Advertisement

المهذب في علم أصول الفقه المقارن 002


المجلد الثاني
(2/464)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الباب الثالث في أدلة الأحكام الشرعية
إن الأحكام الشرعية السابقة - من وجوب، وندب، وإباحة،
وكراهة، وتحريم، وسبب، وشرط، ومانع،، وصحة وفساد، وعزيمة،
ورخصة، وأداء، وإعادة، وقضاء - لا يمكن أن تثبت ويعمل بها إلا
بدليل شرعي متفق عليه إجمالاً، أو مختلف فيه، لذلك عقدنا هذا
الباب بعد ذكرنا للأحكام الشرعية: التكليفية والوضعية من باب ذكر
الأثر، ثم ذكر المؤثر.
وللكلام عن الأدلة الشرعية بالتفصيل لا بد من عقد تمهيد، وفصلين:
أما التمهيد فهو في تعريف الدليل، وشموله للقطعي والظني.
أما الفصلان فهما:
الفصل الأول: في الأدلة المتفق عليها إجمالاً.
الفصل الثاني: في الأدلة المختلف فيها.
(2/465)

التمهيد في تعريف الدليل، وشموله للقطعي والظني
ويشتمل على المطلبين التاليين:
المطلب الأول: تعريف الدليل.
المطلب الثاني: هل الدليل شامل للقطعي والظني؛
(2/467)

المطلب الأول في تعريف الدليل
أولاً: الدليل لغة هو:
المرشد إلى المطلوب، ومنه: دليل القافلة، حيث إنه مرشدهم
إلى الطريق، وهو عام للناصب، والذاكر، وما به الإرشاد.
ثانيا: الدليل اصطلاحا هو:
ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.
شرح التعريف وبيان محترزاته:
المراد بقولنا: " ما " اسم موصول، وهو راجع إلى شيء،
والتقدير: " الشيء الذي يمكن التوصل بصحيح النظر فيه.. ".
وأتى بلفظ: " ما يمكن التوصل " للاحتراز عن التوصل بالفعل.
أى: أن ذكر الإمكَان في التعريف للتنبيه على أن الدليل من حيث
هو دليل لا يعتبر فيه التوصل بالفعل، بل يكفي إمكان التوصل.
فالدليل هو الذي يصح أن يستدل به، ويسترشد به، ويتوصل به
إلى المطلوب، وإن لم يتوصل به أحد، ولو كان اللَّه عَزَّ وجَل خلق
جماداً، ولم يستدل به أحد على أن له محدثا: لكان دليلاً وإن لم
يستدل به أحد، فالآية والحديث تسمى أدلة وإن لم يستدل بهما
أحد، فالدليل دليل لنفسه وإن لم يستدل به.
(2/469)

ولو قلنا: " ما توصلنا بصحيح النظر فيه إلى مطلوب " للزم من
ذلك خروج كل دليل لم ينظر فيه أحد.
والمراد بقولنا: " بصحيح النظر ": بيان وجه دلالة هذا الدليل
على المدلول.
والنظر هو: الفكر في حال المنظور فيه.
وخرج بهذه العبارة: النظر الفاسد؛ لأن النظر الفاسد لا يمكن أن
يتوصل به إلى مطلوب خبري؛ لأنه لا يصلح أن يكون آلة للتوصل
إلى شيء.
وقولنا: " مطلوب خبري " أي: ما يخبر به، وهو التصديق،
فيكون المطلوب التصوري خارجا عن هذا التعريف مثل: الأحوال
الشارحة، والحدود، والرسوم.
والمراد بالوصول إلى ذلك المطلوب الخبري: علمه، أو ظنه.
فعلى هذا: يكون الدليل عاماً وشاملاً لما يفيد القطع، والظن.
(2/470)

المطلب الثاني في هل الدليل شامل للقطعي والظني؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن الدليل عام وشامل لما يفيد القطع، ولما يفيد
الظن.
ذهب إلى ذلك كثير من العلماء.
وهو الصحيح عندي؛ لذلك عرفنا الدليل بما يعم القطعي والظني
كما سبق.
ودل على ذلك أمور ثلاثة:
الأول: أن حقيقة الدليل هي: ما أرشد إلى الشيء المطلوب،
وإذا كان الأمر كذلك فقد يرشدك مرة إلى العلم، ومرة إلى الظن،
وعلى هذا فيستحق اسم الدليل في الحالين.
الثاني: أن اللَّه عَزَّ وجَلَّ قد أوجب العمل بما يفيد الظن كما
أوجب العمل بما يفيد القطع، ولم يفرق بينهما في ذلك، فلزم أن
يكون ما يفيد الظن دليلاً، كالذي يفيد القطع.
الثالث: أن العرب لم تفرق - في كلامها - بين ما يوجب العلم
وبين ما يوجب الظن في إطلاق اسم الدليل، فلزم من ذلك التسوية
بينهما.
(2/471)

المذهب الثاني: أن الدليل اسم خاص لما يفيد القطع، أما ما يفيد
الظن فيسمى أمارة.
وذهب إلى ذلك كثير من العلماء، ومنهم: الغزالي، والآمدي،
وفخر الدين الرازي، والقرافي، وابن عقيل، والطوفي.
وقالوا: إن هذا اصطلاح لنا لإعطاء كل لفظ ما يفيده، ولا
مشاحة ولا حجر في الاصطلاح، ولا يلزم من كون العرب
لا تعرفه: منعه عرفاً.
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أن هذا الاصطلاح لكم في التفريق بينهما منع منه
أمور:
أولها: أننا لما نظرنا إلى حقيقة الدليل وجدنا أنها لم تفرق بينهما.
ثانيهما: أن الشارع لم يفرق بينهما في العمل.
ثالثها: أن العرب لم تفرق بينهما في كلامها.
الجواب الثاني: أن هذا الاصطلاح في التفريق بينهما يمكن أن يقبل
لو كان معمولاً به، ولكن - بعد تتبع واستقراء - كتب أصحاب
المذهب الثاني وجدناهم لا يلتزمون بهذا الاصطلاح، حيث إنهم
يسمون ما يفيد الظن دليلاً، ولا يفرقون بينه وبين ما يفيد القطع في
الإطلاق.
ولهذا قلت في كتابي " الخلاف اللفظي عند الأصوليين ": إن
الخلاف لفظي لا ثمرة له.
تنبيه: الدليل يطلق على البرهان، والأمارة، والآية، والحُجَّة،
والبيِّنة؛ لأنها - كلها - ترشدنا إلى مطلوب خبري.
(2/472)

الفصل الأول في الأدلة المتفق عليها إجمالاًَ
ويشتمل على المباحث التالية:
المبحث الأول: في الدليل الأول وهو: القرآن.
المبحث الثاني: في الدليل الثاني وهو: السُّنَّة.
المبحث الثالث.: في الدليل الثالث وهو: الإجماع.
المبحث الرابع: في الدليل الرابع وهو: القياس
(2/473)

المبحث الأول في الدليل الأول من الأدلة المتفق عليها إجمالاً وهو: الكتاب
ويشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: تعريف القرآن.
المطلب الثاني: في القراءة غير المتواترة " الشاذة ".
المطلب الثالث: وجود المجاز في القرآن.
المطلب الرابع: هل يوجد في القرآن ألفاظ بغير العربية؟
المطلب الخامس: في المحكم والمتشابه.
المطلب السادس: هل يوجد في القرآن مشترك لفظي؟
المطلب السابع: في النسخ.
(2/475)

المطلب الأول في تعريف القرآن
أولاً: القرآن لغة:
مصدر قرأ يقرأ قراءة وقرآنا، قال الشاعر:
ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يُقطع الليل تسبيحا وقرآنا
أي: يقطع الليل قراءة للقرآن.
وقال تعالى: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) أي:
قراءة الفجر.
ويُسمَّى المقروء قراءة عند العرب من باب تسمية المفعول باسم
المصدر كتسميتهم المشروب شربا، والمكتوب كتابا، وهكذا.
ثم اشتهر الاستعمال في هذا واقترن به العرف الشرعي، فصار
القرآن اسما لكلام اللَّه عَزَّ وجَلَّ.
ثانيا: القرآن اصطلاحاً هو:
" الكلام المنزل للإعجاز بسورة منه، أو أقل منها المتعبد بتلاوتها،.
شرح التعريف وبيان محترزاته:
قولنا: " الكلام " جنس يشمل كل كلام سواء كان من اللَّه، أو
من البشر، وسواء كان عربيا كالقرآن، أو أعجميا كالتوراة،
والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم.
(2/477)

قولنا: " المنزل " أي: الذي أنزله اللَّه تعالى على نبيه بألفاظه
ومعانيه، قال تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ) .
وخرج بلفظ: " المنزل " كلام البشر؛ حيث إنه لم ينزل.
قولنا: " للإعجاز " قيد أخرج الأحاديث كلها، سواء كانت
أحاديث قدسية، أو أحاديث نبوية، وخرج به - أيضا - التوراة،
والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم، فإن هذه لم يقصد منها
الإعجاز.
والإعجاز هو: قصد إظهار صدق دعوى النبي - صلى الله عليه وسلم - الرسالة عن اللَّه تعالى.
قولنا: " بسورة منه، أو أقل منها " لبيان أن أي سورة من سور
القرآن ولو كانت قصيرة، كسورة الإخلاص، أو أقل منها يحصل
بها الإعجاز، فلا يستطيع أحد مهما كان من الذكاء والفطنة
والفصاحة والبلاغة أن يأتي بمثلها.
قولنا: " المتعبَّد بتلاوته " قيد لإخراج الآيات المنسوخة اللفظ سواء
بقي حكمها أم لا، فهذه لا تعطى حكم القرآن.
(2/478)

المطلب الثاني في القراءة الشاذة " غير المتواترة "
ويشتمل على المسائل التالية:
المسألة الأولى: في بيان القراءة المتواترة وغير المتواترة "الشاذة"
المسألة الثانية: أمثلة للقراءة غير المتواترة.
المسألة الثالثة: هل القراءة غير المتواترة حُجَّة؟
المسألة الرابعة: هل تصح الصلاة بالقراءة الشاذة؟
(2/479)

المسألة الأولى: في بيان القراءة المتواترة وغير المتواترة "الشاذة ":
القراءة المتواترة هي: كل قراءة ساعدها خط المصحف، مع
صحة النقل فيها، ومجيئها على الفصيح من لغة العرب.
فلا بد أن تجتمع في القراءة تلك الشروط الثلاثة الواردة في
التعريف، فإذا اختل أحد هذه الشروط الثلاثة، فإن القراءة تكون
غير متواترة، وهي: الشاذة.
والقراءة المتواترة هي: قراءة السبعة وهم: " نافع بن عبد الرحمن
الليثي المدني "، و " عبد اللَّه بن كثير المكي "، و " زيان بن العلاء،
أبو عمرو البصري "، و " عبد اللَّه بن عامر الشامي اليحصبي "،
و"عاصم بن أبي النجود الكوفي "، و " حمزة بن حبيب بن عمارة
الزيات الكوفي "، و " علي بن حمزة الكسائي النحوي ".
وكذلك قراءة الثلاثة على الصحيح وهم: " يعقوب بن إسحاق
الحضرمي "، و " خلف بن هشام بن ثعلب الأسدي "،
و (أبو جعفر يزيد بن القعقاع ".
***
المسألة الثانية: أمثلة للقراءة غير المتواترة، وهي: الشاذة:
1 - قراءة عائشة وحفصة - رضي اللَّه عنهما -
: " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر ".
2 - قراءة ابن عباس - رضي اللَّه عنهما -
: " لا جناح عليكم أن تبتغوا فضلاً من ربكم في مواسم الحج ".
3 - قراءة ابن عباس - رضي اللَّه عنهما -
: " وأيقن أنه الفراق ".
(2/481)

4 - قراءة ابن مسعود - رضي اللَّه عنه -
فاقطعوا أيمانهما ".
5 - قراءة ابن مسعود - رضي اللَّه عنه -
متتابعات ".
6 - قراءة أُبي بن كعب - رضي اللَّه عنه -
نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فيهن ".
7 - قراءة أُبي بن كعب - رضي اللَّه عنه -
متتابعات ".
: " والسارق والسارقة
: " فصيام ثلاثة أيام
: " اللذين يؤلون من
: " فعدة من أيام أخر
***
المسألة الثالثة: هل القراءة غير المتواترة حُجَّة؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن القراءة غير المتواترة - الشاذة - حُجَّة، أي:
أنها تؤثر في الأحكام الفقهية نفياً وإثباتا.
ذهب إلى ذلك كثير من العلماء، ومنهم الإمام أبو حنيفة،
والإمام الشافعي في قول له، والإمام أحمد في رواية مشهورة عنه.
وهذا هو الصحيح عندي؛ لأن الناقل للقراءة الشاذة - وهو
الصحابي - أخبر أنه سمع ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - فالمنقول لا يخرج عن أمرين:
أولهما: إما أن يكون قرآنا.
ثانيهما: إما أن يكون خبراً عن - صلى الله عليه وسلم -.
فإن كان الأول - وهو كونه قرآنا - فيجب العمل به؛ لوجوب
العمل بكل ما جاء في القرآن الكريم.
(2/482)

وإن كان الثاني - وهو كونه خبراً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيجب العمل به - أيضا - لأن خبر الواحد العدل الثقة قد اتفق العلماء على العمل
فالمنقول - على التقديرين - يجب العمل به، وكل ما وجب
العمل به فهو حُجَّة.
المذهب الثاني: أن القراءة غير المتواترة ليست بحُجَّة، أي: لا
تؤثر في الأحكام الفقهية.
ذهب إلى ذلك: الإمام مالك في رواية مشهورة عنه، وهو ظاهر
مذهب الشافعي، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو الذي صححه
الآمدي، وابن الحاجب، وابن السمعاني، والنووي.
دليل هذا المذهب:
استدل هؤلاء بقولهم: إن الناقل للقراءة الشاذة لا يخلو من أمرين:
أولهما: إما أن ينقلها على أنها من القرآن.
ثانيهما: أو أنه ينقلها على أنها ليست من القرآن.
فإن كان الأول - وهو أنه نقلها على أنها من القرآن - فهذا باطل؛ اللَّه - تعالى - قد كلَّف رسوله أن يبلِّغ القرآن مجموعة من الأُمَّة
تقوم الحُجَّة بقولهم، ويحصل بخبرهم العلم القطعي، فليس للنبي
- صلى الله عليه وسلم - أن يناجي بأي آية من القرآن واحداً من الأُمة.
فإذا ثبت ذلك: فإن ما نقله هذا الواحد يكون خطأ وباطلاً؛ نظراً
لوروده عن واحد، وعلى هذا فلا يحتج به.
وإن كان الثاني - وهو أنه نقلها على أنها ليست من القرآن -
فيحتمل في ذلك احتمالين هما:
الاحتمال الأول: أنه قد أورد هذا المنقول في معرض البيان لما
(2/483)

اعتقده مذهبا، فقد يكون اعتقد التتابع - مثلاً - حملاً لهذا المطلق
في كفارة اليمين على المقيد بالتتابع في الظهار.
الاحتمال الثاني: أن يكون قد أورد هذا المنقول استناداً إلى خبر قد
سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال.
جوابه:
نجيب عن ذلك: بأن الاحتمال الأول - وهو كونه نقل ذلك بيانا
لمذهبه الخاص - بعيد جداً؛ لأن الصحابة الذين بذلوا النفس
والنفيس لإعلاء كلمة اللَّه تعالى، والذين اختارهم اللَّه لصحبة نبيه،
ولحمل هذه الشريعة إلى من بعدهم لا يظن بواحد منهم أن يجعل
رأيه ومذهبه الخاص به قرآنا، أو أنه يلبس فى ذلك، فهذا الاحتمال
باطل لا شك في ذلك.
فإذا بطل هذا الاحتمال: تعين الاحتمال الثانى وهو: أن هذا
الناقل قد أورد هذا المنقول استناداً إلى خبر سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، والخبر يجب العمل به.
بيان نوع هذا الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة خلاف معنوي؛ لأنه أثر في بعض المسائل
الفقهية، ومنها:
1 - هل يجب التتابع في صيام كفارة اليمين؟
أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إن القراءة الشاذة
حُجَّة - قالوا: إنه يجب التتابع مستدلين بقراءة ابن مسعود - رضي
الله عنه -: " فصيام ثلاثة أيام متتابعات ".
(2/484)

أما أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: إن القراءة الشاذة
ليست بحُجَّة - فقالوا: لا يجب التتابع.
2 - هل النفقة تجب على كل ذي رحم محرم؟
أصحاب المذهب الأول قالوا: إن النفقة تجب على كل ذي رحم
محرم محتجين بقراءة ابن مسعود - رضي اللَّه عنه -: " وعلى
الوارث ذي الرحم المحرم مثل ذلك ".
أما أصحاب المذهب الثاني فقالوا: إن النفقة لا تجب إلا على
الوالدين والمولودين.
***
المسألة الرابعة: هل تصح الصلاة بالقراءة الشاذة؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنها لا تصح الصلاة بالقراءة الشاذة.
وهو مذهب كثير من العلماء.
وهو الصحيح؛ لأن الصلاة لا تصح إلا بقرآن، والقرآن لا يكون
إلا متواتراً، وهذه القراءة لم يثبت أنها قرآن، وهي خارجة عن
الوجه الذي ثبت به القرآن، فلا تصح القراءة بها.
المذهب الثاني: أنه تصح الصلاة بالقراءة الشاذة.
ذهب إلى ذلك أبو حنيفة، وهو إحدى الروايتين للإمام مالك
وأحمد.
واستدل هؤلاء بقولهم: إن الصحابة كانوا يقرأون بهذه الحروف
في الصلاة، وكان بعضهم يصلي خلف أصحاب هذه القراءات.
(2/485)

جوابه:
نجيب عن ذلك بأن هذه دعوى تحتاج إلى دليل جزئي، وعلى
فرض ثبوت ذلك فقد يكون ذلك قد ثبت ذلك قبل العرضة الأخيرة،
وقبل إجماع الصحابة على المصحف العثماني، فيكون ذلك منسوخاَ
إما بالعرضة الأخيرة، أو بإجماع الصحابة على المصحف العثماني.
(2/486)

المطلب الثالث في وجود المجاز في القرآن
ويشتمل على مسألتين هما:
المسألة الأولى: في بيان الحقيقة والمجاز.
المسألة الثانية: خلاف العلماء في القرآن هل يوجد فيه مجاز؟
(2/487)

المسألة الأولى: بيان الحقيقة والمجاز:
الحقيقة هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له أصلاً كقولك: "رأيت
أسداً "، فإن الذهن ينصرف إلى أن لفظ " الأسد " المقصود به:
الحيوان المفترس.
والمجاز هو: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له أصلاً لقرينة
كقولك: " رأيت أسداً يخطب "، فإن الذهن ينصرف إلى أن لفظ
" الأسد " المقصود به: الرجل الشجاع، وذلك بسبب القرينة،
وهي كونه يخطب.
وسيأتي الكلام عن الحقيقة والمجاز بالتفصيل في الفصل السابع من
الباب الرابع الذي هو في الألفاظ ودلالتها على الأحكام.
***
المسألة الثانية: خلاف العلماء في القرآن هل يوجد فيه مجاز
أو لا؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن في القرآن مجازاً كما فيه حقيقة.
ذهب إلى ذلك الإمام أحمد في رواية صحيحة عنه، وهو مذهب
جمهور العلماء.
وهو الصحيح عندي؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: أن القرآن عربي نزل بلغة العرب، قال تعالى:
(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) ، وقال: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) ، ولغة
العرب يدخلها المجاز، فيكون القرآن قد اشتمل على المجاز؛ لأنه
نزل بلغتهم.
(2/489)

والدليل على أن لغة العرب يدخلها المجاز هو: وقوعه فيها،
فاستعمل العرب لفظ " الأسد " للرجل الشجاع، و " الحمار "
للرجل البليد، و " البحر " للرجل العالم، وقولهم: " قامت
الحرب على ساق "، وقال الشاعر:
أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغداة ومر العشي
فهنا نسب الشاعر فعل الشيب، والإفناء إلى تعاقب الأيام
والليالي، وهذا لا شك في أنه مجاز.
والأمثلة على ورود المجاز في لغة العرب كثيرة لا تكاد تحصى.
ما اعترض به على هذا الدليل:
لقد اعترض على هذا الدليل باعتراضين:
الاعتراض الأول: أن العرب عبروا عن الرجل الشجاع بالأسد،
وعن البليد بالحمار، ولكن هذا التعبير حقيقي.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا لا يصح؛ لأنه لو كان حقيقة فيه: لكان إذا
قال: " رأيت حماراً " أنه لا يسبق إلى فهمه الحمار المعهود، بل
الذي يسبق إلى الفهم: الرجل البليد والحمار المعهود معا.، فلما
سبق فهمه إلى الحيوان البهيم دلَّ على أنه مجاز في الرجل البليد،
وأيضا: أنه لما احتاج إلى قرينة دلَّ على أنه مجاز؛ لأن الحقيقة تفهم
بدون قرينة.
الاعتراض الثاني: الحقيقة قد عمَّت جميع الأشياء، فلا نحتاج
إلى المجاز، فلم يعبر به القرآن؛ لأنه لا يفيد، وبالتالي يكون
عبثاً.
(2/490)

جوابه:
نجيب عنه بأنا لا نُسَلِّمُ بأن المجاز لا فائدة فيه، بل فيه فوائد
كثير:، ومنها:
1 - أن الكلام بالمجاز أبلغ وأفصح من الكلام بالحقيقة أحياناً،
فمثلاً لو قال: " هذا بحر " يريد مدح آخر، أبلغ وأفصح من قوله:
" هذا رجل عالم بجميع العلوم ".
2 - أن الكلام في المجاز يفيد الاختصار في الكلام، فمثلاً لو
قال: " هذا الرجل أسد " أخصر من قوله: " هذا الرجل يشبه
الأسد في الشجاعة ".
وكذلك إذا أراد أن يصف نفسه يقول: " سل عني سيفي "، ولا
يقول: "سل عني علياً كيف فعلت وقتلت "، ولهذا قال تعالى:
(وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) ، ولم يقل: " واسأل أهل القرية " مع أنه هو
المقصود، وذلك لاختصار الكلام.
3 - أن الكلام في المجاز فيه تجنب ذكر ما يقبح ذكره كلفظ
"الخراءة "، فإنه حقيقة في الخارج المعتاد من الإنسان، فعدل عنه
الشارع إلى ذكر الغائط، أو قضاء الحاجة وهي مجاز.
ونحو ذلك مما سيأتي ذكره في أسباب العدول إلى المجاز، وذلك
في المطلب الخامس من المبحث الثاني من الفصل السابع من الباب
الرابع.
الدليل الثاني: أن المجاز وقع وورد في القرآن، بحيث يذكر
الشيء بخلاف ما وضع له، وهو إما زيادة، أو نقصان، أو
استعارة، أو تقديم، أو تأخير، من ذلك:
1 - قوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) ، فإن المراد: واسأل أهل
القرية؛ لامتناع توجيه السؤال إلى نفس القرية.
(2/491)

اعتراض على هذا:
اعترض أحدهم فقال: يجوز أن يأذن اللَّه تعالى للقرية أن تجيبهم.
جوابه:
نجيب عن ذلك: بأن اللَّه لم يخرج ذلك مخرج المعجزة، وإنما
أخرجه مخرج الخبر، وكل موضع في القرآن ذكر قرية فالمراد به أهل
القرية، مما يدل على ذلك قوله تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (8) ،
ومعروف أن نفس القرية ما عتت عن أمر ربها، وأنها لا تحاسب
حساباً شديداً، ولا تعذب، وإنما المراد أهل القرية.
2 - من ذلك قوله تعالى: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ) ،
ومعلوم أن الذل ليس له جناح حقيقة، فاستعاره له.
3 - ومن ذلك قوله تعالى: (جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ) ،
ومعروف أن الجدار لا إرادة له؛ لأن الإرادة يوصف بها من كان له
شعور، فاستعار الإرادة للجدار، وأريد به الميل القائم بالجدار.
4 - ومن ذلك قوله: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ)
والغائط - حقيقة - يطلق على المنخفض من الأرض، وسمي ما يخرج من
الإنسان من الأذى بالمكان استعارة.
5 - ومن ذلك قوله: (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا) والرأس لا يشتعل.
6 - ومن ذلك قوله: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ) والمقصود:
حب العجل.
7 - ومن ذلك قوله: (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ)
ومعروف أن الأصنام نفسها لا تضل أحداً.
(2/492)

اعتراض على ذلك:
اعترض بعضهم على ذلك بقوله: إنا نسلم أن الله قد استعمل في
تلك الآيات اللفظ في غير ما وضع له، ولكن لا نسميه مجازاً،
وإنما زيادة، ونقصان، واستعارة، وتقديم، وتأخير.
جوابه:
نجيب عنه بأنا نسميه مجازاً؛ لصدق تعريف المجاز عليه، وأنتم لا
تسمونه بذلك، وتسمونه باسم آخر، فيكون الخلاف في التسمية
واللفظ - فقط - فلا خلاف بيننا وبينكم إذن.
المذهب الثاني: أنه لا يوجد في القرآن مجاز، بل كله حقيقه.
وهو رواية عن الإمام أحمد، واختاره بعض الحنابلة كأبي الحسن
التميمي، وابن حامد، وبعض أهل الظاهر، والروافض.
أدلة أصحاب هذا المذهب:
الدليل الأول: أن القرآن حق، والحق لا يكون إلا حقيقة، فلا
يدخله المجاز.
جوابه:
نقول - في الجواب عنه -: لا نُسَلِّمُ لكم ذلك فقد يكون باطلاً،
ويكون حقيقة مثل: أن فرعون أخبر اللَّه تعالى عنه في القرآن قائلاً:
(وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب) ،
ومعلوم أن هذا باطل وإن كان حقيقة.
وقد يكون حقاً ولا يكون حقيقة مثل ما قال - صلى الله عليه وسلم -:
"يا أنجشة رفقاً بالقوارير " يقصد النساء، ومعروف أن كلام - صلى الله عليه وسلم - حق، لكن ليس هو حقيقة؛ لأن القوارير هي غير النساء.
(2/493)

الدليل الثاني: أنه لو كان في القرآن مجاز: لجاز أن يسمى الله
تعالى متجوزاً أو مستعيراً، فلما لم يجز أن يُسمَّى به: دلَّ على أن
القرآن لا يوجد فيه مجاز.
جوابه:
نجيب عنه: بأن أسماء اللَّه تعالى تثبت توقيفا، ولم تثبت اشتقاقا.
الدليل الثالث: أن المجاز فيه إيهام، فهو لا يفصح عن المراد فيقع
فيه الإشكال والإلباس، والقرآن لا يجوز أن يكون فيه تلبيس؛ لأن
الله وصفه بأنه بيان، حيث قال: (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) .
جوابه:
نجيب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أن التعبير بالمجاز يكون إلباسا لو لم توجد فرينة
تدل على المراد، لكن توجد قرينة في المجاز تدل على المراد، فدل
على أنه ليس فيه تلبيس.
الجواب الثاني: أن القرآن ليس كله بيانا، بل بعضه، والبعض
الآخر يحتاج إلى بيان كالمتشابه، والمجمل، ونحو ذلك، ويدل
على ذلك قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) ،
فلو كان جميعه بياناً لما احتاج إلى مبين.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي يرجع إلى تفسير الحقيقة ما
هي.
فإن كان المراد بها الحق، فقد أجمع العلماء على أنه لا مجاز في
(2/494)

القرآن؛ لأن المجاز مقابل الحقيقة، والحقيقة هي: الحق، فيكون
المقابل هو الباطل، وهذا نقطع بأنه لا يوجد في القرآن.
وإن كان المراد بالحقيقة: اللفظ المستعمل فيما وضع له أصلاً، فإنه
يوجد في القرآن مجاز؛ لأن المجاز مقابل الحقيقة، والحقيقة هي
اللفظ المستعمل فيما وضع له أصلاً، فيكون مقابله - وهو المجاز -
هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، وهذا يجيز القول بأن
القرآن مشتمل عليه؛ لأنه وقع فيه كما سبق في الآيات، ومنهم من
سماه بغير هذا الاسم، وهو المجاز، فيكون نزاع في عبارة،
أما المعنى فهو متفق عليه فيكون الخلاف لفظيا.
(2/495)

المطلب الرابع في هل يوجد في القرآن ألفاظ بغير العربية؟
اتفق العلماء على وجود أسماء غير عربية في القرآن مثل:
"إسرائيل "، و " جبريل "، و " عمران "، و " إبراهيم "، و " لوط "،
و"نوح ".
واتفق العلماء على أن الكلام المركب على أساليب غير العرب لا
يوجد في القرآن.
ولكنهم اختلفوا في الألفاظ بغير العربية هل توجد في القرآن؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يوجد في القرآن لفظ بغير العربية.
ذهب إلى ذلك: أبو بكر الباقلاني، وابن جرير الطبري، وأبو
عبيدة - معمر بن المثنى -، والباجي، وأبو يعلى، وأبو الخطاب،
ونسب إلى عامة الفقهاء والمتكلمين.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن اللَّه تعالى وصف القرآن بأنه عربي محض في
آيات كثيرة، منها قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) ، وقوله:
(وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا) ، وقوله: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) .
(2/497)

وقوله: (قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ) ، فلو كان فيه بعض
ألفاظ بغير العربية لما وصفه بأنه عربي.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ) .
وجه الدلالة: أن اللَّه صرح بأنه لا يوجد في القرآن لفظ بغير
العربية، فمعنى الآية: إنا جعلنا القرآن كله عربيا، لأنا لو جعلناه
أعجميا لقامت حُجَّة الكفار علينا، وقالوا: كيف يأتي قرآن
أعجمي، ونبي عربي؟! ولذلك أنزلناه عربيا محضا، لنقطع عليهم
قولهم هذا، فثبت أنه عربي محض لتقوم الحُجَّة به، ولئلا يتجه
لهم إنكاره.
الدليل الثالث: أن اللَّه تعالى أنزل هذا القرآن لبيان الأحكام
الشرعية.
ولبيان إعجازه لهم في أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور، أو بسورة
واحدة، قال تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِ) ، وقال: (قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ) ، وقال: (قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ) ، فقد تحداهم
بذلك وبأقل من ذلك، ويمتنع أن يتحداهم بما ليس من لسانهم ولا
يتقنونه؛ لأن هذا تكليف ما لا يطاق، كما لا يمكن أن يقال
لعجمي: " هات مثل المعلقات السبع "، أو مثل واحدة منها، أو
نحو ذلك.
كذلك هنا: لا يمكن أن يتحداهم إذا كان بألفاظ ليست عربية،
حيث إنه يمكن لأي واحد منهم أن يقول: " ليس هذا بلغة لنا،
وعجزنا عن الإتيان بمثله لا يدل على إعجازك وصدق نبوتك ".
(2/498)

فثبت بهذا: أن القرآن عربي محض لا يوجد فيه ألفاظ بغير
العربية، لأنه لو لم يكن كذلك لما صح هذا التحدي.
المذهب الثاني: أن القرآن فيه ألفاظ بغير العربية.
ذهب إلى ذلك ابن عباس وعكرمة - رضي اللَّه عنهم -،
ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، وهو اختيار ابن الحاجب،
وابن عبد الشكور.
دليل هذا المذهب:
استدل هؤلاء بالوقوع، حيث قالوا: إنه ثبت بعد التتبع للقرآن
وجود بعض الألفاظ فيه بغير العربية مثل: (ناشئة الليل) ،
حبشية، و (مشكاة) هندية، و (إستبرق) فارسية، روي ذلك
عن بعض الصحابة كابن عباس وعكرمة.
جوابه:
نجيب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أن كل ما ذكرتموه قد جاء بلغة أعجمية
بل بلغة عربية.
فلا نسلم أن (ناشئة الليل) حبشية، بل هي عربية، حيث إن
المراد: ساعات. الليل الناشئة، فاكتفى بالوصف عن الاسم،
فالتأنيث للفظ ساعة؛ لأن كل ساعة تحدث، وقيل: إن ناشئة الليل
هي: قيام الليل، قال ابن مسعود: الحبشة يقولون: نشأ أي:
قام، فلعله أراد أن الكلمة عربية، ولكنها شائعة في كلام الحبشة
غالبة عليهم.
ولا نسلم - أيضاً - أن (المشكاة) هندية، بل هي عربية،
(2/499)

حيث إن معناها: الكوة، وهي من كلام العرب، يدل على ذلك
أن الأنصاري وهو هندي أنكر كون المشكاة هندية، فقال في " فواتح
الرحموت ": " ثم كون المشكاة هندية غير ظاهر، فإن البراهمة
العارفين بأنحاء الهند لا يعرفونه ".
الجواب الثاني: أن تلك الألفاظ جاءت بلغة العرب، ووافق
وجود مثلها في كلام العجم، كما توافق اللسانان في كثير من
الألفاظ، فمثلاً تقول العرب: " سراج " وهو بالفارسية: " جراع "
وتقول العرب: " سماء "، وهو في العبرانية: " شما "، وتقول:
" سروال " وهو بالفارسية: " شروال "، وهكذا.
بيان القول الحق:
القول الحق عندي هو ما قاله أبو عبيد - القاسم بن سلام
البغدادي - كما ورد في " الصاحبي "، و " معترك الأقران "،
و"الإتقان في علوم القرآن "، و " المزهر " - وهو:
إن هذه الألفاظ التي ذكرها أصحاب المذهب الثاني أصولها أعجمية، لكن العرب استعملتها، فعربت بألسنتها، وحولتها عن ألفاظ العجم إلى
ألفاظها فهي عربية بهذا الوجه.
والسبب في ذلك: أن العرب العاربة التي نزل القرآن بلسانها
يقومون بتجارات إلى البلدان العجمية التي حولهم كرحلتي الصيف
والشتاء الخاصة بقريش ونحوها، فأخذ العرب من العجم بعض
ألفاظهم، وغيرت بعضها بالنقص من حروفها، وجرت إلى تخفيف
ثقل العجمة، واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها حتى جرت
مجرى اللغة العربية، ووقع بها البيان، وعلى هذا الحد نزل بها
القرآن.
(2/500)

بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة لفظي؛ لأن كل فريق نظر إلى اعتبار.
فأصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: لا يوجد في القرآن
لفظ بغير العربية - نظروا إلى ما يستعمله العرب من الألفاظ المشتهر
بينهم، سواء كانت ألفاظاً عربية محضة، أو كانت ألفاظاً معربة
بالاستعمال.
أما أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: يوجد في القرآن
ألفاظ بغير العربية - فإنهم نظروا إلى أصول الألفاظ المعربة
بالاستعمال.
وأيضاً لاتفاق أصحاب المذهبين على استواء أخذ الأحكام من
ألفاظ القرآن الكريم، سواء كانت ألفاظاً عربية ابتداء، أو كانت
ألفاظا معربة بالاستعمال.
(2/501)

المطلب الخامس في المحكم والمتشابه
ويشتمل على ما يلي:
المسألة الأولى: هل القرآن يشتمل على المحكم والمتشابه؟
المسألة الثانية: تعريف المحكم والمتشابه لغة.
المسألة الثالثة: المراد من المحكم والمتشابه اصطلاحاً.
المسألة الرابعة: هل يمكن إدراك علم المتشابه؟
(2/503)

المسألة الأولى: هل القرآن مشتمل على المحكم والمتشابه؟
اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن القرآن مشتمل لما هو محكم، وما هو متشابه.
وهذا مذهب الجمهور من العلماء.
وهو الصحيح عندي؛ لدليلين:
أولهما: قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ
مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) .
ثانيهما: الوقوع؛ حيث وقع في القرآن ما هو محكم وعرفنا
معناه، وما هو متشابه لم نعلم معناه.
المذهب الثاني: أن القرآن كله محكم، ولا يوجد فيه متشابه.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
قوله تعالى: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ) ، حيث صرح بأن جميع
آيات القرآن محكم، ولا توجد أيُّ آية متشابهة.
جوابه:
نجيب عنه بأن المقصود بالآية: أن الكتاب قد أحكمت آياته في
نظمها، ووضعها، وفصاحتها، وبلاغتها، وجزالة ألفاظها حتى
بلغ حد الإعجاز، بحيث لا يستطيع أحد من المخلوقين أن يأتي بمثل
آية منه، ونحن لا نبحث في ذلك.
المذهب الثالث: أن القرآن كله متشابه، ولا يوجد فيه محكم.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء.
(2/505)

دليل هذا المذهب:
قوله تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا) ، حيث إن
هذه الآية دلت على أن الكتاب كله متشابه، ولا يوجد فيه محكم.
جوابه:
نجيب عنه بأن المقصود بالآية: أن الكتاب متشابه أي: أن بعضه
يصدق بعضه الآخر، وذلك لتشابه معانيه، فهو غير متناقض.
وهذا لا نبحث فيه.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف بين المذاهب لفظي، لأنه اتضح خلال عرض أدلة المذهب
الثاني والثالث أنهم تكلموا وبحثوا في أمور ليس لها صلة فيما نحن
فيه، فهم في الحقيقة لم يخالفوا فيما نحن فيه.
***
المسألة الثانية: تعريف المحكم والمتشابه لغة:
أولاً: المحكم لغة: المتقن، يقال: " أحكمت الشيء أحكمه
إحكاماً ": إذا أتقنته، فكان في غاية ما يبتغي من الحكمة، ومنه:
" بناء محكم " أي: متقن وثابت يبعد انهدامه.
وهذا هو أقرب المعاني اللغوية لمقصود الأصوليين للمحكم هنا.
وقيل: المحكم هو: الرد والمنع، يقال: " أحكمت " أي:
رددت ومنعت، وسمي الحاكم حاكماً: لمنعه الظالم من الظلم،
وسمي لجام الفرس حكمة؛ لأنه يمنع الفرس من الاضطراب.
ثانيا: المتشابه لغة: الملتبس بغيره، مأخوذ من الشَّبه - بفتح الشين
والباء - والشبيه هو: ما بينه وبين غيره أمر مشترك فيشتبه ويلتبس به.
(2/506)

المسألة الثالثة: المراد من المحكم والمتشابه اصطلاحا:
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن المتشابه هو: ما ورد من صفات اللَّه تعالى في
القرآن مما يجب الإيمان به، ويحرم التعرض لتأويله وتفسيره،
والتصديق بأنه لا يعلم تأويله إلا اللَّه تعالى كوصفه سبحانه بالاستواء
الوارد في قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) ، واليد
الوارد في قوله: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) ، واليدين الوارد في قوله:
(بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) ، والعين الوارد في قوله: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) ،
والوجه الوارد في قوله: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ) ، وغير ذلك من
الصفات التي اتفق السلف على إقرارها، وإمرارها على ما هي عليه،
وترك تأويلها كما قال الإمام مالك - رحمه اللَّه - لما سئل عن
الاستواء الوارد في الآية السابقة -: الاستواء معلوم، والكيف
مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فلا يتعرض لهذه
الصفات بتأويل، ولا تشبيه، ولا تعطيل، ولا تحريف.
أما المحكم فهو ما أمكن معرفة المراد بظاهره، أو بدلالة تكشف
عنه، أو بأي طريق من طرق المعرفة.
ذهب إلى ذلك كثير من العلماء.
وهو الصحيح عندي، لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) .
وجه الدلالة: أن اللَّه ذم المبتغين لتأويل المتشابه ووصفهم بأنهم
(2/507)

يبتغون الفتنة، وسماهم أهل زيغ، ولا يذم إلا على تأويل الصفات
كما أجمع على ذلك السلف - رحمهم اللَّه -.
فلو كان المقصود بالمتشابه غير ذلك لما ذم اللَّه المبتغين لتأويله.
المذهب الثاني: أن المحكم هو: الذي اتضح معناه للعلماء
وغيرهم من طلاب العلم.
والمتشابه هو: ما علمه العلماء المحققون المدققون، وغمض على
غير العلماء كالآيات التي ظاهرها التعارض.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء كابن عقيل.
ومثَّل أصحاب هذا المذهب ببعض الآيات التي ظاهرها التعارض،
إليك إياها مع الجواب عنها:
1 - قالوا: إن قوله تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) يعارض
قوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) .
جوابه:
يجاب عنه: بأن الآية الأولى تحمل على التوحيد بدليل قوله
تعالى بعدها: (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) ، أما الآية الثانية
فإنها تحمل على أعمال وأفعال الجوارح.
2 - قالوا: إن قوله تعالى: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا)
يعارض قوله: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) .
جوابه:
يجاب عليه بأن المراد بالآية الأولى: لا تكسب شراً ولا إثما،
فاقتصر في هذه الآية على الشر، بخلاف الآية الثانية؛ حيث ذكر
فيها الشر والخير معا، وذكر ما يميز بينهما.
(2/508)

3 - قالوا: إن قوله تعالى: (ولا يكلمهم الله يوم القيامة)
يعارض قوله: (فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون) .
جوابه:
يجاب عنه بأنه لا تنافي بين الآيتين؛ حيث إن اللَّه تعالى نفى أن
يكلمهم في الآية الأولى كلام التلطف والإكرام، وأثبت سؤالهم في
الآية الثانية سؤال التوبيخ والإهانة.
4 - قالوا: إن قوله تعالى: (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة)
يعارض قوله: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) .
جوابه:
يجاب عنه بأن المراد بالعدل في الآية الأولى: العدل بين الزوجات
في توفية حقوقهن المادية والزمانية، وهذا ممكن الوقوع وعدمه،
والمراد بالآية الثانية: الميل القلبي، فالزوج الذي له زوجتان فأكثر لا
يملك ميل قلبه إلى بعض زوجاته دون بعض.
5 - قالوا: إن قوله تعالى: (هذا يوم لا ينطقون) يعارض
قوله: (قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا) ،
وقوله: (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) .
جوابه:
يجاب عنه: بأنهم لا ينطقون بحجة نافعة ومفيدة، ومن نطق بما
لا ينفع ولا يفيد فكأنه ما نطق،
قال الحسن - رحمهم اللَّه -: لا ينطقون بحجة وإن كانوا ينطقون.
فهنا قد علم العلماء ما غمض على غيرهم، وفسَّروا ذلك
التعارض لغير العالمين، وذلك بواسطة الأدلة والبراهين، فهؤلاء
(2/509)

يُمدحون، ولا يُذمون؛ لأن فعلهم هذا هو الطريق لمعرفة الأحكام،
وبيان أن القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والرد
على أعداء الإسلام القائلين: إن القرآن فيه تناقض.
المذهب الثالث: أن المحكم هو: الواضح الجلي الذي لا يحتاج
إلى غيره لبيانه وتفسيره كالنصوص، والظواهر؛ حيث إن ذلك في
غاية الإحكام والإتقان.
أما المتشابه فهو المجمل الذي لا يفهم منه عند الإطلاق معنى معين
فهو يحتاج - لمعرفة معناه - إلى تأمل، وتفكر، وتدبر، وقرائن
تبينه وتزيل إشكاله.
ذهب إلى ذلك الإمام أحمد في رواية عنه، والقاضي أبو يعلى،
وتلميذه أبو الخطاب، وصحَّحه أبو إسحاق الشيرازي.
دليل هذا المذهب:
استدل هؤلاء بقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) .
وجه الدلالة: أن اللَّه - تعالى - سمى المحكمات أم الكتاب،
وأم الشيء أصله الذي لم يتقدمه غيره كما قال الجوهري، فاقتضى
ذلك أن المحكم ما كان أصلاً بنفسه المستغني عن غيره، فلا يحتاج
إلى بيان.
أما المتشابه فهو ما خالف ذلك وهو: المفتقر إلى بيان، وهو
المجمل ونحوه مما لم يتضح معناه.
جوابه:
يجاب عنه: بأن المجتهد إذا شرع في تأوبل المجمل وغيره مما لم يتضح معناه،
(2/510)

ورجح - بالأدلة - أن يكون المقصود بذلك اللفظ هو
ذلك المعنى، وذلك الحكم فإنه يمدح، ولا يذم؛ لأن تأويله وفعله
هذا طريق إلى معرفة الأحكام وتوضيحها للناس، وتمييز الحلال من
الحرام لهم، والعلماء قديماً وحديثاً اهتموا ببيان المراد من اللفظ
المجمل، فلو كان من المتشابه لما تعرضوا لذلك؛ لأنهم أعلم الخلق
بالنواهي الشرعية.
المذهب الرابع: أن المحكم: ما عرف معناه وتفسيره، والمتشابه
هو: الذي لم نعلم معناه كالحروف المقطعة في أوائل السور مثل:
"ألم "، و " ص "، و " المص "، و " ن "، و " حم "، ونحو ذلك
مما لم يكن لأحد إلى علمه إلى سبيل مما استأثر اللَّه بعلمه دون خلقه.
روي ذلك عن جابر بن عبد اللَّه، وبعض التابعين كالشعبي،
وسفيان الثوري، ووصفه القرطبي بأنه أحسن - ما قيل في المتشابه.
جوابه:
يجاب عنه بأن اللَّه تعالى ذم من يتعرض لتأويل المتشابه - وذلك
في آية آل عمران السابقة - ولا يمكن أن يُذم من تعرض لبيان الحروف
المقطعة في أوائل السور، ويتلَمَّس الفوائد التي تحتها، والمعاني التي
تتخرج عليها، والعلماء قد تعرضوا لذلك، واجتهدوا لبيأن معانيها،
واختلفوا في ذلك على أقوال:
فقيل: إن كل حرف منها مأخوذ من اسم من أسماء اللَّه،
فالكاف من " كاف "، والهاء من " هاد "، والعين من " عليم "،
والصاد من " صادق " من قوله تعالى: (كهيعص) .
وقيل: إنها ذكرت كناية عن سائر حروف المعجم التي لا يخرج
(2/511)

عنها جميع كلام العرب، تنبيهاً على أنه ليس يخاطبهم إلا بلغتهم
وحروفهم.
وقيل: إن اللَّه تعالى أنزل هذه الأحرف مثل: " الم "،
و"كهعص "، و " ص "، وغيرها إبطالا لحساب اليهود، فإنهم
كانوا يحسبون هذه الأحرف حالة نزولها، ويردونها إلى حساب
الجمل، ويقولون: إن منتهى دولة الإسلام كذا، فأنزل اللَّه هذه
الأحرف تخبيطاً للحساب عليهم.
وقيل: إن تلك الحروف اسم اللَّه الأعظم إلا أنا لا نعرف تأليفه
منها.
وقيل: هي حروف دالة على أسماء أخذت منها، وحذفت بقيتها،
فالألف من " اللَّه "، واللام من " جبريل "، والميم من " محمد
- صلى الله عليه وسلم - "، وقيل غير ذلك
فلو كانت تلك الحروف المقطعة هي المتشابه، لما حرص العلماء
على بيان المراد منها، وتفسيرها؛ لأن العلماء يخشون اللَّه تعالى
ويخافونه أكثر من غيرهم، فلما تعرضوا لبيان المراد من تلك الحروف
اتضح أنها ليست من المتشابه الذي توعد اللَّه من يتعرض لتأويلها.
المذهب الخامس: المحكم هو: الوعد والوعيد، والحلال
والحرام، والأمر والنهي، والمتشابه هو: القصص والأمثال.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء، كما أورده السيوطي في "الإتقان".
دليل هذا المذهب:
أن المحكم: ما استفيد الحكم منه، والوعد والوعيد ونحوه - مما
ذكر - نستفيد الحكم منه، والمتشابه: ما لا يفيد حكما، وهذا حال
القصص والأمثال.
(2/512)

جوابه:
نجيب عنه: بأن مَنْ بيَّن أحكاما شرعية مأخوذة من تلك القصص
والأمثال، فإنه يُمدح، ولا يُذم كمن استدل بقصة يوسف عليه
السلام على مشروعية الجعالة، وذلك من قوله تعالى: (وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ) ، وكمن استدل بقصة موسى مع شعيب
عليهما السلام على جواز جعل المنفعة مهراً، وذلك من قوله تعالى:
(إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ) .
وهناك مذاهب أخرى في ذلك قد ذكرتها في كتابي " إتحاف ذوي
البصائر بشرح روضة الناظر "، فارجع إليه إن شئت.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ لأن كل أصحاب مذهب امتنع عن التعرض
للمتشابه بحسب اصطلاحهم؛ لئلا يكون داخلاً تحت الذم الذي
توعد اللَّه به من تعرض للمتشابه بالتأويل.
***
المسألة الرابعة: هل يمكن إدراك علم المتشابه؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن المتشابه لا يمكن إدراكه، ولا يعلم تأويله إلا
الله تعالى.
ذهب إلى ذلك كثير من الصحابة والتابعين، وهو مذهب جمهور
العلماء.
وهو الصحيح؛ لقوله تعالى:
(2/513)

(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) .
وجه الدلالة: أن الوقف الصحيح على قوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) ، والواو في قوله: (والراسخون) للابتداء والاستئناف، وإذا كان الأمر كذلك فإنه لا يعلم تأويل المتشابه إلا اللَّه تعالى، ولا يعلم غيره ذلك وإن كان من الراسخين في العلم.
الأدلة على ذلك:
لقد دلَّ على أن الوقف الصحيح على قوله: (إِلَّا اللَّهُ) ما يلي
من الأدلة:
الدليل الأول: لفظ الآية ومعناها دلا على أن الوقف الصحيح
على قوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) ، وإليك بيان ذلك:
أما الدليل من لفظ الآية على أن الوقف الصحيح على قوله:
(إِلَّا اللَّهُ) فهو: أن اللَّه تعالى لو أراد عطف الراسخين على لفظ
الجلالة وهو " اللَّه " سبحانه وتعالى لقال: " ويقولون آمنا به " بزيادة
" واو "، حيث إن جملة (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في
العلم) تكون جملة واحدة، ولفظ " يقولون " مستأنفة، فكان لابد
من الواو، ولكنه لم يقل: " ويقولون " -، بل قال: " يقولون "
بدون " واو " مما يدل على أن عبارة (يقولون آمنا به) مرتبطة بما
قبلها، وليس لها إلا أن تكون خبر عن مبتدأ.، وهو (الراسخون)
فينتج من ذلك أن " الواو " في قوله (والراسخون) للابتداء
والاستئناف، وإذا كان الأمر كذلك، فإن الوقف يكون على قوله:
(إِلَّا اللَّهُ) .
(2/514)

أما. الدليل ممت معنى الآية على أن الوقف الصحيح على قوله
تحالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) ، فمن وجوه هي كما يلي:
الوجه الأول: أن اللَّه - في الآية - قد ذم مبتغي تأويل المتشابه
والمتبعين لذلك؛ حيث إنهم وصفوا بزيغ القلوب، وابتغاء الفتنة،
ولو كان تأويل المتشابه معلوماً للراسخين في العلم: لكان مبتغي
تأويله ممدوحاً غير مذموم، فلما ذم اللَّه تعالى مبتغي التأويل: عرفنا
أن سبب ذلك الذم هو: كونه يزاحم اللَّه فيما استأثر بعلمه، فينتج
من ذلك: أن اللَّه هو المتفرد بعلم المتشابه، لا يشاركه فيه أحد،
وهذا يثبت المطلوب، وهو: أن الوقف على قوله: (إِلَّا اللَّهُ) .
الوجه الثاني: أن لفظة " أما " تأتي في اللغة لتفصيل الجمل،
فلابد أن يكون في سياقها قسمان، وهذان القسمان إما أن يصرح
بهما، أو يصرح بأحدهما، ويفهم الآخر تقديراً.
مثال الأول: قوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا) .
ومثال الثاني - وهو ما صرح بأحد القسمين دون الآخر - قوله
تعالى: (فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ) ، ولم يذكر القسم الثاني لدلالة المذكور عليه، فكأنه
قال: وأما من لم يؤمن ولم يعمل صالحاً فلا يكون من المفلحين.
والآية التي نحن بصددها من هذا القسم؛ حيث قال تعالى:
(فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) ، فهذا تمام القسم الأول، وذكْر هذا
القسم يدل دلالة واضحة على أن هناك قسماً آخر يخالفون من ذكروا
في هذا القسم - وهو القسم الثاني للفظة: " أما " تقديرة: وأما
(2/515)

غيرهم فيؤمنون بالتشابه ويقومون بتفويض معناه إلى اللَّه تعالى، دل
على ذلك قوله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) ، فكأنه قال: " وأما الراسخون في العلم فيقولون "، ولو
كان الراسخون في العلم يعلمون ويفهمون تأويل المتشابه لما خالفوا
القسم الأول في ابتغاء التأويل ولكانوا قسماً واحداً.
الخلاصة: أن اللَّه تعالى قسمهم إلى قسمين: قسم اتبع ما تشابه
من الكتاب يبتغون تأويله، فذمهم اللَّه تعالى، وقسم آمنوا بالمتشابه
وفوضوا معرفته إلى اللَّه، وأن ما يعلم تأويل المتشابه إلا هو سبحانه
وتعالى، فهؤلاء مدحهم، وهذا يدل على أن الوقف على قوله:
(إِلَّا اللَّهُ) .
الوجه الثالث: قول الراسخين في العلم: (آمنا به) يدل دلالة
واضحة على أنهم فوضوا علم المتشابه إلى اللَّه تعالى، وسلموا ذلك
إليه سبحانه، وبينوا أن ذلك من علم الغيب الذي استأثر اللَّه بعلمه،
فيدل ذلك على أن الراسخين في العلم لم يدركوا معنى المتشابه،
فمعنى قوله: (آمنا به) أي: صدقنا به؛ لأن الإيمان هو التصديق،
ولم يقل: والراسخون في العلم يقولون: علمنا به.
الوجه الرابع: قول الراسخين في العلم: (كل من عند ربنا)
بعد قولهم: (آمنا به) ؛ حيث إن ذلك يقوي ذلك التفويض،
والتسليم لأمره وإن لم يعلموا معناه.
والمراد من ذلك: أن الراسخين في العلم قالوا: إن المحكم الذي
أدركنا معناه، وفهمنا المراد منه، والمتشابه الذي لم نفهم معناه، ولم
ندرك المراد منه كلاهما من عند اللَّه، فنحن نؤمن بهما معاً، دون أن
(2/516)

نفرق بين ما علمنا وبين ما لم نعلم، إلا أن المحكم نؤمن به عن فهم
وإدراك المراد، أما التشابه فإنا نؤمن به عن تفويض وتسليم.
الدليل الثاني - من الأدلة على أن الوقف الصحيح على قوله:
(إلا الله) - ما روي عن بعض الصحابة من القراءات التي تدل على
أن الوقف الصحيح على قوله: (إلا الله) ؛ حيث روي عن ابن
عباس أنه قرأ: " وما يعلم تأويله إلا اللَّه ويقول الراسخون في العلم
آمنا به "، وروي عن أبي أنه قرأ: " ويقول الراسخون في العلم آمنا
به "، وروي عن ابن مسعود أنه قرأ: " إن تأويله إلا عند الله
والراسخون يقولون ".
وهذه الروايات عن هؤلاء الصحابة إن ثبتت أنها قراءة فهي حُجَّة -
كما قلنا فيما سبق - وإن لم تثبت قراءة فهي خبر، وإن لم يثبت
ذلك فهي تفسير من صحابي فيقبل؛ حيث إن كلامه يقدم - في
الشرع - على من هو دونه؛ لأن الصحابة شاهدوا التنزيل،
وحضروا النبي - صلى الله عليه وسلم - فهم أعلم من غيرهم في ذلك.
المذهب الثاني: أن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه،
ويدركون معناه.
روي ذلك عن مجاهد والضحاك، وذهب إليه أبو إسحاق
الشيرازي، والمعتزلة، وأبو الحسن الأشعري، والآمدي، والنووي،
وابن الحاجب.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا
الله والراسخون في العلم يقولون) ، حيث قالوا: إن " الواو " في
قوله: (والراسخون) عاطفة، فعلى هذا يكون الراسخون في
العلم يعلمون تأويله؛ إذ لو كان الراسخون في العلم لا يعلمون
(2/517)

المتشابه لما كان لهم على العامة فضيلة ومزية؛ لأن كلًّا من الراسخين
في العلم والعامة يقولون: (آمنا به) .
جوابه:
نجيب عن ذلك بأن اللَّه تعالى قد جعل للراسخين في العلم فضيلة
ومزية عن طريق علمهم بالآيات المحكمة، وفهمهم لها وبيانها للناس،
وتوضيح ما التبس منها لهم، ولهم أجر على ذلك كما هو معلوم،
ثم إن الراسخين في العلم قد علموا ما ورد عن اللَّه سبحانه وتعالى،
دون الوقوف على كنه ذاته وصفاته، ولم يخرجهم ذلك عن كونهم
من الراسخين في العلم.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة لفظي؛ وذلك لأن هذا الخلاف راجع إلى
مقصد، ومراد كل من الطرفين، فأصحاب المذهب الأول - وهم
القائلون: إن الراسخين في العلم لا يعلمون المتشابه - أرادوا بذلك:
أنهم لا يعلمون حقيقة المتشابه، وإنما ذلك إلى اللَّه تعالى.
وأصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: إنهم يعلمون تأويل
المتشابه - أرادوا بذلك أنهم يعلمون ظاهره، ولا يعلمون حقيقته.
فالاتفاق حاصل على أن الراسخين في العلم لا يعلمون حقيقة
المتشابه؛ لأن علم ذلك قد استأثر اللَّه به.
قال ابن تيمية - رحمه اللَّه -: " وكلا القولين حق، فمن قال:
لا يعلم تأويله إلا اللَّه فمراده: ما يؤول إليه الكلام من الحقائق التي
لا يعلمها إلا اللَّه، ومن قال: إن الراسخين في العلم يعلمون
التأويل فالمراد به: تفسير القرآن الذي بيَّنه الرسول والصحابة ".
(2/518)

المطلب السادس هل يوجد في القرآن مشترك لفظي؟
اللفظ المشترك هو: اللفظ الواحد الموضوع لمعنيين فأكثر وضعاً
أولاً، وسيأتي إن شاء اللَّه بيان ذلك مع ذكر مسائله في الفصل الرابع
من الباب الرابع الذي هو في " الألفاظ ودلالتها على الأحكام "
وبما أني - الآن - أتكلم عن القرآن وما يخصه من مباحث، فإنه
لزاماً عليّ أن أبين هذا الموضوع، وهو: هل يوجد في القرآن
مشترك لفظي؛ فأقول:
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يوجد في القرآن مشترك لفظي.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وهو الصحيح؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن القرآن نزل بلغة العرب، قال تعالى: (بلسان
عربي مبين) ، ولغة العرب يرد فيها المشترك، فيكون القرآن قد
اشتمل على المشترك؛ لأنه نزل بلغتهم.
والدليل على أن لغة العرب يرد فيها المشترك: التردد في المراد من
لفظ " القرء "، و " العين "، و " الشفق "، و " الجون "،
و"الجلل "، وإذا تردد الذهن بين معنيين فهو علامة الاشتراك، فمثلاً:
أطلق أهل اللغة: " القرء " على الطهر والحيض وهما ضدان، فدل
على وقوع الاشتراك في اللغة.
(2/519)

الدليل الثاني: أن المشترك اللفظي قد وقع في القرآن، بحيث يرد
اللفظ فيه فيتردد الذهن بين معنيين له أو أكثر.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) ،
والقرء يصلح للطهر والحيض.
فجاء لفظ " القرء " بمعنى الطهر فى قول الأعشى:
أفي كل عام أنت جاشم غزوة ... تشد لأقصاها عزيم عزائكا
مورثة عزاً وفي الحي رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا
أي: ضيع أطهارهن في غزواته، فالقرء هنا: الطهر.
وجاء لفظ " القرء " بمعنى: الحيض في قول الشاعر:
يا رب ذي طعن علي فارض ... له قروء كقروء الحائض
أي: أنه لما طعن كان له دم كدم الحائض.
وبسبب هذا اللفظ المشترك اختلف العلماء في عدة المطلقة الحائض
على رأيين:
الرأي الأول: أن عدتها ثلاث حيضات؛ استناداً إلى أن المراد بالقرء
الوارد في الآية هو: الحيض.
الرأي الثاني: أن عدتها ثلاثة أطهار؛ استناداً إلى أن المراد بالقرء
الوارد في الآية هو: الطهر.
واستدل كل فريق من العلماء بأدلة قد ذكرت أكثرها في " إتحاف
ذوي البصائر بشرح روضة الناظر "، فراجعه من هناك.
ومن ذلك - أي: من الألفاظ المشتركة الواردة في القرآن - قوله
تعالى: (والليل إذا عسعس) ، فإن لفظ " عسعس " يأتي بمعنى
"أقبل "، و " أدبر " على سبيل الاشتراك ذكره الجوهري في الصحاح.
(2/520)

اعتراض على ذلك:
اعترض معترض قائلاً: إن القرء ليس مشتركاً بين " الطهر "،
و"الحيض "، بل هو موضوع للقدر المشترك بينهما، واختلف في
تعيين ذلك المشترك على أقوال.
أولها: أنه " الجمع " من قول القائل: " قريت الماء في
الحوض ": إذا جمعته فيه، والدم يجتمع في زمن الطهر في الجسد،
وفي زمن الحيض في الرحم.
ثانيها: أنه الانتقال، فالانتقال يُسمَّى قرءاً لغة، فالحائض تنتقل
من الطهر للحيض، وتنتقل من الحيض للطهر.
ثالثها: أنه الزمان تقول العرب: " جاءت الريح لقرئها " أي:
لزمانها، والحيض له زمان، والطهر له زمان، فسميا قرءاً لذلك.
وكذلك قالوا: إن لفط " عسعس " ليس مشتركا، بل هو
متواطئ، نظراً للقدر المشترك بينهما، وهو: اختلاط الظلام بالضياء.
وفعلوا ذلك في كل مشترك فردوا ذلك إلى التواطؤ، أو الحقيقة
والمجاز.
جوابه:
نجيب عن ذلك الاعتراض: بأن هذه التأويلات يمكن أن تسوغ
وتقبل لو امتنع ثبوت المشترك في اللغة، ولكن الحقيقة: أن لفظ
"القرء " ولفظ " عسعس " من الألفاظ المشتركة، وهذا ثابت في
اللغة كما سبق بيان ذلك، وهذه التأويلات التي ذكرها المانعون من
ثبوت المشترك متكلَّفة، وليس لأحد أن يتعسف التأويل.
(2/521)

المذهب الثاني: أنه لا يوجد في القرآن مشترك.
نسب هذا المذهب إلى داود الظاهري.
دليل هذا المذهب:
استدل من ذهب إلى هذا المذهب بقوله: إن المشترك لو وقع في
القرآن لوقع إما مبيَّناً بأن يذكر معه قرينة تفيد المعنى المراد من المعاني
كما يقال - مثلاً -: " ثلاثة قروء وهي الأطهار ": فيلزم التطويل
بغير فائدة " لأنه يمكن أن يعبر عن ذلك المعنى بلفظ مفرد وضع له
فقط.
وإما أن يقع المشترك غير مبيَّن فيكون غير مفيد - حيث إنه لم
يحصل المقصود وهو: الفهم التفصيلي - وغير المفيد لا يقع به
الخطاب، ولو وقع لكان عبثاً، والله عَزَّ وجَلَّ منزه عن العبث.
جوابه:
نجيب عنه: بأنا لا نسلِّم أنه إذا وقع غير مبيَّن لم يكن مفيداً،
وإنما يلزم ذلك أن لو كانت الفائدة منحصرة في الفهم التفصيلي وهو:
ممنوع، وذلك لأن غير المبيَّن في القرآن مفيد، وهو إما أن يقع في
الأحكام، أو يقع في غير الأحكام.
فإن وقع في الأحكام ففائدته الاستعداد للامتثال إذا بين.
وإن وقع في غير الأحكام ففائدته مثل الفائدة في أسماء الأجناس
وهو الفهم الإجمالي.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة لفظي " لأنه راجع إلى اصطلاح كل من
الفريقين.
(2/522)

المطلب السابع في النسخ
النسخ يلحق الكتاب والسُّنَّة معاً، ولكن جعلناه من مباحث القرآن؟
لأنه أخص به بسبب إشكاله وغموضه بالنسبة إليه.
وقد شمل الكلام عن النسخ المسائل التالية:
المسألة الأولى: تعريفه لغة.
المسألة الثانية: هل النسخ حقيقة في الإزالة مجاز في النقل، أو العكس؟
المسألة الثالثة: تعريف النسخ اصطلاحاً، واختلاف العلماء هل هو
رفع أو بيان؟
المسألة الرابعة: شروط النسخ.
المسألة الخامسة: وجه الاتفاق بين النسخ والتخصيص.
المسألة السادسة: الفروق بين النسخ والتخصيص.
المسألة السابعة: هل النسخ جائز عقلاً؟
المسألة التامنة: هل النسخ جائز شرعا؟
المسألة التاسعة: حكمة النسخ.
المسألة العاشرة: بيان أن النسخ قليل في الشريعة.
(2/523)

المسألة الحادية عشرة: الأحكام التي يتناولها النسخ، والأحكام التي لا
يتناولها.
المسألة الثانية عشرة: هل يجوز نسخ لفظ الآية دون حكمها وبالعكس
ونسخهما معا؟
المسألة الثالثة عشرة: النسخ قبل التمكن من الفعل.
المسألة الرابعة عشرة: الزيادة على النص هل هي نسخ أو لا؟
المسألة الخامسة عشرة: نسخ جزء من أجزاء العبادة، أو شرط من
شروطها.
المسألة السادسة عشرة: نسخ الحكم إلى غير بدل.
المسألة السابعة عشرة: النسخ با لأخف، والمساوي، والأثقل.
المسألة الثامنة عشرة: إذا بلغ الناسخ النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يبلغ بعض الأمة فهل يثبت في حق من لم يبلغهم ذلك الناسخ؟
المسألة التاسعة عشرة: نسخ القرآن بالقرآن.
المسألة العشرون: نسخ السُّنَّة المتواترة بالسُّنَّة المتواترة.
المسألة الحادية والعشرون: نسخ يسُنَّة الآحاد بسُنَّة الآحاد.
المسألة الثانية والعشرون: نسخ يسُنَّة الآحاد بالسُّنَّة المتواترة.
المسألة الثالثة والعشرون: نسخ السُنَّة بالقرآن.
المسألة الرابعة والعشرون: نسخ القرآن بالسُّئة المتواترة.
المسألة الخامسة والعشرون: هل يجوز نسخ القرآن والسُّنَّة المتواترة
بخبر الواحد؟
(2/524)

المسألة السادسة والعشرون: هل يكون الإجماع منسوخا؟
المسألة السابعة والعشرون: هل يكون الإجماع ناسخا؟
المسألة الثامنة والعشرون: هل يكون القياس منسوخا وناسخا؟
المسألة التاسعة والعشرون: إذا نسخ حكم الأصل فهل ينسحْ حكم
الفرع تبعا لذلك؟
المسألة الثلاثون: مفهوم الموافقة هل يقع ناسخا ومنسوخا؟
المسألة الواحدة والثلاثون: مفهوم المخالفة هل يفع منسوخا؟
المسألة الثانية والثلاثون: مفهوم المخالفة هل يقع ناسخا؟
المسألة الثالثة والثلاثون: كيفية معرفة الناسخ والمنسوخ.
(2/525)

المسألة الأولى: تعريف النسخ لغة:
النسخ لغة يطلق على إطلاقين هما:
الإطلاق الأول: يطلق ويراد به الإزالة والرفع، ومنه قولهم:
"نسخت الشمس الظل "، أي: أزالته ورفعته، وهذا مثال النسخ
إلى بدل.
ومنه أيضاً قولهم: " نسخت الريح الأثر " أي: رفع الريح آثار
القوم وأزالتها، وهذا مثال النسخ إلى غير بدل.
الإطلاق الثاني: النسخ يطلق ويراد به لغة النقل مع بقاء الأول،
ومنه قولهم: " نسخت الكتاب " أي: نقلت ما فيه، مع بقاء
الأصل.
***
المسألة الثانية: هل النسخ حقيقة في الإزالة مجاز في النقل أو العكس؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن النسخ يطلق على الإزالة والنقل حقيقة
بالاشتراك المعنوي.
ذهب إلى ذلك ابن المنير في " شرح البرهان ".
بيان الاشتراك المعنوي هنا:
أن بين نسخ الشمس الظل ونسخ الكتاب قدراً مشتركاً، وهو:
الرفع؛ حيث إن الرفع في نسخ الظل واضح؛ لأنه زال بضده.
(2/527)

أما الرفع في نسخ الكتاب فهو مقدر؛ حيث إن الكلام المنقول
بالكتابة لم يكن مستفاداً إلا من الأصل، فكان للأصل بالإفادة
خصوصية، فإذا نسخت الأصل ارتفعت تلك الخصوصية، وارتفاع
الأصل والخصوصية سواء في مسمى الرفع.
وهذا المذهب هو الحق عندي، لسلامته من المجاز، ومن
الاشتراك اللفظي اللذين هما على خلاف الأصل، بيان ذلك:
أن المجاز خلاف الأصل، لأنه يحتاج إلى قرينة عند استعمال
المعنى المجازي تمنع من استعماله في المعنى الحقيقي، بينما الحقيقة لا
تحتاج إليها، لأن الأصل في الكلام الحقيقة.
كذلك الاشتراك اللفظي خلاف الأصل، لأن الأصل عدم تعدد
الوضع، ولأن الاشتراك اللفظي يحتاج إلى قرينة ترجح أحد معنييه.
فيكون النسخ يطلق على الإزالة والنقل حقيقة بالاشتراك المعنوي،
لأنه لا يحتاج إلى قرينة، فإذا دار اللفظ بين الاشتراك اللفظي
والاشتراك المعنوي قدم الاشتراك المعنوي، لأنه هو الأصل، لأن
الأصل عدم تعدد الوضع ولعدم احتياجه إلى قرينة، وإذا دار اللفظ
بين الحقيقة والمجاز قدمت الحقيقة، لأنها هي الأصل، والمجاز
خلاف الاءصل.
المذهب الثاني: أن النسخ يطلق حقيقة على الإزالة، ويطلق على
النقل مجازاً.
ذهب إلى ذلك كثير من العلماء، ومنهم: فخر الدين الرازي،
والبرماوي وغيرهما.
دليل هذا المذهب:
أن النسخ مستعمل في إطلاقين هما: "الإزالة" و " النقل "،
(2/528)

ولا ثالث لهما، فإذا كان إطلاق اسم النسخ على النقل في قولهم:
"نسخت الكتاب " مجازاً؛ لأن ما في الكتاب لم ينقل حقيقة، بل
نقل مجازاً: لزم أن يكون حقيقة في الإزالة؛ لأنه إذا بطل كونه
حقيقة في أحدهما تعين أن يكون حقيقة في الآخر.
المذهب الثالث: أن النسخ يطلق عليهما حقيقة بالاشتراك اللفظي.
ذهب إلى ذلك القاضي أبو بكر الباقلاني، والغزالي، والقاضي
عبد الوهاب المالكي.
دليل هذا المذهب:
أن النسخ استعمل في الإزالة والنقل، وأطلق عليهما معا في لسان
العرب، والأصل في الإطلاق الحقيقة، وليس أحدهما بأوْلى من
الآخر.
الجواب عن المذهبين السابقين:
نجيب عنهما: بأن المجاز والاشتراك اللفظى خلاف الأصل - كما
بينا فيما سبق - فلا يقاوم ذلك الاشتراك المعنوي؛ لأنه موافق
للأصل، وقد سبق بيان ذلك.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف لفظي؛ لعدم تأثيره في الفروع الفقهية.
***
المسألة الثالثة: تعريف النسخ اصطلاحا، واختلاف العلماء
هل هو رفع أو بيان؟
لقد ذكر العلماء تعريفات للنسخ، ومن أهمها:
(2/529)

التعريف الأول: أنه: رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متأخر عنه.
اختار ذلك: القاضي أبو بكر الباقلاني، والغزالي، وأبو إسحاق الشيرازي، والآمدي، وابن الحاجب، والتبريزي.
وهو الحق عندي؛ لكونه جامعاً مانعاً، وإليك بيان وشرح ذلك:
إن هناك حكماً قد ثبت بخطاب شرعي متقدم، فجاء خطاب آخر
من الشارع - فجأة - وهو متأخر عن الأول فرفع ذلك الحكم مثل:
أن اللَّه تعالى حكم بأن عدة المتوفى عنها زوجها حول كامل، وذلك
بخطاب شرعي وهو قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) بعد ذلك بزمن
رفع هذا الحكم بخطاب متأخر عنه، وهو قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) .
فالرفع هو إزالة ذلك الحكم على وجه لولا هذا الرفع لبقي الحكم
ثاشاً مستمراً يعمل به.
فالنسخ - إذن - قطع لدوام الحكم فجأة، لا بيان انتهاء مدته.
وهناك فرق بين قطع دوام الحكم، وبين انتهاء المدة، يتبين ذلك
الفرق إذا فرقنا بين فسخ الإجارة، وانقضاء مدتها، بيان ذلك:
الإجارة هي: عقد على منفعة لسنة كاملة - مثلاً - فإذا رفعت
الإجارة بالفسخ، فإن ذلك يغاير زوالها بانقضاء مدتها؛ لأن فسخ
الإجارة: قطع لدوامها لسبب خفي عن المتعاقدين عند ابتداء العقد.
أما إنقضاء مدة الإجارة فهو ارتفاع حكمها لسبب قد علمه
(2/530)

المتعاقدان عند ابتداء العقد وهو: " انقضاء الأجل "، وهو انتهاء
السنة.
فلو استأجر منزلاً لسنة كاملة، فإن المستأجر والمؤجر يعلمان - عند
ابتداء العقد - أنه عند انتهاء السنة سيرتفع حكم الإجارة، ولو انهدم
المنزل في أثناء السنة فإن للمستأجر الفسخ مع عدم علمه عند ابتداء
العقد بانهدام المنزل.
فكذلك يقاس على ذلك نسخ الحكم، وهو قطع دوام الحكم،
لا بيان انتهائه.
فنسخ الحكم فجأة مثل فسخ الإجارة.
أما انتهاء مدة الحكم فإنه لا يسمى نسخا، كما أن انقضاء مدة
الإجارة لا يسمى فسخا.
ولقد عبرنا بلفظ " الثابت " لبيان أنه يشترط في الحكم الأول أن
يكون ثابتا، لأن ما لا ثبات له لا حاجة إلى رفعه؛ لأنه أصلا لم
تنشغل الذمة به.
ولقد عبرنا بلفظ " الخطاب " ولم نعبر بلفظ " النص "؛ لأن لفظ
" الخطاب " شامل للفظ، والفحوى، والمفهوم؛ لأن النسخ يجوز
بجميع ذلك.
وعبرنا بلفظ " رفع الحكم " ولم نعبر بعبارة: " رفع الأمر والنهي "
وذلك ليتناول الأمر والنهي والخبر، وجميع أنواع الحكم من واجب
ومندوب ومكروه ومباح وحرام، فإن جميع ذلك قد ينسخ.
وقد قيدنا التعريف بالخطاب المتقدم؛ لبيان أنه إذا زال حكم العقل
بإيجاب العبادات ابتداء كالصلاة والزكاة والحج ونحو ذلك، فإن هذا
(2/531)

لا يسمى نسخاً؛ لأن الحكم المرفوع - وهو حكم العقل، أو حكم
النفي الأصلي - لم يكن ثابتا بخطاب من الشارع متقدم، بل هو
ثابت بالأصل؛ لأن الأصل براءة الذمة.
وقيدنا التعريف بالخطاب المتأخر للاحتراز من زوال الحكم بدون
خطاب كالموت والجنون؛ لأنه من المعلوم: أن من مات أو جن فإن
التكاليف ترتفع عنه، ولا يسمى ذلك نسخاً؛ لأن رفع الحكم عنهما
لم يكن بخطاب، بل بسبب الموت والجنون.
وقلنا: " بخطاب متأخر عنه " لبيان أنه يشترط: تأخر الخطاب
الثاني - وهو الناسخ - عن الخطاب الأول المثبت للحكم الأول
المنسوخ.
واشتراط التأخر - هنا - لإخراج المخصِّصات المتصلة، كالشرط،
والغاية، والاستثناء.
مثال الشرط قولك: " أنت طالق إن دخلت الدار "، فإن قولك:
" إن دخلت الدار " شرط قد رفع حكم عموم وقوع الطلاق الذي
دلَّ عليه قوله: " أنت طالق "، وهذا لا يسمى نسخا وإن كان رفعا
لحكم بخطاب؛ لأن الخطاب غير متأخر.
ومثال الغاية قوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) ، فإن
مجيء الليل لا يكون نسخاً للصوم؛ لأنه وإن كان رفعاً لحكم
بخطاب إلا أن هذا الخطاب غير متأخر، بل هو متصل، فهو قد
انتهى بانتهاء غاية الحكم وانقضاء وقته.
ومثال الاستثناء قولك: " أنت طالق ثلاثا إلا واحدة "، فإن هذا
الاستثناء قد رفع عموم الطلاق الثلاث حتى ردَّه إلى اثنتين، فهذا
(2/532)

رفع لحكم بخطاب، ولكن لا يسمى نسخاً؛ لأن الخطاب غير
متأخر عنه، بل هو متصل.
الحاصل: أنه يكون الخطاب الرافع ناسخا إذا ورد هذا الرافع بعد
أن ثبت الحكم المراد نسخه واستقر، بحيث يدوم لولا هذا الرافع.
أما إذا اتصل الرافع بالمنسوخ، فإنه يكون بيانا وإتماماً لمعنى
الكلام.
اعتراض على هذا التعريف:
قال كثير من المعتزلة: إن تحديد النسخ بـ " الرفع " لا يصح؟
لأدلة هي كما يلي:
الدليل الأول: قالوا: إن النسخ بمعنى الرفع يدل على البَداء -
وهو: الظهور بعد أن لم يكن - والبَداء محال في حق اللَّه تعالى؟
حيث إننا لو قلنا به في حق اللَّه تعالى فإنه يلزم منه: أن اللَّه لما حكم
بشيء بدا له وظهر له - فيما بعد - أن هذا الحكم خطأ ثم ندم عليه
وهذا محال في حق اللَّه تعالى.
جوابه:
نجيب عنه بثلاثة أجوبة هي كما يلي:
الجواب الأول: أنا نقطع بعدم لزوم البَداء من رفع الحكم،
وذلك لأنا نقطع بكمال علم اللَّه تعالى، والبَداء ينافي كمال العلم؟
لأنه يستلزم الجهل المحض، لأن البَداء - كما قلنا - هو: ظهور
الشيء بعد أن كان خافياً.
الجواب الثاني: نحن لا نقول: إن اللَّه تعالى كان قد خفي عليه
شيء في الأول وظهر في الثاني، وإنما نقول: إنه خاطب بهذا
(2/533)

الخطاب وهو يعلم بأنه سيسقطه عن العباد بعد مدة من الزمان، فهو
سبحانه علم أن مصلحة العباد تقتضي هذا الحكم في هذا الزمان بعينه
وهو مفسدة لهم في زمن ثاني، فلما انتهى الزمن الأول رفع ذلك
الحكم عنهم، وهذا ليس ببداء.
الجواب الثالث: أن اللَّه سبحانه خلق الخلق على صفات مختلفة،
فخلق الإنسان على صفة ثم نقله إلى صفة أخرى؛ حيث إنه خلقه
طفلاً ثم رجلاً ثم شيبة، فإذا كان يفعل ذلك وهو لا يسمى بَداءً،
فإن ما نحن فيه مثله، حيث إنه أنزل علينا حكما فعملنا به مدة، ثم
نقلنا إلى حكم آخر فلا يسمى ذلك بَداء.
الدليل الثاني: قالوا: إن خطاب اللَّه تعالى قديم، والقديم لا
يصح رفعه، لأن الرفع نقل وإزالة وتغيير، وكل ذلك محال على
القديم.
جوابه:
نجيب عنه: بأنه ليس معنى النسخ رفع الخطاب نفسه، بل المراد
بالنسخ: رفع وقطع تعفُق الخطاب بالمكلَّف؛ قياسا على المكلف إذا
طرأ عليه طارئ مثل: أن يصاب بجنون، فإن تعلق الخطاب بهذا
المكلف يزول بسبب هذا الطارئ، ثم إذا زال الجنون وأصبح قادراً
على القيام بما كلف به عاد إليه تعلق الخطاب به، فالخطاب نفسه لم
يتغير، حيث إنه باق على ما هو عليه من حيث ذاته، فالجنون
- مثلاً - سبب من جهة المخاطب بقطع تعلق الخطاب عنه.
فكذلك النسخ سبب من جهة المخاطب بقطع تعلُّق الخطاب بهؤلاء
المكلَّفين.
الدليل الثالث: قالوا: إن تحديد النسخ بالرفع يؤدي إلى تناقض
(2/534)

الله في أحكامه، حيث إنه من جهة إثبات الحكم فإنه قد أمر به وأراد
وجوده وشرعه، ومن جهة رفع الحكم فإنه قد نهى عنه، ولم يرد
وجوده ولا شرعه.
فلزم من ذلك: أن يكون الحكم الواحد مراداً وغير مراد ولا معنى
للتناقض إلا هذا.
جوابه:
نجيب عنه: بأن هذا مبني على أن الأمر مشروط بالإرادة وهذا
باطل؛ لأن الأمر - عندنا - يفارق الإرادة بدليل: أن اللَّه - تعالى -
قد أمر إبراهيم - عليه السلام - بذبح ولده ولم يرده منه، وأمر
إبليس بالسجود ولم يرده منه؛ لأنه لو أراد ذلك لوقع؛ فإن الله
تعالى فعال لما يريد.
فالله تعالى قد يأمر بالشيء ولا يريد وقوع ووجود المأمور به، فلا
تناقض بين الأمر بالشيء وكونه غير مراد الوقوع والوجود.
الدليل الرابع: قالوا: إن الحكم المنسوخ إنما أثبته اللَّه تعالى لحسنه
وصلاحيته للمكلَّفين فيمتنع رفعه، لأن رفعه - بالنهي عنه - يلزم منه
أن ينقلب الحسن قبيحا، لأنه لولا قبحه وعدم صلاحيته لما رفع.
جوابه:
نجيب عنه بجوابين:
أولهما: أن هذا مبني على قاعدة وهي: " التحسين والتقبيح
العقليين " وهي باطلة عندنا، لأن العقل لا مدخل له في الشرعيات،
فالشارع هو اللَّه تعالى، فما أمر به يكون حسنا، وما نهى عنه يكون
قبيحاً.
(2/535)

ثانيهما: أن الشيء قد يكون حسنا في وقت، وقبيحاً في وقت
آخر، فإذا أمر اللَّه تعالى في هذا الوقت بحكم فإنه يكون حسنا وفيه
مصلحة للعباد، وإذا نهى عنه في وقت آخر يكون قبيحاً وفيه مفسدة
على العباد، وهذا ليس فيه انقلاب الحسن إلى القبيح لمن دقق فيه.
التعريف الثاني: أن النسخ: النص الدال على انتهاء أمد الحكم
الشرعي مع التأخير عن مورده.
اختاره: الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، وإمام الحرمين، وفخر
الدين الرازي، والقرافي، وجماعة من المعتزلة، ونسب إلى الفقهاء.
شرح التعريف:
إن الحكم المنسوخ مغيا بغاية معينة ينتهي إليها، وله مدة معلومة
محدودة، فإذا جاءت تلك الغاية ينتهي العمل به بذاته، والنسخ
كشف هذا الانتهاء.
فأصحاب هذا التعريف يجعلون النسخ بيانا، أي: أن الخطاب
الثاني بين وكشف أن الأزمنة بعده لم يكن ثبوت الحكم فيها مراداً من
الخطاب الأول، كما أن التخصيص في الأعيان كذلك.
سبب اختيار هؤلاء لهذا التعريف:
إن هؤلاء اختاروا هذا التعريف وعدلوا عن التعريف الأول لسبب
وهو: أن الحكم راجع إلى كلام اللَّه - تعالى - وهو قديم،
والقديم لا يرفع ولا يزال.
جوابه:
نجيب عنه بأن المرفوع ليس نفس الخطاب، بل إن المرفوع هو
تعلق الخطاب بالمكلف فقط، وقد بيَّنا ذلك فيما سبق.
(2/536)

* ما يمكن الاعتراض به على هذا التعريف:
يعترض على هذا التعريف بما يلي:
الاعتراض الأول: أن هذا التعريف قد جعل النسخ تخصيصا
زمانياً.
أي: أن الخطاب الثاني قد كشف وبيَّن أن الأزمنة بعده لم يكن
ثبوت الحكم فيها مراداً من الخطاب الأول، كما أن التخصيص في
الأعيان كذلك، ومعلوم أن النسخ يختلف عن التخصيص كما سيأتي
بيان ذلك إن شاء اللَّه.
الاعتراض الثاني: أن التعريف غير جامع لأفراد المعرف؛ لأنه لا
يشمل " النسخ قبل التمكن من الفعل والامتثال "؛ لعدم دخول وقته؟
حيث إن عبارة: " ... الدال على انتهاء أمد الحكم الشرعي "
تشعر بأن الحكم الذي بين أمده قد دخل وقت العمل به، فيكون
الفعل الذي لم يدخل وقت العمل به غير داخل في التعريف.
ومقتضى هذا: أن النسخ قبل التمكن من الفعل غير جائز، وهذا
مخالف للقول الحق، وهو جواز النسخ قبل التمكن من الفعل
ووقوعه كنسخ أمر إبراهيم - عليه السلام - بذبح ابنه، ونسخ
الخمسين صلاة، كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه تعالى.
بيان نوع الخلاف في هذا:
أصحاب التعريف الأول قالوا: إن النسخ رفع، وأصحاب
التعريف الثاني قالوا: إن النسخ بيان فما نوع هذا الخلاف؟
أقول - في الجواب عن ذلك -: إن الخلاف لفظي؛ لاتفاق
الفريقين على أن الحكم الأول له انعدام، وتحقق انعدامه لانعدام
متعلقه، لا لانعدام ذات الحكم.
(2/537)

ولاتفاق الفريقين - أيضاً - على أن الحكم المتأخر اللاحق لا بد أن
يكون منافياً للأول؛ وأن وجوده يتحقق عدم الأول.
ولاتفاق الفريقين - أيضاً - على أنه ليس كل الأحكام مؤقتة في
علم اللَّه، وأنه ليس كل الأحكام مؤبدة، فلا يمكن لأحد الفريقين:
أن يجزم بأنها مؤبدة، أو مؤقتة مطلقاً؛ فلا يستطيع أحد أن يقول:
إن الخطاب المطلق في علمه تعالى كان مقيداً بالدوام، أو يقول:
كان ذلك الخطاب مخصصا ببعض الأزمنة.
ثم إن أصحاب التعريف الثاني - وهم القائلون: إن النسخ بيان -
قد جوَّزوا نسخ الحكم المؤقت قبل مجيء وقته - كما سيأتي بيانه -
وهذا لا يمكن إلا إذا كان رفعاً.
فالحكم الشرعي له عمر عند اللَّه تعالى مقدّر، وأجل معين،
والله تعالى يعلم هذا الأجل، فإذا جاء ذلك الأجل أنزل حكما
اَخر، وارتفع الحكم الأول، فالحكم المنسوخ قد مات بأجله، وذلك
بإماتة اللَّه تعالى له، وبيان وظهور الإماتة ليس إلا بهذا الرفع.
فيكون في حق صاحب الشرع بيان محض لمدة الحكم المطلق الذي
كان معلوماً عند اللَّه تعالى، إلا أنه أطلقه، فصار ظاهر البقاء في
حق البشر، فكان تبديلاً - في حقنا، بيانا في حق الشارع.
أو تقول - في تعليل كون الخلاف لفظيا -: إن القائلين بأن
النسخ رفع يثبتون معه بيانا، وأن القائلين بأن النسخ بيان يثبتون معه
رفعاً؛ وذلك لأن القائلين بأنه بيان لا ينازعون في أن الحكم المنسوخ
كان قبل النسخ ثابتا، وهو بعد النسخ غير ثابت، وإنما أنكروا رفعا
يناقض الإثبات ويجامعه.
والقائلون بأن النسخ رفع لا ينازعون في أن المكلَّفين كانوا على
(2/538)

ظن بأن الحكم لا ينسخ بناء على أن الغالب في الأحكام القرار وعدم
النسخ، ثم تبيَّن لهم بالنسخ أن اللَّه - تعالى - أراد من الأول نسخه
في الزمان المخصوص؛ لأن الإرادة قديمة ولا بد منها اتفاقا، فالتقى
المذهبان.
***
المسألة الرابعة: شروط النسخ:
لعله قد اتضح لك من شرحنا للتعريف الأول وهو الذي اخترناه
الشروط التي ينبغي أن تتوفر في النسخ، وإليك أهمها:
الشرط الأول: أن يكون الحكم المنسوخ قد ثبت بخطاب متقدم.
أما الحكم الثابت بدليل العقل أو البراءة كان يتعارف الناس على
شيء فيفعلونه كاستباحتهم الخمر في أول الإسلام على عادة كانت
لهم فرفع ذلك، فإن ذلك ليس بنسخ؛ لأنه لم يثبت بخطاب متقدم.
الشرط الثاني: أن يكون الحكم المنسوخ مطلقا لم يُحدد بمدة
معلومة، فيأتي الناسخ فجأةً دون انتظار من المكلَّفين.
الشرط الثالث: أن يكون الناسخ خطابا شرعيا، فإن ارتفع الحكم
بموت المكلَّف، أو جنونه، أو غير ذلك من عوارض الأهلية فليس
هذا بنسخ، وإنما سقط التكليف بسبب ذلك العارض.
الشرط الرابع: أن يكون الناسخ منفصلاً عن المنسوخ متأخر عنه،
فإن كان النص قد اقترن بعضه ببعض كالشرط، والغاية، والاستثناء،
فليس بنسخ؛ حيث يكون تخصيصا.
وهناك شروط مختلف فيها سنذكرها أثناء بحث المسائل التفصيلية
للنسخ.
(2/539)

