Advertisement

تيسير التحرير 004

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

المرصد الثَّانِي فِي شُرُوطهَا
أَي الْعلَّة (استلزم مَا تقدم من تَعْرِيفهَا اشْتِرَاط الظُّهُور والانضباط ومظنية الْحِكْمَة) وَهِي الَّتِي شرع الحكم لأَجلهَا (أَولا أَو بِوَاسِطَة مَظَنَّة أُخْرَى فلزمت الْمُنَاسبَة) بَينهَا وَبَين الحكم الَّذِي هُوَ معلولها (وَعدم الطَّرْد) أَي مُجَرّد وجود الحكم لأَجلهَا الَّذِي هُوَ معلولها عِنْد وجودهَا كَمَا مر بَيَانه. (وَمِنْهَا) أَي من شُرُوط الْعلَّة (أَن لَا يكون عدما لوجودي) وَهَذَا الشَّرْط (لطائفة من الشَّافِعِيَّة) مِنْهُم الْآمِدِيّ (وَغَيرهم) كَابْن الْحَاجِب وَصَاحب البديع وَغَيرهمَا (وَالْأَكْثَر) مِنْهُم الْبَيْضَاوِيّ مَذْهَبهم (الْجَوَاز) أَي جَوَاز كَونهَا عدما لوجودي (قيل وَجَوَاز) تَعْلِيل (العدمي بِهِ) أَي بالعدمي كَعَدم نَفاذ التَّصَرُّف بِعَدَمِ الْعقل (اتِّفَاق) كَمَا ذكره القَاضِي عضد الدّين وَغَيره. قَالَ (النَّافِي) جَوَاز تَعْلِيل الوجودي بالعدمي: (الْعلَّة) هِيَ الْأَمر (الْمُنَاسب) لمشروعية الحكم (أَو مظنته) أَي مَظَنَّة الْمُنَاسب فَإِن الْعلَّة باعث والباعث منحصر فِي الْمُنَاسبَة ومظنته (والعدم الْمُطلق ظَاهر) أَنه لَيْسَ مناسبا وَلَا مظنته، بل نسبته إِلَى جَمِيع الْمحَال وَالْأَحْكَام سَوَاء (و) الْعَدَم (الْمُضَاف إِمَّا) مُضَاف (إِلَى مَا فِي الشَّرْعِيَّة) أَي مَشْرُوعِيَّة الحكم (مَعَه مصلحَة) لذَلِك الحكم (فَهُوَ) أَي الْعَدَم الْمُضَاف (مَانع) من الحكم، لِأَن الْفَرْض أَن الْمصلحَة مَعَ وجوديه الَّذِي هُوَ مُضَاف إِلَيْهِ وَعدم الْمصلحَة مَانع مِنْهُ فَلَا يكون الْعَدَم الْمَذْكُور مناسبا للْحكم وَلَا مَظَنَّة لَهُ (أَو) مُضَاف إِلَى مَا فِي الشَّرْعِيَّة مَعَه (مفْسدَة) لذَلِك الحكم (فَهُوَ) أَي الْعَدَم الْمُضَاف حِينَئِذٍ (عَدمه) أَي عدم الْمَانِع وَهُوَ لَا يكون عِلّة لِأَن الْعلَّة مُقْتَض وَعدم الْمَانِع لَيْسَ بمقتض. وَاعْترض بِأَنَّهُ لم لَا يجوز أَن يكون منشأ لمصْلحَة ودافعا لمفسدة فَيكون مقتضيا من الْحَيْثِيَّة وعدما للمانع فَيصح التَّعْلِيل بِهِ (أَو) إِلَى (منَاف مُنَاسِب) للْحكم (حَتَّى جَازَ أَن يسْتَلْزم) الْعَدَم الْمُضَاف إِلَى منَاف مُنَاسِب (الْمُنَاسب) فَيحصل بِهِ الْحِكْمَة لاشْتِمَاله عَلَيْهِ من حَيْثُ الاستلزام (فَيكون) الْعَدَم الْمَذْكُور (مظنته) أَي الْمُنَاسب بِهَذَا الِاعْتِبَار
(4/2)

(ثمَّ) نقُول بعد ذَلِك (لَا يصلح) لِأَن تكون مَظَنَّة لَهُ (لِأَن مَا) أَي الْمُنَاسب الَّذِي (هُوَ) أَي الْعَدَم الْمَذْكُور (مَظَنَّة لَهُ ان كَانَ) وَصفا (ظَاهرا) صَالحا لترتب الحكم عَلَيْهِ (أُغني) بِنَفسِهِ عَن المظنة الَّتِي هِيَ الْعَدَم فَكَانَ هُوَ الْعلَّة (أَو) كَانَ (خفِيا فنقيضه) أَي نقيض ذَلِك الْمُنَاسب الْخَفي (وَهُوَ) أَي نقيضه (مَا) أَي الَّذِي (عَدمه مَظَنَّة) للمناسب (خَفِي) أَيْضا، وَإِطْلَاق النقيض على كل وَاحِد من المنافيين شَائِع (لِاسْتِوَاء النقيضين جلاء وخفاء). وَفِيه أَنه قد يخْتَلف النقيضان جلاء وخفاء لتكرار وإلف وَغير ذَلِك من الْأَسْبَاب، كَيفَ والملكات أجلى من الأعدام، هَذَا وَإِذا كَانَ منافي الْمُنَاسب خفِيا كَانَ عَدمه أَيْضا خفِيا لِاسْتِوَاء النقيضين إِلَى آخِره فَلَا يصلح الْعَدَم الْمَذْكُور عِلّة للْحكم لخفائه (أَو) مُضَاف إِلَى (غير منَاف) للمناسب (فوجوده) أَي غير الْمنَافِي (وَعَدَمه سَوَاء) فِي تحصل الْمصلحَة (فَلَيْسَ عَدمه بِخُصُوصِهِ عِلّة) أَي لَيْسَ كَون عَدمه عِلّة (بِأولى من عَكسه) بِأَن يكون وجوده عِلّة فَلَا يصلح عِلّة (كَمَا لَو قيل يقتل الْمُرْتَد لعدم إِسْلَامه فَلَو كَانَ فِي قَتله مَعَ إِسْلَامه مصلحَة فَاتَت) تِلْكَ الْمصلحَة فِي عَدمه فَيكون مَانِعا من الْقَتْل وَالتَّعْلِيل بِمَا يمْنَع من الحكم بَاطِل (أَو) كَانَ فِي قَتله مَعَ إِسْلَامه (مفْسدَة فَعدم مَانع) أَي الْعَدَم الْمُضَاف حِينَئِذٍ عدم مَانع (أَو يُنَافِي) الْإِسْلَام الَّذِي أضيف إِلَيْهِ الْعَدَم (مناسبا للْقَتْل) الَّذِي هُوَ الحكم فَهَذَا من عطف الْمُضَارع على الْمَاضِي (ظَاهرا) صفة لقَوْله مناسبا (وَهُوَ) أَي الْمُنَاسب الظَّاهِر للْقَتْل (الْكفْر، فَهُوَ) أَي الْكفْر (الْعلَّة) للْقَتْل لِأَنَّهُ أغْنى بِنَفسِهِ عَن المظنية (أَو) يُنَافِي الْإِسْلَام مناسبا (خفِيا) بِأَن يفْرض الْكفْر خفِيا (ف) إِن (الْإِسْلَام كَذَلِك) أَي خَفِي لتماثل النقيضين على مَا مر (فعدمه) أَي الْإِسْلَام (كَذَلِك) أَي خَفِي (أَولا) يُنَافِي الْإِسْلَام مناسبا أصلا ظَاهرا وَلَا خفِيا: بِأَن يفْرض عدم مُنَاسبَة الْكفْر للْقَتْل كَمَا قَالَ مَالك يقتل وَإِن رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَام (فَالْمُنَاسِب) شَيْء (آخر يُجَامع كلا من الْإِسْلَام وَعَدَمه) فهما سيان فِي تَحْصِيل الْمصلحَة فَلَا يكون عَدمه مُتَعَيّنا فِيهِ (وَدفع) الدَّلِيل الْمَذْكُور (من) قبل (الْأَكْثَر بِاخْتِيَار أَنه) أَي مَا أضيف إِلَيْهِ الْعَدَم (يُنَافِيهِ) أَي الْمُنَاسب وَهُوَ الشق الثَّالِث من الترديد (وَجَاز كَونه) أَي الْمُنَاسب الَّذِي يُنَافِيهِ مَا أضيف إِلَيْهِ الْعَدَم (الْعَدَم) الْمُضَاف (نَفسه، لَا) كَون الْعَدَم الْمَذْكُور (مظنته) أَي الْمُنَاسب فَلَا يتَّجه قَوْله: ثمَّ لَا يصلح إِلَى آخِره، ثمَّ علل الْجَوَاز بقوله (لاشْتِمَاله) أَي الْعَدَم (على الْمصلحَة كَعَدم الْإِسْلَام) فَإِنَّهُ مُشْتَمل (على مصلحَة الْتِزَامه) إِضَافَة الْمصلحَة بَيَانِيَّة، وَالضَّمِير لِلْإِسْلَامِ (بِالْقَتْلِ) أَي بِسَبَب خَوفه من الْقَتْل يلْتَزم الْإِسْلَام بِأَن لَا يرْتَد أَو يرجع إِلَيْهِ بعد الارتداد ثمَّ يلازمه إِذا علم أَن عدم الْإِسْلَام عِلّة للْقَتْل. (وَالْحَنَفِيَّة يمْنَعُونَ الْعَدَم الْمُطلق) أَي لَا يجوزون التَّعْلِيل بِالْعدمِ مُطلقًا كَانَ مُضَاف
(4/3)

وجوديا كَانَ الحكم أَو عدميا (فَلم يَصح النَّقْل السَّابِق) أَي نقل الِاتِّفَاق على جَوَاز العدمي بالعدمي (وَالدَّلِيل الْمَذْكُور) للنافي للوجودي خَاصَّة (يصلح لَهُم) أَي للحنفية فِي نفيهم مُطلقًا (لِأَنَّهُ) أَي الدَّلِيل الْمَذْكُور (يبطل الْعَدَم مُطلقًا) أَي كَونه عِلّة لوجودي أَو عدمي، لانْتِفَاء الْمُنَاسبَة ومظنتها فِيهِ، وَعدم الحكم لَا يحْتَاج إِلَى عِلّة لِأَنَّهُ ثَابت بِالْعدمِ الْأَصْلِيّ فَلَا يصلح عِلّة لَا للعدم وَلَا للوجود، كَذَا قيل، وَفِيه أَنه لم لَا يجوز أَن يكون عدم الحكم عدما طارئا (وَيرد) الدَّلِيل الْمَذْكُور لعدم جَوَاز تَعْلِيل الوجودي بِالْعدمِ (نقضا من) قبل (الْأَكْثَر على) دَلِيل (الطَّائِفَة) الْقَائِلين بِعَدَمِ جَوَاز تَعْلِيل الوجودي وَجَوَاز تَعْلِيل العدمي بِهِ بِأَن يُقَال: إِن صَحَّ مَا ذكرْتُمْ فِي منع تَعْلِيل الوجودي بِهِ لزم أَن لَا يجوز تَعْلِيل العدمي بِهِ أَيْضا بِعَين مَا ذكرْتُمْ (وَكَون الْعَدَم نَفسه الْمُنَاسب لم يتَحَقَّق) أورد النَّقْض على الدَّلِيل أَولا، ثمَّ أبطل مَا ذكر سَنَد للْمَنْع على مقدمته وَإِبْطَال السَّنَد إِذا كَانَ مُسَاوِيا للْمَنْع يسْتَلْزم إِثْبَات الْمُقدمَة الممنوعة، ثمَّ بَين عدم التحقق بقوله (وَالْمُنَاسِب فِي الْمِثَال) الْمَذْكُور (الْكفْر، وَهُوَ) أَي الْكفْر (اعْتِقَاد قَائِم) بِذَات الْكَافِر (وجودي ضد الْإِسْلَام، ويستلزم) الْكفْر أَو الِاعْتِقَاد الْمَذْكُور (عَدمه) أَي عدم الْإِسْلَام (كَمَا هُوَ شَأْن الضدين فِي استلزام كل) مِنْهُمَا (عدم الآخر فالإضافة للْقَتْل (فِيهِ) أَي الْمِثَال الْمَذْكُور (إِلَى الْعَدَم) حَيْثُ قيل يقتل لعدم إِسْلَامه إِنَّمَا يكون (لفظا) أَي بِحَسب ظَاهر اللَّفْظ وَفِي الْمَعْنى والحقيقة إِلَى أَمر وجودي وَهُوَ الْكفْر فِي الْمِثَال، وعَلى هَذَا الْقيَاس سَائِر الْأَمْثِلَة، ثمَّ لما ذكر أَن الْحَنَفِيَّة يمْنَعُونَ الْعَدَم مُطلقًا وَأَن الدَّلِيل الْمَذْكُور يصلح لَهُم وَجعل إِضَافَة الحكم إِلَى الْعَدَم لفظا اتجه أَن الْحَنَفِيَّة فِي كثير من الْأَحْكَام عللوا بِالْعدمِ وَأَرَادَ الْجَواب عَن ذَلِك فَقَالَ: (ويطرد) تَعْلِيل الْعَدَم بِالْعدمِ (فِي عدم عِلّة ثَبت اتحادها) يَعْنِي لَيْسَ لحكمها عِلّة غَيرهَا (لعدم حكمهَا) مِثَاله (كَقَوْل مُحَمَّد) أَي كالتعليل فِي قَوْله (فِي ولد الْمَغْصُوب) أَي ولد الْحَيَوَان الْمَغْصُوب الَّذِي لم يكن وَقت الْغَصْب مَوْجُودا (لَا يضمن) بِصِيغَة الْمَجْهُول وَالضَّمِير للْوَلَد، وَيجوز أَن يكون بِصِيغَة الْمَعْلُوم: أَي لَا يضمن الْغَاصِب إِيَّاه (لِأَنَّهُ) أَي الْوَلَد (لم يغصب) لعدم وجوده وَقت الْغَصْب، فَإِن الْغَضَب سَبَب معِين للضَّمَان لَا سَبَب سواهُ فعدمه يسْتَلْزم عدم الضَّمَان (و) كَقَوْل (أبي حنيفَة فِي نفي) وجوب (خمس العنبر لم يوجف عَلَيْهِ) لِأَن سَببه وَاحِد إِجْمَاعًا، وَهُوَ الإيجاف بِالْخَيْلِ والركاب، وَهُوَ إسراعها فِي السّير، من الوجف، وَهُوَ سرعَة السّير، فَإِن الْخمس إِنَّمَا يجب فِيمَا أَخذ من أَيدي الْكفَّار بِإِيجَاف الْخَيل والركاب، والمستخرج من الْبَحْر لَيْسَ فِي أَيْديهم، فَإِن قهر المَاء يمْنَع قهر غَيره عَلَيْهِ فَلم يكن غنيمَة (وَالْوَجْه) فيهمَا (مَا قُلْنَا) من (أَنه) أَي التَّعْلِيل بِالْعدمِ وَإِضَافَة الحكم إِلَيْهِ (لَيْسَ حَقِيقِيًّا وإضافتهما). قَالَ الشَّارِح
(4/4)

أَي إِضَافَة أبي حنيفَة عدم الْخمس وَمُحَمّد عدم الضَّمَان. وَلَا يخفى مَا فِيهِ، فَالْأولى أَن يُقَال: أَي إِضَافَة الْحكمَيْنِ الْمَذْكُورين فِي كَلَامهمَا، وَقَوله: اضافتهما بِالنّصب عطفا على اسْم إِن واضافتهما لَيست حَقِيقِيَّة بل بِحَسب اللَّفْظ على مَا مر، أَو نقُول تَقْدِير الْكَلَام وَحَقِيقَة إضافتهما (إِنَّمَا هُوَ عدم الحكم لعدم الدَّلِيل) على سَبِيل التَّوَسُّع فِي الْكَلَام (وَلَيْسَ) مَا علل بِهِ من عدم الدَّلِيل (مَا نَحن فِيهِ من الْعلَّة) بِمَعْنى الْبَاعِث وَهُوَ ظَاهر (قَالُوا) أَي الْأَكْثَرُونَ (علل الضَّرْب بِعَدَمِ الِامْتِثَال) وَهُوَ عدمي (وَالضَّرْب ثبوتي أُجِيب بِأَنَّهُ) أَي التَّعْلِيل (بالكف) أَي كف العَبْد نَفسه عَن الِامْتِثَال وَهُوَ ثبوتي (قَالُوا) أَي الْأَكْثَرُونَ أَيْضا (معرفَة المعجز) أَي كَون المعجز معجزا أَمر (ثبوتي مُعَلل بالتحدي) بالمعجزة (مَعَ انْتِفَاء الْمعَارض) أَي الَّذِي يَأْتِي بِمِثْلِهَا (وَهُوَ) أَي انْتِفَاء الْمعَارض (جُزْء الْعلَّة) لِأَنَّهَا الْإِتْيَان بخارق الْعَادة وَطلب الْإِتْيَان بِمثلِهِ عِنْد دَعْوَى النُّبُوَّة مَعَ انْتِفَاء الْمعَارض، والانتفاء عدم، وَمَا جزؤه عدم فَهُوَ عدم و (كَذَا معرفَة كَون الْمدَار) وَهُوَ مَا أدير عَلَيْهِ الحكم وجودا أَو عدما (عِلّة) للدائر وَهُوَ الحكم (بالدوران) وَكَونه علته وجودي (وجزؤه) أَي الدوران (عدم) وَهُوَ مركب من الطَّرْد، وَالْعَكْس عدمي إِذْ هُوَ عبارَة عَن الْوُجُود مَعَ الْوُجُود والعدم مَعَ الْعَدَم (أُجِيب بِكَوْنِهِ) أَي الْعَدَم (فيهمَا) فِي العلتين (شرطا) خَارِجا عَن حقيقتهما لَا جُزْءا حَتَّى يلْزم عدم العلتين (وَلَو سلم كَون التحدي لَا يسْتَقلّ) عِلّة لمعْرِفَة الْعَجز بل يحْتَاج إِلَى شَيْء آخر مَعَه فِي الْعلية (فمعرف) أَي فَهُوَ معرف للمعجزة (وَالْكَلَام فِي الْعلَّة بِمَعْنى الْمُشْتَمل على مَا ذكرنَا) من الْمُنَاسبَة الباعثة على الحكم، لَا بِمَعْنى الْمُعَرّف. قَالَ القَاضِي عضد الدّين فِي الْجَواب: لَا يخفى أَن نفس التحدي لَا يسْتَقلّ بتعريف المعجز يَعْنِي أَن قَوْلهم مُعَلل بالتحدي يدل على استقلاله بتعريف المعجز وَهُوَ غير صَحِيح، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَو اسْتَقل تحصل الْمعرفَة لكل من حَضَره: وَالْمُصَنّف يُشِير إِلَى أَن عدم استقلاله مَمْنُوع فَإِنَّهُ إِذا تَأمل فِيهِ حق التَّأَمُّل حصل الْعلم بِأَن مَا يتحدى بِهِ معجز، وَلَو سلم فَلَا يحْتَاج فِي ردهم عدم الِاسْتِقْلَال، لأَنا نقُول لَيْسَ من بَاب الْعلَّة الَّتِي كلامنا فِيهِ. (وَمِنْهَا) أَي من شُرُوط صِحَة الْعلَّة (على مَا) عزى (لجمع من الْحَنَفِيَّة) الْكَرْخِي من الْمُتَقَدِّمين وَأبي زيد من الْمُتَأَخِّرين، وَحكى عَن مَشَايِخ الْعرَاق وَأكْثر الْمُتَأَخِّرين وَبَعض الشَّافِعِيَّة وَهُوَ (أَن لَا تكون) الْعلَّة (قَاصِرَة) على الأَصْل مستنبطة، وَذهب جُمْهُور الْفُقَهَاء مِنْهُم مَشَايِخنَا السمرقنديون وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَغَيرهم إِلَى صِحَة التَّعْلِيل بهَا، وَاخْتَارَهُ صَاحب الْمِيزَان وَالْمُصَنّف فَقَالَ: (لنا) فِي صِحَة التَّعْلِيل بهَا (ظن كَون الحكم لأَجلهَا) أَي القاصرة (لَا ينْدَفع) عَن النَّاظر فِي حكم الأَصْل (وَهُوَ) أَي هَذَا الظَّن (التَّعْلِيل) والمجتهد يجب عَلَيْهِ اتِّبَاع ظَنّه (والاتفاق على) صِحَة الْعلَّة القاصرة (المنصوصة)
(4/5)

أَي الثَّابِتَة بِالنَّصِّ وعَلى الْمجمع عَلَيْهَا، مِثَال القاصرة (كجوهرية النَّقْدَيْنِ) أَي كَون الذَّهَب وَالْفِضَّة جوهرين متعينين لثمنية الْأَشْيَاء فِي تَعْلِيل حُرْمَة الرِّبَا فيهمَا فَإِنَّهُ وصف قَاصِر عَلَيْهِمَا (وَأما الِاسْتِدْلَال) للمختار بِأَنَّهُ (لَو توقف صِحَّتهَا) أَي الْعلَّة (على تعديها لزم الدّور) لتوقف تعديها على صِحَّتهَا إِجْمَاعًا (فدور معية) أَي فَغير تَامّ لِأَنَّهُ دور معية حَاصله التلازم لَا تقدم كل مِنْهُمَا على الآخر بِالذَّاتِ كتوقف كل من المتضايفين على الآخر، وَمَعْنَاهُ الْعلَّة لَا تكون إِلَّا متعدية، والمتعدية لَا تكون إِلَّا عِلّة (قَالُوا) أَي مانعو صِحَة التَّعْلِيل بهَا (لَا فَائِدَة) فِيهَا لانحصار فَائِدَة الْعلَّة فِي إِثْبَات الحكم بهَا فِي الْفَرْع وَهُوَ مُنْتَفٍ، وَمَا لَا فَائِدَة فِيهِ لَا يَصح شرعا وَلَا عقلا (أُجِيب بِمَنْع حصرها) أَي الْفَائِدَة (فِي التَّعْدِيَة، بل معرفَة كَون الشَّرْعِيَّة) للْحكم (لَهَا) أَي لِلْعِلَّةِ فَائِدَة (أَيْضا لِأَنَّهُ) أَي كَون الشَّرْعِيَّة لَهَا لِأَنَّهُ (شرح للصدر بالحكم للاطلاع) على الْمُنَاسب الْبَاعِث لَهُ فَإِن الْقُلُوب إِلَى قبُول الْأَحْكَام المعقولة أميل مِنْهَا إِلَى قهر التَّعَبُّد (وَلَا شكّ أَنه) أَي الْخلاف (لَفْظِي فَقيل لِأَن التَّعْلِيل هُوَ الْقيَاس باصطلاح) للحنفية وَهُوَ أَعم من الْقيَاس باصطلاح الشَّافِعِيَّة فالنفي للأخص وَالْإِثْبَات للأعم فَلَا نزاع بِحَسب الْحَقِيقَة (وَلِأَن الْكَلَام فِي عِلّة الْقيَاس لِأَن الْكَلَام فِي شُرُوطه) أَي الْقيَاس (وأركانه) وَلَا شكّ أَن النَّافِي فِي هَذَا السِّيَاق لَا يزِيد إِلَّا عِلّة الْقيَاس وَلَا نزاع بَين الْفَرِيقَيْنِ فِي هَذَا، فالمثبت لَا يزِيد إِثْبَات الْعلَّة القاصرة للْقِيَاس إِذْ لَا معنى لَهُ فَلَا يتوارد النَّفْي وَالْإِثْبَات فِي مَحل كل وَاحِد، وَلم يرد الْمُثبت مُخَالفَة النَّافِي بل بَيَان أصل التَّعْلِيل، بل يَصح بالقاصرة، والمولعون بِنَقْل الْخلاف نظرُوا إِلَى مَا توهمه ظَاهر كَلَامهم وَحَمَلُوهُ على الْخلاف (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن مُرَاد النَّافِي عِلّة الْقيَاس (فَلهم) أَي النافين من الْحَنَفِيَّة مَعَ غَيرهم (كثير مثله) من إِثْبَات الْعلَّة القاصرة (فِي الْحَج وَغَيره) كَمَا فِي الرمل فِي الأشواط الأول، وَكَانَ سَببه إِظْهَار الْجلد للْمُشْرِكين حَيْثُ قَالُوا: أضناهم حمى يثرب، ثمَّ بَقِي الحكم بعد زَوَال السَّبَب فِي زَمَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَبعده، وكما فِي وجوب الِاسْتِبْرَاء فِيمَا إِذا حدث لَهُ ملك الرَّقَبَة بتعرف بَرَاءَة الرَّحِم قَاصِر عَن الصَّغِيرَة والآيسة، كَذَا ذكره الشَّارِح.
وَأَنت خَبِير بِأَن هَذَا الْأَخير قُصُور آخر غير مَا نَحن فِيهِ فَتدبر (لَكِن رُبمَا سموهُ) أَي الْحَنَفِيَّة التَّعْلِيل بالقاصرة (إبداء حِكْمَة لَا تعليلا) تمييزا بَين القاصرة والمتعدية (وَجعله) أَي الْخلاف (حَقِيقِيًّا مَبْنِيا على اشْتِرَاط التَّأْثِير) فِي التَّعْلِيل (أَو الِاكْتِفَاء بالاخالة) فِيهِ من غير اشْتِرَاط التَّأْثِير كَمَا ذكره صدر الشَّرِيعَة (فعلى الأول) وَهُوَ اشْتِرَاط التَّأْثِير كَمَا عَلَيْهِ الْحَنَفِيَّة (تلْزم التَّعْدِيَة) على الثَّانِي، وَهُوَ الِاكْتِفَاء بالاخالة (غلط، إِذْ لَا يلْزم فِيهِ) أَي فِي التَّأْثِير (وجود عين) الْمُدعى (عِلّة) أَي وجود عين الْوَصْف الَّذِي ادّعى
(4/6)

كَونه عِلّة (لحكم الأَصْل فِي) مَحل (آخر يكون فرعا للاكتفاء بِجِنْسِهِ) أَي بِوُجُود حد جنس الْمُدعى عِلّة (فِي) مَحل (آخر لما صرح بِهِ من صِحَة التَّعْلِيل بِلَا قِيَاس) وَالتَّصْرِيح بِصِحَّتِهِ بِلَا قِيَاس دَلِيل على الِاكْتِفَاء بِوُجُود الْجِنْس فِي مَحل آخر، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا بُد فِي التَّأْثِير عندنَا من اعْتِبَار الشَّارِع الْعين فِي الْعين، وَهُوَ أَعلَى الْمَرَاتِب، أَو فِي الْجِنْس، أَو الْجِنْس فِي الْعين أَو فِي الْجِنْس، وَالْأول يسْتَلْزم وجود عين الْوَصْف فِي عين الحكم فِي مَحل آخر. لَا يُقَال سلمنَا أَنه يسْتَلْزم وجوده فِي عين الحكم فِي مَحل آخر. لأَنا نقُول: كلامنا فِي بَيَان شَرط الْعلَّة المستنبطة وَصِحَّة التَّعْلِيل بهَا، فَلَو كَانَ اعْتِبَار الشَّارِع لعين الْوَصْف فِي عين الحكم فِي الأَصْل لَا فِي مَحل آخر كَانَت الْعلَّة منصوصة لَا مستنبطة، فَلم يحْتَج فِي التَّعْلِيل بهَا إِلَى بَيَان التَّأْثِير، وَإِذا وجد اعْتِبَار الْوَصْف فِي مَحل آخر غير الأَصْل صَحَّ، قِيَاس حكم الأَصْل، وَصِحَّة الْقيَاس لَا تنَافِي كَونه مَنْصُوصا على مَا مر، فَحِينَئِذٍ يكون صِحَة التَّعْلِيل مَعَ الْقيَاس، وَحَيْثُ صَرَّحُوا بِصِحَّة التَّعْلِيل بِلَا قِيَاس كَانَ ذَلِك عِنْد عدم وجود الْعين فِي الْعين فِي مَحل آخر، فَلَزِمَ وجود الْجِنْس فِي مَحل آخر، وَإِلَّا لانتفى التَّأْثِير. وَفِيه أَن صِحَة التَّعْلِيل بِلَا قِيَاس لَا يسْتَلْزم الِاكْتِفَاء بِجِنْسِهِ لانْتِفَاء الْقيَاس فِيمَا إِذا اعْتبر عينه فِي جنس الحكم وَامْتنع اجْتِمَاع الْحكمَيْنِ فِي مَحل وَاحِد من غير تحقق جنسه فِي مَحل آخر، غير أَن تَعْلِيل الِاكْتِفَاء بِمَا ذكر الْتِزَام مِنْهُ لما لَا يلْزم عَلَيْهِ، لِأَن الِاكْتِفَاء بِالْجِنْسِ مُصَرح بِهِ، ثمَّ الِاكْتِفَاء بِهِ يتَحَقَّق فِي صُورَة الْجِنْس فِي الْجِنْس وَفِي الْعين فِي مَحل آخر (وَبِذَلِك) أَي بِوُجُود الْجِنْس فِي مَحل آخر (إِنَّمَا تعدد مَحل الْجِنْس) أَي مَحل جنس الْوَصْف لَا مَحل عينه لتحَقّق الْجِنْس فِي ضمن فَرد آخر غير عين الْوَصْف، والتعدية لَا تحصل إِلَّا بِتَعَدُّد مَحل عين الْوَصْف (وَلَيْسَ) الْجِنْس هُوَ (الْمُعَلل بِهِ وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن كَذَلِك بِأَن كَانَ الْجِنْس هُوَ الْمُعَلل بِهِ (لَكَانَ الْأَخَص) الَّذِي هُوَ الْمُعَلل بِهِ فِي نفس الْأَمر (عين الْأَعَمّ) الَّذِي هُوَ جنسه (و) على هَذَا التَّقْدِير (كَانَت الْعلَّة جنسه لَا هُوَ) أَي الْوَصْف نَفسه وَالْمَقْصُود من هَذَا التَّطْوِيل دفع توهم الِاتِّحَاد بَين الْوَصْف وجنسه الْمَحْمُول عَلَيْهِ لِئَلَّا يُقَال أَن تعدد مَحل الْجِنْس تعدد لمحله (وَهُوَ) أَي كَون الْمُعَلل بِهِ الْجِنْس لَا الْعين (غير الْفَرْض) لِأَن لِأَن الْمَفْرُوض كَون الْمُعَلل بِهِ الْعين لَا جنسه (فَلَا يسْتَلْزم التَّأْثِير تعدِي مَا علل بِهِ) لما عرفت من الِاكْتِفَاء وَصِحَّة التَّعْلِيل بِلَا قِيَاس (وَجعل ثَمَرَته) مُبْتَدأ مُضَاف إِلَى مَفْعُوله الأول، وَالضَّمِير للْخلاف الْمَذْكُور (منع تَعديَة) مفعول ثَان للجعل مُضَاف إِلَى مَفْعُوله: أَي إِلَى (حكم أصل فِيهِ) صفة مَا أضيف إِلَيْهِ الحكم (مُتَعَدٍّ وقاصر) فَاعل الظّرْف وَتَابعه (للمجيز) مُتَعَلق بِمَحْذُوف هُوَ حَال عَن منع التَّعْدِيَة (لَا الْمَانِع) مَعْطُوف على الْمُجِيز، يَعْنِي أَن من أجَاز التَّعْلِيل بالقاصرة
(4/7)

يمْنَع تَعديَة الحكم بالمتعدية، وَمن منع التَّعْلِيل بهَا لَا يمْنَعهَا. قَالَ صدر الشَّرِيعَة: وَثَمَرَة الْخلاف أَنه إِذا وجد فِي مورد النَّص وصفان: قَاصِر، ومتعد، وَغلب على ظن الْمُجْتَهد أَن الْقَاصِر عِلّة هَل يمْتَنع التَّعْلِيل بالمتعدي أم لَا، فَعنده يمْتَنع، وَعِنْدنَا لَا يمْتَنع، فَإِنَّهُ لَا اعْتِبَار لغَلَبَة الظَّن لعلية القاصرة فَإِنَّهَا مُجَرّد وهم، فَلَا يُعَارض غَلَبَة الظَّن بعلية الْمُتَعَدِّي الْمُؤثر انْتهى (كَذَلِك) خبر الْمُبْتَدَأ: أَي جعل ثَمَرَته مَا ذكر غلط أَيْضا كَمَا أَن بِنَاء الْخلاف على اشْتِرَاط التَّأْثِير غلط لما ذكر، ثمَّ بَين وَجه الْغَلَط بقوله (بل الْوَجْه) فِيمَا إِذا كَانَ فِي الأَصْل وصفان على مَا ذكر (إِن ظهر اسْتِقْلَال) الْوَصْف (الْمُتَعَدِّي) فِي الْعلية (لَا يمْنَع اتِّفَاقًا) من الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة وَغَيرهم لِأَن الْمُجِيز يمْنَع، وَالْمَانِع لَا يمْنَع (أَو) ظهر (التَّرْكِيب) لِلْعِلَّةِ من الْمُتَعَدِّي والقاصر (منع اتِّفَاقًا). وَلَا يخفى أَن الْمَفْهُوم من كَلَام صدر الشَّرِيعَة تحقق غَلَبَة الظَّن فِي كل وَاحِد من الوصفين، وَلَا يتَصَوَّر بِالنِّسْبَةِ إِلَى شخص وَاحِد أَن يظنّ علية كل وَاحِد مِنْهُمَا اسْتِقْلَالا فِي وَقت وَاحِد بِنَاء على عدم تَجْوِيز تعدد الْعِلَل المستقلة، وَسَيَأْتِي بَيَانه، وبالنسبة إِلَى شَخْصَيْنِ لَا تعَارض، لِأَنَّهُ يجب على كل مُجْتَهد الْعَمَل بِمَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده، وَعدم الِالْتِفَات إِلَى مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاد الآخر بِاعْتِبَار الْوَقْتَيْنِ كَذَلِك لتعين الظَّن الآخر، وَإِن أُرِيد مدخلية كل من الوصفين فِي الْجُمْلَة من غير اسْتِقْلَال، فالعلة التَّامَّة هِيَ الْمَجْمُوع وَهُوَ قَاصِر فَيتَعَيَّن الْمَنْع اتِّفَاقًا كَمَا قَالَ المُصَنّف: نعم لَو لم يعْتَبر غَلَبَة الظَّن بل تَسَاويا فِي الِاحْتِمَال فَهُوَ كَمَا ذكر السُّبْكِيّ عَن الشَّافِعِيَّة أَنهم اخْتلفُوا، وَالْجُمْهُور يرجح المتعدية، وَقيل يرجح القاصرة، وَقيل بِالْوَقْفِ (وَمَا أورد على الْحَنَفِيَّة) حَيْثُ قَالُوا بِعَدَمِ صِحَة القاصرة (من التَّعْلِيل بالثمنية لِلزَّكَاةِ) فِي الْمَضْرُوب (على ظن الْخلاف) الْمَعْنَوِيّ وَقد عرفت أَنه لَفْظِي (وَهُوَ) أَي الثمنية وصف (قَاصِر منع) وُرُوده خبر الْمَوْصُول (بتعديه) أَي بِسَبَب تعدِي وصف الثمنية (إِلَى الْحلِيّ) فَلَا يكون قاصرا (وَلَقَد كَانَ الْأَوْجه جعل الْخلاف) الْمَذْكُور (على عَكسه) أَي على عكس مَا ذكر من عدم صِحَة التَّعْلِيل بالقاصرة عِنْد جمع من الْحَنَفِيَّة، وَصِحَّته عِنْد الشَّافِعِيَّة وَجُمْهُور الْفُقَهَاء. ثمَّ بَين الْعَكْس بقوله (من التَّعْلِيل) أَي من جَوَاز التَّعْلِيل (بعلة يثبت بهَا) أَي بِتِلْكَ الْعلَّة (حكم مَحل غير مَنْصُوص لما تقدم من قبولهم) أَي الْحَنَفِيَّة (التَّعْلِيل بِلَا قِيَاس) فَلَا تكون الْعلَّة فِي ذَلِك التَّعْلِيل متعدية إِلَى فرع، وَإِلَّا لَكَانَ بِقِيَاس (بِمَا ثَبت لجنسها الخ) أَي بعلة ثَبت لجنسها أَو لعينها اعْتِبَار فِي جنس الحكم، أَو هُوَ من جِنْسهَا فِي الحكم فِي مَحل آخر لجنسها نَفسه وَإِلَّا لصَحَّ قِيَاس الْمحل الثَّانِي على الأول لما مر (وَهُوَ) أَي التَّعْلِيل بعلة يثبت لَهَا حكم مَحل بِلَا قِيَاس تَعْلِيل (بقاصرة، إِذْ لم تُوجد) تِلْكَ الْعلَّة (بِعَينهَا فِي محلين) وَإِذا كَانَ التَّعْلِيل بِمَا ذكر أمرا مقررا عِنْد الْحَنَفِيَّة (فالحنفية)
(4/8)

قَوْلهم (نعم) يجوز التَّعْلِيل بِالْعِلَّةِ القاصرة (إِذا ثَبت الِاعْتِبَار) لَهَا (بِمَا ذكرنَا فِي الْأَقْسَام الثَّلَاثَة) للتأثير اعْتِبَار جِنْسهَا فِي عين الحكم أَو جنسه أَو عينهَا فِي جنسه من النَّص أَو الْإِجْمَاع (وَالشَّافِعِيَّة) قَوْلهم (لَا) يجوز التَّعْلِيل بهَا (لِأَنَّهُ) أَي الْوَصْف الَّذِي هَذَا شَأْنه (من الْمُرْسل) الملائم. وَالْمَشْهُور من مَذْهَب الشَّافِعِي عدم قبُوله (وَمِنْهَا) أَي من شُرُوط صِحَة الْعلَّة (على) قَول (من قدم قَول الصَّحَابِيّ) على الْقيَاس (أَن لَا تكون) الْعلَّة (معدية إِلَى الْفَرْع حكما يُخَالف قَول الصَّحَابِيّ فِيهِ) أَي فِي الْفَرْع (بِشَرْطِهِ) أَي حَال كَون قَوْله فِيهِ مَقْرُونا تَقْدِيمه على الْقيَاس (السَّابِق) أَي الَّذِي سبق ذكره فِي مسئلة قبيل: فصل فِي التَّعَارُض (فِي وجوب تَقْلِيده) مُتَعَلق بِشَرْطِهِ (وتجويز كَونه) أَي قَول الصَّحَابِيّ فِي الْفَرْع ناشئا (عَن) عِلّة (مستنبطة) من أصل آخر ليَكُون اجْتِهَاده بطرِيق الْقيَاس لَا بِسَمَاعِهِ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، والمجتهد لَا يجب عَلَيْهِ تَقْلِيد مُجْتَهد آخر بل يجب اتِّبَاع ظَنّه على مَا يَقُوله من لم يقدم قَوْله على الْقيَاس (عِنْد هَؤُلَاءِ) الْقَائِلين بالتقديم ظرف لقَوْله (احْتِمَال) هُوَ خبر تَجْوِيز (مُقَابل) صفة احْتِمَال (لظُهُور كَونه) أَي قَول الصَّحَابِيّ وَاقعا (عَن نَص) سَمعه من الشَّارِع، وَاللَّام صلَة مُقَابل، وَلَا عِبْرَة بِالِاحْتِمَالِ الْمَرْجُوح فِي مُقَابلَة الظَّاهِر الرَّاجِح (كَمَا سبق) فِي مَحَله الْمَذْكُور فيطلب تَفْصِيله هُنَاكَ. (وَمِنْهَا) أَي شُرُوط صِحَة الْعلَّة (عدم نقض) الْعلَّة (المستنبطة)، والمنصوصة سَيَجِيءُ حكمهَا (تخلف الحكم عَنْهَا فِي مَحل) تحققت فِيهِ الْعلَّة وَلَو بمانع أَو عدم شَرط، وَإِنَّمَا يعرف التَّخَلُّف بِنَصّ أَو إِجْمَاع أَو قِيَاس رَاجِح علته على هَذِه المستنبطة بنصوصية أَو غَيرهَا. وَقَوله تخلف الحكم بِالْجَرِّ عطف بَيَان. لنقض المستنبطة (لمشايخ مَا وَرَاء النَّهر من الْحَنَفِيَّة) كَأبي مَنْصُور الماتريدي وفخر الْإِسْلَام وَالشَّافِعِيّ فِي أظهر قوليه، وَقَوله لمشايخ مُتَعَلق بِمَحْذُوف هُوَ حَال عَن ضمير الْمُبْتَدَأ (وَأبي الْحُسَيْن) الْبَصْرِيّ (إِلَّا أَبَا زيد) من الْمَشَايِخ الْمَذْكُورين فَإِنَّهُ ومالكا وَأحمد وَعَامة الْمُعْتَزلَة على أَنه لَيْسَ بِشَرْط (وَاخْتلفُوا) أَي الْحَنَفِيَّة الشارطون (فِي المنصوصة فمانع أَيْضا) مِنْهُم يمْنَع صِحَة المنصوصة، وَبِه قَالَ الاسفرايني وَعبد القاهر الْبَغْدَادِيّ وَنقل عَن الشَّافِعِي (و) مِنْهُم (مجوز، وَالْأَكْثَر وَمِنْهُم عراقيو الْحَنَفِيَّة كالكرخي والرازي) وَأبي عبد الله الْجِرْجَانِيّ وَأكْثر الشَّافِعِيَّة على مَا فِي البديع (يجوز) التَّخَلُّف فِي مَحل (بمانع أَو عدم شَرط فيهمَا) المستنبطة والمنصوصة، وَقيل يقْدَح مُطلقًا، نسبه السُّبْكِيّ إِلَى الشَّافِعِي وَأَصْحَابه وَقَالَ بعده أَصْحَابنَا فِي مرجحات مَذْهَب الشَّافِعِي بسلامة علله عَن الانتقاض جَارِيَة على مقتضاها. ثمَّ قَالَ وَعَلِيهِ جَمَاهِير الْمُحَقِّقين (وَاخْتَارَ الْمُحَقِّقُونَ) كَابْن الْحَاجِب (الْجَوَاز) للتخلف (فِي المستنبطة إِذا تعين الْمَانِع) وَلَو عدم شَرط وَكَذَا (وَفِي المنصوصة بِنَصّ عَام) يدل بِعُمُومِهِ على الْعلية (لَكِن إِن لم يتَعَيَّن)
(4/9)

الْمَانِع فِي المنصوصة فِي مَحل التَّخَلُّف (قدر) وجوده فِيهِ، مِثَاله أَن خُرُوج النَّجس نَاقض وَثَبت أَن الفصد لَيْسَ بناقض كَمَا ذهب إِلَيْهِ الشَّافِعِي، فَيقدر فِي الفصد مَانع من النَّقْض (أما) إِذا كَانَت منصوصة (بقاطع فِي مَحل النَّقْض فَيلْزم الثُّبُوت) أَي ثُبُوت الحكم (فِيهِ) أَي فِي مَحل النَّقْض لعدم إِمْكَان تخلف مَدْلُول الْقطعِي عَنهُ فَلَا نقض، وَهَذَا إِذا كَانَ دَلِيل التَّخَلُّف ظنيا ظَاهر، وَأما كَونه قَطْعِيا فَالظَّاهِر أَنه لَا تحقق لَهُ (أَو فِي غَيره) أَي غير مَحل النَّقْض (فَقَط) فالقاطع إِنَّمَا يدل على عليتها فِي غير مَحل النَّقْض، وَلَا دَلِيل سوى الْقَاطِع على عليتها فِي مَحل النَّقْض (فَلَا تعَارض) وَلَا نقض (قيل وَلَا فَائِدَة فِي قيد) هَذَا (الْقَاطِع لِأَن الظني) أَيْضا (كَذَلِك) كَمَا أَفَادَهُ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ بقوله لَو ثَبت الْعلية فِي غير مَحل النَّقْض خَاصَّة بظني فَلَا تعَارض أَيْضا (وَهَذَا) التَّفْصِيل فِي كَلَام الْمُحَقِّقين (مُرَاد الْأَكْثَر) الْقَائِلين يجوز بمانع أَو عدم شَرط فيهمَا لِأَنَّهُ مُقْتَضى الدَّلِيل فَلَا يخالفونه (وَلَيْسَ) هَذَا الَّذِي نسب إِلَى الْمُحَقِّقين مذهبا (آخر) كَمَا يدل عَلَيْهِ كَلَام ابْن الْحَاجِب (وَنقل الْجَوَاز) أَي جَوَاز النَّقْض (فيهمَا) أَي فِي المستنبطة والمنصوصة (بِلَا مَانع) قَالَ الشَّارِح: أَي بِلَا قدح عِنْد أَكثر أَصْحَاب أبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد انْتهى. وَالظَّاهِر أَن المُرَاد بالمانع هُنَا مَا أُرِيد بِهِ فِي قَوْله يجوز بمانع فِي قَول الْأَكْثَر (و) فِي المستنبطة (كَذَلِك) فَقَط أَي وَنقل الْجَوَاز (فِي المستنبطة فَقَط) بِلَا مَانع. (وَالْحق نقل بَعضهم) وَهُوَ الشَّيْخ قوام الدّين الكاكي (الِاتِّفَاق على الْمَنْع) من التَّعْلِيل بعلة منقوضة (بِلَا مَانع) من تَأْثِير الْعلَّة (وَمعنى قَوْلهم) يجوز فيهمَا أَو فِي المستنبطة بِلَا مَانع (الحكم بِهِ) أَي بالمانع، فالمنفي الحكم بِتَعْيِين الْمَانِع، وَهُوَ مُجْتَمع مَعَ الظَّن بِوُجُودِهِ إِجْمَالا، وَلذَا قَالَ (إِن لم يتَعَيَّن) الْمَانِع، وَإِنَّمَا قُلْنَا معنى قَوْلهم كَذَا (لدليلهم) أَي المجوزين فِي المستنبطة بِلَا مَانع (الْقَائِل) صفة لدليلهم على التَّجَوُّز، ومقول القَوْل (المستنبطة عِلّة بِمَا) أَي بِدَلِيل (يُوجب الظَّن) بعليتها (والتخلف) أَي تخلف الحكم فِي بعض الْموَاد (مشكك) أَي يُوجب الشَّك (فِي عدمهَا) أَي الْعلية (فَلَا يُوجب ظن عدمهَا فَإِنَّهُ) أَي التَّخَلُّف (إِن) كَانَ (لَا لمَانع). وَفِي بعض النخس بِلَا مَانع (فَلَا عِلّة) لاستناد التَّخَلُّف على هَذَا التَّقْدِير إِلَى عدم الْمُقْتَضى (و) إِن كَانَ (مَعَه) أَي الْمَانِع فالعلة (ثَابِتَة وجوازهما) أَي الِاحْتِمَالَيْنِ وجود الْمَانِع، وَعَدَمه (على السوَاء). قَالَ الشَّارِح: قَالَ المُصَنّف وَوجه دلَالَة دليلهم على اشْتِرَاط تَقْدِيره أَن قَوْلهم أَن بِلَا عِلّة وَمَعَهُ الْعلية ثَابِتَة فَلم يعلم الْوَاقِع من الْأَمريْنِ وَدَلِيل الْعلية الْقَائِم أوجب ظَنّهَا، فلزوم اعْتِبَار عليتها يُوجب تَقْدِيره (وَأجِيب) عَن هَذَا الدَّلِيل بِأَن التَّخَلُّف (إِن) كَانَ (أوجب الشَّك فِي عدمهَا) أَي الْعلية (أوجب فِي نقيضها) أَي الْعلية، لِأَن الشَّك فِي أحد النقيضين شكّ فِي الآخر (فناقض قَوْلكُم) الْعلَّة (مظنونة) قَوْلكُم الْعلَّة
(4/10)

(مشكوكة) لعدم إِمْكَان اجْتِمَاع الظَّن وَالشَّكّ فِي مَحل وَاحِد. (وَقَول الْفُقَهَاء لَا يرفع الظَّن بِالشَّكِّ: أَي حكمه السَّابِق لَا يرفع شرعا لطرو الشَّك فِيهِ) أَي فِي مَحل الظَّن (المستلزم لارتفاعه) أَي الظَّن (عَن الْبَقَاء) بَعْدَمَا كَانَ مَوْجُودا، فجوز الشَّرْع بَقَاء حكم الزائل فَإِنَّهُ جوز الصَّلَاة مَعَ زَوَال الظَّن الطَّهَارَة بِالشَّكِّ فِي الْحَدث فَلَيْسَ مَعْنَاهُ وجود نفس الظَّن مَعَ طرُو الشَّك فِي مُتَعَلّقه (وَلَا يُمكن مثله) أَي مثل مَا قَالَه الْفُقَهَاء (هُنَا، لِأَنَّهُ) أَي الْكَلَام (فِي ظن الْعلية لَا حكمهَا) فَإِذا زَالَ بِالشَّكِّ حكمنَا بِعَدَمِ اعْتِبَارهَا، لِأَنَّهُ لم يثبت من الشَّارِع جَوَاز الْقيَاس مَعَ زَوَال ظن الْعلية بِالشَّكِّ. ثمَّ لما حكم بِأَن الْحق نقل الِاتِّفَاق على الْمَنْع، وَأول قَول المجوزين لدليلهم الْمَذْكُور، ثمَّ رد ذَلِك الدَّلِيل بِكَوْنِهِ مستلزما للتناقض أَرَادَ تَقْرِير الدَّلِيل على وَجه يسلم عَن التَّنَاقُض، فَقَالَ (وَإِذا لزم من كَلَامهم) أَي المجوزين (تَقْدِير الْمَانِع) على مَا نقل من الِاتِّفَاق وَبَين معنى قَول المجوزين (كفاهم) فِي مُعَارضَة المانعين أَن يَقُولُوا (التَّخَلُّف) أَي تخلف الحكم عَن الْعلَّة فِي مَحل النَّقْض لَا (لمَانع يُوجب نفي ظَنّهَا) أَي الْعلية (وَالدَّلِيل) الدَّال عَلَيْهَا (أوجبه) أَي ظَنّهَا (وَأمكن الْجمع) بَين القَوْل بَان التَّخَلُّف بِلَا مَانع يُوجب نفي الظَّن، وَالدَّلِيل الدَّال على عليتها، أَو بَين دَلِيل الْعلية وَدَلِيل الإهدار، وَهُوَ التَّخَلُّف، فَعمل بِمُوجب الأول فِي غير صُورَة النَّقْض، وَبِالثَّانِي فِي صورته (بتقديره) أَي الْمَانِع، فَيُقَال: نعم التَّخَلُّف بِلَا مَانع يُوجب نَفْيه، لَكِن لَا تخلف هَهُنَا، لأَنا نقدر الْمَانِع، وَالْمَانِع مَوْجُود تَقْديرا احْتِرَازًا عَن إهدار الدَّلِيل بِحَسب الْإِمْكَان (قَالُوا) أَي الْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ فِي المستنبطة ثَانِيًا (لَو توقف الثُّبُوت) للْحكم (بهَا) أَي بالعلية (فِي غير مَحل التَّخَلُّف عَلَيْهِ) أَي على ثُبُوت الحكم (بهَا) أَي بالعلية (فِيهِ) أَي فِي مَحل التَّخَلُّف كَمَا زعمتم أَيهَا الشارطون عدم النَّقْض فِي ثُبُوت الحكم بهَا (انعكس) أَي توقف ثُبُوت الحكم فِي مَحل التَّخَلُّف عَلَيْهِ بهَا فِي غير مَحل التَّخَلُّف (فدار) وَهُوَ ظَاهر (أَولا) ينعكس (فتحكم) أَي فَعدم انعكاسه تحكم، لِأَن ثُبُوت الحكم بهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ على السوية فِي التَّوَقُّف وَعدم التَّوَقُّف، فإثبات توقف أَحدهمَا دون الآخر تحكم (أُجِيب) بِاخْتِيَار الأول، وَهُوَ التَّوَقُّف من الْجَانِبَيْنِ وَمنع بطلَان اللَّازِم، إِذْ هُوَ (دور معية) لَا دور تقدم (وَهَذَا) الْجَواب (صَحِيح إِذا أُرِيد توقف اعْتِبَار الشَّارِع) كَونهَا عِلّة فِي غير مَحل التَّخَلُّف على اعْتِبَار كَونهَا عِلّة فِي مَحل التَّخَلُّف (لَكِن الْكَلَام فِي الدّلَالَة عَلَيْهَا) أَي على الْعلية، يَعْنِي لَيْسَ الْكَلَام فِي توقف الثُّبُوت على الثُّبُوت بِحَسب التحقق، بل بِحَسب الْعلم وَمَا يفِيدهُ وَيدل عَلَيْهِ وَالْحَاصِل أَن قَوْلهم لَو توقف الثُّبُوت بهَا إِلَى آخِره يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا توقف ثُبُوت الحكم بهَا عِنْد الشَّارِع بِاعْتِبَارِهِ عليتها للْحكم فِي غير مَحل النَّقْض على
(4/11)

ثُبُوت الحكم بهَا كَذَلِك فِي مَحل النَّقْض، وَحِينَئِذٍ يكون التَّوَقُّف من الْجَانِبَيْنِ بِمَعْنى التلازم وَلَا مَحْذُور فِيهِ، وَالثَّانِي توقف الْعلم بعليتها فِي غير مَحل النَّقْض على الْعلم بعليتها لَهُ فِي مَحل النَّقْض وَهَذَا معنى قَوْله (أَي لَو توقف الْعلم بالثبوت بهَا: أَي بعليتها الخ). قَوْله: أَي بعليتها تَفْسِير للثبوت بهَا من قبيل التَّفْسِير باللازم، فَإِن ثُبُوت الحكم بهَا يلْزمه عليتها (وَإِذن) أَي وَإِذا توقف الْعلم بعليتها فِي غير مَحل النَّقْض على الْعلم بعليتها فِي مَحَله وانعكس (فترتب) أَي فالدور دور تَرْتِيب وَتقدم من الْجَانِبَيْنِ لَا دور معية (لأَنا لَا نعلمها) أَي الْعلية (إِلَّا بالثبوت) أَي بِالْعلمِ بِثُبُوت الحكم (فِي الْكل) فِي جَمِيع صور وجودهَا (فَلَو علم بهَا) أَي بالعلية (الثُّبُوت تقدم كل) مِنْهُمَا على الآخر وَلَا يخفى عَلَيْك أَن الْمُدعى إِثْبَات الترتب والتقدم لكل من الْعلم بعليتها فِي غير مَحل النَّقْض، وَالْعلم بعليتها فِي مَحَله، وَالدَّلِيل يُفِيد إثْبَاته لكل من الْعلم بالعلية وَالْعلم بِثُبُوت الحكم بهَا فِي جَمِيع صور وجودهَا، فالدليل لَا يُطَابق الْمُدعى.
وَاعْلَم أَن هَذَا نَظِير مَا فِي الشَّرْح العضدي من قَوْله لَو توقف كَونهَا أَمارَة، وَهُوَ ثُبُوت الحكم بهَا فِي غير صُورَة التَّخَلُّف على ثُبُوت الحكم بهَا فِي صُورَة التَّخَلُّف لانعكس فتوقف ثُبُوته فِيهَا على ثُبُوته فِي غَيرهَا وَيلْزم الدّور، ثمَّ ذكر أَنه دور معية ثمَّ رده وَقَالَ هَذَا لَيْسَ بِحَق، إِذْ لَا يعلم عليتها إِلَّا بِثُبُوت الحكم بهَا فِي جَمِيع صور وجودهَا، فَلَو علم ثُبُوت الحكم بهَا لزم دور تقدم قطعا، إِذْ مَا بِهِ يعلم الشَّيْء قبل الْعلم بالشَّيْء فالمصنف ترك كَونهَا أَمارَة وَاكْتفى بتفسيره، فالإيراد مُشْتَرك بَينهمَا. وَالْجَوَاب أَن قَوْلهم فِي الِاسْتِدْلَال ثُبُوت الحكم بهَا أُرِيد بِهِ علية الْعلَّة فِي جَانب الْمَوْقُوف فِي التَّوَقُّف الأول لكَونه مَعْنَاهُ وَأُرِيد بِهِ حَقِيقَته، وَهُوَ تحقق الحكم بِسَبَب الْعلَّة فِي جَانب الْمَوْقُوف عَلَيْهِ فِي ذَلِك التَّوَقُّف، فَالْمَوْقُوفُ حِينَئِذٍ الْعلم بعليتها، وَالْمَوْقُوف عَلَيْهِ الْعلم بتحقق الحكم بِسَبَبِهَا، وَفِي التَّوَقُّف الثَّانِي عكس ذَلِك: فَالْمَوْقُوفُ فِيهِ الْعلم بتحقق الحكم بِسَبَبِهَا، وَالْمَوْقُوف عَلَيْهِ الْعلم بعليتها، فانطبق الدَّلِيل على الْمُدعى، غير أَنه لم يذكر المحلين فِي هَذَا التَّقْدِير تسهيلا للفهم مَعَ الِاسْتِغْنَاء عَنهُ فَهُوَ جَوَاب بتفسير يسير للدليل (لِأَن مَا بِهِ الْعلم قبله) تَعْلِيل لتقدم كل من الْعلم بالعلية وَالْعلم بالثبوت، يَعْنِي مَا يحصل بِهِ الْعلم بالشَّيْء الْعلم بِهِ قبل الْعلم بذلك الشَّيْء (وَحِينَئِذٍ) أَي وَحين قرر الِاسْتِدْلَال على هَذَا الْوَجْه (الْجَواب) عَن الِاسْتِدْلَال الْمَذْكُور (منع لُزُوم الانعكاس و) منع لُزُوم (التحكم) على تَقْدِير عدم الانعكاس (إِذْ ابْتِدَاء ظن الْعلية) إِنَّمَا يكون (بِأحد المسالك) لِلْعِلَّةِ من الْمُنَاسبَة وَغَيرهَا على مَا بَين فِي مَوْضِعه فبذلك يحصل الظَّن بهَا، غير أَنه يبْقى احْتِمَال ظُهُور مَا يُنَافِيهِ (فَإِذا استقرئت الْمحَال) لِلْعِلَّةِ (لاستعلام معارضه) أَي لطلب الْعلم بِوُجُود مَا يُعَارض ذَلِك الْمُوجب للظن (من التَّخَلُّف) بِأَن تُوجد الْعلَّة فِي مَحل وَلَا يُوجد
(4/12)

فِيهِ الحكم (لَا لمَانع) مُتَعَلق بالتخلف، فَإِنَّهُ إِذا كَانَ لمَانع لَا يضر بعليتها (فَلم يُوجد) التَّخَلُّف مَعْطُوف على استقرئت (اسْتمرّ) الظَّن الْحَاصِل بِأحد المسالك (فاستمراره) أَي الظَّن الْمَذْكُور هُوَ (الْمَوْقُوف على الثُّبُوت) أَي على الْعلم بِثُبُوت الحكم فِي جَمِيع الْمحَال (أَو) على (عَدمه) أَي عدم الثُّبُوت فِي بعض الْمحَال (مَعَ الْمَانِع، وَالْحكم بالثبوت) أَي بِثُبُوت الحكم (بِهِ) أَي بِالْوَصْفِ الَّذِي هُوَ الْعلَّة يتَوَقَّف (على ابْتِدَاء ظَنّهَا) أَي علية الْوَصْف الْمَذْكُور (فِي الْجُمْلَة) لما بَين عدم توقف الْعلم بالعلية على الثُّبُوت انْدفع بذلك الدّور، ثمَّ أَرَادَ أَن يبين التَّوَقُّف من جَانب الثُّبُوت بهَا فَقَالَ وَالْحكم الخ: يَعْنِي الْعلم بِأَن الحكم ثَابت بِالْعِلَّةِ يتَوَقَّف على ابْتِدَاء ظَنّهَا الْحَاصِل بِأحد المسالك فِي بعض الْموَاد، وَالْمرَاد نفي الْعلَّة أصل الظَّن من غير قيد الِاسْتِمْرَار فقد علم بذلك أَن توقف الْعلم بالعلية على الثُّبُوت فِي الْكل إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَار اسْتِمْرَار الظَّن بهَا، لَا بِاعْتِبَار أصل الظَّن، وَتوقف الْعلم بالثبوت إِنَّمَا هُوَ على ابْتِدَاء الظَّن، فالاستمرار الَّذِي هُوَ الْمَوْقُوف فِي التَّوَقُّف الأول لم يصر مَوْقُوفا عَلَيْهِ فِي التَّوَقُّف الثَّانِي حَتَّى يلْزم الانعكاس بل الْمَوْقُوف عَلَيْهِ فِي التَّوَقُّف الثَّانِي إِنَّمَا هُوَ ابْتِدَاء الظَّن الْحَاصِل بِأحد المسالك. (وَاسْتشْكل) الْجَواب الْمَذْكُور (بِمَا إِذا قَارن) ظن الْعلية (الْعلم بالتخلف) أَي تخلف الحكم عَن الْعلَّة (كَمَا لَو سَأَلَهُ فقيران): غير فَاسق، وفاسق (فَأعْطى أَحدهمَا) وَهُوَ غير الْفَاسِق (وَمنع الْفَاسِق) فالمشاهد لصنيعه يشك بِسَبَب ذَلِك الْمَنْع فِي أَن عِلّة الْإِعْطَاء هَل هُوَ الْفقر أَو غَيره فَلَا يحصل لَهُ الْعلم بعليته، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَإِن الْعلم بعلية الْفقر يتَوَقَّف على الْعلم بمانعية الْفسق) من تحقق الحكم وَهُوَ الْإِعْطَاء فَإِن ظهر أَن بِالْفِسْقِ منع علم أَن الْفقر هُوَ الْعلَّة وَإِنَّمَا تخلف الحكم عَنهُ فِي الْمَمْنُوع بِسَبَب الْفسق الْمَانِع من تَأْثِيره، والاعلم أَنه لَيْسَ بعلة وَإِلَّا يلْزم تخلف الْمَعْلُول عَن الْعلَّة (وَبِالْعَكْسِ) أَي ويتوقف الْعلم بمانعية الْفسق على الْعلم بعلية الْفقر لِأَنَّهُ لَو كَانَ الْعلَّة أمرا آخر مفقودا فِي الْمَمْنُوع كَانَ عدم الْإِعْطَاء لعدم الْمُقْتَضى لَا لوُجُود الْمَانِع، فَحِينَئِذٍ توقف الْعلم بِثُبُوت الحكم بِهِ على الْعلم بالعلية فِي حق من أعْطى فَلَزِمَ الدّور، وَإِذا علم أَن الْجَواب الْمَذْكُور لَا يدْفع الدّور فِي صُورَة الْمُقَارنَة (فَالصَّوَاب) فِي الْجَواب مَا يدْفع الدّور فِي جَمِيع الصُّور وَهُوَ (أَن المتوقف على الْعلم بالعلية الْعلم بالمانعية بِالْفِعْلِ) لَا المانعية بِالْقُوَّةِ لِأَنَّهُ قد يعلم كَون الشَّيْء بِحَيْثُ إِذا جَامع وَصفا منع مُقْتَضَاهُ مَعَ أَن ذَلِك الْوَصْف لم تعلم عليته بِالنِّسْبَةِ إِلَى حكم بِخِلَاف الْعلم بتحقق المانعية فَإِنَّهُ لَا يتَصَوَّر بِدُونِ الْعلم بعلية الْوَصْف للْحكم للْعلم بتخلفه عَنهُ فِي بعض الْموَاد بِسَبَب الْمَانِع (والمتوقف عَلَيْهِ الْعلية هُوَ المانعية بِالْقُوَّةِ، وَهُوَ) أَي المانعية بِالْقُوَّةِ، والتذكير بِاعْتِبَار الْخَبَر (كَون الشَّيْء بِحَيْثُ إِذا جَامع باعثا مَنعه) أَي الْبَاعِث (مُقْتَضَاهُ) فَفِي الْمِثَال الْمَذْكُور علمنَا بِأَن الْفسق منع عَن
(4/13)

الْإِعْطَاء مَوْقُوف على الْعلم بِكَوْن الْفقر عِلّة لَهُ وَلَكِن علمنَا بِأَن الْفقر عِلّة لَهُ لَا يتَوَقَّف على علمنَا بِأَن الْفسق قد يمْنَع بل يَكْفِي فِيهِ أَن الْفسق من شَأْنه أَن يمْنَع فَظن الْعلية المقرون بتخلف الْإِعْطَاء لَا يحْتَاج إِلَى الْعلم بِأَن الْفسق قد منع بل يَكْفِيهِ كَون الْفسق بِحَيْثُ إِذا جَامع الْفقر يمنعهُ مُقْتَضَاهُ (وَهَذَا) الدَّلِيل مَعَ جَوَابه (مُشْتَرك) صَالح (للقولين) اللَّذين أَحدهمَا جَوَاز النَّقْض فِي المنصوصة والمستنبطة، وَالْآخر جَوَازه فِي المستنبطة فَقَط (وَيزِيد الْمَانِع فِي المنصوصة) فِي تَعْلِيل الْمَنْع قَوْله (باستلزامه) أَي النَّقْض فِيهَا، فتقرير الْكَلَام لَا يجوز فِي المنصوصة بِسَبَب استلزامه (بطلَان النَّص لمقْتَضى الثُّبُوت) أَي ثُبُوت الحكم (فِي مَحل التَّخَلُّف) لتناول النَّص الْمَذْكُور إِيَّاه (بِخِلَاف المستنبطة) فَإِن دليلها يَسْتَدْعِي ترَتّب الحكم عَلَيْهَا عِنْد خلوها عَن الْمَانِع فَلَا تخلف للْحكم عَن هَذَا الدَّلِيل عِنْد وجود الْمَانِع (أُجِيب) عَن هَذِه الزِّيَادَة بِأَنَّهُ (إِن) كَانَ النَّص (قَطْعِيا) يقطع (بالثبوت) أَي ثُبُوت الحكم (فِي مَحل التَّخَلُّف لم يقبل) عُمُوم ذَلِك النَّص الدَّال على علية المنصوصة الثَّابِت مَعهَا الحكم فِي مَحل التَّخَلُّف قطعا (التَّخْصِيص) بِمَا عدا مَحل التَّخَلُّف، لِأَن ثُبُوت الحكم فِيهِ قَطْعِيّ فَلَا تخلف حِينَئِذٍ (أَو) كَانَ النَّص الْمَذْكُور (ظنيا) فَكَانَ ثُبُوت الحكم فِي مَحل التَّخَلُّف بِمُقْتَضى ذَلِك النَّص ظنيا (وَجب قبُوله) أَي قبُول عُمُوم ذَلِك النَّص الظني التَّخْصِيص (و) وَجب (تَقْدِير الْمَانِع جمعا) بَين الدَّلِيلَيْنِ أَحدهمَا مَا يُفِيد ظن الْعلية، وَالْآخر مَا يُفِيد إهدارها، وَهُوَ التَّخَلُّف (وَأَنت علمت مَا يكفيهم) فِي الْجَواب عَن هَذَا من أَن التَّخَلُّف لَا لمَانع يُوجب نفي ظَنّهَا، وَالدَّلِيل أوجبه وَأمكن الْجمع بتقديره فَوَجَبَ (فَإِنَّمَا هَذَا) أَي التَّطْوِيل فِي الْبَيَان مَعَ الِاسْتِغْنَاء بِمَا يَكْفِي فِي أَدَاء المُرَاد وَدفع الْإِيرَاد (من تَصَرُّفَات المولعين بِنَقْل الْخلاف دون تَحْرِير) منقح عَن الإطناب المخل (وللعاكس) للْجُوَاز فِي المستنبطة لَا المنصوصة بتجويره فِي المنصوصة لَا المستنبطة (نَحوه) أَي نَحْو هَذَا الدَّلِيل الْمَذْكُور للْجُوَاز فِي المستنبطة، وَهُوَ قَوْلهم (لَو صحت المستنبطة مَعَ نقضهَا كَانَ) كَونهَا صَحِيحَة (للمانع) أَي لوُجُود الْمَانِع فِي مَحل النَّقْض (فتوقفت صِحَّتهَا) حَال كَونهَا (منقوضة عَلَيْهِ) أَي الْمَانِع (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يتَوَقَّف عَلَيْهِ وَجَاز التَّخَلُّف بِلَا مَانع (فَلَا اقْتِضَاء) لتِلْك الْعلَّة (وتحققه) أَي الْمَانِع (فرع صِحَة عليتها) إِذْ لَو لم تصح الْعلية لَكَانَ عدم الحكم لعدم الْعلَّة لَا لوُجُود الْمَانِع فتوقف الصِّحَّة على الْمَانِع وَالْمَانِع على الصِّحَّة (فدار أُجِيب بِأَنَّهُ) أَي هَذَا الدّور (معية) أَي دور معية كَمَا مر فِي جَوَاب الِاسْتِدْلَال السَّابِق. (وَدفع) هَذَا الْجَواب (بِأَن حَقِيقَة المُرَاد) من الْمَوْقُوف وَالْمَوْقُوف عَلَيْهِ (الْعلم بِالصِّحَّةِ) أَي صِحَة الْعلية (والمانعية) أَي وَالْعلم بالمانعية، وَإِضَافَة الْحَقِيقَة إِلَى المُرَاد من قبيل إِضَافَة حُصُول الصُّورَة: أَي المُرَاد الْحق وَفِي
(4/14)

ذكر الْحَقِيقَة مَوضِع الْحق مُبَالغَة، وَإِذا كَانَ الْعلم بِالصِّحَّةِ مَوْقُوفا على الْعلم بالمانعية وَبِالْعَكْسِ كَانَ الدّور دور ترَتّب، إِذْ مَا بِهِ الْعلم بالشَّيْء قبل الْعلم بذلك الشَّيْء بِالذَّاتِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَهُوَ) أَي توقف كل مِنْهُمَا على الآخر (ترَتّب) أَي دور تقدم (بل الْجَواب أَنا نظن صِحَّتهَا) أَي الْعلية (أَولا بِمُوجبِه) أَي الظَّن (ثمَّ نستقرئ الخ) أَي الْمحَال لاستعلام معارضه من التَّخَلُّف، لَا لمَانع فَإِن لم نجد اسْتمرّ الظَّن بِصِحَّتِهَا إِلَى آخر مَا ذكر قَرِيبا فَارْجِع إِلَيْهِ (وَيجْرِي فِيهِ) أَي فِي هَذَا الْجَواب مَا جرى فِي الْجَواب السَّابِق، وَهُوَ (إِشْكَال الْمُقَارنَة) أَي إِذا كَانَ الْعلم بالتخلف مُقَارنًا للْعلم بِالصِّحَّةِ لَا يَتَأَتَّى الْجَواب، فَإِن الْمَوْقُوف على الْعلم بالمانعية إِنَّمَا هُوَ الِاسْتِمْرَار (وَدفعه) أَي وَيجْرِي أَيْضا دفع الْإِشْكَال الْمَذْكُور بِأَن يُقَال مَا يتَوَقَّف على الْعلم بِالصِّحَّةِ وَهُوَ الْعلم بالمانعية بِالْفِعْلِ إِنَّمَا هُوَ الِاسْتِمْرَار، وَمَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْعلم بِالصِّحَّةِ هُوَ الْعلم بالمانعية بِالْقُوَّةِ على مَا مر (وَجه) الْمَذْهَب (الْمُخْتَار) من أَن عدم النَّقْض فِي كل من المنصوصة لَيْسَ بِشَرْط فِي صِحَّتهَا (أَنه) أَي التَّخَلُّف وَعدم ثُبُوت الحكم فِي مَحل النَّقْض (تَخْصِيص لعُمُوم دَلِيل حكم) وَهُوَ مَا يدل عَلَيْهِ الْوَصْف من نَص فِي المنصوصة وَأحد المسالك فِي المستنبطة، وَالْحكم كَون الْوَصْف عِلّة، وعمومه شُمُوله جَمِيع صور وجود الْعلَّة بِاعْتِبَار ثُبُوت الحكم، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِدَلِيل الحكم الْعلَّة وبالحكم مَا هُوَ الْمُتَعَارف (فَوَجَبَ قبُوله) أَي قبُول تَخْصِيص عُمُومه (كاللفظ) أَي كَمَا يجب قبُول تَخْصِيص عُمُوم اللَّفْظ عِنْد وجود مَا يَقْتَضِيهِ. (وَمَا قيل) مَا مَصْدَرِيَّة وَالتَّقْدِير، وَقَوْلهمْ (الْخلاف مَبْنِيّ على الْخلاف فِي قبُول الْمعَانِي الْعُمُوم) أَو مَوْصُولَة، وَالتَّقْدِير: أَعنِي الْخلاف إِلَى آخِره، أَو الْمحل بدل من الْمَوْصُول: يَعْنِي الْخلاف الْمَذْكُور فِي هَذَا الْمقَام مَبْنِيّ على الْخلاف الْوَاقِع فِي قبُول الْمعَانِي الْعُمُوم (فالمانع) ثمَّ أَن لَهَا عُمُوما (إِذْ) الْمَعْنى وَاحِد (لَا تعدد إِلَّا فِي محاله) بِخِلَاف الْأَلْفَاظ لشمولها المتعدد بِذَاتِهِ (مَانع هُنَا) من تَخْصِيص الْعلَّة لِأَنَّهَا معنى، وَالْمعْنَى لَا يقبل الْعُمُوم، والتخصيص فرع الْعُمُوم (غير لَازم) خبر لقَوْله مَا قيل، وَقَول الشَّارِح الْخلاف مُبْتَدأ وَخَبره غير لَازم غير مُسْتَقِيم وَهُوَ ظَاهر (لوُقُوع الِاتِّفَاق حِينَئِذٍ) أَي حِين كَانَت حجَّة الْمَانِع هَذَا (على تعدد محاله) أَي الْمَعْنى (وَالْكَلَام هُنَا) أَي فِي تَخْصِيص الْعلَّة (لَيْسَ إِلَّا باعتبارها) أَي محالها، والمناقشة بِأَن التَّخْصِيص فرع الْعُمُوم، وَالْمعْنَى لَا يُوصف بِالْعُمُومِ غير موجه (إِذْ حَاصله) أَي حَاصِل تَخْصِيص الْعلَّة (أَنه) أَي الْوَصْف الَّذِي هُوَ الْعلَّة (يُوجب الحكم فِي محاله) أَي فِي محَال ذَلِك الْوَصْف (إِلَّا مَحل الْمَانِع) وَإِذا صَحَّ حَاصِل الْمَعْنى المُرَاد فالمضايقة فِي التَّعْبِير بِلَفْظ التَّخْصِيص لَيْسَ من دأب المحصلين (وَالْمَانِع هُوَ دَلِيل التَّخْصِيص. وَبِه) أَي بِمَا ذكر من معنى تَخْصِيص الْعلَّة المستلزم عِنْد اعْتِبَارهَا لُزُوم الحكم لمُطلق الْعلَّة فِي جَمِيع الصُّور لكَون المخصصة من جملَة أفرادها
(4/15)

(انْدفع قَول المانعين) من تَخْصِيص الْعلَّة (أَنه) أَي تخصيصها (تنَاقض لَا تَخْصِيص، لِأَن دَلِيل الْعلية يُوجب قَوْله) أَي الشَّارِع لَا الْمُعَلل كَمَا زعم الشَّارِح (هَذَا الْوَصْف مُؤثر فِي الحكم كَقَوْلِه جعلته أَمارَة عَلَيْهِ) أَي كَمَا أَنه يُوجب قَوْله جعلته أَمارَة على الحكم (أَيْنَمَا وجد) الْوَصْف الْمَذْكُور، فَقَوله أَيْنَمَا مُتَعَلق بِكُل من التَّأْثِير، والجعل على سَبِيل التَّنَازُع، وَإِنَّمَا انْدفع قَوْلهم لِأَن دَلِيل الْعلية لَا يُوجب جعله أَمارَة عَلَيْهِ أَيْنَمَا وجد (بل فِي غير مَحل التَّخَلُّف) فَإِن قلت دليلها لَا يخْتَص بِغَيْر مَحل التَّخَلُّف، فَإِن نسبته إِلَى جَمِيع الْمحَال على السوية قلت نعم وَلَكِن فِي مَحل التَّخَلُّف يَقع مُعَارضَة بَينه وَبَين دَلِيل التَّخْصِيص فَيعْمل بِمُقْتَضَاهُ فِي غير مَحل التَّخَلُّف. وبمقضتى دَلِيل التَّخْصِيص فِي مَحَله احْتِرَاز عَن إهدار أحد الدَّلِيلَيْنِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَلَمَّا كَانَ فِي مَحل التَّخَلُّف مَانع عَن إِيجَاب مُقْتَضَاهُ صَحَّ قَوْلنَا لَا يُوجب جعله أَمارَة فِي مَحل التَّخَلُّف بل فِي غَيره (غير أَنا إِذا قَطعنَا بِانْتِفَاء الحكم فِي بعض محاله) أَي الْوَصْف (مَعَ النَّص على الْعلَّة، وَلم يظْهر مَا يَصح إِضَافَة التَّخَلُّف إِلَيْهِ) من أَمر معِين مَانع عَن تَأْثِير الْعلَّة فِي مَحل الانتفاء (قَدرنَا مَانِعا) على سَبِيل الْإِجْمَال فِي ذَلِك الْمحل (جمعا بَين الدَّلِيلَيْنِ) دَلِيل الْعلية وَدَلِيل الإهدار على مَا مر (وَهُوَ) أَي الْجمع بالتقدير أَو التَّقْدِير للْجمع (أولى من إبِْطَال دَلِيل الْعلَّة) يرد عَلَيْهِ أَن الْأَوْلَوِيَّة تَقْتَضِي جَوَاز إِبْطَاله مرجوحا وَالْمَفْهُوم مِمَّا سبق عدم جَوَازه، وَذَلِكَ أَن تَقول إِذا ثَبت أَوْلَوِيَّة الْجمع وَجب على الْمُجْتَهد الْعَمَل بِهِ لِئَلَّا يلْزم تَرْجِيح الْمَرْجُوح وَإِذا وَجب لم يجز الْإِبْطَال. (وَمَا قيل) على مَا أَشَارَ إِلَيْهِ صدر الشَّرِيعَة وَقرر فِي التَّلْوِيح من أَن (التَّخْصِيص ملزوم للمجاز) أَي يلْزمه اسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي غير مَا وضع لَهُ، وَذَلِكَ لِأَن اللَّفْظ الْمَوْضُوع بِإِزَاءِ مَجْمُوع إِذا أخرج مِنْهُ الْبَعْض وَاسْتعْمل فِيهِ كَانَ بِالضَّرُورَةِ مُسْتَعْملا فِي غير مَا وضع لَهُ (الْمَلْزُوم للفظ) وَإِنَّمَا وصف الْمجَاز بالملزومية بِاللَّفْظِ لَا باللزوم لَهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَازِم للفظ، على أَن اللَّازِم قد يتَحَقَّق بِدُونِ الْمَلْزُوم، وَأَن الْمَقْصُود أَن غير اللَّفْظ لَا يُوصف بِهِ (منع) خبر للموصول (بِأَن الْمَلْزُوم للمجاز مِنْهُ) أَي من التَّخْصِيص (تَخْصِيص اللَّفْظ لَا) التَّخْصِيص حَال كَونه (مُطلقًا، بل هُوَ) أَي التَّخْصِيص مُطلقًا (أَعم) من أَن يكون ملزوما للمجاز أَولا، فَالْمَعْنى الْأَعَمّ لَهُ مثل أَن يُقَال هُوَ بَيَان إِرَادَة الْبَعْض من مُتَعَدد حكم عَلَيْهِ بِحكم يَشْمَل الْمَجْمُوع لَو لم يبين المُرَاد سَوَاء كَانَ مدلولا لفظا أَولا، والمتعدد هَهُنَا موارد الْعلَّة الْمَحْكُوم عَلَيْهَا بِثُبُوت الحكم فِيهَا وَالْبَعْض المُرَاد مَا لم يكن فِيهِ مَانع من ثُبُوت حكمه (قَالُوا) أَي المانعون الْمَوْجُود الْعلَّة فِي غير مَحل التَّخَلُّف (إِذْ لَا بُد فِي صِحَّتهَا من الْمَانِع) أَي من عدم الْمَانِع. قَالَ الشَّارِح سقط لفظ عدم من الْقَلَم (وَوُجُود الشَّرْط فعدمه) أَي الْمَانِع (ووجوده) أَي الشَّرْط (جُزْء الْعلَّة لِأَن الْمَجْمُوع) مِنْهُمَا وَمن الْوَصْف هُوَ (المستلزم) للْحكم وَقد وجد الْمَانِع أَو فقد الشَّرْط فِي مَحل التَّخَلُّف فَلم يُوجد
(4/16)

تَمام الْعلَّة (قُلْنَا فَرجع) حِينَئِذٍ (لفظيا مَبْنِيا على تَفْسِيرهَا: أَهِي الْبَاعِث) على الحكم فَلَا يلْزم من عدم الحكم عدمهَا، لِأَن الْعلَّة الباعثة قد يتَخَلَّف عَنْهَا الْمَعْلُول لمَانع أَو فَوَات شَرط (أَو) هِيَ (جملَة مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ) الحكم فَلَا يُمكن أَن يتَخَلَّف عَنْهَا فَحَيْثُ لم يُوجد الحكم يحكم لعدمها (لَكِن الْحق خطؤكم) فِي جعلكُمْ الْعلَّة هَهُنَا جملَة مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ (لتفسيركم) الْعلَّة (بالمؤثر) كَمَا نفسرها بِهِ (وَالشّرط وَعدم الْمَانِع لَا دخل لَهما فِي التَّأْثِير بموافقتكم) مَعنا فِي هَذَا، فالمجموع الْمركب من الْمُؤثر وَغَيره لَا يصدق عَلَيْهِ أَنه مُؤثر (وَأما إِلْزَام تصويب كل مُجْتَهد) على القَوْل بِجَوَاز تَخْصِيص الْعلَّة فَإِن كل مُجْتَهد إِذا ورد عَلَيْهِ النَّقْض فِي عليته لَهُ أَن يَقُول خصت بِمَا عدا تِلْكَ الْمَادَّة، وَلَا يخفى عَلَيْك أَنه لَا ينْحَصر إبِْطَال دَلِيله فِي النَّقْض حَتَّى يتَخَلَّص فِي كل بحث بِهَذَا الْجَواب، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فمنتف لِأَن ادعاءه علية الْوَصْف لَا يقبل مِنْهُ أَولا إِلَّا بِدَلِيل) وَيتَّجه عَلَيْهِ أَنْوَاع من الْإِبْطَال (وَمَعَ التَّخَلُّف لَا يقبل مِنْهُ) أَنه امْتنع الحكم فِي مَحل كَذَا لمَانع (إِلَّا أَن يبين مَانِعا، وَإِنَّمَا ذَلِك) أَي قبُول مَا ذكر (لَازم مَعَ إِجَازَته) أَي الْبَعْض (بِلَا تَعْيِينه كَمَا حررناه) وَعرفت من أَن الْحق أَنه لَا بُد من بَيَان مَانع صَالح للتخصيص (أَو) إِجَازَته (بِلَا مَانع كَمَا قيل أَو دَلِيل) مَعْطُوف على إِجَازَته: أَي لَا يقبل مِنْهُ ادِّعَاء الْعلية مَعَ التَّخَلُّف إِلَّا مَعَ دَلِيل يدل على اعْتِبَار عليته مَعَ التَّخَلُّف. (وَقَوْلهمْ: صِحَة الْعلية تَسْتَلْزِم ثُبُوت الحكم فِي مَحل التَّخَلُّف لَيْسَ بِشَيْء بَعْدَمَا ذَكرْنَاهُ) من وجوب الْجمع بَين دليلي الْعلَّة والتخلف. (وَقَوْلهمْ تعَارض دَلِيل الِاعْتِبَار) لِلْعِلَّةِ (و) دَلِيل (الإهدار فَلَا اعْتِبَار) بِشَيْء مِنْهَا للتساقط فَلَا علية (مَمْنُوع لِأَن التَّخَلُّف لَيْسَ دَلِيل الإهدار إِلَّا بِلَا مَانع) فِي الشَّرْح العضدي اخْتلف فِي جَوَاز النَّقْض على مَذَاهِب: أَولهَا يجوز مُطلقًا، ثَانِيهَا لَا يجوز مُطلقًا، ثَالِثهَا يجوز فِي المنصوصة دون المستنبطة، رَابِعهَا يجوز فِي المستنبطة لمَانع أَو عدم شَرط دون المنصوصة، خَامِسهَا يجوز فِي المستنبطة وَلَو بِلَا مَانع أَو عدم شَرط دون المنصوصة. ثمَّ ذكر مذهبا مُخْتَارًا حَاصله أَنه لَا بُد من مَانع أَو عدم شَرط، لَكِن فِي المستنبطة يجب الْعلم بِعَيْنِه، وَفِي المنصوصة يَكْفِي التَّقْدِير، وَمَا ذكره المُصَنّف من الْمذَاهب خَمْسَة: أَولهَا لَا يجوز فِي المستنبطة والمنصوصة، ثَانِيهَا لَا يجوز فِي المستنبطة وَيجوز فِي المنصوصة، ثَالِثهَا يجوز بمانع أَو عدم شَرط فيهمَا، ورد إِلَى هَذَا مُخْتَار الْمُحَقِّقين من الْجَوَاز فِي المستنبطة إِذا تعين الْمَانِع، وَفِي المنصوصة بِنَصّ عَام: لَكِن إِن لم يتَعَيَّن قدر، رَابِعهَا الْجَوَاز فيهمَا، خَامِسهَا يجوز فِي المستنبطة بِلَا مَانع دون المنصوصة. فَأول مَا فِي الْعَضُد رَابِع المُصَنّف، وثانيه أَوله، وثالثه ثَانِيه، وخامسه خامسه، وَأما رابعه وَهُوَ الْجَوَاز فِي المستنبطة لمَانع أَو عدم شَرط دون المنصوصة فَلَيْسَ فِي أَقسَام المُصَنّف: كَمَا أَن ثَالِث المُصَنّف، وَهُوَ الْجَوَاز فِي المستنبطة
(4/17)

لمَانع أَو عدم شَرط لَيْسَ فِي أقسامه، وَالْمُصَنّف من أَئِمَّة النَّقْل وَهُوَ مُخْتَار مُتَحَقق.
(تَنْبِيه: قسم المصححون) لتخصيص الْعلَّة (مَعَ الْمَانِع من الْحَنَفِيَّة الْمَوَانِع إِلَى خَمْسَة) الأول (مَا يمْنَع انْعِقَاد الْعلَّة كَبيع الْحر) فَإِن الْحُرِّيَّة المستلزمة لعدم الْمَحَلِّيَّة للْبيع تمنع انْعِقَاد البيع فَإِنَّهُ عبارَة عَن مُبَادلَة المَال بِالْمَالِ، وَالْحر لَيْسَ بِمَال، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَهُوَ) أَي الْمَانِع من انْعِقَادهَا هَهُنَا (انْتِفَاء محلهَا) أَي مَحل الْعلَّة الَّتِي هِيَ البيع (وَلَا عِلّة فِي غير مَحل. و) الثَّانِي مَا يمْنَع (تَمامهَا) أَي الْعلَّة (فِي حق غير الْعَاقِد كَبيع عبد الْغَيْر) من غير ولَايَة لَهُ عَلَيْهِ فَإِن بَيْعه عِلّة (تَامَّة فِي حق الْعَاقِد) حَتَّى لَا يبْقى لَهُ ولَايَة إِبْطَاله (لَا) فِي حق (الْمَالِك) وَكَذَا يبطل بِمَوْتِهِ وَلَا يتَوَقَّف على إجَازَة وَارثه (فَجَاز) البيع (بإجازته) أَي الْمَالِك (وَبَطل بإبطاله. و) الثَّالِث (مَا يمْنَع ابْتِدَاء الحكم كَخِيَار الشَّرْط للْبَائِع يمْنَع الْملك) ابْتِدَاء (للْمُشْتَرِي) وَإِن انْعَقَد البيع تَاما، فالمنع بِاعْتِبَار ترَتّب الحكم ابْتِدَاء على الْعلَّة. (و) الرَّابِع مَا يمْنَع (تَمَامه) أَي تَمام الحكم وَلَا يمْنَع أَصله (كَخِيَار الرُّؤْيَة لَا يمْنَع ثُبُوته) أَي الحكم وَهُوَ الْملك (لَكِن لَا يتم) الحكم (بِالْقَبْضِ مَعَه) أَي مَعَ خِيَار الرُّؤْيَة (ويتمكن من لَهُ الْخِيَار من الْفَسْخ بِلَا قَضَاء و) لَا (رضَا) للمتعاقد الآخر، وَكَانَ غير لَازم. (و) الْخَامِس مَا يمْنَع (لُزُومه) أَي الحكم (كَخِيَار الْعَيْب يثبت) الحكم (مَعَه تَاما) حَتَّى لَا يكون لَهُ ولَايَة التَّصَرُّف فِي الْمَبِيع (وَلَا يتَمَكَّن من الْفَسْخ بعد الْقَبْض إِلَّا بتراض) من الْمُتَعَاقدين (أَو قَضَاء) وَإِنَّمَا اخْتلفت مَرَاتِب الخيارات بِكَوْن الأول مَا خلا على الحكم فَهُوَ مَعَه، وَتمّ قبل وجوده، وَفِي الثَّانِي صدر البيع مُطلقًا عَن الشَّرْط فَأوجب الحكم لَكِن غير تَامّ لاحْتِمَال زَوَال الرِّضَا عِنْد الرُّؤْيَة، وَفِي الثَّالِث ثمَّ السَّبَب وَالرِّضَا لوُجُود الرُّؤْيَة، لَكِن قُلْنَا بِعَدَمِ اللُّزُوم لاحْتِمَال تضرر المُشْتَرِي بِظُهُور الْعَيْب وَلذَا يتَمَكَّن من رد بعض الْمَبِيع بعد الْقَبْض، لِأَنَّهُ تَفْرِيق للصفقة بعد التَّمام وَإنَّهُ جَائِز، وَلَا يتَمَكَّن مِنْهُ فِي خِيَار الرُّؤْيَة لِأَنَّهُ تَفْرِيق قبل التَّمام وَهُوَ غير جَائِز. ثمَّ الْمَوَانِع خَمْسَة عِنْد جمَاعَة كفخر الْإِسْلَام وشمس الْأَئِمَّة وَغَيرهمَا، والحصر استقرائي، وَعند القَاضِي أبي زيد وَبَعض (7) أَرْبَعَة يَجْعَل خِيَار الرُّؤْيَة وَالْعَيْب مِمَّا يمْنَع من لُزُوم الحكم (وَخرج بَعضهم) أَي الْحَنَفِيَّة (على الْخلاف) فِي تَخْصِيص الْعلَّة (فرعا على مَذْهَبهم) وَهُوَ الصَّائِم (النَّائِم إِذا صب حلقه مَاء فسد) صَوْمه (عِنْدهم لفَوَات رُكْنه) وَهُوَ الْإِمْسَاك عَن الْمُفطر (فَهُوَ) أَي فَوَات الرُّكْن (عِلّة الْفساد) أَي (تخلف) الحكم (عَنْهَا) أَي عَن الْعلَّة الْمَذْكُورَة (فِي النَّاسِي) أَي فِي الصَّائِم الَّذِي أكل وَشرب نَاسِيا فَإِن الْعلَّة وَهِي فَوَات الرُّكْن أعنى الْإِمْسَاك مَوْجُود فِيهِ، وَالْحكم وَهُوَ الْفساد غير مَوْجُود فِيهِ (فالمجيز) تَخْصِيص الْعلَّة يَقُول: تخلف الحكم
(4/18)

(لمَانع هُوَ الحَدِيث) الدَّال على عدم فَسَاد صَوْم النَّاسِي كَونه صَائِما بِفَوَات رُكْنه (مَعَ وجود الْعلَّة وَالْمَانِع) تَخْصِيص الْعلَّة، يَقُول: تخلف الحكم (لعدمها) أَي الْعلَّة الْمَذْكُورَة (حكما) تَمْيِيز عَن نِسْبَة الْعَدَم إِلَى الضَّمِير، يَعْنِي أَن فَوَات الرُّكْن وَإِن كَانَ مَوْجُودا صُورَة لكنه مَعْدُوم حكما: أَي فِي حكم الْمَعْدُوم (لِأَن فعل النَّاسِي) وَهُوَ الْأكل وَالشرب (نسب إِلَى مُسْتَحقّ الصَّوْم لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) فِي جَوَاب من استفتاه عَن أكله وشربه نَاسِيا (إِنَّمَا أطعمك الله وسقاك) والمستحق هُوَ الله سُبْحَانَهُ، لِأَن الصَّوْم عبَادَة وَلَا يسْتَحق الْعِبَادَة إِلَّا هُوَ، وَإِنَّمَا قَالَ فعل النَّاسِي نسب إِلَيْهِ، مَعَ أَن فعله الطّعْم وَالشرب، والمنسوب إِلَيْهِ الْإِطْعَام، والسقي لِأَن مَدْلُول الحَدِيث بِحَسب سِيَاق كَلَام السَّائِل الظَّان فَسَاد الصَّوْم بِالْفِعْلِ الْمُضَاف إِلَى الصَّائِم المفوت ركن الصَّوْم سلب إِضَافَته إِلَى العَبْد، لِأَنَّهُ لَو لم يرد ذَلِك لم يَصح إِيرَاد هَذَا الْكَلَام فِي معرض التَّعْلِيل على عدم الْفساد فَإِن قلت كَيفَ يَصح سلب إِضَافَته إِلَيْهِ مَعَ أَنه صدر عَنهُ بِالْحَقِيقَةِ قلت هَذَا من قبيل قَوْله تَعَالَى - {وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى} - (فَكَانَ أكله كلا أكل) لإِسْقَاط إِضَافَته إِلَيْهِ ونسبته إِلَى من لَهُ الصَّوْم (فَبَقيَ الرُّكْن) وَهُوَ الْإِمْسَاك (حكما) وَإِن انْتَفَى صُورَة لعدم الِاعْتِدَاد بِمَا يُنَافِيهِ لما ذكر (والمصبوب فِي فِيهِ) المَاء (لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ) أَي فِي معنى النَّاسِي (إِذْ لَيْسَ) الصاب (مُضَافا إِلَى الْمُسْتَحق) للصَّوْم ليَكُون صبه بِمَنْزِلَة إطعامه سُبْحَانَهُ وَيصير شربه كلا شرب بِنِسْبَة فعل الشَّارِب إِلَيْهِ (فَلم يسْقط اعْتِبَاره) أَي اعْتِبَار الْمُفطر أَو فَوَات الرُّكْن فِي تَأْثِيره فِي فَسَاد الصَّوْم (بِخِلَاف) الصَّائِم (السَّاقِط فِي حلقه نَائِما مطر) فَإِنَّهُ لَا يفْسد صَوْمه (كَمَا هُوَ مُقْتَضى النّظر) فَإِن إِسْقَاط الْمَطَر سقى من الله تَعَالَى وَالنَّوْم أَدخل فِي الْمَقْصُود من النسْيَان، لِأَن النَّاسِي يُبَاشر الْفِعْل بِاخْتِيَارِهِ بِخِلَاف النَّائِم، فإسقاط إِضَافَة الْفِعْل إِلَيْهِ ونسبته إِلَى الله تَعَالَى بِالطَّرِيقِ الأولى (وَلَا خَفَاء أَنه) أَي الْفَرْع الْمَذْكُور (غير مَا نَحن فِيهِ) من الْعلَّة بِمَعْنى الْبَاعِث الَّتِي شرع الحكم عِنْدهَا لحُصُول الْحِكْمَة على مَا مر تَفْصِيله فَإِن عدم الرُّكْن لَيْسَ من ذَلِك (فَظهر أَن حَقِيقَة الْمَانِع الْإِضَافَة إِلَى الْمُسْتَحق) وَقَوْلهمْ لمَانع هُوَ الحَدِيث مَبْنِيّ على الظَّاهِر، وَكَونه متضمنا للإضافة إِلَيْهِ فَإِن قلت: لم لَا يجوز أَن يكون الْمَانِع فِي الْحَقِيقَة نفس الحَدِيث لدلالته على عدم فَسَاد الصَّوْم المستلزم لعدم تَأْثِير الْعلَّة قلت قد علل فِي الحَدِيث عدم الْفساد بِالْإِضَافَة الْمَذْكُورَة فينسب الْمَنْع إِلَيْهِ (وَأما نقض الْحِكْمَة) الَّتِي شرع الحكم لحصولها (فَقَط بِأَن تُوجد الْحِكْمَة) لَعَلَّ وضع الظَّاهِر مَوضِع الْمُضمر، لِأَن لفظ نقض الْحِكْمَة صَار فِي عرف الْأُصُول بِمَنْزِلَة كلمة وَاحِدَة مَوْضُوعَة بِإِزَاءِ نوع من النَّقْض كنقض الْعلَّة، وَلَا يجوز إرجاع الضَّمِير إِلَى أَجزَاء الْكَلِمَة، فَلَا يَنْبَغِي إرجاعه إِلَى مَا هُوَ كجزئها
(4/19)

(دون الْعلَّة فِي مَحل وَلم يُوجد الحكم، وَيُسمى) نقض الْحِكْمَة (كسرا) لما يحصل بِهِ من نوع انكسار فِي علية الْعلَّة، إِذْ الحكم إِنَّمَا شرع عِنْدهَا لحُصُول تِلْكَ الْحِكْمَة وَلَو لم تُوجد بِدُونِ تِلْكَ الْعلَّة لَكَانَ أَدخل فِي عليتها (باصطلاح) لطائفة من الْأُصُولِيِّينَ (فَشرط عَدمه) أَي عدم نقض الْحِكْمَة عِنْد بعض (لصِحَّة الْعلَّة. وَالْمُخْتَار نَفْيه) أَي نفي اشْتِرَاط عدم نقض الْحِكْمَة (فَلَو قَالَ) قَائِل (لَا تصح علية السّفر) لرخصه الْقصر والإفطار (لانتقاض حكمتها الْمَشَقَّة) عطف بَيَان لحكمتها (بصنعة شاقة فِي الْحَضَر) لوُجُود الْمَشَقَّة الَّتِي هِيَ الْحِكْمَة مَعَ عدم السّفر وَالْحكم. وَالْفَاء فِي قَوْله فَلَو قَالَ لَيْسَ للتفريع على عدم الِاشْتِرَاط، بل لتفصيل بعض مَا يتَعَلَّق بالْمقَام، يدل عَلَيْهِ الْجَواب وَمَا بعده (لم يقبل) قَوْله جَوَاب للشرطية (لِأَنَّهَا) أَي الْمَشَقَّة بالصنعة الشاقة (غَيرهَا) أَي غير الْمَشَقَّة الَّتِي هِيَ حِكْمَة علية السّفر، وَهِي مشقة السّفر، فَعدم وجود الحكم مَعهَا لَا يسْتَلْزم انْتِقَاض الْحِكْمَة الْمُعْتَبرَة بِالسَّفرِ (وَكَونهَا) أَي كَون الْمَشَقَّة مَعَ قطع النّظر عَمَّا أضيفت إِلَيْهِ (الْمَقْصُودَة) من اعْتِبَار الْعلية وَشرع الحكم (فَيبْطل ببطلانها مَا لم يعْتَبر إِلَّا لَهَا) أَي فَيبْطل الَّذِي لم يعْتَبر شرعا إِلَّا لَهَا بِمَعْنى علية الْعلَّة بِسَبَب بُطْلَانهَا بالانتقاض بِمَشَقَّة الصَّنْعَة الشاقة، وَقَوله كَونهَا مُبْتَدأ خَبره قَوْله (إِنَّمَا يلْزم) الْكَوْن المتفرع عَلَيْهِ مَا ذكر (لَو اعْتبر) فِي الْعلية (مُطلقهَا) يَعْنِي علية الْعلَّة: أَي الْمَشَقَّة (وَهُوَ) أَي اعْتِبَار مُطلقهَا (مُنْتَفٍ بالصنعة) أَي بِسَبَب عدم رخصَة السّفر بِمَشَقَّة الصَّنْعَة، وَلَو كَانَ الْمُعْتَبر فِي السّفر مُطلق الْمَشَقَّة لرخص بهَا لوُجُود الْمُطلق فِي ضمنهَا، وَحَيْثُ لم يرخص علم عدم اعْتِبَار الْمُطلق (فالحكمة الَّتِي هِيَ الْعلَّة فِي الْحَقِيقَة مشقة السّفر) لَا الْمَشَقَّة الْمُطلقَة حَتَّى يرد النَّقْض بِمَا ذكر، وَالْحكم بالاتحاد بَين الْحِكْمَة وَالْعلَّة بِحَسب الْحَقِيقَة بِاعْتِبَار أَن الْعلَّة عبارَة عَن الْبَاعِث على شرع الحكم، والباعث الْحَقِيقِيّ إِنَّمَا هُوَ حُصُول الْحِكْمَة، وَإِنَّمَا جعلت الْعلَّة عِلّة لاشتمالها على الْحِكْمَة (وَلم يعلم مساواتها المنقوضة) أَي مُسَاوَاة مشقة السّفر للْمَشَقَّة المنقوضة بهَا، وَهِي مشقة الصَّنْعَة، وَإِنَّمَا نفي الْعلم بالمساواة لِئَلَّا يرد أَنه سلمنَا الْمُغَايرَة بَينهمَا لكنهما متساويتان فِي المقصودية والمصلحة فَيجب مساواتهما فِي علية الرُّخْصَة أَيْضا (وَلَو فرض الْعلم برجحان) الْحِكْمَة (المنقوضة) بهَا فِي الْمَعْنى الَّذِي صَارَت الْحِكْمَة بِاعْتِبَارِهِ باعثا لعلية الْعلَّة وَشرع الحكم على المنقوضة (فِي مَوضِع) غير الْموضع الْمَذْكُور فَإِنَّهُ نفي فِيهِ الْعلم بالمساواة فضلا عَن الرجحان أَن يذكر (يلْزم بطلَان الْعلَّة) فِي ذَلِك الْموضع، لِأَنَّهُ لَو كَانَ منشأ اعْتِبَار عليتها اشتمالها على الْحِكْمَة المتضمنة للمعنى الْمَذْكُور لاعتبر عليتها فِي مَحل النَّقْض بِالطَّرِيقِ الأولى، وَيرد عَلَيْهِ أَنه كَانَ يَنْبَغِي أَن يذكر صُورَة مُسَاوَاة المنقوضة بهَا للمنقوضة أَيْضا: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال يعلم حكمهَا ضمنا لاشْتِرَاكهمَا فِيمَا هُوَ
(4/20)

سَبَب الْبطلَان.
وَأَنت خَبِير بِأَن الأولى حِينَئِذٍ ذكر الْمُسَاوَاة ليعلم مِنْهُ الرجحان بِالطَّرِيقِ الأولى، ثمَّ اسْتثْنى من جملَة لمواضع الَّتِي علم فِيهَا رُجْحَان المنقوضة فِيهَا بقوله (إِلَّا أَن شرع) فِي ذَلِك الْموضع (حكم أليق بهَا) أَي بِتِلْكَ الْحِكْمَة (كالقطع بِالْقطعِ) كَقطع الْيَد بِقطع الْيَد (لحكمة الزّجر) عَن الْإِتْيَان بِمثلِهِ (تخلف) الْقطع الَّذِي هُوَ الحكم عَن الْحِكْمَة الَّتِي هِيَ الزّجر (فِي الْقَتْل) الْعمد مَعَ أَن الْحِكْمَة فِيهِ أرجح (لشرع مَا هُوَ أنسب بِهِ) أَي بِالْقَتْلِ الْعمد (وَهُوَ) أَي مَا هُوَ أنسب (الْقَتْل) قصاصا (وَأَنت إِذْ علمت أَن الْحِكْمَة الْمُعْتَبرَة) عِنْد الشَّارِع (ضبطت شرعا) بمظنة خَاصَّة وَهُوَ الْوَصْف الظَّاهِر المنضبط، وَذَلِكَ لعسر ضبط نفس الْحِكْمَة وَتعذر تعْيين قدرهَا (لم تكد تقف على الْجَزْم) أَي تجزم أَلْبَتَّة (بِأَن التَّخَلُّف) أَي تخلف الحكم (عَن مثلهَا) أَي عَن مثل حكمته (أَو) عَن أَمر (أكبر) من حكمته لرجحانه عَلَيْهَا فِي الْمَعْنى الَّذِي صَارَت بِاعْتِبَارِهِ باعثا لشرع الحكم (مِمَّا لم يدْخل تَحت ضابطها) بَيَان لكل وَاحِد من الْمثل والأكبر المتخلف عَنهُ الحكم، وَالْمرَاد بضابط الْحِكْمَة الْوَصْف الظَّاهِر المنضبط الَّذِي أَقَامَهُ الشَّرْع مقَامهَا لظُهُوره وانضباطه دونهَا لما مر، وَلَو كَانَ ذَلِك التَّخَلُّف (بِلَا مَانع) عَن ترَتّب الحكم عَلَيْهِ لَا ينْقض التَّخَلُّف الْمَذْكُور عليتها: أَي الْحِكْمَة، قَوْله لَا ينْقض خبر أَن فِي قَوْله بِأَن التَّخَلُّف خُصُوصا إِذا (كَانَت) الْحِكْمَة (مومى إِلَيْهَا) فِي الْكتاب أَو السّنة: مثل إِيمَاء قَوْله تَعَالَى فِي رخصَة الْإِفْطَار فِي السّفر - {أَو على سفر فَعدَّة من أَيَّام أخر} - بعد قَوْله - {كتب عَلَيْكُم الصّيام كَمَا كتب على الَّذين من قبلكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون أَيَّامًا معدودات فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا} - فَإِنَّهُ يُومِئ إِلَى علية وصف السّفر لرخصة الْإِفْطَار وَقَضَاء الصَّوْم فِي أَيَّام أخر (لِأَن الْحِكْمَة الْمُعْتَبرَة شرعا مثلا مشقة السّفر بِخُصُوصِهِ) تَعْلِيل لعدم نقض عليتها وَحَاصِله أَن الشَّرْع لم يعْتَبر إِلَّا علية مشقة السّفر بِخُصُوصِهِ، وَلم يعْتَبر مُطلق الْمَشَقَّة، وَلَا يتَوَجَّه النَّقْض إِلَّا عِنْد تخلف الحكم عَن الْعلَّة الْمُعْتَبرَة شرعا فَقَوله وَأَنت إِذا علمت الخ تَحْقِيق للمقام من المُصَنّف وَقَوله وَلَو فرض الخ كَلَام الْقَوْم (أَلا ترى أَن الْبكارَة عِلّة الِاكْتِفَاء فِي الْإِذْن بِالسُّكُوتِ) فِي النِّكَاح، الظرفان الْأَوَّلَانِ متعلقان بالاكتفاء وَالثَّالِث بِالْإِذْنِ، وَيجوز أَن يتَعَلَّق بالاكتفاء (لحكمة الْحيَاء) فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قلت أَن الْبكر تَسْتَحي فتسكت قَالَ سكُوتهَا إِذْنهَا (وَلَو فرض ثيب أوفر حَيَاء من الْبكر (أَو سَبَب اقْتَضَاهُ) مَعْطُوف على ثيب، وَالْمعْنَى وَلَو فرض سَبَب فِي الثّيّب اقْتضى حَيَاء) أوفر من حَيَاء الْبكر (كزنا اشْتهر) فِي ثيب فَتَسْتَأْذِن فِي نِكَاح من اشْتهر بزناها (لم يكتف بسكوتها) أَي بسكوت الثّيّب فِي الصُّورَتَيْنِ (إِجْمَاعًا فَتخلف) حكم الِاكْتِفَاء بِالسُّكُوتِ
(4/21)

عَمَّا هُوَ أكبر من حكمته (وَلم تبطل علية الْبكارَة) إِجْمَاعًا (وَمَا ذَاك) أَي عدم بُطْلَانهَا وأمثالها (إِلَّا لِأَن الْحِكْمَة حَيْثُ ضبطت بالبكارة) لانضباطها وَعدم انضباط الْحيَاء من حَيْثُ الْقدر (كَانَت الْعلَّة بِالْحَقِيقَةِ حَيَاء الْبكر فَلم يلْزم فِي حَيَاء فَوْقه) أَي فَوق حَيَاء الْبكر (ثُبُوت الحكم) وَهُوَ الِاكْتِفَاء الْمَذْكُور (مَعَه) أَي مَعَ ذَلِك الْحيَاء الَّذِي هُوَ فَوق حَيَاء الْبكر (لعدم دَلِيله) أَي دَلِيل اعْتِبَار ذَلِك الْحيَاء الأوفر شرعا (بِخُصُوصِهِ فَلَا تنْتَقض الْعلَّة) وَهِي الْبكارَة (بنقضه) أَي بِنَقْض حَيَاء الْبكر، لِأَنَّهُ لم ينْتَقض لعدم تحَققه فِي مَادَّة النَّقْض وَإِن سمينا توهم النَّقْض نقضا فَالْمَعْنى لَا تنْتَقض الْعلَّة بِهَذَا النَّقْض الموهوم (لِأَنَّهُ) أَي ذَلِك الْحيَاء الأوفر (غير) الْحيَاء (الْمُعْتَبر) شرعا فِي الحكم الْمَذْكُور (وَأما النَّقْض المكسور وَهُوَ نقض بعض) الْعلَّة (المركبة على اعْتِبَار استقلاله) أَي الْبَعْض المنقوض (بالحكمة) لاشْتِمَاله كاشتمال الْكل عَلَيْهَا (كَمَا لَو قَالَ) الشَّافِعِي (فِي منع بيع الْغَائِب) هُوَ بيع فِيهِ مَبِيع (مَجْهُول الصّفة فَلَا يَصح كَبيع عبد بِلَا تعْيين فنقض المجهولية) الَّتِي هِيَ بعض من الْعلية، وَهُوَ الْمَجْمُوع الْمركب من المبيعية والمجهولية على اعْتِبَار استقلالها بالحكمة الَّتِي هِيَ الْإِفْضَاء إِلَى الْمُنَازعَة (بتزوج من لم يرهَا) لتحَقّق المجهولية فِي هَذَا العقد (مَعَ الصِّحَّة) فقد تحقق جُزْء الْعلَّة المستقل بالحكمة، وتخلف عَنهُ الحكم وَهُوَ عدم الصِّحَّة (وَحذف) على صِيغَة الْمَاضِي الْمَجْهُول مَعْطُوف على نَظِيره، وَهُوَ قَوْله نقض، ونائب الْفَاعِل قَوْله (الْمَبِيع) أَي نقض بعض أَجزَاء الْعلَّة وَهُوَ قَوْله مَجْهُول الصِّيغَة وَحذف بَعْضهَا: وَهُوَ قَوْله مَبِيع (وَالْمُخْتَار لَا يمْنَع) أَي اخْتلف فِي منع النَّقْض الْمَذْكُور صِحَة الْعلَّة، قيل يمْنَع، وَالْمُخْتَار أَنه لَا يمْنَع صِحَّتهَا وَهَذَا عِنْد الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب وَالْمُصَنّف وَغَيرهم (لِأَنَّهَا) أَي الْعلَّة (الْمَجْمُوع) الْمركب (وَلم ينْقض) الْمَجْمُوع (فَلَو أضَاف) الْقَائِل بِالْمَنْعِ أَو الناقض (إِلَيْهِ) أَي إِلَى نقض الْبَعْض (إِلْغَاء الْمَتْرُوك) أَي الْمَحْذُوف وَقَالَ لَا دخل فِي الْعلية كَمَا أَشَارَ بقوله (بِأَن قَالَ الْجَهَالَة) الْمَذْكُورَة فِي الْعلَّة (مُسْتَقلَّة بالمناسبة) الْمُوجبَة للعلية (وَلَا دخل لكَونه) أَي الْمَعْقُود عَلَيْهِ (مَبِيعًا صَحَّ) جَوَاب لَو: أَي صَحَّ النَّقْض الْمَذْكُور لوروده على مَا هُوَ الْعلَّة فِي الْحَقِيقَة إِذْ لَا دخل للملغي فِي الْعلية، وَإِذا صَحَّ النَّقْض بَطل الْعلية (وَحَاصِله) أَي حَاصِل النَّقْض بعد مَا أضَاف إِلَيْهِ أَنه (إِن عنيت) أَيهَا الْمُسْتَدلّ بِمَا جعلته عِلّة فِي قياسك (الْمَجْمُوع لم يَصح) مَا عنيت (لإلغاء الملغي، أَو) عنيت بهَا (مَا سواهُ) أَي مَا سوى الملغى (فَكَذَا) لَا يَصح مَا عنيت (للنقض) أَي لوُرُود النَّقْض على مَا جعلته عِلّة، وَهُوَ مَا سوى الملغي. (وَمِنْهَا) أَي من شُرُوط الْعلَّة (انعكاسها) أَي الْعلَّة (عِنْد قوم وَهُوَ) أَي انعكاسها (انْتِفَاء الحكم لانتفائها) أَي الْعلَّة، وَإِنَّمَا يلْزم: أَي انْتِفَاء الحكم لانْتِفَاء الْعلَّة (لمنع تعدد) الْعلَّة (المستقلة فينتفى) الحكم الَّذِي هُوَ مدلولها علته المستقلة الْمَخْصُوصَة (لانْتِفَاء خُصُوص هَذَا الدَّلِيل
(4/22)

وَهُوَ) أَي هَذَا الدَّلِيل (الْعلَّة إِذْ لَا يكون الحكم بِلَا باعث) وَلم يكن لَهُ باعث سوى الْمَفْرُوض انتفاؤه وَعدم كَونه بِلَا باعث إِمَّا أَن يكون (تفضلا) من الله سُبْحَانَهُ ليهتدوا بذلك الْبَاعِث إِلَى الحكم، أَو يكون وجوبا كَمَا قَالَه الْمُعْتَزلَة بِنَاء على مسئلة وجوب الْأَصْلَح عَلَيْهِ، تَعَالَى شَأْنه عَن ذَلِك، وَلَيْسَ المُرَاد من كلمة أَو التَّسْوِيَة بَينهمَا، بل تَقْسِيم مَا ذهب إِلَيْهِ الأصولي (وَالْمُخْتَار جَوَاز التَّعَدُّد) فِي الْعلَّة الباعثة (مُطلقًا) منصوصة كَانَت أَو مستنبطة (والوقوع) مَعْطُوف على الْجَوَاز (فَلَا يشْتَرط انعكاسها) أَي الْعلَّة كَيفَ وَانْتِفَاء عِلّة بِعَينهَا لَا يسْتَلْزم انتفاءها مُطلقًا فَيجوز أَن يتَحَقَّق بغَيْرهَا من الْعِلَل فَلَا يلْزم أَنه كلما انْتَفَى الْعلَّة الْمعينَة يَنْتَفِي الحكم. جوز (القَاضِي) أَبُو بكر تعددها (فِي المنصوصة لَا المستنبطة، وَقيل عَكسه) أَي يجوز فِي المستنبطة لَا المنصوصة. قَالَ (الإِمَام) يَعْنِي إِمَام الْحَرَمَيْنِ (يجوز) التَّعَدُّد (وَلم يَقع لنا) على الْمُخْتَار جَوَاز التَّعَدُّد ووقوعه (أَن الْبَوْل والمذى والرعاف) وَهِي أُمُور مُخْتَلفَة الْحَقِيقَة (ثمَّ كل) مِنْهَا (يُوجب الْحَدث) إِذا تحققت مَعًا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ إِسْنَاد الْإِيجَاب إِلَى أَحدهَا دون الآخر تَرْجِيح بِلَا مُرَجّح، بِخِلَاف مَا إِذا تحققت متعاقبة فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يُضَاف إِلَى الأول لَا الثَّانِي، وَألا يلْزم تَحْصِيل الْحَاصِل فَتَأمل (وَهُوَ) أَي إِيجَاب الْحَدث (الِاسْتِقْلَال) فالعلية فَكل مِنْهَا عِلّة مُسْتَقلَّة للْحَدَث، وَهُوَ حكم وَاحِد (وَكَذَا الْقَتْل) عُدْوانًا (وَالرِّدَّة تحله) أَي الْقَتْل فَكل مِنْهُمَا عِلّة مُسْتَقلَّة لَهُ (فَإِن منع اتِّحَاد الحكم) وَيُقَال (بل وجوب الْقَتْل قصاصا) بعلة الْقَتْل عُدْوانًا (غَيره) أَي غير وُجُوبه (بِالرّدَّةِ وَلذَا) أَي وللمغايرة بَينهمَا (انْتَفَى) كل مِنْهُمَا (ب) مسْقط ك (الْعَفو) من الْمولى فِي الْقَتْل قصاصا (أَو الْإِسْلَام) فِي قتل الرِّدَّة (وَبَقِي) الْقَتْل ل (لآخر) يَعْنِي انْتَفَى الْقَتْل الْقصاص وَبَقِي الْقَتْل للردة، وَبِالْعَكْسِ (عورض) كل مِنْهُمَا جَوَاب الشَّرْط: أَي عورض دَلِيل الْمَانِع اتِّحَاد الحكم بِأَنَّهُ (لَو تعدّدت) الْأَحْكَام فِي أَمْثَال ذَلِك (كَانَ) تعددها (بالإضافات) إِلَى أدلتها (إِذْ لَيْسَ مَا بِهِ الِاخْتِلَاف) فِيهَا (سواهُ) أَي سوى مَا ذكر من الإضافات (وَاللَّازِم بَاطِل لِأَن الإضافات لَا توجب تعددا فِي ذَات الْمُضَاف وَإِلَّا لوَجَبَ لكل حدث وضوء) لكَون الْحَدث الْحَاصِل بِسَبَب الْبَوْل مثلا حِينَئِذٍ غير الْحَاصِل بالرعاف، فبارتفاع الأول لَا يرْتَفع الثَّانِي، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَكَانَ) اسْمه ضمير الشَّأْن وَخَبره (يرْتَفع أَحدهَا وَيبقى الآخر، ثمَّ الْجَواب) عَن لُزُوم الْوضُوء لكل حدث (أَن ذَلِك) أَي بِأَن ارْتِفَاع أَحدهمَا وَبَقَاء الآخر وَعَدَمه مفوض (إِلَى الشَّرْع فَجَاز أَن يعْتَبر التلازم بَين مسببات فِي الأرتفاع) فيستلزم ارْتِفَاع حدث الْبَوْل مثلا ارْتِفَاع حدث الرعاف (وَلَا يعْتَبر) التلازم (فِي) مسببات (أُخْرَى) فَلَا يسْتَلْزم ارْتِفَاع الْقَتْل بِسَبَب الْقَتْل مثلا ارتفاعه بِسَبَب الرِّدَّة (كَلَام على السَّنَد) خبر الْمُبْتَدَأ: أَعنِي قَوْله وَالْجَوَاب، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن قَول عورهض إِلَى آخِره منع
(4/23)

وَسَنَد، وَإِطْلَاق الْمُعَارضَة على سَبِيل الِاسْتِعَارَة تَشْبِيها لَهَا بالمعارضة الْحَقِيقِيَّة بِاعْتِبَار دلَالَة السَّنَد على خلاف مَا يدل عَلَيْهِ دَلِيل الْمُسْتَدلّ فَكَأَنَّهُ أَقَامَ الدَّلِيل على خلاف مَا أَقَامَ عَلَيْهِ الْخصم وَيلْزمهُ قَوْله: فَإِن منع على الْمُعَارضَة فِي الْمُقدمَة فَإِن قلت للخصم أَن يَقُول مرادي الْمَنْع لِئَلَّا يرد عَلَيْهِ الْمَنْع قلت لَا يَنْفَعهُ، لِأَن سَنَده مسَاوٍ للْمَنْع فإبطاله إِثْبَات للمقدمة الممنوعة فتتم حجَّة الْمُسْتَدلّ الأول فَافْهَم (وَالْمَطْلُوب وَهُوَ الْمُعَارضَة الْمَذْكُورَة) عدم التَّعَدُّد فِي ذَات الْمُضَاف بالإضافات (ثَابت دونه) أَي بِدُونِ السَّنَد الْمَذْكُور، فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى كَونه سندا أخص، فَإِن إبِْطَال السَّنَد الْأَخَص غير موجه فِي الإضافات بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ مُسَاوِيا للْمَنْع فَإِنَّهُ موجه لاستلزام إِبْطَاله بطلَان الْمَنْع فَتثبت الْمُقدمَة الممنوعة (للْقطع بِأَن تعدد الْإِضَافَة لَا يُوجِبهُ) أَي التَّعَدُّد (فِي ذَاته) أَي الْمُضَاف (وَثُبُوت ارْتِفَاع بَعْضهَا) أَي بعض المسببات (دون بعض فِي صُورَة) دون أُخْرَى كارتفاع الْقَتْل بِسَبَب الرِّدَّة مثلا مَعَ بَقَاء الْقَتْل بِسَبَب الْقَتْل (إِنَّمَا يَكْفِي دَلِيلا على التَّعَدُّد) أَي تعدد الْمُضَاف (فِيهَا) أَي فِي صُورَة ارْتَفع فِيهَا الْبَعْض دون الْبَعْض (لَا فِي غَيرهَا) أَي لَا يَكْفِي دَلِيلا على التَّعَدُّد فِي صُورَة أُخْرَى غير تِلْكَ الصُّورَة (كَمَا فِي الْقَتْل) تَمْثِيل للصورة الأولى (لِأَن أَحدهمَا) أَي أحد المسببين وَهُوَ الْقَتْل بِسَبَب الرِّدَّة (حق الله تَعَالَى، وَالْآخر) وَهُوَ الْقَتْل بِسَبَب الْقَتْل (حق العَبْد) وَلَا وَجه لارْتِفَاع حق العَبْد بِسَبَب ارْتِفَاع حق الله تَعَالَى (وَمَا) روى (عَن أبي حنيفَة) من أَنه إِذا (حلف لَا يتَوَضَّأ من الرعاف فَبَال، ثمَّ رعف ثمَّ تَوَضَّأ حنث لَا يشكل مَعَ قَوْله باتحاد الحكم) جَوَاب سُؤال، وَهُوَ أَن أَبَا حنيفَة يَقُول باتحاد الحكم عِنْد تعدد الْأَسْبَاب وَمُقْتَضَاهُ أَن لَا يَحْنَث فِي الْحلف الْمَذْكُور لِأَن الْحَدث الْحَاصِل بالرعاف عين الْحَاصِل بالبول، فَالظَّاهِر أَنه يُقَال فِي حَقه أَنه تَوَضَّأ من الْبَوْل لسبقه بِالِاسْتِحْقَاقِ للإضافة أَو تَوَضَّأ عَنْهُمَا جَمِيعًا لاشْتِرَاكهمَا فِي السبقية، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لَا يصدق عَلَيْهِ أَنه تَوَضَّأ من الرعاف، فَأجَاب بِأَن الْحِنْث إِنَّمَا هُوَ (للْعُرْف فِي مثله) فَإِنَّهُ يُقَال فِيهِ عرفا (تَوَضَّأ من الرعاف) إِذا توَسط الرعاف بَين الْوضُوء وَالسَّبَب الآخر (وَغَيره) من أَسبَاب الْحَدث: أَي يُقَال عرفا تَوَضَّأ من الْبَوْل مثلا إِذا توَسط بَين الْوضُوء وَالسَّبَب الآخر، والأيمان مَبْنِيَّة على الْعرف فَإِن قلت لَا نسلم كَون الْعرف مَا ذكرت، بل الظَّاهِر أَن الْأَمر بِالْعَكْسِ قلت: قد اشْتهر فِيمَا بَين النَّاس أَن الْحَدث فِي مثل هَذِه الصُّورَة مُضَاف إِلَى السَّبَب الآخر. هَذَا وَلم يظْهر لي كَون الثَّانِي سَببا للْحَدَث، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يحدث بِالسَّبَبِ إِذا كَانَ الْمحل مَوْصُوفا بِالطَّهَارَةِ، وَلَا شكّ أَنه لَيْسَ بموصوف بهَا فِي تحقق الثَّانِي، فِي الشَّرْح العضدي اتَّفقُوا على أَنَّهَا إِذا ترتبت حصل الحكم بِالْأولَى، وَأما إِذا اجْتمعت مَعًا دفْعَة كمن مس ولمس وبال مَعًا فقد اخْتلفُوا، وَالْمُخْتَار أَن كل وَاحِد عِلّة مُسْتَقلَّة (قيل وَالْخلاف فِي الْوَاحِد بالشخص)
(4/24)

كَمَا نَقله التَّفْتَازَانِيّ عَن الْآمِدِيّ (والمخالف يمنعهُ) أَي يمْنَع كَون الحكم وَاحِد بالشخص (فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة) يَعْنِي الْحَدث المتعدد علته كالبول والرعاف والمذى (وَالظَّاهِر بعده) أَي بعد مثل هَذَا التدقيق الفلسفي (من الشَّرْع) فَإِن قلت لزم فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة اجْتِمَاع الْعِلَل على الحكم الْوَاحِد بالشخص شرعا فَمَا معنى بعده قلت هَذَا حكم اقتضته العمومات وَالْكَلَام إِنَّمَا هُوَ فِي اعْتِبَار الْوحدَة الشخصية فِي مَحل النزاع، وَهُوَ أَن الحكم الْوَاحِد هَل يكون لَهُ علل أم لَا وَالْحَاصِل أَن الْبعد فِي اعْتِبَار الْعِلَل للْحكم الشخصي ابْتِدَاء لَا فِي لُزُومهَا للشخصي بعد اعْتِبَارهَا عُمُوما (وشخصية مُتَعَلّقه) أَي الحكم كَمَا عز مثلا فَإِنَّهُ شخص معِين ثَبت حكم الزِّنَا فِي حَقه ابْتِدَاء (لَا توجبه) أَي لَا توجب تشخص الحكم، لِأَن ثُبُوته فِي ذَلِك الشَّخْص لَيْسَ بِاعْتِبَار خصوصيته (بل) من حَيْثُ أَنه فَرد من أَفْرَاد مَحل الْعلَّة كَالزِّنَا، وَإِلَّا لاختص حكم الزِّنَا بِمَا عز، بل يُوجب تشخص الحكم (مَا) أَي دَلِيل يَقْتَضِيهِ (كَشَهَادَة خُزَيْمَة) أَي كتشخص حكم شَهَادَته، وَهُوَ الِاكْتِفَاء بهَا وَحدهَا لدليله، وَهُوَ كَونه مُنْفَردا بَين الصَّحَابَة، يفهم أَن جَوَاز الشَّهَادَة للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمُجَرَّد إخْبَاره من غَيره حُضُور فِي تِلْكَ الْبيعَة، وَذَلِكَ يَقْتَضِي انْفِرَاده فِي الِاكْتِفَاء إِكْرَاما لَهُ (وَلَا يَتَعَدَّد فِي مثله) أَي فِي مثل مَا ذكر من شَهَادَة خُزَيْمَة (علل) لِأَن عِلّة الحكم فِيهِ أَمر شخصي لَا تعدد فِيهِ أصلا (وَأما الِاسْتِدْلَال) بِأَنَّهُ (لَو امْتنع) تعدد الْعلَّة (امْتنع تعدد الْأَدِلَّة فقد منعت الْمُلَازمَة) أَي لَا نسلم أَن امْتنَاع تعدد الْعلَّة يسْتَلْزم امْتنَاع الْأَدِلَّة منعا مُسْتَندا (بِأَن الْأَدِلَّة الباعثة) وَهُوَ الْعِلَل (أخص) من الْأَدِلَّة الْمُطلقَة، وَلَا يلْزم من امْتنَاع الْأَخَص امْتنَاع الْأَعَمّ. (المانعون) تعدد الْعلَّة قَالُوا (لَو تعدّدت) الْعِلَل (لزم التَّنَاقُض، وَهُوَ) أَي التَّنَاقُض (الِاسْتِقْلَال) بالعلية (وَعَدَمه) أَي عدم الِاسْتِقْلَال بهَا (للثبوت) أَي لثُبُوت الحكم (بِكُل) من ذَلِك المتعدد (بِلَا حَاجَة إِلَى غَيره وَهُوَ) أَي ثُبُوت الحكم بِهِ من غير حَاجَة إِلَى الْغَيْر (الِاسْتِقْلَال وَعَدَمه) أَي عدم الثُّبُوت (لاستقلال غَيره بِهِ) تَعْلِيل لعدم استقلاله، لَكِن على وَجه يلْزم مِنْهُ عدم مدخليته فِي الحكم بِالْكُلِّيَّةِ فضلا عَن الِاسْتِقْلَال بِهِ، وَهَذَا تنَاقض فِي جَانب الْعلَّة (واستغناء الْمحل) أَي مَحل الحكم (فِي ثُبُوت الحكم لَهُ عَن كل) من الْعِلَل (بِالْآخرِ) أَي بِالْعِلَّةِ الْأُخْرَى لاستقلاله فِي حُصُول الحكم للمحل، والتذكير بِاعْتِبَار كَونه وَصفا (وَعَدَمه) أَي عدم اسْتغْنَاء الْمحل فِي ثُبُوت الحكم لَهُ عَن كل ضَرُورَة احْتِيَاج الْمَعْلُول إِلَى علته التَّامَّة، وَهَذَا تنَاقض فِي جَانب الْمحل (مُطلقًا) مُتَعَلق بِكُل من الِاسْتِقْلَال والاستغناء وَعَدَمه (والثبوت بهما) أَي العلتين لكَون كل مِنْهُمَا عِلّة تَامَّة والثبوت (لَا بهما) بِاعْتِبَار أَن كلا مِنْهُمَا اسْتغنى عَنهُ بِاعْتِبَار مُلَاحظَة الْأُخْرَى
(4/25)

