنَّهَا ثَنَاء عَلَيْهِ) أَي على الرَّاوِي أَو الشَّاهِد (وَهُوَ) أَي هَذَا الثَّنَاء يتَحَقَّق (بِمُجَرَّد الْخَبَر) الْخَاص من الْمُزَكي (فإثبات زِيَادَة على الْخَبَر) يَعْنِي خُصُوصِيَّة كَونه شَهَادَة يكون (بِلَا دَلِيل فَيمْتَنع) إِذْ لَا يجوز إِثْبَات حكم شَرْعِي بِغَيْر دَلِيل يُوجِبهُ فَثَبت خبريته وَلم يثبت كَونه شَهَادَة وَلَا تجاذب وَلَا تعَارض (وَلَا يتَصَوَّر الِاحْتِيَاط) لِأَنَّهُ فرع التَّعَارُض. (وَاخْتلف فِي اشْتِرَاط ذكورة الْمعدل) للشَّاهِد فِي الْحُدُود عِنْد أَصْحَابنَا فَفِي الْهِدَايَة يشْتَرط الذُّكُورَة فِي الْمُزَكي فِي الْحُدُود. وَفِي غَايَة الْبَيَان، يَعْنِي بِالْإِجْمَاع: وَكَذَا فِي الْقصاص ذكره فِي الْمُخْتَلف فِي كتاب الشَّهَادَات فِي بَاب مُحَمَّد انْتهى. وَوَافَقَهُ الزَّيْلَعِيّ، وَقيل يشْتَرط عِنْده خلافًا لَهما (وَمُقْتَضى النّظر قبُول تَزْكِيَة كل عدل ذكر أَو امْرَأَة فِيمَا يشْهد بِهِ حر أَو عبد) لِأَنَّهَا ثَنَاء وأخبار عَن حَال الشَّاهِد أَو الرَّاوِي، لَا شَهَادَة (وَلَو شرطت الملابسة فِي الْمَرْأَة) لمن تزكيه، وَهِي المخالطة على وَجه يُوجب معرفَة بَاطِن الْحَال (لسؤال بَرِيرَة) أَي سُؤال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَرِيرَة مولاة عَائِشَة عَنْهَا فِي قصَّة الْإِفْك بِإِشَارَة عَليّ كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح (و) فِي (العَبْد) أَيْضا، وَذَلِكَ لظُهُور عدم مخالطتهما الرِّجَال والأحرار خلْطَة على الْوَجْه الْمَذْكُور (لم يبعد فينتفى) بِاشْتِرَاط الملابسة (ظُهُور مَبْنِيّ النَّفْي) لمعْرِفَة بَاطِن الْحَال وَهُوَ بعدهمَا عَن اطلَاع حَال الرِّجَال والأحرار، وَفِي الْمُحِيط وَيقبل تَعْدِيل الْمَرْأَة لزَوجهَا إِذا كَانَت بَرزَة تخالط النَّاس وتعاملهم فَإِن كَانَت مخدرة غير بَرزَة لَا تكون خبْرَة، فَلَا تعرف أَحْوَال النَّاس إِلَّا حَال زَوجهَا وَوَلدهَا، فَلَا يكون تعديلها مُعْتَبرا انْتهى. وَحكى مَشَايِخنَا خلافًا بَين أبي حنيفَة وصاحبيه فِي تَزْكِيَة العَبْد فَلم يقبلهَا مُحَمَّد وقبلاها. قَالَ الشَّارِح: ثمَّ التَّحْرِير فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أَن تَزْكِيَة الْعَلَانِيَة أجمع أَصْحَابنَا على أَنه يشْتَرط لَهَا سَائِر أَهْلِيَّة الشَّهَادَة وَمَا اشْترط فِيهَا سوى لَفْظَة الشَّهَادَة، وَأما تَزْكِيَة السِّرّ فَفِي الْحُدُود وَالْقصاص عرفت مَا فِيهَا، ثمَّ ذكر تَفْصِيلًا يرجع إِلَيْهِ من يُريدهُ.
(3/59)

مسئلة
(إِذا تعَارض الْجرْح وَالتَّعْدِيل فالمعروف مذهبان: تَقْدِيم الْجرْح مُطلقًا) أَي سَوَاء كَانَ المعدلون أقل من الجارحين أَو مثلهم أَو أَكثر مِنْهُم: نَقله الْخَطِيب عَن جُمْهُور الْعلمَاء، وَصَححهُ الرَّازِيّ والآمدي وَابْن الصّلاح وَغَيرهم (وَهُوَ الْمُخْتَار وَالتَّفْصِيل بَين تَسَاوِي المعدلين والجارحين فَكَذَلِك) أَي يقدم الْجرْح (والتفاوت) بَين الْفَرِيقَيْنِ فِي الْمِقْدَار (فيترجح الْأَكْثَر) من الْفَرِيقَيْنِ على الْأَقَل مِنْهُمَا (فَأَما وجوب التَّرْجِيح) لأَحَدهمَا على الآخر بمرجح (مُطلقًا) أَي سَوَاء تَسَاويا أَو كَانَ أَحدهمَا أَكثر (كنقل ابْن الْحَاجِب فقد أنكر) كَمَا ذكره الشَّيْخ زين الدّين الْعِرَاقِيّ (بِنَاء على حِكَايَة القَاضِي أبي بكر) الباقلاني (والخطيب) الْبَغْدَادِيّ (الْإِجْمَاع على تَقْدِيم الْحَرج عِنْد التَّسَاوِي لَوْلَا تعقب الْمَازرِيّ الْإِجْمَاع) الَّذِي حكيناه وَمنعه إِيَّاه مُسْتَندا (بنقله) أَي الْمَازرِيّ (عَن) عَالم (مالكي يشهر بِابْن شعْبَان) أَنه يطْلب التَّرْجِيح فِي صُورَة التَّسَاوِي، وَلَا يقدم الْجرْح فِيهَا مُطلقًا، وَجَوَاب لَو مَحْذُوف، يَعْنِي لَوْلَا هَذَا التعقب لحكمنا بِبُطْلَان مَا نَقله ابْن الْحَاجِب قطعا (لكنه) أَي ابْن شعْبَان (غير مَشْهُور وَلَا يعرف لَهُ تَابع) وَاحِد فضلا عَن الأتباع (فَلَا يَنْفِيه) قَول ابْن شعْبَان الْإِجْمَاع، وَأورد الشَّارِح عَلَيْهِ أَن الْقَائِل بِعَدَمِ تعْيين الْعَمَل بالتعديل إِذا كَانَ الْجَارِح أقل، بل يطْلب التَّرْجِيح قَائِل بِعَدَمِ ذَلِك للترجيح فِي صُورَة التَّسَاوِي بطرِيق أولى فتنخدش دَعْوَى الْإِجْمَاع، ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون كل من هذَيْن ذهب إِلَى مَا قَالَه بعد انْعِقَاد الْإِجْمَاع على تَقْدِيم الْجرْح على التَّعْدِيل إِذا تساوى عدداهما انْتهى: فَكَأَنَّهُ أَرَادَ بقوله من هذَيْن مَا نَقله ابْن الْحَاجِب وَمَا نَقله الْمَازرِيّ لَكِن لَا يعلم مَقْصُوده من كَونهمَا بعد الْإِجْمَاع أَن أَرَادَ عدم الِاعْتِدَاد بهما فقد علم، وَإِن أَرَادَ أَن صُورَة التَّسَاوِي تستثني من الْقَوْلَيْنِ نَاقض قَوْله بطرِيق أولى، ثمَّ قَالَ وَيُجَاب بِأَن الْأَمر على هَذَا لَكِن لم يتَحَقَّق قَائِل بِطَلَب التَّرْجِيح إِذا كَانَ الْجَارِح أقل، فَكَلَامه كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مَاء حَتَّى إِذا جَاءَهُ لم يجده شَيْئا (وَأما وضع شَارِحه) أَي ابْن الْحَاجِب، وَهُوَ القَاضِي عضد الدّين (مَكَان التَّرْجِيح التَّعْدِيل) فِي قَوْله وَقيل بل التَّعْدِيل مقدم (فَلَا يعرف قَائِل بِتَقْدِيم التَّعْدِيل مُطلقًا). وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض النّسخ بل التَّرْجِيح مقدم، وَهُوَ مُوَافق لكَلَام الشَّارِحين وَالْمُصَنّف (وَالْخلاف عِنْد إطلاقهما) أَي الْجرْح وَالتَّعْدِيل بِلَا تعْيين سَبَب (أَو تعْيين الْجَارِح سَببا لم ينفه الْمعدل أَو نَفَاهُ) الْمعدل (بطرِيق غير يقيني 8 لنا فِي تَقْدِيم الْجرْح عدم الإهدار) لكل من الْجرْح وَالتَّعْدِيل (فَكَانَ) تَقْدِيمه (أولى) من تَقْدِيم التَّعْدِيل،
(3/60)

لِأَن فِيهِ إهدار الْجرْح (أما الْجَارِح) أَي عدم إهداره (فَظَاهر، وَأما قَول الْمعدل) أَي عدم إهداره بِحَيْثُ يلْزم تَكْذِيبه (فُلَانُهُ ظن الْعَدَالَة لما قدمْنَاهُ) من ظَاهر حَال الْمُسلم والتزام مَا يَقْتَضِيهِ الْإِسْلَام من اجْتِنَاب مَحْظُورَات دينه (وَلما يَأْتِي) من أَن الْعَدَالَة يتصنع فِي إظهارها فتظن وَلَيْسَت ثَابِتَة (ورد تَرْجِيح الْعَدَالَة بِالْكَثْرَةِ) أَي بِسَبَب كَثْرَة المعدلين (بِأَنَّهُم وَإِن كَثُرُوا لَيْسُوا مخبرين بِعَدَمِ مَا أخبر بِهِ الجارحون) وَلَو أخبروا بِهِ لكَانَتْ شَهَادَة على النَّفْي، وَهِي بَاطِلَة، ذكره الْخَطِيب (وَمعنى هَذَا أَنهم) أَي المعدلين والجارحين (لم يتواردوا فِي التَّحْقِيق) على مَحل وَاحِد فَلَا تعَارض بَين خبريهما (فَأَما إِذا عين) الْجَارِح (سَبَب الْجرْح) بِأَن قَالَ قتل فلَانا يَوْم كَذَا مثلا (ونفاه الْمعدل يَقِينا) بِأَن قَالَ رَأَيْته حَيا بعد ذَلِك الْيَوْم (فالتعديل) أَي تَقْدِيمه على الْجرْح (اتِّفَاق وَكَذَا) يقدم على الْجرْح (لَو قَالَ) الْمعدل (علمت مَا جرحه) أَي الْجَارِح الشَّاهِد أَو الرَّاوِي (بِهِ) من القوادح (وَأَنه) أَي الْمَجْرُوح (تَابَ عَنهُ) أَي عَمَّا جرح بِهِ، هَذَا وناقش الشَّارِح فِي حِكَايَة الِاتِّفَاق فِي الصُّورَتَيْنِ بِمَا فِي شرح السُّبْكِيّ من أَنَّهَا: يَعْنِي الصُّورَة الأولى من مواقع الْخلاف، والاعتماد على نقل المُصَنّف أَكثر.

مسئلة
(أَكثر الْفُقَهَاء وَمِنْهُم الْحَنَفِيَّة و) أَكثر (الْمُحدثين) وَمِنْهُم البُخَارِيّ وَمُسلم (لَا يقبل الْجرْح إِلَّا مُبينًا) سبه كَأَن يَقُول: فلَان مدمن خمرًا أَو آكل رَبًّا (لَا) كَذَلِك (التَّعْدِيل) فَيقبل من غير بَيَان (وَقيل بِقَلْبِه) أَي لَا يقبل التَّعْدِيل إِلَّا مُبينًا سَببه كَأَن يَقُول: (فلَان يجْتَنب الْكَبَائِر والإصرار على الصَّغِيرَة وخوارم الْمُرُوءَة، وَيقبل الْجرْح بِلَا ذكر سَببه (وَقيل) يقبل الْإِطْلَاق (فيهمَا) أَي الْجرْح وَالتَّعْدِيل فَإِن قلت من أَيْن يفهم مرجع ضمير قيل؟ قلت من قَوْله لَا التَّعْدِيل، فَإِن مَعْنَاهُ يقبل من غير بَيَان كَمَا مر (وَقيل لَا) يقبل الْإِطْلَاق فيهمَا فَلَا بُد من الْبَيَان فِي كل مِنْهُمَا. قَالَ (القَاضِي) أَبُو بكر قَالَ (الْجُمْهُور من أهل الْعلم إِذا جرح من لَا يعرف الْجرْح يجب الْكَشْف) عَن ذَلِك (وَلم يوجبوه) أَي الْكَشْف (على عُلَمَاء الشَّأْن. قَالَ) القَاضِي (ويقوى عندنَا تَركه) أَي الْكَشْف (إِذا كَانَ الْجَارِح عَالما كَمَا لَا يجب استفسار الْمعدل) عَمَّا صَار الْمُزَكي عِنْده عدلا بِهِ (وَهَذَا) (مَا يُخَالف مَا) نقل (عَن أَمَام الْحَرَمَيْنِ) وَهُوَ قَوْله (إِن كَانَ) كل من الْمعدل والجارح (عَالما كفى) الْإِطْلَاق (فيهمَا) أَي الْجرْح وَالتَّعْدِيل (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن عَالما (لَا) يَكْفِي الْإِطْلَاق فيهمَا كَمَا اخْتَارَهُ ابْن الْحَاجِب وَغَيره، وَاخْتَارَهُ الْغَزالِيّ والرازي والخطيب (فِي الِاكْتِفَاء فِي التَّعْدِيل بِالْإِطْلَاقِ) فَإِنَّهُ على قَول
(3/61)

القَاضِي لَا يجب الْبَيَان فِي التَّعْدِيل، وعَلى قَول الإِمَام يجب إِلَّا إِذا كَانَ عَالما. قَوْله فِي الِاكْتِفَاء مُتَعَلق يُخَالف، وبالإطلاق بالاكتفاء (أَو) هَذَا (مثله) أَن مَا عَن الإِمَام بِنَاء على إِرَادَة التَّقْيِيد بِالْعلمِ فِي التَّعْدِيل، بل فِي كَلَام القَاضِي وَإِن كَانَ بَعيدا (فَمَا نسب إِلَى القَاضِي من الِاكْتِفَاء بِالْإِطْلَاقِ) فيهمَا كَمَا وَقع للْإِمَام وَالْغَزالِيّ (غير ثَابت) عَن القَاضِي. قَالَ الشَّيْخ الْعِرَاقِيّ: الظَّاهِر أَنه وهم مِنْهُمَا، وَالْمَعْرُوف أَنه لَا يجب ذكر سَبَب وَاحِد مِنْهُمَا إِذا كَانَ كل من الْجَارِح والمعدل ذَا بَصِيرَة كَمَا عَلَيْهِ الْغَزالِيّ وَحَكَاهُ عَنهُ الرَّازِيّ والآمدي والخطيب (وَيبعد من عَالم القَوْل بِسُقُوط رِوَايَة أَو ثُبُوتهَا بقول من لَا خبْرَة عِنْده بالقادح وَغَيره). قَالَ السُّبْكِيّ: لَا يذهب عَاقل إِلَى قبُول ذَلِك مُطلقًا من رجل غمر جَاهِل لَا يعرف مَا يجرح بِهِ وَلَا مَا يعدل بِهِ (وَمَا أوردوه من دَلِيله) أَي القَاضِي: وَهُوَ أَنه (إِن شهد) الْجَارِح مثلا (من غير بَصِيرَة لم يكن عدلا) لِأَنَّهُ يدل على اتِّبَاعه الْهوى (وَالْكَلَام فِيهِ) أَي وَالْحَال أَن كلامنا فِي الْعدْل (فَيلْزم أَن لَا يكون) الْجَارِح (إِلَّا ذَا بَصِيرَة، فَإِن سكت) الْجَارِح عَن الْبَيَان (فِي مَحل الْخلاف) أَي الْموضع الْمُخْتَلف فِي أَنه هَل هُوَ بِسَبَب الْجرْح (فمدلس) وَهُوَ قدح فِي عَدَالَته، وَمَا أوردوه مُبْتَدأ خَبره (يُفِيد أَن لَا بُد من بَصِيرَة عِنْده) أَي القَاضِي (بالقادح وَغَيره وبالخلاف فِيمَا فِيهِ) الْخلاف من أَسبَاب الْجرْح وَالتَّعْدِيل (وَكَذَا مَا أجابوا بِهِ) أَي القَاضِي (من أَنه) أَي الْجَارِح (قد يَبْنِي على اعْتِقَاده) فِيمَا يرَاهُ جرحا (أَو لَا يعرف الْخلاف) فَلَا يكون مدلسا وَمَا أجابوا مُبْتَدأ خَبره (فرع أَن لَهُ علما: غير أَنه قد لَا يعرف الْخلاف فيجرحه أَو يعد لَهُ بِمَا يَعْتَقِدهُ وَهُوَ مُخطئ فِيهِ، لَكِن دفع بِأَن كَونه لَا يعرف الْخلاف خلاف مُقْتَضى بَصَره) بالفن وَقد يدْفع هَذَا الدّفع بِأَن الْتِزَام كَونه ذَا بَصِيرَة لَا يسْتَلْزم أَن لَا يفوتهُ شَيْء من مراتبها، وَعدم معرفَة الْخلاف لَا يُوجب عدم البصيرة رَأْسا (وَالْحَاصِل أَنه لَا وجود لذَلِك القَوْل) أَي الَّذِي يَقْتَضِي سُقُوط رِوَايَة أَو ثُبُوتهَا بقول من لَا خبْرَة عِنْده بالقادح وَغَيره (فَيجب كَون الْأَقْوَال على تَقْدِير الْعلم) للمعدل أَو الْجَارِح فَتكون (أَرْبَعَة فَقَائِل) يَقُول (لَا يَكْفِي) الْإِطْلَاق من الْعَالم (فيهمَا) أَي الْجرْح وَالتَّعْدِيل (للِاخْتِلَاف) بَين الْعلمَاء فِي سببهما (فَفِي التَّعْدِيل جَوَاب أَحْمد بن يُونُس فِي تَعْدِيل عبد الله الْعمريّ) إِنَّمَا يُضعفهُ رَافِضِي مبغض لِآبَائِهِ لَو رَأَيْت لحيته وخضابه وهيئته لعرفت أَنه ثِقَة، فاستدل على ثقته بِمَا لَيْسَ بِحجَّة، لِأَن حسن الْهَيْئَة يشْتَرك فِيهِ الْعدْل والمجروح (وَفِي الْجرْح) الِاخْتِلَاف فِي سَببه (كثير كشعبة) أَي كجرحه (بالركض) وَقد سبق (وَغَيره وَالْجَوَاب) عَن هَذَا (بِأَن لَا شكّ مَعَ إِخْبَار الْعدْل) يَعْنِي بعد مَا فرض أَن الْعدْل والجارح عدل عَالم فَقَوله مثله مُوجب للظن بِمَا أخبر بِهِ إِذْ لَو لم يعرف لم يقبل فَلَا مجَال للشَّكّ فِيهِ مَدْفُوع
(3/62)

بِأَن المُرَاد) بِالشَّكِّ (الشَّك الْآتِي من احْتِمَال الْغَلَط فِي الْعَدَالَة للتصنع) فِي إظهارها بالتكلف فِي الإتصاف بالفضائل والكمالات فيتسارع النَّاس إِلَيْهَا، وَهَذَا هُوَ الْمَوْعُود بِهِ بقوله قادحا وَلما يَأْتِي (واعتقاد مَا لَيْسَ قادحا قادحا فِي الْجرْح وَالْعَدَالَة) الْمَذْكُور (لَا تنفيه) أَي الْغَلَط الْمَذْكُور (وَالْجَوَاب أَن قصارى) أَي غَايَة (الْمعدل الْبَاطِن) أَي الَّذِي يتفحص عَن بواطن الْأُمُور (الظَّن الْقوي بِعَدَمِ مُبَاشرَة الْمَمْنُوع) شرعا (لتعذر الْعلم) بِهِ (وَالْجهل بِمَفْهُوم الْعَدَالَة مُمْتَنع عَادَة من أهل الْفَنّ وَلَا بُد فِي إخْبَاره) أَي الْمعدل (من تطبيقه) أَي مَفْهُوم الْعَدَالَة (على حَال من عدله فأغنى) هَذَا الْمَجْمُوع (عَن الاستفسار) مِنْهُ عَن سَببهَا (وَيقطع بِأَن جَوَاب أَحْمد) بن يُونُس (استرواح) أَي أراح نَفسه عَن المجادلة (لَا تَحْقِيق إِذْ لَا شكّ أَنه لَو قيل لَهُ: ألحسن اللِّحْيَة وخضابها دخل فِي الْعَدَالَة؟ نَفَاهُ) أَي أَن يكون لَهُ دخل (وَقَائِل) يَقُول (يَكْفِي) الْإِطْلَاق (فيهمَا) أَي الْجرْح وَالتَّعْدِيل (من الْعَالم لَا من غَيره: وَهُوَ مُخْتَار الإِمَام تَنْزِيلا لعلمه منزلَة بَيَانه، وَجَوَابه فِي الْجرْح مَا تقدم) من أَن الِاخْتِلَاف فِي أَسبَاب الْجرْح كثير بِخِلَاف الْعَدَالَة (وَقَائِل) يَقُول يَكْفِي الْإِطْلَاق (فِي الْعَدَالَة فَقَط للْعلم بمفهومها اتِّفَاقًا فكسوته كبيانه بِخِلَاف الْجرْح) فَإِن أَسبَابه كَثِيرَة وَالِاخْتِلَاف فِيهِ كثير (وَهُوَ) أَي هَذَا القَوْل (مَذْهَب الْجُمْهُور) تَأْكِيد لما صدر بِهِ المسئلة اهتماما بِشَأْنِهِ (وَهُوَ الْأَصَح، وَقَائِل) يَقُول (قلبه) أَي يَكْفِي الْإِطْلَاق فِي الْجرْح دون التَّعْدِيل، وَيحْتَمل أَن يكون قَوْله قَائِل مُضَافا إِلَى قلبه، وَالْمعْنَى ذهب إِلَى مَا ذهب (للتصنع فِي الْعَدَالَة) كَمَا مر فَلَا بُد فِيهَا من الْبَيَان ليعلم عدم التصنع (وَالْجرْح يظْهر) لعدم التصنع فِيهِ وَعدم خفائه (وَتقدم) ذكره مَعَ جَوَابه (ويعترض على الْأَكْثَر بِأَن عمل الْكل) من أهل الشَّأْن (فِي الْكتب) مَبْنِيّ (على إِبْهَام) سَبَب (التَّضْعِيف إِلَّا قَلِيلا) من التَّضْعِيف حَيْثُ لَا إِبْهَام فِيهِ، فَإِذا اتَّفقُوا على الحكم بِضعْف الرِّوَايَة بِمُجَرَّد تَضْعِيف مُبْهَم علم أَنهم يكتفون فِي الْجرْح بِمُجَرَّد طعن مُبْهَم (فَكَانَ) الِاكْتِفَاء بِإِطْلَاق الْجرْح (إِجْمَاعًا، وَالْجَوَاب) عَن هَذَا على مَا ذكره ابْن الصّلاح (بِأَنَّهُ) أَي عَمَلهم الْمَذْكُور (أوجب التَّوَقُّف عَن قبُوله) لَا الحكم بجرحه: أَي الرَّاوِي المضعف فموجبه لَيْسَ إِلَّا رِيبَة مُوجبَة للتوقف فَمن زَالَت عَنهُ بالبحث عَن حَاله وَجب عَلَيْهِ أَن يَثِق بعدالته وَيقبل حَدِيثه كمن احْتج بِهِ البُخَارِيّ وَمُسلم مِمَّن مَسّه مثل هَذَا الْجرْح من غَيرهمَا ثمَّ قَوْله وَالْجَوَاب مُبْتَدأ خَبره (يُوجب قبُول) الْجرْح (الْمُبْهم إِذْ الْكَلَام فِيمَن عدل وَإِلَّا فالتوقف لجَهَالَة حَاله ثَابت وَإِن لم يجرح، بل الْجَواب أَن أَصْحَاب الْكتب المعروفين عرف مِنْهُم صِحَة الرَّأْي فِي الْأَسْبَاب) الْجَارِحَة فَأوجب جرحهم الْمُبْهم التَّوَقُّف عَن الْعَمَل بالمجروح (حَتَّى لَو عرف) الْجَارِح مِنْهُم (بِخِلَافِهِ) أَي خلاف الرَّأْي الصَّحِيح فِي الْأَسْبَاب
(3/63)

الْجَارِحَة (لَا يقبل) جرحه (فَلَا يتَوَقَّف) فِي قبُول ذَلِك الْمَجْرُوح حِينَئِذٍ. فَالْحَاصِل أَن الْمَعْرُوف بِصِحَّة الرَّأْي جرحه الْمُبْهم بِمَنْزِلَة الْمُبين.

مسئلة
(الْأَكْثَر على عَدَالَة الصَّحَابَة) فَلَا يبْحَث عَن عدالتهم فِي رِوَايَة وَلَا شَهَادَة (وَقيل) هم (كغيرهم) فيهم الْعُدُول وَغَيرهم (فيستعلم التَّعْدِيل) أَي يطْلب الْعلم بِعَدَالَتِهِمْ (بِمَا تقدم) من التَّزْكِيَة وَغَيرهَا إِلَّا من كَانَ مَقْطُوعًا بعدالته كالخلفاء الْأَرْبَعَة أَو ظَاهر الْعَدَالَة (وَقيل) هم (عدُول إِلَى الدُّخُول فِي الْفِتْنَة) فِي آخر عهد عُثْمَان كَمَا عَلَيْهِ كثير، وَقيل من حِين مقتل عُثْمَان. هَذِه الْعبارَة تحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا أَنه لَا يحكم بعدالة وَاحِد مِنْهُم بعد تحقق الْفِتْنَة، وَالثَّانِي أَنه لَا يحكم بعدالة الْكل بعده، بل بعدالة الْبَعْض وهم غير الداخلين، وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب كَمَا يدل عَلَيْهِ التَّعْدِيل الْآتِي (فتطلب التَّزْكِيَة) لَهُم من ذَلِك الْوَقْت (فَإِن الْفَاسِق من الداخلين غير معِين) لأَنا نعلم قطعا أَن أحد الْفَرِيقَيْنِ على غير الْحق وَلَا نقدر على تَعْيِينه، هَكَذَا ذكرُوا. وَيرد عَلَيْهِ أَن عدم علمنَا بِالتَّعْيِينِ بِسَبَب كَون تِلْكَ الْحَادِثَة اجتهادية وَحِينَئِذٍ لَا يلْزم تفسيق أحد الْفَرِيقَيْنِ، فَالْحق أَن يُقَال: كل من قصد قتل عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ أَو رَضِي بِهِ فَهُوَ كَافِرَانِ اسْتحلَّ أَو فَاسق إِن لم يسْتَحل، لِأَن حُرْمَة قَتله مَقْطُوع بهَا وَلَيْسَت محلا للِاجْتِهَاد، غير أَن الرضى بِهِ وَالسَّعْي فِيهِ كَانَ أمرا مخفيا، فَلِذَا قَالَ غير معِين، وَأما الْإِشْكَال بِمثل عَليّ رَضِي الله عَنهُ لدُخُوله فِيهَا فمدفوع لِأَن الْكَلَام فِيمَن لَا يكون عَدَالَته مَقْطُوعًا بهَا أَو مظنونا ظنا غَالِبا (وَنقل بَعضهم هَذَا الْمَذْهَب بِأَنَّهُم كغيرهم إِلَى ظُهُورهَا فَلَا يقبل الداخلون مُطلقًا لجَهَالَة عَدَالَة الدَّاخِل، والخارجون) مِنْهَا (كغيرهم) فِي الشَّرْح العضدي، وَقيل هم كغيرهم إِلَى حِين ظُهُور الْفِتَن أَعنِي بَين عَليّ وَمُعَاوِيَة، وَأما بعْدهَا فَلَا يقبل الداخلون فِيهَا مُطلقًا: أَي من الطَّرفَيْنِ، وَذَلِكَ لِأَن الْفَاسِق من الْفَرِيقَيْنِ غير معِين وَكِلَاهُمَا مَجْهُول الْعَدَالَة فَلَا يقبل، وَأما الخارجون عَنْهَا فكغيرهم انْتهى. وَقَالَ الْمُحَقق النفتازاني: جُمْهُور الشَّارِحين على أَنه آخر عهد عُثْمَان، وَفَسرهُ الْمُحَقق بِمَا بَين عَليّ وَمُعَاوِيَة إِمَّا ميلًا إِلَى تفسيق قتلة عُثْمَان بِلَا خلاف، وَإِمَّا توقفا فِيهِ على مَا اشْتهر من السّلف أَن أول من بغى فِي الْإِسْلَام مُعَاوِيَة (إِن أَرَادَ أَنه يبْحَث عَنْهَا) أَي عدالتهم (بعد الدُّخُول وَهُوَ) أَي الْبَحْث عَنْهَا بعده (مَنْقُول) عَن بَعضهم (ففاسد التَّرْكِيب). قَالَ الشَّارِح: إِذْ حَاصله هم كغيرهم إِلَى ظُهُورهَا فهم كغيرهم انْتهى. تَوْضِيحه أَن قَوْله كغيرهم آخرا إِذا لوحظ وَركب مَعَ قَوْله كغيرهم أَولا، وَمَعَ محصول قَوْله فَلَا يقبل الداخلون إِلَى آخِره،
(3/64)

وَهُوَ كَون الداخلين كغيرهم إِذا دخلُوا فِي الْفِتْنَة علم فَسَاد محصول التَّرْكِيب، لِأَن كلمة إِلَى تفِيد انْتِهَاء حكم التَّشْبِيه عِنْد الظُّهُور، وَمَا بعْدهَا يُفِيد عدم انتهائه، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَحَاصِله الْمَذْهَب الثَّانِي وَلَيْسَ) مذهبا (ثَالِثا، وَإِن أَرَادَ لَا يقبل بِوَجْه) أَي مُطلقًا (فشقه الأول) وَهُوَ مَا قبل الظُّهُور مَعْنَاهُ فهم (عدُول) إِلَى ظُهُورهَا، لَا فهم (كغيرهم) وَذَلِكَ للُزُوم كَون مَا بعد إِلَى على خلاف مَا قبله فِي الحكم، وَقد يُقَال: لم لَا يجوز أَن يكون حكم الشق الأول الْبَحْث عَن عدالتهم، وَحكم مَا سواهُ عدم الْقبُول فَتَأمل. (وَقَالَت الْمُعْتَزلَة عدُول إِلَّا من قَاتل عليا لنا) على الْمُخْتَار، وَهُوَ أَنهم عدُول على الْإِطْلَاق. قَوْله تَعَالَى - {وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار} - الْآيَة مدحهم تَعَالَى وَلَا يمدح إِلَّا الْعُدُول (و) قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لَا تسبوا أَصْحَابِي) فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أنْفق أحدكُم مثل أحد ذَهَبا مَا بلغ مد أحدهم وَلَا نصيفه كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا، وَلَا شكّ فِي وجود الْعُدُول فِي الْأمة، وَقد فضل أَصْحَابه عَلَيْهِم تَفْضِيلًا لذا (وَمَا تَوَاتر عَنْهُم من مداومة الِامْتِثَال) لِلْأَمْرِ وَالنَّهْي، وبذلهم الْأَمْوَال والأنفس فِي ذَلِك، وَهُوَ دَلِيل الْعَدَالَة (ودخولهم فِي الْفِتَن بِالِاجْتِهَادِ). وَقد أَجمعُوا على أَنه يجب على الْمُجْتَهد الْعَمَل بِمَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده، وَفعل الْوَاجِب لَا يكون منافيا للعدالة سَوَاء قُلْنَا كل مُجْتَهد مُصِيب أَو لَا. وَحكى ابْن عبد الْبر إِجْمَاع أهل الْحق من الْمُسلمين وهم أهل السّنة وَالْجَمَاعَة على أَن الصَّحَابَة من عدُول، واعتقادنا أَن الإِمَام الْحق كَانَ عُثْمَان فِي زَمَانه، وَأَنه قتل مَظْلُوما وَحمى الله الصَّحَابَة كلهم مُبَاشرَة قَتله، وَلم يتول قَتله إِلَّا شَيْطَان مُرِيد، وَلم يحفظ عَن أحد مِنْهُم الرضى بقتْله، وَأما الْمَحْفُوظ من كل مِنْهُم إِنْكَار ذَلِك، ثمَّ كَانَت مسئلة الْأَخْذ بالثأر اجتهادية، رأى عَليّ كرم الله وَجهه التَّأْخِير مصلحَة، وَرَأَتْ عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا البدار مصلحَة، وكل أَخذ بِمَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده، ثمَّ كَانَ الإِمَام الْحق بعد عُثْمَان ذِي النورين عليا كرم الله وَجهه، وَكَانَ مُعَاوِيَة وَمن وَافقه متأولين. وَمِنْهُم من قعد عَن الْفَرِيقَيْنِ لما أشكل الْأَمر وهم خير الْأمة، وكل مِنْهُم أفضل من كل من بعده وَإِن رقى فِي الْعلم وَالْعَمَل خلافًا لِابْنِ عبد الْبر فِي هَذَا حَيْثُ قَالَ: قد يَأْتِي بعدهمْ من هُوَ أفضل من بَعضهم (ثمَّ الصَّحَابِيّ) أَي من يُطلق عَلَيْهِ هَذَا الِاسْم (عِنْد الْمُحدثين وَبَعض الْأُصُولِيِّينَ، من لَقِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُسلما وَمَات على إِسْلَامه) وَالْمرَاد باللقاء مَا يعم المجالسة والمماشاة ووصول أَحدهمَا إِلَى الآخر وَإِن لم يكلمهُ، وَيدخل فِيهِ رُؤْيَة أَحدهمَا الآخر وَلَو بِأَن يحمل صَغِيرا إِلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لَكِن يشْتَرط تَمْيِيز الملاقي لَهُ، وَفِيه تردد. قَالَ الشَّيْخ الْعِرَاقِيّ: وَيدل على اعْتِبَار التَّمْيِيز مَعَ الرِّوَايَة مَا قَالَ شَيخنَا الْحَافِظ أَبُو سعيد العلائي فِي
(3/65)

تَرْجَمَة عبد الله بن الْحَارِث بن نَوْفَل حنكه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ودعا لَهُ، وَلَا صُحْبَة لَهُ، بل وَلَا رُؤْيَة، وَذكر نَظَائِر هَذَا. وَخرج بقوله مُسلما من لقِيه كَافِرًا سَوَاء لم يسلم بعد ذَلِك أَو أسلم بعد حَيَاته. وَبِقَوْلِهِ وَمَات على إِسْلَامه من لقِيه مُسلما، ثمَّ ارْتَدَّ وَمَات على ردته كَعبد الله بن خطل إِذْ المُرَاد من يُسمى صحابيا بعد انْقِرَاض الصَّحَابَة (أَو) لقِيه (قبل النُّبُوَّة وَمَات قبلهَا على) الْملَّة (الحنيفية) يَعْنِي دين الْإِسْلَام (كزيد بن عَمْرو بن نفَيْل) فقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يبْعَث أمة وَاحِدَة ": وَذكره ابْن مَنْدَه فِي الصَّحَابَة (أَو) لقِيه مُسلما (ثمَّ ارْتَدَّ وَعَاد) إِلَى الْإِسْلَام (فِي حَيَاته) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَعبد الله بن أبي سرح (وَأما) من لقِيه مُسلما ثمَّ ارْتَدَّ وَعَاد إِلَى الْإِسْلَام (بعد وَفَاته) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (كقرة) بن هُبَيْرَة (والأشعث) بن قيس (فَفِيهِ نظر، وَالْأَظْهَر النَّفْي) لصحبته: لِأَن صحبته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من أشرف الْأَعْمَال، وَالرِّدَّة محبطة للْعَمَل عِنْد أبي حنيفَة وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي الْأُم، وَذهب بعض الْحفاظ إِلَى أَن الْأَصَح أَن اسْم الصُّحْبَة بَاقٍ للراجع إِلَى الْإِسْلَام سَوَاء رَجَعَ إِلَيْهِ فِي حَيَاته أم بعده، سَوَاء لقِيه ثَانِيًا أم لَا، وَيدل على رجحانه قصَّة الْأَشْعَث ابْن قيس فَإِنَّهُ كَانَ مِمَّن ارْتَدَّ وَأتي بِهِ إِلَى الصّديق أَسِيرًا فَعَاد إِلَى الْإِسْلَام فَقبل مِنْهُ ذَلِك وزوجه أُخْته وَلم يتَخَلَّف أحد عَن ذكره فِي الصَّحَابَة. قَالَ الشَّارِح: وَالْأول أوجه دَلِيلا (و) عِنْد (جُمْهُور الْأُصُولِيِّينَ من طَالَتْ صحبته متتبعا مُدَّة يثبت مَعهَا إِطْلَاق صَاحب فلَان) عَلَيْهِ (عرفا بِلَا تَحْدِيد) لمقدارها (فِي الْأَصَح، وَقيل) مقدارها (سِتَّة أشهر) فَصَاعِدا (وَابْن الْمسيب) مقدارها (سنة أَو غَزْو) مَعَه، لِأَن لصحبة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شرفا عَظِيما، فَلَا تنَال إِلَّا باجتماع طَوِيل يظْهر فِيهِ الْخلق المطبوع عَلَيْهِ الشَّخْص: كالسنة الْمُشْتَملَة على الْفُصُول الْأَرْبَعَة الَّتِي يخْتَلف فِيهَا المزاج، والغزو الْمُشْتَمل على السّفر الَّذِي هُوَ قِطْعَة من الْعَذَاب، وتسفر فِيهِ أَخْلَاق الرجل، وَيلْزم هَذَا أَن لَا يعد من الصَّحَابَة جرير بن عبد الله البَجلِيّ وَمن شَاركهُ فِي انْتِفَاء هَذَا الشَّرْط مَعَ أَنه لَا خلاف فِي كَونهم من الصَّحَابَة (لنا) على الْمُخْتَار قَول الْجُمْهُور (أَن الْمُتَبَادر من) إِطْلَاق (الصَّحَابِيّ وَصَاحب فلَان الْعَالم لَيْسَ إِلَّا ذَاك) أَي من طَالَتْ صحبته الخ (فَإِن قيل يُوجِبهُ) أَي كَون الصَّحَابِيّ من صحب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَاعَة (اللُّغَة) لاشتقاقه من الصُّحْبَة وَهِي تصدق على كل من صحب غَيره قَلِيلا كَانَ أَو كثيرا (قُلْنَا) إِيجَابهَا ذَلِك (مَمْنُوع فِيمَا) أَي فِي مُشْتَقّ مِنْهَا متلبس (بياء النِّسْبَة وَلَو سلم) إِيجَاب اللُّغَة ذَلِك فقد تقرر فِي عرف اللُّغَة عدم اسْتِعْمَال هَذِه التَّسْمِيَة إِلَّا فِيمَن كثرت صحبته على مَا تقدم (فالعرف مقدم وَلذَا) أَي تقدمه على اللُّغَة (يتَبَادَر) هَذَا الْمَعْنى الْعرفِيّ من إِطْلَاقه (قَالُوا الصُّحْبَة تقبل التَّقْيِيد بِالْقَلِيلِ وَالْكثير، يُقَال صَحبه سَاعَة كَمَا يُقَال) صَحبه (عَاما فَكَانَ) وَضعهَا (للمشترك)
(3/66)

بَينهمَا كالزيارة والْحَدِيث دفعا للمجاز والاشتراك اللَّفْظِيّ (قُلْنَا) هَذَا (غير مَحل النزاع) إِذْ / النزاع فِيمَا بياء النِّسْبَة. (قَالُوا: لَو حلف لَا يَصْحَبهُ حنث بلحظة قُلْنَا فِي غَيره) أَي غير مَحل النزاع أَيْضا (لَا فِيهِ) أَي مَحل النزاع (وَهُوَ الصَّحَابِيّ بِالْيَاءِ) الَّتِي للنسبة (بل تحقق فِيهِ) أَي الصَّحَابِيّ (اللُّغَة وَالْعرْف الْكَائِن فِي نَحْو أَصْحَاب الحَدِيث وَأَصْحَاب ابْن مَسْعُود وَهُوَ) أَي الْعرف (للملازم متتبعا اتِّفَاقًا، ويبتني عَلَيْهِ) أَي على الْخلاف فِي الصَّحَابِيّ (ثُبُوت عَدَالَة غير الملازم) وَعدم ثُبُوتهَا (فَلَا يحْتَاج إِلَى التَّزْكِيَة) كَمَا هُوَ قَول الْمُحدثين وَبَعض الْأُصُولِيِّينَ (أَو يحْتَاج) إِلَى التَّزْكِيَة كَمَا هُوَ قَول جُمْهُور الْأُصُولِيِّينَ (وعَلى هَذَا الْمَذْهَب جرى الْحَنَفِيَّة كَمَا تقدم) فِي مثل معقل بن سِنَان فَجعلُوا تزكيته عمل السّلف بحَديثه (وَلَوْلَا اخْتِصَاص الصَّحَابِيّ بِحكم) شَرْعِي وَهُوَ عَدَالَته (لأمكن جعل الْخلاف فِي مُجَرّد الِاصْطِلَاح) أَي تَسْمِيَته صحابيا كَمَا ذكره ابْن الْحَاجِب (وَلَا مشاحة فِيهِ) أَي فِي الِاصْطِلَاح الْمَذْكُور، يُفِيد أَنه معنوي (وَأما قَول: إِن الصَّحَابِيّ من عاصره) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (فَقَط) وَهُوَ قَول يحيى بن عُثْمَان بن صَالح الْمصْرِيّ فَإِنَّهُ قَالَ وَمِمَّنْ دفن: أَي بِمصْر من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِمَّن أدْركهُ وَلم يسمع بِهِ أَبُو تَمِيم الجيشاني واسْمه عبد الله بن مَالك (وَنَحْوه) كَانَ صَغِيرا مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِ تبعا لأحد أَبَوَيْهِ، وَعَلِيهِ عمل ابْن عبد الْبر فِي الِاسْتِيعَاب وَابْن مَنْدَه فِي معرفَة الصَّحَابَة (فتكلف كِتَابَته كثير) لوضوح نفي صُحْبَة من بِهَذِهِ المثابة.

مسئلة
(إِذا قَالَ المعاصر) للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (الْعدْل: أَنا صَحَابِيّ قبل) قَوْله أَنا صَحَابِيّ بِنَاء (على الظُّهُور) إِذْ ظَاهر حَاله من حَيْثُ أَنه عدل الِامْتِنَاع عَن الْكَذِب (لَا) على (الْقطع لاحْتِمَال قصد الشّرف) بِهَذِهِ الدَّعْوَى، فباعتبار هَذَا الاتهام تطرق احْتِمَال عدم الصدْق مرجوحا (فَمَا قيل) قَوْله هَذَا (كَقَوْل غَيره) أَي غير الصَّحَابِيّ (أَنا عدل) كَمَا فِي البديع (تَشْبِيه فِي احْتِمَال الْقَصْد) للشرف (لَا تَمْثِيل) فِي حكمه (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن كَذَلِك، بل كَانَ تمثيلا فِيهِ (لقبل) قَوْله أَنا عدل فَيحكم بعدالته (أَو لم يقبل الأول) أَي قَول المعاصر الْعدْل: أَنا صَحَابِيّ، لِأَن الْمُشَاركَة لَا تتَحَقَّق إِلَّا بِأحد الْأَمريْنِ (والفارق) بَين قَول الصَّحَابِيّ أَنا صَحَابِيّ وَقَول غَيره: أَنا عدل فِي قبُول الأول دون الثَّانِي (سبق) ثُبُوت (الْعَدَالَة للْأولِ على دَعْوَاهُ) بِخِلَاف الثَّانِي غير أَن دَعْوَاهُ الصُّحْبَة يجب أَن لَا تكون بعد مائَة سنة من وَفَاته كدعوى رتن الْهِنْدِيّ فَإِنَّهَا لَا تقبل للْحَدِيث الصَّحِيح " أَرَأَيْتكُم ليلتكم هَذِه فَإِنَّهُ على رَأس مائَة سنة لَا يبْقى
(3/67)

أحد مِمَّن هُوَ على وَجه الأَرْض، ذكره الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ وَغَيره.

مسئلة
(إِذا قَالَ الصَّحَابِيّ: قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حمل على السماع) مِنْهُ بِلَا وَاسِطَة لِأَن الْغَالِب من الصَّحَابِيّ أَنه لَا يُطلق القَوْل عَنهُ إِلَّا إِذا سَمعه مِنْهُ (وَقَالَ القَاضِي يحْتَملهُ) أَي السماع (والإرسال) لَا غير (فَلَا يضر) فِي الِاحْتِجَاج بِهِ (إِذْ لَا يُرْسل إِلَّا عَن صَحَابِيّ) الْإِرْسَال فِي الْمَشْهُور رفع التَّابِعِيّ الحَدِيث إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَالَ ابْن الصّلاح: لم يفد فِي أَنْوَاع الْمُرْسل وَنَحْوه مَا يُسمى فِي أصُول الْفِقْه مُرْسل الصَّحَابِيّ مثل مَا يرويهِ ابْن عَبَّاس وَغَيره من أَحْدَاث الصَّحَابَة عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يسمعوه مِنْهُ، لِأَن ذَلِك فِي حكم الْمَوْصُول الْمسند، لِأَن روايتهم عَن الصَّحَابَة، والجهالة فِي الصَّحَابِيّ غير قادحة، لِأَن الصَّحَابَة كلهم عدُول. وَقَالَ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ، وَفِيه نظر، وَالصَّوَاب أَن لَا يُقَال لِأَن الْغَالِب روايتهم، إِذْ قد سمع جمَاعَة من الصَّحَابَة من بعض التَّابِعين، وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَة الأكابر عَن الأصاغر، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَلَا يعرف فِي) رِوَايَة (الأكابر من الأصاغر) عَن (روايتهم) أَي الصَّحَابَة (عَن تَابِعِيّ إِلَّا كَعْب الْأَحْبَار فِي الْإسْرَائِيلِيات) روى عَنهُ العبادلة الْأَرْبَعَة، وَأَبُو هُرَيْرَة، وَأنس، وَمُعَاوِيَة: فقد ظهر بذلك الْفرق بَين اصْطِلَاح الْأُصُولِيِّينَ والمحدثين فِي الْمُرْسل فكأنهم لم يعتبروا قيد التَّابِعِيّ فِي تَعْرِيفه وَيحْتَمل كَلَامهم التَّجَوُّز على سَبِيل التَّحْدِيد (وَلَا إِشْكَال فِي قَالَ لنا وسمعته وَحدثنَا) وَأخْبرنَا وشافهنا أَنه مَحْمُول على السماع مِنْهُ يجب قبُولهَا بِلَا خلاف (مَعَ أَنه وَقع التَّأْوِيل فِي قَول الْحسن حَدثنَا أَبُو هُرَيْرَة، يَعْنِي) حدث أَبُو هُرَيْرَة (أهل الْمَدِينَة وَهُوَ) أَي الْحسن (بهَا) أَي بِالْمَدِينَةِ. قَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: إِذا لم يقم دَلِيل قَاطع على أَن الْحسن لم يسمع من أبي هُرَيْرَة لم يجز أَن يُصَار إِلَيْهِ. قَالَ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ: قَالَ أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم من قَالَ عَن الْحسن حَدثنَا أَبُو هُرَيْرَة فقد أَخطَأ انْتهى. وَالَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَل أَنه لم يسمع مِنْهُ شَيْئا وَهُوَ مَنْقُول عَن كثير من الْحفاظ، بل قَالَ يُونُس بن عبيد مَا رَآهُ قطّ. وَقَالَ ابْن الْقطَّان: حَدثنَا لَيْسَ بِنَصّ فِي أَن قَائِلهَا يسمع. (وَفِي مُسلم قَول الَّذِي يقْتله الدَّجَّال أَنْت الدَّجَّال الَّذِي حَدثنَا بِهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَي أمته وَهُوَ مِنْهُم). قَالَ أَبُو إِسْحَاق رَاوِي الحَدِيث يُقَال إِن هَذَا الرجل هُوَ الْخضر. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ " يَأْتِي الدَّجَّال وَهُوَ محرم عَلَيْهِ أَن يدْخل نقاب الْمَدِينَة فَينزل بعض السباخ الَّتِي تلِي الْمَدِينَة فَيخرج إِلَيْهِ يَوْمئِذٍ رجل وَهُوَ خير النَّاس أَو من خِيَار النَّاس فَيَقُول: أشهد أَنَّك الدَّجَّال الَّذِي حَدثنَا بِهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَدِيثه (فَإِن قَالَ
(3/68)

سمعته أَمر أَو نهي فالأكثر) أَنه (حجَّة، وَقيل يحْتَمل أَنه اعتقده) أَي اعْتقد مَضْمُون مَا أخبر بِهِ (من صِيغَة أَو) مُشَاهدَة (فعل أمرا ونهيا وَلَيْسَ) ذَلِك المأخذ (إِيَّاه) أَي أمرا ونهيا (عِنْد غَيره). قَالَ الشَّارِح: كَمَا إِذا اعْتقد أَن الْأَمر بالشَّيْء نهي عَن ضِدّه، وَالنَّهْي عَن الشَّيْء أَمر بضده أَو أَن الْفِعْل يدل على الْأَمر انْتهى وَلَا يخفى أَنه إِذا كَانَ مأخذه صِيغَة ظن أَنَّهَا أَمر أَو نهي يَصح أَن يَقُول السَّامع: سمعته أَمر وَنهي، وَأما إِذا كَانَ مُشَاهدَة فعل فَلَا يَصح أَن يَقُول سمعته، وَذَلِكَ لمعرفتهم بالأوضاع، وَالْفرق بَين الْأَمر وَالنَّهْي وَبَين غَيره. قَالَ (ورده) أَي هَذَا القَوْل (بِأَنَّهُ احْتِمَال بعيد صَحِيح) خبر الْمُبْتَدَأ، أَعنِي قَوْله رده (أما أمرنَا) بِكَذَا كَمَا فِي الصَّحِيح عَن أم عَطِيَّة: أمرنَا بِأَن نخرج فِي الْعِيدَيْنِ الْعَوَاتِق وَذَوَات الْخُدُور (ونهينا) عَن كَذَا كَمَا فِي الصَّحِيح عَنْهَا أَيْضا: نهينَا عَن اتِّبَاع الْجَنَائِز (وَأوجب) علينا كَذَا (وَحرم) علينا كَذَا، وأبيح لنا كَذَا، وَرخّص لنا كَذَا، بِنَاء الْجَمِيع للْمَفْعُول (وَجب أَي يُقَوي الْخلاف) فِيهِ (للزِّيَادَة) للاحتمال فِيهِ لعدم ظُهُور كَونهَا مسموعة بِلَا وَاسِطَة (بانضمام احْتِمَال كَون الْآمِر بعض الْأَئِمَّة أَو) الْكتاب، أَو كَون ذَلِك (استنباطا) من قَائِله، لِأَن الْمُجْتَهد إِذا قَاس يغلب على ظَنّه أَنه مَأْمُور بِمَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده، وَأَنه يجب عَلَيْهِ الْعَمَل بِمُوجبِه: وَذهب إِلَى هَذَا الْكَرْخِي، والصيرفي، والإسماعيلي (وَمَعَ ذَلِك) كُله فاحتمال كَون الْأَمر عَن الرَّسُول (خلاف الظَّاهِر، إِذْ الظَّاهِر من قَول) شخص (مُخْتَصّ) من حَيْثُ الِامْتِثَال للأوامر والنواهي (بِملك لَهُ الْأَمر) وَالنَّهْي بِالنّظرِ إِلَيْهِ (ذَلِك) أَي كَون الْآمِر ذَلِك الْملك لَا غَيره فَكَذَلِك فِيمَا نَحن فِيهِ، وَإِلَيْهِ ذهب الْأَكْثَر، وَقيل هَذَا فِي غير الصّديق. وَأما مَا قَالَه الصّديق فَهُوَ مَرْفُوع بِلَا خلاف، فَإِن غَيره تَحت أَمر أَمِير آخر (وَقَوله) أَي الصَّحَابِيّ (من السّنة) كَذَا كَقَوْل عَليّ رَضِي الله عَنهُ السّنة وضع الْكَفّ على الْكَفّ فِي الصَّلَاة تَحت السُّرَّة (ظَاهر عِنْد الْأَكْثَر فِي سنيته عَلَيْهِ السَّلَام) كَذَا فِي النّسخ الْمَوْجُودَة عندنَا، وَالظَّاهِر فِي سنته بِغَيْر الْيَاء المصدرية: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُرَاد بِهِ استنابة وَلَا يخفى بعده (وَتقدم للحنفية) كالكرخي والرازي وَأبي زيد وفخر الْإِسْلَام والسرخسي والصيرفي من الشَّافِعِيَّة (أَنه) أَي هَذَا القَوْل من الرَّاوِي صحابيا كَانَ أَو غَيره (أَعم مِنْهُ) أَي من كَونه سنة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (وَمن سنة) الْخُلَفَاء (الرَّاشِدين). وَقَالَ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ كَمَا قَالَ النَّوَوِيّ: الْأَصَح أَنه من التَّابِعين مَوْقُوف، وَمن الصَّحَابِيّ ظَاهر فِي أَنه سنة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (وَمثله) أَي مثل قَول الصَّحَابِيّ من السّنة فِي الْخلاف فِي ثُبُوت الحجية (كُنَّا نَفْعل). وَفِي نُسْخَة بعد نَفْعل (أَو نرى، وَكَانُوا) يَفْعَلُونَ كَذَا فالأكثر أَنه (ظَاهر فِي الاج ماع عِنْدهم) أَي الصَّحَابَة، الظَّاهِر أَن الضَّمِير للْجَمِيع، وَأَرَادَ عمل
(3/69)

الْجَمَاعَة. وَقَوله عِنْدهم ظرف لظَاهِر، وَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى فِي الْإِجْمَاع المنعقد عِنْدهم (وَقيل لَيْسَ بِحجَّة. قَالُوا لَو كَانَ) إِجْمَاعًا (لم تجز الْمُخَالفَة لخرق الْإِجْمَاع) أَي للُزُوم خرقه وَاللَّازِم مُنْتَفٍ بِالْإِجْمَاع (وَالْجَوَاب بِأَن مُقْتَضى مَا ذكر ظُهُوره فِي نفي الْإِجْمَاع أَو لُزُوم نَفْيه) أَي الْإِجْمَاع مَعْطُوف على ظُهُوره لَا على نفي الْإِجْمَاع كَمَا زعم الشَّارِح (وَهُوَ) أَي الْمُقْتَضى الْمَذْكُور (خلاف مدعاكم) يَعْنِي قد أجمع على أَن الْمُخَالفَة لقَوْل الصَّحَابِيّ كُنَّا نَفْعل كَذَا جَائِزَة، وَهِي تدل على أَنه لَا يسْتَلْزم الْإِجْمَاع وَاعْترض بِأَن مُوجب هَذَا الدَّلِيل أحد الْأَمريْنِ: ظُهُور نفي الْإِجْمَاع إِن كَانَ ظنيا لِأَن الظَّاهِر والمتبادر أَن لَا يُخَالِفهُ مُجْتَهد، ولزومه إِن كَانَ قَطْعِيا إِذْ لَا يُمكن مُخَالفَته وكل من الْأَمريْنِ لَيْسَ بمدعاكم أَيهَا النافون للحجية وَلَا يستلزمه لِأَن انْتِفَاء الْإِجْمَاع لَا يسْتَلْزم انْتِفَاء الحجية فدليلكم لَا يثبت مدعاكم، ثمَّ الْجَواب مُبْتَدأ خَبره (غير لَازم) بل هُوَ مندفع، لِأَن انْتِفَاء الْإِجْمَاع يَسْتَوِي احْتِمَال الحجية وَاحْتِمَال عدمهَا، و (لَا) شكّ (أَن التَّسَاوِي) بَينهمَا (كَاف فِيهِ) أَي فِي ثُبُوت الْمُدَّعِي: وَهُوَ نفي الحجية وَاحْتِمَال عدمهَا وَلَا شكّ (بل) الْجَواب عَن استدلالهم منع الْمُلَازمَة بَين كَون ذَلِك ظَاهرا فِي الاجماع وَبَين عدم جَوَاز الْمُخَالفَة، و (هُوَ أَن ذَلِك) أَي عدم جَوَاز الْمُخَالفَة إِنَّمَا هُوَ (فِي الْإِجْمَاع الْقطعِي الثُّبُوت) فِي الشَّرْح العضدي ذَلِك فِيمَا يكون الطَّرِيق قَطْعِيا وَهَهُنَا الطَّرِيق ظَنِّي فسوغت الْمُخَالفَة كَمَا تسوغ فِي خبر الْوَاحِد أَن كَانَ الْمَنْقُول بِهِ نصا قَاطعا فَإِنَّهُ يُخَالِفهُ لظنية الطَّرِيق وَلَا يمنعهُ قطيعة الْمَرْوِيّ انْتهى. يَعْنِي بِالطَّرِيقِ هَهُنَا قَول الصَّحَابِيّ كُنَّا نَفْعل: كَذَا فَإِنَّهُ طَرِيق لنا فِي معرفَة الْآحَاد (وَأما رده) أَي دَلِيل الْأَكْثَر بِأَنَّهُ الْإِجْمَاع (بِأَنَّهُ) أَي الْإِجْمَاع (لَا إِجْمَاع فِي زَمَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) وَقَول الصَّحَابِيّ كُنَّا نَفْعل كَذَا أَخْبَار عَمَّا وَقع فِيهِ (فَفِي غير مَحل النزاع إِذْ الْمُدَّعِي ظُهُوره) أَي هَذَا القَوْل (فِي إِجْمَاع الصَّحَابَة بعده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَبِهَذَا) أَي بِكَوْنِهِ ظَاهرا فِي إِجْمَاع الصَّحَابَة بعده (ظهر أَن قَول الصَّحَابِيّ ذَلِك) أَي كُنَّا نَفْعل الخ (وقف خَاص) أما كَونه وَقفا فَلِأَنَّهُ لَا رفع فِيهِ إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بل إِلَى الصَّحَابَة، وَأما كَونه خَاصّا فباعتبار كَونه مجمعا عَلَيْهِ (وَجعله) أَي القَوْل الْمَذْكُور (رفعا) إِلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا ذهب إِلَيْهِ الْحَاكِم وَالْإِمَام الرَّازِيّ (ضَعِيف) إِذْ لَيْسَ فِيهِ نسبته إِلَيْهِ قولا وَلَا عملا وَلَا تقريرا (حَتَّى لم يحكه) أَي القَوْل بِرَفْعِهِ (بعض أهل النَّقْل فَأَما) قَول الصَّحَابِيّ ذَلِك (بِزِيَادَة نَحْو فِي عَهده) أَي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن جَابر كُنَّا نعزل على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ف (رفع) لِأَن الظَّاهِر كَونه باطلاعه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على ذَلِك وتقريرهم عَلَيْهِ، إِذْ الْعبارَة تشعر بِهِ، وَتَقْرِيره أحد وُجُوه الرّفْع (لَا يعرف خِلَافه إِلَّا عَن الْإِسْمَاعِيلِيّ) تعقب الشَّارِح بِأَنَّهُ ذهب أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وَابْن السَّمْعَانِيّ إِلَى أَنه إِذا كَانَ مِمَّا لَا يخفى غَالِبا فمرفوع وَإِلَّا فموقوف، وَحكى الْقُرْطُبِيّ أَنه إِن كَانَ ذكره فِي معرض الِاحْتِجَاج كَانَ مَرْفُوعا وَلَا
(3/70)

فوقوف انْتهى. وَلَعَلَّ مُرَاد المُصَنّف خِلَافه على الْوَجْه الْكُلِّي من غير تَفْصِيل فَلَا إِشْكَال ثمَّ أَنه قَالَ نَحْو فِي عَهده ليشْمل مَا فِي لفظ لجَابِر فِي الصَّحِيحَيْنِ كُنَّا نعزل وَالْقُرْآن ينزل (و) أما قَول الصَّحَابِيّ ذَلِك (بِنَحْوِ وَهُوَ يسمع فإجماع) كَونه رفعا، وَفِي بعض النّسخ فَظَاهر كَقَوْل ابْن عمر: كُنَّا نقُول وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَيّ أفضل هَذِه الْأمة بعد نبيها أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَيسمع ذَلِك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَا يُنكره، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه الْكَبِير.

مسئلة
(إِذا أخبر) مخبر خَبرا) (بِحَضْرَتِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلم يُنكر) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَلِك عَلَيْهِ (كَانَ) الْخَبَر (ظَاهرا فِي صدقه) أَو صدق مخبره أَو صدق نَفسه (لَا قَطْعِيا لاحْتِمَال أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يسمعهُ) أَي ذَلِك الْخَبَر لاشتغاله عَنهُ بِمَا هُوَ أهم مِنْهُ (أَو لم يفهمهُ) لرداءة عبارَة الْمخبر مثلا (أَو كَانَ) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (بَين نقيضه) أَي ذَلِك الْخَبَر قبل (أَو رأى تَأْخِير الْإِنْكَار) لمصْلحَة فِي تَأْخِيره (أَو مَا علم كذبه) لكَونه دنيويا، وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
" انتم أعلم بِأَمْر دنياكم " رَوَاهُ مُسلم (أَو رَآهُ) أَي ذَلِك الْخَبَر (صَغِيرَة وَلم يحكم بإصراره) أَي الْمخبر عَلَيْهَا، قَالُوا: وَلَو قدم عدم جَمِيع هَذِه الِاحْتِمَالَات فالصغيرة غير ممتنعة على الْأَنْبِيَاء.
مسئلة

(حمل الصَّحَابِيّ مرويه الْمُشْتَرك) اشتراكا لفظيا أَو معنويا (وَنَحْوه) كالمجمل والمشكل والخفي (على أحد مَا يحْتَملهُ) من الِاحْتِمَالَات (وَهُوَ) أَي حمله عَلَيْهِ (تَأْوِيله) أَي الصَّحَابِيّ لذَلِك (وَاجِب الْقبُول) عِنْد الْجُمْهُور (خلافًا لمشهوري الْحَنَفِيَّة لظُهُور أَنه) أَي حمله الْمَذْكُور (لموجب هُوَ بِهِ أعلم) إِذْ الظَّاهِر من حَاله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه لَا ينْطق بالمشترك للتشريع بِلَا قرينَة مُعينَة، والصحابي الرَّاوِي بِحُضُورِهِ واطلاعه على أَحْوَاله أعرف بذلك من غَيره (وَهُوَ) أَي وجوب قبُول تَأْوِيله (مثل) وجوب (تَقْلِيده) أَي الصَّحَابِيّ (فِي اللَّازِم) أَي فِيمَا يلْزم تَقْلِيده فِيهِ، وَهُوَ مَا يرويهِ من غير تَأْوِيل، وَوجه الشّبَه أَن مدَار كل مِنْهُمَا ظُهُور أَنه أَخذه عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهر حَاله، كَأَنَّهُ يَقُول فِي صُورَة التَّأْوِيل أَنه قَامَ عِنْدِي قرينَة مُعينَة لهَذَا المُرَاد، وَهُوَ مَا وَفِيه، وَالْوَجْه أَن يُقَال مَعْنَاهُ أَن الْحَنَفِيَّة لما قَالُوا بِوُجُوب تَقْلِيد الصَّحَابِيّ فِيمَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده لزم عَلَيْهِم قبُول تَأْوِيله لاشْتِرَاكهمَا فِي اللوازم فَكل مَا يلْزم فِي وجوب التَّقْلِيد يلْزم فِي وجوب قبُول التَّأْوِيل، فالتزام أَحدهمَا دون الآخر تَأمل (أَو) حمل الصَّحَابِيّ مرويه (الظَّاهِر على غَيره) أَي غير الظَّاهِر فمرويه ظَاهر فِي غير مَا يحْتَملهُ عَلَيْهِ (فالأكثر) أَي محمل الْأَكْثَر من الْعلمَاء كالشافعي والكرخي الْمَعْنى (الظَّاهِر) دون مَا حمل عَلَيْهِ الرَّاوِي من تَأْوِيله. (وَقَالَ الشَّافِعِي كَيفَ أترك الحَدِيث لقَوْل من لَو عاصرته لحاججته)
(3/71)

يَعْنِي الصَّحَابِيّ بِظَاهِر الحَدِيث، وَقيل يجب حمله على مَا عينه الرَّاوِي. وَفِي شرح البديع وَهُوَ قَول أَصْحَابنَا انْتهى. وَهُوَ اخْتِيَار المُصَنّف. وَقَالَ عبد الْجَبَّار وَأَبُو الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ إِن علم أَن الصَّحَابِيّ إِنَّمَا صَار إِلَى تَأْوِيله لعلمه بِقصد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَجب الْعَمَل بِهِ وَإِن جهل ذَلِك وَجَاز كَونه لدَلِيل ظهر لَهُ من نَص أَو قِيَاس أَو غَيرهمَا وَجب النّظر فِي ذَلِك الدَّلِيل فَإِن اقْتضى مَا ذهب إِلَيْهِ صير إِلَيْهِ، وَإِلَّا وَجب الْعَمَل بِالظَّاهِرِ (قُلْنَا) فِي جَوَاب الشَّافِعِي وَمن مَعَه (لَيْسَ يخفى عَلَيْهِ) أَي الصَّحَابِيّ الرَّاوِي (تَحْرِيم ترك الظَّاهِر إِلَّا لما يُوجِبهُ) أَي ترك الظَّاهِر (فلولا تيقنه) أَي الرَّاوِي (بِهِ) أَي بِمَا يجب تَركه (لم يتْركهُ وَلَو سلم) انْتِفَاء تيقنه بِهِ (فلولا أغلبيته) أَي الظَّن بِمَا يُوجب تَركه لم يتْركهُ (وَلَو سلم) انْتِفَاء أغلبية الظَّن لم يكن عِنْده إِلَّا مُجَرّد الظَّن (فشهوده) أَي الرَّاوِي (مَا هُنَاكَ) من قَرَائِن الْأَحْوَال عِنْد الْمقَال (يرجح ظَنّه) بالمراد على ظن غَيره (فَيجب الرَّاجِح) أَي الْعَمَل بِهِ (وَبِه) أَي بِشُهُود ذَلِك، أَو بِهَذَا التَّقْرِير (ينْدَفع تَجْوِيز خطئه بِظَنّ مَا لَيْسَ دَلِيلا دَلِيلا) لبعد ذَلِك مَعَ علمه بالموضوعات اللُّغَوِيَّة ومواضع اسْتِعْمَالهَا وَحَال الْمُتَكَلّم وعدالته المستدعية للتأمل فِي أَمر الدّين، (وَمِنْه) أَي من ترك الظَّاهِر لدَلِيل (لَا من الْعَمَل بِبَعْض المحتملات) كَمَا توهم (تَخْصِيص الْعَام) من الصَّحَابِيّ (يجب حمله) أَي التَّخْصِيص مِنْهُ (على سَماع الْمُخَصّص) وَمعنى حمله عَلَيْهِ إحالته إِلَيْهِ (كَحَدِيث ابْن عَبَّاس) مَرْفُوعا (من بدل دينه فَاقْتُلُوهُ) رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره (وَأسْندَ أَبُو حنيفَة) عَن عَاصِم بن أبي النجُود عَن أبي النجُود عَن أبي رزين (عَنهُ) أَي ابْن عَبَّاس مَا مَعْنَاهُ (لَا تقتل الْمُرْتَدَّة) وَلَفظه لَا تقتل النِّسَاء إِذا هن ارتددن عَن الْإِسْلَام، لَكِن يحبسن ويدعين إِلَى الْإِسْلَام ويجبرن عَلَيْهِ (فَلَزِمَ) تَخْصِيص الْمُبدل بِكَوْنِهِ من الرِّجَال (خلافًا للشَّافِعِيّ) وَمَالك وَأحمد قَالُوا يقتل عملا بِعُمُوم الظَّاهِر (فَلَو كَانَ) الْمَرْوِيّ (مُفَسرًا وتسميه الشَّافِعِيَّة نصا على مَا سلف) فِي التَّقْسِيم الثَّانِي للفرد بِاعْتِبَار دلَالَته أَوَائِل الْكتاب (وَتَركه) أَي الصَّحَابِيّ ذَلِك الْمَرْوِيّ فَلم يعْمل بِهِ (بعد رِوَايَته لَا) يتَحَقَّق فِيهِ الحكم الْآتِي (إِن لم يعرف تَارِيخ) لتَركه وَرِوَايَته لَهُ فَلم يعلم أَن التّرْك مُتَأَخّر أَو الرِّوَايَة (تعين كَون تَركه لعلمه بالناسخ) إِذْ لَا يظنّ بِهِ أَن يُخَالف النَّص بِغَيْر دَلِيل هُوَ النَّاسِخ (فَيجب اتِّبَاعه) فِي ترك الْعَمَل بِهِ وَإِن جهل تَارِيخ الْمُخَالفَة للمروي حملت على أَنَّهَا كَانَت قبل الرِّوَايَة فَلَا يكون جرحا للْحَدِيث وَلَا للراوي لجَوَاز أَن يكون ذَلِك لعدم علمه بِهِ خلافًا للشَّافِعِيّ (وَبِه) أَي بتعين كَونه تَركه لعلمه بالناسخ (يتَبَيَّن نسخ حَدِيث السَّبع من الولوغ) وَهُوَ مَا فِي مُسلم وَغَيره عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا طهُور إِنَاء أحدكُم إِذا ولغَ فِيهِ الْكَلْب أَن يغسلهُ سبع مَرَّات أولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ (إِذْ صَحَّ اكْتِفَاء) رِوَايَة (أبي هُرَيْرَة بِالثلَاثِ) كَمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِسَنَد صَحِيح (فيقوي بِهِ) أَي باكتفائه بِالثلَاثِ الضَّعِيف (حَدِيث اغسلوه ثَلَاثًا وَمِمَّنْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ) وَلَفظه يلغ فِي الْإِنَاء يغسل ثَلَاثًا أَو خمْسا
(3/72)

أَو سبعا. وَقَالَ تفرد بِهِ عبد الْوَهَّاب عَن إِسْمَاعِيل وَهُوَ مَتْرُوك، وَإِنَّمَا يقوى بِهِ (لموافقته الدَّلِيل) وَقد عرفت الدَّلِيل (وَلَا خَفَاء فِي عدم اعْتِبَار الضعْف فِي نفس الْأَمر فِي مُسَمَّاهُ) أَي الضَّعِيف (بل) إِنَّمَا يعْتَبر (ظَاهرا فَإِذا اعتضد) الضَّعِيف: أَي تأيد بمؤيد (ظهر أَن مَا ظهر) من الضعْف (غير الْوَاقِع كَمَا يضعف ظَاهر الصِّحَّة) أَي الحَدِيث الَّذِي يحكم بِصِحَّتِهِ نظرا إِلَى ظَاهر حَال الرَّاوِي (بعلة باطنة) أَي خُفْيَة (وَاحْتِمَال ظن الصَّحَابِيّ مَا لَيْسَ نَاسِخا نَاسِخا لَا يخفي بعده فَوَجَبَ نَفْيه) أَي نفي هَذَا الِاحْتِمَال لظُهُور بعده (قَالُوا النَّص وَاجِب الِاتِّبَاع، قُلْنَا نعم وَهُوَ النَّاسِخ الَّذِي لأَجله ترك) المروى الْمُفَسّر لَا نفس الْمُفَسّر (وَمِنْه) أَي من ترك الصَّحَابِيّ مرويه بعد رِوَايَته (ترك ابْن عمر الرّفْع) لِلْيَدَيْنِ فيهمَا تَكْبِيرَة الِافْتِتَاح من الصَّلَاة (على مَا صَحَّ عَن مُجَاهِد) من قَوْله (صَحِبت ابْن عمر سِنِين فَلم أره يرفع يَدَيْهِ إِلَّا فِي تَكْبِيرَة الِافْتِتَاح) أخرجه ابْن أبي شيبَة بِلَفْظ " مَا رَأَيْت ابْن عمر يرفع يَدَيْهِ إِلَّا فِي أول مَا يفْتَتح ": والطَّحَاوِي بِلَفْظ صليت خلف ابْن عمر فَلم يكن يرفع يَدَيْهِ إِلَّا فِي التَّكْبِيرَة الأولى من الصَّلَاة، مَعَ مَا أخرج السِّتَّة عَنهُ: قَالَ كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة رفع يَدَيْهِ حَتَّى يَكُونَا حَذْو مَنْكِبَيْه ثمَّ كبر، فَإِذا أَرَادَ أَن يرْكَع فعل مثل ذَلِك قَالُوا: النَّص وَاجِب الِاتِّبَاع فَلَا يتْرك مُوجبه اتبَاعا للصحابي، قُلْنَا نعم وَنحن مَا اتَّبعنَا إِلَّا النَّص: وَهُوَ النَّاسِخ الَّذِي لأَجله ترك الرَّاوِي الْمَرْوِيّ (وكتخصيصه) أَي الصَّحَابِيّ الرَّاوِي (الْعَام تَقْيِيده للمطلق) إِنَّمَا ذكر التَّخْصِيص فِي الْعَام، لِأَنَّهُ تقليل الِاشْتِرَاك وَالْعَام مُسْتَغْرق لما يصلح لَهُ، فَيلْزمهُ الِاشْتِرَاك وَالتَّقْيِيد فِي الْمُطلق، لِأَن الْمَاهِيّة الْمُطلقَة لم يعْتَبر فِيهَا الِاشْتِرَاك وَعَدَمه فيناسبه التَّقْيِيد، فَيجب أَن يحمل تَقْيِيده على سَماع مَا تقيده (فَإِن لم يعلم عمله) أَي الصَّحَابِيّ الرَّاوِي لَهُ (وَعلم عمل الْأَكْثَر بِخِلَافِهِ) أَي الْخَبَر (اتبع الْخَبَر) لِأَن غير الرَّاوِي قد لَا يعلم ذَلِك بالْخبر، ثمَّ قَول الْأَكْثَر لَيْسَ بِحجَّة، فَكيف يتْرك مَا هُوَ حجَّة: وَهَذَا عِنْد غير الْحَنَفِيَّة وَأما عِنْدهم فَفِيهِ تَفْصِيل كَمَا يَجِيء (وَمن يرى حجية إِجْمَاع) أهل (الْمَدِينَة) كمالك (يستثنيه) فَيَقُول إِلَّا أَن يكون فِيهِ إِجْمَاع أهل الْمَدِينَة، فَالْعَمَل بإجماعهم فَهُوَ عِنْده (كإجماع الْكل) وَهُوَ مقدم على خبر الْوَاحِد (وَترك الصَّحَابَة الِاحْتِجَاج بِهِ) أَي الحَدِيث (عِنْد اخْتلَافهمْ مُخْتَلف) أَي وَقع الِاخْتِلَاف بَين الْأُصُولِيِّينَ (فِي رده) أَي الحَدِيث الَّذِي تركُوا الِاحْتِجَاج بِهِ عِنْد اخْتلَافهمْ واحتياجهم إِلَيْهِ (وَهُوَ) أَي رده لذَلِك هُوَ (الْوَجْه) الأول (إِذا كَانَ) الحَدِيث (ظَاهرا فيهم) أَي الصَّحَابَة (وَأما عمل غَيره) أَي رَاوِي الحَدِيث (من الصَّحَابَة بِخِلَافِهِ) أَي الْمَرْوِيّ (فالحنفية) قَالُوا (إِن كَانَ) الحَدِيث (من جنس مَا يحْتَمل الخفاء على التارك) للْعَمَل بِهِ (كَحَدِيث القهقهة)
(3/73)

الْمَرْوِيّ عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من طرق مِنْهَا رِوَايَة أبي حنيفَة عَن مَنْصُور بن زَاذَان الوَاسِطِيّ عَن الْحسن عَن معبد بن أبي معبد الْخُزَاعِيّ عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: بَينا هُوَ فِي الصَّلَاة إِذْ أقبل أعمى يُرِيد الصَّلَاة فَوَقع فِي زبية فاستضحك الْقَوْم فقهقهوا، فَمَا انْصَرف صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ
" من كَانَ مِنْكُم قهقه فليعد الْوضُوء وَالصَّلَاة ". (عَن أبي مُوسَى) الْأَشْعَرِيّ (تَركه) أَي الْعَمَل بِهِ (لَا يضرّهُ) أَي الحَدِيث الْمَذْكُور (إِذْ لَا يسْتَلْزم) ترك غير الرَّاوِي لمثله جرحا (مثل ترك الرَّاوِي) الصَّحَابِيّ مرويه الْمُفَسّر بعد رِوَايَته لَهُ لجَوَاز عدم اطِّلَاعه عَلَيْهِ كَمَا فِي وُقُوع القهقهة فِي الصَّلَاة (لِأَنَّهُ) أَي وُقُوعه فِيهَا (من الْحَوَادِث النادرة فَجَاز خفاؤه) أَي الحَدِيث (عَنهُ) أَي أبي مُوسَى (على أَنه منع صِحَّته) أَي صِحَة تَركه (عَنهُ) أَي أبي مُوسَى (بل) روى (نقيضه) أَي نقيض ترك الْعَمَل بِهِ وَهُوَ الْعَمَل بِهِ عَنهُ: أَي أبي مُوسَى. وَفِي الْأَسْرَار قد اشْتهر عَن أبي الْعَالِيَة رِوَايَة هَذَا الحَدِيث مُرْسلا وَمُسْندًا عَن أبي مُوسَى، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح عَنهُ مَرْفُوعا (أَولا) يكون الحَدِيث (مِنْهُ) أَي من جنس مَا يحْتَمل الخفاء (كالتغريب) فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
" الْبكر بالبكر جلد مائَة وتغريب عَام ": رَوَاهُ مُسلم وَغَيره، وَهُوَ إِخْرَاج الْحَاكِم الْمُحصن الْحر ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى إِلَى مَسَافَة قصر فَمَا فَوْقه، وَأول مدَّته ابْتِدَاء السّفر كَمَا هُوَ مَذْكُور فِي فروع الشَّافِعِيَّة (تَركه عمر بعد لحاق من غربه مُرْتَدا). أخرج عبد الرازق عَن ابْن الْمسيب قَالَ: غرب عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ربيعَة بن أُميَّة بن خلف فِي الشَّرَاب إِلَى خَيْبَر فلحق بهرقل فَتَنَصَّرَ فَقَالَ عمر لَا أغرب بعده مُسلما (فيقدح) أَي ترك عمل غير الرَّاوِي لَهُ من الصَّحَابَة فِيهِ (لاستلزامه) أَي ترك الْعَمَل بِهِ حِينَئِذٍ (ذَلِك) أَي الْقدح فِيهِ (أَو) يُقَال فِي هَذَا الْخُصُوص (أَنه) أَي التَّغْرِيب (كَانَ زِيَادَة تَعْزِير سياسة) شَرْعِيَّة إيحاشا للزاني وَزِيَادَة فِي تنكيله فَلَا يقْدَح (إِذْ لَا يخفى) كَون التَّغْرِيب من الْحَد (عَنهُ) أَي عَن عمر (لابتناء الْحَد على الشُّهْرَة مَعَ حَاجَة الإِمَام إِلَى مَعْرفَته فيفحص عَنهُ، وكفره) أَي الْمغرب بارتداده و (لَا يحل تَركه) أَي عمر (الْحَد، وَقد قَالَ عمر للمؤلفة بعده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين فهم انْتِهَاء حكمهم) أَي التَّأْلِيف وَهُوَ الْعَطاء لمصْلحَة تَقْوِيَة الْإِسْلَام (وهم أهل شَوْكَة) أَي وَالْحَال أَن الْمُؤَلّفَة عِنْد الِانْتِهَاء أهل شَوْكَة ومنعة يتَوَهَّم مِنْهُم الْعِصْيَان، ومعقول القَوْل، (الْحق من ربكُم فَمن شَاءَ فليؤمن وَمن شَاءَ فليكفر ومنعهم). روى الطَّبَرِيّ عَنهُ أَنه قَالَ ذَلِك لما أَتَاهُ عُيَيْنَة بن حصن، وأعقبه بقوله: يَعْنِي لَيْسَ الْيَوْم مؤلفة (بَقِي قسم) لم يذكر فِي تقسيمهم وَهُوَ (مُحْتَمل لَا يخفى) أَي هُوَ فِي حد ذَاته مِمَّا يحْتَمل الخفاء غير أَنه اشْتهر وارتفع عَنهُ الخفاء (وَلَيْسَ) الحكم الثَّابِت فِيهِ (من متعلقات) الصَّحَابِيّ الَّذِي لَيْسَ براويه (التارك) للْعَمَل
(3/74)

بِهِ (الَّتِي تهمه) ليلزم عَلَيْهِ زِيَادَة الفحص عَنهُ (وَالْوَجْه) أَن يُقَال (لَيْسَ) ترك عمل غير الرَّاوِي (كالراوي) أَي كَتَرْكِ عمل الرَّاوِي (لزِيَادَة احْتِمَال عدم بُلُوغه) أَي الحَدِيث الَّذِي تَاركه غير رَاوِيه (وَهُوَ) أَي هَذَا الْقسم (أولى) بِهِ: أَي بِوُجُوب الْعَمَل بِالْحَدِيثِ (من الْأَكْثَر) من الْقسم الَّذِي ترك الْأَكْثَر الْعَمَل (بِهِ) قَالَ الشَّارِح: لَعَلَّهُم لم يذكروه لانْتِفَاء أَمْثَاله فِي استقرائهم وَالله أعلم.

مسئلة
(حذف بعض الْخَبَر الَّذِي لَا تعلق لَهُ بالمذكور جَائِز) عِنْد الْأَكْثَر (بِخِلَاف) مَاله تعلق بِهِ مخل بِالْمَعْنَى حذفه: مثل فعل (الشَّرْط) كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
" إِن زنت فاجلدوها، ثمَّ إِن زنت فاجلدوها، ثمَّ إِن زنت فاجلدوها، ثمَّ بيعوها وَلَو بضفير " يَعْنِي الْأمة غير المحصنة مُتَّفق عَلَيْهِ. (وَالِاسْتِثْنَاء) كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
" لَا تَبِيعُوا الذَّهَب بِالذَّهَب، وَلَا الْوَرق بالورق إِلَّا وزنا بِوَزْن مثلا بِمثل سَوَاء بِسَوَاء ": رَوَاهُ مُسلم (وَالْحَال) كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
" لَا يُصَلِّي أحدكُم فِي الثَّوْب الْوَاحِد لَيْسَ على عَاتِقه شَيْء ": رَوَاهُ البُخَارِيّ (والغاية) كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
" من ابْتَاعَ طَعَاما فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيه " مُتَّفق عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يجوز حذفه لفَوَات الْمَقْصُود (وَقيل لَا) يجوز مُطلقًا (وَقيل إِن روى مرّة على التَّمام) هُوَ أَو غَيره الْخَبَر جَازَ وَإِلَّا لم يجز (وَمَا قيل يمْنَع إِن خَافَ تُهْمَة الْغَلَط) كَمَا ذكره الْخَطِيب: يَعْنِي أَن روى مرّة على التَّمام هُوَ أَو غَيره، وَمرَّة على النُّقْصَان إِن خَافَ أَن يتهم بالغلط بِزِيَادَتِهِ مَا لم يسمعهُ وَنَحْوه (فَأمر آخر) لَا دخل لَهُ فِي أصل الْجَوَاز الَّذِي كلامنا فِيهِ (لنا إِذا انْقَطع التَّعَلُّق) بَين الْمَذْكُور والمحذوف (فكخبرين أَو أَخْبَار، وشاع من الْأَئِمَّة من غير نَكِير، وَالْأولَى الْكَمَال كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: الْمُسلمُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ) أَي تتساوى فِي الْقصاص والديات لأَفْضَل للشريف على وضيع (وَيسْعَى بِذِمَّتِهِمْ) أَي بأمانهم (أَدْنَاهُم، وَيرد عَلَيْهِم أَقْصَاهُم) أَي يرد الْأَبْعَد مِنْهُم الْبَقِيَّة عَلَيْهِم: وَذَلِكَ لِأَن الْعَسْكَر إِذا دخل دَار الْحَرْب فاقتطع الإِمَام مِنْهُم سَرَايَا ووجهها للإغارة فَمَا غنمته جعل لَهَا على مَا سمي، وَيرد مَا بَقِي لأهل الْعَسْكَر: لِأَن بهم قدرت السَّرَايَا على التوغل فِي دَار الْحَرْب وَأخذ المَال كَذَا ذكره المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة، فالأبعد السّريَّة، والبقية مَا يبْقى من المَاء وَغَيره، والمردود عَلَيْهِم أهل الْعَسْكَر فَإِن السّريَّة ترد بَقِيَّة المَال عَلَيْهِم (وهم يَد على من سواهُم) أَي كالعضو الْوَاحِد فِي اتِّحَاد كلمتهم ونصرتهم وتعاونهم على جَمِيع الْملَل الْمُحَاربَة لَهُم: رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه إِلَّا أَنه قَالَ مَكَان: وَيرد عَلَيْهِم أَقْصَاهُم، ويجيز عَلَيْهِم
(3/75)

أَقْصَاهُم ففسر الرَّد فِي تِلْكَ الرِّوَايَة بِالْإِجَازَةِ، فَالْمَعْنى يرد الْإِجَازَة عَلَيْهِم حَتَّى يكون كلهم مجيزا، يُقَال أجزت فلَانا على فلَان: إِذا حميته مِنْهُ ومنعته.