المسألة الخامسة: وجه الاتفاق بين النسخ والتخصيص:
النسخ قد سبق تعريفه وهو: رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم،
بخطاب متأخر عنه.
أما التخصيص فهو: " قصر اللفظ مطلقا على بعض مسماه "،
أو تقول: " هو قصر العام على بعض مسمياته "، أو هو: إخراج ما
تناوله الخطاب عنه ".
فإذا دققنا النظر في تعريف النسخ وتعريف التخصيص، فإنا نجد
أنهما يشتركان ويتفقان في أن كل واحد منهما يوجب إخراج بعض ما
تناوله اللفظ لغة، أي: أن كلًّا منهما فيه قصر للحكم على بعض
مشتملاته إلا أن النسخ: قصر للحكم على بعض الأزمان،
والتخصيص: قصر للحكم على بعض أفراده.
***
المسألة السادسة: الفروق بين النسخ والتخصيص:
مع اتفاقهما - فيما سبق - إلا أن بينهما فروقا هي كما يلي:
الفرق الأول: أن التخصيص يبين أن ما خرج عن العموم - وهو
المخصوص - لم يكن المتكلم قد أراد بلفظه الدلالة عليه.
بخلاف النسخ، فإنه يدل على أن ما خرج - وهو المنسوخ - لم
يرد التكليف به، وإن كان قد أراد بلفظه الدلالة عليه.
الفرق الثاني: أن النسخ يشترط فيه أن يكون الناسخ متأخراً عن
المنسوخ بخلاف التخصيص، فلا يشترط ذلك فيه: فيجوز أن يكون
المخصِّص مقترنا مع العام كالتخصيص بالصفة، والشرط، والغاية،
والاستثناء، ويجوز أن يكون المخصِّص متأخراً عن العام.
(2/540)

الفرق الثالث: أن التخصيص لا يدخل ولا يرد على الأمر بمأمور
واحد مثل: " أكرم زيداً "؛ لأنه لا يكون إلا من متعدد.
بخلاف النسخ، فإنه يجوز وروده على الأمر بمأمور واحد كما
نسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى البيت الحرام.
الفرق الرابع: أن التخصيص تبقى معه دلالة اللفظ العام على ما
تحته حقيقة على رأي الجمهور، أو مجازاً على رأي أبي ثور وعيسى
ابن أبان فيما عدا الصورة المخصَّصة، بخلاف النسخ فلا يبقى معه
دلالة اللفظ على ما تحته.
أي: أن العام يبقى حُجَّة فيما بقي بعد التخصيص، فلا يخرج
العام عن الاحتجاج به مطلقا في مستقل الزمان، فإنه يبقى معمولاً
به فيما عدا الصورة المخصوصة.
أما النسخ فإنه يبطل الدليل المنسوخ حكمه عن العمل به في
مستقبل الزمان بالكلية، وذلك عندما يرد النسخ على الأمر بمأمور
واحد.
الفرق الخامس: أنه لا يجوز تخصيص شريعة بشريعة أخرى،
ويجوز نسخ شريعة بشريعة أخرى.
الفرق السادس: أن التخصيص لا يكون إلا لبعض أفراد العام.
أما النسخ فقد يرفع جميع أفراد العام، وقد يرفع بعض أفراده.
الفرق السابع: أن التخصيص لا يرد إلا على العام.
بخلاف النسخ، فإنه يرد على العام والخاص.
الفرق الثامن: أن التخصيص يجوز بالأدلة النقلية كالكتاب
(2/541)

والسُّنَّة، ويجوز بالأدلة العقلية كالقياس، ويجوز بالقرائن الحالية،
والقرائن المقالية.
بخلاف النسخ، فإنه لا يجوز إلا بالأدلة النقلية كالكتاب والسُّنَّة.
الفرق التاسع: أن العام المقطوع بدليله يجوز أن يُخصص بمقطوع
مثله، ويجوز أن يخصص بمظنون كالقياس، وخبر الواحد ونحوهما
من الأدلة المخصصة.
بخلاف النسخ، فإن الحكم المقطوع بدليله لا ينسخ إلا بقاطع مثله.
***
المسألة السابعة هل النسخ جائز عقلاً؟
النسخ جائز عقلاً للأدلة التالية:
الدليل الأول: أنا نعلم بصحة تحريك الجسم بعد تسكينه، وتفريقه
بعد جمعه، وإماتته بعد إحيائه.، وليس في الأمر بالشيء بعد النهي
عنه إلا ما في تحريك الجسم بعد تسكينه، وتبييضه بعد تسويده وإذا
كان ذلك كله من جملة الجائز، وجب أن يكون الأمر بالشيء بعد
النهي عنه من جملة الجائز، وهذا هو النسخ.
الدليل الثاني: أنا نعلم اختلاف المصلحة باختلاف الأزمان، فلا
يمتنع أن يأمر اللَّه - تعالى - بالفعل في زمان لعلمه - سبحانه - أن
العباد لهم مصلحة فيه في هذا الزمن، ثم ينهاهم عنه ويحرمه عليهم
في زمن آخر لعلمه - سبحانه - أن العباد لو عملوا بذلك الفعل في
هذا الزمن الثاني لترتب عليه مفسدة، كما يفعل الطبيب بالمريض؟
حيث يأمره باستعمال دواء خاص في بعض الأزمنة، وينهاه عنه في
زمن آخر بسبب اختلاف المصلحة.
(2/542)

الدليل الثالث: أنه لا يمتنع عقلاً أن يأمر اللَّه تعالى بالشيء ثم
ينسخه، سواء نسخ قبل الفعل، أو بعده للامتحان والابتلاء، فمن
فعل الشيء قبل نسخه، أو عزم على فعله، أو استعد للامتثال، أو
ظهرت عليه أي علامة تدل على استعداده لامتثال ذلك الأمر قبل أن
ينسخ: فإنه يثاب.
ومن لم يمتثل، ولم تظهر عليه أيُّ علامة للامتثال فإنه يأثم.
الدليل الرابع: أنه إذا جاز أن يطلق الأمر ثم يسقطه بالعجز
والمرض جاز أن يطلق الأمر ويسقطه بخطاب آخر.
الدليل الخامس: أنه إذا جاز أن يخلق اللَّه - تعالى - خلقا على
صفة، ثم بنقله إلى صفة أخرى: مثل أن يخلقه طفلاً، ثم ينقله
إلى الشباب، ثم إلى الكهولة، ثم إلى الشيخوخة، ثم إلى الوت
من غير اختيار للعبد، ولم يكن ذلك قبيحا في شرع ولا عقل،
فوجب أن يجوز - هنا - أن يكلف اللَّه خلقه بعبادة ثم ينقلهم عنها.
المسألة الثامنة: هل النسخ جائز شرعاً؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن النسخ جائز شرعا.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وهو الصحيح؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: إجماع الصحابة، فقد أجمعوا على أن شريعة
محمد - صلى الله عليه وسلم - ناسخة لجميع الشرائع السابقة إما بالكلية، وإما فيما
(2/543)

يخالفها فيه، فالأحكام التي كانت عليهم لا تلزمنا، ولسنا مطالبين
بها إذا لم يرد بها شرعنا.
الدليل الثاني: وقوع النسخ في الشريعة، والوقوع دليل الجواز:
فقد وقع في شريعتنا نسخ بعض الأحكام بعد ثبوتها، ومنها:
1 - أنه نسخ وجوب التربص حولاً كاملاً عن المتوفى عنها زوجها
بالتربص أربعة أشهر وعشراً، قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) ، ثم
قال: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) .
2 - أنه نسخ وجوب التوجه إلى بيت المقدس باستقبال الكعبة،
قال اللَّه تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا) ، وقال: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) .
3 - أنه نسخ صوم يوم عاشوراء بصوم رمضان.
4 - أنه نسخ وجوب ثبات الواحد للعشرة، فقال تعالى: (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) نسخ ذلك بقوله: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) .
وهناك أمثلة كثيرة ستأتي أثناء كلامنا عن بقية مسائل النسخ.
الدليل الثالث: قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى بيَّن أنه إذا نسخ آية أورد مكانها آية
أخرى، وكلام اللَّه صدق، فالنسخ جائز.
وسبب نزول الآية يؤيد ذلك: حيث إن سببها هو: أن اليهود
عابوا على رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - تحوله عن بيت المقدس إلى البيت الحرام،
(2/544)

وقالوا: إن محمداً يأمر بالشيء ثم ينهى عنه، فأنزل اللَّه تعالى تلك
الآية رداً عليهم، فهذا يدل دلالة واضحة على جواز النسخ؛ لأنها
ردت عليهم في شيء عابوه قد وقع فعلاً.
ما اعترض به على الاستدلال بهذه الآية:
الاعتراض الأول: أن المراد من النسخ - في هذه الآية -:
الإزالة، ونسخ الآية إزالتها عن اللوح المحفوظ.
جوابه:
يجاب عنه بأنا لا نُسَلِّمُ ذلك، لأنه معلوم أن القرآن كله خير من
غير تفاوت فيه، فلو كان المراد من نسخ الآية إزالتها عن اللوح
المحفوظ، وكتابة آية أخرى بدلها: لما تحقق هذا الوصف - وهي
الخيرية بالنسبة لنا - وإنما تتحقق الخيرية بالنسبة إلينا فيما يرجع إلى
أحكام الآيات المرفوعة عنا والموضوعة علينا من حيث إن بعض
الأحكام قد يكون أخف من بعض فيما يرجع إلى تحمل المشقة، أو
أن ثواب البعض أجزل من ثواب البعض الآخر من الأحكام - على
خلاف بين العلماء - فوجب حمل النسخ على أحكام الآيات
الموجودة في المصحف لا على ما ذكره المعترض.
الاعتراض الثاني: أنه ليس المراد من الآية النسخ، وإنما المراد
التخصيص.
جوابه:
يجاب عنه بأن هذا غير صحيح لأمرين:
أولهما: أن لفظ الآية هو: " ما ننسخ "، والنسخ غير التخصيص،
فكل واحد منهما له مفهوم يخالف الآخر كما سبق بيان ذلك.
(2/545)

ثانيهما: أن التخصيص لا يستدعي بدلاً مثله، أو خيراً منه، وإنما
التخصيص بيان للكلام.
الدليل الرابع: قوله تعالى: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ) .
وجه الدلالة: أن التبديل عام وشامل للرفع والإثبات، والمرفوع
إما تلاوة، وإما حكم، وكيفما كان فهو نسخ.
المذهب الثاني: أن النسخ ممتنع شرعاً.
نسب هذا المذهب إلى أبي مسلم الأصفهاني - محمد بن بحر
المتوفى عام 422 هـ.
دليل هذا المذهب:
استدل على ذلك بقوله تعالى: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) .
وجه الاستدلال: أن النسخ باطل؛ لأن فيه إلغاء للحكم
المنسوخ، فلو وقع في القرآن لأتاه الباطل، وفى ذلك تكذيب لخبر
الله تعالى، والكذب محال في خبره.
جوابه:
يجاب عنه بأن الآية لا تدل على أن النسخ ممتنع؛ لأمرين:
أولهما: أن معنى الآية: أنه لم يتقدم على القرآن من كتب اللَّه ما
يبطله، ولا يأتي من بعده من كتب اللَّه ما يبطله، وهذا ليس فيه
معارضة في أنه ينسخ بعضه بعضاً.
ثانيهما: أن النسخ إبطال، وليس بباطل؛ لأن الباطل ضد
الحق، والنسخ حق، فهو إبطال العمل بالحكم المنسوخ.
(2/546)

بيان نوع الخلاف:
ابن دقيق العيد، وابن السمعاني، وابن الحاجب، وتاج الدين
ابن السبكي، وغيرهم ممن تعرضوا لذلك يذكرون أن الخلاف بين
الجمهور وأبي مسلم الأصفهاني لفظي.
والقول الحق عندي التفصيل، وبيانه:
أن العلماء الذين بلغهم مذهب أبي مسلم اختلفوا في مراده على
أقوال:
فقيل: إنه لا ينكر حقيقة النسخ، لكن لا يسميه بهذا الاسم،
بل يسميه تخصيصا زمنيا.
وقيل: إنه ينكره، وهو باطل عنده، وقيل: ينكره في شريعة
واحدة - فقط -، وقيل: ينكره في القرآن خاصة.
والراجح عندي هو الأول - وهو: أنه يسميه تخصيصا زمنيا -
لأمرين:
أولهما: أنه لا يتصور من مسلم إنكار النسخ؛ لأن النسخ من
ضروريات هذه الشريعة؛ إذ هو ثابت وواقع.
ثانيهما: أن أبا مسلم مؤمن بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -، ومقر بأن التعبد بشرع من قبله من الأنبياء السابقين إنما هو مغيًّا إلى حين ظهور نبينا
محمد - صلى الله عليه وسلم -، وعند ظهوره - صلى الله عليه وسلم - زال التعبد بشرع من قبله لانتهاء الغاية، ولو لم يقر بذلك لانتفت عنه صفة الإسلام.
وإذا كان يسميه تخصيصا فالخلاف لفظي؛ لأن النسخ تخصيص
في أزمان الخكم، ومعروف أن تخصيص الأزمان كتخصيص
الأشخاص، فمعنى النسخ وحقيقته قد اتقق عليه بين الجمهور وأبي مسلم.
(2/547)

لكن الجمهور يسمونه نسخا، وأبا مسلم يسميه تخصيصا،
فكل منسوخ عنده فيها مغيًّا عنده في علم اللَّه تعالى إلى ورود ناسخه
كالمغيا في اللفظ، فنشأ من هذا تسمية النسخ تخصيصا، والغاية من
المخصصات المعروفة، إذن الخلاف في العبارة والاصطلاح، فيكون
الخلاف لفظياً.
أما على قول من قال: " إن النسخ باطل عنده، وهو ينكره
حقيقة "، أو من قال: " إنه ينكره في شريعة واحدة "، أو من
قال: " ينكره في القرآن خاصة "، فالخلاف يكون معنوياً، إذ يترتب
عليه آثار كثيرة، حيث يلزم منه إنكار كثير من الآيات الناسخة.
تنبيه: بعض الأصوليين ذكروا أن من المنكرين للنسخ بعض فرق
من اليهود، وهي ثلاث فرق هي كما يلي:
الشمعونية - نسبة إلى شمعون بن يعقوب - ينكرون النسخ عقلاً
وشرعاً.
العنانية - نسبة إلى عنان بن داود - ينكرون النسخ سمعا، وجوازه
عقلاً.
العيسوية - نسبة إلى أبي عيسى: إسحاق بن يعقوب الأصفهاني -
يجوزونه عقلاً، وسمعاً، ولكن شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - عندهم ليست ناسخة لشريعة موسى عليه السلام.
هذه الفرق الثلاثة لهم أدلة على ما ذهبوا إليه، ولقد ذكرت ذلك
بالتفصيل، والأجوبة عن كل دليل من أدلتهم في كتابي: " إتحاف
ذوي البصائر بشرح روضة الناظر "، فارجع إليه إن شئت.
ولم أذكر ذلك هنا لأني توصلت أخيراً إلى أن حكاية خلاف
(2/548)

اليهود في كتب أصول الفقه لا يليق؛ لأن الكلام في أصول الفقه
فيما هو مقرر في الإسلام، وفي اختلاف فرق الإسلام مما يؤثر
خلافهم في عمل المكلف، أما أقوال الكفار فلا يعتد بها في
الإسلام، وموضع حكاية خلاف الكفار، وشبههم والرد عليها هو
أصول الدين.
***
المسألة التاسعة: حكمة النسخ:
عندنا نوعان من النسخ هما:
أولهما: نسخ الإسلام لما سبقه من الأديان.
ثانيهما: نسخ بعض الأحكام ببعض في الإسلام.
أما الأول - وهو: نسخ الإسلام لجميع الشرائع السابقة - فله
حِكَمٌ ومنها:
الحكمة الأولى: أن الأعمال البدنية إذا واظب عليها الخلف عن
السلف صارت كالعادة عند الخلق، وظنوا أن أعيانها مطلوبة لذاتها،
ومنعهم ذلك الظن من الوصول إلى المقصود، وهو معرفة الله
وتمجيده، فإذا غيرت تلك الأعمال إلى أعمال أخرى، وتبين أن
المقصود من تلك الأعمال رعاية أحوال القلب، والأرواح في المعرفة
والمحبة: انقطعت تلك الظنون والأوهام عن الاشتغال بالصور
والظواهر إلى علام السرائر.
الحكمة الثانية: أن الخلق طبعوا على الملالة من الاستمرار على
نوع من أنواع العبادة، فوضع في كل عصر شريعة جديدة لينشطوا
في أدائها.
(2/549)

الحكمة الثالثة: أن النوع الإنساني يتقلب كما يتقلب الطفل في
مراحل مختلفة، ولكل مرحلة حال تناسبها، فالبشر أول عهدهم
في الوجود كانوا كالوليد في السذاجة والجهالة والبساطة، ثم بدأ
التطور شيئاً فشيئاً، وفي أثناء هذا التطور مرَّتْ عليهم أعراض متباينة
ومتفاوتة، فاقتضى ذلك وجود شرائع مختلفة لهم، فلما نضج هذا
العالم واستوى جاء هذا الدين الحنيف خاتما للأديان كلها، ومتممًا
للشرائع، وجامعاً لمصالح العباد والبلاد، فهو بحق دين عام وخالد
إلى قيام الساعة.
أما النوع الثاني - وهو: نسخ بعض الأحكام ببعض في شريعتنا -
فله حِكَم، ومنها:
الحكمة الأولى: تهيئة نفوس الناس إلى تقبل الحكم الأخير، بيان
ذلك:
أن الناس قبل مجيء الإسلام في جاهلية تعمها الفوضى، وعدم
الانضباط بأنظمة وأحكام وقيود، فاقتضت حكمة الشارع ألا ينقلهم
دفعة واحدة إلى ما يستقر عليه التشريع آخر الأمر، بل إن اللَّه تعالى
سلك بهم طريق التدريج في التشريع من الأخف إلى الأشد، من
أجل أن تتهيأ نفوسهم إلى تقبل حكمه النهائي، فيأتي ذلك الحكم
وهم على أتم الاستعداد لتقبله والعمل به؛ إذ لو ألزمهم بالأحكام
النهائية من أول وهلة لأدى ذلك إلى تنفيرهم عن الإسلام، والقضاء
على الإسلام في مهده.
ومن أمثلة ذلك: تشريع الصلاة، فقد شرعت الصلاة أولاً
ركعتين في الغداة، وركعتين في العشي، ثم شرعت خمسا ركعتين
ركعتين عدا المغرب فقد كانت ثلاثا، ثم أقرت تلك الصلاة في
السفر، وزيد في الحضر، فجعلت أربعاً في الظهر والعصر والعشاء.
(2/550)

مثال آخر: تحريم الخمر، فإنه سبحانه بيَّن أولاً ما في الخمر من
الإثم والنفع، وإن إثمه أكبر من نفعه، ثم منع - ثانيا - الصلاة في
حالة السكر، ثم حرَّم الخمر في جميع الأوقات.
مثال ثالث: تحريم الربا: فقد بيَّن - أولاً - ما في الصدقة من
الخير بخلاف الربا، فإنه لا يربو عند اللَّه، ثم بيَّن ثانيا: أن الربا
كان سبباً في تحريم بعض الطيبات على اليهود، ثم نهى - ثالثا -
عن أكل الربا أضعافاً مضاعفة وهو ما كان شائعاً بين أهل الجاهلية،
ثم جاء - رابعاً - التحريم العام الذي لم يختلف فيه.
مثال رابع: عقوبة الزنا جعله الشارع - أولاً - الإيذاء بالقول
للرجال، والحبس في البيوت للنساء، ثم نسخ ذلك إلى الجلد لغير
المحصن، والتغريب والرجم للمحصن.
الحكمة الثانية: استمالة القلوب إلى اعتناق الإسلام كما في مسألة
القبلة.
بيان ذلك: أن الشارع الحكيم لم يشأ أن يفاجئ أهل الكتاب من
اليهود الذين كانوا في المدينة بخلاف ما عهدوه من أنبيائهم من الصلاة
إلى بيت المقدس، فجاء الأمر بالصلاة نحو بيت المقدس؛ لبيان أن
وجهة الرُّسُل واحدة، وأنه لا يخالف الأنبياء السابقين، وما ذلك إلا
لاستمالة قلوبهم إلى هذا الدين، فلما نسخ ذلك وأمر بالتوجه إلى
الكعبة لم يستغرب ذلك أكثرهم.
الحكمة التالثة: الابتداء والامتحان، وهذا في النسخ من الأشد
إلى الأخف، ليظهر المؤمن الحق فيفوز، وليظهر المنافق فيهلك،
وليميز اللَّه الخبيث من الطيب.
ومن أمثلة ذلك: أن اللَّه أمر إبراهيم - عليه السلام - بذبخ ابنه ثم نسخ ذلك.
(2/551)

مثال آخر: نسخ وجوب التربص حولاً كاملاً عن المتوفى عنها
زوجها بالتربص أربعة أشهر وعشراً.
مثال ثالث: نسخ وجوب تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي
- صلى الله عليه وسلم -.
مثال رابع: أنه نسخ ثبات الواحد للعشرة.
***
المسألة العاشرة: بيان أن النسخ قليل في الشريعة:
النسخ في الكتاب والسُّنَّة قليل؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن الشريعة الإسلامية مبنية على إرساء القواعد
الكلية والمبادئ العامة في الدين، وحفظ الضروريات، والحاجيات،
والتحسينيات، وكل ذلك لم ينسخ منه شيء، بل أتى بتقوية تلك
القواعد، وتحصينها، فلم يتناول النسخ القواعد الكلية والقواعد
العامة.
الدليل الثاني: أن تحريم ما هو مباح بحكم الأصل ليس بنسخ
كالخمر والربا، فإن تحريمهما بعد ما كانا على حكم الأصل لا يعد
نسخاً لحكم الإباحة الأصلية، وكذلك رفع براءة الذمة بدليل يثبت
حكماً لا يعتبر نسخاً.
الدليل الثالث: أن غالب ما ادعي فيه النسخ وجدته قد تنازع
العلماء فيه؛ لأنه يقبل الاحتمال والتأويل والجمع بين الدليلين على
وجه من كون الثاني بياناً لمجمل، أو تخصيصا لعموم، أو تقييداً
لمطلق.، ونحو ذلك.
الدليل الرابع: أن ثبوت الأحكام على المكلَّف مؤكد، فادعاء
(2/552)

النسخ فيها لا يكون إلا بأمر مؤكد ومحقق؛ لأن ثبوتها أولاً محقق،
فرفعها بعد العلم بثبوتها لا يكون إلا بمعلوم محقق.
***
المسألة الحادية عشرة: الأحكام التي يتناولها النسخ، والأحكام
التي لا يتناولها:
بعد تتبع واستقراء الأحكام المنسوخة وجد أن النسخ يتناول الأحكام
الشرعية الجزئية التكليفية الفرعية العملية التي تحتمل كونها مشروعة،
أو غير مشروعة في نفسها في زمن النبوة، أي: أن مصلحتها تتغير
فتكون في وقت نافعة، وفي وقت ضارة ومفسدة على ما يعلمه الله
سبحانه.
وعلى هذا، فإن النسخ لم يتناول - واقعا - الأحكام التالية:
1 - الأحكام الأصلية المتعلقة بأصول الدين والعقائد كالإيمان بالله
وملائكته، وكتبه، ورسله، والقَدَر خيره وشره، فهذه لا تقبل
التغيير والتبديل بأي حال من الأحوال.
2 - الأحكام العامة والقواعد الكلية كالأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، ولا ضرر ولا ضرار، وكل عمل ليس عليه أمرنا فهو باطل،
والبينة على المدعي واليمين على من أنكر، فهذه لا يمكن رفعها؛ مصالحها ظاهرة.
3 - الأحكام التي لا تحتمل عدم المشروعية كأمهات الأخلاق،
والفضائل كالعدل، والصدق، والأمانة، وبر الوالدين، والوفاء
بالعهد، ونحو ذلك، فإن هذه لا تنسخ؛ لأن مصلحة التخلق بها
أمر ظاهر، وحسنها لا يتغير بتغير الأزمان، ولا يختلف الأشخاص
والاءكل م فيها.
(2/553)

4 - الأحكام التي لا تحتمل المشروعية كأمهات الرذائل: كالكفر،
والكذب، والظلم، والخيانة، والغدر، وعقوق الوالدين، وعدم
الإخلاص، ونحو ذلك، فهذه لا تنسخ؛ لأن قبحها لا يتغير بمرور
الزمن، ولأن المفسدة التي تنال العباد في الأخذ بها ظاهرة.
5 - الأحكام المؤقتة، فهذه لا يدخلها النسخ؛ لأن التوقيت بيان
انتهاء مدة الحكم كالصيام إلى غروب الشمس.
6 - الأحكام التي لم يثبت نسخها في عصر الرسالة صراحة، أو
ضمناً، فإن تلك الأحكام مؤبدة لا تحتمل النسخ؛ لأنه لا نسخ إلا
بوحي، ولا وحي إلا بنبي، ولا نبي بعده - صلى الله عليه وسلم -.
7 - الأحكام التي ارتبط بها ما ينافي النسخ كالتأبيد مثل: الجهاد
ماضٍ إلى يوم القيامة، وتحريم زوجاته - صلى الله عليه وسلم -، وذلك لأن تأبيد الحكم يقتضي حسنه على الدوام، والنسخ ينافي ذلك، هذا على حسب الواقع.
المسألة الثانية عشرة: هل يجوز نسخ لفظ الآية دون حكمها،
وبالعكس، ونسخهما معا؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أنه يجوز نسخ لفظ الآية دون حكمها، ويجوز
نسخ حكمها دون لفظها، ويجوز نسخهما معاً.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وهو الحق عندي؛ لدليلين:
الدليل الأول: أن العقل لا يمنع من جواز نسخ لفظ الآية دون
(2/554)

حكمها ونسخ حكمها دون لفظها، ونسخهما معاً، وذلك لأن الآية
يتعلق بها أحكام هي كما يلي:
" أن تلاوة لفظ الآية يثاب عليها بالإجماع ".
و" أن كتابة الآية في القرآن حكم من أحكامها ".
و" أن انعقاد الصلاة بتلك الآية يعتبر حكماً من أحكامها ".
وأن ما دلت عليه الآية من وجوب أو تحريم، أو ندب، أو
كراهة، أو إباحة مما يتعلق بالمكلَّف يعتبر - أيضاً - حكماً من
أحكامها.
فإذا ثبت أنه يتعلَّق بالآية أحكام جاز أن يكون إثبات التلاوة
والحكم معاً فيه مصلحة في وقت، ومفسدة في وقت آخر، وجاز أن
لا يكون إثبات أحدهما مصلحة مطلقاً، وجاز أن يكون إثبات
أحدهما مصلحة في وقت دون وقت.
وبناء على ذلك جاز عقلاً رفع الحكم والتلاوة معاً، أو رفع
الحكم دون التلاوة، أو رفع التلاوة دون الحكم، فلا تلازم بينها؟
لأنها كلها أحكام شرعية، وكل حكم قابل للنسخ.
الدليل الثاني: الوقوع فقد وقع نسخ الحكم والتلاوة معاً، ونسخ
الحكم وبقاء التلاوة، ونسخ التلاوة وبقاء الحكم، والوقوع دليل
الجواز، وإليك أمثلة على ذلك:
مثال نسخ التلاوة والحكم: ما روي عن عائشة - رضي اللَّه عنها -
أنها قالت: " كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات
يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وهن فيما يقرأ من القرآن "، فكانت العشر منسوخة الحكم والتلاوة معاً بخمس رضعات.
(2/555)

والمراد من الحديث: أن النسخ بخمس رضعات تأخر إنزاله حتى
إنه - صلى الله عليه وسلم - توفي وبعض الناس يقرأ خمس رضعات ويجعلها قرآنأ متلواً؛ لكونه لم يبلغه النسخ؛ لقرب عهده، فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك، وأجمعوا على أن هذا لا يتلى.
مثال نسخ الحبهم وبقاء التلاوة: نسخ حكم آية الاعتداد بالحول
الثابت بقوله تعالى: (مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) بالاعتداد أربعة
أشهر وعشراً الثابت بقوله: (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) .
مثال آخر - لما سبق -: أن الحكم الذي يعمل به في أول الإسلام
هو أن المكلف الذي يطيق الصيام يجوز له ترك الصيام، وتكون
الفدية واجبة عليه، قال تعالى في ذلك: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) ، فقد نسخ ذلك الحكم - مع بقاء تلاوة الآية -
بقوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) .
مثال نسخ التلاوة وبقاء الحكم: ما رواه عمر بن الخطاب - رضي
الله عنه - أنه فيما أنزل: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة
نكالا من الله والله عزيز حكيم".
فهذا يثبت الرجم، فنسخت هذه الآية وبقي حكمها وهو: الرجم للمحصن.
المذهب الثاني: لا يجوز نسخ لفظ الآية، ويبقى حكمها.
ذهب إلى ذلك بعض المعتزلة.
أدلة هذا المذهب:
لقد استدل أصحاب هذا المذهب بدليلين هما:
الدليل الأول: قالوا فيه: إن نسخ لفظ الآية وبقاء ما أفادته من
(2/556)

الأحكام يضيع فائدة إنزال القرآن؛ لأنَّ فائدة إنزاله هي: إفادة
الأحكام، وما دامت الأحكام تستفاد بدونه، فلا فائدة من إنزاله،
فامتنع بقاء الحكم ونسخ لفظ الآية.
جوابه:
يجاب عنه: بأنا لا نُسَلِّمُ ذلك،، لأن فائدة إنزال القرآن ليست
محصورة في إفادة الأحكام، فالفائدة كما تكون في إفادة الأحكام
تكون - أيضاً - للإعجاز، وزيادة الثواب بتلاوته، والإعجاز
والثواب قد حصلا من الآية قبل نسخ تلاوتها.
الدليل الثاني: قالوا فيه: إن فائدة بقاء لفظ الآية هي: تلاوتها
والثواب على ذلك، فرفعها حرمان للعباد من هذا الثواب، والله
سبحانه لا يحرم عباده من شيء فيه مصلحة لهم، فكيف يقال:
يجوز رفعها؟!
جوابه:
يجاب عنه: بأنه لا يمتنع عقلاً أن يكون مقصود الشارع من إنزال
الآية هو تعريف العباد بالحكم دون تلاوة الآية، فلما نزلت تلك الآية
بلفظ معين وعرف العباد عن طريق ذلك اللفظ الحكم الشرعي المراد
- وهو مثلاً: رجم الزاني المحصن - رفع لفظ الآية وانتهت. مهمته،
وبقي الحكم المستفاد من تلك الآية ليعمل به.
المذهب الثالث: لا يجوز نسخ الحكم، وبقاء التلاوة.
نسب هذا إلى طائفة شاذة من المعتزلة.
دليل هذا المذهب:
لقد استدلوا على ذلك بقولهم: إن بقاء لفظ الآية، ونسخ الحكم
(2/557)

يوهم أن الحكم باق؛ نظراً لبقاء دليله وهي الآية - وفي ذلك إيقاع
المكلَّف في الجهل والحيرة، وهو قبيح من الشارع، والشارع منزه
عن ذلك: فامتنع لذلك بقاء لفظ الآية، ونسخ الحكم الذي أفاده.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا الكلام مبني على قاعدة " التحسين والتقبيح
العقليين "، ونحن لا نقول بها.
وعلى فرض أن ذلك الكلام غير مبني على تلك القاعدة فإنا نقول
- في الجواب عنه -: إن الآية إنما تكون دليلاً إذا لم يرفع حكمها،
فيقال: إن تلك الآية دئَت على ذلك الحكم المعمول به، أما إذا رفع
وأزيل حكم تلك الآية فإنها لا تبقى دليلاً على شيء.
أي: أن الآية إنما تدل على الحكم بشرط: عدم نسخ حكمها،
وإذا انتفى هذا الشرط، ونسخ حكمها فلا تسمى دليلاً؛ لأن الدليل
هو: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري، والآية
المنسوخ حكمها لا يتوصل بها إلى شيء، إذن لا تسمى دليلاً فيبطل
ما ذكرتم.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف لفظي لا ثمرة له في الفروع الفقهية؛ لأن عمل المكلَّف
لم يختلف باختلاف تلك المذاهب.
المسألة الثالثة عشرة: هل يجوز نسخ الشيء قبل التمكن من
فعله وامتثاله؟
إذا ورد الناسخ بعد أن مضى من الوقت قدر ما تقع فيه العبادة،
(2/558)

أو بعد أن مضى من الوقت قدر ما تقع فيه بعصها، فإن هذا قد اتفق
العلماء على جواز النسخ؛ لأن شرط الأمر حاصل وهو: التمكن
من الفعل.
أما إن ورد الأمر بفعل الشيء قبل وقته، ثم نسخ قبل دخول
الوقت، أو بعده، ولكن قبل التمكن من فعل ذلك الأمر، فإن
هذا هو المختلف فيه؛ حيث اختلف العلماء في نسخ الأمر بفعل
شيء قبل التمكن من امتثاله على مذهبين:
المذهب الأول: يجوز نسخ الأمر قبل التمكن من فعله، فيجوز
أن يقول الشارع - مثلاً - في رمضان: " حجوا في هذه السنة "،
ثم يقول قبل ابتداء الحج: " لا تحجوا ".
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وهو الحق عندي؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن النسخ قبل التمكن من الفعل رفع لتكليف قد
ثبت على المكلََّف، فكان نسخا، ولا يترتب على ذلك محال ولا
بَداء، فيجوز أن يأمر اللَّه - تعالى - زيداً بفعل في يوم الأحد -
مثلاً -، ويمنعه منه بمانع عائق له قبل يوم الأحد، فيكون زيد مأموراً
بالفعل في الغد بشرط انتفاء المانع، وإذا جاز الأمر بشرط انتفاء
المانع: جاز الأمر بالفعل بشرط انتفاء الناسخ ولا فرق.
الدليل الثاني: أنه لو قال تعالى: " واصلوا الفعل سنة "، ثم
نسخه بعد مضي شهر: جاز ذلك، وإن كان ذلك نسخا قبل وقت
الفعل في بقية السنة.
اعتراض على ذلك:
قال معترض على هذا الدليل: إن نسخه يدل على أنه لم يرد
(2/559)

السنة كلها، وإنما أراد الشهر، فصار ذلك بيانا للمراد بخلاف نسخ
الكل قبل وقت فعله؛ لأنه يكون قد نسخ ما تناوله الأمر وذلك بَداء.
جوابه:
يجاب عنه بأن العبارة: " واصلوا الفعل سنة "، والسنة لا يعبر
بها عن الشهر لا حقيقة ولا مجازاً، بل هي عبارة عن اثني عشر
شهراً، فنسخه قبل ذلك هو النسخ قبل الوقت.
الدليل الثالث: الوقوع، بيان ذلك:
أن اللَّه أمر إبراهيم - عليه السلام - بذبح ابنه فقال سبحانه:
(فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) .، ثم نسخ ذلك قبل التمكن من الذبح فقال: (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) ، فقد وقع - هنا - النسخ قبل التمكن من الفعل، والوقوع دليل الجواز.
وهناك وجوه قد دلَّت على أن إبراهيم قد أمر بالذبح هي كما يلي:
الوجه الأول: قوله تعالى حكاية عن إبراهيم: (يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى) ، فقال تعالى - حكاية عن ابن إبراهيم -: (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) .
فإن قول الابن - يدل على أن هناك أمراً بالذبح صدر من اللَّه إلى
إبراهيم؛ لأن معنى قوله: (افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) : افعل ما أمرت به،
ويجب الحمل عليه ضرورة حمل الولد، وإخراجه إلى الصحراء،
وأخذ آلات الذبح، وترويع الولد، فإن ذلك كله محرم من غير أمر
من اللَّه تعالى، ولا إذن منه سبحانه.
(2/560)

الوجه الثاني: قوله تعالى: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ) ، فلو
لم يكن الدبح مأموراً به حقيقة لما كان هناك بلاء وامتحان عظيم.
أي: لو كان المأمور به مقدمات الذبح من أخذ الولد إلى
الصحراء، واستصحاب المدية والحبل، ونحو ذلك مما يلزم في
الذبح لما كان هناك بلاء مبين؛ لأنه يسهل على النفس فعل المقدمات
ما دامت النتيجة مأمونة وبعيدة عن الخطر.
الوجه الثالث: قوله تعالى: (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) ، فإن
الفداء هو البدل، والذي يصلح أن يكون الفداء بدلاً عنه هو الذبح،
فكان الذبح مأموراً به حقيقة.
وهناك وجهان دلا على أن أمر إبراهيم بالذبح قد نسخ قبل التمكن
من الذبح هما:
الوجه الأول: أنه لو لم ينسخ لذبح إبراهيم ابنه، ولكنه لم
يذبحه، فدل على أنه نسخ الأمر قبل التمكن من فعله.
الوجه الثاني: أنه لو نسخ بعد التمكن من الفعل ولم يفعل:
لكان ذلك تقصيراً من إبراهيم - عليه السلام - في امتثال ما طلب
منه، والتقصير ليس من شأن الأنبياء - عليهم السلام -؛ حيث إنه
معروف عنهم المبادرة في امتثال ما أمروا به، ولو كان وجوبه موسعا
عليهم.
* ما اعترض به على الدليل الثالث - وهو الاستدلال بتلك الآية -:
لقد اعترض أصحاب المذهب الثاني - الذي سيأتي - على
الاستدلال بتلك الآية بعدة اعتراضات، إليك إياها مع أجوبتها.
الاعتراض الأول: أن ذلك الأمر ورد في المنام، وما ورد في المنام
(2/561)

لا أصل له، ولا يصلح أن يكون مستنداً، فلا يعتمد عليه، ولا
يثبت به الأمر.
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أنه منام؛ لأمرين:
الأمر الأول: أنه لو كان مناما وخيالا، لا وحيا، لما جاز
لإبراهيم عليه السلام قصد الذبح المحرم، والتل للجبين، ولما سماه
الله - تعالى - بلاء مبينا، ولما احتاج إلى الفداء.
الأمر الثاني: قوله تعالى: (افعل ما تؤمر) فلو لم يؤمر
إبراهيم - عليه السلام - حقيقة كان ذلك كذباً.
الجواب الثاني: سلمنا أنه منام، لكن ما يراه الأنبياء - عليهم
السلام - في مناماتهم فيما يتعلق بالأوامر والنواهي وحي يجب
العمل به، وأكثر وحي الأنبياء كان بطريق المنام، وقد ثبت أن وحي
نبينا - صلى الله عليه وسلم - كان ستة أشهر بالمنام، فقد قالت عائشة - رضي اللَّه عنها -: " أول ما ابتدئ به رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - من النبوة الرؤيا الصادقة كان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح ".
وعلى هذا: يكون ما ورد في منام إبراهيم - عليه السلام - من
الأمر بذبح ابنه له أصل ومستند، فيجب العمل به.
الاعتراض الثاني: لا نُسَلِّمُ أن إبراهيم - عليه السلام - قد أمر
بالذبح حقيقة، بل قد كلف بالعزم على الفعل فقط، لابتلاء صبره،
فيكون القصد من الأمر هو العزم على الفعل، وذلك بلاء عظيم،
والفداء إنما كان عما يتوقعه إبراهيم من الأمر بالذبح، لا عن نفس
(2/562)

وقوع الأمر بالذبح، أو بمقدمات الذبح من إخراجه إلى الصحراء،
وأخذ المدية، والحبل، والتل للجبين، ونظرا لاستشعار إبراهيم أنه
مأمور بالذبح قال تعالى: (قد صدقت الرؤيا) .
جوابه:
يجاب عنه بأن هذا فاسد لوجوه:
الوجه الأول: أن إبراهيم لو كان مأموراً بالعزم على الذبح فقط،
دون فعل الذبح نفسه: لما سماه بلاء مبيناً، ولما احتاج إلى الفداء،
ولما قال الذبيح: (ستجدني إن شاء الله من الصابرين) ، يؤيد ذلك
قوله تعالى: (قد صدقت الرؤيا) ، أي: إنك عملت في
المقدمات عمل مصدق لرؤيا فعلية.
الوجه الثاني: أن حمل الأمر على العزم على خلاف قوله تعالى:
(إني أرى في المنام أني أذبحك) فصرح - هنا - بالذبح،
ومعروف أن العزم لا يسمى ذبحا، فهذا فيه حمل شيء على غير
محمله.
الوجه الثالث: أن العزم على الفعل لا يجب إذا لم يُعتقد وجوب
المعزوم عليه، فلو لم يكن المعزوم عليه - وهو الذبح - واجباً:
لكان إبراهيم - عليه السلام - أَوْلى بمعرفة عدم الوجوب من ذلك
المعترض، أي: أنه لو لم يجب على إبراهيم الفعل - وهو الذبح
حقيقة - لم يصح منه العزم على فعله على سبيل الوجوب.
قال تعالى مؤيداً لذلك: (إني أرى في المنام أني أذبحك) ،
فقال تعالى - حكاية عن ابنه -: (افعل ما تؤمر) يعني الذبح الحقيقي.
(2/563)

ويؤيد ذلك أيضاً قوله تعالى: (وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ) استسلاما لفعل
الذبح، لا للعزم.
الاعتراض الثالث: أن إبراهيم لم يؤمر بنفس الذبح وحقيقته،
وإنما أمر بمقدمات الذبح من إخراجه إلى الصحراء، وأخذ المدية،
والحبل، والاضطجاع، والتل للجبين، ونحو ذلك من لوازم
الذبح، دون الذبح نفسه.
وسمينا مقدمات الذبح ذبحاً؛ لأن مقدمة الشيء قد تسمى باسم
ذلك الشيء، فتسمى " النائحة " باكية؛ لأنها تفعل مقدمات البكاء،
وكذلك يُسمى المريض الذي يخاف عليه الهلاك: ميتا، وذلك
لحصول مقدمات الموت.
جوابه:
يجاب عنه بأن هذا فاسد؛ لوجوه:
الوجه الأول: أن الله تعالى قال - حكاية عن ولد إبراهيم -:
(ستجدني إن شاء الله من الصابرين) ، ومعلوم أن مقدمات الذبح لا
تفتقر إلى الصبر؛ لأنه أمر سهل يتلاعب به الصبيان.
الوجه الثاني: أن اللَّه تعالى قال: (إن هذا لهو البلاء المبين) ،
فلو كان المأمور به مقدمات الذبح فقط: لما كان فيه بلاء واختبار
مبين، فلا يعطى هذا التفخيم، والمأمور به سهل، وهو مقدمات
الذبح.
الوجه الثالث: أن اللَّه سبحانه أمر بالذبح نفسه، فقال تعالى:
(يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك) ، ولم يرد ذكر المقدمات،
والمقدمات لا تسمى ذبحاً في لغة العرب؛ لأن الذبح لغة هو:
(2/564)

الشق والفتح، وفي الاصطلاح هو: عبارة عن قطع مكان
مخصوص تبطل معه الحياة.
وعلى هذا يكون: حمل الأمر بالذبح على المقدمات حمل بلا
دليل، فثبت: أن المأمور به هو الذبح الحقيقي.
الوجه الرابع: أن اللَّه تعالى قال: (وفديناه بذبح عظيم) ، ولو
كان إبراهيم - عليه السلام - قد فعل المأمور به من مقدمات الذبح
- كما زعمتم - لما احتاج إلى الفداء، وذلك لأن الفداء لا يكون مع
الامتثال للأمر؛ حيث إنه لا يجمع بين البدل والمبدل.
الوجه الخامس؛ أن زعمكم إن إبراهيم قد أمر بمقدمات الذبح،
دون الذبح نفسه خلاف إجماع السلف - كما قال الباجي في إحكام
الفصول - حيث إن السلف - رحمهم اللَّه - فسَّروا ما ورد في الآية
بأن إبراهيم قد أمر بنفس الذبح.
وبهذه الوجوه بطل ما زعمتم، وهو: أن المأمور به مقدمات
الذبح.
الاعتراض الرابع: أنا نسلم أن إبراهيم - عليه السلام - قد أمر
بالذبح الحقيقي، ولكن الشارع قد منعه من إنفاذه وإيقاعه بأن جعل
على عنق ابنه صفيحة من نحاس مانعة من الذبح والقطع، فلم ينسخ
الأمر، ولكن الشارع منع من تنفيذه، وهذا قد جعل التكليف
بالذبح يرتفع وينقطع، لكون إبراهيم أصبح معذوراً؛ لعدم
استطاعته القطع والذبح، والمعذور لا تكليف عليه.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
(2/565)

الجواب الأول: أن قلب عنق ولد إبراهيم - عليه السلام - حديداً
لو حصل ووقع لنقل إلينا نقلاً متواتراً، ولاشتهر؛ لكونه من
المعجزات العظيمة، لكنه لم ينقل نقلاً متواتراً، ولا آحاداً، فما
زعمتموه يحتاج إلى دليل.
الجواب الثاني: أنه إن كان هذا الاعتراض صادراً من بعض المعتزلة
فإنه متناقض مع قولهم: " لا يجوز تكليف ما لا يطاق "؛ حيث إن
الله إذا علم أنه سيقلب عنقه حديداً يكون الشارع قد أمر بما يعلم
امتناع وقوعه، وهذا تكليف ما لا يطاق، وتكليف ما لا يطاق لا
يجوز.
كذلك ثبت عند المعتزلة أن الشارع لا يأمر إلا بما فيه مصلحة
للمكلَّف، ولا يجوز عندهم أن يمنع الشارع المكلَّف ما فيه مصلحة،
والكلام الوارد في هذا الاعتراض مناقض لهذه القاعدة عندهم.
الاعتراض الخامس: لا نُسَلِّمُ أن إبراهيم - عليه السلانم - قد أمر
بالذبح، وإنما أخبر أنه سيؤمر في المستقبل يدل على ذلك قوله تعالى
- حكاية عن الابن -: (يا أبت افعل ما تؤمر) ، فلفظ " تؤمر "
هو للاستقبال، فلو كان قد أمر بالماضي لقال: " افعل ما أمرت به "
ولكنه لم يقل ذلك؛ بل عبر بلفظ يدل على الاستقبال.
جوابه:
يجاب عنه: بأن الله سبحانه قد أمر إبراهيم - عليه السلام - في
الماضي، وحصل الأمر ثم نسخ قبل التمكن من فعله، فالمراد من
قوله تعالى: (افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) : افعل ما أمرت به في السابق،
والتعبير باللفظ الدال على الاستقبال والمراد به الماضي اقد وقع في
الكتاب، وكلام العرب، فمن أمثلة وقوعه في الكتاب قوله تعالى:
(2/566)

(إني أرى سبع بقرات سمان) ، والمراد: إني رأيت،
وقوله تعالى: (إني أراني أعصر خمراً) ، والمراد: إني رأيت.
ومن أمثلة وقوعه في لسان العرب قول ضمرة بن جابر:
وإذا تكون كريهة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يُدعى جندب
فهنا عبر بالمستقبل وهو لفظ " أدعى "، ولفظ " يدعى "،
والمراد: " إني دعيت "، و " دعي جندب " في الماضي.
وما نحن فيه من ذلك، والمراد: افعل ما أمرت به في السابق،
وحملناه على ذلك؛ لأنه لا يمكن حمله على الاستقبال؛ لأنه لو
كان الشارع قد أراد أنه سيأمر إبراهيم - عليه السلام - في المستقبل؟
لوجد ذلك الأمر قطعا؛ لئلا يكون خلفا وكذبا في الكلام، والله
منزه عن ذلك؛ حيث إنه صادق لا خلف في خبره سبحانه وتعالى،
فلما لم يوجد الأمر في المستقبل عرفنا أن المراد بقوله: (ما تؤمر) :
ما أمر به في الماضي.
الاعتراض السادس: نُسلِّم أن إبراهيم كان قد أمر بذبح ابنه حقيقة
ونسلم أنه وقع منه الذبح وحصل، ولكن كلما قطع جزءاً من رقبة
ابنه عاد ملتحما، وكلما قطع موضعا التحم الموضع الأول، وهكذا
حتى التأم الجرح كأن لم يكن، ويدل على ذلك قوله تعالى:
(قد صدقت الرؤيا) ، والمراد: إنك يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا
فامتثلت ما أمرت به، ولو لم يذبح لما كان مصدقا للرؤيا، وإذا كان
ما أمر به من الذبح قد وقع، ولكنه التحم، فلا نسخ قبل التمكن
من الفعل.
جوابه:
يجاب عن ذلك بأن هذا الاعتراض باطل، لوجوه:
(2/567)

الوجه الأول: أنه لو كان إبراهيم كلما قطع جزءاً التحم - كما
زعمتم - لنقل إلينا نقلاً متواتراً؛ لأنه لا يمكن ترك نقله؛ لكونه من
المعجزات والآيات الباهرة التي لا يمكن تركها، لكن ذلك لم ينقل
متواتراً ولا آحاداً، ولم يسمع به قبل أن يأتي هذا المعترض، فثبت
أنه لا سند له.
واستدلال المعترض بقوله تعالى: (قد صدقت الرؤيا) على ما
زعم غير صحيح؛ وذلك لأن المراد بالتصديق هنا: هو التصديق
بالقلب؛ لأن حقيقة التصديق يكون في القلب، دون تحقيق الفعل،
فكأن اللَّه تعالى قال: إنك يا إبراهيم لما صدقت وآمنت واعتقدت
وجوبه وعزمت على فعله وعملت في مقدماته عمل مصدق جزيناك
كما نجزي المحسنين الصادقين، فنسخنا عنك فعل الذبح وتحقيقه بذبح
كبش، فالتصديق يختلف عن التحقيق والامتثال والعمل وإيقاع ما أمر
الوجه الثاني: أن قول المعترض هذا يخالف قوله تعالى:
(فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ) ،
فهنا نودي إبراهيم، فلو كان قد ذبح والتحم محل الذبح كما زعم المعترض: لقال: "فلما أنفد الأمر "، أو لقال: " فلما ذبح "، ونحو ذلك من
العبارات التي تدل على أنه امتثل للأمر، ولكن اللَّه سبحانه لم يأت
بشيء من ذلك، بل أتى بتلك الآية مما يدل على أنه نسخ قبل
الفعل.
الوجه الثالث: أن قول المعترض يخالف ظاهر قوله تعالى:
(وفديناه بذبح عظيم) ، فلو كان إبراهيم - عليه السلام - قد ذبح
حقيقة والتجم محل الذبح لما احتاج إلى الفداء، لأنه لا معنى للفداء
(2/568)

مع تنفيذ الذبح، أي: أن الفداء بدل عن الذبح، فلا يمكن أن
يؤتى بالبدل مع فعل المبدل.
الدليل الرابع - من الأدلة على جواز نسخ الشيء قبل التمكن من
الامتثال - قوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أخبر أنه إذا شاء نسخ من كتابه ما
أحب، وظاهر هذا: جواز النسخ في عموم الأحوال، سواء بعد
التمكن من الفعل أو قبل التمكن.
الدليل الخامس: ما رواه أبو هريرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعثه في بعث وقال: " إن وجدتم فلانا وفلانا فأحرقوهما بالنار "، ثم قال حين
أردنا الخروج: " إن النار لا يعذب بها إلا اللَّه وإن وجدتموهما فاقتلوهما ".
الدليل السادس: ما أخرجه البخاري ومسلم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بكسر قدور من لحم حمر إنسية فقال رجل: أو نغسلها؛ فقال:
" اغسلوها ".
ما سبق هو المذهب الأول، وهو جواز نسخ الشيء قبل التمكن
من الفعل وأدلته.
المذهب الثاني: لا يجوز نسخ الشيء قبل التمكن من فعله وامتثاله.
ذهب إلى ذلك المعتزلة، واختاره أبو بكر الصيرفي، وهو مذهب
بعض الحنفية كالكرخي، والجصاص، والماتريدي، والدبوسي،
وهو اختيار أبي الحسن التميمي من الحنابلة، ونسبه الفخر الرازي إلى
الفقهاء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قالوا فيه: إن الأمر بالشيء يدل على حسنه وكونه
(2/569)

مصلحة، والنهي عنه يدل على قبحه وكونه مفسدة، فإذا أمر بالحج
في رمضان - مثلاً - دلَّ ذلك على حسن الحج وكونه مصلحة للعباد،
فإذا نهى عن إيقاع الحج وقال في أول شهر ذي الحجة: "لا تحجوا"
دلَّ ذلك على قبح الحج وكونه مفسدة، والفعل الواحد في حالة
واحدة لا يكون مصلحة مفسدة بالإضافة إلى شخص واحد.
فنتج أن نسخ الشيء قبل التمكن من فعله يفضي إلى أن يكون
الشيء الواحد على وجه واحد مأموراً به ومنهيا عنه، حسنا قبيحا،
مصلحة مفسدة، وهذا هو التناقض.
جوابه:
يجاب عنه: بأنه لا يمتنع أن يكون الأمر بالفعل يدل على حسنه
بشرط: أن لا ينهى عنه، والنهي عنه يدل على قبحه بشرط: أن لا
يؤمر به، فيجوز أن يجعل بقاء حكمه واستمراره شرطا في الأمر
فيقول الشارع: "افعل ما أمرناك به إن لم يأت نهي يزيل أمرنا عنك ".
اعتراض على ذلك:
اعترض بعضهم على هذا الجواب بقوله: إن اللَّه تعالى إذا علم أنه
سينهى عنه، فما معنى أمره بالشرط الذي يعلم انتفاءه قطعة فيما
بعد، أي: ما الفائدة من أمره به وهو عالم بأنه سينسخه؟
جوابه:
يجاب عنه: بأن فائدة ذلك: امتحان وابتلاء المأمور، فإن عزم
على الفعل، واشتغل بالاستعداد لامتثال الأمر فإنه يثاب، أما إن لم
يعزم على الفعل، ولم يشتغل بالاستعداد للامتثال فإنه يعاقب،
وهذا من حكم النسخ التي ذكرناها فيما سبق.
(2/570)

ثم كيف ينكر المعترض ذلك مع أنه يجوز الوعد والوعيد من
العالم بعواقب الأمور بالشرط؟! ، فإن اللَّه تعالى وعد على الطاعة
بالثواب بشرط عدم ما يحبط تلك الطاعة كالردة مثلاً، وتوعَّد
سبحانه على فعل المعصية بالعقاب بشرط خلو تلك المعصية عما
يكفرها من توبة، والله سبحانه عالم بعاقبة أمر من يموت على الردة،
أو التوبة، ثم شرط ذلك في وعده ووعيده.
إذا ثبت ذلك فلا يستحيل أن يشرط الشارع في أمره ونهيه،
وتكون شرطيته بالنسبة إلى العبد الجاهل بعاقبة الأمر، فكأنه قال:
"أثبتك على طاعتك ما لم تحبطها بالردة "، وهو سبحانه عالم بأنه
سيحبط أو لا يحبط، فإذا جاز ذلك بلا خلاف: جاز أن يقول:
"أمرتك بشرط البقاء والقدرة، وبشرط أن لا أنسخ عنك ذلك الأمر".
الدليل الثاني: قالوا فيه: إنه لو جاز أن يرد الأمر بشيء في وقت
ثم يرد النهي عن فعله في ذلك الوقت: للزم من ذلك أن يكون
الشخص الواحد بالفعل الواحد في الوقت الواحد مأمورا منهيا،
وذلك محال على اللَّه تعالى؛ لأنه أمر بالشيء ونهي عنه في وقت واحد.
جوابه:
يجاب عنه: بأن ذلك يكون محالا إذا كان الغرض من الأمر هو:
حصول الفعل، أما إذا كان الغرض والمقصود هو: ابتلاء المأمور
وامتحانه، فيجوز ولا مانع من ذلك؛ فإن السيد قد يقول لعبده:
"اذهب غداً إلى موضع كذا راجلاً حافيا "، وهو لا يريد الفعل،
بل يريد امتحانه ورياضته مع ما علمه بأنه سيرفع عنه غداً ذلك قبل
فعله.
(2/571)

بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة لفظي لا ثمرة له في الفروع؛ لأن الخلاف
راجع إلى المراد من حكمة التكليف.
فمن قال: إن حكمة التكليف هي: امتثال وإيقاع ما كلف به من
المكلف، وكذلك من حكم التكليف ابتلاء وامتحان المكلف - وهو
قول أصحاب المذهب الأول وهو الصحيح - قال: يجوز نسخ
الشيء قبل التمكن قبل فعله.
وعلى هذا: فالمنسوخ بعد التمكن من الفعل حكمته الامتثال،
وقد حصل.
والمنسوخ قبل التمكن من فعله حكمته الامتحان والابتلاء، وقد
حصل قبل النسخ.
أما من قال: إن حكمة التكليف هي الامتثال والإيقاع فقط - وهو
قول أصحاب المذهب الثاني -: قال: لا يجوز نسخ الشيء قبل
التمكن من فعله؛ حيث لم تحصل الحكمة من التكليف وهي الامتثال.
***
المسألة الرابعة عشرة: الزيادة على النص هل هي نسخ؟
تنقسم الزيادة على النص باعتبار تعلُّقها بالمزيد عليه وعدم ذلك إلى
أربعة أقسام:
القسم الأول: زيادة مستقلة عن المزيد عليه ولا تتعلق به، وليست
من جنسه.
القسم الثاني: زيادة مستقلة عن المزيد عليه ولا تتعلق به، وهي
من جنس المزيد عليه.
(2/572)

القسم الثالث: زيادة غير مستقلة وتتعلق بالمزيد عليه تعلق الجزء
بالكل.
القسم الرابع: زيادة غير مستقلة وتتعلق بالمزيد عليه تعلق الشرط
بالمشروط.
والسبب في هذا التقسيم: أن الزيادة على النص إما أن تكون
مستقلة أو غير مستقلة.
والمستقلة إما أن تكون من جنس المزيد عليه أو لا.
وغير المستقلة إما أن تكون جزءاً من المزيد عليه، أو شرطا للمزيد
عليه.
وإليك بيان كل قسم من تلك الأقسام والأمثلة عليه وحكمه.
القسم الأول: الزيادة المستقلة عن المزيد عليه، ولا تتعلَّق به،
وليست من جنس المزيد عليه.
مثالها: أن يوجب اللَّه تعالى الصلاة ثم يوجب - بعد ذلك -
الصوم، والمزيد عليه وهو الصلاة مستقل تماما عن الزيادة وهي:
الصوم، وهما جنسان مختلفان - كما هو ظاهر -.
حكم هذه الزيادة:
هذه الزيادة ليست نسخا باتفاق العلماء؛ لأن حقيقة النسخ لم
تتحقق هنا؛ حيث قلنا: إن النسخ: رفع الحكم، وهنا لم يرتفع
الحكم وهو - وجوب الصلاة مثلاً - ولم يتبدل ويتغير بالزيادة - وهو
الصوم -.
أي: بقي حكم المزيد عليه - وهو الصلاة - بعد الزيادة كما كان
ثابتاً قبلها.
(2/573)

فهذه الزيادة ليست بنسخ لما تقدمها من العبادات بالإجماع؛ لعدم
التنافي.
القسم الثاني: الزيادة المستقلة عن المزيد عليه ولا تتعلَّق به، وهي
من جنس المزيد عليه.
مثل: زيادة صلاة على الصلوات الخمس.
حكم ذلك:
لقد اختلف العلماء في هذه الزيادة هل هي نسخ أو لا؛ على
مذهبين:
المذهب الأول: أن تلك الزيادة ليست بنسخ.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وهو الصحيح؛ لأن تلك الزيادة لم ترفع حكما شرعياً، فلم
توجد حقيقة النسخ، حيث إن المزيد عليه باقِ بعد الزيادة، كما كان
قبل الزيادة مثل: الزيادة المستقلة التي ليست من جنس المزيد عليه ولا
فرق، فكما أن وجوب الصلاة لم يتغير بزيادة الصوم، فكذلك
الحال بالنسبة لزيادة صلاة على صلاة أخرى ولا فرق.
المذهب الثاني: أن تلك الزيادة تكون نسخا لحكم المزيد عليه.
ذهب إلى ذلك بعض الحنفية العراقيين.
دليل هذا المذهب:
أن حقيقة النسخ وهو: " رفع الحكم " قد وجدت، فكان نسخا.
بيان ذلك:
أن زيادة صلاة على الصلوات الخمس يغيِّر الصلاة الوسطى فيرتفع
(2/574)

وجوبها الستفاد من قوله: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) .
فوسطية الصلاة متوقفة على العدد المفرد - وهو الخمس هنا -
لكي يكون عدد ما قبلها كعدد ما بعدها، فإذا زيدت صلاة سادسة
فإنها ترفع كون الوسطى وسطى وتغيره، فتتبدل الوسطية بالنسبة لها
إلى غيرها فتزيل وترفع الحكم وهو: وجوب المحافظة على الصلاة
الوسطى المستفاد من الأمر بها في الآية السابقة.
إذن: هذه الزيادة رفعت حكما شرعياً، وهذا هو معنى النسخ.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن الزيادة المستقلة التي هي من جنس المزيد عليه
مثل الزيادة المستقلة التي ليست من جنس المزيد عليه ولا فرق.
فلو كانت زيادة صلاة سادسة نسخا للزم أن تكون زيادة العبادة
المستقلة التي ليست من جنس المزيد عليه نسخا؛ لأنها تجعل العبادة
الأخيرة غير أخيرة فتغير صفتها، وتتساوى مع السادسة في هذا
التعبير، فلما لم تجعل هذه نسخا بالإجماع، يلزم أن لا تجعل الزيادة
المستقلة التي من جنس المزيد عليه نسخا.
الجواب الثاني: أن زيادة صلاة سادسة على الخمس - لا تزيل
المحافظة على الوسطى؛ لأن وجوب المحافظة قد تعلق بمسمَّى
الوسطى عند نزول الآية، وهذا المسمى لما صدق: لا تؤثر عليه هذه
الزيادة.
القسم الثالث: الزيادة غير المستقلة التي تتعلق بالمزيد عليه تعلَّق
الجزء بالكل.
(2/575)

أي: أن هذه الزيادة غير مستقلة عن المزيد عليه، فتتعلق به بأن
تكون جزءاً من المزيد عليه.
مثال ذلك: زيادة تغريب عام على جلد مائة في حد الزاني
البكر، حيث أصبح جزءاً من الحد، فأصبح حد الزاني البكر بعد
الزيادة مكونا من جزأين:
أولهما: جلد مائة جلدة، وهو الوارد في نص القرآن الكريم.
ثانيهما: تغريب عام، وهو الوارد في نص السُّنَّة.
مثال آخر: زيادة عشرين جلدة على ثمانين جلدة، وذلك في حد
القذف.
بيانه: أن حد القذف هو: ثمانون جلدة - كما هو معلوم، فإذا
زيد - على سبيل الافتراض - عشرون جلدة، فإنه يصبح جزءاً من
الحد، فأصبح حد القذف بعد الزيادة مكونا من جزأين:
أولهما: ثمانون جلدة، وهو الوارد في نص القرآن.
ثانيهما: عشرون جلدة، وهي زيادة مفترضة.
حكم ذلك:
لقد اختلف العلماء في هذه الزيادة هل هي نسخ أو لا؛ على
مذهبين:
المذهب الأول: أن تلك الزيادة ليست بنسخ.
وهو مذهب جمهور العلماء.
وهو الحق عندي؛ لأن حقيقة النسخ وهي: رفع الحكم وتبديله
لم توجد عند تلك الزيادة، بل إن هذه الزيادة تقرير للحكم المزيد
(2/576)

عليه، وتثبيت له، لأن ضم شيء إلى شيء آخر يثبت المضموم إليه
ويُقوره؛ نظراً إلى أن الانضمام صفة لا بد لها من محل تقوم به،
ولهذا نرى حكم المزيد عليه ثابتا لم يتغير ولم يتبدل ولم يرتفع بعد
إلحاق الزيادة به، فكان ثابتا بعد الزيادة، كما كان ثابتا قبل الزيادة؟
قياسا على الزيادة المستقلة التي ليست من جنس المزيد عليه بجامع
عدم التغير في كل.
فمثلاً: بعد زيادة " التغريب " وإلحاقه بـ " الجلد مائة " لم تخرج
تلك الزيادة الجلد عن كونه واجبا، بل استمر على هذا الحكم بعد
إلحاق الزيادة - وهي التغريب - به كما كان واجبا قبله، وذلك مثل:
إيجاب الصوم بعد إيجابه للصلاة لم يخرج الصلاة عن كونها فرضاً،
بل ظلت فرضاً بعد الصيام كما كانت قبله، كل ما في الأمر أنه
أضاف إليه زيادة.
كما لو أن إنسانا معه كيس فيه ريالات فأضاف إليها ريالا لا يقال:
إنه رفع وأزال ما في الكيس، بل يقال: أضاف إليه زيادة، كذا لو
كتب كتابا، ثم كتب في حاشيته زيادة معلومات أو تعليقات لا يقال:
نسخ ما في الكتاب ورفعه، بل يقال: إنه أضاف إليه زيادة وهكذا.
فكذلك هنا لم يكن في زيادة التغريب على الجلد مائة رفع ولا
إزالة، فاستعمال لفظ النسخ فيه محال.
المذهب الثاني: أن تلك الزيادة نسخ.
ذهب إلى ذلك الحنفية كما صرح بذلك أبو عبد اللَّه الصيمري،
وأبو بكر الرازي، والسرخسي، وعبد العزيز البخاري، والأنصاري.
دليل هذا المذهب:
لقد استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن جلد مائة في حد
(2/577)

الزاني البكر كان هو الحد الكامل، ويجوز الاختصار عليه؛ لقوله
تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) ،
فلما جاءت السُّنَّة بزيادة التغريب، وذلك بحديث عبادة بن الصامت:
" البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ": رفعت هذه الزيادة ذلك
الحكم، وهو: " صفة الكمال والاقتصار على جلد مائة "، وأصبح
الحد بعد الزيادة: " الجلد والتغريب "، فتكون صفة الكمال قد
رفعت، والاقتصار على الجلد قد رفع، والرفع هو النسخ.
جوابه:
إن رفع صفة الكمال بالزيادة، ورفع الاقتصار على المائة لم
يتحقق به النسخ، بيان ذلك:
أن صفة الكمال إذا ارتفعت بالزيادة لا يتحقق النسخ؛ لأن صفة
الكمال لا يندرج ضمن أقسام الأحكام الشرعي، فليس مقصوداً،
بل المقصود هو وجوب الحد - الذي هو مائة جلدة - والوجوب لم
يرتفع، بل هو باق على حاله، وهو كل الواجب، فلما زيد
"التغريب " لم يتغير، بل هناك واجب قد أضيف إليه.
يؤيد ذلك: أن الشارع لما أوجب الصلاة فقط كانت هي كل
الواجب على المكلف، فلما أوجب الصوم بعد ذلك: خرجت
الصلاة عن كونها هي كل الواجب، بل صار الواجب الصلاة
والصوم، وليس ذلك بنسخ باتفاق العلماء.
فكذلك هنا يقال: إن جلد مائة هو الواجب الكامل على الزاني
البكر، فلما زيد " التغريب ": خرج " جلد مائة " عن كونه هو كل
الواجب، بل صار الواجب: الجلد والتغريب، فلا يسمى ذلك
نسخاً.
(2/578)

وأيضاً: رفع الاقتصار على مائة جلدة لا يحقق النسخ؛ لان
منطوق النص هو قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) لا يدل على هذا الاقتصار، أي: لا يستفاد
الاقتصار من هذا المنطوق؛ وذلك لأن وجوب الشيء لا ينفي وجوب
غيره، فإيجاب الحد - وهو جلد مائة - لا ينفي أن يوجب الشارع
غيره زيادة عليه.
وإنما الاقتصار على الحد المذكور في الآية يستفاد من مفهوم المخالفة
للنص القرآني، والحنفية لا يحتجون بمفهوم المخالفة.
ثم اعلم: أن الاقتصار على الحد المذكور قد فُهِم من النص
القرآني والمفهوم يجوز أن يرفع بخبر الواحد وهو: حديث عبادة بن
الصامت، ورفع المفهوم لا يُسمى نسخا.
القسم الرابع: الزيادة غير المستقلة التي تتعلَّق بالمزيد عليه تعلُّق
الشرط بالشروط.
أي: تكون الزيادة شرطا للمزيد عليه، فإذا فقد المزيد عليه هذه
الزيادة - وهو الشرط - يكون وجوده وعدمه واحداً.
من أمثلة ذلك: زيادة النية في الطهارة؛ حيث إن الشارع أمر
بالطهارة مطلقاً، ثم زيد شرط النية لها.
وأيضاً: زيادة الطهارة في الطواف؛ حيث إن الشارع أمر
بالطواف مطلقا، ثم زيد شرط الطهارة له، وكذا زيادة اشتراط
الطهارة على وجوب الصلاة.
حكم ذلك:
لقد اختلف العلماء في هذه الزيادة هل هي نسخ أو لا؛ على
مذهبين:
(2/579)

المذهب الأول: أن تلك الزيادة ليست بنسخ.
وهو مذهب الجمهور.
وهو الصحيح، لأن حقيقة النسخ وهي: رفع الحكم لم توجد
هنا، بيان ذلك:
أن قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) - مثلاً - اقتضى أمرين:
أحدهما: " وجوب الصلاة،.
والثاني: " الإجزاء "، حيث يجوز على هذا اللفظ الصلاة بدون
طهارة.
فلما جاءت الزيادة - وهي اشتراط الطهارة للصلاة - فالوجوب
لم يرتفع بها، بل هو باق على حاله بعد الزيادة وقبلها؛ حيث بقي
الأمر به.
وأما الإجزاء فهو الذي ارتفع بهذه الزيادة؛ حيث أصبحت الصلاة
لا تجزئ إلا بطهارة، فهنا ارتفع الإجزاء فقط، وارتفاع الإجزاء فقط
جعل المرتفع بعض ما تناوله واقتضاه اللفظ الذي هو قوله تعالى:
(وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) ، وهذا يسمى تخصيصا، لا نسخا.
المذهب الثاني: أن تلك الزيادة نسخ.
ذهب إلى ذلك: الحنفية، وبعض الشافعية كالغزالي.
دليل هذا المذهب:
استدلوا على ذلك بقولهم: إنه كان حكم المزيد عليه الإجزاء
والصحة بدون تلك الزيادة، فلما جاءت الزيادة ارتفع ذلك الحكم،
فاصبح المزيد عليه لا يجزئ، ولا يصح إلا بتلك الزيادة، والرفع
نسخ.
(2/580)

فمثلاً: كانت الصلاة تجزئ وتصح بدون طهارة، فلما زيد
اشتراط الطهارة: أصبحت الصلاة لا تجزي، ولا تصح لوحدها،
بل لا بد من الطهارة، فرفع إجزاء الصلاة لوحدها، والرفع نسخ.
كذلك: الطهارة كانت تجزئ بدون النية، فلما زيد عليها اشتراط
النية أصبحت الطهارة لا تصح إلا بنية، فأمر الشارع بالطهارة مع
النية، وهذا هو الرفع؛ حيث رفع إجزاء الطهارة لوحدها،
وأصبحت لا تجزئ إلا بنية، والرفع نسخ.
جوابه:
يجاب عنه بأن ما ذكرتموه صحيح لو أن الإجزاء استقر وثبت أولاً،
ثم وردت الزيادة بعده؛ لأن من شرط النسخ: تأخر الناسخ عن
المنسوخ، وهنا لم يتحقق ذلك الشرط؛ لأنه يحتمل أن تكون الزيادة
قد ثبتت وهي مقارنة للفظ المزيد عليه.
وعلى هذا: يكون إدعاؤكم استقرار الإجزاء، ثم ورود الزيادة
بعد ذلك هو دعوى يحتاج إلى دليل، ولا دليل عندكم، فثبت أن
تلك الزيادة ليست بنسخ.
الخلاصة:
يتلخص مما سبق من أقسام الزيادة على النص: أن الجمهور
يقولون: إن الزيادة ليست بنسخ في جميعها.
وأن الحنفية يقولون: إن الزيادة نسخ.
بيان نوع الخلاف في تلك الأقسام:
الخلاف في تلك الأقسام معنوي، قد أثر في إثبات تلك الزيادة
بما لا يجوز النسخ به كخبر الواحد، أو القياس.
(2/581)

فبناء على المذهب الثاني - وهو مذهب الحنفية - وهو الذي يرى
أن الزيادة نسخ، فإنه لا تثبت تلك الزيادة بخبر الواحد أو القياس؛ كلًّا منهما لا ينسخ المتواتر كزيادة " تغريب عام "، فهذا خبر
واحد لذلك رده أبو حنيفة؛ لأنه زيادة عما في القرآن؛ لأن القرآن
لا يوجد فيه إلا الجلد، وذلك في قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) ، والقرآن متواتر لا ينسخه خبر آحاد.
أما على المذهب الأول - وهو مذهب الجمهور وهو الذي يرى:
أن الزيادة ليست بنسخ - فإن تلك الزيادة ثابتة عندهم وإن كان ثبوتها
بخبر الواحد، فقبلوها، لذلك زادوا على حد الجلد التغريب.
كذلك لم يئبت عند أصحاب المذهب الثاني - وهم الحنفية -
وجوب قراءة الفاتحة الئابت بقوله - صلى الله عليه وسلم -:
" لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ".
لأنه خبر واحد، فقالوا: إن قوله تعالى: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) ،
يفيد افتراض مطلق القراءة لما تيسر من أي سورة كانت، فجعل الفاتحة ركنا نسخ لهذا القاطع بخبر الواحد فلا يجوز.
أما على المذهب الأول - وهم الجمهور القائلون: إن الزيادة
ليست بنسخ - فإنهم قبلوا تلك الزيادة وهي ثابتة عندهم، فلا صلاة
لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب.
كذلك لم يثبت عند أصحاب المذهب الثاني - وهم الحنفية
القائلون: إن الزيادة نسخ - اشتراط الإيمان في عتق الرقبة في كفارة
الظهار؛ لأن المثبت لذلك هو القياس على كفارة القتل؛ حيث
اشترط في كفارة القتل في عتق الرقبة الإيمان بقوله تعالى:
(2/582)

(فتحرير رقبة مؤمنة) ، والقياس لا يقوى على نسخ ما في القرآن؛ حيث إن
الثابت في كفارة الظهار في القرآن هو قوله تعالى: (فتحرير رقبة)
بدون اشتراط الإيمان.
أما على المذهب الأول - وهو مذهب الجمهور - فإنهم قبلوا تلك
الزيادة وهي ثابتة عندهم، وزادوا ذلك الشرط، فاشترطوا: أن
تكون الرقبة مؤمنة؛ لأن الزيادة على النص ليست بنسخ عندهم.
تنبيه: لا بد أن تعلم أن الحنفية قد ردوا أخباراً كثيرة بسبب تمسكهم
بهذا الأصل وهو: " أن الزيادة على النص نسخ "؛ لأنه اقتضى
زيادة على القرآن، والزيادة نسخ، ولا يجوز نسخ القرآن بخبر
الواحد.
المسألة الخامسة عشرة: نسخ جزء العبادة أو شرطها:
أي: نسخ جزء العبادة أو شرط من شروطها هل هو نسخ لجملة
العبادة؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن نسخ جزء من أجزاء العبادة أو شرط من
شروطها ليس بنسخ للعبادة كلها.
ذهب إلى ذلك الجمهور من العلماء.
وهو الحق؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: أن حقيقة النسخ هو: الرفع والإزالة، وهذه
الحقيقة قد تناولت " الجزء "، و " الشرط " المنسوخ فقط،
(2/583)

أما ما عدا. ذلك فلم تتناوله تلك الحقيقة؛ حيث إنه باق على حاله لم يتبدل
ولم يتغير.
الدليل الثاني: الوقوع: فقد وقع أن نسخ الشارع شرط عبادة من
العبادات، ولم تكن تلك العبادة قد نسخت بانكلية مثل: استقبال
بيت المقدس الذي هو شرط لصحة الصلاة، فقد نسخ هذا الشرط،
ولم يكن نسخه نسخاً لحكم الصلاة، بل هي باقية بحالها لم تتغير،
وإنما التغير قد تناول شرطها فقط.
وأيضاً: فقد نسخ عشر رضعات بخمس، ونسخ هذا الجزء
- وهو الخمس - لم يكن نسخاً لكل العشر.
الدليل الثالث: قياس النسخ على التخصيص، فكما أن
التخصيص لا يكون تخصيصاً للجميع، فكذلك نسخ بعض العبادة
لا يكون نسخاً لجميعها.
الدليل الرابع: أن نقص الجزء أو الشرط لم يرفع حكم تلك
العبادة من الوجوب أو الندب أو غيرهما، فلا يكون نسخا؛ وذلك
لأن النسخ هو رفع الحكم الشرعي.
المذهب الثاني: أن نسخ جزء العبادة أو شرطها نسخ للعبادة
جملتها.
ذهب إلى ذلك أكثر الحنفية، وبعض الشافعية كالغزالي، وبعض
المتكلمين.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن نقص جزء من أجزاء
العبادة، أو إلغاء شرط من شروطها يرفع حرمة فعلها بدون ذلك
(2/584)

الجزء أو الشرط، ويبيح الفعل بدونهما، والحرمة حكم شرعي،
فيكون رفعه نسخ؛ لأن حقيقة النسخ قد وجدت.
جوابه:
يجاب عنه: بأن وجوب العبادة بعد نقص الجزء، أو إلغاء الشرط
لم يتغير ولم يرفع، بل إنه عين وجوبها قبل النقص وإلغاء الشرط،
فالحكم الثابت للعبادة حال النسخ هو الوجوب، ولم يرفع، إذن
لم توجد حقيقة النسخ وهي: رفع الحكم، وإذا لم توجد فلا نسخ.
كمن أخذ ريالاً من كيس فيه عشرة ريالات، فإن الباقي بعد نقص
الريال باق على حاله لم يرفع، ولم يتأثر بشيء.
المسألة السادسة عشرة: نسخ الحكم إلى غير بدل:
لقد اختلف العلماء في نسخ الحكم، هل يجوز إلى غير بدل أو لا؟
على مذهبين:
المذهب الأول: يجوز نسخ الحكم من غير أن يأتي ببدل عنه.
وهذا مذهب الجمهور.
وهو الصحيح لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن حقيقة النسخ هي: الرفع والإزالة، ورفع
الشيء يتحقق في نفسه، وإن لم يثبت له خلف وبدل، فليس في
حقيقة النسخ تعرض للخلف والبدل.
الدليل الثاني: أنه لا يمتنع عقلاً أن تكون المصلحة في نسخ الحكم
دون وضع بدل عنه، أي: أن اللَّه تعالى علم أن نسخ هذا الحكم
مصلحة، ولا مصلحة في إثبات بدل له.
(2/585)

الدليل الثالث: أن نسخ الحكم بلا بدل قد وقع، والوقوع دليل
الجواز.
فمن أمثلة ذلك: أن تقديم الصدقة بين يدي المناجاة لرسول الله
- صلى الله عليه وسلم - كان واجباً؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً) ، ثم نسخ ذلك بقوله
تعالى: (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ... ) .
وكان هذا النسخ بلا بدل.
ومن ذلك أيضاً: أن الشارع نهى عن ادخار لحوم الأضاحي، ثم
نسخ ذلك بلا بدل؛ حيث قال - صلى الله عليه وسلم -:
"كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي من أجل الدافة، أما الآن فكلوا، وتصدقوا، وادخروا".
ومن ذلك أيضاً: أن اللَّه تعالى أوجب على الصائم في أول
الإسلام أن يمسك بعد الفطر في أول الليل، فلو نام قبل الفطر، ثم
استيقظ ليلاً حرم عليه الطعام والشراب، ثم نسخ تحريم الأكل
والشرب في الليالي إلى غير بدل.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز نسخ الحكم إلى غير بدل.
ذهب إلى ذلك أكثر المعتزلة، وبعض أهل الظاهر.
أدلة هذا المذهب:
استدلوا على ذلك بأدلة ومنها:
الدليل الأول: قوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير
منها أو مثلها) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أخبر أنه لا ينسخ شيئاً من الأحكام إلا
(2/586)

إذا وضع مكانه بدلاً عنه خيراً منه أو مثله، وخبر اللَّه تعالى صدق،
فالخلف في خبره محال.
جوابه:
يجاب عنه بأجوبة:
الجواب الأول: أنه ليس في الآية ما يدل على أنه لا بد من
البدل، بل إن الآية تدل على أن البدل الثابت خير من المبدل إن ثبت
البدل، فهو كقول السيد لعبده: " لا آخذ منك ثوبا وأعطيك بدله
إلا إذا كان البدل خيراً من الأول "، فهذا اللفظ لا يدل على وجوب
البدل، ولكنه يدل على أن البدل إذا وقع فلا بد أن يكون خيراً.
الجواب الثاني: أن الآية وردت في التلاوة، وليس للحكم فيها ذكر.
أي: أنه يدل على نسخ لفظ الآية؛ لأن الآية حقيقة فيها،
والأصل في الإطلاق الحقيقة، فيكون على ذلك معنى الآية: لا
يوجد هنا نسخ لآية من الآيات القرآنية إلا أتينا بآية أخرى بدلها،
وليس هذا هو المطلوب، وإنما المطلوب هو نسخ الأحكام، والآية
لا تفيد ذلك.
الجواب الثالث: أن الآية تصلح أن تكون حُجَّة لنا، بيان ذلك:
أن رفع الحكم إلى غير بدل قد يكون خيراً من المبدل؛ لما في ذلك
من رفع المشقة عن المكلف، ولكونه لو وجد في الوقت الثاني
- الذي نسخ فيه - لكان فيه مفسدة على العباد والبلاد.
الدليل الثاني قالوا فيه: إنما قلنا: إن النسخ لا يكون إلا إلى
بدل؛ لأنه أمر يلزم في كل حكم رفع، وذلك لأن الحكم إذا رفع
(2/587)

عاد الأمر إلى ما كان عليه من حكم العقل، فمثلاً: إذا رفع تحريم
الخمر عاد إلى ما كان عليه قبل التحريم، وهو محرم بحكم العقل.
جوابه:
يجاب عنه بأن هذا غير صحيح، لأن العقل لا مدخل له في
الشرعيات، فليس له أن يحرم أو يبيح، وهذا من كلام المعتزلة بناء
على قاعدتهم: " التحسين والتقبيح العقليين "، ونحن لا نقول بها.
***
المسألة السابعة عشرة: النسخ بالأخف، والمساوي، والأثقل:
نسخ الحكم ببدل هو أخف من المنسوخ قد اتفق على جوازه كنسخ
عدة المتوفى عنها من الحول إلى أربعة أشهر وعشر أيام.
نسخ الحكم ببدل مثله في التخفيف والتثقيل والتشديد كنسخ
استقبال بيت المقدس بالكعبة، قدْ اتفق على جوازه.
نسخ الحكم ببدل أثقل منه قد اختلف فيه على مذهبين:
المذهب الأول: يجوز نسخ الحكم من الأخف إلى الأثقل.
وهو مذهب الجمهور.
وهو الحق، لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أنه لا يمتنع عقلاً أن تكون المصلحة في نسخ الحكم
من الأخف إلى الأثقل، وهذه المصلحة هي التدرج والترقي من
الأحكام الخفيفة إلى الأحكام الثقيلة والشديدة: فالناس حديثو عهد
بكفر، فلو نزلت الأحكام الثقيلة في أول الأمر لنفر أكثر من دخل
في الإسلام عنه، ولكن اللَّه عَزَّ وجَكَّ رأى أن المصلحة تقتضي
(2/588)

التدرج بهم في الأحكام؛ لتلافي ذلك: فينزل اللَّه الأحكام الخفيفة
في أول الأمر حتى تتمرن النفوس عليها وتتهيأ لقبول غيرها مما هو
مثلها وأثقل منها كما حصل في ابتداء التكاليف الشرعية كتحريم
الخمر، وتحريم الربا.
الدليل الثاني: الوقوع؛ حيث وقع نسخ الحكم. من الأخف إلى
الأثقل، والوقوع دليل الجواز.
فمن أمثلة ذلك: أنه كان في أول الإسلام يجوز تأخير الصلاة في
حالة الخوف إلى وقت آخر أكثر أمنا، ونسخ ذلك إلى وجوب
الإتيان بها في حالة الخوف قال تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ..) ، ولا شك أن الصلاة حالة الخوف أشد.
مثال آخر: أن اللَّه تعالى أوجب صيام رمضان في ابتداء الإسلام
مخيراً بينه وبين الفداء بالمال الثابت بقوله تعالى: (وعلى الذين
يطيقونه فدية طعام مسكين) ، ثم نسخ ذلك بتعيين الصيام فقط
بقوله تعالى: (فمن شهد الشهر فليصمه) ، ومعلوم أن تعيين
الصيام أشد.
مثال ثالث: أن الصحابة - رضي اللَّه عنهم - أمروا في أول
الإسلام بترك القتال والإعراض عن ذلك، قال تعالى: (فأعرض
عنهم) ، (وأعرض عن المشركين) ، ثم نسخ ذلك بإيجاب
الجهاد في سبيل اللَّه، ومعلوم أن وجوب الجهاد أثقل من عدمه.
الدليل الثالث: أنه إذا جاز أن لا يكلف اللَّه عباده ابتداء، ثم
يكلفهم العبادات الشاقة جاز أن ينتقل من الأخف إلى الأثقل، ولا
فرق بينهما لمن تدبر.
(2/589)

المذهب الثاني: لا يجوز نسخ الحكم من الأخف إلى الأثقل.
ذهب إلى ذلك بعض الظاهرية كأبي بكر بن داود، ونسب إلى
كل الظاهرية، ونسب إلى بعض الشافعية.
أدلة هذا المذهب:
لقد استدل هؤلاء بأدلة، ومنها:
الدليل الأول: قوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم
العسر) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى نفى إرادة العسر، والعسر هو الأشق
والأثقل، إذن اللَّه لا ينقل العباد من حكم أخف إلى حكم أثقل؛ فيه عسراً عليهم ومشقة، فلو قلنا: إنه ينسخ من الأخف إلى
الأثقل لكان ذلك تكذيباً لخبر الصادق.
جوابه:
يجاب عنه بأجوبة:
الجواب الأول: أن الآية وردت في صورة خاصة؛ حيث وردت
في سياق تخفيف الصوم عن المريض والمسافر، والخاص لا يستدل به
لإثبات قاعدة أصولية تعم كثيراً من الأحكام.
الجواب الثاني: على فرض أنها عامة، فإنا نحملها على ما فيه
اليسر والعسر بالنظر إلى المال، ولا يخفى أن التكليف بما هو أشق
في الدنيا إذا كان ثوابه المآلي أكثر وأدفع للعقاب: أنه يسر، لا عسر.
الجواب الثالث: أنه لو صح أن اللَّه لا يريد العسر لما كلف الخلق
بعبادة فيها مشقة، وهذا لا يقوله أحد.
(2/590)

الدليل الثاني: قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) .
وجه الدلالة: أنه ليس المراد منه أن يأتي بخير من الآية في نفسها؛ القرآن كله خير، وإنما المراد به ما هو خير بالنسبة إلينا،
ومعروف أن الأصعب والأشق والأثقل ليس خيراً من الأخف
والأسهل، وليس مثلاً له، وعليه: فلا يجوز نسخ الحكم من
الأخف إلى الأثقل.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن ظاهر هذه الآية أنه نسخ التلاوة، وقد يجوز
أن يكون ثوابه أكثر، وقد ورد التفضيل في ثواب القرآن.
الجواب الثاني: أن الخير المذكور في الآية هو ما كان خيراً في
الدين، ولعل الأصعب في العبادات هو الخير في الدين من الأخف؛ ثوابه أكثر، أخرج البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة - رضي اللَّه عنها -.ْ: " ثوابك على قدر نصبك ".
الدليل الثالث: قوله تعالى: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أخبر أنه يضع عنهم الثقل الذي حمله
للأمم قبلهم، فلو نسخ ذلك بما هو أثقل منه: كان تكذيبا لخبره
تعالى وهو محال.
جوابه:
يجاب عنه: بأنه لا يلزم من وضع الإصر والثقل الذي كان على
من قبلنا امتناع ورود نسخ الأخف بالأثقل في شرعنا.
(2/591)

الدليل الرابع: أن اللَّه سبحانه أخبر عن نفسه بأنه رؤوف رحيم
بعباده بقوله تعالى: (وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) ، وغيرها من
الآيات، وخبر اللَّه تعالى صدق لا شك في ذلك، ونسخ الحكم من
الأخف إلى الأثقل ينافي تلك الرحمة والرأفة مما يؤدي إلى أن يكون
خبر اللَّه كذباً، وهذا محال.
جوابه:
يجاب عنه: بأن كون اللَّه تعالى يتصف بالرحمة والرأفة لا يمنع
من نسخ الشيء من الأخف إلى الأثقل؛ قياساً على التكاليف ابتداء،
وقياساً على تسليط الأمراض أو الفقر، وغير ذلك من أنواع المؤذيات،
بيان ذلك:
أن اللَّه تعالى قد كلَّف عباده ابتداء بإقامة العبادات الشاقة الشديدة
- بعد أن لم يكونوا مكفَفين بشيء -، وهو مع ذلك متصف
بالرحمة والرأفة، فإذا جاز ذلك: جاز أن ينقل الحكم من الأخف -
إلى الأثقل، ولا فرق بينهما في المعنى.
وكذلك: اللَّه تعالى قد سلَّط بعض الأمراض والفقر، والهموم
والغموم، وغير ذلك من أثواع العذاب والمؤذيات على بعض
المؤمنين، ومع ذلك فهو رحيم رؤوف بهم، وإنما يصيبهم بما ذكر
ابتلاء وامتحانا لهم، وتكفيراً لذنوب قد اقترفوها في دنياهم، فهو
سبحانه لا يصيب أيَّ عبد من عبيده بأيِّ مصيبة إلا وفيها مصلحة له،
فأمر المؤمن كله خير إن أصابته سراء شكر وفيه أجر، وإن أصابته
ضراء صبر وفيه أجر.
كذلك هنا ينسخ الحكم من الأخف "إلى الأثقل ابتلاء وامتحانا
للمكلَّفين، ولمصالح يعلمها اللَّه تعالى.
(2/592)

الدليل الخامس قالوا فيه: إن النسخ والتخفيف والحط بمعنى
واحد، فلو قال قائل: " خففت عليك ولكن إلى شيء هو أثقل ":
كان تناقضا، فكذلك إذا قال: " نسخت إلى ما هو أثقل ".
جوابه:
يجاب عنه: بأنا لا نُسَلِّمُ ذلك، فإن النسخ ليس بمعنى التخفيف
والحط في اللغة، بل النسخ لغة: هو الرفع والإزالة.
***
المسألة الثامنة عشرة: إذا بلغ الناسخ النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يبلغ بعض الأمَّة، فهل يثبت في حق من لم يبلغهم ذلك الناسخ؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يكون نسخا في حق من لم يبلغه، أي:
أن الحكم الأول لم يرتفع في حق من لم يبلغه الناسخ، ولا يلزمه
العمل بالناسخ، فلا يأثم إذا لم يعمل به.
هذا هو ظاهر كلام الإمام أحمد، واختاره أكثر الحنفية،
والمعتزلة، ورجحه إمام الحرمين، والغزالي، والآمدي، وابن
الحاجب، والقاضي أبو يعلى الحنبلي، وغيرهم.
وهو الصحيح؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: ما رواه ابن عمر - رضي اللَّه عنهما - أنه قال:
"بينما الناس في صلاة الصبح بقباء إذ جاءهم آتٍ، فقال: إن رسول
الله قد أنزل عليه الليلة، وقدْ أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها،
وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة ".
وجه الاستدلال: أن أهل قباء قد اعتدوا بما مضى من صلاة
(2/593)