وَهَذَا تنَاقض فِي جَانب الحكم (فِي الْمَعِيَّة) على تَقْدِير اجْتِمَاع العلتين بِحَسب الزَّمَان فِي التَّأْثِير (وَتَحْصِيل الْحَاصِل فِي) صُورَة (التَّرْتِيب) وَعدم اجْتِمَاعهمَا فِي الزَّمَان، فَإِن الحكم يتَحَقَّق على هَذَا التَّقْدِير بِالْأولَى، وتحققه بِالثَّانِيَةِ تَحْصِيل الْحَاصِل (وَالْجَوَاب) منع لُزُوم التَّنَاقُض الَّذِي هُوَ اجْتِمَاع النقيضين فِي الْوُجُود بِحَسب نفس الْأَمر و (الِاسْتِقْلَال) الَّذِي يلْزم على تَقْدِير تعدد الْعلَّة إِنَّمَا هُوَ (كَونهَا) أَي الْعلَّة (بِحَيْثُ إِذا انْفَرَدت ثَبت) الحكم (بهَا: أَي عِنْدهَا) لِأَن الْعِلَل الشَّرْعِيَّة لَا تَأْثِير لَهَا فِي وجود الْمَعْلُول فِي الْحَقِيقَة، وَمعنى عليتها مَا ذكر (و) هَذِه (الْحَيْثِيَّة) الْمعبر عَنْهَا بالكون الْمَذْكُور ثَابِتَة (لَهَا فِي) صُورَة (الْمَعِيَّة و) فِي صُورَة (التَّرْتِيب) ونقيض هَذِه الْحَيْثِيَّة، وَهُوَ كَونهَا بِحَيْثُ إِذا انْفَرَدت لَا يثبت بهَا الحكم غير ثَابِتَة فَلَا تنَاقض، فقد عرفت أَن الِاسْتِقْلَال بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور (لَا بِمَعْنى إفادتها) أَي الْعِلَل (الْوُجُود) أَي وجود الْمَعْلُول فِي الْخَارِج (كالعقلية) أَي كإفادة الْعِلَل الْعَقْلِيَّة للوجود (عِنْد الْقَائِل بِهِ) أَي بِمَا ذكر من إفادتها الْوُجُود، وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَن الْوُجُود عِنْد أهل الْحق لَا يفِيدهُ إِلَّا الْفَاعِل الْمُخْتَار جلّ ذكره (فَانْتفى الْكل) أَي جَمِيع مَا ذكر من التَّنَاقُض وَتَحْصِيل الْحَاصِل على التَّفْصِيل الَّذِي عَرفته (قَالُوا) أَي المانعون تعدد الْعلَّة (أَيْضا أَجمعُوا) أَي الْأَئِمَّة (على التَّرْجِيح فِي عِلّة الرِّبَا) أَهِي (الْقدر وَالْجِنْس أَو الطّعْم أَو الأقتيات، وَهُوَ) أَي التَّرْجِيح (فرع صِحَة اسْتِقْلَال كل) من الْأُمُور الْمَذْكُورَة، إِذْ لَو لم يَصح اسْتِقْلَال كل وَاحِد مِنْهَا بالعلية لَا معنى لترجيحه، بل يجب حِينَئِذٍ أَن يضم إِلَيْهِ أَمر آخر وَيجْعَل الْمَجْمُوع عِلّة (و) أَيْضا فرع (لُزُوم انْتِفَاء التَّعَدُّد) إِذْ لَو جَازَ التَّعَدُّد لقالوا بِهِ وَلم يتعلقوا بالترجيح لتعيين وَاحِد نفي مَا سواهُ (وَالْجَوَاب أَنه) أَي التَّرْجِيح الْمجمع عَلَيْهِ (للْإِجْمَاع على أَنَّهَا) أَي الْعلَّة (هُنَا) أَي فِي الرِّبَا (إِحْدَاهَا) أَي إِحْدَى الْعِلَل الْمَذْكُورَة فَقَط (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الْإِجْمَاع على هَذَا الْوَجْه (جعلوها) أَي الْعلَّة (الْكل) أَي الْمَجْمُوع، لِأَن الْمَفْرُوض أَنهم يُرِيدُونَ صَلَاحِية كل للعلية، وَلَا دَلِيل على إِلْغَاء وَاحِد مِنْهَا فَوَجَبَ اعْتِبَارهَا، وَذَلِكَ بالْقَوْل بالجزئية، سِيمَا عِنْد عدم ظُهُور وَجه التَّرْجِيح. لَا يُقَال إِذا كَانَ الْمُخْتَار عنْدكُمْ جَوَاز تعدد الْعلَّة فاجعلوا كل وَاحِدَة مِنْهَا عِلّة مُسْتَقلَّة. لأَنا نقُول: مرادنا من التَّعَدُّد مَا ذكر من كَون كل وَاحِدَة بِحَيْثُ إِذا انْفَرَدت ثَبت بهَا لاجتماعها فِي إِفَادَة الحكم بِأَن يكون كل وَاحِدَة مُسْتَقلَّة فِي الإفادة فَإِنَّهُ محَال. قَالَ (القَاضِي) فِيمَا ذهب إِلَيْهِ من جَوَاز التَّعَدُّد فِي المنصوصة دون المستنبطة (إِذا نَص على اسْتِقْلَال كل) أَي كل وَاحِد (من مُتَعَدد) بالعلية (فِي مَحل و) الْحَال أَنه (لَا مَانع مِنْهُ) إِذْ لَا مَانع من أَن يعين الله سُبْحَانَهُ للْحكم أمارتين (ارْتَفع احْتِمَال التَّرْكِيب) أَي كَون الْعلَّة مَجْمُوع ذَلِك المتعدد (و) كَون كل وَاحِد
(4/26)

مِنْهُ جُزْءا مِنْهَا (مَا لم ينص مَعَ الصلاحية بِأحد الْأَمريْنِ من الْجُزْئِيَّة والاستقلال) أَي وَمَا دَامَ لم ينص فِي المتعدد بِأحد الْأَمريْنِ وهما جزئية كل وَاحِد مِنْهُ واستقلاله فِي الْعلية مَعَ صَلَاحِية كل وَاحِد للعلية، وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى وكل مُتَعَدد لم ينص فِيهِ إِلَى آخر مَا ذكرنَا (فتعيين أَحدهمَا) أَي الْجُزْئِيَّة والاستقلال دون الآخر (تحكم) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الِاحْتِمَال (فَظهر أَن اعْتِقَاده) أَي القَاضِي (جَوَاز التَّعَدُّد فيهمَا) أَي المنصوصة والمستنبطة (غير أَنه لَا يقدر على الحكم بِهِ فِي المستنبطة للاحتمال) أَي لاحْتِمَال جزئية كل وَاحِد كَمَا يحْتَمل الِاسْتِقْلَال (فَإِذا اجْتمعت) تِلْكَ الْأُمُور الصَّالِحَة للعلية (يثبت الحكم على كل تَقْدِير) لِأَنَّهُ على تَقْدِير الْجُزْئِيَّة إِذا اجْتمع جَمِيع أَجزَاء الْعلَّة فقد تحققت بِلَا شُبْهَة، وَأما على تَقْدِير الِاسْتِقْلَال فَالْأَمْر ظَاهر (وَالْجَوَاب مَنعه) أَي منع لُزُوم التحكم على تَقْدِير التَّعْيِين لجَوَاز استنباط الِاسْتِقْلَال عقلا (بِالْعلمِ بالحكم مَعَ أَحدهَا) أَي الْأُمُور الصَّالِحَة للعلية (فِي مَحل كَمَا) أَي كَالْعلمِ بالحكم (مَعَ أُخْرَى) من تِلْكَ الْعِلَل (فِي) مَحل (آخر) فلولا اسْتِقْلَال كل وَاحِدَة مِنْهَا بالعلية لما ثَبت الحكم مَعهَا وَحدهَا (فَيحكم بِهِ) أَي بالاستقلال (لكل فِي مَحل الِاجْتِمَاع) بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور آنِفا الْمعبر عَنهُ بالحيثية الْمَذْكُورَة. (وعاكسه) أَي الَّذِي يَقُول بعكس مَذْهَب القَاضِي من جَوَاز التَّعَدُّد فِي المستنبطة دون المنصوصة، يَقُول (يقطع فِي المنصوصة بِأَنَّهَا) أَي الْعلَّة المنصوصة (الْبَاعِث) لشروع الحكم (فَانْتفى احْتِمَال غَيرهَا) أَي احْتِمَال كَون الْعلَّة غير المنصوصة (كلا وجزءا) تَمْيِيز عَن نِسْبَة الْغَيْر إِلَى الضَّمِير: أَي انْتَفَى احْتِمَال الْغَيْر مُطلقًا سَوَاء كَانَ مُغَايرَة ذَلِك الْغَيْر إِيَّاهَا بِاعْتِبَار جَمِيع الْأَجْزَاء أَو بِاعْتِبَار بَعْضهَا (والمستنبطة وهمية) أَي عليتها ظنية غير مَقْطُوعَة (لَا ينتفى فِيهَا) أَي فِي المستنبطة (ذَلِك) الِاحْتِمَال، فَيجوز أَن يكون فِي نفس الْأَمر غَيرهَا كلا وجزءا (وَالْجَوَاب منع الْكل) أَي لَا نسلم الْقطع فِي المنصوصة لاحْتِمَال أَن يكون النَّص ظَنِّي الْمَتْن: أَي وَالدّلَالَة، وَأَيْضًا لَا نسلم وهميته المستنبطة لجَوَاز أَن يتَحَقَّق هُنَاكَ أَمَارَات كَثِيرَة تفِيد الْقطع بعليتها. قَالَ (الإِمَام) فِيمَا ذهب إِلَيْهِ من جَوَاز التَّعَدُّد دون وُقُوعه (لَو لم يمْتَنع) التَّعَدُّد (شرعا) قيد بِهِ دفعا للتناقض. قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ: ظَاهره مُخَالف لِلْقَوْلِ بِالْجَوَازِ، ثمَّ بَين أَن المُرَاد جَوَازه عقلا وامتناعه شرعا (وَقع عَادَة وَلَو نَادرا). فِي الشَّرْح العضدي أَن الإِمَام زعم أَن هَذَا الدَّلِيل الْغَايَة القصوى فِي الْقُوَّة، وفلق الصُّبْح فِي الوضوح، ثمَّ ذكر فِيهِ: أما الْمُلَازمَة فَلِأَن إِمْكَانه وَاضح، وَمَا خَفِي إِمْكَانه، يُمكن أَن يتَوَهَّم امْتِنَاعه فَلَا يَقع، لَكِن مَا كَانَ إِمْكَانه وَاضحا مَعْلُوما لكل أحد مَعَ التكثر والتكرر لموارده مِمَّا تقضى الْعَادة بامتناعه لَا يَقع أصلا، وَأما انْتِفَاء اللَّازِم، فَلِأَنَّهُ لَو وَقع لعلم عَادَة، وَلما لم يعلم علم أَنه لم يَقع انْتهى. (وَالثَّابِت بِأَسْبَاب الْحَدث
(4/27)

مُتَعَدد كَمَا تقدم) دفع لما يرد عَلَيْهِ، من أَنه كَيفَ يقطع بِعَدَمِ الْوُقُوع مَعَ تعدد أَسبَاب الْحَدث وَالْقَتْل وَحَاصِل الْجَواب أَن مَحل النزاع تعدد علل حكم وَاحِد، وَالْحكم فِيمَا ذكرْتُمْ مُتَعَدد، فالحدث الْحَاصِل بالبول غير الْحَاصِل بالرعاف، وَلذَا قيل إِذا نوى رفع أحد أحداثه لم يرْتَفع الآخر وَإِنَّمَا خص الْحَدث لِأَنَّهُ مَحل الْإِلْزَام على مَا سبق، لِأَن المتعدد فِي الْقَتْل وَاحِد: إِذْ لَا نزاع فِي ارْتِفَاع أَحدهمَا دون الآخر فِيهِ (أُجِيب بِمَنْع عدم الْوُقُوع، بل مَا ذكر) أَي بل هُوَ وَاقع فِي الْحَدث وَالْقَتْل على مَا سبق (وَكَون الثَّابِت بِكُل) من أَسبَاب الْحَدث وَالْقَتْل (غَيره) أَي غير الثَّابِت (بِالْآخرِ) من تِلْكَ الْأَسْبَاب (أَن أثْبته) أَي أثبت الْخصم الْكَوْن الْمَذْكُور (بالانفكاك نفيا) أَي لانْتِفَاء أَحدهمَا وَبَقَاء الآخر (فَتقدم اقْتِصَاره) أَي اقْتِصَار الانفكاك على حكم الْقَتْل لتَعَدد الْمُسْتَحق (وانتفاؤه) أَي انْتِفَاء الانفكاك (فِي الْحَدث ظَاهر، وتجويزه) أَي تَجْوِيز تعدد الْحَدث بِتَعَدُّد الْأَسْبَاب (لَا يَكْفِيهِ) أَي الإِمَام (لِأَنَّهُ مستدل) على دَعْوَى عدم الْوُقُوع فَيلْزم عَلَيْهِ الحكم بِتَعَدُّد الْحَدث المنازع فِيهِ قطعا ليتم استدلاله. (ثمَّ اتّفق المعددون) أَي الْقَائِلُونَ بِتَعَدُّد الْعلَّة (أَنه) أَي الحكم يثبت (بِالْأولِ) من الْأَوْصَاف الصَّالِحَة للعلية (فِي) صُورَة (التَّرْتِيب) وَعدم اجْتِمَاعهمَا مَعًا (وَفِي) صُورَة (الْمَعِيَّة، قيل) الحكم يثبت (بالمجموع فَكل) أَي من تِلْكَ الْأَوْصَاف (جُزْء) من الْعلَّة وَإِن كَانَ كل وَاحِد مِنْهَا يصلح للعلية اسْتِقْلَالا، وَذَلِكَ لِئَلَّا يلْزم التَّرْجِيح بِلَا مُرَجّح (وَقيل وَاحِدَة) مِنْهَا (لَا بِعَينهَا) فِي نَظرنَا (وَالْمُخْتَار) أَن الحكم يثبت (بِكُل) أَي بِكُل وَاحِد من تِلْكَ الْأَوْصَاف اسْتِقْلَالا (لِأَنَّهُ لَو امْتنع) ثُبُوته بِكُل اسْتِقْلَالا، والمفروض أَنه يصلح للاستقلال (كَانَ) ذَلِك الِامْتِنَاع (لِاجْتِمَاع الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة على مَدْلُول) وَاحِد يَعْنِي لَا مُوجب لامتناعه إِلَّا لُزُوم اجتماعها عَلَيْهِ (وَهُوَ) أَي الِاجْتِمَاع الْمَذْكُور (حق اتِّفَاقًا) يَعْنِي أَن الْعِلَل لَيست فِي الْحَقِيقَة إِلَّا أَدِلَّة وأمارات تدل على ثُبُوت الحكم فِي مَحل كَسَائِر الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة من الْكتاب وَالسّنة، وَكم من حكم لَهُ أَدِلَّة مِنْهُمَا يسْتَقلّ كل وَاحِد مِنْهَا فِي الدّلَالَة عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة فكم من مطلب أقيم عَلَيْهِ عدَّة من الْبَرَاهِين بِخِلَاف الْعِلَل الْعَقْلِيَّة المؤثرة فِي وجود الْمَعْلُول فَإِنَّهَا لَا يُمكن فِيهَا ذَلِك على الْخلاف الَّذِي وَقع فِيهَا أَيْضا على مَا عرف فِي الْكَلَام. قَالَ الذَّاهِب إِلَى أَن الْعلَّة (الْمَجْمُوع) الْمركب من تِلْكَ الْأَوْصَاف (لَو اسْتَقل) كل وَاحِد مِنْهَا (فِي) صُورَة (الْمَعِيَّة) فِي الزَّمَان (لزم التَّنَاقُض) كَمَا مر (بِلُزُوم الثُّبُوت) أَي بِثُبُوت الحكم (بِكُل) لاستقلاله بِهِ (وَعَدَمه) أَي الثُّبُوت بِكُل لثُبُوته بِغَيْرِهِ اسْتِقْلَالا (وَمر جَوَابه) من قَوْله وَالْجَوَاب الِاسْتِقْلَال كَونهَا بِحَيْثُ إِذا انْفَرَدت ثَبت بهَا أَي عِنْدهَا والحيثية لَهَا فِي الْمَعِيَّة وَالتَّرْتِيب لَا معنى إفادتها الْوُجُود كالعقلية عِنْد الْقَائِل
(4/28)

بِهِ انْتهى، وَقد مر تَفْسِيره (والتحكم) مَعْطُوف على التَّنَازُع: أَي وَلزِمَ التحكم أَيْضا فَإِن القَوْل بعلية كل وَاحِد بِعَيْنِه مَعَ عدم رجحانه على الآخر تحكم (قُلْنَا) إِنَّمَا يلْزم التحكم (لَو لم يثبت) الحكم (بِكُل) أَي بِكُل وَاحِد وَقد عرفت مَعْنَاهُ فِي الْجَواب عَن التَّنَاقُض (كالمشاهد) أَي كالثبوت بِكُل الْمشَاهد (فِي) الْأَدِلَّة (السمعية) الدَّالَّة (على حكم) وَاحِد. قَالَ الذَّاهِب إِلَى أَن مَا يثبت بِهِ الحكم مِنْهَا (غير الْمعِين: لولاه) أَي لَوْلَا أَن ثُبُوته بِغَيْر الْمعِين (لزم التحكم فِي التَّعْيِين) وَالْقَوْل بِأَنَّهُ يثبت بِوَاحِد مِنْهَا معِين (و) لزم (خلاف الْوَاقِع فِي الْجُزْئِيَّة) وَالْقَوْل بِأَن الْعلَّة إِنَّمَا هُوَ الْمَجْمُوع وكل وَاحِد مِنْهَا جُزْء الْعلَّة (لثُبُوت الِاسْتِقْلَال) أَي الِاسْتِقْلَال (لكل) وَاحِد مِنْهَا بالعلية فِي الْوَاقِع (الْجَواب) عَن دَلِيل هَذَا الْقَائِل (اخْتِيَار) شقّ (ثَالِث) وَهُوَ القَوْل بِأَن كل وَاحِد مِنْهَا عِلّة اسْتِقْلَالا (كَمَا ذكرنَا وَلنَا فِي) جَوَاز (عكس مَا تقدم) فِي الشَّرْح العضدي لَا خلاف فِي جَوَاز ثُبُوت الْحكمَيْنِ بعلة وَاحِدَة بِمَعْنى الأمارة، وَإِمَّا بِمَعْنى الْبَاعِث فقد اخْتلف فِيهِ وَالْمُخْتَار جَوَازه، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (تعدد حكم عِلّة) قَوْله تعدد بِالْجَرِّ عطف بَيَان لعكس مَا تقدم (بِمَعْنى الأمارة الْمُجَرَّدَة) عَن الباعثية للْحكم (كالغروب) أَي كغروب الشَّمْس (لجَوَاز الْإِفْطَار وَوُجُوب) صَلَاة (الْمغرب بِلَا خلاف وَتَسْمِيَة هَذَا) أَي الأمارة الْمُجَرَّدَة (عِلّة اصْطِلَاح) أَي مُجَرّد اصْطِلَاح من الْأُصُولِيِّينَ من غير رِعَايَة الْمَعْنى الْأَصْلِيّ لِلْعِلَّةِ بِخِلَاف تَسْمِيَة الْوَصْف المثير للْحكم، فَإِنَّهُ روعي فِيهِ ذَلِك لِأَنَّهُ كالعلة الغائية كَمَا يفهم من قَوْله (وَبِمَعْنى الْبَاعِث فِي) الْمَذْهَب (الْمُخْتَار لَا بعد فِي مُنَاسبَة وصف) وَاحِد من أَوْصَاف الْعلَّة (لحكمين) تَقْدِير الْكَلَام لنا قَوْلنَا لَا بعد الخ مُبْتَدأ وَخَبره (كَالزِّنَا) فَإِنَّهُ وصف وَاحِد عِلّة (للْحُرْمَة وَوُجُوب الْحَد) وهما حكمان مُخْتَلِفَانِ بِالذَّاتِ (قَوْلهم) أَي المانعين جَوَازه (فِيهِ) أَي فِي كَون الْوَصْف الْوَاحِد عِلّة لِلْحكمَيْنِ أَو فِي كَونه مناسبا لَهما (تَحْصِيل الْحَاصِل لحُصُول الْمصلحَة بِأحد الْحكمَيْنِ) يَعْنِي أَن مناسبته للْحكم أَن مصْلحَته حَاصِلَة عِنْد الحكم وَالْحكم الْوَاحِد تحصل الْمصلحَة الْمَقْصُودَة مِنْهُ، فَإِذا حصل الحكم الثَّانِي حصلها مرّة أُخْرَى، وَأَنه تَحْصِيل الْحَاصِل (إِنَّمَا يلْزم) خبر الْمُبْتَدَأ أَعنِي قَوْلهم (لَو لم يحصل بِالْوَصْفِ مصلحتان) فَإِنَّهُ إِذا جَازَ حُصُول المصلحتين بِالْوَصْفِ فَالْحَاصِل بِكُل حكم مصلحَة أُخْرَى فَلَا تَحْصِيل للحاصل (أَو لَا تحصل) الْمصلحَة (الْمَقْصُودَة) من الْوَصْف (إِلَّا بهما) قَوْله لَا تحصل مَعْطُوف على لم يحصل وَلَا يخفى أَن مَضْمُون قَوْله لَا تحصل الخ انحصار حُصُول الْمَقْصُودَة فِي تحقق الْحكمَيْنِ وَإِذا دخل كلمة لَو عَلَيْهِ أفادت نفي الْمَضْمُون الْمَذْكُور، فَالْمَعْنى حِينَئِذٍ أَن تَحْصِيل الْحَاصِل لَا يلْزم عِنْد انْتِفَاء الْأَمريْنِ جَمِيعًا عدم حُصُول تحقق مصلحتين بِالْوَصْفِ، والانحصار الْمَذْكُور، فَإِذا لم ينتف
(4/29)

أَحدهمَا لَا يلْزم، أما الأول فقد بَيناهُ، وَأما الثَّانِي فَغير ظَاهر: لِأَنَّهُ إِذا لم تَنْحَصِر الْمَقْصُودَة فِي تحقق الْحكمَيْنِ مَعًا لزم حُصُولهَا بِدُونِ تحققهما مَعًا، وَكَون حُصُول الْمَقْصُودَة بدونهما مخلصا عَن تَحْصِيل الْحَاصِل غير موجه، وَمَا فِي الشَّرْح العضدي من قَوْله الْجَواب منع لُزُوم تَحْصِيل الْحَاصِل لجَوَاز أَن يحصل الحكم الآخر مصلحَة أُخْرَى، أَو أَن الْمصلحَة الْمَقْصُودَة لَا تحصل إِلَّا بهما وَاضح فَإِن الْمصلحَة الْمَقْصُودَة إِذا لم تحصل إِلَّا بِمَجْمُوع الْحكمَيْنِ كَيفَ يلْزم بِالثَّانِي تَحْصِيل الْحَاصِل فَالْوَجْه أَن يحمل كَلَام المُصَنّف على مَا يُوَافق الشَّرْح الْمَذْكُور بِأَن يقدر فِي كَلَامه لفظ يكن ويعطف مَدْخُول أَو على مَدْخُول لم فالتقدير لَو لم يكن لَا يحصل إِلَى آخِره: أَي لَو لم يكن مضمونه وَهُوَ الانحصار الْمَذْكُور (وَمِنْهَا) أَي وَمن شُرُوط عِلّة حكم الأَصْل (أَن لَا تتأخر) الْعلَّة (عَن حكم الأَصْل) ثبوتا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يشْتَرط عدم تأخرها وَيجوز ثُبُوتهَا بعده (ثَبت) حكم الأَصْل (بِلَا باعث، وَأَيْضًا يثبت بذلك) التَّأَخُّر (أَنه لم يشرع) الحكم (لَهَا) أَي لأجل تِلْكَ الْعلَّة الْمُتَأَخِّرَة (وَمثل) تَأَخّر الْعلَّة (بتعليل نَجَاسَة مصاب عرق الْخِنْزِير) أَي الْمحل الَّذِي أَصَابَهُ عرق الْخِنْزِير (بِأَنَّهُ) أَي عرقه (مستقذر، وَهُوَ) أَي التَّعْلِيل بالاستقذار فِي الأَصْل (تَعْلِيل نَجَاسَة اللعاب) أَي فرع تَعْلِيل نَجَاسَة اللعاب (بِهِ) أَي بالاستقذار (لِأَنَّهُ) أَي الْعرق من حَيْثُ النَّجَاسَة (قِيَاس) أَي مقيس (عَلَيْهِ) أَي على اللعاب، أَو الْمَعْنى لِأَن التَّعْلِيل بالاستقذار مآله قِيَاس مصاب الْعرق على مصاب اللعاب فَيجب اعْتِبَار النَّجَاسَة فِي اللعاب ليَصِح قِيَاس مصاب الْعرق عَلَيْهِ بِجَامِع الاستقذار (وَهُوَ) أَي وصف الاستقذار (مُتَأَخّر عَنْهَا) أَو نَجَاسَة اللعاب (وَهُوَ) أَي الْمُتَأَخر الَّذِي ادّعى (غير لَازم لجَوَاز الْمُقَارنَة) أَي لجَوَاز أَن يكون وصف الاستقذار مُقَارنًا لنجاسة اللعاب فِي الثُّبُوت. الْحَاصِل أَن الممثل يُوهم عدم ثُبُوت الاستقذار عِنْد ثُبُوت حكم الأَصْل: وَهُوَ نَجَاسَة اللعاب أَو مصابه، لِأَنَّهُ إِنَّمَا ذكر عِنْد إِلْحَاق الْمُصَاب الْعرق بِهِ وَلم يعرف أَن تَأَخّر الذّكر لَا يسْتَلْزم تَأَخّر الثُّبُوت، ثمَّ الشَّرْط مُقَارنَة الْوَصْف للْحكم بِحَسب اعْتِبَاره فِي الْمحل شرعا لَا بِحَسب ثُبُوت الْمحل فِي الْخَارِج (و) الْمِثَال (الْمُتَّفق عَلَيْهِ) كَونه من الممثل (تَعْلِيل ولَايَة الْأَب على الصَّغِير الَّذِي عرض لَهُ الْجُنُون بالجنون لِأَن ولَايَته قبله) فَإِن ولَايَته مُقَدّمَة على عرُوض الْجُنُون للصَّغِير (وَأما سلبها بعروضه للْوَلِيّ) أَي أما التَّمْثِيل بتعليل سلب الْولَايَة عَن الصَّغِير بالجنون الْعَارِض للْوَلِيّ كَمَا فِي الشَّرْح العضدي (فعكس المُرَاد) لِأَن الْعلَّة: وَهِي الْجُنُون الْعَارِض للْوَلِيّ مقدم على الحكم الَّذِي هُوَ سَبَب ولَايَته. قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ غَايَة مَا أدّى إِلَيْهِ نظر الناظرين: أَي فِي تَوْجِيه كَلَامه أَنه من وضع الظَّاهِر مَوضِع الْمُضمر، وَالْمعْنَى سلب الْولَايَة عَن الصَّغِير بالجنون الْعَارِض لَهُ انْتهى. كَأَنَّهُمْ أَرَادوا بالصغير فِي قَوْله عَن الصَّغِير الْوَلِيّ الصَّغِير فَإِن سلب الْولَايَة حَاصِل
(4/30)

بِسَبَب مقدم: وَهُوَ الصغر وَالْجُنُون الْعَارِض مُتَأَخّر عَن السَّبَب الْمَذْكُور وَإِلَّا لَا يتم توجيههم (وَأما مَنعه) أَي منع تَأَخّر وصف الْعلَّة عَن الحكم (إِذا قدر) الْوَصْف الْمَذْكُور (أَمارَة) مُجَرّدَة عَن الباعثية (لِأَنَّهُ تَعْرِيف الْمُعَرّف) تَعْلِيل للْمَنْع: يَعْنِي أَن الأمارة إِنَّمَا تكون معرفَة لما هُوَ أَمارَة لَهُ فَإِذا فرض ثُبُوت الحكم قبله لزم مَعْرفَته أَيْضا قبله فَيلْزم تَعْرِيف الْمُعَرّف (فَلَا) جَوَاب أما: أَي فَلَا يَصح (لِاجْتِمَاع الأمارات) أَي لجَوَاز أَن يجْتَمع لشَيْء وَاحِد أَمَارَات لكَونهَا بِمَنْزِلَة الدَّلِيل وتعدد الْأَدِلَّة أَكثر من أَن تحصى (وَلَيْسَ تعاقبها) أَي الأمارات (مَانِعا) عَن كَون الثَّانِي أَمارَة ومعرفا لِئَلَّا يلْزم تَحْصِيل الْحَاصِل، لِأَن الثَّانِي يعرفهُ بِوَجْه آخر (و) من شُرُوط الْعلَّة (أَن لَا يعود) التَّعْلِيل بهَا (على أَصله بالإبطال) أَي لَا يلْزم مِنْهُ بطلَان الحكم الْمُعَلل بهَا لِأَن ذَلِك الحكم أَصله، إِذْ التَّعْلِيل فرع الثُّبُوت وَبطلَان الأَصْل يسْتَلْزم بطلَان الْفَرْع فصحبته تَسْتَلْزِم بُطْلَانه، فَلَو صَحَّ لصَحَّ وَبَطل فيجتمع النقيضان، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَتبْطل هِيَ: مِثَاله) الْوَاقِع (للشَّافِعِيَّة تَعْلِيل الْحَنَفِيَّة) الحكم الْمُسْتَفَاد بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لَا تَبِيعُوا الطَّعَام بِالطَّعَامِ إِلَّا مثلا بِمثل سَوَاء بِسَوَاء) وَهُوَ (يعم مَا لَا يُكَال قلَّة) أَي لَا يُكَال عَادَة لقلته (بِالْكَيْلِ) مُتَعَلق بتعليل الْحَنَفِيَّة (فَخرج) مَا لَا يُكَال من دَائِرَة عُمُومه بِسَبَب اعْتِبَار هَذِه الْعلَّة لِأَن عِلّة حكم النَّهْي لَا بُد أَن تتَحَقَّق فِي كل مَا يتَحَقَّق فِيهِ فموجب عمومها يبطل عُمُوم مُوجب الأَصْل بِحَسب مَنْطُوق النَّص (و) تَعْلِيلهم فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (فِي أَرْبَعِينَ شَاة شَاة بسد خلة الْمُحْتَاج) أَي حَاجته (فَانْتفى وُجُوبهَا) أَي وجوب عين الشَّاة منتقلا عَن خصوصيتها (إِلَى التَّخْيِير بَينهَا وَبَين قيمتهَا، وَتقدم دَفعه) أَي دفع لُزُوم إبِْطَال تَعْلِيلهم بسد الْخلَّة حكم الأَصْل (فِي التأويلات) بِالْمَعْنَى وَالنَّص فَارْجِع إِلَيْهِ (و) تقدم دفع (الأول) وَهُوَ لُزُوم إبِْطَال تَعْلِيلهم بِالْكَيْلِ حكم أَصله (فِي) بحث (الِاسْتِثْنَاء، ثمَّ المُرَاد عدم الْكَيْل) فِي تَعْلِيلهم لجَوَاز بيع مَا لَا يدْخل تَحت الْكَيْل مُتَفَاضلا، فَإِن هَذَا الْجَوَاز بِسَبَب عدم تحقق الْكَيْل الَّذِي هُوَ سَبَب منع التَّفَاضُل يعرف كَونه مرَادا (بِأَدْنَى تَأمل) وَلَا يخفى عَلَيْك أَن الْمُتَبَادر من قَوْله ثمَّ المُرَاد إِلَى آخِره بَيَان المُرَاد بِالتَّعْلِيلِ الْمُسْتَفَاد بقوله تَعْلِيل الْحَنَفِيَّة إِلَى قَوْله بِالْكَيْلِ وَهُوَ غير صَحِيح لِأَن الْعلَّة فِي ذَلِك التَّعْلِيل لَا الْكَيْل على مَا بَيناهُ لكنه لما لم يظْهر إبِْطَال ذَلِك التَّعْلِيل حكم بِالْأَصْلِ إِلَّا فِي مسئلة جَوَاز بيع مَا لَا يُكَال إِلَّا مثلا بِمثل مُتَفَاضلا وَيحْتَاج هَذَا الْجَوَاز إِلَى عِلّة تبين مُرَادهم فِي هَذَا التَّعْلِيل فَإِن قلت الْعلَّة فِي التَّعْلِيل الأول الْقدر وَالْجِنْس لَا الْكَيْل فَقَط قلت مُرَاده من الْكَيْل الْقدر وَإِنَّمَا اكْتفى بِذكرِهِ لِأَن مدَار الْإِبْطَال عَلَيْهِ (و) مِثَاله (للحنفية تَعْلِيل) حكم (نَص السّلم) يَعْنِي تَعْلِيل الشَّافِعِيَّة إِيَّاه (يخرج إِحْضَار السّلْعَة) مجْلِس البيع فَإِنَّهُ قد يكون لَهَا مُؤنَة وَثقل (الْمُبْطل) صفة لتعليل
(4/31)

بِمَا ذكر (لأجل مَعْلُوم) وَقد دلّ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " من أسلم فليسلم فِي كيل مَعْلُوم وَوزن مَعْلُوم إِلَى أجل مَعْلُوم " على اشْتِرَاطه فِي السّلم، وَأما الْإِبْطَال فَلِأَن منَاط جَوَاز السّلم إِذا كَانَ خرج إحضارها، فَفِي كل مَبِيع تحقق الْخُرُوج الْمَذْكُور تحقق الْجَوَاز وَإِن كَانَ على سَبِيل الْحُلُول من غير أجل (وَأما الِافْتِتَاح) أَي جَوَاز افْتِتَاح الصَّلَاة (بِنَحْوِ الله أعظم) أَو أجل كَمَا هُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى (فبالنص) أَي فثبوته بِالنَّصِّ قَوْله تَعَالَى - {وَرَبك فَكبر} -: لَا بِالْقِيَاسِ حَتَّى يرد عَلَيْهِ أَنه يبطل مُوجب النَّص (إِذْ التَّكْبِير) الْمَأْمُور بِهِ فِي الِافْتِتَاح إِنَّمَا هُوَ (التَّعْظِيم) وَهُوَ ذكر يدل على عَظمته سُبْحَانَهُ، فَيعم الله أعظم وَنَحْوه (وَتقدم). قَالَ الشَّارِح سَهْو، فَإِنَّهُ لم يتَقَدَّم وَإِنِّي لم أحط بِالنَّفْيِ، وَيجوز تَقْدِيم تَفْسِير التَّكْبِير صَرِيحًا أَو ضمنا. (وَمِنْهَا) أَي شُرُوط الْعلَّة (أَن لَا تخَالف نصا) بِأَن تفِيد فِي الْفَرْع حكما يُخَالف نصا. ثمَّ أَشَارَ إِلَى مِثَاله بقوله (تقدم اشْتِرَاط التَّمْلِيك فِي طَعَام الْكَفَّارَة) الْمُسْتَفَاد من قَوْله تَعَالَى - {فكفارته إطْعَام عشرَة مَسَاكِين} - (كالكسوة) أَي كاشتراطه فِي الْكسْوَة الْمُسْتَفَاد من قَوْله تَعَالَى - {وكسوتهم} - فَإِنَّهُ لَا يُقَال كَسَاه إِلَّا إِذا ملكه، بِخِلَاف أطْعمهُ فَإِنَّهُ يُقَال إِذا أَبَاحَ، وَإِثْبَات الِاشْتِرَاط فِي الْفَرْع الَّذِي بنوا عَلَيْهِ الْإِطْعَام قِيَاسا على الْكسْوَة كَمَا سيشير إِلَيْهِ مُخَالف لعُمُوم كَيَوْم (7) الْإِطْعَام نَقله كَونهمَا كَفَّارَة (و) تقدم (شَرط الْإِيمَان) فِي الرَّقَبَة المحررة كَفَّارَة (فِي الْيَمين) مُتَعَلق بالاشتراط وَالشّرط على سَبِيل التَّنَازُع (كَالْقَتْلِ) أَي قِيَاسا على اشْتِرَاطه فِي الرَّقَبَة المحررة كَفَّارَة فِي الْقَتْل (يبطل) الِاشْتِرَاط وَالشّرط وَفِي بعض النّسخ يبطلان (إِطْلَاق نَص الْإِطْعَام) كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ (و) إِطْلَاق نَص (الرَّقَبَة) فِي قَوْله تَعَالَى - {أَو تَحْرِير رَقَبَة} - فَإِنَّهَا تعم الرَّقَبَة المؤمنة والكافرة (أَو إِجْمَاعًا) مَعْطُوف على قَوْله نصا، فَالْمَعْنى لَا يُخَالف شَيْئا مِنْهُمَا، ومثاله (مَا مر من مَعْلُوم الإلغاء) أَي التَّعْلِيل الَّذِي علم إلغاؤه وَعدم اعْتِبَاره إِجْمَاعًا، فَلَا تقاس صَلَاة الْمُسَافِر على صَوْمه فِي عدم وجوب الْأَدَاء فِي السّفر بِجَامِع السّفر، لِأَن الْإِجْمَاع على وجوب أَدَائِهَا فِيهِ (و) من شُرُوط الْعلَّة (أَن لَا تكون) الْعلَّة (المستنبطة) مُعَارضَة (بمعارض) مَوْجُود (فِي الأَصْل: أَي وصف) فِيهِ (يَصح) للعلية حَال كَونه (غير ثَابت فِي الْفَرْع) وَهَذَا الِاشْتِرَاط مَبْنِيّ (على عدم تعدد) الْعلَّة (المستقلة) بمعارض مَوْجُود فِي الأَصْل: أَي وصف فِيهِ يَصح للعلية، لِأَنَّهُ لَو جَازَ تعددها وَثَبت بَعْضهَا فِي الْفَرْع لم يضر عدم ثُبُوت الْبَعْض الآخر فِيهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لَا) يشْتَرط عدم الْمعَارض الْمَذْكُور (مَعَ جَوَازه) أَي تعددها، بل يجوز وجود الْمعَارض الْمَذْكُور مَعَه (إِلَّا مَعَ عدم تَرْجِيحه) أَي التَّعَدُّد (على التَّرْكِيب فِيهِ) أَي فِي الأَصْل الَّذِي هُوَ مَحل اجتماعها بِأَن تكون تِلْكَ الْأَوْصَاف بِحَيْثُ تصلح للعلية، مُنْفَرِدَة ومجتمعة، وَلم يتَرَجَّح الِاحْتِمَال الأول على الثَّانِي،
(4/32)

فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يجوز وجوده، لِأَنَّهُ يلْزم على احْتِمَال التَّرْكِيب عدم وجود الْعلَّة فِي الْفَرْع، يرد عَلَيْهِ أَنه على تَقْدِير الْبناء على عدم جَوَاز التَّعَدُّد لَا فرق بَين أَن يكون ذَلِك الْمعَارض مَوْجُودا فِي الْفَرْع، وَأَن لَا يكون مَوْجُودا فِيهِ فَلَا وَجه لتقييده بِعَدَمِ الثُّبُوت فِيهِ، وَيُمكن أَن يُجَاب عَنهُ بِأَنَّهُ على تَقْدِير ثُبُوته فِيهِ يُمكن أَن يَجْعَل الْمَجْمُوع عِلّة، وعَلى تَقْدِير عَدمه فِيهِ لَا يُمكن ذَلِك فَافْتَرقَا فَتَأمل (وَمَا قيل و) من شُرُوط الْعلَّة أَن (لَا) تكون المستنبطة مُعَارضَة بمعارض مَوْجُود (فِي الْفَرْع تقدم) ذكره فِي شُرُوط الْفَرْع. (و) من شُرُوطهَا (أَن لَا توجب) المستنبطة (زِيَادَة فِي حكم الأَصْل كتعليل) حُرْمَة بيع الطَّعَام بِجِنْسِهِ مُتَفَاضلا المستفادة من (حَدِيث الطَّعَام) أَي لَا تَبِيعُوا الطَّعَام بِالطَّعَامِ إِلَّا سَوَاء بِسَوَاء (بِأَنَّهُ) أَي بَيْعه مُتَفَاضلا (رَبًّا) فِيمَا يُوزن كالنقدين (فَيلْزم التَّقَابُض) فِي الْمجْلس فِيهِ كَمَا فِي الأَصْل، وَهُوَ النقدان (وَلَيْسَ) لُزُوم التَّقَابُض مَذْكُورا (فِي نَص الأَصْل) الَّذِي استنبطت مِنْهُ الْعلَّة، وَهُوَ الحَدِيث الْمَذْكُور، فَعلم أَن المُرَاد بِالْأَصْلِ هَهُنَا أصل الْعلَّة، لَا أصل الْفَرْع الْمَقِيس (وَقيل إِن كَانَت) الزِّيَادَة (مُنَافِيَة لَهُ) أَي لحكم الأَصْل اشْترط عدم إِيجَاب الْعلَّة لَهَا (وَهُوَ) أَي هَذَا التَّقْيِيد (الْوَجْه) أَي الْوَجْه المرضي، وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيّ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يلْزم النّسخ بِالِاجْتِهَادِ، وَهُوَ غير جَائِز (وَيرجع) مآل هَذِه الْعلَّة (إِلَى مَا يبطل أَصله، وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن هَذَا التَّقْيِيد (لَا يُوجب) اشْتِرَاط عدم إِيجَاب الْعلَّة إِيَّاهَا (و) من شُرُوطهَا (أَن لَا يكون دليلها) أَي الدَّلِيل الدَّال على علية الْعلَّة بِعُمُومِهِ أَو بِخُصُوصِهِ (متناولا حكم الْفَرْع) لِأَنَّهُ يُمكن إِثْبَات حكم الْفَرْع بِالنَّصِّ من غير احْتِيَاج إِلَى الْقيَاس المستلزم ادِّعَاء اشْتِرَاك الأَصْل فِي الْفَرْع فِي الْعلَّة ووجودها فيهمَا فَإِنَّهُ تَطْوِيل من غير حَاجَة، وَقد يمْنَع تَأْثِير الْعلَّة أَو وجودهَا فيهمَا (وَالْوَجْه نَفْيه) أَي هَذَا الشَّرْط (لجَوَاز تعدد الْأَدِلَّة) فَلْيَكُن كل وَاحِد من الْقيَاس وَالدَّلِيل الْمَذْكُور دَلِيلا على الحكم، وَلما كَانَ هَذَا مَظَنَّة سُؤال، وَهُوَ أَنه إِذا كَانَ للْحكم طَرِيقَانِ، فَكَانَ أَحدهمَا مُسْتقِلّا وَالْآخر متوقفا عَلَيْهِ تعين الأول ولغى الثَّانِي، فَيلْزم الرُّجُوع عَنهُ: أجَاب عَنهُ بقوله (وَلَا يسْتَلْزم) تنَاول الْمَدْلُول حكم الْفَرْع (الرُّجُوع عَن الْقيَاس، بل) يسْتَلْزم (الإفادة) للْحكم (بِهِ) أَي بِالْقِيَاسِ حَال كَونه (غير ملاحظ غَيره) أَي غير الْقيَاس (و) الإفادة (بِغَيْرِهِ) أَي بِغَيْر الْقيَاس، وَهُوَ الدَّلِيل الْمَذْكُور فَإِن قلت: كَيفَ يفاد بِالْقِيَاسِ بِدُونِ مُلَاحظَة الْغَيْر ومدار الْقيَاس على دَلِيل علته قلت: إِثْبَات الْعلَّة مطلب آخر مُفَرع عَنهُ عِنْد إِثْبَات الحكم لَا يُلَاحظ (أما لَو تنوزع فِي دلَالَته) أَي دلَالَة الدَّلِيل الْمَذْكُور (على حكم الْفَرْع) من غير نزاع فِي دلَالَته على علية الْعلَّة بِأَن يكون النَّص مُخَصّصا
(4/33)

مثلا، فالمستدل: أَي الْمُعْتَرض لَا يرَاهُ حجَّة إِلَّا فِي أقل الْجمع، فَلَو أَرَادَ إدراج الْفَرْع فِيهِ تعسر فثبتت فِيهِ بِهِ الْعلية فِي الْجُمْلَة، ثمَّ يعمم بِهِ الحكم فِي جَمِيع موارد وجود الْعلَّة، كَذَا فِي الشَّرْح العضدي، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فجوازه اتِّفَاق لِأَنَّهُ يثبت بِهِ الْعلية، ثمَّ يعمم بهَا). وَفِي الشَّرْح الْمَذْكُور، وَأَيْضًا فقد تكون دلَالَته على الْعلية أوضح من دلَالَته على الْعُمُوم كَمَا تَقول: حرمت الرِّبَا فِي الطَّعَام للطعم، فَإِن الْعلية فِي غَايَة الوضوح والعموم فِي الْمُفْرد الْمُعَرّف مَحل خلاف ظَاهر. ثمَّ لَا يخفى عَلَيْك أَن مُقْتَضى قَوْله لَا يرَاهُ حجَّة الخ، إِذْ لَا يحْتَج بِهِ للعلية أَيْضا إِلَّا أَن يُقَال المُرَاد نفي حجيته فِي حق الْأَفْرَاد الَّتِي تندرج تَحت عُمُومه، وَعليَّة الْعلَّة لَيست مِنْهَا، بل يثبت مِنْهُ بطرِيق الِاقْتِضَاء واللزوم إِلَى غير ذَلِك. (وَالْمُخْتَار جَوَاز كَونهَا) أَي الْعلَّة (حكما شَرْعِيًّا، مِثَاله للحنفية) مَا ورد عَن الخثعمية أَنَّهَا قَالَت يَا رَسُول الله: إِن فَرِيضَة الْحَج أدْركْت أبي وَهُوَ شيخ كَبِير لَا يسْتَمْسك على الرَّاحِلَة أفأحج عَنهُ؟ فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أَرَأَيْت لَو كَانَ على أَبِيك دين) فقضيته أما كَانَ ذَلِك يقبل مِنْك؟ قَالَت نعم: قَالَ فدين الله أَحَق (قَاس) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِجْزَاء الْحَج عَنهُ بإجزاء قَضَاء الدّين عَنهُ (بعلة كَونه) أَي الْمقْضِي (دينا، وَهُوَ) أَي الدّين (حكم شَرْعِي هُوَ) أَي ذَلِك الحكم الشَّرْعِيّ (لُزُوم أَمر فِي الذِّمَّة) فَإِن هَذَا اللُّزُوم اعْتِبَار من اعتبارات الشَّرْع مترتب على خطابه تَعَالَى الْمُتَعَلّق بأَدَاء الْحق. (و) أَيْضا مِثَاله (قَوْلهم) أَي الْحَنَفِيَّة (فِي) عدم صِحَة بيع (الْمُدبر: مَمْلُوك تعلق عتقه بِمُطلق موت الْمولى) قيد الْإِطْلَاق احْتِرَاز عَن الْمُدبر الْمُقَيد كَأَن مت فِي هَذَا الْمَرَض فَأَنت حر (فَلَا يُبَاع كَأُمّ الْوَلَد) فَالْأَصْل أم الْوَلَد، وَالْفرع الْمُدبر، وَالْعلَّة كَونهمَا مملوكين تعلق عتقهما بِمُطلق موت الْمولى (وَقيل لَا) يجوز أَن تكون تِلْكَ الْعلَّة حكما شَرْعِيًّا (للُزُوم النَّقْض) أَي تخلف الْمَعْلُول عَمَّا فرض عِلّة (فِي التَّقَدُّم) أَي فِي صُورَة تقدمها بِالزَّمَانِ على الحكم (و) لُزُوم (ثُبُوت الحكم بِلَا باعث فِي) صُورَة (التَّأَخُّر) أَي تَأَخّر مَا فرض عِلّة عَن الْمَعْلُول (و) لُزُوم (التحكم فِي) صُورَة (الْمُقَارنَة) إِذْ لَيْسَ أَحدهمَا حِينَئِذٍ أولى بالعلية من الآخر لكَون كل مِنْهُمَا حكما شَرْعِيًّا (وَمنع الْأَخير) أَي لُزُوم التحكم فِي الْمُقَارنَة (لتمييز الْمُنَاسبَة) الْمُعْتَبرَة فِي الْعلية بَينهمَا تمييزا يُفِيد تعين أَحدهمَا بالعلية دون الآخر (وَغَيرهَا) أَي غير الْمُنَاسبَة من الْأُمُور الدَّالَّة على الْعلية الْمَذْكُورَة فِي مسالك الْعلَّة (وَتقدم) فِي جَوَاب المانعين تعدد الْعلَّة (مَا) يُجَاب بِهِ (فِيمَا قبله) أَي مَا قبل الْأَخير وَهُوَ لُزُوم كَون الحكم بِلَا باعث والنقض فِي التَّقَدُّم من أَن تَأْثِير الْعِلَل الشَّرْعِيَّة لَيْسَ بِمَعْنى إفادتها الْوُجُود كالعقلية حَتَّى يمْتَنع فِيهَا التَّقَدُّم أَو التَّخَلُّف (ثمَّ اختير) اخْتَارَهُ الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب (تعين كَونهَا) أَي كَون حكم الْعلَّة الَّتِي هِيَ الحكم الشَّرْعِيّ (لجلب مصلحَة)
(4/34)

يقتضيها حكم الأَصْل لكَونه مَشْرُوعا لحصولها (كبطلان بيع الْخمر) أَي كتعليل بُطْلَانه (بِالنَّجَاسَةِ) الَّتِي هِيَ حكم شَرْعِي لمناسبتها بُطْلَانه لكَونهَا تمنع عَن الملابسة، وَفِي شرع بطلَان بيعهَا بِسَبَب النَّجَاسَة جلب مصلحَة هِيَ تَكْمِيل الْمَقْصُود من الْبطلَان وَهُوَ عدم الِانْتِفَاع (لَا لدفع مفْسدَة) يقتضيها حكم الأَصْل (لِأَن) الحكم (الشَّرْعِيّ لَا يشْتَمل عَلَيْهَا) أَي على مفْسدَة مَطْلُوبَة الدّفع (وحقق) فِي الشَّرْح العضدي (جَوَازهَا) أَي جَوَاز كَون حكمهَا لدفع تِلْكَ الْمفْسدَة (لجَوَاز اشتماله) أَي الحكم الشَّرْعِيّ (على مصلحَة راجحة ومفسدة تدفع بِحكم آخر كوجوب حد الزِّنَا لحفظ النّسَب على الإِمَام ثقيل يُؤَدِّي إِلَى مفْسدَة إِتْلَاف النُّفُوس فعلل بِوُجُوب شَهَادَة الْأَرْبَع) قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ مَا مَعْنَاهُ أَن حد الزِّنَا حكم شَرْعِي مُشْتَمل على مصلحَة راجحة هِيَ حفظ النّسَب وَهُوَ حد ثقيل لكَونه دائرا بَين رجم كَمَا فِي الْمُحصن، وَبَين جلد وتغريب عَام كَمَا فِي غَيره، وَفِي كَثْرَة وُقُوعه مفْسدَة مَا: من إِتْلَاف النُّفُوس وإيلامها فشرع الْمُبَالغَة وَالِاحْتِيَاط فِي طَرِيق ثُبُوته: أَعنِي الشَّهَادَة دفعا للمفسدة القليلة، وَهَذَا معنى كَون ذَلِك عِلّة لَهُ باعثة عَلَيْهِ فوجوب الْحَد المفضي إِلَى كَثْرَة الْإِتْلَاف، والإيلام حكم شَرْعِي مُعَلل بِوُجُوب الْأَرْبَع دفعا للمفسدة الْكَثِيرَة لتبقى مصلحَة حفظ النّسَب خَالِصَة انْتهى. فَالْحَاصِل أَنه لَوْلَا هَذَا الدَّافِع للمفسدة الْمَذْكُورَة لما شرع وجوب الْحَد المفضي إِلَيْهَا فوجوب الْأَرْبَع مصحح لمشروعية الْحَد الْمَذْكُور باعث لَهُ. وَلَا يخفى أَن توقف صِحَة مَشْرُوعِيَّة الْحَد على وجوب الْأَرْبَع لَا يَسْتَدْعِي كَونه باعثا لَهَا وَالْكَلَام فِي الْعلَّة بِمَعْنى الْبَاعِث، وَالْحق أَن الاشتمال على الْمفْسدَة الْمَطْلُوب دَفعهَا بشرع الحكم إِنَّمَا هُوَ شَأْن الْعلَّة كالسكر وَالْقَتْل الْمُشْتَمل على الْبغضَاء والإضافات لعِلَّة وجوب الْحَد لاشْتِمَاله عَلَيْهَا، والدافع لَهَا وجوب الْأَرْبَع كَمَا يفِيدهُ أول كَلَام الْمُحَقق، لَا عَكسه كَمَا يفِيدهُ آخر كَلَامه، وَالْمُصَنّف وَافق الآخر حَيْثُ قَالَ فعلل بِوُجُوب شَهَادَة الْأَرْبَع بِهِ، فَكَأَنَّهُ وَقع سَهْو الْقَلَم بَينهمَا، وَالصَّوَاب مُعَلل بِهِ وجوب الْأَرْبَع، وَعلل بِهِ وجوب شَهَادَة الْأَرْبَع وَالله تَعَالَى أعلم (وَالْمُخْتَار) كَمَا هُوَ قَول الْجُمْهُور (جَوَاز كَونهَا) أَي الْعلَّة (مَجْمُوع صِفَات، وَهِي) أَي الْعلَّة الَّتِي يُقَال لَهَا (المركبة إِذْ لَا مَانع مِنْهُ) أَي من جَوَازه (فِي الْعقل وَوَقع) كَونهَا لذَلِك مَعْطُوف على قَوْله لَا مَانع فَهُوَ دَلِيل آخر على الْجَوَاز يفِيدهُ على الْوَجْه الآكد (كَالْقَتْلِ الْعمد الْعدوان) الْمركب من الْأَوْصَاف الثَّلَاثَة لحكم الْقصاص. (وَقَوْلهمْ) أَي الشارطين فِي الْعلَّة كَونهَا وَصفا وَاحِدًا المانعين تركبها (لَو كَانَ) أَي لَو تحقق كَونهَا مَجْمُوع صِفَات (والعلية صفة زَائِدَة) أَي وَالْحَال أَنَّهَا صفة زَائِدَة على ذَات الْعلَّة الَّتِي هِيَ مَجْمُوع الصِّفَات (فقيامها) أَي الْعلَّة (إِن) كَانَ (بِجُزْء) وَاحِد مِنْهَا (أَو بِكُل جُزْء) مِنْهَا على حِدة (فَهُوَ) أَي الْجُزْء الْوَاحِد على الأول أَو كل جُزْء على الثَّانِي (الْعلَّة) والمفروض
(4/35)

خِلَافه، وَهُوَ أَنَّهَا الْمَجْمُوع لَا الْوَاحِد بِعَيْنِه أَو لَا بِعَيْنِه وَلَا كل وحد (أَو بالمجموع من حَيْثُ هُوَ مَجْمُوع) وَهَذَا هُوَ الشق الثَّالِث للترديد وَالِاحْتِمَال منحصر فِيهَا (فَلَا بُد من جِهَة وحدة) بهَا يكون الْمَجْمُوع شَيْئا وَاحِدًا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن لَهُ جِهَة وحدة (لم تقم) الْعلية (بِهِ) أَي بالمجموع من حَيْثُ هُوَ لعدم أَمر آخر سوى الْأَوْصَاف المتعددة، فالعلية إِمَّا قَائِمَة بِبَعْض مِنْهَا أَو بِكُل وَاحِد على مَا مر (وَيعود مَعهَا) أَو مَعَ جِهَة الْوحدَة للمجموع (الْكَلَام) فِي جِهَة الْوحدَة (بقيامها) أَي بِاعْتِبَار قيام تِلْكَ الْوحدَة بِأَن يُقَال بِمَ تقوم؟ إِذْ لَا بُد لَهَا من مَحل فَهِيَ (إِمَّا) قَائِمَة (بِكُل إِلَى آخِره) أَي بِكُل جُزْء أَو بِجُزْء وَاحِد، وكل وَاحِد مِنْهُمَا خلاف الْمَفْرُوض فَهِيَ قَائِمَة بالمجموع من حَيْثُ هُوَ مَجْمُوع فَلَا بُد لَهُ من جِهَة وحدة أُخْرَى، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فتتحقق وحدة أُخْرَى ويتسلسل قُلْنَا) قَوْلهم الْمَذْكُور فِي إبِْطَال تركب الْعلَّة (تشكيك فِي) جَوَاز أَمر (ضَرُورِيّ) أَي بديهي جَوَازه بل وُقُوعه، وَذَلِكَ لِأَن خُلَاصَة دَلِيله جَارِيَة فِي كل وصف قَائِم بِمَجْمُوع أُمُور مُتعَدِّدَة، ووقوعه أظهر من أَن يخفى، وَأكْثر من أَن يُحْصى، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (للْقطع بِنَحْوِ خبرية الْكَلَام) من كَونه استفهاما أَو تَعَجبا إِلَى غير ذَلِك (وَهُوَ) أَي الْكَلَام (مُتَعَدد) لِأَنَّهُ مركب من الْحُرُوف المتعددة، والخبرية وَنَحْوهَا صفة زَائِدَة عَلَيْهِ فَإِن قَامَت بِكُل حرف كَانَ كل حرف كلَاما أَو بِحرف وَاحِد إِلَى آخر مَا تقدم (وَإِنَّمَا هِيَ) أَي هَذِه الشُّبْهَة لمانعي تركيب الْعلَّة بقوله (مغلطة يطردها) أَي يوردها على سَبِيل الاطراد الإِمَام (الرَّازِيّ للشَّافِعِيّ) أَي لإِثْبَات مذْهبه (فِي نفي التَّرْكِيب) فِي كثير من الْمَوَاضِع، ثمَّ الحكم أَن النَّقْض الْمَذْكُور دلّ على بطلَان دليلهم إِجْمَالا (والحل) أَي حل شبهتهم تَفْصِيلًا بِتَعْيِين مَحل الْخلَل فِي دليلهم (أَنَّهَا) أَي الْعلية قَائِمَة (بالمجموع بِاعْتِبَار جِهَة وحدته الْمعينَة هَيئته) عطف بَيَان لجِهَة وحدته: يَعْنِي هَيئته الْحَاصِلَة بالتركيب الْقَائِمَة بِذَات الْمَجْمُوع من غير اعْتِبَار جِهَة وحدة أُخْرَى قبلهَا: يَعْنِي قيام الْعلية بِهِ بِاعْتِبَار قِيَامهَا بِذَات الْمَجْمُوع الْمُغَايرَة لكل جُزْء من حَيْثُ اتصافها بالوحدة الاعتبارية الْحَاصِلَة بالتركيب، لَا من حَيْثُ تعددها بِاعْتِبَار الْأَجْزَاء وَإِذا قُلْنَا الْعلية قَائِمَة بالمجموع تعين مَحل قِيَامهَا (فَلَا يتَصَوَّر) بعد ذَلِك (الترديد) فِي مَحل الْقيام بِأَن كل جُزْء أَو جُزْء وَاحِد إِلَى غير ذَلِك. (ثَانِيًا) بعد الترديد الأول فَلَا يتَصَوَّر (وَلَا وحدة أُخْرَى مَعَ أَنَّهَا) أَي الْعلية كالوحدة صفة (اعتبارية) فالوحدة تَنْقَطِع بِانْقِطَاع اعْتِبَار الْعقل فَلَا تسلسل ثمَّ بَين حَقِيقَة الْعلية بقوله (كَون الشَّارِع قضى بالحكم عِنْدهَا) أَي الْعلَّة فِيهِ مُسَامَحَة، وَالْمرَاد كَونهَا بِحَيْثُ قضى الشَّارِع بالحكم عِنْدهَا فِيهِ لما سَيَجِيءُ (والمستدعي) الَّذِي يَسْتَدْعِي (محلا) مَوْجُودا يقوم بِهِ إِنَّمَا هُوَ الصّفة (الْحَقِيقِيَّة) الْمَوْجُودَة فِي الْخَارِج (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الْعلية
(4/36)

اعتبارية (بطلت علية) الْوَصْف (الْوَاحِد) أَيْضا (بِلُزُوم قيام الْعرض بِالْعرضِ) فَإِن الْعلَّة أَيْضا عرض، وَإِذا كَانَت الْعلية صفة حَقِيقِيَّة كَانَت عرضا فَلَزِمَ قيام الْعرض بِالْعرضِ (وَجعلهَا) أَي الْعلية (صفة لَهُ) أَي للشارع (تَعَالَى بِاعْتِبَار جعله) أَي الشَّارِع ذَلِك الْوَصْف عِلّة (يضعف) خبر لجعلها (بِأَنَّهَا) أَي الْعلية (كَون الْوَصْف كَذَلِك) مجعولا علته (لَا) أَن الْعلية (جعله) أَي عين جعل الشَّارِع ذَلِك عِلّة. (وَقَوْلهمْ) أَي مانعي كَونهَا مَجْمُوع الْأَوْصَاف (نفي كل جُزْء عِلّة انتفائها) أَي لَو كَانَت الْعلَّة أوصافا مُتعَدِّدَة لَكَانَ عدم كل جُزْء عِلّة لانْتِفَاء صفة الْعلية لِأَن تحققها مَوْقُوف على تحقق جَمِيع الْأَوْصَاف فَيلْزم انتفاؤها، لَا انْتِفَاء كل وصف (وَيلْزم النَّقْض) من جملَة مقول القَوْل أَن مُقْتَضى ترك الْعلَّة علية نفي كل جُزْء لانتفائها وَيلْزم النَّقْض لهَذِهِ الْعلية (بِانْتِفَاء جُزْء آخر) من أَجزَاء الْعلَّة (بعد انْتِفَاء جُزْء أول) مِنْهَا لِأَن بِانْتِفَاء الآخر لَا يتَحَقَّق انْتِفَاء الْعلَّة (لِاسْتِحَالَة إعدام الْمَعْدُوم) وَأَنَّهَا قد عدمت بِانْتِفَاء الْجُزْء الأول مِنْهَا فَانْتقضَ الْكُلية الْمَذْكُورَة: أَعنِي أَن انْتِفَاء كل جُزْء مِنْهَا عِلّة لانتفائها لتخلفها فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة وَلزِمَ تخلف الْمَعْلُول من علته (إِنَّمَا يَجِيء فِي) الْعِلَل (الْعَقْلِيَّة، لَا) الْعِلَل (الْمَوْضُوعَة) من الشَّارِع (عَلامَة عِنْد اشتمالها) ظرف للوضع إِشَارَة إِلَى منشئة ومناسبتها إِلَى مَا جعلت عَلامَة لَهُ أَعنِي الحكم الْمُعَلل بهَا (على الْمصلحَة) مُتَعَلق باشتمالها (على الانتفاء) مُتَعَلق بعلامة وَلَا يخفى عَلَيْك أَن هَذَا الْمُتَعَلّق يدل على أَن المُرَاد بالموضوعة انتفاءات الْأَجْزَاء لِلْعِلَّةِ المركبة، وَقَوله عِنْد اشتمالها على الْمصلحَة يُفِيد أَن المُرَاد بهَا نفس الْعِلَل الشَّرْعِيَّة لِأَنَّهَا الْمُشْتَملَة على الْمصلحَة لَا الانتفاءات الْمَذْكُورَة، فبينهما تدافع، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يلْتَزم أَن الانتفاءات الْأَجْزَاء على تَقْدِير علتها لانْتِفَاء الْعلَّة المركبة علل شَرْعِيَّة مُشْتَمِلَة على الْمصلحَة، وَأَن معلولها وَهُوَ الانتفاء الْمَذْكُور حكم شَرْعِي، وَفِيه مَا فِيهِ، وَيُمكن أَن يُجَاب عَنهُ بِأَن المُرَاد بهَا الانتفاءات الْمَوْضُوعَة عَلامَة على الانتفاء غير أَن وَضعهَا لذَلِك عِنْد اشْتِمَال تِلْكَ الْعلية المركبة على الْمصلحَة فَتَأمل (إِذْ حَاصله) أَي حَاصِل كَون انْتِفَاء كل جُزْء عِلّة لانْتِفَاء الْكل وَوُقُوع تِلْكَ الانتفاءات مجتمعة أَو متعاقبة (تعدد أَمَارَات) على الْعَدَم، وَلَا مَحْذُور فِيهِ.

مسئلة
(لَا يشْتَرط فِي تَعْلِيل انْتِفَاء حكم بِوُجُود مَانع) من ثُبُوته كَعَدم وجوب الْقصاص للِابْن على الْأَب لمَانع الْأُبُوَّة (أَو) بِسَبَب (انْتِفَاء شَرط) لَهُ كَعَدم وجوب رجم الزَّانِي لانْتِفَاء احصانه الَّذِي هُوَ شَرط وجوب رجمه (وجود مقتضيه) أَي وجود مُقْتَضى ذَلِك الحكم كَمَا هُوَ مُخْتَار
(4/37)

ابْن الْحَاجِب والرازي وَأَتْبَاعه (خلافًا للْبَعْض) كالآمدي وَغَيره وَعَزاهُ السُّبْكِيّ إِلَى الْجُمْهُور (لِأَن كلا مِنْهُمَا) أَي وجود الْمَانِع وَانْتِفَاء الشَّرْط (وَعدم الْمُقْتَضى) باستقلاله (عِلّة عَدمه) أَي الحكم (فَجَاز إِسْنَاده) أَي إِسْنَاد عدم الحكم (إِلَى كل) من الثَّلَاثَة، أما استناد عَدمه إِلَى وجود الْمَانِع عِنْد وجود الْمُقْتَضى فَظَاهر، وَأما عِنْد عَدمه فَمَا أَفَادَهُ بقوله (بِمَعْنى لَو كَانَ لَهُ) أَي للْحكم (مقنض مَنعه) أَي الْمَانِع الحكم، وَأما استناده إِلَى انْتِفَاء الشَّرْط فَلَا يخْتَلف فِيهِ الْحَال بِاعْتِبَار وجود الْمُقْتَضى وَعَدَمه كَمَا لَا يخفى (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الْمَانِع الَّذِي أسْند عدم الحكم إِلَيْهِ عِنْد عدم الْمُقْتَضى بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور (فحقيقة المانعية) لَا يتَحَقَّق إِلَّا بِالْمَنْعِ (بِالْفِعْلِ وَهُوَ) أَي الْمَنْع بِالْفِعْلِ (فرع) وجود (الْمُقْتَضى) لِأَنَّهُ إِذا لم يتَحَقَّق مَا يقتضى وجود الشَّيْء لَا يكون ذَلِك الشَّيْء فِي معرض البروز من الْقُوَّة إِلَى الْفِعْل حَتَّى يتَصَوَّر هُنَاكَ منع عَن البروز والوجود، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَإِذا لم يُوجد) الحكم (لعدم وجوده) أَي الْمُقْتَضى (فَيمْنَع) الْمَانِع (مَاذَا) أَي فَإِن قُلْنَا بمانعيته عِنْد ذَلِك يُقَال يمْنَع أَي شَيْء؟ وَالْحكم لَيْسَ بصدد الْوُجُود (وَاذْكُر مَا تقدم فِي فك الدّور) وَدفعه (لَهُم) أَي للقائل بِجَوَاز نقض الْعلَّة (فِي مسئلة النَّقْض) لَهَا من بَيَان الْفرق بَين المانعية بِالْفِعْلِ والمانعية بِالْقُوَّةِ، وتفصيل ذكر هُنَاكَ فَارْجِع إِلَيْهِ، وَفِي الْمَحْصُول انْتِفَاء الحكم لانْتِفَاء الْمُقْتَضى أظهر فِي الْعقل من انتفائه بِحُضُور الْمَانِع وَهَذَا يُفِيد أَن إِسْنَاد عدم الحكم إِلَى الْمَانِع فِي صُورَة عدم الْمُقْتَضى بِمَا يجوزه الْعقل أَيْضا فَافْهَم وفقك الله تَعَالَى للتوفيق بَين أَقْوَال الْمَشَايِخ.

المرصد الثَّالِث
فِي معرفَة الطّرق الموصلة إِلَى الظَّن بعلية الْعلَّة فَإِنَّهُ نَظَرِي، وَبَيَان المسالك الصَّحِيحَة، وَمَا يتَوَهَّم صِحَّته (طرق إِثْبَاتهَا) أَي إِثْبَات علية الْوَصْف الْمعِين للْحكم. وَقَوله طرق إِثْبَاتهَا خبر لقَوْله المرصد الثَّالِث (مسالك الْعلَّة) جمع مَسْلَك، وَهُوَ الطَّرِيق الَّذِي يسلكه الْمُجْتَهد فِي إِثْبَات الْعلية: وَهِي إِمَّا (متفقة) بَين الْفَرِيقَيْنِ على صِحَّتهَا، وَإِمَّا مُخْتَلف فِيهَا، وَلم يذكر هَذَا صَرِيحًا اكْتِفَاء بِبَيَان الْخلاف فِي كل قسم مِنْهُ (تقدم مِنْهَا) أَي من المتفقة (الْمُنَاسبَة) المعبرة (على الاصطلاحين) للشَّافِعِيَّة بِأَنَّهَا عِنْدهم التَّأْثِير على اخْتِلَاف فِي تَعْبِيره، فعندهم كَون الْوَصْف ثَبت اعْتِبَار عينه فِي عين الحكم بِنَصّ أَو إِجْمَاع أَو اعْتِبَار جنسه إِلَى آخر الْأَقْسَام، وَعند الشَّافِعِيَّة الأول فَقَط، فَكل من الْفَرِيقَيْنِ يَقُول بِصِحَّتِهَا على تَعْبِير الْحَنَفِيَّة، وَأما على تَعْبِير الشَّافِعِيَّة فَفِيهَا خلاف كَمَا صرح بقوله (وَالْخلاف فِي الإخالة) بَين الْفَرِيقَيْنِ فِي كَونهَا طَرِيقا مثبتا لاعْتِبَار الشَّرْع الْوَصْف عِلّة للْحكم
(4/38)

(و) المسلك (الثَّانِي) من المتفقة (الْإِجْمَاع) على كَون الْوَصْف عِلّة (فَلَا يخْتَلف) فِي هذَيْن المسلكين (فِي الْفَرْع إِلَّا أَن كَانَ ثُبُوتهَا) أَي الْمُنَاسبَة (أَو طَرِيقه) أَي طَرِيق نقل الْإِجْمَاع (ظنيا) كَالثَّابِتِ بالآحاد (أَو ذَاته) أَي الْإِجْمَاع ظنيا (كالسكوتي) أَي كالإجماع السكوتي وَقد مر تَفْسِيره فِي مبَاحث الْإِجْمَاع بِنَاء (على الْخلاف) الْوَاقِع فِي أَنه ظَنِّي أَو قَطْعِيّ مُطلقًا أَو إِذا كثر وتكرر فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى كَمَا مر (أَو يدعى فِيهِ) أَي فِي الْفَرْع (معَارض) بإقامتها الدَّلِيل على اخْتِصَاص عليته بِالْأَصْلِ، أَو يكون الْخصم مِمَّن يجوز تَخْصِيص الْعلَّة بِبَعْض الْمحَال ويدعى تخصيصها بِمَا سوى الْفَرْع لمَانع فِيهِ والخصم يمْنَع وجود الْمَانِع. ثمَّ مثل مَا هُوَ عِلّة بِالْإِجْمَاع بقوله (كالصغر فِي ولَايَة المَال) فَإِنَّهُ عِلّة لَهَا بِالْإِجْمَاع ثمَّ يُقَاس عَلَيْهَا ولَايَة النِّكَاح. قَالَ الشَّارِح: وَلَا خَفَاء فِي أَنه من علل الْولَايَة فِي النِّكَاح بِلَا خلاف انْتهى قُلْنَا مَقْصُود المُصَنّف مُجَرّد التَّمْثِيل لما هُوَ عِلّة بِالْإِجْمَاع. (و) المسلك (الثَّالِث النَّص) وَهُوَ (صَرِيح) من الْكتاب وَالسّنة يدل على الْعلية (للوضع) أَي لأجل كَونه مَوْضُوعا للعلية وَلَا يلْزمه لُزُوما بَينا أَو مُحْتَاجا إِلَى النّظر وَهُوَ (مَرَاتِب كعلة) كَذَا أَو بِسَبَب كَذَا (أَو لأجل كَذَا) كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " إِنَّمَا جعل الاسْتِئْذَان لأجل الْبَصَر، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ إِنَّمَا جعل الاسْتِئْذَان من أجل النّظر " (أَو كي) مُجَرّدَة عَن حرف النَّفْي كَقَوْلِه تَعَالَى - {كي تقر عينهَا} - أَو بهَا - {كَيْلا يكون دولة} - (أَو إِذن) كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " إِذن تَكْفِي همك وَيغْفر لَك ذَنْبك " بعد قَول الصَّحَابِيّ أجعَل لَك صَلَاتي كلهَا (ودونه) أَي دون هَذَا الْقسم فِي قُوَّة الدّلَالَة (مَا) يكون (بِحرف ظَاهر فِيهِ) أَي فِي التَّعْلِيل مَعَ كَونه مُحْتملا لغيره احْتِمَالا مرجوحا (كلكذا) نَحْو قَوْله - {لتخرج النَّاس من الظُّلُمَات} - (أَو بِهِ) أَي بِكَذَا - {جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ} - (أَو أَن) حَال كَونهَا (شرطا أَو) أَن (الناصبة) - {أفنضرب عَنْكُم الذّكر صفحا أَن كُنْتُم قوما مسرفين} - بِكَسْر الْهمزَة فِي قِرَاءَة نَافِع وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ، وَبِفَتْحِهَا فِي قِرَاءَة البَاقِينَ (أَو) أَن (الْمَكْسُورَة الْمُشَدّدَة بعد جملَة والمفتوحة) نَحْو، ان عَذَاب رَبك بالكفار مُلْحق وان الْحَمد وَالنعْمَة لَك، فَإِن فِي أَن فيهمَا الْوَجْهَيْنِ إِذْ هَذِه الْحُرُوف قد تَجِيء لغير الْعلية فَاللَّام للعاقبة، وَالْبَاء للحاجية، وَأَن لمُجَرّد اللُّزُوم من غير سَبَبِيَّة، وَأَن لمُجَرّد نصب الْمُضَارع، وأنّ وأنّ لمُجَرّد التَّأْكِيد، وَأنكر السُّبْكِيّ كَون أَن بِالْكَسْرِ للتَّعْلِيل: قَالَ وَإِنَّمَا ترد للشّرط وَالنَّفْي وَالزِّيَادَة، وَأَن فهم التَّعْلِيل فِي الشّرطِيَّة فَهُوَ من تَعْلِيل الحكم على الْوَصْف (ودونه) أَي هَذَا الْقسم (الْفَاء فِي الْوَصْف) الصَّالح لعلية الحكم الْمُتَقَدّم على الْوَصْف كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي قَتْلَى أحد: زملوهم بكلومهم وَدِمَائِهِمْ (فَإِنَّهُم يحشرون) يَوْم الْقِيَامَة وأوداجهم تشخب دَمًا (أَو) فِي (الحكم) الْوَاقِع بعد مَا صلح لعلية كَقَوْلِه تَعَالَى - {وَالسَّارِق والسارقة} -
(4/39)

(فَاقْطَعُوا) أَيْدِيهِمَا، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا دون مَا قبله (لِأَنَّهَا) أَي الْفَاء بِحَسب الْوَضع (للتعقيب) وَالتَّرْتِيب (والباعث مقدم عقلا) على الحكم (مُتَأَخّر خَارِجا) عَنهُ تَارَة فِي الْجُمْلَة، فسوغ مُلَاحظَة الْأَمريْنِ دُخُول الْفَاء على كل مِنْهُمَا، فالعلية إِنَّمَا تفهم بِالنّظرِ وَالِاسْتِدْلَال، فَإِذا دخلت على الحكم الْوَاقِع بعد الْوَصْف الصَّالح للعلية ظهر بِالتَّأَمُّلِ أَن ترتبه على الْوَصْف بِاعْتِبَار باعثية الْوَصْف وتقدمه العقلى عَلَيْهِ، وفيا لعكس ظهر بِالتَّأَمُّلِ أَن تَأَخّر الْوَصْف بِاعْتِبَار تَأَخره الْخَارِجِي فالعلية بِحَسب الذِّهْن، وَالْخَارِج إِنَّمَا يفهم بطرِيق الِاسْتِدْلَال لَا بِوَضْع الْفَاء لَهَا، وَإِلَى مَا قُلْنَا أَشَارَ بقوله (فلوحظا) أَي التَّقَدُّم الْعقلِيّ والتأخر الْخَارِجِي (فِيهَا) أَي فِي الْفَاء عِنْد دُخُولهَا على الْعلَّة وَالْحكم (واذن) أَي وَإِذ كَانَ فهم الْعلية بملاحظة التَّقَدُّم والتأخر الْمَذْكُورين والتأمل فِي معنى الْكَلَام (فَلَا دلَالَة لَهَا) أَي للفاء وضعا (على علية مَا بعْدهَا) لما قبلهَا (أَو) على (حكميته) أَي على كَون مَا بعْدهَا حكما شرع لعلية مَا قبلهَا (بل) إِنَّمَا تدل على أَحدهمَا (بِخَارِج) عَمَّا وضع لَهُ الْفَاء، وَهُوَ الِاسْتِدْلَال الْمَذْكُور (ودونه) أَي هَذَا الْقسم (ذَلِك) أَي دُخُول الْفَاء على الحكم (فِي لفظ الرَّاوِي سَهَا فَسجدَ). عَن عمرَان بن حُصَيْن أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلّى بهم فَسَهَا فِي صلَاته فَسجدَ سَجْدَتي السَّهْو (وزنى مَاعِز فرجم) دلَالَته على الْعلية بِاعْتِبَار تَرْتِيب الحكم على الْوَصْف الْمُسْتَفَاد من وضع الْفَاء، فَكَانَ هَذَا دون مَا قبله (لاحْتِمَال الْغَلَط) من الرَّاوِي فِي فهم السَّبَبِيَّة (وَلَا ينفى) احْتِمَال الْغَلَط (الظُّهُور) لعدم الْغَلَط الْمُفِيد للظن لكَون الِاحْتِمَال مرجوحا (وَقيل هَذَا) إِيمَاء وَلَيْسَ بِصَرِيح، وَالْقَائِل الْآمِدِيّ والبيضاوي (كَمَا قيل فِي) قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِنَّهَا يَعْنِي الْهِرَّة لَيست بنجسة (إِنَّهَا من الطوافين) عَلَيْكُم والطوافات، وذكرهما بِصِيغَة التمريض يدل على أَن الْمُخْتَار دخولهما فِي الصَّرِيح على مَا فعله المُصَنّف (وإيماء) مَعْطُوف على قَوْله صَرِيح (وتنبيه) لقب آخر لهَذَا الْقسم، وَهُوَ (ترتيبه) أَي الحكم (على الْوَصْف) الصَّالح لعليته (فيفهم لُغَة) لَا وَصفا، بِمَعْنى أَن من يعرف اللُّغَة يفهم (أَنه) أَي الْوَصْف (عِلّة لَهُ) أَي للْحكم من التَّرْتِيب الْمَذْكُور (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن ذَلِك الْوَصْف عِلّة لذَلِك الحكم (كَانَ) ذَلِك التَّرْتِيب (مستبعدا) من الْعَارِف بمواقع التَّرْكِيب (وَهُوَ) أَي هَذَا الْقسم (إِيمَاء اللَّفْظ) من قبيل الْمَنْطُوق، وَقد مر فِي بَيَان اصْطِلَاح الشَّافِعِيَّة فِي الْفُصُول الْمُتَعَلّقَة بالمفرد (وَلَا يخص) هَذَا الْإِيمَاء (الشَّارِع إِلَّا أَنه) أَي عدم كَون الْوَصْف عِلّة (فِيهِ) أَي فِي الشَّارِع (أبعد) لكَون فَصَاحَته فِي الدرجَة الْعليا، وَقد ألف مِنْهُ اعْتِبَاره للمناسبات، فيغلب من الْمُقَارنَة مَعَ الْمُنَاسبَة ظن الِاعْتِبَار وَجعله عِلّة (وَلذَا) أَي ولكونه أبعد من الشَّارِع (يجب فِيهِ) أَي فِي الْوَصْف
(4/40)

الَّذِي هُوَ عِلّة (الْمُنَاسبَة) لذَلِك الحكم، وَقد مر تَفْسِيرهَا (من الشَّارِع) أَي حَال كَونه صادرا مِنْهُ (للْقطع بِحِكْمَتِهِ) المستلزمة لرعاية الْمُنَاسبَة بَينهمَا، لِأَنَّهَا عبارَة عَن فعل الشَّيْء كَمَا يَنْبَغِي، عَن السُّبْكِيّ: أَن الْفُقَهَاء على أَنه لَا يجب على الله تَعَالَى رِعَايَة الْمصَالح، وَلَكِن لَا يَقع حكم إِلَّا بحكمة، والمتكلمون من أهل السّنة يَقُولُونَ: قد يَقع بحكمة، وَقد يَقع وَلَا حِكْمَة: قَالَ وَهُوَ الْحق انْتهى. وَاخْتَارَ المُصَنّف قَول الْفُقَهَاء فِي هَذَا الْمقَام، لِأَنَّهُ الْأَوْجه وَعدم بُلُوغ فهم الْبشر إِلَى الْحِكْمَة لَا يسْتَلْزم عدمهَا: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال مُرَادهم من نفي الْحِكْمَة الَّتِي تفهمها الْعُقُول على أَنه لَو فرض ترك رِعَايَة الْحِكْمَة فِي بعض الْأَحْكَام كَانَ ذَلِك تَنْبِيها على أَنه لَا يجب عَلَيْهِ تَعَالَى رعايتها، وَلَك أَن تَقول: هَذَا أَيْضا حِكْمَة فَتدبر (دون غَيره) أَي لَا تجب الْمُنَاسبَة فِي الْوَصْف الَّذِي صدر من غير الشَّارِع لعدم الْقطع بِحِكْمَتِهِ (كأكرم الْجَاهِل) إِذا صدر من غير الشَّارِع (وَإِن قضى بحمقه) أَي بحمق قَائِله، وَكَانَ هَذَا بِاعْتِبَار الزَّمَان السَّابِق (وَمِنْه) أَي الْإِيمَاء قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لَا يقْضى القَاضِي) بَين اثْنَيْنِ (وَهُوَ غَضْبَان) إِذْ فِيهِ تَنْبِيه على أَن الْغَضَب عِلّة عدم جَوَاز الحكم، لِأَنَّهُ يشوش الْفِكر وَيُوجب الِاضْطِرَاب ثمَّ إِن وجود الْإِيمَاء عِنْد ذكر الْوَصْف وَالْحكم مَعًا مُتَّفق عَلَيْهِ (فَإِن ذكر الْوَصْف فَقَط كأحل الله البيع) فَإِن الْوَصْف، وَهُوَ حل البيع مَذْكُور، وَالْحكم وَهُوَ الصِّحَّة غير مَذْكُور، بل مستنبط من الْحل لِأَنَّهُ لَو لم يَصح لم يكن مُفِيدا لغايته فَكَانَ قبيحا، والقبيح حرَام (أَو) ذكر (الحكم) فَقَط (كأكثر) الْعِلَل (المستنبطة) نَحْو قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " حرمت الْخمر ": الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو حنيفَة وَغَيره، فَإِن الحكم فِيهِ مَذْكُور وَهُوَ التَّحْرِيم، وَالْوَصْف وَهُوَ الشدَّة المطربة مستنبطة مِنْهُ (فَفِي كَونهَا) أَي كَون الْعلَّة (إِيمَاء) أَي مومى إِلَيْهِ عِنْد ذكر أَحدهمَا فَقَط (تقدم) على صِيغَة الْمَجْهُول صفة كاشفة لإيماء (على غَيرهَا) من المستنبطة بِلَا إِيمَاء، وَقَوله فَفِي كَونهَا خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف بِقَرِينَة مَا بعده، أَعنِي ثَلَاثَة (مَذَاهِب) الأول (نعم) إِيمَاء بِنَاء (على أَن الْإِيمَاء اقتران) الْوَصْف بالحكم (مَعَ ذكرهمَا) أَي الْوَصْف وَالْحكم، وَفِي الْكَلَام مُسَامَحَة، لِأَن الْإِيمَاء لَيْسَ نفس الاقتران، بل مفاده (أَو) مَعَ ذكر (أَحدهمَا) وَتَقْدِير الآخر سَوَاء كَانَ الْمَذْكُور الْوَصْف أَو الحكم (و) الثَّانِي (لَا) يكون إِيمَاء (على أَنه) أَي الْإِيمَاء إِنَّمَا يكون (مَعَ ذكرهمَا) أَي الحكم وَالْوَصْف، وَإِذا لم يذكر فَلَا اقتران، والإيماء عِنْد الاقتران. (و) الثَّالِث (التَّفْصِيل فَمَعَ ذكر الْوَصْف) إِيمَاء (لَا) مَعَ ذكر (الحكم لِأَنَّهُ) أَي الْوَصْف هُوَ (المستلزم) للْحكم (فَذكره) أَي الْوَصْف (ذكره) أَي الحكم (فَيدل الحكم على الصِّحَّة) لما مر، فَإِن الْإِيمَاء بالاقتران، والاقتران ذكرهمَا مَعًا، وَذكر الْوَصْف مُسْتَلْزم
(4/41)

لذكر الحكم، وَأما ذكر الحكم وَحده فَلَا يسْتَلْزم ذكر الْوَصْف (مِثَال الْمُتَّفق) عَلَيْهِ أَنه إِيمَاء قَول الْأَعرَابِي للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (واقعت أَهلِي، فَقَالَ) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (كفر)، وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ أَن رجلا أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ يَا رَسُول الله هَلَكت: فَقَالَ وَيحك، قَالَ وَقعت على أَهلِي فِي رَمَضَان، قَالَ أعتق رَقَبَة، قَالَ مَا أجد: قَالَ فَصم شَهْرَيْن مُتَتَابعين، قَالَ لَا أَسْتَطِيع، قَالَ فأطعم سِتِّينَ مِسْكينا، قَالَ مَا أجد: الحَدِيث. قَالَ الشَّارِح هَذَا الَّذِي ذكره المُصَنّف رِوَايَة بِالْمَعْنَى قلت: لَعَلَّه جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات (والمستبعد فِيهِ) أَي فِي هَذَا الْكَلَام (إخلاء السُّؤَال عَن جَوَابه) وَذَلِكَ لِأَن غَرَض الْأَعرَابِي واقعت عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لبَيَان حكمهَا، فَلَو لم يكن قَوْله كفر ذكرا للْحكم جَوَابا لَهُ للَزِمَ إخلاء السُّؤَال عَن الْجَواب فَيكون السُّؤَال مُقَدرا فِي الْجَواب كَأَنَّهُ قَالَ واقعت فَكفر (وَمنع تَأْخِير الْبَيَان عَن وقته) أَي وَقت الْبَيَان الْمُحْتَاج إِلَيْهِ (شَرْعِي) خبر لقَوْله منع إِلَى آخِره: أَي الْمَنْع الْمَذْكُور حكم شَرْعِي، وَلَا يَقع من الشَّارِع مَا هُوَ مَمْنُوع شرعا (وَالظَّاهِر علية عين الوقاع) للاعتاق وأخويه (وَكَونه) أَي كَون الحكم من الاعتاق وَغَيره (لما تضمنه) الوقاع من هتك حُرْمَة الصَّوْم مثلا كَمَا ذكره صدر الشَّرِيعَة (احْتِمَال) غير ظَاهر (وَحذف بعض الصِّفَات) الَّذِي لَا مدْخل لَهُ فِي الْعلية (فِي مثله) أَي فِي مثل هَذَا النَّوْع من الْإِيمَاء (وَاسْتِيفَاء الْبَاقِي يُسمى تَنْقِيح المناط) أَي تَلْخِيص مَا ربط الشَّارِع الحكم بِهِ عَن الزَّوَائِد (فِي اصْطِلَاح غير الْحَنَفِيَّة كحذف أعرابيته) أَي السَّائِل فِي الْخَبَر الْمَذْكُور (والأهل) أَي وكحذف كَون المواقع أَهلا، إِذْ لَا فرق فِي الْأَحْكَام بَين كَون الْمُكَلف أَعْرَابِيًا أَو غَيره، وَبَين كَون كل مَحل الوقاع أَهلا لَهُ وَبَين أَن لَا يكون أَهلا، فَإِن الزِّنَا بِإِيجَاب الْكَفَّارَة أَجْدَر (وتزيد الْحَنَفِيَّة) على الْحَذف الْمَذْكُور (كَونه) أَي حذف كَون الْفِعْل الْمُفطر (وقاعا) إِذْ لَا مدْخل لخصوصه فِي الْعلَّة لمساواته لغيره فِي تَفْوِيت ركن الصَّوْم وَهُوَ الْإِمْسَاك الْخَاص (فَيبقى) بعد حذف الزَّوَائِد (كَونه) أَي كَون هَذَا الْفِعْل، أَعنِي الوقاع (إفسادا عمدا بمشتهى) فَيكون المناط لوُجُوب الْكَفَّارَة، فَيجب بعمد أكل أَو شرب لمشتهي كَمَا يجب بالعمد من الْجِمَاع (و) يُسمى (النّظر فِي معرفَة وجودهَا) أَي الْعلَّة على التَّفْصِيل (فِي آحَاد الصُّور) أَي فِي أَفْرَاد مواد تحقق الْعلَّة (بعد تعرفها) أَي مَعْرفَتهَا إِجْمَالا فِي نَفسهَا (بِنَصّ) كَمَا فِي جِهَة الْقبْلَة فَإِنَّهَا منَاط وجوب استقبالها، وَهِي مَعْرُوفَة بقوله تَعَالَى - {وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره} - وَكَون هَذِه الْجِهَة جِهَة الْقبْلَة مظنون (أَو إِجْمَاع) كالعدالة فَإِنَّهَا منَاط وجوب قبُول الشَّهَادَة وَهِي مَعْلُومَة بِالْإِجْمَاع، وَأما عَدَالَة شخص معِين فمظنونة تعرف بِالِاجْتِهَادِ (تَحْقِيق المناط) مفعول ثَان للتسمية (وَلَا يخْتَلف فِيهِ) أَي فِي تَحْقِيق المناط، وَكَونه
(4/42)

مسلكا صَحِيحا لمعْرِفَة وجود الْعلَّة فَإِن النَّص أَو الْإِجْمَاع أَفَادَ تعرفها إِجْمَالا، وَلَيْسَ سوى النّظر سَبِيل إِلَى معرفَة وجودهَا فِي الْآحَاد (ككون هَذَا) الشَّاهِد (عدلا فَيقبل) قَوْله فِي الشَّهَادَة وَهَذَا لَا يُنَافِي الْخلاف فِي وجود الْعَدَالَة فِي هَذَا الْمعِين، وَإِنَّمَا الْمُتَّفق عَلَيْهِ أَن طَرِيق معرفَة وجودهَا فِي الْآحَاد النّظر المستجمع شَرَائِط الصِّحَّة (وَالْأَكْثَر على الأول) أَي القَوْل بتنقيح المناط، وَغير الْأَكْثَر لَا يَقُول بإلغاء مَا لَا قطع لعدم مدخلية بل يظنّ لكنه دون تَحْقِيق المناط كَمَا نقل عَن الْغَزالِيّ وَغَيره (و) يُسمى النّظر (فِي تعرفها) أَي إِثْبَات الْعلَّة (لحكم نَص عَلَيْهِ) أَو أجمع (فَقَط) أَي لم ينص على علته وَلم يجمع، بل إِنَّمَا عرفت باستخراج الْمُجْتَهد لَهَا بِرَأْيهِ واجتهاده (تَخْرِيج المناط) كالنظر فِي إِثْبَات كَون الشدَّة المطربة عِلّة لتَحْرِيم الْخمر، وَهَذَا دون الْأَوَّلين وَقد أنكرهُ كثير من النَّاس (وَهُوَ) أَي تَخْرِيج المناط (أَعم من الأخالة) لِأَنَّهُ يصدق على مَا يثبت بالسبر (وَفِي كَلَام بعض) كَابْن الْحَاجِب (إِفَادَة مساواتها) أَي الإخالة لتخريج المناط، فَإِنَّهُ قَالَ الْمُنَاسبَة الإخالة وَيُسمى تَخْرِيج المناط تعْيين الْعلَّة بِمُجَرَّد إبداء الْمُنَاسبَة من ذَاته لَا بِنَصّ وَغَيره (وَعنهُ) أَي عَن تساويهما (نسب للحنفية) أَي إِلَيْهِم (نَفْيه) أَي نفي القَوْل بتخريج المناط كَمَا فِي البديع من أَنهم ينفون الإخالة لِأَن علية الْوَصْف لحكم شَرْعِي أَمر شَرْعِي لَا بُد من اعْتِبَار الشَّرْع لَهُ بِنَصّ أَو إِجْمَاع (وَاعْتذر بعض الْحَنَفِيَّة عَن عدم ذكرهم) أَي الْحَنَفِيَّة (تَنْقِيح المناط بِأَن مرجعه إِلَى النَّص) أَو الْإِجْمَاع والمناسبة فَذكرهَا يُغني عَن ذكره، وأيد المُصَنّف ذَلِك الِاعْتِذَار بقوله (وَلَا شكّ أَن) قبُول (معنى تَنْقِيح المناط وَاجِب على كل مُجْتَهد حَنَفِيّ وَغَيره وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يقبل مَعْنَاهُ (منع الحكم فِي مَوضِع وجود الْعلَّة) فَيمْنَع وجوب الْكَفَّارَة على غير الْأَعرَابِي وعَلى من جَامع فِي رَمَضَان غير أَهله لعدم حذف الزَّوَائِد من الصِّفَات الَّتِي لَا مدْخل لَهَا فِي الْعلَّة (غير أَن الْحَنَفِيَّة لم يضعوا لَهُ) أَي لِمَعْنى تَنْقِيح المناط (اسْما اصطلاحيا كَمَا لم يضعوا الْمُفْرد) لما وضع لِمَعْنى وَاحِد فَقَط كَمَا وضعُوا الْمُشْتَرك لما وضع لمعان (و) لم يضعوا (تَخْرِيج المناط وتحقيقه) أَي وَلم يضعوا تَحْقِيق المناط (مَعَ الْعَمَل بهَا فِي الْكل، وَكَون مرجع الِاسْتِدْلَال إِذا نقح النَّص المناط) أَي كَون مرجعه النَّص عِنْد التَّنْقِيح فَإِن حذف الزَّوَائِد عَن المناط الْمَنْصُوص رُجُوع إِلَى خُلَاصَة النَّص (لَا يصلح عِلّة لعدم الْوَضع) كَمَا يفِيدهُ اعتذار صدر الشَّرِيعَة وَذَلِكَ لِأَن التَّنْقِيح تصرف مَخْصُوص بِهِ يتَبَيَّن حَقِيقَة المناط الْمَنْصُوص ليستحق أَن يوضع لَهُ اسْم خَاص (بل ذَلِك) أَي عدم الْوَضع (رَاجع إِلَى الِاخْتِيَار) لذَلِك فَإِن الْإِنْسَان مُخَيّر فِي مثل ذَلِك لَا يجب عَلَيْهِ الْوَضع ومرجح الِاخْتِيَار الِاحْتِرَاز عَن تَكْثِير الِاصْطِلَاح مَعَ الْعلم بِالْمُسَمّى بِمُوجب الْعَمَل بِهِ (وَقَوْلهمْ) أَي الشَّافِعِيَّة الْإِيمَاء (اقتران) لحكم (بِوَصْف لَو لم يكن هُوَ) أَي ذَلِك الْوَصْف (أَو نَظِيره)
(4/43)

أَي الْوَصْف (عِلّة) لذَلِك الحكم (كَانَ) ذَلِك الاقتران (بَعيدا، ثمَّ تَمْثِيل الثَّانِي) أَي النظير (بقوله) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (و) قد (سَأَلته) الخثعمية (عَن وَفَاة أَبِيهَا وَعَلِيهِ الْحَج أفيجزيه حَجهَا عَنهُ) ومقوله قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أَرَأَيْت لَو كَانَ على أَبِيك دين فقضيته الخ غير مُطَابق لِأَن النظير دين الْعباد، وَلَيْسَ) دين الْعباد (الْعلَّة) لِأَنَّهُ نفس الأَصْل، وَدين الله تَعَالَى الْفَرْع (بل) الْعلَّة للْحكم الَّذِي هُوَ سُقُوط مَا فِي الذِّمَّة بِفعل الْمُتَبَرّع (كَونه) أَي الْمقْضِي (دينا، وَذكره) أَي الشَّارِع دين الْعباد (ليظْهر أَن الْمُشْتَرك) بَينهمَا وَهُوَ الدّين الْمُطلق (الْعلَّة، وَتقدم التَّمْثِيل بِهِ) أَي بِهَذَا الحَدِيث (للحنفية لِلْعِلَّةِ الْوَاقِعَة حكما شَرْعِيًّا، وَلذَلِك) أَي وَلِأَن ذكر الشَّارِع إِيَّاه لظُهُور كَون الْمُشْتَرك عِلّة (يُسمى مثله تَنْبِيها على أصل الْقيَاس) وَهُوَ الدّين الْمُشْتَرك بَينهمَا (وَبِقَوْلِهِ) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعْطُوف على الضَّمِير الْمَجْرُور فِي قَوْله وَتقدم التَّمْثِيل بِهِ، وَعطفه الشَّارِح على بقوله وَسَأَلته فَيكون التَّقْدِير، ثمَّ تَمْثِيل الثَّانِي بقوله لعمر فَاحْتَاجَ إِلَى الْخَبَر، لِأَن مَا هُوَ خبر فِي جَانب الْمَعْطُوف عَلَيْهِ وَهُوَ غير مُطَابق لَا يصلح للخبرية هُنَا، وَهُوَ ظَاهر، وَمَا ذكرنَا مَعَ قربه غير محوج إِلَى الْخَبَر، وَكَأَنَّهُ عدل عَنهُ لعدم اشتراكهما فِي قَوْله للحنفية الخ.
وَأَنت خَبِير بِأَنَّهُ لَا يضر فِي الْعَطف لجَوَاز أَن يخْتَص الْمَعْطُوف عَلَيْهِ بِبَعْض الْقُيُود عِنْد وجود الْقَرِينَة (لعمر) رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (و) قد (سَأَلَهُ عَن قبْلَة الصَّائِم) بِأَنَّهَا (هَل تفْسد) الصَّوْم، ومقول قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أَرَأَيْت لَو تمضمضت بِمَاء ثمَّ مججته أَكَانَ يفْسد) فَإِن قلت قد ذكر تقدم التَّمْثِيل بِحَدِيث الخثعمية بتقريب تَمْثِيل الشَّافِعِيَّة نَظِير الْوَصْف بِهِ، فَمَا تقريب ذكر تقدم التَّمْثِيل بِحَدِيث عمر قلت بِقَرِينَة كَونه من التَّنْبِيه على أصل الْقيَاس، وَإِنَّمَا تقدم التَّمْثِيل بِهِ فِي بحث اعْتِبَار الشَّارِع الْعلَّة (وَقيل لَيْسَ) هَذَا الْمِثَال (مِنْهُ) أَي من التَّنْبِيه على أصل الْقيَاس (إِذْ لَا يُنَاسب كَونه) أَي التمضمض بِالْمَاءِ (مُقَدّمَة) لإفساد الصَّوْم لِأَنَّهُ مُقَدّمَة الشّرْب وَالشرب من مفسداته (غير مفضية) إِلَى الْإِفْسَاد لعدم فَسَاده بالمضمضة (عدم الْفساد) مَنْصُوب بقوله لَا يُنَاسب: يَعْنِي أَن الْمَضْمَضَة لَا مُنَاسبَة بَينهَا وَبَين عدم الْفساد بِسَبَب كَونهَا من مُقَدمَات الْفساد وَإِن لم تكن مفضية إِلَيْهِ، وَالْعلَّة يجب أَن تكون مُنَاسبَة للْحكم (بل) إِنَّمَا يُنَاسب عدم الْإِفْسَاد مُنَاسبَة مسوغة للعلية (وجود مَا يمْنَع مِنْهُ) أَي من الْإِفْسَاد، والتمضمض لَيْسَ كَذَلِك لِأَن نسبته إِلَى الْإِفْسَاد وَعَدَمه على السوية، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَوُجُود مَا يتَّفق مَعَه) أَي الْفساد تَارَة (وَلَا يتَّفق) مَعَه أُخْرَى (لَا يلْزم عِلّة) أَي وجود أَمر كَذَلِك لَا يلْزم عِلّة الْفساد (فَإِنَّمَا هُوَ) النّظر الْمَذْكُور (نقض توهمه) أَي توهم عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عليته
(4/44)

للإفساد (وَمِنْه) أَي الْإِيمَاء (أَن يفرق بَين الْحكمَيْنِ بِذكر وصفين كللراجل سهم وللفارس سَهْمَان) فَإِن الْفرق بَين الْحكمَيْنِ من حَيْثُ الْعدَد فِي مثل هَذَا الْمقَام: أَعنِي عِنْد وجود مَا يَقْتَضِي عدم الْفرق بَين الْحكمَيْنِ ككون الراجل والفارس متساويين فِي أصل الْجِهَاد بِذكر وصفين هما الراجلية والفارسية مشيرين إِلَى وَجه الْفرق بَين الموصوفين فِي الحكم إِيمَاء إِلَى أَن عِلّة الْحكمَيْنِ الوصفان الْمَذْكُورَان (أَو) يذكر (أَحدهمَا) أَي أحد الوصفين فَقَط (كلا يَرث الْقَاتِل) فَإِنَّهُ لم يذكر الْوَصْف الآخر وَهُوَ غير الْقَاتِل لكنه يفهم بِقَرِينَة الْمُقَابلَة، فتخصص الْقَاتِل بِالْمَنْعِ من الْإِرْث (بعد ثُبُوت عُمُومه) أَي الْإِرْث لَهُ وَلغيره يشْعر بِأَن عِلّة الْمَنْع الْقَتْل، فالتفريق بَين منع الْإِرْث وَالْإِرْث بِوَصْف الْقَتْل الْمَذْكُور مَعَ منع الْإِرْث لَو لم يكن لعلية الْقَتْل لمنع الْإِرْث لَكَانَ بَعيدا (أَو) يفرق بَينهمَا (فِي ضمن غَايَة) كَقَوْلِه تَعَالَى - {وَلَا تقربهن (حَتَّى يطهرهن}} فَإِنَّهُ فرق بَين منع القربان وإباحته المفهومة من ذكر الْغَايَة الْمَدْلُول عَلَيْهَا بقوله تَعَالَى - {فَإِذا تطهرن فأتوهن} - بِذكر الْغَايَة وَهُوَ الطُّهْر، فَلَو لم يكن لعلية الطُّهْر للْجُوَاز لَكَانَ بَعيدا (أَو) فِي ضمن (اسْتثِْنَاء) كَقَوْلِه تَعَالَى - {فَنصف مَا فرضتم إِلَّا أَن يعفون} أَي الزَّوْجَات عَن ذَلِك النّصْف فَلَا شَيْء لَهُنَّ فتفريقه بَين لُزُوم النّصْف وَعَدَمه فِي ضمن الِاسْتِثْنَاء لَو لم يكن لعلية الْعَفو للانتفاء لَكَانَ بَعيدا (أَو) فِي ضمن (شَرط) كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (إِذا اخْتلف الجنسان فبيعوا كَيفَ شِئْتُم) وَفِي لفظ مُسلم، فَإِذا اخْتلفت هَذِه الْأَجْنَاس، فبيعوا كَيفَ شِئْتُم لَعَلَّه جَاءَ بِهَذَا اللَّفْظ أَيْضا، وَإِلَّا فَهُوَ نقل بِالْمَعْنَى، فالتفريق بَين منع بيع الْجِنْس بِجِنْسِهِ مُتَفَاضلا وَبَين جَوَازه بِغَيْر جنسه لَو لم يكن لعلية الِاخْتِلَاف للْجُوَاز لَكَانَ بَعيدا، ثمَّ هَذَا الْمِثَال مِمَّا نَحن فِيهِ (لَو لم تكن) أَي لم تُوجد (الْفَاء) دَاخِلَة على الحكم لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ من قبيل الصَّرِيح كَقَوْلِه تَعَالَى - {فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا} - (على مَا قيل) وَهُوَ مُتَّجه (وَذكر فِي اشْتِرَاط الْمُنَاسبَة فِي) صِحَة (علل الْإِيمَاء) ثَلَاثَة مَذَاهِب: الأول (نعم) يشْتَرط لإِجْمَاع الْفُقَهَاء على لُزُوم الحكم فِي الْأَحْكَام، وَلِأَن الْغَالِب فِي الْأَحْكَام التَّعْلِيل بالعلل الْمُنَاسبَة، فَإِنَّهُ أقرب إِلَى الانقياد من التَّعَبُّد الْمَحْض فَيلْحق بالأعم الْأَغْلَب. (و) الثَّانِي (لَا) يشْتَرط لِأَن الْعلية تفهم بِدُونِهَا (و) الثَّالِث (الْمُخْتَار) لِابْنِ الْحَاجِب وَغَيره أَنه (إِن فهم التَّعْلِيل من الْمُنَاسبَة) كَمَا فِي لَا يقْضِي القَاضِي وَهُوَ غَضْبَان (اشْترطت) معنى الِاشْتِرَاط حِينَئِذٍ اللُّزُوم وَعدم التحقق بِدُونِ الْمُنَاسبَة (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يفهم التَّعْلِيل من الْمُنَاسبَة بل بغَيْرهَا من الطّرق (فَلَا) يشْتَرط، لِأَن التَّعْلِيل يفهم من غَيرهَا فَلَا حَاجَة إِلَيْهَا. قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ: وَلَا يخفى ضعف هَذَا فَإِن وجود مَا يفهم مِنْهُ الْعلية لَا يَقْتَضِي عدم اشْتِرَاط أَمر آخر لصِحَّة الْعلية واعتبارها فِي بَاب الْقيَاس (قيل وَإِنَّمَا يَصح)
(4/45)

عدم الِاشْتِرَاط (إِذا أُرِيد بالمناسبة ظُهُورهَا) عِنْد النظار (وَإِلَّا فَلَا بُد مِنْهَا) أَي الْمُنَاسبَة (فِي الْعلَّة الباعثة) الَّتِي لَا يتَحَقَّق بِدُونِهَا (بِخِلَاف الأمارة الْمُجَرَّدَة) عَن الباعثية. قَالَ المُصَنّف: (وَأَنت تعلم أَن الْفَرْض أَنَّهَا) أَي الْعلَّة (علمت من إِيمَاء النَّص، فَكيف يفصل إِلَى أَن تعلم) الْعلَّة (بالمناسبة: يَعْنِي فَقَط فتشترط) الْمُنَاسبَة (أَو) تعلم (لَا بهَا) أَي الْمُنَاسبَة (فَلَا) تشْتَرط. (و) المسلك (الرَّابِع السبر التَّقْسِيم) وَهُوَ (حصر الْأَوْصَاف) الْمَوْجُودَة فِي الأَصْل الصَّالِحَة للعلية ظَاهرا فِي عدد (وَيَكْفِي) الْمُسْتَدلّ المناظر (عِنْد مَنعه) أَي منع حُصُولهَا أَن يَقُول (بحثت فَلم أجد) مَا يصلح للعلية غَيرهَا لِأَن الظَّاهِر أَنَّهَا لَو كَانَت لما خفيت على الْمُجْتَهد الباحث (أَو) يَقُول (الأَصْل) فِي الْأَشْيَاء (الْعَدَم) فَالْأَصْل عدم غير الْأَوْصَاف الَّتِي وَجدتهَا فَلَا يعدل عَنهُ إِلَّا عِنْد قيام دَلِيل الْوُجُود، وَلَا دَلِيل (ثمَّ حذف بَعْضهَا) أَي الْأَوْصَاف المحصورة، وَهُوَ مَا سوى الَّذِي ظن عليته (فَيتَعَيَّن الْبَاقِي) بعد الْحَذف للعلية، فَظهر أَن السبر اخْتِيَار الْوَصْف هَل يصلح للعلية أَولا، والتقسيم هُوَ أَن الْعلَّة إِمَّا كَذَا وَإِمَّا كَذَا، نقل عَن المُصَنّف أَنه كَانَ الْمُنَاسب تَقْدِيم التَّقْسِيم فِي اللَّفْظ لتقدمه فِي الْخَارِج إِلَّا أَن اللقب وَقع هَكَذَا (وَلَو أبدى) الْمُعْتَرض وَصفا (آخر فالمختار لَا يَنْقَطِع) الْمُسْتَدلّ، بل عَلَيْهِ دَفعه بِإِبْطَال التَّعْلِيل بِهِ (إِلَّا أَن لم يُبطلهُ) أَي الْمُسْتَدلّ كَون المبدي عِلّة وصلاحية لَهَا فَإِنَّهُ يلْزم الِانْقِطَاع حِينَئِذٍ، وَإِنَّمَا لَا يَنْقَطِع بِمُجَرَّد منع الْحصْر مصروفا بِسَنَدِهِ (لِأَنَّهُ) أَي الْمُسْتَدلّ (لم يدع الْحصْر قطعا) فمجرد احْتِمَال وَصرف آخر لَا يضرّهُ (ويكفيه) أَي الْمُسْتَدلّ عِنْد الْمَنْع الْمَذْكُور (عَلمته وَلم أدخلهُ) فِي الْحصْر (لعدم صلاحيته) لكذا. وَقيل يَنْقَطِع الْمُسْتَدلّ بِمُجَرَّد إبداء الْمُعْتَرض وَصفا زَائِدا لِأَنَّهُ ظهر بطلَان حصره. وَقد عرفت جَوَابه (وطرق الْحَذف بَيَان إلغائه) أَي الْمَحْذُوف ثمَّ بَين كَيْفيَّة إلغائه بقوله (بِثُبُوت الحكم بِالْبَاقِي) بعد الْحَذف من الْأَوْصَاف المحصورة (فَقَط فِي مَحل) بِأَن يُوجد الحكم فِي مَحل لَا يُوجد فِيهِ سوى الْبَاقِي من تِلْكَ الْأَوْصَاف (فَلَزِمَ) من ثُبُوته بِالْبَاقِي فَقَط فِي ذَلِك الْمحل (استقلاله) أَي اسْتِقْلَال الْبَاقِي فِي الْعلية، وَإِلَّا لم يثبت الحكم مَعَه (وَعدم جزئية الملغي) فِي الْعلية: أَي عدم مدخليته (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن بَيَان الإلغاء ثُبُوت الحكم بِالْبَاقِي فَقَط، بل بِأَن يُقَال لَو كَانَ الْمَحْذُوف عِلّة لانتفى الحكم عِنْد انتفائه، وَحَيْثُ لم ينتف عِنْد انتفائه لم يكن عِلّة (فَهُوَ) أَي مرجع بَيَان الإلغاء الْمُبين بِهَذَا الطَّرِيق (الْعَكْس) الْمُفَسّر فِيمَا سبق بِانْتِفَاء الحكم لانْتِفَاء الْوَصْف وَقد عرفت بِأَنَّهُ مَبْنِيّ على منع تعدد الْعلَّة المستقلة كَمَا ذهب إِلَيْهِ قوم، وَالْمُخْتَار جَوَاز التَّعَدُّد فَلَا يشْتَرط الانعكاس فِي الْعلَّة (غير أَنه) أَي الْمحل الَّذِي ثَبت فِيهِ الحكم بِالْبَاقِي فَقَط (أصل آخر) لإلحاق الْفَرْع غير الأَصْل الَّذِي فِيهِ الْبَاقِي مَعَ غَيره من غَيره من تِلْكَ الْأَوْصَاف (فَالْقِيَاس
(4/46)

عَلَيْهِ) أَي على الأَصْل الآخر مُتَعَيّن لِأَنَّهُ (يسْقط) من الْإِسْقَاط (مُؤنَة الْحَذف) أَي إِلْغَاء مَا سوى الْوَصْف الَّذِي ادّعى عليته لِأَنَّهُ لم يُوجد فِي هَذَا الأَصْل غَيره خلاف الأَصْل الَّذِي هُوَ فِيهِ مَعَ غَيره فَلَا بُد من إِلْغَاء الْغَيْر فِيهِ كَمَا إِذا اسْتدلَّ على ربوية الذّرة قِيَاسا على الْبر الَّذِي فِيهِ الطّعْم والقوت والكيل فَلَا يتَعَيَّن أَحدهَا للعلية إِلَّا بإلغاء مَا عداهُ، بِخِلَاف مَا إِذا قيس بالملح الَّذِي لَيْسَ فِيهِ سوى الْكَيْل فَإِنَّهُ مُتَعَيّن، فَلَيْسَ فِيهِ مُؤنَة الْحَذف والالغاء (وَبعد أَنَّهَا) أَي الْمُعَارضَة بابداء أصل آخر وادعاء تعين ذَلِك للأصالة سُقُوط مُؤنَة الْحَذف (مشاحة) أَي مضايقة ومناقشة (لفظية) لثُبُوت الحكم لكل من الْأَصْلَيْنِ بِلَا تفَاوت (قد تكون أَوْصَافه) أَي أَوْصَاف الأَصْل الآخر كالملح (أَكثر) من الأَصْل الأول كالبر فَيلْزم أَن تكونة مُؤنَة الْحَذف أَكثر (وَكَونه) بِالْجَرِّ عطفا على الْمَجْرُور فِي قَوْله ثُبُوت الحكم: أَي وَيكون الْمَحْذُوف (مِمَّا علم إلغاؤه) فِي الشَّرْع (مُطلقًا) أَي فِي جَمِيع الْأَحْكَام كالاختلاف فِي الطول وَالْقصر والسواد وَالْبَيَاض إِلَى غير ذَلِك (أَو) لكَونه مِمَّا علم إلغاؤه (فِي ذَلِك) الحكم المبحوث عَنهُ وَإِن اعْتبر فِي غَيره (كالذكورة وَالْأُنُوثَة فِي أَحْكَام الْعتْق) فَإِنَّهُ قد اعْتبر الِاخْتِلَاف فيهمَا فِي الشَّهَادَة وَالْقَضَاء والإمامة الصُّغْرَى والكبرى وَالْإِرْث (وَأَن لَا يظْهر لَهُ) أَي للمستدل مَعْطُوف أَيْضا على الْمَجْرُور الْمَذْكُور، وَالْبَاء مقدرَة، يَعْنِي بَيَان الإلغاء بِأَن لَا يظْهر لَهُ (مُنَاسبَة) بَين الْمَحْذُوف وَبَين الحكم بعد الْبَحْث عَنْهَا (وَيَكْفِي) لَهُ أَن يَقُول (بحثت) عَن الْمُنَاسبَة (فَلم أَجدهَا) فلكونه مُجْتَهدا يعْتَمد على بَحثه. فَعدم وجدانه دَلِيل الْعَدَم، ولعدالته يصدق، وَلَا سَبِيل إِلَى معرفَة وجدانه إِلَّا بإخباره (فَإِن قَالَ) الْمُعْتَرض (الْبَاقِي كَذَلِك) أَي غير مُنَاسِب لَا فِي بحثت فَلم أجد لَهُ مُنَاسبَة (تَعَارضا) أَي وصف الْمُسْتَدلّ، وَوصف الْمُعْتَرض، لِأَنَّهُ أَيْضا مُجْتَهد عدل (وَوَجَب) على الْمُسْتَدلّ (التَّرْجِيح) لوصفه الْحَاصِل من سبره على الْوَصْف الْحَاصِل من سبر الْمُعْتَرض، وَهَذَا لِأَنَّهُ فِي مقَام المناظرة، وَإِلَّا فالمجتهد يجب عَلَيْهِ الْعَمَل بظنه وَإِن كَانَ ظن غَيره أرجح فِي نفس الْأَمر، وَإِنَّمَا لم يجب على الْمُعَلل بَيَان الْمُنَاسبَة (إِذْ لَو أَوجَبْنَا بَيَانهَا على الْمُعَلل انْتقل) عَن طَرِيق السبر (إِلَى الإخالة) إِذْ هِيَ تعْيين الْعلَّة بإبداء الْمُنَاسبَة، وَهِي انْقِطَاع (وَقد يُقَال لما اخْتلف حَاله) أَي الْمُعَلل (بِحَقِيقَة الْمُعَارضَة) من الْمُعْتَرض (فَكَأَنَّهُ) أَي التَّعْلِيل (ابْتِدَاء) غير التَّعْلِيل الأول، فَلَا يضر ذَلِك الِانْتِقَال (مَعَ أَنَّهَا) أَي هَذِه الطَّرِيقَة، يَعْنِي عدم الِانْتِقَال من مَسْلَك إِلَى مَسْلَك آخر طَريقَة (تحسينية) غير ضَرُورِيَّة، فَإِن انْتقل من السبر إِلَى الإخالة فَلهُ ذَلِك، وَلَا يعد ذَلِك انْقِطَاعًا كَمَا سَيذكرُهُ المُصَنّف فِي فصل الأسولة (وَله) أَي للمعلل أَن يرجح وَصفه الْحَاصِل من سبره (بِالتَّعَدِّي) إِذا كَانَ وصف الْمُعْتَرض قاصرا على الأَصْل، والمتعدي مجمع عَلَيْهِ، والقاصر مُخْتَلف فِيهِ، أَو يُقَال:
(4/47)

الْمُتَعَدِّي أَكثر فَائِدَة كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وَكَثْرَة الْفَائِدَة) فَهَذَا مكمل للترجيح الْمَذْكُور. وَيُمكن أَن يكون إِشَارَة إِلَى مُرَجّح آخر، وَذَلِكَ بِأَن يكون متحققا فِي محَال مُتعَدِّدَة من الْأُصُول وَالْفُرُوع فيستنبط مِنْهُ أقيسة مُتعَدِّدَة وَأَحْكَام كَثِيرَة (فَإِن قلت علم بِمَا ذكر) من عد عدم ظُهُور الْمُنَاسبَة من طرق الْحَذف حَتَّى لَو قَالَ الْمُعْتَرض: أَن المستبقى كَذَلِك بتحقق الْمُعَارضَة فَيخرج الْمُعَلل إِلَى التَّرْجِيح (اشْتِرَاط مناسبته) أَي الْوَصْف المستبقى (فَلم لم تتفق الْحَنَفِيَّة) مَعَ الشَّافِعِيَّة وَغَيرهم (على قبُوله) أَي قبُول هَذَا الطَّرِيق بعد اشْتِرَاط الْمُنَاسبَة فِيهِ (قُلْنَا يجب على أصولهم) أَي الْحَنَفِيَّة (نَفْيه) أَي نفي قبُوله (وَإِن رضية الْجَصَّاص والمرغيناني) مِنْهُم، دفع لما يَأْتِي: من أَنه كَيفَ يجب على أصولهم نَفْيه مَعَ اخْتِيَار الشَّيْخَيْنِ الْمَذْكُورين إِيَّاه مَعَ كَمَال معرفتهما أصولهم وَحَاصِله أَن الْبُرْهَان إِذا قَامَ على وجوب نَفْيه على أصولهم يحكم بِمُوجب الْبُرْهَان وَإِن كَانَ مرضيهما خِلَافه فلعلهما خالفاهم فِي تِلْكَ الْأُصُول، أَو غفلا عَن موجبهما إِلَى غير ذَلِك (لِأَن الْبَاقِي بعد نفي غَيره) أَي بعد حذف غير الْبَاقِي من الْأَوْصَاف (لم يثبت اعْتِبَاره) شرعا (بِظُهُور التَّأْثِير) وَهُوَ ظُهُور أثر الْوَصْف شرعا، أَعنِي اعْتِبَاره علية جنسه أَو عينه فِي جنس الحكم أَو عينه كَأَنَّهُ أَرَادَ بالتأثير أثر الْوَصْف إِلَى آخِره، وَإِلَّا يلْزم التّكْرَار (والملاءمة) تَصْرِيح بِمَا علم ضمنا لما مر: من أَن التَّأْثِير يسْتَلْزم الْمُنَاسبَة ويسمونها ملاءمة فَالْحَاصِل أَن الْحَنَفِيَّة إِنَّمَا يشترطون التَّأْثِير بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور فِي الْعلَّة، وَالْحَاصِل بالسبر وَإِن اعْتبر فِيهِ الْمُنَاسبَة من أَيْن لَهُ التَّأْثِير الْمَذْكُور، وَمُجَرَّد الْمُنَاسبَة لَا تزيد عَن الإخالة وَهِي غير مُعْتَبرَة عِنْدهم (فَلِذَا) أَي فَلَمَّا ذكرنَا من لُزُوم التَّأْثِير (رده) أَي رَجَعَ الْحَاصِل بالسبر (من قبله من متأخريهم) أَي الْحَنَفِيَّة (إِلَى النَّص أَو الْإِجْمَاع. قَالَ) الْمُتَأَخر الْمَذْكُور (أَو الْمُنَاسبَة). قَالَ الشَّيْخ شمس الدّين التَّفْتَازَانِيّ فِي فُصُول الْبَدَائِع: إِنَّمَا لم يذكرهُ مَشَايِخنَا مَعَ صِحَّته طَرِيقا واستعمالهم إِيَّاه كثيرا، لِأَن مآله فِي التَّحْقِيق إِلَى أَخذ الْبَاقِيَة من النَّص وَالْإِجْمَاع أَو الْمُنَاسبَة والتأثير انْتهى. (وَفِيه نظر) لِأَن كَلَامه يدل على أَن رده إِلَى كل وَاحِد من الثَّلَاثَة يستدعى قبُوله وَلَيْسَ كَذَلِك (إِذْ تبين أَنَّهَا) أَي الْمُنَاسبَة الْحَاصِلَة فِي المستبقى من أَوْصَاف السبر (لَا تَسْتَلْزِم التَّأْثِير) فَإِن أَرَادَ الْمُنَاسبَة مَعَ التَّأْثِير كَمَا يفهم من عبارَة الشَّيْخ الْمَذْكُور يمْنَع الرَّد إِلَيْهَا، وَإِن أَرَادَ مَا هُوَ أَعم لَا يُفِيد الْقبُول عِنْد الْحَنَفِيَّة لاعتبارهم التَّأْثِير كَمَا مر غير مرّة (وَشَرطه) أَي الْمُتَأَخر الْمَذْكُور (فِي بَيَان الْحصْر) أَي حصر مَا يُمكن أَن يكون عِلّة من أَوْصَاف السبر فِي المستبقى (أَن يثبت عدم علية غير المستبقى بِالْإِجْمَاع أَو النَّص) قَوْله أَن يثبت إِلَى آخِره مفعول شَرطه وَخَبره قَوْله (لَا يُوجب كَونهَا) أَي كَون علية المستبقى (ثَابِتَة بِالْإِجْمَاع) أَو النَّص (إِلَّا مَعَ)
(4/48)

ضميمة أُخْرَى من (الْقطع بالحذف والحصر) أَي مُجَرّد عدم ثُبُوت علية غير المستبقى لَا يسْتَلْزم عليته لجَوَاز أَن لَا يكون المستبقى أَيْضا عِلّة: نعم إِذا انْضَمَّ إِلَيْهِ الْإِجْمَاع على أَن الصَّالح للعلية مُطلقًا منحصر فِي هَذِه الْأَوْصَاف، وَأجْمع أَيْضا على أَن مَا عدا المستبقى مَحْذُوف ملغي، فَحِينَئِذٍ يثبت إِجْمَاعًا علية المستبقى، لِأَن الحكم لَا يكون بِلَا عِلّة كَمَا مر (وَلَيْسَ) الْقطع الْمَذْكُور (بِلَازِم للشَّافِعِيَّة) أَي عِنْد الشَّافِعِيَّة الْقَائِلين بحجيته، وَكَذَا عِنْد من وافقهم فِيهِ (بل رتبته) أَي ثُبُوت الْعلية للمستبقى، وَفِي بعض النّسخ مرتبته (الإخالة) أَي رتبته الإخالة (فَالْخِلَاف فِيهِ ثَابت، و) المسلك (الْخَامِس الدوران) وَيُسمى الطَّرْد وَالْعَكْس، اخْتلفُوا فِيهِ هَل هُوَ مَسْلَك صَحِيح أم لَا؟ (نَفَاهُ) أَي نفى كَونه مسلكا صَحِيحا للعلية (الْحَنَفِيَّة ومحققو الأشاعرة) كَابْن السَّمْعَانِيّ وَالْغَزالِيّ والآمدي وَابْن الْحَاجِب (وَالْأَكْثَر) قَالُوا (نعم) هُوَ مَسْلَك صَحِيح. (ثمَّ) اخْتلف الْقَائِلُونَ بِصِحَّتِهِ هَل يُفِيد الْقطع أَو الظَّن (قيل يُفِيد ظنا) بالعلية، قَالَه الإِمَام الرَّازِيّ وعراقيو الشَّافِعِيَّة، وَعَلِيهِ جُمْهُور الجدليين (وَقيل) يُفِيد (قطعا) وَهُوَ معزو إِلَى بعض الْمُعْتَزلَة (وَشرط بَعضهم لاعتباره) أَي الدوران (قيام النَّص) الدَّال على الحكم (فِي حَالي وجود الْوَصْف وَعَدَمه) وَالْحكم لَا يُضَاف إِلَى النَّص، بل إِلَى الْوَصْف (كَالْوضُوءِ وَجب للْقِيَام) إِلَى الصَّلَاة حَال كَون الْقَائِم (مُحدثا، وَلم يجب لَهُ) أَي للْقِيَام (دونه) أَي دون الْحَدث، فوجوب الْوضُوء مُعَلل بِالْحَدَثِ دائر مَعَه وجودا وعدما، وَالنَّص وَهُوَ الْقيام إِلَى الصَّلَاة قَائِم: أَي مَوْجُود فِي حَال وجود الْحَدث وَعَدَمه من غير أَن يُضَاف الحكم إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ إِذا قَامَ إِلَيْهَا مُحدثا يجب الْوضُوء للْحَدَث لَا للْقِيَام إِلَيْهَا، وَإِذا قَامَ إِلَيْهَا غير مُحدث لَا يجب (وَمُقْتَضى النَّص) أَي قَوْله تَعَالَى - {إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة} - الْآيَة (الْوُجُوب) أَي وجوب الْوضُوء على الْقَائِم إِلَيْهَا مَعَ عدم الْحَدث (كَمَا) مُقْتَضَاهُ وُجُوبه على الْقَائِم إِلَيْهَا (مَعَه) أَي مَعَ الْحَدث، وَذَلِكَ لِأَن الْجَزَاء وَهُوَ الْأَمر بِالْغسْلِ لَازم للشّرط وَهُوَ الْقيام إِلَى الصَّلَاة، وَإِنَّمَا شَرط هَذَا لاعْتِبَار الدوران، لِأَنَّهُ عِنْد كَون الحكم دائرا مَعَ الْوَصْف وجودا وعدما، وَعدم كَونه مُضَافا إِلَى النَّص حَال وجود الْوَصْف، وَعدم دلَالَة ظَاهِرَة على علية الْوَصْف (وَالْقَضَاء) حَال كَون القَاضِي (غَضْبَان بِلَا شغل بَال جَائِز، وَالنَّص) وَهُوَ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لَا يقْضِي) القَاضِي بَين اثْنَيْنِ (وَهُوَ غَضْبَان) الْمُفِيد حُرْمَة الْقَضَاء فِي حَال الْغَضَب (قَائِم) فِي حَالي وجود الْوَصْف: أَي شغل البال وَعَدَمه، وَالْحكم دائر مَعَ عدم شغل البال وجودا وعدما، فَإِذا كَانَ غَضْبَان غير مَشْغُول البال يجوز قَضَاؤُهُ، وَإِذا كَانَ مَشْغُول البال بِغَيْر غضب بل بِنَحْوِ جوع وعطش مفرطين، أَو وجع شَدِيد
(4/49)

أَو مدافعة الأخبثين لَا يجوز قَضَاؤُهُ، فَعلم أَن الحكم لَا يُضَاف إِلَى النَّص لِأَن مُقْتَضَاهُ أَن لَا يقْضى فِي الْغَضَب، وَيقْضى فِي غير الْغَضَب: إِمَّا بطرِيق الْمَفْهُوم عِنْد الْقَائِل بِهِ وَإِمَّا بِالْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّة، أَو بِإِطْلَاق النُّصُوص عِنْد غَيره (وَلَا دَلِيل لَهُ) أَي لهَذَا الشارط على اعْتِبَار هَذَا الشَّرْط (غير الْوُجُود) أَي وجود مَا شَرطه فِي هذَيْن النصين، وَأَنت تعلم أَن الْوُجُود لَا يسْتَلْزم الِاشْتِرَاط (و) قد (منع) وجود الشَّرْط الْمَذْكُور فيهمَا (بِأَن مُرَاده) تَعَالَى وَهُوَ أعلم بمراده إِذا أردتم الْقيام إِلَى الصَّلَاة (وَأَنْتُم محدثون) كَمَا هُوَ مأثور عَن ابْن عَبَّاس ومنصوص فِي التَّيَمُّم، وَهُوَ بدله، وَالْبدل لَا يُفَارق الأَصْل فِي مثله، وَإِلَّا لم يكن بَدَلا بل كَانَ وَاجِبا ابْتِدَاء على مَا قَالُوا (و) بِأَن (الشّغل) للقلب (لَازم) للغضب فَلَا يُوجد الْغَضَب بِدُونِهِ، فَلم يُوجد جَوَاز الْقَضَاء مَعَ قيام النَّص (فالنص) مَحْمُول (على ظَاهره). وَلَا نسلم أَن من حكم هَذَا النَّص حل الْقَضَاء عِنْد عدم الْغَضَب: أما عندنَا فلعدم الْمَفْهُوم، وَأما عِنْد الْقَائِل بِهِ فَيشْتَرط عدم التَّسَاوِي بَين الْمَنْطُوق وَالْمَفْهُوم، وَعند شغل الْقلب بِغَيْر الْغَضَب مِمَّا ذكر من الْأَسْبَاب، فالتساوي بَينهمَا مَوْجُود. (النافون) لكَون الدوران مسلكا صَحِيحا (قَالُوا تحقق انتفاؤها) أَي الْعلية (مَعَ وجوده) أَي الدوران (فِي المتضايفين) كالأبوة والبنوة، والفوقية والتحتية: فَإِنَّهُ كلما تحقق أَحدهمَا تحقق الآخر، وَكلما انْتَفَى انْتَفَى، وَلَا علية وَلَا معلولية بَينهمَا اتِّفَاقًا (و) فِي (غَيرهمَا) أَي المتضايفين (كالحرمة مَعَ رَائِحَة الْمُسكر) الْمَخْصُوصَة بِهِ، فَإِنَّهَا تَدور مَعهَا وجودا وعدما (وَلَيْسَت) الرَّائِحَة (الْعلَّة) للْحُرْمَة (وَلَو الْتفت إِلَى نفي غَيره) أَي غير الْمدَار من الْأَوْصَاف الَّتِي لَا يَدُور مَعهَا الحكم (بِالْأَصْلِ) بِأَن يُقَال وَالْأَصْل عدم علية الْغَيْر (أَو السبر) بِأَن يحصل الْأَوْصَاف وينفي مَا عدا الْمدَار (خرج) كَون الْمدَار عِلّة (عَنهُ) أَي عَن ثُبُوته بالدوران. (وَيدْفَع) هَذَا الدَّلِيل (بِأَنَّهُ) أَي انْتِفَاء الْعلية (فِيمَا ذكر) من المتضايفين وَغَيرهمَا (لمَانع) من الْعلية (كَمَا تبين) قَرِيبا، والتخلف لمَانع غير قَادِح (فَلَا يَنْفِي) انتفاؤها لمَانع (ظَنّهَا) أَي الْعلية (إِذا تجرد) الْمدَار (عَنهُ) أَي عَن الْمَانِع (وَالْكَلَام فِيهِ) أَي فِيمَا تجرد عَن الْمَانِع. قَالَ (الْغَزالِيّ) من النافين: الدوران عبارَة عَن اطراد الْوَصْف وانعكاسه، وَلَا يُفِيد شَيْء مِنْهُمَا الْعلية، إِذْ (الاطراد) حَاصله (عدم النَّقْض) وَأَن لَا يُوجد الْوَصْف فِي صُورَة بِدُونِ الحكم، والنقض من جملَة مفسدات الْعلَّة، وَانْتِفَاء المفسدات كلهَا لَا يَكْفِي فِي صِحَة الْعلية فضلا عَن انْتِفَاء وَاحِد مِنْهَا، إِذْ عدم الْمَانِع وَحده لَا يصلح عِلّة مقتضية (فَأَيْنَ الْمُقْتَضى للعلية أَولا) كَمَا يُقَال: اثْبتْ الْعَرْش ثمَّ انقش، فَلَا بُد أَولا من بَيَان وجود الْمُقْتَضى ثمَّ بَيَان عدم الْمَانِع. (وَأما الانعكاس فَلَيْسَ شرطا لَهَا) أَي لِلْعِلَّةِ (وَلَا لَازِما) لَهَا. فِي الشَّرْح العضدي: شَرط فِي الْعلَّة الانعكاس، وَهُوَ أَنه كلما عدم الْوَصْف عدم الحكم
(4/50)