مسئلة
(الْمُخْتَار) عِنْد إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزالِيّ والآمدي وَالْإِمَام الرَّازِيّ وَابْن الْحَاجِب. وَفِي رِوَايَة عَن أَحْمد وَغَيرهم (أَن خبر الْوَاحِد قد يُفِيد الْعلم بقرائن غير اللَّازِمَة لما تقدم) أَي للْخَبَر نَفسه وللمخبر أَو للمخبر عَنهُ (وَلَو كَانَ) الْمخبر (غير عدل، لَا) أَنه يفِيدهُ (مُجَردا) عَن الْقَرَائِن (وَقيل إِن كَانَ) الْمخبر (عدلا جَازَ) أَن يُفِيد الْعلم (مَعَ التجرد) عَن الْقَرَائِن، لَكِن لَا يطرد فِي كل خبر عدل، وَهُوَ عَن بعض الْمُحدثين (وَعَن أَحْمد) فِي رِوَايَة يُفِيد الْعلم مَعَ التجرد، و (يطرد) فِي كل خبر عدل (وَأول) الْعلم المفاد بِهِ مطردا (بِعلم وجوب الْعَمَل، لَكِن تَصْرِيح ابْن الصّلاح فِي مرويهما) أَي صحيحي البُخَارِيّ وَمُسلم (بِأَنَّهُ مَقْطُوع بِصِحَّتِهِ) وَسَبقه إِلَى هَذَا الْمَقْدِسِي وَأَبُو نصر (يَنْفِيه) أَي هَذَا الدَّلِيل (مستدلا) حَال من ابْن الصّلاح (بِالْإِجْمَاع على قبُوله وَإِن كَانَ) الْإِجْمَاع ناشئا (عَن ظنون) يَعْنِي كل وَاحِد من أهل الْإِجْمَاع لصِحَّة مرويهما المستلزمة لقبوله (فَظن مَعْصُوم) أَي فَظن الْجَمِيع من حَيْثُ أَنه اجْتمع عَلَيْهِ الْأمة مَعْصُوم عَن الْخَطَأ فَصَارَ كَالْعلمِ فِي عدم احْتِمَال الْخَطَأ، وَسَيَجِيءُ الْكَلَام عَلَيْهِ (وَالْأَكْثَر) من الْفُقَهَاء والمحدثين خبر الْوَاحِد (لَا) يُفِيد الْعلم (مُطلقًا) أَي سَوَاء كَانَ بقرائن أَولا (لنا) فِي الأول وَهُوَ إفادته للْعلم بِالْقُرْآنِ (الْقطع بِهِ) أَي بِخَبَر الْوَاحِد أَو بِحُصُول الْعلم بمضمونه (فِي نَحْو إِخْبَار ملك) من إِضَافَة الْمصدر إِلَى الْمَفْعُول: أَي فِيمَا إِذا أخبر وَاحِد ملكا (بِمَوْت ولد) لَهُ كَانَ (فِي النزع مَعَ صُرَاخ وانتهاك حرم) للْملك (وَنَحْوه) كخروج الْملك وَرَاء الْجِنَازَة إِلَى غير ذَلِك. (وَفِي الثَّانِي) وَهُوَ عدم إِفَادَة الْعلم مُجَردا عَن الْقَرَائِن (لَو كَانَ) خبر الْوَاحِد مُفِيدا للْعلم مُطلقًا (فبالعادة) أَي فَكَانَ تِلْكَ الإفادة بطرِيق الْعَادة وأجرى الله عَادَته بِخلق الْعلم عِنْده، إِذْ لَا عِلّة لَهُ سواهَا (فيطرد) حُصُول الْعلم فِي كل جُزْء من غير تخلف، وَاللَّازِم مُنْتَفٍ ضَرُورَة (وَاجْتمعَ النقيضان فِي الْإِخْبَار بهما) أَي بالنقيضين، وَقد وَقع ذَلِك فِي إِخْبَار الْعُدُول كثيرا، إِذْ الْمَفْرُوض أَن كل خبر عدل يُفِيد الْعلم، وكل مَا هُوَ مُتَعَلق الْعلم لَا بُد أَن يكون متحققا وَيرد عَلَيْهِ أَن الْقَائِل بِهِ يُرِيد أَنه يُفِيد الْعلم إِذا لم تكن قرينَة الْكَذِب، وكل مِنْهُمَا قرينَة كذب الآخر إِذا صَدرا مَعًا وَإِلَّا فالمتقدم لَا معَارض لَهُ فَيصير قرينَة لكذب الْمُتَأَخر فَتَأمل. (وَوَجَب التأثيم) للمخالف بِالِاجْتِهَادِ لعدم جَوَاز الِاجْتِهَاد فِي مُقَابلَة الْقطعِي (وَهُوَ) أَي تأثيمه
(3/76)

(مُنْتَفٍ بِالْإِجْمَاع. الْأَكْثَر) قَالُوا فِي دفع دَلِيل الْمُخْتَار (مفيده) أَي الْعلم (الْقَرَائِن فقد أخرجُوا الْخَبَر عَن كَونه جُزْء مُفِيد الْعلم) لَا عَن كَونه مُعَرفا عَلَيْهِ مُطلقًا: إِذْ لَا سَبِيل إِلَيْهِ (وَدفعه) أَي هَذَا القَوْل من قبيل الْمُخْتَار (بِأَنَّهُ لَوْلَا الْخَبَر لجوزنا موت) شخص (آخر) من أقَارِب الْملك كأخيه وَأَبِيهِ، فَلَا يتَعَيَّن وَلَده بِعَيْنِه (يُفِيد أَن الْمَقْصُود مُجَرّد حُصُول الْعلم مَعَ الْمَجْمُوع) من الْخَبَر والقرائن، لَا إِثْبَات كَون الْخَبَر جُزْء سَبَب الْعلم (فَإِذا عجز) الدَّافِع الْمَذْكُور (عَن إثْبَاته) أَي إِثْبَات كَون الْخَبَر (جُزْء السَّبَب) لإفادته (لزم) كَونه (شرطا) لإفادته، إِن أَرَادَ بِالشّرطِ مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ أَعم من أَن يكون جُزْءا أَو خَارِجا، إِذْ هُوَ مُقْتَضى الدَّلِيل لَا خُصُوصِيَّة كَونه خَارِجا لَا يُفِيد مَا هُوَ بصدده، وَإِن أَرَادَ مَا هُوَ الْأَخَص فالملازمة مَمْنُوعَة، إِذْ الْعَجز عَن إِثْبَات شَيْء لَا يسْتَلْزم عَدمه فَتَأمل (وَهُوَ) أَي كَونه شرطا لإفادته (عين مَذْهَب الْأَكْثَر) إِذْ لَيْسَ مقصودهم إِفَادَة الْقَرَائِن بِدُونِ الْخَبَر (فَهُوَ) أَي هَذَا القَوْل من قبل الْمُخْتَار (اعْتِرَاف بِهِ) أَي بِكَوْنِهِ شرطا (فأغناهم) أَي هَذَا الِاعْتِرَاف أهل الْمُخْتَار (عَمَّا نسبوه) أَي الْأَكْثَر (إِلَيْهِم) أَي أهل الْمُخْتَار (من قَوْلهم) أَي الْأَكْثَر (دليلكم) أَصْحَاب الْمُخْتَار (على نَفْيه) أَي الْعلم عَن خبر الْوَاحِد (بِلَا قرينَة يَنْفِيه) أَي الْعلم عَنهُ (بهَا) أَي بِالْقَرِينَةِ، وَمعنى الإغناء أَنه إِذا كَانَ مآل كَلَام الْمُخْتَار وَالْأَكْثَر وَاحِدًا يرْتَفع عَن الْمُخْتَار مُنَازعَة الْأَكْثَر فَلَا يَحْتَاجُونَ حِينَئِذٍ إِلَى ذكر نقض الْأَكْثَر وَذكر جَوَابه، ثمَّ بَين الدَّلِيل المنقوض بقوله (وَهُوَ) أَي دليلكم على نَفْيه (لَو كَانَ) خبر الْوَاحِد مُفِيدا للْعلم بِدُونِ الْقَرَائِن (أدّى إِلَى النقيضين) أَي تنَاقض المعلومين (إِلَى آخِره) أَي لُزُوم الاطراد وتأثيم الْمُخَالف كَأَنَّهُ زعم الناقض أَن اللوازم الْمَذْكُورَة تلْزم كَون الْخَبَر مُفِيدا للْعلم سَوَاء كَانَ مَعَ الْقَرَائِن أَولا، وبطلانه ظَاهر (و) أغناهم عَن (دَفعه بِأَنَّهُ) أَي الدَّلِيل الْمَذْكُور (إِنَّمَا يَقْتَضِي امْتِنَاعه) أَي كَون الْخَبَر مُفِيدا للْعلم (عِنْده) أَي عِنْد نفي الْقَرِينَة (لَا مُطلقًا) ليدْخل فِيهِ مَا مَعَ الْقَرِينَة (لِأَن لُزُوم المتناقضين إِنَّمَا هُوَ بتقديره) عدم الْقَرَائِن، لِأَن المخطوطات الثَّلَاثَة من لَوَازِم كَون خبر الْعدْل بِنَفسِهِ مُفِيدا للْعلم من غير حَاجَة إِلَى الْقَرِينَة، و (أما الْجَواب) عَن النَّقْض الْمَذْكُور بِمَنْع بطلَان التَّالِي فِي صُورَة كَونه مَعَ الْقَرَائِن (بِالْتِزَام الاطراد فِي مثله) أَي فِيمَا فِيهِ الْقَرَائِن. فِي الشَّرْح العضدي: وَالْجَوَاب أَنَّهَا لَا تتأدى فِي الْخَبَر مَعَ الْقَرَائِن، أما لُزُوم الاطراد فَلِأَنَّهُ مُلْتَزم فِي نَفسه فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو عَن الْعلم، وَأما تنَاقض المعلومين فَلِأَن ذَلِك إِذا حصل فِي قصَّة امْتنع أَن يحصل مثله فِي نقيضها عَادَة وَأما تخطئة الْمُخَالف قطعا فَلِأَنَّهُ مُلْتَزم وَلَو وَقع لم يجز مُخَالفَته بِالِاجْتِهَادِ إِلَّا أَنه لم يَقع فِي الشرعيات انْتهى (فبعيد للْقطع بِأَن لَيْسَ كل خبر وَاحِد) مقرون (بقرائن) مثل قَرَائِن الْمِثَال الْمَذْكُور (يُوجب الْعلم، و) الْحَال أَن (الدَّعْوَى) أَن الْخَبَر الْمَذْكُور (قد يُوجِبهُ) أَي الْعلم (لَا الْكُلية) أَي لَا أَنه
(3/77)

كل خبر كَذَا يُوجِبهُ (لما نذْكر) من تَجْوِيز ثُبُوت نقيضه بِأَن يرجِعوا فيقولوا لم يمت، وَإِنَّمَا سكن وَبرد فَظن مَوته (فبايجابه) أَي الْخَبَر الْمَذْكُور الْعلم (يعلم أَنه) أَي الْخَبَر الْمُوجب (ذَلِك) الْخَبَر الْمُفِيد للْعلم بالقرائن، وَلَا يخفى أَن الْعلم بإيجابه للْعلم إِنَّمَا يتَحَقَّق بِمَجْمُوع أحد أَمريْن: أَحدهمَا عدم احْتِمَال النقيض، وَالثَّانِي مطابقته للْوَاقِع وَالْعلم بالمطابقة بالحس أَو الْبُرْهَان أَو خبر الْمخبر الصَّادِق (كَمَا فِي) الْخَبَر (الْمُتَوَاتر يعرفهُ) أَي كَونه متواترا (أَثَره) أَي ثُبُوت أَثَره: وَهُوَ (الْعلم وَحِينَئِذٍ نمْنَع إِمْكَان مثله) أَي إِيجَاب الْعلم بِخَبَر وَاحِد آخر عدل مخبر (بالنقيض الآخر) مقرون بقرائن مثل تِلْكَ الْقَرَائِن فَإِنَّهُ محَال عَادَة (إِلَّا لَو وَقع) أَي لَكَانَ لَو وَقع، وَالتَّعْبِير بلو للإشعار بِعَدَمِ وجوده (فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة) جَوَاب لَو مَحْذُوف أَي جوزناه، يدل عَلَيْهِ قَوْله (فَيجوز لعدم حَقِيقَة التَّعَارُض) فِيهَا (للُزُوم اخْتِلَاف الزَّمَان) فِيهَا (فأحدهما مَنْسُوخ) وَالْآخر نَاسخ لَهُ، وعَلى هَذَا القَوْل بِأَن النّسخ يجْرِي فِي الْأَخْبَار وَالْجُمْهُور على خِلَافه، فعلى هَذَا لَا يَصح إِلَّا على التَّأْوِيل كَأَن يكون الْمَنْسُوخ مُتَعَلق الْخَبَر لَا نَفسه (ويلتزم التأثيم) للمخالف للْخَبَر والمقرون بالقرائن بِالِاجْتِهَادِ (لَو وَقع فِيهَا بِخِلَافِهِ) أَي التأثيم (بِخَبَر الْوَاحِد) الْمُجَرّد عَن تِلْكَ الْقَرَائِن فَإِنَّهُ لَا يلْتَزم فِيهِ (للْقطع بِجَوَاز إِخْبَار اثْنَيْنِ بنقيضين، بل) الْقطع (بِوُقُوعِهِ) إِنَّمَا جمع بَين القطعين مَعَ أَن الثَّانِي يُغني عَن الأول لِأَنَّهُ يستلزمه إِشَارَة إِلَى أَنه لَا مَانع عَنهُ من حَيْثُ الْعقل وتقرره الْوَاقِع فِي الْوَاقِع (فَعلم بِهِ) أَي بإخبارهما بالنقيضين (أَنه) أَي خبر الْوَاحِد (لَا يفِيدهُ) أَي الْعلم، إِذْ لَو أَفَادَهُ لأفاد كِلَاهُمَا فَلَزِمَ تحقق معلوميهما فِي الْوَاقِع (وَمَا قيل مثله) أَي مثل مَا ذكر من جَوَاز إِخْبَار اثْنَيْنِ بنقيضين (يَقع فِيمَا ذكر من إِخْبَار الْملك) من موت ابْنه بِأَن يُخبرهُ مخبر بِمَوْتِهِ مَعَ الْقَرَائِن ثمَّ يُخبرهُ آخر بِأَنَّهُ لم يمت، وَإِنَّمَا اشْتبهَ على الْمخبر والحاضرين وَقَامَت الْقَرَائِن على ذَلِك (يرد بِأَن ذَلِك) أَن جَوَاز إِخْبَار اثْنَيْنِ بِمَا ذكر (عِنْد عدم إفادته) أَي الْخَبَر الأول الْعلم (الأول) وَهُوَ الْعلم بِالْمَوْتِ وَالْفَرْض أَنه أَفَادَ، وَذَلِكَ لِأَن الْمُطَابقَة للْوَاقِع مُعْتَبرَة فِي الْعلم فَلَا يرد النَّقْض على الْمُخْتَار فِي إِلْزَام اجْتِمَاع النقيضين بقَوْلهمْ يَقع فِيمَا ذكر إِلَى آخِره (و) قَالَ (الطارد) أَي الَّذِي يَقُول بِأَن خبر الْوَاحِد الْعدْل يُفِيد الْعلم مطردا، وَقد مر أَنه مَرْوِيّ عَن أَحْمد (فِي مرويهما) أَي الشَّيْخَيْنِ البُخَارِيّ وَمُسلم أَو صَحِيحَيْهِمَا، والإضمار من غير سبق الذّكر لسبقهما إِلَى الذِّهْن عِنْد ذكر أَخْبَار الْآحَاد الْعُدُول، ومقول القَوْل (لَو أَفَادَ) مرويهما الظَّن لَا الْعلم (لم يجمع) أَي لما وَقع الْإِجْمَاع على وجوب الْعَمَل (بِهِ) أَي بمرويهما، لكنه أجمع عَلَيْهِ (أما الْمُلَازمَة فللنهي عَن اتِّبَاعه) أَي الظَّن تَحْرِيمًا، يدل عَلَيْهِ قَوْله (والذم عَلَيْهِ) أَي على اتِّبَاعه. قَالَ تَعَالَى - {(وَلَا تقف} مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم (إِن يتبعُون إِلَّا الظَّن)} - فِي معرض الذَّم، فَدلَّ على التَّحْرِيم إِذْ لَا يذم على ترك الْمَنْدُوب. (وَالْجَوَاب) عَن هَذَا أَن يُقَال (الْإِجْمَاع
(3/78)

عَلَيْهِ) أَي على الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد الْعدْل (للْإِجْمَاع على وجوب الْعَمَل بِالظَّنِّ) وَلذَلِك وَجب على الْمُجْتَهد الْعَمَل بِمَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده وَالْإِجْمَاع على وجوب الْعَمَل بِالظَّنِّ يسْتَلْزم الْإِجْمَاع على الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد الْعدْل لِأَنَّهُ يُفِيد الظَّن (لَا لإفادته) أَي مرويهما (الْعلم بمضمونه) أَي الْخَبَر (و) الدَّلِيل السمعي) أَي لَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم، وَإِن يتبعُون إِلَّا الظَّن (مَخْصُوص بالاعتقاديات) الْمَطْلُوب فِيهَا الْيَقِين بِخِلَاف الْأَحْكَام العملية الْمَطْلُوب فِيهَا مَا يعم الظَّن وَغَيره (وَذَلِكَ الْإِجْمَاع) الْقطعِي على وجوب الْعَمَل بِالظَّنِّ (دَلِيل وجود الْمُخَصّص) لعُمُوم نهي اتِّبَاع الظَّن فالمخصص وجوب الْعَمَل بِالظَّنِّ وَدَلِيله الْإِجْمَاع الْمَذْكُور فَلم يبْق بعد التَّخْصِيص إِلَّا الاعتقاديات، وَهَذَا على غير قَول الْحَنَفِيَّة (أَو النَّاسِخ) للنَّهْي عَن الِاتِّبَاع فِي غير الاعتقاديات على قَوَاعِد الْحَنَفِيَّة، مَعْطُوف على وجود الْمُخَصّص (وَمَا قيل) من أَنه (لَا إِجْمَاع) على الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد (للْخلاف الْآتِي لَيْسَ بِشَيْء لِاتِّفَاق هذَيْن المتناظرين على نقل إِجْمَاع الصَّحَابَة فِيهِ) أَي فِي وجوب الْعَمَل بِهِ للْخلاف الْآتِي فِي الْعَمَل بِهِ (وَقَوله) أَي الطارد (ظن مَعْصُوم) أَي ظن أهل الْإِجْمَاع على قبُول مرويهما بِصِحَّتِهِ المستلزمة للقبول مَعْصُوم عَن الْخَطَأ فَتكون صِحَّته مَقْطُوعًا بهَا وَقد مر (قُلْنَا إِنَّمَا أَفَادَهُ) أَي الْإِجْمَاع على قبُول مرويهما (الْإِجْمَاع على) وجوب (الْعَمَل) بِالظَّنِّ: يَعْنِي الْإِجْمَاع على وجوب الْعَمَل بِالظَّنِّ صَار سَببا للْإِجْمَاع على قبُول مرويهما، لَا الظَّن الْمَعْصُوم عَن الْخَطَأ الَّذِي جعلته كَالْعلمِ: وَهُوَ لَيْسَ كَذَلِك لِأَن الْمَعْلُوم إِنَّمَا هُوَ الْمجمع عَلَيْهِ وَالصِّحَّة لَيست مجمعا عَلَيْهَا، وكل وَاحِد يجوز نقيضه، غير أَنَّهَا راجحة عِنْده وَمَعَ ذَلِك مستلزمة للقبول (وَأَيْنَ هُوَ) أَي مَا أَفَادَهُ الْإِجْمَاع الْمَذْكُور (من كَون خبر الْوَاحِد يُفِيد الْعلم فَالْحَاصِل أَن ادعيت أَن الْإِجْمَاع على الْعَمَل) بمرويهما (لإِفَادَة الْخَبَر الْعلم منعناه) أَي هَذَا الْمُدَّعِي (وَهُوَ) أَي هَذَا الْمُدَّعِي (أول المسئلة) فَهُوَ مصادرة على الْمَطْلُوب (أَو) ادعيت (أَنه) أَي الْإِجْمَاع على الْعَمَل بمرويهما (أَفَادَ أَن هَذَا الْخَبَر الْمعِين الَّذِي أجمع على الْعَمَل بِهِ حق قطعا) مَعْصُوم بِمَعْنى أَنه لَا خطأ فِي مضمونه (أمكن بِتَسْلِيمِهِ) لم يقل مُسلم لبعد هَذَا المُرَاد من عبارَة الطارد وَإِطْلَاق مرويهما (وَلَا يُفِيد) الْمَطْلُوب (إِذْ الأول) أَي كَونه مُفِيدا للْعلم (هُوَ الْمُدَّعِي، لَا الثَّانِي) وَهُوَ كَون الْمَضْمُون الْخَبَر الْمعِين مَقْطُوعًا بِهِ لكَونه مجمعا عَلَيْهِ (و) حِينَئِذٍ كل خبر وَاحِد عدل مجمع على الْعَمَل بِهِ حكمه كَذَا (سَوَاء كَانَ مِنْهُمَا) أَي الصَّحِيحَيْنِ (أَو لَا يكون) مِنْهُمَا (وَقد يكون) خبر الْوَاحِد (مِنْهُمَا) أَي الصَّحِيحَيْنِ (وَلَا يجمع عَلَيْهِ) أَي على وجوب الْعَمَل بِمُقْتَضَاهُ لتكلم بعض النقاد فِيهِ كالدارقطني، قيل وَجُمْلَة مَا استدركه الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره على البُخَارِيّ مائَة وَعشرَة أَحَادِيث وَافقه مُسلم على إِخْرَاج اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ حَدِيثا مِنْهَا (فالضابط مَا أجمع على الْعَمَل بِهِ) لَا مرويهما بِخُصُوصِهِ (وَهُوَ) الضَّابِط الْمَذْكُور
(3/79)

مسئلة
(إِذا أجمع على حكم يُوَافق خَبرا قطع بصدقه) أَي الْخَبَر (عِنْد الْكَرْخِي وَأبي هَاشم وَأبي عبد الله الْبَصْرِيّ) فِي جمَاعَة (لعملهم) أَي المجمعون (بِهِ) أَي بالْخبر الْمُوَافق لعملهم (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يقطع بصدقه بِأَن يجوز كَونه غير مُطَابق للْوَاقِع (احْتمل الْإِجْمَاع الْخَطَأ) لِأَن احْتِمَال عدم مُطَابقَة الْخَبَر الْمَذْكُور يسْتَلْزم احْتِمَال عدم مُطَابقَة الحكم الْمجمع عَلَيْهِ لموافقتهما فِي الْمَضْمُون (فَلم يكن) الْإِجْمَاع (قَطْعِيّ الْمُوجب) وَاللَّازِم بَاطِل (وَمنعه) أَي الْقطع بِصدق الْخَبَر (غَيرهم) وَهُوَ الْجُمْهُور فَقَالُوا يدل على صدقه ظنا، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيّ وَصَاحب البديع (لاحْتِمَال كَونه) أَي علمهمْ أَو عمل بَعضهم (بِغَيْرِهِ) أَي بِغَيْر الْخَبَر الْمَذْكُور من الْأَدِلَّة (وَلَو كَانَ) عَمَلهم (بِهِ) أَي بذلك الْخَبَر (لم يلْزم احْتِمَال الْإِجْمَاع) للخطأ مَعَ أَن الْخَطَأ الْمَذْكُور يحْتَمل أَن لَا يُطَابق (للْقطع بإصابتهم فِي الْعَمَل بالمظنون) الْمُحْتَمل لعدم الْمُطَابقَة للْوَاقِع احْتِمَالا مرجوحا، وَقد يُقَال دَلِيل الْقطع بِصدق الْخَبَر الْمَذْكُور كَون الآخر كَذَلِك وَيُجَاب بِأَن هَذَا إِنَّمَا يلْزم إِذا كَانَ موافقتهما بِأَن يَكُونَا خبرين متحدين فِي الْمَضْمُون وَلَيْسَ كَذَلِك، بل أَحدهمَا حكم من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة: كالوجوب وَالْحُرْمَة، وَالْآخر روايه قَول أَو فعل يلْزمه ذَلِك الْوُجُوب أَو الْحُرْمَة، وَمن الْجَائِز كَون ذَلِك حكم الله فِي نفس الْأَمر مَعَ عدم مُطَابقَة الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة لما فِي نفس الْأَمر بِأَن لم يقل الْمَرْوِيّ عِنْد ذَلِك الْمَخْصُوص أَو لم يفعل ذَلِك الْمُخَصّص، وَلذَلِك قَالَ (وتحقيقه أَنه) أَي الْإِجْمَاع الْمَذْكُور (يُفِيد الْعلم بحقية الحكم وَلَا يسْتَلْزم) كَونه حَقًا الْقطع بحقية الحكم (بِصدق الْخَبَر) بِمَعْنى (أَنه) أَي الْخَبَر الْخَاص (سَمعه فلَان مِنْهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) مثلا.
مسئلة

(إِذا أخبر) مخبر خَبرا عَن محسوس على مَا صرح بِهِ الْآمِدِيّ (بِحَضْرَة خلق كثير وَعلم علمهمْ بكذبه لَو كذب وَلم يكذبوه وَلَا حَامِل على السُّكُوت) أَي وَلَيْسَ هُنَاكَ باعث على السُّكُوت وَعدم التَّكْذِيب من خوف وَغَيره فَقَوله: علم حَال عَن فَاعل أخبر بِتَقْدِير قد ومتعلق الْعلم الأول مَضْمُون الشّرطِيَّة فِي الْحَقِيقَة إِذْ لَيْسَ المُرَاد تحقق علمهمْ بكذبه وَتعلق علم السَّامع لعلمهم فمتعلق الْعلم الأول علمهمْ بكذبه على تَقْدِير كذبه، فجواب لَو مَحْذُوف اكْتِفَاء بِمَا يفِيدهُ: أَعنِي علمهمْ بكذبه فَقيل لَا يلْزم عَن سكوتهم تَصْدِيقه لجَوَاز أَن يسكتوا عَن تَكْذِيبه لَا لشَيْء، وَالْمُخْتَار مَا أَفَادَهُ بقوله (قَطعنَا بصدقه بِالْعَادَةِ) لِأَنَّهُ مَعَ اخْتِلَاف أمزجتهم ودواعيهم وعلمهم بالواقعة بِحَيْثُ لَو كذب علمُوا كذبه خُصُوصا مَعَ علمهمْ بِأَنَّهُم إِذا علمُوا كذبه فقرروه عَلَيْهِ لربما كَانَ علمهمْ
(3/80)

بكذبه، وتقريرهم إِيَّاه على الْكَذِب يمْتَنع السُّكُوت عَادَة، وَذهب ابْن السَّمْعَانِيّ إِلَى اشْتِرَاط تمادي الزَّمن الطَّوِيل فِي ذَلِك.

مسئلة
(التَّعَبُّد بِخَبَر الْوَاحِد الْعدْل) وَهُوَ أَن يُوجب الشَّارِع الْعَمَل بِمُقْتَضَاهُ على الْمُكَلّفين (جَائِز عقلا خلافًا لشذوذ) وهم الجبائي فِي جمَاعَة من الْمُتَكَلِّمين (لنا الْقطع بِأَنَّهُ) أَي التَّعَبُّد بِهِ (لَا يسْتَلْزم محالا فَكَانَ) التَّعَبُّد بِهِ (جَائِزا) إِذْ لَا نعني بِالْجَوَازِ إِلَّا هَذَا وَلَا يمْنَع احْتِمَال الْكَذِب إِذْ الصدْق رَاجِح لعدالته إِذْ لَو لم يتعبد بالرجحان ويلتزم عدم الِاحْتِمَال لامتنع الْعَمَل بِشَهَادَة الشَّاهِدين، وَقَول الْمُفْتِي للعامي لتحَقّق الِاحْتِمَال فيهمَا، وَاللَّازِم مُنْتَفٍ إِجْمَاعًا (قَالُوا) التَّعَبُّد إِن لم يكن مُمْتَنعا لذاته فممتنع لغيره، لِأَنَّهُ (يُؤَدِّي إِلَى تَحْرِيم الْحَلَال وَقَلبه) أَي تَحْلِيل الْحَرَام، يَعْنِي لَو لزم علينا التَّعَبُّد بِخَبَر الْوَاحِد، وَمن الْجَائِز أَن يكون ذَلِك الْوَاحِد مخطئا فِيمَا أخبر بِهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لجَوَاز خطئه) بِأَن أخبر بِحرْمَة فعل مثلا، وَفِي نفس الْأَمر هُوَ حَلَال أَو عَكسه (و) يُؤَدِّي إِلَى (اجْتِمَاع النقيضين) فِيمَا إِذا روى وَاحِد خَبرا يدل على الْحُرْمَة أَو تَسَاويا فِي الرُّتْبَة وَلم يكن هُنَاكَ رُجْحَان لأَحَدهمَا فَوَجَبَ الْعَمَل بهما، لِأَن الْمَفْرُوض وجوب التَّعَبُّد بِخَبَر الْوَاحِد كالعدل وكل مِنْهُمَا خبر الْوَاحِد الْعدْل، وَالْجمع بَينهمَا محَال (فَيَنْتَفِي الحكم) وَهُوَ التَّعَبُّد بِهِ (قُلْنَا الأول) أَي تأديته إِلَى تَحْرِيم الْحَلَال وَقَلبه (مُنْتَفٍ على إِصَابَة كل مُجْتَهد) أَي بِنَاء على رَأْي المصوبة، إِذْ الْحل وَالْحُرْمَة عِنْدهم تابعان لظن الْمُجْتَهد، وَمَعَ قطع النّظر عَن ظَنّه لَا حل وَلَا حُرْمَة (وعَلى اتحاده) أَي كَون الْمُصِيب وَاحِدًا (إِنَّمَا يلْزم) كَون التَّعَبُّد مُؤديا إِلَى ذَلِك (لَو قَطعنَا بِمُوجبِه) أَي خبر الْوَاحِد فَإِنَّهُ يلْزم حِينَئِذٍ كَونه مطابقا لما فِي نفس الْأَمر، وعَلى تَقْدِير الْخَطَأ يكون الْوَاقِع فِي نفس الْأَمر نقيضه، والمحظور التَّحْرِيم قطعا للْحَلَال بِحَسب نفس الْأَمر: أَي فِي حكم الله، لَا التَّحْرِيم ظنا بِحَسب مَا أدّى إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد لما هُوَ حَلَال فِي نفس الْأَمر، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لَكنا) لَا نقطع، بل (نظنه، وَهُوَ) أَي ظَنّه (مَا) أَي الَّذِي (كلف) الْمُجْتَهد بِهِ: أَي بِالْعَمَلِ بِمُوجبِه (ونجوز خِلَافه) أَي خلاف ذَلِك المظنون ونقول: إِذا وَافق مظنونه مَا هُوَ حكم الله فِي نفس الْأَمر فمصيب والا فمخطئ (ونجزم بِأَن الثَّابِت فِي المتعارضين أحد الْحكمَيْنِ) وَهَذَا جَوَاب عَن الِاسْتِدْلَال الثَّانِي (فَإِن ظنناه) أَي ذَلِك الْأَخْذ بمرجح (سقط الآخر، وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يظنّ أَحدهمَا (فالتكليف) حِينَئِذٍ (بِالْوَقْفِ) أَي بالتوقف
(3/81)

عَن الْعَمَل بِشَيْء مِنْهُمَا إِلَى أَن يظْهر رُجْحَان أَحدهمَا فَيعْمل بِهِ كَمَا ذهب إِلَيْهِ القَاضِي أَبُو بكر وليخبر الْمُجْتَهد بِالْعَمَلِ بِأَيِّهِمَا شَاءَ، فَإِذا عمل بِأَحَدِهِمَا سقط الآخر، وَإِلَيْهِ ذهب الشَّافِعِي (وَلَا يخفى أَن الأول) أَي قَوْلهم التَّعَبُّد بِهِ مُمْتَنع لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى تَحْرِيم الْحَلَال وَقَلبه (لَيْسَ عقليا، بل مِمَّا أَخذه الْعقل من الشَّرْع، فالمطابق) أَي فالاستدلال المطابق للْمُدَّعِي الِاسْتِدْلَال (الثَّانِي) وَهُوَ لُزُوم اجْتِمَاع النقيضين: وَهَذَا تَعْرِيض بِمَا فِي الشَّرْح العضدي. وَزعم الشَّارِح أَن كلا الدَّلِيلَيْنِ يحْتَاج فِي تَقْرِيره إِلَى فرض مخبرين بالنقيضين، وَلم يدر أَنه حِينَئِذٍ لَا يبْقى لقَوْله لجَوَاز خطئه معنى، وَيرد عَلَيْهِ مفاسد أخر (وَمَا) نقل (عَنْهُم) أَي الْمُخَالفين (من قَوْلهم لَو جَازَ) التَّعَبُّد بِهِ (جَازَ) التَّعَبُّد فِي العقائد (وَنقل الْقُرْآن وادعاه النُّبُوَّة بِلَا معجز) وَمعنى التَّعَبُّد فِي الْأَخيرينِ أَن يعْتَقد أَن الْقُرْآن والنبوة من غير احْتِيَاج إِلَى تَوَاتر وَإِظْهَار معْجزَة، وَاللَّازِم بَاطِل اتِّفَاقًا، وَخبر الْمُبْتَدَأ وَهُوَ الْمَوْصُول (سَاقِط لِأَن الْكَلَام فِي التجويز الْعقلِيّ فنمنع بطلَان التَّالِي) ونقول: بل يجوز التَّعَبُّد بِهِ فِي هَذِه الْمَذْكُورَات أَيْضا (غير أَن التَّكْلِيف وَقع بِعَدَمِ الِاكْتِفَاء) بِخَبَر الْوَاحِد (فِيهَا) قَالَ تَعَالَى - {وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم} - خص بِمَا عدا الْفُرُوع للأدلة الدَّالَّة على أَن الظَّن كَاف فِيهَا، وَهُوَ حَاصِل بِخَبَر الْعدْل الْوَاحِد.

مسئلة
(الْعَمَل بِخَبَر الْعدْل وَاجِب فِي العمليات) وَمنعه الروافض وشذوذ، مِنْهُم ابْن دَاوُد (لنا تَوَاتر) الْعَمَل بِهِ (عَن الصَّحَابَة فِي) آحَاد (وقائع خرجت عَن الإحصاء للمستقرين يُفِيد مجموعها) أَي آحَاد الوقائع (إِجْمَاعهم) أَي الصَّحَابَة (قولا) بِأَن قَالَ كل مِنْهُم يجب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد الْعدْل (أَو كالقول على إِيجَاب الْعَمَل عَنْهَا) أَي أَخْبَار الْآحَاد بِأَن لم يقل كل وَاحِد صَرِيحًا، لَكِن علم ذَلِك من كَلَامهم (فَبَطل إِلْزَام الدّور) بِأَن يُقَال: إِثْبَات وجوب الْعَمَل بِهِ بِخَبَر الْوَاحِد مَوْقُوف على وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد (و) إِلْزَام (مُخَالفَة - وَلَا تقف) مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم - بِخَبَر الْوَاحِد لأَنا إِنَّمَا أَثْبَتْنَاهُ بالتواتر لَا بِخَبَر الْوَاحِد وَهُوَ يُفِيد الْعلم، (و) إِلْزَام (كَون الْمُسْتَفَاد) من هَذِه الوقائع (الْجَوَاز) أَي جَوَاز الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد، والنزاع إِنَّمَا هُوَ فِي الْوُجُوب، لِأَن إيجابهم الْأَحْكَام بهَا يدل على وجوب الْعَمَل (على أَنه لَا قَائِل بِهِ) أَي بِالْجَوَازِ (دون وجوب وَمن مشهورها) أَي أَعمال الصَّحَابَة بأخبار الْآحَاد (عمل أبي بكر بِخَبَر الْمُغيرَة) بن شُعْبَة (وَمُحَمّد بن مسلمة فِي تَوْرِيث الْجدّة) السُّدس عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا أخرجه مَالك وَأحمد وَأَصْحَاب السّنَن. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حسن صَحِيح وَصَححهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم (و) عمل (عمر بِخَبَر عبد الرَّحْمَن
(3/82)

ابْن عَوْف فِي الْمَجُوس) وَهُوَ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَخذ الْجِزْيَة من مجوس هجر كَمَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ (وبخبر حمل) بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْمِيم المفتوحتين (ابْن مَالك فِي إِيجَاب الْغرَّة فِي الْجَنِين) قَالَ كنت بَين امْرَأتَيْنِ فَضربت إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى فقتلتها وجنينها، فَقضى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي جَنِينهَا بالغرة عبد أَو أمة وَأَن تقتل بهَا كَمَا أخرجه أَصْحَاب السّنَن وَابْن حبَان وَالْحَاكِم (وبخبر الضَّحَّاك) بن سُفْيَان (فِي مِيرَاث الزَّوْجَة من دِيَة الزَّوْج) حَيْثُ قَالَ: كتب إِلَيّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن أورث امْرَأَة أَشْيَم الضباني من دِيَة زَوجهَا. أخرجه أَحْمد وَأَصْحَاب السّنَن (وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حسن صَحِيح، وبخبر عَمْرو بن خرم فِي دِيَة الْأَصَابِع) عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ: قضى عمر فِي الْإِبْهَام بِثَلَاث عشر، وَفِي الْخِنْصر بست حَتَّى وجد كتابا عِنْد آل عَمْرو بن خرم يذكرُونَ أَنه من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيهِ وَفِيمَا هُنَالك من الْأَصَابِع عشر، ثمَّ قَالَ الشَّارِح: هَذَا حَدِيث حسن أخرجه الشَّافِعِي وَالنَّسَائِيّ. وَقَالَ يَعْقُوب بن سُفْيَان: لَا أعلم فِي جَمِيع الْكتب كتابا أصح من كتاب عَمْرو بن خرم كَانَ أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يرجعُونَ إِلَيْهِ وَيدعونَ آراءهم (و) عمل (عُثْمَان وَعلي بِخَبَر فريعة) بنت مَالك بن سِنَان أُخْت أبي سعيد الْخُدْرِيّ (أَن عدَّة الْوَفَاة فِي منزل الزَّوْج). قَالَ الشَّارِح: هُوَ كَذَلِك بِالنِّسْبَةِ إِلَى عُثْمَان كَمَا رَوَاهُ مَالك وَأَصْحَاب السّنَن. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حسن صَحِيح، وَصَححهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم، وَأما بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَليّ فَالله أعلم بِهِ انْتهى. والمثبت عِنْده مَا لَيْسَ عِنْد النَّافِي (وَمَا لَا يُحْصى كَثْرَة) أَي لأجل الْكَثْرَة (من الْآحَاد الَّتِي يلْزمهَا الْعلم بإجماعهم) أَي الصَّحَابَة (على عَمَلهم بهَا) أَي بأخبار الْآحَاد (لَا بغَيْرهَا) من الْقيَاس وَغَيره مِمَّا عدا النَّص وَالْإِجْمَاع (وَلَا بخصوصيات فِيهَا) أَي فِي أَخْبَار الْآحَاد ناشئة من خُصُوص الرَّاوِي أَو الْمَرْوِيّ (سوى حُصُول الظَّن فعلمناه) أَي حُصُول الظَّن (المناط عِنْدهم) أَي الصَّحَابَة (مَعَ ثُبُوت إِجْمَاعهم بالاستقلال) أَي بطرِيق الِاسْتِقْلَال من غير أَن يُوجد من الوقائع ضمنا بانعقاد إِجْمَاعهم صَرِيحًا (على خبر أبي بكر رَضِي الله عَنهُ: الْأَئِمَّة من قُرَيْش). قَالَ الشَّارِح: مَعْنَاهُ مَوْجُود فِي كتب الحَدِيث لَا بِهَذَا اللَّفْظ (وَنحن معاشر الْأَنْبِيَاء لَا نورث). قَالَ الشَّارِح: الْمَحْفُوظ " أَنا " كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ (والأنبياء يدفنون حَيْثُ يموتون). قَالَ الشَّارِح: رَوَاهُ بِمَعْنَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي الْوَفَاء (وَإِنَّمَا) كَانَ الصَّحَابَة (يتوقفون عِنْد رِيبَة توجب انْتِفَاء الظَّن) بِخَبَر الْوَاحِد (كإنكار عمر خبر فَاطِمَة بنت قيس فِي نفي نَفَقَة المبانة) أَي نَفَقَة عدَّة الْمُطلقَة طَلَاقا بَائِنا (و) إِنْكَار (عَائِشَة خبر ابْن عمر فِي تَعْذِيب الْمَيِّت ببكاء الْحَيّ) كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ (وَأَيْضًا تَوَاتر عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إرْسَال الْآحَاد إِلَى النواحي لتبليغ الْأَحْكَام) مِنْهُم معَاذ. روى الْجَمَاعَة عَن ابْن عَبَّاس
(3/83)

أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما بعث معَاذ بن جبل إِلَى الْيمن قَالَ: إِنَّك تَأتي قوما من أهل الْكتاب فادعهم إِلَى شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، فَإِن هم أطاعوك لذَلِك فأعلمهم أَن الله قد افْترض عَلَيْهِم خمس صلوَات فِي كل يَوْم وَلَيْلَة: الحَدِيث إِلَى غير ذَلِك مِمَّا لَا يُحْصى، وَلَو لم يجب قبُول خبر لَهُم لم يكن لإرسالهم معنى (والاعتراض) على الِاسْتِدْلَال بإرسال الْآحَاد (بِأَن النزاع إِنَّمَا هُوَ فِي وجوب عمل الْمُجْتَهد) بِخَبَر الْوَاحِد، لَا فِي وجوب عمل بِخَبَر الْمُجْتَهد (سَاقِط لِأَن إرْسَال النَّبِي) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لتبليغ الْأَحْكَام (إِذا أَفَادَ وجوب عمل الْمبلغ بِمَا بلغه الْوَاحِد) كَمَا أجمع عَلَيْهِ (كَانَ) إرْسَاله (دَلِيلا فِي مَحل النزاع) وَهُوَ وجوب عمل الْمُجْتَهد بِخَبَر الْوَاحِد وَغَيره: أَي غير مَحل النزاع، وَهُوَ وجوب الْعَمَل على الْمبلغ الَّذِي لَيْسَ بمجتهد، وَيلْزم مِنْهُ وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد الَّذِي لَيْسَ برَسُول إِذْ الْمَذْكُور الْعَدَالَة والإخبار عَن الرَّسُول (وَاسْتدلَّ) على الْمُخْتَار لنا (بقوله تَعَالَى فلولا نفر الْآيَة) أَي - {من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة ليتفقهوا فِي الدّين ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم لَعَلَّهُم يحذرون} -: لِأَن الطَّائِفَة تصدق على الْوَاحِد، وَقد جعل منذرا يجب الحذر بإخباره، وَلَوْلَا وجوب قبُول خَبره لما كَانَ كَذَلِك (واستبعد) الِاسْتِدْلَال بهَا (بِأَنَّهُ) أَي التحضيض على النَّفر إِلَى التفقه والإنذار والحذر المتضمن وجوب قبُول خبر كل طَائِفَة من النافرين لإفتائهم: أَي لَا مُجَرّد إخبارهم بِقَرِينَة الْأَمر بالتفقه، فَإِن الْإِفْتَاء هُوَ المتوقف على التفقه لَا مُجَرّد الْإِخْبَار (وَيدْفَع) هَذَا الاستبعاد (بِأَنَّهُ) أَي الْإِنْذَار (أَعم مِنْهُ) أَي الْإِفْتَاء (وَمن أخبارهم) بِمَا يُوجب الْخَوْف والخشية من كَلَام رب الْعِزَّة وَكَلَام رَسُوله، وَمَا استنبط مِنْهُمَا وَلَا ينْحَصر الْإِنْذَار فِي الْإِفْتَاء، بل رب واعظ فِي كَلَامه من الخشية مَا لَا يحصل غَيره بالإفتاء، والتفقه فِي اللُّغَة لَا يسْتَلْزم الْإِفْتَاء (وَأما إِن الَّذين يكتمون) مَا أنزلنَا من الْبَينَات وَالْهدى من بعد مَا بَيناهُ للنَّاس فِي الْكتاب أُولَئِكَ يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون وَأَمْثَاله (فَغير مُسْتَلْزم) وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد بِنَاء على أَنه لَو لم يجب الْعَمَل بِخَبَرِهِ وَبَيَانه لما كَانَ ملعونا بِالْكِتْمَانِ إِذْ لَا فَائِدَة حِينَئِذٍ فِي إِظْهَاره حَيْثُ لم يلْزم عَلَيْهِم اتِّبَاعه (لجَوَاز نهيهم عَن الكتمان ليحصل التَّوَاتُر بأخبارهم) يَعْنِي لَيْسَ النَّهْي عَن الكتمان لاستلزامه فَوَات وجوب الْعَمَل بِخَبَر كل وَاحِد مِنْهُم بل الْمَقْصُود من النَّهْي عَنهُ أَن يخبر كل وَاحِد فَيحصل بِمَجْمُوع إخبارهم التَّوَاتُر الْمُوجب للْعلم مِنْهُم (و) الِاسْتِدْلَال بقوله تَعَالَى {إِن جَاءَكُم فَاسق} الْآيَة أَي بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا من حَيْثُ أَنه أَمر بالتثبت فِي الْفَاسِق فَدلَّ على أَن الْعدْل بِخِلَافِهِ يقبل قَوْله بِلَا تفحص، وَتبين اسْتِدْلَال (بِمَفْهُوم مُخْتَلف فِيهِ) وَهُوَ مَفْهُوم الْمُخَالفَة وَهُوَ مَفْهُوم الصّفة، فالاستدلال بِهِ ضَعِيف (وَلَو صَحَّ) الِاسْتِدْلَال بِهِ كَمَا روى الشَّافِعِي وَغَيره وَمُسلم أَن الْآيَة تدل على أَن حكم الْعدْل بِخِلَاف الْفَاسِق
(3/84)

فَيجب قبُول خَبره (كَانَ) النَّص الْمَذْكُور (ظَاهرا) فِي الْمَطْلُوب لَا نصا (وَلَا يثبتون بِهِ) أَي الأصوليون بِالظَّاهِرِ (أصلا دينيا وَإِن كَانَ) ذَلِك الأَصْل (وَسِيلَة عمل) أَي حكم عمل لَا عقيدة من العقائد الدِّينِيَّة، وَذَلِكَ لما قرر فِي مَحَله (قَالُوا) أَي المخالفون (توقف صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) لما انْصَرف من اثْنَيْنِ فِي إِحْدَى صَلَاتي الْعشَاء على مَا ذكره الشَّارِح (فِي خبر ذِي الْيَدَيْنِ) حَيْثُ قَالَ: أقصرت الصَّلَاة أم نسيت يَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ فَقَالَ أصدق ذُو الْيَدَيْنِ (حَتَّى أخبرهُ غَيره) بِأَن قَالَ نعم، فَقَامَ فصلى اثْنَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ مُتَّفق عَلَيْهِ (قُلْنَا) توقفه (للريبة) فِي خَبره (إِذْ لم يشاركوه) ابْتِدَاء (مَعَ استوائهم فِي السَّبَب) وَهُوَ الِاطِّلَاع على حَال الإِمَام، فانفراده بِهَذَا القَوْل فِي هَذَا الْحَال وظنه لسَهْوه (ثمَّ) وَقفه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي خَبره (لَيْسَ دَلِيلا على نفي) كَون (خبر الْوَاحِد) مُوجبا للْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد مُطلقًا: إِذْ الْخَبَر الَّذِي لم تبلغ رُوَاته حد التَّوَاتُر يُقَال لَهُ خبر الْوَاحِد اصْطِلَاحا: وَغَايَة مَا يلْزم هَهُنَا أَن الشَّخْص الْوَاحِد لَا يَكْفِي بِوُجُوب الْعَمَل، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (بل هُوَ) أَي التَّوَقُّف الْمَذْكُور دَلِيل (لموجب الِاثْنَيْنِ) أَي يَقُول بِوُجُوب اثْنَيْنِ (فِيهِ) أَي فِي الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد كَمَا عَن أبي عَليّ الجبائي لما فِي رِوَايَة من طَرِيق أَحْمد ثمَّ أقبل على أبي بكر وَعمر وَقَالَ: مَاذَا يَقُول ذُو الْيَدَيْنِ؟ قَالَا صدق يَا رَسُول الله، فَرجع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وثاب النَّاس فصلى بهم رَكْعَتَيْنِ ثمَّ سلم فَسجدَ سَجْدَتي السَّهْو، وَتعين أَن يكون هَذَا قبل تَحْرِيم الْكَلَام فِي الصَّلَاة فَتَأمل (وَإِلَّا) أَي لم يكن كَذَلِك وَجعل دَلِيلا على نَفْيه (فمعهما) أَي الِاثْنَيْنِ (لَا يخرج) الْخَبَر لذى رَوَاهُ الْوَاحِد (عَن) مَفْهُوم (خبر الْوَاحِد، وَكَونه) أَي خبر ذِي الْيَدَيْنِ (لَيْسَ فِي مَحل النزاع) لِأَنَّهُ فِي وجوب عمل الْمُجْتَهد بِخَبَر الْوَاحِد عَن الرَّسُول (لَا يضر: إِذْ يستلزمه) أَي خَبره مَحل النزاع، لِأَنَّهُ خبر وَاحِد عدل عَن فعله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نقل إِلَى سيد الْمُجْتَهد فَلم يعْمل بِهِ غير أَنه اتّفق أَن الْمَنْقُول عَنهُ هُوَ الْمَنْقُول إِلَيْهِ وَذَلِكَ لَا أثر لَهُ، كَذَا ذكر الشَّارِح.
وَأَنت خَبِير بِأَن مَحل النزاع وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد على الْمُجْتَهد وَغَيره، وَأَن الْمخبر بِهِ فِيهِ حكم من الْأَحْكَام العملية، والمخبر بِهِ فِي خبر ذِي الْيَدَيْنِ عدم إتْمَام الصَّلَاة وَالْوَجْه أَن يُقَال: سلمنَا أَنه لَيْسَ فِي مَحل النزاع، لَكِن مورده يُشَارك مَحل النزاع فِي وجوب قبُول قَوْله لِأَن علته الْعَدَالَة مَعَ كَون الْمخبر بِهِ من الْأُمُور الدِّينِيَّة وَالله أعلم (قَالُوا: قَالَ الله تَعَالَى وَلَا تقف) الْآيَة: أَي مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم فَنهى عَن اتِّبَاع الظَّن، وَأَنه يُنَافِي الْوُجُوب، وَخبر الْوَاحِد لَا يُفِيد إِلَّا الظَّن (وَالْجَوَاب) أَن وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد الْمُفِيد للظن لَيْسَ بِهِ من حَيْثُ إفادته الظَّن فَقَط، بل (بِمَا ظهر) وَتبين غير مرّة (من أَنه) يجب الْعَمَل
(3/85)

(بِمُقْتَضى الْقَاطِع) وَهُوَ الْإِجْمَاع على وجوب الْعَمَل بِالظَّنِّ، فَهُوَ اتِّبَاع للْعلم الْحَاصِل بِالْإِجْمَاع (وَمِنْهُم من أثْبته) أَي وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد (بِالْعقلِ أَيْضا كَأبي الْحُسَيْن والقفال وَأحمد وَغَيرهم) كَابْن سُرَيج فِي جمَاعَة. (قَالَ أَبُو الْحُسَيْن: الْعَمَل بِالظَّنِّ فِي تفاصيل مَعْلُوم الأَصْل وَاجِب) عقلا: يَعْنِي إِذا علم وجوب أَمر كلي يتَحَقَّق فِي ضمن جزئيات كَثِيرَة هِيَ تفاصيله ثمَّ ظن تحَققه فِي ضمن بَعْضهَا أوجب الْعقل الْعَمَل بِمُوجب ذَلِك الظَّن احْتِرَازًا عَن الْوُقُوع فِي مُخَالفَة ذَلِك الْوَاجِب الْكُلِّي الْمَعْلُوم الَّذِي هُوَ أصل تِلْكَ التفاصيل (كإخبار وَاحِد بمضرة طَعَام) مَسْمُوم مثلا (وَسُقُوط حَائِط يُوجب الْعقل الْعَمَل بِمُقْتَضَاهُ) أَي الْأَخْبَار الْمَذْكُورَة (للْأَصْل الْمَعْلُوم من وجوب الاحتراس) عَن المضار (فَكَذَا خبر الْوَاحِد) يجب الْعَمَل بِهِ (للْعلم بِأَن الْبعْثَة للْمصَالح وَدفع المضار) ومضمون الْخَبَر لَا يخرج عَنْهُمَا (وَأجِيب بِأَنَّهُ) أَي هَذَا الدَّلِيل (بِنَاء على التحسين) الْعقلِيّ، وَقد أبطل، وَاقْتصر على التحسين لِأَن الْكَلَام فِي الْإِيجَاب سلمناه) أَي القَوْل بالتحسين (لكنه) أَي الْعَمَل بِالظَّنِّ فِي تفاصيل مَقْطُوع الأَصْل (أولى عقلا) للِاحْتِيَاط (لَا وَاجِب) وَيرد عَلَيْهِ أَن من يتتبع الْفُرُوع وجد فِي كثير من الْمسَائِل جعل الْفُقَهَاء الِاحْتِيَاط منَاط الْوُجُوب فَتَأمل (سلمناه) أَي أَن الْعَمَل بِهِ وَاجِب (لَكِن فِي العقليات لَا فِي الشرعيات) وَقد يُقَال: أَن قَوْله بِنَاء على التحسين دلّ على أَنه حل الْوُجُوب على الشَّرْعِيّ لِأَنَّهُ الَّذِي لَا يثبت عِنْد غير الْمُعْتَزلَة بالتحسين فَلَا يتَّجه هَذَا الدّفع بعد تَسْلِيم التحسين الْعقلِيّ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُرَاد بالشرعيات السمعيات الْمَحْضَة الَّتِي لَيست معقولة الْمَعْنى، وبالعقليات مَا هُوَ مَعْقُول الْمَعْنى: يَعْنِي أَن كَانَ مَضْمُون خبر الْوَاحِد مَعْقُول الْمَعْنى يجب الْعَمَل بِهِ، وَإِلَّا فَلَا (سلمناه) أَي أَن الْعَمَل بِهِ وَاجِب أَيْضا فِي الشرعيات (لكنه) أَي قِيَاس الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد بِالْعَمَلِ بِالظَّنِّ فِي التفاصيل الْمَذْكُورَة (قِيَاس تمثيلي يُفِيد الظَّن) على مَا عرف فِي كتب الْمِيزَان، وَالْكَلَام هُنَا فِي أصل ديني لَا يثبت إِلَّا بقطعي (قَالُوا) أَي الْبَاقُونَ من مثبتيه بِالْعقلِ أَولا خبر (يُمكن صدقه فَيجب الْعَمَل بِهِ احْتِيَاطًا فِي دفع الْمضرَّة قُلْنَا لم يذكرُوا أَصله) أَي الْقيَاس (فَإِن كَانَ) أَصله الْخَبَر (الْمُتَوَاتر فَلَا جَامع بَينهمَا) أَي الْمَقِيس والمقيس عَلَيْهِ (لِأَن الْوُجُوب فِيهِ) أَي الْمُتَوَاتر (للْعلم) أَي لإفادته الْعلم لَا للِاحْتِيَاط (وَإِن كَانَ) أَصله (الْفَتْوَى) من الْمُفْتى (فخاص) أَي فوجوب الْعَمَل خَاص (بمقلده) فِيمَا استفتى (وَمَا نَحن فِيهِ) من حكم خبر الْوَاحِد (عَام) فِي الْأَشْخَاص والأزمان (أَو خَاص بِغَيْر متعلقها) أَي الْفَتْوَى، فَإِن متعلقها الْمُقَلّد وَخبر الْوَاحِد خَاص بالمجتهد (فالمعدي غير حكم الأَصْل وَلَو سلم) عدم الْفرق وَصِحَّة الْقيَاس (فَقِيَاس كَالْأولِ) أَي تمثيلي يُفِيد الظَّن (قَالُوا) ثَانِيًا (لَو لم يجب) الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد (لخلت أَكثر الوقائع عَن الْأَحْكَام) لِأَن الْمُتَوَاتر
(3/86)

وَالْإِجْمَاع لَا يَفِي بِالْأَحْكَامِ، دلّ عَلَيْهِ الاستقراء، وخلوها يُنَافِي حِكْمَة الْبعْثَة (وَالْجَوَاب منع الْمُلَازمَة، بل الحكم فِي كل مَا لم يُوجد فِيهِ من الْأَدِلَّة) سوى الْخَبَر الْمَذْكُور (وجوب التَّوَقُّف فَلم تخل) أَكثر الوقائع عَمَّا سوى الْوَقْف من الْأَحْكَام (فَإِن كَانَ الْمَنْفِيّ غَيره) أَي غير وجوب الْوَقْف (منعنَا بطلَان التَّالِي) أَي لَا نسلم امْتنَاع خلو أَكثر الوقائع عَمَّا سوى الْوَقْف من الْأَحْكَام (وَإِذا لزم التَّوَقُّف ثبتَتْ الْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة فِيهِ) أَي فِي ذَلِك الشَّيْء الَّذِي لم يُوجد فِيهِ سوى خبر الْوَاحِد (على الْخلاف) فِيهَا وَقد سبق تَفْصِيله (وَلَا يخفى بعده) أَي بعد هَذَا الْجَواب (من) بِكَسْر الْمِيم (حض الشَّارِع) أَي حثه كل من سمع حكما شَرعه للْأمة (على نقل مقَالَته) وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
" نضر الله عبدا سمع مَقَالَتي فوعاها فأداها كَمَا سَمعهَا " وَلَا يخفى أَنه لم يقْصد بِهِ مَا لم يعلم بِهِ مَا يعم الْوَقْف لِأَن الْوَقْف حَاصِل بِدُونِ الْإِخْبَار كَمَا سيشير إِلَيْهِ (مَعَ علمه بِأَن الْمَنْقُول من سنته لَا يصل مِنْهَا إِلَى) حد (التَّوَاتُر شَيْء) على رَأْي من ادّعى عدم بُلُوغ شَيْء من السّنة حد التَّوَاتُر أَو إِلَّا حَدِيثا وَاحِدًا أَو حديثين فَيلْزم على مَا قَالُوا أَن يكون حضه على ذَلِك الْأَمر لَا يحصل فَظن حُصُوله المستمر إِلَى آخر الْعُمر يلْزم أَن يكون خطأ: وَهُوَ لَا يقر على الْخَطَأ. قَالَ الشَّارِح: لَكِن فِي كَون الْمُتَوَاتر مَعْدُوما أَو مَقْصُورا على حَدِيث أَو حديثين تَأمل، فَذكر كلَاما طَويلا لَا طائل تَحْتَهُ. ثمَّ عطف على قَوْله بعده (أَو الأخيران) أَي لُزُوم التَّوَقُّف وَالْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة: أَي لَا يخفى مَا فيهمَا على تَقْدِير عدم وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد (فَإِن عدم النَّقْل يَكْفِي فِي الْوَقْف) عَن الحكم بِشَيْء خَاص (و) فِي (ثُبُوت) الْإِبَاحَة (الْأَصْلِيَّة) فَلَا يبْقى حَاجَة إِلَى خبر الْوَاحِد (بل الْجَواب أَنه) أَي الدَّلِيل الْمَذْكُور (من قبيل) الدَّلِيل (النقلي الصَّحِيح لَا عَقْلِي) على مَا زَعَمُوا (وَلمن شَرط الْمثنى) فِي قبُول أَخْبَار الْآحَاد (أَنه) أَي الْخَبَر (بِهِ) أَي باشتراطه (أولى من الشَّهَادَة لاقْتِضَائه) أَي الْخَبَر (شرعا عَاما بِخِلَافِهَا) أَي الشَّهَادَة فَإِنَّهَا تَقْتَضِي أمرا خَاصّا (قُلْنَا الْفرق) بَينهمَا (وجود مَا لَيْسَ فِي الرِّوَايَة من الْحَوَامِل) عَلَيْهَا من عَدَاوَة وصداقة وجلب نفع وَدفع ضَرَر إِلَى غير ذَلِك كَمَا هُوَ الْمشَاهد بَين النَّاس مِمَّا لَا يُحْصى (أَو) اشْتِرَاط الْمثنى فِي الشَّهَادَة (بِخِلَاف الْقيَاس، وَلذَا) أَي وجود الْحَوَامِل فِي الشَّهَادَة دون الرِّوَايَة (اشْترط لفظ اشْهَدْ مَعَ ظُهُور انحطاطها) أَي الرِّوَايَة عَن الشَّهَادَة. قَوْله مَعَ مُتَعَلق بقوله وجود مَا لَيْسَ: يَعْنِي أَن الْفرق من جِهَتَيْنِ وجود الْحَامِل وَظُهُور الانحطاط (اتِّفَاقًا بِعَدَمِ اشْتِرَاط الْبَصَر و) عدم اشْتِرَاط (الْحُرِّيَّة وَعدم الولاد) فِي الرِّوَايَة واشتراطها فِي الشَّهَادَة على خلاف فِي بَعْضهَا فَلَو أخبر أعمى أَبَاهُ الْمُجْتَهد بِأَمْر ديني ولَايَته مَنْفَعَة فِي ذَلِك صَحَّ رِوَايَته وَوَجَب عَلَيْهِ الْعَمَل بِهِ (قَالُوا) أَي الْقَائِلُونَ خبر الْوَاحِد لَا يجب الْعَمَل بِهِ (رد عمر خبر أبي مُوسَى فِي الاسْتِئْذَان حَتَّى رَوَاهُ الْخُدْرِيّ) فِي الصَّحِيحَيْنِ
(3/87)

أَن أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ اسْتَأْذن على عمر بن الْخطاب ثَلَاثًا فَلم يُؤذن لَهُ فَرجع فَفَزعَ عمر فَقَالَ: ألم أسمع صَوت عبد الله بن قيس ائذنوا لَهُ فَقَالُوا رَجَعَ فَدَعَاهُ فَقَالَ: مَا هَذَا فَقَالَ كُنَّا نؤمر بذلك فَقَالَ: لتَأْتِيني على هَذَا بَيِّنَة فَانْطَلق إِلَى مجْلِس الْأَنْصَار فَسَأَلَهُمْ فَقَالُوا لَا يشْهد لَك على ذَلِك إِلَّا أصغرنا فَانْطَلق أَبُو سعيد فَشهد لَهُ فَقَالَ عمر لمن حوله خَفِي عَليّ هَذَا من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ألهاني الصفق بالأسواق (قُلْنَا لريبة فِي خصوصه) أَي خُصُوص خبر أبي مُوسَى. قَالَ الْخَطِيب لم يتهم عمر أَبَا مُوسَى وَإِنَّمَا كَانَ يشدد فِي الحَدِيث حفظا للرواية عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لَا) فِي (عُمُومه) أَي خبر الْوَاحِد (وَلذَا) أَي لكَون توقفهم فِي الْبَعْض لريبة فِي خصوصه لَا بِكَوْنِهِ خبر وَاحِد (عمِلُوا) أَي الصَّحَابَة كلهم (بِحَدِيث عَائِشَة) رَضِي الله عَنْهَا (فِي التقاء الختانين) كَمَا فِي حَدِيث أبي مُوسَى فِي صَحِيح مُسلم.

مسئلة
خبر (الْوَاحِد فِي الْحَد مَقْبُول: وَهُوَ قَول أبي يُوسُف والجصاص خلافًا للكرخي والبصري) أبي عبد الله (وَأكْثر الْحَنَفِيَّة لنا عدل ضَابِط جازم فِي) حكم (عَمَلي) مَبْنِيّ على الظَّن (فَيقبل كَغَيْرِهِ) أَي كَمَا فِي غير الْحَد من العمليات (قَالُوا تحقق الْفرق) بَينه وَبَين غَيره من العمليات (بقوله) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (ادرءوا) أَي ادفعوا (الْحُدُود بِالشُّبُهَاتِ) أخرجه أَبُو حنيفَة (وَفِيه) أَي فِي خبر الْوَاحِد (شُبْهَة) وَهِي احْتِمَال الْكَذِب فَلَا يُقَام الْحَد بِخَبَرِهِ (قُلْنَا المُرَاد) بِالشُّبْهَةِ الَّتِي تدرأ الْحُدُود مَا كَانَت (فِي نفس السَّبَب لَا) فِي (الْمُثبت) للْحكم الْمُسَبّب (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن كَذَلِك بِأَن يُرَاد مَا فِي الْمُثبت وَغَيره أَو فِي الْمُثبت فَقَط (انْتَفَت الشَّهَادَة) إِذْ احْتِمَال الْكَذِب فِيهَا مَوْجُودَة (و) انْتَفَى (ظَاهر الْكتاب فِيهِ) أَي الِاسْتِدْلَال فِيهِ إِذْ احْتِمَال التَّخْصِيص والإضمار وَالْمجَاز قَائِم وَاللَّازِم بَاطِل (وإلزامه) أَي هَذَا القَوْل بِأَن يَنْبَغِي أَن يثبت الْحَد (بِالْقِيَاسِ) أَيْضا لِأَن وجوب الْعَمَل بِهِ ثَابت (مُلْتَزم عِنْد غير الْحَنَفِيَّة) وَعِنْدهم غير مُلْتَزم (وَالْفرق لَهُم) بَين خبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس فِي هَذَا (بِأَنَّهُ) أَي الْحَد ملزوم لكمية خَاصَّة لَا يدخلهَا الرَّأْي) بِخِلَاف خبر الْوَاحِد فَإِنَّهُ كَلَام صَاحب الشَّرْع وَإِلَيْهِ تعْيين الكميات وَغَيرهَا.
(تَقْسِيم للحنفية) لخَبر الْوَاحِد بِاعْتِبَار مَحل وُرُوده (مَحل وُرُود خبر الْوَاحِد مشروعات لَيست حدودا كالعبادات) من الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالزَّكَاة وَالْحج وَمَا هُوَ مُلْحق بهَا مِمَّا لَيْسَ عبَادَة مَقْصُودَة كالأضحية أَو معنى الْعِبَادَة فِيهِ تَابع كالعشر أَو لَيْسَ بخالص كصدقة الْفطر وَالْكَفَّارَات (والمعاملات وَهُوَ) أَي خبر الْوَاحِد الْمَشْرُوط فِيهِ الْعقل والضبط وَالْإِسْلَام وَالْعَدَالَة من غير اشْتِرَاط عدد فِي الرَّاوِي (حجَّة فِيهَا خلافًا لشارطي المثني لما تقدم من الْجَانِبَيْنِ) فِيمَا قبل هَذِه المسئلة الَّتِي فِي
(3/88)

ذيلها هَذَا التَّقْسِيم، لَكِن اشْترط فِي كَونه حجَّة عدم مُخَالفَة الْكتاب وَالسّنة الثَّابِتَة وَأَن لَا يكون شاذا وَلَا مِمَّا تعم بِهِ الْبلوى كَمَا سَيَأْتِي (وحدود) عطف على مشروعات إِلَى آخِره (وفيهَا) أَي فِي الْحُدُود (مَا تقدم) فِي هَذِه المسئلة من الْخلاف وَفِي قبُول الْوَاحِد فِيهَا بِشُرُوطِهِ الْمَاضِيَة (فَإِن كَانَ) مَحل وُرُود الْخَبَر (حقوقا للعباد فِيهَا إِلْزَام مَحْض كالبيوع والأملاك الْمُرْسلَة) أَي الَّتِي لم يذكر فِيهَا سَبَب الْملك من هبة وَغَيرهَا، والأشياء الْمُتَّصِلَة بالأموال كالآجال والديون (فشرطه) أَي هَذَا الْقسم (الْعدَد وَلَفظ الشَّهَادَة مَعَ مَا تقدم) من الْعقل وَالْبُلُوغ وَالْحريَّة وَالْإِسْلَام والضبط وَالْعَدَالَة وَالْبَصَر وَأَن لَا يجر بِشَهَادَتِهِ مغنما وَلَا يدْفع عَنْهَا مغرما، وَمَعَ الْمَذْكُورَة فِي وَاحِد من الْعدَد (احتيط لمحليته) أَي الْخَبَر بِهَذِهِ الْأُمُور (لدواع) إِلَى التزوير والحيل، وَهَذَا النَّوْع (لَيست فِيمَا عَن الشَّارِع) تقليلا لوُقُوع ذَلِك مِنْهَا (وَمِنْه) أَي هَذَا الْقسم (الْفطر) لانتفاع النَّاس فِيهِ، فَيشْتَرط فِي الشَّهَادَة بِهِلَال الْفطر الْعدَد وَلَفْظَة الشَّهَادَة مَعَ سَائِر شُرُوطهَا إِذا كَانَ بالسماء عِلّة، وَأورد مَا إِذا قبل الإِمَام شَهَادَة الْوَاحِد فِي هِلَال رَمَضَان وَأمر النَّاس بِالصَّوْمِ فكملوا الثَّلَاثِينَ وَلم يرَوا الْهلَال يفطرون فِي رِوَايَة ابْن سَمَّاعَة عَن مُحَمَّد رَحمَه الله إِذْ الْفَرْض لَا يكون أَكثر من الثَّلَاثِينَ فَإِن هَذَا فطر بِشَهَادَة الْوَاحِد وَأجِيب بِأَن الْفطر لم يثبت بِشَهَادَتِهِ، بل بالحكم فشهادته أفضت إِلَيْهِ كَشَهَادَة الْقَابِلَة على النّسَب أفضت إِلَى اسْتِحْقَاق الْمِيرَاث مَعَ أَنه لَا يثبت بِشَهَادَة الْقَابِلَة ابْتِدَاء: ذكره فِي الْمَبْسُوط. ثمَّ اسْتثْنى مِمَّا تضمن قَوْله مَعَ مَا تقدم من اشْتِرَاط الْإِسْلَام فِي هَذَا الْقسم قَوْله (إِلَّا أَن لم يكن الملزم بِهِ مُسلما فَلَا يشْتَرط الْإِسْلَام). ثمَّ اسْتثْنى من قَوْله الْعدَد، وَمِمَّا تقدم قَوْله (إِلَّا مَا لَا يطلع عَلَيْهِ الرِّجَال كالبكارة والولادة والعيوب فِي الْعَوْرَة فَلَا عدد) أَي فَلَا يشْتَرط فِيهِ الْعدَد (و) لَا (ذكورة، وَإِن) كَانَ مَحل الْخَبَر حقوقا للعباد (بِلَا إِلْزَام) للْغَيْر (كالإخبار بالولايات والوكالات والمضاربات وَالْإِذْن فِي التِّجَارَة والرسالات فِي الْهَدَايَا والشركات) والودائع والأمانات (فبلا شَرط) أَي فَيقبل الْوَاحِد فِي هَذِه الْأَشْيَاء بِلَا شَرط من الْمَذْكُورَات وَغَيرهَا إِلَّا الْعقل والتمييز كَمَا أَفَادَ بقوله (سوى التَّمْيِيز مَعَ تَصْدِيق الْقلب) فيستوي فِيهِ الذّكر وَالْأُنْثَى، وَالْحر وَالْعَبْد، وَالْمُسلم وَالْكَافِر، وَالْعدْل، وَغَيره والبالغ وَغَيره حَتَّى إِذا أخبر أحدهم غَيره بِأَن فلَانا وَكله، وَأَن مَوْلَاهُ أذن لَهُ وَوَقع فِي قلبه صدقه جَازَ أَن يتَصَرَّف بِمُوجبِه، ثمَّ اشْتِرَاط التَّحَرِّي ذكره شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ وفخر الْإِسْلَام فِي مَوضِع من كِتَابه وَلم يذكرهُ فِي مَوضِع، ثمَّ بَين دَلِيل عدم الِاشْتِرَاط بِمَا ذكر بقوله (للأجماع العملي) فَإِن الْأَسْوَاق من لدن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَائِمَة بعدول وفساق ذُكُور وأناب وأحرار وَغير أَحْرَار، مُسلمين وَغَيرهم، وَالنَّاس يشْتَرونَ من الْكل ويعتمدون خبر كل مُمَيّز
(3/89)

بذلك من غير نَكِير (وَكَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقبل خبر الْهَدِيَّة من الْبر والفاجر) كقبول هَدِيَّة الْيَهُودِيَّة الشَّاة المسمومة، وَمن العَبْد كقبول هَدِيَّة سلمَان إِلَى غير ذَلِك مِمَّا لَا يُحْصى، وَإِنَّمَا يقبل من الْكل (دفعا للْحَرج اللَّازِم من اشْتِرَاط الْعَدَالَة فِي الرَّسُول) إِذْ قَلما يُوجد الْمُسلم الْحر الْبَالِغ الْعدْل فِي الْأَوْقَات والأماكن ليَبْعَثهُ إِلَى وَكيله أَو غُلَامه فتتعطل الْمصَالح لَو شرطت (بِخِلَافِهِ) أَي اشْتِرَاطهَا (فِي الرِّوَايَة) فَإِنَّهُ لَا يُؤَدِّي إِلَى الْحَرج لِكَثْرَة الْعدْل فِي الْمُسلمين (وَإِن) كَانَ مَحل الْخَبَر حقوقا للعباد (فِيهَا) إِلْزَام للْغَيْر (لغير) من (وَجه) دون وَجه (كعزل الْوَكِيل) إِلْزَام من حَيْثُ إبِْطَال عمله فِي الْمُسْتَقْبل، وَلَيْسَ بإلزام من حَيْثُ أَن الْوَكِيل يتَصَرَّف فِي حَقه (وَحجر الْمَأْذُون) إِلْزَام للْعَبد بِاعْتِبَار خُرُوج تَصَرُّفَاته من الصِّحَّة إِلَى الْفساد بِالْحجرِ وَلَيْسَ بإلزام من أَن الْمولى يتَصَرَّف فِي حَقه (وَفسخ الشّركَة وَالْمُضَاربَة) إِلْزَام للشَّرِيك وَالْمُضَارب من حَيْثُ لُزُوم كفهما عَن التَّصَرُّف فِي الْمُسْتَقْبل، وَلَيْسَ إلزاما لكَون الفاسخ متصرفا فِي حق نَفسه (فالوكيل وَالرَّسُول فِيهَا) أَي فِي هَذِه الْحُقُوق بِأَن قَالَ الْمُوكل: وَكلتك بعزل فلَان أَو حجره أَو بِفَسْخ أَحدهمَا، أَو قَالَ الْمُرْسل: أرسلتك إِلَى فلَان لتبلغه عني أحد هَذِه الْمَذْكُورَات لَا بِأَن قَالَ الْمُوكل: وَكلتك بِأَن تخبر فلَانا بِالْعَزْلِ إِلَى آخِره كَمَا توهم الشَّارِح: إِذْ لَا معنى للتوكيل بالإخبار، وَلَيْسَ هَذَا غير الْإِرْسَال (كَمَا) أَي الْقسم الَّذِي (قبله) وَهُوَ مَا كَانَ مَحل الْخَبَر حقوقا بِلَا إِلْزَام، فِي أَنه لَا يشْتَرط فِي شَيْء مِنْهُمَا سوى التَّمْيِيز مَعَ صدق الْقلب (وَكَذَا الْفُضُولِيّ) إِذا تصرف فِي ملك الْغَيْر بإنشاء عقد، فَأخْبر ذَلِك الْغَيْر بذلك لَا يشْتَرط فِيهِ شَيْء سوى التَّمْيِيز والتصديق (عِنْدهمَا) أَي أبي يُوسُف وَمُحَمّد لكَونه من العاملات الَّتِي لَا الْتِزَام فِيهَا، فَلَا يتَوَقَّف على شُرُوط الشَّهَادَات دفعا للْحَرج (وَشرط) أَبُو حنيفَة (عَدَالَته أَو الْعدَد) بِأَن يكون الْفُضُولِيّ اثْنَيْنِ (لِأَنَّهُ) أَي هَذَا الْإِخْبَار عَن الْفُضُولِيّ (لإلزام الضَّرَر) من حَيْثُ التَّصَرُّف فِي ملك الْغَيْر (كالثاني) أَي الْقسم الثَّانِي، وَهُوَ مَا فِيهِ إِلْزَام مَحْض (ولولاية من) يتَوَصَّل الْفُضُولِيّ (عَنهُ فِي ذَلِك) التَّصَرُّف حَتَّى لَا ينفذ بِدُونِ إِجَازَته (كالثالث) وَهُوَ مَا لَا إِلْزَام فِيهِ (فتوسطنا) فِيهِ بالاكتفاء بِأحد شرطي الشَّهَادَة وَهُوَ الْعدَد أَو الْعَدَالَة إعمالا (للشبهين) وَالشَّارِح جعل قَوْله لإلزام الضَّرَر تعليلا لحكم عزل الْوَكِيل وَحجر الْمَأْذُون، وَقَوله ولولاية إِلَى آخِره تَعْلِيل للفضولي، وفساده ظَاهر وَقيل اشْتِرَاط الْعَدَالَة فِي الْفُضُولِيّ إِذا كَانَ وَاحِدًا عِنْد أبي حنيفَة مُتَّفق عَلَيْهِ بَين الْمَشَايِخ، وَعدم اشْتِرَاطهَا إِذا كَانَ اثْنَيْنِ قَول بعض الْمَشَايِخ (وأخبار من أسلم بدار الْحَرْب) بالشرائع (قيل الِاتِّفَاق) إِضَافَة أَخْبَار للْمَفْعُول، وَخَبره مَحْذُوف: أَي فِيهِ تَفْصِيل، وَقيل الِاتِّفَاق مستأنفة لبيانه: يَعْنِي اتَّفقُوا (على اشْتِرَاط الْعَدَالَة) أَي كَون الْمخبر بهَا عدلا (فِي) لُزُوم (الْقَضَاء) لما فِيهِ من الْفَرَائِض بعد
(3/90)

إِسْلَامه قبل الْإِخْبَار بهَا (لِأَنَّهُ) أَي هَذَا الْإِخْبَار إِخْبَار (عَن الشَّارِع بِالدّينِ، وَالْأَكْثَر) من الْمَشَايِخ على أَنه (على الْخلاف) الْمَذْكُور فِي الْفُضُولِيّ (وشمس الْأَئِمَّة) السَّرخسِيّ قَالَ (الْأَصَح) عِنْدِي أَنه يلْزمه (الْقَضَاء) اتِّفَاقًا (لِأَنَّهُ) أَي الْمخبر (رَسُول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم). قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: نضر الله أمرا سمع مني مَقَالَتي فوعاها كَمَا سَمعهَا ثمَّ أَدَّاهَا إِلَى من لم يسْمعهَا، وَقد بَين فِي خبر الرَّسُول أَنه بِمَنْزِلَة خبر الْمُرْسل، وَلَا يعْتَبر فِي الْمُرْسل أَن يكون عدلا، وَتعقبه المُصَنّف بقوله (وَلَو صَحَّ) هَذَا (انْتَفَى اشْتِرَاط الْعَدَالَة فِي الروَاة) لعين مَا ذكره (فَإِنَّمَا ذَاك) أَي الرَّسُول الَّذِي خَبره بِمَنْزِلَة خبر الْمُرْسل (الرَّسُول الْخَاص بِالْإِرْسَال) بِأَن يختاره الْمُرْسل من بَين النَّاس للسفارة بَينه وَبَين الْمُرْسل إِلَيْهِ، لَا كل من يبلغ كَلَام شخص إِلَى شخص بإذعان مِنْهُ (ومسوغ الرِّوَايَة التَّحَمُّل وبقاؤه) أَي التَّحَمُّل (وهما) أَي التَّحَمُّل وبقاؤه (عَزِيمَة) ورخصة (وَكَذَا الْأَدَاء) عَزِيمَة ورخصة (فالعزيمة فِي التَّحَمُّل) نَوْعَانِ (أصل) وَهُوَ (قِرَاءَة الشَّيْخ من كتاب أَو حفظ) عَلَيْك وَأَنت تسمع (وقراءتك أَو) قِرَاءَة (غَيْرك كَذَلِك) أَي من كتاب أَو حفظ على الشَّيْخ (وَهُوَ يسمع) سَوَاء كَانَ الشَّيْخ يحفظ مَا يقْرَأ عَلَيْهِ أَولا، لَكِن مُمْسك أَصله هُوَ أَو ثِقَة غَيره إِن لم يكن الْقَارئ يقْرَأ فِيهِ على هَذَا عمل كَافَّة الشُّيُوخ وَأهل الحَدِيث: كَذَا ذكره الشَّارِح (وَهِي) أَي قراءتك أَو غَيْرك على الشَّيْخ من كتاب أَو حفظ (الْعرض) لِأَن الْقَارئ يعرض على الشَّيْخ فَيَقُول أهوَ كَمَا قَرَأت عَلَيْك؟ (فيعترف) بِمثل نعم (أَو يسكت وَلَا مَانع). قَالَ الشَّارِح من السُّكُوت، وَالصَّوَاب من ترك السُّكُوت كَأَن يكون الْقَارئ مِمَّن يخَاف من مُخَالفَته (خلافًا لبَعْضهِم) وَهُوَ بعض الظَّاهِرِيَّة فِي جمَاعَة من مَشَايِخ الْمشرق فِي أَن إِقْرَاره شَرط، وَالْأول هُوَ الصَّحِيح (لِأَن الْعرف أَنه) أَي السُّكُوت مِنْهُ بِلَا مَانع (تَقْرِير، وَلِأَنَّهُ) أَي السُّكُوت بِلَا مَانع (يُوهم الصِّحَّة فَكَانَ صَحِيحا وَإِلَّا فغش، ورجحها) أَي الْقِرَاءَة على الشَّيْخ (أَبُو حنيفَة على قِرَاءَة الشَّيْخ من كتاب خلافًا للْأَكْثَر) حَيْثُ قَالُوا: قِرَاءَة الْمُحدث على الطَّالِب أرجح، لِأَنَّهَا طَريقَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَإِنَّمَا رجح (لزِيَادَة عنايته) أَي الْقَارئ (بِنَفسِهِ) تخليصا لَهَا من الزلل (فَيَزْدَاد ضبط الْمَتْن والسند) بِخِلَاف الشَّيْخ، لِأَن عناية بِغَيْرِهِ: وَأورد أَن الْقِرَاءَة على الْمُحدث لَا يُؤمن فِيهَا غفلته عَن سَماع الْقَارئ وَأجِيب بِأَنَّهَا أَهْون من الْخَطَأ فِي الْقِرَاءَة، وَحَيْثُ لم يُمكن الِاحْتِرَاز عَنْهُمَا مَعًا وَجب الِاحْتِرَاز عَن الأهم مِنْهُمَا (و) روى (عَنهُ) أَي أبي حنيفَة رَحمَه الله أَن الْقِرَاءَة وَالسَّمَاع مِنْهُ (يتساويان) فِي النَّوَازِل، عَن الصغاني قَالَ: سَمِعت أَبَا حنيفَة وَأَبا سُفْيَان يَقُولَانِ: الْقِرَاءَة على الْعَالم وَالسَّمَاع مِنْهُ سَوَاء، وَلِهَذَا حكى عَن مَالك وَأَصْحَابه ومعظم أَصْحَاب الْحجاز
(3/91)

والكوفة وَالشَّافِعِيّ وَالْبُخَارِيّ (فَلَو حدث) الشَّيْخ (من حفظه ترجح) على قِرَاءَة الْقَارئ عَلَيْهِ (بِخِلَاف قِرَاءَة الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) على غَيره فَإِنَّهَا راجحة على قِرَاءَة غَيره عَلَيْهِ: كَذَا ذكره الشَّارِح، وَهُوَ يحْتَاج إِلَى التَّأْوِيل لِأَنَّهُ شيخ الْأمة كلهم، وَلَيْسَ لَهُ قِرَاءَة من الْكتاب فَلَا يُمكن إِخْرَاجه من حكم الشَّيْخ الْقَارئ من الْكتاب لَا من حكم الطَّالِب الْقَارئ على الشَّيْخ الْمُحدث من حفظه فَمَا معنى بِخِلَاف قِرَاءَته إِلَّا أَن يُقَال: المُرَاد قِرَاءَته على جِبْرِيل وَهُوَ معلمه، ثمَّ بَين كَون وَجه قِرَاءَته على خلاف قِرَاءَة غَيره بقوله (للأمن من الْقَرار على الْغَلَط) لَو وَقع مِنْهُ، وَلَا كَذَلِك غَيره (وَالْحق أَنه) أَي مَا ذكر من قِرَاءَته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (فِي غير مَحل النزاع) وَهُوَ قِرَاءَة الْقَارئ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قِرَاءَة الشَّيْخ من الْكتاب. وَقيل مَحَله أَن يروي الشَّيْخ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (وَخلف) عطف على الأَصْل (عَنهُ) أَي الأَصْل وَهُوَ (الْكتاب) كَانَ يكْتب الشَّيْخ (يحدثني فلَان) أَنه كَذَا عَن فلَان (فَإِذا بلغك كتابي هَذَا فَحدث بِهِ عني بِهَذَا الْإِسْنَاد) وَيكْتب فِي عنوانه من فلَان بن فلَان إِلَى فلَان ابْن فلَان ثمَّ يكْتب فِي دَاخله بعد التَّسْمِيَة وَالثنَاء على الله تَعَالَى وَالصَّلَاة على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من فلَان وَيشْهد على ذَلِك شُهُودًا ثمَّ يختمه بحضرتهم: كَذَا ذكره الشَّارِح، وَسَيَأْتِي فِي كَلَام المُصَنّف مَا يدل على خِلَافه (والرسالة) أَن يُرْسل الشَّيْخ رَسُولا إِلَى آخر، وَيَقُول للرسول (بلغه عني أَنه حَدثنِي فلَان) بن فلَان عَن فلَان بن فلَان إِلَى أَن يَأْتِي على تَمام الْإِسْنَاد، فَإِذا بلغتك رسالتي إِلَيْك (فاروه عني بِهَذَا الْإِسْنَاد). قَالَ الشَّارِح فَشهد الشُّهُود عِنْد الْمُرْسل إِلَيْهِ على رِسَالَة الْمُرْسل حلت للمرسل إِلَيْهِ الرِّوَايَة عَنهُ (وَهَذَا) أَي قَوْله إِذا بلغك إِلَى آخِره فِي الْفَصْلَيْنِ إِنَّمَا يلْزم (على اشْتِرَاط الْإِذْن وَالْإِجَازَة فِي الرِّوَايَة عَنْهُمَا) أَي الْكتاب والرسالة (وَالْأَوْجه عَدمه) أَي عدم اشْتِرَاط الْإِجَازَة فيهمَا (كالسماع) فَإِنَّهُ جَازَ أَن يرويهِ بِلَا إِذن، بل لَو مَنعه عَن الرِّوَايَة جَازَ أَن يرْوى مَعَ مَنعه لَهُ، كَذَا نقل الشَّارِح عَن المُصَنّف (وهما) أَي الْكِتَابَة والرسالة (كالخطاب شرعا لتبليغه عَلَيْهِ السَّلَام بهما) أَي الْكِتَابَة والرسالة، عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كتب إِلَى قَيْصر يَدعُوهُ إِلَى الْإِسْلَام مُتَّفق عَلَيْهِ. وَعَن أنس أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كتب إِلَى كسْرَى وَقَيْصَر وَالنَّجَاشِي وَإِلَى كل جَبَّار عنيد يَدعُوهُم إِلَى الله تَعَالَى وَلَيْسَ بالنجاشي الَّذِي صلى عَلَيْهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، رَوَاهُ مُسلم (وَعرفا) كَمَا فِي تَقْلِيد الْمُلُوك الْقَضَاء والإمارة بهما كَمَا فِي المسافهة (وَيَكْفِي) فِي جَوَاز الرِّوَايَة عَن الْكَاتِب والمرسل (معرفَة خطه) أَي الْكَاتِب (وَظن صدق الرَّسُول) كَمَا عَلَيْهِ عَامَّة أهل الحَدِيث (وضيق أَبُو حنيفَة) حَيْثُ نسب إِلَيْهِ أَنه لَا يحل فِي كل
(3/92)

مِنْهُمَا إِلَّا (بِالْبَيِّنَةِ) كَمَا فِي كتاب القَاضِي إِلَى القَاضِي (وَلَا يلْزم كتاب القَاضِي) أَي الْإِيرَاد بِهِ على مَا نَحن فِيهِ (للِاخْتِلَاف) بَين كتاب القَاضِي وَمَا نَحن فِيهِ (بالداعية) أَي بِسَبَب وجود الْأَغْرَاض الداعية إِلَى التزوير والتلبيس فِيهِ: أَي فِي كتاب القَاضِي إِلَى القَاضِي، وَمَا نَحن فِيهِ بالداعية فِيمَا يرْوى عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (وَلَا خَفَاء فِي) جَوَاز (حَدثنَا وَأخْبر، وسمعته فِي الأول) أَي فِي قِرَاءَة الشَّيْخ الطَّالِب (و) لفظ (قَالَ) أَيْضا مَعَ الْحَار وَالْمَجْرُور نَحْو لي وَلنَا وَبِدُون ذَلِك، إِنَّمَا النزاع فِي كَونهَا مَحْمُولَة على السماع إِذا تجردت عَنْهُمَا، فَقَالَ ابْن الصّلاح يحمل عَلَيْهِ إِذا علم اللِّقَاء خُصُوصا إِذا علم من حَال الرَّاوِي أَنه لَا يرْوى إِلَّا مَا سَمعه (وغلبت) لَفْظَة. قَالَ (فِي المذاكرة) والمناظرة (وَفِي الثَّانِي) أَي قِرَاءَة الطَّالِب على الشَّيْخ يَقُول: (قَرَأت) عَلَيْهِ وَهُوَ يسمع إِن كَانَ هُوَ الْقَارئ (وَقُرِئَ عَلَيْهِ وَأَنا أسمع) إِن كَانَ الْقَارئ غَيره (وَحدثنَا بِقِرَاءَتِي) عَلَيْهِ (وَقِرَاءَة) عَلَيْهِ (وأنبأنا ونبأنا كَذَلِك) أَي بِقِرَاءَتِي أَو قِرَاءَة عَلَيْهِ (وَالْإِطْلَاق) لحدثنا وَأخْبرنَا من غير تَقْيِيد بِقِرَاءَتِي أَو قِرَاءَة عَلَيْهِ (جَائِز على الْمُخْتَار) كَمَا هُوَ مَذْهَب أَصْحَابنَا وَالثَّوْري وَابْن عُيَيْنَة وَالزهْرِيّ وَمَالك وَالْبُخَارِيّ وَيحيى بن سعيد الْقطَّان ومعظم الْكُوفِيّين والحجازيين، لَا الْمَنْع مُطلقًا كَمَا ذهب إِلَيْهِ ابْن الْمُبَارك وَأحمد وَكثير من أَصْحَاب الحَدِيث. وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر أَنه الصَّحِيح (وَقيل) الْإِطْلَاق جَائِز (فِي أخبرنَا فَقَط) وَهُوَ للشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه وَمُسلم وَجُمْهُور أهل الْمشرق (وَالْمُنْفَرد) فِي السماع يَقُول (حَدثنِي وَأَخْبرنِي وَجَاز الْجمع) أَي حَدثنَا وَأخْبرنَا كَمَا هُوَ الْعرف فِي كَلَام الْعَرَب وَقيل عِنْد الِانْفِرَاد: لَا يَقُول حَدثنَا، وَعند الِاجْتِمَاع لَا يَقُول: حَدثنِي (وَفِي الْخلف) أَي الْكِتَابَة والرسالة يَقُول (أَخْبرنِي) (وَقيل) لَا يجوز أَن يَقُول فيهمَا أَخْبرنِي (كحدثني) أَي كَمَا لَا يجوز أَن يَقُول حَدثنِي فيهمَا لِأَن الْأَخْبَار والتحديث وَاحِد (بل) يَقُول (كتب) إِلَيّ (وَأرْسل إِلَيّ لعدم المشافهة قُلْنَا قد اسْتعْمل الْأَخْبَار مَعَ عدمهَا) أَي المشافهة. وَفِي نُسْخَة الشَّارِح: قد اسْتعْمل للْأَخْبَار، فَجعل الضَّمِير كِنَايَة عَن أَخْبرنِي، وَالْأولَى أولى لقَوْله (كأخبرنا الله لَا حَدثنَا) مَعَ عدمهَا، إِذْ لَا يُقَال حَدثنَا الله، وَذهب كثير من الْمُحدثين إِلَى جَوَاز حَدثنَا وَأخْبرنَا فِي الرِّوَايَة بالمكاتبة (والرخصة) فِي التَّحَمُّل (الْإِجَازَة مَعَ مناولة الْمجَاز) بِهِ للمجاز لَهُ كَانَ يناوله شَيْئا من سَمَاعه أصلا أَو فرعا مُقَابلا (بِهِ) وَيَقُول هَذَا من سَمَاعي أَو روايتي فاروه عني (ودونها أَي وَبِدُون مناولة كَأَن يَقُول: أجزت أَن تروي هَذَا الْكتاب الَّذِي حَدثنِي بِهِ فلَان إِلَى أَن يَأْتِي على سَنَده (وَمِنْه) أَي من قسم الْإِجَازَة الْمُجَرَّدَة عَن المناولة (إجَازَة مَا صَحَّ من مسموعاتي) عنْدك: ذكر الشَّيْخ أَبُو بكر الرَّازِيّ: أَن نَحْو أجزت لَك مَا يَصح عنْدك من حَدِيثي لَيْسَ بِشَيْء كَمَا لَو صَحَّ عنْدك من صك
(3/93)

فِيهِ إقراري فاشهد بِهِ عَليّ لم يَصح، وَلم تجز الشَّهَادَة انْتهى. وَفِيه أَنه قد سبق قَرِيبا الْفرق بَين الشَّهَادَة وَالرِّوَايَة مفصلا فَارْجِع إِلَيْهِ.
ثمَّ اخْتلف فِي جَوَاز الرِّوَايَة بِالْإِجَازَةِ (قيل بِالْمَنْعِ) وَهُوَ لجماعات من الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء والأصوليين وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن الشَّافِعِي. وَقَالَ القَاضِي حُسَيْن وَالْمَاوَرْدِيّ: لَو جَازَت الْإِجَازَة لبطلت الرحلة (وَالأَصَح الصِّحَّة للضَّرُورَة) إِذْ الْمَنْع قد يُؤَدِّي إِلَى تَعْطِيل السّنَن وَانْقِطَاع الْأَسَانِيد: إِذْ السماع وَالْقِرَاءَة تَفْصِيلًا عَزِيز الْوُجُود (وَالْحَنَفِيَّة) قَالُوا (إِن كَانَ) الْمجَاز لَهُ (يعلم مَا فِي الْكتاب) الْمجَاز بِهِ فَقَالَ لَهُ الْمُجِيز أَن فلَانا حَدثنَا بِمَا فِي هَذَا الْكتاب بأسانيده هَذِه وأجزت لَك أَن تحدث بِهِ (جَازَت الرِّوَايَة) بِهَذِهِ الْإِجَازَة إِن كَانَ الْمُجِيز مَأْمُونا بالضبط والفهم (كَالشَّهَادَةِ على الصَّك) فَإِن الشَّاهِد إِذا وقف على جَمِيع مَا فِيهِ أَو أخبرهُ من عَلَيْهِ الْحق أَو أجَاز لَهُ أَن يشْهد عَلَيْهِ كَانَ صَحِيحا: فَكَذَا رِوَايَة الْخَبَر (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الْمجَاز لَهُ عَالما بِمَا فِي الْكتاب (فَإِن احْتمل) الْكتاب (التَّغْيِير) بِزِيَادَة أَو نُقْصَان (لم تصح) الْإِجَازَة وَلَا تحل الرِّوَايَة اتِّفَاقًا (وَكَذَا) لَا يَصح عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد (إِن لم يحْتَمل) الْكتاب ذَلِك (خلافًا لأبي يُوسُف ككتاب القَاضِي) أَي قِيَاسا على اخْتلَافهمْ فِي كتاب القَاضِي إِلَى القَاضِي (إِذْ علم الشُّهُود بِمَا فِيهِ شَرط) عِنْدهمَا لصِحَّة الشَّهَادَة (خلافًا لَهُ) أَي لأبي يُوسُف (وشمس الْأَئِمَّة) السَّرخسِيّ قَالَ (عدم الصِّحَّة) لهَذِهِ الْإِجَازَة (اتِّفَاق، وتجويز أبي يُوسُف) الشَّهَادَة (فِي الْكتاب) من القَاضِي إِلَى القَاضِي وَإِن يعلم الشُّهُود مَا فِيهِ (لضَرُورَة اشتماله) أَي الْكتاب الْمَذْكُور (على الْأَسْرَار) عَادَة (وَيكرهُ المتكاتبان الانتشار) للأسرار (بِخِلَاف كتب الْأَخْبَار) لِأَن أصل الدّين مَبْنِيّ على الشُّهْرَة (وَفِيه نظر، بل ذَلِك) أَي كَرَاهَة الانتشار لضَرُورَة الاشتمال على الْأَسْرَار (فِي كتب الْعَامَّة لَا) فِي كتاب (القَاضِي) إِلَى القَاضِي (بالحكم والثبوت) مُتَعَلق بِالْكِتَابَةِ المفهومة فِي كتاب القَاضِي: يَعْنِي الْكتاب الْمَسْبُوق بالحكم والثبوت الكائنين عَادَة فِي مَلأ النَّاس وحضرة الشُّهُود الْمُنْتَهى إِلَيّ قَاض آخر فِي مَلأ كَذَلِك لَا يَتَأَتَّى فِيهِ مَا ذكر من الْأَسْرَار وَكَرَاهَة الانتشار (وَهَذَا) التَّفْصِيل الَّذِي ذهب الْحَنَفِيَّة (للاتفاق على النَّفْي) لصِحَّة الرِّوَايَة (لَو قَرَأَ) الطَّالِب (فَلم يسمع الشَّيْخ أَو) قَرَأَ (الشَّيْخ) فَلم يسمع الطَّالِب (وَلم يفهم) فَفِي الْإِجَازَة الَّتِي هِيَ دون الْقِرَاءَة أولى، وَفِيه فتح بَاب التَّقْصِير والبدعة إِذْ لم ينْقل عَن السّلف مثل هَذِه الْإِجَازَة (وَقبُول) رِوَايَة (من سمع فِي صباه مُقَيّد بضبطه غير أَنه أُقِيمَت مظنته) أَي مَظَنَّة الضَّبْط وَهِي التَّمْيِيز مقَامه (وَلذَا) أَي لاشْتِرَاط ضبط السَّامع (منعت) صِحَة الرِّوَايَة (للمشغول عَن السماع بِكِتَابَة) كَمَا ذهب إِلَيْهِ الاسفرايني وَإِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ وَابْن عدي، وَذهب إِلَى الصِّحَّة مُطلقًا بَعضهم (أَو نوم أَو لَهو، وَالْحق أَن الْمدَار) لعدم جَوَاز الرِّوَايَة (عدم الضَّبْط) للمروي (وأقيمت مظنته) أَي
(3/94)