الصبح فلم يقضوها، ولو كان النسخ ثبت في حقهم لأمروا
بالقضاء، فلما لم يؤمروا بالقضاء: دلَّ على أن النسخ لم يكن ثبت
في حقهم.
الدليل الثاني: أن الخطاب الناسخ غير لازم للمكلَّف قبل تبليغه
به لا نصاً ولا حكماً.
أما النص فقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) .
وأما الحكم فهو: أن المكلَّف لو فعل العبادة التي ورد بها الناسخ
على وجهها قبل بلوغه بالناسخ: لكان آثما عاصيا غير خارج به عن
العهدة، كما لو صلى إلى الكعبة قبل بلوغ النسخ إليه، ولو كان
مخاطباً بذلك لخرج به عن العهدة، ولما كان عاصيا بفعل ما خوطب
المذهب الثاني: أنه يكون نسخا في حق من لم يبلغه.
ذهب إلى ذلك بعض الشافعية.
أدلة هذا المذهب:
لقد استدل هؤلاء بأدلة هي كما يلي:
المدليل الأول: القياس على الوكيل إذا عزله الموكل، بيان ذلك:
لو وكل شخص وكيلاً في بيع سلعة، ثم عزل الموكل ذلك
الوكيل فإنه ينعزل، وإن لم يعلم الوكيل بذلك العزل، فإن باع
سلعة بطل ذلك البيع، ويبطل أي تصرف من الوكيل بعد عزل
الموكل له، وإن لم يعلم الوكيل بذلك، فكذا الناسخ يُبطل العمل
بالمنسوخ وإن لم يعلم المكلف.
(2/594)

جوابه:
يجاب عنه بأن هذا قياس فاسد؛ لأمرين:
الأمر الأول: أنه قياس على أصل قد اختلف فيه؛ حيث إنه لم
يتفق على أن الوكيل ينعزل بعزل الموكل وإن لم يعلم الوكيل، بل قد
اختلف فيه على رأيين:
الرأي الأول: أنه ينعزل بعزل الموكل وإن لم يعلم الوكيل، فلا
تصح جميع تصرفات الوكيل بعد العزل وإن لم يعلم به.
الرأي الثاني: أن الوكيل لا ينعزل إلا بعد علمه فيصح بيعه
وجميع تصرفاته، وكذلك إن مات الموكل ولم يعلم الوكيل.
وإذا كان الأمر كذلك فلا يصح القياس.
الأمر الثاني: أنه قياس مع الفارق؛ حيث إنه يوجد فرق بين عزل
الوكيل مع عدم علمه، وثبوت حكم الناسخ على المكلف مع عدم
علم المكلف، وهو: أن أوامر اللَّه - تعالى - ونواهيه مقرونة
بالثواب والعقاب فاعتبر فيها علم المأمور به والمنهي عنه، بخلاف
الإذن في التصرف والرجوع فيه، فإنه لا يتعلق به ثواب ولا عقاب.
الدليل الثاني: أن الحكم المنسوخ يرفع اتفاقا بعد علم المكلف
بالنسخ، فرفعه إما أن يكون بعلم المكلف، أو يكون بالنسخ.
لا يمكن أن يرفع بعلم المكلف؛ لأن العلم لا دخل له في ثبوت
النسخ.
فلم يبق إلا أن يرفع بالنسخ وهو الصحيح، فثبت - بهذا - أن
النسخ متحقق قبل علم المكلف، فيكون نسخا في حق من لم يبلغه
وهو المطلوب.
(2/595)

جوابه:
يجاب عنه بأن الرفع بالنسخ مشروط بعلم المكلََّف به، وللشروط
لا يتحقق بدون شرطه.
بيان نوع الخلاف:
إنَّ الخلاف لفظي في هذه المسألة، حيث إنه راجع إلى المراد من
ثبوت النسخ في حق من لم يبلغه الناسخ: فإن أريد بثبوت النسخ
في حق من لم يبلغه الخبر: أنه يجب عليه الأخذ بحكم الناسخ قبل
العمل به فهو إلزام بالمحال وتكليف بما لا يطاق عند الفريقين.
وإن أريد أنه إذا بلغه الناسخ يلزمه تدارك ما مضى فهذا مما لا امتناع فيه.
***
المسألة التاسعة عشرة: نسخ القرآن بالقرآن:
نسني القرآن بالقرآن جائز بالإجماع، للأدلة التالية:
الدليل الأول: قوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير
منها أو مثلها) ، وهو صريح في ذلك.
الدليل الثاني: وقوعه، والوقوع يدل على الجواز: فقد وقع
نسخ القرآن بالقرآن كثيراً، من ذلك نسخ عدة المتوفى عنها من سنة
كاملة إلى أربعة أشهر وعشرة أيام، قال تعالى: (مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) ، ثم - نسخ ذلك بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) ،
ونسخ الفداء
(2/596)

بالمال عن الصيام، قال تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام
مسكين) ، فنسخ ذلك بقوله: (فمن شهد الشهر فليصمه) .
الدليل الثالث: الاتحاد في الرتبة من حيث السند؛ حيث إن كلاً
منهما قطعي الثبوت. -
***
المسألة العشرون: نسخ السُّنَّة المتواترة بالسُّنَّة المتواترة:
هذا جائز بالاتفاق؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: أنه لا يمتنع عقلاً أن ينسخ الحكم الثابت بالتواتر
بمتواتر مثله.
الدليل الثاني: القياس على القرآن، فكما أنه يجوز نسخ القرآن
بالقرآن كذلك يجوز نسخ السُّنَّة المتواترة بالسُّنَّة المتواترة بجامع: أن
كلاً منهما قطعي الثبوت.
الدليل الثالث: الاتحاد في الرتبة؛ حيث إن الناسخ والمنسوخ
يتفقان في أن كلًّا منهما قطعي اكشبوت.
المسألة الحادية والعشرون: نسخ سُنَّة الآحاد بسُنَّة الآحاد:
هذا جائز بالاتفاق؛ لدليلين:
الدليل الأول: وقوعه، والوقوع دليل الجواز، من ذلك:
ما رواه بريدة - رضي اللَّه عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها "،
ومن ذلك ما رواه أبو هريرة - رضي اللَّه عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال - في شارب الخمر -: " إن سكر فاجلدوه ثم إن سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاضربوا عنقه "
(2/597)

، فأتي رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بسكران في الرابعة فخلَّى
سبيله.
الدليل الثاني: الاتحاد في الرتبة، حيث إن الناسخ والمنسوخ
يتحدان في أن كلًّا منهما ظني الثبوت.
***
المسألة الثانية والعشرون: نسخ سُنَّة الآحاد بالسُّنَّة المتواترة:
هذا جائز بالاتفاق؛ لأن التواتر يفيد العلم، ويقطع العذر،
والآحاد يفيد الظن، ونسخ الشيء بما هو أقوى وأعلى منه جائز،
ولكنه لم يقع.
المسألة الثالثة والعشرون: نسخ السُّنَّة بالقرآن:
هذا قد اختلف فيه على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز نسخ السُّنَّة بالقرآن مطلقا.
ذهب إلى ذلك الجمهور.
وهو الصحيح؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن القرآن والسُّنَّة وحي من اللَّه تعالى، - قال تعالى
في ذلك: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) ، غير أن
الكتاب متعبد بتلاوته، بخلاف السُّنَّة، ونسخ حكم أحد الوحيين
بالآخر غير ممتنع عقلاً، ولهذا لو فرضنا خطاب الشارع بجعل
القرآن ناسخا للسُّنَّة لما لزم عنه محال عقلاً، فدلَّ على الجواز
العقلي.
(2/598)

الدليل الثاني: وقوعه، والوقوع يدل على الجواز، فلو لم يكن
جائزاً لما وقع، فقد وقع في الشرع أن القرآن نسخ السُّنَّة، من ذلك:
1 - أنه نسخ تأخير الصلاة حالة الخوف الثابت بالسُّنَّة؛ حيث
روى أبو سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخَّر الصلاة يوم الخندق: الظهر والعصر والمغرب حتى بعد المغرب بهوي من الليل فصلاها، ثم نسخ ذلك بالقرآن وهو قوله تعالى: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم
الصلاة) .
2 - أنه نسخ الصلاة على المنافقين، فقد روى عمر بن الخطاب:
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على عبد اللَّه بن أبي بن سلول المنافق، فعارضه عمر - رضي اللَّه عنه - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أخَّر عني يا عمر إني خيرت فاخترت قد قيل لي: " استغفر لهم " لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت " -
قال الراوي: فصلى عليه، ومشى معه، وقام على قبره حتى فرغ منه،
قال: فعجبت من جرأتي على رسول اللَّه، والله ورسوله أعلم،
قال: فوالله ما كان إلا يسيراً حتى نزل قوله تعالى: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ) ، فما صلى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - على منافق، ولا قام على قبره حتى قبضه اللَّه تعالى، فهذا نسخ السُّنَّة بالقرآن.
3 - أنه نسخ القبْلة إلى بيت المقدس الثابتة بالسُّنَّة بالقرآن؛ حيث
إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قدمَ المدينة صلَّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) .
ولا يمكن أن يقال: إن التوجه إلى بيت المقدس كان معلوما
بالقرآن، وهو قوله تعالى: (فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) ؛ لأن هذه الآية فيها
تخيير بين بيت المقدس وغيره من الجهات، والمنسوخ إنما هو وجوب
التوجه إليه عيناً، وذلك غير معلوم من القرآن.
(2/599)

اعتراض على هذا الدليل:
قال المعترض: لعل هذه الأحكام كانت ثابتة بقرآن نسخ تلاوته،
وبقى حكمه، فيكون نسخ القرآن بالقرآن، أو لعل تلك الأحكام قد
ثبتت بالسُّنَّة، ونسخت بالسُّنَّة، فيكون من قبيل نسخ السُّنَّة بالسُّنَّة
وهذا متفق عليه.
جوابه:
يجاب عنه: بأنا لا نُسَلِّمُ لكم ذلك؛ لأمرين:
أولهما: أنه لا دليل عند المعترض على أن تلك الصور من باب
نسخ القرآن بالقرآن، أو من باب نسخ السُّنَّة بالسُّنَّة، ونحن قد
تمسكنا بالأصل، وهو عدم الدليل على ذلك - بعد البحث التام -.
ثانيهما: أنه لو قبل مثل هذه الاحتمالات لاقتضى أن لا يتعين
ناسخ ولا منسوخ؛ حيث إنه سيقال في كل ناسخ: إنه ليس بناسخ
بل غيره، ويقال في كل منسوخ: إنه ليس بمنسوخ بل غيره، وهذا
خلاف الإجماع، بل لما ثبت ناسخ علم تأخره عن منسوخ إلا إذا
قيل: " هذا ناسخ وذلك منسوخ "، وهو خلاف ما قاله العلماء.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز نسخ السُّنَّة بالقرآن.
نسب هذا إلى الإمام الشافعي - رحمه اللَّه -.
أدلة هذا المذهب:
استدل أصحاب. هذا المذهب بما يلي:
الدليل الأول: قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) .
وجه الاستدلال: أن الآية دلَّت على أن السُّنَّة بيان للقرآن،
(2/600)

والناسخ بيان للمنسوخ، فلو كان القرآن ناسخا للسُّنَّة لكان القرآن
بياناً للسُّنَّة، وسيأتي أن السُّنَّة بيان للقرآن، فيلزم من ذلك أن كل
واحد منهما بيان للآخر، وهذا دور، والدوبى باطل، فامتنع أن
يكون القرآن ناسخاً للسُّنَّة.
جوابه:
يجاب عنه: بأن الشارع لما جعل السُّنَّة بياناً للقرآن نبَّه بذلك على
أن القرآن أَوْلى أن يكون بيانا للسُّنَّة؛ لأنه أعلى منها، أي: إذا جاز
أن يبين الأعلى بالأدنى، فجواز تبيين الأدنى بالأعلى أوْلى.
الدليل الثاني: قالوا: إنه لو نسخت السُّنَّة بالقرآن للزم تنفير
الناس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن طاعته؛ لإيهامهم أن اللَّه - تعالى - لم يرض السُّنَّة التي أتى بها النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذلك مناقض لمقصود البعثة، ولقوله تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله) .
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنه لو امتنع نسخ السُّنَّة بالقرآن للإيهام أن اللَّه لم
يرض عن تلك السُّنَّة، وهذا يؤدي إلى تنفير الناس عن طاعة
الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما زعمتم: لامتنع نسخ القرآن بالقرآن، والسُّنَّة بالسُّنَّة، وهو خلاف " الإجماع، حيث إنه قد اتفق على جواز نسخ
القرآن بالقرآن، والسُّنَّة بالسُّنّة - كما سبق ذكره -.
الجواب الثاني: أن ما قلتموه في دليلكم إنما يصح أن لو كانت
السئُنَّة من عند رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - من تلقاء نفسه، وليس كذلك، بل إنما السُّنَّة وحي قال تعالى في ذلك: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) .
(2/601)

الدليل الثالث لهم قالوا فيه: إن القرآن والسُّنَّة جنسان مختلفان
من الأدلة، فلم يجز نسخ أحدهما بالآخر.
جوابه:
يجاب عنه بأن النسخ في الأصل لم يمتنع لكونهما جنسين، وإنما
امتنع؛ لأن أحدهما فرع للآخر، وأن أحدهما أدنى، فلم يجز نسخ
الأصل بفرعه، ولا نسخ الأعلى بالأدنى، وهذا لم يكن في مسألتنا؟
لأننا لم ننسخ الأعلى بما هو دونه، وإنما ننسخ الأدنى بما هو أعلى
منه، ولا مانع من ذلك.
تئبيه: لقد قلت: إن المذهب الثاني قد نسب إلى الإمام
الشافعي، وقد كثر كلام العلماء حول هذه النسبة، وقد حققت ذلك
في كتابي " إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر "، فارجع إليه
إن شئت.
***
المسألة الر ابعة والعشرون: نسخ القرآن بالسُّنَّة المتواترة:
لقد اختلف في ذلك على مذاهب، من أهمها: مذهبان:
المذهب الأول: أن نسخ القرآن بالسُّنَّة المتواترة جائز عقلاً وشرعا.
وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وعامة المتكلمين، وأهل الظاهر،
وهو مذهب الإمام أحمد في رواية عنه وبعض الحنابلة، وهو - اختيار
أكثر الفقهاء من الشافعية وغيرهم.
وهو الصحيح؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن نسخ القرآن بالسُّنَّة المتواترة لا يستحيل عقلاً،
فالناسخ - في الحقيقة - هو الله عَزَّ وجَل، كل ما في الأمر أنه
(2/602)

سبحانه أنزل الناسخ على النبي - صلى الله عليه وسلم - بوحي غير نظم القرآن، وإذا كان المنسوخ - وهو القرآن - والناسخ - وهي السُّنَّة - من اللَّه تعالى فما المانع من نسخ أحدهما للآخر؟
اعتراض على ذلك:
قال معترض على هذا الدليل: قد ينسخ النبي - صلى الله عليه وسلم - الآية اجتهاداً منه، فإن هذا ليس من اللَّه تعالى.
جوابه:
يجاب عنه بأن يقال: إن جوز للنبي - صلى الله عليه وسلم - النسخ بالاجتهاد فهو من عند اللَّه - أيضا -، فالله هو الذي أذن له بالاجتهاد في هذا الأمر، فثبت المطلوب، وهو: أن الكل من اللَّه تعالى.
الدليل الثاني: أن القرآن والسُّنَّة لا فرق بينهما من حيث السند،
فكل واحد منهما متواتر، ولا فرق بينهما من حيث المصدر - كما
قلنا سابقا -.
وإذا كان كل واحد منهما قطعي الثبوت، ومصدره من اللَّه تعالى،
فإن كل واحد منهما يقوى على نسخ الآخر.
الدليل الثالث: أن النسخ تعريف بانقضاء مدة العبادة، وإعلام
سقوط مثل ما كان واجبا بالمنسوخ وارتفاعه فيما يستقبل من الزمان،
والمعرفة بذلك تقع بالسُّنَّة كما تقع بالقرآن.
الدليل الرابع: الوقوع، فقد وقع في الشريعة نسخ القرآن بالممئُنَّة
المتواترة، والوقوع دليل الجواز، من ذلك:
أن الوصية كانت واجبة للوالدين والأقربين بقوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) ، فنسخ ذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فلا وصية لوارث".
(2/603)

اعتراض على ذلك:
لقد اعترض على ذلك الدليل باعتراضين:
الاعتراض الأول: أن الوصية للوالدين والأقربين لم تنسخ بقوله
- عليه السلام -: " لا وصية لوارث "، بل إنها نسخت بآية المواريث، وبيان سهام الوالدلين والأقربين، وأشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك بقوله: " إن اللَّه قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث ".
جوابه:
يجاب عن هذا الاعتراض بأنه يمكن الجمع بين هذا الحديث وآية
المواريث التي هي قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) ، حيث إن الميراث لا يمنع من الوصية للأجانب.
الاعتراض الثاني:
إن الوصية للوالدين الثابتة بالآية لا يمكن أن تنسخ بالحديث وهو:
" لا وصية لوارث "؛ لأن الحديث خبر آحاد، وليس بمتواتر،
وخبر الواحد لا يقوى على نسخ ما ثبت بالقرآن.
جوابه:
يجاب عنه: بأن الحديث في قوة المتواتر؛ لأن المتواتر نوعان:
متواتر من حيث السند، ومتواتر من حيث ظهور العمل به من غير
نكير، فإن ظهوره يغني الناس عن روايته، والحديث الذي معنا من
النوع الثاني، حيث إن ظهور العمل به من العدول من أئمة الفتوى
بلا منازع، فإنه يجوز النسخ به.
المذهب الثاني: أن نسخ القرآن بالسُّنَّة المتواترة جائز عقلاً، ولا يجوز شرعا.
(2/604)

ذهب إلى ذلك الإمام الشافعي، وأحمد في رواية عنه، وبعض
الحنابلة، واختاره أبو إسحاق الإسفراييني، وأبو منصور البغدادي،
والقلانسي، والحارث المحاسبي.
أدلة هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب على جواز نسخ القرآن بالسُّنَّة
المتواترة عقلاً بالأدلة الثلاثة الأولى التي استدل بها أصحاب المذهب
الأول.
واستدل أصحاب هذا المذهب على عدم جواز نسخ القرآن بالسُّنَّة
المتواتر شرعا بما يلي:
الدليل الأول: قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) .
وجه الدلالة: أن اللَّه جعل البدل خيراً من المنسوخ أؤ مثلاً له،
والسُّنَّة ليست خيراً من القرآن ولا مساوية له في الخيرية، فلا تكون
بدلاً عن الكتاب ولا ناسخة له.
وكذلك: أخبر اللَّه تعالى أن ما ينسخه من الآيات يأت بخير منه،
وذلك يفيد أنه يأت بما هو من جنسه، فكان الناسخ للقرآن هو القرآن
لا السُّنَّة.
جوابه:
يجاب عنه: بأن المراد بالخيرية والمثلية الواردة في الآية: الخيرية
والمثلية في الحكم لا في اللفظ، ولا شك أن الخكم الثابت بالسُّنَّة قد
يكون أنفع للمكلف من الحكم المنسوخ.
ثم اعلم بأن السُّنَّة كالقرآن ولا فرق بينهما، حيث إن كلًّا منهما
(2/605)

من عند اللَّه سبحانه وتعالى، كل ما في الأمر أن القرآن معجز
ومتعبد بتلاوته، والسُنَّة ليست كذلك.
فإذا علمت أن الكل من عند اللَّه، وأن المصدر واحد، وكل
منهما قطعي الثبوت، فإنه ثبت أن الآية ليس فيها ما يدل على أن
السُّنَة لا تنسخ القرآن.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) .
وجه الدلالة: أن المراد بما نزل هو القرآن، والمراد من الذكر هو
السُّنَة، وقد جعل اللَّه السُّنَّة مبينة لكل القرآن؛ لأن " ما " للعموم،
فلو كانت السُّنَّة ناسخة للقرآن للزم أن تكون رافعة للقرآن، لا مبينة
له؛ لأن النسخ رفع لا بيان، وذلك يخالف ما دلت عليه الآية.
جوابه:
يجاب عنه بأن النسخ نوع من البيان؛ لأنه بيان انتهاء الحكم
الشرعي بطريق شرعي متراخ عنه، وما دام النسخ بيانا، وقد جعلت
السثُنَة مبينة للقرآن، فإنه يجوز نسخ القرآن بالسُّنَّة المتواترة، ولا
مانع من ذلك.
***
المسألة الخامسة والعشرون: هل يجوز نسخ القرآن والسّنَّة
المتواترة بخبر الواحد؟
في ذلك تفصيل:
. أما نسخ القرآن والسُنَّة المتواترة بخبر الواحد عقلاً فهو جائز
باتفاق العلماء المعتدّ بأقوالهم، وذلك لأنه لا يمتنع عقلاً أن يأتي
(2/606)

الشارع بخبر الواحد، ويقول: إنه ناسخ للحكم الفلاني الذي ثبت
بالتواتر، فإن اللَّه ينزل ما يشاء ويفعل ما يريد، فلا يلزم من جوازه
محال.
أما نسخ القرآن والسُّنَّة المتواترة بخبر الواحد شرعا، فقد اختلف
العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: لا يجوز نسخ القرآن والسُّنَّة المتواترة بخبر الواحد
شرعاً، وهو مذهب الجمهور من العلماء.
وهو الصحيح؛ لأنه بعد تتبع الأدلة واستقرائها لم نجد فيها أن
متواتراً قد نسخه خبر واحد، وهذا يدل على عدم الوقوع، وماذا كان
الأمر كذلك فإنه يدل على عدم الجواز.
المذهب الثاني: يجوز نسخ القرآن والسُّنَّة المتواترة بخبر الواحد
شرعا.
ذهب إلى ذلك بعض أهل الظاهر كداود، وابن حزم، وبعض
العلماء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: الوقوع، حيث إنه قد وقع أن القرآن والسُنَّة
المتواترة قد نُسخا بخبر الواحد، بيان ذلك:
أولاً: أنه ثبت: أن رجلاً جاء إلى أهل قباء وهم يصلون العصر
نحو بيت المقدس، فقال: أشهد أني صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحو الكعبة فانحرف القوم حتى توجهوا نحو الكعبة.
فالتوجه إلى بيت المقدس كان ثابتا بالسُّنَّة المتواترة لأهل قباء
(2/607)

وغيرهم، فنسخ ذلك بخبر الواحد؛ إذ قبلوا كلامه، وتحولوا نحو
المسجد الحرام، وعلى هذا يكون خبر الواحد قد نسخ المتواتر.
جوابه:
يجاب عنه بأن محل النزاع هو وقوع نسخ المتواتر بخبر الواحد
المجرد عن القرائن المفيدة للعلم، أما في هذه القصة فإنه يحتمل أن
يكون قد انضم إليه ما يفيد العلم كقربهم من مسجد رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وسماعهم لضجة الخلق في ذلك.
ثانيا: قوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) ، حيث نسخ
ذلك بخبر الواحد وهو: " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تنكح المرأة على عمتها أو على خالتها ".
جوابه:
يجاب عنه: بأن الحديث مخصص للآية، وليس بناسخ لها؛ النص يقتضي أن يكون كل ما عدا المذكورات حلالا، فأخرج
عنه هذا الحديث بعضه فيكون تخصيصا لا نسخا.
ويمكن أن يكون نسخاً لو أثبت المستدلون: أن الخبر ورد بعد
العمل بمقتضى الآية، فحينئذ يكون نسخا؛ إذ لا يجوز تأخير بيان
المخصص عن وقت العمل.
ثالثا: أنه ثبت بالتواتر أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يرسل الآحاد من الصحابة - رضي اللَّه عنهم - إلى البلدان والنواحي لتبليغ الأحكام، وتبليغ الناسخ والمنسوخ، ولولا قبول خبر الواحد في ذلك: لما كان قبوله واجباً.
(2/608)

جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا يجوز فيما يجوز فيه خبر الواحد، كان
ينسخ ما ثبت بخبر الواحد، أما ما لا يجوز فيه فلا، مثل مسألتنا
وهي: نسخ المتواتر بالآحاد، ومن ادعى أن خبر الواحد قد نسخ
متواتراً فعليه الإثبات.
الدليل الثاني: أن خبر الواحد ينسخ المتواتر من القرآن والسُّنَّة؟
قياساً على التخصيص به، بيان ذلك:
أنه كما يجوز تخصيص المتواتر من الكتاب والسُّنَّة المتواترة بخبر
الواحد، كذلك يجوز نسخ المتواتر من الكتاب والسُّنَّة المتواترة
بخبر الواحد؛ إذ لا فرق بينهما، والجامع: رفع الضرر المظنون.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن
التخصيص: بيان وجمع بين الدليلين، أما النسخ فهو: إبطال ورفع
وإزالة كما تقدم.
الدليل الثالث: أن خبر الواحد دليل من أدلة الشرع، فإذا صار
معارضاً لحكم المتواتر وجب تقديم المتأخر؛ قياساً على سائر الأدلة.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؟
لوجود الفرق بين المتواتر والاَحاد، فالمتواتر مقطوع في سنده،
والآحاد مظنون في سنده، فهذا الفرق مانع من ترجيح خبر الواحد.
(2/609)

المسألة السادسة والعشرون: هل الإجماع يكون منسوخا؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن الإجماع لا يكون منسوخا.
وهو مذهب الجمهور.
وهو الصواب؛ لأن ما وجد من الإجماع بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وانتهاء زمن الوحي لو نسخ حكمه فإما أن ينسخ بنص، أو إجماع،
أو قياس.
أما الأول - وهو كون الإجماع منسوخا بنص - فهو باطل؛ لأن
الناسخ لا بد أن يكون متأخراً عن المنسوخ، ومعلوم أن النص متقدم
على الإجماع.
وقلنا: إن النص متقدم على الإجماع؛ لأن النصوص تتلقى من
النبي - صلى الله عليه وسلم -، والإجماع لا ينعقد في زمنه - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه إن لم يوافقهم لم ينعقد، وإن وافقهم كان قوله هو الحُجَّة؛ لاستقلاله بإفادة الحكم، فإذا ثبت أن النص متقدم على الإجماع، فلا يمكن أن يكون النص ناسخاً للإجماع؛ لأن المتقدم لا ينسخ المتأخر.
أما الثاني - وهو كون الإجماع منسوخا بإجماع آخر - فلا يصح
- أيضا -؛ لأنه يستحيل انعقاده على خلاف إجماع آخر؛ إذ لو
انعقد لكان أحد الإجماعين خطأ؛ لأن الأول إن لم يكن عن دليل
فهو خطأ، وإن كان عن دليل كان الثاني خطأ؛ لوقوعه على خلاف
الدليل.
أما الثالث - وهو كون الإجماع منسوخا بقياس - فهو باطل
- أيضا -؛ لأن القياس لا يكون على خلاف الإجماع؛ لأنه يشترط
(2/610)

في القياس: أن لا يكون مخالفا لنص أو إجماع، فعند مخالفة
الإجماع للقياس: يكون القياس باطلاً فلا يكون حُجَّة، وعليه فلا
يصح أن يكون ناسخا للإجماع.
اعتراض على ذلك:
اعترض معترض قائلاً: إنه يُتصور أن يكون الإجماع منسوخاً،
بيان ذلك:
أنه يمكن أن يكون الإجماع قد انعقد في زمن، ثم بعد ذلك ظهر
للمجمعين خبر كان قد خفي عليهم، ولم يعلموا به أثناء إجماعهم،
هذا الخبر الذي ظفروا به هو أقوى من مستندهم في ذلك الإجماع،
فيكون - على هذا - هذا الخبر ناسخا للإجماع.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا باطل؛ لأن المنسوخ يكون هو النص الذي
كان مستند الإجماع، ولا يمكن أن يكون المنسوخ هو الإجماع؛ لأن
الإجماع بطل من أصله بظهور ذلك النص، لا أن الإجماع يكون
مرفوعا بعد استقراره.
المذهب الثاني: أن الإجماع يكون منسوخا.
ذهب إلى ذلك طائفة من العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن العلماء المعتد بأقوالهم إذا اختلفوا في مسألة على قولين: فإن
المكلَّف مخير في العمل بكل واحد من القولين، إذا أجمع علماء
الأُمَّة على هذين القولين؛ إذ لا ثالث لهما، فإذا أجمع العلماء -
بعد ذلك - على أحد القولين: لم يجز العمل بالقول الآخر،
(2/611)

وحينئذ يكون الإجماع الثاني ناسخا لما دلَّ عليه الإجماع الأول من
جواز العمل بكل واحد من القولين، وبذلك يكون الإجماع الثاني
ناسخاً للإجماع الأول، فصح بذلك أن يكون الإجماع منسوخا.
جوابه:
يجاب عنه: بأن علماء الأُمَّة إنما جوَّزوا للمكلف الأخذ بأي واحد
من القولين بشرط: أن لا يحصل الإجماع على أحد القولين، فكان
الإجماع الأول مشروطا بهذا الشرط، فإذا وجد الإجماع الثاني فقد
زال شرط الإجماع الأول، فانتفى الإجماع الأول بسبب انتفاء
شرطه، لا لكون الثاني قد نسخه.
***
المسألة السابعة والعشرون: هل يكون الإجماع ناسخا؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأولي: أن الإجماع لا يكون ناسخا، أي: أن الإجماع
لاينسخ به.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء، وهو الصحيح؛ لدليلين:
الدليل الأول: أن المنسوخ بالإجماع إما أن يكون نصا، أو
إجماعاً، أو قياسا.
أما الأول - وهو كون المنسوخ بالإجماع نصا - فهذا باطل؟
لاستحالة انعقاد الإجماع على خلاف ذلك النص؛ لأن الإجماع
لابد له من مستند فلا يخلو: إما أن يطلع المجمعون على هذا النص
أو لا.
فإن لم يطلعوا عليه: كان إجماعهم باطلاً؛ لوجود ما يخالفه.
(2/612)

وإن اطلعوا عليه وأجمعوا على خلافه:. دلَّ على أن هذا النص
مرجوح، وما استندوا إليه في إجماعهم راجح، فيكون - بذلك -
الناسخ للنص هو النص الذي استندوا إليه، فثبت: أن ذلك من
باب نسخ النص بالنص، لا من باب نسخ النص بالإجماع.
وأما الثاني - وهو كون المنسوخ بالإجماع إجماعا آخر - فهو
باطل؛ لأن الإجماع لا ينعقد على خلاف إجماع آخر - كما سبق
ذكره -.
وأما الثالث - وهو كون المنسوخ بالإجماع قياسا - فهو باطل
- أيضاً - لأن من شرط حجية القياس والعمل به: عدم مخالفته
للإجماع، فإذا انعقد الإجماع على خلاف القياس: زال القياس
لزوال شرطه، وزوال المشروط لزوال الشرط لا يسمى نسخاً.
الدليل الثاني: أن الإجماع إنما يكون حُجَّة بعد عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم -،
والنسخ إنما يكون في زمن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -،
وعلى هذا يستحيل اجتماعهما.
المذهب الثاني: أن الإجماع يكون ناسخ@.
ذهب إلى ذلك بعض المعتزلة، وعيسى بن أبان من الحنفية.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن سهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة قد سقط بإجماع
الصحابة، فهذا يدل على أن الإجماع يكون ناسخا.
جوابه:
يجاب عنه بأن سقوط سهم المؤلفة قلوبهم ليس من باب النسخ،
بل هو من باب انتهاء الحكم لانتهاء عِلَّته المقررة، وهي: تحبيب
(2/613)

الإسلام في نفوس حديثي العهد بالإسلام لإعزاز الإسلام، فلما
حصلت العزة للإسلام في عهد الصحابة سقط سهم المؤلفة قلوبهم،
وليس انتهاء الحكم لانتهاء علته نسخا.
الدليل الثاني: كما أن الإجماع مخصص للعام كذلك يصح أن
يكون ناسخا ولا فرق.
جوابه:
يجاب عنه بأنه ليس كل ما يُخصص به ينسخ به، فدليل العقل
يجوز التخصيص به ولا يجوز النسخ به، ثم إن قياسكم النسخ على
التخصيص قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن، النسخ رفع
للحكم بالكلية بخلاف التخصيص؛ فإنه قصر للحكم على بعض
أفراده، وبذلك لا يمنع أن يكون الإجماع مخصصا، بخلاف النسخ،
فقد وجد فيه ما يمنع من كون الإجماع ناسخا وهي أدلتنا السابقة.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي؛ لأن أصحاب المذهبين متفقون على أنه لا
إجماع في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا نص بعد وفاته، فيحمل كلام أصحاب المذهب الثاني على أن مرادهم: النسخ بالدليل الذي هو
مستند الإجماع، وهذا لا خلاف فيه.
***
المسألة الثامنة والعشرون: هل يكون القياس منسوخا وناسخا؟
لقد كثر كلام العلماء حول هذه المسألة وكثرت المذاهب فيها،
ولكن الأصح عندي ما ذهب إليه ناصر الدين البيضاوي، والإسنوي
وكثير من العلماء وهو:
أن القياس يُنسخ بقياسٍ أجلى وأظهر وأقوى منه، فمثلاً نص
(2/614)

الشارع على تحريم بيع البر بالبر متفاضلاً، فقسنا عليه السفرجل لعلَّة
جمعت بينهما، وقلنا: لا يجوز بيع السفرجل بالسفرجل متفاضَلاً
قياسا على بيع البر بالبر، ثم نص - أيضاً - على إباحة التفاضل في
الموز، وكان مشتملاً على علَّة أقوى من العِلَّة التي في الأول، فإن
هذا يقتضي إلحالق السفرجلَ بالموز، ويكونَ بيع السفرجل بالسفرجل
جائزاً كالموز، فإن القياس هنا يكون ناسخا للقياس الأول.
وإنما حصرنا ناسخ القياس في قياس أقوى وأجلى منه؛ لأنه لا
ينسخ بنص ولا إجماع، ولا بقياس مساوي، ولا بقياس أخفى وأدنى
منه.
أما كونه لا ينسخ بالنص ولا بالإجماع؛ لأن شرط العمل
بالقياس: ألا يوجد ما يخالفه من نص أو إجماع، فإذا وجد ما
يخالفه من نص أو إجماع، فقد بطل العمل به، أي: زال القياس
بزوال شرطه.
أما كونه لا ينسخ بالقياس المساوي فلأن ذلك يؤدي إلى ترجيح
أحد المتساويين على الآخر بدون مرجح وهو باطل.
أما كونه لا ينسخ بالقياس الأخفى والأدنى منه، فلأن ذلك يؤدي
إلى العمل بالمرجوح وترك العمل بالراجح وهو باطل.
فثبت أن القياس ينسخ بالقياس الأقوى فقط.
وعلى ذلك فالقياس الأقوى والأجلى ناسخ للقياس الأضعف
والأخفى.
فيكون القياس ناسخاً ومنسوخا.
(2/615)

المسألة التاسعة والعشرون: إذا نسخ حكم الأصل فهل ينسخ
تبعا لذلك حكم الفرع؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه إذا نسخ حكم الأصل في القياس، فإن حكم
الفرع ينسخ تبعاً له مطلقاً، أي: سواء كان القياس قطعياً أو ظنياً،
وهو مذهب جمهور العلماء.
وهو الصحيح؛ لأن حكم الفرع قد ثبت بالعلَّة التي اعتبرت
لحكم الأصل، فإذا نسخ حكم الأصل فقد زال اعتبار أي عِلَّة لهذا
الحكم، ومتى زال اعتبار العلَّة فقد زال اعتبار الحكم الذي ثبت بها،
وبذلك يكون رفع حكم الأصل مستلزما لرفع حكم الفرع.
فمثلاً: قال - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي الذي واقع أهله في نهار رمضان:
"اعتق رقبة"، فإن هذا يفيد أن المجامع في نهار رمضان عليه الكفارة،
وعلَّة ذلك: إفساد اليصوم المحترم - عند بعضهم - فألحق به الأكل
عمَداً في نهار رمضان، نظراً لوجود العِلَّة فيه، فالكفارة في الأكل
في نهار رمضان ثابتة بالقياس؛ بناء على تلك العلَّة، فإذا فرضنا أن
الشارع نسخ هذا الحديث وبنسخه ينسخ الحكمَ الذي اشتمل عليه
وهو: وجوب الكفارة في الجماع في نهار رمضان: فإن حكم الفرع
- وهو وجوب. الكفارة في الأكل - يرتفع تبعاً لذلك؛ لأن العلَّة
وهي: انتهاك حرمة رمضان قد زال اعتبارها بسبب رفع حكم الأصل
الذي استنبطت منه.
المذهب الثاني: أنه إذا نسخ حكم الأصل، فإن حكم الفرع
الثابت بعلته لا يرتفع، أي: لا يرتفع حكم الفرع بارتفاع حكم
الأصل.
(2/616)

ذهب إلى ذلك بعض الأصوليين.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن الفرع تابع لدلالة حكم
الأصل، ولم يتبع حكم الأصل، وعلى هذا: فلا يلزم من انتفاء
حكم الأصل بالنسخ انتفاء دلالته، فلم يحدث شيء إلا انتفاء حكم
الأصل، أما دلالته فباقية كما هي فيبقى معها حكم الفرع.
جوابه:
يجاب عنه: بأنا لا نسلِّم بأنه لم يحدث شيء إلا انتفاء حكم
الأصل، بل ثبت انتفاء العلَّة التي استنبطت من حكم الأصل، وهو
ملزوم لانتفاء حكم الأصلَ؛ حيث إن السبب في وجود العِلَّة التي
أوجدت الحكم في الفرع هو وجود حكم الأصل، فلما انتفى حكم
الأصل، انتفت تلك العِلَّة المستنبطة منه، وبانتفائها انتفى ما تعلق بها
وهو: حكم الفرع.
تنبيه: نسب أبو يعلى، وأبو الخطاب، وأبو إسحاق الشيرازي،
وصفي الدين الهندي المذهب الثاني إلى كل الحنفية، ونسبه الآمدي،
وابن قدامة إلى بعض الحنفية، وهذه النسبة فيها تساهل؛ حيث
أنكرها ابن عبد الشكور، والأنصاري، والكمال بن الهمام من
الحنفية.
المسألة الثلاثون: مفهوم الموافقة هل يقع ناسخاً ومنسوخا؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن مفهوم الوافقة يقع ناسخاً ومنسوخاً.
(2/617)

ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وهو الحق عندي؛ لأن مفهوم الموافقة كالنص المنطوق به، فكما
يجوز نسخ النص، والنسخ به، فكذلك يجوز نسخ المفهوم الموافق
والنسخ به ولا فرق، بل قد يكون المفهوم الموافق أقوى من المنطوق
به، فمثلاً قوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) دلَّ بمنطوقه على
تحريم التأفيف، ودل بمفهومه الموافق على تحريم الضرب والشتم
والقتل والسب، أي: إذا حرم مجرد التأفيف فمن باب أوْلى أن
يحرم الضرب والشتم؛ لأنه أشد في الإيذاء.
المذهب الثاني: أن مفهوم الموافقة لا يقع ناسخا ولا منسوخا.
ذهب إلى ذلك بعض الشافعية.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن مفهوم المواققة قياس
جلي، وانقياس لا ينسخ ولا يُنسخ به، بيانه:
أن قوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) دلَّ بمفهومه على تحريم
الضرب والشتم، والقتل للوالدين، فلم ينطق بذلك، ولم يكن
في ذلك صيغة الضرب والشتم والقتل، وإنما المنطوق به التأفيف
فألحق به الضرب والشتم بجامع الأذى في كل، وهذا هو القياس،
والقياس لا يكون ناسخاً ولا منسوخاً.
جوابه:
يجاب عنه بأجوبة:
- الجواب الأول: أن تحريم الضرب وغيره من أنواع الأذى ثبت
(2/618)

نطقا، لا قياساً، فصح نسخه، ويدل على أنه ثبت نطقا قولهم:
هذا مفهوم الخطاب وفحواه وتنبيهه.
الجواب الثاني: أن من سمى هذا قياسا من الشافعية صرَّحوا بأنه
قياس جلي يجري مجرى النطق في الدلالة، ونحن سميناه بمفهوم
الموافقة، أو التنبيه، أو دلالة النص عند الحنفية، وهذا اختلاف في
التسمية لا يضر ما دام أن المعنى متفق عليه.
الجواب الثالث: على فرض أنه قياس، فإن هذا لا يمنع أن يكون
ناسخاً ومنسوخاً؛ لأننا بينا فيما سبق أن القياس يكون ناسخاَ
ومنسوخاً، وذلك في المسألة الثامنة والعشرون.
المسألة الواحدة والثلاثون: مفهوم المخالفة هل يقع منسوخاً؟
الحق: أن مفهوم المخالفة يأتي منسوخاً، أي: يجوز نسخ حكم
المسكوت الذي هو مخالف للمذكور مع نسخ الأصل ودونه.
أما نسخ المفهوم المخالف مع أصله فهو واضح، حيث إنه إذا نسخ
الأصل وهو النص ينسخ معه جميع ما يفهم منه.
أما نسخ المفهوم المخالف مع بقاء أصله فمثاله: ما روي عن النبي
- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " الماء من الماء "،
فقد نسخ مفهومه بما روته عائشة - رضي اللَّه عنها - أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: " إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل "،
وبقي أصله وهو: وجوب الغسل بالإنزال.
***
المسألة الثانية والثلاثون: مفهوم المخالفة هل يأتي ناسخا؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
(2/619)

المذهب الأول: أن مفهوم المخالفة لا يكون ناسخا.
ذهب إلى ذلك كثير من العلماء.
وهو الصحيح؛ لأن النص أقوى منه، فمفهوم المخالفة يضعف
عن مقاومة النص.
المذهب الثاني: يكون مفهوم المخالفة ناسخا.
ذهب إلى ذلك بعض الشافعية كأبي إسحاق الشيرازي.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن مفهوم المخالفة في معنى
النص، فكما أن النص يأتي ناسخاً، فكذلك مفهوم المخالفة ولا فرق.
جوابه:
يجاب عنه: بأن قياس مفهوم المخالفة على النص قياس فاسد؟
لأنه قياس مع الفارق، فالنص دلالته قطعية على المدلول: أما دلالة
مفهوم المخالفة فليست كذلك، لذلك منع الحنفية من الاحتجاج
بمفهوم المخالفة على تفصيل سيأتي، أما الاحتجاج بالنص فلم يمنع
منه أحد.
المذهب الثالث: التفريق بين المفاهيم:
فإن كان مفهوم المخالفة من المفاهيم القوية كمفهوم الصفة،
ومفهوم الشرط ونحوهما، فيجوز أن يكون ناسخاً؛ لأنه قريب من
المنطوق، وإن كان من المفاهيم الضعيفة كمفهوم العدد واللقب
ونحوهما، فلا يجوز أن يكون ناسخا؛ نظراً لضعفه وعجزه عن
مقاومة النص.
(2/620)

جوابه:
يجاب عنه: بأن مفهوم المخالفة لا يكون ناسخا - كما قلنا في
مذهبنا - ولا يمكن أن يكون مفهوم المخالفة قريبا من النص في
الدلالة، وهذا التفريق بين المفاهيم لا دليل عليه.
المسألة الثالثة والثلاثون: كيفية معرفة الناسخ والمنسوخ:
أولاً: لا يعرف الناسخ من المنسوخ عن طريق العقل، ولا عن
طريق القياس، لأمور:
الأول: أن النسخ إما رفع الحكم الشرعي، أو بيان مدة انتهاء
العمل به، وكل واحد منهما لا سبيل للعقل إلى معرفته، ولا
مدخل له فيه.
الثاني: أنه لو كان للعقل طريق إلى معرفة النسخ بدون النقل للزم
أن يكون له طريق إلى معرفة ثبوت الأحكام بدون النقل، وليس
كذلك.
الثالث: أن النسخ لا يكون إلا بتأخر الناسخ عن زمن المنسوخ،
ولا مدخل للعقل ولا القياس في معرفة المتقدم والمتأخر.
ثانياً: يعرف الناسخ من المنسوخ عن طريق النقل المجرد، ويعتبر
لصحة النسخ أن يتأخر ناسخ عن منسوخ وإن لم يتأخر لا يصدق
عليه اسم ناسخ.
ثالثاً: طرق معرفة الناسخ من المنسوخ المتفق عليها.
الطريق الأول: أن يعلم من اللفظ - النطق - تقدم أحد الحكمين
على الآخر، فيكون المتقدم منسوخا، والمتأخر ناسخا.
(2/621)

والمراد بالتقدم: التقدم في التنزيل، لا التقدم في التلاوة، كما
قال الماوردي.
من أمثلة ذلك:
1 - قوله تعالى: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا)
هذا اللفظ يفيد أنه نسخ عنهم أن يصابر كل واحد لعشرة إلى أن
يصابر الواحد منهم للاثنين فقط.
2 - قوله تعالى: (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ) يفيد نسخ الإمساك بعد الفطر.
3 - قوله - صلى الله عليه وسلم -: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة ".
4 - قوله - صلى الله عليه وسلم -: "كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فكلوا وادخروا".
5 - قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إني كنت رخصت لكم في جلود الميتة فلا تنتفعوا من الميتة بجلد ولا عصب ".
الطريق الثاني: أن يذكر الراوي - صراحة - وقت وتاريخ سماعه
ذلك النص مِنَ النبي - صلى الله عليه وسلم - فيقول: " سمعت عام الفتح كذا "، ونحو ذلك، فيكون المنسوخ هو الذي تقدم على ذلك التأريخ.
ويمثلون لهذا الطريق بما رواه شداد بن أوس أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: "أفطر الحاجم والمحجوم "، حيث إنه منسوخ بما رواه ابن عباس:
"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو محرم صائم "، فإن ابن عباس إنما صحبه محرماً في حجة الوداع عام عشر، وفي بعض طرق حديث شداد أن ذلك كان في زمن الفتح، وذلك في سنة ثمان.
(2/622)

الطريق الثالث: أن تجمع الأمة أو الصحابة - رضي اللَّه عنهم -
على أن هذا الحكم منسوخ، وأن ناسخه متأخر، لا أن الإجماع هو
الناسخ.
مثل: نسخ رمضان لصيام يوم عاشوراء، ونسخ الزكاة لسائر
الحقوق المالية، فإن الصحابة اتفقت على ترك استعمالهم هذا، فدل
عدولهم عنه على نسخه.
الطريق الرابع: أن يخبر الراوي عن الناسخ والنسوخ، ويفهم
من كلامه صراحة مثل: قول بعض الرواة: " رخص لنا رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - في المتعة ثلاثا، ثم نهانا عنها ".
2 - ما رواه عليٌّ رضي اللَّه عنه أنه قال: " أمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقيام للجنازة ثم قعد ".
الطريق الخامس: أن يكون راوي أحد الخبرين لم يصحب النبي
- صلى الله عليه وسلم - إلا في أول الإسلام ثم انقطع، وأن راوي الخبر الآخر أسلم في آخر حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيكون نقل الثاني هو الناسخ، وما نقله الأول هو المنسوخ.
مثاله: ما رواه طلق بن عليّ: أن - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الوضوء من مس الذكر فقال: " هل هو إلا بضعة منك ".
فهذا الخبر يفيد عدم وجوب الوضوء من مس الذكر، فهذا
مخالف لما رواه أبو هريرة: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال:
" من مس ذكره فليتوضأ"
حيث إنه يفيد وجوب الوضوء من مس الذكر.
وعلم أن حديث أبي هريرة متأخر عن حديث طلق؛ لأن أبا هريرة
أسلم في آخر حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبعد وفاة طلق بن علي، وبناء على ذلك: يكون حديث أبي هريرة ناسخا لحديث طلق.
(2/623)

رابعا: طرق معرفة الناسخ من المنسوخ المختلف فيها:
الطريق الأول: قول الصحابي: " هذا الخبر منسوخ "، أو
قوله: " كان الحكم كذا ثم نسخ "، أو نحو ذلك هل يثبت به
النسخ؛ لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يثبت النسخ بهذا الطريق.
ذهب إلى ذلك الجمهور، وهو الصحيح؛ لأن قول الصحابي
هذا يحتمل أن يكون قد صدر عن اجتهاد، فيظن غير الناسخ ناسخا
وأن غير الرافع رافعاً، فلا يمكن أن نترك ما تيقنا من ثبوته وهو خبر
الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أجل كلام يدخله الاحتمال قد يصدق، وقد لا يصدق.
ثم إن قول الصحابي اختلف في حجيته، وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - حجة إجماعاً، فلا نترك الحُجة إجماعاً وقطعا بالمختلف في حجيته؟
حيث إن قول الصحابي لا يسلم على سل حال، بل لا بد من النظر
فيه والتأكد منه، ولهذا لما نقل عن طائفة من الصحابة قولهم:
"نسخ السح بآية الوضوء التي نزلت في المائدة "، لم نسلم ذلك،
بل أجمعنا على أن هذه الآية غير ناسخة لها؛ لأنه ليس في الآية ما
يدل على النسخ.
المذهب الثاني: أنه يثبت النسخ بهذا الطريق.
ذهب إلى ذلك الحنفية.
دليل هذا المذهب:
أن الصحابي العدل الثقة إذا قال: إن هذا الخبر منسوخ، فإنه لم
يقله إلا عن علم بالتأريخ والتعارض؛ فإن المراد عنده معلوم بمشاهدة
(2/624)

القرائن، فحكمه بالنسخ عن بصيرة، والصحابي غير متهم،
فوجب الرجوع إلى ما قاله وقبوله كما يقبل منه الخبر الذي رواه عن
النبي - صلى الله عليه وسلم -.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هناك فرقاً بين روايته لخبر عن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وبين دعواه للنسخ، وهو: أننا قبلنا روايته للخبر وعملنا به نظراً
لثبوت عدالته والوثوق به، وكونه قد شاهد التنزيل؛ ولأن الشريعة
تؤخذ عن طريقه، فلو أننا لم نقبل الأخبار التي ينقلها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ثبت في الشريعة شيء.
أما دعوى النسخ فهو متعلق بالاجتهاد والنظر، وهو في ذلك غير
معصوم، فلو وجب قبول قوله في ذلك لوجب قبول قوله في مسائل
الاجتهاد - كلها - وهذا ليس بصحيح.
الطريق الثاني: كون أحد النصين المتعارضين مثبتا في المصحف
بعد النص الآخر، هل يثبت به النسخ؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن المتأخر في الترتيب لا ينسخ المتقدم في الإثبات
في المصحف، وهو مذهب الجمهور، وهو الصحيح؛ لأن ترتيب
الآيات في المصحف ليس على ترتيب النزول، بل قد يكون المتقدم
في الترتيب متأخراً في النزول كما في آيتي عدة المتوفى عنها زوجها
فقد قال تعالى في سورة البقرة، الآية الرابعة والثلاثين بعد المائتين:
(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) ، وقال في الآية الأربعين بعد المائتين من نفس السورة:
(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ)
(2/625)

فإن الآية الناسخة هي الأولى مع تقدمها في
المصحف عن الآية المنسوخة.
المذهب الثاني: أن المتأخر في الترتيب والإثبات في المصحف
ناسخ للمتقدم في ذلك، ذهب إلى ذلك بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن تأخر النص في ترتيب المصحف دليل على تأخره في النزول،
والمتأخر في النزول ينسخ المتقدم.
جوابه:
يجاب عنه بأن هذا ليس على إطلاقه، بل قد يكون المتقدم في
ترتيب المصحف متقدماً في النزول، والمتأخر في الترتيب متأخراً في
النزول، وقد يكون المتقدم في الترتيب متأخراً في النزول كما مثلنا.
الطريق الثالث: كون أحد النصين المتعارضين موافقا للبراءة
الأصلية والآخر مخالفاً لها، هل يثبت به النسخ؛ لقد اختلف في
ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن هذا الطريق لا يثبت به النسخ.
وهو مذهب الجمهور، وهو الصحيح؛ لأن جعل أحد النصين
بعينه متقدماً والآخر بعينه متأخراً ليس بأولى من العكس؛ لعدم
وجود المرجح الصحيح، والموافقة والمخالفة للبراءة لا تصلح أن
تكون مرجحاً.
المذهب الثاني: أن هذا الطريق يثبت به النسخ.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن النص الموافق للبراءة متأخر عن النص المخالف لها لكونه مفيداً
(2/626)

فائدة جديدة، وهي رجوع الفعل إلى البراءة الأصلية بعد نسخ الحكم
الذي شرع بعدها ولو جعل متقدما على النص الآخر لم يكن مفيداً
فائدة جديدة، لأن البراءة الأصلية مستفادة قبله، ومتى جعل الموافق
متأخراً كان ناسخا للنص المتقدم.
جوابه:
يجاب عنه: بأن الموافق للبراءة الأصلية، كما أنه قد يأتي بفائدة
جديدة عند تأخره - وهي: رجوع الفعل إلى البراءة الأصلية -
كذلك قد يأتي عند تقدمه بفائدة جليلة وهي: أن الشرع جاء موافقاَ
للعقل وغير مخالف له.
الطريق الرابع: كون الراوي لأحد الخبرين المتعارضين أصغر سناَ
من الراوي الآخر، أو متأخراً في الإسلام، هل يثبت بذلك النسخ؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يثبت به النسخ.
وهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لجواز أن يكون الراوي
الأصغر سنا قد روى عمن هو أكبر منه، ولجواز أن يكون الراوي
المتأخر إسلاماً قد روى عمن تقدمه في الإسلام؛ فنظراً إلى هذا
الاحتمال القوي، فإن هذا الطريق لا يثبت به النسخ.
المذهب الثاني: أنه يثبت به النسخ.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن الخبر الذي رواه الأصغر، أو المتأخر في الإسلام يكون ناسخاَ
للخبر الآخر، لأن الظاهر أنه متأخر في الزمن عن الخبر الآخر،
والظاهر يرجح على غيره.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا الظاهر الذي استندتم إليه ليس بأولى من
الاحتمال الذي ذكرنا في دليلنا.
(2/627)

المبحث الثاني في الدليل الثاني من الأدلة المتفق عليها إجمالاً وهو: السُّنَّة
وهو يشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: في تعريف السُّنَّة.
المطلب الثاني: في حجية السُّنَّة.
المطلب الثالث: في تعريف الخبر، وإطلاقاته، والفرق بينه
وبين الإنشاء وأقسامه.
المطلب الرابع: في خبر المتواتر.
المطلب الخامس: في خبر الواحد.
(2/629)

المطلب الأول في تعريف السُّنَّة
ويشتمل على المسائل التالية:
المسألة الأولى: تعريف السُّنَّة لغة.
المسألة الثانية: تعريف السُّنَّة عند الأصوليين.
المسألة الثالثة: تعريف السُّنَّة عند غير الأصوليين.
المسألة الرابعة: بيان السبب في الاختلاف في تعريف السُّنَّة.
(2/631)

المسألة الأولى: تعريف السُّنَّة لغة:
السئُنَّة لغة: الطريقة مطلقا سواء كانت حسنة أو قبيحة وسيئة،
ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"من سن سُنَّة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة،
ومن سنَّ سُنَّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ".
هذا هو الراجح من أقوال أهل اللغة؛ لورودها كثيراً في ذلك.
وأما ما ذكره الأزهري من أن السُّنَّة تطلق على الطريقة المحمودة
المستقيمة بدليل قولهم: " فلان من أهل السُّنَّة " أي: من أهل
الطريقة المستقيمة المحمودة: فإن هذا لا يسلم له؛ لأن هذا تخصيص
وتقييد بدون مخصص أو مقيد، وأما قولهم: " فلان من أهل
- السُّنَّة"، فهو استعمال في عرف أهل الشريعة، وليس إطلاقا
لغويا، والمراد بالسُّنَّة في هذا القول هو: ما يقابل البدعة.
وتطلق السُّنَّة لغة على الشريعة، ومنه قوله تعالى: (سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ) أي: شريعة اللَّه قد اقتضت في الكفار أنه
لا ينفعهم الإيمان إذا رأوا العذاب كما ذكر القرطبي، وابن منظور.
وتطلق السُّنَّة لغة على الدوام، فتأتي بمعنى الدوام، ومنه
قولهم: " سننت الماء " إذا واليت في صبه، ويراد بذلك الأمر الذي
يداوم عليه، نقل ذلك عن الكسائي، وإلكيا الهراسي.
وتطلق السُّنَّة لغة على المثال المتبع، ومنه قول النابغة الذبياني:
أبوه قبله وأبو أبيه ... بنو مجد الحياة على إمام
أي: على مثال، ذكر ذلك أبو جعفر الطبري.
(2/633)

وتطلق السُّنَّة لغة على الطبيعة، ومنه قول الأعشى:
كريم شمائله من بني ... معاوية الأكرمين السُّنَن
أي: الأكرمين الطبائع.
***
المسألة الثانية: تعريف السُّنَّة عند الأصوليين:
السُّنَّة في الاصطلاح هي: ما صدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - غير القرآن من قول، أو فعل، أو تقرير مما يخص الأحكام التشريعية.
شرح التعربف، وليان محترزاته:
قولنا: " ما " جنس شامل لما صدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وما صدر عن غيره، وهو اسم موصول، تقدير الكلام: " الذي يصدر ".
قولنا: " صدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - " جنس يدخل فيه: كل ما ألقاه النبي - صلى الله عليه وسلم - على أصحابه، وأظهره لهم سواء كان قرآنا أو سُنَّة، أو كان مما يخص الأحكام الشرعية أو لا.
وذكرنا هذه العبارة؛ لإخراج ما يلي:
أولاً: ما صدر عنه - صلى الله عليه وسلم - قبل البعثة، فإن كل شيء صدر عنه قبلها لا يسمى سُنَّة؛ وذلك لأنه - صلى الله عليه وسلم - حينها - ليس بنبي ولا رسول.
ثانيا: ما صدر عن الرسل والأنبياء الذين أتوا قبله.
ثالثا: ما صدر عن الصحابة رضي اللَّه عنهم وغيرهم.
قولنا: " غير القرآن " خرج به القرآن؛ لأنه كلام اللَّه - تعالى -
تلاه النبي - صلى الله عليه وسلم - على جماعة تقوم الحُجَّة بقولهم.
ويدخل بهذه العبارة: الحديث القدسي فإنه - مع كونه قد أنزل
(2/634)

لفظِه - ليس بمعجز، ولا متعبد بتلاوته فليس بقرآن، وإنما هو
سُنَّة.
وبعض الأصوليين عئر بقوله: " غير الوحى " بدلاً عن عبارة:
"غير القرآن "، وهذا فيه تساهل؛ حيث إن السُّنَّة وحي باطني لكنها
لا تتلى ولا يتعبد بتلاوتها.
قولنا: " من قول ": بيان لقولنا: " ما صدر "، والمراد: ما
تلفظ به - صلى الله عليه وسلم - مما يتعلق بتشريع الأحكام،
وأكثر السُّنَّة هي أقوال كقوله: " لا وصية لوارث "،
وقوله: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور ... ".
والقول يشمل الكتابة مثل أمره - صلى الله عليه وسلم - عليًّا - رضي اللَّه عنه - بالكتابة يوم الحديبية.
قولنا: " أو فعل " الفعل هو: ما يفعل بالجوارح، والمراد: ما
فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - مما يتعلق بتشريع الأحكام كحجه - عليه السلام -، وصلاته، ورفع يديه عند افتتاح الصلاة، ونحو ذلك.
والفعل تدخل فيه الإشارة كإشارته بأن الشهر يكون هكذا وهكذا.
ويدخل فيه - أيضاً - الهئمُ؛ حيث إن الهم من أفعال القلوب،
فلا يهمُّ - صلى الله عليه وسلم - على فعل شيء إلا وهو مشروع؛ لأنه مبعوث لبيان الشرعيات، كهمِّه عليه السلام في جعل أسفل الرداء أعلاه في
الاستسقاء، فثقل عليه فتركه.
ويدخل في الفعل - أيضاً - جميع أفعاله القلبية كالاعتقادات
والإرادات، فهذه وإن كانت ليست أفعالاً حقيقية، لكنها قد تعد
أفعالاً، لاتصالها بالأفعال.
(2/635)

قولنا: " أو تقرير " المراد منه: أن يفعل أو يقال شيء بحضرته
- صلى الله عليه وسلم - أو بغيبته، وعلم به - من غير كافر - وأقره عليه وسكت عن إنكاره، كقول أنس - رضي اللَّه عنه -: " كنا نصلي على عهد رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، فقيل له: أكان رسول اللَّه يراكم؛ قال: نعم رآنا، فلم يأمرنا ولم ينهنا.
بعض الأصوليين لم يذكر قيد " أو تقرير "؛ لأنه يدخل في
الفعل؛ حيث إن التقرير كف عن الإنكار، والكف فعل.
وهذا فيه نظر؛ لأن التقرير يشمل الفعل والقول كما سبق في
تعريفه.
***
المسألة الثالثة: المراد بالسُّنَّة عند غير الأصوليين:
تطلق السُّنَّة في الاصطلاح الشرعي على معان أخرى غير إطلاق
الأصوليين.
فتطلق السنَّة عند المحدثين على: ما أثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خُلقية، أو صفة خَلقية، أو سيرة.
فلم يقصر المحدثون السنَّة على إفادة الحكم الشرعي، بل توسعوا
في الإطلاق، بخلاف الأصوليين، فإنهم قصروها على ما يفيد
حكما شرعيا - فقط -.
وتطلق السُنَّة عند الفقهاء على ما يقابل الواجب، فالسُنَّة عندهم
هي: كل ما يتقرب به إلى اللَّه - تعالى - من العبادات مما يثاب على
فعله ولا يعاقب على تركه، فيشمل ذلك: النافلة، والمندوب،
والتطوع، والمستحب، والطاعة، والقربة، والإحسان، والمرغب
فيه، والفضيلة.
(2/636)

وتطلق السُّنَّة عند أهل الكلام على ما يقابل البدعة يقال: " فلان
من أهل السُّنَّة " إذا كان عمله على وفق ما كان عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ويقال: " فلان على بدعة "
إذا عمل على خلاف ذلك.
وتطلق السُّنَّة على ما عمل عليه الصحابة - رضي اللَّه عنهم -
سواء وجد ذلك في الكتاب، أو السُّنَّة، أو كان اجتهاداً منهم بدليل
قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"عليكم بسنتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ".
ومنه قول علي - رضي اللَّه عنه -: " جلد النبي - صلى الله عليه وسلم - أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين وكل سنة ".
***
المسألة الرابعة: بيان السبب في الاختلاف في تعريف السُّنَّة:
إن سبب هذا الاختلاف فيما تطلق عليه السُّنَّة يرجع إلى الغرض
الذي يعتني به كل فريق.
فغرض الأصوليين هو: إثبات وبيان أدلة الأحكام إجمالاً،
فنظروا إلى السُّنَّة من هذا المنطلق، فاعتنوا بالأقوال، والأفعال،
والتقريرات التي تكون أدلة إجمالية للأحكام الفقهية.
وغرض المحدثين هو: نقل كل ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، سواء كان مما يخص الأحكام أو لا، وبيان أنه - صلى الله عليه وسلم - هو الهادي والأسوة للأُمَّة؛ لذلك تجدهم نقلوا كل ما يتصل به - صلى الله عليه وسلم - من سيرة، وخلق، وأخبار، وأقوال، وأفعال، ونحو ذلك.
وغرض الفقهاء هو: إثبات أدلة الأحكام تفصيلاً، لذلك تجدهم
اهتموا بدلالة أقواله وأفعاله، وتقريراته على الأحكام الجزئية الخاصة
بالمكلَّف من ندب، ووجوب، وتحريم، وإباحة، ونحو ذلك.
(2/637)

المطلب الثاني في حجية السُّنَّة
السُّنَّة حُجَّة يجب قبولها والعمل بها، كما يجب قبول القرآن
والعمل به.
ودلَّ على ذلك أدلة كثيرة منها:
الدليل الأول: الآيات الدالة على وجوب طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، كقوله تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) ،
وقوله:
(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) ، ونحو ذلك، فإن اللَّه تعالى في
تلك الآيات قد أمر بطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -
والأمر إذا تجرد عن القرائن يقتضي الوجوب، فيلزم من ذلك قبول كل ما يأتي به، فتكون السُّنَّة حُجَّة.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) ، فقد أخبرنا اللَّه تعالى - هنا - أن كل ما ينطق به
هذا الرسول ليس من عند نفسه، بل هو وحي يوحى إليه، فالسُّنَة
وحي كالقرآن، ولا فرق سوى أن القرآن يتعبد بتلاوته، ومعجز في
ألفاظه.
الدليل الثالث: قوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ، فحذرَ اللَّه تعالى من
مخالفة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فلزم من ذلك: وجوب موافقة الرسول - صلى الله عليه وسلم -
(2/638)

ومتابعته في كل ما يصدر عنه؛ لأن المخالفة حرام، وترك الحرام
واجب، فترك المخالفة واجب، فيكون اتباع الرسول واجبا.
الدليل الرابع: الآيات الدالة على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - مبين للقرآن وشارح له شرحاً وبيانا معتبراً عند اللَّه، كقوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) ،
وقوله: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) .
الدليل الخامس: الآيات الدالة على وجوب الإيمان به - صلى الله عليه وسلم -، كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) ،
وقوله: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا) ،
والإيمان هو: التصديق برسالته وبجميع ما جاء به، وأن عدم اتباعه والعمل بما صدر عنه والرضا بحكمه يتنافى مع حقيقة الإيمان.
الدليل السادس: الآيات الدالة على وجوب اتباعه في جميع ما
صدر عنه، والدالة على أن اتباعه لازم لمحبة اللَّه تعالى،
كقوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) ،
وعلامة حبهم له: اتباعهم لسُنّته - صلى الله عليه وسلم.
الدليل السابع: أن ورود القرآن على وفق ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - منزل منزلة قول اللَّه تعالى له:
" لقد صدقت فيما أخبرت به عني ".
الدليل الثامن: الإجماع؛ حيث أجمع المسلمون منذ بعثة النبي
- صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذأ على أن كل ما صدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من أقوال وأفعال وتقريرات حُجَّة يجب العمل به.
الدليل التاسع: أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -
معصوم من تعمُّد ما يخل بالتبليغ إجماعاً، ومعصوم من المعاصي التي تخل بالتبليغ، ثبت
(2/639)

ذلك بالقرآن؛ إذ لو لم يكن معصوما لما أمر اللَّه تعالى بطاعته في
كل ما يأتي به، وحذَّر من مخالفته.
وذلك يستلزم أن كل خبر يأتي به صادق مطابق لما عند اللَّه تعالى
إجماعاً، فيجب التمسك به والعمل به.
فإن قلت: ما معنى: " معصوم "؟
قلت: المعصوم مأخوذ من العصمة، والعصمة لغة: المنع
والحفظ والوقاية، يقال: " هذا طعام يعصم " أي: يمنع من الجوع.
والعصمة في الاصطلاح: سلب قدرة المعصوم على المعصية، فلا
يمكنه فعلها؛ لأن اللَّه سلب قدرته عليها.
الدليل العاشر: الضرورة اقتضت أن تكون السُّنَّة حُجَّة، وذلك
لأنه لا يمكن - بأي حال - العمل بالقرآن وحده؛ حيث إن القرآن
يشتمل على المبهم والمشكل والمجمل، فلا يمكن أن نعرف المراد من
ذلك إلا عن طريق السُنَّة - فمثلاً قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) ، أو قوله: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) ، وقوله: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) ،
وقوله: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) ، وغيرها
من الآيات، فلا يمكن أن تعرف كيفية الحج، وكيفية الصلاة،
وكيفية الزكاة، إلا عن طريق السُّنَّة ا، فلو لم تكن السُّنَّة حُجَّة
لتعطلت أكثر الأحكام الشرعية، وهذا لا يمكن.
(2/640)

المطلب الثالث في تعريف الخبر، وإطلاقاته، والفرق بينه
وبين الإنشاء، وأقسامه
ويشتمل على مسائل:
المسألة الأولى: تعريف الخبر لغة واصطلاحا.
المسألة الثانية: بيان السبب في عدم تعريف بعض العلماء للخبر.
المسألة الثالثة: في إطلاقات الخبر.
المسألة الرابعة: الفرق بين الخبر والإنشاء.
المسألة الخامسة: أقسام الخبر.
(2/641)

المسألة الأولى: تعريف الخبر لغة واصطلاحاً:
أولاً: الخبر لغة مشتق من الخبار - بفتح الخاء والباء - وهي:
الأرض الرخوة، والعلاقة بين ذلك، وبين الخبر: أن الخبر يثير
الفائدة، كما أن الأرض الخبار تثير الغبار إذا قرعها الغبار.
ثانياً: الخبر اصطلاحا هو: القول الذي يتطرق إليه التصديق، أو
التكذيب.
شرح التعريف:
قلنا: " القول " مع أنه قد يستعمل في غير القول؛ لأن القول
هو الأكثر في الاستعمال، ويتطرق إلى غير القول التصديق أو
التكذيب، لكنه مجازاً كالإيماء والإشارة، كأن تسأل بعض الطلاب
وتقول: هل نجحت؛ فيشير بيده، أو يومى برأسه، ويفهمنا أن
"لا" أو "نعم".
قولنا: " يتطرق إليه " أي: يحتمل، فهو: يحتمل دخول
التصديق والتكذيب.
قولنا: " التصديق أو التكذيب " أخرج الإنشاء؛ لأنه لا يحتمل
صدقا ولا كذبا كالأوامر والنواهي.
والتصديق مأخوذ من الصدق وهو: الإخبار بالشيء على ما هو
والتكذيب مأخوذ من الكذب وهو: الإخبار بالشيء على خلاف
ما هو به.
وعبرنا بقولنا: " التصديق أو التكذيب " بخلاف ما عبر به بعضهم
(2/643)

وهو: " التصديق والتكذيب "؛ لأن الخبر الواحد لا يدخله التصديق
والتكذيب معاً، بل إما أن يكون الخبر صدقا، أو كذباً.
ومعروف أن كلام الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - لا يدخله الكذب أصلاً، والخبر عن المحالات لا يدخله الصدق أصلاً، كأن يقول القائل:
"الاثنين أكثر من الأربعة "، فهذا كذب ظاهر.
***
المسألة الثانية: بيان السبب في عدم تعريف بعض العلماء للخبر:
مذهب الجمهور أن الخبر يُحَدُّ ويعرف كغيره، وهو الذي نذهب
إليه، وقد سبق - تعريفنا له.
أما بعض العلماء فقد ذهبوا إلى أن الخبر لا يُحَدُّ ولا يُعَرَّف،
كالوجود والعدم، واختلف أصحاب هذا المذهب في السبب الذي
جعلهم يقولون بعدم تحديده:
فمنهم من زعم بأنه لا يُحد ولا يُعرَّف الخبر بسبب عسره، وأنه لا
يسلم من توجيه الاعتراضات والإشكالات عليه، كما قيل في العلم.
ومنهم من زعم أن الخبر لا يُحدُّ بسبب أنه غني عن التحديد،
فكل أحد يعلم بالضرورة الموضع الذي يحسن فيه الخبر، ويُميزه عن
الموضع الذي يحسن فيه الأمر والنهي، فهذا متصوَّر بديهيا، وهو ما
ذهب إليه فخر الدين الرازي وبعض أتباعه.
والحق أن الخبر يحد كغيره من المصطلحات، وما قاله المخالفون
فلا يسلم؛ لعدم الدليل عليه.
(2/644)

المسألة الثالثة: في إطلاقات الخبر:
يطلق الخبر في اصطلاح العلماء على إطلاقات:
الإطلاق الأول: يطلق على المحتمل للتصديق والتكذيب المقابل
للإنشاء، وهو اصطلاح الأصوليين وأهل اللغة كما سبق.
الإطلاق الثاني: يطلق على ما هو أعم من الإنشاء والطلب،
وهذا إطلاق المحدثين كقولهم: " أخبار الرسول - صلى الله عليه وسلم - " مع أن هذه الأخبار مشتملة على الأوامر والنواهي.
وسبب هذا الإطلاق: أن حاصل الأوامر والنواهي آيل إلى الخبر،
فالمأمور به والمنهي عنه في حكم المخبر عنهما؛ وذلك لأن الرسول
- صلى الله عليه وسلم - ليس آمراً ولا ناهياً على سبيل الاستقلال،
وإنما الآمر والناهي حقاً هو اللَّه عَزَّ وجلَّ، وصيغ الأمر منه - صلى الله عليه وسلم - في حكم الإخبار عن اللَّه.
الإطلاق الثالث: يطلق الخبر على ما يقابل المبتدأ، وهذا إطلاق
النحاة.
الإطلاق الرابع: يطلق الخبر على القضية، وهو إطلاق أهل
المنطق، وسميت بذلك لما فيها من القضاء بشيء على شيء.
***
المسألة الرابعة: الفرق بين الخبر والإنشاء:
لقد سبق بيان حقيقة الخبر.
أما الإنشاء فهو: القول الذي يوجد به مدلوله في نفس الأمر،
وهو متعلق بمعدوم مستقبل.
(2/645)

وسمي بذلك؛ لأنك أنشأته وابتكرته من غير أن يكون موجوداَ
قبل ذلك في الخارج.
وهو يكون بالأمر والنهي، والدعاء، والترجي، والتمني،
والشرط والجزاء، والوعد والوعيد، والإباحة، والتحضيض.
فإذا عرفت الخبر والإنشاء، فقد بانت لك الفروق بينهما والتي من
أهمها:
الفرق الأول: أن الخبر يحتمل للتصديق والتكذيب، أما الإنشاء،
فهو لا يحتمل ذلك.
الفرق الثاني: أن الإنشاء سبب لمدلوله، أما الخبر فليس سببا
لمدلوله.
الفرق الثالث: أن الإنشاء يتبعه مدلوله، أما الخبر فهو تابع
للمخبر عنه في أي زمان كان.
***
المسألة الخامسة: أقسام الخبر من حيث سنده:
الخبر من حيث سنده ينقسم إلى قسمين:
الفسم الأول: الخبر المتواتر.
القسم الثاني: الخبر الآحاد.
فالمتواتر مأخوذ من التواتر وهو لغة: تعاقب أشياء واحداً بعد
واحد بينهما مهلة، ومنه قوله تعالى: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا)
أى: رسولا بعد رسول بمهلة، والمهلة: الفترة التي توجد بينهما.
والمتواتر في اصطلاح الاصوليين هو: خبر عدد يمتنع معه لكثرته
التواطؤ على الكذب.
(2/646)

شرح التعريف:
قولنا: " خبر " جنس يشمل المتواتر والآحاد.
قولنا: " عدد يمتنع معه لكثرته التواطؤ على الكذب " معناه: أن
المتواتر: خبر عدد من المخبرين يمتنع تواطؤهم وتوافقهم على
الكذب؛ نظراً لكثرة هؤلاء المخبرين.
وهذه العبارة أخرجت خبر الآحاد؛ لأنه لا يمتنع التواطؤ على
الكذب؛ لأن احتماله قوي.
أما الآحاد فهو جمع أحد، قياسا على " أبطال " جمع بطل،
وهمزة أحد أصلها واو، حيث كانت: " واحد "، فأبدلت بهمزة
فصارت " أحد " أي: واحد، ويطلق عليه خبر الواحد.
وهو في الاصطلاح: ما كان من الأخبار غير منتهٍ إلى حدِّ التواتر.
أو تقول: هو خبر واحد، أو عدد لا يمتنع معه التواطؤ على
الكذب.
أما قول بعض العلماء في تعريفه: إن خبر الواحد هو: ما أفاد
الظن فهو غير صحيح؛ لأنه غير مانع من دخول غيره، فالقياس
يدخل فيه، حيث إنه يفيد الظن، وليس هو خبر الواحد، وغير
منعكس؛ حيث إن الواحد إذا أخبر بخبر، ولم يفد الظن، فإنه
يُسمَّى خبر واحد وإن لم يفد الظن.
ونظراً لأهمية هذين القسمين وهما: المتواتر والآحاد، حيث إن
دراسة السُّنَّة تدور حولهما، فقد اهتم بهما العلماء من أصوليين،
وفقهاء ومحدثين اهتماماً بليغاً، مما ستجده في المطالب التالية.
(2/647)

المطلب الرابع في خبر المتواتر
ويشتمل على مسائل:
المسألة الأولى: هل المتواتر يفيد العلم؟
المسألة الثانية: هل العلم الحاصل بالمتواتر ضروري أو نظري؟
المسألة الثالثة: في شروط المتواتر المتفق عليها.
المسألة الرابعة: هل يشترط في المتواتر عدد محصور؟
المسألة الخامسة: هل يشترط في المتواتر أن يكون المخبرون مسلمين
وعدولا؟
المسألة السادسة: هل يشترط في المتواتر كون المخبرين لا يحصرهم
عدد، ولا يحويهم بلد؟
المسألة السابعة: هل يشترط في المخبرين اختلاف أنسابهم وأوطانهم
وأديانهم؟
المسألة الثامنة: هل يشترط وجود المعصوم ضمن المخبرين؟
المسألة التاسعة: العدد المفيد للعلم في التواتر هل هو واحد في كل
الوقائع والأشخاص، أو يختلف باختلاف الوقائع والأشخاص، والقرائن؟
المسألة العاشرة: حكم كتمان أهل التواتر لما يحتاج إلى نقله.
(2/649)

المسألة الأولى: هل المتواتر يفيد العلم؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن الخبر المتواتر يفيد العلم اليقيني بالمخبر عنه.
ذهب إلى ذلك العلماء المعتد بأقوالهم.
وهذا هو الحق؛ لأن الواقع يشهد لذلك؛ حيث إنه حصل لنا
العلم اليقيني بما أخبرنا عنه عن طريق متواتر، فقد حصل لنا العلم
بوجود بعض البلدان البعيدة كالصين، والهند، ونحوهما، وكذلك
حصل لنا العلم بالأنبياء السابقين، والعلماء، والسلاطين، والوقائع
والغزوات، ونحو ذلك، وسبب حصول العلم بذلك هو أننا أخبرنا
عن ذلك بأخبار متواترة؛ حيث إننا لم نشاهد ذلك.
أي: إنا وجدنا أنفسنا عالمة بذلك كله كما نجدها عالمة بما نشاهده
وما نحس به، ومن أنكر ذلك فقد أنكر ما قطع به، فيكون معانداً
ومكابراً، والمعاند والمكابر لا يعتد بقوله.
فثبت أن المتواتر يفيد العلم، وإذا كان كذلك فيجب تصديق خبر
المتواتر بدون قرائن.
وهذا كله يفارق خبر الآحاد، فإنه لا يعلم صدقه إلا بقرائن،
كما سيأتي.
المذهب الثاني: أن المتواتر لا يفيد العلم، بل يفيد الظن.
ذهب إلى ذلك السُّمَنية - بضم السين مع تشديدها وفتح الميم -
نسبة إلى بلد في الهند اسمه " سومانا "، وكانوا من عبدة صنم
اسمه " سومانات "، وذهب إلى ذلك - أيضاً - البراهمة - وهم
من منكري الرسالة.
(2/651)

دليل هذا المذهب:
لقد استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنه لا سبيل لإدراك
علم من العلوم إلا طريق الحواس الخمس - وهي: السمع،
والبصر، واللمس، والشم، والذوق - والمتواتر ليس منها، فلا
يفيد العلم إلا إذا انضم إليه بعض القرائن، أما الخبر المتواتر بمجرده
فلا يفيد العلم.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا باطل من وجهين هما:
الوجه الأول: أن حصركم مدركات العلوم بالحواس الخمس فقط
منتقض بالأمور التي تدرك بالعقل المحض، كعلمنا بأن الاثنين نصف
الأربعة، وعلمنا بأن الضدين - كالسواد والبياض - يستحيل
اجتماعهما.
ومنتقض أيضا بالمشاهدات الباطنة مثل علم الإنسان بجوع نفسه.
ومنتقض أيضاً بالتجريبيات وهي: اطراد العادات مثل كون النار
محرقة.
وإذا ثبت أن هناك طرقاً تفيد العلم - غير الحواس الخمس - فإنه
يبطل حصركم مدركات العلوم بالحواس الخمس فقط.
الوجه الثاني: أنكم قلتم: إن العلوم لا تدرك إلا عن طريق
الحواس الخمس - فقط - فمن أين علمتم ذلك؟ ولا علم لكم
بذلك إلا عن طريق العقل.
أي: أنكم حصرتم إدراك العلوم بهذه الخمس عن طريق العقل،
وهنا قد أقررتم بطريق - وهو العقل - تدرك به العلوم غير الحواس
(2/652)

الخمس، فثبت أن هناك طرقا أخرى تدرك بها العلوم غير الحواس
الخمس.
بيان نؤع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي؛ لأن السُّمَنية ومن وافقهم لا ينكرون وقوع
العلم من المتواتر في الجملة، لكنهم لم يضيفوا وقوعه إلى مجرد
الخبر، بل إلى قرينة، ووقوع العلم عن القرائن لا ينكره عاقل.
***
المسألة الثانية: هل العلم الحاصل بالمتواتر ضروري أو نظري؟
لقد اختلف أصحاب المذهب الأول - من المسألة السابقة، وهم
القائلون: إن المتواتر يفيد العلم فيما بينهم - في هذا العلم الذي
أفاده المتواتر هل هو علم ضروري أوَّلي قد حصل للسامع بلا نظر
واستدلال، أو هو نظري لم يحصل إلا بعد اكتساب واستدلال؟
اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن العلم الحاصل بالمتواتر ضروري.
ذهب إلى ذلك الجمهور.
وهو المختار عندي؛ فالعلم الحاصل بالمتواتر قد علمناه. بالضرورة
من غير نظر ولا استدلال، فيضطر العقل إلى تصديقه، والعمل
بمقتضاه بدون حاجة إلى دليل أو قرينة.
والمراد بالعلم الضروري هو: ما يعلمه المكلف ويلزمه - من غير
نظر واستدلال - لزوماً لا يمكنه دفعه عن نفسه بشك ولا شبهة،
كالعلم الحاصل بما تواترت به الأخبار من ذكر الأمم السالفة والبلاد
النائية، والعلم الحاصل بالحواس الخمس، والعلم الحاصل
(2/653)

بالمشاهدات الباطنة، كالعلم بجوع نفسه وعطشه، ونحو ذلك ولا
فرق بينها.
ثبت ذلك بأدلة هي كما يلي:
الدليل الأول: أنه لو كان العلم الحاصل عن التواتر نظريا لم يقع
إلا لمن هو من أهل النظر والاستدلال والاكتساب كالعلماء، وللزم
اختلاف الناس فيه " فعلمه بعضهم وجهله آخرون بسبب اختلافهم في
النظر والأدلة.
لكن لما وقع العلم الحاصل من المتواقي لغير أهل النظر والاستدلال
كالعوام، والصبيان، والنساء، كما وقع لأهل النظر، واشترك
الجميع في ذلك، ثبت أن العلم الحاصل عن المتواتر ليس نظريا،
فثبت أنه ضروري.
الدليل الثاني: أن كل عاقل يجد من نفسه العلم بوجود مكة
والبلاد النائية - التي لم يدخلها - عند سماعه لخبر المتواتر بها، مع
أنه لا يجد من نفسه سابقة فكر ولا نظر.
فعلمنا بذلك أن العقل مضطر إلى التصديق بما ينقل إلينا بخبر
المتواتر، ولو كان العلم من المتواتر قد حصل عن طريق النظر: لما
اضطررنا إلى العلم به إلا بعد النظر والاستدلال والقرائن.
المذهب الثاني: أن العببم الحاصل بالمتواتر نظري.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء كأبي بكر الدقاق، وابن القطان،
وأبي الحسين البصري، وأبي القاسم الكعبي، وأبي الخطاب الحنبلي
إلا أن الأخير لم ينص عليه في " التمهيد "، لكنه نصره بالأدلة
وأجاب عن أدلة أصحاب المذهب الأول.
(2/654)

دليل هذا المذهب:
استدل على هذا المذهب بأنه لو كان العلم الحاصل من المتواتر
ضرورياً لما احتاج إلى النظر، ولكنه احتاج إلى النظر، فيكون نظريا.
ويدل على ذلك: أن خبر المتواتر لم يفد العلم بنفسه، بل حصل
هذا العلم بواسطة مقدمتين هما:
المقدمة الأولى: أن هؤلاء المخبرين مع اختلاف أحوالهم، وتباين
أغراضهم، وكثرتهم لا يجمعهم على الكذب جامع، ويستحيل
عادة تواطؤهم على الكذب.
المقدمة الثانية: أن هؤلاء قد اتفقوا عن الإخبار عن واقعة واحدة
كوجود الهند مثلاً.
فالعلم بصدق الخبر المتواتر قد توصلنا إليه عن طريق مجموع
هاتين المقدمتين.
فيقال مثلاً: وجود الهند قد أخبر به جمع يمتنع تواطؤهم على
الكذب عادة، وكل ما أخبر به جمع يمتنع تواطؤهم على الكذب،
فهو معلوم، فوجود الهند معلوم، وهذا هو العلم النظري؛ حيث
نظرنا في هاتين المقدمتين واستدللنا بهما على ثبوت العلم بوجود
الهند.
وهاتان المقدمتان تشعر النفس بهما وإن لم يكونا بلفظ منظوم.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا ضعيف، لأن المقدمات التي يتوقف حصول
هذا العلم على النظر فعها حاصلة في أوائل الفطرة، وهذا لا يحتاج
إلى كبير تأمل وفكر، ومثل ذلك لا يسمى نظرياً؛ لأن النظري هو
الذي يتوقف على أهلية النظر، وليس هذا من هذا الباب.
(2/655)

المذهب الثالث: أن العلم الحاصل بالمتواتر بين النظري وبين
الضروري، فهو أقوى من النظري المكتسب، وليس في قوة
الضروري.
قاله أبو الفضل الخوارزمي.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا المذهب لا دليل عليه، وما لا دليل عليه لا
يعتمد عليه، وليس بشيء.
المذهب الرابع: التوقف في المسألة.
وهو رأي الشريف المرتضى، والآمدي.
وسبب توقفهما: ضعف أدلة أصحاب المذهبين، فكل دليل من
أدلة الفريقين قد اعترض عليه باعتراض قوي عندهما.
جوابه:
يجاب عنه: بأن التوقف ليس مذهباً معتبراً.
وعلى فرض أنه يعتبر مذهبا: فإنه لا داعي لهذا التوقف مع قوة
أدلة أصحاب المذهب الأولى - وهو المختار - والاعتراضات التي
ذكرها الآمدي في " الإحكام " لا تقوى على إبطال تلك الأدلة.
بيان نوع هذا الخلاف:
إن المذهبين الثالث والرابع لا يعتبران؛ لما سبق، فينحصر الخلاف
في المذهبين الأولى والثاني، والخلاف بينهما لفظي لا ثمرة له؛ لأن
أصحاب المذهبين قد اتفقا على النتيجة، ولكنهما اختلفا في الطريق
إليها، فأصحاب المذهب الأول وهم القائلون: إن العلم الحاصل
بالمتواتر ضروري لا ينازعون في توقفه على النظر في المقدمات
(2/656)

المذكورة، وأصحاب المذهب الثاني وهم القائلون: إن العلم
الحاصل بالتواتر نظري لا ينازعون في أن العقل يضطر إلى التصديق
إليه، وإذا وافق كل فريق ما يقوله الفريق الآخر في حكم هذا العلم
وَصفيه لم يبق النزاع بينهما إلا في اللفظ.
***
المسألة الثالثة: في شروط المتواتر المتفق عليها:
إن هناك شروطاً قد اشترطت لخبر التواتر حتى يكون مفيداً للعلم،
وإليك الشروط المتفق عليها:
الشرط الأول: أن يكون المخبرون عالمين بما أخبروا به، أي: قد
علموه ضرورة عن طريق إحدى الحواس الخمس كان يقولون: "رأينا
الهند "، أو " سمعنا قيصر يقول "، أو " لمسنا الثلج فوجدناه باردا"
أو نحو ذلك.
دليل هذا الشرط: أن ما لا يكون كذلك، فإنه يحتمل أن يدخله
عدة احتمالات من غلط، أو سهو، أو غفلة، فلا يحصل به
العلم، كذلك لو تواترت أخبارهم عن شيء قد علموه عن طريق
النظر والاستدلال، فإنه لا يحصل العلم لنا بتلك الأخبار؛ - لأن
العلم قد حصل لنا بالطريق الذي حصل لهم من النظر والاستدلال.
فمثلاً لو أخبرنا العدد الكثير بأن الأنبياء صادقون، فإنه لا يحصل
لنا العلم بهذا عن طريق خبرهم، بل إنه حصل لنا العلم بذلك عن
طريق النظر والاستدلال، فننظر ونستنبط مثل المخبرين، بخلاف ما
لو أخبرونا عن شيء محسوس، فإنه لا يمكننا أن نشاهد الهند، أو
نلمس الثلج إذا كنا لا نعرف ذلك وليس ببلادنا.
الشرط الثاني: أن يكون حال وعدد من نقل عن الأولين كحال
(2/657)

وعدد الأوَّلين الذين شاهدوا المخبر عنه، أو سمعوه، وكذلك مثل
هؤلاء الطبقة التي تليها، وهكذا حتى ينتهي الخبر إلينا، فكل طبقة
يشترط فيها شروط التواتر.
دليل هذا الشرط: أن خبر أهل كل عصر خبر مستقل بنفسه،
فلابد من توفر شروط التواتر فيه، فإن نقل الخلف عن السلف ذلك
الخبر وتوالت الأعصار، ولم تكن الشروط قائمة في كل عصر: لم
يحصل العلم بصدقهم؛ لعدم استواء طرفا الخبر ووشطه في كمال
العدد والصفة.
الشرط الثالث: أن لا يكون السامع عالماً بما أخبر به اضطراراً.
دليله: أن تحصيل الحاصل محال، وتحصيل مثل الحاصل - أيضاً -
محال؛ حيث إن العلم الضروري يستحيل أن يصير أقوى مما كان.
الشرط الرابع: أن يكون السامع للخبر من أهل العلم غير
المتشددين أو المتساهلين.
دليله: أنه يستحيل حصول العلم من غير متأهل له.
تنبيه: هذه شروط الخبر المتواتر المتفق عليها، وهناك شروط له
مختلف فيها ستعرفها فيما يلي من المسائل.
المسألة الرابعة: هل يشترط في المتواتر عدد محصور؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يشترط في التواتر عدد محصور.
فحصول العلم بالخبر المتواتر ليس له عدد محصور، بل متى ما
حصل العلم بخبر المخبرين المجرد عن القرائن: علمنا أن الخبر بلغ
(2/658)

