Advertisement

المهذب في علم أصول الفقه المقارن 003


الجزء الثالث
الفصل الثاني في الأدلة المختلف فيها
ويشتمل على المباحث التالية:
المبحث الأول: في الدليل الأول وهو: الاستصحاب.
المبحث الثاني: في الدليل الثاني وهو: شرع من قبلنا.
المبحث الثالث: في الدليل الثالث وهو: قول الصحابي.
المبحث الر ابع: في الدليل الرابع وهو: الاستحسان.
المبحث الخامس: في الدليل الخامس وهو: المصلحة المرسلة.
المبحث السادس: في الدليل السادس وهو: سد الذرائع.
المبحث السابع: في الدليل السابع وهو: العرف.
المبحث الثامن: في الدليل الثامن وهو: الاستقراء.
(3/957)

المبحث الأول في الدليل الأول - من الأدلة - المختلف فيها
- الاستصحاب -
تعريفه:
الاستصحاب لغة: استفعال من الصحبة، وهي الملازمة، وكل
شيء لازم شيئاً فقد استصحبه.
والاستصحاب اصطلاحاً هو: عبارة عن الحكم بثبوت أمر في
الزمان الثاني بناء على ثبوته في الزمان الأول؛ لفقدان ما يصلح
للتغيير.
أو تقول - بعبارة أخرى -: إنه استدامة إثبات ما كان ثابتا، أو
نفي ما كان منفياً حتى يقوم دليل على تغيير الحالة، أي: بقاء ما
كان على ما كان نفياً وإثباتاً حتى يثبت دليل يغير الحالة.
***
أنواعه:
الاستصحاب يتنوع إلى خمسة أنواع هي كما يلي:
النوع الأول: استصحاب البراءة الأصلية.
وهو: استصحاب العدم الأصلي المعلوم، وذلك كبراءة الذمة من
التكاليف حتى يقوم الدليل على التكليف بأمر من الأمور، فإذا لم
يقم دليل: بقى ما كان على ما كان، وهو أن كل شيء مباح
(3/959)

للإنسان؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة كما سبق أن ذكرناه في
"المباح "، ويسميه بعضهم: " عدم الدليل دليل على البراءة ".
ومن أمثلته من الشرع: أن لا ينتقض الوضوء بشيء يخرج من غير
السبيلين؛ لأن الأصل عدم النقض، فيستصحب هذا الأصل حتى
يثبت الدليل خلافه، ولم يثبت، فيبقى على الأصل من عدم - النقض.
مثال آخر: أن الوتر ليس بواجب، لأن طريق وجوبه الشرع،
وقد طلب الدليل فلم يوجد، فعدم وجود الدليل على الوجوب
دليل على عدم الوجوب، وأن الذمة بريئة منه، فهو إذن مندوب.
النوع الثاني: استصحاب الوصف المثبت للحكم الشرعي حتى
يثبت خلافه كالحل إن ثبت مرتبطاً بأمر ثابت، فإن ذلك يستمر حتى
يقوم دليل يُغيِّر ذلك كاستصحاب الطهارة إذا شك في الحدث، فإن
وصف الطهارة إذا ثبت وتأكدنا منها أبيحت الصلاة، فيستصحب هذا
الحكم حتى يثبت خلافه وهو الحدث.
ومثل: الكفالة، فإنه وصف شرعي يستمر ثابتا حتى يؤدي
الدين، أو يؤديه الأصيل، أو يبرئه المدين.
ومثل الحياة بالنسبة للمفقود، فإنها تستمر ثابتة حتى يقوم الدليل
على خلاف ذلك.
النوع الثالث: استصحاب ما دلَّ الشرع على ثبوته واستمراره.
مثل: انشغال الذمة بدفع قيمة الشيء المتلف وضمانه عند وجود
سببه - وهو الإتلاف - فإن هذه الذمة تكون مشغولة ويستمر ذلك
حتى يوجد ما يزيله، وهو: دفع قيمة المتلف، أو إسقاطه من قِبَل
المالك.
(3/960)

مثال آخر: إن ملك الإنسان لأرض - بسبب عقد الشراء - يستمر
حتى يوجد ما يزيله.
النوع الرابع: استصحاب حكم العموم والعمل به حتى يرد ما
يخصص ذلك العموم، واستصحاب العمل بالنص حتى يرد ما
ينسخه.
النوع الخامس: استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع.
وهو: أن يجمع العلماء على حكم في حالة ثم تتغير صفة
المجمع عليه، ويختلف المجمعون فيه، فيستدل من لم يغير الحكم
باستصحاب الحال.
مثاله: أنه انعقد الإجماع على صحة صلاة المتيمم الفاقد للماء،
فإذا وجد الماء قبل الدخول في الصلاة بطل تيممه، وبذلك لا تصح
صلاته.
لكن إذا لم يجد الماء قبل الدخول في الصلاة، ثم تيمم، ودخل
في الصلاة، فهل تصح صلاته استصحابا للأصل وهو: فقد الماء
قبل الدخول في الصلاة، أم لا تصح الصلاة لتغير الحال الذي كان
من فقد الماء قبل الدخول في الصلاة إلى وجوده أثناء صلاته؟
لقد اختلف في هذا النوع على قولين:
القول الأول: أن هذا النوع من الاستصحاب ليس بحُجَّة.
وهو مذهب كثير من العلماء، منهم: الغزالي، والقاضي
الباقلاني، وأبو إسحاق الشيرازي، وابن الصباغ، وابن عقيل،
وأبو الخطاب وشيخهما أبو يعلى، وأبو الطيب الطبري، وغيرهم.
وهو الحق، لأن الإجماع كان قائما حالة فقد الماء على صحة
(3/961)

الصلاة بالتيمم، لكن بشرط ألا تتغير حالة فقدان الماء بحالة وجود
هذا الماء؛ لأن الحالة التي أجمعوا عليها تخالف الحالة الأخرى
وليست مثلها، فالحالة التي انعقد عليها الإجماع كانت حالة عدم
وجود، وهذه حالة وجود فاختلفا.
القول الثاني: أن هذا النوع من الاستصحاب حُجَّة.
وهو مذهب ابن حامد، وابن شاقلا، والمزني، والصيرفي،
وأبي ثور، وداود الظاهري، وابن سريج، وابن خيران، وأبي
الحسين القطان.
دليل هذا القول:
أن المتيمم إذا رأى الماء أثناء الصلاة، فإنه يمضي في الصلاة؛ لأن
الإجماع قد انعقد على صحة صلاته ودوامها بذلك التيمم، فطريان
وجود الماء كطريان هبوب ريح، فنحن نستصحب دوام الصلاة
المجمع عليه إلى أن يثبت دليل يزيلنا عن هذا المستصحب.
جوابه:
إن هذا مخالف لحقيقة الاستصحاب وهي: بقاء ما كان على ما
كان حتى يأتي دليل يغير الحالة.
فالمجمع عليه هو: صحة الصلاة بالتيمم إذا استمر عدم وجود
الماء من أول الصلاة إلى آخرها ولم يوجد مغير.
ولكن هنا قد وجد شيء مزيل لهذا وهو وجود الماء، وعلى هذا:
فلا يبقى ما كان على ما كان، بل تغير من العدم إلى الوجود.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي، فعلى المذهب الأول يجب قطع الصلاة،
وإعادتها بعد الوضوء بالماء الذي رآه.
(3/962)

أما على المذهب الثاني: فلا يجب قطع الصلاة، بل تجزئه وإن
وجد الماء.
***
حجية الاستصحاب:
لقد ثبت بعد الاستقراء والتتبع لكلام العلماء في كتب الأصول
والفقه أن النوع الرابع - وهو: استصحاب حكم العموم حتى يرد ما
يخصِّصه، واستصحاب النص حتى يرد ما ينسخه - متفق عليه.
أما النوع الخامس - وهو: استصحاب حكم الإجماع في محل
النزاع - فقد اختلف فيه وقد سبق.
أما ما عدا ذلك من أنواع الاستصحاب فقد اختلف فيه على
مذاهب:
المذهب الأول: أن الاستصحاب حُجَّة في ثبوت الأحكام وعدمها.
وهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: أن استصحاب الحال يفيد ظن بقاء الحكم إلى
الزمن الثاني، وكل ما أفاد ظن الحكم وجب العمل به؛ لأن العمل
بالظن الغالب متعين، فالاستصحاب يجب العمل به.
الدليل الثاني: أن الإجماع منعقد على أنه لو شك في حصول
الزوجية ابتداء حرم عليه الاستمتاع، ولو شك في خصول الطلاق
مع سبق العقد جاز له الاستمتاع، وليس هناك من فرق بينهما، إلا
أنْ الأول قد استصحب فيه الحالةْ الموجودة قبل الشك - وهي عدم
الزوجية وحصول العقد -.
أما الثاني، فقد استصحب فيه الحالة الموجودة قبل الشك - أيضا -
(3/963)

وهي العقد عليها، فلو لم يعتبر الاستصحاب، وكان غير مفيد لظن
البقاء للزم استواء الحالين: التحريم والجواز، ولوجب أن يكون
الحكم فيهما واحداً، وهو: حرمة الوطء أو إباحته وهو باطل
بالإجماع.
الدليل الثالث: أن الحكم حين ثبت شرعا، فالظاهر دوامه لما
تعلق به من المصالح الدينية والدنيوية، ولا تتغير المصلحة في زمان
قريب، وإنما تحتمل التغيير عند تقادم العهد، فمتى طلب المجتهد
الدليل المزيل ولم يظفر به، فالظاهر عدمه، وهذا نوع اجتهاد،
وإذا كان البقاء ثابتاً بالاجتهاد، فلا يترك باجتهاد مثله بلا ترجيح.
المذهب الثاني: أنه ليس بحُجَّة مطلقاً، لا في ثبوت الأحكام ولا
عدمها.
وهو مذهب كثير من الحنفية، وبعض الشافعية، وبعض المعتزلة
كأبي الحسين البصري، وجماعة من المتكلمين، والمشهور من
الحنفية: أنه ليس بحُجَّة في الإثبات، وهو حُجَّة في النفي والعدم.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن الأحكام الشرعية كالطهارة والحل لا تثبت إلا
بدليل منصوب من قبل الشارع، وأدلة الشرع هي: الكتاب،
والسُّنَّة، والإجماع، والقياس إجماعا، فما لا يكون منها لا يكون
دليلاً شرعياً، والاستصحاب ليس بواحد منها، فلا يكون دليلاً
شرعياً يحتج به.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
(3/964)

الجواب الأول: أن الحكم الثابت بالاستصحاب: البقاء، والبقاء
لا يكون حكماً شرعيا، فلا يحتاج إلى دليل شرعي.
الجواب الثاني: لو سلمنا أن البقاء حكم شرعي، فالاستصحاب
دليل شرعي؛ لما بيناه من أنه يفيد الظن، وما يفيد الظن: يكون
دليلاً شرعيا.
الدليل الثاني: لا يوجد ظن في بقاء الشيء على ما كان مع جواز
القياس، فإنه يجوز أن يقع قياس بنفي حكم ما كان.
جوابه:
إنا نقول بأن الاستصحاب لا يستدل به ولا يفيد ظن الحكم عندنا
إلا بعد استقراء الأدلة المتفق عليها وهي: الكتاب، والسّنَّة،
والإجماع، والقياس، وعدم وجدان ما يعارض الأصل.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة معنوي؛ حيث أثر في كثير من الفروع
الفقهية، ومنها:
1 - ما خرج من غير السبيلين هل ينقض الوضوء؟
اختلف على قولين:
القول الأول: إنه لا ينقض الوضوء، واستدل أكثر أصحاب هذا
القول بالاستصحاب، حيث قالوا: إن الأصل عدم النقض،
فيستصحب هذا الأصل حتى يثبت الدليل بخلافه.
القول الثاني: إنه ينقض الوضوء، ولم يستدل أصحاب هذا
القول بالاستصحاب، بل استدلوا بنصوص ثبتت عندهم،
ومنها: ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -:
"الوضوء من كل دم سائل ".
(3/965)

والمسألة فيها تفصيلات أخرى ليس هذا مكانه.
2 - المفقود هل يرث ويورث؟
اختلف في ذلك على قولين:
القول الأول: إن المفقود يرث غيره ولا يورث؛ لأن المفقود قبل
فقده كان حياً، فيجب استصحاب حياته حتى يظهر خلافها، والحي
يرث غيره، ولا يرثه غيره.
القول الثاني: إنه لا يرث ولا يورث؛ لأن كونه حيا قبل فقده لا
يلزم حياته بعد فقده، فلا يثبت الإرث بذلك، وكذلك لا يورث؛
لأن الأصل عدم الإرث، والعدم الأصلي لا يحتاج إلى الإرث.
3 - هل تجب الدية في الشعور؟
اختلف في ذلك على قولين:
القول الأول: إنه لا تجب الدية في الشعر؛ لأن الأصل عدم
وجوب الدية إلا بتفويت النفس، فيستصحب هذا الأصل حتى يأتي
دليل بخلاف ذلك.
القول الثاني: إنه تجب الدية في الشعر؛ واستدل أصحاب هذا
القول بقياس الشعر على الأعضاء التي تجب في ذهابها الدية كالإذن
بجامع: أن كل منها. فيه تفويه ت منفعة.
***
مسألة: النافي للحكم هل يلزمه الدليل؟
إن هذا الموضوع له علاقة بدليل الاستصحاب؛ لأن بعض
المذاهب فيه قد استدل ببعض أنواع الاستصحاب، لذلك جعله
الأصوليون هنا.
ولكي نبين ذلك نقول:
لقد اتفق العلماء على أن المثبت للحكم يلزمه الدليل.
(3/966)

ولكن اختلفوا فيما إذا نفى بعض المجتهدين حكما من الأحكام،
فقال: هذا الحكم لا يثبت عندي فهل يطالب بدليل على هذا؛ على
مذاهب:
المذهب الأول: أنه يطالب بالدليل، ويلزم الدليل مطلقاً.
وهو مذهب جمهور العلماء.
وهو: الحق؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: قوله تعالى: (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)
وجه الدلالة: أن اليهود والنصارى لما نفوا وقالوا: لن يدخل
الجنة إلا نحن: أمر اللَّه - تعالى - بأن يطالبهم بالدليل على هذا
النفي، وهذا يفيد أن النافي يلزمه الدليل.
الدليل الثاني: أن نفي الحكم دعوى، والدعوى لا تثبت إلا
بدليل.
الدليل الثالث: أنه لو لم يلزم النافي الدليل للزم من ذلك: أن
لا يطالب أحد بأي دليل على دعواه، مما يؤدي إلى دعوى أحكام
بلا أدلة، بيان ذلك:
أن المثبت للحكم يمكنه أن يعبر عن المقصود الذي يريد إثباته بعبارة
نافية، فإذا أراد - مثلاً - إثبات أن فلانا قادر يقول - بدل ذلك -:
" فلان ليس بعاجز "، فيستطيع كل مدع للعلم، وأهل الأهواء أن
يدخلوا مع هذا الباب، فلا يذكروا أدلة على ما يقولون فتختل
الشريعة، وإذا كان هذا يؤدي إلى عدم الاستدلال للأحكام فهو
باطل " لأن ما أدى إلى الباطل فهو باطل، فثبت: أنه لا بد للنافي
للحكم من دليل سداً لذلك.
(3/967)

المذهب الثاني: أن النافي للحكم لا يلزمه الدليل مطلقا.
وهو مذهب داود الظاهري، وبعض العلقاء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"البينة على من ادَّعى، واليمين على من أنكر ".
وجه الدلالة: أن الشارع جعل على المدعي البينة والدليل، ولم
يجعل على المدعى عليه بينة، والسبب في ذلك: أن المدعي مثبت
للحكم، والمدعي عليه ناف لذلك الحكم.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أن المدعي عليه لا يطالب بالدليل،
بل قد طالبه الشارع بالدليل، وقد ورد ذلك بنص الحديث، فألزم
الشارع المنكر باليمين، واليمين دليل على نفيه، وإنما خص المدعي
عليه - وهو النافي - باليمين؛ لأن معه ظاهراً يدل على صدقه من
براءة الذمة إن كان المدعى عليه ديناً حتى يظهر ما يشغلها، ومن
ثبوت يده وتصرفه إن كان المدعى عليه عيناً.
واحتمال الكذب في هذه اليمين لا يمنع ولا يبطل كونها دليلاً
يستدل بها على نفي وإنكار هذه الدعوى؛ لأن الكذب يحتمل في
قول الشاهدين أيضا.
الجواب الثاني: سلمنا أن الشارع أسقط عن المنكر - وهو النافي -
الدليل، ولكن لم يسقطه عنه؛ لأن النافي لا يلزمه الدليل، وإنما
أسقطه عنه إن ادعى عليه عينا في يده بسبب وجود اليد على هذه
(3/968)

العين وتصرفه المطلق فيها، فاليد دليل الملك،
قال كثير من الفقهاء: " وإذا لم يكن للمدير بيِّنة، فالعين للمدعى عليه مع اليمين؛ لأن الظاهر أن ما في يد الإنسان ملكه ".
الدليل الثاني: أن الأصل هو النفي الأصلي، فالعدم والانتفاء
ثابت؛ لأنه الأصل، فكيف يكلف النافي للحكم بالإتيان بالدليل
على هذا النفي وهو متعذر، فلا يمكن إقامة الدليل على براءة الذمة
من التكاليف؛ لأنها هي الأصل.
جوابه:
لا نسلم تعذر إقامة الدليل على النفي، بل يمكن إقامة الدليل على
النفي في الشرعيات والعقليات، بيان ذلك:
أولاً: إن كان النزاع في الشرعيات فيمكن إقامة الدليل على نفي
الحكم الشرعي من إجماع العلماء مثل: نفي وجوب صوم شوال،
أو نفي وجوب صلاة الضحى، فهذا النفي دليله الإجماع.
أو نفي الحكم لدليل من النص كقوله - صلى الله عليه وسلم -:
" لا زكاة في الحلي "
فهذا النفي دليله السُّنَّة.
أو نفي الحكم لدليل من مفهوم النص كقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"في سائمة الغنم الزكاة "، فإن مفهومه هو: نفي الزكاة عن الغنم المعلوفة.
أو نفي الحكم لدليل من القياس مثل: نفي وجوب الزكاة في
الخضروات؛ قياساً على الرمان والبطيخ.
وإن عدمت الأدلة على نفي الحكم، فإنا نبحث عن مدارك
الإثبات، فإذا لم نجد رجعنا إلى الاستصحاب للنفي الأصلي، وهو
دليل عند عدم ورود السمع كما سبق أن ذكرناه.
(3/969)

ثانياً: أما إن كان النزاع في العقليات فيمكن إقامة الدليل على
الحكم فيه فنقول في الاستدلال في ذلك: إن إثباتها يفضي إلى
المحال، وكل ما أفضى إلى المحال فهو محال.
ويمكن الدليل عليه بالقياس الشرطي، وهو طريق التلازم الذي
سبق ذكره في المقدمة المنطقية، حيث إن كل إثبات له لوازم، فانتفاء
اللازم يدل على انتفاء الملزوم مثل قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) ، فانتفاء الفساد دليل على انتفاء إله ثان.
المذهب الثالث: التفصيل.
وهو إن كان الحكم عقلياً فيلزم النافي له الدليل.
وإن كان الحكم شرعياً فلا يلزمه الدليل.
حكى هذا المذهب القاضي أبو بكر، وابن فورك.
جوابه:
إن هذا التفصيل لا دليل عليه.
ثم إنا بينا فيما سبق أنه يمكن إقامة الدليل على النفي في
الشرعيات، وفي العقليات بالأمثلة.
المذهب الرابع: التفصيل من وجه آخر، وهو:
أن النافي إن ادعى أن نفي الحكم ثابت عنده بالضرورة، فإنه لا
يطالب بالدليل؛ لأن عدالته توجب صدقه، والضروري شأنه أن لا
يكون محل شبهة، وإن ادعى أنه ثابت عنده بالعلم النظري، أو
بطريق الظن فإنه يطالب بالدليل، لأن النظري أو الظني قد يشتبه
فيه، فالدليل يبين هل هو مثبت للعدم أو غير مثبمسا له لنزول
الشبهة.
(3/970)

جوابه:
أن نفي الحكم إن كان ضروريا فإنه لا يطالب بالدليل؛ لأن
الضرورة دليل، وهذا متفق عليه، وإنما الخلاف فيما إذا نفى حكما
لم يستدلْ على نفيه بالضرورة، فأنتم متفقون معنا على أنه يلزمه
الدليل، فالخلاف لفظي.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف لفظي؛ حيث إن الفروع الفقهية لم تتأثر بهذا الخلاف.
(3/971)

المبحث الثاني الدليل الثاني - من الأدلة المختلف فيها -
شرع من قبلنا
تعريفه:
المراد به: ما نقل إلينا من أحكام تلك الشرائع التي كانوا مكلفين
بها على أنها شرع لله تعالى.
حجيته:
ما أورده اللَّه عَزَّ وجَلَّ في كتابه، أو أورده رسوله - صلى الله عليه وسلم - في سُنَّته من القصص والأخبار والأحكام التي وردت في الشرائع السابقة من غير إنكار، ولم يدل دليل على أنها مشروعة في حقنا، ولم يدل
دليل على أنها منسوخة عنا مثل قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) ، فهل هذه الأحكام شرع لنا ملزمون بها أم لا؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن شرع من قبلنا شرع لنا، فيكون حُجَّة.
ذهب إلى ذلك الحنفية، والمالكية، وهو رواية عن الإمام أحمد،
واختاروه أكثر الحنابلة، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة.
الدليل الأول: قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)
(3/972)

وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - باتباع جميع الأنبياء السابقين، فيكون هو متعبداً بشرع من قبله، فيجب ذلك في كل ما
ثبت عنهم إلا ما قام الدليل على أنه منسوخ.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا) .
وجه الدلالة: أنه عئر بلفظ "- يحكم بها النبيون " بصيغة الجمع،
فيعم جميع الأنبياء - عليهم السلام - ومحمد - صلى الله عليه وسلم - من جملة الأنبياء فوجب عليه الحكم بالتوراة، فيكون متعبداً بشرع من قبله.
الدليل الثالث: قوله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا) .
وجه الدلالة: أن هذا يدل على أن شرع نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - مثل شرع غيره من الأنبياء كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى، ولا فرق بينهم في أخذ الأحكام من جميع الشرائع السابقة.
الدليل الرابع: قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى بين أن من لم يحكم بما أنزل اللَّه فقد
خرج عن الملَّة، والأحكام التي عمل بها النبيون السابقون هو مما
أنزل اللَّه، فَيجب العمل بها.
الدليل الخامس: قوله تعالى: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر نبينا محمداً - صلى الله عليه وسلم - باتباع مِلَّة إبراهيم - عليه السلام -، وهو أمر مطلق، فيقتضي الوجوب، فيكون متعبداً بشرع من قبله.
(3/973)

اعتراض على تلك الأدلة الخمسة:
قال المعترض: إن تلك الآيات الخمس لا تصلح للاستدلال بها
على أن شرع من قبلنا شرع لنا، لأن المراد من تلك الآيات إنما هو
التوحيد، والأصول الكلية المعلومة في أصول الدين، ودلالة الأدلة
على وحدانيته وصفاته، ونحو ذلك، وهذه الأمور مشتركة بين
جميع الشرائع، وأما الأحكام الفرعية فإن الشرائع فيها مختلفة، فلا
يمكن اتباع الجميع فيها، خاصة أن فيها الناسخ والمنسوخ.
جوابه:
إن ألفاظ تلك الآيات عامة وشاملة لأصول الدين وفروعه، فيجب
حملها على هذا العموم، ولا يجوز تخصيص لفظ إلا بدليل ولا
دليل صحيح هنا، فينتج: أن شرع من قبلنا شرع لنا في الفروع
والأصول.
ونعمل بالحكم الناسخ منها، ونترك العمل بالحكم المنسوخ كما
نفعل بشريعتنا.
الدليل السادس: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
" من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإن اللَّه تعالى قال: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)
وجه الدلالة: أن الآية خطاب مع موسى - عليه السلام - فلو لم
يكن نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - متعبداً بما كان عليه موسى - عليه السلام - لما صح استدلاله بتلك الآية.
الدليل السابع: أن اللَّه تعالى إذا شرع حكما شرعيا فى حق أُمَّة
من الأمم السابقة فإن هذا يدل على أمرين:
(3/974)

أولهما: أن اللَّه سبحانه لم يشرعه إلا لأن مصلحة هذه الأُمَّة قد
اقتضت هذا الحكم.
ثانيهما: أنه لم يشرعه إلا لأنه قد اعتبره لكل زمان، ولكل
مكان، ولكل مكلَّف؛ حيث إنه شرع مطلق فيدخل فيه كل مكلَّف.
ونظراً إلى هذين الأمرين فإن الحكم الذي أنزله اللَّه تعالى في أي
شريعة يجب أن يستمر من حين نزوله إلى أن ينسخ، وبناء على ذلك
فيجب العمل بما جاء في الشرائع السابقة حتى يرد دليل على نسخه
وإبطاله، وليس في نفس بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يوجب نسخ الأحكام التي قبله؛ لأن النسخ إنما يكون عند التنافي، ولم يوجد تنافي فلا نسخ إذن، فيكون شرع من قبلنا شرع لنا.
المذهب الثاني: أن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا، وليس بحُجَّة.
وهو اختيار الشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قوله تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) .
وجه الدلالة: أن معنى الشرعة: الشريعة، والمنهاج: الطريق
الواضح، وهذا يقتضي أن يكون كل نبي داعيا إلى شريعته - فقط -؛
لاختصاصه بها لا يشاركه في هذه الشريعة غيره من الأنبياء، فتكون
كل أمَّة مختصة بالشريعة التي جاء بها نبيهم - فقط -.
جوابه:
إن الشريعتين قد تتشاركان في بعض الوجوه إلا أن هذه المشاركة لا
تمنع من اختصاص كل نبي بشريعته، ونسبة هذه الشريعة إلى النبي
(3/975)

المبعوث بها؛ لأن أكثر الشريعة قد أتى بها ذلك النبي، وقد تتفق في
بعض الأحكام القليلة مع شريعة نبي آخر، فلا ينظر إلى هذا الأقل،
وإنما الحكم للأكثر.
مثل قولهم: " لحية زيد سوداء "، فهذا صحيح مع أن بها عدداً
من الشعيرات البيضاء، فأطلق عليها بأنها سوداء نظراً إلى الأكثر.
الدليل الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لو كان متعبداً بشرائع من قبله للزمه البحث عنها، والعمل بها، ولوجب ألا ينتظر الوحي ولا يتوقف
في حكم الظهار، واللعان، والمواريث؛ لأن هذه الحوادث
أحكامها في التوراة ظاهرة، ولكنه - مع ذلك - لم يرجع إليها مما
يدل على أن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا.
جوابه:
إن تلك الشرائع السابقة لو كانت ثابتة بطريق يوثق به لرجع إليها
النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولكن الحق: أن تلك الشرائع السابقة لم تصلنا بطريق موثوق به، بل قد بُدِّلت، وغيِّرت، وقد أخبر اللَّه تعالى بذلك، ويستحيل خلاف خبر اللَّه تعالى.
الدليل الثالث: أنه لو كان شرع من قبلنا شرع لنا دليلاً من أدلة
الأحكام التي يجب أن يرجع إليها لكان تعلمه، والاطلاع عليه،
وحفظه، ونقله، والحرص على سنده، والاهتمام به فرضاً من
فروض الكفاية كغيره من الأدلة الشرعية مثل القرآن والسُّنَّة.
جوابه؛ هو نفس الجواب عن الدليل الثاني لهم؛ حيث يقال: إنه لو
كانت تلك الشرائع السابقة قد وصلتنا بطريق موثوق به بدون تغيير
ولا تبديل لجاز أن نتعلمها ونهتم بها كما نهتم بأي دليل آخر.
(3/976)

الدليل الرابع: أنه لو كان شرع من قبلنا شرع لنا دليلاً من أدلة
الأحكام لوجب على الصحابة - رضي اللَّه غنهم - أن يرجعوا إلى
تلك الشرائع، ويبحثوا عنها، ويسألوا ناقليها عند حدوث الحوادث
المختلف فيها فيما بينهم مثل: مسألة الجد والإخوة، والعول،
والمشركة، وغيرها، ولكن الواقع يخالف ذلك، فلم يرجع أي
واحد من الصحابة إلى شرع من قبلنا لمعرفة حكم شرعي مع إسلام
كثير ممن يوثق به من اليهود والنصارى.
جوابه:
هو نفس الجواب السابق عن الدليل الثاني لهم؛ حيث يقال: إنه
لو كانت تلك الشرائع السابقة قد وصلتنا بطريق يوثق به بدون تغيير
لرجع إليها الصحابة.
الدليل الخامس: أن - صلى الله عليه وسلم - قد غضب لما رأى بيد عمر بن الخطاب قطعة من التوراة وقال: " ما هذا؟ ألم آت بها بيضاء نقية؛
لو أدركني موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي ".
وجه الدلالة: أنه لو كان شرع من قبلنا شرع لنا لما أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك.
جوابه:
هو نفس الجواب السابق عن الدليل الثاني لهم؛ حيث يقال: إنه
لو كانت تلك الشرائع السابقة وصلتنا سليمة بدون تحريف ولا تبديل
لأقرَّه النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولكنه يعلم أن اليهود قد حرَّفوا ما جاء في التوراة، ولهذا أنكر عليه.
الدليل السادس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد صوَّب معاذاً لما ذكر أن الأدلة
(3/977)

التي يجب أن يرجع إليها هي: الكتاب، والسُّنَّة، والاجتهاد،
فلو كان شرع من قبلنا شرع لنا لذكر مع تلك الأدلة.
جوابه:
هو نفس الجواب السابق عن الدليل الثاني لهم؛ حيث إنه لو
كانت تلك الشرائع السابقة غير محرفة لذكرت مع تلك الأدلة، ثم
إن شرع من قبلنا نوع من أنواع الاجتهاد كالقياس، وقول الصحابي،
والمصلحة.
الدليل السابع: قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي، كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود ".
وجه الدلالة: أن هذا صريح في أن كل نبي يُبعث إلى قومه فقط،
وشريعته اختصت بهم، ولو قلنا: إن شرعهم هو شرع لنا: للزم
من ذلك أنا نشاركهم في شرعهم، وهذا يناقض الاختصاص؛ حيث
إن مشاركتنا لهم تمنع ذلك الاختصاص.
جوابه:
إن هذا لا يفيد أن كل نبي يختص شرعه قومه فقط - كما زعمتم -
بل قد يبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - بشرع قد يشوبه شيء من شرع من قبله، أو بعض شرع من قبله، وهذا لا يمنع من ذلك الاختصاص، كما قلنا في جوابنا عن دليلكم الأول.
الدليل الثامن: أن الأُمَّة قد أجمعت على أن هذه الشريعة هي
شريعة رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - التي أوحى بها إليه اللَّه تعالى، فلو كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - متعبداً باتباع شرع من قبله في الجملة لما نسب إليه شيء
(3/978)

من شرعنا، ولكان مخبراً عنها، وناقلاً لشرائع من قبله فقط، لا
شارعاً لها ابتداء.
جوابه:
إن اللَّه تعالى إذا تعبد نبينا بشرع من قبلنا لم يكن في ذلك نقص،
ولا إقلال من منصبه، ولا جعله تابعاً لغيره؛ لأنه في ذلك قد أطاع
الله، واتبعه، ولم يتبع غيره من الأنبياء السابقين.
بيان نوع الخلاف:
لقد اختلف في الخلاف في هذه المسألة هل هو لفظي أو معنوي؟
على قولين:
القول الأول: أن الخلاف معنوي له ثمرة وهو الصواب؛ حيث
إن أصحاب المذهب الأول قد استدلوا بشرع من قبلنا وجعلوه من
أدلتهم في إثبات أحكام شرعية، منها:
أنهم استدلوا به على قتل الرجل بالمرأة، حيث إن قوله تعالى:
(وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ..) يدل على ذلك مع أنه
خطاب من قبلنا.
كذلك استدلوا به على جواز الجعالة - وهي: الإجارة على منفعة
مظنون حصولها مثل مشارطة المعلم - على حذق المتعلم - وقالوا: إن
قوله تعالى: (ولمن جاء به حمل بعير..) يدل على ذلك مع أنه
وارد في شرع من قبلنا.
وكذلك استدلوا به على ضمان ما تفسده الدواب المرسلة في
الليل؛ حيث إن قوله تعالى: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ) والنفش عند أهل اللغة لا يكون إلا في الليل.
(3/979)

أما أصحاب المذهب الثاني - وهو القائلون: إنه ليس بحجة -
وإن كانت بعض تلك الأحكام جائزة عندهم إلا أنهم لم يستدلوا
بشرع من قبلنا، بل استدلوا بأدلة أخرى.
القول الثاني: إن الخلاف لفظي، لا ثمرة له؛ حيث إنا نجد
أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إنه حُجَّة - لا يحتجون به
لوحده على إثبات حكم شرعي، بل يذكرونه مع عدد من الأدلة
الشرعية الثابتة بشرعنا، فهو ليس العمدة عندهم في إثبات الحكم،
فهم بذلك موافقون أصحاب المذهب الثاني في أنه ليس بحجة يعتمد
عليه لوحده.
جوابه:
إنا نسلم أن أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إن شرع مَن
قبلنا حُجَّة - لا يستدلون به على إثبات الحكم لوحده، بل يعضدونه
بأدلة أخرى ثابتة بشرعنا، ولكنهم اعتمدوه دليلاً معاضداً ومقويا
للأدلة الأخرى، ولو لم يوجد في المسألة إلا هو لاستدلوا به
لوحده، ولكنهم يذكرونه مع غيره من باب تعاضد الأدلة كما يفعل
كثير من المجتهدين حينما يريدون الاستدلال على حكم معين.
أما أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: إن شرع من قبلنا
ليس بشرع لنا - فإنهم لا يذكرونه مع الأدلة الثابتة بشرعنا، ولو لم
يوجد إلا هو لما استدلوا به على إثبات حكم شرعي، فهذا هو
الخلاف بين المذهبين، وما دام أنه وجد خلاف، إذن الخلاف معنوي.
(3/980)

المبحث الثالث في الدليل الثالث من الأدلة المختلف فيها قول الصحابي
تعريفه:
هو: ما نقل إلينا عن أحد أصحاب رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - من فتوى، أو قضاء أو رأي أو مذهب في حادثة لم يرد حكمها في نص، ولم
يحصل عليها إجماع.
حجيته:
أولاً: إذا قال الصحابي رأيا في مسألة مخالفا لرأي صحابي آخر،
فليس بحُجَّة إجماعا.
ثانيا: إذا قال الصحابي قولا، ثم ثبت أنه رجع عنه فليس بحُجَّة
إجماعاً.
ثالثا: إذا قال الصحابي قولاً ثم انتشر بين بقية الصحابة، ولم
ينكره أحد، فهذه حُجَّة لمن قال بأن الإجماع السكوتي حُجَّة، وقد
سبق.
رابعا: إذا قال الصحابي قولاً في مسألة اجتهادية ولم يتحقق فيه ما
سبق فقد اختلف العلماء هل هو حُجَّة أو لا؛ على مذاهب: من
أهمها ما يلي:
(3/981)

المذهب الأول: أن قول الصحابي حُجَّة مطلقا، أي: سواء وافق
القياس، أو لم يوافقه، وسواء كان الصحابي من الخلفاء الراشدين،
أو من غيرهم.
وهو مذهب أكثر الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وكثير من
الشافعية، وهو مذهب الإمام الشافعي في الجديد والقديم كما ثبت
عنه في كثير من فروعه.
وهو الحق عندي بشرط: أن يكون الصحابي المحتج بقوله وبفعله
هو: الصحابي الذي عرفته فيما سبق، وذكرته في كتابي " مخالفة
الصحابي للحديث "، وهو الذي لقي النبي - صلى الله عليه وسلم -، واختص به اختصاص المصحوب متبعا إياه مدة يثبت معها إطلاق:
" صاحب فلان " عليه عرفاً، بلا تحديد لمقدار تلك الصحبة مثل: الخلفاء
الأربعة، والعبادلة، وزوجات النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومعاذ، وزيد، وأنس، وأبي هريرة، ونحوهم ممن جمع إلى الإيمان والتصديق ملازمة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فوعوا أقواله، وشهدوا أفعاله، وعملوا على التأسي والاقتداء به، أما غير ذلك الصحابي - وهو من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - مرة أو مرتين، فلا يمكن أن يحتج بقوله؛ لعدم ملازمته للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فلا يمكن أن يكون مثل هذا عالما يرجع إليه.
وقد اخترت هذا؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)
وجه الدلالة: أن هذا خطاب مع الصحابة بأن كل ما يأمرون به
معروف، والمعروف يجب القول به.
الدليل الثاني: أن قول الصحابي إن كان صادراً عن رأي واجتهاد،
(3/982)

فإنه يرجح على اجتهاد التابعي ومن بعده، فرأيه أقرب إلى إصابة
الحق وأبعد عن الخطأ، وذلك لأنه شاهد التنزيل، وحضر مع النبي
- صلى الله عليه وسلم -، وسمع كلامه مباشرة، وعرف طريقته في بيان الأحكام، ووقف من أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - ومراده في كلامه على ما لم يقف عليه غيره مع اجتهاد وحرص على طلب الحِق، والقيام بما هو تثبيت لقوام الدين، مع فضل درجة ليست لغيرهم كما وردت الأخبار في ذلك كقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ".
كل ما سبق له أثره في جعل الصحابة أعلم بتأويل النصوص،
وأعرف بمقاصد الشريعة، وبهذا ترجح رأي الصحابي على رأي
غيره، فقوله أوْلى بالاتباع من قول غيره.
الدليل الثالث: أن قول الصحابي إذا انتشر ولم ينكر عليه أحد
كان حُجَّة، فكذلك يكون قوله حُجَّة مع عدم الانتشار كقول النبي
- صلى الله عليه وسلم - ولا فرق.
المذهب الثاني: أن قول الصحابي ليس بحُجَّة مطلقا.
وهو مذهب كثير من الأشاعرة والمعتزلة، وبعض الحنفية كأبي
الحسن الكرخي، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو القول الجديد
- عن الإمام الشافعي، كما قال بعض الشافعية، ولكن الحق: أن
مذهب الإمام الشافعي هو المذهب الأول، وقد حققت ذلك في
كتابي " إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر ".
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن الصحابي لم تثبت عصمته عن الخطأ والسهو
والغلط، فقد يجتهد في مسألة ويخطئ فيها، فإذا كان غير معصوم
(3/983)

عن الخطأ فيكون قوله متردداً بين الخطأ والصواب، ومحتملاً لهما،
فكيف نأخذ به وهو كذلك؟!
جوابه:
إن عدم عصمة الصحابي عن الخطأ والسهو والغلط لا يمنع من
اتباعه وتقليده، والاحتجاج بقوله، بدليل: أن المجتهد غير معصوم
عن الخطأ والسهو، ويلزم العوام تقليده.
الدليل الثاني: أن الصحابة - رضي الله عنهم - قد اختلفوا -
فيما بينهم - في مسائل كثيرة، ومنها: مسألة " الجد والإخوة"،
و" العول "، و " التحريم "، و " بيع أمهات الأولاد " وغيرها، وقد
أجمعوا على جواز مخالفة كل واحد من آحاد الصحابة انجتهدين
للآخر، فلم ينكر بعضهم على بعض تلك المخالفة، وهذا يدل على
أن قول الصحابي ليس بحُجَّة؛ إذ لو كان حُجَّة للزم كل واحد منهم
اتباع الآخر.
جوابه:
إن هذا الدليل ليس في محل النزاع؛ حيث قلنا - هناك -: إن
قول الصحابي اذا كان مخالفا لراي صحابي آخر فليس بحُجَّة إجماعاً.
المذهب الثالث: أن الحُجَّة في قول أبي بكر، وعمر، وعثمان،
وعلي - رضي اللَّه عن الجميع -.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
قوله - صلى الله عليه وسلم -: "عليكم بسُنَتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين من بعدي ".
وجه الدلالة: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر باتباع سُنَته وسُنَّة الخلفاء
(3/984)

الراشدين - أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي - وهو أمر مطلق،
والأمر المطلق يقتضي الوجوب، فاتباع أقوال الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأقوال الخلفاء الأربعة واجب، فيكون حُجَّة.
جوابه:
إن الأمر بسُنَّة الخلفاء الأربعة لا يدل على أن قول هؤلاء حُجَّة،
بل إن تخصيص هؤلاء بالذكر يحتمل احتمالين هما:
الاحتمال الأول: أنه أراد اتباع سيرتهم، وعدلهم، وسياستهم
للرعية، والصبر على الدعوة، وتحمل الأذى، وإذا كان الأمر
كذلك فإن جميع الصحابة يتميزون بذلك، فهم كغيرهم من الصحابة
في ذلك.
الاحتمال الثاني: يحتمل أنه أراد أن قولهم حُجَّة.
وإذا تطرق إلى الدليل الاحتمال بطل به الاستدلال.
المذهب الرابع: أن قول أبي بكر حُجَّة، وقول عمر حُجَّة فقط
دون غيرهما.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ".
وجه الدلالة: كما سبق في الحديث السابق.
جوابه:
هو نفس الجواب عن دليل أصحاب المذهب الثالث.
(3/985)

بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي له ثمرة؛ حيث إن من قال: إن قول
الصحابي حُجَّة - وهو المذهب الأول - أضافوا هذا الدليل إلى
أدلتهم؛ فاستدلوا به على إثبات أحكام شرعية لبعض الحوادث فقالوا
- مثلاً -: تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون مستدلين بقول عمر
- رضي اللَّه عنه -: " اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة "،
وبفعل عائشة - رضي اللَّه عنها - حيث كانت تلي يتيماً اسمه عبد
الرحمن بن القاسم فتخرج عنه وعن أخيه زكاة مالهما.
وكذلك استدلوا بهذا الدليل - أعني قول الصحابي - على عدم
وجوب الزكاة في الحلي؛ حيث إن ابن عمر كان لا يخرج على حلي
بناته وجواريه الزكاة.
كذلك استدلوا به على أن سجود التلاوة سُنَّة؛ حيث إن عمر بن
الخطاب - رضي اللَّه عنه - قرأ سجدة وهو على المنبر يوم الجمعة
فنزل وسجد وسجد الناس معه، ثم قرأها في الجمعة الأخرى
فاستعد الناس للسجود فقال: على رسلكم، إن اللَّه لم يكتبها علينا
إلا أن نشاء فلم يسجد.
كذلك استدلوا به على إثبات أحكام شرعية كثيرة.
أما أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: إن قول الصحابي
ليس بحُجَّة - فلم يجعلوا قول الصحابي أو مذهبه أو فعله من الأدلة
المعتبرة.
فلم يوجبوا الزكاة في مال الصبي والمجنون؛ لأنهم لم يأخذوا بما
ورد عن عمر، ولا بما ورد عن عائشة، وقالوا: إن الزكاة عبادة
يشترط فيها التكليف.
(3/986)

وأوجبوا الزكاة في الحلي، ولم يعملوا بما ورد عن ابن عمر،
واستدلوا بعموم قوله تعالى: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) ، وبغير ذلك من الأدلة.
وكذلك أوجبوا سجود التلاوة، ولم يعملوا بما ورد عن عمر،
واستدلوا بما روي عن - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " السجدة على من سمعها وعلى من تلاها ".
وعلى ذلك فقس قول أصحاب المذهب الثالث والرابع.
***
مسألة: إذا اختلف صحابيان في مسألة على قولين، فهل
يجوز للمجتهد الأخذ بقول أحدهما بدون دليل؟
سبق أن علمنا أن الصحابي إذا قال قولاً في مسألة اجتهادية ولم
يخالف فيه قول صحابي آخر، ولم ينتشر في بقية الصحابة، فإن
هذا القول يكون حُجَّة، وهو المذهب الأول الذي رجحناه.
وعلى هذا يجوز العمل به بدون دليل يعضده.
لكن إذا قال صحابي قولاً في مسألة، وخالفه صحابي آخر في
نفس المسألة بقول آخر، فهل يجوز للمجتهد الأخذ بقول أحدهما
بدون دليل؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يجوز الأخذ بقول أحدهما بدون دليل، بل
لا بد من دليل، وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: أن القولين لا يمكن أن يكونا خطأ، ولا يمكن أن
يكونا صوابا، بل إن أحدهما صواب والآخر خطأ، ولا يمكن معرفة
(3/987)

القول الصواب، والقول الخطأ إلا بدليل خارجي، إذن لا يمكن
الأخذ بأحد القولين بلا دليل، بل لا بد من الدليل.
الدليل الثاني: القياس على قول اللَّه تعالى، وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -،
بيان ذلك:
أنه إذا تعارضت آيتان في نظر المجتهد، إحداهما تفيد الجواز،
والأخرى تفيد المنع، فإنه لا يمكن أن يرجح أحد الحكمين إلا بدليل
ومرجح خارجي، كذلك لو تعارض حديثان في نظر المجتهد، فلا
يمكن أن يرجح أحدهما ويعمل به إلا بمرجح آخر ودليل خارجي.
فإذا كان الأمر كذلك في الكتاب والسُّنَّة، فكذلك قول الصحابي
إذا تعارض مع قول صحابي آخر: فإذا تعارض قول صحابي مع
قول صحابي آخر في نظر المجتهد، فإنه لا يرجح أحدهما ويعمل به
إلا بدليل خارجي عنهما.
المذهب الثاني: أنه يجوز الأخذ بقول أحدهما بدون دليل بشرط:
أن يظهر هذا القول المأخوذ به، ولم ينكر منكر القائل به.
وهو اختيار بعض الحنفية.
أما بعض المتكلمين كأبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم، فقد قالوا:
إن كان هذان القولان قد حدثا للصحابة قبل وقوع الفرْقة بينهم،
واختلاف الديار بهم: جاز الأخذ بقول أحدهما من غير اجتهاد في
صحته، وإن كان قد حدث بعد وقوع الفرْقة بينهم لم يجز الأخذ إلا
أن يدل دليل على صحته غير قول الصحابي.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: الوقوع؛ حيث وقع أن امرأة غاب عنها زوجها،
(3/988)