عدم الضَّبْط (نَحْو الْكِتَابَة) مقَامه إِن كَانَ بِحَيْثُ يمْتَنع مَعهَا الْفَهم (لحكاية الدَّارَقُطْنِيّ) فَإِنَّهُ حضر فِي حداثته مجْلِس إِسْمَاعِيل الصفار فَجَلَسَ ينْسَخ جُزْءا كَانَ مَعَه وَإِبْرَاهِيم يملى، فَقَالَ بعض الْحَاضِرين لَا يَصح سماعك وَأَنت تنسخ فَقَالَ: فهمي للإملاء خلاف فهمك ثمَّ قَالَ تحفظ، كم أمْلى الشَّيْخ من من حَدِيث إِلَى الْآن، فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: أملي ثَمَانِيَة عشر حَدِيثا فعددت الْأَحَادِيث فَوجدت كَمَا قَالَ، ثمَّ قَالَ الحَدِيث الأول مِنْهَا عَن فلَان وَمَتنه كَذَا، والْحَدِيث الثَّانِي عَن فلَان وَمَتنه وَلم يزل مُرْسلا أَسَانِيد الْأَحَادِيث ومتونها على ترتيبها فِي الْإِمْلَاء حَتَّى إِلَى آخرهَا فَعجب النَّاس مِنْهُ. هَذَا وَقَالَ أَحْمد فِي الْحَرْف يدغمه الشَّيْخ يفهم وَهُوَ مَعْرُوف أَرْجُو أَن لَا تضيق رِوَايَته عَنهُ، وَفِي الْكَلِمَة تستفهم من المستفهم إِن كَانَت مجمعا عَلَيْهَا فَلَا بَأْس، وَعَن خلف بن سَالم منع ذَلِك (وتنقسم) الْإِجَازَة (لمُعين فِي معِين) كأجزت لَك أَو لكم أَو لفُلَان ويصفه بِمَا يميزه فِي الْكتاب الْفُلَانِيّ أَو مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ فهرستي (وَغَيره) أَي لمُعين فِي غير معِين (كمروياتي) ومسموعاتي. قَالَ ابْن الصّلاح وَغَيره وَالْخلاف فِي هَذَا أقوى وَأكْثر، وَالْجُمْهُور من الْعلمَاء على تَجْوِيز الرِّوَايَة بهَا أَيْضا، وَمن المانعين لصحتها شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ، وَنقل عَن بعض الْأَئِمَّة التَّابِعين أَن سَائِلًا سَأَلَهُ الْإِجَازَة بِهَذِهِ الصّفة فتعجب وَقَالَ لأَصْحَابه: هَذَا يطْلب مني أَن أُجِيز لَهُ أَن يكذب عَليّ (ولغير معِين) نَحْو أجرت فِي الْكتاب الْفُلَانِيّ أَو مروياتي (للْمُسلمين من أدركني، وَمِنْه) أَي من الْإِجَازَة لغير معِين أجزت (من يُولد لفُلَان) فانقسم هَذَا الْقسم إِلَى مَوْجُود ومعدوم، وَفِيه تفاصيل ذكرتها فِي مُخْتَصر لشرح الألفية للشَّيْخ الْعِرَاقِيّ، وَبِالْجُمْلَةِ فالإجازة للمعدوم فِي صِحَّتهَا خلاف قوي (بِخِلَاف) الْإِجَازَة لغير الْمعِين (الْمَجْهُول فِي معِين) كأجزت لبَعض النَّاس رِوَايَة صَحِيح البُخَارِيّ (وَغَيره) أَي وَفِي غير معِين (ك) أجزت لبَعض النَّاس رِوَايَة (كتاب السّنَن) وَهُوَ يروي عدَّة من السّنَن الْمَعْرُوفَة بذلك فَإِنَّهَا غير صَحِيحَة (بِخِلَاف سنَن فلَان) كَأبي دَاوُد فَإِنَّهَا مَعْلُومَة (وَمِنْه) أَي من قبيل الْإِجَازَة فِي غير الْفَاسِدَة إجَازَة رِوَايَة (مَا سيسمعه الشَّيْخ) وَهِي بَاطِلَة على الصَّحِيح كَمَا نَص عَلَيْهِ القَاضِي عِيَاض وَابْن الصّلاح وَالنَّوَوِيّ لِأَنَّهُ يُبِيح مَا لم يعلم هَل يَصح لَهُ الْإِذْن فِيهِ فَتَأمل (وَفِي التفاصيل اختلافات) ذكرت فِي محلهَا فِي علم الحَدِيث (ثمَّ الْمُسْتَحبّ) للمجاز فِي آرائه (قَوْله أجَاز لي وَيجوز أَخْبرنِي وحَدثني مُقَيّدا) بقوله: إجَازَة أَو مناولة أَو إِذْنا (ومطلقا) عَن الْقَيْد بِشَيْء من ذَلِك (للمشافهة فِي نفس الْإِجَازَة) وَعَلِيهِ الشَّيْخ أَبُو بكر الرَّازِيّ وَالْقَاضِي أَبُو زيد وفخر الْإِسْلَام وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ، وَقيل هُوَ مَذْهَب مَالك وَأهل الْمَدِينَة (بِخِلَاف الْكتاب والرسالة) فَإِنَّهُ لَا يجوز فِيهَا أَخْبرنِي وَلَا حَدثنِي (إِذْ لَا خطاب أصلا) وَقيل يجوز أَن يَقُول فيهمَا حَدثنِي بالِاتِّفَاقِ وَإِن كَانَ الْمُخْتَار أَخْبرنِي لِأَنَّهُمَا من الْغَائِب كالخطاب من الْحَاضِر (وَقيل يمْنَع حَدثنِي لاختصاصه بِسَمَاع الْمَتْن) وَلم يُوجد فِي
(3/95)

الْإِجَازَة والمنازلة وَلَا يمْنَع من أَخْبرنِي وَعَلِيهِ شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ. وَقَالَ ابْن الصّلاح وَالْمُخْتَار الَّذِي عَلَيْهِ عمل الْجُمْهُور وَأهل الْوَرع الْمَنْع فِي ذَلِك من إِطْلَاق حَدثنَا وَأخْبرنَا وَنَحْوهمَا (وَالْوَجْه فِي الْكل اعْتِمَاد عرف تِلْكَ الطَّائِفَة) فَيُؤَدِّي على مَا هُوَ عرفهَا فِي ذَلِك على وَجه سَالم من التَّدْلِيس (والاكتفاء الطَّارِئ فِي هَذِه الإعصار بِكَوْن الشَّيْخ مَسْتُورا) أَي كَونه مُسلما بَالغا عَاقِلا غير متظاهر بِالْفِسْقِ وَمَا يخرم الْمُرُوءَة (وَوُجُود سَمَاعه) مثبتا (بِخَط ثِقَة) غير مُتَّهم وبروايته من أصل (مُوَافق لأصل شَيْخه) كَمَا ذكره ابْن الصّلاح، وَأَشَارَ إِلَيْهِ الْبَيْهَقِيّ (لَيْسَ خلافًا لما تقدم) من اشْتِرَاط الْعَدَالَة وَغَيرهَا فِي الرَّاوِي (لِأَنَّهُ) أَي الِاكْتِفَاء الْمَذْكُور (لحفظ السلسلة) أَي ليصير الحَدِيث مسلسلا بِحَدِيث وَأخْبرنَا (عَن الِانْقِطَاع) وَتبقى هَذِه الْكَرَامَة الَّتِي خصت بهَا هَذِه الْأمة شرفا لنبينا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (وَذَلِكَ) أَي مَا تقدم من اشْتِرَاط الْعَدَالَة وَغَيرهَا (لَا يُجَاب الْعَمَل على الْمُجْتَهد والعزيمة فِي الْحِفْظ) عَن ظهر قلب من غير وَاسِطَة الْخط (ثمَّ دَوَامه إِلَى) وَقت (الْأَدَاء) إِذْ الْمَقْصُود بِالسَّمَاعِ الْعَمَل بالمسوغ وتبليغه إِلَى آخِره. قَالَ شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ: هَذَا مَذْهَب أبي حنيفَة فِي الْأَخْبَار والشهادات جَمِيعًا، وَلِهَذَا قلت رِوَايَته، وَهُوَ طَرِيق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا بَينه للنَّاس (والرخصة) فِي الْحِفْظ (تذكره) أَي الرَّاوِي الْمَرْوِيّ (بعد انْقِطَاعه) أَي الْحِفْظ (عِنْد نظر الْكِتَابَة) سَوَاء كَانَت، خطه أَو خطّ غَيره مَعْرُوف أَو مَجْهُول، إِذْ الْمَقْصُود ذكر الْوَاقِعَة وَهُوَ يحصل بِخَط الْمَجْهُول أَيْضا، وَالنِّسْيَان الْوَاقِع قبله عَفْو لعدم إِمْكَان الِاحْتِرَاز عَنهُ (فَإِن لم يتَذَكَّر) الرَّاوِي الْمَرْوِيّ بِنَظَر الْمَكْتُوب (بعد علمه أَنه خطه أَو خطّ الثِّقَة وَهُوَ فِي يَده) بِحَيْثُ لَا يصل إِلَيْهِ يَد غَيره أَو مَخْتُومًا بِخَاتمِهِ أَو فِي يَد أَمِين) على هَذِه الصّفة (حرمت الرِّوَايَة وَالْعَمَل عِنْد أبي حنيفَة) بذلك (ووجبا) أَي الرِّوَايَة وَالْعَمَل بِهِ (عِنْدهمَا وَالْأَكْثَر، وعَلى هَذَا) الْخلاف (رُؤْيَة الشَّاهِد خطه) بِشَهَادَة (فِي الصَّك) أَي كتاب الشَّهَادَة (وَالْقَاضِي) خطه أَو خطّ نَائِبه بِقَضَائِهِ بِشَيْء (فِي السّجل) الَّذِي بديوانه وَلم يتَذَكَّر كل وَاحِد مِنْهُمَا ذَلِك: فروى بشر بن الْوَلِيد عَن أبي يُوسُف عَن أبي حنيفَة لَا يحل لَهُ أَن يعْتَمد على الْخط مَا لم يتَذَكَّر مَا تضمنه الْمَكْتُوب، لِأَن النّظر فِي الْكِتَابَة لمعْرِفَة الْقلب كالنظر للمرآة للرؤية بِالْعينِ وَالنَّظَر فِي الْمرْآة إِذا لم يفده إدراكا لَا يكون مُعْتَبرا، فالنظر فِي الْكتاب إِذا لم يفده تذكرا يكون هدرا لِأَن الرُّؤْيَة وَالشَّهَادَة وتنفيذ الْقَضَاء لَا يكون إِلَّا بِعلم والخط يشبه الْخط شبها لَا يُمكن التَّمْيِيز بَينهمَا إِلَّا بالتخمين فبصورة الْخط لَا يستفيدون علما من غير التَّذَكُّر (وَعَن أبي يُوسُف) فِي رِوَايَة بشر عَنهُ (الْجَوَاز فِي الرِّوَايَة) أَي فِي رِوَايَة الحَدِيث إِذا كَانَ خطا مَعْرُوفا لَا يخَاف تَغْيِيره بِأَن يكون بِيَدِهِ أَو بيد أَمِين، والتغيير فِي أُمُور الدّين غير مُتَعَارَف إِذْ لَا يعود بِهِ نفع إِلَى أحد، ودوام الْحِفْظ والتذكر مُتَعَذر (والسجل
(3/96)

إِذا كَانَ فِي يَده) أَي وَجَوَاز عمل القَاضِي بِمُجَرَّد خطه أَو خطّ مَعْرُوف مُفِيد قَضَاءَهُ بقضية فِي مَكْتُوب مَحْفُوظ بِيَدِهِ لَا تصل إِلَيْهِ يَد غَيره، أَو مختوم بختمه أَو بيد أمينة الموثوق بِهِ لِأَن خطّ القَاضِي جَمِيع جزئيات الوقائع مُتَعَذر عَادَة، وَلِهَذَا كَانَ من آدَاب القَاضِي كِتَابَة الوقائع وإيداعها قطره وختمه بِخَاتمِهِ وَلَو لم يجز لَهُ الرُّجُوع إِلَيْهَا عِنْد النسْيَان لم يكن لَهُ فَائِدَة، وَقد يُقَال: فَائِدَته تظهر عِنْد تذكره وَإِن لم تظهر عِنْد عدم التَّذَكُّر (لَا الصَّك) أَي لَا يجوز عِنْد عمل الشَّاهِد بِمُجَرَّد الْخط إِذا لم يكن بِيَدِهِ، إِذْ مَبْنِيّ الشَّهَادَة على الْيَقِين بالمشهود بِهِ، والصك إِذا كَانَ بيد الْخصم لَا يحصل الْأَمْن فِيهِ من التَّغْيِير. (وَعَن مُحَمَّد) فِي رِوَايَة ابْن رستم عَنهُ يجوز الْعَمَل للمذكورين بِمُجَرَّد الْخط إِذا تيقنوا أَنه خطهم (فِي الْكل) أَي فِي الرِّوَايَة وَالشَّهَادَة وَالْقَضَاء، وَلَو كَانَ الصَّك بيد الْخصم (تيسيرا) على النَّاس والخط ينْدر شبهه بالخط على وَجه يخفي التَّمْيِيز بَينهمَا والنادر لَا يَدُور عَلَيْهِ الحكم (لنا) أَي للإمامين وَالْأَكْثَر (عمل الصَّحَابَة بكتابه) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (بِلَا رِوَايَة مَا فِيهِ) للْعَالمين (بل لمعْرِفَة الْخط وَأَنه مَنْسُوب إِلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ككتاب عَمْرو بن خرم). وَقد سبق مَا يفِيدهُ فِي مسئلة: الْعَمَل بِخَبَر الْعدْل وَاجِب (وَهُوَ) أَي عَمَلهم بكتابه بِمُجَرَّد معرفَة الْخط (شَاهد لما تقدم: من قبُول كتاب الشَّيْخ إِلَى الرَّاوِي) بِالتَّحْدِيثِ عَنهُ (بِلَا شَرط بَيِّنَة) على ذَلِك (وَهنا) أَي فِي الْعَمَل بِمُقْتَضى الْمَكْتُوب بِمُجَرَّد معرفَة الْخط (أولى) من عمل الرَّاوِي بِكِتَاب الشَّيْخ بِلَا بَيِّنَة، لِأَن احْتِمَال التزوير فِيهِ أبعد (وَمَا قيل النسْيَان) فِيهِ (غَالب فَلَو لزم التَّذَكُّر بَطل كثير من الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة غير مُسْتَلْزم لمحل النزاع، وَإِنَّمَا يستلزمه) أَي مَحل النزاع (غَلَبَة عدم التَّذَكُّر بعد معرفَة الْخط وَهُوَ) أَي مَا ذكر من غَلَبَة عدم التَّذَكُّر بعْدهَا (مَمْنُوع والعزيمة فِي الْأَدَاء) أَن يكون (بِاللَّفْظِ) نَفسه (والرخصة) فِيهِ أَن يكون الْمُؤَدِّي (مَعْنَاهُ بِلَا نقص وَزِيَادَة للْعَالم باللغة ومواقع الْأَلْفَاظ) إِذْ كل لفظ مُفردا كَانَ أَو مركبا لَهُ موقع من الْمَعْنى يُرَاد بِهِ بِحَسب الْوَضع والاستعمال إِلَى اللّغَوِيّ والعرفي، وبحسب قَرَائِن الْأَحْوَال والمقامات، وَلَا يعرف مُرَاد الْمُتَكَلّم إِلَّا من يعرفهَا (و) قَالَ (فَخر الْإِسْلَام) رخص فِي ذَلِك بِالشّرطِ الْمَذْكُور (إِلَّا فِي نَحْو الْمُشْتَرك) من الْخَفي والمشكل (و) إِلَّا فِي الْمُجْمل والمتشابه فَإِنَّهُ لَا يجوز أصلا (بِخِلَاف الْعَام والحقيقة المحتملين للخصوص وَالْمجَاز) على تَرْتِيب اللفّ والنشر فَإِنَّهُ يجوز فِيهِ (للغوي الْفَقِيه) لَا اللّغَوِيّ فَقَط (أما الْمُحكم) أَي متضح الْمَعْنى بِحَيْثُ لَا يشْتَبه مَعْنَاهُ، وَلَا يحْتَمل وُجُوهًا مُتعَدِّدَة، كَذَا فسره فَخر الْإِسْلَام فِي هَذَا الْمقَام (مِنْهُمَا) أَي الْعَام والحقيقة (فتكفي اللُّغَة) أَي مَعْرفَتهَا فِيهِ (وَاخْتلف مجيز وَالْحَنَفِيَّة)، الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى (فِي الْجَوَامِع) أَي جَوَامِع الْكَلم، فِي الصَّحِيحَيْنِ أَن النَّبِي
(3/97)

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ " بعثت بجوامع الْكَلم ". وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ
" وَبَلغنِي أَن جَوَامِع الْكَلم أَن الله عز وَجل يجمع الْأُمُور الْكَثِيرَة الَّتِي كَانَت تكْتب فِي الْكتب قبله فِي الْأَمر الْوَاحِد أَو الْأَمريْنِ أَو نَحْو ذَلِك ". وَقَالَ الْخطابِيّ إيجاز الْكَلَام فِي إشباع للمعاني يَقُول: الْكَلِمَة القليلة الْحُرُوف، فينتظم الْكثير من الْمَعْنى ويتضمن أنواعا من الْأَحْكَام (كالخراج بِالضَّمَانِ) حَدِيث حسن رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن وَتقدم مَعْنَاهُ (والعجماء جَبَّار) مُتَّفق عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو دَاوُد: والعجماء الْمُتَقَدّمَة الَّتِي لَا يكون مَعهَا أحد. وَقَالَ ابْن مَاجَه: الْجَبَّار الهدر الَّذِي لَا يغرم فَقَالَ بَعضهم: يجوز للْعَالم بطرق الِاجْتِهَاد إِذا كَانَت الْجَوَامِع ظَاهِرَة الْمَعْنى، وَذهب فَخر الْإِسْلَام والسرخسي إِلَى الْمَنْع لإحاطة الْجَوَامِع بمعان قد تقصر عَنْهَا عقول ذَوي الْأَلْبَاب (فالرازي مِنْهُم) أَي الْحَنَفِيَّة (وَابْن سِيرِين) فِي جمَاعَة (على الْمَنْع مُطلقًا). قَالَ الشَّارِح: أَي سَوَاء كَانَ من الْمُحكم أَولا، كَذَا ذكره غير وَاحِد: وَفِيه بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّازِيّ نظر، فَإِن لَفظه قد حكينا عَن الشّعبِيّ وَالْحسن أَنَّهُمَا كَانَا يحدثان بالمعاني، وَكَانَ غَيرهمَا يحدث بِاللَّفْظِ، والأحوط عندنَا أَدَاء اللَّفْظ وسياقته على وَجهه دون الِاقْتِصَار على الْمَعْنى سَوَاء كَانَ مِمَّا لَا يحْتَمل التَّأْوِيل أَولا إِلَّا أَن يكون الرَّاوِي مثل الْحسن وَالشعْبِيّ فِي إتقانهما للمعاني وَصرف الْعبارَات إِلَى مَعْنَاهَا فقها غير فاضلة عَنْهَا وَلَا مقصرة، وَهَذَا عندنَا إِنَّمَا كَانَا يفعلانه فِي اللَّفْظ الَّذِي لَا يحْتَمل التَّأْوِيل وَيكون للمعنى عِبَارَات مُخْتَلفَة، فيعبران تَارَة بِعِبَارَة، وَتارَة بغَيْرهَا: فَأَما مَا يحْتَمل التَّأْوِيل من الْأَلْفَاظ فَإنَّا لَا نظن بهما أَنَّهُمَا كَانَا يغيرانه إِلَى لفظ غَيره مَعَ احْتِمَاله لِمَعْنى غير معنى لفظ الأَصْل، وَأكْثر فَسَاد أَخْبَار الْآحَاد وتناقضها واستحالتها من هَذَا الْوَجْه، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قد كَانَ مِنْهُم من يسمع اللَّفْظ الْمُحْتَمل للمعاني فيعبر عَنهُ بِلَفْظ غَيره، وَلَا يحْتَمل إِلَّا معنى وَاحِدًا على أَنه هُوَ الْمَعْنى عِنْده فيفسده انْتهى وَلَا يخفى أَنه لَيْسَ بِصَرِيح فِي خلاف مَا نَقله المُصَنّف، وَيجوز أَن يكون لَهُ نقل آخر عَنهُ أصرح من هَذَا فِيمَا نقل عَنهُ (لنا) فِيمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور (الْعلم بنقلهم) أَي الصَّحَابَة (أَحَادِيث بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة فِي وقائع متحدة) كَمَا يحاط بهَا علما فِي دواوين السّنة (وَلَا مُنكر) لوُقُوع ذَلِك مِنْهُم (وَمَا عَن ابْن مَسْعُود وَغَيره قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَذَا أَو نَحوه أَو قَرِيبا مِنْهُ) عَن عَمْرو بن مَيْمُون قَالَ: كنت لَا تفوتني عَشِيَّة خَمِيس إِلَّا آتِي عبد الله بن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ فَمَا سمعته يَقُول لشَيْء قطّ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى كَانَت ذَات عَشِيَّة، فَقَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فاغرورقت عَيناهُ، وَانْتَفَخَتْ أوداجه، ثمَّ قَالَ: أَو مثله أَو نَحوه أَو شَبيه بِهِ، قَالَ فَأَنا رَأَيْته وَإِزَاره محلولة مَوْقُوف صَحِيح. أخرجه أَحْمد وَابْن مَاجَه وَغَيرهمَا. وَعَن أبي الدَّرْدَاء رَضِي الله عَنهُ أَنه كَانَ إِذا حدث عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ نَحوه أَو شبهه. أخرجه
(3/98)

الدَّارمِيّ وَهُوَ مَوْقُوف مُنْقَطع رِجَاله ثِقَات (وَلَا مُنكر) على قَائِله (فَكَانَ) وُقُوع ذَلِك مِنْهُم من غير نَكِير من أحدهم (إِجْمَاعًا) على جَوَاز الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى (و) لنا أَيْضا (بَعثه) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (الرُّسُل) إِلَى النواحي بتبليغ الشَّرَائِع (بِلَا إِلْزَام) خُصُوص (لفظ) إِذْ لَو لم تجز الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى كَانَ يلْزمه وَلَو لزم لنقل إِلَيْنَا (و) لنا أَيْضا (مَا روى الْخَطِيب) فِي كتاب الْكِفَايَة فِي معرفَة أصُول عليم الرِّوَايَة عَن يَعْقُوب بن عبد الله بن سُلَيْمَان اللَّيْثِيّ عَن أَبِيه عَن جده أَتَيْنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقُلْنَا بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتنَا أَنا لنسمع مِنْك وَلَا نقدر على تأديته كَمَا سمعناه مِنْك، قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
" إِذا لم تحلوا حَرَامًا أَو تحرموا حَلَالا وأصبتم الْمَعْنى فَلَا بَأْس " انْتهى. وَقَالَ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ: رَوَاهُ ابْن مَنْدَه من حَدِيث عبد الله بن سُلَيْمَان قَالَ: قلت يَا رَسُول الله الحَدِيث، وَزَاد فِي آخِره فَذكر ذَلِك لِلْحسنِ، فَقَالَ لَوْلَا هَذَا مَا حَدثنَا انْتهى، وَغَايَة مَا ذكر فِيهِ أَنه يَنْتَهِي إِلَى عبد الله وَهُوَ تَابِعِيّ على الصَّحِيح لَيْسَ لَهُ صُحْبَة، والإرسال غير ضائر فِي الْإِسْنَاد من الثِّقَة بل هِيَ مِنْهُ زِيَادَة مَقْبُولَة (وَأما الِاسْتِدْلَال) لِلْجُمْهُورِ (بتفسيره) أَي بِالْإِجْمَاع على جَوَاز الحَدِيث (بالعجمية) فَإِنَّهُ إِذا جَازَ تَفْسِيره بهَا فَلِأَن يجوز بِالْعَرَبِيَّةِ أولى (فَمَعَ الْفَارِق) أَي قِيَاس مَعَ الْفَارِق (إِذْ لولاه) أَي تَفْسِيره بالعجمية (امْتنع معرفَة الْأَحْكَام للجم الْغَفِير) لِأَن العجمي لَا يفهم الْعَرَبِيّ إِلَّا بالتفسير: وَكَذَا يجوز تَفْسِير الْقُرْآن بِجَمِيعِ الألسن (و) لَا يجوز نَقله بِالْمَعْنَى بالِاتِّفَاقِ (أَيْضا) من الْأَدِلَّة (على تجويزه الْعلم بِأَن الْمَقْصُود الْمَعْنى) لِأَن الحكم يثبت بِهِ لَا بِاللَّفْظِ من حَيْثُ هُوَ (وَهُوَ) أَي الْمَعْنى (حَاصِل) فَلَا يضر اخْتِلَاف اللَّفْظ (وَأما اسْتثِْنَاء فَخر الْإِسْلَام) السَّابِق (لِأَنَّهُ) أَي النَّقْل بِالْمَعْنَى للمشترك وَنَحْوه (تَأْوِيله) أَي الرَّاوِي لهَذِهِ الرِّوَايَة الْأَقْسَام (وَلَيْسَ) تَأْوِيله (حجَّة على غَيره كقياسه) أَي كَمَا أَن قِيَاسه لَيْسَ حجَّة على غَيره (بِخِلَاف الْمُحكم) فَإِن النَّقْل فِيهِ بِالْمَعْنَى لَا يُفْضِي إِلَى الْغَلَط (والمحتمل للخصوص) أَي وَنقل الْفَقِيه الْعَالم الْمُحْتَمل للخصوص بِالْمَعْنَى على الْوَجْه الَّذِي يُسْتَفَاد مِنْهُ الْخُصُوص (مَحْمُول على سَمَاعه الْمُخَصّص كعمله) أَي الرَّاوِي فِي الْمُفَسّر (بِخِلَاف رِوَايَته) حَيْثُ يحمل عمله بِخِلَاف رِوَايَته (على النَّاسِخ) أَي على سَمَاعه النَّاسِخ لمرويه (وَيشكل) اسْتثِْنَاء فَخر الْإِسْلَام (بترجيح تَقْلِيده) أَي الصَّحَابِيّ فَإِنَّهُ يجْرِي فِيهِ الدَّلِيل الْمَذْكُور لاستثنائه بِأَن يُقَال مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده إِنَّمَا هُوَ تَأْوِيله وَلَيْسَ تَأْوِيله حجَّة على غَيره (فَإِن أُجِيب) بِأَنَّهُ إِنَّمَا يتَرَجَّح تَقْلِيده (بِحمْلِهِ) أَي مَا قَلّدهُ فِيهِ (على السماع فَالْجَوَاب أَنه) أَي حمله على السماع ثَابت (مَعَ إِمْكَان قِيَاسه) أَي يُمكن أَنه قَالَه قِيَاسا واجتهادا (فَكَذَا فِي نَحْو الْمُشْتَرك) من الْخَفي والمشكل إِذا حمله على بعض وجوهه يحمل على السماع مَعَ إِمْكَان تَأْوِيله (تقدم) اجْتِهَاده (بترجيح اجْتِهَاده) لمشاهدته
(3/99)

الْأُمُور الْمُوجبَة لعلمه بِأَن الْعلَّة مَا ذكر فَإِن قيل ترجح اجْتِهَاد الصَّحَابِيّ على اجْتِهَاد غَيره بَاطِل لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
" نضر الله عبدا سمع مَقَالَتي فوعاها، فحفظها فأداها: فَرب حَامِل فقه غير فَقِيه، وَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ ": رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان وَغَيرهم كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وَإِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ) بِاعْتِبَار أَنه يدل على أَن الْمَحْمُول إِلَيْهِ وَهُوَ التَّابِعِيّ قد يكون أفقه من الْحَامِل الصَّحَابِيّ وَلَا يقدم اجْتِهَاد غير الأفقه على الأفقه: فَالْجَوَاب أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (قلله بِرَبّ) أَي كَون الْمَحْمُول إِلَيْهِ أفقه (فَكَانَ الظَّاهِر بعد الِاشْتِرَاك) من الصَّحَابَة وَغَيرهم (فِي الْفِقْه أفقهيتهم) أَي الصَّحَابَة، وَهَذَا بِنَاء على حمل رب على حَقِيقَته لاعلى مجازه الْمَشْهُور وَهُوَ التكثير (إِلَّا قَلِيلا فَيحمل) حَالهم (على الْغَالِب) وَهُوَ أفقهيتهم (وَالتَّحْقِيق) أَنه (لَا يتْرك اجْتِهَاد لاجتهاد الأفقه و) ترك الِاجْتِهَاد: أَي مؤداه لاجتهاد الأفقه (فِي الصَّحَابَة) لَيْسَ بكونهم أفقه، بل (لقرب سَماع الْعلَّة) أَي لقرب احْتِمَال كَونه سمع هُنَا دَالا على علية الْعلَّة (أَو نَحوه) أَي مَا يقوم مقَام سماعهَا، ثمَّ بَينه بقوله (من مُشَاهدَة مَا يفيدها) أَي الْعلَّة من الْقَرَائِن (وعَلى هَذَا) التَّوْجِيه (نجيزه) أَي النَّقْل بِالْمَعْنَى (فِي الْمُجْمل، وَلَا يُنَافِي) هَذَا (قَوْلهم) أَي الْحَنَفِيَّة (لَا يتَصَوَّر) النَّقْل بِالْمَعْنَى (فِي الْمُجْمل والمتشابه) لأَنهم إِنَّمَا نفوه لما ذَكرُوهُ من قَوْلهم (لِأَنَّهُ لَا يُوقف على مَعْنَاهُ) إِذْ الْمُجْمل لَا يُسْتَفَاد المُرَاد مِنْهُ إِلَّا بَيَان سَمْعِي، والمتشابه لَا ينَال فِي الدُّنْيَا أصلا. قَالَ الشَّارِح وَالْمُصَنّف يَقُول بذلك لكنه يَقُول: إِذا رَوَاهُ بِمَعْنى على أَنه المُرَاد أصححه حملا على السماع، فَإنَّا إِذا علمنَا بِتَرْكِهِ الْعَمَل بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ من الْمُفَسّر حكمنَا بِأَنَّهُ علم أَنه مَنْسُوخ إِذْ كَانَ يحرم عَلَيْهِ ترك الْعَمَل بِالْحَدِيثِ فَكَذَلِك إِذا روى الْمُجْمل بِمَعْنى مُفَسّر على أَنه المُرَاد مِنْهُ حكمنَا بِأَنَّهُ سمع تَفْسِيره: إِذْ لَا يحل أَن يفسره بِرَأْيهِ فَالْحَاصِل أَن الْأَقْسَام خَمْسَة: الْمُفَسّر الَّذِي لَا يحْتَمل إِلَّا معنى وَاحِدًا فَيجوز نَقله بِالْمَعْنَى اتِّفَاقًا بعد علمه باللغة، والحقيقة وَالْعَام المحتملان للمجاز والتخصيص، فَيجوز مَعَ الْفِقْه واللغة، فَلَو انسد بَاب التَّخْصِيص كَقَوْلِه سُبْحَانَهُ - {وَالله بِكُل شَيْء عليم} - وَالْمجَاز بِمَا يُوجِبهُ رَجَعَ إِلَى الْجَوَاز إِلَى الِاكْتِفَاء بِعَدَمِ اللُّغَة فَقَط لصيرورته محكما لَا يحْتَمل إِلَّا وَجها وَاحِدًا والمشترك والمشكل والخفي، فَلَا يجوز نَقله بِالْمَعْنَى أصلا عِنْدهم: لِأَن المُرَاد لَا يعرف إِلَّا بِتَأْوِيل، وتأويله لَا يكون حجَّة على غَيره، وَحكم المُصَنّف بِجَوَاز ذَلِك لِأَنَّهُ دائر بَين كَونه تَأْوِيله أَو مسموعه، وكل مِنْهُمَا من الصَّحَابِيّ مقدم على غَيره، ومجمل ومتشابه، فَقَالُوا: لَا يتَصَوَّر نَقله بِالْمَعْنَى لِأَنَّهُ فرع معرفَة الْمَعْنى وَلَا يُمكن فيهمَا، وَالْمُصَنّف يَقُول كَذَلِك، وَلَكِن يَقُول: إِذا عين معنى على أَنه المُرَاد حكمنَا بِأَنَّهُ سَمعه على وزان حكمنَا فِي تَركه أَنه سمع النَّاسِخ حكما ودليلا، وَمَا هُوَ من جَوَامِع الْكَلم
(3/100)

فَاخْتلف الْمَشَايِخ فِيهِ، كَذَا أَفَادَ المُصَنّف انْتهى (قَالُوا) أَي المانعون: قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (نضر الله امْرأ) سمع منا شَيْئا فَبلغ كَمَا سَمعه، فَرب مبلغ أوعى من سامع. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان وَغَيرهم، فحرض على نقل أصل الحَدِيث على الْوَجْه الَّذِي سَمعه وَهَذَا إِنَّمَا يتَحَقَّق إِذا رَوَاهُ بِلَفْظِهِ (قُلْنَا) قَوْله نضر الله الخ (حث على الأولى) فِي نَقله سَوَاء كَانَ دُعَاء: أَي جمله وزينه، أَو خَبرا عَن أَنه من أهل نَضرة النَّعيم قيل هُوَ بتَخْفِيف الضَّاد، والمحدثون يثقلونها. وَفِي الغريبين رَوَاهُ الْأَصْمَعِي بِالتَّشْدِيدِ وَأَبُو عبيد بِالتَّخْفِيفِ وَقيل مَعْنَاهُ حسن الله وَجهه فِي خلقه: أَي جاهه وَقدره. وَعَن الفضيل بن عِيَاض " مَا من أحد من أهل الحَدِيث إِلَّا وَفِي وَجهه نَضرة لقَوْل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نضر الله الحَدِيث (فَأَيْنَ منع خِلَافه) أَي خلاف الأولى، وَهُوَ النَّقْل بِالْمَعْنَى. وَفِي الشَّرْح العضدي: وَيُمكن أَن يُقَال أَيْضا بِالْمُوجبِ، فَإِن من نقل الْمَعْنى أَدَّاهُ كَمَا سَمعه، وَلذَلِك يَقُول المترجم أديته كَمَا سمعته (فَإِن قيل هُوَ) أَي الْمَانِع من خِلَافه (قَوْله فَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ أَفَادَ أَنه) أَي الرَّاوِي (قد يقصر لَفظه) عَن اسْتِيعَاب مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ اللَّفْظ النَّبَوِيّ من الْأَحْكَام: إِذا الأفقه يدْرك مَا لَا يُدْرِكهُ غَيره (فَيَنْتَفِي أَحْكَام يستنبطها الْفَقِيه) بِوَاسِطَة نَقله بِالْمَعْنَى وقصور لَفظه (قُلْنَا غَايَته) أَي غَايَة تصور لَفظه عَن اسْتِيعَاب ذَلِك أَنه ك (نقل بعض الْخَبَر بعد كَونه حكما تَاما) وَهُوَ جَائِز كَمَا تقدم (وَقد يفرق) بَين هَذَا وَبَين حذف بعض الْخَبَر الَّذِي لَا تعلق لَهُ بِالْبَاقِي تعلقا يُغير الْمَعْنى (بِأَن لَا بُد) للحاذق (من نقل الْبَاقِي فِي عمره كي لَا تَنْتفِي الْأَحْكَام) المستفادة مِنْهُ (بِخِلَاف من قصر) لَفظه عَنْهَا (فَإِنَّهَا) أَي الْأَحْكَام الَّتِي لَيست بمستفادة مِنْهُ (تَنْتفِي) لعدم مفيدها (بل الْجَوَاز) أَي جَوَاز النَّقْل بِالْمَعْنَى (لمن لَا يخل) بِشَيْء من مقاصده (لفقهه قَالُوا) أَي المانعون أَيْضا: النَّقْل بِالْمَعْنَى (يُؤَدِّي إِلَى الْإِخْلَال) بمقصود الحَدِيث (بِتَكَرُّر النَّقْل كَذَلِك) أَي بِالْمَعْنَى: يَعْنِي تجوزيه ينجر إِلَى التّكْرَار، وَفِي كل مرّة يحصل تَغْيِير لاخْتِلَاف الإفهام فيؤل إِلَى تَغْيِير فَاحش مفوت للمقصود (أُجِيب بِأَن) تَقْيِيد (الْجَوَاز) للنَّقْل بِالْمَعْنَى (بِتَقْدِير عَدمه) أَي عدم الْإِخْلَال بِالْمَقْصُودِ (يَنْفِيه). قَالَ الشَّارِح: أَي أَدَاء النَّقْل بِالْمَعْنَى، لِأَنَّهُ خلاف الْفَرْض انْتهى، وَلَا يفهم لَهُ معنى. فِي الشَّرْح العضدي الْجَواب أَن فرض تَغْيِير مَا فِي كل مرّة مِمَّا لَا يتَصَوَّر فِي مَحل النزاع، فَإِن الْكَلَام فِيمَن نقل الْمَعْنى سَوَاء من غير تَغْيِير أصلا، وَإِلَّا لم يجز اتِّفَاقًا. وَفِيه قد اخْتلف فِي جَوَاز نقل الحَدِيث بِالْمَعْنَى، والنزاع فِيمَن هُوَ عَارِف بمواقع الْأَلْفَاظ، وَأما غَيره فَلَا يجوز مِنْهُ اتِّفَاقًا انْتهى: فَالْمَعْنى انْتَفَى مَا ذكر من التأدية إِلَى الاخلال
(3/101)

مسئلة
(الْمُرْسل قَول الإِمَام) من أَئِمَّة النَّقْل وَهُوَ من لَهُ أَهْلِيَّة الْجرْح وَالتَّعْدِيل (الثِّقَة قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) كَذَا مقول القَوْل " (مَعَ حذف من السَّنَد، وتقييده) أَي الْقَائِل أَو الإِمَام الْقَائِل (بالتابعي أَو الْكَبِير مِنْهُم) أَي التَّابِعين كَعبد الله بن عدي وَقيس بن أبي حَازِم (اصْطِلَاح) من الْمُحدثين (فَدخل) فِي التَّعْرِيف (الْمُنْقَطع) بالاصطلاح الْمَشْهُور للمحدثين: وَهُوَ مَا سقط من رُوَاته قبل الصَّحَابِيّ راو أَو اثْنَان فَصَاعِدا من مَوضِع وَاحِد (والمعضل) الْمَشْهُور عِنْدهم، وَهُوَ مَا سقط مِنْهُ اثْنَان فَصَاعِدا من مَوضِع وَاحِد (وَتَسْمِيَة قَول التَّابِعِيّ مُنْقَطِعًا) كَمَا عَن الْحَافِظ البرديجي (خلاف الِاصْطِلَاح الْمَشْهُور فِيهِ) أَي الْمُنْقَطع (وَهُوَ) أَي قَول التَّابِعِيّ الْمَوْقُوف عَلَيْهِ هُوَ (الْمَقْطُوع) كَمَا ذكره الْخَطِيب وَغَيره (فَإِن كَانَ) الْمُرْسل صحابيا (فَحكى الِاتِّفَاق على قبُوله لعدم الِاعْتِدَاد بقول) أبي إِسْحَاق (الاسفرايني) لَا يحْتَج بِهِ (وَمَا عَن الشَّافِعِي من نَفْيه) أَي نفي قَوْله (إِن علم إرْسَاله) أَي الصَّحَابِيّ عَن غَيره كَمَا نقل عَنهُ فِي الْمُعْتَمد، وَلعدم الِاعْتِدَاد بِهَذَا أَيْضا فِي أصُول فَخر الْإِسْلَام بعد حِكَايَة الْإِجْمَاع على قبُول مُرْسل الصَّحَابِيّ، وَتَفْسِير ذَلِك أَن من الصَّحَابَة من كَانَ من الفتيان قلت صحبته، وَكَانَ يرْوى عَن غَيره من الصَّحَابَة فَإِذا أطلق الرِّوَايَة فَقَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ ذَلِك مِنْهُ مَقْبُولًا وَإِن احْتمل الْإِرْسَال، لِأَن من ثبتَتْ صِحَّته لم يحمل حَدِيثه الْأَعْلَى سَمَاعه بِنَفسِهِ إِلَّا أَن يُصَرح بالرواية عَن غَيره انْتهى (أَو) كَانَ الْمُرْسل (غَيره) أَي غير الصَّحَابِيّ (فالأكثر) أَي فمذهب أَكثر الْعلمَاء (مِنْهُم الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة إِطْلَاق الْقبُول، والظاهرية وَأكْثر) أهل (الحَدِيث من عهد الشَّافِعِي إِطْلَاق الْمَنْع، وَالشَّافِعِيّ) قَالَ (أَن عضد بِإِسْنَاد أَو إرْسَال مَعَ اخْتِلَاف الشُّيُوخ) من الْمُرْسلين (أَو قَول الصَّحَابِيّ أَو أَكثر الْعلمَاء أَو عرف) الْمُرْسل (أَنه لَا يُرْسل إِلَّا عَن ثِقَة قبل، وَإِلَّا) أَي وَأَن لم يُوجد أحد هَذِه الْخَمْسَة (لَا) يقبل (قيل وَقَيده) أَي الشَّافِعِي قبُوله مَعَ كَونه معتضدا بِمَا ذَكرْنَاهُ أَيْضا (بِكَوْنِهِ) أَي الْمُرْسل (من كبار التَّابِعين وَلَو خَالف الْحفاظ فبالنقص) أَي بِكَوْن حَدِيثه أنقص، ذكره الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ عَن نَص الشَّافِعِي (وَابْن أبان) يقبل (فِي الْقُرُون الثَّلَاثَة، وَفِيمَا بعْدهَا إِذا كَانَ) الْمُرْسل (من أَئِمَّة النَّقْل وروى الْحفاظ مرسله كَمَا رووا مُسْنده، وَالْحق اشْتِرَاط كَونه من أَئِمَّة النَّقْل مُطلقًا) أَي فِي الْقُرُون الثَّلَاثَة وَمَا بعْدهَا (لنا) فِي قبُول الْمُرْسل من أَئِمَّة الشَّأْن (جزم الْعدْل بِنِسْبَة الْمَتْن إِلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقوله قَالَ: يسْتَلْزم اعْتِقَاد ثِقَة الْمسْقط) وَإِلَّا كَانَ تلبيسا قادحا فِيهِ، وَالْفَرْض انتقاؤه (وَكَونه) أَي الْمُرْسل (من أَئِمَّة الشَّأْن قوى الظُّهُور فِي الْمُطَابقَة) أَي فِي مُطَابقَة الْخَبَر للْوَاقِع أَو فِي مُطَابقَة اعْتِقَاده ثِقَة الْمسْقط للْوَاقِع
(3/102)

وَهُوَ الْأَوْجه (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يعْتَقد ثِقَة الْمسْقط (لم يكن عدلا إِمَامًا) وَالْأَوْجه أَن الْمَعْنى إِن لم يعْتَقد ثقته اعتقادا مطابقا يلْزم أحد الْأَمريْنِ: عدم الْعَدَالَة إِن لم يعْتَقد وَعدم كَونه إِمَامًا إِن اعْتقد وَلم يكن مطابقا (وَلذَا) أَي لاستلزام جزمه ذَلِك (حِين سُئِلَ النَّخعِيّ الْإِسْنَاد إِلَى عبد الله) أَي لما قَالَ الْأَعْمَش لإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: إِذا رويت حَدِيثا عَن عبد الله بن مَسْعُود فاسنده لي (قَالَ إِذا قلت حَدثنِي فلَان عَن عبد الله فَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ، فَإِذا قلت قَالَ عبد الله فَغير وَاحِد) أَي فقد رَوَاهُ غير وَاحِد، وَهَذَا كِنَايَة عَن كَثْرَة الروَاة (وَقَالَ الْحسن مَتى قلت لكم حَدثنِي فلَان فَهُوَ حَدِيثه) لَا غير (وَمَتى قلت قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَمن سبعين) سمعته أَو أَكثر (فأفادوا أَن إرسالهم عِنْد الْيَقِين أَو قريب مِنْهُ فَكَانَ) الْمُرْسل (أقوى من الْمسند وَهُوَ) أَي كَونه أقوى مِنْهُ (مُقْتَضى الدَّلِيل، فَإِن قيل تحقق من الْأَئِمَّة كسفيان) الثَّوْريّ (وَبَقِيَّة تَدْلِيس التَّسْوِيَة) كَمَا سلف (وَهُوَ) أَي إرْسَال من تحقق فِيهِ هَذَا التَّدْلِيس (مشمول بدليلكم) الْمَذْكُور (قُلْنَا نلتزمه) أَي شُمُول الدَّلِيل لَهُ، ونقول بحجيته جملا على أَنه لم يُرْسل إِلَّا عَن ثِقَة (ووقف مَا أَوْهَمهُ إِلَى الْبَيَان) أَي جعل الِاحْتِجَاج بِمَا أوهم التَّدْلِيس من حَدِيث الْأَئِمَّة الْمَذْكُورين مَوْقُوفا إِلَى أَن يبين إرْسَاله عَن ثِقَة أَولا (قَول النافين) حجَّة الْمُرْسل (أَو مَحَله) أَي الْوَقْف (الِاخْتِلَاف) أَي اخْتِلَاف حَال المدلس بِأَن علم تَارَة أَنه يحذف المضعف عِنْد الْكل، وَتارَة يحذف المضعف عِنْد غَيره إِلَى غير ذَلِك (بِخِلَاف الْمُرْسل) فَإِنَّهُ يجد الحكم فِيهِ بِأَن الْمَحْذُوف لَيْسَ مجمعا على ضعفه بل ثِقَة أَو من يَعْتَقِدهُ الإِمَام الحاذف أَنه ثِقَة (وَاسْتدلَّ) للمختار فَقيل (اشْتهر إرْسَال الْأَئِمَّة كالشعبي وَالْحسن وَالنَّخَعِيّ وَابْن الْمسيب وَغَيرهم و) اشْتهر (قبُوله) أَي قبُول مرسلهم (بِلَا نَكِير فَكَانَ) قبُوله بِلَا نَكِير (إِجْمَاعًا، لَا يُقَال لَو كَانَ) قبُوله إِجْمَاعًا (لم يجز خِلَافه) لكَونه خرقا للْإِجْمَاع، وَاللَّازِم مُنْتَفٍ اتِّفَاقًا، لأَنا نقُول لَا نسلم (لِأَن ذَلِك) أَي عدم جَوَاز الْخلاف إِنَّمَا هُوَ (فِي) الْإِجْمَاع (الْقطعِي) وَهنا ظَنِّي لِأَنَّهُ سكوتي (لَكِن ينْقض) هَذَا الْإِجْمَاع الْحَاصِل من قبولهم بِلَا نَكِير (بقول ابْن سِيرِين لَا نَأْخُذ بمراسيل الْحسن وَأبي الْعَالِيَة فَإِنَّهُمَا لَا يباليان عَمَّن أخذا الحَدِيث) يَعْنِي يروون الحَدِيث عَن الثِّقَة وَغَيره (وَهُوَ) أَي عدم مبالاتهما الْمَذْكُور (وَإِن لم يسْتَلْزم) إرسالهما عَن غير ثِقَة (إِذْ اللَّازِم) لدَلِيل الْقَائِل بالمرسل (أَن الإِمَام الْعدْل لَا يُرْسل إِلَّا عَن ثِقَة وَلَا يسْتَلْزم) كَونه لَا يُرْسل إِلَّا عَن ثِقَة (أَن لَا يَأْخُذ إِلَّا عَنهُ) أَي عَن ثِقَة إِذْ فِي الْأَخْذ عَن غير الثِّقَة، وَذكر عِنْد الرِّوَايَة يكون الْعهْدَة على الْمَرْوِيّ عَنهُ بِخِلَاف الْإِرْسَال فَإِن الْعهْدَة فِيهِ على الْمُرْسل، ثمَّ قَوْله: وَهُوَ مُبْتَدأ خَبره (ناف للْإِجْمَاع) إِذْ لَا إِجْمَاع مَعَ مُخَالفَة ابْن سِيرِين (فَهُوَ) أَي نقل الْإِجْمَاع على قبُوله (خطأ) وَإِن كَانَ مخالفه خطأ لِأَنَّهُ علل بِمَا لَا يصلح
(3/103)

مَانِعا، كَيفَ وَالْعدْل إِن أَخذ من غير ثِقَة فَهُوَ ثِقَة يُبينهُ إِذا روى وَلَا يُرْسل لِأَنَّهُ عثر فِي الدّين وَاحْتج (الْأَكْثَر) لقبوله (بِهَذَا) الْإِجْمَاع، وَقد عرفت مَا فِيهِ (وَبِتَقْدِير تَمَامه) أَي الْإِجْمَاع (لَا يفيدهم) أَي الْأَكْثَرين (تعميما) فِي أَئِمَّة النَّقْل وَغَيرهم، فَإِن الْمَذْكُورين من أَئِمَّة النَّقْل فَلم يجب فِي غَيرهم، وَالْمُدَّعِي قبُول إرْسَال الإِمَام الثِّقَة سَوَاء كَانَ من أَئِمَّة النَّقْل أَولا (و) أَيْضا احْتج الْأَكْثَر (بِأَن رِوَايَة الثِّقَة) الْعدْل عَمَّن أسْقطه (تَوْثِيق لمن أسْقطه) لَا أَنه الظَّاهِر من حَاله فَيقبل كَمَا لَو صرح بالتعديل (وَدفع) هَذَا (بِأَن ظُهُور مُطَابقَة ظن الْجَاهِل) بِحَال السَّاقِط فِي نفس الْأَمر (ثِقَة السَّاقِط مُنْتَفٍ) إِذْ جَهله بِحَالهِ يمْنَع اعْتِبَار توثيقه: يَعْنِي إِنَّمَا يعْتَبر تَوْثِيق الْعدْل إِذا كَانَ من أَئِمَّة النَّقْل لِأَنَّهُ تَوْثِيق من إِمَام عَالم بأحوال الروَاة، وَالظَّاهِر كَونه مطابقا لكَون السَّاقِط ثِقَة فِي الْوَاقِع، وَأما إِذا لم يكن عَالما بهَا فَلَا عِبْرَة بظنه ثِقَة فَانْتفى ظُهُور مُطَابقَة ظَنّه ذَلِك (وَلَعَلَّ التَّفْصِيل) فِي الْمُرْسل بَين كَونه من الْأَئِمَّة فَيقبل وَإِلَّا فَلَا (مُرَاد الْأَكْثَر من الْإِطْلَاق) لقبُول الْمُرْسل (بِشَهَادَة اقْتِصَار دليلهم) للقبول (على الْأَئِمَّة) أَي على ذكر إرسالهم (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن مُرَادهم هَذَا التَّفْصِيل (فبعيد قَوْلهم بتوثيق من لَا يعول على علمه، وَمثله) أَي مثل هَذَا الْإِطْلَاق وَإِرَادَة الْمُفِيد (من أَوَائِل الْأَئِمَّة كثير) فَلَا يكون الْأَكْثَر مذهبا غير الْمفصل (النافون) لقبوله قَالُوا أَولا الْإِرْسَال (يسْتَلْزم جَهَالَة الرَّاوِي) عينا وَصفَة (فَيلْزم) من قبُول الْمُرْسل (الْقبُول مَعَ الشَّك) فِي عَدَالَة الرَّاوِي، إِذْ لَو سُئِلَ هَل هُوَ عدل لجَاز أَن يَقُول لَا كَمَا يجوز أَن يَقُول نعم، كَذَا قَالَ الشَّارِح، وَفِيه مَا فِيهِ (قُلْنَا ذَلِك) أَي الاستلزام الْمَذْكُور (فِي غير أَئِمَّة الشَّأْن) وَأما الْأَئِمَّة فَالظَّاهِر أَنهم لَا يجزمون بقول السَّاقِط إِلَّا بعد علمهمْ بِكَوْنِهِ ثِقَة (قَالُوا) ثَانِيًا فَحَيْثُ يجوز الْعَمَل بالمرسل (فَلَا فَائِدَة للإسناد) فَيلْزم اتِّفَاقهم على ذكره عينا (قُلْنَا) الْمُلَازمَة مَمْنُوعَة (بل يلْزم الْإِسْنَاد فِي غير الْأَئِمَّة ليقبل) مرويه، لأَنا لَا نقبل مَرْوِيّ غَيرهم إِلَّا بِالْإِسْنَادِ فالفائدة فِي حَقهم قبُول روايتهم (و) الْفَائِدَة (فِي الْأَئِمَّة إِفَادَة مرتبته) أَي الرَّاوِي الْمَنْقُول عَنهُ (للترجيح) عِنْد التَّعَارُض بِأَن يكون أَحدهمَا أفقه وأوثق إِلَى ذَلِك، فَهَذَا فَائِدَة الْإِسْنَاد فِي الْأَئِمَّة (و) الْفَائِدَة الْأُخْرَى (رفع الْخلاف) فِي قبُول الْمُرْسل ورده إِذْ لَا خلاف فِي الْمسند (و) الْفَائِدَة الْأُخْرَى (فحص الْمُجْتَهد بِنَفسِهِ) عَن حَال الرَّاوِي (إِن لم يكن مَشْهُورا) بِالْعَدَالَةِ وَالْأَمَانَة، الضَّمِير فِي لم يكن رَاجع إِلَى الرَّاوِي لَا الْمُرْسل كَمَا زعم الشَّارِح، إِذْ الْمَعْنى حِينَئِذٍ استلزم وَلم يُرْسل لعدم شهرة الْمُرْسل وَعدم شهرته يسْتَلْزم كَونه من غير الْأَئِمَّة، وَقد عرفت عدم قبُول إرْسَال غير الْأَئِمَّة فالإسناد للقبول، وَقَوله (لينال) الْمُجْتَهد (ثَوَابه) أَي الِاجْتِهَاد (ويقوى ظَنّه) بِصِحَّة الْمَرْوِيّ، فَإِن الظَّن الْحَاصِل بفحصه أقوى من الظَّن الْحَاصِل بفحص غَيره يدل على أَن الْإِسْنَاد لنيل الثَّوَاب وَقُوَّة الظَّن فيهمَا تدافع (قَالُوا) ثَالِثا (لَو تمّ) القَوْل بِقبُول الْمُرْسل (قبل
(3/104)

فِي عصرنا) أَيْضا لوُجُود الْعلَّة الْمُوجبَة للقبول من السّلف فِي عدل كل عصر (قُلْنَا نلتزمه) أَي قبُول الْمُرْسل فِي كل عصر (إِذا كَانَ) الْمُرْسل (من الْعُدُول وأئمة الشَّأْن) وَلَا يقبل إِذا لم يكن كَذَلِك. قَالَ (الشَّافِعِي إِن لم يكن) ذَلِك (العاضد) وَهُوَ مَا سبق من الْأُمُور الْخَمْسَة المفاد بقوله إِن عضدنا بِإِسْنَاد أَو إرْسَال إِلَى آخِره (لم يحصل الظَّن، وَهُوَ) أَي عدم حُصُول الظَّن عِنْد انْتِفَاء ذَلِك العاضد (مَمْنُوع بل) الظَّن حَاصِل (دونه) أَي دون ذَلِك العاضد (مِمَّا ذكرنَا) من جزم الْعدْل بنسبته الخ (وَقد شوحح) أَي نُوقِشَ الشَّافِعِي بقوله باعتضاد الْمُرْسل بمرسل آخر أَو بِمُسْنَد (فَقيل ضم غير الْمسند) إِلَى الْمُرْسل (ضم) خبر (غير مَقْبُول إِلَى) خبر (مثله) فِي عدم الْقبُول فَلَا يُفِيد الظَّن لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا مُتَّهم (فَلَا يُفِيد) الظَّن فَكَذَلِك الْمَجْمُوع (وَفِي) ضم (الْمسند) إِلَى الْمُرْسل (الْعَمَل بِهِ) أَي بالمسند (حِينَئِذٍ) لَا بالمرسل فالظن إِنَّمَا يحصل بالمسند لَا بِغَيْرِهِ (وَدفع الأول) وَهُوَ أَن ضم غير مَقْبُول إِلَى مثله لَا يُفِيد (بِأَن الظَّن قد يحصل عِنْده) أَي عِنْد الضَّم والتركيب مَعَ أَنه لَا يحصل بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا مُنْفَردا (كَمَا يقوى) الظَّن (بِهِ) أَي بِالضَّمِّ (لَو كَانَ حَاصِلا قبله) أَي قبل الضَّم لكَون المنضم إِلَيْهِ مُفِيدا (وَقدمنَا نَحوه فِي تعدد طرق الضَّعِيف) بِغَيْر الْفسق مَعَ الْعَدَالَة (قيل وَالثَّانِي) أَي كَون الْعَمَل بالمسند إِذا انْضَمَّ إِلَى الْمُرْسل (وَارِد) قَائِله ابْن الْحَاجِب (وَالْجَوَاب) عَن الثَّانِي ردا على قَوْله وَارِد (بِأَن الْمسند يبين صِحَة إِسْنَاد) الْمُرْسل الأول فَيحكم لَهُ) أَي للمرسل (مَعَ إرْسَاله) أَي مَعَ كَونه مُرْسلا (بِالصِّحَّةِ) صلَة الحكم، وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ الصِّحَّة الْمُعْتَبرَة فِي الصَّحِيح عِنْد الْمُحدثين بل الثُّبُوت والاحتجاج بِهِ اتِّفَاقًا ذكره ابْن الصّلاح (وَدفع) هَذَا الْجَواب. قَالَ الشَّارِح دافعه الشَّيْخ سراج الدّين الْهِنْدِيّ (بِأَنَّهُ إِنَّمَا يلْزم) تبين صِحَة الْإِسْنَاد الَّذِي فِيهِ الْإِرْسَال بالمسند (لَو كَانَ) الْإِسْنَاد فِي كليهمَا (وَاحِدًا ليَكُون الْمَذْكُور إِظْهَارًا للساقط وَلم يقصره) الشَّافِعِي: أَي أعضاد الْمُرْسل بالمسند (عَلَيْهِ) أَي على كَون الْإِسْنَاد فِي كليهمَا وَاحِدًا فَيتَنَاوَل مَا إِذا تعذر إسنادهما وَلَا يلْزم من صِحَة الحَدِيث بِإِسْنَاد صِحَّته بِإِسْنَاد آخر، (وَأجِيب أَيْضا بِأَنَّهُ يعْمل بالمرسل وَإِن لم تثبت عَدَالَة رُوَاة الْمسند أَو) يعْمل بالمرسل (بِلَا الْتِفَات إِلَى تعديلهم) أَي رُوَاة الْمسند (بِخِلَاف مَا لَو كَانَ الْعَمَل بِهِ) أَي بالمسند (ابْتِدَاء) فَإِنَّهُ إِنَّمَا يعْمل بِهِ بعد ثُبُوت عَدَالَة رُوَاته (وَاعْلَم أَن عبارَة الشَّافِعِي لم تنص على اشْتِرَاط عدالتهم) أَي رُوَاة الْمسند (وَهِي) أَي عِبَارَته (قَوْله) والمنقطع مُخْتَلف، فَمن شَاهد أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من التَّابِعين فَحدث حَدِيثا مُنْقَطِعًا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اعْتبر عَلَيْهِ بِأُمُور مِنْهَا أَن ينظر إِلَى مَا أرسل من الحَدِيث (فَإِن شركه الْحفاظ المأمونون فَأَسْنَدُوهُ) بِمثل معنى مَا روى (كَانَت) هَذِه (دلَالَة) على صِحَة من قيل عَنهُ وَحفظه (وَهَذِه الصّفة)
(3/105)

فِي المخرجين (لَا توجب عِبَارَته ثُبُوتهَا فِي سندهم). قَوْله وَهَذِه الصّفة الخ حَاصله الْفرق بَين المخرجين والرواة، فَإِن المخرجين مثل البُخَارِيّ وَمُسلم، والرواة الَّذين يذكرُونَ فِي السَّنَد أَنه يستنبط من قَول الشَّافِعِي أَن الموصوفين بِالْحِفْظِ وَالْأَمَانَة المخرجون، لِأَن الْإِسْنَاد يُضَاف إِلَيْهِم فِي عرف الْمُحدثين، وَكَون مخرج الحَدِيث حَافِظًا أَمينا لَا يستدعى كَون رِجَالهمْ بذكرهم فِي السَّنَد على هَذَا الْوَصْف، فغاية مَا يلْزم من عبارَة الشَّافِعِي اشْتِرَاط الصّفة الْمَذْكُورَة فِي مخرج مُسْند شَارك الْمُرْسل فِي معنى حَدِيثه لَا فِي رُوَاة حَدِيثه الْمُتَّصِل (وَكَأن الْإِيرَاد) الَّذِي قَرَّرَهُ ابْن الْحَاجِب (بِنَاء على اشْتِرَاط الصِّحَّة) أَي صِحَة السَّنَد فِي الْمسند المعاضد (وَالْجَوَاب حِينَئِذٍ) أَي حِين يشْتَرط فِيهِ الصِّحَّة أَن يُقَال (صيررتهما) أَي الْمسند والمرسل (دَلِيلين) وَإِن لم يكن أَحدهمَا حجَّة بِنَفسِهِ (قد يُفِيد فِي الْمُعَارضَة) بِأَن يرجح بهما عِنْد مُعَارضَة دَلِيل وَاحِد، فَمَعْنَى قَول الشَّافِعِي الْمُرْسل عِنْد الاعتضاد بِهِ أحد اعْتِبَاره للترجيح. وَأما تحسينه إرْسَال ابْن الْمسيب فَفِيهِ قَولَانِ لأَصْحَابه: أَحدهمَا أَن مراسليه فتشت فَوجدت مُسندَة وَالثَّانِي أَنه يرجح بهَا لكَونه من أكَابِر عُلَمَاء التَّابِعين. قَالَ الْخَطِيب: الصَّحِيح عندنَا الثَّانِي فعلى هَذَا لَا يخْتَص بِهِ، بل كل من يكون مثله يكون مرسله ترجح بِهِ (وَاعْلَم أَن من الْمُحَقِّقين) وَهُوَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ (من أدرج) قَول الْمُحدث (عَن رجل فِي حكمه) أَي الْمُرْسل (من الْقبُول عِنْد قَابل الْمُرْسل، وَلَيْسَ) كَذَلِك (فَإِن تصريحه) أَي الْمُحدث (بِهِ) أَي بِمن روى عَنهُ حَال كَونه (مَجْهُولا لَيْسَ كتركه) أَي من روى عَنهُ من حَيْثُ أَنه (يسْتَلْزم توثيقه) هَكَذَا فِي نُسْخَة الشَّارِح. وَفِي نُسْخَة اعتمادي عَلَيْهَا ليستلزم توثيقه وَهَذَا أحسن (نعم يلْزم كَون) قَول الْمُحدث (عَن الثِّقَة تعديلا) بل كَونه فِي حكم الْمُرْسل أولى لتصريحه بالثقة فَقَوله حَدثنِي الْفَقِيه تَعْدِيل فَوق الْإِرْسَال عِنْد من يقبله (بِخِلَافِهِ) أَي قَوْله عَن الثِّقَة (عِنْد من يردهُ) أَي الْمُرْسل فَإِنَّهُ لَا يعتبره (إِلَّا إِن عرفت عَادَته أَي الْقَائِل عَن الثِّقَة (فِيهِ) أَي فِي قَوْله حَدثنِي (الثِّقَة) أَن يكون ذَلِك الشَّخْص ثِقَة فِي نفس الْأَمر فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يقبله من يرد الْمُرْسل (كمالك) أَي كَقَوْلِه حَدثنِي (الثِّقَة عَن بكير بن عبد الله بن الْأَشَج ظهر أَن المُرَاد) بالثقة (مخرمَة بن بكير) (و) قَوْله حَدثنِي (الثِّقَة عَن عَمْرو بن شُعَيْب قيل) الثِّقَة (عبد الله بن وهب، وَقيل الزُّهْرِيّ) ذكره ابْن عبد الْبر (واستقرئ مثله) أَي إِطْلَاق الثِّقَة على من هُوَ ثِقَة فِي نفس الْأَمر (للشَّافِعِيّ) ذكره أَبُو الْحُسَيْن السجسْتانِي فِي كتاب فَضَائِل الشَّافِعِي سَمِعت بعض أهل الْمعرفَة بِالْحَدِيثِ يَقُول إِذا قَالَ الشَّافِعِي فِي كتبه: أخبرنَا الثِّقَة عَن ابْن أبي ذِئْب فَأَيْنَ أبي فديك؟، (وَلَا يخفى أَن رده) أَي عدم قبُول قَوْله حَدثنِي الثِّقَة إِذا لم يعرف عَادَته (يَلِيق بشارط الْبَيَان فِي التَّعْدِيل لَا الْجُمْهُور) الْقَائِلين بِأَن بَيَانه لَيْسَ بِشَرْط فِي حق الْعَالم بِالْجرْحِ وَالتَّعْدِيل.
(3/106)

مسئلة
(إِذا أكذب الأَصْل) أَي الشَّيْخ (الْفَرْع) أَي الرَّاوِي عَنهُ (بِأَن حكم بِالنَّفْيِ) فَقَالَ مَا رويت هَذَا الحَدِيث لَك أَو كذب عَليّ (سقط ذَلِك الحَدِيث) أَي إِن لم يعلم بِهِ (للْعلم بكذب أَحدهمَا وَلَا معِين) لَهُ، وَهُوَ قَادِح فِي قبُول الحَدِيث (وَبِهَذَا) التَّعْلِيل (سقط اخْتِيَار السَّمْعَانِيّ) ثمَّ السُّبْكِيّ عدم سُقُوطه لاحْتِمَال نِسْيَان الأَصْل لَهُ بعد رِوَايَته للفرع (وَقد نقل الْإِجْمَاع لعدم اعْتِبَاره) أَي ذَلِك الحَدِيث: نَقله الشَّيْخ سراج الدّين الْهِنْدِيّ وَالشَّيْخ قوام الدّين الكاكي. قَالَ الشَّارِح: وَفِيه نظر فَإِن السَّرخسِيّ وفخر الْإِسْلَام وَصَاحب التَّقْوِيم حكوا فِي إِنْكَار الرَّاوِي رِوَايَته مُطلقًا اخْتِلَاف السّلف (وهما) أَي الأَصْل وَالْفرع (على عدالتهما إِذْ لَا يبطل الثَّابِت) أَي الْمُتَيَقن من عدالتهما (بِالشَّكِّ) فِي زَوَالهَا (وَإِن شكّ) الأَصْل (فَلم يحكم بِالنَّفْيِ) بل قَالَ لَا أعرف أَنِّي رويت هَذَا الحَدِيث وَلَا أذكرهُ (فالأكثر) من الْعلمَاء: مِنْهُم مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي أصح الرِّوَايَتَيْنِ على أَن الحَدِيث (حجَّة) أَي يعْمل بِهِ (وَنسب لمُحَمد خلافًا لأبي يُوسُف تخريجا من اخْتِلَافهمَا فِي قَاض تقوم الْبَيِّنَة بِحكمِهِ وَلَا يذكر) ذَلِك القَاضِي حكمه الَّذِي قَامَت الْبَيِّنَة بِهِ (ردهَا) أَي الْبَيِّنَة (أَبُو يُوسُف) فَلَا ينفذ حكمه (وَقبلهَا مُحَمَّد) فَينفذ (وَنسبَة بَعضهم الْقبُول لأبي يُوسُف غلط) لِأَن المسطور فِي الْكتب إِنَّمَا هُوَ الأول (وَلم يذكر فِيهَا) أَي فِي مسئلة القَاضِي الْمُنكر لحكمه (قَول لأبي حنيفَة فضمه مَعَ أبي يُوسُف يحْتَاج إِلَى ثَبت، وعَلى الْمَنْع الْكَرْخِي وَالْقَاضِي أَبُو زيد وفخر الْإِسْلَام وَأحمد فِي رِوَايَة الْقَابِل) للرواية مَعَ الأَصْل قَالَ (الْفَرْع عدل جازم) بالرواية عَن الأَصْل (غير مكذب) لِأَن الْفَرْض شكّ الأَصْل لَا تَكْذِيبه (فَيقبل) لوُجُود الْمُقْتَضى وَعُمُوم الْمَانِع (كموت الأَصْل وجنونه) إِذْ نسيانه لَا يزِيد عَلَيْهِمَا بل دونهمَا قطعا، كَذَا قَالَ الشَّارِح، وَفِيه مَا فِيهِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وَيفرق) بَينهمَا وَبَينه (بِأَن حجيته) أَي الحَدِيث (بالاتصال بِهِ). وَفِي نُسْخَة مِنْهُ (صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وبنفي معرفَة الْمَرْوِيّ عَنهُ لَهُ) أَي للمروي (ينتفى) الِاتِّصَال (وَهُوَ) أَي انْتِفَاء الِاتِّصَال (مُنْتَفٍ فِي الْمَوْت) وَالْجُنُون، وَقد يُقَال: لَا نسلم الانتفاء فِي النسْيَان، لِأَن أَخْبَار الْعدْل أثبت وجود الِاتِّصَال وَلَا مكذب لَهُ، وَلَا يشْتَرط فِي الِاتِّصَال دوَام استحضار الرَّاوِي إِيَّاه (وَالِاسْتِدْلَال بِأَن سهيلا بعد أَن قيل لَهُ حدث عَنْك ربيعَة أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قضى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين فَلم يعرفهُ صَار يَقُول: حَدثنِي ربيعَة عني) كَمَا أخرجه أَبُو عوَانَة فِي صَحِيحه وَغَيره (دفع بِأَنَّهُ غير مُسْتَلْزم للمطلوب وَهُوَ وجوب الْعَمَل) بِهِ فَإِن ربيعَة لم ينْقل ذَلِك على طَريقَة إِسْنَاد الحَدِيث وَتَصْحِيح رِوَايَته وَإِنَّمَا
(3/107)

كَانَ يَقُوله على طَريقَة حِكَايَة الْوَاقِعَة (وَلَو سلم) استلزامه لَهُ على رَأْيه (فَرَأى سُهَيْل كَغَيْرِهِ) أَي كرأي غَيره، فَلَا يكون رَأْيه حجَّة على غَيره (وَلَو سلم) كَون رَأْيه حجَّة على غَيره (فعلى الْجَازِم) لصِحَّة هَذَا النَّقْل عَن سُهَيْل (فَقَط) لَا عُمُوم النَّاس (قَالُوا) أَي النافون للْعَمَل بِهِ (قَالَ عمار لعمر: أَتَذكر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِذْ أَنا وَأَنت فِي سَرِيَّة فأجنبنا فَلم نجد المَاء فَأَما أَنْت فَلم تصل، وَأما أَنا فتمعكت وَصليت، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام إِنَّمَا يَكْفِيك ضربتان فَلم يقبله عمر) مَعْنَاهُ فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَسنَن أبي دَاوُد، وَإِنَّمَا لم يقبله (إِذْ كَانَ نَاسِيا لَهُ) فَإِنَّهُ لَا يظنّ بِعَمَّار الْكَذِب وَلَا بعمر عدم الْقبُول (ورد بِأَنَّهُ) أَي هَذَا الْمَأْثُور عَن عمار وَعمر (فِي غير مَحل النزاع فَإِن عمارا لم يرو عَن عمر) ذَلِك، بل عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (ورد) هَذَا الرَّد (بِأَن عدم تذكر غير الْمَرْوِيّ عَنهُ) وَهُوَ عمر هَهُنَا (الْحَادِثَة الْمُشْتَركَة) بَينه وَبَين الرَّاوِي لَهَا (إِذا منع قبُول) الحكم (الْمَبْنِيّ عَلَيْهَا) أَي على رِوَايَة تِلْكَ الْحَادِثَة (فنسيان الْمَرْوِيّ عَنهُ) وَهُوَ الشَّيْخ (أصل رِوَايَته لَهُ أولى) أَن يمْنَع قبُول حكمه من ذَلِك، لِأَن غير الْمَرْوِيّ عَنهُ لَيْسَ أصلا بِالنِّسْبَةِ إِلَى رِوَايَته بِخِلَاف هَذَا (فَالْوَجْه رده) تَفْرِيع على رد الرَّاوِي، الْوَجْه أَن قَوْله فِي غير مَحل النزاع مَرْدُود لِأَنَّهُ إِذا لزم مِنْهُ مَحل النزاع بطرِيق أولى كَانَ أَدخل فِي الْقَصْد، أَو الْمَعْنى رد مثل هَذَا الحَدِيث الَّذِي أنكرهُ الأَصْل، وأرجع الشَّارِح ضمير رده إِلَى عمر، وَلَا معنى لَهُ (لَكِن لَا يلْزم الرَّاوِي) أَن لَا يعْمل بروايته لِأَن غَايَة مَا يلْزم من الْأَثر الْمَذْكُور أَن عمر لم يقبل مَا رَوَاهُ عمار بِحَسب مَا اقْتَضَاهُ اجْتِهَاده، وَذَلِكَ لَا يسْتَلْزم عدم كَونه مَقْبُولًا عِنْد غَيره (لدَلِيل الْقبُول) أَي لقِيَام دَلِيل قبُوله فِي حَقه حَيْثُ جزم بِصِحَّة هَذِه الْحَادِثَة وَلزِمَ الْعَمَل بِمُقْتَضَاهُ وَهُوَ جَوَاز التَّيَمُّم لمن ابتلى بِمثل تِلْكَ الْحَادِثَة فِيمَا نَحن فِيهِ (وَأما) قَول النافين للْعَمَل بِهِ (لم يصدقهُ) أَي الأَصْل الْفَرْع (فَلَا يعْمل بِهِ كشاهد الْفَرْع عِنْد نِسْيَان الأَصْل) بِجَامِع الفرعية وَالنِّسْيَان (فَيدْفَع بِأَنَّهَا) أَي الشَّهَادَة (أضيق) من الرِّوَايَة، وَلذَا اشْترطت بشرائط لم تشْتَرط فِي الرِّوَايَة، وَقد مر غير مرّة (و) شَهَادَة الْفَرْع (متوقفة على تحميل الأَصْل) الْفَرْع لَهَا فَتبْطل شَهَادَة الْفَرْع (بإنكاره) أَي الأَصْل الشَّهَادَة (بِخِلَاف الرِّوَايَة) فَإِنَّهَا مَبْنِيَّة على السماع دون التحميل وَهَذَا إِنَّمَا يتم عِنْد من شَرط التحميل فِي شَهَادَة الْفَرْع كالحنفية وَأما من لم يَشْتَرِطه كالشافعية فَلَا يتم عِنْده.

مسئلة
(إِذا انْفَرد الثِّقَة) من بَين ثقاة رووا حَدِيثا (بِزِيَادَة) على ذَلِك الحَدِيث (وَعلم اتِّحَاد الْمجْلس
(3/108)

بِسَمَاعِهِ وسماعهم ذَلِك الحَدِيث (وَمن مَعَه) أَي الثِّقَة الْمَذْكُور فِي ذَلِك الْمجْلس (لَا يغْفل مثلهم عَن مثلهَا) أَي تِلْكَ الزِّيَادَة (عَادَة لم تقبل) تِلْكَ الزِّيَادَة (لِأَن غلطه) أَي الْمُنْفَرد بهَا (وهم) أَي وَالْحَال أَن من مَعَه (كَذَلِك) أَي لَا يغْفل مثلهم عَن مثلهَا (أظهر الظاهرين) من غلطه وغلطهم، لِأَن احْتِمَال تطرق الْغَلَط إِلَيْهِ أولى من احْتِمَال تطرقه إِلَيْهِم، وَيحْتَمل أَنه سَمعهَا من الْمَرْوِيّ عَنهُ والتبس عَلَيْهِ (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن كَذَلِك بِأَن كَانَ مثلهم يغْفل عَن مثلهَا (فالجمهور) من الْفُقَهَاء والمحدثين والمتكلمين (وَهُوَ الْمُخْتَار) تقبل تِلْكَ الزِّيَادَة، وَعَن أَحْمد فِي رِوَايَة بعض الْمُحدثين لَا (تقبل لنا) أَن راويها (ثِقَة جازم) بروايتها (فَوَجَبَ قبُوله) كَمَا لَو انْفَرد بِرِوَايَة حَدِيث، (قَالُوا) أَي نافو قبُولهَا راويها (ظَاهر الْوَهم لنفي المشاركين) لَهُ فِي السماع والمجلس (المتوجهين لما توجه لَهُ) (قُلْنَا إِن كَانُوا) أَي نافوها (من تقدم) أَي من لَا يغْفل مثلهم عَن مثلهَا عَادَة (فَمُسلم) كَونه ظَاهر الْوَهم فَلَا يقبل، وَلَكِن لَيْسَ هَذَا مَحل النزاع (وَإِلَّا) بِأَن كَانُوا غير من تقدم (فاظهر مِنْهُ) أَي من كَونه ظَاهر الْوَهم (عَدمه) أَي عدم كَونه ظَاهر الْوَهم (لِأَن سَهْو الْإِنْسَان فِي أَنه سمع وَلم يسمع) فِي نفس الْأَمر (بعيد) جدا وغفلة جمع مثلهم يغفلون لَيست بِتِلْكَ المثابة فِي الْبعد (بِخِلَاف مَا تقدم) من الشق الأول من كَونهم (إِذا كَانُوا من تبعد الْعَادة غفلتهم عَنهُ) فَإِن الْغَفْلَة من مثلهم أبعد من سَهْو ذَلِك الْمُنْفَرد فِي أَنه سمع وَلم يسمع (فقد علمت أَن حَقِيقَة الْوَجْهَيْنِ) بعد غَفلَة الْمُنْفَرد وَبعد غَفلَة من مَعَه فِي الْمجْلس فِي الشقين (ظاهران تَعَارضا فرجح) فِي الأول أَحدهمَا، وَفِي الثَّانِي الآخر لما عرفت (فَإِن تعدد الْمجْلس أَو جهل) تعدده (قبلت) الزِّيَادَة اتِّفَاقًا) لاحْتِمَال وُقُوع الزِّيَادَة فِي مجْلِس الِانْفِرَاد على التَّقْدِير (والإسناد مَعَ الْإِرْسَال زِيَادَة، وَكَذَا الرّفْع) لحَدِيث إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (مَعَ الْوَقْف) بِأَن وَقفه ثِقَة على الصَّحَابِيّ ثمَّ رَفعه آخر إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فالرفع أَيْضا حِينَئِذٍ يكون زِيَادَة (والوصل) لَهُ بِذكر الوسائط الَّتِي بَينه وَبَين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من ثِقَة (مَعَ الْقطع) لَهُ ترك بَعْضهَا من ثِقَة أَيْضا زِيَادَة فيتأتى فِي كل مِنْهَا مَا يَتَأَتَّى فِي الزِّيَادَة من الحكم (خلافًا لمقدم الأحفظ) بِكَسْر الدَّال سَوَاء كَانَ هُوَ الْمُرْسل أَو الْمسند أَو الرافع أَو الْوَاقِف أَو الْوَاصِل أَو الْقَاطِع كَمَا هُوَ قَول بَعضهم (أَو الْأَكْثَر) كَذَلِك كَمَا هُوَ قَول بعض الْمُتَأَخِّرين (فَإِن قيل الْإِرْسَال وَالْقطع كالجرح فِي الحَدِيث) فَيَنْبَغِي أَن يقدما على الْإِسْنَاد والوصل كَمَا يقدم الْجرْح على التَّعْدِيل، (أُجِيب بِأَن تَقْدِيمه) أَي الْجرْح (لزِيَادَة الْعلم) فِي الْجرْح (لَا لذاته) أَي الْجرْح (وَذَلِكَ) أَي مزِيد الْعلم (فِي الْإِسْنَاد فَيقدم) على غَيره (وَهَذَا الْإِطْلَاق) عَن قيد عدم مُعَارضَة الأَصْل وَتعذر الْجمع لقبُول الزِّيَادَة المفاد بقوله: فالجمهور، وَقَوله فَإِن تعذر الْمجْلس (يُوجب قبُولهَا) أَي الزِّيَادَة سَوَاء كَانَت (من راو) وَاحِد (أَو أَكثر) من وَاحِد، الْمُتَبَادر من السِّيَاق أَن الْكَلَام فِي
(3/109)

زِيَادَة انْفَرد بهَا الرَّاوِي من بَين الثِّقَات فَقَوله: أَو أَكثر بِاعْتِبَار اقْتِضَاء عِلّة الْقبُول التَّعْمِيم وَيحْتَمل أَن يكون معنى قَوْله: من راو وَاحِد أَو أَكثر أَن يكون مَجْمُوع الأَصْل وَالزِّيَادَة من شخص وَاحِد أَو أَكثر (وَإِن عارضت) الزِّيَادَة (الأَصْل وَتعذر الْجمع) بَينهمَا بِأَن تكون تِلْكَ الزِّيَادَة مُغيرَة لما يدل عَلَيْهِ الأَصْل (وَهَذَا) معنى (مَا قيل غيرت الحكم) الثَّابِت بِالْأَصْلِ (أم لَا وَنقل فِيهِ) أَي هَذَا القَوْل (إِجْمَاع) أهل (الحَدِيث) ذكره ابْن طَاهِر (وَقيل فِي الْكتب الْمَشْهُورَة الْمَنْع). قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ: وَفِي الْكتب الْمَشْهُورَة أَنه إِن تعذر الْجمع بَين قبُول الزِّيَادَة وَالْأَصْل لم يقبل وَإِن لم يتَعَذَّر فَإِن تعدد الْمجْلس قبلت، وَإِن اتَّحد فَإِن كَانَت مَرَّات رِوَايَته للزِّيَادَة أقل لم يقبل إِلَّا أَن يَقُول سَهَوْت فِي تِلْكَ المرات وَإِن لم تكن أقل قبلت (وَهُوَ) أَي منع قبُول الزِّيَادَة الْمُعَارضَة مُطلقًا سَوَاء كَانَت من وَاحِد أَو أَكثر (مُقْتَضى حكم) أهل (الحَدِيث بِعَدَمِ قبُول الشاذ الْمُخَالف) لما رَوَاهُ الثِّقَات وَأَن رَاوِيه ثِقَة (بل أولى إِذْ مثلوه) أَي للشاذ الْمُخَالف (بِرِوَايَة الثِّقَة) وَهُوَ همام بن يحيى احْتج بِهِ أهل الحَدِيث (عَن ابْن جريج أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ إِذا دخل الْخَلَاء وضع خَاتمه) رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن (وَمن سواهُ) أَي الثِّقَة الْمَذْكُور إِنَّمَا روى (عَنهُ) أَي عَن جريج أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (اتخذ خَاتمًا من ورق ثمَّ أَلْقَاهُ) كَمَا ذكره أَبُو دَاوُد. قَالَ وَالوهم فِيهِ من همام وَلم يروه الإهمام، وَهُوَ متعقب بِأَن يحيى بن المتَوَكل الْبَصْرِيّ رَوَاهُ عَن ابْن جريج أَيْضا كَمَا أخرجه الْحَاكِم، وَلَيْسَ مَرْوِيّ الثِّقَة الْمَذْكُور بمعارض رِوَايَة غَيره. وَفِي نُسْخَة (مَعَ كَونه لم يُعَارض) لجَوَاز كَون قَوْله كَانَ إِذا دخل الْخَلَاء إِلَى آخِره حِكَايَة مُدَّة كَانَت قبل الْإِلْقَاء، فَإِذا حكمُوا قبل بِعَدَمِ قبُول رِوَايَة الثِّقَة عَن ابْن جريج مَعَ كَونه غير معَارض لما رَوَاهُ الثِّقَات فَأولى أَن يرووا الزِّيَادَة الْمُعَارضَة لما رَوَاهُ الثِّقَات (وَإِن لم يتَعَذَّر) الْجمع (مَعَ جهل الِاتِّحَاد) للمجلس: أَي وَمَعَ وحدة الرَّاوِي (ومرات رِوَايَتهَا) أَي الزِّيَادَة (لَيست أقل من تَركهَا قبلت، وَإِلَّا لم تقبل إِلَّا أَن يَقُول سَهَوْت فِي مَرَّات الْحَذف، وَالْمَعْرُوف أَنه مَذْهَب فِي قبُولهَا) أَي الزِّيَادَة (مُطلقًا) أَي سَوَاء كَانَت مُخَالفَة أَولا (من) الرَّاوِي (الْوَاحِد) ذكر الشَّارِح فِي تَفْسِير ضمير أَنه: أَي هَذَا، وَلَا يفهم من هَذَا إِلَّا القَوْل الْأَخير، وَمَا يُسْتَفَاد من قَوْله وَإِن لم يتَعَذَّر إِلَى آخِره وَلَا يصلح شَيْء مِنْهُمَا: أما الأول فَظَاهر، لأم محصوله الْمَنْع لَا الْقبُول مُطلقًا، وَأما الثَّانِي فَهُوَ أحد شقي قَول لإتمامه وَلَيْسَ فِيهِ الْقبُول الْمُطلق لزِيَادَة راو وَاحِد كَمَا لَا يخفى، والتأويل الْبعيد لَا يرتضيه الطَّبْع السَّلِيم، فَالْوَجْه أَنه رَاجع إِلَى إِفَادَة بقوله، وَهَذَا الْإِطْلَاق يُوجب قبُولهَا من راو أَو أَكثر وَمَا بَينهمَا جمل مُعْتَرضَة فَذكر هُنَاكَ مقتضي الدَّلِيل وَهَهُنَا مَا هُوَ الْمَعْرُوف من اخْتِصَاص الْقبُول بِمَا إِذا كَانَ من راو وَاحِد (لَا بِقَيْد) إِطْلَاق قبُولهَا (مخالفتها) أَي الزِّيَادَة
(3/110)

الأَصْل (ثمَّ مُوجب الدَّلِيل السَّابِق) وَهُوَ قَوْلنَا ثِقَة جازم (وَالْإِطْلَاق) الْمَذْكُور فِي نقل مَذْهَب الْجُمْهُور (قبُول) الزِّيَادَة (الْمُعَارضَة) مُطلقًا وَإِن تعذر الْجمع (أَي يسْلك التَّرْجِيح) تَفْسِير لما طوى ذكره لظُهُوره، يَعْنِي أَن تَقْدِيم أحد المعارضيين فِي بَاب الْمُعَارضَة بِشَيْء من المرجحات الْمَعْرُوفَة طَريقَة مسلوكة متعقبة أرادتها وَإِن لم يذكر (وَمِنْه) أَي من الْمَزِيد الْمعَارض أَو من هَذَا الْقَبِيل الزِّيَادَة (الْمُوجبَة نقصا مثل: وتربتها طهُورا) على مَا ظن بعد قَوْله وَجعلت لي الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا يدل على أَن قَوْله وَطهُورًا، فَإِن زِيَادَة تربَتهَا تنقص بِإِخْرَاج مَا عدا التُّرَاب مِمَّا يَشْمَلهُ جعلت لي الأَرْض طهُورا، وَإِنَّمَا قَالَ على مَا ظن لِأَن إِخْرَاج مَا عداهُ بِاعْتِبَار مَفْهُوم الْمُخَالفَة وَهُوَ غير مُعْتَبر عندنَا (والشاذ الْمَمْنُوع) أَي الْمَرْدُود هُوَ (الأول) أَي مَا انْفَرد بِالزِّيَادَةِ الكائنة فِي مجْلِس مُتحد لَهُ، وَيجمع فِي (مَا لَا يغْفل مثلهم) فِيهِ (عَنهُ) أَي عَن ذَلِك الْمَزِيد (وَعَلِيهِ) أَي قبُول الزِّيَادَة الْمُعَارضَة (جعل الْحَنَفِيَّة إِيَّاه) أَي مَجْمُوع الْمَزِيد وَالْأَصْل حَال كَونهمَا (من اثْنَيْنِ خبرين) مفعول ثَان للجعل (كنهيه) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (عَن بيع الطَّعَام قبل الْقَبْض) كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا بِلَفْظ " من ابْتَاعَ طَعَاما فَلم يَبِعْهُ حَتَّى يقبضهُ ". (وَقَوله) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لعتاب بن أسيد) لما بَعثه إِلَى أهل مَكَّة (انههم عَن بيع مَا لم يقبضوا) رَوَاهُ أَبُو حنيفَة بِلَفْظ " مَا لم يقبض ". وَفِي سَنَده من لم يسم (أجروا) أَي الْحَنَفِيَّة (الْمُعَارضَة) بَينهمَا فَإِن قلت: فهم لَا يعتبرون مَفْهُوم الْمُخَالفَة فَلَا مُعَارضَة قلت مَعْنَاهُ: لَا يعتبرونه مدلولا للفظ، وَهُوَ لَا يُنَافِي اعْتِبَاره بِالْقَرِينَةِ (ورجحوا) مَا لعتاب فان فِيهِ (زِيَادَة الْعُمُوم) لتنَاوله الطَّعَام وَغَيره لَكِن أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف لم يعملا بِهِ فِي حق الْعقار لكَون النَّص معلولا بغرر الِانْفِسَاخ بِالْهَلَاكِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي الْعقار، لِأَن هَلَاكه نَادِر، والنادر لَا عِبْرَة بِهِ، وَإِنَّمَا اخْتَارُوا جَانب الْعُمُوم، وَلم يَقُولُوا: إِن المُرَاد من الْعُمُوم هَذَا الْخُصُوص (إِذْ لَا يحملون الْمُطلق على الْمُقَيد) فِي مثله على مَا مر فِي مبحثه (وَالْوَجْه فِيهِ) أَي فِي حَدِيث النَّهْي عَن بيع مَا لم يقبض، وَفِي الحَدِيث الْمَذْكُور فِيهِ (وَفِي تربَتهَا تعين الْعَام) وَهُوَ النَّهْي عَن بيع مَا لم يقبض وطهورية الأَرْض لإجراء الْمُعَارضَة ثمَّ التَّرْجِيح بِالْعُمُومِ لما سَيَأْتِي (وَيلْزم الشَّافِعِيَّة مثله) أَي تعْيين الْعَام وَعدم إِجْرَاء الْمُعَارضَة وَالتَّرْجِيح (لِأَنَّهُ) أَي مثل هَذِه الصُّورَة (من قبيل أَفْرَاد فَرد من الْعَام) كالطعام بِالنِّسْبَةِ إِلَى الأَرْض بِحكم الْعَام لَا بِحكم مُخَالف لحكمه (وَمن الْوَاحِد) مَعْطُوف على قَوْله اثْنَيْنِ: أَي وَجعل الْحَنَفِيَّة الزِّيَادَة وَالْأَصْل بِدُونِهَا إِذا كَانَ راويهما (وَاحِدًا) خَبرا (وَلزِمَ اعْتِبَارهَا) أَي الزِّيَادَة مُرَاده فِي الأَصْل (كَابْن مَسْعُود) كَمَا فِي رِوَايَة عَن ابْن مَسْعُود سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول (إِذْ اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ) وَلم يكن لَهما بَيِّنَة
(3/111)

(والسلعة قَائِمَة) فَالْقَوْل مَا قَالَ البَائِع أَو يترادان (وَفِي أُخْرَى) عَنهُ (لم تذكر) السّلْعَة، رَوَاهُمَا أَبُو حنيفَة لَكِن بِلَفْظ البيعان، والْحَدِيث فِي السّنَن غَيرهَا وَهُوَ بِمَجْمُوع طرقه حسن يحْتَج بِهِ، لَكِن فِي لَفظه اخْتِلَاف ذكره ابْن عبد الْهَادِي (فقيدوا) أَي الْحَنَفِيَّة إِطْلَاق حكم الْأُخْرَى الَّتِي لم تذكر فِيهَا من التخالف والتراد (بهَا) أَي بِالزِّيَادَةِ الْمَذْكُورَة وَهِي السّلْعَة قَائِمَة (حملا على حذفهَا فِي الْأُخْرَى نِسْيَانا بِلَا ذَلِك التَّفْصِيل) السَّابِق، وَهُوَ أَنه إِذا كَانَ مَرَّات تِلْكَ الزِّيَادَة أقل من مَرَّات رِوَايَتهَا أَو مثلهَا قبلت، وَإِلَّا لَا تقبل إِلَّا أَن يَقُول: سَهَوْت فِي مَرَّات الْحَذف (وَهُوَ) أَي قَوْلهم هَذَا هُوَ (الْوَجْه) لِأَن عَدَالَته وَثِيقَة دَالَّة على كَون الْحَذف على سَبِيل السَّهْو، وَلَا يحْتَاج إِلَى أَن يعبر عَنهُ بِلِسَانِهِ صَرِيحًا (فَلَيْسَ) هَذَا مِنْهُم (من حمل الْمُطلق) على الْمُقَيد بل من بَاب الْحَذف نِسْيَانا.