التواتر، وإذا لم يحصل لنا العلم بى خبر المخبرين: علمنا أن الخبر لم
يبلغ حدَّ التواتر.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وهو الحق عندي؛ لأنه لا يمكن معرفة العدد بالتحديد الذي
حصل علمنا عنده بوجود بلد لم نشاهده، أو بوجود الأنبياء، أو
الأئمة الأربعة، فلا سبيل واضح جلي نسلكه ونعرف به العدد
- بالتحديد - فهذا عسير جداً؛ وإنما السبيل إلى معرفة كون هذا الخبر
متواتراً هو حصول العلم بالخبر، فالعلم يتزايد تزايداً خفي التدريج
فهو يشبه تزايد عقل الصبي، فإذا لا نعرف متى بدأ الصبي يعقل
ويميز بين الخير والشر؛ لذلك لا يكلف الصبي العاقل حتى يبلغ،
ويشبه أيضاً تزايد ضوء الصبح إلى أن ينتهي إلى حد الكمال.
فكذلك الخبر، فإن الأول يحرك. الخبر، والثاني يؤكده، والثالث
كذلك، وهكذا، فإنه لا زال يتزايد تأكيد الخبر حتى يصبح التصديق
به ضروريا لا يمكن الشك فيه، ولكن لا يمكننا أن نعرف بالتحديد
العدد الذي لما بلغه المخبرون أصبح الخبر متواتراً.
والسبب في ذلك هو: قصور القوة البشرية عن إدراك ذلك، فلا
يمكن لأي عاقل - مهما كان - أن يدرك متى بالتحديد حصل العلم
بخبر مخبرين كثيرين عن شيء معين، بل يحصل لنا العلم بخبر
المتواتر، وإن كنا لا نقف على أول عدد أفاده، كما نعلم حصول
الشبع عن طريق الأكل وإن كنا لا نقف على آخر لقمة تسببت في
هذا الشبع، وكما نعلم حصول الري عن طريق شرب الماء، وإن
كنا لا نقف على آخر جرعة تسببت في هذا الري، وهكذا.
المذهب الثاني: أنه يشترط في التواتر عدد محصور ومعروف.
(2/659)

ذهب إلى ذلك بعض العلماء.
والقائلون بهذا الشرط اختلفوا في تحديد العدد على أقوال:
فقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر اثنين؛ قياساً على الشهادة.
وقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر أربعة؛ قياساً على أعلى
الشهادات كالزنى.
وقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر خمسة؛ قياسا على أولي العزم
من الرُّسُل وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد
- عليهم أفضل الصلاة والتسليم -.
وقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر عشرة؛ لأن العشرة مما فوق
جمع كثرة.
وقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر اثني عشر؛ قياساً على نقباء بني
إسرائيل، لقوله تعالى: (وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا) .
وقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر عشرين؛ لقوله تعالى: (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) ، فأوجب الجهاد على
العشرين، وإنما خصهم بذلك؛ لأنهم إذا أخبروا حصل العلم
بصدقهم.
وقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر أربعين؛ قياساً على من تنعقد
بهم الجمعة.
وقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر سبعين؛ لقوله تعالى:
(واختار موسى قومه سبعين رجلاً) ، وإنما خصَّهم بذلك لحصول
العلم بما يخبرون به.
(2/660)

وقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر ثلاثمائة وثلاثة عشر؛ قياساً على
عدد أهل بدر.
وقيل: لا يحصل العلم إلا بخبر ألف وخمسمائة، وهم عدد بيعة
الرضوان.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا المذهب ظاهر الفساد؛ لأمرين:
أولهما: أن تعارض أقوالهم في تحديد العدد واختلافهم دليل
ظاهر على فساده.
ثانيهما: أنه لا دليل صحيح على هذا المذهب، وما ذكروه من
الأدلة على تلك الأقوال لم تبن على شيء سوى قياسات واعتبارات
بعيدة كل البعد عما نحن فيه، فلا تُسلَّم لهم.
المسألة الخامسة: هل يشترط في المتواتر أن يكون المخبرون
مسلمين وعدولاً؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أنه لا يشترط في التواتر أن يكون المخبرون مسلمين
ولا عدولاً، فيقع العلم بالتواتر، سواء كان المخبرون مسلمين، أو
كفاراً، أو عدولاً، أو فساقاً، لا فرق بينهم.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
وهو الصحيح؛ لأن الخبر المتواتر يفضي إلى العلم بالمخبر عنه،
وسبب إفضائه إلى العلم هو: كثرة المخبرين الذين لا يتصور أن
يجتمعوا على الكذب في الخبر، أو يتواطؤا عليه، وإذا كان الأمر
(2/661)

كذلك فإنه يمكننا أن نستفيد العلم بأخبار الكفار - كما لو أخبروا عن
موقعة وقعت في السوق - كما يمكن أن نستفيد العلم بأخبار
المسلمين، ولا فرق بجامع: الكثرة المانعة من التواطؤ على الكذب،
فكثرة المخبرين جعلته في مرتبة قوية في إفادته للعلم، فلا يحتاج إلى
شيء يقويه كالإسلام والعدالة.
المذهب الثاني: أنه يشترط في التواتر أن يكون المخبرون مسلمين
وعدولاً، فلا يقبل من الكفار، ولا من الفساق.
ذهب إلى ذلك بعض الشافعية كعبد اللَّه بن عبدان ذكره في كتابه
" الشرائط ".
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن الكفر عرضة للكذب والتحريف، والإسلام
والعدالة ضابطان للصدق والتأكد من الأخبار.
جوابه:
يجاب عنه بأن الكثرة هي المانعة من التواطؤ على الكذب،
فلذلك نستفيد العلم بأخبار العدد الكثير، ولا فرق فى ذلك بين
المسلمين والكفار.
ولذلك لما لم يكن في خبر الواحد كثرة اشترطنا الإسلام
والعدالة؛ لأن العدد القليل الذي لم يبلغ حدَّ التواتر لو أخبر عن
شيء فإنه لا يفيد العلم؛ لأنه يمبهن تواطؤهم على الكذب.
الدليل الثاني لهم قالوا فيه: إن المسلمين اختصوا بدلالة الإجماع
على القطع، فوجب أن يختصوا بالمتواتر.
(2/662)

جوابه:
يجاب عنه: بأن قياسكم المتواتر على الإجماع قياس فاسد؛ لأنه
قياس مع الفارق.
بيانه: أنه اختص علماء المسلمين بالاحتجاج بالإجماع للأدلة
الشرعية السمعية، دون الأدلة العقلية، أما الخبر المتواتر فيقع به
العلم؛ لما سبق ذكره من أنه لا يمكن فيه الكذب، ولا يصح التواطؤ
عليه، وهذا موجود في الكفار كما هو موجود في المسلمين.
المذهب الثالث: الفرق بين أن يطول الزمان فيمكن حصول
التواطؤ على الكذب فيعتبر الإسلام، وبين ألا يطول الزمان فلا
يعتبر الإسلام، إذ لا يمكن حصول التواطؤ على الكذب.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا التفريق لا دليل عليه؛ حيث إن الكثرة هي
المانعة من حصول التواطؤ على الكذب، سواء طال الزمان أم لا.
المذهب الرابع: الفرق بين ما طريقه الديانات فلا مدخل للكفار
فيه، لأنه لا يؤمن جانبهم في ذلك، وبين ما طريقه الأقاليم وما أشبه
ذلك، فيدخل فيه الكفار، كما يدخل المسلمون.
جوابه:
يجاب عنه: بأن العلم قد حصل من المتواتر بسبب الكثرة المانعة
من الكذب بالشرط الذي قلناه وهو: استحالة تواطؤهم على
الكذب، فإذا وجد هذا الشرط، فإن الخبر يفيد العلم، سواء
كانت هذه الكثرة كفاراً أو مسلمين، لا فرق بينهم في ذلك، وسواء
كان الخبر عن ديانات أو عن أقاليم أو بلدان أو حوادث لا فرق.
(2/663)

أما إذا لم يوجد ذلك الشرط - وهو: أن يستحيل تواطؤهم على
الكذب - فإن الخبر لا يفيد العلم مطلقا، سواء كانوا مسلمين أو
كفاراً، وسواء كانوا قد أخبروا عن ديانات، أو عن غير ذلك.
المسألة السادسة: هل يشترط في المتواتر كون المخبرين لا
يحصرهم عدد ولا يحويهم بلد؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يشترط في المتواتر كون المخبرين لا
يحصرهم عدد ولا يحويهم بلد، ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وهو الحق؛ لأن الواقع يدل على ذلك، فلو أخبرنا المصلون في
جامع واحد من جوامع الرياض - مثلاً - عن وقوع حادثة في
المسجد كسقوط الإمام من المنبر، فإنه يحصل العلم بخبرهم مع أنهم
محصورون بدليل أن المسجد قد حواهم، فإذا حصل العلم بخبر
هؤلاء مع حصرهم وكون المسجد قد حواهم، فمن باب أَوْلى أن
يحصل العلم بخبر أهل بلد لو أخبروا عن وقوع شيء.
المذهب الثاني: أنه يشترط في المتواتر كون المخبرين لا يحصرهم
عدد ولا يحويهم بلد، ذهب إلى ذلك بعض الفقهاء، واختاره فخر
الإسلام البزدوي.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بأنه اشترط ذلك للتأكد من صحة
الخبر؛ لأنه كلما كثر العدد كلما كان الخبر أقوى. وأصح.
(2/664)

جوابه:
يجاب عنه بأنه إذا حصل العلم بالمخبر عنه: كان الخبر متواتراً
مطلقا، سواء كانوا معروفين العدد، أم لا، أو يحويهم بلد أم لا،
فنستدل بحصول العلم على كمال العدد.
المسألة السابعة: هل يشترط في المخبرين اختلاف أنسابهم،
وأوطانهم، وأديانهم؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يشترط ذلك في المخبرين.
ذهب إلى ذلك الجمهور، وهو الحق؛ لأن الواقع يدل عليه،
فمثلاً لو أن قبيلة من القبائل المتفقة في الدين والنسب، والوطن،
أخبروا عن واقعة وقعت في ناحيتهم، فإنه يحصل العلم بخبرهم
ضرورة.
المذهب الثاني: أنه يشترط في المخبرين اختلاف أنسابهم،
وأوطانهم، وأديانهم.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أنه يشترط ذلك لتندفع التهمة بصورة آكد.
جوابه:
يجاب عنه بأن الكثرة المانعة من التواطؤ على الكذب يكفي عن
هذا الشرط.
(2/665)

المسألة الثامنة: هل يشترط وجود المعصوم ضمن المخبرين؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يشترط ذلك.
وهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لأن الواقع يدل على عدم
اشتراط ذلك، فمثلاً لو أخبر أهل بلد من بلدان الكفار على الإخبار
عن حصول فتنة: لحصل العلم بخبرهم مع كونهم كفاراً فضلاً عن
كون الإمام المعصوم ليس فيهم.
المذهب الثاني: أنه يشترط وجود المعصوم ضمن المخبرين.
دليل هذا المذهب:
أنه اشترط ذلك حتى لا يتفقوا على الكذب، فالمعصوم هو المانع
من اتفاقهم على الكذب.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا لو كان شرطا صحيحا، فإن العلم قد
حصل بخبر الإمام المعصوم بالنسبة لمن سمعه، لا بخبر التواتر.
***
المسألة التاسعة: العدد المفيد للعلم في التواتر هل هو واحد في كل الوقائع والأشخاص، أو يختلف باختلاف الوقائع والأشخاص والقرائن؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: الفرق بين ما احتفت به قرائن، وبين الخبر
المجرد، بيانه:
إن كان العلم الحاصل بالتواتر قد اقترنت به قرائن تدل على
(2/666)

صدقه: فيجوز أن تختلف الوقائع فيه والأشخاص؛ لاختلاف
الهيئات المقارنة للخبر الموجبة لتعريف متعلقه، ولاختلاف أحوال
المخبرين في اطلاعهم على قرائن التعريف، ولاختلاف إدراك
المستمعين؛ لتفاوت الأذهان والقرائح، ولاختلاف الوقائع على
عظمها وحقارتها.
وإن كان العلم الحاصل بالتواتر لم تقترن به قرائن، بل حصل من
نفس خبر ذلك العدد المجرد: فإنه لا يتصور أن يختلف في الوقائع
والأشخاص.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن مجرد الإخبار
يجوز أن يورث العلم عند كثرة المخبرين، وإن لم توجد قرائن،
وكذلك مجرد القرائن قد تورث العلم، وإن لم يوجد إخبار، فلا
يبعد أن تنضم القرائن إلى الإخبار، فتقوم بعض القرائن مقام بعض
العدد من المخبرين.
ومثال الخبر بدون قرائن: أنه لو أن عشرة أشخاص قد أخبروا زيداً
ومحمداً بأن بكراً قد نجح، فإنه يحصل العلم بهذا العدد عند الاثنين
معا على السواء؛ لعدم وجود قرينة عند أحدهما دون الآخر.
ومثال الخبر المقترن بقرينة: لو أخبر واحد محمدأ وزيداً بأن بكرأ
قد مات، وكان محمد يعلم - قبل الإخبار - بأن بكراً مريض دون
زيد، فإنا نعلم بأن محمداً قد حصل له العلم الموجب للتصديق،
وسبب ذلك: هذه القرينة، وهي: علمه بمرض بكر، ولم يحصل
ذلك لزيد.
وأيضا: فإنا نرى الصبي - الذي لم يتجاوز السنتين - يرضع من
ثدي المرأة الشابة، فيحصل لنا العلم بأن اللبن قد وصل إلى معدة
(2/667)

هذا الصبي وإن لم نشاهد اللبن في الثدي، ولم نشاهده عند خروجه،
ولم نشاهده في المعدة؛ لأنه مستور، لكن قطعنا بوصول اللبن إلى
معدة ذلك الصبي بسبب قرائن هي كما يلي: " حركة حلق الصبي
أثناء امتصاصه للبن "، و " أن المرأة الشابة لا يخلو ثديها من لبن "،
و" أن هذا الثدي فيه ثقب يخرج منه اللبن "، و " أن الصبي فيه القوة
على الامتصاص "، و " أن الصبي قد سكت عن البكاء بعد ذلك
الامتصاص مع أنه لم يتناول طعاما آخر ".
هذه قرائن قد حصل لنا العلم القطعي عن طريقها مجتمعة على أن
ذلك اللبن قد وصل إلى معدة ذلك الصبي، وإن لم نشاهده، لكن
لو انفردت قرينة واحدة كحركة حلق الصبي، فإنا لا نحكم بوصول
اللبن إلى معدته؛ لأنه قد يوجد سبب آخر لهذه الحركة غير
الامتصاص.
المذهب الثاني: أن الخبر المفيد للعلم في واقعة يفيده في كل
واقعة، وإذا حصل العلم لشخص فلا بد أن يحصل لكل شخص
يشاركه في السماع، ولا يتصور أن تختلف فيه الوقائع والأشخاص
بسبب وجود قرائن ودلائل، فلا يلتفت إلى تلك القرائن، ولا
يجعل لها أثراً في تصديق الخبر.
ذهب إلى ذلك أبو بكر الباقلاني، وأبو الحسين البصري.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن حكم المتماثلين واحد،
فلو أن مائة شخص أخبروا محمداً بأن زيداً قد قتل وحصل العلم
بخبرهم وجب أن يفيد عليا خبر مائة شخص بأن صالحا قد قتل؟
وذلك لاستواء الوقائع والأشخاص في ذلك.
(2/668)

جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا صحيح إذا كان الخبر مجرداً عن القرائن،
فإنا نوافقكم بأن ما حضَل العلم في واقعة فإنه يفيده في كل واقعة،
وما حصَّله لشخص فإنه يحصتَله لكل شخصٍ يشاركه في السماع،
ولا يمكن أن يختلف، وبينا ذلك.
لكن إذا كان الخبر قد احتف به قرائن وعلم بها بعض السامعين
للخبر دون بعض، فإنا لا نُسَلِّمُ لكم ذلك كما بينا فيما سبق.
المسألة العاشرة: حكم كتمان أهل التواتر لما يحتاج إلى نقله:
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يجوز على أهل التواتر، والجماعة العظيمة
أن يكتموا ما يحتاج الخلق إلى نقله ومعرفته.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن كتمان ما
يحتاج إلى نقله ومعرفته قبيح، وهو في القبح بمثابة الكذب - وهو:
الإخبار عن الشيء بخلاف الواقع - والكذب محال على أهل
التواتر والجماعة العظيمة؛ لاستحالة تواطؤ أهل التواتر على الكذب.
فلما لم يجز على أهل التواتر الكذب: كذلك لم يجز أن
يجتمعوا على كتمان نقل ما يحتاج الناس إلى نقله ومعرفته، ولا
يجوز أن يتواطؤ عليه.
يؤيد ذلك: أنه لو حدث في الجامع وقت الصلاة حادثة عظيمة
تظهر لجميع من حضر لم يجز أن يترك نقلها جميع من حضر، كما
لا يجوز أن يخبر عنها جميعهم بالكذب.
(2/669)

المذهب الثاني: أنه يجوز كتمان أهل التواتر لما يحتاج إلى نقله
ومعرفته.
ذهب إلى ذلك الإمامية - من الشيعة - وعلى هذا المذهب بنوا
كلامهم في ترك الصحابة، نقل النص على خلافة عليّ - رضي الله
عنه - وإمامته بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويقولون: إن الصحابة قد تواطئوا على ترك نقل ذلك النص وهم من أهل التواتر.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أنه يجوز أن تترك الجماعة نقل الشيء تقية، أو
خوف فتنة، فلذا جاز لهؤلاء كتمان ما يحتاج إلى نقله.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا كله لا يجوز، إذ لو جاز ذلك لجاز أن
يكذبوا ولا فرق؛ لأنهما سواء في القبح.
الدليل الثاني: الواقع دلَّ على ذلك، وهو من وجهين:
أولهما: أن النصارى لم تنقل كلام عيسى - عليه السلام - وهو
في المهد، في حين أنهم نقلوا إحياءه للموتى وإبراءه الأكمه والأبرص.
ثانيهما: أن الصحابة - رضي اللَّه عنهم - قد تركت نقل القِران
والإفراد في الحج حتى اختلفوا بعد ذلك، فنقلوا.
جوابه:
يجاب عنه بأن يقال:
أما الوجه الأول فيجاب عنه: بأن كلام المسيح في المهد لم ينقل؟
لأنه كان ووقع منه قبل ظهوره، وقبل نبوته، وقبل أن يتبعوه،
(2/670)

والذي ينقل كلامه ويعتبر ويعتد به في الأحكام الشرعية هو الذي
ثبتت نبوته.
فإن اعترض معترض على ذلك - كالطوفي وغيره - قائلاً: إن
كلامه في المهد كان من خوارق العادات قبل نبوته والدواعي تتوفر
على نقل مثله عادة.
فإنا نقول - في الجواب عنه -: إن كلام الشخص قبل نبوته قد
ينقله بعض الخبرين، لكن لا يُهتم بنقله كالاهتمام بنقل كلامه بعد
النبوة؛ لأن كلامه بعد النبوة يعتبر من التشريع، أما كلامه قبل ذلك
فلا يعتبر من التشريع.
أما الوجه الثاني فيجاب عنه: بأن الصحابة - رضي اللَّه عنهم -
لم يتركوا نقل القِران والإفراد في الحج، بل نقلوه وذكروه، لكن
اختلفوا في النقل، نظراً لاختلافهم في السماع، فبعضهم سمعه
يلبي بالحج والعمرة، وبعضهم سمعه يلبي بالحج فقط، - فنقل كل
واحد ما سمع.
(2/671)

المطلب الخامس في خبر الواحد
ويشتمل على المسائل التالية:
المسألة الأولى: خبر الواحد هل يفيد العلم؟
المسألة الثانية: تعريف المستفيض والمشهور وهل هما داخلان ضمن
خبر الواحد؟
المسألة الثالثة: حكم التعبد بخبر الواحد والعمل به عقلاً.
المسألة الرابعة: حكم التعبد بخبر الواحد والعمل به سمعا.
المسألة الخامسة: هل يشترط لقبول الخبر أن يرويه اثنان؟
المسألة السادسة: هل يشترط في الرواية في الزنا أربعة رواة؟
المسألة السابعة: في حقيقة الصحابي، وطرق معرفته، وثبوت عدالته.
أولاً: حقيقة الصحابي.
ثانيا: طرق معرفته.
ثالثاً: ثبوت عدالته.
المسألة الثامنة: شروط الراوي غير الصحابي.
المسألة التاسعة: شروط ظن بعضهم أنها تشترط في الراوي، وهي
ليست كذلك.
(2/673)

المسألة العاشرة: حكم رواية الكافر المأوِّل.
المسألة الحادية عشرة: حكم رواية الفاسق المأولّ.
المسألة الثانية عشرة: إذا سمع الصبي الخبر، وأداه بعد البلوغ فهل
يقبل؟
ْالمسألة الثالثة عشرة: حكم رواية مجهول الحال في العدالة.
المسألة الرابعة عشرة: في تعديل الراوي وتجريحه:
أولاً: بيان حقيقة التعديل والتجريح.
ثانيا: الأمور التي يحصل بها تعديل الراوي.
ثالثا: رواية العدل عن غيره هل تعتبر تعديلاً له؟
رابعا: الاستفاضة هل تعتبر في التعديل؟
خامسا: ترك الحكم بشهادة الراوي هل يعتبر جرحا للراوي؟
سادساً: هل يشترط العدد في التعديل والتجريح؟
سابعا: حكم تعديل العبد للراوي.
ثامنا: حكم تعديل المرأة للراوي.
تاسعا: الجارح والمعدل هل يقبل قولهما بدون ذكر سبب التعله يل والجرح؟
عاشراً: الحكم إذا ذكر اسم شخص متردد بين مجروح ومعدل.
حادي عشر: الحكم إذا كان للراوي اسمان، أو اختلف في اسمه.
(2/674)

ثاني عشر: إذا تعارض الجرح والتعديل فأيهما المقدم؟
ثالث عشر: الحكم إذا زاد عدد المعدلين على الجارحين.
المسألة الخامسة عشرة: حكم رواية الحدود بالقذف.
المسألة السادسة عشرة: في كيفية ألفاظ الراوي في نقل الخبر:
القسم الأول: كيفية ألفاظ الصحابي في نقل الخبر.
أولاً: الحكم إذا قال الصحابي: " سمعت النبي
يقول، أو حدَّثني، أو أخبرني، أو شافهني ".
ثانيا: إذا قال الصحابي: " قال رسول الله، أو
أخبر، أو حدث " فما الحكم؟
ثالثا: إذا قال الصحابي: " أمر رسول الله، أو
نهى، أو حرم، أو أباح، أو فرض "، فما
الحكم؟
رابعا: قول الصحابى: " أمرنا بكذا، أو نهينا
عن كذا " ما حكمه؟
خامسا: قول الصحابي: " من السُّنَّة كذا " أو
" السُّنَّة جارية بكذا " ما حكمه؟
سادسا: قول - الصحابي: " عن - صلى الله عليه وسلم - " ما حكمه؟
سابعا: قول الصحابي: " كلنا نفعل، أو كانوا
يفعلون " ما حكمه؟
(2/675)

ثامناً: قول الصحابي: " كانوا يفعلون " هل
يفيد حكاية الإجماع؟
القسم الثاني: كيفية ألفاظ الراوي غير
الصحابي في نقل الخبر:
أولاً: قراءة الشيخ على الراوي عنه وهو يسمع.
ثانياً: الصيغ التي يتلفظ بها الراوي إذا أراد أن
يحدث بما سمعه من شيخه فيما سبق.
ثالثا: أيهما أقوى: قراءة الشيخ على الراوي
أم العكس أم ماذا؟
رابعا: قراءة الراوي على الشيخ وهو يسمع،
ثم قال الشيخ: نعم، هل تجوز الرواية عنه؟
خامساً: إذا قرأ الراوي على الشيخ وهو
يسمع، ثم قال الراوي للشيغ: هل سمعت أيها
الشيخ؛ فسكت الشيخ فهل تجوز الرواية عنه؟
سادساً: الصيغ التي يتلفظ بها الراوي عندما
يريد أن يحدث بما قرأه على شيخه.
سابعا: إذا قرأ الراوي على الشيخ فهل يجوز
أن يقول: " أخبرنا "، و " حدثنا " مطلقا بدون
عبارة. " قراءة عليه "؟
ثامنا: إذا قال الشيخ: " حدَّثنا " فهل يجوز
للراوي أن يبدل ذلك بلفظ " أخبرنا " أو بالعكس؟
(2/676)

تاسعا: إذا قال الشيخ: "حدَّثنا " أو " أخبرنا "
فهل يجوز أن يبدل الراوي ذلك إلى لفط "سمعت "؟
عاشراً: حقيقة الإجازة أو صورة المناولة، وصيغة الراوي فيهما.
حادي عشر: بيان أن المناولة قسم من أقسام الإجازة.
ثاني عشر: حكم الرواية بالإجازة والمناولة.
ثالث عشر: أنواع الإجازة.
رابع عشر: إذا قال الراوي المجاز: " حدثني
فلان " أو " أخبرني فلان " وأطلق ولم يقيد ذلك بلفظ: " إجازة "،
فهل هذا يجوز؟
خامس عشر: هل تجوز الإجازة للصبي والمجنون، والكافر، والفاسق؟
سادس عشر: إذا قال الشيخ: " خذ هذا
الكتاب وهو مسموعي "، ولم يقل: "إروه عني"، فهل تجوز الرواية بذلك؟
سابع عشر: حقيقة الوجادة، وهل تجوز الرواية بها؛ وما هي صيغتها؟
ثامن عشر: إذا قال الشيخ: " هذا خطي " فهل يقبل قوله،
وهل يروى عنه؟
تاسع عشر: إذا رأى الراوي سماعه في كتاب
(2/677)

ووجده ولم يذكر سماعه، ولا قراءته، لكن
غلب على ظنه سماعه كلما يراه من خطه الذي
توثق منه، فهل يجوز له روايته والعمل به؟
عشرون: إذا شك في سماع حديث من شيخه، فهل يجوز روايته عنه؟
واحد وعشرون: إذا شك في سماع حديث، والتبس عليه مع غيره فما الحكم؟
تاني وعشرون: ما الحكم إذا غلب على ظنه في
حديث أنه مسموع من شيخه؟
ثالث وعشرون: ما الحكم إذا أنكر الشيخ
الحديث إنكاراً صريحاً؟
رابع وعشرون: ما الحكم إذا أنكر الشيخ
الحديث إنكاراً غير صريح وهو التوقف؟
المسألة السابعة عشر: زيادة الثقة في الحديث هل تقبل؟
المسألة الثامنة عشرة: مخالفة الراوي للحديث الذي رواه.
المسألة التاسعة عشرة: مخالفة أكثر الأمة لخبر الواحد.
المسألة العشرون: خبر الواحد إذا خالف القياس.
المسألة الواحدة والعشرون: خبر الواحد فيما تعم به البلوى.
المسألة الثانية والعشرون: خبر الواحد في الحدود وما يسقط بالشبهات.
المسألة الثالثة والعشرون: حكم رواية الحديث بالمعنى.
المسألة الرابعة والعشرون: حذف بعض الحديث.
(2/678)

المسألة الخامسة والعشرون: حكم مرسل الصحابي.
المسألة السادسة والعشرون: حكم مرسل غير الصحابي.
المسألة السابعة والعشرون: الحكم إذا تعارض المرسل مع المسند.
المسألة الثامنة والعشرون: أفعال الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأحكامها.
أولاً: أفعاله الجبلِّية.
ثانياً: أفعاله التي صدرت منه على وفق العادات.
ثالثاً: أفعاله التي لم يتبين أمرها ولا يعلم هل هي قربة أو عادة.
رابعاً: أفعاله لبيان مجمل، أو لتقييد مطلق.
خامساً: الفعل الخاص به - صلى الله عليه وسلم -.
سادسا: إذا فعل فعلاً لا يوصف بما سبق فما حكم التأسي به؟
المسألة التاسعة والعشرون: تقرير النبي - صلى الله عليه وسلم -:
أولاً: بيان تعريفه.
ثانيا: حجيته.
ثالثاً: أنواع الإقرار.
المسألة الثلاثون: تقسيمات السُّنَّة:
أولاً: أقسام السُّنَّة من حيث حقيقتها:
1 - قولية
2 - فعلية
3 - تقريرية.
(2/679)

ثانيا: أقسام السُنَّة من حيث السند:
1 - متواتر
2 - آحاد.
ثالثاً: أقسام السُنَّة من حيث الصحة وعدمها:
1 - الحديث الصحيح، تعريفه، أنواعه، حجيته.
2 - الحديث الحسن، تعريفه، أنواعه، حجيته.
3 - الحديث الضعيف، تعريفه، حجيته.
(2/680)

المسألة الأولى: خبر الواحد هل يفيد العلم؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن خبر الواحد لا يفيد العلم، بل يفيد الظن.
ذهب إلى ذلك الجمهور من العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من
الأدلة:
الدليل الأول: أنه لو كان خبر الواحد يفيد العلم لكان العلم
حاصلاً بخبر الأنبياء إذا أخبروا ببعثهم من غير حاجة إلى إظهار
المعجزات والأدلة على صدقهم، فلما أخبروا عن نبوتهم وأظهروا
المعجزات الدالة على ذلك: ثبت أن خبر الواحد بمجرده لا يفيد
العلم.
الدليل الثاني: أنه لو كان خبر الواحد مفيداً للعلم لوجب على
القاضي أن يصدق المدعي على غيره من غير بينة؛ لأن العلم يحصل
بقوله، فلما ثبت أنه لا يصدق إلا ببينة ثبت أن خبر الواحد بمجرده
لا يفيد العلم.
الدليل الثالث: أنه لو كان خبر الواحد يفيد العلم لما احتيج إلى
عدد من الشهود - اثنين فأكثر -، بل كان الشاهد الواحد يكفي،
ولما كان الأمر بخلاف ذلك وأنه احتيج إلى عدد من الشهود دلَّ على
أن خبر الواحد بمجرده لا يفيد العلم.
الدليل الرابع: أنه لو كان خبر الواحد يفيد العلم لجاز لخبر
الواحد أن ينسخ القرآن والسُنَّة المتواترة؛ لأنه يكون حينئذٍ - في
قوتهما فيقوى على نسخهما، ولكن لما لم يجز نسخ خبر الواحد
(2/681)

للقرآن والممئُنَّة المتواترة - كما سبق بيانه - دلَّ على أن مرتبته أضعف
من مرتبتهما، فدلَّ على أنه لا يفيد العلم مثلهما، بل يفيد الظن.
المذهب الثاني: أن خبر الواحد يفيد العلم.
ذهب إلى ذلك كثير من أهل الظاهر كداود الظاهري، والحسين
الكرابيسي، والحارث المحاسبي، وابن حزم، واختاره بن خويز
منداد من المالكية، وهو رواية عن الإمام أحمد.
دليل أصحاب هذا المذهب:
لقد استدل لهذا المذهب بقوله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) ، وقوله: (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) ، ثم أمرثا
بالعمل بخبر الواحد، وهذا الأمر يدل على أن خبر الواحد يفيد
العلم.
جوابه:
يجاب عنه: بأن وجوب العمل بخبر الواحد لا يدل على أنه يفيد
العلم؛ إذ لو كان لا يفيد العلم لم نعمل به هذا غير مراد، وإنما
العمل بخبر الواحد لا يقف على كونه مفيداً للعلم، وإنما وجب
العمل بغلبة الظن كما وجب العمل بالقياس، وكما وجب العمل
بقول الشاهدين، وكما وجب العمل بقول المفتي.
المذهب الثالث: أن خبر الواحد مفيد للعلم إذا كان في رؤية الله
تعالى وما ماثلها ممن توفرت فيه أمور ثلاثة: كثرة رواته، وتلقي
الأُمَّة له بالقبول، ودلالة القرائن على صدق راويه.
وهذا رواية عن الإمام أحمد.
(2/682)

المذهب الرابع: أن خبر الواحد يفيد العلم إذا احتفت به قرائن
تؤيده، وتدل على صدقه، وهي كما يلي:
1 - أن يروي خبر الواحد راوي متصف بالعدالة، والثقة، والإتقان.
2 - أن ينقل الخبر من طرق متساوية بحيث لا تختلف.
3 - أن تتلقاه الأُمَّة بالقبول.
4 - أن لا ينكره أحد ممن يعتد بقوله.
فإذا توفرت هذه الأمور في خبر الواحد فإنه - حينئد - يفيد العلم.
الجواب عن هذين المذهبين:
يجاب عنهما بأن هذين المذهبين - الثالث والرابع - لا يدخلان
في محل النزاع؛ لأن النزاع في خبر الواحد المجرَّد عن القرائن التي
تدل على صدقه، أما خبر الواحد الذي احتفت به قرائن دلت على
صدقه، فإنه يفيد العلم بإجماع العلماء المعتد بأقوالهم.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة لفظي؛ لاتفاق أصحاب المذاهب على أنه
يجب العمل بخبر الواحد، سواء أفاد العلم أو الظن، وهذا هو
الذي يهم الأصولي؛ حيث إنه يبحث في الأحكام الناجزة وهي
أحكام الدنيا، والله أعلم.
(2/683)

المسألة الثانية: تعريف المستفيض والمشهور وهل هما داخلان
ضمن خبر الواحد؟
المستفيض هو: ما نقله جماعة تزيد على الثلاثة، فلا بد أن يكون
الرواة أربعة فصاعداً، وهو مذهب جمهور الأصوليين.
وقيل: إن المستفيض هو الشائع بين الناس، وقد صدر عن أصل.
ولا فرق بين المستفيض والمشهور.
وقيل: بل بينهما فرق وهو: أن المستفيض: ما سبق بيانه،
والمشهور هو: ما اشتهر ولو في القرن الثاني أو الثالث.
والمستفيض والمشهور داخلان ضمن الآحاد؛ لأن خبر الواحد
ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ما لا يفيد الظن أصلاً وهو: ما تقابلت فيه
الاحتمالات على السواء.
والقسم الثاني: ما يفيد الظن وهو: ترجيح أحد الاحتمالين
الممكنين على الآخر في النفس من غير قطع سواء أخبر نقله واحد
فقط، أو نقله الثلاثة والأربعة، وهذا مذهب جمهور الأصوليين
وهو الحق.
وقيل: إن المستفيض والمشهور في مرتبة متوسطة بين المتواتر
والآحاد. نقل هذا عن الأستاذين: أبي إسحاق الإسفراييني، وأبي
منصور، لذلك قال بعض العلماء: إن ضابطه: أن ينقله عدد كثير
يربو على الآحاد، وينحط عن عدد المتواتر.
وقيل: إن المستفيض بمعنى المتواتر.
وقيل: إن المستفيض في رتبة أعلى من المتواتر.
والصحيح ما قلناه وهو: أن المستفيض والمشهور بمعنى واحد.
(2/684)

وأنهما داخلان ضمن الآحاد، ولا يخرجان عنه؛ لأنه لا يفيد إلا الظن.
المسألة الثالثة: حكم التعبد بخبر الواحد والعمل به عقلاً:
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أنه يجوز التعبُّد بخبر الواحد وقبوله عقلاً.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء، أي: أن العقل أجاز قبول خبر
الواحد والعمل به.
وهو الحق؛ لأن جواز التعبد بخبر الواحد لا يفضي إلى اجتماع
الضدين، ولا يفضي إلى أن يكون الواحد أكثر من الاثنين، ولا
يناقض مصلحة عقلية، فجاز القضاء بتجويزه.
المذهب الثاني: أنه يجب التعبُّد بخبر الواحد عقلاً، أي: أن
العقل أوجب علينا قبول خبر الواحد والعمل به.
ذهب إلى ذلك بعض المتكلمين.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن الحوادث والوقائع الجديدة كثيرة، فلو لم نتعبد
بخبر الواحد ونعمل به: للزم من ذلك تعطيل وخلو تلك الحوادث
والوقائع عن الأحكام الشرعية، لأمرين: أولهما: ندرة الأدلة
القواطع، وثانيهما: قلة مدارك اليقين كالأوليات، وهي العقليات
المحضة كعلم الإنسان باستحالة اجتماع الضدين، والمشاهدات كعلم
الإنسان بجوع نفسه، والمحسوسات الظاهرة وهي الحواس الخمس،
والمتواترات.
(2/685)

ولكن بتعبدنا بخبر الواحد وعملنا به يلزم منه إيجاد أحكام شرعية
لكثير من الحوادث المتجددة.
جوابه:
يجاب عنه بأن هذا لا يسلَّم، أي: لا يلزم من عدم التعبد بخبر
الواحد والعمل به تعطيل الحوادث بلا أحكام؛ وذلك لأن المجتهد إذا
لم يجد حكماً للحوادث المتجددة من القواطع، فإنه لا يتركها بلا
حكم، بل يستصحب حال البراءة الأصلية فيها حتى يأتي دليل قاطع
يغير الحالة.
الدليل الثاني قالوا فيه: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد بعث إلى جميع الناس، ولا يمكنه مشافهة جميعهم، ولا إبلاغهم بالتواتر، فلم يبق إلا
الآحاد لإبلاغهم بالرسالة، فإذا كان الأمر كذلك فإنه يجب التعبد به
عقلاً؛ إذ لا طريق غيره.
جوابه:
يجاب عنه: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - غير مكلَّف بإبلاغ الجميع عن طريق الإيجاب، بل إنه أرسل إلى الناس كافة وكلف بأن يبلغ من يقدر
عليه، ويستطيع تبليغه، فليقتصر على ذلك، فليس تبليغ الجميع
واجباً.
الدليل الثالث: أن الواحد إذا أخبرنا بأن اللَّه أمر بكذا، أو رسوله
أمر بكذا، فإنا نحتمل صدقه، وإذا احتملنا صدقه، فإنه يجب
العمل به احتياطاً لأنفسنا، إذ لو لم نعمل بذلك للزم مخالفة أمر
ظننا وجوده.
(2/686)

جوابه:
يجاب عنه بأنا لا نسلِّم ذلك؛ لوجوه:
الوجه الأول: أن خبره يحتمل الكذب - أيضاً - فربما يكون عملنا
بخلاف الواجب.
الوجه الثاني: إذا كان مستند العمل هو احتمال صدقه - فقط -
فإنه يلزم من ذلك وجوب العمل بخبر الكافر والفاسق؛ لأن صدقه
محتمل.
الوجه الثالث: أن براءة الذمة معلومة بالعقل والنفي الأصلي، فلا
ترفع بمجرد ظن لا دليل عليه.
المذهب الثالث: لا يجوز التعبد بخبر الواحد عقلاً.
ذهب إلى ذلك الجبَّائي، وابن علية، وأبو بكر بن الأصم،
وطائفة من المتكلمين.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن خبر الواحد يحتمل أن
يكون صدقاً، ويحتمل أن يكون كذباً، والاحتمالان متساويان،
وهذا هو الشك - الذي هو تساوي الطرفين - فإذا عملنا بخبر
الواحد المحتمل لهذين الاحتمالين على التساوي نكون قد عملنا
بالشك، والشك يؤدي إلى الجهل؛ حيث إننا إذا شككنا في شيء
نكون قد جهلنا المراد به، فنكون قد أقدمنا على العمل بالجهل،
ويقبح أن نحيل الخلق أن يعملوا بالمجهولات، فيكون العمل بالجهل
قبيح، والعقل لا يجيز القبيح.
(2/687)

جوابه:
يجاب عنه بوجهين:
الوجه الأول: أن هذا الدليل مبني على قاعدة وهي: " التحسين
والتقبيح العقليين "، وهي صحيحة عند المعتزلة؛ حيث زعموا أن
إحالة الأحكام على ما يجوز كذبه قبيح، وأن اللَّه لا بد أن يفعل
كذا؛ لأنه حسن، وهذه القاعدة باطلة عندنا.
الوجه الثاني: لا نسلِّم أن العمل بخبر الواحد هو عمل بالشك
المؤدي إلى الجهل، بل إن العمل بخبر الواحد عمل بالظن؛ حيث
إن خبر الواحد يحتمل الصدق، ويحتمل الكذب، ولكن احتماله
للصدق أرجح، والظن غير الشك؛ لأن الظن هو ترجيح أحد
الطرفين، والشك هو تساويهما، وأيضاً: الظن يجب العمل به،
أما الشك فلا يعمل به.
ثم إننا لا نعمل بظن كل أحد، بل إننا لا نعمل إلا بظن المجتهد
الذي بلغ درجة الاجتهاد، أما من لم يبلغ ذلك فلا يعمل بظنه مهما
كان.
اعتراض على ذلك:
اعترض معترض قائلاً: إن الظن - أيضاً - لا يعمل به؛ لوجود
احتمال كذبه.
جوابه:
فإنا نجيب عن ذلك: بأن هناك أموراً كثيرة قد أفادت الظن، ومع
ذلك قد تعبدنا اللَّه بأحكامها وعمل بها منها: أنه يجب العمل
بالشهادة مع أنها تفيد الظن ط ومنها: أنه يجب العمل بالفتوى مع
أن المفتي واحد، ولم يفد إلا الظن، ومنها: أنه إذا اشتبهت عليه
القِبْلة في سفر وحضرت الصلاة: فإنه يجتهد في اتجاه القِبْلة ويصلي،
(2/688)

وهذا كله ظني، فإذا كان الأمر كذلك في هذه الصور، فما المانع
من التعبد بخبر الواحد وإن كان لا يفيد إلا الظن.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة لفظي؛ إذ لا يترتب عليه عمل.
***
المسألة الرابعة: حكم التعبد بخبر الواحد سمعا والعمل به:
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز التعبد بخبر الواحد سمعا والعمل به.
وهو مذهب جمهور العلماء.
وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: إجماع الصحابي السكوتي، بيان ذلك:
أنه ثبت في وقائع وحوادث - لا يمكن حصرها - قد اشتهرت
ونقلت عن الصحابة - رضوان اللَّه عليهم - أنهم عملوا بخبر الواحد
بدون نكير، مما يدل على إجماعهم على ذلك.
وكل واقعة لم تتواتر، ولكن بمجموع تلك الوقائع والحوادث قد
حصل لنا العلم بأنهم اتفقوا على العمل به، وإليك بعضا منها:
1 - أن المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة قد شهدا عند أبي بكر
- رضي اللَّه عنهم - أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أعطى الجدة السدس فقبل منهما وعمل به، مع أن ذلك لم يبلغ حد التواتر.
2 - أن حمل بن مالك قال: " كنت بين امرأتين فضربت
إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في
(2/689)

جنينها بغرة عبد أو أَمَة، وأن تقتل "، فلما سمع ذلك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وكان يسأل عن إملاص المرأة - قبل منه وقال: " اللَّه أكبر
لو لم أسمع بهذا لقضينا بغيره "، فقبل منه هذا الخبر وعمل به مع
أنه خبر واحد.
3 - أن عمر بن الخطاب - رضي اللَّه عنه - كان يقول: الدية
للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئاً، فقال له الضحاك بن
سفيان الكلابي: كتب إليّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها أشيم فقبل منه ذلك وعمل به مع أنه خبر واحد.
4 - أن عمر كان لا يأخذ الجزية من المجوس حتى حدَّثه عبد الرحمن بن عوف أن رسول اللّ - صلى الله عليه وسلم - قال: " سنوا بهم سُنَّة أهل
الكتاب "، فقبل عمر ذلك وعمل به وبدأ يأخذ من المجوس الجزية
مع أنه خبر واحد.
5 - أنه لما اختلف بعض المهاجرين والأنصار - رضي اللَّه عنهم -
في الذي يوجب الغسل سألوا عائشة - رضي اللَّه عنها - فقالت:
قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: "إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل "،
فقبل الصحابة وعملوا به مع أنه خبر واحد.
6 - أنه لما كان أهل قباء يصلون إذ جاءهم آت فقال: " إن رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - قد أنزل عليه الليلة وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة ".
فقبل هؤلاء خبر الواحد وعملوا به من غير نكير.
7 - أن ابن عباس - رضي اللَّه عنهما - كان يذهب إلى أن الربا
المحرم هو ربا النسيئة فقط، ثم حكي عنه أنه رجع، وذهب إلى
تحريم؛ كلٍّ من ربا النسيئة وربا الفضل، ولا يفرق بينهما أخذاً بخبر
(2/690)

أبي سعيد الخدري في الصرف وهو: أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض "
أي: لا تفضلوا، فأخذ بخبر الواحد وعمل به.
8 - قال ابن عمر - رضي اللَّه عنهما -: " كنا نخابر أربعين سنة
لا نرى بذلك بأساً حتى أخبرنا رافع بن خديج أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المخابرة "، فهنا قد أخذ بخبر الواحد وعمل به.
وغير ذلك من الأخبار مما لا يحصى، حيث رجعوا إلى عائشة،
وأم سلمة، وحفصة، وميمونة، وزيد، وأسامة، وأبي الدرداء،
وغيرهم من الرجال والنساء، والعبيد والموالي، مما يدل دلالة
واضحة على أن الصحابة كانوا يقبلون خبر الواحد ويعملون به.
وهذه الأخبار وإن لم تتواتر آحادها، إلا أنها بمجموعها أفادتنا
علماً يقينياً لا يقبل الشك: أن الصحابة كانوا يقبلون خبر الواحد
ويعملون به، ويتركون ما خالفه، دون نكير من أحد، إذ لو وجد
إنكار لبلغنا كما بلغتنا تلك الأخبار، مما يدل على إجماع الصحابة
على العمل بخبر الواحد.
الاعتراض على هذا الدليل:
أنه يحتمل أن الصحابة - رضي اللَّه عنهم - لم يعملوا بتلك الأخبار
الآحادية بمجردها، وإنما عملوا بها بسبب قرائن اقترنت بها، ونظراً
إلى هذا الاحتمال الذي تطرق إلى هذا الدليل، فإنه يبطل به الاستدلال.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن الصحابة - رضي اللَّه عنهم - قد عملوا بمجرد
خبر الواحد دون قرائن، دلَّ على ذلك أمران:
(2/691)

أولهما: أن بعض الصحابة قد صرح بأنه لم يعمل إلا بمجرد
الخبر فقط من ذلك:
(أ) أن عمر - رضي اللَّه عنه - قال في خبر حمل بن مالك في
إسقاط الجنين: " لو لم نسمع هذا لقضينا بغيره ".
(ب) أنه لما اختلف الصحابة في الغسل من الجنابة رجعوا إلى
قول عائشة بمفرده وهو: " إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل ".
(ب) قول ابن عمر - رضي اللَّه عنهما -: " كنا نخابر أربعين
سنة حتى أخبرنا رافع بن خديج أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نهى عنها ".
هذه النقول تدل على أنهم قد عملوا بمجرد خبر الواحد دون قرائن.
ثانيهما: أنه لو كان هناك قرائن اقترنت بالخبر بسببها عملوا بذلك
الخبر: لنقلت إلينا كما نقل الخبر، وبلغتنا كما بلغنا الخبر، فلما أنه
بلغنا الخبر، ولم يبلغنا شيء من القرائن دلَّ على أن الصحابة قد
عملوا بالخبر فقط، فأصبح كلامكم مجرد احتمال لا دليل عليه،
وما لا دليل عليه لا يلتفت إليه.
الجواب الثاني: أن قولكم: " إن الصحابة لم يعملوا بخبر
الواحد بمجرده، بل عملوا به بسبب قرينة أوجبت العمل به "، يلزم
منه أن الصحابة لم يعملوا بأي آية من الكتاب، أو أي حديث متواتر
إلا بسبب قرينة أوجبت العمل بهما، وأنه لو لم توجد هذه القرينة
لم يعملوا بالكتاب، ولا بالسُّنَّة المتواترة، وهذا باطل قطعاً،
لأمرين:
أولهما: أن الصحابة قد ثبت عنهم أنهم عملوا بظواهر الآيات
والأحاديث المتواترة بدون قرائن.
(2/692)

ثانيهما: أن تقدير قرينة في الآية والمتواتر يؤدي إلى إبطال أدلة
الشريعة عن العمل، وبالتالي يؤدي إلى تعطيل الشريعة كلها؟
حيث يلزم منه: أنه لا يعمل بأي دليل إلا بقرينة، إذن لا حاجة إلى
الأدلة؛ لأن العمل كان بسبب القرينة.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد شرط في التبين والتثبت: كون
المخبر فاسقاً، فبان من هذا أن خبر العدل يقبل بدون تثبت؛ لأنه لو
كانت حالة الفاسق والعدل سواء لم يكن لذكر الفسق معنى.
اعتراض على هذا الدليل:
أن هذه الآية نزلت في حالة خاصة، فلا تصلح للاستدلال بها
على إثبات قاعدة عامة وهي: " حجية خبر الواحد "، حيث إنها
نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط حينما بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - جابياً للزكاة، فعاد وأخبر أن الذين بعثه إليهم أرادوا قتله، فهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يغزوهم، فنزلت تلك الآية لتخبره أنه غير عدل.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذه الآية تصلح للاستدلال بها من وجهين:
الوجه الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قبل خبره لذلك هم بغزوهم لولا أن الوحي قد نبهه، فدل على أن خبر الواحد مقبول ويعمل به.
الوجه الثاني: أن الآية وإن كانت قد نزلت بسبب خاص فإنها
تصلح للاستدلال بها على إثبات ما نحن فيه؛ لأن اللفظ أعم من
سببه فلا يقتصر عليه؛ حيث إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص
السبب، كما سيأتي تفصيله في باب العموم.
(2/693)

الدليل الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبعث آحاد الصحابة إلى البلاد النائية ليعلمهم الأحكام الشرعية: مثل ما بعث مصعب بن عمير إلى المدينة، وعتاب بن أسيد إلى مكة، وعلياً ومعاذا إلى اليمن، وابن
حزم إلى نجران، وبعث سعاته لجباية الصدقات، وتعليم أرباب
الأموال ما يجب عليهم من الزكاة، فكان السامعين يقبلون ذلك بلا
تردد، فثبت أن خبرهم - وإن كانوا آحاداً - مقبول؛ إذ لو كان قول
الواحد غير مقبول لما بعثهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولما قبل السامعون لهم الأحكام التي جاءوا بها من النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا بعد التأكد والتثبت.
الدليل الرابع: قياس الرواية على الفتوى، بيان ذلك:
أن المفتي إذا أفتى شخصاً بحكم شرعي، فإنه يجب على المستفتي
أن يصدق ذلك المفتي ويعمل بفتواه، مع أن ذلك المفتي ربما يخبر عن
ظنه، فإذا كان الأمر كذلك في الفتوى فإنه إذا أخبر هذا المفتي بخبر
سمعه، فكذلك يجب قبول خبزه وتصديقه، ولا فرق بينهما،
والجامع: أن كلًّا منهما يجوز عليه الغلط، أي: يجوز الغلط على
المفتي كما يجوز على الراوي، بل الغلط على المفتي أقرب منه على
الراوي " لأن الفتوى لا تجوز إلا إذا سمع المفتي دليل ذلك الحكم،
وعرف كيفية الاستدلال به، وذلك دقيق، أما الرواية فلا تحتاج إلا
إلى السماع، فثبت أنه إذا كانت الفتوى مقبولة من الواحد، فمن
باب أوْلى أن تكون الرواية مقبولة.
ما اعترض به على هذا الدليل:
الاعتراض الأول: أن هذا الدليل مبني على القياس، والقياس لا
يفيد إلا الظن، والظن لا يثبت به أصل حجية خبر الواحد والعمل
(2/694)

جوابه:
يجاب عنه بأن:
قياس الرواية على الفتوى قياس يفيد القطع؛ لأن الفرع - وهي
الرواية - أَوْلى بالحكم من الأصل - وهي الفتوى - أي: أنه إذا
كانت الفتوى مقبولة وهي من واحد، فمن باب أوْلى أن يقبل الخبر
إذا رواه واحد؛ لأن الغلط في الفتوى أقرب من الغلط في الرواية
كما قلنا سابقاً.
وإذا لم يسلم أنه قياس أولى، فإنه قياس مساوي، أي: أن الفرع
مساوي للأصل ولا فرق بينهما؛ حيث إنه لا فرق بين المفتي الذي
يخبر عن ظن نفسه، والراوي الذي يروي عن قول غيره.
فإذا كان القياس أولى، أو مساوياً، فإنه يكون قطعيا، وإذا كان
قطعياً فإنه تثبت به قاعدة أصولية كحجية خبر الواحد.
الاعتراض الثاني: أن قياسكم الرواية على الفتوى قياس فاسد؟
لأنه قياس مع الفارق؛ ووجه الفرق بين الرواية والفتوى هو: أن
العمل بالفتوى ضروري؛ لأن تكليف العامي الاجتهاد في كل حادثة
لا يمكن، فاضطر إلى تقليد المفتي، أما العمل بخبر الواحد فغير
ضروري؛ لأنا إن وجدنا في المسألة دليلاً قاطعاً عملنا به، وإن لم
نجد عملنا بالبراءة الأصلية.
جوابه:
يجاب عنه: بأن قياسنا الرواية على الفتوى قياس صحيح؛ لأن
العمل بالفتوى غير ضروري مثل العمل بخبر الواحد ولا فرق؟
فالعامي - أيضاً - يرجع إلى البراءة الأصلية، ويستصحب حال الحكم
السابق الذي يعرفه إذا لم يجد مفتياً، أو وجد ولكن لم يثق به.
(2/695)

الدليل الخامس: قياس الرواية على الشهادة، بيان ذلك:
إذا وجب العمل بشهادة الشاهدين العدلين، فيجب العمل بخبر
العدلين عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولا فرق بينهما، والجامع: أن كلًّا منهما يفيد الظن.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز التعثد بخبر الواحد سمعا، أي:
لا يجوز العمل بخبر الواحد.
نسب ذلك إلى محمد بن داود الظاهري، ومحمد بن إسحاق
القاساني الظاهري، وبعض الرافضة.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قوله تعالى: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) .
وجه الدلالة: أن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن، وقد نهانا الله
تعالى عن اتباع الظن؛ لأنه لا يغني عن الحق شيئاً.
جوابه:
يجاب عنه: بأن اللَّه قد ذم من اتبع مجرد ظنه من غير دليل،
ونحن لا نتبع خبر الواحد بالظن، بل بالدليل الموجب للعلم.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) ،
وقوله: (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) .
وجه الدلالة: أن العمل بخبر الواحد اقتضاء لما لا نعلم، وقول
بما لا نعلم؛ لأنه موقوف على الظن.
جوابه:
يجاب عنه: بأنا لم نتبع خبر الواحد ونعمل به إلا بعد أن ثبتت
(2/696)

الأدلة الدالة على وجوب العمل به، وهي الأدلة الخمسة السابقة،
وكذلك لم نقل إلا ما علمناه.
الدليل الثالث: أن المخبر الواحد يجوز أن يكذب، أو يغلط،
فإذا كان الأمر كذلك فلا يجوز العمل بخبره.
جوابه:
يجاب عنه بأنه إذا كان ما ذكرتموه هو عِلَّة عدم العمل بخبر
الواحد، فإنه يلزم منه عدم قبول خبر الشاهدين في الحقوق، وعدم
قبول فتوى المفتي، وعدم قبول رسول المفتي، وعدم قبول قول
الطبيب في المرض، وعدم قبول الخبر عن الطريق؛ لأنه يجوز
عليهم الكذب والغلط، وهذا غير صحيح؛ لأنا عملنا بتلك الأخبار
ويجب العمل بها، فإذا عملنا بها مع جواز الكذب والغلط، فإنه
يجوز العمل بخبر الواحد ولا فرق.
الدليل الرابع: أن من ادَّعى أنه نبي، وخوَّفنا من مخالفته، لا
يلزمنا قبول قوله من غير حُجَّة، فكذلك من أخبرنا بأحكام الشرع
بخبر الواحد لا نقبله ولا فرق.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق من
وجهين:
الوجه الأول: أنه لم يدل دليل واحد على قبول مدعي النبوة،
بخلاف خبر الواحد فقد دلَّت أدلة كثيرة على قبول قوله والعمل به.
الوجه الثاني: أن النبوة من الرياسات العظيمة التي تحبها النفوس،
ويحمل عليها حب التعظيم، فلا يقبل قول المدعي لها بغير دليل،
(2/697)

يؤيد ذلك أنا لا نقبل قول من ادَّعى مالاً لنفسه من غير دليل، وتقبل
شهادته لغيره، أما المخبر بخبر واحد فهو لا يضيف إلى نفسه شيئاً،
وإنما ينقله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيقبل.
الدليل الخامس: أنه لا طريق لقبول شيء والعمل به إلا طريق
الشرع، ونحن لما استقرأنا الشرع وتتبعناه لم نجد أي دليل منه يدل
على قبول خبر الواحد، ولو كان قبول خبر الواحد جائزاً لوجدنا
ذلك في الشرع كما وجدنا الدليل على قبول الشاهدين في الحقوق،
وهو قوله تعالى: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) ، ووجدنا
الدليل على قبول قول المفتي، وهو قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) .
جوابه:
يجاب عنه: بأنا لا نُسَلِّمُ لكم ذلك، بل لما تتبعنا الشرع وجدنا
أدلة كثيرة دلَّت دلالة واضحة على قبول خبر الواحد، وهي الأدلة
الخمسة السابقة التي ذكرناها.
المسألة الخامسة: هل يشترط لقبول الخبر أن يرويه اثنان؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين هما:
المذهب الأول: أنه لا يشترط ذلك، بل يقبل الخبر وإن كان راويه
واحداً.
وهو مذهب الجمهور.
وهو الحق: لما سبق من الأدلة على قبول خبر الواحد فقط؟
حيث إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبعث آحاد الصحابة إلى القبائل والبلدان
(2/698)

النائية للإخبار عن الأحكام الشرعية والناسخ والمنسوخ، وكان
الصحابة - رضي اللَّه عنهم - وغيرهم يقبلون خبر الواحد منهم
ويعملون به، كما قبلوا خبر عبد الرحمن بن عوف في المجوس،
وخبر عائشة في الغسل، وخبر رافع بن خديج في المخابرة.
المذهب الثاني. أنه يشترط لقبول الخبر أن يرويه عدلان عن النبي
- صلى الله عليه وسلم -، ثم يرويه عن كل واحد منهما اثنان عدلان، أما إذا رواه واحد لم يجز العمل به إلا بأحد شروط، منها: أن يعضده ظاهر، أو
عمل بعض الصحابة، أو اجتهاد، أو يكون منتشراً.
ذهب إلى ذلك أبو علي الجبائي.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قياس الرواية على الشهادة، بيانه:
أن الشهادة لا يقبل فيها إلا قول اثنين، فكذلك الرواية ينبغي أن لا
يقبل فيها إلا رواية اثنين ولا فرق، والجامع: أن كلًّا منهما إخبار
عن الغير، فالشهادة هي شهادة على الغير، والرواية هي رواية عن
الغير، وهناك جامع آخر وهو: أن كلًّا منهما يعمل به، فإذا اتفقت
الرواية مع الشهادة في هذين الأمرين وهما: " الإخبار عن الغير "
و" جواز العمل بهما "، فلماذا يفرق بينهما في العدد، بحيث
يشترط العدد في الشهادة دون الرواية؟!
فثبت أن الرواية مثل الشهادة في اشتراط العدد ولا فرق.
جوابه.
يجاب عنه: بأن قياس الرواية على الشهادة قياس فاسد؛ لأنه
قياس مع الفارق؛ حيث إن الرواية تفارق الشهادة من وجوه:
(2/699)

أولها: أن الشهادة إخبار بلفظ خاص عن خاص علمه مختص
بمعين يمكن الترافع فيه عند الحكام، أما الرواية فهو إخبار عن أمر
عام لا يختص بشخص معين من الأُمَّة، فلا ترافع فيه عند الحكام.
ثانيها: أن الشهادة لا تقبل من النساء إلا إذا كان معهن رجل إلا
ما خصصه الشارع، أما الرواية فإنها تقبل من النساء فقبلت من
عائشة، وحفصة، وأم سلمة، وغيرهن.
ثالثها: أنه لا تسمع شهادة الفرع مع القدرة على شهادة الأصل،
أما الرواية فبخلاف ذلك: فقد كان الصحابة يروي بعضهم عن بعض
مع القدرة على مراجعة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولهذا كان يلزمهم قبول أقوال وروايات آحاد رسله وسعاته من غير مراجعة.
الدليل الثاني: أن - صلى الله عليه وسلم - لم يقبل قول ذي اليدين في الصلاة حتى قال لأبي بكر وعمر: " أحق ما يقول ذو اليدين؛ " فقالا:
نعم، وهذا واضح.
جوابه:
يجاب عنه: أنه لم يقبل قول واحد في السهو؛ لأن هذا القول
مساو لظنه، فليس أحدهما بأوْلى من الآخر، فأراد أن توجد قرينة
ترجِّح قول ذلك الواحد، فلما شهد معه أبو بكر وعمر قبل قول
الواحد؛ لأنه صار أقوى من ظنه.
الدليل الثالث: أن أبا بكر - رضي اللَّه عنه - لم يقبل قول المغيرة
ابن شعبة في ميراث الجدة حتى شهد معه محمد بن مسلمة، وأن
عمر - رضي اللَّه عنه - لم يقبل خبر أبي موسى في الاستئذان حتى
شهد معه أبو سعيد الخدري، فهذا يدل على أنه لا يقبل خبر الواحد
فقط وإن كان ثقة.
(2/700)

جوابه:
يجاب عنه: بأننا نقبل خبر الواحد إذا غلب على ظننا أن الراوي
قد توفرتْ فيه شروط الرواية، أما إذا لم يغلب على ظننا ذلك فلا
يقبل، بل لا بد من التأكد والاستظهار، وهنا ربما أن أبا بكر وعمر
لم يغلب على ظنهما أن أبا موسى والمغيرة قد توفرت فيهما شروط
الراوي، فطلبا من يشهد معهما للتأكد وللاستظهار، ولهذا إذا لم
يتقوى في قلب الحاكم قول الشاهدين فإنه يجب عليه أن يلتمس
شاهداً ثالثاً.
***
المسألة السادسة: هل يشترط في الرواية في الزنا أربعة رواة؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن الرواية في الزنا لا يشترط فيها أن يكون الرواة
أربعة، بل يكفي واحد كغير الرواية في الزنا ولا فرق.
ذهب إلى ذلك الجمهور.
وهو الحق؛ لعموم أدلة قبول خبر الواحد السابقة الذكر وهي:
إجماع الصحابة، وبعث - صلى الله عليه وسلم - آحاد الصحابة إلى البلدان النائية، وقياس الرواية على الفتوى وغيرها، حيث دلَّت على أن خبر الواحد
الثقة يقبل مطلقاً سواء في الزنا أو في غيره.
المذهب الثاني: أن الرواية في الزنا يشترط فيها كون الرواة أربعة،
أى: أنه لا يقبل في الزنا إلا خبر أربعة.
ذهب إلى ذلك أبو علي الجبائي.
(2/701)

دليل هذا المذهب:
استدل على ذلك بقياس الرواية في الزنا على الشهادة فيه، بيانه:
أنه كما يشترط في الشهادة في الزنا أربعة شهود، فكذلك يشترط
في الرواية فيه أربعة رواة ولا فرق، والجامع: أن كلًّا منهما ينبغي
الاحتراز والحذر منه، وأن الخطأ والغلط فيهما أعظم من غيرهما.
جوابه:
يجاب عنه بأن قياس الرواية على الشهادة قياس فاسد، لأنه قياس
مع الفارق، حيث إن الشهادة تفارق الرواية من وجوه ذكرنا ثلاثة
منها في المسألة السابقة، ونزيد هنا أمراً رابعاً وهو: أن الشهادة ينبغي
أن يحتاط فيها، لذلك اشترط العلماء فيها العدد بخلاف الرواية.
المسألة السابعة: في حقيقة الصحابي، وطرق معرفته، وثبوت
عدالته:
ويتبين ذلك فيما يلي:
أولاً: حقيقة الصحابي:
أقرب تعريفات الصحابي إلى الصحة هو: من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - مؤمناً به، واختص به اختصاص المصحوب، متبعاً إياه مدة يثبت
معها إطلاق صاحب عليه عرفا بلا تحديد لمقدار تلك الصحبة، سواء
روى عنه أو لم يرو عنه.
وهذا هو تعريف جمهور الأصوليين وأكثر العلماء، وقد صوَّبته،
لأنَّ شهود التنزيل، والاطلاع على أسباب ورود الأحكام، ومعرفة
(2/702)

التأويل، ومقاصد الشريعة لا يمكن إلا باختصاص مصاحبة، وكثرة
مجالسة.
وهناك تعريفات أخرى للصحابي لعلي أشير إليها هنا فأقول:
قيل: إن الصحابي هو: من أدرك زمن - صلى الله عليه وسلم - مؤمنا به وإن لم يره.
وقيل: هو: من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو ساعة من نهار وهو مسلم عاقل بالغ.
وقيل: هو: من صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - سنة أو سنتين، أو غزا معه غزوة أو غزوتين.
وقيل: هو: من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - مؤمناً به، وصاحبه ولو ساعة سواء روى عنه، أو لم يرو عنه، وسواء اختص به اختصاص
المصحوب أو لم يختص به.
وقيل: هو: من صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - وطالت صحبته، ولازمه، وأخذ عنه العلم، وروى عنه.
وقيل: هو: من صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - مدة قدرها ستة أشهر فصاعداً.
وهذه التعريفات للصحابي قد ذكرتها، ناسباً كل تعريف إلى قائله
ذاكراً دليل كل قول، وقد اعترضت على تلك التعريفات وبيَّنت
أسباب اختياري للتعريف الأول الذي صحَّحته وذلك في كتابي
"مخالفة الصحابي للحديث النبوي الشريف دراسة نظرية تطبيقية "
فارجع إليه إن شئت فهو مطبوع متداول، ولا داعي لأن أكرر ما
ذكرناه هناك في هذا المقام.
(2/703)

بيان ثمرة الخلاف في تعريف الصحابي:
إن الخلاف في تعريف الصحابي له ثمرة، حيث إنه من دخل
ضمن الصحابة - باعتبار كل قول من الأقوال السابقة - فإنه تثبت له
أمور وصفات هي كما يلي:
1 - ثبوت عدالته، فلا يحتاج إلى تزكية.
2 - تفسيق من سبه.
3 - قبول مراسيله.
4 - حجية قوله وفتواه وفعله عند كثير من العلماء.
5 - أنه إذا خالف الحديث النبوي الشريف، فإن مخالفته معتبرة،
ويسقط الاحتجاج بالحديث عند بعض العلماء.
وهذا الأمر الخامس هو الذي دعاني لتأليف كتابي السابق الذكر وهو:
" مخالفة الصحابي للحديث النبوي الشريف، دراسة نظرية تطبيقية".
أما من خرج من الصحابة - باعتبار كل قول من الأقوال السابقة -
فلا تكون تلك الصفات والميزات ثابتة له.
ثانيا: طرق معرفة الصحابي:
الطريق الأول: أن يخبر الشخص عن نفسه بأنه صحابي بأن
يقول: " أنا صحبت النبي - صلى الله عليه وسلم - "، فإذا قال ذلك العدل الثقة المعاصر للنبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه يكون صحابيا؛ لأنه ثقة عدل مقبول في ذلك كروايته، ولم يرد عن واحد من الصحابة رد قوله.
الاعتراض على هذا:
قال قائل: إن هذا الطريق لا يصلح لإثبات الصحبة؛ لأن قوله:
(2/704)

" أنا صحابي " يعتبر شهادة لنفسه، وشهادة الشخص لنفسه لا تقبل،
إذن لا يقبل قوله؛ لأنه متهم بتحصيل منصب الصحبة لنفسه.
جوابه:
يجاب عن ذلك: بأن هذا الشخص الذي قال: " أنا صحابي "
موصوف بالعدالة والثقة، في حين أنه معاصر للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فلذلك نرجح صدقه، وإذا ترجح صدق شخص، فيجب قبول قوله بأنه
صحابي كما وجب قبول روايته عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا فرق بجامع: عدم جواز الكذب في كليهما، وعلى هذا: تكون التهمة بعيدة.
الطريق الثاني: النقل المتواتر؛ حيث إن كثيراً من الصحابة قد
علمنا أنهم صحابة عن طريق التواتر كالخلفاء الأربعة، وزوجاته - صلى الله عليه وسلم - والمهاجرين والأنصار، ويشمل المشهورين كرواة الأحاديث،
والقادة، والقضاة الذين لم يحصل الاختلاف فيهم.
الطريق الثالث: أن يخبر الواحد ممن ثبتت صحبته: أن فلاناً من
الصحابة، فإذا أخبر بذلك يكون ذلك الشخص المخبر عنه صحابيا؛ الصحابي عدل، فيقبل ما يأتي به كروايته.
اعتراض على هذا:
قال قائل: إن هذا الطريق لا يصلح لإثبات الصحبة؛ لأن
الشخص لا تثبت له الصحبة بقول الواحد؛ حيث يترتب على قوله
ثبوت كل ما يأتي به من أحاديث، وإنما يثبت بما يوجب العلم
ضرورة أو اكتساباً.
جوابه:
يجاب عنه: بأن الصحابي قد ثبتت عدالته، ومن ثبتت عدالته
(2/705)

فإن كل ما يأتي به فهو مقبول من أقوال، وأخبار، فكما يقبل كل
خبر يأتي به، فكذلك يقبل خبره عن غيره بأنه صحابي ولا فرق:
بجامع: عدم جواز الكذب في كليهما.
الطريق الرابع: أن يقول المسلم الذي ثبتت عدالته: " كنت أنا
وفلان من الصحابة عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ".
الطريق الخامس: أن يقول المسلم الذي ثبتت عدالته: " دخلنا
على النبي - صلى الله عليه وسلم - ".
ثالثاً: ثبوت عدالة الصحابي:
الصحابة كلهم عدول، دلَّ على ذلك ما يلي:
الدليل الأول: قوله تعالى: (لقد رضى اللَّه عن المؤمنين) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد صرَّح - هنا - بأنه قد رضي عن
الصحابة، ومن رضي اللَّه عنه فقد اتصف بالعدالة، حيث إنه لا
يرضى عن الفاسق.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (والسابقون الأولون من المهاجرين
والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي اللَّه عنهم) .
وجه الدلالة كسابقه.
الدليل الثالث: ما رواه عمران بن الحصين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ".
وجه الدلالة: أنه وصف الصحابة بأنهم خير القرون، ولو لم
يكونوا عدولاً لما وصفهم بهذا الوصف - وهو الخيرية -؛ لأن
الفساق لا خير فيهم.
الدليل الرابع: ما رواه أبو سعيد الخدري: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
(2/706)

"لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أُحُد ذهباً ما بلغ مد
أحدهم ولا نصيفه ".
وجه الدلالة: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد نهى عن سب الصحابة وبين فضلهم، ولا يكون ذلك إلا لمن اتصف بالتقوى والمروءة، وهذه هي العدالة، فلو كانوا فساقاً أو واحداً منهم لما نهى عن سبهم جميعاً "
لأن الفساق لا خير فيهم.
اعتراض على ما سبق من الأدلة:
لقد اعترض بعضهم قائلاً: إن تلك النصوص من الكتاب والسُّنَّة
لم تصرح بعدالة الصحابة، وكل ما فيها بيان فضلهم - فقط -،
وبيان الفضل لا يدل على تعديلهم.
جوابه:
يجاب عنه: بأنه إذا كان التعديل يحصل بقول واحد أو اثنين من
الناس مع عدم عصمتهما، وعدم علمهما إلا ببعض الظواهر،
فكيف بتعديل علام الغيوب، وتعديل رسوله الكريم الذي لا ينطق
عن الهوى؟! لا شك أن تعديل علام الغيوب الذي لا يعزب عن
علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء مع استحالة الكذب عليه،
وتعديل رسوله المعصوم عن الخطأ والكذب: هو التعديل الحق الذي
يجب الأخذ به.
الدليل الخامس: أن عدالتهم ثبتت من العقل السليم، بيان ذلك:
أن تواتر واشتهار طاعتهم المطلقة لله ولرسوله، وبذل النفس
والنفيس، وقتالهم للآباء، والأبناء، والأقرباء، والأهل في سبيل
إعلاء كلمة اللَّه، واشتدادهم في أمور الدين بحيث لا تأخذهم في
(2/707)

الله لومة لائم، كل ذلك يقطع بالحكم بصلاحهم وأنهم آمنوا
وصدقوا باطناً وظاهراً، وكل ذلك قد نفى فسقهم، ومن انتفى
فسقه، وظفر صلاحه فهو العدل.
والمراد بعدالة الصحابة هو: ليس ثبوت العصمة لهم، واستحالة
المعصية، وإنما المراد بعدالتهم هو: قبول رواياتهم من غير تكلف في
أن يبحث عن أسباب العدالة وطلب التزكية، إلا من يثبت عليه
ارتكاب قادح، ولم يثبت والحمد لله، فنحن نستصحب ما كانوا
عليه في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - من التقوى والمروءة حتى يثبت خلافه.
ثمرة ذكر عدالة الصحابة:
إنه يتخرج عليه أنه إذا قال العدل في الإسناد: " عن رجل من
أصحاب رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ": كان حُجَّة، ولا تضر الجهالة به؛ نظراً لثبوت عدالتهم.
هذا هو الحق؛ لأن من توفرت فيه شروط الرواية التي ستأتي
وهي: - الإسلام، والتكليف، والضبط، والعدالة - إذا روى
خبراً فإنه يغلب عندنا ظن صدقه، فيكون خبره حُجَّة.
وذهب بعض العلماء - كأبي زيد الدبوسي - إلى أن العدل إذا
قال: " عن رجل من الصحابة " لا يكون حُجَّة إلا بأحد الشروط
التالية:
إما أن يعمل السلف بهذا الخبر الذي يرويه.
أو ينتشر الخبر بين السلف، ويسكتوا عن ردة.
فإن لم ينتشر فإن وافق القياس: عمل به، وإلا: فلا.
(2/708)

جوابه:
يجاب عن ذلك بأنا لو قلنا بأنه لا يقبل خبره إلا بأحد تلك
الشروط، فلا داعي لاشتراط العدالة في الراوي؛ ولكن إذا توفر
في الراوي هذا الشرط - وهو العدالة - قد كفانا عن البحث عما
يقوي الحديث.
***
المسألة الثامنة: في شروط الراوي غير الصحابي:
الراوي الصحابي يقبل خبره؛ لثبوت عدالته كما سبق بيان ذلك،
أما الراوي غير الصحابي فلا يقبل خبره إلا إذا توفر فيه شروط هي
كما يلي:
الشرط الأول: أن يكون الراوي مسلما.
فلا تقبل رواية الكافر في أمور الإسلام؛ لأن الكافر متهم بالدين
غير مؤتمن على أي خبر يخص الشريعة الإسلامية، فخصومته
للمسلمين وعداوته لهم في الدين يحمله على الكيد لهم والحرص
على التدليس والتلبيس عليهم في دينهم؛ لأنه إنما أبغضهم من أجله،
فهو لا يتحرج من الكذب على الرسول وتحريف دينه؛ ليبين للغير أن
هذا الدين الإسلامي أضعف وأقل شأنا مما هو عليه، لذلك ليس من
اللائق لمن عنده ولو ذرة من الحكمة والسياسة أن يقبل أيَّ شيء من
الكافر مما يخص الأحكام الشرعية.
الشرط الثاني: أن يكون الراوي بالغا.
وهو من احتلم، أو أنبت من قبل، أو بلغ خمسة عشر سنة، أو
جاء المرأة الحيض.
(2/709)

أما الصبي - مطلقاً - المميز أو غير المميز - فلا تقبل روايته؟
لأدلة ثلاثة هي كما يلي:
الأول: أن الصبي لا يعرف اللَّه تعالى، وإذا كان كذلك فلا
يخاف عقاب من لا يعرفه، ولا يرجو ثواب من يجهله، فيكون
الصبي لا رغبة له في الصدق، ولا يوجد شيء يجعله يتجنب
الكذب، فينتج عدم الثقة بخبره، فلا يقبل.
الثاني: أن الصبي إذا أقر بشيء على نفسه فإنه لا يقبل، فإذا كان
لا يقبل منه هذا مع أنه خاص بنفسه، فإنه من باب أوْلى أن لا يقبل
خبره عن غيره.
اعتراض على هذا:
لقد اعترض بعضهم قائلاً: إن هذا الدليل مبني على القياس،
وهو غير صحيح، وذلك لأن الأصل المقاس عليه لا نسلِّمه؛ حيث
إن الصبي يقبل إذا أخبر عن نفسه، فإنه إذا أخبر أنه متطهر: قبل
خبره، ويصح الاقتداء به في الصلاة.
جوابه:
يجاب عنه: بأنه لا يلزم من قبول قوله في التطهر: قبول روايته،
وذلك لأن الاحتياط والتحفظ في الرواية أشد منه في الاقتداء به في
الصلاة، ولهذا صح الاقتداء بالفاسق عند ظن طهارته، ولا تقبل
روايته وإن ظن صدقه.
الثالث: قياس الصبي على الفاسق، بيانه:
إذا كان الفاسق لأ تقبل روايته مع أنه يخاف اللَّه أحياناً، فمن باب
أَوْلى أن لا تقبل رواية الصبي؛ لأنه لا يخاف اللَّه تعالى في جميع
الأوقات؛ حيث لا يعرف اللَّه حتى يخافه.
(2/710)

الشرط التالث: أن يكون الراوي عاقلاً.
فلا تقبل رواية المجنون مطلقاً - أي سواء كان جنونه مطبقاً أو لا -.
واشترط كونه عاقلاً؛ لأمور ثلاثة هي:
الأول: ليعلم بهذا العقل ما ينقل كيف هو.
الثاني: ليميز بهذا العقل بين خبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وخبر غيره.
الثالث: ليعلم بهذا العقل قبح الكذب، وحسن الصدق.
الشرط الرابع: أن يكون الراوي عدلاً.
والعدالة هي: هيئة راسخة في النفس تحمل صاحبها على ملازمة
التقوى والمروءة، حتى تحصل ثقة النفس بصدقه، ويتحقق ذلك
باجتناب جميع الكبائر وهي: الإشراك بالله، وقتل النفس بغير حق،
وقذف المحصن، والزنا، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل
مال اليتيم، وعقوق الوالدين، والإلحاد بالبيت الحرام، والغيبة
والنميمة على الراجح، وشهادة الزور.
وباجتناب بعض الصغائر مما يدل فعله على نقص الدين وعدم
الترفع عن الكذب مثل: التطفيف بحبة، وسرقة لقمة، ونحو ذلك.
وباجتناب بعض المباحات التي يدل فعلها على نقص المروءة،
ودناءة الهمة مثل: الأكل في السوق، والإفراط في المزاح، والبول
في الشارع، وصحبة الأراذل، ونحو ذلك.
والضابط في ذلك: ظهور أمارة الصدق، وعدم ظهور أمارة
الكذب، وهذا يختلف باختلاف المجتهدين.
وعلى هذا لا تقبل رواية الفاسق، وقد أجمع العلماء على ذلك؟
لدليلين:
(2/711)

الدليل الأول: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد نهانا عن قبول ص الفاسق
والعمل به إلا بعد التثنت والتأكد من صحته، فلو كان خبر الفاسق
مقبولاً لما أمرنا بالتثبت عن خبره.
الدليل الثاني: أن الشخص إذا ثبت أنه فاسق، فإنه لا يتقي الله
ولا يخافه ولا يخشى عقابه، ولا يرجو ثوابه، - فهو - بهذا - لا
نستبعد عنه الكذب، فلا نثق بقوله وخبره، والخبر الذي لا نثق به لا
يقبل.
ولا بد من الكشف عن سبب التفسيق ليظهر إن كان يصلح سببا
لذلك أو لا، كما سيأتي بيان ذلك في الجرح والتعديل إن شاء اللَّه.
الشرط الخامس: أن يكون الراوي ضابطاً.
أي: أن يكون الراوي يحفظ الخبر بإتقان دون تغيير أو تبديل.
واشترط كونه ضابطاً لأنه إذا لم يضبط فإنه ينتج ما يلي:
الأول: أنه يغير لفظ الخبر ومعناه، فيتغير بسبب ذلك الحكم
الشرعي.
الثاني: أنه يسقط من الخبر ما يحتاج إليه للاستدلال به على حكم
من الأحكام.
الثالث: أنه يضيف إلى الخبر ما يفسد الاستدلال به.
فإذا كان كذلك فلا تحصل الثقة بقوله ولا بخبره، وإن توفرت فيه
الشروط السابقة وهي: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والعدالة.
ولا يشترط - هنا - القطع بضبطه وإتقانه لما حفظه، بل المشترط:
(2/712)

أن يكون ضبطه لما سمعه أرجح من عدم ضبطه، وذكره له أرجح من
سهوه وغفلته مما يحصل غلبة الظن بصدقه فيما يرويه.
أما إذا تساوى ضبطه مع عدمه، أو كان محدم ضبطه أرجح فلا
تكون روايته مقبولة، لعدم حصول الظن بصدقه.
أما إن جهل حاله في ذلك: فلا بد من اختباره وامتحانه.
المسألة التاسعة: شروط ظَنَّ بعضهم أنها تشترط في الراوي
وهي ليست كذلك:
لما ذكرنا الشروط المعتبرة في الراوي وهي: الإسلام، والتكليف،
والعدالة، والضبط: كان لا بد أن أذكر أن بعض العلماء ذكروا أشياء
ظنوا أنها تشترط وهي ليست كذلك، وفيما يلي بيانها:
أولاً: اشترط بعض أهل الحديث كون الراوي معروف ومشهور
النسب.
وهذا الشرط ليس بصحيح فيقبل خبر من توفرت فيه الشروط
الأربعة السابقة، سواء عرفنا نسبه أو لم نعرف ذلك.
دليل ذلك: أن العدالة هي السبب لعدم الكذب، وهي السبب
لغلبة الظن بالصدق، فإذا توفرت العدالة في الراوي مع الإسلام
والضبط والتكليف: غلب على ظننا أنه صادق، وبناء عليه تقبل
روايته، سواء علمنا نسبه أو لا، فليست معرفة النسب تفيد شيئاً،
فلذلك لا ينظر إلى وجودها ولا إلى عدمها.
ثانياً: اشترط بعض العلماء: كون الراوي فقيهاً مطلقاً.
وقال آخرون: يشترط فقه الراوي إذا خالف خبره القياس.
(2/713)

وهذا الشرط ليس بصحيح فيقبل خبر المسلم المكلف الضابط
العدل، سواء كان فقيهاً أو لا؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) .
وجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه أوجب أن نتبين في حالة الفسق،
وبناء عليه: لا يجب التبين في غير الفاسق سواء كان فقيهاً أو غير
فقيه.
الدليل الثاني: ما رواه زيد بن ثابت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " نضر اللَّه امرءاً سمع مقالتي فوعاها ثم أداها كما سمعها، فرب حامل فقه
غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ".
وجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا لمن سمع الحديث، وأداه كما سمعه دون تعديل ولا تبديل، سواء كان فقيهاً أو غير فقيه.
الدليل الثالث: أن الاعتماد على خبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإذا أخبرنا العدل بذلك، فإن الظاهر منه أنه لا يروي إلا ما ثبت عنده على
الوجه الذي سمعه، وخبر العدل يفيد الصدقَ، فوجب العمل به؛ العمل بالظن ؤاجب، وهذا مطلقاً سواء كان هذا الراوي العدل
فقيهاً أو لا.
ثالثاً: اشترط بعضهم في الراوي: كثرة مجالسته للعلماء.
وهذا الشرط ليس بصحيح؛ لأن بعض الصحابة - رضي الله
عنهم - قد قبلوا رواية بعض الأعراب، والأعرابي - بحكم كثرة
تنقله وترحاله - لا يجالس العلماء، فلم يفرقوا بين الراوي المكثر
لمجالسة العلماء وبين غيره إذا توفرت فيه شروط الراوي السابقة
الذكر.
(2/714)

رابعاً: اشترط بعضهم في الراوي: كثرة روايته للأحاديث.
وهذا الشرط ليس بصحيح؛ لأن بعض الصحابة - رضي الله
عنهم - قد قبلوا خبر الأعرابي الذي لا يروي إلا حديثاً واحداً
- فقط - فلم يفرقوا بين من يروي حديثاً واحداً، وبين من يروي
الأحاديث الكثيرة إذا توفرت فيه شروط الراوي السابقة الذكر.
خامساً: اشترط بعضهم في الراوي: أن يكون الراوي مشاهداً
حال السماع منه.
وهذا الشرط ليس بصحيح؛ فتقبل الرواية بشرط أن تتوفر شروط
الراوي السابقة - وهي: الإسلام، والتكليف، والعدالة،
والضبط - وله آلة الأداء، وهذا مطلقاً أي: سواء رأى المخبر أو لم
يره بشرط معرفته لصوته.
دليل ذلك: إجماع الصحابة على قبول رواية عائشة - رضي الله
عنها - فقد كانوا يسمعون حديثها وخبرها من ستر؛ اعتماداً على
صوتها، بدون رؤية شخصها، فهم في تلك الحالة كالعميان بالنسبة
لعائشة.
سادساً: اشترط بعضهم: كون الراوي عالماً باللغة العربية.
وهذا الشرط ليس بصحيح، فيقبل خبر من توفرت فيه الشروط
السابقة مطلقاً، سواء كان عارفاً باللغة العربية أو لا.
دليل ذلك أن جهله بمعنى الكلام لا يمنع من ضبطه للحديث،
ولهذا يمكنه حفظ القرآن الكريم وإن لم يعرف معناه.
سابعاً: اشترط بعضهم: أن يكون الراوي ذكراً.
وهذا الشرط ليس بصحيح، فتقبل رواية كل من توفرت فيه
(2/715)

الشروط السابقة - الإسلام، والتكليف، والعدالة، والضبط -
سواء كان ذكراً، أو أنثى، أو خنثى بدون فرق.
دل على ذلك الأدلة التالية:
الدليل الأول: الوقوع، حيث إن الصحابة - رضي اللَّه عنهم -
قد قبلوا أخبار وأقوال عائشة، وحفصة، وأم سلمة - رضي الله
عنهن أجمعين - ولم ينكر ذلك أحد، إذ لو وقع الإنكار لبلغنا،
ولم يبلغنا شيء من ذلك، فصار إجماعاً منهم على قبول روياتهن.
الدليل الثاني: أن النساء في الشهادة فوق الأعمى، وقد قبلت
رواية الأعمى، فالمرأة أَوْلى.
الدليل الثالث: أنه لو كان نقص الأنوثة مانعاً للمرأة من قبول
روايتها لم يقبل قولها في الفتوى، ولكن قولها يقبل في الفتوى،
فيقبل خبرها في الرواية قياساً عليه.
ثامناً: اشتراط بعض العلماء عدم القرابة، وعدم العداوة، قياساً
على الشهادة.
وهذا الشرط ليس بصحيح، بل تجوز رواية الولد بما يعود منفعته
إلى والده، ويجوز العكس، ويجوز أن يروي خبراً يضر بعدوه،
وينفعه مطلقاً.
أي: لا يشترط في الرواية عدم القرابة بين الراوي وبين من ينفعه
مضمون الحديث الذي رواه، ولا تشترط في الرواية عدم العداوة بين
الراوي وبين من يضره مضمون الحديث الذي رواه، بل تقبل رواية
كل واحد إذا توفرت فيه شروط الراوي السابقة.
دليل ذلك: أن الرواية تختلف عن الشهادة، ووجه الاختلاف:
أن حكم الرواية عام، وأن الشهادة خاصة، بيان ذلك:
(2/716)

أن الحديث عام في حق الكل يلزم الراوي، والمروي له،
وغيرهما، فلا يختص بواحد معين، فالتهمة معدومة حتى تكون
العداوة، أو القرابة، أو الصداقة مؤثرة فيه بنفي أو إثبات، بخلاف
الشهادة، فإنها مختصة بالمشهود له أو عليه نفعا أو ضراً.
***
المسألة العاشرة: حكم رواية الكافر المتأوِّل:
الكافر الخارج عن الإسلام كاليهودي، والنصراني، لا تقبل
روايته، وقد سبق بيان ذلك:
أما الكافر المتأوِّل، وهو المسلم الذي فعل بدعة كفَّره بها أهل
السُّنَّة والجماعة، وهو يعلم بهذا التكفير أو لا يعلم، فهل هذا تقبل
روايته إذا توفرت فيه شروط الراوي؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: التفصيل بين من يدعو لبدعته، فلا يقبل خبره،
وبين من لم يدع إلى بدعته فيقبل.
ذهب إلى ذلك الإمام أحمد في رواية عنه، وكثير من العلماء.
وهو الحق عندي، فلا يقبل خبر من يدعو إلى بدعته؛ لأنه لا
يؤمن أن يضع حديثا يوافق تلك البدعة ويقويها، فأثر ذلك في صدقه.
ويقبل خبر من لا يدعو إلى بدعته - التي كفر بسببها -؛ لأن
الراوي الذي توفرت فيه شروط الرواية الذي أخطأ بتأويل: قد أمن
جانبه، وهذا يقوي الظن لصدقه، وإذا ثبت ذلك، فإن خبره
مقبول.
(2/717)

المذهب الثاني: أنه لا يقبل خبر الكافر المتأوِّل مطلقاً أي: سواء
كان داعية أو لا.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن علماء الأُمَّة قد أجمعت
على ردِّ خبر الكافر، ولا فرق بين كافر وكافر، فإن الكافر الذي لم
يؤمن بنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - كاليهودي والنصراني أيضاً متأوِّل، فهو لا يعلم أنه كافر، بل يزعم أنه هو الذي على حق وغيره على باطل،
وأما الذي ليس بمتأول وهو: المعاند بلسانه بعد معرفته للحق بقلبه،
فذلك مما يندر وجوده.
وتورع الكافر المتأول عن الكذب كتورع النصراني واليهودي بلا
فرق، فلا يقبل أي خبر يأتي به أي واحد منهما.
جوابه:
يجاب عنه: بأن العلماء قد أجمعوا على ردِّ خبر من كفر لا
بتأويل، بل ابتغى غير الإسلام ديناً، أما المتمسك بالإسلام، ولكن
فعل بدعة كُفِّر من أجلها - فقط - وثبت أنه لا يدعو إلى بدعته ولا
ينشرها، وتوفرت فيه شروط الراوي السابقة، فإن هذا معظم للدين
الإسلامي، ممتنع عن المعصية، فهذا يؤمن جانبه، وإذا أمن جانبه
ترجح صدقه، وإذا ترجح صدقه قبل خبره فيما لا. يخص بدعته.
فبان أن هذا يفارق الكافر بنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - كاليهودي والنصراني؛ حيث إن هذا يحتقر الدين الإسلامي ويعتقد بطلانه، فالحكمة
والسياسة تمنع قبول أي شيء منه، كما بيَّنا فيما سبق.
(2/718)