وَلم يَشْتَرِطه آخَرُونَ؛ وَالْحق أَنه مَبْنِيّ على جَوَاز تَعْلِيل الحكم الْوَاحِد بعلتين مختلفتين، لِأَنَّهُ إِذا جَازَ ذَلِك صَحَّ أَن يَنْتَفِي الحكم بِوُجُود الْوَصْف الآخر (أُجِيب) عَن احتجاج الْغَزالِيّ بِأَن (الْمُدَّعِي) إِثْبَات الْعلية (بالمجموع) الْمركب من الاطراد والانعكاس (لَا بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا) وَقد يكون للهيئة الاجتماعية أثر لَيْسَ لكل وَاحِد. (القاطعون) أَي الْقَائِلُونَ بِأَن الدوران يُفِيد الْعلية قطعا قَالُوا (إِذا وَقع الدوران) أَي تحقق (وَعلم انْتِفَاء مَانع الْمَعِيَّة فِي التضايف) أَي الْمَانِع الَّذِي هُوَ الْمَعِيَّة المنافية لتقدم أَحدهمَا على الآخر فَإِنَّهُمَا يوجدان مَعًا ذهنا وخارجا، وَفِيه أَن الْمَعِيَّة الزمانية لَا تنَافِي التَّقَدُّم الذاتي (و) علم انْتِفَاء مَانع (عدم التَّأْثِير كالشرط الْمسَاوِي) فَإِن الشَّرْط عبارَة عَن عِلّة لَا تَأْثِير لَهَا، وَقيد بالتساوي ليتَحَقَّق الطَّرْد، أَعنِي الدوران وجودا: إِذْ مَعَ الْأَعَمّ لَا يلْزم وجود الْمَشْرُوط (و) علم انتقا مَانع (التَّأَخُّر) الْكَائِن (فِي المعلولية) فَإِن وصف التَّأَخُّر لَازم للمعلولية مَانع عَن كَونه عِلّة (قطع بهَا) أَي بالعلية جَوَاب للشّرط الْمُتَقَدّم (للْعَادَة المستمرة فِيمَن تكَرر دوران غَضَبه عَن اسْم حَتَّى علمه من لَا أَهْلِيَّة فِيهِ للنَّظَر كالصبيان) يَعْنِي إِذا دعى شخص باسم مغضب فَغَضب ثمَّ ترك فَلم يغْضب وتكرر ذَلِك علم بِالضَّرُورَةِ أَن ذَلِك سَبَب الْغَضَب حَتَّى أَن من لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ النّظر كالأطفال يعلمُونَ ذَلِك ويتبعونه فِي الدروب ويقصدون إغضابه فيدعونه بِهِ، وَلَوْلَا أَنه ضَرُورِيّ لما علموه، فَهَذِهِ الْعَادة المستمرة تُفْضِي بإفادة الدوران الْعلم بسببية الْمدَار لما يَدُور مَعَه قطعا، فَإِنَّهُ لَا مُوجب فِيهَا لحُصُول الْعلم الْمَذْكُور سوى الدوران (أُجِيب بِأَن النزاع) إِنَّمَا هُوَ (فِي حُصُول الْعلم بِمُجَرَّدِهِ) أَي الدوران) (وَالظَّن) بالعلية إِنَّمَا يحصل فِي الْمِثَال الْمَذْكُور (عِنْده) أَي عِنْد الدوران حَال كَونه مُنْضَمًّا (مَعَ غَيره) أَي الدوران (من التكرر) بَيَان للْغَيْر (لَا) مَعَ (عَدمه) أَي عدم غير الْمدَار (بِعَدَمِ وجدانه) أَي الْغَيْر (مَعَ) وُقُوع (الْبَحْث) والتفتيش (عَنهُ) أَي عَن الْغَيْر كَمَا ذكره فِي الشَّرْح العضدي فِي تَقْرِير الْجَواب من قَوْله: الْجَواب مَحل النزاع لَيْسَ هُوَ حُصُول الْعلم بِهِ، بل حُصُوله بِمُجَرَّدِهِ: وَذَلِكَ فِيمَا ذكرْتُمْ من الْمِثَال مَمْنُوع، إِذْ لَوْلَا انْتِفَاء غير ذَلِك إِمَّا بِأَنَّهُ بحث عَنهُ فَلم يُوجد، وَإِمَّا أَن الأَصْل عَدمه لما ظن انْتهى. فَعلم أَن الظَّن إِنَّمَا يحصل بمساعدة الْغَيْر لَا بِمُجَرَّدِهِ (فضلا عَن) حُصُول (الْعلم) بِمُجَرَّدِهِ، وَإِنَّمَا جعل التكرر غير الدوران، لِأَنَّهُ عبارَة عَن الْوُجُود مَعَ الْوُجُود والعدم مَعَ الْعَدَم. وَلَا شكّ أَن تكَرر الْوُجُود مَعَ الْوُجُود أَمر زَائِد على أصل الْوُجُود مَعَ الْوُجُود. وَلَا شكّ أَن انضمام أَمر وجودي إِلَيْهِ فِي الدّلَالَة على الْعلية أَدخل فِي نفي الِاسْتِقْلَال فِيهَا من انضمام أَمر عدمي إِلَيْهِ (وَدفع) هَذَا الْجَواب (بِأَنَّهُ) أَي إِنْكَار حُصُول الْعلم بالدوران فِي مثل مَا ذكر (إِنْكَار للضروريات) أَي البديهيات (وقدح فِي التجريبيات، فَإِن الْأَطْفَال
(4/51)

يقطعون بِهِ) أَي بِكَوْنِهِ مُفِيدا للعلية (بِلَا أَهْلِيَّة اسْتِدْلَال) وَلَا يخفى عَلَيْك أَن الْمُجيب لَا يُنكر أصل حُصُول الْعلم بالعلية، بل يُنكر حُصُوله بِمُجَرَّد الدوران، فَلَا يلْزم عَلَيْهِ إِنْكَار الضروريات فَتدبر (وَيُجَاب) عَن هَذَا الدّفع (بِأَن مثله) أَي الدوران (يصلح لإِثْبَات الْعلية لغير الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة المبنية على الْمصَالح) وَهُوَ العقليات، فَإِنَّهَا لَا تخْتَلف باخْتلَاف الزَّمَان وَالْمَكَان (أما هِيَ) أَي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة (فَلَا بُد فِي بَيَان عللها من مُنَاسبَة أَو اعْتِبَار من الشَّارِع). وَقد سبق أَن الْمُنَاسبَة عندنَا تَسْتَلْزِم التَّأْثِير: وَحَاصِله اعْتِبَار جنس الْوَصْف أَو نَوعه فِي جنس الحكم أَو نَوعه، وَالِاعْتِبَار من الشَّارِع عبارَة عَمَّا ذكر، وَكلمَة أَو للتنويع فِي التَّعْبِير (إِذْ فِي القَوْل) بِإِثْبَات الْعلَّة (بالطرد فتح بَاب الْجَهْل) اكْتفى بِذكر الطَّرْد، لِأَن الْعُمْدَة فِي الدوران أَو لِأَن الْعَكْس لَا يعْتَبر فِي الْعلَّة لما مر من جَوَاز تَعْلِيل الحكم الْوَاحِد بعلتين، وَأما كَونه فتح بَاب الْجَهْل فَلِأَن الْعلم عبارَة عَمَّا يُوجد من الشَّارِع، أَو من الْعقل بالبرهان الْقطعِي وَلَا يتَحَقَّق شَيْء مِنْهَا فِي الطَّرْد، وَيجوز فِيهِ وجود الْمعَارض والمناقض، وَبِالْجُمْلَةِ يحْتَمل أَن لَا يعْتَبر علية الْمدَار الشَّرْع احْتِمَالا قَوِيا (و) فتح بَاب (التَّصَرُّف فِي الشَّرْع) وَهُوَ نوع استهزاء بقواعد الدّين، وتطريق لكل قَائِل أَن يَقُول مَا أَرَادَ فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة إِلَى غير ذَلِك، (وَهَذَا) الْجَواب (دفع) لحجة القاطعين (من) قبل (الْحَنَفِيّ) فَإِنَّهُ يعْتَبر فِي الْعلَّة الْمُنَاسب وَالِاعْتِبَار من الشَّارِع (وَقَوله) أَي الْمُجيب (من مُنَاسبَة) أُرِيد بهَا الْمُنَاسبَة الْمَخْصُوصَة (أَي الْمُنَاسب المقبول إِجْمَاعًا) أَي مُنَاسبَة الْمُنَاسب الَّذِي قبل إِجْمَاعًا (وَهُوَ) أَي الْمُنَاسب المقبول إِجْمَاعًا (الضَّرُورِيّ) أَي الْوَصْف الْمُشْتَمل على مصلحَة ضَرُورِيَّة لم تهدر فِي مِلَّة كحفظ النَّفس (أَو المصلحي) أَي الْمُشْتَمل على مصلحَة حاجية دون الأول كَالْبيع وَالْإِجَارَة وَقد مر بيانهما (لَا) من قبل (الشَّافِعِي لِأَنَّهُ) أَي الشَّافِعِي (لَا يمْتَنع أَن يثبت طَرِيقا للعلية) أَي لإثباتها (لَا يجب فِيهَا) أَي فِي تِلْكَ الطَّرِيق (ظُهُور الْمُنَاسبَة كالسبر والدوران) وَإِنَّمَا قَالَ لَا يجب فِيهَا ظُهُورهَا لِأَنَّهُ قد يظْهر فِيهَا لكنه غير لَازم (وَأَن شَرطهَا) أَي الشَّافِعِي الْمُنَاسبَة (فِي نفس الْأَمر) يَعْنِي لم يُصَرح بالاشتراط، لكنه لزم عَلَيْهِ فِي نفس الْأَمر (على معنى أَنه) أَي تَعْلِيله فِي موارده (يدل على ثُبُوتهَا) أَي الْمُنَاسبَة بَينهمَا (فِي نفس الْأَمر، وَقد يخْتَلف) أَي يَقع الِاخْتِلَاف (فِيهِ) أَي فِي ثُبُوتهَا (كَمَا فِي الدوران، وَقيل منشأ الْخلاف فِيهِ) أَي فِي إِفَادَة الدوران الْعلية (عدم أَخذ قيد صَلَاحِية الْوَصْف) للعلية (أما مَعَه) أَي مَعَ ذَلِك الْقَيْد (وَهُوَ) أَي الْقَيْد الْمَذْكُور (مُرَاد) للقائل بإفادة الدوران الْعلية (فَلَا خَفَاء فِي حُصُول ظن عليته) أَي الْوَصْف الْمدَار بعد تحقق الْقَيْد الْمَذْكُور (بالدوران، بِخِلَاف مَا) إِذا (لم يظْهر لَهُ فِيهِ) أَي فِي
(4/52)

الْمدَار (مُنَاسبَة كالرائحة) أَي رَائِحَة الْمُسكر وَظن عليتها (للتَّحْرِيم) فَإِنَّهُ غير موجه لعدم ظُهُور الْمُنَاسبَة بَينهَا وَبَين التَّحْرِيم على وَجه يقتضى عليتها لَهُ (وَأما الشّبَه) الْمَعْدُود من المسالك لِلْعِلَّةِ (عِنْد الشَّافِعِيَّة فَلَيْسَ من المسالك) فِي نفس الْأَمر (لِأَنَّهَا) أَي المسالك إِنَّمَا هِيَ (المثبتة لعلية الْوَصْف) للْحكم (والشبه تثبت عليته بهَا) أَي بالمسالك.
وَقد اخْتلفت عباراتهم فِي تَفْسِيره، وَاخْتَارَ المُصَنّف مَا لخص فِي الشَّرْح العضدي فَقَالَ (وَالْمرَاد) بِهِ هَهُنَا (مَا) أَي الْوَصْف الَّذِي (مناسبته) للْحكم (لَيست بِذَاتِهِ) أَي بِالنّظرِ إِلَى ذَات ذَلِك الْوَصْف (بل) مناسبته لَهُ (بشبهه) الْوَصْف الْمُنَاسب بِذَاتِهِ شبها يَقْتَضِي الظَّن بعليته للْحكم (فَيحْتَاج) فِي إِثْبَات عليته (إِلَى الْمُثبت) لَهَا، وَكَذَا قيل فِيهِ: وصف لم يثبت مناسبته إِلَّا بِدَلِيل مُنْفَصِل عَنهُ (فَلَا يَصح إِنْكَاره) أَي إِنْكَار علية الشّبَه (بعد إثْبَاته) أَي إِثْبَات كَونه عِلّة بِالدَّلِيلِ (غير أَنه لَا يثبت) كَونه عِلّة (بالإخالة) بل بِالنَّصِّ أَو الْإِجْمَاع أَو السبر عِنْد الْقَائِل بِهِ (وَإِلَّا) لَو ثَبت بالإخالة أَيْضا (كَانَ) الشّبَه (الْمُنَاسب الْمَشْهُور) وَهُوَ الْمُنَاسب بِذَاتِهِ، وَلَيْسَ إِيَّاه، بل بَينهمَا تقَابل، ثمَّ بَين مِثَاله بقوله (كطهارة) بِالرَّفْع على الْحِكَايَة: أَي كَأَن يُقَال فِي إِلْحَاق إِزَالَة الْخبث بِإِزَالَة الْحَدث فِي تعين المَاء، إِن إِزَالَة الْخبث طَهَارَة (ترَاد للصَّلَاة فَلَا يجزى فِيهَا غير المَاء كَالْوضُوءِ) فَإِنَّهُ طَهَارَة يُرَاد للصَّلَاة لَا يَجْزِي فِيهِ غير المَاء، فالشبه كَونهَا طَهَارَة ترَاد للصَّلَاة لِأَن الْمُنَاسبَة بَينه وَبَين تعين المَاء لَيست بِذَاتِهِ بل بشبهه: وَهُوَ الْوضُوء الَّذِي هُوَ لإِزَالَة الْحَدث فَإِن الشَّارِع قد اعْتبر فِيهِ خُصُوصِيَّة المَاء فِي الصَّلَاة وَمَسّ الْمُصحف وَالطّواف، وَإِطْلَاق الشّبَه على الْوضُوء لكَونه مشتبها بِهِ، إِذْ إِزَالَة الْخبث وَهُوَ الْوضُوء يشبه بِهِ والكون الْمَذْكُور مُشْتَرك بَينهمَا وَإِضَافَة الشّبَه بِمَعْنى المشتبه إِلَيْهِ لأدنى مُلَابسَة، وَإِذا عرفت أَن الْمُنَاسبَة بَينهمَا لَيست لذاته بل لشبهه فَلَا بُد من إِثْبَات كَون الْوَصْف الْمَذْكُور عِلّة للْحكم، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَإِن ثَبت بِأحد المسالك أَن كَون الطَّهَارَة ترَاد للصَّلَاة يَصح عِلّة تعين المَاء لزم) فَقَوله أَن مَعَ اسْمهَا وخبرها فَاعل ثَبت وَاسْمهَا كَون، وَقد أضيف إِلَى اسْمه، وَقَوله ترَاد للصَّلَاة خبر كَون، وَقَوله يَصح خبر أَن، وَقَوله عِلّة تعين المَاء تَمْيِيز عَن نِسْبَة يَصح إِلَى ضَمِيره: أَي يَصح الْكَوْن الْمَذْكُور من حَيْثُ عليته للتعيين، وَقَوله لزم جَزَاء الشَّرْط: أَي لزم على ذَلِك التَّقْدِير اعْتِبَار علية كَون الْمَذْكُور (وَإِلَّا) وَإِن لم يثبت بِأحد المسالك مَا ذكر (لَا يُوجِبهُ) أَي تعين المَاء (مُجَرّد اعْتِبَاره) أَي اعْتِبَار الشَّارِع تعين المَاء (فِي) إِزَالَة (الْحَدث) أَي فِي الْوضُوء، فَإِن غَايَته اعْتِبَار خُصُوص المَاء فِيهِ، وَهَذَا لَا يسْتَلْزم أَن يكون عِلّة ذَلِك الِاعْتِبَار الْكَوْن الْمَذْكُور (وعَلى هَذَا أَي على اشْتِرَاط ثُبُوت ذَلِك بِأحد المسالك (فمرجعه) أَي الشّبَه (إِلَى إِثْبَات علية وصف بِأحد
(4/53)

المسالك وَلَيْسَ شَيْئا آخر) فَانْتفى مَا صرح بِهِ الْآمِدِيّ وَغَيره من أَنه من مسالك الْعلَّة، وَنقل الشَّارِح تصريحهم بِأَن الْمُثبت لمناسبة الْوَصْف الشبهي للْحكم اعْتِبَار الشَّارِع إِيَّاه فِي بعض الصُّور بِإِثْبَات الحكم فِي مَحل وجود ذَلِك الْوَصْف الموهم كَونه مناسبا لَا يلْتَفت إِلَيْهِ بعد هَذَا الْبَيَان الْوَاضِح لظُهُور أَن ثُبُوت الحكم فِي مَحل وجود الْوَصْف لَا يسْتَلْزم عليته قَالُوا وَظَاهر مَذْهَب الشَّافِعِي وَعَلِيهِ أَكثر أَصْحَابه قبُوله وَلم يقبله آخَرُونَ مِنْهُم الباقلاني والصيرفي وَأَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ كأصحابنا (وَيُقَال) الشّبَه (أَيْضا لأشبهية) أحد (وصفين) كائنين (فِي فرع تردد) ذَلِك الْفَرْع (بهما) أَي بِسَبَب ذَيْنك الوصفين (بَين أصلين) بِحَيْثُ يُمكن إِلْحَاق ذَلِك الْفَرْع لكل مِنْهُمَا (كالآدمية والمالية) فَإِنَّهُمَا وصفان كائنان (فِي العَبْد الْمَقْتُول) وَقد (تردد) العَبْد الْمَقْتُول (بهما) أَي بالآدمية والمالية (بَين الْأَصْلَيْنِ الْإِنْسَان وَالْفرس) فَإِن نَظرنَا إِلَى آدميته ألحقناه بالإنسان الْحر وأوجبنا على قَاتله الدِّيَة، غير أَن الدِّيَة عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد قِيمَته لَا تزاد على عشرَة آلَاف دِرْهَم إِلَّا عشرَة، وان نَظرنَا إِلَى مَالِيَّته ألحقناه بالفرس فأوجبنا عَلَيْهِ الْقيمَة بَالِغَة مَا بلغت كَمَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو يُوسُف وَالشَّافِعِيّ، لَكِن العَبْد أشبه بِالْحرِّ، لِأَن مشاركته مَعَ الْحر فِي الْأَوْصَاف وَالْأَحْكَام أَكثر، لكَونه ناطقا قَابلا للصناعات إِلَى غير ذَلِك، فالأشبهية فِي الْحَقِيقَة للموصوف بالوصفين، لكنه أضيف إِلَيْهِمَا لِأَن أَحدهمَا سَبَب لأشبهيته (وَاعْلَم أَن الْحَنَفِيَّة ينسبون الدوران لأهل الطَّرْد وَكَذَا السبر) ينسبونه إِلَيْهِم (إِذْ يُرِيدُونَ) أَي الْحَنَفِيَّة بِأَهْل الطَّرْد (من لَا يشْتَرط ظُهُور التَّأْثِير) فِي الْوَصْف الَّذِي يَدعِي عليته (وَعلمت) فِي المرصد الأول (أَنه) أَي التَّأْثِير عِنْد الْحَنَفِيَّة (يُسَاوِي الملاءمة عِنْدهم) أَي الشَّافِعِيَّة، فِيهِ أَن التَّأْثِير عِنْد الْحَنَفِيَّة أَعم من الملاءمة لصدقه على مُؤثر الشَّافِعِيَّة أَيْضا على مَا مر، فَكَأَنَّهُ لدورانه لَا يتَجَاوَز الملاءمة بعد الْمُؤثر (وعَلى هَذَا) أَي على التَّسَاوِي الْمَذْكُور (فَمن الطَّرْد) بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور (الإخالة) لِأَنَّهَا إبداء الْمُنَاسبَة بَين الْوَصْف وَالْحكم من غير اعْتِبَار ظُهُور التَّأْثِير (وَيُؤَيِّدهُ) أَي كَون المُرَاد من الطَّرْد عِنْدهم مَا ذكر (تصريحهم) أَي الْحَنَفِيَّة (بِأَن عَامَّة أهل النّظر مالوا إِلَى الِاحْتِجَاج بِهِ) أَي بالطرد (وَمَعْلُوم تصريحهم) أَي الْحَنَفِيَّة (بِأَن علل الشَّرْع لَا بُد فِيهَا من الْمُنَاسبَة) فَلَا يحْتَمل أَن يُرِيدُوا بالطرد مَالا مُنَاسبَة فِيهِ أصلا، لِأَنَّهُ خلاف مَا أجمع عَلَيْهِ من لُزُوم الْمُنَاسبَة فِي الْجُمْلَة (فَلَيْسَ أَهله) أَي الطَّرْد (عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة (إِلَّا من ذكرنَا) أَي من لَا يشْتَرط ظُهُور التَّأْثِير الَّذِي شَرطه الْحَنَفِيَّة (فَلَا أحد يضيف حكم الشَّرْع إِلَى مَالا مُنَاسبَة لَهُ أصلا) أَي إِلَى وصف لَا مُنَاسبَة بَينه وَبَين الحكم بجعله عِلّة لَهُ (كالطول وَالْقصر) فَإِنَّهُمَا فِي عدم الْمُنَاسبَة بِحَيْثُ لَا يضيف إِلَيْهِمَا أحد حكما من الْأَحْكَام، وَلِهَذَا لَا يجد التَّعْلِيل بِأَحَدِهِمَا فِي
(4/54)

التَّعْلِيل بأمثالهما فِي الشَّرْع فِي مَذْهَب من الْمذَاهب أصلا، بِخِلَاف الذُّكُورَة وَالْأُنُوثَة فَإِنَّهُ قد يُعلل بهما (فالطرد مَا) أَي وصف (لَا مُنَاسبَة لَهُ) مُنَاسبَة (يثبت اعْتِبَارهَا اتِّفَاقًا) أَي لَو ثَبت اعْتِبَارهَا مُنَاسبَة بالِاتِّفَاقِ، بل اخْتلف فِي اعْتِبَارهَا مِنْهُم من اعتبرها، وَمِنْهُم من لَا يَعْتَبِرهَا (وَالْخلاف فِيمَا بِهِ الِاعْتِبَار (فالحنفية) يَقُولُونَ (لَيْسَ) مَا بِهِ الِاعْتِبَار (إِلَّا التَّأْثِير الَّذِي هُوَ الملاءمة) الْمُعْتَبرَة (للشَّافِعِيَّة) بِمَا مر (وَالشَّافِعِيَّة) تعْتَبر الْمُنَاسبَة (بغَيْرهَا) أَي الملاءمة (أَيْضا، وَلَا يخْتَلف) بِصِيغَة الْمَجْهُول (فِي أَن الشَّارِع إِذا وضع أمرا) لِأَن يكون (عَلامَة) دَالَّة (على حكم كالدلوك) أَي كوضعه زَوَال الشَّمْس أَو غُرُوبهَا عَلامَة (على الْوُجُوب) أَي وجوب الصَّلَاة بقوله تَعَالَى - {أقِم الصَّلَاة لدلوك الشَّمْس} - (أضيف) ذَلِك الحكم (إِلَيْهِ) أَي إِلَى مَا جعل عَلامَة عَلَيْهِ من غير توقف على بَيَان مُنَاسبَة أَو ملاءمة (لكنه) أَي ذَلِك الْأَمر (لَيْسَ عِلّة) لذَلِك الحكم (إِلَّا مجَازًا) لمشاركته إِيَّاهَا فِي كَونه عَلامَة للْحكم، وَالْعلَّة لَهُ حَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ الْخطاب، وَاصْطِلَاحا مَا شرع الحكم عِنْده لحُصُول مصلحَة. (وَاعْلَم أَن الأمارة فِي اصْطِلَاح الْحَنَفِيَّة لَيست بشهرة الْعَلامَة) أَي لَيست بمشهورة بشهرة كشهرة الْعَلامَة، بل الْعَلامَة عِنْدهم أشهر (وتقسيمهم) أَي الْحَنَفِيَّة (الْخَارِج) عَن الحكم (الْمُتَعَلّق بالحكم إِلَى مُؤثر فِيهِ) أَي فِي الحكم (ومفض إِلَيْهِ) أَي موصل إِلَى الحكم (بِلَا تَأْثِير) هما (الْعلَّة وَالسَّبَب، وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الْخَارِج مؤثرا وَلَا مفضيا إِلَيْهِ (فَإِن توقف عَلَيْهِ) أَي على هَذَا الْخَارِج (الْوُجُود) أَي وجود الحكم (فَالشَّرْط وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الْخَارِج مؤثرا وَلَا مفضيا إِلَيْهِ، فَإِن توقف عَلَيْهِ: أَي على هَذَا الْخَارِج الْوُجُود: أَي وجود الحكم فَالشَّرْط، وَإِن لم يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْوُجُود (فَإِن دلّ) ذَلِك الْخَارِج (عَلَيْهِ) أَي على الحكم بِأَن يكون الْعلم بتحققه مستلزما للْعلم بِوُجُود الحكم (فالعلامة). قَوْله تقسيمهم مُبْتَدأ، وَمَا بعده مُتَعَلق بِهِ، وَخَبره مَحْذُوف بِقَرِينَة السِّيَاق والسباق، يَعْنِي يُفِيد مَا قُلْنَا من أَن الْعَلامَة لَيست بعلة حَقِيقِيَّة، ثمَّ ذكر تقسيمهم هَهُنَا تَوْطِئَة لتفصيل كل وَاحِد مِنْهُم من هَذِه الْأَقْسَام وتقسيمه إِلَى أَقسَام سوى الْعلَّة كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (فالعلة) الْحَقِيقِيَّة وَمَا يُطلق عَلَيْهِ لفظ الْعلَّة بالاشتراك أَو بالمجاز (تقدّمت بأقسامها) فِي تَتِمَّة من المرصد الأول (وَهَذَا) الَّذِي نشرع فِيهِ (تقسيمهم مَا سواهَا) أَي الْعلَّة (فالسبب تجب) أَن تكون (الْعلَّة بَينه) أَي بَين السَّبَب (وَبَين الحكم) لِأَنَّهُ لَا بُد لَهُ من عِلّة مُؤثرَة فِيهِ أَو مَوْضُوعَة لَهُ، وَالسَّبَب طَرِيق مفض إِلَيْهِ من غير تَأْثِير فِيهِ وَوضع لَهُ (فَلَمَّا تُضَاف) الْعلَّة (إِلَيْهِ) أَي إِلَى السَّبَب (كالسوق) للدابة (الْمُضَاف إِلَيْهِ الْعلَّة وَطْؤُهَا) عطف بَيَان لِلْعِلَّةِ: أَي وَطْء الدَّابَّة نفسا أَو مَالا، فالسوق سَبَب التّلف، وَلَيْسَ بعلة لَهُ لِأَنَّهُ (لم يوضع للتلف) بل لسير الدَّابَّة لما يُرَاد بِهِ (وَلم يُؤثر فِيهِ) أَي فِي التّلف (بل
(4/55)

طَرِيق) مفض (إِلَيْهِ) وَالْعلَّة المؤثرة وَطْء الدَّابَّة بقوائمها (فالسبب فِي معنى الْعلَّة) أَي إِذا كَانَ السَّبَب بِحَيْثُ تُضَاف إِلَيْهِ الْعلَّة فَهُوَ فِي معنى الْعلَّة لحدوث الْعلَّة بِهِ فَإِن السُّوق يحمل الدَّابَّة على ذَلِك كرها (فَلهُ) أَي لهَذَا السَّبَب (حكمهَا) أَي الْعلَّة (فِيمَا يرجع إِلَى بدل الْمحل) أَي مَحل الحكم وَهُوَ الْإِتْلَاف هُنَا: يَعْنِي الضَّمَان (لَا) فِيمَا يرجع إِلَى (جَزَاء الْمُبَاشرَة، فَعَلَيهِ) أَي على السَّائِق (الدِّيَة) إِذا وطِئت إنْسَانا فَقتلته لِأَنَّهَا بدل الْمحل، والسوق وَإِن جَازَ للْحَاجة إِلَيْهِ لَكِن بِشَرْط السَّلامَة، وَالْقَصْد لَيْسَ بِشَرْط الضَّمَان فِي حُقُوق الْعباد، والعجماء إِنَّمَا يكون فعلهَا جبارا إِذا لم يكن لَهَا قَائِد وَلَا سائق (لَا) علية (حرمَان الْإِرْث وَنَحْوه) من الْكَفَّارَات لَا الْقصاص لِأَنَّهَا جَزَاء الْمُبَاشرَة (وَالشَّهَادَة) بِالْجَرِّ عطفا على السُّوق، مِثَال آخر للسبب الْمُضَاف إِلَيْهِ الْعلَّة (للْقصَاص) أَي لوُجُوبه فَإِن الشَّهَادَة (لم تُوضَع لَهُ) أَي للْقصَاص (وَلم تُؤثر فِيهِ بل) هِيَ (طَرِيقه) أَي الْقصاص (وعلته) أَي الْقصاص (الْمُتَوَسّط) أَي مَا توَسط بَين الشَّهَادَة وَوُجُوب الْقصاص (من فعل) الْفَاعِل (الْمُخْتَار الْمُبَاشر للْقَتْل: لَكِن فِيهِ) أَي السَّبَب الَّذِي هُوَ الشَّهَادَة (معنى الْعلَّة لِأَنَّهَا) أَي الشَّهَادَة مؤدية إِلَى الْقَتْل بِوَاسِطَة إِيجَابهَا الْقَضَاء) على القَاضِي فَيحكم بِوُجُوبِهِ (و) بِوَاسِطَة (اخْتِيَار الْوَلِيّ) أَي ولي الْمَقْتُول (إِيَّاه) أَي الْقَتْل (على الْعَفو) فَإِن الِاخْتِيَار فرع الْقُدْرَة الْحَاصِلَة بِالشَّهَادَةِ فَإِنَّهَا سلطته عَلَيْهِ (فَعَلَيْهِم) أَي الشُّهُود (برجوعهم) عَن الشَّهَادَة (الدِّيَة) لِأَنَّهَا بدل الْمحل (لَا الْقصاص لِأَنَّهُ) أَي الْقصاص (جَزَاء الْمُبَاشرَة) للْقَتْل فَإِن الْجَزَاء يجب أَن يكون مماثلا للْفِعْل الْمُوجب لَهُ (وَعند الشَّافِعِي يقْتَصّ) من الشُّهُود الراجعين (إِذا قَالُوا تعمدنا الْكَذِب وَعلم من حَالهم أَنه لم يخف عَلَيْهِم قبولهم) أَي قبُول شَهَادَتهم، وَإِن كَانُوا مِمَّن يجوز أَن يخفى عَلَيْهِ مثله لقرب عَهدهم بِالْإِسْلَامِ حلفوا عَلَيْهِ، وَلَا يجب الْقصاص وعزروا، وَتجب دِيَة مُغَلّظَة فِي أَمْوَالهم إِلَّا أَن تصدقهم الْعَاقِلَة فَيكون عَلَيْهِم، وَإِنَّمَا يقْتَصّ مِنْهُم عِنْد ذَلِك (جعلا للسبب) الْقوي (الْمُؤَكّد بِالْقَصْدِ الْكَامِل كالمباشرة) فِي إِيجَاب الْقصاص (وَدفع) قَوْله (بِأَن الْقصاص بالمماثلة وَلَيْسَت) الْمُمَاثلَة ثَابِتَة (بَين الْمُبَاشرَة والتسبب وَإِن قوي) السَّبَب وتأكد، وَفِي الْكَشْف وَالتَّحْقِيق وَقَالَ القَاضِي الإِمَام أَبُو زيد لهَذَا السَّبَب حكم الْعلَّة من كل وَجه لِأَن عِلّة الحكم لما حدثت بِالْأولَى صَارَت الْعلَّة الْأَخِيرَة حكما للأولى مَعَ حكمهَا، لِأَن حكم الثَّانِيَة مُضَاف إِلَيْهَا، وَهِي مُضَافَة إِلَى الأولى فَصَارَت الأولى بِمَنْزِلَة عِلّة لَهَا حكمان انْتهى، وَيُمكن أَن يُجَاب عَنهُ بِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَن شُبْهَة، وَالْحُدُود تندرئ بِالشُّبُهَاتِ فَتَأمل. (وَمِنْه) أَي السَّبَب فِي معنى الْعلَّة (وضع الْحجر) فِي الطَّرِيق (وإشراع الْجنَاح) فِيهِ، الْجنَاح رُءُوس الأخشاب الَّتِي تخرج من فَوق الْبَيْت. بِمِقْدَار ذِرَاع أَو أَكثر حَتَّى يَبْنِي عَلَيْهِ بعض بَيت الْعُلُوّ، وإشراعه إِظْهَاره وإخراجه (والحائط المائل
(4/56)

بعد التَّقَدُّم) أَي ترك هَدمه بعد أَن مَال إِلَى الطَّرِيق، أَو إِلَى دَار جَاره بعد مُطَالبَة بعض النَّاس أَو الْجَار نقضه (فَالْوَجْه أَنه) أَي كلا من هَذِه (مثله) أَي مثل السَّبَب فِي معنى الْعلَّة (لتعديه فِي إبْقَاء الْفِعْل) الْمُسَبّب للتلف، لَا أَنه من (السَّبَب) فِي معنى الْعلَّة لِأَن الْعلَّة لَا تُضَاف إِلَيْهِ لِأَن سَبَبِيَّة ترك هدم الْحَائِط مثلا لَيست فِي رُتْبَة سَبَبِيَّة السُّوق للتلاف (وَإِمَّا لَا تُضَاف) الْعلَّة (إِلَيْهِ) أَي السَّبَب (لكَونهَا) أَي الْعلَّة (فعلا اختياريا كدلالة السَّارِق) أَي كدلالة شخص سَارِق على مَال آخر ليسرقه (الْمُتَوَسّط سَرقته) الَّتِي هِيَ فعل اخْتِيَاري يباشره السَّارِق (فالحقيقي) أَي فَهَذَا السَّبَب يُقَال لَهُ السَّبَب الْحَقِيقِيّ لتمحضه فِي السَّبَبِيَّة من غير كَونه فِي معنى الْعلَّة لعدم إضافتها إِلَيْهِ لتخلل الْفِعْل الِاخْتِيَارِيّ بَينه وَبَين الحكم (فَلَا يُضَاف الحكم إِلَيْهِ) أَي إِلَى السَّبَب كَمَا لَا تُضَاف الْعلَّة إِلَيْهِ (فَلَا يضمن دَال السَّارِق) الْمَسْرُوق، لِأَن الْإِتْلَاف مُضَاف إِلَى فعل السَّارِق، لَا إِلَى الدَّال كَمَا سيشير إِلَيْهِ (وَلَا يُشْرك فِي الْغَنِيمَة الدَّال) للمجاهدين (على حصن فِي دَار الْحَرْب) بِوَصْف طَرِيقه (لقطع نِسْبَة الْفِعْل) وَهُوَ الْإِتْلَاف فِي الأول، والاغتنام فِي الثَّانِي (إِلَيْهِ) أَي إِلَى السَّبَب وَهُوَ الدّلَالَة لتخلل اخْتِيَار الْمُبَاشر بَينه وَبَين الحكم فدلالته سَبَب مَحْض. قَالَ الشَّارِح: نعم لَو ذهب مَعَهم فدلهم على الْحصن شركهم فِي الْغَنِيمَة فِيهِ لِأَن فعله حِينَئِذٍ سَبَب فِيهِ معنى الْعلَّة (وَلَا) يضمن (دَافع السكين لصبي) ليمسكها للدافع (فَقتل) الصَّبِي بهَا (نَفسه) لِأَن ضربه نَفسه صَار بِاخْتِيَارِهِ غير مُضَاف إِلَى الدَّافِع. قَالَ الشَّارِح فِي تَعْلِيله لِأَنَّهُ أمره بالإمساك، لَا بِالِاسْتِعْمَالِ انْتهى وَلَا يخفى أَن هَذَا يُفِيد أَنه لَو أمره بِالِاسْتِعْمَالِ يضمن، وتعليلهم لعدم الضَّمَان بتخلل الْفِعْل الِاخْتِيَارِيّ بَين هَذَا السَّبَب وَقَتله نَفسه يدل على عدم ضَمَانه، وَأَن أمره بِالِاسْتِعْمَالِ لتخلل الْفِعْل الْمَذْكُور بَين الْأَمر والتلاف: نعم عدم الضَّمَان عِنْد الْأَمر بالإمساك دون الِاسْتِعْمَال أظهر (بِخِلَاف سُقُوطهَا) أَي بِخِلَاف مَا إِذا دَفعهَا ليمسكها فَسَقَطت بِلَا قصد (مِنْهُ) أَي من الصَّبِي على وَجه أهلكته فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يضمن الدَّافِع لعدم تخَلّل فعل اخْتِيَاري من الصَّبِي متوسط بَين الدّفع والهلاك، فالدفع حِينَئِذٍ سَبَب فِي معنى الْعلَّة الَّتِي هِيَ السُّقُوط لِأَنَّهَا تُضَاف إِلَيْهِ وَلم يتوسط بَينهمَا إِلَّا الْإِمْسَاك الَّذِي هُوَ حكم الدّفع (وَلَا) يضمن (الْقَائِل) لغيره (تزَوجهَا) أَي هَذِه الْمَرْأَة (فَإِنَّهَا حرَّة) فَتَزَوجهَا واستولدها ثمَّ ظهر أَنَّهَا أمة شخص (لقيمة الْوَلَد) الَّذِي أَدَّاهَا إِلَى ذَلِك الشَّخْص لتخلل الْفِعْل الِاخْتِيَارِيّ وَهُوَ العقد بَين الْإِخْبَار وَالِاسْتِيلَاد (بِخِلَاف تَزْوِيج الْوَلِيّ أَو الْوَكِيل) أَي وَليهَا أَو وكيلها (بِالشّرطِ) أَي بِشَرْط أَنَّهَا حرَّة (الْمَغْرُور) مفعول التَّزْوِيج، يَعْنِي الْمُقدم إِلَى الزواج بِنَاء على الشَّرْط الَّذِي ظهر خِلَافه آخرا فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يرجع الزَّوْج بِقِيمَة الْوَلَد على الْوَلِيّ أَو الْوَكِيل فَإِن الشَّرْط
(4/57)

من الْوَلِيّ وَالْوَكِيل بِمَنْزِلَة قَوْله أَنا ضَامِن بِمَا يلحقك بِسَبَب هَذَا التَّزَوُّج، وَقيل لِأَن الِاسْتِيلَاد حكم التَّزْوِيج لكَونه مَوْضُوعا لطلب النَّسْل، وَفِيه مَا فِيهِ (وَلَا يلْزم) على هَذِه الْمسَائِل بطرِيق النَّقْض أَن يُقَال (الْمُودع وَالْمحرم) إِذا دلّ سَارِقا وصائدا (على الْوَدِيعَة وَالصَّيْد) فَسرق وصاد (يضمنَانِ) أَي الْمُودع وَالْمحرم الْمَسْرُوق جَزَاء الصَّيْد (وهما مسببان) على صِيغَة الْفَاعِل يَعْنِي فعلهمَا سَبَب مَحْض لتخلل الْفِعْل الِاخْتِيَارِيّ بَينه وَبَين الحكم، ثمَّ علل عدم اللُّزُوم بقوله (لِأَن ضَمَان الْمُودع بترك الْحِفْظ) الْمُلْتَزم بِعقد الْوَدِيعَة، وَهُوَ مبَاشر مَا يُخَالف الْتِزَامه بِدلَالَة السَّارِق (و) ضَمَان (الْمحرم بِإِزَالَة الْأَمْن) عَن الصَّيْد وَقد الْتَزمهُ بِالْإِحْرَامِ (المتقررة) صفة الْإِزَالَة (بِالْقَتْلِ) فقد بَاشر الْإِزَالَة بِدلَالَة الْقَاتِل عَلَيْهِ، وَلذَا قَالَ (فَهُوَ) أَي كل وَاحِد مِنْهُمَا (مبَاشر) للجناية على الْوَدِيعَة وَالصَّيْد، فضمانه بِالْمُبَاشرَةِ لَا بالتسبب (بِخِلَافِهَا) أَي بِخِلَاف الدّلَالَة (على صيد الْحرم) وَالدَّال غير محرم فَإِنَّهُ إِذا قَتله الْمَدْلُول لَا يضمن الدَّال (لِأَن أَمنه) أَي صيد الْحرم (بِالْمَكَانِ) وَهُوَ الْحرم الْأَمْن إِلَى آخر الدُّنْيَا (وَلم يزل) مِنْهُ (بِالدّلَالَةِ) فَكَانَ سَببا مَحْضا (بِخِلَاف غَيره) أَي غير صيد الْحرم من صيود الْمحرم (فَإِنَّهُ) أَي أَمن غَيره (بتواريه) وتستره ببعده عَن أعين النَّاس (فالدلالة عَلَيْهِ) أَي على غير صيد الْحرم (إِزَالَة أَمنه وَهُوَ) أَي هَذَا السَّبَب الَّذِي هُوَ إِزَالَة الْأَمْن (الْجِنَايَة على إِحْرَامه) يَعْنِي أَن إِزَالَة الْأَمْن فِي غير صيد الْحرم إِنَّمَا وَجب لكَونه جِنَايَة على الْإِحْرَام لَا لذاتها، وَإِلَّا لزم إِيجَاب الضَّمَان فِي حق غير الْمحرم أَيْضا، ثمَّ حَقِيقَة الدّلَالَة احداث الْعلم فِي الْغَيْر فَلَزِمَ عدم كَون الْمَدْلُول عَالما بمَكَان الصَّيْد قبل الدّلَالَة وَأَن لَا يكذب الدَّال فَلَو كَانَ عَالما أَو كذب لَا يضمن الدَّال، وَيجب أَيْضا أَن يتَّصل الْقَتْل بِالدّلَالَةِ حَتَّى لَو أَخذه بدلالته ثمَّ انفلت ثمَّ أَخذه فَقتله لم يضمن الدَّال لانْتِهَاء دلَالَته بالانقلاب، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله فِيمَا سبق المتقررة (وفتوى الْمُتَأَخِّرين بِالضَّمَانِ بالسعاية) أَي بِأَن يسْعَى فِي حق غَيره بِغَيْر حق إِلَى حَاكم ظَالِم فيغرمه المَال ظلما (بِخِلَاف الْقيَاس) لتخلل الْفِعْل الِاخْتِيَارِيّ من الظَّالِم، وَهُوَ الْأَخْذ ظلما بَين السّعَايَة واتلاف المَال، وَإِنَّمَا أفتوا (اسْتِحْسَانًا لغَلَبَة السعاة) بِغَيْر الْحق إِلَى الظلمَة فِي زَمَاننَا، وَبِه يُفْتى سدا لهَذَا الْبَاب (وَيَنْبَغِي مثله) أَي الافتاء بِالضَّمَانِ، بِخِلَاف الْقيَاس اسْتِحْسَانًا (لَو غلب غصب الْمَنَافِع) فَإِنَّهُ على خلاف الْقيَاس لعدم كَونهَا محرزا لتجددها، وَالْغَصْب إِثْبَات الْيَد المبطلة، وَإِبْطَال الْيَد المحقة، وَذَلِكَ فرع فِي الْإِحْرَاز، وَإِنَّمَا قَالَ يَنْبَغِي إِلَى آخِره زجرا للغصبة عَن ذَلِك (وَيُقَال لفظ السَّبَب مجَازًا على الْمُعَلق من تطليق وإعتاق وَنذر بِمَا) أَي بِشَرْط مُتَعَلق بالمعلق (لَا يُرِيد) الْمُعَلق (كَونه) أَي وجوده: كَانَ دخلت فَأَنت طَالِق أَو فُلَانَة حرَّة أَو فعلي لله صِيَام سنة قبل وجود الشَّرْط
(4/58)

وَالتَّقْيِيد بِقَيْد لَا يُرِيد كَونه مُوَافق لما قَالَ بعض الشُّرَّاح من أَن التَّعْلِيق بِشَرْط يُريدهُ مفض إِلَى وجود الشَّرْط المفضي إِلَى الحكم (وعَلى الْيَمين) بِاللَّه بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكَفَّارَة قبل الْحِنْث (إِذْ لَيست) الْمَذْكُورَات (مفضية إِلَى الْوُقُوع) فِي المعلقات (و) إِلَى (الخنث) فِي الْيَمين أما الأول فَلِأَنَّهُ أَرَادَ بهَا منع نَفسه من الشَّرْط احْتِرَازًا عَن الْوُقُوع، وَأما الثَّانِي فَلِأَنَّهَا شرعت للبر، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (بل) هِيَ (مَانِعَة) من الْوُقُوع والحنث (وَإِنَّمَا) يكون (لَهَا) أَي لهَذِهِ الْمَذْكُورَات (نوع إفضاء) إِلَى الحكم (فِي الْجُمْلَة وَلَو) كَانَ ذَلِك الْإِفْضَاء (بعد حِين) عِنْد تحقق الشَّرْط والحنث، وَإِنَّمَا قَالَ نوع إفضاء لِأَنَّهُ لَو لم يكن التَّعْلِيق وَالْيَمِين لما وَقع شَيْء مِمَّا ترَتّب على الشَّرْط والحنث وَإِن قيل، وَلِأَن الْمَرْء حَرِيص لما منع فَلَا يَخْلُو عَن وَجه (فَهِيَ) أَي هَذِه التعليقات وَالْيَمِين سَبَب (مجَاز) أَي مجازي بِتِلْكَ الرَّائِحَة من الْإِفْضَاء الْمَذْكُور (وَإِذا صدر الشَّرْط الْمُعَلق صَار) الْمُعَلق بِهِ (عِلّة حَقِيقِيَّة) للوقوع لتأثيره فِيهِ مَعَ الْإِضَافَة إِلَيْهِ واتصاله بِهِ كَالْبيع للْملك (بِخِلَاف السَّبَب فِي معنى الْعلَّة لِأَنَّهُ لم يُؤثر فِي الْمُسَبّب) وَهُوَ الحكم (وَأَن اثر فِي علته) أَي عِلّة الحكم على مَا عرفت فِي سوق الدَّابَّة إِذا وطِئت إنْسَانا فَقتلته (فَلم تنتف حَقِيقَة السَّبَبِيَّة) فِي السَّبَب بِمَعْنى الْعلَّة (بِوُجُود التَّأْثِير) وَلَو أثرت فِي نفس الحكم لانتفت (ثمَّ للمعلق الْمجَاز) أَي الَّذِي هُوَ سَبَب مجَازًا (شبه الْعلَّة الْحَقِيقِيَّة) من حَيْثُ الحكم (عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة (خلافًا لزفَر) فَإِنَّهُ لَا يَقُول بشبهه (وثمرته) أَي الْخلاف تظهر (فِي تَنْجِيز الثَّلَاث) بعد تَعْلِيق بَعْضهَا أَو جَمِيعهَا على شَرط لم يُوجد بعد (يبطل) تنجيزها (التَّعْلِيق عِنْدهم، خلافًا لَهُ) حَتَّى لَو عَادَتْ إِلَيْهِ بعد زوج آخر وَوجد الْمُعَلق عَلَيْهِ لَا يَقع الْمُعَلق عِنْدهم، وَيَقَع عِنْده (وَهِي) أَي هَذِه المسئلة (طَوِيلَة فِي فقههم، والمبنى) فِي الْإِبْطَال وَعَدَمه (الِاحْتِيَاج) أَي احْتِيَاج الْمُعَلق فِي الْبَقَاء (إِلَى بَقَاء الْمحل للشُّبْهَة) بِالْعِلَّةِ الْحَقِيقِيَّة (وَعَدَمه) أَي وَعدم احْتِيَاج الْمُعَلق فِي الْبَقَاء إِلَى بَقَاء الْمحل (لعدمها) أَي عدم شُبْهَة الْعلَّة الْحَقِيقِيَّة للمعلق، وَإِنَّمَا قُلْنَا بشبه الْعلية فِيهِ لِأَنَّهُ كاليمين بِاللَّه شرع لتأكيد الْبر الْمَضْمُون بالجزاء، أَو هُوَ كَونه بِحَيْثُ إِن فَاتَ لزم الْجَزَاء أَو الْكَفَّارَة فالبر الْمُؤَكّد أَمر ثَابت بِسَبَب هُوَ التَّعْلِيق وَالْيَمِين، وَهَذَا الثَّابِت مَضْمُون باللازم الْمَذْكُور على الْوَجْه الَّذِي ذكر، وكل شَيْء يكون الثَّابِت بِسَبَبِهِ مَضْمُونا بِهِ لشُبْهَة الثُّبُوت فاللازم الْمَذْكُور لَهُ شُبْهَة الثُّبُوت، وَمن ضروريته تحقق شُبْهَة الثُّبُوت بِسَبَبِهِ الَّذِي هُوَ التَّعْلِيق وَالْيَمِين، أَلا ترى أَن وجوب رد الْعين ثَبت بِسَبَب الْغَصْب مَضْمُونا بِالْقيمَةِ عِنْد فَوَاته، وَيصِح الْإِبْرَاء عَن الْقيمَة حَال قيام الْعين، وَكَذَا الْكفَالَة بهَا وَالرَّهْن، فلولا أَن للقيمة شُبْهَة الثُّبُوت لما صَحَّ ذَلِك، وشبهة الشَّيْء مُعْتَبرَة بحقيقته فَلَا يسْتَغْنى عَن الْمحل بحقيقته. وَقَالَ زفر لَيْسَ فِيهِ شُبْهَة الْحَقِيقَة لِأَنَّهُ فرض للتطليق
(4/59)

مثلا وَفرض الشَّيْء غَيره فَلَا يستدعى محلا، وَلذَا صَحَّ تَعْلِيق طَلَاق الْمُطلقَة ثَلَاثًا بتزوجها فَيَقَع لَو تزَوجهَا بعد التَّحْلِيل فَلم يستدع ابتداؤه الْمحل، فبقاؤه وَهُوَ أسهل أولى، وَاشْتِرَاط الْملك عِنْد ابْتِدَاء التَّعْلِيق ليَكُون الْجُزْء الْمَوْقُوف على الْملك غَالب الْوُجُود بالاستصحاب فَيجْعَل تَأْكِيد الْبر الْمَقْصُود من الْيَمين، وَلَا حَاجَة للتعليق بِالْملكِ إِلَى ذَلِك لتيقن وجوده عِنْد فَوَات الْبر بِالتَّزْوِيجِ مثلا وَمَعَ هَذَا لَا يشْتَرط عِنْد بَقَائِهِ فَلَا يبطل التَّعْلِيق بِزَوَال الْملك بِأَن يطلقهَا دون الثَّلَاث، فَكَذَا بِزَوَال الْحل بِأَن يطلقهَا ثَلَاثًا قُلْنَا شُبْهَة الثُّبُوت للمعلق بِالنِّكَاحِ مُحَققَة لِأَن ملك النِّكَاح عِلّة ملك الطَّلَاق وَصِحَّته، وَلَيْسَ للشَّيْء قبل عِلّة صِحَّته حَقِيقَة الثُّبُوت فَكَذَا شبهته فَلم يشْتَرط للمعلق بِالنِّكَاحِ قيام الْمحل بِخِلَاف الْمُعَلق بِغَيْرِهِ، وَأَيْضًا ملك الطَّلَاق مُسْتَفَاد من ملك النِّكَاح، وَلما استدعى صِحَة ملك النِّكَاح الْحل، لَا الْملك استدعى ملك الطَّلَاق إِيَّاه أَيْضا، فالمنافي لَهَا زَوَال الْحل لَا الْملك كَذَا فِي مرْآة الْأُصُول، وَلَا يخفى أَن الْمُدعى شُبْهَة الْعلَّة للمعلق، وَالدَّلِيل يُفِيد شُبْهَة الثُّبُوت فِيهِ، وَبَيَان تحقق شبهته فِي السَّبَب الَّذِي هُوَ التَّعْلِيق زَائِد على الْمَقْصُود: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون إِشَارَة إِلَى دَلِيل آخر على الِاحْتِيَاج إِلَى بَقَاء الْمحل، ثمَّ المُرَاد بِنَفْي شُبْهَة الْحَقِيقَة فِي قَول زفر شُبْهَة الْمُعَلق بالمنجز الَّذِي هُوَ عِلّة للطَّلَاق مثلا، وَقَوله إِلَى آخِره لَا حَاجَة لزفَر إِلَيْهِ، وَقَوله وَمَعَ هَذَا أَي مَعَ اشْتِرَاط ابْتِدَاء التَّعْلِيق فِي المنازع فِيهِ، وَبِالْجُمْلَةِ هُوَ إطناب من غير تَنْقِيح (وَجَرت عَادَتهم) أَي الْحَنَفِيَّة (أَن يعينوا) أَي بِأَن يعينوا (أَسبَاب المشروعات) لَا خلاف فِي أَن الشَّارِع هُوَ الله الْمُنْفَرد بِإِيجَاب الْأَحْكَام غير أَن جلها مُضَافَة إِلَى مَا هُوَ سَبَب فِي الظَّاهِر ليتوصلوا بِهِ إِلَى مَعْرفَتهَا تيسيرا على الْعباد (قَالُوا: السَّبَب لوُجُوب الْإِيمَان أَي التَّصْدِيق وَالْإِقْرَار) بِوُجُودِهِ تَعَالَى ووحدانيته وَسَائِر صِفَاته على مَا عرف فِي الْكَلَام (حُدُوث الْعَالم) أَي كَونه مَسْبُوقا بِالْعدمِ وافتقاره إِلَى مُؤثر وَاجِب لذاته قطعا للتَّعْلِيل، وَلذَا يُسمى عَالما فَإِنَّهُ يحصل الْعلم بِوُجُود الصَّانِع وَهُوَ (كل مَا سواهُ تَعَالَى مِمَّا فِي الْآفَاق والأنفس) وَيجوز أَن يكون كل بِالْجَرِّ على الْبَدَل من الْعَالم. قَالَ الله تَعَالَى: - {سنريهم آيَاتنَا فِي الْآفَاق وَفِي أنفسهم} - الْآيَة (أَي أصل الْوُجُوب) فِي الذِّمَّة، لَا وجوب الْأَدَاء (فَلِذَا) أَي لأجل كَون السَّبَب حُدُوثه (صَحَّ إِيمَان الصَّبِي الْعَاقِل) لتحَقّق سَبَب الْوُجُوب، وَأَدَاء الْوَاجِب بعد تحقق سَبَب وُجُوبه صَحِيح، ثمَّ تحقق رُكْنه وَهُوَ التَّصْدِيق وَالْإِقْرَار الصَّادِر عَن نظر وَتَأمل عَن أَهله (وَقد ثَبت الحكم بِهِ) أَي بِالْإِيمَان (عَلَيْهِ) أَي على الصَّبِي (شرعا اتِّفَاقًا تبعا) لِأَبَوَيْهِ (فَيصح) إيمَانه (مَعَ إِقْرَاره اخْتِيَارا) صادرا (عَن اعْتِقَاد صَحِيح) بطرِيق (أولى) لِأَنَّهُ إِذا حكم بِصِحَّة الْإِيمَان من غير إِقْرَار وَلَا اخْتِيَار من غير أَهْلِيَّة بِمُجَرَّد التّبعِيَّة فإيمان من استجمع ذَلِك أولى بالحكم بِالصِّحَّةِ (وَتقدم
(4/60)

مَا فِيهِ) أَي فِي تحقق أصل الْوُجُوب فِي الصَّبِي الْعَاقِل من خلاف شمس الْأَئِمَّة فِي الْفَصْل الرَّابِع فِي الْمَحْكُوم عَلَيْهِ وَمَا يتَعَلَّق بِهِ (فَأَما وجوب الْأَدَاء) للْإيمَان (فَأَبُو الْيُسْر) أَي فَقَالَ أَبُو الْيُسْر هُوَ (بِالْخِطَابِ) أَي ببلوغ الْخطاب التكليفي بعد الْبلُوغ (عِنْد عَامَّة الْمَشَايِخ فعذر من بلغ بشاهق) فِي الْقَامُوس: الشاهق الْمُرْتَفع من الْجبَال والأبنية وَغَيرهَا (وَلم يبلغهُ) الْخطاب الْمُتَعَلّق بِالْإِيمَان إِذا مَاتَ من غير إِيمَان وَإِن أدْرك مُدَّة أمكن فِيهَا التَّأَمُّل وَالنَّظَر فِي الْآيَات (و) عِنْد (الآخرين) مِنْهُم القَاضِي أَبُو بكر وفخر الْإِسْلَام هُوَ (بِالْأولِ) أَي بحدوث الْعَالم فَلَا يعْذر من ذكر بَعْدَمَا أدْرك الْمدَّة الْمَذْكُورَة (وَشرط الْخطاب) أَي بُلُوغه فِي أَوَان التَّكْلِيف عِنْد الآخرين (فِيمَا) أَي فِي حكم (يحْتَمل النّسخ) من الْأَحْكَام العملية (وَهُوَ) أَي هَذَا الِاخْتِلَاف (بِنَاء على اسْتِقْلَال الْعقل يدْرك إِيجَابه) تَعَالَى للْإيمَان (و) على (عَدمه) أَي عدم استقلاله بذلك كَمَا هُوَ قَول عَامَّة الْعلمَاء (و) هُوَ الْمُخْتَار (تقدم) الْكَلَام فِي هَذَا فِي الْفَصْل الثَّانِي فِي الحكم (و) السَّبَب (لوُجُوب الصَّلَاة الْوَقْت) أَي وَقتهَا الْمَشْرُوعَة هِيَ فِيهِ، لإضافتها إِلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى - {وَمن بعد صَلَاة الْعشَاء} - لِأَنَّهَا تفِيد الِاخْتِصَاص وكماله فِي السَّبَبِيَّة، ولتكرر وُجُوبهَا بتكرره، وَلعدم صِحَّتهَا قبله كَمَا قَالُوا (وَالْوَجْه) الْوَجِيه (قَول الْمُتَقَدِّمين) مِنْهُم وَهُوَ (أَنه) أَي سَبَب الْوُجُوب (لكل) من (الْعِبَادَات توالي النعم المفضية فِي) نظر (الْعقل إِلَى وجوب الشُّكْر فللإيمان) أَي فالسبب لوُجُوبه (شكر نعْمَة الْوُجُود وَكَمَال الْعقل، وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن السَّبَب مَا قُلْنَا وَكَانَ مَا ذكر أَولا (فالعالم دَلِيل وجوده تَعَالَى دون إِيجَابه) أَي فَيُقَال فِي رده الْعَالم دَلِيل وجود مبدأ الْوَاجِب لبُطْلَان التسلسل والدور واحتياجه إِلَى الْمُؤثر، فَإِن جعل الدَّلِيل سَببا للمدلول كَانَ الْعَالم من حَيْثُ النّظر فِيهِ سَببا للْعلم بِالْوُجُوب، دون نفس الْوُجُوب لِأَنَّهُ مُتَقَدم بِالذَّاتِ على الْعَالم، وَلَيْسَ دَلِيلا على إِيجَابه على الْعُقَلَاء شَيْئا كَمَا تقدم أَنه الْمُخْتَار، وَلَو كَانَ دَلِيلا على الْإِيجَاب لأمكن اعْتِبَار سببيته لوُجُوب الْإِيمَان (و) سَبَب الْوُجُوب (للصَّلَاة شكر نعْمَة الْأَعْضَاء السليمة) فَإِنَّهُ لما كَانَت الْأَعْضَاء كلهَا تسْتَعْمل فِي الصَّلَاة ناسب أَن تجْعَل شكرا لسلامتها (و) سَبَب الْوُجُوب (للصَّوْم شكر نعْمَة اقْتِضَاء الشَّهَوَات و) سَبَب الْوُجُوب (لِلزَّكَاةِ شكر نعْمَة المَال) الْفَاضِل عَن الْحَاجة الْأَصْلِيَّة (و) سَبَب الْوُجُوب (لِلْحَجِّ شكر نعْمَة الْبَيْت المجعول هدى للْعَالمين ومثابة للنَّاس) وَاعْترض عَلَيْهِ الشَّارِح بِأَن السَّبَب نفس النعم الْمَذْكُورَة وَالشُّكْر سَببا لَهَا، فَالْوَجْه إِمَّا حذف الْجَار من قَوْله للْإيمَان وَمَا عطف عَلَيْهِ، وَإِمَّا حذف شكر ليَكُون التَّقْدِير الْإِيمَان شكر نعْمَة الْوُجُود أَو السَّبَب لَهُ نعْمَة
(4/61)

الْوُجُود، وَالْجَوَاب أَن المُصَنّف أَشَارَ إِلَى أَنهم جعلُوا النعم الْمَذْكُورَة سَببا بِاعْتِبَار شكرها، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ الْبَاعِث لاقدام الْفَاعِل على الْأَفْعَال الْمَذْكُورَة فَهُوَ المفضي إِلَيْهَا، وَتلك النعم من حَيْثُ ذَاتهَا منشؤه وَلَا يُفْضِي إِلَيْهَا غَالِبا (غير أَنه قدر مَا اعْتبر مِنْهَا سَببا بوقته) فِي بعض تِلْكَ الْأَفْعَال (كَالصَّلَاةِ) يَعْنِي أَن نعْمَة الْأَعْضَاء أَمر مُسْتَمر، لَكِن الشَّارِع جعله قطعا وَاعْتبر كل قِطْعَة مِنْهُ سَببا لصَلَاة، وَقدر تِلْكَ الْقطعَة بِقِيَاس هُوَ وقته، وَإِضَافَة الْوَقْت لأدنى مُلَابسَة، لِأَن الْمُتَبَادر مِنْهَا أَن يكون الْوَقْت مُسْتَغْرقا لتِلْك الْقطعَة، وَالْوَقْت الَّذِي جعل سَببا للصَّلَاة لَيْسَ كَذَلِك، بل جُزْء من أَجزَاء وَقت مَا هُوَ سَبَب لَهَا (أَو قدره) مَعْطُوفًا على وقته يَعْنِي بوقته تَارَة وبقدره أُخْرَى كالنصاب فِي الزَّكَاة (أما الْوَقْت) الْمُقدر بِهِ (فجدير بِهِ) أَي بِالْوَقْتِ (الْعَلامَة) أَي يَلِيق بِهِ أَن يَجْعَل عَلامَة كَمَا سَيَأْتِي، وَقد مر تَفْسِيرهَا وَعدم اعْتِبَار التَّأْثِير والإفضاء والتوقف فِيهَا (و) جعل مَا قدر بِهِ السَّبَب (لِلزَّكَاةِ النّصاب) الشَّرْعِيّ الْمُوجب للغني (لعقلية الْغَنِيّ) أَي لمعقولية كَون الْغَنِيّ (سَببا) لِأَنَّهُ يتَمَكَّن من مواساة الْفَقِير، وَلذَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " لَا صَدَقَة إِلَّا عَن ظهر غنى ". (وَشرط النَّمَاء) فِي النّصاب لوُجُوب الْأَدَاء (تيسيرا) للْأَدَاء وتخفيفا للغني لِأَنَّهُ إِذا لم يكن ناميا تفنيه الْحَوَائِج المتجددة على الِاسْتِمْرَار قَرِيبا (وأقيم الْحول مقَامه) أَي مقَام النَّمَاء (لِأَنَّهُ) أَي الْحول (طَرِيقه) الْموصل إِلَيْهِ لاشْتِمَاله على الْفُصُول المؤثرة فِي النَّمَاء بالدر والنسل وَزِيَادَة الْقيمَة بتفاوت الْحَاجَات الْمُتَعَلّقَة باخْتلَاف تِلْكَ الْفُصُول، فَصَارَ الْحول شرطا بتكرره بِتَكَرُّر السَّبَب، لِأَن المَال بِاعْتِبَار كل نَمَاء غَيره بالنماء الآخر (و) جعل مَا قدر بِهِ السَّبَب (للصَّوْم الْجُزْء الأول من الْيَوْم) الَّذِي لَا يتَجَزَّأ (لِأَن إِيجَاب الْعِبَادَة) الَّتِي هِيَ صَوْم رَمَضَان إِنَّمَا يَبْغِي أَن يَقع (فِي وَقت شرِيف) عين (لَهُ) أَي للصَّوْم (وَلَا دخل لِليْل فِيهِ) أَي فِي الصَّوْم، ثمَّ صَوْم كل يَوْم عبَادَة على حِدة مُخْتَصّ بشرائط وجوده مُنْفَرد الانتقاض بنواقضه مُتَعَلق بِسَبَب على حِدة، وَذهب شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ وَمن وَافقه إِلَى اتِّحَاد السَّبَب للشهر، وَهُوَ مُطلق شُهُود الشَّهْر، وَهُوَ اسْم لمجموع اللَّيَالِي وَالْأَيَّام إِلَى أَن السَّبَب هُوَ الْجُزْء الأول مِنْهُ لِئَلَّا يلْزم تقدم الشَّيْء على سَببه: وَلذَا جَازَ نيه الْفَرْض فِي اللَّيْلَة الأولى مَعَ عدم جَوَاز النِّيَّة قبل سَبَب الْوُجُوب، كَمَا إِذا نوى قبل غرُوب الشَّمْس، وَلزِمَ قَضَاء الشَّهْر لمن كَانَ أَهلا لوُجُوب الصَّوْم فِي أول لَيْلَة مِنْهُ ثمَّ جن وَاسْتمرّ حَتَّى مضى الشَّهْر فأفاق، ولمجنون أَفَاق فِي لَيْلَة مِنْهُ ثمَّ جن قبل أَن يصبح وَاسْتمرّ حَتَّى مضى الشَّهْر فأفاق، فسببية الْجُزْء الأول فِي حَقه مُنْعَقد مَوْقُوفا أَن أَفَاق الْعقل وَإِلَّا فَلَا، وَلَو لم يَتَقَرَّر السَّبَب فِي حَقه لم يلْزمه الْقَضَاء. فَأجَاب المُصَنّف عَمَّا ذكر بقوله: (وَأما جَوَاز النِّيَّة من اللَّيْل وَوُجُوب الْقَضَاء على من أَفَاق) من جُنُونه
(4/62)

(فِي لَيْلَة من رَمَضَان فَلِأَن اللَّيْل تَابع) للنهار (فِي الشّرف) أَي الشّرف الَّذِي هُوَ بِاعْتِبَار الظَّرْفِيَّة للصَّوْم فَلَا يُنَافِي استقلاله فِي الشّرف من حَيْثُ الْقيام للتهجد وَغَيره، فَإِن السَّبَبِيَّة بِاعْتِبَار ذَلِك الشّرف لَا مُطلق الشّرف (وتحققت ضَرُورَة فِي ذَلِك) أَي فِي جعل اللَّيْل تَابعا للنهار فِي جَوَاز النِّيَّة من اللَّيْل دفعا للْحَرج اللَّازِم لاشْتِرَاط قرَان النِّيَّة بِأول جُزْء من النَّهَار، وَلَا ضَرُورَة فِيمَا نَحن فِيهِ، وَلما كَانَ الْجَواب الْمَذْكُور متضمنا وجوب الصَّوْم على الْمَجْنُون اتجه أَن يُقَال إِن الْمَجْنُون لَيْسَ لَهُ أَهْلِيَّة الْخطاب فَكيف يجب عَلَيْهِ، وَالْقَضَاء فرع وجوب الأَصْل أجَاب عَنهُ بقوله (وَالْجُنُون لَا يُنَافِي أَهْلِيَّة الْوُجُوب بِالسَّبَبِ) يَعْنِي أَن الْوُجُوب على نَوْعَيْنِ: أَحدهمَا شغل الذِّمَّة بِالدّينِ من غير مُطَالبَة الْأَدَاء فِي الْحَال كشغل ذمَّة المُشْتَرِي بِالثّمن الْمُؤَجل قبل حُلُول الْأَجَل: وَهَذَا يَتَرَتَّب على السَّبَب كَالْبيع من غير خطاب الطّلب. وَالثَّانِي وجوب الأول، وَالْجُنُون لَا يُنَافِي أَهْلِيَّة الأول (بل) يُنَافِي أَهْلِيَّة الْوُجُوب (بِالْخِطَابِ) بِالسَّبَبِ شرعا فِي الْمَجْنُون وَمَا أشبهه (ليظْهر) أَثَره (فِي الْحَال فِي) الْوَاجِب (المالي غير الزَّكَاة) من نَفَقَة الزَّوْجِيَّة وَالْأَوْلَاد وَالْخَرَاج وَالْعشر وَضَمان الْمُتْلفَات، لِأَن الْمَقْصُود مِنْهُ المَال ووصوله إِلَى الْمُسْتَحق وَهُوَ لَا يتَعَذَّر مَعَ الْجُنُون فَإِنَّهُ مِمَّا يحصل بالنائب، بِخِلَاف الْعِبَادَة الْمَحْضَة كَالزَّكَاةِ فَإِن الْمَقْصُود من إِيجَابهَا أَصَالَة نفس الْفِعْل ابتلاء ليظْهر الْمُطِيع من العَاصِي، وَهُوَ لَا يتَحَقَّق إِلَّا عَن اخْتِيَار الْعقل (و) ليظْهر (فِي المَال) أَي بعد الْإِفَاقَة (فَائِدَة الْقَضَاء) الْإِضَافَة بَيَانِيَّة (بِلَا حرج) تَقْيِيد للْقَضَاء، احْتِرَاز عَمَّا إِذا لزم الْحَرج من إِيجَاب الْقَضَاء (وَهُوَ فِيهِ) أَي الْحَرج فِي الْقَضَاء (بِالْكَثْرَةِ اسْتِيعَاب الشَّهْر) عطف بَيَان للكثرة (جنونا) تَمْيِيز عَن نِسْبَة الِاسْتِيعَاب: أَي اسْتِيعَاب الشَّهْر جنونا، فالمستوعب هُوَ الْجُنُون (وَفِيه) أَي فِي تَقْدِير الْكَثْرَة بالاستيعاب (تَأمل) إِذْ يلْزم من الْحَرج فِي قَضَاء الشَّهْر فِيمَا إِذا أَفَاق فِي سَاعَة من ليل أَو نَهَار، وَمَا يلْزم مِنْهُ فِي قَضَائِهِ لَو استوعبه لَا يبعد أَن يُقَال إِنَّمَا بنى الحكم على الِاسْتِيعَاب وَعَدَمه لمصْلحَة الضَّبْط، وَالْتزم الْحَرج الْوَاقِع فِي نقض الصُّور على سَبِيل الندرة، ثمَّ قد أيد قَول السَّرخسِيّ بِأَن كَون الْيَوْم معيارا للصَّوْم يُنَافِي كَون الْجُزْء الأول مِنْهُ سَببا، لِأَن سَبَب الْوُجُوب خَارج عَن مَحل الْأَدَاء لتقدم السَّبَب على الْمُسَبّب وَأجِيب بِأَن السَّبَب الشَّرْعِيّ قد يقارن الْمُسَبّب كالعلل الْعَقْلِيَّة كَمَا فِي الِاسْتِطَاعَة مَعَ الْفِعْل، وَفِيه تَفْصِيل ذكره فِي مَحَله، على أَن خُرُوج جُزْء لَا يتَجَزَّأ من الْيَوْم لَا يضر بمعياريته عرفا (و) إِنَّمَا قُلْنَا سَبَب الْوُجُوب (لِلْحَجِّ الْبَيْت للإضافة) كَقَوْلِه تَعَالَى - {وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت} - وَالْإِضَافَة من دَلَائِل السَّبَبِيَّة على مَا عرف (وَلذَا) أَي ولكونه سَببا للْوُجُوب (لم يتَكَرَّر) وجوب الْحَج لعدم تكَرر سَببه، وَأما الْوَقْت فَشرط جَوَاز أَدَائِهِ، والاستطاعة شَرط وُجُوبه (فاتفقوا)
(4/63)

أَي الْمُتَأَخّرُونَ والمتقدمون فِي هَذِه الْأَسْبَاب (فِيمَا سوى) سَبَب (الصَّلَاة) كَذَا فسره الشَّارِح. وَفِيه أَنه سبق مَا يدل على الْخلاف بَين الْفَرِيقَيْنِ من قَوْله: وَالْوَجْه قَول الْمُتَقَدِّمين إِلَى آخِره، وَبَين الْمُتَأَخِّرين فِي سَبَب الصَّوْم هَل هُوَ شُهُود الشَّهْر، أَو أول جُزْء من الْيَوْم؟ غير أَنه قَالَ: وَالَّذِي يظْهر فِيمَا سوى سَبَب الْأَيْمَان، لِأَن الْقَائِلين بِأَن سَبَب وجوب الصَّلَاة الْوَقْت مُرَادهم نعم الله تَعَالَى على الْعباد فِيهِ، وَأَنَّهَا قدرت بِالْوَقْتِ، فقد اتَّفقُوا على أَن السَّبَب لوُجُوبهَا النعم إِلَّا أَن مِنْهُم من خصصها بِنِعْمَة الْأَعْضَاء انْتهى وَلَا يخفى عَلَيْك أَنه لَو حمل قَول المُصَنّف على أَنهم اتَّفقُوا فِيمَا سوى الصَّلَاة من الْفُرُوع الْمَذْكُورَة لَا يرد اعتراضه بِاعْتِبَار سَبَب الْإِيمَان. وَأما قَضِيَّة الِاتِّفَاق على سَبَب الصَّلَاة فَإِنَّمَا يتم إِذا كَانَ سببيته النعم عِنْد الْمُتَأَخِّرين، وَالَّذِي يفهم من الْمَتْن أَنه قَول الْمُتَقَدِّمين، وَتَأْويل التَّقْدِير إِنَّمَا هُوَ من المُصَنّف وَأَمْثَاله، لَكِن يرد عَلَيْهِ أَن الصَّلَاة كَغَيْرِهَا اتِّفَاقًا واختلافا على التَّوْفِيق بَين الْفَرِيقَيْنِ وَعَدَمه، فَالْوَجْه أَن يعرض عَن التوجيهات الرَّكِيكَة وَيحمل على سَهْو الْقَلَم فِي وضع الصَّلَاة مَوضِع الْإِيمَان، فَإِنَّهُ اخْتلف فِي سَببه هَل هُوَ حُدُوث الْعَالم أَو نعْمَة الْوُجُود إِلَى آخِره، وَمَا سواهُ مُتَّفق عَلَيْهِ بالتأويل الْمَذْكُور وَالله تَعَالَى أعلم. (و) سَبَب الْوُجُوب (لصدقة الْفطر الرَّأْس الَّذِي يمونه) أَي يقوم بكفايته وَيحمل ثقله (ويلي عَلَيْهِ). وَالْولَايَة نَفاذ القَوْل على الْغَيْر شَاءَ أَو أَبى، فَلَا يكون الرَّأْس سَببا إِلَّا بِهَذَيْنِ الوصفين، فَخرج الصَّغِير الَّذِي لَهُ مَال تجب نَفَقَته فِيهِ لَيست مُؤْنَته على الْغَيْر حَتَّى الْأَب عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف (وَالْإِضَافَة إِلَى الْفطر) فِي عرف أهل الشَّرْع فِي قَوْلهم: صَدَقَة الْفطر (الشَّرْط) لوُجُوبهَا صفة الْفطر، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا إِنَّمَا تجب عِنْد أَصْحَابنَا بِطُلُوع فجر يَوْم الْفطر (مجَاز) أَي فِي النِّسْبَة الإضافية، لِأَن حَقِيقَتهَا إِنَّمَا تتَحَقَّق بَين الحكم وَسَببه، وَإِنَّمَا حكم بمجازاتيها وَسَببه الرَّأْس (بِدَلِيل التَّعَدُّد) لوُجُوبهَا (بِتَعَدُّد الرَّأْس) فسر الشَّارِح التَّعَدُّد بالتقديرين وَقَالَ: لِأَن الرَّأْس لما صَار سَببا بِوَصْف الْمُؤْنَة، وَهِي تتجدد فِي كل وَقت بتجدد الْحَاجة، كَأَن الرَّأْس بتجددها متجدد تَقْديرا انْتهى، وَيرد على هَذَا أَن تعدد الْفطر حَقِيقِيّ لَا يحْتَاج إِلَى التَّقْدِير فَهُوَ أولى بالسببية بِاعْتِبَار هَذَا الْمَعْنى، وَلَك أَن تحمل التَّعَدُّد بِتَعَدُّد الرَّأْس على تعدد الْوُجُوب بِاعْتِبَار مُتَعَلّقه وَهُوَ الصَّدَقَة، فَإِنَّهُ يجب فِي الرَّأْس الْوَاحِد صَدَقَة وَاحِدَة وَفِي الِاثْنَيْنِ صدقتان وَهَكَذَا، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر غير أَن تعدد الْوَاجِب فِي الصَّلَاة وَالزَّكَاة بِاعْتِبَار تعدد السَّبَب على وَجه يُنَاسب مَا فسر بِهِ، وَقد عرفت مَا فِيهِ (وَلقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَدّوا) يَعْنِي صَدَقَة الْفطر (عَمَّن تمونون أَفَادَ) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِهَذَا، وَأفَاد قَوْله (تعلقهَا) أَي تعلق وجوب صَدَقَة الْفطر (بالمؤن) جمع مُؤنَة، وَالْجمع إِمَّا بِاعْتِبَار من تجب عَلَيْهِ، وَإِمَّا بِاعْتِبَار من تجب عَنهُ، وَالْمرَاد تعلق
(4/64)

الْمُسَبّب بِالسَّبَبِ، وَذَلِكَ لِأَن من الانتزاعية دخلت على من يمونه وَلَا يحْتَمل هُنَا الأوجهين: أَحدهمَا أَن يكون سَببا لِلْأَمْرِ بِالْأَدَاءِ، وَهُوَ الْمَطْلُوب، وَالثَّانِي أَن يكون محلا للْوُجُوب فِي الأَصْل ثمَّ يسري عَنهُ إِلَى الْمَأْمُور كسراية الدِّيَة عَن الْقَاتِل إِلَى الْعَاقِلَة، لَا سَبِيل إِلَيْهِ، لِأَن العَبْد الْمُسلم لَا مَال لَهُ فَلَا يُكَلف بِوُجُوب مَالِي، وَالْكَافِر لَيْسَ من أهل الْقرْبَة. وَلَا يُقَال: لم لَا يجوز أَن يجب على العَبْد ثمَّ يَنُوب الْمولى عَنهُ؟ لِأَنَّهُ بِاعْتِبَار مملوكيته الْتحق بالبهيمة فِي حق الْوُجُوب المالي، وَأورد عَلَيْهِ أَن الْجد إِذا كَانَت نوافله صغَارًا فِي عِيَاله لَا يجب عَلَيْهِ الْإِخْرَاج عَنْهُم فِي ظَاهر الرِّوَايَة مَعَ أَنه يمونهم لَكِن فِي رِوَايَة الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه يجب إخْرَاجهَا عَنْهُم (و) سَبَب الْوُجُوب (للعشر الأَرْض النامية بالحقيقي) أَي بالنماء الْحَقِيقِيّ بِأَن يُؤْخَذ محصولها (لِأَنَّهُ) أَي الْعشْر أَمر (إضافي) لِأَنَّهُ عبارَة عَن الْوَاحِد من الْعشْرَة، فَمَا لم يتَحَقَّق خَارج لَا يتَحَقَّق عشره، وَهُوَ (عبَادَة) أَي مُؤنَة فِيهَا معنى الْعِبَادَة، وَقد مر بَيَانه (بِخِلَاف الْخراج) الموظف، فَإِن سَبَب وُجُوبه الأَرْض النامية (بالتقديري) أَي بالنماء التقديري (وَهُوَ) أَي التقديري (بالتمكن من الزِّرَاعَة) وَالِانْتِفَاع بِالْأَرْضِ، إِذْ هُوَ مُقَدّر بِمَا عين من الدَّرَاهِم، وَغَيره فِي بَدْء الْفَتْح غير مُتَعَلق بالخارج (فَكَانَ) الْخراج الموظف (عُقُوبَة) لما فِي الِاشْتِغَال بتحصيله بالزراعة من عمَارَة الدُّنْيَا والاعراض عَن الْجِهَاد، وَهُوَ سَبَب المذلة (مُؤنَة لَهَا) أَي الأَرْض لِأَنَّهُ سَبَب لبقائها فِي أَيدي أَرْبَابهَا، وَذَلِكَ لِأَن الْمُقَاتلَة يَذبُّونَ عَن الدَّار ويصونونها عَن الْكفَّار فَوَجَبَ الْخراج لَهُم ليتمكنوا من ذَلِك (فلزما) أَي الْعشْر وَالْخَرَاج (فِي مَمْلُوكَة الصَّبِي) أَي فِي أَرض هِيَ مَمْلُوكَة للصَّبِيّ، وَالْأَرْض الْمَوْقُوفَة، فَيجب فيهمَا الْعشْر إِن كَانَتَا عشريتين، وَالْخَرَاج إِن كَانَتَا خراجيتين (وَلم يجتمعا) أَي الْعشْر وَالْخَرَاج (فِي أَرض وَاحِدَة) عندنَا خلافًا للأئمة الثَّلَاثَة لِأَنَّهُمَا حقان مُخْتَلِفَانِ ذاتا لما عرفت من معنى الْعِبَادَة فِي الْعشْر والعقوبة فِي الْخراج، ومحلا لِأَن الْعشْر فِي الْخَارِج وَالْخَرَاج فِي الذِّمَّة، وسببا لما عرفت من أَن سَبَب الْعشْر الأَرْض النامية بالنماء الْحَقِيقِيّ، وَسبب الْخراج بالنماء التقديري، ومصرفا فَإِن مصرف الْعشْر، الْفُقَرَاء ومصرف الْخراج الْمُقَاتلَة، وَلَا مُنَافَاة بَين حقين مُخْتَلفين بسببين مُخْتَلفين تحققا فِي كل وَاحِد، وَحجَّتنَا أَن اخْتِلَافهمَا ذاتا على الْوَجْه الْمَذْكُور يمْنَع اجْتِمَاعهمَا، وَفِيه مَا فِيهِ، وَلَا نسلم اخْتِلَافهمَا سَببا بل هُوَ الأَرْض النامية إِلَّا أَنه يعْتَبر فِي الْعشْر تَحْقِيقا، وَفِي الْخراج تَقْديرا، واتحاد السَّبَب يُوجب اتِّحَاد الحكم، فالسبب أَحدهمَا من غير جمع بَينهمَا كالدية وَالْقصاص (وَقد يُقَال جَازَ) أَن يكون السَّبَب (الْوَاحِد سَببا لمتعدد) الْأَحْكَام (كالعلة الْوَاحِدَة) أَي كَمَا جَازَ أَن تكون الْعلَّة الْوَاحِدَة عِلّة لمتعدد مِنْهَا كَالزِّنَا
(4/65)

عِلّة للتَّحْرِيم وَوُجُوب الْجد كَمَا تقدم (وَيُجَاب بِأَن جهتيهما) أَي جهتي الْعشْر وَالْخَرَاج (متنافية) أَي مُنَافِيَة كل وَاحِدَة مِنْهُمَا الْأُخْرَى: يَعْنِي أَن تعدد الحكم عِنْد اتِّحَاد السَّبَب أَو الْعلَّة يسْتَلْزم تحقق الْجِهَتَيْنِ، مَعًا، لِأَن الشَّيْء من جِهَة وَاحِدَة يَسْتَحِيل أَن يكون مُبْتَدأ لأمرين مُخْتَلفين، وَإِذا كَانَت الجهتان متنافيتين لَا يُمكن تحققهما مَعًا فِي مَحل وَاحِد. ثمَّ بَين التَّنَافِي بقوله (لِأَنَّهَا) أَي الْجِهَة (فِي إِحْدَاهمَا) أَي أرضي الْعشْر وَالْخَرَاج (أما) كَونهَا أَرضًا تسقى (بِمَاء خَاص) وَهُوَ الْأَنْهَار الَّتِي سقتها الْأَعَاجِم: كنهر يزدجرد وَغَيره مِمَّا يدْخل تَحت الْأَيْدِي وَمَاء الْعُيُون والآبار الَّتِي كَانَت بدار الْحَرْب ثمَّ ملكناها قهرا والمستنبطة من بَيت المَال (أَو) كَونهَا أَرضًا صَارَت للْمُسلمين من (فتح عنْوَة) أَي قهرا (الخ) أَي إِلَى آخر مَا ذكره الْفُقَهَاء وَأقر أَهلهَا عَلَيْهَا وَوضع عَلَيْهِم الْجِزْيَة وَعَلَيْهَا الْخراج، أَو صَالحهمْ من جماجمهم وأراضيهم على وَظِيفَة مَعْلُومَة، وَكَذَا إِذا فتحت صلحا وَأقر أَهلهَا عَلَيْهَا لِأَن فِي ابْتِدَاء التوظيف على الْكَافِر الْخراج مُتَعَيّن، وَهَذِه الْأَرَاضِي كلهَا خَرَاجِيَّة (و) الْجِهَة (فِي) الأَرْض (الْأُخْرَى) وَهِي العشرية كَونهَا أَرضًا مَوْقُوفَة (بخلافهما) أَي السَّقْي بِمَا ذكر وَالْفَتْح الْمَذْكُور بِأَن يسقى بِمَاء السَّمَاء أَو الْبحار أَو الْأَنْهَار الْعِظَام الَّتِي لَا تدخل تَحت الْأَيْدِي، وَبِأَن فتحت عنْوَة وَقسمت بَين الْغَانِمين (فَلَا يَجْتَمِعَانِ) أَي الْعشْر وَالْخَرَاج (فِي) مَحل (وَاحِد) لتنافي لازميهما: أَي الْجِهَتَيْنِ المذكورتين وَتعقبه الشَّارِح بِأَن بعض صور الْخراج يكون مَعَ الْفَتْح عنْوَة، وَهُوَ فِيمَا إِذا أقرّ عَلَيْهَا أَهلهَا وَكَذَا بعض صور الْعشْر: وَهُوَ فِيمَا إِذا قسمهَا بَين الْغَانِمين، كَمَا أَن بعض صور الْخراج لَا يكون مَعَ العنوة، بل مَعَ الصُّلْح، أَو بِأَن أَحْيَاهَا وسقاها بِمَاء الْأَنْهَار الصغار وَكَانَت قريبَة من أَرض الْخراج على الْخلاف، فَلَا يلْزم عدم تصور اجْتِمَاعهمَا مُطلقًا وَلَا يخفى عَلَيْك أَنه غير مُتَّجه، إِذْ المُصَنّف جعل مدَار التَّنَافِي بَينهمَا التَّنَافِي بَين لازميهما، وَجعل لَازم الْخراج أحد الْأَمريْنِ: السَّقْي بِمَا ذكر، وصور الْأَحْيَاء الْمَذْكُورَة أَولا مندرجة تَحْتَهُ والقرب من الشَّيْء فِي حكمه وَالْفَتْح عنْوَة، وَقَالَ إِلَى آخِره: فقد أَشَارَ إِلَى الْقَيْد الْمُمَيز للخراجي عَن العشري فلازم الْخراج الْفَتْح مَعَ ذَلِك قيدا وصلحا على الْوَجْه الْمَذْكُور، وَلم يَجْعَل الْفَتْح عنْوَة مدَار التَّنَافِي فَلَا يرد عَلَيْهِ شَيْء، وَأَيْضًا لم ينْقل عَن الْخُلَفَاء الرَّاشِدين الْجمع بَين الْحَقَّيْنِ وَلَو وَقع لنقل، ثمَّ إِن إِخْرَاج الْمُقَاسَمَة بِمَنْزِلَة الْعشْر فِي كَون الْوَاجِب مِنْهُمَا شَيْئا من الْخَارِج، ويفارقه فِي الْمصرف وَالْقدر وَغَيره (و) سَبَب الْوُجُوب (للطَّهَارَة إِرَادَة الصَّلَاة) لقَوْله تَعَالَى {إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة فَاغْسِلُوا} الْآيَة (وَالْإِجْمَاع على عدم اعْتِبَار حَقِيقَة الْقيام بل) الْإِجْمَاع على اعْتِبَار (الْإِرَادَة) للصَّلَاة (وَالْحَدَث) وَيحْتَمل أَن يكون عطف الْإِرَادَة وَالْحَدَث على قَوْله إِرَادَة الصَّلَاة، وَالْمعْنَى بل السَّبَب لوُجُوبهَا مَجْمُوع الْإِرَادَة وَالْحَدَث، وَأورد أَن سَبَب
(4/66)

الشَّيْء مَا يُفْضِي إِلَيْهِ، وَالْحَدَث يزِيل الطَّهَارَة وينافيها وَأجِيب بِأَن الْمُسَبّب وجوب الطَّهَارَة لَا نَفسهَا، وَهُوَ لَا يُنَافِيهِ (ثمَّ إِن نقضهَا) أَي نقض الْمدَّة للطَّهَارَة السَّابِقَة عَلَيْهِ (لم يمْتَنع) كَونه (سَببا لوُجُوب) طَهَارَة (أُخْرَى) دفع لما يتَوَهَّم من أَن سَبَبِيَّة الْحَدث للطَّهَارَة مُنَافِيَة لسببيته لنقضها (لَكِن) عدم الِامْتِنَاع يُفِيد صلاحيته لذَلِك، و (مَعَ) وجود (الصلاحية يحْتَاج إِلَى دَلِيل الِاعْتِبَار) أَي اعْتِبَار الشَّارِع كَونه سَببا لَهَا لِأَن السَّبَبِيَّة لَا تتَحَقَّق إِلَّا بِهِ وَهُوَ مَفْقُود (فَالْأَوْجه) أَن يُقَال: سَبَب وجوب الطَّهَارَة (وجوب مشروطها) أَي الْمَشْرُوط صِحَّته بِالطَّهَارَةِ هُوَ الصَّلَاة لما تقرر من أَن وجوب الشَّيْء يسْتَلْزم وجوب شَرطه (وَأَسْبَاب الْعُقُوبَات الْمَحْضَة) أَي الْأَحْكَام الَّتِي هِيَ عقوبات مَحْضَة لَيْسَ فِيهَا معنى الْعِبَادَة (كالحدود مَحْظُورَات مَحْضَة) كَالزِّنَا وَالسَّرِقَة وَالْقَذْف وَغَيره (و) أَسبَاب (مَا فِيهِ معنى الْعقُوبَة وَالْعِبَادَة من الْكَفَّارَات) بَيَان لما، ثمَّ علل كَون الْكَفَّارَات فِيهَا معنى الْعقُوبَة وَالْعِبَادَة بقوله (إِذْ لم تجب) الْكَفَّارَة (ابْتِدَاء تَعْظِيمًا) لله تَعَالَى كَسَائِر الْعِبَادَات، بل جَزَاء لفعل العَبْد، وفيهَا معنى الْحَظْر والزجر، وَهَذَا معنى الْعقُوبَة. ثمَّ بَين كَونهَا فِيهَا معنى الْعِبَادَة بقوله (وَشرع فِيهَا) أَي فِي الْكَفَّارَات (نَحْو الصَّوْم) من الصَّدَقَة وَالْإِعْتَاق (ولزمت النِّيَّة) فِيهَا: أَي فِي أَدَاء الْكَفَّارَات، ثمَّ أَسبَاب مَا فِيهِ إِلَى آخِره مُبْتَدأ وَخَبره (مَا يتَرَدَّد بَين الْحَظْر وَالْإِبَاحَة) ليلائم السَّبَب الْمُسَبّب ويقابل الْحَظْر الْعقُوبَة، وَالْإِبَاحَة الْعِبَادَة، وَلذَا لَا يصلح الْمَحْظُور الْمَحْض كَالْقَتْلِ الْعمد وَالْيَمِين الْغمُوس سَببا لَهَا كَمَا لَا يصلح الْمُبَاح الْمَحْض كَالْقَتْلِ بِحَق وَالْيَمِين المنعقدة قبل الْحِنْث سَببا لَهَا (كالإفطار) الْعمد فِي نَهَار رَمَضَان لِأَنَّهُ مُبَاح من حَيْثُ أَنه يلاقي فعل نَفسه الَّذِي هُوَ مَمْلُوك لَهُ ومحظور من حَيْثُ أَنه جِنَايَة على مُبَاح الصَّوْم، وَأورد عَلَيْهِ الْإِفْطَار بِالزِّنَا أَو شرب الْخمر فَإِنَّهُ تجب بِهِ الْكَفَّارَة، وَهُوَ حرَام من كل وَجه وَأجِيب بِأَنَّهُ مُبَاح من وَجه، لِأَن الْإِفْطَار يلاقي الْإِمْسَاك والإمساك حَقه والإفطار بِاعْتِبَار كَونه جِنَايَة على الصَّوْم يكون مَحْظُورًا، وَالزِّنَا وَشرب الْخمر ليسَا بسببين لِلْكَفَّارَةِ، أَلا ترى أَنه لَو كَانَ نَاسِيا لَا تجب الْكَفَّارَة بهما، وَدفع بِأَنَّهُ ينْتَقض بِالْقَتْلِ الْعمد لِأَنَّهُ يلاقي فعل الْقَاتِل فَلَا يكون مَحْظُورًا مَحْضا، وَالَّذِي يظْهر أَن الْتِزَام كَون سَبَب الْكَفَّارَة فِي مثل الْإِفْطَار بِالزِّنَا مَحْظُورًا مَحْضا، وَعدم تَحْصِيل تِلْكَ الملائمة بَين السَّبَب والمسبب خير من التَّأْوِيل الْمَذْكُور كَمَا لَا يخفى على الْمنصف (وَالظِّهَار) وَهُوَ تَشْبِيه الزَّوْجَة أَو جُزْء مِنْهَا شَائِع أَو معِين يعبر بِهِ عَن الْكل بِمَا لَا يحل النّظر إِلَيْهِ من الْمُحرمَة على التَّأْبِيد فَإِنَّهُ من حَيْثُ كَونه طَلَاقا مُبَاح، وَمن حَيْثُ أَنه مُنكر من القَوْل وزور مَحْظُور، وَالْعود شَرط، وَقيل السَّبَب مَجْمُوع الظِّهَار وَالْعود، لِأَن الظِّهَار كَبِيرَة لَا يصلح وَحده سَببا لِلْكَفَّارَةِ وَيصْلح مَعَ الْعود لِأَنَّهُ
(4/67)

مُبَاح وَلَا يخفى عَلَيْك تَحْصِيل وَجه إِبَاحَة مثل مَا ذكر فِي الْإِفْطَار بِالزِّنَا، وَقيل السَّبَب الْعَزْم على الْوَطْء، وَالظِّهَار شَرطه عِنْد الشَّافِعِي سُكُوته بعد ظِهَاره قدر مَا يُمكنهُ طَلاقهَا (وَالْقَتْل الْخَطَأ) إِمَّا فِي الْقَصْد بِأَن يَرْمِي مُسلما ظَنّه صيدا أَو حَرْبِيّا، أَو فِي الْفِعْل بِأَن يَرْمِي غَرضا فَيُصِيب آدَمِيًّا، فَهُوَ مُبَاح بِاعْتِبَار الْقَصْد، مَحْظُور بِاعْتِبَار إِصَابَة مَعْصُوم الدَّم (وَفِي تحريره) أَي تَحْرِير هَذَا الْقسم من السَّبَب (نوع طول) لَا يَلِيق بالمتون فَمن أَرَادَ التَّفْصِيل فَليرْجع إِلَى المطولات (و) السَّبَب (لشرعية الْمُعَامَلَات) كَالْبيع وَالنِّكَاح وَغَيرهمَا (الْبَقَاء) للْعَالم (على النظام) وَهُوَ فِي الأَصْل كل خيط ينظم بِهِ اللُّؤْلُؤ وَنَحْوه يُرَاد بِهِ مَا يَنْتَظِم أُمُور الْعَالم من تَدْبِير الصَّانِع تَعَالَى (الْأَكْمَل) قيد بِهِ لِأَنَّهُ قد يبْقى بِدُونِ شَرْعِيَّة الْمُعَامَلَات كَمَا فِي الْجَاهِلِيَّة، لَكِن لَا على الْوَجْه الْأَكْمَل، وَالْمرَاد النظام المنوط بِنَوْع الْإِنْسَان (إِلَى الْوَقْت الْمُقدر) بَقَاؤُهُ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ لِأَن اعْتِدَال مزاجه بِأُمُور صناعية فِي الْغذَاء واللباس والمسكن وَنَحْوهَا لَا يسْتَقلّ بهَا كل فَرد فَيحْتَاج إِلَى بني نَوعه، ثمَّ التوالد والتناسل لَا يحصل إِلَّا بالازدواج فَيَقَع بَينهم معاملات لَا تَخْلُو عَادَة عَن الْجور المخل بالنظام فَلَا بُد من أصُول كُلية قَاطِعَة للنزاع مبينَة لكيفية الْمُعَامَلَة (وَمَا تقدم) فِي المرصد الأول فِي تَقْسِيم الْعلَّة (من حفظ الضروريات والحاجيات تَفْصِيل هَذَا، و) السَّبَب (للاختصاصات) الشَّرْعِيَّة (كالملك) فَإِنَّهُ الْمُطلق الحاجز: أَعنِي يُطلق تصرف الْمَالِك ويحجز عَن تصرف الْغَيْر، وَكَذَلِكَ الْحُرْمَة وَإِزَالَة الْملك لَا إِلَى أحد (التَّصَرُّفَات) القولية والفعلية (المجعولة أسبابا شرعا) لَهَا (كَالْبيع وَالطَّلَاق وَالْعتاق، فقد أطْلقُوا لفظ السَّبَب على مَا تقدم) فِي فصل الْعلَّة إِطْلَاقهم عَلَيْهِ (عِلّة) فَاحْتَاجَ إِلَى بَيَان يدْفع الالتباس ويميز كلا مِنْهُمَا عَن الآخر (فَقيل) وقائله صدر الشَّرِيعَة (مَا ترَتّب عَلَيْهِ الحكم وَلم يعقل تَأْثِيره) فِيهِ (وَلَيْسَ صنع الْمُكَلف خص باسم السَّبَب) لِأَنَّهُ مفض إِلَيْهِ من غير تَأْثِير فِيهِ (وَإِن) كَانَ مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ وَلم يعقل تَأْثِيره ثَابتا (بصنعه) أَي الْمُكَلف (وَذَلِكَ الحكم هُوَ الْغَرَض من وَضعه) أَي وضع ذَلِك الْمُتَرَتب عَلَيْهِ الحكم (فعلة) أَي فَذَلِك الْمُتَرَتب عَلَيْهِ الحكم عِلّة (وَيُطلق عَلَيْهِ سَبَب) أَي لفظ سَبَب (مجَازًا كَالْبيع للْملك) مجَازًا (وَإِن لم يكن) ذَلِك الحكم (الْغَرَض من وَضعه: كالشراء لملك الْمُتْعَة لَا يعقل تَأْثِيره) فِي ملك الْمُتْعَة (وَلَيْسَ) ملك الْمُتْعَة (الْغَرَض مِنْهُ) أَي الشِّرَاء (بل) الْغَرَض مِنْهُ (ملك الرَّقَبَة فسببه) أَي فَذَلِك سَبَب الحكم (وَإِن عقل تَأْثِيره خص) ذَلِك الْمُرَتّب عَلَيْهِ الحكم (باسم الْعلَّة) ثمَّ أَفَادَ مَا حَقَّقَهُ بقوله (والاصطلاح الظَّاهِر) للحنفية (أَن مَا لم يعقل تَأْثِيره: أَي مناسبته بِنَفسِهِ بل بِمَا هُوَ مظنته) أَي بِاعْتِبَار أَمر هُوَ مَظَنَّة لذَلِك الْأَمر بِأَن يكون بَين ذَلِك الْأَمر وَالْحكم مُنَاسبَة فَمن حَيْثُ أَنه مَظَنَّة للمناسب يحصل لَهُ مُنَاسبَة بالواسطة (على
(4/68)

مَا قدمْنَاهُ) فِي فصل الْعلَّة (وَثَبت) شرعا (اعْتِبَاره) أَي اعْتِبَار مَا لم يعقل مناسبته بِنَفسِهِ بل بِمَا هُوَ مظنته، وَقد مر تَفْسِير الِاعْتِبَار (عِلّة) خبر أَن، فَعلم أَن مدَار الْعلية على مُنَاسبَة مَا ترَتّب عَلَيْهِ الحكم: أما بِنَفسِهِ أَو بِوَاسِطَة مَا ذكر وَثُبُوت اعْتِبَاره، فَإِن لم يتَحَقَّق فِيهِ أحد الْأَمريْنِ مَعَ ثُبُوت الِاعْتِبَار فَلَيْسَ بعلة وَإِن كَانَ بصنع الْمُكَلف مَعَ كَون الحكم هُوَ الْغَرَض من وَضعه، فَبين مَا ذكره المُصَنّف وَمَا ذكره صدر الشَّرِيعَة عُمُوم من وَجه بِحَسب الْمَفْهُوم (وَمَا هُوَ مفض) إِلَى الحكم (بِلَا تَأْثِير) فِيهِ (سَبَب) وَإِن تحقق الصنع وَالْغَرَض الْمَذْكُورَان، وَقد عرفت معنى التَّأْثِير (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن المُرَاد مَا قُلْنَا، بل بِمَا قَالَه الْقَائِل الْمَذْكُور (خص اسْم الْعلَّة الْحِكْمَة) بِحَذْف الْبَاء: أَي بالحكمة، وَذَلِكَ لِأَن مَا بنى عَلَيْهِ الْعلية إِنَّمَا يتَحَقَّق فِي الْحِكْمَة لَيْسَ إِلَّا (والاصطلاح نَاطِق بِخِلَافِهِ) أَي بِخِلَاف التَّخْصِيص الْمَذْكُور، وَقد مر مَا يفِيدهُ من تَفْسِير كل من الْحِكْمَة وَالْعلَّة على وَجه يُفَارق الآخر (وَيُطلق كل) من الْعلَّة وَالسَّبَب (على الآخر مجَازًا) وَمن هَذَا الْقَبِيل إِطْلَاق الْعلَّة على البيع وَنَحْوه (وَأما الشَّرْط فَمَا يُطلق عَلَيْهِ) أَي مَا يُطلق اسْمه عَلَيْهِ، فالمحكوم عَلَيْهِ الشَّرْط الاصطلاحي، وَالْحكم بَيَان حَاله بِاعْتِبَار معَان تقصد باسمه لُغَة أَو شرعا حَقِيقَة أَو مجَازًا: أما (حَقِيقِيّ) وَهُوَ مَا (يتَوَقَّف عَلَيْهِ الشَّيْء فِي الْوَاقِع) كالحياة للْعلم فَإِنَّهُ لما كَانَ التَّوَقُّف فِيهِ بِحَسب نفس الْأَمر كَانَ حَقِيقا بِأَن يُسمى شرطا (و) أما (جعلى) أما (للشارع فَيتَوَقَّف) وجود الْمَشْرُوط عَلَيْهِ (شرعا) أَي توقفا شَرْعِيًّا كَمَا أَن وجود الْمَشْرُوط وجود شَرْعِي (كالشهود للنِّكَاح وَالطَّهَارَة للصَّلَاة) فَإِن وجودهما الشَّرْعِيّ مَوْقُوف على الشُّهُود وَالطَّهَارَة توقفا شَرْعِيًّا (وَالْعلم بِوُجُوب الْعِبَادَات على من أسلم فِي دَار الْحَرْب) وَلم يُهَاجر إِلَى دَار الْإِسْلَام، فَإِن وُجُوبهَا عَلَيْهِ مَوْقُوف على الْعلم بِهِ حَتَّى لَو لم يعلم بِهِ حَتَّى مضى عَلَيْهِ زمَان لَا يلْزم عَلَيْهِ قَضَاء شَيْء مِنْهَا قيل الْمَوْقُوف على الْعلم وجوب الْأَدَاء الثَّابِت بِالْخِطَابِ دون نفس الْوُجُوب الثَّابِت بِالسَّبَبِ، وَإِلَّا لما وَجَبت الصَّلَاة على النَّائِم والمغمى عَلَيْهِ إِذا لم يَمْتَد الْإِغْمَاء، وَلما وَجب الصَّوْم على الْمَجْنُون الَّذِي لم يسْتَغْرق جُنُونه الشَّهْر لعدم الْعلم وَأجِيب بِأَنا لَا نسلم عدم حُصُول الْعلم فِي حَقهم لثُبُوته تَقْديرا لشيوع الْخطاب، وبلوغه إِلَى سَائِر الْمُكَلّفين بِمَنْزِلَة بُلُوغه إِلَيْهِم، كَذَا قَالُوا: وَفِيه نظر (أَو للمكلف) مَعْطُوف على قَوْله للشارع، ثمَّ بَين كَيْفيَّة التَّوَقُّف يَجْعَل الْمُكَلف بقوله (بتعليق تصرفه عَلَيْهِ) أَي على الْمُعَلق بِهِ بأداة الشَّرْط (مَعَ إجَازَة الشَّارِع) لَهُ ذَلِك (كَأَن دخلت) الدَّار فَأَنت طَالِق، فَإِنَّهُ جعل وُقُوع الطَّلَاق مَوْقُوفا على الدُّخُول، وَقد أَبَاحَ لَهُ الشَّارِع التَّعَلُّق (أَو مَعْنَاهُ) مَعْطُوف على مَدْخُول الْبَاء، يَعْنِي أَو بِمَا هُوَ فِي معنى التَّعْلِيق بهَا (كَالْمَرْأَةِ الَّتِي أَتَزَوَّجهَا) أَي كَمَا إِذا قَالَ: الْمَرْأَة الَّتِي أَتَزَوَّجهَا طَالِق، فَإِن التَّعْلِيق بهَا يُفِيد
(4/69)

ارتباط شَيْء بِشَيْء على خطر الْوُجُود متوقعا نزُول المرتبط على المرتبط بِهِ وَقد وجد فِيهِ، ثمَّ إِن الْوَصْف: أَعنِي التَّزَوُّج لما كَانَ لامْرَأَة غير مُعينَة اعْتبر لحُصُول التعين الَّذِي لَا بُد مِنْهُ فِي وُقُوع الطَّلَاق، لِأَن إِضَافَته إِلَى مَجْهُول غير صَحِيحَة، وَإِذا اعْتبر صَار بِمَعْنى الشَّرْط فِي ترَتّب الحكم عَلَيْهِ (بِخِلَاف) مَا لَو دخل الْوَصْف على معِين بِأَن أَشَارَ إِلَى أَجْنَبِيَّة أَو ذكرهَا باسمها الْعلم، فَقَالَ (هَذِه) الْمَرْأَة الَّتِي أَتَزَوَّجهَا طَالِق (وَزَيْنَب الخ) أَي الَّتِي أَتَزَوَّجهَا طَالِق فَإِنَّهُ لَا يصلح دلَالَة على الشَّرْط: لِأَن الْوَصْف فِي الْمعِين لَغْو (فَيلْغُو) الْوَصْف الْمَذْكُور فَتبقى هَذِه الْمَرْأَة طَالِق وَزَيْنَب فَيلْغُو لعدم الْمَحَلِّيَّة وَعدم مَا يَجعله فِي معنى التَّعْلِيق بِصِيغَة الشَّرْط، بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ التَّعْلِيق بصيغته فَإِنَّهُ يَصح فِي الْمعينَة وَغَيرهَا، كَأَن تزوجت امْرَأَة وَهَذِه الْمَرْأَة فَهِيَ طَالِق، فَإِن الطَّلَاق يتَعَلَّق بِالشّرطِ فيهمَا (وَيُسمى) هَذَا النَّوْع مِمَّا يُطلق عَلَيْهِ اسْم الشَّرْط (شرطا مَحْضا) لَيْسَ فِيهِ معنى الْعلية (لِامْتِنَاع) تحقق (الْعلَّة بِالتَّعْلِيقِ) أَي بِسَبَب التَّعْلِيق لِأَن مَا يتَحَقَّق بِهِ الْعلية لَا يحصل بِسَبَب تَعْلِيق شَيْء بِهِ وَهُوَ ظَاهر بَعْدَمَا عرفت معنى الْعلَّة. لَا يُقَال قَوْله لِامْتِنَاع الخ إِشَارَة إِلَى مَا تقرر عِنْد الْحَنَفِيَّة، من أَن التَّعْلِيق يمْنَع تحقق الْعلَّة، فَإِن قَوْله أَنْت طَالِق عِلّة للطَّلَاق لَوْلَا التَّعْلِيق، فَإِن هَذَا الْمَنْع لَا دخل لَهُ فِي كَون الْمُعَلق بِهِ شرطا مَحْضا فَتدبر (وَلما شابه) الشَّرْط (الْعلَّة للتوقف) أَي لتوقف الحكم عَلَيْهِ، كَمَا أَن الْعلَّة يتَوَقَّف الحكم عَلَيْهَا (والوضع) أَي ولكونه وضع أَمارَة على الحكم شرعا كالعلة، وَقَوله (أضافوا إِلَيْهِ) أَي الشَّرْط (الحكم أَحْيَانًا) جَوَاب لما، ثمَّ بَين أَن تِلْكَ الأحيان إِنَّمَا هِيَ (فِي) ضَمَان (التَّعَدِّي: وَذَلِكَ عِنْد عدم عِلّة صَالِحَة للإضافة) أَي إِضَافَة الحكم إِلَيْهَا، لِأَن شَبيه الشَّيْء قد يخلفه، وَزَاد بَعضهم عدم سَبَب كَذَلِك على مَا ذكر لِأَنَّهُ إِذا لم تصلح الْعلَّة وَصلح السَّبَب يُضَاف الحكم إِلَيْهِ (وسموه) أَي الشَّرْط الْمُضَاف إِلَيْهِ الحكم مَعْطُوف على الْجَواب (شرطا فِيهِ معنى الْعلَّة) بِاعْتِبَار تِلْكَ الْإِضَافَة (كشق الزق) الَّذِي فِيهِ مَائِع تَعَديا فَسَالَ مِنْهُ وَتلف (وحفر الْبِئْر فِي الطَّرِيق) تَعَديا، فَإِن كلا مِنْهُمَا شَرط أضيف إِلَيْهِ الحكم فَيضمن الشاق والحافر (لِأَن الْعلَّة) أَعنِي (السيلان لَا تصلح لإضافة الحكم) أَي (الضَّمَان) للعدوان إِلَيْهِ (إِذْ لَا تعدِي فِيهِ) أَي السيلان لِأَنَّهُ أَمر طبيعي للمائع ثَابت بِخلق الله تَعَالَى (والشق شَرطه) إِذْ يتَوَقَّف عَلَيْهِ السيلان وَحكمه (و) هُوَ (إِزَالَة الْمَانِع) من السيلان وَهُوَ الزق (تَعَديا) على مَالِكه (فيضاف) الضَّمَان (إِلَيْهِ) أَي الشَّرْط وَعلة السُّقُوط فِي الْبِئْر ثقل السَّاقِط، وَهُوَ أَيْضا طبيعي لَا تعدِي فِيهِ فَلَا يصلح لإضافة الضَّمَان إِلَيْهِ وَإِزَالَة الْمَانِع من السُّقُوط وَهُوَ الأَرْض بِالْحفرِ وَقع تَعَديا فأضيف إِلَيْهِ الحكم، لَا يُقَال الشَّيْء سَبَب وَهُوَ أقرب إِلَى الْعلَّة فيضاف إِلَيْهِ إِذْ لَا تعدِي فِيهِ لِأَنَّهُ مُبَاح مَحْض، وَلَا بُد فِيمَا يُضَاف إِلَيْهِ من صفة
(4/70)

التَّعَدِّي وَلَو تعمد الْمُرُور على الْبِئْر فَوَقع فِيهَا وَهلك يُضَاف التّلف إِلَيْهِ لتحَقّق التَّعَدِّي حِينَئِذٍ (وكشهود وجود الشَّرْط) كدخول الدَّار بعد تَعْلِيق الطَّلَاق بِهِ على رجل لم يدْخل بِزَوْجَتِهِ (فَإِذا رجعُوا) أَي شُهُود الشَّرْط وحدهم (بعد الْقَضَاء) بِالطَّلَاق وَلزِمَ نصف الْمهْر (ضمنُوا) نصف الْمهْر للزَّوْج، بِخِلَاف مَا إِذا دخل بهَا فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ قد استوفى بدل الْمهْر مِنْهَا، فالشهود لم يتلفوا عَلَيْهِ شَيْئا: وَهَذَا التَّخْرِيج فِي تضمين الشُّهُود (لفخر الْإِسْلَام وَالَّذِي فِي الْجَامِع الْكَبِير لَا) يضمنُون (وَعَلِيهِ) شمس الْأَئِمَّة (السَّرخسِيّ وَأَبُو الْيُسْر، وَفِي الطَّرِيقَة البرعزية: هُوَ) أَي ضَمَان شُهُود الشَّرْط (قَول زفر، وَالثَّلَاثَة) أَبُو حنيفَة وصاحباه قَالُوا (لَا تضمين قيل) فِي تَعْلِيل عدم الضَّمَان وقائله صَاحب الْكَشْف (لِأَن الْعلَّة وَإِن لم تكن صَالِحَة لإيجابه) أَي الضَّمَان لخلوها عَن صفة التَّعَدِّي (صَالِحَة لقطعه) أَي الحكم (عَن) الْإِضَافَة إِلَى (الشَّرْط إِذْ كَانَت) الْعلَّة (فعل مُخْتَار) فبينه المُصَنّف بقوله (أَي الْقَضَاء فَإِنَّهُ لَا يصلح) عِلّة لإِيجَاب الضَّمَان (وَإِلَّا) لَو صلح لَهُ (ضمن القَاضِي) مَعَ أَنه فعل بِمَا أوجبه الله تَعَالَى عَلَيْهِ، فَيفْسد بَاب الْقَضَاء (وَبِه) أَي بِهَذَا التَّقْرِير (ينتفى مَا قيل) وقائله الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ (أَنه) أَي هَذَا الْمِثَال (مِثَال مَا لَا عِلّة فِيهِ أصلا، وَمِمَّا فِيهِ) أَي وَمن الشَّرْط الَّذِي فِيهِ معنى الْعلَّة (وَلَا تصلح) الْعلَّة لإضافة الحكم إِلَيْهَا (شَهَادَة شَرط الْيَمين الأول) صفة شَرط الْيَمين (فِي قَوْله) لعَبْدِهِ (إِن كَانَ قَيده عشرَة) من الأرطال (فَهُوَ حر، وَإِن حل فَهُوَ حر فشهدا بِعشْرَة) أَي بِأَنَّهُ عشرَة أَرْطَال (فَقضى بِعِتْقِهِ ثمَّ) حل و (وزن فَبلغ ثَمَانِيَة) فَظهر كذبهما (ضمنا) قيمَة العَبْد لمَوْلَاهُ (عِنْده) أَي أبي حنيفَة (لنفاذه) أَي الْقَضَاء بِالْعِتْقِ (بَاطِنا) أَي فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى كنفاذه ظَاهرا بِالْإِجْمَاع، وَإِنَّمَا نفذ مَا قُلْنَا (لابتنائه) أَي الْقَضَاء (على مُوجب شَرْعِي) للْقَضَاء يَعْنِي الشَّهَادَة فَلَا بُد من صيانته قدر الْإِمْكَان على وَجه لَا يتَضَرَّر الْمولى، وَذَلِكَ بِالْعِتْقِ والتضمين ومسئلة النَّفاذ بَاطِنا عِنْده مَشْهُورَة مفصلة فِي محلهَا، وَيرد عَلَيْهِ أَنه مِمَّا يُمكنهُ الْوُقُوف عَلَيْهِ، وَفِي مثله لَا ينفذ بَاطِنا، فَأَشَارَ إِلَى الْجَواب بقوله (بِخِلَاف مَا إِذا ظَهَرُوا) أَي الشُّهُود (عبيدا أَو كفَّارًا) لنُقْصَان الْمُوجب الشَّرْعِيّ لتقصير القَاضِي فِي تعرف حَالهم (لِإِمْكَان الْوُقُوف عَلَيْهِ) أَي على كل من رقهم وكفرهم فَلم ينفذ قَضَاؤُهُ بَاطِنا (وَفِيمَا نَحن فِيهِ سقط) عَن القَاضِي (معرفَة وَزنه) لتحَقّق صدقهم (لِأَنَّهُ) أَي عرفان وَزنه (بحله) أَي الْقَيْد ليوزن (وَبِه) أَي بحله (يعْتق) فَلَا سَبِيل إِلَيْهِ فَينفذ بِدُونِ الْحل (وَإِذا نفذ) بَاطِنا (عتق قبل الْحل فَامْتنعَ إِضَافَته) أَي الْعتْق (إِلَيْهِ) أَي إِلَى الْحل لتقدم الْعتْق عَلَيْهِ (وَالْعلَّة وَهِي الْيَمين) على التسامح من الْفُقَهَاء، وَكَذَا فَسرهَا بقوله (أَي الْجَزَاء) وَهُوَ قَوْله فَهُوَ حر (فِيهِ) أَي فِي التَّعْلِيق الْمَذْكُور (غير صَالح
(4/71)

لإضافة الضَّمَان إِلَيْهِ) أَي الْعلَّة، والتذكير بِاعْتِبَار الْجَزَاء (لِأَنَّهُ تصرف الْمَالِك) فِي ملكه (لَا تعد) مِنْهُ فِيهِ (فَتعين) أَن يُضَاف الحكم (إِلَى الشَّرْط وَهُوَ) أَي الشَّرْط (كَونه) أَي الْقَيْد (عشرَة وَقد كذب بِهِ الشُّهُود تَعَديا فيضمنونه، وَعِنْدَهُمَا) أَي أبي يُوسُف وَمُحَمّد (لَا) يضمنُون قِيمَته لمَوْلَاهُ (إِذْ لَا ينفذ) الْقَضَاء عِنْدهمَا (بَاطِنا) لِأَن صِحَّته بِالْحجَّةِ وَقد ظهر بُطْلَانهَا وَالْعَدَالَة الظَّاهِرَة دَلِيل الصدْق ظَاهرا، فَلَا نَفاذ إِلَّا فِي الظَّاهِر (فَهُوَ رَقِيق بَاطِنا بعد الْقَضَاء ثمَّ عتق بِالْحلِّ) لَا بِالشَّهَادَةِ فَلَا يضمنُون (وَمَا فِيهِ) أَي وَمِثَال مَا فِيهِ عِلّة (صَالِحَة) لإضافة الحكم إِلَيْهَا مَعَ الشَّرْط (شهادتا الْيَمين وَالشّرط فيضاف) الحكم (إِلَيْهَا) أَي الْيَمين يَعْنِي إِلَى شَهَادَتهمَا (فَيضمن شُهُود الْيَمين إِذا رَجَعَ الْكل) أَي شُهُود الْيَمين وشهود وجود الشَّرْط، لِأَن شُهُود الْيَمين شُهُود الْعلَّة، وَهُوَ قَوْله فَأَنت طَالِق مثلا على تَقْدِير: إِمَّا بِاعْتِبَار تَعْمِيم الْعلَّة بِحَيْثُ يَشْمَل مَا فِيهِ معنى السَّبَبِيَّة، وَإِمَّا بِاعْتِبَار أَنه يحصل للمعلق بعد شَهَادَة الْفَرِيقَيْنِ وَالْقَضَاء اتِّصَال بالحكم وَأورد عَلَيْهِ أَن شُهُود التَّعْلِيق إِنَّمَا شهدُوا بِالْعِلَّةِ. وَهُوَ قَوْله فَأَنت طَالِق مثلا على تَقْدِير وجود الشَّرْط لَا مُطلقًا فتحقق الْعلية مَوْقُوف على وجود الشَّرْط، فشهوده أولى بِالضَّمَانِ وَأجِيب بِمَنْع كَون شَهَادَتهم بهَا على ذَلِك التَّقْدِير، بل شهدُوا بِسَمَاع التَّعْلِيق مُطلقًا، وَحَاصِله بَيَان أَن المُرَاد بِالْعِلَّةِ الْمَشْهُود بهَا التَّعْلِيق الْمُطلق، لَا الْمُطلق الْقَيْد وَهُوَ عِلّة لَوْلَا الْمَانِع، وَإِنَّمَا قيل هُوَ عِلّة لاشْتِمَاله على الْعلَّة وَهِي قَوْله فَأَنت حر مثلا، وَالْمَانِع إِنَّمَا هُوَ انْتِفَاء الشَّرْط، وَلَا تعلق بِشَهَادَة شُهُود الشَّرْط بتحقق الْعلَّة غير أَنهم يشْهدُونَ بِشَيْء يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الْعلَّة، لِأَن الْمُعَلق بِالشّرطِ عِنْد وجود الشَّرْط كالمنجز، وَفِيه نظر، لِأَن الشَّهَادَة بِسَمَاع مَا هُوَ عِلّة لَوْلَا وجود الْمَانِع لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ شَيْء بِدُونِ مَا يدل على ارْتِفَاع الْمَانِع وَهُوَ شُهُود الشَّرْط فَكل مِنْهُمَا عِلّة نَاقِصَة وَالْمَجْمُوع عِلّة تَامَّة، وَمُقْتَضَاهُ تضمين الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا غير أَنه نوروا إِلَى الْجَواب بقَوْلهمْ: أَلا ترى أَنهم لَو شهدُوا بِالتَّعْلِيقِ لم يتَحَقَّق الشَّرْط من غير شَهَادَتهم، ثمَّ رجعُوا بعد الحكم يضمنُون وَلَو تحقق التَّعْلِيق من غير شَهَادَة بِاتِّفَاق الْخَصْمَيْنِ ثمَّ شهدُوا بِوُجُود الشَّرْط ثمَّ رجعُوا لم يضمنوا، فَعرفنَا أَن تحقق الْعلَّة وتأثيرها غير مُضَاف إِلَى شَهَادَة الشَّرْط بِوَجْه انْتهى وَلَا يخفى أَن فَائِدَة ذكر الضَّمَان فِي الصُّورَة الأولى أَن شُهُود التَّعْلِيق عِنْد الِانْفِرَاد يضمنُون، بِخِلَاف شُهُود الشَّرْط فَإِنَّهُم عِنْد الِانْفِرَاد لَا يضمنُون على مَا صرح بِهِ فِي الصُّورَة الثَّانِيَة المفيدة للمقصود بِدُونِ الصُّورَة الأولى، لِأَنَّهُ لَو ضمن شُهُود الشَّرْط عِنْد الِاجْتِمَاع لضمنوا عِنْد تحقق التَّعْلِيق بِاتِّفَاق الْخَصْمَيْنِ لِأَن خُصُوصِيَّة الِاجْتِمَاع لَا دخل لَهَا فِي التَّضْمِين (و) سموا (مَا لم يضف) أَي الشَّرْط الَّذِي لم يضف الحكم (إِلَيْهِ أصلا كأول المفعولين من شرطين علق عَلَيْهِمَا) طَلَاق أَو غَيره (كَأَن دخلت هَذِه) الدَّار (وَهَذِه) الدَّار فَأَنت طَالِق (شرطا مجَازًا اصْطِلَاحا) لتخلف حكم الشَّرْط
(4/72)

الاصطلاحي عَنهُ، وَهُوَ وجود الحكم عِنْد وجوده، لِأَن الحكم يَتَرَتَّب على الْمَجْمُوع فهما شَرط وَاحِد فِي الْحَقِيقَة، وعلاقة الْمجَاز توقف الحكم عَلَيْهِ كالحقيقي (وَهُوَ) أَي هَذَا الْمُسَمّى (جدير بحقيقته) أَي الشَّرْط لتوقف وجود الحكم عَلَيْهِ من غير تَأْثِير وَلَا إفضاء، وَقد علم مِمَّا سبق أَن هَذَا معنى الشَّرْط وَلَا يلْزمه الْوُجُود عِنْد الْوُجُود (وَيُقَال) لهَذَا أَيْضا (شَرط اسْما لَا حكما) أما اسْما فَلَمَّا ذكر من علاقَة الْمجَاز: وَأما عدم الحكم فَلَمَّا عرفت من التَّخَلُّف، وَقد عرفت مَا فِيهِ. وَمن هَذَا الْقسم الطَّهَارَة وَستر الْعَوْرَة وَالنِّيَّة (و) سموا (مَا) أَي الشَّرْط الَّذِي (اعْترض بعده) أَي توَسط بَينه وَبَين التلاف (فعل) فَاعل (مُخْتَار) فِي فعله سَوَاء كَانَ إنْسَانا أَو غَيره مِمَّا يَتَحَرَّك بالإرادة (لم يتَّصل) هَذَا الْفِعْل (بِهِ) أَي بذلك الشَّرْط بِأَن يتَحَقَّق بعد تحَققه بِغَيْر فَاعله حَال كَون هَذَا الْفِعْل (غير مَنْسُوب إِلَى الشَّرْط) وَسَيَجِيءُ مِثَال الْمَنْسُوب إِلَيْهِ (كحل قيد العَبْد) فَإِنَّهُ شَرط لتوقف التلاف عَلَيْهِ وَاعْترض بعده اباق العَبْد وَهُوَ فعل اخْتِيَاري (شرطا فِيهِ معنى السَّبَب) مفعول ثَان للتسمية: وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مفض إِلَى الحكم بِلَا تَأْثِير (فَلَا ضَمَان) على من صدر مِنْهُ الشَّرْط الْمَذْكُور (بِهِ) أَي بِسَبَب صدوره مِنْهُ لاعتراض مَا يصلح لإضافة الحكم إِلَيْهِ بعده، وَهُوَ اباق الْآبِق (فَلَا يضمن) الْحَال (قِيمَته) أَي العَبْد (أَن أبق) لِأَن الْحل إِزَالَة الْمَانِع وَالْعلَّة الآباق، بِخِلَاف مَا إِذا اعْترض على الشَّرْط فعل غير مُخْتَار، بل طبيعي كَمَا إِذا شقّ زق الْغَيْر فَسَالَ الْمَائِع مِنْهُ فَتلف، وَمَا إِذا أَمر عبد الْغَيْر بالاباق فأبق فَإِنَّهُ وَإِن اعْترض عَلَيْهِ فعل مُخْتَار، فَأمر الِاسْتِعْمَال للْعَبد مُتَّصِل بالاباق فَيصير الْآمِر غَاصبا للْعَبد، فعمله على وفْق اسْتِعْمَاله كالآلة للْآمِر فَكَأَنَّهُ غير اخْتِيَاري (وَكَذَا فِي فتح القفص و) فتح بَاب (الاصطبل لَا يضمنهما) أَي الفاتح قيمَة الطير وَالدَّابَّة وَإِن ذَهَبا مِنْهُمَا فَوْرًا، لِأَن الْفَتْح شَرط اعْترض بعده فعل اخْتِيَاري من الطير وَالدَّابَّة (خلافًا لمُحَمد) فَإِنَّهُ قَالَ يضمنهما إِذا ذَهَبا على الْفَوْر، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي (جعله) أَي مُحَمَّد الْفَتْح (كَشَرط فِيهِ معنى الْعلَّة إِذْ طبعهما) أَي الطير وَالدَّابَّة (الِانْتِقَال) أَي الْخُرُوج عَنْهُمَا بِحَيْثُ لَا يصبران عَنهُ عَادَة (عِنْد عدم الْمَانِع) مِنْهُ، وَالْعَادَة إِذا تأكدت صَارَت طبيعية لَا يُمكن الِاحْتِرَاز عَنْهَا (فَهُوَ) أَي انتقالهما (كسيلان) الْمَائِع من (الزق عِنْد الشق، وَلِأَن فعلهمَا) أَي الطير وَالدَّابَّة (هدر) سَاقِط الِاعْتِبَار شرعا لفساد اختيارهما كَمَا إِذا صَاح فَذَهَبت صَار ضَامِنا فَلَا يصلح لإضافة التّلف إِلَيْهِ (فيضاف التّلف إِلَى الشَّرْط) وَهُوَ الْفَتْح (وهما) أَي أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف (منعا الْإِلْحَاق) أَي إِلْحَاق فعل الطير وَالدَّابَّة بالسيلان الْمَذْكُور (بعد تحقق الِاخْتِيَار) لَهما فَإِن الْحَيَوَان يَتَحَرَّك بالإرادة (وَكَونه) أَي فعلهمَا (هدرا) لَا يصلح لإِيجَاب حكم بِهِ لِأَن الْوُجُوب مَحَله الذِّمَّة وَلَا ذمَّة لَهما (لَا يمْنَع قطع
(4/73)

الحكم عَن الشَّرْط كالمرسل) من ذَوَات الأنياب (إِلَى صيد فَمَال) مَعْطُوف على فعل مَفْهُوم من صلَة اللَّام: أَي الَّذِي أرسل فَمَال (عَنهُ) أَي الصَّيْد (ثمَّ رَجَعَ) الْمُرْسل (إِلَيْهِ) أَي الصَّيْد بعد مَا مَال عَنهُ (فَأَخذه ميله هدر) فِي إِضَافَة الحكم إِلَيْهِ لكَونه بَهِيمَة (و) مَعَ هَذَا (قطع) ميله (النِّسْبَة) أَي نِسْبَة إرسالهِ (إِلَى الْمُرْسل) وَلِهَذَا لَا يحل أكل مَا صَاده فَقتله (أما لَو نسب) خروجهما (إِلَيْهِ) أَي الفاتح (كفتحه على وَجه نفره) أَي كلا من الطير وَالدَّابَّة (فَفِي معنى الْعلَّة) أَي ففتحه لَيْسَ فِي معنى السَّبَب، بل فِي معنى الْعلَّة (فَيضمن) الفاتح. وَالْمُخْتَار للْفَتْوَى قَول مُحَمَّد صِيَانة لأموال النَّاس وَهُوَ اسْتِحْسَان، وَالْقِيَاس قَوْلهمَا: وَأما إِذا لم يخرجَا فِي فَور الْفَتْح بل بعده فَكَانَ ذَلِك دَلِيلا على ترك الْعَادة الْمُؤَكّدَة وَكَانَ ذَلِك بِحكم الِاخْتِيَار كحل الْقَيْد (وَأما الْعَلامَة) الَّتِي سبق أَنَّهَا لمُجَرّد الدّلَالَة على الحكم (فكالأوقات للصَّلَاة وَالصَّوْم) فَإِنَّهَا دَالَّة على تحقق وجوبهما من غير إفضاء وَلَا تَأْثِير (وعد الْإِحْصَان) لإِيجَاب الرَّجْم (مِنْهَا) أَي الْعَلامَة، وَهُوَ كَون الْإِنْسَان حرا عَاقِلا بَالغا مُسلما قد تزوج امْرَأَة نِكَاحا صَحِيحا وَدخل بهَا، وهما على صفة الْإِحْصَان حَتَّى لَو تزوج الْحر الْمُسلم الْبَالِغ الْعَاقِل أمة، أَو وصبية، أَو مَجْنُونَة، أَو كِتَابِيَّة وَدخل بهَا لَا يصير بِهَذَا الدُّخُول مُحصنا، وَكَذَا لَو تزوجت الموصوفة بِمَا ذكر من عبد أَو مَجْنُون أَو صبي وَدخل بهَا لَا تصير مُحصنَة (لثُبُوته) أَي الْإِحْصَان (بِشَهَادَة النِّسَاء مَعَ الرِّجَال) أَي بِشَهَادَة رجل وَامْرَأَتَيْنِ، وجمعهما إِمَّا بِاعْتِبَار المُرَاد، وَإِمَّا بِاعْتِبَار إِرَادَة الْجِنْس خلافًا للأئمة الثَّلَاثَة وَزفر، وَلَو كَانَ عِلّة، أَو سَببا أَو شرطا لم يثبت بشهادتهن مَعَ الرِّجَال لوُجُود الشُّبْهَة فِي هَذِه الشَّهَادَة، وَالْحُدُود تندرئ بِالشُّبُهَاتِ، ثمَّ قَوْله عد الْإِحْصَان مُبْتَدأ خَبره (مُشكل، بل هُوَ) أَي الْإِحْصَان (شَرط لوُجُوب الْحَد كَمَا ذكره الْأَكْثَر) مِنْهُم متقدمو مَشَايِخنَا وَعَامة الْمُتَأَخِّرين (لتوقفه) أَي وجوب الْحَد (عَلَيْهِ) أَي الْإِحْصَان (بِلَا عقلية تَأْثِير) لَهُ فِي الحكم (وَلَا إفضاء) إِلَيْهِ وَهَذَا شَأْن الشَّرْط (لَا) أَنه عَلامَة (لتوقف مُجَرّد الْعلم بِهِ) أَي لوُجُوب الْحَد عَلَيْهِ كَمَا هُوَ شَأْن الْعَلامَة. وَلما اتجه على هَذَا تضمين شُهُوده إِذا رجعُوا بعد الرَّجْم. أجَاب بقوله (وَعدم الضَّمَان بِرُجُوع شُهُود الشَّرْط هُوَ الْمُخْتَار) وَقد سبق وَجهه (وَإِنَّمَا تكلفه) أَي تكلّف فِي جعل الْإِحْصَان (عَلامَة المضمن) بِشُهُود الشَّرْط ليندفع عَنهُ إِلْزَام تضمين شُهُود الْإِحْصَان على تَقْدِير كَونه شرطا (وَهُوَ) أَي تكلفه عَلامَة (غلط لِأَنَّهُ لَو) كَانَ الْإِحْصَان (شرطا لم تضمن) شُهُوده (بِهِ) أَي الرُّجُوع، وإيراد كلمة لَو مكالمة بِلِسَان التَّكَلُّف، وَإِلَّا فالتحقيق عِنْده أَنه شَرط كَمَا ذكره (إِذْ شَرطه) أَي شَرط ضَمَان شُهُود الشَّرْط (عدم) الْعلَّة (الصَّالِحَة) لإضافة الحكم إِلَيْهَا (وَالزِّنَا عِلّة صَالِحَة لإضافة الْحَد) إِلَيْهِ فَلَا يُضَاف إِلَى الْإِحْصَان لَو كَانَ شرطا. وَلما اتجه على كَون الْإِحْصَان شرطا، إِذْ الشَّرْط مَا يمْنَع ثُبُوت الْعلَّة
(4/74)

حَقِيقَة بعد وجودهَا صُورَة إِلَى حِين وجوده كَمَا فِي تَعْلِيق الْعتاق بِالدُّخُولِ وَالزِّنَا إِذا تحقق لَا يتَوَقَّف انْعِقَاده عِلّة للرجم على إِحْصَان يحدث بعده. أجَاب بقوله (وتقدمه) أَي الْإِحْصَان (على الْعلَّة) وَهِي (الزِّنَا غير قَادِح) فِي كَونه شرطا (إِذْ تَأَخره) أَي الشَّرْط (عَنْهَا) أَي الْعلَّة (غير لَازم) إِذْ يتَقَدَّم (كَشَرط الصَّلَاة) من إِزَالَة الْحَدث والخبث، وَستر الْعَوْرَة وَغَيرهَا فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ مُتَأَخِّرًا من حَيْثُ الْوُجُوب عَن علتها: أَي الْخطاب بهَا أَو تضيق الْوَقْت لِأَنَّهُ قد يتَقَدَّم من حَيْثُ الْوُجُود وكالعقل فَإِنَّهُ شَرط لصِحَّة التَّصَرُّف مقدم عَلَيْهِ (إِلَّا فِي) الشَّرْط (التعليقي) اسْتثِْنَاء من عدم لُزُوم تَأَخّر الشَّرْط فَإِن تَأَخره عَن صُورَة الْعلَّة لَازم (بل قيل) وقائله الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ (وَلَا فِيهِ) أَي وَلَا يلْزم تَأَخّر التَّعْلِيق أَيْضا (فقد يتَقَدَّم) التعليقي (وَيكون الْمُتَأَخر الْعلم بِهِ) أَي التَّعْلِيق (كالتعليقي) أَي كالشرط التعليقي فِي التَّعْلِيق (بِكَوْن قَيده عشرَة) بِأَن قَالَ: إِن كَانَ زنة قيد عَبدِي عشرَة أَرْطَال فَهُوَ حر، فَإِن كَونه عشرَة مُتَقَدم بِحَسب الْوُجُود على عِلّة الْحُرِّيَّة، وَهُوَ الْجَزَاء، وَهُوَ قَوْله: فَهُوَ حر، وَإِن كَانَ الْعلم بالكون الْمَذْكُور مُتَأَخِّرًا عَن هَذِه الْعلَّة. ثمَّ أَفَادَ أَن الْمُعَلق عَلَيْهِ فِي نفس الْأَمر لَيْسَ نفس الْكَوْن الْمَذْكُور، بل ظُهُوره بقوله: (وَالظَّاهِر أَن التَّعْلِيق فِي مثله) يكون (على الظُّهُور وَإِن لم يذكر) أَي وَإِن لم يقل إِن ظهر أَن وَزنه كَذَا (لِأَن حَقِيقَته) أَي حَقِيقَة التَّعْلِيق تَعْلِيق أَمر (على مَعْدُوم) كَائِن (على خطر الْوُجُود فعلى كَائِن) أَي إِذا اعْتبر فِي حَقِيقَة التَّعْلِيق كَون الْمُعَلق عَلَيْهِ مَعْدُوما على خطر الْوُجُود، فَإِن التَّعْلِيق الصُّورِي على أَمر مَوْجُود (تَنْجِيز) معنى، وَالْعبْرَة للمعنى، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا فرق بَين إنْشَاء الطَّلَاق مثلا بِلَا تَعْلِيق، وَبَين تَعْلِيقه بِأَمْر مَوْجُود حَال التَّعْلِيق فِي تحقق الْإِيقَاع، وَإِنَّمَا قَالَ الظَّاهِر وَلم يجْزم لاحْتِمَال أَن لَا يكون تَعْلِيقا على الظُّهُور (فكونه) أَي الْإِحْصَان (عَلامَة) لوُجُوب الرَّجْم (مجَاز) لتوقف وجوب الرَّجْم على وجوده شرعا من غير تَأْثِير وَلَا إفضاء كَمَا هُوَ شَأْن الشَّرْط وَاعْتِبَار عدم التَّوَقُّف فِي الْعَلامَة كَمَا سبق، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَلَا تتقدم الْعَلامَة على مَا هِيَ) عَلامَة (لَهُ كالدخان) عَلامَة للنار وَلَا يتَقَدَّم عَلَيْهَا وجودا (وَمِنْه) أَي وَمن هَذَا الْقسم الْمُسَمّى بالعلامة (ولادَة المبتوتة) أَي الْمُطلقَة طَلَاقا بَائِنا (والمتوفى عَنْهَا) زَوجهَا فَإِنَّهَا (عَلامَة الْعلُوق السَّابِق) على الطَّلَاق وَالْمَوْت إِذا كَانَت فِي مُدَّة تحتمله (وَلَو) كَانَت تِلْكَ الْولادَة (بِلَا) تقدم (حَبل ظَاهر وَلَا اعْتِرَاف) من الزَّوْج بالحبل (عِنْدهمَا) أَي أبي يُوسُف وَمُحَمّد (فَقبلا شَهَادَة الْقَابِلَة عَلَيْهَا) أَي الْولادَة كَمَا روى عَن الزُّهْرِيّ من أَنه مَضَت السّنة أَن كَون شَهَادَة النِّسَاء فِيمَا لَا يطلع عَلَيْهِ غَيْرهنَّ من ولادات النِّسَاء وعيوبهن، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَهِي) أَي شَهَادَة الْمَرْأَة (مَقْبُولَة فِيمَا لَا يطلع عَلَيْهِ الرِّجَال) وبشهادتها يثبت أصل الْولادَة (ثمَّ ثُبُوت نسبه) أَي
(4/75)

الْمَوْلُود من الزَّوْج إِنَّمَا هُوَ (بالفراش السَّابِق) الْقوي الَّذِي يثبت بِهِ النّسَب، وَإِن أنكر الزَّوْج كَونه مِنْهُ إِلَّا مَعَ الْمُلَاعنَة (وَعِنْده) أَي أبي حنيفَة (لَيست) الْولادَة الْمَذْكُورَة (عَلامَة إِلَّا مَعَ أَحدهمَا) أَي الْحَبل الظَّاهِر قبل الطَّلَاق أَو الْمَوْت واعتراف الزَّوْج (فَلَا تقبل) شَهَادَة الْقَابِلَة (دونه) أَي دون أَحدهمَا (لِأَن الْولادَة وَالْحَالة هَذِه) أَي وَالْحَال أَن كَيْفيَّة الْوَاقِعَة عدم ظُهُور الْحَبل وَعدم اعْتِرَاف الزَّوْج بِهِ سَابِقًا (كالعلة لثُبُوت النّسَب) حرا، وَالْجُمْلَة الخالية عَن الْمُضمر المستقر فِيهِ توسطت بَين اسْمهَا وخبرها، وَإِنَّمَا قيد كَونه كالعلة بهَا لِأَن الْولادَة عِنْد ظُهُور الْحَبل أَو الِاعْتِرَاف سَابِقًا أَو الْفراش الْقَائِم لَيست كالعلة فَإِن كلا من ذَلِك دَلِيل ظَاهر يسْتَند إِلَيْهِ ثُبُوت النّسَب وَتَكون الْولادَة حِينَئِذٍ عَلامَة فَقَط (فَيلْزم النّصاب) أَي إِذا كَانَت الْولادَة كالعلة حِينَئِذٍ فَيشْتَرط نِصَاب الشَّهَادَة رجلَانِ أَو رجل وَامْرَأَتَانِ لإثباتها (وَمثله) أَي مثل هَذَا الْخلاف وَاقع (إِذا علق طَلاقهَا عَلَيْهَا) أَي على الْولادَة وَأُرِيد إِثْبَات الطَّلَاق لوُجُود الْمُعَلق عَلَيْهِ (قبلت) شَهَادَة الْقَابِلَة على الْولادَة (عِنْدهمَا) أَي الصاحبين اعْتِبَار الْجَانِب كَونهَا عَلامَة (وَعِنْده يلْزم النّصاب) فَلَا تقبل (لِأَنَّهَا) أَي شهادتها حِينَئِذٍ (على الطَّلَاق معنى) وَإِن كَانَت على الْولادَة، وَصُورَة (كَمَا) إِذا شهِدت امْرَأَة (على ثيابة أمة بِيعَتْ بكرا لَا تقبل اتِّفَاقًا للرَّدّ) يَعْنِي إِذا اشْترى أمة على أَنَّهَا بكر، ثمَّ ادّعى أَنَّهَا ثيب وَأنكر البَائِع فَشَهِدت إِلَى آخِره، فَإِنَّهَا لَا تقبل اتِّفَاقًا لاسْتِحْقَاق المُشْتَرِي ردهَا على البَائِع لفَوَات الشَّرْط الْمَعْقُود عَلَيْهِ: أَي الْبكارَة (وَإِن قبلت) شهادتها (فِي الثيابة والبكارة) حَتَّى تثبت الثيابة فِي هَذِه فِي حق توجه الْخُصُومَة فَلَا تنْدَفع عَن البَائِع قبل الْقَبْض إِلَّا بحلفه بِاللَّه مَا بهَا هَذَا الْعَيْب، وَبعده بِاللَّه لقد سلمهَا بِحكم هَذَا البيع وَمَا بهَا هَذَا الْعَيْب.