ثم جاء وهي حامل، فرفعها إلى عمر، فأمر برجمها، فقال معاذ:
إن يكن لك عليها سبيل، فلا سبيل لك على ما في بطنها، فقال
عمر: احبسوها حتى تضع، فوضعت غلاما له ثنيتان، فلما رآه
أبوه قال: ابني، فبلغ ذلك عمر، فقال عمر: " عجزت النساء أن
يلدن مثل معاذ، لولا معاذ لهلك عمر ".
وجه الدلالة: أن عمر رجع إلى قول معاذ - رضي اللَّه عنهما -
في هذه القضية بدون أن يستعلم رأي غيره، مع وجود بعض الصحابة
الذين هم من أهل الاجتهاد، فهذا يدل على جواز الأخذ بأحد قولي
الصحابة بدون دليل.
جوابه:
إن عمر - رضي اللَّه عنه - قد أخذ بقول معاذ؛ لأنه ظهر له
رجحان قول معاذ واجتهاده - لما ذكر أن ما في البطن لا ذنب له حتى
تعاقبه، حيث إن العقوبة تخص المذنب فقط - فصار قول معاذ هو
الحق - وذلك بالدليل، لا أنه رجع إلى قول معاذ تقليداً بلا دليل،
فعمر قد اتبع الدليل المرجح، ولم يتبع قول معاذ المجرد.
الدليل الثاني: أن اختلاف الصحابة على قولين في مسألة معينة هو
إجماع ضمني بينهم على صحة القولين، وهذا يجوز الأخذ بكل
واحد منهما بلا دليل بالاتفاق.
جوابه:
إن اختلاف الصحابة على قولين لا يدل على ما ذكرتم، بل يدل
على أنهم سوَّغوا وأجازوأ الأخذ بالأرجح منهما، ولا يمكن أن يتبين
الراجح منهما إلا بالاجتهاد في القولين معا، ولا يمكن الاجتهاد إلا
بالأدلة.
(3/989)

بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ حيث إنه إذا اختلف صحابيان في مسألة
معينة: أحدهما قال: يجوز فيها كذا، والآخر قال: لا يجوز،
ولم يوجد دليل يرجح أحدهما على الآخر، فبناء على المذهب
الأول فإنه لا يجوز الأخذ بالقولين معا ويتساقطا، ويجتهد في المسالة
وكأنها حادثة جديدة.
أما على المذهب الثاني: فإنه لا يجتهد في المسألة، بل يؤخذ
بأحد القولين ويستدل به على المسألة.
(3/990)

المبحث الرابع في الدليل الرابع - من الأدلة المختلف فيها - الاستحسان
تعريفه لغة:
الاستحسان لغة: استفعال من الحسن، وهو: عدُّ الشيء
واعتقاده حسنا، سواء كان حسيا كالثوب، أو معنويا كالرأي.
ولفظ " الاستحسان " يجوز استعماله بالاتفاق؛ لوروده في
الكتاب كقوله تعالى: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) ،
وقوله: (فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا) ، ولوروده
في السُّنَّة كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -:
"ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللَّه حسن "، ولأن هذا اللفظ يستعمله الفقهاء كثيراً كقول الإمام الشافعي: " أستحسن ترك شيء من نجوم الكتابة للمكاتب ".
وكقول كثير منهم: " استحسن شرب الماء من أيدي السقائين من غير
تقدير في الماء وعوضه ".
تعريفه اصطلاحا وحجيته:
لقد اختلفت عبارات الأصوليين في تعريف الاستحسان، إليك
ذكر أهم تلك التعريفات، وبيان المراد منه، وموقف العلماء في ذلك
فأقول:
التعريف الأول: أن الاستحسان هو: العدول بحكم المسألة عن
(3/991)

نظائرها لدليل خاص أقوى من الأول، وهذا هو تعريف جمهور
العلماء، وهو الحق، ومعناه:
أن القياس يقتضي حكما عاماً في جميع المسائل، لكن خُصّصت
مسألة وعُدل بها عن نظائرها وصار لها حكم خاص بها نظراً لثبوت
دليل قد خصصها وأخرجها عما يماثلها، وهذا الدليل هو أقوى من
المقتضي العموم في نظر المجتهد.
وهذا القياس قد يكون هو القياس الأصولي، وقد يكون بمعنى
القاعدة، أو الأصل العام، أو بمعنى الدليل العام.
***
أنواع الاستحسان بناء على هذا التعريف:
الاستحسان يتنوع - بناء على التعريف السابق - إلى أنواع خمسة:
النوع الأول: الاستحسان بالنص، وهو العدول عن حكم القياس
في مسألة إلى حكم مخالف له ثبت بالكتاب والسُّنَّة.
من أمثل ذلك:
1 - أن القياس لا يجوِّز السلم؛ لأنه عقد على معدوم وقت
العقد، ولكن عدلنا عن هذا الحكم إلى حكم آخر، وهو:
الجواز، لدليل ثبت بالسُّنَة، وهو قول الراوي: " ورخص بالسلم "
فتركنا القياس لهذا الخبر استحساناً.
2 - إذا ضرب وجل جمطن امرأة فالقت جنينا ميتا، فحكم
القياس: أنه لا يجب شيء على الضارب؛ لأنه لم يتيقن بحياته،
ولكن عدلنا عن هذا الحكم إلى حكم آخر، وهو: أنه يجب على
الضارب غرة، وهي: " نصف عشر الدية "؛ لدليل قوي ثبت في
(3/992)

هذا، وهو قوله عليه السلام: " في الجنين غرة عبد أو أمَة قيمته
خمسمائة "، فتركنا القياس لهذا الخبر استحسانا.
النوع الثاني: الاستحسان بالإجماع، وهو: العدول عن حكم
القياس في مسألة إلى حكم مخالف له ثبت بالإجماع مثل: عقد
الاستصناع - وهو: أن يتعاقد شخص مع صانع على أن يصنع شيئا
له نظير - مبلغ معين بشروط معينة - فالقياس يقتضي عدم جواز مثل
ذلك العقد؛ لأنه بيع معدوم من كل وجه، لكن عدلنا عن هذا
الحكم إلى حكم آخر، وهو: جواز هذا العقد؛ نظراً لتعامل الأُمَّة
به من غير نكير، فصار إجماعاً.
النوع الثالث: الاستحسان بالعرف والعادة، وهو: العدول عن
حكم القياس في مسألة إلى حكم آخر يخالفه؛ نظراً لجريان العرف
بذلك، وعملاً بما اعتاده الناس، مثل لو قال شخص: " والله لا
أدخل بيتا "، فالقياس يقتضي: أنه يحنث إذا دخل المسجد؛ لأنه
يسمى بيتا لغة، ولكن عدل عن هذا الحكم إلى حكم آخر، وهو:
عدم حنثه إذا دخل المسجد، لتعارف الناس على عدم إطلاق هذا
اللفظ على المسجد.
النوع الرابع: الاستحسان بالضرورة، وهو: العدول عن حكم
القياس في مسألة إلى حكم آخر مخالف له ضرورة مثل: جواز
الشهادة في النكاح والدخول، فالقياس يقتضي عدم جواز الشهادة
في النكاح والدخول؛ لأن الشهادة مشتقة من المشاهدة، وذلك
بالعلم ولم يحصل في هذه الأمور، لكن عدل عن هذا الحكم إلى
حكم آخر، وهو: جواز الشهادة في النكاح والدخول ضرورة؛
لأنه لو لم تقبل فيها الشهادة بالتسامح؛ لأدى إلى الحرج وتعطيل
الأحكام.
(3/993)

النوع الخامس: الاستحسان بالقياس الخفي، وهو: العدول عن
حكم القياس الظاهر المتبادر فيها إلى حكم آخر بقياس آخر هو: أدق
وأخفى من الأول، لكنه أقوى حُجَّة، وأسد نظراً، وأصح استنتاجا
منه، مثل: عدم قطع يد من سرق من مدينه، بيان ذلك:
أن من له على آخر دين حال من دراهم فسرق منه مثلها قبل أن
يستوفيها فلا تقطع يده، أما إذا كان الدين مؤجلاً، فالقياس يقتضي
قطع يده إذا سرق مثلها قبل حلول الأجل؛ لأنه لا يباح له أخذه قبل
الأجل، لكن عدل عن هذا الحكم إلى حكم آخر، وهو: أن يده
لا تقطع؛ لأن ثبوت الحق - وإن تأخرت المطالبة - يصير شبهة
دارئة وإن كان لا يلزمه الإعطاء الآن، فعدم قطع اليد هنا ثبت
استحساناً.
بيان حجية الاستحسان بناء على هذا التعريف:
الاستحسان بهذا المعنى حُجَّة باتفاق العلماء؛ حيث لم ينكره
أحد، وإنما الخلاف في تسميته استحسانا، فبعضهم سماه بهذا الاسم
وبعض آخر لم يسمه بذلك.
وهو راجع إلى العمل بالدليل القوي الذي ترجح بذلك على ما
هو أضعف منه، وهذا لا نزاع فيه.
التعريف الثاني: أن الاستحسان هو: ما يستحسنه المجتهد بعقله.
وهو محكي عن أبي حنيفة - رحمه الله -.
والمراد منه: ما سبق إلى الفهم العقلي، دون أن يكون له دليل
شرعي يستند إليه من كتاب أو سُنة أو إجماع أو قياس، أو أي دليل
آخر معتمد شرعا.
(3/994)

بيان حجية الاستحسان بناء على هذا التعريف:
هل الاستحسان حُجَّة بناء على هذا التعريف " التعريف الثاني "؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن الاستحسان بهذا التعريف ليس بحُجَّة.
وهو المذهب الحق عندي؛ لأدلة ثلاثة:
الدليل الأول: حديث معاذ، وهو: أنه لما بعثه إلى اليمن قال
له: " إن عرض عليك قضاء فبمَ تقضي؟ "
قال: بكتاب الله،
قال: فإن لم تجد؟ "
قال: بسُنَةَ رسول اللَّه،
قال: " فإن لم تجد؟ "
قال: اجتهد رأيي ولا آلو، فصوبه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وجه الدلالة: أن معاذاً ذكر الكتاب، والسُّنَّة، والاجتهاد، ولم
يذكر الاستحسان، فأقره النبى - صلى الله عليه وسلم - على ذلك، فالاستحسان ليس بدليل، فلا يعتبر.
فإن قال قائل: إن الاجتهاد عام وشامل يضم القياس، والمصلحة
والاستحسان، فيدخل الاستحسان ضمن الأدلة.
فإنا نقول - في الجواب عن ذلك -: إن المقصود بالاجتهاد هو
الاجتهاد بالأدلة الشرعية، والاستحسان على تعريفكم إياه - وهو:
ما يستحسنه المجتهد بعقله - لا يدخل ضمن الأدلة المجتهد فيها؛
لعدم استناده إلى الأدلة الشرعية.
الدليل الثاني: أن الاستحسان بالتعريف الثاني - وهو: ما
يستحسنه المجتهد بعقله - لا ضابط له، كما أنه ليس له مقاييس
يقاس بها الحق من الباطل، فلو جاز لكل شخص أن يستحسن بعقله
كيفما شاء؛ لأدى ذلك إلى وجود أحكام مختلفة في النارلة الواحدة
لا ضابط لها، ولا معيار يبين الحق فيها.
(3/995)

الدليل الثالث: أن الاستحسان بالتعريف الثاني - وهو: ما
يستحسنه المجتهد بعقله - لو كان يصلح طريقا لإثبات الأحكام
الشرعية لما احتيج إلى الأدلة الشرعية، وحفظها، والاهتمام بها،
والحرص عنى دراستها دراسة دقيقة متانية من الكتاب والسُّنَّة، ولما
كان هناك فرق بين المجتهد العارف بتلك الأدلة، والعامي العاقل
الذي لا يعرف شيئاً عن تلك الأدلة، ويلزم منه أيضا: عدم اشتراط
أهلية النظر.
المذهب الثاني: أن الاستحسان بالتعريف الثاني حُجَّة.
وهو مذهب أبي حنيفة، وتبعه أكثر الحنفية.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قوله تعالى: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) .
وجه الدلالة: أن الآية وردت في معرض الثناء والمدح لمتبع أحسن
القول، والقرآن كله حسن، ثم أمر باتباع الأحسن، ولولا أن
الاستحسان حُجَّة لما أورد ذلك.
وكذلك قوله تعالى: (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم) .
وجه الدلالة: أن اللَّه أمر باتباع أحسن مأ أنزل، فدل على ترك
بعض، واتباع بعض بمجرد كونه أحسن، وهو: معنى الاستحسان،
فدل على أن الاستحسان حُجَّة.
جوابه:
يجاب عنه باجوبة:
الجواب الأول: أن اللفظ عام فيدخل "فيه استحسان - العوام
(3/996)

والصبيان، فيلزم من ذلك اتباع استحسانهم، وهذا باطل، ولا
يقوله أحد، إذن الآيتان لا تصلحان للاستدلال بهما على حجية
الاستحسان.
الجواب الثاني: أن اتباع أحسن ما أنزل إلينا هو اتباع الأدلة،
وهذا واجب، فبينوا أولاً أن هذا مما أنزل إلينا فضلاً عن أن يكون من
أحسنه.
الجواب الثالث: أنا نستحسن إبطال الاستحسان، وأن لا يكون
لنا شرع سوى المصدق بالمعجزة، فليكن هذا حُجَّة عليهم.
الدليل الثاني: أنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
" ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللَّه حسن ".
وجه الدلالة: أن هذا يدل على أن ما رآه الناس في عاداتهم ونظر
عقولهم مستحسنا فهو حق؛ لأن الذي ليس بحق فليس بحسن عند
الله تعالى، وما هو حق وحسن عند اللَّه فهو حُجَّة، ولولا أنه حُجَّة
لما كان عند اللَّه حسنا.
جوابه:
يجاب عنه بأجوبة:
الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أن هذا الخبر مرفوع، بل هو موقوف
على ابن مسعود كما قال الزيلعي في " نصب الراية "، والسخاوي
في " المقاصد الحسنة "، وغيرهما.
الجواب الثاني: على فرض أن الحديث مرفوع، فإنه خبر واحد،
وخبر الواحد لا تثبت به قاعدة أصولية مثل " حجية الاستحسان ".
الجواب الثالث: أن المراد به ما رآه جميع المسلمين؛ لأنه لا
يخلو: إما أن يريد به جميع المسلمين، أو يريد به آحادهم.
(3/997)

فإن كان الأول - وهو: أن المراد به جميع المسلمين - فهو
صحيح؛ لأن الأُمَّة لا تجتمع على حسن شيء إلا عن دليل،
والإجماع حُجَّة، وهذا لا يخالف فيه أحد.
وإن أراد به الآحاد من المسلمين لزم منه استحسان العوام والصبيان،
وهذا لا يمكن.
فإن قال قائل - معترضا -: إنا نقصد استحسان من هو أهل
للنظر في الأدلة الشرعية، أما من ليس أهلاً للنظر كالصبيان والعوام
فلا يقبل استحسانهم.
فإنا نقول - في الجواب عنه -: إن المجتهد إذا استحسن الشيء
وحكم به بعقله دون النظر إلى الأدلة الشرعية، فلا فائدة في اشتراط
أهلية النظر في الأدلة؛ لأن الذي عنده الأهلية للنظر في الأدلة،
ولكنه لا ينظر هو مثل العامي والصبي الذي لا أهلية له أصلا في
النظر فيها سواء بسواء، فلا فرق بينهما، والجامع: الاستحسان
بالعقل المجرد دون النظر في الأدلة الشرعية.
الدليل الثالث: أن الأُمَّة قد استحسنت دخول الحمام من غير
تقدير أجرة، ولا تقدير للماء المصبوب، ولا تقدير لمدة اللبث في
الحمام، واستحسنت - أيضا - شرب الماء من أيدي السقائين من غير
تقدير العوض، ولا سبب لعدم تقدير ذلك إلا أن التقدير في مثل
هذه الأمور قبيح في العادة، فاستحسن الناس تركه، ووقع هذا
دليل على جوازه.
جوابه:
يجاب عنه: بأن عدم تقدير أجرة دخول الحمام، وعدم تقدير
(3/998)

الماء واللبث، وعدم تقدير العوض لمن شرب من أيدي السقائين
يحتمل احتمالين:
الاحتمال الأول: أنه يحتمل أن يكون سند ذلك السنة التقريرية؛
حيث إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرى الصحابة يفعلون ذلك ولا ينكر عليهم، وهذا من رخص الإسلام، وسبب هذه الرخصة هو: المشقة في تقدير الماء، والعوض؛ حيث إن الناس يختلفون في كمية الماء
المستعمل، وفي الوقت الذي يمكثون فيه بالحمام، ويختلفون في
كمية الماء المشروب.
الاحتمال الثاني: أنه يحتمل أن يكون سند ذلك: القياس؛ حيث
إن داخل الحمام مستبيح، فإذا أتلف ماء حمامي فعليه ثمن المثل،
وذلك لأن قرينة حاله تدل على طلب العوض فيما يبذله في الغالب،
وما يبذله يكون ثمن المثل فيقبله الحمامي إن رضي به، وإن لم يرض
به: طالبه بالمزيد إن شاء، فليس هذا أمرا جديدا، ولكنه مقاس،
والقياس حُجَّة.
وكذلك يقال في شارب الماء من السقاء، فإن عليه ثمن المثل،
فإن رضي السقاء، وإلا طالبه بالمزيد إن شاء.
فثبت إن عدم تقدير الماء والأجرة يثبت عن طريق السنة، أو
القياس، فقولكم: إنه ثبت عن طريق الاستحسان تحكم لا دليل
عليه.
التعريف الثالث للاستحسان: أنه دليل ينقدح في نفس المجتهد
يعسر عليه التعبير عنه.
وهو لبعض الحنفية المتقدمين.
(3/999)

ومرادهم من هذا: أن الاستحسان دليل يستدل به المجتهد، وهذا
الدليل ينقدح في ذهن المجتهد لا يستطيع أن يظهره بعبارة أو لفظ.
بيان فساد هذا الثعريف:
أن هذا التعريف فاسد؛ لأن الدليل الذي لا يستطيع المجتهد أن
يفصح عنه - ويظهره، ويعبر عنه بلفظ لا يعلم هل هو وهم توهم
المجتهد أنه دليل، أو ليس كذلك، فلا بد للمجتهد من إظهاره،
والتعبير عنه بلفظ مفهم حتى نسبره ونختبره بواسطة الأدلة الشرعية
الأخرى، فإما أن نصححه، ويكون دليلاً معتبراً، أو نبطله فلا
يعتبر، أما الحكم بما لا يدرى ما هو فمن أين يعلم جوازه أبضرورة
العقل، أو نظره، أو بسمع متواتر أو آحاد، ولا وجه لدعوى شيء
من ذلك.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في الاستحسان خلاف لفظي، بيان ذلك:
أن متأخري الحنفية لما رأوا هذا الإنكار الشديد على التعريف
الثاني، والتعريف الثالث للاستحسان اللذين نقلا عن بعض الحنفية
المتقدمين حاولوا أن يصححوا هذين التعريفين بسبب استقرائهم
وتتبعهم للفتاوى الصادرة عن أئمة الحنفية المتقدمين، فأتوا بتعريفات
تناسب الاستحسان الذي كان يطبقه المتقدمون منهم.
فقال أبو الحسن الكرخي: إن لفظ الاستحسان عندهم ينبئ عن
ترك حكم إلى حكم هو أوْلى منه، لولاه لكان الحكم الأول ثابتا.
ويقرب من ذلك قول بعض الحنفية: " الاستحسان: ترك طريقة
للحكم إلى أخرى أوْلى منها لولاها لوجب الثبات على الأولى ".
(3/1000)

ويقرب منه - أيضاً - تعريف الجصاص له بقوله: " بأنه ترك
القياس إلى ما هو أوْلى منه "، وكذلك فعل الدبوسي، والسرخسي
وغيرهما من أئمة الحنفية.
ثم جاءت الطبقة التي بعد هؤلاء من علماء الحنفية مثل الكمال بن
الهمام وابن عبد الشكور فلاحظوا تعريفات المتقدمين للاستحسان،
وتعريفات المتأخرين منهم له كالكرخي ومن معه، فجمعوا بينهما
بقولهم: إن الاستحسان قسمان: " عام " و " خاص ".
أما العام فهو كل دليل في مقابلة القياس الظاهر يقتضي العدول
عن القياس من نص، أو إجماع، أو ضرورة، أو غيرها.
أما الخاص فهو القياس الخفي في مقابلة القياس الجلي.
وإذا دققت في تعريفما الجمهور للاستحسان - وهو التعريف الأول
له - وما ذكرناه من أنواع له، ودققت في كلام الحنفية المتقدمين،
وما ذكره الحنفية المتأخرون من تعريفات وشروح وتفسيرات: لوجدت
أن التعريف الأول - وهو: " العدول بحكم المسألة عن نظائرها
لدليل خاص أقوى من الأول "، قد اتفق عليه الحنفية، والمالكية،
والشافعية، والحنابلة، إلا أن الحنفية قد عبروا عنه بلفظ يخالف تعبير
الجمهور.
ومن تتبع واستقرأ ما ورد عن الحنفية من تعريفات، وشروح
وتفسيرات وتطبيقات، لثبت أنهم لا يقولون بأن الاستحسان هو:
"ما يستحسنه المجتهد بعقله "، ولا يقولون بأنه: " دليل ينقدح في
نفس المجتهد يعجز عن التعبير عنه "، ولثبت أنهم يقولون: إن
الاستحسان: العدول في الحكم عن دليل إلى دليل هو أقوى منه،
وهذا مما لا ينكره الجمهور. فكان الخلاف لفظياً.
(3/1001)

وهذا ما أشار إليه ابن السمعاني - رحمه الله -؛ فإنه حينما ذكر
أن الخلاف في هذه المسألة لفظي: علل ذلك بأن تفسير الاستحسان
بما يشنع عليهم - أي: على الحنفية - لا يقولون به، والذي يقولون
به أنه العدول في الحكم عن دليل إلى دليل هو أقوى منه، فهذا مما
لا ننكره.
(3/1002)

المبحث الخامس في الدليل الخامس - من الأدلة المختلف فيها -
وهو: المصلحة المرسلة
تعريفها:
المصلحة لغة بمعنى: الصلاح، كالمنفعة بمعنى: النفع.
المصلحة اصطلاحا: هي المنفعة التي قصدها الشارع الحكيم لعباده
من حفظ دينهم، ونفوسهم، وعقولهم، وأموالهم، ونسلهم،
فكل ما يضمن هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت
هذه الأصول أو أحدها فهو مفسدة، ودفعها مصلحة.
والمنفعة تحصيلا أو إبقاء: فالمراد بالتحصيل: جلب اللذة مباشرة،
والمراد بالإبقاء: الحفاظ عليها بدفع المضرة، وأسبابها.
والمراد بالمرسلة: هي المطلقة، وهي التي لم يقيدها الشارع
باعتبار ولا بإلغاء، أي: لم يرد دليل من أدلة الشرع يشهد
بإبطالها، ولم يرد دليل من أدلة الشرع يعتبرها.
فيكون تعريف المصلحة المرسلة هو: كل منفعة داخلة في مقاصد
الشارع الخمسة السابقة الذكر، دون أن يكون لها شاهد بالاعتبار أو
الإلغاء.
وبيانه:
أن المصالح المرسلة هي التي لم يقم دليل من الشارع على اعتبارها
(3/1003)

ولا على إلغائها، فإذا حدثت حادثة لم نجد حكمها في نص، ولا
في إجماع، ولا في قياس، ووجدنا فيها أمرا مناسبا لتشريع الحكم،
أي: أن تشريع الحكم فيها من شأنه أن يدفع ضررا، أو يحقق نفعا،
فهذا الأمر المناسب في هذه الحادثة يسمى المصلحة المرسلة.
***
تقسيمات المصالح:
التقسيم الأول: تنقسم المصالح باعتبار أهميتها إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الضروريات، وهي المصالح التي لا بد منها في
قيام مصالح الدين والدنيا، وصيانة مقاصد الشريعة، بحيث إذا
فقدت أو فقد بعضها، فإن الحياة تختل أو تفسد، وللمحافظة على
المصالح الضرورية شرع اللَّه حفظ الدين، والنفس، والعقل،
والنسب، والمال.
فشرع لحفظ الدين: قتل الكافر المضل عن هذا الدين، وقتل
المرتد الداع إلى ردته، وعقوبة المبتدع الداعي إلى بدعته، وشرع
الجهاد.
وشرع لحفظ النفس: عقوبة القصاص، وعقوبة الدية، ووجوب
الأكل والشرب عند الضرورة ولو كان صائما، كذلك: شرع اللبس
والمسكن، مما يتوقف عليه بقاء الحياة وصون الأبدان من التلف، أو
أي ضرر.
وشرع لحفظ العقل: عقوبة شرب الخمر، ووجوب الأكل
والشرب الذين يتوقف عليهما بقاء العقل وسلامة فهمه.
(3/1004)

وشرع لحفظ النسل والأنساب: عقوبة الزنا، وأحكام الحضانة،
والنفقات..
وشرع لحفظ المال: عقوبة السرقة، والقواعد المنظمة للمعاملات
المختلفة بين الناس لصيانة الحقوق.
ولا يمكن - بأي حال - تفويت هذه الأصول الخمسة، فلا بد
إذن من مراعاتها؛ لكون كل واحد منها يعتبر ركنا من الأركان التي
لا تقوم الحياة البشرية إلا بها.
القسم الثاني: الحاجيات، وهي: المصالح والأعمال والتصرفات
التي لا تتوقف عليها الحياة واستمرارها، بل إذا تركناها لا تختل ولا
تفسد الحياة الإنسانية، فالحياة تتحقق بدون تلك الحاجيات، ولكن
مع الضيق.
فهي أعمال وتصرفات شرعت لحاجة الناس إلى التوسعة، ورفع
الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة.
مثل: التوسع في بعض المعاملات كالسلم، والمساقاة، والقصر
في السفر، والرخص المناطة في المرض، هذه الأمثلة في الأمور
العامة.
ومثال ذلك في الأمور الخاصة: تسليط الشارع الأب في تزويج
البنت الصغيرة من الكفء، فإن هذا لا ضرورة إليه؛ حيث إنه يمكن
- استمرار الحياة بدون ذلك، ولكنه محتاج إليه في اقتناء المصالح
لتحصيل هذا الكفء خوفا من فواته؛ لأنه يحصل بحصوله نفع في
المستقبل والماَل، ويحصل بفواته بعض الضرر.
القسم الثالث: التحسينيات، وهي: المصالح والأعمال
(3/1005)

والتصرفات التي لا تتوقف الحياة عليها، ولا تفسد ولا تختل،
فالحياة تتحقق بدون تلك التحسينيات، وبدون أي ضيق فيها، فهي
من قبيل التزيين والتجمل والتيسير، ورعاية أحسن المناهج وأحسن
الطرق للحياة، فتكون من قبيل استكمال ما يليق، والتنزه عما لا
يليق من المدنسات التي تألفها العقول الراجحة.
ومن أمثلة ذلك: المنع من بيع الماء والكلأ، والمنع من بيع
النجاسات، والابتعاد عن الإسراف والتقتير، ومجانبة ما استخبث
من الطعام، وآداب الأكل والشرب، هذه أمثلته العامة.
ومن أمثلة ذلك في الأمور الخاصة: اشتراط الشارع للولي في
النكاح؛ صيانة للمرأة عن مباشرة عقد النكاح بنفسها؛ لأن المرأة لو
باشرت عقد نكاحها: لكان ذلك مشعراً بتوقانها إلى الرجال،
وحبها لهم، ومشعراً - أيضا - بقلة حيائها، وأنه لا مروءة لها،
وهذا يقلل من قيمتها عند الخاطب، ونظراً لذلك فقد مُنعت المرأة من
عقد نكاحها بنفسها، وفوض ذلك إلى الولي؛ تزيينا للمرأة وتحسينا
في نظر الخاطب، وحملاً للخلق على أحسن المناهج، وأجمل
السير.
ويمكن أن يكون ذلك مثالا للحاجيات - أيضا - إذا قلنا: إن
اشتراط الولي في النكاح كان لعلة أخرى وهي: أن رأي المرأة قاصر
في اختيار وانتقاء الأزواج، وأنها تغتر بالمظاهر، ونظراً لذلك مُنعت
من مباشرة ذلك بنفسها، وفوض ذلك إلى الولي؛ لأن الولي أعلم
بمعادن الرجال منها - ويستطيع - في الغالب - معرفة الصالح من
غيره.
(3/1006)

بيان أنه لا يجوز للمجتهد التمسك بالمصالح الحاجية والتحسينية
إلا بدليل شرعي:
هذا بالإجماع؛ لأنه لو جاز التمسك بالمصلحة الحاجية أو
التحسينية بدون دليل أو أصل شرعي: للزم من ذلك أمور باطلة،
وهي كما يلي:
الأمر الأول: أنه يلزم وضع الشرع بالرأي المجرد، وهذا باطل.
الأمر الثاني: أنه لا يحتاج إلى بعثة الرُّسُل والأنبياء ليعلموا الناس
شرع ربهم، ولكان الخلق يشرعون ما يريدون بعقولهم، فما يحسنه
العقل أثبتوه، وما قبحه العقل اجتنبوه، وهذا ظاهر البطلان؛ لأن
العقل لا مدخل له في الشرعيات.
الأمر الثالث: أنه يلزم من ذلك: عدم الفرق بين المجتهد والعامي،
وأن كل واحد منهما يساوي الآخر؛ لأن كل واحد منهما يعرف
مصلحة نفسه فيما يقع موقع الحاجة والتحسين، وهذا باطل.
التقسيم الثاني: تنقسم المصالح من حيث اعتبار الشارع لها وعدم
ذلك إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: المصالح المعتبرة، وهي المصالح التي اعتبرها
الشارع وأثبتها وشهد بذلك، وأقام دليلاً على رعايتها، فهذه
المصالح حُجَّة لا إشكال في صحتها، ويرجع حاصلها إلي القياس،
فإن الشارع إذا نص على حكم في واقعة معينة، واستنبط المجتهد
العلَّة التي شرع الحكم لأجلها؛ لأن الأحكام الشرعية مصلحية،
أي: أن اللَّه لا يشرع حكما إلا وفيه جلب مصلحة للعباد، أو دفع
مضرة عنهم، فإنا إذا وجدنا واقعة أخرى وجدت فيها تلك العلَّة،
فإنا نلحقها بالحكم الوارد في الواقعة الأولى؛ لأن المصلحة واحدة.
فمثلاً قال - صلى الله عليه وسلم -:
" لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان ".
(3/1007)

فهنا: منع القاضي من القضاء في حالة الغضب، والعلَّة هي:
اشتغال قلبه عن الفكر، والنظر في أدلة الخصمين، وتغيرَ طبعه عن
السكون والتلبث والاجتهاد، فيقاس على ذلك: كل ما يشغله عن
النظر في الدليل والحكم، وكل ما يغير طبعه مثل: كونه جائعا، أو
حاقنا، أو خائفا.
وهذا كله فيه مصلحة واضحة للخصمين.
والمصلحة المقصودة بهذا القياس تسمى: المصلحة المعتبرة من
الشارع.
القسم الثاني: المصالح الملغاة، وهي المصالح التي شهد الشارع
بردها وإلغائها، وعدم اعتبارها.
فلو نص الشارع على حكم في واقعة لمصلحة استأثر بعلمها،
وبدا لبعض الناس حكم فيها مغاير لحكم الشارع لمصلحة توهمها هذا
البعض، فتخيل أن ربط الحكم بذلك يحقق نفعا، أو يدفع ضرراً،
فإن هذا الحكم مردود على من توهمه؛ لأن هذه المصلحة التي
توهمها قد ألغاها الشارع، ولم يلتفت إليها.
مثال ذلك: أن الملك عبد الرحمن بن الحكم قد جامع جارية في
نهار رمضان، وكرر ذلك في عدد من الأيام، وكان يكرر الإعتاق
- تمشيا مع نص حديث الأعرابي - ولكن جاء الفقيه: يحيى بن
يحى الليثي المالكي، فأفتى بأن عليه صوم ستين يوما كفارة، وعلل
ذلك بأن الكفارة قد وضعت للزجر والردع، فلو أوجبنا على هذا
الملك العتق لسهل عليه الجماع في نهار رمضان مرة بعد أخرى - كما
حصل منه - لذلك نوجب عليه الصيام زجراً له، وظن أن في ذلك
مصلحة.
(3/1008)

لكن هذه المصلحة ملغاة؛ لأنها معارضة للنص الشرعي، وهو
حديث الأعرابي؛ حيث إن الكفارة مرتبة على حسب الاستطاعة:
فيجب عليه أولاً العتق، فإن لم يستطع فعليه صيام ستين يوماً، فإن
لم يستطع فعليه إطعام ستين مسكينا.
القسم الثالث: المصالح المرسلة، وهي المطلقة التي لم يقيدها
الشارع باعتبار، ولا بإلغاء، وهذا القسم هو المراد بالمصلحة المرسلة
اصطلاحا، وقد عرفنا ذلك.
حجية المصلحة المرسلة:
لقد بيَّنا أن المصلحة التي شهد لها الشرع بالاعتبار حُجَّة بالاتفاق؛
وأن المصلحة التي شهد لها الشرع بالإلغاء ليست بحُجَّة بالاتفاق،
وأن المصلحة الحاجية والتحسينية لا يمكن أن يتمسك بها في إثبات
حكم إلا إذا كانت مستندة إلى دليل وأصل شرعي من الأصول المعتبرة
وهذا بالإجماع أيضا.
أما ما عدا ذلك وهي: المصلحة التي يراها المجتهد، ولم يرد
دليل من أدلة الشرع يشهد لها، ولا دليل منه يلغيها، فهذه التي
اختلف العلماء هل هي حُجَّة أو لا: على مذاهب:
المذهب الأول: أن المصلحة المرسلة حُجَّة بشروط هي كما يلي:
الشرط الأول: أن تكون المصلحة المرسلة ضرورية، وهو: ما
يكون من الضروريات الخمس التي يجزم بحصول المنفعة منها.
الشرط الثاني: أن تكون المصلحة كلية عامة حتى تعم الفائدة
جميع المسلمين.
الشرط الثالث: أن تلاءم تلك المصلحة مقاصد الشرع في الجملة،
فلا تكون غريبة.
(3/1009)

الشرط الرابع: أن تكون المصلحة المرسلة قطعية، أي: يقطع
بوجودها، ولم يختلف في ذلك.
وهو مذهب كثير من الأصوليين، وهو الحق عندي؛ للأدلة
التالية:
الدليل الأول: الاستقراء والتتبع، بيان ذلك:
أنا لما تتبعنا واستقرأنا النصوص من الكتاب والسُّنَّة، وقرائن
الأحوال، والقواعد الشرعية المجمع عليها وجدنا الأدلة العديدة
المتضافرة على أن الشريعة الإسلامية قد راعت مصالح العباد؛ حيث
إنها قائمة على أساس توفير السعادة لهم.
فالأخذ بالمصالح المرسلة - بالشروط السابقة - هو الذي يتفق مع
روح الشريعة الإسلامية التي جاءت برعاية مصالح العباد، فطلبت
منهم - أو أباحت لهم - كل ما يجلب لهم النفع، وحرمت عليهم
- أو كرهت لهم - كل ما يجلب لهم مفسدة، أو ضرراً.
الدليل الثاني: أنه لو لم نجعل المصلحة المرسلة دليلاً من الأدلة
للزم من ذلك خلو كثير من الحوادث بلا أحكام، وذلك لقلة
الأصول المعتمدة وندرتها، وكثرة الحوادث، فقد يطرأ للأمة اللاحقة
طوارئ لم تطرأ للأُمَّة السابقة، وكذلك قد يؤدي تغير أخلاق الناس
وأحوالهم إلى أن يصير مفسدة ما كان مصلحة، وقد يكون مصلحة
في مجتمع ما هو مفسدة في مجتمع آخر، فلو لم نجعل المصلحة
حُجَّة لضاقت الشريعة عن مصالح الناس، وقصرت عن حاجاتهم،
ولم تصلح لمسايرة مختلف المجتمعات والأزمان والأحوال، وهذا
خلاف القاعدة الشرعية المعروفة، وهي: أن الإسلام صالح لكل
زمان ومكان.
(3/1010)

الدليل الثالث: أن من تتبع الفتاوى الصادرة عن الصحابة
واجتهاداتهم علم أنهم كانوا يراعون المصالح، وينظرون إلى المعاني
التي علموا أن القصد من الشريعة رعايتها، دون نكير من أحد فكان
إجماعا.
هذه الأدلة دلَّت على أن المصلحة حُجَّة، فإذا أضفنا إليها تلك
الشروط فإنه يترجح اعتبارها على إلغائها، فيكون الاعتبار مظنونا،
فيجب العمل به؛ لأن العمل بالظن واجب.
المذهب الثاني: أن المصلحة المرسلة حُجَّة مطلقا، وهو مذهب
الإمام مالك.
أدلة هذا المذهب:
هي نفس أدلتتا في المذهب الأول، ولكن بدون إضافة تلك
الشروط.
جوابه:
إنه لا يمكن الأخذ بالمصلحة المرسلة إلا بتلك الشروط التي ذكرناها
في المذهب الأول؛ لأنه بعد الاستقراء والتتبع لفتاوى الصحابة،
ومن جاء بعدهم من علماء الأمَّة وجدناهم يستدلون بالمصلحة، وهم
قد راعوا تلك الشروط والقيود.
وكذلك فإن تلك الأدلة دلَّت على حجية المصلحة المرسلة التي أخذ
بها هؤلاء، حيث إنها منضبطة، ولم تدل على حجية المصلحة
المرسلة مطلقا؛ لأن هذا يؤدي إلى عدم انضباط من أخذ بها، مما
يفتح مجال الأهواء والشهوات، فيقع في الزلل.
المذهب الثالث: أن المصلحة المرسلة ليست بحُجَّة مطلقا.
(3/1011)

وهو مذهب بعض الشافعية، وبعض الحنابلة، وبعض المتكلمين.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن المصالح إما أن تكون معتبرة، وإما أن تكون
ملغاة، والمصلحة المرسلة مترددة بينهما، وليس جعلها مع المعتبر
بأوْلى من جعلها مع الملغى، فيمتنع الاحتجاج بها حتى يشهد لها
شاهد يدل على أنها من قبيل المعتبر.
جوابه:
أنا لم نجعل المصلحة المرسلة مع المصالح المعتبرة مطلقا، وبدون
أدلة، بل جعلناها مع المصالح المعتبرة وأنه يحتج بها بأدلة وبشروط
قد رجحت اعتبارها على إلغائها، فيكون الاعتبار مظنونا، والعمل
بالظن واجب.
الدليل الثاني: أنا لم نعلم أن الشارع قد حافظ على تحصيل
المصلحة بأبلغ الطرق، فلم تشرع المثلة في القاتل عمداً وعدوانا مع
أن المصلحة تقتضيها؛ لأنها أبلغ في الزجر عن القتل ولم يشرع القتل
في السرقة، وشرب الخمر والقذف مع أن المصلحة تقتضيه؛ لأنه
أبلغ في الزجر عن العود لمثله.
فلو كانت المصلحة حجَّة لحافظ الشرع على تحصيلها بأبلغ الطرق،
ولكن لم يفعل شيئاً من ذلك، فلا تكون حجَّة.
جوابه:
إن المصلحة حُجَّة بالشروط والقيود السابقة الذكر في مذهبنا
الأول، وما ذكرتم من الأمثلة وما بينتم فيها أن الشارع لم يحافظ
عليها مع أنها أبلغ هذا لا يدخل في المصلحة المرسلة، بل إن كل ما
(3/1012)

قلتم هو من المصالح الملغاة؛ حيث إنه قد نص على تلك الحدود،
ولا اجتهاد مع النص، أما لو لم ينص على شيء: فإن المصلحة
تدخله ألا ترى أنه إذا رأى الحاكم أن يعزِّر بالقتل، فإنه يجوز له إذا
رأى المصلحة في ذلك.
الدليل الثالث: أن الحكم الشرعي هو: المستند إلى دليل، أو
أي أصل شرعي كالكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، والقياس، ونحو
ذلك، فلو أثبت المجتهد حكما مستنداً إلى مصلحة بدون دليل
شرعي: كان حكما بالعقل المجرد، ووضعا للشرع بالرأي والتشهي،
وهذا ظاهر البطلان.
جوابه:
أنا قلنا بأن المصلحة المرسلة حُجَّة بسبب: أن هناك أدلة قد دلَّت
على ذلك بصراحة، وقد ذكرناها، وتلك الأدلة وهي:
استقراء النصوص الشرعية، واستقراء فتاوى الصحابة وعلماء
الأُمَّة، وكون أننا لو لم نحتج بالمصلحة لخلت كثير من الحوادث بلا
أحكام.
وهذه الأدلة شرعية قد أثبتنا عن طريقها كثيراً من القواعد الأصولية
كحجية القياس، ونجبر الواحد، وصيغ العموم، ونحو ذلك، فلو
كانت تلك الأدلة لا تصلح لإثبات المصلحة والاحتجاج بها للزم أنها
لا تصلح لإثبات أي قاعدة أصولية، وهذا باطل.
ثم إننا قد اشترطنا للعمل بالمصلحة شروطا تبين أن حكمنا
بالمصلحة ليس حكمل بالعقل المجرد، ولا وضعا للشرع بالتشهي
والرأي، بل هو حكم بالشرع، ولا يخرج عن الشرع بأي حال.
(3/1013)

بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة خلاف معنوي؛ حيث إن أصحاب المذهب
الأول والثاني جعلوا المصلحة المرسلة من أدلتهم المعتبرة إلا أن
أصحاب المذهب الثاني قد توسعوا في الاستدلال بها بخلاف
أصحاب المذهب الأول، فقد ضيقوا فيها على حسب تلك الشروط
والقيود - وهو ما رجحناه.
أما أصحاب المذهب الثالث فلم يجعلوا المصلحة المرسلة من
أدلتهم.
وقد تأثر بذلك بعض الفروع الفقهية.
فمثلاً: استدل المحتجون بها على قتل الجماعة بالواحد؛ حيث
قالوا: إنه لو سقط القصاص بالاشتراك لأدى إلى اتساع القتل به،
فيؤدي إلى إسقاط حكمة الردع والزجر، فاقتضت المصلحة قتلهم به.
أما من لم يأخذ بالمصلحة فلم يرى ذلك، بل قال: لا تقتل
الجمامحة بالواحد مستدلأ بقوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) حيث إنها دلَّت على أنه لا يؤخذ بالنفس أكثر من نفس
واحدة.
كذلك استدل بالمصلحة الإمام مالك على أن المرأة البكر لا تغرب
إذا زنت؛ لأن المرأة تحتاج إلى حفظ وصيانة، فإذا غربت بغير
محرم: كان ذلك إغراء لها بالفجور، وتضييع لها، وذلك ينافي
قصد الشارع من وجوب الحد؛ لأنه ما شرع إلا زجراً عن الزنا -.
وإن غربت المرأة بمحرم أدى ذلك إلى عقاب من لم يجرم ومن لا
ذنب له، وإن كلفت أجرته، ففي ذلك زيادة على عقوبتها.
(3/1014)

أما بعض العلماء، فلم يأخذ بالمصلحة هنا، وأوجب التغريب
على المرأة كغيرها مستدلاً بعموم حديث عبادة:
" البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ".
تنبيه: الحق: أنه بعد تتبع واستقراء وتفقد كتب الفقه على
المذاهب الأربعة، فإنه ثبت أن جميع العلماء يستدلون بالمصالح
المرسلة، ولكن تختلف هذه المذاهب في التوسع والتضييق في الأخذ
بها، فبعضهم اشترط للأخذ بها شروطا كما هو في المذهب الأول
الذي قلناه، وبعضهم استدل بها مطلقا كما هو في المذهب الثاني،
قال القرافي - رحمه اللَّه -: " أما المصلحة المرسلة فالمنقول أنها
خاصة بنا، وإذا تفقدت وجدتهم إذا قاسوا وجمعوا، وفرقوا بين
المسألتين لا يطلبون شاهداً بالاعتبار لذلك المعنى الذي به جمعوا
وفرقوا، بل يكتفون بمطلق المناسبة، وهذا هو المصلحة المرسلة،
فهي إذن في جميع المذاهب ".
وقال ابن دقيق العيد: " إنه لا يخلو أي مذهب من اعتباره في
الجملة، ولكن الإمام مالك قد توسع في الأخذ بها، ويليه الإمام
أحمد".
(3/1015)

المبحث السادس في الدليل السادس - من الأدلة المختلف فيها -
سد الذرائع
تعريفه:
الذرائع: جمع ذريعة، وهي لغة: كل ما يتخذ وسيلة وطريقاً
إلى شيء غيره، وسدها: منعها، وحسم مادتها.
وهي في الاصطلاح: كل وسيلة مباحة قصد التوصل بها إلى
المفسدة أو لم يقصد التوصل إلى المفسدة، لكنها مفضية إليها غالباً،
ومفسدتها أرجح من مصلحتها.
فسد الذرائع هو: حسم مادة وسائل الفساد بمنع هذه الوسائل
ودفعها.
أو تقول هي: التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة.
حجية سد الذرائع:
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن سد الذرائع حُجَّة يعمل به، ويستدل به على
إثبات بعض الأحكام الشرعية.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: قوله تعالى: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد حرم سب الأصنام التي يعبدها
(3/1016)

المشركون - مع كون السب حمية لله، وإهانة لأصنامهم - لكون
ذلك السب ذريعة إلى أن يسبوا اللَّه - تعالى -، وكانت مصلحة ترك
مسبته تعالى أرجح من مصلحة سبنا لأصنامهم، فلذلك أمرنا بترك
يسب أصنامهم؛ لأنه يؤدي إلى سب اللَّه تعالى: وهذا هو سد
الذرائع.
الدليل الثاني: أنه أشير على - صلى الله عليه وسلم - بقتل من ظهر نفاقه فقال:
" أخاف أن يقول الناس: إن محمداً يقتل أصحابه "، فلم يرغب
النبي - صلى الله عليه وسلم - في قتل المنافقين مع قيام الداعي لذلك، وذلك سداً للذرائع؛ حيث إنه سيقال: إن محمداً بدأ يقتل أصحابه، فيوجب ذلك النفور عن الإسلام ممن دخل فيه، وممن لم يدخل فيه،
ومفسدة التنفير أعظم من مفسدة ترك قتلهم، ومصلحة التأليف أعظم
من مصلحة القتل.
الدليل الثالث: إجماع الصحابة - رضي اللَّه عنهم -؛ حيث إنه
ثبت في وقائع أنهم استدلوا بسد الذرائع، من ذلك: أن عمر بن
الخطاب نهى عن الصلاة تحت شجرة بيعة الرضوان، ثم قطعها سداً
للذرائع؛ حتى لا يعود الناس إلى أعمال الجاهلية.
وأن بعض الصحابة كعمر، وعليّ، وابن عباس أفتوا بقتل
الجماعة بالواحد، وإنما فعلوا ذلك لئلا يكون عدم القصاص منهم
ذريعة إلى التعاون على سفك الدماء، كل ذلك فعلوه من غير نكير،
فكان إجماعا.
المذهب الثاني: أن سد الذرائع ليس بحُجَّة.
وهو لبعض الشافعية وبعض المتكلمين.
(3/1017)

