Advertisement

المهذب في علم أصول الفقه المقارن 001



الكتاب: الْمُهَذَّبُ في عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ الْمُقَارَنِ
(تحريرٌ لمسائِلِه ودراستها دراسةً نظريَّةً تطبيقيَّةً)
المؤلف: عبد الكريم بن علي بن محمد النملة
دار النشر: مكتبة الرشد - الرياض
الطبعة الأولى: 1420 هـ - 1999 م
عدد الأجزاء: 5
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تنبيه:
توجد بالنسخة الورقية للكتاب أخطاء وتصحيفات في الآيات القرآنية فاقت الحصر قمت بتصويبها بحمد الله وتوفيقه، وأرجو ممن له صلة بدار نشر هذا الكتاب أن يتكرم بمراسلتهم لتصويب الآيات الكريمة.
وفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الكتاب: الْمُهَذَّبُ في عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ الْمُقَارَنِ
(تحريرٌ لمسائِلِه ودراستها دراسةً نظريَّةً تطبيقيَّةً)
المؤلف: د. عبد الكريم بن علي بن محمد النملة
دار النشر: مكتبة الرشد - الرياض
الطبعة الأولى: 1420 هـ - 1999 م
عدد الأجزاء: 5
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
__________
تنبيه:
توجد بالنسخة الورقية للكتاب أخطاء وتصحيفات في الآيات القرآنية فاقت الحصر قمت بتصويبها بحمد الله وتوفيقه، وأرجو ممن له صلة بدار نشر هذا الكتاب أن يتكرم بمراسلتهم لتصويب الآيات الكريمة.
وفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.
(المقدمة/5)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، حمداً يليق بجلاله وعظمته، وأشكره شكراً
يوافي نعمه الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى، سبحانه وتعالى لا أحصي
ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، مبدع البدائع، وشارع الشرائع.
وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له شهادة أرجو أن يكفر
بها عنا سيئات أعمالنا، ويرفع بها درجاتنا، وينجينا بها من صغير
الموبقات وكبيرها.
وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، إمام المتقين، وخاتم الأنبياء
والمرسلين، العبد المرتضى، والنبي المجتبى، والرسول المصطفى،
المرسل بالبراهين الساطعة، والآيات الدامغة، والبينات الواضحة
صلى اللَّه عليه، وعلى آله وسلم تسليما كثيراً، ورضي اللَّه عن
صحبه الهداة الأعلام الذين بذلوا النفس والنفيس، لإعلاء كلمة اللَّه.
أما بعد: فإن أقوى المهمات بعد الإيمان بالله: طلب العلم،
حيث إن العلم ميراث النبوة كما قال - صلى الله عليه وسلم -: "إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر ".
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "العلماء ورثة الأنبياء "، ومما يؤكد ذلك أنه سبحانه
قد جعل العلماء في درجة الأنبياء في الدعوة إلى اللَّه، فقال
سبحانه: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ مهه، فإنه هنا قد جعل
ولاية الإنذار والدعوة للفقهاء، وهذه درجة الأنبياء قد تركوها ميراثا
للعلماء.
والعلم علمان: " علم التوحيد "، و " علم الفقه ".
أما علم التوحيد فالأصل فيه التمسك بما جاء في الكتاب والسُّنَّة
(المقدمة/7)

ومجانبة الهوى والبدع، كما كان عليه الصحابة - رضي اللَّه عنهم -
والتابعون والسلف الصالح.
أما علم الفقه: فهو الخير الكثير، وهو الحكمة التي ذكرها الله
تعالى بقوله: (من يؤتى الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً) ،
وروي عن ابن عباس - رضي اللَّه عنهما - أنه قال: " الحكمة: معرفة
الأحكام من الحلال والحرام ".
فدرجة العلم هي النهاية في القوة والخيرية، وهو ما أراده الرسول
- صلى الله عليه وسلم - بقوله: " من يرد اللَّه به خيراً يفقهه في الدين "، وقوله: "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا ".
لذلك تجد الصحابة - رضي اللَّه عنهم - قد حرصوا على طلب
العلم لما علموا درجته العليا ومنزلته الكبرى، وقصصهم في طلبه
والحرص عليه لا تخفى على ذي لب، لا سيما حرص ابن عباس
وابن عمر وغيرهما.
وعلم الفقه - وهو: معرفة الحلال والحرام من الأحكام -
لا يمكن إلا بعد معرفة أدلة الأحكام، ومعرفة أدلة الأحكام وما يتعلق
بها هو علم أصول الفقه، فيكون علم أصول الفقه هو أصل لذلك
الخير الموجود في الفقه.
فبفضله - أي: علم أصول الفقه - يتعلم الفقيه المناهج والأسس
والطرق التي يستطيع عن طريقها استنباط الأحكام الفقهية للحوادث
المتجددة.
وبفضله - أيضاً - يعرف المكلَّف العلَل والحِكَم التي من أجلها
شرعت الأحكام الشرعية؛ ليعبد اللَّه تعالى على بصيرة.
(المقدمة/8)

وبفضله - أيضاً - يستطيع طالب العلم تخريج المسائل والفروع
على قواعد إمامه.
وبفضله - أيضاً - يستطيع الداعية إلى اللَّه تعالئ: أن يدعو إلى الله
وإلى دينه بناء على أسس ومناهج وطرق يستطيع بها أن يقنع الآخرين.
وبفضله - أيضاً - يستطيع أن يبين لأعداء الإسلام: أن الإسلام
صالح لكل زمان ومكان، وأنه لا يوجد أي حادثة إلا ولها حكم
شرعي في الإسلام، بعكس ما كان يصوره أعداء الإسلام من أن
الإسلام قاصر وعاجز عن حل القضايا المتجددة، قاتل اللَّه من قال
ذلك، ولعن من نصر هذا القول وأبعده من رحمته.
وبفضله - أيضاً - يستطيع أن يفسر الشخص القرآن، ويشرح
الأحاديث، خيث إنه لا يمكنه معرفة دلالة النصوص، وكونها دلَّت
بالمنطوق أو المفهوم، أو الإشارة، أو العبارة، أو الاقتضاء، أو
الإيماء إلا بمعرفة أصول الفقه.
وبفضله - أيضاً - يعرف من يريد كتابة أي بحث من البحوث
العلمية كيفية كتابة ذلك البحث؛ حيث إن علم أصول الفقه قد جمع
بين النقل والعقل، فمن تعمق فيه: عرف طريقة إيراد المسألة،
وتصويرها؛ والاستدلال عليها، وطريقة الاعتراض، والجواب،
والمناقشة بأسلوب مبني على أسس ومناهج وطرق يندر أن تجدها في
غير هذا العلم.
فالمتعلم لهذا العلم - وهو أصول الفقه - والمدقق فيه يدرك من
المنافع الشرعية، والأحكام الفقهية، والفوائد والمقاصد العامة ما لا
يحصى.
(المقدمة/9)

فيكون هذا العلم أجل العلوم قدراً، وأعظمها نفعاً، وأعمها
فائدة، وأكثرها أهمية، وأعلاها شرفاً، وأميزها ذكراً، وذلك لما
يتعلق به من مصالح العباد في المعاش والمعاد.
ومع هذا النفع، وعلو المرتبة والرفعة، والأهمية لهذا العلم قد
ترك تعلمه كثير من طلاب العلم؛ لأسباب كثيرة، وقد يكون من
أهمها: عدم معرفتهم لهذا الفضل والنفع العظيم لهذا العلم.
ومنها: عدم فهمهم لهذا العلم، بسبب صعوبة عباراته، وقلة
تطبيقاته، وأمثلته الفرعية.
ومنها: عدم إدراكهم للغرض والقصد الذي من أجله يُدرَس هذا
العلم.
فسألني بعض طلاب العلم أن أضع كتاباً أجمع فيه جميع مسائل
أصول الفقه مع شرحها، وبيانها، والاهتمام بتصويرها بالأمثلة
بأسلوب عصري مفهوم، دون تعصب لمذهب أو رأي معين،
فأجبتهم على ذلك، امتثالاً لأمر اللَّه تعالى بالتبيين للناس، وكشف
الشبه والإلباس، ونظراً لشوقي لتحصيل الفضائل والتجنب عن
الرذائل، ورغبة في الأجر، والمثوبة.
ومما جعلني أقوم بهذا المصنف - أيضاً - ما يلي:
أولاً: تيسير وتسهيل علم أصول الفقه لهؤلاء الطلاب، ولغيرهم
بأسلوب عصري مفهوم.
ثانياً: تكثير طرق الخير ونشره، لأنه كلما كثر التأليف كثرت
طرق تعلمه.
ثالثاً: تكثير المتعلمين والطالبين، فإن لكل جديد لذة.
(المقدمة/10)

رابعاً: التشبه بالسلف الصالح، وهم الراسخون بالعلم؛ حيث
روى ابن عمر - رضي اللَّه عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد اللَّه وحده لا شريك له، واجعل رزقي تحت ظل رمحي، واجعل الذل والصغار على من خالف
أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم ".
فلهذه الأسباب ولغيرها قمت بتأليف هذا الكتاب، وجعلته ميسراً
جامعاً، نقَّحت وهذَّبت فيه كثيراً من كلام علماء الأصول في كتبهم.
وجعلته في سبعة أبواب هي كما يلي:
الباب الأول: في المقدمات.
الباب الثاني: في الحكم الشرعي والتكليف به.
الباب الثالث: في أدلة الأحكام الشرعية.
الباب الرابع: في الألفاظ ودلالتها على الأحكام.
الباب الخامس: في القياس.
الباب السادس: في الاجتهاد والتقليد.
الباب السابع: في التعارض والجمع والترجيح.
وقد تكلمت في هذا الكتاب سالكاً المنهج الآتي:
أولاً: جمعت كل مسائل أصول الفقه، فلم أترك أيَّ مسألة فيها
فائدة لطالب العلم إلا وذكرتها في هذا الكتاب.
ثانيا: هذَّبت هذه المسائل ورتبتها ونظمتها ونقحتها وانتقيتها
فجعلت هذا الكتاب يتكون من سبعة أبواب، وكل باب يتكون من
عدة فصول، وكل فصل يتكون من عدة مباحث، وكل مبحث
(المقدمة/11)

يتكون من عدة مطالب، وكل مطلب يتكون من عدة مسائل، وكل
مسألة تتكون من عدة نقاط؛ تسهيلاً لطالب العلم؛ حيث إنه لا
فائدة من كتاب لم يرتب وينظم.
ثالثاً: لا أقتصر بذكر المسألة فقط، بل أقوم بشرحها وتصوير
المراد منها، وبيان الجزئية التي اختلف العلماء حولها.
رابعاً: أذكر المذاهب في المسألة، بادئاً بالمذهب الراجح عندي،
وذكر الأدلة على ذلك، وأذكر ما وجه إلى كل دليل من اعتراضات
- إن وجدت - ثم أجيب عن كل اعتراض بعد ذكره مباشرة، ثم
أذكر المذاهب الأخرى، مع أدلة كل مذهب، وأجيب عن كل دليل
بعد ذكره مباشرة.
خامساً: إذا انتهيت من ذكر المذاهب في المسألة الواحدة، أذكر
نوع الخلاف فيها: هل هو خلاف لفظي، أو معنوي؟
فإن كان لفظياً أبين دليل ذلك، وإن كان معنوياً أبين دليل ذلك،
مع ذكر بعض الآثار لهذا الخلاف، وإن كان الخلاف قد اختلف فيه
فقال بعض العلماء: إنه لفظي، وقال آخرون: إنه معنوي، أذكر
القولين، مع دليل كل منهما، ثم أبين ما هو الراجح عندي، مع
الجواب عن القول المرجوح.
سادساً: أُعرِّف المصطلحات الأصولية تعريفاً لغوياً، وتعريفاً
اصطلاحياً، ذاكراً في ذلك أقرب التعريفات إلى الصواب.
سابعاً: أذكر أهم الأدلة للمذهب المختار، وإذا وجدت بعض
الاعتراضات على بعض الأدلة: أذكر أقواها، ثم أذكر أهم الأجوبة
عن كل اعتراض وأقواها، وكذلك أذكر أهم وأقوى أدلة المذهب
المخالف، وأهم الأجوبة عنها.
(المقدمة/12)

ثامناً: قمت بالتحقق من نسبة الأقوال والمذاهب والآراء.
تاسعاً: أستدل على إثبات القواعد الأصولية بإجماع الصحابة،
فإن لم أجد: أستدل بالنصوص من الكتاب والسُّنَّة - هذا غالباً،
وفي بعض القواعد الأصولية أستدل بالنص قبل إجماع الصحابة -
فإن لم أجد إجماعا ولا نصاً: فإني أستدل بمعقول النصوص، فإن
لم أجد: فإني أستدل بالقياس، فإن لم أجد: فإني أستدل بالأدلة
الصحيحة الأخرى عندي دون تعصب لمذهب معين.
عاشراً: قد أطلت بشرح وبيان بعض المسائل والقواعد، والأدلة؟
نظراً لأهميتها، وحاجة الطلاب إلى بيانها.
حادي عشر: ترجمت كلام علماء السلف في أصول الفقه
وجعلته في هذا الكتاب بأسلوب عصري مفهوم.
ثاني عشر: رجعت في وضع هذا الكتاب إلى أهم كتب أصول
الفقه عند الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، سواء كانت
قديمة أم حديثة.
ثالث عشر: قد نهجت في هذا الكتاب بالمنهج الوسط، دون
التطويل الممل، أو الاقتصار المجحف المخل.
هذا وقد سميته: " المهذَّب في علم أصول الفقه المقارن - تحرير
لمسائله، ودراستها دراسة نظرية تطبيقية ".
حيث إني قد هذبت فيه مسائل أصول الفقه، وانتقيتها، وخلصتها
من كل ما علق بها مما لا يفيد طالب العلم، وعالجتها معالجة تذهب
صعوبتها من نفوس الطلاب إن شاء اللَّه، بحيث يستطيع كل طالب
فهمها بيسر وسهولة، وهذا هو أصل التهذيب، وهو - كما ورد في
(المقدمة/13)

لسان العرب -: تنقية الحنظل من شحمه، ومعالجة حبه حتى
تذهب مرارته، ويطيب لآكله.
أرجو أن يكون كما سميته.
وأخيراً: فإن هذا هو جهد من هو معرض للخطأ والصواب:
فإن وفقت فمن اللَّه تعالى، وإن كانت الأخرى فمن نفسي ومن
الشيطان، وأستغفر اللَّه.
وأيضاً: أنا لا أدعي أني أصبت في كل ما كتبت؛ لأني أقطع
ويقطع غيري بأن أي مصنِّف وكاتب مهما بلغ من القدرة والجهد الذي
بذله فيما كتب لا بد أن يكون في عمله نقص، وذلك لأن النقص
والخطأ والسهو من طبيعة البشر، حيث إن الكمال لله وحده
لا شريك له.
ولكن يكفيني أني لم أقصد بهذا المصنَّف إلا نفع طلاب العلم
وإعانتهم على فهم مسائل أصول الفقه.
وأسأله سبحانه أن ينفع بهذا الكتاب مؤلفه، وقارئه والناظر فيه،
وجميع المسلمين بمنِّه وكرمه، وأن يجعل عملنا في هذا المؤلَّف وفي
غيره صالحاً لوجهه خالصاً، ويجعل سعينَا مقرِّباً إليه، مبلِّغاً إلى
رضوانه، وصلى اللَّه وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله
وصحبه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كتبه
أ. د / عبد الكريم بن علي بن محمد النملة
الأستاذ بقسم أصول الفقه، بكلية الشريعة بالرياض
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
(المقدمة/14)

الباب الأول في المقدمات
ويشتمل على فصلين:
الفصل الأول: مقدمة في مبادئ علم أصول الفقه.
الفصل الثاني: مقدمة في المصطلحات التي يحتاج
إليها دارس علم أصول الفقه.
(1/5)

الفصل الأول في مقدمة في مبادئ علم أصول الفقه
ويشتمل على المباحث التالية:
المبحث الأول: تعريف أصول الفقه.
المبحث الثاني: الفرق بين أصول الفقه والفقه.
المبحث الثالث: الفروق بين القواعد الأصولية والقواعد الفقهية.
المبحث الرابع: في موضوع أصول الفقه.
المبحث الخامس: في حكم تعلم أصول الفقه.
المبحث السادس: في فوائد علم أصول الفقه.
المبحث السابع: الشبه التي أثيرت حول علم أصول الفقه وأجوبتها.
المبحث الثامن: هل يقدم تعلم أصول الفقه أو تعلم الفقه؟
المبحث التاسع: بيان المصادر التي استمد منها علم أصول الفقه.
المبحث العاشر: نشأة علم أصول الفقه.
المبحث الحادي عشر: طرق التأليف في علم أصول الفقه، وأهم الكتب المؤلفة على كل طريقة.
(1/7)

المبحث الأول في تعريف أصول الفقه
ويشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: تعريف أصول.
المطلب الثاني: تعريف الفقه.
المطلب الثالث: تعريف أصول الفقه.
(1/9)

المطلب الأول في تعريف الأصول
أولا - تعريف الأصول لغة:
الأصول: جمع أصل، والأصل في اللغة يطلق على إطلاقات
كثيرة، من أهمها:
الإطلاق الأول: أنه يطلق على ما يبتني عليه غيره، ذهب إلى ذلك
كثير من الأصوليين، كأبي الخطاب، وأبي الحسين البصري،
والإيجي، والشوكاني.
وهو الصحيح عندي، لأمور ثلاثة:
أولها: أن الأصل - في حقيقته اللغوية - هو: أسفل الشيء،
وأساسه، ولا شك أن أسفل الشيء، وأساسه هو الذي يعتمد عليه
في البناء.
ثانيها: شموله وعمومه لكل ما ذكره العلماء من تعريفات.
ثالثها: أنه موافق لتعريف الأصل في الاصطلاح؛ حيث إنه
الدليل، والدليل يعتمد عليه الحكم، ويبنى عليه؛ إذ لا حكم بلا
دليل يعتمد عليه.
الإطلاق الثاني: أن الأصل: ما منه الشيء، ذهب إلى ذلك تاج
الدين الأرموي، وصفي الدين الهندي.
(1/11)

الإطلاق الثالث: الأصل: ما يتفرع عنه غيره، وهو مذهب
القفال الشاشي.
الإطلاق الرابع: الأصل هو: المحتاج إليه، وهو مذهب فخر الدين الرازي، وسراج الدين الأرموي.
الإطلاق الخامس: الأصل هو: ما يستند ذلك الشيء إليه، وهو
ما ذهب إليه الآمدي.
وهذه التعريفات - عند التحقيق - لا تعارض بينها؛ حيث إن
بعض العلماء عرفوا الأصل بتعريف عام وشامل كالإطلاق الأول،
والبعض الآخر عرَّفوا الأصل بتعريف خاص وبمعنى جزئي، فمن
الممكن أن تدخل الجزئيات ضمن التعريفات ذات المعنى الشمولي؛ الهدف هو: تعريف الأصل بمعناه الشامل الذي تدخل فيه كل
الجزئيات، لذلك رجحت الإطلاق الأول للأصل، وهو: أن
الأصل: ما يبتني عليه غيره.
اعتراض على ذلك:
اعترض بعضهم قائلاً: إنه معروف أن الوالد أصل للولد، ولكن
لا يقال: " الولد بني على الوالد "، بل الذي يقال: " إنه فرعه "،
ولو كان الأصل يطلق لغة على ما يبنى عليه غيره لما امتنع ذلك.
جوابه:
نقول في الجواب عنه: إنه لا مانع لغة من أن يقال: إن الولد بني
على الوالد إذا لاحظنا المعنى وهو: أن الولد أساسه الوالد، وهو
أصله.
(1/12)

ثانياً - تعريف الأصول اصطلاحا:
الأصل في الاصطلاح يطلق على معان، من أهمها:
أولها: أن الأصل: الدليل. كقولنا: " الأصل في التيمم:
الكتاب، والأصل في المسح على الخفين: السُّنَّة " أي: دليل ثبوت
التيمم من الكتاب، ودليل ثبوت المسح من السُّنَّة.
وهو: المراد من الأصل في علم أصول الفقه عندي؛ لمناسبته
وموافقته لما قلناه من أن الأصل لغة يطلق على ما يبتني عليه غيره،
فالدليل يبنى عليه الحكم، فأصول الفقه: أدلته.
والدليل عام وشامل لجميع الأدلة المتفق عليها، والأدلة المختلف
فيها، والقواعد الأصولية مثل: " العبرة بعموم اللفظ "، و " أن
الأمر المطلق للوجوب "، و " النهي المطلق للتحريم ".
اعتراض على ذلك:
قال بعضهم: لا نُسَلِّمُ أنه يطلق على القواعد الأصولية أدلة،
لذلك قال: أحسن عبارة في تعريف الأصل في الاصطلاح هي:
"ما يبتني عليه غيره "، حتى تدخل الأدلة والقواعد، حيث تبنى على
هذه الأدلة وتلك القواعد الأحكام، فيكون تعريفه اصطلاحاً هو
تعريفه لغة.
جوابه:
أقول - في الجواب عنه -: إنه لا داعي لهذا التكلُّف، لأنه
يطلق على القواعد أدلة، وهذا ما ثبت بالاستقراء والتتبع لكتب
الفقه؛ حيث إن الفقهاء يستدلون بالقواعد الأصولية، ويسمون تلك
القواعد أدلة.
(1/13)

ثانيها: يطلق الأصل ويراد به القاعدة الكلية المستمرة بقولهم:
"تحمل العاقلة للدية خلاف الأصل "، و " الأصل أن النص مقدم
على الظاهر "، و " الأصل: أن العموم يعمل بعمومه حتى يرد ما
يخصصه ".
ثالثها: يطلق الأصل ويراد به الرجحان كقولهم: " الأصل في
الكلام الحقيقة " أي: الراجح عند السامع هو المعنى الحقيقي، دون
المعنى المجازي.
رابعها: يطلق الأصل ويراد به المستصحب كقولهم: " الأصل في
الأشياء الإباحة "، أي: نستصحب الإباحة الثابتة في الأشياء حتى
يأتي ما يحرم، وقولهم: " الأصل في الإنسان البراءة " أي: أن
الإنسان بريء حتى تثبت إدانته بدليل.
(1/14)

المطلب الثاني في تعريف الفقه
أولاً - تعريف الفقه لغة:
عرف الفقه لغة بعدَّة تعريفات، من أهمها:
الأول: الفقه هو: الفهم مطلقاً.
ذهب إلى ذلك كثير من العلماء كالآمدي، والباجي، وابن
عقيل، والإسنوي، وصفي الدين الهندي، والشوكاني.
وهو الصحيح عندي؛ لأنه ثبت بعد تتبع واستقراء النصوص
الشرعية أن لفظ " الفقه " ورد بمعنى الفهم من ذلك: قوله تعالى:
(فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً) أي: لا يكادون
يفهمون.
ومن ذلك قوله تعالى: (واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي)
أي: يفهموا قولي.
ومنه قوله تعالى: (قالوا يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول) أي:
ما نفهم كثيراً من قولك، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: " نضَّر
الله عبداً سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما وعاها، فرب حامل فقه
إلى من هو أفقه منه ".
وقلنا: الفهم مطلقاً أي: سواء كان عالِماً أو لا، وسواء فهم
(1/15)

الغرض من خطاب الشخص، أو فعله، أو إشارته، أو إيمائه، أو
غير ذلك.
الثاني: أن الفقه لغة هو: العلم، أي: إذا كان الشخص عالماَ
بأشياء لا يعلمها غيره من الناس فهو الفقيه، وإن لم يفهم ما يعلمه،
ذهب إلى ذلك ابن فارس في " المجمل "، وإمام الحرمين في
"البرهان "، وأبو يعلى في " العدة "، والكيا الهراسي.
الثالث: الفقه لغة هو: العلم والفهم معاً، يقال: فلان يفقه
الخير والشر، و " يفقه الكلام " أي: يعلمه ويفهمه، ذهب إلى
ذلك الغزالي في " المستصفى "، والآمدي فى " منتهى السول "،
وابن سيده في " المحكم ".
الجواب عنهما:
أقول - في الجواب عنهما -: إن هذين التعريفين يدخلان ضمن
التعريف الأول " حيث إن المراد بالفهم مطلقاً هو: معرفة الشيء،
ومعرفة الشيء بالقلب هو: العلم به.
الرابع: الفقه لغة هو: إدراك الأشياء الدقيقة.
ذهب إلى ذلك أبو إسحاق الشيرازي في " شرح اللمع "، يقال:
" فقهت كلامك " أي: أدركت دقائقه، ويقال: " فلان فقيه في
الخير وفقيه في الشر " إذا كان يدقق النظر في ذلك، لكن لا يقال:
" فقهت أن السماء فوقي والأرض تحتي، وأن الماء رطب، والتراب
يابس ".
وكان الشعراء يُسمَّون في الجاهلية فقهاء " لإدراكهم المعاني الدقيقة
في أشعارهم، وتعبيرهم بها.
(1/16)

جوابه:
أقول - في الجواب عنه -: إن هذا من تعريفات الفقه اصطلاحاً؟
وذلك لأنه لم يرد في كلام أهل اللغة.
وإذا كان هذا من تعريفات الفقه اصطلاحا، فإنه تعريف ضعيف؟
لأنه يفضي ويؤدي إلى أن من علم الأشياء الظاهرة مثل ما علم من
الدين بالضرورة، ككون الصلاة واجبة، والزنا حرام، ونحو ذلك
من الأحكام الفقهية لا يُسمى فقيهاً. وليس كذلك؛ حيث إن كل
عالم بالأحكام عامة عن طريق الاستنباط يُسمَّى فقيهاً - وسيأتي بيان
هذَا إن شاء اللَّه.
الخامس: الفقه لغة: فهم غرض المتكلم من كلامه.
ذهب إلى ذلك أبو الحسين البصري في " المعتمد "، وفخر الدين
الرازي في " المحصول ".
جوابه:
أقول - في الجواب عنه -: إن هذا التعريف للفقه بعيد؛ لأمرين:
أولهما: أنه مخالف لما نقل عن أهل اللغة؛ حيث إنه نقل عنهم:
أن الفقه هو مطلق الفهم.
ثانيهما: أن ما قيل في هذا التعريف هو تقييد للمطلق،
وتخصيص للعام بدون مقيد، وبدون مخصص.
ثانيا - تعريف الفقه اصطلاحاً:
1 - الفقه في اصطلاح الفقهاء هو: حفظ طائفة من مسائل
الأحكام الشرعية العملية الواردة في الكتاب والسُّنَّة، وما استنبط
منهما، سواء كان قد حفظها مع أدلتها، أو مجرداً عنها.
(1/17)

أو تقول: إن الفقه في اصطلاح الفقهاء هو: مجموع الأحكام
والمسائل التي نزل بها الوحي، والتي استنبطها المجتهدون، أو أفتى
بها أهل الفتوى، أو توصل إليها أهل التخريج، وبعض ما يحتاج
إليه من مسائل الحساب التي ألحقت بالوصايا والمواريث.
فاسم الفقيه عند الفقهاء لا يختص بالمجتهد - كما هو عند
الأصوليين - بل يشمله ويشمل غيره من المشتغلين في هذه المسائل.
2 - أما الفقه في اصطلاح الأصوليين فهو: " العلم بالأحكام
الشرعية العملية المكتسب من الأدلة التفصيلية ".
شرح التعريف، وبيان محترزاته:
قولنا: " العلم " هو: مطلق الإدراك الشامل للقطع والظن.
أي: مطلق إدراك الحكم، سواء كان عن دليل قطعي، أو عن
دليل ظني راجح، فيكون المراد بالعلم هو: ما علمناه بالشرع إما
بيقين أو غالب الظن.
هذا هو القول الحق " لأن الأحكام الفقهية منها ما هو قطعي،
ومنها ما هو ظني، فحمل الفقه على واحد منهما ليس بسديد.
والمقصود بالظن - هنا - هو ظن المجتهد الذي توفرت فيه شروط
الاجتهاد، وليس ظن كل أحد من العوام، أو طلاب العلم الذين
لم يبلغوا درجة الاجتهاد.
وبقولنا: إن العلم هو مطلق الإدراك الشامل للقطع والظن،
نسلم من اعتراض أبي بكر الباقلاني المشهور وهو: أنه قال: إنكم
عرفتم الفقه بأنه " العلم بالأحكام.. "، والعلم معناه: الإدراك
الجازم المطابق للواقع عن دليل قطعي؛ الأحكام الفقهية لم تثبت
(1/18)

عن طريق أدلة قطعية، بل إن الأقل من تلك الأحكام ثبت عن دليل
قطعي، وغالب الأحكام الفقهية ثبتت عن أدلة ظنية، فإدخال لفظ
"العلم " في تعريف الفقه مع أن الفقه من باب الظنون باطل.
وإليك بيان كيف كان الفقه ظنياً:
الفقه من باب الظنون؛ لأنه مستفاد من الأدلة الظنية، وإليك بيان
ذلك:
الأدلة تنقسم إلى قسمين: " أدلة متفق عليها "، و " أدلة مختلف
فيها".
والمتفق عليها من حيث الجملة: " الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع،
والقياس ":
أما القياس: فإنه لا يفيد إلا الظن، وهو واضح.
وأما الإجماع: فإنه يتنوع إلى نوعين:
النوع الأول: الإجماع السكوتي، وهو لا يفيد إلا الظن، سواء
نقل إلينا عن طريق التواتر، أو الآحاد.
النوع الثاني: الإجماع الصريح فيه تفصيل:
إن نقل إلينا بطريق الآحاد، فهو لا يفيد إلا الظن.
وإن نقل إلينا بطريق التواتر، فهو يفيد القطع، لكنه في غاية البعد.
أما السُّنَّة، ففيها تفصيل:
إن نقلت الأحاديث عن طريق الآحاد، وهذا أكثر السُّنَّة، فلا
يفيد إلا الظن، سواء كانت دلالته قطعية أو ظنية.
وإن نقلت الأحاديث عن طريق التواتر - وهو قليل جداً - ففيه
تفصيل:
(1/19)

إن كانت دلالة الحديث على المعنى قطعية، فيفيد القطع، وهو
قليل، وإن كانت دلالة الحديث على المعنى ظنية، فلا يفيد إلا الظن.
وأما الكتاب، ففيه تفصيل:
إن كانت دلالة الآية على الحكم دلالة ظهية، فلا تفيد إلا الظن.
وإن كانت دلالة الآية على الحكم دلالة قطعية، فإنها تفيد القطع.
وما هو مقطوع الدلالة من الكتاب والسُّنَّة المتواترة، يكون من
ضروريات الدين.
أما الأدلة المختلف فيها كالمصالح، والاستصحاب، والعرف،
وسد الذرائع، وقول الصحابي، وشرَع من قبلنا، والاستحسان،
فإنها لا تفيد إلا الظن عند القائلين بها.
إذاً يكون غالب الأحكام الفقهية ثابتة عن طريق أدلة ظنية، فيكون
الفقه ظنياً على الغالب، وإذا كان الأمر كذلك فلا يصح أن يقال:
إن الفقه هو " العلم بالأحكام.. "، بل يقال: " إن الفقه: الظن
بالأحكام الشرعية.. "، فإيراد العلم مكان الظن يكون إيراداً لضد
الشيء مكانه في التعريف، فيكون التعريف باطلاً.
هذا هو اعتراض الباقلاني المشهور.
وبتفسيرنا " العلم " بأنه مطلق الإدراك، ومطلق الإدراك يشمل
القطع والظن، نسلم من هذا الاعتراض للباقلاني.
قولنا: " بالأحكام "، الباء متعلقة بمحذوف تقديره: " المتعلق"
ويكون الكلام بعد التقدير: " العلم المتعلق بالأحكام الشرعية ".
والمراد بتعلق العلم بالأحكام: التصديق بكيفية تعلقها بأفعال
المكلفين، كأن تعلم - مثلاً - أن الوجوب ثابت للصلاة، وأن الزنا
محرم.
(1/20)

والأحكام جمع " حكم "، والحكم يطلق على إطلاقات كثيرة
تختلف باختلاف الاصطلاحات، وهي كما يلي:
الاصطلاح الأول: أن الحكم يطلق على إدراك الوقوع أو عدم
الوقوع، أي: إدراك أن النسبة واقعة أو ليست واقعة، وهذا
اصطلاح المناطقة.
جوابه:
أقول - في الجواب عنه -: إنه لا يصح أن يراد بالحكم هنا هذا
الإطلاق؛ لأن العلم هو: الإدراك - كما سبق ذكره - فإذا كان
الحكم هو الإدراك فيكون التقدير: الفقه هو: إدراك الإدراك للوقوع،
أو عدم الوقوع، وهو معنى فاسد.
الاصطلاح الثاني: أن الحكم هو: خطاب اللَّه تعالى المتعلق بفعل
المكلف بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، وهذا اصطلاح الأصوليين.
جوابه -:
أقول - في الجواب عنه -: إنه لا يصح أن يراد بالحكم هنا هذا
الإطلاق " لأن ذلك يجعل قيد: " الشرعية " الوارد في تعريف الفقه
لغواً لا فائدة فيه، حيث إن الحكم بهذا الإطلاق لا يكون إلا
شرعياً، فيترتب على ذلك حصول التكرار.
الاصطلاح الثالث: أن الحكم هو: إسناد أمر إلى أمر آخر
إيجاباً، أو سلباً، أو هو ثبوت شيء لشيء آخر، أو نفيه عنه،
وهو اصطلاح اللغويين.
وهذا هو المراد بالحكم هنا عندي، لأمرين:
أولهما: لعمومه وشموله.
(1/21)

ثانيهما: أن الإطلاقات والاصطلاحات الأخرى ثبت عدم صحتها.
والحكم على هذا الإطلاق منقسم إلى ما يلي:
الحكم الشرعي: وهو ما كانت النسبة فيه مستفادة من الشارع
نحو: الصلاة واجبة.
الحكم العقلي: وهو ما كانت النسبة فيه مستفادة من العقل نحو:
الخمسة نصف العشرة.
الحكم الحسي: وهو ما كانت النسبة فيه مستفادة من الحواس
الخمس نحو: الثلج بارد.
الحكم التجريبي: وهو ما كانت النسبة فيه مستفادة من التجربة
نحو: الإهليلج مسهل.
الحكم الوضعي الاصطلاحي: وهو ما كانت النسبة فيه مستفادة
من الوضع اللغوي كالحكم بأن الفاعل مرفوع، والمفعول به
منصوب.
وقولنا: " بالأحكام " دخلت " أل " على الأحكام، وهي هنا
تكون للعموم، فتعم شيئين:
أولهما: العلم بالأحكام بالفعل.
ثانيهما: العلم بالأحكام بالقوة.
أي: لا يراد من العلم بجميع الأحكام: معرفتها جميعها
بالفعل، بمعنى: أن يعرف حكم كل مسألة يسأل عنها، ولا يجهل
شيئاً من الأحكام.
بل المراد من العلم بالأحكام ومعرفتها: العلم ببعضها بالفعل،
والعلم بالباقي بالقوة، بحيث تكون عنده القدرة على تحصيلها
(1/22)

بالأخذ في أسباب الحصول، وهو ما يعرف بالملكة والتهيؤ، ولا شك
أن كل مجتهد عنده القدرة والملكة التي يستطيع بها استنباط الحكم
واستخراجه إذا لزم الأمر وحدثت حادثة تقتضي ذلك.
فيسمى فقيهاً نظراً لوجود الملكة عنده، فيكون عالماً ببعض
الأحكام بالفعل، والبعض الآخر بالقوة والاستعداد.
وقلنا ذلك لأن " أل " الداخلة على " الحكم ": لا يصح أن تكون
للعهد؛ لأنه لم يتقدم للحكم ذكر حتى تكون للعهد الذكري، ولا
يوجد بين المعرف والمخاطب معرفة وعهد حتى تكون للعهد الذهني.
ولا يصح أن تكون " أل " للجنس؛ لأن أقل جنس الجمع ثلاثة،
فيلزم من ذلك أن يسمى العامي فقيهاً إذا عرف ثلاث مسائل بأدلتها؟
لصدق اسم الفقيه عليه، وليس كذلك.
ولا يصح أن تكون " أل " لمطلق الحقيقة -؛ لأنه يلزم من ذلك أن
من عرف حكماً واحداً بدليله يكون فقيهاً، وليس كذلك.
ولا يصح أن يكون " أل " لاستغراق الجنس؛ لأنه يلزم من كونها
لاستغراق الجنس أن الشخص لا يُسمَّى فقيهاً إلا إذا علم جميع
الأحكام الشرعية الفرعية، فمن لم يعلمها كلها: فإنه يخرج من
زمرة الفقهاء، وهذا باطل؛ لأن الأئمة الأربعة وغيرهم من الفقهاء
كانوا لا يعلمون كل الأحكام، إذ ما من إمام إلا وقد خفي عليه
بعض الأحكام، فقد ذكر الهيثم بن جميل عن الإمام مالك أنه سئل
عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في اثنتين وثلاثين منها: " لا
أدري ".
وذكر أبو القاسم بن يوسفما الحسني الحنفي: أن الإمام أبا حنيفة
قال في ثمان مسائل: " لا أدري ".
(1/23)

وذكر ابن جماعة: أن محمد بن الحكم سأل الإمام الشافعي عن
المتعة: أكان فيها طلاق، أو ميراث، أو نفقة؟ فقال: " والله ما
ندري ".
وذكر الأثرم: أنه كان يسمع الإمام أحمد يكثر من قول: " لا أدري ".
والأمثلة على ذلك كثيرة لا تحصى.
قولنا: " الشرعية " أي: يجب أن تكون تلك الأحكام شرعية،
أي. مستفادة من الأدلة الشرعية، سواء كانت تلك الأدلة متفق
عليها، أو مختلف فيها.
فلفظ " الشرعية " أخرج الأحكام المستفادة من العقل، أو من
الحس، أو من الوضع اللغوي، أو من التجرية.
قولنا: " العملية ": يبين أن الأحكام الشرعية ينبغي أن يكون فيها
عمل جوارح كالصلاة، والزكاة، والحج، والمعاملات، والجنايات
ونحو ذلك.
وليس المراد بـ " العملية " هو: أن جميع الأفعال هي عملية
وأفعال، بل المراد: أن أكثرها فعلي وعملي، لا كلها، وذلك
لوجود بعض الأحكام الفقهية الكائنة بالقلب دون عمل الجوارح؛ الفقيه كما يكون فقيهاً بالعلم بوجوب الصلاة والصيام والحج،
كذلك يكون فقيهاً بالعنم بوجوب النية، والإخلاص، وتحريم الرياء
والحسد، وأمور كثيرة لا توجد إلا بالقلب، فيدخل عمل الجوارح،
وعمل القلب، وما هو وسيلة إلى العمل كعلم أصول الفقه.
وخرج بكلمة " العملية " الأحكام الشرعية العقائدية، وهو علم
(1/24)

التوحيد، كالعلم بأن اللَّه واحد سميع بصير، فهذا ليس من الفقه
في شيء.
اعتراض:
اعترض بعضهم كالإسنوي على هذا قائلاً: إن هذا تناقض،
حيث أدخلتم في لفظ " العملية " عمل القلب كوجوب النية، ولم
تدخلوا علم التوحيد فإنه عمل قلب أيضاً.
جوابه:
إن عمل القلب كوجوب النية، والإخلاص، وتحريم الرياء،
والحسد، والحقد، ونحو ذلك تشبه عمل الجوارح أكثر من شبهها
بالاعتقاد " لكونها تظهر على المتصف بها ولو بعد حين، فألحقناها
بعمل الجوارح لكثرة شبهها به، فلو جالست شخصاً حاقداً، أو
حاسداً، أو لا إخلاص عنده، فإنك ستعلم ذلك عنه من خلال
عمله وتصرفاته، ولكنك لن تعلم أن جليسك هذا أشعري، أو
معتزلي من أي عمل عمله، لأنه بينه وبين اللَّه.
اعتراض آخر:
ذكر بعض العلماء كفخر الدين الرازي وتلميذه تاج الدين الأرموي:
أن كلمة: " العملية " خرج بها - أيضاً - أصول الفقه، لأن العلم
بكون الإجماع وخبر الواحد والقياس حُجَّة - مثلاً - ليس علماَ
بكيفية عمل.
جوابه:
أقول - في الجواب عنه -: هذا ليس بصحيح، فلا يخرج
بكلمة " العملية " علم أصول الفقه، بل يدخل - كما سبق أن
(1/25)

قلناه -؛ لأن هذه القواعد - ككون الإجماع والقياس وخبر الواحد
حُجَّة - هي وسيلة إلى العمل، فالغاية المطلوبة منها العمل،
والموضوع عمل من أعمال المكلفين، وتلك هي مسائل المكلفين.
أي: أن حكم الشرع بكون الإجماع والقياس وخبر الواحد حُجَّة
معناه: أن نتعبد ونعمل بالحكم الذي يثبت عن طريق تلك الأدلة،
ويجب العمل بمقتضاه، والإفتاء بموجبه.
قولنا: " المكتسب من الأدلة ": لفظ " المكتسب " مرفوع،
حيث إنه وصف للعلم، أي: أن هذا العلم بالأحكام الشرعية
العملية مأخوذ بسبب النظر بالأدلة واستنباط الأحكام منها، فأي
شخص حصل على العلم بالأحكام بدون النظر بالأدلة لا يسمى فقيهاً
مهما كان.
وعلى هذا خرج بهذه الكلمة - أعني: " المكتسب من الأدلة " -
ما يلي:
1 - علم اللَّه تعالى؛ لأنه لا يوصف بأنه أخذ من أدلة، حيث إنه
أزلي غير مكتسب.
2 - علم الأنبياء عليهم السلام بالأحكام من غير اجتهاد، حيث
يتلقى ذلك عن طريق الوحي.
أما علم الأنبياء والرُّسُل الحاصل عن اجتهاد ونظر، فهو علم
مكتسب، لذلك يوصف بأنه فقيه في هذا الذي اجتهد فيه.
3 - علم الملائكة؛ لأنه مأخوذ من اللوح المحفوظ.
4 - علم المقلد الذي لم يجتهد في تحصيل واستنباط أي حكم من
الأحكام من أدلتها، بل أخذ الحكم عن المجتهد، فمعرفته ببعض
الأحكام ليست حاصلة عن دليل أصلاً لا إجمالي، ولا تفصيلي.
(1/26)

وقولنا: " التفصيلية " أي: آحاد الأدلة، بحيث يدل كل دليل
بعينه على حكم معين مثل قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) ،
وقوله: (ولا تقربوا الزنا) .
وقد جيء بلفظ " التفصيلية " لإخراج الأدلة الإجمالية الكلية
كمطلق الأمر، ومطلق النهي، والإجماع، والقياس، وقول
الصحابي ونحو ذلك، فالبحث عن هذه الأدلة الإجمالية من عمل
وشأن الأصولي.
وتعريف الفقه - السابق - يبين ويوضح أن أيَّ حكم شرعي عملي
أخذه هذا الشخص من دليل تفصيلي، فإنه يُسمَّى فقيهاً، سواء كان
ظاهراً جلياً، أو كان غامضاً خفياً.
اعتراض:
اعترض فخر الدين الرازي على ذلك قائلاً: إذا كان الحكم
معلوماً من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة، ووجوب الصوم،
وغيرهما مما يعرف من أدلة ظاهرة جلية، فإن العارف لذلك لا
يسمى فقيهاً، حيث إنه أخذ ذلك من غير نظر واستدلال.
جوابه:
أقول - في الجواب عنه -: ماذا يعني فخر الدين بالضرورة؟
إن كان يعني بها: أن كل من تصور الدين الذي جاء به نبينا
محمد - صلى الله عليه وسلم - حصل له العلم الضروري بوجوب الصلاة، ووجوب الصوم ونحوهما، فليس كذلك، لأنه في ابتداء الإسلام لم يكن
الأمر كذلك، فإن الفقه كان حاصلاً بها للصحابة - رضي الله
عنهم - ولم تكن ضرورية - حينئذٍ - وفقه الصحابة يجب أن يتناوله
حد الفقه.
(1/27)

وإن أراد بها: بعد اشتهار الإسلام وانتشاره، فإن أكثر الأحكام
كذلك تحريم الزنا، والغصب، والسرقة، والربا، ونحوها،
فلو خرجت هذه الأحكام وما شابهها مما اشتهر وعرفه أكثر الناس
لخرج أكثر الفقه عن أن يسمى فقهاً؛ لأن هذه المسائل هي المسائل
الأصلية في الفقه، وغيرها يتفرع عنها.
وبهذا يتبين: أن الفقيه هو العالم الذي علم الأحكام الشرعية
العملية المكتسب والمأخوذ من الأدلة التفصيلية، ولا يمكن أن يكون
كذلك إلا إذا توفرت فيه شروط المجتهد.
فمن حفظ المسائل الفقهية المدونة في كتب الفقه على مذهب
واحد، أو على المذاهب الأربعة بأدلتها، فلا يُسمَّى فقيها، ولكن
يُسمَّى ناقل للفقه عن غيره، ولو كان حافظاً للقرآن والسُّنَّة. والله
أعلم.
(1/28)

المطلب الثالث في تعريف أصول الفقه
لما عرفت تعريف الأصول، وتعريف الفقه، سأبين الآن تعريف
أصول الفقه، فأقول:
لقد اختلفت عبارات الأصوليين في تعريف أصول الفقه، ولكن
أقربها إلى الصحة هو: معرفة دلائل الفقه إجمالاً، وكيفية الاستفادة
منها وحال المستفيد.
شرح التعريف:
المراد بالمعرفة: العلم والتصديق، دون التصور، حيث إن المعرفة
تعلقت بالنسبة، ولم تتعلق بالمفرد.
والمعرفة جنس دخل فيها معرفة الأدلة، ومعرفة الأحكام.
والأدلة جمع " دليل "، والدليل لغة هو: المرشد إلى المطلوب،
سواء كان حسيا، أو معنويا.
وهو في الاصطلاح: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى
مطلوب خبري.
وهو شامل للدليل القطعي المفيد للقطع، وشامل للدليل الظني
المفيد للظن عندنا.
مثال القطعي: الدلالة على حدوث العالم، فتقول: العالم
متغير، وكل متغير حادث، فالعالم حادث.
(1/29)

ومثال الظني: الغيم الذي إذا نظرنا إليه فإنه يوصلنا إلى وقوع
المطر.
اعتراض:
لم يسلم ذلك أبو الحسين البصري، وفخر الدين الرازي،
والآمدي، بل قالوا: إن الدليل لا يستعمل إلا فيما يؤدي إلى العلم
أما ما يؤدي إلى الظن فلا يسمى دليلاً، وإنما يسمى أمارة.
جوابه:
هذا غير صحيح؛ لأمور ثلاثة:
أولها: أن أهل اللغة لم يفرقوا في التسمية بين ما يؤدي إلى العلم
أو الظن، فلم يكن لهذا الفرق وجه.
تانيها: أن أهل الشريعة لم يفرقوا بينهما في الاعتقاد والعمل.
ثالثها:. أن الدليل هو المرشد إلى المطلوب، والدليل الظني
مرشد إلى المطلوب، فوجب أن يكون دليلاً كالموجب للعلم.
والمقصود من معرفة أدلة الفقه: معرفة الأدلة وأحوالها المتعلقة بها
مثل: أن يعرف أن الأمر يقتضي الوجوب عند الإطلاق، وأن
الإجماع يفيد القطع، أو الظن، وأن القياس يفيد الحكم الظني
وهكذا.
وليس المراد من معرفة الأدلة هو: تصورها كأن يعرف: أن
الكتاب هو: اللفظ المنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - المتعبد بتلاوته، وأن السُّنَّة هي: ما صدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأن الإجماع هو: اتفاق مجتهدي أُمَّة محمد، فهذه كلها تصورات - فقط - وهي من مقاصد علم الأصول.
(1/30)

وليس المراد من معرفة الأدلة: حفظها؛ لأن حفظ الأدلة ليست
من الأصول في شيء.
والمقصود بالأدلة هنا: الأدلة المتفق عليها، والمختلف فيها،
والقواعد الكلية، ولو لم نحمل الأدلة على ذلك لخرج كثير من
مسائل أصول الفقه عن الحد كقاعدة: " العبرة بعموم اللفظ "،
و"الأمر المطلق يقتضي الوجوب "، ونحو ذلك.
ومن قال بأن القواعد الكلية لا تسمى أدلة: عرف أصول الفقه
بأنه: " القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية من
الأدلة "، ولكن ما أثبتناه هو الأصح، كما سبق بيانه.
وأضفنا الأدلة إلى الفقه؛ لإخراج معرفة أدلة غير الفقه، كصرفه
أدلة التوحيد مثلاً، فإن ذلك ليس من الأصول.
وقولنا: " إجمالاً " هو حال من " دلائل "؛ لأن المراد هو:
المعرفة التفصيلية للأدلة الإجمالية؛ حيث إن الأدلة نوعان " كلية
وإجمالية "، و " جزئية ".
فمعرفة أن الإجماع حُجَّة، والقياس حُجَّة، والنهي يقتضي
التحريم تعتبر أدلة إجمالية؛ لأنها لا تدل على حكم معين.
أما الأدلة الجزئية: فهي التي تدل على حكم معين في حالة معينة
فقوله تعالى: (ولا تقربوا الزنا) ، والإجماع على أن الخالة ترث،
وقياس الجد على ابن الابن، ولا نكاح إلا بولي، هذه كلها أحكام
جزئية؛ لأن كلًّا منها يستفاد منه حكم معين.
فالأصولي يبحت عن أحوال الأدلة الكلية، ولا يبحث فيه عن
الأدلة الجزئية؛ لأمرين:
أولهما: أن الأدلة الجزئية غير محصورة.
(1/31)

ثانيهما: أن الأدلة الجزئية داخلة تحت الأدلة الكلية، فالباحث عن
أحوال الأدلة الكلية يبحث عن الأدلة الجزئية بطريق التبع، وإذا
تعرض الأصولي لدليل جزئي فهو عن طريق ضرب المثال.
وقوله: " إجمالاً " قيد أخرج علم الخلاف؛ لأن المقصود منه
معرفة أدلة الفقه التفصيلية لا لأجل أن يستفيد منها الأحكام، بل
لتكون سلاحا يدافع به كل مناظر عن وجهة نظر إمامه، وهذا لا
يدخل في أصول الفقه.
وقولنا: " وكيفية الاستفادة منها " معطوف على " دلائل " أي:
معرفة الدلائل، ومعرفة كيفية الاستفادة من تلك الدلائل.
أي: أن الأصول جث فيه عن الأحوال التي تعترض للأدلة،
وكيف نستفيد الحكم من تلك، فلا بد في ذلك من معرفة التعارض
بين الأدلة، وكيفية فك هذا التعارض، والترجيح بينها، وذلك لأن
الغرض من البحث عن أحوال الأدلة إنما هو التوصل إلى استنباط
الأحكام الشرعية من الأدلة، ومعروف أن الأدلة المفيدة للأحكام
ظنية، فهي قابلة للتعارض.
وعند التعارض لا بد في استفادة الحكم من دليله من الترجيح بينه
وبين معارضه.
لذلك لا بد من معرفة متى تتعارض الأدلة، وإذا تعارضت فبأي
شيء يكون الترجيح؟
وكذلك لا بد أن يعرف أنه لا تعارض بين دليلين قطعيين، وبين
قاطع وظني، وإذا تعارضت الأدلة الظنية فهناك مرجحات كثيرة،
بعضها يرجع إلى راوي الخبر، وبعضها يرجع إلى نفس النص،
وبعضها يرجع إلى أمور أخرى، فلا بد أن يعرف ذلك كله.
(1/32)

ولذلك يرجح الخبر الذي رواته أكثر على من قلَّت رواته " لأن
احتمال الكذب والغلط على الأقل أقرب، ويرجح خبر صاحب
الواقعة على خبر غيره، فرجح العلماء خبر عائشة: " إذا التقى
الختانان وجب الغسل، فعلته أنا والرسول " على خبر ابن عباس:
"الماء من الماء "، ونحو ذلك، كما سيأتي تفصيله في الباب السابع.
وقولنا: " وحال المستفيد " معطوف على دلائل، فيكون التقدير:
" ومعرفة حال المستفيد "، والمستفيد هو طالب الحكم من الدليل،
وهو المجتهد، فيكون المراد بالمستفيد هو المجتهد.
والمقصود: أن من مواضع أصول الفقه هو البحث عن حال
المجتهد والشروط التي يجب أن تتوفر فيه.
وإنما كان البحث عن حال المجتهد من أصول الفقه، لأننا قلنا فيما
سبق: فائدة البحث عن أحوال الأدلة إنما هو لأجل أن يتوصل بها
إلى استنباط الأحكام من الأدلة، ومعروف أن الأدلة ظنية.
ومعروف أنه لا يوجد بين الدليل الظني ومدلوله ارتباط عقلي "
لأنه يجوز أن لا يدل الدليل عليه، فكان لا بد من رابط يربط بينهما
والرابط هو: الاجتهاد، فلذلك بحث في الأصول عن الاجتهاد،
وذكر فيه الشروط التي يجب توافرها في المجتهد.
وإذا علمت أن المراد بالمستفيد هو المجتهد، فإن المقلد لا يدخل هنا
فالمقلد وشروطه وبحثه ليس من علم الأصول، وإنما ذكر ذلك
استطراداً لذكر المجتهد.
(1/33)

المبحت الثاني في الفرق بين الأصول والفقه
بعد ما تبينت لنا حقيقة الفقه، وأصولى الفقه: ظهر لنا الفرق
بينهما، ولعلي ألخص ذلك وأبين وظيفة الفقيه ووظيفة الأصولي فيما
يلي، فأقول:
إن أصول الفقه يكون في البحث عن أدلة الفقه الإجمالية بالتفصيل.
أما الفقه فهو يبحث في العلم بالأحكام الشرعية العملية المأخوذة
والمستنبطة من أدلتها التفصيلية.
وعلى هذا تكون وظيفة الفقيه هي: أن يأخذ هذه القواعد والأدلة
الإجمالية التي أغناه عن التوصل إليها الأصولي، ويطبقها على
الجزئيات.
أو أقول بعبارة أخرى: إن أصول الفقه عبارة عن المناهج والأسس
التي تبين الطريق وتوضحه للفقيه، الذي يجب عليه أن يلتزمه في
استخراج الأحكام من أدلتها، فيرتب الأصولي تلك الأدلة فيقدم
الكتاب على السُّنَّة، والسُّنَّة على الإجماع، وهكذا.
أما الفقه: فهو عبارة عن استخراج الأحكام من الأدلة مع التقيد
بتلك المناهج.
وأن مثل علم الأصولى بالنسبة للفقه كمثل علم المنطق بالنسبة لسائر
العلوم الفلسفية، فهو ميزان يضبط العقل ويمنعه من الخطأ في الفكر.
(1/34)

المبحث الثالث في الفروق بين القواعد الأصولية والقواعد الفقهية
تبيَّن - فيما سبق - وجود ارتباط وثيق بين أصول الفقه، والفقه،
وهذا لا يعني أنهما علم واحد، بل إن كلًّا منهما علم مستقل بحد
ذاته، ولكل منهما قواعده، ونظراً إلى أنه قد تختلط القواعد
الأصولية بالقواعد الفقهية عند بعض طلاب العلم - حيث إن لكل
منهما قواعد تندرج تحتها جزئيات - ذكرتُ هذه الفروق بينهما وهي:
الفرق الأول: أن القواعد الأصولية عبارة عن المسائل التي تشملها
أنواع من الأدلة التفصيلية يمكن استنباط التشريع منها.
أما القواعد الفقهية: فهي عبارة عن المسائل التي تندرج تحتها
أحكام الفقه، ليصل المجتهد إليها بناء على تلك القضايا المبينة في
أصول الفقه، ويلجأ الفقيه إلى تلك القواعد الفقهية تيسيراً له في
عرض الأحكام، فهو - مثلاً - إذا قال: " إن العبرة في العقود
بالمقاصد والمعاني " أغناه عن أن يقول في كل جزئية: " البيع منعقد
بلفظ كذا "، وأن يقول: " الإجارة تنعقد بلفظ كذا ".
الفرق الثاني: أن القواعد الأصولية كلية تنطبق على جميع
جزئياتها وموضوعاتها، فكل نهي مطلق - مثلاً - للتحريم، وكل
أمر مطلق للوجوب.
(1/35)

أما القواعد الفقهية فإنها أغلبية، يكون الحكم فيها على أغلب
الجزئيات.
الفرق الثالث: أن القواعد الأصولية وسيلة لاستنباط الأحكام
الشرعية العملية.
أما القواعد الفقهية فهي مجموعة من الأحكام المتشابهة التي ترجع
إلى عِلَّة واحدة تجمعها، أو ضابط فقهي يحيط بها، والغرض من
ذلك هو: تسهيل المسائل الفقهية وتقريبها.
الفرق الرابع: أن القواعد الأصولية ضابط وميزان لاستنباط
الأحكام الفقهية، ويُبين الاستنباط الصحيح من غيره، فهو بالنسبة
لعلم الفقه كعلم المنطق يضبط سائر العلوم الفلسفية، وكعلم النحو
يضبط النطق والكتابة بخلاف القواعد الفقهية.
الفرق الخامس: أن القواعد الأصولية قد وجدت قبل الفروع؟
حيث إنها القيود التي أخذ الفقيه نفسه بها عند الاستنباط.
أما القواعد الفقهية فإنها قد وجدت بعد وجود الفروع.
هذه أهم الفروق بينهما.
وإليك أهم كتب القواعد الفقهية على المذاهب الأربعة:
1 - الأشباه والنظائر لابن السبكي تاج الدين (ت 771 هـ) :
"المذهب الشافعي ".
2 - الأشباه والنظائر لابن الوكيل (ت 716 هـ) : " المذهب
الشافعي ".
3 - الأشباه والنظائر للسيوطى (ت 911 هـ) : " المذهب
الشافعي ".
(1/36)

4 - الأشباه والنظائر لابن الملقن (ت 804 هـ) : " المذهب
الشافعي ".
5 - الأشباه والنظائر لابن نجيم (ت 970 هـ) : " المذهب
الحنفي ".
6 - تأسيس النظر لأبي زيد الدبوسي (تْ 43 هـ) : " المذهب
الحنفي ".
7 - شرح القواعد الفقهية لأحمد الزرقاء: " المذهب الحنفي ".
8 - الفرائد البهية في القواعد والفوائد الفقهية لابن حمزة (ت
1305 هـ) : " المذهب الحنفي ".
9 - الفروق للقرافي (ت 682 هـ) : " المذهب المالكي ".
ْا - القواعد لابن رجب (ت 795 هـ) : " المذهب الحنبلي ".
11 - القواعد للمقَّري (ت 758 هـ) : " المذهب المالكي ".
12 - القواعد النورانية الفقهية لابن تيمية (ت 728 هـ) : "المذهب
الحنبلي ".
13 - قواعد مجلة الأحكام الشرعية على مذهب الإمام أحمد
لأحمد القاري (ت - 1358 هـ) .
14 - المجموع المذهب في قواعد المذهب للعلائي (ت 761 هـ) .
15 - المنثور في القواعد للزركشي (ت 794 هـ) .
(1/37)

المبحث الرابع في موضوع أصول الفقه
لقد اختلف في موضوع علم أصول الفقه على مذهبين:
المذهب الأول: أن موضوع أصول الفقه هو: الأدلة الإجمالية،
وهو مذهب الجمهور، أي: أن موضوع علم أصول الفقه هو:
الأدلة الموصلة إلى الأحكام الشرعية العملية، وأقسامها، واختلاف
مراتبها، وكيفية استثمار الأحكام الشرعية منها على وجه كلي، وهو
الصحيح عندي، لأن الأحكام الشرعية ثمرة الأدلة وثمرة الشىء
تابعة له.
فالأصولي يبحث في حجية الأدلة الإجمالية، ثم يبحث عن
العوارض اللاحقة لهذه الأدلة من كونها عامة، أو خاصة، أو مطلقة
أو مقيدة، أو مجملة، أو مبينة، أو ظاهرة، أو نصاً، أو منطوقاً،
أو مفهوماً، وكون اللفظ أمراً، أو نهياً، ومعرفة هذه الأمور هي
مسائل أصول الفقه.
فمثلاً الكتاب، وهو دليل سمعي كلي لم ترد نصوصه على حَالة
واحدة، بل منها ما هو بصيغة الأمر، أو النهي، أو العام، أو
الخاص -، أو المطلق، أو المقيد إلى آخره، فهذه الأمور - وهي:
الأمر والنهي، والعام والخاص، والمجمل، والمطلق والمقيد،
وغيرها، تعتبر من أنواع الدليل الشرعي العام الذي هو الكتاب،
(1/38)

فيبحث الأصولي هذه الأمور وما تفيده، فبعد بحثه وتمحيصه يتوصل
إلى أن الأمر يفيد الفور أو التكرار، ويتوصل إلى أن النهي يفيد
التحريم، وأن العام يدل دلالة ظنية، وهكذا.
فهذه كلها وجوه الاستدلال بالكتاب، والدليل واحد، وهو نفس
الكتاب.
ْوالفقيه يأخذ الدليل الإجمالي، أو القاعدة الكلية التي توصل
إليها الأصولي، فيجعلها مقدمة كبرى، بعد أن يقدم لها بمقدمة
صغرى موضوعها جزئي من جزئيات تلك القاعدة، ودليل تفصيل
يعرفه الفقيه، كالأمر بالصلاة في قوله تعالى: (أقيموا الصلاة)
فيكون عندنا مقدمتان ونتيجة:
المقدمة الصغرى: الصلاة مأمور بها في قوله تعالى: (وأقيموا
الصلاة) ، وهذا دليل تفصيلي.
المقدمة الكبرى: وكل مأمور به - إذا تجرد عن القرائن - فهو
واجب، وهذه قاعدة أصولية، أو دليل كلي إجمالي.
فتكون النتيجة: الصلاة واجبة.
المذهب الثاني: أن موضوع علم أصول الفقه هو: الأدلة
والأحكام معاً، وذهب إلى ذلك بعض العلماء كصدر الشريعة،
وسعد الدين التفتازاني، وبعض العلماء.
وقالوا: إنه يبحث فيه عن العوارض الذاتية للأدلة الشرعية،
وهي: إثباتها للأحكام، وعن العوارض الذاتية للأحكام وهي:
ثبوتها بتلك الأدلة، وعلَّلوا قولهم هذا: بأنه لما كانت بعض مباحث
الأصول ناشئة عن الأدلة كالعموم والخصوص والاشتراك، وبعضها
ناشئاً عن الأحكام ككون الحكم متعلقاً بفعل هو عبادة أو معاملة،
(1/39)

ولا رجحان لأحدهما على الآخر، فالحكم على أحدهما بأنه
موضوع، وعلى الآخر بأنه تابع تحبهم وهو باطل.
جوابه:
أقول - في الجواب عنه -: إن موضوع أصول الفقه هو: الأدلة
الإجمالية، وغير الأدلة يأتي بالتبع، ولا تحكم في ذلك " لأنه كما
قلنا: إن الأحكام الشرعية ثمرة الأدلة، وثمرة الشيء تابعة له.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي، لأن كلًّا من الفريقين قد ذكر الأدلة والأحكام
وبحثهما في أصول الفقه، ولكن أصحاب المذهب الأول قد بحثوا
الأحكام على أنها تابعة، وأصحاب المذهب الثاني قد بحثوها على
أنها أصلية.
(1/40)

المبحث الخامس في حكم تعلم أصول الفقه
إن تعلم أصول الفقه يختلف باختلاف المتعلمين، فإن كان
الشخص - يهيئ نفسه للوصول إلى درجة الاجتهاد في هذه الشريعة
الإسلامية، ويريد رفع الجهل عن نفسه ورفع الجهل عن غيره، فإن
تعلم أصول الفقه بالنسبة إليه فرض عين، لأنه لا يمكن له أن يتوصل
إلى درجة الاجتهاد بدون تعلمه، بل هو أهم العلوم التي يجب
تحصيلها والوقوف عليها حتى يكون مجتهداً وقادراً على استنباط
الأحكام الشرعية من أدلتها.
أما إن كان الشخص طالباً للعلم بصورة عامة، فإن تعلم أصول
الفقه فرض كفاية، شأنه شأن أي علم يجب أن يقوم به البعض.
(1/41)

المبحث السادس في فوائد علم أصول الفقه
لقد بيَنت في مقدمتي لهذا الكتاب فضل علم أصول الفقه،
وأهميته، ومنزلته من بين العلوم، وهذا المبحث يزيد من أهميته
وفضله، حيث إن الأهمية والفضل لا يتضحان لعلم من العلوم إلا
إذا كان له فوائد عظيمة، لذلك عقدت هذا المبحث لبيان ماله من
فوائد، وإليك بيان تلك الفوائد:
الفائدة الأولى: إنه يُبين المناهج والأسس والطرق التي يستطيع
الفقيه عن طريقها استنباط الأحكام الفقهية للحوادث المتجددة، فإن
المجتهد إذا كان عالماً بتلك الطرق - من أدلة إجمالية وقواعد
أصولية - فإنه يستطيعَ إيجاد حكم لأي حادثة تحدث. وهذا موضوع
أصول الفقه، وقد سبق بيان ذلك.
الفائدة الثانية: إن طالب العلم الذي لم يبلغ درجة الاجتهاد،
يستفيد من دراسة أصول الفقه، حيث يجعله على بينة مما فعله إمامه
عند استنباطه للأحكام، فمتى ما وقف ذلك الطالب للعلم على
طرق الأئمة، وأصولهم، وما ذهب إليه كل منهم من إثبات تلك
القاعدة، أو نفيها، فإنه تطمأن نفسه إلى مدرك ذلك الإمام الذي
قلَّده في عين ذلك الحكم أو ذاك، فهذا يجعله يمتثل عن اقتناع،
وهذا يفضي إلى أن يكون عنده القدرة التي تمكنه من الدفاع عن وجهة
نظر إمامه.
(1/42)

الفائدة الثالثة: أن العارف بأصل هذا الإمام في هذا الحكم أعظم
أجراً من الشخص الذي يأتي بالعبادة لفتوى إمامه أنها واجبة أو
سُنَّة، ولا يعرف الأصل الذي اعتمد عليه في هذه الفتوى.
الفائدة الرابعة: أن العارف بالقواعد الأصولية يستطيع أن يُخرِّج
المسائل والفروع غير المنصوص عليها على قواعد إمامه.
الفائدة الخامسة: أن العارف بتلك القواعد الأصولية يستطيع أن
يدعو إلى الله تعالى وإلى دينه، بناء على أسس ومناهج وطرق
يستطيع بها أن يقنع الخصم بما يريد أن يدعوه إليه.
الفائدة السادسة: أن العارف بتلك القواعد يستطيع أن يُبيِّن لأعداء
الإسلام أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، وأنه موجد لكل
حادثة حكماً شرعياً، وأنه لا يمكن أن توجد حادثة إلا ولها حكم
شرعي في الإسلام، بعكس ما كان يصوره أعداء الإسلام من أن
الإسلام قاصر عن حل القضايا المتجددة. قاتلهم الله.
الفائدة السابعة: أن أهل اللغة يستفيدون من تعلم علم أصول
الفقه " حيث إن أهل اللغة يبحثون عن اشتقاقات الكلمة، وهل هي
نقلية أو قياسية، أما أهل الأصول فإنهم يبحثون عن معاني تلك
الألفاظ، لذلك تجد الأصوليين قد توصلوا إلى نتائج لم يتوصل
إليها اللغويون وذلك بسبب جمعهم بين معرفة اللغة ومعرفة الشريعة.،
لذلك تجد أكثر أهل اللغة لهم إلمام في علم أصول الفقه.
الفائدة الثامنة: أن المتخصص بعلم التفسير وعلم الحديث محتاج
إلى دراسة علم أصول الفقه، حيث إنه يبين دلالات الألفاظ، وهل
تدل على الحكم بالمنطوق أو بالمفهوم، أو بعبارة النص، أو بإشارته،
أو بدلالته، أو باقتضائه، ونحو ذلك، لذلك تجد أكثر المفسرين
والشارحين للأحاديث هم من الأصوليين.
(1/43)

الفائدة التاسعة: أن كل شخص يريد كتابة أيَّ بحث من البحوث
العلمية محتاج إلى معرفة علم أصول الفقه، ذلك لأن علم أصول
الفقه قد جمع بين النقل والعقل، ومن تعمق فيه عرف طريقة إيراد
المسألة، وتصويرها والاستدلال عليها، والاعتراض على بعض
الأدلة، والجواب عن تلك الاعتراضات بأسلوب مبني على أسس
ومناهج وطرق يندر أن تجدها في غير هذا العلم.
الفائدة العاشرة: أن كل شخصٍ يريد أن يتخصص بالإعلام محتاج
إلى معرفة أصول الفقه، وذلك لأن علم أصول الفقه قد اعتنى عناية
فائقة ومميزة في الأخبار، وكيف أنها تنقسم إلى متواتر، وآحاد،
ومشهور، وكيف العمل عند تعارض تلك الأخبار، وطريقة
الترجيح فيما بينها، واعتنى - أيضاً - في بيان أنه عند إعلان الأخبار
لا بد من مراعاة مصالح الناس وأعرافهم.
(1/44)

المبحث السابع الشبه التي أثيرت حول علم أصول الفقه وأجوبتها
مع تلك الفوائد التي ذكرتها لأصول الفقه، فإنه لم يسلم من
بعض الاعتراضات التي وجهت إليه، والشبه التي أثيرت حوله،
وإليك بيان أهمها، والأجوبة عنها فأقول:
الشبهة الأولى:
ورد عن بعض الناس أنهم ذمّوا علم أصول الفقه، وحقَّروه في
نفوس طلاب العلم، وذكروا أنه لا فائدة منه لا في الدنيا ولا في
الآخرة.
جوابها:
يجاب عنها: بأن سبب ذمهم لهذا العلم وتحقيرهم له هو:
جهلهم بهذا العلم، وعدم قدرتهم على فهمه بالتفصيل، وقديما
قيل: " من جهل شيئاً عاداه ".
إذ كيف يذمون علما هو من أهم شروط الاجتهاد؛ حيث إنه إذا
لم يتعلمه الفقيه بالتفصيل، فإنه لن يتوصل إلى درجة الاجتهاد،
ولا يمكنه - بأي حال - استنباط حكم شرعي من دليل، بل لو لم
يعرف القياس - فقط - لانتفت عنه صفة الفقه، كما قال الإمام
الشافعي: " من لم يعرف القياس فليس بفقيه "، وكما قال الإمام
أحمد: " لا يستغني أحد عن القياس "؟!
(1/45)

وكيف يذمون علما هو أهم علوم الشريعة؟ ؛ لأنه لولا علم
أصول الفقه لم يثبت من الشريعة لا قليل ولا كثير، بيانه:
إن كل حكم شرعي لا بد له من سبب موضوع، ودليل يدل عليه
وعلى سببه، فإذا ألغينا أصول الفقه: ألغينا الأدلة، فلا يبقى لنا
حكم ولا سبب، حيث إن إثبات الشرع بغير أدلته وقواعده وبمجرد
الهوى خلاف الإجماع.
الشبهة الثانية:
أن هذا العلم لم يكن في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا عهد الصحابة، ولا عهد التابعين لهم، فهو علم مبتدع، وما كان كذلك، فلا نفع فيه.
جوابها:
يجاب عنها بأن الصحابة رضوان اللَّه عليهم في عهده - صلى الله عليه وسلم - وبعد عهده، وكذلك التابعين كانوا يتخاطبون بأن هذه الآية ناسخة لتلك
الآية، وأن تلك الحادثة مشابهة لتلك الحادثة المنصوص على حكمها،
وأن هذا خبر واحد يستدل به على إثبات حكم شرعي، وأن هذا
قول صحابي في مسألة " ما "، وأن هذه مصلحة ينبغي أن تراعى،
ونحو ذلك، وهذه هي موضوعات أصول الفقه، فأصول الفقه
موجود عندهم، وإن لم يسموا ذلك بالمصطلحات الموجودة الآن،
وعلى هذا لا يكون علما مبتدعا.
الشبهة الثالثة:
أنكم جعلتم علم أصول الفقه أهم شرط من شروط الاجتهاد،
فلا يمكن لأي شخص أن يبلغ درجة الاجتهاد إلا إذا كان عارفا مدققا
في أصول الفقه، كيف يستقيم ذلك، وقد كان الصحابة - رضي الله عنهم -
(1/46)

وأتباعهم من كبار المجتهدين، ولم يكن هذا العلم
موجوداً حتى جاء الإمام الشافعي وصنَّف فيه، وسمَّاه بهذا الاسم؟
جوابها:
يجاب عنها بأن الصحابة - رضي اللَّه عنهم - وأتباعهم من كبار
التابعين كانوا من أعلم الخلق بالعلوم التي يتهذب بها الذهن،
ويستقيم بها اللسان كأصول الفقه، وعلم العربية، فالله عَزَّ وجَلَّ
الذي اختارهم ليكونوا أصحاب رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: "إن اللَّه اختارني واختار لي أصحاباً وأصهاراً "، فلم يقع عليهم الاختيار، إلا لأنهم خير من غيرهم في كل الأمور.، فهم الذين بذلوا النفس والنفيس من أجل نصرة اللَّه ورسوله، وهم الذين حملوا الشريعة إلى من بعدهم حتى وصلت إلينا.
ولذلك كانوا أفهم الخلق بدلالات الألفاظ، والصحيح من الأدلة
من الفاسد، وكانوا عالمين بالقواعد الشرعية، ومقاصد الشريعة،
متتبعين لها، محيطين بها، وكانوا متمرسين على ذلك، وهذه
الممارسة أكسبتهم قوة يفهمون من خلالها مراد الشارع، وما يصلح
من الأدلة، وما لا يصلح، وعرفوا كل ذلك بسبب مشاهدتهم نزول
الوحي، وسماعهم الحديث من فيِّ النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن كانت تلك صفاتهم فإنهم عارفون لكل ما يبحث في علم أصول الفقه، وإن لم
يسموه بهذا الاسم.
ولكن بعد ذهابهم قد فسدت الألسن، وتغيرت المفهوم، وكثرت
الحوادث التي تحتاج إلى المجتهد لاستنباط أحكام شرعية لتلك
الحوادث، فالشخص الذي يريد بلوغ درجة الاجتهاد لاستنباط أحكام
شرعية لتلك الحوادث من الكتاب والسُّنَّة يحتاج إلى قواعد يستند
(1/47)

إليها؛ ليكون أخذه منهما صحيحاً، فوضع الإمام الشافعي قواعد
لذلك وجمعها في علم مستقل، وسماه بأصول الفقه، وهي تسمية
صحيحة مطابقة لمسماها، والمقصود: أدلة الفقه والقواعد التي يستند
إليها الفقيه، إذا أراد استنباط حكم شرعي من دليل تفصيلي.
الشبهة الرابعة:
أن هذا العلم لا يُتعلَّم - لقصد صحيح، بل يُتعلَّم للرياء والسمعة.
جوابها:
يجاب عنها بأن هذا غير صحيح جملة وتفصيلاً، حيث إنا بينا
القصد من تعلم أصول الفقه، وهو معرفة كيفية استنباط الأحكام
الشرعية من الأدلة.
وكل شخص سيحاسب عن قصده في تعلم أيِّ علم من العلوم.
الشبهة الخامسة:
أن هذا العلم يتعلم للتغالب والجدال والمناظرة، لا لقصد صحيح.
جوابها:
يجاب عنها بأن الجدال الموجود في أصول الفقه وسيلة إلى الحق،
وإذا كان الجدال بهذه الصفة لا يعاب به، ولا تنقص قيمته من أجله،
حيث إن الجدال الحق من شأن اللَّه تعالى، وشأن خاصته من رسله
وأنبيائه.
فقد أقام اللَّه سبحانه الحجج وعامل عباده بالمناظرة، فقال: (لئلا
يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) ، وقال: (فللَّه الحجة
البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين) ، وقال لملائكته: (ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض) .
(1/48)

وذلك لما قالت الملائكة: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) .
وتناظرت الملائكة، قال تعالى: (ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون) ، وتجادلت الأنبياء فيما بينهم، فقد روى أبو هريرة - رضي اللَّه عنه -: أنه احتج آدم وموسى، فقال موسى:
يا آدم، أنت أبونا، أخرجتنا من الجنَّة، فقال له آدم: أنت موسى
اصطفاك اللَّه بكلامه، أتلومني على أمر قدره اللَّه عليّ قبل أن يخلقني
بأربعين سنة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "فحج آدم موسى، فحج آدم موسى".
وجادلت الأنبياء أممها وحاجتها، قال تعالى: (قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا) ، وقال: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا
بالتي هي أحسن) ، وقال: (وجادلهم بالتي هي أحسن) .
والجدال كالسيف.
فالسيف ذو حدين: ممدوح، ومذموم.
فإن السيف يمدح إذا استعمل في الجهاد في سبيل اللَّه.
ويكون مذموماً إذا استعمل في قطع الطريق، وإخافة المسلمين.
فالسيف في نفسه آلة لا تمدح ولا تذم، وإنما الذم والمدح حسب
الاستعمال.
فكذلك الجدال في نفسه لا يذم ولا يمدح، وإنما المدح والذم
حسب الاستعمال.
فمن استعمل الجدال في صرف الحق إلى الباطل، فهو مذموم.
ومن استعمل الجدال للوصول إلى الحق الذي أمر اللَّه به، فهو
(1/49)

ممدوح، والجدال الذي جاء به أصول الفقه استعمل للوصول به إلى
الحق، فيكون على هذا ممدوحا.
الشبهة السادسة:
أن أصول الفقه ما هو إلا نبذ قد جمعت من علوم شتى، حيث
إن بعضه مأخوذ من اللغة، كالكلام عن الأمر والنهي، والعام
والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل، والمبين، والمنطوق،
والمفهوم، والحقيقة، والمجاز، ونحو ذلك.
وبعضه مأخوذ من النحو كالكلام عن حروف المعاني، والكلام
عن الاستثناء، ونحو ذلك.
وبعضه مأخوذ من القرآن وعلومه، كالكلام عن مباحث النسخ،
والقراءة الشاذة، ووجود المجاز في القرآن -، وهل فيه ألفاظ بغير
العربية، والمحكم والمتشابه، ونحو ذلك.
وبعضه مأخوذ من السُّنَّة، كالكلام عن الآحاد والمتواتر،
والمشهور، وحجية كل نوع، وشروط الراوي المتفق عليها والمختلف
فيها.
وبعضه مأخوذ من أصول الدين وعلم الكلام، كالكلام عن
الحكم الشرعي وأقسامه، وأفعال النبي - صلى الله عليه وسلم -، والتأسي به، وتكليف ما لا يطاق، وتكليف المعدوم، وشرط الإرادة في الأمر، ومسألة التحسين والتقبيح العقليين، ومسألة شكر المنعم، ونحو ذلك.
وبعضه مأخوذ من علم الفقه وعلم الجدل، كالكلام عن القياس،
وقوادح العِلَّة، والتعارض والترجيح.
وهكذا علمت أن علم أصول الفقه ما هو إلا نبذ قد جمعت من
(1/50)

تلك العلوم، فمن أراد أن يتعلم تلك المباحث فليتعلمها من تلك
العلوم، دون الرجوع إلى علم أصول الفقه، وبهذا لو جرد الذي
ينفرد به أصول الفقه ما كان إلا شيئاً يسيراً جداً، فتصير فائدة أصول
الفقه قليلة جداً بعكس ما كنت قد صورته لنا من أن له فوائد كثيرة.
جوابها:
أجيب عنها بأنه لا ينكر أن علم أصول الفقه قد استمد من تلك
العلوم التي ذكرتموها.
ولكن اهتم الأصوليون بتلك المباحث ودرسوها دراسة تختلف عن
دراستها لو أخذت من تلك العلوم مباشرة، فقد دقق الأصوليون في
فهم أشياء لم يصل إليها المتخصصون بتلك العلوم.
فمثلاً: توصل الأصوليون إلى فهم أشياء من كلام العرب لم
يصل إليها النحاة ولا اللغويون، فالنظر في كلام العرب متشعب،
فكتب اللغة تضبط الألفاظ ومعانيها الظاهرة، واشتقاقاتها، دون
المعاني الدقيقة التي تحتاج إلى نظر الأصولي المتعمق بالعلوم الشرعية
وقواعده، فلقد توصل الأصوليون إلى أحكام في الاستثناء، لم
يتوصل إليها النحاة في كتبهم،
كذلك صيغة " افعل " أو صيغة "لا تفعل "،
ودلالة الأولى على الوجوب، ودلالة الثانية على التحريم،
وغير ذلك من الاستعمالات لو بحثت عن ذلك في كتب
اللغة لم تجد شيئاً من ذلك.
فالأصوليون يبحثون فيما أخذوه من تلك العلوم - وهي علم اللغة
والنحو، وأصو ل الدين، والقرآن، والسُّنَّة، والفقه، والجدل -
(1/51)

بحثاً خاصاً في جهة الأدلة الموصلة إلى الأحكام الشرعية الفقهية،
وأحوال تلك الأدلة.
فنظرة الأصولي إلى ما أخذه من تلك العلوم تختلف عن نظرة
المتخصصين بتلك العلوم.
وبهذا لا يمكن أن يتعلم طالب العلم مباحث الأصوليين بالرجوع
إلى تلك العلوم، دون الرجوع إلى ما وضع في علم أصول الفقه.
فثبت بذلك أن أصول الفقه فيه ما لا يوجد في غيره.
(1/52)

المبحث الثامن هل يُقدَّم تعلُّم أصول الفقه أم تعلُّم الفقه؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن تعلُّم أصول الفقه يقدم على تعلم الفقه.
ذهب إلى ذلك أبو إسحاق الشيرازي في " شرح اللمع "، وابن
برهان في " الوصول "، وابن عقيل في " الواضح "، وأبو بكر
القفال الشاشي، وغيرهم.
وهو الصحيح عندي، وذلك ليكون المتعلم على ثقة مما يدخل
فيه، ويكون قادراً على فهم مرامي جزئيات الفقه، فالفروع لا تدرك
إلا بأصولها، والنتائج لا تعرف حقائقها إلا بعد تحصيل العلم
بمقدماتها، وعلى هذا: ينبغي أن تحفظ الأدلة، وتحكم الأصول،
ثم حينئذِ تبنى عليها الفروع، لذلك تجد بعض الفقهاء من المالكية
وغيرهم يَجعلون القواعد الأصولية كمقدمة لكتبهم الفقهية.
المذهب الثاني: أن تعلُّم الفقه والفروع يُقدم على تعلُّم الأصول.
ذهب إلى ذلك أبو يعلى في " العدة "، وبعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
إن من لم يعتد طرق الفروع والتصرف فيها لا يمكنه الوقوف على
ما يبتغى بهذه الأصول من الاستدلال، والتصرف في وجوه القياس.
أي: أنه بتعلُّم الفروع تحصل الدربة والملكة التي تجعله يستفيد من
تلك الأصول والقواعد استفادة صحيحة.
(1/53)

جوابه:
يُجاب عنه: بأنه يمكنه الوقوف على المقصود بتلك القواعد
الأصولية بمجرد ضرب مثال أو مثالين من الفقه.
والحاصل: أنه إذا أتقن علم أصول الفقه أمكنه التوصل إلى
الأحكام بصورة صحيحة، قال العكبري: " أبلغ ما يتوصل به إلى
إحكام الأحكام أصول الفقه وطرف من أصول الدين ".
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي؛ حيث إنه لا تأثير لذلك الخلاف في الأصول
ولا في الفروع.
(1/54)