(فصل: قسم الشَّافِعِيَّة الْقيَاس بِاعْتِبَار الْقُوَّة)
وَمَا يقابلها (إِلَى) قِيَاس (جلي) هُوَ (مَا علم فِيهِ نفي اعْتِبَار الْفَارِق بَين الأَصْل وَالْفرع) إِنَّمَا قَالَ: نفي اعْتِبَار الْفَارِق، وَلم يقل نفي الْفَارِق لِأَنَّهُ لَا بُد من وجود الْفَارِق بَينهمَا فِي كل قِيَاس لَكِن الْمَقْصُود نفي فَارق يَسْتَدْعِي زِيَادَة اخْتِصَاص الحكم بِالْأَصْلِ فَإِنَّهُ الْمُعْتَبر فِي الْفرق لَا غَيره، وَلَا شكّ أَن الْقيَاس الَّذِي علم فِيهِ نفي اعْتِبَار الْفَارِق أقوى فِي الِاحْتِجَاج من الَّذِي لم يعلم فِيهِ، بل ظن (كقياس الْأمة على العَبْد فِي أَحْكَام الْعتْق من التَّقْوِيم على مُعتق الْبَعْض) وَغَيره، وَقَوله من التَّقْوِيم إِلَى آخِره بَيَان الْأَحْكَام بَيَان ذَلِك أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ " من أعتق شركا لَهُ فِي عبد فَكَانَ لَهُ مَال يبلغ بِهِ ثمن العَبْد قوم عَلَيْهِ قيمَة عدل فَأعْطى شركاءه حصصهم وَعتق العَبْد عَلَيْهِ وَإِلَّا فقد عتق مِنْهُ مَا عتق " فَإنَّا نقطع بِعَدَمِ اعْتِبَار الشَّارِع الذُّكُورَة وَالْأُنُوثَة، وَأَنه لَا فَارق بَينهمَا سوى ذَلِك (و) إِلَى (خَفِي) قِيَاسه (بظنه) أَي نفي اعْتِبَار الْفَارِق وَلَا بِعِلْمِهِ جزما فَلَا يكون الِاحْتِجَاج بِهِ قَوِيا مثل الأول (كالنبيذ)
(4/76)

أَي كقياس النَّبِيذ (على الْخمر فِي حُرْمَة الْقَلِيل مِنْهُ) أَي النَّبِيذ فَإِن كَونه مثل الْخمر فِي حُرْمَة الْقَلِيل غير مَعْلُوم بل مظنون (لتجويز اعْتِبَار) الْفَارِق بَينهمَا: أَي بَين (خُصُوصِيَّة الْخمر) فَإِنَّهُ يجوز عِنْد الْعقل أَن تكون حُرْمَة الْقَلِيل فِيهَا لخصوصها بِاعْتِبَار وصف يَخُصهَا كالنجاسة العينية، أَو أَن قليلها يَدْعُو إِلَى الْكثير أَكثر مِمَّا يَدْعُو قَلِيل النَّبِيذ إِلَى كَثِيره (وَلذَا) أَي ولتجويز اعْتِبَار خصوصيتها فِي نفس الْأَمر (قالته الْحَنَفِيَّة) أَي ذَهَبُوا إِلَى اعْتِبَار خصوصيتها فَلم يحرموا الْقَلِيل من النَّبِيذ. (و) قسموه (بِاعْتِبَار الْعلَّة إِلَى قِيَاس عِلّة) وَهُوَ (مَا صرح فِيهِ بهَا) أَي بِالْعِلَّةِ: كَمَا يُقَال حرم النَّبِيذ كَالْخمرِ للإسكار. (وَقِيَاس دلَالَة) وَهُوَ (أَن يجمع) فِيهِ بَين الأَصْل وَالْفرع (بملازمها) أَي بِذكر مَا يلازم الْعلَّة، وَفِي التَّعْبِير بالملازم دون اللَّازِم إِشْعَار بِأَن الْمُعْتَبر اللُّزُوم من الْجَانِبَيْنِ. ثمَّ مثل الملازم بقوله (كرائحة) الشَّرَاب (المشتد بالشدة المطربة الْمُشْتَركَة (بَين النَّبِيذ وَالْخمر لدلالته) أَي الملازم الْمَذْكُور (على وجود الْعلَّة) وَهِي (الْإِسْكَار) لِأَن وجود الملازم يسْتَلْزم وجود الملازم فِيهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (إِذْ كَانَ) مَا ذكر من الرَّائِحَة (ملازما لَهَا) أَي لِلْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ الْإِسْكَار (و) إِلَى (قِيَاس فِي معنى الأَصْل) وَهُوَ (أَن يجمع) بَين الأَصْل وَالْفرع فِي الحكم (بِنَفْي الْفَارِق) بَينهمَا (أَي بإلغائه) أَي إِلْغَاء وصف مَوْجُود فِي الأَصْل دون الْفَرْع وَإِظْهَار عدم مدخليته فِي الحكم (كإلغاء كَونه) أَي كَون الْمَقِيس عَلَيْهِ: وَهُوَ الَّذِي جَامع أَهله فِي نَهَار رَمَضَان فَأمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْكَفَّارَةِ على التَّفْصِيل الْمَذْكُور فِي السّنة (أَعْرَابِيًا وَكَونهَا) أَي الَّتِي جَامعهَا (أَهلا) أَي زَوْجَة لَهُ، وَإِذا ألغى الخصوصيات (فَتجب الْكَفَّارَة) أَي كَفَّارَة الْجِمَاع فِي نَهَار رَمَضَان عمدا (على غَيره) أَي غير ذَلِك الْأَعرَابِي بإلغاء الأول (و) تجب (بِالزِّنَا) أَي بمجامعة غير الْأَهْل بطرِيق الزِّنَا بإلغاء الثَّانِي (وَكَذَا) الْحَال فِي تَعديَة الحكم عَن مورد النَّص (إِذْ ألغى الْحَنَفِيّ كَونه) أَي الْمُفطر (جماعا فَتجب) الْكَفَّارَة (بعمد الْأكل) أَي بِالْأَكْلِ عمدا إِذا كَانَ الْمَأْكُول مِمَّا يقْصد بِهِ الْقُوت (وَلَو تعرض) القائس (لغير نفي الْفَارِق من عِلّة) بَيَان للْغَيْر (مَعَه) أَي مَعَ نفي الْفَارِق: يَعْنِي ذكر الْعلَّة للْحكم وَنفي الْفَارِق بَين الْفَرْع وَالْأَصْل (وَكَانَ) نفي الْفَارِق (قَطْعِيا خرج) مَا تعرض فِيهِ لما ذكر مَعَ النَّفْي الْقطعِي (إِلَى الْقيَاس الْجَلِيّ، أَو ظنيا فَإلَى الْخَفي) أَي وَلَو تعرض لما ذكر وَكَانَ النَّفْي ظنيا فَخرج إِلَى الْقيَاس الْخَفي، وَلَيْسَ المُرَاد الْخُرُوج من أحد الضدين إِلَى الآخر، بل البروز من عَالم الْإِمْكَان إِلَى إِحْدَى الصُّورَتَيْنِ (وَلَا يخفى أَن هَذَا) التَّقْسِيم (تَقْسِيم لما يُطلق عَلَيْهِ لفظ الْقيَاس) لَا للْقِيَاس الْمُعَرّف بِمَا ذكر فِي صدر الْمقَالة (إِذْ الْجمع) أَي جمع بَيَان الْعلَّة (بِنَفْي الْفَارِق لَيْسَ من حَقِيقَته) أَي الْقيَاس، وَقد يُقَال أَن الْقُيُود الَّتِي يحصل بانضمامها إِلَى الْمقسم الْأَقْسَام المتباينة
(4/77)

لَا يجب أَن تكون دَاخِلَة فِي حَقِيقَتهَا لجَوَاز تَقْسِيم الْمَاهِيّة بِاعْتِبَار اقترانها فِي التحقق بِأُمُور متباينة خَارِجَة عَن مَاهِيَّة كل قسم فالتقيد بِوَاحِد من تِلْكَ الْأُمُور دَاخل فِي كل قسم، والقيد خَارج كتقسيم الْإِنْسَان إِلَى الْأَبْيَض وَالْأسود، فَيجوز أَن يكون الْمقسم كالقياس الْمَذْكُور فَتَأمل (و) قسم (الْحَنَفِيَّة) الْقيَاس (إِلَى جلي) وَهُوَ (مَا تبادر) أَي سبق إِلَى الإفهام وَجهه (و) إِلَى (مَا هُوَ خَفِي مِنْهُ) أَي مِمَّا تبادر (فَإِن قيل قَوْله أخْفى يَسْتَدْعِي وجود الخفاء فِي الْمُتَبَادر قُلْنَا الْقيَاس من حَيْثُ هُوَ لَا يَخْلُو من نوع خَفَاء، فالجلاء والخفاء من الْأُمُور الإضافية. (فَالْأول) وَهُوَ الْجَلِيّ (الْقيَاس) أَي يُسمى بِلَفْظ الْقيَاس فَكَأَنَّهُ لكماله هُوَ الْقيَاس لَا غَيره فَلفظ الْقيَاس يسْتَعْمل فِي مَعْنيين: أَحدهمَا الْأَعَمّ الْمقسم للقسمين، وَالثَّانِي مَا يُقَابل الْخَفي (وَالثَّانِي الِاسْتِحْسَان فَهُوَ) أَي الِاسْتِحْسَان (الْقيَاس الْخَفي بِالنِّسْبَةِ إِلَى) قِيَاس (ظَاهر متبادر) وَفِيه إِشَارَة إِلَى مَا ذكرنَا من الْإِضَافَة (وَيُقَال) لفظ الِاسْتِحْسَان (لما هُوَ أَعم) مِمَّا ذكر، وَهُوَ (كل دَلِيل) وَاقع (فِي مُقَابلَة الْقيَاس الظَّاهِر) لفظ كل مقحم تَأْكِيدًا للْعُمُوم الْمَفْهُوم فِي مقَام التَّعْرِيف (نَص) بدل الْبَعْض من كل دَلِيل (كالسلم) أَي كالنص الدَّال على صِحَة بيع السّلم، وَالْقِيَاس الْجَلِيّ يُفِيد عدم جَوَازه لكَون الْمَبِيع مَعْدُوما حَال العقد (أَو إِجْمَاع كالاستصناع) أَي كالإجماع الْوَاقِع على جَوَاز الاستصناع وَهُوَ طلب صَنْعَة لما فِيهِ تعامل من خف وَغَيره بِأَن يَقُول للخفاف: اصْنَع لي خف جلد كَذَا صفته كَذَا، ومقداره كَذَا بِكَذَا، فَإِن الْمَعْقُود عَلَيْهِ وَهُوَ الْخُف الْمَوْصُوف بِمَا وصف بِهِ الطَّالِب مَعْدُوم حَال العقد، فَالْقِيَاس عدم جَوَازه، غير أَنه ترك للتعامل من غير نَكِير من أهل الْعلم، وتقريرهم على ذَلِك إِجْمَاع عَمَلي، وَلم يجوزه الشَّافِعِي ورفد (أَو ضَرُورَة) هِيَ عُمُوم الْبلوى (كطهارة الْحِيَاض والآبار) أَي كالضرورة الْمُوجبَة للْحكم بِطَهَارَة الْحِيَاض والآبار المتنجسة، فَإِن الحكم بطهارتها بالنزح مثلا لعُمُوم الْبلوى، وَإِلَّا فإخراج بعض المَاء النَّجس من الْحَوْض والبئر لَا يُؤثر فِي طَهَارَة الْبَاقِي، وَلَو أخرج الْكل فَمَا يَنْبع من أَسْفَل أَو ينزل من أَعلَى يلاقي نجسا من طين أَو حجر (فمنكره) أَي الِاسْتِحْسَان حَيْثُ قَالَ: من اسْتحْسنَ فقد شرع (لم يدر المُرَاد بِهِ) أَي بِلَفْظ الِاسْتِحْسَان عِنْد من يَقُول بِهِ: يَعْنِي الْقيَاس الْخَفي أَو كل دَلِيل الخ (وقسموا) أَي الْحَنَفِيَّة (الِاسْتِحْسَان إِلَى مَا قوي أَثَره) أَي تَأْثِير علته بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُقَابِله (و) إِلَى (مَا خَفِي فَسَاده) وَهُوَ خلله، المخل بالاحتجاج بِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عدم ظُهُور صِحَّته: أَي خَفِي فَسَاده (بِالنِّسْبَةِ إِلَى ظُهُور صِحَّته) نَفسه، لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى ظُهُور صِحَة الْقيَاس، لِأَن الخفاء بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقيَاس إِنَّمَا هُوَ وَظِيفَة مَا هُوَ أجل مِنْهُ وَهُوَ ظُهُور صِحَّته، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَإِن كَانَ) ظُهُور صِحَّته (خفِيا بِالنِّسْبَةِ
(4/78)

إِلَى الْقيَاس) الْمُقَابل لَهُ (وَظهر صِحَّته) عطف على خَفِي فَإِذا نظرت فِيهِ أدنى نظر وجدته صَحِيحا وَإِذا تَأَمَّلت فِيهِ حق التَّأَمُّل وجدته فَاسِدا (و) قسموا (الْقيَاس إِلَى مَا ضعف أَثَره، و) إِلَى (مَا ظهر فَسَاده وخفي صِحَّته) وَذَلِكَ بِأَن يَنْضَم إِلَى وَجهه معنى دَقِيق يورثه قُوَّة ورجحانا على وَجه مَا مُقَابِله الَّذِي هُوَ اسْتِحْسَان (فَأول الأول) أَي الْقسم الأول من الِاسْتِحْسَان وَهُوَ مَا قوي أَثَره (مقدم على أول الثَّانِي) أَي الْقسم الأول من الْقيَاس، وَهُوَ مَا ضعف أَثَره، وَوجه التَّقْدِيم ظَاهر (وَثَانِي الثَّانِي) وَهُوَ مَا ظهر فَسَاده وخفي صِحَّته مقدم (على ثَانِي الأول) وَهُوَ مَا ظهر صِحَّته وخفي فَسَاده لِأَنَّهُ لَا عِبْرَة بِالظَّاهِرِ الْمَبْنِيّ على بادئ النّظر فِي مُقَابلَة الْبَاطِن الْمَبْنِيّ على التَّأَمُّل التَّام، فثاني الثَّانِي فِي التَّحْقِيق أقرب إِلَى الصَّوَاب من ثَانِي الأول وَإِن كَانَ الْأَمر بِالْعَكْسِ فِي الظَّاهِر، وَإِنَّمَا ترك بَيَان النِّسْبَة بَين قسمي الأول لظُهُوره وَبَين قسمي الثَّانِي اعْتِمَادًا على فهم الْمُخَاطب أَن مَا هُوَ صَحِيح فِي التَّحْقِيق إِذا لم يكن ضَعِيف الْأَثر أولى مِمَّا هُوَ ضَعِيف الْأَثر فَتدبر (مِثَال مَا اجْتمع فِيهِ أول كل) من الْقيَاس وَالِاسْتِحْسَان (سِبَاع الطير) أَي سؤرها كالصقر والبازي إِذْ (الْقيَاس نَجَاسَة سؤرها) قِيَاسا (على) نَجَاسَة سُؤْر (سِبَاع الْبَهَائِم) كالأسد والنمر لاشْتِرَاكهمَا فِي نَجَاسَة اللَّحْم لِحُرْمَتِهِ والسؤر يتبع اللَّحْم لاختلاطه باللعاب الْمُتَوَلد مِنْهُ، وَهَذَا الْمَعْنى ظَاهر غير قوي الْأَثر (وَالِاسْتِحْسَان) طَهَارَة سؤرها، وَهُوَ (الْقيَاس الْخَفي على) طَهَارَة سُؤْر (الْآدَمِيّ) بِجَامِع عدم مأكولية لحم كل مِنْهُمَا، وَإِن كَانَ فِي الْآدَمِيّ للكرامة، وَفِي سِبَاع الطير للنَّجَاسَة، لِأَن الْحُرْمَة لَا لكرامة آيَة النَّجَاسَة (لضعف أثر الْقيَاس) الْمَذْكُور، تَعْلِيل لتقديم الْقسم الأول من الِاسْتِحْسَان فِي الْمِثَال الْمَذْكُور (أَي مؤثره) الْإِضَافَة لأدنى مُلَابسَة فَإِن الْمُؤثر إِنَّمَا هُوَ مُؤثر للْحكم وَإِرَادَة الْمُؤثر من لفظ الْأَثر من قبيل إِطْلَاق الْمُسَبّب على السَّبَب (وَهُوَ) أَي مؤثره (مُخَالطَة اللعاب) الْمُتَوَلد من اللَّحْم (النَّجس) للْمَاء فِي السؤر (لانتفائه) أَي انْتِفَاء الْمُؤثر الْمَذْكُور فِي سُؤْر سِبَاع الطير تَعْلِيل لضعف أثر الْقيَاس (إِذْ تشرب) سِبَاع الطير تَعْلِيل لانتفائه (بمنقارها الْعظم الطَّاهِر) صفتان لمنقارها لبَيَان كَونه جافا لَا رُطُوبَة فِيهِ وَأَنه طَاهِر من الْمَيِّت فَمن الْحَيّ أولى، وَهِي تَأْخُذ المَاء بِهِ ثمَّ تبتلعه وَلَا ينْفَصل شَيْء من لُعَابهَا فِي المَاء (فانتفت عِلّة النَّجَاسَة) وَهِي المخالطة الْمَذْكُورَة (فَكَانَ طَاهِرا كسؤر الْآدَمِيّ) بِجَامِع انْتِفَاء علتها، وَهَذَا أولى من قَوْلهم بِجَامِع عدم مأكولية اللَّحْم كَمَا ذكر، إِذْ تعلق بتأثيره فِي الحكم بِطَهَارَة السؤر دون ذَلِك، على أَن عدم الْأكل فِي الْآدَمِيّ للكرامة، وَفِي الْمَقِيس للنَّجَاسَة على مَا مر آنِفا (وأثره) أَي الْقيَاس الْخَفي (أقوى) من ذَلِك الْقيَاس الظَّاهِر لما عرفت من انْتِفَاء مُوجب النَّجَاسَة، ثمَّ إِن كَانَت مضبوطة تغذى بالطاهر فَقَط لَا يكره سؤرها كَمَا روى عَن أبي حنيفَة وَأبي
(4/79)

يُوسُف وَاسْتَحْسنهُ الْمُتَأَخّرُونَ وأفتوا بِهِ وَإِن كَانَت مُطلقَة يكره لِأَنَّهَا لَا تتحامى الْميتَة فَكَانَت كالدجاجة المخلاة، وَعَن أبي يُوسُف أَن مَا يَقع على الْجِيَف سؤره نجس لعدم خلو منقاره عَن النَّجَاسَة عَادَة وَأجِيب بِأَنَّهَا تدلك منقارها بِالْأَرْضِ بعد الْأكل فيزول مَا عَلَيْهِ، وَلعدم تقين النَّجَاسَة مَعَ الْبلوى بهَا فَإِنَّهَا تنقض من الْهَوَاء على المَاء فثبتت الْكَرَاهَة لَا النَّجَاسَة (فَإِن قلت سبق عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة فِي شُرُوط الْعلَّة (أَن لَا تَعْلِيل بِالْعدمِ، وَهَذَا الِاسْتِحْسَان قِيَاس علل فِيهِ بِهِ) أَي بِالْعدمِ لِأَن حَاصله تَعْلِيل الطَّهَارَة بِعَدَمِ مُخَالطَة النَّجس (قُلْنَا تقدم) ثمَّة (اسْتثِْنَاء عِلّة متحدة) أَي اسْتثِْنَاء التَّعْلِيل بِعَدَمِ عِلّة لَيْسَ لحكمها عِلّة سواهَا من عُمُوم نفي التَّعْلِيل بِالْعدمِ (فيستدل بعدمها) أَي بِعَدَمِ الْعلَّة المتحدة (على عدم حكمهَا) لِأَن الحكم لَا يُوجد بِدُونِ الْعلَّة، والمفروض أَنه لَا عِلّة لَهُ سوى مَا أضيف إِلَيْهِ الْعَدَم، يَعْنِي أَن التَّعْلِيل بِعَدَمِ الْعلَّة المتحدة عبارَة عَن الِاسْتِدْلَال بِالْعدمِ على الْعَدَم (لَا) أَن ذَلِك التَّعْلِيل (تَعْلِيل حَقِيقِيّ) إِذْ التَّعْلِيل الْحَقِيقِيّ بإبراز عِلّة مُؤثرَة مستجمعة للشرائط الْمُعْتَبرَة فِي الْعلَّة المرعية، وَذَلِكَ مَفْقُود فِيمَا نَحن فِيهِ (ومثلوا مَا اجْتمع فِيهِ ثانياهما) أَي الْقيَاس وَالِاسْتِحْسَان وهما الْقيَاس الظَّاهِر فَسَاده الْخَفي صِحَّته، وَالِاسْتِحْسَان الظَّاهِر صِحَّته الْخَفي فَسَاده (بِسَجْدَة التِّلَاوَة الْوَاجِبَة فِي فِي الصَّلَاة، الْقيَاس) جَوَاز (أَن يرْكَع) فِي الصَّلَاة (بهَا) أَي بِسَبَبِهَا نَاوِيا أداءها بِهِ سَوَاء كَانَ غير رُكُوع الصَّلَاة أَو ركوعها مَا لم يَتَخَلَّل بَينهمَا فاصل وَهُوَ مِقْدَار ثَلَاث آيَات (لظُهُور أَن إِيجَابهَا) أَي سَجْدَة التِّلَاوَة (لإِظْهَار التَّعْظِيم) لله تَعَالَى بالخضوع لَهُ مُوَافقَة لمن عظم، وَمُخَالفَة لمن استكبر (وَهُوَ) أَي إِظْهَار التَّعْظِيم حَاصِل (فِي الرُّكُوع، وَلذَا) أَي ولوفور التَّعْظِيم فِيهِ (أطلق عَلَيْهَا) أَي السَّجْدَة (اسْمه) أَي اسْم الرُّكُوع فِي قَوْله تَعَالَى (وخر رَاكِعا) أَي سقط سَاجِدا لِأَن الخرور السُّقُوط على الْوَجْه، فقيس سُقُوطهَا بِهِ على سُقُوطهَا بِنَفسِهَا بِجَامِع الخضوع تَعْظِيمًا غير أَن السُّجُود أفضل فِي أَدَاء الْوَاجِب (وَهِي) أَي الْعلَّة الْمَذْكُورَة فِي الْقيَاس الْمَذْكُور (صِحَّته الْخفية) أَي وَجه صِحَّته الْخفية (وفساده الظَّاهِر لُزُوم تأدي الْمَأْمُور بِهِ) وَهُوَ السُّجُود (بِغَيْرِهِ) أَي بِغَيْر الْمَأْمُور بِهِ، وَهُوَ الرُّكُوع (وَالْعَمَل بالمجاز) أَي بِالْمَعْنَى الْمجَازِي للفظ السُّجُود وَهُوَ الرُّكُوع (مَعَ إِمْكَانه) أَي الْعَمَل (بِالْحَقِيقَةِ) وَهُوَ السُّجُود، وَلَا يخفى أَن لُزُوم مَا ذكر إِنَّمَا هُوَ بِحَسب الظَّاهِر وَبعد التَّأَمُّل تبين أَن الْمَأْمُور بِهِ بِحَسب الْحَقِيقَة إِظْهَار التَّعْظِيم وَلَفظ السُّجُود مُسْتَعْمل فِي حَقِيقَته غير أَنه ألحق بِهِ الرُّكُوع بطرِيق الْقيَاس (وَالِاسْتِحْسَان) الأخفى (لَا) لكَون الْقيَاس الْمُقَابل لَهُ خَفِي الصِّحَّة، وكل اسْتِحْسَان أخْفى مِمَّا يُقَابله أَنه لَا يرْكَع بهَا كَمَا هُوَ قَول الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة (قِيَاسا على سُجُود الصَّلَاة) فَإِنَّهُ (لَا يَنُوب ركوعها) أَي الصَّلَاة (عَنهُ)
(4/80)

أَي عَن سجودها مَعَ كَمَال الْمُنَاسبَة بَينهمَا لِكَوْنِهِمَا من الْأَركان وموجبات التَّحْرِيمَة، وعَلى عدم تأديها بِهِ خَارج الصَّلَاة، وَأَيْضًا رُكُوع الصَّلَاة مُسْتَحقّ لجِهَة أُخْرَى، وَهُوَ خَارِجهَا غير مُسْتَحقّ لجِهَة أُخْرَى (وَهُوَ) أَي هَذَا الْمَعْنى (صِحَّته) أَي هَذَا الْقيَاس (الظَّاهِرَة لوجه فَسَاد ذَلِك) الْقيَاس مُتَعَلق بقوله لَا يَنُوب (من تأدى الخ) أَي الْمَأْمُور بِغَيْرِهِ وَالْعَمَل بالمجاز مَعَ إِمْكَانه بِالْحَقِيقَةِ بَيَان لوجه فَسَاد ذَلِك، وَصِحَّة هَذَا وَفَسَاد ذَلِك مشتركان فِي الظُّهُور متحدان فِي الْوَجْه (وَفَسَاد الْبَاطِن) أَي بَاطِن هَذَا الِاسْتِحْسَان (أَنه) أَي هَذَا الِاسْتِحْسَان (قِيَاس مَعَ الْفَارِق وَهُوَ) أَي الْفَارِق (أَن فِي الصَّلَاة كل من الرُّكُوع وَالسُّجُود مَطْلُوب بِطَلَب يَخُصُّهُ) على سَبِيل الْجمع بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى - {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا ارْكَعُوا واسجدوا} - فَلَو لم يكن خُصُوصِيَّة كل مِنْهَا مَطْلُوبا وَكَانَ الْمَطْلُوب إِظْهَار التَّعْظِيم مُطلقًا سَوَاء تحقق فِي ضمن الرُّكُوع وَالسُّجُود، كَانَ حق الْأَدَاء غير هَذَا الأسلوب بِأَن يذكر أَو بدل الْوَاو وَنَحْو ذَلِك (فَمنع) كَون كل مِنْهُمَا مَطْلُوبا بِطَلَب يَخُصُّهُ (تأدى أَحدهمَا فِي ضمن الآخر، بِخِلَاف سَجْدَة التِّلَاوَة) فَإِنَّهَا (طلبت وَحدهَا وعقل) فِيهَا معنى صَالح للعلية، وَهُوَ (أَنه) أَي طلبَهَا (لذَلِك الْإِظْهَار) للتعظيم (وَمُخَالفَة المستكبرين) عَن السُّجُود على مَا يفهم من النُّصُوص الْوَارِدَة فِي مَوَاضِع سَجْدَة التِّلَاوَة (وَهُوَ) أَي كل وَاحِد من إِظْهَار التَّعْظِيم والمخالفة (حَاصِل بِمَا اعْتبر عبَادَة) أَي بركوع اعْتَبرهُ الشَّارِع عبَادَة (غير أَن الرُّكُوع خَارج الصَّلَاة لم يعرف عبَادَة فَتعين) رُكُوع الصَّلَاة للأجزاء عَنْهَا فَإِن قلت تَعْلِيل الحكم الْمَذْكُور فِيهِ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذكرُوا هُوَ إِظْهَار التَّعْظِيم والمخالفة يقتضى أَن يُؤدى الْوَاجِب فِيهِ بِكُل مَا اعْتبر عبَادَة، وَلم يقل لَهُ أحد قلت اظهار التَّعْظِيم والمخالفة على وَجه الْكَمَال لَا يتَحَقَّق إِلَّا فِي تَعْظِيم يخص المعبود وَهُوَ منحصر (فيهمَا) وَقد يُقَال لظَاهِر النَّص طلب السَّجْدَة بِعَينهَا وَهِي غَايَة فِي التَّعْظِيم فَلَيْسَ الرُّكُوع فِي رتبتها فَتدبر (فترجح الْقيَاس) على الِاسْتِحْسَان بِقُوَّة أثر الْبَاطِن لما عرفت من دفع الْإِيرَاد عَنهُ وَعدم دَفعه على الِاسْتِحْسَان (وَنظر فِي أَن ذَلِك ظَاهر وَهَذَا خَفِي) أَي فِي ظُهُور ذَلِك الْقيَاس، وخفاء هَذَا الِاسْتِحْسَان نظر (وَهُوَ) أَي وَجه النّظر (ظَاهر إِذْ لَا شكّ أَن منع تأدى الْمَأْمُور) أَي امْتِنَاعه (شرعا بِغَيْرِهِ) أَي بِغَيْر الْمَأْمُور بِهِ (أقوى تبادراً من جَوَازه لمشاركته) تَعْلِيل للْجُوَاز الْمَرْجُوح أَي لمشاركه غير الْمَأْمُور بِهِ أَي للْمَأْمُور بِهِ فالباء بِمَعْنى اللَّام، وَيجوز أَن تكون بِمَعْنى مَعَ، وَفِي نُسْخَة لَهُ، وَهُوَ الظَّاهِر (فِي معنى) نيط بِهِ الحكم (كالتعظيم) الْمَذْكُور (أَو لإِطْلَاق لَفظه) مَعْطُوف على قَوْله لمشاركته يَعْنِي لفظ غير الْمَأْمُور بِهِ (عَلَيْهِ) أَي على الْمَأْمُور بِهِ (كَقَوْلِه
(4/81)

تَعَالَى وخر رَاكِعا: أَي سَاجِدا) فَإِن فِي إِطْلَاق لفظ الرَّاكِع على الساجد والعدول عَن الظَّاهِر إِيمَاء إِلَى أَن الْمَقْصُود مِنْهُمَا وَاحِد، ثمَّ علل كَون الْمَنْع أقوى تبادرا من الْجَوَاز الْمُعَلل بِالْإِطْلَاقِ الْمَذْكُور بقوله (إِذْ لَا يلْزم من إِطْلَاق لفظ على غير مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ جَوَاز إِيقَاع مُسَمَّاهُ) أَي مُسَمّى الْمُسْتَعْمل مجَازًا (مَكَان مُسَمّى) اللَّفْظ (الآخر) الَّذِي وضع بِإِزَاءِ الْمُسْتَعْمل فِيهِ مجَازًا (شرعا) أَي جَوَازًا شَرْعِيًّا، فاللفظ الأول الرُّكُوع، وَالثَّانِي السُّجُود فَلَا يلْزم من إِطْلَاق الرُّكُوع على معنى السُّجُود، وَجَوَاز إِيقَاع معنى الرُّكُوع مَكَان معنى السُّجُود فِي أَدَاء مَا وَجب بِالطَّلَبِ الْمُتَعَلّق بِالسُّجُود (وَإِن كَانَ الْمُطلق) بِصِيغَة اسْم الْفَاعِل (الشَّارِع) أَن وصلية لدفع مَا يتَوَهَّم من أَن الْمُطلق إِذا كَانَ الشَّارِع وَالشَّرْع فِي يَده فَمَا الْمَانِع من حمل كَلَامه على جَوَاز الْإِيقَاع لِأَن الْكَلَام فِي عدم لُزُوم جَوَازه من هَذَا الْإِطْلَاق، وَلَا فرق فِي هَذَا بَين أَن يكون الْمُطلق الشَّارِع أَو غَيره فَإِن طَرِيق الِاسْتِعَارَة غير طَرِيق الْقيَاس إِذْ بِنَاء الأول على علاقَة الْمجَاز، وَالثَّانِي على وجود الْعلَّة الشَّرْعِيَّة، وَإِنَّمَا لم يتَعَرَّض إِلَّا الْأَخير من وَجْهي الْجَوَاز لظُهُور الأول (وَلَو فرض قيام دلَالَة على ذَلِك) أَي جَوَاز قيام الرُّكُوع فِي الصَّلَاة مقَامهَا (لَا يصيره) أَي الْقيَاس (أظهر) من الِاسْتِحْسَان، فَإِن وَجه عدم جَوَاز نِيَابَة الرُّكُوع فِي غَايَة الظُّهُور، وَمَا ذكر فِي مُقَابِله لَيْسَ مثله فِي الظُّهُور، والمفروض أخْفى من الْمَذْكُور، كَذَا مَا بَقِي فِي عَالم الْفَرْض وَلم يبرز، وَعَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ أَنه سُئِلَ عَن السَّجْدَة تكون فِي آخر السُّورَة أيسجد بهَا أم يرْكَع؟ قَالَ إِن شِئْت فاركع وَإِن شِئْت فاسجد ثمَّ اقْرَأ بعْدهَا سُورَة، رَوَاهُ سعيد، وَذكره ابْن أبي شيبَة عَن عَلْقَمَة وَإِبْرَاهِيم وَالْأسود وَطَاوُس ومسروق وَالشعْبِيّ وَالربيع بن خَيْثَم وَعَمْرو بن شُرَحْبِيل (وَحِينَئِذٍ) أَي حِين إِذْ كَانَ منع التأدى أظهر من جَوَازه (وَجب كَون الحكم الْوَاقِع) أَي الَّذِي اسْتَقر رَأْي الْحَنَفِيَّة عَلَيْهِ عِنْد الْمُعَارضَة (من تأديها بِالرُّكُوعِ) بَيَان للْحكم الْوَاقِع، وَالضَّمِير لسجدة التِّلَاوَة (حكم الِاسْتِحْسَان) خبر الْكَوْن وَذَلِكَ لِأَن مَا يفِيدهُ أخْفى مِمَّا يُفِيد عدم تأديها بِهِ (لَا) يَصح (كَونه) أَي كَون الحكم الْوَاقِع (مِمَّا قدم فِيهِ) أَي فِي حَقه (الْقيَاس عَلَيْهِ) أَي على الِاسْتِحْسَان، بل هُوَ مِمَّا قدم فِيهِ الِاسْتِحْسَان على الْقيَاس، وَقيل الْقيَاس الْمُفِيد للتأدي إِنَّمَا علم من الِاسْتِحْسَان بالأثر الْمَرْوِيّ عَن عمر وَابْن مَسْعُود وَأجِيب بِأَن هَذَا على قَول من يحْتَج بقول الصَّحَابِيّ مُطلقًا سَوَاء كَانَ للرأي فِيهِ مدْخل أَو لَا، وَالْمُخْتَار أَنه يحْتَج بِهِ إِذا لم يكن للرأي فِيهِ مدْخل (وَظهر) من هَذِه الْجُمْلَة (أَن لَا اسْتِحْسَان) كَائِن مَوْصُوفا بِوَصْف (إِلَّا مُعَارضا لقياس) لما عرفت من أَنه عبارَة عَن الْقيَاس الْخَفي بِالنِّسْبَةِ إِلَى قِيَاس طَاهِر (وَلزِمَ أَن لَا يعدى) من مَحل إِلَى مَحل آخر (مَا) أَي حكم ثَبت (بِغَيْر قِيَاس) أَي على خلاف الْقيَاس (وَهُوَ) أَي
(4/82)

الْقيَاس الَّذِي لَا يعدى بِدُونِهِ (اسْتِحْسَان أَولا) أَي أَو لَيْسَ باستحسان، يَعْنِي يعم الْقيَاس الْجَلِيّ والخفي، وَيحْتَمل أَن يكون الضَّمِير رَاجعا إِلَى غير الْقيَاس فَالْمُرَاد حِينَئِذٍ بقوله اسْتِحْسَان الِاسْتِحْسَان بالأثر، وَقد مر (لِأَنَّهُ) أَي مَا ثَبت بِغَيْر الْقيَاس (معدول) عَن سنَن الْقيَاس، وَمن شُرُوط حكم الأَصْل أَن لَا يكون معدولا عَنهُ (كإيجاب يَمِين البَائِع فِي اخْتِلَافهمَا) أَي عِنْد اخْتِلَاف البَائِع وَالْمُشْتَرِي (فِي قدر الثّمن بعد قبض الْمَبِيع) مَعَ قِيَامه (بِإِطْلَاق النَّص) وَهُوَ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " إِذا اخْتلف البيعان وَلم يكن بَينهمَا بَيِّنَة والسلعة قَائِمَة فَالْقَوْل قَول البَائِع أَو يترادان " وَالْقِيَاس أَن لَا يَمِين عَلَيْهِ فَإِن قلت لَيْسَ فِي النَّص إِيجَاب الْيَمين قلت فِي عرف الشَّرْع إِذا قيل فَالْقَوْل قَوْله فِي مقَام الْخُصُومَة يُرَاد مَعَ الْيَمين، وَأَيْضًا قَوْله أَو يترادان مَعْطُوف على مُقَدّر أَي تحالف البائعان أَو يترادان (لِأَن المُشْتَرِي لَا يدعى عَلَيْهِ) أَي البَائِع (مَبِيعًا لتسلمه) أَي المُشْتَرِي (إِيَّاه) أَي الْمَبِيع، وَهُوَ معترف بِهِ وَإِذا لم يكن ثمَّة دَعْوَى من المُشْتَرِي فِي حق الْمَبِيع وَلَا إِنْكَار من البَائِع لَا يتَوَجَّه الْيَمين على البَائِع لِأَن الْيَمين على الْمُنكر، وَقد يُقَال صُورَة الدَّعْوَى من المُشْتَرِي حَاصِلَة وَقد اكْتفى بهَا فِي قبُول بَيته فيكتفي بهَا فِي يَمِين البَائِع أَقُول يُمكن أَن يُجَاب عَنهُ بِأَن قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يكن بَينهمَا بَيِّنَة دلّ على أَنه إِذا كَانَ تقبل فقبولها اكْتِفَاء بِصُورَة الدَّعْوَى ثَبت بِالنَّصِّ على خلاف الْقيَاس مُقْتَصرا على مورده (فَلَا يتَعَدَّى) إِيجَاب الْيَمين (إِلَى الْإِجَارَة) فِيمَا إِذا اخْتلفَا فِي مِقْدَار الْأُجْرَة بعد اسْتِيفَاء الْمَنْفَعَة بل القَوْل قَول الْمُسْتَأْجر مَعَ يَمِينه لِأَنَّهُ مُنكر الزِّيَادَة (و) إِلَى (الْوَارِثين) بِلَفْظ الْمثنى أَي وَارِث البَائِع ووارث المُشْتَرِي سَوَاء اخْتلف وَارِث البَائِع مَعَ المُشْتَرِي أَو بِالْعَكْسِ أَو الْوَارِث مَعَ الْوَارِث بِعَدَمِ مَوْتهمَا والسلعة قَائِمَة، بل القَوْل قَول المُشْتَرِي أَو وَارثه (خلافًا لمُحَمد) فَإِنَّهُ قَالَ يجْرِي التخالف فِي جَمِيع الصُّور (وَقَوله) أَي مُحَمَّد (إِذْ كل) من الْمُتَبَايعين (يَدعِي) على صَاحبه (عقدا غير) العقد (الآخر) وعَلى عقد الآخر، وينكر مَا يَدعِيهِ صَاحبه فَيحلف كل على دَعْوَى صَاحبه فَكَانَ على سنَن الْقيَاس فيتعدى إِلَى الْوَارِث (دفع) خبر قَوْله (بِأَن اخْتِلَاف الثّمن لَا يُوجِبهُ) أَي اخْتِلَاف العقد (كَمَا) لَا يُوجب اخْتِلَاف الثّمن اخْتِلَاف العقد (فِي زِيَادَته وحطه) فَإِن البيع بِأَلف يصير بِعَيْنِه بِأَلفَيْنِ إِذا زيد الثّمن بعد العقد، وَالْبيع بِأَلفَيْنِ يصير بِأَلف إِذا حطه عَنهُ بعده، لِأَنَّهُ لَو كَانَ الزِّيَادَة أَو الْحَط مُوجبا لاختلافه للَزِمَ تَجْدِيد العقد بِإِيجَاب وَقبُول على حِدة (بِخِلَاف مَا) ثَبت (بِهِ) أَي بِالْقِيَاسِ فَإِنَّهُ يعدى بِشَرْطِهِ فَهُوَ مُتَّصِل بقوله وَلزِمَ أَن لَا يعدى مَا بِغَيْر قِيَاس (وَهُوَ) أَي مَا ثَبت بِهِ نَحْو (مَا) أَي تخالفهما (قبل الْقَبْض) للْمَبِيع إِذا اخْتلفَا فِي قدر الثّمن فَإِنَّهُ على وفْق الْقيَاس الْخَفي، فَإِن البَائِع يُنكر وجوب تَسْلِيم الْمَبِيع بِمَا أقرّ
(4/83)

بِهِ المُشْتَرِي من الثّمن، وَالْمُشْتَرِي يُنكر وجوب زِيَادَة الثّمن، وَالْقِيَاس أَن الْيَمين على المُشْتَرِي فَقَط لِأَنَّهُ الْمُنكر وَحده ظَاهرا (فتعدى) التخالف (إِلَيْهِمَا) أَي الْوَارِثين فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة لِكَوْنِهِمَا فِي مقَام مورثيهما فِي حُقُوق العقد وَالْحكم مَعْقُول (وَإِلَى الْإِجَارَة قبل الْعَمَل فتحالف الْقصار وَرب الثَّوْب إِذا اخْتلفَا فِي قدر الْأُجْرَة) رب الثَّوْب يَدعِي اسْتِحْقَاق الْعَمَل بِمَا يعْتَرف بِهِ من الْأُجْرَة، والقصار يُنكره، والقصار يَدعِي زِيَادَة الْأُجْرَة، وَرب الثَّوْب ينكرها (وفسخت) الْإِجَارَة بعد التَّحَالُف لِأَنَّهَا تحْتَمل الْفَسْخ قبل الْعَمَل، وَفِي الْفَسْخ دفع الضَّرَر عَن كل مِنْهُمَا (وَاسْتشْكل اخْتِصَاص قُوَّة الْأَثر وَفَسَاد الْبَاطِن مَعَ صِحَة الظَّاهِر بالاستحسان، و) اخْتِصَاص (قلبهما) أَي ضعف الْأَثر وَصِحَّة الْبَاطِن مَعَ فَسَاد الظَّاهِر (بِالْقِيَاسِ) كَمَا سبق اتبَاعا للْقَوْم، وَقَوله بالاستحسان مُتَعَلق بالاختصاص، والمستشكل صدر الشَّرِيعَة، وَقَالَ لَا دَلِيل على اخْتِصَاص مَا ذكرته (فَأجرى) بِصِيغَة الْمَجْهُول كَمَا فِي اسْتشْكل (تَقْسِيم) على مَا يَقْتَضِيهِ الْعقل بِغَيْر التَّخْصِيص (بِالِاعْتِبَارِ الأول) أَي قُوَّة الْأَثر وَضَعفه إِلَى أَرْبَعَة أَقسَام لِأَنَّهُمَا (أما قوياه) أَي قَوِيا الْأَثر (أَو ضعيفاه، أَو الْقيَاس قويه وَالِاسْتِحْسَان ضعيفه، أَو بِالْقَلْبِ) أَي الْقيَاس ضعيفه وَالِاسْتِحْسَان قويه (وَإِنَّمَا يتَرَجَّح الِاسْتِحْسَان فِيهِ) أَي فِي الْقلب (و) يتَرَجَّح (الْقيَاس فِيمَا سوى) الْقسم (الثَّانِي) وَهُوَ ضعيفاه (للظهور) كَمَا فِي الأول (وَالْقُوَّة) كَمَا فِي الثَّالِث وَالرَّابِع (أما فِيهِ) أَي فِي الثَّانِي (فَيحْتَمل سقوطهما) أَي الْقيَاس وَالِاسْتِحْسَان لضعفهما (وَضعف) التَّقْسِيم على هَذَا الْوَجْه فِي التَّلْوِيح (بقول فَخر الْإِسْلَام) وَلما صَارَت الْعلَّة عندنَا عِلّة بأثرها (فسمينا مَا ضعف أَثَره قِيَاسا، وَمَا قوى أَثَره اسْتِحْسَانًا) يُرِيد بَيَان وَجه تَسْمِيَة الِاسْتِحْسَان وَحَاصِله أَن هَذَا اللَّفْظ بِاعْتِبَار أَصله يُنبئ عَن الْحسن، وَلَيْسَ فِي مُقَابِله هَذَا الأنباء فَلَا بُد لَهُ من مزية، وَهِي قُوَّة الْأَثر الْمَقْصُود بِالذَّاتِ فِي الْعلَّة الَّتِي هِيَ منَاط الِاسْتِدْلَال. فَعلم من كَلَامه أَن قُوَّة الْأَثر مَخْصُوص بالاستحسان وَضَعفه بِالْقِيَاسِ. ثمَّ أَشَارَ إِلَى دفع التَّضْعِيف بقوله (وَالْكَلَام) فِي أَمْثَال هَذِه التقسيمات (فِي) بَيَان (الِاصْطِلَاح وَهُوَ) أَي الِاصْطِلَاح للحنفية وَاقع (على اعْتِبَار الخفاء فِيهِ) أَي الِاسْتِحْسَان (وَفِي أَثَره) مَعْطُوف على فِيهِ (وفساده) مَعْطُوف على أَثَره فَعلم أَن مدَار الْفرق بَين الِاسْتِحْسَان وَالْقِيَاس فِي الِاصْطِلَاح على الخفاء والظهور، لَا على ضعف الْأَثر وقوته فَإِنَّهُمَا اعتبروا الخفاء فِي نفس الِاسْتِحْسَان وَفِي أَثَره وَفِي فَسَاده والظهور فِي جَانب الْقيَاس على هَذَا الْوَجْه، وَقد نقل الشَّارِح عَن فَخر الْإِسْلَام مَا يُفِيد هَذَا الَّذِي ذكر، وَأَن الْقُوَّة والضعف من حَيْثُ الْأَثر يُوجد فِي كل من الْقيَاس وَالِاسْتِحْسَان، فَمَا نقل عَنهُ فِي وَجه الضعْف يحْتَاج إِلَى التَّأْوِيل (وَبِالثَّانِي) مَعْطُوف على قَوْله
(4/84)

بِالِاعْتِبَارِ الأول: أَي وأجرى تقسم لَهما بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي وَهُوَ الْفساد أَو الصِّحَّة من حَيْثُ الْبَاطِن أَو الظَّاهِر وَهُوَ أَنَّهُمَا بالتقسيم الْعقلِيّ (إِمَّا صَحِيحا الظَّاهِر وَالْبَاطِن أَو فاسداهما أَو الْقيَاس فَاسد الظَّاهِر صَحِيح الْبَاطِن وَالِاسْتِحْسَان قلبه) أَي صَحِيح الظَّاهِر فَاسد الْبَاطِن (أَو قلبه) أَي الْقيَاس صَحِيح الظَّاهِر فَاسد الْبَاطِن، وَالِاسْتِحْسَان فَاسد الظَّاهِر صَحِيح الْبَاطِن (فصور الْمُعَارضَة بَينهمَا) أَي الْقيَاس وَالِاسْتِحْسَان (سِتّ عشرَة) حَاصِلَة (من) ضرب (أَرْبَعَة) الْقيَاس: صَحِيح الظَّاهِر وَالْبَاطِن، فاسدهما، فَاسد الظَّاهِر صَحِيح الْبَاطِن، قلبه (فِي أَرْبَعَة) الِاسْتِحْسَان نظائرها فَإنَّك إِذا ضممت وَاحِدًا من أَرْبَعَة الْقيَاس مَعَ كل وَاحِد من أَرْبَعَة الِاسْتِحْسَان حصل أَربع صور تركيبية، وَهَكَذَا إِلَى آخرهَا، وَإِذا كَانَت صور الْمُعَارضَة سِتّ عشرَة كَانَ مَجْمُوع القياسات والاستحسانات بِاعْتِبَار الاقترانات اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ فَاحْتَاجَ إِلَى بَيَان كل وَاحِد مِنْهَا بِاعْتِبَار التَّرْجِيح والإسقاط فَقَالَ (فصحيحهما) أَي الظَّاهِر وَالْبَاطِن (من الْقيَاس يقدم لظُهُوره أَو صِحَّته) على سَبِيل منع الْخُلُو (على) جَمِيع (أَقسَام الِاسْتِحْسَان) الْمُعَارضَة لَهُ (و) هِيَ أَرْبَعَة (لَا شكّ فِي رد فاسدهما) أَي الظَّاهِر وَالْبَاطِن (مِنْهُ) أَي من الْقيَاس سَوَاء كَانَ مَا يُقَابله من الِاسْتِحْسَان صَحِيحهمَا أَو فاسدهما أَو صَحِيح الظَّاهِر فَاسد الْبَاطِن أَو قلبه، فَإِن رد فاسدهما مِنْهُ لَا يسْتَلْزم قبُول مَا يُقَابله (فَتسقط أَرْبَعَة) من الْقيَاس حَاصِلَة من تركيب الْقيَاس الْفَاسِد ظَاهرا وَبَاطنا مَعَ كل وَاحِد من أَرْبَعَة الِاسْتِحْسَان: كَمَا سقط أَرْبَعَة من الِاسْتِحْسَان حَاصِلَة من تركيب الْقيَاس الصَّحِيح ظَاهرا وَبَاطنا مَعَ كل وَاحِد من أَرْبَعَة الِاسْتِحْسَان بِسَبَب التَّقْدِيم الْمَذْكُور، فقد علم بذلك حَال ثَمَانِيَة من صور الْمُعَارضَة وَحكم طرفِي كل مِنْهُمَا من حَيْثُ التَّرْجِيح والسقوط، فَإِن بعض الاستحسانات الْمُقَابلَة لهَذِهِ الْأَرْبَعَة سَاقِط كالفاسد ظَاهرا وَبَاطنا أَو بَاطِنا فَقَط وَبَعضهَا غير سَاقِط مِمَّا سواهُمَا فَحِينَئِذٍ (تبقى ثَمَانِيَة) من الْقيَاس أَو الصُّور حَاصِلَة (من) تركيب (بَاقِي حالات الْقيَاس) أَي حالاته الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَة، وهما كَونه فَاسد الظَّاهِر صَحِيح الْبَاطِن وَقَلبه (مَعَ أَرْبَعَة الِاسْتِحْسَان) فَالْحَاصِل من تركيب كل وَاحِد من حالتي الْقيَاس مَعَ كل وَاحِد من أَربع الِاسْتِحْسَان أَرْبَعَة فَيتَحَقَّق حِينَئِذٍ ثَمَانِيَة من الصُّور الْمَذْكُورَة للمعارضة، وَحكم هَذِه الثَّمَانِية أَنه (يقدم صَحِيحهمَا) أَي الظَّاهِر وَالْبَاطِن (مِنْهُ) أَي الِاسْتِحْسَان (عَلَيْهِمَا) أَي على بَاقِي حالات الْقيَاس، وَقد عرفت أَنَّهُمَا يتحققان فِي الصُّور الثَّمَانِية لصِحَّته ظَاهرا وَبَاطنا وَعدم تحقق صِحَّته، كَذَا فِيمَا يُقَابله (وَيرد فاسدهما) أَي الظَّاهِر وَالْبَاطِن من الِاسْتِحْسَان لفساده ظَاهرا وَبَاطنا، وَمُقَابِله إِن كَانَ فَاسد الظَّاهِر صَحِيح الْبَاطِن لَا يرد، وَإِن كَانَ عَكسه يرد (تبقى أَرْبَعَة) من تركيب بَاقِي كل من الْقيَاس وَالِاسْتِحْسَان (من) الآخرين فباقي الِاسْتِحْسَان اسْتِحْسَان صَحِيح
(4/85)

الظَّاهِر فَاسد الْبَاطِن وَعَكسه، و (بَاقِي) الْقيَاس قِيَاس صَحِيح الظَّاهِر فَاسد الْبَاطِن وَعَكسه، وَحَاصِل ضرب الِاثْنَيْنِ فِي الِاثْنَيْنِ يكون أَرْبَعَة، وَكَون هذَيْن الاستحسانين وهذين القياسين باقيين بِاعْتِبَار هَذَا التَّرْكِيب لَا يُنَافِي كَون (كل) مِنْهُمَا مَذْكُورا فِي التراكيب السَّابِقَة (فالاستسحان الصَّحِيح الْبَاطِن الْفَاسِد الظَّاهِر) إِذا قوبل (مَعَ عَكسه) أَي فَاسد الْبَاطِن صَحِيح الظَّاهِر (من الْقيَاس مقدم) على عَكسه من الْقيَاس (وَفِي قلبه) أَي الِاسْتِحْسَان الْفَاسِد الْبَاطِن صَحِيح الظَّاهِر مَعَ عَكسه من الْقيَاس (الْقيَاس) يقدم على الِاسْتِحْسَان (كَمَا مَعَ الِاسْتِحْسَان الصَّحِيح الْبَاطِن الخ) أَي الْفَاسِد الظَّاهِر (مَعَ مثله) صَحِيح الْبَاطِن فَاسد الظَّاهِر (من الْقيَاس) يَعْنِي عومل مَعَ قلب الصُّورَة الأولى كَمَا عومل مَعَ الِاسْتِحْسَان إِلَى آخِره من تَقْدِيم الْقيَاس عَلَيْهِ (للظهور) يَعْنِي لما اسْتَويَا من حَيْثُ الصِّحَّة بِحَسب الْبَاطِن وَالْفساد بِحَسب الظَّاهِر رجح الْقيَاس لظُهُوره (وَيرد قلبهما) أَي صَحِيح الظَّاهِر فَاسد الْبَاطِن من كل من الْقيَاس وَالِاسْتِحْسَان لَا أَن الْقيَاس مقدم على الِاسْتِحْسَان (قيل) وَالْقَائِل صدر الشَّرِيعَة (وَالظَّاهِر امْتنَاع التَّعَارُض فِي هذَيْن) أَو التصويرين الْمشَار إِلَى أَحدهمَا بقوله كَمَا مَعَ إِلَى قَوْله مَعَ مثله، وَإِلَى الآخر بقوله وَيرد قلبهما (و) كَذَا (الظَّاهِر امْتنَاع التَّعَارُض وَفِي قوى الْأَثر) من الْقيَاس وَالِاسْتِحْسَان (للُزُوم التَّنَاقُض فِي الشَّرْع) حَاصِل كَلَام صدر الشَّرِيعَة هُنَا أَن الِاسْتِحْسَان الصَّحِيح الظَّاهِر الْفَاسِد الْبَاطِن أَو بِالْعَكْسِ إِذا وَقع فِي مُقَابلَة قِيَاس مَوْصُوف بِأحد شقي الترديد إِن اخْتلفَا نوعا، فَلَا شكّ أَن مَا صَحَّ بَاطِنه وَفَسَد ظَاهره أقوى مِمَّا هُوَ على الْعَكْس سَوَاء كَانَ قِيَاسا أَو اسْتِحْسَانًا، وَإِن اتحدا نوعا فتحققهما على هَذِه الصّفة خلاف الظَّاهِر وَلم نجده، وَذَلِكَ لِأَن صِحَة الْقيَاس تَسْتَلْزِم تعْيين الشَّارِع عِلّة تناسب الحكم الَّذِي يفِيدهُ ذَلِك الْقيَاس فَإِن صَحَّ قِيَاس آخر مُخَالف لَهُ مُفِيد خلاف الحكم الأول استلزم تعينه عِلّة أُخْرَى مُخَالفَة لتِلْك الْعلَّة مُنَاسبَة لهَذَا الحكم، وَهَذَا تنَاقض فِي الشَّرْع، ثمَّ قَالَ فَعلم أَن تعَارض قياسين صَحِيحَيْنِ فِي الْوَاقِع مُمْتَنع، وَإِنَّمَا يَقع التَّعَارُض لجهلنا بِالصَّحِيحِ وَالْفَاسِد، وَكَذَا يمْتَنع بَين قِيَاس قوي الْأَثر واستحسان كَذَلِك، وَكَذَا بَين قِيَاس صَحِيح الظَّاهِر وَالْبَاطِن واستحسان كَذَلِك، وَكَذَا بَين قِيَاس فَاسد الظَّاهِر صَحِيح الْبَاطِن واستحسان كَذَلِك أه أَقُول: وَلَا يخفى أَن هَذَا الدَّلِيل إِنَّمَا يُفِيد عدم تحقق صحتي المتعديين مَعًا فِي نفس الْأَمر، لَا فِي نظر الْمُجْتَهد، كَيفَ وكل من الْمُجْتَهدين فِي المسئلة الخلافية يعْتَقد صِحَة قِيَاسه، وَقد لَا يظْهر عِنْد أَحدهمَا فَسَاد قِيَاس الآخر، غير أَنه ترجح قِيَاسه بمرجح، ومدار التَّقْسِيم على مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ نظره، لَا على مَا فِي نفس الْأَمر لِأَنَّهُ خَارج عَمَّا يفِيدهُ الِاجْتِهَاد، وَلَعَلَّ المُصَنّف بِصِيغَة التمريض يُشِير إِلَى مَا ذكرنَا، ثمَّ إِنَّهُم ذكرُوا فِي بعض صور اتِّحَاد النَّوْع تَرْجِيح الْقيَاس للظهور كَمَا سبق ذكره فَقَالَ (ويقليل تَأمل ينتفى التَّرْجِيح بالظهور أَي التبادر)
(4/86)

إِلَى الذِّهْن (إِذْ لَا أثر لَهُ) أَي الظُّهُور (مَعَ اتِّحَاد جِهَة الْإِيجَاب) للْحكم بِأَن يكون المتعارضان من الْقيَاس وَالِاسْتِحْسَان صَحِيحَيْنِ ظَاهرا وَبَاطنا أَو بَاطِنا مَعَ فَسَاد ظاهرهما (بل يطْلب التَّرْجِيح إِن جَازَ تعارضهما) مَعَ اتِّحَاد جِهَة الْإِيجَاب (بِمَا) يتَعَلَّق بالترجيح الْمَذْكُور (تترجح بِهِ الأقيسة المتعارضة) فِي الْمُتَبَادر لَيْسَ مِنْهُ، وَلَا فرق بَين الْمُتَبَادر وَغَيره (غير أَنا لَا نسمي أَحدهمَا) وَهُوَ الْمُتَبَادر اسْتِحْسَانًا اصْطِلَاحا) أَي تَسْمِيَة بِحَسب الِاصْطِلَاح، وَهَذَا أَمر لَفْظِي لَا يصلح فارقا بَينهمَا فلنتم المباحث بِذكر الترجيحات عِنْد التَّعَارُض فَنَقُول:

(وَهَذِه) إِشَارَة إِلَى مَا سَيذكرُ من الْوُجُوه فَإِنَّهَا حَاضِرَة فِي الذِّهْن
(تَتِمَّة فِيهِ) أَي فِيمَا يتَرَجَّح بِهِ الأقيسة المتعارضة
(يقدم) الْقيَاس الَّذِي هُوَ (مَنْصُوص الْعلَّة) بِأَن تكون علته ثَابِتَة بِالنَّصِّ (صَرِيحًا على مَا) أَي الثَّابِت علته (بإيماء) وَإِشَارَة من غير تَصْرِيح، لِأَن التَّصْرِيح أقرب إِلَى الْقطع (و) يقدم (مَا) ثَبت علته (بقطعي) أَي بِدَلِيل قَطْعِيّ (على مَا) ثَبت علته (بظني، و) يقدم (مَا غلب ظَنّه) أَي علته على مَا لَا يغلب، فَإِن الظَّن مَرَاتِب بَعْضهَا أقرب إِلَى الْقطع (وَيَنْبَغِي تَقْدِيم) الْقيَاس الْمُشْتَمل على الْعلَّة (ذَات الاجماع الْقطعِي) بِأَن ثَبت عليتها بِالْإِجْمَاع الْقطعِي، لَا الْإِجْمَاع الظني كَمَا عرفت فِي مبَاحث الْإِجْمَاع (على) الْقيَاس الْمُشْتَمل على الْعلَّة (المنصوصة) بِغَيْرِهِ وَإِن كَانَ قَطْعِيا، كَذَا ذكره الشَّارِح، وَالظَّاهِر أَن المُرَاد المنصوصة بِغَيْر قَطْعِيّ، غير أَنه أيد مَا ذكره بِأَن قَطْعِيّ الاجماع لَا يحْتَمل النّسخ بِخِلَاف غَيره وَيرد عَلَيْهِ مَا ثَبت بِنَصّ قَطْعِيّ مُحكم لَا يحْتَمل النّسخ، وَلَا نقل عَن السُّبْكِيّ تَقْدِيم الْقيَاس الثَّابِت علته بِالْإِجْمَاع الْقطعِي على الثَّابِت علته بِالنَّصِّ الْقطعِي (و) يقدم (مَا) ثَبت علته (بِالْإِيمَاءِ على مَا) ثَبت علته (بالمناسبة) عِنْد الْجُمْهُور لما فِيهَا من الِاخْتِلَاف، وَلِأَن الشَّارِع أولى بتعليل الْأَحْكَام، وَذهب الْبَيْضَاوِيّ إِلَى تَقْدِيم المنسابة على الْإِيمَاء لِأَنَّهَا تَقْتَضِي وَصفا مناسبا بِخِلَاف الْإِيمَاء، لِأَن تَرْتِيب الحكم يشْعر بالعلية سَوَاء كَانَ مناسبا أَولا، وَإِذا توافقا فِي الثُّبُوت بالمناسبة (فَمَا) أَي الْقيَاس الَّذِي (عرف بِالْإِجْمَاع تَأْثِير عينه) أَي عين وَصفه (فِي عينه) أَي الحكم (أولى بالتقديم على مَا عرف بِهِ) أَي الْإِجْمَاع (تَأْثِير جنسه) أَي جنس وَصفه (فِي نَوعه) أَي الحكم كَمَا لَا يخفى (وَهَذَا) الَّذِي عرف تَأْثِير جنسه فِي نَوعه (أولى من عَكسه) وَهُوَ مَا عرف بِالْإِجْمَاع تَأْثِير نَوعه فِي جنس الحكم، لِأَن اعْتِبَار شَأْن الْمَقْصُود أهم من اعْتِبَار شَأْن الْعلَّة، وَقيل بِالْعَكْسِ، لِأَن الْعلَّة هِيَ الْعُمْدَة فِي التَّعْدِيَة، فَإِن تَعديَة الحكم فرع تعديتها (وكل مِنْهُمَا) أَي هذَيْن (أولى من الْجِنْس فِي الْجِنْس) أَي فِيمَا عرف فِيهِ تَأْثِير جنس الْوَصْف فِي جنس الحكم (ثمَّ
(4/87)

الْجِنْس الْقَرِيب فِي الْجِنْس الْقَرِيب) أولى (من) الْجِنْس (غير الْقَرِيب) فِي غير الْقَرِيب وَلَا يخفى عَلَيْك أَن الْقرب فِي أحد الْجَانِبَيْنِ خير من الْبعد فيهمَا، ثمَّ الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب (وَتقدم) فِي المرصد الأول فِي تَقْسِيم الْعلَّة (أَن الْمركب أولى من الْبَسِيط) وَذكر هُنَاكَ وَجهه. (وأقسام المركبات) يقدم فِيهَا (مَا تركيبه أَكثر) على مَا تركيبه أقل (وَمَا تركب من راجحين أولى مِنْهُ) أَي من الْمركب (من مسَاوٍ ومرجوح) فضلا عَن الْمركب من مرجوحين (فَيقدم مَا) أَي الْمركب (من تَأْثِير الْعين فِي الْعين وَالْجِنْس الْقَرِيب على مَا) أَي الْمركب (من) تَأْثِير (الْعين فِي الْجِنْس الْقَرِيب وَالْجِنْس فِي الْعين، وَيظْهر بِالتَّأَمُّلِ فِيمَا سبق أَقسَام) أخر، فِي التَّلْوِيح كالمركبين الْمُشْتَمل كل مِنْهُمَا على رَاجِح ومرجوح فَإِنَّهُ يقدم فِيهِ مَا يكون فِي جَانب الحكم على مَا يكون فِي جَانب الْعلَّة انْتهى. وَقد أَشرت بِقَوْلِي: وَلَا يخفى إِلَى بَعْضهَا آنِفا (وللشافعية ترجح المظنة على الْحِكْمَة) أَي التَّعْلِيل بِالْوَصْفِ الْحَقِيقِيّ الَّذِي هُوَ مَظَنَّة الحكم على التَّعْلِيل بِنَفس الْحِكْمَة لمَكَان الِاخْتِلَاف فِي الثَّانِي دون الأول (وَيَنْبَغِي) أَن يكون هَذَا (عِنْد عدم انضباطها) أَي الْحِكْمَة. حكى الْآمِدِيّ فِي جَوَاز التَّعْلِيل بالحكمة ثَلَاثَة مَذَاهِب: الْمَنْع مُطلقًا عَن الْأَكْثَرين، وَالْجَوَاز مُطلقًا وَرجحه الرَّازِيّ والبيضاوي، والجوازان كَانَت ظَاهِرَة منضبطة بِنَفسِهَا وَإِلَّا فَلَا وَهُوَ مُخْتَار الْآمِدِيّ (ثمَّ الْوَصْف الوجودي) أَي التَّعْلِيل بِهِ للْحكم الوجوي أَو العدمي على التَّعْلِيل بالعدمى أَو الوجودي للعدمي (وَالْحكم الشَّرْعِيّ) أَي يتَرَجَّح التَّعْلِيل بِهِ على التَّعْلِيل بِغَيْرِهِ (والبسيط) أَي ويترجح التَّعْلِيل بِالْوَصْفِ الْبَسِيط على التَّعْلِيل بِالْوَصْفِ الْمركب لِأَنَّهُ مُتَّفق عَلَيْهِ، وَالِاجْتِهَاد فِيهِ أقل فيبعد عَن الْخَطَأ، بِخِلَاف الْمركب (وَالْحَنَفِيَّة) على أَن الْبَسِيط (كالمركب) وَلما كَانَ هَذَا يُوهم التدافع بَينه وَبَين مَا سبق من تَقْدِيم الْمركب قَالَ (وَلَيْسَ الْبَسِيط مُقَابلا لذَلِك الْمركب) الْمَذْكُور آنِفا فَإِن المُرَاد بِهِ ثمت وصف مُتَعَدد جِهَات اعْتِبَاره من حَيْثُ الْعين فِي الْعين وَالْجِنْس فِي الْعين أَو فِي الْجِنْس إِلَى غير ذَلِك، وَإِن كَانَ فِي ذَاته بسيطا. وَالْمرَاد هَهُنَا ذُو جزءين فَصَاعِدا (وَمَا بالمناسبة) أَي ويترجح التَّعْلِيل بِالْوَصْفِ الثَّابِت علته بالمناسبة (أَي الإخالة على مَا بالشبه والدوران) وَقد سبق تَعْرِيفهَا وتفصيلها: أَي على التَّعْلِيل بِالْوَصْفِ الثَّابِت عليته بِأحد هذَيْن لاشتمالها على الْمصلحَة، ثمَّ مَا بالشبه على مَا بالدوران لقُرْبه من الْمُنَاسبَة (وَمَا بالسبر) وَقد سبق (عَلَيْهِمَا) أَي على مَا بالشبه وعَلى مَا بالدوران، على مَا اخْتَارَهُ الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب (وَعلل) تَرْجِيح مَا بالسبر عَلَيْهِمَا (بِمَا فِيهِ) أَي السبر (من التَّعَرُّض لنفي الْمعَارض وَقد يُقَال فَكَذَا الدوران) يتَرَجَّح الْوَصْف الثَّابِت بِهِ على الثَّابِت بِغَيْرِهِ (لزِيَادَة إِثْبَات الانعكاس) لِأَن الْعلَّة المستفادة مِنْهُ مطردَة منعكسة، بِخِلَاف غَيره (وَيلْزمهُ) أَي تَقْدِيم الدوران بِمَا ذكر (تَقْدِيم مَا بالسير على
(4/88)

مَا بالدوران) لتحَقّق هَذِه الزِّيَادَة مَعَ أُخْرَى كَمَا أَفَادَ بقوله (لانعكاس علته) أَي الْعلَّة الثَّابِتَة بِهِ (للحصر) أَي لحصر السبر الْأَوْصَاف الصَّالِحَة للعلية فِي عدد، ثمَّ إِلْغَاء الْبَعْض لتعيين الْبَاقِي، فَإِن الْعلَّة لَو لم تنعكس حِينَئِذٍ للُزُوم وجود الحكم بِلَا عِلّة (وَيزِيد) على الدوران (بِنَفْي الْمعَارض فَيبْطل مَا قيل) وَالْقَائِل الْبَيْضَاوِيّ (من عَكسه) بَيَان للموصول: أَي تَقْدِيم مَا بالدوران على مَا بالسبر، وَفِي الْمَحْصُول إِذا كَانَ السبر مَقْطُوعًا بِهِ فَالْعَمَل بِهِ مُتَعَيّن، وَلَيْسَ من قبيل التَّرْجِيح (وَلَا يتَصَوَّر) مَا ذكر من الترجيحات (للحنفية) لعدم صِحَة هَذِه الطّرق عِنْدهم، وَمن قَالَ بالسير مِنْهُم لتعيين الْعَمَل بِهِ عِنْده، وَمَا عداهُ سَاقِط لَا يصلح للمعارضة (والضرورية على الحاجية، والدينية مِنْهَا على غَيرهَا) أَي عِنْد تعَارض أَقسَام الْمُنَاسبَة التَّرْجِيح بِقُوَّة الْمصلحَة فترجح الْمَقَاصِد الْخَمْسَة الضرورية: حفظ الدّين، وَالنَّفس، وَالْعقل، وَالنّسب، وَالْمَال على مَا سواهَا من الحاجية وَغَيرهَا، وترجح الدِّينِيَّة من أَقسَام الضرورية على غَيرهَا مِمَّا ذكر على مَا مر فِي المرصد الأول فِي تَقْسِيم الْعلَّة (وَهِي) أَي الحاجية تقدم (على مَا بعْدهَا) من التحسينية (ومكمل كل) من الضرورية والحاجية والتحسينية (مثله) أَي مثل مَا يكمل بِهِ (فمكمله) أَي الضَّرُورِيّ يرجح (على الحاجي وَعنهُ) أَي عَن كَون مكمل كل مثله (ثَبت) شرعا (فِي) شرب (قَلِيل الْخمر) من الْحَد (مَا) ثَبت (فِي) شرب (كثيرها، وَيقدم حفظ الدّين) من الضروريات على غَيره لِأَنَّهُ الْمَقْصُود والأعظم بِهِ السَّعَادَة السرمدية (ثمَّ) يقدم حفظ (النَّفس) على حفظ النّسَب وَالْعقل وَالْمَال، لِأَن الْكل فرع بَقَاء النَّفس (ثمَّ) يقدم حفظ (النّسَب) على الْبَاقِي لِأَنَّهُ بَقَاء النَّوْع بالتناسل من غير زنا فبتحريمه لَا يحصل اخْتِلَاط النّسَب فينسب الْوَلَد إِلَى شخص وَاحِد فيهتم بتربيته (ثمَّ) يقدم حفظ (الْعقل) على حفظ المَال، لِأَن الْإِنْسَان بفواته يلْتَحق بِالْحَيَوَانِ، وَمن ثمت يجب بتفويته مَا يجب بتفويت النَّفس من الدِّيَة الْكَامِلَة (ثمَّ) حفظ (المَال، وَقيل) يقدم (المَال) أَي حفظه فضلا عَن حفظ الْعقل وَالنّسب وَالنَّفس (على) حفظ (الدّين) كَمَا حَكَاهُ غير وَاحِد لِأَنَّهَا حق الْآدَمِيّ الضَّعِيف، وَهُوَ يتَضَرَّر بفواته، وَالدّين حق الله تَعَالَى الْقوي المتعال عَن التضرر بفواته (وَلذَا) أَي لتقديمه على الدّين (تتْرك الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة لحفظه) أَي المَال (وَلأبي يُوسُف تقطع) الصَّلَاة (للدرهم) فِي الْخُلَاصَة وَلَو سرق مِنْهُ أَو من غَيره دِرْهَم يقطع الْفَرْض انْتهى، وَذكروا أَن مَا دون الدِّرْهَم حقير فَلَا يقطع لأَجله الصَّلَاة (وَقدم الْقصاص على قتل الرِّدَّة) عِنْد وجوب الْقَتْل بِكُل مِنْهُمَا لكَونه حق العَبْد (ورد) كَون تَقْدِيم الْقصاص لأجل مَا ذكر (بِأَن فِي الْقصاص حَقه تَعَالَى) وَلذَا يحرم عَلَيْهِ قتل نَفسه، فالتقديم باجتماع الْحَقَّيْنِ، وَمَا ذكره الْأَبْهَرِيّ من أَن الْقصاص لَو كَانَ فِيهِ حق الله تَعَالَى لَكَانَ للْإِمَام أَن يقْتَصّ وَإِن عَفا ولي الدَّم كَمَا فِي قطع السّرقَة مَدْفُوع بِأَن الْغَالِب فِي الْقصاص
(4/89)

حق العَبْد، وَأما حد السّرقَة فَحق الله تَعَالَى على الخلوص (وَالْأول) أَي ترك الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة لحفظ المَال (لَيْسَ مِنْهُ) أَي من تَقْدِيم المَال على الدّين (إِذْ لَهُ) أَي لتركهما (خلف) يجبران بِهِ، وَهُوَ الظّهْر والانفراد، وَقد يُقَال: خُصُوصِيَّة الْجُمُعَة مَطْلُوبَة، وَالْجَمَاعَة سنة مُؤَكدَة، وَلذَا يَأْثَم وَإِن صلى الظّهْر إِذا لم يكن لَهُ عذر، وَينْقص أجره كثيرا بالانفراد، فَلَا بُد من فَوَات أَمر ديني فِي كل مِنْهُمَا وَإِن لم يفت أصل فرض الْوَقْت فَتَأمل (وَأما) تَرْجِيح أحد القياسين على الآخر الْمعَارض لَهُ (بترجيح دَلِيل حكم أَصله على دَلِيل حكم) الأَصْل (الآخر) ككون دَلِيل حكم أصل أَحدهمَا متواترا أَو مَشْهُورا أَو حَقِيقَة أَو صَرِيحًا أَو عبارَة، بِخِلَاف الآخر (فللنصوص بِالذَّاتِ) أَي فَذَلِك التَّرْجِيح ثَابت للنصوص بِالذَّاتِ، وللقياس بالتبع، وَقد تقدم فِي فصل التَّرْجِيح (وَتَركنَا أَشْيَاء متبادرة) إِلَى الْفَهم من وُجُوه تَرْجِيح الأقيسة لظهورها للمتيقن مَا سبق من المباحث كانضباط عِلّة أَحدهمَا: أَو جامعيتها ومانعيتها من حَيْثُ الْحِكْمَة، بِخِلَاف الآخر إِلَى غير ذَلِك (وتتعارض المرجحات) للمتعارضين من الأقيسة (فَيحْتَمل) التَّرْجِيح (الِاجْتِهَاد) أَي يسوغه (كالملايمة والبسيطة) يَعْنِي أَن الْقيَاس بعلة ثبتَتْ عليتها بالملائمة ترجح على مَا بالدوران، فَلَو كَانَت الملائمة مركبة، والمطردة المنعكسة بسيطة تعَارض المرجحات، وَاحْتمل التَّرْجِيح الِاجْتِهَاد، كَذَا نقل الشَّارِح عَن المُصَنّف. (وَعَادَة الْحَنَفِيَّة ذكر أَرْبَعَة) من مرجحات الْقيَاس (قُوَّة الْأَثر والثبات على الحكم وَكَثْرَة الْأُصُول وَالْعَكْس، فَأَما قُوَّة الْأَثر) أَي التَّأْثِير (فَمَا ذكر من) قوته فِي بعض أَقسَام (الْقيَاس، و) فِي بعض أَقسَام (الِاسْتِحْسَان) فِي ضمن التَّقْسِيم والتمثيل (وَمِنْه) أَي من تَرْجِيح أحد القياسين بِقُوَّة الْأَثر مَا ذكر (فِي جَوَاز نِكَاح الْأمة) للْحرّ (مَعَ طول الْحرَّة) أَي قدرته على تزَوجهَا بتمكنه من مهرهَا ونفقتها، وَالْأَصْل الطول على الْحرَّة، فاتسع بِحَذْف الْجَار، وَإِضَافَة الْمصدر إِلَى الْمَفْعُول من قَوْلهم (يملكهُ) أَي نِكَاح الْأمة (العَبْد) مَعَ طول الْحرَّة بِإِذن مَوْلَاهُ لَهُ فِي نِكَاح من شَاءَ من حرَّة أَو أمة وَدفع مَا يصلح مهْرا لَهَا (فَكَذَا الْحر) يملكهُ مَعَ الطول. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يجوز لَهُ قِيَاسا على الْحر الَّذِي تَحْتَهُ حرَّة، فَإِنَّهُ يحرم عَلَيْهِ إِجْمَاعًا، فَإِن قِيَاس نِكَاح الْحر إِيَّاهَا على نِكَاح العَبْد الْمَذْكُور (أقوى من قِيَاسه) أَي نِكَاح الْحر (على نِكَاح الْأمة على الْحرَّة بِجَامِع ارقاق مائَة مَعَ غنيته) عَن ارقاقه إِذْ الارقاق اهلاك معنى لِأَنَّهُ أثر الْكفْر وَالْكفْر موت حكما فَلَا يُبَاح إِلَّا عِنْد الْعَجز عَن نِكَاح الْحرَّة. ثمَّ علل كَونه أقوى بقوله (لِأَن أثر الْحُرِّيَّة) أَي حريَّة الناكح (فِي اتساع الْحل) بِأَن يحل لَهُ مَا شَاءَ من حرَّة أَو أمة (أقوى من) أثر لُزُوم (الرّقّ) للْمَاء (فِيهِ) أَي اتساع الْمحل: بِأَن يَنْفِيه فَلَا يَسعهُ إِلَّا نِكَاح الْحرَّة، وَإِنَّمَا حكمنَا بِكَوْن التَّأْثِير الأول أقوى (تَشْرِيفًا) للْحرّ فِي
(4/90)

الاتساع (كَالطَّلَاقِ) فَإِن كَونه ثَلَاثًا يتبع الْحُرِّيَّة، غير أَنا اعْتبرنَا فِي جَانب الْمَرْأَة، وَالشَّافِعِيّ فِي جَانب الزَّوْج (وَالْعدة) فَإِنَّهَا فِي حق الْحرَّة ثَلَاثَة قُرُوء، وَثَلَاثَة أشهر وَأَرْبَعَة أشهر وَعشرَة أَيَّام. وَفِي حق الْأمة قُرْآن وَشهر وَنصف وشهران وَخَمْسَة أَيَّام (والتزوج) فَإِنَّهُ يُبَاح للْحرّ أَربع وَلِلْعَبْدِ ثِنْتَانِ. وَلَا شكّ أَن قياسنا يقوى أَثَره بِهَذِهِ الشواهد (وَكثير) مَعْطُوف على الطَّلَاق وككثير من الْأَحْكَام الْمُشْتَملَة على الاتساع تَشْرِيفًا للْحرّ من التمليكات وَغَيرهَا، فالتوسعة على العَبْد، والتضييق على الْحر قلب الْمَشْرُوع وَعكس الْمَعْقُول. وَمَا فِي التَّلْوِيح من أَن هَذَا التَّضْيِيق من بَاب الْكَرَامَة حَيْثُ منع الشريف من تزوج الخسيس مَعَ مَا فِيهِ من مَظَنَّة الارقاق: وَذَلِكَ كَمَا جَازَ نِكَاح الْمَجُوسِيَّة للْكَافِرِ دون الْمُسلم انْتهى، دفع بِأَنَّهُ لَا خسة كالكفر، وَقد جَازَ تجوز الْمُسلم الْقَادِر على الْحرَّة الْمسلمَة بِالْكَفَّارَةِ الْكِتَابِيَّة، وَفِي كَلَام المُصَنّف أَيْضا إِشَارَة إِلَى دَفعه حَيْثُ قَالَ (وَمنع) الشَّارِع من (الارقاق وَإِن تضمنه) أَي الشريف (لكنه) أَي الارقاق بتزوج الْأمة (مُنْتَفٍ لِأَن اللَّازِم) من تزَوجهَا (الِامْتِنَاع عَن) تَحْصِيل إِيجَاد (الْجُزْء) أَي الْوَلَد (الْحر) إِذْ المَاء لَا يُوصف بِالرّقِّ وَالْحريَّة، بل هُوَ قَابل لِأَن يُوجد مِنْهُ الْحر وَالرَّقِيق فَتَزَوجهَا ترك مُبَاشرَة سَبَب الْحُرِّيَّة، وَحين يخلق رَقِيقا (لَا) أَن اللَّازِم مِنْهُ (ارقاقه) أَي الْجُزْء بَان يتنقل من الْحُرِّيَّة إِلَى الرّقّ (وَلَو ادّعى أَنه) أَي الِامْتِنَاع من الْجُزْء الْحر هُوَ (المُرَاد بالارقاق نقض بِنِكَاح العَبْد الْقَادِر) على طول الْحرَّة (أمة لِأَن مَاءَهُ) إِذا خلق مِنْهُ ولد فِي الْحرَّة (حر إِذْ الرّقّ من الْأُم لَا الْأَب) وَهُوَ جَائِز اتِّفَاقًا وَالْفرق بَين الامتناعين لَا عِبْرَة بِهِ (و) نقض (بعزل الْحر) عَن أمته مُطلقًا، وَعَن زَوجته الْحرَّة بِرِضَاهَا، وبنكاح الصَّغِيرَة والعجوز والعقيم، فَإِنَّهُ اتلاف حَقِيقَة، والارقاق اتلاف حكما (وَمِنْه) أَي من التَّرْجِيح بِقُوَّة الْأَثر تَرْجِيح الْقيَاس لنفي استنان تثليث مسح الرَّأْس على الْقيَاس لاستنانه كَمَا ذهب إِلَيْهِ الشَّافِعِي، وَهُوَ مسح الرَّأْس (مسح فَلَا يثلث كالخف) أَي كمسحه فَإِنَّهُ (أقوى أثرا من قِيَاسه) وَهُوَ (ركن فيثلث كالمغسول) أَي كَغسْل الْوَجْه أَو الْيَدَيْنِ أَو الرجلَيْن، وَقَوْلنَا أقوى أثرا (بعد تَسْلِيم تَأْثِيره) أَي كَونه ركنا فِي التَّثْلِيث (فِي الأَصْل) وَهُوَ المغسول وَهُوَ مَمْنُوع. ثمَّ بَين كَونه أقوى بقوله (فَإِن شَرعه) أَي مسح الرَّأْس (مَعَ إِمْكَان) اسْتِيعَاب (شرع غسل الرَّأْس وخصوصا مَعَ عدم اسْتِيعَاب الْمحل) أَي الرَّأْس بِالْمَسْحِ فرضا (لَيْسَ إِلَّا للتَّخْفِيف) وَهُوَ فِي عدم التّكْرَار فَالْحَاصِل أَنا لَا نسلم أَن كَون الْغسْل ركنا أثر فِي تثليث المغسول، وعَلى تَقْدِير تَسْلِيم تَأْثِيره يعْتَبر فِيهِ عدم الْمَانِع وَهُوَ شَرعه للتَّخْفِيف وَهُوَ لمَانع مَوْجُود فِي مسح الرَّأْس (وَإِلَّا فقد نقض طردا وعكسا) يَعْنِي أَن كل مَا ذكرنَا كَانَ بحثا على تَقْدِير التَّسْلِيم، وَإِن لم يسلم تَأْثِير الركنية فِي التَّثْلِيث، فَهُوَ موجه بِأَنَّهُ قد نقض تَأْثِير الركنية
(4/91)

فِيهِ من حَيْثُ الاطراد لكَون التَّثْلِيث قد يُفَارق الركنية، وَمن حَيْثُ الانعكاس لكَونه لَا يسْتَغْرق كل ركن كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (لوُجُوده) أَي التَّثْلِيث (وَلَا ركن فِي الْمَضْمَضَة) الْجَار مُتَعَلق بالوجود (وَالِاسْتِنْشَاق) فَإِن شَيْئا مِنْهُمَا لَيْسَ بِرُكْن من الْوضُوء مَعَ استنان التَّثْلِيث فيهمَا (وَوُجُود الرُّكْن دونه) أَي التَّثْلِيث (كثير) فِي أَرْكَان الصَّلَاة من الْقيام وَغَيره، وأركان الْحَج إِلَى غير ذَلِك، فَلَا يَصح التَّعْلِيل بالركنية. لَا يُقَال المُرَاد الركنية فِي الْوضُوء لَا الْمُطلقَة، لِأَن الخصوصية ملغاة، لَا لتأثير الْمَفْرُوض لأصل الركنية، فَإِن التَّثْلِيث يُحَقّق الرُّكْن على وَجه الْكَمَال (وَأما الثَّبَات) أَي قُوَّة ثبات الْوَصْف على الحكم الثَّابِت بِهِ (فكثرة اعْتِبَار الْوَصْف) من الشَّارِع (فِي) جنس (الحكم) فِيهِ مُسَامَحَة، لِأَن الْكَثْرَة لَيست عين الثَّبَات بل سَببه: وَذَلِكَ بِاعْتِبَار الشَّارِع علية الْوَصْف فِي صُورَة كَثِيرَة من جنس الحكم، فَإِنَّهُ يحصل بذلك قُوَّة فِي ثُبُوت علته لَهُ (كالمسح) فَإِنَّهُ كثر اعْتِبَار الشَّارِع إِيَّاه (فِي التَّخْفِيف) الَّذِي جنس عدم التَّثْلِيث لاعتباره (فِي كل تَطْهِير غير مَعْقُول) كَونه مطهرا (كالتيمم وَمسح الْجَبِيرَة والجورب والخف) فَإِنَّهُ لم يشرع فِي شَيْء مِنْهَا التّكْرَار للتَّخْفِيف، بِخِلَاف الِاسْتِنْجَاء بِغَيْر المَاء من الْحجر وَنَحْوه، فَإِنَّهُ مسح شرع فِيهِ التّكْرَار، لِأَنَّهُ عقل فِيهِ معنى التَّطْهِير (بِخِلَاف الرُّكْن فَإِن أَثَره) أَي الرُّكْن (فِي الْإِكْمَال وَهُوَ) أَي الْإِكْمَال فِيمَا نَحن فِيهِ (الايعاب) بِالْمَسْحِ فِي الْمحل لَا التّكْرَار الَّذِي يكَاد يخرج الْمسْح من حَقِيقَته إِلَى الْغسْل (وكقولهم) أَي الْحَنَفِيَّة (فِي) صَوْم (رَمَضَان) صَوْم (مُتَعَيّن) فِي الْوَقْت الْمُتَعَيّن لَهُ (فَلَا يجب تَعْيِينه) فَيسْقط بِمُطلق نِيَّة الصَّوْم: إِذْ اليقيين اثْبتْ فِي سُقُوط التَّعْيِين من الْوَصْف الْمَذْكُور فِي قَول الشَّافِعِي صَوْم فرض الخ (وَهُوَ) أَي التَّعْيِين (وصف اعْتَبرهُ الشَّارِع) فِي سُقُوط التَّعْيِين من الْوَصْف الْمَذْكُور فِي صور كَثِيرَة كَمَا (فِي الودائع والغصوب ورد الْمَبِيع فِي) البيع (الْفَاسِد) إِلَى الْمَالِك حَتَّى لَو وجد رد هَذِه الْأَشْيَاء بِهِبَة أَو صَدَقَة أَو بيع يَقع عَن الْجِهَة الْمُسْتَحقَّة لتعين الْمحل لذَلِك شرعا (وَالْإِيمَان بِاللَّه) وَمَا يجب الْإِيمَان بِهِ فَإِنَّهُ (لَا يشْتَرط) فِي خُرُوجه بِهِ عَن عُهْدَة الْفَرْض (تعْيين نِيَّة الْفَرْض بِهِ) أَي بِالْإِيمَان: أَو بِشَيْء مِمَّا ذكر من رد الْمَذْكُورَات وَالْإِيمَان مَعَ أَنه أقوى الْفَرَائِض يحصل الِامْتِثَال بالمأمور بِهِ على أَي وَجه يَأْتِي بِهِ، وَكَذَا الْحَج يَصح بِمُطلق النِّيَّة وَنِيَّة النَّفْل عِنْده (وَأما كَثْرَة الْأُصُول الَّتِي يُوجد فِيهَا جنس الْوَصْف) فِي عين الحكم أَو جنسه (أَو عينه) أَي الْوَصْف فِي جنس الحكم أَو عينه (على مَا ذكرنَا للشَّافِعِيَّة) فِي الْمَقْصد الأول فِي تَقْسِيم الْعلَّة (فَقيل لَا ترجح) للوصف الْمُشْتَمل على كَثْرَة الْأُصُول على الْوَصْف العاري عَنْهَا، وَهَذَا القَوْل مَنْسُوب إِلَى بعض أَصْحَابنَا وَأَصْحَاب الشَّافِعِي (لِأَنَّهُ) أَي التَّرْجِيح بهَا (ككثرة الروَاة) أَي كالترجيح بهَا إِذا لم يبلغُوا حد الشُّهْرَة أَو التَّوَاتُر فَإِن الْخَبَر لَا يرجح
(4/92)

بهَا فَكَذَا لَا يرجح بِكَثْرَة الْأُصُول (وَلِأَن كل أصل كعلة) على حِدة (فبالقياس) أَي فالترجيح بِكَثْرَة الْأُصُول تَرْجِيح بِالْقِيَاسِ للْقِيَاس وَهُوَ المُرَاد بالترجيح بِكَثْرَة الْعِلَل، وَهُوَ غير جَائِز. (وَالْمُخْتَار) كَمَا هُوَ قَول الْجُمْهُور (نعم) ترجح (لِأَن مرجعه) أَي التَّرْجِيح بهَا (اشتهار الدَّلِيل أَي الْوَصْف) الْمُعْتَبرَة عليته فِي أصُول كَثِيرَة (كالخبر المشتهر) أَي كاشتهاره، فَكَمَا رجح اشتهار ذَلِك الْخَبَر رجح اشتهار هَذَا الدَّلِيل (فازداد) بِكَثْرَة الْأُصُول للوصف (ظن اعْتِبَار الشَّارِع حكمه) أَي حكم ذَلِك الْوَصْف (بِخِلَاف مَا إِذا لم يبلغهَا) أَي بِخِلَاف الْوَصْف إِذا لم يبلغ بِكَثْرَة الْأُصُول الشُّهْرَة لما عرفت من أَن الْمُرَجح فِي الْحَقِيقَة الاشتهار، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن الْمُخْتَار مُقَيّد بِهَذَا الْقَيْد وَالشَّارِح لم يُقَيِّدهُ، وَفَسرهُ بِمَا إِذا لم يبلغ الْوَصْف كَثْرَة الْأُصُول، وَلَا يخفى مَا فِيهِ من أَن كَثْرَة الْأُصُول إِذا لم تبلغه الشُّهْرَة لم تلتحق بالْخبر المشتهر فَتَأمل، وَذَلِكَ (كالمسح) فَإِنَّهُ وصف يشْهد لتأثيره (فِي التَّخْفِيف) وَعدم التَّثْلِيث أصُول كَثِيرَة إِذْ (يُوجد) أَي الْمسْح مؤثرا فِي التَّخْفِيف (فِي التَّيَمُّم)، وَمَا ذكرنَا) من مسح الْجَبِيرَة والجورب والخف (فيترجح) تَأْثِيره فِي التَّخْفِيف (على تَأْثِير وصف الركنية فِي التَّثْلِيث فَلِذَا) أَي لكَون الْمسْح وَنَحْوه بِاعْتِبَار تَأْثِيره فِي التَّخْفِيف مِثَالا للثبات وَكَثْرَة الْأُصُول (قيل) وَالْقَائِل فَخر الْإِسْلَام وَصدر الشَّرِيعَة (هُوَ) أَي هَذَا الثَّالِث (قريب من الثَّانِي) غير أَن الملحوظ فِي الثَّالِث جَانب الْمُؤثر، وَفِي الثَّانِي الْأَثر (وَالْحق أَن الثَّلَاثَة): قُوَّة الْأَثر، والثبات، وَكَثْرَة الْأُصُول (ترجع إِلَى قُوَّة الْأَثر، والتفرقة) بَينهَا (بِالِاعْتِبَارِ، فَهُوَ) أَي الأول، وَهُوَ قُوَّة الْأَثر (بِالنّظرِ إِلَى) نفس (الْوَصْف، والثبات) بِالنّظرِ (إِلَى الحكم وَكَثْرَة الْأُصُول) بِالنّظرِ (إِلَى الأَصْل) وَعَزاهُ سراج الدّين إِلَى الْمُحَقِّقين. وَعَن السَّرخسِيّ وَأبي زيد مَا يقرب من هَذَا (وَأما الْعَكْس) وَيُسمى الانعكاس أَيْضا وَهُوَ عدم الحكم عِنْد عدم الْعلَّة لَا عِبْرَة بِهِ عِنْد بعض الْمُتَأَخِّرين فَلَا يصلح مرجحا. ومختار عَامَّة الْأُصُولِيِّينَ أَنه يصلح لكنه ضَعِيف كَمَا سَيَأْتِي، لم يذكر جَوَاب أما فَكَأَنَّهُ مُقَدّر مثل فَحكمه فِيمَا سَنذكرُهُ (كمسح) أَي كَقَوْلِنَا فِي مسح الرَّأْس هُوَ مسح لم يعقل فِيهِ معنى التَّطْهِير (فَلَا يسن تكراره، بِخِلَاف) قَول الشَّافِعِي هُوَ (ركن فيكرر لِأَنَّهُ) أَي التّكْرَار (يُوجد مَعَ عَدمه) أَي الرُّكْن (كَمَا ذكرنَا) من الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق، بِخِلَاف عدم التّكْرَار فِي الْمسْح فَأَنَّهُ لَا يُوجد مَعَ عدم الْمسْح الْمَذْكُور، فترجح قياسنا لانعكاسه فَإِن قلت: إِذا حصل الانقاء فِي الِاسْتِنْجَاء بِمرَّة لَا يسن التّكْرَار، فتحقق عدم التّكْرَار فِي الْمسْح مَعَ أَنه يعقل فِيهِ معنى التَّطْهِير قلت بعد حُصُول كَون الانقاء لَا نسلم معقولية التَّطْهِير بِالْمَسْحِ بعده فَتدبر (وَقَوْلنَا فِي بيع الطَّعَام الْمعِين) كالحنطة بِالطَّعَامِ الْمعِين كل مِنْهُمَا (مَبِيع معِين فَلَا يشْتَرط قَبضه) فِي الْمجْلس كَمَا فِي سَائِر المبيعات الْمعينَة إِذا
(4/93)

بِيعَتْ بِمِثْلِهَا (أولى من) قَول الشَّافِعِي يشْتَرط قَبضه لِأَن كل مِنْهُمَا (مَال لَو قوبل بِجِنْسِهِ حرم التَّفَاضُل) كَمَا أَن الذَّهَب وَالْفِضَّة لَو قوبل بِجِنْسِهِ حرم التَّفَاضُل وَاشْترط الْقَبْض، وَإِنَّمَا قُلْنَا أولى (إِذْ لَا ينعكس) قَوْله إِلَى كل مَا لَو قوبل بِجِنْسِهِ لَا يحرم التَّفَاضُل لَا يشْتَرط فِيهِ الْقَبْض (لاشْتِرَاط قبض رَأس مَال السّلم) حَال كَونه (غير رِبَوِيّ) من ثِيَاب وَغَيرهَا، مَعَ أَنه لَو قوبل بِجِنْسِهِ لَا يحرم التَّفَاضُل (بِخِلَاف الأول) وَهُوَ قَوْلنَا مَبِيع الخ (إِذْ كلما انْتَفَى) الْوَصْف الَّذِي هُوَ التَّعْيِين (انْتَفَى) الحكم الَّذِي هُوَ عدم اشْتِرَاط الْقَبْض (وَلذَا) أَي وَلكَون التَّعْيِين عِلّة عدم اشْتِرَاط الْقَبْض المستلزم كَون عدم التعين عِلّة اشْتِرَاطه (لزم الْقَبْض فِي الصّرْف) وَهُوَ بيع جنس الْأَثْمَان بَعْضهَا بِبَعْض كَبيع الدَّرَاهِم بِالدَّرَاهِمِ أَو بِالذَّهَب (لِأَن النَّقْد لَا يتَعَيَّن بِالتَّعْيِينِ) فَلَو صَحَّ بِدُونِ الْقَبْض لَكَانَ بيع دين بدين وَهُوَ غير جَائِز (و) فِي (السّلم لانْتِفَاء تعْيين الْمَبِيع) وَهُوَ الْمُسلم فِيهِ لكَونه دينا، فاشتراط الْقَبْض لرأس المَال لعدم التعين فَإِن قلت: الشَّافِعِي يَقُول بتعين النُّقُود بِالتَّعْيِينِ فَلَا يتم الْإِلْزَام عَلَيْهِ قلت يتم عَلَيْهِ نظرا إِلَى دَلِيل عدم تعينها بِهِ وَأورد أَيْضا أَن الْمَبِيع فِي بيع إِنَاء فضَّة أَو ذهب بِإِنَاء كَذَلِك يتَعَيَّن بِالتَّعْيِينِ، وَمَعَ ذَلِك يشْتَرط قَبضه فِي الْمجْلس وَبِأَن رَأس مَال السّلم إِذا كَانَ ثوبا بِعَيْنِه شَرط قَبضه فِي الْمجْلس أَيْضا مَعَ أَنه مُتَعَيّن بِنَفسِهِ وَأجِيب بِأَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي فيهمَا عدم اشْتِرَاط الْقَبْض غير أَنه لما كَانَ الأَصْل فِي الصّرْف وَالسّلم ورودهما على الدّين بِالدّينِ وَرُبمَا يَقع على غير ذَلِك، ويتعذر على عَامَّة التُّجَّار معرفَة مَا يتَعَيَّن وَمَا لَا يتَعَيَّن اشْترط الْقَبْض فيهمَا مُطلقًا احْتِيَاطًا وتيسيرا فَإِن قيل: الْمَبِيع فِي السّلم الْمُسلم فِيهِ وَلَيْسَ بمقبوض، والمقبوض رَأس المَال وَلَيْسَ بمبيع أُجِيب بِأَن المُرَاد كل مَبِيع مُتَعَيّن لَا يشْتَرط قبض بدله، وينعكس إِلَى كل مَبِيع غير مُتَعَيّن يشْتَرط قبض بدله، أَو كل مَبِيع يتَعَيَّن فِيهِ الْمَبِيع، وَالثمن لَا يشْتَرط فِيهِ الْقَبْض أصلا وَيشْتَرط فِي كل مَبِيع لَا يتعينان فِيهِ يشْتَرط الْقَبْض فِي الْجُمْلَة فَلْيتَأَمَّل. (وَهَذَا) أَي الْعَكْس (أضعفها) أَي الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَة (لِأَن الحكم يثبت بعلل شَتَّى) فَيجوز أَن يُوجد مَعَ انْتِفَاء عِلّة مُعينَة لثُبُوته بغَيْرهَا، فَإِن انْتِفَاء الْخَاص لَا يسْتَلْزم انْتِفَاء الْعَام، غير أَنه إِذا كَانَ بَين الحكم وَالْعلَّة تلازم وجودا وعدما كَانَ دَلِيلا على وكادة اتِّصَاله بهَا فيصلح مرجحا على مَا لَيْسَ بِهَذِهِ المثابة وَيظْهر ضعفه إِذا عَارضه مُرَجّح من الثَّلَاثَة السَّابِقَة (وابتنى على مَا سلف) فِي فصل التَّرْجِيح (من عدم التَّرْجِيح بِكَثْرَة الْأَدِلَّة والرواة) عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف (أَن لَا يرجح قِيَاس) فَاعل ابتنى (بآخر) مُتَعَلق بترجح: أَي بِقِيَاس آخر (بِأَن خَالفه) ذَلِك الْقيَاس المنضم إِلَيْهِ (فِي الْعلَّة) مُتَعَلق بخالفة (لَا الحكم على معارضه) أَي على قِيَاس معَارض لَهُ، لِأَنَّهُ لَا تَرْجِيح بِكَثْرَة الْأَدِلَّة (وَلَو اتفقَا) أَي الْقيَاس المنضم إِلَيْهِ والمنضم (فِيهَا) أَي الْعلَّة كَمَا
(4/94)

فِي الحكم (كَانَ) التَّرْجِيح بِسَبَب هَذَا الِاتِّفَاق (من) قبيل (كَثْرَة الْأُصُول لَا) من كَثْرَة (الْأَدِلَّة) لِأَن الدَّلِيل فِي الْحَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ الْعلَّة، وَلَا تعدد فِيهِ، لَا الأَصْل الَّذِي تتَحَقَّق الْعلَّة فِيهِ، فتعدده من غير تعددها لَا يُوجب تعدد الدَّلِيل (فيرجح) الْقيَاس المنضم إِلَيْهِ ذَلِك (على مخالفه) لِأَن كَثْرَة الْأُصُول مُرَجّح صَحِيح (وَكَذَا كل مَا يصلح عِلّة) مُسْتَقلَّة للْحكم (لَا يصلح مرجحا) لعِلَّة مُسْتَقلَّة أُخْرَى لذَلِك الحكم على عِلّة مُعَارضَة لَهَا، إِذْ تقوى الشَّيْء إِنَّمَا يكون بِصفة فِي ذَاته تَابِعَة لَهُ، والمستقل لاستقالته لَا يضم إِلَى الآخر، وَقد يُقَال كَونه بِحَيْثُ وَافقه الآخر وصف لَهُ فَيجوز أَن يعْتَبر مرجحا لَهُ فَتَأمل (فَلم يتَفَاوَت بتفاوت الْملك للشفيعين) كَمَا إِذا كَانَ لأَحَدهمَا ثلث الدَّار وَللْآخر سدسها (مَا يشفعان فِيهِ) وَهُوَ النّصْف الآخر مِنْهَا فالموصول فَاعل لم يتَفَاوَت يَعْنِي إِذا بَاعَ مَالك النّصْف نصِيبه وطلبا أَخذه بِالشُّفْعَة لَيْسَ لصَاحب الثُّلُث مزية على صَاحب السُّدس فِي الِاسْتِحْقَاق، لِأَن كل جُزْء من أَجزَاء نصيبهما عِلّة مُسْتَقلَّة فِي اسْتِحْقَاق جَمِيع الْمَبِيع، وَلَيْسَ فِي جَانب صَاحب الثُّلُث إِلَّا كَثْرَة الْعلَّة وَهِي لَا تصلح للترجيح (خلافًا للشَّافِعِيّ) فَإِن عِنْده يكون الْمَبِيع بَينهمَا أَثلَاثًا ثُلُثَاهُ لصَاحب الثُّلُث. (قَالَ) الشَّافِعِي (هِيَ) أَي الشُّفْعَة (من مرافق الْملك) أَي مَنَافِعه (كَالْوَلَدِ) للحيوان (وَالثَّمَرَة) للشجرة المشتركين بَينهمَا فتقسم بِقدر الْملك (أُجِيب بِأَن ذَلِك) انقسام الْمَعْلُول بِحَسب التَّفَاوُت إِنَّمَا هُوَ فِي أَجزَاء الْعلَّة (فِي الْعِلَل المادية) وَهِي الْأَجْسَام الَّتِي يتَوَلَّد مِنْهَا جسم كالحيوان وَالشَّجر (وَعلة الْقيَاس) أَي الْعلَّة الْمُعْتَبرَة فِي الْقيَاس لَيست مِنْهَا، بل هِيَ عِلّة (كالفاعلية) أَي كالعلة المؤثرة فِي الْعِلَل الْعَقْلِيَّة بِاعْتِبَار التَّأْثِير، وَإِن اخْتلفَا فِي كَيْفيَّة التَّأْثِير كَمَا عرفت، وَقد تقرر أَن تَأْثِير الْعلَّة الفاعلية لَيْسَ بطرِيق التولد، بل بإيجاد الله تَعَالَى إِيَّاه عقبه (وَقد جعل الشَّارِع الْملك عِلّة للشفعة قَلِيله وَكَثِيره) بِالنّصب بَدَلا من الْملك (فَجعل كل جُزْء من الْعلَّة) وَهِي ملك الشَّفِيع (عِلّة لجزء من الْمَعْلُول) وَهُوَ مَا يسْتَحقّهُ الشَّفِيع بِالشُّفْعَة حَتَّى يلْزم بِزِيَادَة الْأَجْزَاء فِي جَانب الْعلَّة زيادتها فِي جَانب الْمَعْلُول (نصب الشَّرْع بِالرَّأْيِ) من غير نَص أَو إِجْمَاع أَو قِيَاس، لِأَنَّهُ لَيْسَ من ضَرُورَة جعل الْملك مُطلقًا عِلّة للاستحقاق. وَالْفرق بَين الْقَلِيل مِنْهُ وَالْكثير، بل الْإِطْلَاق يُنَاسِبه التَّسْوِيَة بَينهمَا، كَيفَ وَالْحكم فِيهِ دفع ضَرَر الْجوَار، وضرر صَاحب الْقَلِيل مثل ضَرَر صَاحب الْكثير، وَلَو نوقشي فِيهِ قُلْنَا: لَا يثبت الحكم بالتفرقة بِهَذَا الْقدر الْمَشْكُوك فِي اعْتِبَاره عِنْد الشَّارِع مَعَ كَون التَّسْوِيَة تناسب الْإِطْلَاق (وَلَو عجز) الْمُجْتَهد (عَن التَّرْجِيح) لأحد القياسين (عمل بِأَيِّهِمَا شَاءَ بِشَهَادَة قلبه) على مَا مر بَيَانه فِي فصل التَّعَارُض (وَقَابَلُوا) أَي الْحَنَفِيَّة (أَرْبَعَة الصِّحَّة) أَي الْوُجُوه الْأَرْبَعَة الصَّحِيحَة الْمَذْكُورَة للترجيح (بأَرْبعَة) من وجوهه (فَاسِدَة): أَحدهَا (التَّرْجِيح بِمَا يصلح عِلّة مُسْتَقلَّة)
(4/95)

لِأَنَّهُ تَرْجِيح بِكَثْرَة الْأَدِلَّة، وَقد سبق فِي فصل التَّرْجِيح (و) الثَّانِي التَّرْجِيح (بِغَلَبَة الْأَشْبَاه) أَي (كَون الْفَرْع لَهُ) أَي للفرع (بِأَصْل أَو أصُول) مُتَعَلق بقوله (وُجُوه شبه) وَهُوَ مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله لَهُ، وَالْجُمْلَة خبر الْكَوْن، وَكلمَة أَو للتنويع لإِفَادَة أَن وُجُوه شبه الْفَرْع تَارَة تكون بِالنِّسْبَةِ إِلَى أصل وَاحِد وَتارَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى أصُول (فَلَا يتَرَجَّح) الْقيَاس الْمُشْتَمل على فرع ذِي وُجُوه (على مَا) أَي على الْقيَاس الَّذِي (لَهُ) أَي لفرعه (بِهِ) أَي بِأَصْل (شبه) وَاحِد (و) نقل (عَن كثير من الشَّافِعِيَّة، نعم) يرجح مَاله وُجُوه شبه على مَاله شبه وَاحِد، وَنَقله صَاحب القواطع عَن نَص الشَّافِعِي، لِأَن الْقيَاس إِنَّمَا جعل حجَّة لإِفَادَة الظَّن، وَهُوَ يزْدَاد عِنْده كَثْرَة الْأَشْبَاه كَمَا عِنْد كَثْرَة الْأُصُول، وَإِنَّمَا قُلْنَا لَا يتَرَجَّح (لِأَنَّهَا) أَي الْأَشْبَاه (تعدد أَوْصَاف) فَكل شبه وصف على حِدة يصلح عِلّة (فترجع) الْأَشْبَاه الَّتِي هِيَ فِي الْحَقِيقَة تعدد الْأَوْصَاف (إِلَى تعدد الأقيسة) فَإنَّك إِذا قصدت إِلْحَاق الْفَرْع بِالْأَصْلِ بِاعْتِبَار كل شبه هُوَ وصف صَالح للعلية حصل بذلك الِاعْتِبَار قِيَاس على حِدة، فالترجيح بهَا تَرْجِيح بِكَثْرَة الْأَدِلَّة وَهُوَ غير جَائِز، وَفِيه أَنه يجوز أَن لَا يصلح كل وَاحِد من تِلْكَ الْأَشْبَاه للاستقلال، وَلَكِن بِسَبَبِهَا يحصل للفرع زِيَادَة مُنَاسبَة بِالْأَصْلِ (بِخِلَاف تعدد الْأُصُول) فَإِن التَّرْجِيح بهَا لَيْسَ بِكَثْرَة الْأَدِلَّة (لِاتِّحَاد الْوَصْف) فِيهَا (وكل أصل يشْهد بِصِحَّتِهِ) أَي الْوَصْف من حَيْثُ أَنه عِلّة لوُجُوده مَعَ الحكم فِي جَمِيع تِلْكَ الْأُصُول (فَيُوجب ثبات الحكم عَلَيْهِ) أَي على ذَلِك الْوَصْف وترتبه عَلَيْهِ (وَاعْلَم أَن كَثْرَة الْأُصُول) تكون (بوحدة الْوَصْف) الَّذِي هُوَ عِلّة الحكم بِأَن يتَحَقَّق فِي الْكل وصف وَاحِد صَالح للعلية، فَلم يتَحَقَّق هَهُنَا كَثْرَة الْأَدِلَّة لَهُ، لِأَن مدَار الدَّلِيل هُوَ الْوَصْف وَهُوَ وَاحِد (وَهُوَ) أَي هَذَا الْقسم (مَحل التَّرْجِيح) أَي مَا يقوم بِهِ المرجحية فَهُوَ الْمُرَجح (و) يكون (مَعَ تعدده) أَي الْوَصْف (واتحاد الحكم) بِأَن تكون أَوْصَاف مُتَغَايِرَة متحققة فِي أصُول مُخْتَلفَة مجتمعة فِي فرع وَاحِد يصلح كل وَاحِد مِنْهَا عِلّة للْحكم الْوَاحِد الَّذِي قصد اثباته فِي ذَلِك الْفَرْع (وَهِي) أَي كَثْرَة الْأُصُول (حِينَئِذٍ) أَي حِين تعدد الْوَصْف واتحد الحكم بِاعْتِبَار مَا يستنبط مِنْهَا (أقيسة متماثلة) لاتحادها من حَيْثُ الحكم (لَا تَرْجِيح) لوَاحِد من تِلْكَ الأقيسة لكَونه مَقْرُونا (مَعهَا) أَي مَعَ كَثْرَة الْأُصُول، لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ أَدِلَّة متكثرة وَلَا تَرْجِيح بهَا (و) يكون (مَعَ تعدده) أَي الْوَصْف حَال كَونهَا (متباينة متعارضة، وَهِي الَّتِي يجب فِيهَا التَّرْجِيح) وَالتَّرْجِيح بِغَلَبَة الْأَشْبَاه (كَمَا لَو قيل: الْأَخ كالأبوين فِي الْمَحْرَمِيَّة وَابْن الْعم) أَي وكابن الْعم (فِي حل الحليلة) أَي فِي أَنه يحل لِابْنِ الْعم أَن ينْكح زَوجته ابْن عَمه بعده (وَالزَّكَاة وَالشَّهَادَة وَالْقصاص من الطَّرفَيْنِ) أَي وَفِي حل زَكَاته لَهُ، وَفِي
(4/96)

حل شَهَادَته لَهُ، وَفِي حل الْقصاص من الطَّرفَيْنِ بِأَن يقْتَصّ لكل وَاحِد مِنْهُمَا من الآخر، وَإِنَّمَا قَالَ من الطَّرفَيْنِ لِأَن الْقصاص بَين الْوَالِد والمولود مَوْجُود من أحد الطَّرفَيْنِ، فَإِن الْمَوْلُود يقتل بِأَبِيهِ دون الْعَكْس (فيرجح الحاقه) أَي الْأَخ (بِهِ) أَي بِابْن الْعم، فَلَا يعْتق بِملكه إِيَّاه كَمَا لَا يعْتق ابْن الْعم بِملكه إِيَّاه، لِأَن شبه الْأَخ بِهِ أَكثر من شبهه بالأبوين (فَيمْنَع) تَرْجِيح الحاق الْأَخ بِابْن الْعم بِكَثْرَة الْأَشْبَاه (بِأَنَّهُ) أَي التَّرْجِيح بهَا (بمستقل) أَي تَرْجِيح بِوَصْف مُسْتَقل (إِذْ كل) من وُجُوه الشّبَه (يسْتَقلّ) وَصفا (جَامعا) بَين الْأَخ وَابْن الْعم فِي الحكم وَلَا تَرْجِيح بمستقل (و) الثَّالِث التَّرْجِيح (بِزِيَادَة التَّعْدِيَة) أَي بِكَوْن إِحْدَى العلتين أَكثر تَعديَة بِأَن تتعدى إِلَى فروع أَكثر من الْأُخْرَى (كترجيح الطّعْم) أَي التَّعْلِيل بِهِ لحُرْمَة الرِّبَا فِي الْمَنْصُوص على التَّعْلِيل بِالْكَيْلِ وَالْجِنْس (لتعديه) أَي الطّعْم (إِلَى الْقَلِيل) كَمَا إِلَى الْكثير، فَيحرم بيع تفاحة بتفاحتين، وَتَمْرَة بتمرتين (دون الْكَيْل) فَإِنَّهُ لَا يتَعَدَّى إِلَى الْقَلِيل الَّذِي هُوَ نصف صَاع على مَا قَالُوا، كَذَا ذكره الشَّارِح (وَلَا أثر لَهُ) أَي لكَونهَا أَكثر تَعديَة (بل) الْأَثر (لدلَالَة الدَّلِيل) أَي لقُوَّة دلَالَته (على الْوَصْف) بِاعْتِبَار تَأْثِيره فِي الحكم قلت: محاله أَو كثير، وَلَا يظْهر صِحَّته، بل تَعْلِيله لانْتِفَاء الحكم يدل على أَن ثُبُوت مضمونها مُعَلل بِلُزُوم التحكم على تَقْدِير تحقق نقيض مضمونها، فَالْوَجْه أَن يُقَال أَنه اسْتِئْنَاف كَلَام تَقْرِير بِكَسْر الْهمزَة فِي أَنه بِمَنْزِلَة الِاسْتِثْنَاء مِمَّا سبق: من أَنه لَا يثبت الْقيَاس الْعلية والشرطية، وَقد يُقَال الحكم الْمَذْكُور كَمَا يسْتَلْزم عدم إِثْبَات الحكم الابتدائي كَذَلِك يسْتَلْزم اثباته الْعلية والشرطية والوصفية عِنْد ثُبُوت مناطها، لِأَن تَعديَة الحكم إِنَّمَا تُوجد بِسَبَب وجود المناط وَالْأَصْل وَالْفرع: فَإِذا وجد ذَلِك لَا فرق بَين أَن يكون الْهدى خطاب الِاقْتِضَاء والتخيير، أَو خطاب الْوَضع، فَإِن الْكل أَحْكَام شَرْعِيَّة، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله لانْتِفَاء الحكم (و) رَابِعهَا الترجيج (بالبساطة) أَي بِكَوْن إِحْدَى العلتين وَصفا لَا جُزْء لَهَا على الْأُخْرَى ذَات أَجزَاء لسُهُولَة إِثْبَاتهَا والاتفاق على صِحَّتهَا (كالطعم على الْكَيْل وَالْجِنْس) لتركب الْكَيْل وَالْجِنْس دون الطّعْم (وَلَا أثر لَهُ) أَي لكَونه بسيطا، بل بِقُوَّة الدَّلِيل (كَمَا ذكرنَا).