دليل هذا المذهب:
أن الأدلة قد حُصرت في حديث معاذ وهي: الكتاب، والسُنَّة،
والإجماع المبني عليهما، والاجتهاد، ولا يصح من الاجتهاد إلا
القياس الذي يتضمن المصلحة، وهو مقاس على ما ثبت بالأصول
الثلاثة: الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، أما سد الذرائع فلم يكن
مع تلك الأدلة، إذن لا يحتج به.
جوابه:
إن الأخذ بسد الذرائع راجع إلى الأخذ بالمصلحة المرسلة - يؤيد
ذلك تعريفنا لسد الذرائع - والمصلحة المرسلة التي أخذنا بها هي
المصلحة الملائمة في الجملة لمقاصد الشارع - ولا تخرج عنها كما قلنا
في شروطها - هناك -، وإذا كان سد الذرائع لا تخرج عن مراعاة
المصلحة، والمصلحة حُجَّة، فإنه يجوز الأخذ بسد الذرائع.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ حيث إنه انبنى على الخلاف في اعتبار
الذرائع والقول بسدها، وعدم اعتبارها، وعلى التوسع بالأخذ بها،
والتضييق في اعتبارها خلاف بين الفقهاء في كثير من الفروع الفقهية،
ومنها:
1 - أن الإمام مالك قد استدل بسد الذرائع على أن الشخص لو
مات وعليه زكاة لم يؤدها ولم يوص بإخراجها من الثلث، فإنه لا
يلزم الورثة إخراجها عنه من تركته، لأنه لو ألزمنا الورثة بذلك
لأدى ذلك بأن يترك الإنسان أداء زكاة ماله طول عمره اعتماداً على أن
الورثة سيخرجونها بعد موته، وربما يتخذ ذلك ذريعة للإضرار بهم.
وخالف في ذلك الإمام أحمد والشافعي، حيث ذهبا إلى أنه يلزم
الورثة إخراجها وإن لم يوص المورث بذلك؛ قياسا على دَين
(3/1018)

الآدميين؛ حيث إن الزكاة حق مالي واجب، فلا تسقط بموت من
هو عليه كالدَّين ولا فرق، ولم يأخذ بسد الذرائع؛ لأن القياس
أقوى منه.
2 - أنه لو اشترك جماعة في الصيد، فإن الإمام مالك قال: إنه
يجب على كل واحد منهم جزاء كامل، واستدل بسد الذرائع،
حيث إنه إذا سقط جزاء جملة، ووجب جزاء واحد: كانت العقوبة
سهلة، واتخذ ذلك ذريعة إلى قتل المحرم من الصيد؛ إذ يلجأ كل
من أراد ذلك وهو محرم إلى الاشتراك مع غيره؛ لتخفيف الجزاء عن
نفسه.
أما الإمام الشافعي وأحمد فقد ذهبا إلى أنه يجب جزاء واحد على
الجميع مستدلين بقوله تعالى: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) ،
فأوجب اللَّه المثل، والجماعة قتلت صيداً واحداً، فيلزمهم مثله،
والزائد خارج عنه، فلا يجب، وهو - أيضا - مروي عن بعض
الصحابة، فهذا الاستدلال هو مفهوم الآية، وعمل بعض الصحابة
أقوى من الأخذ بسد الذرائع.
3 - أنه لو تزوج المريض مرض الموت، فإن النكاح غير صحيح
عند الإمام مالك، واستدل بسد الذرائع، لأنه يتهم بقصد الإضرار
بالورثة بإدخال وارث جديد فيمنع منه، حتى لا يتخذ ذريعة للتشفي
من الورثة، وإدخال الضرر عليهم.
أما الإمام أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، فإنهم ذهبوا إلى أن
النكاح صحيح، إلا أنه يكون بمهر المثل فيما إذا أصدقها أكثر من مهر
المثل، واحتج هؤلاء بالقياس، حيث قاسوا النكاح على البيع
والشراء، فكما أن بيعه وشراءه صحيح، فكذلك نكاحه، وقوى
بعضهم ذلك بفعل بعض الصحابة، فهذا أقوى من سد الذرائع.
(3/1019)

المبحث السابع في الدليل السابع - من الأدلة المختلف فيها -
وهو: العرف
تعريفه:
العرف في اللغة: بمعنى المعرفة، وهو ضد النكرة، وهو: كل
ما تعرفه النفس من الخير وتطمئن إليه.
والعرف في الاصطلاح: ما يتعارفه أكثر الناس، ويجري بينهم
من وسائل التعبير، وأساليب الخطاب والكلام، وما يتواضعون عليه
من الأعمال، ويعتادونه من شؤون المعاملات مما لم يوجد في نفيه،
ولا إثباته دليل شرعي.
***
تقسيمات العرف:
ينقسم العرف إلى عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة من أهمها ما يلي:
التقسيم الأول: ينقسم العرف باعتبار من يصدر منه إلى ثلاثة
أقسام:
القسم الأول: العرف العام، وهو: ما تعارف عليه أكثر الناس
في جميع البلدان مثل عقد الاستصناع في أحذية وألبسة، ونحو
ذلك.
(3/1020)

القسم الثاني: العرف الخاص، وهو: ما تعارف عليه أكثر
الناس في بعض البلدان مثل: إطلاق لفظ الدابة على الفرس عند
أهل العراق، بينما ذلك يختلف في مصر.
القسم الثالث: العرف الشرعي، وهو: اللفظ الذي استعمله
الشارع مريداً منه معنى خاصا، مثل " الصلاة "، فإنها في الأصل:
الدعاء، ولكن الشارع أراد بها شيئاً مخصوصا.
التقسيم الثاني: ينقسم العرف باعتبار سببه ومتعلقه إلى قسمين:
القسم الأول: العرف القولي وهو اللفظي، وهو: أن يتعارف
أكثر الناس على إطلاق لفظ على معنى ليس موضوعا له بحيث يتبادر
إلى الذهن عند سماعه من غير قرينة، ولا علاقة عقلية، مثل لفظ
"الدابة "، فإنه في اللغة يطلق على كل ما يدب على الأرض، وقد
خصصه بعضهم بالفرس، وبعضهم بالحمار.
القسم الثاني: العرف الفعلي، وهو: ما كان موضوعه بعض
الأعمال التي اعتادها الناس في أفعالهم العادية، أو معاملاتهم،
مثل: بيع المعاطاة - وهو: أن يقول: أعطني بهذا الدينار خبزاً
فيعطيه ما يرضيه، فهذا بيع صحيح ثبت عن طريق العرف.
حجية العرف:
لقد اختلف في العرف على مذهبين:
المذهب الأول: أن العرف حُجَّة، ودليل شرعي تثبت عن طريقه
الأحكام الشرعية.
ذهب إلى ذلك كثير من العلماء.
وهو الحق، ولكن ليس على إطلاقه، بل هو حُجَّة بشروط هي
كما يلي:
(3/1021)

الشرط الأول: أن يكون العرف عاما أو غالبا.
الشرط الثاني: أن يكون العرف مطرداً أو أكثريا.
الشرط الثالث: أن يكون العرف موجوداً عند إنشاء التصرف.
الشرط الرابع: أن يكون العرف ملزما، أي: يتحتم العمل
بمقتضاه في نظر الناس.
الشرط الخامس: أن لا يعارضه تصريح بخلافه.
الشرط السادس: أن لا يخالف العرف دليلاً شرعيا معتمداً.
فإن توفرت هذه الشروط في العرف كان حُجَّة، أما إن تخلفت أو
تخلف واحد منها فلا يكون حُجَّة.
وقلنا: إنه حُجَّة للأدلة التالية:
الدليل الأول: أنه بعد الاستقراء والتتبع لأحكام اللَّه عَزَّ وجَلَّ
وجدنا أنه سبحانه قد اعتبر العادات - التي هي وقوع المسببات عن
أسبابها العادية - ورتب عليها أحكاما شرعية، فشرع القصاص
والنكاح والتجارة؛ لأنها أسباب للانكفاف عن القتل، وبقاء النسل،
ونماء المال عادة وعرفا.
الدليل الثاني: أن ورود التكاليف بميزان واحد في الخلق يدل على
أن الشارع اعتبر العادات والأعراف المطردة فيهم، ولو لم يعتبرها لما
كان هناك مانع من اختلاف التشريع، واختلاف الخطاب.
المذهب الثاني: أن العرف ليس بحُجَّة، ولا يصلح أن يكون دليلاً
تُبنى عليه الأحكام، وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
هو نفس دليل القائلين: إن سد الذرائع ليس بحُجَّة، وهو أن
(3/1022)

العرف ليس من الأدلة المعتمدة في حديث معاذ، فلا يكون دليلاً
شرعا.
جوابه:
إن العرف راجع إلى الاستحسان الذي سبق حيث قلنا: إن جميع
الأئمة قد أخذوا به على التعريف الأول الذي ذكرناه هناك، وهو:
العدول بحكم المسألة عن نظائرها" لدليل خاص، وقلنا: إن من
أنواعه: الاستحسان بالعرف والعادة، فإذا قلنا: إن الاستحسان
حُجة فينبغي أن نقول: إن العرف حُجَّة ولا فرق بين الموضعين.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ حيث إن اعتبار العرف دليلاً شرعيا كان له
أثره في بعض المسائل الفقهية، ومنها:
1 - أن بيع المعاطاة - وهو: دفع ثمن المبيع للبائع وأخذ المبيع
عن تراض بينهما، دون أن يتلفظ أحدهما بشيء - جائز عند أكثر
العلماء، ودليلهم: العرف؛ لأن البيع قد ورد الشرع بحله مطلقا،
ولم يشترط فيه شيء من الألفاظ، ولم يبين كيفيته، فيرجع ذلك
إلى العرف.
وخالف في ذلك الكثير من الشافعية، وقالوا: لا يجوز بيع
المعاطاة؛ لأن الشارع شرط الرضى لصحة البيع، وهو أمر خفي لا
يعرف إلا بالإيجاب والقبول.
2 - أن الأجير الصانع لعمل ما يستحق أجرة المثل وإن لم تذكر
الأجرة عند العقد إذا كان منتصبا للعمل، هذا عند الإمام أحمد
(3/1023)

وأبي حنيفة مستدلين بالعرف؛ لأن العرف الجاري في هذا يقوم مقام القول
عملاً بالقاعدة: " المعروف عرفا كالمشروط شرطا ".
بينما خالف بعض العلماء في ذلك وقالوا: لا يستحق الأجير شيئا
إذا لم تذكر الأجرة عند العقد، ويعتبر متبرعا؛ لأن صاحب الثوب
مثلاً لم يلتزم للصانع عوضا باللفظ.
(3/1024)

المبحث الثامن في الدليل الثامن - من الأدلة المختلف فيها -
- الاستقراء -
تعريفه:
الاستقراء في اللغة: مأخوذ من قولهم: " قرأت الشيء قرآنا "
أي: جمعته وضممت بعضه إلى بعض، وهو يرجع إلى التتبع،
يقال: " استقرأت الأشياء " إذا تتبعت أفرادها.
تعريفه في الاصطلاح:
وهو في الاصطلاح: تصفح وتتبع الجزئيات ليحكم بحكمها على
كلي يشملها.
أو تقول هو: الاستدلال بثبوت الحكم في الجزئيات على ثبوته في
الأمر الكلي الجامع لتلك الجزلْيات.
هذا عند المناطقة.
أما الأصوليون فيعرفونه بأنه: تتبع الحكم في جزئياته على حالة
يغلب على الظن أنه في صورة النزاع على تلك الحالة.
* * *
أنواعه:
الاستقراء نوعان:
النوع الأول: استقراء تام، وهو: ثبوت الحكم في كلية بواسطة
إثباته بالتتبع والتصفح بجميع الجزئيات ما عدا صورة النزاع.
(3/1025)

النوع الثاني: استقراء ناقص، وهو: ثبوت الحكم في كلية
بواسطة إثباته بالتتبع والتصفح لأكثر الجزئيات ما عدا صورة النزاع.
حجيته:
النوع الأول من نوعي الاستقراء، وهو الاستقراء التام اتفق
العلماء على حجيته؛ لكونه يفيد القطع؛ حيث إنه ثبت عن طريق
استقراء جميع الجزئيات.
وأما النوع الثاني - وهو: الاستقراء الناقص - فقد اختلف العلماء
في حجيته على مذهبين:
المذهب الأول: أنه حُجَّة، أي: أن الاستقراء الناقص يفيد الحكم
ظنا.
وهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لأن تصفح وتتبع أكثر
الجزئيايت مع تماثلها في الأحكام يوجد ظنا غالبا بأن حكم ما بقي من
الجزئيات - وهو قليل - كذلك؛ حيث إنه معلوم: أن القليل يلحق
بالكثير الغالب والعمل بالظن الغالب واجب، لما روي عن النبي
- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " نحن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر "، وهذا وإن كان واردأ في صيغة الخبر، لكن المراد به الأمر، فالحديث أثبت أن العبرة بالظاهر، والظاهر هو: أن حكم الباقي الذي لم يتتبع ولم يستقرأ كحكم غيره مما تتبع واستقرئ، وعلى هذا يجب اعتبار
الاستقراء حُجَّة عملاً بهذا الظاهر، فكان حجة يجب العمل به.
وانما قلنا: إن الاستقراء الناقص يفيد الحكم ظنا، ولا يفيده قطعا؛
لجواز أن يكون حكم ما لم يستقرأ بخلاف حكم ما استقرئ، فنظراً
إلى هذا الاحتمال الضعيف قلنا: إنه يفيد الحكم ظنا.
(3/1026)

المذهب الثاني: أن الاستقراء ليس بحُجَّة، فلا يفيد الحكم قطعا
ولا ظنا، وهو مذهب فخر الدين الرازي وبعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أنه يجوز اختلاف الجزئيات في الأحكام، واستقراء بعض
الجزئيات - وإن كثرت - وترك بعض الجزئيات الآخر يعتبر استقراء
جزئي، لا يثبت ذلك الحكم في الباقي المتروك؛ نظرا لجواز أن
يكون حكم الأجزاء التي لم تستقرأ مخالفا لما استقرئ، فينتج: أن
الحكم على الباقي بواسطة هذا الاستقراء باطل.
جوابه:
إن هذا الاحتمال الذي ذكرتموه هو الذي جعلنا نقول: إن
الاستقراء الناقص يفيد الحكم ظنا؛ إذ لولا هذا لقلنا: إنه يفيده
قطعا، فالباقي الذي لم يستقرأ قليل، والذي تم استقراؤه كثير،
والقليل النادر ملحق بالغالب الكثير - كما قلنا - فهذا يوجد ظنا عند
المجتهد بأن حكم الباقي يماثل حكم ما استقرئ، فنحن نظرنا إليه من
هذه الحيثية.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي، حيث إنه انبنى على اعتماد الاستقراء وكونه
حُجَّة خلاف في بعض الفروع، منها:
1 - أن أكثر مدة النفاس ستون يوما، وهو مذهب الإمام الشافعي
وكثير من أصحابه، ودليلهم: الاستقراء؛ حيث إنه قد وجد - بعد
الاستقراء والتتبع - أن بعض النساء يرين النفاس هذه المدة،
والاعتماد في هذا الباب على الوجود.
(3/1027)

وخالف في ذلك أبو حنيفة، وأحمد في المشهور عنه، وكثير من
أتباعهم، فذهبوا إلى أن أكثر النفاس أربعون يوما، ولم يحتج
هؤلاء بالاستقراء، بل احتجوا بما صح عن أم سلمة أنها قالت:
"كانت النفساء تجلس على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - أربعين يوما وليلة ".
2 - أن أكثر مدة الحمل أربع سنوات، وهو مذهب جمهور
العلماء، ودليلهم الاستقراء؛ حيث إنا نرجع فيما لم ينص على
حكمه إلى الوجود، وقد وجد الحمل لأربع سنوات كنساء بني
عجلان.
وخالف في ذلك أبو حنيفة وكثير من أصحابه، حيث ذهبوا إلى
أن أكثر مدة الحمل سنتان، وحجتهم قول الصحابي؛ حيث روي
عن عائشة قولها: الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين، ولو
فلكة مغزل.
(3/1028)

الباب الرابع في الألفاظ ودلالتها على الأحكام
ويشتمل على الفصول التالية:
الفصل الأول: في اللغات.
الفصل الثاني: في الدلالة، وتقسيم اللفظ.
الفصل الثالث: في الاشتقاق.
الفصل الرابع: في الاشتراك.
الفصل الخامس: في الترادف.
الفصل السادس: في التأكيد والتابع.
الفصل السابع: في الحقيقة والمجاز.
الفصل الثامن: في تعارض ما يخل بالفهم.
الفصل التاسع: في النص، والظاهر، والمجمل، وما يتعلق بها.
الفصل العاشر: في حروف المعاني.
الفصل الحادي عشر: في الأمر والنهي.
الفصل الثاني عشر: في العموم والخصوص.
الفصل الثالث عشر: في المطلق والمقيد.
الفصل الرابع عشر: في المنطوق والمفهوم.
(3/1029)

الفصل الأول في اللغات
ويشتمل على المباحث التالية:
المبحث الأول: في تعريف اللغة، واللفظ، والكلام، والنطق،
والقول، وسبب وضع اللغات.
المبحث الثاني: دلالة اللفظ على معناه هل هي بالوضع، أو لمناسبة
طبيعية بين اللفظ والمعنى؟
المبحث الثالث: في مبدأ اللغات، أي: اللغات هل هي توقيفية أو
اصطلاحية؟
المبحث الرابع: هل يجري القياس في اللغة؟
(3/1031)

المبحث الأول في تعريف اللغات، واللفظ، والكلام، والنطق
والقول، وسبب وضع اللغات
أولاً: تعريف اللغات:
اللغات جمع لغة، واللغة أصلها لغوة على وزن فعله، من
لغوت إذا تكلمت.
وهي: اسم لضرب مخصوص من ترتيب الحروف الدالة على
المعاني بحكم الوضع.
وإنما شرطنا كونها حروفا ودلالتها بحكم الوضع؛ لأن هناك أمورا
تدل على شيء ولا يسمى ذلك لغة؛ نظراً لعدم وجود الحروف فيها
كالضحك، فإنه يدل على الفرح، والبكاء يدل على الحزن،
وصياح الديك يدل الدجاجة على استدعائها لالتقاط الحب، وكل
ذلك لا يُسمَّى لغة.
واللغة العربية تختلف عن بقية اللغات من الإنجليزية، والهندية،
والتركية باختلاف ترتيب تلك الحروف؛ حيث إن أهل كل لغة رتبوا عين
هذه الحروف، لكن ترتيبا مخالفا للآخر، وتركيبا مباينا لتركيب الآخر.
ثانيا: تعريف الكلام:
الكلام مأخوذ من الكلم، وهو: الجرح الذي يؤثر في نفس
المجروح، ومن كلم غيره فقد أثر في قلبه بتفهيم غرضه ومقصده،
فيسمى ذلك كلاما.
ثالثاً: تعريف اللفظ:
اللفظ، أصله: الرمي لغة، يقال: " لفظت الناقة " إذا رمت ما
في فمها، فالواحد منا إذا تكلم فكأنه يرمي، فسمي قوله لفظا.
(3/1033)

وهو في الاصطلاح: صوت معتمد على بعض مخارج الحروف؛ لأن
الصوت كالشيء المرمي به؛ نظراً لخروجه من الفهم، فهو ملفوظ.
رابعا: تعريف النطق:
النطق: إحكام العبارة، سُمِّيت " المنطَقَة "، و "المنطَق "،
و"النِّطاق " بذلك؛ لأنه حزام يشد به الرجل وسطه ويحكمه.
خامسا: تعريف القول:
القول لغة: مجرد النطق، وهو في الاصطلاح: لفظ وضع
لمعنى ذهني.
وهو أخص من اللفظ؛ لأن اللفظ يشمل اللفظ المهمل، واللفظ المستعمل
فالقول لما عرفناه بأنه وضع لمعنى أخرج المهمل؛ لأنه لا معنى له.
سادسا: سبب وضع اللغات:
لما خلق اللَّه عَزَّ وجَل الإنسان الواحد، فإنه غير مستقل بمصالح
معاشه، فيحتاج إلى مشاركة شخص آخر من نوعه يجري بينهما
تعارف وتعاون على جلب غذاء، ولباس، ومسكن، وصناعة،
ولا يمكن هذا من غير تفاهم بينهما، فاحتاجا إلى لغة يتفاهمان
عليها، ويعرف كل واحد منهما غرض الآخر بواسطة هذه اللغة،
فكان لا بد من لغة ولفظ.
وقلنا ذلك؛ لأن اللفظ أفيد شيء من الأمور التي قد يتفاهم بها
بعضهم كالمثال والإشارة، ذلك لعموم اللفظ؛ حيث يمكن أن يعبر
باللفظ عن الشاهد، والغائب، والموجود، والمعدوم، والمحسوس،
والمعقول.
أما الإشارة والمثال، فإنه لا يكون فيهما ذلك؛ حيث لا يمكن
الإشارة إلى الغائب والمعقول، والمعدوم، وليس لكل شيء مثال.
(3/1034)

المبحث الثاني في دلالة اللفظ على معناه هل هي بالوضع
أو لمناسبة طبيعية بين اللفظ والمعنى؟
لقد اتفق العلماء في أن الالفاظ المتداولة المستعملة في اللغة دالة
على معانيها.
ولكن اختلفوا في هذه الدلالة - أي: دلالة اللفظ على المعنى -
هل هي بالوضع أو لمناسبة بين اللفظ والمعنى؛ على مذهبين:
المذهب الأول: أن دلالة الألفاظ على معانيها بالوضع.
وهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لأنا نعلم أنه ليس بين اللفظ
ومعناه علاقة طبيعية تقتضي اختصاص ذلك اللفظ بذلك المعنى في
الدلالة، ومما يؤيد ذلك: أن اللفظ الواحد قد يطلق على معنيين كل
واحد منهما ضد للآخر وقد وقع، فلفظ " الجون " يطلق على
الأسود والأبيض، ولفظ (القرء) يطلق على الحيض، والطهر،
ولفظ " الجلل " يطلق على الكبير والصغير.
ولو كان بين اللفظ ومعناه علاقة طبيعية لما جاز إطلاق اللفظ
الواحد على إطلاق كل واحد منهما ضد الآخر؛ لأن اللفظ الواحد
لا يكون مناسبا بطبعه لشيء ولضده.
المذهب الثاني: أن دلالة اللفظ على معناه؛ لمناسبة طبيعية بين
اللفظ ومعناه.
(3/1035)

وهو مذهب عبَّاد بن سليمان الصيمري المعتزلي (ت 250 هـ) .
دليل هذا المذهب:
أنه لو لم يكن بين اللفظ والمعنى مناسبة طبيعية لكان اختصاص
اللفظ بالمعنى المخصوص من بين سائر الألفاظ، واختصاص المعنى
المخصوص بذلك اللفظ من بين سائر المعاني تخصيصا بلا مخصص.
وهذا لا يجوز، لذلك لا بد أن تكون بين اللفظ والمعنى مناسبة
طبيعية.
جوابه:
إن الواضع قد خصص بعض الألفاظ ببعض المعاني والمدلولات؛
نظراً إلى الإرادة المخصصة، فعلى هذا: يكون تخصيص اللفظ
بمعناه، أو المعنى بذلك اللفظ بمخصص وهو: الإرادة فلم يصح ما
قاله.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي؛ حيث إنه لم تتأثر الأحكام الفقهية بذلك.
(3/1036)

المبحث الثالث في مبدأ اللغات أي: هل اللغات توقيفية أو اصطلاحية؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أنه يجوز أن تكون اللغات كلها توقيفية، ويجوز
أن تكون كلها اصطلاحية، ويجوز أن يكون بعض هذه اللغات
توقيفي، وبعضها اصطلاحي، فإن جميع ذلك محتمل وممكن.
ذهب إلى ذلك القاضيان: أبو بكر الباقلاني، وأبو يعلى، وكثير
من أهل التحقيق.
وهو الحق عندي؛ لأن الاستدلال على كونها توقيفية، أو
اصطلاحية، أو احتمال الأمرين يكون إما عن طريق العقل، أو عن
طريق الواقع.
أما العقل، فإنه يجوز الأمور الثلاثة؛ حيث إن العقل متصور
لجميع هذه الأمور، فهي ممكنة وليست ممتنعة، " بحيث لو فرض
وقوعه فإنه لا يلزم عنه محال لذاته، بيان ذلك:
أن العقل يجوز كونها توقيفية؛ لأن اللَّه قادر على أن يخلق للناس
العلم بهذه الأسماء والألفاظ، ويسمعها بعضهم أو جميعهم،
ويخبرهم بأن هذه الأسماء قصدت للدلالة على مسمياتها ومعانيها.
والعقل - أيضا - يجوز كونها اصطلاحية، بأن واحداً قد انبعثت
(3/1037)

داعيته، أو جماعة انبعثت دواعيهم إلى وضع هذه الألفاظ بإزاء
معانيها، ثم حصل تعريف الباقين بالإشارة والتكرار كما يفعل
الوالدان بالولد الرضيع.
والعقل - أيضا - يجوز كون بعضها توقيفي، وبعضها الآخر
اصطلاحي؛ لأنه إذا أمكن كل واحد من القسمين أمكن التركيب
منهما جميعاً.
أما الواقع عن هذه الأقسام فلا يمكن إلا ببرهان عقلي، أو نقل
وسمع قاطع، وهذا باطل؛ لأن العقل لا مجال له في اللغات
ليستدل عليها به، ولعدم وجبرد النقل والسمع القاطع.
فلم يبق إلا الظن، والظن داخل في جميع الأمور الثلاثة بالمساواة
- وهي كونها توقيفية، وكونها اصطلاحية، وبعضها توقيفي وبعضها
اصطلاحي - فلا يمكن ترجيح أحدها على الباقي؛ لانه ليس كل
واحد منها بأوْلى من الآخر، فلم يحصل الجزم بواحد منها.
المذهب الثاني: أن اللغات توقيفية، أي: أن الواضع هو الله عَز
وجَل، ووضعه متلقى من جهته إما بالوحي، أو بأن يخلق الله
تعالى لواحد، أو لجماعة من الخلق العلم بأن هذه الألفاظ واللغات
قصدت للدلالة على المعاني.
وهو مذهب أبي الحسن الأشعري، والظاهرية، وأبي بكر بن
فورك، وبعض المتكلمين، وبعض الفقهاء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا) .
وجه الدلالة: أن اللغات لو لم تكن توفيفية لكانت مصطلحة
(3/1038)

ولا ثالث لهما، وإذا كانت اصطلاحية تكون بوضع آدم - عليه السلام -
وإذا كان كلذلك لم يحتج إلى تعليم من عند الله، ولكن هذه الآية
دلَّت على أن آدم والملائكة لا يعلمون إلا بتعليم اللَّه تعالى، وأن الله
قد علمهم جميع الأسماء، ثم تناقلت ذرية آدم تلك الأسماء، فلم
يكونوا بحاجة إلى اصطلاح فقد أوقفوا عليها.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن هذا الدليل ليس صريحا بأن اللغات توقيفية؛
حيث إنه يتطرق إليه عدة احتمالات:
الاحتمال الأول: أن المراد بالتعليم هو الإلهام، فيكون اللَّه قد
ألهم آدم الحاجة إلى الوضع، فوضع آدم اللغات بتدبيره وفكره،
ونسب ذلك إلى تعليم اللَّه تعالى؛ لأنه الهادي والمرشد والملهم
ومحرك الداعية.
الاحتمال الثاني: أن المراد أنه علمه الأسماء الموجودة في زمان آدم
- عليه السلام - مثل: السماء، والأرض، والجنة، والنار دون
الأسامي التي حدثت مسمياتها بعد آدم من الحرف والصناعات
والآلات.
الجواب الثاني: أن المراد من الأسماء في الآية: سمات الأشياء
وخصائصها مثل: أن يقال: إنه تعالى علم آدم أن الخيل تصلح للكر
والفر، وأن الجمل للحمل، فإن الاسم مأخوذ من السمة على رأي
الكوفيين، أو مأخوذ من السمو على رأي البصريين وعلى التقديرين
فكل ما يعرف ماهيته، ويكشف عن حقيقته كان اسما، وأما
(3/1039)

تخصيص لفظ الاسم بهذه الألفاظ فهو عرف حادث، وهو عرف
النحاة.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ) .
وجه الدلالة: أن اللَّه قد ذمهم على تسميتهم بعض الأشياء ببعض
الأسماء من غير توقيف، فلو لم يكن ما جعل دالا على غيرها من
الأسماء توقيفا لما صح الذم.
جوابه:
أن الذم للاعتقاد، أي: الذم لإطلاقهم لفظ " الإله " على
الصنم مع اعتقاد تحقق مسمى الإلهية فيها، ولم يكن الذم لتسميتهم
بأسمائها.
الدليل الثالث: أنه لو كانت اللغات اصطلاحية لاحتاج في
تعليمها إلى اصطلاح آخر ويتسلسل، أي: أن الاصطلاح لا يتم ولا
يمكن إلا بواسطة خطابات يخاطب بعضهم بعضا بها، وهذا لا يمكن
إلا عن طريق لفظ يعلمه كل واحد من هؤلاء المجتمعين قبل الاجتماع
لوضع تلك الاصطلاحات، فلزم من ذلك التسلسل وهو ممتنع.
جوابه:
لا نسلم أن التعليم منحصر في الاصطلاح والتوقيف، بل التعليم
يكون بالترديد والقرائن كتعليم الأبوين الأطفال لغتهما بالترديد
والقرائن.
المذهب الثالث: أن اللغات اصطلاحية.
وهو مذهب أبي هاشم المعتزلي، وبعض المتكلمين.
(3/1040)

دليل هذا المذهب:
إنه لا يمكن للمخاطب، أو أي أحد من الناس أن يفهم التوقيف
الوارد من اللَّه تعالى إلا إذا كان عارفا - من قبل - بلفظ صاحب
التوقيف باصطلاح سابق، فيكون الأصل الاصطلاح.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: هو نفس الجواب السابق عن الدليل الثالث من
أدلة أصحاب المذهب الثاني.
الجواب الثاني: أنه قد يخلق علم ضروري في عاقل بأنه تعالى
ألهم العاقل بأن واضعا وضع هذه الألفاظ بإزاء تلك المعاني.
بيان نوع الخلاف:
لقد اختلف في هذا الخلاف هل هو لفظي أو معنوي؛ على قولين:
القول الأول: أن الخلاف لفظي لا ثمرة له.
وهو ما ذهب إليه الغزالي، والأبياري، وابن السبكي تاج
الدين، وابن أبي شريف، وغيرهم.
وهو الصحيح عندي؛ إذ لا يترتب، على هذا الخلاف معرفة عمل
من أعمال الشريعة، وذكرت هذه المسألة في كتب الأصول لأحد
أمرين:
أولهما: تكميل العلم بهذه الصناعة؛ لأن معظم النظر فيها يتعلق
بدلالة الصيغ، أو جواز قلب ما لا تعلق له بالشرع فيها كتسمية
الفرس ثوراً، والثور فرسا، ونحو ذلك.
-
(3/1041)

ثانيهما: أنها تجري مجرى الرياضيات التي يرتاض العلماء بالنظر
فيها كمسائل الجبَر، فتكون من رياضيات أصول الفقه، بخلاف
مسألة: الأمر للوجوب، أو النهي يقتضي الفساد فهي من ضروراته.
القول الثاني: أن الخلاف فيها معنوي له ثمرة وفائدة.
ذهب إلى ذلك الماوردي وبعض العلماء.
ولكن اختلف أصحاب هذا القول في نوع هذه الفائدة على آراء،
إليك ذكرها مع الجواب عنها:
الرأي الأول: أن فائدة الخلاف في هذه المسألة أن من قال
بالتوقيف جعل التكليف مقارنا لكمال العقل، ومن قال بالاصطلاح
أخر التكليف عن العقل مدة الاصطلاح على وضع الألفاظ لمعانيها.
جوابه:
إن هذا وإن تصوِّر عقلاً إلا أنه لا وقوع له في الفروع، إذ أن
الفريقين متفقان في النهاية.
الرأي الثاني: أن فائدة البحث في هذه المسألة: النظر في جواز
قلب اللغة، فالقائلون بالتوقيف يمنعونه مطلقا، والقائلون
بالاصطلاح يجوزونه إلا أن يمنع الشرع منه، ومتى لم يمنع كان
للشيء اسمان، أحدهما متوقف عليه، والآخر متواضع عليه.
جوابه:
إن هذا لا تعلُّق له بالشرع.
الرأي الثالث: أن فائدة الخلاف في هذه السألة: أنه يجوز
التعلق باللغة لإثبات حكم الشرع من غير رجوع إلى الشرع، وهو
ما ذهب إليه أكثر الحنفية وبنو عليه: أن حكم الرهن: الحبس؛ لأن
(3/1042)

اللفظ ينبئ عنه، أما عند أكثر العلماء، فإنه لا يجوز التعلق باللغة
لإثبات الحكم الشرعي، وهو الصحيح عندي؛ لأن الواضعين في
الأصل كانوا جهالاً وضعوا عبارات لمعبرات، لا لمناسبات، ثم
استعملت وصارت لغة.
جوابه:
إن هذا لا يمكن تصوره؛ لأن الأحكام الشرعية لا تؤخذ إلا من
الشرع فقط، أما اللغة فلا تفيد شيئاً قبل مجيء الشرع.
الرأي الرابع: أن فائدة الخلاف في هذه المسألة أنه يتخرج عليها
الخلاف في جريان القياس في اللغات المشتقة الصادرة عن معان
معقولة، فمن قال: إن اللغات توقيفية منع جريان القياس في
اللغات؛ لأنه إذا كان الأصل لا يعلم إلا بتوقيف، فكذا ما في معناه.
جوابه:
لا نسلم أن البحث في مسألة " هل يجري القياس في اللغة "
متوقف، على مسألتنا هذه؛ لأنه يمكن أن يقال: إن الخمر إنما سميت
خمراً لمخامرتها العقول بأي طريق، سواء كان توقيفيا أم اصطلاحيا،
فوجدنا الاسم دار مع المخامرة وجوداً وعدما، ثم وجدنا النبيذ
كذلك هل يسمى خمراً أو لا؟
الرأي الخامس: أن فائدة الخلاف في هذه المسألة: أنه يتخرج
عليه مسائل في الفقه، ومنها:
1 - المسألة المعروفة بمهر السر والعلانية، وهي: ما إذا تزوج
الرجل امرأة بألف، وكانا قد اصطلحا على تسمية الألف بالألفين،
فهل الواجب ألف وهو ما يقتضيه الاصطلاح اللغوي، أو ألفان؛
(3/1043)

نظراً إلى ما يقتضيه الوضع الحادث؛ فيه خلاف، هذا الخلاف مبني
على الخلاف في مسألتنا هذه.
2 - إذا تبايعا بالدنانير، وسميا ذلك بالدراهم هل يجوز؛ فيه
خلاف، وهو مبني على الخلاف في هذه المسألة.
جوابه:
الحق: أنه لا يتخرج شيء من ذلك على هذه القاعدة كما قال ابن
السبكي، والسبب: أن مسألتنا التي نحن بصددها في أن اللغات
هذه الواقعة بين أظهرنا هل هي بالاصطلاح أو التوقيف بصورة عامة،
لا في شخص خاص اصطلح مع صاحبه على تغيير الشيء عن
موضعه كتغيير الألف بالألفين، والدنانير بالدراهم.
وهذه الفروع التي ذكرها أصحاب هذا الرأي - وهو الرأي
الخامس - تتخرج على قاعدة أخرى وهي: " الاصطلاح الخاص هل
يرفع الاصطلاح العام أو لا؟ "
فيه خلاف، فالتبس على هؤلاء الأمر.
(3/1044)

المبحث الرابع في هل يجري القياس في اللغة؟
تحرير محل النزاع:
أولاً: أسماء الأعلام كمحمد وزيد قد أجمع العلماء على أنه لا
يجري القياس فيها؛ لأنها غير موضوعة لمعان موجبة لها، وليست
معقولة المعاني.
ثانياً: أسماء الصفات كالعالم والقادر، فقد أجمع العلماء على
أنه لا يجري القياس فيها؛ لأنها واجبة الاطراد؛ نظراً إلى تحقق
معنى الاسم؛ لأن مسمى العالم - مثلاً - من قام به العلم، وهو
متحقق في حق كل من قام به العلم، فكان إطلاق اسم العالم عليه
ثابتا بالوضع، لا بالقياس؛ لأنه ليس قياس أحد الجزئين المتماثلين
في المسمى على الآخر أوْلى من العكس.
ثالثا: أسماء الأجناس والأنواع الموضوعة على مسمياتها مستلزمة
لمعان في محالها وجوداً وعدماً قد اختلف العلماء فيها هل يجري فيها
القياس؟
مثل إطلاق اسم " السارق " على النباش بواسطة مشاركته
للسارقين من الأحياء في أخذ المال على سبيل الحقيقة.
ومثل: إطلاق اسم " الخمر " على النبيذ بواسطة مشاركته
للمعتصر من العنب في الشدة المطربة المخمرة على العقل.
(3/1045)

فهل يجوز إطلاق اسم " السارق " على " النباش " قياسا بعلة
أخذ مال الغير بخفية، وهل يجوز إطلاق اسم " الخمر " على النبيذ
قياساً بعلة الإسكار والتخمير؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: يجوز إثبات اللغة بالقياس، فيجوز أن يُسمَّى
النباش سارقا، والنبيذ خمراً.
ذهب إلى ذلك بعض المالكية كابن التمار، وأكثر الشافعية كابي
إسحاق الشيرازي، وابن سريج، وابن أبي هريرة، وحكي أنه نص
الإمام الشافعي، وهو قول أكثر علماء العربية كالمازني، وأبي علي
الفارسي، وابن درستويه؛ وهو اختيار أكثر الحنابلة كالقاضي أبي
يعلى، والقاضي يعقوب، وابن قدامة، وهو مذهب أكثر الفقهاء.
وهو الراجح عندي لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول -: قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) .
وجه الدلالة: أن الاعتبار رد الشيء إلى نظيره بضرب من الشبه،
وهذا عام في إثبات الأحكام، وإثبات الأسماء.
الدليل الثاني: أن الاسم يدور مع الوصف وجوداً وعدماً - وهذا
هو الدوران - والدوران يفيد ظن العلية، فيحصل بذلك ظن أدق
العلَّة لتلك التسمية هو ذلك الوصف، فأينما حصل ذلك الوصف
حصَل ظن كونه مسمى بذلك الاسم، وحينئذ يلزم أن يثبت لتلك
المحال الأحكام المرتبة على ذلك الاسم، فالخمر دار مع الوصف
وهو السكر وجوداً وعدما، أما وجوداً ففي صورة الخمر، وأما
عدما ففي صورة الماء، فوجب أن يُسمى النبيذ أيضا خمراً بالقياس.
(3/1046)

المذهب الثاني: أنه لا يجوز إثبات اللغة بالقياس، فلا يجوز أن
يُسمَّى النبيذ خمراً.
ذهب إلى ذلك أكثر الحنفية، وبعض المالكية كالباقلاني، وابن
خويز منداد، وابن الحاجب، وكثير من الشافعية كالغزالي،
والآمدي، وإمام الحرمين، وإلكيا الطبري، وابن القشيري،
واختاره بعض المتكلمين، وجماعة من أهل الأدب واللغة، وبعض
الحنابلة كأبي الخطاب.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قوله تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها) .
وجه الدلالة: أنها دلَّت على أنه تعالى علمه جميع الأسماء،
وهذا يدل على أنها توقيفية، فيدل على عدم وجود اسم يفتقر فيه
إلى القياس.
جوابه:
أنا قلنا في المسألة السابقة: إن هذه الآية ليست صريحة في دلالتها
على ذلك، فيجوز أن يكون علمه البعض بالتوقيف، والبعض
بالتنبيه والقياس، والجميع من علم اللَّه تعالى، كما أن الأحكام
الشرعية معلومه من جهة اللَّه تعالى، وإن كنا نعرف بعضها بالنص،
وبعضها بالاجتهاد، ويجوز أن يكون هذا خاصا في حق آدم - عليه
السلام -، ويجوز أن يكون قد علم الجميع بالتوقيف، ومن عداه
يعرف ذلك مرة بالتوقيف ومرة بالقياس، كما أن جهات القبْلة قد
تدرك حساً، وقد تدرك اجتهاداً.
الدليل الثاني: أن وضع اللغة على خلاف مقتضى القياس، بيان
ذلك:
(3/1047)

أنا رأينا العرب يفرقون بين الشيئين المتفقين في الصفة الموضوعة
لذلك، فيقولون للفرس الأبيض: " أشهب "، ولا يقولون ذلك
للحمار الأبيض، ويقولون للفرس الأحمر الذي يميل إلى السمرة
"الكميت "، والذي يميل للسواد: أدهم، ولا يطلقون ذلك على
غيره.
كذلك " القارورة " سميت بهذا الاسم؛ لأنه يستقر فيها الماء،
وهذا المعنى وهو: استقرار الماء حاصل في الحياض والأنهار، ولا
تسمى قارورة، كذلك " الخمر " سميت بهذا الاسم لمخامرتها
العقل، ثم المخامرة حاصلة في الأفيون والحشيش وغيرهما، ولا
يسمى خمراً.
فيعلم من ذلك كله أن المرجع في اللغة إلى الوضع دون القياس.
جوابه:
إن غاية ما في هذا الدليل أنكم ذكرتم صوراً لا يجري فيها القياس
وذلك لا يقدح في صحة العمل بالقياس في اللغة، كما أنه حصل
في أحكام الشرع أحكام لا يجري القياس فيها؛ لكونها تعبدية،
ولم يدل ذلك على المنع من القياس في الشرع.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي له أثره في بعض الأحكام الفقهية، ومنها:
1 - أنه بناء على المذهب الأول - وهو جواز إثبات اللغة قياسا -
قالوا: إذ النباش سارق، فيكون قطع يد النباش قد ثبت بالنص؛
حيث يدخل في عموم قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) .
(3/1048)

أما على المذهب الثاني - وهو عدم جواز إثبات اللغة قياسا - فإن
قطع يد النباش لم يثبت بالنص وهو دخوله في عموم قوله:
(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ) .
وإنما ثبت قطع يده عن طريق القياس على السارق بجامع أخذ مال
الغير خفية من حرز مثله.
2 - أنه بناء على المذهب الأول، فإن اللائط زان، فيكون
وجوب الحد عليه ثبت بالنص، وهو قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) .
أما على المذهب الثاني، فإن اللائط لا يُسمى زان، لذلك
اختلف أصحاب هذا المذهب في عقوبة اللائط، فقال بعضهم: إن
عقوبته القتل على كل حال مستندين إلى قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به "،
وقال آخرون: إن عقوبته التعزير على الفاعل والمفعول به؛ لامتناع قياس اللائط على الزاني.
وقال فريق ثالث: إن عقوبته مثل عقوبة الزانى قياسا عليه، فإذا
كان اللائط غير محصن يجلد ويغرب، وإذا كان محصنا يجلد
ويرجم قياساً على الزاني.
3 - أنه بناء على المذهب الأول فإن النبيذ خمر، فيكون وجوب
الحد على شارب النبيذ قد ثبت بالنص، وهو قوله تعالى: (إنما
الخمر والميسر) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"من شرب الخمر فاجلدوه ".
أما على المذهب الثاني، فإن النبيذ لا يسمى خمراً، فيكون
وجوب الحد على شارب النبيذ قد ثبت بالقياس على الخمر.
(3/1049)

الفصل الثاني في الدلالة وتقسيم اللفظ
ويشتمل على المبحثين التاليين:
المبحث الأول: في تعريف الدلالة وأقسامها.
المبحث الثاني: في تقسيم اللفظ.
(3/1051)

المبحث الأول في تعريف الدلالة وأقسامها
ويشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: تعريف الدلالة.
المطلب الثاني: أقسام الدلالة.
المطلب الثالث: في تعريف الدلالة اللفظية الوضعية، وبيان
أهميتها.
(3/1053)

المطلب الأول تعريف الدلالة
الدلالة لغة:
مصدر دلَّ يدل دلالة بفتح الدال وهو أفصح، وروي بكسر الدال،
وروي بضمها.
والجمع: أدلة، وأدلاء، والاسم: الدّلالة بالكسر، والفتح،
والدلولة، والدليلي، قال سيبويه - رحمه اللَّه -؛ والدليلي:
علمه بالدلالة ورسوخه فيها.
والدلالة في الاصطلاح هي:
كون الشيء بحالة يلزم من العلم به العلم بشيء آخر.
وهذا هو أصح التعريفات التي قيلت؛ لأنه يدل على أن هناك
تلازما بين الدال والمدلول، بحيث إذا فهم الدال فهم المدلول.
فالشيء الأول هو: الدال، والشيء الثاني هو المدلول، سواء
كان هذا اللزوم عقليا أو عرفيا دائما أو غيره، وسواء كان كليا أو
جزئيا.
(3/1055)

المطلب الثاني أقسام الدلالة
الدال إما أن يكون لفظا أو غير لفظ، فتنقسم الدلالة - بهذا
الاعتبار - إلى قسمين هما:
القسم الأول: دلالة لفظية..
القسم الثاني: دلالة غير لفظية.
وكل من هذين القسمين ينقسم باعتبار إضافته إلى العقل والطبع
والوضع إلى ثلاثة أقسام هي كما يلي:
القسم الأول: دلالة عقلية، نسبة إلى العقل - والعقل هو: آلة
التمييز والإدراك التي بها تدرك الأشياء.
وسميت بها؛ لأنه ليس للوضع والطبع مدخل فيها.
القسم الثاني: دلالة طبيعية، نسبة إلى الطبيعة، وهي لغة:
السجية، واصطلاحا: مبدأ الآثار المختصة بالشيء، سواء صدرت
بشعور أم لا، وسميت بذلك؛ لدخول الطبع فيه دون العقل والوضع.
القسم الثالث: دلالة وضعية، نسبة إلى الوضع، وهو: جعل
الشيء بإزاء آخر متى علم الأول علم الثاني، وسميت بذلك؛ لأن
للوضع دخلاً تاما في الدلالة بجعل الجاعل.
ووجه انحصار الدلالة في هذه الأقسام الثلاثة هو: أن الدلالة إما
أن تكون مقصودة للدال - وهي التي يسميها العلماء الدلالة الاختيارية
- أو ليست مقصودة له.
(3/1056)