المسألة الحادية عشرة: حكم رواية الفاسق المتأوِّل:
لقد سبق بيان أن الفاسق بعمل الجوارح لا تقبل روايته،
أما الفاسق المتأول، وهو الذي فعل بدعة فسِّق بسببها، وقد يعلم بذلك
التفسيق، وقد لا يعلم، فهل هذا تقبل روايته إذا توفرت فيه شروط
الراوي؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: التفصيل بين من يدعو إلى بدعته فلا يقبل، وبين
من لا يدعو إلى بدعته فيقبل.
ذهب إلى ذلك أكثر العلماء.
وهو الحق، فلا يُقبل خبر من يدعو إلى بدعته، لأنه لا يؤمن أن
يضع خبراً يوافق تلك البدعة، فأثرت تلك الريبة في صدقه،
فترجح عدم صدقه، فلا يقبل ما يأتي به من الأخبار.
ويُقبل خبر من لا يدعو إلى بدعته - التي فسِّق بسببها -؛ لأمرين:
أولهما: أن الراوي الذي توفرت فيه شروط الراوي الذي أخطأ
بتأويل، إذا كان لا يجوِّز الكذب، وهو يعتقد أنه على حق قد أمن
جانبه، وهذا يقوي الظن بصدقه فيقبل خبره.
ثانيهما: أن السلف من الصحابة والتابعين وقع بينهم اختلاف في
كثير من المسائل، وكل واحد يعتقد أنه على حق وغيره على خطأ،
ومع ذلك قبل بعضهم أخبار بعض.
المذهب الثاني: أن الفاسق المتأول لا يقبل خبره مطلقاً.
(2/719)

ذهب إلى ذلك الإمام مالك، والباقلاني، والآمدي، وكثير من
المعتزلة.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقياس الفاسق المتأول على الفاسق
غير المتأول، وهو الفاسق بأفعال الجوارح، بيانه:
أنه لا فرق بين فسق وفسق، فإن خبر من فسَق بأفعال الجوارح قد
رُدَّ لأجل الفسق، وقد وجد سبب الرد هذا في الفسق في الاعتقاد.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا القياس فاسد، لأنه قياس مع الفارق،
ووجه الفرق: أنا لم نقبل خبر من فسق بأفعال الجوارح " لأن هذا
الفاسق يفعل المعصية، وهو يعلم أنه فسق بسببها، ومن يفعل ذلك،
فإنه يوصف بالاستهتار وعدم المبالاة في الدين، وهذا لا يؤمن أن
يقدم على الكذب، فأثر ذلك في قوة الظن بصدقه.
أما الفاسق المتأول، فإنه أوَّل ما هو عليه من بدعة وهو يظن أنه
على حق، في حين أنه لا يجوِّز الكذب، فلهذا قوي الظن بصدقه،
فقبل خبره.
المسألة الثانية عشرة: إذا سمع الصبي الخبر، وأدَّاه بعد البلوغ
فهل يقبل؟
لقد سبق بيان أن الصبي إذا سمع الخبر قبل البلوغ، وأدى ما
سمعه قبل البلوغ - أيضاً - فإنه لا يقبل خبره مطلقاً.
(2/720)

أما إذا سمع الخبر وهو صبي وتحمَّله قبل البلوغ، وكان مميزاً
ضابطاً لذلك الخبر، لكنه لم يؤده ولم يخبر به إلا بعد البلوغ
وظهور رشده في دينه، فإن خبره مقبول؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: إجماع الصحابة والسلف على قبول أخبار وروايات
أصاغر الصحابة - وهم الذين توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم لم يبلغوا - كابن عباس، والحسن، والحسين، وعبد اللَّه بن الزبير، وعبد اللَّه بن جعفر، والنعمان بن بشير، وأنس بن مالك، وعائشة أم المؤمنين،
وغيرهم من أحداث الصحابة - رضي اللَّه عنهم أجمعين - فقُبل منهم
كل خبر يروونه من غير تفريق بين ما تحملوه في حالة الصبا، وما
تحملوه بعد البلوغ.
الدليل الثاني: أن السلف والخلف قد درجوا على إحضار الصبيان
مجالس سماع الأحاديمث والأخبار، ولو كان خبر الصبي غير مقبول
إذا أداه وهو بالغ لما كان لإحضاره في هذه المجالس وهو صبي فائدة،
فثبت أن فائدة إحضارهم لصبيانهم - تلك المجالس هي: قبول تلك
الأخبار اِذا أدوها بعد البلوغ.
الدليل الثالث: قياس الرواية على الشهادة، بيان ذلك:
أنه مع أن العلماء يحترزون في الشهادة أكثر من الرواية، فقد
أجمعوا على أن ما تحمله الصبي من الشهادة قبل البلوغ إذا شهد به
بعد البلوغ، فإنه مقبول، فالرواية أَوْلى بالقبول، أي: إذا جاز أن
يتحمل الشهادة صبياً، ويشهد بها بعد البلوغ، فمن باب أَوْلى جواز
تحمل الرواية في حالة الصبا وأداءها بعد البلوغ؛ لأن الشهادة يحترز
منها أكثر من غيرها.
(2/721)

المسألة الثالثة عشرة: حكم رواية مجهول الحال في العدالة:
إذا روى لنا شخص حديثاً وهو مجهول الحال عندنا في الشروط
الثلاثة وهي: الإسلام، والتكليف، والضبط، أي: لا نعرف أنه
مسلم أو كافر، ولا نعلم عنه أنه مكلف أو غير مكلف، ولا نعلم
عنه أنه يضبط أو لا، فإن هذا لا نقبل حديثه ولا نعمل به.
أما إذا كنا نعلم أنه مسلم، ومكلَّف، وضابط، ولكننا لا نعلم
هل هو عدل أو فاسق؛ فقد اختلف العلماء في قبول خبره على
مذهبين:
المذهب الأول: أن خبر مجهول الحال في العدالة غير مقبول.
وهو مذهب الجمهور.
وهو الحق؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: قياس مجهول الحال في العدالة على مجهول الحال
في الإسلام والتكليف والضبط، بيان ذلك:
أننا إذا شككنا في الشخص هل هو مسلم أو لا، أو هل هو
مكلف أو لا، أو هل هو ضابط أو لا، فإن خبره لا يقبل بالاتفاق،
فكذلك إذا شككنا في الشخص هل هو عدل أو فاسق لا تقبل
روايته وخبره، ولا فرق، والجامع: أنه لم يثبت شرط قبول
الرواية، وإذا تخلف الشرط، فلا بد أن يتخلف المشروط، وهو
القبول كالطهارة في الصلاة إذا لم توجد الطهارة فإن الصلاة لا
تصح، كذلك هنا.
الدليل الثاني: أن هناك ثلاثة أشخاص: " عدل "، و " فاسق "
و" مجهول الحال "، أما العدل فقد ثبت أنه مقبول الرواية،
(2/722)

أما الفاسق فقد ثبت أنه غير مقبول الرواية، أما مجهول الحال - وهو
الذي لم نعرف عنه عدالة ولا فسقاً - فلم يثبت أنه عدل، ولم يثبت
أنه في معنى العدل حتى يقاس على العدل، فإذا كان مجهول الحال
ليس بعدل، ولا هو في معنى العدل، فقد انتفى فيه شرط من أهم
شروط الراوي، وهو: " العدالة "، وإذا انتفى الشرط فقد انتفى
المشروط - وهو قبول روايته - فثبت أنه غير مقبول الرواية.
الدليل الثالث: قياس مجهول العدالة في الرواية على مجهول
العدالة في الفتوى، بيان ذلك: أن المفتي إذا بلغ درجة الاجتهاد
وشُك في عدالته، أي: لا يعلم هل هو عدل أم فاسق؛ فإن هذا
الشك منع من قبول فتواه.
فكذلك الراوي الذي شك السامع في حاله، فلم تثبت عنده
عدالته ولا فسقه، يجب أن يكون هذا الشك مانعاً من قبول روايته
وخبره، والجامع: أن كلا منهما يحكي حكماً شرعياً يعمل به، إلا
أن المفتي يحكيه عن اجتهاد نفسه واستنتاجه من الأدلة المعتبرة،
والراوي يحكي ذلك الحكم عن غيره بصورة خبر.
الدليل الرابع: قياس مجهول العدالة في الرواية على مسألة
الشهادة على الشهادة، بيان ذلك:
أنه لا تقبل شهادة الفرع - وهو زيد مثلاً - إلا إذا عيَّن زيد شاهد
الأصل - وهو عمرو مثلاً - وعرَّفه إن كان الحاكم يجهل عمرو.
فهنا: يجب تعيين والتعريف بشاهد الأصل.
فلو كان قول مجهول الحال مقبولاً فلأي غرض وجب تعيين شاهد
الأصل والتعريف به؛
(2/723)

ولا جواب عن ذلك إلا أن يقال: لم يجب تعيين شاهد الأضل
إلا للتأكد من عدالته، فإن كان عدلاً قبلت شهادته، وإن كان فاسقاَ
أو مجهولاَ رُدَّت شهادته، وبناء عليه لا تقبل شهادة الفرع.
فكذلك مجهول العدالة في الرواية لا يقبل خبره حتى نتأكد من
عدالته قياساً على مجهول الحال في مسألة الشهادة على الشهادة.
المذهب الثاني: أن خبر مجهول الحال في العدالة يقبل.
ذهب إلى ذلك أكثر الحنفية، وبعض الشافعية كابن فورك،
وسليم الرازي.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن ابن عباس - رضي اللَّه عنهما - روى أن أعرابياَ
جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: رأيت الهلال قال: " أتشهد أن لا إله إلا اللَّه وأنَّ محمداً عبده ورسوله "؛ فقال: نعم، قال: " يا بلال،
أذن في الناس فليصوموا غداً ".
وجه الدلالة: أن - صلى الله عليه وسلم - قبل شهادة هذا الأعرابي في رؤية
هلال شهر رمضان، وهو لا يعرف عنه إلا كونه مسلماً، ولم يعلم
منه عدالة ولا فسقاً، فإذا قبل شهادته فمن باب أَوْلى أن يقبل خبره؟
نظراً لأنه يحترز بالشهادة أكثر من الرواية.
جوابه:
يجاب عنه بأنكم لم تثبتوا دليلاً على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قبل شهادة ذلك الأعرابي، وهو لا يعلم عن عدالته شيئاً، فقولكم هذا مجرد
دعوى لا دليل عليها.
(2/724)

بل إن الظاهر أن - صلى الله عليه وسلم - لم يقبل شهادته إلا لكونه عدلاً؟
لوجهين:
الوجه الأول: أن الصحابة كلهم عدول بتعديل اللَّه لهم، حيث
قال تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ) ، وبتعديل رسوله - صلى الله عليه وسلم -، حيث قال: " إن اللَّه اختارني واختار لي أصحاباً وأصهاراً "، ونحو ذلك من النصوص، وقد سبق بيان ذلك بالتفصيل.
فلذلك لا يشك بعدالة أي صحابي.
الوجه الثاني: أن زمن - صلى الله عليه وسلم - كانت الخيانات قليلة، والخبث والكذب نادراً، والقلوب صافية، فكان الظاهر من المسلمين
العدالة، فلذلك قبل شهادته، فأما في زماننا فقد كثرت فيه الخيانات
من المسلمين، فليس الظاهر من السلم كونه عدلاً.
وبذلك ثبت أن - صلى الله عليه وسلم - لم يقبل خبر مجهول الحال في العدالة، وإنما قبله؛ لأن ظاهره العدالة.
الدليل الثاني: اتفق الصحابة - رضي اللَّه عنهم - على قبول
روايات وأخبار العبيد، والنساء، والأعراب؛ مع أنه لا يعرف عنهم
إلا الإسلام فقط، ولم ينقل أن أحداً من الصحابة أنكر قول أو خبر
أيّ واحد من هؤلاء، فصار إجماعا سكوتيا.
جوابه:
يجاب عنهم بجوابين:
الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ هذا على إطلاقه، فإن الصحابة - رضي
الله عنهم - كانوا يقبلون رواية العبيد، والنساء، والأعراب الذين
كانوا يعرفونهم بالعدالة والضبط والثقة كزوجات النبي - صلى الله عليه وسلم -، وزوجات أصحابه، وإمائهم، وعبيدهم، وبعض الأعراب.
(2/725)

أما الذين لا يعرفون عنهم شيئاً، فقد ثبت أنهم لا يقبلون منهم
شيئاً من الأخبار، كما رد عمر بن الخطاب - رضي اللَّه عنه - خبر
فاطمة بنت قيس في السكنى والنفقة، وكما رد عليّ - رضي الله
عنه - خبر معقل بن سنان الأشجعي في المفوضة، وكان - أي:
عليّ بن أبي طالب - إذا روى له أحد خبراً يستحلفه إلا أبا بكر،
فإنه إذا حدَّثه لا يستحلفه لكونه عدلاً عنده.
الجواب الثاني: سلمنا أن الصحابة كانوا يقبلون روايات العبيد،
والنساء، والأعراب مطلقاً؛ وذلك لأن كل من عاش في عصر النبي
- صلى الله عليه وسلم - ورآه، وهو مؤمن به فهو صحابي، والصحابة كلهم عدول، فثبت أنه قبلت أخبارهم لكونهم عدولاً، لا لكونهم مجهولين.
الدليل الثالث: أن المسلم مجهول العدالة إذا أخبر بخبر يخص
أحكاماً شرعية معينة: فإنه يقبل خبره كأن يخبر بأن هذا الماء طاهر،
أو يخبر بأنه نجس، أو أخبر بأنه متطهر، أو أخبر بأن هذه الجارية
التي عرضها للبيع ملكه، وأنها خالية عن زوج، فإنه يقبل خبره في
تلك الحالات فيترتب على ذلك أحكام شرعية: فيجوز - بناء على
القبول - في الحالة الأولى: صحة الوضوء من الماء الذي أخبر بأنه
طاهر، ويجوز - في الحالة الثانية - اللجوء إلى التيمم وترك الماء
الذي أخبر بأنه نجس، ويجوز - في الحالة الثالثة - كونه إماماً لغيره
ويحل وطء الجارية التي أخبر أنها ملكه وأنها خالية عن زوج في
الحالة الرابعة.
فإذا قبلت منه هذه الأخبار السابقة في الأحكام الشرعية، فما
المانع من قبول قوله فيما يرويه عن غيره؛ إذ لا فرق بينهما،
والجامع: أن الكل يعمل به.
(2/726)

جوابه:
يجاب عنه: بأن قياس الرواية على ما ذكرتموه من الصور قياس
فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن الرواية عن النبي
- صلى الله عليه وسلم - أعلى رتبة، وأشرف منصباً، وأعم خطراً من الأخبار فيما ذكرتموه من الصور، فلا يلزم من القبول مع الجهل بحال الراوي
والمخبر فيما هو أدنى الرتبتين قبوله في أعلاهما.
المسألة الرابعة عشرة: في تعديل الراوي وتجريحه:
لقد بيَّنا فيما سبق أن العدالة من أهم شروط الراوي، وبيَّنا حقيقة
العدالة، وفي هذه المسألة سنبين حقيقة التعديل والتجريح، والأمور
التي يحصل بها التعديل، وهل يشترط العدد فيه، وحكم تعديل
العبد والمرأة، وذكر سبب التعديل والجرح، ونحو ذلك مما يتعلق
بالتعديل والتجريح فأقول:
أولاً: بيان حقيقة التعديل والتجريح:
التعديل هو: أن يوصف المسلم المكلَّف الضابط بملازمة التقوى
والمروءة، فينسب إليه فعل الخير والعفة، والتدين بفعل الواجبات،
وترك المحرمات، والشبهات، وكل شيء يجعلنا نحكم بأن هذا
الشخص يتحرى الصدق، ويتجنب الكذب مما يؤدي بنا إلى قبول
قوله شرعاً.
أما التجريح فهو ضد التعديل، أي: أن ينسب إلى ذلك
الشخص ما يرد لأجله قول من فعل معصية، أو ارتكاب ذنب،
ونحو ذلك مما يخل بالعدالة مما يجعلنا نظن ظناً غالبا بأن هذا
الشخص لا يتحرى الصدق.
(2/727)

ثانيا: الأمور التي يحصل بها تعديل الراوي هي كما يلي:
الأمر الأول: التعديل بالحكم بشهادته إذا علمنا أنه حكم بتلك
الشهادة.
فإذا حكم الحاكم العدل بشهادة الراوي فإنه يدل على أن هذا
الراوي عدل عنده.
وهذا الأمر هو أقوى الأمور التي يحصل بها تعديل الراوي، لذا
قدمناه على التزكية والتعديل بالقول؛ لأن الحكم بشهادته استلزم
القول وتضمنه، أما التعديل بالقول - وهو قوله: هو عدل رضي
كما سيأتي - فهو قول مجرد لم يتضمن الحكم بشهادته، فيكون
الحكم بشهادته قولاً وزيادة.
الأمر الثاني: التعديل بالقول، وهو على مراتب:
المرتبة الأولى: أن يقول المعدِّل: " عدل رضي " مع ذكر السبب.
المرتبة الثانية: أن يقول المعدِّل: " عدل رضي " مع عدم ذكر
السبب.
وهذه المرتبة - أعني الثانية - تتفاوت في القوة، فأعلاها قوة: أن
يكرر اللفظ فيقول: " هو عدل عدل "، أو " ثقة ثقة "، أو " ثقة
عدل "، أو " ثقة ثبت "، أو " ثقة حُجَّة "، أو " ثقة حافظ "،
أو " ثقة ضابط ".
وأدناها: أن يذكر اللفظ بدون تكرار فيقول: " هو عدل "، أو
"ثقة".
المرتبة الثالثة: أن يقول المعدِّل: " هو صدوق "، أو " مأمون "،
أو " خيار ".
(2/728)

المرتبة الرابعة: أن يقول المعدِّل: " محله الصدق "، أو " رووا
عنه "، أو " صالح الحديث "، أو " حسن الحديث "، أو " أرجو
أن ليس به بأس "، ونحو ذلك.
الأمر الثالث: أن يعمل العدل الثقة بخبر ذلك الشخص، فهذا
يعتبر تعديلاً لذلك الشخص بشرط: أن نعلم يقيناً أن العدل لم يعمل
إلا بخبر ذلك الشخص.
أي: أن نعلم أنه لا مستند للعمل إلا ذلك الخبر الذي رواه ذلك
الشخص، فهذا يعتبر تعديلاً لذلك الشخص، لأن عمله بخبر ذلك
الشخص يدل على ثبوت عدالة ذلك الشخص، فلو لم يدل على
ثبوت عدالته عند العامل - وهو الثقة العدل - للزم من ذلك أن
يكون ذلك العامل قد عمل بذلك الخبر بدون ثبوت عدالة المروي عنه
عنده، ولو ثبت ذلك - وهو: أنه عمل بذلك الخبر بدون ثبوت
عدالة المروي عنه عنده - لثبت فسق ذلك العامل؛ لأنه عمل بخبر
من لم تثبت عدالته عنده، وفي ذلك تلبيس وتدليس على الأُمَّة "
حيث إن عمله بذلك الخبر يوهم بعدالة المروي عنه، والحقيقة ليست
كذلك.
أما إذا انتفى الشرط بأن لم نعلم يقيناً - أن ذلك العدل الثقة لا مستند
له في العمل إلا ذلك الخبر، فإن العمل بذلك الخبر لا يكون تعديلاً
للمروي عنه؛ لاحتمال أن يكون قد عمل به احتياطاً، أو أنه عمل
بدليل آخر وافق روايته، وإذا تطرق الاحتمال يبطل الجزم.
هذا هو الحق.
وبعض العلماء لا يرى ذلك الشرط، فقال: إن عمل العدل الثقة
(2/729)

بخبر شخص يعتبر تعديلاً لذلك الشخص مطلقاً؛ لأنه لم يعمل
بذلك الخبر عند رواية الراوي له إلا لكون الراوي عنده عدلاً.
وبعض العلماء ذهبوا إلى أن عمل العدل الثقة بخبر شخص لا
يعتبر تعديلاً لذلك الشخص مطلقاً؛ لوجود الاحتمال.
والحق هو ما قلناه؛ لما ذكرنا من التعليل، وفيه الجواب عما ذكره
الآخرون.
ثالثاً: رواية العدل عن غيره هل تعتبر تعديلاً له؟
لقد اختلف العلماء على مذاهب:
المذهب الأول: أن رواية العدل عن غيره لا تعتبر تعديلاً لذلك
الغير مطلقاً.
ذهب إلى ذلك الماوردي، والروياني، وأبو الحسين القطان،
وصحَّحه ابن الصلاح، والقاضي أبو بكر، وابن حزم، والخطيب
البغدادي، وهو مذهب أكثر أهل الحديث وأكثر الشافعية والمالكية،
وهو رواية عن الإمام أحمد.
وهو الصحيح عندي؛ لأمرين:
أولهما: أن بعض الأئمة قد رووا عن العدل وغير العدل، وإذا
كان الأمر كذلك فقد وجد الاحتمال - وهو احتمال أن يكون عدلاً أو
غير عدل - وليس أحدهما أَوْلى من الآخر، فيجب التوقف فيه حتى
يأتي دليل وقرينة تبين عدالة المروي عنه.
ثانيهما: أنه قد يكون هذا الشخص عدلاً عند الراوي، وليس
عدلاً عند غيره، فيجب التأكد.
المذهب الثاني: أن رواية العدل عن غيره تعديل لذلك الغير مطلقاً.
(2/730)

ذهب إلى ذلك الإمام أحمد في رواية عنه، واختاره أبو يعلى في
" العدة "، وتلميذه أبو الخطاب في " التمهيد "، وهو مذهب بعض
الشافعية.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن العدل يتحرج أن يُحدِّث
عمن يعلم كذبه أو فسقه؛ لأن ذلك يفضي إلى الكذب على رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، فلما حدَّث عنه وروى عنه ظهر لنا أنه قد عرف عدالته.
جوابه.
يجاب عنه: بأن هذا المحدث عنه يجوز أن يكون عدلاً وعند غيره
ليس بعدل، أو مجهول الحال، وهو لا يجيز الرواية عن مجهول
الحال.
المذهب الثالث: التفصيل: بيانه:
إن عرفناً أدن من عادة هذا الراوي العدل الثقة أنه لا يروي إلا عن
عدل: إما بصريح قوله بأنه لا يروي إلا عن عدل، وإما لمعرفتنا من
مذهبه أنه لا يجوز الرواية إلا عن العدل: فإن روايته عن ذلك
الشخص تعتبر تعديلاً لذلك الشخص.
أما إذا عرفنا أن من عادة هذا العدل الثقة أنه يروي عن العدل،
وعن غير العدل، فلا تعتبر روايته تعديلاً للشخص المروي عنه.
ذهب إلى ذلك كثير من الشافعية كالغزالي، والرازي،
والآمدي، والهندي، وبعض المالكية كابن الحاجب، والمازري،
وبعض الحنفية كابن الهمام، وابن عبد الشكور، وبعض الحنابلة
كابن قدامة.
(2/731)

جوابه:
يجاب عن هذا بأن يقال: يجوز أن يكون هذا الشخص المروي
عنه عدلاً عند هذا الراوي، وليس عدلاً عند غيره، أو هو مجهول
الحال، وهو لا يجيز الرواية عن مجهول الحال.
رابعاً: الاستفاضة هل تعتبر في التعديل؟
إذا اشتهر شخص بين طائفة من الناس بالعدالة والثقة، وشاع
الثناء عليه بينهم فهل يعتبر ذلك تعديلاً له؟
الحق عندي: أن الاستفاضة لا تكون من الأمور التي يحصل بها
التعديل؛ لأن الشخص قد شاع عنه أنه عدل وثقة، وما أشاع ذلك
إلا أنصاره وأتباعه، ومن لهم فيه مصلحة، فإذا تحققنا من الأمر
ودققنا فيه بأن خلاف ذلك، لذلك يقتصر في التعديل على الأمور
الثلاثة التي يحصل التعديل بها وقد سبقت؛ لما فيها من الاحتياط.
وذهب بعض العلماء: إلى أن الاستفاضة تعتبر في التعديل.
نسب هذا إلى القاضي أبي بكر الباقلاني، وقال ابن الصلاح:
هذا هو الصحيح من مذهب الشافعي.
دليل هذا: أن العلم بذلك من الاستفاضة أقوى من تعديل واحد
واثنين يجوز عليهما الكذب.
جوابه:
يجاب عنه: بأن تعديل الشخص الواحد الموصوف بالعدالة والثقة
أقوى من تعديل طائفة كثيرة لم يوصفوا بالعدالة، أو قد يكونوا
مجهولين الحال.
(2/732)

خامسا: ترك الحكم بشهادة الراوي هل يعتبر جرحا للراوي؟
لقد قلنا: إن الحاكم العدل إذا حكم بشهادة الراوي، فإنه يدل
على أن الراوي عدل عنده، لكن إذا لم يحكم الحاكم بشهادة
الراوي - ولم يعمل بها، فهل هذا يعتبر جرحاً للراوي فلا تقبل
روايته؟
الحق: أن هذا لا يعتبر جرحاً في الراوي، فلا يلزم من عدم
قبول شهادته عدم قبول روايته؛ لأن الحاكم قد يتوقف في الحكم
بشهادة الراوي لأسباب غير الجرح، وذلك لأن الشهادة والرواية
تشتركان في شروط الراوي الأربعة السابقة الذكر - وهي: الإسلام،
والتكليف، والعدالة، والضبط -.
وانفردت الشهادة في أمور - غير معتبرة في الرواية - منها: عدم
القرابة، والحرية، والذكورية، والبصر، والعدد، والعداوة،
والصداقة، فهذه تؤثر في الشهادة، ولا تؤثر في الرواية، لذلك
تقبل رواية القريب بما ينفع قريبه، وتقبل رواية العبد والمرأة إلى غير
ذلك - كما سبق بيانه -.
فهنا يحتمل أن الحاكم العدل ترك الحكم بشهادته لسبب غير الفسق
كعداوة، أو تهمة قرابة، أو صداقة، فيكون ترك شهادة الراوي
لواحدٍ من تلك الاحتمالات، لا لانتفاء العدالة، إذن: لا يحكم
عليه بالجرح والتفسيق مع وجود تلك الاحتمالات.
سادساً: هل يشترط العدد في التعديل والتجريح؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أنه لا يشترط العدد في التعديل والتجريح، بل
(2/733)

يكفي في مسائل الجرح والتعديل واحد ليس من عادته أن يتساهل في
التعديل أو يبالغ في الجرح، فلو عدَّل شخص عارف بأمور التعديل
راوياً من الرواة فإنا نسمع منه ذلك، ونقبل رواية الراوي المعدَّل،
وكذا لو جرح شخص عارف بأمور الجرح راوياً من الرواة، فإنا
نسمع منه ذلك ونرد رواية ذلك الراوي المجرح.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وهو الصحيح عندي؛ لأن العدالة شرط من شروط قبول الرواية،
والشرط لا يزيد في إثباته على مشروطه، أي: أن شرط الشيء لا
يزيد على أصله، ومعروف أن الأصل - وهو الرواية - يكفي فيه
واحد، فتعديل الراوي وتجريحه تبع للرواية وفرع لها؛ لأنه إنما يراد
لأجلها، فإذا كانت الرواية يكفي فيها راو واحد، فكذا ما هو تبع
وفرع لها.
فلو قلنا: تقبل رواية الواحد، ولا يكفي في تعديله وتجريحه إلا
اثنان لزاد الفرع على أصله، وزيادة الفرع على الأصل مخالف
لقواعد الشريعة.
ففي هذا: قياس التعديل والجرح على الرواية، وهو واضح.
المذهب الثاني: أن العدد مشترط في التعديل والتجريح.
ذهب إلى ذلك ابن حمدان من الحنابلة، وأكثر فقهاء المدينة كما
حكاه عنهم القاضي أبو بكر الباقلاني.
دليل هذا المذهب:
لقد استدل أصحاب هذا المذهب بقياس التعديل والتجريح على
الشهادة؛ وذلك لأنه يشترط في تعديل الشاهد أو جرحه اثنان،
(2/734)

فكذلك الرواية يشترط في تعديل الراوي أو جرحه اثنان، فكان
العدد معتبراً فيهما معاً.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا قياس مع الفارق فلا يصح، وذلك لافتراق
أصل الشهادة عن أصل الجرح والتعديل، بيان ذلك:
أنه لا يقبل في تعديل الشاهد، أو جرحه إلا اثنان، ولا يكتفى
بواحد، وذلك لأن الأصل - وهي الشهادة - يشترط فيه اثنان،
فالفرع مثل ذلك يشترط فيه اثنان.
أما الرواية فتختلف عن ذلك فيقبل في تعديل الراوي أو جرحه
واحد، وذلك لأن الأصل - وهي الرواية - لا يشترط العدد فيه
فيكفي فيه واحد، فالفرع - وهو جرح الراوي أو تعديله - مثل ذلك
لا يشترط.
أي: كما أن العدد لا يشترط في قبول الخبر، فلا يشترط في
جرح وتعديل راوي الخبر.
المذهب الثالث: الفرق بين تعديل الراوي فيقبل من واحد، وبين
تجريحه فلا يقبل إلا من اثنين.
نسب هذا إلى القاضي أبي بكر الباقلاني، واختاره بعض الحنفية،
ومنهم الكمال بن الهمام.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا التفريق بينهما لا دليل عليه صحيح، وما لا
دليل عليه فلا يعوَّل عليه، ثم إنه لا فرق بينهما فيما يؤول إليه الأمر.
(2/735)

سابعاً: حكم تعديل العبد للراوي:
الحق: أن تعديل العبد للراوي مقبول، وبناء على ذلك تقبل
رواية من عدَّله ذلك العبد؛ قياساً على روايته للخبر، بيانه:
أنه كما أن رواية العبد للخبر مقبولة، فكذلك تعديله لراوي الخبر
مقبول، ولا فرق بجامع: أن كلًّا منهما خبر يجب فيه الصدق.
ثامناً: حكم تعديل المرأة للراوي:
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن تعديل المرأة للراوي مقبول.
وهو مذهب الجمهور، وهو الحق، لدليلين:
الدليل الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل بريرة - رضي اللَّه عنها - عن حال عائشة أم المؤمنين - في قصة الإفك - حيث قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لبريرة: " هل علمت على عائشة شيئاً يريبك؛ أو رأيت شيئاً تكرهينه؟
" قالت: أحمي سمعي وبصري، عائشة أطيب من طيب الذهب.
وجه الدلالة: أنه لو لم يكن تعديل المرأة مقبولاً لما سأل الرسول
- صلى الله عليه وسلم - بريرة عن عائشة، وهذه هي فائدة سؤاله، ولو لم نقل ذلك لكان سؤاله لا فائدة فيه ويكون لغواً، وهذا لا يمكن.
الدليل الثاني: القياس على روايتها للخبر، بيانه:
أنه كما أن رواية المرأة للخبر مقبولة، فكذلك تعديلها لراوي الخبر
مقبول، ولا فرق بينهما، والجامع: أن كلًّا منهما خبر يجب فيه
الصدق.
المذهب الثاني: أن تعديل المرأة للراوي لا يقبل.
(2/736)

حكي هذا المذهب عن كثير من فقهاء المدينة.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بالقياس على الشهادة، بيان ذلك:
أنه كما أن تعديل المرأة وتزكيتها للشاهد لا يقبل، فكذلك تعديلها
للراوي لا يقبل ولا فرق، والجامع: أن كلًّا منهما خبر يجب فيه الصدق.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، بيانه:
أنه لا يقبل تعديل المرأة للشاهد، وذلك لأن الأصل - وهي
الشهادة - لا تقبل فيها المرأة، فالفرع - وهو تعديل الشاهد - مثله.
أما الرواية فبخلاف ذلك: فيقبل تعديل المرأة للراوي، وذلك لأن
الأصل - وهي الرواية - يقبل فيه رواية المرأة، والفرع - وهو تعديل
الراوي - مثله.
تاسعاً: الجارح والمعدِّل هل يلزمهما ذكر سبب التعديل والجرح؟
لقد اختلف العلماء في هذا على مذاهب:
المذهب الأول: يلزم الجارح والعدل ذكر سبب التعديل والجرح.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء.
وهذا هو الحق: فيجب بيان سبب التعديل؛ لأن مطلق التعديل
لا يكون محصلاً للثقة بالعدالة؛ لأن العادة قد جرت بتسارع الناس
إلى ذلك بناء على الظاهر، وكم من شخص قد خدعنا بمظهره،
حيث يظهر الصلاح والتقى، فإذا دققنا في شأنه وحالته وجدناه على
(2/737)

خلاف ظاهره، فمثلاً: بعض الناس تجده يحافظ على الصلوات
وعلى مظهره الإسلامي، ولكنه يتساهل في كسب ماله، فلا يأخذه
من طرقه التي أحلها اللَّه تعالى، وبعضهم يظهر الصلاح لطائفة من
العلماء " نظراً لطمعه في منصب أو جاه، بينما يحتقر آخرين،
كذلك تجد أناساً يتساهلون في تعديل شخص، بينما يتشدَّدون في
تعديل شخص آخر، وهكذا والأمثلة على ذلك كثيرة، فيجب أن
يبين المعدِّل سبب تعديله للشحخص، فإن كانت صحيحة ويعدل بها:
وافقناه، وإن كانت غير صحيحة: بيَّنا وجه الخطأ فيها " قياساً على
الاستدلال على المذاهب، فإن المجتهد تجده يأخذ بمذهب معين، ثم
يقيم أدلة على ذلك، وتجد المجتهد الآخر يخالفه ويبين أدلته على
ذلك، فلو ذكر كل واحد منهما مذهبه بدون ذكر أدلة لما قبل.
وقلنا: جب بيان سبب الجرح " لاختلاف الناس فيما يجرح به،
فلعل الجارح اعتقد شيئاً جارحاً، وغيره لا يراه جارحاً: فتجد
شحخصاً يرد الخبر بسبب تدليس الراوي، وتجد آخر يرد الخبر بسبب
فسق اعتقاد الراوي، وتجد ثالثاً يرد الخبر بسبب تعبير الراوي بالعنعنة
وتجد رابعاً يرد الخبر بسبب إسباله لثوبه وإزاره، وتجد خامساً يرد
الخبر بسبب كذب الراوي مرة واحدة في العمر، وكل ما سبق فيه
نظر هل يجرح به ويفسق أم لا؟
وقد ثبت عن بعض العلماء أنه ردَّ تجريح بعض العلماء الآخرين،
وإليك بعض الأمثلة.
1 - ذهب الخطيب في الكفاية: أن الإمام الشافعي إنما أوجب
الكشف عن ذلك " لأنه بلغه أن إنساناً جرح رجلاً فسئل عما جرحه
به، فقال: رأيته يبول قائماً، فقيل له: ما في ذلك ما يوجب
(2/738)

جرحه؛ فقال: لأنه يقع الرشش عليه، وعلى ثوبه، ثم يصلي،
فقيل له: رأيته يصلي كذلك؛، فقال: لا، فهذا جرح بالتأويل،
والعالم لا يجرح أحداً بهذا.
2 - أنه قيل لشعبة: لِمَ تركت حديث فلان؟
قال: رأيته يركض على برذونه فتركته،
ومن العلوم: أن هذا ليس بجرح موجب لتركه.
3 - أن شعبة أتى النهال بن عمرو فسمع صوت الطنبور من بيته
فتركه، فقال له تلميذه وهب بن جرير: فهلا سألت؛ عسى أن لا
يعلم هو.
قال السخاوي - في شرح الألفية -: قال شيخنا -
يقصد ابن حجر -: " وهذا اعتراض صحيح، فإن هذا لا يوجب
قدحاً في النهال ".
4 - أن الحكم بن عتبة سئل مرة: لِمَ لم ترو عن راذان؛ فقال:
كان كثير الكلام.
وهناك أمثلة كثيرة لكون بعض العلماء يجرحون بعض الأشخاص،
فإذا سئلوا عن السبب اتضح أن السبب الذي جرح به لا يصلح
لتجريح الراوي.
فبان: أن الحق أنه لا بد من ذكر سبب التعديل والجرح حتى يسبر
ويختبر، فإن كان صالحاً قبلناه، وإن كان غير ذلك رددناه.
المذهب الثاني: أنه لا يلزم الجارح والمعدل ذكر سبب الجرح
والتعديل، فيقبل قولهما بدون ذكر السبب.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء، ومنهم القاضي أبو بكر.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنا نكتفي ببصيرة المعدل
(2/739)

والجارح، فهما عارفان بالأمور التي يُعدَّل بها، وبالأمور التي يجرح
جوابه:
يجاب عنه: بما قلناه فيما سبق من أن بعض المعدلين قد ينخدعون
في المظاهر، وقد يكون مظهر الشخص يختلف عن باطنه، وهذا قد
كثر في الأزمنة المتأخرة.
ولا يكتفي ببصيرة الجارح؛ لاختلاف الناس فيما يجرح به، فقد
يعتقد الجارح شيئاً جارحاً، وهو في الحقيقة ليس كذلك، وقد بيَّناه
فيما سبق.
المذهب الثالث: أنه لا يلزم الجارح ذكر سبب الجرح، فيقبل قوله
بدون ذكر السبب؛ لأن مطلق الجرح مبطل للثقة.
أما المعدل فيلزمه ذكر سبب التعديل؛ لأن مطلق التعديل لا تحصل
به الثقة، نظراً لتسارع الناس إلى الظاهر - كما سبق بيانه -.
جوابه:
يجاب عنه بأنه لا فرق بين التعديل والجرح، بل إن ذكر سبب
الجرح أَولى؛ لاختلاف الناس فيما يجرح به أكثر من اختلافهم فيما
يعدل به.
المذهب الرابع: - عكس الثالث - وهو: أنه لا يلزم المعدل ذكر
سبب التعديل، فيقبل قوله بدون ذكر السبب؛ لكثرة أسباب التعديل
فيشق ذكرها.
أما الجارح فيلزمه ذكر سبب الجرح لنرى فيه، وذلك لاختلاف
الناس في سبب الجرح - كما سبق -.
(2/740)

جوابه:
يجاب عنه: بأنكم فرقتم بين متماثلين، ثم إنا لا نجد تلك الشقة
التي تكون في ذكر أسباب التعديل.
المذهب الخامس: أن ذكر السبب وعدم ذكره يختلف باختلاف
العدلين والمزكين والمجروحين، فإن كان عالما بأسباب الجرح والتعديل
اكتفينا بإطلاقه فيهما، وإن لم يكن عارفاً فلا بد من ذكر سبب
التعديل والجرح لنرى فيهما.
ذهب إلى ذلك كثير من الشافعية.
جوابه:
يجاب عنه: بأن علمنا بأن هذا الشخص عالم بأسباب الجرح
والتعديل، أو غير عالم لا يمكن؛ لأن بعض الناس قد يذَعي
معرفته بذلك، فإذا دققنا فيه وجدناه غير عارف، أو أنه يجعل أسبابا
تعدل وتجرح ويدعي بأنها هي الأسباب الحقيقية، بينما الأمر غير
ذلك فلا ضابط لذلك.
لذلك اضطررنا إلى الأخذ بالمذهب الأول وهو: أن يبين العدل
والمجرح سبب الجرح والتعديل مطلقاً، سواء كان عارفا لأسباب
التعديل والجرح أو ليس كذلك؛ لأمرين:
أولهما: أن أسباب التعديل والجرح لا ضابط لها.
ثانيهما: الاحتياط للشريعة، والابتعاد عن ظلم الآخرين.
عاشراً: الحكم إذا ذكر اسم شخص متردد بين مجروح ومعدَّل:
إذا ذكر اسم راوي الحديث، وهذا الاسم معدَّل، ولكنه اشتبه
باسم رجل آخر مجروح، فإن خبره لا يقبل؛ نظراً للاشتباه بالاسم
(2/741)

الثاني؛ وذلك لاحتمال أن يكون الراوي ذلك المجروح، فلا تقبل
روايته، بل يتوقف حتى يعلم هل هو المجروح أو غيره، ويفعل
المدلسون ذلك أحياناً: يذكرودن الراوي الضعيف باسم يشاركه فيه راو
تقة.
حادي عشر: الحكم إذا كان للراوي اسمان، أو اختلف في اسمه:
إذا كان للراوي اسمان، وهو بأحدهما أشهر: فإنه تجوز الرواية
عنه بواسطة الاسم المشهور؛ لأنه عُرِف به.
وإذا اختلف في اسم الراوي، وله كنية أو لقب يعرف به، فلا
يرد بذلك خبره ولا روايته، لأنه عرف بتلك الكنية واللقب، وخرج
عن الجهالة.
ثاني عشر: إذا تعارض الجرح والتعديل فأيهما المقدم:
هذا له ثلاث حالات:
الحالة الأولى: إذا جرح عمرو الراوي، وعدَّله زيد، ولم يذكر
كل واحد منهما سبب ذلك: فإنه يقدم قول الجارح، ويرد خبر ذلك
الراوي؛ لأن الجرح تضمن زيادة لم يعرفها المعدل، ولم ينف
المعدل هذا الجرح، لامتناع الشهادة على النفي، ولأن الجارح مصدق
للمعدل فيما يخبر به عن ظاهر حاله، إلا أنه - أي الجارح - يخبر
عن أمر باطن خفي عن المعدل.
وهذا على رأي من يجوز قبول قول الجارح والمعدل بدون ذكر
السبب.
وقد أجبنا عنه فيما سبق.
الحالة الثانية: إذا جرح عمرو الراوي، وعدله زيد، وذكر
(2/742)

الجارح سبب الجرح بأن يقول: " رأيته وقد قتل فلاناً " فلا يخلو من
أمرين:
الأول: إما أن لا يتعرض المعدل لنفي ذلك.
الثاني: أن يتعرض المعدل لنفيه.
فإن كان الأول - وهو: عدم تعرض المعدل لنفي ذلك - فإنه
يقدم قول الجارح؛ لأن قوله تضمن زيادة لم يعرفها المعدل ولم ينفها
- كما سبق -.
وإن كان الثاني - وهو: تعرض المعدل لنفي ذلك - بأن قال
المعدل: " رأيت فلاناً المدعى قتله حياً بعد ذلك "، فهاهنا يتعارضان
ويصح ترجيح أحدهما على الآخر بشدة التورع، والتحفظ، وزيادة
البصيرة، ونحو ذلك.
الحالة الثالثة: إذا ورد التجريح والتعديل من واحد، أي: أن
زيداً جرح عمراً وعدَّله، ففيه تفصيل:
فإن علمنا التأخر من المتقدم من الجرح والتعديل، فإنا نعمل
بالمتأخر، لكونه نسخ المتقدم.
وإن لم نعلم المتأخر من المتقدم، فإنا نتوقف حتى يثبت جرحه أو
تعديله.
ثالث عشر: الحكم إذا زاد عدد المعدلين على الجارحين:
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يقدم الجرح على التعديل وإن كثر عدد المعدلين.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
(2/743)

وهو الحق، لأن سبب تقدم الجرح هو اطلاع الجارح على زيادة
في العلم عن الراوي قد خفيت على المعدل؛ لأن المعدلين وإن كثروا
ليسوا يخبرون عن عدم ما أخبر به الجارحون، ولو أخبروا بذلك
لكانت شهادة باطلة على نفي، فلا ينتفي ذلك العلم الذي أخبر به
الجارحون بسبب كثرة عدد المعدلين، فلا يلتفت إلى الكثرة مع وجود
زيادة في الجرح.
المذهب الثاني: أنه يقدم التعديل.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن كثرة المعدلين تقوي
حالهم، وقلة الجارحين تضعف قولهم، فالكثرة تقدم على القلة؛
حيث إن الكثرة تقوي الظن، والظن إذا قوي وجب العمل به.
جوابه:
يجاب عنه: بأن المعدلين مهما كثروا، فإنه قد خفيت عليهم
الزيادة في العلم التي أتى بها المجرح، وهم - أي: العدلون - لم
ينفوا تلك الزيادة التي ذكرها المجرح، فلا يلتفت إلى الكثرة مع
وجود زيادة في الجرح كما قلنا.
***
المسألة الخامسة عشرة: حكم رواية المحدود بالقذف:
إذا قذف مكلف آخر بالزنا وحدَّه الإمام حدَّ القذف فهل روايته
مقبولة؟
اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
(2/744)

المذهب الأول: أن روايته مقبولة، أي: نقبل خبره بشرط: أن
يكون قد أخرج القول بالقذف مخرج الشهادة، أما إن أخرج القول
مخرج القذف فلا تقبل إلا إذا ثبتت توبته.
وهذا هو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: الوقوع، فقد ورد أن أبا بكرة - نفيع بن الحارث
ابن كلدة الثقفي - قد شهد - هو واثنان معه - على المغيرة بن شعبة
بالزنا، ولم تتم الشهادة فجلده عمر ثمانين جلدة حد القذف، ومع
ذلك فقد قبل أهل الحديث ما رواه من الأحاديث، وقد ورد في
كتاب " الخلاصة " أن لأبي بكرة مائة واثنين وثلاثين حديثاً، اتفق
البخاري ومسلم على ثمانية، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم
بأخرى، روى عنه أولاده عبد الرحمن، وعبد العزيز، وعبيد اللَّه،
ومسلم، وجماعة.
الدليل الثاني. أن الشاهد العدل يغلب على الظن صدقه، ولكن
لم يكمل العدد في الشهادة على الزنا؛ ونقصان عدد الشهادة لم
يكن من جهته ولا من فعله، وبناء على نقص الشهادة أقام الإمام
الحد على هؤلاء الذين لم تكتمل شهادتهم، وذلك لا يقدح بعدالة
المحدود بالقذف؛ لأنه - كما قلنا - لا دخل له فيما حصل من
نقصان العدد في الشهادة، فلا مانع من قبوله روايته.
المذهب الثاني: أن المحدود في القذف تقبل روايته مطلقاً، سواء
كان قوله بلفظ الشهادة أو لا.
ذهب إلى ذلك جمهور الحنفية.
دليل هذا المذهب:
استدل هؤلاء على ذلك: بأن هذا المحدود قد توفرت فيه شروط
(2/745)

الراوي، وهي: الإسلام، والتكليف، والضبط، والعدالة، فما
المانع من قبول روايته؟
يجاب عنه: بأنا قبلنا خبر المحدود بالقذف إذا كان بلفظ الشهادة
لما ذكرناه من الدليلين السابقين، ولما ذكرتم من اجتماع شروط
الراوي فيه.
ولم نقبل خبر المحدود بالقذف إذا كان بلفظ القذف؛ لأنه قد فسق
بهذا، فإن تاب توبة نصوحاً قبلنا خبره؛ لأنه يلحق بالأول ولا فرق.
المذهب الثالث: أن المحدود في القذف لا تقبل روايته مطلقاً،
أي: سواء كان قوله بلفظ الشهادة أو لا.
نسب هذا إلى أبي حنيفة، ونفى هذه النسبة بعض الحنفية كابن
الهمام في " التحرير ".
دليل هذا المذهب:
استدل لهذا المذهب بأن القاذف بالزنا الذي لم تتم شهادته قد
اتهم بالكذب، ولذلك حدَّه الإمام حدَّ القذف، ويبقى هذا الاتهام
بعد الحد، ومع بقاء ذلك لايقبل منه شيء.
جوابه:
يجاب عنه بأن ترجيح صدقه ممكن، نظراً لتوفر شروط الراوي
الأربعة فيه، أما عدم إكمال العدد في الشهادة على الزنا فلم يكن
من فعله، ولذلك أقام الإمام عليه حد القذف، وهذا لا يقدح في
عدالته فلا مانع من قبول روايته.
(2/746)

المسألة السادسة عشرة: في كيفية ألفاظ الراوي في نقل الخبر:
الراوي للخبر إما أن يكون صحابياً، أو غير صحابي.
فالصحابي إذا نقل خبراً عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنه ينقله بألفاظ وطرق وكيفيات، وكذلك غير الصحابي، لذلك قسمت الكلام عن هذه المسألة إلى قسمين:
القسم الأول: في كيفية ألفاظ الصحابي في نقل الخبر.
القسم الثاني: في كيفية ألفاظ غير الصحابي في نقل الخبر.
وإليك بيان ذلك فأقول:
القسم الأول: كيفية ألفاظ الصحابي في نقل الخبر وتتبين فيما يلي:
أولاً: الحكم إذا قال الصحابي: " سمعت النبي يقول، أو
أخبرني، أو حدَّثني، أو شافهني ":
إذا قال الصحابي: " سمعت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يقول كذا "، أو قال: " أخبرني رسول اللَّه بكذا "، أو قال: " حدَّثني بكذا "، أو
قال: " شافهني بكذا "، فإن هذا خبر عن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يجب قبوله والعمل به بإجماع العلماء؛ لصراحته في أنه لا يوجد واسطة بين الصحابي وبين رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، فلا يتطرق إلى هذه الرواية أيُّ احتمال.
ثانياً: إذا قال الصحابي: " قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، أو: " أخبر رسول اللَّه "، أو: " حدَّث رسول اللَّه "، فما الحكم؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنا نحكم بأنه سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيكون حُجَّة كقوله: " سمعت - صلى الله عليه وسلم - يقول كذا ".
(2/747)

ذهب إلى ذلك جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي:
الدليل الأول: أن الظاهر من حال الصحابي أنه إذا قال: " قال
رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، فإنه لا يقول ذلك إلا وقد سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ لا يمكن أن يجزم بذلك إذاً إلا عن سماع؛ حيث إن الظاهر من حال الصحابي العدل العارف بأوضاع اللغة العربية وطرق استعمالاتها المتأكد من أن هذه الشريعة سيعمل بها إلى قيام الساعة: أنه لا يأتي بلفظ يوهم معنى ويريد غيره.
بخلاف غير الصحابي إذا قال ذلك، فإن قرينة حاله تدل على أنه
لم يسمع من النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الدليل الثاني: اتفاق السلف على أن الخبر إذا نقل على هذه الصفة
- وهي قول الصحابي: " قال رسول اللَّه كذا " - فإنهم لم يفهموا
من ذلك إلا السماع من النبي - صلى الله عليه وسلم - مباشرة، فلذلك اتفقوا على قبوله.
المذهب الثاني: أنه لا يحكم بأنه إذا قال: " قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - كذا " أنه قد سمعه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مباشرة بل هو متردد بين أن يكون سمعه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين أن يكون قد سمعه من غيره.
ذهبِ إلى ذلك أبو الخطاب الحنبلي، ونسبه الآمدي، وأبو يعلى
إلى القاضي أبي بكر الباقلاني، وهذه النسبة إلى الباقلاني قد أنكرها
الزركشي في البحر المحيط، وأكد أن القاضي الباقلاني مع الجمهور.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم:
إن صيغة: " قال رسول اللَّه " أعم من صيغة: " سمعت رسول
الله "، وذلك لأن قوله: " قال رسول اللَّه " يعم ما سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -
(2/748)

مباشرة، ويعم ما حكاه له صحابي آخر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أما قوله: " سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - "، فهو خاص بالأصل وهو: ما سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - مباشرة.
ويدل على عموم الصيغة الأولى: أنه وقع من بعض الصحابة
- رضي اللَّه عنهم - أنهم يعبرون بها - أي: بقولهم: " قال رسول
الله " - عما سمعوه من النبي - صلى الله عليه وسلم - مباشرة وهذا كثير، ويعبرون بهذه الصيغة عما سمعوه من صحابة آخرين، فلما استكشفوا وروجعوا بيَّنوا وقالوا: لم نسمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - مباشرة، بل حدَّثنا به فلان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك ما نقل عن ابن عباس - رضي اللَّه عنهما -
أنه كان يقول: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " لا ربا إلا في النسيئة "، فلما سئل عنه قال: حدثني أسامة بن زيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " الربا في النسيئة "، وكذلك أبو هريرة كان يقول: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -:
"من أصبح جنباً فلا صوم له "، فلما بينت عائشة - رضي الله
عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصبح جنباً من غير حلم ثم يصوم، قال أبو هريرة: لم أسمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما سمعته من الفضل بن العباس.
جوابه:
يجاب عنه بأجوبة:
أولها: أن نقل الصحابي الحديث عن غيره من الصحابة ثبت في
وقائع قليلة، والوقائع القليلة لا يثبت بها قاعدة أصولية، بخلاف
نقل الصحابي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ثانيها: أنه لو فرض أن الصحابي قال: " قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - " وهو لم يسمعه مباشرة من النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل سمعه من بعض الصحابة،
(2/749)

فإن هذا يصبح مرسل صحابي، ومرسل الصحابي حُجَّة بإجماع
العلماء المعتد بأقوالهم، فيكون لا فرق بينه وبين قوله: " سمعت
رسول اللَّه يقول ".
ثالثها: أنه على فرض أن الصحابي قد سمعه من غير النبي - صلى الله عليه وسلم -، فحكمه حكم ما لو سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن الصحابة كلهم عدول كما سبق بيانه.
ثالثاً: إذا قال الصحابي: " أمر رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بكذا "، أو "نهى عن كذا "، أو " حرم كذا "، أو " أباح كذا "، أو " فرض
كذا "، أو " يأمر بكذا "، أو " ينهي عن كذا "، فما الحكم؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أنه حُجَّة، وأن الحكم يثبت بذلك، ويحكم به
بالأمر والنهي.
هذا ما ذهب إليه الجمهور.
وهو الحق، لدليلين:
الدليل الأول: أن بعض الصحابة - رضي اللَّه عنهم - كان ينقل
الحديث بمثل تلك الألفاظ - نهى رسول اللَّه أو أمر ... إلخ - وكان
الصحابة الآخرون يقبلون هذا، ويعولون عليه، ويحتجون به من
غير نكير، ولا يمكن لمن اختارهم اللَّه لصحبة نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يعولوا ويعتمدوا على شيء لا تقوم به الحُجَّة، فكان ذلك إجماعا سكوتيا
على ذلك.
من ذلك ما قاله بعض الصحابة: إن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أمر بالمضمضة والاستنشاق، وأمر ألا توصل صلاة بأخرى، وفرض زكاة
(2/750)

الفطر صاعاً من تمر..، وأمر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى
الصلاة، وأمر برجم ماعز، والغامدية، ونهى عن المخابرة، ونهى
عن الوصال، ونهى عن صوم يومين: يوم الفطر، ويوم الأضحى،
ونهى عن الضرر والضرار، ونهى عن قراءة القرآن في الركوع
والسجود، والأمثلة على ذلك كثير.
الدليل الثاني: أن الظاهر من حال الصحابي وهو المشهود له
بالعدالة، ومعرفته بأوضاع اللغة وطرق استعمالاتها: أن لا يطلق
ذلك اللفظ - وهو أمر رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، أو نهى، أو فرض ... إلخ - إلا إذا كان متيقناً وعالماً تمام العلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بذلك أو نهى حقيقة، بحيث سمعه يقول: " أمرتكم بكذا "، أو يقول: "افعلوا كذا "، أو يقول: " نهيتكم عن كذا "، أو يقول:
" لا تفعلوا كذا "، وينظم إلى ذلك من القرائن ما يدل كونه أمراً، أو
يدرك ضرورة قصده الأمر أو النهي، أو نحو ذلك مما ذكر.
وذلك نفياً للتدليس والتلبيس عن الصحابي بنقل ما يوجب على سامعه
اعتقاد الأمر والنهي فيما لا يعتقده أمراً أو نهياً.
المذهب الثاني: أن الصحابي إذا قال: " أمر رسول اللَّه أو نهى ... إلخ "، فإن هذا لا يثبت به الحكم، ولا يحكم به بالأمر
والنهي، وأنه لا حُجَّة فيه ما لم ينقل لفظ رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء، وحكاه الجزري من الظاهرية عن
داود الظاهري
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن الحُجَّة بلفظ الرسول
- صلى الله عليه وسلم -، وقول الصحابي: " أمر رسول اللَّه، أو نهى ... إلخ "
(2/751)

لا يدل على وجود الأمر والنهي حقيقة، وذلك لأنه يتطرق إليه
احتمالان:
الاحتمال الأول: أن هذا التعبير ليس نصا صريحاً في سماعه من
الرسول - صلى الله عليه وسلم - مباشرة، بل يحتمل أن يقول الصحابي:
" أمر رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أو نهى " اعتماداً على ما بلغه تواتراً، أو بلغه بلسان يثق بقوله.
الاحتمال الثاني: أن العلماء اختلفوا في صيغ ومعاني الأوامر،
فمنهم من قال: الأمر المطلق للوجوب، ومنهم من قال: هو
للندب، ومنهم من قال: للإباحة.
وكذلك اختلفوا في صيغ ومعاني النواهي، فمنهم من قال:
النهي المطلق يقتضي التحريم، ومنهم من قال: هو للكراهة.
فإذا كان كذلك فربما ظن الصحابي الراوي واعتقد ما ليس بأمر
أمراً، وما ليس بنهي نهياً، أي: سمع الصحابي الراوي صيغة
اعتقد أنها أمر أو نهي، وليست كذلك حقيقة مما يسبب اللبس في
أوامر الشريعة ونواهيها.
ونظراً لهذين الاحتمالين قلنا: إنه لا يحكم به بالأمر والنهي.
جوابه:
يجاب عنه: بأن الاحتمال الأول مسلَّم وقد يقع، ولكنه لا يمنع
من قبول قول الصحابي: " أمر رسول اللَّه أو نهى " فهو حُجَّة،
وكأنه سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - مباشرة؛ لأنه مرسل صحابي، ومرسل الصحابي مقبول بإجماع العلماء المعتد بأقوالهم، فلا فرق بينه وبين
قوله: " قال رسول اللَّه "، أو " سمعت رسول اللَّه ".
(2/752)

أما الاحتمال الثاني - وهو أنه قد يعتقد ما ليس بأمر أمراً، وما
ليس بنهي نهياً - فإنه يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن الغلط والوهم من الصحابة بعيد جداً، نظراً
لمعرفتهم الدقيقة باللغة العربية وطرق استعمالاتها وأساليبها،
ومعرفتهم يعموم وشمول هذه الشريعة لهم ولغيرهم ممن سيأتي
بعدهم إلى قيام الساعة - فلا يمكن - والأمر كذلك - أن يتساهلوا
بهذا لعلمهم بأن فيه تدليساً وتلبيساً على الأُمة، وهذا مستحيل على
الصحابة المشهود لهم بالعدالة من قِبَل اللَّه ورسوله.
لذلك يجب علينا حمل ظاهر أقوالهم وأفعالهم على أنها سليمة
وصحيحة وموافقة لما أمر به رسول اللَّه ونهى عنه - مهما أمكن -.
الجواب الثاني: وقولكم - في الاحتمال الثاني - يمكن أن يصح
لو كان الاختلاف في صيغ الأوامر والنواهي مبنيا على اختلاف
الصحابة فيها.
ولكن لم يثبت شيء من ذلك، فلم يرد عن الصحابة - رضوان
الله عليهم - أنهم اختلفوا في تلك الصيغ واقتضائها، إذ لو كان
هناك اختلاف في ذلك لنقل إلينا كما نقل إلينا اختلافهم في بعض
الأحكام الفقهية كاختلاف ابن عباس مع زيد بن ثابت في مسألة الجد
والأخوة، واختلاف عائشة مع ابن عمر في نقض شعر المرأة في
الاغتسال من الجنابة، واختلاف عليّ وعثمان في الجمع بين الأختين
الأمتين، واختلاف عليّ مع عمر في بيع أمهات الأولاد، واختلاف
علي مع ابن مسعود في المفوضة، واختلافهم في العول، وغير ذلك
من المسائل الفقهية التي نقلت إلينا.
ثم اعلم أنه ليس من ضرورة اختلاف العلماء في زمن من
(2/753)

الأزمان - بعد الصحابة - في مسألة معينة أن يكون هذا الاختلاف مبنيا
على اختلاف الصحابة بدليل: أن علماء السلف والخلف اختلفوا في
كثير من المسانل الأصولية والفقهية في حين أنه لم يرد عن الصحابة
أنهم اختلفوا في أي منها.
المذهب الثالث: التفصيل، وبيانه:
إن كان الصحابي القائل لذلك من أهل المعرفة باللغة وطرق
استعمالاتها وأساليبها، فإن هذا يجعل قوله: " أمر رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أو نهى رسول اللَّه " مثل نقله لفظة الأمر حقيقة، وذلك نظراً لتلك المعرفة.
أما إن كان الصحابي غير ذلك، فإنه يجوز عليه احتمال أنه يجعل
ما ليس بأمر أمراً وما ليس بنهي نهياً، وذلك لجهله باللغة العربية
وطرق استعمالاتها.
حكى هذا المذهب كل من القاضي أبي بكر الباقلاني، وإمام الحرمين.
جوابه:
يجاب عنه: بأن العدل الثقة إذا نقل شيئاً مطلقاً، فإنا نحمله على
أرجح محامله، إلا إن وجد ما يعارض ذلك، فلا يتعرض لتقرير
وجوه البطلان فيه، يؤيد ذلك: أن الشخص إذا شهد على بيع أو
إجارة، أو غيرهما من العقود فإنا لا نكلفه أن ينعت لنا وجه الصحة
فيما يشهد عليه، بل يكتفي بإطلاقه القول، وكذا هنا.
والصحابي الذي ليس من أهل المعرفة باللغة - إن وجد - لا يمكن
أن يعبر بمثل هذا ويقول: " أمر رسول اللَّه أو نهى " إلا إذا كان
(2/754)

متأكداً من أن ذلك أمر حقيقة، وإن شك في ذلك فإنه يسكت نظراً
لعدالته.
المذهب الرابع: التوقف، وهو الذي يفهم من كلام الإمام الرازي
في " المحصول "، وهو الذي حكاه إمام الحرمين عن بعض الظاهرية
في " التلخيص "، وذلك لتعارض الأدلة.
جوابه:
يجاب عنه: بأنه لا داعي لهذا التوقف مع قوة أدلتنا على أنه
يحكم به.
رابعاً: قول الصحابي: " أُمِرْنا بكذا "، أو " نُهينا عن كذا "،
أو " أوجب علينا كذا "، أو " حُرِّم علينا كذا "، أو " أُبيح لنا كذا"
ونحو ذلك من الفعل المبني للمجهول، ما حكمه؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن الصحابي إذا قال ذلك، فإنه يفيد أن الآمر
والناهي هو الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولا يحمل على غير ذلك.
وهذا هو مذهب جمهور العلماء.
وهو الصحيح، لدليلين:
الدليل الأول: أن مراد الصحابي وغرضه من نقله لهذا الخبر بهذه
الصيغة - وهي أمرنا أو نهينا - هو الاحتجاج به لإثبات الأحكام
الشرعية، فيجب حمل الأمر على أنه صدر ممن يحتج بقوله وهو
الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولا يحمل على أنه صدر ممن لا يحتج بقوله من الأئمة والولاة والعلماء.
الدليل الثاني: أن الواقع يشهد لذلك، حيث إنه من المعروف أن
(2/755)

من يتبع رئيساً أو أميراً إذا قال: " أمرنا بكذا "، أو " نهينا عن
كذا"، وأطلق ذلك فإنه يفهم منه أن الآمر هو ذلك الرئيس أو الأمير،
فكذلك الصحابة بالنسبة للنبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ذلك ولا فرق، فإنه إذا قال الصحابي: " أمرنا "، أو " نهينا "، فإنه لا يفهم من ذلك إلا أن الآمر والناهي هو النبي - صلى الله عليه وسلم -.
المذهب الثاني: أن قول الصحابي: " أمرنا. "، أو " نهينا " - وما
ذكر هنا - لا يفيد هذا أن الآمر هو الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولا يضاف إليه، وبالتالي لا يكون حُجَّة.
ذهب إلى ذلك أبو الحسين الكرخي، والسرخسي، والجصاص،
وأبو بكر الصيرفي، والإسماعيلي، وإمام الحرمين، وأكثر مالكية
بغداد.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن قول الصحابي ذلك
ليس بنص صريح في النقل بل يتطرق إليه ثلاثة احتمالات هي كما يلي:
الاحتمال الأول: أن قوله: " أمرنا أو نهينا " لا يفيد أنه سمعه من
النبي - صلى الله عليه وسلم - مباشرة - فقط -، بل قد يحتمل أنه قال ذلك اعتماداً على ما بلغه بالتواتر، أو بلغه على لسان شخص يثق به.
الاحتمال الثاني: أن الصحابي ربما توهم ما ليس بأمر أمراً، وما
ليس بنهي نهياً.
الاحتمال الثالث: أنه يحتمل أن يكون الآمر غير النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأئمة والعلماء بدليل قوله تعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)
(2/756)

، فهنا أمر اللَّه عَزَّ وجَلَّ باتباع أمره، وأمر
رسوله، وأمر العلماء، والخلفاء، والسلاطين المحكمين لشرع اللَّه.
وعلى هذا يكون ذلك متردداً بين كونه مضافاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبين كونه مضافاً إلى الأئمة والعلماء، وإذا احتمل هذا وذاك فلا يكون مضافا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل ولا يكون حُجَّة.
جوابه:
يجاب عن ذلك: بأن الاحتمال الأول، والاحتمال الثاني
باطلان؛ لما سبق من الدليل والتعليل.
أما الاحتمال الثالث - وهو قولهم: يحتمل أن الآمر غير النبي
- صلى الله عليه وسلم - من العلماء والولاة - فيجاب عنه بأن الصحابي إذا قال: " أمرنا أو نهينا "، وأطلق، فإنا لا نعقل من هذا الإطلاق سوى أن الآمر والناهي هو الرسول - صلى الله عليه وسلم - دون غيره؛ لأن الآمر والناهي حقيقة هو اللَّه تعالى، ويبلغنا بذلك رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فإذا قال الصحابي: " أمرنا أو نهينا " انصرف إلى الحقيقة، ولا يقال: إن الآمر والناهي غيره إلا بقرينة، كما لو قال مثلاً: " هذا الفعل طاعة "، فإنه لا يعقل أحد إلا طاعة اللَّه تعالى وطاعة رسوله.
أما الآية، وهي قوله تعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) ، فإنه يحتمل أن يكون المراد بها: أطيعوا أولي الأمر فيما نقلوه من أمري، وما أخبروا به عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، كما
قال أبو يعلى الحنبلي.
المذهب الثالث: التفصيل، بيانه:
إن كان الصحابي القائل: " أمرنا ونهينا " من أكابر الصحابة
(2/757)

وعلمائهم كالخلفاء الأربعة، وابن عباس، وابن مسعود، وزيد بن
ثابت، ومعاذ بن جبل، وابن عمر، وأبي هريرة، وأنس،
وغيرهم ممن يكثر مجالسة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنه يغلب على الظن أن الآمر والناهي هو الرسول - صلى الله عليه وسلم -، حيث إن كثرة ملازمة النبي - صلى الله عليه وسلم - تجعلنا
نكاد نجزم بأنه لا آمر ولا ناهي إلا هو - صلى الله عليه وسلم -، واحتمال أن الآمر والناهي غيره احتمال بعيد جداً.
أما إذا كان الصحابي لم يكثر ملازمة النبي - صلى الله عليه وسلم - كمن يفد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يعود، أو من تأخر إسلامه والتحق به في آخر سنة عاشها النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإن احتمال كون الآمر والناهي غير النبي - صلى الله عليه وسلم - احتمال قوي.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا التفريق بين الصحابة لا دليل عليه،
فالصحابي الذي شهد له اللَّه عَزَّ وجَلَّ، وشهد له الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالعدالة إذا نقل شيئاً وأطلق قائلاً: " أمرنا ونهينا "، فإنا لا نحمله
إلا على أمر من له الأمر الحقيقي، وهو اللَّه تعالى الذي بلغنا به
رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولا نحمله على أمر غيره إلا بقرينة، وهذا الكلام ينطبق على جميع الصحابة.
تنبيه: ولا فرق عندنا بين قول الصحابي وقول التابعي: " أمرنا
ونهينا "، فالآمر والناهي هو الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
خامساً: قول الصحابي: " من السُّنَّة كذا "، أو " السُّنَّة جارية
بكذا "، أو " مضت السُّنَّة بكذا "، ما حكمه؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
(2/758)

المذهب الأول: أنه لا يفهم من ذلك إلا سُنَّة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيحمل عليه دون غيره.
هذا ما ذهب إليه كثير من العلماء.
وهو الحق عندي، لدليلين هما:
الدليل الأول: أن غرض الصحابي ومراده من روايته لذلك أن
يعلمنا الشرع، فيجب حمل قوله: " من السُّنَّة كذا " - وغيرها من
الصيغ الأخرى مما في معناها - على أنه صادر منِ الشرع، وهو
سُنَّة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الدليل الثاني: أن كلمة "؛ السنَّة" إذا أطقت في أحكام الشرع،
فإن المقصود بها ما سَنَّه رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، فإذا أطلق وجب رجوع ذلك إليه، لأنه إذا أريد بها سُنَّة غيره فإن لا تطلق، بل تضاف إلى صاحبها، يؤيد ذلك: ما انتشر على ألسنة جميع العلماء، وهو
قولهم: " عليكم بالقرآن والسُّنَّة "، فلا يعقل من ذلك إلا اتباع
النبي - صلى الله عليه وسلم -، دون غيره.
المذهب الثاني: أن قول الصحابي: " من السُّنَّة كذا ".. إلخ
لا يحمل على سُنة رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -.
وهو مذهب بعض العلماء، ونسبه الآمدي إلى الكرخي، ونسبه
الزركشي إلى الصيرفي.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن اسم " السُّنَّة " متردد
بين سُنَّة النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين سُنَّة الخلفاء الراشدين؛ حيث قال - صلى الله عليه وسلم -:
"عليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين "،
وقال عليّ بن أبي طالب:
(2/759)

" جلد رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في الخمر أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكل سُنَّة ".
فإذا كان اللفظ متردد بين احتمالين فلا يكون صرفه إلى أحدهما
دون الآخر أَوْلى من العكس.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا لا يعارض ما ذهبنا إليه، بيان ذلك:
أننا قلنا: إن لفظ " السُّنَّة " إذا أطلق فلا يتبادر إلى الذهن من
هذا الإطلاق شرعاً إلا سُنَّة رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - دون غيره، أما إذا وجدت قرينة، فإنا نحمل لفظ " السُّنَّة " على ما دلَّت عليه تلك
القرينة.
وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: " عليكم بسُنَتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين "، فإنه يحمل على سُنَّة رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، فكأنه قال: عليكم بما سمعتموه مني، وبما حدَّثكم به خلفائي عني.
وكذلك قول عليّ يحمل على سُنَّته - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن الزيادة حد، وقد ثبت الحد بالسُّنَّة.
تنبيه: ولا فرق عندنا بين قول الصحابي وقول التابعي:
" من السُّنَّة كذا "، فإنه يحمل على سُنَّة رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه لا يمكن لأي عالم من التابعين أو غيرهم، ممن ثبتت عدالته أن يقول ذلك، ويطلق إلا وهو يريد سُنَّة رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، حيث هو الذي تجب طاعته.
وقيل: لا يحمل على سُنَّة رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -؛ لتطرق احتمال أن يقصد التابعي سُنَّة الصحابة، والجواب عن ذلك كما سبق.
(2/760)

وقيل: الفرق بين قول سعيد بن المسيب فيحمل على سُنَّة رسول
الله - صلى الله عليه وسلم -، نظراً لثبوت ذلك عنه، وبين قول غيره فيتطرق إليه الاحتمال، والجواب عنه: أن العدل الثقة لا يمكن أن يقول ذلك إلا إذا كان قاصداً سُنَّة من تقوم الحُجَّة بقوله وهو النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا فرق بين عالِم وعالِم في ذلك.
سادساً: قول الصحابي: " عن النبي - صلى الله عليه وسلم - " ما حكمه؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أنه ظاهر في أن الصحابي قد سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لأن الصحابي لا يمكن أن يطلق
ذلك إلا لأنه سمعه حقيقة من النبي - صلى الله عليه وسلم -، حيث إن عدالته تمنعه من إطلاق ذلك إذا لم يسمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو شك في ذلك، وقد سبق بيان ذلك.
المذهب الثاني: أنه لا يحمل على أنه سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل قد يكون سمعه من غيره بالتواتر أو ممن يثق بقوله، ونظراً لهذا
الاحتمال، فإنه لا يحكم بأنه سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلا يكون حُجَّة حتى يثبت بالقرائن على أنه سمعه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا الاحتمال وارد، ولكنه لا يمنع من قبول
قول الصحابي: " عن النبي "، فهو حُجَّة فكانه سمعه من النبي
- صلى الله عليه وسلم -، وذلك لأنه مرسل صحابيْ، ومرسل الصحابي حُجَّة بإجماع العلماء المعتد بأقوالهم، إذن لا فرق بينه وبين قوله:
" قال رسول اللَّه ".
(2/761)

المذهب الثالث: التوقف في ذلك حتى يأتي دليل يرجح أحد
الأمرين، وهو اختيار فخر الدين الرازي فى " المحصول "، وذلك
نظراً لتعارض أدلة أصحاب المذهبين السابقين، وضعف كل منهما.
جوابه:
يجاب عنه: بأنه لا داعي لهذا التوقف مع قوة الدليل على أنه
ظاهر في أنه سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وضعف دليل أصحاب المذهب الثاني.
سابعاً: قول الصحابي: " كنا نفعل أو كانوا يفعلون " ما حكمه؟
فيه تفصيل وهو كما يلي:
إذا قال الصحابي: " كنا نفعل أو كانوا يفعلون "، وأطلق فإنه
لا يكون كالمستند فلا يكون حُجَّة اتفاقاً؛ لأن الحُجَّة في إقراره - صلى الله عليه وسلم -، والإقرار هنا منتف في غير عهده، فيحتمل أنه رأي جماعة.
أما إذا قال الصحابي: " كنا نفعل فى عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أو كانوا يفعلون في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد اختلف العلماء فيه على مذهبين:
المذهب الأول: أنه كالمسند، فهو حُجَّة.
وهذا هو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: أن الصحابي ذكر ذلك في معرض الاحتجاج
لإثبات حكم من الأحكام يدل على أنه أراد ما علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - وسكت عنه، ولم يتبين أنه دليل، فأراد الصحابي أن يبين لنا ذلك
ليكون دليلاً شرعيا يستدل به في الأحكام الشرعية، ولا يكون كذلك
إلا وقد علمه الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فلم ينكره.
(2/762)

الدليل الثاني: أن الظاهر من حال الصحابة أنهم لا يقدمون على
أمر من أمور الدين، والنبي - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرهم إلا إذا كان عالِماً به فيكون من السُّنَّة التقريرية.
المذهب الثاني: أن هذا التعبير لا يكون كالمسند، فلا يكون حُجَّة.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنه يحتمل أن يكون
الصحابة يفعلون ما لا يعلمه الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
يؤيد ذلك الاحتمال: ما روي أن زيد بن ثابت كان يحدث الناس
بأن الرجل إذا جامع ولم ينزل فلا غسل عليه، فسأله عمر عن ذلك
قال: حدَّثني أعمامي: " أبي بن كعب "، و " أبو أيوب "،
و"رفاعة"، وكان رفاعة عند عمر فقال رفاعة لعمر: " قد كنا نفعله
على عهد رسول اللَّه "، فقال عمر: ورسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يعلم؛ قال: لا علم له، فجمع عمر المهاجرين والأنصار فأشاروا إليه: أن لا غسل في ذلك، إلا علياً ومعاذاً قالا: إذا جاوز الختان، فقد وجب
الغسل، قال عمر: لا أسمع برجل يفعل ذلك إلا أوجعته، فهذه
القصة تدل على أن الصحابة كانوا يفعلون أشياء لا يعلمها النبي - صلى الله عليه وسلم -.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا الاحتمال - وهو كون الصحابة يفعلون ما لا
يعلمه - صلى الله عليه وسلم - في عهده - لا دليل عليه، والاحتمال الذي لا دليل عليه لا يلتفت إليه.
أما القصة التي ذكروها فيمكن أن يجاب عنها بأن نقول: إنه في
(2/763)

أول الإسلام كان التقاء الختانين لا يوجب الغسل، ثم نسخ ذلك،
فعلم ذلك قوم، ولم يعلمه آخرون، فكان من لم يعلم النسخ
مستمراً على ذلك الحكم الذي كان في صدر الإسلام حتى تبين لهم
خبر عائشة - رضي اللَّه عنها - والعمل على حكم سابق جائز إذا لم
يعلم الناسخ، أما الإقدام على ابتداء فعل يتعلق بالدين من غير
استئذان الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فلا يظن بالصحابة فعله.
ثامناً: قول الصحابي: " كانوا يفعلون كذا " هل يفيد حكاية الإجماع؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يفيد حكاية الإجماع، أي: أن الصحابي
يكون بتلك الصيغة قد نقل لنا الإجماع على هذا الفعل.
ذهب إلى ذلك كثير من العلماء.
وهو الحق عندي؛ لأن اللفظ - في قوله: كانوا يفعلون كذا -
يدل دلالة واضحة على أن الصحابي يحكي هذا الفعل عن الجميع؛
لأنه قال ذلك في معرض الاحتجاج به على حكم معين، فيجب أن
يحمل على من قولهم حُجَّة، وهو الإجماع.
فلو كان الصحابي الراوي يحكي ذلك عن واحد منهم، أو عن
طائفة: لما قاله في معرض إقامة الحجة على حكم معين؛ لأن قول
البعض لا حُجَّة فيه.
المذهب الثاني: أنه لا يفيد حكاية الإجماع، أي: أنه لا يفيد
إضافة الفعل المحكي عن الصحابة إلى جميعهم ما لم يصرح
الصحابي الراوي بنقل الإجماع عن أهله.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء.
(2/764)

دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنه لو كان ذلك مستندا إلى
فعل الجميع، لكان إجماعا، ونظراً لأنه يسوغ مخالفته عن طريق
الاجتهاد دلَّ على عوده على البعض دون الجميع.
جوابه:
يجاب عنه: بأن سبب تسويغ الاجتهاد فيه هو: أن إضافة ذلك
إلى الجميع وقع ظنا، لا قطعا، كما يسوغ الاجتهاد فيما يرويه
الواحد من الألفاظ القاطعة في الدلالة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كان طريق اتباعه ظنيا، وإن كان لا يسوغ فيه الاجتهاد إذا ثبت بطريق القطع.
القسم الثاني - من قسمي كيفية ألفاظ الراوي في نقل الخبر - هو:
كيفية ألفاظ الراوي غير الصحابي في نقل الخبر، وتتبين فيما يلي:
أولاً: قراءة الشيخ على الراوي عنه وهو يسمع، سواء كانت
قراءته إملاء من مكتوب، أو من حفظه، فتجوز الرواية عنه مع
العمل بذلك بالاتفاق.
ثانياً: الصيغ التي يتلفظ الراوي إذا أراد أن يُحدِّث بما سمعه من
شيخه فيما سبق، فيهاتفصيل:
1 - إن قصد الشيخ إسماع الراوي خاصة فإن الراوي يقول:
"حدَّثني فلان "، أو " أخبرني فلان ".
2 - إن قصد الشيخ إسماع الراوي مع. غيره فإنه يقول: " حدثنا
فلان "، و " أخبرنا فلان ".
3 - إن لم يقصد الشيخ إسماع الراوي منفرداً ولا مع جماعة،
(2/765)

فلا يقول الصيغ السابقة، بل يقول: " سمعته يقول كذا "، أو
"يخبر بكذا "، أو " قال فلان كذا "، أو " سمعته يحدث بكذا ".
ثالثاً: أيهما أقوى: قراءة الشيخ على الراوي أم العكس، أم
ماذا؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن قراءة الشيخ على الراوي أقوى من قراءة
الراوي على الشيخ، وهو مذهب الجمهور.
وهو الحق، لدليلين:
الدليل الأول: أنه طريق رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -؛ فإنه الذي كان يحدث أصحابه كما نقلوه عنه.
الدليل الثاني: أن قراءة الشيخ على الراوي أبعد عن الخطأ والسهو
والغلط؛ لكونه يقرأ ما تحقق منه، فيكون أحق فيما هو المقصود،
وهو تحمل الأمانة بصفة تامة.
المذهب الثاني: العكس، وهو: أن قراءة الراوي على الشيخ
أقوى.
ذهب إلى ذلك أبو حنيفة كما نقله عنه السرخسي، وحكاه ابن
الصلاح عن ابن أبي ذؤيب.
دليل هذا المذهب:
أن عناية الطلب أشد عادة؛ لأنه إذا قرأ الراوي على الشيخ كانت
المحافظة من الطرفين، وإذا قرأ الشيخ لا تكون المحافظة إلا منه.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا لا يسلَّم؛ فإن قراءة الشيخ على إلراوي
(2/766)

أقوى من العكس؛ لما قلناه، والراوي المستمع لقراءة الشيخ أحرص
على استماع كل ما يقوله شيخه، وكل منهما قد توفرت فيه شروط
الراوي - الإسلام والتكليف والضبط والعدالة -.
المذهب الثاني: هما سواء.
ذهب إلى ذلك الإمام مالك فيما نقله عنه ابن الصلاح، واختاره
ابن الساعاتي.
دليل هذا المذهب:
أن الذي يقرأ كتاباً ويسهو لا فرق فيه بين القارئ والسامع؛ نظراً
لمساواة من يتكلم أو يستمع فيستفهم فيقول: نعم.
جوابه:
يجاب عنه: بأنه لا يسلم تساوي القارئ والمستمع، فإن الشيخ
إذا قرأ مع تثبت ودقة في حين أن الراوي قد اتصف بشدة الطلب
يكون هذا أقوى وأصح.
رابعاً: قراءة الراوي " التلميذ " على الشيخ وهو يسمع، فيقول
الراوي للشيخ - بعد الفراغ من القراءة -: هل سمعت أيها الشيخ؛
فيقول الشيخ: نعم، أو يقول الشيخ: " الأمر كما قرئ عليّ "،
فتجوز الرواية عنه، مع العمل بذلك بالاتفاق.
خامساً: إذا قرأ الراوي على الشيخ وهو يسمع، ثم قال الراوي
للشيخ: هل سمعت أيها الشيخ؛ فسكت الشيخ، فهل تجوز
الرواية عنه؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه تجوز الرواية عنه، ويجب العمل به.
(2/767)

وهذا هو مذهب جمهور العلماء بشرط: أن لا يوجد لدى الشيخ
أي مانع من الإنكار إذا أخطأ الراوي في القراءة.
وهو الحق؛ لأنه لو لم يكن ما قرأه الراوي صحيحا كله لما سكت
الشيخ، بل لاعترض على الخطأ منه، ولكن سكوت الشيخ وعدم
اعتراضه دليل واضح على أن كل ما قرأه وما ذكره الراوي صحيح،
وما دام أنه صحيح فيجب العمل به.
أي: لو لم تكن قراءة الراوي على الشيخ صحيحة لكان سكوت
الشيخ عَن الإنكار مع القدرة عليه فسقا؛ لما فيه من إيهام صحة ما
ليس بصحيح، وذلك بعيد جداً عن العدل الثقة.
أما إذا غلب على ظننا بأنه يوجد لدى الشيخ مانع من الإنكار
كغفلة فيه، أو قلة مبالاة، أو نوم، أو إكراه على السكوت، ففي
هذه الحالة لا يكتفى بسكوته، بل لا بد من - نطقه بقوله: " نعم " أو
نحو ذلك مما يدل على موافقته على صحة ما قرئ عليه.
المذهب الثاني: أنه لا تجوز الرواية عنه، ولا العمل به.
ذهب إلى ذلك بعض الظاهرية.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن سكوت الشيخ لا يكفي
في الدلالة على صحة ما قرأه، فقد يكون غافلاً، أو مكرها، أو
نحو ذلك، فلا بد من نطقه بأن يقول: " نعم ".
جوابه:
يجاب عنه: باننا لما قلنا: إن سكوت الشيخ إذا قرأ عليه الراوي
وقال له: هل سمعت أيها الشيخ يدل على صحة ما قرأه عليه،
(2/768)

فتجوز الرواية عنه، ويجب العمل به، فإننا لم نقل ذلك مطلقا،
بل اشترطنا: أن لا يكون عند الشيخ أيُّ مانع من الإنكار - إذا أخطأ
الراوي في القراءة - كما بينا فيما سبق، فلذلك لا يصح ذلك
الاحتمال الذين ذكرتموه.
سادسا: الصيغ التي يتلفظ بها الراوي عندما يريد التحدث بما قرأه
على شيخه هي: أن يقول: " أنبأنا فلان قراءة عليه "، أو يقول:
"حدَّثنا فلان قراءة عليه "، أو يقول: " أخبرنا فلان قراءة عليه "،
وهذا متفق عليه؛ لتصريحه بهذه الرتبة.
سابعاً: إذا قرأ الراوي على الشيخ، فهل يجوز أن يقول:
"أخبرنا"، أو " حدَّثنا " مطلقاً، أي: بدون عبارة: " قراءة عليه "؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أنه لا يجوز ذلك، بل لا بد أن يقول:
" أخبرنا أو حدَّثنا قراءة عليه ".
ذهب إلى ذلك الإمام أحمد في رواية عنه، وعبد اللَّه بن المبارك،
والإمام مسلم، والنسائي، وإلغزالي، - وأبو إسحاق الشيرازي،
والآمدي، وأبو الحسين البصري، وهو مذهب كثير من العلماء.
وهو الحق عندي؛ قياسا على أنه لا يجوز لمن قرأ على الشيخ أن
يقول: " سمعت من فلان كذا "، والجامع: أن ظاهر هذه العبارة،
وقول التلميذ في هذه المسألة: " حدَّثنا أو أخبرنا " مطلقا: يقتضي:
أن الشيخ هو الذي تولى القراءة بنفسه، وهذا ليس بصحيح؛ حيث
إن حقيقة الأمر أن الراوي هو الذي تولى القراءة على الشيخ، فترك
عبارة: " قراءة عليه " يوهم السماع من لفظ الشيخ، وهذا كذب
في الرواية.
(2/769)

المذهب الثاني: أنه يجوز ذلك، فيقول: " أخبرنا وحدَّثنا " في
هذه المسألة بدون ذكر عبارة: " قراءة عليه ".
ذهب إلى ذلك الإمام أبو حنيفة، ومالك، ومحمد بن الحسن،
وأبو يوسف، والإمام أحمد في رواية أخرى عنه، والبخاري،
وسفيان بن عيينة، وأبو يعلى، وأبو بكر عبد العزيز، ومعظم
الحجازيين والكوفيين.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بالقياس على الشهادة، بيان ذلك:
أن الراوي إذا قرأ على الشيخ، فلما فرغ قال له: هل سمعت
أيها الشيخ؛ فقال: " نعم "، أو سكت - مع عدم المانع من
النطق -: كان هذا يعتبر إقراراً من الشيخ أن قراءة الراوي عليه
صحيحة، فكأنه بذلك قال له: " نعم قراءتك صحيحة "،
والجواب بلفظ: " نعم " خبر؛ قياسا على الشهادة، فلو قال
شخص لعمرو: " هل لزيد عليك خمسة ريالات؛ "، فقال
عمرو: نعم: كان للشاهد عليه أن يقول: " أشهدني على نفسه
بخمسة ريالات " قال ذلك مع أنه لا يوجد إلا لفظ " نعم "،
فكذلك في الرواية فإذا قال الشيخ: " نعم "، فإنه يكون.
تقدير الكلام: " نعم أخبرني بأني رويت له كذا ".
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
ْالجواب الأول: أن هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛
حيث إنه يوجد فرق بين الشهادة والرواية، كما سبق بيانه.
(2/770)

الجواب الثاني: أن هذا الدليل لا يمنع من إيهام السماع من لفظ
الشيخ، فيكون احتمال السماع من الشيخ قوياً؛ لذلك لا بد من
ذكر عبارة " قراءة عليه " منعا من ذلك الإيهام.
المذهب الثالث: التفصيل؛ بيانه:
أنه يجوز أن يقول الراوي - وهو القارئ على الشيخ -: "أخبرنا
فلان بكذا " مطلقا، أي: بدون ذكر لفظ " قراءة عليه "، ولا
يجوز أن يقول: " حدثنا فلان كذا " مطلقاً، بل لا بد أن يقيد ذلك
بقوله: " قراءة عليه " ذهب إلى ذلك بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب: بوجود الفرق بين " أخبرنا "،
و"حدَّثنا "، وهو: أن الإخبار يستعمل في كل ما يتضمن الإعلام،
أما التحديث فإنه لا يستعمل إلا فيما سمع من فيه.
جوابه:
يجاب عنه: بأن بعض أهل الحديث قد اصطلح على التفريق
بينهما بما ذكرزم، وهذا لا يلزمنا؛ لأن معنى " حدَّثنا "، و " أخبرنا"
متحد في اللغة؛ ذلك لأنه مشتق من الخبر والحديث وهي واحدة.
ثامناً: إذا قال الشيخ: " حدَّثنا " فهل يجوز للراوي أن يبدل
ذلك بلفظ: " أخبرنا "، أو العكس؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز ذلك، فيجوز أن يقول الشيخ:
"حدَّثنا "، ثم يقول الراوي القارئ عليه: " أخبرنا "، ويجوز
-
(2/771)

العكس، وهو أن يقول الشيخ: " أخبرنا "، فيقول الراوي القارئ
عليه: " حدَّثنا".
ذهب إلى ذلك كثير من العلماء، وهو رواية عن الإمام أحمد.
وهو الحق: لما سبق من أن معنى " حدَّثنا " و " أخبرنا " متحد في
اللغة؛ لاشتقاقه من الخبر والحديث، وهي واحدة.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز ذلك.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء، وهو رواية عن الإمام أحمد.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنه يحتمل أن يكون الشيخ
من الذين لا يرون التسوية بين " أخبرنا "، و " حدَّثنا "، فيكون
كذباَعليه.
جوابه:
يجاب عنه بما سبق، وهو أن تفريقه بينهما لا يلزمنا ما دامت اللغة
لم تفرق بينهما، فالمرجع في ذلك إلى لسان العرب.
تاسعاً: إذا قال الشيخ " حدَّثنا "، أو " أخبرنا "، فهل يجوز
للراوي أن يبدل ذلك بلفظ: " سمعت فلانا "؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يجوز ذلك.
وهو مذهب الجمهور.
وهو الحق؛ لأن لفظ " سمعت " مشعر بأن شيخه هو الذي تولى
القراءة بنفسه، أي: هو الذي نطق، وهذا خلاف الحقيقة؛ لأن
(2/772)