مسئلة
(حكم الْقيَاس) أَي مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من ثَمَرَته (الثُّبُوت) أَي ثُبُوت حكم الأَصْل (فِي الْفَرْع وَهُوَ) أَي الثُّبُوت فِيهِ (التَّعْدِيَة الاصطلاحية) فَلَا يرد أَن الْحمل غير صَحِيح، لِأَن التَّعْدِيَة صفة
(4/97)

القائس، أَو الْجَامِع، أَو الحكم لَكِن غير الثُّبُوت فِيهِ، وَلِأَن الْمَوْجُود فِي الأَصْل من الأَصْل وَالْحكم لَا يتَعَدَّى إِلَى الْفَرْع، بل الْكَائِن فِيهِ نظر مَا فِي الأَصْل (فَلَزِمَهُ) أَي الْقيَاس (أَن لَا يثبت الحكم ابْتِدَاء) لِأَن التَّعْدِيَة وَإِن كَانَت اصطلاحية لَكِن لَا بُد فِيهَا من تحقق مَا يعبر بِهِ عَنهُ بِالتَّعَدِّي من ثُبُوت الحكم فِي الْفَرْع بطرِيق الْإِلْحَاق لَهُ بِالْأَصْلِ لما بَينهمَا من الْجَامِع: وَهَذَا يُنَافِي ثُبُوته ابْتِدَاء (كإباحة الرَّكْعَة) الْوَاحِدَة (وَحُرْمَة الْمَدِينَة) على ساكنها وعَلى سَائِر الْأَنْبِيَاء أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام بِأَن يكون لَهَا حرم كحرم مَكَّة فِي الْأَحْكَام الْمَعْرُوفَة وهما مثالان للْحكم الثَّابِت ابْتِدَاء (أَو وَصفه) أَي الحكم مَعْطُوف على الحكم: أَي لزمَه أَن لَا يثبت وصف الحكم أَيْضا ابْتِدَاء (كصفة الْوتر) من الْوُجُوب والاستنان (بعد مشروعيته) أَي الْوتر بِالنَّصِّ الدَّال على كَونه مَطْلُوبا على وَجه يحْتَمل الْوُجُوب وَالنَّدْب، فمطلوبيته من الْمُكَلف حكم شَرْعِي وَكَونه سنة أَو وَاجِبا كَيْفيَّة لَهَا، وَثُبُوت هَذِه الْكَيْفِيَّة يحْتَاج إِلَى اجْتِهَاد، وَإِنَّمَا لم يثبت بِالْقِيَاسِ ابْتِدَاء (لانْتِفَاء الأَصْل وَالْفرع) عِنْد الثُّبُوت ابْتِدَاء وَالْقِيَاس لَا يتَحَقَّق بدونهما، وَلما بَين أَن خطاب الِاقْتِضَاء لَا يثبت ابْتِدَاء بِالْقِيَاسِ أَفَادَ أَن خطاب الْوَضع كَذَلِك بقوله (وَكَذَا) لزمَه أَن لَا يثبت (الشّرطِيَّة والعلية ككون الْجِنْس فَقَط) بِأَن يكون البدلان من جنس وَاحِد من غير أَن يَكُونَا مكيلين أَو موزونين (يحرم النِّسَاء) أَي البيع نَسِيئَة (إِلَّا) أَي لَكِن يثبت كل مِنْهُمَا (بِالنَّصِّ دلَالَة وَغَيرهَا) أَي عبارَة أَو إِشَارَة أَو اقْتِضَاء، فَإِن الثَّابِت بِهَذِهِ ثَابت بِالنَّصِّ كَمَا عرف (وَكَذَا) لزمَه أَن لَا يثبت (صفة السّوم) أَي اشْتِرَاط صفة هِيَ السّوم فِي نصب الْأَنْعَام فِي وجوب زَكَاتهَا (والحل) أَي وَكَذَا لزم أَن لَا يثبت اشْتِرَاط صفة الْحل (للْوَطْء الْمُوجب حُرْمَة الْمُصَاهَرَة) فِي ثُبُوت حرمتهَا من الْجَانِبَيْنِ (وشرطية التَّسْمِيَة) أَي وَكَذَا لزمَه أَن لَا يثبت اشْتِرَاط ذكر اسْم الله تَعَالَى على الْمَذْبُوح (للْحلّ) أَي لِحلِّهِ (و) كَذَا لزمَه أَن لَا يثبت اشْتِرَاط (وَصفِيَّة شَرط النِّكَاح) أَي موصوفية الشَّهَادَة الَّتِي هِيَ شَرط النِّكَاح (بِالْعَدَالَةِ) وَالْعَدَالَة وصف الحكم الَّذِي هُوَ الشَّهَادَة من تعين أَنَّهَا شَرط، لِأَن كَون الشَّيْء شرطا فِي خطاب الْوَضع، وَالْعَدَالَة فِي الْحَقِيقَة وصف مُتَعَلق الحكم فَافْهَم: وَلذَا نَص أَصْحَابنَا على أَن كَون الْجِنْس وَحده محرما للنسيئة، وَاشْتِرَاط السّوم فِي النصب، وَالذكر على الذَّبِيحَة إِنَّمَا هِيَ بالنصوص وَالشَّافِعِيَّة على أَن إِبَاحَة الرَّكْعَة الْوَاحِدَة وَكَون الْمَدِينَة حرما وَاشْتِرَاط الْحل فِي حُرْمَة الْمُصَاهَرَة وَالْعَدَالَة والذكورة فِي شُهُود النِّكَاح إِنَّمَا هِيَ بالنصوص، فَلَو أثبت بِالْقِيَاسِ شَيْء مِنْهَا ابْتِدَاء للَزِمَ نصب الشَّرْع أَو إِبْطَاله أَو نسخه بِالرَّأْيِ وَلَا يخفى عَلَيْك أَن قَوْلهم بِالْقِيَاسِ وَقَوْلهمْ ابْتِدَاء بَينهمَا تدافع ثمَّ أَن النّسخ إِنَّمَا يلْزم فِي إِثْبَات الشَّرْط، لِأَن الحكم بِدُونِ ذَلِك قد كَانَ شروعا، وَبعد الِاشْتِرَاط
(4/98)

أبطل (وَأَنه لَو ثَبت) بِنَصّ أَو إِجْمَاع (منَاط علية أَمر) بِشَيْء (أَو) منَاط (شرطيته) أَي أَمر بِشَيْء (أَو) ثَبت منَاط (وصفهما) أَي وصف علية أَو شَرطه (فِي غَيره) أَي غير ذَلِك الْأَمر الثَّابِت منَاط عليته أَو شرطيته وَغير ذَلِك الْوَصْف، يَعْنِي وصف آخر، فالظرف مُتَعَلق يثبت، وَجَوَاب لَو قَوْله (كَانَ) ذَلِك الْغَيْر (فِي مثله) أَي مثل ذَلِك الشَّيْء الَّذِي ثَبت منَاط علية علته إِلَى آخِره (عِلّة وشرطا) لتحَقّق المناط فِيهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لانْتِفَاء التحكم) يَعْنِي لَو لم يَجْعَل ذَلِك الْغَيْر عِلّة أَو شرطا أَو وَصفا للَزِمَ التحكم لمساواة الْغَيْر الْمَذْكُور لذَلِك الْأَمر فِيمَا يُوجب الْعلية أَو الشّرطِيَّة، والتحكم بَاطِل مُنْتَفٍ وَلَا يخفى عَلَيْك أَن مُقْتَضى عطف قَوْله وَأَنه لَو ثَبت إِلَى آخِره على قَوْله أَن لَا يثبت كَمَا هُوَ الْمُتَبَادر، ومختار الشَّارِح لزم مَضْمُون هَذِه الشّرطِيَّة حكم الْقيَاس الْمَذْكُور، وَلَا تظهر صِحَّته بل تَعْلِيله لانْتِفَاء التحكم يدل على أَن ثُبُوت مضمونها مُعَلل بِلُزُوم التحكم على تَقْدِير تحكم تحقق نقيض مضمونها: فَالْوَجْه أَن يُقَال أَنه اسْتِئْنَاف كَلَام تقريري بِكَسْر الْهمزَة فِي أَنه بِمَنْزِلَة الِاسْتِثْنَاء مِمَّا سبق، من أَنه لَا يثبت الْقيَاس الْعلية والشرطية، وَقد يُقَال الحكم الْمَذْكُور كَمَا يسْتَلْزم عدم إِثْبَات الْقيَاس الحكم كَذَلِك يسْتَلْزم إثْبَاته الْعلية والوصفية والشرطية عِنْد ثُبُوت مناطها، لِأَن تَعديَة الحكم إِنَّمَا لزمَه بِسَبَب وجود المناط وَالْأَصْل وَالْفرع فَإِذا وجد ذَلِك لَا فرق بَين أَن يكون المعدى خطاب الِاقْتِضَاء والتخيير، أَو خطاب الْوَضع، فَإِن الْكل أَحْكَام شَرْعِيَّة، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله لانْتِفَاء التحكم (وَالْخلاف فِي المذهبين) الْحَنَفِيّ وَالشَّافِعِيّ (شهير) أَي مَشْهُور (فِيهِ) أَي فِي هَذَا الْأَخير المفاد بقوله وَأَنه لَو ثَبت إِلَى آخِره (ففخر الْإِسْلَام وَأَتْبَاعه) وَصدر الشَّرِيعَة (وَصَاحب الْمِيزَان وَطَائِفَة من الشَّافِعِيَّة) قَالُوا (نعم) لَو ثَبت إِلَى آخِره كَانَ عِلّة وشرطا (وَوجد) مَضْمُون الشَّرْط مُرَتبا عَلَيْهِ الْجَزَاء (وَهُوَ) أَي ذَلِك الْمَوْجُود (الْخلاف فِي اشْتِرَاط التَّقَابُض) بِحَذْف الْمُضَاف، وَالتَّقْدِير هُوَ مَبْنِيّ الْخلاف إِلَى آخِره، لِأَن كلا من الْمُخَالفين يحْتَج فِي الِاشْتِرَاط وجودا وعدما بالموجود (فِي بيع الطَّعَام) مُتَعَلق بِاشْتِرَاط التَّقَابُض (بِالطَّعَامِ الْمعِين) اكْتفى بتقييد الثَّانِي بِالتَّعْيِينِ، فَإِن المُرَاد بِالتَّعْيِينِ تعْيين كل مِنْهُمَا (لِأَنَّهُ وجد لإثباته) أَي إِثْبَات التَّقَابُض فِي هَذَا البيع كَمَا هُوَ مَذْهَبنَا (أصل هُوَ الصّرْف) فَإِن التَّقَابُض اشْترط فِيهِ (بِجَامِع أَنَّهُمَا) أَي الْبَدَلَيْنِ فِي كل وَاحِد من بيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ وَبيع أحد الحجرين بِأحد الحجرين (مَا لِأَن يجْرِي فيهمَا رَبًّا الْفضل) فِيمَا إِذا تَسَاويا فِي الْجِنْس وَالْقدر (و) وجد (لنفيه) أَي لعدم اشْتِرَاط التَّقَابُض فِيمَا ذكر كَمَا ذهب إِلَيْهِ الشَّافِعِي (أصل) هُوَ (بيع سَائِر السّلع) مِمَّا لَا يجْرِي فِيهِ رَبًّا الْفضل (بِمِثْلِهَا أَو بِالدَّرَاهِمِ) فَإِنَّهُ لَا يشْتَرط فيهمَا التَّقَابُض (وَقيل لَا) أَي يثبت الْعلية والشرطية بِمَا ذكر، وَهُوَ قَول كثير من الْحَنَفِيَّة
(4/99)

كَالْقَاضِي أبي زيد وشمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ، وَمن الشَّافِعِيَّة كالآمدي والبيضاوي. وَاخْتَارَهُ ابْن الْحَاجِب الْمَالِكِي (لِأَنَّهُ لم يثبت كَذَلِك) أَي لم يثبت علية أَمر أَو شرطيته بِسَبَب تحقق منَاط أَحدهمَا فِيهِ معنى لم يتَحَقَّق فِي الشَّرْع اعْتِبَار ذَلِك بِأَن يثبت مَحل فِيهِ وصف اعْتبر عليته أَو شرطيته بِسَبَب تحقق منَاط أَحدهمَا فِيهِ، يَعْنِي لم يتَحَقَّق فِي الشَّرْع اعْتِبَار ذَلِك بِأَن يثبت مَحل فِيهِ وصف اعْتبر عليته أَو شرطيته مُعَللا باشتماله على الْحِكْمَة الَّتِي اشْتَمَل عَلَيْهَا الْوَصْف الثَّابِت عليته لعدم انضباط الْحِكْمَة وتغاير الوصفين، وَجَوَاز عدم حُصُول الْمِقْدَار الْمُعْتَبر شرعا من تِلْكَ الْحِكْمَة بِالْوَصْفِ الثَّانِي (قيل وَلَو ثَبت) مَا ذكر من الْعلية والشرطية لوصف غير الْوَصْف الْمُعْتَبر فِيهِ أَحدهمَا شرعا لاشْتِرَاكهمَا فِي المناط للْحكم (كَانَ السَّبَب) أَي الْعلَّة أَو الشَّرْط للْحكم (ذَلِك المناط الْمُشْتَرك بَينهمَا) لَا الْوَصْف الأول بِخُصُوصِهِ (إِن انضبط) ذَلِك المناط وَكَانَ ظَاهرا فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يكون بِمَنْزِلَة قَول الشَّارِع: كلما تحقق فِيهِ هَذَا المناط كَانَ عِلّة أَو شرطا، فَكل من الوصفين ينْدَرج تَحْتَهُ اندراجا أوليا من غير سبق أَحدهمَا والحاق الآخر بِهِ (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يَنْضَبِط أَو لم يظْهر (فمظنته) أَي فالسبب مظنته: أَي بِالْوَصْفِ الظَّاهِر المنضبط الَّذِي نيط ذَلِك المناط بِهِ (إِن كَانَ) أَي وجد ذَلِك الْوَصْف وأيا مَا كَانَ فقد اتَّحد السَّبَب فَلَا قِيَاس (وَمَا يخال) أَي يظنّ (أصلا وفرعا) من الوصفين الْمَذْكُورين فهما (فرداه) أَي المناط الْمَذْكُور (كَمَا لَو ثَبت عَلَيْهِ الوقاع) عمدا من الصَّحِيح الْمُقِيم فِي نَهَار رَمَضَان (لِلْكَفَّارَةِ لاشْتِمَاله على الْجِنَايَة المتكاملة على صَوْم رَمَضَان) وَهِي هتك حرمته (فَهِيَ) أَي الْجِنَايَة الْمَذْكُورَة (الْعلَّة) لِلْكَفَّارَةِ (وكل من الْأكل) وَالشرب (وَالْجِمَاع) عمدا بِلَا عذر مُبِيح (صور وجوده) أَي وجود الْمَعْنى الَّذِي هُوَ الْعلَّة، وَهِي الْجِنَايَة المتكاملة على صَوْم رَمَضَان (وكعلية الْقَتْل بالمثقل) للْقصَاص قِيَاسا على الْقَتْل بِالسَّيْفِ بِحَذْف الْمُضَاف (عَلَيْهِ) أَي على علية الْقَتْل (بِالسَّيْفِ لَهُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّمَا يخال فِيهِ أصلا وفرعا من القتلين فَردا منَاط عِلّة الْقصاص، إِذْ ثَبت أَنَّهَا: أَي عِلّة الْقصاص الْقَتْل الْعمد الْعدوان (فالمثقل) أَي فالقتل بِهِ (من محاله) أَي منَاط الْقصاص كَمَا أَن الْقَتْل بِالسَّيْفِ مِنْهَا فَإِن قلت: الْمُدَّعِي الفردية، وَالدَّلِيل مُفِيد الْمَحَلِّيَّة قلت: المُرَاد محلية الْفَرد للمفهوم الْكُلِّي على سَبِيل الِاسْتِعَارَة، إِذْ لَا وجود للطبيعة بِدُونِ الْفَرد كَمَا لَا وجود للْحَال بِدُونِ الْمحل (وَقد يخال) أَي يظنّ (عدم التوارد) أَي عدم توارد النَّفْي وَالْإِثْبَات فِي الخلافية الْمَذْكُورَة على مَحل وَاحِد. ثمَّ بَين مورد الْإِثْبَات بقوله (فَالْأول) أَي القَوْل بِجَوَاز التَّعْدِيَة فِي الْعلية مَعْنَاهُ (تعدِي علية) الْوَصْف (الْوَاحِد لشَيْء) أَي لحكمه (إِلَى شَيْء آخر) صلَة التَّعَدِّي، فالمتعدي إِلَيْهِ وصف آخر فَيصير عِلّة للْحكم الْمُعَلل بِالْوَصْفِ الأول، فتتعدد الْعلَّة لَا الحكم
(4/100)

(وَالثَّانِي) أَي القَوْل بِعَدَمِ جَوَاز التَّعْدِيَة فِي الْعلية مَعْنَاهُ (تعدِي عليته) أَي تعدِي علية الْوَصْف الْوَاحِد (إِلَى) وصف (آخر) تعديه (لآخر) أَي لأجل إِثْبَات حكم آخر غير الحكم الْمُعَلل بِالْوَصْفِ الأول فَحِينَئِذٍ تَتَعَدَّد الْعلَّة وَالْحكم. قَالَ الشَّارِح كَون معنى الأول مَا ذكر ظَاهر، وَأما أَن معنى الثَّانِي مَا ذكر فَلَا، بل كل من الْعلَّة وَالْحكم مُتحد للاتحاد فِي النَّوْع وَلَا يضرّهُ التغاير بِحَسب الشَّخْص انْتهى.
وَأَنت خَبِير بِأَن الِاتِّحَاد فِي الْعلَّة مُنْتَفٍ بِاتِّفَاق الْفَرِيقَيْنِ لِأَنَّهُ لَا وَجه حِينَئِذٍ للنزاع فِي تعدِي الْعلية اثباتا أَو نفيا وَأَيْضًا يرد عَلَيْهِ أَنه كَيفَ يسلم التَّعَدُّد فِي الْعلَّة فِي الأول مَعَ الِاتِّحَاد فِي النَّوْع، وَأما تعدد الحكم فِي الثَّانِي فَهُوَ أَمر مَبْنِيّ على تحقق ذَلِك الْمَذْهَب (وَمِمَّنْ أنكرهُ) أَي جَرَيَان الْقيَاس فِي الْعلَّة (من اعْترف بِقِيَاس أَنْت حرَام) لإِثْبَات الطَّلَاق الْبَائِن (على طَالِق بَائِن، وَهُوَ) أَي الْقيَاس الْمَذْكُور قِيَاس (فِي السَّبَب) أَي الْعلَّة، فقد نَاقض فعله قَوْله (وَقيل لَا خلاف فِي هَذَا) أَي فِي جَوَاز التَّعْلِيل لتعدية الْعلَّة من وصف إِلَى وصف آخر مشارك للْأولِ فِي الاشتمال على مناطها، لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَة لَيْسَ من إِثْبَات الْعلَّة بِالْقِيَاسِ، لِأَن الْعلَّة حَقِيقَة هُوَ المناط الْمُشْتَرك بَينهمَا، وَقد مر آنِفا (بل) الْخلاف (فِيمَا إِذا كَانَت) علية الْوَصْف للْحكم (لمُجَرّد مناسبتها) أَي الْعلَّة الَّتِي هِيَ الْوَصْف الْمَذْكُور الحكم الْمَطْلُوب إثْبَاته فِي الْفَرْع: أَي فِي الْمحل الَّذِي أُرِيد إثْبَاته فِيهِ، سمي فرعا لمشاركته الْفَرْع فِي عدم وُرُود النَّص فِيهِ، فَجعل لمُجَرّد هَذِه الْمُنَاسبَة الْعَقْلِيَّة عِلّة للْحكم ليحصل فِي ذَلِك الْفَرْع من غير أَن يتَحَقَّق فِي الْوَصْف منَاط الْعلية (وَلَيْسَ لَهُ) أَي لذَلِك الْوَصْف الْمُنَاسب (مَحل آخر) تحققت فِيهِ عليته لذَلِك الحكم، لِأَنَّهُ لَو تحقق فِي مَحل آخر مَعَ ذَلِك الحكم مؤثرا فِيهِ بِاعْتِبَار الشَّارِع على مَا مر بَيَانه لما بَقِي فِيهِ للْخلاف مجَال، وَلم يتَوَهَّم فِيهِ التَّعْلِيل لإِثْبَات عليته، لِأَن ذَلِك الْوَصْف الْمَوْجُود فِي الْفَرْع حِينَئِذٍ عين الْوَصْف الْمَوْجُود فِي الأَصْل وَلَيْسَ كلامنا فِيهِ (لأَنا إِنَّمَا نثبت) على تَقْدِير إِثْبَات الْعلية بِمُجَرَّد الْمُنَاسبَة (سَبَبِيَّة) وصف (آخر) مُغَاير للوصف الْمَذْكُور مُعْتَبر علية للْحكم فِي أصل ليحصل اعْتِدَاد بشأن هَذَا الْوَصْف، وَلما رَأَوْا وَصفا اعْتبر عليته لحكم فِي مَحل ووصفا آخر فِي مَحل آخر مُنَاسِب لذَلِك الحكم فَأثْبت بِهِ فِي هَذَا الْمحل، زَعَمُوا أَنه عدى الْعلية من الأول إِلَى الثَّانِي قِيَاسا وَلم يدروا أَنَّهُمَا لم يشتركا فِي منَاط لتمكن الْقيَاس الْمَوْجُود فِي الأَصْل عِلّة للْحكم (فَلَيْسَ ذَلِك) مَا ثَبت سَبَبِيَّة بِمُجَرَّد الْمُنَاسبَة (إِلَّا الْمُرْسل) وَقد مر تَفْسِيره، فَيجوز عِنْد من يَقُول بِصِحَّة التَّعْلِيل بِهِ، وَلَا يجوز عِنْد من يشْتَرط التَّأْثِير والملاءمة (وَهَذَا) أَي التَّعْلِيل بالمرسل إِنَّمَا يَصح (على) قَول (الشَّافِعِيَّة: أما مَا تقدم للحنفية فِي سببيته) أَي سَبَبِيَّة وصف
(4/101)

مَوْجُود مَعَ حكم ككون الْبَدَل مَا لَا يجرى فِيهِ رَبًّا الْفضل مَعَ اشْتِرَاط التَّقَابُض فِي الصّرْف (بِعَيْنِه لآخر) أَي لحكم آخر كاشتراط التَّقَابُض فِي بيع طَعَام معِين بِطَعَام معِين إِذا قصد إِثْبَات هَذَا الِاشْتِرَاط بذلك الْوَصْف بِعَيْنِه (فَيَنْبَغِي كَونه) أَي الْوَصْف الْمَذْكُور (الْغَرِيب من الْأَقْسَام الأول) للمناسب، وَهُوَ الْمُؤثر، والملائم، والغريب، والمرسل على مَا سبق، فَإِن الْغَرِيب وصف وجد مَعَ الحكم فِي الأَصْل من غير اعْتِبَار عينه أَو جنسه فِي عين الحكم أَو جنسه من الشَّارِع (لوُجُود أَصله) أَي أصل الْوَصْف الْمَذْكُور كالصرف الْمَوْجُود فِيهِ الْكَوْن الْمَذْكُور مَعَ اشْتِرَاط التَّقَابُض، وَوُجُود الأَصْل هُوَ الْفَارِق بَين الْمُرْسل والغريب، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (إِذْ كَانَت سببيته لشَيْء ثَابِتَة شرعا) بِاعْتِبَار وجوده مَعَ الحكم فِي الأَصْل كَمَا أَفَادَ بقوله (وَهُوَ) أَي ثُبُوته شرعا (الْعين) أَي وجود الْعين، يَعْنِي عين الْوَصْف (مَعَ الْعين فِي الْمحل) أَي مَعَ عين الحكم فِي الأَصْل كَمَا أَفَادَ بقوله كَمَا بَينا (لَكِن لَا يشْهد لَهُ أصل بِالِاعْتِبَارِ) اسْتِدْرَاك لدفع توهم نَاشِئ من ثُبُوت سببيته شرعا وَثُبُوت الْعين مَعَ الْعين وَحَاصِله أَنه لَيْسَ فِي الْغَرِيب سوى الْعين مَعَ الْعين، وبمجرد هَذَا لَا تثبت الْعلية، بل لَا بُد من اعْتِبَار الشَّارِع علية الْوَصْف أَو جنسه فِي عين الحكم أَو جنسه فِي بعض الْموَاد، فَتلك الْمَادَّة أصل يشْهد بِاعْتِبَار الشَّارِع عليته (وَكَانَ الظَّاهِر اتِّفَاقهم) أَي الْحَنَفِيَّة (على مَنعه) أَي منع هَذَا الْقسم الْمُسَمّى بالغريب (لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة الإخالة) وَهِي على مَا مر من إبداء الْمُنَاسبَة بَين الأَصْل وَالْوَصْف بملاحظتهما (إِن لم يكنها) أَي إِن لم يكن عين الإخالة، وَهَذِه الْعبارَة بظاهرها تفِيد الشَّك فِي كَونه إخالة، وَلَعَلَّ الشَّك بِسَبَب أَن الإبداء الْمَذْكُور لَا يسْتَلْزم وجود الْعين مَعَ الْعين، ثمَّ إِن الإخالة وَمَا هُوَ فِي منزلتها غير مُعْتَبر عِنْد الْحَنَفِيَّة لاشتراطهم التَّأْثِير فِي ثُبُوت الْعلية على مَا سبق (لَكِن الْخلاف) فِي هَذَا ثَابت (عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة (وَلَو سلم عدم الْإِرْسَال) مُرْتَبِط بقوله فَلَيْسَ إِلَّا الْمُرْسل وَمَا بَينهمَا تقريبي، وَهُوَ بحث بطرِيق التنزل، يَعْنِي وَلَو فرض أَن الْوَصْف الْمَذْكُور مُنَاسِب لَيْسَ بمرسل أبطلنا كَون التَّعْلِيل بِهِ إِثْبَاتًا للعلية بِالْقِيَاسِ، إِذْ (لَا يتَصَوَّر ذَلِك) أَي إِثْبَاتهَا بِهِ على ذَلِك التَّقْدِير أَيْضا كَمَا لَا يتَصَوَّر على تَقْدِير الْإِرْسَال (لِأَن الْوَصْف الأَصْل) أَي مَعَ الْمَوْجُود مَعَ الحكم فِي الأَصْل (أَن تثبت عليته بِمُجَرَّد الْمُنَاسبَة عِنْد من يَقُول بِهِ) أَي بثبوتها بِمُجَرَّد الْمُنَاسبَة (فَإِذا وجدت) تِلْكَ (الْمُنَاسبَة فِي) وصف (آخر كَانَ) ذَلِك الآخر (عِلّة بطرِيق الْأَصَالَة) لِأَن الْعلَّة فِي الْحَقِيقَة إِنَّمَا هِيَ تِلْكَ الْمُنَاسبَة، وَالْوَصْف الثَّانِي مثل الأول فِيهَا كَمَا سيشير إِلَيْهِ (لَا) أَن علية الثَّانِي (بالإلحاق بِالْأولِ لاستقلالها) أَي الْمُنَاسبَة (بِإِثْبَات) علية (مَا تحققت) تِلْكَ الْمُنَاسبَة (فِيهِ) وَقد تحققت بِعَينهَا فِي الْوَصْف الثَّانِي، غَايَة الْأَمر وجودهَا فِي الأَصْل فِي ضمن الْوَصْف الأول لَا الثَّانِي،
(4/102)

وَهَذَا الْفرق لَا يصحح الْإِلْحَاق (وَإِن ثبتَتْ) علية الأول (بِالنَّصِّ ثمَّ عقلت مناسبتها) أَي مُنَاسبَة تِلْكَ الْعلَّة للْحكم (وَوجدت) تِلْكَ الْمُنَاسبَة (فِيمَا) أَي فِي وصف (لم ينص عَلَيْهِ) أَي على عليته (فَكَذَلِك) أَي كَانَ مَا لم ينص عَلَيْهِ عِلّة بطرِيق الْأَصَالَة (للاستقلال) أَي استقال الْمُنَاسبَة بِإِثْبَات علية مَا تحققت فِيهِ (وَحَاصِله) أَي هَذَا التَّعْلِيل (حِينَئِذٍ ثُبُوت علية وصف بِالنَّصِّ. و) ثُبُوت علية وصف (آخر بالمناسبة) الَّتِي كَانَ علية الأول باعتبارها، وَلَا يَنْبَغِي أَن يَقع فِي مثله خلاف فَتَأمل. (فَالْوَجْه أَن يقصر الْخلاف على مثل حمل عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهُوَ) أَي الضَّابِط فِي مثل حمله: يَعْنِي قِيَاسه (أَن ينص على عِلّة منضبطة بِنَفسِهَا) لَا بِمَا يُقَام مقَامهَا (فَيلْحق بهَا) أَي بِتِلْكَ الْعلَّة (مَا تصلح) أَن تكون (مَظَنَّة لَهَا) أَي لتِلْك الْعلَّة (فَيثبت مَعهَا) أَي مَعَ المظنة (حكم المنصوصة كَمَا ألحق) عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (الشّرْب) أَي شرب الْخمر (بِالْقَذْفِ) فِي الْحَد بِهِ ثَمَانِينَ (بِجَامِع الافتراء) بَينهمَا (لكَونه) أَي شربهَا (مظنته) أَي الافتراء، فالافتراء وَهُوَ نِسْبَة الْمُحصن إِلَى الزِّنَا عِلّة للحد منضبطة بِنَفسِهَا، وَهُوَ ظَاهر، وَقد نَص على علته فِي الْكتاب وَالسّنة، وَشرب الْخمر مَظَنَّة الافتراء وإلحاق الشّرْب بِالْقَذْفِ بِجَامِع الافتراء يسلتزم إِلْحَاق الافتراء المظنون بالافتراء الْمُتَيَقن فِي الْعلية للحد، فَمثل هَذَا يُقَال فِيهِ إِثْبَات الْعلية بِالْقِيَاسِ، وللخلاف فِيهِ وَجه ظَاهر للتفاوت الْبَين بَين الافتراء الْمُحَقق والمظنون، وَلذَا قَالَ فَالْوَجْه إِلَى آخِره.

مسئلة
قَالَ (الْحَنَفِيَّة لَا تثبت بِهِ) أَي بِالْقِيَاسِ (الْحُدُود لاشتمالها) أَي الْحُدُود (على تقديرات لَا تعقل) كعدد الْمِائَة فِي الزِّنَا والثمانين فِي الْقَذْف، فَإِن الْعقل لَا يدْرك الْحِكْمَة فِي اعْتِبَار خُصُوص هَذَا الْعدَد، وَالْقِيَاس فرع تعقل الْمَعْنى فِي حكم الأَصْل (وَمَا يعقل) مَعْنَاهُ من الْحُدُود (كالقطع) ليد السَّارِق لجنايتها بِالسَّرقَةِ، وَزِيَادَة اختصاصها فِي الْأَخْذ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَاقِي الْأَعْضَاء (فللشبهة) أَي فَلَا يثبت بِالْقِيَاسِ لمَكَان الشُّبْهَة فِي الْقيَاس لاحْتِمَاله الْخَطَأ، وَالْحُدُود تدرأ بِالشُّبُهَاتِ كَمَا نطق بِهِ الحَدِيث، وَقد سبق فِي مسئلة: خبر الْوَاحِد فِي الْحَد مَقْبُول. وَقَالَ غير الْحَنَفِيَّة يثبت بِهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (قَالُوا: أَدِلَّة الْقيَاس) الدَّالَّة على حجتيه (معممة) حجيته للحدود وَغَيرهَا فَيجب الْعَمَل بِمُوجب تعميمها (قُلْنَا) عُمُوم حجيته إِنَّمَا هُوَ (فِي مُسْتَكْمل الشُّرُوط اتِّفَاقًا) أَي فِي قِيَاس استجمع جَمِيع الشُّرُوط الْمُعْتَبرَة فِي صِحَة الْقيَاس بالِاتِّفَاقِ وَمَا يَقع فِي الْحُدُود من الْقيَاس وَلَيْسَ بمستكمل لَهَا، فَإِن من الشُّرُوط أَن يكون حكم الأَصْل مَعْقُول
(4/103)

الْمَعْنى: وَمِنْهَا أَن لَا يكون مِمَّا يندرئ بِالشُّبْهَةِ، غير أَن الْخصم يناقش فِي الثَّانِي (وانتهاض أثر عَليّ) رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهُوَ مَا ذكر من إِلْحَاقه الشّرْب بِالْقَذْفِ فِي إِثْبَات حَده (عَلَيْهِم) أَي الْحَنَفِيَّة كَمَا ذكر المجيزون (مَوْقُوف على إِجْمَاع الصَّحَابَة على صِحَة طَرِيقه) الَّذِي هُوَ الْقيَاس على الْقَذْف. (وَقَوْلهمْ) أَي الْحَنَفِيَّة فِي قصَّته الْإِجْمَاع الْمَذْكُور إِجْمَاعهم لَيْسَ على طَرِيقه، بل (إِنَّه) أَي إِجْمَاعهم (على حكمه) الَّذِي هُوَ وجوب جلد ثَمَانِينَ (باجتماع دلالات سمعية عَلَيْهِ) أَي على حكمه (كَمَا ذَكرنَاهَا فِي الْفِقْه) فِي حد الشّرْب من شرح الْهِدَايَة. وَفِي أصُول الْفِقْه للْإِمَام أبي بكر الرَّازِيّ أَن اتِّفَاق الصَّحَابَة على إِثْبَات حد الْخمر قِيَاسا إبِْطَال لأصلكم فِي عدم إِثْبَات الْحُدُود قِيَاسا. وَالْجَوَاب بِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ضرب فِي حد الْخمر بِالْجَرِيدِ وَالنعال، وروى أَنه ضربه أَرْبَعُونَ رجلا كل رجل بنعله ضربتين، فتحروا فِي اجتهادهم مُوَافَقَته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فجعلوه ثَمَانِينَ ونقلوا الضَّرْب عَن الجريد وَالنعال إِلَى السَّوْط وَلم يبتدئوا إِيجَاب الْحَد بِالْقِيَاسِ، وَهُوَ الْمَمْنُوع. ثمَّ أَن الْكَفَّارَات فِي هَذَا كالحدود، بل قيل أَن المُرَاد بهَا مَا يَتَنَاوَلهَا.

مسئلة
(تَكْلِيف الْمُجْتَهد بِطَلَب المناط) للْحكم الشَّرْعِيّ (ليحكم فِي محاله) أَي محَال تحقق المناط (بِحكمِهِ) أَي حكم المناط، وَالْبَاء صلَة الحكم: يَعْنِي كَون الْمُجْتَهد مُكَلّفا فِي حكم شَرْعِي بِأَن يبْذل جهده فِي تَحْصِيل علته شرعا لِأَن يحكم بِثُبُوت ذَلِك الحكم فِي كل مَادَّة تحققت تِلْكَ الْعلَّة فِيهَا (جَائِز) خبر لقَوْله تَكْلِيف الْمُجْتَهد بِطَلَب المناط (عقلا) إِذْ لَا يَتَرَتَّب على فرض وُقُوعه مَحْذُور. (وَقَوْلهمْ) أَي الْأُصُولِيِّينَ التَّكْلِيف (بِالْقِيَاسِ لَا يَصح) بِنَاء (على أَنه) أَي الْقيَاس إِنَّمَا هُوَ (الْمُسَاوَاة) بَين الْفَرْع وَالْأَصْل فِي عِلّة حكمه، والمساواة فعل الله تَعَالَى، وَالْعَبْد لَا يُكَلف إِلَّا بِمَا هُوَ فعله، وَقد تقدم الْكَلَام فِي هَذَا فِي أَوَائِل الْقيَاس، (و) قَوْلهم (إِيجَاب الْعَمَل بِمُوجب الْقيَاس) فِي عنوان المسئلة كَمَا فِي الشَّرْح العضدي بدل قَوْلنَا تَكْلِيف الْمُجْتَهد إِلَى آخِره (فِيهِ قُصُور عَن الْمَقْصُود) أَي فِي كل من الْقَوْلَيْنِ قُصُور، أما فِي الأول، فباعتبار أَنه لَو سلم كَون الْقيَاس هُوَ الْمُسَاوَاة لم يرد تَكْلِيف الْمُجْتَهد بِنَفس الْمُسَاوَاة بل بمعرفتها بالأمارات، وَأما الثَّانِي فَلِأَن إِيجَاب الْعَمَل بِهِ إِنَّمَا يكون بعد تحَققه، والنزاع فِي أَنه هَل يُكَلف بِالنّظرِ والفحص ليظْهر وجوده أَولا، وعَلى الثَّانِي هَل يجوز التَّكْلِيف أم لَا؟ وَهَذَا محصول مَا نَقله الشَّارِح عَن المُصَنّف فِي تَوْجِيه الثَّانِي (لَا وَاجِب) مَعْطُوف على قَوْله جَائِز: أَي التَّكْلِيف بِمَا ذكر لَيْسَ بِوَاجِب عقلا (كالقفال) الشَّاشِي (وَأبي
(4/104)

الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ: أَي كوجوب قَالَا بِهِ لِئَلَّا يلْزم خلو الوقائع عَن الْأَحْكَام فَإِنَّهَا لَا تَنْحَصِر والنصوص محصورة وَالْقِيَاس كافل بهَا، وَأَشَارَ إِلَى جوابهما بقوله (وَلُزُوم خلو وقائع) عَن الحكم (لولاه) أَي تَكْلِيف الْمُجْتَهد بِطَلَب المناط (مُنْتَفٍ لانضباط أَجنَاس الْأَحْكَام وَالْأَفْعَال) أَي أَفعَال الْعباد الَّتِي تتَعَلَّق بهَا الْأَحْكَام (وَإِمْكَان إفادتها) أَي إِفَادَة أجناسها الْمُتَعَلّقَة بالأفعال (العمومات) بِالرَّفْع على أَنه فَاعل إفادتها فَهِيَ مُضَافَة إِلَى الْمَفْعُول: مثل كل ذِي نَاب من السبَاع حرَام، وكل مُسكر حرَام وكل مَكِيل أَو مطعوم رِبَوِيّ (وَلَو لم تفدها) أَي العمومات الْأَحْكَام كلهَا (ثَبت فِيهَا) أَي فِي الوقائع الَّتِي لم يفد حكمهَا (حكم الأَصْل) وَهُوَ الْإِبَاحَة (فَلَا خلو) لواقعة عَن الحكم، فَلَا وجوب لعدم الْمُوجب (وَلَا مُمْتَنع عقلا) كَمَا ذهب إِلَيْهِ الزيدية وَبَعض الْمُعْتَزلَة مِنْهُم النظام، لكنه قَالَ فِي شريعتنا خَاصَّة وَإِنَّمَا قُلْنَا جَائِز (إِذْ لَا يلْزم إِلْزَامه) أَي الْمُجْتَهد بِطَلَب المناط (محَال) فَاعل لَا يلْزم، وَلَا يَعْنِي بِالْجَوَازِ إِلَّا عدم لُزُوم محَال، لَا لنَفسِهِ وَلَا لغيره (وَكَون) اتِّبَاع (الظَّن مَمْنُوعًا عقلا لاحْتِمَاله) أَي الظَّن (الْخَطَأ) وَالْقِيَاس لَا يُفِيد إِلَّا الظَّن فَيجب الِاحْتِرَاز عَن مَحْذُوف فَلَا تَكْلِيف بِمَا يَئُول إِلَيْهِ (مَمْنُوع) إِذْ لَا يمْتَنع فِيمَا يغلب فِيهِ جَانب الصَّوَاب (بل أَكثر تَصَرُّفَات الْعُقَلَاء لفوائد غير متيقنة) كَيفَ وَإِلَّا يلْزم ترك الزَّرْع وَالتِّجَارَة والتعلم إِلَى غير ذَلِك لعدم تَيَقّن حُصُول النتيجة (وَبِه) أَي لكَون أَكثر التَّصَرُّفَات كَذَا (ظهر إِيجَابه) أَي الْعقل (الْعَمَل عِنْد ظن الصَّوَاب) كَيفَ وَلَوْلَا إِيجَابه ذَلِك لما اتّفق الْعُقَلَاء فِي مُبَاشرَة تِلْكَ التَّصَرُّفَات بِكَمَال الاهتمام لتَحْصِيل الْفَوَائِد مَعَ إِمْكَان عدم ترتبها على الْعَمَل (وَثَبت) إِيجَاب الْعَمَل عِنْد ظن الصَّوَاب (شرعا) يعلم ذَلِك (بتتبع موارده) أَي الشَّرْع كَمَا سبق فِي خبر الْوَاحِد الْعدْل إِلَى غير ذَلِك من الْأَدِلَّة الظنية (وَثُبُوت الْجمع) شرعا (بَين المختلفات) كالتسوية بَين قتل الْمحرم الصَّيْد عمدا وَخطأ فِي الْفِدَاء وَبَين زنا الْمُحصن وردة الْمُسلم فِي الْقَتْل إِلَى غير ذَلِك (و) ثُبُوت (الْفرق) شرعا (بَين المتماثلات) كَقطع السَّارِق للقليل دون غَاصِب الْكثير مَعَ تماثلهما فِي أَخذ مَال الْغَيْر وَجلد من نسب الْعَفِيف إِلَى الزِّنَا، دون من نسب الْمُسلم إِلَى الْكفْر مَعَ تماثلهما فِي نِسْبَة الْمحرم إِلَى الْمُسلم (إِنَّمَا يستلزمه) أَي كَون التَّكْلِيف بِمَا ذكر مستحيلا الْقيَاس وَهُوَ إِلْحَاق النظير بالنظير وَهُوَ غير مُعْتَبر شرعا، بل قد يعْتَبر خِلَافه (لَو لم يكن) الْجمع بَين المختلفات فِي الحكم الْوَاحِد (بِجَامِع) وصف اشتركت فِيهِ يُوجب (التَّمَاثُل) بَينهَا، لِأَن المختلفات يجوز اجتماعها فِي صفة بهَا يحصل تماثلها وَكَون تِلْكَ الصّفة عِلّة لحكم فيشترك فِي الحكم (أَو) لم يكن الْفرق بَين المتماثلات لوُجُود (فَارق) بَينهَا (تَقْتَضِيه) أَي الْفرق بَينهمَا فِي الحكم وعلته، وَلَا شكّ أَن اشتراكهما فِي الحكم فِي الأَصْل إِنَّمَا يكون إِذا كَانَ مَا بِهِ التَّمَاثُل عِلّة لَهُ، وَلَا يكون لَهُ فِي الأَصْل معَارض يقتضى
(4/105)

حكما آخر وَلَا فِي الْفَرْع معَارض أقوى، وكل ذَلِك غير مَعْلُوم (وَلَا) مُمْتَنع (سمعا) أَيْضا (خلافًا للظاهرية والقاساني) بِالسِّين الْمُهْملَة نِسْبَة إِلَى قَرْيَة بتركستان (والنهرواني) هَكَذَا فِي الْكَشْف، وروى بعض الْأُصُولِيِّينَ عَنْهُم إِنْكَار وُقُوعه، وَذكر الْآمِدِيّ أَنهم اتَّفقُوا على وُقُوع ذِي الْعلَّة الْمَخْصُوصَة والمومى إِلَيْهَا. وَقَالَ السُّبْكِيّ وَهُوَ الْأَصَح فِي النَّقْل عَنْهُم، كَذَا ذكر الشَّارِح لَكِن المُصَنّف اخْتَار مَا فِي الْكَشْف لما ترجح عِنْده من النَّقْل (واستدلالهم) أَي الظَّاهِرِيَّة وَمن مَعَهم على الِامْتِنَاع (بِأَن فِي حكمه) أَي الْقيَاس (اخْتِلَافا) بَين الْعلمَاء، فَمنهمْ من قَالَ بِجَوَازِهِ، وَمِنْهُم من لم يجوزه، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد اخْتلَافهمْ فِي حكم حَادِثَة وَاحِدَة بِحَسب مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ قِيَاس كل وَاحِد مِنْهُم، بل هَذَا هُوَ الْأَظْهر (فَهُوَ) أَي الْقيَاس (مَرْدُود لِأَنَّهُ من عِنْد غير الله) تَعَالَى لقَوْله تَعَالَى - {وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا} - فَإِنَّهُ يدل على أَن مَا هُوَ من عِنْد الله تَعَالَى لَا يكون فِيهِ اخْتِلَاف، وَمَا من عِنْد غَيره يكون فِيهِ، وَإِلَّا لم يَصح الِاسْتِدْلَال بِعَدَمِ الِاخْتِلَاف على كَونه من عِنْد الله تَعَالَى، وَمَا كَانَ من عِنْد غير الله تَعَالَى فَهُوَ مَرْدُود (مَدْفُوع) خبر لقَوْله استدلالهم (بِمَنْع كَون الِاخْتِلَاف الْمُوجب للرَّدّ فِي الْآيَة مَا) أَي الِاخْتِلَاف الْكَائِن (فِي) بعض (الْأَحْكَام) الشَّرْعِيَّة، فَإِن هَذَا غير مَرْدُود بل هُوَ وَاقع ومقبول إِجْمَاعًا كَمَا قيل اخْتِلَاف الْعلمَاء رَحْمَة، وَكَون الِاخْتِلَاف الْمَذْكُور فِي الْآيَة مُوجبا للرَّدّ لِأَنَّهُ ذكر فِي معرض الذَّم وَالنَّقْص اللَّائِق بمقام الْعباد، وَمَا كَانَ بِهَذِهِ المثابة فَهُوَ غير مَقْبُول (بل) الِاخْتِلَاف الْمُوجب للرَّدّ (التَّنَاقُض) فِي الْمَعْنى (والقصور) عَن البلاغة الَّتِي وَقع التحدي والإلزام بِأَن يكون الْقُرْآن بعض أخباره مناقضا للْبَعْض أَو مستلزما لنقيض الْبَعْض أَو يكون بعضه ركيكا من حَيْثُ تكون الْمَعْنى أَو النّظم أَو فصيحا لم يبلغ دَرَجَة الإعجاز فَإِن قلت كثيرا من الْكتب المصنفة لَا اخْتِلَاف فِيهِ قُلْنَا لَو سلم لَعَلَّ المُرَاد لُزُوم الِاخْتِلَاف لكتاب من عِنْد غير الله تَعَالَى مفترى بِهِ على الله عز وَجل ليتميز الْكَاذِب من الصَّادِق (وتبيانا لكل شَيْء) مَعْطُوف على قَوْله بِأَن: أَي واستدلالهم بقوله عز وَجل - {ونزلنا عَلَيْك الْكتاب تبيانا لكل شَيْء} - (وَنَحْوه) كَقَوْلِه تَعَالَى - {وَلَا رطب وَلَا يَابِس إِلَّا فِي كتاب مُبين} - تَقْرِيره لَو أَخذ بعض الْأَحْكَام من الْقيَاس لما كَانَ كِتَابه تبيانا لكل شي، وَلما كَانَ كل الْأَحْكَام فِي الْكتاب الْمُبين، وَالْخَبَر مَحْذُوف بِقَرِينَة مَا سبق: أَي مَدْفُوع بِمَنْع إِرَادَة الْعُمُوم، إِذْ هُوَ (مَخْصُوص قطعا) فَلَا حَاجَة حِينَئِذٍ إِلَى التَّقْدِير، وَهُوَ: أَي كل شَيْء فِيهِ: أَي فِي الْكتاب الْمُبين، وَالْخَبَر محذف أَن أُرِيد تَفْصِيل كل شَيْء، إِذْ لَيْسَ كل الْأَشْيَاء مفصلة فِي الْقُرْآن، وَفِي بعض النّسخ وتبيانا لكل شَيْء وَنَحْوه مَخْصُوص فَلَا حَاجَة إِلَى التَّقْدِير (أَو هُوَ) أَي كل شَيْء (فِيهِ) أَي فِي الْكتاب
(4/106)

(إِجْمَالا) وَلَو بالإحالة إِلَى السّنة أَو الْقيَاس (فَجَاز) أَن يكون (فِيهِ) أَي فِي الْكتاب إِجْمَالا وَهُوَ (حكم الْقيَاس) وَهُوَ الحكم الْحَاصِل فِي الْفَرْع قِيَاسا على الأَصْل (فيعلمه الْمُجْتَهد) بعد الِاجْتِهَاد (كَمَا جَازَ) أَن يكون (الْكل) أَي كل شَيْء (فِيهِ) أَي الْكتاب (ويعلمه النَّبِي) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا قيل جمع الْعلم: أَي الْقُرْآن، لَكِن تقاصرت عَنهُ الأفهام (مَعَ أَنه) أَي الِاسْتِدْلَال بالآيتين (مُسْتَلْزم أَن لَا يكون غير الْقُرْآن) من السّنة وَالْإِجْمَاع أَيْضا (حجَّة) تعين مَا ذَكرُوهُ فِي نفي حجية الْقيَاس (وَهُوَ) أَي انْتِفَاء حجية غير الْقُرْآن (مُنْتَفٍ عِنْدهم) أَي المانعين (أَيْضا) فَمَا هُوَ جوابهم فَهُوَ جَوَابنَا (وَبِه) أَي بِهَذَا الاستلزام: أَي بِانْتِفَاء هَذَا اللَّازِم (يبعد نِسْبَة هَذَا) الِاسْتِدْلَال (لَهُم) أَي إِلَيْهِم (على) وَجه (الِاقْتِصَار) على نفي الْقيَاس لبعد الْغَفْلَة عَن وُرُود هَذَا النَّقْص الظَّاهِر (وَأما) الْجَواب عَن استدلالهم بهما على مَا ذكره صدر الشَّرِيعَة من أَن الْقُرْآن تبيان للْقِيَاس (بِاعْتِبَار دلَالَته) أَي الْقُرْآن (على حكم الأَصْل نصا، و) على (حكم الْفَرْع دلَالَة) قد سبق أَن دلَالَة اللَّفْظ على حكم مَنْطُوق بمسكوت يفهم مناطه بِمُجَرَّد فهم اللُّغَة يُسمى دلَالَة فِي الِاصْطِلَاح (فَلَيْسَ) بِصَحِيح (وَإِلَّا) أَي وَإِن صَحَّ مَا ذكره (فَكل قِيَاس مَفْهُوم مُوَافقَة) أَي فَيلْزم أَن يكون كل قِيَاس مَدْلُول اللَّفْظ بِاعْتِبَار حكمه الْأَصْلِيّ نصا، والفرعي دلَالَة بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور، وَهَذَا هُوَ الْمَعْنى بِمَفْهُوم الْمُوَافقَة كدلالة النَّهْي عَن التأفيف على حرمته نصا، وعَلى حُرْمَة الضَّرْب دلَالَة، وَكَون كل قِيَاس كَذَا بَاطِل بالِاتِّفَاقِ (مَعَ أَنه) أَي كَون الْقُرْآن دَالا على أَحْكَام الْأُصُول كلهَا (مَمْنُوع فِي) الْأَشْيَاء (السِّتَّة) الْحِنْطَة بِالْحِنْطَةِ وَالشعِير بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْر بِالتَّمْرِ وَالذَّهَب بِالذَّهَب وَالْفِضَّة بِالْفِضَّةِ وَالْملح بالملح (أصُول) حكم (الرِّبَا) الْمَنْصُوص عَلَيْهَا فِي السّنة عطف بَيَان للستة (و) فِي (كثير) من الْأُصُول الْمَقِيس عَلَيْهَا (بل) بَيَان أَمْثَالهَا إِنَّمَا هُوَ (بِالسنةِ فَقَط، وَحَدِيث) لم يزل أَمر بني إِسْرَائِيل مُسْتَقِيمًا حَتَّى كثرت فيهم أَوْلَاد السبايا، و (قاسوا مَا لم يكن على مَا كَانَ فضلوا) وأضلوا أخرجه الْبَزَّار، وَفِي سَنَده قيس بن الرّبيع فِيهِ مقَال، وَرَوَاهُ الدَّارمِيّ وَأَبُو عوَانَة بِإِسْنَاد صَحِيح من قَول عُرْوَة (لَيْسَ مِمَّا نَحن فِيهِ) لِأَن المُرَاد مِنْهُ نصب الشَّرَائِع بِالْأَدَاءِ بِقِيَاس غير الْمَشْرُوع على الْمَشْرُوع من غير جَامع منَاط للْحكم دَال على كَون الثَّانِي مثل الأول فِيهِ (قَالُوا) أَي المانعون لَهُ سمعا أَيْضا (أرشد إِلَى تَركه) أَي الْقيَاس (بِإِيجَاب الْحمل على الأَصْل) وَهُوَ الْإِبَاحَة والبراءة الْأَصْلِيَّة (فِيمَا لم يُوجد فِيهِ نَص) قَوْله تَعَالَى {قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ} محرما على طاعم يطعمهُ - الْآيَة، فَكل مَا لم يُوجد فِي الْكتاب محرما لَا يحرم بل يبْقى على الْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة (الْجَواب) أَنه (إِنَّمَا يُفِيد) مَا ذكر من الْآيَة (منع إِثْبَات الْحُرْمَة ابْتِدَاء بِهِ) أَي بِالْقِيَاسِ لِأَنَّهَا نزلت لرد
(4/107)

مَا ذكر قبلهَا من تَحْرِيم الْكفَّار الْمَذْكُورَات من عِنْد أنفسهم ابْتِدَاء من غير الحاق لَهَا بِمَا حرمه الله للاشتراك فِي منَاط التَّحْرِيم، فَإِن الْمحرم عِنْد نزُول الْآيَة إِذا انحصر فِيمَا ذكر فِيهَا وَلَا شَيْء مِنْهُ يصلح لِأَن يلْحق بِهِ مَا حرمه الْكفَّار، فَلَو حرم الرَّسُول مَا حرمُوهُ لزم إِثْبَات الْحُرْمَة ابْتِدَاء (وَبِه) أَي بِمَنْع إِثْبَاتهَا ابْتِدَاء (بقول كَمَا) قُلْنَا فِيمَا (لم يدْرك مناطه) لأَنا شرطنا فِي الْقيَاس كَون حكم الأَصْل مَعْقُول الْمَعْنى (قَالُوا) أَيْضا الْقيَاس (ظَنِّي) فَلَا يجوز إِثْبَات حق الشَّارِع وَهُوَ الحكم الشَّرْعِيّ لقدرته على الْبَيَان الْقطعِي بِخِلَاف حُقُوق الْعباد فَإِنَّهَا تثبت بِقَيْد الظَّن كَالشَّهَادَةِ لعجزهم عَن الْإِثْبَات بقطعي (لَا) أَنه (كَخَبَر الْوَاحِد) فَإِنَّهُ بَيَان من جِهَة الشَّرْع قَطْعِيّ، والشبهة إِنَّمَا عرضت فِي طَرِيق الِانْتِقَال إِلَيْنَا فَلَا يُفِيد الْقطع بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا (وَجَوَابه مَا مر فِي مسئلة تَقْدِيمه) أَي خبر الْوَاحِد (عَلَيْهِ) أَي الْقيَاس: من أَن الِاحْتِجَاج بالْخبر الْحَاصِل الْآن وَهُوَ مظنون فَلَا ينفع كَونه يُفِيد الْقطع بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ بِغَيْر وَاسِطَة، وَالْفرق الْمَذْكُور بَين الْحَقَّيْنِ سَاقِط، لِأَن التَّوَجُّه إِلَى جِهَة الْقبْلَة مَحْض حق الله تَعَالَى، وَقد أطلق لنا الْعَمَل فِيهِ بِالرَّأْيِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وسعنا مَا هُوَ أقوى من ذَلِك، وَهَذَا الْمَعْنى مَوْجُود فِي الْأَحْكَام (ثمَّ بعد جَوَازه) أَي تَكْلِيف الْمُجْتَهد بِطَلَب المناط (وَقع) التَّكْلِيف بِهِ (سمعا، قيل) ثَبت وُقُوعه (ظنا) وَهَذَا القَوْل (لأبي الْحُسَيْن، وَلذَا) أَي لوُقُوعه ظنا عِنْده (عدل) فِي إثْبَاته (إِلَى مَا تقدم) من الدَّلِيل الْعقلِيّ الْمُفِيد للْقطع بظنه لِأَنَّهُ أصل ديني لَا يَكْفِي فِيهِ الظَّن (وَقيل) وَقع (قطعا) وَهُوَ قَول الْأَكْثَر (لقَوْله تَعَالَى {فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار}) فَإِن الِاعْتِبَار رد الشَّيْء إِلَى نَظِيره بِأَن يحكم عَلَيْهِ بِحكمِهِ، وَكَذَا سمى الأَصْل الَّذِي ترد إِلَيْهِ النَّظَائِر عِبْرَة، وَهَذَا يَشْمَل الاتعاظ، وَالْقِيَاس الْعقلِيّ، والشرعي، وَسِيَاق الْآيَة للاتعاظ، فتدل عَلَيْهِ عبارَة، وعَلى الْقيَاس إِشَارَة (وَكَونه) أَي وَكَون عُمُوم - اعتبروا (مَخْصُوصًا بمادة انْتَفَت) فِيهَا (شَرَائِطه) أَي الْقيَاس فَإِنَّهَا خَارِجَة عَنهُ (وَاحْتِمَال كَونه) أَي اعتبروا (للنَّدْب، وَكَونه للحاضرين) عِنْد نُزُولهَا فَقَط (و) احْتِمَال (إِرَادَة الْمرة) الْوَاحِدَة من الِاعْتِبَار وَإِرَادَة الْعَمَل بِهِ (وَفِي بعض الْأَحْوَال والأزمنة) وَغير ذَلِك مِمَّا يقتضى عدم إِرَادَة الْعُمُوم (لَا يَنْفِي الْقطع بِهِ) أَي بِوُقُوع التَّكْلِيف بِهِ، وَأما فِي الأول فنقطع بِمَا عدا مَا خص بِهِ (لِأَنَّهُ) أَي التَّخْصِيص الْمَذْكُور (تَخْصِيص بِالْعقلِ) والمخصص قَطْعِيّ فِي غير مَا خص بِهِ، وَأما فِي الْبَاقِي فَلَمَّا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وَلَيْسَ بِكُل تَجْوِيز عَقْلِي ينتفى الْقطع) فَلَا عِبْرَة بباقي الِاحْتِمَالَات وَإِنَّمَا يَنْتَفِي الْقطع بِالشُّبْهَةِ الناشئة عَن الدَّلِيل كَمَا تقرر فِي مَحَله (وَإِلَّا انْتَفَى) الْقطع (عَن السمعيات) لِأَنَّهُ لم يسلم شَيْء مِنْهَا عَن تجويزها عقلا فَلَا يتَمَسَّك بِشَيْء مِنْهَا (وَأما ظُهُور كَونه) أَي الِاعْتِبَار (فِي الاتعاظ بِالنّظرِ إِلَى خُصُوص
(4/108)

السَّبَب) لنزول الْآيَة الْمشَار إِلَيْهَا بقوله (ولبعد) أَن يُرَاد بقوله تَعَالَى - {فاعتبروا} - بعد قَوْله (يخربون بُيُوتهم بِأَيْدِيهِم) وأيدي الْمُؤمنِينَ (فقيسوا الذّرة بِالْبرِّ) كَمَا هُوَ لَازم الِاسْتِدْلَال لعدم الْمُنَاسبَة، فَلَا يحمل كَلَامه تَعَالَى عَلَيْهِ، وَالْجَوَاب عَنهُ مَا أَفَادَهُ بقوله (فَالْعِبْرَة لعُمُوم اللَّفْظ) لَا لخُصُوص السَّبَب، فَانْتفى الأول: وَهُوَ ظُهُور كَونه للاتعاظ (وَبِه) أَي بِأَن الْعبْرَة لعمومه (انْتَفَى الثَّانِي) أَيْضا (إِذْ الْمُرَتّب) على السَّبَب الْمَذْكُور الِاعْتِبَار (الْأَعَمّ مِنْهُ) أَي من قِيَاس الذّرة على الْبر (أَي فاعتبروا الشَّيْء بنظيره فِي مناطه) الظّرْف مُتَعَلق بنظيره لما فِيهِ من معنى الْفِعْل (فِي المثلات) أَي الْعُقُوبَات جمع مثلَة بِفَتْح الثَّاء وَضمّهَا مُتَعَلق بِالِاعْتِبَارِ (وَغَيرهَا وَهَذَا) الطَّرِيق فِي إِثْبَات التَّكْلِيف بِالْقِيَاسِ (أيسر من إثْبَاته) أَي التَّكْلِيف بِهِ (دلَالَة) كَمَا ذهب إِلَيْهِ صدر الشَّرِيعَة، لِأَن فهم الْأَمر بِالْقِيَاسِ من الْأَمر بِالِاعْتِبَارِ بطرِيق اللُّغَة من غير اجْتِهَاد لِئَلَّا يلْزم إِثْبَات الْقيَاس بِالْقِيَاسِ بعيد جدا، فَإِن من الْمَعْلُوم أَنه لَا يفهم كل من يعرف اللُّغَة ذَلِك كَمَا أَفَادَهُ بقوله (إِذْ لَا يفهم فهم اللُّغَة) نصب على المصدرية، فَإِن الْمَنْفِيّ إِنَّمَا هُوَ هَذَا النَّوْع من الْفَهم لَا مطلقه (الْأَمر بِالْقِيَاسِ) قَائِم مقَام فَاعل يفهم (فِي الْأَحْكَام) مُتَعَلق بِالْقِيَاسِ (من) الْأَمر ب (الاتعاظ). وَالشَّارِح تعقب المُصَنّف فِي هَذَا فَليرْجع إِلَيْهِ، وظني أَن مَا ذكره غير مُتَّجه (وَأَيْضًا قد تَوَاتر عَن كثير من الصَّحَابَة الْعَمَل بِهِ) أَي بِالْقِيَاسِ عِنْد عدم النَّص وَإِن كَانَت التفاصيل آحادا، فَإِن الْقدر الْمُشْتَرك متواتر (وَالْعَادَة قاضية فِي مثله) أَي فِي مثل الْعَمَل بِالْقِيَاسِ من كثير من الصَّحَابَة (بِأَنَّهُ) أَي الْعَمَل الْمَذْكُور إِنَّمَا يكون (عَن قَاطع فِيهِ) أَي الْعَمَل بِهِ وَإِن لم نعلمهُ على التَّعْيِين (وَأَيْضًا شاع مباحثتهم فِيهِ) أَي فِي الْعَمَل بِالْقِيَاسِ (وترجيحهم) بعض الْقيَاس على بعض (بِلَا نَكِير) لذَلِك (فَكَانَ) ذَلِك (إِجْمَاعًا مِنْهُم على حجيته لقَضَاء الْعَادة بِهِ) أَي بِكَوْنِهِ إِجْمَاعًا قَطْعِيا (فِي مثله من أصُول الدّين لَا سكُوتًا) أَي لَا إِجْمَاعًا سكوتيا مُفِيدا للظن، فَإِن ترك الْإِنْكَار فِي أَمر مُنكر يَجْعَل أصلا من أصُول الدّين على تَقْدِير أَن يَتَقَرَّر فِيمَا بَين الصَّحَابَة بِمَا تحيل الْعَادة وُقُوعه من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ (وَحَدِيث معَاذ) الْمُفِيد حجية الْقيَاس، فِي التَّوْضِيح أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما بعث معَاذًا إِلَى الْيمن قَالَ لَهُ بِمَ تقضي؟ قَالَ لَهُ بِمَا فِي كتاب الله. قَالَ فَإِن لم تَجِد فِي كتاب الله؟ قَالَ أَقْْضِي بِمَا قضى بِهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَالَ فَإِن لم تَجِد مَا قضى بِهِ رَسُول الله؟ قَالَ أجتهد: فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي وفْق رَسُول رَسُوله بِمَا يرضى بِهِ رَسُوله. فَإِنَّهُ (يُفِيد طمأنينة) الطُّمَأْنِينَة فَوق الظَّن لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَه احْتِمَال النقيض، وَإِن كَانَ دون الْيَقِين لاحْتِمَال زَوَاله بالتشكيك (فَإِنَّهُ) أَي الحَدِيث الْمَذْكُور (مَشْهُور) على مَا روى (عَن الْحَنَفِيَّة) فَتثبت بِهِ الْأُصُول فَإِن قيل: الْمَذْكُور فِيهِ الِاجْتِهَاد
(4/109)

وَهُوَ قد يكون بِغَيْر الْقيَاس الْمُتَنَازع فِيهِ كَالْحكمِ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّة، وَالْقِيَاس الْمَنْصُوص الْعلَّة، والاستنباط من النُّصُوص الْخفية الدّلَالَة قُلْنَا: الْبَرَاءَة الْأَصْلِيَّة لَا تحْتَاج إِلَى الِاجْتِهَاد، ومنصوص الْعلَّة لَا يَفِي بِالْأَحْكَامِ. وَأما الاستنباط من النُّصُوص فَأجَاب عَنهُ بقوله (وَكَون الِاجْتِهَاد) كَمَا يتَحَقَّق فِي الْقيَاس يتَحَقَّق (فِي الْمَنْصُوص) فَلَا يتَعَيَّن إِرَادَة الْقيَاس لَا يرد لِأَنَّهُ (دَاخل فِي قَوْله) أَي معَاذ أقضى بِمَا فِي (كتاب الله وَسنة رَسُوله فَلم يبْق) محمل للِاجْتِهَاد (إِلَّا الْقيَاس). وَفِي بعض النّسخ دَاخِلا على أَنه خبر الْكَوْن، وَهُوَ مجرور على أَنه مَعْطُوف على مَا يفهم من من السِّيَاق كَأَنَّهُ قَالَ لكَونه مَشْهُورا وَلكَون الِاجْتِهَاد إِلَى آخِره، وَهَذَا أقل تَقْدِير (وَالْقطع) حَاصِل (بِأَن إِطْلَاقه) أَي إِطْلَاق جَوَازه لِمعَاذ (لَيْسَ إِلَّا لاجتهاده لَا لخصوصه) فَلَا يرد أَنه يجوز أَن يكون ذَلِك مَخْصُوصًا بمعاذ. ثمَّ أجَاب عَمَّا روى عَن بعض الصَّحَابَة مِمَّا يُوهم نَفْيه بقوله (والمروي عَن جمع من الصَّحَابَة كالصديق والفاروق وَعلي وَابْن مَسْعُود) رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم (من ذمَّة) أَي الْقيَاس، عَن الصّديق أَنه لما سُئِلَ عَن الْكَلَالَة قَالَ: أَي سَمَاء تُظِلنِي، وَأي أَرض تُقِلني؟ إِذا قلت فِي كتاب الله تَعَالَى برأيي. وَعَن الْفَارُوق " اتَّقوا الرَّأْي فِي دينكُمْ: إيَّاكُمْ وَأَصْحَاب الرَّأْي فَإِنَّهُم أَعدَاء السّنة: اتهموا الرَّأْي على الدّين ". وَعَن عَليّ " لَو كَانَ الدّين بِالرَّأْيِ لَكَانَ بَاطِن الْخُف أولى بِالْمَسْحِ من أَعْلَاهُ ". وَعَن ابْن مَسْعُود " لَا أَقيس شَيْئا بِشَيْء فتزل قدم بعد ثُبُوتهَا ". وَعنهُ " يحدث قوم يقيسون الْأُمُور برأيهم فينهدم الْإِسْلَام وينثلم " كَمَا ذكر الشَّارِح مخرجها إِلَّا الأول، ثمَّ بعد صِحَّته عَنْهُم (فالقطع بِأَنَّهُ) أَي الذَّم (فِي غَيره) أَي غير الْقيَاس الشَّرْعِيّ (إِذْ قَاس كثير) من الصَّحَابَة قَول الرجل: أَنْت عَليّ (حرَام عَليّ) قَوْله: أَنْت (طَالِق) فِي وُقُوع وَاحِدَة رَجْعِيَّة. وَنقل الشَّارِح عَن بَعضهم مَا يُخَالف هَذَا فِي تَفْصِيل ذكره، والعمدة على نقل المُصَنّف وتحقيقه (و) قَاس (على الشَّارِب) للخمر (على الْقَاذِف) فِي الْحَد، وَقد سبق بَيَانه (و) قَاس (الصّديق الزَّكَاة على الصَّلَاة فِي وجوب الْقِتَال) بِالتّرْكِ. فِي الصَّحِيحَيْنِ أَن عمر قَالَ لأبي بكر كَيفَ تقَاتل النَّاس؟ فساقه إِلَى قَول أبي بكر: وَالله لأقاتلن من فرق بَين الصَّلَاة وَالزَّكَاة: الحَدِيث (وَفِيه) أَي فِي قِيَاس أبي بكر هَذَا (إِجْمَاع الصَّحَابَة أَيْضا، وَورث) أَبُو بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (أم الْأُم لَا أم الْأَب) لما اجتمعتا (فَقيل لَهُ) وَالْقَائِل عبد الرَّحْمَن بن سهل أَخُو بني حَارِثَة (تركت الَّتِي لَو كَانَت) هِيَ (الْميتَة) وَهُوَ حَيّ (ورث الْكل) مِنْهَا إِذا انْفَرد (اي هِيَ) يَعْنِي أم الْأَب (أقرب) أَي أقوى قرَابَة من أم الْأُم (فشرك) أَبُو بكر (بَينهمَا فِي السُّدس) على السوَاء (و) ورث (عمر المبتوتة بِالرَّأْيِ) فَقَالَ فِي الَّذِي يُطلق امْرَأَته وَهُوَ مَرِيض أَنَّهَا تَرثه فِي الْعدة وَلَا يَرِثهَا، وَهُوَ
(4/110)

مَشْهُور عَن عُثْمَان، رَوَاهُ مَالك وَالشَّافِعِيّ بِسَنَد صَحِيح (و) قَاس (ابْن مَسْعُود موت زوج المفوضة) قبل الدُّخُول بهَا فِي لُزُوم جَمِيع مهر الْمثل على موت زوج غَيرهَا قبل الدُّخُول بهَا فِي لُزُوم جَمِيع الْمُسَمّى، والمفوضة الَّتِي زَوجهَا بِغَيْر مهر (وَذَلِكَ) أَي الْعَمَل بِالْقِيَاسِ للصحابة (أَكثر من أَن ينْقل) وَإِن كثر فِي النَّقْل (وَاخْتِلَافهمْ) أَي الصَّحَابَة (فِي تَوْرِيث الْجد مَعَ الْأُخوة) لِأَبَوَيْنِ أَو لأَب (كل) مِنْهُم (قَالَ فِيهِ بالتشبيه) فِي مُسْند أبي حنيفَة عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق أَن عمر شاور عليا وَزيد بن ثَابت فِي الْجد مَعَ الْأُخوة، فَقَالَ لَهُ عَليّ: أَرَأَيْت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو أَن شَجَرَة انشعب مِنْهَا غُصْن، ثمَّ انشعب من الْغُصْن غُصْن أَيهمَا أقرب إِلَى أحد الغصنين؟ أصاحبه الَّذِي خرج مِنْهُ أم الشَّجَرَة؟ وَقَالَ زيد: لَو أَن جدولا انْبَعَثَ من ساقية ثمَّ انْبَعَثَ من الساقية ساقيتان أَيهمَا أقرب إِلَى أحد الساقيتين أصاحبتها أم الْجَدْوَل؟ انْتهى: وَلَا يخفى أَن هَذَا لَيْسَ من الْقيَاس الْمُتَنَازع فِيهِ، غير أَنه يلْزم من ثُبُوته ثُبُوته بطرِيق أولى.

مسئلة
(النَّص) من الشَّارِع (على الْعلَّة يَكْفِي فِي إِيجَاب تَعديَة الحكم بهَا) أَي بِسَبَب الْعلَّة إِلَى غير مَحل الحكم الْمَنْصُوص المشارك لَهُ فِيهَا (وَلَو لم تثبت شَرْعِيَّة الْقيَاس وفَاقا للحنفية وَأحمد والنظام والقاساني) وَأبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ. (وَأَبُو عبد الله الْبَصْرِيّ) قَالَ: يَكْفِي فِي إِيجَاب تَعديَة الحكم بهَا (فِي التَّحْرِيم) أَي إِذا كَانَت عِلّة لتَحْرِيم الْفِعْل دون غَيره (خلافًا لِلْجُمْهُورِ) فَإِنَّهُ لَا يَكْفِي عِنْدهم ذَلِك فِي إِيجَابهَا مُطلقًا (لَهُم) أَي الْجُمْهُور (انْتِفَاء دَلِيل الْوُجُوب) لتعدية الحكم ثَابت (وَهُوَ) أَي دَلِيله (الْأَمر) بالتعدية بهَا (أَو الْإِخْبَار بِهِ) أَي بِالْوُجُوب فينتفى الْوُجُوب (وَأما الِاسْتِدْلَال) لَهُم كَمَا ذكره ابْن الْحَاجِب وَغَيره (بِلُزُوم عتق كل أسود لَو قَالَ أعتقت) عَبدِي (غانما لسواده فمردود) كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ القَاضِي عضد الدّين (بِأَنَّهُم) أَي الْحَنَفِيَّة وَمن مَعَهم (لَا يَقُولُونَ بِثُبُوت حكم الْفَرْع من اللَّفْظ ليلزم ذَلِك) اللَّازِم (بل) يَقُولُونَ (أَنه) أَي النَّص على الْعلَّة (دَال على وجوب إِثْبَات الحكم) بهَا على الْمُجْتَهد (أَيْن وجد) الْوَصْف الَّذِي هُوَ الْعلَّة، وَفِيه أَنهم لَو قَالُوا بِثُبُوت الْفَرْع من اللَّفْظ للَزِمَ ذَلِك وَلَيْسَ كَذَلِك لوُجُود الْفرق بَين كَلَام الشَّارِع وَغَيره. فَإِنَّهُ إِذا نَص على الْعلَّة كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا عَلامَة للْحكم مهما وجدت وجد، لكَون أَحْكَامه غير معللة بالعلل، وَلَيْسَ غَيره كَذَلِك. فَمَعْنَى أعتقت إِلَى آخِره دَعَاني سوَاده إِلَى الاعتاق، وَلَا يسْتَلْزم هَذَا أَن يَدْعُو سَواد غَيره إِلَى ذَلِك فَتَأمل (وَكَذَا) اسْتِدْلَال الْحَنَفِيَّة وَمن مَعَهم (بِأَنَّهُ لَا فرق بَين حرمت الْخمر لإسكارها، وكل
(4/111)

مُسكر إِذا كَانَ) القَوْل الْمَذْكُور صادرا (من وَاجِب الِامْتِثَال) مَرْدُود (لما ذكرنَا) آنِفا من أَنهم لَا يَقُولُونَ بِثُبُوت حكم الْفَرْع من اللَّفْظ (وَالْفرق) بَين مَا نَص فِيهِ على علية علته، وَمَا ذكر من مَادَّة النَّقْض من قبل الْحَنَفِيَّة (بِأَن الْقيَاس حق الله تَعَالَى فَيَكْفِي فِيهِ) أَي فِي ثُبُوت حكمه (الظُّهُور) أَي كَون اللَّفْظ دَالا عَلَيْهِ بِظَاهِرِهِ من غير تَصْرِيح لمزيد الاهتمام بِشَأْنِهِ (وَالْعِتْق زَوَال حق آدَمِيّ فبالصريح) أَي فَيثبت بِالصَّرِيحِ لَا بالظهور، وَقَوله أعتقت إِلَى آخِره لَيْسَ بِصَرِيح (مَمْنُوع بِأَن الْعتْق كَذَلِك) أَي يَكْفِي فِيهِ الظُّهُور (لتشوفه) أَي لتطلع الشَّارِع وَكَمَال توجهه (إِلَيْهِ) أَي الْعتْق فَإِنَّهُ أحب الْمُبَاحَات إِلَيْهِ (وَلِأَن فِيهِ) أَي الْعتْق (حق الله تَعَالَى) لكَونه من الْعِبَادَات (وَلنَا أَن ذكر الْعلَّة) من حَيْثُ هِيَ عِلّة (مَعَ الحكم يُفِيد تعميمه) أَي الحكم (فِي محَال وجودهَا لِأَنَّهُ يتَبَادَر إِلَى فهم كل من سمع حُرْمَة الْخمر لِأَنَّهَا مسكرة) أَي الدَّال على حرمتهَا معللة بالإسكار (تَحْرِيم كل مَا أسكر)، وَفِيه أَنه يُنَافِي مَا مر من أَنهم لَا يَقُولُونَ بِثُبُوت حكم الْفَرْع من اللَّفْظ: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُرَاد نفي ثُبُوته منطوقا أَو ثُبُوت حكم الْفَرْع بِخُصُوصِهِ فَتَأمل (و) لِأَنَّهُ يتَبَادَر (من قَول طَبِيب لَا تَأْكُله) أَي الشَّيْء الْفُلَانِيّ (لبرودته مَنعه) أَي الْمُخَاطب (من) أكل (كل بَارِد، وَاحْتِمَال كَونه) أَي النَّص على الْعلَّة (لبَيَان حكمته) أَي الحكم (مَعَ منع الْمُجْتَهد من) قِيَاس (مثله) أَي مثل مَحل الحكم الْمَنْصُوص على علته (أَو أَنه) أَي النَّص عَلَيْهَا فِي نَحْو حرمت الْخمر لإسكارها (لخُصُوص إسكار الْخمر) لَا لمُطلق الْإِسْكَار (لَا يقْدَح فِي الظُّهُور) أَي فِي كَونه ظَاهرا فِي الْإِطْلَاق، والظهور كَاف فِي الْقيَاس الْمَبْنِيّ على الظَّن (كاحتمال خُصُوص الْعَام بعد الْبَحْث) والتفحص (عَن الْمُخَصّص) وَعدم العثور عَلَيْهِ (فَإِنَّهُ) أَي الْعَام (حِينَئِذٍ) أَي حِين بحث عَن مخصصه وَلم يعثر عَلَيْهِ (ظَاهر فِي عدم التَّخْصِيص فَبَطل مَنعه) أَي منع إِيجَاب النَّص على الْعلَّة التَّعْدِيَة (بتجويز كَونه) أَي النَّص على الْعلَّة (لتعقل فَائِدَة شرعيته) أَي الحكم (فِي ذَلِك الْمحل مَعَ قصره) أَي الحكم (عَلَيْهِ) أَي ذَلِك الْمحل وَحَاصِله بَيَان الْحِكْمَة لذَلِك الحكم الْمَخْصُوص بمحله عَن الشَّارِع، فَالْفرق بَين هَذَا وَمَا تقدم عدم التَّقْيِيد بِمَنْع الْمُجْتَهد من مثله صَرِيحًا (وَأبْعد مِنْهُ) أَي من التجويز الْمَذْكُور أَن يُقَال (تَعْلِيل كَونه) أَي تَحْرِيم الْخمر مُعَللا (بإسكارها) خَاصَّة لَا بِمُطلق الْإِسْكَار (بِأَن حُرْمَة الْخمر لَا تعلل بِكُل إسكار) بل بالإسكار الْمُضَاف إِلَيْهَا كَمَا فِي الشَّرْح العضدي، وَقَوله بِأَن صلَة تَعْلِيل (لِأَن الْمُدَّعِي ظُهُور حرمتهَا لِأَنَّهَا مسكرة فِي التَّعْلِيل بالإسكار) الْمُطلق (الدائر فِي كل إسكار، دون الْإِسْكَار الْمُقَيد بِالْإِضَافَة الْخَاصَّة) وَهِي الْإِضَافَة إِلَى الْخمر (لتبادر الْغَايَة) أَي خُصُوص الْإِضَافَة (إِلَى عقل كل من فهم معنى السكر) الْمَأْخُوذ فِي حرمتهَا
(4/112)

لِأَنَّهَا مسكرة، لَا يُقَال قد يُفِيد بالمطلق بِالْقَرِينَةِ وَهِي مَوْجُودَة هَهُنَا لِأَن الْمُعَلل حُرْمَة مُغَلّظَة فيناسبه أَن يكون فِي علته أَيْضا غلظة وَلَا تُوجد تِلْكَ الغلظة فِي الْمُطلق على إِطْلَاقه، لأَنا نقُول هَهُنَا مَا يُقَاوم اعْتِبَار مُقْتَضى وضع اللَّفْظ من الْعُمُوم على أَن الْإِطْلَاق أنسب بِقصد الشَّارِع من حسم مَادَّة الْفساد الْحَاصِل بِكُل مُسكر ثمَّ أيد الأبعدية بقوله (واعترف هَذَا الْقَائِل) يَعْنِي القَاضِي (بإفادة قَول الطَّبِيب لَا تَأْكُله لبرده التَّعْمِيم) أَي الْمَنْع من أكل كل بَارِد (وَهُوَ) أَي حرمته الْخمر إِلَى آخِره (مثله) أَي مثل قَول الطَّبِيب الْمَذْكُور (دون أَن الْمَنْع) فِيهِ إِنَّمَا هُوَ (من ذَلِك الْبَارِد) الْمَخْصُوص فَقَوله دون حَال من قَول الطَّبِيب، يَعْنِي أَن قَوْله يُفِيد التَّعْمِيم حَال كَونه متجاوزا إِفَادَة أَن الْمَنْع إِلَى آخِره (وَلَا يُعلل) الْمَنْع من ذَلِك الْبَارِد (بِكُل برودة) بل ببرودته فَقَوله وَلَا يُعلل إِلَى آخِره حَال من الْمَنْع الْمَذْكُور بعد دون، فَقَوله دون إِلَى آخِره يُفِيد نفي إِفَادَة الْمَنْع من الْبَارِد الْمَخْصُوص مُعَللا ببرودته الْمَخْصُوصَة، واعترافه هَذَا مُخَالف لما ادَّعَاهُ فِي الْخمر (وَفرق الْبَصْرِيّ) بَين التَّحْرِيم وَغَيره (بِأَن ترك الْمنْهِي) بارتكاب مَا نهى عَنهُ (يُوجب ضَرَرا) وَهُوَ وُقُوع مفْسدَة نهى لأَجلهَا (فَيُفِيد) النَّهْي عَنهُ بِهَذَا الِاعْتِبَار (الْعُمُوم وَالْفِعْل لتَحْصِيل مصلحَة) كالتصدق على فَقير للمثوبة (لَا يُوجب) الْفِعْل (كل تَحْصِيل) أَي كل تَحْصِيل مصلحَة حَتَّى يلْزم من فَوَاته الْمصَالح كلهَا (لَا يُفِيد) مَطْلُوبه (بعد ظُهُور أَنه) أَي النَّص على الْعلَّة (من الشَّارِع يُفِيد إِيجَاب اعْتِبَار الْوَصْف) من حَيْثُ أَنه عِلّة (ويستلزم) الْإِيجَاب الْمَذْكُور (وجوب التَّرْتِيب) أَي تَرْتِيب الحكم عَلَيْهِ أَيْنَمَا وجد (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يجب التَّرْتِيب (لَزِمت مُخَالفَة اعْتِبَاره أَي اعْتِبَار الشَّارِع الْوَصْف عِلّة (وَهُوَ) أَي خلاف اعْتِبَاره (مُضر كالنهي) أَي كَمَا أَن مُخَالفَة اعْتِبَاره فِي النَّهْي مُضر (وَهَذَا) الَّذِي ذكرنَا مِمَّا يُخَالف مَا ذهب إِلَيْهِ الْجُمْهُور (تَفْصِيل رد دليلهم) أَي الْجُمْهُور (الأول) يَعْنِي انْتِفَاء دَلِيل الْوُجُوب (وَأما مَا ذكر) فِي أصُول ابْن الْحَاجِب وَغَيره (من مسئلة لَا يجرى الْخلاف) أَي بَين مثبتي الْقيَاس (فِي جَمِيع الْأَحْكَام) فِي الشَّرْح العضدي: قد اخْتلف فِي جَرَيَان الْقيَاس فِي جَمِيع الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وأثبته شذوذ، وَالْمُخْتَار نَفْيه، ثمَّ نقل عَن الْمَحْصُول أَن النزاع فِي أَنه هَل فِي الشَّرْع جمل من الْأَحْكَام لَا يجرى فِيهَا الْقيَاس أَو ينظر فِي كل مسئلة مسئلة هَل يجْرِي فِيهَا الْقيَاس أم لَا؟ (فمعلومة من الشُّرُوط) ككون حكم الأَصْل مَعْقُول الْمَعْنى، وَكَون الْفَرْع لَا يتَعَيَّن فِيهِ حكم نَص أَو إِجْمَاع إِلَى غير ذَلِك فَلَا حَاجَة إِلَى أَفْرَاد مسئلة فِيهِ، يَعْنِي أَنه علم من الشُّرُوط أَن مَا لَا يُوجد فِيهِ تِلْكَ الشُّرُوط لَا يجْرِي فِيهِ الْقيَاس فَلَا حَاجَة فِيهِ إِلَى النّظر هَل يجْرِي فِيهِ أم لَا، فَثَبت أَن فِي الشَّرْع
(4/113)

جملا لَا يجْرِي فِيهَا (يجب الحكم على الْخلاف الْمَنْقُول على الْإِطْلَاق) بِأَن يَقُول الْبَعْض بِأَنَّهُ لَا يمْتَنع جَرَيَانه فِي مسئلة من الْمسَائِل، وَالْبَعْض الآخر بامتناعه فِي بَعْضهَا (بالْخَطَأ) صلَة الحكم يَعْنِي نقل الْخلاف على هَذَا الْوَجْه خطأ قطعا فَيجب أَن يحكم عَلَيْهِ بالْخَطَأ.

فصل فِي بَيَان الاعتراضات الْوَارِدَة على الْقيَاس
(يرد على) أَفْرَاد (الْقيَاس أسئلة: مرجع مَا سوى الاستفسار مِنْهَا إِلَى الْمَنْع أَو الْمُعَارضَة) فالمرجع مصدر، لَا اسْم مَكَان، وَألا يلْزم حذف كلمة إِلَى، وَإِنَّمَا قيد بِمَا سواهُ ردا على من أطلق وَهُوَ غير وَاحِد، وَإِلَيْهِ ذهب أَكثر الجدليين، وَوَافَقَهُمْ ابْن الْحَاجِب، وَذهب السُّبْكِيّ إِلَى أَن مرجع الْكل إِلَى الْمَنْع وَحده كَمَا ذهب إِلَيْهِ بعض الجدليين لِأَن الْمُعَارضَة منع لِلْعِلَّةِ عَن الجريان، وَلَا يخفى أَن أدراج النَّقْض الإجمالي فِي الْمَنْع لَهُ وَجه لِأَنَّهُ مُتَعَلق بِالدَّلِيلِ، وَأما الْمُعَارضَة فَلَا تعرض فِيهَا للدليل بل هِيَ إِقَامَة الدَّلِيل على خلاف مَا أَقَامَ عَلَيْهِ الْخصم. (أَولهَا) أَي الأسئلة (الاستفسار) وَهُوَ طلب بَيَان معنى اللَّفْظ (وَلَا يخْتَص) الْقيَاس (بِهِ) بل هُوَ جَار فِي كل خَفِي المُرَاد، وَهُوَ (مُتَّفق) عَلَيْهِ (وَلم يذكرهُ الْحَنَفِيَّة لثُبُوته بِالضَّرُورَةِ) إِذْ طلب الْمُخَاطب بَيَان مَا لَا يفهمهُ من معنى اللَّفْظ، وَكَونه مُتَوَجها بِحَسب الْآدَاب غير خَفِي (وَإِنَّمَا يسمع) الاستفسار وَيقبل (فِي لفظ يخفي مُرَاده) أَي مَا أُرِيد بِهِ (وَألا) أَي وَلَو لم يكن خفِيا (فتعنت) أَي فالاستفسار تعنت وعناد فَلَا يسمع (مَرْدُود) لِأَنَّهُ خلاف مَا شَرط فِي المناظرة من كَونهَا لإِظْهَار الصَّوَاب (وَله) أَي الْمُسْتَدلّ (أَن لَا يقبله) أَي استفسار الْمُعْتَرض (حَتَّى يُبينهُ) أَي الْمُعْتَرض خَفَاء المُرَاد (لِأَنَّهُ) أَي الخفاء (خلاف الأَصْل) لِأَن وضع الْأَلْفَاظ للْبَيَان، وَالظَّاهِر من حَال الْمُتَكَلّم أَن يُرَاعِي ذَلِك، وَالْبَيِّنَة على من يَدعِي خلاف الأَصْل (ويكفيه) أَي الْمُعْتَرض فِي بَيَان الخفاء (صِحَة إِطْلَاقه) أَي اللَّفْظ (لمتعدد وَلَو) كَانَ إِطْلَاقه على الْمعَانِي المتعددة أولى، وَلَو كَانَ ذَلِك المتعدد (بِلَا تساو) بِأَن يكون بعضه أظهر لكَونه حَقِيقَة، بِخِلَاف غَيره أَو مجَازًا وَاضحا قرينته صارفة ومعينة (لِأَنَّهُ) أَي الْمُعْتَرض (يخبر بالاستبهام عَلَيْهِ لتِلْك الصِّحَّة) أَي يَدعِي أَن صِحَة إِطْلَاقه لمتعدد صَارَت سَببا لكَون المُرَاد مِنْهُمَا عِنْدِي فَلَا يضرّهُ كَون المُرَاد أظهر فِي نفس الْأَمر، فَإِنَّهُ بِهَذَا ينْدَفع عَنهُ ظن التعنت، وَيصدق بِظَاهِر عَدَالَته (وَجَوَابه) أَي الاستفسار أَو المستفسر (بَيَان ظُهُوره) أَي اللَّفْظ (فِي مُرَاده) مِنْهُ (بِالْوَضْعِ) أَي بِبَيَان وضع اللَّفْظ لذَلِك المُرَاد، دون مَا يُقَابله (أَو الْقَرِينَة) بِأَن يبين أَن مُرَاده الْمَعْنى الْمجَازِي ويعين قرينته (أَو ذكر مَا أَرَادَ) من غير تعرض للوضع أَو الْقَرِينَة (بِلَا مشاحة تكلّف نقل اللُّغَة) لبَيَان الْوَضع
(4/114)

لما فِيهِ من الكلفة المستغنى عَنْهَا لحُصُول الْمَقْصُود بتفهيم المُرَاد (أَو الْعرف فِيهِ) لبَيَان الْقَرِينَة الناشئة من الْعرف وَنَحْوه، وَيجوز أَن يُرَاد بِهِ الْوَضع الْعرفِيّ الَّذِي هجر مَعَه الْوَضع اللّغَوِيّ، وَعند الْبَعْض كَابْن الْحَاجِب يجب أَن يفسره بِمَا يجوز اسْتِعْمَاله فِيهِ كتفسير الثور فِي قَوْله يخرج فِي صَدَقَة الْفطر الثور بالقطعة من الأقط، لَا بِمَا لَا يجوز فَإِنَّهُ من جنس اللّعب الْخَارِج عَن قانون المناظرة الْمَوْضُوعَة لإِظْهَار الصَّوَاب فَلَا يسمع، وَقيل يسمع لِأَن غَايَة الْأَمر أَنه ناظره بلغَة غير مَعْلُومَة، وَفِيه مَا فِيهِ (وَأما) قَوْله فِي بَيَان ظُهُوره (يلْزم ظُهُوره) أَي اللَّفْظ (فِي أَحدهمَا) أَي الْمَعْنيين اللَّذين يُطلق على كل مِنْهُمَا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن ظَاهرا فِي أَحدهمَا (فالإجمال) أَي فَيلْزم الْإِجْمَال لَهُ (وَهُوَ) أَي الْإِجْمَال (خلاف الأَصْل أَو) يلْزم ظهروه (فِيمَا قصدت إِذْ لَيْسَ ظَاهرا فِي الآخر) لموافقتك إيَّايَ على ذَلِك فَإِن قلت يرد على الأول أَنه على تَقْدِير تَسْلِيم لُزُوم ظُهُوره فِي أَحدهمَا لَا يُفِيد الْمَقْصُود لجَوَاز أَن يكون مَا هُوَ ظَاهر فِيهِ غير المُرَاد، وعَلى الثَّانِي أَنه يجوز عدم ظُهُوره فِي شَيْء مِنْهُمَا قلت لَا بُد من ضم كل مِنْهُمَا مَعَ الآخر فحاصل الأول لَا بُد من الظُّهُور فِي أَحدهمَا، وَلَيْسَ بِظَاهِر فِي غير المُرَاد اتِّفَاقًا، وَالثَّانِي يلْزم ظُهُوره فِيمَا قصدت إِذْ لَيْسَ ظَاهرا فِي الآخر، وَقد ثَبت لُزُوم ظُهُوره فِي أَحدهمَا، وَلَا يخفى أَنه يصير مآلهما وَاحِدًا، وَكلمَة أَو للتنويع بِاعْتِبَار التَّقْرِير (فَالْحق نَفْيه) جَوَاب أما: أَي فَالْحق نفي هَذَا الدّفع (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الْحق نَفْيه (فَاتَ الْغَرَض) من المناظرة وَهُوَ إِظْهَار الصَّوَاب عِنْد الْخصم (فَإِنَّهُ) أَي الْمُعْتَرض (ذكر عدم فهمه) مُرَاد الْمُسْتَدلّ (فَلم يبين) لَهُ مُرَاده (وَمثله) أَي مثل سُؤال الاستفسار فِي عدم الِاخْتِصَاص بِالْقِيَاسِ (سُؤال التَّقْسِيم) وَهُوَ (منع أحد مَا تردد اللَّفْظ بَينه وَبَين غَيره) وَحَاصِله منع بعد تَقْسِيم وَلما كَانَ مَا يحْتَملهُ اللَّفْظ مُتَعَددًا يصدق على كل وَاحِد مِنْهُمَا أَنه مَا تردد اللَّفْظ بَينه وَبَين غَيره كَانَ مَفْهُوم مَا تردد إِلَى آخِره كليا ذَا أَفْرَاد، وَصَحَّ إِضَافَة أحد إِلَيْهِ غير أَن الْمَنْع يتَوَجَّه إِلَى أحد بِعَيْنِه (مَعَ تَسْلِيم الآخر) سَوَاء كَانَ الْمَانِع (مُقْتَصرا) على ذكر منع ذَلِك الآخر غير متجاوز إِلَى ذكر تَسْلِيم الآخر صَرِيحًا غير أَنه يفهم ضمنا (أَو) مُصَرحًا (بِذكرِهِ) أَي بِذكر التَّسْلِيم أَيْضا (كفى الصَّحِيح الْمُقِيم) أَي كَمَا فَيُقَال: فِي تَعْلِيل إجَازَة التَّيَمُّم للصحيح الْمُقِيم (فقد المَاء فَوجدَ سَبَب التَّيَمُّم) وَهُوَ فَقده (فَيجوز) التَّيَمُّم (فَقَالَ سَبَبِيَّة الْفَقْد) للْمَاء (مُطلقًا أَو) الْفَقْد (فِي السّفر الأول) أَي كَون السَّبَب الْفَقْد مُطلقًا (مَمْنُوع) فيسكت عَن ذكر تَسْلِيم الثَّانِي أَو يَقُول مَعَ ذَلِك وَالثَّانِي مُسلم، وَلَا شكّ أَنه لَا يُفِيد الْمَقْصُود إِذْ الْكَلَام فِي الصَّحِيح الْمُقِيم (وَفِي الملتجئ) أَي وكما يُقَال فِي الْقَاتِل عمدا عُدْوانًا إِذْ الأز بِالْحرم يقْتَصّ مِنْهُ إِذْ (الْقَتْل) الْعمد (الْعدوان سَببه) أَي سَبَب الاقتصاص
(4/115)

مِنْهُ (فيقتص فَيُقَال) الْقَتْل الْعمد الْعدوان سَببه (مُطلقًا) التجأ أَو لم يلتجئ (أَو) هُوَ سَببه (مَا لم يلتجئ، الأول مَمْنُوع) وَالثَّانِي مُسلم لَكِن لَا يُفِيد، لِأَن الْكَلَام فِي الملتجئ، وَقد اخْتلف فِي هَذَا السُّؤَال (فَقيل لَا يقبل لعدم تعين الْمَمْنُوع مرَادا) للمستدل، وَلَا يضرّهُ الْمَنْع إِلَّا إِذا توجه إِلَى مُرَاده (وَلِأَن حَاصله) أَي السُّؤَال الْمَذْكُور (ادِّعَاء الْمُعْتَرض مَانِعا) لثُبُوت مطلب الْمُسْتَدلّ، وَهُوَ عدم صِحَة بعض مقدماته (وَبَيَانه) أَي الْمَانِع يجب (عَلَيْهِ) أَي الْمُعْتَرض لادعائه مَا هُوَ خلاف الأَصْل (وَالْمُخْتَار قبُوله) أَي السُّؤَال الْمَذْكُور (لجَوَاز عَجزه) أَي الْمُسْتَدلّ (عَن إثْبَاته) بعد مَا تعين مُرَاده على وَجه يتَوَجَّه إِلَيْهِ الْمَنْع، إِذْ رُبمَا لَا يُمكنهُ إِثْبَات مَا منع (وَاللَّفْظ) أَي لفظ السَّائِل (يُفِيد نفي السَّبَبِيَّة) يَعْنِي أَن مَا جعلته سَببا لثُبُوت الحكم لَيْسَ بِسَبَب (لَا وجود الْمَانِع مَعَ السَّبَب) أَي لِأَن الْمَانِع مَوْجُود مَعَ تحقق السَّبَب حَتَّى يُقَال لَهُ إِنَّك بعد مَا اعْترفت بِوُجُود الْمُقْتَضى لَا يسمع مِنْك بِمُجَرَّد دَعْوَى الْمَانِع من غير بَيَان (وَأما كَونه) أَي الْمُسْتَدلّ (بِهِ) أَي بِسَبَب هَذَا السُّؤَال (يتَبَيَّن مُرَاده) كَمَا فِي الشَّرْح العضدي (فَلَيْسَ) كَذَلِك (بل قِيَاسه يفِيدهُ) أَي يبين مُرَاده (إِذْ ترتيبه) أَي الْمُسْتَدلّ الحكم إِنَّمَا هُوَ (على الْفَقْد) أَي فقد المَاء (وَالْقَتْل مُطلقًا) مُتَعَلق بهما على سَبِيل التَّنَازُع (فَهُوَ) أَي مُرَاده (مَعْلُوم) وَقس عَلَيْهِ سَائِر الْأَمْثِلَة وَلما كَانَ هَهُنَا مُطلق مَظَنَّة سُؤال، وَهُوَ أَنه لَو كَانَ المُرَاد مَعْلُوما لما كَانَ لترديد السَّائِل وَجه أجَاب عَنهُ بقوله (وترديد السَّائِل تجاهل) عَن مُرَاد الْمُسْتَدلّ مَعَ كَونه عَالما بِهِ فِي نفس الْأَمر (اذ تَجْوِيز التَّرْتِيب) أَي تَرْتِيب الحكم (على الْفَقْد الْمُقَيد) بِالسَّفرِ وَالْقَتْل الْمُقَيد بالالتجاء (مُبَالغَة فِي الاستيضاح) أَي طلب لزِيَادَة الوضوح (ويكفيه) أَي الْمُسْتَدلّ أَن يَقُول إِذا طُولِبَ بِبَيَان عدم الْمَانِع (الأَصْل عدم الْمَانِع) يَعْنِي إِذا قَالَ السَّائِل: إِنَّك تستدل بِوُجُود الْمُقْتَضى لم لَا يجوز أَن يكون هَهُنَا مَانع يَكْفِيهِ أَن يَقُول الأَصْل إِلَى آخِره، وَهَذَا الْكَلَام هَهُنَا تقريبي (هَذَا، وَيقبل) هَذَا السُّؤَال (وَإِن اشْتَركَا) أَي الاحتمالان اللَّذَان يتَرَدَّد اللَّفْظ بَينهمَا (فِي التَّسْلِيم) وَعَدَمه (إِذا اخْتلفَا فِيمَا يرد عَلَيْهِمَا من) الأسئلة (القوادح) فيهمَا، وَإِلَّا لَكَانَ التَّقْسِيم عَبَثا، وَلَيْسَ من شَرطه أَن يكون أَحدهمَا مَمْنُوعًا وَالْآخر مُسلما (ثمَّ) قَالَ (الْحَنَفِيَّة: الْعِلَل طردية ومؤثرة وَمِنْهَا) أَي من المؤثرة (الملائمة) وَهُوَ مَا ثَبت مَعَ الحكم فِي الأَصْل مَعَ ثُبُوت اعْتِبَار عينه فِي جنس الحكم بِنَصّ أَو إِجْمَاع أَو قلبه أَو جنسه فِي جنسه كَمَا مر، يَعْنِي من جملَة المؤثرة عِنْد الْحَنَفِيَّة الملائمة الْمُقَابلَة للمؤثرة (عِنْد الشَّافِعِيَّة وَلَيْسَ للسَّائِل فِيهَا) أَي المؤثرة (إِلَّا الْمَانِعَة) أَي منع مُقَدّمَة الدَّلِيل فَيعم منع ثُبُوت الْوَصْف فِي الأَصْل أَو فِي الْفَرْع أَو منع ثُبُوت الحكم فِي الأَصْل أَو منع صَلَاحِية علية الْوَصْف للْحكم إِلَى غير
(4/116)

ذَلِك (والمعارضة) هِيَ لُغَة الْمُقَابلَة على سَبِيل الممانعة، وَاصْطِلَاحا تَسْلِيم لدَلِيل الْمُعَلل دون مَدْلُوله وَإِلَّا ستدل على نفي مَدْلُوله (لِأَنَّهُمَا) أَي الممانعة والمعارضة (لَا يقدحان فِي الدَّلِيل بِخِلَاف فَسَاد الْوَضع) كَون الْعلَّة مُرَتبا عَلَيْهَا نقيض ذَلِك الحكم (و) فَسَاد (الِاعْتِبَار) كَون الْقيَاس مُعَارضا بِنَصّ أَو إِجْمَاع كَمَا سَيَجِيءُ فَإِنَّهُمَا يقدحان فِيهِ فَإِن قلت لَا فرق بَين الْأَوَّلين والآخرين فِي الْقدح على تَقْدِير الْوُرُود من غير اندفاع وَعدم الْقدح على تَقْدِير الاندفاع قلت الْأَوَّلَانِ لَا يَخْلُو عَنْهُمَا دَلِيل من الْأَدِلَّة فيندفعان تَارَة، وَأُخْرَى لَا، وَفِي عدم الْقدح على تَقْدِير فَلَا يخرج الدَّلِيل بهما عَن دَائِرَة الِاعْتِبَار بِالْكُلِّيَّةِ وَإِن لم يندفعا، بِخِلَاف الآخرين لندرتهما وكونهما أقبح عِنْد عدم الاندفاع، وَقد علم بالتتبع أَنه لَا يتَوَجَّه على الِاسْتِدْلَال بالعلل المؤثرة مَا يُخرجهُ عَن الِاعْتِبَار بِالْكُلِّيَّةِ، وَفِيه مَا فِيهِ، وَلما سَيذكرُهُ المُصَنّف (والمناقضة) مَعْطُوف على فَسَاد الْوَضع، وَإِنَّمَا قَالَ (أَي النَّقْض) لِأَن الْمُتَبَادر من المناقضة منع الْمُقدمَة الْمعينَة كَمَا هُوَ اصْطِلَاح الجدليين، وَالْمرَاد نقض الْعلَّة بتخلف الحكم عَنْهَا فِي صُورَة (إِذْ يُوجب) كل مِنْهُمَا (تنَاقض الشَّرْع) على تَقْدِير عدم الاندفاع: إِذْ التَّأْثِير إِنَّمَا يثبت بِالنَّصِّ أَو الْإِجْمَاع فالمؤثر الَّذِي يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الحكم ونقيضه مُسْتَلْزم لتناقض الشَّرْع كَالَّذي يثبت النَّص أَو الْإِجْمَاع نقيض مُوجبه، وَكَذَا النَّقْض، وَقد يُقَال هَذَا إِنَّمَا يَقْتَضِي عدم تحقق فَسَاد الْوَضع وَالِاعْتِبَار بِحَسب نفس الْأَمر، لَا بِحَسب وهم السَّائِل، وَالوهم كَاف لَهُ فِي جَوَاز السَّائِل: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال معنى قَوْله لَيْسَ للسَّائِل أَنه لَا يتَحَقَّق لَهُ لعدم مَا يظنّ فِيهِ ذَلِك إِلَّا على سَبِيل الندرة، والنادر كَالْمَعْدُومِ (وَهَذَا) الَّذِي قُلْنَا من أَنه لَيْسَ للسَّائِل إِلَى آخِره مَبْنِيّ (على منع تَخْصِيص الْعلَّة) أما على القَوْل بتخصيصها فَلهُ ذَلِك، لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون مُرَاد الْمُسْتَدلّ من الْوَصْف الَّذِي جعله عِلّة تَقْيِيده بِقَيْد، وَقد يكون الْمُطلق بِاعْتِبَار تَقْيِيده بِقَيْد يَقْتَضِي حكما، وَبِاعْتِبَار تقيده بآخر يُفِيد ذَلِك الحكم (وَأما وجود الحكم دونهَا) أَي الْعلَّة (وَهُوَ الْعَكْس) أَي الْمُسَمّى بِالْعَكْسِ اصْطِلَاحا (فعام الانتفاء) عَن المؤثرة والطردية عِنْد شارطي انعكاس الْعلَّة، وَقد مر فِي شُرُوطهَا الْخلاف فِيهِ (وَكَذَا الْمُفَارقَة) أَي منع علية الْوَصْف فِي الأَصْل وإبداء وصف آخر صَالح للعلية، أَو منع استدلاله بِالْعِلَّةِ بادعاء أَن الْعلَّة مركب مِنْهَا وَمن غَيرهَا وَلم يُوجد فِي الْفَرْع عَام الانتفاء (فَإِن وجد صُورَة النَّقْض) فِي المؤثرة على قَول من يجوزه، وَهُوَ خلاف الْمُخْتَار (دفع بِأَرْبَع) من الطّرق (نذكرها وعَلى الطَّرْد ترد) الْخَمْسَة الْمَذْكُورَة (مَعَ القَوْل بِالْمُوجبِ) أَي الْتِزَام السَّائِل مَا يلْزمه الْعلَّة بتعليله مَعَ بَقَاء النزاع فِي الحكم الْمَقْصُود (وَلَا وَجه لتخصيصها) أَي الطردية (بِهِ) أَي بِمَا ذكر من الْخَمْسَة وَالْقَوْل بِالْمُوجبِ كَمَا يفهم من كَلَام
(4/117)

بَعضهم (وَدفع) هَذَا التَّخْصِيص مُطلقًا (بِأَن الْإِيرَاد) أَي الِاعْتِرَاض إِنَّمَا هُوَ (بِاعْتِبَار ظَنّه) أَي الْمُسْتَدلّ (للعلية لإنكار ظَنّه) يَعْنِي أَن الِاعْتِرَاض بِحَسب الْحَقِيقَة مُتَوَجّه إِلَى ظَنّه لكَون الْمُعْتَرض مُنْكرا مُطَابقَة مَا فِي نفس الْأَمر فيورد على ظَنّه (لَا على) الْعِلَل (الشَّرْعِيَّة) الثَّابِتَة (فِي نفس الْأَمر) الْمُعْتَبرَة عِنْد الشَّارِع (وَألا) أَي وَإِن لم يكن بِاعْتِبَار ظَنّه وَكَانَ على الشَّرْعِيَّة (فَيجب نفي الْمُعَارضَة أَيْضا) على المؤثرة (إِذْ بعد ظُهُور تَأْثِير الْوَصْف) يلْزم (فِي الْمُعَارضَة المناقضة) للشَّرْع (خُصُوصا) الْمُعَارضَة (بطرِيق الْقلب) وَهِي على مَا سَيَجِيءُ مُعَارضَة فِيهَا مناقضة (وَإِذ لَا تَخْصِيص) لنقض الاعتراضات بالمؤثرة دون الطردية وَبِالْعَكْسِ (نذكرها) أَي الاعتراضات (بِلَا تَفْصِيل و) بِلَا (تعرض لخصوصياتهم) أَي الْحَنَفِيَّة فِيهَا، فَإِن اخْتلَافهمْ فِيهَا مَبْنِيّ على التَّخْصِيص. (الأول فَسَاد الِاعْتِبَار) وَهُوَ (كَون الْقيَاس مُعَارضا بِالنَّصِّ أَو الْإِجْمَاع فَلَا وجود لَهُ) أَي الْقيَاس (حِينَئِذٍ) لِأَن صِحَّته مَشْرُوطَة بِأَن لَا يكون فِي مُقَابلَة أَحدهمَا (لينْظر فِي مقدماته) مُتَعَلق بالوجود، يَعْنِي النّظر فِي مقدماته فرع أَن يكون لَهُ وجود وَحَيْثُ علم أَنه وَقع فِي غير مَحل إِمْكَانه لَا يلْتَفت بعد ذَلِك إِلَيْهِ وَإِلَى مقدماته، وَسمي بذلك لِأَن الِاعْتِبَار هُوَ الْقيَاس وَقد مر، ففساد الْقيَاس فَسَاد الِاعْتِبَار (وتخلصه) أَي الْمُسْتَدلّ من هَذَا الِاعْتِرَاض (بالطعن فِي السَّنَد) للنَّص (إِن أمكن) بِأَن لَا يكون كتابا وَلَا سنة متوترة أَو مَشْهُورَة وَكَانَ فِي سَنَده من لم يكن عَدَالَته مُتَّفقا عَلَيْهِ أَو كذب فِيهِ الأَصْل الْفَرْع إِلَى غير ذَلِك (أَو) الطعْن (فِي دلَالَته) أَي فِي دلَالَة النَّص على مَطْلُوب الْمُعْتَرض (أَو أَنه) أَي النَّص مَعْطُوف على الطعْن (مؤول) غير مَحْمُول على ظَاهره (بدليله) أَي بِدَلِيل التَّأْوِيل الْمُفِيد ترجحه على الظَّاهِر (أَو) أَنه (خص مِنْهُ) أَي من عُمُوم النَّص (حكم الْقيَاس) مَعَ بَيَان دَلِيل التَّخْصِيص، وَهُوَ أَيْضا من التَّأْوِيل، فَهُوَ من عطف الْخَاص على الْعَام لمزيد الاهتمام (ومعارضته) أَي الْمُسْتَدلّ نَص الْمُعْتَرض (بمساو) أَي بِنَصّ مسَاوٍ لَهُ (فِي النَّوْع) كالكتاب بِالْكتاب وَالسّنة بِالسنةِ (وَالتَّرْجِيح) لأحد النصين على الآخر (بعد ذَلِك) التَّسَاوِي (بالخصوصية) الممتاز بهَا أَحدهمَا على الآخر كالمحكم على الْمُفَسّر، وَهُوَ على النَّص، وَهُوَ على الظَّاهِر، وَإِن انْتَفَت الخصوصية تساقطا وَسلم قِيَاس الْمُسْتَدلّ (فَلَو عَارض الآخر) أَي الْمُعْتَرض النَّص الَّذِي عَارض بِهِ الْمُسْتَدلّ (بآخر) بِنَصّ آخر مَعَ الأول (من غير نَوعه) أَي غير نوع الأول (وَجب أَن يبْنى) تَرْجِيح الأول بِالثَّانِي (على التَّرْجِيح بِكَثْرَة الرِّوَايَة) وَتقدم مَا فِيهِ من الْخلاف إِذا لم يبلغ حد الشُّهْرَة فِي فصل التَّرْجِيح. قَالَ الشَّارِح: وَالْوَجْه الروَاة يَعْنِي بدل الرِّوَايَة، وَلَا يخفى أَنَّهُمَا متلازما غير أَن الْمَشْهُور كَثْرَة الروَاة (و) بِنَاء (على) القَوْل بِأَن (لَا تَرْجِيح بِكَثْرَة)
(4/118)

الروَاة (لَا يُعَارض النَّص) أَي نَص الْمُعْتَرض المنضم مَعَه نَص آخر (النَّص وَالْقِيَاس) أَي نَص الْمُسْتَدلّ وَقِيَاسه لِأَن بانضمام النَّص الآخر لم يحصل للْأولِ زِيَادَة لِأَنَّهُ مثل كَثْرَة الروَاة، وَأما نَص الْمُسْتَدلّ فَلَا شكّ فِي تقويه بقياسه فَلم يتَحَقَّق مُعَارضَة بَين النَّص المنضم إِلَيْهِ النَّص وَبَين النَّص وَالْقِيَاس (ليقف الْقيَاس) عَن علمه وإفادته للْحكم بِسَبَب الْمُعَارضَة (للْعلم بِسُقُوط هَذَا الِاعْتِبَار فِي نظر الصَّحَابَة) فَإِنَّهُم كَانُوا يرجعُونَ عِنْد تعَارض النصين إِلَى الْقيَاس وَلَا يلتفتون إِلَى مَا يَنْضَم إِلَى أحد النصين من نَص آخر، عرف ذَلِك بتتبع أَحْوَالهم (وَمن نَوعه) أَي فَلَو عَارض الْمُعْتَرض نَص الْمُسْتَدلّ بِنَصّ آخر من نوع الأول مَعَ الأول (لَا يرجح) نَصه الأول بِهِ (اتِّفَاقًا) بل يعارضهما جَمِيعًا نَص الْمُسْتَدلّ بِانْفِرَادِهِ كَمَا يُعَارض شَهَادَة الِاثْنَيْنِ شَهَادَة الْأَرْبَع فمعارضة شَهَادَة الِاثْنَيْنِ أصل ألحق بِهِ مُعَارضَة النَّص الْوَاحِد للنصين اللَّذين من نوع وَاحِد بالإتفاق، وَفِي إِلْحَاق مُعَارضَة النَّص الْوَاحِد لنصين أَحدهمَا لَيْسَ من نوع الأول اخْتِلَاف (وَلَو قَالَ الْمُسْتَدلّ) للمعترض (عَارض نصك قياسي فَسلم نصي فَبعد أَنه) أَي هَذَا الْجَواب هُوَ (الِانْتِقَال الْمَمْنُوع) لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُثبت بِالنَّصِّ لَا بِالْقِيَاسِ بعد مَا كَانَ مثبتا بِهِ فَهُوَ حِينَئِذٍ (معترف بِفساد الِاعْتِبَار) أَي بوروده (على قِيَاسه) وَلَا نعني بالإلزام إِلَّا هَذَا، مِثَاله (نَحْو) قَول الشَّافِعِي فِي حل ذَبِيحَة الْمُسلم المتروكة التَّسْمِيَة عمدا (ذبح التارك) للتسمية ذبح (من أَهله) أَي أهل الذّبْح الْمُعْتَبر شرعا، وَهُوَ الْمُسلم فِي حل ذَبِيحَة الْمُسلم (فِي مَحَله) وَهُوَ الْمَأْكُول اللَّحْم (فيحلها) أَي الذّبْح الذَّبِيحَة (كالناسي) أَي كذبح ناسي التَّسْمِيَة فَإِنَّهُ ذبح من أَهله فِي مَحَله فيحلها (فَيُقَال) فِي جَوَابه هَذَا قِيَاس (فَاسد الِاعْتِبَار لمعارضة) قَوْله تَعَالَى {وَلَا تَأْكُلُوا} الْآيَة) أَي - {مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ وَإنَّهُ لفسق} - وَإِضَافَة الْمُعَارضَة إِلَى وَلَا تَأْكُلُوا إِضَافَة الْمصدر إِلَى الْفَاعِل: أَي لمعارضة هَذَا النَّص الْقيَاس الْمَذْكُور على مَا يَقْتَضِيهِ تَعْرِيف فَسَاد الِاعْتِبَار (فالمستدل مؤول) على صِيغَة الْمَفْعُول، وَالتَّقْدِير يَقُول: هَذَا مؤول، أَو الْفَاعِل: أَي يؤول الْآيَة (بِذبح الوثني) بالميتة أَو بِمَا ذكر غير اسْم الله عَلَيْهِ (بقوله) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (الْمُؤمن يذبح على اسْم الله سمى أَو لم يسم) توقف الشَّارِح فِي ثُبُوته غير أَنه أثبت مَا فِي مَعْنَاهُ مُرْسلا عَن تَابِعِيّ صَغِير. (وَمَا قيل) فِي دفع قَول الشَّافِعِي (خص) مَذْبُوح (النَّاسِي) من نَص وَلَا تَأْكُلُوا (بِالْإِجْمَاع فَلَو قيس عَلَيْهِ) أَي النَّاسِي (الْعَامِد أوجب) الْقيَاس عَلَيْهِ (كَونه) أَي الْقيَاس (نَاسِخا) للنَّص (لَا مُخَصّصا إِذْ لم يبْق تَحت الْعَام) يَعْنِي - مَا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ - (شَيْء) لِأَنَّهُ لم يكن تَحْتَهُ إِلَّا النَّاسِي والعامد وَقد خرجا (إِنَّمَا ينتهض) دافعا لَهُ (إِذا لم يلْزم) كَون النَّص (مؤولا) قَالَ الشَّارِح نقلا عَن المُصَنّف مَا حَاصله: أَن للحنفية فِي إِفْسَاد هَذَا
(4/119)

الْقيَاس طَرِيقين: الأول فَسَاد الِاعْتِبَار، وَإِذا أثبت الشَّافِعِي أَن النَّص مؤول انْدفع. الثَّانِي أَن قِيَاسه حِينَئِذٍ نَاسخ للْكتاب وَهُوَ أَيْضا مندفع بالتأويل: يَعْنِي بِمَا إِذا ذبح للنصب: وَهُوَ أحد قسمي الْعَامِد، فَإِنَّهُ يَنْقَسِم إِلَى تَارِك فَقَط، وتارك مَعَ الذّبْح للنصب، وَإِذا أُرِيد بِالْآيَةِ الثَّانِي يبْقى تَحت الْعَام هَذَا الْعَامِد، وَهَذَا هُوَ الْمَوْعُود بِهِ فِي فصل الشُّرُوط بقوله: وَفِيه نظر يَأْتِي (فَلَو قَالَ) الْمُسْتَدلّ بعد إِلْزَام فَسَاد الِاعْتِبَار (قياسي أرجح من نصك) فَلَا يلْزَمنِي فَسَاد الِاعْتِبَار، لِأَن الْمَرْجُوح لَا يبطل الرَّاجِح (فَلَيْسَ للمعترض إبداء فرق بَينهمَا) أَي الْعَامِد وَالنَّاسِي لدفع الأرجحية وَإِثْبَات فَسَاد الِاعْتِبَار (بِأَنَّهُ) أَي الْعَامِد (صدف) أَي أعرض (عَن الذّكر مَعَ استحضار مطلوبيته) أَي الذّكر (شرعا) فَكَانَ مقصرا (بِخِلَاف النَّاسِي) فَإِنَّهُ مَعْذُور، فَعدم التَّقْصِير مُعْتَبر فِي الْعلَّة، وَإِنَّمَا لم يكن لَهُ ذَلِك (لِأَنَّهُ) أَي بَيَان الْفَارِق مُسْتَقل بِفساد الْقيَاس فَالْجَوَاب بِبَيَان الْفرق عَن دفع الْمُسْتَدلّ فَسَاد الِاعْتِبَار (انْتِقَال عَن فَسَاد الِاعْتِبَار) أَي بَيَان فَسَاد الْقيَاس بطرِيق آخر، وَهُوَ مَمْنُوع فِي المناظرة كَمَا ذكر (وللمعترض منع مُعَارضَة خبر الْوَاحِد) كالحديث الَّذِي ذكره الشَّافِعِي (لعام الْكتاب) كَمَا فِي الْآيَة (فَلَا يتم) كَونه (مؤولا) للمستدل (وللمجيب إثْبَاته) أَي إِثْبَات كَون خبر الْوَاحِد مُعَارضا لعام الْكتاب (إِن قدر) على ذَلِك بِأَن يَقُول دلَالَة الْعَام على الْعُمُوم ظَنِّي كَمَا أَن خبر الْوَاحِد ظَنِّي وَقَامَ بحجته (وَلَيْسَ) إثْبَاته (انْقِطَاعًا) عَمَّا كَانَ المناظرة فِيهِ (وَإِن كَانَ) الْمُجيب وَهُوَ الْمُسْتَدلّ (منتقلا) عَمَّا كَانَ فِيهِ (إِلَى) دَلِيل (آخر يحْتَاج فِيهِ) أَي فِي الآخر (إِلَى مثل مقدماته) أَي الدَّلِيل الأول (أَو (أَكثر) من مقدماته، وَإِنَّمَا لَا يكون انْقِطَاعًا (لِأَنَّهُ) أَي الْمُجيب (بعد ساع فِي إِثْبَات نفس مدعاه) وَهُوَ إِثْبَات الحكم بقياسه الْمَذْكُور، فَلَا يرد أَن من قَالَ عَارض نصك قياسي فَسلم نصي أَيْضا بعد فِي إِثْبَات نَص نفس مدعاه، وَقد حكمت أَن انْتِقَاله مَمْنُوع، فَإِنَّهُ أَرَادَ إِثْبَات الحكم بِالنَّصِّ لَا بقياسه الَّذِي وَقعت المناظرة فِيهِ (كمن احْتج بِالْقِيَاسِ فَمنع جَوَازه) أَي جَوَاز الِاحْتِجَاج بِالْقِيَاسِ (فاحتج) المحتج بِهِ (بقول عمر لأبي مُوسَى: اعرف الْأَمْثَال والأشباه وَقس الْأُمُور عِنْد ذَلِك فَمنع) جَوَازه أَي جَوَاز الِاحْتِجَاج (حجية قَول الصَّحَابِيّ فأثبته) أَي كَون قَول الصَّحَابِيّ حجَّة (بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اقتدوا بالذين من بعدِي أبي بكر وَعمر فَمنع) الْمَانِع الْمَذْكُور (حجية خبر الْوَاحِد فأثبته) أَي كَون خبر الْوَاحِد حجَّة بِمَا يدل عَلَيْهِ (وَإِذ يتَرَدَّد) أَي وَإِذ يَقع التَّرَدُّد (فِي الْأَجْوِبَة) عَن الاعتراضات (من هَذَا) أَي من أجل الِانْتِقَال من كَلَام إِلَى آخر بِأَن يشك فِي خصوصياتها من حَيْثُ الِانْقِطَاع وَعَدَمه احْتَاجَ الْمقَام إِلَى تَفْصِيل (فَهَذِهِ) إِشَارَة إِلَى الْوُجُود فِي الذِّهْن من المباحث الْآتِيَة (مُقَدّمَة) وَهِي مَا يذكر
(4/120)

أَمَام الْمَشْرُوع فِي الْمَقْصُود مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ (فِي) بَيَان (الِانْتِقَال) من كَلَام إِلَى آخر فِي المناظرة من قبل أَن يسْتَند، وَيتم الْمُسْتَدلّ إِثْبَات الحكم: الأول هُوَ (إِمَّا من عِلّة إِلَى) عِلّة (أُخْرَى لإثباتها) أَي الْعلَّة الأولى الَّتِي هِيَ عِلّة الْقيَاس (أَو) من حكم (إِلَى حكم آخر يحْتَاج إِلَيْهِ) الْمُعَلل فِي إِثْبَات الْمُتَنَازع فِيهِ كَمَا سَيَجِيءُ يثبت هَذَا الْمُنْتَقل إِلَيْهِ (بِتِلْكَ الْعلَّة) الَّتِي هِيَ عِلّة الْقيَاس (أَو بِأُخْرَى) أَي بعلة أُخْرَى مَعْطُوف على تِلْكَ الْعلَّة فَالْحكم الْمُنْتَقل إِلَيْهِ تَارَة يثبت بعلة الْقيَاس وَتارَة بغَيْرهَا، وَهَذِه الثَّلَاثَة صَحِيحَة اتِّفَاقًا، فَالْأولى الِاشْتِغَال بِمَا تصدى لَهُ من ادِّعَاء علية الْعلَّة للْحكم الْأَصْلِيّ، وَهَذَا إِنَّمَا يتَحَقَّق فِي الممانعة، فَإِن السَّائِل قد منع من عليتها، وَأما الأخيران فَإِنَّمَا يتحققان عِنْد مُوَافقَة الْخصم فِي الحكم الأول وادعائه أَن النزاع فِي حكم آخر فَينْتَقل لإِثْبَات الحكم الْمُتَنَازع فِيهِ بِالْعِلَّةِ الأولى أَو بِأُخْرَى (أَو) من عِلّة (إِلَى) عِلّة (أُخْرَى لإِثْبَات الحكم الأول). قَالَ الشَّارِح: وَهَذَا إِنَّمَا يتَحَقَّق فِي فَسَاد الْوَضع والمناقضة إِن لم يكن دفعهما بِبَيَان الملائمة والتأثير والطرد (وَاخْتلف فِي هَذَا) الرَّابِع (فَقيل يقبل لمحاجة الْخَلِيل عَلَيْهِ السَّلَام) نمروذ الْمشَار إِلَيْهَا بقوله تَعَالَى - {ألم تَرَ إِلَى الَّذِي حَاج إِبْرَاهِيم فِي ربه أَن آتَاهُ الله الْملك إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيم رَبِّي الَّذِي يحيي وَيُمِيت قَالَ أَنا أحيي وأميت قَالَ إِبْرَاهِيم فَإِن الله يَأْتِي بالشمس من الْمشرق فأت بهَا من الْمغرب فبهت الَّذِي كفر} - فانتقل عَلَيْهِ السَّلَام من حجَّة إِلَى أُخْرَى لإِثْبَات الحكم الأول، وَقد حكى الله تَعَالَى ذَلِك على سَبِيل التمدح فَهُوَ صَحِيح (وَدفع) هَذَا (بِأَن حجَّته) عَلَيْهِ السَّلَام الأولى (ملزمة) لَهُ: أَي مفحمة (ومعارضة اللعين) لَهُ الْمشَار إِلَيْهِ بقوله - {أَنا أحيي وأميت} - ثمَّ بَيَانه بإحضار شَخْصَيْنِ من السجْن وَجب قَتلهمَا أطلق أَحدهمَا وَقتل الآخر كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (بترك التَّسَبُّب فِي إِزَالَة حَيَاة شخص وإزالتها قتلا) وَحَاصِله السَّبَب فِي إِزَالَتهَا (بَاطِلَة) يَعْنِي ظَاهِرَة الْبطلَان بِحَيْثُ لَا يحْتَاج إِلَى الرَّد (إِذْ المُرَاد) بِالْإِحْيَاءِ فِي حجَّة الْخَلِيل (إيجادها) فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن الْحَيَاة مَوْجُودَة فِي الْخَارِج (فِيمَا لَيست) الْحَيَاة (فِيهِ و) بالاماتة (ازالتها بِلَا مُبَاشرَة محسوسة) أَي بِنَزْع الرّوح بِغَيْر علاج محسوس (وحاضره) أَي مجْلِس اللعين (ضلال) قاصرون عَن التَّأَمُّل (يسْرع إِلَيْهِم إِلْزَام مَا لَا يلْزم) يَحْتَاجُونَ إِلَى قَاطع لإخفاء فِيهِ بِوَجْه (فانتقل إِلَى دَلِيل آخر) بعد تَمام الأول (لَا يحْتَمل) ذَلِك الآخر (التلبيس) والمغالطة، فَهُوَ انْتِقَال إِلَى دَلِيل أوضح (وَالْحق أَن لَا انْتِقَال) أصلا (فَإِن الأول) أَي قَوْله - {رَبِّي الَّذِي رَبِّي يحيي وَيُمِيت} - إِنَّمَا هُوَ (الدَّعْوَى) فَإِن المُرَاد بِهِ أَن رب الْعَالمين إِنَّمَا هُوَ الْقَادِر الْمُطلق الَّذِي لَا يعجز عَن شَيْء لظُهُور أَنه لم يره اخْتِصَاص ربوبيته بِنَفسِهِ وَلَا قدرته بِالْإِحْيَاءِ والإماتة فَقَط، وَالْمرَاد بالرسول الْمَعْهُود الْمَشْهُور بعلته، فَكَأَنَّهُ قَالَ الرب سُبْحَانَهُ هُوَ الله سُبْحَانَهُ لَا غير،
(4/121)

فَلَمَّا أنكر اللعين ذَلِك مثبتا لنَفسِهِ تِلْكَ الْقُدْرَة الْمُطلقَة أَرَادَ إِلْزَامه وإفحامه على وَجه لَا يبْقى لَهُ مجَال مجادلة فَقَالَ - {إِن الله يَأْتِي بالشمس من الْمشرق} - إِلَى آخِره، وَإِلَيْهِ أَشَارَ المُصَنّف بقوله (واستدلاله) أَي الْخَلِيل (لم يَقع إِلَّا بِمَعْنى الْإِلْزَام) أَي بِالْمَعْنَى الَّذِي هُوَ الْإِلْزَام الْكَائِن (فِي قَوْله: (فَإِن الله يَأْتِي بالشمس إِلَى آخِره) وَعَن الإِمَام نجم الدّين النَّسَفِيّ أَن هَذَا لَيْسَ انتقالا من حجَّة أُخْرَى فِي المناظرة، لِأَن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام ادّعى انْفِرَاد الله تَعَالَى بالربوبية وَاحْتج لذَلِك بِكَمَال الْقُدْرَة وَدلّ عَلَيْهِ بِالْإِحْيَاءِ والإماتة، فَلَمَّا أَرَادَ نمروذ التلبيس أظهر كَمَال الْقُدْرَة بِحَدِيث الشَّمْس، وَالدَّلِيل وَاحِد، والصورتان مُخْتَلِفَتَانِ انْتهى. وَكَأن المُصَنّف أَرَادَ بالاستدلال اللُّزُوم الَّذِي لَا يبْقى مَعَه مجَال مجادلة فَلذَلِك قصره على القَوْل الثَّانِي فَلَا يُنَافِي كَون الأول دَلِيلا أَيْضا مَعَ إِفَادَة أصل الْمُدَّعِي (وَالْكَلَام) الَّذِي نَحن فِيهِ (فِيمَا إِذا ظهر بطلَان) الدَّلِيل (الأول فانتقل) الْمُسْتَدلّ (إِلَى دَلِيل آخر فَإِنَّهُ) أَي انْتِقَاله حِينَئِذٍ (انْقِطَاع فِي عرفهم) أَي النظار (استحسنوه) أَي الحكم بالانقطاع الْمَمْنُوع عَنهُ فِي الِانْتِقَال الْمَذْكُور (كَيْلا يَخْلُو الْمجْلس) أَي مجْلِس المناظرة (عَن الْمَقْصُود) وَهُوَ أَن تَنْتَهِي الْمُخَاصمَة إِلَى أحد الْجَانِبَيْنِ، وَفَسرهُ الشَّارِح بِإِظْهَار الْحق وَلَا يخفى أَن هَذَا يَقْتَضِي أَن لَا يمْنَع من الِانْتِقَال ويبالغ فِي التَّحْقِيق كَمَا يدل عَلَيْهِ قَوْله (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الْمُدَّعِي الْمَذْكُور (فَفِي) مُقْتَضى (الْعقل لَهُ) أَي الْمُسْتَدلّ (أَن ينْتَقل) من الدَّلِيل الأول (إِلَى) دَلِيل (آخر، و) من الدَّلِيل الآخر إِلَى دَلِيل (آخر) وَهَكَذَا (إِذا لم يثبت مَا عينه) من الحكم بِمَا ذكر من الدَّلِيل (حَتَّى يعجزه عَن إثْبَاته وَلَو) كَانَ ذَلِك (فِي مجَالِس) كَمَا أَن للْمُدَّعِي فِي حُقُوق النَّاس الِانْتِقَال من بَيِّنَة إِلَى أُخْرَى، وَهُوَ مَقْبُول إِجْمَاعًا (فالانقطاع) للمعلل أَو السَّائِل إِنَّمَا يتَحَقَّق (بدليله) أَي الْعَجز عَن إِثْبَات الْمَطْلُوب أَو مَا هُوَ بصدده (سكُوت) بدل الْبَعْض من دَلِيل كَمَا أخبر الله تَعَالَى عَن اللعين بقوله - {فبهت الَّذِي كفر} - وَهُوَ أظهر أَنْوَاع الِانْقِطَاع (أَو إِنْكَار ضروى) أَي بديهي فَإِنَّهُ يدل على كَمَال عَجزه (أَو منع بعد تَسْلِيم) لَا يُقَال: يحْتَمل أَن يكون تَسْلِيمه لسهو أَو غَفلَة، فَإِنَّهُ عِنْد ذَلِك يبين سَنَده وَيذكر أَنه سَهَا أَو غفل (تَسْلِيم) لما ادَّعَاهُ الْخصم خبر الْمُبْتَدَأ: أَعنِي فالانقطاع (وَفِي) انْتِقَال الْمُعَلل (فِي معرض الِاسْتِدْلَال إِلَى مَا لَا يُنَاسب الْمَطْلُوب دفعا لظُهُور إفحامه) وعجزه عَن إِقَامَة الدَّلِيل (انْقِطَاع فَاحش) واضطراب بِحَيْثُ لَا يدْرِي مَا يَقُول (فَالْأول) أَي الِانْتِقَال من عِلّة إِلَى أُخْرَى لإِثْبَات الأولى مِثَاله (للحنفية فِي إِثْبَات أَن إِيدَاع الصَّبِي) غير الْمَأْذُون مَا لَيْسَ برقيق (تسليط) للصَّبِيّ على استهلاكه (عِنْد تَعْلِيله) أَي الْحَنَفِيّ (بِهِ) أَي بتسليطه عَلَيْهِ (لنفي ضَمَانه) أَي الصَّبِي إِذا أتْلفه وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد، لِأَن الْإِتْلَاف مَعَ التسليط لَا يُوجب الضَّمَان كَمَا إِذا أَبَاحَ لَهُ طَعَاما فأتلفه
(4/122)