مسئلة
(خبر الْوَاحِد فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى: أَي يحْتَاج الْكل إِلَيْهِ حَاجَة متأكدة مَعَ كَثْرَة تكرره لَا يثبت بِهِ وجوب دون اشتهار أَو تلقي الْأمة بِالْقبُولِ) لَهُ: أَي مُقَابلَته بِالتَّسْلِيمِ وَالْعَمَل بِمُقْتَضَاهُ (عِنْد عَامَّة الْحَنَفِيَّة مِنْهُم الْكَرْخِي) كَأَنَّهُ رد لما يتَوَهَّم من كَلَام بَعضهم من اخْتِصَاص هَذَا الْجَواب بالكرخي فَلَا يتَّجه مَا ذكره الشَّارِح من أَنه لَا فَائِدَة لقَوْله مِنْهُم الْكَرْخِي لاندراجه فِي عامتهم (كَخَبَر مس الذّكر) أَي من مس ذكره فَليَتَوَضَّأ: روته بسرة بنت صَفْوَان كَمَا أخرجه أَصْحَاب السّنَن وَصَححهُ أَحْمد وَغَيره، فَإِن نواقض الْوضُوء يحْتَاج إِلَى مَعْرفَتهَا الْخَاص وَالْعَام وَهَذَا السَّبَب كثير التّكْرَار وَلم يشْتَهر وَلم يتلقه الْأمة بِالْقبُولِ، قَالَ السَّرخسِيّ: القَوْل بِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خصها بتعليم هَذَا الحكم مَعَ أَنَّهَا لَا تحْتَاج إِلَيْهِ وَلم يعلم سَائِر الصَّحَابَة مَعَ حَاجتهم إِلَيْهِ شبه الْمحَال انْتهى، وَلما كَانَ هُنَا مَظَنَّة سُؤال وَهُوَ أَنكُمْ قبلتم مثله فِي غسل الْيَدَيْنِ قبل إدخالهما فِي الْإِنَاء عِنْد الشُّرُوع فِي الْوضُوء وَفِي رفع الْيَدَيْنِ عِنْد إِرَادَة الشُّرُوع فِي الصَّلَاة مَعَ أَن كلا مِنْهُمَا مِمَّا تعم بِهِ الْبلوى. قَالَ (وَلَيْسَ غسل الْيَدَيْنِ ورفعهما مِنْهُ) أَي من الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى على الْوَجْه الْمَذْكُور، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (إِذْ لَا وجوب) يَعْنِي أَنا لَا نثبت بِكُل مِنْهُمَا وجوبا بل استئنافا لذَلِك فَلَا يضر قبولنا إِيَّاه فِيهِ (كالتسمية فِي قِرَاءَة الصَّلَاة) فَإِن أثبتناها بِمَا عَن أم سَلمَة أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَرَأَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فِي الْفَاتِحَة فِي الصَّلَاة وعدها. أخرجه ابْن خُزَيْمَة وَالْحَاكِم (وَالْأَكْثَر) من الْأُصُولِيِّينَ والمحدثين (يقبل) خبر الْوَاحِد فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى إِذا صَحَّ إِسْنَاده (دونهمَا) أَي بِلَا اشْتِرَاط اشتهاره وَلَا تلقى الْأمة لَهُ بِالْقبُولِ (لنا لِأَن الْعَادة قاضية بتنقيب
(3/112)

المتدينين) أَي بحثهم (عَن أَحْكَام مَا) أَي عمل (اشتدت حَاجتهم إِلَيْهِ لِكَثْرَة تكرره) لَهُم نقل الشَّارِح عَن المُصَنّف قَوْله واشتداد الْحَاجة بِالْوُجُوب (و) إِن الْعَادة قاضية (بإلقائه) أَي مَا اشتدت الْحَاجة إِلَيْهِ (إِلَى الْكثير) مِنْهُم (دون تَخْصِيص الْوَاحِد والاثنين، وَيلْزمهُ) أَي الْإِلْقَاء إِلَى الْكثير (شهرة الرِّوَايَة وَالْقَبُول وَعدم الْخلاف) فِيهِ (إِذا روى فَعدم أَحدهمَا) أَي الشُّهْرَة وَالْقَبُول (دَلِيل الْخَطَأ) أَي خطأ ناقله (أَو النّسخ فَلَا يقبل) اعْترض الشَّارِح بِأَن الْوَجْه أَن يَقُول: وَيلْزمهُ شهرة الرِّوَايَة وَالْقَبُول كَمَا قَالَ دون اشتهار وتلقى الْأمة انْتهى يَعْنِي أَنه قَالَ فِي صدر المسئلة: لَا يثبت بِهِ وجوب دون اشتهار أَو تلقي الْأمة بِكَلِمَة أَو وَكَانَ مُقْتَضَاهُ أَن يَقُول هَهُنَا أَيْضا كَذَلِك، وَقد غَيرهَا بِالْوَاو وَلم يدر أَن لثُبُوت الْوُجُوب بِخَبَر الْوَاحِد فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى إِذا كَانَ لَهُ لَا زمَان لَا يفارقانه، فالعلم بتحقق الْمَلْزُوم يتَحَقَّق بِالْعلمِ بِأحد لازميه من غير أَن يتَعَلَّق الْعلم بهما جَمِيعًا، وَعدم الْعلم باللازم الآخر لَا يسْتَلْزم مفارفته عَن الْمَلْزُوم: وَهَذَا إِذا علم انْتِفَاء أَحدهمَا فِي نفس الْأَمر علم انْتِفَاء الْمَلْزُوم فِي نفس الْأَمر لفرض مساواتهما إِيَّاه، وَعدم الْعلم بِانْتِفَاء الآخر لَا يستلزمه فِي نفس الْأَمر، فَذكر الْوَاو فِي قَوْله وَيلْزمهُ إِلَى آخِره إِشَارَة إِلَى لُزُوم كل مِنْهُمَا، وَكلمَة أَو إِشَارَة إِلَى مَا ذَكرْنَاهُ وَالله أعلم. (وَاسْتدلَّ) للمختار بمزيف، وَهُوَ (الْعَادة قاضية بنقله) أَي بِنَقْل مَا تعم بِهِ الْبلوى نقلا (متواترا) لتوفر الدعاوي على نَقله لذَلِك، وَلما لم يتواتر علم كذبه (ورد) هَذَا (بِالْمَنْعِ) أَي منع قَضَاء الْعَادة بتواتره (إِذْ اللَّازِم) لكَونه تعم بِهِ الْبلوى إِنَّمَا هُوَ (علمه) أَي الْخلاف الْكثير (لَا رِوَايَته) أَي الحكم لَهُم (إِلَّا عِنْد الاستفسار) عَنهُ (أَو يَكْتَفِي بِرِوَايَة الْبَعْض مَعَ تَقْرِير الآخرين قَالُوا) أَي الْأَكْثَرُونَ (قبلته) أَي خبر الْوَاحِد فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى (الْأمة فِي تفاصيل الصَّلَاة وقبلتموه فِي مقدماتها كالفصد) أَي الْوضُوء مِنْهُ بقوله عَلَيْهِ السَّلَام " الْوضُوء من كل دم سَائل ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَابْن عدي (والقهقهة) أَي وَالْوُضُوء مِنْهَا إِذا كَانَت فِي صَلَاة مُطلقَة بِمَا تقدم فِي مسئلة عمل الصَّحَابِيّ بِرِوَايَة الْمُشْتَرك من طَرِيق أبي حنيفَة أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ
" من قهقه مِنْكُم فليعد الْوضُوء وَالصَّلَاة " (وَقيل فِيهِ) أَي فِي حكم مَا تعم بِهِ الْبلوى (الْقيَاس) أَي الْعَمَل بِهِ (وَهُوَ) أَي الْقيَاس (دونه) أَي خبر الْوَاحِد كَمَا سَيَأْتِي، فخبر الْوَاحِد أولى بِالْقبُولِ (قُلْنَا التفاصيل إِن كَانَت رفع الْيَدَيْنِ وَالتَّسْمِيَة والجهر بهَا وَنَحْوه من السّنَن) كوضع الْيَمين على الشمَال تَحت السُّرَّة وإخفاء التَّأْمِين (فَلَيْسَ) إِثْبَات ذَلِك (مَحل النزاع) إِذْ النزاع فِي إِثْبَات الْوُجُوب بِهِ (أَو) كَانَت (الْأَركان الإجماعية) من الْقيام وَالْقِرَاءَة وَالرُّكُوع وَالسُّجُود
(3/113)

(فبقاطع) أَي فأثبتناه بِدَلِيل قَطْعِيّ من الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع (أَو) كَانَت الْأَركان (الخلافية كَخَبَر الْفَاتِحَة) كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ " لَا صَلَاة لمن لم يقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب ". (فَأَما اشْتهر أَو تلقى) بِالْقبُولِ (فَقُلْنَا بِمُقْتَضَاهُ من الْوُجُوب) لَا الْفَرْض (أَو) التَّفْصِيل الصلاتي الَّذِي أثبت بِخَبَر الْوَاحِد (لَيْسَ مِنْهُ) أَي مَا تعم بِهِ الْبلوى (إِذْ هُوَ) أَي مَا تعم بِهِ الْبلوى (فعل أَو حَال يكثر تكرره للْكُلّ) حَال كَونه (سَببا للْوُجُوب) كالبول والمس وَالنَّوْم، فَإِنَّهُ يكثر تكررها، بِخِلَاف التقاء الختانين لعدم كَثْرَة وُقُوعه (فَيعلم) الْوُجُوب عَلَيْهِم (لقَضَاء الْعَادة بالاستعلام) فِي مثل ذَلِك (أَو بِلُزُوم كثرته) مَعْطُوف على الاستعلام: أَي لقَضَاء الْعَادة بِلُزُوم كَثْرَة الْإِعْلَام فِي مثله (للشَّرْع) لبَيَان مشروعيته على سَبِيل الْوُجُوب (قطعا) لشدَّة الْحَاجة إِلَيْهِ (كمطلق الْقِرَاءَة) فِي الصَّلَاة، و (حِينَئِذٍ) أَي وَحين كَانَ الْأَمر على هَذَا التَّفْصِيل (ظهر أَن لَيْسَ مِنْهُ) أَي مِمَّا تعم بِهِ الْبلوى (نَحْو الفصد) فَإِنَّهُ لَا يكثر للمتوضئين (والقهقهة) فِي الصَّلَاة فَإِنَّهَا فِي غَايَة الندرة (فَلَا يتَّجه إيجابهم) أَي الْحَنَفِيَّة (السُّورَة) مَعَ الْفَاتِحَة فِي الصَّلَاة (مَعَ الْخلاف) فِي قبُول حَدِيثهَا وَعدم اشتهاره، بل وَفِي صِحَّته أَيْضا مَعَ أَنَّهَا مِمَّا تعم بِهِ الْبلوى هَكَذَا ذكره الشَّارِح وَلم يتَقَيَّد بارتباط الْكَلَام، وَوجه تَفْرِيع عدم اتحاده إيجابهم السُّورَة على مَا قبله، وَبِأَن الحَدِيث وَهُوَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام " لَا صَلَاة لمن لم يقْرَأ فِي كل رَكْعَة بِالْحَمْد وَسورَة فِي الْفَرِيضَة وَغَيرهَا إِذا كَانَ مُخْتَلفا فِي قبُوله وَصِحَّته كَيفَ يكون هَذَا الِاخْتِلَاف منشأ لعدم الِاعْتِرَاض على الْحَنَفِيَّة، وَقد أثبتوا الْوَاجِب بِخَبَر الْوَاحِد فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى مَعَ كَثْرَة التّكْرَار للْكُلّ وَالصَّوَاب أَن يُقَال أَنه تَفْرِيع على اعْتِبَار تكْثر التكرر بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكل سَببا للْوُجُوب بِأَن يكون وجود ذَلِك التّكْرَار عِلّة لوُجُوب أَمر عَلَيْهِم كوجوب الْوضُوء فِيمَا ذكر آنِفا، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ تشتد الْحَاجة إِلَى الاستعلام، وَأَن المُرَاد بِالْخِلَافِ كَون وجوب السُّورَة مُخْتَلفا فِيهِ بِمُوجب الْأَدِلَّة، فتكرر السُّورَة لَيْسَ سَببا لوُجُوب أَمر حَتَّى يدْخل فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى، على أَن وجوب نَفسه أَيْضا مُخْتَلف فِيهِ، فَمن لم يقل بِوُجُوبِهِ وَهُوَ الْأَكْثَر يحمل الحَدِيث على تَقْدِير صِحَّته على نفي الْكَمَال، فَلَيْسَ هُنَاكَ شدَّة احْتِيَاج تحيل الْعَادة شيوع الاستعلام، فَلَيْسَ مِمَّا تعم بِهِ الْبلوى وَالله أعلم. (وَلُزُوم الْقيَاس) أَي وَلُزُوم خبر الْوَاحِد فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى علينا بِسَبَب قبُول الْأمة الْقيَاس، وَفِيه على مَا قَالَه الْأَكْثَرُونَ (مُتَوَقف على لُزُوم الْقطع بِحكم مَا تعم بِهِ) الْبلوى كَانَ إلزامكم علينا بِاعْتِبَار الْقيَاس متجها لِأَن الْخَبَر الْمَذْكُور أَعلَى رُتْبَة من الْقيَاس (و) لَكنا (لَا نقُول بِهِ) أَي بِلُزُوم الْقطع بِهِ (بل بِالظَّنِّ) أَي بل نقُول بِلُزُوم الظَّن بِحكمِهِ (وَعدم قبُول مَا لم يشْتَهر) من أَخْبَار الْآحَاد فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى (أَو) لم (يقبلوه) أَي لم تتلقه الْأمة بِالْقبُولِ (لانتفائه) أَي الظَّن لما
(3/114)

بَيناهُ (بِخِلَاف الْقيَاس) لِأَن الْمَانِع من إِفَادَة الظَّن فِي خبر الْوَاحِد كَون اخْتِصَاص فَرد معِين بمامسته شدَّة حَاجَة الْكل إِلَيْهِ يُوجب اتهامه فَلَا يُفِيد خَبره الظَّن، وَمثل هَذَا الْمَانِع لم يتَحَقَّق فِي الْقيَاس (وَيُمكن منع ثُبُوته) أَي حكم مَا تعم بِهِ الْبلوى (بِالْقِيَاسِ لاقْتِضَاء الدَّلِيل) وَهُوَ قَضَاء الْعَادة بالاستعلام أَو كَثْرَة إِعْلَام الشَّارِع بِهِ (سبق مَعْرفَته) أَي حكم مَا تعم بِهِ الْبلوى (على تَصْوِير الْمُجْتَهد إِيَّاه) أَي الْقيَاس فَيثبت الحكم بِتِلْكَ الْمعرفَة السَّابِقَة قبل التَّصْوِير الْمَذْكُور.

مسئلة
(إِذا انْفَرد) مخبر (بِمَا شَاركهُ) بِهِ (بالإحساس بِهِ خلق) كثير (مِمَّا تتوفر الدَّوَاعِي على نَقله) دينيا كَانَ أَو غَيره (يقطع بكذبه خلافًا للشيعة لنا الْعَادة قاضية بِهِ) أَي بكذبه، لِأَن الطباع مجبولة على نَقله، وَالْعَادَة تحيل كِتْمَانه مَعَ توفر الدَّوَاعِي لإظهاره من مصَالح الْعباد وَصَلَاح الْبِلَاد إِلَى غير ذَلِك (قَالُوا) أَي الشِّيعَة (الْحَوَامِل على التّرْك) لنقله (كَثِيرَة) من مصلحَة بِالْجَمِيعِ فِي أُمُور الْولَايَة وَإِصْلَاح الْمَعيشَة، أَو خوف وَرَهْبَة من عَدو غَالب، أَو ملك قاهر إِلَى غير ذَلِك (وَلَا طَرِيق إِلَى علم عدمهَا) أَي الْحَوَامِل لعدم إِمْكَان ضَبطهَا (وَمَعَ احتمالها) إِي الْحَوَامِل لترك النواقل (لَيْسَ السُّكُوت) من المشاركين لَهُ (قَاطعا فِي كذبه، وَلذَا) أَي جَوَاز انْفِرَاد الْبَعْض مَعَ كِتْمَانه الْبَاقِي فِي مثله (لم ينْقل النَّصَارَى كَلَام عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام فِي المهد) مَعَ توفر الدَّوَاعِي على نَقله (وَنقل اشتقاق الْقَمَر، وتسبيح الْحَصَى وَالطَّعَام، وحنين الْجذع، وسعي الشَّجَرَة، وَتَسْلِيم الْحجر والغزالة) للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (آحادا) مَعَ توفر الدَّوَاعِي على نقلهَا (أُجِيب بإحالة الْعَادة وشمول حَامِل) على الكتمان (للْكُلّ) كَمَا تحيل اتِّفَاقهم فِي دَاع لأكل طَعَام وَاحِد فِي وَقت وَاحِد (وَالظَّاهِر عدم) شُمُول حَامِل على الكتمان للْكُلّ كَمَا تحيل عدم (حُضُور عِيسَى) وَقت كَلَامه فِي المهد (إِلَّا الْآحَاد) من الْأَهْل وَالَّذين أَتَت بِهِ تحمل إِلَيْهِم (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن كَذَلِك بِأَن حَضَره جم غفير (وَجب الْقطع بتواتره وَإِن انْقَطع) التَّوَاتُر (لحامل المبدلين) لدينِهِ (على إخفاء مَا تكلم بِهِ) وَهُوَ قَوْله أَنِّي عبد الله فَإِنَّهُ حملهمْ على الْإخْفَاء ادعاؤهم أَنه إِلَه وَأَنه ابْن (وَهُوَ) أَي حُضُور الجم الْغَفِير إِيَّاه مَعَ عدم نَقله متواترا و (إِن جَازَ) عقلا (فخلاف الظَّاهِر) فَلَا يقْدَح فِي الْقطع العادي (وَمَا ذكر) مِمَّا تتوفر الدَّوَاعِي على نَقله من المعجزات الْمَذْكُورَة (حَضَره الْآحَاد ولازمه) بِاعْتِبَار توفر الدَّوَاعِي (الشُّهْرَة) لِامْتِنَاع التَّوَاتُر بِاعْتِبَار أَن الطَّبَقَة الأولى آحَاد فَلم يبْق إِلَّا أَن يتواتر فِي الثَّانِيَة وَهُوَ الشُّهْرَة (وَقد تحققت، على أَنه لَو فرض عدد التَّوَاتُر) فِي بَعْضهَا (وتخلف)
(3/115)

تواتره فِيمَا بعد (فلاكتفاء الْبَعْض) من الناقلين (بأعظمها) أَي المعجزات (الْقُرْآن) عطف بَيَان لأعظمها فَإِنَّهُ المعجزة المستمرة فِي مُسْتَقْبل الْأَزْمِنَة الدائرة على الْأَلْسِنَة فِي غَالب الْأَمْكِنَة. قَالَ السُّبْكِيّ: الصَّحِيح عِنْدِي فِي الْجَواب الْتِزَام أَن الانشقاق والحنين متواتران انْتهى وَالله أعلم.

مسئلة
(إِذا تعَارض خبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس بِحَيْثُ لَا جمع) بَينهمَا مُمكن (قدم الْخَبَر مُطلقًا عِنْد الْأَكْثَر) مِنْهُم أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد (وَقيل) قدم (الْقيَاس) وَهُوَ مَنْسُوب إِلَى مَالك إِلَّا أَنه اسْتثْنى أَرْبَعَة أَحَادِيث، فَقَدمهَا على الْقيَاس. حَدِيث غسل الْإِنَاء من ولوغ الْكَلْب، وَحَدِيث الْمُصراة، وَحَدِيث الْعَرَايَا، وَحَدِيث الْقرعَة (وَأَبُو الْحُسَيْن) قَالَ قدم الْقيَاس (إِن / كَانَ ثُبُوت الْعلَّة بقاطع) لِأَن النَّص على الْعلَّة كالنص على حكمهَا، فَحِينَئِذٍ الْقيَاس قَطْعِيّ، وَالْخَبَر ظَنِّي، والقطعي مقدم على الظني قطعا (فَإِن لم يقطع) بِشَيْء (سوى بِالْأَصْلِ) أَي بِحكمِهِ (وَجب الِاجْتِهَاد فِي التَّرْجِيح) فَيقدم مَا ترجح من الظنيين، فَيُفَرق بَين الْعلَّة الْمَنْصُوص عَلَيْهَا بظني، وَبَين المستنبطة (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يتَحَقَّق شَيْء مِنْهُمَا (فَالْخَبَر) مقدم على الْقيَاس لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الظَّن، وترجح الْخَبَر على الظَّن الدَّال على الْعلَّة بِأَنَّهُ يدل على الحكم بِدُونِ وَاسِطَة، بِخِلَاف الدَّال على الْعلَّة وَيعلم مِنْهُ المستنبطة. قَالَ السُّبْكِيّ: إِن فرض أَبُو الْحُسَيْن صُورَة يكون الْقطع مَوْجُودا فِيهَا فَهَذَا مَا لَا يُنَازع فِيهِ، إِذْ الْقطع مُرَجّح على الظَّن، وَكَذَا أرجح الظنيين، فَلَيْسَ فِي تَفْصِيله عِنْد التَّحْقِيق كَبِير أَمر (وَالْمُخْتَار) عِنْد الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب وَالْمُصَنّف (إِن كَانَت الْعلَّة) ثَابِتَة (بِنَصّ رَاجِح على الْخَبَر ثبوتا) إِذا اسْتَويَا فِي الدّلَالَة (أَو دلَالَة) إِذا اسْتَويَا ثبوتا (وَقطع بهَا) أَي الْعلَّة (فِي الْفَرْع قدم الْقيَاس). قَالَ السُّبْكِيّ: لَا يلْزم من ثُبُوت الْعلية براجح، وَالْقطع بوجودها أَن يكون ظن الحكم الْمُسْتَفَاد مِنْهَا فِي الْفَرْع أقوى من الظَّن الْمُسْتَفَاد من الْخَبَر، لِأَن الْعلَّة عنْدكُمْ لَا يلْزمهَا الاطراد بل رُبمَا تخلف الحكم عَنْهَا لمَانع فَلم قُلْتُمْ أَنه لم يتَخَلَّف عَن الْفَرْع لمَانع الْخَبَر خُصُوصا إِذا كَانَت الْعلَّة تَشْمَل فروعا كَثِيرَة وَالْخَبَر يخْتَص بِهَذَا الْفَرْع. قَالَ الشَّارِح: هَذَا ذُهُول عَن مَوضِع الْخلاف، فَإِنَّهُ إِذا تَسَاويا فِي الْعُمُوم وَالْخُصُوص كَمَا سيصرح بِهِ فَلْيتَأَمَّل انْتهى وَجه التَّأَمُّل أَن اعْتِبَار الْمُسَاوَاة فِيمَا سيصرح لَيْسَ بَين الْعلَّة وَالْحكم، بل بَين الْخَبَر وَالْقِيَاس، فَكَانَ الأولى طي الِاعْتِرَاض (وَإِن ظنت) الْعلَّة فِي الْفَرْع (فالوقف) مُتَعَيّن، يَعْنِي إِذا لم يكن هُنَاكَ مَا يرجح أَحدهمَا (وَإِلَّا تكن) الْعلَّة ثَابِتَة (براجح) بِأَن تكون مستنبطة أَو ثَابِتَة بِنَصّ مَرْجُوح عَن الْخَبَر أَو مسَاوٍ لَهُ (فَالْخَبَر) مقدم، وَلَا بعد فِي كَون
(3/116)

هَذَا التَّفْصِيل إِظْهَار مُرَاد لَا خلافًا، إِذْ الْمَذْكُور فِي الْمُخْتَار لَا يَنْبَغِي أَن يَقع فِيهِ اخْتِلَاف. وَقَالَ / فَخر الْإِسْلَام: إِذا كَانَ الرَّاوِي من الْمُجْتَهدين كالخلفاء الرَّاشِدين قدم خَبره على الْقيَاس. وَقَالَ ابْن أبان: إِن كَانَ ضابطا غير متساهل فِيمَا يرويهِ قدم خَبره على الْقيَاس وَإِلَّا فَهُوَ مَوضِع اجْتِهَاد (للْأَكْثَر) أَنه (ترك عمر الْقيَاس فِي الْجَنِين وَهُوَ) أَي الْقيَاس (عدم الْوُجُوب) للغرة على ضرب بطن امْرَأَة فِيهِ جَنِين فأسقطته مَيتا (بِخَبَر حمل بن مَالك) كَمَا سبق فِي مسئلة الْعَمَل بِخَبَر الْعدْل وَاجِب (وَقَالَ لَوْلَا هَذَا لقضينا فِيهِ برأينا). أخرج الشَّافِعِي فِي الْأُم، فَقَالَ عمر إِن كدنا أَن نقضي فِي هَذَا برأينا، وَعند أبي دَاوُد فَقَالَ الله أكبر لَو لم أسمع بِهَذَا لقضينا بِغَيْر هَذَا (فَأفَاد) عمر (أَن تَركه) فِي الرَّأْي إِنَّمَا كَانَ (للْخَبَر، و) ترك عمر الْقيَاس (فِي دِيَة الْأَصَابِع) أَيْضا (وَهُوَ) أَي الْقيَاس (تفاوتها) أَي الدِّيَة فِيهَا (لتَفَاوت مَنَافِعهَا) إِذْ مَنْفَعَة بَعْضهَا أَكثر (وخصوصه) أَي النَّفْع (أَمر آخر) يَعْنِي فِيهَا أَمْرَانِ يوجبان التَّفَاوُت وَعدم الْمُسَاوَاة فِي الدِّيَة: أكثرية مَنْفَعَة الْبَعْض، وَأَن لبعضها نفعا خَاصّا لَا يُوجد فِي غَيره (وَكَانَ رَأْيه فِي الْخِنْصر) بِكَسْر الْخَاء وَالصَّاد. وَقَالَ الْفَارِسِي: اللُّغَة الفصيحة فتح الصَّاد، وَكَذَا فِي الْقَامُوس (سِتا) من الْإِبِل (وَالَّتِي تَلِيهَا) وَهِي البنصر (تسعا) مِنْهَا (وكل من الآخرين) التَّذْكِير بِتَأْوِيل الْعُضْو، وهما الْوُسْطَى والمسبحة (عشرا) قَوْله سِتا وَمَا بعده خبر كَانَ، وَفِي الْإِبْهَام خَمْسَة عشر من الْإِبِل. قَالَ الشَّارِح: كَذَا ذكره غير وَاحِد، وَالَّذِي فِي سنَن الْبَيْهَقِيّ أَنه كَانَ يرى فِي السبابَة اثْنَي عشر، وَفِي الْوسط عشرا، وَفِي الْإِبْهَام خَمْسَة عشر. وروى الشَّافِعِي رَحمَه الله قَضَاءَهُ فِي الْإِبْهَام بذلك أَيْضا (لخَبر عَمْرو بن حزم فِي كل أصْبع عشر) من الْإِبِل (وَفِي مِيرَاث الزَّوْجَة من دِيَة زَوجهَا وَهُوَ) أَي الْقيَاس (عَدمه) أَي عدم مِيرَاثهَا مِنْهَا (إِذْ لم يملكهَا) الزَّوْج (حَيا بل) إِنَّمَا يملكهَا الْوَرَثَة (جبرا لمصيبة الْقَرَابَة، وَيُمكن حذف الْأَخير). قَالَ الشَّارِح: أَي كَون ملكهم إِيَّاهَا جبر الْمُصِيبَة الْقَرَابَة، ثمَّ فسر قَوْله (فَلَا يكون من النزاع) بعد كَون تَوْرِيث الْقَرَابَة دون الزَّوْجَة من تعَارض خبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس، وَعلله بقوله فَإِن الْقيَاس أَن يَرث الْجَمِيع، وَهَذَا مِمَّا يقْضِي مِنْهُ الْعجب، فَإِن عدم كَونه من مَحل النزاع إِن كَانَ هَذَا بِهَذَا السَّبَب فعلى تَقْدِير عدم الْحَذف أَيْضا كَذَلِك فَالصَّوَاب أَن يُقَال: المُرَاد ترك ذكر هَذِه المسئلة بكمالها، لِأَن توريثها مَعَ الْقَرَابَة قِيَاس لجَوَاز أَن يُقَال: الدِّيَة على سَائِر مختلفاته، غَايَة الْأَمر أَنه يُمكن تَرْتِيب دَلِيل آخر مُقْتَض لعدم توريثها، وَهُوَ أَن الزَّوْج لم يملكهَا حَيا إِلَى آخِره فعلى هَذَا الْوَاقِعَة من بَاب اخْتِيَار خبر الْوَاحِد الْمُوَافق للْقِيَاس على مُجَرّد الرَّأْي لذَلِك الْمَعْنى الفقهي، لَا من بَاب تعَارض الْخَبَر وَالْقِيَاس (وَلم يُنكره) أَي ترك عمر الْقيَاس للْخَبَر (أحد
(3/117)

فَكَانَ) تَقْدِيم الْخَبَر على الْقيَاس (إِجْمَاعًا، وعورض بمخالفة ابْن عَبَّاس خبر أبي هُرَيْرَة) مَرْفُوعا (توضؤا مِمَّا مسته النَّار) وَلَو من أثوار أقط إِذْ قَالَ لَهُ ابْن عَبَّاس يَا أَبَا هُرَيْرَة أَنَتَوَضَّأُ من الدّهن، أَنَتَوَضَّأُ من الْحَمِيم؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: يَا ابْن أخي إِذا سَمِعت حَدِيثا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَا تضرب لَهُ مثلا، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (وبمخالفته هُوَ) أَي ابْن عَبَّاس (وَعَائِشَة خَبره) أَي أبي هُرَيْرَة الْمُتَّفق عَلَيْهِ (فِي المستيقظ) وَهُوَ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " إِذا اسْتَيْقَظَ أحدكُم من نَومه فليغسل يَده قبل أَن يدخلهَا فِي وضوئِهِ فَإِن أحدكُم لَا يدْرِي أَيْن باتت يَده ". (وَقَالا) أَي ابْن عَبَّاس وَعَائِشَة (كَيفَ نصْنَع بالمهراس) وَهُوَ حجر منقور مستطيل عَظِيم كالحوض لَا يقدر أحد على تحريكه، ذكره ابْن عبيد عَن الْأَصْمَعِي: أَي إِذا كَانَ فِيهِ مَاء وَلم تدخل فِيهِ الْيَد فَكيف نَتَوَضَّأ مِنْهُ (وَلم يُنكر) إنكارهما (فَكَانَ) الْعَمَل بِالْقِيَاسِ عِنْد مُعَارضَة خبر الْوَاحِد لَهُ (إِجْمَاعًا قُلْنَا ذَلِك) أَي الْمُخَالفَة الْمَذْكُورَة (للاستبعاد لخصوصه) أَي الْمَرْوِيّ (لظُهُور خِلَافه) أَي الْمَرْوِيّ، روى الشَّارِح عَن بعض الْحفاظ أَن مَا روى عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا وَابْن عَبَّاس لَا وجود لَهُ فِي شَيْء من كتب الحَدِيث. وَإِنَّمَا الَّذِي قَالَ هَذَا لأبي هُرَيْرَة رجل يُقَال لَهُ: قين الْأَشْجَعِيّ، وَقيل إِنَّه صَحَابِيّ وَعَن بعض الْحفاظ نفى صحبته، وَقيل الْقَائِل بعض أَصْحَاب عبد الله بن مَسْعُود (وَلَيْسَ) هَذَا الْخلاف (من مَحل النزاع) أَي مُعَارضَة الْقيَاس بِخَبَر الْوَاحِد (لَا) أَنه مِنْهُ (لتَركه) أَي خبر الْوَاحِد (بِالْقِيَاسِ) إِذْ لَا قِيَاس يَقْتَضِي عدم وجوب غسل الْيَد قبل الإدخال فِي الْإِنَاء (وَلَهُم) أَي الْأَكْثَر أَيْضا (تَقْرِيره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم معَاذًا حِين أخر الْقيَاس) عَن الْكتاب وَالسّنة الَّتِي مِنْهَا أَخْبَار الْآحَاد حِين بَعثه إِلَى الْيمن قَاضِيا فَسَأَلَهُ بِمَ تحكم؟ وَقد سبق (وَأَيْضًا لَو قدم الْقيَاس لقدم الأضعف، وبطلانه إِجْمَاع: أما الْمُلَازمَة فلتعدد احتمالات الْخَطَأ بِتَعَدُّد الِاجْتِهَاد) وَضعف الظَّن بِتَعَدُّد الِاحْتِمَالَات (ومحاله) أَي الِاجْتِهَاد (فِيهِ) أَي الْقيَاس (أَكثر) من محاله فِي الْخَبَر (فالظن) فِي الْقيَاس حِينَئِذٍ (أَضْعَف) مِنْهُ فِي الْخَبَر، إِذْ محَال الِاجْتِهَاد فِي الْقيَاس سنة (حكم الأَصْل) أَي ثُبُوته (وَكَونه) أَي حكم الأَصْل (مُعَللا) بعلة مَا، وَلَيْسَ من الْأَحْكَام التعبدية (وَتَعْيِين الْوَصْف) الَّذِي هُوَ الْعلَّة (للعلية، ووجوده) أَي ذَلِك الْوَصْف (فِي الْفَرْع وَنفي الْمعَارض) للوصف من انْتِفَاء شَرط أَو وجود مَانع (فيهمَا) أَي فِي الأَصْل وَالْفرع (وَفِي الْخَبَر) مَحل الِاجْتِهَاد (فِي الْعَدَالَة) للراوي (وَالدّلَالَة) لمتنه على الحكم (وَأما احْتِمَال كفر الرَّاوِي وَكذبه وخطئه) لعدم عصمته عَنْهَا (وَاحْتِمَال الْمَتْن الْمجَاز) وَمَا فِي حكمه من الْإِضْمَار والاشتراك والتخصيص (فَمن الْبعد) بِحَيْثُ (لَا يحْتَاج إِلَى اجْتِهَاد فِي نَفْيه وَلَو) احْتِيجَ فِي الْمَذْكُورَات إِلَى الِاجْتِهَاد
(3/118)

(فَلَا) يحْتَاج إِلَيْهِ (على الْخُصُوص) أَي لَا يلْزم عَلَيْهِ أَن يحصل الْكل من نفي الْكفْر وَالْكذب وَالْخَطَأ وَالْمجَاز دَلِيلا على حِدة (بل ينتظمه) أَي نفي ذَلِك كُله (الْعَدَالَة) أَي الِاجْتِهَاد فِيهَا فَإِذا ثَبت عِنْده كفته (وَلَا يخفى أَن احْتِمَال الْخَطَأ فِي حكم الأَصْل) اعْتِبَاره فِي الْقيَاس (ليجتهد) الْمُجْتَهد (فِيهِ) أَي وَفِي ثُبُوت الأَصْل لمصلحته (مُنْتَفٍ لِأَنَّهُ) أَي حكم الأَصْل لمصلحته (مجمع عَلَيْهِ وَلَو) كَانَ ذَلِك الْإِجْمَاع بِاعْتِبَار اتِّفَاق (بَينهمَا) أَي المتناظرين (فِي الْمُخْتَار عِنْدهم) أَي الْأُصُولِيِّينَ (وَكَذَا نفي كَونه) أَي حكم الأَصْل (فرعا) لغيره مجمع عَلَيْهِ وَلَو بَينهمَا فِي الْمُخْتَار عِنْدهم (فَهِيَ) أَي محَال الِاجْتِهَاد فِي الْقيَاس (أَرْبَعَة لسقوطه) أَي الِاجْتِهَاد (فِي معَارض الأَصْل) وَهُوَ أحد الْمحَال الْمَذْكُورَة لَهُ (ضمنه) أَي فِي ضمن سُقُوط الِاجْتِهَاد فِي نفس الأَصْل (وَلَو سلم) أَنه لَا يشْتَرط الِاتِّفَاق عَلَيْهِ (فإثباته) أَي حكم الأَصْل (لَيْسَ من ضروريات الْقيَاس) بل هُوَ حكم سَمْعِي يجْتَهد فِيهِ ليعْمَل بِهِ كَسَائِر الْأَحْكَام الْمَأْخُوذَة من النُّصُوص، فَهُوَ مَقْصُود الْإِثْبَات لذاته لَا لمصْلحَة الْقيَاس، غير أَنه يقْصد بذلك اسْتِئْنَاف عمل آخر يستعلم أَن لَهُ محلا آخر، وَهُوَ الْقيَاس فَهُوَ عِنْد ذَلِك مفروغ مِنْهُ (و) لَا يخفى (أَن الِاجْتِهَاد فِي الْعَدَالَة لَا يسْتَلْزم ظن الضَّبْط فَهُوَ) أَي الضَّبْط (مَحل ثَالِث فِي الْخَبَر، و) أَن الِاجْتِهَاد (فِي الدّلَالَة أَن أفْضى إِلَى ظن كَونه) أَي الْمَدْلُول أَو اللَّفْظ (حَقِيقَة أَو مجَازًا لَا يُوجب ظن عدم النَّاسِخ) لعدم الْمُلَازمَة بَينهمَا (فرابع) أَي الْمَدْلُول أَو اللَّفْظ مَحل رَابِع بِاعْتِبَار كَونه غير مَنْسُوخ (وَلَا) يُوجب ظن عدم (الْمعَارض) لَهُ (فخامس) أَي فالتفحص لعدم الْمعَارض مَحل خَامِس للِاجْتِهَاد (ويندرج بَحثه) أَي الْمُجْتَهد (عَن الْمُخَصّص) إِذا كَانَ الْمَدْلُول عَاما فِي بَحثه على نفي الْمعَارض لِأَنَّهُ معَارض ضَرُورَة فِي بعض الْأَفْرَاد، ثمَّ لما بَين أَن الْمحَال فِي الْقيَاس الْأَرْبَعَة. وَفِي الْخَبَر خَمْسَة اتجه أَن يُقَال الأقيسة الَّتِي ثبتَتْ عَلَيْهَا بِنَصّ لَا بُد فِيهَا من الفحص عَن الدّلَالَة وَالْعَدَالَة، فَصَارَ محَال الْقيَاس حِينَئِذٍ أَكثر من محَال الْخَبَر فَأجَاب عَنهُ بقوله (وَفِي الأقيسة المنصوصة الْعلَّة بِغَيْر رَاجِح) الْجَار مُتَعَلق بالمنصوصة: أَي المنصوصة بِنَصّ غير رَاجِح على الْخَبَر الْمَذْكُور، قَيده بِهِ، لِأَنَّهُ إِن كَانَ براجح فَلَا شكّ فِي تَقْدِيم الْقيَاس حِينَئِذٍ، لِأَن النَّص على الْعلَّة كالنص على الحكم كَمَا سَيَأْتِي (إِن زَاد محلان) الْعَدَالَة وَالدّلَالَة (سقط) من محَال الِاجْتِهَاد فِيهَا (محلان) كَونه مُعَللا، وَتعين الْعلَّة (فقصر) الْقيَاس عَن الْخَبَر فِي عدد محَال الاجتهادين يرد عَلَيْهِ أَن المنصوصة الْعلَّة بِخَبَر يحْتَاج إِلَى كل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْخَبَر، وَهُوَ الْخَمْسَة على مَا حققت لَا بُد مِنْهَا فِي الْقيَاس، فَلَا يُقَال هَهُنَا إِن زَاد محلان نقص محلان، بل الْوَجْه فِي مثله تَقْدِيم. ثمَّ هَذَا نظر فِي هَذَا الدَّلِيل وللمطلوب أَدِلَّة أُخْرَى، فَلَا يقْدَح فِيهِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وَفِيمَا تقدم) من الْأَدِلَّة (كِفَايَة) عَن هَذَا
(3/119)

الدَّلِيل (وَاسْتدلَّ) للْأَكْثَر أَيْضا بقوله (بِثُبُوت أصل الْقيَاس بالْخبر) كَخَبَر معَاذ السَّابِق (فَلَا يقدم) الْقيَاس (على أَصله) أَي الْخَبَر (وَقد يمْنَع الْأَمْرَانِ) أَي ثُبُوته بالْخبر لما سَيَأْتِي فِي مسئلة تَكْلِيف الْمُجْتَهد بِطَلَب المناط فِي أَوَاخِر مبَاحث الْقيَاس، وَلُزُوم التَّقْدِيم على الأَصْل إِن قدم على الْخَبَر على تَقْدِير ثُبُوته بالْخبر، إِذْ الأَصْل حِينَئِذٍ خبر مَخْصُوص، وأصالة فَرد من أَفْرَاد الْخَبَر لَا يسْتَلْزم أَصَالَة كل فَرد مِنْهُ، وَجعل الشَّارِح الْأَمر الثَّانِي تقدميه على الْخَبَر وَسَنَد الْمَنْع أَنه مصادرة على الْمَطْلُوب وَلَا معِين لَهُ (و) اسْتدلَّ أَيْضا للْأَكْثَر (بِأَنَّهُ) أَي الْخَبَر دَلِيل (قَطْعِيّ وَلَوْلَا الطَّرِيق) الموصلة لَهُ إِلَيْنَا، لِأَن قَائِله مخبر عَن الله صَادِق، وَإِنَّمَا الشُّبْهَة فِي الْوَاسِطَة (بِخِلَاف الْقيَاس) فَإِنَّهُ ظَنِّي فِي حد ذَاته (وَيُجَاب بِأَن الْمُعْتَبر الْحَاصِل الْآن وَهُوَ) أَي الْحَاصِل الْآن مِنْهُ (مظنون) ثمَّ مضى (هَذَا، وَأما تَقْدِيم مَا ذكر من الْقيَاس) الَّذِي علته ثَابِتَة بِنَصّ رَاجِح على الْخَبَر وَقطع بهَا فِي الْفَرْع (فلرجوعه) أَي التَّقْرِير الْمَذْكُور (إِلَى الْعَمَل براجح من الْخَبَرَيْنِ تَعَارضا، إِذْ النَّص على الْعلَّة نَص على الحكم فِي محلهَا) أَي الْعلَّة وَهُوَ الْفَرْع (وَقد قطع بهَا) أَي بِالْعِلَّةِ (فِيهِ) أَي محلهَا الَّذِي هُوَ الْفَرْع (والتوقف) فِيمَا أَوجَبْنَا التَّوَقُّف فِيهِ، وَهُوَ مَا إِذا ثبتَتْ بِنَصّ رَاجِح ووجودها فِي الْفَرْع ظَنِّي (لتعارض الترجيحين خبر الْعلَّة بِالْفَرْضِ) فَإِن الْمَفْرُوض رجحانه (وَالْآخر) أَي الْخَبَر الآخر (بقلة الْمُقدمَات) لعدم انضمام الْقيَاس إِلَيْهِ (وَعلمت مَا فِيهِ) من أَن الْقيَاس أقل محَال للِاجْتِهَاد من الْخَبَر (هَذَا إِذا تَسَاويا) أَي الْقيَاس، وَالْخَبَر المتعارضان بِأَن كَانَ كل مِنْهُمَا عَاما أَو خَاصّا (فَإِن كَانَا) أَي الْخَبَر وَالْقِيَاس (عَاما) أَحدهمَا (وخاصا) الآخر (فعلى الْخلاف فِي تَخْصِيص الْعَام بِهِ) أَي بِالْقِيَاسِ (كَيفَ اتّفق) أَي سَوَاء خص بِغَيْرِهِ أَو لَا (وَعَدَمه) أَي عدم تَقْدِير الْكَلَام فِي مسئلة مُسْتَقلَّة.
مسئلة

(الإتفاق فِي أَفعاله الجبلية) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَي الصادرة بِمُقْتَضى طَبِيعَته فِي أصل خلقته كالقيام وَالْقعُود وَالنَّوْم وَالْأكل وَالشرب (الْإِبَاحَة لنا وَله، وَفِيمَا ثَبت خصوصه) أَي كَونه من خَصَائِصه كإباحة الزِّيَادَة على أَربع فِي النِّكَاح وَإِبَاحَة الْوِصَال فِي الصَّوْم (اخْتِصَاصه) بِهِ لَيْسَ لأحد من الْأمة مشاركته فِيهِ (وَفِيمَا ظهر بَيَانا بقوله " كصلوا) كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي " مُتَّفق عَلَيْهِ الصَّادِر بعد صلَاته فَإِنَّهَا بَيَان لقَوْله تَعَالَى - {وَأقِيمُوا الصَّلَاة} - (وخذوا) عني مَنَاسِككُم فَإِنِّي لَا أَدْرِي لعَلي لَا أحج بعد حجتي هَذِه (فِي أثْنَاء حجه) أَي وَهُوَ يَرْمِي الْجَمْرَة على رَاحِلَته كَمَا رَوَاهُ مُسلم وَغَيره، فَإِن بَيَانه لقَوْله تَعَالَى - {وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت} - وَخبر الْمُبْتَدَأ: أَعنِي الإتفاق
(3/120)

بِاعْتِبَار هَذَا الْقسم مَحْذُوف بِقَرِينَة مَا يَأْتِي أَنه بَيَان (أَو) ظهر بَيَانا (بِقَرِينَة حَال كصدوره) أَي الْفِعْل (عِنْد الْحَاجة) أَي بَيَان مُجمل (بعد تقدم إِجْمَال) حَال كَون الْفِعْل (صَالحا لبيانه) فَيتَعَيَّن حمله عَلَيْهِ لِئَلَّا يلْزم تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة وَهُوَ غير جَائِز (كالقطع من الْكُوع وَالتَّيَمُّم إِلَى الْمرْفقين أَنه) أَي الْفِعْل المتحقق فِي الْقطع وَالتَّيَمُّم (بَيَان لآيتيهما) أَي السّرقَة وَالتَّيَمُّم إِذْ آيَة الْقطع مُجمل بِاعْتِبَار الْمحل، وَأما آيَة التَّيَمُّم فَقيل أَيْضا مُجمل بِاعْتِبَارِهِ، وَالرَّاجِح أَنه مُطلق وَالْفِعْل بَيَان لما هُوَ المُرَاد مِنْهُ، كَذَا ذكره الشَّارِح، ثمَّ إِن الْقطع لَيْسَ فعله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بل فعله بأَمْره فَكَأَنَّهُ فعله. وَعَن أبي هُرَيْرَة أَن نَاسا من أهل الْبَادِيَة أَتَوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فساقه إِلَى أَن قَالَ، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
" عَلَيْكُم بِالْأَرْضِ ثمَّ ضرب بِيَدِهِ على الأَرْض بِوَجْهِهِ ضَرْبَة وَاحِدَة، ثمَّ ضرب ضَرْبَة أُخْرَى فَمسح بهَا على يَدَيْهِ إِلَى الْمرْفقين (بخلافهما) أَي الْمرْفقين (فِي الْغسْل) فِي الْوضُوء فَإِن غسله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إيَّاهُمَا لَيْسَ بَيَانا لقَوْله تَعَالَى - {وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق} - (لذكر الْغَايَة وَعدم إِجْمَال أداتها) أَي الْغَايَة (وَمَا لم يظْهر فِيهِ ذَلِك) أَي الْبَيَان والخصوصية (وَعرف صفته) فِي حَقه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (من وجوب وَنَحْوه) من ندب وَإِبَاحَة (فالجمهور) و (مِنْهُم الْجَصَّاص أمته مثله فَإِن وَجب عَلَيْهِ وَجب عَلَيْهِم: وَهَكَذَا الخ (وَقيل) وَالْقَائِل أَبُو عَليّ بن خَلاد مثله (فِي الْعِبَادَات) فَقَط (والكرخي) والأشعرية (يَخُصُّهُ) أَي الحكم الْمَعْرُوف صفته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (إِلَى) قيام (دَلِيل الْعُمُوم) لَهُم أَيْضا (وَقيل) هُوَ (كَمَا) قَالَ لَو جهل) أَي لم يعلم وَصفه (وَلَيْسَ) هَذَا القَوْل (محررا إِلَّا أَن يعرف قَوْله) أَي قَول هَذَا الْقَائِل (فِي الْمَجْهُول) وَصفه (وَلم يدر) أَي وَالْحَال أَنه لم يعلم قَول الْمَجْهُول وَصفه، فَفِي الْحِوَالَة عَلَيْهِ جَهَالَة (أَو يُرِيد) الْقَائِل الْمَذْكُور أَن (من قَالَ فِي الْمَجْهُول) مَا قَالَ (فَلهُ فِي الْمَعْلُوم مثله فَبَاطِل) أَي فَحِينَئِذٍ هَذَا القَوْل مِنْهُ بَاطِل لكَونه غير مُطَابق للْوَاقِع كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (فَمن سَيعْلَمُ) كَونه (قَائِلا بِالْإِبَاحَةِ) أَي بِكَوْن الْفِعْل مُبَاحا فِي الْجُمْهُور وَصفه، وهم فرق: مُبْهَم من يخص الْإِبَاحَة بِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَمِنْهُم من يعمها فَيشْمَل الْأمة أَيْضا (قَوْلهم) قاطبة (فِي الْمَعْلُوم) وَصفه (شُمُول صفته) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْأمة أَو صفة الْفِعْل من الْوُجُوب وَالنَّدْب وَإِبَاحَة الْكل فَكيف يكون قَول من قَالَ فِي الْمَجْهُول مثل مَا قَالَ فِي الْمَعْلُوم؟ وَجمع الضَّمِير فِي قَوْلهم وأفرده بِاعْتِبَار أَفْرَاد لفظ الْمَوْصُول، أَعنِي من. بِاعْتِبَار مَعْنَاهُ، وَجعل الشَّارِح قَوْله قَائِلا حَال من الْمُبْتَدَأ
وَأَنت خَبِير بِأَن الْعلم لَا بُد لَهُ من مفعولين، فَالْأول الضَّمِير الرَّاجِح إِلَى الْمَوْصُول وَهُوَ نَائِب الْفَاعِل، وَالثَّانِي قَائِلا، فَلَا وَجه لَهُ وَقَوْلهمْ مُبْتَدأ ثَان خَبره شُمُول صفته، فالجملة خبر الأول (لنا)
(3/121)

فِي أَن الْأمة مثله فِيمَا عرف صفته (أَن الصَّحَابَة كَانُوا يرجعُونَ إِلَى فعله احتجاجا واقتداء أَي رُجُوع احتجاج فِي مقَام الِاقْتِدَاء فَيَقُولُونَ نَفْعل هَذَا لِأَنَّهُ فعله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وكما شاركوه فِي أصل الْفِعْل شاركوه فِي كيفيته (كتقبيل الْحجر فَقَالَ عمر: لَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقبلك مَا قبلتك) كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ (وَلم يُنكر) على عمر ذَلِك (وتقبيل الزَّوْجَة صَائِما) كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا (وَكثير) خُصُوصا فِي الْعِبَادَات (وَأَيْضًا لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة والتأسي) للْغَيْر (فعل مثله) أَي يقبل مثل مَا فعله ذَلِك الْغَيْر (على وَجهه) بِأَن يكون مشاركا لَهُ فِي الصّفة كالوجوب وَالنَّدْب وَمَا بَينهمَا إِلَى غير ذَلِك مِمَّا هُوَ مقصد فِي ذَلِك التأسي، ثمَّ احْتَرز بقوله (لأَجله) عَمَّا هُوَ مثله لَكِن لَيْسَ فِي قصد فَاعله أَن يكون مثله تَابعا لفعل ذَلِك الْغَيْر مَبْنِيا على الِاقْتِدَاء بِهِ (وَمثله) أَي مثل قَوْله تَعَالَى - {لقد كَانَ لكم} - الْآيَة فِي الدّلَالَة على الْمَطْلُوب قَوْله تَعَالَى - {قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله} - فَإِن الْمُتَابَعَة للْغَيْر أَن يفعل مثل فعله على الْوَجْه الَّذِي يَفْعَله (وَأما) قَوْله تَعَالَى - {فَلَمَّا قضى زيد مِنْهَا وطرا (زَوَّجْنَاكهَا لكيلا يكون} على الْمُؤمنِينَ حرج فِي أَزوَاج أدعيائهم} - (فبدلالة الْمَفْهُوم الْمُخَالف على اتِّحَاد حكمه) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (بهم) أَي مَعَ حكم الْأمة لِأَنَّهُ تَعَالَى علل تَزْوِيجه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِنَفْي الْحَرج الْكَائِن فِي تَحْرِيم زَوْجَات الأدعياء وَمَفْهُومه لَو لم يُزَوجهُ ثَبت الْحَرج على الْمُسلمين فِي ذَلِك، وَثُبُوت الْحَرج على ذَلِك التَّقْدِير إِنَّمَا يكون عِنْد اتِّحَاد حكمهم بِحكمِهِ وَلم يتحد، كَذَا ذكره الشَّارِح، فحاصل كَلَام المُصَنّف حِينَئِذٍ عدم دلَالَة الْآيَة على الْمَطْلُوب، وَالَّذِي يفهم من كَلَامه دلَالَته عَلَيْهِ لَكِن بطرِيق الْفَهم عِنْد من يَقُول بِهِ وَلَو صَحَّ قَوْله وَلم يتحد لما صَحَّ الدَّلِيل وَهُوَ ظَاهر: بل نقُول بِاعْتِبَار الْمَفْهُوم الْمُخَالف فِي خُصُوص هَذِه الْآيَة عِنْد الْكل وإلالم يَصح التَّعْلِيل (وَمَا جهل وَصفه) بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَفِيهِ مَذَاهِب (فَأَبُو الْيُسْر) قَالَ (أَن) كَانَ ذَلِك الْفِعْل (مُعَاملَة فالإباحة) بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ وإلينا (إِجْمَاع وَالْخلاف) إِنَّمَا هُوَ (فِي الْقرب فمالك) أَي فمذهبه (شُمُول الْوُجُوب) لَهُ وَلنَا (كَذَا نَقله بَعضهم) أَي الْأُصُولِيِّينَ (متعرضا للْفِعْل بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) قَوْله متعرضا حَال من فَاعل نَقله، وَفِي الْكَلَام تدافع، لِأَن قَوْله كَذَا يدل على أَن منقوله مثل مَا ذكر وَمَا ذكر شُمُول إِلَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ وَإِلَى الْأمة، وَقَوله متعرضا يدل على اخْتِصَاص مَا ذكر من الْإِبَاحَة وَالْوُجُوب بِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم للفهم إِلَّا أَن يكون مُرَاده بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ وَإِلَى الْأمة أَيْضا (كَقَوْل الْكَرْخِي مُبَاح فِي حَقه) أَي كَمَا أَن فِي قَول الْكَرْخِي تعرضا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ وَالْأمة (للتيقن) أَي لتيقن الْإِبَاحَة بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ (وَلَيْسَ لنا اتِّبَاعه) إِلَّا بِدَلِيل (وَقَول الْجَصَّاص وفخر الْإِسْلَام وشمس الْأَئِمَّة وَالْقَاضِي أبي زيد الْإِبَاحَة فِي حَقه، وَلنَا اتِّبَاعه) مَا لم يقم دَلِيل على الْخُصُوص (وَالْقَوْلَان) للكرخي والجصاص (يعكران نقل أبي الْيُسْر)
(3/122)

الْإِجْمَاع على الْإِبَاحَة فِي الْمُعَامَلَة لِأَن تَخْصِيص الْكَرْخِي الْإِبَاحَة بِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مُطلق الْفِعْل مُعَاملَة كَانَ أَو قربَة، والجصاص يَقُول: يجوز الِاتِّبَاع فِي الْكل، فقد تحقق فِي حق الْمُعَامَلَة قَولَانِ مُخْتَلِفَانِ وَهُوَ يُنَافِي دَعْوَى الْإِجْمَاع (وَخص الْمُحَقِّقُونَ الْخلاف بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأمة فالوجوب) وَهُوَ معزو فِي الْمَحْصُول إِلَى ابْن سُرَيج وَغَيره، وَفِي القواطع إِلَى مَالك والكرخي وَطَائِفَة من الْمُتَكَلِّمين وَبَعض أَصْحَاب الشَّافِعِي (وَالنَّدْب) وَهُوَ معزو فِي الْمَحْصُول إِلَى الشَّافِعِي، وَفِي القواطع إِلَى الْأَكْثَر من الْحَنَفِيَّة والمعتزلة والصيرفي والقفال (وَمَا ذكرنَا) أَي الْإِبَاحَة: وَهُوَ معزو فِي الْمَحْصُول إِلَى مَالك، كَذَا ذكره الشَّافِعِي، وَالْأَظْهَر أَنه إِشَارَة إِلَى مَا ذكر فِي قَول الْكَرْخِي لَيْسَ لنا اتِّبَاعه، وَفِي قَول الْجَصَّاص لنا اتِّبَاعه (وَالْوَقْف) وَهُوَ معزو فِي الْمَحْصُول إِلَى الصَّيْرَفِي وَأكْثر الْمُعْتَزلَة، وَفِي القواطع إِلَى أَكثر الأشعرية، وَفِي غَيره وَالْغَزالِيّ وَالْقَاضِي أبي الطّيب، وَاخْتَارَهُ أَبُو الطّيب، وَاخْتَارَهُ الإِمَام الرَّازِيّ (ومختار الْآمِدِيّ) وَابْن الْحَاجِب أَنه (إِن ظهر قصد الْقرْبَة فالندب وَإِلَّا فالإباحة وَيجب) أَن يكون هَذَا القَوْل (قيد القَوْل الْإِبَاحَة للْأمة) إِن لم يقل أحد بِأَن مَا هُوَ من الْقرب عمله مُبَاح من غير ندب (الْوُجُوب) أَي دَلِيله (وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ) أَي افعلوه وَفعله مِمَّا آتَاهُ وَالْأَمر للْوُجُوب (أُجِيب بِأَن المُرَاد مَا أَمركُم) بِهِ (بِقَرِينَة مُقَابِله وَمَا نهاكم) لتجاوب طرفِي النّظم: وَهُوَ اللَّائِق ببلاغة الْقُرْآن (قَالُوا) ثَانِيًا قَالَ الله تَعَالَى (فَاتَّبعُوهُ) وَالْأَمر للْوُجُوب (قُلْنَا هُوَ) أَي الِاتِّبَاع (فِي الْفِعْل فرع الْعلم بِصفتِهِ) أَي الْفِعْل (لِأَنَّهُ) أَي الِاتِّبَاع فِي الْفِعْل (فعله على وَجه فعله) المتبع (وَالْكَلَام فِي مجهولها) أَي الصّفة فَلَا يتَحَقَّق الِاتِّبَاع مَعَ عدم الْعلم بِصفة الْعلم فِي حَقه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (وَقد منع اعْتِبَار الْعلم بصلَة الْفِعْل فِي الِاتِّبَاع فِيهِ) أَي الْفِعْل، وَقيل لَا نسلم أَن الِاتِّبَاع مَوْقُوف على الْعلم بذلك بل نتبعه فِيهِ وَإِن لم يعلم صفته، (و) ذكر سَنَد هَذَا الْمَنْع (فِي عبارَة) هَكَذَا (الْإِبَاحَة) الْمُطلقَة متعينة فِي مجهولها وَهُوَ الْجَوَاز المتحقق فِي ضمن الْوُجُوب وَالنَّدْب وَالْإِبَاحَة الْمُقَابلَة لَهما (وَلنَا اتِّبَاعه) وَهُوَ مَعْلُوم من الدّين، فجهالة وصف الْفِعْل بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يمْنَع اتباعنا لَهُ، فَالْأَمْر بالاتباع يجْرِي فِي مَجْهُول الْوَصْف كَمَا يجْرِي فِي معلومه وَالْأَمر للْوُجُوب. ثمَّ أضْرب عَن هَذَا الْجَواب: أَعنِي كَون الِاتِّبَاع فرع الْعلم بِصفتِهِ إِلَى مَا هُوَ التَّحْقِيق فَقَالَ (بل الْجَواب) أَن يُقَال (الْقطع بِأَنَّهُ) أَي عُمُوم الْأَمر باتباعه (مَخْصُوص) غير مَحْمُول على عُمُومه بَالغا مَا بلغ (إِذْ لَا يجب قيام وقعود وتكوير عِمَامَة) أَي تدويرها (وَمَا لَا يُحْصى) من أَفعاله الجبلية وَغَيرهمَا مِمَّا لَا بجب اتِّبَاعه فِيهِ إِجْمَاعًا (وَلَا مُخَصص معِين) حَتَّى يَنْتَهِي التَّخْصِيص إِلَى حد معِين (فأخص الْخُصُوص) أَي فَتعين حلمه على أخص الْخُصُوص (من مَعْلُوم صفة الْوُجُوب) يَعْنِي أَن صفة الْفِعْل على قسمَيْنِ مَعْلُوم ومجهول، وَالْأول قسم هُوَ أخص
(3/123)

الْخُصُوص نظرا إِلَى حِكْمَة مقسمة وَهُوَ هَهُنَا لُزُوم الِاتِّبَاع، إِذْ لَيْسَ لمعلول الصّفة فَرد أَحَق وَأولى بِهَذَا اللُّزُوم من الْمَوْصُوف بِالْوُجُوب وَالْحَاصِل أَنا عرفنَا أَن الِاتِّبَاع مَطْلُوب فِي الْجُمْلَة من غير تَحْدِيد من قبل الشَّارِع، وَقد علمنَا يَقِينا كَون الْوَاجِب فعله بِحَيْثُ لَا يُمكن أَن يكون خَارِجا عَن الْمَطْلُوب الْمَذْكُور وَغَيره من الْأَفْعَال قد يكون خَارِجا عَنهُ، وَفِي مثل هَذَا الطّلب الإجمالي يتَعَيَّن مَا هُوَ الْمُتَعَيّن دُخُوله فِي الحكم وَغَيره لَا يعلم دُخُوله، وَالْأَصْل عدم الدُّخُول. فمعين الْآيَة طلب اتِّبَاعه فِيمَا علم وُجُوبه وَالله أعلم (قَالُوا) ثَالِثا (لقد كَانَ) لكم (إِلَى آخرهَا) محصوله قَضِيَّة (شَرْطِيَّة مضمونها لُزُوم التأسي) وَهُوَ تَالِيهَا (للْإيمَان) وَهُوَ مقدمها، إِذْ الْمَعْنى من كَانَ يُؤمن بِاللَّه فَلهُ أُسْوَة حَسَنَة، إِذْ المُرَاد بضمير الْمُخَاطب فِي قَوْله لكم يعم كل فَرد من الْمُؤمنِينَ (ولازمها عكس نقيضها) عطف بَيَان للازمها (عدم الْإِيمَان لعدم التأسي) لِأَن نقيض الْمَلْزُوم لَازم لنقيض اللَّازِم، وَاللَّازِم اجْتِمَاع عين الْمَلْزُوم مَعَ نقيض اللَّازِم لَازِما (وَعَدَمه) أَي الْإِيمَان (حرَام، فَكَذَا) ملزومه الَّذِي هُوَ (عدم التأسي فنقيضه) أَي نقيض عدم التأسي وَهُوَ التأسي (وَاجِب وَالْجَوَاب مثله) أَي مثل جَوَاب الِاسْتِدْلَال الْمَذْكُور قبله (لِأَن التأسي كالاتباع) فِي الْمَعْنى وَفِيمَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ من الْعلم بِوَصْف مَا فِيهِ الِاتِّبَاع (وَفِيه) من الْبَحْث (مثل مَا قبله) من منع اعْتِبَار الْعلم بِصفة الْفِعْل فِي الائتساء (وَمِنْه) أَي وَمِمَّا قبله من الْجَواب الْمُخْتَار يُؤْخَذ أَيْضا (الْجَواب الْمُخْتَار) هَهُنَا، وَهُوَ حمله على أخص الْخُصُوص (قَالُوا) رَابِعا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (خلع نَعْلَيْه) فِي الصَّلَاة (فخلعوا) أَي أَصْحَابه نعَالهمْ، فَقَالَ مَا حملكم على أَن ألقيتم نعالكم؟ فَقَالُوا رَأَيْنَاك ألقيت فألقينا. قَالَ أَن جِبْرِيل أَتَانِي وَأَخْبرنِي أَن فيهمَا أَذَى. أخرجه أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان (فأقرهم على استدلالهم) بِفِعْلِهِ (وَبَين سَبَب اخْتِصَاصه) أَي خلع النَّعْلَيْنِ (بِهِ) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما ذكر (إِذْ ذَاك) أَي إِذْ فعل ذَاك الْفِعْل (قُلْنَا: دليلهم) على الْوُجُوب قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي) أُصَلِّي (لَا فعله أَو فهمهم الْقرْبَة) من الْخلْع وَإِلَّا لحرم (أَو) كره فرأوه (مَنْدُوبًا) لَا وَاجِبا (قَالُوا) خَامِسًا (أَمرهم) أَي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَصْحَابه (بِالْفَسْخِ) أَي فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة (فتوقفوا) عَن الْفَسْخ (لعدم فَسخه) فَعلم أَنهم كَانُوا يرَوْنَ اتِّبَاعه وَاجِبا (فَلم يُنكره) أَي توقفهم (وَبَين مَانِعا يَخُصُّهُ) من النّسخ (وَهُوَ) أَي الْمَانِع (سوق الْهدى كَذَا ذكره) فِي الصَّحِيحَيْنِ لَوْلَا أَن معي الْهَدْي لأحللت، ثمَّ اعْترض على قَوْلهم فَلم ينكروه بِمَا روى عَنهُ من الْغَضَب فَدفعهُ المُصَنّف بقوله (وَمن نظر السّنَن فَعلم أَنه) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (غضب من توقفهم) أخرج مُسلم وَغَيره عَن عَائِشَة قَالَت قدم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأَرْبَع أَو خمس مضين ذِي الْحجَّة، فَدخل عَليّ وَهُوَ غَضْبَان، فَقلت من أغضبك يَا رَسُول الله؟
(3/124)

قَالَ أشعرت أَنِّي أمرت النَّاس بِأَمْر فَإِذا هم يَتَرَدَّدُونَ، وَلَو اسْتقْبلت من أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرت مَا سقت الْهَدْي معي حَتَّى أحل كَمَا أحلُّوا (لم يلْزم) من الْإِلْزَام: أَي لم يَجْعَل الْغَضَب لَازِما للتوقف (لعدم الْفِعْل) لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يفْسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة، يَعْنِي أَن النَّاظر للسنن لم يحكم بِأَن غَضَبه إِنَّمَا كَانَ بِسَبَب توقفهم لعدم فَسخه (بل) يحكم بِأَن غَضَبه من توقفهم إِنَّمَا كَانَ (لكَونه) أَي التَّوَقُّف (بعد الْأَمر) بِالْفَسْخِ، إِذْ بعده لَا مجَال للتوقف وَإِن لم يفْسخ الْأَمر بِنَفسِهِ (ثمَّ بَين مانعه) مَعْطُوف على مَا فهم من فحوى الْكَلَام قَالَ لكَونه أَمر ثمَّ بَين، كلمة ثمَّ للتفاوت بَين بَيَان الْمَانِع وَعَدَمه، يَعْنِي أَن مُجَرّد الْأَمر كَاف فِي إِيجَاب الْغَضَب من التَّوَقُّف، ثمَّ إِذا انْضَمَّ إِلَيْهِ بَيَان الْمَانِع الْقَاطِع لمادة الشُّبْهَة الملقية إِلَى التَّوَقُّف زَاد فِي الْإِيجَاب (وَأحسن المخارج) للْعُذْر (لَهُم) أَي الصَّحَابَة فِي عدم المسارعة إِلَى الِامْتِثَال (ظَنّه) أَي الْأَمر بِالْفَسْخِ (أَمر إِبَاحَة) حَال كَونه (رخصَة ترفيها) لَهُم وتسهيلا (وَأظْهر مِنْهُ) أَي من هَذَا الْخَبَر فِي الدّلَالَة على أَنهم كَانُوا يرَوْنَ اتِّبَاعه فِي الْفضل وَاجِبا (أمره) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (بِالْحلقِ فِي الْحُدَيْبِيَة) بِضَم الْحَاء وَفتح الدَّال، ثمَّ الْبَاء الْمُوَحدَة، ثمَّ الْيَاء مُخَفّفَة ومثقلة، وَأكْثر الْمُحدثين على التثقيل، مَوضِع مَعْرُوف من جِهَة جده بَينهَا وَبَين مَكَّة عشرَة أَمْيَال، كَذَا ذكره الشَّارِح (فَلم يَفْعَلُوا حَتَّى حلق فازدحموا) فِي صَحِيح البُخَارِيّ من حَدِيث الْمسور بن مخرمَة قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأَصْحَابه: قومُوا فَانْحَرُوا ثمَّ احْلقُوا، قَالَ وَالله مَا قَامَ مِنْهُم رجل حَتَّى قَالَ ذَلِك ثَلَاث مَرَّات، فَلَمَّا لم يقم مِنْهُم أحد دخل على أم سَلمَة فَذكر لَهَا مَا لَقِي من النَّاس، فَقَالَت أم سَلمَة: يَا نَبِي الله أَتُحِبُّ ذَلِك اخْرُج ثمَّ لَا تكلم أحدا مِنْهُم كلمة حَتَّى تنحر بدنك وَتَدْعُو حالقك فيحلقك، فَخرج فَلم يكلم أحدا مِنْهُم حَتَّى فعل ذَلِك نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِك قَامُوا ونحروا، وَجعل بَعضهم يحلق بَعْضًا حَتَّى كَاد بَعضهم يقتل بَعضهم غما انْتهى فَظهر أَن توقفهم كَانَ لعدم فعله (وَلَا يتم الْجَواب) عَن هَذَا الْخَامِس (بِأَن الْفَهم) لوُجُوب الْمُتَابَعَة إِنَّمَا نَشأ (من) قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (خُذُوا عني) مَنَاسِككُم، وَهُوَ لم يحل فَلم يحلوا (لِأَنَّهُ لم يكن) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (قَالَه بعد فِي الصُّورَتَيْنِ) صُورَة الْأَمر بِالْفَسْخِ، وَصُورَة الْأَمر بِالْحلقِ (بل) الْجَواب (مَا ذكرنَا) وَهُوَ ظنهم الْأَمر أَمر إِبَاحَة ورخصة ترفيها فَلم يَفْعَلُوا أخذا لما هُوَ الأشق حرصا مِنْهُم فِي زِيَادَة طلب الثَّوَاب (أَو بحلقه) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (عرف حتمه) وَأَنه إِيجَاب (قَالُوا) سادسا (اخْتلفت الصَّحَابَة فِي وجوب الْغسْل بالإيلاج) لقدر الْحَشَفَة فِي الْفرج من غير إِنْزَال (ثمَّ اتَّفقُوا عَلَيْهِ) أَي وجوب الْغسْل بِهِ كَمَا يفِيدهُ ظَاهر حَدِيث لِأَحْمَد فِي مُسْنده (لزواية عَائِشَة فعله) فَإِنَّهَا قَالَت فعلته أَنا وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فاغتسلنا
(3/125)

(أُجِيب بِأَن فِيهِ قولا) وَهُوَ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (إِذا التقى) الختانان فقد وَجب الْغسْل رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة وَابْن وهب (وَإِنَّمَا يُفِيد) هَذَا الْجَواب (إِذا روته) أَي عَائِشَة حَدِيث: إِذا التقى إِلَى آخِره أَو مَعْنَاهُ (لَهُم) أَي للصحابة لِأَنَّهُ قد علم أَن اتِّفَاقهم إِنَّمَا حصل بخبرها (أَو هُوَ) أَي الْفِعْل الَّذِي روته عَائِشَة (بَيَان) قَوْله (وَإِن كُنْتُم جنبا) فاطهروا، وَالْأَمر للْوُجُوب: أَي فَلم يرجِعوا إِلَى الْفِعْل من حَيْثُ هُوَ فعله، بل إِلَى أمره تَعَالَى بالاطهار للْجنب، وَقد تبين بِالْفِعْلِ أَن الْجَنَابَة ثبتَتْ بِهِ كَمَا تثبت بالإنزال فالمرجع الْكتاب (أَو تنَاوله) أَي وجوب الْغسْل بالالتقاء قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي) أُصَلِّي (إِذْ هُوَ) أَي الْغسْل (شَرطهَا) أَي الصَّلَاة وَهُوَ إِنَّمَا صلى بعد التقاء الختانين بِالْغسْلِ (أَو لفهم الْوُجُوب) أَي وجوب الْغسْل بِمُجَرَّد الالتقاء (مِنْهَا) أَي عَائِشَة لِأَنَّهَا فهمت الْوُجُوب لقرائن ظَهرت لَهَا، وأفهمتهم ذَلِك حَتَّى حصل لَهُم الْعلم بذلك (إِذْ كَانَ خلافهم فِيهِ) أَي فِي الْوُجُوب والاستحباب (قَالُوا) سابعا الْوُجُوب (أحوط) لما فِيهِ من الْأَمْن من الْإِثْم قطعا فَيجب الْحمل عَلَيْهِ (أُجِيب بِأَنَّهُ) أَي الِاحْتِيَاط (فِيمَا لَا يحْتَمل التَّحْرِيم) على الْأمة (وَفعله) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (يحْتَملهُ) أَي التَّحْرِيم على الْأمة (ورد) هَذَا الْجَواب (بِوُجُوب صَوْم) يَوْم (الثَّلَاثِينَ) من رَمَضَان (إِذا غم الْهلَال) لشوال بِالِاحْتِيَاطِ مَعَ احْتِمَال كَونه حَرَامًا لكَونه يَوْم الْعِيد (بل الْجَواب أَنه) أَي الِاحْتِيَاط إِنَّمَا شرع (فِيمَا ثَبت وُجُوبه كَصَلَاة نسيت غير مُعينَة) فَيجب عَلَيْهِ الْخمس احْتِيَاطًا (أَو كَانَ) ثُبُوت الْوُجُوب (الأَصْل كَصَوْم) يَوْم (الثَّلَاثِينَ) إِذْ الأَصْل بَقَاء رَمَضَان (النّدب) أَي دَلِيله (الْوُجُوب يسْتَلْزم التَّبْلِيغ) دفعا للتكليف بِمَا لَا يُطَاق (وَهُوَ) أَي التَّبْلِيغ (مُنْتَفٍ بِالْفَرْضِ) إِذْ الْكَلَام فِيمَا وجد فِيهِ مُجَرّد الْفِعْل (وأسوة حَسَنَة تَنْفِي الْمُبَاح) إِذْ أقل مَرَاتِب الْحسن فِي التأسي أَن يكون مَنْدُوبًا (فَتعين النّدب أُجِيب بِأَن الْأَحْكَام) الشَّرْعِيَّة (مُطلقًا) سَوَاء كَانَت وجوبا أَو ندبا أَو إِبَاحَة (تستلزمه) أَي التَّبْلِيغ، فَإِن وجوب التَّبْلِيغ يعمها (فَلَو انْتَفَى) التَّبْلِيغ (انْتَفَى النّدب أَيْضا، وَالْمَذْكُور فِي الْآيَة حسن الائتساء وَيصدق) حسنه (مَعَ الْمُبَاح) لِأَن الْمُبَاح حسن، وَلَا نسلم أَن أقل مراتبه النّدب، بل الْإِبَاحَة (قَالُوا) أَي النادبون ثَانِيًا (هُوَ) أَي النّدب (الْغَالِب من أَفعاله) فَيحكم عَلَيْهِ (أُجِيب بِالْمَنْعِ) أَي منع كَون الْغَالِب (الْإِبَاحَة) أَي دليلها (هُوَ) الْمُبَاح، وَكَونه مُبَاحا (الْمُتَيَقن). قَالَ الشَّارِح لانْتِفَاء الْمعْصِيَة وَالْوُجُوب انْتهى، أما الأول فَظَاهر، وَأما الثَّانِي فَلِأَنَّهُ لَو كَانَ وَاجِبا لبينه وَلَا يخفى أَن تيقنه على تَقْرِير تَفْسِيره بِمَا لَيْسَ بِحرَام وَلَيْسَ بِوَاجِب وَأما إِذا فسر بِمَا هُوَ أخص من هَذَا التقابل الْمَنْدُوب وَالْمَكْرُوه أَيْضا كَمَا يَقْتَضِيهِ مَحل النزاع
(3/126)

فَلَا نسلم تيقنه (فينتفى الزَّائِد) عَلَيْهَا وَهُوَ كَونه مُسْتَحبا (لنفي الدَّلِيل) لَهُ (وَهُوَ) أَي التيقن مَعَ انْتِفَاء الزَّائِد لنفي الدَّلِيل (وَجه) قَول (الْآمِدِيّ) الَّذِي سبق ذكره (إِذا لم تظهر الْقرْبَة) أَي قَصدهَا فِيهِ فالإباحة (وَإِلَّا) بِأَن ظهر قَصدهَا فِيهِ (فالندب) إِذْ لَو لم يتَمَسَّك بِمَا ذكره لم يتَعَيَّن على تَقْدِير عدم ظُهُور قصد الْقرْبَة وَالْإِبَاحَة وعَلى تَقْدِير ظُهُوره النّدب (وَيجب كَونه) أَي الِاسْتِدْلَال (كَذَا) أَي على المنوال (لمن ذكرنَا من الْحَنَفِيَّة) أَنهم قَائِلُونَ بِالْإِبَاحَةِ ويتمسك (بِمثلِهِ) أَي التَّوْجِيه الْمَذْكُور (وَهُوَ) أَي مثله أَن يُقَال (أَنه) أَي النّدب (الْمُتَيَقن مَعهَا) أَي الْقرْبَة (إِلَّا أَن لَا يتْرك) ذَلِك الْفِعْل (مرّة) بِنَاء (على أصولهم) أَي الْحَنَفِيَّة (فالوجوب) أَي فَحكمه الْوُجُوب حِينَئِذٍ فَإِن خُلَاصَة هَذَا أَيْضا الِاقْتِصَار على الْمُتَيَقن وَالزِّيَادَة عَلَيْهِ بِقدر الدَّلِيل (وَالْحَاصِل أَن عِنْد عدم ظُهُور الْقرْبَة) وَفِي نُسْخَة الشَّارِح عِنْد عدم الْقَرِينَة (الْمُتَيَقن الْإِبَاحَة وَعند ظُهُورهَا) أَي الْقرْبَة أَو الْقَرِينَة للقربة (وجد دَلِيل الزِّيَادَة) على الْإِبَاحَة (وَالنَّدْب مُتَيَقن فينتفى الزَّائِد) وَهُوَ الْوُجُوب (وَعدم التّرْك مرّة دَلِيل) الزِّيَادَة (حَامِل الْوُجُوب الْكَرْخِي) أَي دَلِيل فِي أَنه مُبَاح فِي حَقه الْمُتَيَقن وَلَيْسَ لنا اتِّبَاعه على مَا سبق أَنه (جَازَت الخصوصية) أَي كَون الْفِعْل جَائِزا لَهُ دون غَيره (فَاحْتمل فعله التَّحْرِيم) على الْأمة (فَيمْنَع) فعله فِي حق غَيره حَتَّى يقوم دَلِيل يرجح أحد الْجَانِبَيْنِ من الْحُرْمَة وَالْجَوَاز بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأمة (الْجَواب أَن) يُقَال (وضع مقَام النُّبُوَّة للاقتداء. قَالَ تَعَالَى لإِبْرَاهِيم {إِنِّي جاعلك للنَّاس إِمَامًا} فَثَبت) جَوَاز الِاقْتِدَاء فِيهِ (مَا لم يتَحَقَّق خُصُوص) لَهُ فِيهِ (وَهُوَ) أَي الْخُصُوص (نَادِر لَا يمْنَع احْتِمَاله) الْمَرْجُوح جَوَاز الِاقْتِدَاء فِيهِ مَا لم يتَحَقَّق (الْوَاقِف) أَي دَلِيل مَذْهَب الْوَقْف (صفته) أَي الْفِعْل (غير مَعْلُومَة) على مَا هُوَ الْمَفْرُوض (والمتابعة) إِنَّمَا تكون (بعلمها) أَي صفته (فَالْحكم بِأَن الْمَجْهُول كَذَا) أَي وَاجِب أَو مَنْدُوب أَو مُبَاح (بِعَيْنِه فِي حَقه) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (كالكرخي) أَي كحكمه (وَمن ذكرنَا) هم (من الْحَنَفِيَّة) من الخصائص وفخر الْإِسْلَام وشمس الْأَئِمَّة وَالْقَاضِي أبي زيد (وناقل الْوُجُوب) لم يقل وَمَالك لِأَنَّهُ لم يثبت عِنْده (على الْوَجْه الأول) من الْوَجْهَيْنِ: وهما شُمُول الْوُجُوب لَهُ وَلنَا واختصاصه بالأمة، ثمَّ قَوْله فَالْحكم مُبْتَدأ خَبره (تحكم بَاطِل يجب التَّوَقُّف عَنهُ) أَي عَن هَذَا التحكم فِي حَقه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَذَا يجب الْوَقْف عَن خُصُوص حكم فِيهِ: أَي الْفِعْل للْأمة لكَونه تحكما بَاطِلا (وَنَصّ على إِطْلَاقهم) أَي الواقفين (الْفِعْل) للْأمة لكَونه تحكما بَاطِلا على مَا فِي التَّلْوِيح أثبتوا إِذْنا عَاما للْأمة فِي اتِّبَاعه فِي كل فعل غير مَعْلُوم الصّفة فِي حَقه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (وَلَا يُنَافِي) إِطْلَاقهم الْمَذْكُور (الْوَقْف) فِي حَقه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وحقنا (لِأَنَّهُ) أَي الْإِطْلَاق الَّذِي هُوَ عبارَة عَن مُجَرّد الْإِذْن فِي الْفِعْل لَيْسَ الحكم الَّذِي هُوَ الْإِبَاحَة وَإِنَّمَا هُوَ (جُزْء الحكم) أَي الْإِبَاحَة لِأَنَّهُ عبارَة عَن مَجْمُوع إِطْلَاق الْفِعْل وَإِطْلَاق التّرْك (فَلم يحكم فِي
(3/127)

حَقه وَلَا فِي حق الْأمة بِحكم) وَإِن حكمُوا فِيهَا يُجزئهُ (وَهُوَ) إِطْلَاقهم الْفِعْل فِي حَقه وحقنا (مُقْتَضى الدَّلِيل لمنع شَرط الْعلم) بِحَال الْفِعْل (فِي الْمُتَابَعَة) فِي جَانب الْفِعْل (والتحكم) مَعْطُوف على شَرط الْفِعْل: أَي وَمنع التحكم فِي جَانب التّرْك فَلَا يُمكن أَن يحكم بِأَنَّهُ لَا بُد من تَركه للْأمة (وَيجب حمل الْإِبَاحَة عَلَيْهِ) أَي على إِطْلَاق الْفِعْل (لَا) على الْمَعْنى (المصطلح) لَهَا وَهُوَ جَوَاز الْفِعْل مَعَ جَوَاز التّرْك (لانْتِفَاء التيقن فِيهِ) أَي فِي الْمَعْنى المصطلح لعدم الدَّلِيل (وَمثله) أَي مثل حمل الْإِبَاحَة على غير الْمَعْنى المصطلح يحمل (النّدب) على قَول من قَالَ بِهِ على غير المصطلح (فِي) صُورَة قصد (الْقرْبَة) فَيحمل (على مُجَرّد تَرْجِيح الْفِعْل) على التّرْك لَا مَعَ تَجْوِيز التّرْك كَمَا هُوَ المصطلح فَيصدق مَعَ الْوُجُوب وَالنَّدْب المصطلح (لنفي التحكم) اللَّازِم على تَقْدِير حمله على المصطلح لعدم الدَّلِيل (وَحِينَئِذٍ) أَي حِين إِذْ كَانَ الْوَقْف مَا ذكرنَا تبين أَن الْوَقْف لَا يمْنَع الِاتِّبَاع مُطلقًا حَتَّى يرد عَلَيْهِ أَن المنصب للاقتداء إِلَى آخِره كَمَا أورد على الْكَرْخِي بل يُجِيز الْفِعْل وَحِينَئِذٍ (فدليلهم) أَي الواقفين وَهُوَ صفته غير مَعْلُومَة إِلَى آخِره (من غَيرهم) بقوله (على لسانهم وَإِنَّمَا هُوَ) أَي دليلهم قَوْلهم مَا ذكر من أَدِلَّة غَيرهم (احتمالات مُتَسَاوِيَة فَلَا يتحكم بِشَيْء مِنْهَا وَمُجَرَّد إِطْلَاق الْفِعْل ثَابت بِمَا ذكرنَا) فَيجب القَوْل بِهِ.

مسئلة
(إِذا علم النَّبِي) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (بِفعل وَإِن لم يره) أَي ذَلِك الْفِعْل (فَسكت) عَن إِنْكَار حَال كَونه (قَادِرًا على إِنْكَاره فَإِن) كَانَ الْفِعْل (مُعْتَقد كَافِر فَلَا أثر لسكوته) وَلَا دلَالَة لَهُ على الْجَوَاز اتِّفَاقًا، فَإِن عدم إِنْكَاره حِينَئِذٍ لعلمه بِأَنَّهُ لَا يَنْتَهِي وَلَيْسَ بمأمور بِخَبَرِهِ (وَإِلَّا) وَإِن لم يكن مُعْتَقد كَافِر (فَإِن سبق تَحْرِيمه بغام ف) هُوَ (نسخ) لتحريمه مِنْهُ عِنْد الْحَنَفِيَّة (أَو تَخْصِيص) لَهُ بِهِ عِنْد الشَّافِعِيَّة (على الْخلاف) بَينهم فِي أَن مثل ذَلِك نسخ أَو تَخْصِيص (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن يسْبق تَحْرِيمه بِهِ (فدليل الْجَوَاز، وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن دَلِيل الْجَوَاز (كَانَ) سُكُوته مستلزما (تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة) وَهُوَ غير وَاقع كَمَا سَيَأْتِي (فَإِن استبشر) النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (بِهِ) أَي بذلك الْفِعْل (فأوضح) أَي فَذَلِك السُّكُوت المقرون بالاستبشار أوضح دلَالَة على الْجَوَاز من السُّكُوت الْغَيْر المقرون بالاستبشار (إِلَّا أَن يدل دَلِيل على أَنه) أَي استبشاره (عِنْده) أَي الْفِعْل (لأمر آخر، لابه) أَي بذلك الْفِعْل، و (قد يخْتَلف فِي ذَلِك) أَي فِي كَون الاستبشار بِهِ (فِي الْمَوَارِد، وَمِنْه) أَي من الْمُخْتَلف فِيهِ من الْمَوَارِد (إِظْهَاره)، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (الْبشر) أَي السرُور (عِنْد قَول) مجزز بِضَم الْمِيم وَفتح الْجِيم وزاءين معجمتين، الأولى مُشَدّدَة مَكْسُورَة (المدلجي) بِضَم الْمِيم وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة من
(3/128)

بني مُدْلِج بن مرّة لَهُ صُحْبَة، وَذكر ابْن يُونُس أَنه شهد فتح مصر لما دخل على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِذا أُسَامَة بن زيد وَزيد بن حَارِثَة عَلَيْهِمَا قطيفة قد غطيا رؤوسهما (وبدت لَهُ أَقْدَام زيد وَأُسَامَة: أَن هَذِه الْأَقْدَام بَعْضهَا من بعض) كَمَا فِي كتب السّنة. قَالَ أَبُو دَاوُد: وَكَانَ أُسَامَة أسود وَكَانَ زيد أَبيض. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن سعد: كَانَ أُسَامَة مثل اللَّيْل، وَكَانَ يزِيد أَبيض أَحْمَر أشقر (فاعتبره) أَي بشر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (الشَّافِعِي بقوله) أَي المدلجي (فَأثْبت) الشَّافِعِي (النّسَب بالقيافة، ونفاه) أَي ثُبُوته بهَا (الْحَنَفِيَّة وصرفوا الْبشر إِلَى مَا يثبت عِنْده) أَي قَول المدلجي (من تَركهم الطعْن فِي نسبه وإلزامهم بخطئهم فِيهِ) أَي فِي الطعْن فِيهِ (على اعْتِقَادهم) حقية القيافة (وَدفع) هَذَا (بِأَن ترك إِنْكَاره) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (الطَّرِيق) فِي إِثْبَات النّسَب على مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّة، يَعْنِي القيافة (ظَاهر فِي حقيتها) أَي القيافة (فَلَا يجوز) ترك إِنْكَاره (إِلَّا مَعَه) أَي كَونهَا حَقًا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن كَذَلِك بِأَن يكون بشره مَعَ عدم حقية الطَّرِيق (لذكره) أَي إنكارها (وَلَا يَنْفِي) ذكره الْإِنْكَار (الْمَقْصُود من رجوعهم) أَي الطاعنين: إِذْ الْإِنْكَار لَا يردهم عَن عقيدتهم، وَفَائِدَة الْإِنْكَار رَاجِعَة إِلَى الْمُؤمنِينَ كَمَا سَيَجِيءُ (وَالْجَوَاب) عَن الدّفع الْمَذْكُور (أَن انحصار ثُبُوت النّسَب فِي الْفراش كَانَ ظَاهرا عِنْد أهل الشَّرْع، والطعن لَيْسَ مِنْهُم بل من الْمُنَافِقين وهم يَعْتَقِدُونَ بطلَان قَوْلهم) فِي الطعْن (لقَوْله) أَي المدلجي (فالسرور لذَلِك) أَي لبُطْلَان قَوْلهم (وَترك إِنْكَار السَّبَب) الَّذِي هُوَ القيافة لَا تضر (لِأَنَّهُ) أَي هَذَا التّرْك (كتركه) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْإِنْكَار (على تردد كَافِر إِلَى كَنِيسَة فَلَا يكون) سُكُوته عَن إنكارهم (تقريرا).