الحقيقة أن الراوي هو الذي قرأ على الشيخ، فقال الشيخ: نعم،
أو سكت، وإذا كان مخالفاً لحقيقة الأمر الواقع فهو كذب.
المذهب الثاني: أنه يجوز ذلك إذا علمنا بصريح قوله، أو بقرينة
حاله أنه يريد بقوله: " وهو سمعت فلاناً " - القراءة على الشيخ
دون سماع حديثه.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا متفق عليه، وإنما الخلاف فيما إذا قال:
"سمعت فلاناً "، وهو في الحقيقة قد قرأ على الشيخ، ولم يسمع
منه.
عاشراً: حقيقة الإجازة أن يقول الشيخ للراوي عنه: " أجزت لك
أن تروي عني ما صح عندك من مسموعاتي "، وعند ذلك يجب
الاحتياط في تعيين المسموع.
وحقيقة المناولة أن يقول الشيخ للراوي عنه: " خذ هذا الكتاب
فأروه عني "، أو يقول: " خذ هذا وحدث به عني فقد سمعته من
فلان "، وهو اصطلاح قد اتفق عليه أهل الحديث؛ حيث إن
أحدهم يناول الآخر كتابا فيقول: " اروه عني ".
وصيغة الراوي أن يقول: حدَّثني فلان إجازة "، أو " أخبرني
فلان إجازة ".
حادي عشر: بيان أن المناولة قسم من أقسام الإجازة.
الحق أن المناولة تعتبر قسما من أقسام الإجازة، فالمناولة لا تخرج
عن الإجازة؛ لأن الشيخ لو اقتصر على مجرد المناولة، وهو:
اعطاؤه الكتاب دون اللفظ - أي: لم يقل له: " اروه عني " -
(2/773)

لم تجز الرواية مطلقاً، أما لو اقتصر الشيخ على مجرد اللفظ - وهو
قوله له: " اروه عني " - دون أن يناوله كتابا بيده فإنه يكفي ويغني،
وتجوز الرواية بذلك؛ لأن الإذن إنما يستفاد من اللفظ، لا من إعطائه
الكتاب، فبان أنه لا معنى للمناولة بدون إجازة، وحينئذ تعتبر
المناولة نوعاً من أنواع الإجازة.
ثاني عشر: حكم الرواية بالإجازة والمناولة.
لقد اختلف في ذلك على مذاهب، من أهمها مذهبان:
المذهب الأول: أنه تجوز الرواية بهما.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء، ومنهم: مالك، والشافعي،
وأحمد.
وهذا هو الحق؛ لدليلين هما:
الدليل الأول: أن الطريق - وهو قول الراوي: حدثنا فلان عن
فلان - إنما هو وسيلة إلى معرفة صحة الحديث، ومعرفة صحة
الحديث حاصلة بالإجازة والمناولة؛ لأن المجيز عدل ثقة، والظاهر
أنه لم يجز إلا ما علم صحته، وإلا كان بإجازته رواية ما لم يروه
فاسقاً، وهو لا يمكن في العدل، وإذا علمت الرواية، أو ظننت
بإجازته جازت الرواية عنه.
الدليل الثاني: قياس الإجازة والمناولة على الراوي إذا قرأ على
الشيخ، بيانه:
أن الشيخ - وهو المجيز - إذا قال للراوي: " هذا كتاب مسموعي
فاروه عني "، يكون ذلك بمنزلة ما إذا قرأ الراوي على الشيخ وهو
ساكت، ولا فرق بينهما بجامع: أن الشيخ فيهما لم يتكلم بما في
داخل الكتاب ومسموعاته.
(2/774)

المذهب الثاني: أنه لا تجوز الرواية بالإجازة والمناولة.
ذهب إلى ذلك بعض الحنفية، وبعض الشافعية كالقاضي حسين،
والماوردي، والروياني، وبعض الظاهرية كابن حزم، وبعض أهل
الحديث كشعبة بن الحجاج، وأبي زرعة، وإبراهيم الحربي من
أصحاب الإمام أحمد.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن الشهادة على الشهادة لا
تجوز بالإجازة والمناولة، فيقاس عليها الأخبار، فلا تجوز بالمناولة
والإجازة، ولا فرق بينهما.
جوابه:
يجاب عنه: بأن قياس الرواية على الشهادة قياس غير صحيح؛
لأنه قياس مع الفارق، حيث إن الشهادة تفارق الرواية في أمور
كثيرة، ومنها: أن شاهد الفرع لا يقبل مع وجود شاهد الأصل
بخلاف الرواية، فإن رواية الراوي تقبل مع وجود شيخه الذي أخبر
بهذا الخبر.
ثالث عشر: أنواع الإجازة:
تتنوع الإجازة إلى أنواع:
النوع الأول: الإجازة بمعين لمعين مثل أن يقول الشيخ:
" قد أجزت لك الكتاب الفلاني "، وهذا النوع أعلى أنواع الإجازة.
النوع الثاني: الإجازة لمعين في غير معين مثل أن يقول الشيخ:
"قد أجزت لك جميع مسموعاتي "، وهذا يجوز عند الجمهور.
النوع الثالث: إجازة معين لمعين بوصف العموم مثل أن يقول:
(2/775)

"أجزت للمسلمين، أو لمن أدرك حياتي الكتاب الفلاني "، وهذا
جائز لمن كان موجوداً من المسلمين عند الإجازة.
النوع الرابع: إجازة المجاز مثل أن يقول الشيخ: " أجزت لك
ما أجيز لي روايته ".
النوع الخامس: الإذن في الإجازة مثل أن يقول الشيخ: " أذنت
لك أن تجيز عني من شئت ".
رابع عشر: إذا قال الراوي المجاز: " حدَّثني فلان "، أو قال:
" أخبرني فلان " وأطلق، ولم يقيد ذلك بلفظ " إجازة "، فهل هذا
يجوز؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يجوز ذلك، بل لا بد أن يقول: " حدَّثني
فلان إجازة "، أو يقول: " أخبرني فلان إجازة ".
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وهو الحق عندي، لأنه لو قال الراوي المجاز: " حدَّثني فلان "،
أو أخبرني فلان " بدون لفظ " إجازة " لأوهم ذلك أن الرواية
بالتحديث على الحقيقة والسماع " لأنها الأصل المتبادر إلى الذهن،
ومنعاً لهذا الوهم، قلنا: لا بد من ذكر لفظ " إجازة ".
المذهب الثاني: أنه يجوز للراوي المجاز أن يقول: " حدَّثنى "،
أو " أخبرني " بدوق ذكر لفظ " إجازة ".
ذهب إلى ذلك الإمام مالك وأهل المدينة، وبعض الحنفية
كالجصاص، والبزدوي، والدبوسي، وابن عبد الشكور.
(2/776)

دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقياس الإجازة والمناولة على السماع
حيث قالوا: إن الإجازة والمناولة بمعنى إسماع الشيخ وقراءة الراوي
عليه، فكأن الشيخ لا قال للراوي عنه: " أجزت لك أن تروي عني
هذا الكتاب " أن الراوي قرأه عليه ولا فرق.
جوابه:
يجاب عن هذا بأن هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛
لأن الراوي المجاز لم يسمع من الشيخ شيئاً، ولم يقرأ على الشيخ
شيئاً في الحقيقة، بل أعطاه كتاباً وقال: " أجزت لك أن تروي عني
هذا الكتاب "، وليس في ذلك ما يفيد أنه سمع منه، أو قرأ عليه،
فكيف يجعل في مرتبة السماع؟!
خامس عشر: هل تجوز الإجازة للصبي والمجنون، والكافر والفا سق؟
الحق: أنه تجوز الإجازة لهؤلاء، وذلك ليروي الصبي ما أجيز به
إذا بلغ، ويروي المجنون ما أجيز به إذا عقل، ويروي الكافر ما أجيز
به إذا أسلم، ويروي الفاسق ما أجيز به إذا صلح وثبتت عدالته.
سادس عشر: إذا قال الشيخ: " - خذ هذا الكتاب وهو مسموعي "
ولم يقل: " اروه عني " فهل تجوز الرواية عنه؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا تجوز الرواية عنه مطلقاً.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وهو الحق عندي؛ لدليلين:
(2/777)

الدليل الأول: أن جواز الرواية يستفاد من عبارة: " اروه عني "
فهذه العبارة علامة على الإذن، وما دام أن هذه العبارة لم ترد من
الشيخ - وهو المجيز - فهو لم يأذن بالرواية عنه؛ لأنه ليس في
الكتابة والمناولة ما يدل على تسويغ الرواية عنه، ولا على صحة
الحديث نفسه، فيحتمل - احتمالاً قوياً - أن الشيخ لم يقل: " اروه
عني " نظراً لكونه يعرف أن في هذا الكتاب أو بعضه خللاً قد منع من
إذنه لروايته عنه، فلم يجوز ذلك، فامتنع من قوله: " اروه عني ".
الدليل الثاني: قياس المناولة على الشهادة، بيان ذلك:
إن الشاهد لو قال: " عندي شهادة بكذا "، ولم يقل: " أذنت
لك أن تشهد على شهادتي " لا يجوز - حينئذٍ أن يشهد بها،
فكذلك الرواية إذا قال الشيخ: " هذا مسموعي "، ولم يقل:
"اروه عني "، فإنه لا يجوز أن يروي هذا الكتاب، ولا فرق بينهما
في ذلك.
المذهب الثاني: أنه إذا قال الشيخ: " خذ هذا الكتاب "، أو
قال: " هذا سماعي "، ولم يقل: " اروه عني "، فإنه يجوز
للراوي أن يرويه عنه.
ذهب إلى ذلك ابن الصباغ الشافعي وبعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن الشيخ لو علم أن في
بعض مروياته الموجودة، في الكتاب الذي ناوله الراوي خللاً لما قال
للراوي: " خذ هذا الكتاب أو هذا مسموعي "؛ لأنه يكون بهذا
القول قد غش المسلمين ودلس عليهم.
(2/778)

جوابه:
يجاب عنه: بأن الإنسان قد يوجد منه تساهل في إلقاء الكلام،
ولكن عندما يكون هذا الكلام يترتب عليه عمل في الشريعة يتوقف
عن ذلك.
فلا يمتنع أن يقول الشيخ للراوي: " خذ سماعي "، أو أن
يقول: " هذا سماعي "، ليروي عنه، ولكن بشرط أن يتحقق حال
روايته له فيما بعد، فإذا تحقق من ذلك وقال له: " اروه عني " فإنه
حينئذٍ يجوز للراوي أن يروي عنه، أما قبل أن يتلفظ بذلك فلا يجوز.
سابع عشر: حقيقة الوجادة هي: ما أخذ من العلم من صحيفة
من غير سماع، ولا إجازة، ولا مناولة، وهي عند الحدثين: أن
يجد الراوي شيئاً من الأحاديث مكتوباً بخط الشيخ الذي يعرفه ويثق
بأنه خطه حياً كان الكاتب أو ميتاً.
ولا تجوز الرواية هنا، فلا يجوز أن يقول: " حدَّثني، أو حدَّثنا،
أو أخبرني، أو أخبرنا فلان إجازة ولا غيرها "؛ لأن روايته بذلك
شهادة عليه بأنه قاله، وهذا ليس بصحيح، فيكون كذباً.
ولكن الشخص إذا وجد صحيفة مكتوبة بخط شيخه له أن يقول:
" رأيت مكتوباً في كتاب بخطٍ ظننت أنه خط فلان " يقول ذلك؛
لأن الخط قد يشبه الخط.
ثامن عشر: إذا قال الشيخ: " هذا خطي " يقبل قوله، ولكن لا
يروى عنه ما لم يأذن بروايته عنه بصريح قوله بأن يقول: " اروه عني "
- كما سبق - أو يكون الإذن بقريتة حاله في الجلوس لرواية الحديث.
تاسع عشر: إذا رأى الراوي سماعه في كتاب ووجده، ولم يذكر
(2/779)

سماعه، ولا قراءته، لكن غلب على ظنه سماعه كما يراه من خطه
الذي توثق منه، فهل يجوز له روايته والعمل به؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز له روايته، والعمل به.
ذهب إلى ذلك الإمام الشافعي، كما نسبه إليه الآمدي في
"الإحكام "، والإمام أحمد كما ذكر ذلك أبو يعلى في " العدة "،
وأبو الخطاب في " التمهيد "، واختاره أبو يوسف، ومحمد بن
الحسن، كما ذكر ذلك السرخسي في " أصوله ".
وهذا هو الصحيح عندي؛ لدليلين:
الدليل الأول: رجوع الصحابة إلى كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - والعمل عليها، فقد كان الصحابة - رضوان اللَّه عنهم - يعتمدون على كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - التي ينقلها آحاد الصحابة، وكانوا يعملون بها مثل عملهم على كتب الصدقات، وعملهم على كتاب عمرو بن حزم، وهو الكتاب الذي كتبه النبي - صلى الله عليه وسلم - في - الديات، وبعث به إلى أهل نجران، ثم رواه الناس عن آل عمرو بن حزم من بعده، كما ذكر ذلك النسائي، والدارقطني، فهذا من أدل الدليل على الرجوع إلى الخط والكتاب.
الدليل الثاني: أن الرواية قد بني أمرها على حسن الظن،
وغلبته، والمسامحة، ومراعاة الظاهر من الحال، ألا ترى أن الرواية
تقبل من العبيد والنساء، ولا تعتبر فيها العدالة الباطنة، كل ذلك
دل على خفتها، فإذا وجد الراوي سماعه، وغلب على ظنه أنه
سمعه كما يراه من خطه الذي توثق منه، فإنه تجوز الرواية بذلك،
والعمل به.
(2/780)

المذهب الثاني: أنه لا يجوز أن يرويه، ولا يعمل به إلا أن يذكر
سماعه.
ذهب إلى ذلك أبو حنيفة، كما ذكر ذلك السرخسي في " أصوله "
وتبعه على ذلك بعض الحنفية.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقياس الرواية على الشهادة، بيان
ذلك:
كما أنه لم يجز أن تؤدى الشهادة معتمداً على خطه - ولم يذكر
شهادته - فكذلك الخبر لا يجوز أن يرويه معتمداً على خطه إذا لم
يذكر سماعه؛ والجامع: أن كل واحد منهما يحتاج فيه إلى معرفة
المخبر عنه.
جوابه:
يجاب عنه: بأن دليلكم مبني على قياس الرواية على الشهادة؛
ولا نسلم هذا القياس ولا يصح؛ لأمرين هما:
الأمر الأول: أنكم قستم على شيء لم يتفق عليه الخصمان؛
حيث إن المقاس عليه وهي - الشهادة - يجوز - فيها - أن يشهد إذا
عرف خطه، ولم يخرج عن يده، وإن لم يذكر شهادته هذا عند
بعض العلماء، ومنهم الإمام أحمد.
فإذا كان هذا يجوز في الشهادة فمن باب أوْلى جوازه في الرواية؛
حيث إن الشهادة آكد من الرواية، فحينئذ إذا وجد سماعه في كتاب
بخطه الذي يثق به، فإنه يجوز أن يرويه وإن لم يذكر سماعه.
الأمر الثاني: على فرض أن المقاس عليه متفق عليه وهو:
(2/781)

أنه لا يشهد إذا عرف خطه، فإن قياسكم فاسد أيضاً؛ لأنه قياس مع
الفارق " حيث إنه اعتبر. في الشهادة من الاحتياط والتأكد ما لم يعتبر
مثله في الرواية كما سبق.
عشرون: إذا شك في سماع حديث من شيخه، فهل يجوز روايته عنه؟
إن الراوي إذا شك في سماع حديث واحد من شيخه وتردد فيه:
هل سمعه منه أو لا؛ فإنه لا يجوز له أن يرويه عنه، فلو وجد في
مسموعاته عن الزهري - محمد بن مسلم المدني - حديثاً معينا شك
أنه سمعه من الزهري أم لا؛ لم يجز أن يرويه عنه ويقول: "سمعت
الزهري "، ولا يقول: " قال الزهري "، ولا يقول: " أخبرنا أو
حدَّثنا الزهري "، أو نحو ذلك.
دليل ذلك: أن روايته عنه، وقوله: " قال فلان "، أو "سمعت
فلاناً "، أو نحو ذلك يعتبر شهادة عليه، والشهادة لا بد فيها من
الجزم والعزم والعلم " حيث لا شهادة مع التردد والشك، ولا يوجد
علم مؤكد، - بل شك في سماعه، فلا يجوز أن ينسبه إليه مع هذا
الشك، فلعله سمعه من غيره، فهو كمن سمع إقراراً ولم يعلم أن
المقر زيد، أو عمرو، فلا يجوز أن يجزم أنه زيد كما لا يجوز أن
يجزم أنه عمرو.
واحد وعشرون: إذا شك في سماع حديث والتبس عليه مع غيره
فما الحكم؟
إن الراوي إذا روى كتاباً عنْ بعض المحدثين فيه مائة حديث
- مثلاً - وشك في سماع حديث واحد منها، ولم يستطع أن يعين هذا
(2/782)

الحديث ولا تميزه من مسموعاته والتبس عليه، فالحكم والحالة هذه
أنه لا يجوز أن يروي شيئاً من جميع تلك الأحاديث المائة.
دليل ذلك: أن الرواية عنه تعتبر شهادة عليه، والشهادة لا تجوز
مع الشك والتردد، فهنا ما من حَديث إلا ويمكن أن يكون هو الذي
لم يسمعه من شيخه، فلذلك يتركها جميعها احتياطا.
ثاني والعشرون: ما الحكم إذا غلب على ظنه في حديث أنه
مسموع من شيخه؛
إذا غلب على ظن الراوي أن حديثاً قد سمعه من شيخه - ولكنه
لم يقطع بذلك، فهل يجوز أن يرويه أو لا؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: يجوز أن يرويه.
وهو مذهب جمهور العلماء.
وهو الحق؛ لأن الراوي العدل الثقة إذا غلب على ظنه وجود
شيء فهو صدق يجب العمل على مقتضاه في حين أنه لا معارض
لذلك، وغالب الأحكام مبناها على غلبة الظن، وهذا منها: فإن
الراوي العدل الثقة قد غلب على ظنه أنه سمع الحديث من شيخه،
فعليه أن يعمل بذلك فيرويه؛ عملاً بغلبة الظن.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز أن يرويه، أي: لا يجوز للراوي أن
يروي حديثاً قد غلب على ظنه أنه سمعه من شيخه، بل لا بد من
الجزم في ذلك وإلا يتوقف.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء، ومنهم الغزالي في " المستصفى".
(2/783)

دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقياس الرواية على الشهادة، بيانه:
أن الشهادة لا بد فيها من العلم والجزم، فالشاهد يجب عليه أن
يتأكد ويتحقق؛ لأن تكليفه أن لا يشهد إلا على المعلوم، وكذلك
الراوي لا سبيل إلى معرفة صدق الشيخ، ولكن له طريق إلى معرفة
قوله بالسماع، فإذا لم يتحقق ويتأكد من السماع، فلا يروي.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
أولهما: أن هذا قياس للرواية على الشهادة، وهو قياس فاسد؛
لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الشهادة يحتاط فيها، ويحترز منها ويتأكد
منها، ويعتبر فيها أشياء لا تعتبر في الرواية كما سبق.
ثانيهما: أننا قلنا إذا غلب على ظن الراوي: أن هذا الحديث قد
سمعه من شيخه بأمارات وقرائن، فإنه يجوز أن يرويه ويعمل به؛
لأنه إذا غلب على ظنه فإنه يكون راجحاً، والعمل بالراجح متعين،
وجل الأحكام الشرعية مبنية على الظنون، ولو قصرنا ذلك على
القطع، لانتفت أكثر الأدلة مما يؤدي إلى تعطيل أكثر الحوادث بلا
أحكام.
ثالث وعشرون: ما الحكم إذا أنكر الشيخ الحديث إنكاراً صريحاً؟
إذا أنكر الشيخ العدلى الحديث الذي رواه عنه الفرع - وهو الراوي
الفرع - إنكار جحود وتكذيب للفرع بصورة صريحة كقوله - مثلاً -:
" كذب عليَّ "، أو " ما رويت له قط ": فالحكم هنا: أن الحديث
لا يقبل، فيمتنع العمل بهذا الحديث اتفاقاً.
(2/784)

دليل ذلك: أن كل واحد منهما - أعني: الشيخ والفرع الراوي
عنه - موصوف بالعدالة والثقة، وكل منهما مكذب للآخر فيما
يدعيه، فلا بد أن يكون أحدهما - غير معين - كاذب، وهذا
موجب للقدح في الحديث.
لكن ذلك لا يوجب جرح واحد منهما على التعيين؛ لأنه وقع
الشك في كذبه، والأصل العدالة، وهي متيقنة، فلا يترك اليقين
بالشك.
وفائدة ذلك: تظهر في قبول رواية كل واحد منهما في غير ذلك
الحديث الذي أنكره الشيخ، هذا إذا كان الإنكار صريحاً.
رابع وعشرون: ما الحكم إذا أنكر الشيخ الحديث إنكاراً غير
صريح وهو التوقف؟
إذا أنكر الشيخ الحديث إنكاراً غير صريح بأن يقول - مثلاً -:
"لست أذكر ذلك الحديث "، أو نحو ذلك: فقد اختلف العلماء هل
يقدح ذلك الإنكار في الحديث فلا يقبل، أو لا يقدح فيقبل؛ على
مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يقدح في الحديث، بل يقبل ويُعمل به.
ذهب إلى دلك الإمام مالك، والشافعي، وأحمد في رواية عنه،
وجمهور العلماء، وبعض الحنفية كمحمد بن الحسن.
وهو الصحيح عندي، لدليلين:
الدليل الأول: أن الراوي - وهو الفرع - موصوف بالعدالة
والثقة، وقد روى هذا الحديث، وقد جزم بهذه الرواية عن الشيخ
في حين أن الشيخ لم يكذبه، ولم ينكر حديثه على وجه العزم، بل
(2/785)

كل ما قاله: " لست أذكره "، وهذا لا يفيد إنكاره بصراحة، فهذا
كله يقتضي ترجيح صدق الراوي - وهو الفرع -، وإذا كان صادقا
فيجب قبول الحديث الذي رواه والعمل به.
أما قول الشيخ، فإنه يحمل على أنه قد نسي هذا الحديث، لأن
النسيان غالب على الإنسان، ولا يمكن لأي شخص أن يتذكر كل ما
حفظ في عمره في لحظة واحدة.
الدليل الثاني. ما ثبت في سن أبي داود عن ربيعة بن أبي عبد
الرحمن - ربيعة الرأي - عن سهيل بن أبي صالح، عن أبي هريرة:
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى باليمن مع الشاهد، فذكر ذلك لسهيل فقال:
"أخبرني ربيعة - وهو عندي ثقة - أني حدثته إياه، ولا أحفظه،
فلم ينكره أحد من التابعين، فكان ذلك إجماعاً على قبول الحديث
والعمل به، إذا رواه الراوي وإن لم يذكره الشيخ.
ما وجه إلى هذا الدليل من الاعترضات:
الاعتراض الأول: قال المعترض فيه: إن هذه القصة لا حُجَّة
فيها، لاحتمال أن سهيلاً قد ذكر الرواية لما روى ربيعة عنه، ومع
الذكر فالرواية تكون مقبولة.
جوابه:
يجاب عنه بأن النص الذي ذكره أبو داود في سننه يُضعِّف هذا
الاعتراض، حيث قال سهيل: " أخبرني ربيعة أني حدَّثته إياه " فلو
صح ما قاله ذلك المعترض - وهو أن سهيلاً قد تذكر - لما ذكر
ربيعة، إذ لا حاجة إلى ذلك، ولروى سهيل عن شيخه مباشرة كما
لو نسي ثم تذكر بنفسه، ولكنه ذكر ربيعة، فهذا يقوي ما قلناه.
الاعتراض الثاني: قال المعترض: إنكم قلتم بأن التابعين قد
(2/786)

أجمعوا على جواز مثل ذلك، ولا نسلم ذلك الإجماع؛ إذ لا دليل
عليه، وعلى فرض صحة الإجماع، فإنه لا يلزم منه وجوب العمل
بالحديث إذا أنكره الشيخ إنكار توقف؛ حيث إن سهيلاً لم ينقل ذلك
عن طريق تصحيح روايته، وإنما كان يقوله على طريق حكاية الواقعة
بزعمه، وهذا لا يدل على وجوب العمل، وإنما يدل على جواز
قول الأصل بعد النسيان: " حدثني الفرع عني "، وهذا لا يلزم منه
وجوب العمل ولا جوازه.
جوابه:
يجاب عنه: بأن إجماع التابعين صحيح؛ لأنه لم ينكر أحد على
سهيل فيما قاله؛ إذ لو وجد إنكار لنقل، ولكن لم ينقل شيء من
ذلك فيعتبر ذلك إجماعاً سكوتياً، وبناء على هذا الإجماع فإنه يلزم
العمل بمقتضى الخبر.
المذهب الثاني: أن إنكار الشيخ للحديث إنكاراً غير صريح يقدح
في الحديث فلا يقبل.
ذهب إلى ذلك أكثر الحنفية، ومنهم أبو الحسن الكرخي،
والجصاص، وأبو زيد الدبوسي، وأبو عبد اللَّه الصيمري،
والبزدوي، والنسفي، وهو ظاهر كلام السرخسي في أصوله،
ونسبه إلى أبي حنيفة، وهو رواية عن الإمام أحمد.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذ. االمذهب بقياس الرواية على الشهادة، بيان
ذلك:
أنه لو شهد شاهدان على شهادة شاهدين، فإذا نسي شاهدا
(2/787)

الأصل الشهادة وقالا: لا نذكر ولا نحفظ شيئاً: ففي هذه الحالة لا
يجوز للحاكم العمل بشهادة شاهدي الفرع، فكذلك هنا في
الرواية، فإن الأصل - وهو الشيخ المروي عنه - لم يصدِّق الفرع -
وهو الراوي عنه، وإنما توقف في ذلك ونسي ما رواه الفرع عنه،
فلا يجوز العمل بروايته عنه بجامع: الفرعية والنسيان في كل منهما.
جوابه:
يجاب عنه: بأنكم قستم الرواية على الشهادة في ذلك، وهذا
القياس فاسد؛ لأن قياس مع الفارق؛ حيث إنا بينا - فيما سبق -
أن الشهادة تفارق الرواية وتختلف عنها في أمور كثيرة؛ فباب الشهادة
أضيق من باب الرواية وأغلظ حكماً، وقد اعتبر في الشهادة من
الاحتياط والشروط والقيود ما لم يعتبر في الرواية، فكيف يقاس
أحدهما على الآخر مع الاعتراف بتلك الفروق.
ومن هذه الفروق بينهما - مما يخص الموضوع الذي نحن
بصدده -: أن شهادة الفرع - وهو الذي شهد على شهادة الأصل - لا
تسمع مع وجود شاهد الأصل والقدرة على سماع الشهادة منه مباشرة
على مذهب جمهور العلماء.
بخلاف الرواية: فإن رواية الفرع تسمع وتقبل ويعمل بها مع
القدرة على السماع من الأصل وهو الشيخ.
دل على ذلك ما يلي:
1 - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرسل رسله وسعاته أفراداً وجماعات إلى القبائل، وأطراف البلدان، فيخبرون المسلمين في هذه البلدان بما جد من الأحكام الشرعية، فكان هؤلاء يسمعون ذلك ويلزمون أنفسهم
(2/788)

بالعمل بتلك الأعمال أخذاً من هؤلاء الرواة، ولا يرجعون إلى النبي
- صلى الله عليه وسلم - مع استطاعتهم على الرجوع إليه.
2 - أن أهل قباء تحولوا من التوجه إلى بيت المقدس إلى الكعبة
بقول واحد، ولم يرجعوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - مع استطاعتهم على ذلك.
3 - أنه كان أبو طلحة، وأبو عبيدة، وأبي بن كعب يشربون
الخمر - قبل أن تحرم - فجاء آتٍ، وقال لهم: إن الخمرة قد
حرمت، فقبلوا ذلك منه، فأمروا أنساً بإراقة ما في الجرار من الخمر
فهؤلاء عملوا بهذا الخمر، دون مراجعة النبي - صلى الله عليه وسلم - مع القدرة على ذلك.
فهذه أدلة على أن رواية الفرع تسمع ويعمل بها مع القدرة على
سماع رواية الأصل.
أما الشهادة على الشهادة فلا تسمع شهادة الفرع مع القدرة على
سماع شهادة الأصل.
فإذا افترقا في ذلك، فإنهما كذلك يفترقان في هذه المسألة،
وهي: أن شاهد الأصل إذا نسي الشهادة، فإنه لا يجوز العمل
بشهادة شاهد الفرع.
بخلاف الرواية، فإن راوي الأصل - وهو الشيخ - إذا نسي
الرواية فإنه يجوز للراوي - وهو الفرع - أن يروي وتقبل روايته،
وذلك لأن الرواية يتوسع فيها أكثر من الشهادة كما سبق بيانه.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي، وهو واضح.
(2/789)

المسألة السابعة عشرة: زيادة الثقة في الحديث هل تقبل؟
المسألة تحتاج إلى تفصيل:
أولاً: إن كانت الزيادة مخالفة للمزيد عليه، بحيث لا يمكن
الجمع بينهما: كانا متعارضين، ولا يمكن أن نرجح أحدهما إلا
بمرجح خارجي.
ثانياً: وإن كانت الزيادة غير مخالفة للمزيد عليه، بل موافقة
مثل: " ما روي أن - صلى الله عليه وسلم - دخل الكعبة فصلى بين العمودين
اليمانيين " وما روي: " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل الكعبة وكبر، ولم يصل فيها "، فهنا لا تنافي بين الروايتين، وفي ذلك تفصيل كما يلي:
1 - إن علم تعدد المجلس: قبلت الزيادة اتفاقاً؛ لأنه لا يمتنع أن
يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - الزيادة في مجلس، ويتركها في مجلس آخر، فيكون راوي الزيادة قد حضر المجلس الذي ذكرت فيه تلك الزيادة،
أما الآخر فلم يحضر ذلك المجلس.
2 - إن لم نعلم ذلك، أي: جهلنا أن المجلس متعدد، أو
متحد، فإنا نقبل تلك الزيادة؛ لأن ذاكر تلك الزيادة قد توفرت فيه
شروط الراوي، ومنها: العدالة والثقة، فيترجح صدقه، وإذا
ترجح صدقه وجب قبول قوله، والمعارض له لم ينف احتمال تعدد
المجلس.
3 - إن علمنا أن المجلس واحد ففيه تفصيل:
(أ) فإن كان الذي نقل الزيادة واحداً، والذي نقل الخبر بدون
زيادة جماعة، لا يجوز في العادة ذهولهم عما ضبطه الراوي الواحد
وانفرد به: فإن الزيادة - حينئذٍ - لا تقبل؛ وذلك لأن تطرق الخطأ
(2/790)

والسهو والغفلة إلى الواحد فيما نقله من الزيادة أقرب من تطرق ذلك
إلى هؤلاء الجماعة.
(ب) أما إن كان الذي نقل تلك الزيادة واحد، والذي نقل الخبر
بدون زيادة واحد أيضاً، ففيه تفصيل:
إن كان ناقل الزيادة أشهر ممن لم ينقل الزيادة بالحفظ والضبط
والعدالة والثقة، فإن الزيادة تقبل لتلك الشهرة بالأوصاف السابقة.
وإن كان العكس فالعكس، أي: إن كان الذي لم ينقل الزيادة
أشهر ممن نقل الزيادة بالحفظ والضبط والثقة والعدالة: لم تقبل تلك
الزيادة.
أما إن تساويا في جميع تلك الأوصاف، أي: أن ناقل الزيادة
قد تساوى مع من لم ينقل الزيادة في الحفظ والضبط والعدالة وجميع
شروط الراوي، فهذا هو الذي اختلف فيه على مذهبين:
المذهب الأول: أن تلك الزيادة تقبل مطلقا، سواء كانت تلك
الزيادة معنوية كما سبق، أو لفظية، كما روي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في رواية: " إذا قال الإمام: سمع اللَّه لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد "، وروي عنه أنه قال: " ربنا لك الحمد " بحذف الواو.
وهذا هو الحق عندي؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: أن العدل الثقة لو انفرد بنقل حديث لقبل،
فكذلك لو انفرد بزيادة ولا فرق بجامع: رواية العدل الثقة الجازم
لكل منهما.
الدليل الثاني: أن من أتى بالزيادة قد وصف بالعدالة والثقة، وقد
جزم بتلك الزيادة، ولم يوجد له مخالف، فهذا يغلب صدقه على
(2/791)

كذبه، وإذا غلب صدقه فلا يجوز تكذيبه، وإذا لم يجز تكذيبه
فيجب قبول ما أتى به من الزيادة.
الدليل الثالث: أن انفراد الثقة العدل بحفظ زيادة في الحديث غير
ممتنع عقلاً ولا شرعا؛ لأنه ممكن وواقع - كما سبق - وما دام أنه
يمكن رواية الزيادة، فإنه يجب قبولها؛ نظراً لورودها من شخص قد
اتفق على قبول كل ما رواه.
المذهب الثاني: أن تلك الزيادة لا تقبل.
ذهَب إلى ذلك بعض الظاهرية.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أنه يبعد انفراد هذا الراوي بحفظ تلك الزيادة مع
إصغاء الآخر للحديث واستماعه له مع اتحادهما بالثقة والعدالة
والضبط والحفظ، فتكون هذه الزيادة قد توهمها من أتى بها فلا
تقبل.
جوابه:
يجاب عن ذلك: بأن الراوي قد قطع بسماع تلك الزيادة،
والآخر ما قطع بنفيها، وكون ذلك الراوي لم ينقل تلك الزيادة التي
تفرد بها ذلك الراوي، فلاحتمالات كثيرة.
منها: كون راوي الزيادة قد. حضر جميع المجلس، بينما الذي لم
يرو الزيادة قد دخل في أثناء المجلس، ففاته ما قيل في أوله.
ومنها: أن راوي الزيادة قد حضر جميع المجلس، وسمع كل ما
قيل فيه، أما الذي لم يورد الزيادة، فإنه حضر أول المجلس، ثم
خرج في آخره لشيء أوجب خروجه وقيامه.
(2/792)

ومنها: أن راوي الزيادة قد حضر جميع المجلس، وسمع كل ما
قيل فيه، أما الآخر وهو الذي لم ترد الزيادة في حديثه، فإنه عرض
له في أثناء المجلس ما يزعجه ويدهشه عن الإصغاء لكلام الشيخ.
ومنها: أن الذي لم يرو الزيادة قد نسيها، بينما حفظها الآخر.
وغير ذلك من الاحتمالات، وإذا تطرقت هذه الاحتمالات فلا
يبعد انفراد هذا الراوي بحفظ زيادة.
الدليل الثاني: أنه قد جرت عادة الراوي بتفسير الحديث، فيزيد
لفظاً من أجل ذلك، فربما ظنها من سمع منهم أنها من قول النبي
- صلى الله عليه وسلم - فيرويها، وليست من قوله.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا بعيد جداً، لأن العدل الثقة الضابط المثبت
يظهر من حاله أنه لا يدرج في كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - ما ليس فيه لما فيه من التدليس والتلبيس.
ولو قبلنا مثل هذا الاحتمال فما من حديث إلا ويمكن أن يتطرق
إليه مثل ذلك الاحتمال، مما يؤدي إلى الشك في جميع الأحاديث
أن فيها زيادات، وهذا يبطلها كلها - وهذا لا يمكن -.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي له أثره في الأحكام الفقهية، وهو واضح،
فعلى مذهبنا وهو المذهب الأول، فإنه يؤخذ، ويعمل بما دلَّ عليه
الخبر، وما دلت عليه الزيادة، وعلى المذهب الثاني فإنه يعمل بما دل
عليه الخبر فقط، ولا يعمل بما دلت عليه الزيادة.
(2/793)

المسألة الثامنة عشرة: مخالفة الراوي للحديث الذي رواه:
إذا روى الراوي العدل حديثا، وروي عنه: أنه قد عمل بخلافه،
فهل نعمل بالحديث، ونترك عمله المخالف له أو نترك الحديث ونعمل
بما رآه وعمل به؟
الحق أن في ذلك تفصيلاً هو كما يلي:
أولاً: إن علمنا مأخذه ودليله على مخالفته للحديث الذي رواه،
وكان هذا المأخذ وهذا الدليل مما يوجب حمل الحديث على ما ذهب
إليه وجب اتباع ذلك الدليل، وترك الحديث لأجل ذلك الدليل
الذي أوجب مخالفته، لا لأن الراوي عمل به؛ لأنه ليس عمل أحد
المجتهدين حُجَّة على المجتهد الآخر.
ثانياً: إن جهلنا مأخذه ودليل الراوي على مخالفة الحديث الذي
رواه، فقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنة يجب العمل بالحديث، وترك عمل الراوي
مطلقا.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وهو الحق؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: أن الراوي قد توفرت فيه شروط الرواية، وقد
جزم بروايته للحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا هو الأصل في وجوب العمل بالحديث.
أما عمل الصحابي بخلاف ما روى فيتطرق إليه عدة احتمالات:
ومنها: احتمال أنه قد نسى الحديث، ومنها: احتمال أنه قد
حمل الحديث على أحد محامله وقد أخطأ فيه، ومنها: أنه قد اطلع
(2/794)

على وجود ناسخ للحديث، وقد يكون ناسخا في ظنه، ولا يكون
ناسخاً عند غيره من المجتهدين، ومنها: احتمال أنه خالفه لدليل
أقوى من الحديث وقد أخطأ فيه، أو هو مما يقول به دون غيره مق
المجتهدين كما فعل الإمام مالك، حيث ترك حديث خيار المجلس؟
لأنه خالف إجماع أهل المدينة، وإذا تردد عمل الراوي بين تلك
الاحتمالات، فلا يترك ما جزم به، وهو ثبوت الحديث عن النبي
- صلى الله عليه وسلم - من أجل شيء دخله الشك والاحتمال.
الدليل الثاني: أن قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - حُجَّة، وقول الراوي أو عمله ليس بحُجَّة، وبناءعلى ذلك لا يقدم ما ليس بحُجَّة على ما
هو حُجة.
المذهب الثاني: أنه يقدم عمل الراوي، ويترك الحديث الذي رواه.
ذهب إلى ذلك كثير من الحنفية.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن الراوي قد ترك العمل
بالحديث إما لأمر أوجب الترك، أو فعل ذلك تحكماً.
فإن فعل ذلك تحكماً فهذا باطل؛ لأن عدالته تمنع من ذلك.
فلم يبق إلا الأول وهو: أنه قد ترك العمل بالحديث لأمر أوجب
الترك، فيجب متابعته في ذلك؛ لأن حسن الظن بالراوي يقتضي
تقديم ما فعله على ما رواه.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا الأمر الذي اقتضى ترك العمل بالحديث قد
(2/795)

يكون ثابتاً عنده بالاجتهاد كما قلنا في الاحتمالات السابقة، وما ثبت
عنده قد يكون غير ثابت عند غيره من المجتهدين، فما ظهر في نظره
لا يكون حُجَّة على غيره، وإذا احتمل هذا وهذا فلا يترك النص
الذي لا احتمال فيه لأمر محتمل.
ويدل على حسن الظن بالراوي المخالف لروايته: أننا قد عملنا
بالحديث الذي خالفه؛ إذ لو كنا نسيء الظن به لما علمنا بروايته
أصلاً، أما عمله الذي خالف به ما رواه فلا نعمل به؛ نظراً لما يعتريه
من الاحتمالات التي ذكرنا بعضها.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة معنوي له أثره في بعض المسائل الفقهية
ومنها:
1 - هل يجب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً أو ثلاثا؛ على
قولين:
القول الأول: أنه يجب غسل الإناء من ذلك سبع مرات لحديث
أبي هريرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا ... "، وهذا هو قول أصحاب المذهب الأول السابق وهم الجمهور.
القول الثاني: أن الواجب غسل الإناء من ذلك ثلاث مرات؛
لأن أبا هريرة قد خالف ما رواه وغسل ثلاثا، وهو قول أكثر الحنفية.
2 - هل يشترط الولي في النكاح؟
اختلف في ذلك على قولين:
القول الأول: أنه يشترط الولي في النكاح.
وهو مذهب أصحاب المذهب الأول السابق في المسألة مستدلين
(2/796)

بحديث عائشة وهو: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: " أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل.. ".
القول الثاني: أنه لا يشترط الولي في النكاح.
وهو قول أصحاب المذهب الثاني، وهم أكثر الحنفية مستدلين بأن
عائشة قد زوجت ابنة أخيها عبد الرحمن بدون إذنه على المنذر بن
الزبير، وبهذا خالفت ما روته، وبهذا يسقط الاستدلال بذلك
الحديث.
وقد بحثت هذه المسألة بالتفصيل في كتاب سميته " مخالفة
الصحابي للحديث النبوي الشريف " قد طبع في مجلد فارجع إليه إن شئت.
***
المسألة التاسعة عشرة: مخالفة أكثر الأمة لخبر الواحد:
الحق: أنه إذا عمل أكثر الأمة بما يخالف حديثا من الأحاديث،
فإنه يعمل بالحديث، ويترك عمل الأكثر؛ لأن عمل أكثر الأمة حجة
ظنية، وخبر الواحد وإن كان يفيد الظن في سنده إلا أننا نرجح
العمل به؛ لأن الراوي العدل قد جزم بسنده إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيكون قولا للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وقوله حُجَّة فيعمل به لذلك.
***
المسألة العشرون: خبر الواحد إذا خالف القياس:
لقد اختلف في ذلك على ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: أنه إذا تعارض خبر الواحد مع القياس، فإنه يقدم
خبر الواحد مطلقا.
(2/797)

ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وهو الحق " للأدلة التالية:
الدليل الأول: حديث معاذ، وهو أنه لما بعثه إلى اليمن قال له:
" بِمَ تقضي؛ " قال: بكتاب الله، قال: " فإن لم تجد؟ "
قال: بسُنة رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، قال: " فإن لم تجد؟
" قال: أجتهد رأيي ولا آلوا، فصوبه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وجه الدلالة: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أقر معاذاً على تقديم السُّنَّة على العمل بالاجتهاد الذي يعتبر القياس نوعا من أنواعه من غير تفريق بين السُّنَّة المتواترة والسنَّة الآحادية، وهذا يفيد تقديم الخبر على القياس
إذا تعارضا.
الدليل الثاني: إجماع الصحابة السكوتي على تقدرم خبر الواحد
على القياس.
بيان ذلك: أن بعض الصحابة كانوا إذا حدثت حادثة فإنهم
يبحثون عن حكمها في كتاب اللَّه، فإن لم يجدوا فيه، بحثوا عنه
في السُّنَّة، فإن لم يجدوا حكمها اجتهدوا بأنواع الاجتهادات،
ومنها: القياس، فكانوا لا يستدلون بقياس ولا بغيره من أنواع
الاجتهادات إلا إذا لم يجدوا نصا، كان هذا فعل بعضهم، ولم
ينكر عليهم أحد؛ إذ لو أنكر لبلغنا، ولكن لم يبلغنا شيء من
ذلك، فكان إجماعا سكوتيا، والأمثلة على ذلك كثيرة.
ومنها: أن سعيد بن المسيب قال: كان عمر بن الخطاب قضى
بالإبهام بخمس عشرة، وفي التي تليها بعشر، وفي الوسطى بعشر،
وفي التي تفي الخنصر بتسع، وفي الخنصر بست، فحكم بذلك لما
عرف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى في اليد بخمسين، وكانت اليد خمسة
(2/798)

أطراف مختلفة الجمال والمنافع، فحكم لكل واحد من الأطراف
بقدره من دية الكف، وهذا يعتبر قياسا على الخبر، ووافقه من سمع
من الصحابة على ذلك، فلما علم بكتاب عمرو بن حزم في
الديات، حيث إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال فيه:
" وفي كل إصبع مما هنا لك عشر من الإبل "
رجع إليه هو ومن وافقه من الصحابة.
ومنها: أنه كان عمر بن الخطاب لا يورث المرأة من دية زوجها
اجتهاداً؛ لأن الميراث يثبت بملكه قبل الموت، وهو لا يملك الدية
قبله، فلما علم بخبر الضحاك بن سفيان وهو: أنه كتب إليه النبي
- صلى الله عليه وسلم -: "أن أرث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها " رجع إليه، وعمل به دون إنكار من الصحابة، فهذا يدل على أن خبر الواحد مقدم على الاجتهاد مطلقاً، سواء كان قياسا أم لا.
الدليل الثالث: أن خبر الواحد قول للمعصوم، وهو - صلى الله عليه وسلم - وكلامه، أما القياس فإنه اجتهاد المجتهد واستنباطه، وإذا تعارض
كلام المعصوم، وكلام غيره، فإنه يقدم كلام المعصوم؛ لأنه يثير
غلبة الظن بصورة أبلغ وأقوى من كلام غيره، فخبر الواحد أغلب
على الظن من القياس، فيجب تقديمه عليه.
المذهب الثاني: أن القياس يقدم على خبر الواحد مطلقا.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء من الحنفية والمالكية.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن القياس أقوى من خبر
الواحد؛ لأن الاحتمالات تتطرق إلى الخبر أكثر من تطرقها إلى
القياس، بيان ذلك:
(2/799)

أن خبر الواحد يحتمل فسق أحد الرواة، ويحتمل ذهول أحد
الرواة وغفلته وسهوه، ويحتمل الخبر النسخ والتجوز والإضمار، أما
القياس فلا يحتمل شيئاً من ذلك، وغير المحتمل يقدم على المحتمل،
فيقدم القياس على الخبر.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أننا بينا أن الراوي المقبول خبره يشترط فيه أربعة
شروط هي: (لإسلام، والتكليف، والضبط، والعدالة، فهذه
الاحتمالات بعيدة جداً إذا توفرت هذه الشروط حقيقة في ذلك
الراوي.
الجواب الثاني: أن هذه الاحتمالات كما تتطرق إلى الخبر تتطرق
- أيضاً - إلى القياس إذا كان أصله خبراً.
المذهب الثالث: التفصيل بين الرواة.
فإن كان الراوي فقيها كالخلفاء الأربعة، والعبادلة، وزيد بن
ثابت، ومعاذ، وعائشة، وأبي بن كعب، وأبي موسى الأشعري،
فإن خبره يقدم على القياس إذا عارضه.
وإن كان الراوي غير فقيه كأبي هريرة، وأنس، وسلمان، وبلال،
فإن القياس يقدم على خبره إذا تعارضا، وهذا عند الضرورة.
ذهب إلى ذلك بعض الحنفية.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنه يحتمل أن الراوي نقل
الحديث بالمعنى على حسب فهمه وأخطأ في ذلك، ولم يدرك مراد
(2/800)

النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلهذا كان مخالفا للقياس من كل وجه، فلهذه الضرورة
يترك الحديث ويعمل بالقياس.
جوابه:
يجاب عنه: بأنه هذا التفريق بين الرواة لا دليل صحيح عليه،
وما لا دليل عليه فلا يعتد به.
وما ذكرتموه من احتمال أن الراوي نقل الحديث بالمعنى وأخطأ فيه،
وأنه لم يدرك مقصود النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهذا بعيد جدا مع ظهور عدالة الراوي، لا سيما الصحابة الذين قد عدلهم اللَّه ورسوله - كما سبق بيانه -.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة معنوي، وقد أثر في كثير من مسائل الفقه
ومنها:
1 - إذا مات زوج عن امرأته بعد العقد وقبل الدخول، فهل لها
المهر أو لا؟
اختلف في ذلك على قولين:
القول الأول: أن لها مهر مثلها.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء مستدلين بما روي عن ابن مسعود
أنه سئل عن هذه المسألة فقال: أرى أن لها مهر مثيلاتها وعليها العدة
ولها الميراث، فقال معقل بن سنان الأشجعي: أشهد أنك قضيت
فيها بقضاء رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في بروع بنت واشق من جماعتنا.
القول الثاني: أنه لا مهر لها.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء، ومنهم الإمام مالك ورد الحديث
(2/801)

بأنه مخالف للقياس، وذلك لأن المهر عوض عن الاستمتاع بالبضع،
فلما لم يقبض المعوض - وهو البضع - لم يجب العوض؛ قياسا
على البيع.
2 - هل يجب القضاء على من أكل أو شرب ناسياً؟
اختلف في ذلك على قولين:
القول الأول: أنه لا قضاء عليه.
ذهب إلى ذلك كثير من العلماء مستدلين بقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"من نسى وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه اللَّه وسقاه ".
القول الثاني: أنه يجب القضاء عليه.
ذهب إلى ذلك بعض المالكية، ولم يعملوا بالحديث؛ لأنه على
خلاف القياس، فإن الصوم قد فات ركنه، وهو من باب المأمورات،
والقاعدة تقتضي أن النسيان لا يؤثر في طلب المأمورات.
***
المسألة الواحدة والعشرون: خبر الواحد فيما تعم به البلوى:
المراد بذلك: أن يرد خبر واحد ويدل على حكم شرعي يحتاج
كل أحد من المكلَّفين إلى معرفته مع كثرة تكرره ووقوعه، كان يتعلق
بأحكام الوضوء، أو الصلاة، ونحو ذلك مما تشتد حاجة المكلَّفين
إلى معرفة حكمه مثل: قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"من مس ذكره فليتوضأ "، ونحوه.
فإذا روى واحد خبراً تعم به البلوى هل يقبل؟
اختلف في ذلك عاى مذهبين:
المذهب الأول: أن خبر الواحد فيما تعم به البلوى مقبول.
(2/802)

ذهب إلى ذلك الجمهور من العلماء.
وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: إجماع الصحابة السكوتي على ذلك: فقد قبل
الصحابة - رضي اللَّه عنهم - خبر الواحد فيما تعم به البلوى
وعملوا به دون أن ينكر ذلك أحد منهم؛ إذ لو وقع إنكار لبلغنا
ولكن لم يبلغنا شيء من ذلك، فيكون إجماعاً سكوتيا، ومن أمثلة
ذلك ما يلي:
1 - أنهم قبلوا خبر عائشة وهو:
" إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل ".
2 - أنهم قبلوا خبر رافع بن خديج: " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المخابرة ".
3 - أنهم قبلوا خبر الغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة في إعطاء
الجدة السدس.
فهنا كل واحد من هذه الأحاديث مما تعم به البلوى، وانفرد
بروايته واحد، ومع ذلك فقد قبلها الصحابة وعملوا بها دون نكير.
الدليل الثاني: أن هذا الراوي لهذا الخبر فيما تعم به البلوى عدل
ثقة قد جزم بتلك الرواية، فهذا يغلب على الظن صدقه، وإذا كان
كذلك فيجب تصديقه؛ لأن العمل بالغالب واجب، فيقبل خبره؛
قياساً على خبر الواحد فيما لا تعم به البلوى.
المذهب الثاني: أن خبر الواحد فيما تعم به البلوى لا يقبل، ولا
يعمل به.
ذهب إلى ذلك جمهور الحنفية وعلى رأسهم: أبو الحسن الكرخي
(2/803)

وعيسى بن أبان، والجصاص، وبعض المالكية كمحمد بن خويز
منداد، نقله عنه الباجي في " إحكام الفصول "، واختاره أبو
العباس بن سريج من الشافعية، كما نقله عنه صاحب الكبريت
الأحمر.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول قالوا فيه: إن الدواعي متوفرة على نقل خبر الواحد
فيما تعم به البلوى على سبيل الشهرة والاستفاضة، نظراً لحاجة
عموم المكلَّفين إليه، وكثرة سؤالهم واستفسارهم عنه، وإذا كثر
السؤال كثر الجواب، وإذا كثر الجواب كثر ناقليه من الرواة، فيبعد
كل البعد أن يخفى حكم ما يقع للمكلفين بكثرة، فإذا لم يروه - مع
ذلك - إلا واحد وانفرد به دلَّ على كذبه، وأنه لا أصل له كانفراد
الواحد بنقل قتل أمير البلد في السوق بمشهد من الخلق.
جوابه:
يجاب عنه: بأنه إنما يلزم توفر الدواعي على نقله أن لو كان لا
طريق إلى إثباته سوى النقل المتواتر، وأما إذا كان طريق معرفة ذلك
إنما هو الظن، فخبر الواحد يكفي فيه، ولهذا يجوز إثبات ما تعم
به البلوى بالقياس اتفاقاً.
ولا نسلم ما قلتموه من أنه يلزم من كثرة الاستفسارات والأسئلة
والأجوبة عنها أن يكثر النقل، بل إنه يجوز أن تكثر الأجوبة، ولا
يكثر الناقلون، والأمثلة على ذلك كثيرة، منها: شروط البيع،
وشروط النكاح، والأذان والإقامة، فإنها نقلت وثبتت بخبر الواحد
وهي مما يفعل في كل يوم، ولم ينقل نقلاً عاما، والسبب في
(2/804)

ذلك: انشغال الصحابة بأمورهم الخاصة والعامة وانشغالهم بالجهاد،
وإذا كان هذا جائزاً فإنه يجوز كثرة الأجوبة دون كثرة الناقلين.
الدليل الثاني قالوا فيه: إن ما تعم البلوى به كخروج النجاسة من
السبيلين يوجد كثيراً، ويتكرر في كل وقت، فيجب على النبي - صلى الله عليه وسلم - إشاعته، وأن لا يقتصر على مخاطبة الآحاد به، بل يلقيه على عدد التواتر مبالغة في إشاعته؛ لأن عدم إشاعته يؤدي إلى إخفاء بعض
الأحكام الشرعية، وإبطال صلاة أكثر الخلق وهم لا يشعرون، ولما
كان هذا الخبر مما تعم به البلوى لم ينقله إلا الواحد، فإن هذا مما
يثير الشك في ثبوته، والحديث المشكوك في ثبوته لا يقبل.
جوابه:
يجاب عنه: بأن ما ذكرتموه إنما يصح أن لو كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد كلَّفه الّه تحالى بإشاعة الأحكام على لسان أهل التواتر، وهذا غير مسلم، فليس من شرط الخبر الذي تعم به البلوى أو غيره أن يشيعه
الرسول - صلى الله عليه وسلم -، بل الحق في ذلك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مكلَّف بإشاعة بعض الأحكام، ورد الخلق في بعضها الآخر إلى خبر الواحد؛ لأن مصلحة الخلق اقتضت ذلك؛ قياساً على حديث الأشياء الستة، فقد بين فيه: أنه لا يجوز الربا في البر - فقط - فقاس العلماء عليه كل المطعومات بجامع: الطعم في كل، وكان يسهل على النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي أوتي جوامع الكلم أن يقول: " حرمت الربا في المكيل أو في المطعوم " حتى يستغنى عن الاستنباط والقياس على الأشياء الستة،
وما فعل ذلك إلا لمصلحة أرادها الشارع، كذلك يقال هنا: من
الجائز أن تقتضي مصلحة الخلق ردهم فيما تعم به البلوى إلى خبر
الواحد.
(2/805)

- أما ما ذكروه من أنه يلزم من عدم إشاعته إبطال صلاة أكثر الخلق،
فإن هذا غير صحيح؛ لأنه لا يلزم العمل بأي خبر إلا بشرط بلوغ
ذلك الخبر إليهم، فمثلاً: من لم يبلغه حديث الوضوء من مس
الذكر، فإنه غير ثابت في حقه.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة معنوي قد أثر في بعض الفروع الفقهية
ومنها: -
1 - هل ترفع اليدان عند الركوع والرفع منه؟
اختلف في ذلك
على قولين:
القول الأول: إن المصلي يرفع يديه عند الركوع وعند الرفع منه
كما يفعل ذلك عند تكبيرة الإحرام، وهو مذهب الجمهور مستدلين
بحديث ابن عمر أنه قال: " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا بحذو منكبيه، ثم يكبر، فإذا أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، وقال: سمع
الله لمن حمده.. ".
القول الثاني: إن المصلي لا يرفع يديه عند الركوع ولا عند الرفع
منه.
ذهب إلى ذلك الحنفية وبعض العلماء من غيرهم مستدلين بحديث
ابن مسعود أنه قال: " لأصلين لكم صلاة رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، فصلى فلم يرفع يديه إلا مرد واحدة "، ولم يعمل هؤلاء بحديث ابن عمر مع أنه في الصحيحين؛ لأنه من باب ما تعم به البلوى، فكان من
حقه أن يشتهر ولم يشتهر.
2 - هل مس الذكر باليد ينقض الوضوء؟
اختلف في ذلك على قولين:
(2/806)

القول الأول: أن مس الذكر ينقض الوضوء، وهو مذهب
الجمهور وقد استدلوا بحديث بسرة بنت صفوان: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " من مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ ".
القول الثاني: أن مس الذكر غير ناقض للوضوء، وهو مذهب
أكثر الحنفية، وقد استدلوا بحديث قيس بن طلق عن أبيه طلق بن
عليّ أنه سأل - صلى الله عليه وسلم - عن الوضوء من مس الذكر، فقال " لا، هل هو إلا بضعة منك "، ولم يأخذوا بحديث بسرة، لأنه خبر
واحد فيما تعم به البلوى.
المسألة الثانية والعشرون: خبر الواحد في الحدود وما يسقط بالشبهات:
خبر الواحد إذا ورد بإيجاب حد أو نحوه مما تسقطه الشبهة، فهل
يقبل ذلك الخبر، ويثبت به أصل الحد والعقوبة؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن خبر الواحد الوارد بإثبات حد، أو ما يجري
مجراه مما تسقطه الشبهة يقبل مطلقاً.
وهو مذهب جمهور العلماء.
وهو الحق؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: قياس خبر الواحد في الحدود على خبر الواحد في
غير ذلك، بيانه:
أنه كما وجب قبول خبر الواحد فى غير الحد من سائر الأحكام
الشرعية، فإنه يجب قبول خبر الواحد في الحدود وما يجري مجراها
(2/807)

مما تسقطه الشبهة، ولا فرق بينها، والجامع: أن الراوي في ذلك
كله عدل ثقة جازم في الرواية، ولم يعارضه مثله.
الدليل الثاني: أن أدلة حجية خبر الواحد عامة لجميع أخبار
الآحاد، فلم تفرق بين ما ورد بإثبات حد، أو بغير ذلك، ولا
يوجد دليل صحيح على التفريق بينهما.
الدليل الثالث: قياس الرواية على الشهادة، بيان ذلك:
أن شهادة الشهود توجب غلبة الظن، والاحتمال فيها متطرق،
ومع ذلك تثبت بها - أي بالشهادة - الحدود وما يجري مجراها مما
تسقطه الشبهة، فإذا كان الأمر كذلك في الشهادة وهي آكد، فمن
باب أَوْلى قبول خبر الواحد الوارد في إثبات الحدود، قياساً عليها،
ولا فرق بينهما، والجامع: إفادة الظن، وتطرق الاحتمال لكل
منهما.
المذهب الثاني: أنه لا يقبل خبر الواحد الوارد بإثبات الحدود،
وما يجري مجراها مما تسقطه الشبهة.
حكي هذا عن أبي الحسن الكرخي، واختاره أبو عبد اللَّه البصري،
والسمرقندي في " ميزان الأصول "، وهو ظاهر كلام أبي عبد الله
الصيمري في " مسائل الخلاف "، والبزدوي في " أصوله "،
والسرخسي في " أصوله ".
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن خبر الواحد لا يفيد إلا
الظن، فهو غير مقطوع في صحته، فصار فيه شبهة الغلط، وشبهة
الكذب، فلم يثبت كونه خبراً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بطريق القطع، بل إن
(2/808)

الشبهة والحدود وضعت أصلاً على أنها تسقط بالشبهات؛ لما روي
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " ادرأوا الحدود بالشبهات "، فعلى هذا: لا يجوز إثبات الحدود وما يجري مجراها بخبر الواحد؛ نظراً لتطرق الشبهة إلى ذلك.
جوابه:
يجاب عن ذلك بما يلي:
1 - قولكم: " إن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن، وما دام كذلك
ففيه شبهة الغلط والكذب " ظاهر البطلان؛ لأن الحدود تثبت بما لا
يفيد إلا الظن مثل " الشهادة " - كما سبق -، ومثل " القياس "
فهو لا يفيد إلا الظن ومع ذلك فإن الحد يثبت به.
2 - استدلالكم بحديث: " ادرأوا الحدود بالشبهات "
لا نسلمه؛ لوجهين:
الوجه الأول: أن لفظ " الشبهة "، أو " الشبهات " لم يرد في
الحديث، والحديث الذي روته عائشة - رضي اللَّه عنها - ورد
بلفظ: " ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم " - أخرجه الحاكم في
" المستدرك " وقال " صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي
في " مختصره "، فقال: فيه يزيد بن زياد - وهو من رواة الحديث -
قال فيه النسائي: متروك، وأخرجه الدارقطني والبيهقي في "سننهما"
مرفوعاً، وقال البيهقي: الموقوف أقرب إلى الصواب، وللحديث
طريق آخر عن عليّ - رضي اللَّه عنه - مرفوعاً بنفس اللفظ السابق.
قال الزيلعي في " نصب الراية " - لما ذكر ما سبق -: " ولكن في
إسناده رجل ضعيف ".
الوجه الثاني: على فرض صحته، وعلى فرض ورود لفظ
(2/809)

"الشبهة أو الشبهات " في الحديث، فإن المراد بالشبهة هنا هي:
الشبهة في الفاعل كأن يكون جاهلاً للتحريم، أو زائل العقل، أو
الشبهة في الفعل، كأن يطأ امرأة يظنها زوجته، أو أمَته، أو الشبهة
في المفعول به، كأن تكون الموطوءة أَمَة ابنه، أو أمَة مشتركة.
فتكون الشبهة - على هذا - في نفس السبب، لا في المثبت.
إذن لا يصح الاستدلال بهذا الحديث على ما ذهبوا إليه.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة معنوي قد أثر في بعض الفروع الفقهية،
فأصحاب المذهب الثاني لا يعملون بخبر الواحد الوارد بإثبات حد
بمجرده، بل يشترطون أن يؤيد بدليل آخر.
أما أصحاب المذهب الأول: فإنهم يعملون بخبر الواحد الوارد
بإثبات حدود وما أشبه ذلك بمجرده.
المسألة الثالثة والعشرون: حكم رواية الحديث بالمعنى:
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه تجوز رواية الحديث بالمعنى.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وهو الحق، ولكن هذا ليس على إطلاقه، بل بشروط هي كما
يلي:.
الشرط الأول: أن يكون الراوي مسلما مكلفا، ضابطا عدلا -
وهو شروط الراوي السابقة الذكر - مع معرفته بدلالات الألفاظ،
(2/810)

وصيغ الخطابات وأساليبها واستعمالاتها، بأن يكون مفرقا بين أقسام
المنطوق، والمفهوم، ومفرقاً بين عبارة النص، وإشارته، ودلالته،
واقتضائه، ومفرقاً بين المحتمل وغير المحتمل، والظاهر والأظهر
والعام والأعم، واشترطنا ذلك حتى تكون روايته لمعنى الحديث
مساوية للأصل في الجلاء والخفاء، فإن كان جاهلاً بذلك فلا تجوز
له رواية الحديث بالمعنى.
الشرط الثاني: أن يبدل لفظة بما يرادفها، ولم يختلف الناس في
هذا الترادف كأن يبدل لفظ " الجلوس " بلفظ " القعود "، ويبدل
لفظ " الصب " بلفظ " الإراقة "، ولفظ " الاستطاعة " بلفظ
"القدرة"، ونحو ذلك مما لا يتطرق إليه تفاوت الاستنباط والفهم بين
الناس، أما إذا تفاوتت أنظار المجتهدين في هذا اللفظ، فلا يجوز
قطعاً إبداله بلفظ آخر.
الشرط الثالث: أن لا يكون اللفظ في الحديث من باب المتشابه
كأحاديث الصفات، فإن كان من هذا الباب فلا يجوز نقلها بالمعنى،
لأن الذي يحتمله ما أطلقه النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه التأويل لا ندري أن غيره من الألفاظ يساويه أم لا.
الشرط الرابع: أن لا يكون اللفظ الوارد في الحديث مما تعبدنا
بلفظه، فإن كان مما تعبدنا بلفظه كألفاظ " التشهد " والأذان،
والتكبير، فهذا لا يجوز نقله بالمعنى.
الشرط الخامس: أن لا يكون الحديث من جوامع الكلم، فإن
كان منها كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "العجماء جبار "،
وقوله: " البينة على المدعي "، وقوله: " لا ضرر ولا ضرار "،
وقوله: " الخراج بالضمان "،
فلا تجوز رواية ذلك بالمعنى، أي: لا بد من نقلها
بلفظها؛ لأنه لا يمكن درك جميع معاني جوامع الكلم.
(2/811)

فإذا توفرت هذه الشروط فإنه تجوز رواية الحديث بالمعنى عندنا ولا
مانع؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: القياس على ترجمة السُّنَّة بلغة العجم، بيانه:
أنه يجوز شرح ونقل الشرع للعجم بلسانهم، فإذا جاز إبدال
لفظة عربية بلفظة أعجمية تساويها وترادفها، فإنه يجوز إبدال لفظة
عربية بلفظة عربية أخرى ترادفها بجامع: استبدال لفظة بما يرادفها
دون زيادة ولا نقصان.
بل إن إبدال لفظة عربية بأخرى عربية ترادفها أَوْلى من إبدال لفظة
عربية بلفظة أعجمية؛ لأن اللسان متحد في إبدال لفظة عربية بلفظة
عربية، بخلاف إبدال لفظة عربية بعجمية، فإن اللسان مختلف.
الدليل الثاني: أنا نعلم بالضرورة أن الصحابة - رضي اللَّه عنهم -
الذين رووا عن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - هذه الأخبار ما كانوا يكتبونها في ذلك المجلس، وما كانوا يكررون عليها في ذلك المجلس، بل كما
سمعوها تركوها، وما ذكروها إلا بعد الأعصار والسنين، وذلك
يغلِّب على الظن أنه يتعذر روايتها على تلك الألفاظ التي سمعوها
من النبي - صلى الله عليه وسلم -
الدليل الثالث: الوقوع من الصحابة - رضوان اللَّه عليهم -
بيان ذلك:
أن - صلى الله عليه وسلم - كان يقيم الخطب في الجمع،
وفي بعض الوقائع يتكلم بكلام طويل فيه الأوامر والنواهي، والمواعظ والإرشادات التي تهم المسلمين، وقد رواها بعض الصحابة بألفاظ تختلف عن ألفاظ البعض الآخر، مع أن المقصود واحد، ولم ينكر ذلك أحد، إذ لو
(2/812)

كان هناك إنكار لنقل وبلغنا، ولكن لم يبلغنا شيء من ذلك مما يدل
على أن نقل الحديث بالمعنى جائز.
الدليل الرابع: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبعث سفراءه ورسله إلى الروم، والفرس، وأطراف البلاد، والقبائل، وكان هؤلاء يبلغون أوامر
النبي - صلى الله عليه وسلم - ونواهيه، وكل ما يقولونه بلغة المبعوثين إليهم بدون إنكار من النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه يعلم أن لغته تختلف عن لغة هؤلاء، فكان هذا إقرار منه على جواز نقل الحديث بالمعنى.
المذهب الثاني: أنه لا تجوز رواية الحديث بالمعنى مطلقا، بل
الواجب نقل الحديث بلفظه وصورته.
ذهب إلى ذلك أكثر الظاهرية، وبعض متأخري أهل الحديث،
وبعض الفقهاء كمحمد بن سيرين.
أدلة أصحاب هذا المذهب:
الدليل الأول: ما رواه زيد بن ثابت: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " نضر اللَّه امرءاً سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه "،
فإن هذا نص في عدم جواز رواية الحديث بالمعنى، حيث إن قوله: " فوعاها
فأداها كما سمعها " يدل على ذلك دلالة صريحة.
جوابه:
يجاب عن الاستدلال بهذا الحديث بأن الحديث حُجَّة مؤيدة لمذهبنا
- وهو جواز رواية الحديث بالمعنى - وذلك من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن الظاهر أن الحديث المروي حديث واحد، ولم
يتكرر منه - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن الأصل عدم التكرار، ومع ذلك فقد روي نفس
(2/813)

الحديث بألفاظ مختلفة، فإنه قد روي بلفظ: " نضر اللَّه امرءاً "،
وروي بلفظ: " رحم اللَّه امرءاً "، وروي بلفظ: " فرب حامل فقه
غير فقيه "، وروي بلفظ: " ورب حامل فقه لا فقه له "، وكلها
بمعنى واحد، فهذا يدل على جواز رواية الحديث بالمعنى.
الوجه الثاني: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد ذكر علَّة المنع من رواية الحديث بالمعنى وهي: اختلاف الناس في الفقه والفهم، لأنه هو المؤثر في اختلاف المعنى، فيكون المراد بذلك على طريق الاحتياط في حق من
لا يفهم المعنى خوفاً من أن يبدله بما ليس في معناه، ونحن قد
اشترطنا لرواية الحديث بالمعنى شروطاً، منها: أن يكون الراوي عالما
مفرقاً بين صيغ الخطابات ودقائق الألفاظ ودلالتها، فإن لم يكن
كذلك فلا تجوز رواية الحديث بالمعنى.
الوجه الثالث: أن من نقل معنى لفظ الحديث، دون زيادة: ولا
نقصان، فقد أدى الحديث كما سمعه، ولا يمكن أن يقال عنه: إنه
كذب في الحديث، يؤيد ذلك: أن المترجم والشاهد يقال له: أدى
ما سمع، وكذلك من بلغ إنساناً رسالة فحفظ معناها يقال له: أدى
ما سمع.
وهكذا بأن لك أن الحديث يدل على ما ذهبنا إليه، وهو جواز
رواية الحديث بالمعنى.
الدليل الثاني: قياس الحديث على القرآن وكلمات الأذان،
والتشهد، والتكبير.
بيان ذلك: أن حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - قول: " قد تعبدنا باتباعه " فلا يجوز تبديله بغيره كالقرآن، وكلمات الأذان، كالتشهد، والتكبير.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا قياس مع الفارق فلا يصح، وذلك لأن
(2/814)

المقصود من ألفاظ القرآن الكريم الإعجاز، فتغييره مما يخرجه عن
ذلك الإعجاز لا يجوز، بخلاف الحديث؛ حيث إن المقصود منه
المعنى دون اللفظ.
أما كلمات الأذان والتشهد والتكبير، فالمقصود منها إنما هو التعبد
بها، وذلك لا يحصل إلا بألفاظها، دون معانيها، وقد بينا ذلك في
الشرط الرابع، بخلاف الحديث، فالمقصود المعنى دون اللفظ.
المسألة الرابعة والعشرون: حذف بعض الحديث:
إذا سمع الراوي خبراً وأراد نقل بعضه وحذف بعضه، فالحكم في
ذلك فيه تفصيل:
أولاً: إن كان الحديث قد تضمن أحكاماً يتعلق بعضها ببعض كأن
يكون مشتملاً على ذكر شرط، أو استثناء، أو غاية، فلا يجوز
للراوي أن يحذف شيئاً منه؛ لأن فيه تغييراً للحكم وتبديلاً للشرع.
مثال الشرط: قوله عليه الصلاة والسلام: " من قاء أو رعف أو
أمذى فليتوضأ وضوءه للصلاة ".
ومثال الاستثناء: قوله عليه الصلاة والسلام: " لا تبيعوا البر
بالبر ... إلا سواء بسواء مثلاً بمثل ".
ومثال الغاية: " نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمار حتى تزهى "، فهذه الأحاديث لا يجوز حذف بعضها.
ثانيا: إن كان الحديث قد تضمَّن أحكاما لا يتعلق بعضها ببعض،
فإن الأفضل نقل الحديث بتمامه.
ولكن يجوز حذف بعضه عند الحاجة؛ قياسا على الأخبار المتعددة
(2/815)

بيان ذلك: أن من حفظ أخباراً متعددة، فله رواية بعضها وترك
بعضها الآخر عند الحاجة، فإذاً هذا جائزاً، فهذا مثله ولا فرق
بجامع: أنه نقل ما يتم المعنى به.
مثال ذلك: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم "،
فهنا يجوز حذف بعض هذا الحديث للاستدلال به على حكم معين.
***
المسألة الخامسة والعشرون: حكم مرسل الصحابي:
المقصود بذلك: أن يروى الصحابي حديثا عن - صلى الله عليه وسلم - وهو لم يسمعه منه شفاها، بل سمعه من صحابي آخر.
وسمي مرسلاً نظراً لعدم تقييده بذكر الواسطة بين الراوي
والرسول - صلى الله عليه وسلم -.
واختلف العلماء في قبول مرسل الصحابي على مذهبين:
المذهب الأول: أن مرسل الصحابي مقبول مطلقا، أي: سواء
عرفنا أنه لا يروي إلا عن عدل أو لم نعرف بذلك، وسواء صرَّح
بذلك، أو لم يصرح.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق، لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: الإجماع؛ حيث وقع أن الصحابة - رضي الله
عنهم - كانوا يرسلون الأحاديث، بدون نكير من أحد، إذ لو كان
هناك إنكار لبلغنا، وما دام أنه لم يبلغنا شيء من ذلك، فإنه يدل
دلالة واضحة على إجماعهم على قبول مرسل الصحابي مطلقا،
فأكثر روايات الصحابة - سواء كانوا صغاراً أم كبارا - عن - صلى الله عليه وسلم -
(2/816)

لم يسمعوها من النبي - صلى الله عليه وسلم - مباشرة، بل بواسطة صحابي آخر، فتكون مراسيل، أيَّد ذلك أمران:
الأمر الأول: ما ذكره الخطيب البغدادي في " الكفاية ": أن
البراء بن عازب بن الحارث الأنصاري قال: " ليس كلنا سمع
حديث رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، كانت لنا صنيعة وأشغال، وكان الناس لم يكونوا يكذبون - يومئذٍ - فيحدث الشاهد الغائب "،
وهذا نص فيما نحن فيه.
الأمر الثاني: أنه وقع من بعض الصحابة أنه كان يروي الحديث
عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكأنه سمعه منه مباشرة، فإذا استكشف وسئل عنه بين أنه لم يسمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - مباشرة، بل سمعه من صحابي آخر، ومن أمثلة ذلك:
المثال الأول: أن ابن عباس - رضي اللَّه عنهما - روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " لا ربا إلا في النسيئة "،
ولما أخبره أبو سعيد الخدري بحديثه في الربا، قال ابن عباس:
" ما سمعته من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما حدثني به أسامة بن زيد
المثال الثاني: أن ابن عباس - رضي اللَّه عنهما - روى أنْ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، فلما سئل عنه أسنده إلى الفضل بن عباس.
المثال الثالث: أن أبا هريرة - رضي اللَّه عنه - روى - عن النبي
- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " من أصبح جنباً فلا صوم له "، فلما أخبر أن عائشة أنكرت ذلك وقالت: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصبح جنبا ويتم صومه، ذكر أن الفضل بن عباس هو الذي حدَّثه بهذا الحديث.
المثال الرابع: أن ابن عمر - رضي اللَّه عنهما - روى: أن النبي
(2/817)

- صلى الله عليه وسلم - قال: " من صلى على جنازة فله قيراط "، وأسنده بعد ذلك إلى أبي هريرة.
الدليل الثاني: أن الأُمَّة قد أجمعت على قبول كل ما رواه عبد الله
ابن عباس - رضي اللَّه عنهما - مع إكثاره في الرواية، وهو لم
يسمع أكثر الأحاديث التي يرويها من النبي - صلى الله عليه وسلم - مباشرة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - توفي وابن عباس لم يبلغ الثالثة عشرة من عمره، بل سمعها وأخذها من كبار الصحابة.
وكذلك غير ابن عباس من صغار الصحابة كعبد الله بن جعفر بن
أبي طالب، وعبد الله بن الزبير، والنعمان بن بشير، والحسن
والحسين ابني عليّ بن أبي طالب، وغيرهم، فقد كان الصحابة
وغيرهم من التابعين يقبلون ما يروون مع علمهم بأن أكثر ما رووه لم
يسمعوه من النبي - صلى الله عليه وسلم - مباشرة، بل من كبار الصحابة، حيث كان هؤلاء يحرصون كل الحرص على إحضار صغارهم أماكن اجتماعاتهِم ليرووا عنهم، ولما روى هؤلاء - أعني صغار الصحابة - قبلت الأُمَّة كل رواياتهم، ولم ينكر أحد شيئاً من ذلك، ولو وقع إنكار لنقل
إلينا، ولكن لم يثبت شيء من ذلك، فثبت أنه يجب قبول مرسل
الصحابي مطلقا.
المذهب الثاني: أن مرسل الصحابي لا يقبل إلا بشرط معرفتنا:
أن من عادة هذا الصحابي أنه لا يروي إلا عن صحابي آخر.
ذهمب إلى ذلك قوم وصفهم بعض العلماء بانهم شواذ.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن عدالة الصحابي معلومة
وثابتة، ولا نتهمه في ذلك، فلم يكن السبب في عدم قبولنا لمرسله
(2/818)

هو الشك في ذلك، ولكن لم نقبل مرسله لسبب آخر وهو:
احتمال أن يروي عن شخص لم تثبت صحبته، أو عن تابعي لم
تثبت عدالته.
وهذا الاحتمال هو الذي سبب هذا التوقف حتى يأتي ما ينفي ذلك.
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أن الظاهر من حال الصحابي أنه لا يروي الحديث
إلا عن شخص قد ثبتت صحبته، وقد سمع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فاحتمال الرواية من غير الصحابي احتمال بعيد، وتصور مجرد عن الدليل، والاحتمال المجرد عن الدليل لا يعتمد عليه.
الجواب الثاني: على فرض أن الصحابة قد روى عن بعض
التابعين فإنا نجزم بأنه لا يروي إلا عن من ثبتت عدالته لديه،
واحتمال أن الصحابي قد يروي عمن لم تثبت عدالته هذا احتمال
بعيد جداً، وتصور غير واقع، ولا دليل عليه، وما لا دليل عليه لا
يعول عليه؛ ذلك لأن الصحابة - رضي اللَّه عنهم - قد اختارهم الله
عَزَّ وجَلَّ لصحبة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وقد عدلهم اللَّه في كتابه وسُنَّة رسوله، فمن كانت هذه صفته يستحيل أن يرووا عن غير العدل الثقة؛ لأن هذا فيه تلبيس وتدليس على الأُمَّة، وهذا يستحيل في حقهم.
تنبيه: قال أبو الخطاب في " التمهيد "، وعبد العزيز البخاري
في " كشف الأسرار ": إن مراسيل الصحابة مقبولة بالإجماع.
قلت: هذا ليس بصحيح، بل الصحيح: أن قبول مراسيل
(2/819)

الصحابة هو مذهب الجمهور، كما قلنا - هنا -؛ لأن هناك فرقة
من الناس قد خالفت في ذلك، ومع ذلك فلا إجماع.
اعتراض على ذلك:
قال معترض على ذلك: إن الفرقة المخالفة فرقة شاذة لا يُعتد
بقولها، فلا يؤثر بإجماع العلماء.
جوابه:
يجاب عنه: بأن العلماء قد اعتدوا بخلاف تلك الفرقة، وسردوا
أدلتهم، وأجابوا عنها، ولو لم يعتد بخلاف تلك الفرقة لما ردوا
عليهم ولما أبطلوا مذهبهم بالأدلة.
المسألة السادسة والعشرون: حكم مرسل غير الصحابي:
والمراد به: أن يقول الراوي العدل الثقة المتحرز لدينه الذي لم
يدرك النبي - صلى الله عليه وسلم -: "قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - كذا ".
أو يقول الراوي الذي لم يدرك أبا هريرة: " قال أبو هريرة كذا".
هذا تعريف المرسل عند الفقهاء وأكثر الأصوليين، وهو الحق؛
لأنه أعم من غيره.
أما عند المحدثين وبعض العلماء من غيرهم، فالمرسل هو: قول
التابعي: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -.
واختلف العلماء في قبول مرسل غير الصحابي على مذاهب:
المذهب الأول: أنه يقبل مطلقا، وهو مذهب جمهور العلماء،
وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو الحق؛ للأدلة التالية:
(2/820)

الدليل الأول: أن الظاهر من حال الراوي العدل الثقة أنه لا يجوز
لنفسه أن يروي حديثا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا إذا علم، أو غلب على ظنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قاله فعلاً، وهذا لا يكون إلا إذا كانت عدالة الشيخ الذي روى له الحديث قد ثبتت واستقرت عند ذلك الراوي الذي أرسل هذا الحديث؛ لأنه يبعد أن يظن ذلك الراوي عدم صدوره عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومع ذلك يرويه؛ لأن ذلك كذب مسقط لعدالته، وإذا كان الأمر كذلك فيجب قبول ما ينسبه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الدليل الثاني: أن من عادة الراوي العدل أن لا يرسل الحديث إلا
إذا تيقن من ثبوت هذا الحديث، فإذا شك فيه فإنه لا يرسله، بل
يذكر الشيخ الذي حدثه به؛ لتكون العهدة على ذلك الشيخ، وهذه
عادة مستمرة لهم، يؤيد ذلك ما ذكره ابن عبد البر في " التمهيد "
عن إبراهيم النخعي أنه قال: " إذا رويت عن عبد اللَّه - يقصد ابن
مسعود - فقد حدَّثني واحد، وإذا أرسلت فقد حدَّثني جماعة عنه "،
فإذا كانت هذه عادتهم - وهي: أنهم لا يرسلون إلا ما ثبت
عندهم - فيكون الحديث المرسل ثابتاً، والثابت يقبل ويعمل به.
الدليل الثالث: قوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) .
وجه الدلالة: أن هذه الآية أوجبت على الطائفة إذا رجعت إلى
قومها أن تنذرهم، ولم تفرق الآية في الإنذار بين ما أرسلوه وما
أسندوه، فهذا يدل على قبول الحديث المرسل كما يقبل الحديث
المسند ولا فرق.
الدليل الرابع: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) .
(2/821)

وجه الدلالة: أن الآية أوجبت التبين والتثبت إذا جاء فاسق بنبأ
وخبر، فإن كان غير فاسق - وهو العدل - وجب قبول خبره
مطلقاً، أي: سواء كان مسنداً أو مرسلاً.
المذهب الثاني: أن الحديث المرسل يقبل إذا كان مرسله في
العصور الثلاثة: عصر الصحابة،، وعصر التابعين، وعصر تابعي
التابعين، ولا يقبل في غيرها إلا من أئمة النقل، وهو مذهب بعض
الحنفية كعيسى بن أبان.
دليل هذا المذهب: قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ".
وجه الدلالة: أن - صلى الله عليه وسلم - قد شهد لأصحاب تلك القرون
بالعدالة، وذلك يوجب صدقهم، فيجب قبول قولهم وخبرهم
مطلقاً، سواء كان مرسلاً أو مسنداً.
وقالوا: إنا نقبل الحديث المرسل من غير تلك العصور بشرط كون
المرسل - بكسر السين - واحداً من أئمة النقل؛ لأن أئمة النقل قد
عرفوا بالبحث والاطلاع على أحوال الرواة، فإذا أرسلوا فذلك
لمعرفة من أرسلوا عنه معرفة توجب حد اطمئنان النفس إلى صدقه،
بخلاف غيرهم، فلا يقبل منهم شيئاً إلا إذا تعين اسمه، فنبحث عنه.
جوابه:
يجاب عنه بأنكم فرقتم بين أئمة النقل وغيرهم، وهذه التفرقة لا
تفيد إذا تحققت في الراوي العدالة والثقة وبقية شروط الراوي
السابقة، أي: أن الراوي إذا توفرت فيه شروط الرواية - وهي
الإسلام، والتكليف، والضبط، والعدالة - فإنا نقبل خبره سواء
(2/822)

كان مرسلاً أو مسند، وسواء كان من أئمة النقل أو من غيرهم،
وسواء كان من العصور الثلاثة أو لا.
المذهب الثالث: أن الحديث المرسل يقبل من أئمة النقل فقط،
دون غيرهم، وهو اختيار ابن الحاجب.
دليل هذا المذهب: أن إرسال أئمة النقل من النابعين كان مشهوراً
مقبولاً، ولم ينكره أحد كإرسال سعيد بن المسيب، والشعبي،
والنخعي، وغيرهم، فكان إجماعاً على قبول مرسل أئمة النقل.
جوابه:
يجاب غنه: بأنه لا وجه للتفرقة بين أئمة النقل وغيرهم؛ لأن
الراوي إذا كان عدلاً، فإنه يرجح جانب الصدق على جانب الكذب،
وإن لم يكن من أئمة النقل كما قلنا في جواب دليل أصحاب المذهب
الثاني.
المذهب الرابع: أن المرسل يقبل إذا توفر فيه أحد الأمور التالية:
1 - أن يكون قد أسنده غير مرسله.
2 - أن يكون قد أرسله آخر يروي عن غير شيوخ الأول.
3 - أن يعضده قول صحابي.
4 - أن يعضده قول أكثر العلماء.
5 - أن يعرف من حمال الذي أرسله أنه لا يرسل عمن فيه جهالة
أو غيرها، وأنه لا يرسل إلا عمن يقبل قوله كمراسيل سعيد بن
المسيب.
فإن انضم إلى الحديث المرسل أحد هذه الأمور قبل، وإلا: فلا.
(2/823)

ذهب إلى ذلك الإمام الشافعي - رحمه اللَّه -، واختاره بعض
الشافعية كفخر الدين الرازي، وناصر الدين البيضاوي.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن الراوي لا يقبل خبره إلا إذا كان عدلاً، ومن
أرسل عنه الراوي لم نعرف عدالته، فلا موجب لقبول خبره.
وقلنا: إن المرسل عنه غير معروف العدالة، لعدم معرفة اسم
المرسل عنه.
وقلنا: إن المرسل يقبل عند انضمام واحد من تلك الأمور السابقة
إليه، لأن الواحد من تلك الأمور يغلِّب جانب الصدق على جانب
الكذب، وبذلك يقبل.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أنه إذا لم يذكره أنا نجهل عدالته،
وذلك لأنا بينا - فيما سبق - أن الراوي لو لم تصح وتثبت عنده
عدالة شيخه الذي حذَثه لا يمكن أن يروي عنه فيلزم الناس تحكما
بقول فاسق أو مجهول، وهذا ينافي عدالته، فثبت بهذا أنه لا يروي
إلا عن عدل.
الجواب الثاني: أن رواية الراوي عمن أرسل عنه تعتببر تعديلاً له؛
لأن المرسل لو روى عن غير عدل ولم يبين لنا حاله كان غاشا
ومدلساً على الأمة، وتسقط عدالته بذلك، وما دامت الرواية عنه
تعديلاً له وجب قبول خبره؛ نظراً لتوفر العدالة المقتضية للقبول.
الدليل الثاني: أن شاهدي الفرع إذا كانا عدلين لم يجز أن يشهدا
(2/824)

على شاهدي الأصل من غير ذكرهما، كذلك هنا في الخبر لا يمكن
أن نقبل حديثا رواه عدل إلا إذا عين الشيخ المروي عنه، ولا فرق
بينهما، والجامع: أن العدالة معتبرة في كل واحد منهما.
جوابه:
يجاب عنه: بأن قياس الرواية على الشهادة قياس مع الفارق فلا
يصح؛ حيث توجد فروق بينهما، ومنها:
1 - أن الشهادة آكد من الرواية - كما سبق بيانه -.
2 - أن الشهادة تجب باللفظ ولا تقبل بالمعنى، بخلاف الرواية
فتجوز بالمعنى - كما سبق -.
3 - أن الشهادة يشترط فيها العدد، بخلاف الرواية فلا يشترط
فيها ذلك.
4 - أنه يشترط في الشهادة الذكورية، أما الرواية فلا.
5 - أنه يشترط في الشهادة الحرية، بخلاف الرواية.
6 - أنه في الشهادة لا تسمع شهادة الفرع إلا بعد العجز عن
سماع شهادة الأصل، أما في الرواية فيجوز ذلك.
7 - أن شهود الفرع لا يشهدون إلا بعد أن يحمِّلهم شهود الأصل
تلك الشهادة، فيقولوا: " اشهدوا على شهادتنا "، بخلاف الرواية،
فإن الراوي يروي الخبر من غير أن يقول له: " ارو عني ذلك ".
وإذا اعترفتم بتلك الفروق بين الشهادة والرواية، فلا يصح قياسكم
الرواية على الشهادة.
المذهب الخامس: أن مرسل غير الصحابي لا يقبل مطلقا.
(2/825)

وهو ما ذهب إليه الظاهرية، ونسبه ابن عبد البر إلى أصحاب
الحديث، وهو رواية عن الإمام أحمد.
أدلة هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بالدليلين السابقين اللذين استدل بهما
أصحاب المذهب الرابع، وقد سبق الجواب عنهما.
وزادوا دليلاً ثالثاً وهو: أنه لو جاز العمل بالحديث المرسل لم
يكن لذكر أسماء الرواة والبحث عن عدالتهم فائدة ولا معنى؛ حيث
إن الناس قد تكلفوا حفظ الأسانيد في باب الأخبار، وضبطها، فلو
لم يكن لذلك فائدة - وهي الاطلاع على عدالة جميع رواة
الحديث -: لما اشتغلوا به، نظراً لتساوي الإسناد والإرسال.
جوابه:
يجاب عنه: بأن ذكر أسماء الرواة له فائدتان، هما:
الأولى: أن المخبر قد يشتبه عليه حال من يخبره، فلا يقدم على
تعديله ولا على تجريحه، فيذكره ليتفحص فيه غيره.
الفائدة الثانية. الاحتياط لنفسه، أي: أن الراوي يذكر من يخبر
عنه؛ لا لأنه شك في عدالته، بل يذكره مع أنه يعدله ليتمكن
السامع من الاطلاع على ذلك الراوي، فقد يكون عدلاً عند من
ذكره، بينما يكون مجروحاً عند غيره، فيذكره الراوي احتياطا.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي، لأن أصحاب المذاهب قد
اتفقوا على أن مرسل العدل الثقة مقبول، وعلى أن مرسل غير العدل
غير مقبول.
(2/826)