المبحث التاسع في بيان المصادر التي استمد منها علم أصول الفقه
أصول الفقه قد استمد مادته من مصادر كثيرة - وقد سبق بيان
ذلك في الشبهة السادسة - ولكن هنا سأحصر تلك المصادر، وأُبيِّن
سبب استمداده من كل علم، فأقول:
استمد أصول الفقه مادته من مصادر كثيرة، وأهمها ثلاثة:
المصدر الأول: أصول الدين.
المصدر الثاني: علم اللغة العربية.
المصدر الثالث: الأحكام الشرعية.
أما أصول الدين - وهو علم الكلام -: فإن علم أصول الفقه قد
استمد منه: مسائل، من أهمها: مسألة الحاكم، والتحسين
والتقبيح العقليين، والتكليف بما لا يطاق، وتكليف المعدوم،
وحكم الأشياء قبل البعثة، والمجتهد يخطئ ويصيب، وخلو الزمان
من مجتهد، وشكر المنعم، وبعض مسائل النسخ، وشرط الإرادة
في الأمر، ونحو ذلك.
وسبب استمداده من أصول الدين وهو علم الكلام هو: توقف
الأدلة الشرعية على معرفة البارئ، وصدق رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - المبلغ عنه
فيما قال لتعلم حجيتها وإفادتها للأحكام الشرعبة.
أما اللغة العربية: فإن علم أصول الفقه قد استمد منها مسائل،
(1/55)

ومنها: - الأوامر والنواهي، والعموم والخصوص، والمطلق والمقيد،
ومعاني الحروف، والمجمل والمبين، والحقيقة والمجاز، والاستثناء،
والمنطوق، والمفهوم، والإشا رة، والتنبيه، والاقتضاء، والإيماء،
ونحو ذلك.
وسبب استمداده من اللغة العربية هو: أن كتاب اللَّه وسُنَّة رسوله
قد نزلا بلغة العرب، فيحتاج إلى معرفة قدر كبير من اللغة العربية
يستطيع بسببها معرفة دلالة الأدلة وفهمها وإدراك معانيها.
فلا يمكنه فهم دلالات الألفاظ من الكتاب والسُّنَّة، والأقوال
المنقولة عن مجتهدي الأُمَّة، وأقوال السَّلَف والخلف إلا إذا كان فاهما
للغة العربية، واستعمالاتها.
وأما الأحكام الشرعية، فإن علم أصول الفقه قد استمد منه
بسبب: أن المقصود والغرض من هذا العلم هو - إثبات الأحكام
الفرعية، فلا بد للأصولي أن يعرف قدراً ليس بالقليل من الفقه
والأحكام الشرعية، ليتمكن عن طريق معرفته تلك من إيضاح
المسائل، وضرب أمثلة لتصوير القاعدة الأصولية، وليتأهل بالبحث
فيها للنظر والاستدلال.
(1/56)

المبحث العاشر في نشأة علم أصول الفقه
كان الصحابة - رضي اللَّه عنهم - في زمن - صلى الله عليه وسلم - إذا حدثت حادثة أخذوا حكمها من الوحي، سواء كان مباشراً وهو القرآن، أو
غير مباشر وهو السُّنَّة، فكانوا يلجأون في هذا كله إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.
فلما توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - كان الصحابة - رضي اللَّه عنهم - يأخذون حكم أي حادثة من الكتاب، فإن لم يجدوا حكمها فيه، أخذوه من السُّنَّة، فإذا لم يجدوا في السُّنَّة، اجتهدوا وبحثوا عن الأشباه
والأمثال، - ومعرفة العلل الشرعية، فيقيسون ما لم يكن بما كان،
ويجتهدون في معرفة المقاصد والمصالح، ونحو ذلك، ويحرصون
كل الحرص على الأخذ برأي الجماعة.
وسار التابعون - رحمهم اللَّه - على هذا المنهج، وزاد بعضهم
أصلاً آخر، وهو الرجوع إلى فتاوى الصحابة - رضي اللَّه عنهم -.
فكثر الاجتهاد، وكثرت طرقه، وتعددت وجوهه، فبعضهم
يكتفي بظاهر النص، وبعضهم لا يكتفي بذلك، بل يغوص على
المعاني، فيرى أن أكثر الأحكام معللة، ثم يبنون على هذه العلل
الأحكام وجوداً وعدماً.
فلما جاء عصر الأئمة المجتهدين: أصبح لكل إمام قواعد قد
اعتمدها في الفتوى والاجتهاد.
(1/57)

وهذه القواعد موجودة ومنتشرة في مواضع مختلفة في كتبهم وكتب
تلاميذهم، وقد راعى هؤلاء الأئمة المجتهدون هذه القواعد في معرفة
الأحكام الشرعية، وكيفية استنباطها من أدلتها التفصيلية، ومن
هؤلاء الإمام الشافعي - رحمه اللَّه - الذي وضع قواعده التي
اعتمدها في كتاب سمّاه بـ " الرسالة "، والإمام الشافعي لم يضع
القواعد الأصولية - كلها - في هذا الكتاب، ولكنه بهذا العمل
لفت أنظار العلماء من الباحثين المدققين إلى متابعة التدقيق، والبحث
والترتيب حتى أصبح علم أصول الفقه علما مستقلاً رتبت أبوابه،
وحررت أكثر مسائله، وجمعت مباحثه، وألَّفت فيه المؤلفات
والمصنفات على اختلاف في الطرق التي اتبعوها في التأليف
والتصنيف.
(1/58)

المبحث الحادي عشر طرق التأليف في أصول الفقه وأهم الكتب المؤلفة على كل طريقة
العلماء والباحثون في أصول الفقه اختلفوا في الطرق التي اتبعوها
في التأليف والتصنيف في أصول الفقه، فنشأ عن ذلك كثير من
الطرق هي كما يلي:
الطريقة الأولى: طريقة الحنفية.
الطريقة الثانية: طريقة الجمهور.
الطريقة الثالثة: الجمع بين الطريقتين.
الطريقة الرابعة: طريقة تخريج الفروع على الأصول.
الطريقة الخامسة: طريقة عرض أصول الفقه من خلال المقاصد، والمفهوم العام.
وإليك بيان ذلك:
أما الطريقة الأولى - وهي: طريقة الحنفية - فإنها تتميز بأمرين:
أولهما: أنها تقرر القواعد الأصولية على مقتضى ما نقل من
الفروع عن أئمتهم.
ثانيهما: أنها تغوص على النكت الفقهية.
وسميت هذه الطريقة بطريقة " الفقهاء "؛ لأنها أمس بالفقه،
وأليق بالفروع، وسبب ذلك: أن تلك القواعد قد أخذت من
الفروع؛ ذلك لأن الحنفية المتأخرين لاحظوا واستقرأوا وتتبعوا الفتاوى
(1/59)

الصادرة عن أئمتهم المتقدمين، فعمدوا إلى تلك الفتاوى والفروع
واستخلصوا منها القواعد والضوابط، وجعلوها أصولا لمذهبهم
لتكون لهم سلاحا في مقام الجدل والمناظرة.
وقد ألِّف على هذه الطريقة كتب كثيرة، ومنها:
1 - مآخذ الشرائع لأبي منصور الماتريدي.
2 - رسالة في الأصول لأبي الحسن الكرخي.
3 - الفصول في الأصول لأبي بكر الجصاص.
4 - تقويم الأدلة لأبي زيد الدبوسي.
5 - أصول البزدوي، مطبوع مع كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري.
6 - مسائل الخلاف لأبي عبد اللَّه الصيمري.
7 - أصول السرخسي لأبي بكر السرخسي.
8 - ميزان الأصول لأبي بكر السمرقندي.
9 - المنار لأبي البركات عبد اللَّه النسفي.
وذكرت جانبا من تلك الطريقة في كتابي: " طرق دلالة الألفاظ
على الأحكام عند الحنفية وأثرها الفقهي ".
أما الطريقة الثانية - وهي طريقة الجمهور - فإنها تتميز بما يلي:
أولاً: أنها اهتمت بتحرير المسائل، وتقرير القواعد على المبادئ
المنطقية.
ثانيا: الميل الشديد إلى الاستدلال العقلي.
ثالثاً: البسط في الجدل والمناظرات.
(1/60)

رابعاً: تجريد المسائل الأصولية عن الفروع الفقهية، وقد أشبهت
بذلك طريقة أهل الكلام، لذلك سميت طريقتهم بطرياقة المتكلمين.
وهذه الطريقة قد سار عليها علماء الشافعية، والمالكية، والحنابلة،
والظاهرية، والمعتزلة، وذلك من حيث الترتيب والتنظيم.
وإليك ذكر بعض الكتب التي أُلِّفت على هذه الطريقة، ولقد
رتبت ذلك على المذاهب:
أولاً: بعض الكتب المؤلَّفة على المذهب المالكي على حسب مذهب
المؤلف:
1 - التقريب والإرشاد في ترتيب طرق الاجتهاد للقاضي أبي بكر
الباقلاني.
2 - إحكام الفصول في أحكام الأصول، والإشارة، والحدود -
كلها لأبي الوليد الباجي.
3 - منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل لابن الحاجب،
وقد اختصر هذا الكتاب بكتاب سمَّاه: " مختصر المنتهى ".
وشرح هذا المختصر كثير من العلماء، ومنهم:
(أ) عضد الدين الإيجي، شرحه بكتاب سمَّاه: " شرح
المختصر".
(ب) ابن السبكي تاج الدين شرحه بكتاب سمَّاه: " رفع
الحاجب عن مختصر ابن الحاجب ".
(ج) شمس الدين الأصفهاني (ت 749 هـ) شرحه بكتاب
سمَّاه: " بيان المختصر ".
4 - الضياء اللامع شرح جمع الجوامع لحلولو المالكي، حققته
وطبع بعض المجلدات منه.
(1/61)

5 - شرح تنقيح الفصول لشهاب الدين القرافي.
6 - نفائس الأصول شرح المحصول للقرافي، وقد قمت بتحقيق
جزء منه، ولم يطبع.
7 - شرح البرهان للمازري.
ثانيا: بعض الكتب المؤلَّفة على المذهب الشافعي على حسب مذهب
المؤلف:
1 - الرسالة للإمام الشافعي، وقد شرح هذه الرسالة الإمام
الصيرفي، والقفال الشاشي الكبير، وأبو محمد الجويني، وغيرهم.
2 - اللمع، وشرح اللمع، والتبصرة لأبي إسحاق الشيرازي.
3 - البرهان، والتلخيص، والورقات لإمام الحرمين.
4 - قواطع الأدلة لابن السمعاني.
5 - المستصفى، والمنخول، وشفاء الغليل وأساس القياس
للغزالي.
6 - الوصول إلى الأصول لابن برهان.
7 - الإحكام في أصول الأحكام للآمدي.
8 - المحصول للرازي، وقد شرحه كل من القرافي في " نفائس
الأصول "، وشمس الدين الأصفهاني (ت 688 هـ) في:
"الكاشف عن المحصول ".
واختصره كل من:
تاج الدين الأرموي في كتاب سمَّاه: " الحاصل من المحصول ".
سراج الدين الأرموي في كتاب سمَّاه: "التحصيل من المحصول ".
النقشواني في كتاب سمَّاه: " تلخيص المحصول ".
التبريزي في كتاب سماه: " تنقيح المحصول ".
(1/62)

9 - منهاج الوصول إلى علم الأصول للبيضاوي، وشرحه كثير
من العلماء، ومنهم:
شمس الدين الأصفهاني شرحه بكتاب سمَّاه: " شرح منهاج
البيضاوي "، وقد حققته وطبع بمجلدين.
الإسنوي شرحه في كتاب سمَّاه: " نهاية السول ".
ابن السبكي شرحه في كتاب سمَّاه: " الإبهاج في شرح المنهاج ".
البدخشي شرحه في كتاب سمَّاه: " مناهج العقول ".
10 - البحر المحيط للزركشي.
ثالثاً: بعض الكتب المؤلَّفة على المذهب الحنبلي - على حسب
مذهب المؤلف:
1 - العدة لأبي يعلى.
2 - التمهيد لأبي الخطاب.
3 - الواضح لابن عقيل.
4 - روضة الناظر وجنة المناظر لابن قدامة، وقد قمتُ بتحقيقه،
وطبع بثلاثة مجلدات.
5 - شرح الكوكب المنير لابن النجار.
6 - إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر، قمتُ بتأليفه وطبع
في ثمان مجلدات.
رابعا: الكتب المؤلفة على المذهب الظاهري:
1 - الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم.
2 - النبذ لابن حزم.
خامسا: الكتب المؤلفة على المذهب المعتزلي:
1 - العمد للقاضي عبد الجبار بن أحمد.
(1/63)

2 - المعتمد لأبي الحسين البصري.
3 - شرح العمد لأبي الحسين البصري.
أما الطريقة الثالثة - وهي الجمع بين طريقة الحنفية وطريقة الجمهور -
فقد حقق من جمع بين الطريقتين القواعد الأصولية، وأثبتها بالأدلة
النقلية والعقلية، وطبقوها في الفروع الفقهية، فجاءت مؤلفاتهم
مفيدة في خدمة الفقه، وتمحيص الأدلة، وكتب في هذه الطريقة
جمع من علماء الجمهور، وعلماء الحنفية، ومن أهم كتبهم ما يلي:
1 - بديع النظام الجامع بين أصول البزدوي والأحكام للساعاني.
2 - تنقيح أصول الفقه، وشرحه التوضيح لصدر الشريعة، وقد
شرحه التفتازاني في كتاب سمَّاه: " التلويح ".
3 - جمع الجوامع لتاج ابن السبكي، وقد شرحه كثيرون،
ومنهم:
(أ) جلال الدين المحلي شرحه بكتاب سمَّاه: " شرح جمع
الجوامع ".
(ب) الزركشي شرحه بكتاب سمَّاه: " تشنيف المسامع ".
(ب) حلولو المالكي شرحه بكتاب سمَّاه: " الضياء اللامع "،
وقد حققته.
4 - التحرير لكمال الدين ابن الهمام، وقد شرحه كثيرون،
ومنهم:
أمير الحاج شرحه بكتاب سمَّاه: " التقرير والتحبير ".
أمير بادشاه شرحه بكتاب سماه: " تيسير التحرير ".
(1/64)

5 - مسلم الثبوت لمحب الدين بن عبد الشكور الحنفي، وقد
شرحه الأنصاري في كتاب سمَّاه: " فواتح الرحموت ".
6 - كتابي هذا، فإنه يعتبر من هذه الطريقة، وهو " المهذب في
علم أصول الفقه المقارن ".
أما الطريقة الرابعة - وهي طريقة تخريج الفروع على الأصول -
فهي تتميز بذكر خلاف الأصوليين في المسألة، مع الإشارة إلى بعض
أدلة الفِرَق المختلفة، ثم ذكر عدد من المسائل الفقهية المتأثرة بهذا
الخلاف، والغاية منها هو: ربط الفروع بالأصول، ولا يذكر في
الكتب المؤلَّفة على هذه الطريقة إلا المسائل التى اختلف العلماء فيها،
والخلاف فيها معنوي له ثمرة، أما إذا كان الخلاف لفظيا فلا يرد
فيها، لذلك صنَّفت كتابا ذكرت فيه المسائل التي جاء الخلاف فيها
لفظيا، وقد طبع في مجلدين.
وقد أُلِّف على هذه الطريقة - وهي الطريقة الرابعة - مؤلفات
كثيرة، ومنها:
1 - تخريج الفروع على الأصول للزنجاني " شافعي ".
2 - مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول للتلمساني
"مالكي ".
3 - التمهيد في تخريج الفروع على الأصول للإسنوي "شافعي ".
4 - القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام " حنبلي ".
أما الطريقة الخامسة - وهي طريقة عرض أصول الفقه من خلال
المقاصد - فلم تسلك هذه الطريقة مسلك المتقدمين، وهي: ذكر
القواعد تحت عناوين وأبواب معينة، بل سلكت طريقة أخرى وهي:
عرض أصول الفقه من خلال مقاصد الشريعة، والمفهوم العام الكلي
للتكليف، وقد ألَّف على هذه الطريقة أبو إسحاق الشاطبي المالكي
كتابه: " الموافقات في أصول الشريعة ".
(1/65)

الفصل الثاني مقدمة في المصطلحات التي يحتاج إليها دارس علم أصول الفقه
ويشتمل على مباحث:
المبحث الأول: بيان التصوُّر والتصديق.
المبحث الثاني: بيان كيف أن الحد والبرهان هما الآلة التي بها
تدرك العلوم.
المبحث الثالث: في الحد وأقسامه.
المبحث الرابع: في البرهان وما يتعلق به.
المبحث الخامس: في الألفاظ.
المبحث السادس: في المعاني وأقسامها.
المبحث السابع: في تأليف مفْردات المعاني.
(1/67)

المبحث الأول في بيان التصوّر والتصديق
اعلم إنه لا يمكن أن تحيط بعلم شيء من الأشياء أو أمر من الأمور
إلا إذا عرفت مفرداته أولاً، ثم عرفت وأدركت نسبة تلك المفردات
بعضها إلى بعض.
فيكون إدراك العلوم على ضربين هما: " التصوُّر " و " التصديق ".
فأما الضرب الأول وهو التصوُّر فهو علم الذوات المفردة - فقط -
كأن تعلم معنى " العالم "، ومعنى " الحادث "، ومعنى "الجسم "،
ومعنى " القديم "، ومعنى " الحركة "، نعلم معاني تلك الكلمات،
ونفهمها كل واحدة على حدة بدون إضافتها إلى غيرها، وهذا يُسمَّى
بالتصوّر.
أي: إدراك وفهم وعلم ماهية الشيء بلا حكم عليها بنفي أو
إثبات، فلم يحصل سوى صورة الشيء في الذهن - فقط -.
والتصور لا يمكن أن يدخله التصديق أو التكذيب، لأمرين:
أولهما: أن إدراك الذوات المفردة وعلمها فقط هو: إدراك لماهية
الشيء بلا حكم عليها بنفي أو إثبات، فأين الذي يُصدَّق أو يُكذَّب؟
تانيهما: أن التصديق والتكذيب لا يتطرق إلا إلى الخبر، والذوات
المفردة، مثل: " العالم "، و " الإنسان "، و " السماء "، ليست
(1/69)

أخباراً؛ لأن أقل ما يتركب منه الخبر مفردان ينسب أحدهما إلى
الآخر.
فالتصوُّر هو: إدراك الحقائق مجردة عن الأحكام.
وهذه تسمية أهل المنطق، لذلك عرفه ابن سيناء بقوله: " هو
العلم الأول، ويكتسب بالحد وما يجري مجراه مثل تصورنا ماهية
الشيء "، وعرَّفه ابن رشد: " بأنه العلم بماذا يدل عليه اسم
الشيء".
وسمي - تصوراً؛ لأنه لم يحصل سوى صورة الشيء في الذهن.
ويسميه النحاة: مفرداً.
أقسام التصوُّر:
* والتصؤُر - وهو إدراك وفهم المفردات وحدها - قسمان:
القسم الأول: أَوَّلي: وهو: ما يُفهم معناه من غير بحث أو
طلب، وهو المُسمَّى بـ " الضروري "، وهو الذي لا يحتاج إلى
إدراكه وفهمه ومعرفته إلى تأمل ونظر، مثل: لفظ " الموجود "،
فإن كل شخص يعلم ضرورة أن هذا الشيء موجود وليس بمعدوم،
وكذلك الحرارة، والبرودة، والبياض، والسواد، ونحو ذلك من
المفردات التي تدرك وتعلم بمجرد الحس.
القسم الثاني: مطلوب، وهو: ما لا يفهم معناه إلا ببحث
وطلب، وهو المُسمَّى بـ " النظري "، وهو الذي يحتاج لمعرفة وفهم
معناه إلى تأمل ونظر، حيث إن الاسم يدل على أمر مجمل غير
مفصل أو مفسر، فيطلب تفسيره بالحد والبيان، مثل: إدراك معنى
" العقل " و " الجوهر ".
(1/70)

وأما الضرب الثاني وهو التصديق فهو: علم نسبة المفردات
بعضها إلى بعض بالنفي، أو الإثبات، فمثال نسبة مفرد إلى مفرد
آخر بالنفي قولك: " الجسم ليس بمتحرك "، و " العالم ليس
بحادث ".
ومثال نسبة مفرد إلى مفرد آخر بالإثبات قولك: " الجسم متحرك "
وقولك: " العالم حادث " و " زيد كاتب ".
وهذا يمكن أن يتطرق إليه التصديق والتكذيب؛ لأن فيه نسبة شيء
إلى شيء آخر، وهذا لا يكون إلا من مفردين، فيكون الأول وصفا
والآخر موصوفاً، فإذا نسب الوصف إلى الموصوف بإثبات أو نفي،
كأن تقول: " العالم حادث "، و " الجسم متحرك "، أو تقول:
"العالم ليس بحادث "، فإن هذا قابل للصدق والكذب.
أي: أن هذه النسبة قد تكون صحيحة، فيكون صادقا، وقد
تكون غير صحيحة فيكون كاذبا.
والتصديق هو: إدراك نسبة حكمية بين الحقائق بالإيجاب أو النفي.
وهذه تسمية أهل المنطق، لذلك عرَّفه ابن رشد بأنه: " العلم بأن
الشيء موجود أو غير موجود ".
وسمي تصديقاً؛ لأن فيه حكماً قد يصدق فيه، أو يكذب.
فإن قلت: لماذا سموه بالتصديق مع احتمال الكذب؟
قلت: سمي بأشرف لازمي الحكم في النسبة.
ويسميه النحاة: " جملة ".
وكل علم يتطرق إليه التصديق، فمن ضرورته ولازمه أن يتقدم
عليه معرفتان:
(1/71)

الأولى: معرفة المفرد - فقط - وهو معرفة البسيط - مثل:
" العالم "، و " الحادث ".
الثانية: معرفة نسبة ذلك المفرد إلى مفرد آخر - وهو معرفة
المركب - مثل: " العالم حادث ".
فلا يمكن للشخص أن يعرف المركب من مفردين إلا إذا عرف
المفردين واحداً واحداً، فمن لا يفهم معنى " العالم " بمفرده
ويتصوره، ولا يعرف معنى " الحادث " بمفرده ويتصوره، فكيف
يعرف أن " العالم حادث "؟
فكل تصديق متضمن لعدة تصورات: تصوُّر المحكوم عليه،
وتصوُّر المحكوم به، وتصوّر نسبة أحدهما إلى الآخر، فالحكم
يكون تصوراً رابعاً، لأنه تصور تلك النسبة هل هي موجبة أو
تصورها منفية.
فمثلاً: إذا قلنا: " زيد قائم "، فقد اشتمل قولنا هذا على
تصورات أربعة:
1 - تصوُّر المو ضوع وهو " زيد ".
2 - تصوُّر المحمول وهو " قائم ".
3 - تصور النسبة بينهما وهو " تعلق المحمول بالموضوع " أي:
تصور قيام زيد.
4 - تصور وقوع القيام من زيد.
فالتصديق هو: التصوُّرات الأربعة عند الرازي، وعلى هذا يكون
التصديق مركباً من الحكم والتصورات الثلاث باعتبارها أجزاء له.
(1/72)

أما عند الحكماء، فإن التصور الرابع يسمى تصديقا، والثلاثة
قبله شروط له.
أقسام التصديق:
كما انقسم التصوُّر إلى قسمين: أَوَّلي، ومطلوب، كذلك
التصديق وهو معرفة وإدراك نسبة المفردات بعضها إلى بعض - ينقسم
إلى قسمين:
القسم الأول: أوَّلي: وهو الذي يفهم معناه من غير نظر ولا
بحث، وهو المُسمَّى بـ " الضروري "، وهو ما يدركه الإنسان
بالضرورة بدون تأمل وطلب مثل: إدراك وقوع النسبة في قولنا:
"الخمسة نصف العشرة "، و " الواحد نصف الاثنين "، و " السماء
فوقنا "، و " النار محرقة "، و " الثلج بارد "، ونحو ذلك مما
يتوصل إليه الإنسان بدون أي تفكير.
القسم الثاني: مطلوب، وهو الذي لا يفهم معناه، ولا يدرك
إلا ببحث وطلب واستدلال، وهو المُسمَّى بـ " النظري "، أي:
الذي يحتاج إلى نظر وتأمل وتفكير، مثل: إدراك وقوع النسبة في
قولنا: " الواحد نصف سدس الاثني عشر "، وإدراك النسبة في
قولنا: " العالم حادث "، ونحو ذلك مما لا يتوصل إليه الشخص
إلا بعد تفكير دقيق وتأمل طويل.
(1/73)

المبحث الثاني في بيان كيف أن الحد والبرهان هما الآلة التي بها تدرك العلوم
لقد علمنا في المبحث الأول أن إدراك العلوم على ضربين:
التصوُّر وهو: إدراك المفردات، والتصديق وهو: إدراك النسبة بين
تلك المفردات.
وعلمنا - أيضاً - أن كلًّا منهما ينقسم إلى أوَّلي، ومطلوب.
إذا علمت ذلك فاعلم أن المطلوب، وهو الذي لا يعرف إلا
بطلب وبحث ونظر من التصوُّر لا يمكن أن يعرف ويفهم إلا بالحد.
وكذا المطلوب من التصديق لا يمكن أن يفهم إلا بالبرهان.
فالحد والبرهان هما الالة التي بها تفهم وتدرك سائر العلوم
المطلوبة.
فمثال التصوُّر: أن يسمع الإنسان اسما لا يفهم معناه، كمن
قال: " ما العقار؟ "، فتقول له: هو الخمر، فإن لم يفهمه باسمه
يفهم بحده، فيقال له: " الخمر هو: شراب معتصر من العنب
مسكر "، فيحصل بذلك علم تصوري بذات الخمر.
ومثال التصديق: أن يجهل الإنسان أن للعالم صانعا، فيقول:
هل للعالم صانع؛ فتقول له: نعم للعالَم صانع، وتُبيِّن ذلك
بالحُجة والبرهان والأدلة التي لا تقبل الشك.
ولذلك كان لا بد من بيان الحد وما يتعلق به، والبرهان وما يتعلق
به في المباحث التالية.
(1/74)

المبحث الثالث في الحد وأقسامه
ويشتمل على أربعة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الحد لغة واصطلاحا، وبيان أقسامه.
المطلب الثاني: الحد الحقيقي وشروطه، وأقسامه.
المطلب الثالث: الحد الرسمي وشروطه، وأقسامه.
المطلب الرابع: الحد اللفظي وشروطه.
(1/75)

المطلب الأول في تعريف الحد، وبيان أقسامه، وسبب ذلك
أولاً: الحد لغة هو:
المنع، ومنه سمي البواب حداداً؛ لأنه يمنع من دخول الدار،
وسميت بعض العقوبات حدوداً؛ لأنها تمنع من العود إلى المعصية،
وسمي التعريف حداً؛ لأنه يمنع غير أفراد المعرف من الدخول،
ويمنع أفراد المعرف من الخروج.
ثانيا: الحد اصطلاحا:
هو الوصف المحيط: لموصوفه المميز له عن غيره.
ففائدة الحد هي: التمييز بين المحدود وبين غيره.
ثالثا: أقسام الحد:
ينقسم الحد إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الحد الحقيقي.
القسم الثاني: الحد الرسمي.
القسم الثالث: الحد اللفظي.
رابعا: سبب هذا التقسيم:
السبب في هذا التقسيم: أنه إما أن يكون الحد بحسب اللفظ، أو
بحسب المعنى.
(1/77)

أما الأول - وهو: الحد بحسب اللفظ - فهو الحد اللفظي.
وأما الثاني - وهو: الحد بحسب المعنى - فلا يخلو:
إما أن يكون الحد مشتملاً على جميع الذاتيات أو لا.
فإن اشتمل على جميع الذاتيات فهو الحد الحقيقي؛ حيث إنه يفيد
جميع حقائق الذاتيات.
وإن لم يشتمل على ذلك: فهو الحد الرسمي.
وسيأتي بيان كل حد وشروطه بالتفصيل إن شاء اللَّه.
(1/78)

المطلب الثاني في الحد الحقيقي وشروطه وأقسامه
أولاً: تعريف الحد الحقيقي:
الحد الحقيقي هو: هو الذي ينبى عن جميع ذاتياته الكلية المركبة.
شرح التعريف:
معنى هذا الحد: أن الحد الحقيقي معرِّف دال على جميع الذاتيات
الكلية.
فقوله: "هو الذي ينبى" جنس في التعريف يشمل الحقيقي وغيره.
وقوله: " جميع ذاتياته ": أخرج التعريف بالعرضيات، وببعض
الذاتيات.
وقوله: " الكلية ": أخرج العينات والمشخصات، حيث إنها
ذاتية للشخص من حيث هو شخص، لكن لا يحد بها؛ لأن الحد
للكليات، لا للمشخصات.
وقوله: " المركبة ": أخرج الذاتيات التي لم يعتبر تركيبها على
وجه تحصل لها صورة وحدانية مطابقة للمحدود، فإنها لا تسمى
حداً حقيقياً.
ولا يورد في الحد الحقيقي إلا الصفات الذاتية، دون الصفات
اللازمة والعرضية، ولكي نعرف ذلك لا بد من بيان الفرق
(1/79)

بين الصفات الذاتية، والصفات اللازمة، والصفات العرضية،
فأقول:
الوصف الذاتي هو: الوصف الداخل في حقيقة الشيء الموصوف
دخولاً لا يمكن أن يتصور شخص فهم معنى ذلك الشيء بدون فهم
ذلك الشيء.
مثال ذلك: " الجسمية للشجر "، فإن من فهم الشجر فقد فهم
- لا محالة - جسماً مخصوصاً معيناً، فتكون الجسمية داخلة في
ذات الشجرية دخولاً به قوامها في الوجود.
والعقل لو قدر عدم الجسمية لبطل وجود الشجر، وكذلك لو
قدر العقل خروج الجسمية عن الذهن: لبطل فهم الشجر، فلا بد
للحاد والمعرف أن يعرف أن الجسمية صفة ذاتية للمعرف الذي هو:
الشجرة - هنا - فمن أراد أن يحد الشجرة أو أي نبات آخر فلا بد
أن يقول: " إنه جسم نام ".
والأوصاف الذاتية هي تورد في الحد الحقيقي إيراداً أولياً، وذلك
لأنه يتصور بها كنه حقيقة الشيء وماهيته، لذلك ذكرناه أولاً.
أما الوصف اللازم فهو: الذي لا يفارق الذات، لكن لا يتوقف
عليه فهم حقيقة ذات الشيء.
مثال ذلك: " الظل لشخص الفرس عند طلوع الشمس "،
فالظل أمر لازم لا يمكن أن يفارق الفرس، ولكنه ليس بذاتى، وإنما
هو تابع للذات ولازم له، فحقيقة الفرس قد تفهم ولو لم يفهم
الظل ما هو؛ فالغافل عن وقوع الظل يمكنه أن يفهم الفرس، بل
يفهم الجسم الذي هو أعم، وإن لم يخطر بباله ظله، وكذلك يقال
في ظل الشجر.
(1/80)

بيان وجه الاتفاق ووجه الاختلاف بين الوصف الذاتي والوصف اللازم:
أما وجه الاتفاق بينهما فهو في استحالة المفارقة للذات.
أما وجه الاختلاف بينهما فهو أن الوصف الذاتي لا يمكن أن يفهم
المعنى دون فهم ذلك الوصف أبداً.
بخلاف الوصف اللازم، فإنه يمكن أن يفهم المعنى دون فهمه.
أما الوصف العارض فهو مأخوذ من عرض له الشيء إذا التصق به
زماناً ثم انفصل عنه، ومنه عوارض الأهلية كالنوم، والسهو،
تعترض الإنسان ثم تزول وتفارق.
فالوصف العارض هو: ما ليس من ضرورته ملازمة الذات، بل
يتصور الشخص أن يفارق هذا الوصف تلك الذات.
وهذا الوصف العارض إما أن يكون وقته قصيراً كحمرة الخجل،
فإن هذه الحمرة الناتجة عن الخجل وصف عارض يزول سريعاً بعد
زوال مسببه، وهو الخجل.
وإما أن يكون وقته طويلاً مثل الصبا، والشباب، والكهولة، فإن
هذه صفات عرضية لمراحل عمر الإنسان تزول ولكن ببطء.
وهذا بيان الفرق بين الأوصاف الذاتية، واللازمة، والعارضة،
ولا بد للذي نصب نفسه لبيان الحد الحقيقي أن يعرف الفرق بينها.
أقسام الأوصاف الذاتية:
تنقسم الأوصاف الذاتية إلى قسمين: " جنس "، و " فصل ":
أما الجنس فهو: اسم دال على كثيرين مختلفين بالأنواع
كالحيوان، فإنه مشترك بين " الإنسان " و " الفرس " و " الأسد ".
(1/81)

وقولنا: " مختلفين بالأنواع " أي: أن الجنس يشمل عدداً من
الأنواع يختلف كل نوع عن الآخر بالحد، فحد الإنسان: حيوان
ناطق، وحد الفرس: حيوان غير ناطق.
أما الفصل فهو: ما يفصل المحدود والمعرَّف عما شاركه في
الجنس وميزه عن غيره.
فمثلاً نقول في حد الإنسان: " حيوان "، فإن هذا الحد يشمل
الإنسان والحيوان كالفرس، ولكن إذا أضيف إلى كلمة " حيوان "
كلمة أخرى وهي: " الناطق "، فإنه بهذا يفصل الإنسان عن الحيوان
ويميز بذلك عن غيره مما يشاركه في جنسه.
ثانياً: شروط الحد الحقيقي:
يشترط للحد الحقيقي شروط، من أهمها:
الشرط الأول: أن تذكر جميع ذاتيات الشيء المطلوب تحديده،
وإن كانت كثيرة، وذلك ليحصل البيان الكامل للماهية.
الشرط الثاني: أن تذكر جميع الذاتيات مرتبة، بحيث يقدم
الأعم على الأخص، فيقدم ذكر الجنس على الفصل، فتقول في
حد الخمر: " شراب مسكر "، ولا تقول: " مسكر شراب "،
وتقول في حد النبات: " جسم نام "، ولا تقول: " نام جسم "
فتقدم العام على الخاص.
الشرط الثالث: أن الحاد والمعرف للحد الحقيقي يشترط عليه أن
يكون ذا بصيرة بالفرق بين الصفات الذاتية، واللازمة، والعرضية
- كما سبق بيانه -.
ولا يشترط للحاد والمعرف للحد الرسمي واللفظي ذلك، وذلك
(1/82)

لأن الحد الرسمي الأمر فيه سهل، والمؤنة فيه قليلة؛ حيث إن طالبه
قانع بالجمع والمنع بأي لفظ كان.
أما الحد اللفظي فإنه يتعلق بنفس اللفظة وشرحها.
واشترطنا ذلك في الحد الحقيقي، لأنه أصعب الحدود؛ حيث إنه
يذكر فيه كمال المعاني التي بها قوام ماهية الشيء.
الشرط الرابع: أن تذكر في الحد الحقيقي الجنس القريب - إن
وجد - وذلك لكونه أدل على الماهية، ولا تذكر معه الجنس البعيد
فتكون مكرراً، ولا تقتصر على البعيد فتكون مبعداً، فتقول مثلاً -
إذا سئلت عن حد الخمر -: " شراب مسكر "، لكن لا تذكر مع
الجنس القريب البعيد فلا تقول - مثلاً - في ذلك المثال: " جسم
مسكر مأخوذ من العنب ".
الشرط الخامس: أن تحترز من إضافة الفصل إلى الجنس، فلا
تقل في حد الخمر: " مسكر الشراب "، فلا يكون - حينئذٍ - الحد
حقيقياً، بل يكون حداً لفظياً.
الشرط السادس: أن تحترز أن تجعل بدل الجنس شيئاً كان في
الماضي، ثم عدم الآن، فتقول لمن سألك عن حد الرماد: "خشب
محترق "، فهذا الجواب ليس بصحيح؛ لأن الجنس وهو " الخشب "
لا يوجد بل صار رماداً، ومعروف أن الرماد ليس بخشب.
ثالثا؛ أقسام الحد الحقيقي:
الحد الحقيقي ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: حقيقي تام وهو: ما يتركب من الجنس والفصل
القريبين.
(1/83)

مثل: أن يسألك شخص عن الإنسان، فتقول له: " حيوان ناطق "
فالجنس القريب هو: " الحيوان "، والفصل القريب هو: "الناطق ".
وسمي بالتام لذكر جميع الذاتيات فيه.
القسم الثاني: حقيقي ناقص وهو: ما يكون بالفصل القريب
وحده، أو بالفصل القريب، وبالجنس البعيد، فله صورتان:
الصورة الأولى: إن ورد الحد من المجيب بفصل قريب - فقط -
فهذا يُسمَّى حداً حقيقياً ناقصاً، مثاله أن يقال: ما الإنسان؛ فيقول
المجيب في حده: " هو الناطق ".
الصورة الثانية: إن ورد الحد من المجيب بفصل قريب مع جنس
بعيد فيُسمَى هذا - أيضاً - حداً حقيقياً ناقصاً، مثاله: أن يقال: ما
الإنسان؛ فيقول المجيب: " هو جسم ناطق "، فالجنس البعيد هو:
" الجسم "، والفصل القريب هو: " الناطق ".
وسمي بالناقص لعدم ذكر جميع الذاتيات فيه.
(1/84)

المطلب الثالث الحد الرسمي، وشروطه، وأقسامه
أولاً: تعريف الحد الرسمي:
الحد الرسمي هو: ما أنبأ عن الشيء بلازم له.
أي: أن الحد الرسمي هو: معرِّف أنبأ عن الشيء بلازم من
لوازمه، وخاصية من خصوصياته لا يوجد في غيره.
مثاله: لو طلب تحديد الخمر، فإن المجيب يقول في ذلك: "هو
مائع يقذف بالزبد يستحيل إلى الحموضة ".
ثانياً: شروط الحد الرسمي:
لكي يكون الحد الرسمي صحيحاً لا بد أن تتوفر فيه الشروط
التالية:
الشرط الأول: أن يكون الحدُّ مطَّرداً ومنعكساً.
والطرد لغة هو: الإبعاد، واصطلاحاً هو: استلزام من جانب
الوجود والثبوت، أي: إذا وجد الحد وجد الحدود، وهو: معنى
كونه " مانعاً ".
والعكس لغة هو: قلب الشيء ورد أعلاه إلى أسفله،
واصطلاحاً هو: استلزام من جانب العدم، أي: إذا عدم الحد عدم
المحدود، وهو معنى كونه جامعاً.
الحاصل: أن الحد يجب أن يكون مطابقاً للمحدود في العموم
(1/85)

والخصوص، فيكون جامعاً لأفراد المعرف، بحيث لا يخرج عنه أي
فرد، ويكون مانعاً من دخول غيره فيه، وهو: المراد بالاطراد
والانعكاس.
الشرط الثاني: أن يكون هذا اللازم الذي عرَّفنا به ذلك الشيء
من اللوازم الظاهرة المعروفة، فلا يجوز تحديد شيء بلازم غير
معروف، كأن يقول قائل: ما الأسد؛ فيقول المجيب هو: " سبع
أبخر " ليتميز بالبخر عن الكلب، فالبخر من خواص الأسد ولوازمه
لكن هذا اللازم - وهو البخر - غير معروف وغير مشهور عنه،
فلذلك لا يصلح أن يكون حداً، فلو قيل في الجواب: " هو سبع
شجاع عريض الأعالي "، لكانت هذه اللوازم والأعراض أقرب إلى
المقصود؛ لأنها معروفة مشهورة عنه.
الشرط الثالث: أن يوجز الحادُّ في الحدِّ على حسب الاستطاعة.
أي: أن يقتصر على ما هو أشد مناسبة للغرض.
فإن لزم الأمر أن يطيل الحاد عبارات الحد، وذكر ما يبين المحدود
فلا ضير في ذلك، ولا ينبغي أن ينكر عليه ذلك؛ لأنه أراد بهذه
الإطالة الكشف عن حقيقة المحدود.
الشرط الرابع: أن يأتي الحاد بلفظ صريح واضح، ويبتعد عن
الكنايات؛ لأن الكنايات أمر لا يطلع السائل عليه، فلا يحصل له
البيان، فيقع الخلل في التعريف والحد.
الشرط الخامس: ألا يحد شيئاً بأخفى منه، كأن يحد " البقلة
الحمقاء " بقوله: " هي العرفج "، فهذا غير سديد؛ لأن البقلة
الحمقاء هي أشهر عند السامع من العرفج.
الشرط السادس: ألا يحد شيئاً بما يساويه في الخفاء والظهور،
(1/86)

فلا يقول في حد الزوج مثلاً: هو عدد يزيد على الفرد بواحد،
فهنا عرَّف الزوج بالفرد الزائد على الواحد، وهما متساويان عند
التحقيق في الظهور والخفاء.
الشرط السابع: ألا يحد شيئاً بألفاظ مجازية، أو بألفاظ مشتركة؛ الحد مميز للمحدود، ولا يمكن أن يحصل التميز مع الألفاظ
المشتركة؛ لأن الاشتراك مخل بفهم المعنى المقصود، وكذلك لا
يحصل التميز مع الألفاظ المجازية؛ حيث إن الغالب تبادر المعاني
الحقيقية إلى الفهم دون المجازية.
الشرط الثامن: ألا يحد شيئاً بنفي ضده، فلا يقول في حد
الزوج: هو ما ليس بفرد، أو يقول في حد الفرد: هو ما ليس
بزوج؛ لأنه يلزم منه الدور؛ حيث إنه عرَّف الشيء بنفسه، فلم
يحصل بذلك بيان ولا توضيح ولا شرح؛ لأن مهمة الحاد هي:
تبيين المحدود وتوضيحه للسائل.
ثالثاً: أقسام الحد الرسمي:
الحد الرسمي ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الحد الرسمي التام وهو: ما كان بالجنس القريب
والخاصة كقول السائل: ما الإنسان؛ فيقول المجيب: " حيوان
ضاحك "، فالجنس القريب هو الحيوان، والخاصة هو الضاحك.
وسمي تاماً لاشتماله على الجنس القريب وعلى الخاصة المميزة
للشيء من غيره.
القسم الثاني: الحد الرسمي الناقص وهو: ما كان بالجنس
البعيد، والخاصة كقول السائل: ما الإنسان؛ فيقول المجيب هو:
(1/87)

جسم ضاحك "، فالجنس البعيد هو: " الجسم "، والخاصة هو:
" الضاحك ".
والحد الرسمي إذا عرف بالخاصة - فقط - فإنه يَكون حداً رسمياً
ناقصاً، كقول السائل: ما الإنسان؛ فيقول المجيب هو:
"الضاحك ".
وسمي ناقصاً؛ لنقصان بعض أجزاء الرسم التام عنه.
(1/88)

المطلب الرابع الحد اللفظي، وشرطه
أولاً: الحد اللفظي هو:
شرح اللفظ بمرادف له أظهر وأشهر عند السائل من المسؤول عنه.
فمثلاً يسأل سائل ويقول: ما الخندريس؛ فيقول المجيب والحاد:
" هو الخمر "، ويسأل ويقول: ما الليث؛ فيقول المجيب: " هو
الأسد ".
ثانيا: شرط الحد اللفظي:
يشترط للحد اللفظي: أن يكون اللفظ الذي يأتي به المجيب أظهر
وأشهر من اللفظ المسؤول عنه كما مثلنا.
(1/89)

المبحث الرابع في البرهان وما يتعلق به
عرفنا فيما سبق أن المطلوب من التصوُّر - وهو: إدراك المفردات -
لا يعلم إلا بالحد، وأن المطلوب من التصديق - وهو: إدراك النسبة
بين تلك المفردات - لا يفهم إلا بالبرهان والحُجَّة.
وقد بيَّنا الحد وأقسامه، وشروط كل قسم.
والآن سنتكلم عن البرهان؛ لأنه هو الذي يتوصل به إلى العلوم
التصديقية التي تطلب بالنظر، وذلك في المطالب الآتية:
المطلب الأول: تعريف البرهان.
المطلب الثاني: مم يتكون البرهان؟
المطلب الثالث: وجه لزوم النتيجة من المقدمتين.
المطلب الرابع: هل تسمية البرهان بالقياس تسمية حقيقية؟
المطلب الخامس: كيف يتطرق الخلل إلى البرهان؟
المطلب السادس: أسباب مخالفة نظم البرهان.
المطلب السابع: أقسام البرهان.
المطلب الثامن: في اليقين ومداركه.
المطلب التاسع: في الاستقراء
المطلب العاشر: في التمثيل.
(1/91)

المطلب الأول في تعريف البرهان
البرهان هو: قول مؤلف من قضايا يلزم عنها لذاتها قول آخر.
مثال ذلك: أن تقول في بيان البرهان على أن " العالَم حادث ":
العالَم متغير، وكل متغير حادث، إذن: العالَم حادث.
فعندنا مقدمتان: " مقدمة صغرى "، و " مقدمة كبرى "،
و"نتيجة".
أما المقدمة الصغرى فهي: العالَم متغير.
أما المقدمة الكبرى فهي: كل متغير حادث.
أما النتيجة فهي: العالَم حادث.
ويسمى ذلك بالنتيجة والرأي الذي هو مطلوب الناظر بالنظر.
والأقاويل أو القضايا إذا وضعت في البرهان لاقتباس المطلوب منها
تسمى مقدمات.
والمقدمات قد تكون عقلية كما سبق.
وقد تكون سمعية، أو بعضها سمعي، فإن السمع يفيد اليقين
كخبر رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، والإجماع.
ولا تستغرب من جعلنا البرهان يتكون من مقدمتين - وذلك في
المثال - مع أننا عرفنا البرهان بأنه قول مؤلف من قضايا وأقاويل..
والسبب في ذلك: أن المراد بالقضايا والأقاويل عند أهل المنطق: ما
فوق القول الواحد، أو القضية الواحدة، بناء على أن أقل الجمع
عند المناطقة اثنان.
(1/93)

المطلب الثاني مم يتكون البرهان؟
البرهان يتكون من مقدمتين، أي: علمين يتطرق إليهما التصديق
والتكذيب، وأقل ما تحصل منه المقدمة: معرفتان توضع إحداهما
مخبراً عنها، والأخرى خبراً ووصفاً.
فيكون البرهان - على هذا - منقسماً إلى مقدمتين تنقسم إلى
معرفتين تنسب إحداهما إلى الأخرى، وكل مفرد فهو معنى ويدل
عليه لا محالة بلفظ معين، فيجب أن ينظر في المعاني المفردة
وأقسامها، ثم ينظر في الألفاظ المفردة ووجوه دلالتها، ثم إذا فهمنا
اللفظ مفرداً والمعنى مفرداً أَلَّفنا بذلك معنيين، وجعلناهما مقدمة،
وننظر في حكم المقدمة وشروطها، ثم نجمع مقدمتين ونصوغ منهما
برهاناً، وننظر في كيفية الصياغة الصحيحة. وهذا هو الطريق الحق
لمعرفة البرهان.
يقول التفتازاني في حاشيته: " القياس المنتج لمطلوب واحد لا
يكون مؤلفا بحكم الاستقراء الصحيح إلا من مقدمتين لا أزيد ولا
أنقص، لكن ذلك القياس قد تفتقر مقدمتاه، أو إحداهما إلى
الكسب بقياس آخر، كذلك إلى أن ينتهي إلى المبادئ المسلَّمة أو
البديهية، فيكون هناك قياسات مترتبة محصلة للقياس المنتج المطلوب.
(1/94)

المطلب الثالث في وجه لزوم النتيجة من المقدمتين
إن كل مفردين جمعتهما القوة المفكرة، ونسبت إحداهما إلى
الآخر، إما بإثبات مثل: " النبيذ حرام " أو " النبيذ مسكر "، وإما
بنفي مثل: " النبيذ ليس بمسكر "، وعرضت ذلك على العقل لم
يخل العقل فيه من أحد أمرين: إما أن يصدِّق به، أو يمتنع عن
التصديق.
فإن صدَّق العقل فهو الأوَّلي والضروري المعلوم بغير واسطة،
- ويقال لذلك: إنه معلوم بغير نظر ودليل وطلب.
وإن لم يُصدِّق فلا بدَّ من واسطة للتصديق، وتلك الواسطة هي
التي تنسب إلى الحكم فيكون خبراً عنها وحكما لها، وتنسب إلى
المحكوم عليه فتجعل خبراً عنه، فيُصدِّق، فيلزم من ذلك بالضرورة
التصديق بنسبة الحكم إلى المحكوم عليه، بيان ذلك:
لو أنا قلنا للعقل: احكم على النبيذ بالحرام، فإنه يقول: لا
أدري ولا يصدق به، فعلمنا من ذلك: أنه لا يلتقي في الذهن طرفا
هذه القضية وهما: " الحرام " و " النبيذ "، فلا بد من طلب واسطة
ربما صدَّق العقل بوجودها في " النبيذ "، وصدَّق بوجود وصف
الحرام لتلك الواسطة فيلزمه التصديق بالمطلوب.
(1/95)

فيقال للعقل: هل النبيذ مسكر؛ فيقول: نعم، وقال: نعم؛ كونه مسكراً ثبت عن طريق التجربة.
ثم يقال له: هل المسكر حرام؛ فيقول: نعم، وقال: نعم؟
لأنه علم كون المسكر حراماً عن طريق السمع.
فإذا صدَّق العقل بهاتين المقدمتين: لزم التصديق بالثالث ضرورة
وهو: أن النبيذ حرام، فيلزم العقل التصديق بذلك ويذعن للتصديق
(1/96)

المطلب الرابع هل تسمية البرهان بالقياس تسمية حقيقية؟
أقول: إن تسمية المناطقة للبرهان المتكون من مقدمتين ونتيجة
بالقياس، جاء عن طريق التجوز، وذلك لأن القياس في أصول
الوضع اللغوي هو: تقدير شيء بشيء آخر، كتقدير الثوب بالذراع.
أما هنا، فإن حاصله راجع إلى إدراج خصوص تحت عموم،
وهذا ليس بقياس، إذ ليس فيه تقدير ولا حمل، بل فيه إدراج،
بيان ذلك:
أن المقدمة الكبرى عموم، والمقدمة الصغرى خصوص، وقلنا
ذلك لأن الحكم في الكبرى على جميع ما صدق عليه الأوسط،
فيتناول الأصغر وغيره، والحكم في الصغرى مخصوص بالأصغر
فقط، وإذا كان الأمر كذلك وجب إدراج الأصغر تحت الأوسط في
الحكم بالأكبر على جميع ما صدق عليه الأوسط؛ لأن الأصغر من
جملتها، فيلتقي بالضرورة موضوع الصغرى - أعني الأصغر -
ومحمول الكبرى - أعني الأكبر - إما إيجابا إن كانت الكبرى
موجبة، أو سلبا إن كانت الكبرى سالبة.
مثال الموجبة قولنا: " الوضوء عبادة، وكل عبادة تصح بنية "،
فإنه ينتج: أن الوضوء يصح بنية.
مثال السالبة قولنا: " النبيذ مسكر، ولا شيء من المسكر ليس
بحلال "، فإنه ينتج منه: أن النبيذ ليس بحلال.
(1/97)

المطلب الخامس كيف يتطرق الخلل إلى البرهان؟
يتطرق الخلل إلى البرهان من ثلاث جهات:
الجهة الأولى: من جهة نفس المقدمات؛ لأنها قد تكون خالية من
شروطها.
الجهة الثانية: من جهة كيفية الترتيب والتركيب والنظم، ولو
كانت المقدمات صحيحة يقينية.
الجهة الثالثة: من جهة نفس المقدمات، والكيفية والترتيب
والتركيب جميعاً.
وإليك بيان ذلك بمثال من المحسوس، وهو البيت المبني، فإنه
يتطرق إليه الخلل من ثلاث جهات:
الأولى: أنه قد يختل بسبب وجد في هيئة التأليف، وذلك بأن
تكون الحيطان معوجة، أو يكون السقف منخفضاً إلى موضع قريب
من الأرض، فيكون البيت فاسداً وإن كانت الأحجار والجذوع متينة
وصحيحة.
الثانية: أنه قد يختل بسبب رخاوة في الأصل والأساس، وذلك
بأن يكون البيت صحيحا من حيث الصورة في ترتيبها وهندستها،
ووضع حيطانها، وسقفها، ولكن يكون الخلل بسبب رخاوة في
(1/98)

الجذوع وتشعب في اللبنات، فيكون البيت فاسداً من حيث الأساس،
وإن كانت الصورة صحيحة.
الثالثة: أنه قد يختل البيت بالسببين السابقين معاً، فيكون الخلل
بسبب التأليف، وبسبب رخاوة في الأساس.
فكذلك هنا، فإن الخلل إما أن يكون في هيئة تركيبه، وإما أن
يكون في الأصل الذي يرد عليه التركيب، وإما أن يكون فيهما معاً.
فمن يريد بناء بيت سالم من أي خلل فعليه أولاً: بإعداد الآلات
المفردة التي يتكون منها البناء كالجذوع، واللبن، والطين،
والسعف، والجريد، ونحو ذلك، ثم إذا أراد أن يكون لبنا صالحاً
للبناء عليه بإعداد مفرداته وهي: الماء، والتبن، والطين، والقالب
الذي يضرب به اللبن.
فلا بد من أن يبتدئ أولاً بالأجزاء المفردة فيركبها، ثم يركب
المركب، وهكذا إلى آخر العمل.
إذا عرفت ذلك في هذا المثال، فإن طالب البرهان كذلك ولا
فرق، فإنه له أن ينظر أولاً إلى الأجزاء المفردة من نظم وصورة، ثم
ينظر ثانياً إلى المقدمات التي فيها النظم.
تنبيه: للبرهان أضرب وأقسام قد تكلمت عنها في كتابي " إتحاف
ذوي البصائر بشرح روضة الناظر " بالتفصيل، فإن شئت ارجع إليه
في ذلك.
(1/99)

المطلب السادس في أسباب مخالفة نظم البرهان
لا بد في كل برهان أن يتكون من مقدمتين لتحصل منهما نتيجة،
وإذا ذكر أحد شيئاً يخالف ذلك النظم، فإنه يرجع إلى أسباب هي
كما يلي:
السبب الأول: قصور في علم المناظر بتمام نظم البرهان.
السبب الثانى: إهمال المناظر لإحدى المقدمتين، لكونها واضحة
ومعلوماً بها، وأكثر ما يفعل ذلك الفقهاء في المحاورات الفقهية
اختصاراً.
ومثال ذلك: قولنا: " الوضوء يحتاج إلى النية؛ لأن كل عبادة
تحتاج إلى النية "، فهنا حذفت الصغرى وهي قولنا: " الوضوء
عبادة "؛ حيث إن تمام النظم أن يقال: " كل عبادة تحتاج إلى النية،
والوضوء عبادة يلزم أن الوضوء يحتاج إلى النية "، فحذفت
الصغرى، وذلك لاشتهارها ووضوحها.
مثال آخر: قولنا: " هذا يجب رجمه؛ لأنه زنا وهو محصن "
فهنا حذفت الكبرى لوضوحها والعلم بها، وتمام القياس أن يقال:
" كل من زنا وهو محصن فعليه الرجم، وهذا زنا وهو محصن،
فيلزم وجوب الرجم عليه ".
وحذف إحدى المقدمتين لاشتهارها ووضوحها قد ورد في القرآن
(1/100)

الكريم، من ذلك قوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا اللَّه لفسدتا)
وينبغي أن يضم إليها: " ومعلوم أنهما لم تفسدا "، وترك ذلك
للعلم به - ووضوحه.
السبب الثالث: أن يهمل المناظر إحدى المقدمتين للتلبيس على
الخصم، وذلك يكون بترك المقدمة التي يعسر إثباتها ويندر أمثالها،
أو ينازعه الخصم في تلك المقدمة، وذلك استغفالاً للخصم، فخشي
المستدل أن يصرح بتلك المقدمة فيتنبه ذهن خصمه فينازعه فيها.
مثال ذلك: قولك: " فلان خائن في حقك "، فيقول خصمك:
ولِمَ؟ فتقول: " لأنه كان يناجي عدوك "، وتمامه: أن يقال: "كل
من يناجي العدو فهو عدو، وهذا يناجي العدو، فهو إذاً عدو "،
لكن لو صرح به لتنبه ذهن الخصم بأن مناجاة العدو لا يلزم منها
الخيانة، فقد يحتمل أنه أراد بمناجاته نصيحته، أو غير ذلك.
مثال آخر: قولهم: " نكاح الشغار فاسد، لأنه منهي عنه "،
وتمامه أن يقال: " كل منهي عنه فهو فاسد، والشغار منهي عنه،
فهو إذاً فاسد "، ولكن لو صرح المستدل بهذه المقدمة الكبرى لتنبه
الخصم لها؛ لأنها موضع النزاع.
(1/101)

المطلب السابع في أقسام البرهان
البرهان ينقسم إلى قسمين:
" برهان دلالة "، و " برهان علَّة ".
أما برهان الدلالة فهو: أن يكون الأمر المتكرر في المقدمتين معلولاً
ومسبباً، فإن العِلَّة والمعلول يتلازمان.
أما برهان العلَّة فهو: أن يكون المكرر - وهو الحد الأوسط - عِلَّة
وسبباً.
فإن استدللت بالعِلَّة على المعلول: فالبرهان برهان عِلَّة.
وإن استدللت بالمعلول على العلَّة أو استدللت بأحد المعلولين على
الآخر، فهو برهان دلالة.
مثال برهان العلَّة: أن تستدل بالغيم على المطر، وأن تستدل
بالأكل الكثير علىَ الشبع فيقال: " من أكل كثيراً فهو شبعان، وزيد
قد أكل كثيراً، فهو إذن شبعان ".
ومثال برهان الدلالة: أن تستدل بالشبع على الأكل الكثير،
فتقول: إن كل شبعان قد أكل كثيراً وزيد شبعان، إذاً قد أكل كثيراً.
ومثال الاستدلال بأحد المعلولين على الآخر أن تقول: كل من
صح طلاقه صح ظهاره، والذمي يصح طلاقه فيصح ظهاره.
تنبيه: اعلم أن جميع استدلالات الفراسة من قبيل الاستدلال
بإحدى النتيجتين على الأخرى.
(1/102)

المطلب الثامن في اليقين ومداركه
البرهان: ما كانت مواده يقينية، وهي التي يجب قبولها بديهياً
كانت أو نظرية تنتهي إلى البديهيات، وسواء كانت تلك المقدمات
عقلية أو سمعية، فإن السمع يفيد اليقين كأن يكون خبر من يمتنع عليه
الكذب كخبر اللَّه تعالى، وخبر رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك الإجماع.
وإليك بيان حقيقة اليقين، والأشياء التي تفيد اليقين، فأقول:
أولاً: اليقين لغة هو: العلم الذي لا شك فيه.
واليقين اصطلاحاً هو: اعتقاد الشيء بأنه كذا، مع اعتقاد أنه لا
يمكن إلا كذا مطابقاً للواقع غير ممكن الزوال.
ثانياً: الأشياء التي تفيد اليقين أو مداركه، أو أصول اليقينيات
- كما يسميها بعضهم - هي كما يلي:
الأول: الأوليات، وهي قضايا يجزم العقل بها بمجرد التصوُّر،
ولا يحتاج إلى واسطة مثل: علمك بأن الواحد نصف الاثنين، وأن
الكل أعظم من الجزء، وأن النقيضين إذا صدق أحدهما كذب الآخر.
الثاني: المحسوسات الظاهرة، وهي القضايا التي يحكم بها
بواسطة الحواس الخمس وهي: السمع، والبصر، والشم،
واللمس، والذوق، مثل: النار حارة، وهذا الجبل كبير، ورائحة
هذا طيبة، وطعم هذا حلو، وهكذا.
(1/103)

الثالث: المشاهدات الباطنة، وهي قضايا يحكم بها بواسطة
القوى الباطنة، ولا تحتاج إلى العقل، ولا إلى الحس، مثل:
علمك جوع نفسك، وشعورك بالألم، والعطش، ونحو ذلك.
والفرق بين هذا وبين المدرك الأول - وهو الأوليات -: أن المدرك
الأول لا تدركه الصبيان ولا البهائم ولا المجانين؛ لأن الأوليات قضايا
حصلت بمجرد العقل، والعقل مفقود بالنسبة لهؤلاء.
أما هذا المدرك وهو: المشاهدات الباطنة، فإن البهائم، والصبيان
والمجانين تدركه؛ لأن تلك الأحوال وهي الجوع، والعطش، لا
تفتقر إلى عقل.
الرابع: التجريبيات، أو اطراد العادات، وهي القضايا التي
يحكم بها بواسطة تكرار المشاهدة، وهي لا تخلو عن قياس خفي
مع تكرار المشاهدة، وهو أن تعلم أن الوقوع المتكرر على نهج واحد
لا يكون اتفاقاً.
مثل: حكمنا بأن الإهليلج مسهل، فإنه بعد التجارب وتكرار
الاستعمال لهذا الدواء حكمنا بأنه مسهل، وحكمنا بأن الحجر هاو
إلى أسفل، وحكمنا بأن النار صاعدة إلى فوق، وهذه الأحكام
والمعلومات يقينية عند من جربها من الناس.
الخامس: المتواترات، وهي: قضايا حكم بها بواسطة إخبار
جماعة يستحيل عقلاً وعادة تواطؤهم وتوافقهم على الكذب، مثل:
حكمنا بوجود مكة، والمدينة، والهند، وغيرها من البلدان.
فالمستفاد من تلك المدارك الخمسة يصلح لصناعة البرهان.
(1/104)

ثالثأ: بيان أمور توهم بعضهم أنها من مدارك اليقين، وليست منها:
ما سبق هي مدارك اليقين التي تصلح لمقدمات البراهين، وهناك
أمور توهم بعضهم أنها من مدارك اليقين وليست منها، وهما:
1 - الوهميات
2 - المشهورات.
أما الوهميات فهي: قضايا الوهم بأن كل موجود ينبغي أن يكون
مشاراً إلى جهته، وأن موجوداً لا متصلاً، ولا منفصلاً، ولا
خارجاً، ولا داخلاً محال، لأن إثبات شيء مع القطع بأن الجهات
الست خالية عنه محال، وهذا عمل قوة في التجويف الأوسط من
الدماغ، وتسمى وهمية شأنها ملازمة المحسوسات، ومتابعتها
والتصرف فيها.
وهذه القضايا الوهمية مع أنها كاذبة فهي لا تتميز عن الأوليات
القطعية.
مثل قولك: لا يكون شخص في مكانين، بل تشهد به أول
الفطرة، كما تشهد بالأوليات القطعية، وليس كل ما تشهد به
الفطرة قطعاً هو صادق، بل الصادق هو ما تشهد به قوة العقل
الصحيح فقط.
أما المشهورات فهي آراء محمودة توجب التصديق بها، إما بشهادة
الكل، أو بشهادة الأكثر، أو بشهادة جماهير من الأفاضل مثل:
"الكذب قبيح "، و " كفران المنعم قبيح "، و " شكر المنعم حسن "
و" إنقاذ الذين شارفوا على الهلاك حسن "، و " إيلام البريء قبيح "
وهذه الأحكام قد تكون صادقة، وقد تكون كاذبة، فلا يعول عليها
- في مقدمات البراهين، لأنها لم تكن من مدارك اليقين.
وإنما انغرس قبولها في النفس بأسباب كثيرة تعرض من أول الصبا،
(1/105)

وذلك بأن تكرر على الصبي، ويكلف اعتقادها، ويحسن ذلك عنده
وربما يحمل على اعتقادها حب التسالم وطيب المعاشرة، وربما تنشأ
من الحنان ورقة القلب والطبع، فترى أقواماً يصدِّقون بأن ذبح البهائم
قبيح حتى وصل بهم الأمر إلى الامتناع عن أكل لحومها، وربما يحيل
على التصديق بها الاستقراء والتتبع الكثير، وربما كانت القضية
صادقة، ولكن بشرط دقيق لا يتفطن الذهن لذلك الشرط، ويستمر
على تكرير التصديق، فيرسخ في نفسه كمن يقول - مثلاً -:
"التواتر لا يفيد العلم "، وعلّل ذلك بقوله: " إن خبر كل واحد
من المخبرين لا يفيد العلم، فخبر الجميع لا يفيد العلم؛ لأنه لا
يزيد على الآحاد "، وهذا معروف غلطه؛ لأن كل واحد لا يفيد
خبره العلم بشرط الانفراد، وعند التواتر فات هذا الشرط، فهذا
القائل: ذهل وغفل عن هذا الشرط، وذلك لدقته، فصدَّق به
مطلقاً واعتقده.
فالمستفاد من الوهميات لا يصلح لصناعة البرهان، والمشهورات
تصلح للفقهيات الظنية، والأقيسة الجدلية، ولا تصلح لأن تكون
مقدمات للبراهين.
رابعاً: أضداد اليقين:
لما عرفنا فيما سبق اليقين وهو: العلم القطعي بالأشياء التي لا
تحتمل النقيض، أو ما قطعت به النفس، وعرفنا مداركه، وما لا
يفيده: كان لا بد لنا أن نعرف أضداد اليقين؛ ليعرف اليقين أكثر
والفرق بينه وبين غيره، فأقول:
أضداد اليقين هي: " الظن "،. و " الشك "، و " الوهم "،
و"السهو"، و " الجهل "، وإليك بيانها:
1 - الظن هو: ترجيح أحد الاحتمالين في النفس على الآخر من
غير قطع، وقيل: تجويز أمرين، أحدهما أقوى من الآخر.
(1/106)

والظن طريق للحكم إذا كان عن أمارة قد اقتضت الظن، ولهذا
وجب العمل بجميع الأدلة المظنونة، ويجب العمل بشهادة الشهادين
وبخبر المقوِّمين للشيء، سواء كانت تلك الأحكام مبنية على أدلة
ظنية أو أمارة صحيحة.
ويطلق العلم على الظن والعكس.
فمثال إطلاق العلم على الظن: قوله تعالى: (فإن علمتموهن
مؤمنات) ، فهنا عبَّر بالعلم عن الظن؛ لأن العلم القطعي في
ذلك لا سبيل إليه.
ومثال إطلاق الظن على العلم: قوله تعالى: (الذين يظنون
أنهم ملاقوا ربهم) أي: يعلمون.
2 - الشك هو: التردد في أمرين متقابلين، لا ترجيح لوقوع
أحدهما على الآخر في النفس، وقيل: هو: تجويز أمرين لا مزية
لأحدهما على الآخر.
والشك ليس بطريق للحكم في الشرع، وبناء على ذلك يجب
استصحاب الحال السابق مثل: الشك في الحدث بعد الطهارة،
والشك بالطلاق بعد النكاح، لأن الظاهر بقاء ذلك، وعدم حدوث
المشكوك فيه.
3 - الوهم هو: الطرف المرجوح فهو المقابل للظن.
4 - السهو هو: الذهول عن المعلوم.
5 - الجهل هو: اعتقاد المعلوم على خلاف ما هو عليه، وهو ضد العلم.
(1/107)

وهو قسمان:
القسم الأول: جهل بسيط وهو: انتفاء إدراك الشىء بالكلية،
أي: عدم العلم مطلقا.
القسم الثاني: جهل مركب وهو: تصور الشيء على غير هيئته.
وسمي مركباً، لأنه مركب من أمرين، أولهما: عدم العلم
بالشيء، ثانيهما: الاعتقاد الذي هو غير مطابق لما في الخارج.
فمثلاً: إذا سئل إنسان وقيل له: إذا أكل مسلم ناسياً في رمضان
فهل يفسد صومه أو لا؟
فإن قال: نعم يفسد صومه، وعليه القضاء، فهو جاهل مركب.
أما إذا قال: لا أعلم، فإنه يكون جاهلاً بسيطاً.
(1/108)

المطلب التاسع في الاستقراء
أولاً: حقيقة الاستقراء:
وهو لغة: التتبع.
وفي الاصطلاح هو: عبارة عن تصفح أمور جزئية لنحكم
بحكمها على أمر يشمل تلك الجزئيات.
وقيل: هو: الحكم على كلي لوجوده في أكثر جزئياته.
وقيل: " في أكثر جزئياته "؛ لأن الحكم لو كان في جميع
جزئياته لم يكن استقراء، بل يكون قياسا مقسماً.
وسمي ذلك استقراء؛ لأن مقدماته لا تحصل إلا بتتبع الجزئيات.
ثانيا: أقسام الاستقراء:
ينقسم الاستقراء إلى قسمين:
القسم الأول: استقراء تام، وهو الذي يشمل جميع الجزئيات،
فهذا يفيد اليقين وهو صالح لأن يكون مقدمة من مقدمات البرهان
مثل: قولنا: "كل حيوان يموت ".
القسم الثاني: استقراء ناقص، وهو الذي يشمل أغلب وأكثر
الجزئيات، وهو لا يفيد إلا الظن، وهذا لا يصلح أن يكون من
(1/109)

مقدمات البرهان مثل قولنا: كل حيوان يحرك فكه الأسفل عند
المضغ؛ لأن الإنسان والبهائم والسباع كذلك.
فهذا استقراء ناقص مختل؛ حيث إنه يوجد بعض الجزئيات يكون
حكمه مخالفا لما استقرئ وتتبع، فلا يعمه الحكم وهو: التمساح،
فإنه يحرك فكه الأعلى عند المضغ.
(1/110)

المطلب العاشر في التمثيل
أولاً: بيان حقيقة التمثيل:
التمثيل لغة: مصدر مثل الشيء بالشيء إذا شبهه به.
وهو في الاصطلاح: إثبات حكم في جزئي معين لوجوده في
جزئي آخر لأمر مشترك بينهما.
مثل: قولنا: النبيذ حرام كالخمر بجامع الإسكار بينهما.
ويسمى الأول فرعاً، والثانى أصلاً، ويسمى الأمر المشترك بينهما
جامعاً وعلة.
ثانياً: طَرق إثبات علية الأمر المشترك:
لإثبات علية الأمر المشترك طرق عند المناطقة، والمشهور منها
طريقان:
الطريق الأول: الدوران، ويسمى الطرد والعكس، وهو: أن
يدور الحكم مع العلَّة والمعنى المشترك وجوداً وعدماً، ففي المثال
السابق نقول: إذاً وجد الإسكار في النبيذ فإنه يوجد الحكم وهو
التحريم، وإن عدم الإسكار عدم التحريم، وهكذا.
الطريق الثاني: السبر والتقسيم وهو: أن يعد ويذكر أوصاف
الأصل، وتحصر، ثم يثبت - بعد الاختبار والسبر - أن ما عدا
المعنى المشترك غير صالح لاقتضاء الحكم لوجود تلك الأوصاف في
محل آخر مع تخلف الحكم عنه، ولا بد في ذلك من استعانة بنص
أو إجماع.
(1/111)

فإن كان هذا الحصر والإبطال قطعيين أفاد القطع واليقين، وإن كانا
ظنيين أفادا الظن.
ثالثاً: حكم التمثيل:
التمثيل حُجَّة ظنية عند جمهور المناطقة.
وذهب ابن سينا إلى أنه حُجَّة ضعيفة.
وهذا ليس بصحيح، فالتمثيل حُجَّة ظنية قوية؛ لأن إفادة الدليل
اليقين أو الظن راجعة إلى المقدمات التي تألف منها لا إلى صورته،
فالمقدمات إن كانت يقينية أفادت اليقين، وإن كانت المقدمات ظنية
أفادت الظن.
رابعاً: هل التمثيل هو القياس والشمول أم لا؟
اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن القياس هو التمثيل، وهو مذهب كثير من
الأصوليين.
المذهب الثاني: أن القياس هو الشمول، وهو مذهب المناطقة.
المذهب الثالث: أن كلًّا من التمثيل والشمول يسمى قياساً،
ذهب إلى هذا أكثر الفقهاء والمتكلمين.
وهو الصحيح؛ لأن قياس الشمول مبناه على اشتراك الأفراد في
الحكم وشموله لها، وقياس التمثيل مبناه على اشتراك الأصل والفرع
في الحكم.
ويمكن رد كل من القياسين إلى الآخر مثل: النبيذ حرام كالخمر
بجامع الإسكار، وترده إلى الشمول فتقول: النبيذ مسكر، وكل
مسكر حرام ينتج: أن النبيذ حرام.
(1/112)

المبحث الخامس في الألفاظ
اللفظ هو: صوت معتمد على بعض مخارج الحروف.
وينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: اللفظ المفرد، وهو: الذي لا يدل جزؤه على
جزء معناه: إذا جعل علماً للشيء مثل: " زيد "، و " عبد اللَّه "
علماً، وهو أنواع كثيرة.
القسم الثاني: اللفظ المركب، وهو: الذي يدل جزؤه على جزء
معناه مثل: " زيد قائم "، و " قام زيد " و " غلام زيد "، و "الحيوان
الناطق "، وهو أنواع أيضا.
وسيأتي - إن شاء اللَّه - تفصيل ذلك - في الباب الرابع الذي هو
في الألفاظ ودلالتها على الأحكام، فلا داعي لأن أفصل بها هنا مع
أن التفصيل فيها في مكانها أولى وأكثر فائدة.
(1/113)

المبحث السادس في المعاني وأقسامها
لما بيَّنا اللفظ، شرعنا في ذكر المعاني والنظر فيها، من حيث إنها
ثابتة في نفسها، وإن كان يدل عليها بالألفاظ؛ لأنه لا يمكن تعريف
المعاني إلا بذكر الألفاظ، فأقول:
أولاً: تعريف المعاني:
المعاني هي: الصورة الذهنية من حيث إنه وضعت بإزائها الألفاظ
والصورة الحاصلة في العقل، فمن حيث إنها تقصد باللفظ سميت معنى.
ثانياً: أقسام المعاني باعتبار أسبابها المدركة:
المعاني التي ندركها ونحيط بها ثلاثة أقسام، هي كما يلي:
القسم الأول: معاني محسوسة، وهي المعاني التي ندركها
ونعلمها عن طريق الحواس الخمس، كالألوان، ومعرفة الأشكال،
والمقادير، وذلك بحاسة البصر، وكالأصوات بحاسة السمع،
وكالطعوم بحاسة الذوق، والروائح بحاسة الشم، والخشونة
واللين، والصلابة والبرودة والحرارة والرطوبة واليبوسة بحاسة اللمس.
القسم الثاني: معاني متخيَّلة، وهي: القوة تتصرف في الصور
المحسوسة والمعاني الجزئية المنتزعة منها.
مثاله: أنك لما أبصرت البلح وعرفت أن لونه أحمر بقيت تلك
(1/114)

الصورة في دماغك، كأنك تنظر إليها وإن كان البلح غائباً، فلو ذكر
ذلك البلح - فيما بعد - فإنك تستحضر تلك الصورة من ذهنك
ودماغك، وتقول: إن لونه أحمر وإن كان غائبا عنك، لأن صورته
في دماغك، فإنك تتخيله، لذلك سمي معنى متخيلاً.
كذلك لما لمست الثلج لأول مرة ووجدته بارداً، فإنك لو سئلت
عنه - فيما بعد - لقلت: إن الثلج بارد وإن كان غائبا عنك،
وهكذا.
وهذه القوة - وهي قوة التخيل - لا ينفرد بها الإنسان، بل يشترك
معه فيها الحيوان.
أي: كما أنه يوصف الإنسان بأنه يتخيل الأشياء في الدماغ كذلك
البهائم تتخيل ولا فرق، فمثلاً: تجد " الفرس " إذا أكل شعيراً مرة،
ثم رآه مرة ثانية في يوم آخر فإنك تجده يتحرك نحوه، ويحاول أن
يقترب منه، وذلك لأنه تذكر صورته وطعمه الذي حفظه له دماغه
وخياله، فلو كانت الصورة لم تثبت في خياله لما بادر إليه وتحرك
نحوه، وكذلك جميع الحيوانات إذا رأت طعامها الذي يقدم إليها،
بل إن بعض الحيوانات إذا رأت من يعطيها طعامها المحبب لديها
رفعت أصواتها، واقتربت منه، وما ذلك إلا لأنها تخيلت اللذة
التي توجد في تلك الأطعمة التي يقدمها لها ذلك الشخص.
القسم الثالث: المعاني المعقولة، وهي: التي ندركها عن طريق
العقل الذي هو: الآلة التي ندرك بها الأشياء ونميز بعضها عن بعض.
والعقل غريزة، وليس مكتسباً، خلقه اللَّه تعالى في الإنسان
تشريفاً له يباين ويفارق به البهيمة، ويستعد به لقبول العلم، وتدبير
الصنائع الفكرية.
(1/115)

وهذا خاص بالإنسان.
والعقل محله القلب وهو: مذهب الإمام مالك، والشافعي،
والأطباء، وكثير من العلماء وهو الحق عندي لأمرين:
أولهما: قوله تعالى: (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب)
فعبَّر - هنا - عن العقل بالقلب؛ لأنه محله.
ثانيهما: قوله تعالى: (فتكون لهم قلوب يعقلون بها) ، فلو
لم يكن العقل موجوداً في القلب لما وصف بذلك حقيقة؛ لأن
الأصل إضافة كل عضو إليه لما يصلح له، فلا يمكن أن توصف الأذن
بأنه يشم بها أو يرى بها.
وقيل: إن محل العقل هو الدماغ، وهو مذهب أبي حنيفة.
وقبل غير ذلك.
(1/116)

المبحث السابع في تأليف مفردات المعاني
لما فرغنا من الكلام عن مجرد اللفظ، والكلام عن مجرد المعنى،
لا بد من الكلام عن تأليف مفردات المعاني على وجه يتطرق إليه
التصديق والتكذيب، كقولنا: " العالَم حادث "، و " زيد ليس
بكاتب "، فإن هذا راجع إلى تأليف القوة المفكرة المؤلَّفة بين معرفتين
لذاتين مفردتين بنسبة إحداهما إلى الأخرى بنفي أو إثبات.
فمثال نسبة المفرد إلى مفرد آخر في الإثبات: " العالَم حادث "،
و" زيد كاتب "، ومثال نسبة المفرد إلى مفرد آخر في النفي: "العالَم
ليس بقديم "، و " زيد ليس بكاتب ".
فعندنا جملة من جزأين، واختلف في تسميتهما على مذاهب:
المذهب الأول: أن اسم الأول - وهو زيد - مبتدأ، واسم الآخر
- وهو كاتب - خبر، وهذا مذهب النحويين.
المذهب الثاني: أن اسم الأول - وهو زيد -: محكوم عليه،
واسم الثاني - وهو كاتب -: حكم، وهذا مذهب الفقهاء؛ حيث
إن زيداً محكوم عليه بحكم، وهو كونه كاتبا.
المذهب الثالث: إن اسم الأول - وهو زيد - موصوف، واسم
الثاني - وهو كاتب - صفة، وهذا مذهب المتكلمين، حيث إن
زيداً موصوفاً بالكتابة.
(1/117)

المذهب الرابع: أن اسم الأول - وهو زيد - موضوع، واسم
الثاني - وهو كاتب - محمول، وهذا اصطلاح المناطقة؛ لأن
الأول وضع ليحكم عليه، والثاني سمي محمولاً لحمله على
الموضوع.
وسمى المجموع من الاسم الأول والثاني: قضية.
والقضية قسمان: " قضية شرطية "، و " قضية حملية ".
أما القضية الشرطية - وهو القسم الأول - فهي: أن ينحل
طرفاها إلى جملتين، لو أزيلت من بينهما أداة الربط في المتصلة،
وأداة المناداة في المنفصلة.
ويكون الحكم في الشرطية معلقاً نحو: إن كانت الشمس طالعة
كان النهار موجوداً.
أما القضية الحملية - وهو القسم الثاني - فهي: ما يحكم فيها
بثبوت شيء لشيء، أو نفيه عنه نحو: " زيد كاتب "، و " زيد
ليس بقائم ".
وضابطها: أن ينحل طرفاها إلى مفردين، أو ما في حكم
المفردين، ولا يكون الحكم فيها معلقاً على شيء.
وأجزاء الحملية ثلاثة:
الأول: المحكوم عليه والمسند إليه، ويسمى موضوعا اصطلاحاً؟
لأنه وضع ليحكم عليه.
الثاني: المحكوم به، والمسند، وسمّي المحمول اصطلاحاً لحمله
على الموضوع.
الثالث: النسبة الواقعة بين الموضوع والمحمول، ويسمى اللفظ
(1/118)

الدال عليها رابطة، لدلالته على النسبة الرابطة بين الطرفين، وهذه
الرابطة تحذف كثيراً عند العرب.
فإن قلت: ما الحمل؟
أقول: الحمل هو: اتحاد المتغايرين مفهوماً بحسب الوجود مثل:
" زيد كاتب "، فإن مفهوم " زيد " مغاير لمفهوم " كاتب "،
ولكنهما شيء واحد في الوجود.
والحمل نوعان:
1 - حمل بالمواطأة، وهو ما كان بلا واسطة مثل: "زيد كاتب ".
2 - حمل بالاشتقاق، وهو: ما كان بواسطة حروف وهي:
"في "، أو " اللام "، أو " ذو "، فتقول: " محمد في الدار "،
و" الكتاب محمد "، و " زيد ذو مال ".
أقسام القضية الحملية باعتبار الموضوع:
تنقسم القضية الحملية بهذا الاعتبار إلى أربع قضايا:
الأولى: قضية في عين وهي: المخصوصة، وهي: ما موضوعها
جزئي معين، وتسمى شخصية، لأن موضوعها شخصي معين مثل:
" زيد عالِم ".
الثانية: قضية مطلقة، وتسمى: " مطلقة خاصة "، وتسمى
جزئية محصورة، وهي: ما ليس موضوعها جزئياً معينا وبين جزئيته
مثل: " بعض الناس عالم ".
الثالثة: قضية عامة، وتسمى " قضية كلية "، وتسمى " مطلقة
عامة "، وهي: ما ليس موضوعها جزئياً وبيَّن كليته مثل: " كل
سواد لون ".
(1/119)

الرابعة: قضية مهملة وهي: ما كان الحكم فيها على الأفراد مع
إهمال بيان كمية الأفراد، مثل قوله تعالى: (إن الإنسان لفي خسر) .
وقد تكلمت عن سبب انحصار القضية الحملية في تلك القضايا
الأربع في كتابي " إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر " فارجع
إليه إن شئت.
(1/120)

الباب الثاني الحكم الشرعي، والتكليف به
ويشتمل على الفصول التالية:
الفصل الأول: في حقيقة الحكم الشرعي وما يتعلق بها.
الفصل الثاني: في الحكم التكليفي وأقسامه.
الفصل الثالث: في التكليف وشروطه.
الفصل الرابع: في الحكم الوضعي وأنواعه.
(1/121)

الفصل الأول في حقيقة الحكم الشرعي وما يتعلق بها
وفيه مباحث:
المبحث الأول: في تعريف الحكم الشرعي
المبحث الثاني: في إطلاق الحكم الشرعي بين الأصوليين
والفقهاء.
المبحث الثالث: هل ينقسم الحكم الشرعي إلى قسمين:
" تكليفي ووضعي "
(1/123)

المبحث الأول في تعريف الحكم الشرعي
أولاً: الحكم لغة هو:
القضاء والفصل لمنع العدوان، ومنه قوله تعالى: (لتحكم بين
الناس بما أراك الله) ، وقوله: (فاحكم بين الناس بالحق) .
يقال: " حكمت عليه بكذا " إذا منعته من خلافه، فلم يقدر على
الخروج من ذلك، ومنه اشتقاق الحكمة؛ لأنها تمنع صاحبها من
أخلاق الأراذل.
وهذا موافق للحكم الشرعي؛ فإنه إذا قيل: " حكم اللَّه في
المسألة الوجوب "، فإن المراد من ذلك: أنه سبحانه قضى فيها
بالوجوب، ومنع المكلف من مخالفته.
ثانياً: الحكم اصطلاحاً هو:
خطاب اللَّه تعالى المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء، أو التخيير أو
الوضع.
شرح التعريف:
قولنا: " خطاب " الخطاب هو: توجيه اللفظ المفيد إلى الغير،
بحيث يسمعه ويفهمه.
وقيل: إن الخطاب هو: الكلام المقصود منه إفهام من هو متهيء للفهم.
(1/125)