مسئلة
(الْمُخْتَار أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قبل بعثته متعبد) أَي مُكَلّف (قيل بشرع نوح) عَلَيْهِ السَّلَام لِأَنَّهُ أول الرُّسُل المشرعين، وَحكى ابْن برهَان تعبده بشرع آدم لِأَنَّهُ أول الشَّرَائِع وَكَأن المُصَنّف لم يعْتد بِهَذَا القَوْل (وَقيل) بشرع (إِبْرَاهِيم) عَلَيْهِ السَّلَام لِأَنَّهُ صَاحب الْملَّة الْكُبْرَى (وَقيل) بشرع (مُوسَى) لِأَنَّهُ صَاحب الْكتاب الَّذِي نسخ وَلم ينْسَخ أَكثر (وَقيل) بشرع (عِيسَى) عَلَيْهِ السَّلَام لِأَنَّهُ بعدهمْ وَلم ينْسَخ إِلَى حِين بَعثه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا يخفى مَا فِي هَذِه الْأَوْجه. (وَالْمُخْتَار) عِنْد المُصَنّف أَنه متعبد (بِمَا ثَبت أَنه شرع إِذْ ذَاك) فِي ذَاك الزَّمَان بطريقه لِأَنَّهُ فِي غير الْمُتَوَاتر إِنَّمَا يثبت بعدالة النقلَة المخبرين بِأَن حكم الله كَذَا
(3/129)

وَلم ينْسَخ إِلَى هَذَا الْيَوْم وَكَانَ ذَلِك متعسرا فَكَانَ يَكْتَفِي بِمُجَرَّد ثُبُوت كَونه مَشْرُوعا فِي شرع نَبِي، لِأَن الأَصْل عدم النّسخ فَيعْمل بِهِ مَا لم يتَعَلَّق الْعلم بالنسخ، وَنقل الشَّارِح عَن المُصَنّف مَا يُقَارب هَذَا (إِلَّا أَن يثبتا) أَي الشرعان أَمريْن (متضادين فبالأخيرة) أَي فَيجب حِينَئِذٍ أَن يعْمل بالشريعة الْمُتَأَخِّرَة للْعلم بِكَوْنِهَا ناسخة للأولى (فَإِن لم يعلم الْمُتَأَخر) من الشرعين (لعدم معلومية طَرِيقه) أَي الْأَخير (فبمَا ركن إِلَيْهِ) أَي فَهُوَ متعبد بِمَا اطْمَأَن قلبه إِلَيْهِ (مِنْهُمَا لِأَنَّهُمَا كقياسين) لَا رُجْحَان لأَحَدهمَا على الآخر وَالْحكم فِي الْقيَاس مَا ذكرُوا وَذَلِكَ (لعدم مَا بعدهمَا) أَي لعدم الْعلم بشرع ثَالِث (ونفاه) أَي تعبده قبل الْبعْثَة بشرع من قبله (الْمَالِكِيَّة). قَالَ القَاضِي وَعَلِيهِ جَمَاهِير الْمُتَكَلِّمين، ثمَّ اخْتلفُوا فمنعته الْمُعْتَزلَة عقلا. وَقَالَ القَاضِي وَغَيره من أهل الْحق وَيجوز وَلم يَقع. قَالَ المُصَنّف (والآمدي وَتوقف الْغَزالِيّ) وَنسب التَّوَقُّف السُّبْكِيّ إِلَى إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزالِيّ والآمدي وَابْن الْأَنْبَارِي وَغَيرهم (لنا لم يَنْقَطِع التَّكْلِيف من بعثة آدم عُمُوما) أَي بعثا عَاما إِلَى كَافَّة النَّاس (كآدم ونوح وخصوصا) كشعيب إِلَى أهل مَدين وَأهل الأيكة (وَلم يتْركُوا) أَي النَّاس (سدى) أَي مهملين غير مأمورين وَلَا منهيين فِي زمن من الْأَزْمَان (قطّ فَلَزِمَ) التَّعَبُّد (كل من تأهل) لَهُ من الْعباد (وبلغه) مَا يتعبد بِهِ (وَهَذَا) الدَّلِيل (يُوجِبهُ) أَي التَّعَبُّد (فِي غَيره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَيْضا (وَهُوَ كَذَلِك، وتخصيصه) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (اتفاقي. وَاسْتدلَّ) للمختار (بتضافر رِوَايَات صلَاته وصومه وحجه) أَي تعاونهما واجتماعهما. قَوْله بتظافر بالظاء الْمُعْجَمَة فِي النّسخ المصححة. وَقَالَ الشَّارِح بالضاد الْمُعْجَمَة (للْعلم الضَّرُورِيّ أَنه) أَي فعلهَا (لقصد الطَّاعَة وَهِي) أَي الطَّاعَة (مُوَافقَة الْأَمر) فَلَا يتَصَوَّر من غير شرع (وَالْجَوَاب أَن الضَّرُورِيّ قصد الْقرْبَة وَهِي) أَي الْقرْبَة (أَعم من مُوَافقَة الْأَمر والتنفل فَلَا يسْتَلْزم) الْقرْبَة (معينا) مِنْهُمَا (ظَاهرا) أَي لَيْسَ لُزُوم الْمعِين ظَاهرا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقرْبَة (فضلا عَن ضروريته) أَي كَونه ضَرُورِيًّا. (وَاسْتدلَّ أَيْضا بِعُمُوم كل شَرِيعَة) جَمِيع الْمُكَلّفين فيتناوله أَيْضا (وَمنع) عُمُوم كل شَرِيعَة، وَكَيف لَا وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَانَ النَّبِي يبْعَث إِلَى قومه خَاصَّة وَبعثت إِلَى النَّاس عَامَّة انْتهى قلت وَفِي قَوْله تَعَالَى - {وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه} - إِشَارَة إِلَيْهِ. قَالَ (النَّافِي لَو كَانَ) متعبدا بشريعة من قبله (قَضَت الْعَادة بمخالطته أَهلهَا وَوَجَبَت) مخالطته لَهُم لأخذ الشَّرْع مِنْهُم (وَلم يفعل) ذَلِك، إِذْ لَو فعل لنقل لتوفر الدَّوَاعِي على نَقله (أُجِيب الملزم) للتعبد بِمَا إِذا علم أَنه شرع (إِذْ ذَاك) أَي قبل الْبعْثَة (التَّوَاتُر) لِأَنَّهُ الْمُفِيد للْعلم (وَلَا حَاجَة
(3/130)

مَعَه) أَي التَّوَاتُر (إِلَيْهَا) أَي مخالطته لَهُم (لَا) أَن الْمَلْزُوم لَهُ (الْآحَاد لِأَنَّهَا) أَي الْآحَاد (مِنْهُم) أَي أهل شرع من قبله (لَا تفِيد ظنا) لما وَقع من التحريف على مَا أخبر بِهِ التَّنْزِيل. قَالَ الشَّارِح وَالْخلاف فِي هَذَا يجب أَن يكون مَخْصُوصًا بالفروع، إِذْ النَّاس فِي الْجَاهِلِيَّة مكلفون بقواعد العقائد، وَلِهَذَا انْعَقَد الْإِجْمَاع على أَن موتاهم فِي النَّار يُعَذبُونَ بهَا على كفرهم وَلَوْلَا التَّكْلِيف مَا عذبُوا، فعموم إِطْلَاق الْعلمَاء مَخْصُوص بِالْإِجْمَاع. ذكره الْقَرَافِيّ، ثمَّ هَذِه المسئلة. قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْمَاوَرْدِيّ وَغَيرهمَا: وَلَا يظْهر لَهَا ثَمَرَة فِي الْأُصُول وَلَا فِي الْفُرُوع بل تجْرِي مجْرى التواريخ وَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا حكم فِي الشَّرِيعَة وَفِيه تَأمل انْتهى. (وَأما) تعبده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بشرع من قبله (بعد الْبَعْث فَمَا ثَبت) أَنه شرع لمن قبله فَهُوَ (شرع لَهُ ولأمته) عِنْد جُمْهُور الْحَنَفِيَّة والمالكية وَالشَّافِعِيَّة وَعَن الْأَكْثَرين الْمَنْع، فالمعتزلة مستحيلة عقلا وَغَيرهم شرعا، وَاخْتَارَهُ القَاضِي وَالْإِمَام الرَّازِيّ والآمدي و (لنا مَا اخترناه) بَين الْأَدِلَّة (من الدَّلِيل) السَّابِق، وَهُوَ أَنه لم يَنْقَطِع التَّكْلِيف إِلَى آخِره (فَيثبت) ذَلِك شرعا لَهُ (حَتَّى يظْهر النَّاسِخ وَالْإِجْمَاع) مُنْعَقد (على الِاسْتِدْلَال بقوله تَعَالَى وكتبنا عَلَيْهِم) أَي أَوجَبْنَا على بني إِسْرَائِيل أَو فَرضنَا (فِيهَا) أَي التَّوْرَاة - {أَن النَّفس بِالنَّفسِ} - على وجوب الْقصاص فِي شرعنا، وَلَوْلَا أَنا متعبدون بِهِ لما صَحَّ الِاسْتِدْلَال بِوُجُوبِهِ فِي دينهم على وُجُوبه فِي ديننَا. (وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من نَام عَن صَلَاة) أَو نَسِيَهَا فليصلها إِذا ذكرهَا (وتلا - {أقِم الصَّلَاة لذكري} وَهِي) أَي هَذِه الْآيَة (مقولة لمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام) فاستدل بهَا على وجوب قَضَاء الصَّلَاة عِنْد تذكرها، وَإِلَّا لم يكن لتلاوتها فَائِدَة فِي هَذَا الْمقَام، فَعلم تعبده بِمَا فِي شَرعه (قَالُوا) أَي النافون أَولا (لم يذكر) شرع من قبلنَا (فِي حَدِيث معَاذ) السَّابِق (وَصَوَّبَهُ) أَي مَا فِيهِ من الْقَضَاء بِكِتَاب الله تَعَالَى ثمَّ بِسنة رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ بِاجْتِهَادِهِ. وَلَو كَانَ شرع من قبلنَا شرعا لنا لذكره (أُجِيب بِأَنَّهُ) أَي عدم ذكره (إِمَّا لِأَن الْكتاب يتضمنه) لقَوْله تَعَالَى - {فبهداهم اقتده} - فَإِنَّهُ يعم الْأُصُول وَالْفُرُوع (أَو لقلته) أَي قلَّة وُقُوعه، وَإِنَّمَا صرنا فِي أحد التَّأْويلَيْنِ (جمعا للأدلة) دليلنا الدَّال على كَونه متعبدا بِهِ ودليلكم الدَّال على نَفْيه (قَالُوا) ثَانِيًا إِلَى أحد التَّأْويلَيْنِ (الْإِجْمَاع على أَن شريعتنا ناسخة) لجَمِيع الشَّرَائِع (قُلْنَا) ناسخة (لما خالفها) أَي شريعتنا (لَا مُطلقًا للْقطع بِعَدَمِهِ) أَي النّسخ (فِي الْإِيمَان وَالْكفْر وَغَيرهمَا) كَالْقصاصِ وحد الزِّنَا (قَالُوا) ثَالِثا (لَو كَانَ) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم متعبدا بِهِ (وَجَبت خلطته) لأَهله (أُجِيب بِمَا تقدم) بِأَن الملزم للتعبد إِذْ ذَاك التَّوَاتُر إِلَى آخِره (وَاعْلَم أَن الْحَنَفِيَّة قيدوه) أَي كَون شرع من قبلنَا شرعا لنا (بِمَا إِذا قصّ الله وَرَسُوله) ذَلِك (وَلم يُنكره فَجعل) هَذَا مِنْهُم قولا (ثَالِثا وَالْحق أَنه)
(3/131)

أَي هَذَا التَّقْيِيد (وصل بَيَان طَرِيق ثُبُوته) أَي شرع من قبلنَا (لَا يَتَأَتَّى فِيهِ خلاف، إِذْ لَا يُسْتَفَاد) شرعهم (عَنْهُم) أَي عَن أهل تِلْكَ الشَّرَائِع (آحادا وَلم يعلم متواتر) مِنْهُ (لم ينْسَخ، وَلَا بُد من ثُبُوته) شرعا لَهُم أَولا ليترتب عَلَيْهِ وجوب اتباعنا لَهُ ثَانِيًا (فَكَانَ) ثُبُوته (بذلك) بِأَن يقص الله وَرَسُوله من غير إِنْكَار (وَبَيَان رده إِلَى الْكتاب أَو السّنة يمْنَع كَونه) قسما (خَامِسًا من الِاسْتِدْلَال كَمَا سَيَأْتِي).

مسئلة
(تَخْصِيص السّنة بِالسنةِ كالكتاب) أَي كتخصيص الْكتاب بِالْكتاب (على الْخلاف) إِمَّا فِي الْجَوَاز كَمَا بَين الْجُمْهُور وشذوذ، وَإِمَّا فِي اشْتِرَاط الْمُقَارنَة فِي الْمُخَصّص الأول بِكَوْنِهِ مَوْصُولا بِالْعَام على مَا سبق فِي بحث التَّخْصِيص، فَأكْثر الْحَنَفِيَّة يشْتَرط وَبَعْضهمْ كالشافعية لَا يشْتَرط إِلَى غير ذَلِك مِمَّا تقدم فِي بَحثه (قَالُوا) أَي الْجُمْهُور (خص) قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (فِيمَا سقت السَّمَاء) والعيون أَو كَانَ عثريا (الْعشْر، بليس فِيمَا دون خَمْسَة أوسق صَدَقَة) مُتَّفق عَلَيْهِ (وَهُوَ) أَي تَخْصِيصه الأول، وَهُوَ فِيمَا سقت السَّمَاء إِلَى آخِره بِالثَّانِي، وَهُوَ لَيْسَ إِلَى آخِره (تَامّ على) قَول (الشَّافِعِيَّة) وَبَعض الْحَنَفِيَّة لعدم الْمُقَارنَة، وتقديمهم الْخَاص مُطلقًا (لَا) على قَول (أبي يُوسُف وَمُحَمّد إِذْ لم تثبت مقارنته) أَي الثَّانِي للْأولِ (وَلَا تَأْخِيره ليخص) على تَقْدِير مقارنته (وينسخ) على تَقْدِير تَأْخِيره (فتعارضا) أَي الحديثان فِي الْإِيجَاب فِيمَا دون خَمْسَة أوسق فَقدم أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد الثَّانِي. قَالَ الشَّارِح بِمَا الله أعلم بِهِ، فَإِن وَجهه بِالنِّسْبَةِ إِلَى الأَصْل المذهبي غير ظَاهر انْتهى. وَلَا يبعد أَن يُقَال بِأَن عدم الْإِيجَاب وَبَرَاءَة الذِّمَّة هُوَ الأَصْل فيصلح مرجحا، فَإِن الِاسْتِصْحَاب يصلح للدَّفْع وَإِن لم يصلح للإثبات (وَقدم) أَبُو حنيفَة (الأول) أَي الْعَام (احْتِيَاطًا) لتقدم الْمُوجب على الْمُبِيح، وَحمل كثير من الْمَشَايِخ كصاحب الْهِدَايَة وَغَيره مرويهما على زَكَاة التِّجَارَة جمعا بَين الْحَدِيثين وَقَالُوا لأَنهم يتبايعون بالأوساق وَقِيمَة الوسق كَانَت يَوْمئِذٍ أَرْبَعِينَ درهما، وَلَفظ الصَّدَقَة يُنبئ عَنْهَا.
مسئلة

(ألحق) أَبُو بكر (الرَّازِيّ من الْحَنَفِيَّة والبردعي وفخر الْإِسْلَام وَأَتْبَاعه) والسرخسي وَأَبُو الْيُسْر والمتأخرون وَمَالك وَالشَّافِعِيّ يُمكن فِي الْقَدِيم وَأحمد فِي إِحْدَى روايتيه (قَول الصَّحَابِيّ) الْمُجْتَهد (فِيمَا يُمكن فِيهِ الرَّأْي) أَي فِي حكم يُمكن إثْبَاته بِالْقِيَاسِ (بِالسنةِ) صلَة الْإِلْحَاق بِالسنةِ وَهَذَا الْإِلْحَاق بِالنِّسْبَةِ إِلَى غير الصَّحَابِيّ (لَا لمثله) أَي صَحَابِيّ آخر (فَيجب) على غير الصَّحَابِيّ
(3/132)

(تَقْلِيده) أَي الصَّحَابِيّ (ونفاه) أَي إِلْحَاقه بِالسنةِ (الْكَرْخِي وَجَمَاعَة) من الْحَنَفِيَّة: مِنْهُم القَاضِي أَبُو زيد (كالشافعي) فِي الْجَدِيد (وَلَا خلاف فِيمَا لَا يجْرِي فِيهِ) أَي فِي قَوْله الَّذِي لَا يجْرِي فِيهِ الرَّأْي لعدم إِمْكَانه (بَينهم) أَي الْحَنَفِيَّة ظرف للْخلاف وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كالمرفوع لِأَنَّهُ لَا يدْرك بِالرَّأْيِ، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي أَيْضا فِي الْجَدِيد على مَا حَكَاهُ السُّبْكِيّ (وتحريره) أَي مَحل النزاع (قَوْله) أَي الصَّحَابِيّ (فِيمَا) يدْرك بِالْقِيَاسِ لَكِن (لَا يلْزمه الشُّهْرَة) بَين الصَّحَابَة لكَونه (مِمَّا لَا تعم بِهِ الْبلوى وَلم ينْقل خلاف) فِيهِ بَين الصَّحَابَة، ثمَّ ظهر نَقله فِي التَّابِعين (وَمَا يلْزمه) الشُّهْرَة لكَونه مِمَّا تعم بِهِ الْبلوى واشتهر وَلم يظْهر خلاف (فَهُوَ إِجْمَاع كالسكوتي حكما بشهرته) أَي قَوْلنَا بِكَوْنِهِ إِجْمَاعًا كالإجماع السكوتي لحكمنا بِكَوْنِهِ مَشْهُور الْوُجُود مُقْتَضى الشُّهْرَة وَهُوَ عدم الْبلوى وَعدم خلافهم مَعَ شهرته بِمَنْزِلَة اطلَاع أهل الْحل وَالْعقد على أَمر ديني مَعَ سكوتهم عَن إِنْكَاره (وَفِي) صُورَة (اخْتلَافهمْ) أَي الصَّحَابَة فِيمَا يُمكن فِيهِ أَن تعم الْبلوى، أَو لَا يسْلك (التَّرْجِيح) بمرجح لأحد الْأَقْوَال (فَإِن تعذر) التَّرْجِيح (عمل بِأَيِّهِمَا شَاءَ). قَالَ الشَّارِح بعد أَن يَقع فِي أَكثر رَأْيه أَنه هُوَ الصَّوَاب. وَلَا يخفى أَن مَا يفهم من الْمَتْن أَعم من ذَلِك، وَقَالَ أَيْضا بعد أَن يعْمل بِأَحَدِهِمَا لَيْسَ لَهُ أَن يعْمل بِالْآخرِ بِلَا دَلِيل (لَا يطْلب تَارِيخ) بَين أَقْوَالهم كَمَا يفعل بَين النصين، لأَنهم لما اخْتلفُوا وَلم يتحاجوا بِالسَّمَاعِ تعين أَن تكون أَقْوَالهم عَن اجْتِهَاد لَا سَماع فَكَانَا (كالقياسين) تَعَارضا (بِلَا تَرْجِيح) لأَحَدهمَا على الآخر حَيْثُ يكون هَذَا حكمهمَا: وَذَلِكَ لِأَن الْحق لَا يعدو أَقْوَالهم حَتَّى لَا يجوز لأحد أَن يَقُول بِالرَّأْيِ قولا خَارِجا عَنْهَا (وَاخْتلف عمل أئمتهم) أَي الْحَنَفِيَّة فِي هَذِه المسئلة، وَهِي تَقْلِيده فِيمَا يُمكن فِيهِ للرأي، فَلم يسْتَقرّ عَنْهُم مَذْهَب فِيهَا، وَلَا يثبت فِيهَا عَنْهُم رِوَايَة ظَاهِرَة (فَلم يشترطا) أَي أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد فِي صِحَة السّلم (إِعْلَام قدر رَأس مَال السّلم الْمشَاهد) أَي تَسْمِيَة قدره إِذا كَانَ مشارا إِلَيْهِ (قِيَاسا) على الْإِعْلَام بِالتَّسْمِيَةِ يَصح إِجْمَاعًا: فَكَذَا بِالْإِشَارَةِ وَقِيَاسًا على البيع الْمُطلق فَإِن الْبَدَل فِيهِ إِذا كَانَ مشارا إِلَيْهِ يُغني عَن التَّسْمِيَة (وَشَرطه) أَي أَبُو حنيفَة إِعْلَام قدر رَأس المَال الْمشَاهد فِي صِحَّته (وَقَالَ بلغنَا) ذَلِك (عَن ابْن عمر) كَذَا فِي الْكَشْف وَفِي غَيره عَن عمر وَابْن عمر (وضمنا) أَي أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد (الْأَجِير الْمُشْتَرك) وَهُوَ من يعْقد على عمله كالصباغ والقصار الْعين الَّتِي هِيَ مَحل الْعَمَل إِذا هَلَكت (فِيمَا يُمكن الِاحْتِرَاز عَنهُ كالسرقة بِخِلَاف) مَا إِذا هَلَكت بِالسَّبَبِ (الْغَالِب) وَهُوَ مَا لَا يُمكن الِاحْتِرَاز عَنهُ كالحرق وَالْغَرق والغارة الْعَامَّة فَإِنَّهُ لَا ضَمَان فِيهِ عَلَيْهِ آنِفا وَإِنَّمَا ضمناه فِي الأول (بقول عَليّ رَضِي الله عَنهُ) رَوَاهُ ابْن أَب شيبَة عَنهُ من طرق. وَأخرج الشَّافِعِي عَنهُ أَنه كَانَ يضمن الصّباغ والصائغ
(3/133)

وَيَقُول لَا يصلح للنَّاس إِلَّا ذَلِك (ونفاه) أَي أَبُو حنيفَة تضمين الْأَجِير الْمُشْتَرك (بِقِيَاس أَنه أَمِين كَالْمُودعِ) والأجير الْوَاحِد وَهُوَ من يعْقد على مَنَافِعه، وروى الشَّارِح عَن أبي حنيفَة عَن عَليّ خلاف هَذَا وَهُوَ عدم تضمين الْقصار والصباغ، وَأَنه رَفعه إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقَول الاسبيجابي أَن عليا رَجَعَ عَن ذَلِك وَأَن شريحا كَانَ لَا يضمن بِحَضْرَة الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ من غير نَكِير وَالله أعلم (وَاتفقَ فِيمَا لَا يدْرك رَأيا كتقدير أقل الْحيض) ثَلَاثَة أَيَّام (بِمَا) روى (عَن عمر وَعلي وَابْن مَسْعُود وَعُثْمَان بن أبي الْعَاصِ وَأنس) رَضِي الله عَنْهُم، ك 1 افي جَامع الْأَسْرَار (وَاعْترض الشَّارِح بِأَن التَّقْدِير الْمَذْكُور بالمرفوع من طرق عديدة وَإِن كَانَ فِيهَا ضعف، فَإِن تعددها يرفعها إِلَى دَرَجَة الْحسن، وَبِأَن حِكَايَة الِاتِّفَاق فِيهَا نظر، لِأَن فِي رِوَايَة الْحسن عَن أبي حنيفَة ثَلَاثَة أَيَّام والليلتان يتخللانها، وَعند أبي يُوسُف يَوْمَانِ وَأكْثر الثَّالِث وَلَا يخفى عَلَيْك أَن الِاسْتِدْلَال بِمَا عَن الصَّحَابَة طَرِيق مُسْتَقل فِي إِثْبَات الْمطلب وَهُوَ لَا يُنَافِي أَن يسْتَدلّ بطرِيق آخر، وَهُوَ جمع الطّرق الضعيفة على مَا ذكر وَأَن أَبَا يُوسُف لم يُخَالف فِي تَقْدِير ثَلَاثَة أَيَّام، لِأَن الْأَكْثَر فِي حكم الْكل، وَرِوَايَة الْحسن لم تخَالف فِي ثَلَاثَة أَيَّام وَإِن خَالَفت فِي اللَّيَالِي فَيجوز أَن يُقَال بِهَذَا الِاعْتِبَار أَنهم اتَّفقُوا فِي تَقْدِير الْأَقَل على أَن الْحيض بعض الرِّوَايَات لَا يعْتد بهَا، ثمَّ عطف على تَقْدِير أقل الْحيض قَوْله (وَفَسَاد بيع مَا اشْترى) بِأَقَلّ مِمَّا اشْترى (قبل نقد الثّمن بقول عَائِشَة) لأم ولد زيد بن أَرقم لما قَالَت لَهَا: إِنِّي بِعْت من زيد غُلَاما بثمانمائة دِرْهَم نَسِيئَة واشتريته بستمائة نَقْدا، بلغي زيدا أَن قد أبطلت جهادك مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَّا أَن تتوب بئس مَا اشْتريت وَبئسَ مَا شريت، رَوَاهُ أَحْمد. قَالَ ابْن عبد الْهَادِي إِسْنَاده جيد (لما تقدم) أَي لِأَنَّهُ لَا يدْرك رَأيا، وَإِنَّمَا قُلْنَا بِكَوْن مَا قالته مِمَّا لَا يدْرك بِالرَّأْيِ (لِأَن الأجزية) على الْأَعْمَال كبطلان الْجِهَاد مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تعلم إِلَّا (بِالسَّمْعِ) فَهُوَ فِي حكم الرّفْع. (للنافي) إِلْحَاق قَول الصَّحَابِيّ بِالسنةِ أَنه (يمْتَنع تَقْلِيد الْمُجْتَهد) غَيره (وَهُوَ) أَي الصَّحَابِيّ (كَغَيْرِهِ) من الْمُجْتَهدين فِي احْتِمَال اجْتِهَاده الْخَطَأ لانْتِفَاء الْعِصْمَة فَيمْتَنع تَقْلِيده. (الْمُوجب) أَي الْقَائِل بِوُجُوب تَقْلِيده (منع) الْمُقدمَة (الثَّانِيَة) وَهُوَ كَون الْمُجْتَهد الصَّحَابِيّ كَغَيْرِهِ فِي الِاحْتِمَال الْمَذْكُور (بل يُقَوي فِيهِ) أَي فِي قَوْله (احْتِمَال السماع) لِأَنَّهُ الْأَغْلَب فِي أَقْوَالهم (وَلَو انْتَفَى) السماع (فأصابته) الْحق (أقرب) من غَيره (لبركة الصُّحْبَة ومشاهدتهم الْأَحْوَال المستنزلة للنصوص) يَعْنِي أَسبَاب نُزُولهَا (والمحال الَّتِي لَا تَتَغَيَّر) الْأَحْكَام (باعتبارها) وبذلهم المجهود فِي طلب الْحق وقوام الدّين أَكثر (بِخِلَاف غَيره) أَي الصَّحَابِيّ، وَاحْتِمَال الْخَطَأ لَا يُوجب الْمَنْع عَن اتِّبَاع مَا يحْتَملهُ كالقياس: أَي كَمَا أَن احْتِمَال الْقيَاس الْخَطَأ لَا يمْنَع اتِّبَاع الْمُجْتَهد الْقيَاس إِيَّاه بل
(3/134)

يجب عَلَيْهِ اتِّبَاعه (فَصَارَ) قَول الصَّحَابِيّ (كالدليل الرَّاجِح) فَإِنَّهُ إِن ظهر للمجتهد أَدِلَّة متعارضة وَكَانَ أَحدهَا راجحا بتعين الْعَمَل بِهِ (وَقد يفِيدهُ) أَي وجوب تَقْلِيد الصَّحَابِيّ أَو نَدبه (عُمُوم) قَوْله تَعَالَى - {وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان} فَإِن مدح التَّابِعين بِاعْتِبَار الِاتِّبَاع على مَا يَقْتَضِيهِ تعلق الْمَدْح بالموصوف بِهِ يُفِيد ذَلِك، إِذْ كَمَال الِاتِّبَاع بِالرُّجُوعِ إِلَى رَأْيهمْ، لِأَن الِاتِّبَاع فِيمَا يدل على الْكتاب وَالسّنة إِنَّمَا هُوَ اتِّبَاع لَهما كَمَا لَا يخفى (وَالظَّاهِر) من الْمُجْتَهد أَي من جَوَاب مسئلة الْمُجْتَهد (فِي) التَّابِعِيّ (الْمُجْتَهد فِي عصرهم) أَي الصَّحَابَة (كَابْن الْمسيب الْمَنْع) أَي منع من بعده من الْمُجْتَهدين من تَقْلِيده (لفَوَات المناط الْمسَاوِي) للمناط فِي وجوب التَّقْلِيد للصحابي وَهُوَ ترك الصُّحْبَة ومشاهدة الْأُمُور المثيرة والمقيدة لاطلاقهما، كَذَا ذكر الشَّارِح وَلَا يخفى أَن مُرَاده أَنه لَا يُقَاس من عاصر الصَّحَابِيّ على الصَّحَابِيّ لعدم الْجَامِع، لَكِن تَقْرِيره يدل على أَنه لَا بُد فِي الْفَرْع من منَاط غير منَاط الأَصْل مسَاوٍ لَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِك بل مناطهما وَاحِد كَمَا أَن حكمهمَا وَاحِد، وَغَايَة التَّأْوِيل أَن يُقَال لما كَانَ المناط مفهوما كليا يتَحَقَّق فِي الأَصْل فِي ضمن فَرد، وَفِي الْفُرُوع فِي ضمن فَرد آخر مماثل للْأولِ سمى كل مِنْهُمَا مناطا، أَو عبر عَن مماثلتهما بالمساواة وَالله أعلم. (و) ذكر (فِي النَّوَادِر نعم كالصحابي) وَاخْتَارَهُ حَافظ الدّين النَّسَفِيّ (وَالِاسْتِدْلَال) لهَذَا (بِأَنَّهُم) أَي الصَّحَابَة (لما سوغوا لَهُ) أَي للمجتهد الْمَذْكُور الِاجْتِهَاد وزاحمهم فِي الْفَتْوَى (صَار مثلهم) فِي وجوب التَّقْلِيد أَيْضا (مَمْنُوع الْمُلَازمَة لِأَن التسويغ) لاجتهاده (لرتبة الِاجْتِهَاد) أَي لكَونه بلغ رتبته وَمن بلغَهَا لَا يجوز مَنعه (لَا يُوجب ذَلِك المناط) المثير لوُجُوب تَقْلِيد الصَّحَابِيّ، وَإِذا عرفت أَن التسويغ للِاجْتِهَاد لَا يسْتَلْزم كَونه مثل الصَّحَابِيّ (فبرد شُرَيْح) أَي فالاستدلال برد شُرَيْح (الْحسن) أَي شَهَادَته (على عَليّ) ذكر الْمَشَايِخ أَن عليا رَضِي الله عَنهُ تحاكم إِلَى شُرَيْح فَخَالف عليا فِي رد شَهَادَة الْحسن لَهُ لِلْقَرَابَةِ (وَهُوَ) أَي عَليّ (يقبل الابْن) أَي كَانَ يرى جَوَاز شَهَادَة الابْن لِأَبِيهِ (وَمُخَالفَة مَسْرُوق ابْن عَبَّاس فِي إِيجَاب مائَة من الْإِبِل فِي النّذر بِذبح الْوَلَد إِلَى) إِيجَاب (شَاة) كلمة إِلَى مُتَعَلقَة بِمَا تضمنته الْمُخَالفَة من معنى الْعُدُول والانصراف قَالُوا وَرجع ابْن عَبَّاس إِلَى قَوْله (لَا يُفِيد) الْمَطْلُوب (وَجعل شمس الْأَئِمَّة الْخلاف) فِي قَوْلنَا التَّابِعِيّ (لَيْسَ) فِي شَيْء (إِلَّا فِي أَنه هَل يعْتد بِهِ) أَي بالتابعي (فِي إِجْمَاع الصَّحَابَة فَلَا ينْعَقد) أَي إِجْمَاعهم (دونه) أَي دون اتفاقه مَعَهم (أَولا) يعْتد بِهِ (فعندنا نعم) يعْتد بِهِ، وَعند الشَّافِعِي لَا يعْتد بِهِ وَقَالَ لَا خلاف فِي أَن قَول التَّابِعِيّ لَيْسَ بِحجَّة على وَجه يتْرك بِهِ الْقيَاس.
(3/135)

فصل فِي التَّعَارُض
(وغالبه) أَي التَّعَارُض (فِي) أَخْبَار (الْآحَاد) فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى وَجه ذكره بعْدهَا، و (هُوَ) أَي التَّعَارُض لُغَة (التمانع) بطرِيق التقابل، تَقول عرض لي كَذَا إِذا استقبلك بِمَا يمنعك مِمَّا قصدته، وَسمي السَّحَاب عارضا لمَنعه شُعَاع الشَّمْس وحرارتها (وَفِي الِاصْطِلَاح اقْتِضَاء كل من الدَّلِيلَيْنِ عدم مُقْتَضى الآخر، فعلى مَا قيل) وَالْقَائِل غير وَاحِد من الْمَشَايِخ كفخر الْإِسْلَام (لَا يتَحَقَّق) التَّعَارُض (إِلَّا مَعَ الوحدات) الثمان، وحدة الْمَحْكُوم عَلَيْهِ وَبِه، وَالزَّمَان وَالْمَكَان وَالْإِضَافَة وَالْقُوَّة، وَالْفِعْل وَالْكل والجزء، وَالشّرط، قيل ووحدة الْحَقِيقَة وَالْمجَاز، ومرجع الْكل إِلَى وحدة النِّسْبَة كَمَا عرف فِي الْمنطق، فالتعارض (لَا يتَحَقَّق فِي) الْأَدِلَّة (الشَّرْعِيَّة للتناقض) أَي لِأَنَّهُ يسْتَلْزم التَّنَاقُض، والشارع منزه عَنهُ لكَونه أَمارَة الْعَجز، وَقد يُقَال لَا نسلم أَن عدم تحقق التَّعَارُض بِدُونِ تحقق الوحدات فِي نفس الْأَمر يسْتَلْزم عدم تحَققه فِي الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة، إِذْ التَّنَاقُض إِنَّمَا يلْزم لَو اعْتبر فِيمَا صدق عَلَيْهِ الدَّلِيل الشَّرْعِيّ كَونه فِي نفس الْأَمر من الله سُبْحَانَهُ وَلَيْسَ كَذَلِك: إِذْ كل مَا ثَبت عِنْد الْمُجْتَهد إفادته لحكم شَرْعِي فَهُوَ دَلِيل شَرْعِي، غَايَة الْأَمر أَنه إِذا تَيَقّن تحقق الوحدات بَين دَلِيلين علم أَن أَحدهمَا لَيْسَ مِنْهُ تَعَالَى فَإِن قلت مُرَاده نفي التَّعَارُض بَين الْأَدِلَّة الَّتِي أَقَامَهَا الله تَعَالَى فِي نفس الْأَمر، قلت هَذَا مُسلم لكنه قَلِيل الجدوى لِأَنَّهُ مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ وَلَا سَبِيل لنا إِلَى معرفَة خصوصياتها، نعم يقطع بِكَوْن ذَات الدَّلِيل مِنْهُ تَعَالَى كالكتاب، لَكِن كَون هَذَا الْخُصُوص دَلِيلا لخُصُوص هَذَا الحكم بِشَيْء آخر وَالْقطع بِهِ نَادِر وَلَا يسْتَشْكل على قَوْلهم (وَمَتى تَعَارضا) أَي الدليلان (فيرجح) أَحدهمَا (أَو يجمع) بَينهمَا أَو (مَعْنَاهُ) تَعَارضا (ظَاهرا) وَذَلِكَ (لجهلنا) بالمراد أَو بالمتقدم مِنْهُمَا (لَا) أَنَّهُمَا تَعَارضا (فِي نفس الْأَمر، وَهُوَ) أَي كَون المُرَاد بِهِ وَهَذَا هُوَ (الْحق فَلَا يعْتَبر) تحقق الوحدات الْمَذْكُورَة فِيهِ بِحَسب نفس الْأَمر بل بِحَسب مَا يفهمهُ ظَاهرا الْعقل، لِأَن المبوب لَهُ صُورَة الْمُعَارضَة لَا حَقِيقَتهَا (وَلَا يشْتَرط تساويهما) أَي الدَّلِيلَيْنِ المتعارضين (قُوَّة وَيثبت) التَّعَارُض (فِي) دَلِيلين (قطعيين وَيلْزمهُ) أَي التَّعَارُض فِي قطعيين (محملان) لَهما إِذا لم يعلم تقدم أَحدهمَا على الآخر (أَو نسخ أَحدهمَا) بِالْآخرِ إِن علم ذَلِك (فَمَنعه) أَي التَّعَارُض (بَينهمَا) أَي القطعيين (وإجازته فِي الظنيين) كَمَا ذكره ابْن الْحَاجِب وَغَيره، وَعلله الْعَلامَة الشِّيرَازِيّ بِأَنَّهُ يلْزم الْجمع بَين النقيضين إِن عمل بهما أَو لم يعْمل بِشَيْء مِنْهُمَا أَو التحكم إِن عمل بِأَحَدِهِمَا دون الآخر، ثمَّ
(3/136)

قَوْله مَنعه مُبْتَدأ خَبره (تحكم) إِذْ حَقِيقَة التَّعَارُض لَا تتَصَوَّر فِي شَيْء مِنْهُمَا وَصورته تجْرِي فيهمَا على السوية (والرجحان) لأحد المتعارضين القطعيين أَو الظنيين إِنَّمَا يكون (بتابع) أَي بِوَصْف تَابع لذَلِك الرَّاجِح كَمَا فِي خبر الْوَاحِد الَّذِي يرويهِ عدل فَقِيه مَعَ خبر الْوَاحِد الَّذِي يرويهِ عدل غير فَقِيه (مَعَ التَّمَاثُل) أَي تساويهما فِي الْقطع وَالظَّن فَلَا رُجْحَان بِغَيْر التَّابِع وَبِدُون التَّمَاثُل (وَمِنْه) أَي من قبيل المتماثلين السّنة (الْمَشْهُورَة مَعَ الْكتاب حكما) أَي من حَيْثُ وجوب تَقْيِيد مطلقه وَتَخْصِيص عُمُومه وَجَوَاز نسخه بهَا وَإِن لم يكن بَينهمَا تماثل من حَيْثُ اكفار جاحده على مَا هُوَ الْحق كَمَا سلف (فَلَا يُقَال النَّص رَاجِح على الْقيَاس) لِأَن رجحانه عَلَيْهِ بِاعْتِبَار ذَاته بِكَوْنِهِ قَطْعِيا لَا بِاعْتِبَار وصف تَابع وَأَيْضًا لَا مماثلة بَينهمَا (بِخِلَاف عَارضه) أَي الْقيَاس النَّص (فَقدم) النَّص فِيهِ لِأَن المُرَاد صُورَة التَّعَارُض وَقد سبق أَنه لَا يشْتَرط تَسَاوِي المتعارضين قُوَّة (إِذْ حكمه) أَي التَّعَارُض (النّسخ إِن علم الْمُتَأَخر وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يعلم الْمُتَأَخر (ف) الحكم (التَّرْجِيح) لأَحَدهمَا على الآخر بطريقه إِن أمكن (ثمَّ الْجمع) بَينهمَا بِحَسب الْإِمْكَان إِذا لم يُمكن التَّرْجِيح لِأَن أَعمال كليهمَا فِي الْجُمْلَة أولى من إلغائهما مَعًا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يُمكن شَيْء مِمَّا ذكر (تركا) أَي المتعارضان ويصار (إِلَى مَا دونهمَا) من الْأَدِلَّة (على التَّرْتِيب إِن كَانَ) أَي وجد مَا دونهمَا فَإِن كَانَ المتروكان من الْكتاب يُصَار إِلَى الْكتاب إِن وجد، وَإِلَّا فَإلَى السّنة وَإِلَّا لم يُوجد فَإلَى قَول الصَّحَابِيّ اتِّفَاقًا إِذا لم يكن الحكم مِمَّا يدْرك بِالرَّأْيِ وَكَذَا فِيمَا يدْرك بِهِ فِي الْمُخْتَار عِنْد المُصَنّف وَغَيره ثمَّ إِلَى الْقيَاس (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يُوجد دون المتعارضين دَلِيل آخر أَو وجد وَمَعَهُ معَارض كَذَا (قررت الْأُصُول) فِي التَّلْوِيح بعد قَوْله وَإِلَّا يتْرك الْعَمَل بالدليلين، وَحِينَئِذٍ إِن أمكن الْمصير من الْكتاب إِلَى السّنة وَمِنْهَا إِلَى الْقيَاس، وَقَول الصَّحَابِيّ يُصَار إِلَيْهِ، وَألا يُقرر الحكم على مَا كَانَ عَلَيْهِ قبل وُرُود الدَّلِيلَيْنِ، وَهَذَا معنى تَقْرِير الْأُصُول انْتهى. (أما) التَّعَارُض (فِي القياسين) إِذا احْتِيجَ إِلَى الْعَمَل (فبأيهما شهد قلبه) أَي أَيهمَا أدّى تحري الْمُجْتَهد إِلَيْهِ يجب عَلَيْهِ الْعَمَل بِهِ (إِن) ظهر أَنه (لَا تَرْجِيح) لأَحَدهمَا على الآخر وَلَا يسقطان لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الْعَمَل بِلَا دَلِيل شَرْعِي إِذْ لَا دَلِيل بعد الْقيَاس يرجع إِلَيْهِ كَذَا قَالُوا، وَيعْمل بِشَهَادَة الْقلب، لِأَن لقلب الْمُؤمن نورا يدْرك مَا هُوَ بَاطِن كَمَا أُشير إِلَيْهِ بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
" اتَّقوا فراسة الْمُؤمن فَإِنَّهُ ينظر بِنور الله " رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله يعْمل بِأَيِّهِمَا شَاءَ من غير تحر (وَقَول الصحابيين بعد السّنة قبل الْقيَاس كالقياسين) فِي أَنه يعْمل بِأَيِّهِمَا شَاءَ (فَلَا يصارعنهما) أَي عَن قوليهما المتعارضين (إِلَى الْقيَاس) وَهَذَا فِيمَا يُمكن فِيهِ الرَّأْي فَإِنَّهُ إِذا لم يُوجد فِيهِ مَا يرجح أحد الْقَوْلَيْنِ يعْمل بِأَيِّهِمَا شَاءَ وَلَا يُصَار إِلَى الْقيَاس لاحْتِمَال
(3/137)

كَونه بِالسَّمَاعِ وَإِن كَانَ بِالرَّأْيِ فرأيهم أقرب إِلَى الصَّوَاب كَمَا عرفت، وَأَيْضًا يكون الْحَاصِل أَنهم أَجمعُوا على قَوْلَيْنِ فَلَا يجوز إِحْدَاث ثَالِث، وَأما مَا لَا يُمكن فِيهِ الرَّأْي فَهُوَ فِي حكم الْمَرْفُوع. وَلما بَين التَّرْتِيب أَرَادَ بَيَان كَيْفيَّة الْجمع بقوله (وَالْجمع فِي العامين بِحمْل كل) مِنْهُمَا (على بعض) من أفرادهما بِحَيْثُ لَا يجْتَمع حكمان فِي مَحل وَاحِد كاقتلوا الْمُشْركين إِذا أُرِيد الحربيون وَلَا تقتلُوا الْمُشْركين إِذا أُرِيد بِهِ الذميون (أَو) يحمل على (الْقَيْد) أَي على قيد غير قيد الآخر كإذا لم يَكُونُوا ذمَّة فِي الأول، وَإِذا كَانُوا ذمَّة فِي الثَّانِي (وَكَذَا) الْجمع (فِي الخاصين) يحمل كل على قيد غير قيد الآخر (أَو يحمل أَحدهمَا على الْمجَاز) وَالْآخر على الْحَقِيقَة (و) الْجمع (فِي الْعَام وَالْخَاص) إِذا تَعَارضا (وَلَا مُرَجّح للعام) على الْخَاص (كإخراج من تَحْرِيم) تَمْثِيل لمرجح الْعَام فَإِن مُقْتَضى حكم الْعَام إِذا كَانَ خُرُوج أَفْرَاده عَن التَّحْرِيم، وَمُقْتَضى الْخَاص دُخُول أَفْرَاده المندرجة تَحت الْعَام فِي التَّحْرِيم كَانَ الْعَمَل بِالْعَام مُوَافقا لما هُوَ الأَصْل فِي الْأَفْعَال: وَهُوَ الْإِبَاحَة وبالخاص مُخَالفا لَهُ (وَلَا الْخَاص) أَي وَلَا مُرَجّح لَهُ على الْعَام (كمن اباحة) أَي إِخْرَاج من إِبَاحَة: يَعْنِي فِي جَانب الْعَام ليَكُون عكس الأول، وَيحْتَمل أَن يكون معنى قَوْله. كإخراج إِخْرَاج الْخَاص من تَحْرِيم، وَمعنى قَوْله من إِبَاحَة أَيْضا إِخْرَاجه مِنْهَا فالمنظور حِينَئِذٍ تَقْدِيم الْمحرم على الْمُبِيح (فبالخاص) يَعْنِي إِذا لم يكن مُرَجّح فِي أَحدهمَا ونسلك مَسْلَك الْجمع فَالْعَمَل بالخاص (فِي مَحَله) أَي الْخَاص وَهُوَ مَا يَشْمَلهُ الْخَاص من جملَة أَفْرَاد الْعَام (وَالْعَام) أَي وَالْعَمَل بِالْعَام (فِيمَا سواهُ) أَي سوى مَحل الْخَاص (فيتحد الْحَاصِل مِنْهُ) أَي من الْجمع بَين الْعَام وَالْخَاص على هَذَا الْوَجْه (وَمن تَخْصِيص الْعَام بِهِ) أَي بالخاص (مَعَ اخْتِلَاف الِاعْتِبَار) تسميه الشَّافِعِيَّة تخيص الْعَام بالخاص بِنَاء على قاعدتهم، وَالْحَنَفِيَّة الْجمع بَينهمَا بِالْحملِ الْمَذْكُور على أصلهم، وَأما إِذا وجد مُرَجّح فِي أحد الْجَانِبَيْنِ فيرجح ذَلِك الْجَانِب (وَقد يخال) أَي يظنّ (تقدم الْجمع) بَينهمَا على التَّرْجِيح عِنْد الْحَنَفِيَّة (لقَولهم الْأَعْمَال أولى من الإهمال وَهُوَ) أَي أعمالهما (فِي الْجمع) لَا التَّرْجِيح: إِذْ فِيهِ إبِْطَال لأَحَدهمَا (لَكِن الاستقراء خِلَافه) أَي يدل على خلاف مَا يدل عَلَيْهِ ظَاهر القَوْل الْمَذْكُور أَلا ترى أَنه (قدم عَام استنزهوا) الْبَوْل (على) خَاص (شرب العرنيين أَبْوَال الْإِبِل) بِإِذْنِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقد سبق فِي مبَاحث الْعَام (لمرجح التَّحْرِيم) لشربها، لَا يُقَال كَون الأَصْل الْإِبَاحَة يرجح الْخَاص الْمَذْكُور، لِأَن ذَلِك فِيمَا لم يكن فِيهِ الدَّلِيل السمعي غير مَا فِيهِ الْمُعَارضَة قَائِما فِي جَانب الْحُرْمَة (مَعَ إِمْكَان حمله) أَي عَام استنزهوا الْبَوْل (على) مَا (سوى) بَوْل (مَا يُؤْكَل) كَمَا ذهب إِلَيْهِ مُحَمَّد وَأحمد، وللتداوي فَقَط كَمَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو يُوسُف (و) قدم (عَام مَا سقت) أَي فِيمَا سقت السَّمَاء والعيون أَو كَانَ عثريا الْعشْر (على خَاص الأوسق) أَي لَيْسَ فِيمَا دون خَمْسَة
(3/138)

أوسق صَدَقَة (لمرجح الْوُجُوب) للعشر فِي كل مَا سقته السَّمَاء أَو سقى سيحا أَو كثر (مَعَ إِمْكَان نَحوه) أَي نَحْو حمل الْعَام الأول بِأَن يحمل على مَا كَانَ خَمْسَة أوسق فَصَاعِدا كَمَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَغَيرهمَا (وَكَيف) يقدم الْجمع على التَّرْجِيح (وَفِي تَقْدِيمه مُخَالفَة مَا أطبق عَلَيْهِ الْعُقُول من تَقْدِيم الْمَرْجُوح على الرَّاجِح) الْمَرْجُوح الْجمع، وَالرَّاجِح الْعَمَل بِمَا هُوَ رَاجِح بمرجح تَوْضِيحه أَن الْعَام مثلا إِذا كَانَ مرجحا على الْخَاص وَأَنت جمعت بَينهمَا وحملت الْعَام على مَا سوى الْخَاص كَانَ ذَلِك مرجوحا لمقْتَضى الْخَاص وتركا لرعاية مُوجب الْعَام وَهُوَ الِاسْتِغْرَاق المستلزم لاندراج الْخَاص تَحت حكم الْعَام (وَتَأْويل) أَخْبَار (الْآحَاد) الْمُعَارضَة ظَاهر الْكتاب (عِنْد تَقْدِيم الْكتاب) عَلَيْهَا (لَيْسَ مِنْهُ) أَي من الْجمع بَين المتعارضين (بل اسْتِحْسَان حكما للتقديم) للْكتاب عَلَيْهَا مِنْهُ الِاسْتِحْسَان على مَا سَيَأْتِي يُطلق على مَعْنيين: أَحدهمَا الْقيَاس الْخَفي بِالنِّسْبَةِ إِلَى قِيَاس ظَاهر، وَالثَّانِي كل دَلِيل فِي مُقَابلَة الْقيَاس الظَّاهِر نَص أَو إِجْمَاع أَو ضَرُورَة، فَالْقِيَاس الظَّاهِر أَن يتْرك الْخَبَر الْمَذْكُور رَأْسا لمعارضة الْكتاب، وَالْقِيَاس الْخَفي أَن لَا يتْرك بِالْكُلِّيَّةِ لكَونه خبر عدل وَالْأَصْل عدم إهدار مَا صدر من الشَّارِع، فَالْمَعْنى أَن التَّأْوِيل الْمَذْكُور مَبْنِيّ على الِاسْتِحْسَان حَال كَونه حكما لتقديم الْكتاب على ظَاهر السّنة لَا حكما للْجمع بَينهمَا (وَقَوْلهمْ) أَي الْحَنَفِيَّة (فِي تَقْدِيم النَّص على الظَّاهِر تَعَارضا فِيمَا وَرَاء الْأَرْبَع) من النِّسَاء بِاعْتِبَار ملك النِّكَاح للأحرار (أَي) قَوْله تَعَالَى - {وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم} - فَإِن ظَاهر فِي حل الْأَكْثَر من الْأَرْبَع لصدق - مَا وَرَاء ذَلِكُم - عَلَيْهِ (ومثنى الخ) أَي قَوْله تَعَالَى - {فانكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء مثنى وَثَلَاث وَربَاع} - فَإِنَّهُ نَص على قصر الْحل على الْأَرْبَع على مَا بَين فِي مَحَله (فيرجح النَّص) على الظَّاهِر (وَيحمل الظَّاهِر عَلَيْهِ) أَي النَّص وَقَوْلهمْ مُبْتَدأ خَبره (اتِّفَاق مِنْهُم) أَي الْحَنَفِيَّة (عَلَيْهِ) فيرجح أَي على تَقْدِيم التَّرْجِيح على الْجمع لعدم رِعَايَة جَانب الظَّاهِر وأعمال النَّص بقصر الْحل على الْأَرْبَع (وَلَو خالفوا) أَي الْحَنَفِيَّة هَذَا الأَصْل (كغيرهم) وَقدمُوا الْجمع على التَّرْجِيح (منعناه) أَي منعنَا قَوْلهم الْأَعْمَال أولى من الإهمال على الْإِطْلَاق، إِذْ الْأَعْمَال الَّذِي يسْتَلْزم تَقْدِيم الْمَرْجُوح على الرَّاجِح مُخَالف لما أطبق عَلَيْهِ الْعُقُول وَهُوَ غير جَائِز فضلا عَن كَونه أولى (وَمِنْه) أَي من التَّعَارُض فِي الْكتاب (مَا) أَي التَّعَارُض الَّذِي (بَين قراءتي آيَة الْوضُوء من الْجَرّ) لِابْنِ كثير وَابْن عَمْرو وَحَمْزَة (وَالنّصب) للباقين (فِي أَرْجُلكُم) فِي قَوْله تَعَالَى - {وامسحوا برءوسكم وأرجلكم} - (المقتضيتين مسحهما) أَي الرجل وَهُوَ ظَاهر قِرَاءَة الْجَرّ (وغسلهما) وَهُوَ ظَاهر قِرَاءَة النصب (فيتخلص من هَذَا
(3/139)

التَّعَارُض (بِأَنَّهُ تجوز بمسحهما) المفاد بعطفها على مَدْخُول امسحوا (عَن الْغسْل) مشاكلة كَمَا فِي قَول الشَّاعِر:
(قَالُوا اقترح شَيْئا نجد لَك طبخه ... قلت اطبخوا لي جُبَّة وقميصا)

لَا يُقَال يلْزم الْجمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فِي لفظ وَاحِد أَي امسحوا لِأَن مُوجب الْعَطف تَقْدِير امسحوا فِي جَانب الْمَعْطُوف على مَا تقرر فِي مَحَله (والعطف فيهمَا) أَي عطف أَرْجُلكُم فِي الْقِرَاءَتَيْن (على رءوسكم) وَقيل فَائِدَة التَّعْبِير عَن غسلهمَا بِالْمَسْحِ الْإِشَارَة إِلَى ترك الْإِسْرَاف، لِأَن غسلهمَا مَظَنَّة لَهُ، لكَونه يصب المَاء عَلَيْهِمَا، كَأَنَّهُ قَالَ: اغسلوهما غسلا خَفِيفا شَبِيها بِالْمَسْحِ كَذَا ذكره الشَّارِح، وَفِيه أَن كَون الْقَصْد من غسل الْأَعْضَاء تحسينها على مَا عرف، وَأَن الرجلَيْن تحسينهما يحْتَاج إِلَى زِيَادَة الْمُبَالغَة فِي الْغسْل يَأْبَى عَن التَّوْجِيه الْمَذْكُور، وَإِنَّمَا لزم صرف الْعبارَة إِلَى التجويز 0 لتواتر الْغسْل) لَهما (عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) إِذْ قد (أطبق) على (من حكى وضوءه) من الصَّحَابَة (ويقربون من ثَلَاثِينَ عَلَيْهِ) أَي على غسله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رجلَيْهِ، وَقد أسعف المُصَنّف بِذكر الِاثْنَيْنِ وَعشْرين فِي شرح الْهِدَايَة، وَقَالَ الشَّارِح: بلغت الْجُمْلَة أَرْبَعَة وَثَلَاثِينَ، وَيمْتَنع عِنْد الْعقل تواطؤ هَذَا الجم الْغَفِير من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الْكَذِب فِي أَمر ديني، على أَن الْمسْح أَهْون على النَّفس (وتوارثه) أَي ولتوارث غسلهمَا (من الصَّحَابَة) أَي قد أَخذنَا عسلهما عَمَّن أدركناهم وهم كَذَلِك إِلَى الصَّحَابَة وهم عَن صَاحب الْوَحْي فَلَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى نَص معِين (وانفصال ابْن الْحَاجِب) أَي تجاوزه (عَن) تَوْجِيه (الْمُجَاورَة) أَي جر الأرجل بالمجاورة لقَوْله برءوسكم (إِذْ لَيْسَ) الْجَرّ بهَا (فصيحا) لعدم وُقُوعه فِي الْقُرْآن، وَلَا فِي كَلَام فصيح اسْتغْنَاء عَنْهَا (بتقارب الْفِعْلَيْنِ) أَي امسحوا واغسلوا (وَفِي مثله) أَي تقاربهما (تحذف الْعَرَب) الْفِعْل (الثَّانِي وَتعطف مُتَعَلّقه على مُتَعَلق) الْفِعْل (الأول) فَيجْعَل مُتَعَلق الْفِعْل الثَّانِي (كَأَنَّهُ مُتَعَلّقه) أَي الْفِعْل الأول كَقَوْلِهِم مُتَقَلِّدًا سَيْفا ورمحا، وعلفتها تبنا وَمَاء بَارِدًا، إِذْ الأَصْل ومعتقلا رمحا وسقيتها مَاء بَارِدًا، وَالْآيَة من هَذَا الْقَبِيل (غلط) خبر انْفِصَال (إِذْ لَا يُفِيد) مَا ذكر تقَارب الْفِعْلَيْنِ إِلَى آخِره (إِلَّا فِي اتِّحَاد إعرابهما) أَي إِلَّا إِذا كَانَ إِعْرَاب المتعلقين وَاحِدًا كَمَا سَيَأْتِي فِي سَيْفا ورمحا وتبنا وَمَاء (وَلَيْسَت الْآيَة مِنْهُ) أَي مِمَّا اتَّحد فِيهِ إِعْرَاب الْفِعْلَيْنِ فَلَا ينحيه من الْجوَار، وَفِي نُسْخَة (فَلَا يخرج عَن الْجوَار، وَمَا قيل) على مَا فِي التَّلْوِيح (فِي) حق (الْغسْل) من أَنه (الْمسْح) وَزِيَادَة (إِذْ لَا إسالة) وَهِي معنى الْغسْل (بِلَا إِصَابَة) وَهِي معنى الْمسْح (فينتظمه) أَي الْغسْل الْمسْح (غلط) يظْهر (بِأَدْنَى تَأمل) إِذْ الإسالة مُعْتَبرَة مَعَ الْإِصَابَة فِي الْغسْل وَعدمهَا
(3/140)

مُعْتَبر فِي الْمسْح وَاللَّفْظ لَا يَنْتَظِم عدم مُسَمّى لَا ضِدّه (وَلَو جعل) الْعَطف (فيهمَا) أَي الْقِرَاءَتَيْن (على وُجُوهكُم) وَقد كَانَ من حَقه النصب (و) لَكِن (الْجَرّ) لأرجلكم (للجوار) برءوسكم (عورض بِأَنَّهُ) أَي الْعَطف (فيهمَا) أَي الْقِرَاءَتَيْن (على رءوسكم وَالنّصب) بالْعَطْف (على الْمحل) أَي مَحل رءوسكم كَمَا هُوَ اخْتِيَار الْمُحَقِّقين من النُّحَاة من أَن مَحَله النصب (ويترجح) هَذَا (بِأَنَّهُ) أَي الْعَطف على الْمحل (قِيَاس) مطرد فِي الفصيح من الْكَلَام مَعَ اعْتِبَار الْعَطف على الْأَقْرَب وَعدم وُقُوع الْفَصْل بالأجنبي (لَا الْجوَار) أَي لَيْسَ الْجوَار بِقِيَاس بِلَا حق شَاذ (و) مِنْهُ مَا بَين (قراءتي التَّشْدِيد فِي يطهرن) لِحَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَعَاصِم من قَوْله تَعَالَى - {وَلَا تقربوهن حَتَّى يطهرن} - (الْمَانِعَة) من قربانهن (إِلَى الْغسْل، التَّخْفِيف) فِيهِ للباقين الْمَانِعَة من قربانهن (إِلَى الطُّهْر فَيحل) القربان (قبله) أَي الْغسْل (بِالْحلِّ الَّذِي انْتهى مَا عَارضه من الْحُرْمَة فَتحمل تِلْكَ) أَي فيتخلص من هَذَا التَّعَارُض بِحمْل قِرَاءَة التَّشْدِيد (على مَا دون الْأَكْثَر) من مُدَّة الْحيض الَّتِي هُوَ الْعَادة لَهَا ليتأكد جَانب الِانْقِطَاع بهَا أَو بِمَا يقوم مقَامه (وَهَذِه) أَي قِرَاءَة التَّخْفِيف (عَلَيْهِ) أَي على أَكثر مُدَّة الْحيض، وَهُوَ الْعشْر عندنَا لِأَن الِانْقِطَاع عِنْده مُتَيَقن، وَحُرْمَة القربان كَانَت بِسَبَبِهَا فَلَا يجوز تَحْرِيمه بعد ذَلِك إِلَى الِاغْتِسَال وَمنع الزَّوْج من حَقه، وَقد زَالَت عِلّة الْحُرْمَة، وَهِي الْأَذَى وَقد يُقَال أَن قَوْله تَعَالَى - {فَإِذا تطهرن} - بعد ذَلِك يَقْتَضِي تَأَخّر جَوَاز الْإِتْيَان عَن الْغسْل فَلَو كَانَ هَهُنَا قِرَاءَة أُخْرَى أَعنِي إِذا تطهرن كَانَ تَوْجِيه الْجمع بَين الْقِرَاءَتَيْن وَاحِدًا وَهُوَ الطُّهْر مَعَ الِاغْتِسَال، وَالْجَوَاب مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وتطهرن بِمَعْنى طهرن) فَإِن تفعل يَجِيء بِمَعْنى فعل من غير أَن يدل على صنع (كتكبر) وتعظم (فِي صِفَاته تَعَالَى) إِذْ لَا يُرَاد بِهِ صفة أُخْرَى تكون بإحداث الْفِعْل (وَتبين) بِمَعْنى ظهر (مُحَافظَة على حَقِيقَة يطهرن بِالتَّخْفِيفِ) وَأورد عَلَيْهِ أَنه يلْزم على هَذَا تَعْمِيم الْمُشْتَرك إِن كَانَ يطهرن حَقِيقَة فِي الِانْقِطَاع كَمَا فِي الِاغْتِسَال وَالْجمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز إِن كَانَ مجَازًا فِي الِانْقِطَاع وَأجِيب بِأَن قَوْله تَعَالَى - {فَإِذا تطهرن} - إِن قرئَ مَعَ قِرَاءَة التَّشْدِيد يُرَاد بِهِ الِاغْتِسَال، وَإِن قرئَ مَعَ قِرَاءَة التَّخْفِيف يُرَاد بِهِ الِانْقِطَاع وَالْجمع بَينهمَا إِنَّمَا يمْنَع فِي إِطْلَاق وَاحِد لَا اطلاقين فَتَأمل (وَكِلَاهُمَا) أَي المجملين الْمَذْكُورين (خلاف الظَّاهِر) إِذْ فِي كل مِنْهُمَا إِرَادَة خُصُوصِيَّة لَا تفهم من ظَاهر اللَّفْظ (لكنه) أَي حمل قِرَاءَة التَّخْفِيف على مُجَرّد الِانْقِطَاع على الْأَكْثَر (أقرب) من حملهَا على الِاغْتِسَال نظرا إِلَى الْقَوَاعِد الشَّرْعِيَّة (إِذْ لَا يُوجب) حملهَا على ذَلِك (تَأَخّر حق الزَّوْج) فِي الْوَطْء (بعد الِانْقِطَاع بارتفاع الْعَارِض الْمَانِع) من القربان، وَهُوَ الْحيض. قَوْله بارتفاع صلَة الِانْقِطَاع
(3/141)

يَعْنِي الْعلم بالانقطاع قطعا لانْتِهَاء مدَّته (مَعَ قيام الْمُبِيح) وَهُوَ الْحل الثَّابِت قبل عرُوض هَذَا الْمَانِع، بِخِلَاف الْحمل على الِاغْتِسَال فَإِنَّهُ يُوجب ذَلِك (و) مِنْهُ مَا (بَين آيتي اللَّغْو) فِي الْيَمين، وَهِي عِنْد أَصْحَابنَا وَأحمد الْحلف على أَمر يظنّ أَنه كَمَا قَالَ وَهُوَ بِخِلَافِهِ، وَعند الشَّافِعِي وَأحمد فِي رِوَايَة كل يَمِين صدرت من غير قصد فِي الْمَاضِي وَفِي الْمُسْتَقْبل، وهما قَوْله تَعَالَى - {لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم وَلَكِن يُؤَاخِذكُم بِمَا كسبت قُلُوبكُمْ} - وَالْأُخْرَى مثلهَا إِلَّا أَنه ذكر فِيهَا - {بِمَا عقدتم الْأَيْمَان} - بدل {بِمَا كسبت قُلُوبكُمْ} (تفِيد إِحْدَاهمَا) وَهِي الأولى (الْمُؤَاخَذَة بالغموس) وَهِي الْحلف على أَمر مَاض أَو حَال يتَعَمَّد الْكَذِب بِهِ (لِأَنَّهَا) أَي الْيَمين الْغمُوس (مكسوبة) لِأَن تعمد الْكَذِب من كذب الْقلب وَعَمله (وَالْأُخْرَى) وَهِي الثَّانِيَة تفِيد (عَدمه) أَي لَا يُؤَاخذ بالغموس (إِذْ لَيست) الْغمُوس (معقودة) لِأَن العقد قد يكون لَهُ حكم فِي الْمُسْتَقْبل شرعا كَالْبيع وَنَحْوه والغموس لَيست كَذَلِك (فَدخلت) الْغمُوس (فِي اللَّغْو) الْمُقَابل للمعقودة، وَإِنَّمَا سمي بِهِ (لعدم الْفَائِدَة الَّتِي تقصد الْيَمين لَهَا) شرعا وَهِي تَحْقِيق الْبر فَلَا يكون مؤاخذا بهَا (وَخرجت) أَي الْغمُوس (مِنْهُ) أَي اللَّغْو (فِي) الْآيَة (الْأُخْرَى) وَدخلت فِي المكسوبة (بشمول الْكسْب إِيَّاهَا) أَي الْغمُوس (وأفادت ضدية اللَّغْو للكسب) أَي أفادت الْآيَة ضديته للتقابل بَينهمَا (فَهُوَ) أَي اللَّغْو هَهُنَا (السَّهْو) فتعارضتا فِي الْغمُوس بِاعْتِبَار الْمُؤَاخَذَة وَعدمهَا وَبِاعْتِبَار الاندراج فِي اللَّغْو وَعَدَمه (والتخلص) بِهَذَا الِاعْتِبَار (عِنْد الْحَنَفِيَّة بِالْجمعِ) بَينهمَا (بِأَن المُرَاد بالمؤاخذة) الثَّابِتَة للغموس (فِي) الْآيَة (الأولى) الْمُؤَاخَذَة (الأخروية) وَهِي المُرَاد (و) المُرَاد بالمؤاخذة المنفية عَن الْغمُوس (فِي) الْآيَة (الثَّانِيَة) الْمُؤَاخَذَة (الدُّنْيَوِيَّة بِالْكَفَّارَةِ) فَلم يتحد مُتَعَلق المؤاخذتين فَلَا تعَارض (أَو) المُرَاد بِاللَّغْوِ فِي الْآيَتَيْنِ الْخَالِي عَن الْقَصْد وبالمؤاخذة (فيهمَا) أَي الْآيَتَيْنِ الْمُؤَاخَذَة (الأخروية) والغموس دَاخِلَة فِي المكسوبة لَا فِي المعقودة فالآية الأولى أوجبت الْمُؤَاخَذَة على الْغمُوس (و) الْآيَة (الثَّانِيَة ساكتة عَن الْغمُوس وَهِي) أَي الْغمُوس (ثَالِثَة) وَالْيَمِين منقسمة على أَقسَام ثَلَاثَة، وَالْمَذْكُور فِيهَا حكم الْقسمَيْنِ مِنْهَا، وَلما كَانَ هُنَا مَظَنَّة سُؤال وَهُوَ كَون المُرَاد من الْمُؤَاخَذَة الأخروية لَا يُوَافق قَوْله تَعَالَى - فكفارته - إِلَى آخِره لِأَنَّهُ لَا مُؤَاخذَة دنيوية دَفعه بقوله (أَي يُؤَاخِذكُم فِي الْآخِرَة بِمَا عقدتم) عِنْد الْحِنْث (فطريق دَفعه) أَي طَرِيق دفع الْعقَاب الْحَاصِل بِهِ (وستره إطْعَام) عشرَة مَسَاكِين، نقل الشَّارِح عَن المُصَنّف أَن وَجه الْمُؤَاخَذَة فِي هَذَا مَا يتضمنه من سوء الْأَدَب على الشَّرْع إِلَى آخر مَا ذكر وَحَاصِله الْمُؤَاخَذَة بِمُجَرَّد الْيَمين وَإِن لم يَحْنَث وَحمل الْيَمين على الْحلف على شرب الْخمر بعد تَحْرِيمهَا، وَسُوء الْأَدَب إقدامه على مثل
(3/142)

هَذَا، وَلَا يخفى مَا فِيهِ وَالله أعلم بِصِحَّة هَذَا النَّقْل، وَقد يشْتَبه على بعض الطّلبَة كَلَام المدرسين (وَاحْتج) الْمُجيب (الأول) الْقَائِل بِأَن المُرَاد بالمؤاخذة فِي الأولى الأخروية، وَفِي الثَّانِيَة الدُّنْيَوِيَّة فَلَا تكون الْغمُوس وَاسِطَة بَين اللَّغْو والمنعقدة كَمَا يَقُول الْمُجيب الثَّانِي (بِأَن الْمَفْهُوم من) قَول الْقَائِل (لَا يُؤَاخذ بِكَذَا لَكِن) يُؤَاخذ (بِكَذَا عدم الْوَاسِطَة) يَعْنِي إِذا قصد الْمُتَكَلّم بَيَان حكم حَقِيقَة يتَحَقَّق فِي ضمن أَفْرَاد كَثِيرَة بِاعْتِبَار الْمُؤَاخَذَة وَعدمهَا مثلا. فَقَالَ: يُؤَاخذ بِهَذَا الْقسم مِنْهَا وَلَا يُؤَاخذ بِذَاكَ فالمتبادر من هَذَا الْبَيَان أَن لَا يبْقى شَيْء مِنْهَا خَارج من الْقسمَيْنِ، وَإِلَّا لم يكن الْبَيَان وافيا فَيلْزم كَون الْغمُوس فِي اللَّغْو أَو المعقودة وَلَيْسَت بمعقودة فَلَزِمَ دُخُولهَا فِي اللَّغْو فَلَزِمَ أَن لَا يكون المُرَاد بالمؤاخذة المنفية عَن اللَّغْو الأخروية فَيتَعَيَّن الدُّنْيَوِيَّة وَهِي الْكَفَّارَة (وَعند الشَّافِعِي) المُرَاد بالمؤاخذة (فيهمَا) أَي الْآيَتَيْنِ (الدُّنْيَوِيَّة وَهِي) أَي الْغمُوس (دَاخِلَة فِي المعقودة) عِنْده بِنَاء على حمل العقد على عقد الطّلب وعزمه كَقَوْلِه الشَّاعِر:
(عقدت على قلبِي بِأَن يكتم الْهوى ...)
(كَمَا) هِيَ دَاخِلَة (فِي المكسوبة فَلَا تعَارض) بَين الْآيَتَيْنِ لاتِّفَاقهمَا على الْمُؤَاخَذَة فِي الْغمُوس (وَدفعه) أَي دُخُولهَا فِي المعقودة (بِأَن حَقِيقَة العقد) إِنَّمَا تكون (بِغَيْر الْقلب) لِأَن العقد فِي الأَصْل ربط الشَّيْء بالشَّيْء وَذَلِكَ فِيمَا اصْطلحَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاء لما فِيهِ من ربط أحد الْكَلَامَيْنِ بِالْآخرِ، أَو ربط الْكَلَام بِمحل الحكم وَلَيْسَ فِي عزم الْقلب شَيْء مِنْهُمَا، وَصرف الْكَلَام عَن الْحَقِيقَة بِغَيْر ضَرُورَة لَا يجوز (قد يمْنَع) على صِيغَة الْمَجْهُول (بِأَنَّهُ) أَي العقد (أَعم) من أَن يكون فِي الْأَعْيَان أَو الْمعَانِي فَيعم المصطلح وَعقد الْقلب، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (يسند إِلَى الْأَعْيَان فيراد) بِهِ (الرَّبْط) لبعضها بِبَعْض (وَإِلَى الْقلب فعزمه) أَي فيراد بِهِ عزم الْقلب (وَكثر) إِطْلَاق العقد عَلَيْهِ (فِي اللُّغَة) وَفِي التَّلْوِيح أَن إِطْلَاقه عَلَيْهِ فِي اللُّغَة أشهر من العقد المصطلح فَإِنَّهُ من مخترعات الْفُقَهَاء وَأجِيب بِأَن العقد فِيمَا لَهُ حكم فِي الْمُسْتَقْبل صَار حَقِيقَة شَرْعِيَّة قَالَ تَعَالَى - {أَوْفوا بِالْعُقُودِ} - وَالْأَمر بالإيفاء لَا يَصح إِلَّا فِيمَا لَهُ حكم فِي الْمُسْتَقْبل (بل) الأولى فِي الْجَواب أَن يُقَال (الظَّاهِر) أَن المُرَاد بالمؤاخذة (فِي) الْآيَة (الأولى الأخروية للإضافة إِلَى كسب الْقلب) إِذْ الْغَالِب فِي الْمُؤَاخَذَة على عمل الْقلب والأخروية، على أَن الْغمُوس كَبِيرَة مَحْضَة لَا تناسب الْكَفَّارَة الدائرة بَين الْعباد والعقوبة، وَأَيْضًا فالمتبادر من الْمُؤَاخَذَة إِذا أطلقت أَن تكون بِحَسب الْآخِرَة (وَهَذَا) الْجمع بَين هَاتين الْآيَتَيْنِ (جمع من قبل الحكم) إِذْ الِاخْتِلَاف بَين الْآيَتَيْنِ إِنَّمَا كَانَ بِاعْتِبَار الْمُؤَاخَذَة فِي الْغمُوس وَعدمهَا اللَّتَيْنِ كَانَا حكم الْآيَتَيْنِ فيتصرف فِي مفهومهما بتعميمه بِحَيْثُ انقسمت إِلَى الأخروية والدنيوية فَجعلت احداهما مَحل الْإِثْبَات وَالْأُخْرَى مَحل النَّفْي لِئَلَّا يتحد موردهما
(3/143)

فيرتفع التَّنَاقُض والتعارض (وَمِنْه) أَي الْجمع من قبل الحكم (توزيعه) أَي الحكم بإثباته فِي بعض مَحَله بِأحد الدَّلِيلَيْنِ ونفيه فِي بعضه بِالْآخرِ (كقسمة الْمُدَّعِي بَين المثبتين) كَمَا إِذا ادّعى رجلَانِ أَن هَذِه الدَّار ملكه كملا وَأقَام كل وَاحِد مِنْهُمَا بَيِّنَة وَلَا رُجْحَان لأَحَدهمَا على الْأُخْرَى فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ تنصف بَينهمَا فقد أثبت الْملك لأَحَدهمَا فِي بعض الدَّار بِبَيِّنَة وَنفى ملكه عَن الْبَعْض الآخر بيينة الرجل الآخر، وَهَذَا هُوَ التَّوْزِيع فِي الحكم الَّذِي هُوَ الْملك (وَمَا قيل) أَي قيل هَذَا الْجمع وَهُوَ الْجمع فِي قِرَاءَة التَّشْدِيد وَالتَّخْفِيف (من قبل الْحَال) إِذْ حمل احداهما على حَالَة وَالْأُخْرَى على حَالَة أُخْرَى، وَعبر عَنهُ صدر الشَّرِيعَة بِالْمحل (و) قد (يكون) الْجمع بَين المتعارضين (من قبل الزَّمَان) إِمَّا (صَرِيحًا بِنَقْل التَّأَخُّر) لأَحَدهمَا عَن الآخر كَقَوْلِه تَعَالَى {وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ}، وَقَوله تَعَالَى - {وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا} - فَإِن بَينهمَا تَعَارضا فِي حق الْحَامِل الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا، وَجمع الْجُمْهُور بَينهمَا بِأَن أولات الْأَحْمَال الْآيَة (بعد وَالَّذين يتوفون) الْآيَة كَمَا صَحَّ عَن ابْن مَسْعُود، وَتقدم فِي الْبَحْث الْخَامِس فِي التَّخْصِيص يكون من قبل الزَّمَان (أَو حكما كالمحرم) أَي كتقديمه (على الْمُبِيح) إِذا تَعَارضا (اعْتِبَارا لَهُ) أَي الْمحرم (مُتَأَخِّرًا) عَن الْمُبِيح (كي لَا يتَكَرَّر النّسخ بِنَاء على أَصَالَة الْإِبَاحَة) فَيلْزم كَون الْمحرم الْمُقدم على الْمُبِيح نَاسِخا للْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة ومنسوخا بالمبيح الْمُتَأَخر عَنهُ بِخِلَاف الْعَكْس وَهُوَ ظَاهر، وَهَذَا مُخَالف لما سَيَأْتِي من أَن رفع الْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة لَيْسَ بنسخ: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يتجوز بِهِ عَن تغير الحكم أَعم من أَن يكون ذَلِك الحكم إِبَاحَة أَصْلِيَّة أَو غَيرهَا، وَتقدم فِي المسئلة الثَّانِيَة من مسئلتي التنزل فِي فصل الْحَاكِم مَا فِيهِ من الْبَحْث والتحرير (وَلِأَنَّهُ) أَي تَقْدِيم الْمحرم على الْمُبِيح (الِاحْتِيَاط) إِذْ احْتِمَال ترك الْعَمَل بِمَا يَقْتَضِيهِ الْمُبِيح أَهْون من احْتِمَال تَركه بِمَا يَقْتَضِيهِ الْمحرم كَمَا فِي تَحْرِيم الضَّب بِمَا روى أَحْمد وَغَيره بِرِجَال الصَّحِيح عَن عبد الرَّحْمَن بن حَسَنَة قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فنزلنا أَرضًا كَثِيرَة الضباب فأصبنا مِنْهَا فذبحنا فَبَيْنَمَا الْقُدُور تغلي بهَا خرج علينا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: إِن أمة من بني إِسْرَائِيل فقدت، وَإِنِّي أَخَاف أَن تكون هِيَ فاكفئوها فكفأناها، وَإِنَّا لجياع، وروى الْجَمَاعَة إِلَّا التِّرْمِذِيّ مَا دلّ على أَنه أكل مِنْهُ فَلم ينْدر عَنهُ وَلم يكن مَعَه معتذرا بِأَنَّهُ يعافه لعدمه بِأَرْض قومه (وَلَا يقدم الْإِثْبَات) لأمر عَارض (على النَّفْي) كَمَا ذهب إِلَيْهِ الْكَرْخِي وَالشَّافِعِيَّة (إِلَّا أَن كَانَ) النَّفْي لَا يعرف بِالدَّلِيلِ بل (بِالْأَصْلِ) وَهُوَ كَون الأَصْل فِي الْعَوَارِض الْعَدَم والانتفاء فَإِن الْإِثْبَات بِالدَّلِيلِ يقدم عَلَيْهِ (كحرية) مغيث (زوج بَرِيرَة لِأَن عبديته كَانَت مَعْلُومَة فالإخبار بهَا) أَي بعبديته كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة أَن
(3/144)

النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَيرهَا وَكَانَ زَوجهَا عبدا (بِالْأَصْلِ) أَي بِنَاء على أَن رقبته لم تَتَغَيَّر فَهَذَا نفي لحريته بِنَاء على مَا كَانَت عَلَيْهِ فالإخبار بحريَّته حِين إعْتَاقهَا كَمَا فِي كتب السّير بِنَاء على مَا ثَبت عِنْد المخبرين بِمَا دلّ على حدوثها بعد العبدية إِثْبَات مقدم على النَّفْي الْمَذْكُور (فَإِن) كَانَ النَّفْي (من جنس مَا يعرف بدليله عَارضه) أَي الْإِثْبَات لتساويهما حِينَئِذٍ بِاعْتِبَار مُوجب الْعلم (وَطلب التَّرْجِيح) لأَحَدهمَا بِوَجْه آخر (كالإحرام فِي حَدِيث مَيْمُونَة رَضِي الله عَنْهَا) وَهُوَ مَا فِي الْكتب السِّتَّة عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا تزوج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَيْمُونَة وَهُوَ محرم، زَاد البُخَارِيّ وَبنى بهَا وَهُوَ حَلَال، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ تزوج نَبِي الله مَيْمُونَة وهما محرمان فَإِنَّهُ (نفي لأمر) عَارض وَهَذَا الْحَد الطَّارِئ (يدل عَلَيْهِ هَيْئَة محسوسة) من التجرد وَرفع الصَّلَوَات وَغَيرهمَا (فساوى رِوَايَة) مُسلم وَابْن مَاجَه عَن يزِيد بن الْأَصَم حَدَّثتنِي مَيْمُونَة أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (تزَوجهَا وَهُوَ حَلَال) قَالَ وَكَانَت خَالَتِي وَخَالَة ابْن عَبَّاس، وَزَاد فِيهِ أَبُو يعلى بعد أَن رَجعْنَا إِلَى مَكَّة، وَرِوَايَة التِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان عَن أبي رَافع " تزوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَيْمُونَة وَهُوَ حَلَال وَبنى بهَا وَهُوَ حَلَال، وَكنت الرَّسُول بَينهمَا " (وَرجح نفي ابْن عَبَّاس على) إِثْبَات (ابْن الْأَصَم وَأبي رَافع) بِقُوَّة السَّنَد وبضبط الروَاة وفقههم خُصُوصا ابْن عَبَّاس. قَالَ الزُّهْرِيّ: وَمَا يدْرِي ابْن الْأَصَم أَعْرَابِي بوال على سَاقه أنجعله مثل ابْن عَبَّاس، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ الَّذين رووا أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تزوج بهَا وَهُوَ محرم أهل علم وَثَبت من أَصْحَاب ابْن عَبَّاس مثل سعيد بن جُبَير وَعَطَاء وَطَاوُس وَمُجاهد وَعِكْرِمَة وَجَابِر بن زيد وَهَؤُلَاء كلهم فُقَهَاء، وَالَّذين نقلوا عَنْهُم عَمْرو بن دِينَار وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ وَعبد الله بن أبي نجيح وَهَؤُلَاء أَئِمَّة يعْتد برأيهم (هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحل اللَّاحِق) للْإِحْرَام (وَأما على إِرَادَة) الْحل (السَّابِق) على الْإِحْرَام (كَمَا فِي بعض الرِّوَايَات) فِي موطأ مَالك عَن سُلَيْمَان بن يسَار قَالَ بعث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَبَا رَافع مَوْلَاهُ ورجلا من الْأَنْصَار فزوجاه مَيْمُونَة بنت الْحَارِث وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْمَدِينَةِ قبل أَن يخرج، وَفِي معرفَة الصَّحَابَة للمستغفري قبل أَن يحرم (فَابْن عَبَّاس مُثبت) لِلْأَمْرِ الْعَارِض وَهُوَ الْإِحْرَام (وَيزِيد) بن الْأَصَم (ناف) لَهُ (فيترجح) حَدِيث ابْن عَبَّاس (بِذَات الْمَتْن) أَي متن الحَدِيث لِأَن الْمُثبت فِي حد ذَاته يرجع على النَّافِي لاشْتِمَاله على زِيَادَة الْعلم (وَلَو عَارضه) أَي نفي يزِيد إِثْبَات ابْن عَبَّاس لكَون نَفْيه مِمَّا يعرف بدليله لِأَن حَالَة الْحل أَيْضا تعرف بِالدَّلِيلِ أَيْضا وَهِي هَيْئَة الْحَلَال (فِيمَا قُلْنَا) أَي فيرجح حَدِيث ابْن عَبَّاس بِمَا قُلْنَا من قُوَّة السَّنَد وَفقه الرَّاوِي ومزيد ضَبطه كَذَا ذكر الشَّارِح، وَلَا يخفى
(3/145)

عَلَيْك أَن المُصَنّف لم يقل هَهُنَا هَذِه المرجحات الْمَذْكُورَة اللَّهُمَّ أَن يُقَال قَوْله من جنس مَا يعرف بدليله عَارضه وَطلب التَّرْجِيح يُشِير إِلَى الْمَذْكُورَات وَغَيرهَا إِجْمَالا (وَعرف) من هَذَا (أَن النَّافِي رَاوِي الأَصْل) أَي الْحَالة الْأَصْلِيَّة فالمثبت رَاوِي خِلَافه (فَإِن أمكنا) أَي كَون النَّفْي بِنَاء على الدَّلِيل، وَكَونه بِنَاء على الْعَدَم الْأَصْلِيّ (كبحل الطَّعَام) أَي كالإخبار بِهِ (وطهارة المَاء) فَإِن كلا مِنْهُمَا (نفي يعرف بِالدَّلِيلِ) بِأَن ذبح شَاة وَذكر اسْم الله عَلَيْهَا وَغسل إِنَاء بِمَاء السَّمَاء أَو بِمَاء جَار لَيْسَ لَهُ أثر نَجَاسَة وملأه بِأَحَدِهِمَا وَلم يغب عَنهُ أصلا وَلم يُشَاهد وُقُوع نَجَاسَة فِيهِ (وَالْأَصْل) أَي يعرف بِالْأَصْلِ بِأَن يعْتَمد على أَن الأَصْل فِي المذبوحة الْحل وَلم يعلم ثُبُوت حُرْمَة فِيهَا، وَفِي المَاء الطَّهَارَة وَلم يعلم وُقُوع النَّجَاسَة فِيهِ (فَلَا يُعَارض) الْإِخْبَار بهما (مَا) أَي الْإِخْبَار (بحرمته) أَي الطَّعَام (ونجاسته) أَي المَاء (وَيعْمل بهما) أَي بِالْحلِّ فِي الطَّعَام وَالطَّهَارَة فِي المَاء (إِن تعذر السُّؤَال) للمخبر عَن مُسْتَنده لِأَن الِاسْتِصْحَاب إِن لم يصلح دَلِيلا يصلح مرجحا فيرجح خبر النَّافِي بِهِ كَذَا ذكره الشَّارِح، وَفِيه أَن اعْتِبَاره مرجحا إِنَّمَا يتم أَن تَسَاويا والتساوي هَهُنَا مَحل نظر إِذْ الْمُثبت يعْتَمد الدَّلِيل قطعا واعتمادنا فِي علية مَشْكُوك الِاحْتِمَال اعْتِمَاده على الأَصْل فَتَأمل. فَالْوَجْه أَن يُفَسر قَوْله بهما بِالْحُرْمَةِ والنجاسة (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يتَعَذَّر السُّؤَال (سُئِلَ) الْمخبر (عَن مبناه) أَي مبْنى خَبره (فَعمل بِمُقْتَضَاهُ) فَإِن تمسك الْمخبر بِظَاهِر الْحَال، وَالْأَصْل فِي الشَّاة الْحل، وَفِي المَاء الطَّهَارَة، وَلم يعلم مَا ينافيهما فخبر الْحُرْمَة والنجاسة يعْمل بِهِ لكَونه عَن دَلِيل، وَإِن تمسك بِالدَّلِيلِ كَانَ مثل الْإِثْبَات فَيَقَع التَّعَارُض وَيجب الْعَمَل بِالْأَصْلِ (وَمثل الْحَنَفِيَّة تَقْرِير الْأُصُول) لمتعلق المتعارضين إِذا لم يكن بعدهمَا دَلِيل يُصَار إِلَيْهِ (بسؤر الْحمار) أَي الْبَقِيَّة من المَاء الَّذِي شرب مِنْهُ فِي الْإِنَاء (تعَارض فِي حل لَحْمه وحرمته المستلزمتين لطهارته) أَي سؤره (ونجاسته الْآثَار) فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن جَابر " نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم خَيْبَر عَن لُحُوم الْحمر " وَهُوَ يدل على تَحْرِيمهَا وَحُرْمَة الشَّيْء مَعَ صلاحيته للغذاء إِذا لم تكن للكرامة آيَة النَّجَاسَة ونجاسة اللَّحْم تَسْتَلْزِم نَجَاسَة اللعاب لِأَنَّهُ متحلب مِنْهُ وَهُوَ يخالط المَاء فَيكون نجسا، وَفِي سنَن أبي دَاوُد، وَعَن غَالب بن أبجر قَالَ أصابتنا سنة فَلم يكن لي فِي مَالِي إِلَّا شَيْء من حمر، وَقد كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حرم لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة فَأتيت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقلت يَا رَسُول الله أصابتني السّنة وَلم يكن فِي مَالِي مَا أطْعم أَهلِي إِلَّا سمان حمر وَأَنَّك حرمت لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة. فَقَالَ: أطْعم أهلك من سمين حمرك فَإِنَّمَا حرمتهَا من أجل جوَار الْقرْيَة، وَهَذَا يدل على حلهَا وَهُوَ يسْتَلْزم طَهَارَتهَا وطهارة السؤر (فقرر حَدِيث الْمُتَوَضِّئ بِهِ) أَي بسؤره على مَا كَانَ عَلَيْهِ قبل التوضئ (وطهارته) أَي طَهَارَة السؤر على
(3/146)

مَا كَانَ عَلَيْهِ المَاء قبل مُخَالطَة اللعاب (وَلَا يخفى أَنه) أَي اعْتِبَار الْأُصُول (حكم عدم التَّرْجِيح) بِشَيْء من الطَّهَارَة والنجاسة على الآخر من حَيْثُ الْأَثر (لَكِن رجحت الْحُرْمَة) على الْإِبَاحَة إِذا تَعَارَضَتَا لما تقدم آنِفا، على أَن حَدِيث التَّحْرِيم صَحِيح الْإِسْنَاد والمتن لَا اضْطِرَاب فِيهِ، وَحَدِيث الْإِبَاحَة مُضْطَرب الْإِسْنَاد، وَذكره الْبَيْهَقِيّ ثمَّ النَّوَوِيّ ثمَّ الْمزي ثمَّ الذَّهَبِيّ، وَأَيْضًا فِي دلَالَته على الْإِبَاحَة مُطلقًا نظر إِذْ الْقِصَّة تُشِير إِلَى اضطرارهم كَيفَ وَهُوَ مُصَرح بِتَأْخِيرِهِ عَن حَدِيث التَّحْرِيم فَلَو صَحَّ مُفِيدا للْإِبَاحَة مُطلقًا لَكَانَ نَاسِخا للتَّحْرِيم مُوجبا للطَّهَارَة (وَالْأَقْرَب) فِي تَقْرِير الْأُصُول فِي هَذَا الْمِثَال أَن يُقَال (تَعَارَضَت الْحُرْمَة الْمُقْتَضِيَة للنَّجَاسَة والضرورة الْمُقْتَضِيَة للطَّهَارَة) فِيهِ لِأَن الْحمار يرْبط فِي الدّور والأفنية وَيشْرب فِي الْأَوَانِي المستعملة وَيحْتَاج فِي الرّكُوب وَالْحمل (وَلم تترجح) الطَّهَارَة (لتردد فِيهَا) أَي الضَّرُورَة المسقطة للنَّجَاسَة (إِذْ لَيْسَ كالهرة) فِي المخالطة حَتَّى تسْقط نَجَاسَته كَمَا سَقَطت نَجَاسَة سُؤْر الْهِرَّة لِأَن الْهِرَّة تلج المضايق دونه (وَلَا الْكَلْب) فِي المجانبة الْغَالِبَة حَتَّى لَا تسْقط نَجَاسَته لِانْعِدَامِ الضَّرُورَة فِي الْكَلْب دونه (وَلَا النَّجَاسَة) أَي وَلم تترجح النَّجَاسَة لما فِيهَا من إِسْقَاط حكم الضَّرُورَة بِالْكُلِّيَّةِ فتساقطتا وَوَجَب الْمصير إِلَى الأَصْل وَهُوَ إبْقَاء مَا كَانَ من الْحَدث فِي الْمُتَوَضِّئ، وَالطَّهَارَة فِي المَاء.