لَا يضمن اتِّفَاقًا، وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَالشَّافِعِيّ يضمن الصَّبِي ذَلِك، وَكَون إيداعه تسليطا تسليط عِلّة الْقيَاس فَإِذا مَنعه الْخصم فانتقل الْمُعَلل إِلَى إثْبَاته بِأَنَّهُ مكنه بالإيداع بِإِثْبَات الْيَد على مَا ينَال بِالْأَيْدِي وَلَا نعني بالتسليط إِلَّا هَذَا، فَهَذَا الِانْتِقَال لَا يكون انْقِطَاعًا (وَالثَّانِي) أَي الِانْتِقَال من حكم إِلَى آخر يحْتَاج إِلَيْهِ يثبت بِتِلْكَ الْعلَّة، مِثَاله (لَهُم) أَي للحنفية فِي جَوَاز إِعْتَاق مكَاتب لم يؤد شَيْئا من بدل الْمُكَاتبَة عَن كَفَّارَة الْيَمين (الْكِتَابَة عقد يحْتَمل الْفَسْخ) بالإقالة وبالعجز عَن أَدَاء الْبَدَل (فَلَا يمْنَع التَّكْفِير بِمن تعلّقت) الْكِتَابَة (بِهِ) اسْتِحْسَانًا خلافًا لزفَر وَالشَّافِعِيّ (كَالْبيع بِالْخِيَارِ للْبَائِع والاجارة) فَإِنَّهُ يجوز اجماعاً لمن بَاعَ عَبده بِشَرْط الْخِيَار لَهُ وَلمن أجر عَبده اعتاقه بنية الْكَفَّارَة، فكونها عقد يحْتَمل الْفَسْخ عِلّة الْقيَاس (فَيُقَال) من قبل الْمُعْتَرض أَنا نقُول بِمُوجب هَذِه الْعلَّة أَن الْكِتَابَة من حَيْثُ أَنَّهَا عقد يحْتَمل الْفَسْخ لَا يمْنَع التَّكْفِير (بل الْمَنْع) عَن التَّكْفِير (لغيره) أَي غير عقد الْكِتَابَة، ثمَّ بَين ذَلِك الْغَيْر بقوله (من نُقْصَان الرّقّ بِهِ) أَي بِعقد الْكِتَابَة، لِأَن الْعتْق للْمكَاتب مُسْتَحقّ بِهِ فَصَارَ (كَأُمّ الْوَلَد) فَإِنَّهَا لما اسْتحقَّت الْعتْق بِالْولادَةِ منع ذَلِك التَّكْفِير بهَا، بل أولى لِأَن الْمكَاتب أَحَق بأكسابه وَأَوْلَاده دونهَا (فيجاب بِإِثْبَات عدم نقصانه) أَي الرّقّ بِعقد الْكِتَابَة وَهُوَ حكم آخر (بِالْأولَى) أَي الْعلَّة الأولى، فَيُقَال (احْتِمَال الْفَسْخ) بِعقد الْكِتَابَة (دَلِيل عدم إِيجَابه) أَي عقدهَا (نقصانه) أَي رقّه (لِأَن مَا يُوجِبهُ) أَي نُقْصَان الرّقّ إِنَّمَا هُوَ عقد (لَا يحْتَمل الْفَسْخ) بِوَجْه (إِذْ هُوَ) أَي نُقْصَان الرّقّ (بِثُبُوت الْحُرِّيَّة من وَجه) فَكَمَا أَن ثُبُوتهَا من كل وَجه لَا يحْتَمل الْفَسْخ كَذَلِك ثُبُوتهَا من وَجه لَا يحْتَملهُ فَإِن قلت قَوْلهم الْمكَاتب حر يدا عبد رَقَبَة يُفِيد ثُبُوت الْحُرِّيَّة من وَجه قلت هَذَا أَمر غير ضَرُورَة ليتَمَكَّن من تَحْصِيل بدل الْكِتَابَة فَلَا يعْتَبر فِي حق غَيره تَوْضِيحه أَن حكم الْعتْق فِي الْكِتَابَة مُتَعَلق بِشَرْط الْأَدَاء، وَلَو علق بِشَرْط آخر لَا يثبت بِهِ اسْتِحْقَاق الْعتْق اتِّفَاقًا فَكَذَا هَذَا الشَّرْط بل أولى، لِأَن التَّعْلِيق بِسَائِر الشُّرُوط يمْنَع الْفَسْخ، وَبِهَذَا الشَّرْط لَا يمْنَع، بِخِلَاف الِاسْتِيلَاد فَإِنَّهُ بِهِ يتَمَكَّن النُّقْصَان بِالرّقِّ حَتَّى لَا يعود إِلَى الْحَالة الأولى (وَالثَّالِث) أَي الِانْتِقَال من حكم إِلَى حكم يحْتَاج إِلَيْهِ وَيثبت بعلة أُخْرَى، مِثَاله (أَن يُجيب) الْمُسْتَدلّ فِي جَوَاب الِاعْتِرَاض الْمَذْكُور آنِفا (بقوله: الْكِتَابَة عقد مُعَاوضَة فَلَا يُوجب نُقْصَانا فِيهِ) أَي الرّقّ (كَالْبيع بِالْخِيَارِ) وَالْإِجَارَة فَيجوز إِعْتَاقه كَمَا فِي الْمَبِيع بِشَرْطِهِ فَإِنَّهُ يجوز اعتاقه فِي مدَّته، وَكَذَا فِي مُدَّة الْإِجَارَة (وَالْكل) أَي جَمِيع الِانْتِقَالَات الثَّلَاثَة (جَائِز) إِلَّا أَن الْأَخيرينِ لَا يخلوان عَن ضرب غَفلَة حَيْثُ لم يبين مَوضِع الْخلاف ابْتِدَاء حَتَّى احْتَاجَ إِلَى الِانْتِقَال، خُذ (هَذَا، وَيُشبه الاستفسار فِي عُمُومه) للْقِيَاس وَغَيره (و) يشبه (فَسَاد
(4/123)

الِاعْتِبَار فِي عدم الْقيَاس) أَي فِي اقتضائه انْتِفَاء الْقيَاس فِي الْوَاقِع (القَوْل بِالْمُوجبِ لِأَن حَاصله) أَي القَوْل بِالْمُوجبِ (دَعْوَى النصب) أَي نصب الدَّلِيل (فِي غير مَحل النزاع) المساوى: أَي وَغير لَازم مَحَله كَمَا أَن فِي فَسَاد الِاعْتِبَار دَعْوَى النصب: أَي نصب الدَّلِيل فِي غير مَحل النزاع (لَازمه) الْمسَاوِي: أَي وَفِي غير لَازم مَحَله كَمَا أَن فِي فَسَاد الِاعْتِبَار دَعْوَى نصب الدَّلِيل فِي غير مَحل النزاع، لِأَن مَا يُخَالف النَّص وَالْإِجْمَاع بَاطِل بِلَا نزاع، وَإِنَّمَا قَالَ ولازمه لِأَنَّهُ لَو لم ينصب فِي عين مَحل النزاع أَو ينصب فِي لَازمه بِأَن يثبت فِي أَحدهمَا ذَلِك اللَّازِم وينفي الآخر استلزم ذَلِك النزاع فِي الْمَلْزُوم وَهُوَ ظَاهر، ثمَّ بَين كَون مَا ذكر حَاصله بقوله (إِذْ هُوَ) أَي القَوْل بِالْمُوجبِ فِي اصْطِلَاح النظار (تَسْلِيم مَدْلُول الدَّلِيل مَعَ بَقَاء النزاع فِي الحكم الْمَقْصُود) للمستدل (فَإِن الْقيَاس حِينَئِذٍ) أَي حِين كَانَ مَدْلُوله غير مَحل النزاع (بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ) أَي بِالنِّسْبَةِ إِلَى الحكم الْمَقْصُود (مُنْتَفٍ فَظهر) من هَذَا (أَن لَا وَجه لتخصيصه) أَي الْمُخَصّص (القَوْل) الْمُوجب بالطردية) كَمَا ذكر الْحَنَفِيَّة لِاسْتِوَاء نِسْبَة القَوْل بِالْمُوجبِ على مَا عَرفته إِلَى الطردية وَغَيرهَا (وَهُوَ) أَي القَوْل بِالْمُوجبِ (ثَلَاثَة: الأول فِي إِثْبَات الحكم) يَعْنِي أَن الْمُعْتَرض يثبت الحكم الَّذِي أثْبته الْمُعَلل، ثمَّ يدعى أَن النزاع لَيْسَ فِيهِ، بل فِي غَيره (واستناده) أَي اعْتِمَاد الْمُعْتَرض (فِيهِ) أَي فِي هَذَا الْقسم من القَوْل بِالْمُوجبِ (إِلَى لفظ الْمُعَلل) فَكَأَنَّهُ يَقُول: هَذَا مفَاد كلامك، سلمناه وَلَكِن لَا يفيدك، وَيُشِير بِهِ إِلَى أَنه لَيْسَ عنْدك أَمر مُسلم غير هَذَا (كَقَوْلِه) أَي الْمُعَلل، وَهُوَ الشَّافِعِي (فِي المثقل) أَي فِي ان الْقَتْل بالمثقل يُوجب الْقصاص هُوَ (قتل بِمَا يقتل غَالِبا، فَلَا يُنَافِي الْقصاص كالحرق) أَي كَالْقَتْلِ بالنَّار، فَإِنَّهُ قتل بِمَا يقتل غَالِبا (فَيسلم) الْمُعْتَرض، وَهُوَ الْحَنَفِيّ (عدم منافاته) أَي الْقَتْل بِمَا يقتل غَالِبا وجوب الْقصاص (مَعَ بَقَاء النزاع فِي ثُبُوت وجوب الْقصاص) إِذْ لَا يلْزم من عدم منافاته إِيَّاه وُجُوبه (وَهُوَ) أَي وجوب (الْمُتَنَازع فِيهِ) وكما أَنه لَيْسَ بمتنازع لَا يسْتَلْزم الْمُتَنَازع فِيهِ (أَو) استناده فِيهِ إِلَى (حمله) أَي لفظ الْمُعَلل (على غير مُرَاده كالمسح) أَي مسح الرَّأْس (ركن فَيسنّ تثليثه) كالغسل للْوَجْه (فَيَقُول) الْمُعْتَرض (بِمُوجبِه) وَهُوَ استنان تثليث الْمسْح، ونقول: عَملنَا بِمُوجبِه (إِذْ سننا الِاسْتِيعَاب) فِي مسح الرَّأْس (وَهُوَ) أَي الِاسْتِيعَاب فِيهِ: أَي (ضم مثلي الْوَاجِب) فِيهِ: أَي (الرّبع وَزِيَادَة) مَعْطُوف على مثلي الْوَاجِب (إِلَيْهِ) أَي إِلَى الْوَاجِب، وَجعل الشَّيْء ثَلَاثَة أَمْثَاله لَا يقتضى اتِّحَاد الْمحل (ومقصوده) أَي الْمُسْتَدلّ من التَّثْلِيث لَيْسَ هَذَا، بل (التكرير، فَإِذا أظهره) أَي الْمُسْتَدلّ مُرَاده (انْتَفَى) القَوْل بِالْمُوجبِ وتعينت الممانعة: أَي لَا نسلم أَن الرُّكْن يسن تكراره، بل الْمسنون فِيهِ إِلَّا كَمَال، وَهُوَ يحصل بالإطالة فِي مَحَله كَمَا فِي
(4/124)

الْقِرَاءَة وَالرُّكُوع وَالسُّجُود (وَكَذَا) قَول الشَّافِعِي لتعيين نِيَّة الصَّوْم فِي رَمَضَان (صَوْم فرض فَيشْتَرط) فِيهِ (التَّعْيِين) بِأَن يتَعَلَّق قَصده بخصوصية صَوْم رَمَضَان فرضا (فَيَقُول) الْمُعْتَرض الْحَنَفِيّ (بِمُوجبِه) أَي مُوجب الدَّلِيل الْمَذْكُور (لُزُوم التَّعْيِين) عطف بَيَان لموجبه (والنزاع فِي غَيره) أَي غَيره الْمُوجب الْمَذْكُور، وَهُوَ (كَون الْإِطْلَاق) للنِّيَّة بِأَن ينوى الصَّوْم الْمُطلق (بعد تعْيين لُزُوم التَّعْيِين بعد تعْيين الشَّرْع الْوَقْت الْخَاص لَهُ) أَي للصَّوْم (تعيينا) يَعْنِي هَل يتَعَيَّن الْمَنوِي على وَجه الْإِطْلَاق بِحَسب نفس الْأَمر فِي حكم الشَّرْع بِسَبَب تعين الْوَقْت لَهُ شرعا كَمَا يتَعَيَّن بِتَعْيِين الناوي وقصده الخصوصية أم لَا، بل لَا بُد من تعْيين الناوي (جملا) للتعيين الْمَذْكُور فِي قَول الْمُسْتَدلّ فَيشْتَرط التَّعْيِين (على) التَّعْيِين (الْأَعَمّ) من أَن يكون بِتَعْيِين الْمُكَلف الناوي، أَو بِتَعْيِين الشَّارِع (وَمرَاده) أَي الْمُسْتَدلّ من التَّعْيِين (تعْيين الْمُكَلف) فَإِذا أظهره انْتَفَى القَوْل بِالْمُوجبِ وتعينت الممانعة، (وَالْوَجْه) الَّذِي لَا يعد مَا يُقَابله وَجها بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ثَابت (للشارط) فِي التَّعْيِين كَونه بِقصد الْمُكَلف (لِأَن كَون إِطْلَاق الناوي) فِي الْمَنوِي (تعْيين بعض محتملاته) أَي الْمُطلق من غير أَن يتَعَلَّق قَصده بذلك الْبَعْض بِخُصُوصِهِ بِمُجَرَّد تعْيين الشَّرْع (يصير الْأَعَمّ عين الْأَخَص) يرد عَلَيْهِ أَنه إِن أَرَادَ بالتصيير الْمَذْكُور أَن يتحدا فِي ذهن الناوي، فَذَلِك لَا يَقُول بِهِ الْخصم. وَإِن أَرَادَ بِهِ الِاتِّحَاد بِحَسب نفس الْأَمر بِاعْتِبَار الشَّرْع، فَلَا مَحْذُور فِيهِ. وَقد يُجَاب بِأَنَّهُ إِشَارَة إِلَى أَنه يلْزم على الْخصم أَن يَقُول بالشق الأول من الترديد، لِأَن صِحَة الصَّوْم الْمعِين مَوْقُوفَة على التَّعْيِين فِي نِيَّة الناوى وَفِي ذهنه، فَيلْزم الْمَحْذُور فَتدبر (وَتقدم تَمَامه) فِي الْقسم الثَّانِي من الْوَقْت الْمُقَيد بِهِ الْوَاجِب. (وَالثَّانِي) من أَقسَام القَوْل بِالْمُوجبِ (إبِْطَال مَا ظن من مَأْخَذ خَصمه) ومبني مذْهبه فِي المسئلة الخلافية، يَعْنِي إِبْطَاله من حَيْثُ كَونه مأخذا، فَيجوز أَن يكون فِي حد ذَاته صَحِيحا، غير أَنه لَيْسَ مأخذا للخصم: وَهَهُنَا مُسَامَحَة، إِذْ الثَّانِي مِنْهُ لَيْسَ نفس الْإِبْطَال، إِذْ حَقِيقَته تَسْلِيم مَدْلُول الدَّلِيل مَعَ بَقَاء النزاع على مَا مر، غير أَنه هُنَا مُتَضَمّن الْإِبْطَال الْمَذْكُور على مَا سَيَجِيءُ (كفى الْقَتْل بالمثقل) أَي مِثَاله مثل أَن يُقَال فِي مسئلة الْقَتْل بالمثقل إِذا اسْتدلَّ الْحَنَفِيّ على نفي الْقَتْل بِهِ، فَقَوله قتل بمثقل فَلَا يقتل بِهِ كالعصا الصَّغِيرَة (للمعترض) الشَّافِعِي أَن يَقُول هُوَ كَالْقَتْلِ بِالسَّيْفِ لَا تفَاوت بَينهمَا إِلَّا فِي الْوَسِيلَة الَّتِي هِيَ الْآلَة، ثمَّ التَّفَاوُت فِي الْوَسِيلَة مَا ظن مأخذا فِي مسئلة الْقَتْل بالمثقل فِي اسْتِدْلَال الْحَنَفِيّ على نفي الْقَتْل بِهِ (التَّفَاوُت فِي الْوَسِيلَة لَا يمْنَع الْقصاص) كالمتوسل إِلَيْهِ، وَهُوَ أَنْوَاع الْجِرَاحَات القاتلة (فَيَقُول) الْحَنَفِيّ قَائِلا بِالْمُوجبِ: إِنِّي أَقُول بِأَن التَّفَاوُت فِيهَا لَا يمْنَع، لَكِن (الْمَانِع) من الْقصاص (غَيره) أَي غير التَّفَاوُت فِي الْوَسِيلَة (وَنفي مَانع) خَاص (لَيْسَ نفي الْكل) أَي كل الْمَوَانِع، وَلَا يثبت مقصدك إِلَّا بِنَفْي
(4/125)

الْكل (وَيصدق) إِذا قَالَ هَذَا لَيْسَ مأخذي: أَي مَأْخَذ إمامي (لعدالته) وَكَونه أعرف بمذهبه أَو مَذْهَب إِمَامه، وَقيل: لَا يصدق إِلَّا بِبَيَان مَأْخَذ آخر لاحْتِمَال أَن يكون قَوْله على سَبِيل المعاندة. وَلَا يخفى أَن مثل هَذَا لَا يتَوَهَّم فِي حق الْعدْل الطَّالِب للصَّوَاب، فقد أبطل الْقَائِل بِالْمُوجبِ كَون التَّفَاوُت الْمَذْكُور مأخذا لَهُ فِيمَا ذهب إِلَيْهِ من عدم الْقصاص لتسليمه عدم مانعيته وإثباته مَانِعا آخر. (وَالثَّالِث) من أَقسَام القَوْل بِالْمُوجبِ (أَن يسكت) الْمُسْتَدلّ (عَن مُقَدّمَة) غير مَشْهُورَة (يظنّ الْعلم بهَا) أَي يظنّ أَن الْخصم يعلم تِلْكَ الْمُقدمَة فَلَا حَاجَة إِلَى ذكرهَا (فَيسلم) الْمُعْتَرض (الْمَذْكُورَة) من الْمُقدمَات (و) قد (بَقِي النزاع فِي) الْمُقدمَة (المطوية) للظن الْمَذْكُور (نَحْو) قَول الْمُسْتَدلّ (مَا ثَبت) شرعا من فعل الْمُكَلف كَونه (قربَة) وَعبادَة (فشرطه النِّيَّة كَالصَّلَاةِ) فَإِن صِحَّتهَا مَشْرُوطَة بِالنِّيَّةِ (وطوى) ذكر قَوْله (وَالْوُضُوء قربَة فَيَقُول) الْمُعْتَرض مَا ذكرته من اشْتِرَاط النِّيَّة فِيمَا ثَبت قربَة (مُسلم، وَمن أَيْن يلْزم أَن الْوضُوء شَرطه النِّيَّة) وَلم يطو الصُّغْرَى لتعين الْمَنْع، وَهُوَ أَنه لَا نسلم أَن الْوضُوء ثَبت قربَة بِحَيْثُ لَا يَخْلُو عَن وصف الْقرْبَة، فَلَا يكون من القَوْل بِالْمُوجبِ (قَالُوا) أَي الجدليون (لَا بُد فِيهِ) أَي فِي القَوْل بِالْمُوجبِ (من انْقِطَاع أَحدهمَا) أَي المتناظرين (إِذْ) فِي الْقسم الأول (لَو بَينه) أَي الْمُعَلل مُرَاده بِحَيْثُ لَا يبْقى للخصم مجَال إِثْبَات حكم أثْبته ذَلِك الْمُعَلل. ثمَّ ادّعى أَن النزاع فِي غير (مَحل النزاع) بدل من الضَّمِير الْمَنْصُوب، وَيحْتَمل أَن يكون فِي الْكَلَام حذف وإيصال، وَالتَّقْدِير لَو بَين لَهُ: أَي للخصم مَحل النزاع (أَو ملزومه) أَي ملزوم مَحل النزاع، فَإِن بَيَان الْمَلْزُوم بَيَان اللَّازِم (أَو) بَين الْمُعْتَرض الْمُدعى بطلَان المأخذ فِي الْقسم الثَّانِي (أَنه) أَي مَا ظن أَنه مَأْخَذ الْمُعَلل (مأخذه) فِي نفس الْأَمر، يبْقى مأخذية مَا سواهُ بِالدَّلِيلِ (أَو) بَين الْمُعَلل فِي الْقسم الثَّالِث (كَيْفيَّة) الْمُقدمَة (المحذوفة) على وَجه ينْتج مَطْلُوبه (انْقَطع الْمُعْتَرض) الْقَائِل بِالْمُوجبِ جَوَاب لَو، يَعْنِي إِذا لم يكن لَهُ مجَال بحث آخر غير القَوْل بِالْمُوجبِ (وَإِلَّا) أَي أَي وَإِن لم يتَحَقَّق شَيْء مِمَّا ذكر من بَيَان مَحل النزاع والمأخذ والكيفية انْقَطع (الْمُسْتَدلّ) إِذْ قد ظهر عدم إفضاء دَلِيله إِلَى مَطْلُوبه (واستبعد) انْقِطَاع أَحدهمَا (فِي) الْقسم (الْأَخير) والمستبعد ابْن الْحَاجِب (إِذْ مُرَاد الْمُسْتَدلّ أَن الْمَتْرُوك) المطوي ذكره (كالمذكور) لظُهُوره (و) مُرَاد (الْمُعْتَرض أَن الْمَذْكُور وَحده لَا يُفِيد، فَإِذا ذكر) الْمُسْتَدلّ (أَنه) أَي الدَّلِيل (الْمَجْمُوع) من الْمَذْكُور والمسكوت (لَا الْمَذْكُور وَحده وَحذف الْمَعْلُوم شَائِع) كَانَ (لَهُ) أَي أَي للمعترض (الْمَنْع) أَي منع استلزام الْمَجْمُوع، أَو كَون ذَلِك المطوي حَقًا (وَاسْتمرّ الْبَحْث) فَإِن سلم انْقَطع (وَكَذَا لَا يخفى بعد قَوْلهم) أَي الجدليين بَيَان انْقِطَاع أَحدهمَا فِي الْقسم الثَّانِي
(4/126)

لَو بَين الْمُسْتَدلّ (أَنه) أَي مَا ظن كَونه مأخذا للخصم (مأخذه) فِي نفس الْأَمر (بل يَقُول الْمُعْتَرض مأخذي غَيره) من غير تعْيين فَإِنَّهُ يَكْفِي فِي اندفاع ذَلِك الْإِبْطَال، وَكَذَا يتَعَيَّن مأخذه فِيمَا ذهب إِلَيْهِ، ومتعلق الْجَار قَوْله انْقَطع الْمُسْتَدلّ إِن لم يكن لَهُ مجَال طعن فِيمَا بَين وَإِلَّا: أَي وَإِن لم يبين أَن مأخذه غَيره (أَو كَذَا انْقَطع) الْمُعْتَرض وَإِن لم يدْفع إبِْطَال الْمُسْتَدلّ لما ذكر، وَوجه الْبعد أَن الْمُعْتَرض لما ظن أَن مَأْخَذ الْمُسْتَدلّ فِيمَا ذهب إِلَيْهِ كَذَا فأبطله تعين أَن يَقُول (الْمُسْتَدلّ) فِي دَفعه أَن مأخذي غَيره، أَو كَذَا أَن تيَسّر لَهُ، وَإِلَّا انْقَطع، هَذَا على مَا هُوَ الظَّاهِر، وَأما إِثْبَات الْمُسْتَدلّ أَنه لَا مَأْخَذ لَك سوى هَذَا وَهُوَ بَاطِل، فَلَا يخفى بعده لِأَنَّهُ أعرف بمأخذه، فَيَنْبَغِي أَن يُفَوض إِلَيْهِ بَيَان المأخذ، ثمَّ يظْهر وَجه اخْتِصَاص انْقِطَاع بعده لِأَنَّهُ أعرف بمأخذه، فَيَنْبَغِي أَن يُفَوض إِلَيْهِ بَيَان المأخذ، ثمَّ يظْهر وَجه اخْتِصَاص انْقِطَاع أحد المتناظرين بالْقَوْل بِالْمُوجبِ، بل يجْرِي فِي غَيره أَيْضا (وَظهر) من تَفْصِيل أَقسَام القَوْل بِالْمُوجبِ (أَن قَول الْحَنَفِيَّة أَنه) أَي القَوْل بِالْمُوجبِ (يلجئ أهل الطَّرْد) وَقد مر تَفْسِيره (إِلَى القَوْل بالتأثير) المستلزم عدم ثُبُوت الْعلية بِمُجَرَّد الطَّرْد (لِأَنَّهُ) أَي الْمُعْتَرض تَعْلِيل للإلجاء (لما سلم مُوجب علته) أَي الْمُسْتَدلّ لقَوْله بِمَا اقتضته علته كَعَدم مانعية الْقَتْل بالمثقل الْقصاص لعدم تَأْثِير التَّفَاوُت فِي الْوَسِيلَة (مَعَ بَقَاء الْخلاف) بَينهمَا فِي المسئلة (احْتَاجَ) أهل الطَّرْد (إِلَى معنى مُؤثر) فِي الحكم الْحَاصِل فِيمَا يدعى عليته (غير وَاقع) خبر أَن، وَمعنى عدم وُقُوع القَوْل عدم وُقُوع مقوله، وَهُوَ الإلجاء الْمَذْكُور، أَو القَوْل بِمَعْنى الْمَقُول. ثمَّ علل عدم الْوُقُوع بقوله (لِأَن غَايَة مَا يلْزمه) أَي الْمُعَلل (الْجَواب) عَن القَوْل بِالْمُوجبِ (بِمَا ذكرنَا) من بَيَان مَحل النزاع، أَو ملزومه أَو مأخذه أَو كَيْفيَّة الْمَحْذُوف (وَلَيْسَ مِنْهُ) أَي مِمَّا ذكرنَا (ذَلِك) أَي القَوْل بالتأثير أَو الْمَعْنى الْمُؤثر وَالْحَاصِل أَنه لَا يلْزم الْمُعَلل إِلَّا مَا ذكرنَا، وَمَا قَالَه الْحَنَفِيَّة لَيْسَ مِنْهُ (وَبعد التَّمَكُّن من الْقيَاس) فَالْجَوَاب عَن الاستفسار والتقسيم على مَا عرفت (وتحرير مَحل النزاع يشرع) الْمُسْتَدلّ (فِيهِ) أَي الْقيَاس وَأول مقدماته حكم الأَصْل ثمَّ علته) أَي عِلّة حكم الأَصْل يرد (ثمَّ ثُبُوتهَا) أَي علته (فِي الْفَرْع مَعَ الشُّرُوط) الْمُعْتَبرَة فِي الْعلَّة وَالْحكم (الأول) أَي حكم الأَصْل يرد (عَلَيْهِ منع حكم الأَصْل) أَي منع ثُبُوتهَا مَا هُوَ حكم الأَصْل فِي ظن القائس فِي الأَصْل فِي نفس الْأَمر، كَانَ مُقْتَضى الظَّاهِر أَن يَقُول عَلَيْهِ الْمَنْع من غير ذكر حكم الأَصْل، لِأَن إرجاع ضمير عَلَيْهِ إِلَيْهِ يُغني عَنهُ، لِأَن هَذَا الْمركب: أَعنِي منع حكم الأَصْل صَار كَالْعلمِ لهَذَا النَّوْع من الْمَنْع، وَلذَلِك منع وجود الْعلَّة وَمنع كَونه عِلّة، وَالْمَنْع أساس المناظرة، فَلَا يتَجَاوَز إِلَى غَيره إِلَّا بِسَبَب دَاع إِلَيْهِ، وَهل هُوَ قطع للمستدل، قيل نعم إِذْ الِاشْتِغَال بِإِثْبَات مَا منع انْتِقَال
(4/127)

إِلَى حكم آخر مثل الأول. (وَالصَّحِيح) أَن مجرده (لَيْسَ قطعا) للمستدل (وَأَنه) أَي هَذَا الْمَنْع (يسمع إِلَّا أَن اصْطَلحُوا) أَي أهل بلد المناظرة على عده قطعا، أَو على صَوْم سَمَاعه كَمَا قَالَ الْغَزالِيّ، من أَنه يتبع عرف الْمَكَان واصطلاح أَهله، وَهَذَا أَمر وضعي لَا مدْخل لِلْعَقْلِ وَالشَّرْع فِيهِ، وَلَا مشاحة فِي الِاصْطِلَاح (وَهُوَ) أَي عدم سَمَاعه إِذا اصْطَلحُوا عَلَيْهِ (محمل) قَول (أبي إِسْحَق) الشِّيرَازِيّ على مَا ذكره ابْن الْحَاجِب من أَنه لَا يسمع هَذَا الْمَنْع من الْمُعْتَرض وَلَا يلْزم الْمُسْتَدلّ الدّلَالَة على ثُبُوت حكم الأَصْل فينتفى استبعاده بِأَن غَرَض الْمُسْتَدلّ إِقَامَة الْحجَّة على خَصمه وَلَا يقوم عَلَيْهِ مَعَ كَون أَصله مَمْنُوعًا، وَأَن قيام الدَّلِيل عَلَيْهِ جُزْء الدَّلِيل وَلَا يثبت الدَّلِيل إِلَّا بِثُبُوت جَمِيع أَجْزَائِهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا لَيْسَ قطعا (لِأَنَّهُ) أَي هَذَا الْمَنْع (منع بعض مُقَدمَات دَلِيله) أَي الْمُسْتَدلّ، وكما لَا يكون منع غير هَذَا الْبَعْض قطعا فَكَذَا وَهَذَا (وَإِلَّا) لَو كَانَ قطعا (فَكل منع قطع) إِذْ لَو فرق بَين المنوع (وَكَونه) أَي الْمُسْتَدلّ (بِهِ) أَي بِهَذَا الْمَنْع (ينْتَقل إِلَى) حكم شَرْعِي هُوَ حكم الأَصْل (مثل الأول) وَهُوَ حكم الْفَرْع (لَا يضر إِذا توقف) الأول (عَلَيْهِ) أَي الْمُنْتَقل إِلَيْهِ سَوَاء (وَسعه) أَي إِثْبَات مَا منع (مجْلِس) وَاحِد (أَو مجَالِس) مُتعَدِّدَة كَمَا لَو منع علية الْعلَّة أَو وجودهَا (وَلَو تعارفه) أَي كَون هَذَا الْمَنْع قطعا (طَائِفَة أُخْرَى) غير طَائِفَة الْمُسْتَدلّ لَا يضرّهُ إِذْ (لم يلْزم الْمُسْتَدلّ عرفهم) إِذْ لم يلتزمه (ثمَّ لَا يَنْقَطِع الْمُعْتَرض بِإِقَامَة دَلِيله) أَي دَلِيل حكم الأَصْل من الْمُسْتَدلّ من غير أَن تكون مقدماته مسلمة عِنْده (على الْمُخْتَار، إِذْ لَا يلْزم صِحَّته) أَي الدَّلِيل (من صورته فَلهُ) أَي للمعترض (الِاعْتِرَاض على مقدماته) أَي الدَّلِيل الْمَذْكُور، وَقيل يَنْقَطِع لِأَنَّهُ يسْتَلْزم الْخُرُوج عَن الْمَقْصُود الْأَصْلِيّ، وَقد عرفت مَا فِيهِ. (وَأما معارضته) أَي حكم الأَصْل بِإِقَامَة الْمُعْتَرض دَلِيلا على خِلَافه بعد مَا أَقَامَ الْمُسْتَدلّ دَلِيلا عَلَيْهِ فَاخْتلف فِيهِ (فَقيل لَا) يسمع (لِأَنَّهُ غصب لمنصب الِاسْتِدْلَال) الَّذِي هُوَ حق الْمُسْتَدلّ، وَالْإِضَافَة بَيَانِيَّة، وَذهب جُمْهُور الْمُحَقِّقين من الْفُقَهَاء والمتكلمين إِلَى قبُولهَا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَلَيْسَ) الْإِيرَاد بالمعارضة بِغَصب (وَإِلَّا) لَو كَانَ غصبا (منعت) الْمُعَارضَة (مُطلقًا) لغير مَا ذكر وَلَيْسَت مَمْنُوعَة اتِّفَاقًا. (وَقَوله) أَي الْمَانِع لقبولها (يصير) الْمُعْتَرض بهَا (مستدلا فِي نفس صُورَة المناظرة) من غير تَبْدِيل بِصُورَة أُخْرَى (إِن أَرَادَ فِي عين دَعْوَى الْمُسْتَدلّ فمنتف) أَي فالاستدلال فِي عين دَعْوَاهُ مُنْتَفٍ، كَيفَ وَهُوَ يسْتَدلّ على خلَافهَا (أَو) أَرَادَ (فِي تِلْكَ المناظرة فَلَا بَأْس) بِهِ (كمعارضة الدَّلِيل) وَهِي إِقَامَة الدَّلِيل على خلاف مدعي دَلِيل الْخصم (وَلَا تتمّ المناظرة) أَي لَا تَنْتَهِي (إِلَّا بِانْقِطَاع أَحدهمَا) انْقِطَاعًا اعْتَبرهُ المتناظرون (مِثَاله) أَي مِثَال الأول، أَعنِي منع حكم الأَصْل (للشَّافِعِيَّة جلد الْخِنْزِير لَا يقبل الدباغة) أَي لَا يطهر بهَا (لنجاسة
(4/128)

عينه) والدباغة لَا تزيل الْعين بل رطوباته النَّجِسَة (كَالْكَلْبِ) أَي كَمَا أَن جلد الْكَلْب لَا يقبلهَا لنجاسة عينه فَحكم الأَصْل الَّذِي هُوَ جلد الْكَلْب عدم قبُوله إِيَّاهَا (فَيمْنَع كَون جلد الْكَلْب لَا يقبلهَا، و) مِثَاله حكم الأَصْل (فِي الْعِلَل الطردية) الْمَنْع الْوَارِد فِي قَوْلهم (الْمسْح ركن فَيسنّ تكريره) لركنيته (كالغسل) أَي كَمَا أَن الْغسْل يسن تكريره لركنيته (فَيمْنَع سنية تَكْرِير الْغسْل) الَّذِي هُوَ الأَصْل (بل) السّنة فِي الْغسْل (إكماله، غير أَنه) أَي الْغسْل (استغرق مَحَله) الَّذِي هُوَ تَمام الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ إِلَى الْمرْفقين والكعبين، فَلَا يتَصَوَّر إكماله باستيعابه مَحَله، فَإِن أصل الْفَرْض لَا يُؤَدِّي بِدُونِ الِاسْتِيعَاب (فَكَانَ) إكماله أَي الْغسْل (بتكريره، بِخِلَاف الْمسْح) فَإِنَّهُ لم يسْتَغْرق مَحَله من حَيْثُ الْفَرْضِيَّة، فَإِن الْمَفْرُوض فِيهِ ربع الرَّأْس (فتكميله) أَي الْمسْح (باستيعابه) أَي الْمحل بِهِ فَإِن قلت إِذا كَانَت السّنة إِلَّا كَمَال الْمُطلق وَهُوَ يحصل بِأحد الْأَمريْنِ فَلم عينتم الِاسْتِيعَاب قلت: ثَبت من الشَّارِع الِاسْتِيعَاب لَا التَّثْلِيث (وَقَوْلهمْ) أَي الشَّافِعِيَّة صَوْم رَمَضَان (صَوْم فرض). وَفِي بعض النّسخ وَفِي وَجَوَاب مَرْدُود قَوْلهم إِلَى آخِره: أَي ومثاله فِي جَوَاب من يردد قَوْلهم (فَيجب تَعْيِينه) بِالنِّيَّةِ (كالقضاء) أَي كَمَا أَن قَضَاء رَمَضَان صَوْم فرض يجب تَعْيِينه بِالنِّيَّةِ (فَيُقَال: إِن) كَانَ المُرَاد وجود تَعْيِينه بِالنِّيَّةِ (بعد تعْيين الشَّرْع) الزَّمَان (لَهُ ف) هُوَ (مُنْتَفٍ فِي الأَصْل) أَي الْقَضَاء فَإِن الشَّارِع لم يعين لَهُ زَمَانا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن المُرَاد مَا ذكر بل وجوب تَعْيِينه بِالنِّيَّةِ من غير تعْيين الشَّرْع الزَّمَان لَهُ (فَفِي الْفَرْع) أَي فَهَذَا مُنْتَفٍ فِي صَوْم رَمَضَان لتعيين الشَّرْع الزَّمَان لَهُ. (الثَّانِي) أَي عِلّة حكم الأَصْل يرد (عَلَيْهِ منوع: أَولهَا منع وجود الْعلَّة فِي الأَصْل، مِثَاله للشَّافِعِيَّة فِي الْكَلْب) الْكَلْب (حَيَوَان يغسل) الْإِنَاء (من ولوغه سبعا فَلَا يطهر) جلده (بالدباغة كالخنزير) فَإِنَّهُ حَيَوَان يغسل الْإِنَاء من ولوغه سبعا (فَيمْنَع كَون الْخِنْزِير يغسل) الْإِنَاء من ولوغه (سبعا و) مِثَاله لَهُم أَيْضا (فِي) الْعِلَل (الطردية) فِي استنان تثليث الْمسْح مسح الرَّأْس (مسح فَيسنّ تثليثه كالاستنجاء) فَإِنَّهُ مسح فَيسنّ تثليثه (فَيمْنَع كَون الِاسْتِنْجَاء طَهَارَة مسح، بل) الِاسْتِنْجَاء طَهَارَة (عَن) النَّجَاسَة (الْحَقِيقِيَّة) قصد بِهِ إِزَالَتهَا، فَلَا يُقَاس عَلَيْهِ مَا قصد بِهِ إِزَالَة النَّجَاسَة الْحكمِيَّة لعدم وجود الْعلَّة الَّتِي هِيَ طَهَارَة مسح فِي الأَصْل، وَهُوَ الِاسْتِنْجَاء: وَمن ثمَّة كَانَ غسلهَا بِالْمَاءِ أفضل والاستنجاء علته إِذا لم يتلوث شَيْء من ظَاهر بدنه. (وَجَوَابه) أَي هَذَا الْمَنْع (بِإِثْبَات وجوده) أَي الْوَصْف الَّذِي هُوَ الْعلَّة فِي الأَصْل (حسا) أَي وجودا حسيا إِن كَانَ الْوَصْف من الحسيات (أَو عقلا) أَي عقليا كَانَ من العقليات (أَو شرعا
(4/129)

إِن كَانَ من الْأَوْصَاف الَّتِي اعتبرها الشَّرْع (ثَانِيهَا) أَي النَّوْع (منع كَونه) أَي الْوَصْف الْمُدعى عليته فِي الأَصْل (عِلّة، وَهُوَ) أَي هَذَا الْمَنْع (قَول الْحَنَفِيَّة) أَي المُرَاد بقَوْلهمْ (منع نسبته) أَي الحكم (إِلَيْهِ) أَي الْوَصْف، هَكَذَا نُسْخَة الشَّارِح. وَفِي نُسْخَة أُخْرَى منع نِسْبَة الحكم إِلَيْهِ وَهُوَ الْأَظْهر. وَاخْتلف فِي قبُوله، فَقيل لَا يقبل. (وَالصَّحِيح قبُوله: لِأَن الْقيَاس المورد عَلَيْهِ) هَذَا الْمَنْع (مُسَاوَاة فِي) وصف (مُشْتَرك) مَوْجُود فِي الأَصْل وَالْفرع (تظن الإناطة) أَي إناطة الحكم (بِهِ) أَي بذلك الْوَصْف الْمُشْتَرك فَهُوَ منَاط الحكم بِحَسب ظن الْمُجْتَهد، وَهَذَا لَا يسْتَلْزم كَونه مناطا بِحَسب نفس الْأَمر لِئَلَّا يقبل الْمَنْع (وَأما مُسَاوَاة فرع الأَصْل فِي عِلّة حكمه) عِنْد الشَّارِع (فَالْقِيَاس) أَي فَهِيَ الْقيَاس (فِي نفس الْأَمر) وَهُوَ لَيْسَ بالمورد عَلَيْهِ. فِي الشَّرْح العضدي قَالُوا أَولا: الْقيَاس حَده وَحَقِيقَته إِنَّه إِلْحَاق فرع بِأَصْل بِجَامِع وَقد حصل، وَإِذا ثَبت مدعاه فَلَا يُكَلف بِإِثْبَات مَا لم يَدعه وَالْجَوَاب لَا نسلم أَن حد الْقيَاس وَحَقِيقَته ذَلِك، بل إِلْحَاق فرع بِأَصْلِهِ بِجَامِع يظنّ صِحَّته وَلم يُوجد هَذَا الْقَيْد (قَالُوا) أَي المانعون قبُول هَذَا الْمَنْع (عدوله) أَي الْمُعْتَرض من الْإِبْطَال (إِلَى الْمَنْع) الْمُجَرّد عَن السَّنَد (دَلِيل عَجزه عَن إِبْطَاله) أَي إبِْطَال كَون الْوَصْف عِلّة للْحكم (أَي نقضه). وَفِي الشَّرْح الْمَذْكُور قَالُوا ثَانِيًا: عجز عَن إبِْطَال دَلِيل صِحَّته، إِذْ طَرِيق عدم الْعلية من كَون الْوَصْف طرديا وإبداء وصف آخر وَغير ذَلِك مِمَّا لَا يخفى على الْمُجْتَهد والمناظر، فَلَو وجد لوجده، وَلَو وجده لأظهره فالفرار إِلَى مُجَرّد الْمَنْع يكفينا دَلِيلا على أَنه صَحِيح، فَلَا يسمع الْمَنْع وَلَا يشْتَغل بجوابه، لِأَنَّهُ شَاهد على نَفسه بِالْبُطْلَانِ، وَالْمُصَنّف أَشَارَ إِلَى بعض مُقَدمَات دليلهم الأول فِي ضمن تعليليه للصحيح، وَإِلَى الْبَعْض الآخر فِي ضمن دليلهم الثَّانِي مَعَ تَغْيِير فِي التَّقْرِير كَمَا ترى (لِأَن مرجعه) أَي النَّقْض (إِلَى منع) مقرون (بِسَنَدِهِ) فَإِنَّهُم ردوا النَّقْض الإجمالي إِلَى منع مُسْند كَمَا سَيَجِيءُ، وَهَذَا تَعْلِيل لكَون هَذَا الْمَنْع عُدُولًا عَن النَّقْض الَّذِي لَا بُد فِيهِ من مُسْتَند فَإِنَّهُ قد ادّعى ضمنا (أَو كَونه) أَي كَون الْوَصْف الْمَذْكُور (طرديا) لَا تَأْثِير لَهُ فِي الحكم مَعْطُوف على نقضه، فَإِن الْإِبْطَال كَمَا يحصل بِالنَّقْضِ يحصل بِبَيَان كَون الْوَصْف طرديا، فَإِن التَّأْثِير لَا بُد مِنْهُ فِي وصف الْقيَاس (أما) الْمَنْع (بِغَيْرِهِ) أَي غير مَا ذكر من النَّقْض والطردية (فغصب) من الْمُعْتَرض (لِأَنَّهُ) أَي الْمُسْتَدلّ (لم يسْتَدلّ عَلَيْهِ) أَي على حكم الأَصْل بِأَن يَدعِي ثُبُوت الحكم فِي الأَصْل مُعَللا بِوُجُود مَا هُوَ عِلّة الحكم فِيهِ حَتَّى تكون عليته من مُقَدمَات الدَّلِيل، فَيتَّجه عَلَيْهَا الْمَنْع، وَإِنَّمَا ادّعى إِلْحَاق الْفَرْع بِالْأَصْلِ لاشْتِرَاكهمَا فِي الْعلَّة وَالْعلَّة للْحكم أَمر مفروغ مِنْهُ، فَإِذن علم أَن منصب الْمُعْتَرض لَيْسَ سوى النَّقْض بِبَيَان تخلف الحكم عَن الْعلَّة وَبَيَان طردية
(4/130)

الْوَصْف وَمَا سواهُ غصب، وَالْمَنْع الْمَذْكُور وَلَيْسَ مِنْهُمَا، وارتكاب الْغَصْب دَلِيل الْعَجز: وَهَذَا عِنْد الْبَعْض، وَعند غَيره لَيْسَ بِغَصب لِأَنَّهُ وَإِن لم يسْتَدلّ عَلَيْهِ لكنه مِمَّا يتَوَقَّف عَلَيْهِ صِحَة مَا اسْتدلَّ عَلَيْهِ من حكم الْفَرْع، وَيرد عَلَيْهِ أَن تَعْلِيله على هَذَا الْوَجْه يُنَافِي اتفاقه مَعَ غَيره على تَقْدِير الِاسْتِدْلَال: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال أَنه لَا يقبل هَذَا الْمَنْع مُطلقًا غير أَنه يسْتَدلّ لعدم الْقبُول فِي كل صُورَة بطرِيق (وَإِلَّا) لَو فرض أَنه اسْتدلَّ عَلَيْهِ، فَعِنْدَ ذَلِك (لم يسمع الْمَنْع اتِّفَاقًا) من الجدليين المانعين لقبُول هَذَا الْمَنْع وَغَيرهم (لِأَنَّهُ) أَي الْمَنْع (بعد إِقَامَة الدَّلِيل غير مُنْتَظم) عقلا (لِأَنَّهُ) أَي الْمَنْع (طلبه) أَي الدَّلِيل (وَقد حصل) الدَّلِيل فَطَلَبه تَحْصِيل الْحَاصِل، وَيرد عَلَيْهِ أَنه لم يسْتَدلّ على علية الْعلَّة حَتَّى يلْزمه تَحْصِيل الْحَاصِل، بل على حكم الأَصْل. فَالْوَجْه أَن لَا يُفَسر الضَّمِير فِي لم يسْتَدلّ عَلَيْهِ بِحكم الأَصْل كَمَا ذهب إِلَيْهِ الشَّارِح بعلية الْوَصْف (بل) الْمَنْع إِنَّمَا يكون (فِي مقدماته) أَي الدَّلِيل، وعَلى تَقْدِير عدم الِاسْتِدْلَال مَا ثمَّ مُقَدمَات لتمنع فَإِن قلت: قد سبق أَن النَّقْض منع بِسَنَد فَمَا الْفرق بَينه وَبَين الْمَنْع بِلَا سَنَد الْمُوجب سَماع أَحدهمَا قبل الِاسْتِدْلَال دون الآخر قلت: الْفرق أَن الْمَنْع بِلَا سَنَد مورده الْمُقدمَة الْمعينَة، وَحَيْثُ لَا اسْتِدْلَال لَا تعْيين للمقدمات، وَأما الَّذِي منع السَّنَد فمورده مُقَدّمَة لَا على التَّعْيِين والمستدل لَا بُد لَهُ من دَلِيل قبل إبراز الدَّلِيل فَهُوَ بمقدماته مَعْلُوم إِجْمَالا، وَهَذَا الْقدر يَكْفِي فِي النَّقْض الإجمالي (قُلْنَا الْمُلَازمَة) الَّتِي ادَّعَاهَا المانعون بَين الْعُدُول إِلَى الْمَنْع وَالْعجز عَن الْإِبْطَال (مَمْنُوعَة) لجَوَاز الْعُدُول مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ لنكتة كالامتحان للمستدل هَل يقدر على إِثْبَات الْعلية أم لَا (وَلَو سلمت) الْمُلَازمَة (لَا يلْزم) من عَجزه عَن إبِْطَال كَون الْوَصْف عِلّة (صِحَّته) أَي صِحَة كَونه عِلّة فِي نفس الْأَمر (لانتفاضه) أَي هَذَا الدَّلِيل (بِكَثِير) من الصُّور الَّتِي يعجز فِيهَا الْمُعْتَرض عَن إبِْطَال الْمُدعى، وَلم يقل بِصِحَّتِهِ أحد، وَإِذا كَانَت هَذِه الْمُلَازمَة الَّتِي جعلت دَلِيل الصِّحَّة منقوضة كَانَت غير مستلزمة لَهَا، فَبَقيَ صِحَة الْعلية مشكوكة، وَالْعلم بِصِحَّة الْقيَاس مَوْقُوف على الْعلم بِصِحَّتِهَا، ثمَّ فِي نُسْخَة (إِذْ يلْزم صِحَة كل مَا عجز الْمُعْتَرض عَن إِبْطَاله حَتَّى دَلِيل الْحُدُوث). وَفِي الشَّرْح العضدي وَالْجَوَاب أَنه يَقْتَضِي أَن كل صُورَة عجز الْمُعْتَرض عَن إِبْطَالهَا فَهُوَ صَحِيح حَتَّى دَلِيل الْحُدُوث وَالْإِثْبَات، بل حَتَّى دَلِيل النقيضين إِذا تَعَارضا، وَعجز كل عَن إبِْطَال دَلِيل الآخر انْتهى. قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ: يَعْنِي حُدُوث الْعَالم أَو إِثْبَات الصَّانِع، فَإِن الْمَطْلُوب وَإِن كَانَ حَقًا لَكِن لَا يَصح دليلهما بِمُجَرَّد عجز الْمُعْتَرض عَن إِبْطَاله، بل لَا بُد من وَجه دلَالَة وَصِحَّة تَرْتِيب (وَإِذا بَينه) أَي الْمُسْتَدلّ كَون الْوَصْف عِلّة (بِنَصّ لَهُ) أَي للمعترض (الِاعْتِرَاض بِمَا يُمكن) الِاعْتِرَاض بِهِ (على ذَلِك السمعي) من منع دلَالَته وَصَرفه عَن الظَّاهِر
(4/131)

بدليله وطعنه فِي السَّنَد إِلَى غير ذَلِك (ومعارضته) بِنَصّ آخر مقاوم لَهُ مَعْطُوف على الِاعْتِرَاض فَعلم أَن الْمُعَارضَة لَا تسمى إعْرَاضًا، بل لَا بُد فِيهِ من التَّعَرُّض لدَلِيل الْمُسْتَدلّ (وَكَذَا الْإِجْمَاع) أَي إِذا بَين كَون الْوَصْف عِلّة بِالْإِجْمَاع للمعترض الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ بِمَا يُمكن من منع وجود الْإِجْمَاع لصريح الْمُخَالفَة، وَمنع دلَالَته على كَون الْوَصْف عِلّة وطعنه فِي طَرِيق الْإِخْبَار عَنهُ (وَيزِيد) فِي بَيَانه بِالْإِجْمَاع الِاعْتِرَاض (بِنَفْي كَونه) أَي الْإِجْمَاع (دَلِيلا بِنَحْوِ كَون السُّكُوت يفِيدهُ) أَي الْوِفَاق المستلزم للْإِجْمَاع، وَالْبَاء فِي قَوْله بِنَحْوِ للسَّبَبِيَّة مُتَعَلقَة بِكَوْنِهِ دَلِيلا، فَإِن قسما من الْإِجْمَاع صَيْرُورَته إِجْمَاعًا دَالا على ثُبُوت الحكم الشَّرْعِيّ إِنَّمَا هُوَ بقول الْبَعْض وسكوت البَاقِينَ، وَعدم الْإِنْكَار على الْقَائِل مَعَ عدم الْعلم بقوله قبل اسْتِقْرَار الْمَذْهَب، وَفِيه اخْتِلَاف على مَا بَين فِي مَوْضِعه وَإِنَّمَا قَالَ بِنَحْوِ ليشْمل أقساما أخر مِنْهُ مِمَّا اخْتلف فِيهِ: فَالْمَعْنى أَن الْمُعْتَرض يَنْفِي كَونه دَلِيلا وإجماعا بِسَبَب مَا ذكرنَا، السَّبَبِيَّة قيد للمنفي لَا النَّفْي، وَيحْتَمل أَن يتَعَلَّق الْبَاء بِالنَّفْيِ فَيكون قيدا للنَّفْي (إِن كَانَ) الْإِجْمَاع الْمُثبت بِهِ الْعلية (مِنْهُ) أَي من نَحْو الْإِجْمَاع السكوتي (أَو) بَينه (بِغَيْرِهِمَا) أَي النَّص وَالْإِجْمَاع (من) مَسْلَك (مُخْتَلف) فِيهِ (كالدوران لَهُ) منع صِحَّته (وَللْآخر) أَي الْمُسْتَدلّ (إِثْبَاتهَا) أَي صِحَّته (وَقَول بعض الْحَنَفِيَّة) كصاحب الْمنَار هَذَا الْمَنْع (يلجئ أهل الطَّرْد) الْقَائِل بالدوران (إِلَى القَوْل بالتأثير) وَاعْتِبَار الشَّرْع علية الْوَصْف على التَّفْصِيل الْمَذْكُور وَعدم الِاكْتِفَاء بِمُجَرَّد الدوران (لِأَنَّهُ) أَي الْمُعْتَرض (لَا يقبل غَيره) أَي غير الْمُؤثر فيضطر إِلَى إثْبَاته ليمكنه إِلْزَام الْخصم (يفِيدهُ) الضَّمِير الْمَنْصُوب للمبتدأ، وَالْفَاعِل قَوْله (نفي تَمْكِينه) أَي تَمْكِين الْمُعْتَرض الْمُسْتَدلّ (من إثْبَاته) أَي إِثْبَات صِحَة غير الْمُؤثر وَهُوَ الْوَصْف الطردي وَالْحَاصِل أَنه لما قَالَ للْآخر إِثْبَاتهَا اتجه أَن يَقْتَضِي قَول الْبَعْض أَنه لَيْسَ لَهُ ذَلِك، لِأَن القَوْل بالتأثير إِذا كَانَ لَازِما عَلَيْهِ لَا يتَمَكَّن من إِثْبَات صِحَة غير الْمُؤثر، فَقَالَ إِن ذَلِك القَوْل يُؤَيّدهُ، وَيدل عَلَيْهِ نفي التَّمْكِين، وَفِي بعض النّسخ يُفِيد نفي عَكسه وَمَعْنَاهُ ظَاهر (وَمُقْتَضى مَا) ذكر (فِي الِانْتِقَال) الْمَذْكُور فِيمَا سبق، من أَنه لَا يلْزم الْمُسْتَدلّ عرف طَائِفَة الْمُعْتَرض (يُخَالِفهُ) أَي القَوْل الْمَذْكُور، لِأَنَّهُ إِذا لم يلْزم عَلَيْهِ مُرَاعَاة مَذْهَب الْمُعْتَرض فَلهُ أَن يثبت صِحَة الْوَصْف الطردي بِمَا يَقْتَضِيهِ مذْهبه (إِلَّا أَن حمل) قَول الْبَعْض (على أَنه) أَي الْوَصْف الطردي (لَا ينتهض) أَي لَا يقوم حجَّة (لأوجه الْبطلَان) أَي وُجُوه بطلَان علية الْوَصْف الطردي متضافرة ظَاهِرَة بِحَيْثُ لَا يقدر أهل الطَّرْد على إِثْبَات عليته (فَيرجع) أهل الطَّرْد بِالضَّرُورَةِ (إِلَى التَّأْثِير) والإتيان بالمؤثر إِن أمكنه وَألا يَنْقَطِع (لكنه) أَي الرُّجُوع إِلَى الْمُؤثر (انْتِقَال) من عِلّة (إِلَى) عِلّة (أُخْرَى لإِثْبَات الحكم الأول، وَهُوَ) أَي الحكم الأول
(4/132)

(علية الْوَصْف) لإِثْبَات الحكم الْأَصْلِيّ (هُنَا) أَي فِيمَا نَحن فِيهِ من جَوَاب الْمَنْع الْمَذْكُور (وَعلمت مَا فِيهِ) أَي مَا فِي هَذَا الِانْتِقَال من اخْتِلَاف النظار هَل هُوَ انْقِطَاع أم لَا، وَمن أَن الْمُخْتَار مَا هُوَ (مِثَاله) أَي مِثَال الْمَنْع الَّذِي كلامنا فِيهِ فِي الْقيَاس الْمَذْكُور (للشَّافِعِيَّة فِي ذَلِك الْمِثَال) السَّابِق ذكره، يَعْنِي قَوْله الْكَلْب حَيَوَان يغسل من ولوغه سبعا، فَلَا يطهر بالدباغة كالخنزير (منع كَون الْغسْل سبعا عِلّة عدم قبُوله) أَي جلد الْخِنْزِير (الدباغة شرعا، و) مِثَاله (للحنفية فِي قَول الشَّافِعِيَّة) الْأَخ (لَا يعْتق على أَخِيه) بِملكه إِيَّاه (إِذْ لَا بعضية بَينهمَا) أَي الْأَخَوَيْنِ (كَابْن الْعم) فَإِنَّهُ لَا يعْتق على ابْن عَمه، إِذْ لَا بعضية بَينهمَا (منع أَنَّهَا) أَي البعضية (الْعلَّة فِي الْعتْق لينتفى الحكم) الَّذِي هُوَ الْعتْق (بِانْتِفَاء الْعلَّة المتحدة) فِي صُورَتي ملك الْأَخ وَملك ابْن الْعم، وَهِي البعضية: وَلَا يخفى أَن مَحل الْمَنْع فِي الْمِثَال الْمَذْكُور إِنَّمَا هُوَ علية عدم البعضية لعدم الْعتْق، غير أَنه لما كَانَ منع علية الْعَدَم للعدم فرع منع مَا ذكر صرح بِهِ ليفهم ذَلِك ضمنا على الطَّرِيق البرهاني (بل) الْعلَّة لِلْعِتْقِ (الْقَرَابَة الْمُحرمَة) وَهِي مَوْجُودَة فِي الآخرين دون ابْن الْعم (ثَالِثهَا) أَي المنوع (عدم تَأْثِيره) أَي الْوَصْف فِي ترَتّب الحكم عَلَيْهِ وَفِيه مُسَامَحَة، لِأَن عدم التَّأْثِير لَازم الْمَنْع لَا عينه (للشَّافِعِيَّة أَي) إِفْرَاد هَذَا الْمَنْع بِالذكر لَهُم: أَي عدم (اعْتِبَاره) عِلّة للْحكم شرعا تَفْسِير لعدم تَأْثِيره (وقسموه) أَي الشَّافِعِيَّة عدم تَأْثِيره (أَرْبَعَة) من الْأَقْسَام مَنْصُوب بقسموه على تضمين الْجعل، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو من (أَن يظْهر عدم تَأْثِيره) أَي الْوَصْف (مُطلقًا) فِي حكم الأَصْل وَغَيره (أَو) أَن يظْهر (فِي) حكم (ذَلِك الأَصْل) الَّذِي جعل الْوَصْف عِلّة لَهُ (أَو) أَن يظْهر عدم تَأْثِيره (قيد مِنْهُ) أَي من الْوَصْف (مُطلقًا) أَي فِي حكم ذَلِك الأَصْل وَغَيره (أَو لَا) يظْهر شَيْء من ذَلِك (بل يسْتَدلّ عَلَيْهِ) أَي على عدم تَأْثِيره (بِعَدَمِ اطراده) أَي الْوَصْف (فِي مَحل النزاع) وَهُوَ الحكم الْمُتَنَازع فِيهِ بتحققه مَعَه تَارَة فِي بعض الْموَاد وتخلفه عَنهُ أُخْرَى فِي بعض أخر (وردوا) أَي الشَّافِعِيَّة الْقسم (الأول) أَي عدم تَأْثِيره مُطلقًا (و) الْقسم (الثَّالِث) أَي عدم تَأْثِير قيد مِنْهُ فِي ذَلِك الأَصْل وَغَيره (إِلَى الْمُطَالبَة بعلية الْوَصْف) الْمعبر عَنْهَا فِيمَا سبق بِمَنْع كَونه عِلّة (وَجَوَابه) أَي جَوَاب الْمَرْدُود إِلَيْهِ (الْمُتَقَدّم جَوَابه) أَي الْمَرْدُود (و) ردوا (الثَّانِي) أَي عدم تَأْثِيره فِي الأَصْل. (وَالرَّابِع) أَن لَا يظْهر شَيْء من ذَلِك (إِلَى الْمُعَارضَة) فِي الأَصْل بإبداء عِلّة أُخْرَى (على خلاف فِي الرَّابِع) يَأْتِي قَرِيبا. وَفِي الشَّرْح العضدي أَن حَاصِل الأول وَالثَّالِث منع الْعلية وَحَاصِل الثَّانِي وَالرَّابِع الْمُعَارضَة فِي الأَصْل بإبداء عِلّة أُخْرَى، وَقد يُقَال أَن ذَلِك لعدم التَّمْيِيز بَين مَا يقْصد بِهِ منع الْعلية ليدل عَلَيْهَا، وَبَين الدَّلِيل على عدمهَا. وَكَذَا بَين إبداء مَا يُوجب احْتِمَال
(4/133)

علية الْغَيْر وَبَين مَا يُوجب الْجَزْم بهَا (مِثَال الأول وَيُسمى) أَي الأول (عدم التَّأْثِير فِي الْوَصْف) أَن يُقَال (فِي) صَلَاة (الصُّبْح) صَلَاة (لَا يقصر فَلَا يقدم أَذَانه) على وَقتهَا، وتذكير الضَّمِير بِاعْتِبَار لفظ الصُّبْح (كالمغرب) فَإِنَّهُ صَلَاة لَا تقصر فَلَا يقدم أَذَانه (فَيرد) عَلَيْهِ أَن يُقَال (عدم الْقصر لَا أثر لَهُ فِي عدم تَقْدِيم الْأَذَان، إِذْ لَا مُنَاسبَة) بَينهمَا تَقْتَضِي ذَلِك (وَلَا شبه) وَهُوَ على مَا ذكرنَا أَن لَا تكون الْمُنَاسبَة بَين الْوَصْف وَالْحكم بِالنّظرِ إِلَى ذَات الْوَصْف، بل بِاعْتِبَار شُبْهَة الْوَصْف الْمُنَاسب للْحكم بِذَاتِهِ، وَهُوَ على مَا ذكر أَن لَا تكون الْمُنَاسبَة بَين الْوَصْف وَالْحكم بِالنّظرِ إِلَى ذَات الْوَصْف (و) مِثَال (الثَّانِي فِي منع بيع الْغَائِب) عِنْد الشَّافِعِيَّة (وَيُسمى) أَي الثَّانِي (عدم التَّأْثِير فِي الأَصْل) الْغَائِب (مَبِيع غير مرئي فَلَا يَصح) بَيْعه (كالطير فِي الْهَوَاء) أَي كَمَا أَن الطير فِي الْهَوَاء الْوَصْف وَهُوَ كَونه غير مرئي، وَإِذا ناسب نفي الصِّحَّة إِذْ لَا تَأْثِير لَهُ فِي الأَصْل كَذَلِك فِي نُسْخَة الشَّارِح، وَفِي نُسْخَة مَصَحَّة (فَيرد هَذَا وَإِن ناسب) أَي فَيرد هَذَا الْمَبِيع وَإِن ناسب الْوَصْف مَا ذكر، أَو الْمَعْنى فَيرد أَن يُقَال وَإِن ناسب الْوَصْف (فَفِي الأَصْل مَا يسْتَقلّ) بِمَنْع الصِّحَّة فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير: أَي فَفِي الأَصْل مَا يسْتَقلّ وَإِن ناسب، وعَلى الأول قَوْله فَفِي الأَصْل تَفْصِيل لبَيَان الْعلَّة الْمُغنيَة عَن الْمُنَاسب الْمَذْكُور الْمَعْلُوم تأثيرها شرعا (وَهُوَ) أَن مَا يسْتَقلّ بِمَنْع الصِّحَّة (الْعَجز عَن التَّسْلِيم، وَلذَا) أَي وَلما أَن فِي الأَصْل مَا يسْتَقلّ بِهِ (رَجَعَ) هَذَا الْقسم (إِلَى الْمُعَارضَة فِي الْعلَّة) بإبداء عِلّة أُخْرَى (وَبِه) أَي بِهَذَا الْبَيَان (ينْكَشف أَن اعْتِبَار جنسه) أَي جنس هَذَا الِاعْتِرَاض (ظُهُور عدم التَّأْثِير غير وَاقع إِذْ لم يظْهر عدم مُنَاسبَة فِي غير مرئي) أَي كَون الْمَبِيع غير مرئي، وَهُوَ الْوَصْف الَّذِي أبداه الْمُسْتَدلّ (بِمَا أبداه) أَي بِسَبَب مَا أبداه الْمُعْتَرض من الْعَجز عَن التَّسْلِيم (بل جوزه مَعَه) أَي بل جوز الْمُعْتَرض مَا أبداه مَعَه: أَي مَعَ مَا أبداه الْمُسْتَدلّ وَهُوَ كَونه غير مرئي (و) مِثَال (الثَّالِث وَيُسمى عدم التَّأْثِير فِي الحكم) يحصل (لَو قَالَ الْحَنَفِيَّة فِي الْمُرْتَدين) إِذا أتلفوا أَمْوَالنَا هم (مشركون أتلفوا مَالا فِي دَار الْحَرْب فَلَا يضمنُون) مَا أتلفوا إِذا أَسْلمُوا كَسَائِر الْمُشْركين (فَيرد لَا تَأْثِير لدار الْحَرْب) فِي نفي الضَّمَان عنْدكُمْ (للانتفاء) أَي لانْتِفَاء الضَّمَان (فِي غَيرهَا) أَي غير دَار الْحَرْب (عنْدكُمْ) فَإِن الْمُرْتَد بعد اللحاق بدار الْحَرْب لَا يضمن لشَيْء من حُقُوق الْعباد إِذا أسلم بعد ذَلِك، وَإِن أتلف فِي غير دَار الْحَرْب أَيْضا كَسَائِر الْمُشْركين من الْحَرْبِيين (فَهُوَ) أَي هَذَا الْقسم (كَالْأولِ) فِي أَن مرجعهما إِلَى الْمُطَالبَة بتأثير الْوَصْف فِي الأَصْل (و) مِثَال (الرَّابِع وَيُسمى عدم التَّأْثِير فِي الْفَرْع) مَا فِي قَوْلهم (زوجت نَفسهَا من غير كُفْء فَيرد) تَزْوِيجهَا (كتزويج الْوَلِيّ الصَّغِيرَة من غير كُفْء فَيَقُول) الْمُعْتَرض (لَا أثر لغير كُفْء) فِي الرَّد (لتحَقّق النزاع فِيهِ) أَي فِيمَا إِذا زوجت نَفسهَا من كُفْء (أَيْضا فَرجع) هَذَا (إِلَى الْمُعَارضَة بتزويج نَفسهَا فَقَط) وَحَاصِله
(4/134)

أَن الْمُسْتَدلّ أبدى عِلّة وَهُوَ التَّزْوِيج للنَّفس بِغَيْر الْكُفْء، والمعترض أبدى غَيرهَا وَهُوَ تَزْوِيج نَفسهَا من غير تَقْيِيد بالكفء وَغَيره (وَلَا يخفى رُجُوعه) أَي الرَّابِع (إِلَى الثَّالِث) وَهُوَ عدم تَأْثِير قيد ذكر مَعَه فَرجع إِلَى الْمُطَالبَة بتأثير ذَلِك فِيهِ (وَظهر أَنه) أَي ذَلِك الِاعْتِرَاض (لَيْسَ سؤالا مُسْتقِلّا) بل هُوَ إِمَّا مُطَالبَة بعلية الْوَصْف أَو مُعَارضَة بعلة أُخْرَى (فَتَركه الْحَنَفِيَّة ل) أجل (هَذَا وَلما نذْكر. ثمَّ الْمُخْتَار أَن الثَّالِث مَرْدُود إِذا اعْترف الْمُسْتَدلّ بطرديته) أَي بطردية ذَلِك الْمُقَيد (وَغير مَرْدُود إِن لم يعْتَرف) بطرديته (لجَوَاز) وجود (غَرَض صَحِيح) للمستدل فِي إِيرَاد ذَلِك الْقَيْد، فِي الشَّرْح العضدي لما كَانَ حَاصِل الْقسم الرَّابِع وجود قيد طردي فِي الْوَصْف الْمُعَلل بِهِ ذكر لذَلِك قَاعِدَة تتَعَلَّق بِهِ وَهِي كل مَا فرض جعله وَصفا فِي الْعلَّة من طردي هَل هُوَ مَرْدُود سد المتناظرين فَلَا يجوزونه، أما إِذا كَانَ الْمُسْتَدلّ معترفا بِأَنَّهُ طردي فالمختار أَنه مَرْدُود لِأَنَّهُ فِي كَونه جُزْء الْعلَّة كَاذِب باعترافه وَأَنه كجدل قَبِيح، وَقيل لَيْسَ بمردود لِأَن الْغَرَض استلزام الحكم، فالجواز استلزم قطعا، وَأما إِذا لم يكن معترفا بِأَنَّهُ طردي فالمختار أَنه غير مَرْدُود لجَوَاز أَن يكون فِيهِ غَرَض صَحِيح كدفع النَّقْض الصَّرِيح إِلَى النَّقْض المكسور وَهُوَ أصعب، بِخِلَاف الأول فَإِنَّهُ معترف بِأَنَّهُ غير مُؤثر وَأَن الْعلَّة هُوَ الثَّانِي فَيرد النَّقْض كَمَا لَو لم يذكرهُ، والتفوه بِهِ لَا يجديه نفعا فِي دفع النَّقْض، وَقيل مَرْدُود لِأَنَّهُ لَغْو، وَإِن لم يعْتَرف وَقد عرف الْفرق، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (أَن يدْفع النَّقْض المكسور وَهُوَ أصعب على الْمُعْتَرض). قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ من الشَّارِحين من فسر الْمقَام بِمَا شهد أَنه لم يفهمهُ وَآخَرُونَ اعْترض بِعَدَمِ فهمه، فَلهَذَا تَابع الْمُحَقق فِي تَوْضِيحه بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ، فَقَوله وَهُوَ أصعب يُرِيد أَن إِيرَاد النَّقْض المكسور أصعب على الْمُعْتَرض من إِيرَاد النَّقْض الصَّرِيح لِأَنَّهُ فِيهِ بَيَان عدم تَأْثِير بعض أَجزَاء الْوَصْف وَبَيَان نقض الآخر، وَفِي النَّقْض الصَّرِيح لَيْسَ إِلَّا بَيَان نقض الْوَصْف: أَعنِي ثُبُوته فِي صُورَة مَعَ عدم الحكم، وَقَوله بِخِلَاف الأول مُتَعَلق بقوله لجَوَاز أَن يكون: يَعْنِي أَن الْمُسْتَدلّ إِذا لم يكن معترفا بِكَوْن الْوَصْف طرديا يجوز أَن يكون لَهُ فِي ضم الْوَصْف الطردي إِلَى الْعلَّة غَرَض صَحِيح بِأَن لَا يُوجد الْمَجْمُوع مَعَ عدم الحكم، بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ معترفا بِأَن الْوَصْف المضموم طردي، فَإِن ذَلِك اعْتِرَاف بِأَنَّهُ لَا مدْخل لَهُ فِي الْعلية وَأَن الْعلَّة فِي ذَلِك الْأَمر الَّذِي فرض الطردي وَصفا فِيهِ، فَحِينَئِذٍ يسهل النَّقْض بإيراد صُورَة يُوجد فِيهَا مُجَرّد ذَلِك وَلَا يُوجد الحكم، وتلفظه بِأَن الْعلَّة هِيَ الْمَجْمُوع مَعَ اعترافه بذلك لَا يفِيدهُ انْتهى، وَللَّه درهما تَحْقِيقا لمواضع تحيرت فِيهَا الْعُقُول وَوَقعت فِيهَا الفحول فقد علم بذلك أَن المُرَاد بقول المُصَنّف الثَّالِث مَحل السُّؤَال الثَّالِث، وَبِقَوْلِهِ أَن يدْفع النَّقْض المكسور أَن يدْفع النَّقْض الصَّرِيح إِلَى النَّقْض المكسور، فالنقض مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض وَالْمَفْعُول بِهِ
(4/135)

مَحْذُوف، أَو الْمَعْنى الْمُسْتَدلّ أَرَادَ بِذكر الْقَيْد دَفعه النَّقْض الأصعب إِذْ هُوَ يتَعَيَّن بعد ذكره، فالفرض فِي الْحَقِيقَة الصعوبة على الْمُعْتَرض حَيْثُ ألزمهُ الأصعب (وللشافعية بعده) أَي بعد مَا ذكر (أَرْبَعَة) من الاعتراضات مَخْصُوصَة بالمناسبة أَولهَا (الْقدح فِي الْمُنَاسبَة بإبداء مفْسدَة راجحة) على مصلحَة لأَجلهَا قضى على الْوَصْف بالمناسبة (أَو مُسَاوِيَة) لَهَا لما تقدم فِي تَقْسِيم الْعلَّة بِحَسب الْإِفْضَاء من انخرام الْمُنَاسبَة لمفسدة راجحة أَو مُسَاوِيَة (وَجَوَابه) أَي هَذَا الِاعْتِرَاض (تَرْجِيح الْمصلحَة إِجْمَالا) على الْمفْسدَة بِأَن يُقَال لَو لم يقدر رُجْحَانهَا لزم التقيد الْبَاطِل (وَتقدم) ذكره فِي التَّقْسِيم الْمَذْكُور (وتفصيلا بِمَا فِي الخصوصيات) أَي خصوصيات الْمسَائِل من المرجحات (مثل) أَن يُقَال فِي الْفَسْخ فِي الْمجْلس بِخِيَار الْمجْلس (وجد سَبَب الْفَسْخ فِي الْمجْلس وَهُوَ) أَي سَبَب الْفَسْخ (دفع الضَّرَر) عَن الفاسخ (فَيثبت) أَي الْفَسْخ (فيعارض بِضَرَر) الآخر الَّذِي لم يفْسخ فَيُقَال ضَرَر (الآخر مفْسدَة مُسَاوِيَة) لتِلْك الْمصلحَة (فيجاب) عَن الْمُعَارضَة (بِأَن هَذَا) الآخر (يجلب) بِاسْتِيفَاء العقد (نفعا وَذَاكَ) الفاسخ (يدْفع ضَرَرا) عَن نَفسه (وَهُوَ) أَي دفع الضَّرَر (أهم) وَلذَلِك يدْفع كل ضَرَر وَلَا يجلب كل نفع (وَمثله) أَي مثل مَا ذكر (التخلي) أَي تَفْرِيغ النَّفس (لِلْعِبَادَةِ) النَّافِلَة (أفضل من التَّزَوُّج لما فِيهِ) أَي فِي التخلي لَهَا (من تَزْكِيَة النَّفس) الْمشَار إِلَيْهَا بقوله تَعَالَى - {قد أَفْلح من زكاها} - (فيعارض بِفَوَات أضعافها) أَي أَضْعَاف الْمصلحَة الْمَذْكُورَة (فِيهِ) أَي فِي التخلي من كسر الشَّهْوَة وغض الْبَصَر وإعفاف النَّفس وإيجاد الْوَلَد وتربيته وتوسعة الْبَاطِن بالتحمل فِي معاشرة بني النَّوْع إِلَى غير ذَلِك، فالتزكية أَيْضا حَاصِلَة فِي التَّزْوِيج (فيرجح) التَّزَوُّج على مَا ذكر (فيرجحها) أَي مصلحَة الْعِبَادَة المناظر (الآخر بِأَنَّهَا لحفظ الدّين وَتلك) الْمصَالح الَّتِي فِي التَّزَوُّج حِينَئِذٍ (لحفظ النَّسْل) وَحفظ الدّين أرجح من حفظ النَّسْل (غير أَن فرض المسئلة حَالَة الِاعْتِدَال) أَي اعْتِدَال النَّفس فِي الشَّهْوَة (وَعدم الخشية) أَي خشيَة الْوُقُوع فِي الزِّنَا وَمَا يقرب مِنْهُ من الْمحرم، وَإِنَّمَا قَالَ فرض المسئلة كَذَا لوُجُوب التَّزَوُّج عينا عِنْد الخشية فَلَا يُعَارضهُ التخلي للنوافل (و) ثَانِيهَا (الْقدح فِي الْإِفْضَاء) أَي فِي كَون الْوَصْف مفضيا (إِلَى الْمصلحَة) الْمَقْصُودَة (فِي شَرعه) أَي الحكم عِنْده (كتحريم الْمُصَاهَرَة) للمحارم على التَّأْبِيد، يُقَال: صاهرهم إِذا صَار فيهم صهرا، والصهر زوج الْبِنْت وَالْأُخْت، وَالْمرَاد هُنَا أصل الزواج (للْحَاجة إِلَى رفع الْحجاب) فالتحريم الْمَذْكُور هُوَ الحكم وَالْحَاجة إِلَى رفع الْحجاب عَن الْمَحَارِم لِكَثْرَة المخالطة هُوَ الْوَصْف الْعلَّة والمصلحة الَّتِي يُفْضِي إِلَيْهَا الْمَذْكُورَة فِي قَوْله (إِذْ يُفْضِي) الْوَصْف الْمَذْكُور بِاعْتِبَار مَا شرع عِنْده من تأبيد التَّحْرِيم (إِلَى دفع الْفُجُور فَيمْنَع) إفضاؤه إِلَى دفع الْفُجُور (بل سد بَاب العقد) أَي عقد النِّكَاح للتَّحْرِيم الْمَذْكُور
(4/136)

(أفْضى) إِلَى الْفُجُور (لحرص النَّفس على الْمَمْنُوع فَيدْفَع) هَذَا الْمَنْع (بِأَن تأبيد التَّحْرِيم يمْنَع عَادَة) عَن مُقَدمَات الْهم وَالنَّظَر (إِذْ يصير) الِامْتِنَاع بِهَذَا السَّبَب (كالطبيعي) أَي كالامتناع والمنافرة الَّتِي اقتضتها الطبيعة فَلَا يبْقى الْمحل مشتهى (أَصله) أَي أصل هَذَا التَّحْرِيم المؤبد (الْأُمَّهَات) لِأَنَّهُ شرع من ابْتِدَاء وجود بني آدم فَلم يكن عِنْد ذَلِك تَحْرِيم الْأَخَوَات لضَرُورَة التناسل، ثمَّ لما وجد غير الْمَحَارِم ارْتَفَعت الضَّرُورَة فَألْحق بالأمهات سَائِر الْمَحَارِم (و) ثَالِثهَا (كَون الْوَصْف خفِيا كالرضا) فِي الْعُقُود فَإِنَّهُ أَمر قلبِي (وَيُجَاب) عَن هَذَا السُّؤَال (بضبطه) أَي بضبط الْوَصْف (بِظَاهِر) أَي بضابط ظَاهر (كالصيغة) الدَّالَّة على الرِّضَا فيدور الحكم عَلَيْهَا كصيغ الْعُقُود (و) رَابِعهَا (كَونه) أَي الْوَصْف (غير منضبط) جَعلهمَا قسما وَاحِدًا لكَمَال مناسبتهما سؤالا وجوابا (كَالْحكمِ) جمع حِكْمَة، وَهِي الْأَمر الْبَاعِث من الْمَقَاصِد (والمصالح) أَي مَا يكون لَذَّة أَو وَسِيلَة لَهَا (كالحرج) فَإِن فِي نَفْيه لَذَّة (والزجر) فَإِنَّهُ وَسِيلَة للذة الدُّنْيَوِيَّة والأخروية، ثمَّ علل عدم انضباطها بقوله (لِأَنَّهَا) أَي الحكم والمصالح (مَرَاتِب) أَي كائنة (على) مَرَاتِب على (مَا تقدم) فِي الْكَلَام على الْعلَّة بِحَسب الْمَقَاصِد وَيخْتَلف باخْتلَاف الْأَشْخَاص وَالْأَحْوَال فَلَا يُمكن تعْيين الْعدَد الْمَقْصُود مِنْهَا (وَجَوَابه بإبداء الضَّابِط بِنَفسِهِ) أَي بِإِظْهَار المُرَاد من غير المنضبط بِوَصْف منضبط بِنَفسِهِ غير مُحْتَاج إِلَى ضَابِط آخر كَمَا يُقَال فِي الْمَشَقَّة والمضرة أَن المُرَاد بهما مَا يُطلق عَلَيْهِ الْمَشَقَّة والمضرة عرفا، كَذَا قَالُوا، وَفِيه مَا فِيهِ (أَو) أَن الْوَصْف (نيط بمنضبط) مَعْطُوف على إبداء (كالسفر) نيط حُصُول الْمَشَقَّة بِهِ (وَالْحَد) الْمَحْدُود شرعا نيط الْقدر الْمُعْتَبر فِي حُصُول الزّجر بِهِ (وَلم يذكرهَا) أَي الاعتراضات الْمَذْكُورَة (الْحَنَفِيَّة لَا لاختصاصها بالمناسبة) وهم لَا يعتبرونها فَلَا وُرُود لَهَا عِنْدهم (لِأَن هَذَا) أَي اعْتِبَار الْمُنَاسبَة بِالْوَصْفِ (اتِّفَاق) أَي مَحل اتِّفَاق أَو مُتَّفق عَلَيْهِ (بل لِأَنَّهَا) أَي الاعتراضات الْمَذْكُورَة حاصلها (انْتِفَاء لَوَازِم الْعلَّة الباعثة مُطلقًا) أَي بِأَيّ مَسْلَك كَانَ (كَمَا تقدم) فِي فصل الْعلَّة (وَمَعْلُوم أَن بِانْتِفَاء لازمها) أَي الْعلَّة الباعثة (يتَّجه إِيرَاده) أَي إِيرَاد انتفائها (إِذْ يُوجب) انْتِفَاء لازمها (انتفاءها فَهُوَ) أَي إِيرَاد انتفائها (مَعْلُوم من الشُّرُوط) لِأَن كل أحد يعرف أَن الشَّرْط إِذا انْتَفَى فللمعترض الْإِيرَاد الرَّاجِح إِلَى منع الْعلية (ومنعهم) أَي الْحَنَفِيَّة (بَعْضهَا) أَي بعض هَذِه الاعتراضات مَعْطُوف على مَدْخُول بل فَهُوَ عِلّة أُخْرَى لعدم الذّكر فِي الْبَعْض، وَالْمرَاد بِالْمَنْعِ الحكم بِعَدَمِ وُرُوده من حَيْثُ المناظرة (وَهُوَ) أَي الْبَعْض الْمَمْنُوع (مرجع الثَّانِي وَالرَّابِع) من الْأَرْبَعَة الأول (لمنعهم الْمُعَارضَة لعِلَّة الأَصْل كَمَا سَنذكرُهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَذكروا) أَي الْحَنَفِيَّة (منع الشُّرُوط) للتَّعْلِيل، لِأَن شَرط الشَّيْء سَابق عَلَيْهِ فَلَا بُد من إثْبَاته، ثمَّ القَاضِي
(4/137)

أَبُو زيد وشمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ لم يشترطا كَون الشَّرْط مُتَّفقا عَلَيْهِ (وَقيد فَخر الْإِسْلَام مَحَله) أَي منع الشَّرْط (بمجمع عَلَيْهِ) فَقَالَ وَإِنَّمَا يجب أَن يمْنَع شرطا مِمَّا هُوَ شَرط بِالْإِجْمَاع وَقد عدم فِي الْفَرْع أَو الأَصْل (فَيتَّجه) الْمَنْع (عِنْد عَدمه) أَي الشَّرْط الْمَذْكُور فَيُفِيد بطلَان التَّعْلِيل، مَا إِذا منع شرطا مُخْتَلفا فِيهِ، فَيَقُول الْمُعَلل ذَلِك لَيْسَ بِشَرْط عِنْدِي فَلَا يضر عَدمه، وَقد يُقَال إِذا كَانَ مَقْصُود الْمُعْتَرض دفع إِلْزَام الْمُعَلل عَن نَفسه، فَفِي هَذَا الْمَنْع ضَرَر ظَاهر إِذا قصد الْمُعَلل ذَلِك، وَقيل المُرَاد بِالْإِجْمَاع الِاتِّفَاق بَين السَّائِل والمجيب، لَا الْإِجْمَاع الْمُطلق (وَرَابِعهَا) أَي المنوع الْوَارِدَة على عِلّة الحكم (النَّقْض، وَتَسْمِيَة الْحَنَفِيَّة المناقضة وَهِي) فِي الِاصْطِلَاح (للجدليين) أَي لمصطلحهم (منع مُقَدّمَة مُعينَة) وَهِي مَا يتَوَقَّف على صِحَة الدَّلِيل شطرا كَانَ أَو شرطا سَوَاء كَانَ مَعَ السَّنَد أَو بِدُونِهِ، وَهُوَ مَا يذكر لتقوية الْمَنْع (و) منع (غير الْمعينَة) أَي مَنعه (بِأَن يلْزم الدَّلِيل مَا يُفْسِدهُ) بِأَن يَقُول لَازم دليلك كَذَا وَهُوَ بَاطِل فدليلك فَاسد (فَيُفِيد) لُزُوم ذَلِك لَهُ (بطلَان مُقَدّمَة غير مُعينَة) لِأَنَّهُ لَو لم يكن شَيْء من مقدماته بَاطِلا كَانَ صَحِيحا بِالضَّرُورَةِ، والمفروض أَنه فَاسد لبُطْلَان لَازمه، وَقَوله وَغير الْمعينَة مُبْتَدأ خَبره (النَّقْض الإجمالي وردوا) أَي الأصوليون (النَّقْض) الَّذِي هُوَ رَابِع المنوع (إِلَى منع مُسْتَند) أما كَونه منعا فَلِأَنَّهُ منع عَلَيْهِ الْوَصْف، وَهُوَ مِمَّا يتَوَقَّف عَلَيْهِ صِحَة الْقيَاس، وَأما كَونه مُسْتَندا فَلِأَن بَيَان التَّخَلُّف سَنَد لَهُ (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يرد إِلَيْهِ (كَانَ) النَّقْض (مُعَارضَة قبل الدَّلِيل) لِأَنَّهُ إِذا لم يكن منعا مُسْتَندا كَانَ إِقَامَة الدَّلِيل على عدم الْعلية، والمستدل لم يقم بعد دَلِيلا على الْعلية وَلزِمَ كَونه مُعَارضَة قبل الدَّلِيل (وعَلى هَذَا) أَي الَّذِي ذكر من أَن الصَّارِف عَن كَونه اسْتِدْلَالا، وَهُوَ الظَّاهِر إِنَّمَا هُوَ لُزُوم الْمُعَارضَة قبل الدَّلِيل (يجب) أَن يكون (مُعَارضَة لَو) كَانَ (بعده) أَي بعد إِقَامَة الْمُسْتَدلّ الدَّلِيل على صِحَة علية الْوَصْف لارْتِفَاع الْمَانِع عَن الْحمل على الْمُعَارضَة وَوُجُود مَا يقتضيها، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لِأَنَّهُ) أَي الْمُعْتَرض (اسْتدلَّ على بُطْلَانه) أَي بطلَان كَون الْوَصْف عِلّة (بالتخلف) أَي بِوُجُودِهِ فِي صُورَة لَيْسَ فِيهَا الحكم (ويجيب الآخر) أَي الْمُسْتَدلّ عَن الْمَنْع الْمَذْكُور (بِمَنْع وجودهَا) أَي الْعلَّة (فِي مَحل التَّخَلُّف ويستدل الْمُعْتَرض عَلَيْهِ) أَي على وجودهَا فِي مَحل التَّخَلُّف (بعده) أَي بعد منع الْمُسْتَدلّ وجودهَا فِيهِ (أَو) يسْتَدلّ عَلَيْهَا (ابْتِدَاء) أَي قبل منع الْمُسْتَدلّ إِيَّاه، وَإِذا اسْتدلَّ ابْتِدَاء تبدل حَالهمَا (فَانْقَلَبَ) الْمُعْتَرض مُعَللا والمعلل مُعْتَرضًا (وَقيل لَا) يقبل من الْمُعْتَرض إِقَامَة الدَّلِيل على وجود الْوَصْف إِذا منع الْمُسْتَدلّ وجوده فِي صُورَة التَّخَلُّف لِأَنَّهُ انْتِقَال من الِاعْتِرَاض إِلَى الِاسْتِدْلَال وَهَذَا محكي عَن الْأَكْثَر مِنْهُم الإِمَام الرَّازِيّ (وَقيل) لَا يقبل (إِن كَانَ) ذَلِك الْوَصْف (حكما شَرْعِيًّا) لِأَن الِاشْتِغَال بِإِثْبَات حكم
(4/138)

شَرْعِي هُوَ بِالْحَقِيقَةِ الِانْتِقَال الْمَمْنُوع، وَإِلَّا فَيقبل لِأَنَّهُ بِهِ يتم دَلِيل الْمُعْتَرض وَيبْطل قِيَاس الْمُسْتَدلّ (وَقيل) يقبل (إِن لم يكن لَهُ) أَي للمعترض (قَادِح) لدَلِيل الْمُسْتَدلّ (أقوى) من النَّقْض فَإِن كَانَ لَهُ لَا يقبل لِأَنَّهُ غصب وانتقال من غير أَن تلجئه إِلَيْهِ ضَرُورَة (وَلَيْسَت) هَذِه الْأَقْوَال (بِشَيْء) وَوَجهه ظَاهر (فَلَو كَانَ الْمُسْتَدلّ اسْتدلَّ على وجودهَا) أَي الْعلَّة (فِي الأَصْل بموجود) أَي بِدَلِيل مَوْجُود (فِي مَحل النَّقْض فنقضها) أَي الْمُعْتَرض الْعلَّة بِأَن دليلك الَّذِي أقمته على وجود الْعلَّة فِي الأَصْل مَوْجُود فِي مَحل التَّخَلُّف، فَيلْزم عَنهُ وجودهَا فِيهِ (فَمنع) الْمُسْتَدلّ (وجودهَا) أَي الْعلَّة فِي مَحل النَّقْض (فَقَالَ الْمُعْتَرض فَيلْزم) عَلَيْك أحد الْأَمريْنِ (إِمَّا انْتِقَاض الْعلَّة) إِن كَانَت مَوْجُودَة فِي مَحل النَّقْض فِي نفس الْأَمر (أَو) انْتِقَاض (دليلها) إِن لم تكن مَوْجُودَة فِيهِ مَعَ جَرَيَان الدَّلِيل ووجوده فِيهِ (وَكَيف كَانَ) اللَّازِم: أَي انْتِقَاض الْعلَّة، أَو دليلها (لَا تثبت) الْعلية، أما على الأول فَلَمَّا مر من أَن النَّقْض يُبْطِلهَا، وَأما على الثَّانِي فَلِأَنَّهَا لَا تثبت إِلَّا بمسلك صَحِيح (قبل) بالِاتِّفَاقِ جَوَاب لَو، فَإِن عدم الِانْتِقَال فِيهِ ظَاهر، إِذْ لم يخرج عَن نقضهَا (وَلَو نقض) الْمُعْتَرض (دليلها) أَي الْعلية (عينا) من غير ترديد بَين نقض الْعلَّة ونقضه (فالجدليون) قَالُوا (لَا يسمع) هَذَا من الْمُعْتَرض (لِسَلَامَةِ الْعلَّة) حِينَئِذٍ من النَّقْض (إِذْ نقضه) أَي نقض دليلها الْمعِين (لَيْسَ نقضهَا) لجَوَاز إِثْبَاتهَا بِدَلِيل آخر فَإِذن يلْزم عَلَيْهِ الِانْتِقَال عَن وظيفته: أَعنِي نقض الْعلَّة (وَنظر فِيهِ) أَي فِي عدم سَمَاعه، والناظر ابْن الْحَاجِب مُسْتَندا (بِأَن بُطْلَانه) أَي دَلِيل الْعلية (بُطْلَانهَا) أَي الْعلية (أَي عدم ثُبُوتهَا إِذْ لَا بُد لَهَا) أَي الْعلية (من مَسْلَك صَحِيح) وَقد ظهر عدم صِحَة المسلك الَّذِي تمسك بِهِ الْمُسْتَدلّ وَوُجُود غَيره غير مَعْلُوم، وَالْأَصْل عَدمه (وَهُوَ) أَي بطلَان الْعلَّة (مَطْلُوبه) أَي الْمُعْتَرض (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن مُرَاد النَّاظر بِالْبُطْلَانِ عدم الثُّبُوت (فبطلان الدَّلِيل الْمعِين لَا يُوجِبهُ) أَي بُطْلَانهَا (لكنه) أَي بطلَان الدَّلِيل الْمعِين (يحوجه) أَي الْمُسْتَدلّ (إِلَى الِانْتِقَال إِلَى) دَلِيل (آخر لإِثْبَات) مطلب الدَّلِيل (الأول) يَعْنِي علية الْوَصْف (ويجيب) الْمُسْتَدلّ (أَيْضا) بدل منع وجودهَا (بِمَنْع انْتِفَاء الحكم فِي ذَلِك) أَي فِي مَحل النَّقْض اتِّفَاقًا (وللمعترض الدّلَالَة) بِإِقَامَة الدَّلِيل (عَلَيْهِ) أَي لانْتِفَاء الحكم (فِي) الْمَذْهَب (الْمُخْتَار) إِذْ بِهِ يحصل مَطْلُوبه وَهُوَ إبِْطَال دَلِيل الْمُسْتَدلّ، وَقيل لَيْسَ لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ انْتِقَال من الِاعْتِرَاض إِلَى الِاسْتِدْلَال، وَقيل نعم إِذا لم يكن طَرِيق أولى من النَّقْض فِي الْقدح (وَالْمُخْتَار عدم وجوب الاحتراس) على الْمُسْتَدلّ (عَن النَّقْض فِي الِاسْتِدْلَال) بِذكر قيد يخرج مَحل النَّقْض (وَقيل يجب) الاحتراس عَنهُ بِمَا ذكر (وَقيل) يجب (إِلَّا فِي المستثنيات) أَي يجب الاحتراس فِي التَّعْلِيل عَن كل نقض إِلَّا عَن النَّقْض الَّذِي يرد على مَا ذهب إِلَى عليته
(4/139)

مُجْتَهد من الْأَوْصَاف، فِي الشَّرْح العضدي هِيَ مَا تردد على كل عِلّة، فَإِذا قَالَ فِي الذّرة مطعوم فَيجب فِيهِ التَّسَاوِي كالبر فَلَا حَاجَة إِلَى أَن يَقُول وَلَا حَاجَة تدعوك إِلَى التَّفَاضُل فِيهِ فَيخرج الْعَرَايَا فَإِنَّهُ وَارِد على كل تَقْدِير سَوَاء عللنا بالطعم أَو الْقُوت أَو الْكَيْل فَلَا تعلق لَهُ بِإِبْطَال مَذْهَب وَتَصْحِيح آخر، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (كالعرايا عِنْد الشَّافِعِيَّة) وَهِي عِنْدهم بيع التَّمْر على رُءُوس النّخل على قدر كَيْله من التَّمْر خرصا لَو جف فِيمَا دون خَمْسَة أوسق. وَأما الْحَنَفِيَّة فَلَيْسَتْ الْعَرَايَا عِنْدهم إِلَّا الْعَطِيَّة وَهِي أَن يعري الرجل نَخْلَة من نخله فَلَا يسلم ذَلِك حَتَّى يَبْدُو لَهُ، فَرخص لَهُ أَن يحبس ذَلِك وَيُعْطِيه مَكَانَهُ بخرصه تَمرا، وَلَيْسَ بَين المعرى لَهُ والمعرى بيع حَقِيقِيّ. فَلَا يتَصَوَّر هَذَا التَّمْثِيل عِنْدهم (لنا) على الْمُخْتَار (أَنه) أَي الْمُسْتَدلّ (أتم الدَّلِيل) يَعْنِي سُئِلَ عَن دَلِيل الْعلية فوفى بِهِ (إِذْ انْتِفَاء الْمعَارض) لَهُ (لَيْسَ مِنْهُ) أَي الدَّلِيل: يَعْنِي أَن النَّقْض دَلِيل عدم الْعلية فَهُوَ بِالْحَقِيقَةِ مُعَارضَة وَنفي الْمعَارض لَيْسَ من الدَّلِيل، فَهُوَ غير مُلْتَزم لَهُ فَلَا يلْزم (وَلِأَنَّهُ) أَي الاحتراس عَنهُ بِمَا ذكر (لَا يُفِيد) دفع الِاعْتِرَاض بِالنَّقْضِ (إِذْ يَقُول) الْمُعْتَرض (الْقَيْد) الَّذِي ذكرته احتراسا (طرد) أَي طردي لَا تَأْثِير لَهُ فِي الْعلية (وَالْبَاقِي) بعده، وَهُوَ الْمُؤثر فِي الْعلية (منتقض) لِأَنَّهُ بِدُونِ ذَلِك الْقَيْد الطردي مَوْجُود فِي مَحل التَّخَلُّف (وَهَذَانِ) أَي منع وجود الْعلَّة وَمنع انْتِفَاء الحكم (دفعان) لتحَقّق النَّقْض لَا يحسمان مَادَّة الشُّبْهَة بِالْكُلِّيَّةِ (وَالْجَوَاب الْحَقِيقِيّ) الحاسم لَهَا (بعد الْوُرُود) أَي وُرُود النَّقْض، وَتبين وجود الْعلَّة، وَانْتِفَاء الحكم فِي مَحل النَّقْض إِنَّمَا يتَحَقَّق (بإبداء الْمَانِع) من تَأْثِير الْعلَّة (فِي مَحل التَّخَلُّف، وَهُوَ) أَي الْمَانِع (معَارض اقْتضى نقيض الحكم) الَّذِي أثْبته الْمُسْتَدلّ (فِيهِ) أَي فِي مَحل التَّخَلُّف ظرف للاقتضاء، وَالْمرَاد بالنقيض مَا يُقَابله سلبا أَو إِيجَابا أَو مَا يُسَاوِيه (أَو) اقْتضى (خِلَافه) أَي الحكم الَّذِي أثْبته الْمُسْتَدلّ، وَالْمرَاد بِهِ الضِّدّ الَّذِي هُوَ أخص من نقيضه، وَهَذَا الْمُقْتَضى إِنَّمَا يثبت (لتَحْصِيل مصلحَة) أهم من مصلحَة حكم الأَصْل (كالعرايا) وَقد عرفتها (لَو أوردت) مَادَّة للنقض (على الربويات) أَي على الْعِلَل الْمُعْتَبرَة شرعا بِحَسب اخْتِلَاف الْمذَاهب للْحكم الثَّابِت فِي أصُول الْأَمْوَال الربوية، وَتلك الْمصلحَة دفع الْحَاجة الْعَامَّة إِلَى الرطب وَالتَّمْر، وَعدم وجود تمر آخر غير أحد الْأَمريْنِ (وَكَذَا الدِّيَة) أَي وَكَذَا ضربهَا (على الْعَاقِلَة) لَو أوردت نقضا (على الزّجر) الَّذِي هُوَ عِلّة وجوب الدِّيَة الْمُغَلَّظَة على الْقَاتِل (لمصْلحَة أوليائه) مُتَعَلق بِضَرْب الدِّيَة فَإِنَّهُ لمَنْفَعَة أَوْلِيَاء الْمَقْتُول، وَجه الْإِيرَاد أَن الْحَاجة إِلَى الزّجر مَوْجُودَة فِي الْقَتْل خطأ مَعَ تخلف الحكم، وَهُوَ وجوب الدِّيَة الْمُغَلَّظَة على الْقَاتِل وَالْجَوَاب الْحَقِيقِيّ إبداء الْمَانِع الَّذِي هُوَ معَارض يَقْتَضِي خلاف الحكم من الدِّيَة المخففة على الْعَاقِلَة (مَعَ عدم تحميله) أَي الْقَاتِل لعدم قَصده
(4/140)

الْقَتْل، الظّرْف مُتَعَلق بِضَرْب الدِّيَة على الْعَاقِلَة، فَهَذَا الحكم الَّذِي هُوَ ضرب الدِّيَة المخففة عَلَيْهِم مركب من أَمريْن: ضرب الدِّيَة، وَكَونهَا على الْعَاقِلَة دون الْقَاتِل، فَالْأول وَهُوَ أصل ضرب الدِّيَة إِنَّمَا هُوَ لمصْلحَة أَوْلِيَاء الْمَقْتُول. وَالثَّانِي وَهُوَ كَونهَا على الْعَاقِلَة، لأَنهم يغنمون بِكَوْنِهِ مقتولا فليغرموا بِكَوْنِهِ قَاتلا: وَلذَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " مَالك غنمه فَعَلَيْك غرمه ". وَأما أَنَّهَا لَيست على الْقَاتِل، فَلَمَّا ذكر من عدم قَصده الْقَتْل، وَهُوَ الَّذِي ذكرنَا من عدم التحميل على الْقَاتِل إِنَّمَا هُوَ (للشَّافِعِيَّة). وَأما عِنْد الْحَنَفِيَّة فيودي الْقَاتِل كأحدهم (أَو) يثبت مَا ذكر من نقيض الحكم أَو خِلَافه (لدفع مفْسدَة) أعظم من مفْسدَة شرع حكم الأَصْل لَهُ فِيهَا (كالاضطرار لَو ورد على تَعْلِيل حُرْمَة الْميتَة بالاستقذار فَإِنَّهُ) أَي الِاضْطِرَار (اقْتضى خِلَافه) أَي مَا يَقْتَضِيهِ الاستقذار من التَّحْرِيم (من الْإِبَاحَة) بَيَان لخلافه، فَإِن دفع هَلَاك النَّفس أعظم من مفْسدَة أكل المستقذر: هَذَا كُله إِذا لم تكن الْعلَّة منصوصة بِظَاهِر عَام (فَلَو كَانَت) الْعلَّة (منصوصة ب) ظَاهر (عَام) لَا يجب إبداء الْمَانِع بِعَيْنِه، بل (وَجب تَقْدِير الْمَانِع وتخصيصه) أَي الْعَام (بِغَيْر مَحل النَّقْض) جمعا بَين الدَّلِيلَيْنِ (وَهَذَا) أَي تَخْصِيصه بِغَيْر مَا ذكر (إِذا كَانَ النَّص على استلزامها) أَي الْعلَّة للْحكم (فِي الْمحَال لَا على عليتها) أَي الْعلَّة (فِيهَا) أَي الْمحَال (إِذْ لَا تَنْتفِي عليتها بالمانع) فَإِن قلت: مَا معنى عدم انْتِفَاء الْعلية بِهِ دون الِالْتِزَام قلت: معنى عليتها للْحكم فِي الْمحَال كَونهَا بِحَيْثُ يَتَرَتَّب عَلَيْهَا الحكم لَو لم يتَحَقَّق مَعهَا مَانع عَن الحكم، وَهَذَا الْكَوْن مَوْجُود فِي مَحل النَّقْض، فَإِن صدق مَضْمُون هَذِه الشّرطِيَّة لَا يسْتَلْزم وجود الحكم بِالْفِعْلِ، بِخِلَاف مَا إِذا نَص على الاستلزام، وَهُوَ كَونهَا بِحَيْثُ مَتى تحققت تحقق مَعهَا الحكم بِالْفِعْلِ فَافْهَم (أَو) كَانَت منصوصة (بخاص) قَطْعِيّ الدّلَالَة على عليتها (فِيهِ) أَي فِي مَحل النَّقْض، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ (وَجب تَقْدِيره) أَي الْمَانِع (فَقَط) لِأَنَّهُ لَا مجَال لتخصيص الْخَاص بِغَيْر مَحل النَّقْض، وَإِنَّمَا وَجب تَقْدِير الْمَانِع لِأَن عليتها للْحكم: أَي فِي مَحل النَّقْض ثَابِتَة، وَالْحكم مُنْتَفٍ فِيهِ بِالنَّصِّ أَو الْإِجْمَاع، فَلَا بُد من مَانع هُنَاكَ لِاسْتِحَالَة تخلف الْمَعْلُول عِنْد وجود الْمُقْتَضى وَعدم الْمَانِع (و) وَجب (الحكم بعليتها) أَي الْعلَّة (فِيهِ) أَي فِي مَحل النَّقْض لدلَالَة النَّص الْخَاص عَلَيْهِ قطعا، وَهَذَا الْجَواب على قَول من يجوز تَخْصِيص الْعلَّة. (أما مانعو تَخْصِيص الْعلَّة فبعدم وجودهَا) أَي فيجيبون بِعَدَمِ وجود الْعلَّة فِي مَحل النَّقْض (إِذْ هِيَ) أَي الْعلَّة (الباعثة) على الحكم (مَعَ عَدمه) أَي الْمَانِع فالعلة عِنْدهم لَا تتَحَقَّق إِلَّا بأمرين: الْمُقْتَضى، وَعدم الْمَانِع (فَهُوَ) أَي عدم الْمَانِع (شَرط عليتها) وَحَيْثُ انْتَفَى شَرط الْعلية فِي مَحل النَّقْض انْتَفَت الْعلَّة (وَغَيرهم) أَي غير المانعين لتخصيصها
(4/141)

وهم الْأَكْثَرُونَ عِنْدهم عدم الْمَانِع (شَرط ثُبُوت الحكم) لِأَن شَرط علته الْعلَّة (وَتقدم) فِي المرصد الثَّانِي فِي شُرُوط الْعلَّة (مَا فِيهِ) من الْكَلَام فَليرْجع إِلَيْهِ (و) قَالَ (بعض الْحَنَفِيَّة (لَا يُمكن دفع النَّقْض عَن) الْعِلَل (الطردية) لِأَنَّهُ يُبْطِلهَا حَقِيقَة (إِذْ الاطراد لَا يبْقى بعد النَّقْض) يَعْنِي لَا دَلِيل على علتها سوى كَونهَا بِحَيْثُ مَتى وجدت وجد الحكم مَعهَا، وَحَيْثُ وجدت فِي مَحل النَّقْض بِدُونِ الحكم انْتَفَت الْحَيْثِيَّة، وَهِي الاطراد فانتفت الْعلية لعدم مَا يدل عَلَيْهَا (وَهُوَ) أَي مَا قَالَه الْبَعْض من عدم إِمْكَان دفع النَّقْض عَنْهَا (بعد كَونه على) تَقْدِير تحقق (النَّقْض فِي نفس الْأَمر) لَا بِمُجَرَّد إِيرَاد الْمُعْتَرض إِيَّاه لجَوَاز أَن يكون إِيرَاده على خلاف مَا فِي الْوَاقِع، فيدفعه الْمُجيب حِينَئِذٍ بِدفع تهمته (وَعرف مَا فِيهِ) حَيْثُ قَالَ فِي أول الْفَصْل، وعَلى الطردية ترد مَعَ القَوْل بِالْمُوجبِ إِلَى آخِره فَارْجِع إِلَيْهِ (بِنَاء) أَي مَبْنِيّ خبر لقَوْله، وَهُوَ (على قصر) الْعِلَل (الطردية على مَا) أَي على الطردية الثَّابِتَة (بالدوران) فَقَط من غير مُنَاسبَة وَلَا ملاءمة (وَلَا وَجه لَهُ) أَي لقصرها عَلَيْهِ (بل) الطردية هِيَ (غير المؤثرة) فتعم الْمُنَاسبَة والملائم باصطلاح الْحَنَفِيَّة، وَوجه الْبناء أَن النَّقْض بِحَسب نفس الْأَمر إِنَّمَا يُنَافِي الدوران بِحَسبِهِ لَا الْمُنَاسبَة والملائمة، فَلَو لم يقصر الطردية على مَا بالدوران لَا يَصح قَوْله لَا يبْقى بعد النَّقْض، لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِي علتها بِمُجَرَّد انْتِفَاء الدوران لوُجُود الْمُنَاسبَة أَو الملائمة (وعَلى) تَقْدِير (الْوُرُود) أَي وُرُود النَّقْض على الطردية (يحوج) وُرُوده (إِلَى التَّأْثِير كطهارة) أَي كَقَوْل الشَّافِعِي الْوضُوء طَهَارَة (فَيشْتَرط لَهَا) أَي للطَّهَارَة الَّتِي هِيَ الْوضُوء (النِّيَّة كالتيمم) أَي كَمَا يشْتَرط النِّيَّة للتيمم لكَونه طَهَارَة، فَجعل وصف الطَّهَارَة عِلّة لاشْتِرَاط النِّيَّة (فينقض) الْوَصْف الْمَذْكُور عِلّة (بِغسْل الثَّوْب) من النَّجَاسَة فَإِنَّهَا طَهَارَة، وَلَا يشْتَرط فِيهِ النِّيَّة (فَيُفَرق) بَينهمَا (بِأَنَّهَا) أَي الطَّهَارَة الَّتِي هِيَ الْوضُوء طَهَارَة (غير معقولة) لِأَنَّهُ لَا يعقل فِي محلهَا نَجَاسَة (فَكَانَت) الطَّهَارَة الْمَذْكُورَة (متعبدا بهَا فافتقرت إِلَى النِّيَّة) تَحْقِيقا لِمَعْنى التَّعَبُّد الَّذِي لم تشرع إِلَّا بِهِ، إِذْ الْعِبَادَة لَا تنَال بِدُونِ النِّيَّة (بِخِلَافِهِ) أَي غسل الثَّوْب من النَّجَاسَة (لعقلية قصد الْإِزَالَة) وَإِذا علم أَن الْمَقْصُود مِنْهَا إِزَالَة النَّجَاسَة لَا التَّعَبُّد بهَا (وبالاستعمال) أَي بِاسْتِعْمَال مَا يزِيل النَّجَاسَة (تحصل) الْإِزَالَة الَّتِي هِيَ الْمَقْصُود (فَلم يفْتَقر) غسله إِلَى النِّيَّة، وَقد مر فِي شُرُوط الْفَرْع جَوَاب الْحَنَفِيَّة عَن هَذَا (وَأما) الْعِلَل (المؤثرة فَتقدم صِحَة وُرُود النَّقْض عَلَيْهَا، وَحَيْثُ ورد) النَّقْض صُورَة عَلَيْهَا (دفع بِأَرْبَع) من الْأَجْوِبَة: أَولهَا (إبداء عدم الْوَصْف) فِي صُورَة النَّقْض (كخارج نجس) أَي كَمَا يُقَال فِي الْخَارِج النَّجس من بدن الْإِنْسَان من غير السَّبِيلَيْنِ أَنه نَاقض للْوُضُوء، لِأَنَّهُ خَارج نجس (من الْبدن فَحدث) أَي فَهُوَ حدث (كَمَا فِي) الْخَارِج النَّجس
(4/142)

من (السَّبِيلَيْنِ) فَإِنَّهُ حدث لِأَنَّهُ خَارج نجس من الْبدن (فينقض) الْوَصْف الْمَذْكُور للعلية فِي إِثْبَات الْحَدث (بِمَا) أَي بِخَارِج نجس (لم يسل) من رَأس الْجرْح إِلَى مَوضِع يلْحقهُ حكم التطهر فَإِنَّهُ لَيْسَ بِحَدَث مَعَ وجود الْوَصْف الْمَذْكُور فِيهِ (فَيدْفَع) النَّقْض بِهِ (بِعَدَمِ الْخُرُوج) أَي بِأَن يُقَال لَا نسلم وجود الْوَصْف فِيمَا لم يسل فَإِنَّهُ باد، وَلَيْسَ بِخَارِج (لِأَنَّهُ) أَي الْخُرُوج إِنَّمَا يتَحَقَّق (بالانتقال) من مَكَان إِلَى آخر، وَهُوَ مُسْتَقر فِي مَكَانَهُ، غير أَنه ظهر بِزَوَال الْجلْدَة الساترة لَهُ، ثمَّ هُوَ لَيْسَ بِنَجس على مَا روى عَن أبي يُوسُف. وَالْمُخْتَار عِنْد كثير من الْمَشَايِخ، بِخِلَاف السَّبِيلَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يتَصَوَّر ظُهُور الْقَلِيل مِنْهُمَا إِلَّا بالانتقال (وَملك بدل الْمَغْصُوب) أَي وكما يُقَال فِي مالكية الْمَغْصُوب مِنْهُ بدل الْمَغْصُوب أَنه (عِلّة ملكه) أَي مالكية الْغَاصِب الْمَغْصُوب لِئَلَّا يجْتَمع الْبَدَل والمبدل فِي ملك شخص وَاحِد (فينقض) الْوَصْف الْمَذْكُور فِي هَذَا التَّعْلِيل (بالمدبر) فَإِن غصبه سَبَب لملك بدله للْمَغْصُوب مِنْهُ، وَمَعَ هَذَا لَا يملك الْغَاصِب الْمُبدل وَلم يخرج عَن ملك الْمَغْصُوب مِنْهُ (فَيمْنَع) أَن يكون مَا ملك الْمَغْصُوب مِنْهُ (ملك بدله) أَي بدل الْمَغْصُوب (بل بدل الْيَد) أَي بل هُوَ ملك بدل الْيَد، لِأَن ضَمَانه لَيْسَ بَدَلا عَن الْعين، بل عَن الْيَد الثَّابِتَة، فَلم يتَحَقَّق الْوَصْف، وَهُوَ ملك بدل الْمَغْصُوب عَلَيْهِ فِي مَادَّة النَّقْض فَلَا نقض (و) ثَانِيهَا الْجَواب (بِمَنْع وجود الْمَعْنى الَّذِي بِهِ صَار) الْوَصْف (عِلّة) وَذَلِكَ الْمَعْنى كَالثَّابِتِ بِدلَالَة النَّص بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَنْصُوص بِمَعْنى أَن الْوَصْف بِوَاسِطَة مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ يدل على معنى آخر هُوَ الْمُؤثر فِي الحكم (فينتفى) الْوَصْف معنى (وَإِن وجد صُورَة كمسح) أَي كَمَا يُقَال فِي مسح الرَّأْس مسح (فَلَا يسن تكريره كمسح الْخُف) فَإِنَّهُ مسح، فَلَا يسن تكريره (فينتقض) الْوَصْف، وَهُوَ كَونه مسحا (بالاستنجاء) بِالْحجرِ: أَي بِأَنَّهُ مَوْجُود فِيهِ مَعَ تخلف الحكم، وَهُوَ عدم مسنونية التكرير عَنهُ، فَإِن تثليث الْمسْح فِيهِ مسنون إِجْمَاعًا إِذا احْتِيجَ إِلَيْهِ، فَإِن لم يكن تثليث الْحجر مسنونا عِنْد أَصْحَابنَا على الْإِطْلَاق، وَإِذا كَانَ الْحجر ذَا أَطْرَاف ثَلَاثَة وَمسح بِكُل مِنْهَا عمل بِالسنةِ (فَيمْنَع فِيهِ) أَي فِي الِاسْتِنْجَاء (الْمَعْنى الَّذِي شرع لَهُ) الْمسْح فِي الْوضُوء (وَهُوَ) أَي الْمَعْنى الْمَذْكُور (التَّطْهِير الْحكمِي) لِأَن الِاسْتِنْجَاء تَطْهِير حَقِيقِيّ (وَله) أَي التَّطْهِير الْحكمِي (لم يسن) التّكْرَار (لِأَنَّهُ) أَي التّكْرَار (لتأكيد التَّطْهِير الْمَعْقُول) الْمَعْنى، وَهُوَ إِزَالَة النَّجَاسَة الْحَقِيقِيَّة (لتحَقّق الْإِزَالَة) بالتكرار (وَهُوَ) أَي التَّطْهِير الْمَعْقُول ثَابت (فِي الِاسْتِنْجَاء) لِأَنَّهُ إِزَالَة للنَّجَاسَة (دونه) أَي لَيْسَ بِثَابِت فِي الرَّأْس (كَمَا) أَي كالكائن (فِي التَّيَمُّم) فَإِنَّهُ تَطْهِير حكمي غير مَعْقُول الْمَعْنى: وَلِهَذَا لم يشرع فِيهِ التّكْرَار. (و) ثَالِثهَا الْجَواب (بِمَنْع التَّخَلُّف) أَي تخلف الحكم عَن الْعلَّة فِي صُورَة النَّقْض وادعاء تحَققه فِيهَا (كَمَا إِذا نقض) الْمِثَال (الأول)
(4/143)

يَعْنِي الْوَصْف الْمَذْكُور فِيهِ، وَهُوَ خُرُوج النَّجس من الْبدن (بِالْجرْحِ السَّائِل) لصَاحب الْعذر بِأَن يُقَال الْجرْح الْمَذْكُور مَوْجُود فِيهِ مَعَ تخلف الحكم، وَهُوَ الْحَدث عَنهُ (فَيمْنَع كَونه) أَي الْخَارِج النَّجس فِي الْجرْح سَائِلًا (لَيْسَ حَدثا بل هُوَ) حدث: أَي مُوجب لَهُ (وَتَأَخر حكمه) الَّذِي هُوَ الْحَدث (إِلَى مَا بعد خُرُوج الْوَقْت) عِنْد أبي حنيفَة وَمن وَافقه (أَو) إِلَى (الْفَرَاغ) من الْمَكْتُوبَة وَمَا يتبعهَا من النَّوَافِل عِنْد الشَّافِعِي وَمن وَافقه، كَذَا ذكره الشَّارِح، وَفِيه أَن الشَّافِعِي لَا يَقُول بِالْحَدَثِ فِيمَا خرج من غير السَّبِيلَيْنِ (ضَرُورَة الْأَدَاء) عِلّة للتأخر فَإِنَّهُ مُخَاطب بأدائها، وَلَا قدرَة عَلَيْهِ إِلَّا بِسُقُوط حكم الْحَدث فِي هَذِه الْحَالة (وَلذَا) أَي وَلأَجل كَونه حَدثا تَأَخّر حكمه ضَرُورَة الْأَدَاء (لم يجز مَسحه) أَي مسح صَاحب الْجرْح السَّائِل (خفه إِذا لبسه فِي الْوَقْت مَعَ السيلان بعد خُرُوجه) أَي الْوَقْت، وَإِنَّمَا قَالَ بعد خُرُوجه لِأَنَّهُ يمسح فِي الْوَقْت كلما تَوَضَّأ لحَدث غير الَّذِي ابتلى بِهِ، وَقيد أَيْضا بمقارنة التَّلَبُّس للسيلان، لِأَن اللّبْس إِذا كَانَ على الِانْقِطَاع يمسح بعد الْوَقْت أَيْضا إِلَى تَمام الْمدَّة، وَإِذا كَانَ الْوضُوء مُقَارنًا للسيلان دون اللّبْس فَحكمه حكم مُقَارنَة اللّبْس للسيلان، وَإِنَّمَا لم يجز مَسحه فِيمَا ذكر بعد خُرُوج الْوَقْت، لِأَنَّهُ بِخُرُوج الْوَقْت يصير مُحدثا بِالْحَدَثِ السَّابِق، فَفِي حق الْمسْح بعد خُرُوج الْوَقْت يعْتَبر كَونه لابسا للخف على غير طَهَارَة، لِأَن ضَرُورَة اعْتِبَار سُقُوط حكم الْحَدث قد انْتَهَت بِخُرُوج الْوَقْت لما عرفت، وَحكم الْحَدث وَإِن ثَبت بعد خُرُوجه لكنه يسْتَند إِلَى السَّبَب، فَيعْتَبر من وَقت اللّبْس. (و) رَابِعهَا الْجَواب (بالغرض) أَي بِبَيَان الْغَرَض الْمَطْلُوب بِالتَّعْلِيلِ (فَيَقُول) الْمُسْتَدلّ (فِي) جَوَاب نقض (الْمِثَال) الْمَذْكُور (غرضي بِهَذَا التَّعْلِيل التَّسْوِيَة بَين الْخَارِج من السَّبِيل و) الْخَارِج من (غَيره فِي كَونهمَا حَدثا، و) كَونهمَا (إِذا لزما) أَي استمرا (صَارا عفوا) بِأَن يسْقط حكمهمَا ضَرُورَة توجه الْخطاب بأَدَاء الصَّلَاة (فَإِن الْبَوْل) الَّذِي هُوَ أصل (كَذَلِك) أَي إِذا اسْتمرّ صَار عفوا للمعنى الْمَذْكُور (فَوَجَبَ فِي الْفَرْع) أَي الْجرْح السَّائِل (مثله) أَي إِذا دَامَ صَار عفوا لما ذكر وَإِلَّا لزم مُخَالفَة الْفَرْع للْأَصْل (وَحَاصِل الثَّانِي) وَهُوَ الْجَواب بِمَنْع وجود الْمَعْنى إِلَى آخِره (الِاسْتِدْلَال على انتفائها) أَي الْعلَّة (إِذْ هِيَ) أَي الْعلَّة عِلّة (بمعناها لَا بِمُجَرَّد صورتهَا) فَلَا عِبْرَة بالصورة عِنْد انْتِفَاء الْمَعْنى (وَذكر الشَّافِعِيَّة من الاعتراضات) نقض الْحِكْمَة فَقَط) بِأَن تُوجد الْحِكْمَة فِي مَادَّة وَلم تُوجد الْعلَّة وَلَا الحكم (ويسمونه) أَي النَّقْض الْمَذْكُور (كسرا، وَتقدم) فِي المرصد الثَّانِي فِي شُرُوط الْعلَّة (الْخلاف فِي قبُوله) أَي قبُول هَذَا النَّقْض (وَأَن الْمُخْتَار) عِنْد الْأَكْثَر: وَمِنْهُم الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب (قبُوله عِنْد الْعلم برجحان) الْحِكْمَة (المنقوضة) بهَا فِي مَحل النَّقْض على الْمَذْكُورَة فِي الأَصْل، يَعْنِي إِذا
(4/144)

علم أَنه تحقق فِي مَحل النَّقْض فَرد من أَفْرَاد الْحِكْمَة رَاجِح على الْفَرد الْمَوْجُود فِي الأَصْل (أَو مساواتها) أَي مُسَاوَاة المنقوضة بهَا للمذكورة إِلَّا أَن شرع حكم آخر فِي مَحل النَّقْض أليق بالمنقوضة بهَا (وحققنا ثمَّة خِلَافه) أَي خلاف الْمُخْتَار، وَهُوَ أَن لَا يسمع وَإِن علم رُجْحَان المنقوضة بهَا لما ذكر هُنَاكَ فَارْجِع إِلَيْهِ (ثمَّ منع وجود الْعلَّة) يَعْنِي الْحِكْمَة (هُنَا) أَي فِي الْكسر (على تَقْدِير سَمَاعه) أَي الْكسر (أظهر مِنْهُ) أَي من منع وجودهَا فِي النَّقْض لِأَن قدر الْحِكْمَة يتَفَاوَت، فقد لَا يحصل مَا هُوَ منَاط الحكم مِنْهُ فِي الأَصْل (فِي) مَادَّة (النَّقْض) بِخِلَاف نفس الْوَصْف فَإِنَّهُ لَا يتَفَاوَت فيبعد أَن يخفى وجود الْعلَّة فِي مَادَّة النَّقْض على الناقض فيدعي وجودهَا، وتخلف الحكم بِخِلَاف الْحِكْمَة لما عرفت (خَامِسهَا) أَي خَامِس المنوع على عِلّة حكم الأَصْل (فَسَاد الْوَضع) وَلم يعرفهُ اكْتِفَاء بِمَا يفهم من بَيَان النِّسْبَة، وَهُوَ (أخص من فَسَاد الِاعْتِبَار من وَجه إِذْ قد يجْتَمع ثُبُوت اعْتِبَارهَا) أَي الْعلَّة (فِي نقيض الحكم) الَّذِي هُوَ فَسَاد الْوَضع (مَعَ مُعَارضَة نَص أَو إِجْمَاع) ومعارضة الْعلَّة لأَحَدهمَا هُوَ فَسَاد الِاعْتِبَار (وَلَا يخفى) الْأَمْرَانِ (الْآخرَانِ) اللَّذَان لَا بُد مِنْهُمَا فِي الْعُمُوم وَالْخُصُوص من وَجه بَينهمَا، يَعْنِي انْفِرَاد ثُبُوت اعْتِبَارهَا فِي نقيض الحكم عَن معارضتها لأَحَدهمَا وَعَكسه، وَقيل فَسَاد الْوَضع أخص مُطلقًا من فَسَاد الِاعْتِبَار وَقيل هما وَاحِد، وَنسب إِلَى أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ، وَمَا ذهب إِلَيْهِ المُصَنّف هُوَ الْوَجْه لما علله بِهِ (وَيُفَارق) فَسَاد الْوَضع (النَّقْض بتأثيره) أَي الْوَصْف فِي فَسَاد الْوَضع (فِي النقيض) أَي نقيض الحكم الَّذِي جعل عِلّة لَهُ، بِخِلَاف النَّقْض لِأَنَّهُ لَا تعرض فِيهِ لتأثير الْوَصْف فِيهِ، وَإِنَّمَا يثبت النقيض مَعَه سَوَاء كَانَ التَّأْثِير لَهُ أَو لغيره (و) يُفَارق (الْقلب بِكَوْنِهِ) أَي الْوَصْف فِي فَسَاد الْوَضع يثبت نقيض الحكم (بِأَصْل آخر) وَفِي الْقلب يثبت نقيض الحكم بِأَصْل الْمُسْتَدلّ (و) يُفَارق (الْقدح فِي الْمُنَاسبَة بمناسبته) أَي الْوَصْف والقدح فِي الْمُنَاسبَة (نقيضه) أَي الحكم (من حَيْثُ هُوَ كَذَلِك) يَعْنِي أَن يكون مناسبته الْوَصْف لنقيض الحكم من جِهَة ثُبُوته بِتِلْكَ الْجِهَة كَانَ مناسبا للْحكم، فَقَوله من حَيْثُ مُتَعَلق بمناسبته من جِهَته: أَي إِذا كَانَ، وَضمير هُوَ رَاجع إِلَى الْوَصْف مُبْتَدأ خَبره كَذَلِك، وَالْإِشَارَة إِلَى حَال الْوَصْف مَعَ الحكم بِاعْتِبَار الْمُنَاسبَة، وَذَلِكَ إِنَّمَا يتَحَقَّق (إِذا كَانَ من جِهَته) أَي إِذا كَانَت الْمُنَاسبَة للنقيض من جِهَة مُنَاسبَة الْوَصْف للْحكم، لَا من جِهَة أُخْرَى كمصلحة مترتبة عَلَيْهِ، وتذكير الضَّمِير فِي كَانَ بِتَأْوِيل التناسب (بِخِلَافِهِ) أَي بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ التناسب للنقيض (من غَيره) أَي من غير جِهَة تناسب للْحكم كَمَا (إِذا كَانَ لَهُ) أَي للوصف (جهتان) تناسب بأحداهما الحكم وبالأخرى
(4/145)

نقيضه (كَكَوْنِهِ) أَي الْمحل (مشتهى) للنفوس (يُنَاسب الْإِبَاحَة) كإباحة النِّكَاح (لدفع الْحَاجة) من قَضَاء الشَّهْوَة (و) يُنَاسب (التَّحْرِيم) على التَّأْبِيد (لقطع الطمع) إِذْ بِهِ يرفع الطمع المفضي إِلَى مُقَدمَات الْهم وَالنَّظَر المفضية إِلَى الْفُجُور، وَفِي الشَّرْح العضدي وَقد تخلص مِمَّا ذَكرْنَاهُ أَن ثُبُوت النقيض مَعَ الْوَصْف نقض، فَإِن زيد ثُبُوته بِهِ ففساد الْوَضع، وَأَن زيد كَونه بِهِ فِي أصل الْمُسْتَدلّ فَقلب، وَبِدُون ثُبُوته مَعَه فالمناسبة من جِهَة وَاحِدَة قدح فِيهَا وَمن جِهَتَيْنِ لَا، فَعلم أَن الْمُعْتَبر فِي فَسَاد الْوَضع ثُبُوت نقيض الحكم بِالْوَصْفِ بل مَعَ اعْتِبَار الشَّارِع ذَلِك، وَذَلِكَ يسْتَلْزم ثُبُوته مَعَه، وَفِي الْقدح عدم لُزُوم ثُبُوته مَعَه غير أَن الْوَصْف مُنَاسِب للنقيض من الْجِهَة الَّتِي زعم الْمُسْتَدلّ مُنَاسبَة للْحكم اعْتِبَارهَا (مِثَاله) أَي مِثَال فَسَاد الْوَضع أَن يُقَال فِي التَّيَمُّم (مسح فَيسنّ تكراره كالاستنجاء فَيرد) أَن يُقَال إِثْبَات التّكْرَار بِالْمَسْحِ فَاسد الْوَضع إِذْ الْمسْح (مُعْتَبر فِي كَرَاهَته) أَي التّكْرَار (كالخف) فَإِن تكْرَار الْمسْح عَلَيْهِ يكره إِجْمَاعًا (وَجَوَابه) أَي هَذَا الْمَنْع (بالمانع) أَي بِبَيَان وجود الْمَانِع (فِيهِ) أَي فِي الْخُف الَّذِي هُوَ أصل الْمُعْتَرض (فَسَاده) أَي فَسَاد الْخُف وتلافه بتكرار الْمسْح عَلَيْهِ، فَقَوله فَسَاده إِمَّا مجرور عطف بَيَان للمانع أَو مَرْفُوع خبر مَحْذُوف، وَهُوَ ضمير رَاجع إِلَى الْمَانِع (و) مِثَاله (للحنفية إِضَافَة الشَّافِعِي الْفرْقَة) بَين الزَّوْجَيْنِ إِذا أسلمت وأبى (إِلَى إِسْلَام الزَّوْجَة) فَإِن هَذِه الْإِضَافَة من فَسَاد الْوَضع (فَإِنَّهُ) أَي الْإِسْلَام (اعْتبر) شرعا (عَاصِمًا للحقوق) كَمَا يَقْتَضِيهِ الحَدِيث الصَّحِيح، وَقد ذكر فِي بحث التَّأْثِير (فَالْوَجْه) إضافتها (إِلَى آبَائِهِ) أَي امْتِنَاعه من الْإِسْلَام لِأَنَّهَا عُقُوبَة والامتناع مِنْهُ رَأس كل عُقُوبَة (وَكَقَوْلِه) أَي الشَّافِعِي فِي عِلّة تَحْرِيم الرِّبَا فِي الْحِنْطَة وَالشعِير وَالتَّمْر وَالْملح إِنَّهَا الطّعْم إِذْ (المطعوم ذُو خطر) أَي عزة وَشرف لكَونه قوام النُّفُوس وبقاءها (فيزاد فِيهِ) أَي فِي تملكه (شَرط التَّقَابُض) إِظْهَارًا للخطر كَالنِّكَاحِ الْمُوجب للاستيلاء على مَحل ذِي خطر فَإِنَّهُ شَرط فِيهِ زَائِد، وَهُوَ حُضُور الشُّهُود (فَيرد) أَن يُقَال (اعْتِبَار مساس الْحَاجة) إِلَى الشَّيْء إِنَّمَا يُنَاسب أَن يكون مؤثرا (فِي التَّوسعَة) وَالْإِطْلَاق فِي ذَلِك الشَّيْء، لَا فِي التَّضْيِيق وَالتَّقْيِيد بِالشّرطِ الزَّائِد، وَلذَا أحل الْميتَة عِنْد الِاضْطِرَار، وَلذَا جرت السّنة الإلهية بالتوسعة فِي المَاء والهواء وَنَحْوهمَا (سادسها) أَي المنوع على الْعلَّة (الْمُعَارضَة فِي الأَصْل) وَهِي (أَن يُبْدِي) الْمُعْتَرض (فِيهِ) أَي فِي الأَصْل (وَصفا آخر) غير مَا أبداه الْمُسْتَدلّ (صَالحا) للعلية (يحْتَمل أَنه الْعلَّة) وَعبارَة المُصَنّف هَذِه كَانَت وافية بأَدَاء الْمَقْصُود لِأَن الْمَجْمُوع الْمركب من وصف الْمُسْتَدلّ وَوصف الْمُعْتَرض يصدق عَلَيْهِ أَنه اثر وصف آخر غير أَنه قصد التَّوْضِيح فَقَالَ (أَو) أَنه (مَعَ وصف الْمُسْتَدلّ) الْعلَّة (فَالْأول) يَعْنِي مِثَال الأول، وَهُوَ إبداء وصف آخر وَحده (مُعَارضَة الطّعْم)
(4/146)