وهو جنس في التعريف يشمل كل خطاب، سواء كان المخاطِب
الله أو غيره.
قولنا: " خطاب اللَّه تعالى " إضافة الخطاب إلى اللَّه، أخرج
خطاب غيره من الإنس والجن والملائكة، فإن خطاباتهم لا تسمى
حكماً؛ حيث لا حكم إلا للشارع.
والمراد بخطاب اللَّه تعالى: كلام اللَّه اللفظي، وليس الكلام
النفسي؛ لأن الكلام اللفظي هو المبحوث عنه في الأصول إجمالاً،
وفي الفقه تفصيلاً.
وجميع الأحكام من اللَّه تعالى، سواء كانت ثابتة بالقرآن، أو
السُّنَّة، أو الإجماع، أو القياس، أو أي دليل ثبت شرعاً، فإن
كل هذه المصادر راجعة - في الحقيقة - إلى اللَّه تعالى.
قولنا: " المتعلِّق " أي: المرتبط، والمراد به: الذي من شأنه أن
يتعلق، من باب تسمية الشيء بما يؤول إليه.
والمقصود: أنه يشترط في خطاب اللَّه تعالى أن يكون مرتبطاً بفعل
من أفعال المكلف على وجه يبين صفة الفعل من كونه مطلوباً فعله
كالصلاة، والزكاة، ووجوب الغرامات على المتلف، ونحو ذلك،
أو كونه مطلوباً تركه كالزنا والسرقة ونحو ذلك.
قولنا: " بفعل " الفعل لغة: ما يقابل القول والاعتقاد والنية.
ولكنه في العرف يطلق على كل ما صدر عن المكلف، وتتعلق به
قدرته من قول، أو فعل، أو نية، وهو المراد بفعل المكلف هنا.
فيكون المقصود بالفعل هنا هو جنس الفعل، سواء كان واحداً،
أو متعدداً، ويشمل القلوب والجوارح، سواء منها العبادات، أو
المعاملات، أو الأخلاق، فإنها جميعاً تتعلق بها الأحكام الشرعية.
(1/126)

فالفعل هنا عام لأفعال الجوارح كوجوب الصلاة والحج والصوم،
ولأفعال اللسان كتحريم النميمة والغيبة، ولأفعال القلوب كوجوب
النية والقصد.
وقولنا: " بفعل المكلف ": أخرج الأحكام العقائدية، لأن
المعرف إنما هو الحكم الشرعي العملي، وليس المعرف مطلق الحكم
الشرعي.
والمراد بالمكلف هو: البالغ العاقل، غير الملجأ، الذي يفهم
الخطاب، ولم يحل دون تكليفه أي حائل.
وعبَّرنا بالمكلف، ولم نقل: " بأفعال المكلفين " - كما ذكر ذلك
بعض الأصوليين - وذلك ليشمل الأحكام المتعلقة بفعل مكلف واحد
خاصة به مثل الأحكام الخاصة بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، كتزويجه بأكثر من أربع،
ومثل الحكم الخاص بخزيمة بن ثابت الأنصاري، حيث بيَّن النبي
- صلى الله عليه وسلم - أن شهادته تكفي عن شهادة رجلين، ومثل الحكم الخاص بأبي بردة، حيث بيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن العناق - وهي الأنثى من ولد المعز قبل استكمالها الحول - تجزئ في الأضحية عنه ولا تجزئ عن غيره.
وقولنا: " بفعل المكلف ": أخرج الخطابات الواردة من اللَّه التي
لا تتعلق بفعل المكلف، وهي:
1 - الخطاب المتعلق بذاته سبحانه، كقوله تعالى: (شهد الله أنه
لا إله إلا هو) .
2 - الخطاب المتعلق بصفته سبحانه، كقوله: (الله لا إله إلا هو
الحي القيوم) .
3 - الخطاب المتعلق بفعله سبحانه، كقوله: (الله خالق كل شيء) .
(1/127)

4 - الخطاب المتعلق بالجمادات، كقوله: (ويوم نسير الجبال) .
5 - الخطاب المتعلق بالحيوانات، كقوله: (يا جبال أوبي معه والطير) .
6 - الخطاب المتعلق بذات المكلفين، كقوله: (ولقد خلقناكم ثم صورناكم) .
فهذه خطابات، ولكنها لا تتعلَّق بفعل المكلَّف.
قولنا: " بالاقتضاء ": الجار والمجرور هنا متعلقان بقوله:
"المتعلِّق ".
والاقتضاء هو: الطلب، والطلب قسمان: طلب فعل، وطلب
ترك.
وكل واحد منهما ينقسم إلى قسمين: " جازم "، و " غير جازم ".
فإن كان طلب الفعل طلباً جازماً فهو: الإيجاب.
وإن كان طلب الفعل طلباً غير جازم فهو: الندب.
وإن كان طلب الترك طلباً جازماً فهو: التحريم.
وإن كان طلب الترك طلباً غير جازم فهو: الكراهية.
قولنا: " أو التخيير " معناه: استواء الطرفين، أي: لا يوجد
فيه طلب فعل، ولاطلب ترك.
فعبارة: " بالاقتضاء أو التخيير " شملت الأحكام التكليفية الخمسة
- الواجب، والمند وب، والحرام، والكرا هة، والمباح -.
وسيأتي بيانها بالتفصيل إن شاء اللَّه تعالى.
(1/128)

فبان أنه يشترط في خطاب اللَّه المتعلق بالمكلف أن يكون متضمناً
لطلب فعل أو ترك، أو فيه تخيير.
أما إذا لم يوجد فيه ذلك فليس بحكم شرعي مثل قوله تعالى:
(والله خلقكم وما تعملون) ، وقوله: (وهم من بعد غلبهم
سيغلبون) ، وذلك لأنه لم يفهم منه طلب فعل، ولا طلب ترك
من المكلف، ولم يفهم منه - أيضا - تخيير بين فعل وترك، فهو
إعلام وإخبار - فقط -.
قولنا -: " أو الوضع " الوضع هو: الجعل.
وقد وردت لفظة: " أو " للتنويع والتقسيم، والمراد: أن الحكم
الشرعي ينقسم إلى قسمين: " حكم تكليفي "، و " حكم وضعي ".
أي: أنه أتى بهذه الكلمة - وهي: " أو الوضع " -، لإدخال
أقسام خطاب الوضع من السببية، والشرطية، والمانعية، والصحة
والفساد، وذلك لأنها أحكام شرعية لم تثبت إلا عن طريق الشرع،
وليس فيها طلب ولا تخيير.
وعلى هذا: خطاب الشرع إما أن يكون متعلقا بالاقتضاء أو
التخيير، أو لا يكون.
فإن كان متعلقاً بأحدهما: فهو الحكم التكليفي.
وإن لم يتعلق بواحد منهما فهو الحكم الوضعي.
(1/129)

المبحث الثاني في إطلاق الحكم الشرعي بين الأصوليين والفقهاء
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن الحكم الشرعي هو: خطاب اللَّه - تعالى -
المتعلق بفعل المكلف اقتضاء أو تخييراً أو وضعاً.
وهذا مذهب الأصوليين - كما سبق بيانه -.
والأصوليون وإن اختلفوا في تعريفاتهم، فإنهم يجتمعون على
شيء واحد وهو: كون الحكم عَلَماً على نفس خطاب الشارع الذي
يطلب من المكلف فعل شيء، أو كفه عنه، أو يخيره بينهما،
ويجعل الشيء سبباً، أو شرطاً، أو مانعاً، أو صحة، أو فاسداً،
ونحو ذلك مما يدخل تحت خطاب الوضع.
فالإيجاب هو نفس قوله: " افعل " مثل قوله تعالى:
(أقم الصلاة لدلوك الشمس) ، والتحريم هو نفس قوله: " لا تفعل "
مثل قوله تعالى: (ولا تقتلوا النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق) .
فالأصوليون نظروا إلى ذات الحكم، وهو خطاب الشرع
بالتحريم، أو الإيجاب، أو الندب، أو الكراهة، أو الإباحة.
المذهب الثاني: أن الحكم الشرعي هو: ما ثبت بالخطاب
الشرعي، أي: أثره المترتب عليه، لا نفس النص الشرعي، وهو
مذهب الفقهاء.
(1/130)

فالحكم عند هؤلاء هو: أثر خطاب اللَّه المتعلق بفعل المكلف
اقتضاء، أو تخييراً، أو وضعاً.
فالفقهاء نظروا إليه من ناحية تعلقه بفعل المكلف.
فمثلاً: وجوب الصلاة أثر لخطاب الشارع، وهو قوله تعالى:
(أقيموا الصلاة) ، وحرمة الزنا أثر ترتب على قوله تعالى:
(ولا تقربوا الزنا) .
فالوجوب والحرمة ونحوهما هو: الحكم عند الفقهاء، وهو: ما
ثبت بالخطاب واقتضاء النص.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف بين الأصوليين والفقهاء خلاف لفظي، حيث إنه راجع
إلى تفسير وبيان المراد من الحكم الشرعي والنظر إليه.
فمن نظر إلى الحكم الشرعي على أنه له مصدر يصدر عنه، وهو
الله تعالى: عرَّفه بأنه خطاب اللَّه تعالى المتعلق بأفعال المكلفين
بالاقتضاء، أو التخيير، أو الوضع، وهو مذهب الأصوليين.
ومن نظر إلى الحكم الشرعي على أن له محلاً يتعلق به، وهي
الأفعال التي تصدر من المكلفين، ويكون الحكم وصفاً شرعياً عرَّفه
بأنه: ما ثبت بالخطاب الشرعي، أو الصفة التي هي أثر ذلك
الخطاب من الشارع، وهو مذهب الفقهاء.
فالخطاب وما ترتب عليه متلازمان.
(1/131)

المبحث الثالث هل ينقسم الحكم الشرعي إلى تكليفي ووضعي؟
لقد اختلف العلماء على مذهبين:
المذهب الأول: أن الحكم الشرعي ينقسم إلى قسمين هما:
"حكم تكليفي "، و " حكم وضعي ".
ذهب إلى ذلك كثير من الأصوليين.
وهو الصحيح عندي، لذلك عرَّفنا الحكم الشرعي بما يعم
القسمين فقلنا: " هو خطاب اللَّه تعالى المتعلق بفعل المكلف اقتضاء
أو تخييراً أو وضعاً، وبيَّنا أثناء شرحنا للتعريف أن أنواع الحكم
الوضعي كالسببية، والشرطية، والمانعية - وغيرها مما سيأتي ذكره -
لم تستفد إلا من الشرع، لذلك كانت أحكاماً شرعية، ولا يوجد
فيها طلب ولا تخيير، فلزم ذكر قيد: " أو الوضع "، ليكون
التعريف شاملاً لجميع أفراد المحدود.
المذهب الثاني: أن الحكم الشرعي قسم واحد هو: الحكم التكليفي.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء كالبيضاوي وغيره.
دليل هذا المذهب:
استدل هؤلاء على ذلك بقولهم: إنه لا معنى لموجبية الدلوك
- مثلاً - إلا طلب الفعل عنده، ولا معنى لمانعية الحيض إلا حرمة
الصلاة معه، ولا معنى لصحة البيع إلا إباحة الانتفاع بالمبيع، فتكون
أنواع خطاب الوضع داخلة تحت الاقتضاء والتخيير.
جوابه:
يمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إنا لا نُسَلِّمُ ذلك؛ لأمرين:
(1/132)

أولهما: أن المفهوم من الحكم الوضعي غير المفهوم من الحكم
التكليفي.
فالمفهوم من الحكم الوضعي هو: تعلُّق شيء بشيء آخر، وربطه
به، مثل: الربط بين الوجوب على الشخص وبين الوقت، فيكون
دخول الوقت سبباً لوجوب الصلاة على هذا الشخص.
وهذا بخلاف المفهوم من الحكم التكليفي، فهما مفهومان متغايران.
ثانيهما: أن لزوم أحدهما للآخر في بعض الصور لا يدل على
اتحادهما في جميع الصور بدليل الفروق التي أوجدها بعض العلماء بين
الحكم التكليفي والوضعي، وسأذكرها فيما بعد بالتفصيل إن شاء اللَّه.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف بين المذهبين خلاف لفظي؛ لاتفاق أصحاب المذهبين على
إقرار الأحكام الوضعية كالسبب والشرط والمانع وغيرها - مما سيأتي -
ولم ينكرها أحد من الفريقين؛ حيث إنها أحكام شرعية متعارف
عليها؛ لأنها لم تصح إلا بوضع الشارع لها، مثلها مثل الأحكام
التكليفية ولا فرق بينها، لكن أصحاب المذهب الثاني أدخلوها ضمن
الحكم التكليفي، وأصحاب المذهب الأول أفردوها بالذكر.
والخلاصة:
أن الحكم الشرعي يتنوع إلى نوعين هما:
النوع الأول: الحكم التكليفي، وهو: خطاب اللَّه - تعالى -
المتعلِّق بفعل المكلف بالاقتضاء والتخيير.
النوع الثاني: الحكم الوضعي، وهو: خطاب اللَّه المتعلِّق بجعل
شيء سبباً لشيء آخر، أو شرطاً له، أو مانعاً منه ... إلخ.
وسيأتي بيان أقسام كل واحد من النوعين إن شاء اللَّه.
(1/133)

الفصل الثاني في الحكم التكليفي وأنواعه
ويشتمل على خمسة مباحث:
المبحث الأول: في اختلاف العلماء في التعبير عن أقسام
الحكم التكليفي.
المبحث الثاني: في بيان السبب في انحصار الحكم التكليفي
في أقسام خمسة.
المبحث الثالث: في بيان الحكمة من تنوع الأحكام التكليفية.
البحث الرابع: في أقسام الحكم التكليفي عند الحنفية.
البحث الخامس: في بيان الأحكام التكليفية الخمسة عند
الجمهور بالتفصيل.
(1/135)

المبحث الأول في اختلاف العلماء في التعبير عن أقسام الحكم التكليفي
أقسام الحكم التكليفي عند الجمهور خمسة، واختلف العلماء في
التعبير عنها على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يُعبَّر عن أقسام الحكم التكليفي بـ "الوجوب "،
و" الندب "، و " الإباحة "، و " التحريم "، و " الكراهة ".
المذهب الثاني: أنه يُعبَّر عن تلك الأقسام بـ " الواجب "،
و" المندوب "، و " المباح "، و " الحرام "، و " المكروه ".
والأوْلى في التعبير هو الأول؛ وذلك لأن " الواجب " - مثلاً -
ليس حكماً، وإنما هو فعل مكلف تعلق به الإيجاب، فهو من
متعلقات الحكم وليس من أقسامه.
كذلك المندوب ليس حكماً، وإنما هو فعل مكلَّف تعلَّق به الندب
فهو من متعلقات الحكم، وليس من أقسامه.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي؛ لاتفاق الفريقين على المعنى
والمراد، ولكن جاء هذا الاختلاف في الإطلاق بسبب ما لاحظه كل
فريق.
فمن لاحظ اعتبار المصدر المنبثق عنه: سمَّاه " إيجابا ".
(1/137)

ومن لاحظ اعتبار تعلقه بفعل المكلف: سمَّاه " واجباً ".
فهما متحدان ذاتاً، مختلفان اعتباراً.
فالفعل الذي تعلق به الإيجاب يسمَّى واجباً.
والفعل الذي تعلق به الندب يسمَّى مندوباً.
والفعل الذي تعلقت به الإباحة يسمَّى مباحاً.
والفعل الذي تعلقت به الكراهة يُسمَّى مكروهاً.
والفعل الذي تعلق به التحريم يسمَّى حراماً.
قال عضد الدين: " الحكم الشرعي هو نفس خطاب اللَّه - تعالى -
وهو إذا نُسب إلى الحكم سُمِّي إيجابا، وإذا نُسب إلى ما فيه الحكم
سُمَي وجوباً، وهما متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار ".
(1/138)

المبحث الثاني في بيان سبب انحصار الحكم التكليفي
في أقسام خمسة عند الجمهور
السبب في ذلك أن خطاب الشرع التكليفي يتنوع إلى ثلاثة أنواع:
النوع الأول: أن يكون خطاب الشرع قد اقتضى الفعل من المكلف
وطلبه منه.
النوع الثاني: أن يكون خطاب الشرع قد اقتضى الترك من المكلف
وطلبه منه.
النوع الثالث: أن يكون خطاب الشرع قد خيَّر المكلف بين الفعل
والترك.
أما النوع الأول: وهو اقتضاء الفعل - فهو ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ما أمر الشارع به واقترن بهذا الأمر ما يدل على
عدم العقاب إذا ترك المكلف فعل المأمور به، فهذا هو الندب،
كقوله تعالى: (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً) ، فهذا أمر بإعتاق
العبيد الذين فيهم خير للإسلام والمسلمين، وهو للندب، لا للوجوب؟
لأنه اقترن به ما يدل على عدم العقاب على ترك الإعتاق، حيث، إن
بعض الصحابة - رضي اللَّه عنهم - لم يعتقوا ما عندهم من عبيد
وإن كان فيهم صلاح، ولم ينكر عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك فالقرينة الصارفة هي: السُّنَّة التقريرية.
القسم الثاني: ما أمر الشارع به، ولم يقترن بهذا الأمر ما يدل
(1/139)

على عدم العقاب إذا ترك المكلف فعل المأمور به، فهذا هو الإيجاب
كقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) .
أما النوع الثاني - وهو اقتضاء الترك - فهو ينقسم إلى قسمين - أيضاً -:
القسم الأول: ما نهى عنه الشارع واقترن بهذا النهي ما يدل على
عدم العقاب إذا فعل المكلف ما نهي عنه، فهذا هو الكراهة مثل نهيه
- صلى الله عليه وسلم - عن تشبيك الأصابع بعد الوضوء للصلاة.
فهذا - النهي للكراهة؛ لأنه اقترن به ما يدل على عدم العقاب إذا
فعل المنهي عليه؛ حيث روي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد شبَّك بين أصابعه وهو في انتظار الصلاة.
القسم الثاني: ما نهى عنه الشارع ولم يقترن بهذا النهي ما يدل
على عدم العقاب إذا فعل المكلف ما نهي عنه، فهذا هو " الحرام "
كقوله تعالى: (ولا تقربوا الزنا) .
أما النوع الثالث - وهو: ما خُيَر المكلف فيه بين الفعل والترك
- فهذا قسم واحد، وهو: " الإباحة "، مثل ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال - حينما سئل عن الوضوء من لحوم الغنم -: " إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ ".
(1/140)

المبحث الثالت في بيان الحكمة من تنوع الأحكام التكليفية إلى واجب
ومندوب، ومباح، ومكروه، وحرام
لقد تنوعت الأحكام التكليفية لحكم كثيرة، ومنها:
الحكمة الأولى: رفع الحرج والشقة عن المكلفين، بيان ذلك:
أن الأحكام التكليفية وضعت لمصلحة العباد، فلو قصر تلك
لتكاليف على الوجوب والتحريم - فقط - للزم من ذلك الحرج
والتضييق عليهم، فبعض العبيد قد لا يستطيع امتثال جميع الأوامر
والنواهي، ففتح اللَّه عَزَ وجَلَّ باب المباحات، والمندوبات،
والمكروهات، تخفيفاً عليهم، وذلك لعلمه - سبحانه - أن العبد
فيه ضعف من فعل الواجبات، وترك المحرمات.
الحكمة الثانية: الابتلاء والامتحان من اللَّه تعالى للمكلفين، وبيان
ذلك:
أن امتثال الواجبات، واجتناب الحرمات أقرب إلى النفس
الضعيفة التي تخاف العقاب، دون رغبة في زيادة الثواب.
لكن إذا قوي إيمان العبد، وعرف أن هذه الأحكام التكليفية
- جميعها - إنما شرعت لمصلحته، وهي السبيل لسعادته في الدنيا
والآخرة، فإنه لا يرضى أن يقف عند حدود الواجب، بل يتعداه
إلى فعل المندوبات والفضائل، ليتقرب إلى اللَّه تعالى بذلك، كما
ورد في الحديث القدسي: " وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل
حتى أحبه.. "، وكذلك لا يرضى هذا العبد أن يقتصر على
اجتناب المحرمات، بل يتعدَّى ذلك فيجتنب المكروهات.
(1/141)

المبحث الرابع في أقسام الحكم التكليفي عند الحنفية
ما سبق هي أقسام الحكم التكليفي عند الجمهور.
أما عند الحنفية، فإن أقسام الحكم التكليفي عندهم سبعة، وهي:
" الفرض "، و " الإيجاب "، و " الكراهة التحريمية "، و " الحرام "
و" الكراهة التنزيهية "، و " الندب "، و " الإباحة ".
وسبب تفريقهم بين " الفرض " و " الإيجاب ": أنهم يقسمون
طلب الفعل على سبيل الجزم إلى قسمين:
الأول: طلب الشارع الفعل على سبيل الجزم بدليل قطعي،
وهذا يسمونه " فرضا ".
الثاني: طلب الشارع الفعل على سبيل الجزم بدليل ظني، وهذا
يسمونه " الواجب ".
وسبب تفريقهم بين " الحرام "، و " الكراهة التحريمية ": أنهم
يقسمون طلب الترك على سبيل الجزم إلى قسمين:
الأول: طلب الشارع ترك الفعل على سبيل الجزم بدليل قطعي،
وهذا يسمونه حراما.
الثاني: طلب الشارع ترك الفعل على سبيل الجزم بدليل ظني،
وهذا يسمونه " كراهة تحريم ".
(1/142)

المبحث الخامس في بيان الأحكام التكليفية الخمسة عند الجمهور بالتفصيل
ويشتمل على خمسة مطالب:
المطلب الأول: في الواجب.
المطلب الثاني: في المندوب.
المطلب الثالث: في المباح.
المطلب الرابع: في المكروه.
المطلب الخامس: في الحرام.
(1/143)

المطلب الأول في الواجب
ويشتمل على المسائل التالية:
المسألة الأولى: تعريف الواجب:
أولاً: الواجب لغة.
ثانياً: الواجب اصطلاحاً.
المسألة الثانية: هل يوجد فرق بين الواجب والفرض؟
المسألة الثالثة: صيغ الواجب.
المسألة الرابعة: تقسيمات الواجب.
المسألة اتامسة: الواجب المعين والواجب المخير:
أولاً: تعريفهما والأمثلة عليهما، وبيان حكمهما.
ثانياً: هل الخطاب في الواجب المخير متعلق بواحد مبهم، أو أنه
متعلق بكل فرد من الأفراد المخير بينها؟
ثالثاً: شروط الواجب المخير.
رابعا: هل يجوز الجمع بين الأمور المخير بينها؟
المسألة السادسة: الواجب غير المؤقت:
أولاً: بيانه والأمثلة عليه.
ثانية: متى يتضيق الوقت في هذا الواجب؟
ثالثا: هل يعصي بالموت - هنا -.
(1/145)

المسألة السابعة: الواجب المضيق والواجب الموسع:
أولاً: أقسام الوقت الذي حدده الشارع.
ثانياً: تعريف الواجب المضيق، والواجب الموسع مع الأمثلة عليهما.
تالثاً: الواجب الموسع هل هو ثابت.
رابعاً: في بيان فرق منكري الواجب الموسع ودليل كل فرقة مع
الجواب عنه.
خامساً: الاختلاف في اشتراط العزم.
سادساً: حالات تأخير الواجب الموسع إلى آخر وقته.
سابعاً: إذا فعل المكلف الفعل في الوقت الذي غلب على ظنه أنه
لا يعيش إليه، فهل هذا الفعل أداء أو قضاء.
ثامناً: متى يتضيق الوقت في الواجب الموسع؟
المسألة الثامنة: الواجب المحدد، والواجب غير المحدد:
أولاً: تعريفهما، والأمثلة عليهما، وحكمهما.
ثانياً: حكم الزيادة على أقل الواجب.
المسألة التاسعة: الواجب العيني، والواجب الكفائي:
أولاً: تعريفهما، والأمثلة عليهما، وسبب التسمية بذلك.
ثانياً: متى يتحول الواجب الكفائي إلى واجب عيني؟
تالقاً: شروط فرض الكفاية.
رابعاً: هل فرض الكفاية أفضل من فرض العين؟
خامساً: في بيان أن فرض الكفاية لا يلزم بالشروع فيه.
سادساً: من هو المخاطب بفرض الكفاية؟
المسألة العاشرة: ما لا يتم الواجب إلا به، هل هو واجب.
(1/146)

المسألة الأولى: في حقيقة الواجب:
أولاً: الواجب لغة:
الواجب لغة هو: الساقط، يقال: " وجب الحائط ": إذا سقط
ويقال: " وجب الميت " إذا سقط ومات، ومنه قوله تعالى:
(فإذا وجبت جنوبها) أي: سقطت على الأرض.
ومعنى الوجوب لغة: السقوط، حيث إنا نتخيل الحكم أو الشيء
الواجب جزماً سقط، أي: وقع على المكلف من اللَّه تعالى.
ويطلق الواجب على اللازم والثابت، يقال: " وجب الشيء "
أي: لزم.
ثانياً: الواجب اصطلاحا:
هو: " ما ذُمَ تاركه شرعاً مطلقاً ".
شرح التعريف وبيان محترازته:
قولنا: " ما " موصولة بمعنى " الذي "، وهو صفة لموصوف
محذوف تقديره " الفعل "، لأن الواجب هو: الفعل الذي تعلق
به الإيجاب، والمقصود: " فعل المكلف ".
و" ما " التي تعود إلى " فعل المكلف " جنس في التعريف يشمل
الواجب، والمندوب، والمحرم، والمكروه، والمباح.
قولنا: " ذم " الذام هو الشارع، والمراد بالذم: اللوم والاستنقاص.
وهو قيد في التعريف أخرج المندوب، لأن المندوب لا ذم على
تركه.
(1/147)

وأخرج المكروه، لأن المكروه لا ذم على فعله، وأخرج المباح،
لأن المباح لا ذم على تركه، ولا على فعله.
وعبَّرنا بلفظ: " ذم " - على أنه فعل ماض -، لأن هذه المذام
قد وقعت، ووردت فى الكتاب والسُّنَّة.
ولو ذكرنا اللفظة " ذم " بلفظ " يُذَم " - فعل مضارع - لأشعر
بأن تلك المذام لم تقع.
قولنا: " تاركه " اسم فاعل مشتق من الترك، وقد أخرج بهذا
اللفظ " المحرم "، لأن المحرم يذم على فعله، لا على تركه.
قولنا: " شرعاً " منصوب على التمييز، فيفيد أن الذام هو
الشارع فقط، أي: أن الذم يعرف من جهة الشرع، لا من جهة
العقل، خلافاً لما زعمه أكثر المعتزلة في قولهم: " التحسين والتقبيح
العقليين ".
والمراد: ما ورد ذمه في كتاب اللَّه، وسُنَّة رسوله، وإجماع
الأُمَّة.
قولنا: " مطلقا ": قيد في التعريف يفيد أن الذي يترك الواجب
مطلقاً هو الذي يذم.
أما من تركه؛ لأنه سيقضيه في آخر الوقت، أو من تركه ليقضي
نوعا آخر مثله، أو من تركه، لأن بعض المسلمين فعله، فإن هذا لا
يذم.
وقلت ذلك؛ لأن من أقسام الواجب: " الواجب الموسع "،
و"الواجب المخير "، و " الواجب الكفائي ".
فالواجب الموسع هو: ما كان فيه الوقت أزيد من الفعل كالصلاة.
(1/148)

والواجب المخير هو: ما صح للمكلف أن يفعل أي فرد من أفراده
التي حصل فيها التخيير كخصال الكفارة في اليمين وهي: الإطعام،
أو الكسوة، أو الإعتاق.
والواجب الكفائي هو: ما سقط بفعل بعض المكلفين كصلاة
الجنازة.
فترك الواجب الموسع يوجب الذم إذا ترك في جميع الوقت، ولا
يوجب الذم إذا ترك في بعض الوقت، وعزم على فعله في آخر
وترك الواجب المخير يوجب الذم، إذا ترك جميع الخصال، ولا
يوجب الذم إذا ترك خصلة من الخصال المخير بينها، وعزم على فعل
الخصلة الأخرى.
وترك الواجب الكفائي يوجب الذم إذا تركه جميع المكلفين.
ولا يوجب الذم إذا ترك من البعض وفعل من البعض الآخر.
وهناك تفصيلات واعتراضات على هذا التعريف ذكرتها مع
الأجوبة عنها في كتابي " إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر "،
و" الواجب الموسع عند الأصوليين " فراجعهما إن شئت.
المسألة الثانية: هل يوجد فرق بين " الواجب " و " الفرض "؟
اتفق العلماء - من حيث اللغة - على: أن مفهوم هذين اللفظين
- الفرض والواجب - مختلف، ومعناهما متباين:
فالفرض لغة: التقدير والحز والقطع.
والواجب لغة: الساقط، والثابت.
(1/149)

أما من جهة الشرع، فقد اختلف العلماء في الفرض والواجب
هل هما مترادفان، أو مختلفان على مذهبين:
المذهب الأول: أن الفرض والواجب غير مترادفين، بل يدلان
على معنيين مختلفين.
ذهب إلى ذلك الحنفية، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو
اختيار القاضي أبي يعلى، وأبي إسحاق بن شاقلا، والحلواني،
وحكاه ابن عقيل عن كثير من الحنابلة.
وهذا هو الصحيح عندي فيكون الفرض: اسم لما ثبت وجوبه
بطريق مقطوع به، أي: أن الفرض: ما ثبت حكمه بدليل قطعي
مثل: الآية التي قطع بدلالتها على الحكم، والحديث المتواتر الذي
قطع بدلالته على الحكم، والإجماع الصريح الذي نقل إلينا نقلاً
متواتراً.
والواجب هو: اسم لما ثبت من طريق غير مقطوع به، أي: أن
الواجب: ما ثبت حكمه بدليل ظني كخبر الواحد، والقياس،
والإجماع السكوتي،. ودلالات الألفاظ الظنية.
وقد صححته؛ لأدلة، من أهمها:
الدليل الأول: أن هناك فرقا بين الفرض والواجب عند أهل اللغة.
فالفرض في اللغة: الحز في الشيء والتأثير فيه.
أما الوجوب فهو في اللغة: السقوط.
فإذا ثبت هذا: فالتأثير آكد من السقوط؛ لأن الشيء قد يسقط
ولا يؤثر.
فكل من الفرض والواجب لازم، إلا أن تأثير الفرضية أكثر من
(1/150)

تأثير الوجوب، ومنه سمي الحز في الخشبة فرضاً لبقاء أثره على كل
حال، وسمي السقوط على الأرض وجوباً؛ لأنه قد لا يبقى أثره في
الباقي.
وإذا كان الأمر كذلك: وجب اختصاص الفرض بقوة في الحكم
كما اختص بقوة في اللغة؛ حملاً للمقتضيات الشرعية على
مقتضياتها اللغوية؛ لأن الأصل عدم التغيير.
الدليل الثاني: أن العلماء قد اتفقوا على أن الدليل القطعي ثبوتاً،
ودلالة يفيد علماً أقوى مما يفيده الدليل الظني ثبوتاً ودلالة، وبناء
على ذلك لا بد من التفريق بين الحكم الثابت بدليل قطعي، لإفادته
علماً يقينياً، وبين الثابت بدليل ظني المفيد ظناً قوياً، فيطلق على
الثابت بالأول اسم " الفرض "، ويطلق على الثابت بالثاني اسم
"الواجب " وذلك من أجل تسهيل التمييز بينهما لتصبح دلالة كل
اسم على نوعه أدق وأوضح دون حاجة إلى قرائن.
ولو لم يعتبر هذا التفريق لزم رفع الدليل المظنون إلى رتبة المقطوع
من جهة، وحط الدليل المقطوع به إلى رتبة المظنون من جهة أخرى.
الدليل الثالث: أن وجود التفاوت بينهما في الآثار والأحكام
يجعلنا نخص كل نوع باسم، بيان ذلك:
أن حكم الفرض يكفر جاحده، ويفسق تاركه بلا عذر.
أما حكم الواجب فلا يكفر جاحده، ويفسق تاركه إذا استخف به
أما إذا تأول فلا.
وإن الحج يشتمل على فروض، وواجبات، وأن الفرض لا يتم
النسك إلا به، والواجب يجبر بدم.
(1/151)

وأن الصلاة مشتملة على فروض وواجبات، والفروض هي:
الأركان.
وأن الواجب يجبر إذا ترك نسياناً بسجود السهو، والفرض لا يقبل
الجبر..
أي: أن المكلف إذا ترك فرضاً كالركوع أو السجود بطلت صلاته،
ولا يسقط في عمد ولا سهو، ولا تبرأ الذمة إلا بالإعادة، أما إذا
ترك واجباً فإن صلاته صحيحة، ولكنها ناقصة.
الدليل الرابع: أن هناك فرقاً بين الفرض والواجب في عادة أهل
الشرع، فتجدهم يفرقون بين الفرض والواجب في التعبير عن
الأحكام الشرعية، فيقولون - مثلاً -: في الديون والشفعة:
واجبات، ولا يقولون: إنها فروض، وبقول القائل منهم:
"أوجبت على نفسي "، ولا يقول: " فرضت على نفسي "، فبان:
أن معنى اللفظين مختلف في عادة أهل الشرع.
الدليل الخامس: أن هناك فرقاً بينهما عن طريق العقل، حيث
إن كل عاقل يجد في عقله أن صلاة الظهر آكد من الصلاة المنذورة،
والزكاة آكد من النذر في الصدقة، وإن كانتا لازمتين.
وإذا كانت هذه الأمور يجدها كل عاقل في نفسه، فإنه ينبغي أن
يفرق ما هو آكد عما هو دونه باسم يعرف به، فيجعل اسم الفرض
عبارة عما كان في أعلى المراتب من الوجوب، ويجعل اسم
الواجب عبارة عما كان دونه، فرقاً بين الاثنين.
المذهب الثاني: أن الفرض والواجب مترادفان، أي: أنهما اسمان
لمسمى واحد، ولفظان يطلقان على مدلول واحد، وهو: الفعل
الذي ذم تاركه شرعاً مطلقاً، أو هو: طلب الشارع المقتضي
(1/152)

فعل المكلف طلباً جازماً، سواء كان هذا الطلب بدليل ظني، أو
قطعي.
ذهب إلى ذلك كثير من العلماء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قالوا فيه: إن اختلاف أسباب الوجوب، وقوة
بعضها على بعض لا يوجب اختلاف الشيئين في أنفسهما، بدليل:
أن النفل قد ثبت بأخبار متواترة، وثبت بأخبار الآحاد، والكل
متساو، فكذلك الفرض قد ثبت بأخبار متواترة، وأخبار آحاد،
والكل متساو.
جوابه:
يمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إن قوة بعض أسباب
الوجوب على بعضها الآخر توجب اختلافهما في أنفسهما؛ لأن ما
كان معلوماً أنه مراد اللَّه - تعالى - قطعاً، فإنه مخالف لما كان
مظنوناً، وكذلك ما يكفر جاحده مخالف لما لا يستحق هذه الصفة،
ومتى ما اختلفت الأشياء في أنفسها وأحكامها اختلفت الأسامي التي
تستعمل فيها، لاختلاف ما يستفاد بالعبارة منها.
الدليل الثاني: أنهما متساويان في الحد؛ حيث إن حد الواجب
- وهو: ما ذم تاركه شرعاً مطلقاً - ينطبق على الفرض تماماً، ولا
فرق، فإذا كانا متساويين في هذا لم يكن لأحدهما مزية على الآخر،
كما أن الندب والنفل لما كان معناهما واحداً - وهو: ما يحمد فاعله
ولا يذم تاركه - لم يكن لأحدهما مزية على الآخر.
جوابه:
يمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إن الفرض وإن ساوى
(1/153)

الواجب في ذم وعقاب تارك الفعل، فقد خالفه من وجه آخر،
وهو: أن ثبوته من طريق مقطوع به، فهذه المخالفة منعت من
المساواة في التسمية، قياساً على الندب والمباح، فإنهما تساويا في
سقوط الذم عن التارك لهما، واختلفا في التسمية، وذلك نظراً
لاختلافهما من وجه آخر، وهو: أن الندب يحمد فاعله ويثاب،
والمباح لا يحمد فاعله ولا يثاب.
فكذلك هنا، فإن الفرض والواجب وإن تساويا في الحد، فإنهما
اختلفا من وجه آخر، وهو طريق الثبوت، فالواجب ثبت عن
طريق مظنون، والفرض ثبت عن طريق مقطوع به، فلزم أن يختلفا
في التسمية.
بيان نوع الخلاف:
إن الخلاف في هذه المسألة قد اختلف العلماء فيه على قولين:
القول الأول: إن الخلاف معنوي له ثمرة، فقد رتب أصحاب
المذهب الأول - وعلى رأسهم الحنفية - على الحكم بفرضية الشيء:
كفر جاحده، وعدم إمكان جبره، أما الحكم بوجوب الشيء فلا
يكفر جاحده، ويمكن جبره، وكذلك قالوا: إن قراءة القرآن في
الصلاة فرض، لثبوته بدليل قطعي، وهو قوله تعالى: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) ، أما قراءة الفاتحة في الصلاة فهي واجبة، لثبوت
ذلك بالدليل الظني، وهو خبر الواحد الذي رواه عبادة بن الصامت:
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ".
القول الثاني: إن الخلاف لفظي لا ثمرة له، لأنه لا نزاع بين
أصحاب المذهبين في انقسام ما أوجبه الشرع علينا وألزمنا إياه من
التكاليف إلى قطعي وظني، ولا نزاع بينهم - أيضا - على تسمية
الظني واجباً.
(1/154)

ولكن النزاع حصل في القطعي، فأصحاب المذهب الثاني يسمونه
" فرضاً "، و " واجباً " بطريق الترادف.
وأصحاب المذهب الأول - وعلى رأسهم الحنفية - يسمونه باسم
"الفرض "، وذلك مما لا يضر أصحاب المذهب الثاني، فليسم كل
فريق بما شاء، وهو مجرد اصطلاح.
والراجح عندي التفصيل:
فإن نظر إلى الأمر وأنه حقيقة للوجوب بمعنى الطلب الجازم بقطع
النظر عن كون الدليل قطعياً أو ظنياً، فإن الخلاف يكون لفظياً.
وإن نظر إلى أحكام كل منهما وما يفيده، فإن الخلاف يكون
معنوياً؛ فإن أصحاب المذهب الأول - وعلى رأسهم الحنفية - قد
ذكروا أحكاماً شرعية وفرَّقوا بينها وبين الأحكام الأخرى، وكان
سبب هذا التفريق هو تفريقهم بين " الفرض " و " الواجب ".
وقد بسطت القول في ذلك في كتابي: " إتحاف ذوي البصائر
بشرح روضة الناظر "، و " الخلاف اللفظي عند الأصوليين "،
فارجع إليهما إن شئت.
المسألة الثالثة: في صيغ الواجب:
الصيغ التي تدل على الواجب هي ما يلي:
الأولى: فعل الأمر، كقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وآتوا الز اة) .
الثانية: الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر، كقوله تعالى:
(وليطوفوا بالبيت العتيق) .
(1/155)

الثالثة: اسم فعل الأمر، كقوله تعالى: (عليكم أنفسكم) .
الرابعة: المصدر النائب عن فعل الأمر، كقوله تعالى:
(فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب) .
الخامسة: التصريح من الشارع بلفظ الأمر، كقوله تعالى:
(إن اللَّه يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) .
السادسة: التصريح بلفظ الإيجاب أو الفرض، أو الكتب،
كقوله تعالى: (فريضة من الله) ، وقوله: (كتب عليكم القصاص) .
السابعة: كل أسلوب في لغة العرب يفيد الوجوب، كقوله
تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) .
الثامنة: ترتيب الذم والعقاب على الترك، كقوله تعالى:
(فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) .
المسألة الر ابعة: تقسيمات الواجب:
الواجب ينقسم بالنظر إلى اعتبارات مختلفة إلى أربعة تقسيمات:
التقسيم الأول:
الواجب باعتبار ذاته - أي: بحسب الفعل المكلف به - ينقسم
إلى قسمين:
القسم الأول: " الواجب المعيَّن ".
(1/156)

القسم الثاني: " الواجب المخيَّر ".
فالواجب المعيَّن، مأخوذ من التعيين، وهو: التخصيص،
فيكون الواجب المخصَّص.
وهو في الاصطلاح: الفعل الذي طلبه الشارع طلباً جازماً بعينه،
دون تخيير بينه وبين غيره.
أي: أنه الذي تعين المطلوب به بشيء واحد لا خيار للمكلف في
نوعه، فلا يمكن أن تبرأ ذمته - وهو المطالب به - إلا إذا فعله بعينه.
ومن أمثلته: الصلوات المفروضة، وصيام رمضان، والزكاة،
والحج، وأداء الديون، والوفاء بالعهد، أو نذر عتق هذا العبد،
ونحو ذلك.
وأما الواجب المخيَّر فهو لغة من التخيير وهو: التفويض.
يقال: " خيرته بين الشيئين " إذا فوضت إليه الاختيار.
والمراد بالواجب المخيَّر هو الفعل الذي طلبه الشارع طلباً جازماً لا
بعينه، بل خيَّر في فعله بين أفراده المحصورة المعينة.
أي: أنه الذي لم يتعين المطلوب به بشيء واحد، وإنما كان له
أفراد، وخيَّر المكلف فيه بأن يأتي بما شاء منها.
مثاله: كفارة اليمين؛ حيث إن الشارع قد طلب من المكلف أن
يكفر عن يمينه بخصلة واحدة من خصال الكفارة الثلاث وهي:
" الإطعام " أو " الكسوة " أو " الإعتاق ".
ومثل التخيير في فدية الأذى الوارد في قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) .
(1/157)

والمكلف إذا فعل واحداً من الأفراد المعين بينها، فإن ذمته تبرأ،
فإن تركها جميعاً أثم بذلك، ويسميه بعضهم بـ " الواجب المبهم ".
التقسيم الثاني:
الواجب باعتبار وقته وزمن أدائه ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول؛ الواجب غير المؤقت، وهو " الواجب المطلق ".
القسم الثاني: الواجب المؤقت.
أما الواجب المطلق فهو: لغة: مأخوذ من الإطلاق وهو:
التخلية والإرسال، والترك، يقال: " أطلقت الأسير ": إذا حللت
أسره وأخليت سبيله، ويقال: " أطلقت القول ": إذا أرسلته من
غير تقييد ولا شرط.
والمراد بالواجب المطلق هو: الفعل الذي طلب الشارع إيقاعه من
المكلف طلبا جازما، ولم يحدد وقتا معيناً لأدائه وإيقاعه فيه.
ومن أمثلته: كفارة اليمين؛ حيث إنها واجبة مطلقة.
وأما الواجب المؤقت: فهو الفعل الذي طلب الشارع إيقاعه من
المكلف طلبا جازما وحدد له وقتا معينا لأدائه وإيقاعه فيه.
وهو نوعان:
النوع الأول: الواجب المضيَّق، من ضاق يضيق ضيقا: خلاف
اتسع، يقال: " ضاق الرجل فهو مضيق عليه ": إذا ضاق عليه
معاشه ورزقه، بحيث يكفي يومه فقط بدون زيادة -
والواجب المضيَّق اصطلاحاً: هو الفعل الذي طلبه الشارع من
المكلف طلبا جازما محدِّداً وقت وزمن أدائه، بحيث يسعه وحده،
ولا يسع غيره من جنسه.
(1/158)

أو تقول: إن المراد منه: ما ألزم الشارع المكلف بفعله في وقت
مساو لوقت أدائه بلا زيادة ولا نقصان، ويطلق عليه الحنفية اسم
"المعيار".
مثل: صيام يوم من رمضان، فالشارع ألزم المكلف الذي لا عذر
له صيام ذلك اليوم، واليوم يبدأ من الفجر الصادق إلى غروب
الشمس، وهذا الوقت الذي بينهما له لوحده لا يتسع لفعل شيء
آخر معه.
ولا يصح فعله قبل دخول وقته، وإذا فعله بعد خروج وقته يكون
فعله هذا قضاء، ولا يمكن أن يقع معه في وقته غيره من جنسه.
ويمثل له الشافعية بوقت صلاة المغرب على القول الجديد؛ إنه
ليس لها إلا وقت واحد، وهو بمقدار ما يتطهر، ويستر العورة،
ويؤذن، ويقيم الصلاة، ويدخل فيها، فإن أخَّر الدخول عن هذا
الوقت أثم.
النوع الثاني - من نوعي الواجب المؤقَّت: " الواجب الموسَّع ".
والتوسيع لغة: بخلاف التضييق، يقال: " استوسع الشيء ":
وجده واسعا.
والمراد بالواجب الموسَّع هو: الفعل الذي يكون وقته واسعاً لأدائه
وأداء غيره من جنسه.
والمراد بالواجب الموسَّع: هو الفعل الذي طلب الشارع من
المكلف إيقاعه وأداءه طلباً جازماً في وقت يسعه ويسع غيره من جنسه.
كالصلوات الخمس، فصلاة الظهر مثلاً واجب موسَّع؛ حيث إنه
(1/159)

يجوز أن يصلي المكلف في أول الوقت، أو في وسطه، أو في
آخره.
التقسيم الثالث:
الواجب باعتبار تحديد الشارع للمكلَّف فيه وعدم تحديده
ينقسم إلى قسمين.
القسم الأول: الواجب المحدَّد.
القسم الثاني: الواجب غير المحدَّد.
أما الواجب المحدَّد فهو مأخوذ من الحد، وهو الفصل والمنع،
يقال: " حدَّ بين الشيئين " أي: فصل بينهما.
فالتحديد يكون هو: الفصل بين أشياء بفاصل.
فالمراد بالواجب المحدَّد هو: الفعل الذي طلبه الشارع طلباً جازماً
وقد حدَّده الشارع، وقدَّره بمقدار معيَّن وفصله عن غيره.
مثل: الصلوات الخمس، فقد حُدِّدت كل صلاة بركعات محددة.
ومثل زكاة الأموال، وصيام رمضان، والنذر إذا كان محدداً.
وغسل الرجلين، واليدين، ونحو ذلك.
وأما الواجب غير المحدد فهو: الذي لم يعيِّن له الشارع مقداراً
معيناً، بل طلبه بغير تحديد.
مثل: الطمأنينة في الركوع والسجود.
التقسيم الرابع:
الواجب باعتبار فاعله، أي: باعتبار المخاطبين به ينقسم إلى قسمين:
(1/160)

القسبم الأول: " الواجب العيني ".
القسم الثاني: " الواجب الكفائي "..
فالواجب العيني هو: ما يتحتم أداؤه على مكلف بعينه.
أو هو: ما طلب الشارع حصوله من كل واحد من المكلفين مثل:
الصلاة، والصيام، والحج، ونحو ذلك.
وسُمِّي بالواجب العيني، لأن الفعل الذي تعلَّق به الإِيجاب
منسوب إلى العين والذات باعتبار أن ذات الفاعل مقصودة.
فهذا الواجب يلزم الإتيان به من كل واحد من المكلفين بعينه،
بحيث لا تبرأ ذمته إلا بفعله.
أما الواجب الكفائى فهو: ما يتحتم أداؤه على جماعة من
المكلفين، لا من كل فرد منهم، بحيث إذا قام به بعض المكلفين فقد
أُدِّي الواجب وسقط الإثم والحرج عن الباقين.
مثل: الجهاد في سبيل اللَّه إن لم يكن النفير عاماً، والصلاة على
الميت، وتغسيله، وتكفينه، ورد السلام، ونحو ذلك.
وسُمِّي بالواجب الكفائي، لأنه منسوب إلى الكفاية والسقوط من
حيث إن فعله من أي فاعل سقط طلبه عن الآخرين، فالقصد من
الوجوب الكفائي هو: وقوع الفعل نفسه؛ لما يترتب عليه من جلب
مصلحة، أو رد مفسدة بصرف النظر عمن يقع منه ذلك الفعل.
وسيأتي - إن شاء اللَّه - البيان التفصيلي لهذه التقسيمات في
المسائل الآتية:
المسألة الخامسة: الواجب المعيَّن، والواجب المخيَّر:
أولاً: تعريفهما، والأمثلة عليهما، وبيان حكمهما:
(1/161)

الواجب المعيَّن - كما سبق بيانه - هو: ما طلبه الشارع بعينه،
دون تخيير بينه وبين غيره كالصلوات الخمس، والصيام، والزكاة،
ونحو ذلك.
وهذا النوع أكثر الواجبات.
وحكمه: عدم براءة ذمة المكلَّف إلا إذا فعله بعينه.
أما الواجب المخيَّر - أو المبهم - فهو ما طلبه الشارع لا بعينه،
بل خيَّر الشارع في فعله بين أفراده المعينة المحصورة.
أو هو: الذي لم يتعيَّن المطلوب به بشيء واحد، وإنما كان له
أفراد، وخيَّر المكلَّف فيه بأن يأتي بأي منها.
مثل كفارة اليمين، فقد طلب الشارع من المكلَّف أن يكفِّر عن
يمينه بخصلة واحدة من خصال الكفارة الثلاث وهي: " الإطعام "،
أو " الكسوةً "، أو " العتق "، قال تعالى: (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) .
ومثل: تخيير الإمام في حكم الأسرى بين المن والفداء، قال
تعالى: (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) .
ومثل: التخيير في جزاء الصيد الوارد في قوله تعالى: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ)
ومثل التخيير في فدية الأذى الوارد في قوله تعالى: (فمن كان
منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) .
وحكم الواجب المخيَّر: أن المكلف تبرأ ذمته بفعل أي واحد من
أفراده فإن تركها جميعاً أثم.
(1/162)

ثانياً: هل الخطاب في الواجب المخير متعلق بواحد مبهم أو أنه
متعلق بكل الأفراد المخير بينها؟
اعلم أن الخطاب الطالب للفعل طلباً جازماً - وهو ما يعرف
بالإيجاب - قد يتعلَّق بفعل معين كالخطاب الطالب للصلاة،
والطالب للزكاة، وهو المسمى بالواجب المعين.
وقد يتعلق بفعل مبهم من أمور معيَّنة كالخطاب المتعلِّق بكفارة
اليمين، وهو المسمَّى بالواجب المخيَّر.
فأما الواجب المعيَّن: فلا شك في أن الخطاب المتعلِّق به يقتضي
إيجاب ذلك المعين بعينه من صلاة، وصيام وزكاة، وقد أجمع
العلماء على ذلك.
أما الواجب المخيَّر فقد اختلف العلماء فيه.
أي: اختلف العلماء في الخطاب الوارد في الواجب المخيَّر أين
يتعلق؟
أو تقول: هل الخطاب في الواجب المخير متعلق بواحد مبهم من
الأمور المخير بينها، أو أنه متعلق بكل فرد من أفراده؟
اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن الخطاب في الواجب المخيَّر إنما يتعلَّق بواحد
مبهم من الأمور المخير بينها.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء من الفقهاء والأصوليين، ونقل
القاضي أبو بكر الباقلاني إجماع سلف الأُمَّة وأئمة الفقهاء عليه.
وهو الصحيح عندي، وعلى هذا فالمكلَّف مخير في تحقيق
الخطاب في أي فرد من هذه الأفراد المعينة المخيَّر بينها، فأيُّ فردٍ فعله
(1/163)

المكلَّف منها يسقط ما وجب عليه، فمثلاً في كفارة اليمين: لو فعل
" الإطعام " سقطت عنه " الكسوة " و " العتق "، ولو فعل "الكسوة"
سقط عنه الإطعام، والعتق، ولو فعل العتق سقط الإطعام والكسوة،
وهكذا، فالواجب منها واحد لا بعينه، أي: متعلق الإيجاب
والخطاب هو الواحد لا بعينه، ويتعين ذلك الواحد بالفعل.
فلا يوصف كل واحد من الأمور المخير بينها بأنه واجب بخصوصه.
بل يصح أن يوصف بأنه واجب من حيث إن الواجب يتحقق فيه.
وقد اخترته للأدلة التالية:
الدليل الأول: أن العقل لا يمنع منه: فلو أن السيد قال لعبده:
"أمرتك أن تخيط هذا القميص في هذا اليوم، أو تبني هذا الحائط
في هذا اليوم أيهما فعلت اكتفيت به، وأثبتك عليه، وإن تركت
الجميع عاقبتك، وأنا لا أوجب الخياطة والبناء معاً عليك، بل
أوجب أحدهما لا بعينه أيهما شئت ": كان هذا القول معقولاً.
فلا يمكن أن يقال: إن السيد لم يوجب على العبد شيئاً، وذلك
لأن السيد صرح بعقاب العبد لو ترك الكل.
ولا يمكن أن يقال فيه: إن السيد أوجب على العبد فعل الخياطة
والبناء معاً في اليوم نفسه، لأن السيد صرح بنقيض ذلك.
ولا يمكن أن يقال فيه: إن السيد أوجب على العبد واحداً معينا،
لأن السيد صرَّح بلفظة " أو " المفيدة للتخيير.
وإذا بطلت هذه الأمور الثلاثة: لم يبق إلا أن يقال: المأمور به
واحد لا بعينه: إما الخياطة، أو البناء، أيهما فعل فإنه سينال
الثواب من السيد.
(1/164)

الدليل الثاني: العقل لا يمنع من جهة أخرى، حيث لا يمتنع عقلاً
أن يتعلق غرض السيد بفعل واحد غير معين، لأن كلًّا من فعل
الخياطة، أو فعل البناء يفي بهذا الغرض، وهو: طاعة السيد وعدم
مخالفته، فأي واحد منهما فعله العبد، فإنه يكون قد سلم من
العقاب، وفاز بالثواب بسبب فعله، فإذا كان الأمر كذلك، فلا
مانع من أن يطلب السيد من العبد ما يفي بغرضه، وهو: فعل شيء
غير معن - فقط - ويكون التعيين - حينئذ - زيادة وفضلة لا يتعلق
بها غرض السيد، فلا يطلبه من العبد.
فينتج: أن إيجاب واحد غير معين من أمور محصورة لا مانع منه
عقلاً.
الدليل الثالث: الوقوع، حيث وقع التخيير بين أمور في الشرع
كما ورد في كفارة اليمين؛ حيث قال لعالى: (فكفارته إطعام
عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير
رقبة) .
وفي جزاء الصيد على المحرم؛ حيث قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ)
وفي تخيير الشارع للإمام بين المن والفداء؛ حيث قال تعالى:
(فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) .
وفي تخيير الشارع للحاج في فدية حلق الرأس لعذر؛ حيث قال
تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) ، وقال - صلى الله عليه وسلم - في كعب بن عجرة -:
(1/165)

" احلق رأسك، وانسك نسيكة، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة
مساكين ".
وفي وجوب تزويج المرأة المستحقة للنكاح من أحد الكفؤين
الخاطبين.
وفي وجوب عقد الإمامة لأحد الرجلين الصالحين لها.
فعندنا ثلاثة احتمالات في هذه الأمثلة هي كما يلي:
الأول: إما أن يقال في هذه الأمثلة الستة: إن المراد وجوب جميع
المخيَّر بينها.
الثاني: إما أن يقال: إن المراد وجوب واحد بعينه.
الثالث: إما أن يقال: إن المراد وجوب واحد لا بعينه.
أما الأول - وهو: أن المراد وجوب جميع المخيَّر بينها - فهو
باطل؛ لأنه لو كان التخيير يوجب تعلُّق الوجوب بالجميع لترتب
على ذلك ما - يلي:
1 - لزوم أن جميع خصال كفارة اليمين واجبة، وهذا خلاف
الإجماع.
2 - ولزم - أيضاً -: الجمع بين جزاء الصيد، وهذا مخالف
للصحيح من أقوال العلماء.
3 - ولزم - أيضا -: الجمع بين المن والفداء بالنسبة للأسرى،
وهذا ظاهر البطلان.
4 - ولزم - أيضا -: الجمع بين الصيام، والصدقة، والنسك
في فدية الأذى، وهو خلاف الإجماع.
(1/166)

5 - ولزم - أيضاً -: تزويج المرأة من الكفؤين الخاطبين معا،
وهذا خلاف الإجماع.
6 - ولزم - أيضا -: عقد الإمامة للرجلين الصالحين لها - معاً -
وهذا باطل، لأنه يؤدي إلى الفساد.
أما الثاني - وهو: أن المراد وجوب واحد بعينه - فهذا باطل
- أيضاً -، لأن الشارع صرح بلفظة " أو " المفيدة للتخيير.
فمثلاً: لو كان التخيير يوجب خصلة معينة من خصال كفارة
اليمين، أو يوجب تزويج واحد بخصوصه، أو عقد الإمامة لواحد
معين، لامتنع التخيير، وهذا باطل؛ ضرورة تحقق التخيير بكلمة
"أو"، فيلزم من ذلك بطلان وجوب واحد بعينه.
أي: أن التخيير لو كان موجباً لوجوب واحد بعينه، لكان موجباً
لنقيضه، لأن التخيير ينافي التعيين، حيث إن التخيير يجوِّز ترك
المعين، والتعيين لا يجوّزه فاختلفا.
ولا بطل الاحتمال الأول - وهو: أن المراد وجوب الجميع -
وبطل الثاني - وهو: أن المراد وجوب واحد بعينه - صح الثالث -
وهو: أن المراد وجوب واحد لا بعينه - أي: أن الخطاب متعلق
بواحد لا بعينه، ويتعين بفعل المكلف، فإذا فعل المكلَّف أحد الأفراد
المخيَّر بينها كان هو الواجب عليه، ويسقط عنه الباقي.
المذهب الثاني: أن الخطاب في الواجب المخيَّر متعلِّق بكل فرد من
أفراده المحصورة، أي: أن جميع الأشياء المأمور بها في الواجب
المخير واجبة على طريق التخيير، ولم يتعلق الإيجاب بواحدٍ مبهم.
ذهب إلى ذلك جمهور المعتزلة، وعلى رأسهم الجبائيان: أبو
عليّ وابنه أبو هاشم، ونسب إلى ابن خويز منداد من المالكية.
(1/167)

أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أنه يستحيل اجتماع الوجوب مع التخيير؛ لأن
التخيير ينافي الوجوب؛ لأن معنى وجوب الجميع: أنه لا تبرأ ذمة
المكلَّف إلا بفعل الجميع، ومقتضى التخيير: أن الذمة تبرأ بفعل أيها
شاء، وهما لا يجتمعان، فيلزم أن الجميع واجب على التخيير.
جوابه:
يمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إن هذا الدليل لكم منقوض
بخصال كفارة اليمين، والأمثلة التي ذكرناها سابقا.
فالله عَزَّ وجَلَّ يعلم الأشياء على ما هي عليه، فيعلم الواجب
الذي ليس بمعيَّن غير معيَّن، وإذا أتى بها المكلَّف كلها سقط الفرض
بالأمر الذهني.
الدليل الثاني: أنه يستحيل التكليف بواحد مبهم؛ لأنه مجهول،
والتكليف بالجهول محال، فيلزم التكليف بكل - واحد من هذه الأمور.
جوابه:
يمكن أن يقال - في الجواب عن ذلك -: إن الواحد المبهم ليس
مجهولا؛ لأن الواجب المخيَّر هو: القدر المشترك الذي يتحقق
حصوله بحصول جزء من جزئيات المخيَّر فيه، وحينئذ لا تكون هناك
جهالة.
الدليل الثالث: قياس الواجب المخيَّر على الواجب الكفائي،
بيان ذلك:
إنه كما أن الوجوب في الواجب الكفائي على الجميع ويسقط بفعل
بعضهم، فكذلك في الواجب المخيَّر نقول بوجوب الجميع، فإذا
فعل واحداً سقط الباقي.
(1/168)

جوابه:
يمكن أن يجاب - عنه - ويقال: إن هذا القياس فاسد؛ لأمرين:
الأول: أنه قياس مع النص؛ حيث وردت نصوص شرعية تفيد
وجوب واحد من عدة أمور كخصال كفارة اليمين، والتخيير في
الأسرى، والتخيير في جزاء الصيد، والتخيير في فدية الأذى،
ونحو ذلك مما سبق.
الأمر الثاني: أنه قياس مع الفارق، وذلك لأن تأثيم الواحد
المبهم في الواجب الكفائي بعيد، أما التأثيم بترك واحد مبهم في
الواجب المخيَّر فهو قريب وممكن.
المذهب الثالث: أن الخطاب في الواجب المخيَّر متعلِّق بواحد معيَّن
عند اللَّه، غير معيَّن عند المكلَّف، إلا أن اللَّه تعالى علم أن المكلَّف
لا يختار إلا ذلك الذي هو واجب عليه، واختياره معرِّف لنا أنه
الواجب في حقه.
وهذا المذهب يطلق عليه قول التراجم، لأن الأشاعرة ينسبونه إلى
المعتزلة، والمعتزلة ينسبونه إلى الأشاعرة.
فكل فريق يرجم به الآخر ويتبرأ منه.
والصواب: أنه لا يُعرَف قائلُه.
وإنما نشأ من مبالغة المعتزلة في الرَّد على الأشاعرة في أسباب تعلُّق
الوجوب بالجميع - كما ذكر تاج الدين ابن السبكي في الإبهاج،
وذكر أن رواية الأشاعرة له عن المعتزلة لا وجه له، وذلك لأن هذا
المذهب ينافي قواعد المعتزلة، ومنها: إيجاب الأصلح على الله
تعالى، وعدم تكليف ما لا يطاق.
(1/169)

جوابه:
هذا المذهب فاسد، لأمرين:
أولهما: أن التخيير معناه: أن الشرع جوَّز للمكلَّف ترك كل
واحد من المخيَّر بينها بشرط الإتيان بالآخر، وكونه واجباً على التعيين
عند اللَّه يقتضي: أنه تعالى لم يجوِّز لنا تركه ألبتة، والجمع بين
الترك وعدم جواز الترك تناقض.
أي: أنه لو خير اللَّه - تعالى - بينه وبين غيره مع أنه جعله
واجباً على التعيين لكان قد جمع بين جواز الترك وبين المنع منه،
وهذا تناقض ظاهر.
ثانيهما: أن القول بأن الواجب معيَّن عند اللَّه، وليس معيناً عند
المكلَّف يجعل الواجب غير معلوم عند المكلف فلا يمكنه فعله، لجهله
فإذا كُلِّف به - مع ذلك -: كان تكليفاً بما لا يطاق، وقد اتفق
العلماء على أن التكليف بما لا يطاق غير واقع، وإن اختلفوا في
جوازه عقلاً - كما سيأتي إن شاء اللَّه -.
وقد ورد الخطاب بأمور معينة قد عطف بعضها على بعض بما يفيد
التخيير، وذلك في كفارة اليمين - وغير ذلك من الأمثلة - فالقول
بعدم تعيين الواجب للمكلف يلزمه وقوع تكليف ما لا يطاق، فيكون
باطلاً.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة قد اختلف فيه على قولين:
القول الأول: أن الخلاف لفظي لا ثمرة له، ولا يترتب عليه أيُّ
(1/170)

أثر، لأن الفريقين قد اتفقا على أنه لا يجب الإتيان بكل واحد منها،
ولا يجوز تركه كذلك.
واتفقا - أيضاً - على أنه إذا أتى بواحد منها كفى ذلك في سقوط
التكليف، وإذا كان الأمر كذلك فلا فرق في العمل.
القول الثاني: إن الخلاف معنوي، وقد أثر في بعض المسائل
الفقهية ومنها:
1 - إذا طلَّق إحدى زوجتيه، أو أعتق أحد عبديه.
فعلى المذهب الأول: لا يقع الطلاق؛ لأن الواجب مبهم،
فالطلاق وقع مبهماً، فلا يقع إلا عند التعيين.
وعلى المذهب الثاني: فإن الطلاق وقع على كل واحدة.
2 - إذا ترك جميع خصال الكفارة - وقلنا: للإمام المطالبة
بالكفارات - فعلى المذهب الأول: يجبر الإمام هذا المكلف على
فعل واحدة منها من غير تعيين.
وعلى المذهب الثاني: يجبر على فعل واحدة منها بعينها.
القول الثالث: التفصيل.
قال أصحاب هذا القول: إن كون الخلاف لفظيا، أو معنويا
راجع إلى تفسير مراد جمهور المعتزلة في قولهم: " إن الخطاب في
الواجب المخيَّر متعلِّق بكل فرد من أفراده ".
فمن قال: إن جمهور المعتزلة أرادوا بتعلُّقه بكل الأفراد: أنه لا
يجوز تركها - كلها -، وإذا فعل المكلَّف جميعها أثيب ثواب واجب
واحد، وإذا تركها كلها عوقب عقاب ترك واجب واحد، وإذا فعل
واحداً منها يكون قد فعل ما وجب عليه: فإن الخلاف لفظي عنده.
(1/171)

أي: من فسَّر قول جمهور المعتزلة بهذا: فإن قولهم يكون موافقاً
لقول جمهور العلماء في المعنى والمراد، فبكون الخلاف في اللفظ،
وهذا تفسير بعض العلماء كإمام الحرمين، وأبي الحسين البصري،
والبيضاوي.
أما من قال: إن جمهور المعتزلة أرادوا بتعلُّقه بكل الأفراد: أنه إذا
فعل الأمور كلها، فإنه يثاب عليها ثواب واجبات، هاذا تركها كلها
عوقب عليها عقاب تارك واجبات، وإذا فعل واحداً منها سقط عنه
غيره: فإن الخلاف معنوي عنده.
أي: من فسَّر قول جمهور المعتزلة بهذا: فإن الخلاف يكون
معنوياً، لأن مقصودهم يكون مختلفا عن مقصود جمهور العلماء.
وهذا تفسير بعض العلماء كابن فورك، والغزالي، وأبي الطيب
الطبري، وابن التلمساني، والتبريزي.
والراجح عندي هو القول الأول - وهو: أن الخلاف لفظي لا
ثمرة له؛ حيث إن مراد جمهور المعتزلة هو نفسه ما يريده جمهور
العلماء ولا فرق، لأن المعتزلة لا يخالفون في أمور ثلاثة:
1 - أنه لا يجب الإتيان بجميع الخصال المخيَّر بينها.
2 - أن من أتى بواحدة منها فقد برأت ذمته.
3 - أنه لا يقع التخيير بين الواجب وغيره من مباح ومندوب.
وهذا هو قول جمهور العلماء، إذاً: لا خلاف في الحقيقة.
وأبو الحسين قد صرَّح بذلك في " المعتمد "، وهو الذي ينبغي أن
يعتمد في بيان مراد أصحابه المعتزلة، لأنه أعرف بمقاصدهم.
وصرَّح بذلك - أيضاً - المحققون الأصوليون ممن تصدى لتفسير
(1/172)

كلام المعتزلة، وممن التقى ببعضهم كأبي يعلى الحنبلي في " العدة "،
وإمام الحرمين في " البرهان "، وفخر الدين الرازي في " المحصول "
وابن برهان في " الوصول ".
وأما ما ذكر من فروع فقهية، فإن هذا ألزمهم إياه بعض العلماء؟
لقولهم: " إن الكل واجب "، ولم يكن هذا هو نفس قول المعتزلة.
ولقد أطلت الكلام في بيان نوع الخلاف في هذه المسألة في كتابي
" الخلاف اللفظي عند الأصوليين "، فإن شئت فارجع إليه.
سؤال: إذا كان الخلاف لفظياً، فإنه يكون مقصد المعتزلة هو نفسه
مقصد جمهور العلماء، فلماذا عبَّر جمهور المعتزلة بتعبير يخالف ما
عبَّر به جمهور العلماء؟
جوابه:
أقول - في الجواب عن ذلك -: إن جمهور المعتزلة وصفوا
الجميع بالوجوب - وهو تعبير يخالف ما ذكره جمهور العلماء -
فراراً من التسوية بين الواجب وغير الواجب؛ بناء على قاعدتهم في
" التحسين والتقبيح العقليين "، و " إيجاب الأصلح على اللَّه "؟
حيث قالوا: إن الحكم على الشيء يتبع حسنه أو قبحه، فإيجاب
شيء " ما " تابع لحسنه الخاص به، فلو كان الواجب واحداً لا بعينه،
والباقي غير واجب لخلا الباقي عن المقتضي للوجوب، وأصبح
التخيير بين ما هو واجب، وما ليس بواجب، وهذا لا يقول به
أحد، فلا بد من أن يكون واحد لخصوصه مشتملاً على صفة تقتضي
وجوبه، وحينئذٍ يوصف كل منها بالوجوب والتخيير.
أما نحن فلا نقول بالتحسين والتقبيح العقليين ولا إيجاب الأصلح
على اللَّه، فلا مانع - عندنا - من إطلاق الوجوب على واحد منها لا
بعينه.
(1/173)

ثالثاً: شروط الواجب المخير:
إذا علمنا - في المسألة السابقة - أن الخطاب في الواجب المخيَّر
متعلِّق بواحدٍ غير معيَّن، ويتعين بفعل المكلَّف، فهو مخير بين أمور
محصورة، فمتى ما فعل واحداً فإنه هو الواجب في حقه، وهذا
هو التخيير.
ولكن ليس كل تخيير يصح، بل إن التخيير الصحيح له شروط
لا يصح إلا بها، هي كما يلي:
الشرط الأول: أن تكون الأشياء المخير بينها معلومة للمخاطب
ومحصورة ومعينة حتى يحيط بها المكلََّف ويوازن بينها، ويرى ما هو
الأصلح، فيختاره ويقوم به.
الشرط الثاني: أن تتساوى تلك الأشياء المخير بينها في الرتبة.
أي: تكون متساوية في الوجوب، أو الندب، أو الإباحة، فلا
يجوز التخيير بين واجب ومندوب، ولا بين واجب ومباح، ونحو
ذلك؛ فإن التخيير بين الوجوب وتركه يرفع الوجوب.
ولهذا لما استدل داود الظاهري على وجوب النكاح بقوله تعالى:
(فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) : ردَّه العلماء؛ لأن قوله
تعالى: (أو ما ملكت أيمانكم) فيه تخيير بين النكاح وبين ملك
اليمين، ومعروف أن ملك اليمين لا يجب إجماعا، فلذلك امتنع
التخيير بين النكاح وملك اليمين.
الشرط الثالث: أن تكون الأشياء المخير بينها متميزة للمكلَّف،
أي: أن يتميز بعض الأشياء عن بعض، فلا يجوز التخيير بين
متساويين من جميع الوجوه لا يتميز أحدها عن الآخر بوصف، كما
(1/174)

لو خيّر بين أن يصلي أربع ركعات وبين أن يصلي أربع ركعات مع
تساويهما في جميع الصفات.
الشرط الرابع: أن يتعلَّق التخيير بما يستطيع فعله، فلا يصح
التخييربين شيء يستطيعه، وشيء لا يستطيعه.
الشرط الخامس: أن يكون وقت المخيَّر بينها واحداً " حيث يتأتى
الإتيان بكل واحد منهما في وقت واحد، بدلاً عن التغاير، فإنه لو
ذكر للمكلَّف فعلان مؤقتان بوقتين مختلفين: فإن ذلك لا يكون
تخييراً؛ فإنه في وقت الإمكان من فعل الأول لا يتمكن من الفعل
الثاني، وفي الوقت الثاني لا يتمكن من الأول، فلا يتحقق وصف
التخيير أصلاً، وإنما يتحقق ذلك في شيئين يجوز ثبوت أحدهما بدلاً
عن الثاني مع تقدير اتحاد الوقت. نُسب هذا الشرط إلى القاضي
أبي بكر الباقلاني.
قلت: وهذا الشرط باطل من جهة العقل، ومن جهة الشرع.
أما بطلانه من جهة العقل فلأن السيد لو قال لعبده: " عليك
خياطة هذا الثوب يوم السبت، أو بناء هذا الجدار يوم الأحد،
أيهما فعلت: أثبتك، وإن تركت الجميع عاقبتك " كان هذا القول
معقولاً.
أما بطلانه من جهة الشرع فلأن الشرع ورد فيه التخيير بين شيئين
في وقتين مختلفين، وهو أن المسافر سفر طاعة، فإنه يخير بين أن
يصوم وأن يفطر ثم يصوم في وقت آخر.
رابعا: هل يجوز الجمع بين الأمور المخيَّر بينها؟
الأمور المعينة المحصورة المخيَّر بينها قد يحرم على المكلف الجمع
بينها، وقد يباح الجمع بينها، وقد يندب الجمع بينها.
(1/175)

فمثال الأول: وهو: ما يحرم فيه الجمع بين الأمور المخير بينها:
تزويج المرأة من كفؤين متساويين معاً، وكذا مبايعة إمامين للأمة.
ومثال الثاني: وهو: ما يباح فيه الجمع بين الأمور المخير بينها:
ستر العورة بثوب بعد سترها بثوب آخر، فستر العورة واجب،
والمكلف مخير بسترها بأي ثوب شاء متى تعددت عنده الثياب،
ويباح له سترها بأكثر من ثوب واحد، فيكون الجمع بين الأثواب في
الستر مباحاً.
ومثال الثالث: وهو ما يندب فيه الجمع بين الأمور المخير بينها:
خصال كفارة اليمين، فإننا نعلم أن الخطاب قد تعلَّق بها على سبيل
التخيير بينها، والواجب يسقط بفعل واحد منها، ولكن يندب له
الجمع بين " الإطعام " و " الكسوة " و " العتق " زيادة له في الثواب.
لكن هنا سؤال وهو: أن المكلَّف إذا جمع بين تلك الخصال -
وهي: الإطعام، والكسوة، والعتق - فثواب الواجب هل يكون
على أعلاها أو على أدناها، وما زاد نافلة، وكذلك إذا ترك الجميع
هل يأثم بترك أدناها، أو أعلاها؟
جوابه:
اختلف العلماء في ذلك على مذاهب، إليك أهمها:
المذهب الأول: أنه إذا فعل الجميع أثيب ثواب أعلاها، والباقي
ندب، وثواب الواجب أكثر من ثواب الندب، فانصرف الواجب
إلى أعلاها، تكثيراً لثوابه.
وإذا ترك فعل الجميع عوقب على أدناها " ليقل وباله ووزره.
دهب إلى ذلك ابن برهان، وابن السمعاني، وهو قول للباقلاني.
(1/176)

المذهب الثاني: أنه إذا فعل الجميع، فإن الذي يقع واجباً هو
العتق، فإنه أعظم ثواباً؛ لأنه أنفع وأشق على النفوس، وهو
محكي عن القاضي الباقلاني.
المذهب الثالث: أنه يثاب ثواب الواجب على أدناها؛ لأنه لو
اقتصر عليه أجزأه، ويثاب على ما زاد ثواب التطوع.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي، حيث إن العمل لا يختلف باختلاف هذه
المذاهب.
المسألة السادسة: الواجب غير المؤقت:
أولاً: بيانه، والأمثلة عليه:
الفعل الواجب على المكلََّف قد يحدد الشارع وقتاً معينا لإيقاعه فيه.
وقد لا يحدد الشارع لفعله وقتاً معيناً.
فالأولى - وهو الذي حدد الشارع له وقتاً معيناً لأدائه وإيقاعه فيه
يُسمَّى " واجباً محدداً " أو " واجباً مؤقتاً ".
وسيأتي بيانه بالتفصيل.
أما الثاني، وهو: الذي لم يحدد الشارع وقتاً معيناً لفعله، فإنه
يُسمَى واجباً مطلقاً، أو " واجباً غير مؤقت ".
أي: أنه الفعل الذي طلب الشارع إيقاعه من المكلَّف طلباً جازماً،
ولم يحدد وقتاً معيناً لأدائه وإيقاعه فيه.
مثل: كفارة اليمين، حيث إنها واجبة مطلقة، أي: أن الشارع
لم يحدد وقتاً معيناً يجب على المكلَّف أن يؤديها فيه، بل أطلقها
وترك تحديد وقتها للمكلَّف.
(1/177)

كذلك الوفاء بالنذر، فإن الوفاء واجب مطلق، حيث لم يحدد
الشارع وقت هذا الوفاء، بل تركه لاختيار المكلََّف.
وكذلك الحج عند بعض العلماء، وقضاء العبادات التي فاتت من
غير تقصير من المكلََّف، فإن جميع ذلك تجب في جميع العمر،
وليست نهايته معلومة للمكلَّف.
ثانياً: متى يتضيق الوقت - هنا -؟
يتضيق الوقت إذا غلب على ظن المكلَّف عدم البقاء إلى آخر
الوقت، فيجب عليه - حينئذ - أن يفعل ذلك الواجب قبل ذلك
الوقت الذي غلب على ظنه عدم البقاء إليه، لأنه لا يمكن أن يؤخر
الفعل مطلقاً، لأنه يقتضي أن لا يكون واجباً.
فلا بد من تأخير الفعل إلى زمن معين لا يجوز التأخير عنه، ولا
يمكن ذلك إلا إذا عين هذا الزمن بعلامة أو أمارة، ولا يوجد معين
لذلك سوى أن يغلب على ظنه عدم البقاء إلى آخر الوقت.
وبناء على هذا فإن المكلف يعصي في هذا بمجرد التأخير عن وقت
يظن عدم بقاءه بعده.
ثالثاً: هل يعصي بالموت هنا؟
إذا لم يغلب على ظنه الموت في وقت محدَّد، ثم أخَّر فعله بدون
عذر، فمات فهل يعصي؟
اخنلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن المكلَّف إذا أخَّر الواجب غير المؤقت حتى مات
مع قدرته على فعله في حياته، فإنه يعصي.
ذهب إلى ذلك أكثر العلماء.
وهو الصحيح عندي " لأن المكلَّف كان يمكنه المبادرة، وفعل
(1/178)

الواجب أثناء حياته فلم يفعل، فالتمكن موجود، والوجوب محقق
مع التمكن فيعصي.
المذهب الثاني: أنه لا يعصي، وهو مذهب بعض العلماء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أنه لما أخر فعل الواجب غير المحدد فإنه قد فعل ما
له فعله.
ذكر ابن السمعاني: أن هذا كان ينتظر تضييق الوقت غير المحدد
عليه بغلبة الظن، وذلك أمر معهود بيِّن في غالب أحوال الناس،
فإن اخترمته المنية من قبل أن يبلغ المعهود: لم يكن عليه عتب ولم
يعص، لأنه كان على عزم إذا تضيق لا يؤخر.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا المكلف قد ترك واجباً عليه إلى أن مات مع
قدرته على فعله قبل موته، فلا يوجد له عذر، فيكون عاصياً.
أما ما اعتاده الناس فلا يلزمنا.
الدليل الثاني: القياس على الواجب الموسَّع، بيانه:
أنه كما أن مؤخر الصلاة عن أول وقتها إلى آخر وقتها في الواجب
الموسع لا يعصي لو مات قبل الفعل، فكذلك مؤخر الواجب المطلق
لا يعصي لو مات قبل الفعل.
جوابه:
يجاب عنه بأن هذا قياس فاسد، لأنه قياس مع الفارق.
ووجه الفرق: أن وقت الواجب الموسَّع قصير، أما وقت
الواجب المطلق فهو طويل، لأنه العمر كله كما سبق.
المذهب الثالث: التفريق بين الشيخ والشاب.
(1/179)

فالشيخ الكبير يعصي إذا أخَّر ثم مات.
أما الشاب فلا يعصي إذا أخَّر ثم مات.
وهو اختيار الغزالي.
وفسَّر بعض العلماء التأخير المستنكر ببلوغه نحواً من خمسين، أو
ستين، لأن العمر في الأغلب من الناس ستون لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين ".
جوابه:
يجاب عنه بأن هذا لا ضابط له، فقد يكون الشيخ أكثر صحة من
الشاب، وكم من شيخ قد ورث بعض أولاده، أو كلهم.
فإن قيل: إن هذا المذهب ورد على الأغلب في أحوال الناس.
قلت: هذا صحيح، ولكن مذهبنا - وهو المذهب الأول - أقوى
منه، لما قلناه من الاستدلال، ولما فيه من الاحتياط. والله أعلم.
المسألة السابعة: الواجب المضيًّق، والواجب الموسَّع:
أولاً: أقسام الوقت الذي حدده الشارع:
الفعل الواجب على المكلَّف قد لا يحدد الشارع وقتا معيناً لإيقاعه
فيه، وقد يحدد الشارع لفعله وقتا معينا.
فالأول - وهو الذي لم يحدد الشارع له وقتا معينا لأدائه وإيقاعه
فيه -: يُسمَّى واجباً مطلقا مثل كفارات الأيمان، وقضاء ما فاته من
صيام رمضان عند الحنفية، والواجب بالنذر المطلق - وقد سبق بيانه.
والثاني - وهو الذي حدد الشارع له وقتا معينا لأدائه فيه - يسمى
واجبا مؤقتاً.
(1/180)

والوقت الذي حدًّده الشارع لإيقاع وأداء الواجب فيه ينقسم إلى
ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يكون وقت الفعل أنقص من الفعل، بحيث إن
الوقت لا يمكن إيقاع الفعل كله فيه، فهذا لا يجوز التكليف به؟
لأنه تكليف بما لا يطاق، إلا إذا كان القصد من التكليف بالفعل في
هذا الوقت الناقص هو: ابتداء الفعل فيه، ثم إكماله بعد هذا
الوقت، بحيث إذا لم يبتد الفعل في هذا الوقت يكون قضاؤه واجبا
عليه، فالتكليف به من هذه الناحية جائز عقلاً، وواقع شرعا، فإن
الصبي إذا بلغ وقد بقى من الوقت ما يسع ركعة، والمجنون إذا أفاق
من جنونه وقد بقي من الوقت ما يسع ركعة، والحائض إذا انقطع
حيضها وقد بقي من الوقت ما يسع ركعة، فإن هؤلاء الثلاثة تجب
عليهم الصلاة، فإذا لم يبتدئها كل منهم في الوقت الباقي وجب
عليهم القضاء.
القسم الثاني: أن يكون وقت الفعل مساويا له، أي: أن يكون
الوقت الذي حدَّده الشارع لفعل الواجب فيه على قدر الفعل،
بحيث لا يزيد عن الفعل، ولا ينقص عنه كصوم رمضان، ويُسمَّى
هذا ب " الواجب المضيَّق ".
القسم الثالث: أن يكون وقت الفعل أزيد من الفعل، بحيث إن
الوقت يسع الفعل عدة مرات، وهذا الذي يُسمَّى بـ " الواجب
الموسَّع ".
ونظراً لعدم وقوع التكليف في القسم الأول، فإنه لم يبق إلا
القسمان: " الثاني ": وهو الواجب المضيق، والثالث: وهو
الواجب الموسَّع.
(1/181)

ثانياً: تعريف الواجب المضيق والواجب الموسع مع الأمثلة عليهما:
الواجب المضيق - كما قلنا فيما سبق -: ما كان وقته يسعه ولا
يسع غيره من جنسه.
أي: هو: ما ألزم الشارع المكلف بفعله في وقت مساو لوقت
أدائه وإيقاعه بلا زيادة أو نقصان مثل صيام يوم من رمضان، فالشارع
ألزم المكلف الذي لا عذر له بصيامه، واليوم يبدأ من الفجر الصادق
إلى غروب الشمس، وهذا الوقت الذي بينهما له لوحده لا يتسع
لفعل شيء آخر معه، ويكون الفعل باطلاً لو فعله قبل الوقت،
ويكون قضاء لو فعل بعد الوقت لعذر، ولا يقع معه في وقته غيره
من جنسه.
والواجب المضيَّق اتفق العلماء على ثبوته.
أما الواجب الموسع فهو: ما كان وقته واسعا لأدائه وأداء غيره من
جنسه.
أي: هو: " الفعل الذي طلب الشارع من المكلف إيقاعه وأداءه
طلبا جازما في وقت يسعه ويسع غيره من جنسه " مثل: صلاة
الظهر، فإن الشارع قد ألزم المكلف بفعلها في وقت محدد يزيد عن
وقت أدائها بحيث يمكن فعلها، وفعل غيرها من جنسها في ذلك
الوقت.
ثالثا: الواجب الموسع هل هو ثابت؟
لقد اختلف العلماء في ذلك الواجب الموسع هل هو ثابت أو لا:
على مذهبين:
المذهب الأول: أن الواجب الموسع ثابت، ويكون وقت أداء
الواجب الموسع هو جميع الوقت.
(1/182)