مسئلة
(لَا شكّ فِي جرى التَّعَارُض بَين قَوْلَيْنِ و) لَا شكّ فِي (نَفْيه) أَي نفي جرى التَّعَارُض (بَين فعلين متضادين كَصَوْم يَوْم وَفطر فِي مثله) أَي فِي مثل ذَلِك الْيَوْم كَأَن يَصُوم فِي يَوْم السبت وَيفْطر فِي سبت آخر، وَذَلِكَ لجَوَاز أَن يكون أَحدهمَا وَاجِبا أَو مَنْدُوبًا أَو مُبَاحا فِي وَقت وَلَيْسَ كَذَلِك فِي وَقت آخر مثله من غير رفع وَإِبْطَال لذَلِك الحكم إِذْ لَا عُمُوم للفعلين وَلَا لأَحَدهمَا (إِلَّا إِن دلّ على وُجُوبه) أَي ذَلِك الْفِعْل (عَلَيْهِ) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (وَنَحْوه) أَي أَو على نَدبه أَو إِبَاحَته (وسببية متكرر) أَي وَدلّ مَعَ ذَلِك على سَبَبِيَّة أَمر لذَلِك الْوُجُوب أَو النّدب بِتَكَرُّر وجوده كَأَن يدل على أَن يَوْم السبت جعل سَببا لذَلِك فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يثبت التَّعَارُض بِوَاسِطَة هَذِه الدّلَالَة فَيكون فطره فِي يَوْم السبت الآخر بعد هَذِه الدّلَالَة دَلِيل عدم وجوب صَوْم كل سبت، وَذكر الشَّارِح أَن قَوْله إِلَّا إِلَى آخِره اسْتثِْنَاء من نَفْيه، وَيَنْبَغِي أَن يحمل على الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطع إِذْ لَيْسَ التَّعَارُض فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة بَين ذاتي الْفِعْلَيْنِ إِلَّا أَن يعمم قَوْله بَين فعلين بِحَيْثُ يشملهما بِضَرْب من الْمُسَامحَة (وَتَقَدَّمت الدّلَالَة على أَن الْأمة مثله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا عرفت فِيهِ صفة الْفِعْل وَقد فرض أَنه دلّ هَهُنَا على صفة الْفِعْل فِي حَقه وتكرره بِتِلْكَ الصّفة.
(3/147)

بِتَكَرُّر سَببه فَيثبت فِي حق الْأمة كَذَلِك (فالنافي) وَهُوَ فطره مثلا (نَاسخ عَن الْكل) أَي ينْسَخ وجوب ذَلِك الْفِعْل عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْأمة لِأَن فطره الْمُتَأَخر اقْتضى فطر الْأمة بِمُوجب تِلْكَ الدّلَالَة الْمُتَقَدّمَة كَمَا أَن صَوْمه اقْتضى صومهم وَقد كَانَ فِي حَقه نَاسِخا فَكَذَلِك فِي حَقهم (وَعَن الْكَرْخِي وَطَائِفَة) أَن فعله الثَّانِي ينْسَخ (عَنهُ) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (فَقَط) وَزعم الشَّارِح أَنه مَبْنِيّ على أَن الْكَرْخِي لَا يُوجب فِي حق الْأمة شَيْئا بِدَلِيل الْوُجُوب عَلَيْهِ وَنَحْوه من النّدب وَالْإِبَاحَة ويخص دَلِيل التكرر بِهِ، وَلَا يخفى عَلَيْك أَن مُخَالفَته فِي حَقه النّسخ عَن الْأمة إِنَّمَا يشْعر بموافقته فِي مُشَاركَة الْأمة لَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي وجوب الْفِعْل وَنَحْوه (وَأما) التَّعَارُض (بَين فعل) النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (عرفت صفته) من وجوب أَو ندب مثلا (فِي حَقه وَقَول) يَنْفِي ذَلِك كَأَن يَصُوم يَوْم السبت ثمَّ يَقُول صَوْمه حرَام (فعلى الْمُخْتَار من أَن أمته مثله) سَوَاء كَانَت تِلْكَ الصّفة (وجوبا أَو غَيره فَمَعَ دَلِيل سَبَبِيَّة متكرر وَالْقَوْل خَاص بِهِ) كَقَوْلِه صَوْم يَوْم السبت حرَام (نسخ) على صِيغَة الْمَعْلُوم (عَنهُ) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (الْمُتَأَخر مِنْهُمَا) أَي الْفِعْل أَو القَوْل الْمُتَقَدّم (وَلَا مُعَارضَة فيهم) أَي الْأمة (فيستمر مَا فيهم) أَي مَا كَانَ ثَبت عَلَيْهِم من الِاتِّبَاع على الْوَجْه الثَّالِث فِي حَقه إِذْ النَّاسِخ لم يتَعَرَّض لسواه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (فَإِن جهل) الْمُتَأَخر مِنْهُمَا (قيل يُؤْخَذ بِالْفِعْلِ فَيثبت) الْفِعْل (على صفته على الْكل) فيستمر مَا كَانَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم (وَقيل) يُؤْخَذ (بالْقَوْل فيخصه النّسخ) إِذْ الْمَفْرُوض خَاص بِهِ (وَيثبت مَا فيهم) أَي يسْتَمر على مَا كَانَ (وَقيل يتَوَقَّف) فِي حَقه (وَهُوَ الْمُخْتَار دفعا للتحكم) أَي يرجح أَحدهمَا على الآخر بِلَا مُرَجّح إِذْ يحْتَمل تَأَخّر كل مِنْهُمَا (فِي حَقه وَيثبت مَا فيهم) على صفته لعدم الْمُعَارضَة فِي حَقهم (وَإِن) كَانَ القَوْل (خَاصّا بهم) أَي الْأمة بِأَن صَامَ يَوْم السبت وَقَالَ لَا يحل للْأمة صَوْمه (فَلَا تعَارض فِي حَقه فَمَا كَانَ لَهُ) ثَابت عَلَيْهِ (كَمَا كَانَ، وَفِيهِمْ) أَي فِي حق الْأمة (الْمُتَأَخر نَاسخ وَإِن جهل) الْمُتَأَخر مِنْهُمَا فِيمَا إِذا كَانَ القَوْل خَاصّا بهم فأقوال أَحدهَا يُؤْخَذ بِالْفِعْلِ فَيجب عَلَيْهِم الصَّوْم، وَثَانِيها الْوَقْف فَلَا يثبت حكم (فثالثها) وَهُوَ (الْمُخْتَار) يوخذ (بالْقَوْل) فَيحرم عَلَيْهِم الصَّوْم (لوضعه) أَي القَوْل (لبَيَان المرادات) الْقَائِمَة بِنَفس الْمُتَكَلّم (وأدليته) من الْفِعْل على خُصُوص المُرَاد (وأعميته) لِأَنَّهُ أَعم دلَالَة لِأَن أَفْرَاد مَدْلُوله أَكثر إِذْ يدل بِهِ على الْمَوْجُود والمعدوم والمعقول والمحسوس (بِخِلَاف الْفِعْل) فَإِن لَهُ محامل، وَإِنَّمَا يفهم مِنْهُ ذَلِك فِي بعض الْأَحْوَال بِقَرِينَة خارجية فَيَقَع الْخَطَأ كثيرا وَيخْتَص بالموجود والمحسوس لِأَن الْمَعْدُوم والمعقول لَا يُمكن مشاهدتهما، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (إِنَّمَا يدل على إِطْلَاقه) نَفسه عَن قيد الممنوعية (للْفَاعِل) فَيعلم أَنه يجوز لَهُ أَن يفعل من غير أَن يعلم خُصُوص كَيْفيَّة من الْوُجُوب
(3/148)

أَو النّدب أَو الْإِبَاحَة (فَإِن دلّ) على صِيغَة الْمَجْهُول أَي بِدَلِيل خارجي (على الِاقْتِدَاء) أَي على اقْتِدَاء غير الْفَاعِل بِهِ (فبذلك) أَي ففهم ذَلِك بذلك الدَّال لَا بِالْفِعْلِ (وَإِنَّمَا يثبت مَعَه) أَي الْإِطْلَاق الْمَذْكُور (احتمالات) من الْوُجُوب وَالنَّدْب وَالْإِبَاحَة للْفَاعِل وَغَيره وَلَا يتَعَيَّن شَيْء مِنْهَا للْفِعْل بل (إِن تعين بَعْضهَا فبغيره) أَي غير الْفِعْل (وَكَونه) أَي الْفِعْل (قد يَقع بَيَانا لِلْقَوْلِ) إِنَّمَا هُوَ (عِنْد إجماله) أَي القَوْل وَقد مر قَرِيبا (وكلامنا) فِي التَّرْجِيح (مَعَ عَدمه) أَي الْإِجْمَال فَإِن قلت الْكَلَام فِيمَا إِذا تعَارض الْفِعْل وَالْقَوْل الْمَذْكُور وَجَهل الْمُتَأَخر مِنْهُمَا من غير تَقْيِيد بِعَدَمِ كَون الْفِعْل بَيَانا لقَوْل مُجمل فَمَا معنى قَوْله مَعَ عَدمه قلت مَعْنَاهُ إِذا نَظرنَا إِلَى ذاتي الْفِعْل وَالْقَوْل مَعَ قطع النّظر عَن الْأُمُور الْخَارِجَة عَنْهُمَا وجدنَا الْأُمُور الثَّلَاثَة لَازِمَة لِلْقَوْلِ دون الْفِعْل، والإجمال السَّابِق من جملَة تِلْكَ الْأُمُور (وَالْفرق) بَين مَا تقدم من اخْتِيَار التَّوَقُّف عِنْد جهل الْمُتَأَخر واختصاص القَوْل بِهِ عَلَيْهِ السَّلَام وَبَين مَا هُنَا من الْأَخْذ بالْقَوْل عِنْد جهل الْمُتَأَخر واختصاص القَوْل بالأمة (أَنا هُنَا) أَي فِيمَا إِذا كَانَ خَاصّا بِنَا (متعبدون بالاستعلام) وَطلب الْعلم (لتعبدنا بِالْعَمَلِ) المتوقف على الْعلم فَصَارَ الْبَحْث عَن الْمُتَأَخر لتَحْصِيل الْعلم بِمَا يبْنى عَلَيْهِ الْعَمَل من الْفِعْل وَالْقَوْل عبَادَة، لِأَن تَحْصِيل مَا تتَوَقَّف عَلَيْهِ الْعِبَادَة عبَادَة (لَا هُنَاكَ) أَي لسنا مأمورين بالاستعلام عِنْد جهلنا بالمتأخر من الْفِعْل وَالْقَوْل الْخَاص بِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذْ النَّهْي مَخْصُوص بِهِ وَالْفِعْل يقْتَدى بِهِ سَوَاء كَانَ مُتَقَدما أَو مُتَأَخِّرًا، فالبحث عَن تعْيين الْمُتَأَخر فِي نفس الْأَمر ليعلم حَاله لَيْسَ مِمَّا يتعبد بِهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (إِذْ لم نؤمر بِهِ) أَي بالاستعلام فِي تعْيين الْمُتَأَخر (فِي حَقه) ليعلم كَيْفيَّة تعبده فِي ذَلِك، وَأما فِي حَقنا فقد علمت عدم احتياجنا فِي التَّعَبُّد إِلَيْهِ ثمَّ إِنَّه لَو اجتهدنا فِي طلب الْعلم بالمتأخر ليعلم حَاله لربما اسْتَقر رَأينَا على خلاف مَا فِي علمه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَهُوَ) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أدرى بِهِ) أَي بالمتأخر (أَو) كَانَ القَوْل (شَامِلًا) لَهُ وَلَهُم مَعْطُوف على قَوْله وَإِن خَاصّا بهم بِأَن صَامَ يَوْم السبت ثمَّ قَالَ حرم عَليّ وَعَلَيْكُم (فالمتأخر نَاسخ عَن الْكل) أَي عَنهُ وَعَن أمته، فَإِن كَانَ الْفِعْل ثَبت فِي حق الْكل، وَإِن كَانَ القَوْل حرم على الْكل (وَفِي الْجَهْل) بالمتأخر يعْمل (بالْقَوْل) فَيحرم الصَّوْم (لوُجُوب الاستعلام فِي حَقنا) كَمَا وَجب فِيمَا خص بِنَا للاشتراك فِي الْمُوجب، وَهُوَ التَّعَبُّد على مَا عرفت فَيجب الْبَحْث عَنهُ (وباتفاق الْحَال) أَي بِسَبَب مشاركتنا إِلَيْهِ فِي الْحَال من حَيْثُ شُمُول القَوْل (يعلم حَاله) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (مُقْتَضى للشمول) الْمَذْكُور إِذا لزم الْبَحْث لوُجُوب الاستعلام فِي حَقنا، فاختبر الْعَمَل بالْقَوْل لما ذكر فِي حَقنا، وَقد كَانَ الْحَال وَاحِدًا فَعلم حَاله لَا بِالْقَصْدِ بالبحث إِلَى استعلامه فِي حَقه (لَكنا لَا نحكم
(3/149)

بِهِ) أَي فِي حَقه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لما ذكرنَا) من أَنا لم نؤمر بِهِ وَهُوَ أدرى بِهِ، ثمَّ شرع فِي قسيم قَوْله فَمَعَ دَلِيل سَبَبِيَّة متكرر، فَقَالَ (وَأما مَعَ عدم دَلِيل التّكْرَار) وَالْكَلَام فِيمَا علم صفته، فَأَما أَن يكون خَاصّا بِهِ، أَو بالأمة، أَو شَامِلًا للْكُلّ، فَالْأول أَفَادَهُ بقوله (وَالْقَوْل الْخَاص بِهِ مَعْلُوم التَّأَخُّر) بِأَن فعل شَيْئا على سَبِيل الْوُجُوب أَو النّدب أَو الْإِبَاحَة، ثمَّ علم أَنه قَالَ بعده لَا يحل لي فعله فَلَا مُعَارضَة كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (فقد أخذت صفة الْفِعْل) وَهِي إِحْدَى الْأَوْصَاف الثَّلَاثَة (مقتضاها مِنْهُ) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (بذلك الْفِعْل الْوَاحِد، وَالْقَوْل) الصَّادِر بعد ذَلِك الْفِعْل الْوَاحِد مسئلة (شَرْعِيَّة مستأنفة فِي حَقه لَا نَاسخ، وَيثبت) الْفِعْل (فِي حَقهم) أَي الْأمة (مرّة بِصفتِهِ) من وجوب أَو غَيره (إِذْ لَا تعَارض فِي حَقهم) لفرض أَن القَوْل خَاص بِهِ (وَلَا سَبَب تكْرَار أَو) مَعْلُوم (التَّقَدُّم) كَأَن يَقُول: لَا يحل لي كَذَا ثمَّ يَفْعَله (نسخ عَنهُ الْفِعْل مُقْتَضى القَوْل: أَي دلّ) الْفِعْل (عَلَيْهِ) أَي نسخ القَوْل (وَيثبت) الْفِعْل (على الْأمة على صفته) من الْوُجُوب وَالنَّدْب وَغَيره (مرّة) أَي ثبوتا مرّة وَاحِدَة (لفرض الِاتِّبَاع فِيمَا علم) لِأَن الْمَفْرُوض أَن اتِّبَاعه فِي فعله الْمَعْلُوم صفته وَاجِب (وَعدم التكرر) أَي عدم تكْرَار السَّبَب وَلم يتَكَرَّر صُدُور الْفِعْل عَنهُ، بل صدوره مرّة وَاحِدَة فالاتباع بِحَسبِهِ (وَإِن جهل) الْمُتَأَخر (فالثلاثة) الْأَقْوَال كائنة فِيهِ: تَقْدِيم الْفِعْل فَيثبت الْفِعْل فِي حَقهم، وَتَقْدِيم القَوْل فَيحرم، الْوَقْف فَلَا يثبت حكم (قيل وَالْمُخْتَار الْوَقْف، وَنظر فِيهِ) أَي فِي الشَّرْح العضدي (بِأَن لَا تعَارض مَعَ تَأَخّر القَوْل) الْخَاص بِهِ، لَا يَخْلُو نفس الْأَمر من الِاحْتِمَالَيْنِ إِمَّا تقدم القَوْل وَإِمَّا تقدم الْفِعْل، وَفِيه السَّلامَة من لُزُوم النّسخ (فَيُؤْخَذ بِهِ) أَي بالْقَوْل حكما بِأَن الْفِعْل مُتَقَدم، لِأَنَّهُ لَو أَخذ بِالْفِعْلِ لزم النّسخ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (تَرْجِيحا لرفع مُسْتَلْزم النّسخ وَعلمت اسْتِوَاء حالتي الْأمة فيهمَا) أَي تقدم القَوْل وتأخره (من ثُبُوته) آي الْفِعْل (مرّة مِنْهُم) أَي الْأمة، يَعْنِي أَن الْعلم باستواء حَالهم يُؤْخَذ من ثُبُوت الْفِعْل من الْأمة مرّة وَاحِدَة، إِذْ على تَقْدِير تقدم الْفِعْل وَتَأَخر الْمحرم فِي حَقه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يحرم فِي حَقهم، والاتباع لَا يَسْتَدْعِي إِلَّا صُدُور الْفِعْل مرّة وَاحِدَة، وَكَذَلِكَ على تَقْدِير تَأَخّر تَارِيخه وناسخيته فِي حَقه، لِأَن الْمَفْرُوض أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا صدر مِنْهُ الْفِعْل إِلَّا مرّة وَاحِدَة، وَلَا وَجه للتوقف بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِم. هَذَا وَيحْتَمل أَن تكون من فِي قَوْله من ثُبُوته بَيَانِيَّة، وَالْمعْنَى ظَاهر (وَإِن) كَانَ القَوْل (خَاصّا بهم) بِأَن فعل وَقَالَ: لَا يحل للْأمة هَذَا (فَلَا تعَارض فِي حَقه) لعدم تَعْلِيق القَوْل بِهِ علم تقدمه أَولا (وَفِيهِمْ) أَي الْأمة (الْمُتَأَخر) من القَوْل أَو الْفِعْل (نَاسخ الْمرة) على تَقْدِير تَأَخّر القَوْل، فالنسخ لما لزم عَلَيْهِم مرّة بِسَبَب الِاتِّبَاع ظَاهر، وَأما على تَقْدِير تقدمه بِأَن قَالَ: صَوْم يَوْم السبت حرَام على الْأمة ثمَّ صَامَ فالصوم حرَام
(3/150)

عَلَيْهِم على مَا كَانَ وَلَا نسخ، لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِم وَلَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، لَا يُقَال الأسوة تَقْتَضِي اتِّبَاع الْأمة فَينْسَخ التَّحْرِيم السَّابِق، لِأَن الِاقْتِدَاء فِيمَا لم يعلم اخْتِصَاص الْفِعْل بِهِ، وَقد علم بقوله: لَا يحل للْأمة، فَإِنَّهُ دلّ على أَنه يحل لَهُ دونهم، وَمثل هَذَا الْبَحْث يدل على مَا سبق فِي أَوَائِل الْبَحْث (وَإِن جهل) الْمُتَأَخر (فالثلاثة) الْأَقْوَال فِيهِ: الْوَقْف، وَالْأَخْذ بِالْفِعْلِ، وَالْأَخْذ بالْقَوْل. (وَالْمُخْتَار القَوْل، وَإِن) كَانَ (شَامِلًا) لَهُ وَلَهُم (فعلى مَا تقدم فِيهِ وَفِيهِمْ فِي) صُورَة (علم الْمُتَأَخر) من القَوْل وَالْفِعْل، فَفِي القَوْل حَقه أَن يقدم الْفِعْل فَلَا تعَارض لعدم تكَرر الْفِعْل، وَإِن تقدم القَوْل فالفعل نَاسخ لَهُ، وَفِي حَقنا الْمُتَأَخر نَاسخ (وَإِن جهل) الْمُتَأَخر فِي حَقه وحقنا (فالثلاثة) الْأَقْوَال الْوَقْف وَالْأَخْذ بِالْفِعْلِ وَالْأَخْذ بالْقَوْل (وَالْمُخْتَار القَوْل) أَي الْأَخْذ بِهِ (فَينْسَخ عَنْهُم الْمرة لَكِن لَو قدم الْفِعْل) فِي الِاعْتِبَار (وَجَبت) الْمرة (فالاحتياط فِيهِ) أَي فِي وُجُوبه مرّة وَفِيه نظر، لِأَن قَضِيَّة الِاحْتِيَاط إِنَّمَا تسلم لَو كَانَ هُنَاكَ احْتِمَال الْوُقُوع فِي النَّهْي (ثمَّ نقُول فِي الْوَجْه الَّذِي قدم بِهِ القَوْل) على الْفِعْل وَالْوَقْف (حَيْثُ قدم) وَهُوَ أَن وضع القَوْل لبَيَان المرادات إِلَى آخر مَا سبق آنِفا (نظر وَإِنَّمَا يُفِيد) الْوَجْه الْمَذْكُور (تَقْدِيمه) أَي القَوْل (لَو كَانَ) النّظر (بِاعْتِبَار مُجَرّد مُلَاحظَة ذَات الْفِعْل مَعَه) أَي مَعَ القَوْل (لَكِن النّظر بَين فعل دلّ على خُصُوص حكمه) من الْوُجُوب وَالنَّدْب وَالْإِبَاحَة (وعَلى ثُبُوته) أَي الْفِعْل (فِي حق الْأمة) فَكل قَول دلّ على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالدَّال النُّصُوص الدَّالَّة على وجوب الِاقْتِدَاء أَو نَدبه فِي حق خُصُوص حِكْمَة النُّصُوص والقرائن (فَفِي الْحَقِيقَة النّظر) إِنَّمَا هُوَ (فِي تَقْدِيم القَوْل على مَجْمُوع أَدِلَّة مِنْهَا قَول و) مِنْهَا (فعل، وَالْقَوْل وَإِن كَانَ بِحَيْثُ يدل) على صِيغَة الْمَجْهُول (بِهِ) أَي بالْقَوْل (على هَذَا الْمَجْمُوع) أَي الْأَدِلَّة المركبة من القَوْل وَالْفِعْل أَو مَدْلُول هَذَا الْمَجْمُوع (فَإِنَّمَا عَارضه) أَي هَذَا الْمُرَجح، وفاعل عَارضه قَوْله (مَا دلّ) على صِيغَة الْمَجْهُول (بِهِ) أَي بِالْفِعْلِ (أَيْضا عَلَيْهِ) أَي على القَوْل فِيمَا إِذا وَقع الْفِعْل بَيَانا لِلْقَوْلِ، وَكلمَة مَا مَصْدَرِيَّة: أَي عَارضه كَون الْفِعْل بِحَيْثُ يدل بِهِ عَلَيْهِ، وَفسّر الشَّارِح ضمير عَلَيْهِ بِهَذَا الْمَجْمُوع، وَلَا يظْهر لَهُ معنى (فاستويا) أَي الْفِعْل وَالْقَوْل (والأدلية وَنَحْوه) مِمَّا تقدم من الأعمية وَغَيرهَا (طرد) أَي أَوْصَاف مَوْجُودَة فِي الْمحل لَكِنَّهَا لَا أثر لَهَا فِيمَا نَحن بصدده (وَحِينَئِذٍ) أَي وَحين عرفت مَا فِي هَذَا الْوَجْه (فَالْوَجْه فِي كل مَوضِع من ذَلِك) التَّعَارُض (مُلَاحظَة أَن الِاحْتِيَاط يَقع فِيهِ) أَي أَي فِي ذَلِك الْموضع (على تَقْدِير) تَرْجِيح (القَوْل أَو الْفِعْل فَيقدم ذَلِك) الَّذِي فِيهِ الِاحْتِيَاط (كَفعل عرفت صفته) من أَنَّهَا (وجوب أَو ندب أَو حكم فِيهِ بذلك) أَي الْوُجُوب أَو النّدب بِمُوجب (يقدم) الْفِعْل (على القَوْل الْمُبِيح) احْتِيَاطًا واحترازا عَن الْوُقُوع فِي ترك الْوَاجِب
(3/151)

أَو الْمَنْدُوب على احْتِمَال تَأَخّر الْفِعْل (وَقَلبه) بِأَن يكون (القَوْل) وَالْفِعْل نسخا لما تقدم فِيهِ القَوْل على الْفِعْل (وَكَذَا القَوْل) حَال كَونه (محرما مَعَ الْفِعْل) مُوجبا أَو تأدبا يقدم على الْفِعْل (مُطلقًا) أَي سَوَاء كَانَ وَاجِبا أَو مَنْدُوبًا (و) كَذَا (قَول كَرَاهَة مَعَ فعل إِبَاحَة) تقدم فِيهِ القَوْل (وَقس) على هَذِه أَمْثَالهَا (فَأَما إِذا لم تعرف صفة الْفِعْل فعلى) أَي فبناء على (الْوُجُوب عَلَيْهِ) السَّلَام (وَعَلَيْهِم) أَي الْأمة كَمَا نقل عَن مَالك، و) بِنَاء على (النّدب وَالْإِبَاحَة كَذَلِك) أَي لَهُ وَلَهُم عِنْد الْقَائِلين بالندب فِيمَا إِذا لم تعرف صفته والقائلين بِالْإِبَاحَةِ فِيهِ (وعَلى خُصُوص هَذِه بالأمة الْمُتَأَخر) من الْفِعْل وَالْقَوْل (نَاسخ عَنْهُم فعلا) كَانَ ذَلِك الْمُتَأَخر (أَو قولا شَامِلًا) لَهُ وَلَهُم (أَو خَاصّا بهم) أَي الْأمة، فسر الشَّارِح قَوْله هَذِه بِالْأَحْكَامِ من الْوُجُوب وَالنَّدْب وَالْإِبَاحَة وَلم يبين مَعْنَاهُ على مَا هُوَ عَادَته فِي مشكلات هَذَا الْكتاب وعذره ظَاهر، وَالَّذِي يظْهر أَنه إِشَارَة إِلَى مَا سبق، من أَن الْخلاف فِي فعله الْمَجْهُول الصّفة عِنْد الْمُحَقِّقين بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأمة: فَالْمَعْنى وَبِنَاء على خُصُوص هَذِه الْأَحْكَام الْمَذْكُورَة بالأمة على مَا هُوَ التَّحْقِيق الْمُتَأَخر فعلا أَو قولا شَامِلًا أَو خَاصّا، أَو على تَقْدِير شُمُول القَوْل أَيْضا لَا يفتش عَمَّا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على مَا سبق تَفْصِيله (فَإِن جهل) الْمُتَأَخر (فالمختار مَا فِيهِ الِاحْتِيَاط كَمَا ذكرنَا، وعَلى الْوَقْف فِي الْكل) أَي فِي حَقه وحقهم أَو فِي كل الْأَحْكَام بخصوصها من الْوُجُوب وَغَيره، إِذْ الْكَلَام فِيمَا إِذا لم تعرف صفته فَلَا يعرف فِيهِ سوى الْإِطْلَاق الَّذِي هُوَ لَازم الْفِعْل على مَا مر آنِفا كَمَا أُشير إِلَيْهِ بقوله (سوى إِطْلَاق الْفِعْل) فَقَوله وعَلى الْوَقْف بَيَان لحكم مَجْهُول الصّفة على قَول من لم يقل بِالْوُجُوب وَلَا بالندب وَلَا بِالْإِبَاحَةِ، بل يَقُول بِالْإِطْلَاقِ (إِن تَأَخّر القَوْل النَّافِي لَهُ) أَي لإِطْلَاق الْفِعْل حَال كَونه (خَاصّا بِهِ) عَلَيْهِ السَّلَام كَأَن صَامَ يَوْم الْجُمُعَة ثمَّ قَالَ لَا يحل لي صَوْم الْجُمُعَة (مَنعه) أَي نسخ هَذَا القَوْل إِطْلَاق الْفِعْل (فِي حَقه دونهم) فيستمر لَهُم حل صَوْمه مَعَ الْوَقْف عَمَّا زَاد على ذَلِك لما ذكر (أَو) حَال كَونه خَاصّا (بهم) كَأَن قَالَ لَا يحل لأمتي صَوْم يَوْم الْجُمُعَة (فَفِي حَقهم) أَي نسخ القَوْل إِطْلَاق الْفِعْل فِي حَقهم فَقَط وحكمنا بالاطلاق لَهُ مَعَ الْوَقْف عَمَّا زَاد عَلَيْهِ (أَو) حَال كَونه (شَامِلًا) لَهُ وَلَهُم فَلَا يحل لي وَلَا لكم (نفى الْإِطْلَاق مُطلقًا) أَي نسخ الْحل الَّذِي كَانَ لَازم الْإِطْلَاق عَن الْكل وَزَالَ الْوَقْف مُطلقًا (فَلَو كَانَ) القَوْل الْمُتَأَخر (مُوجبا للْفِعْل أَو نادبا) لَهُ، وَقد كَانَ الْفِعْل الْمُتَقَدّم مُفِيدا للإطلاق لعدم كَونه مَعْرُوف الصّفة (قَرَّرَهُ) أَي الْمُتَأَخر الْفِعْل (على مُقْتَضَاهُ) أَي القَوْل من الْوُجُوب وَالنَّدْب وَلَا يخفى أَنه حِينَئِذٍ لَا يكون القَوْل مُعَارضا للْفِعْل، وَقد كَانَ بِنَاء الْبَحْث على معارضته إِيَّاه نفى بِكَوْن هَذَا استطراديا فَتَأمل (وَإِن) تَأَخّر (الْفِعْل وَالْقَوْل خَاص بِهِ) عَلَيْهِ السَّلَام كَأَن يَقُول
(3/152)

وَلَا يحل لي صَوْم يَوْم الْجُمُعَة ثمَّ يَصُوم (فالوقف فِيمَا سوى مُجَرّد الْإِطْلَاق فِي حق الْكل) لِأَنَّهُ ثَبت الْحل فِي حَقه وحقهم بِمُقْتَضى الْفِعْل مَعَ الْوَقْف عَمَّا سوى الْإِطْلَاق فِي حق الْكل (أَو) كَانَ القَوْل خَاصّا (بهم) كَأَن يَقُول لَا يحل للْأمة ثمَّ اسْتمرّ يَصُومهُ (أَو شَامِلًا) لَهُ وَلَهُم كلا يحل لي وَلكم ثمَّ صَامَهُ (منعُوا) أَي منع الْحل فِي حَقهم (دونه) فَيحل لَهُ (وَإِن جهل) الْمُتَأَخر (فَفِي الأول) أَي إِذا كَانَ (القَوْل) خَاصّا بِهِ (الْوَقْف فِي حَقه) لِأَنَّهُ لَو كَانَ الْمُتَأَخر القَوْل حرم عَلَيْهِ أَو الْفِعْل حل لَهُ ولسنا مأمورين بالبحث عَن ذَلِك فنقف عَن الحكم عَلَيْهِ بِشَيْء (والحل لَهُم) لِأَنَّهُ ثَابت لَهُم تقدم هَذَا القَوْل أَو تَأَخّر (وَفِي الثَّانِي) أَي إِذا كَانَ القَوْل خَاصّا بهم (منعُوا) مُطلقًا إِذْ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون القَوْل مقدما أَو مُؤَخرا أما على الثَّانِي فَظَاهر، وَأما على الأول فَلِأَن الْمحرم قد سبق، والمبيح فِي حَقهم لم يتَحَقَّق (وَحل لَهُ) لِأَن الْفِعْل يُوجِبهُ وَلم يُعَارضهُ القَوْل (وَفِي الثَّالِث) إِذا كَانَ شَامِلًا لَهُ وَلَهُم (الْوَقْف فِي حَقه) إِذْ على تَقْدِير تَأَخّر القَوْل حرم عَلَيْهِ وعَلى تَقْدِير تقدمه حل، وَلَا يحكم فِي حَقه بِشَيْء (وَمنعُوا) لأَنهم فِي التَّأَخُّر والتقدم كَذَلِك أما على التَّأَخُّر فَظَاهر، وَأما فِي التَّقْدِيم فالفعل لَا يَسْتَدْعِي الْإِبَاحَة فِي حَقهم بل فِي حَقه فَقَط وَالله أعلم.

(فصل الشَّافِعِيَّة}
قَالُوا (التَّرْجِيح اقتران الْإِمَارَة بِمَا تقوى الأمارة بِهِ على معارضها) فتغلبه فَيعْمل بهَا دونه (وَهُوَ) أَي هَذَا الْمَعْنى (وَإِن كَانَ) هُوَ (الرجحان وَسبب التَّرْجِيح) لَا نَفسه، لِأَنَّهُ جعل أحد المتعادلين راجحا بِإِظْهَار فضل فِيهِ (فالترجيح) أَي هَذَا التَّرْجِيح (اصْطِلَاحا) فَهُوَ حَقِيقَة عرفية خَاصَّة فِيهِ، ومجاز لغَوِيّ من تَسْمِيَة الشَّيْء باسم مسببه (والأمارة) أَي اعْتِبَار الأمارة الَّتِي هِيَ دَلِيل ظَنِّي، لِأَن الْقطعِي من الْأَدِلَّة (لِأَنَّهُ لَا تعَارض مَعَ قطع) وَالتَّرْجِيح مَا يتَخَلَّص بِهِ من التَّعَارُض (وَتقدم مَا فِيهِ) أَي فِي عدم التَّعَارُض مَعَ الْقطع فِي أول فصل التَّعَارُض: من أَن التَّحْقِيق جَرَيَانه فِي القطعيين أَيْضا كَمَا فِي الظنيين، وَأَن تَخْصِيص الظنيين بِهِ تحكم (فَيجب تَقْدِيمهَا) أَي الأمارة المقترنة بِمَا تقَوِّي بِهِ على معارضها (للْقطع عَن الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ بِهِ) أَي بتقديمها (وَأورد) على الْأَكْثَرين (شَهَادَة أَرْبَعَة مَعَ) شَهَادَة (اثْنَيْنِ) إِذا تَعَارَضَتَا فَإِن الظَّن بالأربعة أقوى، وَلَا تقدم شَهَادَة الْأَرْبَعَة على شَهَادَة الِاثْنَيْنِ (فالتزم) تَقْدِيم شَهَادَة الْأَرْبَعَة كَمَا هُوَ قَول لمَالِك وَالشَّافِعِيّ (وَالْحق الْفرق) بَين الشَّهَادَة وَالدَّلِيل، إِذْ كم من وَجه ترجح بِهِ الْأَدِلَّة دون الشَّهَادَات: وَذَلِكَ لِأَن الشَّهَادَة مقدرَة فِي الشَّرْع بِعَدَد مَعْلُوم فكفينا الِاجْتِهَاد فِيهَا، بِخِلَاف الرِّوَايَة فَإِنَّهَا مَبْنِيَّة عَلَيْهِ (وللحنفية) فِي تَعْرِيف التَّرْجِيح بِنَاء (على أَنه) أَي التَّرْجِيح (فعل) الْمُجْتَهد (إِظْهَار الزِّيَادَة لأحد المتماثلين على الآخر بِمَا لَا يسْتَقلّ) فَخرج النَّص مَعَ الْقيَاس الْمعَارض لَهُ صُورَة، فَلَا يُقَال النَّص رَاجِح عَلَيْهِ
(3/153)

لانْتِفَاء الْمُمَاثلَة الَّتِي هِيَ الِاتِّحَاد فِي النَّوْع، وَقد عرفت فَائِدَة التَّقْيِيد بِمَا لَا يسْتَقلّ من قَوْله فِي التَّعَارُض: والرجحان تَابع مَعَ التَّمَاثُل (و) لَهُم بِنَاء (على مثل مَا قبله) أَي من قبل هَذَا التَّعْرِيف، يَعْنِي إِظْهَار الزِّيَادَة إِلَى آخِره، وَهُوَ تَعْرِيف الشَّافِعِيَّة (فضل الخ) أَي لأحد المتماثلين على الآخر وَصفا، وَهُوَ قَول فَخر الْإِسْلَام وَغَيره كَمَا أَن اصْطِلَاح الشَّافِعِيَّة وضع لفظ التَّرْجِيح بِإِزَاءِ مَا هُوَ مُنَاسِب بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ كَذَلِك اصْطِلَاح بعض الْحَنَفِيَّة وضع لَهُ بِإِزَاءِ مَا هُوَ سَبَب بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ (وَأفَاد) تَعْرِيف الْحَنَفِيَّة (نفي التَّرْجِيح بِمَا يصلح دَلِيلا) فِي نَفسه مَعَ قطع النّظر عَن الدَّلِيل الْمُوَافق لَهُ فَلَا يرجح دَلِيل مُسْتَقل وَافقه دَلِيل مُسْتَقل آخر على دَلِيل مُنْفَرد لَيْسَ لَهُ ذَلِك: وَهَكَذَا فِي الْقيَاس (فَبَطل) التَّرْجِيح لأحد الْحكمَيْنِ المتعارضين (بِكَثْرَة الْأَدِلَّة) على الآخر (عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة لاستقلال كل من تِلْكَ الْأَدِلَّة فِي إِثْبَات الْمَطْلُوب فَلَا يَنْضَم إِلَى الآخر وَلَا يتحد بِهِ ليُفِيد تقويته، لِأَن الشَّيْء إِنَّمَا يتقوى بِصفة تُؤْخَذ فِي ذَاته لَا بانضمام مثله إِلَيْهِ (وترجيح مَا) أَي نَص (يُوَافق الْقيَاس على مَا) أَي نَص (يُخَالِفهُ) أَي الْقيَاس (لَيْسَ بِهِ) أَي بالترجيح لِكَثْرَة الْأَدِلَّة (عِنْد قابله) أَي من يقبل التَّرْجِيح بِكَثْرَة الْأَدِلَّة (لِأَنَّهُ) أَي الْقيَاس الْمُوَافق للنَّص (غير مُعْتَبر هُنَاكَ) لِأَنَّهُ لَا يعْتَبر فِي مُقَابلَة النَّص فَلَا يصلح دَلِيلا فِي نَفسه هُنَاكَ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَلَيْسَ) الْقيَاس ثمَّة (دَلِيلا والاستقلال (فَرعه) أَي كَونه دَلِيلا، بل هُوَ بِمَنْزِلَة الْوَصْف لذَلِك النَّص (وَصَحَّ عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة (نَفْيه) أَي نفي تَرْجِيح مَا يُوَافق الْقيَاس على مَا يُخَالِفهُ. وَفِي الْكَشْف وَغَيره أَن الْأَصَح (لِأَنَّهُ) أَي الْقيَاس (دَلِيل فِي نَفسه مُسْتَقل) وَلذَا يثبت الحكم بِهِ عِنْد عدم النَّص وَالْإِجْمَاع و (لَكِن عدم شَرط اعْتِبَاره) هُنَا لما ذكرنَا (وَالْقِيَاس على مثله) أَي وترجح الْقيَاس على قِيَاس مثله معَارض لَهُ (بِكَثْرَة الْأُصُول) كَمَا سَيَأْتِي بَيَانهَا فِي محلهَا (لَيْسَ مِنْهُ) أَي من التَّرْجِيح بِكَثْرَة الْأَدِلَّة (لِأَنَّهَا) أَي الْأُصُول (لَا توجب حكم الْفَرْع) بل الْمُوجب لَهُ الْفَرْع الْمَوْجُود فِيهَا المثير للْحكم فَيحدث فِيهِ قُوَّة مرجحة (وَهُوَ) أَي وجوب حكم الْفَرْع هُوَ (الْمَطْلُوب) من الْقيَاس (فَيعْتَبر فِيهِ) أَي فِي حكم الْفَرْع (التَّعَارُض) بَين القياسين، ثمَّ يرجح الْقيَاس الَّذِي هُوَ أصُول يُؤْخَذ فِيهَا جنس الْوَصْف أَو نَوعه على مَا لَيْسَ كَذَلِك (فَهُوَ) أَي التَّرْجِيح بِكَثْرَة الْأُصُول ترجح (بِقُوَّة الْأَثر) وَهُوَ من الطّرق المصححة فِي تَرْجِيح الأقيسة كَمَا سَيَأْتِي. ثمَّ شرع فِي بَيَان مَا بِهِ التَّرْجِيح، فَقَالَ (فَفِي الْمَتْن) أَي مَا تضمنه الْكتاب وَالسّنة من الْأَمر وَالنَّهْي وَالْعَام وَالْخَاص وَنَحْوهَا يكون التَّرْجِيح (بِقُوَّة الدّلَالَة كالمحكم فِي عرف الْحَنَفِيَّة على الْمُفَسّر، وَهُوَ) أَي الْمُفَسّر عِنْدهم يرجح (على النَّص) فِي عرفهم (وَهُوَ) أَي النَّص فِي عرفهم
(3/154)

(على الظَّاهِر) فِي عرفهم، وَقد سبق تَفْسِيرهَا على التَّفْصِيل فِي التَّقْسِيم الثَّانِي من الْفَصْل الثَّانِي من المبادي اللُّغَوِيَّة (وَلذَا) أَي ولترجح الْأَقْوَى دلَالَة (لزم نفي التَّشْبِيه) عَن الله تَعَالَى (فِي) قَوْله عز وَجل {على الْعَرْش اسْتَوَى} وَنَحْوه مِمَّا يُوهم الْمَكَان لَهُ (ب) قَوْله تَعَالَى {لَيْسَ كمثله شَيْء} لِأَنَّهُ مُقْتَضى نفي الْمُمَاثلَة بَينه وَبَين شَيْء مَا مُطلقًا، وَالْمَكَان والمتمكن متماثلان من حَيْثُ الْقدر، أَو يُقَال لَو كَانَ لَهُ مَكَان لَكَانَ مثل الْأَجْسَام فِي التَّمَكُّن، وَقدم الْعَمَل بِهَذِهِ الْآيَة لكَونهَا محكمَة لَا تحْتَمل تَأْوِيلا (ويضبط مَا تقدم من الاصطلاحين) للحنفية وَالشَّافِعِيَّة فِي ألقاب أَقسَام تقسيمات الدّلَالَة للمفرد فِي الْفَصْل الثَّانِي من الْمقَالة الأولى (يجمع وَيفرق) فسر الشَّارِح الْجمع بِأَن يحكم بِوُجُود بعض الْأَقْسَام على الاصطلاحين جَمِيعًا فِي بعض الْمَوَارِد، وَالْفرق بِأَن يحكم بِوُجُود بَعْضهَا على أحد الاصطلاحين دون الآخر، ثمَّ قَالَ وينشأ من ذَلِك تَرْجِيح الْبَعْض على الْبَعْض بِحَسب التَّفَاوُت بَينهمَا فِي قُوَّة الدّلَالَة انْتهى. وَالَّذِي يظْهر لي من السِّيَاق أَنه لما ذكر أَن التَّرْجِيح فِي الْمَتْن بِقُوَّة الدّلَالَة، وَذكر أقساما من الدوال وَأفَاد كَون بَعْضهَا أقوى من الْبَعْض فِي الدّلَالَة أَرَادَ أَن يرشدك إِلَى ضابطة يسهل مَعْرفَتهَا عَلَيْك بِسَبَب ضبطك الاصطلاحين وَهِي أَن تجمع بَين مَا لم يذكر من أَقسَام الدوال وَتنظر إِلَى النِّسْبَة بَين كل قسمَيْنِ من حَيْثُ قُوَّة الدّلَالَة ومقابلها وَهُوَ الْجمع، وتحكم بِكَوْن أَحدهمَا أقوى دلَالَة وَهُوَ الْفرق (والخفي) يرجح (على الْمُشكل عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة لما عرف من أَن الخفاء فِي الْمُشكل أَكثر مِنْهُ فِي الْخَفي (وَأما الْمُجْمل مَعَ الْمُتَشَابه) باصطلاح الْحَنَفِيَّة (فَلَا يتَصَوَّر) تَرْجِيح أَحدهمَا على الآخر (وَلَو) قصد إِلَى التَّرْجِيح (بعد الْبَيَان) للمجمل (لِأَنَّهُ) أَي تَرْجِيح أَحدهمَا على الآخر (بعد فهم مَعْنَاهُمَا) والمتشابه انْقَطع رَجَاء مَعْرفَته فِي الدُّنْيَا عِنْدهم (والحقيقة) ترجح (على الْمجَاز الْمسَاوِي) فِي الِاسْتِعْمَال لَهَا (شهرة اتِّفَاقًا) لِأَنَّهَا الأَصْل فِي الْكَلَام (وَفِي) تَرْجِيح الْمجَاز (الزَّائِد) فِي الِاسْتِعْمَال من حَيْثُ الشُّهْرَة على الْحَقِيقَة (خلاف أبي حنيفَة) فَإِنَّهُ يرجحها عَلَيْهِ وَقَالَ الْجُمْهُور وَمِنْهُم الصاحبان يرجح عَلَيْهَا، وَتقدم الْكَلَام فِي ذَلِك فِي الْفَصْل الْخَامِس فِي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز (والصريح على الْكِنَايَة، والعبارة على الْإِشَارَة وَهِي) أَي الْإِشَارَة (على الدّلَالَة مَفْهُوم الْمُوَافقَة، وَهِي) أَي الدّلَالَة (على الْمُقْتَضى وَلم يُوجد لَهُ) أَي لترجيح الدّلَالَة عَلَيْهِ (مِثَال فِي الْأَدِلَّة وَقيل يتَحَقَّق) لَهُ مِثَال فِيهَا، وَهُوَ مَا (إِذا بَاعه) أَي عبدا (بِأَلف ثمَّ قَالَ) البَائِع وَالْمُشْتَرِي قبل نقد الثّمن (أعْتقهُ عني بِمِائَة) فَفعل، إِذْ (دلَالَة حَدِيث زيد بن أَرقم) الْمَذْكُور فِي المسئلة الَّتِي يَليهَا فصل التَّعَارُض (تَنْفِي صِحَّته) أَي بيع العَبْد الْمَذْكُور الثَّابِت اقْتِضَاء لشراء مَا بَاعَ بِأَقَلّ مِمَّا بَاعَ قبل نقد الثّمن (واقتضاء الصُّورَة) أَي قَول غير مَالك العَبْد لمَالِكه
(3/155)

عتق عَبدك عني بِمِائَة فِي غير هَذِه الْوَاقِعَة (يُوجِبهَا) أَي صِحَة البيع الْمُقْتَضى (وَلَيْسَ) هَذَا أَمْثَالًا لترجح الدّلَالَة على الْمُقْتَضى (إِذْ ليسَا) أَي بيع زيد واقتضاء الصُّورَة صِحَة البيع (دَلِيلين) سمعيين كَمَا هُوَ ظَاهر، فَأَيْنَ تعَارض الدَّلِيلَيْنِ الَّذِي التَّرْجِيح فَرعه، هَكَذَا شرح الشَّارِح هَذَا الْمحل وَمضى.
وَأَنت خَبِير بِأَن النزاع فِي تحقق الْمِثَال بعد تَسْلِيم كَون تَرْجِيح الدّلَالَة على الْمُقْتَضى من جملَة المرجحات فِي بَاب التَّعَارُض بَين الْأَدِلَّة وَعدم كَونهمَا دَلِيلين سمعيين إِن كَانَ بِسَبَب كَون بيع زيد أَو البَائِع الْمَذْكُور، واقتضاء لَفْظَة صِحَة البيع أَمريْن جزئيين لَا يُقَال لشَيْء مِنْهُمَا دَلِيل سَمْعِي فَالْجَوَاب أَنه إِذا حررنا النّظر عَن خصوصيتهما يرجعان إِلَى أصليين كليين، وَإِن كَانَ بِسَبَب أَن هذَيْن الدَّلِيلَيْنِ ليسَا دَلِيلين سمعيين، فللخصم أَن يَقُول حَدِيث زيد بن أَرقم من الْأَدِلَّة السمعية، وَالدّلَالَة على الْمُقْتَضى أَيْضا مِنْهَا، وعَلى تَقْدِير تَسْلِيم عدم كَونهمَا دَلِيلين لَا يَنْبَغِي أَن يُنَازع فِي تحقق الْمِثَال فِي عدم هَذَا لترجيح مِمَّا نَحن فِيهِ: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال فِي قَوْله لم يُوجد لَهُ مِثَال فِي الْأَدِلَّة إِشَارَة إِلَى أَنه لَو فرض لَهُ مِثَال لَا يكون ذَلِك من جملَة التَّرْجِيح الْكَائِن بَين الْأَدِلَّة وَعدم كَونهمَا ليسَا من الْأَدِلَّة، وَفِيه مَا فِيهِ (وَلِأَن حَدِيث زيد إِنَّمَا نسب إِلَيْهِ) أَي إِلَى زيد (لِأَنَّهُ صَاحب الْوَاقِعَة فِي زمن عَائِشَة الرادة عَلَيْهِ) بِهِ بَيْعه وشراءه (فَلَا يكون غَيره) مِمَّن وَقع مِنْهُ مثل مَا وَقع من زيد (مثله) أَي مثل زيد (دلَالَة) يَعْنِي أَن مردودية وُقُوع مَا صدر من زيد بذلك الحَدِيث لَيست بطرِيق دلَالَة لنَصّ، وَكَذَلِكَ مردودية مثل صَنِيعه من غَيره بذلك الحَدِيث لَيست بِدلَالَة النَّص (إِذْ هُوَ) أَي الحَدِيث الْمَرْدُود بة على زيد (نَهْيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن شِرَاء مَا بَاعَ بِأَقَلّ مِمَّا بَاعَ قبل نقد الثّمن فَيثبت) هَذَا النَّهْي (فِي غَيره) أَي غير زيد (عبارَة كَمَا) يثبت (فِيهِ) أَي فِي زيد عبارَة أَيْضا (وَكَيف) يكون هَذَا من الدّلَالَة (وَلَا أَوْلَوِيَّة) لكَونه مَنْهِيّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مورد النَّص كأولوية ضرب الْأَبَوَيْنِ بِالْحُرْمَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حُرْمَة التأفيف على قَول من اشْترط فِي دلَالَة النَّص أَوْلَوِيَّة الْمَسْكُوت بالحكم فِي الدّلَالَة (وَلَا لُزُوم فهم المناط) للْحكم الْمَذْكُور فِي الْمَسْكُوت على مَا بَين فِي محلّة (فِي مَحل الْعبارَة) وَلَا دلَالَة بِدُونِهِ (والمقتضى) بِفَتْح الضَّاد أَي وترجح الْمُقْتَضى الَّذِي أثبت (للصدق عَلَيْهِ) أَي لكَون صدق الْكَلَام مَوْقُوفا على الْمُقْتَضى الَّذِي أثبت (لغيره) أَي لغير الصدْق وَهُوَ وُقُوعه شَرْعِيًّا لِأَن الصدْق فهم من وُقُوعه شَرْعِيًّا (وَمَفْهُوم الْمُوَافقَة على) مَفْهُوم (الْمُخَالفَة عِنْد قابله) بِالْبَاء الْمُوَحدَة كَذَا قَالَ الشَّارِح: أَي من يقبل مَفْهُوم الْمُخَالفَة لِأَن مَفْهُوم الْمُوَافقَة أقوى، وَلذَا لم يَقع خلاف وَألْحق بالقطعيات، وَقيل بِخِلَافِهِ لَكِن الأول هُوَ الصَّحِيح على مَا ذكره ابْن
(3/156)

الْحَاجِب (و) يرجح (الْأَقَل احْتِمَالا) على الْأَكْثَر احْتِمَالا (كالمشترك) الْمَوْضُوع (لاثْنَيْنِ على مَا) أَي الْمُشْتَرك (لأكْثر وَالْمجَاز الْأَقْرَب) إِلَى الْحَقِيقَة على مَا هُوَ أبعد مِنْهُ إِلَيْهَا (وَفِي كتب الشَّافِعِيَّة) يرجح الْمجَاز على مجَاز آخر (بأقربية الْمُصَحح) أَي العلاقة إِلَى الْحَقِيقَة مَعَ اتِّحَاد الْجِهَة (كالسبب الْأَقْرَب) فِي الْمُسَبّب (على) الْمُسَبّب (الْأَبْعَد) مِنْهُ فِي الْمُسَبّب (و) يرجح ب (قربه) أَي بِقرب الْمُصَحح إِلَى الْحَقِيقَة (دون) الْمُصَحح (الآخر) فِي الْمجَاز الآخر بِأَن يكون بَعيدا (كالسبب) أَي كإطلاق اسْم السَّبَب (على الْمُسَبّب على عَكسه) أَي إِطْلَاق اسْم الْمُسَبّب على السَّبَب كَأَن الْمُسَبّب لَا يسْتَلْزم سَببا معينا لجَوَاز ثُبُوته بِسَبَب آخر، بِخِلَاف السَّبَب فَإِنَّهُ يسْتَلْزم مسببا معينا (وَيَنْبَغِي تعارضهما) أَي مَا سمي باسم سَببه وَمَا سمي باسم مسببه (فِي) السَّبَب (المتحد) لمسبب فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يسْتَلْزم كل مِنْهُمَا الآخر بِعَيْنِه لِأَن الْمَفْرُوض أَنه لَيْسَ إِلَّا سَبَب وَاحِد (وَمَا) أَي الْمجَاز الَّذِي (جَامعه) أَي علاقته (أشهر) مترجح على مَا علاقته دون ذَلِك فِي الشُّهْرَة (و) الْمجَاز (الْأَشْهر) اسْتِعْمَالا (مُطلقًا) أَي فِي اللُّغَة أَو فِي الشَّرْع أَو فِي الْعرف على غَيره (وَالْمَفْهُوم وَالِاحْتِمَال الشرعيان) يترجحان على الْمَفْهُوم وَالِاحْتِمَال اللَّذين ليسَا بشرعيين، لم يذكر الشَّارِح للمفهوم الشَّرْعِيّ وَمُقَابِله مِثَالا وَلم يبين مَعْنَاهُ وَهَكَذَا فعل فِي الِاحْتِمَال الشَّرْعِيّ مُقَابِله، وَالَّذِي يظْهر لي أَن الحكم الْمَنْطُوق إِذا كَانَ شَرْعِيًّا كَانَ الْمَفْهُوم أَيْضا شَرْعِيًّا وَإِذا لم يكن شَرْعِيًّا كَانَ مَفْهُومه كَذَلِك، وَإِن كَانَ مفَاد مَفْهُومه حكما شَرْعِيًّا وَلَا تتَحَقَّق الْمُعَارضَة إِلَّا إِذا كَانَ مفَاد الْمَفْهُوم الشَّرْعِيّ ومفاد مُقَابِله حكما شَرْعِيًّا، وَأما مِثَال الِاحْتِمَال الشَّرْعِيّ وَمَا قابله فَمثل الطّواف بِالْبَيْتِ صَلَاة فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يُرَاد صَلَاة فِي اللُّغَة وَأَنه كَالصَّلَاةِ فِي اشْتِرَاط الطَّهَارَة (بِخِلَاف) اللَّفْظ (الْمُسْتَعْمل) للشارع (فِي) مَعْنَاهُ (اللّغَوِيّ مَعَه) أَي اسْتِعْمَاله (فِي) الْمَعْنى (الشَّرْعِيّ) فَإِنَّهُ يقدم الْمَعْنى اللّغَوِيّ على الشَّرْعِيّ عِنْد تعارضهما ممكنين فِي اطلاق، وَمعنى اسْتِعْمَاله فيهمَا أَنه يحْتَمل أَن يكون مُسْتَعْملا فِي كل مِنْهُمَا على سَبِيل الْبَدَلِيَّة، مِثَاله النِّكَاح يسْتَعْمل لُغَة فِي الْوَطْء وَشرعا فِي العقد (وَفِيه) أَي فِي هَذَا (نظر) لِأَن اسْتِعْمَاله فِي مَعْنَاهُ الشَّرْعِيّ (كأقربية الْمُصَحح وقربه وأشهريته) أَي كَمَا فِي تَرْجِيح كل من هَذِه الثَّلَاثَة على مَا يُقَابله نظر (بل وأقربية نفس الْمَعْنى الْمجَازِي) أَي بل فِي تَرْجِيح هَذَا على مجَاز لَيْسَ كَذَلِك نظر أَيْضا كَمَا سَيعْلَمُ (وأولوية) الْمجَاز الَّذِي هُوَ نفى (الصِّحَّة فِي لَا صَلَاة) لمن لم يقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب على الْمجَاز الَّذِي هُوَ نفي الْكَلَام فِيهِ (لذَلِك) أَي لِأَن نفى الصِّحَّة الْمجَاز الْأَقْرَب إِلَى نفى الذَّات (مَمْنُوع لِأَن النَّفْي) وَارِد (على النِّسْبَة لَا) على (طرفها) الأول (و) طرفها (الثَّانِي مَحْذُوف فَمَا قدر) أَي فَهُوَ مَا قدر خبر للطرف الأول وَإِذا كَانَ الْأَمر هَكَذَا (كَانَ كل الْأَلْفَاظ) الملفوظ مِنْهَا والمقدر فِي
(3/157)

التَّرْكِيب الْمَذْكُور (حقائق) لاستعمالها فِي مَعَانِيهَا الوضعية (غير أَن خصوصه) أَي الْمُقدر إِنَّمَا يتَعَيَّن (بِالدَّلِيلِ) الْمعِين لَهُ (وَوَجهه) أَي النّظر فِي تَرْجِيح مَا اشْتَمَل على أقربية الْمُصَحح إِلَى آخِره (أَن الرجحان) إِنَّمَا هُوَ (بِمَا يزِيد قُوَّة دلَالَة على المُرَاد أَو) بِمَا يزِيد قُوَّة دلَالَة على (الثُّبُوت) وَهَذِه الْمَذْكُورَات لَيْسَ فِيهَا ذَلِك (والحقيقي) أَي وَالْفَرْض أَن الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ (لم يرد) من إِطْلَاق اللَّفْظ (فَهُوَ) أَي الْحَقِيقِيّ الَّذِي لَيْسَ بِمُرَاد مِنْهُ (كَغَيْرِهِ) من الْمعَانِي الَّتِي لَيست بمرادة مِنْهُ (وَتعين الْمجَازِي فِي كل) أَي كل اسْتِعْمَال لَهُ فِيهِ إِنَّمَا هُوَ (بِالدَّلِيلِ) الْمعِين لَهُ (فاستويا) أَي المجازيان (فِيهِ) أَي فِيمَا ذكر أَو فِي اللَّفْظ بِاعْتِبَار مَا ذكر وَالْحَاصِل أَنه إِذا ذكر لفظ وَصرف الدَّلِيل عَن إِرَادَة مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ إِلَى مَا يَصح أَن يتجوز فِيهِ فَلَا يتَعَيَّن المُرَاد إِلَّا بالمعين فالمدار عَلَيْهِ فكون أحد المفادين مجَازًا بِحَيْثُ يكون بَينه وَبَين الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ قرب فِي ذَاته أَو فِي مصححه أَو بِحَيْثُ يكون مصححه أشهر لَا أثر لَهُ، وَقد يُقَال المجازيان إِذا كَانَ لكل مِنْهُمَا قرينَة مُعينَة فاستويا فِيهِ بِاعْتِبَار ذَلِك لَكِن تكون العلاقة المصححة لأَحَدهمَا مَوْصُوفَة بِالْقَرِينَةِ مثلا كَانَ دلَالَته أوضح فَإِن الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ وَإِن لم يكن مرَادا لكنه وَاسِطَة فِي الِانْتِقَال إِلَى الْمجَازِي، وَلَا نسلم أَنه كَسَائِر الْمعَانِي الَّتِي لَيست مُرَادة فَتَأمل (نعم لَو احتملت دلَالَته) أَي دلَالَة الْمعِين لأحد المجازيين (دون الآخر) بِأَن يكون التَّعْيِين على احْتِمَال فَقَط وَأما الْمعِين للْآخر فَلَا يكون مُحْتملا بل يكون نصا فِي المُرَاد فَحِينَئِذٍ يكون هَذَا أرجح (وَذَلِكَ) أَي التَّعْيِين بِاعْتِبَار الِاحْتِمَال وَعَدَمه (شَيْء آخر) غير الْقرب من الْحَقِيقِيّ والبعد مِنْهُ (وَمَا أكدت دلَالَته) يرجح على مَا لَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ أغلب على الظَّن (والمطابقة) ترجح على التضمن والالتزام لِأَنَّهَا أضبط (والنكرة فِي) سِيَاق (الشَّرْط) تترجح (عَلَيْهَا) أَي النكرَة (فِي) سِيَاق (النَّفْي وَغَيرهَا) أَي وعَلى غير النكرَة كالجمع الْمحلى والمضاف (لقُوَّة دلالتها) أَي النكرَة فِي سِيَاق الشَّرْط (بإفادة التَّعْلِيل) لِأَن الشَّرْط كالعلة وَالْحكم الْمُعَلل دلَالَة الْكَلَام عَلَيْهِ أقوى (وَالتَّقْيِيد) للنكرة الَّتِي رجحت عَلَيْهَا النكرَة فِي سِيَاق الشَّرْط (بِغَيْر المركبة) أَي المبنية على الْفَتْح لِأَن لَا فِيهَا لنفي الْجِنْس لكَونهَا نصا فِي الِاسْتِغْرَاق (تقدم) فِي الْبَحْث الثَّانِي من مبَاحث الْعَام (مَا يَنْفِيه) أَي التَّقْيِيد الْمَذْكُور فيستوي الْحَال بَين أَن تكون مركبة أَولا (وَكَذَا الْجمع الْمحلي والموصول) يتَرَجَّح كل مِنْهُمَا (على) اسْم الْجِنْس (الْمُعَرّف) بِاللَّامِ لِكَثْرَة اسْتِعْمَاله فِي الْمَعْهُود فَتَصِير دلَالَته على الْعُمُوم ضَعِيفَة، على أَن الْمَوْصُول مَعَ صلته يُفِيد التَّعْلِيل كَمَا تفيده النكرَة فِي سِيَاق الشَّرْط (وَالْعَام) يتَرَجَّح (على الْخَاص فِي الِاحْتِيَاط) أَي فِيمَا إِذا كَانَ الِاحْتِيَاط فِي الْعَمَل كَمَا لَو كَانَ محرما وَالْخَاص مبيحا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الِاحْتِيَاط فِيهِ
(3/158)

(جمع) بَينهمَا بِالْعَمَلِ بالخاص فِي مَحَله وبالعام فِيمَا سواهُ (كَمَا تقدم) فِي فصل التَّعَارُض (وَالشَّافِعِيَّة) يتَرَجَّح عِنْدهم (الْخَاص دَائِما) على الْعَام لِأَنَّهُ غير مُبْطل للعام بِخِلَاف الْعَمَل بِالْعَام فَإِنَّهُ مُبْطل للخاص وَلِأَنَّهُ أقوى دلَالَة (وَمَا) أَي الْعَام الَّذِي (لزمَه تَخْصِيص) يتَرَجَّح (على خَاص ملزوم التَّأْوِيل) لِأَن تَخْصِيص الْعَام أَكثر من تَأْوِيل الْخَاص (وَالتَّحْرِيم) يتَرَجَّح (على غَيره) من الْوُجُوب وَالنَّدْب وَالْإِبَاحَة وَالْكَرَاهَة كَمَا ذهب إِلَيْهِ الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب (فِي الْمَشْهُور احْتِيَاطًا) إِذْ غَايَة مَا يلْزم من تَقْدِيمه ترك الْوَاجِب وَهُوَ فِيمَا إِذا كَانَ فِي مُقَابلَة الْمُوجب وَإِن كَانَ للمناقشة مجَال، وَقد يسْتَدلّ بقوله عَلَيْهِ السَّلَام
" مَا اجْتمع الْحَرَام والحلال إِلَّا وَغلب الْحَرَام الْحَلَال " وَفِيه مقَال للحفاظ (وَإِذا ثَبت أَنه) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (كَانَ يحب مَا خفف على أمته) وَالْأَخْبَار فِيهِ أَكثر من أَن تحصى، وَمِنْهَا قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم:
" إِذا أم أحدكُم النَّاس فليخفف، فَإِن فيهم الصَّغِير وَالْكَبِير والضعيف وَالْمَرِيض وَذَا الْحَاجة " مُتَّفق عَلَيْهِ (اتجه قلبه) أَي تَرْجِيح غير التَّحْرِيم، وَتعقبه الشَّارِح بِأَن هَذَا لَا يتم فِي الْوُجُوب إِذْ لَيْسَ فِي تَرْجِيحه عَلَيْهِ تَخْفيف لِأَن الْمحرم يتَضَمَّن اسْتِحْقَاق الْعقَاب على الْفِعْل، والموجب يتضمنه على التّرْك فَتعذر الِاحْتِيَاط، فَلَا جرم أَن جزم بالتساوي بَينهمَا الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور وَقَالَ لَا يقدم أَحدهمَا على الآخر انْتهى، وَقد يُقَال أَن التَّحْرِيم منع عَن الْفِعْل، والإيجاب إِلْزَام بِهِ، والمرء حَرِيص لما منع فَهُوَ أشق على النَّفس، وَهُوَ الَّذِي أخرج آدم من الْجنَّة فَإِن الصَّبْر عَن الْمنْهِي أصعب (وَالْوُجُوب) يرجح (على مَا سوى التَّحْرِيم) من الْكَرَاهَة وَالنَّدْب للِاحْتِيَاط (وَالْكَرَاهَة) ترجح (على النّدب) لما ذكر (وَالْكل) من الْكَرَاهَة وَالتَّحْرِيم وَالْوُجُوب وَالنَّدْب يرجح (على الْإِبَاحَة) لما ذكر أَيْضا (فتقديم الْأَمر) على مَا سوى النَّهْي (وَالنَّهْي) على مَا سواهُ مُطلقًا أَو على الْأَمر (لَيْسَ لذاتيهما) بل لِأَن مَدْلُول الْأَمر الْوُجُوب، وَقد قدم للِاحْتِيَاط ومدلول النَّهْي التَّحْرِيم وَقد قدم كَذَلِك (وَالْخَاص من وَجه) أَي من بعض جهاته لَا من كل وَجه يرجح (على الْعَام مُطلقًا) أَي من جَمِيع جهاته لِأَن احْتِمَال تَخْصِيصه أَكثر من الْخَاص من وَجه لَا يدْخلهُ التَّخْصِيص من ذَلِك الْوَجْه (و) الْعَام (الَّذِي لم يخص) يرجح على الْعَام الَّذِي خص، نَقله إِمَام الْحَرَمَيْنِ عَن الْمُحَقِّقين مُعَللا بِأَن دُخُول التَّخْصِيص يضعف اللَّفْظ، والرازي بِأَن الَّذِي دخله قد أزيل عَن تَمام مُسَمَّاهُ والحقيقة ترجح على الْمجَاز (وَذكر من) تعَارض (الْأَدِلَّة) للْأَحْكَام (مَا) أَي التَّعَارُض بَين الدَّلِيلَيْنِ اللَّذين (بَينهمَا) عُمُوم (من وَجه) لَا يخفى عَلَيْك أَن التَّعَارُض إِنَّمَا يتَحَقَّق إِذا أَفَادَ كل مِنْهُمَا نقيض الآخر فَلَا بُد من اتِّحَاد النِّسْبَة، وَلها بِاعْتِبَار طرقه ومتعلقاتها جِهَات، وَتلك الْجِهَات تقبل الْعُمُوم وَالْخُصُوص فَإِن كَانَ أحد الدَّلِيلَيْنِ
(3/159)

عَاما بِاعْتِبَار جِهَة وخاصا بِاعْتِبَار أُخْرَى، وَالْآخر على عَكسه بِأَن يكون خَاصّا بِاعْتِبَار مَا كَانَ بَينهمَا عُمُوما من وَجه (مثل لَا صَلَاة لمن لم يقْرَأ بِالْفَاتِحَةِ) وَلَفظ الصَّحِيحَيْنِ بِفَاتِحَة الْكتاب فَإِن هَذَا (عَام فِي الْمُصَلِّين) لِأَن الْمَعْنى لَا صَلَاة لكل مصل لم يقْرَأ بهَا ضَرُورَة كَون كلمة من من صِيغ الْعُمُوم (خَاص فِي المقروء) إِذْ الْفَاتِحَة اسْم لسورة مَخْصُوصَة (وَمن كَانَ لَهُ إِمَام فقراءة الإِمَام لَهُ قِرَاءَة) أخرجه ابْن منيع بِإِسْنَاد صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم فَإِن هَذَا (خَاص بالمقتدى) لَيْسَ المُرَاد بالخاص مَا يُقَابل الْمجَاز الاصطلاحي إِذْ لَا فرق بَين من كَانَ بِإِمَام وَبَين من لم يقْرَأ فِي الْعُمُوم الاصطلاحي، بل المُرَاد أَنه يَشْمَل المقتدى فَقَط بِخِلَاف من لم يقْرَأ، فَإِنَّهُ يعمه وَغَيره (عَام فِي المقروء) إِذْ يعم كل مَا يقْرَأ الإِمَام فَاتِحَة كَانَ أَو غَيره (فَإِن خص عُمُوم الْمُصَلِّين) فِي لَا صَلَاة (بالمقتدى) وَيُقَال أَن المُرَاد بالمصلين هُنَاكَ من عدا المقتدى (عَن وُجُوبهَا) أَي حكم وجوب الْفَاتِحَة (عَلَيْهِ) أَي على المقتدى فَلَا يجب عَلَيْهِ (وَجب أَن يخص خُصُوص المقروء) فِي الحَدِيث الأول (وَهُوَ) أَي المقروء (الْفَاتِحَة عُمُوم المقروء الْمَنْفِيّ) فِي الحَدِيث الثَّانِي (عَن المقتدى) إِذْ جعل قِرَاءَة الإِمَام قِرَاءَة لَهُ تفِيد أَن لَا يقْرَأ بِنَفسِهِ (فَتجب عَلَيْهِ الْفَاتِحَة فيتدافعان) أَي الدليلان فِي المقتدى، أوجب الأول عَلَيْهِ قِرَاءَة الْفَاتِحَة وَنفى الثَّانِي وُجُوبهَا عَلَيْهِ تَوْضِيحه أَن الأول نفى صَلَاة كل مصل بِدُونِ الْفَاتِحَة فَلَزِمَ نفى صَلَاة المقتدى بِدُونِهَا ضمنا فأوجبها عَلَيْهِ، وَالثَّانِي نفى جنس الْقِرَاءَة عَنهُ فنفى وجوب الْفَاتِحَة بِخُصُوصِهِ فَعِنْدَ ذَلِك يطالبنا الْخصم بِمثل هَذِه الْمُعَامَلَة ومثبته هَذَا بِخُصُوصِهِ (فَالْوَجْه فِي هَذَا) الْمِثَال (أَن) يُقَال (لَا تعَارض) بَين الدَّلِيلَيْنِ الْمَذْكُورين (إِذْ لم ينف) الدَّلِيل الثَّانِي (قرَاءَتهَا) أَي وجوب قِرَاءَة الْفَاتِحَة (على المقتدين بل ثَبت أَن قِرَاءَة الإِمَام جعلت شرعا قِرَاءَة لَهُ) أَي المقتدى (بِخِلَاف النَّهْي عَنْهَا) أَي الصَّلَوَات (فِي الْأَوْقَات) الثَّلَاثَة: وَقت طُلُوع الشَّمْس حَتَّى ترْتَفع، وَوقت استوائها حَتَّى تَزُول، وَوقت ميلها إِلَى الْغُرُوب حِين تغرب. لما فِي صَحِيح مُسلم وَغَيره (مَعَ من نَام عَن صَلَاة) فليصلها إِذا ذكرهَا أخرجه بِمَعْنَاهُ مُسلم (وَفِي بعض كتب الشَّافِعِيَّة) كشرح منهاج الْبَيْضَاوِيّ للأسنوي (يطْلب التَّرْجِيح فيهمَا) أَي المتعارضين اللَّذين بَينهمَا عُمُوم من وَجه (من خَارج وَكَذَا يجب للحنفية) أَي يطْلب التَّرْجِيح فيهمَا من خَارج لِأَن كلا أَخذ مُقْتَضى خصوصه فِي عُمُوم الآخر ثمَّ وَقع التَّعَارُض بَينهمَا (وَالْمحرم مُرَجّح) على غَيره، وَحَدِيث النهى محرم وَحَدِيث من نَام مُطلق فيترجح (وَمَا جرى بِحَضْرَتِهِ) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (فَسكت) عَنهُ يتَرَجَّح (على مَا بلغه) فَسكت عَنهُ ذكره الْآمِدِيّ (وَالْوَجْه تَقْيِيده)
(3/160)

أَي مَا بلغه فَسكت عَنهُ (بِمَا إِذا ظهر عدم ثُبُوته) أَي ثُبُوت وُقُوع هَذَا الَّذِي بلغه (لَدَيْهِ) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لجَوَاز أَن يكون سُكُوته عَنهُ حِينَئِذٍ لعلمه بِعَدَمِ وُقُوعه من وَحي أَو غَيره، إِذْ عِنْد اطِّلَاعه بِمَا جرى لَا فرق بَين الْحُضُور والغيب فِي عدم جَوَاز السُّكُوت عَنهُ على تَقْدِير كَونه مُنْكرا (وَمَا) روى (بصيغته) أَي بِلَفْظ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يتَرَجَّح (على المنفهم عَنهُ) أَي على الَّذِي انفهم عَنهُ فروى عَنهُ فالعبارة للراوي لَا لَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَوَاء أفهمهُ من لَفظه أَو من فعله إِذْ يتَطَرَّق إِلَى هَذَا احْتِمَال الْغَلَط فِي الْفَهم، وَقيل لِأَن المحكى بِاللَّفْظِ أجمع على قبُوله بِخِلَاف المحكى بِالْمَعْنَى (ونافى مَا يلْزمه) أَي الْخَبَر الَّذِي يَنْفِي حكما شَرْعِيًّا يلْزمه (دَاعِيَة) إِلَى مَعْرفَته لكَونه مِمَّا تعم بِهِ الْبلوى (فِي) خبر (الْآحَاد) يتَرَجَّح (على) مُثبت (مثله) مِمَّا يلْزمه دَاعِيَة من خبر الْآحَاد كَخَبَر مُطلق يَنْفِي وجوب الْوضُوء من مس الذّكر، وَخبر بسرة بإثباته، وَتقدم وَجهه على أصُول الْحَنَفِيَّة، وَنقل إِمَام الْحَرَمَيْنِ عَن جُمْهُور الْعلمَاء تقدم الْمُثبت وَقيل بتسويتهما وَاخْتَارَهُ الْغَزالِيّ. وَقَالَ النَّوَوِيّ النَّفْي المحصور وَالْإِثْبَات سيان (ومثبت دَرْء الْحَد) أَي رفع إِيجَابه يتَرَجَّح (على مُوجبه) أَي الْحَد لما فِي الأول من الْيُسْر وَعدم الْحَرج. قَالَ تَعَالَى - {يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر. وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج} - وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " ادرءوا الْحُدُود " رَوَاهُ الْحَاكِم وَصَححهُ (وَمُوجب الطَّلَاق وَالْعتاق) يتَرَجَّح على نافيهما، وَذَلِكَ لِأَن الأول محرم للتَّصَرُّف فِي الزَّوْجَة وَالرَّقِيق، وَثَانِيهمَا مُبِيح والحظر مقدم على الْإِبَاحَة، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (ويندرج) موجبهما (فِي الْمحرم، وَقيل بِالْعَكْسِ) أَي يتَرَجَّح نافيهما على، مُوجبهَا لِأَنَّهُ على وفْق الدَّلِيل الْمُقْتَضى لصِحَّة النِّكَاح وَإِثْبَات ملك الْيَمين (وَالْحكم التكليفي) يتَرَجَّح (على الوضعي) قَالَ الشَّارِح لِأَن التكليفي مُحَصل للثَّواب الْمَقْصُود للشارع بِالذَّاتِ وَأكْثر الْأَحْكَام تكليفي (وَقيل بعكسه، وَمَا يُوَافق الْقيَاس) من النُّصُوص يتَرَجَّح على نَص لم يُوَافقهُ (فِي الأحق) من الْقَوْلَيْنِ، لِأَن الْقيَاس حِينَئِذٍ لَيْسَ بِدَلِيل مُسْتَقل لوُجُود النَّص فَيصير مُوَافقا على مَا مر (وَمَا لم يُنكر الأَصْل) رِوَايَة الْفَرْع فِيهِ يتَرَجَّح على مَا أنكر الأَصْل رِوَايَة الْفَرْع فِيهِ. قَالَ السُّبْكِيّ: وَهَذَا فِيمَا أنكر الأَصْل وصمم على إِنْكَاره أه قلت وَكَذَا إِذا أنكر ثمَّ شكّ فِيهِ، وَمَا لم يَقع فِيهِ مثل ذَلِك لَا شكّ أَنه أرجح فَتَأمل، ثمَّ إِذا عَارض الْإِجْمَاع نَص أطلق ابْن الْحَاجِب تَقْدِيم الْإِجْمَاع على النَّص، وَقَالَ المُصَنّف (وَالْإِجْمَاع الْقطعِي) يتَرَجَّح (على نَص كَذَلِك) أَي قَطْعِيّ كتابا كَانَ أَو سنة متواترة، وَقَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ: يَنْبَغِي أَن يُقيد بالظنيين وَتوقف المُصَنّف فِيهِ حَيْثُ قَالَ (وَكَون) الْإِجْمَاع (الظني كَذَلِك) أَي يرجح على نَص ظَنِّي (ترددنا فِيهِ) أَي لَيْسَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي تَقْدِيم الْإِجْمَاع مُطلقًا
(3/161)

على النَّص كَمَا فِي تَقْدِيم الْإِجْمَاع الْقطعِي على النَّص الْقطعِي بِعَدَمِ قبُوله النّسخ غير أَن وجود التَّعَارُض بَين القطعيين مُشكل لِأَن النَّص الْقطعِي مقدم على الْإِجْمَاع وَكَيف ينْعَقد الْإِجْمَاع فِي مُقَابلَة قَطْعِيّ، إِذْ يلْزم اجْتِمَاع الْأمة على الضَّلَالَة، وَأما الْإِجْمَاع الظني فقد يكون الظني الْمَتْن إِذا كَانَ الْمجمع عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَا يدل على الحكم دلَالَة قَطْعِيَّة وَقد يكون ظنية بِاعْتِبَار طَرِيق نَقله الينا فَيَنْبَغِي أَن يعْتَبر فِي تعَارض الظنيين قُوَّة الظَّن وَضَعفه وَذَلِكَ يتَفَاوَت بِاعْتِبَار الْموَاد وَلَا يحكم بِتَقْدِيم الْإِجْمَاع الظني على النَّص الظني على الْإِطْلَاق (وَمَا عمل) بِهِ الْخُلَفَاء (الراشدون) أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي رَضِي الله عَنْهُم يرجح على مَا لَيْسَ كَذَلِك، إِذْ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر بمتابعتهم والاقتداء بهم، ولكونهم أعرف بالتنزيل ومواقع الْوَحْي والتأويل: وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ بِمحضر من الصَّحَابَة وَلم يُخَالف فِيهِ أحد فَإِنَّهُ يحل مَحل الْإِجْمَاع، وَذهب أَبُو حَازِم أَن مَا اتّفقت الْأَرْبَعَة عَلَيْهِ إِجْمَاع، وَالْأَكْثَر على خِلَافه كَمَا سَيَأْتِي (أَو علل) أَي الحكم الَّذِي تعرض فِيهِ لِلْعِلَّةِ يتَرَجَّح على الَّذِي لم يتَعَرَّض فِيهِ لَهَا (لإِظْهَار الاعتناء بِهِ) لِأَن ذكر علته يدل على الاهتمام بِهِ والحث عَلَيْهِ (لَا الأقبلية) أَي لِأَن الْفَهم أقبل لَهُ لسُهُولَة فهمه لكَونه مَعْقُول الْمَعْنى كَمَا فِي الشَّرْح العضدي، وَأَشَارَ إِلَيْهِ الْآمِدِيّ (كَمَا) يتَرَجَّح مَا (ذكر مَعَه السَّبَب) هُوَ الْعلَّة الباعثة عَلَيْهِ ظَاهرا فدلالته قَوِيَّة (وَفِي السَّنَد) أَي وَالتَّرْجِيح للمتن بِاعْتِبَار حِكَايَة طَرِيقه (كالكتاب) أَي كترجيحه (على السّنة) وَهَذَا على إِطْلَاق قَول بَعضهم. قَالَ السُّبْكِيّ وَلَا يقدم الْكتاب على السّنة وَلَا السّنة عَلَيْهِ خلافًا لزاعميهما: أما الأول فلحديث معَاذ الْمُشْتَمل على أَنه يقْضِي بِكِتَاب الله فَإِن لم يجد فبسنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَيْهِ، وَأقرهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأما الثَّانِي فَلقَوْله تَعَالَى - {لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم} -. ثمَّ قَالَ وَالأَصَح تساوى الْمُتَوَاتر من كتاب أَو سنة وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ أصُول أَصْحَابنَا على مَا قدمه المُصَنّف فِي أول فصل التَّعَارُض أَن الْقطعِي الدّلَالَة من السّنة القطعية السَّنَد يتَرَجَّح على الظنية الدّلَالَة من الْكتاب، والقطعي الدّلَالَة مِنْهُمَا إِذا لم يعلم تاريخهما لَا يرجح أَحدهمَا على الآخر بِكَوْنِهِ كتابا أَو سنة، بل بِمَا سوغ تَرْجِيحه بِهِ إِن أمكن، وَإِلَّا جمع بَينهمَا إِن أمكن، وَإِلَّا تساقطا، وَإِن علم تاريخهما نسخ الْمُتَأَخر الْمُتَقَدّم، فقطعي الدّلَالَة من الْكتاب يتَرَجَّح على الْقطعِي السَّنَد الظني الدّلَالَة من السّنة لقُوَّة دلَالَته فَلم يبْق مَا ينطبق عَلَيْهِ إِلَّا مَا كَانَ من السّنة قَطْعِيّ الدّلَالَة ظَنِّي السَّنَد مَعَ مَا كَانَ من أَمر الْكتاب ظَنِّي الدّلَالَة لرجحان الْكتاب حِينَئِذٍ بِاعْتِبَار السَّنَد، هَكَذَا ذكر الشَّارِح (ومشهورها) أَي وكترجيح الْخَبَر الْمَشْهُور من السّنة (على الْآحَاد) لرجحان سَنَده (كاليمين على من أنكر) فَإِنَّهُ خبر مَشْهُور رجح (على خبر الشَّاهِد وَالْيَمِين) أَي الْقَضَاء بهما للْمُدَّعِي. أخرجه مُسلم وَغَيره، وَهُوَ من أَخْبَار الْآحَاد الَّتِي لم تبلغ حد
(3/162)

الشُّهْرَة: فَلِذَا لم يَأْخُذ بِهِ أَصْحَابنَا مُطلقًا خلافًا للأئمة الثَّلَاثَة فِي بعض الموراد على مَا عرف فِي الْفِقْه (و) يرجح الْخَبَر (بِفقه الرَّاوِي) وَالظَّاهِر أَن المُرَاد بِهِ الِاجْتِهَاد كَمَا هُوَ عرف السّلف (وَضَبطه) وَتقدم بَيَانه (وورعه) أَي تقواه، وَهُوَ الْإِتْيَان بالواجبات والمندوبات والاجتناب عَن الْمُحرمَات والمكروهات، كَذَا ذكره الشَّارِح، لَعَلَّ الْإِتْيَان بالمندوبات والاجتناب عَن المكروهات وَلَو كَانَت تنزيهية إِنَّمَا اعْتبر فِي مَفْهُوم الْوَرع لَا التَّقْوَى، فعلى هَذَا تَفْسِيره للتقوى مَحل مناقشة (وشهرته) أَي ويرجح الْخَبَر بشهرة روايه (بهَا) أَي بالأمور الْمَذْكُورَة على خبر روايه مَوْصُوف بهَا، لكنه لم يشْتَهر بهَا (وبالرواية وَأَن لم يعلم رجحانه فِيهِ) أَي يرجح لشهرته بالرواية لِأَن الظَّن فِيهِ أقوى، وَذكر شمس الْأَئِمَّة أَن اعْتِبَار الرِّوَايَة لَيْسَ بمرجح على من لم يقيدها ثمَّ مِنْهُم من خص التَّرْجِيح بالفقه بالمروي بِالْمَعْنَى. وَفِي الْمَحْصُول وَالْحق الْإِطْلَاق لِأَن الْفَقِيه يُمَيّز بَين مَا يجوز وَمَا لَا يجوز، فَإِذا سمع مَا لَا يجوز أَن يحمل على ظَاهره بحث عَنهُ وَسَأَلَ عَن مقدماته وَسبب نُزُوله فَيطلع على مَا يَزُول بِهِ الْإِشْكَال، بِخِلَاف الْعَاميّ. قَالَ ابْن برهَان وبكون أَحدهمَا أفقه من الآخر بِقُوَّة حفظه، وَزِيَادَة ضَبطه، وَشدَّة اعتنائه: حَكَاهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ عَن إِجْمَاع أهل الحَدِيث قيل وبعلمه بِالْعَرَبِيَّةِ فَإِنَّهُ يتحفظ عَن مواقع الزلل، وَقيل بِالْعَكْسِ لاعتماد ذَلِك على مَعْرفَته، وَالْجَاهِل يخَاف فيبالغ بِالْحِفْظِ وَلَيْسَ بِشَيْء: إِذْ الْعَدَالَة تمنع عَن الِاعْتِمَاد وَعدم المبالاة (وَفِي) كَون (علو السَّنَد) أَي قلَّة الوسائط بَين الرَّاوِي للمجتهد وَبَين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مرجحا لكَونه أبعد من الْخَطَأ كَمَا ذهب إِلَيْهِ الشَّافِعِيَّة (خلاف الْحَنَفِيَّة، وبكونها) أَي ويرجح بِكَوْن إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (عَن حفظه) أَي الروي (لَا نسخته) فَيقدم خبر الْمعول على حفظه على خبر الْمعول على كِتَابه، وَفِيه أَن احْتِمَال النسْيَان والاشتباه على الْحَافِظ لَيْسَ دون احْتِمَال الزِّيَادَة وَالنَّقْص فِي الْكتاب المصون تَحت يَده (وخطه) أَي وترجح رِوَايَة الْمُعْتَمد على خطه (مَعَ تذكره) كَذَلِك على رِوَايَة الْمُعْتَمد فِي رِوَايَته (على مُجَرّد خطه، وَهَذَا) التَّرْجِيح (على قَول غَيره) أَي أبي حنيفَة لِأَنَّهُ لَا عِبْرَة عِنْده لِلْخَطِّ بِلَا تذكر فَلم يحصل التَّعَارُض، وَالتَّرْجِيح فَرعه (وبالعلم بِأَنَّهُ) أَي رَاوِيه (عمل بِمَا رَوَاهُ على قسيميه) أَي على الَّذِي لم يعلم أَنه عمل بِهِ أَولا، وَالَّذِي علم أَنه لم يعْمل بِهِ (أَو) للْعلم بِأَن رَاوِيه (لَا يروي إِلَّا عَن ثِقَة) على مَا رَاوِيه لَيْسَ كَذَلِك، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُرْسلين، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (على) قَول (مجيز الْمُرْسل) أَي لَا على قَول من لَا يُجِيزهُ إِلَّا بديل (وَالْوَجْه نَفْيه) أَي نفى هَذَا التَّرْجِيح على قَول الْمُجِيز أَيْضا (لِأَن الْغَرَض) أَنه (فِيهِ) أَي قبُول الْمُرْسل مُطلقًا (مَا يُوجِبهُ) أَي الْعلم بِأَنَّهُ لَا يُرْسل إِلَّا عَن ثِقَة إِمَّا مُطلقًا وَإِمَّا عِنْده (و) يرجح مَا يكون رَاوِيه (من أكَابِر الصَّحَابَة على) مَا كَانَ روايه
(3/163)