الْمُعَلل بِهِ فِي تَعْلِيل الْمُسْتَدلّ لحُرْمَة الرِّبَا فِي المنصوصات (بالقوت أَو الْكَيْل) جعله مِثَالا للْأولِ وَإِن احْتمل أَن يَجْعَل للثَّانِي أَيْضا بِأَن يَجْعَل الْمُعْتَرض الْعلَّة مَجْمُوع الطّعْم والقوت أَو الْكَيْل (وَالثَّانِي) وَهُوَ إبداء وصف مَعَ وصف الْمُسْتَدلّ للعلية (الْجَارِح للْقَتْل الْعدوان) أَي مُعَارضَة الْجَارِح للْقَتْل الْعدوان الْمُعَلل بِهِ فِي تَعْلِيل الْمُسْتَدلّ الْقصاص فِي المحدد (لنفي المثقل) كالحجر الْكَبِير مُتَعَلق بالمعارضة المفهومة، فَإِن الْمعَارض قصد بإبداء الْمَجْمُوع الْمركب من الْجَارِح وَالْقَتْل الْعدوان للعلية نفي وجوب الْقصاص فِي الْقَتْل بالمثقل لِانْعِدَامِ جُزْء الْعلَّة: وَهُوَ الْجَارِح فِيهِ (وَاخْتلف فِيهِ) أَي (فِي) هَذَا الْمَنْع فِي كل من (المذهبين) للحنفية وَالشَّافِعِيَّة من حَيْثُ الْقبُول وَعَدَمه (وَالْمُخْتَار للشَّافِعِيَّة قبُوله) أَي الْمَنْع الْمَذْكُور (لتَحكم الْمُسْتَدلّ) بِهِ (باستقلال وَصفه مَعَ صَلَاحِية) الْوَصْف (المبدي لَهُ) أَي للاستقلال: يَعْنِي يقبل من الْمُعْتَرض أَن يمْنَع علية وصف الْمُسْتَدلّ بإبداء وصف آخر لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يلْزم أَن يكون حكمه باستقلال وَصفه مَعَ كَون الْوَصْف الآخر مثله فِي صَلَاحِية الْعلَّة تحكما مَحْضا وَهُوَ بَاطِل، وَلَا شكّ فِي قبُول مَا تبين بطلَان التَّعْلِيل (وللجزئية) مَعْطُوف على قَوْله يَعْنِي وَكَذَا يلْزم تحكمه فِي دَعْوَى الِاسْتِقْلَال مَعَ صَلَاحِية المبدي للجزئية، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يجوز أَن يكون الْمُعْتَبر عِنْد الشَّارِع فِي الْعلية الْمَجْمُوع الْمركب من الوصفين كَمَا يجوز أَن يكون وصف الْمُسْتَدلّ من غير رُجْحَان لأَحَدهمَا على الآخر فَالْحكم بالاستقلال من الْمُسْتَدلّ تحكم (وَلَا يرجح) وصف الْمُسْتَدلّ من غير رُجْحَان لأَحَدهمَا على الآخر فَالْحكم بالاستقلال من الْمُسْتَدلّ على وصف الْمُعْتَرض وَهُوَ الْمَجْمُوع الْمركب (بالتوسعة) أَي بِسَبَب كَونه أوسع دَائِرَة لِأَن الْجُزْء الْأَعَمّ أَكثر وجودا من الْكل فَيتَحَقَّق الحكم مَعَه أَكثر مِمَّا يتَحَقَّق مَعَ الْكل، أَو الْمَعْنى لَا يرجح وصف الْمُسْتَدلّ سَوَاء كَانَ وصف الْمُعْتَرض مركبا من وصف الْمُسْتَدلّ أَو لَا بِسَبَب كَونه أَعم من الْوَصْف الآخر (لِأَنَّهُ) أَي حُصُول التَّوسعَة (مُرَجّح لما ثبتَتْ عليته) أَي إِذا ثبتَتْ علية وصف بِاعْتِبَار الشَّارِع مَعَ ثُبُوت علية وصف آخر وَكَانَ أَحدهمَا أوسع دَائِرَة من الآخر يرجح الأوسع لكَونه أَكثر إِثْبَاتًا للْحكم وَفِي نُسْخَة لما ثَبت اعْتِبَاره (وَالْكَلَام فِيهِ) فِي أصل ثُبُوت علية وصف الْمُسْتَدلّ، وَقيل ثُبُوتهَا لَا يرجح بِمَا هُوَ أَكثر إِثْبَاتًا لَهُ، لِأَن الأَصْل عَدمه. فَالْحَاصِل أَن الْأَحْوَط بعد ثُبُوت الْعلية اعْتِبَار الأوسع لِئَلَّا يفوت حكم اعْتَبرهُ الشَّارِع بِخِلَاف مَا قبله، فَإِن الأولى فِيهِ رِعَايَة الأَصْل فَتَأمل (وَلَو سلم) التَّرْجِيح بالتوسعة قبل ثُبُوت الْعلية (فمعارض) أَي فَهَذَا الْمُرَجح معَارض على صِيغَة الْمَجْهُول (بِمَا يرجح وصف الْمُعَارضَة) أَي الْوَصْف الْمَذْكُور فِي مقَام الْمُعَارضَة (وَهُوَ) أَي مَا يرجح وصفهَا (مُوَافقَة الأَصْل) وَهُوَ عدم الحكم (بالانتفاء) أَي بِانْتِفَاء الحكم (فِي الْفَرْع) اللَّازِم لوصف الْمُعَارضَة (و) الْمُخْتَار (للحنفية نَفْيه) أَي نفي قبُوله
(4/147)

(ويسمونها) أَي الْمُعَارضَة فِي الأَصْل (الْمُفَارقَة) إِشَارَة إِلَى مَا سَيَأْتِي من أَن سُؤال الْفرق إبداء خُصُوصِيَّة فِي الأَصْل هِيَ شَرط للوصف مَعَ بَيَان انتفائها فِي الْفَرْع أَو بَيَان مَانع من الحكم فِيهِ مَعَ انْتِفَاء ذَلِك الْمَانِع فِي الأَصْل فهما معارضان فِي الأَصْل وَالْفرع لِأَن ابداء شَرط فِي الأَصْل مُعَارضَة فِيهِ وَبَيَان وجوده فِي الْفَرْع مُعَارضَة فِيهِ، وَمن أَن الْمُعْتَرض إِن لم يتَعَرَّض لانْتِفَاء الشَّرْط فِي الْفَرْع لم يكن من الْفرق بل هُوَ مُعَارضَة فِي الأَصْل الْمُسَمّى مُفَارقَة عِنْد الْحَنَفِيَّة، وَلم يذكروه اكْتِفَاء بِذكر الْمُعَارضَة فِي الأَصْل، وَلَعَلَّ وَجه التَّسْمِيَة أَن بَيَان الخصوصية فِي الأَصْل ينْسب للمفارقة بَين الأَصْل وَالْفرع (فَإِن كَانَ صَحِيحا) اسْم كَانَ رَاجع إِلَى الْفرق الْمَفْهُوم فِي ضمن الْمُفَارقَة لِأَن إبداء الْوَصْف الآخر إِنَّمَا يقْصد بِهِ الْفرق بَين الأَصْل وَالْفرع، وَصِحَّته بِوُجُود دَلِيل على وجود الْفَارِق بَينهمَا فِي الْعلَّة الْمُعْتَبرَة فِي ذَلِك الحكم (فليجعل) الْفرق الْمَوْجُود فِي ضمن تِلْكَ الْمُفَارقَة (ممانعة) أَي فليورد فِي صُورَة الممانعة (ليقبل) من الْمُعْتَرض لِأَن الْمُفَارقَة من الأسئلة الْفَاسِدَة عِنْد الْجُمْهُور، وللممانعة أساس المناظرة، وَبهَا يعرف فقه الرجل (فَفِي إِعْتَاق عبد الرَّهْن) أَي إِعْتَاق الرَّاهِن العَبْد الْمَرْهُون إِذا قَالَ الشَّافِعِي بِبُطْلَانِهِ لِأَنَّهُ (تصرف لَاقَى حق الْمُرْتَهن) بالإبطال بِدُونِ رِضَاهُ (فَيبْطل) إِعْتَاقه (كَبَيْعِهِ) أَي لَا يبطل بيع الرَّاهِن الْمَرْهُون بِغَيْر إِذن الْمُرْتَهن (لَو قَالَ) الْحَنَفِيّ (هِيَ) أَي الْعلَّة (فِي الأَصْل) أَي البيع (كَونه) أَي البيع (يحْتَمل الرّفْع) بعد وُقُوعه فَلَا وَجه لِلْقَوْلِ بانعقاده وَهُوَ على شرف الِانْفِسَاخ من قبل الْمُرْتَهن، بِخِلَاف الْعتْق لكَونه لَا يحْتَمل الرّفْع (لم يقبل) جَوَاب لَو، لما ذكر من أَن الْمُخْتَار عِنْد الْحَنَفِيَّة عدم قبُول الْمُفَارقَة، وَذَلِكَ لِأَن السَّائِل لَيْسَ لَهُ ولَايَة الْفرق كَمَا سيشير إِلَيْهِ، غير أَن الْفرق هَهُنَا صَحِيح فليجعل ممانعة (فَلْيقل إِن ادعيت حكم الأَصْل) أَي إِن جعلت حكم الأَصْل، وَهُوَ البيع (الْبطلَان منعناه) أَي منعنَا كَونه حكم الأَصْل (أَو) ادعيت حكمه (التَّوَقُّف) على إجَازَة الْمُرْتَهن أَو قَضَاء دينه (فَغير حكمك) الَّذِي تُرِيدُ إثْبَاته (فِي الْفَرْع) وَهُوَ الْبطلَان (وَهَذَا) أَي كَون الْمُخْتَار عِنْد الْحَنَفِيَّة نفي قبُوله (لِأَنَّهُ غصب) لمنصب التَّعْلِيل، إِذْ السَّائِل مسترشد فِي موقف الْإِنْكَار فَإِن ادّعى شَيْئا آخر وقف موقف الدَّعْوَى بِخِلَاف الْمُعَارضَة فَإِنَّهَا تكون بعد تَمام الدَّلِيل والمعارض لَيْسَ فِي موقف الْإِنْكَار بل فِي موقف الِاسْتِدْلَال على خلاف مَا أَقَامَ عَلَيْهِ الْخصم (وَلَيْسَ) الْأَمر كَمَا قَالُوا من أَن إبداء وصف آخر غصبه (لِأَنَّهُ) أَي المبدي (لَا يسْتَدلّ عَلَيْهِ) أَي كَون الْوَصْف الآخر عِلّة (بل يجوز كَونه) أَي المبدي وَحده (الْعلَّة أَو) كَونه (مَعَ مَا ذكر) الْمُسْتَدلّ الْعلَّة. (وَحَاصِله) أَي حَاصِل سُؤَاله هَذَا (منع استقلاله) أَي اسْتِقْلَال وصف الْمُسْتَدلّ بالعلية (وتسميته مُعَارضَة تجوز لقَولهم) أَي الْأُصُولِيِّينَ (إِذا أطلقت) الْمُعَارضَة فِي بَاب الْقيَاس
(4/148)

(فَمَا فِي الْفَرْع) أَي فَالْمُرَاد الْمُعَارضَة فِي الْفَرْع (وَهَذِه) أَي الْمُعَارضَة فِي الأَصْل تذكر (بِقَيْد) هُوَ فِي الأَصْل، فَعلم أَن الْحَقِيقَة فِي إِطْلَاق لفظ الْمُعَارضَة مَا فِي الْفَرْع، فَإِذا اسْتعْمل فِي غَيره كَانَ تجوزا على طَرِيق الِاسْتِعَارَة (وَإِذا رد النَّقْض) الَّذِي هُوَ كَالصَّرِيحِ فِي الِاسْتِدْلَال (إِلَى الْمَنْع) كَمَا مر (فَهَذَا) أَي رد الْمُعَارضَة فِي الأَصْل إِلَى الْمَنْع (أولى) مِنْهُ فِي ذَلِك [وَفِي التَّلْوِيح] وَلَا يخفى أَنه نزاع جدلي يقصدون بِهِ عدم وُقُوع الْخبط فِي الْبَحْث وَإِلَّا فَهُوَ ساع فِي إِظْهَار الصَّوَاب. (قَالُوا) أَي الْحَنَفِيَّة (ولجواز علتين فِي الأَصْل تعدى) الحكم (بِكُل) مِنْهُمَا (إِلَى محلهَا) أَي إِلَى مَحل تِلْكَ الْعلَّة من موارد تحققها (فَعدم إِحْدَاهمَا) بِعَينهَا (فِي مَحل) تُوجد فِيهِ الْأُخْرَى (لَا يَنْفِي) كَون (الْأُخْرَى) عِلّة للْحكم فتعدى بهَا إِلَى مَحل آخر (وَهَذَا) الْوَجْه (يقْتَصر) فِي إفادته نفي الْقبُول (على مَا يجب فِيهِ) أَي على مَحل يجب فِيهِ (اسْتِقْلَال كل) من العلتين بِدَلِيل يُوجب ذَلِك (دون تَجْوِيز جزئيته) أَي جزئية كل مِنْهُمَا، لما كَانَ الِاسْتِقْلَال الْمُقَابل لتجويز الْجُزْئِيَّة يَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ: أَحدهمَا أَن يكون كل من المستقلين مجتمعا مَعَ الآخر، وَالثَّانِي بِخِلَافِهِ فَلَا تجمع علية أَحدهمَا مَعَ علية الآخر، وَعدم قبُول السُّؤَال فِي الأول دون الثَّانِي أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (فَالْحق) أَن يُقَال (أَن أجمع) أَي انْعَقَد الْإِجْمَاع (على أَنَّهَا) أَي الْعلَّة (فِي مَحل النزاع إِحْدَاهمَا) فَقَط: أَي عِلّة الْمُسْتَدلّ والمعترض اسْتِقْلَالا (كعلة الرِّبَا) فَإِنَّهُ أجمع على أَنَّهَا إِمَّا الْكَيْل وَالْوَزْن، أَو الطّعْم فِي المطعومات وَالثمن فِي الْأَثْمَان، أَو الاقتيات والادخار (قبل) هَذَا السُّؤَال (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يجمع على مَا ذكر (لَا) يقبل لجَوَاز أَن يكون كل مِنْهُمَا عِلّة اسْتِقْلَالا كَمَا ذكر. (وَقَوْلهمْ) أَي الشَّافِعِيَّة (بالاستقراء مبَاحث الصَّحَابَة جمع وَفرق) قَوْله مبَاحث الصَّحَابَة مُبْتَدأ خَبره جمع وَفرق: يَعْنِي جمع الْفَرْع مَعَ الأَصْل فِي الحكم بِمُوجب وصف مُشْتَرك بَينهمَا، وتمييز صُورَة عَن صُورَة أُخْرَى عِنْد توهم مشاركتهما فِي الحكم بِوَصْف مُشْتَرك بَينهمَا بِبَيَان فَارق يُفِيد عدم مشاركتهما فِي عِلّة الحكم، وَذَلِكَ بإبداء وصف مُغَاير لما توهم كَونه عِلّة فِي الصُّورَة الَّتِي ظن كَونهَا أصلا لصورته الْأُخْرَى، وَذَلِكَ إِجْمَاع على جَوَاز وصف فَارق غير مَوْجُود فِي الْفَرْع، وَقَوله بالاستقراء مُتَعَلق بِمَا يفهم من السِّيَاق تَقْدِيره علم بالاستقراء أَنه (لَا يمسهُ) خبر قَوْلهم وَالضَّمِير الْمَنْصُوب رَاجع إِلَى مطلبهم، وَهُوَ قبُول السُّؤَال الْمَذْكُور على الْعُمُوم (إِلَّا إِن نقلت) مباحثهم جمعا وفرقا (على) وَجه (الْعُمُوم) بِحَيْثُ ينْدَرج تحتهَا مبَاحث الْفرق فِي الْمُتَنَازع (وَلَا يُمكن) نقلهَا كَذَلِك لِأَن مَا نقل عَنْهُم مضبوط عِنْد أَئِمَّة النَّقْل وَلَيْسَ فِيهِ الْعُمُوم الْمَذْكُور (وعَلى) تَقْدِير (قبُولهَا) أَي الْمُعَارضَة فِي الأَصْل هَل يلْزم بَيَان انْتِفَاء المبدي فِي الْفَرْع؟ فِيهِ أَقْوَال: فأحدها نعم، إِذْ لَو لم ينتف فِيهِ لثبت مَطْلُوب الْمُسْتَدلّ، فثانيها لَا، لِأَن غَرَضه عدم اسْتِقْلَال وصف الْمُسْتَدلّ
(4/149)

وَهُوَ يحصل بِمُجَرَّد الإبداء (فثالثها) الَّذِي هُوَ (الْمُخْتَار لَا يلْزم بَيَان انتفائه) أَي الْوَصْف المبدي فِي الأَصْل (عَن الْفَرْع إِلَّا إِن ذكره) أَي الْمُعْتَرض انتفاءه فِي الْفَرْع فكلمة أَن شَرْطِيَّة أَو مَصْدَرِيَّة وَالْوَقْف مُقَدّر: أَي لَا يلْزم ذَلِك إِلَّا وَقت ذكره إِيَّاه، فَإِنَّهُ عِنْد ذَلِك يعلم أَن غَرَضه إِثْبَات انْتِفَاء الحكم فِي الْفَرْع، وَلَا شكّ أَنه حِينَئِذٍ لَا بُد من بَيَان انْتِفَاء الْوَصْف عَن الْفَرْع (لِأَن مَقْصُوده) أَي الْمُعْتَرض (لم ينْحَصر فِي صده) أَي صرف الْمُسْتَدلّ (عَن التَّعْلِيل) بِمَا ذكره من الْوَصْف (لينتفى لُزُومه) أَي لُزُوم بَيَان انْتِفَاء المبدي فِي الْفَرْع (مُطلقًا) أَي انْتِفَاء مُطلقًا يعم جَمِيع صور الْمعَارض فِي الأَصْل، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذا لم يكن مَقْصُود الْمُعْتَرض سوى صرف الْمُسْتَدلّ عَن وَصفه وَقد حصل ذَلِك بإبداء وصف آخر يحْتَمل الْعلية كَفاهُ ذَلِك فِي الصّرْف، فَذكر أَن هَذَا المبدي مُنْتَفٍ فِي الْفَرْع أَمر زَائِد على الْمَقْصُود غير مُحْتَاج إِلَيْهِ فِي صُورَة من الصُّور، إِذْ الْمَفْرُوض انحصار قَصده فِي الْجَمِيع فِي ذَلِك (وَلَا نفى حكمه) أَي وَلم ينْحَصر أَيْضا مَقْصُوده فِي نفي حكم الأَصْل (فِي الْفَرْع ليلزم) بَيَان انتفائه (مُطلقًا) أَي لُزُوما مُطلقًا يعم الصُّور كلهَا لِأَن الْمَقْصُود على هَذَا التَّقْدِير لَا يحصل إِلَّا بِبَيَان انتفائه فِيهِ (بل قد) يكون مَقْصُود الْمُعْتَرض الصد (وَقد) يكون نفي الحكم (فَإِذا ادَّعَاهُ) أَي الْمُعْتَرض نفي الحكم (لزمَه إثْبَاته) أَي إِثْبَات مَا ادَّعَاهُ لالتزامه ذَلِك وَإِن لم يجب عَلَيْهِ ابْتِدَاء (و) كَذَا الْمُخْتَار أَنه (لَا) يلْزم الْمُعْتَرض (ذكره) أَي أَن يذكر (أصلا) مُعْتَبرا من الشَّارِع (لوصفه) الَّذِي أبداه فِي الأَصْل تبين ذَلِك الأَصْل تَأْثِير فِي الحكم (كمعارضة الاقتيات بالطعم) أَي كَأَن يَقُول الْمُعْتَرض عَلَيْهِ حُرْمَة الرِّبَا فِي المنصوصات الطّعْم لَا الْقُوت (كَمَا فِي الْملح) الَّذِي هُوَ مِنْهَا وَهُوَ طعم وَلَيْسَ بقوت، ثمَّ علل عدم لُزُوم ذَلِك الأَصْل لوصف الْمُعْتَرض بقوله (لِأَنَّهُ لم يَدعه) أَي الْمُعْتَرض كَون وَصفه عِلّة حَتَّى يحْتَاج إِلَى شَهَادَة الأَصْل (إِنَّمَا جوز مَا ذكر) من كَون وَصفه عِلّة أَو جزءها (ليلزم) الْمُسْتَدلّ (التحكم) فِي جعله الْعلَّة وَصفه لَا وصف الْمُعْتَرض مَعَ تساويهما فِي صلوح الْعلية (وَأَيْضًا يَكْفِيهِ) أَي الْمُعْتَرض فِي وَصفه المبدي (أصل الْمُسْتَدلّ) إِذْ لَا بُد من وجود وَصفه فِيهِ (فَيَقُول) الْمُعْتَرض (جَازَ الطّعْم أَو الْكَيْل أَو هما) عِلّة (كَمَا فِي الْبر بِعَيْنِه وجوابها) أَي الْمُعَارضَة الْمَذْكُورَة من الْمُسْتَدلّ (على) تَقْدِير (الْقبُول) كَمَا هُوَ الْمُخْتَار للشَّافِعِيَّة (بِمَنْع وجوده) أَي الْوَصْف الْمعَارض بِهِ فِي الأَصْل كَأَن يَقُول لَا نسلم أَنه مَكِيل فِي زَمَانه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ الْمُعْتَبر (أَو) منع (تَأْثِيره) أَي الْوَصْف الْمعَارض بِهِ فِي الأَصْل (إِن كَانَ لم يُثبتهُ الْمُسْتَدلّ أَو أثْبته) بِمَا كَانَ يَقُول إِذْ أثْبته (بِمَا كَانَ) أَي بِأَيّ طَرِيق كَانَ، يَعْنِي بِمَنْع التَّأْثِير على الْإِطْلَاق سَوَاء كَانَ الْمُسْتَدلّ لم يثبت علية وَصفه أَو أثبت وعَلى تَقْدِير الْإِثْبَات سَوَاء أثبتها بالمناسبة أَو الشّبَه أَو غَيرهمَا، وَهَذَا رد لما فِي الشَّرْح العضدي
(4/150)

من أَن الْمُطَالبَة بِكَوْن الْوَصْف الْمعَارض مؤثرا بِأَن يُقَال للمعترض لم قلت أَن الْكَيْل يُؤثر إِنَّمَا يسمع من الْمُسْتَدلّ إِذا كَانَ مثبتا للعلية بالمناسبة أَو الشّبَه حَتَّى يحْتَاج الْمعَارض إِلَى بَيَان مُنَاسبَة أَو شبه، بِخِلَاف مَا إِذا أثْبته بالسبر فَإِن الْوَصْف يدْخل فِي السبر بِدُونِ ثُبُوت الْمُنَاسبَة بِمُجَرَّد الِاحْتِمَال، ثمَّ بَين ذَلِك بقوله (وَتَقْيِيد سَمَاعه) أَي سَماع منع التَّأْثِير وقبوله (من الْمُسْتَدلّ بِمَا إِذا كَانَ الْمُسْتَدلّ أثبت وَصفه) أَي عليته (بالمناسبة وَنَحْوهَا) أَي الشّبَه، وَقد مر الْفرق بَينهمَا وَحَاصِله أَن الأولى بِالنّظرِ إِلَى ذَات الْوَصْف، وَالْأُخْرَى بِالنّظرِ إِلَى الْخَارِج (لَا بالسبر وَنَحْوه تحكم) خبر الْمُبْتَدَأ (لِأَن ذَاك) إِشَارَة إِلَى مَا جعله الْمُسْتَدلّ عِلّة (وَصفه) أَي الْمُسْتَدلّ، (وَهَذَا) المبدي الْمعَارض بِهِ وصف (آخر مجوز) أَي جوزه الْمُعْتَرض (دَفعه) الْمُسْتَدلّ صفة مجوز (بِعَدَمِ التَّأْثِير، وَهُوَ) أَي عدم التَّأْثِير (عدم الْمُنَاسبَة عِنْدهم) أَي الشَّافِعِيَّة (فَيجب إثْبَاته) أَي التَّأْثِير على الْمُسْتَدلّ لِئَلَّا يُقَال لَهُ - {أتأمرون النَّاس بِالْبرِّ وتنسون أَنفسكُم} - (فبالمناسبة ظَاهر) أَي فَإِن أثبت التَّأْثِير بِبَيَان الْمُنَاسبَة فَالْأَمْر ظَاهر، إِذْ مُرَاد من يقبل عِنْده هَذَا السُّؤَال من التَّأْثِير الْمُنَاسبَة (وَكَذَا) إِن أثْبته (بالسبر، لِأَن مَا أَفَادَ الْعلية أَفَادَ الْمُنَاسبَة، إِذْ هِيَ) أَي الْمُنَاسبَة (لَازم الْعلَّة بِمَعْنى الْبَاعِث) فَمَا أَفَادَ الْمَلْزُوم أَفَادَ اللَّازِم (لَكِن لَا يلْزم إبداؤها) أَي الْمُنَاسبَة (فِي السبر وَنَحْوه، وَلذَا) أَي لما ذكر من لُزُوم الْمُنَاسبَة لمُطلق الْعلَّة عِلّة السبر (عورض المستبقى فِيهِ) أَي فِي السبر (لعدمها) أَي لعدم مُنَاسبَة المستبقى، وَقد عرفت أَن السبر عبارَة عَن حصر الْأَوْصَاف الَّتِي يحْتَمل كَونهَا عِلّة فِي عدد وإلغاء مَا عدا وَاحِد مِنْهَا وَهُوَ المستبقى، وَرُبمَا يُعَارض المستبقى بِوَصْف آخر يدعى الْمعَارض عليته وَأَنه الْمُنَاسب للْحكم دون المستبقى لعدم مناسبته، فلولا أَن الْمُنَاسبَة أَمر لَازم لِلْعِلَّةِ لما نفى الْعلية عَن المستبقى لعدمها، فقد علم أَن الْمشَار إِلَيْهِ بقوله كَذَا لُزُوم الْمُنَاسبَة، لَا عدم لُزُوم إبدائها كَمَا زعم الشَّارِح فَإِن قلت: لَعَلَّه أَرَادَ أَنه لَو كَانَ إبداؤها لَازِما لما عورض عَن المستبقى لعدمها، لِأَنَّهُ على تَقْدِير لُزُوم الإبداء لم يتْركهُ الْمُسْتَدلّ، وعَلى تَقْدِير إبدائها لَا وَجه للمعارضة لعدمها فِي المستبقى قلت على تَقْدِير الإبداء بِزَعْمِهِ: لَا يلْزم وجود الْمُنَاسبَة عِنْد الْمُعْتَرض فَافْهَم (وَقيل الْمَعْنى) للمستدل مُطَالبَة الْمُعْتَرض بِكَوْن وَصفه مؤثرا (إِذا كَانَ الْمُعْتَرض أثْبته) أَي أثبت كَون وَصفه عِلّة (بالمناسبة) لَا بالسبر كَمَا ذكره بعض شارحي الْمُخْتَصر (وَهُوَ خبط، إِذْ بِفَرْض إثْبَاته بهَا) أَي الْمُنَاسبَة (كَيفَ يمْنَع) الْمُسْتَدلّ (التَّأْثِير، وَهُوَ) أَي التَّأْثِير (هِيَ) أَي الْمُنَاسبَة. لَا يُقَال لم لَا يجوز أَن يحمل التَّأْثِير على مَا هُوَ مصطلح الشَّافِعِيَّة (إِذْ لَا يُمكن حمله على اصطلاحهم فِيهِ) أَي فِي التَّأْثِير (وَهُوَ كَون الْعين فِي الْعين) أَي كَون عين الْوَصْف مُعْتَبرا فِي عين الحكم شرعا (بِالنَّصِّ أَو الْإِجْمَاع، إِذْ لَا يتَعَيَّن) إِثْبَات
(4/151)

الْمُعْتَرض كَون الْوَصْف عِلّة بِهَذَا الْوَجْه (عَلَيْهِ) أَي الْمُعْتَرض (بعد إثْبَاته) أَي إِثْبَات كَون الْوَصْف عِلّة (بطرِيق صَحِيح هِيَ الْمُنَاسبَة بِالْفَرْضِ) أَي على مَا هُوَ الْمَفْرُوض فِيمَا نَحن فِيهِ (نعم) يتَعَيَّن إِثْبَات التَّأْثِير الْحَنَفِيّ (لَو كَانَ الْمُعْتَرض حنفيا فَإِن الْمُنَاسبَة لَا تَسْتَلْزِم الِاعْتِبَار عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة كَمَا تقدم (فالتأثير عِنْدهم شَرط مَعَ الْمُنَاسبَة، وَهُوَ) أَي التَّأْثِير عِنْدهم (إِن ثَبت اعْتِبَار جنس الْمُنَاسبَة إِلَى آخر الْأَقْسَام) الْمَذْكُورَة فِي بحث التَّأْثِير (وَلَا يَصح) مِمَّن أثبت وَصفه بالسبر مستدلا كَانَ أَو مُعْتَرضًا التَّرْجِيح، هَذِه عبارَة الشَّارِح فِي حل هَذَا الْمحل، جعله كلَاما مُبْتَدأ فِي بَيَان تَرْجِيح وصف على آخر، وَلم يَجعله من تَتِمَّة مُعَارضَة المستبقى فِي السبر الْمَذْكُورَة آنِفا وَلم يدر أَنه لَا يساعده آخر الْكَلَام، إِذْ حَاصله أَن هَذَا التَّرْجِيح لَا يُفِيد مَعَ عدم شَرط الْعلَّة وَهُوَ الْمُنَاسبَة فَيجب أَن يكون عدم الْمُنَاسبَة لَازِما لعِلَّة الْخصم فَتعين كَونه تَتِمَّة مَا ذكرُوا، وَالتَّقْدِير وَلَا يَصح من الْمُسْتَدلّ الفاقد وَصفه الْمُنَاسبَة تَعديَة وَصفه (بترجيح السبر) أَي بترجيح الْوَصْف الثَّابِت عليته بالسبر على الثَّابِت عليته بِغَيْرِهِ (لتعرضه) أَي السبر (لنفي غَيره) من الْأَوْصَاف المحتملة للعلية (و) لَا (بِكَثْرَة الْفَائِدَة) المترتبة على علته بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَتَرَتَّب على علية الآخر (لِأَن ذَلِك) أَي الْمُرَجح الْمَذْكُور إِنَّمَا يعْتَبر بِهِ (بعد ظُهُور شَرطه) أَي شَرط وصف السبر، وَهُوَ مُنَاسبَة المستبقى (أَو عدم ظُهُور عَدمه) أَي عدم الشَّرْط لجَوَاز خَفَاء الْمُنَاسبَة لما عرفت: من أَنه لَا يلْزم إبداء الْمُنَاسبَة فِي السبر (أما مَعَ ظُهُوره) أَي ظُهُور عدم الشَّرْط (فَلَا) يتَرَجَّح السبر (إِذْ لَا يُفِيد) السبر (مَعَ عدم الشَّرْط) الْمُعْتَبر فِي مُطلق الْعلَّة (وَهُوَ) أَي عدم الشَّرْط (الْمُعْتَرض بِهِ) لما عرفت من أَن مدَار مُعَارضَة المستبقى إِنَّمَا كَانَ على عدم الْمُنَاسبَة (أَو بَيَان خفائه) أَي خَفَاء الْوَصْف الْمعَارض بِهِ مَعْطُوف على منع وجوده، وَكَذَا (أَو عدم انضباطه) أَي الْوَصْف الْمَذْكُور (أَو منع ظُهُوره أَو) منع (انضباطه) فَإِن كل وَاحِد من الْمَذْكُورَات منَاف لعلية الْوَصْف الْمعَارض بِهِ لما علم فِي شُرُوط الْعلَّة فَلَا يُعَارض بِهِ عِنْد تحقق شَيْء مِنْهَا (أَو أَنه) أَي الْوَصْف الْمعَارض بِهِ لَيْسَ وجوديا، بل هُوَ (عدم معَارض فِي الْفَرْع) والعدم لَا يكون عِلّة وَلَا جُزْءا مِنْهَا فِي الحكم الثبوتي على مَا هُوَ الْمُخْتَار (كالمكره) أَي كقياس الْقَاتِل الْمُضْطَر إِلَى الْقَتْل (على الْمُخْتَار) أَي الْقَاتِل بِاخْتِيَارِهِ (فِي) وجوب (الْقصاص بِجَامِع الْقَتْل فيعارض بِأَنَّهَا) أَي الْعلَّة فِي حكم الْقصاص (هُوَ) أَي الْقَتْل (مَعَ الطواعية) لِأَنَّهَا مُنَاسبَة لَا يُجَاب الْقصاص لَا الْقَتْل الْمُطلق الَّذِي يعم الْإِكْرَاه (فيجيب) الْمُسْتَدلّ (بِأَنَّهَا) أَي الطواعية (عدم الْإِكْرَاه لَا الْإِكْرَاه الْمُنَاسب لنقيض الحكم) أَي عدم الْقصاص، فحاصله عدم معَارض، وَعدم الْمعَارض طرد لَا يصلح للتَّعْلِيل، لِأَنَّهُ لَيْسَ من الْبَاعِث فِي شَيْء، كَذَا فِي الشَّرْح العضدي: وَذَلِكَ أَن
(4/152)

عدم الْمعَارض من قبيل عدم الْمَانِع، لَا من جَانب الْمُقْتَضى الَّذِي هُوَ الْعلَّة، وَهَذَا لَا غُبَار عَلَيْهِ، لَكِن قَوْله أَنَّهَا عدم الْإِكْرَاه لَا الْإِكْرَاه يُفِيد بِظَاهِرِهِ أَنَّهَا لَو كَانَت عين الْإِكْرَاه لناسبت الحكم وَلَا معنى لَهُ كَمَا لَا يخفى. ثمَّ وَصفه الْإِكْرَاه بمناسبة نقيض الحكم مدافعة، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ وَالله تَعَالَى أعلم أَن الطواعية إِنَّمَا هُوَ لعدم الْمُضَاف إِلَى الْإِكْرَاه، وَلَا مُنَاسبَة بَين هَذَا الْعَدَم وَالْحكم أصلا وَلَيْسَت هِيَ الْإِكْرَاه الَّذِي فِيهِ مُنَاسبَة فِي الْجُمْلَة، على أَنه لَو كَانَت عين الْإِكْرَاه أَيْضا لما أَفَادَهُ، بل آخِره، لِأَن مُنَاسبَة الْإِكْرَاه إِنَّمَا هِيَ بِالنّظرِ إِلَى نقيض الحكم، وَفِيه مَا فِيهِ (أَو بإلغائه) أَي الْوَصْف إِلَى آخِره، إِمَّا مُطلقًا فِي جنس الْأَحْكَام كالطول وَالْقصر، أَو فِي حكم الْمُعَلل بِهِ كالذكورة فِي الْعتْق (باستقلال وَصفه) أَي بِسَبَب اسْتِقْلَال وصف الْمُسْتَدلّ بالعلية (بِنَصّ أَو إِجْمَاع كلا تَبِيعُوا الطَّعَام) بِالطَّعَامِ إِلَّا سَوَاء بِسَوَاء (فِي مُعَارضَة الطّعْم) أَي كجواب الْمُسْتَدلّ على أَن عِلّة الرِّبَا الطّعْم المعترضة بمعارضته (بِالْكَيْلِ) لِأَن النَّص دلّ على اعْتِبَار الطّعْم فِي صُورَة مَا، وَهُوَ هَذَا الحَدِيث، فَإِن اعْتِبَار الحكم مُرَتبا على وصف مشْعر بالعلية (وَمن بدل دينه فَاقْتُلُوهُ عِنْد مُعَارضَة مطلقه) يَعْنِي إِذا علل الْمُسْتَدلّ الْقَتْل بِمُطلق تَبْدِيل الدّين ففرع عَلَيْهِ قتل الْيَهُودِيّ إِذا تنصر وَعَكسه إِلَّا أَن يسلم لتحَقّق مَا طلق التبديل فعورض (بتبديل الْإِيمَان بالْكفْر) يَعْنِي فَيَقُول الْمُعْتَرض لَيْسَ الْعلَّة بِمُطلق التبديل، بل تَبْدِيل الْإِيمَان بالْكفْر: وعَلى هَذَا فَالْمُرَاد بِهِ دين الْإِسْلَام، غير أَن الْعلَّة مُطلق التبديل فَألْحق الْيَهُودِيّ إِذا تنصر بِالْمُسلمِ الْمُبدل دينه لاشْتِرَاكهمَا فِي التبديل الْمُطلق (وَلَو قَالَ) الْمُسْتَدلّ (عَم) التبديل الْمَذْكُور فِي الحَدِيث (فِي كل تَبْدِيل) سَوَاء كَانَ تَبْدِيل دين الْحق بباطل أَو بَاطِل بباطل (كَانَ) هَذَا القَوْل (شَيْئا آخر) وَدَعوى حكم كلي شَرْعِي غير مستنبط من الحَدِيث الْمَذْكُور، فَإِن الْمُعَارضَة الْمَذْكُورَة دافعة لهَذَا الاستنباط، فَيكون حِينَئِذٍ إثْبَاته بِالنَّصِّ لَا بِالْقِيَاسِ فَلَا يسمع مِنْهُ هَذَا (وَلَيْسَ مِنْهُ) أَي من الإلغاء المقبول (انْفِرَاد الحكم عَنهُ) أَي عَن الْوَصْف المبدي للمعترض (لعدم) اشْتِرَاط (الْعَكْس) فِي الْعلَّة على مَا هُوَ الْمُخْتَار، وَقد مر تَفْصِيله فِي الشُّرُوط فِي الشَّرْح العضدي رُبمَا يظنّ أَن إِثْبَات الحكم فِي صُورَة دون وصف الْمعَارض كَاف فِي إلغائه، وَالْحق أَنه لَيْسَ بكاف لجَوَاز وجود عِلّة أُخْرَى لما تقدم من جَوَاز تعدد الْعلَّة وَعدم وجوب الْعَكْس (لَكِن يتم) بِبَيَان انْفِرَاد الحكم عَن الْوَصْف الْمعَارض بِهِ (اسْتِقْلَال وصف الْمُسْتَدلّ) إِذْ لَو لم يسْتَقلّ لم يتَحَقَّق الحكم مَعَه فِي صُورَة الِانْفِرَاد الْمَذْكُور (ولكونه) أَي انْفِرَاد الحكم عَنهُ (لَيْسَ إِلْغَاء) لَهُ (لَا يُفِيد إبداء الْخلف) أَي إبداء وصف آخر يخلف الْوَصْف الْمعَارض بِهِ فِي صُورَة انْفِرَاد الحكم عَنهُ (من الْمُعْتَرض) لَا يُفِيد دفع الإلغاء لِأَنَّهُ فرع ثُبُوته، وَإِنَّمَا فَائِدَته نفي اسْتِقْلَال وصف
(4/153)

الْمُسْتَدلّ (وَهُوَ) أَي إبداء الْخلف من الْمُعْتَرض بعد بَيَان الْمُسْتَدلّ انْفِرَاد الحكم عَن الْوَصْف الْمعَارض بِهِ لِئَلَّا يكون وصف الْمُسْتَدلّ مُسْتقِلّا (تعدد الْوَضع) أَي يُسمى بِهِ لتَعَدد أصل الوضعين أَحدهمَا الْمعَارض بِهِ أَولا. وَالثَّانِي الْخلف المبدي وَالتَّعْلِيل فِي أَحدهمَا بِالْبَاقِي بعد المبدي على وضع: أَي مَعَ قيد، وَفِي الآخر على وضع مَعَ قيد آخر كَمَا سَيظْهر فِي الْمِثَال (نَحْو) أَن يُقَال فِي صِحَة أَمَان العَبْد الْمُسلم الْعَاقِل الْحَرْبِيّ (أَمَان) صادر (من مُسلم عَاقل، فَيقبل كَالْحرِّ) أَي كأمان الْحر الْمُسلم الْعَاقِل (لِأَنَّهُمَا) أَي الْإِسْلَام وَالْعقل (مظنتان للِاحْتِيَاط للأمان) أَي للِاحْتِيَاط فِي مصلحَة الْأمان: أَي بذل الْأمان وَجعله آمنا (فيعترض بِاعْتِبَار) وصف (الْحُرِّيَّة مَعَهُمَا) أَي الْإِسْلَام وَالْعقل فِي الْعلية (لِأَنَّهَا) أَي الْحُرِّيَّة (مَظَنَّة التفرغ) للنَّظَر فِي مصلحَة الْإِيمَان لعدم الِاشْتِغَال بِخِدْمَة الْمولى (فنظره) أَي الْحر (أكمل) من نظر العَبْد (فيلغيها) أَي الْمُسْتَدلّ الْحُرِّيَّة (بالمأذون لَهُ فِي الْقِتَال) أَي باستقلال الْإِسْلَام وَالْعقل بالأمان فِي العَبْد الْمَأْذُون لَهُ فِي قتال الْكفَّار فَإِن لَهُ الْأمان اتِّفَاقًا (فَيَقُول) الْمُعْتَرض (الْإِذْن) أَي إِذن السَّيِّد لَهُ فِيهِ (خلفهَا) أَي الْحُرِّيَّة (لدلالته) أَي الْإِذْن (على علم السَّيِّد بصلاحه) لإِظْهَار مصَالح الْأمان (فالباقي) أَي الْإِسْلَام وَالْعقل (عِلّة) لصِحَّة الْأمان حَال كَونه (على وضع: أَي قيد الْحُرِّيَّة) فالعلة الْمَجْمُوع (و) أَيْضا عِلّة لَهُ على وضع (آخر) أَي قيد (الْإِذْن وَجَوَابه) أَي جَوَاب تعدد الْوَضع (أَن يلغي) أَي الْمُسْتَدلّ ذَلِك (الْخلف) بِصُورَة فِيهَا وصف الْمُسْتَدلّ مَعَ الحكم، و (لَيْسَ) ذَلِك الْخلف (فِيهَا، فَإِن أبدى) الْمُعْتَرض (فِيهَا) أَي فِي الصُّورَة المبتدأة (خلفا) آخر (فَكَذَلِك) أَي فَالْجَوَاب بالإلغاء بِصُورَة أُخْرَى، والاعتراض بإبداء الْخلف يسْتَمر على المنوال الْمَذْكُور (إِلَى أَن يقف أَحدهمَا) أما الْمُسْتَدلّ لعَجزه عَن الإلغاء، أَو الْمُعْتَرض لعَجزه عَن الْخلف (وَلَا يلغي) أَي وَلَا يتَحَقَّق الإلغاء من الْمُسْتَدلّ للوصف الْمعَارض بِهِ (بِضعْف الْحِكْمَة إِن سلم) الْمُسْتَدلّ (المظنة) أَي وجود المظنة المتضمنة لتِلْك الْحِكْمَة (كالردة عِلّة الْقَتْل) وَقِيَاس الْمُرْتَدَّة على الْمُرْتَد بِوُجُوب الْقَتْل (فَيُقَال) على سَبِيل الِاعْتِرَاض، بل (مَعَ الرجولية، لِأَنَّهُ) أَي الارتداد مَعهَا (المظنة لقِتَال الْمُسلمين) إِذْ يعْتَاد ذَلِك من الرِّجَال دون النِّسَاء (فيلغيه) أَي الْمُسْتَدلّ كَون المظنة لذَلِك (بمقطوع الْيَدَيْنِ) بِضعْف الْحِكْمَة فِيهِ مَعَ أَنه يقتل اتِّفَاقًا إِذا ارْتَدَّ: فَهَذَا (لَا يقبل) من الْمُسْتَدلّ (بعد تَسْلِيم كَون الرجولية مَظَنَّة) اعتبرها الشَّرْع فيدار الحكم عَلَيْهَا وَلَا يلْتَفت إِلَى ضعف حكمتها فِي بعض الصُّور كسفر الْملك المرفه لَا يمْنَع التَّرَخُّص (وَلَا يُفِيد تَرْجِيح الْمُسْتَدلّ وَصفه) على وصف الْمُعْتَرض (بِشَيْء) من وُجُوه التَّرْجِيح فِي جَوَاب الْمُعَارضَة خلافًا للآمدي (لِأَن الْمُفِيد) فِي ذَلِك (تَرْجِيح أَوْلَوِيَّة
(4/154)

اسْتِقْلَال وَصفه، وَهُوَ) أَي ترجيحها (مُنْتَفٍ مَعَ احْتِمَال الْجُزْئِيَّة) أَي جزئية وصف الْمُعَارضَة من الْعلَّة مَعَ وصف الْمُسْتَدلّ (أَو يدعى) أَي إِلَّا أَن يدعى (الْمُعْتَرض اسْتِقْلَال وَصفه) فَإِنَّهُ يُفِيد تَرْجِيح الْمُسْتَدلّ وصف نَفسه (وَأما أَن) الْعلَّة (المتعدية لَا ترجح) على القاصرة (لمعارضة (مُوَافقَة الأَصْل) أَي لكَون القاصرة مُعَارضَة للمتعدية بِأَنَّهَا مُوَافقَة للْأَصْل الَّذِي هُوَ عدم الْأَحْكَام كَمَا أُشير إِلَيْهِ فِي الشَّرْح العضدي (فَلَا) يَصح، بل المستقل الْمُتَعَدِّي رَاجِح على المستقل الْقَاصِر. (وَاخْتلف فِي) جَوَاز (تعدد الْأُصُول) أَي الْأُصُول الْمَقِيس عَلَيْهَا (فَقيل لَا) يجوز (لِأَن) الأَصْل (الزَّائِد لَا يحْتَاج إِلَيْهِ) لِأَن الْمَقْصُود قد حصل بِالْوَاحِدِ (وَيدْفَع) هَذَا (بِثُبُوت الْحَاجة) إِلَى الزَّائِد (لزِيَادَة الْقُوَّة) إِلَيْهِ نَفسه، وبالنظر إِلَى الْخصم فِي مقَام المناظرة فِي الظَّن بالعلية. (وَالْوَجْه الآخر، وَهُوَ تأديه) أَي جَوَاز تعدد الْأُصُول (إِلَى الانتشار وَزِيَادَة الْخبط يَدْفَعهُ) أَي يدْفع الدّفع الْمَذْكُور (لِأَن مَعَه) أَي مَعَ تأديه إِلَى مَا ذكر (يبعد الظَّن فضلا عَن زِيَادَته) أَي زِيَادَة الظَّن (فاختيار جَوَازه) أَي التَّعَدُّد (مُطلقًا) بِالنّظرِ إِلَى نَفسه وبالنظر إِلَى الْخصم فِي مقَام المناظرة كَمَا ذهب إِلَيْهِ ابْن الْحَاجِب (لَيْسَ بِذَاكَ) الْقوي (بل) الْوَجْه جَوَاز (فِي نظره لنَفسِهِ) لانْتِفَاء الانتشار (لَا) فِي (المناظرة) لتأديه إِلَى الانتشار (وعَلى الْجَوَاز) أَي جَوَاز تعددها (اخْتلف فِي اقْتِصَار الْمعَارض على أَحدهَا) أَي الْأُصُول (فالمجيز) لاقتصاره على أَحدهَا قَالَ (إبِْطَال جُزْء من كَلَامه) أَي الْمُسْتَدلّ (إِبْطَاله) أَي كَلَامه من حَيْثُ هُوَ مَجْمُوع (وملزم إبِْطَال الْكل) وَهُوَ من يَقُول لابد من إبِْطَال كل وَاحِد من أصُول الْمُسْتَدلّ قَالَ (إِذا سلم لَهُ) أَي الْمُسْتَدلّ (أصل) وَاحِد (كَفاهُ) فِي مَطْلُوبه (وَمحله) أَي مَحل هَذَا القَوْل (اتِّحَاد الْوَصْف دون تعدده) أَي وصف الْمُسْتَدلّ، بَيَانه: أَي الأَصْل إِذا تعدد يحْتَمل أَن يكون الْوَصْف أَيْضا مُتَعَددًا، وَيحْتَمل أَن يكون متحدا، فعلى الأول لَا وَجه للْخلاف فِي عدم لُزُوم إبِْطَال الْكل، لِأَن تعدد وصف الْقيَاس يسْتَلْزم تعدده لِأَنَّهُ المناط فِيهِ، وَإِبْطَال أحد الوصفين إبِْطَال لأحد القياسين، وَإِبْطَال أحد القياسين بِدُونِ إبِْطَال الآخر إِلْزَام تَامّ، وعَلى الثَّانِي أَيْضا لَا وَجه للْخلاف فِي لُزُوم إبِْطَال الْكل، لِأَن اتِّحَاد الْوَصْف يسْتَلْزم اتِّحَاد الْقيَاس، وَالْقِيَاس الْوَاحِد إِذا سلم لَهُ أصل وَاحِد يَكْفِي فِي إِثْبَات الْمطلب، فَلَا بُد من إبِْطَال الْكل لتحَقّق الْإِلْزَام، فَيلْزم إبِْطَال الْكل قَوْله مَبْنِيّ على اتِّحَاد الْوَصْف والمجيز للاقتصار على تعدده، فمورد نفي لُزُوم إبِْطَال الْكل غير مورد إثْبَاته فَلَا خلاف بَين الْفَرِيقَيْنِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَلَا يتلاقيان) أَي النَّفْي وَالْإِثْبَات فِي مَحل وَاحِد. وَالشَّارِح فسر اتِّحَاد الْوَصْف الْمعَارض بِهِ وَلَو لم يذكر لَهُ وَجها وَلَا وَجه لَهُ، غير أَنه ذكر الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ أَن اللازمين إبِْطَال الْكل اخْتلفُوا فِي وجوب
(4/155)

اتِّحَاد الْوَصْف الْمعَارض بِهِ فِي الْجَمِيع (فَنظر) الْقَائِل (الأول) وَهُوَ مجيز الِاقْتِصَار على أَحدهَا (إِلَى أَنه) أَي الْمُسْتَدلّ (الْتزم صِحَة الْإِلْحَاق) أَي إِلْحَاق الْفَرْع (بِكُل) من الْأُصُول (وَعجز عَنهُ) أَي عَن الْإِلْحَاق بِكُل (فَبَطل) بالتزامه (و) الْقَائِل (الآخر) يَقُول (الْمَقْصُود إثْبَاته) أَي الحكم (فِي الْفَرْع، ويكفيه) أَي الْمُسْتَدلّ (مَا سلم) لَهُ: أَي من الْأُصُول بِشَيْء من الْأَجْوِبَة الْمَذْكُورَة من الْأُصُول فَلَا بُد من مُعَارضَة الْكل لِئَلَّا يسلم لَهُ شَيْء من الْأُصُول (وَفِي مُعَارضَة الْكل) أَي جَمِيع الْأُصُول (لَو أجَاب) الْمُسْتَدلّ (عَن) مُعَارضَة (أَحدهَا) أَي الْأُصُول بِشَيْء من الْأَجْوِبَة الْمَذْكُورَة (فالقولان) أَي فالثابت على ذَلِك التَّقْدِير الْقَوْلَانِ الْمَذْكُورَان: أَي ينظر أَحدهمَا أَنه (لَا بُد أَن يدْفع) الْمُسْتَدلّ (عَمَّا الْتَزمهُ) وَهُوَ الْكل فَلَا يَكْفِيهِ الْجَواب عَن أَحدهمَا، فَقَط وَهُوَ نَظِير القَوْل الأول. وَالثَّانِي أَنه (يَكْفِيهِ) أَي الْمُسْتَدلّ أصل (وَاحِد) من تِلْكَ الْأُصُول، وَقد سلم لَهُ بعد الْجَواب عَن معارضته، وَهَذَا نَظِير القَوْل الثَّانِي كَمَا لَا يخفى (وَأما سُؤال التَّرْكِيب فَتقدم فِي الشُّرُوط) لحكم الأَصْل. وَحَاصِله الْمَنْع إِمَّا لعلية عِلّة حكم الأَصْل أَو لوجودها أَو لحكم الأَصْل فَهُوَ مندرج فِي المنوع الْمَذْكُورَة (و) أما (سُؤال التَّرْجِيح بالتعدية) فمثاله قَول الْمُسْتَدلّ بكر فَيجْبر كالصغيرة (فيعارض الْبكارَة المتعدية إِلَى الْبَالِغَة بالصغر) مُتَعَلق بيعارض (الْمُتَعَدِّي إِلَى الثّيّب) الصَّغِيرَة الْمُنَاسب للإجبار (ليتساويا) فِي التَّعْدِيَة: تَقْدِير الْكَلَام، وَأما سُؤال التَّرْجِيح بالتعدية فمثاله فِي مسئلة إِجْبَار الْبكر الْبَالِغَة قِيَاسا على الْبكر الصَّغِيرَة بتعليل حكم الأَصْل بالبكارة المتعدية إِلَى الْبَالِغَة دون الصَّغِيرَة، ويعارض الْبكارَة (ومرجعه) أَي هَذَا السُّؤَال (إِلَى الْمُعَارضَة فِي الأَصْل بِمَا يُسَاوِي الْأُخْرَى فِي التَّعْدِيَة) لِئَلَّا يتَرَجَّح وصف الْمُسْتَدلّ بتعديته (وَلَا تَرْجِيح بِزِيَادَة التَّعْدِيَة) الثَّابِت ثَابت (للحنفية، بِخِلَاف أَصْلهَا) أَي أصل التَّعْدِيَة فَإِن التَّرْجِيح بِهِ ثَابت عِنْدهم أَيْضا فَلَيْسَ هَذَا السُّؤَال مُسْتقِلّا بل هُوَ مندرج فِيمَا ذكر (وَإِذ لم يقبلُوا) أَي الْحَنَفِيَّة (الْمُعَارضَة فِي الأَصْل لم يذكرُوا سُؤال اخْتِلَاف جنس الْمصلحَة) فِي الأَصْل وَالْفرع بعد اتِّحَاد الضَّابِط فيهمَا (كإيلاج محرم) أَي كَأَن يَقُول الْمُسْتَدلّ للحد باللواط هُوَ إيلاج فِي فرج محرم مشتهي طبعا (فَيحد بِهِ كَالزِّنَا فَيَقُول) الْمُعْتَرض (الْمصلحَة مُخْتَلفَة فِي تحريمهما) أَي اللواط وَالزِّنَا (فَفِي الزِّنَا اخْتِلَاط النّسَب المفضي إِلَى عدم تعهد الْوَلَد، وَهُوَ) أَي عدم تعهد الْوَلَد (قتل معنى، وَفِي اللواط دفع رذيلته) وهما متفاوتان فِي نظر الشَّرْع، فَقِيَاس أَحدهمَا على الآخر قِيَاس مَعَ الْفَارِق (لِأَنَّهُ) أَي السُّؤَال الْمَذْكُور (هِيَ) أَي الْمُعَارضَة فِي الأَصْل فَلم يفردوه بِالذكر، وَإِنَّمَا قُلْنَا أَنه هِيَ (إِذْ حَاصله) أَي قَول الْمُعْتَرض (الْعلَّة) فِي الأَصْل (شَيْء آخر) وَهُوَ كَونه مُوجبا لاختلاط النّسَب (مَعَ مَا ذكرت)
(4/156)

من قَوْلك إيلاج محرم (وَلذَا) أَي وَلكَون معارضته فِي الأَصْل (كَانَ جَوَابه) أَي السُّؤَال الْمَذْكُور (جوابها) أَي الْمُعَارضَة الْمَذْكُورَة (بإلغاء الخصوصية) المبتدأة فِي الأَصْل لبَيَان الِاخْتِلَاف (بطريقه) أَي الإلغاء (مَعَ أَنه) أَي السُّؤَال الْمَذْكُور بِاعْتِبَار منشئه (ينْدَرج فِي) عُمُوم (معنى الشُّرُوط) للفرع، إِذْ مِنْهَا مساواته الأَصْل فِيمَا علل، وَهِي منتفية هَهُنَا. (الثَّالِث) من مُقَدمَات الْقيَاس الْمَذْكُورَة، وَهُوَ ثُبُوت الْعلَّة فِي الْفَرْع (عَلَيْهِ سؤالان: الأول منع وجودهَا) أَي الْعلَّة (فِي الْفَرْع كَقَوْل الْحَنَفِيَّة فِي قَوْلهم) أَي الشَّافِعِيَّة (بيع التفاحة) أَي الْوَاحِدَة (بثنتين بيع مطعوم بمطعوم مجازفة فَلَا يَصح كصبرة) أَي كَبيع صبرَة (بصبرتين) ومقول قَول الْحَنَفِيَّة (يمْنَع وجوده) أَي وَصفه (فِي الْفَرْع لِأَن المجازفة بِاعْتِبَار الْكَيْل) إِذْ لَا يُقَال بَاعه مجازفة إِلَّا فِي شَيْء يعْتَاد بَيْعه بِالْكَيْلِ (وَهُوَ) أَي الْكَيْل (مُنْتَفٍ فِيهِ) أَي فِي التفاح (وَيرد) على هَذَا الْمَنْع (أَنَّهَا بِاعْتِبَار الْمُقدر) يَعْنِي أَن المجازفة إِنَّمَا تطلق عرفا بِاعْتِبَار الْقدر المجازف فِيهِ (كَيْلا ووزنا) لَا كَيْلا فَقَط: وَذَلِكَ بِحَسب اعْتِبَار الشَّرْع (فالإلحاق) للفرع بالأصلين الْمَذْكُورين (بِاعْتِبَار) الْقدر (الْأَعَمّ) من الْكَيْل وَالْوَزْن فَالْحَاصِل أَن الْعلَّة فِي الأَصْل المجازفة الْمُطلقَة الَّتِي تتَحَقَّق فِي ضمن كل مِنْهُمَا، فَلَا يَصح منع وجود الْوَصْف المناط للْحكم (فَإِنَّمَا يدْفع هَذَا) الْإِيرَاد (بانتفائها) أَي الْكَيْل وَالْوَزْن مَعًا فِي التفاح (لِأَنَّهُ) أَي التفاح (عددي، وَهُوَ) أَي كَونه عدديا (مَوْقُوف على أَنه) أَي التفاح (كَذَلِك) أَي عدديا (فِي زَمَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن فِي زَمَنه عدديا (فالعادة) أَي فَالْعِبْرَة بِمَا هُوَ الْعرف فِي بَيْعه من وزن وَغَيره (وَهِي) أَي الْعَادة (مُخْتَلفَة فِيهِ) أَي فِي التفاح بِاعْتِبَار الْبلدَانِ (و) كَمَا (لمُحَمد فِي إِيدَاع الصَّبِي) غير الْمَأْذُون مَالا غير الرَّقِيق، من أَنه لَا يضمن إِذا أتْلفه، لِأَن مَالِكه (سلطه على استهلاكه) والاستهلاك إِذا كَانَ من قبل الْمَالِك لَا يُوجب الضَّمَان كَمَا إِذا أتْلفه بِنَفسِهِ، وَقد سبق بَيَانه (فيمنعان) أَي أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف (أَنه) أَي إيداعه (تسليط) على اتلافه، وَقيل أَبُو حنيفَة مَعَ مُحَمَّد (و) كَمَا (للشَّافِعِيَّة فِي) صِحَة أَمَان العَبْد) من أَنه (أَمَان) صادر (من أَهله) وَهُوَ الْمُسلم الْعَاقِل (فَيعْتَبر كالمأذون لَهُ فِي الْقِتَال فَيمْنَع أَهْلِيَّته) أَي العَبْد (لَهُ) أَي للأمان (وَجَوَابه) أَي هَذَا السُّؤَال (بِبَيَان وجوده) أَي الْوَصْف (بعقل أَو حس أَو شرع) على مَا هُوَ طَرِيق الْإِثْبَات فِي مثله (وَيزِيد الْمُسْتَدلّ هُنَا) أَي فِي الْفَرْع الْمَذْكُور (بَيَان مُرَاده بالأهلية، وَهُوَ) أَي مُرَاده (كَونه) أَي الْمُؤمن (مَظَنَّة لرعاية مصْلحَته) أَي الْأمان بِالنّظرِ إِلَى الْمُسلمين (وَهُوَ) كَونه مَظَنَّة لذَلِك ثَابت (بِإِسْلَامِهِ وبلوغه، وَلَو زَاد الْمُعْتَرض بَيَان الْأَهْلِيَّة) بِاعْتِبَار قيد زَائِد على مَا هُوَ مُرَاد الْمُسْتَدلّ (ليظْهر
(4/157)

انتفاؤها) أَي الْعلَّة فِي الْفَرْع. (فالمختار لَا يُمكن) أَي فَفِيهِ خلاف، وَالْمُخْتَار أَنه لَا يُمكن من ذَلِك (إِذْ هُوَ) أَي بَيَان المُرَاد (وَظِيفَة الْمُتَكَلّم بِهِ) أَي بِاللَّفْظِ الْمُحْتَاج إِلَى الْبَيَان، لِأَنَّهُ الْعَالم بمراده فيتولى تعْيين مَا ادَّعَاهُ (دفعا لنشر الْجِدَال) بالانتقال والاشتغال بالسؤال. (الثَّانِي) من السؤالين (الْمُعَارضَة فِي الْفَرْع بِمَا يقتضى نقيض الحكم) أَي حكم الْمُسْتَدلّ (فِيهِ) أَي فِي الْفَرْع (وَهِي) أَي الْمُعَارضَة فِي الْفَرْع بِأَن يَقُول مَا ذكرته من الْوَصْف، وَإِن اقْتضى ثُبُوت الحكم فِي الْفَرْع فعندي وصف آخر يَقْتَضِي نقيضه، فَيتَوَقَّف دليلك، وَهِي (الْمُعَارضَة إِذا أطلقت) أَي إِذْ أطلق لفظ الْمُعَارضَة فِي بَاب الْقيَاس، وَلم يُقيد بِقَيْد ككونها فِي الأَصْل وَغَيره لَا يتَبَادَر مِنْهُ إِلَّا هَذِه الْمَذْكُورَة: وَهَذَا عَلامَة كَونه حَقِيقَة فِيهِ كَمَا سيشير إِلَيْهِ (وَلَا بُد لَهُ) أَي لما يَقْتَضِي نقيض الحكم فِيهِ (من أصل) ثَابت عَلَيْهِ الحكم الَّذِي هُوَ نقيض الحكم الأول: أَي هَذِه الْمُعَارضَة (فَهِيَ مُعَارضَة قياسين، وَلذَا) أَي ولكونها مُعَارضَة قياسين (كَانَت) (الْحَقِيقَة) أَي حَقِيقَة لفظ الْمُعَارضَة الْمُطلقَة، والحقيقة كَمَا تطلق على اللَّفْظ تطلق على الْمثنى (وَله) أَي للمعترض (إِثْبَات) علية (وَصفه بمسلكه، وَللْآخر) أَي الْمُسْتَدلّ (اعتراضه) أَي الِاعْتِرَاض على الْمُعْتَرض (بِمَا يعْتَرض بِهِ على الْمُسْتَدلّ فينقلبان) أَي فَيصير الْمُعْتَرض مستدلا والمستدل مُعْتَرضًا (وَهُوَ) أَي انقلابهما لانقلاب التناظر (وَجه منع مانعها) أَي وَجه نفي قبُول الْقَائِل بِنَفْي سَماع هَذِه الْمُعَارضَة لِأَنَّهُ خُرُوج مِمَّا قصداه من معرفَة صِحَة نظر الْمُسْتَدلّ إِلَى آخِره، وَهُوَ معرفَة صِحَة نظر الْمُعْتَرض (وَدفع بِأَن) الانقلاب (الْمُمْتَنع أَن يثبت) الْمُعْتَرض (مُقْتَضى دَلِيله) بِأَن يكون مقْصده إِثْبَات مُقْتَضَاهُ (وَهَذَا) السُّؤَال لَيْسَ كَذَلِك بل هُوَ (لهدمه) أَي دَلِيل الْمُسْتَدلّ (بنقيضه) أَي بِمَا يُنَافِي دَلِيل الْمُسْتَدلّ لكَونه مُفِيدا خلاف مُقْتَضَاهُ (بعد تَمَامه) أَي بعد تَمام دَلِيل الْمُسْتَدلّ بِمَعْنى عدم التَّعَرُّض لمقدماته، لَا بِمَعْنى تَسْلِيم مُوجبه (فَالْمَعْنى تَمام دليلك) فِي نفس الْأَمر أَيهَا الْمُسْتَدلّ (مَوْقُوف على هدم هَذَا) الَّذِي عارضت بِهِ من دليلي، وَاخْتلف فِي الْجَواب عَن الْمُعَارضَة بالوجوه الْمَذْكُورَة فِي تَرْجِيح الْقيَاس عِنْد الْعَجز عَن الْقدح فِيهَا (وَالْمُخْتَار قبُول التَّرْجِيح بِمَا تقدم) فِي تَرْجِيح الْقيَاس (وَلَا خلاف فِيهِ) أَي فِي قبُول التَّرْجِيح فِيهِ (عِنْد الْحَنَفِيَّة لِأَن وجوب الْعَمَل بعد الْمُعَارضَة) بِمُوجب أحد الدَّلِيلَيْنِ (مَوْقُوف عَلَيْهِ) أَي التَّرْجِيح (وَقيل لَا) يقبل التَّرْجِيح (لتعذر الْعلم بتساوي الظنين) إِذْ لَا ميزَان توزن بِهِ الظنون وَلَا معيار تعرف بِهِ مراتبها (وَالتَّرْجِيح فَرعه) أَي تساويهما (وَهَذَا) الْكَلَام على تَقْدِير صِحَّته (يبطل التَّرْجِيح مُطلقًا وَدلَالَة الْإِجْمَاع عَلَيْهِ) أَي التَّرْجِيح للْإِجْمَاع على وجوب الْعَمَل بالراجح (يُبطلهُ) أَي يبطل إبِْطَال التَّرْجِيح مُطلقًا (وعَلى الْمُخْتَار) من قبُول التَّرْجِيح اخْتلف فِي وجوب
(4/158)

الْإِيمَاء إِلَى التَّرْجِيح فِي أثْنَاء الدَّلِيل وَالْمُخْتَار أَنه (لَا تجب الْإِشَارَة إِلَيْهِ) أَي التَّرْجِيح (على الْمُسْتَدلّ لِأَنَّهُ) أَي التَّرْجِيح على الْمُسْتَدلّ (لَيْسَ) جُزْءا (مِنْهُ) أَي الدَّلِيل لدلالته على الْمَطْلُوب مَعَ قطع النّظر عَنهُ (وَتوقف الْعَمَل عَلَيْهِ) أَي التَّرْجِيح (عِنْد ظُهُور الْمُعَارضَة شَرط) أَي مَشْرُوط (مُعَلّق على شَرط) وَهُوَ ظُهُور الْمُعَارضَة (وَالْوَجْه لُزُومه) أَي لُزُوم ذكر التَّرْجِيح (فِي الْعَمَل) أَي عمل الْمُسْتَدلّ (لنَفسِهِ) مُتَعَلق باللزوم أَو بِالْعَمَلِ تَأْكِيدًا لما يفهم ضمنا من الْعَمَل (لَا) فِي (المناظرة) لعدم الِاحْتِيَاج إِلَيْهِ فِيهَا، إِذْ الْمَقْصُود مِنْهَا الْهدم من جَانب الْمعَارض، وَهُوَ حَاصِل بِدُونِ التَّرْجِيح لِأَنَّهُمَا إِذا تَعَارضا تساقطا، وَأما الْمُسْتَدلّ فَقبل الْمُعَارضَة خَالِي البال عَن دَلِيل الْمعَارض وَبعد الْمُعَارضَة إِن أَرَادَ إِلْزَام الْمُعَارضَة كَانَ ذَلِك مناظرة أُخْرَى فَتَأمل (وَأما مَا ذكر الشَّافِعِيَّة من سُؤال اخْتِلَاف الضَّابِط) أَي الْوَصْف الْمُشْتَمل على الْحِكْمَة الْمَقْصُودَة فِي الأَصْل وَالْفرع (أَن يجمع بمشترك بَين علتين) فَقَوله أَن يجمع إِلَى آخِره بَيَان لمحل السُّؤَال الْمَذْكُور وَبَين ظرف للسؤال بِتَقْدِير الْوَقْت فَهُوَ الْجمع بَين علتين بِوَصْف مُشْتَرك بَينهمَا وَقَوله (كشهود الزُّور تسببوا فِي الْقَتْل فيقتص) مِنْهُم (كالمكره) لغيره على الْقَتْل تَمْثِيل للْجمع الْمَذْكُور، فَإِن الْإِكْرَاه وَالْإِشْهَاد عِلَّتَانِ للْقصَاص وَالْوَصْف الْمُشْتَرك بَينهمَا التَّسَبُّب فِي الْقَتْل، وتصوير السُّؤَال مَا أَفَادَهُ بقوله (فَيُقَال الضَّابِط فِي الأَصْل) وَهُوَ الْمُكْره على الْقَتْل (الْإِكْرَاه، وَفِي الْفَرْع) وَهُوَ شُهُود الزُّور (الشَّهَادَة وَلم يثبت اعْتِبَار تساويهما) أَي الضابطين (مصلحَة) تَمْيِيز عَن النِّسْبَة الإضافية فِي تساويهما: أَي لم يثبت اعْتِبَار تَسَاوِي مصلحتي الضابطين (شرعا) أَي ثبوتا شَرْعِيًّا فَلَيْسَتْ المسئلة الْحَاصِلَة بقتل شَاهِدي الزُّور مُسَاوِيَة للْمصْلحَة الْحَاصِلَة بقتل الْمُكْره (ليقْتل) شَاهد الزُّور (بِالشَّهَادَةِ) قِيَاسا على الْمُكْره، وَإِذ قد عرفت أَن السُّؤَال الْمَذْكُور مُتَضَمّن إِجْمَالا لجَمِيع مَا ذكر من قَوْله أَن يجمع إِلَى هُنَا، فَلَو جعلت هَذَا القَوْل عطف بَيَان لَهُ لَكَانَ حسنا فَإِن قلت الْعلَّة فِي قِيَاس شُهُود الزُّور على الْمُكْره لَيْسَ إِلَّا التَّسَبُّب فِي الْقَتْل فَمَا معنى كَون الْإِكْرَاه وَالشَّهَادَة علتين؟. قلت التَّسَبُّب مَفْهُوم كلي وهما فرداه المتحققان فِي الأَصْل وَالْفرع، وفرد الشَّيْء متجد مَعَه فِي الْوُجُود وَعليَّة الْمَفْهُوم الْكُلِّي إِنَّمَا يكون باعتبارها ويتحقق فِي ضمنه، بل نقُول من قبيل إِطْلَاق الْعلَّة على الضَّابِط لكَونه منَاط الْعلية (وَجَوَابه) أَي الْمُسْتَدلّ من هَذَا السُّؤَال (إِمَّا بِأَن الضَّابِط) فِي الأَصْل وَالْفرع إِنَّمَا هُوَ (التَّسَبُّب) الْمُطلق، وَهُوَ (منضبط عرفا) وَإِن لم يكن منضبطا بِحَسب الْمَفْهُوم اللّغَوِيّ، فَإِن المُرَاد بِهِ فِي الْعرف مَا يَصح أَن يُضَاف إِلَيْهِ الْقَتْل لكَمَال نسبته لَهُ (على قِيَاس مَا تقدم) فِي مسئلة حكم الْقيَاس الثُّبُوت فِي الْفَرْع (من الْقيَاس لِلْعِلَّةِ) بَيَان لما تقدم فِي مَبْحَث الْقيَاس لَهَا (لمن مَنعه) أَي منع الْقيَاس لإِثْبَات علية الْعلَّة المجوز إثْبَاته بِالْعِلَّةِ
(4/159)

الثَّابِتَة عليتها بِالْقِيَاسِ، وَالْمَانِع يَقُول للمجوز: لَا بُد لَك من منَاط مُشْتَرك بَين العلتين حَتَّى تقيس إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى، فَإِنِّي أجعَل ذَلِك المناط عِلّة لحكم الأَصْل بدل الْعلَّة الَّتِي جَعلتهَا مقيسا عَلَيْهَا، فَكَذَا يَقُول الْمُجيب فِيمَا نَحن فِيهِ أجعَل الْعلَّة فِي قِيَاس الْمَشْهُود على الْمُكْره التَّسَبُّب (وَجعل الْمُشْتَرك) الْمَعْلُوم عرفا فِي الأَصْل وَالْفرع (علته أَو بِأَن إفضاءه) أَو إفضاء مَا فِي الْفَرْع من الضَّابِط إِلَى الحكم (مثله) أَي مثل إفضاء مَا فِي الأَصْل من الضَّابِط إِلَيْهِ (أَو أرجح) مَعْطُوف على مثله أَي إفضاء مَا فِي الْفَرْع أرجح وَأقوى مِمَّا فِي الأَصْل، فثبوت الحكم فِي الْفَرْع إِمَّا بطرِيق المناولة أَو بطرِيق أولى (فِيمَا لَو جعل أَصله) أَي أصل هَذَا الْفَرْع (إغراء الْحَيَوَان) وحثه على قتل نفس، فَقيل يجب الْقصاص على الشَّاهِد زورا بإغرائه أَوْلِيَاء الْمَقْتُول على الْقَتْل قِيَاسا على إغراء الْحَيَوَان عَلَيْهِ (فَإِن الشَّهَادَة أفْضى إِلَى الْقَتْل مِنْهُ) أَي من إغراء الْحَيَوَان فَإِن انبعاث أَوْلِيَاء الْمَقْتُول على قتل من شهدُوا عَلَيْهِ طلبا للتشفي وثلج الصَّدْر بالانتقام أغلب من انبعاث الْحَيَوَان على قتل من يغرى عَلَيْهِ لنفرته عَن الْآدَمِيّ وَعدم علمه بالإغراء. وَفِي الشَّرْح العضدي وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يضر اخْتِلَاف أُصَلِّي التَّسَبُّب، وَهُوَ كَونه شَهَادَة وإغراء. فَإِن حَاصله قِيَاس التَّسَبُّب بِالشَّهَادَةِ على التَّسَبُّب بالإغراء، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وكونهما) أَي الأَصْل وَالْفرع فِي الْقيَاس الْمَذْكُور (التَّسَبُّب بِالشَّهَادَةِ) قِيَاسا (على التَّسَبُّب بالإغراء بِلَا جَامع) فَهُوَ غير موجه (بل) الموجه فِيهَا أَن يُقَال (الشَّهَادَة) قِيَاسا (على الْإِكْرَاه أَو الإغراء أَو الشَّاهِد على الْمُكْره بالتسبب) أَي بِجَامِع التَّسَبُّب فِي كل من القياسين (أَو) يُجَاب (بإلغاء التَّفَاوُت) بَين ضابطي الأَصْل وَالْفرع فِي الْمصلحَة (إِذا أثْبته) أَي الْمُعْتَرض التَّفَاوُت بَينهمَا (فِي خصوصه) مُتَعَلق بإلغاء التَّفَاوُت: أَي تبين فِي خُصُوص ذَلِك الْمحل الَّذِي أورد فِيهِ السُّؤَال الْمَذْكُور أَن التَّفَاوُت الْمُثبت بَينهمَا ملغى كَأَن يَقُول لَا تفَاوت فِي الْقصاص بِالْقَتْلِ بِقطع الْأُنْمُلَة المفضية إِلَى الْمَوْت وَالْقَتْل بِضَرْب الرَّقَبَة وَإِن كَانَ ضرب لرقبة أَشد إفضاء إِلَى الْمَوْت (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يبين الْمُعْتَرض التَّفَاوُت فِي خصوصه (لم يفد) الإلغاء لجَوَاز تحَققه فِي غير الْمُتَنَازع (فَلم تذكره الْحَنَفِيَّة لرجوعه إِلَى الْمُعَارضَة فِي الأَصْل) جَوَاز أما فِي قَوْله وَأما مَا ذكره الشَّافِعِيَّة (وسؤال الْقلب مندرج فِي الْمُعَارضَة) لِأَنَّهَا إِقَامَة الدَّلِيل على خلاف مَا أَقَامَ عَلَيْهِ الْمُسْتَدلّ، وَكَذَا الْقلب إِلَّا أَن فِيهِ خُصُوصِيَّة كَون الأَصْل وَالْجَامِع مُشْتَركا بَين قياسي الْمُسْتَدلّ والمعارض (وَكَلَام الْحَنَفِيَّة) مُبْتَدأ خَبره (الْمُعَارضَة) إِلَى آخِره، يَعْنِي كَلَامهم فِي تَحْقِيق هَذَا الْمقَام هُوَ قَوْلهم الْمُعَارضَة إِلَى آخر الْبَحْث (نَوْعَانِ) الأول (مُعَارضَة فِيهَا مناقضة، وَهِي) أَي الَّتِي فِيهَا مناقضة (الْقلب) وتستغرق تَفْسِيره عِنْدهم، ثمَّ أَخذ يبين مَا يُطلق عَلَيْهِ لفظ الْقلب لُغَة من الْمَعْنيين ليجعل كل وَاحِد مِنْهُمَا منشأ لتسمية نوع من مَعْنَاهُ
(4/160)

الاصطلاحي بقوله (وَيُقَال) الْقلب (لجعل الْأَعْلَى أَسْفَل) والأسفل أَعلَى (وَمِنْه) أَي من جعل الْأَعْلَى أَسْفَل (جعل الْمَعْلُول عِلّة، وَقَلبه) أَي جعل الْعلَّة معلولا (فَإِن الْعلَّة) بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَعْلُول (أَعلَى للأصلية) أَي لكَونهَا أصلا فِي الْإِثْبَات والمعلول فرعا لَهَا فِيهِ، فتبديلها كجعل الْإِنَاء منكوسا (وَإِنَّمَا يُمكن) هَذَا النَّوْع من الْقلب (فِي التَّعْلِيل بِحكم) أَي فِيمَا إِذا علل حكم الأَصْل بِحكم آخر شَرْعِي، ثمَّ يعدي إِلَى الْفَرْع: وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يتَصَوَّر إِلَّا فِي شَيْء لَهُ حيثيتان: الْعلية والمعلولية، وَالْحكم الشَّرْعِيّ إِذا كَانَ عِلّة لمثله فَهُوَ عِلّة بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، ومعلول من حَيْثُ إِنَّه لَا بُد فِي كل حكم شَرْعِي من عِلّة، وَمثل هَذَا لَا يتَصَوَّر فِي التَّعْلِيل بِالْوَصْفِ الْمَحْض، لِأَنَّهُ لَا يصير حكما بِوَجْه، والمعلولية مَوْقُوفَة على كَونه حكما، كَذَا قَالُوا (كالكفار يجلد بكرهم). قَالَ الشَّافِعِي: الْإِسْلَام لَيْسَ بِشَرْط الْإِحْصَان حَتَّى لَو زنى الذِّمِّيّ الْحر الْبَالِغ الَّذِي وطئ امْرَأَة فِي الْقبل بِنِكَاح صَحِيح يرْجم، لِأَن الْكفَّار جنس يجلد بكرهم مائَة إِذا كَانَ حرا (فيرجم ثيبهم كالمسلمين) أَي كَمَا أَن الْمُسلمين الْأَحْرَار الْبَالِغين الْعُقَلَاء الواطئين لامْرَأَة فِي الْقبل بِنِكَاح صَحِيح يرجمون، لِأَنَّهُ يجلد بكرهم مائَة، فَجعل جلد الْبكر مائَة عِلّة لوُجُوب رجم الثّيّب فِي الْمُسلمين، وقاس الْكفَّار عَلَيْهِم بِهَذَا الْجَامِع، وَهُوَ حكم شَرْعِي، وَالْبكْر وَالثَّيِّب يطلقان على الذّكر وَالْأُنْثَى (فَيَقُول) الْمُعْتَرض الْحَنَفِيّ لَا نسلم أَن الْمُسلمين إِنَّمَا يرْجم ثيبهم، لِأَنَّهُ يجلد بكرهم بل (إِنَّمَا يجلد بكر الْمُسلمين)، لِأَنَّهُ يرْجم ثيبهم) فَلَا يلْزم رجم الذِّمِّيّ الْمَذْكُور إِذا زنا ثَيِّبًا (فَحَيْثُ جعل) الْمُعْتَرض (الْعلَّة) أَي الَّذِي جعله الشَّافِعِي عِلّة فِي الأَصْل، وَهُوَ جلد الْمِائَة (حكما) فِيهِ، وَمَا جعله حكما فِيهِ رجم الثّيّب عِلّة فِيهِ (لَزِمَهَا) أَي لزم الْعلَّة المجعولة حكما (النَّقْض) لتخلف الحكم عَنْهَا حِينَئِذٍ لِأَنَّهَا صَارَت بِنَفسِهَا حكما وصارما كَانَ حكما مترتبا عَلَيْهَا عِلّة مُتَقَدّمَة عَلَيْهَا، والمتقدم على الشَّيْء لَا يكون حكما لَهُ فَلَزِمَ تخلف الحكم عَنهُ، وَفِيه أَنه لَا يرد على الشَّافِعِي إِلَّا بحث وَاحِد، وَهُوَ إِنَّمَا جعلته عِلّة لَيْسَ بعلة، وَبعد هَذَا لَا يرد عَلَيْهِ النَّقْض، لِأَن النَّقْض فرع الْعلية، وَقد تقدّمت (وَهُوَ) أَي هَذَا الَّذِي ذكرنَا (قَوْلهم) أَي معنى قَول الْحَنَفِيَّة مُعَارضَة (فِيهَا مناقضة) وَقد سبق أَن الْحَنَفِيَّة يسمون النَّقْض مناقضة، وَإِطْلَاق الْمُعَارضَة عَلَيْهِ من حَيْثُ أَن الْقلب قَابل تَعْلِيل الْمُعَلل بتعليل يلْزم مِنْهُ بُطْلَانه، ثمَّ يلْزم مِنْهُ بطلَان حكمه، لَا بِمَعْنى إِقَامَة الدَّلِيل على خلاف مَا أَقَامَ بِهِ علية الْخصم، فَهُوَ من قبيل إِطْلَاق اسْم الْمَلْزُوم على اللَّازِم، فَلَا يرد شَيْء مِمَّا أطنبوا فِيهِ (والاحتراس عَنهُ) أَي عَن هَذَا الْقلب حَتَّى لَا يُنَافِي إِيرَاده (جعله) أَي الْكَلَام (اسْتِدْلَالا) بِأَن لَا يُعلل أحد الْحكمَيْنِ بِالْآخرِ، بل يسْتَدلّ بِثُبُوت أَحدهمَا على ثُبُوت الآخر، إِذْ لَا امْتنَاع فِي الِاسْتِدْلَال
(4/161)

بِوُجُود الْمَعْلُول على وجود الْعلَّة كَمَا يُقَال هَذَا متعفن الإخلاط لِأَنَّهُ مَحْمُوم (وَهُوَ) أَي الاحتراس عَنهُ بِهَذَا الطَّرِيق إِنَّمَا يتم (إِذا ثَبت التلازم) بَين الْحكمَيْنِ: أَي اللُّزُوم من الْجَانِبَيْنِ (شرعا) أَي ثبوتا شَرْعِيًّا (كالتوءمين) أَي المولودين فِي بطن وَاحِد (فِي الْحُرِّيَّة وَالرّق وَالنّسب) فَإِنَّهُ يثبت حُرْمَة الأَصْل لأَحَدهمَا بثبوتها للْآخر، وَهَكَذَا: أَي الرّقّ وَالنّسب (و) يُقَال (لجعل الظّهْر بَطنا) والبطن ظهرا كقلب الجراب (وَمِنْه) أَي من هَذَا النَّوْع من الْقلب (جعل وَصفه) أَي الْمُسْتَدلّ (شَاهدا) أَي حجَّة (لَك) أَيهَا الْمُعْتَرض لإِثْبَات خلاف حكم الْمُسْتَدلّ بعد أَن كَانَ شَاهدا لَهُ عَلَيْك، فَكَأَنَّهُ كَانَ وَجه الْوَصْف مُقبلا على الْمُسْتَدلّ وظهره إِلَى الْمُعْتَرض فَانْقَلَبَ (وَلَا بُد فِيهِ) أَي فِي هَذَا النَّوْع (من زِيَادَة) فِي الْوَصْف الَّذِي ذكره الْمُعْتَرض على الْوَصْف الَّذِي ذكره الْمُسْتَدلّ (تورد تَفْسِيرا لما أبهمه الْمُسْتَدلّ) من الْوَصْف وتقريرا، لَهُ لَا تغييرا فَيلْزم أَن لَا يكون قلبا، بل مُعَارضَة مَحْضَة غير متضمنة لإبطال دَلِيل الْمُسْتَدلّ (كَصَوْم فرض) على مَا قَالَه الشَّافِعِي فِي نِيَّة صَوْم رَمَضَان (فَلَا يتَأَدَّى بِلَا تعْيين) للنِّيَّة (كالقضاء) فَإِنَّهُ لَا يتَأَدَّى بِلَا تعْيين لوصف الْفَرْضِيَّة (فَيَقُول) الْحَنَفِيّ (صَوْم فرض مُتَعَيّن) يتَعَيَّن بِتَعْيِين الشَّارِع لنَهْيه عَن سَائِر الصيامات فِي الْوَقْت (فَلَا يحْتَاج إِلَيْهِ) إِلَى تعْيين النِّيَّة بعد تَعْيِينه (كالقضاء بعد الشُّرُوع فِيهِ) فَإِن الْقَضَاء إِذا شرع فِيهِ مَقْرُونا مَعَ النِّيَّة يصدق عَلَيْهِ أَنه صَوْم فرض مُتَعَيّن، وَقبل الشُّرُوع لم يتَعَيَّن، لجَوَاز أَن يَنْوِي الصَّوْم فِي يَوْم بِعَيْنِه، ثمَّ قبل الشُّرُوع فِيهِ يَنْقَلِب رَأْيه فَلَا يَصُوم فِيهِ، فقد أبهم الْمُسْتَدلّ الْوَصْف حَيْثُ قَالَ صَوْم فرض وَلم يذكر تَعْيِينه بِتَعْيِين الشَّارِع، وَلَو ذكره لما تحققت الْمُشَاركَة فِي الْوَصْف بَين صَوْم رَمَضَان وَصَوْم الْقَضَاء إِلَّا بعد اعْتِبَار الْفَرْضِيَّة وَالتَّعْيِين فِيهِ، وَهَذَا الِاعْتِبَار لَا يتَحَقَّق فِيهِ إِلَّا بعد الشُّرُوع وَبعد الشُّرُوع لَا يحْتَاج إِلَى النِّيَّة ليقاس عَلَيْهِ فَذكر الْمُعْتَرض إِيَّاه تَفْسِير وَبَيَان لمحل النزاع، فَإِن الصَّوْم الْفَرْض الْمُتَعَيّن فِي وقته، فَالْأَصْل فِيهِ الْقَضَاء الْمَشْرُوع فِيهِ، غَايَته أَن التَّعْيِين فِي رَمَضَان قبل الشُّرُوع، وَفِي الْقَضَاء بعده، وَلَا يكون تعْيين الشَّارِع لَهُ أدنى من تعْيين العَبْد، وَفِيه بحث ذكره المُصَنّف فِيمَا سبق، وَفِي شرح الْهِدَايَة أَيْضا (وَمِنْه) أَي من هَذَا النَّوْع قَول الشَّافِعِي فِي مسح الرَّأْس فِي الْوضُوء: الْمسْح (ركن فِي الْوضُوء، فَيسنّ تكريره كالغسل: فَيَقُول) الْحَنَفِيّ الْمسْح (ركن فِيهِ) أَي الْوضُوء (أكمل بِزِيَادَة) فِي مَحَله (على) قدر (الْفَرْض) وَهُوَ اسْتِيعَاب بَاقِيه (فَلَا يسن تكراره كالغسل، فَهِيَ) أَي الزِّيَادَة الَّتِي أكمل بهَا (تَفْسِير) لما أبهم من الْوَصْف وَتَحْقِيق لمحل الْخلاف (لِأَن الْخلاف فِي تثليث الْمسْح بعد إكماله كَذَلِك) أَي بِزِيَادَة على الْفَرْض (وَهُوَ) أَي إِلَّا كَمَال على هَذَا الْوَجْه فِي جَانب الْمسْح إِنَّمَا هُوَ (الِاسْتِيعَاب) أَي استيعابه جَمِيع الراس فَإِنَّهُ زِيَادَة على
(4/162)

الْفَرْض الَّذِي هُوَ الرّبع مكملة لَهُ كَمَا أَنَّهَا فِي جَانب الْغسْل التَّثْلِيث وَالْحَاصِل أَن الْمُسْتَدلّ نظر فِي الأَصْل وَهُوَ الْغسْل إِلَى وصف الركنية الْمُشْتَركَة بَينه وَبَين الْفَرْع الَّذِي هُوَ الْمسْح وظنه مؤثرا فِي ترَتّب حكم التَّثْلِيث عَلَيْهِ فَحكم بسنية التَّثْلِيث فِي الْفَرْع كَمَا فِي الأَصْل، والمعترض دقق النّظر فَوجدَ أَن الركنية لَا تَقْتَضِي خُصُوصِيَّة التَّثْلِيث، بل إِلَّا كَمَال الْمُطلق سَوَاء تحقق فِي ضمن التَّثْلِيث أَو الِاسْتِيعَاب، وَقد تحقق مُقْتَضَاهُ فِي الْمسْح فِي ضمن الِاسْتِيعَاب فقد استوعب حَقه، فَلَا يُزَاد الْفَرْع على الأَصْل بِالْجمعِ لَهُ بَين واستيعاب والتثليث (وَلم يَصح إِيرَاد فَخر الْإِسْلَام لهَذَا) الْمِثَال (فِي الْمُعَارضَة الْخَالِصَة) لوُجُود الزِّيَادَة الْمَذْكُورَة الدَّالَّة على أَن دَلِيل الْمعَارض لَيْسَ دَلِيل الْمُسْتَدلّ بِعَيْنِه على مَا هُوَ الْمُعْتَبر فِي الْخَالِصَة كَمَا سَيَجِيءُ، وَتحقّق مَا هُوَ الْمُعْتَبر فِي النَّوْع الأول فِيهِ (وَإِذ علمت) فِي أَوَائِل هَذَا الْفَصْل (أَن الْإِيرَاد) أَي إِيرَاد الْمُعْتَرض للاعتراض إِنَّمَا هُوَ (على ظَنّه) أَي الْمُسْتَدلّ (التَّأْثِير، لَا) على (حَقِيقَته) أَي حَقِيقَة التَّأْثِير فِي نفس الْأَمر (صَحَّ إِيرَاد الْقلب على) الْعِلَل (المؤثرة) لِأَن مرجع المناقضة إِنَّمَا هُوَ ظن الْمُعَلل، لَا اعْتِبَار الشَّارِع فِي نفس الْأَمر (كفساد الْوَضع) أَي كَمَا أَن فَسَاد الْوَضع، وَقد مر تَفْسِيره مورده ظن الْمُعَلل للتأثير لَا حَقِيقَة التَّأْثِير (وَيُخَالِفهُ) أَي يُخَالف هَذَا النَّوْع من الْقلب فَسَاد الْوَضع (بِالزِّيَادَةِ) الْمَذْكُورَة (وبكونه) أَي بِكَوْن هَذَا النَّوْع مِنْهُ يُورد فِي مطلب يكون (أَعم من مدعاه) أَي مدعي فَسَاد الْوَضع وَهُوَ نقيض حكم الْمُسْتَدلّ، فَإِن شَهَادَة وصف الْمُسْتَدلّ للمعترض كَمَا تحقق فِيمَا يثبت نقيض حكمه تتَحَقَّق فِيمَا يسْتَلْزم نقيضه، وَلَو اطَّلَعت على مَا ذكره الشَّارِح فِي حل هَذَا الْمحل على مَا هُوَ عَادَته فِي أَمْثَاله من المشكلات لقضيت مِنْهُ الْعجب. هَذَا فِي بَيَان الْفرق بَين النَّوْع الثَّانِي من الْقلب وَفَسَاد الْوَضع، وَقد سبق قَرِيبا أَن فَسَاد الْوَضع يُفَارق الْقلب الْمُطلق بِكَوْن الْوَصْف فِي فَسَاد الْوَضع يثبت نقيض الحكم بِأَصْل آخر، وَفِي الْقلب يُثبتهُ بِأَصْل الْمُسْتَدلّ المُرَاد بِإِثْبَات الْقلب نقيضه مَا يعم إثْبَاته بِوَاسِطَة فَلَا يُنَافِي مَا سبق. (قَالُوا) أَي الْحَنَفِيَّة (ويقلب الْعلَّة من وَجه فَاسد كعبادة لَا يجب الْمُضِيّ فِي فاسدها، فَلَا تلْزم بِالشُّرُوعِ) فِيهَا (كَالْوضُوءِ) أَي كَقَوْل الشَّافِعِي: إِن الشُّرُوع فِي نفل من صَلَاة أَو صَوْم غير مُلْزم إِتْمَامه وقضاؤه إِذا فسد أَنه عبَادَة لَا يجب الْمُضِيّ فِيهَا إِذا فَسدتْ، فَلَا تلْزم بِالشُّرُوعِ فِيهَا كَالْوضُوءِ بِجَامِع أَن كلا مِنْهُمَا عبَادَة لَا يمْضِي فِي فاسدها، وَاحْترز بِهِ عَن الْحَج، فَإِنَّهُ يجب الْمُضِيّ فِي فاسده، وَكَذَا يلْزم بِالشُّرُوعِ فِيهِ، فَجعل عدم لُزُوم المضيف فِي الْفَاسِد عِلّة لعدم اللُّزُوم بِالشُّرُوعِ (فَيَقُول) الْحَنَفِيّ إِذا كَانَت الْعِبَادَة الْمَذْكُورَة حَالهَا كَحال الْوضُوء (فيستوي عمل النّذر والشروع فِيهَا كَالْوضُوءِ) أَي كَمَا يَسْتَوِي عملهما فِي الْوضُوء فَإِنَّهُ لما لم يلْزم بِالشُّرُوعِ لم يلْزم بِالنذرِ فمساواة عملهما فِي الْوضُوء كَونهمَا متساويين فِي عدم الْإِلْزَام
(4/163)

على الْمُكَلف النَّاذِر والشارع فِي الْعِبَادَة الْمَذْكُورَة كَونهمَا متساويين فِي الْإِلْزَام، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فتلزم) النَّافِلَة (بِالشُّرُوعِ لِأَنَّهَا تلْزم بِالنذرِ) إِجْمَاعًا فَالْحَاصِل أَن العباة الْمَذْكُورَة لَزِمَهَا الْمُسَاوَاة بَين نذرها وشروعها، وَلَا يتَصَوَّر مساواتهما فِيهَا بالإلزام لتعين الْإِلْزَام فِي نذرها بِالْإِجْمَاع، وَيُسمى هَذَا الْقلب قلب التَّسْوِيَة، وَأما قلب الْعلَّة الَّتِي هِيَ عدم لُزُوم الْمُضِيّ فِي الْفَاسِد وَكَونه من وَجه فَاسد فَلَمَّا سيشير إِلَيْهِ (وَسَماهُ) أَي هَذَا الْقلب بدليله (فَخر الْإِسْلَام عكسا، لِأَن حَاصله عكس خُصُوص حكم الأَصْل) الَّذِي هُوَ الْوضُوء (وَهُوَ) أَي حكمه فِي الْمِثَال (عدم اللُّزُوم بِالنذرِ والشروع فِي الْفَرْع) أَي النَّافِلَة، وَلَا يخفى أَن عكس حكم الأَصْل عدم اللُّزُوم بِالشُّرُوعِ فَقَط لَا عدم اللُّزُوم بهما جَمِيعًا فَفِيهِ مُسَامَحَة، أَو المُرَاد بِحكمِهِ مَا يلْزم الحكم الَّذِي ذكره الْمُسْتَدلّ وَيَتَرَتَّب عَلَيْهِ وَهُوَ عدم اللُّزُوم الْمُتَرَتب على مُسَاوَاة عملهما فِي الْوضُوء الَّذِي لزم تَعْلِيل الْمُسْتَدلّ وَإِنَّمَا قَالَ خُصُوص حكم الأَصْل لعدم كَون حَاصله عكس مُطلق حكم الشَّامِل مُسَاوَاة عملهما فِيهِ فَتدبر (وَهَذَا) النَّوْع من الْقلب هُوَ (الْمَنْسُوب إِلَى الْحَنَفِيَّة أول الْقيَاس) أَي فِي أول مباحثه (مُسَمّى بِقِيَاس الْعَكْس) وَلَيْسَ بِقِيَاس (وَإِنَّمَا هُوَ اسْم الِاعْتِرَاض) هُوَ رد الحكم بِالطَّرِيقِ الْمَذْكُور. (وَاخْتلف فِي قبُوله، فَقيل نعم) يقبل وَهُوَ معزو إِلَى الْأَكْثَر: مِنْهُم أَبُو إِسْحَق الشِّيرَازِيّ وَالْإِمَام الرَّازِيّ (إِذْ جعل) الْمُعْتَرض (وَصفه) أَي الْمُسْتَدلّ (شَاهدا لما يسْتَلْزم نقيض مَطْلُوبه) أَي الْمُسْتَدلّ (وَهُوَ) أَي مَا يسْتَلْزم نقيض مَطْلُوب الْمُسْتَدلّ (الاسْتوَاء) لِأَنَّهُ يلْزم من اسْتِوَاء الشُّرُوع وَالنّذر فِي الْعَمَل كَون الشُّرُوع ملزما كالنذر وَهُوَ نقيض مَطْلُوبه، أَعنِي عدم اللُّزُوم بِالشُّرُوعِ. (وَالْمُخْتَار) كَمَا ذهب إِلَيْهِ آخَرُونَ: مِنْهُم القَاضِي وَابْن السَّمْعَانِيّ وَصَاحب البديع أَنه (لَا) يقبل (لِأَن كَون الْوَصْف يُوجب شبها فِي شَيْء لَا يسْتَلْزم عُمُوم الشّبَه) من المتشابهين فِي كل شَيْء (ليلزم الاسْتوَاء مُطلقًا) وَالْحَاصِل أَن القالب لما ادّعى أَن علية عدم وجوب الْمُضِيّ فِي الْفَاسِد لعدم اللُّزُوم بِالشُّرُوعِ فِي الْوضُوء والنافلة أوجب شبها بَين الْوضُوء والنافلة فِي عدم اللُّزُوم بِالشُّرُوعِ والمتشابهان متساويان فِي الْأَحْكَام، وَمن جملَة أَحْكَام الْوضُوء اسْتِوَاء عمل النّذر والشروع فِيهِ فَلَزِمَ اسْتِوَاء عملهما فِي النَّافِلَة، وعَلى تَقْدِير اسْتِوَاء عملهما فِي النَّافِلَة يلْزم اللُّزُوم بِالشُّرُوعِ لما ذكر رد عَلَيْهِ الْمُخْتَار بِأَن إِيجَاب الشّبَه فِي شَيْء، وَهُوَ هَهُنَا عدم اللُّزُوم بِالشُّرُوعِ لَا يسْتَلْزم عُمُوم الشّبَه حَتَّى يلْزم الشّبَه بَين الْوضُوء والنافلة فِي اسْتِوَاء عملهما، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله ليلزم الخ: أَي ليلزم اسْتِوَاء عملهما مُطلقًا فِي الْوضُوء والنافلة، وَلَا يخفى أَنه لَا يلْزم حِينَئِذٍ التَّنَاقُض لِأَن اسْتِوَاء عملهما فِي الْوضُوء يسْتَلْزم عدم اللُّزُوم بِشَيْء مِنْهُمَا، وَفِي النَّافِلَة يسْتَلْزم اللُّزُوم بِكُل مِنْهُمَا للزومها بِالنذرِ إِجْمَاعًا، فعموم الشّبَه يسْتَلْزم مُشَاركَة الْوضُوء والنافلة فِي كل من اللازمين
(4/164)

فَافْهَم (وَمَا أوردهُ الشَّافِعِيَّة) فِي كتبهمْ من هَذَا السُّؤَال فَهُوَ (من) النَّوْع (الثَّانِي) من الْقلب أَو الْمَعْنى: وَمَا أوردهُ من هَذَا الْجِنْس من الِاعْتِرَاض على أَدِلَّة الْحَنَفِيَّة فَهُوَ كَذَا. ثمَّ بَين مَا أوردهُ بقوله (وَهُوَ دَعْوَى تَجْوِيز ثُبُوت نقيض حكم الْمُسْتَدلّ فِي الْفَرْع) مُتَعَلق بالثبوت كَقَوْلِه (بوصفه) أَي بِوَصْف الْمُسْتَدلّ أَو حكمه. وَحَاصِله أَن الْمُعْتَرض يَدعِي مُنَاسبَة وَصفه لحكمين مناقضين بِاعْتِبَار تحَققه فِي المحلين: الأَصْل وَالْفرع، فقد أَشَارَ بِلَفْظ التجويز إِلَى هَذِه الْمُنَاسبَة (وَهُوَ) أَي مَا أوردهُ قِسْمَانِ: أَحدهمَا (قلب لتصحيح مذْهبه) أَي الْمُعْتَرض (ليبطل الْمُسْتَدلّ) أَي ليلزم مِنْهُ بطلَان مذْهبه لتنافيهما (كلبث) أَي كَقَوْل الْحَنَفِيّ: الِاعْتِكَاف يشْتَرط فِيهِ الصَّوْم لِأَنَّهُ لبث فِي مَكَان مَخْصُوص (ومجرده) أَي مُجَرّد اللّّبْث (غير قربَة كالوقوف) بِعَرَفَة فَإِن مجرده غير قربَة، وَإِنَّمَا صَار قربَة بانضمام عبَادَة إِلَيْهِ، وَهُوَ الْإِحْرَام فَلَا بُد من انضمام عبَادَة مَعَ اللّّبْث ليصير عبَادَة (فَيشْتَرط فِيهِ) أَي فِي الِاعْتِكَاف (الصَّوْم) لعدم ظُهُور مُنَاسبَة اعْتِبَار عبَادَة غَيره فِيهِ (فَيَقُول) الشَّافِعِي (فَلَا يشْتَرط) فِيهِ الصَّوْم (كالوقوف) أَي إِذا كَانَ الِاعْتِكَاف شَبيه الْوُقُوف بِعَرَفَة لزم أَن لَا يشْتَرط فِيهِ الصَّوْم كَمَا لَا يشْتَرط فِي الْوُقُوف. (و) الْقسم الآخر قلب (لإبطال) مَذْهَب (الْمُسْتَدلّ صَرِيحًا لتصحيح مذْهبه) أَي ليلزم مِنْهُ صِحَة مَذْهَب الْمُعْتَرض ضمنا (كالحنفي فِي الرَّأْس) أَي كَقَوْلِه فِي مسح الرَّأْس أَنه مُقَدّر بِالربعِ لِأَنَّهُ عُضْو (من أَعْضَاء الْوضُوء فَلَا يَكْفِي أَقَله) أَي مَا ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الرَّأْس (كَبَقِيَّة الْأَعْضَاء) فَإِنَّهُ لَا يَكْفِي فِيهَا غسل أدنى مَا ينْطَلق عَلَيْهِ الِاسْم (فَيَقُول) الشَّافِعِي أَنه مسح عُضْو من أَعْضَاء الْوضُوء (فَلَا يقدر بِالربعِ كبقيتها) فقد أبطل الْمُعْتَرض مَذْهَب الْمُسْتَدلّ صَرِيحًا ليلزم تَصْحِيح مذْهبه ضمنا. وَلما كَانَ هَهُنَا مَظَنَّة سُؤال، وَهُوَ أَن عدم التَّقْدِير بِالربعِ لَا يسْتَلْزم الِاكْتِفَاء بِالْأَقَلِّ، فَكيف يلْزم من إبِْطَال مَذْهَب الْمُسْتَدلّ تَصْحِيح مَذْهَب الْمُعْتَرض؟ أَشَارَ إِلَى دَفعه بقوله (ووروده) أَي الْقلب الْمَذْكُور فِي هَذَا الْمِثَال بِنَاء (على أَن المُرَاد) أَي مُرَاد القالب (اتفقنا) نَحن وَأَنْتُم أَيهَا الْحَنَفِيَّة على (أَن الثَّابِت أَحدهمَا) أَي أقل الرَّأْس أَو الرّبع، وَإِذا انْتَفَى أَحدهمَا ثَبت الآخر، وَإِلَّا فَلَا يلْزم من نفي الرّبع الأول لجَوَاز الِاسْتِيعَاب كَمَا ذهب إِلَيْهِ مَالك، وَفِيه نظر، وَهُوَ أَن كلا من المتخاصمين تعين عِنْده مذْهبه، وَإِذا أبطل أَحدهمَا مَذْهَب الآخر لم يثبت علية مَذْهَب الْمُبْطل، بل يجوز حِينَئِذٍ الثَّالِث: نعم لَو لم يكن فِي الْوُجُود إِلَّا المذهبان كَانَ يلْزم الْإِجْمَاع على نفي الثَّالِث فَتَأمل (أَو) لإبطال مَذْهَب الْمُسْتَدلّ (التزاما كَقَوْلِه) أَي الْحَنَفِيّ (فِي بيع غير المرئي: عقد مُعَاوضَة فَيصح مَعَ الْجَهْل بِالْعِوَضِ كَالنِّكَاحِ، فَيَقُول) الشَّافِعِي عقد مُعَاوضَة (فَلَا يثبت فِيهِ خِيَار الرُّؤْيَة) كَمَا لَا يثبت فِي النِّكَاح، فالمعترض لم يتَعَرَّض لإبطال مَذْهَب الْخصم، وَهُوَ القَوْل بِالصِّحَّةِ صَرِيحًا
(4/165)

بل التزاما: وَذَلِكَ لِأَن من قَالَ بِصِحَّة بيع المرئي مَعَ الْجَهْل بالمعوض قَالَ بِخِيَار الرُّؤْيَة فهما متلازمان فَيلْزم من انْتِفَاء خِيَار الرُّؤْيَة انْتِفَاء الصِّحَّة، وَلذَا قَالَ (فَلَا يَصح) البيع الْمَذْكُور (الثَّانِي) من نَوْعي (الْمُعَارضَة الْخَالِصَة) عَن معنى المناقضة (فِي) حكم (الْفَرْع) بِأَن يذكر عِلّة أُخْرَى توجب خلاف مَا توجبه عِلّة الْمُسْتَدلّ (بِلَا تَغْيِير) وَلَا زِيَادَة فِي الحكم الأول فَيَقَع بهَا الْمُقَابلَة من غير تعرض لإبطال عِلّة الْمُسْتَدلّ فَيمْتَنع الْعَمَل بِشَيْء مِنْهُمَا لمدافعة كل مِنْهُمَا الْأُخْرَى مَا لم تترجح إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى (ويستدعى) هَذَا النَّوْع (أصلا آخر وَعلة) أُخْرَى (كالمسح) أَي كَقَوْل الشَّافِعِي الْمسْح (ركن فِي الْوضُوء فَيسنّ تكريره كالغسل، فَيَقُول) الْحَنَفِيّ: مسح الرَّأْس (مسح فَلَا يُكَرر كمسح الْخُف) فَأصل الأول الْغسْل، وعلته الركنية، وأصل الثَّانِي مسح الْخُف، وعلته كَونه مسحا، والتكرر وَعَدَمه حكمان متخالفان فِي الْفَرْع الَّذِي هُوَ مسح الرَّأْس وَلم يَقع تَغْيِير فِي الحكم الأول، فمورد الْإِيجَاب وَالسَّلب وَاحِد (وَالْأَحْسَن أَن يَجْعَل أَصله) أَي الْمُعْتَرض (التَّيَمُّم) فَيُقَال كالتيمم (فيندفع) على هَذَا الْفَارِق (المتوهم من مَانع فَسَاد الْخُف) بَيَان للمتوهم: أَي الركنية إِنَّمَا يَقْتَضِي التكرير، غير أَنه لم يتَحَقَّق الْمُقْتَضِي فِي مسح الْخُف لوُجُود الْمَانِع، وَهُوَ الْإِفْضَاء إِلَى إِتْلَاف الْخُف بتكرير الْمسْح (أَو بتغيير مَا) فِي الحكم الْمُتَنَازع فِيهِ، مَعْطُوف على قَوْله بِلَا تَغْيِير، فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى تَقْسِيم هَذَا النَّوْع إِلَى قسمَيْنِ كَقَوْل الْحَنَفِيّ لإِثْبَات ولَايَة التَّزْوِيج بِغَيْر الْأَب وَالْجد من الْأَوْلِيَاء كالأخ (فِي صَغِيرَة بِلَا أَب وجد صَغِيرَة فيولى عَلَيْهَا فِي الانكاح كذات الْأَب) أَي كالصغيرة الَّتِي لَهَا أَب بِجَامِع الصغر الْمُوجب للعجز عَن مُرَاعَاة مصالحها (فَيَقُول) الشَّافِعِي (الْأَخ قَاصِر الشَّفَقَة، فَلَا يولي عَلَيْهَا كَالْمَالِ) فَإِنَّهُ لَا ولَايَة للْأَخ على المَال إِجْمَاعًا: فَهَذِهِ مُعَارضَة خَالِصَة صَحِيحَة مثبتة حكما مُخَالفا للْأولِ بعلة أُخْرَى فِي ذَلِك الْمحل بِعَيْنِه، لَكِن مَعَ تَغْيِير مَا فِي الحكم الأول من الْإِطْلَاق الشَّامِل للْأَخ وَغَيره إِلَى التَّقْيِيد بالأخ (وَأما نظمه) أَي الْمعَارض الْمُعَارضَة هَكَذَا (صَغِيرَة فَلَا يولي عَلَيْهَا قرَابَة الْأُخوة كَالْمَالِ) كَمَا فِي أصُول فَخر الْإِسْلَام والتنقيح وَغَيرهمَا. قَالَ الشَّارِح: لَكِن الْمَذْكُور فِيهَا بِولَايَة الْأُخوة انْتهى، وعَلى مَا ذكره المُصَنّف نِسْبَة التوالية إِلَى الْقَرَابَة مجَاز لكَونهَا سَببا للتولية (فَلَيْسَ مِنْهُ) أَي من هَذَا الْقسم الْمُعَارضَة الْخَالِصَة من الْقلب، فالمعترض (عَارض مُطلق الْولَايَة) الَّتِي أثبتها الْمُسْتَدلّ (بنفيها) أَي الْولَايَة (عَن خُصُوص) مندرج تَحت عُمُوم إِطْلَاقهَا وَهُوَ الْأَخ (يلْزمه) أَي يلْزم نَفيهَا عَن (نفي) الحكم (الْمُعَلل لِأَن قرَابَته) أَي الْأَخ (أقرب) من سَائِر الْقرَابَات (بعد الولاد، فنفيها) أَي ولَايَة الْأَخ (نفى مَا بعْدهَا) أَي مَا سواهَا من ولَايَة الْعم وَغَيره (مُطلقًا). وَأَشَارَ إِلَى قسم ثَالِث مِنْهَا بقوله (أَو إِثْبَات) بِالْجَرِّ
(4/166)

عطفا على بِلَا تَغْيِير: أَي إِثْبَات الْمُعْتَرض حكما (آخر) غير مَا ذكره الْمُعَلل (يستلزمه) أَي يسْتَلْزم إثْبَاته نفي حكم الْمُعَلل (كَقَوْل أبي حنيفَة فِي أحقية المنعي) أَي الَّذِي نعى إِلَى زَوجته: أَي أخْبرت بِمَوْتِهِ فتربصت مِنْهُ ثمَّ تزوجت (بِوَلَدِهَا) مُتَعَلق بالأحقية: أَي الَّذِي وَلدته (فِي) زمَان (نِكَاح من تزوجته بعده) أَي بعد المنعي من الَّذِي تزَوجهَا بعده، فالمنعي إِذا جَاءَ بعد الْولادَة وَادّعى نسبه (صَاحب فرَاش صَحِيح) مقول قَوْله: أَي المنعي صَاحب فرَاش صَحِيح لقِيَام مَكَانَهُ (فَهُوَ أَحَق) بِالْوَلَدِ الْمَذْكُور (من) صَاحب الْفراش (الْفَاسِد) وَهُوَ المتزوج بهَا مَعَ قيام نِكَاح المنعي (كَمَا لَا يُحْصى) من تَقْدِيم الصَّحِيح على الْفَاسِد عِنْد التَّعَارُض (فَيَقُول) المعترص كالصاحبين: الزَّوْج (الثَّانِي صَاحب فرَاش فَاسد فيلحقه) الْوَلَد (كالمتزوج بِلَا شُهُود) إِذا ولدت المتزوج بهَا يثبت النّسَب مِنْهُ مَعَ فَسَاد الْفراش: كَيفَ وَظَاهر الْحَال يَقْتَضِي كَون الْعلُوق مِنْهُ (فإثباته) أَي إِثْبَات نسب الْوَلَد (من الثَّانِي يلْزمه) أَي الْإِثْبَات الْمَذْكُور (نَفْيه) أَي الْوَلَد (عَن الأول للْإِجْمَاع) على (أَن لَا يثبت) نسبه (مِنْهُمَا) جَمِيعًا، وَقد وجد مَا يصلح سَببا لاسْتِحْقَاق النّسَب فِي حق الثَّانِي (فرجح) أَبُو حنيفَة (الْملك وَالصِّحَّة) الكائنين للْأولِ (على الْحُضُور وَالْمَاء) أَي كَون الثَّانِي حَاضرا وَالْمَاء لَهُ (كَالزِّنَا) فَإِنَّهُ وَقع فِيهِ هَذَا التَّرْجِيح (وَالْوَجْه) أَن يُقَال (ترجح) المنعي على الزَّوْج الثَّانِي (بِالصِّحَّةِ على الْحُضُور) أَي بِسَبَب تَرْجِيح وصف صِحَة الْفراش على وصف الْحُضُور مَعَ انْتِفَاء الصِّحَّة (أما المَاء فمقدر فيهمَا) أَي الزَّوْجَيْنِ لعدم الْقطع بِهِ من الثَّانِي. (وَذكر الشَّافِعِيَّة من الأسئلة: مُخَالفَة حكم الْفَرْع لحكم الأَصْل) إِذْ من شَرط الْقيَاس اتِّحَاد الحكم كَمَا عرف (كقياس البيع على النِّكَاح وَعَكسه) أَي قِيَاس النِّكَاح على البيع (فِي عدم الصِّحَّة) بِجَامِع فِي صُورَة (فَيَقُول) الْمُعْتَرض الحكم فيهمَا مُخْتَلف حَقِيقَة (عدمهَا) أَي الصِّحَّة (فِي البيع حُرْمَة الِانْتِفَاع) بِالْمَبِيعِ (و) عدمهَا (فِي النِّكَاح حُرْمَة الْمُبَاشرَة. وَالْجَوَاب) عَن الْإِيرَاد الْمَذْكُور أَن يُقَال (الْبطلَان) الَّذِي هُوَ عدم الصِّحَّة فيهمَا (وَاحِد) وَهُوَ (عدم) ترَتّب (الْمَقْصُود من العقد) عَلَيْهِ (وَإِن اخْتلف صوره) أَي صور الْبطلَان ومحاله الَّتِي يُضَاف إِلَيْهَا كَالْبيع وَالنِّكَاح، فَإِن اخْتِلَاف الْمحل لَا يُوجب اخْتِلَاف الْحَال، بل لَا بُد فِي كل قِيَاس من اخْتِلَاف مَحل الحكم، وَإِلَّا لم يتَحَقَّق الأَصْل وَالْفرع. ثمَّ الْمُمْتَنع فِي الْقيَاس اخْتِلَاف الحكم جِنْسا كالوجوب وَالْحُرْمَة وَالنَّفْي وَالْإِثْبَات (وَهَذَا) السُّؤَال (وَغَيره) من الأسئلة (ككون الأَصْل معدولا) عَن سنَن الْقيَاس (دَاخل فِيمَا ذكر الْحَنَفِيَّة من منع وجود الشَّرْط) فَلَا حَاجَة إِلَى إِفْرَاده بِالذكر. (وَأما سُؤال الْفرق) بَين الأَصْل وَالْفرع (إبداء خُصُوصِيَّة فِي الأَصْل) عطف بَيَان لسؤال الْفرق، ثمَّ نعت الخصوصية بقوله (هِيَ) أَي تِلْكَ الخصوصية
(4/167)

(شَرط) للعلية (مَعَ بَيَان انتفائها) أَي تِلْكَ الخصوصية (فِي الْفَرْع أَو بَيَان مَانع) بِالرَّفْع عطفا على إبداء (فِيهِ) أَي فِي الْفَرْع عَن الحكم (و) بَيَان (انتفائه) أَي الْمَانِع (فِي الأَصْل فمجموع معارضتين فِي الأَصْل وَالْفرع) جَوَاب لأما، بِمَعْنى أَن حَقِيقَة الْفرق الْمَذْكُور مركبة من معارضتين: مُعَارضَة فِي الأَصْل: وحاصلها أَنَّك زعمت أَن الْوَصْف الَّذِي ذكرته فِي الأَصْل عِلّة من غير شَرط أَو بِدُونِ اعْتِبَار عدم الْمَانِع، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل هُوَ مَشْرُوط بالخصوصية الْمَذْكُورَة أَو مُعْتَبر فِيهِ عدم مَانع كَذَا. ومعارضة فِي الْفَرْع: وحاصلها أَنَّك ادعيت وجود الْعلَّة فِي الْفَرْع وَلَيْسَ كَذَلِك لانْتِفَاء شَرطهَا فِيهِ، أَو وجود الْمَانِع من تأثيرها فِيهِ (وَهُوَ) أَي كَونه مَجْمُوع المعارضتين (فِي) الشق (الثَّانِي) من الترديد، أَعنِي بَيَان مَانع فِي الْفَرْع وانتفائه فِي الأَصْل مَبْنِيّ (على أَن الْعلَّة الْوَصْف مَعَ عدم هَذَا الْمَانِع) لِأَنَّهُ لَو لم يعْتَبر فِي الْعلَّة عدم الْمَانِع لما صَحَّ نفي وجود الْعلَّة فِي الْفَرْع، وَلِأَن الْمَانِع عَن الشَّيْء فِي قُوَّة الْمُقْتَضى لنقيضه فَيكون فِي الْفَرْع نقيض الحكم الَّذِي أثْبته الْمُسْتَدلّ (وَعَلِيهِ) أَي على الْمُعْتَرض (بَيَان كَونه) أَي كَون مَا أبداه من الخصوصية فِي الأَصْل شرطا فِي الشق الأول (أَو) مَا أبداه من الْمَانِع فِي الْفَرْع (مَانِعا) فِي الشق الثَّانِي (على طَرِيق إِثْبَات الْمُسْتَدلّ علية الْوَصْف) أَي كَمَا أثبت الْمُسْتَدلّ علية الْوَصْف على الْوَجْه الَّذِي ادَّعَاهُ يثبت الْمعَارض عليته على الْوَجْه الَّذِي يَدعِيهِ (وَالْوَجْه أَنه) أَي الْفرق (معارضتان) فِي الأَصْل وَالْفرع (على) الشق الأول من الترديد (ادِّعَاء الشَّرْط و) معارضته (فِي الْفَرْع فَقَط على) الشق الثَّانِي مِنْهُ: أَي بَيَان (الْمَانِع لما تقدم) فِي شُرُوط الْعلَّة (من الْحق) من (أَن عدم الْمَانِع لَيْسَ جُزْءا من الْعلَّة الباعثة، بِخِلَاف الشَّرْط لِأَنَّهُ) أَي الشَّرْط (خُصُوصِيَّة زَائِدَة على الْوَصْف) الَّذِي علل بِهِ الْمُعَلل فَهِيَ جُزْء مِنْهُ (وَلَو لم يتَعَرَّض) الْمُعْتَرض (لانتفائه) أَي الشَّرْط (من الْفَرْع لم يكن) إبداء الخصوصية الَّتِي هِيَ شَرط فِي الأَصْل (الْفرق) الَّذِي هُوَ مَجْمُوع المعارضتين (بل) هُوَ (مُعَارضَة فِي الأَصْل الْمُسَمّى مُفَارقَة) عِنْد الْحَنَفِيَّة وَتقدم الْكَلَام فِيهَا (والاتفاق على) جَوَاز (جمعهَا) أَي الاعتراضات إِذا كَانَت (من جنس) وَاحِد، إِذْ لَا يلْزم مِنْهُ مَحْذُور من التَّنَاقُض والانتقال وَغير ذَلِك (و) ذكر (بعض الْأُصُولِيِّينَ النَّوْع للْجِنْس) يَعْنِي أطلق النَّوْع وَأَرَادَ بِهِ الْجِنْس (وَالْجِنْس للنوع) عكس على مَا فِيهِ اصْطِلَاح الْأُصُولِيِّينَ، فَالْمُرَاد بِالْجِنْسِ الْمَذْكُور فِي الِاتِّفَاق النَّوْع (وأصول الْحَنَفِيَّة) وفروعهم أَيْضا يذكر فِيهَا (الْجِنْس للنوع) كالحنطة (وَالنَّوْع للصنف كَرجل) وَلَا مناقشة فِي الِاصْطِلَاح (وَذَلِكَ) أَي جمعهَا من جنس (كالاستفسارات والمنوع والمعارضات) فَإِن كل وَاحِدَة مِنْهَا يجمعها جنس هُوَ الاستفسار وَالْمَنْع والمعارضة (وَفِي) جمع (الْأَجْنَاس) من الاعتراضات اخْتِلَاف (مَنعه) أَي جمعهَا (السمرقنديون للخبط) اللَّازِم من ذَلِك (للانتشار) بِخِلَاف مَا إِذا كَانَت من جنس
(4/168)

وَاحِد، فَإِن النشر فِي الْمُخْتَلفَة أَكثر، وَالْجُمْهُور جوزوا الْجمع بَينهمَا أَيْضا (ثمَّ) إِذا جَازَ الْجمع (منع أَكثر النظار) الاعتراضات (الْمرتبَة طبعا) أَي جمعهَا، وَهَذَا بِظَاهِرِهِ أَعم من أَن تكون من جنس وَاحِد أَولا، وَالدَّلِيل يُفِيد الْأَعَمّ، غير أَن الشَّارِح خصصه بِمَا إِذا كَانَ من نوع وَاحِد (كمنع حكم الأَصْل وَمنع أَنه مُعَلل بذلك) الْوَصْف فَإِن تَعْلِيله بعد ثُبُوته طبعا (إِذْ يُفِيد) الْأَخير (تَسْلِيم الأول) فَيتَعَيَّن الْأَخير سؤالا فيجاب عَنهُ دون الأول (وَالْمُخْتَار جَوَازه) أَي جمع الْمرتبَة كَمَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو إِسْحَاق الاسفرايني (لِأَن التَّسْلِيم) للمتقدم (فَرضِي: أَي لَو سلم) الأول (ورد الثَّانِي) فَلَا يلْزم تَسْلِيمه فِي نفس الْأَمر (وَحِينَئِذٍ) أَي حِين اختير جَوَازه (الْوَاجِب) على الْمُعْتَرض (ترتيبها) أَي الْمرتبَة طبعا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يرتبها وَعكس التَّرْتِيب (فَمنع) فحاصله منع (بعد التَّسْلِيم إِذْ) قَول الْمُعْتَرض (لَا نسلم أَن الحكم مُعَلل بِكَذَا يتَضَمَّن تَسْلِيمه) أَي الحكم (فَقَوله) بعد ذَلِك (بِمَنْع ثُبُوت الحكم رُجُوع) عَن تَسْلِيمه (لَا يسمع) لِأَنَّهُ إِنْكَار بعد الْإِقْرَار فَالْمُرَاد من التَّرْتِيب الْوَاجِب على الْمُعْتَرض أَن يرد الْمرتبَة على وَجه لَا يلْزم عَلَيْهِ الْمَنْع بعد التَّسْلِيم فَيمْنَع ثُبُوت الحكم أَولا، ثمَّ يمْنَع كَونه مُعَللا بِكَذَا، فَيكون تَسْلِيمًا بعد الْمَنْع على طَرِيق التنزل، وَلما بَين وجوب التَّرْتِيب على هَذَا الْوَجْه فِي جَمِيع الْمرتبَة على الْمَذْهَب الْمُخْتَار ظهر أَن منع أَكثر النظار جمعهَا على التَّرْتِيب الطبيعي الْمُفِيد تَسْلِيم مَا منع على عكس مَا هُوَ الْوَاجِب، فَأَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (فَيبْطل مَا يلْزم قَول الْأَكْثَرين من وُجُوبهَا) بَيَان لما: أَي من لُزُوم جَمِيع الاعتراضات الْمرتبَة طبعا حَال كَونهَا (غير مرتبَة) وَإِنَّمَا حكم بِلُزُوم ذَلِك لقَولهم لأَنهم قد منعُوا جمعهَا على التَّرْتِيب الطبيعي فَتعين ذكرهَا غير مرتبَة، لَا يُقَال لَا يسْتَلْزم منع ذكرهَا مترتبة ذكرهَا غير مترتبة لجَوَاز أَن لَا يذكرهَا أصلا، لِأَن جَوَاز ذكرهَا اتِّفَاق، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَإِلَّا فالاتفاق على) جَوَاز (التَّعَدُّد) إِذا كَانَ المتعدد (من نوع) وَاحِد، وَإِنَّمَا حكم بِبُطْلَان اللَّازِم الْمَذْكُور، لِأَن الْمَنْع قبل التَّسْلِيم إِذا كَانَ قبيحا فَهُوَ بعد التَّسْلِيم أقبح (وَلَا مخلص لَهُم) أَي للأكثرين عَن هَذَا الْإِبْطَال (إِلَّا بادعاء أَن منع الْعلية بِفَرْض وجود الحكم) يَعْنِي أَن تَسْلِيم حكم الأَصْل بِحَسب نفس الْأَمر لَا يلْزم من منع علية الْوَصْف لجَوَاز أَن يكون بِحَسب الْفَرْض، فَإِذا منع ثُبُوت الحكم بعد منع عليته الْوَصْف علم أَن مُرَاده من التَّسْلِيم الَّذِي يتضمنه منع الْعلية إِنَّمَا هُوَ بِحَسب الْفَرْض وَحِينَئِذٍ يلْزمهُم مثله فِي مَنعهم المترتبة. (وَمَا قيل) على مَا ذكره الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ إِذْ (كل من الْخَمْسَة وَالْعِشْرين) اعتراضا الْوَارِدَة على الْقيَاس الَّذِي سبق ذكرهَا (جنس ينْدَرج تَحت نوع) على مَا مر من اصْطِلَاح بعض الْأُصُولِيِّينَ بعكس مَا هُوَ الْمَشْهُور من اندراج النَّوْع تَحت الْجِنْس (غلط) لِأَنَّهُ (يبطل حِكَايَة الِاتِّفَاق على) جَوَاز جمع (المتعدد من جنس إِذْ لَا يتَصَوَّر
(4/169)

التَّعَدُّد مثلا من منع وجود الْعلَّة) أَي مِنْهُ (وَهُوَ أَحدهَا) أَي أحد الْخَمْسَة وَالْعِشْرين، فَإِنَّهُ إِذا كَانَ الْمَنْع الْمَذْكُور جِنْسا فَبعد منع وجودهَا فِي قِيَاس وَاحِد مرّة لَا يُمكن منع وجودهَا ثَانِيًا فَلَا يتَصَوَّر التَّعَدُّد من هَذَا الْجِنْس، وَهَذَا إِنَّمَا يرد على الْقَائِل الْمَذْكُور إِذا حمل لفظ الْجِنْس فِي الْمحل على الْمَعْنى الَّذِي اخْتَارَهُ فَجعله خَمْسَة وَعشْرين، وَأما إِذا حمله على الْمَعْنى الَّذِي عبر عَنهُ بالنوع فَلَا يرد، غير أَن اخْتِيَاره على وَجه لَا يلائم كَلَام الْقَوْم خُرُوج عَن الجادة (و) أَيْضا (كَلَامهم) أَي الْأُصُولِيِّينَ (فِي) ذكر (الْمثل) أَي أَمْثِلَة الْمَذْكُورَات (وَذكر الْأَجْنَاس) للاعتراضات (خِلَافه) أَي خلاف مَا ذكره هَذَا الْقَائِل، بل الْمَنْع نوع مندرج تَحْتَهُ منع حكم الأَصْل وَمنع وجود الْوَصْف وَمنع عليته وَمنع وجودهَا فِي الْفَرْع وَغَيرهَا، والمعارضة نوع ينْدَرج فِيهَا الْمُعَارضَة فِي الأَصْل وَفِي الْفَرْع وَغَيرهمَا وكل وَاحِد من أَقسَام الْمَنْع والمعارضة جنس وَاحِد إِذْ الْفَرْض أَن الْجِنْس هُوَ النَّوْع المنطقي بِهَذَا الِاصْطِلَاح فالنقد جنس انحصر فِيهِ نَوعه كَمَا نقل الشَّارِح عَن المُصَنّف وَلَا يخفى عَلَيْك أَنه يرد عَلَيْهِم حِينَئِذٍ مَا أوردهُ على الْقَائِل الْمَذْكُور فَالصَّوَاب أَن يكون ذكرا للْجِنْس على وَجه لَا يكون كل وَاحِد من الْخَمْسَة وَالْعِشْرين جِنْسا حَتَّى يتَحَقَّق الْخلاف، ثمَّ أَخذ يبين التَّرْتِيب الطبيعي بقوله (فَتقدم الْمُتَعَلّق بِالْأَصْلِ) من الِاعْتِرَاض فَيقدم منع حكم الأَصْل لِأَنَّهُ نظر فِيهِ تَفْصِيلًا، كَذَا ذكره الشَّارِح، وَالْوَجْه أَن يُقَال الْمَنْع طلب الدَّلِيل من الْمُسْتَدلّ وَهُوَ الَّذِي يتَبَادَر إِلَيْهِ الذِّهْن، بِخِلَاف إِقَامَة الدَّلِيل على خِلَافه (ثمَّ) الْمُتَعَلّق (بِالْعِلَّةِ) لِأَنَّهُ نظر فِيمَا هُوَ متفرع عَن حكم الأَصْل فَتقدم منع وجود الْعلَّة فِي الأَصْل ثمَّ الْمُطَالبَة بتأهيرها إِلَى غير ذَلِك (ثمَّ) الْمُتَعَلّق (بالفرع) لابتنائه على الْعلَّة (وَتقدم النَّقْض على مُعَارضَة الأَصْل عِنْد معتبرها) أَي مُعَارضَة الأَصْل، وَقد مر بَيَانه (إِذْ هِيَ) أَي مُعَارضَة الأَصْل (لإبطال استقلالها) أَي الْعلَّة بالتأثير والنقض لإبطال أَصْلهَا (وَمنع وجود الْعلَّة فِي الأَصْل قبل منعهَا) أَي قبل منع عليتها (وَالْقلب قبل الْمُعَارضَة الْخَالِصَة) وَقد مر تَفْسِيرهَا (لِأَنَّهُ) أَي الْقلب (مُعَارضَة بِدَلِيل الْمُسْتَدلّ) بِخِلَاف الْخَالِصَة فَتذكر الْقلب أَولا (ثمَّ يُقَال وَلَو سلم أَنه) أَي دَلِيل الْمُسْتَدلّ (يُفِيد مَطْلُوبه عندنَا دَلِيل آخر يَنْفِيه) أَي مَطْلُوبه ثمَّ الجدل بِالْحَقِّ مَأْمُور بِهِ. قَالَ تَعَالَى - {وجادلهم بِالَّتِي هِيَ أحسن} - وَفعله الصَّحَابَة وَالسَّلَف لما يلْزم من إِنْكَار الْبَاطِل واستنقاذ الْهَالِك عَن ضلاله فَيشْتَرط أَن يكون الْمَقْصُود مِنْهُ إِظْهَار الصَّوَاب. قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي قَوْله تَعَالَى - {وَإِن جادلوك فَقل الله أعلم بِمَا تَعْمَلُونَ} - هَذَا أدب حسن علمه الله تَعَالَى ليردوا بِهِ من جادل تعنتا وَلَا يُجِيبُوهُ، عَن أبي أُمَامَة مَرْفُوعا " مَا ضل قوم بعد هدي كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الجدل، ثمَّ تَلا - {مَا ضربوه لَك إِلَّا جدلا} - " صَححهُ التِّرْمِذِيّ، وَعنهُ مَرْفُوعا " من ترك المُرَاد وَهُوَ مُبْطل بني لَهُ بَيت
(4/170)

فِي ربض الْجنَّة، وَمن تَركه وَهُوَ محق بني لَهُ فِي وَسطهَا " حسنه التِّرْمِذِيّ، والمراء اسْتِخْرَاج غضب المجادل، من مريت الشَّاة: استخرجت لَبنهَا.