فإن كانت مقصودة فهي الوضعية.
وإن لم تكن مقصودة، فإما أن يمكن تخلفها، أو لا يمكن تخلفها.
فإن أمكن تخلفها: فهي الطبيعية.
وإن لم يكن تخلفها: فهي العقلية.
فإذا ضممنا هذه الأقسام الثلاثة - السابقة الذكر - إلى كون الدلالة
لفظية وغير لفظية: صارت الأقسام ستة هي كما يلي:
القسم الأول: دلالة عقلية غير لفظية كدلالة الدخان على النار،
ودلالة طول الثوب على طول صاحبه.
القسم الثاني: دلالة عقلية لفظية كدلالة الصوت على حياة صاحبه
ووجوده.
القسم الثالث: دلالة طبيعية غير لفظية كدلالة حمرة الوجه على
الخجل، وصفرته على الخوف.
القسم الرابع: دلالة طبيعية لفظية كدلالة لفظ " أخ " على وجع
الصدر ودلالة الأنين على التألم.
القسم الخامس: دلالة وضعية غير لفظية كدلالة الخطوط والعقود
والنصب والإشارات على أصحابها، ومنه: دلالة الخرائط الجغرافية
على البلاد.
القسم السادس: دلالة لفظية وضعية، أي: مستندة إلى وجود
اللفظ والوضع، وفيما يلي بيانها.
(3/1057)

المطلب الثالث
تعريف الدلالة اللفظية الوضعية
وبيان أهميتها
ويشتمل على المسائل التالية:
المسألة الأولى: تعريف الوضع.
المسألة الثانية: تعريف الدلالة اللفظية الوضعية.
المسألة الثالثة: بيان أهمية الدلالة اللفظية الوضعية.
(3/1059)

المسألة الأولى: في تعريف الوضع:
أولاً: الوضع لغة:
جعل اللفظ بإزاء المعنى، مثل: جعل لفظ " زيد " بإزاء جسمه،
فالذي وضع لزيد اسمه يسمى واضعا، وجسمه يسمى موضوعا له،
ولفظ " زيد " يسمى موضوعا، وجعل الاسم بإزاء الجسم يسمى
وضعا.
ثانيا: الوضع اصطلاحا هو:
تخصيص شيء بشيء آخر متى أطلق الشيء الأول: فهم منه
الشىء الثاني، والمراد بالإطلاق: الاستعمال وإرادة المعنى.
***
المسألة الثانية: تعريف الدلالة اللفظية الوضعية:
لقد اختلفت عبارات العلماء في تعريف الدلالة اللفظية الوضعية،
والأَوْلى في تعريفها أن يقال: هي: كون اللفظ بحيث إذا أرسل
فهم المعنى للعلم بوضعه.
وقيل: هي: كون اللفظ إذا أطلق فهم منه المعنى من كان عالما
بالوضع.
وقيل: هي: كون اللفظ بحيث إذا أطلق دلَّ.
وقيل: هي: فهم السامع من الكلام تمام المسمى أو جزئه أو
لازمه.
وهي متقاربة، إلا أن الأول أعمها وأوضحها؛ حيث إن التعبير
(3/1061)

بالإرسال أوْلى من التعبير بالإطلاق؛ لأن المتبادر من الإطلاق ما قرن
بالإرادة، أما الإرسال فهو أعم منه؛ حيث إن اللفظ يدل على معناه
إذا تلفظ به وإن لم يرد به المعنى.
***
المسألة الثالثة: بيان أهمية الدلالة اللفظية الوضعية:
إن الدلالة اللفظية الوضعية هي أهم أقسام الدلالات الستة - التي
ذكرناها سابقاً - ودلَّ على تلك الأهمية أمران:
الأمر الأول: انضباطها، حيث إن الإنسان لما كانت طبيعته تقتضي
التمدن وهو الاجتماع مع بني نوعه لأجل مشاركتهم في العيش
وإعلام أحدهم على ما في قلبه وضميره لصاحبه، والتفاهم مما
يخص المآكل والمشارب، والمعاملات، والتعلم والتعليم؛ لذلك
مست الحاجة إلى الدلالة اللفظية الوضعية للانضباط التي تتميز به،
بخلاف الدلالة الطبيعية والعقلية، فإنهما غير منضبطتين؛ نظراً
لاختلافهما باختلاف الطبائع والعقول والأفهام.
الأمر الثاني: أن تلك الدلالة - وهي الدلالة اللفظية الوضعية -
عامة وشاملة لما يقصد إليه من المعاني؛ حيث إن النفع بها في التعبير
يعم الموجودات والمعدومات في مجال التعلم والتعليم ونحوهما من
مجالات الحياة المختلفة.
والخلاصة: أن الدلالة اللفظية الوضعية هي الوسيلة الأساسية في
تعامل الناس مع بعضهم، وهي تؤدي من الأغراض والمقاصد ما لا
تؤديه أي دلالة من الدلالات، وبذلك تكون تلك الدلالة أهم أنواع
الدلالات، وأعمها نفعا في كسب العلوم.
(3/1062)

المبحث الثاني في تقسيم اللفظ
ويشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: تقسيم اللفظ باعتبار الإفراد والتركيب.
المطلب الثاني: تقسيم اللفظ المفرد.
المطلب الثالث: تقسيم اللفظ المركب.
(3/1063)

المطلب الأول في تقسيم اللفظ باعتبار الإفراد والتركيب
اللفظ الموضوع ينقسم باعتبار الإفراد والتركيب إلى قسمين:
القسم الأول: اللفظ المركب وهو: أن يدل جزء اللفظ الموضوع
على جزء معناه مثل: " زيد قائم "، و " قام زيد "، و " غلام زيد "
و" الحيوان الناطق ".
القسم الثاني: اللفظ المفرد وهو: أن لا يدل جزؤه على جزء
معناه إذا جعل عَلَما للشيء مثل: " زيد "، و " عبد اللَّه " عَلَما،
و" تأبط شراً "، فإن كلًّا منها مفرد؛ لأنه لم يدل جزؤه على جزء
معناه.
(3/1065)

المطلب الثاني في تقسيم اللفظ المفرد
ويشتمل على المسائل التالية:
المسألة الأولى: تقسيم اللفظ المفرد الموضوع لمعنى باعتبار دلالته
بالمطابقة والتضمن والالتزام.
المسألة الثانية: تقسيم اللفظ المفرد باعتبار خصوص المعنى وضمومه.
المسألة الثالثة: تقسيم اللفظ المفرد باعتبار استقلاله بمعناه أو لا.
المسألة الرابعة: تقسيم اللفظ المفرد باعتبار وحدته وتعدده، ووحدة
المعنى وتعدده.
المسألة الخامسة: تقسيم اللفظ المفرد باعتبار حال مدلوله.
(3/1067)

المسألة الأولى: في تقسيم اللفظ المفرد الموضوع لمعنى باعتبار
دلالته بالمطابقة والتضمن والالتزام:
اللفظ إما أن يدل على تمام ما وضع له، أو على جزئه، أو على
الخارج عن مسماه اللازم له في الذهن، وإليك بيان ما يخمتلك
الأقسام فيما يلي:
أولاً: بيان تلك الأقسام مع الأمثلة:
القسم الأول: اللفظ المفرد الدال على تمام المعنى الذي وضع له،
وسمى بـ " دلالة مطابقة " مثل: دلالة لفظ " الإنسان " على الحيوان
الناطق.
وسميت بدلالة المطابقة لتطابق اللفظ والمعنى تمام التطابق كقولهم:
" طابق النعل النعل " إذا توافقتا، فلا زيادة في اللفظ على المعنى
فيكون مستدركا، ولا زيادة للمعنى على اللفظ فيكون قاصراً،
فالمفهوم من اللفظ هو نفس الموضوع له.
القسم الثاني: اللفظ المفرد الدال على جزء معناه الذي وضع له،
وسمى بـ " دلالة تضمن " مثل: دلالة لفظ " الإنسان " على الحيوان
- فقط -؛ حيث إن الحيوان جزء معنى الإنسان، أو دلالة لفظ
"الإنسان " على الناطق - فقط - وهو جزء معناه.
وسميت بدلالة التضمن؛ لأن اللفظ دلَّ على ما في ضمن المسمى.
وهذه الدلالة لا تتحقق إلا في مثال له أجزاء كالأمثلة السابقة.
القسم الثالث: اللفظ المفرد الدال على أمر خارج عن معناه لازم
له، وهذا يسمى " دلالة التزام " مثل دلالة لفظ " الإنسان " على
الضحك، ولفظ " الأسد " على الشجاعة.
(3/1069)

وسميت بدلالة الالتزام؛ لأن اللفظ دلَّ على معنى لازم للمعنى
الذي وضع له اللفظ.
ويشترط في دلالة الالتزام: أن يكون اللازم ذهنيا، وهو اللازم
البين بالمعنى الأخص، وسمَّاها الغزالي في " معيار العلم " بدلالة
الالتزام والاستتباع.
وبعض العلماء يجعلون تلك الأقسام: أقساما للدلالة اللفظية
الوضعية، وهو صحيح، ويصح أن تكون أقساما للفظ الدال
بالوضع كما قلنا، والخلاف في هذا لا أثر له؛ لأن النتيجة واحدة.
ثانياً: خلاف العلماء في هذه الدلالات هل هي لفظية أو عقلية؛
على مذاهب:
المذهب الأول: أن دلالة المطابقة والتضمن والالتزام كلها لفظية
عقلية، وهو مذهب بعض العلماء، وهو الحق عندي؛ لأن دلالة
المطابقة مفهومة من الكلام، فاللفظ يدل على تمام المعنى، ودلالة
التضمن تفهم - أيضا - من اللفظ، فاللفظ يدل على جزء معناه،
ودلالة الالتزام مفهومة من اللفظ.
فكل من الجزء واللازم متلقى من اللفظ وبواسطته.
المذهب الثاني: أن دلالة المطابقة والتضمن لفظيتان، ودلالة
الالتزام عقلية، وهو مذهب الآمدي، وبعض العلماء.
دليل هذا المذهب: أن دلالة المطابقة والتضمن لفظيتان؛ لما سبق
من المذهب الأول، وأن دلالة الالتزام عقلية؛ لأنها تفهم من اللفظ
فهما عقليا.
(3/1070)

جوابه:
إن اللفظ هو الذي دلَّ على ذلك المعنى وإن كان بعيداً، فهو من
لوازمه الذي لا ينفك عنه، إذ لولا اللفظ لما فهمنا ذلك.
المذهب الثالث: أن دلالة المطابقة لفظية وضعية، وأما دلالة
التضمن والالتزام فهما عقليتان، وهو مذهب كثير من الشافعية كفخر
الدين الرازي، وصفي الدين الهندي.
دليل هذا المذهب: أن اللفظ إذا وضع للمسمى انتقل الذهن من
المسمى إلى لازمه، ولازمه إن كان داخلاً فهو التضمن وإن كان
خارجاً فهو الالتزام.
جوابه:
نفس الجواب عن دليل المذهب الثاني.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة لفظي؛ لأننا إذا نظرنا إلى أن الدلالات
الثلاث إنما هي بتوسط وضع اللفظ للمسمى كانت كلها لفظية وضعية
وهذا هو الذي نظرت إليه لما قلت: إنها كلها لفظية.
وإذا نظرنا إلى أن فهم اللازم الداخل، أو الخارج إنما هو بواسطة
الانتقال من المسمى إلى اللازم بقسميه، وهو أمر عقلي كانت المطابقة
لفظية وضعية، والتضمن والالتزام عقليتان، وهو الذي نظر إليه فخر
الدين الرازي والهندي.
فالحاصل: أن فهم كل من الجزء واللازم متلقى من اللفظ
وبواسطته اتفاقاً، وأن من جعل الدلالة عليهما عقلية أراد أن تلك
الدلالة إنما كانت بطريق الانتقال من المسمى الأصلي إلى جزئه، أو
(3/1071)

لازمه وهو عقلي، لا وضعي، وهو لا ينكر أنهما وضعيتان، أي:
أنهما إنما يفهمان بواسطة اللفظ، ووضعه للمسمى الذي هو الكل أو
الملزوم، فاتضج لك أن الخلاف لفظي.
***
المسألة الثانية: تقسيم اللفظ المفرد باعتبار خصوص المعنى
وعمومه:
ينقسم اللفظ بالنسبة إلى خصوص المعنى وعمومه إلى قسمين:
القسم الأول: لفظ يدل على عين واحدة، ويسمى معينا، وخاصا.
ويعرف بأنه اللفظ الذي لا يمكن أن يكون مفهومه إلا ذلك الواحد
المعين كزيد، فإننا إذا سمعنا هذا اللفظ لا نفهم منه إلا ذلك الواحد
المعين الذي سمي به، كذلك قولنا: " هذا الرجل " يشير إلى رجل
معين.
القسم الثاني: لفظ يدل على أشياء كثيرة تتفق في معنى واحد،
ويسمى مطلقاً، ويعرف بأنه اللفظ الذي يتناول واحداً لا بعينه.
أو هو: اللفظ الذي لا يمنع نفس مفهومه من وقوع الاشتراك في
معناه كقولنا: " رجل "، فإن هذا اللفظ يصدق على كل من تتوفر
فيه صفة الرجولة، فلو قال السيد لعبده: " أَكرمْ رجلاً،، فإن
العبد يختار أي واحد من الرجال فيكرمه.
لكن لو أدخلت على لفظ " رجل " " ال " فقلت: " الرجل "
فإن اللفظ يكون عاما يتناول جميع ما يقع عليه ذلك اللفظ.
(3/1072)

المسألة الثالثة: تقسيم اللفظ المفرد باعتبار استقلاله بمعناه أو
عدم ذلك:
ينقسم اللفظ بهذا الاعتبار إلى قسمين:
القسم الأول: اللفظ المفرد غير المستقل بمعناه والمفهوم، وهو:
الحرف مثل: " إن "، و " لا "، و " في "، و " على "، ونحو
ذلك، فإن كلًّا من تلك الحروف لا يستقل بمعناه، أي: لا يفهم
معناه إلا باعتبار لفظ آخر دال على معنى هو متعلق معنى الحرف.
القسم الثاني: اللفظ المفرد المستقل بمعناه، أي: يفهم معناه الذي
وضع اللفظ له بدون اعتبار لفظ آخر دال على معنى، وهذا القسم
نوعان:
النوع الأول: أن يدل بهيئته العارضة له بحسب التصريف على
أحد الأزمنة الثلاثة: " الماضي "، و " المستقبل "، و " الحال "،
وهو: الفعل مثل: " ضرب "، و " اضرب "، و " يضرب ".
النوع الثاني: أن لا يدل بهيئته على أحد الأزمنة وهو: الاسم
وهو:
1 - إما ألا يدل على زمان أصلاً مثل: " السماء، و " الأرض "،
و" الرجل ".
2 - أو دلَّ ولكن لا بهيئته وهو:
(أ) أن يكون مدلوله نفس الزمان مثل: " اليوم "، و "الأمس ".
(ب) أن يكون الزمان جزء مدلوله مثل: الصبوح، والغبوق.
تقسيمات الاسم:
النوع الثاني وهو: الاسم ينقسم إلى " كلي "، و " جزئي ".
(3/1073)

فالكلي هو الذي لا يمنع نفس تصوره من اشتراك كثيرين فيه مثل
الإنسان.
والجزئي هو الذي يمنع نفس تصوره من اشتراك كثيرين فيه مثل
"زيد".
أقسام الكلي:
ينقسم الكلي إلى " متواطئ "، و " مشكك ".
- فالمتواطئ هو الذي يحصل معناه في أفراده الذهنية أو الخارجية
على السوية مثل: " الإنسان "، أو تقول: هو المستوي في الأفراد.
- والمشكك هو: تفاوت الأفراد مثل " البياض " فإنه في الثلج
أشد منه في العاج.
وينقسم الكلي - أيضاً - إلى: " اسم جنس "، و " مشتق ":
- فاسم الجنس هو: أن يدل الاسم على ذات معينة مثل:
" الفرس "، و " الإنسان ".
والمشتق هو: دلالة إلاسم على ذي صفة معينة، دون خصوصية
الماهية مثل: " الفارس "، و " العالم "، فإن هذا يدل على ذات
متصفة بالفروسية والعلم.
أقسام الجزئي:
الاسم الجزئي ينقسم إلى " المستقل "، و " غير المستقل ".
فالاسم الجزئي المستقل هو: العَلَم مثل: " زيد "، وهو الذي
لا يحتاج إلى إضمار.
والاسم الجزئي غير المستقل هو: المضمر مثل: " أنا "، و "أنت "
و"هو".
(3/1074)

خلاف العلماء في المضمر هل هو جزئي أو كلي؛ على مذهبين:
المذهب الأول: أن المضمر جزئي.
وهو مذهب الجمهور، وهو الحق عندي - كما جعلته هنا -،
لأمرين:
أولهما: أن الكلي نكرة، والمضمر أعرف المعارف فلا يكون كليا.
ثانيهما: أنه لو كان كليا لما دلَّ على الشخص، لأن الدال على
الأعم غير دال على الأخص.
المذهب الثاني: أن المضمر كلي، وهو مذهب القرافي،
والأصفهاني وبعض العلماء.
دليل هذا المذهب: أن لفظ " أنا "، و " أنت "، و " هو " صادق
على ما لا يتناهى، فكيف يكون جزئيا؟!
جوابه:
لا نسلم لكم ذلك، بل هو صادق على ما يتناهى، وهو من
يتكلم، أو من يُخاطب، أو المقصود بضمير الغائب.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة لفظي؛ لاتفاق أصحاب المذهبين على أن
تلك الضمائر إنما تستعمل في الجزئيات، ومتى كان كذلك،
فالأقرب أن تكون موضوعة لما تستعمل فيه، غاية الأمر: أن أحد
الفريقين يجعل الاستعمال في الجزئي شرطا في الوضع، والفريق
الآخر يجعل الجزئي الذي يستعمل فيه هو نفس الموضوع له، فلا
خلاف في المعنى، فيكون الخلاف لفظياً.
(3/1075)

المسألة الرابعة: تقسيم اللفظ المفرد باعتبار وحدته وتعدُّده،
ووحدة المعنى وتعدّدِه:
اللفظ والمعنى إما أن يتحدا، أو يتكثرا، أو يتكثر اللفظ ويتحد
المعنى، أو يتحد اللفظ ويتكثر المعنى، فهذه أربعة أقسام، ولكل
قسم اسم معين، وإليك بيانها:
القسم الأول: أن يتحد اللفظ والمعنى، وهو: المنفرد، وسمي
بذلك لانفراد لفظه بمعناه، وهو: إما كلي، أو جزئي، وقد سبق
بيانه.
القسم الثاني: أن يتعدَّد اللفظ، ويتعدَّد المعنى، وهي: الألفاظ
المتباينة، وسميت بذلك؛ لأن كل واحد منها مباين للآخر، أي:
مخالف له في معناه، وهو نوعان: " المعاني المنفصلة "، و " المعاني
المتصلة".
فالمعاني المنفصلة مثل: الإنسان، والفرس، والسواد، والبياض.
والمعانى المتصلة باعتبارات هي كما يلي:
الاعتبار الأول: اعتبار أن أحدهما جزء للآخر مثل: الحيوان
والفرس.
الاعتبار الثاني: اعتبار أن أحدهما ذات والآخر صفة مثل:
"الإنسان "، و " الكاتب ".
الاعتبار الثالث: اعتبار أن أحدهما صفة، والآخر صفة الصفة
مثل: " الناطق "، و " الفصيح ".
القسم الثالث: أن يتكثر اللفظ، ويتحد المعنى، ويُسمى
"المترادفة" مثل: " الإنسان والبشر "، و " الليث والأسد ".
(3/1076)

القسم الرابع: أن يتحد اللفظ، ويتكثر المعنى - عكس الثالث -.
وهذا نوعان:
النوع الأول: أن يوضع اللفظ لتلك المعاني وضعا أولاً، وهذا
هو المشترك مثل: لفظ " العين " وضع للجارية، والباصرة،
والذهب بالوضع الأول.
النوع الثاني: أن يوضع اللفظ لأحد المعاني، ثم نقل إلى الثاني،
وهذا فيه تفصيل:
فإن وضع لأحد المعاني ثم نقل لغيره بدون علاقة، فإنه يُسمَّى
"المرتجل "، وقد يطلق عليه - أيضا - " المشترك " مثل: " جعفر "
الذي جعل عَلَماً لشخص إنساني.
وإن وضع لأحد المعاني ثم نقل إلى غيره لعلاقة واشتهر اللفظ في
الثاني سمي اللفظ بالنسبة إلى المعنى الأول منقولاً عنه، ويسمى
اللفظ بالنسبة إلى المعنى الثاني منقولاً إليه.
ثم المنقول هذا له أسماء هي كما يلي:
المنقول الشرعي: إن كان الناقل هو الشرع كالصلاة، فإنها في
اللغة: الدعاء، ثم نقل الشرع ذلك إلى ذات الأركان لعلاقة.
المنقول العرفي: إن كان الناقل هو العرف العام مثل: " الدابة "
فإنها اسم لما يدب على الأرض، ثم نقل ذلك العرف العام إلى ذات
الحافر.
المنقول الاصطلاحي: إن كان الناقل هو العرف الخاص كاصطلاح
أهل الأصول مثل: القياس، والقلب، والركن، واصطلاح أهل
النحو مثل: الرفع، والنصب.
(3/1077)

هذا إن اشتهر في الثاني وأصبح مهجوراً في الأول.
أما إن لم يشتهر في الثاني، ولم يكن مهجوراً في الأول، فإن
اللفظ يسمى حقيقة بالنسبة إلى الأول، مجازاً بالنسبة إلى الثاني مثل:
" الأسد " بالنسبة إلى الحيوان المفترس، والرجل الشجاع.
بيان ما هو نص، وظاهر، ومجمل، ومؤول من الأقسام الأربعة
السابقة.
اعلم أن الأقسام الثلاثة الأولى - متحد اللفظ والمعنى، ومتكثر
اللفظ والمعنى، ومتكثر اللفظ متحد اللفظ - نصوص؛ وذلك لأن
لكل واحد منها معنى معيناً متحداً، وهو معنى النص، أو تقول:
لاتحاد المعنى بدون احتمال الغير.
وأما القسم الرابع - وهو: متحد اللفظ متكثر المعنى - فلا يخلو:
إما أن تكون دلالته على كل واحد من معانيه الكثيرة على السوية،
فهذا هو: المجمل مثل " القرء " بالنسبة إلى الطهر والحيض.
وإن ترجح أحد المعاني دون الأخرى فهذا هو: الظاهر.
وهو بالنسبة إلى المعنى الذي هو مرجوح الدلالة: مؤول.
وهذا مثل " المنقول "، فإنه بالنسبة إلى المنقول إليه ظاهر،
وبالنسبة إلى المنقول عنه مؤول.
بيان وجه الاتفاق بين النص والظاهر ووجه الافتراق والقدر المشترك:
النص والظاهر يتفقان في رجحان الإفادة، ويفترقان في أن النص
ْراجح مانع من الغير -، أما الظاهر فهو راجح لا يمنع من الغير.
والقدر المشترك بينهما يُسمَّى بالمحكم، فالمحكم هو: " ما يتضح
معناه".
(3/1078)

بيان وجه الاتفاق بين المجمل والمؤول ووجه الافتراق والقدر المشترك:
المجمل والمؤول يتفقان في عدم الرجحان، ويفترقان في أن المجمل
وإن لم يكن راجحا فهو غير مرجوح، أما المؤول فإنه مع أنه غير
راجح فهو مرجوح.
والقدر المشترك بينهما يُسمَّى بالمتشابه، فالمتشابه هو: " ما لم
يتضح معناه ".
إذن: المحكم نوعان: " النص "، و " الظاهر ".
والمتشابه نوعان: " المجمل "، و " المؤول ".
***
المسألة الخامسة: تقسيم اللفظ المفرد باعتبار حال مدلوله:
مدلول اللفظ إما معنى، أو لفظ، والثاني - وهو: اللفظ -
ينقسم إلى المفرد، والمركب، وهذا القسمان - وهو المفرد والمركب -
ينقسم كل واحد منهما إلى مستعمل ومهمل، فهذه خمسة أقسام،
إليك بيانها:
القسم الأول: لفظ مدلوله معنى مثل: " الفرس "، فإن مدلوله
معنى لا لفظ.
القسم الثاني: لفظ مدلوله لفظ مفرد مستعمل مثل: " الكلمة "،
فإن مدلولها لفظ مستعمل وهو: الاسم، أو الفعل، أو الحرف
مثل: "زيد".
القسم الثالث: لفظ مدلوله لفظ مفرد غير مستعمل مثل: أسماء
الحروف، أي: حروف التهجي مثل: " ألف "، و " باء "، فإن
(3/1079)

مدلولهما وهو: " أ " و " ب "، وهو لفظ مفرد مهمل، أي:
ليس له معنى.
القسم الرابع: لفظ مدلوله لفظ مركب مستعمل مثل: " الخبر "،
فإنه لفظ مدلوله لفظ مركب مستعمل مثل: " زيد قائم ".
القسم الخامس: لفظ مدلوله لفظ مركب مهمل مثل: " الهذيان "
فإنه لفظ مدلوله لفظ مركب مهمل، والمقصود: ما يتلفظ به الهاذي
من ألفاظ غير مفيدة.
(3/1080)

المطلب الثالث في تقسيم المركب
المراد من وضع اللفظ المركب: إفادته لمعناه.
فاللفظ المركب ينقسم إلى "قسمين:
القسم الأول: أن يكون اللفظ المركب مفيداً بالذات طلباً، وهو
نوعان:
النوع الأول: أن يكون لطلب الماهية في الذهن وهذا هو:
الاستفهام.
النوع الثاني: أن يكون لتحصيل الشيء في الخارج، وهذا فيه
تفصيل:
- فإن كان لتحصيل الفعل مع الاستعلاء فهو: أمر كقوله تعالى:
(وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ)
- وإن كان لكف النفس مع الاستعلاء فهو: نهي كقوله تعالى:
(ولا تقتلوا النفس التي حرم الله) .
والطلب مع التساوي: التماس كقول بعض الأصحاب لبعض:
"خذ الكتاب ".
والطلب مع التسفل: دعاء وسؤال كقولك: " اللهم اغفر لي ".
(3/1081)

القسم الثاني: أن يكون اللفظ المركب لا يفيد بالذات طلبا، وهذا
نوعان:
النوع الأول: أن يحتمل التصديق والتكذيب وهذا هو: الخبر
كقولك: " قام زيد ".
النوع الثاني: أن لا يحتمل التصديق والتكذيب، وهذا هو التنبيه.
ويندرج في التنبيه: التمني كقوله تعالى: (يا ليت قومي يعلمون
بما غفر لي ربي) ، والترجي كقوله تعالى: (لعل اللَّه يحدث بعد
ذلك أمراً) ، والقسم كقوله: (تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ) ، والنداء
كقوله: (يا نوح قد جادلتنا) .
(3/1082)

الفصل الثالث في الاشتقاق
ويشتمل على المباحث الثالية:
المبحث الأول: تعريفه.
المبحث الثالث: أركان الاشتقاق.
المبحث الثالث: هل يشترط كون المشتق حقيقة: دوام أصله
وهو: بقاء المشتق منه؟
(3/1083)

المبحث الأول في تعريف الاشتقاق
الاشتقاق هو: رد لفظ إلى لفظ آخر لموافقته له في حروفه
الأصلية ومناسبته له في المعنى.
بيان التعريف:
قوله: " رد لفظ إلى لفظ آخر " إشارة إلى اشتراط التغاير في
اللفظ، فخرجت الأسماء المشتركة.
قوله: " لموافقته له في حروفه " للاحتراز عن الكلمات التي
توافق كلمة أخرى في معناه لا في حروفه مثل: " الحبس "،
و"المنع "، و " إنسان "، و " بشر "، فإنه لا يقال: إن أحدهما مشتق
من الآخر.
قوله: " الأصلية " إشارة إلى أن اشتراط الموافقة إنما هو في
حروفه الأصلية - فقط - دون الحروف الزائدة، فمثلاً: " دخل "
مشتق من " الدخول "، وإن لم يوافقه في الحرف الزائد، وهو:
"الواو "، وكذا " يدخل " وإن لم يوافقه في الياء.
قوله: " ومناسبته له في المعنى " للاحتراز عن الذي يوافقه في
حروفه الأصلية، ولكن غير مناسب له في المعنى مثل " الذهاب " لا
يقال: إنه مشتق من الذهب، فإنه يوافقه في حروفه الأصلية،
ولكن غير مناسب له في المعنى.
(3/1085)

المبحث الثاني أركان الاشتقاق
لا يتم الاشتقاق إلا بأركان أربعة هي كما يلي:
الركن الأول: لفظ موضوع لمعنى، وهو المشتق منه.
الركن الثاني: لفظ آخر له نسبة إلى اللفظ الأول، وهو المشتق.
الركن الثالث: المشاركة بين الحروف الأصلية والمعنى.
الركن الرابع: تغيير يلحق المشتق بزيادة أو نقصان، وهو خمسة
عشر قسما هي كما يلي:
القسم الأول: زيادة حرف نحو: " كاذب " من " الكذب "
زيدت الألف بعد الكاف.
الثاني: زيادة الحركة مثل: " نَصَر " مشتق من " النصر " زيدت
حركة الصاد.
الثالث: زيادة الحركة والحرف جميعاً مثل " ضارب " مشتق من
"الضرب " زيدت الألف بعد الضاد، وزيدت حركة الراء.
الرابع: نقصان حرف مثل: " خَفْ " مشتق من " الخوف "
نقصت الواو.
الخامس: نقصان الحركة مثل: " ضرْب " من " ضَرَب " نقصت
حركة الراء.
السادس: نقصان الحرف والحركة معا مثل " غَلَى " مشتق من
"الغَلَيان ".
(3/1086)

السابع: زيادة الحرف ونقصانه مثل: " مسلمات " زيدت ألف
وتاء الجمع، ونقصت تاء كانت في المفرد.
الثامن: زيادة الحركة ونقصانها مثل: " حذر " مشتق من "الحذَر"
زيدت كسرة الذال، ونقصت فتحتها.
التاممع: زيادة الحرف ونقصان الحركة مثل: " عادّ " بالتشديد مشتق
من "العدد" زيدت الألف بعد العين، ونقصت حركة الدال الأولى.
العاشر: عكس التاسع وهو: زيادة الحركة ونقصان الحرف مثل:
" خُذْ " مشتق من " الأخذ " زيدت حركة "الخاء" ونقصت "الألف ".
الحادي عشر: زيادة الحركة مع زيادة الحرف ونقصانه مثل:
"خاف " مشتق من " الخوف "، فهنا زيدت حركة " الفاء "، وزيد
حرف الألف ونقص حرف الواو.
الثاني عشر: زيادة الحرف مع زيادة الحركة ونقصانها مثل "اضرب "
مشتق من " الضرب " زيد حرف " الألف " للوصل، وزيدت حركة
" الراء "، ونقصت حركة الضاد.
الثالث عشر: نقصان الحركة مع زيادة الحرف ونقصانه مثل: "كال "
مشتق من " الكلال " فهنا نقصت حركة اللام الأولى للإدغام، وزيد
حرف الألف قبل " اللام " الأولى، ونقص حرف " اللام " الثانية.
الرابع عشر: نقصان الحرف مع زيادة الحركة ونقصانها مثل:
"صِل " مشتق من " الوصول "، فهنا نقص حرف وهو " الواو "،
وزيدت حركة وهي: كسر الصاد، ونقص حركة وهي: ضمة الصاد.
الخامس عشر: زيادة الحرف والحركة ونقصان الحرف والحركة
مثل: " إرْم " مشتق من " الرمي "، فهنا زيد حرف " الألف "،
ونقص حرف " الياء "، وزيد حركة " الميم "، ونقصت حركة الراء.
(3/1087)

المبحث الثالث هل يُشترط كون المشتق حقيقة: دوام أصله
وهو: بقاء المشتق منه؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب ثلاثة:
أصحها: أنه مشترط مطلقاً، أي: يشترط كون المشتق حقيقة
دوام أصله، وهو: بقاء المشتق منه، وهو مذهب فخر الدين
الرازي، والبيضاوي، وكثير من العلماء.
دليل ذلك:
أن المشتق يصدق نفيه عند زوال المشتق منه؛ لأنه بعد انقضاء
الضرب يصدق عليه أنه ليس بضارب - في الحال، فيصدق أنه ليس
بضارب؛ حيث: إن قولنا: " ليس بضارب " جزء لقولنا -: " ليس
بضارب في الحال "، ومتى صدق الكل صدق الجزء، فيصدق أنه
ليس بضارب.
وإذا صدق نفيه فلا يصدق إيجابه - وهو: أنه ضارب -؛ لأنهما
متناقضان، فإذا صدق أحد النقيضين لا يصدق الآخر.
ويُبنى على ذلك مسألة فقهية وهي: أنه إذا مات مفلس وعليه
ديون، ووجد بعض الغرماء ما باعه عليه بعينه في تركة هذا المفلس،
فهل له الرجوع إليه؟
فذهب أبو حنيفة، والحسن البصري، والنخعي إلى أنه ليس
(3/1088)

للغريم الرجوع إليه، فلما اعترض عليهم بقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"فصاحب المتاع أحق بمتاعه "
قالوا: إن المراد بذلك هو: المعير، وعللوا ذلك
بقولهم: إن من باع متاعه لا يسمى صاحب متاع بعد ما باع بناء على
اشتراط بقاء المعنى في إطلاق اسم المشتق حقيقة.
وذهب جمهور العلماء إلى أن له ذلك مستدلين بالحديث السابق،
فهذا الشخص صاحب المتاع بناء على أن بقاء المعنى غير مشترط فى
إطلاق المشتق.
(3/1089)

الفصل الرابع في الاشتراك
ويشتمل على المباحث التالية:
المبحث الأول: تعريفه.
المبحث الثاني: هل المشترك ممكن وثابت وواقع في اللغة؟
المبحث الثالث: في أقسام اللفظ المشترك بالنسبة لمسمياته.
المبحث الرابع: هل يصح استعمال المشترك في كل معانيه إذا
أمكن الجمع بينها؟
المبحث الخامس: بيان أن الاشتراك خلاف الأصل.
المبحث السادس: حالات اللفظ المشترك عند وجود القرينة أو
عدمها.
المبحث السابع: الفرق بين المشترك والمتوافى.
المبحث الثامن: الفرق بين المشترك والمتوافى والمشكك.
خاتمه: في بيان الكلي، والكلية، والكل، والجزئي، والجزئية،
والجزء.
(3/1091)

المبحث الأول تعريفه
الاشتراك في اللغة مأخوذ من الشركة، شبهت اللفظة في اشتراك
المعاني فيها بالدار المشتركة بين الشركاء.
واللفظ المشترك اصطلاحا هو: اللفظ الواحد الموضوع لمعنيين
فأكثر وضعا.
بيان التعريف:
فعبارة: " اللفظ " جنس يشمل المشترك وغيره.
وعبارة: " الواحد الموضوع لمعنيين " أخرجت اللفظ الواحد
الموضوع لمعنى واحد مثل الألفاظ المتباينة، والمتواطئة، والمشككة؛
لأنها لم - توضع لمعنيين، بل وضعت لمعنى واحد، وإن كان ذلك
مشتركا بين الأفراد.
وعبارة " فأكثر " أتى بها ليدخل الذي وضع لثلاث معان فأكثر
كالعين.
وعبارة: " وضعا أولا " أخرجت الألفاظ المنقولة والمجازية، فإنها
وإن كانت موضوعة لعدة معان، ولكن لا وضعا أولا.
فاللفظ المشترك هو لفظ يطلق على مسميين ومعنيين فكثر لا تشترك
في الحد والحقيقة.
(3/1093)

المبحث الثاني هل المشترك ممكن وثابت وواقع في اللغة؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن المشترك ممكن وثابت في اللغة وواقع.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق عندي؛ لقيام الدليل
على إمكانه وجوازه، وقيام الدليل على وقوعه.
أما الدليل على إمكانه وجوازه: أن المشترك يمكن أن يقع من
واضعين بأن وضع أحدهما لفظا لمعنى، ثم وضع آخر ذلك اللفظ
لمعنى آخر، كالعين مثلاً، فيمكن أن يكون أحدهما وضعه للجارية،
والآخر وضعه للناظرة والباصرة، ثم اشتهر ذلك اللفظ بين الطائفتين
في إفادة ذينك المعنيين.
ويمكن أن يقع من واضع واحد لغرض الإبهام؛ وذلك لأن
المقصود من الوضع قد يكون التصريح، وقد يكون الإبهام، حيث
يستلزم التصريح مفسدة، وهي اطلاع الغير على أشياء لم يرد اطلاعه
عليها، فوضعوا للأول - وهو المراد التصريح به - الألفاظ المفردة،
ووضعوا للثاني - وهو المراد إبهامه - الألفاظ المشتركة.
وأما الدليل على وقوعه فهو: أن القرء " يطلق علي " الطهر "
و" الحيض "، فهو إما أن يكون متواطئا، أو يكون حقيقة في
أحدهما مجازاً في الآخر، أو مشتركا.
(3/1094)

أما الأول - وهو كونه متواطئا - فهو باطل؛ لأن شرط التواطؤ:
اتحاد المعنى، وهاهنا ليس كذلك.
أما الثاني - وهو كونه حقيقة في أحدهما مجازاً في الآخر - فهو
باطل أيضا؛ لأنه لو كان كذلك لتبادر المعنى الحقيقي إلى الذهن،
ولكن الحق: أن الذهن - عند سماع هذا اللفظ مجرداً عن القرينة -
يتردد بين " الطهر "، و " الحيض ".
فلم يبق إلا الثالث وهو: أنه مشترك؛ وذلك لتردد الذهن بين
ذينك المعنيين والتردد علامة الاشتراك.
المذهب الثاني: أن المشترك واجب، وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن المعاني غير متناهية؛ لأن الأعداد أحد أنواع الموجودات وهي
غير متناهية، والألفاظ متناهية؛ حيث إنها مركبة من الحروف المتناهية
والمركب من المتناهي متناه، فإذا وزعت المتناهية على المعاني غير
المتناهية لزم الاشتراك؛ حيث سيكون للفظ الواحد عدة معان
بالضرورة.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أن المعاني غير متناهية؛ لأن المراد
بالمعاني الأجناس، وهي متناهية.
سلمنا ذلك، لكن لا نُسَلِّمُ أن الألفاظ متناهية.
الجواب الثاني: لو سلمنا المقدمتين فإنا نقول: إن المقصود
بالوضع: ما حصل في العقل، وهو متناه، وهو لا يلزم الاشتراك.
(3/1095)

المذهب الثالث: أن المشترك ممتنع وليس بواقع، وهو لبعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن المشترك لا يفهم الغرض والمعنى المقصود من الواضع، وإذا
كان كذلك فإنه يؤدي إلى المفسدة، وما كان مؤديا إلى المفسدة وجب
أن لا يكون، فيكون المشترك - حينئذ - مفسدة فيمتنع وقوعه.
جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ أن اللفظ إذا كان مشتركا لم يفهم الخاطب الغرض والمقصود
والمعنى المراد من الواضع؛ لجواز أن يعرف مراد المتكلم بالقرائن.
وإن سلمنا: أن اللفظ المشترك لا يفهم الغرض المراد، فلا نسلم
أن المقصود من الوضع في جميع المواضع هو الفهم التفصيلي؛
لجواز أن يكون التعريف الإجمالي مقصوداً في بعض الصور، كما
في أسماء الأجناس كالحيوان، والإنسان، فإنها تدل على ما وضعت
له إجمالاً، ولا تدل على تفاصيل ما تحتها.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف لفظي في هذه المسألة؛ لاتفاق أصحاب المذاهب على أن
" القرء " متردد بين " الطهر "، و " الحيض "، وهما ضدان.
أما أصحاب المذهب الأول والثاني فواضح.
أما أصحاب المذهب الثالث فقد يسمونه باسم آخر كالمشكل مثلاً.
تنبيه: المشترك وافع في القرآن الكريم مثل: " القرء " و "عسعس "
و" الصريم "، وواقع في السُّنَّة مثل ما روي: " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام العشاء حين غاب الشفق "، والقرء، وعسعس، والصريم،
والشفق ألفاظ مشتركة، وقد سبق بيان ذلك في الباب الثاني وهو
في: أدلة الأحكام.
(3/1096)

المبحث الثالث أقسام اللفظ المشترك بالنسبة لمسمياته
القسم الأول: اللفظ المشترك بين مسميات متضادة لا يمكن الجمع
بينها، ولا الحمل عليها.
مثل: " القرء " لفظ مشترك بين " الطهر"، و " الحيض "، وهما متضادان.
مثال آخر: " الجلل " لفظ مشترك بين " الكبير " و " الصغير
والهين " وهما متضادان.
مثال ثالث: " الجون " لفظ مشترك بين " الأسود " و " الأبيض "
وهما متضادان.
مثال رابع: " الشفق " لفظ مشترك بين " البياض " و " الحمرة "
وهما متضادان.
القسم الثاني: اللفظ المشترك بين مسميات مختلفة - لا صلة لأحدها
بالآخر.
مثل: " العين " فإنها تطلق على معان كثيرة ومختلفة حقيقة،
فتطلق على " العين الباصرة "، و " عين الإرواء "، و " الشمس "،
و" الذهب "، وغيرها، فهذه المعاني اختلف بعضها عن بعض،
ولا يوجد أي صلة بين بعضها وبعضها الآخر.
القسم الثالث: اللفظ المشترك بين مسميات متناقضة مثل: إلى "
على رأي القائل: إنها مشركة بين إدخال الغاية وعدمه.
(3/1097)

القسم الرابع: اللفظ المشترك بين الشيء ووصفه مثل لفظ (تأبط
شرا) ، وبين "الفاعل " و " المفعول" مثل: " المختار " يقال للذي
اختار الثوب مختار، ويقال للثوب نفسه مختار أيضا.
القسم الخامس: اللفظ المشترك بين مسميين بينهما تعلق، وهذا
نوعان:
النوع الأول: أن يكون أحد المعنيين جزءاً للآخر مثل: " الممكن "
يطلق على العام والخاص، فإن الممكن العام - وهو سلب الضرورة
عن أحد الطرفين - جزء للممكن الخاص - وهو: سلب الضرورة
عن طرفي الحكم -.
النوع الثاني: أن يكون أحد المعنيين لازما للاخر مثل: " الشمس "
فإنه يطلق على الكوكب، ويطلق على ضوء ذلك الكوكب،
والضوء - كما هو معلوم - لازم للكوكب.
القسم السادس: الاشتراك في التركيب مثل قوله تعالى: (أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) ، فإن الذي بيده عقدة النكاح مشترك
بين الزوج، والولي.
القسم السابع: الاشتراك في الحرف مثل: (الواو) تكون
للعطف، وللقسم، والابتداء، وحرف " من " تكون للتبعيض،
وبيان الجنس، وحرف (الباء) تكون للاستعانة، والسببية.
-
(3/1098)

المبحث الرابع هل يصح استعمال المشترك في كل معانيه إذا أمكن الجمع بينها؟
اللفظ الواحد من متكلم واحد في وقت واحد إذا كان مشتركا بين
معنيين كالعين للذهب، والجارية، والنكاح المطلق على العقد
والوطء، ولم تكن الفائدة فيهما واحدة هل يجوز أن يراد به كلا
المعنيين معا أو لا؟
أي: هل يصح أن يستعمل المتكلم اللفظ الواحد في جميع معانيه
دفعة واحدة على أن يكون كل معنى مقصوداً بالحكم في وقت واحد
أو لا يصح ذلك؟
اختلف في ذلك على مذاهب، أهمها:
المذهب الأول: أنه يصح ويجوز أن يراد باللفظ جميع معانيه إذا
تجرد عن القرائن، وإطلاقه على جميع معانيه حقيقة مطلقا.
ذهب إلى ذلك الإمام الشافعي، والباقلاني، والبيضاوي، وكثير
من العلماء، وهو الحق عندي؛ لدليلين:
الدليل الأول: الوقوع، والوقوع دليل الجواز، وقد وقع في
القرآن في موضعين:
الموضع الأول: قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) .
(3/1099)

فالصلاة من اللَّه تعالى: الرحمة والمغفرة، ومن الملائكة:
الاستغفار، وهما معنيان متغايران، واستعمل لفظ " الصلاة " فيهما
دفعة واحدة؛ حيث وقع الإخبار به، فدل ذلك على صحة استعمال
المشترك في كل معانيه في وقت واحد.
ما اعترض به على الاستدلال بهذه الآية:
الاعتراض الأول: أن قوله تعالى: (يصلون) فيه ضميران:
أحدهما عائد إلى اللَّه، والآخر عائد إلى الملائكة، وتعدد الضمائر
بمنزلة تعدد الأفعال، فكأنه قال: " إن اللَّه يصلي وملائكته تصلي "
فهو - إذن - بمثابة ذكر فعلين، ومسألتنا في استعمال اللفظة الواحدة
في معنيين، وليس في استعمال لفظين في معنيين، ذكر ذلك تاج
الدين الأرموي.
جوابه:
إن الآية لم ينطق بها إلا بلفظ واحد هو: (يصلون) ، فيكون
اللفظ واحداً، - ولكن معناه قد تعدد، وقد أريد به كل معانيه.
الاعتراض الثاني: أن لفظ " الصلاة " مشترك بالاشتراك المعنوي،
دون اللفظي، بيان ذلك:
أن لفظ " الصلاة " مستعمل في القدر المشترك بين المغفرة
والاستغفار وهو: الاعتناء وإظهار شرف الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فيكون مشتركا معنويا، ولا يكون مشتركا لفظيا، ذكر ذلك الغزالي.
جوابه:
أن استعمال الصلاة في الاعتناء مجاز؛ لعدم تبادره إلى الذهن،
والأصل في الكلام الحقيقة، فالصلاة مشتركة بين المغفرة والاستغفار،
(3/1100)

فيحمل عليهما مراعاة للمعنى الحقيقي، ولا يُعدل عنهما إلى المجاز
إلا بقرينة، ولا قرينة.
الاعتراض الثالث: أنه يجوز أن يكون قد حذف الخبر لوجود
قرينة تدل عليه، كما في قول الشاعر:
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف
والتقدير: أن اللَّه يصلي، وملائكته يصلون.
جوابه:
إن هذا فيه إضمار، والإضمار خلاف الأصل.
الموضع الثاني: قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد أسند السجود إلى المذكورين في
الآية، وحقيقة " سجود الناس ": وضع الجبهة على الأرض،
وحقيقة سجود الدواب والشمس والقمر والنجوم هو: الخضوع
والخشوع؛ لأن السجود على الجبهة غير متصور منها، فاستعمل
"السجود" في الآية في معنييه، إذن لفظ " السجود " مشترك لفظي
بين الخشوع ووضع الجبهة.
اعتراض على ذلك:
قال بعض المعترضين - كتاج الدين الأرموي -: لا نُسَلِّمُ أنه
استعمل اللفظ الواحد في معنييه، بل المستعمل ألفاظ متعددة؛ لأن
حرف العطف بمثابة تكرار العامل فيكون تقدير الآية: إن الله يسجد
له من في السموات، ويسجد له من في الارض، وتسجد له
(3/1101)