من (أصاغرهم، وَيجب لأبي حنيفَة تَقْيِيده) أَي مَا يرجح مَا رَوَاهُ أكابرهم (بِمَا إِذا رجح) مَا رَوَاهُ الأكابر (فقها) أَي بِالنّظرِ إِلَى قَوَاعِد الْفِقْه بِأَن يكون انتسب إِلَيْهَا (إِذْ قَالَ) أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف. (بِرَأْي الأصاغر فِي الْهدم) أَي هدم الزَّوْج الثَّانِي مَا دون الثَّلَاث من الطَّلَاق وهم ابْن عَبَّاس وَابْن عمر رَضِي الله عَنْهُم كَمَا رَوَاهُ مُحَمَّد بن الْحسن فِي الْآثَار دون الأكابر فِي عدم الْهدم كَمَا ذهب إِلَيْهِ مُحَمَّد وَالْأَئِمَّة الثَّلَاثَة وهم عمر وَعلي رَضِي الله عَنْهُمَا، فَقَالَ المُصَنّف فِيمَا سبق وَالْحق وَعدم الْهدم. وَفِي فتح الْقَدِير القَوْل الألولي مَا قَالَه مُحَمَّد وَبَاقِي الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة (فَلَا يتَرَجَّح فِي) بَاب (الرِّوَايَة) خبر الْأَكْبَر على الْأَصْغَر (بعد فقه الْأَصْغَر وَضَبطه إِلَّا بِذَاكَ) أَي برجحانه بِالنّظرِ إِلَى قَوَاعِد الْفِقْه (أَو غَيره) من المرجحات (و) يرجح (بأقر بَيته) أَي الرَّاوِي عِنْد السماع من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (وَبِه) أَي بِالْقربِ عِنْد السماع (رجح الشَّافِعِيَّة الْإِفْرَاد) بِالْحَجِّ عَن الْعمرَة على غَيره (من رِوَايَة ابْن عمر لِأَنَّهُ كَانَ تَحت نَاقَته). أخرج أَبُو عوَانَة أَنه قَالَ: وَإِنِّي كنت عِنْد نَاقَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يمسني لُعَابهَا أسمعهُ يُلَبِّي بِالْحَجِّ وهم فِي ذَلِك تبع لإمامهم قَالَ الشَّافِعِي أخذت بِرِوَايَة جَابر لتقدم صحبته وَحسن سياقته لابتداء الحَدِيث وبرواية عَائِشَة لفضل حفظهَا، وَبِحَدِيث ابْن عمر لقُرْبه من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (وَلَا يخفى عدم صِحَة إِطْلَاقه) أَي التَّرْجِيح بِالْقربِ (وَوُجُوب تَقْيِيده) أَي الْقرب الْمُرَجح (ببعد الآخر بعدا يتَطَرَّق مَعَه الِاشْتِبَاه) فِي المسموع على الْبعيد (للْقطع بِأَن لَا أثر لبعد شبر) مثلا (لقريبين) بِأَن يكون أَحدهمَا أقرب من الآخر بِقدر شبر (ثمَّ للحنفية) التَّرْجِيح بِالْقربِ أَيْضا لِلْقُرْآنِ من رِوَايَة أنس (إِذْ) روى (عَن أنس أَنه كَانَ آخِذا بزمامها حِين أهل بهما) أَي بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة فَفِي الْمَبْسُوط عَنهُ كنت آخِذا بزمام نَاقَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهِي تَقْصَعُ بجرتها ولعابها يسيل على كَتِفي وَهُوَ يَقُول لبيْك بِحجَّة وَعمرَة: أَي تجر مَا تجتره من الْعلف وتخرجه إِلَى الْفَم وتمضغه ثمَّ تبلعه (وتعارض ماعن ابْن عمر فِي الصَّحِيح) إِذْ كَمَا عَنهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أهل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْحَجِّ مُفردا فَعَنْهُ أَيْضا فيهمَا بَدَأَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأهل بِالْعُمْرَةِ ثمَّ أهل بِالْحَجِّ، وَلم تعَارض الرِّوَايَة عَن أنس، وَالْأَخْذ بِرِوَايَة من لم تضطرب رِوَايَته أولى إِلَى غير ذَلِك من وُجُوه تَرْجِيحه قرانه على الْإِفْرَاد والتمتع (وبكونه تحمل بَالغا) أَي ويرجح بِكَوْن رَاوِي الحَدِيث تحمله بَالغا على مَا تحمل صَبيا لكَونه أضبط وَأقرب مِنْهُ غَالِبا (وَيَنْبَغِي) أَن يعْتَبر (مثله فِيمَن تحمل مُسلما) فرجح بِدُونِهِ على خبر من تحمل كَافِرًا (لِأَنَّهُ) أَي الْكَافِر (لَا يحسن ضَبطه لعدم إِحْسَان إصغائه) وَعدم اهتمامه بشأن الْحِفْظ (وبقدم الْإِسْلَام) لزِيَادَة أصالته فِي الْإِسْلَام (وَقد يعكس) أَي يرجح خبر مُتَأَخّر الْإِسْلَام على خبر مُتَقَدّمَة، وَذكر السُّبْكِيّ أَن الَّذِي ذكره جُمْهُور
(3/164)

الشَّافِعِيَّة، لَكِن شَرط فِي الْمَحْصُول أَن يعلم أَن سَمَاعه وَقع بعد إِسْلَامه (للدلالة على آخرية الشَّرْعِيَّة) يَعْنِي أَن كَون مُتَأَخّر الْإِسْلَام يدل على أَن مَا رَوَاهُ شرع آخر نَاسِخا للْأولِ: وَذكر الإِمَام الرَّازِيّ أَن الأولى إِذا علمنَا أَن الْمُتَقَدّم مَاتَ قبل إِسْلَام الْمُتَأَخر، أَو أَن رِوَايَات الْمُتَقَدّم أَكْثَرهَا مُتَقَدم على رِوَايَات الْمُتَأَخر، فَهُنَا يحكم بالرجحان، لِأَن النَّادِر مُلْحق بالغالب انْتهى. وَقَالَ الإِمَام أَبُو مَنْصُور أَن جهل تاريخهما فالغالب أَن رِوَايَة مُتَأَخّر الْإِسْلَام نَاسخ وَأَن علم فِي أَحدهمَا وَجَهل فِي الآخر، فَإِن كَانَ المؤرخ فِي آخر أَيَّامه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَهُوَ النَّاسِخ فَينْسَخ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا صلى الإِمَام قَاعِدا فصلوا قعُودا بِصَلَاة أَصْحَابه قيَاما وَهُوَ قَاعد فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَإِن لم يعلم التَّارِيخ فيهمَا، واحتيج إِلَى نسخ أَحدهمَا بِالْآخرِ، فَقيل النَّاقِل عَن الْعَادة أولى من الْمُوَافق لَهَا كَذَا وجدنَا فِي نُسْخَة الشَّرْح وَالظَّاهِر أَنه تَصْحِيف، وَالصَّوَاب وَإِن لم يعلم كَون المؤرخ فِي آخر أَيَّامه بدل وَإِن لم يعلم التَّارِيخ فيهمَا لِئَلَّا يلْزم التّكْرَار، وَقيل الْمحرم والموجب أولى من الْمُبِيح، فَإِن كَانَ أَحدهمَا مُوجبا وَالْآخر محرما لم يقدم أَحدهمَا على الآخر إِلَّا بِدَلِيل (كَكَوْنِهِ (مدنيا) أَي كَمَا يتَرَجَّح الْخَبَر الْمدنِي على الْخَبَر الْمَكِّيّ لتأخيره عَنهُ ثمَّ المصطلح عَلَيْهِ أَن الْمَكِّيّ مَا ورد قبل الْهِجْرَة فِي مَكَّة وَغَيرهَا، وَالْمَدَنِي مَا ورد بعْدهَا فِي الْمَدِينَة أَو مَكَّة أَو غَيرهمَا (وشهرة النّسَب) أَي ويرجح أحد المتعارضين بشهرة نسب رَاوِيه، لِأَن احْتِرَاز مَشْهُور النّسَب عَمَّا يُوجب نقص مَنْزِلَته يكون أَكثر (وَلَا يخفى مَا فِيهِ، وصريح السماع) أَي ويرجح أحد المتعارضين بتصريح رَاوِيه بِسَمَاعِهِ كسمعته يَقُول كَذَا (على محتمله) أَي على الآخر الرَّاوِي بِلَفْظ يحْتَمل السماع وَغَيره (كقال، وصريح الْوَصْل) أَي ويرجح أَحدهمَا بِكَوْن سَنَده مُتَّصِلا صَرِيحًا بِأَن ذكر كل من رُوَاته تحمله عَمَّن رَوَاهُ كحدثنا وَأخْبرنَا، أَو سَمِعت أَو نَحْو ذَلِك (على العنعنة) أَي على الَّذِي رَوَاهُ كل رُوَاته أَو بَعضهم بِلَفْظ عَن من غير ذكر صَرِيح اتِّصَال على مَا ذكر (وَيجب عَدمه) أَي عدم التَّرْجِيح بتصريح الْوَصْل على العنعنة (لقابل الْمُرْسل بعد عَدَالَة المعنعن وأمانته) وَكَونه غير مُدَلّس تَدْلِيس التَّسْوِيَة (وَمَا لم تنكر رِوَايَته) أَي ويرجح أحد المتعارضين الَّذِي لم يُنكر على رَاوِيه رِوَايَته على الَّذِي أنكر على رَاوِيه رِوَايَته، وَالْمُعْتَبر إِنْكَار الثِّقَات (وبدوام عقله) أَي يرجح أحد المتعارضين بسلامة عقل رَاوِيه على الَّذِي اخْتَلَّ عقل رَاوِيه فِي وَقت من الْأَوْقَات (وَالْوَجْه فِيمَا) أَي الحَدِيث الَّذِي (علم أَنه) رَوَاهُ رَاوِيه الَّذِي اخْتَلَّ عقله (قبل زَوَاله) أَي عقله (نَفْيه) أَي التَّرْجِيح بِهَذَا الْعَارِض (وَذَاكَ) التَّرْجِيح بالعارض الْمَذْكُور (إِذا لم يُمَيّز) على صِيغَة الْمَجْهُول: أَي لم يعلم هَل رَوَاهُ فِي سَلامَة عقله أم فِي اخْتِلَاطه كَمَا شَرطه فِي الْمَحْصُول (وصريح التَّزْكِيَة) أَي
(3/165)

ويرجح أَحدهمَا بِكَوْن رَاوِيه مزكى بِلَفْظ صَرِيح فِي التَّزْكِيَة (على) الآخر الْمُزَكي رَاوِيه بِسَبَب (الْعَمَل بروايته) أَو الحكم بِشَهَادَتِهِ) فَإِنَّهُمَا قد يبينان على الظَّاهِر من غير تَزْكِيَة (و) يرجح (مَا) أَي الْخَبَر الَّذِي حكم (بِشَهَادَتِهِ) أَي بِشَهَادَة رَاوِيه (عَلَيْهَا) أَي على الْخَبَر الَّذِي عمل رَاوِيه بِرَأْيهِ لِأَنَّهُ يحْتَاط فِي الشَّهَادَة أَكثر (و) الْخَبَر (الْمَنْسُوب إِلَى كتاب عرف بِالصِّحَّةِ) كالصحيحين يرجح (على) الْخَبَر الْمَنْسُوب إِلَى (مَا) أَي كتاب (لم يلتزمها) أَي الصِّحَّة، وَالَّذِي يرويهِ أَي صَاحب الصِّحَّة، بل يروي الصَّحِيح وَغَيره (فَلَو أبدى) صَاحب الْكتاب الَّذِي لم يلْتَزم فِيهِ الصِّحَّة، وَالَّذِي يرْوى عَنهُ (سندا) فَذَلِك الْمَرْوِيّ (اعْتبر الْأُضْحِية) بَينهمَا طَرِيقا فَأَيّهمَا أصح يرجح (وَكَون مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ) راجحا (على مَا روى برجالهما) بِأَن يكون رجال مُسْنده رجَالًا روى عَنْهُم فِيهَا بأعيانهم (فِي غَيرهمَا) أَي فِي غير الصَّحِيحَيْنِ يتَعَلَّق بروي (أَو تحقق) مَعْطُوف على روى (فِيهِ) وَالضَّمِير رَاجع إِلَى الْمَوْصُول (شَرطهمَا) أَي الصَّحِيحَيْنِ أَي جَمِيع مَا شرطا فِي صِحَة الحَدِيث (بعد إِمَامَة الْمخْرج) كَمَا ذهب إِلَيْهِ ابْن الصّلاح وَغَيره (تحكم) وَهُوَ ظَاهر (وَيجب) التَّرْجِيح للمروي (بالذكورة) لراويه (فِيمَا يكون خَارِجا) أَي فِيمَا يَقع من الْأَفْعَال والأقوال خَارج الْبيُوت (إِذْ الذّكر فِيهِ) أَي فِيمَا يَقع من الْأَفْعَال والأقوال خَارج الْبيُوت (أقرب) من الْأُنْثَى (و) يجب التَّرْجِيح لَهُ (بالأنوثة) لراويه (فِي عمل الْبيُوت) لِأَنَّهُنَّ بِهِ أعرف (وَرجح) فِي فصل (كسوف الْهِدَايَة حَدِيث سَمُرَة) ابْن جُنْدُب أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ كل رَكْعَة بركوع وسجدتين كَمَا أخرجه أَصْحَاب السّنَن. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حسن صَحِيح غير أَن صَاحب الْهِدَايَة عزاهُ إِلَى رِوَايَة ابْن عمر وَلم تُوجد عَنهُ (على) حَدِيث (عَائِشَة) أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ كل رَكْعَة بركوعين وسجدتين كَمَا أخرجه أَصْحَاب الْكتب السِّتَّة (بِأَن الْحَال أكشف لَهُم) أَي للرِّجَال لقربهم، لَكِن حَدِيث ركوعين قد رَوَاهُ ابْن عَبَّاس كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَعبد الله بن عَمْرو على مَا فِي صَحِيح مُسلم (وَكَثْرَة المزكين) للراوي فِي التَّرْجِيح بهَا (ككثرة الروَاة) وَسَيَأْتِي مَا فِيهَا (و) يرجح (بفقههم) أَي المزكين بِأَن يكون أحد الْحَدِيثين مزكى رَاوِيه فَقِيه (ومداخلتهم للمزكى) أَي ويرجح مُخَالطَة قَول رَاوِيه فِي الْبَاطِن، لِأَن صدقه حِينَئِذٍ أقوى (و) يرجح (بِعَدَمِ الِاخْتِلَاف فِي رَفعه) إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على معارضه الْمُخْتَلف فِي رَفعه إِلَيْهِ وَوَقفه على رَاوِيه لزِيَادَة قُوَّة الظَّن فِي صدق الأول (وَتَركنَا) مرجحات أُخْرَى (للضعف) كَقَوْلِهِم يرجح الْمُوَافق لدَلِيل آخر، وَأحمد أهل الْمَدِينَة. قَالَ الشَّارِح وَفِي ضعف التَّرْجِيح بالموافقة لدَلِيل آخر مُطلقًا نظر، وَكَيف والأحق
(3/166)

من الْقَوْلَيْنِ عِنْد المُصَنّف تَرْجِيح مَا يُوَافق الْقيَاس على مَا لَا يُوَافقهُ انْتهى، وَقد سبق فِي الْفَصْل الَّذِي قبل هَذَا نفي التَّرْجِيح بِمَا يصلح دَلِيلا عِنْد الْحَنَفِيَّة وَأَن ترجح مَا يُوَافق الْقيَاس لَيْسَ لعدم استقلاله عِنْد وجود النَّص إِلَى آخِره فَكَأَنَّهُ نَسيَه، وَذكر الشَّارِح طَائِفَة من المتروكات (والوضوح) مَعْطُوف على الضعْف فَإِن الوضوح من أَسبَاب التّرْك كَقَوْلِهِم يقدم الْإِجْمَاع الْمُتَقَدّم عِنْد تعَارض إجماعين، وَفِي تعَارض تأويلين يقدم مَا دَلِيله أرجح إِلَى غير ذَلِك مِمَّا ذكره الشَّارِح (وتتعارض التراجيح) فَيحْتَاج إِلَى بَيَان المخلص (كفقه ابْن عَبَّاس وَضَبطه) فِي رِوَايَة (نِكَاح) النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (مَيْمُونَة) وَهُوَ محرم بل وهما محرمان (بِمُبَاشَرَة أبي رَافع) الرسَالَة بَينهمَا فِي رِوَايَته لتزوجها وَهُوَ حَلَال (حَيْثُ قَالَ كنت السفير بَينهمَا وكسماع الْقَاسِم) ابْن مُحَمَّد بن أبي بكر (مشافهة من عَائِشَة). وَفِي نُسْخَة مصححة وكالسماع مشافهة فِي الْقَاسِم عَن عَائِشَة أَن (بَرِيرَة عتقت وَكَانَ زَوجهَا عبدا) فَخَيرهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَوَاهُ أَحْمد وَمُسلم وَغَيرهمَا وَصَححهُ التِّرْمِذِيّ فَإِنَّهَا عمته فَلم يكن بَينهَا وَبَينه حجاب (مَعَ إِثْبَات الْأسود عَنْهَا) أَي كَانَ زوج بَرِيرَة حرا، فَلَمَّا أعتقت خَيرهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. رَوَاهُ البُخَارِيّ وَأَصْحَاب السّنَن وَإِنَّمَا جعل الْأسود مثبتا لِأَن كَونه عبدا فِي الأَصْل بالِاتِّفَاقِ فَهُوَ يثبت أمرا عارضا على الأَصْل وَهُوَ الْحُرِّيَّة، وَالقَاسِم يصغي لذَلِك، والمثبت يقدم على النَّافِي لزِيَادَة الْعلم فِيهِ، لكنه أَجْنَبِي عَن عَائِشَة وَالقَاسِم محرم لَهَا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَإِنَّهُ) أَي سَمَاعه يكون (من وَرَاء حجاب) فيعارض الْإِثْبَات والمشافهة الْمُشْتَملَة على النَّفْي (وَإِذا قطع) الْأسود (بِأَنَّهَا) أَي المخبرة من وَرَاء حجاب (هِيَ) أَي عَائِشَة، كَذَا فِي نُسْخَة الشَّارِح، وَفِي نُسْخَة مصححه وَإِذن لَا تردد أَنَّهَا هِيَ (فَلَا أثر لارتفاعه) أَي الْحجاب فَلَا يصلح مرجحا، فيرجح الْإِثْبَات لما ذكر (وَلَو رجح) حَدِيث أبي رَافع (بالسفارة لَكَانَ) التَّرْجِيح (لزِيَادَة الضَّبْط) لِأَن السفير يكون ضَبطه أَكثر (فِي خُصُوص الْوَاقِعَة) الَّتِي هُوَ سفير فِيهَا (فَإِذا كَانَ) الضَّبْط (صفة النَّفس) أَي نفس أبي رَافع كَمَا أَنه صفة نفس ابْن عَبَّاس، وَبهَا يغلب ظن الصدْق (اعتدلا) أَي تساوى ابْن عَبَّاس وَأَبُو رَافع (فِيهَا) أَي فِي هَذِه الصّفة (وترجح) خبر ابْن عَبَّاس (بِأَن الْإِخْبَار بِهِ) أَي بِالْإِحْرَامِ (لَا يكون إِلَّا عَن سَبَب علم هُوَ) أَي سَبَب الْعلم (هَيْئَة الْمحرم نعم مَا) روى (عَن صَاحِبَة الْوَاقِعَة) مَيْمُونَة رَضِي الله عَنْهَا (تزَوجنِي) رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (وَنحن حلالان). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (إِن صَحَّ قوى) خبر أبي رَافع، فَعلم أَن خبر صَاحب الْوَاقِعَة يتَرَجَّح على غَيره إِذا عَارضه، وَفِي قَوْله إِن صَحَّ إِشَارَة إِلَى أَنه مَا صَحَّ عِنْد المُصَنّف. وَقَالَ الشَّارِح وَقد صَحَّ وَلم يبين دَلِيل الصِّحَّة (فَيجب) أَن يكون قَوْلهَا تزَوجنِي (مجَازًا عَن الدُّخُول) لعلاقة السَّبَبِيَّة
(3/167)

العادية (جمعا) بَين الْحَدِيثين (وَمِنْه) أَي تعَارض التَّرْجِيح (للحنفية الْوَصْف الذاتي) وَهُوَ (مَا) يعرض للشَّيْء (بِاعْتِبَار الذَّات أَو الْجُزْء) مِنْهَا، وَقَيده الشَّارِح بالغالب، وَأطْلقهُ المُصَنّف (على الْحَال) وَهُوَ (مَا) يعرض للشَّيْء (بِخَارِج) أَي بِسَبَب أَمر خَارج عَنهُ، لِأَن مَا بِالذَّاتِ أسق وجودا، وَأَعْلَى رُتْبَة (كَصَوْم) من رَمَضَان أَو من النّذر الْمعِين (لم يبيت) أَي لم ينْو من اللَّيْل بل نوى قبل نصف النَّهَار فَأدى (بعضه منوي وَبَعضه لَا) بِالضَّرُورَةِ (وَلَا تجزأ) أَي وَالْحَال أَن صَوْم يَوْم من رَمَضَان وَاحِد لَا يتَجَزَّأ صِحَة وَفَسَادًا بل إِمَّا يفْسد الْكل أَو يَصح (فتعارض) حِينَئِذٍ (مُفسد الْكل) وَهُوَ عدم النِّيَّة فِي الْبَعْض (ومصححه) أَي الْكل وَهُوَ وجود النِّيَّة فِي الْبَعْض (فترجح الأول) وَهُوَ الْإِفْسَاد للْكُلّ كَمَا ذهب إِلَيْهِ الشَّافِعِي (بِوَصْف الْعِبَادَة المقتضيها) أَي النِّيَّة صفة للوصف الأول (فِي الْكل) أَي كل الْأَجْزَاء فالوصف الْمَذْكُور بِسَبَب اقتضائه النِّيَّة مَعَ انتفائها يُوجب الْفساد فِي الْكل لعدم التجزئ، (و) يرجح (الثَّانِي) وَهُوَ الصِّحَّة للْكُلّ (بِكَثْرَة الْأَجْزَاء المتصفة) بِالنِّيَّةِ. وَفِي بعض النّسخ الْمُتَّصِلَة بِدُونِ المتصفة (وَهُوَ) أَي هَذَا التَّرْجِيح (بالذاتي) لِأَن الْكَثْرَة ثَابِتَة الْأَجْزَاء فِي حد ذَاتهَا وَإِن كَانَ اتصافها واتصالها بِالنِّسْبَةِ بِاعْتِبَار أَمر خَارج عَن الذَّات: أَي النِّيَّة بِخِلَاف وصف الْعِبَادَة فَإِنَّهُ ثَابت للْفِعْل بِاعْتِبَار قصد الْقرْبَة الْمُنْفَصِل عَن الذَّات (وينقض) هَذَا (بِالْكَفَّارَةِ) أَي بصومها، وَكَذَا بِصَوْم النّذر الْمُطلق فَإِنَّهُم لم يجيزوهما إِلَّا مبيتين مَعَ إِمْكَان الِاعْتِبَار الْمَذْكُور (وَيدْفَع بِأَن الْغَرَض) مَعَ ذَلِك الِاعْتِبَار (توقف الْأَجْزَاء) أَي كَون تِلْكَ الامساكات الْوَاقِعَة فِي أَجزَاء الْيَوْم الْمَذْكُور مُتَوَقف حكمهَا من حَيْثُ الْبطلَان وَالصِّحَّة إِلَى أَن يظْهر لُحُوق النِّيَّة بِالْأَكْثَرِ فَيصح أَولا فَيبْطل (لما فِيهِ) أَي فِي الْوَقْت من الشُّرُوع قبل النِّيَّة (وَذَلِكَ) التَّوَقُّف على مَا ذكر إِنَّمَا يتَحَقَّق (فِي الْوُجُوب) أَي وجوب الصَّوْم (فِي) الْيَوْم (الْمعِين) لأَدَاء ذَلِك الصَّوْم (بِخِلَاف نَحْو) صَوْم (الْكَفَّارَة) إِذْ (لم يتَعَيَّن يَوْمهَا للْوَاجِب) فَلم يعْتَبر من لم يبيت النِّيَّة قبل النِّيَّة شَارِعا حَتَّى يتَوَقَّف حكم تِلْكَ الامساكات على مَا ذكر فِي حق صَوْم الْكَفَّارَة (فلمشروع الْوَقْت) أَي فَيعْتَبر شَارِعا فِي مَشْرُوع الْوَقْت (وَهُوَ النَّفْل) فَإِذا لم يبيت كَانَت تِلْكَ الامساكات السَّابِقَة على النِّيَّة متوقفة لصوم النَّفْل فَلَا تصير وَاجِبَة بنية وَاجِب، بل يتَعَيَّن أحد الْأَمريْنِ النَّفْل أَو الْفطر، وَلما كَانَ الحكم بالتوقف يحْتَاج إِلَى مَا يفْسد اعْتِبَاره شرعا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وَهُوَ) أَي النَّفْل (الأَصْل) فِي الِاعْتِبَار (إِذْ كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ينويه من النَّهَار) كَمَا فِي صَحِيح مُسلم وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون بالتوقف (وَهَذَا) التَّوْجِيه بِنَاء (على أَنه) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (صَائِم) فِي (كل الْيَوْم) فِي الْهِدَايَة وَعِنْدنَا يصير صَائِما من أول النَّهَار لِأَنَّهُ عبَادَة قهر النَّفس، وَهُوَ إِنَّمَا
(3/168)

يتَحَقَّق بإمساك مُقَدّر فَيعْتَبر قرَان النِّيَّة بأكثره

مسئلة
قَالَ (أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف لَا تَرْجِيح بِكَثْرَة الْأَدِلَّة والرواة مَا لم يبلغ) الْمَرْوِيّ بِكَثْرَة (الشُّهْرَة) فَعلم التَّوَاتُر بطرِيق أولي (وَالْأَكْثَر) من الْعلمَاء قَوْلهم (خِلَافه) أَي خلاف قَوْلهمَا فيترجح بِكَثْرَة الْأَدِلَّة والرواة إِن لم يبلغ (لَهما تقوى الشَّيْء) أَي تَرْجِيحه إِنَّمَا يكون (بتابع) لذَلِك الشَّيْء (لَا بمستقل) بالتأثير، وكل من الْأَدِلَّة والرواة مُسْتَقل بِإِيجَاب الحكم فَلَا يعْتَبر مرجحا لموافقه (بل يُعَارض) الدَّلِيل الْمُنْفَرد فِي أحد الْجَانِبَيْنِ كل دَلِيل من الْجَانِب الآخر (كَالْأولِ) أَي كَمَا يُعَارض الدَّلِيل الْمَطْلُوب تَرْجِيحه مِنْهَا إِذْ لَيست معارضته لوَاحِد مِنْهَا بِأولى من معارضته للْآخر (وَيسْقط الْكل) عِنْد عدم الْمُرَجح (كَالشَّهَادَةِ) من حَيْثُ إِنَّه لَا يرجح لإحدى الشَّهَادَتَيْنِ المتعارضتين بعد استكمال نصابها بِزِيَادَة لأحداهما فِي الْعدَد على الْأُخْرَى، وَحكى غير وَاحِد كصدر الشَّرِيعَة الْإِجْمَاع على هَذَا. قَالَ الشَّارِح: وَقد ينظر فِي مَا قدمنَا من أَن مَالِكًا وَالشَّافِعِيّ فِي قَول لَهما يريان ذَلِك انْتهى إِن رَجعْنَا إِلَى هَذَا القَوْل لَا يصير بِالْإِجْمَاع (ولدلالة إِجْمَاع سوى ابْن مَسْعُود على عدم تَرْجِيح عصوبة ابْن عَم هُوَ أَخ لأم) بِأَن تزوج عَم إِنْسَان من أَبَوَيْهِ أَو لأَب أمه فَولدت لَهُ ابْنا (على ابْن عَم لَيْسَ بِهِ) أَي بِأَخ لأم فِي الْإِرْث مِنْهُ (ليحرم) ابْن الْعم الَّذِي لَيْسَ بِأَخ لأم مَعَ ابْن الْعم الَّذِي هُوَ أَخ لأم (بل يسْتَحق) ابْن الْعم الَّذِي هُوَ أَخ لأم (بِكُل) من السببين: بِكَوْنِهِ ابْن عَم، وَكَونه أَخا لأم (مُسْتقِلّا) نَصِيبا من الْإِرْث فَيسْتَحق السُّدس بِكَوْنِهِ أَخا لأم من حَيْثُ كَونه صَاحب فرض وَنصف الْبَاقِي بِكَوْنِهِ عصبَة إِذا لم يتْرك وَارِثا سواهُمَا، أما ابْن مَسْعُود فَذهب إِلَى أَنه يحجب ابْن الْعم الَّذِي لَيْسَ بِأَخ لأم. وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن النَّخعِيّ أَنه قضى عمر وَعلي وَزيد رَضِي الله عَنْهُم كَقَوْل الْجُمْهُور، وَقضى عبد الله أَن المَال لَهُ دون ابْن عَمه (و) لدلَالَة إِجْمَاع (للْكُلّ) على عدم التَّرْجِيح (فِيهِ) أَي فِي ابْن عَم حَال كَونه (زوجا) على ابْن عَم لَيْسَ بِزَوْج فَيكون لَهُ النّصْف بِالزَّوْجِيَّةِ وَالْبَاقِي بَينهمَا بِالسَّوِيَّةِ فَلَو رجح بِكَثْرَة الدَّلِيل لرجح بِكَثْرَة دَلِيل الْإِرْث، وَهَذَا (بِخِلَاف كَثْرَة) يكون (بهَا هَيْئَة اجتماعية) لأجزائها (وَالْحكم وَهُوَ الرجحان مَنُوط بالمجموع) من حَيْثُ هُوَ مَجْمُوع لَا بِكُل وَاحِد من أَجْزَائِهَا فَإِنَّهُ يرجح بهَا على مَا لَيْسَ كَذَلِك (لحُصُول زِيَادَة الْقُوَّة لوَاحِد) فِيهِ قُوَّة زَائِدَة وَهِي الْهَيْئَة الاجتماعية (فَلِذَا) أَي لثُبُوت التَّرْجِيح بِالْكَثْرَةِ لَهَا هَيْئَة اجتماعية وَالْحكم مَنُوط بمجموعها من حَيْثُ هُوَ (رجح) أَي أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف أحد القياسين المتعارضين (بِكَثْرَة الْأُصُول)
(3/169)

أَي بِشَهَادَة أصلين أَو أصُول لوصفه المنوط بِهِ الحكم على معارضه الَّذِي لَيْسَ كَذَلِك (فِي) بَاب تعَارض (الْقيَاس) لِأَن كَثْرَة الْأُصُول توجب زِيَادَة تَأْكِيد وَلُزُوم الحكم بِكَوْن ذَلِك الْوَصْف عِلّة (بِخِلَافِهِ) أَي مَا إِذا كَانَ الحكم مَنُوطًا (بِكُل) لَا بالمجموع فَإِنَّهُ لَا يرجح بِالْكَثْرَةِ الْحَاصِلَة من ضم غَيره إِلَيْهِ (وَأَجَابُوا) أَي الْأَكْثَر (بِالْفرقِ) بَين الشَّهَادَة وَالرِّوَايَة بِأَن الحكم فِي الشَّهَادَة مَنُوط بِأَمْر وَاحِد وَهُوَ هَيْئَة اجتماعية فالأكثرية والأقلية فِيهَا سَوَاء، لِأَن الْمُؤثر هُوَ تملك الْهَيْئَة فَقَط، بِخِلَاف الرِّوَايَة فَإِن الحكم فِيهَا بِكُل وَاحِد، فَإِن كل راو بمفرده يناط بِهِ الحكم وَهُوَ وجوب الْعَمَل بروايته، كَذَا ذكره الشَّارِح، وَفِيه أَن الْهَيْئَة الاجتماعية بِاعْتِبَار أفرادها وَمَا صدقاتها مُتَقَارِبَة، إِذْ الْهَيْئَة الْحَاصِلَة من اثْنَيْنِ لَيست كالهيئة الْحَاصِلَة من عشْرين شَاهدا فَلَا تَأْثِير لإناطة الحكم بهَا (وَبِأَن الْكَثْرَة تزيد الظَّن بالحكم قُوَّة) فَإِنَّهُ يحصل بِكُل وَاحِد ظن، وَلَا شكّ أَن الظنين فَصَاعِدا أقوى من ظن وَاحِد، وَهَكَذَا، وَالْعَمَل بالأقوى وَاجِب (فيترجح، وَيدْفَع) هَذَا (بِدلَالَة الْإِجْمَاع الْمَذْكُور على عدم اعْتِبَاره) أَي هَذَا الْقدر من زِيَادَة قُوَّة الظَّن، وَقد يُقَال مُقْتَضى الْقيَاس اعْتِبَاره، وَقد ورد السّمع على عدم اعْتِبَاره فِي الشَّهَادَة وَخلاف الْقيَاس يقْتَصر على مورد النَّص على أَن عدم اعْتِبَاره فِي الشَّهَادَة لَا يسْتَلْزم عدم اعْتِبَاره فِي الرِّوَايَة لجَوَاز أَن يكون بَينهمَا فرق وَأَنه يخفى علينا (بِخِلَاف بُلُوغه) أَي الْخَبَر (الشُّهْرَة) حَيْثُ يتَرَجَّح بِهِ على معارضه، فَإِن للهيئة الاجتماعية تَأْثِيرا فِي الْقُوَّة لمنعها احْتِمَال الْكَذِب وَقبل الْبلُوغ كل وَاحِد يجوز كذبه كَذَا قيل (وَقد يُقَال) من قبل الْأَكْثَر (إِن لم تفده كَثْرَة الروَاة قُوَّة الدّلَالَة) على الصدْق (فتجويز كَونه) أَي كَون مَا رُوَاته أقل صادرا (بِحَضْرَة) جمع (كثير لَا) الْخَبَر (الآخر) الْمعَارض لَهُ وَهُوَ الَّذِي رُوَاته كثير بِأَن لم يكن صادرا بِحَضْرَة كثير (أَو) تَجْوِيز كَونهمَا (متساويين) فِي عدد الْحَاضِرين عِنْد صدورهما بِأَن يساوى من حضر سَماع هَذَا الْخَبَر فِي الْعدَد من حضر سَماع هَذَا الْخَبَر (وَاتفقَ نقل كثير) للْخَبَر الَّذِي رُوَاته كثير مَعَ كَون سامعيه مساوين لسامعي الآخر أَو أقل مِنْهُ (دونه) أَي دون الْخَبَر الَّذِي رُوَاته أقل وحاضروه أَكثر ويساوون (بل جَازَ الْأَكْثَر) أَي كَون رِوَايَة الْأَكْثَر (بِحَضْرَة الْأَقَل) أَي بِسَبَب حُضُور الْأَقَل بِأَن لَا تكون رِوَايَة بَعضهم عَن السماع بِغَيْر وَاسِطَة الْأَقَل، وَفسّر الشَّارِح الْأَكْثَر بِمَا رُوَاته أَكثر فَإِن لم يؤول بِمَا قُلْنَا لزم التّكْرَار لكَونه عين الِاحْتِمَال الأول ثمَّ قَوْله فتجويز مُبْتَدأ خَبره (لَا يَنْفِي قُوَّة الثُّبُوت) لما رُوَاته أَكثر، يَعْنِي إِن لم تفد كَثْرَة الروَاة قُوَّة الظَّن فِي مرويهم على مَا ذهب إِلَيْهِ الْجُمْهُور فتجويز الْخصم مَا ذكر من الِاحْتِمَالَات النافية للترجيح للكثرة لَا يَنْفِي قُوَّة ثُبُوت مرويهم (لِأَنَّهُ) أَي التجويز الْمَذْكُور (معَارض بضده) وَهُوَ أَن
(3/170)

يكون الْخَبَر الَّذِي رُوَاته أَكثر صادرا بِحَضْرَة جمع كثير دون معارضه (فيسقطان) أَي التجويزان الْمَذْكُورَان (وَيبقى مُجَرّد كَثْرَة تفِيد قُوَّة الثُّبُوت) والتذكير بِاعْتِبَار كَونه رجحانا، هَذَا وليت شعري بِأَن التجويز الْمَذْكُور على تَقْدِير كَونه مُعَارضا بالضد هَل يُفِيد عدم إِفَادَة كَثْرَة الروَاة قُوَّة للدلالة، كَيفَ ومدار ظن الْمُجْتَهد بِصدق الْخَبَر نقل الْخَبَر وبلوغه إِلَيْهِ، وَأما كَون الْحَاضِرين صدوره بِكَثْرَة أَو قلَّة فِي نفس الْأَمر من غير أَن يجروا فِيهِ قسما لَا يظْهر لنا تَأْثِيره وَالله أعلم. (بِخِلَاف ثُبُوت جهتي الْعُصُوبَة وَمَا مَعهَا) من الْأُخوة لأم أَو الزَّوْجِيَّة فالمضاف إِلَيْهِ مَجْمُوع الْأَمريْنِ وَالْإِضَافَة بَيَانِيَّة (عَن الشَّارِع) مُتَعَلق بثبوتهما (فَإِنَّهُمَا) أَي الْجِهَتَيْنِ (سَوَاء) ظَاهر الْعبارَة التَّسْوِيَة بَين جِهَة الْعُصُوبَة وجهة كَونه صَاحب فرض، وَلَيْسَ المُرَاد هَذَا، بل المُرَاد التَّسْوِيَة بَين كَونه عصبَة وَصَاحب فرض، وَمعنى التَّسْوِيَة الْكَائِن عَن الشَّارِع عدم اعْتِبَاره مزية للثَّانِي على الأول، وَلما احتجينا بتسوية الشَّارِع بَينهمَا مَعَ اجْتِمَاع السببين للإرث فِي الثَّانِي دون الأول واجتماع السببين بِمَنْزِلَة كَثْرَة الْأَدِلَّة فِي جَانب أحد المتعارضين، أجَاب من قبل الْأَكْثَر بِأَن ذَلِك بالتنصيص من قبل الشَّارِع وَلَا مجَال للْقِيَاس فِي مُقَابلَة النَّص، وَلَا يخفى أَنه يفهم من كَلَام المُصَنّف ميله إِلَى جَانب الْأَكْثَر، وللشارح هَهُنَا كَلَام طَوِيل يفهم مِنْهُ عدم استنباطه مُرَاد المُصَنّف على الْوَجْه الَّذِي حررناه.

فصل
(يلْحق السمعيين) الْكتاب وَالسّنة (الْبَيَان) وَهُوَ (الْإِظْهَار لُغَة) قَالَ تَعَالَى - {ثمَّ إِن علينا بَيَانه} - أَي إِظْهَار مَعَانِيه وشرائعه (وَاصْطِلَاحا إِظْهَار المُرَاد) من لفظ متلو ومرادف لَهُ (بسمعي) متلو أَو مَرْوِيّ (غير مَا) أَي اللَّفْظ الَّذِي أدّى المُرَاد (بِهِ) ابْتِدَاء فَخرجت النُّصُوص الْوَارِدَة لبَيَان الْأَحْكَام ابْتِدَاء، فعلى هَذَا هُوَ فعل الْمُبين. (وَيُقَال) إِن الْبَيَان أَيْضا (لظُهُوره) أَي المُرَاد الَّذِي هُوَ أثر الدَّلِيل، يُقَال بِأَن الْأَمر والهلال إِذا ظهر وانكشف، وَنسبه شمس الْأَئِمَّة إِلَى بعض أَصْحَابنَا وَاخْتَارَهُ أَصْحَاب الشَّافِعِي كَذَا ذكره الشَّارِح (و) يُقَال أَيْضا (للدال على المُرَاد بذلك) أَي بِمَا لحقه الْبَيَان. قَالَ الشَّارِح: فعلى هَذَا كل مُقَيّد من كَلَام الشَّارِع وَفعله وَتَقْرِيره وسكوته واستبشاره وتنبيهه بالفحوى على الحكم بَيَان (و) يجب (على) مَذْهَب (الْحَنَفِيَّة زِيَادَة أَو) إِظْهَار (انتهائه) أَي المُرَاد من المتلو أَو الْمَرْوِيّ (أَو رفع احْتِمَال) لإِرَادَة غَيره وتخصيصه (عَنهُ) أَي عَن المُرَاد بذلك اللَّفْظ نَحْو بجناحيه فِي قَوْله تَعَالَى - {وَلَا طَائِر يطير بجناحيه} - فَإِنَّهُ يُفِيد نفي التبوز بالطائر عَن سريع لحركة فِي السّير كالبريد، والتأكيد فِي قَوْله
(3/171)

تَعَالَى - {فَسجدَ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ} - فَإِنَّهُ يُفِيد نفي احْتِمَال التَّخْصِيص (لأَنهم) أَي الْحَنَفِيَّة سوى القَاضِي أبي زيد (قسموه) أَي الْبَيَان (إِلَى خَمْسَة) من الْأَقْسَام، وَهُوَ إِلَى أَرْبَعَة: (بَيَان تَبْدِيل سَيَأْتِي) وَهُوَ النّسخ وَمَعْلُوم أَنه لَيْسَ بِبَيَان المُرَاد من اللَّفْظ بل بَيَان انْتِهَاء إِرَادَة المُرَاد مِنْهُ وَهُوَ الَّذِي أسْقطه أَبُو زيد وَوَافَقَهُ شمس الْأَئِمَّة إِلَّا أَنه أثبت بدله قسما آخر كَمَا سَيَأْتِي (و) بَيَان (تَقْرِير وَهُوَ التَّأْكِيد) يُفِيد رفع احْتِمَال غير المُرَاد من الْمُبين، ثمَّ إِن بَيَان التَّقْرِير قسم من الْبَيَان الْمُطلق (وَقسم الشَّيْء مِمَّن مَا صدقاته) وَلَا يظْهر صدق الْمقسم عَلَيْهِ، إِذْ إِظْهَار المُرَاد بسمعي غير مَا بِهِ فرع عدم ظُهُوره من الْمُبين قبل هَذَا الْبَيَان وَالْمرَاد ظَاهر مِنْهُ قبله (وَتَحْصِيل الْحَاصِل مُنْتَفٍ) فَلَا يُمكن بعد ظُهُور المُرَاد إِظْهَاره (فَلَزِمَ ذَلِك) أَي زِيَادَة أَو رفع احْتِمَال عَنهُ ليعلم صدق تَعْرِيفه الْبَيَان عَلَيْهِ، وَلَا يبعد أَن يُقَال احْتِمَال خلاف المُرَاد محَال بظهوره فَلَا يظْهر ظهورا تَاما إِلَّا بعد رفع الِاحْتِمَال الْمَذْكُور، وَهَذَا الْقسم يجوز كَونه مَفْصُولًا عَن الْمُبين وموصولا بِهِ اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ مُقَرر للظَّاهِر فَلَا يفْتَقر إِلَى التَّأْكِيد بالاتصال (و) بَيَان (تَغْيِير كالشرط وَالِاسْتِثْنَاء وتقدما) فِي بحث التَّخْصِيص (إِلَّا أَن تَغْيِير الشَّرْط من إِيجَاب الْمُعَلق فِي الْحَال) أَي من إثْبَاته الحكم الْمُتَرَتب عَلَيْهِ شرعا مُنجزا (إِلَى) زمَان (وجوده) أَي الشَّرْط فَهُوَ تَغْيِير من وصف التَّنْجِيز إِلَى وصف التَّعْلِيق فَيتَأَخَّر حكمه إِلَى أَن يُوجد الشَّرْط (و) تَغْيِير (الِاسْتِثْنَاء) من إِثْبَات الحكم الَّذِي كَانَ فِي معرض الثُّبُوت للمستثنى قبل الِاسْتِثْنَاء (إِلَى عَدمه) أَي الحكم الْمَذْكُور فَهُوَ صَارف لأوّل الْكَلَام عَن ظَاهره إِلَى خِلَافه (وَبِه) أَي بِسَبَب كَون تَغْيِير الِاسْتِثْنَاء إِلَى عدم (فرقوا) أَي الْحَنَفِيَّة (بَين تعلقه) أَي بَيَان التَّغْيِير (بمضمون الْجمل المتعقبها) الْإِضَافَة لفظية من إِضَافَة الصّفة إِلَى مفعولها أَي الْجمل الَّتِي تعقبها بَيَان التَّغْيِير (وَعَدَمه) أَي عدم تعلقه بِمَا ذكر أَي وَبَين تعلقه بِغَيْر مَضْمُون الْجمل المتعاقبة (فِي الِاسْتِثْنَاء) فَإِنَّهُ تعلق بِالْجُمْلَةِ الْأَخِيرَة بِخِلَاف الشَّرْط فَإِنَّهُم فِيهِ لم يفرقُوا بَين تعلقه بمضمون الْجمل الْمَذْكُورَة وَبَين تعلقه بغَيْرهَا، وَذَلِكَ بِأَن تذكر جمل وَيذكر بعْدهَا اسْتثِْنَاء وَأمكن أَن يَجْعَل مُتَعَلقا بِكُل وَاحِدَة مِنْهَا وَأَن يَجْعَل بالأخيرة يعْتَبر تعلقه بالأخيرة (تقليلا للأبطال مَا أمكن) أَي بِقدر الْإِمْكَان، يَعْنِي لَو اعْتبر تعلقه بِكُل وَاحِد من تِلْكَ الْجمل لزم عدم الحكم الْمَأْخُوذ فِي جَانب الْمُسْتَثْنى مِنْهُ من الْمُسْتَثْنى بِاعْتِبَار كل وَاحِدَة مِنْهَا، وَإِذا علق بالأخيرة لَا يلْزم إِلَّا إبِْطَال الحكم الَّذِي تضمنته لَا الْأَحْكَام الَّتِي تضمنها مَا قبلهَا (وَيمْتَنع تراخيهما) عَن متعلقهما يَعْنِي الشَّرْط وَالِاسْتِثْنَاء وَلَا يَكُونَا إِلَّا موصولين (وَتقدم قَول ابْن عَبَّاس فِي الِاسْتِثْنَاء) بِجَوَاز تراخيه على خلاف فِي مِقْدَاره وَوَجهه وَدفعه (وَمِنْه) أَي بَيَان التَّغْيِير (تَخْصِيص الْعَام وَتَقْيِيد الْمُطلق) إِذْ تبين أَن الأول أَي الْعَام غير جَار على عُمُومه، وَالثَّانِي أَي الْمُطلق غير جَار
(3/172)

على إِطْلَاقه وَهُوَ تَغْيِير النّظر إِلَى مَا هُوَ الْمُتَبَادر مِنْهُ السامعة من الْعُمُوم وَالْإِطْلَاق (وتقدما) فِي بحث الْعُمُوم والتخصيص (وَيجب مثله) أَي امْتنَاع التَّرَاخِي (فِي صرف كل ظَاهر) لِئَلَّا يلْزم الْإِيقَاع فِي خلاف الْوَاقِع (وعَلى الْجَوَاز) لتأخير بَيَان تَخْصِيص الْعَام عَنهُ كَمَا هُوَ قَول مَشَايِخ سَمَرْقَنْد، وَعَلِيهِ أَيْضا تَفْرِيع جَوَاز تَأْخِير صرف كل ظَاهر عَن ظَاهره أَن يُقَال (تَأْخِيره عَلَيْهِ السَّلَام تَبْلِيغ الحكم) الشَّرْعِيّ الْمَأْمُور بتبليغه (إِلَى) وَقت (الْحَاجة) إِلَيْهِ وَهُوَ وَقت تَنْجِيز التَّكْلِيف (أجوز) أَي أَشد جَوَازًا إِذْ لَا يلْزم فِي تبليغه شَيْء مِمَّا يلْزم فِي تَأْخِير بَيَان مَخْصُوص الْعَام إِذْ لَا تَكْلِيف قبل التَّبْلِيغ وَلم يُؤمر بالتبليغ إِلَّا عِنْد أَوَانه فَإِذا جَازَ التَّأْخِير مَعَ وجود التَّكْلِيف فَمَعَ عَدمه أولى كَذَا ذكره الشَّارِح (وعَلى الْمَنْع) لتأخير بَيَان مُخَصص الْعَام (وَهُوَ) أَي الْمَنْع لتأخيره (الْمُخْتَار للحنفية) من مَشَايِخ الْعرَاق وَالْقَاضِي أبي زيد وَمن تبعه من الْمُتَأَخِّرين يجوز تَأْخِيره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَبْلِيغ الحكم إِلَى وَقت الْحَاجة أَيْضا (إِذْ لَا يلْزم) فِيهِ (مَا تقدم) وَهُوَ الْإِيقَاع فِي خلاف الْوَاقِع ومطلوبية الْجَهْل الْمركب، وَقيل لَا يجوز لقَوْله تَعَالَى - {يَا أَيهَا الرَّسُول بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك} - لِأَن وجوب التَّبْلِيغ مَعْلُوم بِالْعقلِ ضَرُورَة فَلَا فَائِدَة لِلْأَمْرِ بِهِ (وَكَون أَمر التَّبْلِيغ فوريا مَمْنُوع) وَالْعقل لَا يسْتَقلّ بِمَعْرِِفَة الْأَحْكَام، وَلَو سلم فَلْيَكُن لتقوية الْعقل بِالنَّقْلِ (وَلَعَلَّه) أَي التَّبْلِيغ (وَجب لمصْلحَة) لم تفت بِتَأْخِيرِهِ (وَأَيْضًا ظَاهره) أَي مَا أنزل إِلَيْك من رَبك (لِلْقُرْآنِ) لِأَنَّهُ السَّابِق إِلَى الْفَهم من لفظ الْمنزل. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: وَظَاهر الْآيَة يُوجب تَبْلِيغ كل مَا أنزل وَلَعَلَّ المُرَاد تَبْلِيغ مَا يتَعَلَّق بِهِ مصَالح الْعباد وَقصد بإنزاله اطلاعهم عَلَيْهِ فَإِن من الْأَسْرَار الإلهية مَا يحرم إفشاؤه.

مسئلة
(وَالْأَكْثَر) مِنْهُم الإِمَام الرَّازِيّ وَابْن الْحَاجِب (يجب زِيَادَة قُوَّة الْمُبين للظَّاهِر) عَلَيْهِ: أَي السمعي الَّذِي يصرف الظَّاهِر عَن ظَاهره يجب أَن يكون لَهُ زِيَادَة قُوَّة (وَالْحَنَفِيَّة تجوز الْمُسَاوَاة) بَينهمَا فِي الْقُوَّة (وَدفع) تجويزهم ذَلِك (بِعَدَمِ أَوْلَوِيَّة الْمُبين مِنْهُمَا) أَي المتساويين، يَعْنِي أَنَّهُمَا سمعيان متساويان فِي الْقُوَّة متعارضان بِحَسب الظَّاهِر وَلَيْسَ أَحدهمَا أولى بِالِاعْتِبَارِ من الآخر فَكيف يقدم أَحدهمَا وَهُوَ الْمُبين على الآخر ويصرفه عَن ظَاهره (بِخِلَاف الرَّاجِح) مَعَ / الْمَرْجُوح (لتقدمه) أَي الرَّاجِح على الْمَرْجُوح (فِي الْمُعَارضَة، وَيدْفَع) هَذَا الدّفع (بِأَن مُرَادهم) أَي الْحَنَفِيَّة الْمُسَاوَاة (فِي الثُّبُوت) أَي ثُبُوت الْمَتْن (لَا الدّلَالَة) وَعدم أَوْلَوِيَّة الْمُبين إِنَّمَا هُوَ على تَقْدِير الْمُسَاوَاة فِي الدّلَالَة، وَأما إِذا كَانَا متساويين فِي الثُّبُوت لَا فِي الدّلَالَة بِأَن يكون
(3/173)

أَحدهمَا نصا وَالْآخر ظَاهرا فالنص يصلح لِأَن يكون مُبينًا للظَّاهِر (وَمَعْلُوم أَن الأول) من السمعيين (مُبين) على صِيغَة الْمَفْعُول، وَهَذَا دفع لما يُقَال من أَنَّهُمَا إِذا كَانَا متساويين لَا يتَعَيَّن الْمُبين عَن الْمُبين وَأما قَول أبي الْحُسَيْن وَيجوز بالأدنى أَيْضا فَبَاطِل لِأَنَّهُ يلْزم مِنْهُ إِلْغَاء الرَّاجِح بالمرجوح كَذَلِك لَا يجوز إِلْغَاء أحد المتساويين بِالْآخرِ، فَإِن قيل يجوز إِلْغَاء أحد المتساويين فِي الثُّبُوت بِالْآخرِ الْمَرْجُوح فِيهِ فَلْيتَأَمَّل. (و) بَيَان (تَفْسِير، وَهُوَ بَيَان الْمُجْمل) باصطلاح الشَّافِعِيَّة، وَهُوَ مَا فِيهِ خَفَاء فَيعم باصطلاح الْحَنَفِيَّة الْخَفي والمشترك والمجمل (وَيجوز) بَيَان التَّفْسِير (بأضعف) دلَالَة أَو ثبوتا (إِذْ لَا تعَارض بَين الْمُجْمل وَالْبَيَان ليترجح) الْبَيَان عَلَيْهِ فَيلْزم إِلْغَاء الرَّاجِح بالمرجوح (و) يجوز (تراخيه) أَي بَيَان الْمُجْمل عَن وَقت الْخطاب بِهِ (إِلَى وَقت الْحَاجة إِلَى الْفِعْل وَهُوَ وَقت تَعْلِيق التَّكْلِيف) بِالْفِعْلِ (مضيقا) لَا وَقت تَعْلِيقه موسعا عِنْد الْجُمْهُور مِنْهُم أَصْحَابنَا والمالكية وَأكْثر الشَّافِعِيَّة، وَاخْتَارَهُ الإِمَام الرَّازِيّ وَابْن الْحَاجِب وَأكْثر الْمُتَأَخِّرين (وَعَن الْحَنَابِلَة والصيرفي وَعبد الْجَبَّار والجبائي وَابْنه) وَبَعض الشَّافِعِيَّة كَأبي إِسْحَاق الْمروزِي وَالْقَاضِي أبي حَامِد (مَنعه) أَي منع تراخيه عَن وَقت الْخطاب بِهِ إِلَّا أَن الاسفرايني ذكر أَن الْأَشْعَرِيّ نزل ضيفا على الصَّيْرَفِي فناظره فِي هَذَا فَرجع إِلَى الْجَوَاز لنا لَا مَانع عقلا) من جَوَازه (وَوَقع شرعا كآيتي الصَّلَاة وَالزَّكَاة) أَي أقِيمُوا الصَّلَاة وَأتوا الزَّكَاة (ثمَّ بَين) النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (الْأَفْعَال) للصَّلَاة كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا (والمقادير) لِلزَّكَاةِ كَمَا فِي كتب الصَّدقَات ككتاب الصّديق رَضِي الله عَنهُ فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَكتاب عمر رَضِي الله عَنهُ فِي كتاب أبي دَاوُد وَغَيره (أما) ترَاخى بَيَان الْمُجْمل (عَن وَقت الْحَاجة فَيجوز) عقلا (عِنْد من يجوز تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق) وهم الأشاعرة (لكنه) أَي تراخيه عَن وَقتهَا (غير وَاقع) وَمن لَا يجوزه لَا يجوز هَذَا لِأَن التَّكْلِيف بِمَا لَا يُعلمهُ الْمُكَلف تَكْلِيف بِمَا لَا يُطَاف، ثمَّ علل جَوَازه بِالْعقلِ بِمَا يُفِيد أَن يجوزه من لَا يجوز تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق بقوله (لِأَنَّهُ) أَي الْجمل (قبل الْبَيَان لَا يُوجب شَيْئا) على الْمُكَلف بل إِنَّمَا يجب عَلَيْهِ اعْتِقَاد حقية المُرَاد مِنْهُ لَا غير حَتَّى يلْحقهُ الْبَيَان (فَلم يحكم) الشَّارِع عَلَيْهِ (بِوُجُوب مَال يعلم) الْمُكَلف وُجُوبه عَلَيْهِ (بِحَيْثُ) إِذا لم يفعل ذَلِك (يُعَاقب بِعَدَمِ الْفِعْل) فَانْتفى وَجه المانعين عَنهُ بِأَن الْمَقْصُود إِيجَاب الْعَمَل وَهُوَ مُتَوَقف على الْفَهم والفهم لَا يحصل بِدُونِ الْبَيَان، فَلَو جَازَ تَأْخِيره أدّى إِلَى تَكْلِيف مَا لَيْسَ فِي الوسع واليه أَشَارَ بقوله (وَبِه) أَي بالْقَوْل بِأَنَّهُ لَا يُوجب شَيْئا قبل الْبَيَان (انْدفع قَوْلهم) أَي المانعين لَهُ تَأْخِير بَيَان الْمُجْمل (يودى إِلَى الْجَهْل المخل بِفعل الْوَاجِب فِي وقته) وَجه الاندفاع أَن وَقت الْأَدَاء وَقت الْبَيَان وَقبل الْبَيَان لَا تَكْلِيف بإيقاع الْفِعْل بل باعتقاد حقية المُرَاد مِنْهُ إِجْمَالا
(3/174)

(وَقَوْلهمْ) أَي المانعين لَهُ أَيْضا لَو جَازَ تَأْخِير بَيَان الْمُجْمل لَكَانَ الْخطاب بالمجمل (كالخطاب بالمهمل) فَيلْزم جَوَاز الْخطاب بِهِ وَاللَّازِم بَاطِل، ثمَّ قَوْلهم مُبْتَدأ خَبره (مهمل) إِذْ فِي الْمُجْمل يعلم أَن المُرَاد أحد محتملاته أَو معنى مَا، بِخِلَاف المهمل فَإِنَّهُ لَا معنى لَهُ أصلا (وَمَا قيل) على مَا فِي أصُول ابْن الْحَاجِب (جَوَاز تَأْخِير اسماع الْمُخَصّص) للعام الْمُكَلف بِهِ إِلَى وَقت الْحَاجة (أولى من) جَوَاز (تَأْخِير بَيَان الْمُجْمل) إِلَى وَقت الْحَاجة (لِأَن عدم الإسماع) أَي اسماع الْمُكَلف الْمُخَصّص مَعَ وجوده فِي نفس الْأَمر (أسهل من الْعَدَم) أَي عدم بَيَان الْمُجْمل لانْقِطَاع الِاطِّلَاع على الْمَوْجُود لَا الْمَعْدُوم، وَهَذَا إِلْزَام من الشَّافِعِيَّة المجيزين لتأخير بَيَان الْمُجْمل للحنفية الْقَائِلين بِهِ دون تراخي التَّخْصِيص، ثمَّ مَا قيل مُبْتَدأ خَبره (غير صَحِيح لِأَن الْعَام غير مُجمل فَلَا يتَعَذَّر الْعَمَل بِهِ) قبل الِاطِّلَاع على الْمُخَصّص (فقد يعْمل بِهِ) أَي بِعُمُومِهِ بزعم أَنه مُرَاد (وَهُوَ) أَي وَالْحَال أَن عُمُومه (غير مُرَاد) فَيَقَع فِي الْمَحْذُور خُصُوصا إِذا كَانَ الأَصْل فِيهِ التَّحْرِيم (بِخِلَاف الْمُجْمل) فَإِنَّهُ لَا يعْمل بِهِ قبل الْبَيَان (فَلَا يسْتَلْزم تَأْخِير بَيَانه محذورا) كالعمل بِمَا هُوَ غير مُرَاد (بِخِلَافِهِ) أَي تَأْخِير الْبَيَان (فِي الْمُخَصّص) فَإِنَّهُ يستلزمه كَمَا بَينا (ثمَّ تمنع الْأَوْلَوِيَّة) أَي كَون تَأْخِير اسماع الْمُخَصّص بِالْجَوَازِ أولى من تَأْخِير بَيَان الْمُجْمل (بل كل من الْعَام والمجمل أُرِيد بِهِ معِين آخر ذكر داله فَقبل ذكره) أَي داله (هُوَ) أَي ذَلِك الْمعِين (مَعْدُوم إِلَّا فِي الْإِرَادَة) للمتكلم لعلمه بذلك الْمُتَعَيّن، وَإِنَّمَا الْإِبْهَام بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُخَاطب. قَالَ الشَّارِح: أَي إِلَّا فِي جَوَاز كَونه المُرَاد من اللَّفْظ وَهُوَ غير موجه كَمَا لَا يخفى (فهما) أَي الْمُجْمل وَالْعَام (فِيهَا) أَي فِي الْإِرَادَة سَوَاء.

مسئلة
(وَيكون) الْبَيَان (بِالْفِعْلِ كالقول) أَي وَيكون بالْقَوْل (إِلَّا عِنْد شذوذ لنا) فِي أَنه يكون بِالْفِعْلِ (يفهم) من الإفهام أَو الْفَهم (أَنه) أَي الْفِعْل الصَّالح لِأَن يكون مرَادا من القَوْل هُوَ (المُرَاد بالْقَوْل) الْمُجْمل (بِفِعْلِهِ عَقِيبه) أَي طَرِيق إفهامه أَنه يفعل عقيب ذَلِك القَوْل الْمُجْمل (فصلح) الْفِعْل (بَيَانا بل هُوَ) الْفِعْل (أدل) على تعْيين المُرَاد، وَلِهَذَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لَيْسَ الْخَبَر كالمعاينة) أخرجه أَحْمد وَابْن حبَان وَالْحَاكِم وَالطَّبَرَانِيّ وَزَاد فِيهِ، فَإِن الله تَعَالَى أخبر مُوسَى بن عمرَان عَمَّا صنع قومه من بعده فَلم يلق الألواح، فَلَمَّا عاين ذَلِك ألْقى الألواح وَقد صَار هَذَا القَوْل مثلا (وَبِه) أَي بِالْفِعْلِ (بَين) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (الصَّلَاة وَالْحج) لكثير من الْمُكَلّفين كَمَا تشهد بِهِ كتب السّنة (قَالُوا) أَي المانعون لم يبينها بِالْفِعْلِ (بل يصلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، وخذوا عني) مَنَاسِككُم (أُجِيب بِأَنَّهُمَا) أَي الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورين (دَلِيلا كَونه) أَي الْفِعْل (بَيَانا)
(3/175)

لِأَنَّهُ هُوَ الْبَيَان لِأَنَّهُ لم يبين المُرَاد لكنه يُفِيد أَن فعله بَيَان (وَهَذَا) الْجَواب (يَنْفِي الدَّلِيل الأول) وَهُوَ أَن الْفِعْل بِوُقُوعِهِ عقيب الْمُجْمل يفهم أَنه المُرَاد بِهِ (إِذْ يُفِيد أَن كَونه بَيَانا) إِنَّمَا عرف (بِالشَّرْعِ) لَا بِكَوْنِهِ وَقع عَقِيبه (وَبِه) أَي بِالشَّرْعِ (كِفَايَة) فِي إِثْبَات كَون الْفِعْل بَيَانا (فَالْأولى أَن يُقَال أَنه) أَي كلا من صلوا وخذوا (لزِيَادَة الْبَيَان) إِذْ الْبَيَان حصل لَهُم بِمُبَاشَرَة تِلْكَ الْأَفْعَال بحضرتهم، فَقَوله صلوا وخذوا لزِيَادَة التَّوْضِيح والتأكيد (وَقَوْلهمْ) أَي المانعين (الْفِعْل أطول) من القَوْل زَمَانا (فَيلْزم تَأْخِيره) أَي الْبَيَان بِهِ (مَعَ إِمْكَان تَعْجِيله) بالْقَوْل وَأَنه غير جَائِز (مَمْنُوع الأطولية) إِذْ قد يطول الْبَيَان بالْقَوْل أَكثر مِمَّا يطول بِالْفِعْلِ (و) مَمْنُوع (بطلَان اللَّازِم) أَي التَّأْخِير مَعَ إِمْكَان التَّعْجِيل (بعده) أَي بعد تَسْلِيم الأطولية، وَقَالَ الشَّارِح: أَي بعد إِمْكَان تَعْجِيله وَلَا معنى لَهُ لِأَن إِمْكَان التَّعْجِيل قيد اعْتبر فِي اللَّازِم وَهُوَ يلائم مَعَ بطلَان التَّأْخِير بل يلائم بُطْلَانهَا، ومسند هَذَا الْمَنْع أَن التَّعْجِيل قبل الْحَاجة أَيْضا مُمكن وَلَا مَحْذُور فِي التَّأْخِير عِنْد ذَلِك، ثمَّ الْمَمْنُوع إِنَّمَا هُوَ التَّأْخِير المفوت لأَدَاء الْوَاجِب (فَلَو تعاقبا) أَي القَوْل وَالْفِعْل الصالحان للْبَيَان (وَعلم الْمُتَقَدّم فَهُوَ) أَي الْمُتَقَدّم الْبَيَان قولا كَانَ أَو فعلا وَالثَّانِي تَأْكِيد (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يعلم الْمُتَقَدّم (فأحدهما) من غير تعْيين هُوَ الْبَيَان وَهَذَا إِذا اتفقَا فِي الدّلَالَة على حكم وَاحِد (فَإِن تَعَارضا) أَي الْفِعْل وَالْقَوْل كَمَا روى عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَنه جمع بَين الْحَج وَالْعمْرَة وَطَاف طوافين وسعى سعيين وَحدث أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فعل ذَلِك رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد رُوَاته ثِقَات، وَعَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ
" من أحرم بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة أَجزَأَهُ طواف وَاحِد وسعى وَاحِد مِنْهُمَا حَتَّى يحل مِنْهُمَا جَمِيعًا " رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حسن صَحِيح غَرِيب (فالمختار) للْإِمَام الرَّازِيّ وَأَتْبَاعه وَابْن الْحَاجِب أَن أَن الْبَيَان هُوَ (القَوْل) لِأَنَّهُ الدَّال نَفسه وَالْفِعْل لَا يدل إِلَّا بِأَن يعلم ذَلِك بِالضَّرُورَةِ من قَصده وَأَن يَقُول هَذَا الْفِعْل بَيَان للمجمل أَو بِأَن يذكر الْمُجْمل وَقت الْحَاجة لم يفعل مَا يصلح بَيَانا لَهُ وَلَا يفعل غَيره وَلَا بَينه بالْقَوْل. قَالَ الشَّارِح: وَقد أوردت على المُصَنّف يَنْبَغِي على مَا تقدم من أَن الْفِعْل دلّ من القَوْل أَن يقدم الْفِعْل على القَوْل، فَأجَاب بِأَن معنى أدليته أَن الْفِعْل الجزئي الْمَوْجُود فِي لخارج لَا يحْتَمل غَيره لِأَنَّهُ بهيآته أدل على كَونه المُرَاد بالمجمل من دلَالَة القَوْل على المُرَاد بِهِ فَإِن الاستقراء يُفِيد أَن كثيرا من الْأَفْعَال المبينة للمجمل تشْتَمل على هيآت غير مُرَادة من الْمُجْمل من وَجه آخر والمنظور هَهُنَا هَذَا الْوَجْه (وَقَول أبي الْحُسَيْن) الْبَيَان (هُوَ الْمُتَقَدّم) قولا كَانَ أَو فعلا (يسْتَلْزم لُزُوم النّسخ) للْفِعْل (بِلَا مُلْزم لَو كَانَ) الْمُتَقَدّم (الْفِعْل) فِي الشَّرْح العضدي وَأما إِذا اخْتلفَا كَأَن طَاف طوافين وَأمر بِطواف وَاحِد فالمختار أَن القَوْل هُوَ الْبَيَان وَالْفِعْل ندب
(3/176)

لَهُ أَو وَاجِب عَلَيْهِ مِمَّا اخْتصَّ بِهِ، وَلَا فرق بَين أَن يكون القَوْل مُتَقَدما أَو مُتَأَخِّرًا، وَذَلِكَ لِأَن فِيهِ جمعا بَين الدَّلِيلَيْنِ وَهُوَ أولى من إبِْطَال أَحدهمَا كَمَا سَنذكرُهُ، وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن الْمُتَقَدّم مِنْهُمَا هُوَ الْبَيَان أيا كَانَ وَهُوَ بَاطِل إِذْ يلْزمه نسخ الْفِعْل إِذا كَانَ هُوَ الْمُتَقَدّم مَعَ إِمْكَان الْجمع وَأَنه بَاطِل. بَيَانه إِذا تقدم الْفِعْل وَهُوَ طوافان وَجب علينا طوافان، فَإِذا أَمر بِطواف وَاحِد فقد نسخ أحد الطوافين عَنَّا انْتهى، فَإِن قيل القَوْل الْمُتَأَخر يُوجب النّسخ فَمَا معنى قَوْله بِلَا مُلْزم، قُلْنَا مَعْنَاهُ أَن النّسخ إِنَّمَا لزم بِسَبَب جعل الْفِعْل بَيَانا، لِأَن القَوْل إِذن على تَقْدِير كَون القَوْل بَيَانا لَا يلْزم النّسخ بل يحمل على أَن الْفِعْل ندب لنا وَله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو وَاجِب مُخْتَصّ بِهِ فَلَا يسْتَلْزم النّسخ فِي حَقنا وَفِي حَقه إِذْ لَيْسَ فِي القَوْل تنصيص على مُشَاركَة الْأمة (وَلَا يتَصَوَّر فِيهِ) أَي فِي الْمُجْمل (أرجحية دلَالَته على دلَالَة الْمُبين) بِصِيغَة اسْم الْفَاعِل (على) الْمَعْنى (الْمعِين) من الْمُجْمل (بل يُمكن) أَن يكون دلَالَة الْمُجْمل (على مَعْنَاهُ الإجمالي وَهُوَ أحد الِاحْتِمَالَيْنِ) أرجح من دلَالَة الْمُبين على المُرَاد مِنْهُ (كثلاثة قُرُوء) فَإِنَّهُ أقوى دلَالَة (على ثَلَاثَة أَقراء من الطُّهْر أَو الْحيض وَيتَعَيَّن) المُرَاد من الْمُجْمل (بأضعف دلَالَة على الْمعِين) بِالنِّسْبَةِ إِلَى دلَالَة الْمُجْمل على مَعْنَاهُ الإجمالي (وَسلف للحنفية) فِي بحث الْمُجْمل (مَا تقصر مَعْرفَته) أَي معرفَة المُرَاد مِنْهُ (على السّمع، فَإِن ورد) سمعى بَين المُرَاد مِنْهُ بَيَانا (قَطْعِيا شافيا صَار) ذَلِك الْمُجْمل بعد لُحُوق هَذَا الْبَيَان (مُفَسرًا، أَولا) يكون شافيا (فمشكل) ذكر فِيمَا سبق أَن مَا خَفِي المُرَاد مِنْهُ لتَعَدد مَعَانِيه الاستعمالية مَعَ الْعلم بالاشتراك وَلَا معِين أَو مَعَ تجويزها مجازية أَو بَعْضهَا إِلَى التَّأَمُّل مُشكل. ثمَّ ذكر أَن مَا لحقه الْبَيَان خرج عَن الْإِجْمَال بالِاتِّفَاقِ، وسمى بَيَانا عِنْد الشَّافِعِيَّة، وَعند الْحَنَفِيَّة إِن كَانَ شافيا بقطعي فمفسر أَو بظني فمؤول أَو غير شاف خرج عَن الاجمال إِلَى الاشكال، فَظَاهر عِبَارَته هَهُنَا أَن الْبَيَان الَّذِي لَيْسَ بقطعي إِذا لم يكن شافيا هُوَ الْمُشكل وَالَّذِي يظْهر من هُنَاكَ بِأَن الَّذِي لَيْسَ بشاف فَهُوَ مُشكل سَوَاء كَانَ قَطْعِيا أَو ظنيا (أَو ظنا فمشكل) مَعْطُوف على قَطْعِيا وَكَانَ مُقْتَضى الظَّن أَن يَقُول أَو ظنيا مَحَله، وَلَعَلَّه تَصْحِيف من النَّاسِخ فَأول (وَقبل الِاجْتِهَاد فِي استعلامه) لجَوَاز الِاجْتِهَاد فِي مُقَابلَة الظني دون الْقطعِي (وَهُوَ) أَي هَذَا الْخلاف (لَفْظِي مَبْنِيّ على الِاصْطِلَاح) فِي المُرَاد بالمجمل، وَسبق تَفْصِيله فِي مَوْضِعه (وَقَالُوا) أَي الْحَنَفِيَّة (إِذا بَين الْمُجْمل الْقطعِي الثُّبُوت بِخَبَر وَاحِد نسب) الْمَعْنى الْمُبين (إِلَيْهِ) أَي الْمُجْمل لكَونه أقوى، لَا إِلَى خبر الْوَاحِد مَعَ كَونه دَالا عَلَيْهِ (فَيصير) الْمَعْنى الْأَعَمّ (ثَابتا بِهِ) أَي بالمجمل (فَيكون) ذَلِك الْمَعْنى
(3/177)

(قَطْعِيا) بِنَاء على أَنه ثَابت بقطعي (وَمنعه صَاحب التَّحْقِيق، إِذْ لَا تظهر مُلَازمَة) بَينهمَا توجب ذَلِك وَقيل لَا فرق بَين أَن يعرف المُرَاد من الْمُشْتَرك بِالرَّأْيِ الَّذِي هُوَ ظَنِّي، وَبَين أَن يعرف بِخَبَر الْوَاحِد (وَهُوَ) أَي مَنعه (حق وَلَو انْعَقَد عَلَيْهِ) أَي على أَن المُرَاد من الْمُجْمل ذَلِك الْمَعْنى الَّذِي بَينه الْخَبَر الْمَذْكُور (إِجْمَاع فشيء آخر. وَإِلَى بَيَان ضَرُورَة تقدم) فِي التَّقْسِيم الأول من الْفَصْل وَهَذَا أَيْضا لم يَجعله القَاضِي أَبُو زيد من أَقسَام الْبَيَان، وَجعله فَخر الْإِسْلَام وشمس الْأَئِمَّة وموافقوهما مِنْهَا، وَالْإِضَافَة فِيهِ إِلَى السَّبَب (وَأما بَيَان التبديل فَهُوَ النّسخ، وَهُوَ) أَي النّسخ لُغَة (الْإِزَالَة) حَقِيقَة كنسخت الشَّمْس الظل، والشيب الشَّبَاب، وَالرِّيح آثَار الدَّار، يسْتَعْمل (مجَازًا للنَّقْل) أَي التَّحْوِيل للشَّيْء من مَكَان إِلَى مَكَان، أَو من حَالَة إِلَى حَالَة مَعَ بَقَائِهِ فِي نَفسه كنسخت النَّحْل الْعَسَل: إِذا نقلته من خلية إِلَى خلية لما فِي النَّقْل من الْإِزَالَة عَن مَوْضِعه الأول (أَو قلبه) أَي حَقِيقَة للنَّقْل مجَاز للإزالة، وَهَذَا قَول جمَاعَة مِنْهُم الْقفال، وَالْأول قَول الْأَكْثَرين، وَرجحه الإِمَام الرَّازِيّ (أَو مُشْتَرك) لَفْظِي بَينهمَا، إِذْ الأَصْل فِي الْإِطْلَاق الْحَقِيقَة، وَهَذَا قَول القَاضِي وَالْغَزالِيّ، أَو معنوي، وَبِه قَالَ ابْن الْمُنِير، وَالْقدر الْمُشْتَرك هُوَ الرّفْع (وتمثيل النَّقْل بنسخت مَا فِي هَذَا الْكتاب) كَمَا ذكر كثير (تساهل) لِأَنَّهُ فعل مثل مَا فِيهِ فِي غَيره لَا نقل فِيهِ عينه، ثمَّ قيل هَذَا نزاع لَفْظِي لَا يتَعَلَّق بِهِ غَرَض علمي وَقيل بل معنوي تظهر فَائِدَته فِي جَوَاز النّسخ بِلَا بدل، وَفِيه مَا فِيهِ. (وَاصْطِلَاحا رفع تعلق مُطلق) عَن تَقْيِيد بتأقيت أَو تأبيد (بِحكم شَرْعِي) الْجَار مُتَعَلق بتعلق (ابْتِدَاء) لَا يُقَال مَا ثَبت فِي الْمَاضِي من التَّعَلُّق لَا يتَصَوَّر بُطْلَانه لتحققه قطعا، وَمَا فِي الْمُسْتَقْبل لم يثبت بعد فَكيف يبطل، فَلَا رفع، لأَنا نقُول المُرَاد بِالرَّفْع زَوَال ظن الْبَقَاء فِي الْمُسْتَقْبل، وَلَوْلَا النَّاسِخ لَكَانَ فِي عقولنا ظن أَنه بَاقٍ فِي الْمُسْتَقْبل فقد علم أَن الَّذِي رفع إِنَّمَا هُوَ التَّعَلُّق الْحَادِث المتجدد لَا نفس الحكم (فَانْدفع) مَا قيل من (أَن الحكم قديم لَا يرْتَفع) لِأَن كل أزلي أبدي، وَلَا يتَصَوَّر رَفعه (و) انْدفع (بِمُطلق مَا) أَي رفع تعلق الحكم (بالغاية) نَحْو - {وَأَتمُّوا الصّيام إِلَى اللَّيْل} -. (و) انْدفع أَيْضا بِمُطلق رفع تعلقه بِسَبَب (الشَّرْط) نَحْو: صل الظّهْر إِن زَالَت الشَّمْس، فَإِن طلب الظّهْر تنجيزا قد رفع بِسَبَب تَعْلِيقه بِشَرْط الزَّوَال (و) انْدفع بِهِ أَيْضا رفع تعلقه بالمستثنى فِي صدر الْكَلَام بِحَسب الظَّاهِر من حَيْثُ الْعُمُوم بِسَبَب (الِاسْتِثْنَاء) نَحْو: اقْتُلُوا الْمُشْركين إِلَّا أهل الذِّمَّة، إِذْ لَيْسَ شَيْء من الْمَذْكُورَات نسخا وَاعْترض الشَّارِح بِأَن الرّفْع يَقْتَضِي سَابِقَة الثُّبُوت وَلم يرفع شَيْء مِنْهَا مَا سبق ثُبُوته قبل ذكرهَا، فَلَا يحْتَاج إِلَى الِاحْتِرَاز عَنْهَا وَلَا يخفى عَلَيْك أَن الِاحْتِرَاز فِي مثل هَذَا إِنَّمَا هُوَ بِحَسب مَا يتَبَادَر إِلَى الذِّهْن دُخُوله فِي جنس التَّعْرِيف، فَإِن الرّفْع كَمَا يُطلق
(3/178)

على إِزَالَة مَا ثَبت يُطلق على إِزَالَة احْتِمَال وجود شَيْء بِسَبَب وجود مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهرا كَمَا فِي الشَّرْط وَالِاسْتِثْنَاء، فَإِن قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقتضى التَّنْجِيز لَوْلَا الشَّرْط وَالْأَمر بقتل الْمُشْركين يقتضى قتل أهل الذِّمَّة لَوْلَا الِاسْتِثْنَاء، وَالْحكم المغيا كَانَ ظَاهره أَن يَشْمَل مَا بعد الْغَايَة لولاها، لِأَن الأَصْل فِي الشَّيْء الثَّابِت الاستمراز، على أَن الِاحْتِرَاز قد يُرَاد بِهِ رفع توهم دُخُول مَا لَيْسَ من أَفْرَاد الْمُعَرّف، وَقيل أَنه احْتِرَاز عَن الحكم الْمُؤَقت بِوَقْت خَاص، فَإِنَّهُ لَا يَصح نُسْخَة قبل انتهائه، وَلَا يتَصَوَّر بعد انتهائه، وَعَن الحكم الْمُقَيد بالتأييد، كَذَا ذكره الشَّارِح وَلَا يخفى مَا فِيهِ وَقَالَ انْدفع بقولنَا الحكم الشَّرْعِيّ مَا كَانَ رفعا للْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة قبل وُرُود الشَّرْع عِنْد الْقَائِل بهَا، فَإِنَّهُ لَا يُسمى نسخا اتِّفَاقًا، لَا يُقَال خرج مِنْهُ مَا نسخ لَفظه وَبَقِي حكمه، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِرَفْع حكم، بل لفظ لِأَنَّهُ مُتَضَمّن لرفع أَحْكَام كَثِيرَة كالتعبد بتلاوته وَمنع الْجنب إِلَى غير ذَلِك فَتَأمل (و) انْدفع (بالأخير) أَي ابْتِدَاء (مَا) أَي رفع تعلقه (بِالْمَوْتِ وَالنَّوْم) وَالْجُنُون وَنَحْوهَا، وبانعدام الْمحل كذهاب الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ (لِأَنَّهُ) أَي الرّفْع فِي هَذِه الْأَشْيَاء (لعَارض) من هَذِه الْعَوَارِض لَا ابْتِدَاء بخطاب شَرْعِي وَأورد بِأَن رفع تعلق الحكم بِالنَّوْمِ بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " رفع الْقَلَم عَن ثَلَاثَة: عَن النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظ ": الحَدِيث. وَقد يُجَاب بِأَن هَذَا الحَدِيث مَبْنِيّ على الْعَارِض وإخبار عَمَّا رفع لعَارض، وَالْمرَاد بقوله ابْتِدَاء مَا لَا يكون لعَارض فَتَأمل (وَيعلم التَّأَخُّر من الرّفْع) فِي الشَّرْح العضدي بعد تَعْرِيف النّسخ بِرَفْع الحكم الشَّرْعِيّ بِدَلِيل شَرْعِي مُتَأَخّر، وَقَوله مُتَأَخّر ليخرج، نَحْو: صل عِنْد كل زَوَال إِلَى آخر الشَّهْر وَإِن كَانَ يُمكن أَن يُقَال أَنه لَيْسَ يرفع التَّوَهُّم مِمَّا يقْصد فِي الْحُدُود انْتهى. وَالْمُصَنّف ترك ذكر الدَّلِيل الشَّرْعِيّ لِأَن رفع تعلق الحكم الشَّرْعِيّ لَا يُمكن بِدُونِهِ فَذكره مُسْتَلْزم لذكره وَكَون ذَلِك الدَّلِيل مُتَأَخِّرًا عَن الحكم الْمَرْفُوع تعلقه يعلم من مَفْهُوم الرّفْع لِأَنَّهُ فرع وجوده السَّابِق، وَفسّر الشَّارِح التَّأَخُّر بالتراخي وَلَيْسَ بجيد إِذْ الرّفْع لَا يدل عَلَيْهِ وَلَا يلْزمه، ثمَّ قَالَ وَإِنَّمَا فسر التَّأَخُّر بالتراخي لِأَن الْمُتَأَخر قد يكون مُخَصّصا نَاسِخا كالاستثناء والمخصص الأول انْتهى.
وَأَنت خَبِير بِأَن الِاسْتِثْنَاء قد خرج بِمُطلق والمخصص الأول لم يرفع تعلق الحكم بل بَين أَن مَا خصص بِهِ لم يكن مُتَعَلّقه (والسمعي المستقل) بِنَفسِهِ (دَلِيله) أَي الرّفْع الَّذِي هُوَ النّسخ (وَقد يَجْعَل) النّسخ (إِيَّاه) أَي الدَّلِيل (اصْطِلَاحا) كَمَا وَقع (فِي قَول إِمَام الْحَرَمَيْنِ) هُوَ (اللَّفْظ الدَّال على ظُهُور انْتِفَاء شَرط دوَام الحكم الأول) فِي الشَّرْح العضدي مَعْنَاهُ أَن الحكم كَانَ دَائِما فِي علم الله دواما مَشْرُوطًا بِشَرْط لَا يُعلمهُ إِلَّا هُوَ، وَأجل الدَّوَام أَن يظْهر انْتِفَاء ذَلِك بِالشّرطِ الْمُكَلف فَيَنْقَطِع الحكم وَيبْطل دَوَامه، وَمَا ذَلِك إِلَّا بتوفيقه تَعَالَى إِيَّاه، فَإِذا قَالَ قولا دَالا
(3/179)

عَلَيْهِ فَذَلِك هُوَ النّسخ (و) فِي قَول (الْغَزالِيّ) وفَاقا للْقَاضِي أبي بكر (الْخطاب الدَّال على ارْتِفَاع الحكم الثَّابِت بِالْخِطَابِ الأول على وَجه لولاه كَانَ ثَابتا مَعَ تراخيه عَنهُ) فَخرج نَحْو: لَا تَصُومُوا بعد غرُوب الشَّمْس بعد أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل، لِأَنَّهُ وَإِن دلّ على ارْتِفَاع الحكم الثَّابِت لَكِن لَا على وَجه لولاه لَكَانَ ثَابتا مَعَ تراخيه لِأَنَّهُ لَو اتَّصل بِهِ لَكَانَ بَيَانا لمُدَّة الحكم كالشرط وَالصّفة والغاية وَالِاسْتِثْنَاء، كَذَا ذكره الشَّارِح. (وَمَا قيل) وَعَزاهُ ابْن الْحَاجِب إِلَى الْفُقَهَاء (النَّص الدَّال على انْتِهَاء أمد الحكم) أَي غَايَته (مَعَ تراخيه عَن مورده) أَي زمَان وُرُود الحكم الأول احْتِرَاز عَن الْبَيَان الْمُتَّصِل بالحكم مُسْتقِلّا كَانَ أَو غير مُسْتَقل، وَهَذِه التعاريف غير مرضية (فَإِنَّهُ اعْترض عَلَيْهَا) أَي على هَذِه التعاريف (بِأَن جِنْسهَا) من اللَّفْظ وَالْخطاب وَالنَّص (دَلِيله) أَي النّسخ (لَا هُوَ) أَي النّسخ، وَقد يُقَال: النّسخ الحكم بِالْآيَةِ وَالْخَبَر (وَأجِيب بالتزامه) أَي كَون جِنْسهَا نفس النّسخ (كَمَا أَنه) أَي جِنْسهَا هُوَ (الحكم) وَهُوَ خطاب الله الْمُتَعَلّق بِفعل الْمُكَلف إِلَى آخِره. فِي الشَّرْح العضدي، وَقد يُجَاب عَنْهَا بِأَنَّهُ قد علم أَن الحكم يَدُوم مَا وجد شَرط دَوَامه وَلَيْسَ شَرطه إِلَّا عدم قَول الله تَعَالَى الدَّال على انتفائه، فقاطع الدَّوَام هُوَ ذَلِك القَوْل، وَهُوَ النّسخ، فَكَمَا أَن الحكم لَيْسَ إِلَّا قَوْله افْعَل، فالنسخ لَيْسَ إِلَّا ذَلِك القَوْل (وَهَذَا) أَي كَون الْكَلَام نفس الحكم (إِنَّمَا يَصح) حَقِيقَة (فِي) الْكَلَام (النَّفْسِيّ والمجعول جِنْسا) فِي التعاريف الْمَذْكُورَة (اللَّفْظ) لتصريحهم بِهِ (وَلِأَنَّهُ) أَي الْجِنْس الْمَذْكُور (جعل دَالا لنا، والنفسي مَدْلُول) عَلَيْهِ بِهِ (وَأَيْضًا يدْخل قَول الْعدْل نسخ) حكم كَذَا فِي التعاريف الْمَذْكُورَة لصدقها عَلَيْهِ، وَلَيْسَ بنسخ فَلَا تكون مطردَة (وَيخرج) عَنْهَا (فعله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) وَقد يكون النّسخ بِهِ فَلَا تكون منعكسة (وَأجِيب بِأَن المُرَاد) بِالدَّال فِي التعاريف (الدَّال بِالذَّاتِ) أَي بِاعْتِبَار الذَّات لَا بِوَاسِطَة مَا يفهم مِنْهُ (وهما) أَي قَول الْعدْل وَفعله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (دَلِيلا ذَلِك، لَا هُوَ) أَي الدَّال بِالذَّاتِ (وَخص الْغَزالِيّ بورود اسْتِدْرَاك) قَوْله على وَجه الخ) لِأَن مَا قصد بِهِ إِخْرَاجه وَقد عَرفته آنِفا غير دَاخل فِي الدَّال على ارْتِفَاع الحكم الثَّابِت إِلَى آخِره إِذْ لم يثبت الصَّوْم بعد الْغُرُوب وَلم يظْهر لَهُ فَائِدَة أُخْرَى (وَأجِيب بِأَنَّهُ) أَي الْقَيْد الْمَذْكُور (احْتِرَاز عَن قَول الْعدْل لِأَنَّهُ) أَي قَول الْعدْل (لَيْسَ كَذَلِك) أَي لولاه لَكَانَ ثَابتا (لِأَن الِارْتفَاع) للْحكم لَيْسَ بقول الْعدْل بل (بقول الشَّارِع قَالَه هُوَ) أَي الْعدْل (أَولا) أَي أَو لم يقلهُ (والتراخي لإِخْرَاج الْمُقَيد بالغاية) وَنَحْوهَا من المخصصات الْمُتَّصِلَة (وَلَا يخفى أَن صِحَّته) أَي هَذَا الْجَواب (توجب اعْتِبَار قَول الْعدْل دَاخِلا) فِي الْخطاب الدَّال إِلَى آخِره، إِذْ لَا يحْتَرز عَمَّا لَيْسَ بداخل، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن المُرَاد الدَّال بِالذَّاتِ فَلَا يكون دَاخِلا
(3/180)

(فَلَا ينْدَفع) النَّقْض بقوله الْعدْل (عَن) التعريفين (الآخرين) الأول وَالثَّالِث لإيجابه حمل الدَّال على أَعم مِمَّا يكون بِالذَّاتِ (وَلَو صَحَّ ذَلِك) أَي رفع الإيرادين عَنْهُمَا (بادعاء أَنه) أَي الدَّال بِالذَّاتِ هُوَ (الْمُتَبَادر من الدَّال لزم الِاسْتِدْرَاك) الْمَذْكُور على الْغَزالِيّ فدار الْأَمر بَين دُخُول قَول الْعدْل فِي صدر التعاريف الثَّلَاثَة وَيلْزمهُ الِاسْتِدْرَاك وَبَين دُخُوله وَعدم اندفاع الْبَعْض بقول الْعدْل عَن التعريفين (ويندفع قَول) الْعدْل (الرَّاوِي) نسخ كَذَا (عَن (الثَّالِث) وَهُوَ النَّص الدَّال على انْتِهَاء أمد الحكم مَعَ تراخيه عَن مورده (أَيْضا) أَي كَمَا ينْدَفع بِإِرَادَة الدَّال بِالذَّاتِ (بِأَنَّهُ) أَي قَوْله (لَيْسَ بِنَصّ فِي) الْمَعْنى (الْمُتَبَادر) مِنْهُ لما فِيهِ من الِاحْتِمَال، إِن أَرَادَ بِالنَّصِّ مَا يُقَابل الظَّاهِر فكونه لَيْسَ بِنَصّ فِيهِ على الْإِطْلَاق مَمْنُوع، وَإِن أَرَادَ بِهِ مَا يُقَابل الْإِجْمَاع وَالْقِيَاس: وَهُوَ الْكتاب وَالسّنة، وَقَول الرَّاوِي لَيْسَ مِنْهُمَا فَقَوله فِي الْمُتَبَادر يَأْبَى عَنهُ: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون مَعْنَاهُ بِاعْتِبَار مَا هُوَ الْمُتَبَادر من لفظ النَّص، وَقد يُقَال مُرَاده أَن الرَّاوِي قد يظنّ أَن الحكم مَنْسُوخا وَلَيْسَ كَذَلِك فِي الْوَاقِع (وَذكرهمْ) أَي الْفُقَهَاء (الِانْتِهَاء) فِي تَعْرِيف النّسخ (دون الرّفْع) كَمَا فِي الثَّالِث (إِن كَانَ لظُهُور فَسَاده) أَي ذَلِك الرّفْع (إِذْ لَا يرْتَفع الْقَدِيم لم يفد) ذكر الِانْتِهَاء (لِأَنَّهُ) أَي الرّفْع (لَازم الِانْتِهَاء) لِأَنَّهُ إِذا انْتهى ارْتَفع، على أَن الْقَدِيم كَمَا لَا يرْتَفع لَا يَنْتَهِي، وَإِن أُرِيد انْتِهَاء تعلقه فَكَذَلِك الرّفْع (وَإِن) كَانَ ذكرهم إِيَّاه (لِاتِّفَاق اختيارهم عبارَة أُخْرَى) لَا لقصد ذَلِك: يَعْنِي قصدُوا تعبيرا آخر فَوَقع فِيهِ ذكر الِانْتِهَاء اتِّفَاقًا (فَلَا بَأْس) إِذْ لَا حجر فِي ذَلِك.