فلو دققت النظر في أدلة أصحاب المذاهب لوجدت أنهم يعنون
بالمرسل المقبول هو مرسل العدل الثقة، ويكنون بالرسل غير المقبول
هو مرسل من لم تثبت عدالته.
دلطَّ على ذلك كلام المحققين الأصوليين كأبي الوليد الباجي في
"الإحكام "، والجصاص في " أصوله "، وأبي يعلى الحنبلي في
"العدة"، وابن عقيل في " الواضح "، وشيخ الإسلام ابن تيمية في
" المسودة "، والأنصاري في " فواتح الرحموت ".
وهو الحق عندي: فمن قال بقبول الحديث المرسل يحمل على ما
إذا كان المرسل - بكسر السين - من أولئك العلماء العدول الثقات
الماهرين بمعرفة شرائط قبول الرواية، الذين يعرف من حالهم أنهم لا
يرسلون إلا عمن يقبل حديثه.
أما من قال بعدم قبول الحديث المرسل، فيحمل على موضع غلبة
الريبة والشك في المرسِل - بكسر السين -.
يؤيد ذلك: أن من قال بقبول المرسل - بشروط أو بعدم شروط -
تراهم قد امتنعوا من قبول المراسيل إذا لم يكن المرسل من الأئمة
العدول الثقات، وذلك لغلبة الريبة والشك في المرسل.
وأن من قال بعدم قبول المرسل تراهم قد قبلوا مراسيل التابعين
كسعيد بن المسيب، وذلك لانتفاء غلبة الريبة في المرسل.
فيكون الخلاف - بذلك - لم يتوارد على محل واحد، فيكون
لفظيا.
أما ما ذكره بعضهم من أن الخلاف له ثمرة وأثر في بعض الفروع
الفقهية، وذكر عدداً من المسائل الفقهية التي تأثرت بهذا الخلاف،
(2/827)

فهذا غير صحيح؛ لأنك لو دققت النظر لوجدت أن الذي قبل
الحديث المرسل في تلك المسائل لم يقبله لكونه مرسلاً وإنما قبله؛
لأنه غلب على ظنه صدق المرسل، أو لأن عمل الصحابة يوافقه،
أو وافقه حديث آخر مسند، أو أنه لم ينكره أحد ممن يعتد بقوله، أو
غير ذلك من الأدلة.
وأن الذي لم يقبل الحديث المرسل لم يتركه، لكونه مرسلاً،
وإنما تركه؛ لأنه شك في الراوي أو غير ذلك من الأدلة.
***
المسألة السابعة والعشرون: الحكم إذا تعارض المرسل مع المسند:
اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أنه يقدم المسند على المرسل.
ذهب إلى ذلك الإمام أحمد، وأكثر المالكية، وكثير من الحنفية.
وهو الحق؛ لأن المسند قد اتفق على قبوله والاحتجاج به، أما
المرسل فقد اختلف فيه، فالمسند له مزية فضل لموضع الاتفاق،
وسكون النفس إليه أكثر من المرسل، ولذلك يقدم المسند.
المذهب الثاني: أنه يقدم المرسل على المسند.
ذهب إلى ذلك بعض الحنفية، وبعض المالكية.
دليل هذا المذهب: أن من أسند فقد أحالك على البحث عن
أحوال الرواة الذين سماهم لك، ومن أرسل من الأئمة حديثا مع
توفر شروط الراوي فيه، فقد قطع لك بصحة هذا الحديث وكفاك
النظر.
(2/828)

جوابه:
يجاب عنه: بأنا لا نُسَلِّمُ ذلك؛ حيث إن المسند تطمئن النفس
إليه، نظراً لاطلاعنا على رواة الحديث وتأكدنا من عدالة كل راوٍ
بأنفسنا، أما المرسل فلم نعلم عدالة الراوي الذي لم يذكر إلا من
خلال الذي روى الحديث لنا، فيكون المسند أقوى.
المذهب الثالث: أنهما سواء في وجوب الاحتجاج.
ذهب إلى ذلك ابن جرير الطبري، والأبهري، وأبو الفرج المالكي.
دليل هذا المذهب:
أن السلف - رحمهم اللَّه - قد أرسلوا، ووصلوا وأسندوا، ولم
يعب واحد منهم على صاحبه شيئاً من ذلك، وعملوا بالجميع ولم
يفرقوا بين مرسل ومسند.
جوابه:
يجاب عنه: بأنا معكم بأنه يجب العمل بالمرسل والمسند؛ إذ لا
فرق بينهما في العمل، ولكن الخلاف فيما إذا تعارضا أيهما المقدم،
فدليلكم ليس في محل النزاع.
يؤيد ذلك: أن الدليل الظني والدليل القطعي كل واحد يجب
العمل به، ولكن إذا تعارضا، فإنه يقدم القطعي على الظني.
المذهب الرابع: التوقف، أي: إذا تعارض المسند مع المرسل،
فإنا نتوقف ولا نرجح أحدهما على الآخر حتى يأتي دليل آخر يرجح
أحدهما، وهو مذهب بعض العلماء.
(2/829)

دليل هذا المذهب:
أنه لا فرق بينهما في القوة، والعمل، والاحتجاج، فليس
أحدهما بأولى من الآخر.
جوابه:
يجاب عنه: بأنا لا نُسَلِّمُ أنهما متساويان في القوة، حيث إنا بينا
أن المسند أقوى من المرسل لذلك تسكن النفس إليه، واتفق العلماء
على قبوله، أما المرسل فنظراً لضعف سكون النفس إليه فقد اختلف
العلماء فيه كما سبق.
المسألة الثامنة والعشرون: أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأحكامها:
للكلام عنها لا بد من التفصيل الآتي:
أولاً: أفعاله الجبلية:
وهي ما جبل الإنسان عليها وما تشترك فيها نفوس الخلق، وما
فطر اللَّه عليها البشر مما لا يملك الإنسان فيه حرية التصرف كالقيام،
والقعود، وهواجس النفس، وحركة اليد أثناء المشي، ونحو ذلك،
فهذا لا أسوة فيه، ولا يتبع النبي في شيء منه.
ثانيا: أفعاله التي صدرت منه على وفق العادات:
مثل أحواله في مأكله ومشربه، وملبسه، وتوسده يده إذا أراد
النوم، ولبس الأبيض. من الثياب، وطريقة مشيته، وطريقة كلامه،
فهذا يباح منا ومنه - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه لم يقصد به التشريع، ولم نتعبَّد به، ولم تقع تلك الأفعال على سبيل الطاعة.
(2/830)

ثالثا: الأفعال التي لم يتبين أمرها، ولم يوجد دليل على وقوعها
قربة، أو عادة:
كجلوسه - صلى الله عليه وسلم - للقيام إلى ثالثة من الصلاة الرباعية، والاضطجاع بعد الفجر، ومبيته بذي طوى، ونزوله بالأبطح، فقد اختلف
العلماء في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أنه يستحب للأُمَّة اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه الأفعال، ويندب إلى ذلك، ولا يجب.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لعدم وجود الدليل
الذي يدل على الوجوب، فيحمل على أن فعله أرجح من تركه،
وهو الندب.
المذهب الثاني: أنه يجب اتباع الأُمَّة لذلك، إلا ما دلَّ الدليل
على أنه خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم -.
وهو مذهب الإمام مالك فيما حكي عنه، وهو رواية عن الإمام
أحمد، واختاره بعض الشافعية كأبي العباس ابن سريج، والأصطخري.
دليل هذا المذهب:
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل تلك الأفعال على أنها واجبة عليه، فيجب علينا الاقتداء به فيها.
جوابه:
يجاب عنه: بأنا لا نُسَلِّمُ ذلك لأمرين:
أولهما: أنه لا يوجد دليل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد فعلها وهي واجبة عليه.
(2/831)

ثانيهما: لو سلمنا أنها واجبة عليه فلا يلزم أنها واجبة علينا؛
لعدم الدليل على دخولنا فيه.
المذهب الثالث: التوقف في ذلك حتى يقوم دليل يطلب منا الفعل
على الوجه المطلوب.
وهو مذهب ابن فورك، وصحَّحه كثير من العلماء.
دليل هذا المذهب:
أنه لما كان هذا الفعل يحتمل أن يكون للندب، ويحتمل أن يكون
للوجوب، ويحتمل الإباحة، ويحتمل أن يكون من خصائصه: كان
التوقف متعيناً؛ لأن كل واحد منها ليس أَوْلى من الآخر.
جوابه:
يجاب عنه: بأن الاحتمال الأول وهو كونه للندب هو الراجح؛
لأن الدليل قد قواه وهو: أن فعله أرجح من تركه كما قلنا فيما
سبق، أما الاحتمالات الثلاثة الأخرى فهي احتمالات بعيدة؛ لعدم
وجود أدلة عليها، فيعمل على ما ترجح بالدليل.
رابعاً: أفعاله التي فعلها لبيان مجمل، أو لتقييد مطلق:
فإن هذا حكمه حكم المبين: فإن كان المبين واجباً فهو واجب،
وإن كان المبيَّن مندوباً: فهو مندوب، وإنما كان كذلك؛ لأن البيان
لا يتعدى رتبة المبين، ومتى تعداه لا يكون بياناً له، ولأن البيان ما
انطبق على المبين كالتفسير ينطبق على المفسر.
خامساً: الفعل الخاص به - صلى الله عليه وسلم -:
كالزواج بأكثر من أربع، وجواز زواجه بدون مهر، ونحو ذلك،
فهذا خاص به، لا يفعله غيره، ولا يجوز أن نتأسى به في تلك الأفعال.
(2/832)

سادسا: إذا فعل فعلاً لا يوصف بما سبق فما حكم التأسي به؟
إذا فعل - صلى الله عليه وسلم - فعلاً، وثبت أنه على وجه القربة، ولم يكن بيانا بالمجمل أو غيره، ولا قام الدليل على أنه من خواصه، وعلمنا
صفته من الوجوب أو الندب، أو الإباحة، وذلك بنصه - صلى الله عليه وسلم -، أو بغير ذلك من الأدلة، فهل نحن متعبدون بهذا الفعل والتأسي به في فعله، سواء كان واجبا، أو مندوبا، أو مباحاً؟
اختلف في ذلك على مذاهب؛ ومن أهمها مذهبان:
المذهب الأول: أنا متعبدون بالتأسي به.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: إجماع الصحابة - رضوان اللَّه عليهم - فقد كانوا
مجمعين على الرجوع إلى أفعاله - صلى الله عليه وسلم - والتأسي بذلك - وهو أن يفعلوا مثل ما فعل - كرِجوعهم إلى تزويجه ليمونة وهو حرام،
وفي تقبيله للحجر الأسود، وجواز تقبيله وهو صائم، ونحو ذلك.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) .
وجه الدلالة: أنه جعل التأسي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - من لوازم رجاء اللَّه تعالى واليوم الآخر، ويلزم من عدم التأسي: عدم الملزوم، وهو:
الرجاء لله واليوم الآخر، وذلك كفر كما هو واضح.
الدليل الثالث: قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي) .
وجه الدلالة: أنه جعل المتابعة له لازمة من محبة اللَّه الواجبة،
فلو لم تكن المتابعة لازمة: للزم من عدمها عدم المحبة، وذلك حرام.
(2/833)

المذهب الثاني: أنا لسنا متعبدين بالتأسي به مطلقا.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنه لما كان احتمال
الخصوصية قائماً في كل فعل مجرد، فلا يجوز التأسي به ومتابعته
وأخذ الحكم منه؛ لاحتمال أن يكون مما يجوز له - صلى الله عليه وسلم -، ويحرم على غيره، فيكون من اقتدى به قد فعل حراماً.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا الاحتمال بعيد؛ لأن خصائصه التي ثبتت
بأدلة صحيحة قليلة جداً، وقد قدرت بخمس عشرة خاصة، بينما
أكثر الأحكام ثبت الاشتراك فيها كأنواع العبادات، وأركانها،
وشروطها، وأسبابها، وما يستحب فيها من الأفعال والهيئات،
وكذلك الآداب والمعاملات التي ثبت الاشتراك فيها، فهذه تزيد
أضعافاً مضاعفة عما ثبت الاختصاص به، فلا يجوز أن تمنع دلالة
الفعل المجرد في حقنا من أجل الاحتمال الذي لم يرد إلا قليلاً،
وهو كونه من خصائصه - صلى الله عليه وسلم -.
المسألة التاسعة والعشرون: تقرير النبي - صلى الله عليه وسلم -:
ويتبين ذلك فيما يلي:
أولاً: تعريفه:
تقرير النبي - صلى الله عليه وسلم - هو: كف النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإنكار على ما علم به من قول أو فعل، وستأتي الأمثلة على ذلك.
(2/834)

ثانياً: حجيته:
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن التقرير حُجَّة، وهو قسم من أقسام السُّنَّة
النبوية، وهو مذهب جمهور العلماء.
وهو الحق، لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن النهي عن المنكر واجب، وتركه معصية،
ويتنزه عنها أهل التقى من الأُمَّة، فمن باب أوْلى أن يتنزه عنها
الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم؛ وهو أول المسلمين
وأتقاهم لله، ولو جاز له ترك إنكار المنكر لجاز ذلك لأُمَّته.
الدليل الثاني: أن اللَّه تعالى أرسل نبيه بشيراً ونذيراً يأمر بالمعروف
وينهى عن المنكر، فلو سكت عما يفعل أمامه مما يخالف الشرع لم
يكن ناهياً عن المنكر.
الدليل الثالث: إجماع الصحابة - رضوان اللَّه عنهم - فقد كانوا
يحتجون بتقريره - صلى الله عليه وسلم - على الجواز، بدون نكير من أحد منهم، ومن أمثلة ذلك:
1 - قول أبي بن كعب: " الصلاة في ثوب واحد سُنَّة كنا نفعله
على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا يعاب علينا ".
2 - أن أنس بن مالك سئل وهو غاد إلى عرفة: كيف كنتم
تصنعون في هذا اليوم مع رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -؛ فقال:
" كَانَ يُهِلُّ مِنَّا الْمُهِلُّ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ وَيُكَبِّرُ مِنَّا الْمُكَبِّرُ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ ".
المذهب الثاني: أن التقرير من - صلى الله عليه وسلم - ليس بحُجَّة في الشرع.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء.
(2/835)

دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنه من الجائز أنه سكت؛
لأنه أنكر عليه مرة فلم ينفع فيه الإنكار، وعلم أن إنكاره عليه ثانيا لا
يفيد، فلم يعاود، وأقره عليه كما أقر اليهود على معتقداتهم، وإذا
كان الأمر كذلك فلا يصلح التقرير دليلاً على الجواز.
جوابه: -
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن هذا الدليل خارج عن محل النزاع، فهو
خارج عن الإقرار الذي يحتج به؛ لأن شرطه: أن يكون المقر مسلماً
ملتزماً، واليهود والنصارى ليسوا كذلك، فكيف يترك المسلم الملتزم
المطيع المتتبع يفعل المنكر فلا ينهاه عنه.
الجواب الثاني: على فرض أن الإقرار على مثل هذا جائز في
بعض الأحوال، فإن هذا نادر جداً، والنادر لا حكم له، والحكم
للأعم الأغلب.
ثالثا: أنواع الإقرار:
التقرير على أنواع:
النوع الأول: الإقرار على الأقوال، ومثاله: أن ماعزاً اعترف
بالزنا أمام النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثا، كل ذلك يرده، فقال له أبو بكر: إنك إن اعترفت الرابعة رجمك رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -.
وهو على قسمين:
الأول: ما يتعلق بالدين وأصوله وفروعه، وما ينبني عليه تشريع،
فتقريره يدل على صحته.
(2/836)

الثاني: ما كان قولاً يتعلق بالدنيا، والأمور المغيبة عنه، فالتقرير
عليه لا يدل على صدق الخبر، وثبوت مدلوله كما في قصة المنافقين.
النوع الثاني: الإقرار على الأفعال، مثاله: إقراره - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد على أكل لحم الضب، فهذا النوع يدل على أنه لا حرج في ذلك.
النوج الثالث: الإقرار على الترك، ومثاله: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع أمر أهل مكة بالإتمام، فقال: " يا أهل مكة، أتموا
صلاتكم فإنا قوم سفر "، وأما ما بمِنَى وعرفة ومزدلفة، فلم ينقل
أحد أنه أمرهم بذلك، فقال ابن تيمية: لو كان المكيون قد قاموا
فأتموا الظهر والعصر والعشاء أربعا أربعا لما أهمل الصحابة نقل ذلك
وهذا يدل على أنهم قصروا، ولم ينكر - صلى الله عليه وسلم - عليهم، ورجح بهذا: أن للمكيين القصر بالمناسك بعذر النسك.
***
المسألة الثلاثون: تقسيمات السُّنَّة:
السُّنَّة تنقسم إلى عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة هي كما يلي:
أولاً: تنقسم السُّنَّة من حيث حقيقتها إلى ثلاثة أقسام:
1 - السُّنَّة القولية.
2 - السُّنَّة الفعلية.
3 - السُّنَّة التقريرية، وقد سبق الكلام عنها بالتفصيل.
ثانيا: تنقسم السُّنَّة من حيث السند إلى قسمين:
1 - المتواتر.
2 - الآحاد.
والحنفية يجعلون قسما ثالثا بينهما هو: المشهور،
وقد سبق الكلام عنها بالتفصيل.
(2/837)

ثالثاً: تنقسم السُّنَّة من حيث الصحة وعدم ذلك إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الحديث الصحيح وهو: ما اتصل سنده بنقل
العدل الضابط ضبطاً تاماً عن مثله إلى نهاية السند من غير شذوذ ولا
علَّة قادحة.
وهو نوعان:
1 - الصحيح لذاته، وهو الذي عرفناه فيما سبق.
2 - الصحيح لغيره، وهو ما صحح لأمر أجنبي عنه؛ إذ لم
يشتمل على صفات القبول على أعلاها كالحسن إذا روي من غير وجه.
حجيته:
اتفق العلماء على الاحتجاج به في الأحكام الشرعية.
القسم الثاني: الحديث الحسن، وهو: ما اتصل سنده بنقل
العدل الضابط ضبطاً غير تام عن مثله إلى منتهى السند من غير شذوذ
ولا عِلَّة قادحة.
وهو نوعان:
1 - حسن لذاته، وهو ما تقدم.
2 - حسن لغيره، ْ وهو: ما رواه ضعيف يكون ضعفه بغير كثرة
الخطأ، وبغير اتصافه بالفسق، وأن يروي هذا الحديث راو آخر عن
شيخ هذا الراوي الضعيف.
حجيته:
لقد اتفق العلماء على أن الحسن لذاته يحتج به، ولكنه دون
الصحيح في الرتبة.
(2/838)

وكذلك الحسن لغيره يحتج به بشرط: كثرة طرقه وتعددها.
القسم الثالث: الحديث الضعيف، وهو ما لم توجد فيه شروط
الصحة، ولا شروط الحسن.
حجيته:
لقد اختلف العلماء في الاحتجاج بالحديث الضعيف.
والحق: أن الحديث الضعيف يحتج به في فضائل الأعمال
والترغيب والترهيب - ما لم يكن موضوعاً - ولا يحتج به إلا
بشروط هي كما يلي:
الشرط الأول: ألا يكون الضعف شديداً، فيخرج عن هذا: من
انفرد من الكذابين، والمتهمين بالكذب، ومن فحش غلطه.
الشرط الثاني: أن يندرج تحت أصل معمول به.
الشرط الثالث: ألا يعتقد - عند العمل به - ثبوته؛ لئلا ينسب
إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ما لم يقله، بل يعتقد الاحتياط.
وأما الأحكام كالحلال، والحرام، والبيع، والنكاح، والطلاق،
ونحو ذلك، فلا يعمل فيها إلا بالحديث الصحيح، أو الحسن فقط.
(2/839)

المبحث الثالث في الدليل الثالث من الأدلة المتفق عليها إجمالاً وهو: الإجماع
ويشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: في تعريف الإجماع.
المطلب الثاني: في إمكان الإجماع.
المطلب الثالث: في العلم بالإجماع والاطلاع عليه.
المطلب الرابع: في حجية الإجماع.
المطلب الخامس: في شروط الإجماع.
المطلب السادس: أقسام الإجماع.
المطلب السابع: الإجماعات الخاصة.
(2/841)

المطلب الأول في تعريف الإجماع
ويشتمل على مسألتين:
المسألة الأولى: تعريفه لغة.
المسألة الثانية: تعريفه اصطلاحا.
(2/843)

المسألة الأولى: في تعريفه لغة:
الإجماع: لغة يطلق على إطلاقين:
الأول: العزم المؤكد، ومنه قوله تعالى: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ)
أي: اعزموا على أمركم، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -:
" لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل "
أي: يعزم عليه، ومنه قولهم: " جمع أمره " أي: عزم عليه.
الثاني: الاتفاق، ومنه قولهم: " أجمع المسلمون على كذا "
أي: اتفقوا، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -:
" لا تجتمع أمتي على ضلالة " أي: لا تتفق.
وهذا المعنى هو الذي يناسب المعنى الاصطلاحي للإجماع الذي
سيأتي إن شاء اللَّه.
***
المسألة الثانية: الإجماع اصطلاحا:
الإجماع في اصطلاح أهل الشريعة هو: اتفاق مجتهدي العصر
من أُمَّة محمد - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاته على أي أمر كان من أمور الدين.
شرح التعريف، وبيان محترزاته:
قولنا: " اتفاق " المراد به: الاتحاد والاشتراك في الأقوال
والأفعال، والسكوت، والتقرير.
قولنا: " مجتهدي العصر " المجتهد هو: كل من توفرت فيه
شروط المجتهد، وهي كثيرة سيأتي التفصيل فيها إن شاء اللَّه.
(2/845)

وخرج بذلك العوام، وطلاب العلم الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد.
وعبَّرنا بذلك ليشمل جميع المجتهدين في عصر واحد، فلو
تخلف واحد من المجتهدين فلا يسمى ذلك إجماعاً.
أي: أن يتفق علماء العصر الذي حدثت فيه الحادثة التي تحتاج
إلى النظر فيها، أما من بلغ درجة الاجتهاد بعد حدوث الحادثة،
والحكم عليها، فلا يعتبر من أهل ذلك العصر.
قولنا: " من أُمَة محمد - صلى الله عليه وسلم - أخرج اتفاق المجتهدين من أتباع الشرائع السابقة كاليهود والنصارى وغيرهم، فلا يعتد بإجماعهم ولا
خلافهم.
قولنا: " بعد وفاته " أخرج اتفاق المجتهدين في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإن هذا لا يسمى إجماعاً؛ لأنه لا إجماع إلا بعد اجتهاد، ولا
اجتهاد في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
قولنا. " على أي أمر كان من أمور الدين " لبيان أن الإجماع
الشرعي يشترط أن يكون متعلقاً بحكم شرعي يهم المكلَّف.
وخرج بذلك اتفاق المجتهدين على أمر ليس من أمور الدين
كالاتفاق على بعض مسائل اللغة، أو الحساب، أو الأمور الدنيوية،
ونحو ذلك.
(2/846)

المطلب الثاني في إمكان الإجماع
لا خلاف بين العلماء في إمكان الإجماع عقلاً؛ لأن اتفاق
المجتهدين في عصر على حكم لا يمتنع عقلاً، ولا خلاف في تصوره
وإمكانه في ضروريات الأحكام.
أما في غير ذلك وهو: الإجماع على الأحكام التي لا تكون
معلومة بالضرورة بأن كان الإجماع عن مستند ظني، فقد اختلف
العلماء في إمكانه على مذهبين:
المذهب الأول: أن الإجماع ممكن، أي: إجماع المجتهدين من
أُمَّة محمد - صلى الله عليه وسلم - في عصر من العصور ممكن عادة.
وهو مذهب جمهور العلماء.
وهو الصحيح؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: الوقوع، حيث إن الإجماع وقع فعلاً، ولا أدل
على الإمكان من الوقوع، وأمثلة وقوع الإجماع كثيرة، ومنها:
1 - الاجماع على حرمة شحم الخنزير كلحمه.
2 - الإجماع على حجب ابن الابن بالابن.
3 - الإجماع على تقديم الدَّين على الوصية.
4 - الإجماع على أنه لا زكاة في أعيان الشجر.
5 - الإجماع على أن الواجب في الغسل والمسح في الوضوء هو
الفعل مرة واحدة.
(2/847)

6 - الإجماع على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة: لونه،
أو طعمه، أو ريحه بنجاسة لا يجوز الوضوء منه.
وغير ذلك من الأمثلة.
فهذا دليل واضح على انعقاد الإجماع بالفعل فضلاً عن إمكانه.
الدليل الثاني: أنه كما لا يمتنع اتفاقهم على الأكل والشرب،
فكذلك لا يمتنع اتفاقهم على حكم معين لحادثة حدثت في عصرهم،
ولا فرق، والجامع: توافق الدواعي لكل منهما.
الدليل الثالث: أن الأصل الإمكان، فيستمر هذا الأصل ويتمسك
به لعدم وجود ما يمنعنا من استصحابه.
المذهب الثاني: أن الإجماع مستحيل عادة، فهو غير ممكن.
ذهب إلى ذلك بعض النظامية، وبعض الشيعة، وبعض الخوارج.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن أهل الإجماع قد انتشروا
في مشارق الأرض ومغاربها، وهذا الانتشار يمنع نقل الحكم إليهم
عادة، وإذا امتنع نقل الحكم امتنع الاتفاق الذي هو وقوع تساويهم
في نقل الحكم إليهم.
جوابه:
يجاب عنه: بأن أهل الإجماع عدد قليل معروفون بأعيانهم،
وهم المجتهدون، وعليه فيمكن أن ينقل الحكم إلى جميعهم، ولا
يخفى على واحد من المجتهدين، ثم إن أهل الإجماع يكونون عادة
أهل جد وبحث، وليسوا خاملين، فالمطلوب لا يخفى على الطالب
الجاد، وإنما يمتنع ذلك لمن قعد في عقر داره لا يبحث ولا يطلب،
وهذا قد ينزله عن درجة الاجتهاد.
(2/848)

المطلب الثالث في العلم بالإجماع والاطلاع عليه
الاطلاع على الإجماع والعلم به يكون بأحد طريقين:
أولهما: الأخبار والنقل إن كان الإجماع متقدما؛ لتعذر المشاهدة.
ثانيهما: المشافهة والمشاهدة إن كان الإجماع قد حصل في عصر
المجتهدين.
ووجه الحصر في هذين الطريقين.: أنه لا يمكن أن يعلم الإجماع
بالعقل، ولا يمكن أن يعلم بخبر اللَّه تعالى ولا بخبر رسوله - صلى الله عليه وسلم -، لتعذر ذلك، فتعين ما ذكرنا من الطريقين.
واختلف العلماء القائلون بإمكان الإجماع ووقوعه، وهم الجمهور
في إمكان العلم به والاطلاع عليه على مذاهب:
المذهب الأول: أنه يمكن العلم به والاطلاع عليه مطلقا في جميع
العصور.
وهو مذهب الجمهور.
وهو الحق، لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن أرباب العلوم غير الدينية قد تحقق الإجماع بينهم
(2/849)

في كثير من الأحكام التي تخصهم فمثلهم الفقهاء، بل الفقهاء أوْلى
لوجود الدافع الديني.
الدليل الثاني: أن ضروريات المذاهب مقطوع بالإجماع عليها من
العوام وغيرهم، والعوام أكثر عدداً من غيرهم، وأقل نظراً، وقد
تحقق العلم منهم، فأوْلى أن يتحقق العلم بالإجماع من الفقهاء،
وهم أقل عدداً، وأكثر نظراً.
المذهب الثاني: أنه يمكن العلم به والاطلاع عليه في زمن الصحابة
فقط.
وهو مذهب بعض الشافعية كالأصفهاني، وبعض الإمامية، وأهل
الظاهر.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنه لا يتعذر العلم
بالإجماع في زمن الصحابة والاطلاع عليه، نظراً لقلتهم،
وحصرهم، واجتماعهم في الحجاز، ومن خرج منهم فيعرف
مكانه، فيمكن الرجوع إليهم جميعاً، وعليه فيمكن معرفة ما اتفقوا
عليه جميعاً، وما اختلفوا فيه.
أما في غير الصحابة، فإن العلم بالإجماع متوقف على معرفة
أعيان المجمعين، وما غلب على ظنهم، واتفاقهم عليه في وقت
واحد، وهذه الأمور غير ممكنة إلا في زمن الصحابة فقط، أما في
زمن غيرهم: فلا يمكن نظراً لكثرتهم وتفرقهم.
جوابه:
يجاب عنه: بأن المجتهدين وإن كانوا كئيرين فإنه يمكن معرفة
(2/850)

الإجماع بمشافهة بعضهم والنقل المتواتر عن الباقين بأن ينقل من أهل
كل قطر من يحصل التواتر بقولهم عمن فيه من المجتهدين مذاهبهم،
فيتضح إمكان الاطلاع على إجماع من عدا الصحابة.
هذا على فرض أن المجتهدين في كل عصر كثيرون، ولكن الحق:
أن الذين بلغوا درجة الاجتهاد في كل عصر هم فئة قليلة جداً يمكن
العلم بهم، فهم من الشهرة بحيث لا يخفون على باحث فيمكن
العلم بأقوالهم ونقلها.
المذهبِ الثالث: أنه يمكن معرفة الإجماع والاطلاع عليه في
القرون الثلاثة الأولى، وهو اختيار بعض الحنفية، ومنهم الأنصاري.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن المجتهدين في هذه
العصور وهي القرون الثلاثة يمكن معرفتهم، فيسهل معرفة الإجماع
في هذه الأزمنة والاطلاع عليها.
جوابه:
يجاب عنه بالجواب السابق على دليل أصحاب المذهب الثاني.
(2/851)

المطلب الرابع في حجية الإجماع
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن الإجماع حُجَّة.
وهو مذهب جمهور العلماء المعتد بأقوالهم.
وهو الحق، للأدلة التالية:
الدليل الأول: قوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) .
وجه الدلالة: أن معنى مشاقة الرسول - صلى الله عليه وسلم -: منازعته، ومخالفة ما جاء به عن ربه، ومعنى سبيل المؤمنين: ما اختاروه لأنفسهم من
قول أو فعل أو اعتقاد، وقد توعد اللَّه بالعقاب على متابعة غير سبيل
المؤمنين، وهذا يدل على وجوب متابعة سبيل المؤمنين، وتحريم
مخالفتهم، ولو لم تكن مخالفتهم حراماً لما توعد عليه ولما حسن
الجمع بينه وبين المحرم وهو: مشاقة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الوعيد كما لا يحسن التوعد على الجمع بين الكفر وأكل الخبز المباح.
وبذلك يكون سبيل المؤمنين حُجَّة يجب اتباعه والعمل بمقتضاه.
(2/852)

ما وجه إلى هذا الاستدلال من الاعتراضات:
الاعتراض الأول: أن اللَّه تعالى إنما توعد على أمرين لا بد منهما
معاً، ولا ينفصل أحدهما عن الآخر وهما:
1 - مشاقة الرسول
2 - ترك اتباع سبيل المؤمنين، فيلحق الوعيد بالأمرين معاً،
فثبت أنه لا يتعلق الوعيد بأحدهما على الانفراد، وبناء على ذلك:
فلا يلحق الوعيد التارك لاتباع سبيل المؤمنين منفرداً؛ إذن: لا يجب
اتباع الإجماع، لأنه لا وعيد عليه، فيكون الإجماع ليس بحُجَّة.
جوابه:
يجاب عنهْ بأن هناك قاعدة وهي: أن اللَّه تعالى إذا توعد على
شيئين، فإن الوعيد يلحق بكل واحد منهما على انفراد واجتماع،
لكن لا يجوز أن يلحق الوعيد بأحد الشيئين معيناً، والآخر لا يلحق
به الوعيد.
يؤيد ذلك قوله تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا) ،
فإن اللَّه لما جمع بين هذه الأفعال في الوعيد كان منصرفاً
إلى كل واحد منها، فكذلك في هذه الآية وهي: " ومن يشاقق
الرسول.. " قد جمع اللَّه بين هذين الفعلين، وهما: " المشاقة،
ومتابعة غير سبيل المؤمنين " فينصرف الوعيد إلى كل واحد منهما
بانفراد، فلو لم يكن اتباع سبيل المؤمنين محرماً بانفراده، فإنه لا
يمكن أن يقرن بما هو محرم وهو: " المشاقة " كسائر المباحات، ألا
ترى أنه لا يجوز الجمع بين المحرم والمباح في باب الوعيد، فلا
يجوز أن يقال: " من زنا وشرب الماء عاقبته "، وذلك لأن الزنا
محرم، وشرب الماء مباح.
(2/853)

الاعتراض الثاني: أن اللَّه تعالى قد توعد على ترك سبيل المؤمنين
فيما صاروا به مؤمنين وهو التوحيد، والتصديق، وفعل الإيمان.
يؤيد ذلك: قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) التي أتت بعد تلك الآية المستدل بها، ومعروف
أن الشرك مقابل التوحيد، ويؤيد ذلك: سبب نزول هذه الآية،
حيث إنه قيل: إن الآية نزلت في بشير بن أبيردتى المنافق لما سرق ثم
رمى بذلك لبيد بن سهيل، ولما كشف أمره هرب إلى مكة، ولحق
بالمشركين، فأنزل اللَّه تلك الآيات.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا حمل الآية على صورة واحدة، وهذا تأويل
لا دليل عليه، والتأويل الذي لا دليل عليه باطل.
الاعتراض الثالث: أن التوعد قد لحق جميع - المؤمنين إلى قيام
الساعة، وأهل العصر ليسوا كل المؤمنين، ودليل ذلك: أن لفظ
"المؤمنين " جمعٌ معرف بـ " أل "، فتكون عامة لجميع المؤمنين، وجميع
المؤمنين كل من آمن بالله إلى يوم القيامة، وذلك لا يدل على أن ما
وجد من الإجماع في بعض الأعصار حُجَّة؛ لأمرين:
أولهما: أن المجمعين - في عصر واحد هم بعض المؤمنين.
ثانيهما: أن المخالف في حجية الإجماع من جملة المؤمنين.
جوابه:
يجاب عنه: بأن المقصود بلفظ " المؤمنين " الوارد في الآية هم
أهل العصر الذي حدثت فيه الحادثة - كما قلنا في تعريف الإجماع
السابق - فتحمل لفظة " المؤمنين " على ذلك.
(2/854)

الاعتراض الرابع: أن حجية الإجماع مسألة علمية لا تفيد فيها إلا
الأدلة القطعية، ودلالة الآية ظنية للاحقمالات التي ذكرت، فهي من
قبيل الظاهر، فلا تثبت حجية الإجماع.
جوابه:
يجاب عنه: بأن الآية وإن كانت ظنية الدلالة إلا أنها تثبت حجية
الإجماع، ويكون حُجَّة ظنية كخبر الواحد هذا على قول.
أما على القول بأن الإجماع حُجَّة قطعية فإنا نقول: إن هذه الآية
وإن كانت ظنية فقد احتفت بقرائن صيرتها قطعية، والقرائن هي ما
سيأتي من السُّنَّة.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد وصف الأُمَّة بأنهم أُمَّة وسطا،
والوسط: الخيار العدل، دلَّ على ذلك قوله تعالى:
(قال أوسطهم ألم أقل لكم) أي: أعدلهم، فالله عَزَّ وجَل عدلهم
بقبول شهادتهم، ولما كان قول الشاهد حُجَّة، إذ لا معنى لقبول
شهادته إلا كون قوله حُجَّة يجب العمل بمقتضاه، فيدل هذا على أن
إجماع الأُمَّة يجب العمل بمقتضاه.
وكون الوسط: العدل هو الذي ذكره الجوهري في الصحاح،
وذكره القرطبي في تفسيره.
الاعتراضات التي وجهت إلى الاستدلال بهذا الآية:
الاعتراض الأول: لا نُسَلِّمُ أن العدالة تنافي الخطأ في الاجتهاد،
بل إنما تنافي الكبائر، فاحتمال الخطأ في الكبائر باق.
(2/855)

جوابه:
يجاب عنه بأن ما قلتم مسلم بالنسبة لتعديل الأُمَّة بعضها لبعض،
وأما بالنسبة لتعديل اللَّه للأُمَّة فينافي الخطأ مطلقا؛ لأنه لم يعدلهم إلا
لكونهم يصيبون الحق في الواقع مطلقاً لقبول شهادتهم، والشهادة
إنما تقبل لموافقتها الصواب، فلزم أنهم معصومون عن الخطأ.
الاعتراض الثاني: أن الآية قد قيدت عدالة الأُمَّة في يوم القيامة
فقط؛ لأن التعديل من اللَّه للأُمَّة معلل بقبول شهادتها يوم القيامة
على الأكل م السابقة، والعدالة تعتبر وقت أداء الشهادة وهو يوم القيامة.
جوابه:
يجاب عنه: بأن من دقق النظر في الآية فإنه يتبين له أن اللَّه قد ميَّز
الأُمَّة الإسلامية على غيرها من الأمم السابقة بهذه الميزة المذكورة فيها،
فلو جعلت عدالتها خاصة بيوم القيامة لما كانت لها ميزة على الأمم
السابقة؛ لأن الأمم جميعها يوم القيامة عدول فلا داعي لذكر هذا
الأمر، يؤيد ذلك قوله: " وجعلناكم " بلفظ الماضي، ولم يقل
سنجعلكم، فتكون العدالة محققة في الدنيا.
الاعتراض الثالث: سلمنا أن العدالة لهم في الدنيا، ولكن
العدالة التي وردت في الآية إنما هي لجميع الأُمَّة، وعلى هذا فلا
خصوصية للمجتهدين منهم، إذن: لا تثبت حجية الإجماع إلا
بانتهاء الأُمَّة، وبانتهائها لا تحتاج إليه، فلا تصلح الآية للاستدلال
بها على حجية الإجماع.
جوابه:
يجاب عنه: بانا بيَّنَّا أن المجتهدين هم الذين يعتبر قولهم فقط،
وبيَّنا أن المقصود اجتهادهم في عصر من العصور، هذا كله سبق.
(2/856)

ونزيد هنا: أن المقصود من حجية قولهم: العمل بمقتضاه،
وليست الآخرة دار عمل، وإلا لقال تعالى: " سنجعلكم " فتعبيره
بالماضي يدل على أن قولهم حُجَّة.
الدليل الثالث: قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)
وجه الاستدلال: أن اللَّه تعالى قد أخبر عن خيرية هذه الأُمَّة بأنهم
يأمرون بكل معروف، وينهون عن كل منكر، وهذا يقتضي كون
قولهم حقاً وصوابا في جميع الأحوال، والخيرية توجب حقيقة ما
اجتمعوا عليه؛ لأنه لو لم يكن حقاً لكان ضلالاً، فإذا اجتمعوا
على مشروعية شيء يكون ذلك الشيء معروفاً، وإذا اجتمعوا على
عديِم مشروعية شيء يكون ذلك الشيء منكراً، فيكون إجماعهم
حُجة.
الدليل الرابع: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل
الجزم، ومن أمر اللَّه بطاعته على سبيل الجزم لا بد أن يكون معصوما
عن الخطأ؛ لأنه لو لم يكن معصوما عن الخطأ كان بتقدير إقدامه
على الخطأ يكون قد أمر اللَّه بطاعته، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك
الخطأ، فثبت أن أولي الأمر المذكورين في هذه الآية لا بد وأن يكونوا
معصومين.
وهؤلاء المعصومون اما مجموع الأفة، أو بعضها، ولا ثالث
لهما.
(2/857)

لا يجوز أن يكونوا كل الأُمَّة، لأنا قد بيَّنا أن اللَّه قد أوجب طاعة
أولي الأمر في هذه الآية، وهم أهل الحل والعقد من الأُمَّة وهم
المجتهدون؛ لأن إيجاب طاعتهم مشروط بكوننا عارفين بهم، قادرين
على الوصول إليهم والاستفادة منهم؛ لأنه: " لا يكلف اللَّه نفسا إلا
وسعها "، وهذا هو الراجح في المراد من " أولي الأمر ".
الدليل الخامس: من السُّنَّة:
1 - قوله - صلى الله عليه وسلم -: " ... فمن سره بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الفذ، وهو من الاثنين أبعد ".
2 - قوله: " لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى يأتيهم أمر
الله وهم ظاهرون ".
3 - قوله: " فإن يد اللَّه على الجماعة، وإن الشيطان مع من
فارق الجماعة يركض ".
4 - قوله: " لا تجتمع أمتي على ضلالة، ويد اللَّه على الجماعة،
ومن شذ شذ في النار "،
وفي رواية: " إن اللَّه لا يجمع هذه الأُمَّة على ضلالة أبداً، وأن اللَّه مع الجماعة، فاتبعوا السواد الأعظم، فإن من شذ شذ في النار "،
وفي رواية: " إن أُمَّتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم "،
وفي رواية: " سألت ربي أن لا تجتمع أُمَّتي على ضلالة فأعطانيها ".
5 - قوله: " ومن فارق الجماعة شبراً فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه ".
6 - قوله: " إن الله أجاركم من ثلاث خلال: أن لا يدعو
عليكم نبيكم فتهلكوا جميعاً، وأن لا تجتمعوا على ضلالة ... ، إلخ.
(2/858)

إلى غير ذلك من الأخبار التي لا تحصى كثرة، البالغة مبلغ التواتر
المعنوي، لم تزل ظاهرة مشهورة بين الصحابة والتابعين لم يدفعها
أحد من أئمة النقل من سلف الأُمَّة وخلفها، بل هي مقبولة من
الجميع -، ومعمول بها، ولم ينكوها أحد، ولم تزل الأُمَّة تحتج بها
في أصول الدين وفروعه.
وجه الاستدلال من تلك الأحاديث على حجية الإجماع من
طريقين:
الطريق الأول: حصول العلم الضروري، فكل واحد من تلك
الأحاديث وإن كان خبر واحد يجوز تطرق الاحتمال إليه، إلا أنه
حصل لنا بمجموعها علما ضرورياً بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد عظم شأن هذه الأُمَّة وأخبر أنها معصومة عن الخطأ، كما علمنا بالضرورة شجاعة عليّ، وكرم حاتم، وإذا عصمت الأُمَّة عن الخطأ فيكون إجماعهم
حُجَة؛ لأنه حق.
الطريق الثاني: حصول العلم الاستدلالي، وذلك من وجهين:
الوجه الأول: أن تلك الأحاديث الآحادية لم تزل ظاهرة مشهورة
بين الصحابة والتابعين، ومن جاء بعدهم، وقد تمسكوا بها فيما
بينهم في إثبات الإجماع من غير خلاف فيها، ولم يزالوا على ذلك
حتى وقت النظام وغيره من المخالفين، ويستحيل عادة توافق الأمم
في عصور مختلفة على التسليم لما لم تقم الحُجَّة بصحته مع اختلاف
الطباع وتفاوت الأفهام والهمم والمذاهب والآراء.
فهذا يدل على عدم اختلاف هؤلاء في استدلالهم بتلك الأحاديث
على ثبوت الإجماع، وأنه حُجَّة.
الوجه الثاني: أن الذين احتجوا بتلك الأخبار الآحادية أثبتوا بها
(2/859)

أصلاً مقطوعا به، وهو الإجماع الذي يقدم على النص من الكتاب
والسنَّة، والعادة تحيل أن يسلم لخبر يرفع به النص إلا إذا كان مستنداً
إلى مستند مقطوع به، وهو مجموع تلك الأخبار الآحادية؛ حيث
أفادتنا العلم الضروري بأن الأُمَّة لا تجتمع على خطأ.
الاعتراضات التي وجهت إلى هذا الاستدلال:
الاعتراض الأول: أنه ربما خالف واحد وردها، ولكنه لم ينقل إلينا.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا خلاف العادة؛ لأن الإجماع من أعظم
الأدلة، فلو خالف فيه أحد لاشتهر كما اشتهرت مخالفة الصحابة
في كثير من المسائل الفقهية.
الاعتراض الثاني: يحتمل أنهم أثبتوا الإجماع بغير تلك الأخبار.
جوابه:
يجاب عنه: بأن الظاهر أن الصحابة والتابعين قد تمسكوا بتلك
الأخبار على إثبات الإجماع، ولا يعدل عن هذا الظاهر إلا بدليل.
الاعتراض الثالث: أن هذا إثبات الإجماع بالإجماع؛ لأنكم
استدللتم بالإجماع على صحة الخبر، والخبر على صحة الإجماع،
وهذا باطل.
جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ ذلك، بل استدللنا على الإجماع بمجموع تلك
الأخبار؛ بناء على أنها تفيد التواتر المعنوي، فيكون استدلالنا
بالمتواتر وهو مقطوع به على إثبات الإجماع.
(2/860)

المذهب الثاني: أن إجماع الصحابة حُجَّة فقط، أما إجماع غيرهم
فليس بحجة.
وهو مذهب كثير من الظاهرية.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) .
وجه الدلالة: أن الله قد أثنى على الصحابة في القرآن الكريم،
والثناء يدل على أن أقوالهم معتبرة، لصدقها يقينا، فدل على أن
اجتماعهم حُجَّة.
جوابه:
يجاب عنه من وجهين:
أحدهما: أن الآية ليست خاصة بالصحابة، بل هي شاملة لهم
ولغيرهم بدليل قوله: (والذين اتبعوهم) ، فهذا شامل لجميع
المتبعين بإحسان من بعد الصحابة إلى آخر المسلمين، فيلزمهم أن
تكون دالة أيضاً على حجية إجماع غيرهم لاشتراكهم جمبعا في المدح.
ثانيهما: إذا كان الثناء والمدح يدل على أن أقوال الممدوحين
معتبرة، فالله تعالى كما أثنى على الصحابة فقد أثنى على الأُمَّة
الإسلامية بقوله: (وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم) أي:
اختاركم لدينه ونصرته، وقال: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)
أي: عدولاً، وقال: (كنتم خير أُمَّةٍ) ، وغير ذلك من الآيات،
فيدل على أن اللَّه قد أثنى على الأُمَّة - أيضاً - فيلزم أن الإجماع ليس
خاصا بالصحابة، بل هو عام لكل عصر.
(2/861)

الدليل الثاني: قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) .
وجه الدلالة: أن اللَّه حفظ القرآن بحفظ الصحابة له، ونقلهم
إياه، وإجماعهم عليه، والآية تدل على صدق إجماعهم، فيكون حجة.
جوابه:
يجاب عنه: أن الآية عامة، فإنها كما دلَّت على صدق إجماع
الصحابة دلَّت أيضاً على صدق إجماع من جاء بعد الصحابة، حيث
إن من جاء بعد الصحابة من التابعين، وتابعيهم إلى يومنا هذا قد
حفظوا ذلك القرآن وكتبوه وعملوا به.
الدليل الثالث: قوله - صلى الله عليه وسلم -:
" يأتي على الناس زمان فيغدو فئام من الناس فيقال لهم: فيكم من رأى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -؛ فيقولون:
نعم، فيفتح لهم، ثم يغدو فئام من الناس فيقال لهم: فيكم من
رأى من صحب رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -؛ فيقولون: نعم، فيفتح لهم.. "
كذلك ما روي عن - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
" إن اللَّه اختار أصحابي على العالمين سوي النبيين "،
ونحو ذلك من الأحاديث.
وجه الدلالة: أن الشارع قد أثنى على الصحابة بالعدالة، وأنهم
اختارهم على العالمين، فدل على أنهم قد فضلوا على غيرهم، فدل
على أن إجماعهم حُجَّة.
جوابه:
يجاب عنه: بأن غير الصحابة ممن جاء بعدهم قد وردت
الأحاديث بعصمتهم عند الاتفاق وهي الأحاديث التي ذكرناها في
(2/862)

استدلالنا على حجية الإجماع، فلا اختصاص للصحابة - رضي الله
عنهم - بالإجماع.
المذهب الثالث: أن الإجماع ليس بحُجَّة مطلقا.
وهو مذهب بعض الخوارج، وبعض النظامية، وبعض الشيعة.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول لهم قالوا فيه: إنه لا دليل على كون الإجماع حُجَّة،
لا من جهة العقل، ولا من جهة النقل، فإذا لم يدل عليه شيء
وجب القطع بنفي كونه حُجَّة؛ لعدم ما يدل عليه.
جوابه:
يجاب عنه: بأنا لا نُسَلِّمُ أنه لا دليل عليه، بل دلَّت الأدلة النقلية
على أن الإجماع حُجَّة، وهي التي ذكرناها فيما سبق من الآيات
والأحاديث.
فإن أنكر أحد بعضها، فلا يمكنه أن ينكرها جميعها، ومن أنكرها
جميعا فهو معاند ومكابر، والمعاند لا يعتد بقوله.
ثم إن منكر ذلك جاء بعد تحقق الإجماع والاحتجاج به، فإنكاره
مكابرة.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) .
وجه الدلالة: أن الآية بيَّنت أنه إذا حدث تنازع في حكم حادثة
فإنه يجب أن يؤخد حكمها من الكتاب والسُّنَّة فقط، والإجماع
ليس بكتاب ولا سُنَّة، فلا يصح حُجَّة..
(2/863)

جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن الحكم بالإجماع هو حكم بالكتاب والسُنَّة؛ لأن المجمعين لا بد أن يستندوا في اجتهادهم إلى نص الكتاب والسُنَّة
أو ما فهم منهما.
الجواب الثاني: أنه يجب أن نعمل بما جاء في الكتاب والسُنَّة،
وقد جاءت آيات في الكتاب، وأحاديث في السُنَّة تدل على أن
الإجماع حُجَّة فيجب أن نعمل بها.
الدليل الثالث: قوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) ، وقوله: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) .
وجه الدلالة: أن الآيتين تفيدان أن الكتاب قد ورد فيه حكم كل
شيء، فلا حاجة إلى الإجماع، فالمرجع هو الكتاب والسُّنَّة، أما
الإجماع فنظراً لعدم الحاجة إليه فلا يصلح أن يكون مرجعا.
جوابه:
يجاب عنه: بأن الكتاب قد بين كل شيء ومما بيَّنه أن الإجماع
حُجة، وذلك بالآيات التي ذكرناها ودلَّت على حجية الإجماع،
وكذلك بيَّن أن السُّنَّة حُجَّة بقوله: (وما أتاكم الرسول فخذوه..)
وغيرها، والسُّنَّة بيَّنت أن الإجماع حُجَّة بالأحاديث التي ذكرناها.
الدليل الرابع: قوله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ - لما بعثه إلى اليمن -: " إذا عرض عليك قضاء فبِمَ تقضي؟
قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟
قال: بسُنَة رسول اللَّه، قال: فإن لم تجد؟
قال: أجتهد رأيى ولا آلو، فصوبه النبي - صلى الله عليه وسلم - ".
(2/864)

وجه الدلالة: أن معاذاً ذكر الأدلة المعمول بها، فأقره النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يذكر الإجماع معها، فهذا يدل على أنه ليس بدليل، إذ لو كان دليلاً لما تركه مع الحاجة إليه.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن الإجماع لا يكون دليلاً في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبناء على ذلك فليس فيه تأخير عن وقت الحاجة.
الجواب الثاني: أن الإجماع هو حكم بالكتاب والسُّنَّة ولا يخرج
عنهما؛ لأن مستنده: إما الكتاب، أو السُّنَّة، أو شيء يقاس على
ما ثبت بهما.
الدليل الخامس: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ ".
وجه الدلالة: أن هذا الحديث يدل على جواز خلو العصر عمن
تقوم الحُجَّة بقوله.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا الحديث لا يدل على ما ذكرتم، بل إن ما
دلَّ عليه الحديث هو: أن أهل الإسلام سيكونون هم الأقلين، لا أنه
لا يبقى من تقوم به الحُجَّة.
الدليل السادس: أن الإجماع لا يمكن في ذاته، ولا يمكن العلم
به، ولا يمكن نقله - وقد سبق ذلك -.
جوابه:
يجاب عنه: بانا قد أثبتنا فيما سبق أن الإجماع يمكن في ذاته،
ويمكن العلم به، ويمكن نقله.
(2/865)

الدليل السابع: القياس على الأمم السابقة، فكما أنه لم يعتبر
إجماع الأمم السابقة ولم يكن حُجَّة، فكذلك إجماع هذه الأُمَّة لا
يكون حُجَّة ولا فرق.
جوابه:
يجاب عنه: بأن إجماعنا قد وردت الأدلة من الكتاب والسُّنَّة على
اعتباره، بخلاف إجماعهم فإنه لم ترد الأدلة على أنه حُجَّة، وهذا
هو الفرق، إذن قياسكم لا يصح؛ لأنه قياس مع الفارق.
(2/866)

المطلب الخامس في شروط الإجماع
وفيه مسائل:
المسألة الأولى: هل يشترط في أهل الإجماع بلوغ حد التواتر؟
المسألة الثانية: إذا لم يوجد في العمر إلا اثنان من المجتهدين فهل
يعتبر اتفاقهما إجماعا؟
المسألة الثالثة: إذا لم يكن في العصر إلا مجتهد واحد فهل يعتبر قوله
إجماعا؟
المسألة الرابعة: هل يشترط في أهل الإجماع عدالة المجمعين؟
المسألة الخامسة: هل يعتد بقول الكافر المجتهد في الإجماع؟
المسألة السادسة: هل يعتبر قول العوام في الإجماع؟
المسألة السابعة: العالم بالفقه دون أصوله، والعالم باصول الفقه
دون فزوعه هل يعتبر قولهما في الإجماع؟
المسألة الثامنة: هل يشترط انقراض العصر في صحة الإجماع؟
المسألة التاسعة: إذا بلغ التابعي درجة الاجتهاد في عصر الصحابة قبل
اتفاقهم فهل يعتد بقوله وفاقا وخلافا؟
المسألة العاشرة: هل يشترط في الإجماع اتفاق كل المجتهدين أو هل
ينعقد الإجماع بقول الأكثر؟
(2/867)

المسألة الحادية عشرة: اتفاق الأكثر هل يكون حُجَّة يجب الأخد به؟
المسألة الثانية عشرة: هل يشترط في انعقاد الإجماع وحجيته أن يكون
له مستند ودليل؟
المسألة الثالثة عشرة: الدليل القطعي هل يصلح أن يكون مستنداً
للإجماع؟
المسألة الرابعة عشرة: الدليل الظني هل يصلح أن يكون مستنداً
للإجماع؟
المسألة الخامسة عشرة: حكم انعقاد الإجماع عن خبر الواحد.
المسألة السادسة عشرة: لو ظهر خبر واحد موافق لمقتضى الإجماع
فهل يجب تعيينه مستنداً للإجماع؟
المسألة السابعة عشرة: حكم انعقاد الإجماع عن القياس.
المسألة الثامنة عشرهْ: هل يشترط نقل الإجماع بالتواتر؟
(2/868)

المسألة الأولى: هل يشترط في أهل الإجماع بلوغ حد التواتر؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يشترط في حجية الإجماع أن يبلغ عدد
المجمعين حد التواتر.
وهو مذهب جمهور العلماء.
وهو الحق عندي؛ لأن أدلة حجية الإجماع من الكتاب والسُّنَّة
السابقة الذكر وردت مطلقة، وبناء على ذلك فإنه مهما كان عدد
الإجماع أنقص من عدد التواتر صدق عليهم لفظ " المؤمنين " ولفظ
"الأُمة"، فإذا قالوا قولاً كانت الحُجَّة فى قولهم؛ لأن الأدلة السمعية
- كما سبق - موجبة لعصمتهم عن الخطأ، فإذا لم يكن على وجه
الأرض سوى هؤلاء البالغين درجة الاجتهاد فهم على الحق قطعا
- مهما كانوا قلة أو كثرة - فيجب اتباعهم، صيانة لهم عن الاتفاق
على الخطأ.
المذهب الثاني: أنه يشترط أن يبلغ عدد المجمعين حد التواتر.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليلِ هدا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن الجمع الكثير لا يتصور
تواطؤهم على الخطأ، لأن العادة تحيل تواطؤهم على الكذب، ولا
تحكم العادة بالقطع في غيره.
جوابه:
يجاب عنه: بأن العدد الكثير إذا لم يكونوا كل المجتهدين فإنه
(2/869)

لا يصدق عليهم أنهم كل الأُمَّة، ولم تثبت العصمة إلا للكل، ولا
تلازم بين إحالة العادة تواطؤهم على الكذب، وبين إحالة تواطؤهم
على الخطأ المستفاد من الإجماع، حيث لم يكونوا كل الأُمَّة، وإنما
ثبتت عصمتهم بشهادة النصوص، لا بالعادة، ولذلك وجب بهذه
النصوص أن تثبت العصمة للمجمعين، سواء بلغوا حد التواتر أو
لا، نظراً لثبوت الصفة فيهم متى كانوا كل المجتهدين.
***
المسألة الثانية: إذا لم يوجد في العصر إلا اثنان من المجتهدين
فهل يعتبر اتفاقهما إجماعا؟
لقد اختلف في ذلك.
والحق: أن اتفاقهما يعتبر إجماعا؛ لدليلين:
الأول: أن حقيقة الإجماع وحده يصدق عليهما، لأن الاتفاق أقل
ما يصدق باثنين.
الثاني: أنه يصدق عليهما أنهما كل الأُمَّة، وكل المؤمنين الذين
معه يعتبرون في الإجماع.
وعلى هذا، فإن اتفاقهما على حكم يصبح إجماعا لا يجوز لهما
مخالفته، ولا لغيرهما ممن يأتي بعدهما.
***
المسألة الثالثة: إذا لم يكن في العصر إلا مجتهد واحد فهل
يعتبر قوله إجماعا؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن قول هذا الواحد لا يعتبر إجماعا، ولكنه يعتبر حُجة.
-
(2/870)

وهو مذهب ابن سريج، وهو قول كثير من العلماء.
وهو الحق عندي؛ للأدلة التالية:
الأول: أن الأدلة النقلية الدالة على عدم خروج الحق عن الأُمَّة
تتناوله ويدخل ضمنها.
الثاني: أن الأدلة على كون قوله حُجَّة عليه وعلى غيره من
العوام، كقوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)
تتناوله.
الثالث: حفظ دين اللَّه حتى لا يخلو الزمن الذي وقعت فيه
الحادثة من حكم فيها؛ لذلك يكون قوله حُجَّة على غيره ممن لم
يبلغ الاجتهاد وليس إجماعاً؛ لأنه لا يصدق عليه تعريف الإجماع.
المذهب الثاني: أن قوله حُجَّة وإجماع.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إنه عند الانفراد يصدق عليه
لفظ الأُمَّة؛ لقوله تعالى: (إن إبراهيم كان أُمَّة) ، فأطلق لفظ
"الأُمَّة " عليه وهو واحد، والأصل في الإطلاق الحقيقة، فكذلك
أصبح المجتهد وحده أُمَّة، فتناولته الأدلة الدالة على عصمة الأُمَّة.
جوابه:
يجاب عنه: بأن إطلاق الأُمَّة على إبراهيم - عليه السلام -
مجاز؛ للقطع بأن إطلاقها على الجماعة حقيقة، والأصل عدم
الاشتراك، ولا يلزم من إطلاقها على إبراهيم - نظراً لتعظيمه -
(2/871)

إطلاقها في حق غيره، لذلك فإن لفظ " الأُمَّة " لا تطلق على
الواحد أبداً.
المذهب الثالث: أنه لا يعتبر حُجَّة ولا إجماعا.
وهو مذهب بعض الشافعية.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن العصمة عن الخطأ ثبتت
لجماعة المجتهدين في العصر الواحد، وأقل ما يكون ذلك يتكون من
اثنين فصاعداً، وهذا منتف في الواحد؛ لأنه ليس له اجتماع،
وليس هو بكل المؤمنين.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا الدليل دلَّ على أن قول المجتهد الواحد لا
يعتبر إجماعاً، ولكن هذا الدليل لم ينف كون قوله حُجَّة.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ لأنه يترتب على المذهب الأول - وهو كون
قوله حُجَّة وليس بإجماع -: أنه لا يمنع من رجوعه عن فتواه متى
ظهرت له الحُجَّة في غيره، ولا يمنع من مخالفة غيره له من
المجتهدين، سواء كان في عصره، أو بعد ذلك.
ولكن يجب على العوام أن يعملوا على ما أفتى به.
ويترتب على المذهب الثاني - وهو كون قوله حُجَّة وإجماعا - أنه
لا يجوز له الرجوع عن قوله، لكونه إجماعا، ولا يجوز لمن جاء
بعده أن يخالفه؛ لأن مخالفة الإجماع لا تجوز، سواء كان في
عصره ممن بلغ درجة الاجتهاد، أو بعد عصره.
(2/872)

أما على المذهب الثالث فلا يترتب عليه شيء إلا أنه يجب عليه أن
يعمل باجتهاده، ويجب على مقلده أن يعمل على ذلك الاجتهاد.
المسألة الرابعة: هل يشترط في أهل الإجماع عدالة المجمعين؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب، من أهمها مذهبان:
المذهب الأول: أنه تشترط عدالة المجتهدين في الإجماع، فلا
يقبل قول المجتهد الفاسق في الإجماع مطلقاً، سواء كان فسقه من
جهة الاعتقاد، أو من جهة الفعل.
وهو مذهب كثير من العلماء، ونسبه بعضهم إلى الجمهور.
وهو الصحيح؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أُمَّة وسطا) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى جعل هذه الأمة شهداء على الناس،
وحُجة عليهم فيما يشهدون به؛ لكونهم عدولاً، والوسط هو العدل
- كما تقدم -، فلما لم يكن الفاسق متصفا بهذه الصفة - وهي
العدالة - لم يجز أن يكون من الشهداء على الناس، فلا يعتد بقوله
في الإجماع، ولا في الشهادة، ولا في الرواية؛ وذلك لاتهامه في
الدليل الثاني: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أوجب التوقف في أخبار غير العدل،
واجتهاده إخبار بأن رأيه كذا، فوجب التوقف في قبوله، وإذا وجب
التوقف في قبول إخباره لم يحكم بقبول خبره.
(2/873)

الدليل الثالث: أن الفاسق لا يقبل قوله ولا يقلد في فتوى وهو
منفرد، نظراً لفسقه، واتهامه في الدين جعله غير مؤتمن فيقاس على
ذلك أنه لا يقبل قوله مع الجماعة ولا فرق " حيث إن الاتهام في
الدين لا زال موجوداً.
الدليل الرابع: قوله تعالى: (ويتبع غير سبيل المؤمنين) .
وجه الدلالة: أن سبيل أهل الفسق والضلال لم يكن سبيلاً للمؤمنين.
المذهب الثاني: أنه لا يشترط عدالة المجتهدين في الإجماع، أي:
أنه يعتبر قول العدل والفاسق في الإجماع بشرط بلوغهم درجة
الاجتهاد.
وهو مذهب إمام الحرمين، والأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني،
والشيخ أبي إسحاق الشيرازي، والغزالي، والآمدي، وأبي الخطاب
الحنبلي.
دليل هذا المذهب: أن أدلة حجية الإجماع عامة، لم تشترط
عدالة المجتهد، فالفاسق يدخل في عموم " المؤمنين "، وعموم
"الأُمَّة "، فاشتراط العدالة في ذلك تخصيص بلا دليل،
والتخصيص الذي لا دليل عليه لا يقبل.
جوابه:
بأن الأدلة المثبتة لحجية الإجماع السابقة ليست عامة، يدخل فيها
كل أحد، بل هي مخصصة بأن المراد بالأُمَّة وبالمؤمنين هم العدول
منهم، وقد خصص ذلك أدلتنا الأربعة السابقة الذكر، ويضاف إلى
ذلك: أن هذا الفاسق يجوز أن يعصي فيما يعتد به فيه في الإجماع
كما يعصي في غيره، وما دام أنه يجوز ذلك فلا يمكن الاعتداد به،
والاعتماد عليه في أمرٍ يهمُّ الإسلام والمسلمين حالاً ومستقبلاً.
(2/874)

بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي، ويتضح فيما إذا اتفق مجتهدو العصر إلا
واحداً قد خالف، فإنا ننظر في هذا الواحد: إن كان عدلاً فإنه لا
ينعقد الإجماع، لمخالفة واحد معتبر في الإجماع.
وإن كان المخالف فاسقاً فإنه ينعقد الإجماع - بناء على المذهب
الأول - لأن المخالفة ليس من أهل الإجماع، فينعقد الإجماع بدونه.
أما على المذهب الثاني فإنه لا ينعقد الإجماع، لأن المخالف من
أهل الإجماع، فلا ينعقد الإجماع لمخالفة واحد معتبر في الإجماع
عندهم.
***
المسألة الخامسة: هل يعتد بقول الكافر المجتهد في الإجماع؟
لقد اختلف في ذلك.
والحق في ذلك: أن الكافر لا يعتد بقوله في الإجماع مطلقاً،
أي: سواء كان كافراً أصلياً - وهم اليهود والنصارى ونحوهم - أو
كان كافراً متأولاً - وهو الذي كفر بسبب بدعة، أو شبهة مثل
الخوارج والجهمية ونحوهم -.
والدليل على ذلك:
أنا لم نقبل قول الكافر الأصلي في الإجماع، لعدم دخوله في
لفظ " الأُمَّة "، ولفظ: " المؤمنين ".
أما الكافر المتأول فلم نعتد بقوله في الإجماع؛ لأمرين:
أولهما: القياس على الفاسق: فإذا لم نعتد بقول الفاسق في
(2/875)

الإجماع، فمن باب أوْلى لا نعتد بقول الكافر المتأول؛ لأن الكفر
فسق وزيادة.
ثانيهما: القياس على الكافر الأصلي بجامع: الكفر في كل
منهما، وإن لم يعلم هو كفر نفسه.
***
المسألة السادسة: هل يعتبر قول العوام في الإجماع؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يعتبر قول العامي في الإجماع.
وهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: قوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) ،
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: " ألا سألوا إذا لم يعلموا فإن شفاء العي
السؤال ".
وجه الدلالة: أن هذين النصين بينا أن العامي يلزمه المصير إلى
أقوال العلماء، فلا تكون مخالفته معتبرة فيما يجب عليه التقليد فيه.
الدليل الثاني: أن المجتهدين من الأمَّة إنما كان قولهم حُجَّة؛ لأن
قولهم مستند إلى دليل؛ لأنه لا يجوز إثبات الأحكام بلا دليل،
والعامي ليس أهلاً للاستدلال والنظر في الأدلة، فلا يكون قوله
معتبراً لذلك.
الدليل الثالث: القياس على الصبي " المجنون: فكما أن الصبي
والمجنون لا يعتبر خلافهما ولا وفاقهما في الإجماع، فكذلك العامي
ولا فرق، والجامع: نقصان الأهلية في كل، فكيف يساوى مع
كاملي الأهلية وهم المجتهدون.
(2/876)

الدليل الرابع: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما بين أن الأُمَّة معصومة عن الخطأ
بالأحاديث السابقة الذكر، فإنه لم يفهم من ذلك إلا عصمة العلماء
المجتهدين الذين تتصور منهم إصابة الحكم الشرعي الصحيح؛ نظراً
لأهليتهم ومعرفتهم بالاستدلال، أما العامي، فلا نتصور ثبوت
العصمة في حقه؛ لأنه يقول الحكم بلا دليل.
المذهب الثاني: أن قول العامي معتبر في الإجماع، أي: أن
موافقة العوام معتبرة في انعقاد الإجماع، وكذلك مخالفتهم.
وهو ما اختاره بعض المتكلمين كما حكاه ابن الصباغ وابن برهان،
ونقله إمام الحرمين وابن السمعاني والصفي الهندي عن القاضي أبي
بكر الباقلاني.
دليل هذا المذهب: عموم لفظ " المؤمنين "، ولفظ " الأُمَّة "
للعالم، والعامي، إذن اسم " المؤمنين "، و " الأُمَّة " يتناول
الجميع، فلا يخرج العوام إلا بدليل، ولا دليل، وعلى ذلك يعتبر
قول العامي كغيره من الأُمَّة في انعقاد الإجماع.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين.
الجواب الأول: أن العوام وإن كانوا من الأُمَّة ومن المكلَّفين إلا
أنهم ليسوا من أهل النظر، فأشبهوا غير المميزين في عدم الفهم،
فهم مقلدون للمجتهدين الذين هم من أهل النظر، ولا يتصور
عصمة الأُمَّة عن الخطأ إلا عصمة من يتصور منه الإصابة هو وحده أو
مع غيره؛ لكونه أهلاً لها، فوجب أن يراد من الأدلة الدالة على
عصمة الأُمَّة: عصمة مجتهديهم فقط، وهذا هو دليل إخراجهم من
عموم تلك الألفاظ.
(2/877)

الجواب الثاني: أن هذا المذهب - وهو أن قول العوام معتبر في
الإجماع - يؤدي إلى تعطيل دليل يعتبر من أقوى الأدلة الشرعية
وهو: الإجماع، وذلك من وجهين:
أولهما: أنه لا يركن أن يتصور عاقل أن جميع الأُمَّة العلماء
والعوام يتفقون كلهم على قول واحد في حادثة واحدة.
ثانيهما: أنا لو فرضنا - مع الفرض الممتنع - تصور اجتماع
جميع الأُمَّة على قول واحد في حادثة واحدة، فمن الذي يقوم بنقل
هذا القول وجمعه من كل فرد من أفراد الأمَّة مع كثرة هؤلاء وتفرقهم
في مدن، وقرى، وبوادي، وهجر، ووديان العالم الإسلامي؛
هذا مستحيل.
بيان نوع هذا الخلاف:
إن الخلاف في هذه المسألة لفظي من وجه، ومعنوي من وجه آخر.
أما وجه كون الخلاف لفظياً فهو أنه لم يؤثر في الفروع الفقهية،
فمن قال: أجمعت الأُمَّة على كذا يريد: أجمع علماء الأُمَّة
ومجتهدوهم، ومن قال: أجمع العلماء على ذلك فقد صرح به.
أما وجه كون الخلاف معنوياً فهو: أن هذا الخلاف قد أثر في
مسألتين من مسائل أصول الفقه هما:
1 - مسألة: " هل فقدان أهلية الاجتهاد تخل بأهلية الإجماع؛ "
فأصحاب المذهب الأول - وهم القائلون - إن العوام لا يعتبر قولهم
في الإجماع - قالوا: إن فقدان أهلية الاجتهاد تخل بالإجماع.
أما أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: إن العوام يعتبر
(2/878)

قولهم فيه - فقد قالوا: إن فقدان أهلية الاجتهاد لا تخل بأهلية
الإجماع.
2 - مسألة: " قول الواحد إذا لم يكن في العصر سواه هل يكون إجماعاً "؟ فمن قال: إن العوام يعتبر قولهم في الإجماع
- وهم أصحاب المذهب الثاني - قال: إذا لم يوجد في العصر إلا
مجتهد واحد فهم داخلون معه، فيكون إجماعا، وإلا: فلا؛ لأن
الإجماع لا يصدق إلا من اثنين فصاعداً، وقد سبق أن بيَّنا هذه
المسألة، وذكرت أن الحق هو: أن قول الواحد لا يكون إجماعاً إذا
لم يوجد غيره في العصر، ولكنه يكون حُجَّة يجب على العوام
اتباعه؛ لئلا يخلو العصر من حكم في الحادثة النازلة.
***
المسألة السابعة: العالم بالفقه دون أصوله، والعالم بأصول
الفقه دون فروعه هل يعتبر قولهما في الإجماع؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أنه يعتبر قول العالم بأصول الفقه، دون الفقيه،
ولا يمكن أن ينعقد الإجماع بدون العالم بأصول الفقه.
وهو ما ذهب إليه القاضي أبو بكر الباقلاني، والغزالي، وإمام
الحرمين، وابن السبكي، والمحلي.
وهو الحق عندي؛ لأن العالم بأصول الفقه قد توفر فيه آلة
الاستنباط لمعرفة الحكم الشرعي لأي حادثة جديدة، وهو أقرب من
غيره إلى الاجتهاد فيها؛ وذلك نظراً لعلمه بمدارك الأحكام على
اختلاف أقسامها، وكيفية دلالتها، وكيفية تلقي الأحكام من منطوقها
(2/879)

ومفهومها ومعقولها، ونظراً لعلمه الشامل الدقيق بالأصول التي
يستدل بها المتفق عليها والمختلف فيها، وعلمه بمقاصد الشريعة،
فمن هذه صفته، فهو ممن يستضاء برأيه، ويستشهد بهديه، وإذا كان
كذلك فخلافه يشير إلى وجه من الرأي معتبر، وإذا ظهرت عِلَّة
اعتباره في الخلاف انبنى عليه اعتبار الوفاق، فلا يشترط فيمن ينعَقد
به الإجماع حفظ الفروع يؤيد ذلك أمران:
أولهما: أن بعض الصحابة كالعباس، وطلحة، والزبير، وسعد
ابن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي عبيدة بن الجراح،
ونحوهم ممن لم يشتهروا بالفتوى كان يعتد بخلافهم ووفاقهم في
انعقاد الإجماع، فلا ينعقد الإجماع بدونهم، وهم يتساوون مع أهل
الفتوى من الصحابة المشهورين - كابن عباس، وابن عمر، ومعاذ،
وزيد، والخلفاء الأربعة - فلم يفرق بين هؤلاء وأولئك في انعقاد
الإجماع، مع أن الأوَّلين لم يكونوا من الحافظين للفروع، وما كان
ذلك إلا لأن الأولين أهل لفهم نصوص الكتاب والسُّنَّة، ويعرفون
طرق استنباط الأحكام منهما، ومن هذه صفته فلا يمكن أن ينعقد
الإجماع بدونه.
ثانيهما: أن العالم بأصول الفقه يعتبر قوله في الإجماع، دون
الفقيه، لأن الفقيه الحافظ للفروع يحتمل أن يفوته حفظ الجزئيات
الدقيقة لمسائل الحيض، أو دقائق مسائل الوصايا، أو النفقات، أو
الطلاق، أو الحدود، أو دقائق أي باب من أبواب الفقه، أما
الأصولي فلا يحتمل، ذلك فيه؛ لأنه قد فهم القواعد الأصولية التي
تندرج تلك الفروع تحتها.
المذهب الثاني: أنه يعتبر قول الفقيه في الإجماع، دون الأصولي.
وهو مذهب بعض العلماء.
(2/880)

دليل هذا المذهب:
أن الفقيه عالم بجزئيات الفروع، وأنه يحفظها فهو أعلم بحكم
النازلة بقياسها على نازلة أخرى، فرأيه محتاج إليه في الإجماع،
دون الأصولي الذي لا يحفظ تفاصيل الفروع.
جوابه:
إن احتمال فوات بعض الفروع والجزئيات على هذا الفقيه هو الذي
منعنا من قبول قوله في الإجماع، ثم إن القياس ودقائقه وشروطه
مختص به الأصولي، والمسألة مفروضة في " الفقيه الذي لا يعرف
الأصول، والأصولي الذي لا يعرف الفقه ".
المذهب الثالث: أنهما يعتبران معا، فلا ينعقد الإجماع بدونهما،
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن كل واحد منهما قد توفرت فيه أهلية النظر، ولدخولهما في
عموم لفظ " الأُمَّة "، و " المؤمنين ".
جوابه:
إنا نسلم أنهما يدخلان في عموم " الأُمَّة "، و " المؤمنين " أيضا،
ولكن خصصنا ذلك بأن المقبول قوله من الأُمَّة والمؤمنين هم المجتهدون.
والأصولي وهو العالم بدقائق أصول الفقه قد بلغ درجة الاجتهاد
بمعرفته بالقواعد الأصولية التي يندرج تحتها عدد لا يحصى من
الجزئيات - كما فصلناه فيما سبق - فهو عنده أهلية النظر.
أما الفقيه الذي لا يعلم أصول الفقه، فلا نسلم أن عنده أهلية
النظر؛ حيث إنه لا يمكنه الاستدلال على ما يقول لعدم معرفته لطرق
(2/881)

الاستدلال التي هي وظيفة الأصولي، ومن لا يعرف الاستدلال فلا
يمكن أن يقبل قوله.
المذهب الرابع: أنهما لا يعتبران معا، فيمكن انعقاد الإجماع
بدونهما.
وهو مذهب أكثر العلماء.
دليل هذا المذهب:
أنهما ليسا من أهل النظر، ولم تتحقق الأهلية المعتبرة في أئمة
أهل الحل والعقد من المجتهدين من الأئمة الأربعة، ومن سار على
نهجهم ممن عرفوا الأصول والفروع معا.
جوابه:
إنا نسلم أن الفقيه لم تتحقق فيه الأهلية للنظر؛ لعدم علمه بطرق
الاستدلال كما قلنا فيما سبق.
أما العالم في أصول الفقه فلا نسلم لكم أنه لم تتحقق فيه أهلية
النظر، بل توفرت تلك الأهلية؛ نظراً لمعرفته بطرق الاستدلال وهي
القواعد التي يندرج تحتها ما لا يحصى من الجزئيات - كما بيَّنا ذلك
فيما سبق -.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة معنوي، حيث إنه قد أثر فى بعض المسائل،
ومنها:
1 - قول الواحد إذا لم يكن في العصر سواه هل يكون إجماعا؟
فمن قال يعتبر قول الفقيه والأصولي أو أحدهما في الإجماع - وهم
أصحاب المذهب الأول والثاني والثالث -: قال: إذا لم يوجد في
العصر إلا مجتهد واحد فهما داخلان معه فيكون إجماعا.
(2/882)

ومن قال لا يعتبر قولهما في الإجماع - وهم أصحاب المذهب
الرابع - قال: إذا لم يوجد إلا مجتهد واحد في العصر، فلا
يدخلان معه، فلا يكون إجماعاً؛ لأن الإجماع لا يصدق إلا من
اثنين فصاعداً.
2 - لو وجد في هذا العصر خمسة مجتهدين قد علموا الفروع
والأصول، ووجد معهم في هذا العصر عالم بأصول الفقه دون
فروعه، وعالم بالفقه دون أصوله، واتفق الخمسة على حكم شرعي
وخالف الفقيه، والأصولي.
فعلى المذهب الرابع: يكون اتفاق الخمسة إجماعاً؛ لأن مخالفة
الفقيه والأصولي لا تعتبر.
وعلى المذهب الأول والثاني والثالث: لا يكون اتفاق الخمسة
إجماغا؛ لأن مخالفة الفقيه والأصولي معتبرة أو أحدهما.
3 - لو اتفق هؤلاء الخمسة، وخالف الأصولي فقط.
فعلى المذهب الأول والثالث لا يكون اتفاقهم إجماعاً؛ لأن
مخالفة الأصولي معتبرة.
وعلى المذهب الثاني والرابع: يكون اتفاقهم إجماعا؛ لأن
مخالفة الأصولي عند أصحابه غير معتبرة.
4 - لو اتفق هؤلاء الخمسة وخالف الفقيه فقط.
فعلى المذهب الأول والرابع: يكون اتفاقهم إجماعا؛ لأن مخالفة
الفقيه غير معتبرة.
وعلى المذهب الثاني والثالث: لا يكون اتفاقهم إجماعا؛ لأن
مخالفة الفقيه معتبرة.
(2/883)

المسألة الثامنة: هل يشترط انقراض العصر في صحة الإجماع؟
المراد من انقراض عصر المجمعين: موتهم جميعاً بعد اتفاقهم على
الحكم في الحادثة التي نشأت في عصرهم.
وقد اختلف العلماء في اعتبار هذا الشرط في انعقاد الإجماع على
مذاهب:
المذهب الأول: أن انقراض أهل العصر - وهو موت جميع
المتفقين على الحكم - لا يشترط لصحة الإجماع مطلقا، أي: سواء
كان صريحاً أو سكوتياً، إجماع صحابة أو غيرهم.
وهو مذهب جمهور انعلماء منهم الأئمة الثلاثة: " أبو حنيفة،
ومالك، والشافعي " وأكثر أتباعهم، وهو ورواية عن الإمام أحمد
وبعض الحنابلة كأبي الخطاب وغيره، وهو اختيار بعض المعتزلة.
وبناء على ذلك فإنه لو اتفق جميع مجتهدي الأُمَّة على حكم
شرعي لمسألة معينة: ولو في لحظة واحدة مهما قصرت - انعقد
الإجماع وأصبح حُجَّة تحرم مخالفته على المجمعين وعلى غيرهم.
وهذا هو الصحيح عندي؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: أن الأدلة من الكتاب والسُّنَّة التي ذكرناها في
حجية الإجماع - توجب أن الإجماع حُجَّة بمجرد اتفاق مجتهدي
العصر الواحد ولو في لحظة؛ حيث إن الحجية تترتب على نفس
الاتفاف؛ لأن الاتفاق مناط العصمة، فاشتراط انقراض العصر لا
دليل عليه، وما لا دليل عليه فلا يعتد به.
الدليل الثاني: أن التابعين كانوا يحتجون بإجماع الصحابة في
أواخر عصر الصحابة، فقد حكي عن الحسن البصري - رحمه اللَّه -
(2/884)

أنه قد احتج بإجماع الصحابة وأنس بن مالك - رضي اللَّه عنه - كان
حيًّا، وغيره فعل ذلك فقد زاحمهم كثير من التابعين، واحتجوا
بإجماعهم وهم - أي: الصحابة بين أظهرهم - والاحتجاج
بإجماعهم مع وجودهم قد وقع، ولم ينكره أحد، فعلم أن شرط
الانقراض غير معتبر، فلو كان الانقراض شرطا لما احتج التابعون
بإجماع الصحابة؛ لأنه لم يكن قد زم لفقد شرطه.
الدليل الثالث: قياس الحكم الثابت بالإجماع على الحكم الثابت
بالنص، فكما أن الحكم الثابت بالنص لا يختص بوقت دون وقت،
فكذلك الثابت بالإجماع ولا فرق.
الدليل الرابع: أن اشتراط انقراض العصر يؤدي إلى تعذر الإجماع
وعدم تحققه، وامتناع انعقاده مطلقا مع كونه حُجَّة متبعة، وكل شرط
أدى إلى إبطال المشروط المتفق على تحققه كان باطلاً، بيان ذلك:
أن من اشترط انقراض العصر في صحة الإجماع جوز من جاء من
التابعين - وهو من أهل الاجتهاد - مخالفة من أدركهم من
الصحابة، وشرط في صحة إجماع الصحابة موافقة ذلك التابعي،
وإذا صار التابعي من أهل الإجماع، فقد لا ينقرض عصرهم حتى
يأتي تابع التابعي - وهو من أهل الاجتهاد - ويخالفهم، وهكذا
إلى يوم القيامة، مما يؤدي إلى عدم تحقق الإجماع في عصر من
العصور، ولا يكون ثابتا.
المذهب الثاني: أن انقراض أهل العصر - وهو: موت جميع
المعتبرين في الإجماع - شرط لصحة انعقاد الإجماع مطلقا، أى:
سواء كان صريحا أو سكوتيا، في عصر الصحابة أو غيرهم، أي:
لا يسمى الاتفاق إجماعا إلا بعد موت المجمعين.
(2/885)

وهو رواية ظاهرة للإمام أحمد، وهو اختيار بعض الشافعية كابن
فورك، وسليم الرازي، وبعض الحنابلة كأبي يعلى، وتلميذه ابن
عقيل، والحلواني، وبعض المعتزلة، ورواية عن الخوارج.
وبناء على هذا المذهب فلا تحرم مخالفتهم للإجماع في عصرهم،
فيصح أن يرجع بعضهم، أو يرجعوا جميعاً عن الحكم، ولا يكون
اتفاقهم إجماعا ولا حُجَّة إلا إذا ماتوا، وإذا أدركهم من جاء بعدهم
- وبلغوا درجة الاجتهاد - وخالفوهم في ذلك الحكم فإنه يعتد
بخلافهم.
أدلة هذا المذهب؛
الدليل الأول: أنه لو كان اتفاق المجتهدين حُجَّة قبل انقراض
العصر لامتنع رجوع المجتهد عن اجتهاده؛ إذا ظهر له أنه أخطأ فيه،
وهذا مخالف لإجماع العلماء؛ حيث أجمعوا على وجوب رجوع
المجتهد عند ظهور الدليل الموجب لذلك، فبطل كون الاتفاق قبل
الانقراض حُجَّة، وبناء على ذلك: وجب اشتراط الانقراض في
الحجية.
جوابه:
إن العلماء قد أجمعوا على وجوب رجوع المجتهد عند ظهور
موجبه إذا كان الاجتهاد انفرادياً، أما إذا كان الاجتهاد جماعياً، فلا
يجوز لأي مجتهد أن يرجع عن اجتهاده، ولو ظهر له موجب،
فيكون هذا الموجب مؤول، أو منسوخ، فلم يكن موجبا للرجوع؛
لأن الإجماع قاطع، فيدل على بطلان مقابله، أو تأويله.
الدليل - الثاني: قياس الإجماع على السُّنَّة، بيان ذلك:
إن وفاة - صلى الله عليه وسلم - شرط في استقرار الحُجَّة فيما يقوله، فكذلك
(2/886)

وفاة المجمعين - وهو: المراد بانقراض العصر - شرط في استقرار
قول الجماعة وصحته.
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أن الأصل المقاس عليه لا نسلمه؛ فلا نسلم أن
وفاة - صلى الله عليه وسلم - شرط في حجية سُنَته، ولا في استقرارها، بل هي حُجَّة بمجرد ورودها، ولو لم تكن حُجَّة بمجرد ورودها لما وجبت
طاعته فيها، والإجماع حاصل في طاعته - صلى الله عليه وسلم -، وكذا يجب اعتقاد استقرار حجية السُّنَّة بمجرد ورودها حتى يظهر المغير، ولو لم يكن كذلك لارتفعت الثقة بالقرآن والسُّنَّة، وهذا باطل.
الجواب الثاني: لو سلمنا أن الأصل المقاس عليه صحيح - وهو
اشتراط وفاته في استقرار حجية السُّنَّة - فإن هذا القياس فاسد؛ لأنه
قياس مع الفارق؛ حيث إنه يوجد فرق بين قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين إجماع الأُمَّة، وهو: أن قول - صلى الله عليه وسلم - إنما لم يستقر قبل موته؛ لاحتمال نسخه وهو متوقع، وذلك إنما هو بالوحي القاطع، ورفع القاطع بالقاطع بطريق الوحي جائز في عهده - صلى الله عليه وسلم -، بخلاف رفع حكم الإجماع القاطع بطريق الاجتهاد، فإنه لا ينسخ.
المذهب الثالث: أن انقراض المجمعين شرط في إجماع الصحابة
فقط.
وهو اختيار ابن جرير الطبري وبعض العلماء.
دليل هذا المذهب: الوقوع؛ حيث وقع رجوع بعض الصحابة عن
إجماع الصحابة في مسألة معينة، فلو لم يشترط انقراض عصر
(2/887)

الصحابة لم يصح رجوع بعضهم؛ نظراً لاستلزام الرجوع مخالفة
الإجماع، وإليك بعض أمثلة رجوع بعض الصحابة.
فمنها: أنه أجمع عمر وعليّ - رضي اللَّه عنهما - على أن أم
الولد لاتباع، ثم خالف علي هذا بعد وفاة عمر، ورأى أن يبعن،
قال عليّ - رضي اللَّه عنه -: " اجتمع رأي ورأي عمر في أمهات
الأولاد أن لا يبعن، وأنا الآن أرى بيعهن "، فقال له عبيدة
السلماني: " رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك "،
فهنا عليّ - رضي اللَّه عنه - أظهر الخلاف بعد الإجماع، وأقر عليه،
فلو كان لا يشترط انقراض عصر الصحابة ما جاز له الخلاف، ولما
أقر عليه.
جوابه:
يجاب عنه: بانا لا نُسَلِّمُ بأن مخالفة عليّ - رضي اللَّه عنه -
كان لإجماع سابق، حيث لم يتم إجماع في زمن عمر - على عدم
بيع أم الولد - يدل على ذلك قول جابر: " بعناهن على زمن النبي
- صلى الله عليه وسلم -، وأبي بكر، وشطر من زمن عمر "،
وهو قول ابن عباس، فهنا جابر وغيره قد خالفوا في ذلك.
أما قول عبيدة السلماني: " رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك
وحدك "، فلم يُرد به أن موافقة الجماعة إجماعا، وإنما أراد به: أن
رأيك في زمان الألفة، والجماعة والاتفاق، والطاعة للإمام أحب
إلينا من رأيك في الفتنة والفرقة.
بيان نوع الخلاف في هذه المسألة:
الخلاف هنا معنوي، يظهر أثره في أمرين هما:
(2/888)

أولهما: هل يجوز رجوع المجمعين أو بعضهم عما أجمعوا عليه أو لا؟
اختلف في ذلك، والخلاف مبني على الخلاف في هذه المسألة.
فعلى المذهب الأول - وهو: أن انقراض العصر لا يشترط لصحة
الإجماع مطلقاً -: لا تجوز مخالفة المجمعين لما أجمعوا عليه، ولا
تجوز مخالفة بعضهم له أيضاً.
أما على المذهب الثاني - وهو: أن الانقراض شرط لصحة
الإجماع مطلقاً -: فإنه يجوز أن يرجع جميع المجتهدين المجمعين
عن إجماعهم، ويجوز رجوع بعضهم، فيبطل إجماعهم.
أما على المذهب الثالث - وهو: أن الانقراض شرط لصحة
إجماع الصحابة - فإنه يجوز رجوع المجمعين الصحابة أو بعضهم،
ولا مانع من ذلك دون إثم، أما غير الصحابة فلا يجوز للمجمعين
كلهم ولا لبعضهم الرجوع عن الإجماع.
ثانيهما: هل يُعتد بخلاف الناشئ إذا بلغ درجة الاجتهاد بعد أن
أجمع العلماء على تلك المسألة وبعض المجمعين على قيد الحياة؛
اختلف في ذلك، والخلاف مبني على الخلاف في هذه المسألة.
فعلى المذهب الأول - وهو عدم اشتراط انقراض العصر لصحة
الإجماع - مطلقاً، لا يعتد بخلاف ذلك الناشئ مطلقا، سواء كان
من الصحابة أو غيرهم.
أما على المذهب الثاني - وهو: اشتراط انقراض العصر مطلقا -
فإنه يُعتد بخلاف ذلك الناشئ مطلقا.
أما على المذهب الثالث - وهو اشتراط الانقراض لصحة إجماع
(2/889)

الصحابة - فإنه يُعتد بخلاف الناشئ التابعي البالغ درجة الاجتهاد في
عصر الصحابة فقط، أما غير التابعي فلا يعتد بخلافه إذا بلغ درجة
الاجتهاد بعد اتفاق علماء عصره.
***
المسألة التاسعة: إذا بلغ التابعي درجة الاجتهاد في عصر
الصحابة قبل اتفاقهم، فهل يُعتد بقوله وفاقاً وخلافاً؟
لقد قلنا في المسألة السابقة: إنه لا يشترط انقراض عصر المجمعين
مطلقاً، أي: سواء كانوا صحابة أو غير صحابة، وترتب على هذا
القول: إنه لا يُعتد بخلاف من خالفهم بعد انعقاد الإجماع منهم
مطلقا، سواء كان تابعياً بلغ درجة الاجتهاد في عصر الصحابة بعد
إجماعهم أو لا.
لكن هذه المسألة تختلف عن تلك فهي مفروضة فيمن بلغ درجة
الاجتهاد من التابعين في عصر الصحابة، وقبل انعقاد إجماع
الصحابة على مسألة معينة، فهل يُعتد بقوله وفاقا وخلافا أو لا؟
على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يُعتد بقوله.
أي: إذا حضر المجتهد من التابعين مع الصحابة في وقت حدوث
الحادثة فخالفهم، لم ينعقد إجماع الصحابة مع مخالفتة، وتكون
المسألة مختلف فيها.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:
الدلبل الأول: عموم الأدلة المثبتة لحجية الإجماع، وهي التي
ذكرناها من الآيات والأحاديث، فإنها دلَّت على أن المتبع هم كل
(2/890)