الشمس، ويسجد له القمر ... إلخ، فليس فيه إعمال للمشترك
في معنييه، بل يكون اللفظ متعدداً أريد بكل واحد معنى من المعاني،
وهذا خارج عن محل النزاع.
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أن العاطف بمثابة العامل؛ لأن الثابت
عند جمهور النحاة أن العامل في المعطوف هو العامل في المعطوف
عليه، وبذلك يُساوَى الثاني بالأول إعرابا وحكما، والعامل في
الثاني هو الأول بواسطة العاطف، فيكون مجموع الخضوع ووضع
الجبهة مراداً.
الجواب الثاني: أنه لو سلمنا أن العاطف بمثابة العامل للزم من
ذلك أن يكون المراد من سجود الشمس والقمر والجبال والشجر هو:
وضع الجبهة على الأرض؛ لأنه مدلول الأول، وهو ظاهر البطلان؛
لأنه لا يتحقق في الشمس ولا في القمر ونحوهما، فثبت ما قلناه.
الدليل الثاني: أن كل عاقل يصح أن يقصد بقوله: " لا تنكح ما
نكح أبوك " نهيه عن العقد وعن الوطء جميعاً من غير تكرار اللفظ،
ولا ينكر هذا إلا مكابر معاند، فثبت ما قلناه وهو: أنه يصح أن يراد
باللفظ المشترك جميع معانيه.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز استعمال المشترك في جميع معانيه
مطلقا.
وهو مذهب أبي حنيفة، وبعض أصحابه، كأبي الحسن الكرخي
وبعض الشافعية كابن الصباغ، وبعض الحنابلة كأبي الخطاب.
(3/1102)

أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن الإنسان يجد من نفسه تعذر استعمال اللفظ
المشترك في معنييه، ويجد تعذر استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه
معا، قياساً على تعذر تعظيم زيد والاستخفاف به في آن واحد.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ الحكم في الأصل، فإنه لا يمتنع
تعظيم زيد والاستخفاف به في حال واحد، فإذا جاز ذلك: جاز
استعمال اللفظ في معنييه في حال واحد.
الجواب الثاني: على فرض أن الحكم في الأصل - وهو المقاس
عليه - صحيح، فإن قياسكم ما نحن فيه عليه قياس فاسد؛ لأنه
قياس مع الفارق؛ لأن تعظيم زيد والاستخفاف به في آن واحد
يختلف عن حمل اللفظ المشترك في معنييه، أو حمل اللفظ على
حقيقته ومجازه، فالمتكلم يجوز أن يريد باللفظ المشترك معنييه معا،
ويجوز أن يريد المبنى الحقيقي والمجازي في خطابين في آن واحد،
ولكن لا يجوز أن يعظم زيدا ويستخف به بقولين في آن واحد؛
حيث إن التعظيم ينبئ عن ارتفاع حال المعظم، أما الاستخفاف به،
فإنه ينبئ عن انحطاط حاله، وليس كذلك ما نحن فيه، ثم لا نقول
بحمل اللفظ المشترك إلا فيما أمكن الجمع فيه بين المعنيين مثل لفظ
" النكاح "، فإنه يصح حمله على معنييه وهما: العقد والوطء،
وذلك في قوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ) .
الدليل الثاني: أنه لو جار حمل اللفظ على معنييه لجاز أن يراد
بلفظ " افعل " الاباحة، والإيجاب، والندب، وكذلك لو جاز
(3/1103)

حمل اللفظ المشترك على معنييه لجاز أن يريد بقوله: (اقتلوا
المشركين) : المشركين والمؤمنين، وبقوله: (يا أيها الناس) :
الناس والبهائم.
جوابه:
أنا نقول: يحمل اللفظ على معنييه بشرط: إمكان الجمع بين
المعنيين وفي جميع الأمثلة السابقة التي ذكرتموها في دليلكم يمتنع
الجمع؛ لوجود التضاد، كما أن لفظ " الناس " لا يجري على
البهائم، ولفظ " المشركين " لا يجري على المؤمنين؛ لعدم تصوره،
لا حقيقة ولا مجازاً.
المذهب الثالث: التفصيل بين النفي والإثبات، بيانه:
أنه يصح استعمال اللفظ المشترك في كل معانيه في النفي، سواء
كان هذا اللفظ مفرداً أو غير مفرد، ولا يصح استعماله في الكل في
الإثبات مطلقا، وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن المشترك إذا وقع في النفي يكون عاما؛ لأنه يكون نكرة في
سياق النفي وهي تعم، فإذا حلف لا يكلم مواليه: تناول الأعلى
والأسفل، وإذا قال: " ليس عندي عين "، وأراد نفي كل ما
يصدق عليه عين صح ذلك، ولو قال: " لا تعتدي بقرء "، فإنه
يحمل على معنييه الطهر والحيض، ولكن لو وقع ذلك في الإثبات
فلا يجم؛ لأن النكرة في سياق الإثبات لا تعم، فلا يوجد ما
يقتضي العموم، فلا تصح إرادته.
جوابه:
لا نسلم الفرق الذي ذكرتموه بين النفي والإثبات؛ حيث إن اللفظ
(3/1104)

إذا وقع في النفي يكون مراداً منه ما أريد به في الإثبات، فإن أريد به
في النفي جميع معانيه كان المراد به في الإثبات جميع معانيه ولا فرق
بينهما.
وأيضا: فإن النكرة في سياق النفي تعم في أفراد مدلول واحد،
لا في أفراد المدلولات المختلفة.
المذهب الرابع: أنه يصح استعمال اللفظ المشترك في كل معانيه
بشرط: أن يكون مثنى أو جمعا سواء وقع ذلك في سياق الإثبات
أو النفي، ولا يصح استعماله في جميع معانيه إذا كان مفرداً، سواء
كان واقعا في الإثبات أو النفي.
دليل هذا المذهب:
أن اللفظ المشترك إذا كان جمعا، فإنه يكون بمثابة تكرار المفرد
وتعدده، ويكون كل لفظ من الألفاظ المفردة مراداً به معنى من
المعاني، فالمثنى والجمع في حكم تعدد الأفراد، فقولك: " ثلاث
عيون " في قوة قولك: عين، وعين، وعين، فكما يجوز أن تريد
بالأولى العين الباصرة مثلاً، وبالثانية العين الجارية، وبالثالثة
الذهب، فكذا في الجمع.
جوابه:
نسلم لكم أن الجمع بمثابة تكرار المفرد وتعدده، ولكن ذلك
مشروط بأن تكون تلك المفردات متساوية في المعنى، فمثلاً إذا قيل:
" عندي عيون " لزم أن تكون المفردات المجموعة من نوع واحد وهو
العيون الجارية، ولا يصح أن يكون مراداً بعين: الذهب، وبأخرى
الجارية، وبالثالثة الباصرة.
(3/1105)

تنبيه: لقد قلت: إنه يصح أن يراد باللفظ جميع معانيه حقيقة،
وهو المذهب الأول، وأقصد بذلك: أن اللفظ المشترك وضع في
أصل اللغة ليدل على معانيه على البدل، فإذا وجدت قرينة تدل على
المعنى المراد باللفظ المشترك حمل عليه، وإن لم توجد قرينة تدل على
المعنى المراد: فلا يمتنع أن يراد باللفظ جميع معانيه الصالح لها مطلقا
أي: سواء كان مفرداً أو مثنى، أو جمعاً، أو مثبتا، أو منفيا بشرط
: إمكان الجمع بين معانيه.
أما إذا لم يكن الجمع بين معانيه ممكناً؛ نظراً لتضادها، أو
تناقضها، فلا يجوز حمله على معانيه المختلفة.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة معنوي قد أثر في بعض الفروع الفقهية،
ومنها:
1 - هل يقع طلاق المكره؟
من قال: يحمل اللفظ المشترك على معنييه معا ذهب إلى أنه لا
يقع طلاق المكره مستدلين بقوله - صلى الله عليه وسلم -:
" لا طلاق ولا عتاق في إغلاق "
حملاً للفظ " إغلاق " على معنييه وهما: " الجنون والإكراه "،
وهو مذهب كثير من الفقهاء وهو الحق.
أما من منع حمل اللفظ المشترك على معنييه فعندهم أن حكمه:
التوقف؛ لأنه مجمل، فلا يحمل اللفظ على معنييه ولا على
أحدهما إلا بقرينة، ولذلك قالوا بوقوع طلاق المكره، وهم كثير من
الحنفية.
2 - هل أولياء الدم يخيرون بين القصاص والدية في القتل العمد
العدوان؟
(3/1106)

من حمل اللفظ المشترك على معنييه معا ذهب إلى أنهم يخيرون
بينهما حملاً لكلمة " سلطانا " في قوله تعالى: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا) على معنييها وهما: القصاص والدية.
أما من منع حمل اللفظ المشترك على معنييه، فإنهم ذهبوا إلى
عدم التخيير، وحملوا لفظ " سلطانا " على القصاص فقط؛ لعدم
جوار حمل اللفظ على معنييه معا.
(3/1107)

المبحث الخامس بيان أن الاشتراك خلاف الأصل
الاشتراك مرجوح عند السامع، أي: إذا دار اللفظ بين كونه
مفرداً، وكونه مشتركا حمل على الانفراد دون الاشتراك، فالأصل
في كل لفظ أن يكون له معنى واحد فقط، أما أن يكون للفظ الواحد
أكثر من معنى - وهو: المشترك - فهو خلاف الأصل.
ودلَّ على أن اللفظ الذي له معنى واحد راجح، وأن اللفظ الذي
له أكثر من معنى مرجوح أدلة، من أهمها:
الدليل الأول: الاستقراء والتتبع للألفاظ العربية أثبت أن أكثرها
ألفاظ منفردة ليس لها إلا معنى واحد، والكثرة تفيد الظن والرجحان
فيكون اللفظ المنفرد بمعنى واحد أكثر وجوداً من اللفظ الدال على
معنيين فأكثر - وهو المشترك - فيكون مرجوحا؛ نظراً لقلته.
الدليل الثاني: لو كان الاشتراك راجحاً على انفراد اللفظ بمعنى
واحد أو مساويا له للزم من ذلك أمران باطلان:
أولهما: التسلسل وهو باطل.
بيانه: أنه لا يمكن فهم المعنى من اللفظ إلا بعد الاستفسار من
المتكلم عما أراده من ذلك اللفظ المشترك؛ لاحتمال أن يكون قد أراد
بذلك اللفظ معنى غير ذلك المعنى الذي فهمه السامع، وهذا
الاستفسار لا يكفي؛ لأن المستفسر منه سيأتي بلفظ يحتاج - أيضا -
إلى استفسار، وهكذا إلى ما لا نهاية له، وهذا تسلسل، والتسلسل
(3/1108)

باطل، فهذا يدل على أن الاشتراك باطل، ونظراً لذلك فإنه لا ينظر
إلى هذا الاحتمال، ويفهم من اللفظ معناه بدون أي استفسار؛
لكونه هو الراجح.
ثانيهما: عدم الاستدلال بنصوص الكتاب والسُّنَّة على ظن
الحكم، وهو ظاهر - البطلان.
بيانه: أنه لا يصح الاستدلال بالنصوص من الكتاب أو السُنَّة على
الظن بالحكم المطلوب؛ وذلك لاحتمال أن يكون الشارع قد أراد من
النص معنى يخالف المعنى الذي فهمه السامع.
وعدم الاستدلال بالنصوص على ظن الحكم باطل؛ لأنه يترتب
على ذلك ذهاب الشريعة كلها؛ حيث إن هذين الأصلين - وهما
الكتاب والسُّنَّة - يعتبران الدليلان الأصليان لإثبات الأحكام
الشريعة، وغيرهما من الأدلة راجعة إليهما، وبذلك يكون الاشتراك
مرجوحاً.
الدليل الثالث: أن الاشتراك يؤدي إلى مفسدة ترجع إلى السامع،
وهي: أن السامع قد لا يفهم المعنى المراد؛ لعدم القرينة الدالة عليه،
ولا يستفسر من المتكلم؛ لأمور هي:
1 - هيبة المتكلم لعظمته،
2 - أن السامع يرى أن الاستفسار مشعر بجهله،
3 - أنه مصاب بمرض قد منعه من الاستفسار،
4 - أن وقته ضيق.
فيفهم السامع ذلك اللفظ فهماً غير صحيح، ثم يحكيه لغيره،
ثم غيره يحكيه لغيره وهكذا، وفي ذلك إفشاء للجهل وفساد كبير.
الدليل الرابع: أن الكلام بالمشترك يؤدي إلى ضياع شيء كان
ينبغي المحافظة عليه: فقد يتكلم المتكلم بالمشترك ويعتمد على فهم
السامع، فيفهم السامع خلاف ما أراده، فيترتب. على هذا الخطأ في
(3/1109)

الفهم ضياع أموال للمتكلم، فمثلاً لو قال السيد لعبده: " أعط
الفقير عيناً " وهو يريد من العين: الماء، واعتقد في ذلك على فهم
العبد، فأعطى العبد الفقير ذهبا، فإن السيد يخسر ذلك المال،
وهذا نتج عن الكلام باللفظ المشترك، فبان أن المشترك مرجوحا،
فيكون خلاف الأصل.
(3/1110)

المبحث السادس حالات اللفظ المشترك عند وجود القرينة أو عدمه
هذا المبحث يعتبر تفريعاً على المبحث الرابع، وأبين ذلك فأقول:
الحالة الأولى: إذا تجرد اللفظ المشترك عن القرائن العاملة، أو
الملغية لكل المعاني، أو لبعضها، فإن هذا يكون مجملاً عند من منع
استعماله في كل معانيه، فلا يحمل على شيء من المعاني حتى تقوم
القرينة، أما عند من جوز استعماله في كل معانيه، فإنه لا يكون
مجملاً، بل السامع يحمله على كل معانيه إذا أمكن الجمع بينها.
الحالة الثانية: إذا وجدت قرينة رجحت أكثر من معنى، فإنه يكون
مجملاً عند من منع استعماله في كل معانيه، وأما من جوز حمله
على أكثر من معنى، فإنه يحمله على ما دلَّت عليه القرينة مثل:
"عندي عين صافية "، فإنه يحمل على كل عين ما عدا عين
الجاسوس؛ لأن الصفاء يشترك فيه ما عدا ذلك من المعاني:
كالشمس، والذهب، والباصرة، والجارية.
الحالة الثالثة: إذا وجدت قرينة تلغي بعض معانيه وتجعل ذلك
البعض غير مراد: فإن كان الباقي معنى واحداً تعين حمله عليه، وإن
كان أكثر فهو مجمل عند من منع استعماله في الكل، ويحمل على
المعاني الباقية بعد إلغاء البعض عند من جوز حمله على الجميع مثل:
" هذه عين ليست ذهبا ولا باصرة ".
الحالة الرابعة: إذا وجدت قرينة تلغي كل معانيه، ففي هذه الحالة
(3/1111)

لا يحمل على شيء من معانيه الحقيقية اتفاقا؛ لوجود القرينة المانعة،
ولكن يحمل اللفظ على مجازه، وحينئذٍ لا يخلو:
إما أن يكون المجاز واحداً، فإنه يُحمل عليه.
وإما أن تكون المجازات متعددة، فلا يخلو.
إما أن تتساوى تلك المجازات، ففي هذه الحالة يكون اللفظ
مجملاً عند من منع حمل اللفظ على جميع معانيه، ويحمل على
تلك المجازات جميعها عند من جوز استعماله في الكل.
وإما أن لا تتساوى تلك المجازات، بل ترجح بعضها على البعض
الآخر، فإن كان الراجح واحداً فإنه يحمل عليه، وإن كان متعدداً
فإنه يكون مجملاً عند من منع حمل اللفظ على جميع معانيه،
ويحمل على الكل عند من جوز حمل اللفظ على جميع معانيه.
الحالة الخامسة: إذا وجدت قرينة تعين بعض معانيه، ففي هذه
الحالة يجب حمله على ما دلت عليه القرينة مثل قوله تعالى: (فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ) ، فإنه يحمل على الماء.
(3/1112)

المبحث السابع الفرق بين المشترك والمتواطئ
المشترك قريب الشبه من المتواطئ إلى درجة أنه يعسر على الذهن
التفريق بينهما، قال الآمدي: " قد يظن في أشياء أنها مشتركة وهي
متواطئة، وفي أشياء أنها متواطئة، وهي مشتركة "، لذلك عقدت
هذا المبحث لبيان الفرق بينهما فأقول:
إن المشترك هو: اللفظ الواحد الذي يطلق على معنيين فكثر، لا
تشترك في الحد والحقيقة مثل: " العين "، و " القرء "، كما سبق
بيانه، ويشترط فيه حصر معانيه، وتغاير أفراده.
أما المتواطئ فهو: الذي يحصل معناه في أفراده الذهنية أو
الخارجية على السوية مثل " الإنسان "، أو هو: المستوي في الأفراد
دون حصر.
(3/1113)

المبحث الثامن الفرق بين المشترك والمتواطئ والمشكك
يقرب من المشترك والمتواطئ: المشكك.
فالمشكك مشتق من الشك؛ لأنه يشك الناظر فيه هل هو مشترك
أو متواطئ، فإن نظر إلى إطلاقه على المختلفات قال هو: مشترك
كالعين والقرء.
وإن نظر إلى أن مسماه واحد: قال: هو متواطئ، فجاء هذا
الشك؛ لاستواء الأفراد في حصول معناه لها، وتفاوتها في مفهومه
بالأولوية وغيرها، ولعلي أشرح ذلك قائلاً:
إن الكلي إن تفاوتت أفراده بقلة وكثرة كنور الشمس والسراج، أو
تفاوتت أفراده بشدة وضعف كبياض الثلج، وبياض العاج: فإن هذا
مشكك؛ لأن الناظر يشك فيه هل هو من المتواطئ؛ لوجود الكلي
في أفراده والتساوي، أو مشترك لتغاير أفراده.
وبناء على هذا يمكن أن نعرف المشكك بأنه: اللفظ الموضوع لمعنى
كلي مختلف في محاله.
وأتينا بعبارة: " مختلف في محاله " لإخراج المتواطئ؛ لأنه مستو
في محاله.
أما قول بعضهم - كابن التلمساني - من أنه لا حقيقة للمشكك؛
حيث إن ما به التفاوت إن دخل في التسمية فمشترك، وإلا
(3/1114)

فمتواطئ، فإنا نجيب عنه بأن كلًّا من المتواطئ والمشكك موضوع
للقدر المشترك، لكن:
إن كان التفاوت بأمور من جنس المسمى: فمشكك مثل: نور
الشمس والسراج.
وإن كان بأمور خارجة عنه كالعلم، والجهل، والذكورة،
والأنوثة، فمتواطئ مثل: هذا إنسان عالِم، وهذا إنسان جاهل.
(3/1115)

خاتمة في بيان الكلي، والكلية، والكل، والجزئي
والجزئية، والجزء
لما عرفنا أن المتواطئ والمشكك قسمان للكلي باعتبار استواء أفراده
في معناه، وتفاوتها فيه: كان لا بد من بيان المراد من الكلي والفرق
بينه وبين الجزئي، والكل، والكلية، والجزء، والجزئية، فأقول:
الكلي هو: ما لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه.
أي: لا يكون معناه شخصا معينا، بل هو معنى عام يصدق على
كثيرين كالإنسان، فإنه يصدق على زيد، وعمرو، وعلي، وبكر،
وغيرهم مما لا يحصى، وهؤلاء الكثيرون هم أفراده وجزئياته.
أما الجزئي فهو الذي يمنع تصوره من الشركة فيه.
أي: ما كان معناه شخصا لا يصدق على كثيرين نحو: " زيد "،
و" عمرو "، و " هذا الرجل ".
أما الكل فهو: الحكم على المجموع من حيث هو مجموع مثل
قولنا: " كل رجل يحمل الصخرة العظيمة ".
والفرق بين الكلي والكل هو: أن الكلي يجوز حمله على أفراده
وجزئياته حمل مواطأة، كما يجوز تقسيمه إليها بأداة التقسيم.
(3/1116)

مثاله: " الحيوان "، فيصح أن يقال: " الإنسان حيوان "،
ويقال: " الفرس حيوان "، ويقال: " الحيوان إما إنسان أو فرس ".
بخلاف " الكل "، فإنه لا يجوز حمله على أفراده حمل مواطأة،
كما لا يجوز تقسيمه إليها بأداة التقسيم مثل: " الشجرة "، فلا
يصح أن يقال: " الأغصان شجرة "، ولا يقال: " الشجرة إما
أغصان أو جذع ".
وإنما يقال: " ذات جذع وذات أغصان ".
أما " الكلية " فهي: الحكم على كل فرد بحيث لا يبقى فرد مثل
قولنا: " كل رجل يشبعه رغيفان ".
والفرق بين " الكل "، و " الكلية " هو: أن " الكل " لا يتبع
الحكم فيه كل فرد من أفراده، بل يكون الحكم على الكل بالحمل
على مجموعه مثل المثال السابق، وهو: " كل رجل يحمل الصخرة
العظيمة "، فليس كل فرد محكوم عليه بأن يحمل تلك الصخرة،
بل أن يجتمع كل الأفراد على تلك الصخرة يحملونها.
بخلاف " الكلية "، فتبع الحكم فيها كل فرد من أفرادها مثل
المثال السابق وهو قولنا: " كل رجل يشبعه رغيفان " معناه: كل فرد
من الأفراد محكوم عليه بأنه يشبعه رغيفان.
أما الجزء فهو: ما تركب منه ومن غيره " كل " مثاله: " الخمسة
مع العشرة "، و " الجذع بالنسبة للشجرة ".
أما الجزئية فهي الحكم على بعض أفراد الحقيقة من غير تعيين مثل:
" بعض الحيوان إنسان ".
(3/1117)

الفصل الخامس في الترادف
ويشتمل على المباحث التالية:
المبحث الأول: تعريفه.
المبحث الثاني: حكم الترادف.
المبحث الثالث: أسباب الترادف.
المبحث الرابع: شرط الترادف.
المبحث الخامس: بيان أن الترادف خلاف الأصل.
المبحث السادس: هل يجوز استعمال أحد المترادفين مكان الآخر؟
(3/1119)

المبحث الأول تعريف الترادف
الترادف لغة: مأخوذ من الرديف، وهو: ركوب اثنين على دابة
واحدة.
والترادف اصطلاحا هو: توالي الألفاظ المفردة الدالة على مسمى
واحد باعتبار واحد مثل: " البر والقمح "، و " جلس وقعد ".
بيان التعريف والمحترزات:
قوله: " توالي الألفاظ " معناه: تتابع الألفاظ، والمراد
بالألفاظ: اثنان فأكثر، وهذا جنس في التعريف يتناول الترادف وغيره
من توالي الألفاظ المركبة، والمتباينة.
قوله: " المفردة " أخرج توالي الألفاظ المركبة، أو المركبة مع
المفردة مثل: الحد مع المحدود كالإنسان، وحيوان ناطق، أو الحد
مع الرسم كجسم ضاحك بالنسبة للإنسان، فذلك لا يكون مترادفا؛
لاختصاص الترادف بالمفردات.
قوله: " الدالة " أخرج الألفاظ المفردة المهملة كديز.
قوله: " على مسمى واحد " أخرج الألفاظ المتباينة؛ لأنها ألفاظ
مفردة يدل كل واحد منها على معنى يخالف ما دلَّ عليه اللفظ الآخر
مثل: الإنسان، والفرس.
قوله: " باعتبار واحد " أخرج أمرين:
(3/1121)

أولهما: توالي الألفاظ المفردة المترادفة الدالة على مسمى واحد،
لكن باعتبارين مثل: " السيفْ "، و " الصارم "، و، المهند "،
و"الناطق "، و " الفصيح "، فإن هذه ليست مترادفة، لاختلاف
المعنى.
ثانيهما: توالي لفظين مفردين دالين على مسمى واحد، لكن
أحدهما بطريق الحقيقة، والآخر بطريق المجاز مثل؛ " الأسد "،
و" الشجاع " بالنسبة للإنسان القوي، فإن الشجاع يدل عليه باعتبار
الحقيقة، وأسد يدل عليه باعتبار المجاز.
(3/1122)

المبحث الثاني حكم الترادف
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن الترادف جائز عقلاً وواقع في اللغة.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: أنه لا يترتب على فرض وقوعه محال.
الدليل الثاني: أنه واقع في اللغة، ووقوعه دليل جوازه؛ فإنه
بعد الاستقراء والتتبع لألفاظ اللغة ثبت وجود الترادف فيها:
إما بجسب اللغة مثل: " الإنسان والبشر ".
أو بحسب الشرع مثل: " الفرض والواجب " على رأي كثير من
العلماء.
أو بحسب العرف مثل: " الأسد والسبع ".
أو بحسب لغتين مختلفتين مثل: " الله، وخداي بالفارسية ".
المذهب الثاني: أن الترادف غير جائز:
نسب هذا إلى ابن فارس وشيخه: ثعلب.
دليل هذا المذهب:
أنه يلزم من وقوع الترادف نقض الغرض من وضع الألفاظ،
حيث إن الغرض هو تحصيل الفائدة بالمراد عند السامع، وهو قد
حصل بأحد اللفظين، فاللفظ الآخر غير مفيد فائدة جديدة.
(3/1123)

جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ أن الألفاظ المترادفة محصورة فائدتها فيما ذكر، بل
فيها فوائد منها: تكثير وسائل الإخبار عما في النفس، والتوسع في
مجال النظم والقافية، وسيأتي بيان ذلك في أسباب الترادف.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي؛ لوجود الألفاظ المترادفة في اللغة، لكن
الفريق الثاني لا يسميها بذلك، وقام بتأويلها بتأويلات فيها تعسف.
(3/1124)

المبحث الثالث
أسباب الترادف
السبب الأول: أن يصدر اللفظان المترادفان من واضعين، فيضع
أحدهما لفظا لمعنى ويشتهر في قبيلة ذلك الواضع، ثم يضع
الشخص الآخر لفظا آخر لذلك المعنى، ويشتهر ذلك في قبيلته، ثم
اشتهر اللفظان ولم يتميزا، ولم يعين أي واضع، وهذا هو السبب
الأكثري، كما ذكر فخر الدين الرازي.
السبب الثاني: أن يكون اللفظان المترادفان قد صدرا من واضع
واحد، ويكون الهدف والقصد والغرض من وضعه للفظين لمعنى
واحد فائدتين هما:
الفائدة الأولى: تكثير وسائل الإخبار عما فى النفس، وتكثير
الطرق إلى المطالب، فإن للمتكلم - حينئذٍ - استعمال أي لفظ
شاء، وإذا عسر عليه النطق بأحد اللفظين فإنه يعبر عن المعنى المراد
بلفظ آخر، فمثلاً يعبر من لا يستطيع النطق بالراء بالقمح بدلا عن
البر، كذلك إذا كان المعنى معروفا لديه، ولكن نسي اللفظة المعبرة
عنه، فإنه يأتي بلفظة مرادفة لها.
الفائدة الثانية: التوسع في مجال النظم - وهو: الكلام الموزون
على أوزان العروض -، والنثر - وهو: الكلام غير الموزون -
والقافية - وهي: آخر كلمة في بيت الشعر - والتجنيس - وهو:
اتفاق اللفظين من وجه من الوجوه، ويختلف معناهما -: مثل: لو
قلت: " اشتريت البر وأنفقته في البر "، فإنه أحسن من قولك:
" اشتريت القمح وأنفقته في البر " لفوات المجانسة، والحرص على
القلب مثل قوله تعالى: " وربك فكبر "، - فلو قيل: " الله فكبر "
لذهب القلب، وهكذا سائر أصناف البديع.
(3/1125)

المبحث الرابع
شرط الترادف
يشترط في اللفظين المترادفين: أن يدلان على المعنى دون زيادة
أحدهما على الآخر مثل: " الليث والأسد والغضنفر "، ومثل:
"القمح والبر "، و " العقار والخمر "، فإنه يطلق على كل واحد من
تلك أنها مترادفة؛ حيث إن المفهوم من الاسمين واحد دون مزية
أحدهما على الآخر بأي شيء.
أما إذا كان أحد اللفظين يدل على المعنى مع زيادة لم يأت بها
اللفظ الآخر، فإنه لا يكون هذان اللفظان مترادفين، وذلك
لاختلافهما في المدلول والمفهوم، فمثلاً لفظ " السيف "، و " المهند "
و" الصارم " قد تبدو للناظر أنها مترادفة، وهي في الحقيقة ليست
كذلك، وذلك لأن مدلول ومفهوم " المهند " يخالف مفهوم " السيف "
لوجود زيادة فيه دون السيف؛ حيث إنه يفهم منه نسبته إلى الهند،
وكذلك " الصارم " يدل على السيف مع زيادة صفة الحدة وسرعة
القطع، فعرفت بذلك أن تلك الألفاظ ليست مترادفة؛ لانعدام
شرط الترادف؛ حيث اختلفت في المدلول والمفهوم، فيكون كل
لفظ من تلك الألفاظ له مدلوله ومفهومه الخاص، ولا تكون من
المترادفة، لذلك قلنا في التعريف: " باعتبار واحد ".
(3/1126)

المبحث الخامس
بيان أن الترادف خلاف الأصل
الأصل: أن لكل معنى لفظا واحداً خاصا به، فيكون الترادف
وهو - أن يكون للمعنى الواحد أكثر من لفظ - خلاف هذا الأصل.
ودلَّ على ذلك دليلان:
الدليل الأول: أن الترادف يلزم منه تعريف المعرَّف.
بيانه: أنا لما عرفنا المعنى بأحد اللفظين وحصل المقصود، فالأصل
عدم الثاني؛ لعدم الحاجة إليه، ولأنه يلزم منه تعريف المعرف،
فيكون تحصل حاصل وهو باطل.
الدليل الثاني: أن الترادف موجب للمشقة؛ لأن الشخص إذا
حفظ لفظا ظن أنه الطريق إلى المطلوب فقط، ولما كان لكل معنى
لفظان فأكثر: فإنه يحتاج إلى حفظ كل لفظ يدل على ذلك المعنى،
ولا شك أن في ذلك مشقة، والأصل عدمها.
(3/1127)

المبحث السادس هل يجوز استعمال أحد المترادفين مكان الآخر؟
انفراد المترادفات يصح إقامة بعضها مكان بعض إجماعا، فيقام
لفظ " بر " مكان لفظ " قمح "، و " قعود " مكان " جلوس "،
وهكذا. ولكن الاختلاف إنما هو في حالة تركيب المترادفات، ففي ذلك
مذاهب:
ْالمذهب الأول: أن ذلك يجوز في لغة واحدة، ولا يجوز من
لغتين مختلفتين، وهو مذهب كثير من العلماء، ومنهم البيضاوي،
وصفي الدين الهندي، وهو الحق؛ لأن وضع أحد المترادفين موضع
الآخر من لغة واحدة لا يلزم منه الإخلال والإفساد للمعنى، أي:
أن صحة التركيب وفساده متعلق بالمعنى دون اللفظ، فإذا صح المعنى
لم يبق محذور؛ لأن كلا اللفظين معروف لأهل هذه اللغة، فكان
ذلك جائزاً.
أما وضع أحد المترادفين موضع الآخر من لغتين فلا يجوز، فلا
يصح " خداي أكبر " في موضع: " اللَّه أكبر "، وقلنا ذلك لأمرين:
أولهما: أنه يلزم منه اختلاط اللغتين.
ثانيهما: أنه يلزم منه ضم مهمل إلى مستعمل؛ لأن اللفظ المرادف
من اللغة الأخرى يعتبر مهملاً بالنظر إلى أهل اللغة الأخرى الذين لا
يفهمونه، فعلى هذا: يكون التخاطب به ممتنعا لذلك.
(3/1128)

المذهب الثاني: أنه يجوز وضع أحد المترادفين مكان الآخر مطلقا.
وهو مذهب ابن الحاجب، وهو مذهب كثير من الحنفية.
دليل هذا المذهب:
أن المقصود من التركيب: معناه، دون لفظه، وما دام أن المعنى
لم يتغير في اللفظين، فلا مانع من وضع أحدهما مكان الآخر،
سواء كان ذلك من لغة واحدة أو من لغتين، فلما انتفى المانع:
وجب العمل بالمقتضى لسلامته عن المعارض.
جوابه:
أنا نوافقكم في أنه يجوز وضع أحد اللفظين مكان الآخر في لغة
واحدة - كما ذكرنا - ولكن نمنع ذلك في لغتين، ويمنع ذلك أمران
هما: اختلاط اللغتين، وضم مهمل إلى مستعمل، وقد سبق
بيانهما.
المذهب الثالث: أنه لا يجوز وضع أحد المترادفين مكان الآخر
مطلقاً.
وهو مذهب فخر الدين الرازي وبعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أنه لا فرق في كون اللفظ موضوعاً للمعنى باصطلاح لغة واحدة
أو لغتين، فلو جاز إقامة كل واحد من المترادفين مقام الآخر لجاز
وضع قوله: " خداي أكبر " موضع " اللَّه اكبر "، ولكنه لا يجوز
باتفاق، وهذا يتحقق في اللغة الواحدة، كما يتحقق في اللغتين.
جوابه:
أنه يوجد فرق بين أن يكون من لغة واحدة وبين أن يكون من
(3/1129)

لغتين، فإذا كان وضع أحد المترادفين في لغة واحدة، فهذا جائز؛
لعدم اختلاط اللغتين، ولعدم ضم مهمل إلى مستعمل، أما وضع
أحد المترادفين من لغتين، فهذا لا يجوز لوجود الأمرين السابقين.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ حيث أثر في مسألة أصولية وهي: هل يجوز
نقل الحديث بالمعنى.
فعلى المذهب الأول: يجوز نقل الحديث بالمعنى في لغة واحدة،
دون اللغتين، وعلى المذهب الثاني: يجوز نقل الحديث في لغة
واحدة ومن لغتين، ويلزم على المذهب الثالث: أنه لا يجوز نقل
الحديث بالمعنى مطلقاً.
(3/1130)

الفصل السادس في التأكيد والتابع
قد يظن بعضهم أن التأكيد مع المؤكد، والتابع مع المتبوع مثل: "جاء
محمد عينه "، و " عطشان بطشان " من الألفاظ المترادفة؛ لأن كلاً
منهما لفظان مفردان يدلان على معنى واحد، ولكن الحقيقة أنه لا
يوجد ترادف في مثل هذه الأمثلة، وسأبين ذلك بالتفصيل في المبحثين
التاليين:
المبحث الأول: في التأكيد.
المبحث الثاني: في التابع.
(3/1131)

المبحث الأول في التأكيد
ويشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: تعريف التأكيد.
المطلب الثاني: الفرق بينه وبين المترادف.
المطلب الثالث: حكم التأكيد.
المطلب الرابع: أقسام التأكيد.
(3/1133)

المطلب الأول
تعريف التأكيد
التأكيد لغة من باب التفعيل، وهو: التقوية.
واصطلاحا هو: تقوية مدلول لفظ بلفظ آخر مستقل بالإفادة.
بيان التعريف:
قوله: " تقوية مدلول لفظ بلفظ آخر " يشمل التوكيد والتابع،
وهو مخرج للمترادف؛ لأنه لا تقوية فيه.
وقوله: " مستقل بالإفادة " أخرج التابع؛ لأن التابع لا يستقل
بالإفادة، بل لا بد من المتبوع لكي يفيد.
***
المطلب الثاني الفرق بينه وبين المترادف
لقد اتضح من التعريف السابق: " أن اللفظ المؤكِّد - بكسر
الكاف - يقوي اللفظ المؤكَّد - بفتح الكاف -، أما اللفظان
المترادفان فلا يقوى أحدهما الآخر؛ لأن اللفظ المترادف يدل على
الذات، لا على التقوية.
(3/1135)

المطلب الثالث حكم التأكيد
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن التوكيد جائز عقلاً وواقع في اللغة.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق، لدليلين:
الدليل الأول: أنه لا يترتب على فرض وقوعه محال.
الدليل الثاني: أنه واقع في اللغة، والوقوع دليل الجواز، فإنه
بعد الاستقراء والتتبع ثبت وجود الألفاظ المؤكدة لألفاظ أخرى،
كقولنا: " جاء زيد عينه "، و " جاء العلماء كلهم "، ونحو ذلك.
المذهب الثاني: أن التأكيد غير جائز.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن الأصل في الكلام التأسيس، والإفادة فائدة جديدة، والتأكيد
لا يفيد فائدة جديدة، فاللفظ الأول قد أفاد الغرض، فالثاني لا
داعي له، فلا يرد ذلك في كلام العرب.
جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ لكم أن اللفظ - المؤكد - لا يفيد، بل يفيد الاهتمام
بالمتكلم عنه، ودفع توهم المجاز من اللفظ المؤكَّد، وتضييق توسع الفهم.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا - لفظي؛ لوجود التوكيد في الكتاب والسُّنَّة واللغة،
لكن الفريق الثاني يسمى ذلك باسم آخر.
(3/1136)

المطلب الرابع
أقسام التأكيد
ينقسم التأكيد إلى قسمين:
القسم الأول: أن يؤكد اللفظ بنفسه، وهو نوعان:
النوع الأول: تأكيد اللفظ بنفسه إذا كان مفرداً مثل: " جاء محمد
محمد".
النوع الثاني: تأكيد اللفط بنفسه إذا كان جملة كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "والله لأغزون قريشاً، والله لأغزون قريشاً، والله لأغزون قريشا ".
القسم الثاني: أن يؤكد اللفظ بغيره، وهو أنواع:
النوع الأول: أن يكون المؤكد مفرداً، فيؤكد بألفاظ معروفة مثل:
" النفس "، و " العين "، فنقول: " جاء زيد نفسه أو عينه ".
النوع الثاني: أن يكون المؤكد مثنى، فيؤكد بلفظ " كلا "،
و"كلتا"، فتقول: " جاء الرجلان كلاهما "، و " جاءت المرأتان
كلتاهما".
النوع الثالث: أن يكون المؤكد جمعا، فيؤكد بلفظ " كل "،
و"أجمعون "، قال تعالى: (فسجد الملائكة كلهم أجمعون) ،
ويؤكد - أيضا - بلفظ " أكتع "، و " أبتع "، و " أبصع ".
(3/1137)

المبحث الثاني في التابع
ويشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: تعريف التابع.
المطلب الثاني: الفرق بينه وبين المترادف.
المطلب الثالث: بيان وجه الاتفاق بين التابع والتأكيد ووجه الفرق
بينهما.
(3/1139)

المطلب الأول
تعريف التابع
التابع في اللغة مشتق من " تبع " على وزن " علم "، وتابع
القوم هو الذي يمشي خلفهم، أو الذي يمضي معهم إذا مروا به.
واصطلاحا هو: أن تتبع الكلمة الكلمة على وزنها أو رويها
إشباعا أو تأكيداً مثل: " عطشان نطشان "، و " جائع نائع "،
و"شذر مذر "، و " شيطان ليطان "، و " حياك الله وبياك "،
و"حقير نقير "، و " خراب يباب ".
***
المطلب الثاني
الفرق بين التابع وبين المترادف
التابع - وهو اللفظ الذي بعد اللفظ الأول - لا يفيد شيئاً غير
تقوية اللفظ الأول، فلا يفيد بدون المتبوع.
أما اللفظان المترادفان، فإن كل واحد من المترادفين يفيد المعنى لو
انفرد؛ لأنه مثل مرادفه في الرتبة.
(3/1141)

المطلب الثالث بيان وجه الاتفاق بين التابع والتأكيد
ووجه الفرق بينهما
وجه الاتفاق بينهما: أن كلًّا من التأكيد والمؤكد، والتابع مع
المتبوع لم يفد عين ما أفاده الآخر، وإنما أفاد تقوية المعنى - فقط -.
ووجه الفرق بينهما: أن التابع يشترط فيه: أن يكون على وزن
متبوعه مثل: " عطشان نطشان "، و " جائع نائع "، و " حسن
بسن "، وغيرها من الأمثلة السابقة.
أما التأكيد مع المؤكد فلا يشترط ذلك فيه مثل: " جاء زيد نفسه
أو عينه ".
(3/1142)

الفصل السابع في الحقيقة والمجاز
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: الحقيقة.
المبحث الثاني: المجاز.
(3/1143)

المبحث الأول في الحقيقة
ويشتمل على المطلبين التاليين:
المطلب الأول: تعريف الحقيقة.
المطلب الثاني: أقسام الحقيقة.
(3/1145)

المطلب الأول
تعريف الحقيقة
أولاً: الحقيقة لغة على وزن فعيلة، مأخوذة من الحق، واشتقاقه
من الشيء المحقق، وهو المحكم، تقول: " ثوب محقق النسج "
أي: محكم.
ثانيا: الحقيقة اصطلاحاً هي: اللفظ المستعمل في موضوعه الأصلي.
وإليك بيان هذا التعريف:
قولنا: " اللفظ " جنس يشمل كل ما يتلفظ به مما يتكوَّن من
حروف هجائية، سواء كان مستعملاً كزيد، أو مهملاً كديز، أو
حقيقة، أو مجازاً.
قولنا: " المستعمل " أخرج أمرين:
أولهما: اللفظ المهمل كديز.
ثانيهما: اللفظ قبل الاستعمال؛ حيث إنه لا حقيقة ولا مجازاً.
قولنا: " في موضوعه الأصلي " أخرج المجاز؛ لأنه لفظ يستعمل
في غير موضوعه الأصلي كلفظ " الأسد " يستعمل للرجل الشجاع.
(3/1147)

المطلب الثاني أقسام الحقيقة
تنقسم الحقيقة إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: حقيقة لغوية وضعية، وهي: الثابتة بالوضع.
أي: أن يضع الواضع لفظا لمعنى إذا أطلق ذلك اللفظ فهم ذلك
المعنى الموضوع له مثل لفظ " الأسد " يفهم منه الحيوان المفترس، فلا
ينقدح في الذهن - عند إطلاقه - إلا هذا المعنى، فيكون حقيقة،
وهذا هو المقصود بالحقيقة، وهي الأسبق إلى الذهن من الحقيقة
العرفية والشرعية.
***
القسم الثاني: حقيقة عرفية، والكلام عنها يكون فيما يلي:
أولاً: المقصود بالحقيقة العرفية هو: قول خص في العرف ببعض
مسمياته وإن كان وضعها للجميع حقيقة، مثل: لفظ " الدابة "،
فإن وضعها بأصل اللغة لكل ما يدب على الأرض من ذي حافر
وغيره، ثم هجر هذا المعنى، وصار في العرف حقيقة للفرس،
ولكل ذات حافر.
ثانيا: بيان كيف يصير الاسم عرفيا؟
يصير الاسم عرفيا باعتبارين هما:
الاعتبار الأول: أن يكون للاسم معنيان فيستعمله أهل اللغة لمعنى
واحد فقط دون الآخر، ويخصصونه به، ويعرف بينهم.
(3/1148)

من أمثلة ذلك: المثال السابق وهو تخصيص " الدابة " في العرف
للفرس ولكل ذات حافر، مع أنه في اللغة يطلق على كل ما يدب
على الأرض.
مثال آخر: اسم " الفقيه " قد خصص عرفا بالعالم ببعض
الأحكام الفقهية الشرعية، مع أن كل من يفقه قول الآخر يسمى
فقيها بالوضع اللغوي، قال تعالى في ذلك: (فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا)
الاعتبار الثاني: أن يشيع استعمال الاسم في غير ما وضع له
أصلاً.
أي: في غير موضوعه اللغوي، ويكون بين الاستعمال اللغوي
والاستعمال العرفي مناسبة، فيشيع هذا الاستعمال بين الناس،
بحيث لا ينكره أحد.
من أمثلة ذلك: اسم " الغائط "، فإنه يطلق لغة على المطمئن
والمنخفض من الأرض، ثم استعمل عرفا في الخارج المستقذر من
الإنسان، وهذا الاستعمال وإن كان مجازاً، إلا أنه اشتهر وشاع
حتى صار هو المتبادر إلى الفهم عند الإطلاق، ونسي الأول.
مثال آخر: اسم " الراوية " هو في أصل الوضع اللغوي يطلق
على الجمل الذي يسقى عليه الماء، ثم استعمل في وعاء الماء،
وتعارف الناس على هذا الاستعمال، وهذا الاستعمال وإن كان
مجازاً إلا أنه اشتهر وشاع حتى صار هو المتبادر إلى الفهم عند إطلاق
لفظ " الراوية "، ونسي المعنى الأول وهو الجمل الذي يسقى عليه
الماء.
(3/1149)

ثالثا: أنواع الحقيقة العرفية:
الحقيقة العرفية نوعان:
النوع الأول: عرفية عامة، وهي التي لم تخصصها طائفة دون
أخرى.
وهي التي ذكرناها في الاعتبارين السابقين مع الأمثلة.
النوع الثاني: حقيقة عرفية خاصة وهي: ما خصته كل طائفة من
الأسماء بشيء من مصطلحاتهم مثل: اسم " النقض "، و " الكسر"
ونحو ذلك من قوادح القياس في اصطلاح الأصوليين، ونحو ذلك
مما اصطلح عليه أرباب كل فن.
***
القسم الثالث: حقيقة شرعية:
وهي: اللفظ المستعمل في الشريعة على غير ما كان عليه في وضع
اللغة كالصلاة مثلاً، فإنها في اللغة: الدعاء، فاستعمل هذا اللفظ
في الشريعة على الأقوال والأفعال المخصوصة، فصارت حقيقة فيها.
واختلف العلماء فيما استعمله الشارع من ألفاظ أهل اللغة مثل:
لفظ " الصلاة "، و " الصوم "، و " الزكاة) ، و " الحج "، هل
خرج به عن وضعهم أو لا؟ على مذاهب، من أهمها مذهبان:
المذهب الأول: أن الشارع نقل لفظ " الصلاة "، و " الصوم "،
و" الزكاة "، و " الحج " عن مسمياتها ومعانيها اللغوية إلى معانٍ أخر
بينها وبين تلك المسميات - بحسب اللغة - مناسبة معتبرة واشتهرت
بعد أن كانت لغوية، فصارت حقائق شرعية.
هذا مذهب جمهور العلماء.
(3/1150)