مسئلة
(أجمع أهل الشَّرَائِع على جَوَازه) أَي النّسخ عقلا (ووقوعه) نسخا (وَخَالف غير العيسوية من الْيَهُود فِي جَوَازه ففرقة) وهم الشمعونية مِنْهُم ذَهَبُوا إِلَى امْتِنَاعه (عقلا، وَفرْقَة) هم العنانية إِلَى امْتِنَاعه (سمعا) أَي نصا لَا عقلا، واعترف بِجَوَازِهِ عقلا وسمعا العيسوية مِنْهُم وهم أَصْحَاب أبي عِيسَى الْأَصْفَهَانِي المعترفون ببعثه نَبيا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى بني إِسْمَاعِيل خَاصَّة وهم الْعَرَب، لَا إِلَى الْأُمَم كَافَّة (و) خَالف (أَبُو مُسلم الْأَصْفَهَانِي) المعتزلي الملقب بِالْحَافِظِ واسْمه مُحَمَّد ابْن بَحر، وَقيل ابْن عمر، وَقيل هُوَ عَمْرو بن يحيى وَهُوَ مَعْرُوف بِالْعلمِ ذُو تَأْلِيفَات كَثِيرَة مَا بَين تَفْسِير وَغَيره (فِي وُقُوعه فِي شَرِيعَة وَاحِدَة) وَحكى الإِمَام الرَّازِيّ وَأَتْبَاعه إِنْكَاره نسخ شَيْء من الْقُرْآن لِأَنَّهُ تَعَالَى وصف كِتَابه بِأَنَّهُ - {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه} - فَلَو نسخ بعضه لبطل وَأجَاب الْبَيْضَاوِيّ بِأَن الضَّمِير لمجموع الْقُرْآن، وَهُوَ لَا ينْسَخ اتِّفَاقًا، وَفِي
(3/181)

الْمَحْصُول مَعْنَاهُ لم يتقدمه من الْكتب مَا يُبطلهُ وَلَا يَأْتِي بعده مَا يُبطلهُ وَأجَاب آخَرُونَ بِأَنا لَا نسلم أَن النّسخ إبِْطَال، سلمنَا أَنه إبِْطَال، لَكِن نمْنَع أَن هَذَا الْإِبْطَال بَاطِل: بل هُوَ حق - يمحو الله مَا يَشَاء وَيثبت -. (لنا لَا يلْزم قطعا مِنْهُ) أَي النّسخ (محَال عَقْلِي إِن لم تعْتَبر الْمصَالح) أَي رِعَايَة جلب مَنْفَعَة أَو دفع مضرَّة فِي التكاليف (فَظَاهر) عدم لُزُومه، إِذْ على ذَلِك التَّقْدِير لَا يقْصد مِنْهَا إِلَّا الِابْتِلَاء وَالله تَعَالَى يفعل الله مَا يَشَاء وَيحكم مَا يُرِيد من غير اعْتِبَار مصلحَة فِي حكمه (وَإِن) اعْتبر الْمصَالح فِيهَا (فلاختلافها) أَي الْمصَالح (بالأوقات) أَي بِحَسب اختلافها كشرب الدَّوَاء نَافِع فِي وَقت ضار فِي آخر (فيختلف حسن الشَّيْء وقبحه) باخْتلَاف الْأَوْقَاف (وَالْأَحْوَال) مَعْطُوف على الْأَوْقَات أَي وباختلاف الْأَحْوَال فاختلاف الْمصَالح تَارَة ينشأ من اخْتِلَاف الْأَوْقَات، وَأُخْرَى باخْتلَاف أَحْوَال الْمُكَلّفين، فاختلاف الْأَوْقَات لذَلِك بِدُونِ الْأَحْوَال غير ظَاهر (فَبَطل قَوْلهم) أَي مانعي جَوَازه عقلا (النَّهْي يَقْتَضِي الْقبْح وَالْوُجُوب الْحسن فَلَو صَحَّ) كَون الْفِعْل الْوَاحِد مَنْهِيّا مَأْمُورا بِهِ (حسن وقبح) وَهُوَ محَال لِاسْتِحَالَة اجْتِمَاع الضدين، وَوجه الْبطلَان أَن الْمحَال اجْتِمَاع الْحسن والقبح من جِهَة وَاحِدَة، وَعند اخْتِلَاف الْجِهَة لَا مَحْذُور فِيهِ كَمَا إِذا كَانَ فِي قتل شخص صَلَاح للْعَالم فَإِن قَتله قَبِيح بِالنّظرِ إِلَى ذَاته حسن بِالنِّسْبَةِ إِلَى صَلَاح الْعَالم (وَلِأَنَّهُ) أَي نسخ الحكم (إِن) كَانَ (لحكمة ظَهرت) لَهُ تَعَالَى (بعد عَدمه) أَي عدم ظُهُورهَا عِنْد شرع الحكم الأول (فبداء) بِالْمدِّ أَي ظُهُور بعد الخفاء، وَهُوَ محَال عَلَيْهِ تَعَالَى لاستلزامه الْعلم بعد الْجَهْل (أَولا) لحكمة ظَهرت لَهُ تَعَالَى (وَهُوَ) أَي مَا لَا يكون لحكمة من الْأَحْكَام (الْعَبَث) وَهُوَ فعل الشَّيْء لَا لغَرَض صَحِيح، وَهُوَ محَال على الله سُبْحَانَهُ (وَإِنَّمَا يكون) أَي يتَحَقَّق مَا ذكرُوا (لَو نسخ مَا حسن) لنَفسِهِ (وقبح لنَفسِهِ كالإيمان وَالْكفْر) وَمحل النزاع مَا حسن وقبح لغيره، ثمَّ هَذَا كُله عِنْد غير الأشاعرة (أما الأشاعرة فيمنعون وجوده) أَي وجود كل من الْحسن والقبح عقلا، فالحسن عِنْدهم مَا حسنه الشَّرْع والقبيح مَا قبحه فالمنسوخ كَانَ حسنا فِي وقته والناسخ صَار حسنا فِي وقته (وَأما الْوُقُوع فَفِي التَّوْرَاة أَمر آدم بتزويج بَنَاته من بنيه) أخرج الطَّبَرَانِيّ عَن ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس كَانَ لَا يُولد لآدَم غُلَام إِلَّا ولدت مَعَه جَارِيَة فَكَانَ يُزَوّج توءمة هَذَا للْآخر وتوءمة الآخر لهَذَا، وَقد حرم فِي شَرِيعَة من بعده من الْأَنْبِيَاء اتِّفَاقًا وَهَذَا هُوَ النّسخ (وَفِي السّفر الأول) من التَّوْرَاة (قَالَ تَعَالَى لنوح) عِنْد خُرُوجه من الْفلك (إِنِّي جعلت كل دَابَّة حَيَّة مأكلا لَك ولذريتك) وأطلقت ذَلِك أَي أبحت كنبات العشب مَا خلا الدَّم فَلَا تأكلوه (ثمَّ حرم مِنْهَا) أَي من الدَّوَابّ على من بعده (على لِسَان مُوسَى كثير) مِنْهَا كَمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ السّفر الثَّالِث من التَّوْرَاة. (وَأما الِاسْتِدْلَال) عَلَيْهِم
(3/182)

(بِتَحْرِيم السبت) أَي الْعَمَل الدنيوي كالاصطياد فِيهِ فِي شَرِيعَته عَلَيْهِ السَّلَام (بعد إِبَاحَته) قبل مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام (وَوُجُوب الْخِتَان عِنْدهم) أَي الْيَهُود (يَوْم الْولادَة) وَقيل فِي ثامن يَوْمهَا (بعد إِبَاحَته فِي مِلَّة يَعْقُوب) أَو فِي شَرِيعَة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام فِي أَي وَقت أَرَادَ الْمُكَلف فِي الصغر وَالْكبر، وَإِبَاحَة الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ فِي شَرِيعَة يَعْقُوب، وبتحريمه عِنْد الْيَهُود (فَيدْفَع بِأَن رفع الْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة لَيْسَ نسخا) وَإِبَاحَة هَذِه الْأُمُور كَانَت بِالْأَصْلِ فَلَا يكون رَفعهَا نسخا (واحكم بِالْإِبَاحَةِ وَإِن كَانَ حكما بتحقق كَلمته النفسية) وَهُوَ مَضْمُون أَنه مُبَاح وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى - {وَلَا رطب وَلَا يَابِس إِلَّا فِي كتاب مُبين} - أَي اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَهُوَ مَا فِيهِ كَلِمَاته الدَّالَّة على كَلمته النفسية (وَهِي) أَي كَلمته النفسية (الحكم) بِمَعْنى خطاب الله الْمُتَعَلّق بِفعل الْمُكَلف (لَكِن) الحكم (الشَّرْعِيّ أخص مِنْهُ) أَي من الحكم بِمَعْنى الْخطاب الْمَذْكُور، وَقَالَ الشَّارِح أَي من الحكم بِالْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّة (وَهُوَ) أَي الحكم الشَّرْعِيّ (مَا علق بِهِ خطاب) أَي خطابه تَعَالَى (فِي شَرِيعَة) من الشَّرَائِع أَرَادَ بالحكم هَهُنَا مُتَعَلق الحكم بِمَعْنى الْخطاب، وَهُوَ كَيْفيَّة فعل الْمُكَلف من وجوب أَو حُرْمَة (وَبَعض الْحَنَفِيَّة التزموه) أَي رفع الْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة (نسخا لِأَن الْخلق لم يتْركُوا سدى) أَي مهملين غير مأمورين وَلَا منهيين (فِي وَقت) من الْأَوْقَات (فَلَا إِبَاحَة وَلَا تَحْرِيم قطّ إِلَّا بشرع فَمَا يذكر من حَال الْأَشْيَاء) يَعْنِي كَيْفيَّة أَفعَال الْمُكَلّفين (قبل الشَّرْع) فَيُقَال الأَصْل فِيهَا الْإِبَاحَة مثلا (فرض) أَي أَمر ذكر على سَبِيل الْفَرْض، وَالْوَاقِع فِي نفس الْأَمر أَن الْخلق فِي كل وَقت مأمورون بأَشْيَاء ومنهيون عَن أَشْيَاء ومخيرون فِيمَا سواهُمَا (وَأما) النّسخ (فِي شَرِيعَة) وَاحِدَة (فوجوب التَّوَجُّه إِلَى الْبَيْت) أَي فمثاله وجوب الِاسْتِقْبَال إِلَى الْكَعْبَة شرفها الله تَعَالَى بقوله - {فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام} - الْآيَة بعد أَن كَانَ التَّوَجُّه إِلَى بَيت الْمُقَدّس كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا (وَنسخ الْوَصِيَّة للْوَالِدين) الثَّابِتَة بقوله تَعَالَى - {كتب عَلَيْكُم إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت إِن ترك خيرا الْوَصِيَّة للْوَالِدين} - فنسخ الله من ذَلِك - {والأقربين} -. فِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا كَانَ المَال للْوَلَد، وَكَانَت الْوَصِيَّة للْوَالِدين فنسخ الله من ذَلِك مَا أحب فَجعل للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَجعل لِلْأَبَوَيْنِ لكل وَاحِد مِنْهُمَا السُّدس، وَسَيَأْتِي ذكر النَّاسِخ فِي مسئلة السّنة بِالْقُرْآنِ (وَكثير) وستقف على كثير مِنْهُ (لَا يُنكره إِلَّا مكابر أَو جَاهِل بالوقائع). قَالَ (المانعون سمعا لَو نسخت شَرِيعَة مُوسَى لبطل قَوْله) أَي قَول مُوسَى أَو قَوْله تَعَالَى على زعمهم (هَذِه شَرِيعَة مُؤَبّدَة مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض أُجِيب بِمَنْع أَنه) أَي هَذَا القَوْل (قَالَه) بل هُوَ مُخْتَلف فِيهِ فضلا عَن كَونه متواترا، وَكَونه فِي التَّوْرَاة الْآن لَا ينفع لوُقُوع التَّغْيِير والتبديل فِيهَا. قيل أَن
(3/183)

أول من اختلقه للْيَهُود ابْن الراوندي ليعارض بِهِ رِسَالَة نَبينَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (وَإِلَّا) لَو قَالَه (لقضت الْعَادة بمحاجتهم) أَي الْيَهُود (بِهِ) أَي بِهَذَا القَوْل للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لحرصهم على معارضته (وشهرته) أَي ولقضت شهرة الْحجَّاج لَو وَقع لتوفر الدَّوَاعِي على نقلهَا، ثمَّ يمْنَع كَونه متواترا مَعَ كَونه فِي التَّوْرَاة (لِأَنَّهُ لَا تَوَاتر فِي نقل التَّوْرَاة الكائنة الْآن لِاتِّفَاق أهل النَّقْل عَن إحراق بخْتنصر) فِي الْقَامُوس بخْتنصر بِالتَّشْدِيدِ أَصله بوخت وَمَعْنَاهُ ابْن وَنصر كبقم صنم، وَكَانَ وجد عِنْد الصَّنَم وَلم يعرف لَهُ أَب فنسب إِلَيْهِ. حَرْب الْقُدس (أسفارها) فِي الْقَامُوس السّفر الْكتاب الْكَبِير أَو جُزْء من أَجزَاء التَّوْرَاة (و) أَنه (لم يبْق من يحفظها، وَذكر أَحْبَارهم أَن عُزَيْرًا ألهمها فكتبها وَدفعهَا إِلَى تِلْمِيذه لِيَقْرَأهَا عَلَيْهِم) فَأَخَذُوهَا من التلميذ، وَبقول الْوَاحِد لَا يثبت التَّوَاتُر وَبَعْضهمْ زعم أَن التلميذ زَاد فِيهَا وَنقص (وَلذَلِك لم تزل نسخهَا الثَّلَاث) الَّتِي بيد العنانية وَالَّتِي بيد السامرية وَالَّتِي بيد النَّصَارَى (مُخْتَلفَة فِي أَعمار الدُّنْيَا) فَفِي نُسْخَة السامرية زِيَادَة ألف سنة وَكسر على مَا فِي نُسْخَة العنانية وَفِي الَّتِي بيد النَّصَارَى زِيَادَة ألف وثلثمائة سنة وفيهَا الْوَعْد بِخُرُوج الْمَسِيح وبخروج الْعَرَبِيّ صَاحب الْجمل وارتفاع تَحْرِيم السبت عِنْد خروجهما. قَالَ الشَّارِح كَذَا ذكر غير وَاحِد من مَشَايِخنَا. وَفِي تَتِمَّة الْمُخْتَصر فِي أَخْبَار الْبشر نسخ التَّوْرَاة ثَلَاث السامرية والعبرانية وَهِي الَّتِي بأيدي الْيَهُود إِلَى زَمَاننَا وَعَلَيْهَا اعتمادهم وكلتاهما فَاسِدَة لأنباء السامرية بِأَن من هبوط آدم عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى الطوفان ألف سنة وثلاثمائة وَسبع سِنِين وَكَانَ الطوفان لستمائة سنة خلت من عمر نوح عَلَيْهِ السَّلَام وعاش آدم تِسْعمائَة وَثَلَاثِينَ سنة بِاتِّفَاق فَيكون نوح على حكم هَذِه التَّوْرَاة أدْرك جَمِيع آبَائِهِ إِلَى آدم، وَمن عمر آدم فَوق مِائَتي سنة وَهُوَ بَاطِل بِاتِّفَاق، ولأنباء العبرانية بِأَن بَين هبوط آدم الطوفان ألفي سنة وَخَمْسمِائة وستا وَخمسين سنة، وَبَين الطوفان وولادة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام مِائَتي سنة واثنتين وَتِسْعين سنة وعاش نوح بعد الطوفان ثَلَاثمِائَة وَخمسين سنة بِاتِّفَاق فَيكون نوح أدْرك من عمر إِبْرَاهِيم ثَمَانِيَة وَخمسين سنة، وَهَذَا بَاطِل بالِاتِّفَاقِ لِأَن قوم هود أمة نجت بعد نوح، وَأمة صَالح نجت بعد أمة هود، وَإِبْرَاهِيم وَأمته بعد أمة صَالح بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى خَبرا عَن هود فِيمَا يعظ بِهِ قومه وهم عَاد - {واذْكُرُوا إِذْ جعلكُمْ خلفاء من بعد قوم نوح} - وَقَوله تَعَالَى فِيمَا يعظ بِهِ صَالح قومه وهم ثَمُود - {واذْكُرُوا إِذْ جعلكُمْ خلفاء من بعد عَاد} -. وَالنُّسْخَة الثَّالِثَة اليونانية وَذكر أَنَّهَا اخْتَارَهَا محققو المؤرخين، وَهِي توراة نقلهَا اثْنَان وَسَبْعُونَ حبرًا قبل ولادَة الْمَسِيح بقريب ثلثمِائة سنة لبطليموس اليوناني بعد الْإِسْكَنْدَر. قَالَ الشَّارِح، وَإِن كَانَت بِهَذِهِ المثابة فَلم يثبت تواترها، وَقَالَ الطوفي فِيهَا نُصُوص كَثِيرَة وَردت مؤيدة ثمَّ تبين أَن المُرَاد بهَا التَّوْقِيت بِمدَّة مقدرَة. (قَالُوا) أَي مانعو جَوَاز النّسخ سمعا وعقلا الحكم (الأول إِمَّا مُقَيّد بغاية) أَي
(3/184)

بِوَقْت مَحْدُود معِين (فالمستقبل) أَي فَالْحكم الَّذِي ورد بِخِلَاف الأول (بعده لَيْسَ نسخا) للْأولِ (إِذْ لَيْسَ رفعا) لَهُ قطعا لِأَنَّهُ انْتهى بِنَفسِهِ بانتهاء وقته الْمعِين (أَو) مُقَيّد (بتأبيد فَلَا رفع) يتَصَوَّر فِيهِ (للتناقض) على تَقْدِير الرّفْع لِأَنَّهُ يلْزم مِنْهُ الْإِخْبَار بتأبيد الحكم وبنفيه. فَإِن قلت التَّنَاقُض فِي الْأَخْبَار والحكمين سيان. قلت لكنهما يستلزمان اخبارين لِأَن لَازم افْعَل كَذَا كَونه مَطْلُوب الْفِعْل للشارع، ولازم الْفِعْل كَونه مَطْلُوب التّرْك لَهُ (ولتأديته) أَي جَوَاز نسخه (إِلَى تعذر الْإِخْبَار بِهِ) بالتأبيد على وَجه يُوجب الْعلم بالتأبيد فِي زَمَانه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذْ مَا من عبارَة تذكر إِلَّا وَتقبل النّسخ وَاللَّازِم بَاطِل اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ غير مُتَعَذر إِجْمَاعًا (و) إِلَى (نفي الوثوق) بتأبيد حكم مَا (فَلَا يجْزم بِهِ) أَي بالتأبيد (فِي نَحْو الصَّلَاة) أَي فِي فرضيتها وفرضية الصَّلَاة إِلَى غير ذَلِك بل (وشريعتكم) أَي وَلَا نجزم بتأبيدها أَيْضا لجَوَاز نسخهَا (الْجَواب إِن عني بالتأبيد إِطْلَاقه) أَي الحكم عَن التَّوْقِيت والتأبيد (فَلَا يمْتَنع) جَوَاز نسخه (إِذْ لَا دلَالَة لفظية عَلَيْهِ) أَي التَّأْبِيد المستلزم امْتنَاع جَوَاز نسخه إِذْ اللَّفْظ سَاكِت عَن التَّأْبِيد وَلَيْسَ بِلَا لَام لَا دلَالَة لفظية لِأَن الأَصْل فِي الشَّيْء الثَّابِت الْبَقَاء فَمن هَذَا الْوَجْه يفهم التَّأْبِيد (بل) يُقَال على سَبِيل الْجَزْم من غير تردد (أَنه) أَي النّسخ (مَشْرُوع) فِيمَا شَأْنه هَذَا (أَو) عني بالتأبيد (صَرِيحه) أَي التَّأْبِيد (فَكَذَلِك) أَي لِامْتِنَاع نسخه (أَن جعل) التَّأْبِيد (قيد الْفِعْل الْوَاجِب لَا وُجُوبه) قَالَ الشَّارِح إِذْ لَا تنَاقض بَين دوَام الْفِعْل وَعدم دوَام الحكم الْمُتَعَلّق بِهِ كَصَوْم رَمَضَان أبدا فَإِن التَّأْبِيد قيد للصَّوْم الَّذِي هُوَ الْفِعْل الْوَاجِب، لَا لإيجابه على الْمُكَلف لِأَن الْفِعْل مِمَّا يعْمل بمادته لَا بهيئته وَدلَالَة الْأَمر على الْوُجُوب بالهيئة لَا بالمادة فَقَوله لَا تنَاقض إِلَى آخِره صَحِيح فتجويز الْعقل أَن تدوم الْأَفْعَال وَلَا يَدُوم وُجُوبهَا والتناقض إِنَّمَا يكون عِنْد اتِّحَاد مورد النَّفْي والإيجاب. وَأما قَوْله فَإِن التَّأْبِيد إِلَى آخِره فأصله فِي التَّلْوِيح حَيْثُ قَالَ لَا مُنَافَاة بَين إِيجَاب فعل مُقَيّد بِزَمَان وَأَن لَا يُوجد التَّكْلِيف فِي ذَلِك الزَّمَان كَمَا يُقَال صم غَدا ثمَّ ينْسَخ قبله وَذَلِكَ كَأَن يُكَلف بِصَوْم غَد ثمَّ يَمُوت قبل غَد فَلَا يُوجد التَّكْلِيف بِهِ. وتحقيقه أَن قَوْله صم أبدا يدل على أَن صَوْم كل شهر من شهور رَمَضَان إِلَى الْأَبَد وَاجِب فِي الْجُمْلَة من غير تَقْيِيد الْوُجُوب بالاستمرار إِلَى الْأَبَد انْتهى. أَقُول وَمَعَ هَذَا التَّحْقِيق الْبَالِغ مَا انْقَطع مَادَّة الْإِشْكَال بالكيلة لِأَن قَوْله صم حَقِيقَته طلب الصَّوْم الطّلب، مَدْلُول الْهَيْئَة وَالصَّوْم مَدْلُول الْمَادَّة والظرف الْمُتَعَلّق بِالْفِعْلِ ظرفيته بِالنّظرِ إِلَى النِّسْبَة الملحوظة فِي ذَلِك الْفِعْل وَالنِّسْبَة هَهُنَا طلبية والظرف لَيْسَ مظروفه حُدُوث
(3/185)

ذَلِك الطّلب وصدوره عَن الطَّالِب بِالضَّرُورَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مظروف النِّسْبَة الإيقاعية الَّتِي قصد الطَّالِب صدورها عَن الْمَطْلُوب فِيهِ عِنْد الِامْتِثَال فقد طلب مِنْهُ على سَبِيل الْإِيجَاب صوما مستمرا فَمَا معنى عدم تَقْيِيد الْإِيجَاب بالتأبيد، نعم يَصح أَن يُقَال طلب الِاسْتِمْرَار ثمَّ رَجَعَ عَن ذَلِك الطِّبّ، وَلَا يلْزم مِنْهُ التَّنَاقُض غير أَن مَانع جَوَاز النّسخ يَقُول: لَا يَلِيق بِجَانِب الْحق سُبْحَانَهُ، أَن يطْلب الِاسْتِمْرَار ثمَّ يرجع، وَله أَن يَقُول طلبه الِاسْتِمْرَار يدل على أَنه مُقْتَضى الْحِكْمَة والنسخ يدل على أَنه لَيْسَ مُقْتَضى الْحِكْمَة، وَهَذَا تنَاقض وَلَا حَاجَة إِلَى الْتِزَام كَون التَّأْبِيد قيدا للْحكم الأول وَأما قَول الشَّارِح الْعَامِل هُوَ مَادَّة الْفِعْل لَا صورته فَلَا طائل تَحْتَهُ كَمَا لَا يخفى على من ألْقى السّمع وَهُوَ شَهِيد (وَإِن لزم) كَون صَرِيح التَّأْبِيد (قيدا لَهُ) أَي للْحكم (فمختلف) فِي جَوَاز نسخه، فَمنهمْ من أجَازه أَيْضا، وَمِنْهُم من مَنعه كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه (وَلَا يُفِيد) هَذَا الترديد عدم جَوَاز النّسخ (لجوازه) أَي النّسخ (بِمَا تقدم) من الدَّال على جَوَازه ثمَّ وُقُوعه فالتشكيك فِيهِ سفسطة، وَفِي نُسْخَة الشَّارِح هَهُنَا زِيَادَة وَهِي قَوْله (وَتَسْلِيم كَون الحكم الْمُقَيد) بالتأبيد (صَرِيحًا لَا يجوز نسخه لَا يفيدهم) أَي مانعي جَوَاز النّسخ (النَّفْي الْكُلِّي) لجوازه (الَّذِي هُوَ مطلوبهم مَعَ أَن الحكم الْمُقَيد بالتأبيد أقل من الْقَلِيل) انْتهى (قَالُوا) أَي مانعو جَوَازه سمعا وعقلا (أَيْضا: لَو رفع) تعلق الحكم (فإمَّا) أَن يكون رَفعه (قبل وجوده) أَي الْفِعْل امتثالا (فَلَا ارْتِفَاع، أَو) يكون رَفعه (بعده) أَي الْفِعْل (أَو) يكون (مَعَه) أَي الْفِعْل (فيستحيل) رَفعه لِاسْتِحَالَة رفع مَا وجد وانقضى، لِأَن ارْتِفَاع الْمَعْدُوم محَال كَمَا يَسْتَحِيل كَونه مرتفعا وَكَونه متحققا (وَلِأَنَّهُ تَعَالَى إِمَّا عَالم باستمراره) أَي بدوام الحكم الْمَنْسُوخ (أبدا فَظَاهر) أَنه لَا نسخ، وَإِلَّا يلْزم وُقُوع خلاف علم الله وَهُوَ محَال، لِأَنَّهُ جهل (أَولا) يعلم استمراره أبدا (فَهُوَ) أَي الحكم الْمَنْسُوخ (فِي علمه مُؤَقّت فينتهي) الحكم (عِنْده) أَي عِنْد ذَلِك الْوَقْت (وَالْقَوْل الَّذِي يَنْفِيه) أَي ذَلِك الحكم بعد ذَلِك الْوَقْت (لَيْسَ رفعا) لحكم ثَابت فَلَا يكون نسخا (وَالْجَوَاب عَن الأول أَنه) أَي قَوْلكُم لَو رفع، فَأَما إِلَى آخِره (ترديد فِي الْفِعْل) الَّذِي تعلق بِهِ الحكم (لَا) فِي (الحكم) الَّذِي هُوَ مَحل النزاع، إِذْ النّسخ ارْتِفَاع الحكم لَا الْفِعْل وَبطلَان ارْتِفَاع الْفِعْل لَا يسْتَلْزم بطلَان ارْتِفَاع الحكم (وَلَو أجْرى) الترديد (فِيهِ) أَي فِي الحكم (قُلْنَا المُرَاد) بالنسخ (انْقِطَاع تعلقه) أَي الحكم، يَعْنِي كَانَ تعلقه بِفعل الْمُكَلف مستمرا إِلَى زمَان النَّاسِخ وَعِنْده انْقَطع وارتفع مَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يرْتَفع لَوْلَا النَّاسِخ (كَمَا قدمْنَاهُ فِي التَّعْرِيف ونختار علمه) أَي أَنه تَعَالَى علم اسْتِمْرَار الحكم، الْمَنْسُوخ (مؤقتا ويتضمن) علمه بِهِ مؤقتا (علمه بِالْوَقْتِ الَّذِي ينسخه فِيهِ) وَعلمه
(3/186)

بارتفاعه بالنسخ لَا يمنعهُ بل يُثبتهُ ويحققه (فَكيف يُنَافِيهِ).

مسئلة
(الِاتِّفَاق على جَوَاز النّسخ) للْحكم (بعد التَّمَكُّن) من الْفِعْل الَّذِي تعلق بِهِ الحكم بعد علمه بتكليفه بِهِ (بِمُضِيِّ مَا يسمع) الْفِعْل (من الْوَقْت الْمعِين لَهُ) أَي للْفِعْل (شرعا إِلَّا مَا عَن الْكَرْخِي) من أَنه لَا يجوز إِلَّا بعد حَقِيقَة الْفِعْل سَوَاء مضى من الْوَقْت مَا يسمع الْفِعْل أَولا، كَذَا ذكره الشَّارِح وَلَا يخفى مَا فِيهِ: من أَنه لَا يتَصَوَّر تحقق حَقِيقَته من غير أَن يمْضِي مَا يَسعهُ الْوَقْت: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال مُرَاده أَنه إِن لم تتَحَقَّق حَقِيقَته لَا يجوز سَوَاء إِلَى آخِره (وَاخْتلف فِيهِ) أَي فِي النّسخ (قبله) أَي قبل التَّمَكُّن من الْفِعْل (بِكَوْنِهِ) أَي بِوُقُوعِهِ (قبل) دُخُول (الْوَقْت) الْمعِين للْفِعْل (أَو بعده) أَي بعد دُخُوله (قبل) مُضِيّ (مَا يسع) الْفِعْل مِنْهُ سَوَاء (شرع) فِي الْفِعْل (أَو لَا كصم غَدا وَرفع) وجوب صَوْمه (قبله) أَي الْغَد (أَو) رفع (فِيهِ) أَي فِي الْغَد (وَإِن شرع) فِي صَوْمه (قبل التَّمام) لصيامه (فالجمهور من الْحَنَفِيَّة وَغَيرهم) كالشافعية والأشاعرة قَالُوا (نعم) يجوز نسخه (بعد التَّمَكُّن من الِاعْتِقَاد) لحقيقته (وَجُمْهُور الْمُعْتَزلَة وَبَعض الْحَنَابِلَة والكرخي) والجصاص والماتريدي والدبوسي (والصيرفي لَا) يجوز وَإِن كَانَ بعد التَّمَكُّن من الِاعْتِقَاد (لنا لَا مَانع عَقْلِي وَلَا شَرْعِي) من ذَلِك (فَجَاز) جَوَازًا عقليا شَرْعِيًّا (و) أما الْوُقُوع فقد (نسخ) الشَّارِع (خمسين) من الصَّلَوَات فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة بِفَرْض الْخمس، وَيحْتَمل أَن يكون نسخ على صِيغَة الْمصدر مُضَافا إِلَى خمسين مَعْطُوفًا على لَا مَانع، وَالْمرَاد من نسخ الْخمسين نسخ مَا زَاد على الْخمس وَهُوَ خمس وَأَرْبَعُونَ كَمَا يدل عَلَيْهِ ظَاهر الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة، وَمن ذهب إِلَى نسخ مَجْمُوع الْخمسين لم يَجْعَل هَذِه الْخَمْسَة جُزْءا مِنْهَا (فِي) لَيْلَة (الْإِسْرَاء وإنكار الْمُعْتَزلَة إِيَّاه) أَي نسخ الْخمسين بعد وُجُوبهَا، وَكَذَا إِنْكَار جمهورهم الْمِعْرَاج (مَرْدُود بِصِحَّة النَّقْل) كَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا مَعَ عدم إِحَالَة الْعقل لَهُ فإنكاره بِدعَة وضلالة. وَأما إِنْكَار الْإِسْرَاء من الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى فَكفر ثمَّ هَذَا يَقْتَضِي جَوَاز النّسخ، بل وُقُوعه قبل التَّمَكُّن من الِاعْتِقَاد أَيْضا لِأَن المتمكن مِنْهُ فرع الْعلم بِوُجُوب الْخمسين، وَالْأمة لم يعلموها، كَذَا قيل، وَهُوَ مَدْفُوع بِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْمُكَلّفين وَقد علم ذَلِك وَهُوَ الأَصْل، وَالْأمة تبع لَهُ (وقلولهم) أَي المانعين (لَا فَائِدَة) فِي التَّكْلِيف بِالْفِعْلِ، لِأَن الْعَمَل بِالْبدنِ هُوَ الْمَقْصُود من شرع الْأَحْكَام العملية (مُنْتَفٍ بِأَنَّهَا) أَي الْفَائِدَة فِي التَّكْلِيف حِينَئِذٍ (الِابْتِلَاء للعزم) على الْفِعْل إِذا حضر وقته وتهيأت أَسبَابه (وَوُجُوب
(3/187)

الِاعْتِقَاد) لحقيته، وَلَا نسلم أَن الْعَمَل وَحده هُوَ الْمَقْصُود، وعزيمة الْقلب قد تصير قربَة بِلَا فعل كَمَا دلّ عَلَيْهِ مَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَغَيره من قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " من هم بحسنة فَلم يعملها كتبهَا الله عِنْده حَسَنَة كَامِلَة ": إِلَى غير ذَلِك، وَأعظم الطَّاعَات وَهُوَ الْإِيمَان من أَعمال الْقلب الَّذِي هُوَ رَئِيس الْأَعْضَاء (وَأما الحاقه) أَي النّسخ قبل التَّمَكُّن من الْفِعْل (بِالرَّفْع) أَي رفع الحكم (للْمَوْت) قبل التَّمَكُّن من فعل مَا كلف بِهِ، فَكَمَا أَن ذَلِك لَا يعد تناقضا: فَكَذَا النّسخ قبل التَّمَكُّن من الْفِعْل (وَمَا قيل كل رفع قبل الْفِعْل) إِشَارَة إِلَى مَا فِي الشَّرْح العضدي من رد الْمُعْتَزلَة والصيرفي حَيْثُ منعُوا جَوَاز النّسخ قبل وَقت الْفِعْل: من أَن كل مَا نسخ قبل وَقت الْفِعْل، وَقد اعترفتم بِثُبُوت الْفِعْل فيلزمكم تجويزه قبل الْفِعْل بَيَانه أَن التَّكْلِيف بِالْفِعْلِ بعد وقته محَال، لِأَنَّهُ إِن فعل أطَاع، وَإِن ترك عصى فَلَا نسخ، فَكَذَلِك فِي وَقت فعله، لِأَنَّهُ فعل وأطاع بِهِ فَلَا يُمكن إِخْرَاجه عَن كَونه طَاعَة بعد تحققها (فليسا بِشَيْء لتقييد الأول) أَي الرّفْع بِالْمَوْتِ (عقلا) أَي بِالْعقلِ، إِذْ الْعقل قَاض بِأَن طلب الْفِعْل من الْمُكَلف مُقَيّد بِشَرْط الْحَيَاة: فَكَأَنَّهُ قَالَ افْعَل فِي وَقت كَذَا أَن تمت فِي ذَلِك الْوَقْت، وَاعْتِبَار مثل هَذَا التَّقْيِيد فِي الثَّانِي بِأَن يُقَال المُرَاد إِن لم ينْسَخ بعيد جدا. وَقَالَ الشَّارِح إِذْ الْعقل قَاض بِأَن لَا تَكْلِيف للْمَيت فَلم يُوجد الْجَامِع: لِأَن الرّفْع بِالْمَوْتِ بِالْعقلِ لَا بِدَلِيل شَرْعِي، وَالْكَلَام إِنَّمَا هُوَ فِي الْوَاقِع بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيّ وَلَا يخفى عَلَيْك أَنه لَيْسَ المُرَاد بالإلحاق أَن يَجْعَل الرّفْع بِالْمَوْتِ نسخا، بل قِيَاس النّسخ على الرّفْع بِالْمَوْتِ لكَون كل مِنْهُمَا رفعا للْحكم قبل التَّمَكُّن، فَلَا يضر كَون أَحدهمَا بِالْعقلِ وَالْآخر بِدَلِيل شَرْعِي، على أَنه لَا مُنَاسبَة بَين عبارَة الْمَتْن وَبَين شَرحه (لَا مَا قيل) يَعْنِي كَونه لَيْسَ بِشَيْء لما قُلْنَا (من منع تَكْلِيف الْمَعْلُوم مَوته قبل التَّمَكُّن) من الْفِعْل (ليدفع بِأَنَّهُ) أَي تَكْلِيفه (إِجْمَاع) وإلزام الْمُعْتَزلَة حَيْثُ اعْتَرَفُوا بِكَوْنِهِ مُكَلّفا على مَا ذكره التَّفْتَازَانِيّ (وَالثَّانِي) أَن كل رفع قبل وَقت الْفِعْل (فِي غير) مَحل (النزاع لِأَنَّهُ) أَي الْقَائِل بِالثَّانِي (يُرِيد) بقوله كل نسخ قبل وَقت الْفِعْل (وَقت الْمُبَاشرَة) كَمَا يدل عَلَيْهِ بَيَانه فِي الشَّرْح العضدي على مَا سبق أَيْضا (والنزاع فِي وقته) أَي الْفِعْل (الَّذِي حد لَهُ) أَي قدر وَعين لَهُ شرعا. فِي الشَّرْح الْمَذْكُور مسئلة النّسخ قبل الْفِعْل وَصورتهَا أَن يَقُول حجُّوا هَذِه السّنة، ثمَّ يَقُول قبل دُخُول عَرَفَة: لَا تَحُجُّوا، وَلَا يخفى أَنه لَو أَرَادَ وقته الَّذِي حد لَهُ لما صَحَّ قَوْله كل نسخ قبله، إِذْ قد يكون فِيهِ أَبُو بعده (وَاسْتدلَّ) للمختار (بِقصَّة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام أَمر) بِذبح وَلَده فَوَجَبَ عَلَيْهِ (ثمَّ ترك) إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام ذبحه (فَلَو) كَانَ تَركه لَهُ مَعَ التَّمَكُّن مِنْهُ (بِلَا نسخ عصى) بِتَرْكِهِ لَكِن لم يعْص إِجْمَاعًا (وَأجِيب بِمَنْع وجوب الذّبْح) عَن أَمر لَهُ (بل)
(3/188)

رَأْي (رُؤْيا فَظَنهُ) أَي الْوُجُوب ثَابتا كَمَا يدل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى - {إِنِّي أرى فِي الْمَنَام أَنِّي أذبحك} - (وَمَا تُؤمر) أَي وَقَول وَلَده لَهُ افْعَل مَا تُؤمر (يَدْفَعهُ) أَي منع وجوب الذّبْح قيل تُؤمر مضارع فَلَا يعود إِلَى مَا مضى فِي الْمَنَام. وَقد يُجَاب عَنهُ بِأَنَّهُ بِاعْتِبَار الِاسْتِمْرَار والبقاء (مَعَ) لُزُوم (الْإِقْدَام على مَا يحرم) من قصد الذّبْح وترويع الْوَلَد (لولاه) أَي الْوُجُوب الْقطعِي، فَإِن مثل هَذَا الْفِعْل مُمْتَنع شرعا وَعَادَة: وَلَا سِيمَا من الْأَنْبِيَاء، على أَن مَنَام الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام فِيمَا يتَعَلَّق بِالْأَمر وَالنَّهْي وَحي مَعْمُول بِهِ (وعَلى أصلهم) أَي الْمُعْتَزلَة أَن الْأَحْكَام ثَابِتَة عقلا وَالشَّرْع كاشف عَنْهَا، وَيجب عَلَيْهِ تَعَالَى تَمْكِين الْمُكَلف من فهمها لَا بُد فِي إقدامه على الذّبْح من إِدْرَاكه لوُجُوب عقلا، وَمن تحقق شرع كاشف عَنهُ، وَمن تمكنه من فهم ذَلِك فنسبة الْإِقْدَام إِلَيْهِ بِمُجَرَّد ظن (توريط لَهُ) أَي إِيقَاع لإِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام (فِي الْجَهْل) فَيمْتَنع). فِي الشَّرْح العضدي وعَلى أصلهم هُوَ توريط لإِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام فِي الْجَهْل بِمَا يظْهر أَنه أَمر وَلَيْسَ بِأَمْر وَذَلِكَ غير جَائِز انْتهى: وَهَذَا يحْتَمل وَجها آخر وَهُوَ أَن يكون التوريط من الله تَعَالَى بِأَن مَا يظْهر إِلَى آخِره (وَقَوْلهمْ) أَي الْمُعْتَزلَة (جَازَ التَّأْخِير) للذبح من غير لُزُوم عصيان (لِأَنَّهُ) أَي وُجُوبه (موسع). فِي الشَّرْح العضدي: وَاسْتدلَّ بِقصَّة إِبْرَاهِيم، وَهِي أَنه أَمر بِذبح وَلَده وَنسخ عَنهُ قبل التَّمَكُّن من الْفِعْل، أما الأول فدليل قَوْله افْعَل مَا تُؤمر وَأما الثَّانِي فَلِأَنَّهُ لم يفعل، فَلَو كَانَ مَعَ حُضُور الْوَقْت لَكَانَ عَاصِيا وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَنا لَا نسلم أَنه لَو لم يفعل وَقد حضر الْوَقْت لَكَانَ عَاصِيا لجَوَاز أَن يكون الْوَقْت موسعا فَيحصل التَّمَكُّن وَلَا يعْصى بِالتَّأْخِيرِ ثمَّ ينْسَخ، الْجَواب أما أَولا فَلِأَنَّهُ لَو كَانَ موسعا لَكَانَ الْوُجُوب مُتَعَلقا بالمستقبل لِأَن الْأَمر بَاقٍ عَلَيْهِ قطعا فَإِذا نسخ عَنهُ فقد نسخ تعلق الْوُجُوب بالمستقبل وَهُوَ الْمَانِع عِنْدهم من النّسخ فقد جَازَ مَا قَالُوا بامتناعه وَهُوَ الْمَطْلُوب انْتهى (فِيهِ) أَي فِي قَوْلهم هَذَا (الْمَطْلُوب) وَهُوَ النّسخ قبل التَّمَكُّن من الْفِعْل، لِأَن حَاصِل هَذَا القَوْل تَسْلِيم وجوب الذّبْح ونسخه وَعدم لُزُوم الْعِصْيَان بِالتّرْكِ مَعَ حُضُور الْوَقْت لكَونه موسعا، وَلَا شكّ أَن الْوَقْت الموسع كل جُزْء مِنْهُ مُتَعَلق الْوُجُوب مَا لم يفعل الْوَاجِب، فالجزء الَّذِي وَقع فِيهِ النّسخ مِمَّا تعلق بِهِ الْوُجُوب وَعَدَمه يُوجب النّسخ، والمحذور الَّذِي ذَكرُوهُ على تَقْدِير النّسخ قبل التَّمَكُّن هَذَا بِعَيْنِه، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لتَعَلُّقه) أَي الْوُجُوب (بالمستقبل) بِالنّظرِ إِلَى مَا قبل النّسخ من الْأَجْزَاء الَّتِي مَضَت من الْمُسْتَقْبل، وَإِنَّمَا ذكر تعلقه بالمستقبل لِأَنَّهُ المستلزم للتناقض بِخِلَاف الْأَجْزَاء الْمَاضِيَة فَإِنَّهَا مُتَعَلقَة للْوُجُوب فَقَط (وَهُوَ) أَي تعلق الْوُجُوب بالمستقبل (الْمَانِع عِنْدهم) أَي الْمُعْتَزلَة من النّسخ لَا من حَيْثُ أَنه مُسْتَقْبل بل من حَيْثُ أَنه مَحل للتناقض لما عرفت، وَقَالَ الشَّارِح
(3/189)

لاشتراطهم فِي تحقق النّسخ كَون الْمَنْسُوخ وَاجِبا فِي وقته وَتعلق الْوُجُوب بالمستقبل يُنَافِيهِ انْتهى، وَلَا يخفى أَنهم لَو اشترطوا ذَلِك لزم اجْتِمَاع الْوُجُوب وَعَدَمه فِي وَقت وَاحِد وَلزِمَ امْتنَاع النّسخ مُطلقًا بل بامتناعه قبل التَّمَكُّن وَأَيْضًا كَون تعلق الْوُجُوب بالمستقبل منافيا بِكَوْن الْمَنْسُوخ وَاجِبا فِي وقته لَا يظْهر جِهَة سَوَاء أُرِيد بوقته وَقت النّسخ أَو الْوَقْت الْمَحْدُود للمنسوخ، وَذكر الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ أَن مانعية تعلق الْوُجُوب بالمستقبل من النّسخ تستفاد من تَقْرِير شبهتهم الْمَذْكُورَة. فِي الشَّرْح العضدي لَو كَانَ الْفِعْل وَاجِبا فِي الْوَقْت الَّذِي عدم الْوُجُوب فِيهِ لَكَانَ مَأْمُورا بِهِ فِي ذَلِك غير مَأْمُور بِهِ فِي ذَلِك الْوَقْت فَلَا يكون نفي الْوُجُوب فِيهِ نسخا لَهُ انْتهى، وَلم يذكر الْمُحَقق وَجه الاستفادة وَلَا يبعد أَن يكون الْوَجْه مَا ذكرنَا (لَكِن نقل الْمُحَقِّقُونَ عَنْهُم) أَي الْمُعْتَزلَة (أَنه) أَي النّسخ (بَيَان مُدَّة الْعَمَل بِالْبدنِ فَلَا يتَحَقَّق) النّسخ (إِلَّا بعد التَّمَكُّن) من الْعَمَل بِالْبدنِ (الْمَقْصُود الْأَصْلِيّ) من شرع الْأَحْكَام (لَا الْعَزْم) على الْعَمَل (وَمَعَهُ) أَي التَّمَكُّن من الْعَمَل (يجوز) النّسخ وَإِن لم يعْمل (لِأَن الثَّابِت) حِينَئِذٍ (تَفْرِيط الْمُكَلف) وتقصيره لِأَن الْعَجز وَعدم الْقُدْرَة (وَلَيْسَ) تفريطه (مَانِعا) من النّسخ لعدم تحقق الْمَقْصُود الْأَصْلِيّ لِأَن تفريطه الْمُوجب للعقاب يقوم مقَامه عمله الْمُوجب للثَّواب فِي المقصودية من الِابْتِلَاء (وَهَذَا) التَّمَكُّن من الْعَمَل (مُتَحَقق فِي الموسع) فَيجوز فِيهِ النّسخ عِنْدهم قبل وُقُوع الْعَمَل (وَدفعه) أَي دفع منع الْمُعْتَزلَة لُزُوم الْعِصْيَان فِي الموسع (بتعلق الْوُجُوب بالمستقبل) وَهُوَ الْمَانِع عِنْدهم على مَا مر لَا يصدق (فِي الموسع إِنَّمَا يصدق فِي الْمضيق) إِذْ كل جُزْء من الْوَقْت فِيهِ مُتَعَلق وجوب الْأَدَاء وَمِنْه الْمُسْتَقْبل، وبالنسخ يصير مُتَعَلق عَدمه أَيْضا بِخِلَاف الموسع إِذا لم يتَعَيَّن فِيهِ جُزْء الْأَدَاء لَا الْجُزْء الْأَخير وَفِيه سَعَة يُمكن اعْتِبَار بعض أَجْزَائِهِ مُتَعَلق الْوُجُوب وَبَعضهَا مُتَعَلق عَدمه فَلَزِمَ الْمَحْذُور بِاعْتِبَار تعلق وجوب الْأَدَاء فَوْرًا، لَا بِاعْتِبَار أصل الْوُجُوب (وَإِلَّا فقد يثبت الْوُجُوب) أَي اصله فِي الموسع وَغَيره بِمُجَرَّد دُخُول الْوَقْت (وَلذَا) أَي لوُجُوبه (لَو فعله) أَي الْوَاجِب (سقط بِخِلَاف مَا) لَو فعل (قبل الْوُجُوب مُطلقًا) أَي فِي الْمضيق والموسع لَا يسْقط بِهِ الْوَاجِب (ثمَّ الْجَواب) عَن قَوْلهم الْمَقْصد الْأَصْلِيّ الْعَمَل بِالْبدنِ وَفِي نُسْخَة وَالْجَوَاب (أَن ذَلِك) أَي كَونه مَقْصُودا أَصْلِيًّا (لَا يُوجب الْحصْر) بِأَن لَا يكون غَيره مَقْصُود للشارع وَقد مر بَيَانه آنِفا (وَمنعه) أَي وجوب الذّبْح معينا (بِأَنَّهُ) أَي وُجُوبه (لَو كَانَ) موسعا (لأخر) إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام الشُّرُوع فِي الْمَأْمُور بِهِ كَمَا يُؤَخر (عَادَة فِي مثله) أَي ذبح الْوَلَد أما رَجَاء أَن ينْسَخ عَنهُ أَو يَمُوت أَحدهمَا فَيسْقط عَنهُ لعظم الْأَمر (مُنْتَفٍ) أَي غير موجه فَهُوَ مُلْحق بالمعدوم (لِأَن حَاله عَلَيْهِ السَّلَام يَقْتَضِي الْمُبَادرَة) إِلَى الِامْتِثَال. قَالَ تَعَالَى - (إِنَّهُم
(3/190)

كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخيرَات} - (وَإِن كَانَ) الْمَأْمُور بِهِ أصعب (مَا كَانَ) أَي مَا دخل فِي الْوَجْه كَيفَ وَهُوَ فِي أَعلَى دَرَجَات الْخلَّة (وَقَوْلهمْ) أَي المانعين (فعل) أَي ذبح و (لَكِن) كلما قطع شَيْئا (التحم) أَي اتَّصل مَا تفرق عقيب الْقطع فقد فعل مَا هُوَ مَقْدُور لَهُ من إمرار السكين على الْحلق وَقطع الْأَوْدَاج وَلذَا قيل قد صدقت الرُّؤْيَا - (دَعْوَى مُجَرّدَة) عَن الْبَيِّنَة من حَيْثُ النَّقْل (وَكَذَا) قَوْلهم (منع) الْقطع (بصفيحة) من حَدِيث أَو نُحَاس خلقت على حلقه فَلم يحصل مُطَاوع الذّبْح مَعَ كَونه خلاف الْعَادة لم ينْقل نقلا يعْتد بِهِ وَلَو صَحَّ لنقل واشتهر فِي جملَة الْآيَات الظَّاهِرَة والمعجزة الباهرة وتصديق الرُّؤْيَا قد حصل بالعزم والشروع فِي مقدماته وبذل جهده فِي الِامْتِثَال. وَقد أخرج ابْن أبي حَاتِم بِسَنَد رِجَاله موثقون عَن السّديّ وَهُوَ تَابِعِيّ من رجال مُسلم لما أَمر إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام بِذبح ابْنه قَالَ الْغُلَام اشْدُد عَليّ رباطي لِئَلَّا أَضْطَرِب واكفف عني ثِيَابك لِئَلَّا ينضح عَلَيْك من دمي وأسرع السكين على حلقي ليَكُون أَهْون عَليّ قَالَ فأمرّ السكين على حلقه وَهُوَ يبكي فَضرب الله على حلقه صفيحة من نُحَاس، قَالَ فقلبه على وَجهه وخر الْقَفَا فَذَلِك قَوْله تَعَالَى - {وتله للجبين - فَنُوديَ - أَن يَا إِبْرَاهِيم قد صدّقت الرُّؤْيَا} - فَإِذا الْكَبْش فَأَخذه وذبحه وَأَقْبل على ابْنه يقبله وَيَقُول: يَا بني الْيَوْم وهبت لي، كَذَا ذكره الشَّارِح وَكَأَنَّهُ لم يثبت عِنْد المُصَنّف (مَعَ أَنه) أَي الذّبْح (حِينَئِذٍ) أَي على التَّقْدِير الثَّانِي (تَكْلِيف بِمَا لَا يُطَاق) لعدم قدرته حِينَئِذٍ على الذّبْح، والمعتزلة لَا يجوزونه (ثمَّ هُوَ) أَي هَذَا الْمَنْع (نسخ) لإِيجَاب الذّبْح (أَيْضا قبل التَّمَكُّن) مِنْهُ إِذْ لَو فرض بعده لزم ترك الْوَاجِب مَعَ التَّمَكُّن وَهُوَ بَاطِل: يَعْنِي أَن قَول الْمَانِع دلَالَة قصَّة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام على النّسخ قبل التَّمَكُّن أَن منع بصفيحة لَا يصلح سندا للْمَنْع، لِأَنَّهُ يسْتَلْزم النّسخ قبل التَّمَكُّن وَهُوَ الْمَطْلُوب، لَا يُقَال النّسخ إِنَّمَا يكون بِدَلِيل شَرْعِي، وَالْمَنْع بالصفيحة لَيْسَ بِهِ، لأَنا نقُول يدل على ارْتِفَاع وجوب الذّبْح إِذْ لَا يتَصَوَّر أَن يكون الذّبْح مَطْلُوبا حَال كَونه مَمْنُوعًا، وَلما كَانَ الِاسْتِدْلَال بِالْقَصْدِ الْمَذْكُور غير مرضِي للحنفية، أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وللحنفية) فِي الْجَواب عَنهُ (منع النّسخ وَالتّرْك) للْمَأْمُور بِهِ (للْفِدَاء) يَعْنِي لما منعُوا النّسخ ورد عَلَيْهِم لُزُوم الْعِصْيَان لترك الْمَأْمُور الِامْتِثَال فَقَالُوا إِنَّمَا تَركه لوُجُود الْفِدَاء لقَوْله تَعَالَى - {وفديناه بِذبح عَظِيم} - (وَهُوَ) أَي الْفِدَاء (مَا يقوم مقَام الشَّيْء فِي تلقي الْمَكْرُوه) المتوجه عَلَيْهِ بِأَن يتلَقَّى ذَلِك الْمَكْرُوه بدل أَن يتلقاه ذَلِك الشَّيْء فيتحمل عَنهُ، وَمِنْه فدتك نَفسِي أَي قبلت مَا توجه عَلَيْك من الْمَكْرُوه. نقل الشَّارِح عَن المُصَنّف فِي بَيَان هَذَا أَن النّسخ رفع الحكم، وَالْولد وَنَحْوه مَحل الْفِعْل الَّذِي هُوَ مُتَعَلق الحكم فَهُوَ مَحل الحكم، وَمحل الحكم لَيْسَ دَاخِلا فِي الحكم فضلا عَن مَحل حَاله
(3/191)

وَإِنَّمَا بتحقق نسخ الحكم بِرَفْعِهِ لإبدال مَحَله يدل على بَقَاء الحكم، غير أَنه جعل هَذَا عوضا عَن ذَلِك، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَلَو ارْتَفع) وجوب ذبح الْوَلَد (لم يفد) إِذا لم يبْق مقَام حَتَّى يقوم الآخر مقَامه (وَمَا قيل) ردا لهَذَا الْجَواب (الْأَمر بذَبْحه) أَي الْفِدَاء (بَدَلا) عَن الْوَلَد (هُوَ النّسخ) لِأَنَّهُ رفع لطلب ذبح الْوَلَد وَإِيجَاب لذبح الْفِدَاء (مَوْقُوف على ثُبُوته) أَي ثُبُوت رفع ذَلِك الْوُجُوب وَإِثْبَات وجوب آخر (وَهُوَ) أَي الثُّبُوت الْمَذْكُور (مُنْتَفٍ) إِذْ لم يثبت نقلا وَلم يلْزم من مُجَرّد إِبْدَال الْمحل على مَا عرفت، لَا يُقَال إِن لم يلْزم ذَلِك فَهُوَ ظَاهر فِيهِ لِأَنَّهُ مَمْنُوع إِذْ الْإِبْدَال كَمَا جَازَ أَن يكون مَعَ إِيجَاب آخر جَازَ أَن يكون مَعَ الْإِيجَاب الأول بل مَا لَا يُؤدى إِلَى النّسخ أرجح، وَفِي التَّلْوِيح وَلَو قيل أَن الْخلف قَامَ مقَام الأَصْل لكنه استلزم حُرْمَة الأَصْل: أَعنِي ذبح الْوَلَد وَتَحْرِيم الشَّيْء بعد وُجُوبه نسخ لَا محَالة، فَجَوَابه أَنا لَا نسلم كَونه نسخا، وَإِنَّمَا يلْزم لَو كَانَ حكما شَرْعِيًّا وَهُوَ مَمْنُوع، فَإِن حُرْمَة ذبح الْوَلَد ثَابِتَة فِي الأَصْل فَزَالَتْ بِالْوُجُوب ثمَّ عَادَتْ بِقِيَام الشَّاة مقَام الْوَلَد. قَالَ الشَّارِح وَهَذَا على منوال مَا تقدم من أَن رفع الْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة لَيست نسخا كَمَا الْتَزمهُ بعض الْحَنَفِيَّة إِذْ لَا إِبَاحَة وَلَا تَحْرِيم إِلَّا لشرع يكون رفع الْحُرْمَة الْأَصْلِيَّة نسخا، ثمَّ إِذا كَانَ رَفعهَا نسخا يكون ثُبُوتهَا بعد رَفعهَا نسخا أَيْضا فَيبقى الْإِيرَاد الْمَذْكُور مُحْتَاجا إِلَى الْجَواب فَلْيتَأَمَّل. ثمَّ اخْتلف فِي الذَّبِيح. قَالَ الطوفي فالمسلمون على أَنه إِسْمَاعِيل وَأهل الْكتاب على أَنه إِسْحَاق، وَعَن أَحْمد فِيهِ الْقَوْلَانِ انْتهى. وَفِي الْكَشَّاف عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَمُحَمّد ابْن كَعْب الْقرظِيّ وَجَمَاعَة من التَّابِعين أَنه إِسْمَاعِيل، وَعَن عَليّ بن أبي طَالب وَابْن مَسْعُود وَالْعَبَّاس وَعَطَاء وَعِكْرِمَة وَجَمَاعَة من التَّابِعين أَنه إِسْحَاق، وَذكر كَونه إِسْحَاق عَن الْأَكْثَرين الْمُحب الطَّبَرِيّ، وَكَونه إِسْمَاعِيل مِنْهُم النَّوَوِيّ وَصحح الْقَرَافِيّ أَنه إِسْحَاق، وَابْن كثير أَنه إِسْمَاعِيل وَزَاد: وَمن قَالَ أَنه إِسْحَاق فَإِنَّهُ تَلقاهُ مِمَّا حرفه النقلَة من بني إِسْرَائِيل، وَذكر الفاكهي أَنه اثْبتْ الْبَيْضَاوِيّ أَنه الْأَظْهر (قَالُوا) أَي الْمُعْتَزلَة (ان كَانَ) أَي الْمَنْسُوخ (وَاجِبا وَقت الرّفْع اجْتمع الْأَمْرَانِ بالنقضين) الْأَمر بِالْفِعْلِ وَالْأَمر بِتَرْكِهِ (فِي وَقت) وَاحِد وتوارد النَّفْي والاثبات على مَحل وَاحِد (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن وَاجِبا وَقت الرّفْع (فَلَا نسخ) لعدم الرّفْع (أُجِيب بِاخْتِيَار الثَّانِي) وَهُوَ أَنه لم يكن وَاجِبا وَقت الرّفْع (وَالْمعْنَى رفع) أَن يُوجب. وَفِي نُسْخَة الشَّارِح رفع (إِيجَابه) أَي الْمَنْسُوخ (حكمه) الثَّابِت لَهُ (عِنْد حُضُور وقته) الْمُقدر لَهُ شرعا (لولاه) أَي النَّاسِخ فَإِن قلت: الْمَنْسُوخ هُوَ عين الحكم الأول فَمَا معنى إِيجَابه الحكم قلت الحكم الْمُتَعَلّق بِفعل الْمُكَلف المتكرر سَببه الْمُؤَقت بِوَقْت قدر لَهُ شرعا لَهُ تعلقات جزئية بِاعْتِبَار تكَرر سَببه وتجدد وقته، فَكلما تجدّد سَبَب لَهُ وَقت يحدث وجوب
(3/192)

جَدِيد، فَالْمُرَاد الحكم الْمَذْكُور فِي قَوْله يُوجب حكمه هَذَا الْحَادِث فَإِنَّهُ يُسمى حكما وَإِن كَانَ فِي الْحَقِيقَة تعلقا من تعلقات الْكَلَام النَّفْسِيّ الأزلي على مَا حقق فِي مَحَله (وَهُوَ) أَي رفع النَّاسِخ حكم الْمَنْسُوخ عِنْد حُضُور وَقت الْمَنْسُوخ الْمُقدر لَهُ (ممنوعكم) أَيهَا الْمُعْتَزلَة حَيْثُ قُلْتُمْ: تعلق الْوُجُوب بالمستقبل مَانع من نسخه بزعم أَنه يسْتَلْزم توارد النَّفْي وَالْإِثْبَات على مَحل وَاحِد فِي وَقت: وَذَلِكَ لأنكم ظننتم أَن الحكم الأول يُوجب تعلق الْوُجُوب مُنجزا بِالْفِعْلِ فِي وَقت النّسخ وَمَا علمْتُم أَن مرادنا كَونه بِحَيْثُ يُوجِبهُ لَوْلَا النَّاسِخ فَإِن كَونه فِي معرض الْإِيجَاب نوع تعلق يرْتَفع بِسَبَب النَّاسِخ وَالله أعلم. (فَإِن أجزتموه) أَي رفع النَّاسِخ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور (وَلم تسموه نسخا فلفظية) أَي فالمنازعة لفظية (وَقد وافقتم) على جَوَاز النّسخ قبل التَّمَكُّن من الْفِعْل (وَأَيْضًا لَو صَحَّ) مَا ذكرْتُمْ من قَوْلكُم إِن كَانَ وَاجِبا وَقت الرّفْع إِلَى آخِره (انْتَفَى النّسخ) مُطلقًا وَلَو بعد التَّمَكُّن بل بعد الْفِعْل لجَرَيَان الترديد الْمَذْكُور فِي جَمِيع الْمَرَاتِب. (ثمَّ استبعد) نقل هَذَا الِاسْتِدْلَال (عَنْهُم) أَي الْمُعْتَزلَة (لذَلِك الرّفْع مِنْهُم) أَي قَوْلهم فِي قصَّة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام جَازَ التَّأْخِير لِأَنَّهُ موسع فَإِنَّهُ يُفِيد تعلق الْوُجُوب بِوَقْت الرّفْع، لِأَن حَاصِل ذَلِك الْجَواب تَسْلِيم وجوب الذّبْح، وَتَسْلِيم النّسخ، وَعدم الْعِصْيَان بِالتّرْكِ لكَون الْوُجُوب موسعا وَلَا شكّ أَن الْوُجُوب فِي الموسع بَاقٍ مَا لم يَأْتِ بِالْفِعْلِ فَيلْزم وُقُوع النّسخ فِي وَقت تعلق الْوُجُوب (وللتعارض) من عدم تجويزهم النّسخ قبل التَّمَكُّن للُزُوم اجْتِمَاع الْأَمريْنِ بالنقيضين، وتجويزهم إِيَّاه بعد التَّمَكُّن لما عرفت، من أَن عِلّة التجويز مُشْتَركَة بَين الصُّورَتَيْنِ (يجب نِسْبَة ذَلِك) الَّذِي ذكره الْمُحَقِّقُونَ عَنْهُم إِلَيْهِم لسلامته عَن التَّعَارُض حملا لكَلَام الْعُقَلَاء على مَا لَا يلْزم التَّنَاقُض مَا أمكن.

مسئلة
قَالَ (الْحَنَفِيَّة والمعتزلة لَا يجوز نسخ حكم فعل لَا يقبل حسنه وقبحه السُّقُوط) الْوَاو بِمَعْنى أَو وَيحْتَمل التَّوْزِيع لِأَن لفعل الَّذِي لَا يجوز نسخ حكمه كل بِاعْتِبَار بعض مَا صدقاته لَا يقبل حسنه السُّقُوط، وَبِاعْتِبَار بَعْضهَا لَا يقبل قبحه السُّقُوط أَو يقدر السُّقُوط قبل الْوَاو وَلَا يجوز تَأْخِيره بعْدهَا (كوجوب الْإِيمَان وَحُرْمَة الْكفْر) لِأَنَّهُ لَا يرْتَفع شَيْء مِنْهُمَا لقِيَام دَلِيله وَهُوَ الْعقل (وَالشَّافِعِيَّة يجوز) وَالْإِجْمَاع على عدم الْوُقُوع (وَهِي) أَي هَذِه المسئلة (فرع التحسين والتقبيح) العقليين. قَالَ بِهِ الْحَنَفِيَّة والمعتزلة، وَلم يقل بِهِ الأشاعرة من الشَّافِعِيَّة وَغَيرهم فَقَالُوا
(3/193)

بِجَوَاز نسخهما عقلا. وَقد تقدم الْكَلَام فِيهِ فِي فصل الْحَاكِم (وَلَا) يجوز نسخ حكم (نَحْو الصَّوْم عَلَيْكُم وَاجِب مستمرا أبدا اتِّفَاقًا) فَعِنْدَ غير الْحَنَفِيَّة (للنصوصية) على تأبيد الحكم (وَعند الْحَنَفِيَّة لذَلِك) أَي للنصوصية (على رَأْي) فِي النَّص وَهُوَ اللَّفْظ المسوق للمراد الظَّاهِر مِنْهُ (وعَلى) رَأْي (آخر) فِيهِ وَهُوَ مَا ذكر مَعَ قيد آخر وَهُوَ أَن لَا يكون مدلولا وضعيا كالتفرقة بَين البيع والربا فِي الْحل وَالْحُرْمَة فِي أحل الله البيع وَحرم الرِّبَا (للتَّأْكِيد) فَإِن الْأَبَد هُوَ الِاسْتِمْرَار الدَّائِم فَهُوَ وَإِن سيق لَهُ لكنه مَدْلُول وضعي (على مَا سلف من تَحْقِيق الِاصْطِلَاح) فِي التَّقْسِيم الثَّانِي للدلالة (وَاخْتلف فِي) حكم (ذِي مُجَرّد تأبيد قيدا للْحكم) كيجب عَلَيْكُم أبدا صَوْم رَمَضَان (لَا الْفِعْل كصوموا أبدا) فَإِن أبدا هَهُنَا ظرف للصَّوْم لَا لإيجابه عَلَيْهِم، لِأَن الْفِعْل يعْمل بمادته لَا بهيئته، وَدلَالَة الْأَمر على الْوُجُوب بالهيئة لَا بالمادة، وَفِيه مَا فِيهِ (أَو) فِي حكم ذِي مُجَرّد (تأقيت قبل مضيه) أَي مُضِيّ ذَلِك الْوَقْت (كحرمته عَاما) حَال كَونه حرمته (إنْشَاء فالجمهور وَمِنْهُم طَائِفَة من الْحَنَفِيَّة يجوز) نسخه (وَطَائِفَة كَالْقَاضِي أبي زيد وَأبي مَنْصُور وفخر الْإِسْلَام والسرخسي) والجصاص (يمْتَنع) نسخه (للُزُوم الْكَذِب) فِي الأول لِأَن الحكم الأول يدل على أَن الصَّوْم مَطْلُوب دَائِما والنسخ يدل على خِلَافه (أَو البداء) على الله تَعَالَى فِي الثَّانِي لِأَن النّسخ فِيهِ يدل على حُدُوث (وَهُوَ) أَي اللُّزُوم الْمَذْكُور (الْمَانِع) من النّسخ (فِي الْمُتَّفق) على عدم جَوَاز نسخه كَقَوْلِه الصَّوْم عَلَيْكُم وَاجِب مُسْتَمر أبدا (قَالُوا) أَي المجوزون للنسخ فِي الأول: أَن أبدا (ظَاهر فِي عُمُوم الْأَوْقَات) المستقلة (فَجَاز تَخْصِيصه) بِوَقْت فِيهَا دون وَقت كَمَا يجوز تَخْصِيص عُمُوم سَائِر الظَّوَاهِر، إِذْ التَّخْصِيص فِي الْأَزْمَان كالتخصيص فِي الْأَعْيَان (قُلْنَا نعم) يجوز تَخْصِيصه (إِذا اقْترن) الْمَخْصُوص (بدليله) أَي التَّخْصِيص (فَيحكم حِينَئِذٍ) أَي حِين اقترانه بِدَلِيل التَّخْصِيص (بِأَنَّهُ) أَي التَّأْبِيد (مُبَالغَة) أُرِيد بِهِ الزَّمن الطَّوِيل مجَازًا (أما مَعَ عَدمه) أَي دَلِيل التَّخْصِيص (وَهُوَ) أَي عَدمه (الثَّابِت) فِيمَا نَحن فِيهِ (فَذَلِك اللَّازِم) أَي فلزوم الْكَذِب هُوَ اللَّازِم لإِرَادَة التَّخْصِيص فِيمَا نَحن فِيهِ (وَحَاصِله) أَي هَذَا الْجَواب (حِينَئِذٍ يرجع إِلَى اشْتِرَاط الْمُقَارنَة فِي دَلِيل التَّخْصِيص) للعام الْمَخْصُوص (وَتقدم) فِي بحث التَّخْصِيص (وَالْحق أَن لُزُوم الْكَذِب) إِنَّمَا هُوَ (فِي) نسخ (الْأَخْبَار) الَّتِي لَا يتَغَيَّر مَعْنَاهَا كوجود الصَّانِع، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (كماض) كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " الْجِهَاد مَاض (إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَلِذَا) أَي لُزُوم الْكَذِب (اتّفق عَلَيْهِ) أَي على عدم جَوَاز النّسخ فِي الْأَخْبَار الْمَذْكُورَة (الْحَنَفِيَّة، وَالْخلاف) إِنَّمَا هُوَ (فِي غَيره) أَي غير نسخ الْأَخْبَار الْمَذْكُورَة (مِمَّا يتَغَيَّر مَعْنَاهُ كفر زيد بِخِلَاف حُدُوث الْعَالم) وَنَحْوه مِمَّا لَا يتبدل قطعا
(3/194)

فَإِن الْإِجْمَاع على أَنه لَا يجوز نسخه فِي الشَّرْح العضدي إِن كَانَ مَدْلُول الْخَبَر مِمَّا لَا يتَغَيَّر كوجود الصَّانِع وحدوث الْعَالم فَلَا يجوز نسخه اتِّفَاقًا وَإِن كَانَ مِمَّا يتَغَيَّر كَإِيمَانِ زيد وكفره فقد اخْتلف فِيهِ، وَالْمُخْتَار أَنه مثل مَا لَا يتَغَيَّر مَدْلُوله وَعَلِيهِ الشَّافِعِي وَأَبُو هَاشم خلافًا لبَعض الْمُعْتَزلَة انْتهى، ثمَّ لما بَين مَحل الْخلاف بقوله فِي ذِي مُجَرّد إِلَى آخِره، وَذكر اخْتِلَاف الْحَنَفِيَّة فِيهِ وَدَلِيل المجوزين للنسخ من الظُّهُور فِي عُمُوم الْأَوْقَات وَجَوَاز التَّخْصِيص وَجَوَاب المانعين من عدم اقتران الْمُخَصّص أَرَادَ أَن يذكر مَا هُوَ المرضى عِنْده فَقَالَ (ولازم تراخي الْمُخَصّص) فِي مَحل اتّفق الْحَنَفِيَّة على عدم جَوَازه (من التَّعْرِيض على الْوُقُوع) أَي وُقُوع الْمُكَلف بِمَا ترَاخى عَنهُ مخصوصه (فِي غير الْمَشْرُوع) بإتيانه بِمَا سيخرجه الْمُخَصّص (غير لَازم هُنَا) أَي فِيمَا نَحن فِيهِ من مَحل الْخلاف الْمَذْكُور لِأَن الْمُخَصّص إِنَّمَا هُوَ النَّاسِخ وَقبل ظُهُوره يعْمل بالحكم الأول إِذْ الْمَشْرُوع حِينَئِذٍ (بل غَايَته) أَي غَايَة مَا يلْزمه عدم الاقتران هُنَا (اعْتِقَاد أَنه) أَي الحكم الأول (لَا يرفع) لما يَقْتَضِيهِ ظَاهر التَّأْبِيد فِي نَحْو صُومُوا أبدا والتوقيت فِي مثل حرمته عَلَيْكُم عَاما (وَهُوَ) أَي الِاعْتِقَاد الْمَذْكُور (غير ضائر) وَإِذا علم أَن اللَّازِم الَّذِي كَانَ مَحْظُور التَّرَاخِي من جِهَة مُنْتَفٍ فِيمَا نَحن فِيهِ (فَالْوَجْه) فِيهِ (الْجَوَاز) أَي جَوَاز النّسخ (كصم غَدا ثمَّ نسخ قبله) أَي الْغَد (فَإِنَّهُ) أَي جَوَاز نسخه (اتِّفَاق) وَجه الشّبَه اشتراكهما فِي تعلق وجوب الْفِعْل بِزَمَان مُسْتَقْبل ثمَّ نسخه قبل انْقِضَاء ذَلِك الزَّمَان (وَمَا قيل) على مَا فِي الشَّرْح العضدي من أَنه (لَا مُنَافَاة بَين إِيجَاب فعل مُقَيّد بالأبد وَعدم أبدية التَّكْلِيف) بذلك إِذْ الْمَوْصُوف بالأبدية إِنَّمَا هُوَ نفس الْفِعْل وبعدمها الْإِيجَاب الْمُتَعَلّق بهَا، فَمحل الْإِثْبَات غير مَحل النَّفْي وَحَاصِله أَن الطَّالِب يطْلب فِي بعض الْأَوْقَات أمرا دَائِما ثمَّ يطْلب فِي وَقت آخر ترك ذَلِك الْأَمر (بعد مَا قرر فِي) تَقْرِير (النزاع من أَنه) أَي النزاع مَبْنِيّ (على) تَقْدِير (جعله) أَي التَّأْبِيد (قيدا للْحكم مَعْنَاهُ) أَي معنى مَا قيل (بالنسخ يظْهر خِلَافه) أَي فِي كل مَحل جعل التَّأْبِيد قيدا للْحكم يظْهر بعد النّسخ أَنه لَيْسَ بِقَيْد لَهُ بل هُوَ قيد للْفِعْل، إِذْ لَا مُنَافَاة بَين النّسخ وَبَينه بِخِلَاف الأول فان النّسخ يُنَافِيهِ وَلَا يخفى مَا فِي هَذَا التَّوْجِيه، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَالْوَجْه حِينَئِذٍ) أَي حِين يقْصد الْجَواب بِعَدَمِ الْمُنَافَاة (أَن لَا يَجْعَل النزاع على ذَلِك التَّقْدِير، بل) يَجْعَل (هُوَ مَا) أَي تَصْوِير (هُوَ ظَاهر فِي تَقْيِيد الحكم) لَا نَص فمانع النّسخ ينظر إِلَى ظَاهره، والمجيب يحملهُ على خلاف الظَّاهِر (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن تَصْوِير مَحل النزاع على هَذَا المنوال (فَالْجَوَاب) بِلَا مُنَافَاة الخ (على خلاف الْمَفْرُوض) وَهُوَ كَون التَّأْبِيد قيدا للْحكم قطعا (وَحِينَئِذٍ) أَي وَحين كَانَ التَّأْبِيد قيدا للْفِعْل
(3/195)

لَا الحكم (فقد لَا يخْتَلف فِي الْجَوَاز) أَي جَوَاز النّسخ.

مسئلة
قَالَ (الْجُمْهُور لَا يجْرِي) النّسخ (فِي الْأَخْبَار) مَاضِيَة كَانَت أَو مُسْتَقْبلَة (لِأَنَّهُ) أَي النّسخ فِيهَا (الْكَذِب) أَي يستلزمه (وَقيل نعم) يجْرِي فِيهَا مُطلقًا مَاضِيَة كَانَت أَو مُسْتَقْبلَة وَعدا أَو وعيدا إِذا كَانَ مدلولها مِمَّا يتَغَيَّر، وَعَلِيهِ الإِمَام الرَّازِيّ والآمدي لقَوْله تَعَالَى ({يمحوا الله مَا يَشَاء وَيثبت. أَن لَك أَلا تجوع فِيهَا وَلَا تعرى}). وَقد قَالَ تَعَالَى - {فبدت لَهما سوآتهما} - (وعَلى قَوْلهم) أَي المجوزين لنسخ الْأَخْبَار (يجب إِسْقَاط) قيد (شَرْعِي من التَّعْرِيف) إِذْ لَا يصدق على نسخ الْخَبَر رفع تعلق مُطلق الحكم الشَّرْعِيّ (وَالْجَوَاب) لمانعي نسخه عَن الْآيَتَيْنِ أَن معنى يمحوا الله مَا يَشَاء (ينْسَخ بِمَا يستصوبه) ويتركه غير مَنْسُوخ. قَالَ الشَّارِح وَالْوَجْه حذف الْبَاء كَمَا فِي الْكَشَّاف ينْسَخ مَا يستصوب نسخه، وَيثبت بدله مَا تَقْتَضِي حكمته إثْبَاته انْتهى. وَالْمُصَنّف لم يذكر الْمَنْسُوخ، وَذكر مَا ينْسَخ بِهِ اختصارا مَعَ أَنه يفهم ضمنا، لِأَن فِي استصواب مَا ينْسَخ بِهِ إِشَارَة إِلَيْهِ، وَهُوَ توهم أَن المُصَنّف أَدخل الْبَاء على الْمَنْسُوخ وَحَاصِل الْجَواب أَن قَوْله مَا يَشَاء لَا يحمل على الْعُمُوم لتندرج تَحْتَهُ الْأَخْبَار على أَنه لَو حمل عَلَيْهَا أبدا لَا يلْزم نسخهَا لجَوَاز أَن لَا يتَعَلَّق بنسخها الْمُشبه (أَو) يمحو (من ديوَان الْحفظَة). قَالَ الشَّارِح مَا لَيْسَ بحسنة وَلَا بسيئة، لأَنهم مأمورون بكتبة كل قَول وَفعل (و) يثبت (غَيره) انْتهى كَأَنَّهُ حمله على هَذَا التَّخْصِيص قَوْله تَعَالَى - {مَا لهَذَا الْكتاب لَا يُغَادر صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة إِلَّا أحصاها} -. وَفِيه نظر لجَوَاز أَن يكون ذَلِك بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبَعْض لَا الْكل وَغَيره من الْأَقْوَال نَحْو: يمحو سيئات التائب وَيثبت الْحَسَنَات مَكَانهَا، أَو يمحو قرنا وَيثبت آخر إِلَى غير ذَلِك. وَقَوله أَن لَك أَلا تجوع فِيهَا (وَلَا تعرى من الْقَيْد وَالْإِطْلَاق) يَعْنِي مُطلق صُورَة وتقيد حَقِيقَة بِشَرْط عدم الْمُخَالفَة لِلْأَمْرِ (لَا) من (النّسخ وَأما نسخ إِيجَاب الْأَخْبَار) عَن شَيْء (بالأخبار) أَي بِإِيجَاب الْأَخْبَار (عَن نقيضه) فالمأمور بِهِ حِينَئِذٍ أَن يخبر الْمُكَلف عَن شَيْء ثمَّ عَن نقيضه (فَمَنعه الْمُعْتَزلَة لاستلزامه) أَي هَذَا النّسخ (الْقَبِيح كذب أَحدهمَا) أَي النَّاسِخ والمنسوخ (بِنَاء على حكم الْعقل) بالتحسين والتقبيح (وَيجب) أَن يعْتَبر (للحنفية مثله) أَي الْمَنْع لما ذكر من الاستلزام لقَولهم بِاعْتِبَار الْعقل بالتحسين والتقبيح (إِلَّا أَن تغير الأول إِلَيْهِ). قَالَ الشَّارِح عَن ذَلِك الْوَصْف الَّذِي وَقع الْإِخْبَار بِهِ أَولا إِلَى الْوَصْف الَّذِي يُكَلف بالإخبار عَنهُ ثَانِيًا لانْتِفَاء الْمَانِع حِينَئِذٍ انْتهى. وَلم يبين أَن الْخَبَر الأول كَيفَ يتَغَيَّر وَصفه الَّذِي بِهِ حسن الْأَمر بالإخبار بِهِ إِلَى
(3/196)

الْوَصْف الَّذِي كلف بالإخبار ثَانِيًا، وَهل ينْتَقل وصف أحد النقيضين إِلَى الآخر فَالْوَجْه أَن يُقَال إِذا كَانَ مَضْمُون الْخَبَر مِمَّا يتَغَيَّر ويتبدل ككفر زيد، فَفِي زمَان اتصافه بالْكفْر يحسن أَن يُؤمر بِأَن يَقُول زيد لَيْسَ بِكَافِر (وَكَذَا الْمُعْتَزلَة) يَنْبَغِي أَن يكون قَوْلهم على هَذَا التَّفْصِيل.

مسئلة
(قيل) وقائله بعض الْمُعْتَزلَة والظاهرية (لَا ينْسَخ) الحكم (بِلَا بدل) عَنهُ (فَإِن أُرِيد) بِالْبَدَلِ بدل مَا (وَلَو) كَانَ ثُبُوته (بِإِبَاحَة أَصْلِيَّة فاتفاق) كَونه لَا يجوز بِلَا بدل لِأَنَّهُ تَعَالَى لم يتْرك عباده هملا فِي وَقت من الْأَوْقَات، وَقَالَ الشَّافِعِي فِي الرسَالَة: وَلَيْسَ ينْسَخ فرض أبدا إِلَّا أثبت مَكَانَهُ فرض كَمَا نسخت قبْلَة بَيت الْمُقَدّس، فَأثْبت مَكَانهَا الْكَعْبَة انْتهى. وَقَالَ الصَّيْرَفِي فِي شرحها أَنه ينْقل من حظر إِلَى إِبَاحَة وَمن إِبَاحَة إِلَى حظر أَو تَخْيِير على حسب أَحْوَال الْفُرُوض قَالَ: وَمثل ذَلِك الْمُنَاجَاة كَأَن يُنَاجِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِلَا تَقْدِيم صَدَقَة، ثمَّ فرض الله تَقْدِيم الصَّدَقَة، ثمَّ أَزَال ذَلِك فردهم إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ. قَالَ فَهَذَا معنى قَول الشَّافِعِي فرض مَكَان فرض فتفهمه انْتهى. (أَو) أُرِيد بِالْبَدَلِ بدل (مفَاد بِدَلِيل النّسخ فَالْحق نَفْيه) أَي نفي هَذَا السَّلب الْكُلِّي أَعنِي لَا نسخ بِلَا بدل (لِأَنَّهُ) أَي السَّلب الْمَذْكُور قَول (بِلَا مُوجب وَالْوَاقِع خِلَافه كنسخ حُرْمَة الْمُبَاشرَة) للنِّسَاء (بعد الْفطر) فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَغَيره عَن الْبَراء بن عَازِب كَانَ أَصْحَاب مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا كَانَ الرجل صَائِما فَحَضَرَ الْإِفْطَار فَنَامَ قبل أَن يفْطر لم يَأْكُل ليلته وَلَا يَوْمه حَتَّى يُمْسِي، وَفِي سنَن أبي دَاوُد وَغَيرهَا عَن ابْن عَبَّاس، وَكَانَ النَّاس على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا صلوا الْعَتَمَة حرم عَلَيْهِم الطَّعَام وَالشرَاب، وَالنِّسَاء وصاموا إِلَى الْقَابِلَة، وَالْمَشْهُور فِي رِوَايَة ابْن عبد الْبر، أَو الْمَقْطُوع فِي رِوَايَات الْبَراء أَن ذَلِك كَانَ مُقَيّدا بِالنَّوْمِ، ويترجح بِقُوَّة سَنَده (وَلَيْسَ مِنْهُ) أَي من النَّاسِخ لحكم بِغَيْر بدل (نَاسخ ادخار لُحُوم الْأَضَاحِي) فَوق ثَلَاث لِأَنَّهُ مقرون بِبَدَل: حَيْثُ قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: " نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور فزوروها ونهيتكم عَن لُحُوم الْأَضَاحِي فَوق ثَلَاث فأمسكوا مَا بدا لكم " رَوَاهُ مُسلم فَهَذِهِ إِبَاحَة شَرْعِيَّة هِيَ بدل مفَاد بِدَلِيل النّسخ، وَفِي هَذَا تَعْرِيض بِابْن الْحَاجِب فِي تمثيله لوُقُوع النّسخ بِلَا بدل (وَجَاز أَن لَا يتَعَرَّض الدَّلِيل) النَّاسِخ (لغير الرّفْع) لتَعلق حكم الْمَنْسُوخ (أَو) أُرِيد بقوله بِلَا بدل (بِلَا ثُبُوت حكم شَرْعِي) لذَلِك الْفِعْل (وَإِن لم يكن) ذَلِك الحكم ثَابتا (بِهِ) أَي بِدَلِيل النّسخ (فَكَذَلِك) أَي الْحق نَفْيه (لذَلِك) أَي لكَونه بِلَا مُوجب إِلَى آخِره (وَتَكون) الصّفة (الثَّابِتَة) للْفِعْل (الْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة) فَإِنَّهَا لَيست بِحكم شَرْعِي على الْمُخْتَار، و (لَكِن لَيْسَ مِنْهُ) أَي من النّسخ بِلَا ثُبُوت حكم شَرْعِي (نسخ تَقْدِيم الصَّدَقَة)
(3/197)

عِنْد إِرَادَة مُنَاجَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لثُبُوت الحكم الشَّرْعِيّ) وَهُوَ ندبية الصَّدَقَة (بِالْعَام النادب للصدقة) فِي الْكتاب وَالسّنة وَنسخ حُرْمَة الْمُبَاشرَة من الشق الثَّالِث الثَّابِت فِيهِ بدل الْمَنْسُوخ بِدَلِيل غير دَلِيل النّسخ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى - {أحل لكم} - الْآيَة، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (بِثُبُوت إِبَاحَة الْمُبَاشرَة يباشروهن) فِي قَوْله - {فَالْآن باشروهن} - وَقَوله بِثُبُوت مُتَعَلق بمقدر نَحْو إِنَّمَا قُلْنَا بِأَن بدل حُرْمَة الْمُبَاشرَة ثَبت بِغَيْر دَلِيل النّسخ، وَكَانَ مَحَله عِنْد قَوْله كنسخ حُرْمَة الْمُبَاشرَة ليبين بِهِ قَوْله وَالْوَاقِع بِخِلَافِهِ لَكِن أَخّرهُ لكَونه مِثَالا للشق الثَّالِث، وَلِأَنَّهُ ذكر فِي الشَّرْح العضدي مَعَ نسخ تَقْدِيم الصَّدَقَة مثالين للنسخ بِلَا بدل فقصد الِاعْتِرَاض عَلَيْهَا فيهمَا تبعا. (قَالُوا) أَي مانعو النّسخ بِلَا بدل قَالَ تَعَالَى (مَا ننسخ الْآيَة) أَي - من آيَة أَو ننسها نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا - فَفِي كل نسخ لَا بُد من الْإِتْيَان بِأحد الْأَمريْنِ، وَلَا يَعْنِي بِالْبَدَلِ إِلَّا هَذَا، وَفِي الشَّرْح العضدي: وَلَا يتَصَوَّر كَونه خيرا أَو مثلا إِلَّا فِي بدل (أُجِيب بالخيرية لفظا) أَي من حَيْثُ اللَّفْظ، وَهُوَ لَا يَقْتَضِي تَجْدِيد حكم آخر، وَهَذَا الْجَواب مَبْنِيّ (على إِرَادَة نسخ التِّلَاوَة لِأَنَّهُ) أَي كَون المُرَاد هَذَا هُوَ (الظَّاهِر) وَذَلِكَ لِأَن الْآيَة اسْم للنظم الْخَاص، فَالظَّاهِر أَن الْخَيْرِيَّة بِاعْتِبَار مَا يرجع إِلَى اللَّفْظ (وَأما ادِّعَاء أَن مِنْهُ) أَي من الْإِتْيَان بِخَير من حَيْثُ الحكم (على) تَقْدِير (التنزل) وَتَسْلِيم أَن الْخَيْرِيَّة بِاعْتِبَار الحكم، وَالْجَار مُتَعَلق بالادعاء، وَاسم أَن قَوْله (ترك الْبَدَل). فِي الشَّرْح العضدي سلمنَا أَن المُرَاد نأتي بِحكم خير مِنْهَا، لكنه عَام يقبل التَّخْصِيص، فَلَعَلَّهُ خصص بِمَا نسخ لَا إِلَى بدل، سلمناه لَكِن إِذا أَتَى بنسخه من غير بدل وَهُوَ حكم فَلَعَلَّهُ خير للمكلف لمصْلحَة يعلمهَا الله تَعَالَى انْتهى. فَجعل ترك الْبَدَل حكما، فَقَالَ المُصَنّف (فَلَيْسَ) أَي لَيْسَ هَذَا الْجَواب فِي مَحل النزاع (إِذْ لَيْسَ) ترك الْبَدَل (حكما شَرْعِيًّا) وَهُوَ المنازع فِيهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَصرح أَن الْخلاف فِيهِ) أَي فِي الحكم الشَّرْعِيّ، وَقد يُقَال لم لَا يجوز أَن يكون هَذَا سندا آخر. يمْنَع استلزام الْآيَة مدعاهم، وَهُوَ لُزُوم حكم آخر شَرْعِي فِي كل نسخ. وَحَاصِله أَن الْخَيْرِيَّة لَيْسَ بِاعْتِبَار النّظم بل بِاعْتِبَار الحكم الشَّرْعِيّ خَاصَّة، فَلَا يلْزم الْخُرُوج من مَحل النزاع فَتَأمل (وتجويز التَّخْصِيص) لعُمُوم - نأت بِخَير مِنْهَا - الْمشَار إِلَيْهِ فِي الشَّرْح الْمَذْكُور على مَا مر آنِفا (لَا يُوجب وُقُوعه) أَي التَّخْصِيص، فَإِذا لم يثبت الْوُقُوع لَا يضر الْخصم لأَنهم لَا يمْنَعُونَ جَوَاز النّسخ بِلَا بدل عقلا كَمَا سيشير إِلَيْهِ (والتنزل) كَمَا فعله ابْن الْحَاجِب (إِلَى أَنَّهَا) أَي الْآيَة (لَا تفِيد نفي الْوُقُوع) أَي وُقُوع النّسخ بِلَا بدل (وَالْخلاف) إِنَّمَا هُوَ (فِي الْجَوَاز تَسْلِيم لَهُم) أَي للنافين للنسخ بِلَا بدل، لِأَن مَعْنَاهُ سلمنَا أَن الْآيَة تدل على نفي الْوُقُوع لَكِن نزاعنا مَعكُمْ فِي الْجَوَاز، لأَنهم إِذا قَالُوا لَا نزاع لنا فِي الْجَواب عقلا لَا يَنْبَغِي مَعَهم نزاع
(3/198)

وَقد سلمتم مَا هُوَ مطلوبهم، وَهُوَ نفي الْوُقُوع، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لِأَن الظَّاهِر إرادتهم) أَي النافين (نَفْيه) أَي جَوَاز النّسخ بِلَا بدل (سمعا). وَحَاصِله نفي الْوُقُوع (لَا عقلا) وَإِنَّمَا عرفنَا ذَلِك (باستدلالهم) بِالْآيَةِ، فَإِنَّهَا لَا تكون على نفي الْوُقُوع وَمَا ثمَّة تَصْرِيح مِنْهُم بِأَن مُرَادهم نفي الْجَوَاز وَالله أعلم.

مسئلة
وَاتَّفَقُوا على جَوَاز النّسخ بالأخف والمساوى كالمباشرة والتوجه إِلَى الْكَعْبَة، وَهل يجوز بالأثقل. قَالَ (الْجُمْهُور يجوز بأثقل، ونفاه) أَي الْجَوَاز بِهِ (شذوذ) بَعضهم عقلا، وَبَعْضهمْ سمعا (لنا أَن اعْتبرت الْمصَالح) فِي التَّكْلِيف (وجوبا) كَمَا هُوَ رَأْي الْمُعْتَزلَة (أَو تفضلا) كَمَا هُوَ رَأْي غَيرهم (فلعلها) أَي الْمصلحَة للمكلف (فِيهِ) أَي فِي النّسخ بأثقل كَمَا يَنْقُلهُ من الصِّحَّة إِلَى السقم، وَمن الشَّبَاب إِلَى الْهَرم (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن فِيهِ كَمَا يُومِئ إِلَيْهِ - يحكم مَا يَشَاء - وَيفْعل مَا يُرِيد. (فأظهر) أَي فالجواز أظهر (وَيلْزم) من عدم جَوَاز الأثقل لكَونه أثقل (