أي: أن الإيجاب في الواجب الموسع يقتضي إيقاع الفعل في أيِّ
جزء من أجزاء وقته على حسب اختيار المكلف.
فيكون المكلف مخيراً في أن يوقع الفعل في أول الوقت، أو في
وسطه، أو في آخره.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وهذا هو الصحيح، للأدلة التالية:
الدليل الأول: قوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل) .
وجه الدلالة: أن هذا الأمر عام يتناول جميع أجزاء الوقت
المذكور من غير إشعار بالتخصيص ببعض أجزائه.
فليس المراد من الأمر تطبيق أول فعل الصلاة فى أول الوقت وآخر
الفعل في آخر الوقت؛ لأن هذا خلاف الإجماع.
وليس المراد من الأمر: إقامة الصلاة في كل وقت من أوقاته، فلا
يخلو جزء من الوقت من الصلاة، فهذا - أيضاً - خلاف الإجماع.
وليس المراد من الأمر: تعيين جزء من الوقت لاختصاصه بوقوع
الواجب فيه؛ لأن اللفظ الوارد في الآية عام، ولا يوجد مخصص.
فلم يبق إلا أن يكون المراد من الأمر هو: أن كل جزء من الوقت
صالح لوقوع الواجب فيه باختيار المكلف، ضرورة امتناع قسم آخر.
الدليل الثاني: أن جبريل - عليه السلام - قد صلى بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أول الوقت وآخره، ثم قال له - بعد ذلك -: " يا محمد: هذا
وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين "،
وفى رواية: "الوقت ما بينهما ".
(1/183)

وجه الدلالة: أن اللَّه - تعالى - حينما فرض الصلاة أتى جبريل
- علمه السلام - إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليعلمه أوقاتها وأفعالها، فصلى به مرة في أول وقتها، وصلى به مرة أخرى في آخر وقتها، فقال
- حينئذ -: " الوقت ما بين هذين "، وهذا يفيد تخيير المكلَّف في
أداء الصلاة في أي جزء من أجزاء الوقت المحدد لها، أي: أن
الإيجاب يتناول جميع أجزاء الوقت، وليس تعيين بعض أجزاء
الوقت للوجوب بأوْلى من تعيين البعض الآخر.
الدليل الثالث: العقل دلَّ على ثبوت الواجب الموسَّع، بيانه:
أن السيد لو قال لعبده: " قد أوجبت عليك بناء هذا الجدار في
هذا اليوم في أي جزء منه، إن شئت في أوله، أو في وسطه، أو
في آخره، فمهما فعلت: تكون قد امتثلت أمري، وإن لم تفعل:
تكون قد خالفت أمري " كان هذا الكلام معقولاً، ولا يمكن أن
يقدح في صحته أحد.
فلا يمكن أن يقال: إن السيد لم يوجب على العبد شيئاً؛ لأن
العبارة واضحة أنه أوجب عليه فعل شيء.
ولا يمكن أن يقال: إن السيد قد أوجب على العبد بناء الجدار في
وقت واحد فقط فضيق عليه، لأنه صرح بالتوسع، حيث قال له:
" إن شئت في أوله، أو في وسطه، أو في آخره ".
فلم يبق إلا أنه أوجب عليه بناء الجدار في ذلك اليوم ووسع عليه
في هذا الإيجاب بدليل لفظه في المثال، مما يدل على تخييره في
الوقت.
الدليل الرابع: قياس الواجب الموسع على الواجب المخير، بيانه:
(1/184)

كما أنه جاز التخيير بين أفراد الواجب في الواجب المخير كخصال
كفارة اليمين - إما الإطعام، أو الكسوة، أو الإعتاق - كذلك
يجوز التخيير بين أجزاء الوقت في الواجب الموسع كالصلاة، فإن
الصلاة في أول الوقت كالصلاة في وسطه، والصلاة في آخره، ولا
فرق بينها في سقوط الغرض وحصول المصلحة.
المذهب الثاني: إنكار الواجب الموسَّع.
أي: عدم وجود واجب موسع في الشريعة، بل إن الإيجاب
متعلِّق في وقت معين، وهو أول الوقت، أو آخره - كما سيأتي
تفصيل الخلاف فيه:
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن التوسع ينافي ويناقض
الوجوب.
أي: أن الوجوب مع التوسعة يتنافيان؛ لأن الواجب لا يجوز
تركه، وهذا يجوز تركه عن الوقت الذي وصفتموه بالوجوب فيه،
وهو أول الوقت وآخره، فلا يكون للواجب الموسع حقيقة.
قال ابن العربي في " المحصول " - مبينا ذلك -: " إن جواز
التأخير مع خيرة المكلَّف بين الفعل والترك يضاد الوجوب ".
جوابه:
يمكن أن يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أننا لم نجوِّز ترك الفعل في أول الوقت مطلقا،
بل جوَّزنا ترك الفعل في أول الوقت بشرط العزم على الفعل في آخر
الوقت.
الجواب الثاني: أن جواز التأخير إنما يضاد الواجب المضيَّق، أما
(1/185)

الواجب الموسع فلا، لأنه يجوز ترك فعل الواجب الموسع في أول
وقته، وفعله في وسطه، أو في آخره، حيث إنه مخير بين أجزاء
الوقت الموسع، قياسا على الواجب المخير، بيان ذلك:
أن الواجب الموسع يرجع - في حقيقته - إلى الواجب المخير
- كما قلنا سابقاً -، لأن الفعل واجب الأداء في وقت " ما ": إما
في أوله، أو وسطه، أو آخره، فجرى ذلك مجرى قولنا في
الواجب المخير: " إن الواجب إما هذا أو ذاك ".
فكما أنا نصف الخصال بالوجوب على معنى: أنه لا يجوز
الإخلال بجميعها، ولا يجب الإتيان بها جميعاً، وإنما تجب خصلة
واحدة غير معينة، فكذلك هنا: يجب على المكلف أن يفعل ما
وجب عليه في أي وقت شاء من هذا الوقت المحدَّد: إما في أوله،
أو في وسطه، أو في آخره، ونحن لم نوجب الفعل في أول
الوقت بخصوصه حتى يورد علينا جواز إخراجه عنه، بل خيَّرناه بينه
وبين ما بعده.
رابعاً: فرق منكري الواجب الموسع، وأدلة كل فرقة مع الجواب
عنها:
إن المنكرين للواجب الموسع قد اتفقوا على إنكاره، ولكنهم
اختلفوا - فيما بينهم - في أي جزء من الوقت يتعلق الإيجاب؟
على فِرَق:
الفرقة الأولى قالت: إن الوجوب متعلِّق بأول الوقت.
أي: أن الإيجاب في الواجب الموسع يقتضي إيقاع الفعل في
الجزء الأول من أجزاء الوقت، فإذا مضى من الوقت ما يسع الفعل
ولم يفعل المكلف الواجب فيه، وفعله في غيره من أجزاء الوقت:
كان هذا الفعل قضاء، لا أداء.
(1/186)

نسب هذا إلى بعض الشافعية، وإلى بعض المتكلمين:
قلت: لقد بيَّنت في كتابي " الواجب الموسع عند الأصوليين " أن
كثيراً من الشافعية قد أنكروا أن يكون هذا في مذهبهم، وذكرت أن
الشافعية قد اختلفوا في السبب الذي من أجله عزي هذا إلى
مذهبهم، وأطلت الكلام عن هذا، وحققت القول فيه، فارجع إليه
إن شئت.
أدلة هذه الفرقة على أن الوجوب متعلق بأول الوقت:
الدليل الأول: قوله تعالى: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة
عرضها كعرض السماء والأرض) ، وقوله: (فاستبقوا الخيرات) ، وقوله: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض) .
وجه الدلالة: أن اللَّه قد أمرنا في هذه الآيات بالاستباق إلى الخير،
والمسارعة إليه، ولا شك أن فعل الواجب في وقته مسارعة واستباق
إلى الخير، فمن أخَّره عن أول وقته يكون مخالفاً لذلك الأمر.
جوابه:
يمكن أن يجاب عن ذلك بأن تلك الآيات الدالة على الاستباق
والمسارعة لا دلالة فيها على المطلوب، وذلك لأن دلالتها على
المسارعة والاستباق إلى أسباب المغفرة ثبت عن طريق الاقتضاء،
والمقتضى لا عموم له.
ولئن سلمنا أن للمقتضى عموما، فإننا لا نسلِّم أن هذا الأمر
للوجوب، بل هو للندب؛ لأمرين:
أولهما: الإجماع على ذلك.
(1/187)

ثانيهما: أنه لو كان للوجوب للزم منه تخصيصات لا حصر لها،
وهو خلاف الأصل.
وإذا ثبت ذلك لم تكن الآيات دالة على اختصاص الوجوب بأول
الوقت، بحيث لا يجوز التأخير عنه، بل يجوز التأخير عنه بشرط
العزم على فعله في آخر الوقت، ونحن نقول به.
الدليل الثاني: أنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
" الصلاة في أول الوقت رضوان، وفي آخره عفو اللَّه ".
وجه الدلالة: أن هذا النص اقتضى أن فعل الصلاة في آخر
الوقت معصية تتطلب العفو، ولو كان المكلَّف مخيراً بأي جزء من
هذه الأجزاء وقع الفعل فيه: لما كان تأخيره للواجب عن أول الوقت
موجباً للعفو والغفران، لأن العفو إنما يكون عن ذنب أو معصية،
وبذلك يكون الحديث دالاً على أن وقت الفعل هو الجزء الأول منه،
وما بعده وقت لقضائه.
جوابه:
يمكن أن يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أن هذا الحديث فيه يعقوب بن الوليد، وهذا قد
كذَّبه الإمام أحمد، وسائر الحُفَّاظ، وقال ابن حبان: " ما رواه إلا
يعقوب، وكان يضع الحديث على الثقات "، وأخرجه الدارقطني
بسند ضعيف.
فإذا ثبت ذلك فلا يصح الاحتجاج بالحديث على إثبات قاعدة
أصولية كهذه، وهي: " أن الوجوب متعلق بأول الوقت ".
الجواب الثاني: على فرض صحة الحديث، فإنه يفيد الترغيب
(1/188)

في المبادرة لأداء الصلاة في أول وقتها، فيكون المراد بالعفو هنا: هو
العفو عن تقصير المكلَّف عن الأداء الأفضل للواجب.
الدليل الثالث: إن أوقات الصلوات أسباب، والأصل ترتب
المسببات على أسبابها، فإذا وجد السبب يجب أن يوجد المسبَّب
فوراً، فيتعلَّق الوجوب بما تحققت به سببيته، وهو أول الوقت،
وحينئذٍ الواقع بعد ذلك قضاء سدَّ مسدَّ الأداء.
جوابه:
يمكن أن يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: إن هذا الكلام لا ينافي مذهبنا وهو: ثبوت
الواجب الموسع، وذلك لأننا رتبنا الوجوب على أول الوقت، أي:
يبدأ فعل الواجب من أول الوقت إلى آخر الوقت، وهذا هو مذهبنا.
الجواب الثاني: أن قولكم: " إن الواقع بعد أول الوقت قضاء
سد مسد الأداء " مخالف للإجماع، قال الآمدي في الإحكام:
"الإجماع منعقد على أن ما يفعل بعد ذلك الوقت ليس بقضاء، ولا
يصح بنية القضاء ".
الفرقة الثانية قالت: إن الوجوب متعلِّق بآخر الوقت.
أي: أن الإيجاب يقتضي إيقاع الفعل في الجزء الأخير من أجزاء
الوقت، ويكون أوله سبباً للوجوب.
ذهب إلى ذلك بعض الحنفية، وهم بعض مشائخ العراق من
الحنفية.
أدلة هذه الفرقة:
الدليل الأول: أن حقيقة الواجب هو: ما ذم تاركه، أو ما
(1/189)

يعاقب على تركه، ومعروف أن الصلاة يعاقب على تركها إذا أضيفت
إلى آخر وقتها؛ لأنه لو تركها خرج الوقت وعليه القضاء، ويكون
عاصياً بذلك؛ لأنه أخرج الصلاة عن وقتها بالعمد، ونتيجة لذلك
تكون الصلاة إذا أضيفت إلى آخر وقتها واجبة؛ لأنه يعاقب على
تركها، ولكن إذا أضيفت إلى أول وقتها، أو وسطه، فإن المكلف
مخير بين فعلها؛ تركها، وإن فعلها فهو أفضل، وهذا هو حد
الندب؛ لأنه يجوز تركه، وكل ما جاز تركه في وقت فليس بواجب
فيه، وإذا ثبت أنه غير واجب في أول الوقت، ولا في وسطه فهو
واجب في آخره؛ لعدم جواز تركه، وإلا لكان لها وقت آخر غير
المضروب لها.
جوابه:
يمكن أن يجاب عن ذلك بأن يقال: إن أقسام الفعل ثلاثة:
القسم الأولى: فعل لا يعاقب على تركه مطلقاً، وهو المندوب.
القسم الثاني: فعل يعاقب على تركه مطلقاً، وهو الواجب
المضيق.
القسم الثالث: فعل يعاقب على تركه بالإضافة إلى مجموع
الوقت - أوله، وأوسطه، وآخره - ولا يعاقب على تركه بالإضافة
إلى بعض أجزاء الوقت، وهذا القسم الثالث لا يمكن أن نسميه
مندوباً؛ لأن المندوب لا يعاقب تاركه مطلقاً، ولا يمكن أن نسميه
واجباً مضيقاً؛ لأن الواجب المضيق يعاقب تاركه مطلقاً.
إذن: هذا القسم يحتاج إلى اسم يُسمَّى به غير " الواجب المضيق "
وغير " المندوب "، وأحسن عبارة تقال فيه هي: "الواجب الموسَّع "،
فإن قلتم: لماذا سميتموه بهذا الاسم؟
(1/190)

قلنا: سميناه واجبا؛ لأن المكلَّف يعاقب على تركه بالجملة.
وسميناه " موسَّعاً "؛ لحصول التوسعة في وقته عن قدر فعله،
ويجوز للمكلَّف تأخيره إلى آخر وقته.
اعتراض على هذا الجواب:
لقد اعترض بعضهم على ذلك الجواب بقوله: إن القسم الثالث
وهو الذي سميتموه بالواجب الموسَّع هو في حقيقته داخل ضمن
الواجب المضيق والمندوب، بيان ذلك:
أن المكلف إذا فعل الصلاة في أول وقتها، فهذا الفعل يكون
مندوباً، لأنه يجوز للمكلف ترك الفعل، وما يجوز تركه فهو الندب.
وإن فعل المكلف الصلاة في آخر الوقت، فإن هذا الفعل يكون
واجباً مضيقاً؛ لأنه لا يجوز له ترك الفعل، وما لا يجوز تركه فهو
الواجب المضيق.
جوابه:
يمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إن قولكم في حدِّ الندب:
" إنه ما يجوز تركه " ليس بصحيح، بل إن الصحيح في حد الندب:
" أنه ما يجوز تركه مطلقا " أي: من غير شرط.
أما القسم الثالث - وهو ما سميناه بـ " الواجب الموسَّع - فهو
"الذي لا يجوز تركه مطلقا " أي: هو " الذي يجوز تركه بشرط ".
وهذا الشرط: إما الفعل في أول الوقت، أو العزم على الفعل
في آخر الوقت.
أي: يجوز للمكلف أن يترك الفعل في أول الوقت بشرط
أن يفعل بعده مباشرة، أو أن يعزم على الفعل في آخر الوقت،
(1/191)

لكن لا يجوز له ترك الفعل مطلقا، بخلاف المندوب فإنه يجوز تركه
مطلقا.
اعتراض على هذا الجواب:
لقد اعترض بعضهم على هذا الجواب قائلاً: إنكم قلتم: إن
العزم هو بدل عن الصلاة في أول وقتها، وهذا غير مسلَّم؛ لأمرين:
الأول: أنه معروف أن البدل يكون نائبا عن المبدل، والعزم
- فقط - لا يكفي عن الفعل.
الثاني: أن الأبدال لا يجوز إثباتها من غير دلالة عليها.
جوابه:
يجاب عن الأول: بأن العزم ليس بدلا عن أصل الوجوب ونفس
الفعل، بل هو بدل عن تقديم الفعل فقط، وما دام الأمر كذلك،
فإن العزم يصلح أن يكون بدلا، والفعل لم يتغير سواء وقع في أول
الوقت، أو في آخره بدليل: تساوي الثواب والأجر.
ويجاب عن الثاني: بأن الدليل على أن العزم هو بدل: القياس
على الواجب المخيَّر، فكما أنه لا يجوز ترك أي خصلة من خصال
الواجب المخيَّر إلا بشرط النية على فعل غيرها، فكذلك لا يجوز أن
يترك الفعل في أول الوقت - في الواجب الموسع - إلا بشرط العزم
على فعله في الجزء الأوسط، أو الأخير.
الدليل الثاني - من أدلة القائلين: إن الوجوب متعلق بآخر
الوقت -: أن الإجماع قد انعقد على أنه لا يجوز تأخيرها عن آخر
الوقت من غير عذر، وذلك يدل على أنها واجبة فيه، لا في أول
الوقت، وحينئذ يحتمل أن يكون فعلها في أول الوقت ندبا يسقط
الفرض عنده، أو يكون فعلها كالزكاة المعجلة.
(1/192)

جوابه:
يمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إن ذلك يدل على أنه وقتها
المضيق، ولا يدل على أنها غير واجبة في غيره بصفة التوسع؛ لأن
كون الشيء واجبا بصفة التضييق في وقت لا يدل على أنه غير واجب
في غيره على وجه التوسع..
أما قولكم: " يحتمل أن يكون فعله ندبا في أول الوقت يسقط
الفرض عنده "، فهذا باطل؛ لأمرين:
أولهما: أنه لو أدى الفرض بنية الندب لم يقع الوقع إجماعا.
ثانيهما: أن سقوط الفرض عند أداء الندب بعينه لم يعهد مثله في
الشرع.
أما قولكم: " أو يكون فعلها كالزكاة المعجَّلة " فهو باطل
- أيضا -؛ لأن قياس الصلاة في أول وقتها على تعجيل الزكاة قياس
فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، بيان ذلك:
أن تعجيل الزكاة لم يحصل بحكم الأمر المقتضي للوجوب، وإنما
حصل بحكم الأمر المقتضي للرخصة وهو: ما ورد أن العبَّاس
- رضي اللَّه عنه - سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - في تعجيل الزكاة قبل أن تحل فرخص له في ذلك.
بخلاف الصلاة؛ فإنها تفعل في أول الوقت بالأمر الذي تفعل في
آخره، فالنية واحدة في الصلاة سواء صلاها في أول الوقت، أو
صلاها في آخره، ولم يفرق أحد من السلف بين النيتين.
أما الزكاة فإنها تجب قبل حولان الحول بنية التعجيل حسب الأمر
المقتضي للرخصة - فقط -، أما لو أخرها بعد كمال الحول، فإنها
تجب بنية الأمر المقتضي لوجوب الزكاة، وفرق بين النيتين.
(1/193)

اختلاف القائلين بهذا المذهب في تقدير وقت الوجوب:
لقد اختلف القائلون: إن الوجوب متعلِّق بآخر الوقت في تقدير
وقت الوجوب على قولين:
القول الأول: إن الوقت هو ما يسع جملة الصلاة، وينقضي
بانقضائها، وهو قول الإمام زفر، وجماعة من الحنفية.
القول الثاني: إن الوقت هو ما يسع تكبيرة الإحرام.
اختلاف القائلين بهذا المذهب فيما إذا أوقع المكلف الفعل في غير
الجزء الأخير.
لقد اختلف القائلون: إن الوجوب متعلِّق في آخر الوقت في
مسألة وهي: إذا أوقع المكلَّف الفعل في أول أو وسط الوقت ما
حكمه؛ على قولين:
القول الأول: أن الفعل يقع نفلاً يسقط به الفرض.
حكى هذا عن بعض مشائخ الحنفية العراقيين.
دليل هذا القول:
استدل أصحاب هذا القول بأنه لو كان الفعل واجباً في أول
الوقت: لما جاز تأخيره عنه إلا إلى بدل، وقد جاز تأخيره عنه بغير
بدل، فثبت أنه فيه نفل.
جوابه:
يقال في الجواب عنه: إنا لا نُسَلِّمُ أنه يجوز تركه بغير بدل، فقد
ذهب أكثر المثبتين للواجب الموسع إلى أنه لا يجوز ترك الفعل في
أول الوقت إلا إذا كان عازماً على فعله في آخر الوقت، وهذا هو
البدل.
القول الثاني: أن المكلَّف إذا أدَّى الفعل في أول الوقت فهو
(1/194)

موقوف، فإذا جاء آخر الوقت، وهو على صفة التكليف - بأن كان
عاقلاً مسلما خاليا من الموانع - كان ما فعله في أول الوقت واجبا،
وإن جاء آخر الوقت، وقد زالت عنه صفة التكليف - بأن جن، أو
نزل بامرأة حيض، أو نحو ذلك -: كان الفعل الذي فعله في أول
الوقت نفلاً.
ونسب هذا إلى الكرخي، ويسمى هذاب " المراعاة ".
وذكرِ بعض العلماء كالزركشي في " تشنيف المسامع ": أن
الكرخي قال ذلك فراراً مما ورد على أصحابه الحنفية من تعلق
الوجوب بآخر الوقت من إجزاء النفل عن الفرض، فاختار هذه الطريقة.
جوابه:
أقول - في الجواب عنه -: إن هذا المذهب ضعيف؛ لأن كون
الفعل حالة الإيقاع لا يوصف بكونه فرضا ولا نفلاً خلاف القواعد
الشرعية.
ثم كيف ينوي هذه الصلاة؛ فهذا القول خلاف الإجماع؛ حيث
أجمع السلف على أن من فعل الصلاة في أول الوقت، ومات في
أثنائه أنه أدى فرض اللَّه، وأثيب ثواب الواجب كما حكى ذلك
الآمدي في الإحكام.
الفرقة الثالثة قالت: إن الوجوب يتعلق بالجزء الذي يتصل به
الأداء، وإلا فآخر الوقت الذي يسع الفعل ولا يفضل عنه.
وبعضهم عبَّر عنه بقوله: " إذا اختار وقتا تعيَّن إلى أن يضيق
فيتعين بالتضييق ".
حكي هذا عن أبي الحسن الكرخي وبعض العلماء.
(1/195)

دليل هذه الفرقة:
استدل هؤلاء على ذلك: بأن سبب الوجوب كل واحد من أجزاء
الوقت بطريق البدلية إن اتصل به الأداء، وإلا فآخره، إذ يستحيل أن
يكون جميع الوقت سبباً وإلا لزم الوجوب بعده.
وكذا يستحيل أن يكون أوله سبباً، أو آخره، لاستحالة تأخر
المسبَّب عن السبب وتقدمه عليه؛ إذ يجوز الأداء في آخر الوقت،
ولا يأثم به، ويجوز الأداء - أيضاً - في أوله، فلم يبق السببِ إلا
الجزء الذي اتصل الأداء به، أو آخره.
جوابه:
يقال في الجواب عنه - ماذا يراد بعبارة -: " إن الوجوب يتعلَّق
بالجزء الذي يتصل به الأداء "؟
إن كان المراد منها: أن وقته بطريق البدلية، أي: أن الأمر يقتضي
إيقاع الفعل في أحد أجزاء الوقت، لا بعينه، فإذا اتصل الفعل
بأحد أجزائه تبينا سقوط الفرض به، فهذا صحيح، وهو الذي نقول
به " حيث إنا قلنا - فيما سبق -: إن حاصل الواجب الموسع يرجع
في الحقيقة إلى الواجب المخيَّر.
وإن كان المراد منها: أنا نتبين عند الأداء أن ذلك وقته، وإن ما
سوى ذلك لم يكن وقته: فهذا غير صحيح، وذلك لمخالفته الأدلة
الصحيحة على أن الوقت موسع، أوله، ووسطه، وآخره، وقد سبق.
وإن كان المرإد منها غير ذلك فلا بدَّ من التصريح بذلك حتى يمكن
أن نقبله، أو نرده بالأدلة.
وأما قولهم - في الاستدلال -: " أول وقته لا يجوز أن يكون
(1/196)

سبباً للوجوب وإلا لزم تأخر المسبَّب عن السبب ": فيمكن أن يجاب
عنه: بأنا لا نُسَلِّمُ ذلك، فإن أول الوقت سبب للوجوب على وجه
التوسع، وقد تحقق ذلك معه، فلا يلزم تراخي المسبب،
والاستدلال بجواز التأخير على عدم الوجوب باطل.
تنبيه: هناك فرق - من فرق منكري الواجب الموسَّع - قد تركت
ذكرها، لأحد أمرين:
إما لأنها متداخلة مع المذاهب السابقة.
وإما لضعفها الشديد.
وقد ذكرت ذلك بإسهاب وأدلة كل فرقة مع الجواب عن ذلك في
كتابي: " الواجب الموسع عند الأصوليين "، فارجع إليه إن شئت.
بيان نوع الخلاف:
لبيان ذلك لا بد من التفصيل الآتي:
الخلاف الأول: الخلاف بين الجمهور - وهم المثبتون للواجب
الموسع - وبين الفرقة الأولى - وهم بعض السافعية القائلين: إن
الوجوب متعلِّق بأول الوقت - هذا الخلاف لفظي لا ثمرة له؛ لأن
القائلين بأن الوجوب متعلِّق بأول الوقت يجوِّزون فعله في وسط وآخر
الوقت، ويقولون: إنه قضاء سدَّ مسدَّ الأداء، وهذا متفق في المعنى
مع مذهب جمهور الأصوليين والفقهاء المثبتين للواجب الموسَّع.
الخلاف الثاني: الخلاف بين الجمهور - وهم المثبتون للواجب
الموسع - وبين الفرقة الثانية - وهم بعض الحنفية القائلين: إن
الوجوب متعلِّق بآخر الوقت - هذا الخلاف اختلف فيه على قولين:
القول الأول: إن الخلاف لفظي لا ثمرة له، وذلك لأن القائلين:
(1/197)

إن الوجوب متعلق بآخر الوقت يجوِّزون فعله في أول الوقت، وإنما
الخلاف في تسميته واجباً.
القول الثاني: إن الخلاف معنوي قد أثر في بعض الفروع الفقهية:
ْوهذا هو الصحيح عندي، لأنه بعد استقراء وتتبع بعض المسائل
الفقهية وجد أنها تأثرت بهذا الخلاف، وإليك بعض المسائل في ذلك:
1 - إذا صلى الصبي في أول الوقت، ثم بلغ قبل انقضاء الوقت
الموسع فهل تجزئه تلك الصلاة، ولا إعادة عليه أم ماذا؟
اختُلِف في ذلك:
فعلى مذهب الجمهور - وهم المثبتون للواجب الموسع - فإن
صلاته التي صلاها في أول الوقت تجزئه، ولا يلزمه إعادتها،
وقالوا - في تعليل ذلك -: إن الوجوب متعلّق في أول الوقت كما
هو متعلّق في آخر الوقت، وهذا الصبي قد بلغ قبل انقضاء زمن
الوجوب، فلا إعادة عليه، كما لو بلغ بعد انقضاء الوقت.
وعلى مذهب بعض الحنفية - وهم القائلون: إن الوجوب متعلِّق
في آخر الوقت - فإن صلاته لا تجزئه، فيلزمه إعادتها، وقالوا - في
تعليل ذلك -: إن الوجوب يثبت بآخر الوقت، وقد صار فيه أهلاً
للوجوب، حيث إنه بلغ فيه، فبان: أن ما أداه أولاً لم يكن في وقته.
2 - إذا سافر في أول الوقت، أو حاضت المرأة بعد دخول
الوقت، ومضى مقدار الفعل من الزمان فهل يجب الإتمام على
المسافر، أو القضاء على الحائض؟
اختُلِف في ذلك:
فعلى مذهب الجمهور: يجب الإتمام على المسافر، والقضاء على
الحائض؛ لأن كلًّا من المسافر والحائض قد أدرك وقت الوجوب.
(1/198)

أما على مذهب بعض الحنفية - وهم القائلون: إن الوجوب
متعلِّق بآخر الوقت - فإنه لا يجب الإتمام على المسافر، ولا القضاء
على الحائض، لأن الوجوب لم يتحقق في أول الوقت.
الخلاف الثالث: الخلاف بين الجمهور - وهم المثبتون للواجب
الموسع - وبين الفرقة الثالثة - وهم الذين قالوا: إن الوجوب يتعلَّق
بالجزء الذي يتصل به الأداء وإلا فآخر الوقت الذي يسع الفعل ولا
يفصل عنه - خلاف لفظي إن أرادوا من قولهم: " إن وقته المعيَّن هو
ما اتصل به الأداء ": أن ذلك وقته بطريق البدلية.
وقد بيَّنت ذلك هناك.
لكن إن أرادوا بتلك العبارة: أنا نتبين عند الأداء أن ذلك وقته،
وأن ما سوى ذلك لم يكن وقته، فالخلاف بينهم وبين الجمهور
معنوي؛ وذلك لمخالفته مقصود الجمهور المثبتين للواجب الموسع.
وقد بيَّنت ذلك بصورة أوسع في كتابي: " الواجب الموسع عند
الأصوليين "، وكتابي: " الخلاف اللفظي عند الأصوليين "،
فارجع إليهما إن شئت.
خامسا: الاختلاف في اشتراط العزم:
لما رجحنا في المسألة السابقة مذهب الجمهور، وهم المثبتون
للواجب الموسع بالأدلة، اختلف هؤلاء - فيما بينهم - في مسألة
وهي: إذا لم يفعل المكلف الفعل في أول وقته، وأراد فعله في آخر
الوقت، فهل يشترط العزم على ذلك أو لا؟
اختُلِف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: يشترط العزم.
(1/199)

أي: أن الإيجاب في الواجب الموسع يقتضي إيقاع الفعل في أي
جزء من أجزاء الوقت، فالمكلف مخير في أن يوقع الفعل في أول
الوقت، أو في وسطه، أو في آخره، ولكن لا يجوز ترك الفعل
في أول الوقت إلا بشرط العزم على فعله في وسط أو آخر الوقت،
فإن جاء آخر الوقت وهو لم يفعل الواجب فحينئذ تعيَّن فعله.
ذهب إلى ذلك أكثر المثبتين للواجب الموسع.
وهو الصحيح؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: القياس على الواجب المخيَّر، بيانه:
أنه لا يجوز للمكلف ترك أي خصلة من خصال الواجب المخيَّر إلا
بشرط النية على فعل غيرها، فكذلك لا يجوز أن يترك الفعل في
الجزء الأول من الوقت في الواجب الموسع إلا بشرط العزم على فعله
في الجزء الأوسط، أو الأخير من الوقت.
الدليل الثاني: أن وجوب العزم تابع لبقاء الفعل في الذمة،
ولازم لكل من عليه التكليف دخل وقته أو لم يدخل؛ لأنه إذا لم
يعزم على الفعل مع التذكر، فقد عزم على الترك، وهو معصية،
وترك المعصية واجب، إذن: العزم واجب.
الدليل الثالث: أن العزم لا بد منه إذا ترك فعلاً واجبا عليه مريداً
عمله في آخر وقته، فلذلك أوجب العلماء على المسافر إذا أراد أن
يجمع الظهر مع العصر جمع تأخير: أن يعزم على فعل صلاة الظهر
مع العصر، وإن لم يعزم فيكون تاركاً للصلاة - ضرورة - وهو
حرام.
كذلك المديون لا يجب عليه الأداء في وقت معين -
(1/200)

ما لم يشترط - ولكن يجب عليه العزم على أدائه، وإن لم يعزم على ذلك
فقد فعل محرَّماً.
ومثل ذلك الواجب الموسع إذا ترك فعله في أول وقته، فيجب
عليه أن يعزم على فعله في آخر وقته، وإلا كان تاركاً للفعل مطلقاً،
وهذا لا يجوز.
الدليل الرابع: أن القائل بأنه يجوز تأخير الفعل بدون بدل وهو
العزم يقال له: " لما لم يفعل المكلف الواجب في أول الوقت ما هي
نيته؛ ".
فإن قال: " لا نية له "، فهذا غير صحيح؛ لأنه لا بد لكل
عبادة من نية.
وإن قال: " إن له نية وهي: أن يعمله فيما بعد ": نقول: هذا
هو العزم على الفعل، وهو المطلوب.
المذهب الثاني: لا يشترط العزم.
أي: يجوز للمكلف تأخير الفعل في الواجب الموسع إلى وسط
الوقت، أو إلى آخره مطلقا، أي: بدون بدل، وذلك إلى أن
يتضيق الوقت بحيث إنه لو لم يشتغل به لخرج بعضه عن الوقت،
فإنه لا يجوز له التأخير إذ ذاك، أو يغلب على ظنه أنه لو لم يشتغل
به في هذا الجزء لفاته في الجزء الثاني من الوقت.
ذهب إلى ذلك بعض الأصوليين ومنهم الغزالي في " المنخول "،
وإمام الحرمين في " البرهان "، وأبو الحسين البصري في " المعتمد "،
وفخر الدين الرازي في " المحصول "، وأبو الخطاب في " التمهيد"،
والبيضاوي في " المنهاج "، وابن السبكي في " جمع الجوامع "
و" الإبهاج "، وغيرهم.
(1/201)

أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن المكلََّف الذي أخر الفعل الواجب في وقته
الموسع إلى آخر الوقت لو غفل عن العزم ومات: لم يكن عاصيا،
فلو كان العزم واجبا لعصى بموته وهو تارك له؛ لأن تارك الواجب
عاص.
جوابه:
يجاب عن ذلك: بأنه لم يعض لما ترك الواجب هنا؛ لأنه
غافل، والغافل غير مكلَّف؛ لأنه لا يفهم خطاب الشارع حال
غفلته، فيكون معذوراً بالغفلة، ولذلك لم يعص.
الدليل الثاني: لو كان العزم على الفعل في آخر الوقت بدلا عن
الفعل في أول الوقت: لوجب أن يكون بدلا عن أصل الواجب
حتى لا يجب عليه الفعل، ولما لم يجز أن يكون العزم على الفعل
بدلا عن أصل الوجوب لم يجز أن يكون بدلا عن الفعل في أول الوقت.
جوابه:
يجاب عن ذلك: بأن العزم على الفعل ليس بدلا عن الفعل
مطلقا، وإنما هو بدل عن الفعل في الجزء الذي لم يفعل فيه إلى أن
يبقى من الوقت ما يسع الفعل، وحينئذ يكون الفعل هو المتيقن على
المكلف، وذلك مثل التيمم في الطهارة ينتصب بدلا عن الوضوء في
استباحة الصلاة، ولا ينتصب بدلا عنه في رفع الحدث.
الدليل الثالث: أن العزم على الفعل بدل عن الصلاة في أول
الوقت، ومعروف أن البدل هو: ما يفعل لتعذر المبدل منه، وفعل
الصلاة في أول الوقت ليس بمتعذر، فلا يكون له بدل.
(1/202)

جوابه:
يقال في الجواب عنه: إنه وقع في الشريعة حالات يؤتي فيها
بالبدل مع أن المبدل ليس بمتعذر على المكلَّف أن يأتي به، تيسيراً
وتسهيلاً على المكلفين.
من أمثلة ذلك: المسح على الخفين بدل عن غسل الرجلين،
وكذلك المسح على العمامة بدل عن مسح الرأس، فهذه يجوز فعلها
مع القدرة على المبدل، وهذا كله من باب الرخص والتسهيل على
المكلفين، والواجب الموسع وسع اللَّه وقت أدائه من باب التيسير
والتسهيل.
ثم إن العزم على الفعل ليس بدلاً عن نفس الصلاة، بل هو بدل
عن تقديم فعلها - فقط -.
الدليل الرابع: أن قوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى
غسق الليل) ، وقول جبريل عليه السلام للنبي - صلى الله عليه وسلم -: "الوقت ما بين هذين "، وكذلك جميع النصوص الواردة في المواقيت يفهم
منها: أن الصلاة واجبة في هذا الوقت المحدد، وليس فيها أي
تعرض لوجوب العزم على الفعل في آخر الوقت إذا ترك فعل
الصلاة في أول الوقت، فإيجاب العزم - حينئذ - يكون زيادة على
النص لا دليل عليه، وما لا دليل عليه لا يجوز التكليف به.
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أن هذا الدليل لكم يفهم منه. أنكم تطالبوننا
بالاستدلال على اشتراط العزم على الفعل إذا لم يفعل الواجب
الموسَّع في أول الوقت، والمطالبة بالدليل ليست بدليل.
(1/203)

وعلى فرض أن المطالبة بالدليل دليل، فإننا قد أثبتنا أدلة قوية على
اشتراط العزم.
الجواب الثاني: أنا نوافقكم على أن النصوص السابقة لم تتعرض
صراحة لاشتراط العزم على فعل الصلاة في آخر الوقت إن لم تفعل
في أول الوقت، لكن فهم من تلك النصوص: أن الصلاة الواجبة
لا تتم ولا تصح إلا بأحد شيئين:
إما فعلها في أول الوقت.
أو العزم على فعلها في آخر الوقت.
ولا ثالث لهما.
وإذا كانت الصلاة لا تتم إلا بذلك - وهو قد ترك الفعل في أول
الؤقت - فيكون العزم واجباً؛ بناء على القاعدة الأصولية المعروفة:
" ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ".
بيان نوع الخلاف:
الخلاف بين المشترطين للعزم وغير المشترطين خلاف لفظي، لاتفاق
الفريقين على أن المكلَّف لا يترك الفعل في أول الوقت إلا إذا كان
عازما على الفعل في آخر الوقت، وإن لم يصرح أصحاب المذهب
الثاني - وهم المانعون من اشتراط العزم - بذلك؛ لأن وجوب العزم
تابع لبقاء الفعل في الذمة ولازم لكل من عليه التكليف دخل وقته أو
لم يدخل، وذلك لأنه إذا لم يعزم على الفعل مع التذكر، فقد عزم
على الترك، وهو معصية، وترك المعصية واجب.
فأي مكلف عاقل يفهم الخطاب لا يمكن - بأي حال من الأحوال -
أن يترك الفعل في أول وقته مطلقاً، بل تركه، وهو ينوي أن يعمله
(1/204)

في وقت آخر، وهو آخر وقت الوجوب، حيث إنه لو أخَّره عن
ذلك الوقت المحدَّد شرعاً من غير عذر فإنه يأثم، ويجب عليه
القضاء، وهذا متفق عليه بين الفريقين فكان الخلاف في الاصطلاح
واللفظ.
سادسا: حالات تأخير الواجب الموسع إلى آخر وقته:
قلنا - فيما سبق -: إن المكلَّف إذا لم يفعل الواجب الموسع في
أول وقته، وأراد تأخيره إلى آخر وقته، فلا يجوز ذلك التأخير إلا
إذا كان عازماً على فعله في آخر وقته.
لكن هذا التأخير ليس مطلقاً، بل له حالات تختلف باختلاف
ظن المكلَّف، وضيق الوقت، ولكل حالة حكم خاص بها، وإليك
بيان ذلك:
الحالة الأولى: لو أخَّر المكلف الفعل - في الواجب الموسع -
عن أول الوقت مع أنه غلب على ظنه عدم البقاء إلى آخر الوقت:
فإنه يكون عاصياً بترك الفعل في أول الوقت، وإن لم يمت، لأنه قد
تضيَّق الوقت بناء على ظنه الغالب، وترك الواجب في وقته المضيق
بلا عذر عصيان، هذا بالاتفاق.
الحالة الثانية: لو أخَّر المكلَّف الفعل حتى ضاق الوقت عن فعله،
ثم مات ولم يبق إلا الوقت الذي يتسع لأقل من أربع ركعات: فإنه
يموت عاصياً، لأنه لا يجوز تأخير الفعل عن هذا الوقت.
الحالة الثالثة: إذا أخر المكلَّف الفعل في الواجب الموسَّع عن أول
الوقت مع غلبة ظن السلامة، فمات فجأة أثناء الوقت الموسع، مثل
لو مات بعد زوال الشمس، وقد بقي من وقت الظهر ما يتسع لفعلها
(1/205)

وأكثر ولم يصلها، فاختلف العلماء المثبتون للواجب الموسع في
عصيانه على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لم يمت عاصيا.
ذهب إلى ذلك أكثر المثبتين للواجب الموسَّع.
وهو الصحيح؛ وذلك لأن الواجب الموسَّع يجوز تركه في أول
الوقت ليعمله في آخر وقته المحدَّد، وقد جاز الترك مع عدم علمه
بالعاقبة، وإذا كان تركه في أول الوقت ليفعله في آخر وقته جائزاً،
فكيف يعصى؟!.
المذهب الثاني: أنه يموت عاصيا.
ذهب إلى ذلك إمام الحرمين، وأبو الخطاب، والمجد ابن تيمية.
دليل هذا المذهب:
احتج أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنه يجوز له تأخير الفعل
من أول الوقت إلى آخره بشرط سلامة العاقبة، وهو: أنه يبقى إلى
آخر الوقت فيفعل الواجب.
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أنه نقل عن السلف أنهم أجمعوا على عدم
عصيان من مات في أثناء الوقت، وهو لم يفعل الواجب الموسع؟
إذ يعلم من عادتهم بالضرورة أنهم ما كانوا يؤثمون من مات فجأة في
أثناء الوقت إذا كان عازما مصمما على الامتثال.
وإذا ثبت الإجماع على هذا، فالقول بأنهم يعصون قول مخالف
للإجماع فلا يجوز.
الجواب الثاني: أن هذا الشرط لا يسلَّم لكم؛ لأن العاقبة مستورة
(1/206)

عن المكلف، وهي تعتبر من المغيبات التي لا يعلمها إلا اللَّه - تعالى -
فاشتراط مثل ذلك الشرط يفضي إلى المحال، وما أفضى إلى المحال
فهو محال؛ لأن سلامة العاقبة غيب لا يعلمه إلا اللَّه عَزَّ وجَلَّ،
ولم نكلف علمه، ولا بناء الأحكام عليه، لأننا لا نعلم حقيقة هل
يبقى المكلَّف حياً إلى آخر الوقت، فيفعل الواجب أو لا؟
واعلم: أنه لا يجوز للمكلف العزم على تأخير الفعل إلا إلى
زمن يغلب على ظنه السلامة، والبقاء إليه، والعيش فيه كمن أخَّر
فعل الصلاة عن أول وقتها إلى آخر وقتها، ومثل الشاب، أو الشيخ
الصحيح الذي لا يشكو من علَّة إذا أخَّر قضاء رمضان إلى شعبان،
والشاب الصحيح إذا أخَّر أداءَ الحج إلى سنة، أو سنتين - على رأي
من قال بأن الحج من أمثلة الواجب الموسَّع -.
فالظن - إذن - يختلف باختلاف الأحوال وقوى الرجال.
فإذا غلب على ظنه السلامة والبقاء إلى الزمن الذي يريد أن يوقع
الفعل فيه: جاز له تأخير الواجب الموسَّع إليه بمقتضى ذلك الظن
الغالب للبقاء.
وإذا غلب على ظنه عدم البقاء إلى الزمن الذي يريد أن يوقع
الفعل فيه: وجب الإتيان بالفعل قبل ذلك الزمن الذي لا يستطيع
أداء الفعل فيه، لأن الظن - هنا - مناط التعبد، فإن عزم على
تأخير الفعل مع ظنه الغالب في عدم السلامة والبقاء إليه: عصى
بمجرد هذا التأخير، لأنه أخَّر الواجب عن وقته مع القدرة على فعله
مع الظن الغالب من عدم البقاء.
فمثلاً لو عزم المريض المشرف على الهلاك على تأخير قضاء الصوم
شهراً، أو عزم الشيخ الهرم الضعيف على التأخير، وغلب على
(1/207)

ظنهما أنهما لا يعيشان إلى تلك المدة: عصيا بهذا التأخير؛ قياساً
على الشخص الذي عنده وديعة وظن ظناً غالباً بأن النار ستأتي عليها
فتحرقها، ومع ذلك لم يزلها من هذا المكان الخطر فهنا يضمنها؟
لأنه فرط في هذه الوديعة.
فكذا هنا يعصي ويأثم؛ لأنه أخَّر أداء الواجب إلى آخر وقته مع
ظنه الغالب بأنه لا يبقى إلى ذلك الوقت؛ حيث فرط في الوقت
الذي تضيق بسبب ظنه.
سابعاً: إذا فعل المكلَّف الفعل في الوقت الذي غلب على ظنه أنه لا
يعيش إليه، فهل هذا الفعل أداء أو قضاء؟
المكلف إذا غلب على ظنه أنه لن يبقى إلى آخر الوقت في
الواجب الموسَّع، ومع ذلك أخَّره فإنه يعصي بذلك التأخير، لأنه
ترك العمل بالظن الراجح، وعمل بالظن المرجوح، وهذا لا
يجوز؛ لما فيه من التفريط.
لكن لو حصل من المكلَّف أنه أخَّر الواجب الموسع إلى آخر وقته
مع أنه غلب على ظنه عدم البقاء إلى ذلك الوقت، ثم بأن له خطأ
ظنه فبقي - أي: لم يمت - وفعل ذلك الواجب في وقته المحدد له
شرعاً فهل يكون ذلك الفعل قضاء أو أداء؟
فمثلاً: لو أخَّر فعل الصلاة إلى آخر وقتها، مع غلبة ظنه أنه لا
يعيش إلى آخر الوقت، ولكنه عاش وفعل الصلاة في آخر الوقت،
فهل يكون هذا الفعل أداء أو قضاء؟
اختلف المثبتون للواجب الموسَّع
في ذلكْ على مذهبين:
المذهب الأول: أن الفعل أداء، ولا يكون قضاء.
(1/208)

ذهب إلى ذلك كثير من العلماء كالغزالي، وابن السبكي.
وهو الصحيح؛ لدليلين:
أولهما: أن الفعل قد وقع في وقته المحدد له شرعا، وهذه حقيقة
الأداء.
ثانيهما: أنه بأن خطأ ظنه، ولا عبرة بالظن الذي بأن خطؤه.
المذهب الثاني: أن الفعل قضاء، ولا يكون أداءً.
نسب هذا المذهب إلى القاضي أبي بكر الباقلاني.
دليل هذا المذهب:
استدل لهذا بأن المكلف لا غلب على ظنه أنه يموت قبل فعله صار
مضيقا في حقه بمقتضى ظنه ذلك، وصار كأن آخر. وقته هو: أول
الوقت الذي ظن أنه يموت فيه، فصار فعله له بعد ذلك خارجا عن
الوقت المضيق، أشبه ما لو فعله بعد خروج الوقت الأصلي المقدر له شرعا.
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أن جميع الوقت كان وقتا للأداء قبل ظن المكلف
تضييقه بالموت، والأصل بقاء ما كان على ما كان، وهذا المكلَّف قد
أوقع الفعل أولاً في وقته المحدد شرعا، وهذا هو الأداء حقيقة،
والظن لا يغير شيئاً في ذلك، إنما أثر الظن في تأثيمه بالتأخير بدون
عزم، ولا يلزم من تأثيمه بالتأخير مخالفة الأصل المذكور، وهو
بقاء الوقت الأصلي وقتا للأداء في وقته.
الجواب الثاني: أن قول القاضي: " إن هذا الفعل قضاء "
(1/209)

يلزم منه أن يوقعه بنية القضاء، وهذا بعيد " لأن وقت الأداء لا زال باقياً،
ولا قضاء في وقت الأداء " لأن القضاء والأداء متنافيان، كل واحد
منهما له وقت يخالف الآخر.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة لفظي " لأنه كما هو واضح قد وقع
الخلاف في التسمية، وقيل غير ذلك.
ثامناً: متى يتضيق الوقت في الواجب الموسع؟
هذا سبقت الإشارة إليه، ولكن لا بدَّ من ذكره هنا، تذكيراً
بذلك وحصراً له، ولبيان متى يعصى؟ فأقول:
يضيق الوقت في الواجب الموسَّع بطريقين:
الطريق الأول: بالانتهاء إلى آخر الوقت، بحيث لا ينفصل زمانه عنه.
وبناء على ذلك فإن المكلَّف يعصي بخروج وقته.
الطريق الثاني: بغلبة الظن بعدم البقاء إلى آخر الوقت، فإنه
مهما غلب ذلك على ظنه فإنه يجب عليه الفعل، كما لو كانت المرأة
تعرف أن الحيض يأتيها في ساعة معينة من الوقت، فيتضيق الوقت
عليها، فيجب عليها الفعل قبل ذلك الوقت.
وبناء على ذلك: فإن المكلف يعصي إذا أخَّره عن ذلك الوقت
الذي ظن أنه لا يبقى إليه.
المسألة الثامنة: الواجب المحدَّد، والواجَب غير المحدَّد:
أولاً: تعريفهما، والأمثلة عليهما، وحكمهما:
الواجب ينقسم بالنظر إلى تقديره وتحديده وعدم ذلك إلى قسمين:
القسم الأول: " واجب محدَّد ".
(1/210)

القسم الثاني: " واجب غير محدَّد ".
أما القسم الأول - وهو: الواجب المحدَّد - فهو: الفعل الذي
طلبه الشارع طلباً جازماً، وقد حدَّده الشارع وقدَّره بمقدار معيَّن،
وفصله عن غيره، مثل: الصلوات الخمس، فقد حُدِّدت كل صلاة
بركعات محدَّدة، ومثل زكاة الأموال، وصيام رمضان، والنذر لمن
حدده، وغسل الوجه، وغسل الرجلين واليدين، ونحو ذلك.
فحكم هذا القسم: أن لا يفعل المكلَّف شيئاً زائداً على الفعل
المحدَّد والمعيَّن، وإذا توقف وجوده، أو العلم بوجوده على شيء:
يكون ما توقف عليه واجباً، لأنه لا تبرأ الذمة إلا بأدائه بمقداره الذي
قدَّره الشارع، وهو من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
أما القسم الثاني - وهو: الواجب غير المحدَّد - فهو: الذي لم
يحدده ولم يقدره الشارع بقدر معين مثل: الطمأنينة في الركوع،
والطمأنينة في السجود، ومدة القيام، ومدة القعود، وذلك في
الصلاة، حيث وجبت الطمأنينة في الركوع والسجود، ولكن لم
يقدر الشارع مدة هذه الطمأنينة، كذلك أوجب الشارع فيها القيام
والقعود مدة من الزمن، ولكن لم يحدد ولم يعين الشارع هذه المدة.
فحكم هذا القسم: أن المكلف يستطيع أن يزيد على أقل
الواجب، بحيث تكون هذه الزيادة لا تنفصل عن حقيقة الواجب
مثل: الزيادة في الطمأنينة في الركوع والسجود، والزيادة في مدة
القيام، وفي مدة القعود.
ثانياً: حكم الزيادة على أقل الواجب:
هذه الزيادة التي يزيدها المكلَّف على أقل الواجب
هل هي واجبة أو هي مندوبة؟
اختلف العلماء على مذهبين:
(1/211)

المذهب الأول: أن تلك الزيادة مندوبة.
ذهب إلى ذلك كثير من العلماء كالغزالي، وفخر الدين الرازي،
والبيضاوي، والقاضي أبي بكر الباقلاني، وأبي إسحاق الشيرازي،
وأبي عبد اللَّه الجرجاني، وأبي يعلى الحنبلي، وأبي الخطاب.
وهو الراجح عندي؛ لدليلين:
أولهما: أن الواجب هو: الذي لا يجوز تركه إلا بشرط البدل
وهو: العزم على الفعل في آخر الوقت في الواجب الموسَّع، أو
فعل غيره من الخصال المخير بينها في الواجب المخير، وهذه الزيادة
في الطمأنينة - مثلاً - على أقل الواجب يجوز تركها بلا شرط ولا
بدل، وهذا هو حد الندب، فتكون تلك الزيادة مندوبة.
ثانيهما: أن من فعل من الأمور به ما يقع عليه الاسم، فإنه
يحسن أن يخبر عن نفسه، ويقول: " فعلت ما أمرت به "، ولو
كان اللفظ يتناول أكثر من ذلك لما حسن الإخبار عن نفسه بذلك.
المذهب الثاني: أن الزيادة على أقل الواجب تكون واجبة.
أي: أن الزيادة على أقل ما يطلق عليه الاسم واجبة فيكون الفعل
جميعه واجب.
ذهب إلى ذلك بعض الحنفية، ونسب إلى الكرخي منهم.
دليل هذا المذهب:
إن نسبة الواجب وما زاد عليه إلى الأمر نسبة واحدة، والأمر في
نفسه أمر واحد لا يتجزأ، وهو أمر إيجاب، والواجب وما زاد عليه
لا يتميز أحدهما عن الآخر بشيء، فإذا فعل المكلَّف الواجب وما
زاد عليه يوصف بأنه ممتثل، والامتثال واجب فيكون الواجب وما زاد
عليه واجباً.
(1/212)

جوابه:
يقال في الجواب عنه: إما أن تتميز الزيادة، أو لا تتميز.
فإن تميزت الزيادة عن الواجب الذي تناوله الاسم، أي: تميز
أحدها عن الآخر ببعض التميز فلا نسلم أن نسبة الواجب وما زاد
عليه إلى الأمر نسبة واحدة، بل الواجب نسبته إلى الأمر بالوجوب،
ونسبة الزيادة إلى الأمر بالندبية.
ولا نسلم - أيضا - أن الأمر في نفسه واحد لم يتجزأ، بل الأمر
واحد من حيث اللفظ، أما من حيث حقيقته فهو أمران: أحدهما:
جازم بالنسبة إلى الواجب، والآخر: غير جازم بالنسبة إلى الزيادة.
أما إذا لم تتميز الزيادة - أي: لم يتميز الواجب وما زاد عليه -:
فيحتمل أن يكون بعضه واجبا وبعضه ندبا؛ قياسا على من دفع ديناراً
عن زكاة عشرين ديناراً، فيكون نصف الدينار عن العشرين،
والنصف الآخر قد دفعه ندبا وصدقة.
بيان نوع هذا الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة معنوي له أثره؛ حيث ترتب على هذا
الخلاف اختلاف في بعض المسائل الفقهية، ومنها:
1 - أنه إذا مسح رأسه كله دفعة واحدة - وقلنا: إن الواجب
مسح قدر الناصية - فالواجب هو: قدر الناصية، والزائد ندب على
المذهب الأول، أما على المذهب الثاني: فكله واجب.
2 - أنه لو كان عنده خمس من الإبل فعجل زكاتها، وأخرج
بعيراً - وقلنا بالإجزاء - فهل كله واجب، أو بعضه هو الواجب؟
اختلف في ذلك والخلاف مبني على الخلاف في هذه المسألة الأصولية.
(1/213)

3 - أنه إذا زاد في مبيت ليلة مزدلفة الواجبة لحظة من النصف
الثاني، فإن الزيادة نافلة؛ بناء على المذهب الأول، أما على
المذهب الثاني، فالكل واجب.
4 - أنه إذا وقف بعرفات زيادة على قدر الواجب، فالزيادة نفل
بناء على المذهب الأول، أما على المذهب الثاني فالكل واجب.
المسألة التاسعة: الواجب العيني، والواجب الكفائي:
أولاً: تعريفهما، والأمثلة عليهما، وسبب تسميتهما بذلك:
الواجب ينقسم باعتبار فاعله إلى قسمين:
القسم الأول: الواجب العيني.
القسم الثاني: الواجب الكفائي.
أما القسم الأول - وهو: الواجب العيني - فهو: ما يتحتم أداؤه
على مكلَّف بعينه.
أو هو: ما طلب حصوله من كل واحد من المكلفين كالصلاة،
والصيام والحج، ونحو ذلك.
وسمي بالواجب العيني؛ لأن الفعل الذي تعلق به الإيجاب
منسوب إلى العين والذات باعتبار أن ذات الفاعل مقصودة.
وحكمه: لزوم الإتيان به من كل واحد بعينه، بحيث لا تبرأ ذمته
إلا بفعله.
أما القسم الثاني - وهو: الواجب الكفائي - فهو: ما يتحتم
أداؤه على جماعة من المكلفين، لا من كل فرد منهم، بحيث إذا قام
(1/214)

به بعض المكلَّفين فقد أدِّي الواجب، وسقط الإثم والحرج عن الباقين
مثل: الجهاد في سبيل اللَّه إن لم يكن النفير عاماً، والصلاة على
الميت وتغسيله، وتكفينه، ورد السلام، وإنقاذ الغريق، ونحو ذلك.
وسمي بالواجب الكفائي؛ لأنه منسوب إلى الكفاية والسقوط من
حيث إن فعله من أي فاعل أسقط طلبه عن الآخرين.
وحكمه: أنه إذا قام به من يكفي من المكلَّفين سقط عن الباقين.
وإذا لم يؤده أحد لحق الإثم جميع المكلَّفين.
فالقصد من الفعل الكفائي: هو وقوع الفعل نفسه لما يترتب عليه
من جلب مصلحة، أو دفع مفسدة بقطع النظر عمن يقع منه.
ثانياً: متى يتحوَّل الواجب الكفائي إلى واجب عيني؟
عرفنا - فيما سبق - أن المقصود من الواجب الكفائي هو: وقوع
الفعل لما يترتب عليه من جلب المصلحة أو دفع المفسدة، دون النظر
إلى فاعله، ولكن قد تطرأ بعض الأحوال التي تجعله واجباً عينياً،
وذلك مثل:
1 - أن يأمر الإمام شخصاً بتجهيز ميت تعين عليه، وليس له
استنابة غيره.
2 - أنه لو رأى شخص غريقاً، وكان بإمكانه إنقاذه أصبح إنقاذه
واجباً عينياً عليه.
3 - لو دخل الكفار ديار المسلمين، ولم يتمكن الجند صدهم
تعين على كل مسلم مكلَّف قادر أن يساهم بما يستطيعه حتى يتحقق
صد العدو.
4 - إذا غلب على ظن المكلَّف أن غيره لم يقم بالواجب
الكفائي، وهو قادر على القيام به أصبح هذا الواجب في حقة عينياً.
(1/215)

ثالثاً: شروط فرض الكفاية:
الذي يوصف بأنه فرض كفاية له شرطان:
الشرط الأول: أن يكون فيه مصلحة شرعية، أو هو وسيلة
لمصلحة شرعية.
مثال المصالح الشرعية: ضبط أصول الفقه، وفروعه، والكتاب،
والسُّنَّة، والإجماع، والقياس، وأنواع الأدلة، وأن يوصلها كل
قرن إلى من بعده، ومناظرة الملحدين والطاعنين في الدين الإسلامي،
وضبط أصول الدين، وتعليم القرآن، والفروع الشرعية للطلاب،
والنحو، واللغة، وكل ما يتعلق بالكتاب والسُّنَّة.
ومثال الوسائل إلى المصالح الشرعية: الصنائع والحرف التي لا
يستغنى عنها الناس، فيجب أن تخرج لكل حرفة طائفة من الناس،
فإذا كان لهم في ذلك نية حسنة أثيبوا ثواب الواجب، وإن لم يكن
لهم نية فلا ثواب لهم، وليس كل واجب يثاب عليه.
الشرط الثاني: أن يكون مما لا تتكرر مصلحته بتكرر وجوده، مثل:
إنقاذ الغريق، فإنه إذا رفعه واحد من البحر، ثم نزل آخر بعده لم
يحصل بنزوله مصلحة، وكذلك إطعام الجوعان، وإكساء العريان،
فهذا ونحوه يجب على الكفاية، ويسقط عن الآخرين نفياً للتعب.
رابعاً: هل فرض الكفاية أفضل من فرض العين؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن فرض العين أفضل من فرض الكفاية.
ذهب إلى ذلك كثير من العلماء.
وهو الصحيح؛ لأن فرض العين مفروض حقاً للنفس، فهو أهم
(1/216)

عندها من فرض الكفاية وأكثر مشقة، بخلاف فرض الكفاية، فإنه
مفروض حقا للكافة، والأمر إذا عم خف، وإذا خص ثقل.
المذهب الثاني: أن فرض الكفاية أفضل من فرض العين.
ذهب إلى هذا أبو محمد الجويني، ونسبه إلى الإمام الشافعي.
دليل هذا المذهب:
أنه في فرض الكفاية يسقط الفرض عن نفسه وعن غيره، فهو أكثر
في الأجر، أما في فرض العين فإنه يسقط الفرض عن نفسه - فقط -.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا ليس بصحيح؛ لأن القيام بفرض العين أكثر
في الأجر والثواب؛ لأنه أشق من فرض الكفاية، والأجر على قدر
المشقة.
أما نسبته إلى الإمام الشافعي فليس بصحيح، - فإن الشافعي مع
أصحاب المذهب الأول، ودل على ذلك قوله في " الأم ": " قطع
الطواف المفروض لصلاة الجنازة، أو الرواتب مكروه؛ إذ لا يحسن
ترك فرض العين لفرض الكفاية ".
وذكر الغزالي في " إحياء علوم الدين " - مؤيدا المذهب الأول -:
أن من عليه فرض عين فاشتغل بفرض كفاية، وزعم أن مقصوده
الحق: فهو كذاب، ومثاله: من ترك الصلاة، واشتغل في تحصيل
الثياب ونسجها قصداً لستر العورات.
خامسا: في بيان أن فرض الكفاية لا يلزم بالشروع:
الصحيح: أن فرض الكفاية لا يلزم بالشروع فيه إلا في حالتين:
أولهما: في الجهاد في سببيل اللَّه؛ لأنه إذا شرع في الجهاد ثم
(1/217)

ترك الصف، ففي ذلك كسر لقلوب الجند، وعدم حثهم على
القتال.
ثانيهما: في الصلاة على الجنازة؛ لأنه إذا شرع في الصلاة على
الجنازة، فإنه يلزمه الإتمام، لأن الانسحاب من ذلك فيه هتك لحرمة
الميت كمن قام من مجلس مسلم بدون إذنه.
سادساَّ: من هو المخاطب بفرض الكفاية؟
اختُلِف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن المخاطب بفرض الكفاية هو الكل، أي:
موجه إلى جميع المكلَّفين، وفعل بعضهم هذا الواجب مسقط للطلب
منهم.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وهو الصحيح؛ لاتفاق العلماء على ترتيب الإثم على الجميع إذا
لم يقم به أحد، فتأثيم الجميع موصما لتكليفهم جميعاً، لأنه لا
يمكن أن يؤاخذ الإنسان على شيء لم يكلفه، فدل على أن وجوبه
على الجميع.
المذهب الثاني: أن المخاطب بفرض الكفاية هو: بعض المكلفين
- فقط -.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء كتاج الدين ابن السبكي في " جمع الجوامع ".
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قياس الإبهام في المكلََّف على الإبهام في المكلَّف به.
بيانه: كما جاز التكليف بأمر مبهم في الواجب المخيَّر، فكذلك
(1/218)

يجوز تكليف بعض مبهم من الجماعة، وذلك لحصول المصلحة
المطلوبة في ذلك.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا القياس غير صحيح، لأنه قياس مع النص،
حيث وردت نصوص دلت على تكليف الجميع دون البعض، كما في
قوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله) ، وقوله: (يا أيها الذين
آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار) ، فهذه الخطابات وردت في
القتال، وهي تعم كل الأفراد بدليل واو الجماعة واسم الموصول
اللذين يفيدان العموم، مع الاتفاق على أن القتال فرض كفاية، فإن
هذا التعميم في الآيات بتوجيه الخطاب إلى مجموع المسلمين دليل
على أن الواجب الكفائي مطلوب من الجميع.
الدليل الثاني: أن سقوط الواجب الكفائي بفعل بعض المكلَّفين
دليل على توجيه الخطاب فيه إلى بعض المكلَّفين، لا كلهم، لأن
الأصل عدم سقوط الشيء إلا بفعل من وجب عليه، وما دام أن
الاتفاق قد وقع على سقوطه بفعل بعض المكلَّفين، فيكون الواجب
موجها إلى هذا البعض فقط.
جوابه:
يجاب عنه: بأن الواجب قد سقط عن الجميع بفعل بعضهم لا
لأن هؤلاء البعض قد طلب منهم الواجب فقط، وإنما سقط الواجب
عن الجميع بفعل البعض، لأن المقصود في الواجب الكفائي هو:
فعل الواجب وإيقاعه بقطع النظر عن الفاعل - كما قلنا سابقا -،
فإذا كان الفعل قد حصل فقد حصلت المصلحة التي من أجلها صدر
الأمر من الشارع، وبعد ذلك يكون بقاء الوجوب على الباقين
(1/219)

تحصيلاً للحاصل، كما لو أوجب أداء دين على كفيلين، فأدى
أحدهما الدين كله، فإنه يسقط أداء هذا الواجب عن الكفيل الآخر،
فكذا هنا.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة لفظي لا ثمرة له؛ لأن الحكم لا يتغير
سواء كان المخاطب به هو الكل، أو البعض؛ حيث إنه إذا قام به
من يكفي سقط عن الباقين.
***
المسألة العاشرة: ما لا يتم الواجب إلا به هل هو واجب؟
هذه المسألة تسمى تارة بهذا الاسم، وتسمى تارة بـ " مقدمة
الواجب "، وتارة تسمى بـ " الوسيلة " أو " وسيلة الواجب "
أو "ما لا يتم الأمر إلا به يكون مأموراً به ".
تحرير محل النزاع في هذه المسألة:
أقول في ذلك: إن الذي يتوقف عليه الواجب قسمان:
القسم الأول: ما يتوقف عليه في وجوبه.
القسم الثاني: ما يتوقف عليه في وقوعه.
أما القسم الأول - وهو: ما يتوقف عليه وجوب الواجب - فهذا
القسم لا يجب إجماعا سواء كان سببا أو شرطا، أو انتفاء مانع.
فبلوغ النصاب - مثلاً - سبب يتوقف عليه وجوب الزكاة، فلا
يجب على أحد تحصيله حتى تجب الزكاة عليه.
والزوجات والمماليك سبب وجوب النفقات، فلا يجب تحصيلها
حتى تجب تلك النفقات.
(1/220)

والإقامة شرط وجوب الصوم، فلا يجب على أحد أن يقيم في
بلد ويترك السفر حتى يجب عليه الصوم.
والدين مانع من الزكاة، فلا يجب على أحد أن يوفي دينه حتى
تجب الزكاة.
أما القسم الثاني - وهو: ما يتوقف عليه إيقاع الواجب بعد تقرر
الوجوب - فهو يتنوع إلى نوعين:
النوع الأول: ما يكون غير مقدور للمكلف، أي: أن يكون ما
لا يتم الواجب إلا به غير مقدور للمكلف كالقدرة على الفعل،
واليد في الكتابة، والرجل للمشي، وحضور الإمام والعدد الكامل
للجمعة، فهذا النوع لا يجب إجماعاً؛ لأنه ليس بقدرة المكلف ولا
طاقته تحصيل ذلك، بل عدم تلك الأمور يمنع الوجوب.
النوع الثاني: ما يكون مقدوراً للمكلَّف، أي: أن يكون ما لا
يتم الواجب إلا به مقدوراً للمكلَّف، ويجب فيستطيع فعله واختياره.
وهذا النوع - وهو المقدور عليه - له أربع حالات:
الحالة الأولى: أن يكون إيجاب الواجب مقيَّداً بحصول المقدور
عليه، وورد صريحاً كقولك لغيرك: " إن ملكت النصاب فزك " أو
تقول: " إن توضأت فصل "، فهذا واجب مقيَّد بحصول السبب،
أو الشرط، وقد حصل الاتفاق على أن كلًّا من السبب والشرط في
- هذه الحالة - لا يجب بوجوب الواجب، بل الواجب نفسه لا
يجب إلا بعد حصول السبب والشرط.
الحالة الثانية: أن يُصرح بعدم إيجابه، كأن يقول: " صل، ولا
أوجب عليك الوضوء "، فهنا: ما لا يتم الواجب إلا به لا يجب
بالاتفاق؛ عملاً بموجب التصريح.
(1/221)

الحالة الثالثة: أن يُصرح بوجوبه كأن يقول: " صل، وأوجب
عليك الوضوء "، فهنا: ما لا يتم الواجب إلا به واجب اتفاقاً؟
عملاً بموجب التصريح.
الحالة الرابعة: ألا يصرح الشارع بإيجابه ولا عدم إيجابه، ولا
يقيده بشيء، بل يأتي اللفظ مطلقاً مثل وجوب غسل الوجه، هل
يوجب غسل جزء من الرأس ليتحقق غسل الوجه؛ ومثل وجوب
صوم اليوم هل يجب تبعاً لذلك صوم جزء من الليل ليتحقق من
صوم اليوم؛ فهذا هو المحل الذي تنازع فيه العلماء.
أي: هل ما لا يتم الواجب إلا به واجب؟
اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
* المذهب الأول: أن ما لا يتم الواجب المطلق إلا به واجب مطلقا.
أي: سواء كان سبباً شرعياً مثل: الصيغة للعتق الواجب.
أو سبباً عقلياً مثل: النظر المحصل للعلم الواجب.
أو سبباً عادياً مثل: حز الرقبة بالنسبة إلى القتل.
أو شرطاً شرعياً مثل: الوضوء للصلاة.
أو شرطاً عقلياً مثل: ترك أضداد المأمور به.
أو شرطاً عادياً مثل: غسل جزء من الرأس مع الوجه ليتحقق
غسل كل الوجه، وهذا هو مذهب جمهور العلماء.
وهذا هو الصحيح عندي، لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن ما لا يتم الواجب إلا به لا بد منه في الواجب،
وما لا بد منه في الواجب يكون واجباً.
(1/222)

فعندنا مقدمتان:
الأولى: أن ما لا يتم الواجب إلا به لا بد منه في الواجب.
الثانية: أن ما لا بد منه في الواجب يكون واجباً.
دليل المقدمة الأولى: أن ما لا بد منه في الشيء الواجب لا يكمل
ذلك الشيء الواجب إلا به.
دليل المقدمة الثانية: أن ما لا بد منه المكمل للواجب لازم،
واللازم واجب، فما لا بد منه واجب.
فنتج من المقدمتين: أن ما لا يتم الواجب إلا به واجب.
الدليل الثاني: أن الواقع المحسوس يشهد لذلك، فإن السيد لو
قال لعبده: " ائتني بماء "، ولا يوجد الماء إلا في البئر، فإنه لا
يمكن أن يحضر الماء لسيده إلا بسحب الماء من البئر برشاء ودلو،
فيلزمه - حينئذٍ - إحضار الرشاء والدلو ليسحب بهما الماء، وذلك
ليفعل ما أمره به سيده إذا كان له طريق إليه، فلا يجوز له تركه - مع
القدرة - وإلا لاستحق العقوبة من السيد.
فلذلك لزمه ووجب عليه إحضار السبب " وهو الرشاء والدلو "
الذي بواسطتهما يمكنه تنفيذ أمر سيده، وهو جلب الماء؛ لأنه لا
يمكن إحضار الماء إلا بهما، فلذلك وجبا.
فنتج أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
تنبيه:
اختلف الجمهور - وهم أصحاب المذهب الأول - في وجوب ما لا
يتم الواجب إلا به - وهي مقدمة الواجب -
هل هو متلقى من نفس الصيغة الموجبة للواجب، أو متلقى من دلالتها؟
(1/223)

اختلف هؤلاء في ذلك على قولين:
القول الأول: أن وجوب ما لا يتم الواجب إلا به أخذ من نفس
الصيغة الموجبة للواجب المطلق.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء كما ذكره ابن السمعاني في
" القواطع ".
القول الثاني: أن وجوب ما لا يتم الواجب إلا به أخذ من دلالة
الصيغة، أي: أن وجوب مقدمة الواجب دلَّت عليها الصيغة من
حيث المعنى.
وهذا هو الصواب؛ لأن الدلالة اللفظية: ما كان مسموعا في
اللفظ، ولا شك أن لكل من الشرط والسبب لفظا يخصه، ولم
يسمع ذلك، فوجب أن تكون دلالته من حيث المعنى.
المذهب الثاني: أن ما لا يتم الواجب إلا به ليس بواجب مطلقا.
ذهب إلى ذلك بعض الشافعية.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن الخطاب لم يتعرض لإيجاب هذه الأشياء، وأن
هذه الشرائط لها صيغ بخصوصها، واختلاف الصيغ يدل على
اختلاف المصوغ له.
جوابه:
يقال في الجواب عنه: إن هذا الدليل لكم يدل على أنكم تقولون
بأن لفظ الصيغة لا يدل على وجوب المقدمة، وإنما وجوب المقدمة
دل عليه معنى الصيغة، وهذا ما نقوله.
الدليل الثاني: أنه لو وجب ما يتوقف عليه الواجب للزم تعقل
(1/224)

الموجب له، لأن الإيجاب بدون التعقل غير معقول، والتالي باطل
وذلك لأن كثيراً ما نؤمر بأشياء ونغفل عن مقدماتها.
جوابه:
يقال في الجواب: إنا نمنع لزوم التعقل هنا، وإنما يلزم فيما إذا
كان الأمر بالمقدمة صريحاً، ولكن مقدمة الواجب هنا صارت: واجبة
عندنا عن طريق دلالة الصيغة عليها من حيث المعنى.
- المذهب الثالث: إن كانت المقدمة شرطا شرعيا فتجب، وإن لا
فلا.
ذهب إلى ذلك إمام الحرمين، وابن القشيري، وابن برهان،
وابن الحاجب.
دليل هذا المذهب:
أن الشرط الشرعي إنما عرفت شرطيته من الشارع، فعدم إيجابه
بالخطاب الموجب للمشروط يوجب غفلة المكلف عنه، وعدم التفاته
إليه، وذلك موجب لتركه، وتركه يؤدي إلى بطلان المشروط، فلزم
من ذلك: أن يكون الخطاب الموجب للمشروط موجباً له.
بخلاف غير الشرعي، فإن شرطيته عرفت من غير الشرع كالعقل
والعادة.
جوابه:
يقال في الجواب عنه: إن هذا التفريق بين الشرط وغيره لا داعي
له؛ لأن كلًّا من الشروط والأسباب الشرعية وغير الشرعية يفهم
وجوبها من صيغة الخطاب الموجب للواجب عن طريق المعنى.
المذهب الرابع: إن كانت مقدمة الواجب سبباً، فتجب وإلا فلا.
(1/225)

اختاره صاحب المصادر.
أي: أن الخطاب الدال على إيجاب الشيء يدل على إيجاب سببه
فقط، سواء كان هذا السبب شرعيا، أو غير شرعي، وأما الشرط
فلا يدل الخطاب على إيجابه مطلقا.
دليل هذا المذهب:
أن ارتباط الشيء بسببه أقوى من ارتباطه بشرطه؛ لأنه معروف:
أن السبب يؤثر بطرفي الوجود والعدم، والشرط إنما يؤثر بطرف
العدم خاصة.
جوابه:
يقال في الجواب عنه: إنه لا داعي ولا مبرر لهذا التفريق بين
السبب والشرط، لأن كلًّا منهما يفهم وجوبه من صيغة الخطاب
الموجب للواجب عن طريق المعنى.
- المذهب الخامس: الفرق بين الملازم في الذهن، وغير الملازم.
فإن كانت مقدمة الواجب قد لازمت الذهن حال استماع المكلف
للأمر، وعلم أن الإتيان بالمأمور به ممتنع بدون الإتيان بتلك المقدمة،
فهي واجبة.
أما إذا كانت مقدمة الواجب غير ملازمة للذهن، بل لم نعلم بها
إلا عن طريق العقل والشرع، فلا يكون الأمر واجبا من تلك
الصيغة، بل واجب من المركب من الأمر والعقل.
ذهب إلى هذا بعض المتأخرين، كما قال ذلك الزركشي.
جوابه:
يقال في الجواب عنه - كما قلنا فيما سبق -: إن هذا التفريق
(1/226)

لا داعي له؛ لأنه متى ما علمنا بالمقدمة، سواء عن طريق الذهن، أو
عن طريق الخطاب الآمر بالواجب، فإنها تكون تلك المقدمة واجبة.
- المذهب السادس: التوقف.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أنه يحتمل أن يكون الخطاب الآمر بالواجب الأصلي آمراً بشرط
تحصيل المقدمة، ويحتمل غير ذلك والاحتمالان متساويان، فوجب التوقف.
جوابه:
يقال في الجواب عنه: إنه لا داعي لهذا التوقف مع وضوح أدلتنا
على وجوب المقدمة - وهو المذهب الأول - لأن الخطاب الآمر
بالواجب الأصلي هو أمر بتحصيل المقدمة عن طريق معنى الصيغة.
بيان نوع هذا الخلاف:
هذا فيه تفصيل، إليك بيانه:
الخلاف الأول: الخلاف بين الجمهور القائلين بوجوب المقدمة
مطلقا، وبين أصحاب المذهب الثاني القائلين بعدم الوجوب مطلقا،
هذا الخلاف اختُلِف فيه على قولين:
القول الأول: أن الخلاف لفظي.
وهو الصحيح عندي؛ لأن أصحاب المذهبين قد اتفقا على أن
المقدمة واجبة، دلَّ على ذلك استقراء وتتبع كلام أصحاب المذهب
الثاني؛ حيث إنه يفهم من كلامهم في تقرير مذهبهم أنهم ينكرون
وجوب المقدمة من نفس الصيغة الموجبة للواجب المطلق، ولكن لا
ينكرون وجوب المقدمة من دلالة اللفظ بالتضمن أو الالتزام.
(1/227)

أي: من أنكر إيجاب المقدمة مطلقا لكون الأمر ساكتاً عنها، إنما
أراد أن الأمر لم يتناولها لفظة، ولم ينكر أنها تجب تبعا، وهذا
موافق لمذهب الجمهور بأن المقدمة واجبة مطلقا؛ حيث إنهم أرادوا به
أن المقدمة تجب تبعا للواجب الأصلي، ولم يقولوا: إنها تجب
بالأمر الدال على الواجب صراحة، فكان كل فريق موافقا للآخر في
المعنى والمراد، فكان الخلاف لفظيا.
القول الثاني: إن الخلاف معنوي له فائدة.
واختلف أصحاب هذا القول - فيما بينهم - في هذه الفائدة، هل
هي في الآخرة، أو في الدنيا؟ على رأيين:
الرأي الأول: أن فائدة الخلاف في الآخرة فقط وهي: تعلق
الثواب والعقاب، أي: إذا فعل المكلف الواجب ومقدمته، فهل
نقول: يثاب ثوابين: ثواب على الواجب، وثواب على المقدمة؟
وإذا تركهما هل يعاقب عقابين: عقاب على الواجب، وعقاب على
المقدمة؟
اختلف في ذلك، والخلاف مبني على الخلاف في تلك المسألة
الأصولية.
الرأي الثاني: أن فائدة الخلاف في الدنيا؛ حيث إنه يترتب على
هذا الخلاف في هذه القاعدة، اختلاف في عدد كثير من المسائل
الفقهية، فقالوا على لزوم المقدمة وهو رأي الجمهور الأحكام التالية:
1 - أنه إذا اشتبهت المنكوحة بالأجنبية حرمتا معاً، ووجب الكف
عنهما، وكذا إذا اشتبهت الميتة بمذكاة.
2 - إذا نسي صلاة من الخمس ولم يعلم بها لزمه أن يصلي جميع
الخمس، لتحقق براءة الذمة.
(1/228)

3 - إذا خفي عليه موضع النجاسة من الثوب، أو البدن وجب
غسله كله.
4 - إذا اختلط موتى المسلمين بموتى الكفار وجب غسل الجميع
وتكفينهم، والصلاة عليهم.
5 - إذا اشتبهت عليه الثياب النجسة بالطاهرة لزمه أن يصلي بعدد
النجس، ويزيد صلاة أخرى لتحقق الصلاة بثوب طاهر.
الجواب عن تلك الأمثلة:
يجاب عن ذلك بأن تلك الأمثلة لا تمنع من القول بأن الخلاف
لفظي، وذلك لأن أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: إن
المقدمة لا تجب مطلقا - لا يخالفون في ذلك، فقد وافقوا الجمهور
عليها، لكنهم وافقوهم عليها عن طريق التبع، أي: أنها وجبت
بسبب دلالة الصيغة، لا بنفس الصيغة الدالة على وجوب الواجب
المطلق.
الخلاف الثاني: الخلاف بين الجمهور وبين أصحاب المذهب
الثالث والرابع، وهم المفرقون بين السبب والشرط، أو بين الشرط
الشرعي وغيره هو: خلاف لفظي - أيضا -؛ لأنه لا يستلزم الفرق
الذي ذكروه اختلافا بينهما في الأحكام الفقهية.
الخلاف الثالث: الخلاف بين الجمهور وبين أصحاب المذهب
الخامس وهم القائلون بالفرق بين الملازم في الذهن فيجب، وبين
غير الملازم فلا يجب هو: خلاف لفظي - أيضا -؛ لاتفاق
الفريقين على أن المقدمة واجبة، وهو عند الجمهور واضح.
أما عند أصحاب المذهب الخامس، فالمقدمة إما واجبة، بالصيغة
(1/229)

نفسها التي أوجبت الواجب المطلق، حيث قالوا: إن المكلََّف حال
استماع صيغة الأمر يعلم أن الإتيان بالمأمور ممتنع بدون الإتيان بتلك
المقدمة.
وإما إنها واجبة بدلالة صيغة الأمر، لا بالصيغة نفسها، حيث
قالوا: فلا تكون المقدمة واجبة من تلك الصيغة، بل من المركب من
الأمر والعقل، وهذا هو مقتضى مذهب الجمهور ومقصودهم من
مذهبهم.
(1/230)

المطلب الثاني في المندوب
ويشتمل على المسائل التالية:
المسألة الأولى: مناسبة ذكر المندوب هنا.
المسألة الثانية: في حقيقة المندوب:
أولاً: تعريف المندوب لغة.
ثانياً: تعريفه اصطلاحاً.
المسألة الثالثة: في صيغ المندوب وأساليبه.
المسألة الرابعة: في الاختلاف في أسماء المندوب هل هي مترادفة أو لا؟
المسألة الخامسة: هل المندوب مأمور به حقيقة؟
المسألة السادسة: هل يعتبر المندوب من أحكام التكليف؟
المسألة السابعة: هل يلزم المندوب بالشروع فيه؟
(1/231)

المسألة الأولى: في مناسبة ذكر المندوب هنا:
لقد ذكرنا المندوب بعد الواجب مباشرة: لاشتراكهما في طلب
الفعل؛ وأن كلًّا منهما يثاب على فعله، وإن كان ثواب الواجب
أعظم من ثواب المندوب.
وبعض الأصوليين يذكرون الحرام بعد الواجب مباشرة، ويذكرون
المندوب قبل المكروه، ولعل علتهم في ذلك: أن كلًّا من الواجب
والحرام يشتركان في صيغة واحدة، والمندوب والمكروه يشتركان في
صيغة واحدة.
فالواجب والحرام يشتركان في الطلب الجازم، سواء كان طلب
فعل أو ترك.
والمندوب والمكروه يشتركان في الطلب غير الجازم، سواء كان
طلب فعل أو طلب ترك.
والأوْلى ما ذكرناه؛ لأن أثر الطلب أو الترك أقوى من أثر الجزم
وعدمه.
المسألة الثانية: حقيقة المندوب:
أولاً: المندوب لغة مأخوذ من الندب وهو: الدعاء إلى أمر مهم،
يقال: " ندبته " أي: دعيته إلى شيء مهم، ولم يرد عن العرب إلا
لذلك كما قال قريط العنبري:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم للنائبات على ما قال برهانا
والنائبة هي: المصيبة العظيمة.
(1/233)

فهذا الشاعر قد دعا بني مازن من تميم لنجدته وإعانته على
استرجاع إبله ممن أخذها، فقاموا بذلك، واسترجاع الإبل من
الأعداء ليس بالأمر الهين، فيثبت: أن الندب هو الدعاء إلى فعل
أمر مهم، أما الدعاء إلى فعل أمر غير مهم، فلا يسمى ندباً.
ثانياً: المندوب اصطلاحا:
أقرب التعريفات إلى الصحة عندي هو: المطلوب فعله شرعاً من
غير ذم على تركه مطلقاً.
شرح التعريف وبيان محترزاته:
قولنا: " المطلوب فعله " أخرج الحرام؛ لأنه مطلوب تركه،
- وأخرج المكروه؛ لأنه مطلوب تركه - أيضاً -، وأخرج المباح؛ لأنه
لم يطلب تركه ولا فعله.
قولنا: " شرعاً " أخرج المطلوب فعله من غير طريق الشرع.
قولنا: " من غير ذم على تركه " أخرج الواجب؛ لأنه مطلوب
فعله، ويذم على تركه مطلقا.
قولنا: " مطلقا " لبيان أنه يجوز ترك المندوب مطلقاً، أي: بلا بدل.
وأخرج بلفظ " مطلقاً " الواجب الموسَّع، والواجب المخير،
والواجب الكفائي؛ لأن هذه الواجبات الثلاثة يجوز تركها، لكن
بشرط البدل.
فالواجب الموسَّع يجوز تركه في أول الوقت بشرط العزم على
فعله في آخر الوقت.
(1/234)