فالصلاة في اللغة: الدعاء، والزكاة: النماء، والصوم:
الإمساك، والحج: القصد، فنقل الشارع هذه الألفاظ من معانيها
اللغوية السابقة واستعملها في معان أخر، وأعرض فيها عن الموضوع
اللغوي، فوضع لفظ " الصلاة " على الأفعال والأقوال المخصوصة،
ووضع لفظ " الزكاة " على إخراج مقدار من المال وإعطائه إلى قوم
آخرين بشروط خاصة، وكذا يقال في الصوم والحج.
فالشارع نقل اللفظ من معناه اللغوي إلى معناه الشرعي، وليس
نقلاً مطلقا، بل مع وجود علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي،
فمثل ما تصرف أهل العرف في بعض الألفاظ بنقلها عن معناها
الموضوعة له أصلاً، فكذلك الألفاظ الشرعية خصصت لفظة
"الصلاة"، واستعملت في دعاء مخصوص.
وهذا هو الصحيح عندي، لدليلين:
الدليل الأول: الاستقراء والتتبع للألفاظ الشرعية التي استعملها
الشارع: فإن الشارع قد استعمل لفظ " الحج "، و " الصوم "،
و"الإيمان "، و " الزكاة "، و " الصلاة " في معان لها علاقة بمعناها
اللغوي - كما سبق بيانه - فهو ليس نقلاً كليا للفظ، بل يوجد
ارتباط بين المعنى اللغوي، والمعنى الشرعي.
الدليل الثاني: القياس على فعل أهل اللغة في الألفاظ العرفية
كلفظ الدابة، حيث خصصوه في ذوات الأربع مع أنه يطلق لغة على
كل ما يدب على الأرض، ولم ينكر أحد هذا التصرف، فكذلك
فعل المشرع في لفظ " الصوم "، و " الإيمان " ونحوهما، والجامع:
أن كلًّا من فعل أهل اللغة وفعل المشرع ليس فيه نقلاً كليا للفظ، بل
يوجد علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي والعرفي.
(3/1151)

المذهب الثاني: أن الشارع نقل لفظ " الصلاة "، و " الصوم "،
و" الزكاة " عن معناها اللغوية إلى معان شرعية نقلاً كليا، أي:
بدون أي علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي، فهي معان مبتكرة
ابتكرها المشرع، يجوز أن لا يلاحظ فيها المعنى اللغوي، وإذا حدث
أن وجدت علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي: فهو اتفاقي،
أي: بطريق الصدفة، وليس مقصوداً.
ذهب إلى ذلك المعتزلة والخوارج، وبعض الحنفية كالسرخسي،
والدبوسي، والبزدوي، وبعض الحنابلة كأبي الخطاب.
دليل هذا المذهب:
أن الشارع قد نقل تلك الأسماء الشرعية، وتصرف بنقلها إلى
معان غير معانيها اللغوية: فالصلاة لغة هي الدعاء، واستعمل
الشارع هذا اللفظ لمجموع الأفعال الشرعية كالركوع، والسجود،
والتسبيح، والتكبير، والنية، وغيرها، فاهل اللغة. لم يكونوا
يعرفون هذه الصلاة ولا شروطها ولا أركانها، ثم صار اسم الصلاة
اسما لمجموع هذه الأفعال.
وكذلك لفظ " الصوم " هو لغة: الإمساك بصورة عامة، أي:
سواء كان عن الأكل والشرب ليلاً أو نهاراً، أو عن الكلام، كما
في قوله تعالى: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) ،
واستعمل الشارع هذا اللفظ لإمساك مخصوص.
وكذلك لفظ " الزكاة " هو لغة: النماء، ثم جعله الشارع اسما
لإخراج جزء من المال طهرة له.
وكذلك " الحج " هو لغة: القصد مطلقا، ثم جعله الشارع
(3/1152)

واستعمله في قصد مخصوص في أماكن مخصوصة في أزمنة
مخصوصة.
فالشرع تصرف في جميع تلك الألفاظ ونقلها إلى معان غير
معانيها اللغوية، حتى إنه لا يعقل من إطلاق اسم " الصلاة "، أو
"الصوم "، أو " الزكاة "، أو " الحج " إلا الصلاة المخصوصة
شرعاً، والزكاة المخصوصة شرعا، والصوم المخصوص شرعا،
والحج المخصوص شرعا، فيكون المشرع - بذلك - قد نقلها إلى
استعمال جديد.
جوابه:
نسلم أن الشارع قد تصرف في تلك الألفاظ، ونقلها إلى
استعمال جديد، وهذا من باب التجوز، فتكون تلك الألفاظ
مجازات لغوية، والتجوز لا يكون إلا بعلاقة بين المعنى الأصلي
والمعنى الجديد، فالمشرع لما اختار لفظ " الصلاة " ليجعله دليلاً على
العبادة المعروفة إنما فعل ذلك لوجود علاقة بين معنى الصلاة لغة،
ومعناها شرعاً، لأن كلًّا منهما دعاء، فالصلاة في الشرع يوجد فيها
حقيقة الدعاء، بل إن كل الصلاة دعاء؛ حيث إن الدعاء مخ العبادة.
وكذلك لفظ " الصوم " إنما اختاره الشارع لوجود علاقة بين المعنى
اللغوي له والمعنى الشرعي؛ لأن كلًّا منهما إمساك، وكذلك الزكاة،
وكذلك الحج.
وهكذا كل لفظ قد نقله الشارع من معناه اللغوي إلى معناه
الشرعي نجد بين المعنيين نوعاً من الارتباط والعلاقة بينهما.
المذهب الثالث: أن الشارع لم ينقل تلك الألفاظ من اللغة إلى
(3/1153)

الشرع، ولا يجوز ذلك، بل الاسم باق على ما كان عليه في
اللغة، لكن الشرع ضم إليه أفعالاً، واشترط له شروطا، فمثلاً:
الصلاة لغة: الدعاء، ولم ينقل الشارع ذلك اللفظ من معناه
اللغوي إلى الشرعي، ولكن ضم إليه أفعالاً وأقوالاً لا بد منها،
واشترط له شروطا لا تصح الصلاة إلا بها مثل: الركوع، والسجود،
والقيام، والجلوس، والذكر، وكذلك الصوم فهو لغة: الإمساك،
ثم زاده الشارع اشتراط النية، وهكذا.
وهذا مذهب القاضي أبي بكر الباقلاني، وكثير من الأشاعرة،
وبعض الفقهاء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن اللَّه تعالى قد وصف القرآن بأنه عربي بقوله
تعالى: (إنا جعلناه قرآنا عربيا) ، وقوله: (بلسان عربي مبين)
وظواهر هذه الآيات يوجب كون القرآن كله عربيا، مستعملاً فيما
استعملته العرب، وإلا كان خطابا لهم بغير لغتهم، وبذلك يبطل
دعوى تصرف المشرع بنقل أسماء على غير إطلاق اللغة.
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أن اشتمال القرآن على ألفاظ شرعية قليلة لا
يخرجه عن كونه عربيا، فالعبرة بالأعم الأغلب، ولذا لا يمتنع أن
يقال: إن هذه اللحية سوداء وإن كان فيها بعض الشعيرات البيضاء.
الجواب الثاني: أن استعمال الشرع لبعض هذه الألفاظ في غير ما
وضعته له العرب لا يخرج القرآن عن كونه خطابا بلسان العرب:
(3/1154)

فالعرب قد استعملت بعض الألفاظ في غير ما وضعت له، مثل
استعمالهم لفظ " البحر " للعالم، ولم يقل أحد: إن هذا إخراج
للخطاب عن لغة العرب.
الدليل الثاني: أنه لو كانت بعض الأسماء اللغوية قد نقلت إلى
أحكام شرعية لوجب عليه - صلى الله عليه وسلم - أن يوقف الأمَّة على نقل هذه الأسماء توقيفا تقوم به الحُجَّة على المكلَّفين ليقطع عذرهم، فيكون بطريق يفيد العلم الضروري أو النظري، وما دام أنه لم يثبت شيء من
ذلك، ولا أجمعت الأُمَّة عليه، ولا دلَّ العقل الجازم على ذلك،
فيبقى على النفي الأصلي، فلم ينقل شيء من الاستعمال اللغوي إلى
الاستعمال الشرعي.
جوابه:
إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد بين بياناً تاما المعاني التي نقلت الألفاظ إليها، فبيق المقصود بالصلاة: بصلاته - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه وقال: " صلوا كما رأيتموني أصلي "، وبين المقصود بالحج وقال:
" خذوا عني مناسككم "،
وبين تفاصيل ومقادير الزكاة وشروطها، وبين المراد بالإحسان، والإسلام، والإيمان بحديث جبريل - عليه السلام -
ونقل هذه الألفاظ وما تدل عليه الصحابة - رضي اللَّه عنهم -.
بيان نوع هذا الخلاف:
الخلاف هنا معنوي له أثره في الفروع الفقهية؛ حيث إن الصلاة
والصوم والزكاة والحج إذا وجدت في كلام الشارع مجردة عن
القرينة، محتملة للمعنى اللغوي وللمعنى الشرعي، فعلى أيهما
يحمل؛ فبناء على المذهب الأول والثاني - وهو: أن تلك الأسماء منقولة
(3/1155)

من اللغة إلى الشرع - فإن تلك الأسماء تحمل على الحقيقة الشرعية،
دون اللغوية، ويكون المعنى واضحا لا إجمال فيه، لأن العادة: أن
كل متكلم يُحمل لفظه على عرفه، فتلك الألفاظ - أعني: الصوم،
والصلاة، والزكاة، والحج - تحمل على المقصود والمراد الشرعي،
فنحمل لفظ " الصلاة " على الصلاة الشرعية، ولفظ " الزكاة " على
الزكاة الشرعية وهكذا، ولا يجوز العدول عن ذلك إلا بدليل وقرينة
وذلك لأن عرف الشارع جار على بيان الأحكام الشرعية، دون
الحقائق اللغوية.
أما على المذهب الثالث - وهو: أن تلك الأسماء باقية على
دلالتها اللغوية، ولكن زاد عليها الشارع بعض الشروط والقيود - فإن
تلك الأسماء تحمل على المعنى اللغوي، ولا يجوز العدول عنها إلى
الشرعية إلا بقرينة، وهذا قياس هذا المذهب، وهو مذهب القاضي
أبي بكر.
ولكن بعض العلماء نقل عنه أن هذه الألفاظ - أعني الصلاة
والزكاة ونحوها - مجملة، وهو مذهب بعض العلماء كالقاضي أبي
يعلى، وبعض الشافعية، وبناء على القول بالإجمال تأثرت بعض
المسائل، ومن ذلك:
1 - قوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ) اختلف في
المراد به هل هو المعنى الشرعي، أو المعنى اللغوي؟
فذهب كثير من العلماء إلى أن المراد بالنكاح هنا هو: المعنى
الشرعي، وهو: العقد؛ لأن النكاح حقيقة شرعية، ولفظ المشرع
يجب أن يحمل على معناه الشرعي، ولذا فإنه لو زنى الأب بامرأة،
فإن ذلك لا يوجب حرمة المصاهرة.
(3/1156)

وذهب آخرون إلى أن المراد بالنكاح هنا هو المعنى اللغوي، وهو:
الوطء، فيكون المعنى لا تطؤا ما وطأها الأب بزنى أو غيره، ولذا
فإن من زنى بها الأب فهي موطوءة له.
2 - قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"توضئوا مما مست النار "
اختلف في المراد به، هل هو الوضوء الشرعي، أو الوضوء اللغوي؟
فمنهم من قال: إنه يحمل على المعنى الشرعي؛ لأن حمل لفظ المشرع على عرفه أقوى، ومنهم من قال: يحمل على المعنى اللغوي، ومنهم من
قال: إنه مجمل لوجود الاحتمالين، فلا يحمل إلا بقرينة.
3 - قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"الطواف بالبيت صلاة "
اختلف في ذلك هل المراد به: أن الطواف كالصلاة حكما في الافتقار للطهارة، فيكون المراد بالصلاة: الصلاة الشرعية، أو أن الطواف يشتمل على الدعاء الذي هو صلاة لغة.
(3/1157)

المبحث الثاني في المجاز
ويشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: تعريف المجاز.
المطلب الثاني: هل المجاز واقع في اللغة؟
المطلب الثالث: أنواع العلاقة في المجاز.
المطلب الرابع: هل النقصان يعتبر من المجاز؟
المطلب الخامس: أسباب العدول إلى المجاز.
المطلب السادس: بيان أن الحقيقة لا تستلزم المجاز.
المطلب السابع: هل المجاز يستلزم الحقيقة؟
المطلب الثامن: اللفظ الذي يكون حقيقة ومجازاً، والذي لا يكون.
المطلب التاسع: بيان أن المجاز خلاف الأصل.
المطلب العاشر: طرق معرفة الحقيقة من المجاز.
المطلب الحادي عشر: بيان أنه إذا دار اللفظ بين الحقيقة والمجاز، فإنه
يُحمل على الحقيقة.
المطلب الثاني عشر: بيان أنه إذا غلب المجاز في الاستعمال، فإن
اللفظ يُحمل عليه.
(3/1159)

المطلب الأول
في تعريف المجاز
أولاً: المجاز لغة مأخوذ من الجواز، وهو: العبور والانتقال من
موضع إلى موضع آخر، يقال: " جزت المكان " أي: عبرته
وانتقلت منه إلى مكان آخر، فالمجاز هو اللفظ الجائز من شيء إلى
شيء آخر تشبيها بالجسم المنتقل من موضع إلى آخر.
ثانيا: المجاز اصطلاحا هو: اللفظ المستعمل في غير موضوعه
الأصلي لعلاقة.
بيان هذا التعريف:
قولنا: " اللفظ ": جنس يشمل المستعمل وغير المستعمل، وهو
المهمل.
قولنا: " المستعمل " أخرج اللفظ المهمل.
قولنا: " في غير موضوعه الأصلي " أخرج الحقيقة، فإن
استعمال اللفظ فيها فيما وضع له أصلاً كما سبق.
قولنا: " لعلاقة " هذا بيان لشرط المجاز؛ حيث إن شرط المجاز
الأساسي هو: وجود العلاقة وهي: المشابهة الحاصلة بين المعنى
الأول والمعنى الثاني، بحيث ينتقل الذهن بواسطتها عن محل المجاز
إلى الحقيقة، فيفهم المعنى المجازي باعتبار ثبوت الصفة له كإطلاق
"الأسد " على الرجل الشجاع للاشتراك في صفة الشجاعة؛ إذ لها
فيه ظهور ومزيد اختصاص، فينتقل - الذهن منه إلى هذه الصفة.
(3/1161)

ولو لم توجد علاقة بين المعنيين لكان الوضع بالنسبة إلى المعنى
الثاني أولى، فيكون حقيقة فيهما، ويكون اللفظ مشتركا، لا
مجازاً.
وسمي مجازاً؛ لأن أهل اللغة يجاوزون به عن أصل الوضع
توسعا منهم كتسمية الرجل الشجاع أسداً، وتسمية البليد حماراً،
وهكذا.
(3/1162)

المطلب الثاني هل المجاز واقع في اللغة؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن المجاز واقع في اللغة العربية، وهو مذهب
جمهور العلماء.
وهو الحق؛ لأن اللغة العربية لغة فصيحة، والمجاز لا ينافي
الفصاحة، بل ربما كان المجاز أبلغ من الحقيقة - كما سيأتي ذكره في
أسباب العدول إلى المجاز - وقد ورد ووقع المجاز في لغة العرب
كثيراً -: فقد استعمل العرب لفظ " الأسد " للرجل الشجاع،
والحمار للرجل البليد، والبحر للعالم، وقولهم: " قامت الحرب
على ساق "، وقال الصلتان العبدي:
أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغداة ومر العشي
فإن هذا البيت قد جمع بين المجاز اللغوي، والمجاز العقلي؛
حيث إن لفظ " الصغير " قد استعمل في غير ما وضع له؛ لأن المراد
به: الذي كان صغيراً فهو مجاز مرسل باعتبار ما كان، وقد أسند
الشاعر فيه الإشابة والإفناء إلى الزمن مع أن الذي يشيب ويفني هو
الله تعالى، وبذلك يكون الفعل قد أسند إلى غير ما هو له لعلاقة
السببية باعتبار أن الزمن هو السبب في المشيب، والفناء، فكان
مجازاً عقلياً.
(3/1163)

المذهب الثاني: أنه لا مجاز فى اللغة العربية، وهو مذهب
الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني.
دليل هذا المذهب:
أن المجاز فيه إلباس المقصود بغير المقصود، فلا يفهم السامع من
اللفظ ما أراده المتكلم منه، وهذا ينافي المقصود من اللغة؛ لأن
المقصود منها: إفادة الألفاظ لما تستعمل فيه من المعاني، فيكون
المجاز ممنوعاً.
وعليه: فلا يقع في اللغة.
جوابه:
أنا نقول: لا مجاز بلا قرينة صرفت اللفظ من الحقيقة إلى المجاز،
أما مع وجود القرينة فلا إلباس ولا إيهام؛ لأن السامع يفهم المقصود
من اللفظ بواسطة تلك القرينة.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي؛ لأن أبا إسحاق لا ينكر استعمال الأسد
للشجاع، وأمثال ذلك، ولكنه يشترط في ذلك القرينة ويُسميه حقيقة.
إذن الخلاف في التسمية والعبارة.
(3/1164)

المطلب الثالث
أنواع العلاقة في المجاز
لقد قلنا: إن شرط المجاز هو وجود العلاقة، وان لم توجد
العلاقة لجاز التجوز عن كل معنى لكل لفظ، ولكان ذلك
الاستعمال ابتداء وضع آخر، ويكون اللفظ مشتركا لا مجازاً.
وأنواع العلاقة كثيرة، وإليك أهمها:
النوع الأول: السببية، وهو إطلاق السبب على المسبب، وهو
أقسام:
1 - السبب القابلي: نحو قولهم: " سال الوادي "، والمراد:
سال الماء في الوادي،، لكن لما كان الوادي سببا قابلاً لسيلان الماء فيه
صار الماء من حيث القابلية كالمسبب له، فوضع لفظ الوادي موضعه.
2 - السبب الفاعلي كقولهم: " نزل السحاب " أي: المطر،
فإن السحاب في العرف سبب فاعلي، لكن فاعليته باعتبار العادة،
حيث إن الفاعل حقيقة هو اللَّه تعالى.
3 - السبب الصوري كتسمية اليد قدرة؛ حيث إن القدرة سبب
صوري لليد، فإن اليد الخالية عن القدرة بمثابة ما لا وجود له بالفعل.
4 - السبب الغائي كتسمية العنب خمراً، قال تعالى: (إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا) .
النوع الثاني: المسببية، وهو؛ إطلاق المسبب على السبب،
(3/1165)

كتسمية المرض الشديد بالموت، وذلك لأن المرض الشديد عادة يؤدي
إلى الهلاك والموت.
الئوع الثالث: المشابهة: بأن يسمى الشيء باسم مشابهه في صفة
ظاهرة مثل: تسمية الرجل الشجاع بالأسد، وسمّي المجاز الذي
باعتبار المشابهة بالاستعارة؛ لأن الشجاع - مثلاً - لما أشبه الأسد في
المعنى أو الصورة استعرنا له اسمه، فكسوناه إياه.
النوع الرابع: المجاورة، بأن يسمى الشيء باسم مجاوره مثل:
إطلاق " الراوية " على القربة، والراوية في الأصل اسم للجمل
الذي يحمل تلك القربة، ولكنه أطلق على القربة لمجاورتها له.
الئوع الخامس: المضادة بأن يسمى الشيء باسم ضده، كقوله
تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) ، فقد أطلق على الجزاء سيئة
مع أنه عدل؛ لكونها ضدها.
النوع السادس: إطلاق اسم الشيء كله على ما أعد له مثل
قولهم: " الزوجة محللة "، ومعروف أن المحلل هو وطئها فقط،
أما قتلها أو تعذيبها فهو حرام.
الئوع السابع: النقصان بأن يذكر المضاف إليه، ويراد به مجموع
المضاف مع المضاف إليه، كقوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) ، فإنه
مجاز بالنقصان؛ لأن القرية موضوعة للمكان المخصوص، فأطلقت
وأريد بها أهل القرية، فحذف المضاف - وهو أهل - وأقيم المضاف
إليه - وهو القرية - مقامه.
النوع الثامن: الكلية بأن يطلق الجزء والمراد الكل مثل قولهم:
" أنا أملك رأسين من الغنم "، فأطلق الجزء وهو: الرأس، وأراد
جميع الجسم.
(3/1166)

النوع التاسع: الجزئية بأن يطلق الكل والمراد الجزء، كقوله
تعالى: (يجعلون أصابعهم في آذانهم) ، فقد أطلق الكل، وهي
الأصابع على الجزء، وهو الأنامل منها فقط؛ لأن العادة أن الإنسان
لا يدخل أصبعه في أذنه.
النوع العاشر: تسمية الشيء باعتبار ما كان عليه مثل تسمية المعتق
عبداً باعتبار أنه كان كذلك، أو تسمية الآدمي مضغة.
النوع الحادي عشر: تسمية الشيء باعتبار ما سيكون عليه وما
يؤول إليه مثل: تسمية الخمر في المدن بالمسكر، فإن الخمر في الذهن
ليس بمسكر، بل سيكون مسكراً إذا شرب.
النوع الثاني عشر: التعلق، وهو التعلق الحاصل بين المصدر
واسم المفعول واسم الفاعل، وإن كلًّا منها يطلق على الآخر مجازاً،
وإليك بيانها.
1 - إطلاق المصدر على اسم المفعول، كقوله تعالى: (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ) أي: مخلو قة.
2 - إطلاق اسم المفعول على المصدر، كقوله تعالى: (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ) أي: الفتنة.
3 - إطلاق اسم الفاعل على اسم المفعول، كقوله تعالى: (من ماء دافق) أي: مدفوق.
4 - إطلاق اسم المفعول على اسم الفاعل، كقوله تعالى:
(حجابا مستوراً) أي: ساتراً.
5 - إطلاق اسم الفاعل على المصدر، كقولنا: " قم قائما "
أي: قياما.
(3/1167)

6 - إطلاق المصدر على اسم الفاعل، كقولناء: " رجل عدل "
أي: عادل.
النوع الثالث عشر: إطلاق الأثر على المؤثر كتسمية ملك الموت:
موتا.
النوع الرابع عشر: إطلاق المؤثر على الأثر، كقولك: " ما أرى
في الوجود إلا اللَّه تعالى " يريد آثاره والدلالة عليه في العالم.
النوع الخامس عشر: الملازمة، وهو قسمان:
1 - إطلاق اسم اللازم على الملزوم، كإطلاق " المس " على
الجماع.
2 - إطلاق اسم الملزوم على اللازم، كقوله تعالى: (أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ) أي: يدل، والدلالة من لوازم الكلام.
النوع السادس عشر: البدل والمبدل منه، وهو قسمان:
1 - إطلاق اسم البدل على المبدل كتسمية الدية بالدم، فكانوا
يقولون: " أكل فلان دم فلان " أي: ديته.
2 - إطلاق اسم المبدل على البدل كتسمية الاداء بالقضاء في قوله
تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ) أي: أديتم.
(3/1168)

المطلب الرابع
هل النقصان يعتبر من المجاز؟
لقد سبق أن قلنا - في النوع السابع من أنواع العلاقة في المجاز:
أن النقصان والحذف من اللفظ يعتبر من المجاز، كقوله تعالى:
(وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) ، والمراد: أهل القرية، وذلك لظهوره؛ حيث
إن القرية لا يمكن أن تسأل، وهذا مذهب جمهور العلماء وهو الحق
لما قلناه.
ولكن بعض العلماء لم يسم ذلك مجازاً، وقال: لا نقول:
"أقيمت القرية مقام أهلها"، بل حذف من الخطاب ذكر " أهل "
لدلالة بقية الخطاب عليه، والإضمار والحذف ليس من المجاز؛ لأن
المجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له.
جوابه:
إن تعريف المجاز - وهو: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له -
منطبق على الحذف والنقصان، فلفظ " القرية " استعمل في غير ما
وضع له.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف - هنا - لفظي، للاتفاق على المعنى؛ حيث إن حاصل
الخلاف: أن المضمر هل هو سبب التجوز، أو محل التجوز؟
(3/1169)

المطلب الخامس أسباب العدول إلى المجاز
إن عدول المتكلم في التعبير عن الحقيقة إلى المجاز له أسباب إليك
أهمها:
السبب الأول: الحرص على بلاغة الكلام، فقد نقل بعض
العلماء عن أرباب البلاغة قولهم: إن المجاز في الاستعمال أبلغ من
الحقيقة، وأنه يلطف الكلام، ويكسبه حلاوة، ويكسوه رشاقة،
فمثلاً قوله تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) ، وقوله: (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا) لو استعملت الحقائق في هذه المواضع لم تعط
ما أُعطي المجاز من البلاغة.
السبب الثاني: تكثير الفصاحة؛ لأن فهم المعنى منه يتوقف على
قرينة، وفي ذلك غموض يحوج إلى حركة الذهن، فيحصل من
الفهم شبيه بلذة الكسب.
السبب الثالث: التعظيم والتبجيل مثل قولهم: " سلام اللَّه على
الحضرة العالية والمجلس الكريم "، فيعدل عن اللقب الصريح إلى
المجاز تعظيما لحال المخاطب.
السبب الرابع: التنزه عن ذكر الحقيقة كما يعبرون عن قضاء الوطر
من النساء بالوطء، وكما يعبرون عن ذكر ما يخرج من الإنسان من
العذرة بالغائط، ونحو ذلك.
السبب الخامس: أن تكون لفظة الحقيقه ثقيلة على اللسان،
(3/1170)

فيعدل عنها إلى ما هو أخف منها كما عدلوا عن لفظ " الخنفقيق "
اسم للداهية.
السبب السادس: الحرص على الاختصار والإيجاز في الكلام
كقوله تعالى: (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا) ، وقولهم: " رأيت أسداً
يخطب ".
السبب السابع: تفهيم المعقول في صورة المحسوس لتلطيف الكلام
وزيادة الإيضاح، ويسمى استعارة تخيلية مثل قوله تعالى:
(وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) .
السبب الثامن: أن يكون لفظ المجاز أصلح للتعبير به عن الحقيقة
مثل أن يكون المجاز أصلح للسجع ورعاية الوزن والقافية دون لفظ
الحقيقة.
(3/1171)

المطلب السادس
بيان أن الحقيقة لا تستلزم المجاز
لقد اتفق العلماء على أن الحقيقة لا تستلزم المجاز، أي: لا يلزم
أن يكون لكل حقيقة مجاز؛ لأن كون اللفظ قد استعمل في ما وضع
له لا يلزم منه أن يستعمل فيما عداه من المعاني، بل قد يكون له
معنى واحد فقط.
(3/1172)

المطلب السابع
هل المجاز يستلزم الحقيقة؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن كل مجاز يستلزم وجود حقيقة في شيء آخر.
وهو مذهب كثير من العلماء، وهو الحق؛ لأن المجاز فرع،
والحقيقة أصل، ومتى وجد الفرع لا بد أن يوجد الأصل.
المذهب الثاني: أن المجاز لا يستلزم الحقيقة.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن غاية المجاز أن يكون مستعملاً في غير ما وضع له أولاً، وما
وضع له اللفظ أولاً ليس حقيقة ولا مجازاً، فلا مانع من أن يتجوز
في اللفظ قبل استعماله فيما وضع له أولاً.
جوابه:
إن هذا مخالف لحقيقة المجاز - كما سبق -: وهو اللفظ
المستعمل في ما وضع له ثانياً، فهذا الحدُّ يدل على أن لهذا اللفظ
استعمالاً فيما وضع له أولاً، والمراد به الحقيقة، ويؤيد ذلك:
اشتراط العلاقة في المجاز، ولولا تلك العلاقة بين المعنى الحقيقي
والمعنى المجازي لجاز التجوز عن كل معنى لكل لفظ، ولكان ذلك
الاستعمال ابتداء وضع آخر، ويكون اللفظ مشتركا لا مجازاً،
فكيف يكون هناك مجاز ولا حقيقة له.
بيان نوع الخلاف: الخلاف لفظي؛ حيث لم يتأثر في ذلك أي
حكم شرعي.
(3/1173)

المطلب الثامن اللفظ الذي يكون حقيقة ومجازاً والذي لا يكون
بيان ذلك:
أولاً: اللفظ قد يكون حقيقة ومجازاً بالنسبة إلى المعنيين، فهذا
ظاهر كفظ " الأسد "، فإنه حقيقة بالنسبة إلى الحيوان المفترس،
ومجاز إلى الرجل الشجاع.
ثانيا: قد يكون اللفظ حقيقة ومجازاً بالنسبة إلى المعنى الواحد،
ولكن. باصطلاحين كلفظة " الدابة "، فإن استعمالها في الخيل
والحمار حقيقة عرفية ومجاز لغوي، واستعمالها في كل ما يدب
على الأرض حقيقة لغوية، مجاز عرفي.
ثالثا: اللفظ قد لا يكون حقيقة ولا مجازاً قبل الاستعمال؛ لأن
الاستعمال جزء مفهوم كل من الحقيقة والمجاز، فاللفظ في الوضع
الأول قبل الاستعمال لا يكون حقيقة ولا مجازاً.
رابعا: الأعلام لا توصف بأنها حقيقة أو مجاز؛ لأنها منقولة عن
المعاني الأصلية، فلا تكون حقائق في المنقول إليها، ولأنها لم تنقل
لعلاقة فلا تكون مجازاً.
(3/1174)

المطلب التاسع بيان أن المجاز خلاف الأصل
الأصل في الكلام الحقيقة.
أما المجاز فهو خلاف الأصل؛ لأن المجاز فيه ما يلي:
الأول: أن المجاز يحتاج إلى الوضع الأول.
الثاني: أن المجاز يحتاج إلى المناسبة بين الموضوع الأصلي
والمدلول المجازي، والنقل إلى المعنى الثاني.
الثالث: أن المجاز مخل بالفهم، حيث لا قرينة، أو لم يتنبه
للقرينة، أو تعدد مجازاته.
أما الحقيقة فليست محتاجة إلا إلى الأمر الأول - وهو الوضع
الأول -.
ومعلوم أن المفتقر إلى أمر واحد أغلب وجوداً وأرجح مما هو مفتقر
إلى أمور كثيرة.
(3/1175)

المطلب العاشر طرق معرفة الحقيقة من المجاز
الطريق الأول: سبق الفهم، بيانه:
أن اللفظ له معنيان فيسبق أحد المعنيين إلى فهم السامع من غير
قرينة، أما المعنى الآخر فإنه لا يفهم ولا ينقدح في الذهن إلا بقرينة،
فيكون اللفظ حقيقة في المعنى الذي تبادر إلى فهم السامع مطلقا،
أي: بدون قرينة.
الطريق الثاني: العراء عن القرينة، بيانه:
أن أهل اللغة إذا أرادوا إفهام غيرهم معنى من المعاني اقتصروا على
عبارة مخصوصة، وإذا عبروا عنه بعبارة أخرى لم يقتصروا عليها،
بل يذكرون معها قرينة، فيعلم أن العاري عن القرينة حقيقة؛ حيث
إنه لو لم يتفرد في ذهنهم استحقاق تلك اللفظة لذلك المعنى لم
يقتصروا عليه.
الطريق الثالث: صحة الاشتقاق، بيانه:
أن يكون أحد اللفظين يصح فيه الاشتقاق، والتصريف إلى
الماضي، والمستقبل، واسم الفاعل، واسم المفعول، واللفظ الآخر
لا يصح فيه ذلك، فيكون الأول هو الحقيقة، والآخر هو المجاز،
وذلك لأن تصريف اللفظ يدل على قوته وأصالته، وعدم تصريفه
يدل على ضعفه وفرعيته، فمثلاً لفظ " الأمر " يطلق على الطلب
نحو: " ادخل "، ويطلق على الشأن والفعل كقوله تعالى:
(3/1176)

(وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) ، والمقصود شأن فرعون وفعله، فوجدنا العرب
يصرفون اللفظ ويشتقون منه فيقولون: أمر، يأمر، أمراً، فهو
مأمور، وهو آمر، في حين أنهم لا يقولون ذلك في الأمر بمعنى
الفعل، فلا يقولون فيه: أمر يأمر، أي: أن إطلاق الأمر على
الفعل لا يشتق لمن قام به منه اسم الآمر، فدل ذلك على أن الأول
حقيقة، والثاني مجاز.
الطريق الرابع: صحة النفي في المجاز، بيانه:
أنه يصح النفي في المجاز، فيصح أن يقال لمن سُمِّي من الناس
حماراً لبلادته: إنه ليس بحمار، ولكن لا يصح أن يقال: إنه ليس
بإنسان في نفس الأمر؛ لأنه حقيقة فيه.
الطريق الخامس: عدم الاطراد، بيانه:
أن لا يكون اللفظ مطرداً في مدلوله مع عدم ورود المنع من أهل
اللغة والشارع من الاطراد، وذلك كتسمية الرجل الطويل نخلة،
فهذا مجاز؛ لأنه لا يطرد، ولهذا لا يُسمَّى كل طويل من شجرة أو
رمح وغير ذلك نخلة.
الطريق السادس: إطلاق اللفظ على المستحيل، بيانه:
أنه إذا أطلق على اللفظ بما يسحيل تعليقه به علم أنها في أصل
اللغة غير موضوعة له أصلاً، فيعلم أنه مجاز فيه مثل قوله تعالى:
(وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) فإن السؤال بالنسبة إلى القرية مستحيل عادة.
(3/1177)

المطلب الحادي عشر بيان أنه إذا دار اللفظ بين الحقيقة والمجاز
فإنه يحمل على الحقيقة
إذا دار اللفظ المتجرد عن القرائن بين الحقيقة والمجاز، فإنه يحمل
على الحقيقة، ولا يمكن حمله على المجاز إلا إذا دلَّ دليل أو قرينة
على أنه أريد به المجاز، ولا يمكن أن نجعل اللفظ مجملاً ومشتركا
بين المعنيين، وهما الحقيقة والمجاز.
أدلة ذلك وهو: حمل اللفظ على الحقيقة، ولا يكون مجملاً:
الدليل الأول: أن واضع اللفظ للمعنى إنما وضعه ليكتفي به في
الدلالة عليه، وليستعمل فيه دون غيره من المعاني، فكان الواضع
قال: " إذا سمعتموني أتلفظ بهذا اللفظ فاعلموا أني أعني به هذا
المعنى دون ما هو مجاز فيه "، فيجب على السامع أن يحمل اللفظ
على ما وضع له، وهو المعنى الحقيقي.
الدليل الثاني: أننا لو رأينا كل لفظ احتمل أن يكون حقيقة وأن
يكون مجازاً وجعلناه مجملاً للزم من ذلك أمران باطلان هما:
الأمر الأول: بقاء كثير من ألفاظ الكتاب والسُّنَّة بدون أن يعمل
بها، فأفضى إلى عدم الاستفادة منها، وذلك لأن حكم المجمل هو
التوقف حتى يأتي دليل يرجح أحد المعاني، وهذا يؤدي إلى تعطيل أكثر
النصوص بلا عمل، وهذا ظاهر البطلان، بل لا يقوله مسلم عاقل.
الأمر الثاني: اختلال واضطراب مقصود الوضع اللغوي، أي:
لا نفهم من أي لفظة أيَّ معنى مقصود، مما يؤدي إلى عدم تفاهم
الناس في مخاطباتهم.
(3/1178)

المطلب الثاني عشر بيان أنه إذا غلب المجاز في الاستعمال
فإن اللفظ يحمل عليه
لقد بيَّنا في المطلب السابق: أن اللفظ المجرد عن القرائن يحمل
على المعنى الحقيقي، ولا يحمل على المجاز، ولا يكون مجملاً،
لكن إذا غلب المجاز في الاستعمال، أي: تعارف الناس واعتادوا
على التخاطب بالمجاز دون الحقيقة، وانتشر ذلك بينهم، فإن اللفظ
يحمل على المجاز، وتكون الحقيقة - على ذلك - كالمتروكة المنسية
التي لا تنقدح في أذهان المتخاطبين.
فلو قال شخص: " رأيت راوية "، فإنه ينقدح في أذهان الناس
أن المقصود بذلك هو: وعاء الماء، ولا تنقدح في أذهانهم الحقيقة،
وهو: الجمل الذي يستقى عليه.
كذلك لو قال: " رأيت غائطا "، فإنه ينقدح في أذهان الناس
ذلك الشيء المستقذر الخارج من الإنسان، ولا تنقدح في أذهانهم
الحقيقة وهو: المكان المطمئن المنخفض من الأرض.
ففي هذين المثالين صار الوضع الأول - وهو الحقيقة - منسيا
متروكا، والمجاز معروفا سابقا إلى الفهم، ولا يمكن صرفه إلى
الحقيقة إلا بدليل.
(3/1179)

الفصل الثامن في تعارض ما يخل بالفهم
الذي يخل بفهم السامع لما أراده المتكلم من اللفظ: أمور خمسة
هي: الا شتراك، والنقل، والمجاز، والإضمار، والتخصيص.
فإن تعارضت هذه الأمور الخمسة مع بعضها، فإنه لا بد من
معرفة الراجح من المرجوح، ولمعرفة ذلك فإن كل واحد يكون ما
بعده أرجح منه، فيقدم عليه فتقول: النقل يقدم على الاشتراك،
والمجاز يقدم على النقل، والتخصيص يقدم على المجاز والإضمار،
أما المجاز والإضمار إذا تعارضا فلا يقدم أحدهما على الآخر؛
لتساويهما، ويكون اللفظ مجملاً.
وإليك بيان ذلك على عشرة أوجه هي كما يلي:
الوجه الأول: إذا وقع التعارض بين الاشتراك والنقل - بأن كان
اللفظ محتملاً لهما وادَّعى أحد الخصمين حمله على النقل، والآخر
حمِله على الاشتراك: فالنقل أَوْلى بالتقديم؛ لأن المعنى في النقل
متعيِّن.
بيان ذلك: أن لفظ " الزكاة " يحتمل أن يكون مشتركا بين
"النماء" - وهو معناه اللغوي - و " القدر المخرج من المال " - وهو
معناه الشرعي -، ويحتمل أن يكون حقيقة في " النماء "، ثم نقل
إلى القدر المخرج.
(3/1181)

فالنقل هنا أوْلى؛ لأنه على تقدير النقل يكون اللفظ لحقيقة مفردة؛
لأنه إن اشتهر النقل فالمراد المنقول إليه، وإن لم يشتهر فالمراد المنقول
عنه فلا يوجد له إلا معنى واحد في الحالتين، أما على تقدير
الاشتراك فليس كذلك؛ لأن اللفظ في حالة الاشتراك له معنيان
فأكثر في وقت واحد، وما له معنى واحد - وهو النقل - أولى مما
له معنيان - وهو الاشتراك.
الوجه الثاني: إذا وقع التعارض بين " الاشتراك " و " المجاز ":
فالمجاز أَوْلى بالتقديم؛ لأمرين:
أولهما: أن المجاز أكثر استعمالاً من الاشتراك، والكثرة أمارة
الظن والرجحان.
ثانيهما: أنه على تقدير المجاز إن كان اللفظ مع القرينة: وجب
حمله على المجاز، وإن كان مجرداً عنها: وجب حمله على
الحقيقة، فهو مفيد على التقديرين، بخلاف الاشتراك فإنه إن تجرد
اللفظ عن القرينة وجب التوقف؛ لاحتمال تنافي معاني المشترك، أو
امتناع حمله على معنييه إذا لم يمكن الجمع بينها.
مثاله: لفظ " النكاح " فنقول: " موطوءة الأب بالزنا تحل للابن
فيجوز أن يتزوجها "؛ لقوله تعالى: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ) ،
وهي قد طابت للابن.
فإن قال قائل: هذا معارض بقوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ) ، والنكاح حقيقة في الوطء.
قلنا: لا نُسَلِّمُ، بل النكاح حقيقة في العقد في الشرع؛ لقوله
- صلى الله عليه وسلم -: "النكاح من سنتي "، وإذا كان حقيقة في العقد لا يكون حقيقة في الوطء، ولو كان حقيقة في العقد والوطء للزم الاشتراك
(3/1182)

بينهما دون ترجيح، فكونه حقيقة في العقد مجازاً في الوطء، أو
العكس أوْلى، ويعمل على أحدهما، أوْلى من حمله على الاشتراك
بينهما والتوقف عن العمل بهما.
الوجه الثالث -: إذا وقع التعارض بين " الاشتراك "، و " الإضمار"
فالإضمار أوْلى بالتقديم؛ لأن الإضمار يحتاج إلى القرينة في صورة
واحدة، وهي صورة إرادة المعنى الإضماري، أما المشترك فإنه يحتاج
إلى القرينة في صورتي كل واحد من معنييه، فيكون الاشتراك
مرجوحاً؛ لأن الاحتياج فيه أكثر.
مثاله: قوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) فإنه يحتمل أن يكون
مشتركاً بين " الموضع " و " الأهل "، ويحتمل أن يكون للموضع
والأهل مضمر، فالإضمار أوْلى بالتقديم.
الوجه الرابع: إذا وقع التعارض بين " الاشتراك " و " التخصيص "
فإنه يقدم التخصيص؛ لأن التخصيص أوْلى من المجاز إذا تعارضا،
لأن الباقي بعد التخصيص متعين، بخلاف المجاز فإنه ربما يتعدد
المجاز، فلم يتعين المجاز المقصود - كما سيأتي في الوجه التاسع -.
والمجاز أَوْلى من الاشتراك إذا تعارضا؛ لما سبق ذكره في الوجه
الثاني.
ينتج: أن التخصيص أوْلى من الاشتراك.
مثاله: قوله تعالى: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم) فالنكاح هنا
يحتمل أن يكون مشتركاً بين " الوطء " و " العقد "، فعلى هذا:
تكون موطوءة الأب مطلقاً محرمة على الأب.
ويحتمل أن يكون لفظ " النكاح " - هنا - موضوعاً للعقد - فقط -
(3/1183)

وخص العقد الفاسد، فإن النكاح الفاسد لا يحرم، فالتخصيص
أولى، وعلى هذا: لو نكح الأب نكاحا فاسداً فللابن أن ينكح
منكوحته ولا تكون محرمة عليه.
تنبيه: النسخ شبيه بالتخصيص؛ لأن " النسخ " تخصيص في
الأزمان، فهل - على هذا - يقدم النسخ على الاشتراك؛ نظراً
لكون التخصيص مقدما على الاشتراك؟
نقول - في الجواب عن ذلك -: إن النسخ لا يقدم على
الاشتراك، بل إن الاشتراك هو المقدم عليه؛ لأن النسخ يلزم منه
الإبطال بالكلية، أما الاشتراك فإنه يستلزم التأخير إلي وقت ظهور
القرينة، والتأخير أهون من الإبطال، فعلى هذا لو وقع التعارض
بينهما لكان الاشتراك أوْلى.
الوجه الخامس: إذا وقع التعارض بين " النقل " و " المجاز "،
فإنه يقدم " المجاز "؛ لأنه يلزم من " النقل ": أن يكون الوضع
الأول - المنقول عنه - مهجوراً، وهو خلاف الأصل؛ لأن الأصل:
الإعمال، لا الإهمال، والمجاز لا يستلزم ذلك، فيكون المجاز
راجحا عليه.
مثاله: " الصلاة "، فإنها مجاز في ذات الأركان - على قول -
وهي منقولة من الدعاء إلى هذا المعنى - على قول آخر لبعض
العلماء.
الوجه السادس: إذا وقع التعارض بين دؤ النقل " و " الإضمار "،
فإن الذي يقدم هو " الإضمار "؛ لأن " الإضمار " و " المجاز "
متساويان؛ نظراً لاحتياج كل واحد إلى قرينة تصرف السامع عن فهم
ما يدل عليه اللفظ ظاهراً - كما سيأتي في الوجه الثامن -.
(3/1184)

والمجاز مقدم على النقل؛ لأن " النقل " يستلزم أن يكون الوضع
الأول مهجوراً، وهو خلاف الأصل، والمجاز ليس كذلك - كما
قلنا في الوجه الخامس -.
فينتج: أن يكون الإضمار أوْلى من النقل؛ لأن المساوي للأولى
أوْلى.
مثل: قوله تعالى: (وَحَرَّمَ الرِّبَا) ، فإنه سيقول قائل: إن
الربا موضوع للزيادة والمفاضلة، ثم نقل إلى العقد المشتمل على
المفاضلة، وحينئذٍ لا يجوز بيع درهم بدرهمين.
وسيقول قائل آخر: إن الربا موضوع للمفاضلة والزيادة، والأخذ
مضمر، والتقدير: وحرم أخذ الربا، وحينئذ: يجوز بيع درهم
بدرهمين، ويفيد - الملكية؛ لأن المحرم الأخذ لا البيع.
الوجه السابع: إذا وقع التعارض بين " النقل " و " التخصيص "
فإن التخصيص يقدم على النقل؛ لأن التخصيص أوْلى من المجاز؛
لأن الباقي بعد التخصيص متعين، بخلاف المجاز؛ فانه قد يتعدد
- كما سبق ذكره وكما سيأتي في الوجه التاسع -.
والمجاز أوْلى من الثقل - كما سبق بيانه في الوجه الخامس -.
فينتج: أن التخصيص يقدم على النقل؛ لأن الراجح على الراجح
راجح.
مثاله: قوله تعالى: (وأحل الله البيع) ، فانه يحتمل أن يكون
" البيع " هو: البيع اللغوي - وهو مبادلة الشيء بالشيء مطلقا -
ثم خص عنه الفاسد؛ إذ البيع الفاسد غير حلال، ويحتمل أن
يكون " البيع " قد نقل من المبادلة مطلقا إلى العقد المستجمع لشرائط
الصحة.
(3/1185)

الوجه الثامن: إذا وقع التعارض بين " المجاز " و " الإضمار "،:
فإنهما مستويان؛ لأن كل واحد منهما يحتاج إلى قرينة تصرف السامع
عن فهم ما يدل عليه ظاهر اللفظ، واستوائهما في احتمال وقوع
الخفاء في تعيين المراد؛ فإنه كما يتوقع وقوع الخفاء في تعيين " المجاز "
كذلك يتوقع وقوع الخفاء في تعيين المضمر.
مثاله: أن يقول السيد لعبده - الذي هو أصغر منه سنا -: " هذا
ابني "، فإنه يحتمل أن يكون قد عبر عن العتق بالبنوة مجازاً،
فيعتق ذلك العبد بذلك اللفظ، ويحتمل أن يكون في الكلام إضمار
ويكون تقدير الكلام: " هذا مثل ابني " في العطف أو المحبة، فلا
يعتق العبد بهذا.
الوجه التاسع: إذا وقع التعارض بين " المجاز " و " التخصيص "،
فإنه يقدم التخصيص؛ لأن الباقي بعد التخصيص متعين بخلاف
المجاز، فإنه قد لا يتعين المجاز المقصود، بيان ذلك:
أنه عند التخصيص انعقد اللفظ دليلاً على جميع الأفراد، فإذا
خرج بعض الأفراد بدليل: بقي اللفظ معتبراً في الباقي من غير تأمل
أو تفكر.
أما في المجاز فإن اللفظ انعقد دليلاً على المدلول الحقيقي، فإذا
انتفت الحقيقة بقرينة، افتقر صرف اللفظ من الحقيقة إلى المجاز إلى
نوع تأمل وتفكر واستدلال؛ لأنه ربما تعدد المجاز، ولم يتعين
المقصود، فيكون التخصيص أبعد عن الاشتباه والشك، فيقدم على
المجاز.
مثاله: قوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) فإنِه
يحتمل أن يكون المراد التلفظ " الذي هو المدلول الحقيقي - وهو:
(3/1186)