المجتهدين من " المؤمنين " ومن " الأمة " الموجودين حين حدوث الحادثة في عصر واحد، وهذا الاسم - وهم المؤمنون والأمة - لا يصدق مع خروج التابعي المجتهد عن الصحابة، لأن التابعي المجتهد من الأمة ومن المؤمنين، فلو نظر الصحابة دون التابعي المجتهد في تلك المسألة وأجمعوا على حكمها، فإنه لا يقال: " أجمع جميع مجتهدي أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - "، فالحجة إجماع الكل، وما دام الأمر كذلك فإنه يعتد بقول التابعي مع الصحابة.
الدليل الثاني: الوقوع، حيث إن بعض التابعين قد اجتهدوا وأفتوا في مسائل مع وجود بعض الصحابة، ولم ينكر الصحابة عليهم ذلك، ولو كان قول التابعي المجتهد مع وجود الصحابي باطلاً لما ساغ للصحابة تجويزه والأخذ به، والرجوع إليه، وإليك أمثلة على ذلك:
1 - أن كبار أصحاب ابن مسعود - رضي الله عنه - كعلقمة النخعي، والأسود النخعي، وغيرهما كانوا يفتون الناس مع وجود ابن مسعود وغيره من الصحابة بدون نكير.
2 - أن سعيد بن المسيب كان يفتي بالمدينة المنورة، وفيها خلق كثير من الصحابة، وكذلك فقهاء التابعين المعاصرين لبعض الصحابة يفعلون ذلك كسعيد بن جبير، والشعبي، والحسن البصري.
3 - أن أنساً سُئل عن مسألة فقال: " سلوا مولانا الحسن - يعني الحسن البصري - فإنه سمع وسمعنا فحفظ ونسينا.
4 - أن عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب قد وليا شريحا بن الحارث التابعي القضاء وأمراه بالاجتهاد إن لم يجد حكم الحادثة في النص ولم يعترضا - أي: عمر وعليّ - على ما قضي به شريح فيما
(2/891)

خالفهما فيه، وحكم على عليّ في خصومة عرضت له عنده على
خلاف رأي عليّ، ولم ينكر عليه.
5 - أن رجلاً سأل ابن عمر عن فريضة، فقال: سل سعيد بن
جبير، فإنه يعلم منها ما أعلم، ولكنه أحسب مني.
وغير ذلك من الأمور التي دلَّت على أن الصحابة قد أجازوا
وسوغوا للتابعين الاجتهاد معهم، وأخذ رأيهم، وكيف لا يعتبر
قولهم، وقد أقر الصحابة لهم بالفضل والعلم والفهم للشريعة،
ولم ينكروا عليهم؟! ولو وجد إنكار لبلغنا، ولكن لم يصح شيء
من ذلك.
المذهب الثاني: أنه لا يُعتد بقول التابعي المجتهد مع الصحابة.
أي:. أن الصحابي إذا بلغ درجة الاجتهاد وأدرك عصر الصحابة،
فحدثت حادثة في ذلك العصر، فإنه لا يُعتدُّ بقوله: فإذا أجمع
الصحابة على رأي في تلك الحادثة وخالفهم ذلك التابعي، فإنه
ينعقد الإجماع بدون النظر في مخالفة التابعي.
وهو مذهب بعض المالكية كابن خويز منداد، وبعض الشافعية
كابن برهان، وبعض الحنابلة كأبي يعلى.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن الصحابة - رضي اللَّه عنهم - قد تميزوا عن
غيرهم بالصحبة، وهذا الوصف يقتضي أن الموصوف به قد شاهد
التنزيل، وعلم التأويل، وعلم الشرع من فيِّ النبي - صلى الله عليه وسلم - مباشرة، وعرف مقاصد الشريعة، فإذا كان الصحابة يتميزون بذلك في حين أن هذه المميزات معدومة في التابعين، فإنه يتبين لك ان الحق معهم،
(2/892)

ولا يكون مع مخالفهم، وأن مرتبة الصحابة بالنسبة للتابعين كمرتبة
العلماء مع العوام، فكما أن العامي لا يعتد بقوله في إجماع
العلماء، نظراً لعدم العلم، فكذلك التابعي لا يعتد بخلافه في
إجماع الصحابة، نظراً لتلك المميزات التي تميز بها الصحابة.
جوابه:
إننا نسلم بأن الصحابة يفضلون على التابعين بفضيلة الصحبة،
ولكن فضيلة الصحبة لا تجعل الإجماع مختص بهم، وأنه لا يُعتد
بقول غيرهم ممن عاصرهم من مجتهدي التابعين؛ وذلك لأن شرط
الإجماع الأساسي هو: كون المجمعون قد بلغوا درجة الاجتهاد
مطلقا، فكون الصحابة أعلم بالتأويل وأعرف بالمقاصد لا ينفي وجود
من يعلم ذلك من مجتهدي التابعين، إذن مجتهدو العصر الواحد قد
تساووا في الاجتهاد، فيقبل قول كل واحد من المجتهدين سواء كان
صحابيا أو غير صحابي.
أما قولكم: إن الصحابة مع التابعين كالعلماء مع العامة، فهذا لا
نسلمه لكم مطلقاً؛ لأن هذا القول مخالف للحقيقة، فقياس التابعين
على العوام قياس فاسد؛ لأن مجتهدي التابعين قد وصلوا إلى درجة
من العلم والفقه والفهم قد تساوي ما علمه الصحابي إن لم تزد عليه.
الدليل الثاني: الوقوع؛ حيث وقع إنكار بعض الصحابة على
بعض التابعين ولو كان التابعي المجتهد يُعتد بخلافه مع الصحابة لما
وقع هذا الإنكار، والإنكار ورد في قصة عائشة - رضي اللَّه عنها -
مع أبي سلمة؛ حيث روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف
أنه قال: كنا نتذاكر أنا، وابن عباس، وأبو هريرة في عدة المتوفى
عنها زوجها، فقال ابن عباس: تعتد بأقصى الأجلين، فقلت: بل
(2/893)

عدتها: أن تضع حملها، فأنكرت عائشة - رضي اللَّه عنها - على
أبي سلمة ذلك، وقالت: مثلك مثل الفروج سمع الديكة تصيح
فصاح لصياحها.
وروى الإمام مالك في " الموطأ ": أن عائشة قالت ذلك لأبي
سلمة في الغسل من التقاء الختانين، قال أبو سلمة: سألت عائشة
زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما يوجب الغسل؛ فقالت: هل تدري ما مثلك يا أبا سلمة؟ :
مثل الفروج يسمع الديكة تصرخ فيصرخ معها، إذا
جاوز الختان فقد وجب الغسل.
فلو كان قول التابعي - وهو هنا أبو سلمة - معتبرا مع الصحابة:
لما أنكرت عائشة على أبي سلمة مجاراته للصحابة، وكلامه واجتهاده
معهم، ولما زجرته عن ذلك، وهذا يدل على أنهم لم يسوغوا
خلاف التابعين معهم.
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أن إنكار عائشة على أبي سلمة قد وقع، ولكن
هذا الإنكار اجتهاد منها - رضي اللَّه عنها - خالفها فيه ابن عباس
وأبو هريرة - رضي اللَّه عنهم - حيث إن أبا سلمة لما قال - في
القصة السابقة -: " وقلت: أنا عدتها أن تضع حملها ":
قال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي، فأرسل ابن عباس غلامه كريبا إلى أم
سلمة يسألها، قالت: قتل زوج سبيعة الأسلمية، وهي حبلى
فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخطبت فأنكحها رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -.
فهنا لم ينكر ابن عباس وأبو هريرة مخالفة أبي سلمة في هذه
المسألة، مما يدل على تسويغ بعض الصحابة لذلك، وعدم فعله ما
(2/894)

ينكر عليه، لأنه مجتهد ناظر مجتهدين، إذن: إنكار عائشة على
أبي سلمة يقابل بموافقة هذين الصحابيين، والوافقة مقدمة على
الإنكار، فيثجت أن التابعي المجتهد يُعتد بقوله مع الصحابة.
الجواب الثاني: أن إنكار عائشة لا يدل على مذهبكم وهو: أن
التابعي المجتهد لا يعتد بقوله في إجماع الصحابة؛ حيث إن إنكارها
ورد على شخص معين في قضية معينة، وهذا يحتمل احتمالين:
الاحتمال الأول: أن عائشة قد أنكرت على أبي سلمة؛ لأنه
يبلغ درجة الاجتهاد - من وجهة نظرها - ومن لم يبلغ درجة
الاجتهاد فلا يؤخذ برأيه في المسائل الفقهية.
الاحتمال الثاني: أن أبا سلمة قد يكون من البالغين درجة
الاجتهاد، ولكن عائشة أنكرت عليه لعدم تأدبه مع ابن عباس حبر
هذه الأُمَّة حال المناظرة من رفع صوت ونحوه، وقولها: " يصيح "
يشعر بذلك، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي، له أثره وهو واضح، فلو اتفق الصحابة
على حكم معين وخالفهم تابعي مجتهد، فهل يكون الإجماع صحيحا؟
اختلف في ذلك: والخلاف مبني على الخلاف في هذه المسألة.
فعلى المذهب الأول: لا يكون اتفاق الصحابة إجماعاً، بل
تكون المسألة مختلف فيها، لأنه يُعتد بخلاف التابعي المجتهد مع
الصحابة.
وبناء على المذهب الثاني: يكون اتفاق الصحابة إجماعاً،
(2/895)

ولا عبرة بخلاف التابعي، وتكون المسألة مجمعا عليها، لا تجوز
مخالفته.
***
المسألة العاشرة: هل يشترط في الإجماع اتفاق كل المجتهدين؟
أو هل ينعقد الإجماع بقول الأكثر؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أنه يشترط في الإجماع اتفاق كل المجتهدين، فلا
ينعقد الإجماع بقول أكثر العلماء، فلو اتفق علماء العصر على حكم
حادثة إلا الواحد أو الاثنين منهم: لم ينعقد الإجماع.
وهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن النصوص السابقة - وهي التي ذكرناها في
حجية الإجماع - دلَّت على عصمة الأُمَّة عن الخطأ، ولفظ الأُمَّة إنما
يُطلق حقيقة على جميع الأُمَّة، ولا يُطلق على أكثر الأُمَّة، وإن
أطلق على أكثر الأُمَّة فإطلاق مجازي لا يصح إلا بقرينة، وحيث لا
توجد قرينة، فإنا نحمل لفظ " الأُمَّة " على كل الأُمَّة وجميعها،
فينتج: أن العصمة عن الخطأ يكون بجميع الأُمَّة، أما أكثر الأُمَّة فلا
عصمة لهم، ونظراً إلى أنه لا عصمة لأكثر الأُمَّة، فلا ينعقد
الإجماع باتفاقهم.
الدليل الثاني: الوقوع؛ حيث إنه قد وقع في زمن الصحابة اتفاق
الأكثر منهم على حكم من الأحكام، ومخالفة الأقل، بل تفرد
الواحد منهم برأيه في مسألة معينة مع اتفاق الأكثر على رأي آخر،
فلو كان اتفاق الأكثر يعتبر إجماعاً للزم الأقل أو الواحد منهم أن
(2/896)

يعمل بذلك الإجماع، ولأنكروا على ذلك المخالف مخالفة ذلك
الإجماع، وعلى ذلك أمثلة:
1 - مخالفة ابن عباس لاكثر الصحابة في مسألة الجد والإخوة،
ومسألة العول.
2 - مخالفة ابن مسعود لأكثر الصحابة في بعض مسائل الفرائض.
3 - مخالفة زيد بن أرقم لأكثر الصحابة في مسألة العينة.
وغير ذلك من الأمثلةْ، ولم ينكر ذلك أحد منهم، ولو وجد
إنكار لنقل وبلغنا، ولكن لم يبلغنا شيء من ذلك.
وما نقل من الإنكار على بعض الصحابة لم يكن إنكار تخطئة،
وإنما هو إنكار في الدليل والمأخذ فقط، كما يجري ذلك مع مجتهد
حينما يناظر مجتهداً آخر.
ومما يؤيد أن اتفاق الأكثر لا يُسمَّى إجماعا: أن الرأي الذي ذكره
الأقلون من الصحابة أو الواحد منهم بقي إلى زماننا هذا، وسمِّيت
المسألة خلافية، وربما كان الرأي الذي ذهب إليه الأقل منهم كان هو
المعمول به عند بعضهم، فلو كان ذلك مخالفاً للإجماع لما كان ذلك
جائزاً.
المذهب الثاني: أنه لا يشترط في الإجماع اتفاق كل المجتهدين،
فينعقد الإجماع بقول الأكثر، فلو اتفق علماء العصر على حكم
معين وخالفهم الواحد أو الاثنين منهم، فإنه ينعقد الإجماع.
وهو ما ذهب إليه ابن جرير الطبري، وأبو بكر الجصاص، وأبو
الحسن الخياط من المعتزلة، وابن حمدان من الحنابلة، وأبو محمد
الجويني من الشافعية.
(2/897)

أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: الوقوع: فإنه لما اتفق أكثر الأُمَّة على مبايعة "أبي
بكر - رضي اللَّه عنه - بالخلافة، انعقد الإجماع على ذلك،
وخالف في ذلك بعض الصحابة كعليّ وغيره، فلو لم يكن اتفاق
الأكثر إجماعاً لما كانت خلافة أبي بكر ثابتة بالإجماع.
جوابه:
لا نسلم ما ذكرتم، بل إن خلافة أبي بكر - رضي اللَّه عنه - قد
اتفق عليها جميع الصحابة: فبعضهم نطق بالمبايعة، وبعضهم لم
ينكر ذلك، ولو أنكر لنقل، ولكن لم ينقل شيء من ذلك، وما
قيل من مخالفة علي - رضي اللَّه عنه - في ذلك غير صحيح،
ولكنه تأخر في البيعة لعذر خاص به، فلما علم بتلك البيعة وافق
وقال: " رضيه رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - لديننا أفلا نرضاه لدنيانا! ".
الدليل الثاني: أنه لو اعتبرت مخالفة الواحد أو الاثنين لما انعقد
الإجماع أصلاً؛ لأنه ما من إجماع إلا ويمكن مخالفة الواحد والاثنين
جوابه:
إنه إذا اتفق جميع المجتهدين في العصر على حكم معين، فإن
ذلك يكون إجماعاً، ويحتج به، وتحرم مخالفته، واتفاق هؤلاء
يعلم إما بصريح القول، أو بقرائن تدل على موافقته، وذلك ممكن
كما سبق.
أما إذا خالف واحد أو اثنان - ممن بلغوا درجة الاجتهاد - هؤلاء
الأكثر، فإنه لا إجماع، بل تكون المسألة مختلف فيها - كما قلنا
ذلك فيما سبق.
(2/898)

الدليل الثالث: أن الإجماع حُجَّة في العصر الذي هِم فيه،
وذلك يقتضي أن يكون منهم مخالف ليكون ذلك الإجماع حُجَّة عليه.
جوابه:
أن الإجماعِ حُجَّة على من خالف منهم بعد انعقاد الوفاق في
زمنهم، وحُجة على من يوجد بعدهم.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة معنوي، وهو واضح، فلو اتفق أكثر
علماء العصر على حكم معين، وخالف واحد ممن بلغ درجة
الاجتهاد، فهل يسمى هذا الاتفاق إجماعا أو لا؟
فعلى المذهب الأول: لا يُسمَّى هذا الاتفاق إجماعا، فتجوز
مخالفة الرأي الذي اتفق عليه الأكثر، ويتخير المكلََّف بين رأي
الأكثر والاءقل.
أما على المذهب الثاني، فإنه يسمى هذا الاتفاق إجماعا، فلا
تجوز مخالفة الرأي الذي اتفق عليه الأكثر، ويلزم المكلََّف المقلد بما
اتفق عليه الأكثر.
***
المسألة الحادية عشرة: اتفاق الأكثر هل يكون حُجَّة يجب الأخذ به؟
لقد اختلف أصحاب المذهب الأول في المسألة السابقة - وهم
القائلون: إن اتفاق الأكثر لا يعتبو إجماعا - فيما بينهم هل يكون
اتفاق الأكثر حُجَّة.
والحق: أن اتفاق أكثر العلماء ليس بحُجَّة، فيجوز مخالفة ما
(2/899)

اتفق عليه الأكثر إذا ظهر الحق في غيره؛ لأن الحق قد يكون مع
الأكثر، وقد يكون مع الأقل، والاحتمالان متساويان، فنتوقف في
ذلك حتى يظهر لنا دليل يرجح أحد هذين الاحتمالين.
والكثرة لا تتميز بشيء؛ لما تقدم من أن العصمة قد ثبتت للكل،
لا للكثرة، وكثيراً ما ظهر أن الحق في جانب قول الأقل.
***
المسألة الثانية عشرة: هل يشترط في انعقاد الإجماع وحجيته
أن يكون له مستند ودليل؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يشترط في الإجماع وحجيته أن يكون له مستند
ودليل ومأخذ يوجب ذلك الإجماع.
وهو مذهب كثير من العلماء، وهو الحق؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: قياس علماء الأمَّة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، بيانه:
أنه كما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يقول شيئاً ولا يحكم بحكم إلا عن وحي، كما قال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إن هو إلا وحي
يوحى) ، فكذلك علماء الأُمَّة يجب أن لا يجمعوا على حكم إلا
عن مستند ودليل قد اعتمدوا عليه.
الدليل الثاني: أن عدم المستند من دليل أو أمارة يحتمل عدم
الوصول إلى الحق، مما يؤدي ويفضي إلى جواز الخطأ، فلذلك
قلنا: لا ينعقد الإجماع إلا عن مستند؛ سدا لهذا الاحتمال.
الدليل الثالث: لو جاز انعقاد الإجماع من غير دليل لم يكن
لاشتراط الاجتهاد فيمن يُعتدُّ به في الإجماع معنى؛ لأننا لم نشترط
(2/900)

بلوغ درجة الاجتهاد لكل واحد من المجمعين إلا من أجل أن ينظر في
المسألة عن استدلال، وأن يعتمد فيما يقول على دليل وأمارة، ولو
كان الإجماع ينعقد بلا مستند لدخل المجتهد وغير المجتهد.
المذهب الثاني: أنه لا يشترط في الإجماع أن يكون له مستند،
فيجوز انعقاد الإجماع عن غير مستند، وذلك بأن يوفقهم اللَّه تعالى
لاختيار الصواب من غير أن يكون لهم مستند أو دليل يستندون إليه،
وهو مذهب طائفة شاذة، وقيل: إنه مذهب بعض أهل الأهواء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: الوقوع، فقد وقع الإجماع عن غير دليل وغير
مستند، والوقوع دليل الجواز، وذلك كإجماع العلماء على جواز
عقد الاستصناع، وأجرة الحمام، وبيع المعاطاة أو المراضاة.
جوابه:
لا نسلم أن هناك أحكاماً شرعية قد أجمع العلماء عليها بدون
مستند.
أما ما ذكرتموه من الأمثلة والصور، فلم يقع الإجماع عليها إلا
عن دليل ومستند، وإليك بيان ذلك:
أما عقد الاستصناع، فقد كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم ينكره - مع علمه به - فكان ثبوته عن طريق السُّنَّة التقريرية.
أما أجرة الحمام فهي مقدرة بالعادة والعرف، وهو دليل شرعي؛
لقوله تعالى: (من أوسط ما تطعمون أهليكم) .
أما بيع المراضاة - وهو ما حصل بتراضي الجانبين - بلا لفظ -
(2/901)

فلا نسلم أنه صحيح - بإجماع العلماء، بل خالف في ذلك الإمام
الشافعي - رحمه اللَّه -.
الدليل الثاني: لو لم ينعقد الإجماع إلا عن مستند ودليل، لكان
ذلك الدليل هو الحُجَّة في المسألة، فلا يكون للإجماع فائدة.
جوابه:
لا نسلم ذلك، بل إن فائدة الإجماع هي: أنه يكفينا مؤنة
الرجوع إلى أدلة المجمعين، وكيفية دلالة كل دليل على مدلوله ونحو
ذلك.
فإذا قيل: إن العلماء أجمعوا على حكم تلك المسألة نكتفي
بذلك، ولا نسأل عن أدلة المجمعين.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ لأنه لا يعمل بالإجماع الذي لا مستند له،
وقيل: إن الخلاف لفظي؛ لعدم اختلاف عمل المكلف على المذهبين.
***
المسألة الثالثة عشرة: الدليل القطعي هل يصلح أن يكون مستنداً للإجماع؟
أصحاب المذهب الأول من المسألة السابقة - وهم القائلون: لا بد
للإجماع من مستند - اختلفوا فيما بينهم في جواز كون الدليل
القطعي مستنداً للإجماع على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز أن يكون مستند الإجماع دليلاً قاطعاً من
كتاب أو سُنَّة، وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق لدليلين:
الدليل الأول: أنه لا مانع من ذلك، فهو يكون من تضافر
(2/902)

الأدلة؛ قياساً على ثبوت الحكم الواحد بآيات متعددة، أو بالكتاب
والسُّنَّة المتواترة، كما هو واقع في الصلاة والزكاة وجميع أركان
الإسلام، وما دام أنه لا يمتنع: إذن هو جائز.
الدليل الثاني: الوقوع، فقد وقع من العلماء - أنهم يستدلون
على بعض الأحكام الثابتة بالكتاب والسُّنَّة المتواترة بالإجماع مع أن
مستند الإجماع آيات من الكتاب، وبعض الأحاديث المتواترة،
فيقولون - مثلاً -: ثبت تحريم الأمهات والجدات والبنات بالكتاب
والسُّنَّة والإجماع، وهكذا، والوقوع دليل الجواز.
المذهب الثانى: أن الإجماع لا ينعقد عن الدليل القطعي من
الكتاب، أو السُّنَّة المتواترة، أي: لا يكون مستند الإجماع دليلاً
قطعياً.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أنه إذا وجد الدليل القطعي من الكتاب، أو السُّنَّة المتواترة، فإنه
لا يُحتاج إلى الإجماع، نظراً لثبوت الحكم بهما، فلا فائدة - إذن -
من الإجماع.
جوابه:
لا نسلم أنه إذا دلَّ على الحكم دليل قطعي من الكتاب أو السُّنَّة
المتواترة، فإنه يصبح الإجماع لا فائدة فيه، بل فيه فائدة وهي: أن
المستدل بالإجماع لا يطالب بمستند سواه؛ وهذه الفائدة تكفي
المجتهدين مؤنة البحث عن مستند الإجماع من الأدلة القطعية،
وكيفية دلالته، ثم إن الإجماع يكون من الأدلة القطعية مؤكدا لما
أفادته من القطع.
(2/903)

بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة لفظي؛ لأن الحكم واحد، ولكن
أصحاب المذهب الأول قالوا: إنه ثبت بالإجماع المستند إلى أدلة
قطعية، وأصحاب المذهب الثاني قالوا: إنه ثبت بذلك المستند
القطعي نفسه، لا بالإجماع.
المسألة الرابعة عشرة: الدليل الظني هل يصلح أن يكون مستنداً للإجماع؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن الدليل الظني يصلح أن يكون مستنداً للإجماع،
فيجوز انعقاد الإجماع عن أي دليل ظني.
وهو مذهب الجمهور.
وهو الحق، لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أنه لا مانع من انعقاد الإجماع عن دليل ظني؛
قياساً على انعقاد الإجماع عن دليل قطعي ولا فرق، والجامع: أن
كلاً من الدليل القطعي والظنى يوجب العمل، ولذلك يستند إليهما
الإجماع.
الدليل الثاني: الوقوع؛ حيث إن أكثر الإجماعات الموجودة لدينا
قد ثبتث وانعقدت وهي مستندة إلى أدلة ظنية، كالعموم والظاهر
والمفاهيم، والقياس، وخبر الواحد، والوقوع دليل الجواز.
الدليل الثالث: أن النصوص - السابقة الذكر - المثبتة لحجية
الإجماع جاءت عامة، لم تفصل بين الإجماع المستند لدليل قطعي أو
(2/904)

ظني، فلا يجوز اشتراط كون الدليل قطعيا؛ لأنه تقييد بلا دليل
صحيح وهو باطل.
الدليل الرابع: أنا وجدنا الخلق الكثير الزائد على عدد التواتر قد
أجمعوا على أحكام باطلة لا تستند إلى دليل قطعي ولا ظني،
فجواز انعقاد الإجماع عن الدليل الظني الظاهر أوْلى.
المذهب الثاني: أن الدليل الظني لا يصلح أن يكونا مستنداً
للإجماع، فلا ينعقد الإجماع إلا عن دليل قطعي من كتاب أو سُنَّة
متواترة، وهو مذهب أكثر الظاهرية، وكثير من الشيعة، وابن جرير
الطبري.
دليل هذا المذهب:
قالوا: إن الدليل الظني لا يوجب العلم القطعي، فلا يجوز أن
يصدر عنه الإجماع؛ لأن الإجماع يوجب العلم القطعي، فالقطعي
لا يثبته إلا القطعي، والظني لا يقوى على إثبات القطعي.
جوابه:
يجاب عنه بأجوبة.:
الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أن الإجماع يكون قطعيا دائماً، بل إن
أكثر الإجماعات ظنية.
الجواب الثاني: أن ما قلتموه في المستند الظني ينطبق تماما على
المستند القطعي؛ حيث إن المستند القطعي يحتمل النسخ، أو غيره،
فالإجماع عليه قد رفع عنه هذا الاحتمال، ولم تقولوا: إن الإجماع
حينئذ أقوى من مستنده فيمتنع، بل جوزتم الإجماع عنه.
الجواب الثالث: الوقوع؛ حيث وقع أن أكثر الإجماعات قد
(2/905)

استندت إلى دليل ظني - كما سبق ذكر ذلك - والوقوع هذا يخالف
ما ذكرتموه.
بيان نوع الخلاف:
يفهم من الخلاف السابق أنه معنوي إذا عرفنا مستند الإجماع، فإن
كان مستند الإجماع قطعياً، فاتفق أصحاب المذهبين على أنه يسمى
إجماعاً تحرم مخالفته.
أما إن كان مستند الإجماع ظنياً، فعلى المذهب الأول: أنه يُسمَّى
إجماعاً كالمستند على الدليل القطعي ولا فرق.
أما على المذهب الثاني: فإنه لا يُسمى إجماعاً، نظراً لاستناده
إلى دليل لا يصلح مستنداً للإجماع، وعليه فإنه لا تحرم مخالفته.
المسألة الخامسة عشرة: حكم انعقاد الإجماع عن خبر الواحد:
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: جواز انعقاد الإجماع عن خبر واحد.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق " لما يلي:
الدليل الأول: أن النصوص المثبتة لحجية الإجماع قد وردت عامة
وشاملة للإجماع المستند إلى قطعي، والمستند إلى دليل ظني، فلم
تفرق بينهما، وما دام أن خبر الواحد يفيد الظن، فيكون صالحاً لأن
يستند عليه الإجماع.
الدليل الثاني: الوقوع؛ حيث ثبت أن أكثر الإجماعات مستندة
إلى خبر واحد مثل:
(2/906)

1 - الإجماع على وجوب الغسل من التقاء الختانين مع أن مستنده
خبر عائشة - رضي اللَّه عنها -.
2 - إجماع العلماء على حرمة بيع الطعام قبل القبض مع أن
مستنده خبر واحد، وهو حديث ابن عمر وهو أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال:
" من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفية "، ونحو ذلك،
والوقوع دليل الجواز.
المذهب الثاني: عدم جواز انعقاد الإجماع عن خبر الواحد.
وهو مذهب أكثر الظاهرية، والشيعة، وابن جرير الطبري.
دليل هذا المذهب:
هو دليل أصحاب المذهب الثاني في المسألة السابقة، وقد سبق قريباً.
جوابه:
قد سبق جوابه فراجعه من هناك.
بيان نوع الخلاف:
هو نفسه نوع الخلاف في المسألة السابقة.
المسألة السادسة عشرة: لو ظهر خبر واحد موافق لمقتضى
الإجماع، فهل يجب تعيينه مستندا للإجماع أو لا؟
اختلف أصحاب المذهب الأول من المسألة السابقة في هذه المسألة
على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يجب تعيينه، فالحديث الذي وافقه حكم
(2/907)

الإجماع يجوز أن يكون مسنداً للإجماع، ويجوز أن لا يكون هو
مستند الإجماع، وهو مذهب جمهور العلماء.
وهو الحق، لأن هذا الخبر يحتمل أن يكون هو المستند للإجماع،
ويحتمل أن يكون مستند الإجماع دليلاً آخر، ومع الاحتمال، فلا
جزم.
وإذا صح هذا الخبر كان دليلاً آخر للحكم المجمع عليه، ويجوز
توارد دليلين وأكثر على حكم واحد.
المذهب الثاني: أن الحديث الذي وقع الإجماع على مقتضاه يجب
أن يتعين سنداً للإجماع، وهو اختيار أبي حنيفة، وحكي عن
الشافعي، وهو مذهب بعض الأشاعرة.
دليل هذا المذهب:
قالوا: إن الإجماع لا بد له من مستند، وقد تيقنا صلاحية هذا
الحديث لأن يكون مستنداً لذلك الإجماع؛ لأنه لم ينقل إلينا مستند
لهذا الإجماع، فنتج من ذلك: تعين أن يكون الحديث المذكور
مستنداً للإجماع، ولو لم نجعل ذلك مستنداً له لخلا الإجماع عن
مستند، وهذا لا يجوز.
جوابه:
إن تيقن استناد الإجماع لذلك الخبر؛ نظراً لموافقته له، وصلاحيته
له هذا لا يسلَّم؛ لجواز أن يكون هناك خبر آخر، أو دليل آخر
استندوا إليه في إجماعهم ولم ينقل؛ استغناء بالإجماع عنه، ونظراً
لهذا الاحتمال فلا يمكن القطع والتيقن، بل ولا يغلب على الظن.
(2/908)

بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي هنا؛ لأنه يترتب على المذهب الأول: أن
الإجماع لا يصلح أن يكون دليلاً على صحة الخبر الذي وافقه؛ لأنا
لم نجزم بأن العلماء أجمعوا على ذلك الحكم، وكان مستند ذلك
الإجماع هو الخبر، فيطلب تصحيحه من جهة أخرى.
ويترتب على المذهب الثاني: أن ذلك الإجماع يصلح أن يكون
دليلاً على صحة الخبر الذي وافقه.
***
المسألة السابعة عشرة: حكم انعقاد الإجماع عن القياس:
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: جواز انعقاد الإجماع عن القياس.
وهو مذهب الجمهور، وهو الحق، للأدلة التالية:
الدليل الأول: الوقوع، حيث وقع أن الصحابة والسلف قد
أجمعوا على أحكام، وكان مستند ذلك الإجماع هو القياس مثل:
1 - إجماع الصحابة على خلافة أبي بكر، وكان مستند ذلك
القياس فقاسوا: الإمامة الكبرى - وهي الخلافة - على الإمامة
الصغرى - وهي الإمامة في الصلاة.
2 - إجماعهم على تحريم شحم الخنزير؛ قياساً على تحريم لحمه.
3 - إجماعهم على كتابة المصحف؛ قياساً على حفظه في
الصدور.
4 - إجماعهم على قتال مانعي الزكاة؛ قياسا على تارك الصلاة.
(2/909)

وغير ذلك، والوقوع دليل الجواز.
الدليل الثاني: القياس على خبر الواحد، بيانه:
أنه يجوز أن يكون مستند الإجماع خبر واحد، فكذلك يجوز أن
يكون مستند الإجماع القياس ولا فرق بجامع: أن كلًّا منهما يفيد
الظن.
الدليل الثالث: أنه لا يستحيل عقلاً، فلا يبعد اتفاق مجتهدي
الأُمَّة على أن النبيذ في معنى الخمر، فيكون حكمهما واحداً، وهو:
التحريم؛ لاتفاقهما في العِلَّة وهي الإسكار.
الدليل الرابع: أن الأدلة المثبتة لحجية الإجماع عامة وشاملة
للإجماع المستند إلى دليل القطعي، والمستند إلى الظني، فلم تفرق
بينهما، والقياس يفيد الظن، فهو يصلح أن يكون مستنداً للإجماع.
المذهب الثاني: الفرق بين أن يكون القياس جليا، فيصح أن يكون
مستنداً، وبين أن يكون القياس خفياً، فلا يصلح.
وهو ما اختاره بعض الشافعية.
دليل هذا المذهب:
قالوا: إن القياس الجلي يفيد القطع، فيصلح أن يكون مستنداً
للإجماع " لأن الإجماع لا يستند إلا إلى قطعي، أما القياس الخفي
فإنه يفيد الظن، والظن وأي دليل ظني لا يصلح أن يكون مستنداً
للإجماع.
جوابه:
إن هذا التفريق لا دليل صحيح عليه، وما لا دليل عليه فلا يعتمد
عليه، ثم إنه مخالف لعموم الأدلة المثبتة لحجية الإجماع، حيث
(2/910)

إنها شاملة للإجماع المستند لدليل قطعي، والدليل ظني ولم تفرق
بينهما.
المذهب الثالث: أنه لا يجوز عقلاً انعقاد الإجماع، وهو مستند
للقياس، وهو اختيار بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
قالوا: إن القياس تجوز مخالفته اتفاقاً، والإجماع لا تجوز
مخالفته اتفاقا، فلو استند الإجماع إلى القياس، مع قولنا بأن
القياس تجوز مخالفته: للزم من ذلك جواز مخالفة الإجماع؛ لأن
مخالفة الأصل - وهو القياس - تجوِّز مخالفة الفرع - وهو
الإجماع -، وعلى هذا فتجوز مخالفة الإجماع باعتبار سنده وهذا
باطل.
جوابه:
إن القياس تجوز مخالفته قبل الإجماع عليه، وأما بعد الإجماع
عليه، فلا تجوز مخالفته؛ لظهور صحته من الإجماع عليه، فلا
يصح قولكم: " إن مخالفة الأصل تجوّز مخالفة الفرع "؛ لأن
الأصل أصبح غير جائز المخالفة بالإجماع عليه.
المذهب الرابع: أن انعقاد الإجماع عن القياس يجوز عقلاً،
ولكنه لم يقع، ونسب إلى بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
قالوا: إنه لا يمتنع عقلاً استناد الإجماع إلى القياس؛ لأنه لا
يترتب على فرض وقوعه محال، وكل ما كان كذلك فهو جائز
عقلاً، ولكن بعد تتبع واستقراء النصوص لم نجد إجماعا استند إلى
قياس، فدل على عدم وقوعه.
(2/911)

جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ ما زعمتم من أنه لم يقع إجماع مستند إلى قياس، بل
وقع، وهو كثير جداً، وقد مثلنا لذلك فيما سبق، فيكون كلامكم
إما مكابرة ومعاندة، أو أنه استقراء ناقص، وكلاهما لا يعتد به.
بيان نوع الخلاف:
هو نفس نوع الخلاف في مسألة: " الدليل الظني هل يصلح أن
يكون مستنداً للإجماع؟ "، وهي المسألة الرابعة عشرة.
المسألة الثامنة عشرة: هل يُشترط نقل الإجماع بالتواتر؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يشترط، فالإجماع يثبت بخبر الواحد،
ويكون الإجماع المنقول إلينا عن طريق الآحاد ظنيا، ويجب العمل
وهو مذهب أكثر الحنفية، وبعض المالكية كابن الحاجب،
وجماعة من الشافعية.
وهو الحق؛ لأن الآحاد إذا نقل الدليل الظني كخبر الواحد، فإنه
يوجب العمل به اتفاقا، فنقل الدليل القطعي الدلالة بخبر الواحد
أَوْلى بأن يوجب العمل؛ لأن الضرر في مخالفة المقطوع أكثر،
واحتمال الغلط والخطأ في نقله أقل.
المذهب الثاني: أن الإجماع لا يثبت بخبر الواحد، بل يشترط فيه
أن يكون منقولاً عن طريق التواتر، فالإجماع المنقول عن طريق
الآحاد لا يوجب العمل.
(2/912)

وهو مذهب بعض الحنفية، وبعض الشافعية كالغزالي، وبعض
الخوارج.
دليل هذا المذهب:
قالوا: إن الإجماع دليل قاطع يحكم به على الكتاب والسُّنَّة،
وخبر الواحد دليل ظني، فكيف يثبت الدليل القطعي بالدليل الظني.
جوابه:
إن الإجماع مسألة شرعية طريقها طريق بقية المسائل المعمول بها
التي يكفي في ثبوتها الظن، فإذا غلب على الظن شيء: يجب
العمل به ما لم يمنع منه مانع، والإجماع هنا نقل إلينا بطريق يغلب
على الظن ثبوته وهو خبر الواحد، فيكون ذلك الإجماع إجماعا
ظنيا؛ نظراً لطريق ثبوته، وعلى ذلك يجب العمل به كنقل القراءة
الشاذة، ونقل قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - بخبر الواحد.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي، كما ظهر من المذهبين، حيث لو أجمع
العلماء على حكم معين، ونقل هذا الإجماع بخبر الواحد، فإنه
يُعمل به عند أصحاب المذهب الأول، أما عند أصحاب المذهب
الثاني فلا يعمل به، ولكني أستبعد ذلك عن أصحاب المذهب الثاني.
(2/913)

المطلب السادس في أقسام الإجماع
ينقسم الإجماع إلى قسمين:
القسم الأول: الإجماع القطعي.
القسم الثاني: الإجماع الظني.
(2/915)

القسم الأول الإجماع القطعي
وهو: أن يتوفر فيه ما يلي:
أولاً: أن تتوفر جميع شروط الإجماع السابقة - على التفصيل
المذكور -.
ثانيا: أن يصرح كل واحد من المجتهدين بحكم المسألة، أو أن
يصرح بعضهم، ويعمل البعض الآخر على وفق هذا القول المصرح
ثالثا: أن ينقل هذا القول وهذا التصريح إلينا نقلاً متواتراً.
إذا توفرت هذه الأمور، فإن الإجماع يكون حُجَّة قاطعة.
(2/917)

القسم الثاني
الإجماع الظني
وهو: ما اختل فيه أحد الأمور الثلاثة السابقة في القسم الأول،
ويشتمل الكلام عن هذا القسم على مسائل كثيرة، منها المسألة الثامنة
عشرة - من مسائل شروط الإجماع - وهي: " هل يشترط نقل
الإجماع بالتواِتر؟ " فإذا نقل الإجماع الصريح بالآحاد صار إجماعاً
ظنياً، وقد بينت ذلك في موضعه، ومما يدخل في ذلك ما يلي من
المسائل:
المسألة الأولى: إذا اختلف الصحابة أو الأولون، على قولين،
فأجمع التابعون أو المتأخرون، على أحدهما،
فهل يكون ذلك إجماعاً؟
المسألة الثانية: هل يجوز الاتفاق بعد الاختلاف؟
المسألة الثالثة: إذا اختلف الصحابة على قولين، فهل يجوز لمن
بعدهم إحداث قول ثالث؟
المسألة الرابعة: إذا استدل علماء العصر بدليل أو تأولوا تأويلاً، ولم
يصرحوا بشيء فهل لمن بعدهم إحداث دليل أو تأويل آخر؟
المسألة الخامسة: إذا لم يفرق علماء العصر بين مسألتين فهل لمن
بعدهم التفريق بينهما؟
المسألة السادسة: هل يجوز وجود خبر أو دليل راجح، واتفق علماء
الأمَّة على عدم العلم به؟
(2/919)

المسألة السابعة: إذا قال بعض علماء العصر قولاً، وسكت الباقون
سكوتا لا يفهم منه الرضا ولا السخط فهل يعتبر
هذا إجماعا وحجة؟ " الإجماع السكوتي ".
المسألة الثامنة: إذا اختلف العلماء في ثبوت الأقل والأكثر في مسألة
فهل يصح أن يتمسك بالإجماع في إثبات مذهب القائل بالأقل؟
(2/920)

المسألة الأولى: إذا اختلف الصحابة أو الأولون على
قولين، فأجمع التابعون أو المتأخرون، على أحدهما، فهل
يكون ذلك إجماعا؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يكون إجماعاً، وبناء على ذلك فإنه تحرم
مخالفته، مثل مسألة " بيع أم الولد "، فإن الصحابة اختلفوا فيها
على قولين - الجواز وعدم الجواز - ثم اتفقوا على قول واحد وهو:
عدم الجواز، فإن هذا يكون إجماعا تحرم مخالفته ويجب العمل به.
وهو مذهب أكثر الحنفية، والمعتزلة، وأكثر المالكية، وبعض
الشافعية كأبي بكر القفال، وأبي إسحاق الشيرازي، وبعض الحنابلة
كأبي الخطاب.
وهو الحق عندي؛ لدليلين:
الدليل الأول: أن النصوص الدالة على حجية الإجماع - السابقة
الذكر - تدل على حجية أيِّ إجماع من مجتهدي العصر سواء سبقه
اختلاف في العصر الذي سبقه، أو لم يسبقه شيء، فاتفاق علماء
العصر المتأخر على أحد قولي علماء العصر المتقدم يعتبر سبيل المؤمنين
فيجب اتباعه.
الدليل الثاني: أن إجماع التابعين أو علماء العصر المتأخر، هو:
اتفاق من أهل العصر على حكم فقهي معين، فلم يجز خلافه،
كما لو اختلفوا - أنفسهم - في حكم معين في عصرهم، ثم اتفقوا
عليه في عصرهم، فهو اتفاق عقيب اختلاف، فيقطع الاتفاق
الاختلاف، فيكون إجماعا.
(2/921)

المذهب الثاني: أنه لا يكون إجماعاً، أي: أن اتفاق التابعين
على أحد قولي الصحابة لا يعتبر إجماعاً، ولا تحرم مخالفته، بل
يجوز الأخذ بما اتفق عليه التابعون، ويجوز الأخذ بالقول الآخر
للصحابة.
وهو مذهب بعض الشافعية كإمام الحرمين، والغزالي،
والآمدي، والصيرفي، وبعض الحنابلة كأبي يعلى.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ) .
وجه الدلالة: أن اللَّه أوجب الرد إلى اللَّه تعالى عند التنازع.
فلو جوزنا انعقاد الإجماع الثاني: للزم الرد إلى الإجماع، وهو
خلاف مقتضى الآية.
جوابه:
إن وجوب الرد إلى اللَّه تعالى مشروط بوجود التنازع، فإذا حصل
الإجماع زال وجوب الرد إلى اللَّه لزوال شرطه وهو: التنازع، ثم
إن الرد إلى الإجماع هو رد إلى اللَّه تعالى؛ لأن المجمعين اتفقوا
على هذا الحكم أو ذاك استناداً إلى كتاب اللَّه أو سُنَّة رسوله، أو
المفهوم منهما.
الدليل الثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ".
وجه الدلالة: هذا الحديث دلَّ على أن كل واحد من الفريقين
حجة، فلو أخذنا بأحد القولين دون الآخر لزم الترجيح من غير
مرجح.
(2/922)

جوابه:
إن الخطاب الوارد في الحديث موجه إلى العوام الذين في
عصرهم، ولا خلاف في جواز تقليدهم إياهم، وإنما النزاع في أن
قول بعضهم هل يكون مانعاً من انعقاد الإجماع بعدهم، بخلاف ما
قالوه؛ وما ذكرتموه في دليلكم لا يدل على ذلك.
الدليل الثالث: أن اختلاف الصحابة على القولين هو إجماع على
جواز الأخذ بأي قول كان، فلو انعقد الإجماع على أحد القولين
فإنه يلزم من ذلك رفع الإجماع الأول.
جوابه:
لا نسلم أن اختلافهم على قولين هو إجماع على جواز الأخذ بأي
قول كان؛ لأن كلًّا من الفريقين لا يجوز الأخذ إلا بقولهم فقط،
دون قول الفريق الآخر.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي له أثره وهو واضح، فلو اتفق التابعون أو
المتأخرون على أحد قولي الصحابة أو المتقدمين، فإنه على المذهب
الأول يكون إجماعا يأثم من خالفه، أما على المذهب الثاني فلا
يكون إجماعا، فلا يأثم من خالفه؛ حيث يعتبر ترجيح لأحد
القولين فقط.
***
المسألة الثانية: هل يجوز الاتفاق بعد الاختلاف؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز اتفاق علماء العصر على حكم معين بعد
اختلافهم في ذلك الحكم.
(2/923)

وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأنه واقع، والوقوع
دليل الجواز:
فقد أجمعت الأُمَّة على خلافة أبي بكر - رضي اللَّه عنه - بعد
الخلاف فيها.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز اتفاق علماء العصر على حكم بعد
اختلافهم فيه.
وهو مذهب أبي بكر الصيرفي وبعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن اختلاف الأُمَّة في الحكم إجماع منهم على جواز الأخذ بأي
قول كان إذا أدَّى إليه اجتهاد مجتهد، فلو جاز الإجماع بعده امتنع
الأخذ بغير ما أجمعوا عليه فيلزم منه: رفع ما أجمعوا عليه أولاً،
وهو باطل.
جوابه:
إن الإجماع الأول كان مشروطا بعدم الاتفاق على واحد، فلما
اتفقوا زال شرط الإجماع الأول، فزال الإجماع الأول بزوال
شرطه.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف كما هو واضح معنوي؛ حيث إنه لو اتفق العلماء بعد
اختلافهم، فإنه يكون إجماعا تحرم مخالفته هذا بناء على المذهب
الأول، أما على المذهب الثاني فإنه لا يكون إجماعاً، ولا ينطبق
عليه شروط الإجماع، فتجوز مخالفته.
(2/924)

المسألة الثالثة: إذا اختلف الصحابة على قولين، فهل يجوز
لمن بعدهم إحداث قول ثالث؟ أو تقول: إذا اختلف مجتهدو
أهل عصر في حكم مسألة على قولين، فهل يجوز لمن بعدهم
أحداث قول ثالث؟
اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن القول الثالث إن لزم منه رفع ما اتفقا عليه،
فلا يجوز.
وإن لم يلزم منه ذلك، فإنه يجوز إحداثه ويُعمل به.
مثال الأول: " الجد مع الأخ في الإرث "
اختلف في ذلك على قولين: " قيل المال للجد "، و " قيل المال للجد والأخ يتقاسمانه "
فالقول بحرمان الجد قول ثالث خارق للإجماع فلا يجوز القول به.
مثال الثاني: فسخ النكاح بالعيوب الخمسة - وهي: الجذام،
والجنون، والبرص، والرتق، والعنَّة - اختلف في ذلك على قولين:
" قيل: يفسخ بجميعها "، و "قيل: لا يفسخ بشيء منها "،
فالقول الثالث وهو: إنه يفسخ بالبعض دون البعض لا يرفع ما اتفق
الفريقان عليه؛ لأنه يوافق في كل صورة قولاً، فيجوز ذلك.
وهذا مذهب الإمام فخر الدين الرازي، والآمدي، وابن
الحاجب، والبيضاوي، وروي عن الإمام الشافعي، وهو اختيار
القرافي، وتاج الدين ابن السبكي.
وهو الحق عندي؛ لأن القول الثالث المحدث إذا كان رافعا لما
اتفق عليه الأولون يكون إحداثه مخالفا للإجماع؛ لأن اختلاف
الأولين يتضمن الإجماع على أن ما سواهما باطل، فمخالفة ذلك لا
تجوز، ولذلك منعنا من إحداثه.
(2/925)

أما إذا لم يكن ذلك القول الثالث المحدث رافعا لما اتفق عليه
الأولون، فلا يكون إحداثه مخالفا للإجماع، فلا مانع منه،
ويجوز؛ لأن المسألة تكون اجتهادية؛ فالمحذور وهو مخالفة الإجماع
لم يقع.
المذهب الثاني: أن إحداث قول ثالث لا يجوز مطلقا.
وهو مذهب كثير من العلماء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن اختلافهم على القولين اتفاق منهم على عدم
القول الثالث، فلم يجز إحداثه، وإلا لزم مخالفة الإجماع.
جوابه:
إن القول الثالث المحدث إن لم يرفع القولين، فلا يلزم منه
مخالفة الإجماع، وإذا لم يخالف ما اتفق عليه، فلا مانع منه،
كما قلنا فيما سبق.
الدليل الثاني: لو جاز إحداث القول الثالث: للزم تخطئة
الفريقين القائلين للقولين، وهم كل الأُمَّة، فيلزم من ذلك تخطئة
كل الأُمَّة، وهو غير جائز.
جوابه:
إن الممتنع تخطئة كل الأُمَّة فيما اتفقوا عليه على قول واحد، أما
ما اختلفوا فيه فغير ممتنع، ونحن لما فصَّلنا في مذهبنا لم نخرج عن
القولين السابقين، لذلك لا يعتبر القول الثالث المحدث تخطئة مطلقا.
المذهب الثالث: أن إحداث قول ثالث يجوز مطلقا.
وهو مذهب بعض الظاهريهّ، وبعض الشيعة.
(2/926)

دليل هذا المذهب:
أن اختلاف الأولين في الحكم دليل على أن المسألة اجتهادية،
والمسألة الاجتهادية لا يمنع النظر فيها، حيث لم يوجد فيها إجماع
من السابقين، والقول الثالث حدث عن اجتهاد فيجوز.
جوابه:
إن الذي منعنا من ذلك هو: قول يلزم منه إبطال ما اتفقوا عليه
من القولين كما في مسألة: " الجد والأخ "، وما اتفقوا عليه ليس
من صور الخلاف، فلا يجوز فيه الاجتهاد، فتسويغ المختلفين
للاجتهاد في المسألة مقيد بأن لا يخرج الاجتهاد عن دائرة القولين
المتفق عليهما؛ لأن ما خرج عنهما باطل.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي، وهو ظاهر من الأمثلة السابقة: فمن أحدث
قولاً ثالثاً، فإنه على المذهب الأول يجوز الأخذ به بشرط: أن لا
يلزم منه رفع القولين، فإن لزم منه رفع القولين، فلا يجوز الأخذ
به والعمل به.
أما على المذهب الثاني: فإنه لا يجوز أخذ القول الثالث والعمل
به مطلقاً، سواء رفع القولين أم لا.
أما على المذهب الثالث: فإنه يجوز أخذ القول الثالث والعمل به
مطلقا، سواء كان رافعا للقولين أم لا.
* * *
(2/927)

المسألة الرابعة: إذا استدل علماء العصر بدليل أو تأولوا
تأويلاً ولم يصرحوا بشيء، فهل يجوز لمن بعدهم إحداث دليل
أو تأويل آخر؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز لمن بعدهم إحداث دليل أو تأويل آخر
بشرط: أن لا يلزم من هذا الدليل أو التأويل القدح فيما أجمعوا
عليه.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق عندي؛ لدليلين:
الدليل الأول: القياس على الاستدلال على مسألة لم يسبق أن
استدل عليها، بيانه: أنه كما أنه يجوز الاستدلال على مسألة لم
يسبق أن استدل عليها أو أُولت، كذلك هنا يجوز إحداث دليل أو
تأويل آخر، والجامع: أنه لا يلزم من هذا الاستدلال قدح في
إجماع قد سبق.
الدليل الثاني: الوقوع؛ حيث إنه ما زال علماء كل عصر
يستخرجون الأدلة والتأويلات المغايرة لأدلة من تقدم وتأويلاته، ولم
ينكر عليهم أحد، فكان ذلك إجماعاً.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز لمن بعدهم إحداث دليل أو تأويل آخر
مطلقاً.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) .
(2/928)

وجه الدلالة: أن لفظ " المعروف " عرف بـ " أل " المستغرفة للجنس،
أي: يأمرون بكل معروف، ولو كان الدليل أو التأويل الثاني معروفا
لأمروا به، وحيث لم يأمروا به لم يكن معروفا، فكان منكراً.
جوابه:
إن الآية مشتركة؛ حيث إن قوله: (وتنهون عن المنكر) يقتضي
كونهم ناهين عن كل منكر لما ذكروه من لام الاستغراق، ولو كان
الدليل أو التأويل الثاني منكراً لنهوا عنه، ولم ينهوا عنه، فلا يكون
منكراً.
الدليل الثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم -:
" لا تجتمع أمتي على الخطأ ".
وجه الدلالة: أن علماء الأُمَّة إذا ذهبوا عن الدليل والتأويل
الثاني، فلا يكون ذهابهم عنه خطأ، ولو كان دليلاً أو تأويلاً
صحيحا لكان الذهاب خطأ، وهو محال.
جوابه:
إن ذهاب علماء الأُمَّة عن الدليل أو التأويل الثاني مع صحته، إنما
يكون خطأ أن لو لم يستغنوا عنه بدليلهم وتأويلهم الأول.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي؛ لأن اتفاق علماء الأُمَّة على الحكم يُسمى
إجماعا عند أصحاب المذهبين، لكن أصحاب المذهب الأول استندوا
على دليل واحد، أما أصحاب المذهب الثاني فقد جعلوا الإجماع
هذا مستنداً إلى دليلين، أو تأويلين.
(2/929)

المسألة الخامسة: إذا لم يفرق علماء العصر بين مسألتين، فهل
لمن بعدهم التفريق بينهما؟
اختلفت في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: التفصيل.
إن كان علماء العصر قد نصوا على عدم الفرق بين المسألتين فهنا لا
تجوز مخالفتهم، لأنهم أجمعوا على عدم الفرق، فالقائل بالفرق
مخالف لذلك الإجماع، وهو حرام.
أما إن كان علماء العصر لم ينصوا على عدم الفرق، فلا يخلو
من حالتين:
الأولى: إن علمنا اتحاد المسألتين في الجامع كتوريث العمة
والخالة؛ حيث إن العلماء اتفقوا على أنه لا فرق بينهما في التوريث
وعدمه بجامع كونهما من ذوي الأرحام: ففي هذه الحالة لا يجوز
الفصل والتفريق بينهما؛ لأنه يلزم من التفريق بينهما رفع مجمع
عليه.
الثانية: إن لم نعلم اتحاد المسألتين في الجامع، فإنه يجوز الفصل
بينهما؛ لأنه لايلزم من ذلك رفع شيء مجمع عليه.
ولو لم يجز - لمن بعدهم الفصل بين المسألتين في هذه الحالة -
لوجب على من وافق مجتهدأ في حكم الدليل: أن يوافقه في جميع
الأحكام، وهو باطل بالاتفاق؛ حيث إن من وافق الإمام أحمد،
أو الشافعي - مثلاً - في مسألة لا تجب عليه موافقته في جميع
المسائل.
وهذا المذهب هو اختيار كثير من العلماء منهم: أبو الوليد
(2/930)

الباجي، والباقلاني، وأبو إسحاق الشيرازي، والإمام فخر الدين
الرازي، وأبو الحسين البصري، وأبو الخطاب، وكثير من الحنابلة.
وهذا هو الحق عندي؛ لما سبق من الدليل والتعليل.
المذهب الثاني: لا يجوز التفريق بينهما مطلقاً.
وهو مذهب القاضي عبد الجبار، وبعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن الأوَّلين اتفقوا على اتحادهما في الحكم، فلو قلنا بجواز
التفريق بينهما: لزم مخالفة الإجماع، وهذا باطل.
جوابه:
إن عنيتم بقولكم: " اتحادهما ": أن العلماء نصُّوا على ذلك
الاتحاد، فنحن معكم في أنه لا تجوز المخالفة في تلك الحالة.
وإن عنيتم: أن فتواهم وافق في المسألتين من غير تعرض لشيء
آخر: فلا نسلم أن لا تجوز مخالفتهم، وهو محل النزاع.
المذهب الثالث: أنه يجوز التفريق بينهما مطلقا.
وهو مذهب أبي الطيب الطبري وبعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن الإمام الثوري وهو سفيان بن سعيد بن مسروق، قال:
الجماع ناسيا يفطر، والأكل ناسياً لا يفطر، مع أن علماء الأُمَّة
الذين قبله لم يفصلوا بينهما؛ لأنه قد جمعتهما طريقة واحدة.
جوابه:
إن هذا موافق لما قلناه - فيما سبق - في مذهبنا الأول، وهو
(2/931)

التفصيل، لأن الأُمَّة - هنا - لم ينصوا على عدم الفرق بين المسألتين
ولم تتحد المسألتان بجامع معين، فجاز للثوري الفصل بينهما.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ لأنه بناء على المذهب الثاني يعتبر عدم
التفريق بين المسألتين إجماعاً لا تجوز مخالفته، فلا يجوز التفريق
بينهما.
أما على المذهب الثالث: فإن عدم التفريق بين المسألتين لا يعتبر
إجماعاً وعليه فيجوز التفريق، ويقبل الاجتهاد كغيره من المسائل
الاجتهادية.
أما على المذهب الأول: ففيه التفصيل الذي قلناه.
المسألة السادسة: هل يجوز وجود خبر أو دليل راجح، واتفق
علماء الأمة على عدم العلم به؟
فيه تفصيل:
أولاً: إن كان عمل علماء الأمَّة موافق لمقتضى ذلك الخبر أو
الدليل، ففيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يجوز ذلك، وهو مذهب بعض العلماء.
وهو الصحيح " لأن علماء الأُمَّة غير مكلفين بالعمل بما لم يظهر
لهم، ولم يبلغهم، فاتفاقهم واشتراكهم في عدم العلم لا يكون
خطأ، لأن عدم العلم ليس من فعلهم، وذلك كعدم حكمهم في
واقعة لم يحكموا فيها بشيء، فجاز لغيرهم أن يسعى في طلب ذلك
الدليل أو الخبر ليعلم.
(2/932)

المذهب الثاني: أنه لا يجوز ذلك، وهو لبعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن علماء الأُمَّة لو اشتركوا في عدم العلم به: لكان ذلك سبيلاً
لهم، ولوجب على غيرهم اتباعه وعدم تحصيل العلم به؛ لقوله
تعالى: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) .
جوابه:
إن عدم العلم لا يكون سبيلاً للمؤمنين؛ لأن السبيل: الذي
يختاره الإنسان من قول أو فعل، وعدم علمهم لم يختاروه، فلا
يكون سبيلاً لهم.
بيان نوع الخلاف:
يفهم من الخلاف هنا أنه لفظي؛ لأن العمل لا يختلف سواء علم
بالدليل أو الخبر، أو لم يعلم بهما.
ثانياً: أما إن كان عمل علماء الأُمَّة على خلاف الخبر أو الدليل،
فهذا محال بالاتفاق؛ لأنه يلزم منه إجماع الأُمَّة على الخطأ، - وهذا
مخالف للأدلة النقلية السابقة الذكر.
المسألة السابعة: إذا قال بعض علماء العصر قولاً وسكت
الباقون، أو أعلن بعض المجتهدين قولاً وسكت بقية أهل العصر
من المجتهدين سكوتا لا يستدل منه على رضا ولا على سخط،
فهل هذا يعتبر إجماعاً أو لا؟ " الإجماع السكوتي ":
لقد اختلف في ذلك على مذاهب، من أهمها ثلاثة:
المذهب الأول: أنه يعتبر إجماعا وحُجَّة.
(2/933)

ذهب إلى ذلك جمهور العلماء، وهو الحق؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: أنه لو اشترط لانعقاد الإجماع أن ينص كل واحد
منهم على رأيه بصراحة لأدى ذلك إلى عدم انعقاد الإجماع أبداً؛
لأنه يتعذر اجتماع أهل كل عصر على قول يسمع منهم، والمتعذر
معفو عنه؛ ل قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) ،
والمعتاد في كل عصر أن يتولى كبار العلماء إبداء الرأي، ويُسلِّم
الباقون لهم، فثبت بذلك: أن سكوت الباقين دليل على أنهم
موافقون على قول من أعلن رأيه في المسألة، فكان إجماعاً وحُجَّة.
الدليل الثاني: الوقوع؛ حيث إن المجتهدين من التابعين إذا
حدثت حادثة بينهم، ولم يجدوا حكماً لها في نص، ووجدوا قولا
فيها لصحابي، وعلموا أن هذا القول قد انتشر، وسكت بقية
الصحابة عن الإنكار، فإن التابعين لا يجوزون العدول عن ذلك
القول، بل يعملون به؛ بناء على أنه قول قد أجمع عليه.
الدليل الثالث: قياس المسائل الاجتهادية على المسائل الاعتقادية،
بيان ذلك:
أنه قد ثبت أن العلماء قد أجمعوا على أن السكوت معتبر في
المسائل الاعتقادية، أي: سكوت الساكت في العقيدة يدل على
رضاه؛ لأنه لا يحل السكوت فيها على باطل، فيقاس عليها المسائل
الاجتهادية، والجامع: أن الحق واحد، فلا يحل له السكوت في
الأمور الاجتهادية إذا كان عنده بخلاف ما أعلن؛ لأن الساكت - عن
الحق شيطان أخرس؛ لأن الحكم لو كان عنده بخلافه: لكان
سكوته تركاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا بخلاف ما
شهد اللَّه به لهذه الأمَّة من أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر،
(2/934)

فلو تصور منهم ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأدَّى ذلك إلى
الخلف في كلامه سبحانه وتعالى، وهو محال، فوجب أن نحمل
سكوت الساكت على أنه موافق لما أعلنه ذلك المجتهد، وهو الذي
تدل عليه عدالته.
المذهب الثاني: أن ذلك ليس بإجماع ولا حُجَّة.
وهو مذهب داود الظاهري، وابنه محمد، وابن حزم،
والمرتضى، وينسب إلى القاضي الباقلاني وعزاه للشافعي، وممن
نسبه إلى الإمام الشافعي أيضاً كثير من الشافعية كالآمدي، وفخر
الدين الرازي، وقال إمام الحرمين: إنه ظاهر مذهب الشافعي،
واختاره الغزالي في " المستصفى "، والرازي في " المحصول "،
والبيضاوي في " المنهاج "، وغيرهم.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن مذهب المجتهد يعلم بقوله الصريح الذي لا
يتطرق إليه أي احتمال، أما سكوت الساكت فإنه يحتمل أنه سكت
لكونه راضيا بالحكم الذي أعلنه ذلك المجتهد.
ويحتمل أنه سكت، لأنه لم يجتهد في المسألة الحادثة، بل تركها.
ويحتمل أنه اجتهد فيها، ولكنه سكت؛ لأنه لم يتوصل إلى
حكم معين فيها.
ويحتمل أنه اجتهد فيها، وتوصل إلى حكم معين مخالف لرأي
المجتهد المعلن، ولكنه لم يظهره، تقية ومخافة.
ويحتمل أنه اجتهد فيها، وتوصل إلى حكم مخالف لرأي المجتهد
المعلن، ولكنه سكت لعارض طرأ عليه لم يظهره لنا.
(2/935)

ويحتمل أنه اجتهد فيها، وتوصل إلى حكم مخالف لرأي المجتهد
المعلن، ولكنه سكت، لاعتقاده أن كل مجتهد مصيب.
ويحتمل أنه اجتهد فيها، وتوصل إلى حكم مخالف لرأي المجتهد
المعلن، ولكنه سكت، لأنه يرى أن قول ذلك المجتهد جائزاً، وإن
لم يكن هو موافقاً عليه، بل كان يعتقد خطأه.
وإذا كان السكوت يحتمل هذه الاحتمالات، فلا يدل السكوت
على الرضا لا قطعاً، ولا ظاهراً، وهو معنى قول الإمام الشافعي
- رحمه اللَّه -: " لا ينسب لساكت قول "، وإذا كان الأمر كذلك
فلا يكون سوتهم مع انتشار قول المجتهد المعلن له إجماعاً ولا حُجَّة.
جوابه:
إنه إذا سكت المجتهد بعد أن يعلن المجتهد الآخر رأيه مدة يستطيع
من خلالها التفكر في المسألة، فإن سكوته يدل على رضاه بذلك
الرأي المعلن، فيكون إجماعاً وحُجَّة.
أما الاحتمالات التي ذكرتموها فلا نسلمها، وإليك بيان ذلك:
أما الاحتمال الأول - وهو أنه سكت لعدم اجتهاده في المسألة -
فلا يقبل ولا يجوز؛ لأمرين:
أولهما: أن عدم اجتهاد العالم في الحادثة خلاف عادة العلماء
عند نزول الحوادث.
ثانيهما: أن عدم اجتهاد العالم في الحادثة يؤدي إلى خلو العصر
من حُجَّة اللَّه - تعالى -، لأنا إذا جوزنا أن يكون المجتهد المعلن
لرأيه قد أخطأ، والمجتهد الساكت لم يجتهد فقد خلا العصر من
حُجَّة، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -:
" لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يرد عليّ ".
(2/936)

أما الاحتمال الثاني - وهو: أنه اجتهد، ولكن لم يتوصل فيها
إلى حكم -.
فهذا بعيد؛ لأمرين هما:
الأمر الأول: أنه يبعد عدم وصول المجتهد إلى حكم معين في
تلك الحادثة مع توفر الدواعي للاجتهاد، وظهور الدلائل.
الأمر الثاني: أن احتمال عدم وصول المجتهد إلى حكم معين
يؤدي إلى خلو العصر عن القائم بحُجَة اللَّه تعالى؛ لأنا إذا فرضنا
أن يكون المجتهد المعلن لمذهبه قد أخطأ فيه، والجتهد الساكت لم
يصلِ إلى حكم معين فيها، فإنه يخلو العصر عن قائم لله تعالى
بحجته.
أما الاحتمال الثالث - وهو: أنه لما توصل إلى حكم فيها لم
يظهره تقية - فهو بعيد؛ لأمرين:
الأمر الأول: أنه عرف من عادة المجتهدين الذين يفعلون مثل ذلك
أن يظهر قوله ورأيه عند ثقاته وخاصته، ثم بعد مدة قصيرة ينتشر
القول ويعرف.
الأمر الثاني: أنه إذا سكت حتى ينقرض العصر، فإما أن يموت
من يتقيه، أو يموت هو قبل من يتقيه.
فإن مات من يتقيه قبل الساكت، فيجب - حينئذ - على الساكت
أن يظهر قوله ورأيه، كما قال ابن عباس - حين توفي عمر -: إن
المال لا يعول "، فقيل له: لِمَ لم تقل ذلك في زمن عمر؛ فقال:
"هبته ".
وإن مات الساكت قبل من يتقيه فينعقد الإجماع.
(2/937)

أما الاحتمال الرابع - وهو: أنه لما توصل إلى حكم فيها لم
يظهره لعارض - فهو بعيد - أيضاً -؛ لأمرين:
الأمر الأول: أن هذا خلاف الظاهر من عادة العلماء وأهل الحق.
الأمر الثاني: أن سكوت المجتهد من أجل عارض غير معروف:
يؤدي إلى خلو العصر عن قائم لله تعالى بحجته؛ لأن هذا المجتهد
إذا سكت، وذاك المجتهد المعلن لرأيه قد أخطأ في رأيه، فإنه يخلو
العصر من حُجَّة.
أما الاحتمال الخامس - وهو: أنه سكت؛ لاعتقاده أن كل
مجتهد مصيب -.
والاحتمال السادس - وهو: أنه سكت؛ لأنه لا يرى الإنكار في
المجتهدات - فهما بعيدان - أيضا -؛ لأمرين:
الأمر الأول: أن من عادة من يعتقد أن كل مجتهد مصيب يأخذ
بمذهب، ويخالف غيره فيه، ويناظر غيره، ويبين أن مذهبه هو
الصحيح بخلاف مذهب غيره.
الأمر الثاني: أن هذا لم يقع ولم يوجد في عصر الصحابة، ولم
ينقل إلينا أن واحداً من الصحابة سكت عن الإنكار لهذين الفرضين،
حيث إن الصحابة - رضي اللَّه عنهم - ومن سار على نهجهم من
العلماء الذين سلكوا طريق النصح، وتركوا الغش كانوا ينكر
بعضهم على بعض، ويتناظرون، ويتجادلون لتحقيق الحق، وإبطال
الباطل كمناظرتهم في مسألة " الجد والإخوة " حتى أن ابن عباس
- رضي اللَّه عنه - قال: " ألا يتقي اللَّه زيد يجعل ابن الابن ابنا،
ولا يجعل أب الأب أبا "، وقال معاذ لعمر - حين عزم على جلد
الحامل -: " إن جعل اللَّه لك على ظهرها سبيلاً، فما جعل الله
(2/938)

لك على ما في بطنها سبيلاً "، ومناقشاتهم في مسألة: " العول "،
و" التحريم "، و " دية الجنين "، وغيرها لا تخفى على أحد، فكل
هذا يدل دلالة واضحة على أن المجتهد لا يسكت عن شيء هو يعلم
خلافه، بل. يبين رأيه فيها دون إلزام.
فإذا كانت تلك الاحتمالات للسكوت بعيدة: فإن احتمال: أنه
سكت لموافقته ورضاه للقول المعلن هو الأقرب للصواب، فيكون
ذلك إجماعا، وإذا كان إجماعاً فهو حُجَّة.
الدليل الثاني: أنه لما قال ذو اليدين للنبي - صلى الله عليه وسلم -: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول اللَّه؟
فنظر رسول اللَّه إلى أبي بكر وعمر - رضي اللَّه عن الجميع - وقال:
" أحقٌّ ما يقوله ذو اليدين؟ ".
وجه الدلالة: أن السكوت لو كان دليلاً على الموافقة لاكتفى به
رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، ولما طلب من أبي بكر وعمر بيان ذلك بالنطق من غير حاجة، فدل ذلك على أن السكوت لا يدل على رضا الساكت، فلا يكون إجماعاً ولا حُجَّة.
جوابه:
إن أبا بكر وعمر وغيرهما من الصحابة إنما سكتوا اكتفاء منهم
بكلام ذي اليدين؛ نظراً لكونهم مثله في عدم علمهم أيهما الذي
وقع أهو قصر الصلاة، أو النسيان؛، فلما نفى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ذلك بقوله: " كل ذلك لم يكن "، وطلب منهما الجواب: كان لهم الكلام.
المذهب الثالث: أنه حُجَّة، وليس بإجماع.
وهو مذهب أبي هاشم الجبائي، وصححه الصيرفي، واختاره
الآمدي، وهو أحد القولين عن الإمام الشافعي.
-
(2/939)

دليل هذا المذهب:
أن سكوت الباقين يدل دلالة ظاهرة على الموافقة فيكون قول ذلك
المجتهد المعلن مع سكوت الباقي من المجتهدين عن الإنكار - مع
قدرتهم على ذلك - حُجَّة يجب العمل به كخبر الواحد والقياس.
وإنما لم نقل إنه إجماع، لأن سكوت الباقي من المجتهدين يحتمل
تلك الاحتمالات الستة السابقة الذكر فأثرت على وصوله إلى درجة
الإجماع.
جوابه:
إن هناك قاعدة وهي: " أن كل احتمال لا يُعضد بدليل صحيح
فلا يُعتبر "، والاحتمالات الستة السابقة الذكر قد بينا بُعْدَها، وعدم
صحتها، فثبت من إبطالها: أن سكوتهم يدل على رضاهم بالقول
الذي أعلنه ذلك المجتهد - لا سيَّما وأنه لا مانع من إعلان
مخالفتهم - وإذا كان الأمر كذلك فيكون ذلك إجماعاً وحُجَّة.
تنبيه: هناك مذهب رابع وهو: التفصيل بين الفتوى والحكم:
فإن كان السكوت إثر فتوى مجتهد - فقط -: فهو إجماع؛ لعدم
سلطته، وإن كان السكوت إثر حكم حاكم فليس بإجماع.
وهناك مذهب خامس وهو: عكس الرابع.
وهناك مذهب سادس، وهو: التفصيل بين ما يفوت استدراكه،
وبين ما لا يفوت: فإن وقع في شيء يفوت استدراكه من إراقة دم أو
استباحة فرج: كان سكوت الساكتين إجماعا، وإن وقع في غير
ذلك: كان سكوتهم حُجَّة فقط.
(2/940)

الجواب عن ذلك:
إن هذا التفريق لا دليل عليه، وما لا دليل عليه فلا يعتد به "
وذلك لما قلناه فيما سبق.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة معنوي قد أثر في كثير من الفروع الفقهية،
حيث إنه لو أعلن مجتهد رأيه في مسألة معينة، ثم سكت بقية
المجتهدين - بدون عذر - ومضى وقت يمكنهم فيه النظر في المسألة،
فإن هذا يدل على أنهم موافقون على ذلك الرأي المعلن، فيكون
إجماعاً تحرم مخالفته، ولا يجوز الاجتهاد في تلك المسألة بعد
ذلك، حيث إن ذلك الرأي يكون ملزماً للجميع، هذا بناء على
المذهب الأول.
أما على المذهب الثاني، فتجوز مخالفة ذلك الرأي المعلن؛ لأنه
اجتهاد فرد أو جماعة لم يجمع عليه، ويجوز الاجتهاد في تلك
المسألة، لأنه رأي غير ملزم لأحد من المجتهدين.
أما على المذهب الثالث فهو حُجَّة يُقدَّم على غيره من الأدلة إذا
عارضه، ولكنه غير ملزم، فإن وجد دليل أقوى منه: قدم عليه؛
قياساً على الاحتجاج بخبر الواحد والقياس.
المسألة الثامنة: إذا اختلف العلماء في ثبوت الأقل والأكثر في
مسألة، فهل يصح أن يتمسك بالإجماع في إثبات مذهب
القائل بالأقل؛ وهي " الأخذ بأقل ما قيل ":
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
(2/941)

المذهب الأول: أنه لا يصح أن يتمسك بالإجماع في إثبات مذهب
القائل بالأقل، أي: الأخذ بأقل ما قيل ليس متمسكا بالإجماع.
مثل اختلاف العلماء في دية الكتابي على ثلاثة أقوال هي:
1 - " أن ديته مثل دية المسلم ".
2 - أن ديته نصف دية المسلم.
3 - أن ديته ثلث دية المسلم، وهو مذهب الإمام الشافعي.
فظن بعض الفقهاء أن الإمام الشافعي قال ذلك متمسكا في ذلك
بإجماع الأقوال الثلاثة عليه.
وهذا ليس بصحيح، أي: لا يصح أن يتمسك في إثبات أقل ما
قيل بالإجماع.
هذا ما ذهب إليه الجمهور، وهو الصحيح؛ لأن أقل ما قيل -
وهو: أن دية الكتابي ثلث دية المسلم - قد اشتمل على أمرين:
أولهما: إثبات الثلث، وثانيهما: نفي الزيادة.
أما الأول - وهو إثبات الثلث - فهو مجمع عليه.
وأما الثاني - وهو نفي الزيادة - فهو مختلف فيه؛ حيث إن
أصحاب القولين: الأول والثاني قد زادوا دية الكتابي على الثلث،
وأصحاب القول الثالث لم يزيدوا عن الثلث، فهنا وقع الخلاف،
وبناء على هذا لا يكون الآخذ بأقل ما قيل قد تمسك بالإجماع، وإنما
متمسك بدليل آخر غير الإجماع، قال بعض العلماء: إنه
الاستصحاب والبراءة الأصلية.
المذهب الثاني: أنه يصح أن يتمسك بالإجماع في إثبات مذهب
القائل بالأقل، أي: أن الآخذ بأقل ما قيل متمسك بالإجماع.
(2/942)

وهو اختيار بعض الفقهاء.
دليل ذلك:
إن دية الكتابي إما مثل دية المسلم، أو نصفه، أو ثلثه بالإجماع،
والكامل والنصف مشتمل على الئلث، فالقول بالثلث ثابت بالإجماع.
جوابه:
أنا معكم أن الثلث مجمع عليه، ولكن نفي الزيادة على الثلث لم
يكن مجمعا عليه، فالمجموع - من إثبات الثلث، ونفي الزيادة -
لم يكن مجمعا عليه فلا تصح دعوى الإجماع.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي، حيث إن التمسك بأقل ما قيل قد انبنى عليه
خلاف في بعض الفروع الفقهية ومنها دية الكتابي، جيث إن الإمام
الشافعي لما قال: إن دية الكتابي: ثلث دية المسلم قد تمسك بالأخذ
بأقل ما قيل، وهو المجمع عليه بين الأقوال الثلاثة السابقة الذكر في
دية الكتابي.
وكذلك فعل في دية المجوسي.
(2/943)

المطلب السابع في الإجماعات الخاصة
ويشتمل على المسائل التالية:
المسألة الأولى: اتفاق الخلفاء الأربعة هل هو حُجَّة؟
المسألة الثانية: إجماع أبي بكر وعمر هل هو حُجَّة؟
المسألة الثالثة: إجماع أهل المدينة هل هو حُجَّة؟
المسألة الرابعة: إجماع أهل البيت والعترة هل هو حُجَّة؟
(2/945)

المسألة الأولى: اتفاق الخلفاء الأربعة هل هو إجماع وحُجَّة؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن اتفاق الخلفاء الأربعة - وهم: أبو بكر،
وعمر، وعثمان، وعلي - لا يعتبر إجماعا ولا حُجَّة.
وهو مذهب كثير من العلماء، ونسب إلى الجمهور، وهو الحق؛ لأن الخلفاء الأربعة بعض الأُمَّة، والأدلة التي ذكرناها من الكتاب
والسُّنَّة قد دلَّت على أن العصمة عن الخطأ قد ثبتت للأُمَّة كلها، لا
بعضها، فلا تتناول تلك الأدلة الخلفاء الأربعة؛ لأنهم بعض الأُمَّة
وبعض المؤمنين، وبناء على ذلك يكون اتفاق الخلفاء الأربعة ليس
بإجماع يُحتج به على من خالفهم.
المذهب الثاني: أن اتفاق الخلفاء الأربعة يعتبر إجماعا يحتج به
على من خالفهم.
وهو مذهب أبي خازم من الحنفية، وهو رواية عن الإمام أحمد.
دليل هذا المذهب:
قوله - صلى الله عليه وسلم -: "عليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ ".
وجه الدلالة: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أوجب اتباع سُنَّتهم، كما أوجب اتباع سُنَّته، ومعروف أن المخالف لسُنَّته عليه السلام لا يعتد بقوله، فكذلك المخالف لسُنَّتهم لا يعتد بقوله، وبناء على ذلك:
يكون قولهم إجماعاً لا تجوز مخالفته.
ولذلك ردَّ القاضي أبو خازم مذهب زيد بن ثابت وهو: عدم
(2/947)

توريث ذوي الأرحام، وقال: إن ذوي الأرحام أَوْلى من بيت المال
- وذلك في عهد الخليفة المعتضد بالله المتوفى عام 289 هـ - فلما
قيل: إن هذه المسألة اختلف فيها الصحابة قال: لا أعد خلاف زيد
خلافا على الخلفاء الأربعة.
جوابه:
يجاب عنه بأجوبة:
الجواب الأول: أن الحديث عام في كل الخلفاء الراشدين، ولا
دلالة فيه على الحصر في الخلفاء الأربعة.
الجواب الثاني: على فرض أنه يدل على الحصر في الخلفاء
الأربعة، فإنه معارض بحديث آخر وهو: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم "، وليس العمل بأحد الخبرين أوْلى من الآخر.
الجواب الثالث: أن هذا الحديث المستدل به لا يدل بصراحة على
أن اتفاق الخلفاء الأربعة إجماع وحُجَّة؛ لأنه يحتمل أن يكون المراد:
أن إجماع الخلفاء حُجَّة إذا لم يظهر خلاف ما قالوه في بقية
الصحابة، وهذا لا يخالف فيه أحد؛ لأنه إجماع كل الصحابة.
ويحتمل أن يكون المراد به: الفتيا، وخصهم بالذكر لكونهم أعلم
من غيرهم في وقتهم، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به
الاستدلال.
ثم إن الإمامة والخلافة لا تأثير لها في الإجماع، وإنما التأثير
للاجتهاد والعلم، وغير الخلفاء في الاجتهاد مثلهم ولا فرق.
(2/948)

بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي، حيث إنه إذا وجد حكم قد اتفق عليه الخلفاء
الأربعة فقط، فإنه لا يكون إجماعا بناء على المذهب الأول،
وبالتالي تجوز مخالفته، وتكون المسألة قابلة لاجتهاد المجتهدين.
أما على المذهب الثاني فإنه يكون إجماعا، فتحرم مخالفته من
قِبَل الصحابة ومن جاء بعدهم، لذلك لم يأخذ القاضي أبو خازم
برأي زيد في عدم توريث ذوي الأرحام؛ لأنه خالف رأي الخلفاء
الأربعة.
***
المسألة الثانية: إجماع أبي بكر وعمر هل هو حُجَّة؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن إجماعهما لا يعتبر حُجَّة.
وهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لما قلناه سابقا وهو: أن
النصوص من الكتاب والسُّنَّة تدل على حجية قول جميع الأُمَّة،
وهؤلاء بعض الأُمَّة وبعض المؤمنين، فلا ينعقد الإجماع بهم.
المذهب الثاني: أن إجماعهما يعتبر حُجَّة.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
قوله - صلى الله عليه وسلم -: "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر، وعمر ".
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
(2/949)

الجواب الأول: أن الحديث لا يدل إلا على أن أبا بكر وعمر قد
توفر فيهما أهلية الاجتهاد مما يوجب اتباع المقلدين لهم، ولا يدل
على أن إجماعهما حُجَّة.
الجواب الثاني: أنه معارض بحديث آخر وهو: " أصحابي
كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم "، وليس العمل بأحدهما أوْلى من
العمل بالآخر.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي، وهو مماثل لما قلناه في المسألة السابقة، حيث إنه
لو وجد أن أبا بكر وعمر قد اتفقا على حكم معين، لنإنه تجوز
مخالفته عند أصحات المذهب الأول؛ وتكون المسألة عندهم اجتهادية.
أما عند أصحاب المذهب الثاني، فإن اتفاقهما يكون إجماعا
وحُجة لا تجوز مخالفته من قِبَل الصحابة ومن جاء بعدهم.
***
المسألة الثالثة: إجماع أهل المدينة هل هو حُجَّة؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن إجماعهم وحدهم لا يكون حُجَّة على من
خالفهم.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما ذكرنا في المسألتين
السابقتين وهو: أن أهل المدينة بعض الأُمَّة والأدلة التي ذكرناها من
الكتاب والسُّنَّة قد دلَّت على أن العصمة عن الخطأ قد ثبتت لجميع
الأُمَّة، لا لبعضها، فلا تتناول تلك الإدلة أهل المدينة؛ لأنهم بعض
الأُمَّة وبعض المؤمنين، وعليه: فلا يكون اتفاق أهل المدينة حُجَّة.
(2/950)

المذهب الثاني: أن إجماع أهل المدينة حُجَّة.
وهو مذهب الإمام مالك وجل أصحابه.
دليل هذا المذهب:
أن المدينة المنورة هي معدن العلم، ودار الهجرة، ومهبط الوحي،
ومستقر الإسلام، ومجمع الصحابة وأولادهم، ويوصف أهلها بأنهم
شاهدوا التنزيل وسمعوا التأويل، وكانوا أعرف بأحوال الرسول - صلى الله عليه وسلم - من غيرهم، فيستحيل - والأمر كذلك - اتفاق أهلها على خلاف الحق، أي: يجب أن لا يخرج الحق عن قول أهلها.
جوابه:
يجاب عن ذلك بأجوبة:
الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ قولكم: " إن أهل المدينة أعلم من
غيرهم "؛ لأن كثيراً ممن خرج من المدينة وسكن غيرها كان أعلم ممن
بقي فيها، أو مثلهم كعليّ بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن
عباس -، ومعاذ بن جبل، وأبي عبيدة، وأبي موسى الأشعري،
وعمرو بن العاص، وغيرهم مما بلغ ثلاثمائة ونيف انتقلوا إلى
الكوفة، والبصرة، والشام، والطائف، فكيف يعتبر إجماعا من
أهل المدينة إذا خالف هؤلاء الذين خرجوا وهم أكثر علماء الصحابة،
فكان لا ينعقد الإجماع بدون هؤلاء لما كانوا من سكان المدينة،
فكيف ينعقد الإجماع بدونهم لما خرجوا منها، فالحُجة لا تختلف
بالمكان والزمان كقول اللَّه تعالى، وكقول رسوله.
الجواب الثاني: لا نُسَلِّمُ قولكم: " إن الحق يستحيل أن يخرج
عنهم؛ لأن هذا القول تحكم لا دليل عليه؛ حيث إنه لا يستحيل
(2/951)

أن يسمع رجل حديثاً من النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم يسافر ويترك المدينة، قبل أن يعلم أحد من أهل المدينة بهذا الحديث، فهنا أمكن خروج الحق عنهم.
الجواب الثالث: أن اشتمال المدينة على صفات موجبة لفضلها لا
يدل على أن إجماع أهلها حُجَّة على غيرهم؛ لأن مكة أفضل منها
ومع فضلها لم يقل أحد بأن إجماع أهلها حُجَّة على مخالفيهم.
وسبب ذلك: أن البقاع لا أثر لها في انعقاد الإجماع، وإنما
الاعتبار في بلوغ هذا الشخص أو ذاك درجة الاجتهاد في أي زمان
وأي مكان.
تنبيه: اختلفت عبارات العلماء في ترجمة هذه المسألة، فمنهم
من ترجمها بما ذكرنا، ومنهم من ترجمها بقوله: " عمل أهل
المدينة"، ومنهم من عبَّر عنها بقوله: " قول أهل المدينة "،
واختلف في مراد الإمام مالك، وبعضهم دافع عن الإمام مالك، وبعضهم
أقر هذا القول له، وقد تكلمت عن بعض هذه الأمور في كتابي
"إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر "، وبعضها موسع في كتب
كثيرة، وتحقيق ذلك ليس هذا مكانه.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ حيث إن أصحاب المذهب الثاني إذا وجدوا أهل
المدينة قد اتفقوا على شيء، فإنهم يجعلون ذلك حُجَّة، ويعملون
به ويتركون ما عداه ممن خالفه، فبنى الإمام مالك على ذلك فروعا
منها: قوله في الحامل إذا رأت الدم فإنها تترك الصلاة، وذلك لأن
الحامل تحيض، وحجته في ذلك إجماع أهل المدينة. وهذا مخالف
(2/952)

لرأي الحنفية والحنابلة، وذلك لأن الحامل عندهم لا تحيض، فإذا
رأت الحامل دماً، فإنه دم استحاضة، لا يجوز ترك الصلاة لأجله.
ومنها: أن رأي الإمام مالك أن البكر يزوجها أبوها من غير
استئمار، واحتج بما كان عليه العمل في المدينة، وعلى ذلك الإمام
الشافعي وأحمد، ولكن دليلهما ليس عمل أهل المدينة كما هو عند
الإمام مالك، أما أبو حنيفة وأكثر الحنفية، فإنهم يذهبون إلى
وجوب الاستئمار، وأنه شرط في صحة النكاح وهو الذي تميل إليه
النفس.
***
المسألة الرابعة: إجماع أهل البيت والعترة هل هو حُجَّة؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن إجماعهم ليس بحُجَّة.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما ذكرناه في المسائل
الثلاث السابقة من أن الأدلة المثبتة لحجية الإجماع من الكتاب والسُّنَّة
لا تدل إلا على حجية قول جميع الأُمَّة، وهؤلاء بعض الأُمَّة وبعض
المؤمنين فلا ينعقد الإجماع بهم.
المذهب الثاني: أن إجماعهم حُجَّة.
وهو ما ذهب إليه الشيعة الإمامية والزيدية، ويقصدون بأهل البيت
والعترة: عليّ بن أبي طالب وولديه: الحسن والحسين، وزوجته
فاطمة - رضي اللَّه عن الجميع -.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)
(2/953)

وجه الدلالة: أن الخطأ رجس، والرجس منفي عنهم، فيجب
أن يكون أهل البيت مطهرين عنه، وإذا كان أهل البيت مطهرين عن
الخطأ فيكون إجماعهم حُجَّة.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أن المراد: الخطأ الاجتهادي؛ لأن الرجس
لغة: القذر والعقاب والغضب، والخطأ الاجتهادي ليس منها.
الجواب الثاني: لا نُسَلِّمُ أن الآية خاصة بهؤلاء الأربعة - وهم:
عليّ، وفاطمة، والحسن، والحسين - حيث إنه يحتمل احتمالاً
قوياً أن المراد بأهل البيت هم زوجات الرسول - صلى الله عليه وسلم -، كما يدل على ذلك سياق الآية، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال.
الدليل الثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب اللَّه وعترتي أهل بيتي ".
وجه الدلالة: أن القرآن معصوم، وكذلك العترة: أهل البيت.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن هذا خبر واحد، وخبر الواحد لا يعمل به
عند الشيعة.
الجواب الثاني: وعلى فرض جواز العمل به، فإن المراد منه: ما
إن تمسكتم بإفاء حقوقهما، وحق القرآن الإيمان به والعمل بمقتضاه،
وحق العترة تعظيمهم وصلتهم.
(2/954)

بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي، وهو واضح كما سبق أن قلنا في المسائل
الثلاث السابقة؛ حيث إن أصحاب المذهب الثاني قد بنوا على إجماع
أهل البيت فروعاً كثيرة، فإذا وجدوا اتفاق أهل البيت على حكم
شرعي، فإنه يكون حُجَّة، ولا تجوز مخالفته بأي حال.
أما عندنا - وأصحاب المذهب الأول - فإنه لا يعتبر إجماعا ولا
حُجَّة لذلك تجوز مخالفته، وتكون المسألة اجتهادية.
(2/955)

المبحث الرابع في الدليل الرابع - من الأدلة المتفق علها إجمالاًَ - وهو: القياس
وهو: إثبات مثل حكم الأصل للفرع لاشتراكهما في علَّة الحكم
عند المثبت كقياس النبيذ على الخمر، وقياس الأرز والذرة على البر
في تحريم الربا، وسيأتي ذكره بالتفصيل في الباب الخامس؛ لأن
مرتبته بعد الكتاب والسُّنَّة ودلالة ألفاظهما على الأحكام، لذلك
قدمت عليه الباب الرابع الذي هو في الألفاظ ودلالتها على الأحكام
الشرعية.
ولكني أشرت إليه هنا؛ لأنه من الأدلة المتفق عليها إجمالاً.
هذا آخر المجلد الثاني من كتاب: " المهذب في علم أصول الفقه المقارن "
لفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور عبد الكريم بن علي بن محمد النملة
حفظه الله، ونفع به الإسلام والمسلمين، ويليه المجلد الثالث إن شاء الله
وأوله " الأدلة المختلف فيها " وهو الفصل الثاني من الباب الثالث
(2/956)