والواجب المخيَّر يجوز فيه ترك أيِّ خصلة بشرط العزم على فعل
الخصلة الأخرى من بين المخيَّر بينها.
والواجب الكفائي يجوز للمكلَّف ترك الواجب بشرط علمه بأن
غيره قد فعله.
أما المندوب فيجوز تركه بلا بدل ولا شرط.
المسألة الثالثة: في صيغ المندوب وأساليبه:
المندوب ليس له صيغة معينة، بل له صيغ مختلفة تدل عليه وهي:
الصيغة الأولى: الأمر الصريح إذا وجدت قرينة تصرفه من
الوجوب إلى الندب، مثل قوله تعالى: (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً) ، فهذا الأمر للندب وليس للوجوب، والقرينة الصارفة هي:
السُّنَّة التقريرية؛ حيث إنه لما نزلت هذه الآية لم يكاتب بعض
الصحابة عبيدهم الذين بين أيديهم، ولم ينكر عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الصيغة الثانية: التصريح بأن ذلك سُنَّة، كقوله - صلى الله عليه وسلم - في قيام رمضان - في رواية -: " وسننت لكم قيامه ".
الصيغة الثالثة: التصريح بالأفضلية الوارد من الشارع، ومنه قوله
- في غسل الجمعة -: " ومن اغتسل فالغسل أفضل ".
الصيغة الرابعة: كل عبارة تدل على الترغيب، ومنه قوله - عليه
السلام - لبريرة - حيث أعتقت وفارقت زوجها مغيثا وكان رقيقا -:
" لو راجعتيه ".
(1/235)

المسألة الرابعة: الاختلاف في أسماء المندوب هل هي مترادفة أو لا؟
المندوب له أسماء كثيرة، فهل تلك الأسماء مترادفة أو مختلفة؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن المندوب، والمستحب، والتطوع، والسُّنَّة،
والإحسان، والمرغب فيه أسماء مترادفة؛ لأنها أسماء لمعنى واحد،
وهو: المطلوب فعله شرعاً من غير ذم على تركه مطلقا، أو هو:
الفعل المطلوب طلباً غير جازم.
المذهب الثاني: أن تلك الأسماء غير مترادفة.
وهو: اختيار بعض الحنفية، وبعض المالكية، وبعض الشافعية،
وبعض الحنابلة.
واختلف أصحاب هذا المذهب في التفريق بينها على أقوال:
القول الأول: إنه يوجد فرق بين السُّنَّة، والمستحب، والتطوع،
فالسُنَّة: ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - وواظب عليه، والمستحب: هو ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يواظب عليه، بل فعله مرة أو مرتين.
أما التطوع: فهو الذي لم يفعله النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل أنشأه المكلَّف من نفسه واختاره، ذهب إلى ذلك بعض العلماء كالقاضي حسين،
والبغوي.
القول الثاني: أن لفظ " السُنَّة " يختص بالعرف بالمندوب بدليل
قولهم: " هذا واجب أو سُنَّة ".
القول الثالت: أن لفظ " السُّنَّة " غير مرادف للمندوب، بل
يتناول كل ما علم أو ظن ندبيته أو وجوبه بقوله أو فعله عليه السلام،
ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: "الختان سُنَّة للرجال ومكرمة للنساء "،
(1/236)

وقال: " النكاح من سنتي، فمن رغب عن سنتي فليس مني ".
قال صفي الدين الهندي في " نهاية الوصول ":
وليس المراد منه النكاح المندوب فقط، بل المراد منه إما النكاح
الواجب، أو المطلق الذي هو قدر مشترك بين الواجب والمندوب،
أو العموم ليتناول جميع أفراده.
القول الرابع: إن النفل والتطوع لفظان مترادفان، وهما ما سوى
الفرائض والسنن، أما المستحب ونحو ذلك فأنواع لهما.
القول الخامس: إن السُّنَّة ترتب كالرواتب مع الفرائض، والنفل
والندب: ما زاد على ذلك.
القول السادس: إن النفل قريب من الندب، إلا أنه دونه في الرتبة.
القول السابع: إن السُّنَّة: ما ارتفعت رتبته في الأمر، وبالغ
الشرع في التحضيض عليه، أما ما كان في أول هذه المراتب فهو
تطوع ونافلة، أما ما كان متوسطا بين هذين فهو فضيلة ومرغب فيه.
القول الثامن: إن السُّنَّة: مما صلاهما - صلى الله عليه وسلم - في جماعة وداوم عليها، والفضيلة: ما دخل في الصلاة وليس من أصل نفسها
كسجود التلاوة.
بيان نوع الخلاف:
هذا الخلاف بين أصحاب المذهب الأول وأصحاب المذهب الثاني
على اختلاف أقوالهم خلاف لفظي راجع إلى اللفظ والتسمية؛ لأن
حاصله أن كلًّا من تلك الأقسام، كما أنها تسمى بأسمائها المذكورة،
هل تسمى بغير تلك الأسماء؟
فعلى المذهب الأول، فإنه يُسمَّى كل منها باسم الآخر، أي:
(1/237)

يصدق على كل من الأقسام أنه مرغب فيه من الشارع، ومطلوب
فعله.
أما على المذهب الثاني: فإنه لا يسمى كل واحد من الأسماء
باسم الآخر، أي: لا يصدق على كل من الأقسام اسم الآخر،
بل لكل اسم واصطلاح خاص به، فالخلاف في إطلاق الاسم فقط.
***
المسألة الخامسة: هل المندوب مأمور به حقيقة؟
لا خلاف ولا نزاع في أن المندوب تتعلق به صيغة الأمر " افعل "،
وتستعمل فيه.
ولكن الخلاف في -: هل المندوب مأمور به حقيقة؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن المندوب مأمور به حقيقة.
ذهب إلى ذلك الإمام الشافعي، وأحمد، وأكثر أتباعهما،
واختاره المحققون من الحنفية، وهو وجه عند المالكية.
وهذا هو الصحيح عندي؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: أن الأمر هو: استدعاء الفعل بالقول على وجه
الاستعلاء.
والاستدعاء هو: الطلب، والمندوب مستدعى ومطلوب، وبناء
على ذلك فإن المندوب يدخل في حقيقة الأمر كما دخل الواجب؟
لاشتراكهما في شيء واحد وهو: أن كلًّا منهما مستدعى ومطلوب،
فهذا يصدق عليهما.
أي: كما أن " الإنسان " و " الفرس " يصدق عليهما اسم واحد،
(1/238)

وهو: " الحيوان "؛ إلا أن الأول حيوان ناطق، والثاني حيوان غير
ناطق، فكذلك الواجب والمندوب يصدق عليهما اسم واحد، وهو:
أن كلًّا منهما مأمور به حقيقة إلا أن الأمر بالواجب أمر جازم،
والأمر بالمندوب أمر غير جازم.
الدليل الثاني: أنه قد شاع وذاع بين الفقهاء وأهل اللغة أن الأمر
ينقسم إلى قسمين: " أمر إيجاب " و " أمر ندب واستحباب "،
وحيث إن مورد القسمة مشترك بين القسمين بالضرورة، فإنه يثبت:
أن المندوب مأمور به حقيقة كالواجب.
الدليل الثالث: أن اللَّه سبحانه وتعالى قد أطلق الأمر على
المندوب في الكتاب، والأصل في الإطلاق الحقيقة، فيكون المندوب
مأموراً به حقيقة.
من ذلك: قوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى) ، فهنا قد أمر اللَّه تعالى بأشياء، منها: ما هو
واجب، كالأمر بالعدل، ومنها ما هو مندوب إليه كالأمر بالإحسان،
وإعطاء ذي القربى، وهذا يدل دلالة واضحة على أن الأمر يطلق
على المندوب، كما يطلق على الواجب سواء بسواء، وهذا يقتضي
أن المندوب مأمور به حقيقة كالواجب.
ومن ذلك قوله تعالى: (وأمر بالمعروف) ، فهنا قد أمر الله
تعالى بالمعروف، والمعروف عام لدخول أل الاستغراقية عليه، فهو
يشمل الطاعات الواجبة، والطاعات المندوبة، وهذا يدل على أن
الأمر يطلق على المندوب حقيقة كما يطلق على الواجب ولا فرق.
ومن ذلك ما قالته أم عطية - رضي اللَّه عنها -: "أمرنا - صلى الله عليه وسلم - أن نخرج في العيدين العواتق "، ومعروف أنه ليس إخراجهن واجباً.
(1/239)

ومن ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم: " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، وإبرار القسم،
ونصرة المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام " فإن هذه الأمور
فيها ما هو واجب، وفيها ما هو مندوب إليه، ومع ذلك قد وحَّد
الشارع الأمر، مما يدل على أن الأمر قد استعمل في المندوب،
والأصل في الاستعمال الحقيقة، فثبت أن المندوب مأمور به حقيقة.
الدليل الرابع: أن المندوب طاعة، وكل ما هو طاعة فهو مأمور به
حقيقة، فالمندوب مأمور به حقيقة.
دليل المقدمة الصغرى - وهي: أن المندوب طاعة -:
إجماع العلماء على أن المندوب طاعة.
دليل المقدمة الكبرى - وهي: أن كل ما هو طاعة فهو مأمور به
حقيقة -: أن الطاعة تقابل المعصية، والمعصية مخالفة الأمر،
فالطاعة: امتثال الأمر.
فتكون النتيجة: أن المندوب مأمور به حقيقة.
اعتراض على هذا:
قال معترض على الدليل الرابع: إن كون المندوب طاعة لا يدل
على أنه مأمور به؛ لأن الطاعة ليست من خصائص الأمر.
جوابه:
يقال في الجواب عن ذلك: إن الطاعة والمعصية مقرونتان بالأمر
من حيث الامتثال والمخالفة، فيكونان من خصائصه، ويؤيد ما قلناه
نصوص قد وردت:
منها: قوله تعالى: (أفعصيت أمري) ، وقوله: (ويفعلون ما يؤمرون) .
(1/240)

ومن ذلك: قول حصين بن منذر ليزيد بن المهلَّب - شعراً -:
أمرتك أمراً جازما فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإمارة نادمَا
فما أنا بالباكي عليك صبابة ... وما أنا بالداعي لترجع سالماَ
ومن ذلك قول العرب - نثراً -: " فلان مطاع الأمر "، و " فلان
معصي الأمر "، وقولهم: " أمر فأطيع "، وقولهم: "أمر فعصي ".
المذهب الثاني: أن المندوب غير مأمور به حقيقة، وإنما اعتبر
مأموراً به عن طريق المجاز.
ذهب إلى ذلك: أبو الحسن الكرخي، والجصاص، وأبو بكر
الشاشي، وأبو إسحاق الشيرازي، وأبو حامد الإسفراييني، وفخر
الدين الرازي، وعبد الرحمن الحلواني، ونقل عن أكثر الشافعية،
وهو وجه للمالكية، واختاره إلكيا الهراسي، وأستحسنه ابن
السمعاني، وصحَّحه ابن العربي.
أدلة أصحاب هذا المذهب:
الدليل الأول: قوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) .
وجه الدلالة: أن اللَّه حذَّرنا من مخالفة أمره، وتوعَد من يخالف
ذلك الأمر بالعقاب - وهو الفتنة والعذاب -، فلو كان المندوب
مأموراً به حقيقة لحذَّرنا اللَّه سبحانه من مخالفته، ولكن لم يصدر
أيّ تحذير من مخالفة المندوب؛ حيث إنه يثاب على فعله، ولا
يعاقب على تركه، فينتج أن المندوب ليس مأموراً به حقيقة.
جوابه:
يقال في الجواب عنه؛ إنا نسلِّم أن الأمر - هنا - يقتضي الوجوب
(1/241)

حيث إن اللَّه تعالى توعَّد من يخالف أمره بالعقاب، ولكن يجوز
صرف هذا الأمر من الوجوب إلى الندب بصارف، فإذا صرف الأمر
من كونه يقتضي الوجوب إلى كونه يقتضى الندب، فإن ذلك لا
يخرج الأمر عن تسميته أمراً، فثبت: أن الأمر يطلق على المندوب
حقيقة كالواجب بدليل: اشتراكهما في التسمية.
الدليل الثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم -: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ".
وجه الدلالة: أن " لولا " تفيد انتفاء شىء لوجود غيره، والمراد
هنا: انتفاء الأمر لوجود المشقة.
فلو كان المندوب مأموراً به حقيقة، لكان السواك مأموراً به،
ولكن الصادق المصدوق نفى الأمر عن السواك من أجل المشقة التي
ستلحق الأمة لو أمر به، والمشقة لا تلحق إلا فيما يجب فعله،
فثبت أن المندوب غير مأمور به حقيقة.
جوابه:
يقال في الجواب عنه: إن المنفي هنا هو الأمر الجازم الذي يقتضي
الوجوب، ويكون تقدير الكلام: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم
أمر إيجاب وإلزام "، بدليل: أنه امتنع منه لأجل المشقة، والمشقة
إنما تلحق فيما يلزم فعله.
وإذا ثبت أن المنفي هو الأمر الجازم: ثبت أن الأمر غير الجازم لم
ينفه الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وهو الدال على المندوب، فنتج من ذلك: أن المندوب مأمور به حقيقة بقطع النظر عن كونه جازماً أو غير جازم.
الدليل الثالث: أنه يفهم من صيغة الأمر أنها تقتضي إيقاع الفعل
(1/242)

اقتضاء جازما لا تخيير فيه؛ حيث إن تاركه يعاقب، بخلاف
المندوب، فإن فيه نوع تخيير، وهو: إن شاء المكلَّف فعل المندوب
وله ثواب، وإن شاء ترك ولا عقاب عليه، ولو كان المندوب مأموراً
به حقيقة لما وقع التخيير فيه، فثبت أن المندوب ليس مأموراً به حقيقة
لثبوت التخيير فيه.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أن الأمر ليس فيه تخيير، بل يقع
التخيير فيه بدليل " الواجب الموسَّع "، حيث خيَّر الشارع المكلَّف
بين أن يوقع الفعل في أول الوقت، أو وسطه، أو آخره، وبدليل
"الواجب المخيَّر "، حيث خيَّر الشارع المكلَّف بين أن يفعل إحدى
خصال الكفارة.
الجواب الثاني: سلمنا لكم قولكم: " إن الأمر لا تخيير فيه "،
ولكن لا نُسَلِّمُ أن المندوب فيه تخيير؛ لأن فعل المندوب أرجح من
تركه.
أما التخيير فهو عبارة عن كون فعل الشيء وتركه سواء لا يرجح
أحدهما على الآخر كالفعل والترك بالنسبة للمباح، فثبت أن المندوب
لا تخيير فيه، فشارك الواجب في عدم التخيير، فثبتت مشاركته في
كونه مأموراً به حقيقة، فنتج: أن المندوب مأمور به حقيقة.
الدليل الرابع: لو كان المندوب مأموراً به لسمى تاركه عاصيا،
ولجاز أن يقال لمن ترك قيام الليل، وصيام التطوع، وصلاة النفل،
وصدقات التطوع، وإماطة الأذى عن الطريق: " عصيت أمر اللَّه "،
(1/243)

كما يقال في الواجب، ولما لم يجز أن يوصف تارك المندوب
بالعصيان دلَّ على أن المندوب غير مأمور به حقيقة.
جوابه:
يقال في الجواب عنه: إن تارك المندوب لم يسم عاصياً بسبب أن
العصيان اسم ذم مختص بمخالفة أمر الإيجاب، فلو سمي تارك
المندوب عاصياً لالتبس مع الواجب، لذلك أسقط اللَّه تعالى الذم
عن تارك المندوب.
بيان نوع هذا الخلاف:
لقد اختلف في هذا الخلاف على قولين:
القول الأول: إن الخلاف لفظي لا ثمرة له.
وهذا هو الصحيح عندي؛ لأن المندوب مطلوب فعله باتفاق
أصحاب المذهبين، فلم يبق إلا في إطلاق اسم الأمر على المندوب
حقيقة، أو مجازاً.
القول الثاني: إن الخلاف معنوي، قد ترتب عليه بعض الآثار
والفوائد، منها:
1 - أنه إذا ورد لفظ الأمر، ودل دليل على أنه لم يرد به
الوجوب، فإنه يحمل على الندب، دون الحاجة إلى دليل، وذلك
بناء على المذهب الأول؛ حيث إن اللفظ عندهم له حقيقتان.
أما على المذهب الثاني: فإنه لا يحمل الأمر على الندب إلا بدليل
وذلك لأن حمل اللفظ على المجاز لا يجوز إلا بدلالة؛ لجواز كون
الأمر للإباحة.
2 - أنه إذا قال الراوي: " أمرنا "، أو "أمرنا رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بكذا "
(1/244)

فعلى المذهب الأول: يكون الأمر متردداً بين إرادة الوجوب
والندب، فيكون الأمر مجملاً بينهما ولا بد من دليل يرجح المقصود.
أما على المذهب الثاني: فإن الأمر يكون للوجوب، وهو ظاهر
فيه حتى يقوم دليل على خلافه.
***
المسألة السادسة: هل يعتبر المندوب من أحكام التكليف؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن المندوب من الأحكام التكليفية.
وهو مذهب الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، والقاضي أبي بكر
الباقلاني، وابن عقيل، وابن قاضي الجبل، وابن قدامة، والطوفي.
وهو الصحيح عندي؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن التكليف طلب ما فيه كلفة ومشقة، وفعل
المندوب رغبة في الثواب واحتياطا للدين فيه مشقة، وتركه فيه مشقة
على المكلف القوي الإيمان؛ نظراً لفوات الثواب الجزيل بفعله،
وربما كان ذلك أشق عليه من الفعل.
الدليل الثاني: أن تخصيص الفعل بوعد الثواب يحث العاقل على
الفعل، وهذا من الكلفة.
فإن قال معترض: إن المندوب غير ملجا لذلك الفعل بالإكراه
الشرعي، والمشقة إنما تنشا عن الإلجاء، والمختار لا مشقة فيه.
فإنا نقول له: إن هذا الاعتراض يناسب المعنى اللغوي للتكليف
(1/245)

الذي هو: إلزام ما فيه كلفة وهي: المشقة، ولا يناسب المعنى
الشرعي للتكليف وهو: " الخطاب بأمر أو نهي "، كما سيأتي.
الدليل الثالث: أن التكليف من الشارع هو: طلب ما فيه كلفة
ومشقة، إلا أن ذلك قد يكون بإلزام وذاك هو الإيجاب، وقد لا
يكون بإلزام وذاك هو المندوب، فهما قد طلبهما الشارع، ولم يخير
في فعلهما أو تركهما، وهما في فعلهما مشقة وكلفة، إلا أنهما
يختلفان في الترك، فترك الواجب يزيد في المشقة؛ لأن التارك
يعاقب، أما ترك المندوب فلا مشقة فيه؛ لأنه لا عقاب عليه، فتبقى
المشقة في المندوب في الفعل فقط.
المذهب الثاني: أن المندوب ليس من الأحكام التكليفية.
ذهب إلى ذلك: إمام الحرمين، وابن برهان، والآمدي، وابن
الحاجب، والقرافي، وتاج الدين ابن السبكي، ونسبه بعضهم إلى
الأكثرين.
أدلة أصحاب هذا المذهب:
الدليل الأول: أن التكليف إنما يكون بما فيه كلفة ومشقة،
والمندوب لا كلفة ولا مشقة فيه، بل هو مساو للمباح في التخيير بين
الفعل والترك من غير حرج مع زيادة الثواب على الفعل.
جوابه:
يقال في الجواب عنه: إن قياسكم المندوب على المباح قياس فاسد؟
لأنه قياس مع الفارق، حيث إنه يوجد فرق بين المندوب والمباح من
وجوه:
الوجه الأول: أن المندوب مطلوب فعله، أما المباح فهو مخير بين
الفعل والترك.
(1/246)

الوجه الثاني: أن المندوب يثاب المكلََّف على فعله، أما المباح فإن
المكلَّف إذا فعله فإنه لا يثاب.
الوجه الثالث: أن العقل والشرع يمنعان من ترك المندوبات
استصلاحاً ونظراً، لا عزماً وجزماً، بخلاف المباحات، فإن العقل
والشرع لا يمنعان من تركها.
الدليل الثاني: أن المندوب في سعة من تركه، ولا تكليف في السعة.
جوابه:
يقال في الجواب عنه: إنا لا نُسَلِّمُ ذلك؛ لأن كون الشارع قد
جوَّز ترك المندوب لا يعني أنه لم يكلف به، بل كلف به إلا أن ذلك
التكليف ليس بإلزام على فعله، - وإلا كان واجباً.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة لفظي لا ثمرة له؛ حيث إنه راجع إلى
تفسير التكليف ما هو؟
فمن فسر التكليف بأنه " الخطاب بأمر أو نهي "، أو " الأمر بما
فيه كلفة، أو النهي عما في الامتناع عنه كلفة ":
قال: المندوب من التكليف.
ومن فسَّر التكليف بأنه: " إلزام ما فيه كلفة ": قال: المندوب
ليس من التكليف؛ لأنه لا إلزام في طلب المندوب.
فيكون أصحاب المذهبين متفقين على أن المندوب مطلوب فعله،
إلا أن أحدهما نفى عنه اسم التكليف؛ نظراً لعدم الإلزام في طلبه،
(1/247)

والآخر - وهو الذي اخترناه - أثبت له اسم التكليف؛ لوجود
المشقة والكلفة في طلبه كما قلنا.
***
المسألة السابعة: هل يلزم المندوب بالشروع فيه؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن المندوب لا يلزم بالشروع فيه، أى: لا يصير
المندوب واجباً بالشروع فيه مطلقاً.
أي: أن المكلف إذا شرع بمندوب، فإنه يجوز له تركه متى ما
شاء، فهو مخير بين قطعه وإتمامه، لكن يستحب له الإتمام؛ لما فيه
من الثواب، فإن قطعه فلا إثم ولا قضاء عليه.
هذا في غير نفل الحج والعمرة، - حيث يجب فيهما الإتمام، أما
غيرهما فلا يجب عليه الإتمام - كما قلنا -.
ذهب إلى ذلك: الإمام أحمد في رواية عنه، والشافعية، والحنابلة.
وهو الصحيح عندي؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر "،
فأجاز - هنا - قطع صيام النفل بدون إثم ولا قضاء، فيدل على أن المندوب لا يلزم بالشروع فيه.
الدليل الثاني: ما روي: " أن - صلى الله عليه وسلم - كان ينوي صوم التطوع ثم يفطر "، وهو واضح في الدلالة على أن المندوب لا يلزم في
الشروع فيه.
الدليل الثالث: أن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال لي
(1/248)

رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم: " يا عائشة، هل عندكم شيء؟ "، فقلت: يا رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ما عندنا شيء، قال: " فإني صائم "
قالت: فخرج رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فأهديت لنا هدية، ثم عاد فقلت: قد خبأت لك شيئاً، قال: " ما هو؟ "
قلت: حيس، قال: "هاتيه "، فجئت به فأكل، ثم قال: " كنت أصبحت صائما ".
وجه الدلالة: أنه لو كان الإتمام واجبا لفعله النبي @س) ، ولكنه
قطعه ولم يتمه، فدل ذلك على عدم لزوم الإتمام.
الدليل الرابع: إجماع الصحابة السكوتي دلَّ على ذلك؛ حيث
إن أبا الدرداء، وأبا طلحة، وأبا هريرة، وابن عباس، وحذيفة،
كانوا يصومون تطوعا، ثم يقطعون ذلك من غير نكير من بقية
الصحابة، فصار بمثابة الإجماع السكوتي على أن النفل لا يلزم
بالشروع فيه، فلو أنكر عليهم بعض الصحابة في ذلك لنقل إلينا كما
نقل إلينا غيره.
الدليل الخامس: قول الصحابي وفعله دلَّ على ذلك، حيث إن
البيهقي وعبد الرزاق أخرجا عن ابن عمر وابن عباس أنهما أصبحا
صائمين، ثم أفطرا، وقال ابن عمر: لا بأس به ما لم يكن نذراً أو
قضاء رمضان.
وقال ابن عباس: إذا صام الرجل تطوعا، ثم شاء أن يقطعه قطعه،
وإذا دخل في صلاة تطوعا، ثم شاء أن يقطعها قطعها.
الدليل السادس: آخر النفل من جنس أوله ولا فرق بينهما.
فكما أنه مخير في الابتداء بين أن يسُرع فيه وبين أن لا يشرع فيه؟
لكونه نفلاً، فكذلك يكون مخيراً في الانتهاء، وإذا ترك الإتمام فإنما
ترك أداء النفل، وذلك لا يلزمه شيئاً.
(1/249)

المذهب الثاني: أن المندوب يلزم بالشروع فيه، فإذا شرع المكلف
في أداء المندوب، فإنه يجب عليه المضي فيه وإتمامه.
ذهب إلى ذلك أكثر الحنفية، وأكثر المالكية على تفصيل في ذلك:
فالحنفية ذهبوا إلى أن المكلف إذا شرع في أداء النفل، فيجب عليه
الإتمام، فإن خرج منه لعذر: لزمه القضاء، ولا إثم عليه، وإن
خرج منه لغير عذر: لزمه القضاء وعليه الإثم.
هذا في جميع المندوبات.
أما المالكية، فقد ذهبوا إلى أنه يجب عليه الإتمام إذا شرع في
المندوب، فإن خرج منه بغير عذر فعليه القضاء فقط، وإن خرج
بعذر فلا قضاء عليه. هذا في سبعة من المندوبات - عندهم - وهي:
"الحج المندوب "، و " العمرة المندوبة " - وهذا بالاتفاق بين
العلماء - و " طواف التطوع "، و " الصلاة المندوبة "، و "الصوم
المندوب "، و " الائتمام: فمن صلى في جماعة امتنع أن يفارق
الإمام "، و " الاعتكاف: فمن نوى اعتكاف عشرة أيام وجب عليه
إكمالها إذا شرع فيها ".
أما ما عدا ذلك من المندوبات - فيجوز - عند المالكية - أن يقطعه
إذا دخل فيه.
أدلة أصحاب هذا المذهب:
استدل هؤلاء على أن المكلََّف إذا شرع في المندوب أو النفل، فإنه
يجب عليه إتمامه، ولا يجوز قطعه بأدلة، هي كما يلي:
الدليل الأول: قوله تعالى: (ولا تبطلوا أعمالكم) .
وجه الدلالة؛ أن اللَّه نهى عن إبطال الأعمال مطلقا، وهذا يعم
(1/250)

الأعمال الواجبة والأعمال المندوبة، والنهي المطلق يفيد التحريم،
فيكون الإبطال حرام، وترك الحرام واجب، فيكون إتمام ما شرعنا
فيه واجبا، سواء كان واجبا أصلاً أم مندوباً.
جوابه:
يجاب عن ذلك بأجوبة:
الجواب الأول: أن النهي هنا يحمل على التنزيه، لا على
التحريم، والذي صرفه إلى التنزيه الأحاديث السابقة التي ذكرناها
ضمن أدلة المذهب الأول؛ حيث إنها خاصة، والآية عامة، وإذا
تعارض العام مع الخاص قدم الخاص؛ جمعاً بين الدليلين، وبناء
على هذا يكون النهي الوارد في الآية للتنزيه.
وإذا ثبت هذا، فإنه يجوز لمن شرع في النفل أن يقطعه مطلقاً.
الجواب الثاني: على فرض أن النهي في الآية للتحريم، وليس
للتنزيه، فإن الآية خاصة في إبطال الأعمال بالردة بدليل الآية التي
قبلها، وهي قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (32) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33) .
الجواب الثالث: على فرض أن النهي في الآية للتحريم، وليس
للتنزيه، فإن الآية خاصة في إبطال الأعمال بالرياء، وهو رأي ابن
عباس، وابن جريج، ومقاتل، كما نقله بعض المفسِّرين
كالزمخشري، والقرطبي، ونقله ابن عبد البر عن أهل السنة.
الدليل الثاني: أن أعرابياً جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله
- 251 -
(1/251)

الله، ماذا فرض اللَّه عليّ من الصلاة؛ قال: " خمس صلوات في
اليوم والليلة "، قال: هل عليّ غيرهن؟ قال: " لا، إلا أن
تطوع ".
وجه الدلالة: أنك إن دخلت في التطوع فإنه يلزمك إتمامه، وإن
كان في الأصل هو تطوع، ولا يلزم المكلَّف فعله، لكن لزم بسبب
دخولك فيه.
جوابه:
يقال في الجواب عنه: إن الاستثناء في قوله: " إلا أن تطوع "
منقطع، أي: أنه لا علاقة له بما تقدم بدليل: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أبطل تطوعه بفطره بعد نية الصوم، وبدليل حديث عائشة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أكل مما أهدي إليه قال: " كنت أصبحت صائماً "، وبدليل: أن كبار الصحابة كانوا يقطعون صيام النفل من غير نكير.
الدليل الثالث: أنه روي: أن عائشة رضي اللَّه عنها قالت:
أصبحت أنا وحفصة صائمتين متطوعتين فأهدى لنا حيس فأفطرنا،
ثم سألنا رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فقال: " اقضيا يوماً مكانه ".
وجه الدلالة: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما أوجب أن تقضي عائشة وحفصة يوماً مكان اليوم الذي أفطرتا فيه، فإنه يشير إلى أن المندوب يلزم بالشروع فيه.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن الحديث مرسل، وضعيف، كما قال كثير من
علماء الحديث، وذكر ذلك ابن حجر العسقلاني في " فتح الباري "،
(1/252)

وقال عنه الترمذي: " فيه مقال "، وقال عنه أبو داود: " لا يثبت "
وإذا كان كذلك فلا يستطيع أن يقوى على معارضة الأحاديث
الصحيحة التي أثبتت أن المندوب لا يلزم بالشروع.
الجواب الثاني: على فرض ثبوت هذا الحديث، فإن الأمر في
قوله: " اقضيا " يحمل على الندب، لا على الوجوب، والقرينة
الصارفة هي الأحاديث التي ذكرناها في المذهب الأول.
الدليل الرابع: أن النفل يلزم بالشروع؛ قياساً على النفل المنذور،
فكما أن النفل المنذور صار لله - تعالى - تسمية بمنزلة الوعد، فهو
أدنى حالاً مما صار لله تعالى فعلاً وهو المؤدى.
جوابه:
يقال في الجواب عنه: إن هذا القياس قياس فاسد؛ لأنه قياس مع
الفارق؛ حيث إنا نتكلم عن النفل المطلق، وهذا بخلاف النفل
المنذور، فإنه قد قيد بالنذر، حيث أوجب الناذر على نفسه ذلك.
الدليل الخامس: أن نفل الحج ونفل العمرة يجب بالشروع فيهما،
فكذلك أيُّ نفل يشرع فيه يجب إتمامه، ولا فرق، والجامع: أن
كلاً من الحج والعمرة وغيرهما يطلق عليه اسم " النفل ".
جوابه:
يقال في الجواب عنه: إن قياسكم النفل المطلق على نفل الحج
والعمرة قياس فاسد، لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن نفل الحج
والعمرة يفارق نفل غيرهما من وجهين:
الوجه الأول: أن النية في نفل الحج والعمرة لا تختلف عن النية
في فرضهما، فهي في كل منهما قصد التلبس بالحج والعمرة، وهذا
(1/253)

ليس متحققاً في غيرهما من النوافل؛ حيث إن نية النفل غير نية الفرض.
الوجه الثاني: أنه تجب الكفارة فيهما بالجماع، كما تجب في
فرضهما، بخلاف وجوب الكفارة بالإفطار في الصيام، فإنها تجب
في الفرض، دون النوافل.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة معنوي، حيث أثَّر في بعض المسائل
الفقهية، وهي أنه إذا دخل في نافلة من النوافل، سواء كانت في
الصوم، أو الصلاة، فإنه عند أصحاب المذهب الأول - وهو
المختار -: يجوز له قطع ذلك بعذر أو بدون عذر، ولا شيء عليه.
أما عند المالكية من أصحاب المذهب الثاني، فإنه إذا قطع ما دخل
فيه من النافلة، فإنه ينظر:
إن كان قطعها بعذر فلا قضاء عليه.
وإن كان قطعها بلا عذر فعليه القضاء.
أما عند الحنفية من أصحاب المذهب الثاني، فإنه إذا قطع ما دخل
فيه من النافلة فإنه ينظر:
إن كان قد قطع النافلة بعذر فعليه القضاء، ولا إثم عليه.
وإن كان قد قطع النافلة بغير عذر فعليه القضاء، وعليه الإثم.
(1/254)

المطلب الثالث في المباح
وفيه مسائل:
المسألة الأولى: في مناسبة ذكر المباح هنا.
المسألة الثانية: في حقيقة المباح:
أولاً: المباح لغة.
ثانياً: المباح اصطلاحا.
المسألة الئالثة: في صيغ المباح.
المسألة الرابعة: هل المباح من الشرع؟
المسألة الخامسة: حكم الأفعال والأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع
بحكمها.
المسألة السادسة: المباح هل هو مأمور به؟
المسألة السابعة: هل الإباحة تكليف؟
المسألة الثامنة: هل المباح من جنس الواجب؟
المسألة التاسعة: هل يُسمَّى المباح حسنا؟
(1/255)

المسألة الأولى: في مناسبة ذكر المباح هنا:
مناسبة ذكره بعد الواجب والمندوب هي: أن هذه الثلاثة تشترك
في فعل المكلف الذي تعلَّق به الحكم الشرعي، لا في تركه.
المسألة الثانية: في بيان حقيقة المباح:
أولاً: المباح لغة:
المباح: اسم مفعول مشتق من الإباحة، وهو يطلق على الإظهار
والإعلان، يقال: " باح بسره " أي: أظهره وأعلنه.
ويطلق ويراد به: الإطلاق والإذن، يقال: " أباح الأكل من
بستانه " أي: أذن بالأكل منه، وهذا هو أقرب المعاني لمراد
الأصوليين من المباح.
ثانيا: المباح اصطلاحا:
المباح هو: ما أذن اللَّه - تعالى - للمكلفين في فعله وتركه مطلقاً
من غير مدح ولا ذم في أحد طرفيه لذاته.
شرح التعريف، وبيان محترزاته:
قولنا: " ما " للجنس، ويقصد بها الفعل، أو الشيء، ويدخل
في ذلك الأحكام التكليفية - كلها - الواجب، والمندوب، والمباح،
والمكروه، والحرام.
وقولنا: " أذن اللَّه تعالى " أي: صدر هذا من اللَّه وهو الشارع
الحكيم.
وقد احترزنا بذلك من أفعال اللَّه، حيث قيل: إنها خالية من
(1/257)

الثواب والعقاب، ومع ذلك فهي ليست مباحة، فذكرنا هذا القيد؟
لإخراج هذا الزعم؛ لأن الإذن صدر من اللَّه للمكلفين.
وقولنا: " للمكلفين " جمع مكلف، والمكلف هو: البالغ
العاقل الذي يفهم الخطاب الشرعي.
وخرج بهذا: الصبي والمجنون، والساهي والنائم، والبهيمة،
فأفعال هؤلاء ليست مباحة؛ لعدم التكليف في حقهم.
وقولنا: " في فعله وتركه مطلقا " أي: من غير بدل.
وخرج بهذا: " الواجب الموسَّع "، و " الواجب المخير"؛ حيث
إن المكلف مخير بين أن يفعل هذه الخصلة أو تلك من غير ذم ولا
مدح في تركها:
فالمكلف مخيَّر بين أن يفعل الصلاة في أول وقتها، أو يفعلها في
وسط وقتها، أو يفعلها في آخر وقتها، لكن هذا مشروط بأن لا
يترك الصلاة في أول وقتها، إلا إذا كان عازما على فعلها في وسط
أو آخر وقتها.
وكذلك في الواجب المخيَّر: لا يترك خصلة إلا إذا كان عازما على
فعل الخصلة الأخرى، من خصال كفارة اليمين - مثلاً -.
فذكرنا في التعريف " مطلقا " لإخراج ذلك، أي: أن الترك في
المباح يكون مطلقا غير مشروط.
قولنا: " من غير مدح ولا ذم في أحد طرفيه " معناه: أن التارك
لا يُذَم، ولا يُمدح، والفاعل لا يُذم ولا يُمدح، فالفعل والترك
- وهما الطرفان - متساويان عند الشارع.
وهذا القيد أخرج الأحكام التكليفية الأربعة وهي:
(1/258)

1 - " الواجب " لأنه يتعلق بفعله مدح، وبتركه ذم.
2 - " المندوب " لأنه يتعلق بفعله مدح، ولا ذم في تركه.
3 - " الحرام " لأنه يتعلق بتركه مدح، وبفعله ذم.
4 - " المكروه " لأنه يتعلق بتركه مدح، ولا يتعلق بفعله ذم.
قولنا: " لذاته " أي: تارك المباح وفاعله لا يذم ولا يمدح لذات
المباح من غير اعتبارات أخرى.
فخرج بهذا: المباح الذي يترك به واجباً، وأخرج المباح الذي
يستعين به على واجب.
وهناك تعريفات أخرى للمباح قد تعرضت لبعضها في كتابي
"إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر".
المسألة الثالثة: في صيغ المباح:
هناك صيغ تستعمل في الإباحة هي كما يلي:
الأولى: " الإحلال " أو " أحل "، ومنه قوله تعالى:
(أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) ، وقوله: (وأحل لكم ما
وراء ذلكم) .
الثانية: " لا جناح "، ومنه قوله تعالى: (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ) ، وقوله: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) .
الثالثة: " لا حرج "، ومنه قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ "،
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "افعل ولا حرج ".
(1/259)

الرابعة: صيغة الأمر التي صرفت من اقتضائها للوجوب والندب
إلى الإباحة بسبب قرينة اقترنت بها، ومن ذلك قوله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) ، فهذا الأمر بالانتشار هو
للإباحة، والقرينة التي صرفت الأمر إلى الإباحة هي: منع الفعل
قبل ذلك في قوله تعالى: (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) ،
حيث إنه كان الانتشار لطلب الرزق ممنوعاً إذا نودي للصلاة، ثم
أباحه بعد الصلاة.
المسألة الرابعة: هل المباح من الشرع؟
اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن المباح من الشرع، أي: أنه حكم شرعي،
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وهو الراجح؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن الإباحة: تخيير بين الفعل والترك، وهو
متوقف في وجوده على الشرع كبقية الأحكام الشرعية، فتكون
الإباحة حكماً شرعياً.
فهذا الدليل قائم على القياس، وهو قياس الإباحة على بقية
الأحكام الشرعية، كالواجب والمندوب بجامع: أن كلًّا منها متوقف
في وجوده على الشرع.
الدليل الثاني: الأفعال ثلاثة أقسام:
قسم صرَّح الشرع فيه بالتخيير بين فعله وتركه، فقال: " إن شئتم
فافعلوه وإن شئتم فاتركوه "، فهذا خطاب من الشارع صريح وهو
حكم شرعي.
(1/260)

وقسم لم يرد من الشارع خطاب فيه بالتخيير، ولكن دلَّ دليل
السمع على نفي الحرج من فعله وتركه، فهذا عرف بدليل السمع،
ولولا وجود هذا الدليل الشرعي لعرف بدليل العقل نفي الحرج عنه،
حيث يبقيه على النفي الأصلي، فاجتمع في هذا القسم دليل السمع
والعقل.
وقسم لم يرد فيه خطاب صريح، ولا دليل من الشرع، أي: أن
هذا القسم لم يتعرض الشرع له لا بصريح لفظ الشارع، ولا هو
مفهوم من دليل من أدلة السمع، فهذا يجري فيه احتمالان:
الأول: أنه يحتمل أن يقال: لا حكم له؛ لأنه لم يرد فيه
خطاب صريح من الشرع، ولم يرد فيه دليل شرعي.
وهذا الاحتمال بعيد جداً؛ لأنه لا توجد حادثة إلا ولها حكم
شرعي.
الثاني: أنه يحتمل أن يقال: قد دلَّ السمع - بصورة عامة -
على أن ما لم يرد فيه طلب فعل ولا ترك، فالمكلف مخير فيه
أو بانعقاد الإجماع على ذلك، وهذا الدليل يعم جميع الأفعال التي
لا نهاية لها.
وعلى هذا لا يبقى فعل إلا وقد دلَّ عليه من جهة الشرع فتكون
إباحته من الشرع.
المذهب الثاني: أن الإباحة ليست بحكم شرعي.
ذهب إلى ذلك بعض المعتزلة واحتجوا على ذلك بقولهم: إنه لا
معنى للمباح إلا انتفاء الحرج من فعله وتركه، وهذا ثابت قبل ورود
الشرع، وهو مستمر بعده، وعلى هذا لا يكون حكماً شرعياً.
(1/261)

بيان نوع الخلاف:
لقد بيَّنت في كتابي " الخلاف اللفظي عند الأصوليين "، وفي
كتابي " إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر ": أن الخلاف في
هذه المسألة لفظي لا ثمرة له؛ ودليل ذلك:
أنه إن أراد أصحاب المذهب الثاني بالمباح: ما لا حرج في فعله
ولا في تركه لا غير، أو أرادوا بالحكم الشرعي الحكم الذي يخالف
حكم العقل الذي كان ثابتا قبله: فالمباح ليس حكما شرعيا.
وإن أرادوا بالمباح: ما أُعلم فاعله أو دُل بطريق شرعي على أنه لا
حرج في فعله أو تركه، أو أرادوا بالحكم الشرعي خطاب اللَّه المتعلق
بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير: فالمباح حكم شرعي؛ وذلك
لأن الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين بالتخيير أعم من أن يكون ذلك
على وجه التقرير، أو على وجه التغير.
فلم تتوارد أقوال أصحاب المذهبين على محل واحد، فلا خلاف
في المعنى.
المسألة الخامسة: حكم الأفعال والأعيان المنتفع بها قبل ورود
الشرع بحكمها:
لقد اختلف العلماء في هذه المسألة على مذاهب:
المذهب الأول: الإباحة أي: أن الأفعال والأعيان المنتفع بها قبل
ورود الشرع بحكمها:. مباحة: إن شاء المكلف انتفع بها واستعملها،
وإن شاء تركها لا ذم ولا مدح لفاعلها ولا لتاركها.
ذهب إلى ذلك أكثر الحنفية، وبعض الحنابلة كأبي الحسين التميمي
(1/262)

وأبي الخطاب، وبعض المالكية كأبي الفرج، وبعض الشافعية
كالأستاذ أبي إسحاق، وأبي العباس ين سريج، وأبي حامد
المروزي، وبعض المعتزلة كأبي علي الجبائي، وابنه أبي هاشم.
وهذا هو الراجح عندي؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) .
وجه الاستدلال: أن هذه الآية دلَّت على إباحة الأشياء وجواز
الانتفاع بها، حتى يرد دليل يغيِّر ذلك، ويؤيد ذلك قوله تعالى:
(اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13) .
فهو سبحانه أتى بلفظ " لكم " وكررها ليبين لنا - في موطن
الامتنان علينا - أنه خلق لنا ما في الأرض وسخره لنا، واللام في
قوله " لكم " في الآيتين للاختصاص أو الملك - وهو تمليك مجازي
وليس بحقيقي -؛ لأن المالك الحقيقي هو اللَّه عَزَّ وجَلَّ - فإذا كان
الله - تعالى - قد خصَّنا بهذه الأشياء وملكنا إياها فلا بد أن نتحصل
على فائدة الملك، وهي: الانتفاع بها.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا ... ) .
وجه الدلالة: أن اللَّه جعل - في هذه الآية - الإباحة أصلاً في
هذه الأشياء إلا ما استثني من ذلك.
الدليل الثالث: قوله تعالى:
(1/263)

(قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ) ، وقوله: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) .
وجه الدلالة: أن هاتين الآيتين جعلتا الإباحة أصلاً في هذه
الأشياء إلا ما صرَّح اللَّه عَزَّ وجَلَّ بتحريمه.
الدليل الرابع: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن السمن والجبن والفراء فقال: " الحلال ما أحل اللَّه في كتابه، والحرام ما حِرَّم اللَّه في
كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفي عنه ".
وجه الدلالة: أن الأشياء المسكوت عنها قد عفى اللَّه لمن فعلها
ولمن تركها، وهذا هو معنى الإباحة.
الدليل الخامس: قوله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) .
وجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه بين أنه لا يجوز لأي شخص أن
يحرم شيئاً قد أخرجه لعباده دون دليل صادر عنه سبحانه.
فهذه النصوص الشرعية دلت بعمومها على أن حكم الأفعال
والأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع بحكمها هو: الإباحة.
تنبيه: لقد استدل القائلون بالإباحة بأدلة عقلية، ولكن تلك
الأدلة ضعيفة، وقد أجبت عنها واعترضت عليها في كتابي " إتحاف
ذوي البصائر بشرح روضة الناظر "، فإن شئت فارجع إليه.
المذهب الثاني: الوقف، أي: أن الأفعال والأعيان المنتفع بها قبل
ورود الشرع بحكمها: لا حكم لها..
ذهب إلى ذلك: بعض الحنفية، وابن الحاجب، والغزالي،
وفخر الدين الرازي، والآمدي، وأبو بكر الصيرفي، وأبو علي
(1/264)

الطبري، وأبو الحسن الأشعري، وأبو إسحاق الشيرازي، وأبو
الحسن الخرزي الحنبلي، وعامة أهل الظاهر، وكثير من أهل العلم.
تنبيه: لقد اختلف في تفسير المراد بالوقف هنا:
فبيَّن بعض الأصوليين أن المراد بالوقف هنا: أن الحكم متوقف
على ورود الشرع بحكم تلك الأفعال، ولا حكم لهذه الأشياء في
الحال؛ لأن الحكم موقوف على ورود الشرع، ولم يرد الشرع بذلك،
وليس المراد: عدم العلم، فلا يدري أهي محظورة أم مباحة؟
وهذا تفسير الغزالي، والآمدي، وعضد الدين الإيجي.
أما ناصر الدين البيضاوي، فقد فسَّر الوقف بأنه عدم العلم.
أي: أن هذه الأشياء لها حكم، ولكن لم نعلم ما هو.
وأشار فخر الدين الرازي إلى هذين التفسيرين.
والصواب عندي: أن التفسيرين صالحان؛ لأن الشخص إذا لم
يعلم هذا الشيء، فإما أنه لم يعلمه؛ لعدم ورود الشرع بذلك،
فلا حكم عنده في الحال.
وإما أنه لم يعلمه؛ لأنه ورد في الشرع، ولكن هذا الشخص لم
يعلمه هو في الحال.
فهنا يتوقف في هذا حتى يرد عليه الشرع بذلك.
أي: أن الشرع لم يرد بالحكم بالنسبة لهذا الشخص الجاهل.
دليل أصحاب هذا المذهب:
أصحاب المذهب الثاني وهم القائلون بالتوقف استدلوا بقولهم:
إن المباح: ما أذن فيه صاحب الشرع، والمحظور: ما حرَّمه صاحب
الشرع.
(1/265)

فإذا لم نجد ورود الشرع في عين بحظر، ولا إباحة، فليس أمامنا
إلا التوقف؛ لأن طريق الإباحة الإذن ولم يوجد، وطريق التحريم
المنع ولم يوجد، والعقل لا مدخل له في الأحكام الشرعية، فلا
يحرم شيئاً ولا يبيحه بمجرد استحسانه أو استقباحه، فنتوقف فيها
حتى يرد الشرع ببيان حكمها.
جوابه:
يمكن أن يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أنا نسلم بأن العقل لا يحظر شيئاً ولا يبيحه بعد
ورود الشرع، وخلافنا في هذه المسألة قبل ورود الشرع، ولا يمنع أن
نقول: إنه قبل ورود الشرع يمكن للعقل أن يحظر ويبيح إلى أن يرد
الشرع ويمنع ذلك.
الجواب الثاني: أنه يمكن معرفة حكم تلك الأشياء قبل ورود
الشرع عن طريق آخر، وهو: الشرائع السابقة؛ إذ لا يخلو زمن
من شرع.
فإذا ثبت ذلك فليس للعقل مدخل في التحريم والإباحة، بل
يكون ذلك للشرائع.
وهذا الجواب أقوى من الأول، والله أعلم.
المذهب الثالث: الحظر والتحريم، أي: أن الأفعال والأعيان
المنتفع بها قبل ورود الشرع بحكمها: محرمة.
ذهب إلى ذلك بعض الحنفية، وابن أبي هريرة، وأبو بكر
الأبهري، والحسن بن حامد، وتلميذه أبو يعلى، والحلواني.
(1/266)

أدلة أصحاب هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بأدلة، من أهمها:
الدليل الأول: أن هذه الأعيان ملك لله تعالى، لأنه خلقها
وأنشأها، والانتفاع بملك الغير بغير إذنه قبيح فلا يجوز، قياساً على
ملك المخلوق، فكما لا يجوز التصرف في ملك الإنسان بغير إذنه،
فكذلك لا يجوز التصرف والانتفاع بما خلقه اللَّه تعالى بغير إذنه،
وهو لم يأذن، فيبقى على التحريم.
جوابه:
يمكن أن يجاب عن ذلك بأن يقال: إن قياسكم الخالق على
المخلوق قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الخالق لا يتضرر
إذا انتفعنا بما خلقه وما ملكه، وأما المخلوق فإنه يتضرر إذا انتفعنا
بأملاكه، بيان ذلك:
أن العادة تقضي: أن التصرف في ملك الغير من المخلوقين بغير
إذنه يقبح إذا كان هذا الغير يتضرر ويتأثر كمن أكل من طعام غيره،
أو شرب من شرابه، فإنهما يؤثران في الطعام والشراب.
أما إذا كان ذلك الغير لا يتضرر ولا يتأثر فلا يقبح التصرف في
ملكه بغير إذنه عادة، كمن نظر إلى مرآة غيره، أو من استظل بجدار
غيره؛ حيث إن هذه الأمور وما شابهها لا يؤدي إلى استهلاك أو
ضرر المرآة، أو الجدار.
فإذا ثبت أن الشيء الذي لا يتضرر به المالك من الآدميين يقبح أن
يمنع من الانتفاع به، فيجب أن لا يمنع الانتفاع بشيء من الأعيان التي
يملكها اللَّه عَزَّ وجَلَّ - وكل شيء ملكه سبحانه وتعالى -؛ لأنه لا
ضرر على اللَّه تعالى في الانتفاع بشيء من ذلك.
(1/267)

الدليل الثاني: أن أخذنا بالحظر والتحرير أحوط وأبعد عن الخطر.
بيان ذلك: أن تلك الأعيان والأفعال يحتمل أن يكون الانتفاع بها
مباحاً، فلا يأثم المكلف بذلك، ويحتمل أن يكون الانتفاع بها
حراماً، فيأثم المكلَّف على ذلك، ويترتب على ذلك ضرر عليه.
وبناء على هذين الاحتمالين، فإننا إذا - أقدمنا على الانتفاع بهذه
الأشياء لم نأمن العقوبة من اللَّه تعالى؛ لاحتمال كونه حراماً.
وإذا تركنا ذلك: سلمنا من ذلك الاحتمال.
فكان القول بالحظر والتحريم أحوط وأبعد عن الخطر؛ لأن فعل
الحرام يعاقب عليه مطلقاً، أما ترك المباح فهو جائز.
جوابه:
يمكن أن يجاب عن ذلك بأن يقال: إن قولكم هذا لو كان
صحيحاً في إثبات الحظر والتحريم لجاز أن يجعل هذا الدليل طريقاَ
في إيجاب بعض العبادات كالصوم والصلاة قبل ورود الشرع بإيجابهما
خوفاً من أن تكون واجبة، فيقال: لا نأمن من العقاب على تركها،
فيجب أن يكون ذلك واجباً قبل ورود الشرع بإيجابهما، ولما لم يصح
هذا بالإجماع - حيث إننا لم نعلم إيجاب الصلاة والصوم إلا بعد
ورود الشرع بذلك -: لم يصح ما ذكروه؛ لعدم اطراده.
بيان نوع هذا الخلاف:
لبيان نوع الخلاف في هذه المسألة لا بد من التفصيل الآتي:
أولاً: الخلاف بين المذهب الأولى - وهو الإباحة - والثاني - وهو
الوقف - خلاف لفظي، بيان ذلك:
إن القائل بالوقف هو موافق في الحقيقة للقائل بالإباحة؛ حيث إن
(1/268)

مراد القائلين بالوقف هو: أنه لا يثاب على الامتناع منه، ولا يأثم
بفعله، وهذا هو حقيقة الإباحة.
أي: أنه لا عقاب على أحد في ما يفعله، ولا ثواب في شيء
يفعله، ولا وجوب بشيء من الأشياء حتى يرد الشرع به، وهذا هو
حد الإباحة.
ومراد القائلين بالإباحة: أنه لا حرج في الفعل والترك، وهذا هو
الوقف؛ لأن المتوقف يقول: لا حكم لهذا الشيء فيعمل كيفما شاء.
فلا خلاف حقيقي بين القائلين بالإباحة والقائلين بالتوقف، وهو
اختيار إمام الحرمين، والغزالي، والآمدي، وأبي يعلى الحنبلي.
ثانياً: يرى بعض العلماء كابن عقيل، وشمس الدين الأبياري:
أن الوقف موافق للحظر، فيكون الخلاف بين القائلين بالوقف،
والقائلين بالحظر خلافا لفظيا، وهذا هو الصحيح، بيان ذلك:
أن المتوقفين لم يتوقفوا في التصرف في هذه الأشياء، ولم ينتفعوا
بها إلا لأنهم حرموها على أنفسهم؛ حيث لا يوجد دليل من
الشرع، ولا من العقل يفيد الإذن في الانتفاع بها، وهو معنى قول
القائلين بالحظر والتحريم كما يستفاد ذلك من أدلة الفريقين.
ثالثاً: أن الخلاف بين أصحاب المذهب الأول وهم القائلون
بالإباحة، وبين أصحاب المذهبين الثاني والثالث خلاف معنوي له
ثمرة، بيان ذلك:
أن الشيء الذي سكت عن حكمه الشارع، فلم يوجد له في
الشرع لا نفي ولا إثبات، أو وُجد دليلان متعارضان متكافئان فيه
(1/269)

اختلف العلماء فيه، ويرجع كل واحد من العلماء في ذلك إلى أصله
قبل الشرع، ويستصحب ذلك الأصل إلى ما بعد ورود الشرع.
فالقائلون بأن الأصل في الأشياء قبل الشرع الإباحة يقولون: إن
حكم هذا الشيء الذي سكت عنه الشرع الإباحة؛ استصحابا
للإباحة السابقة قبل الشرع، والأصل بقاء ما كان على ما كان حتى
يأتي دليل يغير الحالة.
والقائلون بأن الأصل في الأشياء قبل الشرع الحظر يقولون: إن
حكم هذا الشيء الذي سكت عنه الشرع: الحظر والتحريم؟
استصحابا للحال السابقة قبل الشرع.
وبناء على ذلك فقد اختلف العلماء في الحيوان المشكل أمره
كالزرافة، والحشرات، والنبات المجهول تسميته، حيث إن هذه
الأشياء لم يأت الشارع بحكمها.
فالقائلون بالإباحة قالوا: إن تلك الأشياء على الإباحة فيجوز
أكلها.
والقائلون بالحظر قالوا: إن تلك الأشياء محرمة، فلا يجوز أكلها
والله أعلم.
***
المسألة السادسة: المباح هل هو مأمور به؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن المباح غير مأمور به من حيث هو مباح.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وهو الصحيح؛ لأنه يعلم كل عاقل من نفسه الفرق بين أن يأذن
(1/270)

الله تعالى لعبده في الفعل وبين أن يأمره به ويقتضيه منه، وأنه إن أذن
له فليس بمقتض له.
وبهذا تبين لك الفرق بين معمى " الأمر "، ومعنى " الإباحة ".
فمعنى الأمر: اقتضاء الفعل من المأمور به، والمطالبة به، والنهي
عن تركه، ومعمى الإباحة: الإذن في الفعل والترك، أي: تعليق
الفعل المباح بمشيئة المأذون له في الفعل، وإطلاق ذلك له.
وإذا ثبت الفرق بين ما يقتضيه الأمر، وما تقتضيه الإباحة: لزم
من ذلك أن المباح غير مأمور به.
تنبيه: إن ورد واستعمل وأطلق لفظ الأمر على المباح فإن هذا
الاستعمال والإطلاق ليس على الحقيقة، وذلك لأن الاسم الحقيقي
للمباح هو: المأذون فيه، ويجوز إطلاق عليه اسم الأمر مجازاً من
إطلاق اللازم على الملزوم، لأنه يلزم من خطاب اللَّه - تعالى -
بالتخيير فيه كونه مأموراً باعتبار أصل الخطاب، كما أن الرجل
الشجاع يطلق عليه اسم " أسد " مجازاً لقرينة، مع أنه اسم حقيقي
لذلك الحيوان المفترس، كذلك هنا.
المذهب الثاني: أن المباح مأمور به.
وينسب إلى الكعبي، وأبي الفرج المالكي، وأبي بكر الدقاق.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن فعل المباح لا يتحقق إلا
بترك حرام، وترك الحرام مأمور به، وعلى هذا: يكون المباح مأمور
به، بيان ذلك:
أنه لا يمكن التلبس بفعل مباح إلا ويستلزم ذلك ترك محرم، بل
قد يستلزم ترك محرمات.
(1/271)

فمثلاً: السكوت المباح يترك به الكفر والقذف والكذب،
والسكون المباح يترك به الزنا والسرقة وترك الكفر، والقذف، والكذب، والزنا، والسرقة مأمور به،
ولا يمكن ترك هذه الأمور إلا بالسكوت والسكون، فيكونان مأموراً
بهما.
وعلى هذا يكون السكون المباح، والسكوت المباح مأموراً بهما.
فينتج: أن المباح مأمور به.
جوابه:
يمكن أن يقال - في الجواب عن قولهم في استدلالهم -: إننا لو
سلكنا هذا المنهج فإنه يلزم أن المباح يكون واجبا؛ لأن ترك الحرام
واجب؛ حيث إن ما لا يتم ترك الحرام إلا به فهو واجب، فيكون
السكوت عن الكذب - مثلاً - واجب؛ لأنه لا يتم ترك الكذب إلا
بالسكوت عنه فيصبح واجبا.
ويلزم - أيضا -: أن يكون المندوب واجبا؛ حيث إنه يترك به
الحرام، فمثلاً المشتغل في السواك قد يترك به شرب الخمر، فيكون
المندوب واجبا، لأنه ترك به حراما، وهو شرب الخمر.
ويلزم - أيضا - أن يكون الحرام واجبا؛ حيث يُترك به حرام
آخر، فمثلاً: المشتغل بالسرقة فإنه - وهو في تلك الحالة - يِترك به
الزنا فتكون - بناء على ذلك المسلك - السرقة واجبة؛ لأنه ترك بها
حراما آخر وهو الزنا، وهكذا.
هذه الأمور وغيرها تلزم لو سلكنا ونهجنا ذلك المسلك الذي سار
عليه الكعبي في استدلاله على أن المباح مأمور به.
(1/272)

وهي باطلة - كلها -؛ لأمرين:
أولهما: أنه نتج - كما سبق - من تلك الإلزامات: أن يكون
المباح واجبا، والحرام واجبا، والمندوب واجبا، ونحو ذلك، وهذا
تناقض ظاهر في الشريعة، وهو لا يجوز عقلاً فضلاً على أنه لا
يجوز شرعا.
ثانيهما: أن كون المباح واجبا يقتضي كون أفعال المكلفين التي
تتعلق بها الأحكام أربعة؛ ضرورة كون المباح واجبا - حينئذٍ - وهو
خلاف الإجماع.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف بين أصحاب المذهب الأول - وهم الجمهور القائلون: إن
المباح غير مأمور به، وبين أصحاب المذهب الثاني - وهم الكعبي
وأتباعه القائلون: إن المباح مأمور به، هو خلاف لفظي؛ لاتفاق
أصحاب المذهبين في المعنى؛ حيث إننا لو تدبرنا ودققنا فيما استدل
به الكعبي وأتباعه، لوجدنا أن ظاهر كلام الكعبي يدل دلالة واضحة
على أن المباح غير مأمور به من جهة ذاته، فلم يخالف غيره من
الجمهور في ذلك، ويدل على أن المباح مأمور به من حيث ما عرض
له من تحقق ترك الحرام وغيره، ولا يخالفه الجمهور في ذلك؟
حيث إن صيرورة المباح مأمور به لعارض مما اتفق عليه.
والخلاصة: أن الكعبي لا ينكر المباح، ولا يقول: إن المباح
مأمور به من حيث ذاته، وهو: المخير بين فعله وتركه، وإنما
يقول - كما نقله عنه كثير من الأصوليين -: إن المباح مأمور به من
حيث ما لزم عليه من ترك للحرام؛ لأن ترك الحرام واجب، وما لا
يتم الواجب إلا به فهو واجب، وإذا لم يتم ترك الحرام إلا بفعل
(1/273)

المباح، فالمباح واجمما، وهو إنما يصفه بالوجوب أثناء فعله، أما
قبل الفعل فيجوز للمكلَّف - عنده - أن يفعله ويفعل غيره من أقسام
الحكم مما يتعلق به ترك الحرام.
ويلزمه - على هذا - أن يصف جميع الأحكام بالوجوب من
حيث ما يلزم عليها من ترك للحرام، ويلزم - أيضاً - من ذلك أن
يصف الحرام نفسه بالوجوب من حيث لزم عليه من ترك لحرام أعظم
منه، وكذا يقال في بقية الأقسام.
وعلى هذا: فهو يقول في المباح: هو مباح من حيث هو مخير
بين فعله وتركه، واجب من حيث ما لزم عليه من ترك للحرام.
وهذا ما نقله عنه أكثر الأصوليين، والجميع يسلِّم له ذلك، فظهر
أن الخلاف لفظي، وأن من نسب إليه إنكار المباح لم يحرر مذهبه.
وقد تكلمت عن ذلك في كتاب " الخلاف اللفظي عند الأصوليين "،
وكتاب " إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر ".
المسألة السابعة: هل الإباحة تكليف؟
اختلف العلماء في الإباحة هل تدخل تحت التكليف أو لا؟
على مذهبين:
المذهب الأول: أن الإباحة ليست تكليفاً.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وهو الصحيح؛ لأن التكليف هو: طلب ما فيه كلفة ومشقة
بصيغة الأمر أو النهي، والإباحة - كما هو معروف - ليس فيها
مشقة جازمة كمشقة الوجوب والتحريم، ولا مشقة غير جازمة
(1/274)

كمشقة الندب والكراهة، وهي: مشقة فوات الفضيلة، بل إن
المكلَّف في المباح يخير بين الفعل والترك مطلقاً، وهذا لا تكليف
فيه، وبناء على ذلك فلا تكليف في المباح.
المذهب الثاني: أن الإباحة تدخل تحت التكليف.
ذهب إلى ذلك الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، واستدل بقوله:
إن التكليف هو: وجوب اعتقاد إباحته، وأنه من الشرع، فيكون
المباح يكلف به من حيث وجوب اعتقاده.
جوابه:
يمكن أن يجاب عما قاله الأستاذ في استدلاله بأن يقال: إننا لو
قلنا مثل ذلك للزم أن نقول مثله في جميع الأحكام الشرعية؛ لأنه لا
فرق بين المباح، والحرام، والمندوب، والمكروه في وجوب اعتقاد
الحكم من إباحة، أو حرمة، أو ندبية، أو كراهة، والكلام ليس
في هذا الاعتقاد فإنه لا يسمى مباحاً، وإنما الكلام في نفس الفعل
الذي تعلقت به الإباحة كالأكل والشرب.
سبب وضع المباح ضمن الأحكام التكليفية:
قد يقول قائل: إذا كان المباح لا يدخل في التكليف كما رجحت
ذلك، وأجبت عن دليل من قال بأنه من التكليف، فلماذا اعتبر من
أقسام الأحكام التكليفية الخمسة؟
أقول - في الجواب عن ذلك -: إن المباح صار من أقسام
الأحكام التكليفية الخمسة؛ لأنه يختص بالمكلفين.
أي: أن الإباحة والتخيير لا يكون إلا ممن يصح إلزامه بالفعل أو
الترك، أما الناسي، والنائم، والمجنون، والصبي، ومن في
(1/275)

حكمهم فلا إباحة في حقهم، فهذا معنى جعل المباح من أقسام
الأحكام التكليفية الخمسة، لا بمعنى أن المباح مكلف به.
بيان نوع الخلاف في هذه المسألة:
الخلاف في هذه المسألة لفظي؛ لعدم وروده على محل واحد،
فالنزاع راجع إلى الاختلاف في تفسير لفظ "التكليف ".
فمن فسَّر " التكليف " بأنه طلب ما فيه مشقة وكلفة بصيغة الأمر أو
النهي قال: إن المباح ليس مكلفاً به، وهو مذهبنا -.
ومن فسَّر " التكليف " بأنه: وجوب اعتقاد إباحته، وأنه من
الشرع قال: إن المباح مكلف به، وهو رأي الأستاذ أبي إسحاق.
أو تقول في الدليل على كون الخلاف لفظياً: إن أبا إسحاق أراد
بقوله: المباح مكلف به: أنه يجب اعتقاد إباحته، فلم يثبته بالنسبة
إلى أصل الفعل، بل بالنسبة إلى وجوب اعتقاد كونه مباحاً،
والوجوب من خطاب التكليف.
والجمهور لا يخالفونه في كون المباح من التكليف بهذا الاعتبار،
وهو لا يخالفهم في أن المباح ليس من التكليف باعتبار الفعل والترك.
فالخلاف لم يرد على محل واحد، فكان الخلاف لفظيا.
المسألة الثامنة: هل المباح من جنس الواجب؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن المباح ليس بجنس للواجب ولا هو داخل فيه.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
(1/276)

وهو الصحيح؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: أنه يوجد فرق بين الواجب والمباح في الحقيقة،
فالمباح مطلق الفعل ومطلق الترك، أي: لا فرق بين الترك والفعل.
أما الواجب فغير مطلق الترك - كما سبق بيان ذلك من خلال
تعريفهما -.
الدليل الثاني: أن المباح لو كان جنساً للواجب: لوجب صدقه
عليه كصدق الحيوان على الإنسان.
المذهب الثاني: أن المباح من جنس الواجب، أي: أن المباح
يدخل في مسمى الواجب.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء واحتجوا بقولهم: إن المباح هو:
المأذون في فعله، وهذا المعنى متحقق في الواجب، والزيادة التي
اختص بها الواجب غير نافية للاشتراك.
جوابه:
يمكن أن يقال - في الجواب عن ذلك -: إن كلًّا من المباح
والواجب يختلف عن الآخر، فالمباح مأذون في فعله، ومأذون في
تركه بخلاف الواجب - فإنه وإن كان مأذوناً في فعله - كما أشرتم -
فإنه غير مأذون في تركه فافترقا.
بيان نوع الخلاف في هذه المسألة:
إن الخلاف في هذه المسألة - شلاف لفظي؛ راجع إلى تفسير
"المباح " ما هو؟ :
(1/277)

فمن فسَّر المباح بأنه المأذون - فقط - فلا شك أن هذا مشترك بين
الواجب وغيره، فيكون المباح جنساً للواجب.
ومن فسَّر المباح بأنه المأذون فيه مع عدم المنع من الترك، فلا شك
أن المباح يكون نوعاً مبايناً للواجب، فلم يكن جنساً له.
أو تقول - في بيان الدليل على كون الخلاف لفظياً -: إن من
قال بأن المباح جنس للواجب عني بالمباح الذي هو بمعنى: " الجائز "
الذي لا يمتنع شرعاً، فلا شك: أن ذلك يشمل الواجب والمندوب
والمباح والمكروه.
ومن قال: إن المباح ليس بجنس للواجب، فإنه عني بالمباح:
المباح الذي هو: ما خيَّر الشارع بين فعله وتركه.
المسألة التاسعة هل يسمى المباح حسنا؟
أجمعوا على أن المباح لا يُسمَّى قبيحاً.
واختلفوا: هل يُسمَّى حسناً أو لا؟ على مذهبين:
المذهب الأول: أن المباح يُسمَّى حسناً، وهو الصحيح؛ لأن
الشارع رفع الحرج عن فعله، وكل ما رفع الحرج عن فعله فإنه يكون
حسناً، فالمباح يكون حسناً.
المذهب الثاني: أن المباح لا يُسمَّى حسناً، لأنه لا يستحق فاعله
المدح والثناء.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي، راجع إلى بيان المراد
(1/278)

بـ "الحسن "، فإن كان المراد من " الحسن " كل ما رفع الشارع الحرج
عن فعله، سواء كان على فعله ثواب أو لم يكن، فإن المباح يكون
حسناً.
وإن كان المراد بـ " الحسن ": ما يستحق فاعله الثناء والمدح
والثواب، فإن المباح لا يكون حسناً، والله أعلم.
(1/279)

المطلب الرابع في المكروه
ويشتمل على مسائل:
المسألة الأولى: في مناسبة ذكر المكروه هنا.
المسألة الثانية: في حقيقة المكروه.
أولاً: المكروه لغة.
ثانياً: المكروه اصطلاحا.
المسألة الثالثة: في صيغ المكروه.
المسألة الرابعة: فيما يطلق عليه المكروه.
المسألة الخامسة: في إطلاق " المكروه " بين الجمهور والحنفية.
المسألة السادسة: هل المكروه منهي عنه حقيقة؟
المسألة السابعة: في حكم المكروه.
المسألة الثامنة: هل الأمر المطلق يتناول المكروه؟
المسألة التاسعة: هل المكروه من التكليف؟
(1/281)

المسألة الأولى: في مناسبة ذكر المكروه هنا:
لقد ذكرنا المكروه هنا؛ لأمرين:
الأول: أنه بعد ذكر المأذون في فعله - وهو الواجب والمندوب،
والمباح لا بد أن نذكر الممنوع من فعله.
الثاني: أنه يشترك مع الحرام - الذي سيأتي ذكره - فيما يلي:
1 - أن كلًّا من المكروه والحرام مطلوب تركه، لكن الحرام طُلب
تركه طلباً جازماً، والمكروه طُلِب تركه طلباً غير جازم.
2 - أن كلًّا من المكروه والحرام منهي عنه، لكن المكروه منهي عنه
نهياً غير جازم، والحرام منهي عنه نهياً جازماً.
المسألة الثانية: في حقيقة المكروه:
أولاً: المكروه لغة:
المكروه لغة: ضد المحبوب، تقول: " كرهت الشيء " إذا لم تحبه.
وقيل: المكروه مأخوذ لغة من الكريهة، وهي الشدة في الحرب،
ومنه سمي يوم الحرب: " يوم الكريهة ".
والكره - بضم الكاف -: المشقة كما نقله الجوهري في الصحاح
عن الفراء.
وعلى هذا يكون المكروه هو: ما نفر عنه الشرع والطبع؛ لأن
الطبع والشرع لا ينفران إلا عن شدة ومشقة تلحق بالمكلف.
(1/283)

ثانيا: المكروه اصطلاحا:
المكروه هو: " ما تركه خير من فعله ولا عقاب في فعله ".
شرح التعريف، وبيان محترزاته:
قولنا: " ما " جنس في التعريف شمل كل متعلقات الحكم
التكليفي الخمسة؛ لأن المراد بها فعل المكلف.
قولنا: " تركه خير من فعله " قيد أخرج الأحكام التكليفية الثلاثة
وهي: " الواجب، والمندوب، والمباح "، وبيان ذلك:
أن الواجب خرج، لأن فعله "خير من تركه، وفي تركه عقاب.
وأما المندوب فقد خرج، لأن فعله خير لحصول الثواب، ولا
عقاب في تركه.
وأما المباح فقد خرج، لأن فعله وتركه سواء، فلا يوصف
أحدهما بالخيرية.
وقولنا: " ولا عقاب في فعله " أخرج الحرام " لأن الحرام تركه
خير من فعله، وفي فعله عقاب.
المسألة الثالثة: في صيغ المكروه:
الصيغ التي تستعمل وتدل على الكراهة هي كما يلي:
الأولى: لفظة " كره " وما يشتق منها، ومنه ما روي عن النبي
- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " إن اللَّه كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال ".
الثانية: لفظة " بغض " وما يشتق منها، ومنه قوله عليه الصلاة
والسلام: " أبغض الحلال إلى اللَّه الطلاق ".
(1/284)

الثالثة: لفظة النهي: " لا تفعل " إذا احتفت بها قرينة تصرفها
عن التحريم إلى الكراهة مثل قوله تعالى: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) ، فإن النهي في قوله: " لا تسألوا " للكراهة،
وليس للتحريم، وقد صُرِف النهي عن التحريم إلى الكراهة بسبب
قرينة صارفة، وهي آخر الآية، وهي قوله تعالى: (وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) ،
فالسؤال عما لا يعرف ليس بحرام.
وهناك صيغ غير ما ذكرنا للكراهة تعرف من سياق الكلام.
المسألة الرابعة: ما يطلق عليه المكروه:
اختلف في إطلاقات المكروه على ما يلي:
فبعض العلماء يطلق لفظ " مكروه "، ويريد به الحرام والمحظور،
وقد روي هذا الإطلاق عن الإمام مالك، والشافعي، وأحمد
- رحمهم اللَّه جميعاً - وهو غالب في عبارة المتقدمين، وذلك تورعاً
منهم وحذراً من الوقوع تحت طائلة النهي الوارد في قوله تعالى:
(وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ) ،
فكرهوا - لذلك - إطلاق لفظ التحريم.
وبيَّن ابن القيم في " أعلام الموقعين " بأن هذا كان من أسباب غلط
كثير من المتأخرين من أتباع الأئمة على أئمتهم، حيث تورع الأئمة
عن إطلاق لفظ التحريم، وأطلقوا لفظ " الكراهة "، فنفى
المتأخرون التحريم عما أطلق عليه الأئمة الكراهة.
(1/285)

وبعضهم يطلق لفظ " مكروه " على ما نهي عنه نهياً تنزيهياً، وهو
الذي عرفناه هنا.
وإذا أطلق لفظ " مكروه " انصرف إلى هذا، وهو المكروه كراهة
تنزيه، وهو الذي نحن بصدده - الآن -؛ لأن كلًّا من الأحكام
الأربعة خص باسم غلب عليه كالواجب، والمندوب، والمباح،
والحرام، فاقتضى ذلك اختصاص " المكروه " باسم غالب عليه كغيره
من الأحكام، ويكون هذا الاسم هو " المكروه ".
وبعضهم يطلقه ويريد به: ما وقعت الشبهة في تحريمه وإن كان
غالب الظن حله، كأكل لحم الضبع.
وبعضهم يطلقه ويريد به ترك ما مصلحته راجحة كترك المندوبات.
بيان نوع الخلاف:
هذا الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي؛ لأن الإطلاقات السابقة
اختلفت باختلاف مراد كل مطلق من إطلاقه، فلم يرد الخلاف على
موضع واحد
فمن أطلق الإطلاق الأول - وهو أنه مراد به الحرام - حدَّه بحد
الحرام.
ومن أطلق الإطلاق الثاني - وهو ما نهي عنه نهي تنزيه - حدَّه
بالنهي عنه الذي لا ذم على فعله - وهو الموضوع الذي نحن بصدده
الآن.
ومن أطلق الإطلاق الثالث - وهو: ما وقعت الشبهة في تحريمه -
حدَّه بأنه الذي فيه شبهة وتردد.
(1/286)

ومن أطلق الإطلاق الرابع - وهو: ما أريد به ترك ما مصلحته
راجحة - حده بترك الأولى.
المسألة الخامسة: إطلاق " المكروه " بين الجمهور والحنفية:
الجمهور إذا أطلقوا لفظ " مكروه " انصرف إلى المكروه كراهة
تنزيهية - وهو الذي عرفناه فيما سبق - وذلك لأنهم لا يسمون بهذا
الاسم غيره، وإن كانوا لا يخالفون في جواز إطلاقه على الحرام
- كما سبق في المسألة الرابعة -.
أما الحنفية، فإنهم إذا أطلقوا لفظ " المكروه " انصرف هذا اللفظ
غالباً إلى المكروه تحريماً.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي لا يترتب عليه آثار؛ حيث
إنه راجع إلى اصطلاح كل من الفريقين، ولا مشاحة في الاصطلاح.
المسألة السادسة: هل المكروه منهي عنه حقيقة؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن المكروه منهي عنه حقيقة.
ذهب إلى ذلك كثير من العلماء.
وهو الصواب؛ للأدلة الآتية:
- الدليل الأول: أن استعمال المنهي في المكروه قد شاع في لسان
اللغة والشرع، والأصل في الاستعمال الحقيقة، ولا يوجد شيء
يمنع من ذلك.
(1/287)

الدليل الثاني: أن كلمة " النهي " تطلق على ما كان النهي فيه
لحرمته كما تطلق على ما كان النهي فيه لكراهته وعدم استحسانه،
ولا فرق بينهما إلا في العقاب على فعل الحرام، دون المكروه.
المذهب الثاني: أن المكروه منهي عنه مجازاً، وليس حقيقة.
وهو لبعض العلماء مستدلين بقوله تعالى: (وما نهاكم عنه فانتهوا) .
وجه الدلالة: أن هذا النص يقتضي أن الانتهاء لازم عن المنهي
عنه، وترك المكروه غير لازم، فكان المكروه - منهيا عنه مجازاً لا
حقيقة، أي: لو كان المكروه منهياً عنه حقيقة للزم من ذلك الانتهاء
عن فعله، وإن لم ننته حلَّ العقاب، ولكن حقيقة المكروه أنه طلب
الانتهاء عنه، ولكن لو فعلناه لما كان علينا عقاب، إذن يكون النهي
عنه نهيا مجازاً، لا حقيقة.
جوابه:
يمكن أن يقال في الجواب عنه: إننا نظرنا إلى غير ما نظرتم إليه،
فنحن نظرنا إلى إطلاق لفظ النهي على المكروه، وأنتم نظرتم إلى
حكمه، ففرق بينهما.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي لا يترتب عليه أي أثر؟
وذلك لاتفاقنا مع أصحاب المذهب الثاني على أن المكروه مطلوب
ترك فعله وإن كان طلبا غير جازم.
(1/288)

المسألة السابعة: في حكم المكروه:
إن المكلف يثاب في ترك المكروه امتثالاً، وإذا فعله فلا يعاقب على
فعله، ولكن يقال عنه بأنه مخالف. قال القاري في " فتح العناية":
" إنما يكون - فعله لوثة مخالفة في صحيفة الإنسان ".
المسألة الثامنة: هل الأمر المطلق يتناول المكروه:
اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن الأمر المطلق لا يتناول المكروه.
ذهب إلى ذلك بعض الحنفية كالجرجاني، والإمام مالك، وبعض
المالكية كابن خويز منداد، وأكثر الشافعية، والحنابلة.
وهو الراجح عندي؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: أن المكروه - كما سبق - منهي عنه نهياً غير
جازم، والنهي يقتضي ترك الفعل، أما الأمر فإنه يقتضي إيجاد الفعل،
فيلزم من ذلك أن الأمر والنهي متضادان، وإذا كانا متضادين فإنه لا
يمكن أن يطلب ترك الشيء في حين أنه يطلب فعله.
أي: يستحيل أن يكون الشيء مأموراً به منهيا عنه في آن واحد،
فينتج: أن المكروه لا يتناوله الأمر المطلق.
الدليل الثاني: أنه إذا كان المباح ليس مأموراً به - كما سبق بيانه -
مع أنه ليس منهيا عنه، فمن باب أوْلى أن المكروه لا يدخل تحت
الأمر المطلق؛ لأنه منهي عنه.
الدليل الثالث: أنه يوجد تنافي بين حقيقة الأمر، وحقيقة المكروه
(1/289)

فالأمر هو: استدعاء وطلب، والمأمور به مستدعى ومطلوب فعله
كالواجب والمندوب.
أما المكروه فهو مطلوب الترك، إذن: ليس مستدعى ولا مطلوباً
فعله، فيكون المكروه منهياً عنه.
المذهب الثاني: أن الأمر المطلق يتناول المكروه.
ذهب إلى ذلك بعض الحنفية كالجصاص، وبعض المالكية،
وبعض الحنابلة.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أنه يجوز أداء صلاة عصر يومه بعد تغير الشمس،
فهو مأمور به شرعاً، وهو مكروه.
جوابه:
يمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إن الكراهة ليست في صلاة
العصر، بل إن سبب الكراهة هو: التشبه بعباد الشمس.
الدليل الثاني: أن الأمر الوارد في قوله تعالى: (وليطوفوا بالبيت العتيق) ، يتناول طواف المحدث، وهو صحيح عند الحنفية، وهو مكروه.
جوابه:
يمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إن الكراهة ليست في
الطواف، لأنه تعظيم للبيت، بل الكراهة لوصف في الطائف،
وهو المحدث، والحدث ليس من الطواف.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة معنوي له ثمرة وفائدة في كثير من المسائل
الفقهية، ومنها:
(1/290)

1 - لو طاف مكلف على غير طهارة، أو طاف منكوسا وهو -
المقلوب الذي رجلاه إلى أعلى، ورأسه إلى أسفل "، فهل يدخل
في الأمر الوارد في قوله تعالى: (وليطوفوا بالبيت العتيق) .
اختلف العلماء في ذلك، وكان سبب اختلافهم هو: اختلافهم
في المسألة السابقة:
فأصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إن الأمر المطلق لا
يتناول المكروه - ذهبوا إلى عدم دخول تلك الصورة المؤداة في الأمر،
ولو فعل لا يكون مجزئاً بسبب: أن المكروه لا يدخل في مطلق الأمر.
أما أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: إن الأمر المطلق
يتناول المكروه - فقد ذهبوا إلى أن ذلك الفعل بتلك الصورة المؤداة
يدخل في الأمر، وإن كان حكمه مكروهاً إلا أنه يجزي عن الطواف.
2 - لو توضأ مكلف وضوءاً منكساً دون ترتيب، فهل يدخل في
مطلق الأمر بالوضوء ويجزئ عنه؟
اختلف العلماء في ذلك، وسبب اختلافهم هو اختلافهم في
المسألة السابقة.
فأصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إن الأمر المطلق لا
يتناول المكروه - ذهبوا إلى أن الوضوء المنكس لا يدخل في مطلق
الأمر بالوضوء، وأنه إذا وقع مثل ذلك لا يجزئ.
أما أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: إن الأمر المطلق
يتناول المكروه - فقد ذهبوا إلى أن الوضوء المتكس يدخل في مطلق
الأمر بالوضوء، وأنه إذا وقع مثل ذلك فإنه يجزئ.
(1/291)

المسألة التاسعة: هل المكروه من التكليف؟
اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن المكروه ليس من التكليف.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وهو الصحيح؛ لأن التكليف إنما يكون بما فيه كلفة ومشقة،
والمكروه لا كلفة ولا مشقة فيه - كما اتضح ذلك من بيان حقيقة
المكروه السابق في المسألة الثانية، ومن بيان حكم المكروه السابق في
المسألة السابعة -.
حيث بيَّنا: أن المكلَّف إذا ترك الفعل المكروه فله أجر وثواب،
وإن لم يتركه فلا إثم عليه، وهذا لا مشقة ولا كلفة فيه، بخلاف
الواجب والحرام، فالمشقة والكلفة فيهما واضحة؛ حيث إن المكلَّف
إن فعل الواجب فله أجر، وإن تركه فعليه إثم، وإن ترك الحرام فله
أجر، وإن فعله فعليه إثم، وكل ذلك للابتلاء.
المذهب الثاني: أن المكروه من التكليف.
ذهب إلى ذلك الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، وبعض الشافعية
وبعض الحنابلة.
دليل هذا المذهب:
استدل هؤلاء بقولهم: إن المكروه لا يخلو من مشقة وكلفة،
فشمله معنى التكليف.
جوابه:
يمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إننا لو رجعنا إلى حقيقة
المكروه لوجدنا أنه لا مشقة حقيقية فيه، ولا إلزام في ترك الفعل.
(1/292)