التلفظ بذكر اسم الله تعالى - وعلى هذا خص منه الناسي، أي:
الذي ترك فيه التلفظ بالنسيان، وعلى هذا يكون متروك التسمية عمداً
لا يؤكل، أما متروك التسمية نسيانا يؤكل، وهذا هو الصحيح.
ويحتمل أن يكون المراد به: لا تكلوا مما لم يذبح بأن مات حتف
أنفه بطريق المجاز، وعلى هذا: فمتروك التسمية مطلقا يؤكل،
وليس في الآية ما يدل على عدم جواز أكله، وهذا المجاز من باب
إطلاق اسم المسبب - وهو ذكر اسم اللَّه تعالى - على السبب -
وهو الذبح؛ حيث إن الذبح سبب ذكر اسم اللَّه تعالى.
الوجه العاشر: إذا وقع التعارض بين " الإضمار " و " التخصيص "،
فإن التخصيص هو المقدم؛ لأن " التخصيص " مقدم على " المجاز "
- كما مضى في الوجه التاسع -، والمجاز والإضمار متساويان - كما
مضى في الوجه الثامن - فينتج: أن " التخصيص " مقدم على
الإضمار ".
مثاله: قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) ، فإنه يحتمل
أن يكون خطابا عاما اختص بالورثة؛ إذ القاتل صار عدوأ للورثة،
فإذا قتل ذلك القاتل بقيت الورثة سالمة وحية، ويحتمل أن يكون
خطابا عاما والشرعية مضمرة، وتقدير الكلام: " ولكم في شرعية
القصاص حياة "، وذلك لأن الناس إذا علموا شرعية القصاص اندفع
القتل من بينهم، فمثلاً إذا هم شخص بالقتل فتذكر القصاص منه،
فإنه يمتنع عن القتل، فتسبب ذلك في حياة نفسين.
(3/1187)

الفصل التاسع في النص، والظاهر، والمجمل وما يتعلق بها
ويشتمل على تمهيد وثلانة مباحث:
أما التمهيد: فهو في بيان السبب في جمع هذه الأمور الثلانة،
والسبب في تقديم النص على الظاهر، والظاهر
على المجمل.
أما المبحث الأول: فهو في النص.
أما المبحث الثاني: فهو في الظاهر.
أما المبحث الثالث: فهو في المجمل.
(3/1189)

التمهيد في بيان السبب في جمع هذه الأمور الثلاثة
والسبب في تقديم النص على الظاهر والظاهر على المجمل
السبب في ذلك هو:
أن اللفظ إما أن يكون له معنى واحد فقط لا ينقدح في الذهن
غيره، أو يكون له معنيان فأكثر.
فإن كان اللفظ لا يحتمل إلا معنى واحداً - فقط - فهذا هو النص.
وإن كان اللفظ يحتمل أكثر من معنى نظرنا:
إن ترجح أحد معنييه على الآخر فهو: الظاهر.
وإن لم يترجح أحد معنييه - أي كانت متساوية - فهو: المجمل.
والسبب في تقديم النص على الظاهر: أن النص أقوى من الظاهر؛
لأن النص لا يحتمل إلا معنى واحداً، أما الظاهر فهو يحتمل معنيين
هو في أحدهما أظهر.
والسبب في تقديم الظاهر على المجمل: أن الظاهر قريب من
النص من وجهين:
(3/1191)

الأول: أن الظاهر يفهم منه معنى واحد، وإن احتمل معنى آخر
لكنه مرجوح.
الثاني: أن الظاهر يشارك النص في وجوب العمل بهما.
أما المجمل فلا يفهم. منه معنى معين، ولا يجوز العمل به،
فلذلك أُخِّر.
وإليك بيان كل قسم فأقول:
(3/1192)

المبحث الأول في النص
ويشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: تعريفه.
المطلب الثاني: حكم إطلاق النص على الظاهر.
المطلب الثالث: حكم النص.
(3/1193)

المطلب الأول
تعريف النص
أولاً: النص لغة هو: رفع الشيء إلى أقصى غاية له، ومنه: ما
ورد في الحديث: " كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يسير العنق فإذا وجد فجوة نص " أي: رفع السير إلى غايته، ومنه ما قاله عمرو بن دينار: "ما رأيت أنص للحديث من الزهري " أي: أرفع وأسند.
ثانيا: النص اصطلاحا هو: اللفظ الذي يفيد معناه بنفسه من غير
احتمال.
بيان التعريف:
قولنا: " اللفظ " جنس يشمل النص والظاهر والمجمل.
قولنا: " الذي يفيد معناه بنفسه ": أخرج اللفظ المجمل؛ لأنه لا
يفيد معنى من معانيه إلا إذا وجدت قرينة ترجح هذا المعنى.
وخرج اللفظ الصالح للحقيقة والمجاز؛ لأنه لا يحمل على مجاره
إلا بقرينة.
فالمجمل والمجاز لا يحمل اللفظ عليهما إلا بانضمام غيره معه.
أما هذا اللفظ فقد نص على معناه دون مساعدة.
قولنا: " من غير احتمال " معناه: أن هذا اللفظ أفاد حكما
ومعنى واحداً فقط من غير أن يتطرق اليه أيُّ احتمال آخر أصلاً.
فخرج بذلك اللفظ الظاهر، فإنه قد أفاد معنى بنفسه، لكن مع
احتمال معنى آخر لأن كان ضعيفا.
(3/1195)

مثل قوله تعالى: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) ، فإن هذا اللفظ نص في
الحكم، حيث إن مجموع ابثلاثة في الحج والسبعة إذا رجع هي
عشرة فقط بدون زيادة أو نقصان، ومثل قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) نص في نفي التماثل بين البيع والربا، فكل ما
كانت دلالته على معناه في هذه الدرجة سمي بالإضافة إلى معناه نصا
في طرفي الإثبات والنفي، أى: إثبات المسمى، ونفي ما لا ينطلق
عليه الاسم.
(3/1196)

المطلب الثاني حكم إطلاق النص على الظاهر
لقد أطلق بعض العلماء - كالإمام الشافعي كما حكي عنه - اسم
النص على الظاهر، وهو: اللفظ الذي يحتمل معنيين هو في
أحدهما أظهر.
وهذا لا مانع منه من جهة اللغة؛ وذلك لأن النص عند بعض أهل
اللغة هو: الظهور، ومنه قول العرب: " نصت الظبية رأسها " إذا
رفعته وأظهرته، ومنه تسمية الكرسي الذي تجلس عليه العروس:
منصة؛ لأنها تظهر عليه.
ولكن الأقرب إلى الصواب والأوجه هو: عدم إطلاق النص على
الظاهر، فالنص له حدُّه الخاص به وهو: " اللفظ الذي يفيد معناه
بنفسه من غير احتمال "، والظاهر - أيضا - له حده الذي سيأتي
ذكره.
دليل ذلك:
أننا لو أطلقنا اسم النص على الظاهر للزم من ذلك أمران هما
على خلاف الأصل:
الأمر الأول: الترادف بيانه:
أنا لو أطلقنا اسم النص على الظاهر لثبت أن لهذين اللفظين
وهما: " النص " و " الظاهر " معنى واحد، وهو معنى الظاهر،
(3/1197)

وهو: ما احتمل معنيين هو في أحدهما أظهر، وهذا هو الترادف
الذي هو على خلاف الأصل.
الأمر الثاني: الاشتراك، بيانه:
أنا لو أطلقنا اسم النص على الظاهر لثبت أن الذي يحتمل معنيين
هو في أحدهما أظهرْ هما: النص والظاهر، وهذا هو الاشتراك،
والاشتراك خلاف الأصل.
وذلك لأن الأصل هو: أن يكون للفظ معنى واحد، وأن يكون
للمعنى لفظ واحد.
***
المطلب الثالث
حكم النص
أن يصير المكلَّف إلى معناه، وأن يعمل بالحكم الذي دلَّ عليه ولا
يتركه إلا إذا ثبت ناسخ له، فهنا يترك المنسوخ ويعمل بالناسخ.
(3/1198)

المبحث الثاني في الظاهر
ويشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: تعريفه.
المطلب الثاني: حكم الظاهر.
المطلب الثالث: في التأويل.
(3/1199)

المطلب الأول
تعريف الظاهر
أولاً: الظاهر لغة: هو الشاخص المرتفع، والواضح المنكشف،
ويطلق لغة على خلاف الباطن، قال تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ)
ثانياً: الظاهر اصطلاحا: هو اللفظ الذي يحتمل معنيين هو في
أحدهما أظهر.
معناه إجمالاً:
أن الظاهر هو: اللفظ الذي فهم منه السامع معنيين، ولكن رجح
أحد هذين المعنيين، دون الآخر.
محترزات التعريف:
قولنا: " الذي يحتمل معنيين " أخرج النص؛ حيث إن النص هو
اللفظ الذي لا يحتمل إلا معنى واحدا فقط - كما سبق -.
وقولنا: " هو في أحدهما أظهر " أخرج المجمل؛ لأن المجمل
هو: اللفظ الذي. احتمل معنيين لا مزية لأحدهما على الآخر، أي:
اللفظ المتردد بين معنيين على السواء كالقرء.
(3/1201)

المطلب الثاني
حكم الظاهر
أن يصيرِ السامع إلى معناه الظاهر له، والراجح عنده، فيجب
العمل بما دلّ عليه من الأحكام، ولا يجوز ترك ذلك المعنى الراجح
والظاهر إلا إذا قام دليل صحيح على تأويله، أو تخصيصه، أو
نسخه.
(3/1202)

المطلب الثالث في التأويل
ويشمل على مسائل:
المسألة الأولى: في مناسبة ذكره هنا.
المسألة الثانية: في تعريفه.
المسألة الثالثة: في أنواعه.
المسألة الرابعة: في شروط التأويل.
المسألة الخامسة: في أقسام دليل التأويل.
المسألة السادسة: حكم التأويل.
المسألة السابعة: في تطبيقات على التأويلات الصحيحة والمقبولة.
المسألة الثامنة: في تطبيقات على التأويلات الضعيفة والبعيدة.
(3/1203)

المسألة الأولى: في مناسبة ذكر التأويل هنا:
إننا قلنا في حكم الظاهر: إنه يجب العمل بالمعنى الظاهر
والراجح، ولا يجوز العمل بالمعنى المرجوح إلا بتأويل صحيح يسوغِّ
ترك المعنى الراجح والعمل بالمعنى المرجوح، وليس كل تأويل يقبل،
بل إن التأويل له تعريف خاص، وشروط وتقييدات قد ذكرها العلماء
لا بد من معرفتها لذلك عقدنا لبيان ذلك هذا المطلب.
***
المسألة الثانية: في تعريف التأويل:
أولاً: التأويل لغة مأخوذ من آل، يؤول، أي: رجع،
والتأويل آخر الأمر، وعاقبته، يقال: إلى أي شيء مآل هذا الأمر،
أي: مصيره وعقباه، ويقال: تأول فلان الآية الفلانية، أي: نظر
ما يؤول إليه معناها.
ئانيا: التأويل اصطلاحا هو: حمل اللفظ على غير مدلوله
الظاهر منه مع احتماله له بدليل يعضده.
معناه إجمالاً: أن يكون اللفظ يحتمل معنيين: معنى راجح،
ومعنى مرجوح، فثبت لدى المجتهد دليل يعضد ويقوي المعنى
المرجوح، فيحمل المجتهد اللفظ على المعنى المرجوح ويعمل بذلك،
ولا يعمل بالمعنى الذي دلَّ عليه الظاهر؛ لأنه صار مرجوحا، وهذا
هو التأويل الصحيح.
محترزات التعريف:
عبارة: " حمل اللفظ على غير مدلوله، أخرجت اللفظ الذى
يحمل على نفس مدلوله، فإن هذا لا يسمى تأويلاً.
(3/1205)

وعبارة: " الظاهر منه " أخرجت اللفظ المشترك؛ حيث إنه يحمل
على أحد معنييه، فإن هذا لا يسمى تاويلاً.
وعبارة: " مع احتماله له " أخرجت اللفظ إذا صرف عن معناه
الظاهر إلى معنى لا يحتمله أصلاً، فإن هذا لا يكون تأويلاً صحيحاً.
وعبارة: " بدليل يعضده " أخرجت اللفظ الذي صرفناه عن معناه
الظاهر إلى معنى مرجوح من غير دليل، فإن هذا لا يكون تأويلاً
صحيحاً.
***
المسألة الثالثة: في أنواعه:
يتنوع التأويل إلى ثلاثة أنواع، ويختلف الدليل باختلاف النوع.
النوع الأول: التأويل القريب، وهو: ما إذا كان المعنى المأول
إليه اللفظ قريباً جدا، فهذا يكفيه أدنى دليل.
مثاله: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) ، فإن القيام إلى الصلاة - في هذه الآية -
مصروف عن معناه الظاهر إلى معنى آخر قريب محتمل، وهو:
العزم على أداء الصلاة، أي: إذا عزمتم على أداء الصلاة، والذي
رجح هذا الاحتمال: أن الشارع لا يطلب الوضوء من المكلَّفين بعد
الشروع في الصلاة؛ لأن الوضوء شرط لصحتها، والشرط يوجد
قبل المشروط، وهو معنى قريب يتبادر فهمه إلى أي سامع.
النوع الثاني: التأويل البعيد، وهو ما إذا كان المعنى المأول إليه
اللفظ بعيداً جداً، فهذا يحتاج إلى دليل في غاية القوة.
مثاله: قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)
(3/1206)

فقد أول بعضهم ذلك بأن المراد مسح الرجلين بدلا من
غسلهما، وقد استدل هو على هذا التأويل بقراءة الجر في قوله:
(وأرجلكم) ، وأن ذلك كان عطفا على قوله: (برءوسكم)
فقالوا ذلك نظراً إلى تلك القراءة، ولكن ما ثبت من الأحاديث
الصحيحة التي أمرت بغسل الرجلين وما ثبت في اللغة جعل هذا
التأويل بعيد جداً، وستأتي أمثلة كثيرة على التأويلات البعيدة في
المسألة الثامنة إن شاء اللَّه.
النوع الثالث: وهو ما إذا كان المعنى المأول إليه متوسطا، فهذا
يحتاج إلى دليل متوسط في القوة.
فإن قلت: ما حدود هذه الأنواع، وكيف تُعلَم؟
أقول: إن الفقيه المجتهد هو الذي يعين ذلك، فإن له دوراً وأثراً
كبيراً في اعتبار هذه المراتب، وتوضيح حدودها.
المسألة الرابعة: في شروط التأويل:
لا يقبل التأويل ويعمل به إلا إذا توفر فيه الشروط التالية:
الشرط الأول: أن يكون المتأول من أهل الاجتهاد، واشترطنا
ذلك؛ لئلا يأتي من لا علم عنده - أو عنده ولكنه لم يبلغ درجة
الاجتهاد - فيقوم بتأويل النصوص الشرعية على حسب علمه
القاصر، أو على الهوى والتشهي فيضل ويُضل.
الشرط الثاني: أن يكون المعنى الذي أول إليه اللفظ من المعاني
التي يحتملها اللفظ بأن يكون اللفظ ظاهراً فيما صرف عنه محتملاٌ لما
صرف إليه.
(3/1207)

الشرط الثالث: أن يقوم التأويل على دليل صحيح يدل دلالة
واضحة وصريحة على صرف اللفظ عن ظاهره إلى غيره.
الشرط الرابع: أن يظهر المتأول ما اشترط في الثاني والثالث،
أي: أن يذكر المتأول المعنى المرجوح الذي أول إليه اللفظ، وأن يذكر
ْالدليل الذي عضد ذلك المعنى المرجوح وقواه حتى قدم على الظاهر
والراجح، وإن لم يبين ذلك كان كل ما ادعاه مجرد دعوى لا يقبل.
***
المسألة الخامسة: أقسام دليل التأويل:
لقد قلنا في الشرط الثالث: أن يقوم التأويل على دليل صحيح
يدل دلالة واضحة على صرف اللفظ عن ظاهره إلى غيره، والدليل
هذا على أقسام:
القسم الأول: نص ظاهر آخر.
أي: أن الدليل الصارف عن المعنى الظاهر إلى المعنى المرجوح قد
يكون نصا آخر.
مثاله: قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ) ، فإن لفظ
"الدم " عام وشامل للدم المسفوح وغير المسفوح، وهو المعنى الظاهر
من اللفظ.
ولكن صرف هذا اللفظ من ظاهره وهو العموم بنص ظاهر آخر،
وهو قوله تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا) ، فخصصت هذه الآية
الثانية الآية الأولى، وذلك لأنها قد بيَّنت أن الدم المحرم هو الدم
المسفوح.
(3/1208)

القسم الثاني: القرينة، أي: أن الدليل الصارف عن المعنى
الظاهر إلى المعنى المرجوح قد يكون قرينة.
والقرينة نوعان:
النوع الأول: قرينة منفصلة مثل: المسلم من أهل الجهاد لو جاء
بمشرك، فادَّعى المشرك أنه أمنه، وأنكر المسلم ذلك وادعى بأنه
أسره، فهل يقبل قول المسلم أو الكافر؟
اختلف في ذلك:
فقيل: إنه يقبل قول المسلم على كل حال.
وقيل: إنه لا يقبل إلا ببينة.
والصحيح: أن القول هو قول من ظاهر الحال صدقه، فإن كان
الكافر أظهر قوة وبطشا وفروسية وإقداما من المسلم، فإنه يقبل قوله؛
لأن هذه الصفات قرينة جعلتنا نقدم قوله، مع أن قول المسلم أرجح
لعدالته وإسلامه، وقول الكافر مرجوح، لكن هذه القرينة المنفصلة
- وهي الصفات التي اتصف بها الكافر - عضدت قول الكافر حتى
صار أقوى من قول المسلم الراجح.
النوع الثاني: القرينة المتصلة بالظاهر المراد تأويله مثل: قول
الإمام الشافعي: إن الواهب لا يحرم عليه الرجوع فيما وهب
مستدلاً بظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"العائد في هبته كالكلب يقيء، ثم يعود في قيئه "،
حيث إن الكلب لم يحرم عليه الرجوع في قيئه،
فالظاهر أن الواهب إذا رجع مثله في عدم التحريم؛ لأن الظاهر من
التشبيه استواء المشبه والمشبه به من كل وجه مع احتمال أن يفترقا من
بعض الوجوه احتمالاً قوياً.
فحينئذ ضعف جانب من قال بعدم جواز رجوع الواهب فيما
(3/1209)

وهب - كالإمام أحمد - لأنه لم يبق معه إلا احتمال ضعيف قواه
بالقرينة المتصلة بالنص الظاهر، وهي قوله - في أول الحديث -:
"ليس لنا مثل السوء.. العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في
قيئه "، وهو دليل قوي، وجعل ذلك مقدما على المثل المذكور،
وهو دليل الاهتمام به، فأفاد ذلك لغة وعرفا: أن الرجوع في الهبة
مثل السوء، وقد نفأه صاحب الشرع، وما نفاه صاحب الشرع
يحرم إثباته، فلزم من ذلك عدم جواز الرجوع في الهبة.
القسم الثالث: القياس الصحيح الراجح، أي: أن الدليل
الصارف عن المعنى الظاهر إلى المعنى المرجوح قد يكون قياسا راجحا
مثل: أن الشارع ذكر في كفارة الظهار والصيام " الإطعام "، ولكنه
لم يذكر تلك الكفارة في " القتل الخطأ "، وترك ذلك ظاهر في
عدم وجوبه؛ لأنه لو كان واجبا لذكره، كما ذكر تحرير الرقبة،
والصيام، ويمكن إثبات الإطعام في كفارة القتل الخطأ؛ قياسا على
إثباته في كفارة الظهار والصيام، والجامع: أن الكفارات حقوق لله
تعالى، وحكم الامتثال واحد، فثبوت الإطعام في تلك الكفارات
تنبيه على إثباته في كفارة القتل، هذا على مذهب من يرى جواز
القياس في الكفارات، وذكرت ذلك مفصلاً في كتابي " إثبات
العقوبات بالقياس ".
القسم الرابع: حكمة التشريع، أي: أن الدليل الصارف عن
المعنى الظاهر إلى المعنى المرجوح قد يكون حكمة التشريع والمقاصد
الشرعية مثل: قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"في سائمة الغنم في كل أربعين شاة شاة"،
فإن ظاهر هذا: أنه لا يجزئ عن الأربعين شاة إلا إخراج
شاة بعينها، ولكن جمهور الحنفية قد أولو ذلك، وقالوا: يجوز
إخراج قيمة الشاة ويجزئ ذلك، وعللوا ذلك بقولهم: إن حكمة
(3/1210)

التشريع نفع الفقير، ونفع الفقير يتحقق بالقيمة، بل قد تكون القيمة
أنفع للفقير من إعطائه عين الشاة.
***
المسألة السادسة: حكم التأويل:
التأويل مقبول معمول به إذا تحقق مع شروطه، ولم يزل العلماء
في كل عصر من عهد الصحابة - رضي اللَّه عنهم - إلى زماننا هذا
عاملين به من غير أن ينكر عليهم أحد.
***
المسألة السابعة: تطبيقات على التأويلات الصحيحة والمقبولة:
أمثلة ذلك كثيرة تكاد لا تحصى، ومنها:
المثال الأول: قوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) ، فقد أوله العلماء إلى أن المراد: العزم على أداء
الصلاة، وقد سبق بيانه.
المثال الثاني: قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ والدم) ، فقد
أوله العلماء إلى أن المراد: الدم المسفوح فقط هو المحرم، وقد سبق
بيانه.
المثال الثالث: قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود "،
فقد أوله جمهور العلماء إلى أن مرور هذه المذكورات لا تبطل الصلاة،
وقالوا: إن المراد بالقطع - هنا - نقص الصلاة
لشغل القلب بهذه الأشياء، وليس المراد إبطالها، أي: أن المراد
بالقطع عن الخشوع والذكر للشغل بها والالتفات إليها، لا أنها تفسد
الصلاة، ومن الأدلة على هذا التأويل: أن ابن عباس - وهو أحد
(3/1211)

رواة أحاديث قطع الصلاة بذلك - روي عنه أنه حمل ذلك على
الكراهة.
المثال الرابع: قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"إذا كفَّر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما "،
فقد أوَّله كثير من العلماء على أن معناه: أنه رجعت
عليه نقيصته لأخيه، ومعصية تكفيره، فليس المراد ظاهره وهو: أنه
يكفر؛ ودليل ذلك: أنه لا يكفر المسلم بالمعاصي كالقتل والزنا،
وكذا قوله لأخيه: يا كافر من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام.
المثال الخامس: قوله - صلى الله عليه وسلم -:
" لا يدخل الجنة نمام "،
فقد تأوله كثير من العلماء إلى أن المراد: لا يدخل الجنة دخول الفائزين.
المسألة الثامنة: تطبيقات على التأويلات البعيدة والفاسد والضعيفة:
إن التأويل يختلف باختلاف المجتهدين، فقد يقوم مجتهد بتأويل
بعض النصوص ويصرفه عن معناه الظاهر إلى معنى له مرجوح،
ولكن تأويل هذا المجتهد، وإن كان ممكناً ومحتملاً فقد تجتمع قرائن
تدل على فساده، وإليك أمثلة على ذلك:
المثال الأول: قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى) .
فإن بعض الحنفية قد أولوا هذا إلى أن الخمس يعطى القريب
المحتاج، وعلى ذلك فإنه يحرم من ليس بمحتاج من ذوي القربى.
وهذا التأويل بعيد جداً؛ لأن الآية ظاهرة في إضافة الخمس إلى
كل ذوي القربى بلام التمليك، فهم يستحقون الخمس بالقرابة فقط،
(3/1212)

فتكون علَّة الاستحقاق هى: القرابة فقط؛ حيث إنها مناسبة
للاستحقاق إظهاراً لشرفها، فتخصيص المأوِّل أن المستحق هو:
القريب المحتاج هذا تخصيص للعموم بلا دليل، وفيه ترك لما ظهر
من كون القرابة هي العِلَّة في الاستحقاق، ووضع الحاجة المسكوت
عنها علَّة، وهذا بعيد جَداً.
المثال الثاني: قوله تعالى: (وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى
الكعبين) ، فقد أول بعضهم ذلك بأن المراد مسح الرجلين بدلاً من
غسلهما، محتجاً بقراءة الجر في قوله: (وأرجلِكم) نظراً لكونه
معطوفاً على قوله: (برءوسكم) ، وهذا تأويل بعيد كما بيناه فيما
سبق - في النوع الثاني من أنواع التأويل -.
المثال الثالث: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لغيلان بن سلمة الثقفي - حيث أسلم على عشرة نسوة -:
" امسك أربعا وفارق من سواهن ".
فقد أوَّل الحنفية ذلك بأن المراد: ابتدئ زواج أربع منهن إن كان
الزواج بعقد واحد، وفارق سائرهن بأن لا تبتدئ العقد عليهن،
وأمسك الأوائل منهن إن كان الزواج مرتبا بعقد لكل منهن، وفارق
سائرهن، أي: الأواخر، فيكون الحكم عند الحنفية على هذا
التأويل: أنه إن نكحهن معاً فليس له إمساك واحدة منهن، وإن
نكحهن متفرقات: فإنه يمسك أربعا من الأوائل، ودليلهم على هذا
التأويل: القياس؛ حيث قاسوا العقد على النسوة قبل الإسلام على
العقد عليهن بعد الإسلام، وأنه ليس بعض النسوة أوْلى بالإمساك من
بعض.
وهذا التأويل بعيد جداً؛ لأن الحديث ظاهر في استدامه النكاح
للأربع بدون عقد مطلقاً، ويتمسك بهذا الظاهر؛ حيث وجدت
وجوه تدل على هذا الظاهر، وهي كما يلي:
(3/1213)

الوجه الأول: أن المتبادر إلى الفهم من لفظ " الإمساك " إنما هو
استدامة عقد النكاح والاستمرار عليه، دون التجديد.
الوجه الثاني: أن الشارع قد فوَّض الإمساك والفراق إلى خيرة
الزوج، مما يدل على أن المراد الاستمرار في النكاح على ما هو
عليه، فلو كان المراد هو: ابتداء النكاح - كما قالوا - لما جعل
الاختيار كله لغيلان، لوقوع الفراق بنفس الإسلام، وتوقف النكاح
على رضا الزوجة.
الوجه الثالث: أن الظاهر من الزوج المأمور إنما هو امتثال أمر
النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإمساك، ولم ينقل أحد من الرواة تجديد النكاح في الصورة المذكورة.
الوجه الرابع: أنه لو كان المراد هو: ابتداء النكاح - كما قالوا -
لذكر شروط النكاح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يؤخر البيان - عن وقت الحاجة؛ حيث إن غيلان جديد عهد بالإسلام في هذه القصة، فهو بحاجة إلى بيان شروط النكاح، وما يجوز وما لا يجوز فيه لا سيما في أمر
فيه استحلال فروج، وضبط للأنساب، ولكنه لم يذكر شيئاً من
ذلك، مما يدل على أن المراد هو ما دلَّ عليه ظاهر الحديث وهو:
استدامة النكاح.
فصار التمسك بظاهر الحديث - بعد توفر تلك الأوجه - أقوى من
التمسك بالتأويل المستدل عليه بالقياس الذي ذكره الحنفية.
المثال الرابع: قوله - صلى الله عليه وسلم -
" لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل "،
فالظاهر من هذا: اشتراط النية لجميع أنواع الصوم: وهي
صيام الفرض، وصيام القضاء، وصيام النذر، وصيام الكفارة،
وصيام التطوع إلا أن صيام التطوع خرج بحديث عائشة - رضي الله عنها - حيث قالت:
(3/1214)

دخل عليّ رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم فقال: " هل عندكم من شيء؟ "
فقلنا: لا، فقال: " فإني إذن صائم "، ثم أتانا يوما آخر فقلنا:
يا رسول اللَّه، أهدي إلينا حيس، فقال: " أرنيه فقد أصبحت
صائماً " فأكل، فلا تشترط النية - لذلك - لصيام التطوع، هذا ما
ذهب إليه جمهور العلماء.
ولكن الحنفية أولوا ذلك وقالوا: إن المراد هو: اشتراط النية
لصوم قضاء رمضان، وصوم النذر المطلق، وصوم الكفارة؛ نظراً
لكونها غير متعينة، فتحتاج إلى نية تعين ذلك، أما الصوم المعين
- كصوم رمضان والنذر المعين، فلا تشترط فيه النية؛ لوجود التعيين.
وهذا التأويل بعيد جداً؛ لوجوه:
الأول: أنه ورد في الحديث صيغة عموم وهي: النكرة في سياق
النفي، حيث قال: " لا صيام "، فهي عامة لكل صيام، وعلى
هذا لا يخرج من ذلك إلا ما قام الدليل على إخراجه كصيام التطوع.
الثاني: أن المتبادر من لفظ " صيام "، إنما هو الصيام الأصلي
المتخاطب به في اللغات وهو الفرض، دون ما كان وجوبه بعارض
ووقوعه نادر، وهو القضاء والنذر المطلق.
الثالث: أن حمل ذلك على صيام القضاء، والنذر المطلق وهو
نادر، وإخراج الأصل الغالب يعتبر إلغازاً في القول، ولهذا فإن
السيد لو قال لعبده: " من دخل داري من أقاربي فأكرمه "، ثم
أكرم العبد جميع أقاربه، فلامه السيد، وقال: إنما أردت أقاربي من
النسب، دون أقاربي من السبب، فإن هذا اللوم لا يقبل، ويكون
تصرف العبد موافقاً للغة، فيكون كلام السيد منكراً مستبعداً.
المثال الخامس: قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل ".
(3/1215)

فالظاهر من هذا النص هو: اشتراط الولي في النكاح مطلقا،
وهو مذهب جمهور العلماء.
ولكن الحنفية - وهم القائلون: إنه لا يشترط ذلك، فالمرأة تزوج
نفسها - قد أوَّلوا هذا الحديث بأن المراد بالمرأة هنا: هي الأمة؛
حيث إنه لا يجوز لها أن تزوج نفسها، بل أمرها بيد سيدها.
فقيل لهم: إنه ورد في آخر الحديث عبارة: " فلها المهر بما
استحل من فرجها "، فهذه العبارة تبطل هذا التأويل؛ لأنه معلوم
أن الأَمَة لا تملك شيئاً؛ لأنها وما تملك لسيدها.
فقالوا: إذن يُحمل الحديث على المرأة المكاتبة - وهي التي اشترت
نفسها من سيدها - وقالوا ذلك لأن المكاتبة فيها شوبا من الحرية،
فيكون مهرها لها كالحرة، وشوبا من الرق فلا تستقل بتزويج نفسها.
وهذا التأويل بعيد وضعيف جداً للأوجه التالية:
الوجه الأول: أن الحديث ورد فيه صيغة من صيغ العموم المتفق
عليها، وهي: " أي " المؤكدة بـ " ما " مما يجعل العموم قويا،
فيكون الولي مشترطا في النكاح في جميع نساء العالم - وهو
الظاهر -، فكيف يحمل هذا العموم على النادر والشاذ من النساء،
وهي المكاتبة؟!
الوجه الثاني: أنه لم ينقل ألينا أن الصحابة أو واحداً منهم، فهم
من هذا الحديث أن المقصود: المكاتبة فقط، ولو نقل لبلغنا، ولكن
لم يصلنا شيء من ذلك مما يجعلنا نقطع بأن هذا الفهم شاذ.
الوجه الثالث: أن فهم اشتراط الولي لجميع النساء من هذا
الحديث هو الموافق للغة العربية، أما فهم أن المراد من هذا الحديث
(3/1216)

هي: المكاتبة فقط، فهو فهم شاذ، ويوصف هذا بالجهل باللغة
العربية.
فلو قال رجل لغيره: " أيما امرأة رأيتها اليوم فأعطها درهما "،
فإن كل أحد يفهم أن المراد جميع النساء بدون استثناء، ولا يفهم أن
المراد هي: المكاتبة فقط.
ولو قال المتكلم: " أردت بذلك الكلام المكاتبة " لنسب إلى
الجهل باللغة العربية، وأنه اصطلح على ذلك بنفسه دون غيره.
ولو أخرج المكاتبة عن ذلك، فلما سئل عن ذلك قال: " ما
خطرت ببالي " لا يمكن أن ينكر عليه أحد، نظراً لشذوذها؛ لأن
العادة اقتضت ألا تخطر الشواذ ببال الإنسان.
فهذه الأوجه دلَّت على أن الحديث يحمل على ظاهره وهو:
اشتراط الولي في النكاح في جميع نساء العالم دون تخصيص، وأن
من أوَّل الحديث إلى غير ذلك فتأويله فاسد.
(3/1217)

المبحث الثالث في المجمل
وبشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: تعريفه.
المطلب الثاني: أسباب الإجمال.
المطلب الثالث: دخول الإجمال في الأفعال.
المطلب الرابم: حكم المجمل.
المطلب الخامس: نصوص اختلف في كونها مجملة.
المطلب السادس: هل يجوز بقاء الجمل بدون بيان بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -؟
المطلب السابم: في المبيِّن، والمبيَّن، والبيان.
(3/1219)

المطلب الأول
تعريف المجمل
أولاً: المجمل لغة: المجموع، ومنه يقال: " أجملت الشيء
إجمالاً ": جمعته من غير تفصيل.
ويطلق لغة - أيضاً - على الخلط، ويطلق على المبهم، ويطلق
على المحصل، ومنه قولهم: " جملت الشيء " إذا حصلته.
ثانيا: المجمل اصطلاحا هو: ما له دلالة على معنيين لا مزية
لأحدهما على الآخر بالنسبة إليه.
بيان التعريف:
قولنا: " ما له دلالة " ليعم الأدلة القولية، والفعلية.
وعبارة: " على معنيين " أخرجت النص؛ لأنه لا يدل إلا على
معنى واحد كما سبق.
وعبارة: " لا مزية لأحدهما على الآخر بالنسبة إليه " أخرجت
الظاهر وهو: دلالة اللفظ على معنيين هو في أحدهما أظهر كما
سبق.
(3/1221)

المطلب الثاني
أسباب الإجمال
يرد الإجمال لأسباب كثيرة، من أهمها:
السبب الأول: الاشتراك في اللفظ المفرد - عند القائلين بامتناع
تعميمه -.
واللفظ المشترك قد يكون بين معنيين مختلفين مثل لفظ " العين "،
فإنه متردد بين معان كثيرة، فهي تطلق على الشمس، وعين الإرواء،
والذهب، وغيرها.
وقد يكون اللفظ مشتركا بين معنيين متضادين مثل لفظ: " القرء "
فإنه متردد بين " الحيض " و " الطهر "، ولفظ " الشفق " فإنه متردد
بين " البياض " و " الحمر: ".
السبب الثاني: الاشتراك في اللفظ المركب مثل قوله تعالى:
(أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) ، فإن الذي بيده عقدة النكاح مشترك
بين أن يكون " الزوج "، وهو رأي أبي حنيفة والشافعي وأحمد في
أصح الروايتين عنه.
أو يكون الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، وهو رأي الإمام
مالك.
السبب الثالث: الاشتراك في الحرف، أي: لم يتضح المراد من
الحرف مثل حرف " مِنْ " فهي مترددة بين أن تكون للتبعيض، أو
تكون لابتداء الغاية في قوله تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ)
(3/1222)

، فلفظ " من " مترددة بين أن تكون لابتداء الغاية، فيكون
معناها: ابتدئوا المسح من الصعيد، وبين أن تكون للتبعيض فيكون
المعنى: امسحوا وجوهكم ببعض الصعيد.
وكذلك " الواو " في قوله تعالى: (والراسخون في العلم يقولون) مترددة بين أن تكون عاطفة، فيكون الراسخون في العلم
يعلمون تأويل الآيات على حسب علمهم، وبين أن تكون للابتداء،
فيكون اللَّه عزَّ وجَلَّ هو المتفرد بعلم التأويل، وقد فصلت ذلك في
موضوع " المحكم والمتشابه من القرآن الكريم " فارجع إليه.
السبب الرابع: التصريف في اللفظ، والتصريف هو العلم الذي
تُعرف به أحوال أبنية الكلام مثل لفظ " المختار "، فإن هذا اللفظ
متردد بين من وقع عليه الاختيار وبين من وقع منه الاختيار، أي:
أنك إذا سمعت عبارة " زيد المختار "، فلا تدري هل زيد هو الذي
اختار فيكون فاعلاً، أو زيد هو الذي أختير فيكون مفعولاً به.
السبب الخامس: التردد في مرجع وعود الضمير مثل ما روي عن
النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة في جداره "
فإن الضمير في عبارة: " جداره " يحتمل أن يعود إلى الغارز فيكون
المعنى: لا يمنعه جاره أن يفعل ذلك في جدار نفسه، ويحتمل أن
يعود الضمير إلى الجار الآخر فيكون المعنى: لا يمنعه جاره أن يغرز
خشبة في جدار ذلك الجار، وهو ما رجحه أكثر العلماء لقول أبي
هريرة: " ما لي أراكم عنها معرضين والله لأرمين بها بين أظهركم "
ولو كان الضمير عائداً إلى الغارز نفسه لما ذكر ذلك.
السبب السادس: التخصيص بالمجهول، مثل إذا قيل: " اقتلوا
المشركين إلا بعضهم "، وذلك لأن العام إذا خص بمجهول يصير
الباقي محتملاً، فكان مجملاً.
(3/1223)

المطلب الثالث
دخول الإجمال في الأفعال
الإجمال كما يكون في اللفظ، فإنه يكون في الفعل - وقد
أشرت إلى ذلك في تعريف الإجمال - مثال ذلك: أن يفعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - فعلاً يحتمل وجهين متساويين، كما روي عنه - صلى الله عليه وسلم -: " أنه جمع بين الصلاتين في السفر "، فإن هذا مجمل؛ لأنه يجوز أن يكون في سفر طويل أو سفر قصير، فلا يجوز حمله على أحدهما دون
الآخر إلا بدليل.
(3/1224)

المطلب الرابع حكم المجمل
اللفظ المجمل: يجب أن نتوقف فيه، فلا يجوز العمل به حتى
يأتي دليل خارجي يدل على أن المراد هو أحد المعنيين، وذلك لأن
اللفظ المتردد بين معنيين لا يخلو:
إما أن يراد كل واحد منهما معا، وهذا باطل؛ لأنه يستحيل أن
نعمل بمعنيين كل واحد منهما ضد الآخر.
وإما أن لا يراد كل واحد منهما، وهذا باطل؛ لأنه يؤدي إلى
خلو اللفظ عن المعنى، وهذا لا يتكلم به العقلاء.
وإما أن يراد أحد المعنيين دون الآخر وهو الصحيح، لكننا لا
نعرف المعنى المراد - من هذين المعنيين - إلا بدليل خارجي.
(3/1225)

المطلب الخامس
نصوص اختلف في كونها مجملة
النص الأول: قوله تعالى: (وامسحوا برءوسكم)
اختلف فيه على مذهبين:
المذهب الأول: أن هذا النص لا إجمال فيه، وهو مذهب
جمهور العلماء.
واختلف أصحاب هذا المذهب هل هو ظاهر في مسح جميع
الرأس أو مسح بعضه؛ على قولين:
فقيل: إن هذا النص ظاهر في مسح بعض الرأس، وهو مذهب
كثير من العلماء.
وهو الحق؛ لأن الباء في اللغة أصل في الإلصاق، وعرف
الاستعمال قد اقتضى إلصاق المسح باللمس فقط مع قطع النظر عن
الكل والبعض، ولهذا لو قال قائل لغيره: " امسح يدك بالمنديل "
لا يفهم أحد من أهل اللغة أنه أوجب عليه إلصاق يده بجميع
المنديل، بل إن شاء بكله، وإن شاء ببعضه، فيخرج عن العهدة إذا
فعل أحدهما.
وقيل: إن هذا النص ظاهر في مسح جميع الرأس، وهو مذهب
بعض العلماء.
دليل هذا القول:
أن الباء في اللغة أصل في الإلصاق، وقد دخلت على المسح
(3/1226)

وقرنته بالرأس، واسم الرأس حقيقة في كله، لا بعضه، ولهذا لا
يقال لبعض الرأس رأس فاقتضى ذلك مسح جميعه لغة.
جوابه:
إن هذا وإن كان هو الحق بالنظر إلى أصل وضع اللغة غير أن
عرف الاستعمال الذي ذكرناه في دليلنا قد طرأ على الوضع اللغوي
وخصصه.
المذهب الثاني: أن هذا النص مجمل، وهو مذهب جمهور
الحنفية.
دليل هذا المذهب:
أنه يتطرق إليه احتمالان وهما: " احتمال مسح جميع الرأس ".
وثانيهما: " احتمال مسح بعضه "، وليس أحدهما بأوْلى من
الآخر، فكان مجملاً.
جوابه:
إن القول بالإجمال لا وجه له؛ لأننا إن نظرنا إلى عرف
الاستعمال فهو ظاهر في مسح بعض الرأس وهو الحق - كما قلنا -
وإن نظرنا إلى الوضع اللغوي الأصلي فهو ظاهر في مسح جميع
الرأس.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي، حيث إنه على المذهب الأول - وهو أنه لا
إجمال فيه - يجوز العمل بما يقتضيه النص حال سماعنا له، أما
على المذهب الثاني فلا يجوز العمل به، إلا إذا دلَّت قرينة على أن
أحد المعنيين هو الصحيح.
(3/1227)

النص الثاني: قوله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم) ،
و (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) ، وقوله: (أحل لكم الطيبات) ، وما
شابه تلك الآيات قد اختلف العلماء فيها، هل فيها إجمال؛ على
مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا إجمال فيها، بل هي مبينة، وهذا يقال في
كل تحريم أو تحليل يضاف إلى الأعيان مثل تلك الآيات السابقة.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق عندي، لما ثبت من
عرف أهل اللغة من أن تحريم أو تحليل كل عين فإنه ينظر فيها إلى ما
هي معدة له، بيان ذلك:
أنه لو قال قائل: " حرمت عليك هذا الطعام " أو " حرمت
عليك هذه الجارية "، فإنه لا يتبادر إلى فهم أي عارف باللغة إلا
تحريم الأكل، وتحريم الوطء - فقط - والأصل في كل ما يتبادر إلى
الفهم أن يكون حقيقة إما بالوضع الأصلي، أو بعرف الاستعمال،
والإجمال ينتفي بكل واحد منهما، ولهذا فإن الإجمال منتف عند
قول القائل: " رأيت دابة "؛ لأن المتبادر إلى الفهم منه ذوات الأربع
بعرف الاستعمال، وإن كان على خلاف الوضع الأصلي.
المذهب الثاني: أن فيها إجمال.
وهو مذهب بعض الحنفية كأبي الحسن الكرخي، وبعض
الشافعية، وبعض الحنابلة كأبي يعلى.
دليل هذا المذهب:
أن الأعيان لا تتصف بالتحريم - مثلاً -، وإنما يحرم فعل ما
يتعلق بالعين، أي: أن تحريم الأعيان لا يصح، وإنما الذي يحرم
(3/1228)

أفعالنا في العين، وليس لأفعالنا ذكر في اللفظ، فلا نعلم ما هو
المحرم على الحقيقة في الآيتين السابقتين؛ أهو وطء الأم، أو
اللمس، أو النظر إليها؛ ولا نعلم ما هو المحرم من الميتة أهو الأكل،
أو اللمس، أو النظر، أو البيع؛ فلا نعلم - حقيقة - المراد من
التحريم والاحتمالات متعددة ومتساوية عند السامع، ولا بد من تقدير
فعل، وليس بعضها أوْلى من بعض، ولا مرجح لأحدها فكان
اللفظ مجملاً.
جوابه:
إن القول بالإجمال لا وجه له؛ لأن عرف الاستعمال دلَّنا على أن
المراد من تحريم الميتة هو الأكل، والمراد من تحريم الأم هو وطئها،
فيكون هو المتبادر إلى الذهن؛ لما قلناه في الاستدلال من أن أهل
اللغة قد تعارفوا على أن تحريم أو تحليل كل عين ينظر فيها إلى ما هي
معدة له.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي، وتعليل ذلك قد سبق في النص الأول.
النص الثالث: قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان "
قد اختلف العلماء هل فيه إجمال أو لا؛ على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا إجمال فيه، بل هو مبين، حيث إن المراد
به: رفع حكم الخطأ، ورفع حكم النسيان.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الصواب؛ لأنه إما أن يحمل
على رفع صورة الخطأ وصورة النسيان وحقيقتهما، أو يحمل على
رفع حكم الخطأ وحكم النسيان، ولا يمكن حمله على غيرهما.
(3/1229)

أما الأول - وهو حمل اللفظ على رفع صورة الخطأ والنسيان
وحقيقتهما - فهو ظاهر البطلان؛ حيث إن صورتهما وحقيقتهما
واقعتان كثيراً من الناس، فلو قلنا بأن صورتهما مرتفعتان للزم من
ذلك مخالفة الواقع، ويكون - حينئذ - كذبا، والرسول - صلى الله عليه وسلم - ينزه ويجل من أن يتكلم بكلام يخالف الواقع.
فإذا ثبت بطلان الأول ثبت الثاني وهو: أنه يُحمل الحديث على
نفي ورفع حكم الخطأ وحكم النسيان، لا نفي ورفع صورتهما.
المذهب الثاني: أن في هذا النص إجمالاً.
وهو مذهب أبي الحسين البصري، وأبي عبد اللَّه البصري.
دليل هذا المذهب:
أن المراد نفي حكم الخطأ والنسبان، وعند ذلك فإما أن يضمر نفي
جميع أحكام النسيان، والخطأ، أو بعضها.
والأول - وهو نفي جميع الأحكام - لا يمكن؛ لأن الإضمار
على خلاف الأصل، وإنما يصار إليه لدفع الضرورة اللازمة من
تعطيل العمل باللفظ، فيجب الاقتصار فيه على أقل ما تندفع به
الضرورة، وهو بعض الأحكام، ثم إن ذلك الحكم المضمر لا يمكن
القوِل بتعيينه؛ لعدم دلالة اللفظ عليه، فلم يبق إلا أن يكون غير
معين، وإذا كان كذلك فهو مجمل.
جوابه:
لا نسلم إضمار نفي جميع الأحكام في الحديث، بل نفي بعض
الأحكام، بيانه:
أن الحديث ليس بعام في جميع أحكامه من ضمان المتلفات،
(3/1230)