خَاتِمَة
للمقالة الثَّانِيَة (الِاتِّفَاق على) كَون (الْأَرْبَعَة): الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس أَدِلَّة شَرْعِيَّة للْأَحْكَام (عِنْد مثبتي الْقيَاس) وهم الْجُمْهُور مِنْهُم الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة (وَاخْتلف فِي) كَون (أُمُور) أُخْرَى أَدِلَّة شَرْعِيَّة: مِنْهَا (الِاسْتِدْلَال بِالْعدمِ، نَفَاهُ الْحَنَفِيَّة) وَقد سبق الْكَلَام فِيهِ فِي المرصد الثَّانِي من شُرُوط الْعلَّة نفياله مُطلقًا عَنْهُم إِلَّا عدم عِلّة متحدة على تَحْقِيق من المُصَنّف هُنَاكَ، وإثباتا لَهُ عَن غَيرهم على تَفْصِيل بَين أَن يكون عدما مُطلقًا أَو مُضَافا، وَبَين أَن يكون الْمُعَلل بِهِ عدميا أَو وجوديا فَارْجِع إِلَيْهِ، فِي التَّلْوِيح: لَا قَائِل بِأَن التَّعْلِيل بِالنَّفْيِ إِحْدَى علل الْحجَج الشَّرْعِيَّة انْتهى، وَإِنَّمَا هُوَ نفي الحكم الشَّرْعِيّ بِنَفْي الْمدْرك الشَّرْعِيّ، وَفِيه مَا فِيهِ (والمصالح الْمُرْسلَة) وَهِي الَّتِي لَا يشْهد لَهَا أصل بِالِاعْتِبَارِ فِي الشَّرْع وَلَا بالإلغاء وَإِن كَانَت على سنَن الْمصَالح وتلقتها الْعُقُول بِالْقبُولِ (أثبتها مَالك) وَالشَّافِعِيّ فِي قَول قديم (ومنعها الْحَنَفِيَّة وَغَيرهم) مِنْهُم أَكثر الشَّافِعِيَّة ومتأخرو الْحَنَابِلَة (لعدم مَا يشْهد) لَهَا (بِالِاعْتِبَارِ، وَلعدم أصل الْقيَاس فِيهَا كَمَا يعرف مِمَّا تقدم) فِي المرصد الأول، من فصل الْعلَّة، وَالصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم عمِلُوا أمورا لمُطلق الْمصلحَة بِلَا تَقْدِيم شَاهد بِالِاعْتِبَارِ نَحْو كِتَابَة الْمُصحف وَولَايَة الْعَهْد من أبي بكر لعمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَتَدْوِين الدَّوَاوِين وَعمل السِّكَّة للْمُسلمين واتخاذ السجْن، فَعمل ذَلِك عمر رَضِي الله عَنهُ تَعَالَى عَنهُ والأوقاف بِإِزَاءِ مَسْجِد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والتوسعة فِي الْمَسْجِد عِنْد ضيقه فعله عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَذَا تَجْدِيد أَذَان فِي الْجُمُعَة بِالسوقِ وَهُوَ الْأَذَان الأول، فعله عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثمَّ نَقله هِشَام إِلَى الْمَسْجِد (وتعارض الْأَشْبَاه) أَي بَقَاء الحكم الْأَصْلِيّ فِي الْمُتَنَازع فِيهِ لتعارض أصلين فِيهِ يُمكن إِلْحَاقه بِكُل مِنْهُمَا (كَقَوْل زفر فِي الْمرَافِق) لَا يجب غسلهَا فِي الْوضُوء لِأَنَّهَا (غَايَة) لغسل الْيَد، والغاية قِسْمَانِ (دخل) قسم (مِنْهَا) فِي المغيا كَقَوْلِه تَعَالَى - {من الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى} (وَخرج) قسم مِنْهَا كَقَوْلِه تَعَالَى - {وَأَتمُّوا الصّيام إِلَى اللَّيْل} {فَلَا يدْخل} الْمرْفق (بِالشَّكِّ) فِي وجوب الْغسْل (وَدفع) كَونه دَلِيلا (بِأَنَّهُ إِثْبَات حكم شَرْعِي بِالْجَهْلِ وَأجِيب بِأَن المُرَاد) لزفَر (الأَصْل عَدمه) أَي عدم دُخُول الْمرَافِق فِي الْغسْل (فَيبقى) عَدمه مستمرا (إِلَى ثُبُوت مُوجبه) أَي الدُّخُول (وَالثَّابِت) بِالِاجْتِهَادِ فِي حق الْمرَافِق إِنَّمَا هُوَ (التَّعَارُض) وَقد عرفت الْجَواب من هَذَا فِيمَا سبق فِي مسئلة: إِلَى من حُرُوف الْجَرّ
(4/171)

(وَمِنْهَا) أَي من الْأُمُور الْمَذْكُورَة (الِاسْتِدْلَال) وَهُوَ فِي اللُّغَة طلب الدَّلِيل، وَفِي الْعرف إِقَامَته، وَالْمرَاد مِنْهُ هَهُنَا (قيل مَا لَيْسَ بِأحد) الْأَدِلَّة (الْأَرْبَعَة فَيخرج) من هَذَا التَّعْرِيف (قِيَاس الدّلَالَة) وَهُوَ على مَا سبق مَا لَا يذكر فِيهِ الْعلَّة بل وصف ملازم لَهَا نَحْو النَّبِيذ حرَام كَالْخمرِ بِجَامِع الرَّائِحَة المشتدة (وَمَا فِي معنى الأَصْل تَنْقِيح المناط) عطف بَيَان للموصول، وَهُوَ الْجمع بَين الأَصْل وَالْفرع بإلغاء الْفَارِق كقياس الْبَوْل فِي إِنَاء وصبه فِي المَاء الدَّائِم على الْبَوْل فِيهِ الْمنْهِي عَنهُ فِي الْخَبَر الصَّحِيح لعدم الْفرق بَينهمَا فِيمَا يقْصد بِالْمَنْعِ كَمَا يخرج قِيَاس الْعلَّة الْمُصَرّح فِيهِ بِالْعِلَّةِ نَحْو: محرم النَّبِيذ كَالْخمرِ للإسكار لاندراجه فِي الْأَرْبَعَة، فَإِن الْقيَاس الْمُطلق يعم الْكل (وَقد يُقيد الْقيَاس) الْمَنْفِيّ (بِقِيَاس الْعلَّة) فَإِنَّهُ الْمُتَبَادر من الْقيَاس الْمَعْدُود من الْأَرْبَعَة (فيدخلانه) أَي فعلى هَذَا يدْخل قِيَاس الدّلَالَة وَمَا فِي معنى الأَصْل فِي الِاسْتِدْلَال (واختير أَن أَنْوَاعه) أَي الِاسْتِدْلَال ثَلَاثَة على مَا صرح ابْن الْحَاجِب (شرع من قبلنَا، والاستصحاب، والتلازم، وَهُوَ) التلازم (المفاد بالاستثنائي والاقتراني بضروبهما) الْجَار وَالْمَجْرُور بدل من الْجَار وَالْمَجْرُور، أَو الْمَعْنى ملحوظين بِاعْتِبَار جَمِيع ضروبهما، وَذَلِكَ لِأَن حَاصِل الأول الحكم بِلُزُوم شَيْء لشَيْء، ثمَّ الحكم بِوُجُود الْمَلْزُوم فينتج وجود اللَّازِم، أَو الحكم بِانْتِفَاء اللَّازِم فَيُفِيد انْتِفَاء الْمَلْزُوم، ومرجع ضروب الاقتراني إِلَى الشكل الأول، وَحَاصِله لُزُوم مَحْمُول النتيجة للأوسط اللَّازِم لموضوعها فَيثبت محمولها لموضوعها بِالضَّرُورَةِ، فَظهر أَن مفَاد الْكل اللُّزُوم الْمُفِيد للمطلوب (وَقدمنَا زِيَادَة ضرب) للاستثنائي هِيَ على مَا أثْبته الْقَوْم حَاصله (فِي) صُورَة (تَسَاوِي الْمُقدم والتالي) كَأَن كَانَ هَذَا وَاجِبا فتاركه يسْتَحق الْعقَاب لكنه لَا يسْتَحق الْعقَاب، فَإِن الْمَفْرُوض مُسَاوَاة الِاسْتِحْقَاق وَالْوُجُوب، فانتفاء أحد المتساويين يسْتَلْزم انْتِفَاء الآخر، وَإِن كَانَ هَذَا وَاجِبا فتاركه يسْتَحق الْعقَاب لَكِن تَاركه يسْتَحق الْعقَاب فَهُوَ لَيْسَ بِوَاجِب، وَإِنَّمَا اعتبرها ضربا وَاحِدًا، لِأَن منَاط الْكل أَمر وَاحِد وَهُوَ التَّسَاوِي (وَكَذَا) زِيَادَة ضرب (فِي الاقتراني) وَهُوَ الْمركب من كَلِمَتَيْنِ صغرى سالبة وكبرى مُوجبَة مُتَسَاوِيَة الطَّرفَيْنِ كلا شَيْء من الْإِنْسَان بصهال وكل صهال فرس فَلَا شَيْء من الْإِنْسَان بفرس (إِلَّا أَنه) أَي التلازم الْمَذْكُور (هُنَا) أَي فِي هَذَا الْمقَام مَحْمُول (على خُصُوص) من مُطلق التلازم (هُوَ إِثْبَات أحد موجبي الْعلَّة بِالْآخرِ فتلازمهما) أَي موجبهما، وهما الحكمان إِنَّمَا يكون (بِلَا تعْيين عِلّة) مُوجبَة لَهما (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن كَذَا بل يتَعَيَّن عِلّة جَامِعَة (فَقِيَاس) أَي فإثباته بهَا قِيَاس (وَيكون) التلازم (بَين ثبوتين) بَينهمَا اطراد وانعكاس كَمَا إِذا تساوى الْمُقدم والتالي أَو اطراد من طرف وَاحِد من غير انعكاس كَمَا إِذا كَانَ التَّالِي أَعم من الْمُقدم (كمن صَحَّ طَلَاقه صَحَّ ظِهَاره
(4/172)

وَهُوَ) أَي ثُبُوت التلازم بَينهمَا يكون (بالاطراد) الشَّرْعِيّ بِأَن تتبع فَوجدَ كل من صَحَّ طَلَاقه صَحَّ ظِهَاره، فَعلم أَن المُرَاد بالتلازم مُطلق اللُّزُوم سَوَاء كَانَ من الْجَانِبَيْنِ أَو من جَانب وَاحِد، وَزَاد الشَّارِح هُنَا فِي تَصْوِير الاطراد: وكل من صَحَّ ظِهَاره صَحَّ طَلَاقه، وعَلى هَذَا لَا يبْقى لقَوْله (ويقوى) ثُبُوته بَينهمَا (بالانعكاس) معنى لِأَن الموجبتين الكليتين حاصلهما الْمُسَاوَاة ونقيضا المتساويين متساويان، وَهُوَ محصول قَوْله كل شخص لَا يَصح طَلَاقه لَا يَصح ظِهَاره، وكل شخص لَا يَصح ظِهَاره لَا يَصح طَلَاقه فِي تَفْسِير الانعكاس، وَقَوله: وَحَاصِله التَّمَسُّك بالدوران: يَعْنِي حَاصِل التلازم بَين الطَّلَاق وَصِحَّة الظِّهَار وَعدم الانفكاك بَينهمَا وجودا وعدما، والبحث أَنه فسر الاطراد والانعكاس أَولا باللزوم من الْجَانِبَيْنِ حَيْثُ قَالَ وَلَا بُد فِيهِ أما من الاطراد أَو الانعكاس من الطَّرفَيْنِ كَمَا فِيمَا يكون التَّالِي فِيهِ مُسَاوِيا للعدم، أَو طردا لَا عكسا من طرف وَاحِد فِيمَا يكون التَّالِي أَعم من الْمُقدم انْتهى، وَالضَّمِير فِي قَوْله فِيهِ رَاجع إِلَى التلازم بَين ثبوتين فالاطراد والانعكاس كِلَاهُمَا بِالْبُطْلَانِ، وَحَاصِله كل من صَحَّ ظِهَاره صَحَّ طَلَاقه، وَهَذَا يسْتَلْزم مَا فسر بِهِ الانعكاس ثَانِيًا من اعْتِبَار التلازم بَين نقيضي الثبوتين (ويقرر ثُبُوت) التلازم بَينهمَا إِذا كَانَا أثرين لمؤثر بالاستدلال بِثُبُوت (أحد الأثرين فَيلْزم) أَن يثبت (الآخر للُزُوم) وجود (الْمُؤثر) ثُبُوت أحد الأثرين، وَعند وجود الْمُؤثر يلْزم وجود الْأَثر الآخر بِالضَّرُورَةِ (و) تقرر أَيْضا (بِمَعْنَاهُ) أَي بِمَعْنى مَا ذكر، وَهُوَ الِاسْتِدْلَال بِثُبُوت أحد الأثرين عِنْد وجود الْمُؤثر يلْزم وجود الْأَثر الآخر على ثُبُوت الْمُؤثر ثمَّ ثُبُوته على ثُبُوت الآخر (كفرض الصحتين) للطَّلَاق وَالظِّهَار (أثر الْوَاحِد) كالأهلية لَهما، فَإِذا ثَبت صِحَة الطَّلَاق ثَبت الْأَهْلِيَّة لَهَا، وَيلْزم من ثُبُوت الْأَهْلِيَّة ثُبُوت صِحَة الظِّهَار (وَمَتى عين الْمُؤثر خرج) عَن الِاسْتِدْلَال (إِلَى قِيَاس الْعلَّة، و) يكون التلازم (بَين نفيين). وَفِي الشَّرْح العضدي: التلازم أَرْبَعَة لِأَنَّهُ إِنَّمَا يكون بن حكمين، وَالْحكم إِمَّا إِثْبَات أَو نفي، فالأقسام أَرْبَعَة: إِمَّا بَين ثبوتين أَو نفييت أَو ثُبُوت وَنفي، أَو نفي وَثُبُوت، وَمحل الحكم ان لم يكن متلازمين وَلَا متنافيين كالأسود وَالْمُسَافر لم يجز فِيهِ شَيْء من الْأَرْبَعَة، والتلازم إِمَّا أَن يكون طردا أَو عكسا: أَي من الطَّرفَيْنِ، أَو طردا لَا عكسا: أَي من طرف وَاحِد، والتنافي لَا بُد أَن يكون من الطَّرفَيْنِ، لكنه إِمَّا أَن يكون طردا أَو عكسا: أَي إِثْبَاتًا ونفيا، وَإِمَّا طردا فَقَط: أَي إِثْبَاتًا، وَإِمَّا عكسا فَقَط: أَي نفيا، فَهَذِهِ خَمْسَة أَقسَام انْتهى. وَفسّر الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ هَذِه الْأَقْسَام الثَّلَاثَة للتنافي بالانفصال الْحَقِيقِيّ، وَمنع الْجمع، وَمنع الْخُلُو، وَقد حمل الشَّارِح قَول المُصَنّف (وَلَا بُد من كَونه الطَّرفَيْنِ طردا وعكسا أَو أَحدهمَا) على هَذِه الثَّلَاثَة، وَجعل تَقْدِير الْكَلَام وَلَا بُد من كَون التَّنَافِي بَين الطَّرفَيْنِ طردا وعكسا: أَي إِثْبَاتًا ونفيا كَمَا هُوَ الْمُنْفَصِلَة
(4/173)

الْحَقِيقِيَّة أَو طردا فَقَط كَمَا هُوَ مَانِعَة الْجمع، أَو عكسا فَقَط كَمَا هُوَ مَانِعَة الْخُلُو: وَلَا يخفى مَا فِيهِ لعدم ذكر التَّنَافِي فِي هَذَا السِّيَاق، وَتَقْرِيره بَين فَالْوَجْه أَن يُقَال: الْمَعْنى أَنه لَا بُد من كَون طرفِي التلازم الْوَاقِع بَين النفيين، طردا وعكسا، أَو ذَا طرد فَقَط، أَو ذَا عكس فَقَط فَإِن قلت: على هَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَن يُقَال وَلَا بُد من كَونهمَا: أَي النفيين طردا الخ، لِأَن طرفِي التلازم عبارَة عَنْهُمَا قلت: قصد التَّعْمِيم على وَجه يَشْمَل النفيين والمنفيين، فَإِن المُرَاد بالطرد وَالْعَكْس هَهُنَا كليتان فِي جَانِبي النَّفْي وَالْإِثْبَات (لَا يَصح التَّيَمُّم بِلَا نِيَّة فَلَا يَصح الْوضُوء) بِلَا نِيَّة خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف: أَي مِثَاله لَا يَصح الخ (وَهُوَ) أَي ثُبُوت التلازم بَين النفيين (أَيْضا بالاطراد) كَمَا أَنه بَين الثبوتين كَذَلِك (ويقوى) اللُّزُوم الْحَاصِل بالاطراد (بالانعكاس) على طبق مَا سبق: أَي كل تيَمّم يَصح بِالنِّيَّةِ، وكل وضوء يَصح بِالنِّيَّةِ: وَهَذَا عِنْد الشَّافِعِيَّة. وَأما عِنْد الْحَنَفِيَّة فالتلازم طردا وعكسا فِي أحد الطَّرفَيْنِ فَقَط، وَهُوَ التَّيَمُّم، بِخِلَاف الْوضُوء فَإِنَّهُ لَا يَصح عِنْدهم كل وضوء بِالنِّيَّةِ كَمَا لَا يخفى انْتهى. وَيفهم مِنْهُ أَنه يعْتَبر الاطراد والانعكاس فِي كل من طرفِي التلازم: وَهَذَا خبط آخر، بل الانعكاس فِيهِ لُزُوم عدم صِحَة التَّيَمُّم بِغَيْر نِيَّة لعدم صِحَة الْوضُوء بِغَيْر نِيَّة كَعَكْسِهِ (ويقرر) ثُبُوت التلازم بَين النفيين إِذا كَانَا أثرين لمؤثر (بِانْتِفَاء أحد الأثرين، فالآخر) أَي فَيلْزم انْتِفَاء الآخر لانْتِفَاء الْمُؤثر لفرض ثبوتهما أثرا لوَاحِد وَلَيْسَ فرض كَون الثَّوَاب وَاشْتِرَاط النِّيَّة أثرين لِلْعِبَادَةِ (يُوجِبهُ) أَي يُوجب التلازم بَين النفيين، أَعنِي عدم صِحَة التَّيَمُّم بِلَا نِيَّة، وَعدم صِحَة الْوضُوء بِلَا نِيَّة (على) مَذْهَب (الْحَنَفِيّ) لعدم اشْتِرَاط صِحَة الْوضُوء بِالنِّيَّةِ عِنْدهم وَعدم لُزُوم الثَّوَاب لصِحَّته، بِخِلَاف صِحَة التَّيَمُّم فَإِنَّهُ يشْتَرط صِحَّته بِالنِّيَّةِ وَيلْزمهُ الثَّوَاب وَالْعِبَادَة (و) يكون التلازم (بَين نفي مُلْزم للثبوت) وَبَين الثُّبُوت اللَّازِم لَهُ حذفه لانسياق الذِّهْن لَهُ (وَعَكسه) أَي وَبَين ثُبُوت ملزوم للنَّفْي، وَنفي لَازم لَهُ، مِثَال الأول (مُبَاح فَلَيْسَ بِحرَام) فَإِن كَون الشَّيْء مُبَاحا ثُبُوت لَازمه نفي الْحُرْمَة فبينهما تلازم بِمَعْنى أَن نفي الْحُرْمَة ملازم للْإِبَاحَة من غير أَن تذكر الْإِبَاحَة لَازِمَة لنفي الْحُرْمَة لتحَقّق هَذَا النَّفْي فِي ضمن الْوُجُوب وَمِثَال الثَّانِي (لَيْسَ جَائِزا فَحَرَام) فَإِن كَون الشَّيْء منفي الْجَوَاز يلْزمه الْحُرْمَة وَكَذَلِكَ عَكسه، فالتلازم هَهُنَا من الطَّرفَيْنِ (ويقرران) أَي هَذَانِ التلازمان (بِإِثْبَات التَّنَافِي بَينهمَا) أَي بَين الثُّبُوت والمنفي، لَا بَين الثُّبُوت وَالنَّفْي كَمَا يُوهِمهُ ظَاهر الْعبارَة لعدم التَّنَافِي بَين الْإِبَاحَة وَنفي الْحُرْمَة مثلا، بل نَفيهَا لَازم للْإِبَاحَة (أَو) بِإِثْبَات التَّنَافِي بَين (لوازمهما) أَي لَوَازِم الثُّبُوت والمنفي كالتأثيم اللَّازِم لِلْحَرَامِ وَعَدَمه اللَّازِم للمباح والجائز، فَإِن تنَافِي اللوازم يسْتَلْزم تنَافِي الملزومات (وَيرد عَلَيْهَا) أَي على الْأَقْسَام الْأَرْبَعَة من الاعتراضات (منع اللُّزُوم كالحنفي) أَي كمنعه
(4/174)

(فِي الْأَوَّلين) التلازم بَين الظِّهَار وَالطَّلَاق وَبَين نفي صِحَة التَّيَمُّم بِغَيْر نِيَّة وَصِحَّة الْوضُوء بغَيْرهَا وَقد مر بَيَانه (و) منع (ثُبُوت الْمَلْزُوم، و) كَذَا مَا يرد عَلَيْهِ (مَا لَا يخْتَص بِالْعِلَّةِ) من الأسئلة الْوَارِدَة على الْقيَاس، لِأَنَّهُ لم يتَعَيَّن الْعلَّة فِي التلازم، وَمَا لم يتَعَيَّن لم يرد عَلَيْهِ شَيْء (وَيخْتَص) التلازم بسؤال لَا يرد على الْقيَاس وَهُوَ منع تحقق الْمُلَازمَة (فِي مثل تقطع الْأَيْدِي بيد) أَي بِقطع يَد وَاحِدَة (كَقَتل الْجَمَاعَة بِوَاحِد) أَي بقتل وَاحِد (لملازمته) أَي الْقصاص الْمَذْكُور (لثُبُوت الدِّيَة على الْكل) مُتَعَلق بالثبوت لتَضَمّنه معنى الْوُجُوب (فِي الأَصْل) ظرف للملازمة (أَي النَّفس) تَفْسِير للْأَصْل (لِأَنَّهُمَا) أَي الْقصاص وَالدية (أثران فِيهَا) أَي فِي النَّفس يترتبان على الْجِنَايَة (وَوجد أَحدهمَا) أَي أحد الأثرين، وَهُوَ الدِّيَة (فِي الْفَرْع) أَي الْيَد (فالآخر) أَي فَيثبت الْأَثر الآخر، وَهُوَ (الْقصاص) فِيهِ أَيْضا (لِأَن علتهما) أَي عِلّة الأثرين الْمَذْكُورين (فِي الأَصْل إِن) كَانَت (وَاحِدَة فَظَاهر) ثُبُوت الْقصاص على الْكل فِي الْفَرْع لِأَن وجود الْأَثر وَهُوَ الدِّيَة فِيهِ يسْتَلْزم وجود الْعلَّة المؤثرة، وَعند وجودهَا يثبت أَثَرهَا الآخر (أَو) كَانَت (مُتعَدِّدَة، فتلازمهما) أَي الأثرين: وجوب الدِّيَة وَالْقصاص فِي الْجَمِيع (فِي الأَصْل) أَي النَّفس (لتلازمهما) أَي العلتين فوجود أحد الأثرين، وَهُوَ الدِّيَة فِي الْفَرْع يسْتَلْزم وجود علته، وَوُجُود علته يسْتَلْزم عِلّة الْأَثر الآخر للتلازم بَينهمَا (فَيثبت) الْأَثر (الآخر) وَهُوَ الْقصاص فِي الْفَرْع أَيْضا لثُبُوت علته (فَيرد) السُّؤَال الْمُخْتَص بِمثل هَذَا، وَهُوَ (تَجْوِيز كَونه) أَي ذَلِك الْأَثر، وَهُوَ وجوب الدِّيَة على الْكل (بعلة) فِي الْفَرْع: أَي الْيَد يَقْتَضِي وجوب الدِّيَة على الْكل، و (لَا تَقْتَضِي قطع الْأَيْدِي) بِالْيَدِ (وَلَا) هِيَ (مُلَازمَة مقتضية) أَي مُقْتَضى قطع الْأَيْدِي بِالْيَدِ (و) الْأَثر الْمَذْكُور (فِي الأَصْل) أَي النَّفس (بِأُخْرَى) أَي بعلة أُخْرَى غير علته فِي الْفَرْع (تقتضيهما) أَي الْقصاص وَوُجُوب الدِّيَة صفة عِلّة أُخْرَى: وَهَذَا يحْتَمل وَجْهَيْن أَن تكون عِلّة الْقصاص بِعَينهَا عِلّة الدِّيَة، وَالثَّانِي أَن تكون عِلّة الْقصاص غير عِلّة الدِّيَة لَكِن بَينهمَا تلازم وَأفَاد بقوله (أَو) بعلة أُخْرَى (لَا تلازم مُقْتَض قبل الْكل) وَجها ثَالِثا لَا اتِّحَاد فِيهِ وَلَا تلازم (ويرجح) الْمُعْتَرض ثُبُوته فِي الْفَرْع بعلة أُخْرَى (باتساع مدارك الْأَحْكَام) يَعْنِي على هَذَا التَّقْدِير لَا يلْزم الاتساع فِي الْأَدِلَّة الَّتِي يدْرك بهَا الْأَحْكَام، فَإِن تعدد الْعلَّة تعدد الدَّلِيل (وَهُوَ) أَي اتساع مدارك الْأَحْكَام (أَكثر فَائِدَة، وَجَوَابه) أَي جَوَاب هَذَا السُّؤَال أَن يُقَال (الأَصْل عدم) عِلّة (أُخْرَى، ويرجح الِاتِّحَاد) أَي اتِّحَاد الْعلَّة فِي الحكم الْوَاحِد بالنوع على تعددها (بِأَنَّهَا) أَي الْعلَّة المتحدة (منعكسة) متحققة فِي جَمِيع صور الحكم والمنعكس عِلّة بالِاتِّفَاقِ، بِخِلَاف غَيرهَا، إِذْ الْمُتَّفق عَلَيْهَا أرجح (فَإِن دَفعه) أَي الْمُعْتَرض الْجَواب الْمَذْكُور بِأَنَّهُ
(4/175)

معَارض (بِأَن الأَصْل أَيْضا عدم عِلّة الأَصْل فِي الْفَرْع قَالَ) الْمُسْتَدلّ تعَارض الأصلان فتساقطا غير أَنِّي أَقُول (المتعدية أولى) من القاصرة، وعَلى تَقْدِير اتِّحَاد الْعلَّة فِي الأَصْل وَالْفرع تكون متعدية، وعَلى تَقْدِير التَّعَدُّد قَاصِرَة، وَفِيه بِأَنَّهُ على تَقْدِير التَّعَدُّد لَا يلْزم كَونهَا قَاصِرَة لجَوَاز تعديها إِلَى غير مَحل النزاع فَتَأمل. قَالَ (الْآمِدِيّ وَمِنْه) أَي من الِاسْتِدْلَال (وجد السَّبَب) فَيثبت الحكم فَالْمُرَاد مَا يَتَرَتَّب على وجوده الحكم (و) وجد (الْمَانِع وفقد الشَّرْط) فيعدم الحكم (وَنفي الحكم لانْتِفَاء مدركه) وَهُوَ المُرَاد بِالتَّعْلِيلِ بِالْعدمِ (و) اتّفق (الْحَنَفِيَّة وَكثير) من الْأُصُولِيِّينَ (على نَفْيه) أَي نفي الِاسْتِدْلَال بِأحد هَذِه الْأُمُور الْأَرْبَعَة (إِذْ هُوَ دَعْوَى الدَّلِيل) فَهُوَ بِمَثَابَة وجد دَلِيل الحكم فَيُؤْخَذ فَإِنَّهُ لَا يسمع مَا لم يعين ذَلِك الدَّلِيل (فالدليل وجود الْمعِين مِنْهَا) أَي من الْأُمُور الْمَذْكُورَة من الْمُقْتَضى وَالْمَانِع وفقد الشَّرْط (وَأجِيب بِأَنَّهُ) أَي الْمَذْكُور من قَوْله وجد الحكم إِلَى آخِره (دَلِيل) لِأَنَّهُ عبارَة عَمَّا إِذا سلم لزم مِنْهُ الْمَطْلُوب (بعض مقدماته نظرية) وَهِي الصُّغْرَى (وَالْمُخْتَار أَن لم يثبت ذَلِك) أَي وجود السَّبَب أَو الْمَانِع أَو فقد الشَّرْط (بأحدها) قَالَ الشَّارِح: وَهُوَ سَهْو وَالصَّوَاب بغَيْرهَا يَعْنِي بدل أَحدهَا، وَهَذَا خطأ ظَاهر مِنْهُ لَعَلَّه وَقع فِيهَا لما رأى فِي الشَّرْح العضدي وحاشية الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ عَلَيْهِ من لَفْظَة بغَيْرهَا مُتَعَلقا بالثبوت حَيْثُ قَالَ، وَقيل وَالِاسْتِدْلَال أَن يثبت وجود السَّبَب إِلَى آخِره بِغَيْر الثَّلَاثَة وَلم يفرق بَين كَون الْمُتَعَلّق الثُّبُوت أَو نفي الثُّبُوت، فَإِن نفي الثُّبُوت إِذا قيد بغَيْرهَا يكون حَاصله الثُّبُوت بهَا وَهُوَ خلاف الْمَقْصُود، فسبحان من جزأ الأرنب على الْأسد (فاستدلال وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن كَذَلِك (فبأحدها) أَي فَهُوَ ثَابت بأحدها من النَّص وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس، لَا بالاستدلال (وعَلى هَذَا) التَّفْصِيل (يرد الِاسْتِدْلَال مُطلقًا إِلَى أَحدهَا) ليعتد بِهِ شرعا (إِذْ ثُبُوت ذَلِك التلازم) الْمُفَسّر بِهِ أحد أَنْوَاع الِاسْتِدْلَال (لَا بُد فِيهِ) أَي فِي ذَلِك الثُّبُوت (شرعا) قيد للثبوت: أَي ثبوتا شَرْعِيًّا (مِنْهُ) أَي من أَحدهَا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن ثُبُوته شرعا بأحدها (فَلَيْسَ) ذَلِك الحكم الثَّابِت بِهِ (حكما شَرْعِيًّا، فَالْحق أَنه) أَي الِاسْتِدْلَال الْمَذْكُور (كَيْفيَّة اسْتِدْلَال) بِأحد الْأَرْبَعَة: الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس (لَا) دَلِيل (آخر غير الْأَرْبَعَة وَتقدم شرع من قبلنَا) قبل فصل التَّعَارُض بمسئلتين (وَيرد إِلَى الْكتاب) لِأَنَّهُ يقص علينا من غير إِنْكَار (وَالسّنة) لمثل مَا ذكرنَا (وَقَول الصَّحَابِيّ) على مَا عرف فِيهِ من التَّفْصِيل (ورد) أَي قَول الصَّحَابِيّ (إِلَى السّنة) كَمَا مر فِي المسئلة الَّتِي يَليهَا فصل التَّعَارُض (ورد الِاسْتِصْحَاب إِلَى مَا بِهِ ثَبت الأَصْل الْمَحْكُوم باستمراره) بِهِ (فَهُوَ) أَي الِاسْتِصْحَاب (الحكم) الظني (بِبَقَاء أَمر تحقق) سَابِقًا (وَلم يظنّ عَدمه) بعد تحَققه (وَهُوَ حجَّة عِنْد الشَّافِعِيَّة وَطَائِفَة من الْحَنَفِيَّة) السمرقنديين: مِنْهُم
(4/176)

أَبُو مَنْصُور الماتريدي، وَاخْتَارَهُ صَاحب الْمِيزَان والحنابلة (مُطلقًا) أَي للإثبات وَالدَّفْع (ونفاه) أَي كَونه حجَّة (كثير) من الْحَنَفِيَّة وَبَعض الشَّافِعِيَّة والمتكلمون (مُطلقًا) فِي الْإِثْبَات وَالدَّفْع (وَأَبُو زيد وشمس الْأَئِمَّة وفخر الْإِسْلَام) وَصدر الْإِسْلَام قَالُوا: هُوَ حجَّة (للدَّفْع) لَا للإثبات. (وَالْوَجْه) أَن يُقَال (لَيْسَ) الِاسْتِصْحَاب (حجَّة) أصلا كَمَا قَالَ الْكثير (وَالدَّفْع اسْتِمْرَار عَدمه) أَي عدم ذَلِك الْأَمر الَّذِي يتَوَهَّم طرده على مَا تحقق وجوده (الْأَصْلِيّ) صفة للعدم (لِأَن مُوجب الْوُجُود لَيْسَ مُوجب بَقَائِهِ) فَإِن الْبَقَاء اسْتِمْرَار الْوُجُود وَصفته، وَعلة الْمَوْصُوف لَا يجب أَن يكون عِلّة لصفته، وَالْمرَاد نفي لُزُوم الِاتِّحَاد بَينهمَا، لَا للُزُوم الْمُغَايرَة، فَلَا يرد أَنه لم لَا يجوز أَن يكون عِلّة الْوُجُود عِلّة الْبَقَاء، وهذاالقدر كَاف فِي التَّعْلِيل، لِأَن حجية الِاسْتِصْحَاب مَوْقُوفَة على كَون مُوجب الْوُجُود مُوجب الْبَقَاء، لِأَن حَاصله إبْقَاء مَا قد تحقق لموجب على مَا كَانَ، وَلَيْسَ عندنَا إِلَّا الْعلم بِوُجُود الْمُوجب للوجود فِيمَا سبق، فَلَو كَانَ يلْزم كَون مُوجب الْوُجُود مُوجب الْبَقَاء كَانَ ذَلِك دَلِيلا على الْبَقَاء وَحَيْثُ لم يلْزم لم يكن للبقاء دَلِيل، وَلذَا قَالَ (فَالْحكم بِبَقَائِهِ) أَي الْوُجُود (بِلَا دَلِيل) فَذكر اسْتِمْرَار الْعَدَم فِي مقَام الدّفع لثُبُوت أَمر طَارِئ على مَا تحقق وجوده إِنَّمَا هُوَ أَمر مَبْنِيّ على ظَاهر الْحَال، وَهُوَ إبْقَاء مَا كَانَ على مَا كَانَ، فَإِن الْعقل إِذا تردد بَين بَقَاء الشَّيْء وزواله وَلم يكن عِنْده مَا يدل على الزَّوَال كَانَ الرَّاجِح من الِاحْتِمَالَيْنِ عِنْده الْبَقَاء. (قَالُوا) أَي الْقَائِلُونَ بحجيته مُطلقًا: الحكم بِالْبَقَاءِ أَمر (ضَرُورِيّ لتصرفات الْعُقَلَاء) أَي لصدور تصرفاتهم (بِاعْتِبَارِهِ) لولاه لما صدرت عَنْهُم، ثمَّ بَينهَا بقوله (من إرْسَال الرُّسُل والكتب والهدايا) من بلد إِلَى بلد إِلَى غير ذَلِك، وَلَوْلَا الحكم الظني بِبَقَاء الْمُرْسل إِلَيْهِ مثلا لَكَانَ ذَلِك منعهَا (وَمِنْهُم) أَي من الْقَائِلين بحجيته مُطلقًا (من استبعده) أَي كَونه حجَّة بِالضَّرُورَةِ (فِي مَحل النزاع) فَإِنَّهُ لَو كَانَ ضَرُورِيًّا لما نَازع فِيهِ جم غفير من الْعلمَاء (فعدلوا إِلَى أَنه لَو لم يكن حجَّة لم يجْزم بِبَقَاء الشَّرَائِع مَعَ احْتِمَال الرّفْع) أَي طريان النَّاسِخ، وَاللَّازِم بَاطِل (و) إِلَى (الْإِجْمَاع) أَيْضا (عَلَيْهِ) أَي على الِاسْتِصْحَاب على مَا يظْهر اعْتِبَاره فِي فروع الْمذَاهب كَمَا (فِي نَحْو بَقَاء الْوضُوء وَالْحَدَث والزوجية وَالْملك مَعَ طرُو الشَّك) فِي طريان الضِّدّ (وَأجِيب) عَن الأول (بِمَنْع الْمُلَازمَة لجوازه) أَي الْجَزْم ببقائها وَالْقطع بِعَدَمِ نسخهَا (بِغَيْرِهِ) أَي بِدَلِيل آخر غير الِاسْتِصْحَاب (كتواتر إِيجَاب الْعَمَل فِي كل شَرِيعَة بهَا) أَي بِتِلْكَ الشَّرِيعَة لأَهْلهَا (إِلَى ظُهُور النَّاسِخ وَتلك الْفُرُوع) لَيست مَبْنِيَّة على الِاسْتِصْحَاب بل (لِأَن الْأَسْبَاب توجب أحكاما) من الْوضُوء وَالْحَدَث والزوجية وَالْملك وَغير ذَلِك (ممتدة إِلَى ظُهُور الناقض) فَكَأَن الشَّارِع قَالَ أوجبت الْعَمَل
(4/177)

بِمُوجب هَذِه الشَّرَائِع مستمرا إِلَى أَن يظْهر النَّاسِخ وَأثبت هَذِه الْأَسْبَاب أحكاما ثَابِتَة مستمرة إِلَى ظُهُور نواقضها (شرعا) فعلى هَذَا بَقَاؤُهَا أَيْضا مَنْصُوص عَلَيْهِ كأصل ثُبُوتهَا، فَلَا حَاجَة إِلَى التَّمَسُّك بالاستصحاب (وَاعْلَم أَن مدَار الْخلاف) فِي كَون الِاسْتِصْحَاب حجَّة أَولا (على أَن سبق الْوُجُود مَعَ عدم ظن الانتفاء هَل هُوَ دَلِيل الْبَقَاء) أَولا (فَقَالُوا) أَي الشَّافِعِيَّة وَمن وافقهم (نعم فَلَيْسَ الحكم بِهِ) أَي بالاستصحاب حكما (بِلَا دَلِيل. و) قَالَ (الْحَنَفِيَّة لَا، إِذْ لَا بُد فِي الدَّلِيل من جِهَة يسْتَلْزم بهَا) الْمَطْلُوب (وَهِي) أَي الْجِهَة المستلزمة لَهُ (منتفية فتفرعت الخلافيات) بَين الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة (فيرث الْمَفْقُود) من مَاتَ مِمَّن يَرِثهُ فِي غيبته (عِنْده) أَي الشَّافِعِي باستصحاب حَيَاته الْمُوجبَة لاسْتِحْقَاق الْإِرْث (لَا عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة، لِأَن الْإِرْث من بَاب الْإِثْبَات، وحياته بالاستصحاب لَا توجب اسْتِحْقَاقه (وَلَا يُورث لِأَنَّهُ) أَي عدم الْإِرْث (دفع) لاسْتِحْقَاق الْإِرْث فَيثبت الِاسْتِصْحَاب (وعَلى مَا حققنا) من أَنه لَيْسَ حجَّة أصلا، فَإِن الدّفع اسْتِمْرَار عَدمه الْأَصْلِيّ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (عَدمه) أَي الْإِرْث (أُصَلِّي لعدم) ثُبُوت (سَببه) أَي الْإِرْث (إِذْ لم يثبت مَوته) أَي الْمَفْقُود (وَلَا صلح على إِنْكَار) إِذْ لَا صِحَة لَهُ مَعَ إِنْكَار الْمُدَّعِي عَلَيْهِ عِنْد الشَّافِعِي (لإِثْبَات اسْتِصْحَاب بَرَاءَة الذِّمَّة) يَعْنِي أَن فَائِدَة الصُّلْح حُصُول بَرَاءَة ذمَّة الْمُدَّعِي عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ وَهُوَ حَاصِل بِدُونِ الصُّلْح، وَلَا شكّ أَن بَرَاءَة الذِّمَّة هُوَ الأَصْل فالاستصحاب الَّذِي هُوَ إبْقَاء مَا كَانَ على مَا كَانَ يثبتها فَلَا يَتَرَتَّب على هَذَا الصُّلْح فَائِدَة وَلَا صِحَة للمعقود بِدُونِ الْفَائِدَة فَلَا صلح على الْإِنْكَار، وَهَذَا الِاسْتِصْحَاب حجَّة للْمُدَّعِي عَلَيْهِ على الْمُدَّعِي لإِثْبَات بَرَاءَة ذمَّة الْمُدَّعِي عَلَيْهِ عِنْد من يحْتَج بِهِ فِي الْإِثْبَات (كاليمين) أَي كَمَا أَن الْيَمين لإِثْبَات بَرَاءَة الذِّمَّة (وَصَحَّ) الصُّلْح على الْإِنْكَار (عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة، لِأَن الِاسْتِصْحَاب لَا يصلح حجَّة للإثبات فَلَا يثبت بَرَاءَة ذمَّة الْمُدَّعِي عَلَيْهِ بالاستصحاب (وَلم تجب الْبَيِّنَة على الشَّفِيع) على إِثْبَات ملك الْمَشْفُوع بِهِ لإنكار المُشْتَرِي الْملك الْمَشْفُوع بِهِ للشَّفِيع عِنْد الشَّافِعِي لِأَنَّهُ متمسك بِالْأَصْلِ، فَإِن الْيَد دَلِيل الْملك فِي الظَّاهِر والتمسك بِالْأَصْلِ يحصل للدَّفْع والإلزام جَمِيعًا عِنْده (وَوَجَبَت) الْبَيِّنَة الْمَذْكُورَة (عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة، لِأَن التَّمَسُّك بِالْأَصْلِ لَا يصلح للالزام إِلَى غير ذَلِك من الخلافيات قد فرغ من المبادئ والأدلة السمعية وَشرع فِي مبَاحث الِاجْتِهَاد فَقَالَ:

الْمقَالة الثَّالِثَة فِي الِاجْتِهَاد وَمَا يتبعهُ من التَّقْلِيد والإفتاء
(هُوَ) أَي الِاجْتِهَاد (لُغَة بذل الطَّاقَة) أَي استفراغ الْقُوَّة بِحَيْثُ يحس بِالْعَجزِ عِنْد الْمَزِيد (فِي تَحْصِيل ذِي كلفة) أَي مشقة، يُقَال: اجْتهد فِي حمل الصَّخْرَة
(4/178)

وَلَا يُقَال اجْتهد فِي حمل النواة (وَاصْطِلَاحا: ذَلِك) أَي بذل الطَّاقَة (من الْفَقِيه) وَقد مر تَفْسِيره فِي أول الْكتاب (فِي تَحْصِيل حكم شَرْعِي ظَنِّي) فبذلها من غَيره كالعامي خَارج عَن الِاجْتِهَاد وَخرج أَيْضا بذل طَاقَة الْفَقِيه فِي غير حكم كالعبادة مثلا، وبذله طاقته فِي حكم غير شَرْعِي من حسي أَو عَقْلِي، وَإِنَّمَا قَالَ ظَنِّي لِأَن الْقطعِي لَا اجْتِهَاد فِيهِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ. وَفِي قَوْله حكم إِشْعَار بِأَن استغراق الْأَحْكَام لَيْسَ بِشَرْط فِي تحقق حَقِيقَة الِاجْتِهَاد كَمَا لَا يلْزم إحاطة الْمُجْتَهد جَمِيع الْأَحْكَام ومداركها بِالْفِعْلِ، لِأَن ذَلِك خَارج عَن طوق الْبشر (وَنفي الْحَاجة إِلَى قيد الْفَقِيه) كَمَا ذكره التَّفْتَازَانِيّ (للتلازم بَينه) أَي بَين الْفَقِيه (وَبَين الِاجْتِهَاد) فَإِنَّهُ لَا يصير فَقِيها إِلَّا بِهِ وَلذَا لم يذكرهُ الْغَزالِيّ والآمدي (سَهْو لِأَن الْمَذْكُور) فِي التَّعْرِيف إِنَّمَا هُوَ (بذل الطَّاقَة لَا الِاجْتِهَاد) وَكَيف يذكر الِاجْتِهَاد فِي تَعْرِيف نَفسه، وَكَأن المُصَنّف أغمض عَن هَذَا (وَيتَصَوَّر) بذل الطَّاقَة (من غَيره) أَي الْفَقِيه (فِي طلب حكم) شَرْعِي، وَلَا يبعد أَن يُقَال بذل الوسع لَا يتَحَقَّق إِلَّا بتحصيل جَمِيع مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ استنباط ذَلِك الحكم، وَعند ذَلِك يصير مُجْتَهدا فِيهِ فَتَأمل (وشيوع) إِطْلَاق (الْفَقِيه لغيره) أَي الْمُجْتَهد (مِمَّن يحفظ الْفُرُوع) إِنَّمَا هُوَ (فِي غير اصْطِلَاح الْأُصُول، ثمَّ هُوَ) أَي هَذَا التَّعْرِيف لَيْسَ تعريفا للِاجْتِهَاد مُطلقًا، بل هُوَ (تَعْرِيف لنَوْع من الِاجْتِهَاد) وَهُوَ الِاجْتِهَاد فِي الحكم الشَّرْعِيّ العملي الظني (لِأَن مَا) يَقع من بذل الوسع (فِي العقليات) من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة الاعتقادية (اجْتِهَاد) عِنْد الْأُصُولِيِّينَ (غير أَن الْمُصِيب) فِيهَا من الْمُخَالفين (وَاحِد) بِاتِّفَاق المصوبة والمخطئة (والمخطئ آثم، وَالْأَحْسَن) فِيهَا تعميمه (أَي التَّعْرِيف بِحَيْثُ يعم العمليات والاعتقاديات ظنية كَانَت أَو قَطْعِيَّة (بِحَذْف) قيد (ظَنِّي) من التَّعْرِيف. (ثمَّ يَنْقَسِم) الِاجْتِهَاد (من حَيْثُ الحكم) الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ (إِلَى) اجْتِهَاد (وَاجِب (عينا على) الْمُجْتَهد (الْمَسْئُول) عَن حكم حَادث (إِذا خَافَ) أَي الْمُجْتَهد (فَوت الْحَادِثَة) أَي فَوت آداء مَا وَجب على المستفتى فِي تِلْكَ الْحَادِثَة على غير الْوَجْه الشَّرْعِيّ، حَال عَن الْحَادِثَة: أَي وُقُوعهَا على خلاف الشَّرْع فَإِنَّهُ يتَعَيَّن حِينَئِذٍ على الْمَسْئُول الِاجْتِهَاد فِيهَا فَوْرًا لِأَن حِوَالَة المستفتى إِلَى مُجْتَهد آخر يُوجب فَوتهَا (وَفِي حق نَفسه إِذا نزلت الْحَادِثَة بِهِ) مَعْطُوف على قَوْله على الْمَسْئُول: أَي وَإِلَى وَاجِب وجوبا عينيا لحق نَفسه، فكلمة فِي تعليلية، وَحِينَئِذٍ إِن خَافَ فَوت الْحَادِثَة يجب الِاجْتِهَاد عَلَيْهِ فَوْرًا وَإِلَّا على التَّرَاخِي (وكفاية) مَعْطُوف على عينا: أَي وَإِلَى اجْتِهَاد وَاجِب كِفَايَة على الْمَسْئُول فِي حق غَيره (لَو لم يخف) فَوت الْحَادِثَة على غير الْوَجْه (وَثمّ غَيره) من الْمُجْتَهدين فَيتَوَجَّه الْوُجُوب على جَمِيعهم حَتَّى لَو أَمْسكُوا مَعَ اقتدارهم على الْجَواب أثموا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فيأثمون بِتَرْكِهِ) أَي الِاجْتِهَاد حَيْثُ لَا عذر لَهُم (وَيسْقط) الْوُجُوب عَن الْكل
(4/179)

(بفتوى أحدهم، وعَلى هَذَا) أَي على سُقُوط الْوُجُوب بفتوى أحدهم لَو أَن مُجْتَهدا ظن خطأ الْمُفْتِي فِيمَا أصَاب بِهِ (لَا يجب على من ظَنّه) أَي الْجَواب (خطأ) الِاجْتِهَاد فِيهِ لسُقُوط الْوُجُوب بذلك الِاجْتِهَاد المظنون كَونه خطأ إِذا كَانَ فِي قَضيته شُهُود يحصل الْغَرَض ببعضهم، ذكرُوا أَنه يجب الْإِجَابَة إِذا طلب الْأَدَاء من الْبَعْض فَيحْتَاج إِلَى إتْيَان الْفرق، وَقيل الْعلَّة أَن الْفَتْوَى تحْتَاج إِلَى تَأمل وفكر والمشوشات كَثِيرَة بِخِلَاف الشَّهَادَة، وَفِيه مَا فِيهِ (وَكَذَلِكَ حكم تردد بَين قاضيين) أَي إِذا رفعت قَضِيَّة إِلَيْهِمَا وَجب الحكم وَفصل الْخُصُومَة عَلَيْهِمَا كِفَايَة، إِن تركا أثما وَإِن حكم أحدهم سقط عَنْهُمَا فالمشبه الحكم المتردد بَين القاضيين، والمشبه بِهِ الْمشَار إِلَيْهِ بقوله كَذَا الاستفتاء المتردد بَين الْمُجْتَهدين، وَمن قيد كَون القاضيين فِي هَذَا الْمحل مجتهدين مشتركين فِي النّظر فِي الحكم الْمَذْكُور وَجعل وَجه الشّبَه وجوب الِاجْتِهَاد عَلَيْهِمَا كِفَايَة، فقد ارْتكب تَكْرَارا مَعَ أَنه لَا يبْقى حِينَئِذٍ للْقَضَاء وَالْحكم مدْخل (أَيهمَا حكم بِشَرْطِهِ) الْمُعْتَبر شرعا (سقط) الْوُجُوب عَنْهُمَا (ومندوب) مَعْطُوف على وَاجِب وَهُوَ مَا يَقع (قبلهمَا) أَي قبل وُجُوبه عينا ووجوبه كِفَايَة لما ذكر أَو قبل السُّؤَال ونزول الْحَادِثَة بِهِ ليَكُون حَاضرا عِنْده فينفعه عِنْد الْحَادِثَة، ومناسب الْوَجْه الثَّانِي قَوْله (وَمَعَ سُؤال فَقَط) من غير نزُول الْحَادِثَة (و) إِلَى (حرَام) وَهُوَ الِاجْتِهَاد (فِي مُقَابلَة) دَلِيل (قَاطع) من (نَص) كتاب أَو سنة (أَو إِجْمَاع وَشرط مطلقه) أَي الِاجْتِهَاد فِي حق الْمُجْتَهد (بعد صِحَة إيمَانه) بِمَا يجب أَن يُؤمن بِهِ إِجْمَالا أَو تَفْصِيلًا (معرفَة محَال جزئيات مفاهيم الألقاب الاصطلاحية الْمُتَقَدّمَة للمتن من شخص الْكتاب وَالسّنة) قد سبق أَن للْكتاب مفهوما كليا هُوَ اللَّفْظ الْعَرَبِيّ الْمنزل للتدبر والتذكر الْمُتَوَاتر وللسنة كَذَلِك من قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفعله وَتَقْرِيره، وشخص كل وَاحِد مِنْهُمَا مَا صدق عَلَيْهِ، وَكلمَة من بَيَانِيَّة للمتن الْمُطلق، وَكَأَنَّهُ مَأْخُوذ من الْمُتُون المصنفة فِي الْعُلُوم المبينة بالشروح والحواشي الْمَأْخُوذَة من الْمَتْن بِمَعْنى الظّهْر، فَإِن ظهر الشَّيْء أَصله، إِذْ الألقاب الاصطلاحية بدل الْأَلْفَاظ المصطلحة للأصوليين، وَإِنَّمَا سميت ألقابا لدلالتها على مسمياتها على وَجه يشْعر بمعان مَقْصُودَة للأصولي من تِلْكَ المسميات تشبها لَهَا بِالْأَلْقَابِ الَّتِي هِيَ نوع من الْأَعْلَام دَالَّة على مدح أَو ذمّ وَلَا شكّ أَن لتِلْك الألقاب مفهومات كُلية، ولتلك المفهومات أَفْرَاد هِيَ جزئياتها، ولتلك الجزئيات محَال هِيَ الْآيَات والتراكيب الْمعينَة الْمُشْتَملَة عَلَيْهَا، فمعرفة الْمحَال الْمَذْكُورَة من شخص الْكتاب وَالسّنة شَرط فِي مُطلق الِاجْتِهَاد، وَيحْتَمل أَن تكون من تبعيضية، فَإِن الْمحَال الْمَذْكُورَة بعض من شخص الْكتاب وَالسّنة، وَيُؤَيّد الأول قَوْله فِيمَا بعد من التَّوَاتُر (فِي الظُّهُور كَالظَّاهِرِ وَالْعَام والخفاء كالخفي، والمجمل: وَهِي أَقسَام اللُّغَة متْنا واستعمالا) فَإِن قلت: قَوْله فِي الظُّهُور
(4/180)

بِمَ يتَعَلَّق؟ وَكَيف جمع بَين الظَّاهِر وَالْعَام؟ وَكَيف اكْتفى بِمَا ذكر؟ وَقد ذكر فِي المبادئ اللُّغَوِيَّة للمفرد انقسامات بِاعْتِبَار ذَاته ودلالته ومقايسته لمفرد آخر، ومدلوله واستعماله، وإطلاقه وتقييده، وَجعل الظَّاهِر وَالنَّص والمفسر والمؤول والمحكم من تقسيمه من اعْتِبَار ظُهُور الدّلَالَة. والخفي الْمُشكل، والمجمل والمتشابه من تقسيمه بِاعْتِبَار الْمَوْضُوع لَهُ قلت: أما قَوْله فِي الظُّهُور فمتعلق بقوله الاصطلاحية، فَكَأَنَّهُ قَالَ: الألقاب المصطلحة فِي جَانب الظُّهُور وَفِي جَانب الخفاء أَو بقوله الْمُتَقَدّمَة، والمآل وَاحِد، وَلم يرد بالظهور مَا هُوَ مصطلح الْأُصُول حَتَّى يسْتَشْكل بِجمع الْعَام مَعَ الظَّاهِر، بل الْمَعْنى اللّغَوِيّ. وَلَا شكّ أَن كل وَاحِد من الْأَقْسَام الْمَذْكُورَة فِي كل وَاحِد من التقسيمات الْمَذْكُورَة لَا يَخْلُو من أَن يكون ظَاهرا بِحَسب الْفَهم أَو خفِيا، بل ذكر الْعَام مَعَ الظَّاهِر إِشْعَار بِأَنَّهُ لم يرد بالظهور مَا هُوَ المصطلح، وَأما الِاكْتِفَاء فَلِأَنَّهُ لَيْسَ بصدد تَفْصِيل الْأَقْسَام، وَإِنَّمَا ذكر مَا ذكره على سَبِيل التَّمْثِيل، وَقَوله متْنا واستعمالا تمييزان عَن نِسْبَة الْأَقْسَام إِلَى اللُّغَة، فَإِن اللُّغَة، وَهُوَ اللَّفْظ الْمَوْضُوع تَارَة يَنْقَسِم بِاعْتِبَار وَضعه، فالخارج من هَذَا التَّقْسِيم أقسامها متْنا، وَتارَة بِاعْتِبَار اسْتِعْمَالهَا، فالخارج من أقسامها اسْتِعْمَالا، وكونهما مُتَعَلقين بالظهور والخفاء خلاف الظَّاهِر، وَالْمرَاد بمعرفتها أَن يتَمَكَّن من الرُّجُوع إِلَيْهَا عِنْد طلب الحكم كَمَا جزم بِهِ غير وَاحِد: مِنْهُم الإِمَام الرَّازِيّ، ثمَّ قيل هُوَ من الْكتاب خَمْسمِائَة آيَة مَشى عَلَيْهَا الْغَزالِيّ وَابْن الْعَرَبِيّ، وَمن السّنة خَمْسمِائَة حَدِيث، وَقيل: ثَلَاثَة آلَاف. وَعَن أَحْمد ثلثمِائة ألف على الِاحْتِيَاط والتغليظ فِي الْفتيا. وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو بكر الرَّازِيّ: لَا يشْتَرط استحضار جَمِيع مَا ورد فِي ذَلِك الْبَاب، إِذْ لَا يُمكن الْإِحَاطَة، وَقد اجْتهد عمر وَغَيره من الصَّحَابَة فِي مسَائِل كَثِيرَة وَلم يستحضروا فِيهَا الْمَنْصُوص حَتَّى رويت لَهُم فَرَجَعُوا إِلَيْهَا، وَأما فِي الْقُرْآن، فَقيل يتَوَقَّف على معرفَة الْجَمِيع، لِأَن الْمُجْتَهدين يتفاوتون فِي استنباط الْأَحْكَام من الْآيَات باخْتلَاف القرائح والأذهان وَمَا يَفْتَحهُ الله تَعَالَى على عباده. وَقيل غَالب الْقُرْآن لَا يَخْلُو من أَن يستنبط مِنْهُ حكم شَرْعِي (لاحفظها) مَعْطُوف على معرفَة الْمحَال: أَي الشَّرْط مَعْرفَتهَا على الْوَجْه الْمَذْكُور لأحفظها عَن ظهر الْغَيْب، وَقيل يجب حفظ مَا اخْتصَّ بِالْأَحْكَامِ من الْقُرْآن. وَنقل عَن كثير من أهل الْعلم لُزُوم حفظ الْقُرْآن، لِأَن الْحَافِظ أضبط لمعانيه من النَّاظر فِيهِ، وَنقل فِي الْمُسْتَوْعب عَن الشَّافِعِي (وللسند من الْمُتَوَاتر والضعيف وَالْعدْل والمستور وَالْجرْح وَالتَّعْدِيل) قَوْله وللسند مَعْطُوف على قَوْله للمتن، يَعْنِي وَشرط معرفَة محَال جزئيات مفاهيم الألقاب الاصطلاحية الْمُتَقَدّمَة فِي مبَاحث السّنيَّة للسند: أَي لَا بُد لَهُ من معرفَة المصطلحات الْمُتَعَلّقَة بالسند، وَهُوَ الْإِخْبَار عَن طَرِيق الْمَتْن، فبعضها أَقسَام للسند كالمتواتر والضعيف، وَبَعضهَا أَقسَام لمتعلق السَّنَد، وَهُوَ الرَّاوِي كالعدل والمستور
(4/181)

وَالْجرْح وَالتَّعْدِيل إِن فسرا بالجروح وَالْعدْل. قَالُوا: والبحث فِي زَمَاننَا عَن أَحْوَال الروَاة مَعَ طول الْمدَّة وَكَثْرَة الوسائط كالمتعذر، فَالْأولى الِاكْتِفَاء بتعديل الْأَئِمَّة الْمَعْرُوف صِحَة مَذْهَبهم فِي التَّعْدِيل وَالْجرْح (وَعدم الْقَاطِع) بِالرَّفْع عطفا على الْمعرفَة، وَهُوَ الدَّلِيل الْقطعِي المتحقق فِي مَحل الحكم (و) عدم (النّسخ) لما يقْصد استنباط الحكم مِنْهُ من الْكتاب وَالسّنة، فَلَزِمَ من هَذَا معرفَة مواقع الْإِجْمَاع، لِأَن الْإِجْمَاع دَلِيل قَطْعِيّ، وَشرط الِاجْتِهَاد أَن لَا يكون خلاف مَا أدّى إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد مَقْطُوعًا بِهِ (و) شَرط (الْخَاص) بِالْجَرِّ عطفا على مطلقه (مِنْهُ) أَي من الِاجْتِهَاد معرفَة (مَا يحْتَاج إِلَيْهِ) الْمُجْتَهد بِالِاجْتِهَادِ الْخَاص: أَي الْمُقَيد بِبَعْض الْأَحْكَام (من) جملَة (ذَلِك) الْمَذْكُور من متن الْكتاب وَالسّنة والسند، والظرف حَال من الضَّمِير الرَّاجِع إِلَى الْمَوْصُول (فِيمَا) يَقع (فِيهِ) ذَلِك الِاجْتِهَاد، وَالْخَاص ظرف للاحتياج (كَذَا) أَي كَمَا ذكرنَا من الِاقْتِصَار على معرفَة مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي الْخَاص مِنْهُ، وَوَقع (لكثير) من الْمَشَايِخ فِي بَيَان هَذَا الشَّرْط (بِلَا حِكَايَة عدم جَوَاز تجزي الِاجْتِهَاد) فَعدم حكايتهم ذَلِك يدل على أَنه لم يثبت عِنْدهم خلاف فِي جَوَاز التجزي (كَأَنَّهُمْ لَا يعرفونها) فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن حكايته أَمر مُتَحَقق، غير أَنهم مَا يعرفونها، وَإِلَى أَنه لَيْسَ لَهَا اشتهار تَامّ فَهُوَ دَلِيل على قُوَّة القَوْل بِجَوَاز التجزي (وَعَلِيهِ) على جَوَازه (فرع) أَنه يجوز (اجْتِهَاد الفرضي) نِسْبَة إِلَى الْفَرَائِض، فَإِن النِّسْبَة إِلَى الْجمع فِي علم الْفَرَائِض ترده إِلَى الأَصْل، وإلحاق الْيَاء (فِي) علم (الْفَرَائِض دون غَيره) أَي من غير أَن يجْتَهد فِي غير علم الْفَرَائِض من الْعُلُوم لعدم بُلُوغه رُتْبَة الِاجْتِهَاد فِيهَا (وَقد حكيت) هَذِه المسئلة ذكر فِيهَا الْجَوَاز، وَهُوَ قَول بعض أَصْحَابنَا ومختار الْغَزالِيّ، وَنسبه السُّبْكِيّ وَغَيره إِلَى الْأَكْثَر وَقَالَ أَنه الصَّحِيح. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: هُوَ الْمُخْتَار، وَسَيذكر المُصَنّف أَنه الْحق. (وَاخْتَارَ طَائِفَة نَفْيه) أَي نفي جَوَاز التجزي (مُطلقًا لِأَنَّهُ) أَي الْمُجْتَهد (وَإِن ظن حُصُول كل مَا يَحْتَاجهُ) أَي إِلَيْهِ (لَهَا) أَي للمسئلة الْمُجْتَهد فِيهَا (احْتمل غيبَة بعضه) أَي بعض مَا يحْتَاج إِلَيْهِ (عَنهُ) أَي الْمُجْتَهد صلَة الْغَيْبَة. كلمة أَن وصلية، تَقْدِير الْكَلَام احْتمل وَإِن ظن، ثمَّ رد هَذَا التَّعْلِيل بقوله (وَهَذَا الِاحْتِمَال) أَي احْتِمَال غيبَة بعض الْمُحْتَاج إِلَيْهِ فِي الِاجْتِهَاد الْخَاص (كَذَلِك) أَي كاحتمال غيبَة بعض الْمُحْتَاج إِلَيْهِ فِي الِاجْتِهَاد (الْمُطلق) فَإِن كَانَ مَانِعا من جَوَاز الِاجْتِهَاد هَهُنَا كَانَ مَانِعا هُنَاكَ، ثمَّ أَشَارَ إِلَى الْفرق بَينهمَا بقوله (لكنه) أَي الِاحْتِمَال الْمَذْكُور (يضعف فِي حَقه) أَي الْمُجْتَهد الْمُطلق لِأَن غيبَة الْبَعْض لَا تنفد فِي حَقه (ل) عدم (سعته) التَّامَّة (ويقوى فِي غَيره، وَقد يمْنَع التَّفَاوُت) بَينهمَا بِاعْتِبَار الْقُوَّة والضعف (بعد كَون الآخر) الَّذِي لَيْسَ بمجتهد مُطلقًا (قَرِيبا) من رُتْبَة الْمُجْتَهد الْمُطلق محصلا فِيمَا يخص بِهِ فِي جَمِيع مَا حصله الْمُطلق: وَلذَلِك ترى أَن من صرف عمره
(4/182)

فِي فن وَاحِد أوسع إحاطة فِيمَا يتَعَلَّق بفنه من المتفنن (بل) الْمُجْتَهد الْخَاص (مثله) أَي الْمُطلق فِيهِ (وسعته) أَي الْمُطلق (بِحُصُول مواد أُخْرَى) لَا دخل لَهَا فِيمَا يجْتَهد فِيهِ الْمُجْتَهد الْخَاص (لَا توجبه) أَي التَّفَاوُت فِي الِاحْتِمَال: أَي فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْمَطْلُوب الْخَاص (فَإِذا وَقع) الِاجْتِهَاد (فِي) مسئلة (صلوية) أَي مُتَعَلقَة بِالصَّلَاةِ (وَفرض) وجود جَمِيع (مَا يحْتَاج إِلَيْهَا) الْمُجْتَهد فِيهَا (من الْأَدِلَّة وَالْقَوَاعِد) الْمُتَعَلّقَة بكيفية استنباطها (فسعة الآخر) أَي الْمُطلق (بِحُضُور مواد) الْأَحْكَام (البيعيات والغصبيات شَيْء آخر) لَا دخل لَهُ فِي إِيجَاب التَّفَاوُت بَين الِاجْتِهَاد الْمُطلق وَالْخَاص فِي الصلوية. (وَأما مَا قيل) من قبل المثبتين للتجزي (لَو شَرط) فِي الْخَاص مَا شَرط فِي الْمُطلق (شَرط فِي الِاجْتِهَاد الْعلم بِكُل المآخذ) بِمَا ذكر من الْكتاب وَالسّنة (وَيلْزم) الْعلم بِكُل المآخذ (علم كل الْأَحْكَام فَمَمْنُوع الْمُلَازمَة) مَا بعد الْفَاء جَوَاب أما، وَخبر الْمَوْصُول، يَعْنِي لَا نسلم أَن الْعلم بِكُل المآخذ يسْتَلْزم الْعلم بِكُل الْأَحْكَام (للْوَقْف بعده على الِاجْتِهَاد) يَعْنِي أَن الْعلم بِالْأَحْكَامِ يتَوَقَّف بعد حُصُول الْعلم بالمآخذ على أَمر آخر، وَهُوَ الِاجْتِهَاد، غَايَة الْأَمر أَنه يحصل بِالْعلمِ بالمآخذ التَّمَكُّن من الْعلم بِالْأَحْكَامِ، وَأما حُصُول الْعلم بِالْأَحْكَامِ بِالْفِعْلِ فَإِنَّمَا يكون بعد الِاجْتِهَاد فِي كل وَاحِد وَهُوَ ظَاهر. (وَأما الْعَدَالَة) فِي الْمُجْتَهد (فَشرط قبُول فتواه) لِأَنَّهُ لَا يقبل قَول الْفَاسِق فِي الديانَات، لَا شَرط صِحَة الِاجْتِهَاد لجَوَاز أَن يكون لِلْفَاسِقِ قُوَّة الِاجْتِهَاد فَلهُ أَن يجْتَهد لنَفسِهِ، وَلَا يشْتَرط أَيْضا الْحُرِّيَّة وَلَا الذُّكُورَة وَلَا علم الْكَلَام وَلَا علم الْفِقْه.
مسئلة

(الْمُخْتَار عِنْد الْحَنَفِيَّة أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَأْمُور) فِي حَادِثَة لَا وَحي فِيهَا (بانتظار الْوَحْي أَولا) أَي فِي أول زمَان وُقُوع الْحَادِثَة (مَا كَانَ راجيه) أَي مَا دَامَ كَونه راجيا نزُول الْوَحْي (إِلَى خوف فَوت الْحَادِثَة) على غير الْوَجْه الشَّرْعِيّ (ثمَّ بِالِاجْتِهَادِ) أَي تمّ بعد تحقق الْخَوْف مَأْمُور بِالِاجْتِهَادِ (وَهُوَ) أَي الِاجْتِهَاد (فِي حَقه) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (يخص) أَي الِاجْتِهَاد (الْقيَاس بِخِلَاف غَيره) من الْمُجْتَهدين فَإِنَّهُ لَا يخص اجتهادهم الْقيَاس: أما فِي الْقيَاس فَظَاهر، وَأما فِي غَيره (فَفِي دلالات الْأَلْفَاظ) أَي فقد يكون الِاجْتِهَاد فِي دلَالَة الْأَلْفَاظ على مَا هُوَ المُرَاد مِنْهَا أَيْضا كَمَا فِي الْمُجْمل والمشكل، والخفي والمتشابه على قَول من يَقُول: إِن الراسخين فِي الْعلم يعلمُونَ تَأْوِيله، فَإِن الخفاء يستدعى كَون المُرَاد نظريا مُحْتَاجا إِلَى نظر واجتهاد، وَأما النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَالْمُرَاد عِنْده ظَاهر بَين لَا يحْتَاج إِلَى نظر واجتهاد مِنْهُ (و) فِي (الْبَحْث عَن
(4/183)

مُخَصص الْعَام، وَالْمرَاد من الْمُشْتَرك وباقيها) أَي وَبَاقِي الْأَقْسَام الَّتِي فِي دلالتها خَفَاء من الْمُجْمل وأخواته: أما الْبَحْث عَن مُخَصص الْعَام فَلِأَن احْتِمَال التَّخْصِيص غير التَّخْصِيص بعيد، وَلذَا قيل: مَا من عَام إِلَّا وَخص مِنْهُ الْبَعْض وَأما الْبَحْث عَن المُرَاد من الْمُشْتَرك فَلَا بُد مِنْهُ وَهُوَ ظَاهر، وكل ذَلِك ظَاهر عِنْده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يحْتَاج إِلَى نظر وفكر (و) فِي (التَّرْجِيح) لأحد الدَّلِيلَيْنِ (عِنْد التَّعَارُض) بَينهمَا (لعدم علم الْمُتَأَخر) مِنْهُمَا، يَعْنِي لَا بُد من الْمُتَأَخر فِي نفس الْأَمر غير أَنه لَيْسَ بِمَعْلُوم عِنْد الْمُجْتَهد، وَلَا يتَصَوَّر عدم الْعلم بالمتأخر فِي حَقه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، (فَإِن أقرّ) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده عِنْد خوف فَوت الْحَادِثَة (أوجب) إِقْرَاره عَلَيْهِ (الْقطع بِصِحَّتِهِ) أَي بِصِحَّة مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده لِأَنَّهُ لَا يقر على الْخَطَأ (فَلم تجز مُخَالفَته) أَي مَا أقرّ عَلَيْهِ (بِخِلَاف غَيره من الْمُجْتَهدين) فَإِنَّهُ تجوز مُخَالفَته إِلَى اجْتِهَاد آخر لاحْتِمَال الْخَطَأ والقرار عَلَيْهِ (وَهُوَ) أَي اجْتِهَاده الْمقر عَلَيْهِ (وَحي بَاطِن) على مَا عَلَيْهِ فَخر الْإِسْلَام وَغَيره، وَسَماهُ شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ بِمَا يشبه الْوَحْي (وَالْوَحي عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة أَرْبَعَة: (بَاطِن) وَهُوَ (هَذَا، وَظَاهر) وَهُوَ (ثَلَاثَة: مَا يسمعهُ) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (من الْملك شفاها) من شافهه: أَي أدنى شفته من شفته، وَالْمرَاد سَمَاعه من الْملك بِغَيْر وسط مَعَ علمه بِأَنَّهُ ملك، وَالْمرَاد بِهِ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام لقَوْله تَعَالَى - {قل نزله روح الْقُدس} - مَعَ قَوْله تَعَالَى - {نزل بِهِ الرّوح الْأمين} - (أَو) مَا (يُشِير إِلَيْهِ) الْملك، فَقَوله يُشِير مَعْطُوف على يسمع (إِشَارَة مفهمة) للمراد من غير بَيَان بالْكلَام (وَهُوَ) أَي هَذَا الْقسم من الْوَحْي (المُرَاد بقوله) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (إِن روح الْقُدس نفث فِي ورعى أَن نفسا لن تَمُوت حَتَّى تستوفى رزقها، الحَدِيث) فِي الْقَامُوس: النفث كالنفخ، وَأَقل من التفل، وَالْمرَاد إِلْقَاء معنى فِي الْقلب كالنفخ، وَأَقل من التفل، والروع بِالضَّمِّ: الْقلب، أَو مَوضِع الْفَزع مِنْهُ (أَو) مَا (يلهمه، وَهُوَ) أَي الإلهام (إِلْقَاء معنى فِي الْقلب بِلَا وَاسِطَة عبارَة الْملك وإشارته مقرون) بِالرَّفْع على أَنه صفة لإلقاء، أَو بِالْجَرِّ على أَنه صفة لِمَعْنى (بِخلق علم ضَرُورِيّ أَنه) أَي ذَلِك الْمَعْنى (مِنْهُ تَعَالَى) وَأَن مَعَ اسْمه وَخَبره مُتَعَلق الْعلم الضَّرُورِيّ: أَي إِلْقَاء الْمَعْنى على الْوَجْه الْمَذْكُور (وَجعله حَيا ظَاهرا) مَعَ خفائه (إِذْ فِي) الْوَحْي الظَّاهِر الَّذِي يسمعهُ من (الْملك) شفاها (لَا بُد من خلق) الْعلم (الضَّرُورِيّ أَنه) أَي الَّذِي جَاءَ بِالْوَحْي (هُوَ) أَي الْملك، فشاركه فِيمَا هُوَ مدَار الْأَمر، وَإِن خَالفه بِعَدَمِ المشافهة فَهُوَ جدير بِأَن يلْحق بِهِ فِي الظُّهُور (وَلذَا) أَي وَلكَون إلهامه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَحيا ظَاهرا (كَانَ حجَّة قَطْعِيَّة عَلَيْهِ) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (وعَلى غَيره) كَمَا أَن الشفاهي والإشاري حجَّة عَلَيْهِمَا (بِخِلَاف إلهام غَيره) من الْمُسلمين فَإِنَّهُ لَيْسَ بِوَحْي. وَقَالَ الشَّارِح
(4/184)

فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا حجَّة فِي حق الْأَحْكَام بِالنِّسْبَةِ إِلَى الملهم وَغَيره، وَهَذَا فِي الْمِيزَان معزو إِلَى قوم من الصُّوفِيَّة، بل عزى إِلَى صنف من الرافضة لقبوا بالجعفرية أَنه لَا حجَّة سواهُ ثَانِيهَا حجَّة عَلَيْهِ لَا على غَيره: أَي يجب على الملهم الْعَمَل بِهِ، وَلَا يجوز أَن يَدْعُو إِلَيْهِ غَيره، وَعَزاهُ فِي الْمِيزَان إِلَى عَامَّة الْعلمَاء، وَمَشى عَلَيْهِ الإِمَام السهروردي، وَاعْتَمدهُ الإِمَام الرَّازِيّ فِي أَدِلَّة الْقبْلَة وَابْن الصّباغ من الشَّافِعِيَّة، قَالَ: وَمن علامته أَن ينشرح لَهُ الصَّدْر، وَلَا يُعَارضهُ معترض من خاطر آخر. (ثَالِثهَا) أَي ثَالِث الْأَقْوَال فِي إلهام غَيره وَهُوَ (الْمُخْتَار فِيهِ) أَي فِي إلهام غَيره أَنه (لَا حجَّة عَلَيْهِ) أَي على الملهم (وَلَا) على (غَيره لعدم مَا يُوجب نسبته) أَي نِسْبَة مَا ألهم بِهِ (إِلَيْهِ تَعَالَى) فَإِن قيل: الْمُوجب مَوْجُود، وَهُوَ الْعلم الضَّرُورِيّ بِأَنَّهُ من الله تَعَالَى قُلْنَا: لَيْسَ بمعصوم من أَن يكون مَا يحسبه من الله تَعَالَى بِالضَّرُورَةِ من الشَّيْطَان فِي نفس الْأَمر فَلَا يعْتَمد عَلَيْهِ إِلَّا إِذا قَامَ لَهُ حجَّة من الْكتاب أَو السّنة (وَالْأَكْثَر) أَي أَكثر أهل الْعلم على أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ مَأْمُورا (بِالِاجْتِهَادِ مُطلقًا) فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة والحروب والأمور الدِّينِيَّة من غير تَقْيِيد بِشَيْء مِنْهَا، أَو من غير تَقْيِيد بانتظار الْوَحْي، وَهُوَ مَذْهَب عَامَّة الْأُصُولِيِّينَ وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَعَامة أهل الحَدِيث، وَنقل عَن أبي يُوسُف: كَذَا نقل الشَّارِح عَن شرح البديع (وَقيل) الْقَائِل الأشاعرة وَأكْثر الْمُعْتَزلَة والمتكلمين (لَا) يَصح أَن يكون صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَأْمُورا بِالِاجْتِهَادِ فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة. ثمَّ عَن الجبائي وَابْنه أَنه غير جَائِز عَلَيْهِ عقلا. وَعَن غَيرهمَا جَائِز عقلا وَلكنه لم يتعبد بِهِ شرعا، وَقيل كَانَ لَهُ الِاجْتِهَاد فِي الْأُمُور الدِّينِيَّة والحروب دون الْأَحْكَام (وَقيل) كَانَ لَهُ الِاجْتِهَاد (فِي الحروب فَقَط) وَهُوَ محكي عَن القَاضِي والجبائي (لقَوْله تَعَالَى - {عَفا الله عَنْك لم أَذِنت لَهُم} - عوتب على الْإِذْن لما ظهر نفاقهم فِي التَّخَلُّف عَن غَزْوَة تَبُوك، وَلَا عتب فِيمَا عَن الْوَحْي، فَكَانَ عَن اجْتِهَاد لِامْتِنَاع كَونه عَن تشه، وَدفعه السُّبْكِيّ بِأَنَّهُ كَانَ مُخَيّرا فِي الْأذن وَعَدَمه. قَالَ تَعَالَى - {فَأذن لمن شِئْت مِنْهُم} - فَلَمَّا أذن أعلمهُ بِمَا لم يطلع عَلَيْهِ من شرهم أَنه لَو لم يَأْذَن لَهُم لقعدوا، وَأَنه لَا حرج عَلَيْهِ فِيمَا فعل وَلَا خطأ. قَالَ الْقشيرِي: وَمن قَالَ: الْعَفو لَا يكون إِلَّا عَن ذَنْب فَهُوَ غير عَار بِكَلَام الْعَرَب، وَإِنَّمَا معنى - {عَفا الله عَنْك} - لم يلزمك ذَنْب كَمَا عَفا فِي صَدَقَة الْخَيل وَلم يجب عَلَيْهِم ذَلِك قطّ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَنه عتاب على ترك الأولى (و) لقَوْله تَعَالَى {لَوْلَا كتاب من الله سبق لمسكم فِيمَا أَخَذْتُم عَذَاب عَظِيم} - فَإِنَّهَا نزلت فِي فدَاء أُسَارَى بدر، فَإِنَّهُ قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأبي بكر وَعمر مَا ترَوْنَ فِي هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى؟ فَقَالَ أَبُو بكر: هم بَنو الْعم وَالْعشيرَة أرى أَن تَأْخُذ مِنْهُم فديَة فَتكون لنا قُوَّة على الْكفَّار فَعَسَى الله أَن يهْدِيهم لِلْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم:
(4/185)

مَا ترى يَا بن الْخطاب؟ قَالَ قلت لَا يَا رَسُول الله مَا أرى الَّذِي رأى أَبُو بكر وَلَكِن أرى أَن تمكننا فَنَضْرِب أَعْنَاقهم، فَتمكن عليا من عقيل فَيضْرب عُنُقه، وتمكنني من فلَان نسيب لعمر فَأَضْرب عُنُقه، فَإِن هَؤُلَاءِ أَئِمَّة الْكفْر وَصَنَادِيدهَا، فهوى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا قَالَ أَبُو بكر وَلم يَهو مَا قلت، فَلَمَّا كَانَ من الْغَد جِئْت فَإِذا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَبُو بكر قاعدان يَبْكِيَانِ، قلت: يَا رَسُول الله أَخْبرنِي من أَي شَيْء تبْكي أَنْت وَصَاحِبك؟ فَإِن وجدت بكاء بَكَيْت وَإِلَّا تَبَاكَيْت لِبُكَائِكُمَا؟ فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أبْكِي للَّذي عرض على أَصْحَابك من أَخذهم الْفِدَاء لقد عرض عَليّ عَذَابهمْ أدنى من هَذِه الشَّجَرَة: شَجَرَة قريبَة من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأنزل الله عز وَجل - {مَا كَانَ لنَبِيّ} - إِلَى قَوْله - {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُم حَلَالا طيبا} -، فأحل الله الْغَنِيمَة لَهُم. وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " لَو نزل الْعَذَاب مَا نجا إِلَّا عمر ": فَدلَّ على أَن أَخذه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْفِدَاء كَانَ بِالِاجْتِهَادِ، وَكَانَ ذَلِك الِاجْتِهَاد خطأ، لِأَنَّهُ لَو كَانَ صَوَابا لما ترَتّب عَلَيْهِ الْعَذَاب على تَقْدِير عدم سبق الْكتاب فَإِن قلت: كَيفَ يَتَرَتَّب عَلَيْهِ وَقد تقرر أَن الْمُخطئ فِي الِاجْتِهَاد لَهُ أجر وَاحِد قلت: الْأجر على تَقْدِير أَن لَا يكون خلاف مَا أدّى إِلَيْهِ ظَاهرا، فَأَما إِذا كَانَ ظَاهرا فَلَا، بل يسْتَحق الْمُجْتَهد الْعَذَاب، أَلا ترى أَن المبتدعة قد كَانُوا مجتهدين، فَحَيْثُ كَانَ خلاف رَأْيهمْ ظَاهرا استحقوا الْعَذَاب، حَيْثُ قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " كلهم فِي النَّار إِلَّا وَاحِدَة " بعد قَوْله " سَتَفْتَرِقُ أمتِي ثَلَاثًا وَسبعين فرقة ". وَمِنْهُم من قَالَ معنى سبق الْكتاب أَنه كتب فِي اللَّوْح أَن لَا يعذب الْمُخطئ فِي الِاجْتِهَاد، وَيرد عَلَيْهِ تَعْذِيب المبتدعة. وَقد يُجَاب بتخصيص عدم الْعَذَاب بِمَا إِذا لم يكن فِي العقيدة فَإِن قلت: إِذا كَانَت الْحِكْمَة فِي عدم تَعْذِيب الْمُخطئ أَنه بذل وَسعه فِي طلب الصَّوَاب، فَلَا يفْتَرق الْحَال بِكَوْن الْمُجْتَهد فِيهِ عمليا أَو اعتقاديا قلت فِي الِاعْتِقَاد لم يكن الْمحل صَالحا للِاجْتِهَاد لوُجُود النُّصُوص المفيدة للْقطع. والشارع قد مَنعهم عَن الْخَوْض فِي ذَلِك (وَقد قُلْنَا بِهِ) أَي بِكَوْنِهِ مَأْمُورا بِالِاجْتِهَادِ فِي الحروب (وَثَبت) اجْتِهَاده (فِي الْأَحْكَام) الشَّرْعِيَّة (أَيْضا بقوله) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لَو اسْتقْبلت من أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرت لما سقت الْهدى) أَي لَو علمت قبل سوق الْهدى مَا عَلمته بعده من أَمْرِي يُرِيد بِهِ مَا ظهر عِنْده من الْمَشَقَّة عَلَيْهِ وعَلى من تبعه فِي سوقه الملزم دوَام الْإِحْرَام إِلَى قَضَاء مَنَاسِك الْحَج لما سقته، بل كنت أَحرمت بِالْعُمْرَةِ ثمَّ أحللت بعد أَدَائِهَا كَمَا هُوَ دأب الْمُتَمَتّع، فَعلم أَنه لم يسق بِالْوَحْي وَإِلَّا لم يقل ذَلِك وَأَيْضًا لَا يَتَرَتَّب الْجَزَاء عَنْهُم، أَعنِي سوق الْهدى على الشَّرْط، أَعنِي الْعلم بِمَا ذكر قبل السُّوق لَو لم يكن عَاملا بِالِاجْتِهَادِ، لِأَن الْقَائِل بِمُوجب الْوَحْي علمه بِالْمَصْلَحَةِ كَعَدم علمه بهَا
(4/186)

(وسوقه) الْهدى (مُتَعَلق حكم الْمَنْدُوب) لِأَنَّهُ لم يفعل فِي أَدَاء الْمَنَاسِك تَقْرِيبًا إِلَّا الْوَاجِب أَو الْمَنْدُوب، وَقد علم عدم الْوُجُوب فَتعين النّدب (وَهُوَ) أَي النّدب (حكم شَرْعِي) فَثَبت اجْتِهَاده فِي الْأَحْكَام أَيْضا (وَلِأَنَّهُ) أَي الِاجْتِهَاد (منصب شرِيف) حَتَّى قيل أَنه أفضل دَرَجَات أهل الْعلم، فَإِذا (لَا يحرمه) أفضل أهل الْعلم (وتناله أمته) فَإِن حرمانه مَعَ عدم حرمَان الْأمة بعيد عَن دَائِرَة الِاعْتِبَار (ولأكثرية الثَّوَاب لأكثرية الْمَشَقَّة). وَلَا شكّ أَن تَحْصِيل الْعلم بالحكم الشَّرْعِيّ ثمَّ الْعَمَل بِهِ أَكثر مشقة من الْعَمَل بِدُونِ الِاجْتِهَاد فَيكون أَكثر ثَوابًا فَكَانَ لائقا بِشَأْنِهِ الشريف: وَهَذَا الَّذِي ذكر من أكثرية الثَّوَاب لأكثرية الْمَشَقَّة هُوَ مُقْتَضى الأَصْل وَالْقِيَاس. فَلَا يُنَافِيهِ مَا وَقع فِي بعض الخصوصيات من كَون ثَوَاب مَا لَيْسَ فِيهِ مشقة أَكثر من ثَوَاب مَا فِيهِ الْمَشَقَّة كالكلمتين الخفيفتين على اللِّسَان الثقيلتين فِي الْمِيزَان. (وَأما الْجَواب) عَن هَذَا الدَّلِيل كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْن الْحَاجِب وَقَررهُ القَاضِي (بِأَن السُّقُوط) أَي سُقُوط الِاجْتِهَاد فِي حَقه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لدرجة الْعليا) الْإِضَافَة بَيَانِيَّة، وَهِي الْوَحْي، فَإِن مُتَعَلّقه أَعلَى من مُتَعَلق الِاجْتِهَاد لكَونه مَقْطُوعًا بِهِ ابْتِدَاء (لَا يُوجب نقصا فِي قدره وأجره) أما فِي قدره فَظَاهر لِأَنَّهُ أُرِيد لَهُ الدرجَة الْعليا، وَأما فِي أجره فَلِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُعْطي أجرا عَظِيما مناسبا لتِلْك الدرجَة (وَلَا) يُوجب السُّقُوط الْمَذْكُور (اخْتِصَاص غَيره بفضيلة لَيست لَهُ) لكَون الِاجْتِهَاد نظرا إِلَى هَذَا الْمَعْنى فَضِيلَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيره، لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ تنزل من الدرجَة الْعليا (فَقيل) جَوَاب أما (ذَلِك) أَي سُقُوط الْأَدْنَى للأعلى إِنَّمَا يكون (عِنْد الْمُنَافَاة) بَينهمَا (كَالشَّهَادَةِ مَعَ الْقَضَاء والتقليد مَعَ الِاجْتِهَاد) فَإِنَّهُ سُقُوط وجوب أَدَاء الشَّهَادَة على القَاضِي لوُجُوب مَا هُوَ أَعلَى مِنْهُ، وَهُوَ الْقَضَاء فَإِنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ، فَلذَلِك سقط وجوب التَّقْلِيد وَمن وجههما ظَاهر، وَمَا نَحن فِيهِ لَيْسَ كَذَلِك لجَوَاز أَن يجْتَهد ثمَّ يقرره الْوَحْي (وَالْحق أَن مَا سوى هَذَا) أَي مَا سوى الدَّلِيل الْمَعْنَوِيّ الْمَدْلُول عَلَيْهِ بقوله منصب شرِيف إِلَى قَوْله لأكثرية الْمَشَقَّة (لَا يُفِيد مَحل النزاع، وَهُوَ) أَي مَحل النزاع (الْإِيجَاب) أَي إِيجَاب الِاجْتِهَاد عَلَيْهِ فِيمَا لَا نَص فِيهِ، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن هَذَا يُفِيد، لِأَن الِاجْتِهَاد الْوَاقِع على وَجه الْفَرْضِيَّة أشرف، وثواب الْفَرْض أَكثر، وَأما الْأَدِلَّة النقلية فَلَا تفِيد إِلَّا وُقُوع الِاجْتِهَاد وَلَا يدل وُقُوعه فرضا كَمَا سيشير إِلَيْهِ، وناقش الشَّارِح فِي كَون مَحل النزاع الْوُجُوب فَقَط، وَنقل عَن الْمُعْتَمد مَا دلّ على النزاع فِي الْجَوَاز، وَعَن الْمَاوَرْدِيّ أَن الْأَصَح التَّفْصِيل فِي حق النَّاس الْوُجُوب لأَنهم لَا يصلونَ إِلَى حُقُوقهم بِدُونِهِ، وَفِي حُقُوق الله تَعَالَى عدم الْوُجُوب وَهَذَا يُؤَيّدهُ المُصَنّف. وَعَن أبي هُرَيْرَة أَن فِي وجوب الِاجْتِهَاد عَلَيْهِ بعد جَوَازه لَهُ وَجْهَيْن، وَأَنه صحّح الْوُجُوب. وَعَن بَعضهم أَنه غير
(4/187)

جَائِز عقلا، وَلَعَلَّ المُصَنّف حقق من طَرِيق النَّقْل أَن كل من قَالَ بِالْجَوَازِ مِمَّن يعْتد بِكَلَامِهِ قَالَ بِالْوُجُوب: فَيرجع الْخلاف إِلَى الِامْتِنَاع وَالْوُجُوب، فَلَا بُد أَن يكون كل دَلِيل فِي هَذَا الْمقَام دَالا على أَحدهمَا (وَأما هَذَا) الدَّلِيل الْمَعْنَوِيّ وَإِن أَفَادَ مَحل النزاع (فقد اقْتَضَت) أَي فَيُقَال فِيهِ إِن الِاسْتِدْلَال بنيل الْأمة شَيْئا من الْفَضَائِل وَالثَّوَاب على نيله ذَلِك غير مُسلم لِأَنَّهُ قد اقْتَضَت (رتبته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مرّة سُقُوط مَا) يجب (على غَيره كَحُرْمَةِ الزِّيَادَة) من الزَّوْجَات (على الْأَرْبَع) فَهَذِهِ الْحُرْمَة حكم ثَابت فِي حق الْأمة سَاقِط فِي حَقه لجَوَاز الزِّيَادَة لَهُ (وَمرَّة) اقْتَضَت رتبته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لُزُوم مَا لَيْسَ) بِلَازِم (عَلَيْهِم) كمصابرة الْعَدو، وَإِن كثر عَددهمْ، بِخِلَاف الْأمة فَإِنَّهَا لَا تلزمهم إِن زَاد عدد الْكفَّار على الضعْف، وإنكار الْمُنكر، وتغييره مُطلقًا لكَونه مَوْعُودًا بِالْحِفْظِ والعصمة، وَغَيره إِنَّمَا يلْزمه بِشَرْطِهِ، وكالسواك والتهجد إِلَى غير ذَلِك، فَلَا يُقَاس حَاله بِحَال غَيره، فَلَا بُد فِي إِثْبَات حكم فِي حَقه من وجود مُقْتَض يَخُصُّهُ (فالشأن فِي تَحْقِيق) وجود (خُصُوصِيَّة الْمُقْتَضى فِي حَقه فِي) خصوصيات (الْموَاد وَعَدَمه) أَي عدم خُصُوصِيَّة الْمُقْتَضى بِحَذْف الْمُضَاف، إِن وجدنَا مَا يقتضى إِثْبَات حكم فِي حَقه أَثْبَتْنَاهُ وَإِلَّا فَلَا (وَغَايَة مَا يُمكن) أَن يُقَال فِيمَا نَحن فِيهِ (أَنَّهَا) أَي أَدِلَّة المثبتين (لدفع الْمَنْع) أَي تدفع منع الْجَوَاز، فَيثبت الْجَوَاز لعدم الِامْتِنَاع (فَيثبت الْوُجُوب، إِذْ لَا قَائِل بِالْجَوَازِ دونه) أَي الْوُجُوب، يَعْنِي لَو لم يجب الِاجْتِهَاد عَلَيْهِ على تَقْدِير الْجَوَاز لثبت جَوَاز بِلَا وجوب، وَهُوَ منفي بِإِجْمَاع الْمُجْتَهدين، لِأَن الْقَائِل بالامتناع نَفَاهُ، وَكَذَلِكَ الْقَائِل بِالْوُجُوب، وَلَا مُجْتَهد سوى الْفَرِيقَيْنِ. احْتج (الْمَانِع) لاجتهاده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقوله تَعَالَى {وَمَا ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ} أَي الَّذِي ينْطق بِهِ من الشَّرَائِع {إِلَّا وَحي يُوحى} وَمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد لَيْسَ بِوَحْي (أُجِيب بتخصيصه) أَي بتخصيص الْمَنْفِيّ فِي الْآيَة (بِسَبَبِهِ) أَي بِمَا يدل عَلَيْهِ سَبَب نُزُولهَا، وَهُوَ رد مَا كَانُوا يَقُولُونَهُ فِي الْقُرْآن إِنَّه افتراء، فَيخْتَص بِمَا بلغه، وينتفي الْعُمُوم الَّذِي هُوَ منَاط الِاسْتِدْلَال، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لنفي دَعوَاهُم افتراءه) عطف بَيَان بِسَبَبِهِ، فَالْمُرَاد فِي قَوْله تَعَالَى إِن هُوَ الْقُرْآن (سلمنَا عُمُومه) أَي عُمُوم النَّفْي فِي قَوْله تَعَالَى - {ان هُوَ} - بِحَيْثُ يعم كل مَا ينْطق بِهِ (فَالْقَوْل) النَّاشِئ (عَن الِاجْتِهَاد لَيْسَ عَن الْهوى، بل) هُوَ نَاشِئ (عَن الْأَمر بِهِ) أَي بِالِاجْتِهَادِ، لِأَنَّهُ أمره بِالْعَمَلِ بِمَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده (وَهَذَا) أَي إِدْخَال مَا أدّى إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد فِي الْوَحْي الموحى بالتأويل الْمَذْكُور (وَإِن كَانَ خلاف الظَّاهِر، وَهُوَ) أَي الظَّاهِر (أَن مَا ينْطق بِهِ نفس مَا يُوحى إِلَيْهِ) لَا أَمر مندرج تَحت عُمُوم وَحي أثبت بِالدَّلِيلِ، لَكِن (يجب الْمصير إِلَيْهِ للدليل الْمَذْكُور) وَهُوَ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " لَو اسْتقْبلت من أَمْرِي ": الحَدِيث وَنَحْوه مِمَّا يدل على
(4/188)

أَنه نطق بِمَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده فِي الْأَحْكَام، فَلَا بُد من إدراجه تَحت الْوَحْي لِئَلَّا يُنَاقض الْآيَة (وَلَا يَحْتَاجهُ الْحَنَفِيَّة) أَي لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى ارْتِكَاب خلاف الظَّاهِر كغيرهم على مَا عرفت (إِذْ هُوَ) أَي مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (وَحي بَاطِن) عِنْدهم فَإِن قلت حمل الْوَحْي الْمَذْكُور على مَا يعمه خلاف الظَّاهِر قلت مَعَ مُلَاحظَة مَا دلّ على كَونه خلاف الظَّاهِر. (قَالُوا) أَي المانعون ثَانِيًا (لَو جَازَ) اجْتِهَاده (جَازَت مُخَالفَته) لمجتهد آخر إِذا أدّى اجْتِهَاده إِلَى خلاف رَأْيه لاحْتِمَال الْخَطَأ فِي الِاجْتِهَاد (وَتقدم مَا يَدْفَعهُ) من أَن اجْتِهَاده وَحي بَاطِن لَيْسَ كاجتهاد غَيره، أَو أَن اجْتِهَاده نَاشِئ عَن الْأَمر بِهِ، وَأمره بِالِاجْتِهَادِ فِي حق النَّاس يسْتَلْزم أَمر النَّاس باتباعه فِيمَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده. و (قَالُوا) ثَالِثا (لَو أَمر بِهِ) أَي بِالِاجْتِهَادِ (لم يُؤَخر جَوَابا) احْتَاجَ النَّاس إِلَيْهِ منتظرا للوحي بل كَانَ يجْتَهد فيجيب من غير انْتِظَار لَهُ (وَكَثِيرًا مَا أخر) أَي أخر تَأْخِيرا كثيرا، فَقَوله كثيرا مَنْصُوب على المصدرية، قدم على عَامله، وَكلمَة مَا مزيدة تفِيد مَا قبلهَا وثاقة وَقُوَّة فِيمَا قصد مِنْهُ (الْجَواب) أَنه (جَازَ) أَن يكون التَّأْخِير (لاشْتِرَاط الِانْتِظَار) أَي لكَون الِانْتِظَار للوحي فِي مُدَّة مَعْلُومَة عِنْده شرطا فِي اجْتِهَاده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (كالحنفية) أَي اشتراطا كاشتراط الْحَنَفِيَّة على مَا سبق (أَو لاستدعائه) أَي الِاجْتِهَاد فِي تِلْكَ الْحَادِثَة (زَمَانا) لغموضه، فَالْجَوَاب الأول مَبْنِيّ على التَّأْخِير لانتظار الْوَحْي، وَهَذَا الْجَواب مَبْنِيّ على عدم تَسْلِيم كَون التَّأْخِير لانتظار الْوَحْي. (قَالُوا) رَابِعا: الِاجْتِهَاد لَا يُفِيد إِلَّا الظَّن، و (لَا يجوز الظَّن مَعَ الْقُدْرَة على الْيَقِين) فَإِنَّهُ يقدر أَن يسْأَل ربه أَن ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي فِي مَحل السُّؤَال، وسؤاله لَا يرد، فَكَانَ قَادِرًا على الْيَقِين الَّذِي هُوَ الْوَحْي (أُجِيب بِالْمَنْعِ) يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا منع كَونه قَادِرًا على الْيَقِين لجَوَاز أَن لَا يكون مَأْذُونا فِي سُؤال إِنْزَال الْوَحْي، أَو لإِيجَاب على تَقْدِير السُّؤَال لحكمة تَقْتَضِيه، وَالثَّانِي منع استلزام الْقُدْرَة على الْيَقِين عدم جَوَاز الْعَمَل بِالظَّنِّ، كَيفَ والعمليات يَكْفِي فِيهَا الظَّن، وَالشَّيْخ أَرَادَ أَن يبْحَث عَن كل وَاحِد مِنْهُمَا فَقَالَ (فَإِن) كَانَ الْمَنْع (بِمَعْنى أَنه) أَي الْيَقِين بِالْوَحْي (غير مَقْدُور لَهُ) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْفِعْلِ (فَصَحِيح) أَي فَهَذَا الْمَعْنى صَحِيح (لكنه) أَي عدم المقدورية لَهُ بِالْفِعْلِ (لَا يُوجب النَّفْي) أَي نفي الْقُدْرَة مُطلقًا لجَوَاز أَن يصير قَادِرًا بأقداره تَعَالَى، فالمنع حِينَئِذٍ لَا يجوز الِاجْتِهَاد بِلَا انْتِظَار كَمَا ذهب إِلَيْهِ غير الْحَنَفِيَّة فَإِنَّهُ كَمَا يمْنَع عَن الِاجْتِهَاد الْقُدْرَة بِالْفِعْلِ كَذَلِك يمْنَع عَنهُ احْتِمَال صَيْرُورَته قَادِرًا بأقداره تَعَالَى، فَيَنْبَغِي أَن يكون هَذَا الْمَنْع من قبل الْحَنَفِيَّة، وَلَيْسَ معنى الْكَلَام لَا يُوجب النَّفْي لتعبده بِالِاجْتِهَادِ حَتَّى يعْتَرض عَلَيْهِ بِنَفْي إِيجَابه إِيَّاه بل مُرَاده أَن يُوجب الْمَنْع جَوَاز التَّعَبُّد وَهُوَ ظَاهر (بل) بِاعْتِبَار دلَالَته على احْتِمَال حُصُول الْقُدْرَة لما عرفت يُوجب (أَن لَا يجْتَهد إِلَى الْيَأْس من
(4/189)

الْوَحْي) قطعا (أَو) إِلَى (غَلَبَة ظَنّه) أَي الْيَأْس (مَعَ خوف الْفَوْت) أَي فَوت الْحَادِثَة المحوجة إِلَى الِاجْتِهَاد. قَوْله مَعَ قيد للمفهوم المردد للأخير (وَهُوَ) أَي عدم الِاجْتِهَاد إِلَى أَحدهمَا (قَول الْحَنَفِيَّة) أَي بِاعْتِبَار الْمَآل (كل من طريقي الظَّن وَالْيَقِين) يَعْنِي الِاجْتِهَاد وَالْوَحي (مُمكن فَيجب تَقْدِيم) رِعَايَة احْتِمَال (الثَّانِي) يَعْنِي الْيَقِين (بالانتظار فَإِذا غلب ظن عَدمه) أَي الْيَقِين (وجد شَرط الِاجْتِهَاد) وَهُوَ غَلَبَة ظن الْيَأْس من حُصُول الْيَقِين بِالْوَحْي، فَقَوله كل من طريقي الظَّن وَالْيَقِين إِلَى آخِره مقول قَول الْحَنَفِيَّة (وَهُوَ) أَي قَول الْحَنَفِيَّة (الْمُخْتَار) لكَونه أحوط مَعَ قُوَّة دَلِيله (وَإِن) كَانَ الْمَنْع (بِمَعْنى جَوَاز تَركه) أَي ترك طلب الْيَقِين (مَعَ الْقُدْرَة) عَلَيْهِ ميلًا (إِلَى مُحْتَمل الْخَطَأ) وَهُوَ الِاجْتِهَاد (مُخْتَارًا) أَي حَال كَون التارك مُخْتَارًا فِي تَركه وميله وَحَاصِله منع استلزام الْقُدْرَة على الْيَقِين عدم جَوَاز الْعَمَل بِالظَّنِّ (فيمنعه) أَي الْجَوَاز الْمَذْكُور (الْعقل) بِمُقْتَضى قَوَاعِد الشَّرْع من أَن اتِّبَاع الظَّن خلاف الأَصْل فَلَا يُصَار إِلَيْهِ إِلَّا عِنْد الضَّرُورَة وَمن أَن الظَّن بدل الْعلم كالتيمم بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوضُوء لَا يجوز إِلَّا عِنْد عدم الْقُدْرَة على الْوضُوء، وَمن أَن اخْتِيَار مُحْتَمل الْخَطَأ على مَا لَا يحْتَملهُ تَرْجِيح للمرجوح، وَهُوَ بَاطِل شرعا وعقلا (وَمَا أَوْهَمهُ) أَي جَوَاز تَركه مَعَ الْقُدْرَة (سَيَأْتِي) ذكره، و (جَوَابه، وَقد ظهر من الْمُخْتَار) وَهُوَ قَول الْحَنَفِيَّة الْمَذْكُور (جَوَاز الْخَطَأ عَلَيْهِ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) لِأَنَّهُ لَو لم يكن احْتِمَال الْخَطَأ فِي اجْتِهَاده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَكَانَ مثل الْوَحْي فِي عدم احْتِمَال الْخَطَأ، وَإِذن لَا وَجه للانتظار (إِلَّا أَنه) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كلمة إِلَّا بِمَعْنى لَكِن (لَا يقر عَلَيْهِ) أَي على الْخَطَأ (بِخِلَاف غَيره) من الْمُجْتَهدين فَإِنَّهُم قد يقرونَ عَلَيْهِ (وَقيل بامتناعه) أَي امْتنَاع الْخَطَأ فِي اجْتِهَاده لتعبده بِالِاجْتِهَادِ، إِذْ لَا معنى لَهُ، لِأَن المُرَاد الْمُجيب بِالْمَنْعِ لَيْسَ إِيجَابه نفي التَّعَبُّد بِالِاجْتِهَادِ حَتَّى يعْتَرض عَلَيْهِ بِنَفْي إِيجَابه إِيَّاه، بل مُرَاده أَن يُوجب الْمَنْع فِي نقل فِي الْكَشْف عَن أَكثر الْعلمَاء. وَقَالَ الإِمَام الرَّازِيّ والحليمي أَنه الْحق، والسبكي أَنه الصَّوَاب وَالشَّافِعِيّ نَص عَلَيْهِ فِي الْأُم (لِأَنَّهُ) أَي اجْتِهَاده (أولى بالعصمة عَن الْخَطَأ من الْإِجْمَاع لِأَن عصمته) أَي الْإِجْمَاع (لنسبته) أَي الْإِجْمَاع (إِلَيْهِ) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِاعْتِبَار صدوره عَن أمته (وللزوم جَوَاز الْأَمر بِاتِّبَاع الْخَطَأ) وَلَا يجوز الْأَمر بِهِ فضلا عَن الْوُقُوع، وَجه اللُّزُوم أَن الْأمة مأمورون باتباعه فِي جَمِيع أَحْكَامه. وَمِنْهَا مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده وعَلى تَقْدِير جَوَاز الْخَطَأ فِيهِ يلْزم الْأَمر بِاتِّبَاع جَائِز الْخطاب يسْتَلْزم جَوَاز الْأَمر بِاتِّبَاع جَائِز الْخَطَأ وَالْأَمر بِاتِّبَاع جَائِز الْخَطَأ فِيهِ نظر (و) للُزُوم (الشَّك فِي قَوْله) فِي كَونه صَوَابا أَو خطأ لِأَن الْمَفْرُوض جَوَاز الْخَطَأ فِي اجْتِهَاده، فَإِذا قَالَ بِمُوجب اجْتِهَاده لزم حُصُول الشَّك فِيهِ (فيخل بمقصود الْبعْثَة) وَهُوَ الوثوق بِمَا يَقُول إِنَّه حكم الله تَعَالَى (أُجِيب عَن هَذَا) أَي الْإِخْلَال بِالْمَقْصُودِ
(4/190)

(بَان المخل) بمقصود الْبعْثَة (مَا) أَي الشَّك (فِي) نفس (الرسَالَة) وَالشَّكّ فِي قَوْله الَّذِي صدر عَن الِاجْتِهَاد لَا يسْتَلْزم الشَّك فِيهَا (و) أُجِيب (عَمَّا قبله) أَي قبل هَذَا الَّذِي أجبنا عَنهُ (بِمَنْع بُطْلَانه) أَي الثَّانِي، وَهُوَ جَوَاز الْأَمر بِاتِّبَاع الْخَطَأ بِمَعْنى جَائِز الْخَطَأ، كَيفَ والمجتهد وَمن يقلده مأمورون بِاتِّبَاع مَا أدّى إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد إِجْمَاعًا وَهُوَ جَائِز الْخَطَأ عندنَا. ثمَّ ذكر سَنَد الْمَنْع بقوله (على أَن الْأَمر باتباعه) أَي الِاجْتِهَاد (من حَيْثُ هُوَ) أَي الحكم الاجتهادي (صَوَاب فِي نظر الْعَالم) الْمُجْتَهد، لَا من حَيْثُ أَنه خطأ (وَإِن خَالف) ذَلِك الحكم (نفس الْأَمر) وَهُوَ حكم الله تَعَالَى الْمعِين فِي تِلْكَ الْحَادِثَة (و) أُجِيب (عَن الأول) وَهُوَ أَنه أولى بالعصمة من الْإِجْمَاع (بِأَن اخْتِصَاصه) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي لَا بُد لَهُ مِنْهُ حَاصِل (برتبة النُّبُوَّة) وَلَا يخل بِكَمَالِهِ أَن يخْتَص أمته بشرف متابعتهم إِيَّاه برتبة كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وَإِن رُتْبَة الْعِصْمَة للْأمة) الْحَاصِلَة لَهُم (لاتباعهم) إِيَّاه (لَا يقتضى) بِاعْتِبَار حُصُولهَا لَهُم (لُزُوم هَذِه الرُّتْبَة) لَهُم فِي ذكر اللُّزُوم إِشَارَة إِلَى أَن أصل الْعِصْمَة حَاصِل فِيهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَإِن لم يكن على وَجه اللُّزُوم. وَلَا شكّ أَن شرف لُزُومهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأمة بِسَبَب الِاتِّبَاع رَاجع إِلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَإِن لم تكن لَازِمَة (لَهُ) لحكمة تَقْتَضِيه لَا ينقص من كَمَاله شَيْئا (كَالْإِمَامِ) يُرِيد الْإِمَامَة الْكُبْرَى (لَا يلْزم لَهُ رُتْبَة الْقَضَاء) وَإِن كَانَت مستفادة مِنْهُ ثمَّ لَا يعود ذَلِك عَلَيْهِ بِنَقص وانحطاط: وَلَا يخفى أَنه لَو كَانَ رُتْبَة الْقَضَاء لَهُ مَخْصُوصَة بِغَيْر الإِمَام كَانَ التنظير على الْوَجْه الْأَكْمَل، لكنه قصد أَنه كَمَا لَا ينقص كَمَال الْمَتْبُوع بمساواة التَّابِع إِيَّاه فِي حكم حصل لَهُ بتبعيته إِيَّاه كَذَلِك لَا ينقص اخْتِصَاص التَّابِع بِحكم حصل لَهُ بِسَبَب التّبعِيَّة، ثمَّ أَشَارَ إِلَى جَوَاب آخر بقوله (وَتقدم مَا يَدْفَعهُ) أَي الِاسْتِدْلَال الأول من قَوْله فقد اقْتَضَت رتبته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مرّة سُقُوط مَا على غَيره إِلَى قَوْله والشأن فِي تحقق خُصُوصِيَّة الْمُقْتَضى فِي حَقه، فَمن قَالَ أَن المُرَاد بِمَا يَدْفَعهُ مَا ذكر من أَنه لَا مُنَافَاة بَين مرتبَة النُّبُوَّة ودرجة الِاجْتِهَاد جعل مرجع ضمير يَدْفَعهُ الْجَواب لَا الِاسْتِدْلَال، وَلَزِمَه كَون ذَلِك الدّفع مرضيا للْمُصَنف وَهُوَ ضَعِيف، لِأَنَّهُ لَا يدْفع الْمَنْع الْمَذْكُور فَتدبر، وَلَا يبعد أَن يُقَال فِي تَحْقِيق خُصُوصِيَّة الْمُقْتَضى أَن فِي جَوَاز الْخَطَأ فِي اجْتِهَاد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِشَارَة إِلَى أَن فكر الْبشر وَإِن كَانَ فِي أَعلَى الدَّرَجَات يحْتَمل الْخَطَأ، بِخِلَاف الْوَحْي وَالله تَعَالَى أعلم (وَأَيْضًا) إِن كَانَ أَدِلَّة الْفَرِيقَيْنِ مُوجبا للشغب (فالوقوع) أَي وُقُوع الْخَطَأ فِي اجْتِهَاده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (يقطع الشغب) بِالسُّكُونِ: أَي النزاع فِي الْجَوَاز كَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور مِنْهُم الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب (وَدَلِيله) أَي الْوُقُوع قَوْله تَعَالَى {عَفا الله عَنْك} الْآيَة، وَقَوله تَعَالَى {مَا كَانَ لنَبِيّ} أَن تكون لَهُ أسرى (حَتَّى قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَو نزل من السَّمَاء عَذَاب مَا نجا مِنْهُ إِلَّا عمر) رَوَاهُ الْوَاقِدِيّ فِي كتاب الْمَغَازِي
(4/191)

والطبري بِلَفْظ " لما نجا مِنْهُ غير عمر بن الْخطاب وَسعد بن معَاذ " وَتَأْويل الْآيَتَيْنِ إِلَى خلاف مَا يدل عَلَيْهِ الظَّاهِر على وَجه يخل بِكَمَال بلاغة الْقُرْآن من غير ضَرُورَة ملجئة إِلَيْهِ مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَن يقدم عَلَيْهِ أهل الْعلم مُبَالغَة فِي علو شَأْن الْأَنْبِيَاء لِأَن هَذَا لَا يخل بعلو شَأْنهمْ كَمَا عرفت. قَالَ صدر الشَّرِيعَة فِي قَوْله تَعَالَى - {لَوْلَا كتاب} - الْآيَة: أَي لَوْلَا حكم سبق فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ، وَهُوَ أَنه لَا يُعَاقب أحد بالْخَطَأ فِي الِاجْتِهَاد وَكَانَ هَذَا خطأ فِي الِاجْتِهَاد لأَنهم نظرُوا إِلَى أَن استبقاءهم سَبَب لإسلامهم، وفداءهم يتقوى بِهِ على الْجِهَاد، وخفى عَلَيْهِم أَن قَتلهمْ أعز لِلْإِسْلَامِ وأهيب لمن وَرَاءَهُمْ وَأَقل لشوكتهم، ورد هَذَا القَاضِي أَبُو زيد بِأَنَّهُ لَو كَانَ خطأ لما أقرّ عَلَيْهِ، وَقد أقرّ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: - {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُم حَلَالا طيبا} - وَتَأْويل العتاب مَا كَانَ لمن قبلك أَن تكون لَهُ أسرى حَتَّى يثخن فَكَانَ لَك كَرَامَة خصصت بهَا رخصَة لَوْلَا كتاب من الله سبق بِهَذِهِ الخصوصية لمسكم الْعَذَاب بِحكم الْعَزِيمَة على مَا قَالَ عمر انْتهى، وَأَنت خَبِير بِأَن التَّقْرِير لم يَقع حَيْثُ نبه بِكَوْنِهِ خطأ: بل دلّت الْآيَة على أَن حكم الله تَعَالَى فِي نفس الْأَمر كَانَ خلاف مَا أدّى إِلَيْهِ ذَلِك الِاجْتِهَاد غير أَنه عَفا عَنْهُم، وَنسخ ذَلِك الحكم، فالحل بعد النّسخ لَا قبله وَتَأْويل العتاب على الْوَجْه الْمَذْكُور غير مرضِي لِأَنَّهُ إِذا رخص لَهُ فِي الْفِدَاء كَرَامَة لَا يبْقى للعتاب سَبَب فَإِن قلت يجوز أَن يكون سَببه ترك الأولى، وَهُوَ الْعَمَل بالعزيمة دون الرُّخْصَة قلت مثل هَذَا الْوَعيد لَا يلائم ترك الأولى وَالْعَمَل بِالرُّخْصَةِ الَّتِي هِيَ كَرَامَة لَهُ فَإِن قلت الْوَعيد مُرَتّب على الْمَفْرُوض قلت نعم لكنه يدل أَنه على ذَلِك التَّقْدِير كَانُوا يسْتَحقُّونَ الْعَذَاب الْعَظِيم، وَكَيف يستحقونه على ذَلِك التَّقْدِير إِن كَانَ لَهُم أَن يَأْخُذُوا الْفِدَاء رخصَة (وَبِه) أَي بالوقوع (يدْفع دفع الدَّلِيل الْقَائِل) إِسْنَاد مجازي من قبيل إِسْنَاد القَوْل إِلَى سَببه، وَلِأَن الدَّلِيل فِي الْحَقِيقَة أَمر معنوي، وَهُوَ مَا يسْتَلْزم الْعلم بِهِ الْعلم بِشَيْء، وَذَلِكَ سَبَب لِلْقَوْلِ الْمَذْكُور (لَو جَازَ) امْتنَاع الْخَطَأ عَلَيْهِ (لَكَانَ) ذَلِك الِامْتِنَاع (لمَانع) عَن الْخَطَأ لِأَنَّهُ مُمكن ذَلِك لذاته وطبع الْبشر يَقْتَضِيهِ عَادَة (وَالْأَصْل عَدمه) أَي عدم الْمَانِع (بِأَن الْمَانِع) صلَة لدفع الدَّلِيل الْمَذْكُور بِتَعْيِين الْمَانِع عَن الْخَطَأ، وَهُوَ (علو رتبته وَكَمَال عقله وَقُوَّة حدسه) وَهُوَ حُصُول الْمُقدمَات مرتبَة فِي الذِّهْن دفْعَة (وفهمه) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقد ذكر هَذَا الدّفع الْعَلامَة، وَمَعَ الْوُقُوع لَا يلْتَفت إِلَى أَمْثَال هَذِه التعليلات (وَأما الِاسْتِدْلَال) لجَوَاز الْخَطَأ عَلَيْهِ (بقوله) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
(" وَإِنَّكُمْ تختصمون إِلَيّ) فَلَعَلَّ بَعْضكُم أَن يكون أَلحن بحجته من بعض فأقضى لَهُ على نَحْو مَا أسمع فَمن قضيت لَهُ بِشَيْء من حق أَخِيه فَلَا يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا فَإِنَّمَا أقطع لَهُ قِطْعَة من النَّار " مُتَّفق عَلَيْهِ (وَقَوله) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أَنا أحكم
(4/192)

بِالظَّاهِرِ) قد سبق أَنه لَا وجود لهَذَا الحَدِيث غير أَنه يُؤْخَذ مَعْنَاهُ من الحَدِيث السَّابِق (فَلَيْسَ بِشَيْء) جَوَاب أما، وَخبر الْمُبْتَدَأ: أَي لَيْسَ بِشَيْء يعْتد بِهِ فِي إِثْبَات الْمُدَّعِي لِأَن الْخلاف فِي الْخَطَأ فِي استنباط الحكم الشَّرْعِيّ على أمارته بِأَن لَا يكون المستنبط مطابقا لحكم الله تَعَالَى الْمعِين فِي تِلْكَ الْحَادِثَة، وَلم يقل أحد إِن لله فِي كل قَضِيَّة جزئية تقع فِيهَا الْخُصُومَة بَين يَدي القَاضِي حكما معينا إِن وَافقه القَاضِي فَحكمه صَوَاب وَإِلَّا فخطأ، وَلَو سلم فَلَيْسَ هَذَا خطأ فِي الِاجْتِهَاد لِأَن أَسبَاب حكم القَاضِي لَيست بأمارات يستنبط مِنْهَا الْخطاب الْمُتَعَلّق بِفعل العَبْد، وَهُوَ ظَاهر (وَكَذَا) لَيْسَ بِشَيْء (مَا يُوهِمهُ عبارَة بَعضهم من ثُبُوت الْخلاف) من بَيَانِيَّة للموصول (فِي الْإِقْرَار على الْخَطَأ فِيهِ) أَي الِاجْتِهَاد، يَعْنِي يُوهم عبارَة بعض الْأُصُولِيِّينَ أَن الَّذين قَالُوا بِجَوَاز وُقُوع الْخَطَأ فِي اجْتِهَاد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اخْتلفُوا فِي أَنه هَل يقر على الْخَطَأ أم لَا؟ وَهَذَا الْوَهم لَيْسَ بِشَيْء لِأَنَّهُ لَا خلاف فِيهِ (بل نَفْيه اتِّفَاق) أَي مُتَّفق عَلَيْهِ كَمَا صرح بِهِ الْعَلامَة وَغَيره. قَالَ الشَّارِح: ثمَّ قد ظهر سُقُوط التَّوَقُّف فِي جَوَاز الِاجْتِهَاد للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا ذهب إِلَيْهِ الرَّازِيّ، وَالله تَعَالَى أعلم.

مسئلة
قَالَت (طَائِفَة لَا يجوز) عقلا (اجْتِهَاد غَيره) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (فِي عصره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالْأَكْثَر) على أَنه (يجوز) اجْتِهَاد غَيره فِي زَمَانه (فَقيل) يجوز (مُطلقًا) أَي بِحَضْرَتِهِ وغيبته، كَذَا نقل عَن مُحَمَّد بن الْحسن، وَهُوَ الْمُخْتَار عِنْد الْأَكْثَرين مِنْهُم القَاضِي وَالْغَزالِيّ والآمدي والرازي (وَقيل) يجوز (بِشَرْط غيبته للقضاة) مُتَعَلق بيجوز، وَكَذَا الْوُلَاة دون غَيرهم (وَقيل) يجوز (بِإِذن خَاص) فَمنهمْ من شَرط صَرِيحه، وَمِنْهُم من نزل السُّكُوت عَن الْمَنْع مِنْهُ مَعَ الْعلم بِوُقُوعِهِ منزلَة الْإِذْن. (وَفِي الْوُقُوع) اخْتلفُوا. فَمنهمْ من قَالَ (نعم) وَقع (مُطلقًا) حضورا وغيبة (ظنا) أَي وقوعا ظنيا لَا قَطْعِيا، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب. قَالَ السُّبْكِيّ لم يقل أحد وَقع قطعا، (و) مِنْهُم من قَالَ (لَا) أَي لم يَقع أصلا (وَالْمَشْهُور أَنه) أَي عدم الْوُقُوع أصلا (للجبائي وَأبي هَاشم، و) مِنْهُم من مذْهبه (الْوَقْف) فِي الْوُقُوع مُطلقًا، نسبه الْآمِدِيّ للجبائي (وَقيل) الْوَقْف (فِي) حق (من بِحَضْرَتِهِ) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لَا) فِي حق (من غَابَ) عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. (الْوَقْف) منشؤه أَنه (لَا دَلِيل) على الْوُقُوع وَلَا على عَدمه عِنْد الْوَقْف. قَالَ (الْمَانِع) للْجُوَاز مُطلقًا: مجتهدو عصره (قادرون على
(4/193)

الْعلم بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِ فَامْتنعَ ارْتِكَاب طَرِيق الظَّن) وَهُوَ الِاجْتِهَاد لِأَن معرفَة الْأَحْكَام وَاجِبَة، وَالْأَصْل فِيهَا الْعلم وَلَا يعدل عَن الأَصْل إِلَّا عِنْد عدم الْقُدْرَة عَلَيْهِ (أُجِيب بِمَنْع الْمُلَازمَة) يَعْنِي لَا نسلم استلزام الْقُدْرَة الْمَذْكُورَة الِامْتِنَاع الْمَذْكُور منعا مُسْتَندا (بقول أبي بكر) رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي حَدِيث أبي قَتَادَة الْأنْصَارِيّ " خرجنَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَام حنين فَذكر قصَّته فِي قَتله الْقَتِيل، وَأَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه. فَقُمْت فَقلت من يشْهد لي. ثمَّ جَلَست إِلَى أَن قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَالك أَبَا قَتَادَة؟ فقصصت عَلَيْهِ الْقِصَّة. فَقَالَ رجل من الْقَوْم صدق يَا رَسُول الله سلب ذَلِك الْقَتِيل عِنْدِي فأرضه من حَقه " (لَاها الله) ذَا (" لَا يعمد إِلَى أَسد من أسود الله تَعَالَى يُقَاتل عَن الله وَرَسُوله فيعطيك سلبه. فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: صدق) فأعطه إِيَّاه، فأعطانيه ". قَالَ الْخطابِيّ لَاها الله ذَا بِغَيْر ألف قبل الذَّال، وَمَعْنَاهُ فِي كَلَامهم وَالله، يجْعَلُونَ الْهَاء مَكَان الْوَاو، وَمَعْنَاهُ لَا وَالله يكون ذَا: كَذَا فِي شرح السّنة، وَالْخطاب لمن لَهُ السَّلب وَيطْلب من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أرضاء أبي قَتَادَة من ذَلِك السَّلب، وفاعل لَا يعمد ويعطيك ضمير رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ: وَأما الصِّيغَة فتروى لَاها الله بِإِثْبَات الْألف والتقاء الساكنين على حَده، ولاها الله بِحَذْف الْألف وَالْأَصْل لَا وَالله فحذفت الْوَاو وَعوض مِنْهَا حرف التَّنْبِيه، وَيَنْبَغِي أَن يكون هَذَا مُرَاد من قَالَ يجْعَلُونَ الْهَاء مَكَان الْوَاو، وَأما التَّقْدِير فَقَوْل الْخَلِيل إِن ذَا مقسم عَلَيْهِ، وَتَقْدِيره لَا وَالله الْأَمر كَذَا فَحذف الْأَمر لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال، وَقَول الْأَخْفَش أَنه من جملَة الْقسم وتوكيده لَهُ كَأَنَّهُ قَالَ ذَا قسمي، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنهم يَقُولُونَ لَاها الله ذَا لقد كَانَ كَذَا فيجيبون بالمقسم عَلَيْهِ بعد هَذَا، وَالظَّاهِر أَن هَذَا من أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بِالِاجْتِهَادِ وَهُوَ بِحَضْرَتِهِ وَقد صَوبه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، والْحَدِيث فِي الصَّحِيحَيْنِ (وَتقدم أَن ترك الْيَقِين لطَالب الصَّوَاب) ميلًا (إِلَى مُحْتَمل الْخَطَأ مُخْتَارًا يأباه الْعقل) فَلَا يحمل صَنِيع أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَلَيْهِ. بل الِاعْتِمَاد على أَنه إِن كَانَ خطأ يردهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى الصَّوَاب، فَيحصل الْيَقِين كَمَا سيشير إِلَيْهِ (واجتهاد أبي بكر فِي هَذِه الْحَالة لَا يسْتَلْزم تخييره) بَين الرُّجُوع إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَبَين الِاجْتِهَاد (مُطلقًا) فِي الْحُضُور والغيبة للْفرق الظَّاهِر بَينهمَا، فَإِن التَّخْيِير فِي الْحُضُور لَا يسْتَلْزم مَا يأباه الْعقل لِأَنَّهُ يَنْتَهِي إِلَى الْيَقِين بتقريره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِن قلت إِنَّمَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ إِذا لم يكن تَقْرِيره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالِاجْتِهَادِ قلت يَكْفِيهِ اجْتِهَاده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِخِلَاف اجْتِهَاده رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَإِنَّهُ لَا يَكْفِيهِ بِدُونِ تَقْرِيره، واجتهاده رد أَبَا بكر واجتهاده إِلَى الصَّوَاب صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِنَّمَا اجْتهد أَبُو بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بِحَضْرَتِهِ (لعلمه) أَي أبي بكر (أَنه لكَونه بِحَضْرَتِهِ إِن خَالف) الصَّوَاب فِي
(4/194)

اجْتِهَاده (رده) أَي أَبَا بكر واجتهاده إِلَى الصَّوَاب (فَالْوَجْه جَوَازه) أَي الِاجْتِهَاد فِي عصره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (للْغَائِب ضَرُورَة) لتعذر الرُّجُوع إِلَيْهِ، أَو تعسره، وَخَوف فَوت الْحَادِثَة على غير الْوَجْه الشَّرْعِيّ (والحاضر) مَعْطُوف على الْغَائِب: أَي وَالْوَجْه جَوَازه لمن لم يكن غَائِبا عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غيبَة مَانِعَة عَن الرُّجُوع إِلَيْهِ (بِشَرْط أَمن الْخَطَأ) أَي الْأَمْن من الْخَطَأ (وَهُوَ) أَي أَمنه مِنْهُ يحصل (بِأحد أَمريْن: حَضرته) بِأَن يكون فِي مَجْلِسه، أَو حَيْثُ يرَاهُ، أَو يطلع عَلَيْهِ (أَو أُذُنه) لَهُ فِي الِاجْتِهَاد (كتحكيمه سعد بن معَاذ فِي بني قُرَيْظَة) فَإِنَّهُ لما حكم بقتل الرِّجَال وَقسم الْأَمْوَال وَسبي الذَّرَارِي وَالنِّسَاء، قَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " لقد حكمت فيهم بِحكم الله " كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَفِي رِوَايَة " بِحكم الله الَّذِي حكم بِهِ من فَوق سبع سموات "، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى فِي الصَّحِيحَيْنِ " بِحكم الْملك ".

مسئلة
قد سبق أَن الِاجْتِهَاد يكون فِي العقليات، فَأخذ يبين مَا يتَعَلَّق بذلك فَقَالَ: (العقليات) من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة (مَا لَا يتَوَقَّف) ثُبُوته (على سمع) أَي على دَلِيل سَمْعِي من قبيل إِطْلَاق الْمصدر على الْمَنْسُوب إِلَيْهِ مجَازًا، وَيجوز أَن يُرَاد بِهِ الْمَفْعُول أَو الْمَعْنى المصدري: أَي على الِاسْتِمَاع من الشَّارِع، وَهَذَا لَا يُنَافِي أَن يدل عَلَيْهِ السّمع أَيْضا (كحدوث الْعَالم) أَي حُدُوثه ومسبوقيته بِالْعدمِ (وَوُجُود موجده) أَي الْعَالم (تَعَالَى) مَوْصُوفا (بصفاته) الذاتية والإضافية (وبعثة الرُّسُل، والمصيب من مجتهديها) أَي العقليات (وَاحِد اتِّفَاقًا) لعدم إِمْكَان اجْتِمَاع النقيضين فَإِنَّهَا مضمونات جزئية وكل من الْمُخَالفين على طرف من النقيضين (والمخطئ) مِنْهُم (إِن) أَخطَأ (فِيمَا يَنْفِي مِلَّة الْإِسْلَام) كلا أَو بَعْضًا (فكافر آثم مُطلقًا عِنْد الْمُعْتَزلَة: أَي بعد الْبلُوغ وَقَبله) تَفْسِير للإطلاق (بعد تأهله) أَي صَيْرُورَته أَهلا فَإِن قلت هَذَا الْقَيْد مُسْتَغْنى عَنهُ فَإِن الْكَلَام فِي الْمُجْتَهد الْمُخطئ قلت فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن شَرط الِاجْتِهَاد فِي العقليات أَهْلِيَّة النّظر لِئَلَّا يتَوَهَّم كَونه مَشْرُوطًا بِمَا هُوَ شَرط الِاجْتِهَاد فِي الْأَحْكَام العملية (للنَّظَر وبشرط الْبلُوغ) مَعْطُوف على مُطلقًا، أَو الْمَعْنى أَثم مُطلقًا عِنْد الْمُعْتَزلَة وأثم لشرط الْبلُوغ (عِنْد من أسلفنا) فِي فصل الْحَاكِم (من الْحَنَفِيَّة كفخر الْإِسْلَام إِذا أدْرك) الْبَالِغ (مُدَّة التَّأَمُّل) وقدرها مفوض إِلَى الله تَعَالَى فَإِن النَّاس متفاوتون فِي الْفِكر سرعَة وَأَبْطَأ (إِن لم يبلغهُ سمع) حَقِيقَة أَو حكما بِأَن يكون فِي دَار الْإِسْلَام (ومطلقا) مَعْطُوف على قَوْله إِذا أدْرك فَهُوَ فِي معنى قَوْله مُقَيّدا، يَعْنِي الْمُخطئ فِيمَا يَنْفِي مِلَّة الْإِسْلَام كَافِر عِنْد من أسلفنا بِشَرْط الْبلُوغ مُطلقًا
(4/195)

أَي أدْرك مُدَّة التَّأَمُّل أَو لَا (إِن بلغه) السّمع (وبشرط بُلُوغه) أَي السّمع إِيَّاه مَعْطُوف