تنبيه: إنني صححت في كتابي " إتحاف ذوي البصائر " أن المكروه
من التكليف، ولكني في كتابي الآخر وهو: " الخلاف اللفظي عند
الأصوليين " صححت: أن المكروه ليس من التكليف، وكذا في هذا
الكتاب.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي لا ثمرة له راجع إلى تفسير
التكليف ما هو.
فمن فسَّر التكليف بأنه: إلزام ما فيه كلفة، قال: المكروه ليس
من التكليف، لأنه لا إلزام في المكروه.
ومن فسَّر التكليف بأنه الأمر بما فيه كلفة، أو النهي عما في
الامتناع عنه كلفة، أو هو الخطاب بأمر أو نهي: قال: المكروه من
التكليف.
إذن: أصحاب المذهبين قد اتفقوا على المعنى وهو: أن المكروه
مطلوب تركه إلا أن أصحاب المذهب الأول وهم الجمهور رفع عنه
اسم التكليف، نظراً لعدم الإلزام في طلب الترك، أما أصحاب
المذهب الثاني أثبتوا له اسم التكليف لوجود الكلفة والمشقة في طلب
الترك.
(1/293)

المطلب الخامس الحرام
ويشتمل على المسائل التالية:
المسألة الأولى: في مناسبة وضع الحرام هنا.
المسألة الثانية: في حقيقة الحرام:
أولاً: الحرام لغة.
ثانياً: الحرام اصطلاحا.
المسألة الثالثة: في صيغ الحرام.
المسألة الرابعة: هل يجوز أن يكون الواحد بالنوع حراما واجباً؟
المسألة الخامسة: هل يجوز أن يكون الواحد بالعين حراماً واجبا من
جهة واحدة؟
المسألة السادسة: هل يجوز أن يكون الواحد بالعين حراماً واجبا من
جهتين؟
المسألة السابعة: في مقدمة الحرام.
المسألة الثامنة: في الحرام المخيَّر.
المسألة التاسعة: هل الأمر بالشيء المعيَّن نهي عن ضدِّه؟
(1/295)

المسألة الأولى: مناسبة وضع الحرام هنا:
مناسبة وضع الحرام بعد المكروه هي: أنهما يشتركان في شيء
واحد وهو: أن كلًّا منهما مطلوب تركه، لكن المكروه مطلوب تركه
طلباً غير جازم، والحرام مطلوب تركه طلباً جازماً.
المسألة الثانية: في حقيقة الحرام:
أولاً: الحرام لغة:
الممنوع، يقال: " حرمه الشيء ": إذا منعه إياه، ومنه قوله
تعالى: (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ) أي: حرمناه رضاعهن
ومنعناه منهن.
ثانيا: المحرم اصطلاحا:
هو: ما ذُمَّ شرعاً فاعله.
شرح التعريف وبيان محترزاته:
قولنا: " ما " جنس في التعريف، والمراد منه: " الفعل "،
والتقدير: " الفعل الذي يذم شرعاً فاعله "، والمقصود: فعل
المكلَّف.
ودخل في ذلك كل أقسام الحكم التكليفي وهي: الواجب،
والمندوب، والمباح، والمكروه، والحرام.
قولنا: " ذُمَّ " الذم هو: الاستنقاص من الشارع الذي يصل إلى
حدِّ العقاب، وهو قيد في التعريف، أخرج المندوب، والمكروه،
والمباح، بيان ذلك:
أنه أخرج المندوب؛ لأن المندوب لا ذم على تركه.
(1/297)

وأنه أخرج المكروه؛ لأن المكروه لا ذم على فعله.
وأنه أخرج المباح؛ لأن المباح لا ذم على فعله ولا على تركه.
قولنا: " شرعا " قيد في التعريف لبيان أن الذم المعتبر هو الذم
الوارد من الشارع فقط، بخلاف ما تقوله المعتزلة من أن العقل يذم
ويقبح، ويمدح ويحسن.
قولنا: " فاعله " أخرج الواجب؛ لأنه الواجب يذم على تركه.
والمراد بالفعل هو: كل ما يصدر من الشخص، وذلك يشمل
فعل الجوارح كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، والقتل، ويشمل
الأقوال المحرمة كالكذب، والنميمة، والغيبة، ويشمل الأعمال
القلبية المحرمة كالحقد، والحسد، والنفاق.
***
المسألة الثالثة: في صيغ الحرام:
الحرام له صيغ وأساليب، ومنها:
الأولى: لفظة " التحريم " ومشتقاتها، مثل قوله تعالى:
(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) ، وقوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) .
الثانية: صيغة النهي المطلق، مثل قوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا) .
الثالثة: التصريح بعدم الحل، مثل قوله تعالى: (وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا) ، وقوله عليه الصلاة والسلام:
" لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ".
(1/298)

الرابعة: أن يذكر الشارع فعلاً ثم يرتب عليه عقوبة، فهذا يدل
على أن الفعل حرام، ومنه قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) .
الخامسة: صيغة الأمر التي تطلب الترك والمنع من الفعل، كقوله
تعالى: (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) ، وقوله: (وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا) ، فإن هذه الصيغة تعتبر من أساليب النهي؛ ترجيحاً لجانب
المعنى على جانب اللفظ؛ حيث إن معنى هذه الأوامر: النهي.
وبعضهم اعتبرها من أساليب الأمر؛ حيث إنها تفيد الطلب بصيغة
الأمر.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في الصيغة الخامسة خلاف لفظي لا ثمرة له؛ لأن المعنى
- وهو الحكم الشرعي - متفق عليه، وهو - هنا - تحريم قول
الزور وتحريم الربا.
لكن بعضهم عبَر عنه بالأمر باجتناب قول الزور، والأمر بترك
الربا.
وبعضهم عبَّر عنه بالنهي عن الزور والربا، فكان الخلاف في
التعبير فقط.
المسألة الرابعة: هل يجوز أن يكون الواحد بالنوع (1) حراماً واجباً؟
اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
__________
(1) إليك بيان الواحد بالجنس، والواحد بالنوع، والواحد بالعين؛ لأن هذه المسألة والمسألتين
الآتيتين لها صلة بذلك فأقول:
الواحد بالجنس هو لفظ واحد دلَّ على جنس كالحيوان، وهو شامل للواحد بالنوع
كالإنسان، والواحد بالعين كزيد.
والواحد بالنوع هو لفظ واحد دلَّ على نوع كالإنسان، وهو شامل للواحد بالعين كزيد.
أما الواحد بالعين فهو لفظ واحد دلَّ مفهومه على شخص معين كزيد.
(1/299)

المذهب الأول: يجوز أن يكون الواحد بالنوع واجبا وحراما طاعة
ومعصية.
وهو مذهب الجمهور، وهو الصحيح، وذلك بالإضافة والاعتبار
والنسبة.
فيكون الواحد بالنوع واجبا وحراما باعتبار أشخاصه أي: واجب
باعتبار بعض الأشخاص، وحرام باعتبار بعض الأشخاص الآخرين.
فاختلاف الإضافات والاعتبارات والنسب والصفات جعل الواحد
بالنوع يكون واجبا باعتبار -، وحراما باعتبار.
مثال ذلك: " السجود " هو واحد بالنوع، فمنه: سجود واجب
وهو السجود لله تعالى، ومنه سجود حرام، وهو: السجود لغير
الله تعالى.
فهذا السجود واحد بالنوع، أي: نوع من الأفعال وأشخاص
كثيرة، فيجوز أن ينقسم إلى " واجب " و " حرام "، ولا تناقض في
ذلك؛ وذلك نظراً لتغايرهما بالشخصية، فيكون بعض أفراده واجبا
كالسجود لله تعالى، وبعضها حراما كالسجود للصنم، قال تعالى
- في ذلك -: (لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ) .
المذهب الثاني: لا يجوز أن يكون الواحد بالنوع واجبا حراما.
ذهب إلى ذلك بعض المعتزلة، منهم: أبو هاشم الجبائي.
(1/300)

دليل هذا المذهب:
قد استدل هؤلاء بقولهم: إننا لو قلنا بجواز كون الواحد بالنوع
واجبا حراما للزم من ذلك التناقض، وذلك لأن السجود نوع واحد
مأمور به، فيستحيل أن يكون منهياً عنه.
أي: أن السجود واجب يستحيل أن يكون محرما.
جوابه:
يمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إن ذلك غير صحيح، لأنه
إذا تغاير متعلق الأمر والنهي لا يوجد تناقض، فيكون الواحد بالنوع
- وهو هنا السجود - واجبا باعتبار، وحراما باعتبار آخر، فلا
تناقض فالسجود للصنم غير السجود لله تعالى، بدليل: أن المأمور
به ليس هو النهي عنه في قوله تعالى: (لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ) .
وقد انعقد الإجماع على أن الساجد للصنم والشمس عاص بنفس
السجود والقصد جميعاً، وأن الساجد لله تعالى مطيع بالسجود
والقصد جميعاً.
إذاً: لا تضاد في كون الواحد بالنوع واجباً حراما، إنما التضاد
يكون في الواحد بالشخص.
المسألة الخامسة: هل يجوز أن يكون الواحد بالعين حراماً
واجبا من جهة واحدة؟
أقول: يستحيل ويمتنع أن يكون الواحد بالعين حراما واجبا طاعة
ومعصية من جهة واحدة، كما لو قال: " صل صلاة الظهر ولا
تصل صلاة الظهر "، أو قال: " اعتق هذا العبد لا تعتق هذا العبد"
وهو يشير إلى واحد معين.
(1/301)

وقلنا: إن ذلك مستحيل؛ لتضادهما وتنافيهما وتناقضهما، وهو
من باب تكليف ما لا يطاق، وهو لا يجوز كما سبق؛ لقوله
تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) .
***
المسألة المسادسة: هل يجوز أن يكون الواحد بالعين حراماً
واجباً من جهتين؟
مثل: الصلاة في الدار المغصوبة، أي: صلاة زيد في دار
مغصوبة من عمرو؛ حيث إن حركة زيد في الصلاة فعل واحد بعينه.
اختلف العلماء في صحة تلك الصلاة على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز أن يكون الواحد بالعين حراما واجبا من
جهتين، وعليه فتصح الصلاة في الدار المغصوبة.
ذهب إلى ذلك: أكثر الحنفية، وأكثر الشافعية، وهو قول الإمام
مالك، وبعض الحنابلة كأبي بكر الخلال، وابن عقيك.
وهو الصحيح عندي؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: أنه لا مانع من صحة الصلاة، وإن أوقعت في
مكان مغصوب؛ لأن فعل الصلاة في مكان مغصوب هو فعل واحد
له جهتان متغايرتان:
إحدى الجهتين مطلوب الفعل - وهو الصلاة والأمر بها -.
والجهة الأخرى مطلوب الترك - وهو الصلاة في الدار المغصوبة.
فإذا كان للفعل الواحد جهتان متغايرتان، فيجوز أن يكون مطلوب
الفعل من إحدى الجهتين مطلوب الترك، ولا مانع من الصحة -
(1/302)

والحالة هذه - ولا يقع في ذلك محال، ولكن المحال إذا كان الشيء
مطلوب الفعل ومطلوب الترك من جهة واحدة.
ولعلي أبين ذلك أكثر فأقول: إن الفعل - وهو الصلاة - مطلوب
الفعل، ومن حيث إن المكان المصلى فيه مغصوب: مطلوب الترك.
فيكون متعلق الأمر والنهي غير متحد.
أي: أن الصلاة من حيث هي صلاة مأمور بها - بقطع النظر عما
يلحقها من مكان أو غيره -، والغصب من حيث هو غصب منهي
عنه - بقطع النظر عما يلابسه من أفعال الصلاة.
وعلى هذا: تكون الصلاة معقولة بدون الغصب، والغصب
معقول بدون الصلاة، فيمكن وجود أحدهما بدون الآخر " قياسا
على من صلى ولم يغصب، أو غصب ولم يصل، فكما أن من
صلى ولم يغصب له أجر، ومن غصب ولم يصل عليه الإثم،
فكذا هاهنا، فإذا جمع المكلَّف بين الصلاة والغصب - أي: صلى
في مكان مغصوب - لم يخرجهما عن حكمهما في حال انفرادهما
وهو الأمر بالصلاة وكونها طاعة، والنهي عن الغصب وكونه
معصية، فيجب أن يثبت للصلاة والغصب ما يثبت لهما منفردين،
فالجمع بينهما لا يقلب حقيقتهما في أنفسهما.
اعتراض:
إن اعترض معترض قائلاً: إن قولكم هذا يلزم منه صحة صوم
يوم النحر؛ لأن الصوم من حيث هو صوم مطلوب، وإنما المنهي
عنه إيقاعه في هذا الزمن المنهي عن الصوم فيه، وأنتم تقولون: إنه
لا يصح صوم يوم النحر، وهذا تناقض.
جوابه:
أقول - في الجواب عن ذلك -: إن هذا الإلزام صحيح،
(1/303)

فلو لم يرد نص في النهي عن صوم يوم النحر لصح صيام يوم النحر،
ويأثم بإيقاعه في هذا اليوم المنهي عن الصيام فيه، كما قلنا في
الصلاة في الدار المغصوبة، ولكن الذي منعنا هو النص كما سبق.
الدليل الثاني: أن السيد لو قال لعبده: " خط هذا الثوب ولا
تدخل هذه الدار، فإن امتثلت أعتقتك، وإن دخلت الدار عاقبتك "
فخاط الثوب في تلك الدار المنهي عن دخولها، فإن العبد يعتبر
مطيعا لسيده من جهة، وعاصيا من جهة أخرى، فيحسن من السيد
عتقه ومعاقبته؛ نظراً للجهتين، حيث كان العبد مطيعا من جهة امتثال
أمر سيده - وهو: خياطة الئوب - فيستحق العتق من السيد على
ذلك، وكان عاصيا من جهة دخوله للدار المنهي عن دخولها،
فيستحق العقوبة.
وإذا ثبت ذلك هنا، فكذلك الصلاة في الدار المغصوبة؛ لأن
المكلَّف جمع بين الصلاة وكونها في الدار المغصوبة، كما جمع بين
خياطة الثوب ودخول الدار المنهي عنها.
الدليل الثالث: لو أن مسلما رمى سهما واحداً إلى كافر فمرق
السهم من الكافر وأصاب مسلماً فقتله: فيثاب من جهة، ويعاقب
من جهة أخرى.
بثاب ويملك سلب الكافر من جهة قتله كافرا محاربا لإعلاء كلمة
الله، وقد أمره اللَّه تعالى بذلك، ويستحق سلب هذا الكافر الذي
قتله.
ويعاقب هذا المسلم الرامي للسهم؛ لأنه قتل مسلما، وقد نهى
الله سبحانه عن قتله، فيدفع الدية، لأنه قتل خطأ.
فهذا فعل واحد عوقب وأثيب عليه، وذلك لتضمنه الأمر والنهي
(1/304)

من جهتين مختلفتين، فهو مأمور به من جهة قتل الكافر المحارب،
وهو منهي عنه من جهة قتل المسلم من غير قصد.
فإذا ثبت ذلك فالصلاة في الدار المغصوبة مثله؛ لأن المكلَّف جمع
بين الصلاة وكونها في الدار المغصوبة، كما جمع بين قتل الكافر
المأمور به وقتل المسلم المنهي عنه.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز أن يكون الواحد بالعين حراما واجبا
من جهتين، وعليه: فالصلاة في الدار المغصوبة لا تصح.
ذهب إلى ذلك الإمام مالك في رواية عنه، وهو وجه لأصحاب
الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد، واختاره أكثر الحنابلة، وهو
مذهب أهل الظاهر والزيدية، وبعض المعتزلة كأبي علي وأبي هاشم.
دليل هذا المذهب:
استدل هؤلاء بقولهم: إن الوجوب والتحريم إنما يتعلق بفعل
المكلَّف، لا بما ليس من فعله، والأفعال الموجودة من المصلي في
الدار المغصوبة أفعال اختيارية محرمة عليه، وهو عاصٍ بها، آثم
بفعلها، وليس له من الأفعال غير ما صدر عنه، فلا يتصور أن
تكون طاعة ولا يثاب عليها متقربا بها إلى اللَّه - تعالى -؛ لأن
الحرام لا يكون واجبا، والمعصية لا تكون طاعة مثابا عليها، ولا
تكون متقربا بها مع أن التقرب والنية شرط في صحة الصلاة.
جوابه:
يمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إن المحكوم بأنه حرام ليس
هو ذات الفعل من حيث هو فعل، ولكن حكم عليه بالحرمة من
جهة كونه غصبا، وإذا كان الأمر هكذا فلا يلزم منه امتناع الحكم
عليه بالوجوب من جهة كونه صلاة؛ ضرورة اختلاف الجهتين.
تنبيهان:
الأول: لم أستدل على المذهب الذي اخترته - وهو: أن الصلاة
(1/305)

في الدار المغصوبة صحيحة - بما تناقله الأصوليون وهو: أن السلف
- رحمهم اللَّه - لم يكونوا يأمرون من تاب من الظلمة بقضاء
الصلوات التي أدوها في الأماكن التي غصبوها، وهذا يدل على أنها
صحيحة، ولو لم تكن صحيحة لأمروهم بقضاءها.
فلم أذكر ذلك؛ لأمرين:
أولهما: أن حقيقة الإجماع الصريح لم توجد؛ حيث إنه لم ينقل
عن السلف أنهم اتفقوا على أن الظلمة تسقط عنهم الصلوات التي
أدوها في أماكن مغصوبة لا عن طريق التواتر، ولا عن طريق
الآحاد، وعدم النقل عن السلف لا يعتبر نقل الاتفاق، فمن زعم
الإجماع بعد ذلك فهو جاهل بحقيقته.
ثانيهما: إن زعموا: أن ذلك جاء عن طريق الإجماع السكوتي،
فهذا - أيضا - لا تقوم الحجة به لهم؛ حيث إنه معروف أن الإجماع
السكوتي لا يعتبر إجماعا ولا حجة عند بعض العلماء.
وأيضا روي عن الإمام أحمد: أنه يبطل الصلاة في الدار المغصوبة
- وهي رواية مشهورة عنه - وهو إمام النقل، وأعلم بأحوال
السلف، فمخالفته تنقض الإجماع.
التنبيه الثاني: قد ذكر بعض العلماء مذهباً ثالثا في المسألة وهو:
أن الصلاة في الدار المغصوبة ليست صحيحة، ولكن يسقط الطلب
عندها لا بها، وهو منسوب للقاضي أبي بكر الباقلاني.
ولقد ذكرت في " إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر " دليل
هذا المذهب، وبيَّنا أنه قريب من المذهب القائل: إن الصلاة في
الدار المغضوبة لا تصح، فراجعه من هناك.
(1/306)

بيان نوع الخلاف:
الخلاف بين المذهبين الأول والثاني خلاف معنوي، وهو واضح؟
حيث إن من صحح الصلاة في الدار المغصوبة لم يأمر من فعلها على
هذه الصفة بالقضاء، ومن لم يصححها فإنه يأمر من فعلها في دار
مغصوبة بالقضاء.
***
المسألة السابعة: في مقدمة الحرام:
مقدمة الحرام تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما كان من أجزاء الحرام فهذا محرم بالتأكيد، مثاله:
الإيلاج والإخراج في عملية الزنا، فإنه لا فرق - هنا - بين المقدمة
والحرام، فإن حكمهما واحد؛ حيث إنه لا فرق بين أن يقول
الشارع: " لا تزن " أو أن يقول: " لا تولج ".
الثاني: ما كان من أسباب الحرام فهذا حرام مثل: محادثة
الأجنبيات بشهوة " لأن ذلك سبب في الوقوع في الزنا.
الثالث: ما كان من ضرورات الحرام مثل: اختلاط أخته بعدد من
الأجنبيات عنه في بلدة صغيرة، وعسر تمييزها من بينهن، فهنا يحرم
نكاح الجميع ضرورة، حتى لا يوصل به هذا إلى نكاح أخته.
المسألة الثامنة: في الحرام المخيَّر:
الحرام المعيَّن معروف وهو الثابت بالإجماع، وهو الذي تعين
المنهي عنه بشيء واحد كتحريم شرب الخمر، والزنا، والربا،
ونحو ذلك.
(1/307)

أما الحرام المخيَّر وهو الذي لم يتعين المنهي عنه بشيء واحد، بل
تعلق النهي بأشياء متعدِّدة ومحصورة، فهل يجوز ذلك؟
أي: هل يجوز أن يحرم واحداً لا بعينه؟
اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز أن يُحرم واحداً لا بعينه.
ذهب إلى ذلك الآمدي، وابن الحاجب، وأكثر الفقهاء.
وهو الحق عندي؛ لدليلين:
الدليل الأول: أنه لا يمتنع عقلاً أن يقول الشارع: " لا تكلم زيداً
أو. عمرأ، وقد حرمت عليك كلام أحدهما لا بعينه، ولست أحرم
عليك كلام الجميع، ولا واحداً بعينه "، فهذا كلام معقول، ولا
يلزم من تصوره محال.
الدليل الثاني: الوقوع الشرعي، ومنه: تحركيم إحدى الأختين لا
بعينها، وكذلك لو أسلم وتحته أكثر من أربع نساء، فإنه ممنوع مما
زاد عن الأربع من غير تعيين.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز تحريم واحد لا بعينه.
ذهب إلى ذلك أكثر المعتزلة، وبعض العلماء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن النهي عن الشيء قبيح، فإذا نهي عن أحدهما
لا بعينه ثبت القبح لكل منهما، فيمتنعان جميعاً.
جوابه:
يجاب عن ذلك: بأن قولكم هذا مبني على قاعدة " التحسين
والتقبيح العقليين "، ونحن لا نوافقكم عليها جملة وتفصيلاً.
(1/308)

الدليل الثاني: أن التحريم ينافي التخيير، فمعنى كونه محرماً:
أنه لا يجوز فعله، ومعنى كونه مخيراً: أنه يجوز فعله وتركه.
جوابه:
يجاب عن ذلك: بأن اللَّه عَزَّ وجَلَّ يعلم الأشياء على ما هي
عليه، فيعلم الحرام الذي ليس بمعين غير معين، وإذا أتى بها المكلَّف
كلها سقط العقاب عنه.
الدليل الثالث: أن حرف " أو " إذا ورد في النهي اقتضى الجمع
دون التخيير، ومثلوا لذلك بقوله تعالى: (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) ، فالشارع نهى عن الطاعة لكل منهما.
جوابه:
يجاب عن ذلك: بأن الترك في الآية قد تعلق بمفهوم أحدهما،
فلذلك أفاد التعميم.
المسألة التاسعة: هل الأمر بالشيء المعين نهي عن ضده؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على مذاهب:
المذهب الأول: أن الأمر بالشيء المعيَّن نهي عن ضدِّ ذلك الشيء
المعيَّن من جهة المعنى، سواء كان له ضد واحد، أو أضداد.
ذهب إلى ذلك: الأئمة الثلاثة - أبو حنيفة، ومالك، والشافعي -
وأكثر أتباعهم، وهو رواية عن الإمام أحمد وكثير من أتباعه،
واختاره فخر الدين الرازي وأكثر أتباعه، والقاضي عبد الجبار بن
أحمد، والكعبي، وأبو الحسين البصري.
وهو الصحيح عندي، فعلى هذا يكون الأمر بالصلاة: نهي في
(1/309)

المعنى عن الأكل والشرب والنوم، والأمر بالجلوس في البيت يكون
نهياً في المعنى عن الجلوس في الطريق وغير ذلك من المواضع التي
يضاد الجلوس فيها الجلوس في البيت.
ولقد صحَّحته للأدلة التالية:
الدليل الأول: أنه لا يمكن أن نتوصل إلى فعل المأمور به إلا بترك
ضده، فوجب أن يكون الأمر به نهياً عن ضده، فلو قال - مثلاً -:
" قم " لا يمكنه فعل القيام إلا بترك القعود، فوجب أن يكون نهياً
عن القعود، والاضطجاع، والركوع، ونحو ذلك، قياسا على
الأمر بالصلاة لما لم يمكنه فعل الصلاة إلا بتقديم الطهارة كان الأمر
بالصلاة أمراً بالطهارة، وجلب الماء، وتوفير كل الأسباب التي
يتوصل بها إلى صحة الصلاة، فكذا هاهنا.
الدليل الثاني: أن السيد لو قال لعبده: " قم " فقعد حسن ذمه
وتوبيخه على القعود، فيقول له: " لِمَ قعدت؛ "، ولو لم يكن
الأمر بالقيام اقتضى النهي عن القعود: لما حسن توبيخه وذمه على
القعود.
الدليل الثالث: أن من أذن لغيره في دخول الدار ثم قال له:
"اخرج " تضمن هذا القول منعه من القيام فيها، واللفظ إنما هو أمر
بالخروج، وقد عقل منه المنع من المقام الذي هو ضده.
المذهب الثاني: أن الأمر بالشيء هو بعينه طلب ترك الضد، فهو
طلب واحد: بالإضافة إلى جانب الفعل: أمر، وبالإضافة إلى
جانب الترك: نهي.
فالسكون هو عين ترك الحركة، وطلب السكون هو عين طلب
(1/310)

ترك الحركة، فالأمر بالسكون طلب واحد، هو بالإضافة إلى
السكون أمر، وبالإضافة إلى الحركة نهي.
ذهب إلى ذلك القاضي أبو بكر الباقلاني في أول أقواله، وتبعه
على ذلك بعض المتكلمين.
وبنى هؤلاء مذهبهم على أساس أن الأمر لا صيغة له، وإنما هو
معنى قائم بالنفس، فالأمر - عندهم - هو نفس النهي من هذا
الوجه، فاتصافه بكونه أمراً ونهيا كاتصاف الكون الواحد بكونه قريبا
من شيء بعيداً من شيء آخر.
جوابه:
يمكن أن يجاب عنه بأن يقال: إن مذهبكم هذا مبني على أن الأمر
بالشيء نهي عن ضده من طريق اللفظ، وهذا غير صحيح؛ لأن
العرب فرقت بين لفظ الأمر، ولفظ النهي، فجعلت لفظ الأمر
موضوعا للإيقاع والحث على الفعل، ولفظ النهي لنفي الفعل،
وطلب الترك، فلم يجز أن يجعل أحدهما للآخر كما لا يجوز ذلك
في الخبر.
المذهب الثالث: أن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده: لا بمعنى
أنه عينه، ولا بمعنى أنه يتضمنه، ولا بمعنى أنه يلازمه.
ذهب إلى ذلك بعض الشافعية كالغزالي، وروي عن القاضي أبي
بكر الباقلاني، وجمهور المعتزلة.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن صيغة الأمر تختلف عن صيغة النهي، فصيغة
الأمر " افعل " وصيغة النهي " لا تفعل "، فلا يجوز أن تكون صيغة
أحدهما مقتضية للآخر.
(1/311)

جوابه:
يمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إنما لا يجوز ذلك ويمتنع لو
جعلنا الأمر بالشيء نهياً عن ضده من طريق اللفظ، فيكون اختلاف
صيغتهما مانعا لكون أحدهما مقتضيا للآخر، لكنا نقول: إن الأمر
بالشيء يقتضي النهي عن ضده من طريق المعنى - كما سبق بيانه -.
الدليل الثاني: أن النهي عن الشيء لا يقتضي الأمر بضده،
فكذلك الأمر بالشيء وجب أن لا يكون مقتضيا للنهي عن ضده.
جوابه:
يمكن أن يجاب عنه: بأنا لا نسلِّم ذلك، بل: إن النهي عن
الشيء يقتضي الأمر بضده، فإن كان له ضد واحد كالنهي عن صوم
يوم النحر: فإنه يقتضي الأمر بضده وهو الإفطار، وإن كان له
أضداد كالزنا فإنه يقتضي الأمر بضد من أضداده، لأنه بفعل ضد
واحد يترك المنهي عنه، وهو أن يشتغل عنه بأكل أو شرب أو نوم أو
نحو ذلك من الأعمال، فإنه يصير بفعله لأحد تلك الأمور تاركا
للزنا.
الدليل الثالث: أن الأمر بالشيء قد يكون غافلاً وذاهلاً عن
ضده، والنهي عن الشيء مشروط بالشعور بالمنهي عنه، فكيف يكون
الآمر طالبا ما هو غافل عنه؛ وإذا كان الآمر لم يغفل عن ضد
الشيء المأمور به: فإن الأمر بالشيء لا يكون نهيا عن ضده من حيث
ذات الأمر، بل يكون الأمر نهيا عن ضده من باب ما لا يتم الواجب
إلا به فهو واجب.
جوابه:
يمكن أن نجيب عنه بجوابين:
(1/312)

الجواب الأول: لا نسلِّم أنه يصح منه إيجاب الشيء عند الغفلة
عن الإخلال به؛ لأن الأمر المقتضي إيجاب شيء مركب من قيدين:
" إيجاب الفعل "، و " المنع من الترك "، فالمتصور للإيجاب متصور
للمنع من الترك، فيكون - بذلك - متصوراً للترك لا محالة.
الجواب الثاني: سلَّمنا أن الضد قد يكون مغفولاً عنه، ولا يمنع
ذلك من أن يكون الضد منهياً عنه؛ قياسا على مقدمة الصلاة، فإن
الأمر بالصلاة أمر بمقدمتها، وإن كان مقدمتها قد تكون مغفولاً عنها،
فكذلك هنا.
بيان نوع الخلاف:
أولاً: الخلاف بين أصحاب المذهب الأول والثاني خلاف لفظي؟
لاتفاق الفريقين على أن الأمر بالشيء نهي عن ضدِّه، لكن أصحاب
المذهب الأول يقولون: إنه نهي عن ضده من جهة المعنى،
وأصحاب المذهب الثاني يقولون: إنه نهي عن ضده من جهة اللفظ.
ثانياً: الخلاف بين أصحاب المذهب الأول وأصحاب المذهب
الثالث خلاف معنوي، قد أثر في كثير من المسائل الفقهية، ومنها:
1 - إذا قال لزوجته: " إن خالفت نهيي فأنت طالق " ثم قال
لها: " قومي " فقعدت، فإن العلماء اختلفوا في ذلك، وكان
سبب خلافهم هو خلافهم في هذه القاعدة.
فقال بعض العلماء: إنها تطلق؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده.
وقال آخرون: إنها لا تطلق بنإء على أن الأمر بالشيء ليس نهيا
عن ضده.
2 - إذا سجد على مكان نجس فما حكم صلاته؛
(1/313)

اختلف في ذلك:
فذهب أكثر العلماء إلى أن صلاته باطلة، فيجب أن يعيدها كلها؟
لأنه مأمور بالسجود على مكان طاهر، والأمر بالشيء نهي عن
ضده، فالسجود على مكان نجس منهي عنه، فوجب أن تبطل
صلاته؛ لفعله ما نهي عنه.
وذهب بعض العلماء إلى أنه يؤمر بإعادة السجود على مكان طاهر
ويجزئه؛ لأن المأمور به السجود على مكان طاهر، وقد أتى به، أما
السجود على مكان نجس فليس بمنهي عنه، لأن الأمر بالشيء ليس
نهيا عن ضده.
وإن أردت الزيادة من هذه الأمثلة فراجع كتابي " إتحاف ذوي
البصائر ".
تنبيه: الحرام عند الجمهور يشمل ما ثبت النهي عنه بدليل
قطعي، وما ثبت النهي عنه بدليل ظني، فلم يُفرق بينهما، وقد
تكلمنا عنه فيما سبق.
أما الحنفية فإنهم يفرقون بين ما ثبت بدليل قطعي، وما ثبت بدليل
ظني.
فسموا الثابت بدليل قطعي بالحرام.
وسموا الثابت بدليل ظني بالمكروه تحريما.
وفرقوا بين " الحرام " و " المكروه تحريما " بفروق، من أهمها:
الأول: أن من أنكر الحرام الثابت بدليل قطعي اعتبر كافراً، أما
منكر المكروه تحريما، فإنه يعتبر فاسقا.
الثاني: أن العقاب في ارتكاب الحرام أشد من العقاب في ارتكاب
المكروه تحريما.
(1/314)

الفصل الثالث في التكليف وشروطه
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: حقيقة التكليف:
أولاً: التكليف لغة
ثانياً: التكليف اصطلاحاً.
المبحث الثاني: في شروط التكليف.
(1/315)

المبحث الأول في حقيقة التكليف
أولاً: التكليف لغة:
يرجع إلى أصل الكلمة، حيث تتكون من ثلاثة أحرف وهي:
"الكاف، واللام، والفاء "، وهذا الأصل يدل على إيلاع بالشيء،
وتعلق به مع شغل القلب.
وهو مأخوذ من الكلفة وهي: المشقة.
ويطلق التكليف على الأمر بما يشق عليك، فهو إذاً: الأمر بما فيه
كلفة.
ثانياً: التكليف اصطلاحاً هو:
الخطاب بأمر أو نهي.
وقيل: إلزام ما فيه كلفة.
ولهذا الاختلاف في تعريف التكليف اصطلاحاً أثره الواضح.
فمن عرَّفه بالأول - وهو الخطاب بأمر أو نهي - أدخل المندوب
والمكروه ضمن الأحكام التكليفية، لأن المندوب مأمور به، والمكروه
منهي عنه.
ومن عرَّفه بالثاني - وهو: إلزام ما فيه كلفة - لم يدخل المندوب
تحت الأحكام التكليفية؛ لأنه لا إلزام في فعل المندوب، ولا إلزام
في ترك المكروه، وقد سبق بيان ذلك.
(1/317)

المبحث الثاني في شروط التكليف
شروط التكليف تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: شروط ترجع إلى المكلَّف وهو المحكوم عليه.
القسم الثاني: شروط ترجع إلى الفعل المكلَّف به، وهو المحكوم فيه.
(1/319)

القسم الأول في شروط المكلَّف
ويشتمل على مسائل.
المسألة الأولى: بيان شروط المكلف.
المسألة الثانية: تكليف الجن.
المسألة الثالثة: هل الصبي غير المميز مكلَّف؟
المسألة الرابعة: الصبي المميز هل هو مكلَّف؟
المسألة الخامسة: المجنون المميز هل هو مكلَّف؟
المسألة السادسة: المعتوه هل هو مكلَّف؟
المسألة السابعة: هل الناسي والساهي والغافل والنائم والمغمى عليه مكلفون؟
المسألة الثامنة: هل السكران مكلف؟
المسألة التاسعة: تكليف المكره.
المسألة العاشرة: تكليف الكفار بفروع الإسلام.
(1/321)

المسألة الأولى: بيان شروط المكلَّف:
الشرط الأول: أن يكون بالغاً.
الشرط الثاني: أن يكون عاقلاً.
الشرط الثالث: أن يكون فاهماً للخطاب.
فإذا توفرت هذه الشروط الثلاثة في شخص أصبح هذا الشخص
مكلَّفاً بأحكام الشرع.
والبلوغ: هو الوصول إلى الحدِّ الذي إذا وصله الشخص فإنه
تحسب له الحسنات، وتحسب عليه السيئات.
والبلوغ يكون إما باستكمال خمس عشرة سنة، أو بالاحتلام
- وهو إنزال المني -، أو بإنبات شعر من قبل، هذا بالنسبة للذكر.
أما الأنثى فيعرف بلوغها بأحد الأمور التي تخص الذكر، وتزيد
أمراً رابعاً وهو: الحيض.
والمقصود بالعقل: آلة التمييز والإدراك.
والفهم هو: جودة الذهن من جهة تهيئته لاقتناص كل ما يرد عليه
من المطالب.
والمراد بالخطاب: هو خطاب الشارع، سواء كان أمراً أو نهياً أو
تخييراً.
وفرَّقنا بين اشتراط البلوغ، واشتراط العقل مع أن بعض العلماء
قد جعلوا البلوغ يدخل ضمن اشتراط العقل، وقالوا: إن البلوغ
وضعه الشارع حداً للعقل الذي يتفاوت الناس فيه، لكننا فرَّقنا بينهما
(1/323)

وأفردناه عن شرط العقل، لاختلاف حكم الصبي عن المجنون
وغيره، وذلك لأن اشتراط البلوغ أخرج الصبي، واشتراط العقل
أخرج المجنون.
وفرقنا بين اشتراط العقل واشتراط الفهم، مع أن بعض العلماء لم
يُفرِّقوا بينهما؛ لأنا أردنا بالعاقل ما يخالف المجنون، وأردنا بالفاهم
ما يخالف النائم والغافل والساهي.
الحاصل: أنه يشترط في الشخص المراد تكليفه: أن يكون قدى
وصل إلى الحدِّ الذي نعرف بواسطته خروجه عن مرحلة الصبا، وأن
يتوفر فيه العقل الذي يميز به بين الحق والباطل، والطيب والخبيث،
وأن يتوفر فيه الفهم الذي يستطيع به أن يدرك المراد والمطلوب من ذلك
الخطاب الموجه إليه، ويفهم كيفية امتثاله، ويفهم المقصود من
التكليف حتى تصح النية، حيث لا عمل إلا بنية.
***
المسألة الثانية: تكليف الجن:
الجني البالغ، العاقل، الذي يفهم الخطاب هل هو مكلَّف أو لا؟
أقول: إن الجن مكلَّفون بفروع الشريعة كأصولها، لما يلي من
الأدلة:
الأول: قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) .
الثاني: قوله تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا) .
الثالث: قوله تعالى: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ) .
الرابع: الإجماع، حيث أجمع العلماء على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرسل
(1/324)

بالقرآن إلى الإنس والجن، وجميع أوامره ونواهيه تتوجه إليهما،
وهي تشمل الأوامر والنواهي في الأصول والفروع.
لكن تكليفهم يختلف عن تكليف الإنس؛ لأن طبيعة كل واحد
تختلف محن طبيعة الآخر، فالجن يخالفون بالحد والحقيقة الإنس،
وإذا خالفوهم في ذلك فبالضرورة يخالفونهم في بعض التكاليف.
فمثلاً: الجني يقصد البيت الحرام للحج طائراً؛ لأنه قد أعطي
قوة الطيران في الهواء، أما الإنسان فلا يخاطب بذلك لعدم وجود
تلك القوة عنده.
ولقد نقل بعض العلماء كابن نجيم في الأشباه والنظائر أحكاما
خاصة تتعلق بالجن ومنها: هل تصح الصلاة خلفه، ونحو ذلك.
***
المسألة الثالثة: هل الصبي غير المميز مكلَّف؟
الصبي غير المميز هو: الذي لا يميز ولا يفرق بين الأشياء، فلا
يميز بين الحق والباطل، وبين الطيب والخبيث، وبين الجيد والرديء.
ومدته سبع سنوات، وهو من ولادته إلى تمامه سبع سنوات من
عمره، والسبب في هذا التحديد ما رواه ابن عمر - رضي الله
عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
" مروا أولادكم لسبع واضربوهم عليها لعشر، وفرَّقوا بينهما في المضاجع "، فقد أمر الشارع - هنا -
الولي بأن يأمر الصبي البالغ سبع سنوات بالصلاة للتمرين والتدريب،
ويفهم منه أن الصبي غير البالغ هذا السن لا يؤمر ولا ينهى؛ لأنه لا
يفرق بين الأمور.
وهذا الصبي قد اختلف في تكليفه على مذهبين:
(1/325)

المذهب الأول: أن الصبي غير المميز غير مكلَّف.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء، وهو الحق عندي الذي لا يجوز
غيره؛ وذلك لأن الذي لا يفهم الخطاب الوارد من الشارع لا يتصور
منه قصد مقتضاه، والصبي غير المميز لا يفهم شيئاً من الخطابات،
فلذلك سقطت عنه المطالبة بمقتضى ذلك الخطاب، بيان ذلك:
أن المقصود والغرض من تكليف الشارع لعباده بالتكاليف الشرعية
هو: أن يمتثلوا بفعل المأمور به وترك المنهي عنه؛ لتحقيق امتحان الله
للمكلَّف، ولا يصح ذلك الامتثال وتلك الطاعة إلا بوجود النية
والقصد، ولا تصح النية إلا بوجود شرطها وهو: أن يعلم المكلَّف
بالفعل المكلَّف به، وكيفية امتثاله، والمقصود منه، وأن يعلم من هو
المكلِّف - بكسر اللام - وغرضه من هذا التكليف وما يتعلق بذلك
من رغبة ورهبة، ووعد ووعيد، وهذه الأمور لا يمكن أن يدرك
حقائقها الصبي غير المميز، فلذلك رفع التكليف عنه.
فعدم معرفته لتلك الأمور وعدم فهمه للخطابات قد منع من
تكليفه، فلا يمكن تكليفه مع قيام المانع، وهذا ينزل منزلة تكليف
المقعد بالقيام وذلك مستحيل.
المذهب الثاني: أن الصبي غير المميز مكلَّف.
ذهب إلى ذلك بعض الناس كما نقل ذلك أبو البركات ابن تيمية
في " المسودة ".
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن الصبي قد وجه إليه الخطاب بدفع الزكاة من
ماله إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول، ودفع أروش الجنايات،
(1/326)

وقيم المتلفات، وهذا تكليف من جهة الشرع، فلو كان غير مكلَّف
لما لزمه دفع تلك الواجبات من ماله، فلما لزم ذلك دلَّ على تكليفه.
جوابه:
يقال في الجواب عنه: إن وجوب تلك الواجبات عليه ليس من
باب خطاب التكليف، وإنما هو من باب خطاب الوضع؛ حيث إنه
من قبيل ربط الأحكام بأسبابها، فالشرع وضع أسبابا تقتضي أحكاما
تترتب عليها، تحقيقا للعدل في خلقه، ومراعاة لمصالحهم تفضلاً منه
سبحانه، فهذه لا تكليف فيها.
فبلوغ المال النصاب سبب لوجوب الزكاة في هذا المال، بعد
حولان الحول عليه سواء كان مالكه صبيا أو بالغا.
فإذا بلغ ذلك المال النصاب وحال عليه الحول، فقد وجب في ذمة
الصبي إخراج الزكاة.
كذلك الإتلاف سبب لوجوب قيمة المتلَف - بفتح اللام - على
المتلف بقطع النظر عن المتلف - بكسر اللام - أي: سواء كان صغيراً
أو كبيراً.
كذلك إذا جرح الصبي شخصا بجرح صغير: فإن هذا سبب
لإخراج أرش هذا الجرح من مال الجارح، سواء كان صغيراً أو كبيراً.
الخلاصة: أن بلوغ المال النصاب، ونفس الإتلاف، والجنايات
بالجراح أسباب لثبوت حقوق في ذمة الصبي.
ولكون اللَّه سبحانه قد حفظ للناس حقوقهم، ونظراً لأن حكمته
اقتضت عدم ظلم الفقير، وظلم الآخرين، فإن هذه الأسباب تكون
(1/327)

خطابات لولي الصبي، أو الوصي عليه، بحيث يخرج هذه الحقوق
من ماله من زكاة، وقيم متلف، وأرش جناية.
وإن لم يمكن ذلك فإن بلوغ النصاب والإتلاف والجنايات تكون
أسباباً لخطاب الصبي بعد بلوغه؛ لتمكنه في تلك الحال من فهم
الخطاب.
أي: إما أن يتوجه الخطاب بتلك الأسباب في الحال إلى الولي أو
الوصي.
أو يتوجه في المآل؛ لأن مآل الصبي هو البلوغ،
الدليل الثاني: أن الزكاة، وقيمة المتلف، وأرش الجناية تثبت في
ذمة الصبي، وهذا يفيد أنه مكلَّف، إذ لو كان غير مكلَّف لما ثبت
في ذمته شيء.
جوابه:
يقال في الجواب عنه: إن ثبوت تلك الأحكام في ذمة الصبي ليس
بسبب كونه مكلفاً، بل إن الصبي صار أهلاً لثبوت الأحكام في ذمته
بسبب توفر صفة الإنسانية فيه التي بها يكون مستعداً لقبول قوة العقل
الذي بواسطته يستطيع فهم التكليف، وذلك بعد البلوغ.
فصفة الإنسانية الموجودة في الصبى هى التى جعلته أهلاً للتكليف
بالقوة لا بالفعل.
بخلاف البهيمة، فلا يمكن أن يكون لها أهلية فهم الخطاب ولا
التكليف لا بالقوة ولا بالفعل؛ لعدم صفة الإنسانية فيها، فلذلك لا
تثبت في ذمتها الأحكام، ولم تهيا لذلك.
ومما يؤيد ذلك: القياس على النطفة في الرحم، فإنه يثبت لها
(1/328)

الملك بالإرث والوصية مع أن الحياة التي هي شرط الإنسانية والتي
تثبت بها الملكية مفقودة، وليست موجودة بالفعل، ولكن هذه
النطفة تملك بالقوة؛ لأن مصير هذه النطفة - غالبا - إلى الحياة،
فلذلك صلح أن تملك تلك النطفة، ولكن هذا الملك بالقوة لا بالفعل.
فكذلك الصبي مصيره إلى العقل والبلوغ وفهم الخطاب، فصلح
لأن يثبت في ذمته بعض الأحكام من إخراج الزكاة، ودفع قيمة
المتلفات ونحو ذلك، والجامع: أن كلاً منهما لا يستطيع التصرف في
الحال فيما يملكه.
***
المسألة الرابعة: الصبي المميز هل هو مكلَّف؟
الصبي المميز هو: من تجاوز سن السابعة من عمره - وقيل: هو
من تجاوز سن السادسة - وهو يدرك حقائق الأمور ويميز بين الأفعال
والأقوال، والجيد والرديء، والحق والباطل.
فهو في هذه الحالة قد توفر فيه العقل، وفهم خطاب الشارع فهل
هو مكلَّف؟
اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أنه غير مكلف مطلقا.
وهو قول جمهور العلماء، وهو الحق عندي؛ لأن كون الصبي
المميز عاقلاً يفهم الخطاب ويميز بين حقائق الأمور جعل تكليفه
ممكن، لكن الشارع وضع وحط عنه التكليف؛ رفعا للحرج؟
حيث إن العقل والفهم يتزايدان تزايداً غير واضح، فلا يعلم هو
بنفسه ولا غيره ذلك التزايد، فلا يمكن الوقوف على أول وقت فهم
فيه خطاب الشارع، وأول وقت عرف حقيقة المرسل - بكسر السين -
(1/329)

والمرسَل - بفتح السين -، والغرض من إرسال الرسل، فنظراً
لعدم معرفة ذلك بالتحديد، جعل الشارع وقتاً محدداً للتكليف، ألا
وهو: البلوغ، فهو علامة واضحة جلية لظهور العقل وفهم الخطاب
على الغالب، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ ... ".
والبلوغ يكون إما باستكمال خمس عشرة سنة، أو بالاحتلام، أو
بإنبات شعر من قبل، وتزيد الأنثى بخروج الحيض.
فوضع الشارع ضابطاً يضبط الحد الذي تتكامل فيه بنيته وعقله وهو
" البلوغ "، ولهذا فإن أكثر الأحكام تتعلق به.
قال بعض العلماء: كأن الشارع لم يلزم الصبي قضايا التكليف؟
لأمرين:
أولهما: أن الصبي مظنة الغباوة، وضعف العقل، فلا يستقل
بأعباء التكليف.
ثانيهما: أنه عري عن البلية العظمى، وهي الشهوة.
المذهب الثاني: أن الصبي المميز مكلف مطلقاً.
وهو رواية عن الإمام أحمد.
دليل هذا المذهب:
أن الصبي المميز عاقل، يفهم خطاب الشرع، مميز بين الأقوال
والأفعال، ويميز بين الخير والشر، والجيد والرديء، والحق
والباطل، وما دام الأمر كذلك فما المانع من تكليفه، وقد توفر فيه
الشروط التي تشترط في البالغ وهو العقل والفهم؛
(1/330)

جوابه:
يجاب عنه بأنا لا نعلم متى فهم وأدرك وعقل حتى يكلف
بالتكاليف الشرعية ويطالب بها، وذلك لأن نمو العقل وتزايد الفهم
وتطوره خفي عنا، ويصعب علينا - إن لم يستحيل - الوقوف على
الحدِّ الذي به يمكن أن نحكم عليه بأنه عاقل وفاهم للخطاب.
ثم إن الصبيان يختلفون باختلاف تنشأتهم، وبيماتهم، ومعاملتهم،
ونحو ذلك، وقد يكون عقل وفهم هذا الصبي يختلف عن عقل
وفهم صبي آخر، مما يلزم منه اختلاف الحكم باختلاف الصبيان.
فسداً لذلك ورفعا للحرج: بيَّن الشارع علامة لا نختلف عند
وجودها وهي: " البلوغ "، فإذا بلغ الشخص كان مكلَّفا، أما قبل
البلوغ فلا يمكن تكليفه.
المذهب الثالث: الفرق بين الصبي المميز البالغ عشر سنين وبين
الصبي المميز غير البالغ عشر سنين.
فالبالغ عشر سنين يكلف بالصلاة، أما من هو أقل من ذلك فلا
يكلف، ذهب إلى ذلك الإمام أحمد في رواية عنه، وابن سريج من
الشافعية.
دليل هذا المذهب:
قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر".
وجه الاستدلال: أن الصبي المميز مأمور بالصلاة ومعاقب على
تركها، وهذا يدل على تكليفه، ولو لم يكن مكلَّفا لما ضُرِب على
تركها.
(1/331)

جوابه:
يجاب عنه: بأن الأمر بصلاة الصبي المميز والأمر بضربه ليس من
جهة الشارع، وإنما هو من جهة الولي، والعبارة تدل على ذلك
حيث قال: " مروا ... وأضربوهم " يعني: أيها الأولياء مروا
أولادكم، واضربوهم ... ، وقلنا ذلك لأن الصبي يفهم خطاب
الولي، ويخاف ضربه، فصار أهلاً لذلك، ولكنه لا يفهم خطاب
الشارع أصلاً، ولا يفهم عقابه، فالصبي مأمور ومعاقب من قبل
الولي.
ثم الأمر والضرب هنا: للتأديب والتهذيب.
المسألة الخامسة: المجنون هل هو مكلَّف؟
المجنون مأخوذ لغة من جن يجن: إذا استتر، ويقال: جن
يجن، جناً، وجنوناً، ومجنة، أي: زال عقله، ومنه قوله
تعالى: (أَمْ بِهِ جِنَّةٌ) ، والجنون معناه: زوال العقل، أو فساد فيه.
والجنون اصطلاحاً هو: اختلال القوة المميزة بين الأمور الحسنة
والقبيحة المدركة للعواقب، بأن لا يظهر آثارها وتتعطل أفعالها.
وهو نوعان: " جنون أصلي "، و " جنون عارض ".
أما الجنون الأصلي فهو: أن يولد الإنسان فاقد العقل، ويستمر
على ذلك.
أما الجنون العارض فهو: أن يبلغ الإنسان سليم العقل، كامل
الفهم، ثم يطرأ له الجنون.
والمجنون اختلف في تكليفه على مذهبين:
(1/332)

المذهب الأول: أنه غير مكلَّف مطلقاً.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وهو الحق: لعدم فهمه للخطابات الواردة من الشارع، وعدم
إدراكه وعلمه للفعل المكلَّف به، وكيفية امتثاله، وعدم وجود النية
والقصد منه، وهو يصدق عليه الدليل الدال على عدم تكليف الصبي
غير المميز.
المذهب الثاني: أنه مكلَّف مطلقاً.
ذهب إلى ذلك بعض الناس كما حكى ذلك ابن تيمية في " المسوَّدة ".
أدلة أصحاب هذا المذهب:
الدليل الأول: أن الجنون قد وجه إليه الخطاب بدفع الزكاة،
ودفع قيمة المتلف، ودفع أروش الجنايات، ولو لم يكن مكلَّفا لما
وجه إليه خطاب، ولما أخذت تلك الحقوق من ماله.
جوابه:
قد سبق الجواب عنه، وهو جوابنا عن الدليل الأول من أدلة
القائلين: إن الصبي غير المميز مكلَّف.
الدليل الثاني: أن الزكاة، وقيمة المتلفات، وأرش الجناية قد
ثبتت في ذمة المجنون، وهذا يفيد أنه مكلَّف، إذ لو لم يكن مكلَّفاَ
لما ثبت في ذمته شيء.
جوابه:
قد سبق الجواب عنه، وهو جوابنا عن الدليل الثاني من أدلة
القائلين بأن الصبي غير المميز مكلَّف.
(1/333)

المذهب الثالث: الفرق بين المجنون المطبق، والمجنون غير المطبق،
فالمجنون المطبق - وهو الذي لا يفيق - غير مكلف مطلقاً.
أما المجنون غير المطبق - وهو الذي يفيق أحياناً - فهذا مكلَّف،
وقد حُمِل على هذا المذهب ما روي عن الإمام أحمد: أن المجنون
يقضي الصلاة والصوم.
دليل أصحاب هذا المذهب:
أن دليل عدم تكليف المجنون المطبق هو دليل الجمهور في المذهب
الأول.
أما دليل تكليف المجنون غير المطبق فهو: أنه يعقل ويفهم خطاب
الشارع في إفاقته، فينبغي تكليفه بناء على ذلك.
جوابه:
يجاب عن ذلك بأن إفاقته ليست واضحة جلية حتى نكلفه أثناء
تلك الإفاقة، فلا يمكننا الوقوف على أول وقت الإفاقة وأول وقت
فهمه للخطاب، ونظراً لعدم معوفتنا لذلك بالتحديد فإنه يستحيل
تكليفه.
***
المسألة السادسة: هل المعتوه مكلَّف؟
المعتوه لغة مأخوذ من العته، وهو نقص العقل من غير جنون.
وهو في الاصطلاح: آفة ناشئة عن الذات توجب خللاً في العقل
فيصير صاحبه مختلط الكلام، فيشبه بعض كلامه كلام العقلاء،
وبعضه كلام المجانين.
(1/334)

وقلنا بأنه: " آفة ناشئة عن الذات " لإخراج الآفة الناشئة بسبب
عارض كالمخدرات والخمور وغيرها.
الفرق بين المجنون والعتوه:
يوجد بين المجنون والمعتوه فروق إليك أهمها:
الفرق الأول: أن المعتوه له عقل ولكنه ضعيف عن إدراك وفهم
الخطاب، أما المجنون فإنه لا عقل له.
الفرق الثاني: أن المعتوه قد يكون مميزا، وقد يكون غير مميز،
بخلاف المجنون، فلا يكون مميزا أبداً.
الفرق الثالث: المعتوه لا يصاحبه تهيج واضطراب، بخلاف
المجنون فقد يصاحبه تهيج واضطراب.
فالمعتوه الذي يفهم خطاب الشارع - هل هو مكلف؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه غير مكلَّف مطلقا.
وهو مذهب الجمهور، وهو الصحيح؛ قياسا على المجنون،
وعلى الصبي غير المميز، والجامع: ضعف العقل عن إدراك حقائق
الأمور، وعن فهم خطابات الشارع على ما هي عليه.
المذهب الثاني: أنه مكلَّف مطلقاً.
ذهب إلى ذلك بعض الناس.
دليل هذا المذهب:
استدلوا بنفس الأدلة التي استدل بها القائلون: إن الصبي والمجنون
مكلَّفان من حيث وجوب دفع الزكاة، وقيمة المتلفات، وأروش
الجنايات عليه، ومن وجوب ذلك في ذمته.
(1/335)

جوابه:
الجواب عن ذلك هو نفس ما أجبنا به عن الدليلين السابقين،
فاستحضرهما من هناك.
المذهب الثالث: الفرق بين العبادات وغيرها.
فالمعتوه تجب عليه العبادات ويكلف بها دون غيرها من الأحكام.
ذهب إلى ذلك أبو زيد الدبوسي من الحنفية.
دليله: الاحتياط، حيث إن العبادات يحتاط لها أكثر من غيرها.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا غير صحيح، لأن العبادات لازمة في حق
من يفهم الخطاب عند سماعه به وتوجيهه إليه، والمعتوه لا يفهم
الخطاب، فاختل شرط المكلف وهو: " فهم الخطاب "، وإذا
اختل شرط من شروط المكلف فإنه لا تكليف مطلقا.
وبناء عليه لا تجب العبادات ولا غيرها من الأحكام الشرعية.
المسألة السابعة: هل الناسي والساهي والغافل والنائم والمغمى
عليه مكلَّفون؟
الناسي مأخوذ من النسيان - بكسر النون وسكون السين - وهو:
ضد الذكر والحفظ، هذا لغة.
وهو اصطلاحاً: عاهة تنشأ عن اضطراب أو عطب في المخ، أو
عن اضطراب شديد في الحياة العقلية يسببه القلق والصراع النفسي.
وقيل: معنى يعتري الإنسان بدون اختياره، فيوجد الغفلة عن
الحفظ.
(1/336)

وقيل: هو عدم استحضار الشيء في وقت الحاجة إليه.
أما السهو: فهو أخف من النسيان؛ لأن النسيان هو: زوال
الصورة عن المدركة والحافظة معاً، فيحتاج - حينئذٍ - إلى سبب
جديد بخلاف السهو، فإنه زوال الصورة عن المدركة مع بقائها في
الحافظة، فيتنبه بأدنى تنبه.
أما الغفلة فهي قريبة من السهو.
أما النوم فهو لغة: السكون، والهدوء، والكساد.
وهو اصطلاحاً: فترة طبيعية تحدث بالإنسان بلا اختيار منه، وتمنع
الحواس الظاهرة والباطنة عن العمل مع سلامتها، وتمنع استعمال
العقل مع قيامه.
أما المغمى عليه فهو في اللغة: فقد الحس والحركة.
وهو في الاصطلاح: فتور يزيل القوى ويعجز ذو العقل عن
استعماله فترة مع قيامه حقيقة.
إذا عرفت ذلك فهل هؤلاء مكلَّفون؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن الغافل والناسي والساهي والنائم والمغمى عليه
غير مكلَّفين حال الغفلة، والنسيان، والسهو، والنوم، والإغماء.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وهو الصحيح؛ لأن هؤلاء وهم في حالتهم تلك قد فقدوا شرط
التكليف وهو: الفهم، فالغافل في حالة غفلته، والناسي في حالة
نسيانه، والساهي في حالة سهوه، والنائم في حالة نومه، والمغمى
عليه في حالة الإغماء لا يدركون معنى الخطاب، فكيف يخاطبون
(1/337)

ويقال للواحد منهم " افهم " مع أن الفهم منعدم وهم في حالتهم
تلك؛ فلو كلفوا الامتثال وهم لا يفهمون الخطاب لكان تكليفاَ
بالمحال.
المذهب الثاني: أن الغافل، والناسي، والساهي، والنائم،
والمغمى عليه مكلّفون مطلقا.
ذهب إلى ذلك بعض الحنفية.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: إن تكليف هؤلاء بالإتيان بالفعل امتثالاً هو تكليف
بما لا يطاق، والتكليف بما لا يطاق جائز، فتكليفهم جائز.
جوابه:
يقال في الجواب عنه: إنا لا نُسَلِّمُ لكم جواز تكليف ما لا يطاق
لقوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ، وقوله: (لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ، ولأن الأمر استدعاء وطلب، والطلب
يستدعي مطلوباً وينبغي أن يكون مفهوماً.
ولو فرضنا - مع الفرض الممتنع -: أن تكليف ما لا يطاق جائز -
وهو رأي كثير من العلماء - فإنهم أجازوه إذا أمكن أن يكون له فائدة
اختبار اللَّه تعالى للعبد هل يأخذ في مقدمات ما كلف به؟
والغافل، والساهي، والناسي، والنائم، والمغمى عليه،
لا يمكنهم الامتثال بما كلَّفوا به - ولا بمقدماته - وهم في حالتهم تلك
- فكان - تكليفهم محالاً.
الدليل الثاني: إن هؤلاء لو أتلفوا شيئاً - وهم في حالة الغفلة،
والسهو، والنسيان، والنوم، والإغماء، لوجب ضمان المتلف
(1/338)

ودفع قيمته، والوجوب من الأحكام التكليفية، وهذا دليل على
تكليفهم، إذ لو لم يكونوا مكلَّفين لما وجب عليهم شيء ولما لزمتهم
تلك الحقوق.
جوابه:
يجاب عنه: إن إلزامهم بدفع قيمة ما أتلفوه ليس من باب "الحكم
التكليفي "، وإنما هو من باب " الحكم الوضعي "؛ لأنه من قبيل
ربط الأحكام بأسبابها.
أي: أن السبب وجد وهو الإتلاف، فلا بد من وجود المسبب
وهو الحكم، وهو - هنا - دفع قيمة المتلف بقطع النظر عن كونه
غافلاً، أو ساهياً، أو ناسياً، أو نائماً، أو مغماً عليه، أو كونه
غير ذلك.
المسألة الثامنة: هل السكران مكلَّف؟
السكران مأخوذ لغة من السكر، وهو في اللغة: غيبوبة العقل
واختلاطه.
وهو في الاصطلاح: حالة تعرض للإنسان من امتلاء دماغه من
الأبخرة التصاعدة من الخمر، وما يقوم مقامها، فيتعطل معه عقله،
فلا يميز بين الحسن والقبيح.
فمن هذه حالته هل هو مكلَّف؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه غير مكلَّف مطلقاً.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
(1/339)

وهو الصحيح؛ لأن السكران في حالة سكره لا يفهم الخطاب،
فكيف يوجه إليه خطاب لا يفهمه، ويقال له: " افهم "؛ فهو زائل
العقل كالمجنون، والصبي غير المميز.
فلو طلب منه امتثال ما يقتضيه الخطاب - وهو في حالته تلك -:
لكان ذلك تكليفاً بما لا يطاق؛ حيث وجه إليه خطاب وهو لا يفهم
المقصود منه، وطلب منه امتثاله، وهذا محال.
المذهب الثاني: أن السكران مكلَّف مطلقاً.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء من الحنفية والشافعية.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن السكران لو أتلف شيئاً، - لوجب عليه دفع قيمة
المتلف، ولو طلق السكران لوقع طلاقه، وهذا يدل على أنه مكلَّف،
ولو لم يكن مكلَّفا لما لزمه دفع قيمة المتلف، ووقوع الطلاق منه.
جوابه:
يجاب عنه: بأن إلزامه بدفع قيمة ما أتلفه، ووقوع طلاقه وهو
في حالة سكره من باب الحكم الوضعي، وليس من باب الحكم
التكليفي، فهو من قبيل ربط الأحكام بأسبابها، وقد سبق.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) .
وجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه - هنا - قد وجَّه الخطاب إلى
السكران، فلو لم يكن السكران مكلَّفا لما صح توجيه الخطاب إليه.
(1/340)

جوابه:
يجاب عنه: بأن استدلالكم بتلك الآية على أن السكران مكلَّف
غير صحيح، لوجهين:
الوجه الأول: أنا لا نُسَلِّمُ بأن الآية خطاب للسكران، بل هي
خطاب للصحابة - رضي اللَّه عنهم - في ابتداء الإسلام قبل أن يحرم
الخمر، حيث إن الصحابة خوطبوا في حال الصحو بأن لا تقربوا
الصلاة وأنتم سكارى، وليس الخطاب موجَّه إليهم في حال السكر،
فقوله: (وأنتم سكارى) جملة حالية من قوله: (لا تقربوا) ،
فالسكر متعلق بقربان الصلاة، لا بخطاب اللَّه تعالى للمصلين.
والتقدير: أيها المؤمنون، لا تقربوا الصلاة وأنتم في حالة سكر
حتى لا يأتي عليكم وقت الصلاة وأنتم لا تعلمون ما تقولون فيها،
فتختلط عليكم صلاتكم نتيجة لتأثير الخمر عليكم، فكأنه قال:
"استمروا على الصحو حتى تدخلوا الصلاة وتفرغوا منها ".
قياساً على قولك - ناصحاً غيرك -: " لا تقرب التهجد وأنت
شبعان " أي: استمر على خفة البدن، ولا تشبع حتى إذا أتى وقت
التهجد تقوم به بكل خفة ونشاط.
فكذا هنا كأنه قال: " لا تقرب الصلاة وأنت سكران " أي:
استمر على الصحو، وعدم تناولك للمسكر حتى إذا أتى وقت
الصلاة تقوم بها وأنت تعلم ما تقول.
الوجه الثاني: سلمنا أن تلك الآية خطاب للسكران، لكن
السكران عندنا قسمان:
القسم الأول: سكران زال عقله كلياً، فهذا لا يفهم شيئاً.
(1/341)

القسم الثاني: سكران لم يزل عقله، بل هو في مبادئ الطرب
والنشاط، فهذا يفهم الخطاب.
فالآية خطاب للقسم الثاني، أي: خطاب لمن وجد منه مبادئ
النشاط والطرب، وما زال عقله موجوداً، قال أبو إسحاق في
"شرح اللمع ": " خطاب لمن شرب ولم يبلغ قدر السكر ".
بيان نوع الخلاف في تلك المسائل الست السابقة.
الخلاف في تكليف المجنون، والصبي، والغافل، والساهي،
والناسي، والنائم، والمغمى عليه، والسكران، والمعتوه، هذا
الخلاف لفظي لا ثمرة له؛ لأنه راجع إلى مقصد ومراد كل من
الطرفين المختلفين في كل مسألة.
فمن قال: إن هؤلاء غير مكلَّفين: أراد أنهم ليسوا مخاطبين ولا
مكلَّفين حال عدم فهمهم خطاب التكليف؛ لاستحالة ذلك وهم في
تلك الحالة.
ومن قال بأنهم مكلَّفون: أرادوا أنهم مكلَّفون حكماً، أي:
تجري عليهم أحكام المكلَّفين، ولكن هذا الجريان جاء من باب الحكم
الوضعي، لا من باب الحكم التكليفي، أي: من باب ربط
الأسباب بمسبباتها، وهذا متفق عليه، فلم يكن هناك خلاف حقيقي.
المسألة التاسعة: تكليف المكره:
قد يوجد شخص بالغ، وعاقل، ويفهم الخطاب، ولكنه أكره
على فعل محرم، أو ترك واجب، فهل يعاقب على فعل المحرم،
وعلى ترك الواجب؛
(1/342)

أي: هل هو مكلَّف؟
أقول: المكره نوعان:
النوع الأول: مكره ملجأ، وهو: من حمل على أمر يكرهه ولا
يرضاه، ولا تتعلق به قدرته واختياره كمن ألقي من شاهق على
مسلم فقتله، أو من ربط بحبل وحمل على مسلم فقتله، أو ألقي
على مال فأتلفه، فهذا غير مكلَّف اتفاقاً، لأنه مسلوب القدرة غير
مختار كالآلة.
أي: لا اختيار له في ذلك، ولا هو بفاعل له، وإنما هو آلة
كالسكين في يد القاطع، وكحركة المرتعش.
النوع الثاني: مكره غير ملجأ وهو: من حمل على أمر يكرهه،
ولا يرضاه، ولكن تتعلق به قدرته، واختياره، وإرادته كمن قيل
له: " اقتل أخاك المسلم وإلا قتلناك "، أو قيل لمسلم: " اقطع يد
فلان المسلم وإلا قطعنا يدك "، فهذا قد اختلف العلماء في تكليفه
على مذهبين:
المذهب الأول: أنه مكلَّف.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وهو الصحيح؛ لأن شروط التكليف قد توفرت، فيه، وهي:
البلوغ، والعقل، وفهم الخطاب، فما المانع من تكليفه؟
أي: أن المكره قد بلغ الحد الذي يمكن أن نكلفه عنده بالتكاليف،
وهو عاقل يفرق بين الحق والباطل والمحرم وغيره، وهو فاهم
لخطابات الشارع يفرق بين ما يقتضي التحريم، وما يقتضي الوجوب،
وأنه يلزم من ترك الواجب وفعل الحرام: العقاب، وهو أيضا قادر
(1/343)

على إيقاع ما أمر به وعدم إيقاعه، فهو مختار في الإقدام،
والانكفاف، وينسب إليه الفعل حقيقة.
إذن: المكره مكلَّف كغير المكره ولا فرق بجامع: توفر جميع
شروط التكليف إضافة إلى توفر القدرة وكمال البدن والذمة، ومجرد
الإكراه ليس سبباً لإسقاط الخطاب عن المكره بأي حال من الأحوال.
المذهب الثاني: أن المكره غير الملجأ غير مكلَّف.
ذهب إلى ذلك جمهور المعتزلة، وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن المكره قد أتى بالفعل المكره عليه بدافع الإكراه
لا غير، وهذا يقدح في قدرته على الامتثال؛ لأن الامتثال لا يكون
إلا بأن يأتي المكلَّف بالفعل اختياراً قاصداً الطاعة لأمر الشارع، وهنا
لم يفعل المكره الشيء الذي أكره عليه إلا من أجل استجابة أمر المكره
لا من أجل استجابة أمر الشارع.
جوابه:
يجاب عن ذلك بأنا لا نُسَلِّمُ أن الإكراه ينافي القدرة، ويتعارض
معها، بل إن المكره قادر على فعل ما أكره عليه، وقادر - أيضا -
على ترك فعله، ولهذا أجمع العلماء على أنه إذا أكره المسلم على
قتل أخيه المسلم، فإنه يحرم ذلك عليه، فالمكره بالقتل مأمور
باجتناب ذلك القتل، وإن فعل ما أكره عليه فإنه يأثم بلا خلاف.
وإذا كان المكره مأموراً بذلك ويأثم إذا فعل: فيلزم من ذلك:
(1/344)

أن المكره مكلَّف، إذ لو لم يكن التكليف ثابتاً في حقه: لما أمر
بالكف عن القتل، ولما أثم بفعل القتل.
الدليل الثاني. أن من شرط الأمر بفعل " ما " أن يثاب المأمور
عليه، وإلا امتنع التكليف به، والمكره إن أتى بالفعل لداعي الإكراه
- فقط - فإنه لا يثاب عليه فيمتنع تكليفه به.
جوابه:
يجاب عنه: بأن المكلَّف إذا فعل ما أُكرِه عليه وهو موافق للشرع،
وقصد ونوى أنه فعله لطاعة اللَّه، لا لطاعة المكرِه - بكسر الراء -
فإنه يثاب، فيكون ظاهر فعله أنه طاعة للمكرِه - بكسر الراء -،
وباطنه أنه فعله طاعة لله، وكل فعل قصد به طاعة اللَّه فله ثواب.
الدليل الثالث: أنه حال مباشرة المكرَه للفعل المكره عليه يمتنع
تكليفه بتركه، لأنه يلزم منه الجمع بين الفعل والترك في آنٍ واحد،
وهو جمع بين النقيضين، وهو ممنوع.
جوابه:
يجاب عنه: بأنه لا يمنع التكليف بنقيض المكرَه عليه قبل الإقدام
على فعل المكره عليه ومباشرته، لأنه لا يلزم من هذا الجمع بين
النقيضين " لعدم اتحاد الزمن.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة معنوي له أثره في كثير من مسائل الفروع،
ومنها:
1 - أن المكرَه إذا قتل من يرث منه، فهل يمنع من ذلك الميراث؟
اختلف على قولين:
الأول: أنه يمنع من ذلك الميراث، وهو الصحيح؛ لأنه مكلَّف
قادر على الامتناع.
(1/345)

الثاني: لا يمنع من الميراث، بل يرث؛ لأنه غير مكلَّف،
فالإكراه سلب منه الاختيار والقدرة.
2 - أنه إذا أكره على الوطء قبل التحلل الأول.
فعلى المذهب الأول - وهو تكليف المكرَه -: يفسد حجه.
وعلى المذهب الثاني - وهو عدم تكليف المكرَه -: لا يفسد.
3 - إذا أكره المسلم على طلاق زوجته، فهل يقع طلاقه؟
على قولين:
القول الأول: إن طلاقه يقع؛ لأنه مكلَّف يتحمل مسؤولية ما
تلَّفظ به، والمكره عندما نطق بلفظة الطلاق نطق بها وهو مختار
وقاصد، كل ما هنالك أنه غير راض عن هذا التصرف.
القول الثاني: عدم وقوع طلاقه؛ لكونه غير قاصد وقوع الطلاق،
إنما الذي قصده هو دفع الأذى والضرر عن نفسه.
المسألة العاشرة: تكليف الكفار بفروع الإسلام:
تحرير محل النزاع:
أولاً: لا خلاف بين العلماء في أن الكفار مكلَّفون بالإيمان، أي:
مكلَّفون بأصول الشريعة، وأن تركهم لهذه الأصول يوجب تخليدهم
في النار، كما قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ) .
ثانياً: ولا خلاف بين العلماء في أن الكفار مكلَّفون. بالمعاملات
كالبيع، والشراء، والرهن، والإجارة.
(1/346)

ثالثا: ولا خلاف بين العلماء في أن الكفار مكلَّفون بالعقوبات
كالحدود والقصاص.
وبعض العلماء يعبر عما سبق بقوله: أجمع العلماء على أن
الكفار مخاطبون بخطاب الوضع مثل اعتبار جناياتهم سببا في وجوب
عقوباتهم عليهم، ولذلك تقام عليهم الحدود عند تقرر أسبابها،
كما يعتبر وقوع عقودهم على الأوضاع الشرعية سببا لترتب آثارها
عليهم كالبيع، والنكاح، ونحوهما، كما يعتبر الإتلاف منهم سببا
لوجوب الضمان عليهم.
والسبب في تكليفهم بالمعاملات: أن المعاملات قصد بها الحياة
الدنيا، فالكفار بها أنسب؛ لأنهم آثروا الحياة الدنيا على الآخرة.
والسبب في تكليفهم بالعقوبات: أن العقوبات قصد بها الزجر
عن ارتكاب أسبابها، والكفار أحق بالزجر وأوْلى به من المؤمنين.
رابعا: أن ما عدا ما ذكرنا من فروع الشريعة كالصلاة، والصوم،
والحج، والزكاة، وإيقاع طلاقه، وعتقه، وظهاره، وإلزامه
بالكفارات، ونحو ذلك، فقد اختلف العلماء هل الكفار مكلَّفون
بها أو لا؟
أي: إذا أمر الشارع بفعل شيء أو نهى عن فعل شيء،
واستعمل لفظا شاملاً وعاما، فهل يدخل الكفار في هذا الخطاب
فيكونون مكلَّفين بما كلِّف به المؤمنون؟
اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أنهم مكلَّفون بفروع الشريعة مطلقا،
أي: بالأوامر والنواهي.
ذهب إلى ذلك: الإمام مالك، وهو ظاهر مذهب الشافعي،
(1/347)

وهو رواية عن الإمام أحمد، واختاره كثير من المالكية، والشافعية،
والحنابلة، وعامة أهل الحديث، وبعض الحنفية كالكرخي،
والجصاص، وهو مذهب أكثر المعتزلة.
وهو الصحيح عندي؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أنه لو لم يوجد في الكافر غير فقد شرط العبادة
وهما الشهادتان، فإن فقد شرط العبادة مع القدرة عليه لا يمنع من
توجه الخطاب بها.
يدل على ذلك: المحدَث فإنه فقد فيه شرط الصلاة، ولم يمنع
ذلك من وجوب الصلاة عليه وإلزامه بها بسبب قدرته على تحصيل
الشرط، كذلك الكافر فإنه قادر على تحصيل شرط العبادة وهو:
الإيمان.
بيان ذلك: أن المحدث - وهو في حال حدثه ونجاسته - يؤمر
بالصلاة بشرط تقديم الوضوء، كذلك الكافر - وهو في حال كفره -
يؤمر بالصلاة وغيرها من العبادات بشرط تقديم الشهادتين، ولا فرق
بينهما، والجامع: أن كلًّا منهما لا يصح منه العمل وهو في حالته
تلك: فإذا أمر المسلم بالصلاة - وهو محدث - فإنه يكون مأموراً
بالشيء الذي لا تتحقق صحة الصلاة إلا به وهو الطهارة من باب:
ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كذلك الكافر يؤمر بالصلاة
والزكاة والصوم، وغيرها، ومعروف أنه لا تتحقق صحة الصلاِة
وغيرها من العبادات إلا بتقديم الشهادتين، إذاً هو من باب ما لا يتم
الواجب إلا به فهو واجب.
ما اعترض به على ذلك الدليل:
الاعتراض الأول: لا نُسَلِّمُ الحكم في المقيس عليه؛ حيث إن
(1/348)

المسلم المحدث - وهو المقيس عليه - لا يؤمر بالصلاة مباشرة، بل
إنه يؤمر بالوضوء، فإذا توضأ أمر بالصلاة، بدليل: أن المحدث -
حال حدثه - لا يتصور أن يؤمر بالصلاة؛ لأنه حال حدثه لا يمكن
أن يمتثل الصلاة، بل يكون عاجزاً عن إيقاعها؛ لذلك قلنا: إنه يؤمر
بالوضوء والتطهر، فإذا تطهر أمر - حينئذٍ - بالصلاة.
جوابه:
يجاب عنه بأنا لو سلمنا لكم أن المحدث يؤمر بالوضوء، فإذا
توضأ أمر بالصلاة: للزم كما ذلك أمران باطلان:
أولهما: أن المحدث لو ترك الصلاة طول عمره، فإنه لا يعاقب
على تركها، بل يعاقب على ترك الوضوء - فقط -؛ لأنه ليس
مأموراً بغيره، ثم إذا فعله أمر بالصلاة، وهذا باطل؛ لأنه خلاف
الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على أن المحدث لو ترك الصلاة فإنه
يعاقب على ترك الصلاة، ولا يعاقب على ترك الوضوء.
ثانيهما: أنه يلزم - على كلام المعترض -: أن المحدث إذا توضأ
لا يصح أمره بالصلاة بعد ذلك، بل يؤمر بعد الوضوء بتكبيرة
الإحرام، فيشترط تقديمها، بل يؤمر بهمزة التكبيرة، ثم الكاف،
وهكذا، وكذلك السعي إلى الجمعة ينبغي أن لا يتوجه الأمر به إلا
بالخطوة الأولى، ثم بالثانية وهكذا، وهذا لم يقل به أحد.
الاعتراض الثاني: أن قياسكم الكفر على الحدث من المسلم قياس
فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، بيانه:
أن المعنى في الحدث لا ينافي فعل الصلاة، ولهذا تصح صلاة
المتيمم وهو محدث، والكفر ينافي الصلاة بكل حال.
(1/349)

جوابه:
يجاب عنه بأن قياسنا الكفر على الحدث قياس صحيح، وذلك
لأن الحدث ينافي فعل الصلاة مع القدرة على الماء، ولا يمنع توجه
الخطاب إلى المحدث وهو في تلك الحال، فكذلك الكفر ينافي فعل
الصلاة، ولكن لا يمنع من توجه الخطاب إليه، وهو في تلك الحال.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) .
وجه الدلالة: أن لفظ " الناس " اسم - جنس معرف بأل
الاستغراقية، فيشمل جميع الناس، والكفار من جملة الناس،
فيدخلون في هذا الخطاب، ولا مانع من دخولهم تحت الخطاب "
لأنه لو وجد مانع لكان إما عقلياً، وإما شرعياً.
ولا يوجد مانع عقلي من دخول الكافر؛ لأن المانع العقلي هو:
فقد التمكن من الفعل، والكافر يمكنه أن يحج بأن يقدم قبله الإيمان،
كما أن المسلم المحدث يوصف بالتمكن من الصلاة بأن يقدم عليها
الطهارة.
ولا يوجد مانع شرعي " لأنه لو وجد لعرفناه عند الطلب.
الدليل الثالث: قوله تعالى: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أخبر عنهم أنهم إنما عاقبهم يوم
القيامة، وسئلوا عما عاقبهم لأجله، فاعترفوا بأنهم عوقبوا على
ترك إقامة الصلاة، وإطعام الطعام، فدل على أن الخطاب متوجه
(1/350)

إليهم بالعبادات، وأنهم يعاقبون على تركها، فيعذبون على تركها
جميعاً، فدل ذلك على تكليفهم.
ما اعترض به على ذلك:
الاعتراض الأول قيل فيه: إن هذه حكاية قول الكفار، فلا يكون حُجَّة.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن الأمة أجمعت على أن اللَّه تعالى ذكر ذلك في
معرض التصديق لهم، وبه يحصل التحذير للمؤمنين من مواقعة ذلك.
الجواب الثاني: أن اللَّه تعالى لما حكى عن الكفار تعليلهم دخول
النار بترك الصلاة: وجب أن يكون ذلك صدقاً.
ولا يمكن أن يكون ذلك كذباً؛ لأمور:
الأمر الأول: أنه لو كان كذبا لا حصل تحذير المؤمنين من مواقعة
ذلك.
الأمر الثاني: أنه لو كان كذباً لم يكن في رواية ذلك فائدة،
وكلام اللَّه متى أمكن حمله على ما هو أكثر فائدة وجب ذلك.
الأمر الثالث: أنه لو كان كذباً: لما صح أن يعطف عليه قوله
تعالى: (وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ) ، فهنا عطف عليه ما ثبت عليه
العذاب - وهو التكذيب بيوم الدين - فثبت: أن اللَّه عذَّبهم لأنهم
تركوا فرعاً من فروع الشريعة وهي الصلاة، وإطعام الطعام،
والخوض.
الاعتراض الثاني: قوله: (لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ... ) إلخ،
(1/351)

معناه: لم نك ممن يعتقد الصلاة، وإطعام الطعام - وهو الزكاة -
لتركهم المِلَّة والدخول في الإسلام، وعندنا يستحقون العقاب على
ترك ذلك.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الأول: هذا خلاف الظاهر؛ لأن الظاهر يقتضي تعلق العقاب
بترك نفس الصلاة دون اعتقادها؛ حيث إن اللفظ حقيقة في فعل
الصلاة، فمن حمل ذلك على الاعتقاد فقد عدل باللفظ عن الحقيقة
إلى المجاز، وهذا لا يجوز إلا بقرينة.
الجواب الثاني: أن العقوبة وجبت على ترك الاعتقاد بقوله تعالى:
(وكنا نكذب بيوم الدين) ، فلهذا يجب حمل الصلاة والإطعام
على مقتضاه الحقيقي، لئلا يكون هناك تكرار وإعادة.
الاعتراض الثالث: يحتمل أن معنى قوله تعالى: (لم نك من
المصلين) أي: لم نك من المؤمنين، لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "نهيت عن قتل المصلين " أي: المؤمنين.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا محتمل، لكن الظاهر لا يترك إلا بدليل،
ولا دليل على أن المراد من المصلين: هم المؤمنون.
الاعتراض الرابع: سلمنا لكم أن التعذيب على ترك الصلاة،
فيجوز أن يكون قوله تعالى: (لم نك من المصلين) إخباراً عن قوم
كانوا أسلموا وارتدوا بعد إسلامهم، ولم يصلوا حال إسلامهم،
لأن قوله: (لم نك من المصلين) لا يفيد أنهم لم يصلوا في جميع
الزمان الماضي.
(1/352)

جوابه:
يجاب عنه: بأن قوله تعالى: (لم نك من المصلين) هو جواب
المجرمين المذكورين في قوله تعالى - قبل ذلك -: (يتسائلون عن
المجرمين) ، وذلك عام في كل مجرم مرتد وغير مرتد.
الدليل الرابع - من أدلتنا على أن الكافر مكلَّف مطلقاً -: قوله
تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) .
وجه الدلالة: أن هذا عام في حق المسلمين والكفار، فلا يخرج
الكافر إلا بدليل، ولا يوجد دليل على ذلك، والكفر ليس برخصة
مسقطة للخطاب عن الكافر.
الدليل الخامس: قوله تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا) .
وجه الدلالة: أن هذا نص في مضاعفة عذاب من جمع بين هذه
المحظورات، وهي الكفر، والقتل، والزنا، وهذا يدل على أن
الزنا والقتل يدخلان فيه، فثبت كون ذلك محظوراً عليه، مما يقتضي
أن الكافر مخاطب ومكلَّف بفروع الشريعة.
الدليل السادس: قوله تعالى: (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (31) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (32) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى ذم - هنا - الكفار لتركهم الصلاة،
وهي من فروع الشريعة، مما يدل على أن الكفار مكلَّفون بالفروع.
الاعتراض على ذلك:
قال المعترض: إن المراد بذلك ترك الاعتقاد، دون الفروع.
(1/353)

جوابه:
يجاب عنه بأن هذا لا يصح؛ لأنه قدم على التكذيب الصلاة،
وهي فرع من فروع الشريعة، فدل ذلك على أن المراد الفعل دون
الاعتقاد.
الدليل السابع: قوله تعالى: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (7) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى توعَّد المشركين على شركهم، وعلى
ترك إيتاء الزكاة، فدل ذلك على أنهم مخاطبون بالإيمان، ومخاطبون
بإيتاء الزكاة؛ لأنه لا يتوعد على ترك ما لا يجب على الإنسان، ولا
يخاطب به، فدل ذلك على أن الكفار مكلَّفون بالفروع.
الدليل الثامن: إن صلاح الخطاب للكفار في اللغة كصلاحه
للمسلمين، فوجب أن يدخلوا تحته كما دخل المسلمون ولا فرق،
فإذا قال تعالى: (يا بني آدم) ، و (يا أولي الأبصار) ، و (لله
على الناس حج البيت) ، و (أقيموا الصلاة وَآتُوا الزَّكَاةَ) ، فإنهم
يدخلون حيث إنهم من جملة بني آدم، ومن أولي الأبصار، ومن
الناس، فينتج أنهم مكلَّفون بالفروع.
الدليل التاسع: أن الإجماع منعقد على أن الكافر معاقب على
قتل الأنبياء، وتكذيب الرسُل، كما يعاقب على الكفر بالله تعالى.
المذهب الثاني: أن الكفار غير مكلَّفين بفروع الشريعة مطلقا،
أي: ليسوا بمخاطبين في الأوامر والنواهي.
ذهب إلى ذلك الإمام أحمد في رواية عنه، وهو قول للإمام
الشافعي، وهو مذهب ابن خويز منداد من المالكية، وهو اختيار أبي
حامد الإسفراييني من الشافعية، وهو مذهب كثير من الحنفية.
(1/354)

أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أنه يستحيل من الكافر فعل الشرعيات عبادة وقربة
في حال كفره، فإذا كلف - مع ذلك - بالشرعيات، فإن هذا
تكليف بما لا يطاق، قياساً على المريض العاجز عن القيام لا يكلف
أن يصلي قائماً، وقياساً على الحائض لا تكلف أن تصلي مع حيضها.
جوابه:
يجاب عنه بأن المستحيل هو: تكليف الكافر بفعل الشرعيات
عبادة وقربة مع عدم استطاعته على فعلها، وهذا لم يكلف به.
ولكن لا يستحيل تكليفه بفعل الفروع ما دام أنه باستطاعته فعلها،
وذلك بأن يقدم الإيمان، ثم يفعل ما أمر به، قياسا على المحدث فقد
كلف بالصلاة لا مع حدثه، ولكن بأن يقدم عليها الطهارة ثم يفعل
الصلاة.
أما قياسكم الكافر على العاجز عن القيام، وعلى الحائض فإنه
قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، وذلك لأن الحائض والعاجز لا
يمكنهما إزالة الحيض والعجز بخلاف الكافر، فإنه يمكنه إزالة كفره
بأن يشهد الشهادتين ثم يفعل الفروع.
الدليل الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ - لما بعثه إلى اليمن -:
"أدعهم إلى شهادة أنْ لا إله إلا اللَّه، وأني رسول اللَّه.، فإن هم
أطاعوك لذلك فأعلمهم أن اللَّه افترض عليهم خمس صلوات كل يوم
وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن اللَّه افترض عليهم صدقة
في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم ".
وجه الاستدلال: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر معاذاً أن يدعوهم أولاً إلى
(1/355)

الإيمان، فلو كان الخطاب يتوجه إليهم بغير ذلك الأمر لأمره أن
يدعوهم إليه.
ويفهم من هذا: أنهم إن لم يمتثلوا لا يدعوهم إلى الصلاة ولا
إلى الزكاة، وهذا يؤدي إلى أنهم غير مكلفين بها عند كفرهم؛ إذ
لو كانوا مكلَّفين بها حال كفرهم كما هم مكلَّفون بها حال إسلامهم
لأمرهم بها، وإن لم يجيبوه إلى الإيمان؛ لأنهم مكلَّفون بكل من
الإيمان والفروع استقلالا.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن الحديث لو دلَّ على ما تقولون للزم منه أن
يكون الحديث دالاً على أنه لا يؤمر الشخص بالزكاة إلا إذا أجابه إلى
الصلاة، ويكون هناك ترتيب في الدعوة بين الصلاة والزكاة ولم يقل
به أحد.
وإنما الغرض من الحديث هو التسهيل في الدعوة، ومراعاة أحسن
الطرق فيها، ومعروف أن من شأن من لم يجب الداعي إلى الإيمان
أنه لا يجيبه إلى غيره من الفروع، فتكون دعوته إلى الفروع عبثا.
الجواب الثاني: أن الحديث دلَّ على أن الكافر غير مكلَّف مطلقا
بطريق المفهوم المخالف، والآيات السابقة التي استدللنا بها على أن
الكافر مكلَّف مطلقا دلَّت على ذلك بالمنطوق، والمفهوم لا يقوى
على معارضة المنطوق.
الدليل الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما دعا قيصر وكسرى وكتب إليهما في ذلك لم يدعهما إلا إلى التوحيد، ولم يدعهما إلى غيره؛ إذ
(1/356)

لم يذكر في ذلك الكتاب الفروع الفقهية، فدلَّ ذلك على أنهم غير
مكلَّفين بالفروع.
جوابه:
يجاب عنه: بأن - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر في كتابه شيئاً من التكاليف الفرعية؛ لأنه لا يصح فعل أيِّ عبادةٍ وهما في حالة الكفر،
فدعاهما إلى ما يصح فعله وهو التوحيد.
الدليل الرابع: لو صح تكليفهم بالفروع لصحت منهم إذا أدوها،
لموافقة الأمر، ولكنها لا تصح منهم وهم على حالة الكفر.
جوابه:
يجاب عنه: بأن المحدث مأمور بالصلاة لكن بشرط الطهارة.
فكذلك الكافر مأمور بالفروع لكن بشرط الإيمان، بيانه:
أن المحدث مأمور بالشرط - وهو الطهارة - ومأمور بفعل الصلاة
بعد حصول الشرط، فهو مأمور بهما في الحال، كذلك في مسألتنا
إذا كان مأموراً بالشرط ومأموراً بالفعل بعد حصول الشرط: وجب
أن يكون مأموراً بهما، لأنه لا مانع من الأمر بهما في هذه الحال.
الدليل الخامس: ْ أن الكفر يمنع صحة العبادة، ويمنع قضائها في
الثاني، فصار كالجنون.
جوابه:
يجاب عنه: بأن قياسكم الكفر على الجنون قياس فاسد؛ لأنه
قياس مع الفارق؛ حيث إن الكافر عاقل يفهم الخطاب، أما المجنون
فلا يدرك شيئاً من ذلك.
(1/357)

الدليل السادس: أن الصلاة لو وجبت على الكافر لوجبت عليه
إما حال الكفر، أو بعده.
والأول - وهو وجوبها حال الكفر - باطل؛ لأن الإتيان بالصلاة
في حال الكفر ممتنع، حيث يستحيل الجمع بين فعله للصلاة وبين
كفره، فكيف يجب على الكافر ما يستحيل أن يمتثله؛ هذا ممتنع،
والممتنع لا يؤمر به.
وأما الثاني - وهو: وجوب قضاء الصلاة بعد الكفر، أي: بعد
إسلامه - فهذا باطل - أيضا -، لإجماع العلماء على عدم أمر
الكافر عندما يسلم بقضاء ما فاته من الصلاة في زمن كفره.
جوابه:
يجاب عنه: بأن المستحيل والممتنع هو تكليف الكافر بفعل الصلاة
وغيرها من العبادات مع عدم قدرته على - فعلها، ولكن لا يمتنع
تكليفه بفعل الصلاة بشرط تقديم الإيمان؛ لاستطاعته فعل ذلك.
وأما عدم أمر الكافر عندما يسلم بقضاء ما فاته من الصلوات في
زمن كفره، فقد أجمع العلماء عليه، لأمرين:
أولهما: قوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) ، وكذا قوله عليه الصلاة والسلام:
" أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله ".
فهنا جعل الإسلام مسقطا لما قد سلف، أي: يقطع ما قبله من
أحكام الكفر حتى كأن الكافر بعد إسلامه لم يصدر منه معصية لله
تعالى أصلاً، وفي هذا ملحظ للشارع قد اهتم به، وهو تيسير
(1/358)

الدخول في الإسلام عليهم، وتحبيبه عندهم وتحسينه في أنظار
الكفار، إذ أن الكافر لو أراد الإسلام - وهو شيخ كبير أو هو في
منتصف العمر - وهو يعلم بأنه سيقضي ما فاته من العبادات من
صلاة وصيام وزكاة لنفر عن الدخول في الإسلام، ولكن إذا علم أنه
إذا أسلم فإنه لا يطالب بشيء من ذلك سهل عليه الدخول فيه.
أما حقوق الآدميين فلا يسقطها الإسلام؛ تحقيقا للعدل العام.
ثانيهما: أنه كان يسلم عند - صلى الله عليه وسلم - الجم الغفير من الكفار، ولم ينقل إلينا أنه أمر أحداً بأن يقضي ما فاته من صلاة ونحوها من
العبادات.
المذهب الثالث: أن الكفار مكلَّفون ومخاطبون بالنواهي، دون
الأوامر، أي: أنهم مكلَّفون بأن ينتهوا عن المنهي عنه مثل: الزنا،
والقتل، والسرقة، ونحوها، فإن فعل أحد الكفار واحداً من تلك
الأمور فإنه يعاقب كالمسلم، أما الأمور بها كالصلاة والصوم والزكاة
والحج ونحوها، فلا يكلفون بها فلا يعاقبون على تركها.
ذهب إلى ذلك بعض الحنفية، وهو رواية عن الإمام أحمد.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أنه لا يمكن الجمع بين الإتيان بالمأمور به كالصلاة،
وبين كفره، وقد سبق بيانه والجواب عنه.
أما الانتهاء عن الشيء فإنه يمكن وهو في حالة كفره؛ حيث لا
يشترط في الانتهاء عن المنهيات التقرب، بل يكتفى بالكف عنه،
فجاز التكليف بالمنهيات، بخلاف المأمور بها فإنه يشترط فيها التقرب
فلا تصح من الكافر.
(1/359)

جوابه:
يجاب: بأن الفرق الذي ذكرتموه بين المأمور به، والمنهي عنه
باطل.
بيانه: أنه يقال لهم: إن عنيتم بقولكم: " إنه يمكنه الانتهاء عن
المنهيات، ولا يمكنه الإتيان بالمأمورات ": أنه يتمكن من تركها من
غير اعتبار النية، فهو أيضاً متمكن من فعل المأمورات من غير اعتبار
النية.
وإن عنيتم به: أنه متمكن من الانتهاء عن المنهيات لغرض امتثال
قول الشارع، فهذا متعذر حال عدم الإيمان.
فعلمنا من ذلك استواء المأمور والمنهي، من حيث إن الإتيان بهما
من جهة الصورة لا يتوقف على الإيمان، وأن الإتيان بهما لغرض
امتثال حكم الشارع يتوقف في كليهما على الإيمان.
الدليل الثاني: أن العقوبات تقع عليهم في فعل المنهيات، دون
ترك المأمورات، دلَّ على ذلك: أنهم يعاقبون على ترك الإيمان
بالقتل، والسبي، وأخذ الجزية، ويحد في الزنا والقذف والسرقة،
ولا يؤمر بقضاء شيء من العبادات إذا أسلم، وإن فعلها في كفره لم
تصح منه.
جوابه:
يجاب عنه بأن يقال.
أولاً: أما وقوع العقوبات عليهم وتمثيلكم على ذلك بأنه إذا ترك
الإيمان يعاقب بالسبي، والقتل، وأخذ الجزية، وأنه يحد في الزنا،
والقذف، والسرقة، فإن هذا ليس في محل النزاع؛ حيث إننا بيَّنا
(1/360)

- فيما سبق - أن الكفار مخاطبون بالإيمان والعقوبات والمعاملات
باتفاق العلماء.
ثانياً: أما عدم وجوب قضاء شيء من العبادات إذا أسلم فقد بيَّنا
- فيما سبق - أن سقوط القضاء عنهم كان لسببين:
الأول: أن - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر من أسلم من الكفار بقضاء ما فاتهم مع كثرتهم.
الثاني: قوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله ".
ثالثاً: أما عدم صحتها إذا فعلها في حال كفر: فلأن المانع من
الصحة موجود، وهو الكفر، لكن يستطيع أن يزيل هذا المانع
وذلك بالإيمان، فإذا فعلها بعد تقديم الإيمان تكون تلك الأفعال
صحيحة، وسبق بيان ذلك.
المذهب الرابع: أنهم مكلَّفون بالأوامر فقط، دون النواهي،
حكى هذا المذهب الزركشي في " البحر المحيط "، ولم ينسبه إلى
قائل، ولم أجد دليللً عليه.
جوابه:
هذا ضعيف؛ لأمرين:
الأول: أنه لا دليل على هذا التفريق، وما لا دليل عليه فلا
يلتفت إليه.
الثاني: أن هذا المذهب يرده ما حكيناه من الإجماع على أن
خطاب الزواجر من الزنا والقذف يتوجه على الكافر والمسلم معاً.
وترده - أيضاً - النصوص التي سقناها - في المذهب الأول -
على أن الكافر مكلَّف مطلقا.
(1/361)

المذهب الخامس: أنهم مكلَّفون بالفروع جميعاً إلا الجهاد في سبيل
الله، ذكر هذا المذهب إمام الحرمين في " النهاية "، والقرافي في
"تنقيح الفصول "، والإسنوي في " التمهيد "، ولم ينسبوه إلى أحد.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بما استدل به أصحاب المذهب الأول
عى أن الكافر مخاطب بجميع الفروع، ولكنهم استثنوا الجهاد؟
لأنه يمتنع أن يقاتل الكفار أنفسهم.
جوابه:
يجاب عنه بأنه لا فائدة من هذا الاستثناء؛ لأنه لا يتصور الجهاد
منه، ولو حصل بعد الإيمان لخرج عن محل النزاع.
المذهب السادس: الفرق بين الكافر المرتد فيكلف بالفروع، وبين
الكافر الأصلي فلا يكلف.
حكى هذا المذهب عبد الوهاب المالكي في " الملخص "،
والقرافي في " شرح تنقيح الفصول "، وابن السبكي في " جمع الجوامع ".
دليل أصحاب هذا المذهب:
أن الكافر المرتد ملتزم بأحكام الإسلام، ومنها قضاء ما فاته في
الردة من العبادات، بخلاف الكافر الأصلي فإنه غير ملتزم.
جوابه:
يجاب عنه بأن العبادات وترك المحظورات لازمة للكافر مطلقا:
"المرتد "، و " الأصلي " ولا فرق بينهما؛ لأن كلًّا منهما يطلق عليه
اسم " كافر " لغة.
وكذا الآيات السابقة التي ذكرناها في المذهب الأول لم تفرق
بينهما، فهذا التفريق زيادة لا دليل عليها.
(1/362)

المذهب السابع: التفريق بين الكافر الحربي فلا يكلف، والكافر
غير الحربي فيكلف.
حكى هذا المذهب الزركشي في " البحر الحيط ".
دليل أصحاب هذا المذهب:
أن غير الحربي ملتزم بأحكام الإسلام بعقد الذمة فله ما للمسلمين،
وعليه ما عليهم.
أما الكافر الحربي فنظراً لكونه غير ملتزم، ولم يعقد معه عقد فإنه
لم يلتزم بشيء فلا يكلف بالفروع.
جوابه:
يجاب عنه بأن الأدلة النقلية التي ذكرناها في المذهب الأول قد
صرحت بأن الكافر مكلَّف مطلقاً، ولم تفرق بين الكافر الحربي،
وغير الحربي، وهذا التفريق بينهما زيادة بدون دليل.
المذهب الثامن: التوقف في المسألة.
حكى هذا المذهب أبو حامد الإسفراييني عن أبي الحسن الأشعري،
وحكاه سليم الرازي في " التقريب "، ولم ينسبه إلى أحد.
دليل أصحاب هذا المذهب:
أنه لم يصح دليل على تكليفهم، ولم يصح دليل على عدم
تكليفهم فتوقفوا.
جوابه:
يجاب عنه بأنه لا داعي لهذا التوقف مع ما أثبتناه من الأدلة القوية
على أن الكفار مكلَّفون بالفروع مطلقاً، وضعف أدلة المذاهب الأخرى.
ثم إن التوقف لا يعتبر مذهبا يعمل به لذلك يسقط.
(1/363)

بيان نوع الخلاف:
اختلف العلماء في هذا الخلاف في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن الخلاف معنوي له ثمرة، وافترق أصحاب هذا
القول إلى فريقين:
الفريق الأول قالوا: إن لهذا الخلاف أثراً في الآخرة فقط، دون الدنيا.
ذهب إلى ذلك كثير من الأصوليين.
دليل هذا الفريق:
أن الكافر في حال كفره لا يمكنه فعل المأمورات، ولا يطالب
بفعلها، ولا يقضي ما فاته منها، إذن لا خلاف في العمل، وإنما
فائدة القول بأنهم مخاطبون بفروع الإسلام كثرة عقابهم في الآخرة.
الفريق الثاني قالوا: إن لهذا الخلاف أثراً في الدنيا والآخرة،
وإليك بيان ذلك:
أما أثر الخلاف في الآخرة فهو كثرة عقابهم في الآخرة، أي: أن
الكفار يعذبون على ترك الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج،
وعلى شرب الخمر، والزنا، والسرقة، وغيرها من الفروع الفقهية
زيادة على عذاب الكفر، فيعذبون عليها وعلى الكفر جميعاً، لا
على الكفر وحده.
أما أثر الخلاف في الدنيا، فقد. وردت بعض المسائل الفقهية قد
اختلف العلماء فيها، وكان سبب هذا الخلاف: هو الخلاف في
تكليف الكفار بالفروع، ومنها:
(1/364)

1 - أن الكافر إذا زنى فهل يجب عليه الحد؟
اختلف فيه على رأيين
الرأي الأول: وجوب إقامة الحد عليه؛ لأن الكفار مكلَّفون
بالفروع.
الرأي الثاني: عدم وجوب إقامة الحد عليه؛ لأن الكفار غير
مكلَّفين بالفروع.
2 - إذا نذر الكافر عبادة فهو صحيح، وهل يلزمه الوفاء به إذا أسلم؟
اختلف فيه على رأيين:
الرأي الأول: أنه يلزمه الوفاء به؛ لأنه مكلَّف بالفروع.
الرأي الثاني: أنه لا يلزمه الوفاء به؛ لأنه غير مكلَّف بالفروع.
3 - هل يجوز للكافر لبس الحرير؟
اختلف على رأيين:
الرأي الأول: لا يجوز له ذلك؛ لأن الكافر مكلَّف بالفروع.
الرأي الثاني: يجوز له ذلك؛ لأن الكافر غير مكلَّف بالفروع.
القول الثاني: إن الخلاف لفظي.
وهو الصواب، لأنه لا خلاف في مخاطبة الكفار بخطاب الوضع
أي: لا خلاف في مخاطبتهم بخطاب المعاملات، والعقوبات.
ولا خلاف في أنه لا يطلب منهم إيقاع العبادات كالصلاة،
والصيام وهم في حال الكفر، وأنه لا يصح منها شيء.
ولا خلاف في أنهم لا يؤمرون بقضائها بعد الإسلام.
ولا خلاف في أنه يجب عليهم اعتقاد وجوبها، وأنهم معاقبون
على ذلك.
(1/365)

وإنما الخلاف في مقدار العقاب في الآخرة هل يعاقبون على الكفر
فقط، أو يعاقبون عليه وعلى ترك أداء الفروع.
فظهر بهذا أن الخلاف في هذه المسألة لفظي لا أثر له في حق
التكليف في الدنيا؛ حيث إن الخلاف فيها لا يتعلق بالحكم الناجز في
الدنيا الذي هو محل بحث الأصولي والفقيه، فحال الكافر في
الدنيا لا تتغير سواء قلنا بالتكليف أو لم نقل.
الجواب عما ذكره أصحاب القول الأول:
أما ما ذكره أصحاب القول الأول من زيادة العقاب على القول
بتكليفهم، فهذا أمره إلى اللَّه تعالى فهو أعلم به.
أما ما ذكروه من الآثار المترتبة على الخلاف في تكليف الكفار في
الدنيا فلا نسلمها، وذلك لأنه ظهر - بعد تدبرها - أنها ليست في
محل النزاع؛ فأكثرها يدور حول الحكم الوضعي، ولا خلاف في
أن الكفار مخاطبون بخطاب الوضع، وبعضها ثبتت عليهم بسب
أدلة أخرى.
وقد أفردت لهذا المسألة مصنَّفا خاصاً بها وسمَّيته: " الإلمام في
مسألة تكليف الكفار بفروع الإسلام "، وقد فصَّلت في بيان نوع
الخلاف في كتابي الآخر: " الخلاف اللفظي عند الأصوليين "،
فارجع إليهما إن شئت فهما مطبوعان.
(1/366)

القسم الثاني شروط الفعل المكلف به
معروف أنه لا تكليف إلا بفعل، والمقصود بالفعل المكلَّف فيه:
هو الفعل الذي تعلَّق خطاب الشارع به اقتضاء أو تخييراً.
والفعل يطلق على الفعل الذي أمر به الشارع وطلب أداءه كالصلاة
والصيام، ويطلق على الفعل المنهي عنه، وهو الذي طلب الشارع
الكف عنه.
وهناك يفروط لا بدَّ منها في الفعل المكلَّف فيه هي كما يلي:
الشرط الأول: أن يكون الفعل المطلوب معلوما للمكلَّف.
أي: أن يعلم المكلَّف حقيقة الفعل الذي كلَّفه الشارع بأن يعمله
ويؤديه، وذلك من أجل أن يتصور هذا الفعل الأمور به؛ إذ لا يعقل
التكليف بشيء مجهول الذات، فالصلاة - مثلاً - يجب أن يعلم
حقيقتها وطريقتها وشروطها، وأركانها وواجباتها، ونحو ذلك مما
يتعلق بها، كذلك الزكاة يجب أن يعلم حقيقتها وطريقتها، وعلى
من تجب، ولمن تجب، وهكذا، فإن المكلَّف لو لم يعلم حقيقة
الفعل المكلَّف به من الأفعال لم يصح منه الفعل؛ لعدم وقوعه على
ما يريده اللَّه تعالى.
الشرط الثاني: أن يعلم المكلَّف أن هذا الفعل مأمور به من قبل الله
- تعالى -؛ لأنه إذا علم ذلك تصور منه قصد الطاعة والامتثال
(1/367)

بفعله، لأن الطاعة: موافقة الأمر، والامتثال: جعل الأمر مثالاَ
يتبع مقتضاه.
لكن إذا لم يتصور من المكلَّف قصد الطاعة لله تعالى بهذا الفعل،
فلا يكفي مجرد حصول الفعل منه من غير قصد ولا نية لامتثال أمر
الله تعالى بفعله لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الأعمالى بالنيات "، فالعمل الخالي عن النية قد يوجد، ولكن لا يصح إلا بالنية وقصد التقرب
إلى اللَّه به.
وهذا الشرط يخص الفعل الذي يجب قصد الطاعة والتقرب فيه
إلى اللَّه تعالى مثل الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، وغير
ذلك.
أما ما لا يجب قصد الطاعة فيه مثل: رد المغصوب، وتأدية
الديون، فإنه يكفي فيه مجرد حصول الفعل منه، وهو نفس الرد،
ونفس التأدية.
الشرط الثالث: أن يكون حاصلاً بكسب المكلََّف.
فلا يصح تكليف المسلم بما لا يحصل بكسبه، فلا يصح تكليفه
بكسب غيره؛ لقوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) ،
وقوله: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) .
هذا هو المذهب الأولى في المسألة.
المذهب الثاني: أنه يجوز تكليف المسلم بكسب غيره،
ومن ذلك: التزام العاقلة خطأ غيرها.
جوابه:
يجاب عنه بأن التزام العاقلة ليس من باب التكليف بفعل الغير،
(1/368)

وإنما هو من باب خطاب الوضع، أي هو: من باب ربط الحكم
بسببه، فجناية الشخص سبب في دية العاقلة؛ لأن المصلحة اقتضت "
ذلك..
الشرط الرابع: أن يكون الفعل معدوماً.
أي: أن يكون الفعل الذي طلب من المكلََّف فعله معدوماً، أي:
لم يوجد، فمثلاً: يؤمر المسلم بصلاة الظهر قبل الزوال، فصلاة
الظهر فعل أمر الشارع بفعلها قبل وجودها، وكذا يؤمر الإنسان
بخياطة ثوب معدوم، فإن هذا الأمر صحيح؛ لأن كلًّا من صلاة
الظهر والثوب لم يوجد قبل الأمر.
أما ما هو موجود فيستحيل وقوعه من المكلَّف، فلا يحسن عقلاً
الأمر بفعل شيء موجود، وهذا عند جمهور العلماء وهو الصحيح،
لوجهين:
الوجه الأول: أن يجاد الشيء الموجود تحصيل حاصل، لا يرد به
الشرع، فهو مستحيل كاستحالة الجمع بين الضدين، وجعل الجسم
في مكانين في وقت واحد.
الوجه الثاني: أنه لا يحسن أن يؤمر من هو قائم بالقيام، ومن
هو يكتب بالكتابة؛ لوجود القيام، والكتابة قبل الأمر، فكذلك هنا.
هذا هو المذهب الأول في المسألة.
المذهب الثاني: أنه يجوز الأمر بفعل شيء موجود.
ذهب إلى ذلك بعض المتكلمين.
دليل هذا المذهب:
أنه لو لم يصح الأمر بفعل الموجود للزم من ذلك أمران:
(1/369)

أولهما: أنه لا يصح ذم الكافر على كفره - الذي هو فيه في
الحال -، لأنه لا يصح أمره بتركه لكون الأمر موجوداً.
ثانيهما: يوجب أن لا يكون المؤمن مأموراً بالإيمان؛ لأن ما وجد
منه لا يصح الأمر به وهو على هذه الصفة.
جوابه:
يجاب عنه ت بأن الكافر إنما يستحق الذم على فعله من اعتقاد
الكفر والبقاء عليه، فهذا ليس فيه دلالة على كونه مأموراً بما قد وجد
منه.
وأما أمر المؤمن بالإيمان فليس المقصود منه الأمر الحقيقي، وإنما
المراد بالأمر هنا هو: طلب الاستمرار على الإيمان، والله أعلم.
الشرط الخامس: أن يكون الفعل مقدوراً للمكلَّف.
فلا يجوز تكليف ما لا يطاق، بل لا بد أن يكون الفعل يستطيع
المكلَّف فعله والقدرة عليه، فإن كان محالاً كالجمع بين الضدين،
وقلب الأجناس، وإعدام القديم، وإيجاد الموجود، ونحو ذلك،
فلا يجوز التكليف به.
ذهب إلى ذلك الغزالي، وأبو حامد الإسفراييني، وإمام الحرمين
وأبو بكر الصيرفي، وابن قدامة، وكثير من العلماء، وهو الصحيح
عندي؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: قوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ،
وقوله: (لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) .
وجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه صرح في هاتين الآيتين على اشتراط
القدرة من المكلَّف فيما يكلف به من الأفعال، وهذا يدل دلالة
(1/370)

واضحة على أن تكليف ما لا يطاق غير جائز، فلا يكلف اللَّه العباد
عملاً من أعمال القلب أو الجوارح إلا وهي في وسع المكلََّف، وفي
مقتضى إدراكه.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) .
وجه الدلالة: أن التكليف بما لا يطاق فيه حرج واضح للمكلَّفين،
والله عَزَّ وجَلَّ - هنا - نفى أن يكلف أي إنسان بشيء فيه حرج عليه،
قال بعض العلماء: " وأي حرج فوق التكليف بما لا يطاق "،
وقال الآمدي في " الإحكام ": " ولا حرج أشد من التكليف بما لا
يطاق ".
الدليل الثالث: قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"دعوني ما تركتكم إنما أهلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ".
وجه الاستدلال: أن الناس إنما كلَّفوا فيما يستطيعون من الفعل،
فثبت أن تكليف ما لا يطاق لا يجوز.
الدليل الرابع: أن المحال - وهو: ما لا يطيقه المكلَّف لا تتصور
فيه الطاعة فلا يتصور استدعاء وطلب المحال من المكلَّف؛ قياساً على
أنه يستحيل من العاقل أن يطلب من الشجرة أن تخيط له ثوباً.
أي: كما أنه يستحيل أن يطلب العاقل من الشجرة الخياطة؟
لعدم تصور الطاعة منها، فكذلك يستحيل طلب المحال من المكلف
- وهو الذي لا يستطيع أن يفعله -؛ لعدم تصور الطاعة في ذلك:
الدليل الخامس: أن اشتراط كون الفعل ممكنا ومستطاعا أوْلى من
(1/371)

اشتراط كون المكلَّف عاقلاً فاهما للخطاب، ومن اشتراط كون الفعل
معدوماً؛ وذلك لأن الفعل المكلََّف به ممكن إيقاعه من غير العاقل،
وممكن إيقاعه من غير الفاهم، وممكن إيجاده مرة أخرى، أو يوقع
ما يماثله، ولكن يستحيل أن يوقع المكلََّف المحال، فكيف يطلب - من
المكلَّف إيقاعه، فثبت أن تكليف ما لا يطاق لا يجوز.
تنبيه: المعتزلة يوافقوننا على أن تكليف ما لا يطاق لا يجوز.
وقد استدلوا ببعض الأدلة السابقة، وأضافوا إليها دليلاً قويا
عندهم وهو قولهم: إن تكليف ما لا يطاق قبيح عقلاً، والله
سبحانه لا يكلف بالقبيح استناداً إلى قاعدتهم وهي: " التحسين
والتقبيح العقليين ".
هذا هو المذهب الأول في المسألة.
المذهب الثاني - في المسألة -: أنه يجوز تكليف ما لا يطاق.
ذهب إلى ذلك القاضي أبو بكر الباقلاني، ونسب إلى أبي الحسن
الأشعري، واختاره فخر الدين الرازي، وذهب إليه كثير من العلماء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قوله تعالى: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ) .
وجه الاستدلال: أن هذا تكليف بالسجود مع عدم الاستطاعة،
وهو يدل على جواز تكليف ما لا يطاق.
جوابه:
يجاب عنه بأن هذا لا يصح أن يحتج به على ما نحن فيه، وإنما
يصح الاحتجاج به أن لو أمكن أن يكون الدعاء في الآخرة بمعنى
(1/372)

التكليف، وليس كذلك للإجماع على أن الدار الآخرة إنما هي دار
مجازاة، لا دار تكليف.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) .
وجه الاستدلال: أن هؤلاء سألوا اللَّه دفع ما لا يطيقون، ولو لم
يَكن تكليف ما لا يطاق جائزاً لما سألوا دفعه، ولا أقرهم عليه،
فلما سألوا دفعه، وحصل الإقرار على ذلك: دلَّ على جوازه.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
أولهما: أن المراد بما لا يطاق في الآية هو: الشاق الذي يثقل
على الإنسان، وعلى هذا فهم سألوا اللَّه دفع ما فيه مشقة على
النفس بحيث يؤدي إلى هلاكها، وهذا متعارف عليه في اللغة،
فيقول الشخص لما يشق عليه: " لا أطيقه ".
ثانيهما: سلمنا إرادة دفع ما لا يطاق، لكن هذه الآية معارضة بما
استدللنا به على عدم جواز تكليف ما لا يطاق، وهو قوله تعالى:
(لا يكلف اللَّه نفساً إلا وسعها) ، وقوله: (وما جعل عليكم في
الدين من حرج) ، وقوله: (لا نكلف نفسا إلا وسعها) ، فإن
هذه الآيات قد صرحت في عدم جواز تكليف ما لا يطاق،
أما ما ذكرتموه من قوله تعالى: (ولا تحملنا ما لاطاقة لنا به) ، فهي
ليست صريحة في جواز تكليف ما لا يطاق، لأنه يتطرق إليها عدة
احتمالات:
ومنها: ما قلناه في الجواب الأول.
ومنها: أن سؤال دفع ما لا يطاق حكاية حال الداعين، ولا حُجَّة
(1/373)

ومعلوم أن الصريح مقدم على غير الصريح.
الدليل الثالث: أن اللَّه عَزَّ وجَلَّ كلَّف أبا جهل بالإيمان، وأمره
به، ومن الإيمان تصديق اللَّه تعالى في كل ما أخبر عنه، ومما أخبر
الله عن أبي جهل أنه لا يؤمن، فقد صار مكلَّفا بأنه لا يؤمن،
ومكلَّفا بأنه يؤمن، وهذا هو التكليف بالجمع بين الضدين وهو
محال، فجاز تكليف ما لا يطاق.
جوابه:
يجاب عنه: بأن تكليف أبي جهل غير مستحيل؛ لأمور ثلاثة:
الأول: أن الأدلة النقلية والعقلية على صدق ما جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - منصوبة، وموجودة وظاهرة لا لبس فيها.
الثاني أن أبا جهل له عقل حاضر، وفهم للخطاب.
الثالث: أن أبا جهل يستطيع أن يفعل ما كلف به من غير أن يمنعه
أحد فهو من - رؤساء الكفار.
وهذه الأمور جعلت تكليف أبي جهل غير مستحيل، وممكن أن
يؤمن، لكن علم اللَّه تعالى في علمه الأزلي أن يترك أبو جهل ما
يقدر عليه، وهو: " ما كلف به من الإيمان "، وذلك حسداً
للرسول - صلى الله عليه وسلم - وعناداً، وإذا علم اللَّه سبحانه أنه لا يؤمن صار عدم إيمانه معلوما، فلن يؤمن أبداً؛ لأن العلم يتبع المعلوم المقرر، ولا يمكن أن يغيره بأي حال.
مما يؤيد ذلك: أن اللَّه تعالى قادر على أن يقيم القيامة في وقتنا
هذا، وإن أخبر أنه لا يقيمها الآن - حيث جعل لها علامات -
ويترك إقامتها مع القدرة على ذلك، وخلاف خبره سبحانه مستحيل.
(1/374)

ولكن هذه الاستحالة لا ترجع إلى نفس الشيء، بل مستحيل
لغيره، فلا يؤثر فيه.
الدليل الرابع: إن تكليف ما لا يطاق لا يستحيل من حيث صيغته،
حيث وردت صيغته في قوله تعالى: (كونوا قردة خاسئين) ،
وقوله: (قل كونوا حجارة أو حديداً) ، وقوله: (كن فيكون) ،
فإن هذه أوامر ظاهرها أنها مخاطبة للمكلَّفين بأن يكونوا قردة، أو
حجارة، أو أى شيء آخر، وهذا لا يستطيع المكلَّف فعله، فهذا
تكليف ما لا يطاق.
جوابه:
يجاب عنه بأنه ليس في تلك النصوص أوامر؛ حيث إن تلك
الأوامر ليست حقيقية، إذ ليس فيها مطالب.
فالمراد من قوله تعالى: (كونوا قردة خاسئين) : التكوين من
أجل إظهار القدرة لله تعالى، وقيل: إن هذا للسخرية منهم.
والمراد من قوله تعالى: (قل كونوا حجارة أو حديداً) التعجيز؟
حيث أراد اللَّه تعالى أن يظهر قدرته عليهم وأن يعجزهم.
والمراد من قوله تعالى: (كن فيكون) ، إظهار القدرة عليهم،
لا بمعنى أنه طلب من المعدوم بأن يكون نفسه.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة لفظي لا أثر له في الفروع، حيث لا
وقوع لها في الفروع، وإن كان لها أثر في أصول الدين في مسألة
"الاستطاعة "، وفي مسألة " القدر "، فإن شئت فارجع إلى ذلك
في كتب العقيدة فهو مبسوط هناك.
(1/375)

الشرط السادس: أن يكون - التكليف بفعل.
اعلم أن متعلق التكليف هو الأمر والنهي، وكلاهما لا يكون إلا
فعلاً، فلا يكلف إلا بفعل، ولا يطلب من المكلف إلا فعل.
والتكليف في الأمر تكليف بفعل بالاتفاق؛ لأن مقتضاه: إيجاد
الفعل المأمور به كالصلاة والزكاة والحج.
أما التكليف في النهي فقد اختلف العلماء فيه على مذهبين:
المذهب الأول: أن التكليف في النهي تكليف بفعل.
هذا مذهب جمهور العلماء.
وهو الصحيح؛ لأن المكلف به في النهي هو كف النفس عن
الفعل، لا نفي الفعل؛ حيث إن كف النفس عن المنهي عنه فعل،
فمثلاً: الأمر بالصوم أمر بكف النفمس عن الفطر، والكف فعل
الإنسان وهو داخل تحت كسبه يؤجر عليه، وكذلك لما نهى عن
شرب الخمر، والسرقة، والزنا، فإنه اقتضى التلبس بضد من
أضداده، وهو: الترك، فيكون الترك داخلاً تحت كسب المكلف
فيثاب عليه، فالترك. - في الحقيقة - فعل، لكونه ضد الحال التي
هو عليها.
المذهب الثاني: أن التكليف في النهي ليس تكليفا بفعل.
ذهب إلى ذلك كثير من المعتزلة، وعلى رأسهم أبو هاشم.
دليل هذا المذهب:
احتجوا - على ذلك بقولهم -: إن النهي عن الشيء معناه:
طلب تركه.
والترك نفي محض لا يدخل تحت التكليف، ولا يدخل تحت
(1/376)

كسب العبد، فلا يثاب عليه، فلا يسمى الكف عن الفعل فعلاً إلا
أن يتناول التلبس بضد من أضداده، فإذا كان الأمر كذلك، فإنه
يثاب على ذلك الضد المتلبِّس به، لا على مجرد الترك والكفِّ فقط.
جوابه:
يجاب عنه: بأن الترك ليس نفيا للفعل، وإنما هو فعل، فترك
الشيء هو: الأعراض البدني أو القلبي عنه، والأعراض فعل،
فمن ترك الزنا فقد أعرض عنه، وذلك الأعراض فعل، وهو من
كسب العبد، ويثاب عليه.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة لفظي لا ثمرة له؛ لاتفاق أصحاب
المذهبين على المعنى والحكم وهو: وجوب الانتهاء عما نهى اللَّه عنه
سواء كان ذلك الانتهاء عن طريق فعل الضد وكف النفس، أو عن
طريق الإبقاء على العدم الأصلي من غير تغيير، فالخلاف كان في
العبارة والاصطلاح.
(1/377)

الفصل الرابع في الحكم الوضعي وأنواعه
لقد سبق بيان أن الحكم الشرعي يتنوع إلى نوعين:
الأول: الحكم التكليفي.
الثاني: الحكم الوضعي.
أما الحكم التكليفي فقد سبق الكلام عنه بالتفصيل.
أما الحكم الوضعي فهو موضوع هذا الفصل، ويشتمل الكلام
عنه على أربعة مباثحط:
المبحث الأول: تعريف الحكم الوضعي.
المبحث الثاني: الفرق بين الحكم الوضعي، والحكم التكليفي.
المبحث الثالث: بيان أنه قد يجتمع خطاب التكليف مع خطاب
الوضع، وقد ينفرد خطاب الوضع.
المبحث الرابع: أنواع الحكم الوضعي.
(1/379)

المبحث الأول في تعريف الحكم الوضعي
الحكم قد سبق بيانه.
والوضع لغة يطلق على الولادة يقال: " وضعت المرأة حملها " إذا
ولدته، ويطلق على الإسقاط يقال: " وضعت عنك الدين " إذا
أسقطته، ويطلق على الترك يقال: " وضعت الشيء بين يديه " إذا
تركته.
أما الحكم الوضعي في الاصطلاح فهو: خطاب اللَّه - تعالى -
المتعلِّق بجعل الشيء سبباً لشيء آخر، أو شرطاً له، أو مانعاً منه،
أو كون الفعل رخصة، أو عزيمة.
ومعناه:
أن الشارع وضع وشرع أموراً سميت أسباباً وشروطاً وموانع،
ونحو ذلك تعرف عند وجودها أحكام الشرع من إثبات أو نفي،
وذلك لأن الأحكام توجد بوجود الأسباب والشروط، وتنتفي بوجود
الموانع، أو انتفاء الأسباب والشروط.
فالحكم الوضعي هو الوصف المتعلِّق بالحكم التكليفي، وهذا
الوصف إما أن يكون سببا كأوقات الصلاة؛ حيث إنها سبب
لوجوبها على المكلف، وبلوغ النصاب للمال، حيث إنه سبب في
(1/381)

وجوب الزكاة، أو يكون شرطا كالطهارة في الصلاة، أو يكون
مانعاً كالنجاسة تمنع من صحتها، أو يكون الفعل الواقع من المكلف
صحيحاً يترتب عليه حكمه، أو ذلك الفعل فاسداً لا يترتب عليه
شيء، أو يكون ذلك الفعل رخصة كأكل الميتة عند الاضطرار، أو
يكون الفعل عزيمة كالعبادات الخمس.
(1/382)

المبحث الثاني في الفروق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي
قد يلتبس على بعض الناس الحكم التكليفي مع الحكم الوضعي
لذلك سأبين الفروق المهمة بينهما فأقول:
الفرق الأول: من حيث الحد والحقيقة، فحقيقة الحكم الوضعي
تختلف عن حقيقة الحكم التكليفي، فالخطاب في الحكم الوضعي:
خطاب إخبار وإعلام جعله الشارع علامة على حكمه، وربط فيه بين
أمرين، بحيث يكون أحدهما سبباً للآخر، أو شرطا له.
بخلاف الخطاب في الحكم التكليفي، فإنه خطاب طلب الفعل،
أو طلب الترك، أو التخيير بينهما، فخطاب التكليف هو: طلب
أداء ما تقرر بالأسباب والشروط.
الفرق الثاني: يختلفان من حيث اشتراط قدرة المكلف وعدمها،
فالحكم التكليفي يشترط فيه أن يستطيع المكلف فعله، فلا يجوز
التكليف بما لا يطاق مطلقا.
بخلاف الحكم الوضعي فلا يشترط فيه ذلك: فقد يكون مقدوراً
للمكلف، وقد يكون غير مقدور للمكلف.
فمن أمثلة ما يقدر المكلف على فعله وتركه: السرقة التي هي
سبب في قطع اليد، كذلك صيغ العقود والتصرفات الشرعية، فإنها
أسباب داخلة تحت تصرف المكلَّف وقدرته، فهو يستطيع أن يسرق
(1/383)

فيكون سببا في قطع يده، ويستطيع ترك السرقة، ويستطيع أن يعقد
العقد فيكون سببا في الملك، ويستطيع ترك ذلك العقد.
ومن أمثلة ما لا يقدر المكلف عليه: دلوك الشمس الذي هو سبب
لوجوب الصلاة، وحولان الحول الذي هو شرط لوجوب الزكاة،
والأبوة التي هي مانعة من وجوب القصاص من الوالد لولده.
فهذه أسباب وشروط وموانع ليست في مقدور المكلف، بل هي
خارجة عن قدرته.
الفرق الثالث: أن الحكم التكليفي لا يتعلق إلا بفعل المكلف الذي
توفرت فيه شروط التكليف وهي: البلوغ، والعقل، والفهم،
بخلاف الحكم الوضعي، فإنه يتعلق بفعل المكلف وغير المكلف
كالصبي والمجنون والنائم والناسي والساهي والغافل والسكران والمعتوه
ونحوهم، فإن هؤلاء يضمنون - مثلاً - ما يتلفونه؛ لكون الحكم
الوضعي قد وجد وهو: السبب، وهو الإتلاف.
الفرق الرابع: أن الحكم التكليفي يتعلق بالكسب والمباشرة للفعل
من الشخص نفسه، فالمكلف إذا عمل عملاً موافقا لأمر الشارع فإنه
يؤجر عليه، أما إذا عمل عملاً مخالفا لذلك الأمر، فإنه يعاقب
عليه.
بخلاف الحكم الوضعي، فقد يعاقب أشخاصا بفعل غيرهم،
ولهذا وجبت الدية على العاقلة، فوجوب الدية عليهم ليس من باب
التكليف؛ لاستحالة التكليف بفعل الغير، بل إنها وجبت لأن فعل
الغير سبب لثبوت هذا الحق عليهم..
الفرق الخامس: أن الفعل في الحكم الوضعي قد يكون مقدوراَ
للمكلف، ولكنه لا يؤمر به كالنصاب للزكاة، فإنه لا يؤمر الإنسان
(1/384)

بتحصيل النصاب لتجب عليه الزكاة، ولا يؤمر بالإقامة في رمضان
ليجب عليه الصوم إذا عرض له ما يقتضي السفر.
بخلاف الحكم التكليفي فلا بد من كون الفعل مقدوراً للمكلَّف
وداخلاً تحت إمكانه، وإذا أمر بحكم تكليفي فهو أمر بكل ما يجعل
فعله المأمور به صحيحا كالطهارة للصلاة، وإذا نهي عن فعل فإنه
نهي عن كل ما يؤدي إليه.
الفرق السادس: أن الحكم التكليفي يشترط فيه أن يكون معلومة
للمكلَّف وأن يعلم أن التكليف به صادر من اللَّه تعالى حتى يصح منه
القصد والنية.
بخلاف الحكم الوضعي فلا يشترط فيه علم المكلَّف، ولذلك
يرث الإنسان بدون علمه، وتحل المرأة بعقد أبيها عليها، وتحرم
بطلاق زوجها لها وإن كانت لا تعلم، كذلك لو أتلف النائم أو
الناسي، أو - الساهي، أو الغافل شيئاً، أو رمى إنسان في ملكه
فأصاب إنسانا، فإن هؤلاء يضمنون وإن كانوا لا يعلمون.
واستثنى العلماء من ذلك أمرين:
أولهما: أسباب العقوبات التي هي الجنايات كالقتل الموجب
للقصاص، فإنه يشترط فيه العلم والقصد، ولذلك لا يجب
القصاص على المخطى لعدم العلم، وكذا حد الزاني لا يجب في
الشبهة لعدم العلم.
ْئانيهما: أسباب انتقال الأملاك في المنافع والأعيان، كالبيع، والهبة،
والإجارة، ونحو ذلك من العقود، فإنه يشترط في ذلك العلم،
فلو تلفظ بلفظ ناقل للملك وهو لا يعلم مقتضاه: لم يلزمه شيء.
(1/385)

المبحث الثالث في بيان أنه قد يجتمع خطاب التكليف مع خطاب
الوضع وقد ينفرد خطاب الوضع عن خطاب التكليف
فمن أمثلة اجتماعهما: الزنا، له حكمان:
حكم تكليفي باعتبار أنه حرام.
وحكم وضعي باعتبار أنه سبب للحد.
وكذا السرقة من جهة أنها محرمة هي خطاب تكليف، ومن جهة
أنها سبب للقطع هي خطاب وضع.
فكل ما وجد فيه أحد أحكام التكليف الخمسة، وكان من جهة
أخرى ناشئاً عن سبب، أو متوقفاً على شرط، أو غير ذلك من
متعلقات خطاب الوضع، فهو مما يجتمع فيه الأمران، فالإيمان
واجب وهو سبب لعصمة الدم والمال، والإحرام واجب عند بعض
العلماء وهو مانع من فعل المحظورات فيه.
ومن أمثلة انفراد خطاب الوضع: زوال الشمس، وحلول شهر
رمضان، وحولان الحول في الزكاة، فهذه الأمور هي أوقات محدَّدة
لا قدرة للمكلف على تحصيلها، فإنها من خطاب الوضع، وليست
من خطاب التكليف؛ إذ - ليس فيها أمر، ولا نهي، ولا إذن، أما
ما يترتب على هذه الأشياء من أداء الصلاة والصوم والزكاة، فإنه
شيء آخر غيرها.
(1/386)

ولا يتصور انفراد الحكم التكليفي؛ لأنه لا تكليفِ إلا وله سبب أو
شرط، أو مانع.
وبذلك يكون خطاب الوضع أعم من خطاب التكليف، إذ لا
يوجد تكليف إلا ومعه وضع، دون العكس، بينما قد يوجد خطاب
الوضع حيث لا تكليف، وذلك مثل الأمثلة السابقة، ولزوم قيمة
المتلفات، وأروش الجنايات، والزكاة على الصبي والمجنون.
(1/387)

المبحث الرابع في أنواع الحكم الوضعي
لقد اختلف في أنواع الحكم الوضعي، والسبب في هذا الاختلاف:
أن بعض العلماء أفرد كل وصف يصلح أن يكون حكما وضعيا
وجعله نوعا خاصا فقال: إن أنواعه هي: السبب، والشرط، -
والمانع، والعِلَّة، والصحة، والفساد، والعزيمة، والرخصة،
والأداء، والإعادة، والقضاء، والتقديرات الشرعية، والحجاج.
وبعضهم أدخل بعضها في بعض وهكذا.
والحق عندي: أن أنواع الحكم الوضعي خمسة فقط وهي:
" السبب "، و " الشرط "، و " المانع "، و " العزيمة "، و " الرخصة ".
أما العلَّة، والصحة، والفساد، والتقديرات الشرعية، والحجاج،
والأداء، والإعادة، والقضاء، فهي تدخل ضمن السبب، ولا
تخرج عنه، وسأبين ذلك - إن شاء اللَّه - في موضعه:
وللكلام عن هذه الأنواع لا بد من عقد المطالب التالية:
المطلب الأول: في السبب.
المطلب الثاني: في الشرط.
المطلب الثالث: في المانع.
المطلب الرابع: في العزيمة والرخصة.
(1/388)

المطلب الأول في السبب
ويشتمل على مسائل:
المسألة الأولى: في حقيقة السبب:
أولاً: السبب لغة.
ثانيا: السبب اصطلاحا.
المسألة الثانية: في تقسيمات السبب.
المسألة الثالثة: في إطلاقات السبب عند الفقهاء.
المسألة الرابعة: في العلَّة:
أولاً: العِلَّة لغة.
ثانيا: العِلَّة اصطلاحاً.
ثالثا: هل يوجد فرق بين السبب والعِلَّة؟
المسألة الخامسة: الصحة والفساد:
أولاً: الصحة والفساد لغة.
ثانياً: الصحة والفساد اصطلاحاً.
ثالثا: هل الصحة والفساد من الأحكام الشرعية،
أو هما من الأحكام العقلية؟
(1/389)

رابعاً: هل الصحة والفساد من الأحكام الوضعية،
أو هما من الأحكام التكليفية؛؟
خامساً: المقصود بالصحة في العبادات.
سادساً: المقصود بالصحة في المعاملات.
سابعاً: هل الفاسد والباطل مترادفان؟
المسألة السادسة: التقديرات الشرعية والحجاج.
المسألة السابعة: الأداء والإعادة والقضاء:
أولاً: تعريف الأداء.
ثانيا: تعريف الإعادة.
ثالثاً: تعريف القضاء.
رابعاً: إذا حاضت المرأة، أو سافر مكلف، أو مرض آخر في رمضان فافطروا، فلما انقضى رمضان صاموا تلك الأيام التي
أفطروها، فهل يسمى فعلهم هذا قضاء أو أداء؟
خامسا: هل يتعلق القضاء بالمندوب كالواجب؟
سادساً: الدليل الموجب للقضاء.
(1/390)

المسألة الأولى: حقيقة السبب:
أولاً: السبب في اللغة هو:
كل ما يتوصل به إلى مقصود " ما " لذلك تسمى الطريق،
والحبل، والباب أسبابا؛ لأن الطريق موصل إلى المكان المقصود،
والحبل موصل إلى الماء ونحوه، والباب موصل إلى داخل البيت.
ثانيا: السبب في الاصطلاح:
لقد اختلفت عبارات الأصوليين في تعريف السبب، وأقرب
تعريفات السبب إلى الصحة وأبعدها عن الخطأ هو: " ما يلزم من
وجوده الوجود، ويلزم من عدمه العدم لذاته ".
شرح التعريف وبيان محترزاته:
السبب هو وصف ظاهر منضبط جعله الشارع علامة على الحكم،
وربط وجود الحكم بوجوده، وعدم الحكم بعدمه، فيلزم من وجود
السبب وجود الحكم، ويلزم من عدم السبب عدم الحكم، كدخول
الوقت، وبلوغ النصاب، فيلزم من وجود دخول الوقت وجوب
الصلاة، ويلزم من عدم دخول الوقت عدم وجوب الصلاة، ويلزم
من وجود بلوغ النصاب وجوب الزكاة، ويلزم من عدم البلوغ عدم
وجوب الزكاة، وهكذا.
وقولنا: " ما يلزم من وجوده الوجود " أخرج الشرط؛ لأن
الشرط لا يلزم من وجوده وجود ولا عدم كالطهارة فإنها شرط
لصحة الصلاة، ولكن قد توجد الطهارة ومع ذلك لا يلزم صحة
الصلاة؛ لاحتمال عدم دخول الوقت، أما السبب فيلزم من وجود
(1/391)

دخول الوقت وجوب الصلاة طى هذا المكلف الذي دخل عليه
الوقت، ويلزم من وجود السرقة: وجود الحكم وهو قطع اليد.
وخرج بهذه العبارة أيضا المانع؛ لأن المانع يلزم من وجوده العدم.
وخرج المانع - أيضاً - من قولنا: " ولا يلزم من عدمه العدم "،
لأن المانع لا يلزم من عدمه وجود ولا عدم مثل " الذين " يلزم من
وجوده عدم الزكاة، ولكن لا يلزم من عدمه وجود ولا عدم، فلو
لم يكن على المسلم دين فلا يلزم من ذلك وجوب الزكاة عليه؟
لاحتمال فقره مع عدم الدين، ولا يلزم عدم وجوب الزكاة؟
لاحتمال أن يكون عنده نصاب قد حال عليه الحول فتلزمه الزكاة.
وقولنا: " لذاته " أي: لذات السبب، وأخرجنا به ما لو قارن
السبب فقدان شرط، أو وجود مانع مثل: أن يملك النصاب، لكن
لم يدر عليه الحول، فهنا لا تجب عليه الزكاة لا لأن ذات السبب لم
يتوفر، بل توفر ووجد، ولكن انتفى الشرط وهو حولان الحول،
كذلك لو ملك النصاب وحال عليه الحول، لكن عليه دين، فهذا لا
تجب عليه الزكاة مع توفر السبب.
فهنا لا يلزم من وجود السبب وجود الحكم، ولكن لا لذاته،
بل لأمر خارج عنه وهو انتفاء الشرط، أو وجود مانع.
***
المسألة الثانية: في تقسيمات السبب:
السبب ينقسم بالنظر إلى اعتبارات وجهات مختلفة إلى خمسة
تقسيمات:
(1/392)

التقسيم الأول: باعتبار قدرة المكلف:
ينقسم السبب بهذا الاعتبار إلى قسمين: " سبب مقدور عليه "،
و" سبب غير مقدور عليه ".
أما القسم الأول - وهو: السبب المقدور عليه - فهو: ما كان
داخلاً تحت كسب المكلف وطاقته.، بحيث يستطيع فعله أو تركه
كالقتل، والسرقة، وشرب الخمر بالنسبة لما يترتب عليها - من
العقوبات، وكذا عقد البيع؛ لانتقال الملك وحل الانتفاع، وكذا:
عقد النكاح لحل الاستمتاع.
فهذه يجتمع فيها خطاب التكليف والوضع، كما قلنا سابقا.
أما القسم الثاني - وهو: السبب غير المقدور عليه - فهو: ما لم
يكن من كسبه ولا دخل له في تحصيله، أو عدم تحصيله مثل: زوال
الشمس، أو غروبها، سبب لوجوب الصلوات، والموت سبب
لانتقال الملك، فهذه الأمور لا يتعلق بها خطاب تكليف؛ لأن
التكليف لا يكون إلا بمقدور، كما قلنا سابقا.
التقسيم الثاني: باعتبار المشروعية:
ينقسم السبب بهذا الاعتبار إلى قسمين: " سبب مشروع "،
و"سبب غير مشروع ".
أما القسم الأول - وهو: السبب المشروع - فهو: ما كان سببا
للمصلحة أصالة، وإن كان مؤديا إلى بعض المفاسد تبعا مثل: الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، وكالجهاد في سبيل اللَّه، فإنهما سببان
لإقامة الدين، وإعلاء كلمة اللَّه، وإظهار شعائر الإسلام، وإن أدى
في الطريق إلى نوع من المفاسد كإتلاف نفس، وإضاعة أموال، كذا
إقامة الحدود والقصاص سبب للمصلحة أصالة.
(1/393)

أما القسم الثاني - وهو: السبب غير المشروع - فهو: ما كان
سببا للمفسدة أصالة، وإن ترتب عليه نوع من المصلحة تبعا مثل:
القتل، فإنه سبب غير مشروع، وإن ترتب عليه بعض المصالح
كميراث ورثة المقتول.
الئقسيم الثالث: باعتبار المناسبة:
ينقسم السبب باعتبار المناسبة للحكم وعدم ذلك إلى قسمين:
" سبب مناسب للحكم "، و " سبب غير مناسب للحكم ".
أما القسم الأول - وهو: السبب المناسب للحكم - فهو: الذي
يترتب على شرع الحكم عنده تحقيق مصلحة، أو دفع مفسدة يدركها
العقل مثل: السرقة بالنسبة لعقوبة القطع، حيث إنها تحقق مصلحة
حفظ الأموال وتدفع مفسدة ضياعها، وكذا عقوبة الزنا، فإنها تحقق
مصلحة حفظ الأنساب والأعراض، وكذا الإسكار لتحريم الخمر،
فإن الإسكار - يتضمن ضياع العقول فنهى عن شرب الخمر لمصلحة،
وهي حفظ العقول.
أما القسم الثاني - وهو: السبب غير المناسب - فهو: الذي لا
يترتب على شرع الحكم عنده تحقيق مصلحة، أو دفع مفسدة، مثل
دلوك الشمس، فهو سبب لوجوب الظهر، وشهود الشهر بالنسبة
لوجوب صومه.
التقسيم الرابع: باعتبار مصدره:
السبب ينقسم بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام: " سبب شرعي "،
و" سبب عقلي "، و " سبب عادي ".
أما القسم الأول - وهو: السبب الشرعي - فهو: ما كان
(1/394)

مستمداً من الشرع فقط كالوقت بالنسبة لوجوب الصلاة، وبلوغ
النصاب بالنسبة لوجوب الزكاة.
أما القسم الثاني - وهو: السبب العقلي - فهو: ما كان مستمداً
من العقل، ولم يكن ثابتاً عن طريق الشرع كوجود النقيض، فإنه
سبب في انعدام نقيضه عقلاً، لعدم اجتماع النقيضين كالموت سبب
لعدم الحياة، وهكذا.
أما القسم الثالث - وهو: السبب العادي - فهو: ما كان
مستمداً من العادة الألوفة المتكرر وقوعها كالذبح، فإنه عادة يتسبب
في إزهاق الروح في العادة.
والمراد بالسبب في الحكم الوضعي هو السبب الشرعي فقط.
التقسيم الخامس: باعتبار ذاته:
ينقسم السبب بهذا الاعتبار إلى قسمين: " سبب قولي "،
و"سبب فعلي ".
أما القسم الأول - وهو: السبب القولي - فهو: ما كان عماده
القول كصيغ العقود مثلاً من بيع، وشراء، وهبة، وصدقة، وصيغ
التصرفات كالطلاق، والعتاق، والظهار، والرجعة، والنكاح.
وأما القسم الثاني - وهو: السبب الفعلي - فهو: ما كان ناشئاَ
عن الفعل كالقتل، وشرب الخمر، والسرقة، وإحياء الموات،
ونحو ذلك.
فإن قلت: هل يوجد فرق بين السبب القولي والفعلي؟
أقول: نعم بينهما فرق في الحكم؛ حيث إن الأسباب القولية لا
تصح من السفيه، والمحجور عليه، أما الأسباب الفعلية فإنها تصح
(1/395)

منه، فمثلاً: لو وطأ المحجور عليه أمته فإنها تصير أم ولد، كذلك
لو احتطب، أو اصطاد، أو قتل، أو سرق، أو نحو ذلك فإنه
يترتب على تلك الأسباب آثارها.
بخلاف ما لو أعتق عبده، وكذا لو اشترى، أو وهب، أو باع،
أو تصدق، ونحو ذلك من الأسباب القولية، فإنه لا يترتب عليها
أثر.
وتعليل ذلك: أن أقواله يمكن إلغاؤها - كما قال ابن القيم في
"بدائع الفوائد " -: فإنها مجرد كلام لا يترتب عليه شيء، وأما
الأفعال فإنها إذا وقعت فلا يمكن إلغاؤها؛ فلا يمكن أن يقال لمن
سرق، أو قتل، أو وطأ أمَته وولدت، أو أتلف: إنه لم يسرق،
ولم يقتل، ولم يستولد له ولد، ولم يتلف شيئاً، وقد وجدت منه
هذه الأفعال فأجرى ذلك مجرى المأذون له في صحة أفعاله.
التقسيم السادس: باعتبار اقتران السبب بالحكم وعدم ذلك:
السبب ينقسم بهذا الاعتبار إلى قسمين: " سبب متقدم على
الحكم "، و " سبب مقترن به ".
أما القسم الأول - وهو: السبب المتقدم على الحكم - فهو:
الأصل، وهو أكثر الأحكام مثل الأسباب الموجبة للصلوات،
والزكاة، والحج، والبيع، والنكاح.
أما القسم الثاني - وهو: السبب المقارن للحكم - فهو: يقع
كثيراً في الشريعة مثل: شرب الخمر، والزنا، والسرقة، وقطع
الطريق، ومثل: قتل الكافر في الحرب، فإنه سبب لاستحقاق سلبه
فوراً، ومثل إحياء الموات، فانه سبب فوري للملك وهكذا.
(1/396)

المسألة الثالثة: في إطلاقات السبب عند الفقهاء:
الأصول لم يختص بإضافته إلى الفقه إلا لكونه مفيداً له ومحققاَ
للاجتهاد فيه، وإذا كان كذلك، فالتوقع أن يكون الفقهاء تابعين
للأصوليين في اعتبار حقيقة السبب.
لكن الواقع من الفقهاء غير ذلك فهم في كتب الفروع يطلقون
لفظ " السبب " على عدة أمور قد تبدو مخالفة لما اصطلح عليه
الأصوليون في مفهوم السبب، لذلك أتيت بهذه المسألة تنبيهاً على
ذلك فأقول: إن الفقهاء يطلقون لفظ " السبب " على أربعة إطلاقات
هي كما يلي:
الإطلاق الأول: أنهم يطلقونه في مقابل المباشرة فقالوا: لو حفر
زيد بئراً، ثم جاء عمرو ودفع محمداً في البئر، فتردى فيها، فهلك
محمد، فإن الحافر - وهو زيد - صاحب سبب، والمردي - وهو
عمرو - صاحب علَّة، لأن الهلاك بالتردية، لا بالحفر، ولكن وقع
ذلك عند وجود البَئر فسموا الحافر سبباً، والدافع مباشراً، وكذلك
لو ألقى شخص شخصاً آخر من شاهق فتلقاه آخر بسيف، فإن
الضمان على المتلقي بالسيف لأنه مباشر، وهناك أمثلة كثيرة على هذا
تجدها مبسوطة في قواعد ابن رجب، والأشباه والنظائر للسيوطي
وغيرهما.
الإطلاق الثاني: أنهم يطلقونه على عِلَّة العلَّة، حيث سمّوا الرمي
سبباً للقتل من جهة: أنه سبب للعلَّة، فَكان على التحقيق عِلَّة
العلَّة، لأنه علَّة للإصابة، والإصابةَ عِلَّة لزهوق النفس، ولكن لما
حصل الموت بالإصابة التوسطة بين الرمي والزهوق لا بالرمي كان
الرمي شبيهاً بالسبب في وضع اللسان وهو: ما كان مفضياً إلى
الشيء وطريقاً إليه فسمَّوه سبباً لذلك.
(1/397)

وحكم هذا السبب حكم العلَّة من كل وجه، فيضاف أثر الفعل
إليه؛ لأنه لما أضيفت العلَّة إليه كان بمنزلتها، ولهذا سمي " علَّة
العِلَّة "، ويسميه الحنفية السبب في معنى العِلَّة ".
الإطلاق الثالث: أنهم يطلقونه على العِلَّة الشرعية بدون شرطها
كملك النصاب دون حولان الحول، فإنَّ ملك النصاب سبب في
وجوب الزكاة، لكنه لا بد من حولان الحول في وجوبها، فيطلق
السبب على ملك النصاب دون حولان الحول مع أنه لا بد منهما في
الوجوب.
وكذا اليمين دون الحنث فإنها سبب في وجوب الكفارة، لكنه
لابد من الحنث في وجوب الكفارة، فيطلق السبب على اليمين دون
الحنث مع أنه لا بد منهما في الوجوب.
ويراد بهذا السبب ما تحسن إضافة الحكم إليه كما يقال: " نصاب
الزكاة "، و " كفارة اليمين ".
ويسميه الحنفية بالسبب المجازي.
الإطلاق الرابع: أطلقوه على العلَّة الشرعية الكاملة التي توجب
الحكم وهي: المجموع المركب من مقتضي الحكم - وهو المعنى
الطالب له - وشرطه وانتفاء المانع، ووجود الأهل - وهو المخاطب
به - ووجود المحل - وهو: ما يتعلَّق به الحكم - فالسبب - على
هذا - بمعنى العلة يقال: " سبب الحكم كذا "، والمراد بذلك علته.
ووجه إطلاق السبب على العِلَّة الشرعية الكاملة: أن العلَّة في
معنى العلامة المظهرة للحكم؛ إذ أنها لا توجب الحكم لذاتهاً، بل
بإيجاب اللَّه تعالى لها فأشبهت السبب من هذه الناحية.
(1/398)

والخلاصة: أن الإطلاق الأول المراد به إيجاد الشرط؛ لأن حفر
البئر شرط لوقوع الهلاك؛ لكونه إزالة للمانع؛ إذ لولا الحفر
لاستمسكت الأرض ولم يقع الهلاك، فيكون المراد بالمباشرة هنا:
إيجاد العِلَّة، وبالتسبب إيجاد الشرط، وهكذا.
أما الإطلاقات الثلاثة الباقية فهي تنتظم في سلك العِلَّة؛ فالرمي
عِلَّة العلَّة؛ لكونه علَّة للإصابة، والإصابة علَّة للزهوقَ، والنصاب
بدون الحول عِلَّة، وَلكن تخلَّف شرطها، والإطلاق الرابع أطلقوه
على العِلَّة الكاملة.
***
المسألة الرابعة: العِلَّة:
نظراً إلى أن العلَّة تعتبر قسما من أقسام السبب، فقد جعلناها من
مسائل السبب، وإليك بيانها فأقول:
أولاً: العِلَّة لغة:
تطلق على إطلاقات، ولكن أقربها إلى الصحة هو: أنها بمعنى
الأمر المغير للشيء، ومنه سمي المرض عِلَّة؛ لأن حالة المريض تتغير
به من الصحة والقوة والنشاط إلى المرض والضعف والسقم.
وهذا أنسب التعاريف اللغوية للعلَّة؛ لتناسبه مع المعنى
الاصطلاحي وهو: التغيير، فكما يتغير الَجسم حالة حصول العلَّة،
وهي المرض من القوة إلى الضعف، فكذلك إذا وجدت العِلًّة في
المحل، فإنها تغير حكمه مما كان عليه في الأول.
ثانيا: العلة اصطلاحا:
لقد اختلفت عبارات العلماء في تعريف العِلَّة:
(1/399)

فقيل: إن العِلَّة هي: المعرِّف للحكم.
وهو تعريف فخر الدين الرازي، والبيضاوي، وكثير من العلماء.
وقيل: إن العِلَّة: المؤثر أو الموجب للأحكام بجعل اللَّه تعالى.
ذهب إلى ذلك الغزالي، وأكثر الحنفية.
وقيل: إن العِلَّة: الباعث على الحكم.
ذهب إلى ذلك ابن الحاجب والآمدي.
بيان نوع الخلاف:
الحق: أن الخلاف بين تلك الأقوال الثلاثة خلاف لفظي - كما
ذكرت ذلك في كتابي " الخلاف اللفظي عند الأصوليين "، فهو
راجع إلى تفسير كل أصحاب مذهب لما قالوه.
فكل أصحاب مذهب نظروا إلى جهة معينة غير ما نظر إليها
الآخر، ففسَّر العِلَّة باعتبار تلك الجهة.
فمن قال بأن العِلَّة: المعرِّف للحكم: نظر إلى أن الحكم يضاف
إليها، فيقال: وجب القصاص للقتل، ووجب القطع للسرقة، وهكذا.
ومن قال بأن العلَّة: المؤثر أو الموجب للأحكام بجعل اللَّه لها:
يرى أن العِلَّة تستلزمَ الحكم استلزاما عاديا بجعل اللَّه تعالى، أي:
أن كلًّا منَ الوصف والحكم من اللَّه، وقد جرت العادة بأنه متى ما
وجد السبب وجد المسبب.
ومن قال بأن العلَّة: الباعث على الحكم: يرى أنها لا بدَّ وأن
تكون مشتملة على حكمة صالحة أن تكون مقصودة للشارع.
وأصحاب هذه الأقوال متفقون على أن الموجب للحكم - حقيقة
هو اللَّه ت تعالى - وهو: المؤثر الحقيقي وحده، دون العلل والأسباب.
(1/400)

واتفقوا على أن اللَّه حكم بوجوب ذلك الأثر بذلك الأمر وناطه
به، ورتبه عليه.
واتفقوا - أيضاً - على أن الأحكام معللة بمصالح العباد، وإن
اختلفت العبارات في مؤدى ذلك حسب ما يؤدي إليه التصور، ويدل
على ذلك: أن الكل يقول بالقياس. فالخلاف - إذاً - في العبارة
- فقط - دون المعنى.
ثالثاً: هل يوجد فرق بين السبب والعِلَّة؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن العِلَّة تعتبر من أقسام السبب.
وهو من التقسيم الثالث من تقسيمات السبب السابقة، وعلى هذا
فإن السبب يكون أعم من العِلَّة.
وهذا مذهب أكثر العلماء.
وهذا هو الصحيح عندي، ولهذا جعلتها من مسائل السبب،
وإليك بيان ذلك:
أن السبب ينقسم إلى قسمين: " سبب معقول المعنى "، و " سبب
غير معقول المعنى ".
فإن كان الأول - أي: كان السبب مما يدرك العقل ارتباط الحكم
به -: كان سبباً وعلَّة كقطع يد السارق، فإن السرقة تسمى سببا
وعلَّة للقطع، وكذاً: السفر المبيح للفطر، فإن السفر يُسمَّى سببا
وعِلَّة لإباحة الفطر.
وإن كان الثاني - أي: إن كان السبب مما لا يدرك العقل ارتباط
الحكم به -: فإنه يسمى سببا لا عِلَّة، مثل: دخول الوقت،
وشهود الشهر.
فدخول الوقت يسمى سبباً لوجوب الصلاة، ولا يسمى عِلَّة "
(1/401)

لعدم إدراكنا للمناسبة بين دخول الوقت ووجوب هذه الصلاة بعينها،
كذلك شهود شهر رمضان يسمى سببا لوجوب الصوم، ولا يسمى
عِلَّة؛ لعدم إدراكنا للمناسبة بين شهود الشهر ووجوب رمضان.
فالسبب - على ذلك - يشمل الوصف المناسب وغير المناسب،
فيكون أعم من العِلَّة.
المذهب الثاني: أن السبب والعِلَّة متفقان، وهما اسمان لمسمى
واحد.
هذا مذهب بعض العلماء.
واحتجوا بقولهم: إننا لما دققنا النظر فيهما وجدنا أوجه التشابه
بينهما واضحة، وهي كما يلي:
الوجه الأول: أن كلًّا منهما ينبني عليه الحكم ويرتبط به وجوداً
وعدماً.
الوجه الثاني: أن كلًّا منهما أمارة وعلامة على وجود الحكم.
الوجه الثالث: أن للشارع حكمة في ربط الحكم بكل واحد منهما
وإضافته إليه، وبنائه عليه.
فإذا كان الأمر كذلك، فإن معناهما واحد، فالسفر يطلق عليه
سبب، ويطلق عليه عِلَّة لإباحة الفطر، ودخول الوقت سبب وعلَّة
على وجوب الصلاة.
فأصحاب هذا المذهب: جعلوا السبب مرادفا للعلَّة، واسما من
أسمائه التي تطلق عليه دون فرق بينهما.
المذهب الثالث: أن السبب والعِلَّة متغايران تمام التغاير، فهما
وصفان متباينان.
(1/402)

ذهب إلى ذلك الحنفية؛ حيث عرفوا السبب بأنه: " ما يكون
طريقا إلى الحكم من غير أن يضاف إليه وجوب ولا وجود، ولا
يعقل فيه معاني العلل ".
فهنا قد صرَّحوا بأن السبب لا يضاف إليه وجود الحكم،
ولا يعقل فيه معنى التعليل، بخلاف العِلَّة، فإنه يضاف إليها الحكم
أصالة عندهم، ويكون بين هذا الوصف الذي ورد مع الحكم وبين
الحكم مناسبة ظاهرة.
إذن: لا يطلق أحدهما على الآخر - عند الحنفية - إلا مجازاً -.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف لفظي في هذه المسألة، لا يترتب عليه أي أثر، وذلك
لأنا عرفنا أن كثيراً من العلماء يقسمون السبب إلى قسمين: " سبب
مناسب للحكم " و " سبب غير مناسب للحكم "، وبهذا التقسيم
تلتقي المفاهيم، ويتحد المدلول لدى الجميع.
المسألة الخامسة: الصحة والفساد:
نظراً لكون الصحة والفساد يدخلان في السبب من جهة: أن
الفعل إذا استوفى أركانه وشروطه، فإن هذا سبب لصحته عند الله
وترتب آثاره عليه، وأن الفعل إذا لم يستوف أركانه أو شروطه، فإن
هذا سبب لفساده وعدم ترتب آثاره عليه، أقول: نظراً لذلك فإنا
جعلناهما من مسائل السبب، وإليك بيانهما فأقول:
أولاً: الصحة والفساد لغة:
الصحة لغة: خلاف السقم، وهي: عبارة عن السلامة وعدم
(1/403)

الاختلال، فيقال: " صح فلان من عِلَّته "، أي: أصبح لا سقم
فيه.
والفساد لغة: عبارة عن تغير الشيء عن الحالة السليمة إلى حالة
سقيمة، والمفسدة نقيض المصلحة.
ثانيا: الصحة والفساد اصطلاحا:
الصحة في الاصطلاح هي: موافقة الفعل ذي الوجهين لأمر الشارع.
والمقصود بالوجهين: " موافقة الشرع "، و " مخالفته ".
ومعناه واضح وهو: أن الصحة هي: صفة للفعل الذي يقع
موافقا للشرع؛ نظراً لاستجماعه ما يعتبر فيه شرعا من الشروط
والأركان، وانتفاء الموانع.
وأما الفساد فهو عكس الصحة، فيكون هو: مخالفة الفعل ذي
الوجهين لأمر الشارع.
فيكون الفساد: صفة للفعل الذي يقع مخالفا للشرع؛ نظراً لعدم
استجماعه ما يعتبر فيه شرعا من الشروط والأركان، أو وجود مانع.
فالصلاة فعل يوصف بأنه صحيح إذا وافق أمر الشارع بأن يكون
مستجمعا للشروط والأركان التي وضعها الشارع، مع عدم المانع،
وفعل الصلاة يوصف بأنه فاسد إذا لم يوافق أمر الشارع بأن تخلف
ركن أو شرط، أو وجد مانع.
ثالثا: هل الصحة والفساد من الأحكام الشرعية أو هما من الأحكام
العقلية؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
(1/404)

المذهب الأول: أنهما من الأحكام الشرعية.
وهو مذهب جمهور العلماء.
وهو الصحيح؛ لأن معرفة اشتجماع الفعل لشروطه وأركانه،
وارتفاع موانعه موقوفة على معرفة الركن، والشرط، والمانع،
ومعرفة هذه الأمور الثلاثة موقوفة على خطاب الشارع اتفاقا، فتكون
الصحة والفساد لا يعرفان إلا من طريق الشرع.
المذهب الثاني: أن الصحة والفساد من الأحكام العقلية:
ذهب إلى ذلك ابن الحاجب، والعضد، وبعض العلماء.
دليل أصحاب هذا المذهب:
استدل هؤلاء بقولهم: إن كون الفعل موافقا لأمر الشارع، أو
مخالفا له، وكون ما فعل تمام الواجب حتى يكون مسقطا للقضاء،
أو عدم كونه كذلك لا يحتاج إلى توقيف من الشارع، بل يعرف
ذلك بمجرد العقل، فهو ككونه مؤديا للصلاة أو تاركا لها سواء
بسواء، فلا يكون حصوله في نفسه ولا حكمنا به شرعيا، بل عقلي
مجرد.
جوابه:
يجاب عن ذلك بأن الصحة والفساد والحكم بهما أمور شرعية،
وكون الفعل مسقطا للقضاء، أو موافقا للشرع هو من فعل الله
تعالى، وتصييره إياه سببا لذلك، فما الموافقة، ولا الإسقاط
بعقليين، لأن للشرع مدخلا فيهما، ولو لم تكن الصحة شرعية لم
يصح أن يقضي القاضي بها عند اجتماع شرائطها، لكنه يقضي بها
بالإجماع، فدل على أنها شرعية؛ لأنه لا مدخل للأقضية في
(1/405)

العقليات، وليس للقاضي أن يحكم إلا بما يصح أن يكون حكما من
الشارع.
بيان فوع الخلاف:
الخلاف بين أصحاب المذهبين لفظي، لأن كلًّا من الفريقين أقر
الصحة والفساد، لكن أصحاب المذهب الأول أقروهما على أنهما
حكمان شرعيان، والآخرون أقروهما على أنهما حكمان عقليان.
رابعاً: هل الصحة والفساد من الأحكام الوضعية، أو من التكليفية؟
اختلف القائلون بأن الصحة والفساد من الأحكام الشرعية - فيما
بينهم -: هل هما من الأحكام الوضعية، أو هما من الأحكام
التكليفية على مذهبين:
المذهب الأول: أنهما من الأحكام الوضعية.
وهو ما ذهب إليه كثير من العلماء كالغزالي، والآمدي،
والإسنوي، والشاطبي، وابن السبكي، والزركشي، والفتوحي
الحنبلي.
وهو الصحيح؛ لأمرين:
أولهما: أن الصحة والفساد قد ثبت أنهما من الأحكام الشرعية
- كما سبق -.
والحكم الشرعي ينقسم إلى قسمين فقط: " حكم تكليفي "،
و"حكم وضعي ".
ولا يمكن أن يكونا من الحكم التكليفي؛ لأنه بعد النظر في
الصحة والفساد تبين عدم وجود اقتضاء ولا تخيير فيهما، حيث إن
(1/406)

الحكم بصحة العبادة وبطلانها، والحكم بصحة المعاملة وبطلانها لا
يفهم منه اقتضاء ولاتخيير.
فلم يبق إلا أن الصحة والفساد من الحكم الوضعي.
ثانيهما: أن الفعل إذا توفرت فيه جميع أركانه وشروطه، فإنه
يوصف عند الشارع بالصحة، وما يتبع ذلك من الآثار المترتبة عليه،
والفعل إذا لم يستوف أركانه وشروطه، فإنه يوصف بالفساد وعدم
ترتب آثاره عليه، وهذه المعاني تدخل في خطاب الوضع حقيقة؟
لأنها تكون بذلك من معاني السبب، والسبب حكم وضعي،
ووصف بعض الأصوليين كالغزالي في " المستصفى " السبب بالصحة
والفساد، فثبت بذلك: أن الصحة والفساد من أحكام الشرع
الوضعية، وهذا هو الذي جعلنا نبحث الصحة والفساد ضمن مسائل
السبب.
المذهب الثاني: أن الصحة والفساد من الأحكام التكليفية:
ذهب إلى ذلك فخر الدين الرازي وكثير من أتباعه، والبيضاوي.
دليل أصحاب هذا المذهب:
أن الصحة والفساد يرجعان - في الحقيقة - إلى خطاب التكليف،
ولا يخرجان عن مضمونه ومدلوله؛ حيث إن معنى صحة الشيء:
إباحة الانتفاع به، ومعنى الفساد: حرمة الانتفاع به والإباحة والحرمة
من الأحكام التكليفية.
جوابه:
يجاب عنه بأن إرجاع الصحة والفساد إلى الحكم التكليفي أمر فيه
عسر وتكلف لا يخفى، فهو لا يساعد عليه اللفظ، ولا ينتظمه
المعنى.
(1/407)

أما قولهم: إن الصحة هي إباحة الانتفاع فمنقوض - كما قال
الإسنوي في " نهاية السول " - بالمبيع إذا كان الخيار فيه للبائع، فإنه
صحيح، ولا يباح للمشتري الانتفاع به.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة لفظي؛ لأن كلًّا من أصحاب المذهبين أقر
بالصحة والفساد وبحثهما على أنهما من الأحكام الشرعية، لكن
أصحاب المذهب الأول جعلوهما داخلين ضمن الأحكام الوضعية،
وأصحاب المذهب الثاني جعلوهما داخلين ضمن الأحكام التكليفية،
وتابعين لتلك الأحكام، وهذا مجرد اختلاف في التعبير والمنهج فقط
ولا أثر له في الفروع.
خامسا: المقصود بالصحة في العبادات:
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن الصحة في العبادات هي: إسقاط القضاء.
أي: أن الصحة في العبادات: ما وافق الأمر، وأجزأ، وأسقط
القضاء.
فمعنى سقوط القضاء: عدم المطالبة بالفعل مرة ثانية؛ بناء على
المطلب الأول كالصلاة إذا وقعت بجميع واجباتها مع انتفاء موانعها،
فعدم وجوب قضائها هو: صحتها.
هذا ما ذهب إليه الفقهاء.
وهو الصحيح؛ لأنه موافق للغة؛ فإن الآنية إذا كانت صحيحة
من جميع الجهات، فإن العرب تسميها صحيحة، وإذا كانت
صحيحة من جميع الجهات إلا من جهة واحدة، فإن العرب
(1/408)

لا تسميها صحيحة، وهذه الصلاة - مثلاً - قد تطرق إليها الخلل من
جهة ذكر الحدث، فلا تكون صحيحة كالآنية المكسورة من جهة.
المذهب الثاني: أن الصحة في العبادات هي موافقة الأمر الشرعي
في ظن المكلف، لا في الواقع، سواء وجب القضاء، أو لم
يجب، وعليه فكل من أمر بعبادة فوافق الأمر بفعلها بأن أتى بها على
الوجه الذي أمر به، فإنه يكون قد أتى بها صحيحة، وإن اختل
شرط من شروطها، أو وجد مانع.
ذهب إلى ذلك المتكلمون، وقالوا: إن صلاة من ظن أنه متطهر
صحيحة عند المتكلمين، وذلك لأن المعتبر في الموافقة للأمر شرعاً هو
حصول الظن - فقط -؛ لأنه هو الذي في وسع المكلَّف.
أما على مذهب الفقهاء، فإن تلك الصلاة غيو صحيحة؛ لكونها
لم تسقط القضاء؛ لاحتمال ظهور بطلان الظن فيجب القضاء.
وكذلك فاقد الطهورين إذا صلى على حسب حاله على الوجه
الذي أمر به في ذلك الوقت، فإن صلاته صحيحة عند المتكلمين؟
لأنه موافق للأمر الشرعي، وهي فاسدة عند الفقهاء؛ لأن شرط
الصلاة عند الفقهاء الطهارة ولم توجد في نفس الأمر.
جواب الفقهاء عما قاله المتكلمون:
قال الفقهاء: إن مذهب المتكلمين باطل؛ لأنه لو كانت الصحة
هي موافقة الأمر - فقط - لكان الحج الفاسد صحيحا؛ لأنه مأمور
بإتمامه، والمضي - فيه، فالمتمم له موافق للأمر بإتمامه، فيجب أن
يكون صحيحاً على زعمكم، لكنه فاسد بالاتفاق.
اعتراض المتكلمين على ذلك الجواب:
قال المتكلمون: لا نُسَلِّمُ أن الحج الفاسد قد وقع على موافقة
(1/409)

الأمر، بل إنه وقع على مخالفته، حيث فعل فيه ما أفسده، وحينئذ
فانتفاء صحته، إنما هو لانتفاء موافقته للأمر، وأما كون المفسد له
مأموراً بإتمامه، فلا يلزم منه أن يكون امتثاله الأمر يوجب الصحة؛ الأمر بإتمامه طرأ على الأمر الأول؛ حفظاً لحرمة الوقت من
الهتك بعد انعقاد الإحرام، أو أنه عقوبة للمفسد له على إفساده بمنعه
من التخفيف عليه، ومعارضته له بنقيض قصده؛ قياساً على من وطأ
امرأته في نهار رمضان، فإنه مأمور بالإمساك بقية يومه مع وجوب
القضاء والكفارة.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة قد اختلف فيه على قولين:
القول الأول: إن الخلاف لفظي.
وهذا هو الصحيح عندي؛ حيث إنه بعد التحقيق والتدقيق قد
ثبت أنه لا يترتب على هذا الخلاف أي أثر، لأن أصحاب المذهبين
قد اتفقوا على الأحكام: فالمصلي الذي ظن نفسه أنه متطهر، ثم
تبين بعد فراغه أنه لم يكن متطهراً اتفقوا على أنه موافق لأمر الله
- تعالى - واتفقوا - أيضا - على أنه مثاب على فعله؛ لقصده امتثال
أمر اللَّه تعالى.
واتفقوا - أيضاً - على أنه لا يجب على المصلي القضاء إذا لم
يطلع على الحدث، واتفقوا على أنه يجب عليه القضاء إذا اطلع على
الحدث.
فالفقهاء والمتكلمون يقولون بوجوب إعادة الصلاة على من صلى
ظاناً أنه متطهر، فبان خلافه، ولكنهما، يختلفان في وصف هذه
الصلاة قبل إعادتها.
(1/410)

فالفقهاء يقولون: إنها لا توصف بالصحة؛ لأنها لم تسقط
القضاء؛ لأن المكلف لا يزال مطالبا بفعلها مرة ثانية.
والمتكلمون يقولون: إنها توصف بالصحة؛ نظراً لموافقتها لأمر
الشارع، وذلك لأن الشرع قد أمر المصلي أن يصلي بطهارة متيقنة،
أو مظنونة، وقد جعل ذلك على حسب حاله، لذا قالوا: إنها
توصف بالصحة نظراً لهذه الموافقة، وقالوا: أما إعادتها فقد جاء
من أمر آخر وهو: تبين الخطأ في الظن.
القول الثاني: أن الخلاف معنوي؛ حيث قال أصحاب هذا القول:
إن الخلاف قد ترتب عليه آثار في بعض المسائل الفقهية، ومنها:
1 - صلاة من ظن نفسه أنه متطهر ثم تبين بعد فراغه أنه لم يكن
متطهراً.
فعلى المذهب الأول وهو مذهب الفقهاء: الصلاة غير صحيحة؟
لكونها لم تسقط القضاء.
وعلى المذهب الثاني - وهو مذهب المتكلمين: فإن الصلاة
صحيحة؛ لأن المعتبر في الموافقة للأمر شرعا هو حصول الظن؟
حيث إنه هو الذي في وسع المكلَّف.
2 - صلاة فاقد الطهورين - الماء والتراب - إذا صلى على حسب
حاله غير صحيحة عند الفقهاء، وعليه إعادتها مرة ثانية إذا وجد ماء
أو ترابة على الأرجح، أما عند المتكلمين فصلاته صحيحة.
جوابه:
قلت: ما رتبه أصحاب القول الثاني من المسائل الفقهية للدلالة
على أن الخلاف معنوي غير مسلم؛ حيث إن الفقهاء والمتكلمين
اتفقوا على أن المصلي وهو قد ظن نفسه أنه متطهر، فبان أنه غير
متطهر يجب عليه القضاء.
(1/411)

والقائلون: إن المتكلمين لا يوجبون القضاء بنو ذلك على فهمهم
من تصريح المتكلمين بالصحة في صلاة من ظن الطهارة، وهو
محدث.
وهذا البناء غير صحيح؛ لأنه لا يلزم من وصف المتكلمين للصلاة
بالصحة أنهم لا يوجبون قضاءها، فإنه لا تلازم بين الوصف
بالصحة وسقوط القضاء، فليس كل صحيح يسقط، فالمتكلمون
- أنفسهم - صرحوا بوجوب القضاء، ولكن بأمر جديد، وهو تبين
خطأ الظن، ويؤيد ذلك: أن صلاة المتيمم لبرد، أو في الحضر
موصوفة بالصحة، ومع ذلك يجب قضاؤها.
وهذا الكلام يجاب به عن كل مثال ذكره أصحاب القول الثاني
لبيان أن الخلاف معنوي.
أما المثال الثاني - وهو مثال فاقد الطهورين، فالكل قد اتفقوا
على أنها غير موافقة لأمر الشارع بالصلاة بالوضوء، أو التيمم.
ولكن من قال: إنها صحيحة - وهم المتكلمون - أرادوا أنه مأمور
بها تشبيهاً بالمصلين احتراماً للوقت.
ومن قال: إنها باطلة أراد أنها غير موافقة لأمر الشارع بالصلاة مع
الوضوء عند القدرة على الماء أو التيمم عند العجز، فهي باتفاق غير
مسقطة للقضاء.
سادسا: المقصود من الصحة في المعاملات:
الصحة في المعاملات: ترتب أحكامها المقصودة عليها، وذلك
لأن العقد لم يوضع إلا من أجل إفادة مقصوده، كملك المبيع،
وملك البضع في النكاح، فإذا أفاد مقصوده فهو صحيح، وحصول
(1/412)

مقصوده هو: ترتب آثار حكمه عليه؛ لأن العقد مؤثر لحكمه
وموجب له، وإن لم يكن الأمر كذلك فهو فاسد.
إذن يكون الفاسد من العقود: كون الشيء لا يترتب عليه أثره
المطلوب منه؛ لوجود خلل في ركنه أو شرطه كبيع المجنون، أو بيع
المعدوم، أو بيع الميتة، فكل عقد أو تصرف يفقد ركناً أو شرطاً،
فهو فاسد باطل لا يترتب عليه أثره الشرعي من حل، أو ملك، أو
انتفاع.
فالخلاصة: أن الصحيح هو الذي له ثمرة من حل أو ملك أو
انتفاع.
والفاسد أو الباطل هو الذي لم يثمر شيئاً ولا يترتب عليه أثر
شرعي من حل، أو ملك، أو انتفاع.
سابعا: هل الفاسد والباطل مترادفان؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنهما مترادفان.
ذهب إلى ذلك الجمهور.
وهو الصحيح؛ لأن الباطل لغة بمعنى الفاسد والساقط، يقال:
" بطل الشيء ": إذا فسد وسقط حكمه، فإذا لم يفرق بينهما لغة،
فوجب عدم التفريق بينهما في الشرع؛ حملاً للمقتضيات الشرعية
على مقتضياتها اللغوية؛ لأن الأصل عدم التغيير.
وعلى هذا: فتعريف الباطل هو نفس تعريف الفاسد السابق
الذكر، فالباطل والفاسد اسمان لمسمى واحد، ولفظان مترادفان،
فكل فاسد باطل، وكل باطل فاسد، ومعناهما اصطلاحاً:
" مخالفة الفعل ذي الوجهين لأمر الشارع ".
(1/413)

فيكون الفساد والبطلان في العبادات: مخالفة أمر الشارع، أو
عدم سقوط القضاء بالفعل كالصلاة التي تخلف فيها شرط أو ركن،
أو وجد مانع فإنها باطلة وفاسدة.
والفساد والبطلان في عقود المعاملات هو: تخلف الأحكام عنها
وخروجها عن كونها أسبابا مفيدة للأحكام كالعقد الذي لم يستجمع
شروطه وأركانه، فإنه باطل وفاسد، لكونه غير مثمر، ولا يمكن أن
تترتب عليه آثاره، أي: أنه غير محصل شرعا للأملاك واستباحة
الأبضاع، وجواز الانتفاعات، ونحو ذلك.
فلا فرق بين الباطل والفاسد مطلقا عندنا.
المذهب الثاني: التفصيل:
أما في باب العبادات وباب النكاح من العقود، فإن الفاسد
والباطل مترادفان.
أما في باب المعاملات، فإنه يوجد فرق بين الباطل والفاسد.
هذا ما ذهب إليه الحنفية.
أي: أن الحنفية قدْ أثبتوا فرقاً بين الباطل والفاسد في المعاملات،
حيث رتبوا على العقود الفاسدة بعض الآثار الشرعية، وجعلوا
الفاسد مرتبة متوسطة بين الصحيح والباطل، فهو قسم ثالث مغاير
- عندهم - للصحيح والباطل، فقالوا:
الصحيح هو؛ ما كان مشروعا بأصله ووصفه جميعاً، أي: ما
استجمع أركانه وشروطه، بحيمسا يكون معتبراً شرعاً كالبيع الصحيح.
والباطل هو: ما لم يكن مشروعاً بأصله، ولا بوصفه.
أي: ما كان فائت المعنى من كل وجه مع وجود الصورة، وذلك
(1/414)

إما لانعدام معنى التصرف كبيع الدم والميتة، وإما لانعدام أهلية
التصرف كما في بيع الصبي والمجنون.
والفاسد: ما كان مشروعاً بأصله غير مشروع بوصفه كبيع الدرهم
بالدرهمين، فإنه مشروع بأصله من حيث إنه بيع ولا خلل في ركنه،
ولا في محله، ولكنه غير مشروع بوصفه، وهو: الفضل؛ لأنه
زيادة في غير مقابل، فكان فاسداً، لا باطلاً، لملازمته للزيادة وهي
غير مشروعة، ولكن لو حذفت تلك الزيادة لصح البيع ولم يحتج
إلى عقد جديد.
دليل هذا المذهب:
العلَّة التي جعلت الحنفية يفرقون بين الفاسد والباطل في باب
المعاملاَت خاصة هي: أنه لما كان المقصود من العبادات هو التعبد
- فقط -، وهو لا يكون إلا بالامتثال والطاعة، فإن المخالفة فيها
تكون مفوتة للمقصود، فلا يظهر وجه للتفرقة بين باطل وفاسد فيها،
فذمة المكلف لا تبرأ بصلاة فاسدة، كما لا تبرأ بصلاة باطلة.
أما المعاملات فإنه لما كان المقصود منها أولاً وبالذات هو مصالح
العباد الدنيوية، فإن المجال مفتوح فيها، وتحققها في نفسها ممكن
حتى مع وجود خلل في وصفها، فلا تنعدم بالكلية إلا إذا كان الخلل
فيها راجعاً إلى الحقيقة والماهية.
فجعلوا الباطل فيما إذا كان الخلل فيه راجعاً إلى أركان العقد، أو
إلى العاقدين، أو إلى محل العقد، كما في بيع الملاقيح - وهي ما
في بطون الحوامل من الأجنة - وكما في بيع المضامين - وهي ما في
أصلاب الفحول من الماء، فإن بيع الحمل وحده، أو الماء وهو في
صلب الفحل غير مشروع ألبتة، وليس امتناعه لأمر عارض، فكان
باطلاً لذلك.
(1/415)

وجعلوا الفاسد فيما إذا كان الخلل فيه راجعاً إلى أوصاف العقد
الخارجية، لا إلى أركانه، وذلك كما في بيع الدرهم بالدرهمين؟
حيث إن الدراهم في ذاتها قابلة للبيع، وإنما امتنع هذا البيع، نظراً
لاشتمال أحد الجانبين فيه بالزيادة، فهو مشروع من حيث إنه بيع،
وممنوع من حيث انعقاد الربا، ولذلك قالوا: لو حذفنا تلك الزيادة
- وهي الدرهم - لصح البيع.
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: إنا لا نُسَلِّمُ تفسير الحنفية للفاسد - وهو: ما كان
مشروعاً بأصله غير مشروع بوصفه -؛ لأن كل ممنوع بوصفه، فهو
بلا شك ممنوع بأصله، حيث إنه لا يثمر ولا يترتب عليه آثار.
فإذا كان الفاسد لا يثمر، والباطل لا يثمر - أيضاً - فهما
متساويان ولا فرق بينهما.
الجواب الثاني: أن هذا التفريق بين الفاسد والباطل غير مسلم من
جهة النقل، بيان ذلك:
أن مقتضى هذا التفريق هو: أن يكون الفاسد هو: الموجود على
نوع من الخلل، والباطل هو الذي لا تثبت حقيقته بوجه، وقد
سمى اللَّه تعالى الشيء الذي لا تثبت حقيقته بوجه فاسداً، حيث
قال تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) ، فسمى السموات
والأرض فاسدة على تقدير الشريك ووجوده، ودليل التمانع يقتضي
أن العالم على تقدير الشريك ووجوده يستحيل وجوده لحصول التمانع
لا أنه يكون موجوداً على نوع من الخلل، فقد سمى اللَّه تعالى
- هذا - الشيء الذي لا تثبت حقيقته بوجه فاسداً.
(1/416)

فالذي لا تثبت حقيقته بوجه يطلق على الفاسد والباطل فلم يكن
- على هذا - بينهما فرق.
بيان نوع الخلاف:
الحنفية لما فرَّقوا بين الباطل والفاسد بنوا على هذا التفريق فروعا
فقهية، ومنها:
1 - أن الشخص لو باع داراً بشرط عدم سكناها، أو بيعها، فإن
هذا البيع فاسد؛ لأجل الشرط المخالف لمقتضى العقد، وهو غير
باطل؛ لأن البيع مشروع في أصله، ولا خلل في أركانه، وإنما لحقه
الفساد من جهة الوصف، وهو اشتماله على الشرط الفاسد.
2 - بيع الدرهم بالدرهمين فاسد؛ لأنه مشروع من حيث كونه
بيعا، ولكنه ممنوع من اتصافه بالربا المنهي عنه.
وقالوا: إن النهي هذا قد ورد لمعنى في غير البيع، وهو الفضل
الخالي عن العوض، فلا ينعدم بذلك أصل المشروعية، فكان
فاسداً، لا باطلاً.
جوابه:
قلت: بعد التحقيق والتدقيق ثبت أنه مع تفريع الحنفية على هذا
التفريق بين الباطل والفاسد، فإن خلافهم مع الجمهور - وهو
مذهبنا - خلاف لفظي لا يترتب عليه آثار؛ فتفريق الحنفية بين الباطل
والفاسد في بعض الأحكام لا يعني أن الخلاف بينهم وبين الجمهور
معنوي؛ بل هو لفظي؛ لأن منشأ التفرقة في الأحكام ليس هو
التفرقة في التسمية، وإنما منشأه عندهم: كون النهي وارداً عن الفعل
لأصله، أو لوصفه، فما ورد النهي عنه لأصله لم يصح بحال.
وما ورد النهي عنه لوصفه يمكن أن يصح إذا زال هذا الوصف.
(1/417)

فلما اختلفت الأحكام - عندهم - رأوا أن يميزوا بينهما،
فاصطلحوا على تسمية أحدهما بالباطل، وتسمية الآخر بالفاسد،
إذن اختلاف التسمية نشأ عن اختلاف الأحكام.
المسألة السادسة: التقديرات الشرعية، والحجاج:
هذان النوعان من أنواع الحكم الوضعي داخلان ضمن السبب،
بيان ذلك:
أن التقديرات الشرعية هي: إعطاء الموجود حكم المعدوم، أو
إعطاء المعدوم حكم الموجود.
مثال الأول - وهو: إعطاء الموجود حكم المعدوم -: الماء في
حق المريض والخائف.
ومثال الثاني - وهو: إعطاء المعدوم حكم الموجود -: المقتول
خطأ تورث عنه ديته، حيث إنها لا تملك إلا بعد موته، وهي ليست
في ملكه قبل موته، فيُقدر دخوله في ملكه قبل موته حتى تنتقل إلى
ورثته، فقدرنا المعدوم - هنا - موجوداً للضرورة.
وأما الحجاج فهي التي يستند إليها القضاة في الأحكام كالشهود،
والإقرار، واليمين مع النكول، أو مع الشاهد الواحد، فإذا نهضت
تلك الحُجَّة عند القاضي وجب عليه الحكم.
وهذا لو دققت النظر فيه لوجدته يرجع إلى السبب؛ لأن هذه
التقديرات وهذه الحجاج إنما نشأت عن أسبابها، فكانت من قبيل
الأسباب.
(1/418)

المسألة السابعة: الأداء، والإعادة، والقضاء:
بعض العلماء جعل تلك الأمور تقسيماً للحكم باعتبار متعلِّقة،
وهو: الفعل؛ لأن هذه الأمور أقسام للفعل الذي تعلق به الحكم.
وجعلها فريق آخر من أنواع الحكم الوضعي.
والحق: أنها داخلة ضمن السبب؛ لأن دخول الوقت سبب
للأداء، وخروجه سبب للقضاء، وبطلان الفعل سبب للإعادة.
إذا علمت ذلك فاعلم أن العبادة إما أن يكون لها وقت معين أو لا.
أما العبادة التي لم يُعيَن الشارع لها وقتاً، فإما أن يكون لها سبب أو لا.
فالعبادة التي لم يعين الشارع لها وقتاً، والتي لها سبب كسجود
السهو سببها قراءة آية السجدة، والتي لا سبب لها، كفعل بعض
الأذكار المطلقة، فهذه العبادة لا توصف بأداء ولا بقضاء.
وأما العبادة التي عين الشارع لها وقتا محدداً، فهي إما أن تقع
قبل وقتها القدر شرعاً، أو في وقتها، أو بعد وقتها.
فإن وقعت قبل وقتها المقدر شرعا، حيث جوَّزه الشارع: فهو
تعجيل مثل إخراج الزكاة قبل تمام الحول، وإخراج زكاة الفطر في
أول شهر رمضان، فهذا الإخراج للزكاة يُسمَّى تعجيلاً؛ لأن وقت
إخراج الزكاة لا يكون إلا بعد مرور الحول، وإخراج زكاة الفطر
يكون في آخر ليلة منه.
أما العبادة التي تقع في وقتها القدر شرعا دون أن تسبق بأداء مختل
فهو أداء.
(1/419)

أما العبادة التي تقع في وقتها المقدر شرعاً، ولكن سبقت بأداء
مختل فهو إعادة.
وإن فعلت العبادة بعد وقتها المقدر شرعا فهو القضاء.
وإليك بيان حقيقة كل واحد من تلك الأقسام:
أولاً: تعريف الأداء:
الأداء هو: ما فعل أولاً في وقته المقدَّر له شرعاً.
شرح التعريف وبيان محترزاته:
قولنا: " ما فعل " جنس يشمل الثلاثة كلها: الأداء، والإعادة،
والقضاء.
قولنا: " أولاً " أخرج الإعادة؛ لأنها تفعل ثانياً لخلل في الأول.
قولنا: " في وقته المقدر له " أخرج أمرين:
أولهما: القضاء؛ حيث إنه يفعل بعد الوقت المقدر.
ثانيهما: ما لم يقدر له وقت كالنوافل المطلقة، والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، فلا يوصف ذلك بأداء ولا قضاء، ولا إعادة.
قولنا: " شرعاً " أي: يجب أن يكون التعيين والتحديد صادراً
من الشارع، وخرج بهذا القيد: ما فعل في وقته المقدر له عقلاً كما
لو قضى الدين عند المطالبة به، فإنه فعل في وقته المقدر له، وهو:
ما يتسع له، ولكن هذا التقدير ليس بالشرع، بل بالعقل، وكذلك
الزكاة لو قدَّر الإمام شهراً معيَّناً مثلاً لإخراجها فيه، - فهو توقيت
عقلي، لا شرعي.
سؤال: هل يشترط وقوع جميع الفعل في وقته المحدد حتى يكون
أداء؟
(1/420)

جوابه: لا يشترط هذا، بل لو وقع بعضه في وقته القدر شرعاَ
كركعة من الصلاة مثلاً، فالصحيح أن الجميع أداء؛ لأن الركعة من
الصلاة مشتملة على معظم وغالب ما بعدها، فهو تكرار لها،
فيكون تابعا لها.
أما إذا أدرك أقل من الركعة، فالكل يكون قضاء عند الجمهور،
كما ذكره النووي في ""روضة الطالبين ".
وبعض العلماء يقول: إنه إذا أدرك تكبيرة الإحرام قبل أن يخرج
الوقت، فإن الصلاة تكون أداء، وهذا رأي الحنفية، وكثير من
الحنابلة.
ثانيا: تعريف الإعادة:
الإعادة هي: ما فعل ثانيا في وقت الأداء لخلل في الأول.
شرح التعريف وبيان محترزاته:
قولنا: " مما فعل ": جنس يشمل الأداء، والإعادة، والقضاء.
قولنا: " ثانياً ": أخرج الأداء؛ لأنه يفعل أولاً.
قولنا: " في وقت الأداء ": أخرج القضاء؛ لأنه يفعل بعد
خروج وقت الأداء.
قولنا: " لخلل في الأول ": أخرج ما يفعل ثانياً، لكن بدون
خلل في الأول كالمنفرد إذا صلى مرة ثانية مع الجماعة، فإن صلاته
الأولى ليس فيها خلل، فلا توصف الثانية بالإعادة شرعا، بل هي
أداء كالأولى.
وعلى هذا فالإعادة قسم من الأداء، وليست قسيما له؛ لأن الأداء
في الحقيقة اسم لما يقع في الوقت المحدد شرعاً مطلقا، سواء كان
(1/421)

سابقاً أو مسبوقاً، أو منفرداً، فإن سبق بأداء مختل سمي إعادة،
وعلى ذلك فكل إعادة أداء، دون العكس.
فيكون فعل العبادة إما أن يكون في وقته المحدد شرعا أو لا.
فإن كان في وقته المجدد شرعاً فهو أداء، أو إعادة.
وإن لم يقع في وقته، بل بعد خروج الوقت فهو قضاء.
ثالثا: تعريف القضاء:
القضاء: ما فعل بعد خروج وقته المحدد شرعا مطلقاً.
شرح التعريف وبيان محترزاته:
قولنا: " ما فعل بعد خروج وقته المحدد شرعاً ": أخرج الأداء
والإعادة، لأنهما يفعلان في وقتهما المحدد شرعا كما سبق.
قولنا: " مطلقا " فيه بيان: أن اسم القضاء مخصوص بفعل
العبادة بعد فوات وقته المحدد له شرعاً مطلقاً، أي: سواء كان فوات
الوقت لعذر، أو لغير عذر، فإنه لا فرق في تأخير الواجب عن
وقت الأداء بين أن يكون التأخير بعذر أو لغير عذر، وسواء كان
التأخير مع التمكن من الفعل كالمسافر والمريض يستطيع الصوم مع
السفر والمرض.
أو كان مع عدم التمكن من فعله، إما لمانع شرعي كما في الحيض
والنفاس، لعدم صحة الفعل شرعاً، أو لمانع عقلي كنوم، أو
سهو، أو إغماء، فإنه لا يمكن عقلاً أداء الصلاة من النائم والساهي،
والمغمى عليه " لأنها تفتقر إلى النية والقصد، وذلك محال مع وجود
النوم والإغماء والسهو.
(1/422)

رابعا: إذا حاضت المرأة، أو سافر مكلف أو مرض آخر في رمضان
فأفطروا، فلما انقضى رمضان صاموا الأيام التي أفطروها، فهل يسمى
فعلهم هذا قضاء أوأداء؟
اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أنه يُسمى قضاء.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء، وهو الصحيح؛ لأمرين:
أولهما: إجماع العلماء على أنه إذا صام المسافر والمريض والحائض
بعد زوال عذرهم، فإنه تجب عليهم نية القضاء، لا نية الأداء،
وأي شيء وجبت فيه نية القضاء فهو قضاء؛ لأنه لو كان أداء لما جاز
أن ينووا القضاء؛ لأنهم - حينئذ - ينوون غير الواجب عليهم.
ثانيهما: أنه روي عن عائشة - رضي اللَّه عنها - أنها قالت:
"كنا نحيض على عهد رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة ".
وجه الدلالة: أن عائشة - هنا - سمَّت فعل الصوم - بعد انتهاء
الشهر، وبعد زوال الحيض - قضاء، فلو كان أداءً لما سمته باسم
القضاء، والآمر هو النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإذا اشتهر بهذه التسمية فلا يمكن أن يطلق عليه بأنه أداء.
المذهب الثاني: أن الحائض إذا فاتها أيام من رمضان، فإنه يجب
عليها أن تصومها بعد رمضان، وصيامها هذا لا يُسمَّى قضاء، وإنما
يُسمَّى أداءً.
دليل هذا المذهب:
أنه لا يجب على الحائض صيام رمضان حال حيضها، بل إن
(1/423)

صومها وهي في تلك الحال حرام، ومعلوم: أن فعل الحرام معصية،
ولا يمكن أن تؤمر أن تفعل ما تعصى في فعله، ولو ماتت قبل أن
تتمكن من صيام تلك الأيام التي تركتها لا تكون عاصية بالإجماع.
فلما لم تتمكن الحائض من أن توقع الصيام في وقته المقدَّر شرعا
للعذر - وهو الحيض - فإن فعْلها فيما بعد هو نفس الأداء الذي لم
تتمكن من فعله، وعلى هذا فلا يمكن أن يُسمَّى قضاء.
جوابه:
يجاب عنه بما ورد عن عائشة - رضي اللَّه عنها - من أنها سمَّت
فعل الصوم - بعد انتهاء رمضان - قضاء، كما سبق.
والقضاء لا يمكن أن يطلق عليه أداء ولا العكس.
أما عدم وجوب الأداء أثناء الحيض فلأن التكليف تشريف، وعبادة
لله سبحانه وتعالى، ويمتنع ذلك مع حالتها المستقذرة تلك، والشيء
الذي لم يجب هو الأداء، أما جعل ذلك في الذمة، فهو واجب لا
شك فيه.
أما عدم العصيان إذا تركت الصيام حال الحيض وماتت: فهذا
مرجعه إلى كونها غير مكلفة بفعل الصيام أداء؛ للعذر وهو:
"الحيض "، فإذا زال رجع إليها التكليف، لكن تبقى ذمتها مشغولة
حتى تفعل ما وجب عليها قضاء.
المذهب الثالث: أن المسافر والمريض لا يلزمهما الصوم في شهر
رمضان، وإذا كان الصيام في الشهر لا يلزمهما، ولا يجب عليهما
حال السفر وحال المرض، ثم فعلا الصيام بعد رمضان سمي ذلك
الفعل أداء، وليس بقضاء.
(1/424)

ومستند عدم وجوب الصيام على المسافر قوله - صلى الله عليه وسلم -:
" ليس من البر الصيام في السفر "،
ومستند عدم وجوب الصيام على المريض:
وجود المشقة التي تحصل له عند صومه، والمشقة تجلب التيسير.
وكذا أجمع العلماء على أن من أخر رمضان لسفر أو لمرض من
غير تفريط، ثم مات - بعد ذلك - وقبل القضاء، فإنه لا يكون
عاصياً لتأخيره.
جوابه:
يجاب عنه بأن العلماء قد أجمعوا على أنه إذا صام المسافر والمريض
بعد زوال عذرهما، فإنه تجب عليهما نية القضاء؛ لا نية الأداء،
وما وجبت فيه نية القضاء فهو قضاء، ولو كان أداء كما زعم
أصحاب هذا المذهب لما نووا القضاء؛ لأن حقيقة الأداء غير حقيقة
القضاء، ولأنه يلزم من ذلك أنهم ينوون غير الواجب عليهم.
أما عدم لزوم الصوم أثناء العذر وهو السفر والمرض، فقد ثبت
نظراً لحالتهما فلا يطلب أداء الصوم وهما في حالتهما تلك، لكن
تبقى ذمتهما مشغولة بالواجب فلا تبرأ إلا بالقضاء؛ لخروج وقت
الأداء.
أما عدم العصيان لما تركا الصيام حال السفر والمرض، فهذا
مرجعه إلى أنهما غير مكلَّفين بفعل الصيام أداءً؛ لعذر السفر
والمرض، وهو من باب الرخص والتيسير ورفع الحرج عن الأمة،
لكن تبقى ذمتهما مشغولة حتى يفعلا ما وجب عليهما قضاء.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف لفظي - في هذه المسألة - كما هو واضح؛ حيث إن
(1/425)

أصحاب المذاهب اتفقوا على أن الحائض والمريض والمسافر إذا أفطروا
في نهار رمضان لعذر الحيض والمرض والسفر، فإنه يجب عليهم
صيام تلك الأيام التي تركوها بعد انتهاء شهر رمضان، ولكن
اختلفوا في تسمية هذا الفعل، فالجمهور يسمونه قضاء؛ لانطباق
حقيقة القضاء عليه، وأصحاب المذهبين الأخيرين يسمونه أداء،
فصار الخلاف في التسمية والتعبير فقط.
خامساً: هل يتعلق القضاء بالمندوب كالواجب؟
اتفق العلماء على أن الأداء والإعادة يتعلقان بالمندوب،
واختلفوا في القضاء هل يتعلق بالمندوب؛ على مذهبين:
المذهب الأول: أن القضاء يتعلق بالمندوب إذا كان له وقت معين؟
بخلاف المندوب المطلق، فلا يتعلق به الأداء، ولا الإعادة، ولا
القضاء.
هذا مذهب جمهور العلماء وهو الصحيح، وبناء عليه: فإنه إذا
فات المندوب المؤقت: فإنه يقضى مطلقا، كما قال العلماء: إن
قضاء السنة سُنَّة كما أن قضاء الواجب واجب، والقضاء في رتبة
المقضي.
دليل ذلك: القياس على الواجب؛ إذ لا فرق بينهما من هذه
الناحية، ويشملهما حد القضاء.
المذهب الثاني: أن القضاء لا يتعلَّق بالمندوب.
ذهب إلى ذلك الحنفية، وقالوا: يقصر القضاء على الواجب
فقط؛ تنزيلاً عن درجة الواجب بسبب: أن طلبه غير جازم.
واستثنى بعض علماء الحنفية من هذه القاعدة: قضاء السُّنة إذا
(1/426)

كانت شديدة التأكد بشروط، فقالوا في فروعهم: إذا فات المصلي
سُنَّة الصبح مع فرضها، فإنه يسن له قضاؤها، بخلاف ما إذا فاتته
السُّنَّة دون الفرض فلا قضاء لها.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف - هنا - لفظي؛ للاتفاق على أن المندوب إذا لم يقضه
المكلف فإنه لا تنشغل الذمة فيه، ولا يطالب به؛ لأن حقيقة المندوب
- كما سبق -: عدم العقاب على تركه.
سادساً: الدليل الموجب للقضاء:
اختلف العلماء في الدليل الموجب للقضاء هل هو أمر جديد،
ودليل مبتدأ، أو هو الأمر الأول الموجب للأداء ينسحب مع الواجب
ويلازمه في الوقت وبعده؛ على مذهبين:
المذهب الأول: أن وجوب القضاء ثابت بالأمر الأول، فالدليل
الذي أوجب الأداء هو ما أوجب القضاء، ولا يحتاج إلى نص
جديد.
ذهب إلى ذلك عامة الحنفية والمالكية، وكثير من الشافعية،
وجمهور أهل الحديث.
وهو الصحيح عندي؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: أن الأداء قد كان واجبا مستحقا على المكلَّف في
الوقت المحدد شرعاً، وقد علمنا من قواعد الشرع بالاستقراء أن
الواجب لا يسقط عن المكلف إلا بالأداء، أو بإسقاط من له الحق،
أو بالعجز، ولم يوجد شيء من ذلك، وخروج الوقت ليس مما
يسقط الواحب، فتبقى الذمة مشغولة بهذا الواجب، لا يزول هذا
الشغل إلا بمزيل له، وهو أحد الأمور الثلاثة السابقة - فقط -.
(1/427)

الدليل الثاني: القياس على الدين، بيان ذلك:
أن الوقت للمأمور به كالأجل للدين، فكما أن الدين لا يسقط
بترك تأديته في أجله المعين، فكذلك المأمور به إذا لم يفعل في وقته
المعين، فإنه لا يسقط، بل يجب قضاؤه، ويكون ذلك مستفاداً من
الأمر الأول بدلالة التضمن، لا بدلالة المطابقة.
المذهب الثاني: أن وجوب القضاء ثابت بأمر جديد، ودليل مبتدأ.
ذهب إلى ذلك أكثر المتكلمين.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أنه لو وجب بالأمر الأول لاقتضاه ذلك الأمر،
ولكان أداءً لا قضاء.
جوابه:
يجاب عنه بأن ذلك ممنوع؛ لأنه إذا فات الوقت بقي الواجب مع
نقص الواجب فيه، وهو الوقت المحدد، فكان إيقاعه بعد الوقت
قضاء، لا أداءً.
الدليل الثاني: قياس الزمان على المكان، بيانه:
أن الأمر لو علق بمكان معين كالأمر بالحج علق بمكان معين،
وهي المناسك المعروفة، فإذا تعذر فعله بهذا المكان وتلك المناسك،
فلا يجوز فعله بمكان آخر.
كذلك الأمر إذا علق بوقت معيَّن، وتعذَّر فعله بهذا الوقت فإنه
يسقط الأمر الأول، ويحتاج إلى أمر آخر.
جوابه:
يجاب عنه: بأن قياسكم الزمان على المكان قياس فاسد؛ لأنه
(1/428)

قياس مع الفارق؛ حيث إنه يوجد فرق بين تعلق الأمر بزمان، وبين
تعلقه بمكان من وجهين:
أولهما: أنْ الزمان يتعلق بعضه ببعض، حيث إن الزمان الثاني
تابع للأول، فالواجب الذي لم يفعل في الزمان الأول؛ فإنه
ينسحب هذا الوجوب إلى الزمان الثاني، ثم الثالث، وهكذا،
ولا تبرأ ذمة المكلف منه إلا بأدائه ولو في آخر العمر.
بخلاف المكان، فإنه لا ينسحب إلى مكان آخر، وما يجوز فعله
في مكان قد لا يجوز فعله في مكان آخر.
ثانيهما: أن المكان لا يفوت، فيمكن الفعل فيه، ولا يعدل إلى
غيره، بخلاف الزمان، فإنه يفوت فوجب القضاء في غيره.
الدليل الثالث: قياس ما بعد الوقت على ما قبل الوقت، بيانه:
إنه كما أنه لا يجب الفعل قبل الوقت؛ لعدم تناول الأمر إياه،
كذلك أن ما بعد الوقت لم يتناوله الأمر، فلا يجب فيه الفعل،
ويحتاج إلى أمر جديد.
جوابه:
يجاب عنه بأن هذا القياس قياس فاسد؛ لأن الكلام في الواجب،
ولا وجوب قبل الوقت.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة معنوي له ثمرة وفائدة، وهي: جواز
الاستدلال بالأوامر في أداء العبادة على قضائها بناء على المذهب
الأول.
وعدم جواز ذلك بناء على المذهب الثاني.
(1/429)

ومن وجب عليه صوم يوم بعينه لأجل نذره فلم يصمه، أو أفسده
هل يجب عليه القضاء أو لا؟
فبناء على المذهب الأول - وهو: أن القضاء بالأمر الأول - فإنه
يجب القضاء بذلك الأمر، وهو الصحيح.
وبناء على المذهب الثاني - وهو: أن القضاء يحتاج إلى أمر
جديد - فإنه لا يجب عليه القضاء؛ لأنه لا يوجد أمر جديد.
وأيضا من ترك الصلاة عمدا حتى خرج وقتها، فإنه يلزمه قضاؤها
بالأمر الأول، وهو الصحيح.
واختلف أصحاب المذهب الثاني على قولين:
القول الأول: أنه لا قضاء عليه؛ لأن القضاء يحتاج إلى أمر
جديد، ولا يوجد أمر.
القول الثاني: أنه يلزمه قضاء تلك الصلاة بعد خروج وقتها،
لورود الأمر الجديد، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"فدين اللَّه أحق أن يقضى".
وبعضهم قال: يجب عليه القضاء بأمر جديد وهو: القياس على
النائم والناسي، لورود الأمر بوجوب القضاء عليهما.
(1/430)

المطلب الثاني في الشرط
ويشتمل على ما يلي:
المسألة الأولى: في حقيقة الشرط.
المسألة الثانية: تقسيمات الشرط.
المسألة الثالثة: الفروق بين الشرط والسبب.
(1/431)

المسألة الأولى: في حقيقة الشرط:
أولاً: الشرط لغة هو:
إلزام شيء والتزامه في البيع، وجمعه شروط وشرائط.
والشرط - بتحريك الراء -: العلامة، ومنه قوله تعالى: (فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا) .
والأصوليون يقولون: إن الشرط في اللغة بمعنى العلامة - مطلقاً -
وهذا فيه تساهل؛ حيث إن الذي هو بمعنى العلامة هو: الشرَط
- بفتح الراء - وليس الشرط الذي هو بتسكين الراء، والذي يعنينا
هو الشرط - بتسكين - الراء - وهو الذي بمعنى الإلزام.
ثانيا: الشرط في الاصطلاح هو:
هو: " ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا
عدم لذاته ".
فمثلاً: الطهارة، فإنه يلزم من عدم الشرط وهو الطهارة عدم
الحكم، وهو صحة الصلاة، ولا يلزم من وجود الشرط وهو
الطهارة وجود الحكم، وهي صحة الصلاة، فقد توجد الطهارة
ويصلي، ولكن قبل دخول الوقت، فهنا لا تصح الصلاة، وقد
توجد الطهارة ويصلي بعد دخول الوقت بدون مانع فتصح الصلاة.
بيان محترزات التعريف:
قولنا: " ما يلزم من عدمه العدم ": أخرج المانع؛ لأن المانع لا
يلزم من عدمه شيء، كالدين في الزكاة، فقد تجب الزكاة مع انتفاء المانع
لوجود الغنى، وقد لا تجب مع انتفاء المانع لعدم بلوغ المال النصاب.
(1/433)

قولنا: " ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم ": أخرج السبب؛ السبب يلزم من وجوده الوجود، وأخرج المانع، لأن المانع يلزم
من وجوده العدم.
قولنا: " لذاته ": احترزنا به عن مقارنة الشرط وجود السبب،
فيلزم الوجود، أو مقارنة قيام المانع، فيلزم عدم الوجود، لكن لا
لذاته، بل لأمر آخر خارجي، وهو مقارنة السبب، أو قيام المانع.
فمثلاً: تمام الحول في الزكاة يلزم من عدمه عدم وجوب الزكاة،
ولا يلزم من وجوفى هـ وجوب الزكاة " لاحتمال عدم بلوغ النصاب،
ولا يلزم عدم وجوبها " لاحتمال بلوغ المال النصاب.
أما إذا قارن الشرط وجود السبب، فإنه يلزم وجوب الزكاة،
ولكن لا لذات الشرط، بل لوجود السبب.
وإذا كان عليه دين مع تمام الحول، فإنه يلزم منه عدم وجوب
الزكاة، ولكن العدم ثبت نظراً لقيام المانع، لا لذات الشرط.
المسألة الثانية: تقسيمات الشرط:
الشرط ينقسم إلى عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة، وإليك بيان
ذلك:
التقسيم الأول: ينقسم الشرط باعتبار وصفه إلى أربعة أقسام:
" شرط عقلي "، و " شرط عادي "، و " شرط لغوي "،
و"شرط شرعي ".
أما القسم الأول - وهو: الشرط العقلي - فهو: ما لا يوجد
المشروط ولا يمكن عقلاً بدونه مثل اشتراط الحياة للعلم، فإن العقل
(1/434)

يحكم بأن العلم لا يوجد بدون حياة، فإذا انتفت الحياة انتفى العلم،
ولا يلزم من وجود الحياة وجود العلم.
ومثل: اشتراط الفهم في التكليف، فإن العقل يحكم بأن
التكليف لا يوجد بدون فهم الخطاب، فإذا انتفى الفهم انتفى
التكليف.
أما القسم الثاني - وهو: الشرط العادي - فهو: ما يكون شرطاَ
عادة مثل: نصب السلم لصعود السطح، فإن العادة تقضي بأنه لا
يمكن صعود السطح إلا بوجود السلم، أو نحوه مما يقوم مقامه.
أما القسم الثالث - وهو الشرط اللغوي - فهو: ما يذكر بصيغة
التعليق مثل: " إن "، أو إحدى أخواتها مثل: قول الزوج لزوجته:
" إن دخلت الدار فأنت طالق "، فأهل اللغة وضعوا هذا التركيب
ليدل على أن ما دخلت عليه أداة الشرط هو: الشرط، والآخر
المعلَّق عليه هو: الجزاء.
وهذا ما ذهب إليه كثير من الأصوليين.
وذهب بعض العلماء كابن القيم، والقرافي، وابن السبكي،
والزركشي، وابن القشيري، وابن الحاجب إلى أن الشروط اللغوية
من قبيل الأسباب، لا من قبيل الشروط، وذلك لأنه يتحقق فيها
تعريف السبب؛ حيث يلزم من وجودها الوجود، ومن عدمها
العدم، ففي المثال السابق يلزم من دخول الزوجة الطلاق، ويلزم من
عدم الدخول عدم الطلاق.
أما القسم الرابع - وهو: الشرط الشرعي -: فهو: ما جعله
الشارع شرطا لبعض الأحكام كاشتراط الطهارة لصحة الصلاة، فإن
(1/435)

هذا الشرط لم نعرفه من العقل، أو اللغة، أو العادة، وإنما الشارع
هو الذي حكم بأن الصلاة لا تصح إلا بالطهارة.
وهذا الشرط هو المقصود في الأصل - كما ذكر الشاطبي - فإن
حدث التعرض لشرط من الشروط السابقة - كالشرط العقلي
واللغوي والعادي - فمن حيث تعلق به حكم شرعي في خطاب
الوضع، أو خطاب التكليف، ويصير إذ ذاك شرعيا بهذا الاعتبار
فيدخل تحت قسم الشرط الشرعي.
أنواع الشرط الشرعي:
الشرط الشرعي أنواع: " شرط وجوب "، و " شرط صحة "،.
و" شرط أداء " -
فشرط الوجوب هو: ما يصير الإنسان به مكلَّفاً كالنقاء من الحيض
والنفاس، فإنه شرط في وجوب الصلاة، وبلوغ الدعوة إلى
شخص؛ حيث إنه شرط في وجوب الإيمان عليه.
وشرط الصحة هو: ما جعل وجوده سبباً في حصول الاعتداد
بالفعل وصحته مثل: الطهارة، وستر العورة، واستقبال القِبْلة.
وشرط الأداء هو: حصول شرط الوجوب مع التمكن من إيقاع
الفعل، فيخرج بذلك الغافل، والنائم، والساهي، ونحوهم،
فإنهم غير مكلَّفين بأداء الصلاة مع وجوبها عليهم.
التقسيم الثاني: ينقسم الشرط باعتبار قصد الشارع له وعدم ذلك
إلى قسمين:
القسم الأول: ما قصده الشارع قصداً واضحا.
القسم الثاني: ما ليس للشارع قصد في تحصيله.
أما القسم الأول - وهو: ما قصده الشارع قصداً واضحا - فهو
(1/436)

الذي يرجع إلى خطاب التكليف، وهو إما أن يكون مأموراً بتحصيله
كالطهارة للصلاة، واستقبال القِبْلة.
وإما أن يكون منهياً عن تحصيله كنكاح المحلل في مراجعة الزوجة
لزوجها الأول.
أما القسم الثاني - وهو: ما ليس للشارع قصد في تحصيله - فهو
الذي يرجع إلى خطاب الوضع كالحول في الزكاة، فإن إبقاء
النصاب حتى يكمل الحول حتى تجب الزكاة ليس بمطلوب الفعل،
ولا هو مطلوب الترك.
التقسيم الثالث: ينقسم الشرط باعتبار مصدره إلى قسمين:
"شرط شرعي "، و " شرط جعلي ".
أما الشرط الفسرعي فهو: ما كان مصدر اشتراطه الشارع، وهو
الراد من الشرط عند الإطلاق؛ حيث إنه هو المقابل للسبب والمانع،
ومنها: الطهارة لصحة الصلاة، وحولان الحول للزكاة، والإحصان
في الرجم.
أما الشرط الجعلي فهو: ما كان مصدر اشتراطه المكلف؛ حيث
يعتبره ويعلق عليه تصرفاته ومعاملاته، كالاشتراط في البيوع،
والنكاح، والطلاق، والعتق.
والشروط الجعلية مقيدة بحدود شرعية معينة، فليس للشخص أن
يشترط ما شاء لما شاء.
فالشروط المعتبرة والتي سمح للمكلَّف أن يشترطها هي: كل ما
جاء مكملاً لحكمة المشروط، بحيث لا ينافيها بحال من الأحوال،
وهي الشروط الموافقة لمقتضى مشروطاتها في العقود والتصرفات
(1/437)

الشرعية، بحيث لا تخالفها ولا تنفي مضمونها مثل: اشتراط
الرهن، أو الكفيل بالدين، واشتراط الصيام في الاعتكاف،
واشتراط الكفاءة في النكاح، واشتراط الحرز في السرقة، ونحو
ذلك، فإن هذه الشروط صحيحة؛ لما فيها من الموافقة الشرعية.
وأما الشروط التي لا تلائم مقصود المشروط ولا مكملاً لحكمته،
بل جاء على الضد من ذلك فهي لا تعتبر شرعاً، أي: أن الشروط
التي تخالف مقتضى المشروطات في العقود والتصرفات الشرعية
وتناقض مدلولاتها تعتبر شروطاً فاسدة، كما إذا اشترط الزوج أن لا
ينفق على زوجته، أو اشترط في عقد البيع عدم الانتفاع بالمبيع.
المسألة الثالثة: الفروق بين الشرط والسبب:
يوجد بين الشرط والسبب فروق، من أهمها:
الفرق الأول: أن الشرط مقارن للحكم غير مفارق له، بخلاف
السبب، فلا تلزم فيه المقارنة فقد يقع تأخير حكم الشيء عن سببه.
الفرق الثاني: أن الشرط يؤثر في الحكم من جهة العدم فقط،
بخلاف السبب، فإنه يؤثر في الحكم من جهة الوجود والعدم، كما
سبق في تعريف كل واحد منهما.
الفرق الثالث: أن الشرط ليس فيه مناسبة في نفسه، بخلاف
السبب، فإنه مناسب في ذاته، فمثلاً النصاب فإنه سبب في وجوب
الزكاة، وهو مشتمل على الغنى في ذاته، بخلاف مرور الحول فإنه
ليس فيه مناسبة في نفسه، وإنما هو مكمل لحكمة الغنى في النصاب،
وذلك بالتمكين من تنمية المال في جميع الحول.
(1/438)

المطلب الثالث في المانع
ويشتمل على مسألتين هما:
المسألة الأولى: في حقيقة المانع.
المسألة الثانية: في تقسيمات المانع.
(1/439)

المسألة الأولى: حقيقة المانع
أولاً: المانع لغة هو:
الحائل بين الشيئين، يقال: " منعه الأمر "، و " منعته منه "،
فهو ممنوع أي: محروم، والمانع: اسم فاعل من المنع ضد الإعطاء.
ثانيا: المانع في الاصطلاح هو:
" ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم
لذاته ".
شرح التعريف وبيان محترزاته:
الدَّين - مثلاً -: يلزم من وجوده عدم وجود الحكم - وهو:
وجوب الزكاة -، ولا يلزم من عدم الدين وجود الحكم - وهو:
وجوب الزكاة - ولا عدم وجوده: فقد يكون الشخص غير المدين
غنيا يملك النصاب مع حولان الحول، فهنا يوجد الحكم - وهو:
وجوب الزكاة -، وقد يكون الشخص غير المدين فقيراً لم يبلغ المال
الذي عنده النصاب، فهنا لا يوجد الحكم - وهو وجوب الزكاة -.
فقولنا: " ما يلزم من وجوده العدم ": أخرج السبب؛ لأن
السبب يلزم من وجوده وجود الحكم، وأخرج الشرط؛ لأن الشرط
لا يلزم من وجوده وجود ولا عدم - كما سبق بيانه -.
وقولنا: " ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم ": أخرج الشرط -
أيضاً - لأن الشرط يلزم من عدمه عدم الحكم.
وقولنا: " لذاته " للاحتراز عن مقارنة عدم المانع لوجود سبب
آخر، فإنه يلزم الوجود، ولكن لا لعدم المانع، وإنما لوجود
(1/441)

السبب الآخر، مثل: المرتد القاتل لولده، فإن هذا يقتل بالردة وإن
لم يقتل قصاصاً، لأن المانع إنما منع أحد السببين - فقط - وهو:
القصاص، وقد حصل القتل بسبب آخر، وهو: الردة.
المسألة الثانية: تقسيمات المانع:
ينقسم المانع إلى عدة أقسام باعتبارات مختلفة، إليك بيان ذلك:
التقسيم الأول: المانع ينقسم من حيث ارتباطه بالحكم إلى قسمين:
القسم الأول: ما يمكن اجتماعه مع الطلب.
القسم الثاني: ما لا يمكن اجتماعه مع الطلب أصلاً.
أما القسم الأول - وهو ما يمكن اجتماعه مع الطلب - فهو نوعان:
النوع الأول: ما يرفع أصل الطلب شرعاً، وإن أمكن حصوله
معه عقلاً مثل الحيض بالنسبة للصلاة، حيث إنه يمكن اجتماع الحيض
مع الطلب - وهو طلب الصلاة - عن طريق العقل، ولكن الشارع
اعتبره مانعاً من أصل الطلب بهذه العبادة، ولو صلت الحائض لا
تصح الصلاة منها، بل تأثم بفعل الصلاة.
النوع الثاني: ما لا يرفع أصل الطلب، ولكنه يمنع اللزوم فيه،
ويحوله من طلب جازم إلى مخير، وهذا النوع شيئان:
أولهما: ما يكون منع اللزوم فيه بمعنى التخيير، وذلك كالرق
والأنوثة بالنسبة لصلاة الجماعة، والعيدين، حيث إن الرق والأنوثة
لا يرفعان أصل الطلب بهذه العبادة " حيث لو وقعت تلك الصلاة
منهما لصحت، ولكنهما يرفعان اللزوم والانحتام في هذا الطلب.
ثانيهما: ما كان منع اللزوم له بمعنى رفع الإثم والمؤاخذة من
(1/442)

المخالف للأمر كالسفر بالنسبة لقصر الصلاة، وترك الجمعة،
والصيام، فإن السفر لا يرفع أصل الطلب في هذه العبادات، وإنما
يرفع اللزوم فيها فقط، ولذلك فلو فعلها المسافر لصحت منه وأجزأته
ولكنه لا حرج عليه في تركها.
ويقال هذا في كل سبب من أسباب الرخص، فكل واحد من
أسباب الرخص يعتبر مانعاً من اللزوم والحتم، فلا حرج على من
ترك العزيمة للأخذ بالرخصة، هذا القسم الأول.
أما القسم الثاني - وهو: ما لا يمكن اجتماعه مع الطلب أصلاً -
فهو ما يمنع من أصل الطلب جملة عقلاً وشرعاً مثل زوال العقل
بنوم، أو إغماء، أو غفلة، أو جنون، أو نحو ذلك، فإن زوال
العقل يمنع مطالبة النائم، أو المغمى عليه.، أو المجنون بالفعل؟
لأمرين:
أولهما: أنهم لا يفهمون الخطاب، والفهم شرط مهم من شروط
التكليف.
ثانيهما: أن خطاب الشارع إلزام والتزام، ومن زال عقله لا يمكن
إلزامه، فلا يتأتى بالنسبة إليه التزام كما لا يمكن ذلك في البهائم
والجمادات.
التقسيم الثاني: المانع ينقسم باعتبار ما يمنعه من حكم أو سبب
إِلى قسمين: " مانع الحكم "، و " مانع السبب ".
أما القسم الأول - وهو: مانع الحكم - فهو: كل وصف
وجودي ظاهر منضبط لحكمة تقتضي نقيض حكم السبب مع تحقق
السبب مثل: الحيض فإنه مانع من وجوب الصلاة مع تحقق السبب
(1/443)

وهو: دخول الوقت، فهنا: ترتب على وجود المانع عدم ترتب
المسبب على سببه.
ومثل: الأبوة في منع القصاص من والد لولده، فالحكم الذي
هو القصاص قد وجد سببه وهو: القتل العمد العدوان، وكون
القاتل أباً للمقتول منع من القصاص؛ لأن الزجر المقصود بشرعية
القصاص يعارض حال الأبوة المقتضي للعطف والحنان، بحيث يمنع
ذلك من التفكير في القتل إلا في النادر اليسير، فليس بحاجة إلى
العقوبة الزاجرة في مثل تلك الحالة النادرة.
أنواع مانع الحكم:
يتنوع مانع الحكم إلى أنواع ثلاثة هي:
النوع الأول: مانع يمنع ابتداء الحكم - فقط - دون استمراره مثل:
الإسلام، فإنه يمنع ابتداء السبي، لا يمنع استمراره، فلو أسلم بعد
أن صار مملوكاً فلا ينقطع عنه الرق، وكذا: الحج، فإنه يمنع ابتداء
النكاح حال الإحرام، ولكنه لا يمنع من الدوام على نكاح قبله.
النوع الثاني: مانع يمنع دوام الحكم واستمراره - فقط - دون
ابتداء الحكم مثل الطلاق، فإنه يمنع من الدوام على النكاح الأول،
ولكنه لا يمنع من ابتداء نكاح ثاني.
النوع الثالث: مانع يمنع ابتداء الحكم، ويمنع - أيضاً - استمراره
مثل: الرضاع، فإنه يمنع ابتداء النكاح على امرأة هي أخته من
الرضاع، كما يمنع استمراره إذا طرأ عليه، وكذلك: " الحدث "
فإنه يمنع انعقاد العبادة ابتداء، كما يمنع استمرار صحتها إذا طرأ عليها.
وأما القسم الثاني - وهو: مانع السبب - فهو: كل وصف
يقتضي وجوده حكمة تخل بحكمة السبب.
(1/444)

مثل الدين في باب الزكاة، حيث إنه مانع - عندنا - من وجوب
الزكاة، لأن السبب في وجوب الزكاة هو بلوغ النصاب، حيث إنه
يفيد غنى من يملك هذا النصاب، فطلب منه مواساة الفقراء من فضل
ذلك المال، وهذه هي الحكمة، ولكن الدين في المال لم يدع فضلاً
يواسي به الفقير، لأن النصاب هذا قد صار مشغولا بحقوق
الغرماء، فهنا قد أخل الدين بحكمة السبب؛ لأنه ليس مع الدين
استغناء، والإخلال بالحكمة يسقط العلية وهي: الزكاة.
أي: أن حكمة الدين هي براءة الذمة، وهي لا شك مخلة
بحكمة النصاب التي هي مواساة الفقراء، فكانت رعاية براءة الذمة
أوْلى من رعاية مواساة الفقراء، لأمرين:
أولهما: أن فيها البداية بالنفس، وهي ألزم ما يكون.
ئانيهما: أنه إذا ازدحم حقان على مال واحد قدم أقواهما، ولا
شك أن حق الغرماء أقوى من حق الفقراء، حيث إن المستحق إذا
تعين ترجح على مستحق لم يتعين.
وذهب بعض الشافعية إلى أن الدين لا يمنع من الزكاة لاستغنائه بما
في يده، وتعلق الدين بذمته.
التقسيم الثالث: المانع ينقسم من حيث ارتباطه بخطاب الشارع
إلى قسمين: " ما يكون داخلاً تحت خطاب التكليف "، و " ما
يكون داخلاً تحت خطاب الوضع ".
أما القسم الأول - وهو: ما يكون داخلاً تحت خطاب التكليف -
فهو: يشمل المأمور به، والمنهي عنه، والمخير فيه والمأذون فيه،
مثال المأمور به: الإسلام، حيث إنه مأمور به، وهو المانع من
انتهاك حرمة الدم والعرض إلا بحقهما.
(1/445)

ومثال المنهي عنه: الكفر، فإنه مانع من صحة العبادات.
ومثال المخير فيه: الاستدانة التي هي مانعة من انتهاض سبب
وجوب الزكاة، وإن كان النصاب موجوداً.
أما القسم الثاني - وهو: ما يكون داخلاً تحت خطاب الوضع -
فهو: الذي ليس للشارع قصد في تحصيله من حيث هو مانع، ولا
في عدم تحصيله، فإن الشخص المدين ليس مخاطبا برفع الدين عن
نفسه إذا كان عنده نصاب لتجب الزكاة عليه، كما أن مالك النصاب
غير مخاطب بتحصيل الاستدانة لتسقط عنه زكاة النصاب؛ لأن المانع
من خطاب الوضع، فلا يكون مأموراً به ولا منهيا عنه.
(1/446)

المطلب الرابع في العزيمة والرخصة
ويشتمل على المسائل التالية:
المسألة الأولى: في تعريف العزيمة.
المسألة الثانية: في تعريف الرخصة.
المسألة الثالثة: هل الرخصة والعزيمة من أقسام الحكم التكليفي،
أو من أقسام الحكم الوضعي؟
المسألة الرابعة: في أقسام الرخصة.
المسألة الخامسة: أيهما أفضل الرخصة أو العزيمة؟
المسألة السادسة: حكم الرخصة.
(1/447)

المسألة الأولى: في تعريف العزيمة:
أولاً: العزيمة لغة:
مشتقة من العزم، وهو القصد المؤكد، ومنه قوله تعالى
(فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) ، أي: قصداً بليغا متأكداً في العصيان.
وعزائم اللَّه: فرائضه التي أوجبها اللَّه وأمرنا بها.
وأولوا العزم من الرسل: هم الذين عزموا على إمضاء أمر الله
فيما عهد إليهم، وسموا بذلك لتأكد قصدهم في طلب الحق.
ثانيا: تعريف العزيمة اصطلاحا هو:
" الحكم الثابت بدليل شرعي خال عن معارض راجح "،
وهو أقرب تعريفات العلماء للعزيمة إلى الصواب.
شرح التعريف وبيان محترزاته:
قولنا: " الحكم الثابت ": أخرج الحكم غير الثابت كالمنسوخ،
فلا يسمى عزيمة؛ حيث إنه لم يبق مشروعا أصلاً.
وهذه العبارة وهي: " الحكم الثابت " عام وشامل لجميع الأحكام
التكليفية؛ لأن كلًّا منها حكم ثابت.
قولنا: " بدليل شرعي ": أخرج ما ثبت بدليل عقلي، فإن ذلك
لا يستعمل فيه العزيمة.
قولنا: " خال عن معارض ": أخرج ما ثبت بدليل شرعي،
ولكنه معارض بدليل مساو، أو دليل راجح؛ لأنه إن كان المعارض
مساويا لزم الوقف، وحينئذِ يجب طلب المرجح الخارجي.
(1/449)

وإن كان المعارض راجحاً، فإنه يجب العمل بمقتضاه، وتنتفي
العزيمة.
قولنا: " راجح ": أخرج الرخصة؛ لأن الرخصة حكم ثابت
على خلاف الدليل لمعارض راجح وهو العذر - فمثلاً: " تحريم
الميتة " حكم ثابت من غير مخالفة دليل شرعي، فإذا وجدت
المخمصة حصل المخالف لدليل التحريم، وهو قوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ،
وهو راجح على دليل التحريم، وهو قوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) ،
وذلك لحفظ النفس، فجاز الأكل من الميتة وحصلت الرخصة؛ لأن
مصلحة إحياء النفس، والمحافظة عليها مقدمة على مفسدة الميتة وما
فيها من الخبث.
***
المسألة الثانية: في تعريف الرخصة:
أولاً: الرخصة لغة:
مشتقة من الرخص، وهو: اليسر والسهولة، يقال: " رخص
لنا الشرع في كذا ": إذا يسَّره وسهَّله علينا، وهو - أيضا - مشتق
من اللين والمسامحة.
ثانيا: الرخصة اصطلاحا هي:
الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر.
وهذا التعريف هو ما اخترته في كتابي: " الرخص الشرعية
وإثباتها بالقياس " من أكثر من عشرة تعريفات له.
(1/450)

شرح التعريف وبيان محترزاته:
قولنما: " الحكم ": جنس يشمل العزيمة والرخصة.
قولنا: " الثابت ": يوضح أنه لا بد من دليل على الرخصة،
فإن لم تثبت الرخصة بدليل لم يجز الإقدام والعمل بها، وإلا لزم
ترك العمل بالدليل السالم عن المعارض، وهذا باطل.
قولنا: " على خلاف الدليل ": يشمل الدليل الخاص، وهو ما
يقتضي الحرمة والوجوب والندب، كما يشمل الدليل العام كدليل
الأصل في نحو قولهم: " الأصل كذا "، والأصل من الأدلة
الشرعية.
وهذه العبارة - أعني: " على خلاف الدليل - أخرجت أمورا
هي:
الأول: العزيمة؛ لأنها على وفق الدليل، لا على خلافه.
الثاني: الأحكام الثابتة على وفقِ الدليل مثل إباحة الأكل والشرب
والنوم، حيث إنه لم يوجد دليل على منع هذه الأشياء حتى تكون
إباحتها ثابتة على خلافه، فلا تكون رخصة وإن وجد فيها نوع من
اليسر والسهولة.
الثالث: الحكم الثابت بدليل ناسخ لحكم ثبت بمنسوخ، لأن
المنسوخ لا يسمى دليلاً مثل: إيجاب ثبات الواحد من المسلمين أمام
اثنين من الكفار في الحرب، فإنه ثبت بقوله تعالى: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) ،
وهذا الدليل ناسخ لوجوب ثبات الواحد أمام العشرة،
فإيجاب ثبات الواحد أمام الاثنين لا يعتبر رخصة؛ لأنه لم يثبت
على خلاف الدليل.
(1/451)

الرابع: الحكم الثابت بدليل راجح في مقابلة حكم ثبت بمرجوح،
فإن المرجوح لا يسمى دليلاً، وحينئذ فالحكم الثابت بالدليل الراجح
لا يسمى رخصة؛ لأنه لم يثبت على خلاف الدليل.
الخامس: الأحكام التي كانت على الأمم السابقة ثم وضعت عنا
كالإصر - وهو: الحمل الثقيل الذي يأصر صاحبه فيلاقي في تحمله
أشد المشقة - وكالأغلال - وهي: الأعمال الشاقة المغلظة - فإن هذا
الوضع لا يسمى رخصة حقيقية؛ لأنها لم تخالف دليلاً من الأدلة،
وإن كان بعضهم يسميها رخصة مجازية؛ لما في ذلك من التخفيف
واليسر عند مقارنة حالنا بحالهم، كما قال الخبازي، والنسفي،
وقد تكلمت عن هذا بتوسع في كتابي: " إتحاف ذوي البصائر بشرح
روضة الناظر "، و " الرخص الشرعية وإثباتها بالقياس " فارجع
إليهما إن شئت.
قولنا: " لعذر ": المراد بالعذر: المشقة الشاملة للضرورة والحاجة.
أي: أن العذر يشمل الاضطرار من أكل الميتة ونحوها، ويشمل
أحكام السفر والمرض ونحوه، وكذلك بعض أنواع العقود من
السلم، والمساقاة، والإجارة، والقراض، والعرايا، ونحو ذلك مما
يخالف القياس والقواعد المقررة.
واشترط الشاطبي للعذر أن يكون شاقاً، حيث قال في تعريفه:
" الرخصة: ما شرع بعذر شاق استثناء من أصل كلي يقتضي المنع
مع الاقتصار على مواضع الحاجة فيه ".
والحق أن هذا الشرط غير صحيح؛ لأننا لو اشترطناه في العذر
للزم من ذلك خروج أكثر الرخص التي كانت كالسلم، والمساقاة،
والقراض.
(1/452)

والمانع الشرعي لا يدخل في العذر كالحيض والنفاس؛ لأن
المشروعية لا تتحقق معه، ومن هنا لا يسمى إسقاط الصلاة عن
الحائض والنفساء رخصة؛ لأنهما مانعان من المشروعية كما قلنا في
مبحث المانع.
***
المسألة الثالثة: هل الرخصة والعزيمة من أقسام الحكم التكليفي
أو من أقسام الحكم الوضعي؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنهما من أقسام الحكم الوضعي.
ذهب إلى ذلك كثير من العلماء كالآمدي، والغزالي،
والشاطبي، وابن قدامة، والأنصاري.
وهو الصحيح عندي؛ لأمرين:
أولهما: أن الرخصة في حقيقة أمرها هي وضع الشارع وصفا
معيناً سببا في التخفيف، والعزيمة هي: اعتبار مجاري العادات سبباَ
للأخذ بالأحكام الأصلية العامة، والسبب حكم وضعي.
ثانيهما: أن اعتبار كل من السفر والمرض والضرورة أو غيرها
أسبابا للترخص، أو مانعة من التكليف بحكم العزيمة، كل ذلك
- لو فكرنا فيه - لوجدنا أنه لا طلب فيه ولا تخيير، بل فيه وضع
وجعل واعتبار، وهذه كلها أحكام وضعية، وكانت من أحكام
الحكم الوضعي.
المذهب الثاني: أن العزيمة والرخصة من أقسام الحكم التكليفي.
(1/453)

ذهب إلى ذلك ابن الحاجب، وتاج الدين ابن السبكي، والعضد
والزركشي.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن العزيمة والرخصة
يرجعان في الحقيقة إلى الاقتضاء والتخيير، فالعزيمة تحمل معنى
الاقتضاء، والرخصة تحمل معنى التخيير، فهما من صفات الأحكام
التكليفية.
أي: أن كلًّا من تلك الأحكام إما أن يكون عزيمة ومطلوبا، وإما
أن يكون رخصة ومخيراً، ولا يخرجان عن ذلك فكانا من الأحكام
التكليفية؛ لكونهما اسمين لما طلبه الشارع، أو أباحه على وجه
العموم، والطلب والإباحة حكم تكليفي.
جوابه:
يجاب عنه: بأن التصاق الرخصة والعزيمة بالحكم الوضعي أقوى
من التصاقهما بالحكم التكليفي، وهذا لا يخفى على المدقق في
حقيقتهما، بيان ذلك:
أن الرخصة ترجع في الحقيقة إلى جعل الأحوال الطارئة غير
الاعتيادية أسباباً للتخفيف عن المكلَّفين؛ لأن الحكم المشروع فيها هو
جعل الضرورة أو الإكراه سببا في إباحة المحظور، وطروء العذر سببا
في التخفيف بترك الواجب، وهكذا فإن ذلك وأمثاله - في الحقيقة -
هي وضع أسباب لمسببات، والسبب من أنواع الحكم الوضعي.
وإذا دققت في العزيمة وجدتها ترجع إلى جعل الشارع الأحوال
العادية للمكلفين سبباً لبقاء الأحكام الأصلية واستمرارها في حقهم.
(1/454)

بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة لفظي يرجع إلى النظر إلى كل من
الرخصة والعزيمة، فاختلف الفريقان بحسب هذا النظر.
فمن نظر إلى أن كلًّا من الرخصة والعزيمة متصفة بالوجوب، أو
الندب، أو الإباحة، وأنه يوجد في العزيمة معنى الاقتضاء، ويوجد
في الرخصة معنى التخيير، فإنه عدهما من الأحكام التكليفية.
ومن نظر إلى أن الرخصة - في الحقيقة - هي وضع الشارع وصفاَ
معيناً سبباً في التخفيف، وأن العزيمة - في الحقيقة - هي: جعل
الشارع الأحوال العادية للمكلفين سببا لبقاء الأحكام الأصلية
واستمرارها في حقهم، فإنه عدَّهما من الأحكام التكليفية؛ لأنه
اعتبر السبب، والسبب من الأحكام الوضعية.
فاختلفت أنظار كل من الفريقين لاختلاف المنظور إليه، فكان هذا
الخلاف خلافا لفظيا. في المسألة الرابعة: في أقسام الرخصة:
الرخصة تنقسم إلى عدة أقسام هي كما يلي:
القسم الأول: رخصة واجبة، أي: يجب الأخذ بالرخصة، فإن
امتنع عن ذلك، ثم مات، أو لحقه ضرر، فإنه يأثم بذلك، ومن
أمثلة ذلك:
1 - أكل الميتة للمضطر، وقلنا ذلك؛ لأنه حكم ثابت على
خلاف الدليل وهو قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) لعذر،
وهو الاضطرار.
- 455 -
(1/455)

2 - شرب الخمر لمن غص بلقمة، وخشي علي نفسه الهلاك،
ولم يجد ما يسيغها إلا به، وقلنا ذلك لقوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) .
وجه الدلالة: أنه لو لم يدفع هذه الغصة بجرعة من الخمر، ثم
مات، لكان قاتلاً لنفسه، لذلك يجب عليه شرب الخمر لإساغة
هذه اللقمة؛ إبقاء لحياته.
3 - التيمم للمريض، أو الذي به جراحة مع القدرة على
استعمال الماء، وقلنا ذلك لقوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) ،
وقوله: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) ، حيث إن المريض، أو
من به جراحة لو استعمل الماء لكان مؤديا بنفسه إلى التهلكة؛ لأنه
يحتمل احتمالاً راجحاً أن المرض يتزايد، والجراحة تتسع باستعماله
لهذا الماء، فلذلك أوجبنا عليه التيمم إبقاء على نفسه.
القسم الثاني: رخصة مندوبة، أي: إن أخذ بتلك الرخصة فله
أجر.
ومن أمثلة ذلك:
1 - قصر الصلاة الرباعية للمسافر، وقلنا ذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"صدقة تصدق اللَّه بها عليكم فاقبلوا صدقته ".
2 - الإبراد في صلاة الظهر في شدة الحر، فإنه رخصة مندوبة،
وقلنا ذلك لورود الأمر به مع ذكر العلَّة، وهي: أن شدة الحر من
فيح جهنم، حيث قال - صلى الله عليه وسلم -:
"ابردواً فإن شدة الحر من فيح جهنم ".
القسم الثالث: رخصة مباحة، ومن أمثلة ذلك:
1 - العرايا، وهي: بيع الرطب على رؤوس النخل بقدر كيله
(1/456)

من التمر خرصاً فيما دون خمسة أوسق، فالقياس: عدم جواز مثل
هذا البيع؛ لما فيه من الجهالة والغرر، ولكن رخص الشارع في
العرايا للحاجة إليها.
2 - السلم وهو: اسم لعقد يوجب الملك في الثمن عاجلاً،
وفي المثمن آجلاً، فالقياس: عدم جواز ذلك؛ لأنه بيع معدومِ،
وبيع المعدوم منهي عنه؛ لما فيه من الجهالة والغرر، ولكن رخص
الشارع في السلم لحاجة الناس إليه.
3 - الإجارة، وهي: تمليك المنافع بعوض، والأصل: عدم
جواز الإجارة؛ لما فيها من الغرر والجهالة، ولكن رخص الشارع
في الإجارة لحاجة الناس.
4 - التلفظ بكلمة الكفر لمن أكره على ذلك وقلبه مطمئن بالإيمان،
فإن هذا يعتبر من الرخص المباحة؛ حيث إن الدليل على وجوب
الإيمان قائم، وحرمة التلفظ بالكفر قائمة، وإنما أبيح التلفظ بكلمة
الكفر حالة الإكراه - فقط - مراعاة لحق نفسه؛ حيث يفوت ذلك
الحق عند الامتناع صورة ومعنى بتخريب بدنه، وإزهاق روحه، ثم
إن إجراء كلمة الكفر على اللسان لا يوجب خللاً في الإسلام؛ لأن
بقاء الإسلام ببقاء العقيدة، وأنها لا تفوت بهذا.
لكن لو صبر وامتنع عن التلفظ بكلمة الكفر فإنه يكون آخذاً
بالعزيمة وهو أفضل؛ حيث إنه إذا صبر وبذل نفسه في دين اللَّه وقتل
وهو صابر محتسب، فإن فعله هذا أفضل وأوْلى، يدل على ذلك ما
ورد من أن مسيلمة الكذاب قال لرجل مسلم: أتشهد أن محمداً
رسول اللَّه؛ قال: نعم، فقال: أتشهد أني رسول اللَّه؛ قال: لا
أدري ما تقول فقتله، وقال لآخر: أتشهد أن محمداً رسول اللَّه؛
(1/457)

قال: نعم، فقال: أتشهد أني رسول اللَّه؛ قال: نعم، فخلى
سبيله، فبلغ ذلك رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فقال: " أما الأول فقد أتاه اللَّه أجره مرتين، وأما الآخر فقد أخذ برخصة اللَّه فلا إثم عليه ".
5 - رؤية الطبيب لعورة الرجل أو المرأة عند الحاجة.
فالدليل قائم على تحريم النظر إلى عورة المرأة والرجل، ولكن إذا
احتاج أي واحد منهما إلى طبيب لمعالجة، أو ولادة، فقد أبيح ذلك
رخصة، رفعاً للضرر الذي يلحقهما إذا لم يتم معالجتهما.
6 - الجمع بين الصلاتين في السفر، فهذا من الرخص المباحة،
لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع في سفره إلى تبوك بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء جميعاً.
7 - تعجيل الزكاة قبل تمام الحول؛ حيث رخص الرسول - صلى الله عليه وسلم - للعباس - رضي اللَّه عنه - في تعجيل الزكاة قبل أن تحل.
8 - النظر إلى المخطوبة؛ حيث ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للمغيرة ابن شعبة - لما علم أنه خطب امرأة -:
" انظر إليها، فإنه أجدر أن يؤدم بينكما ".
القسم الرابع: رخصة خلاف أَوْلى، أي: أن ترك الأخذ
بالرخصة أوْلى وأفضل من فجلها، ومن أمثلة ذلك:
1 - الإفطار في رمضان للمسافر الذي لا يشق عليه الصيام ولا
يتضرر به، وقلنا: إنه رخصة خلاف الأولى؛ لقوله تعالى: (وأن
تصوموا خير لكم) ، ولما روي عن أنس، وعثمان بن أبي العاص
الثقفي - رضي اللَّه عنهما - أنهما قالا: " الصوم في السفر أفضل
لمن قدر عليه ".
(1/458)

2 - التلفظ بكلمة الكفر لمن أكره عليه قد سبق أن ذلك خلاف
الأولى، لأن الأولى والأفضل عدم التلفظ بكلمة الكفر.
3 - المسح على الخفين، رخصة خلاف الأوْلى؛ لأن الأَوْلى
والأفضل غسل الرجلين.
القسم الخامس: الرخصة المكروهة، ومن أمثلته:
1 - السفر للترخص فقط، أي: يسافر لأجل أن يفطر أو يقصر،
وليس له غرض إلا ذلك، فهذا له أن يفطر ويقصر رخصة، ولكن
هذه الرخصة مكروهة، لأنه ضيع وقته بلا فائدة.
2 - غسل الخف بدلاً من مسحه، فهذا يعتبر من الرخص
المكروهة؛ لأنه قد يفسد ماله، ومع ذلك فهو مجزئ؛ لأنه مسح
وهذه الأقسام، والأمثلة التي أوردتها عليها خالف فيها بعض
العلماء، وذكروا أدلة على مخالفتهم، وأجبت عنها، فراجع ذلك
- إن شئت - مع تفصيلات أخرى في كتابي: " الرخص الشرعية
وإثباتها بالقياس ".
كوفي بئرث
المسألة الخامسة: أيهما أفضل الرخصة أو العزيمة؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن الأفضل الأخذ بالعزيمة وترجيحها.
أدلة أصحاب هذا المذهب:
الدليل الأول: أن العزيمة هي الأصل المقطوع به،
الذي لا يختلف فيه، أما الرخصة فسببها ظني وهو: المشقة؟
حيث إن مقدار
(1/459)

المشقة الذي ثبت الترخص من أجلها غير منضبط؛ لأنها تتفاوت
بحسب الأشخاص والأحوال.
الدليل الثاني: أن العزيمة عامة وشاملة لجميع المكلَّفين، أما
الرخصة فهي خاصة لبعض المكلَّفين؛ حيث إنها ترجع إلى حالة
جزئية بحسب بعض المكلَّفين، ممن له عذر، أو بحسب بعض
الأحوال والأوقات.
الدليل الثالث: أن الأخذ بالرخص قد يصبح ذريعة ووسيلة إلى
انحلاك العزائم في التعبد، بخلاف الأخذ بالعزائم فإنه يعوِّد على
الثبات في التعبد والأخذ بالحزم في الأمور.
المذهب الثاني: أن الأفضل الأخذ بالرخصة.
أدلة أصحاب هذا المذهب:
الدليل الأول: أن الرخصة مقطوع بها، أما وجود الظن في سببها
فلا يؤثر؛ لأن الشارع أوجب العمل بالظن كما أوجب العمل
بالقطع.
الدليل الثاني: أن النصوص الدالة على رفع الحرج عن هذه الأمة
قد بلغت درجة القطع مثل قوله تعالى: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ) ، وقوله: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) ،
وثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يُخَيَّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما، فالشارع الحكيم قد قصد السهولة واليسر على المكلَّفين مما يدل على أن الأخذ بالرخصة مقدم على الأخذ بالعزيمة.
الدليل الثالث: أن ترك الترخص مع وجود السبب قد يؤدي إلى
الانقطاع عن العمل والسآمة والملل، والتنفير عن الدخول في العبادة
(1/460)

وترك الدوام عليها؛ وقد حذر الرسول - صلى الله عليه وسلم - من ترك الترخص في نصوص كثيرة منها: قوله:
" خذوا من العمل ما تطيقون، فإن اللَّه لن يمل حتى تملوا "،
ونهى رسول اللَّه عن صوم الوصال، وعن الصيام في السفر.
هذه أهم أدلة الفريقين.
بيان القول الحق:
والحق عندي - والله أعلم -: أنه لا تفضل الرخصة على
العزيمة، ولا العزيمة على الرخصة؛ وذلك لأن سبب الرخصة وهو
العذر - من مشقة، وحاجة، وضرورة - لا ضابط له معين واضح
جلي يتساوى فيه جميع المكلَّفين، فالعذر من مشقة وحاجة وضرورة
أمر إضافي نسبي، لا أصلي، فكل مكلف فقيه نفسه في الأخذ بها
ما لم يجد مانعا شرعيا يمنعه عن الأخذ بها، وهو داخل تحت قاعدة
" المشقة تجلب التيسير "، فالمشقة والكلفة التي يجدها المكلف عن
الإتيان بالحكم الشرعي الأصلي تكون سبباً شرعيا للتخفيف والتسهيل.
وهو أيضاً داخل في معنى قاعدة: " إذا ضاق الأمر اتسع "
قال ابن أبي هريرة: " وضعت الأشياء في الأصول على أنها إذا ضاقت
اتسعت، وإذا اتسعت ضاقت "، فالحركة القليلة في الصلاة لما
اضطر إليها المكلف ويجد مشقة في تركها قد سومح فيها، والحركة
الكثيرة فيها لما لم تكن به حاجة لم يسامح بها، وكذا قليل دم
البراغيث يسامح به، دون كثيره.
وقلنا: إن كل مكلَّف يعتبر فقيه نفسه، هذا من حيث الجملة؛ العذر من مشقة، أو ضرورة، أو حاجة تختلف بحسب الأزمان
والأعمال، وقوة العزائم وضعفها، وليس كل الناس في تحمل
المشاق على حد سواء، فمثلاً: لو أصاب " زيداً " من المكلَّفين
(1/461)

مرض قد يتحمله دون حاجته إلى الأخذ بالترخيص، بينما لو أصاب
نفس المرض " عمراً "، فقد لا يتحمله فتكون الرخصة مشروعة
بالنسبة لعمرو، دون " زيد ".
وكذلك من كان من المضطرين معتاد على الصبر على الجوع، ولا
تختل حالته بسببه، فإنه لا يرخص له في أكل الميتة، بخلاف
الشخص الذي لا يستطيع الصبر على الجوع، فهذا يرخص له في
أكل الميتة؛ لأنه يخشى عليه من الهلاك، أو إلحاق ضرر به.
فعرفنا أن سبب الرخصة وهو العذر من مشقة، وضرر، وحاجة
ليس له ضابط معين، بل هو أمر إضافي بالنسبة إلى كل مخاطب،
فهو راجع إلى تقدير المشقة والحرج الذي يحصل للمكلف وإلى
اجتهاده في ذلك بحسب طاقته الخاصة.
ثم إنه ينبغي للمكلَّف أن يحتاط في اجتناب الرخص على حسب
الإمكان، بحيث لا يفعل شيئاً مرخصا فيه إلا بعد التأكد التام أنه
مضطر إليه.
أما تتبع الرخص لغرض التخفيف والتهرب عن كامل التكاليف
فهذا غير جائز.
***
المسألة السادسة: حكم الرخصة:
الرخصة قد تكون مباحة، وقد تكون واجبة، وقد تكون مندوبة،
وقد سبق بيان ذلك في أقسام الرخصة، وهذا مذهب الجمهور.
ولكن الشاطبي - رحمه اللَّه - ذكر أن حكمها: الإباحة مطلقا،
مستدلا على ذلك بما يلي:
الدليل الأول: قوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) ، وقوله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ) .
(1/462)

حيث إن هاتين الآيتين وغيرهما مما في معناهما قد دلَّت على رفع الإثم والحرج، ولم يرد فيها أمر يقتضي الإقدام على الرخصة، بل الذي ورد نفي الإثم والمؤاخذة على من ترك العزيمة.
الدليل الثاني: أن الرخص لو كانت مأموراً بها لكانت عزائم
لا رخصا، وإذا ثبت ذلك ظهر أن الجمع بين الأمر والرخصة جمع بين
متنافيين.
الدليل الثالث: أن الرخصة لغة التيسير والسهولة، ولا يستقيم
ذلك إلا إذا كان حكم الرخصة الإباحة لا غير.
بيان نوع الخلاف:
قلت: وفهم بعض الباحثين مما ذكره الشاطبي أن رأيه يخالف رأي
الجمهور غير صحيح؛ لأن رأيه يطابق ما ذكره الجمهور تمام المطابقة؟
حيث إن الجمهور أيضا يقولون بأن حكم الرخصة هو: الإباحة
مطلقا؛ لأن معناها التيسير والسهولة، وذلك بحصول الجواز للفعل
أو الترك، يرخص في الحرام بالإذن في فعله، وبالواجب بالإذن في
تركه، أما وصف الرخصة بالوجوب أو الندب أو غيرهما، فإنه أمر
زائد على معنى الرخصة، حيث يؤخذ من أدلة أخرى، ولهذا اقتصر
الكتاب العزيز على مجرد نفي الإثم والجناح، فعلمنا من ذلك الجواز
فقط، وقد صرَّح بذلك كثير من العلماء كالغزالي، وتاج الدين ابن
السبكي، والزركشي، والآمدي، وقد درست هذه المسألة في
كتابي: " الخلاف اللفظي عند الأصوليين "، فارجع إليه إن شئت.
-------------
هذا آخر المجلد الأول من كتاب " المهذب في علم أصول الفقه المقارن "
لفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور عبد الكريم بن علي بن محمد النملة
حفظه الله ونفع به الإسلام والمسلمين، ويليه المجلد الثاني إن شاء الله
وأوله: " أدلة الأحكام الشرعية "، وهو الباب الثالث
(1/463)