ولزوم قضاء العبادة وغير ذلك، بل هو خاص فى نفي ورفع المؤاخذة
والعقاب، وهذا أخذناه من عرف الاستعمال عند أهل اللغة؛ فإنه لو
قال. السيد لعبده: " رفعت عنك الخطأ والنسيان "، فإن العارف
باللغة عند سماعه بذلك لا يتردد في أن مراده من ذلك: رفع
المؤاخذة والعقاب.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي، وتعليل ذلك هو ما ذكرناه في بيان نوع
الخلاف في النص الأول.
مسألة: خلاف الجمهور هل الحكم - في الحديث السابق - عام
وشامل أو هو خاص؛ على قولين:
القول الأول: أن الحكم المرفوع والمنفي في الحديث هو حكم
خاص، وهو: الإثم والمؤاخذة - فقط -، وليس المراد هو نفي
جميع أحكام الخطأ والنسيان، فلا يدخل ضمان المتلفات، ولا
يدخل قضاء العبادات.
قال بذلك كثير من المحققين منهم الغزالي، والآمدي.
وهو الحق عندي؛ لأن الحكم المرفوع ليس على إطلاقه، بل
الحكم الذي عرف بعرف الاستعمال قبل ورود الشرع إرادته بهذا
اللفظ؛ حيث إن العارف بعرف أهل اللغة قبل ورود الشرع لا
يتشكك ولا يتردد عند سماعه قول "لسيد لعبده: (رفعت عنك الخطأ
والنسيان " في أن مراده من ذلك: رفع المؤاخذة والعقاب، فكذلك
هذا الحديث - وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -:
" رفع عن أمتي الخطأ والنسيان "،
فإن العارف بعرف أهل اللغة عند سماعه لذلك، فإنه لا يتردد في أن
مراده: رفع المؤاخذة والعقاب؛ قياسا على قوله تعالى:
(3/1231)

(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) ، وقوله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم) ، فإنا
لم نجعل ذلك عاما، بل إن المحرم في الآية الأولى: الأكل فقط،
والمحرم في الآية الثانية: الوطء فقط، وهذا أخذناه من عرف
الاستعمال - كما سبق - مع أنه لا بد من إضمار فعل في الآيتين،
فكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان "
لا بد من إضمار حكم يضاف الرفع إليه كالفعل، ثم ينزل على ما يقتضيه
عرف الاستعمال قبل الشرع وهو: المؤاخذة والعقاب.
اعتراض على ذلك:
قال معترض: إن المرفوع - كما أقررتم - هو حكم خاص وهو:
الإثم والعقاب، فيلزم على هذا رفع دخول ضمان المتلفات فليرتفع؛
لأنه يُعتبر من جملة المؤاخذات والعقوبات.
جوابه:
يمكن أن يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: إنا لا نُسَلِّمُ أن الضمان من حيث هو ضمان
عقوبة، ولهذا يجب في مال الصبي والمجنون، وهما ليسا أهلاً
للعقوبة، وكذلك يجب الضمان على المضطر في المخمصة إذا ممل
مال غيره، مع أن الأكل واجب عليه حفظا لنفسه، والواجب لا
عقوبة على فعله، وكذلك يجب الضمان على من رمى إلى صف
الكفار فأصاب مسلما مع أنه مأمور بالرمي، وهو مثاب عليه.
الجواب الثاني: نسلم لكم أن الضمان عقاب، لكن عموم اللفظ
قد خصص بعرف الاستعمال على نفي عقاب خاص وهو: نفي
الإثم وعقاب الآخرة، وذلك أقرب الى الصواب من القول
بالعموم.
(3/1232)

القول الثاني: أن الحكم المرفوع والمنفي في الحديث هو: جميع
أحكام الخطأ والنسيان، وهذا شامل للإثم، والعقاب، والضمان،
والقضاء، وهو قول بعض الشافعية كفخر الدين الرازي، وبعض
الحنابلة كأبي الخطاب، وابن قدامة.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أنه لا بد من تقدير لفظ " حكم " في الحديث،
فتكون العبارة - بعد التقدير -: " رفع عن أمتي حكم الخطأ
والنسيان "، فيكون اسم منكر أضيف إلى معرفة وهو: " حكم
الخطأ "، وهذه صيغة من صيغ العموم، وهذا يقتضي رفع جميع
أحكام الخطأ والنسيان، فيترتب على ذلك: أن من ترك عبادة خطأ
أو نسيانا، أو إكراها لا يأثم بتركها ولا يعاقب، ولا يلزم قضاؤها،
ومن أتلف خطأ، أو نسيانا لا يأثم بذلك ولا يضمنه.
جوابه:
أنا نوافقكم على أن عبارة: " حكم الخطأ والنسيان " تفيد العموم
لوجود صيغة من صيغ العموم، ولكن هذا العموم قد خُصص
بعرف استعمال أهل اللغة، حيث إن العارف بعرف أهل اللغة
يخصصه برفع الإثم والعقاب، والعرف من المخصصات المعروفة،
وقد سبق بيان ذلك.
الدليل الثاني: أن الشارع لو أراد نفي ورفع المؤاخذة والعقاب
والإثم فقط، لترتب على ذلك إبطال فائدة تخصيص الأُمَّة بالرفع
والنفي الوارد في الحديث؛ حيث إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان "،
فقوله: " عن أمتي " يقتضي اختصاصها بهذه الرخصة، أي: أنا لو قلنا: إن النفي والرفع حكم مختص
(3/1233)

بالإثم - فقط - فإنه لا يكون لهذه الأُمَّة مزية تميزت لها من غيرهما
في ذلك؛ لأن الناسي غير مكلف في الشرائع السابقة، فثبت: أن
المرفوع: الإثم، والضمان، ونحوهما.
جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ هذا، حيث إن الأُمَّة الإسلامية قد تميزت واختصت
بعفو الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه، وإسقاط الإثم والعقوبة
عن ذلك كله، وهذه الميزة لا توجد في الأمم السابقة، ويدل على
ذلك ما يلي:
الأول: هذا الحديث، حيث إن ورود قوله: " عن أمتي " يفيد
أن غيرها ليست كذلك.
الثاني: أن قوله تعالى: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) ،
وقوله تعالى: " قد فعلت " في الحديث القدسي، يدل دلالة
واضحة على أن المؤاخذة بالخطأ والنسيان كانت معهودة على من قبلنا،
لأنه لو كانت المؤاخذة مرفوعة عن كل أحد لما دعت ضرورة إلى
ذلك الدعاء، وإظهار الكرامة بالإجابة بقوله سبحانه: " قد فعلت "
فظاهر الامتنان أنه خاص بنا.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي قد أثر في بعض الفروع؛ حيث إنه يترتب
على القول الأول - وهو: أن الحكم المرفوع خاص وهو: المؤاخذة
والعقاب فقط - أن الناسي والمخطئ يضمن ما أتلفه من أملاك
الآخرين، ويقضي ما فاته من العبادات.
أما على القول الثاني - وهو: أن الحكم المرفوع عام لجميع
(3/1234)

أحكام الخطأ والنسيان - فإن الناسي، والمخطئ لا يضمن ما أتلفه من
أملاك الآخرين، ولا يلزمه قضاء الفوائت من العبادات.
النص الرابع: قوله - صلى الله عليه وسلم -:
" لا صلاة إلا بطهور "، و " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب "،
و" لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل "،
و" لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل "، و " لا وضوء لمن لم يذكر
اسم اللَّه عليه "، ونحو ذلك،
قد اختلف في ذلك هل فيه إجمال أو لا؛ على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا إجمال في هذه النصوص وما شابهها.
وهو مذهب جمهور العلماء.
وهو الحق عندي؛ لأنه إما أن يكون للشارع في هذه الأسماء
عرف، أو لا.
فإن كان الأول - وهو: أن الشارع له في هذه الأسماء عرف -
فإنه يجب تنزيل كلام الشارع على عرفه، فيكون لفظه منزلا على
نفي الحقيقة الشرعية، وهذا لا إجمال فيه؛ لأن نفي الحقيقة الشرعية
ممكن، وإن كان مسمى هذه الأمور بالوضع اللغوي غير منفي، فإذا
جاءنا مثل هذه الأسماء - كالصوم، والصلاة، والوضوء،
والنكاح - فإنه يجب حملها على حقيقتها الشرعية، فإذا اختل ركن
أو شرط فإله يصح نفيه حقيقة؛ لأن الشرعي هو التام الأركان
والشروط، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للمسيء في صلاته:
" ارجع فصل فإنك لم تصل "،
وإذا كانت الحقيقة هي المراد نفيها فلا يحتاج نفيها
لإضمار حكم، فلا إجمال.
وإن كان الثاني - وهو: أنه لا عرف للشارع في هذه الأسماء -
(3/1235)

فإنها تنزل على الوضع اللغوي، وحينئذٍ لا إجمال فيها أيضا؛ لأن
اللفظ ظاهر بعرف استعمال أهل اللغة قبل ورود الشرع في مثل هذه
الأسماء والألفاظ بأن المتبادر إلى الفهم من نفي كل فعل كان متحقق
الوجود، إنما هو نفي فائدته وجدواه ومنفعته، ومن ذلك قولهم:
"لا علم إلا ما نفع "، و " لا كلام إلا ما أفاد "، و " لا حكم إلا
لله "، و " لا بلد إلا بسلطان "، فيقال ذلك وإن كان العلم غير النافع
يُسمى علماً، والكلام غير المفيد يُسمى كلاماً، والحكم لغير الله
يسمى حكماً، والبلد بغير سلطان يسمى بلداً، لكن نفي ذلك - في
الأمثلة السابقة - لعدم فائدة العلم غير النافع، ولعدم فائدة الكلام،
ولعدم صحة الحكم لغير اللَّه، ولعدم فائدة البلد بدون سلطان؛
حيث إنه لا فائدة من الحياة فيه.
فكذلك هنا يحمل النفي في قوله: " لا صلاة إلا بطهور " على
نفي الصحة؛ لانتفاء فائدة الصلاة بغير طهور.
فالصلاة بلا طهور، والنكاح بلا ولي، والصلاة بدون فاتحة
الكتاب، ونحو ذلك لا تفيد شيئاً، فانتفت صحتها، نظراً لانتفاء
فائدتها.
يؤيد ذلك: أن هذا هو الظاهر؛ لأنه أقرب إلى موافقة دلالة
اللفظ على النفي، لأنه إذا قال: " لا صلاة إلا بكذا " مثلاً، فقد
دلَّ بدلالة المطابقة على نفي أصل الفعل، ودلَّ على صفته - وهي
الصحة - بدلالة الالتزام، فإذا تعذر العمل بدلالة المطابقة تعين
العمل بدلالة الالتزام، تقليلاً لمخالفة الدليل.
المذهب الثاني: أن هذه النصوص مجملة.
وهو مذهب كثير من الحنفية، واختاره القاضي أبو بكر، وأبو
عبد اللَّه البصري، وأكثر المعتزلة.
(3/1236)

دليل هذا المذهب:
أنه لا يمكن حمل هذا اللفظ على نفي صورة الفعل، وهو
الصلاة، والصوم، والنكاح، وغير ذلك - مما ورد في الأحاديث
السابقة - وذلك لأن صورة الصلاة مثلاً يمكن إيجادها بغير طهور
كصلاة المحدث، كذلك صورة النكاح والصوم والوضوء يمكن
إيجادها بدون توفر شرطها، فلو نفي ذلك لكان خلفا.
فتعين أن المراد بالنفي هنا: نفي الحكم، أي: نفي حكم الصلاة،
ونفي حكم الصوم، ونفي حكم النكاح، وهكذا.
والحكم متعدد ومتنوع إلى أنواع هي: " الصحة "، و " الإجزاء"،
و" الكمال "، فلا نعلم هل المراد: لا صلاة صحيحة، أو لا صلاة
مجزئة، أو لا صلاة كاملة، وهي متساوية عندنا، فلا حكم بأوْلى
من حكم، ولا مرجح لأحدها، فيكون اللفظ متردداً بينهما
بالتساوي، فيكون مجملاً.
جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ وجود إجمال في تلك النصوص؛ لأنا إن نظرنا إلى
عرف الشارع في هذه الأسماء، فهو ظاهر في نفي الحقيقة الشرعية،
وهو ممكن - كما قلنا سابقا -.
وإن نظرنا إلى الوضع اللغوي فهو ظاهر في نفي الفائدة والجدوى
والمنفعة، وذلك بسبب عرف استعمال أهل اللغة قبل ورود الشرع،
فيكون المراد هو: نفي الصحة.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي، وتعليل دلك هو ما ذكرناه في بيان نوع الخلاف
في النص الأول.
(3/1237)

النص الخامس: قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) .
اختلف فيه هل فيه إجمال أو لا؛ على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا إجمال فيه لا من جهة " اليد "، ولا من
جهة "القطع ".
وهو مذهب جمهور العلماء.
وهو الصحيح؛ لأن لفظ " اليد " تطلق على الكل حقيقة،
ويذكر لفظ " اليد " للبعض عن طريق المجاز، وعلى هذا: لا تكون
دلالة " اليد " على الكل مساوية لدلالتها على البعض.
وكذلك لفظ " القطع " يطلق حقيقة على إبانة الشيء عما كان
متصلاً به، فإذا أضيف القطع إلى " اليد "، وكان مسمى اليد حقيقة
في جملتها إلى الكوع، فإنه يجب حمله على إبانة مسمى " اليد "
وهو جملتها، وحيث أطلق قطع اليد عند إبانة بعض أجزائها عن
بعض لا يكون حقيقة، بل تجوزاً.
المذهب الثاني: أن هذا النص فيه إجمال، حيث إن لفظ " اليد "
ولفظ " القطع " قد دخلهما الإجمال، وهو مذهب بعض الحنفية.
دليل هذا المذهب:
قالوا في بيان الإجمال في هذين اللفظين: إن لفظ " اليد " يطلق
على كل اليد إلى المنكب، ويطلق على اليد إلى المرفق، ويطلق
على اليد إلى الكوع، وليس أحد هذه الاحتمالات أظهر من الآخر،
فكان لفظ " اليد " مجملاً.
وكذلك لفظ " القطع " يطلق على إبانة العضو من العضو، وعلى
(3/1238)

شق الجلد من العضو بالجرح من غير إبانة للعضو، فكان لفظ
"القطع "مجملاً.
جوابه:
أنا قد بيَّنَّا أن إطلاق لفظ " اليد " على كل اليد إلى المنكب هو
الإطلاق الحقيقي وهو الأصل، أما إطلاق اليد على بعض اليد فهو
إطلاق مجازي، وهو "خلاف الأصل.
أما القطع فإنه يطلق على " الإبانة " حقيقة، وإطلاق القطع على
الشق إطلاق مجازي؛ لأن مجرد شق الجلد لا يحقق القطع المعروف
وهو فصل عضو عن عضو.
(3/1239)

المطلب السادس
هل يجوز بقاء المجمل بدون بيان بعد وفاة - صلى الله عليه وسلم -؟
قلنا - فيما سبق -: إن حكم المجمل: التوقف حتى يرد البيان،
فهل يجوز بقاؤه بدون بيان؛ لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: التفصيل بين ما يتعلق به حكم تكليفي فلا يجوز،
وغيره فيجوز، وهو الصواب.
فإن كان المجمل يتعلق به حكم تكليفي لم يجز بقاؤه مجملاً؛ لأن
تأخير بيانه تأخيراً للبيان عن وقت الحاجة، وهذا لا يجوز.
أما إذا لم يتعلق به حكم تكليفي: فإنه يجوز بقاؤه مجملاً؛ لعدم
وجود ضرورة تدعو إلى بيانه.
المذهب الثاني: يجوز بقاء المجمل بدون بيان مطلقا.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أنه لا يترتب على فرض بقاء المجمل محال عقلاً، فكان جائزاً.
جوابه:
لا نسلم ذلك، فإن بقاء المجمل بدون بيان يترتب عليه تأخير البيان
عن وقت الحاجة، وهذا غير جائز اتفاقا - كما سيأتي بيانه -.
المذهب الثالث: لا يجوز بقاء المجمل بدون بيان مطلقا.
وهو مذهب كثير من العلماء.
(3/1240)

دليل هذا المذهب:
أن وظيفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بيان المجمل كما بينها اللَّه تعالى بقوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) ، فبقاء
المجمل بدون بيان تقصير بهذه الوظيفة، وإخلال بها وهو غير جائز.
جوابه:
المقصود من هذه الآية: بيان الأحكام الشرعية التكليفية وما يتعلق
بها، حتى يعبد الناس اللَّه سبحانه وتعالى على بصيرة وهي: ما
تدعو الحاجة إليها، أما ما لا تدعو الحاجة إليه، فلا يلحق الناس
حرج فيما لو لم يعلموا بيانه.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف لفظي؛ لعدمِ تأثر الفروع به، والظاهر أن ذلك لم يقع؛
حيث إن كل مجمل قد بين قبل الوفاة.
(3/1241)

المطلب السابع في المبيَّن - بفتح الياء - والمبيِّن - بكسرها - والبيان
ويشتمل على المسائل التالية:
المسألة الأولى: بيان المراد بالمبيَّن، والمبيِّن، والبيان.
المسألة الثانية: حكم من خص البيان بالمجمل فقط.
المسألة الثالثة: أقسام المبيَّن - بفتح الياء -.
المسألة الرابعة: أقسام المبيِّن - بكسر الياء -.
المسألة الخامسة: إذا ورد القول والفعل بعد المجمل وكل واحد منهما
صالح للبيان، فأيهما الذي يقع به البيان؟
المسألة السادسة: هل يجب أن يكون البيان مساويا للمبيَّن، أو يجوز
أن يكون أدنى منه؛ أو لا بد أن يكون أقوى منه؟
المسألة السابعة: بيان عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
المسألة الثامنة: هل يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت
الحاجة؟
المسألة التاسعة: هل يجوز تأخير تبليغ الأحكام من وقت نزولها إلى
وقت الحاجة إليها؟
(3/1243)

المسألة الأولى: بيان المر اد بالمبيَّن، والمبيِّن، والبيان:
أولاً: بيان المراد بالمبيَّن - بفتح الياء -:
المبين - بفتح الياء -: اسم مفعول من التبيين، وهو الموضَّح
والمفسَّر.
والمبيَّن في الاصطلاح يطلق على إطلاقين:
الإطلاق الأول: يطلق ويراد به: الخطاب المبتدأ المستغني عن البيان
وهو الواضح بنفسه.
الإطلاق الثاني يطلق ويراد به ما وقع عليه البيان مما احتاج
إليه، وهو الواضح بغيره، ويسفَى ذلك الغير مبيِّنا - بكسر الياء -.
ثانياً: بيان المراد بالمبيِّن - بكسر الياء -:
المبيِّن - بكسر الياء - اسم فاعل من بيَّن، يبيِّن، فهو مبيِّن،
أي: موضِّح لغيره، وهو الدليل المبيِّن - وسيأتي التفصيل فيه.
ثالثاً: بيان المراد بالبيان:
البيان: اسم مصدر " بيَّن "، والمصدر منه هو: التبيين، يقال:
بيَّن، تبييناً، وبيانا، نحو: كلم، تكليما، وكلاما.
هذا من حيث اللغة.
والبيان في الاصطلاح هو: الدليل، والدليل هو: ما يتوصل
بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري، وقد سبق شرح هذا التعريف
في أول الباب الثالث - الذي هو في أدلة الأحكام الشرعية ولا داعي
لتكراره.
(3/1245)

وكون المراد من البيان هو: الدليل هو الحق؛ لكونه شاملاً لبيان
الإجمال، وما يدل على الحكم ابتداء - وهو واضح -؛ حيث إن
ما يدل على الحكم ابتداء من غير سابقة إجمال يُسمَّى بيانا: فمن
ذكر دليلاً لغيره ووضحه غاية الإيضاح يصح لغة وعرفا أن يقال: "تم
بيانه "، أو يقال: " هذا بيان حسن " إشارة إلى الدليل المذكور،
والأصل في الإطلاق الحقيقة.
***
المسألة الثانية: حكم من خَصَّ البيان بالمجمل فقط:
إن بعض العلماء قد عرَّف البيان بتعريف يخص المجمل فقط.
منهم أبو بكر الصيرفي الذي عرَّف البيان بأنه: " إخراج الشيء
من حيز الإشكال إلى حيز التجلي ".
ومنهم جمهور الفقهاء الذين عرفوا البيان بأنه: " إظهار المراد
بالكلام الذي لا يفهم منه المراد إلا به " - كما نسبه إليهم أبو الحسن
الماوردي - وكما وصفه ابن السمعاني بأنه أحسن الحدود.
ومعناه: أن البيان هو: الشيء الذي دلَّ على أن المراد من ذلك
اللفظ المجمل هو ذلك المعنى المعين، فمثلاً: يرد لفظ " القرء "
ونحوه مما لا يستقل بنفسه في الدلالة على المعنى المراد، فما دلَّ على
المراد من ذلك اللفظ هو: البيان.
وهذان التعريفان يختصان باللفظ المجمل - فقط - حيث إنهما
يفيدان: أن اللفظ كان مشكلاً متردداً بين معانٍ - وهو المجمل -
فجاء بيانه.
وهذا فيه تقييد للبيان، وحصره في صورة واحدة من صوره.
(3/1246)

وهذا ضعيف؛ حيث إن البيان عام لما سبقه إجمال ولما جاء
ابتداء، وقلت ذلك؛ لأمور:
الأمر الأول: أن الواقع يشهد أن الشخص إذا دلَّ غيره على شيء
فإنه يقال له: " بيَّنه له"، ويوصف بأنه " بيان حسن "، فهذا يصح
إطلاقه، وإن لم يكن قد سبقه لفظ مجمل، والأصل في الإطلاق
الحقيقة.
الأمر الثاني: أن النصوص الشرعية التي أوردت الأحكام ابتداء
تسمى بياناً، قال تعالى: (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ) ، وأراد به القرآن،
فلا يشترط فيه أن يكون بيانا لمشكل.
الأمر الثالث: أنه ليس من شرط البيان: أن يحصل التبيين والعلم
بهذا البيان للمخاطب، فيصح أن يقال: " بين له ذلك غير أنه لم
يتبين ولم يعلم به "، بل أن يكون بحيث إذا سمع وتؤمل وعرفت
المواضعة صح أن يعلم به، ويجوز أن يختلف الناس في تبيين ذلك
وتعرفه.
المسألة الثالثة: أقسام المبيَّن - بفتح الياء -:
المبيَّن ينقسم إلى قسمين هما:
القسم الأول: المبيَّن بنفسه، وهو: الذي استقل بإفادة معناه من
غير أن ينضم إليه قول أو فعل، ويُسمَّى بـ " الواضح بنفسه "، وهو
نوعان:
النوع الأول: أن تكون إفادته للمراد بسبب راجع إلى اللغة، مثل
قوله تعالى: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ، فإن إفادته شمول علمه
تعالى جميع الأشياء ثبت عن طريق اللغة من غير توقف.
(3/1247)

النوع الثاني: أن تكون إفادته للمراد بسبب راجع إلى العقل مثل
قوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) ، حيث إن اللغة قد اقتضت طلب
السؤال من القرية، وهو غير ممكن عقلاً، بل المقصود هو طلب
السؤال من أهل القرية؛ لأن الأبنية لا يوجه إليها أسئلة.
وسمي ذلك بالمبين بنفسه - وإن كان متوقفاً على العقل - لتعين
المضمر من غير توقف.
ففي هذين النوعين كأن المتكلم أورد اللفظ مبينا واضحه مفهوما غير
محتاج إلى غيره مشتق من " متبين ".
القسم الثاني. المبين بغيره، وهو: الذي لا يستقل بإفادة معناه،
بل يفتقر إلى دليل يبينه من قول أو فعل، وذلك الدليل يسمى مبيِّنا
- بكسر الياء - وسيأتي الكلام عن هذا بالتفصيل إن شاء اللَّه في
المسألة التالية.
***
المسألة الرابعة: أقسام المبيِّن - بكسر الياء -:
المبيِّن - بكسر الياء - قد يكون قولاً، وقد يكون فعلاً من
الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقد يكون كتابة، وقد يكون تركا للفعل، وقد يكون سكوتاً، وقد يكون إشارة، وإليك بيان ذلك:
القسم الأول: البيان بالقول، ويُسمَّى: البيان بالكلام، وهو:
التلفظ صراحة بالمراد.
والدليل على أنه يحصل بالقول والكلام البيان: الوقوع؛ حيث
وقع ذلك في الشريعة، والأمثلة على ذلك كثيرة.
ومنها قوله تعالى: (إن اللَّه يأمركم أن تذبحوا بقرة) حيث إن
(3/1248)

الله تعالى قد بيَّن المراد من ذلك بالقول والكلام، حيث قال:
(إنها بقرة صفراء فاقع لونها) ، وهذا بيان بقوله تعالى.
ومنها قوله تعالى: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) ،
وقوله: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) ، حيث إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد بيَّن ذلك بالقول والكلام، حيث قال: " فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بالسانية نصف العشر "، وهو كثير في الشريعة - كما قلت -
فالأحكام الواردة في الكتاب وجاء تفصيلها في السُّنَّة هي من هذا
القسم، وهو بيان بقوله - صلى الله عليه وسلم -.
القسم الثاني: البيان بالفعل.
اختلف العلماء في هذا القسم على مذاهب:
المذهب الأول: أن الفعل يكون مبينا كالقول.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق، لدليلين:
الدليل الأول: الوقوع؛ حيث إنه لما نزل قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) ، وقوله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) ، بيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - بفعله كيفية الصلاة، وكيفية الحج، والوقوع دليل على صلاحية
الفعل ليكون بيانا.
الدليل الثاني: القياس؛ حيث إن الإجماع قد انعقد على كون
القول بيانا، فالفعل في إفادة المقصود أوْلى؛ لأن مشاهدة أفعال
الصلاة - وأفعال الحج أدل على معرفة تفاصيلها من الأخبار عنها
بالقول؛ حيث إن البيان بالكشف أظهر من البيان بالوصف، ولهذا
كانت مشاهدة " زيد " في الدار أدل على معرفة كونه فيها من الأخبار
عنه بذلك، ولهذا قيل: " ليس الخبر كالمعاينة "، وإذا جاز القول
بيانا مع قصوره في الدلالة عن الفعل المشاهد، فكون الفعل بياناً
أوْلى.
(3/1249)

المذهب الثاني: أن الفعل لا يصلح أن يكون بياناً.
وقد نسب هذا إلى أبي إسحاق الإسفراييني، وبعض العلماء.
أدلتهم على ذلك:
الدليل الأول: أن البيان بالفعل لم يقع في الشريعة، وهذا يدل
على عدم صلاحيته ليكون بيانا لشيء، وما ذكرتموه من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد بيَّن بفعله كيفية الصلاة والحج فليس بصحيح؛ حيث إن بيان الصلاة قد حصل بقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"صلوا كما رأيتموني أصلي "،
وبيان الحج قد حصل بقوله لمجم: "خذوا عني مناسككم "،
وهما قولان، وليسا بفعلين.
جوابه:
لا نسلم أن بيان الصلاة والحج قد حصل بالقول " لأن قوله:
"صلوا كما رأيتموني أصلي "، وقوله: " خذوا عني مناسككم "
لم يتضمن تعريف شيء من أفعال الصلاة والمناسك، بل غايته: تعريف
أن الفعل هو: البيان، أي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كأنه قال لهم: انظروا إلى فعلي في الصلاة والحج وافعلوا مثله، فكان فعله للصلاة من
ركوع وسجود، وقيام، وتسليم هو المبين لقوله: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) ، وفعله في الحج - من وقوف بعرفات - وطواف إفاضة، وسعي، ومبيت بمزدلفة ومنَى هو المبين لقوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) .
الدليل الثاني لهم.: أن الفعل - وإن كان مشاهداً - غير أن زمان
البيان به قد يطول، مما يؤدي إلى تأخير البيان عن وقت الحاجة،
مع إمكان تعجيله بالقول، وتأخير البيان عن وقت الحاجة مع إمكانه
لا يجوز.
(3/1250)

جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أن البيان بالفعل فيه طول، بل قد
يكون البيان بالقول أطول من البيان بالفعل، فلو بينا الصلاة بالقول
للزم ذكر اشتمال كل ركعة من الأقوال والأفعال، وهذا أطول مما لو
فعلناها أمام ذلك السائل عنها.
الجواب الثاني: أنا لو سلمنا أن البيان بالفعل يأخذ وقتا أطول من
البيان بالقول، فليس في ذلك ما يدل على كونه غير صالح للبيان،
كل ما في الأمر: أنه أطول من البيان بالقول.
المذهب الثالث: أن الفعل يحصل به البيان بشرط: الإشعار به
من مقال أو قرينة حال، وإن لم يوجد ذلك لا يحصل للمكلف
البيان، وهو مذهب المازري.
دليل هذا المذهب:
أن تلك القرينة قد ساعدت الفعل لبيان ذلك المجمل.
جوابه:
أن الخلاف في الفعل المجرد عن القرينة هل يصلح أن يكون بياناً أو
لا؟ أما ما وجدت فيه قرينة فلا خلاف فيه.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف بين المذهب الأول والمذهبين الثاني والثالث خلاف معنوي؛
حيث إنه يعمل بما دلَّ عليه الفعل بناء على المذهب الأول، أما على
المذهبين الثاني والثالث فلا يعمل به.
والخلاف بين المذهب الثاني والثالث خلاف لفظي؛ لأن النفي
(3/1251)

والإثبات لم يتواردا على محل واحد؛ لأن أصحاب المذهب الثاني
نفوا كون الفعل يحصل به البيان لعدم القرينة، أما أصحاب المذهب
الثالث فقد أثبتوا ذلك لوجود القرينة.
القسم الثالث: البيان بالكتابة.
دل على أنه يحصل البيان بالكتابة دليلان:
الدليل الأول: الوقوع؛ حيث وقع ذلك؛ فإنه روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى عماله في الصدقات، وكتابه الذي بعثه مع عمرو بن حزم إلى أهل اليمن، وبين فيه الفرائض والسق والديات، وكتابة الخلفاء
من بعده إلى عمالهم في الصدقات من غير نكير.
الدليل الثاني: القياس على البيان بالقول، بيان ذلك:
أن الكتابة تقوم مقام القول اللساني، والجامع: أن في كل منهما
تأدية الذي في النفس.
القسم الرابع: البيان بترك الفعل.
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - إذا ترك فعل شيء، فإنه يتبين من ذلك نفي وجوب ذلك الفعل؛ لأن - صلى الله عليه وسلم - لا يقع في فعله محرم، ولا ترك واجب، فمتى ترك شيئاً دلَّ على عدم وجوبه، فمثلاً: ترك القعود للتشهد، والقيام من الركعة الثانية إلى الثالثة، والمضي في صلاته يدل على أن هذا القعود ليس بواجب.
القسم الخامس: البيان بالسكوت.
السكوت بعد السؤال عن حكم واقعة من الوقائع يعتبر من البيان،
فإذا سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن حكم حادثة وواقعة، وسكت: دلَّ سكوته على أنه لا حكم للشرع في هذه الواقعة، وهذا يُعتبر بيانا لها.
(3/1252)

يدل على ذلك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يُقرُّ على الخطأ، أي: لو كان سكوته عن بيان حكمها خطأ لبيَّن له اللَّه تعالى ذلك، فيكون
سكوته بياناً في أن هذه الواقعة لا حكم لها.
القسم السادس: البيان بالإشارة.
الإشارة يحصل بها البيان دلَّ على ذلك دليلان:
الدليل الأول: الوقوع؛ حيث روي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - آلى من نسائه شهراً، فلما بلغ تسعة وعشرين يوما دخل عليهن، فقيل له: إنك آليت شهراً فقال: الشهر هكذا وهكذا وهكذا، وأشار بأصابعه
العشر، وقبض إبهامه في الثالثة، يعني تسعاً وعشرين، فبيَّن - هنا -
الشهر بالإشارة بأنه يكون - أحياناً - ثلاثين يوما، وأحيانا تسعة
وعشرين يوماً.
اعتراض على ذلك:
قال قائل - معترضاً -: إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد بيَّن الشهر بالقول الصريح، لا بالإشارة؛ حيث روي عنه - صلى الله عليه وسلم - قوله: " الشهر تسع وعشرين، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له ".
جوابه:
إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد بيَّن ذلك مرة بالقول الصريح، وبيَّن مرة أخرى
بالإشارة، مما يدل على جواز البيان بالإشارة.
الدليل الثاني: القياس على البيان بالقول؛ حيث إن الإشارة تقوم
مقام اللسان في التعبير عما يجول في النفس، فكانت بياناً.
(3/1253)

المسألة الخامسة: إذا ورد بعد لفظ مجمل قول وفعل، وكل
واحد منهما صالح لأن يكون بيانا فأيهما الذي يقع به البيان؟
للكلام عن هذه المسألة لا بد من تقسيمها إلى قسمين:
القسم الأول: يكون في اتفاق القول والفعل في الحكم.
القسم الثاني: يكون في اختلاف القول والفعل في الحكم.
القسم الأول: إذا اتفق القول والفعل في الحكم فلا يخلو:
إما أن يُعلم تقدم أحَدهما أو يُجهل المتقدم.
فإن علم تقدم أحدهما: فالمتقدم هو المبين - سواء كان قولاً أو
فعلاً، وذلك لحصول المقصود به، والثاني مؤكد له.
وإن جهل المتقدم منهما - أي: لا يعلم هل المتقدم القول أو
الفعل؛ - فلا يخلو: إما أن يكونا متساويين في الدلالة، أو
أحدهما أقوى في الدلالة من الآخر.
فإن كانا متساويين في الدلالة، فأحدهما يكون هو المبين،
والآخر يكون مؤكداً له من غير تعيين - أي: يختار المجتهد منهما
دون تعيين -.
وإن كانا مختلفين في قوة الدلالة - بأن كان القول أقوى وأرجح
من الفعل أو العكس - فقد اختلف العلماء أيهما الذي يُقدم؛ على
مذهبين:
المذهب الأول: أن أحدهما يكون هو المبيّن، والآخر يكون مؤكداً
له من - غير تعيين - كما لو كانا متساوين - ولا فرق بين الراجح
والمرجوح.
(3/1254)

وهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ وذلك لحصول المقصود به.
المذهب الثاني: أن المرجوح والأضعف في الدلالة هو: المبيِّن،
والراجح والأقوى مؤكد له.
وهو مذهب الآمدي وبعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أنا لو جعلنا المبيِّن هو: الراجح والأقوى في الدلالة للزم من
ذلك تأخر المرجوح مما يجعله مؤكداً للراجح، وهذا ممتنع؛ لأن
الشيء لا يؤكد بما هو دونه في الدلالة، والبيان حاصل دونه، فكان
الإتيان به غير مفيد، والشارع لا يأتي بما لا يفيد، أما إذا جعلنا
المرجوح والأضعف هو المقدم، فإن الإتيان بالراجح بعده يكون مفيداً
نظراً لتأكيده لما تقدمه، ولا يكون معطلاً.
جوابه:
لا نسلم ذلك؛ لأن امتناع تأكيد المرجوح للراجح يكون في المؤكد
غير المستقل مثل: " المفردات "، أما المؤكد المستقل فإنه لا يمتنع فيه
ذلك، وذلك لأن الجمل تقوي بعضها بعضاً.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي، لأن ما نظر إليه الجمهور يختلف عما نظر إليه
الآمدي، فهم نظروا إليه على أنه من تاكيد الجمل، وهو جائز
بالأضعف والأقوى، والآمدي نظر إليه على أنه من تكيد المفردات،
فلذلك يمتنع.
القسم الثاني: فيما إذا لم يتفق القول والفعل في الحكم.
إذا كان ما يفيده القول يخالف ما يفيده الفعل مثل ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
(3/1255)

أنه قال: " من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي
واحد عنهما حتى يحل منهما جميعاً "،
وهذا بيان لكيفية أداء القِران بالقول، وروى عليّ - رضي اللَّه عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين،
وقال: هكذا رأيت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - صنع.
فهنا قد اجتمع القول والفعل في بيان آية الحج، وهي قوله تعالى:
(ولله على الناس حج البيت) ، وقوله: (وأتموا الحج والعمرة لله)
فبيَّن بالقول والفعل: قِران الحج والعمرة فأيهما المبيِّن؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن القول هو المبيِّن مطلقاً، أي: سواء تقدم
القول أو الفعل، أو لم يعلم شيء من ذلك.
وهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لأن القول يدل بنفسه على
البيان، بخلاف الفعل، فإنه لا يدل على كونه بيانا إلا بواسطة دلالة
القول عليه: - أي: أن الفعل لا يدل إلا بواسطة انضمام القول
إليه - والدال بنفسه أقوى من الدال بغيره.
اعتراض على ذلك:
قال قائل - معترضا -: إن هذا مناقض لما قلتموه - هناك - من
أن الفعل أقوى في البيان؛ لأن الشاهدة أدل.
جوابه:
أنا نقول: إن القول أقوى في الدلالة على الحكم، والفعل أدل
على الكيفية: ففعل الصلاة أدل من وصفها بالقول؛ لأن فيه مشاهدة
وأما استفادة وجوبها، أو ندبها أو غيرهما: فإن القول أقوى؛ نظراً
لصراحته.
(3/1256)

المذهب الثاني: أن الفعل هو المبيِّن مطلقا، أي: سواء تقدم
القول أو الفعل.
وهو مذهب بعض الشافعية.
دليل هذا المذهب:
أن الفعل أدل؛ لأن المشاهدة أقوى لما روي عن - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " ليس الخبر كالمعاينة ".
جوابه:
أنه لو كان البيان هو الفعل للزم من ذلك أن يكون القول معطلاً
إن ورد متأخراً عن الفعل، ويلزم منه - أيضا -: أن يكون الفعل
نالصخا إن كان القول متقدما، ولا يلزم ذلك من مذهبنا؛ حيث إنا
لما جعلنا القول هو المبيّن: حصل الجمع بين مقتضى القول والفعل،
فيكون أوْلى.
المذهب الثالث: التفصيل، وهو:
أنا إذا علمنا المتقدم من القول والفعل: فإن المتقدم هو المبيّن،
سواء كان قولاً أو فعلاً.
أما إذا لم نعلم المتقدم منهما: فإنه يجعل القول هو: المبيّن؟
نظراً لرجحانه؛ لأنه يدل بنفسه على البيان، بخلاف الفعل فإنه لا
يدل إلا بانضمام شيء إليه، والدال بنفسه أقوى من الدال بغيره.
وهذا مذهب أبي الحسين البصري.
جوابه:
أنه يلزم من هذا: أن يكون الفعل منسوخا بالقول إذا كان الفعل
متقدما، والأصل عدم النسخ.
(3/1257)

المذهب الرابع: التفصيل من وجه آخر، وهو:
إن لم يعلم تقدم القول أو الفعل، فإنه يجعل القول هو: المبيِّن؛
نظراً لدلالته بنفسه على البيان، بخلاف الفعل فإنه يحتاج إلى غيره
- كما سبق بيانه -.
أما إذا علم تقدم أحدهما فلا يخلو من أمرين:
أحدهما: أن يعلم أن المتقدم هو القول، ففي هذه الحالة يكون
القول هو: المبيِّن؛ نظراً لتقدمه، وقوته في الدلالة.
ثانيهما: أن يعلم أن المتقدم هو الفعل، ففي هذه الحالة يكون
الفعل هو: المبين في حق الرسول - صلى الله عليه وسلم - دون الأمَة، ويكون القول هو المبين في حق الأُمَّة - فقط -؛ عملاً بالدليلين - وهما القول والفعل -؛ إذ لو جعلنا الفعل - عند تقدمه - هو: المبيِّن في حق
الرسول والأُمَّة معاً: للزم من ذلك: أن يكون القول مهملاً أو يكون
ناسخاً لوجوب الطواف الثاني والسعي الثاني، والإهمال والنسخ
خلاف الأصل، وللتخلص من ذلك لا بد أن يكون الفعل مبينا
للمجمل في حق الرسول، ويكون القول هو المبين في حق الأُمَّة؛
عملاً بالدليلين، والجمع بينهما عند الإمكان أرجح من العمل بواحد
منهما وإهمال الآخر.
جوابه:
إن هذا التفريق بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - والأُمَّة في ذلك لا دليل عليه، وما لا دليل عليه لا يعتد به، ولذلك يكون القول هو: المبيِّن
مطلقاً - أي: سواء علمنا المتقدم، أو لم نعلمه؛ لفضل القول على
الفعل بما ذكرناه سابقا.
(3/1258)

بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة - وهي المذكورة في القسم الثاني - خلاف
معنوي؛ حيث أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها ما ذكرناه من
ورود بيان قِران الحج والعمرة بالقول والفعل.
فبناء على المذهب الأول: يكون الواجب على القارن طوافاً
واحداً وسعيا واحداً، ويحمل فعله - صلى الله عليه وسلم - على الاستحباب، أو أنه واجب مختص به.
وبناء على المذهب الثاني: يكون الواجب على القارن طوافين
وسعيين.
وبناء على المذهب الثالث: يكون الواجب على القارن طوافين
وسعيين إن علمنا أن المتقدم هو: الفعل، أما إذا علمنا أن المتقدم هو
القول أو جهلنا المتقدم منهما فيكون الواجب على القارن طوافاً
وسعياً واحداً.
وبناء على المذهب الرابع: يكون الواجب على القارن من الأُمَّة
طوافا واحداً وسعيا واحداً، ويجب على الرسول - صلى الله عليه وسلم - طوافين وسعيين.
***
المسألة السادسة: هل يجب أن يكون البيان مساويا للمبيَّن،
أو يجوز أن يكون أدنى منه في القوة، أو لا بد أن يكون أقوى منه؟
اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أنه يجوز البيان بالأدنى والمساوي، كما يجوز
البيان بالأقوى مطلقاً، أي: سواء كان بيانا لمجمل أو لغيره.
(3/1259)

وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق عندي؛ لأن المبيِّن
أوضح من المبيَّن في الدلالة على المراد، فوجب العمل بالواضح وإن
كان أدنى من المبيّن أو مساويا له، أي: أن الإتيان بما يوضح المجمل
وإن كان أضعف منه من حيث الثبوت؛ لرجحانه بوضوح دلالته،
وكذلك العمل بمخصص العام ومقيد المطلق جمعا بين الدليلين.
المذهب الثاني: يجب أن يكون المبيّن أقوى من المبين أو مساويا
له، ولا يجوز أن يكون المبيّن أدنى من المبين، وذلك في بيان التغيير
- وهو التخصيص للعام -.
أما بيان التفسير - وهو بيان المجمل - فإنه يجوز فيه أن يكون المبيِّن
أدنى من المبيَّن.
وهو مذهب جمهور الحنفية وعلى رأسهم أبو الحسن الكرخي.
دليل هذا المذهب:
أما دليلهم في بيان التغيير، ففيه التفصيل التالي:
أما دليل قولهم: " يجب أن يكون البيان أقوى من المبين" فهو:
واضح؛ حيث إن البيان يكون راجحا على المبيّن، والعمل بالراجح
واجب.
أما دليل قولهم: " يجب أن يكون البيان مساويا للمبين "، فهو:
أن البيان بالأدنى فيه عمل بالمرجوح وترك الراجح، وذلك خلاف ما
يقتضيه العقل.
أما دليلهم في بيان التفسير فهو دليل الجمهور في المذهب الأول.
جوابه:
أن قولكم في بيان التغيير: " إن العمل بالأدنى فيه عمل بالمرجوح
(3/1260)

وترك الراجح " لا نسلمه؛ لأن العمل بالأدنى لا يلزم منه العمل
بالمرجوح، وترك الراجح، بل يلزم منه: العمل بالمبيِّن - وهو
الخاص - والعمل بما بقي بعد التخصيص - وهو المبيَّن: العام -
وهذا فيه جمع بين دليلين قد ثبتا، وهو أوْلى من العمل بدليل - وهو
المبئن وهو العام - وترك دليل آخر - وهو المبيّن وهو الخاص - وإن
كان أدنى فهو يسمى دليلاً.
تنبيه: بعض العلماء قد نسب هذا المذهب إلى أبي الحسن
الكرخي لوحده، وبعضهم حكاه بدون تفصيل بين بيان التفسير،
وبيان التغيير، وهذا سهو منهم، والحق ما ذكرته، وقد بينت ذلك
في " إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر ".
المذهب الثالث: يجب أن يكون المبيِّن أقوى من المبين، فلا يجوز
بالأدنى، ولا بالمساوي مطلقا، أي: سواء كان بيانا لمجمل أو لغيره
، وهو مذهب بعض المالكية كابن الحاجب.
دليل هذا المذهب:
أن البيان بالمساوي فيه ترجيح لأحد المتساويين على الآخر بدون
مرجح، وهو باطل، والبيان بالأدنى فيه عمل بالمرجوح وترك
للراجح، وهو باطل - أيضا - فتعئن البيان بالأقوى.
جوابه:
إن هذا يؤدي إلى العمل بأحد الدليلين دون الآخر؛ لأن المبين
المساوي أو الأدنى يُعتبر دليلاً من أدلة الشرع، فلا يجوز تركه بدون
عمل، لذلك يكون الأخذ بالدليل الذي هو أوضح في الدلالة على
(3/1261)

المراد، وتخصيص العام وتقييد المطلق حال المساواة في قوة الدلالة
أوْلى لما في ذلك من إعمال الدليلين؛ بخلاف مذهبكم.
المذهب الرابع: فيه تفصيل، بيانه:
إن كان بيانا لمجمل، فيجوز أن يكون أقوى أو مساوياً أو أدنى من
المبيَّن.
وإن كان بياناً لعام - بأن خصَّصه - أو بياناً لمطلق - بأن قيَّده -
فيجب أن يكون المبيّن أقوى من المبيَّن - وهو العام والمطلق -.
وهو مذهب الآمدي.
دليل هذا المذهب:
أما دليل بيان المجمل، وأنه يجوز كونه أقوى أو مساويا أو أدنى
فهو دليلنا في المذهب الأول - وهو دليل الجمهور -.
أما دليل بيان العام، وبيان المطلق، وأنه يجب أن يكون أقوى من
العام، والمطلق فهو: أن ترك العام والمطلق لا يكون بالمساوي؛ لأنه
يلزم منه ترجيح بلا مرجح، ولا يكون بالأدنى؛ لأنه يلزم منه العمل
بالمرجوح وترك الراجح، وكل منهما خلاف ما يقتضيه العقل،
فتعين البيان بالأقوئ.
جوابه:
إن تخصيص العام وتقييد المطلق حال المساواة في قوة الدلالة، أو
الأدنى أوْلى لما في ذلك من إعمال دليلين قد ثبتا، بخلاف التوقف
بين المتساويين؛ لأنه يلزم منه ترك العمل بدليلين قد ثبتا، وبخلاف
(3/1262)

القول بإلغاء البيان، فإن فيه العمل بأحد الدليلين دون الآخر مع أنه
ثابت شرعا.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي في هذه المسألة، حيث إنه قد ترتب على المذهب
الأول: جواز تخصيص وتقييد القطعي بالظني فيجوز تخصيص
عموم القرآن والسُّنَّة المتواترة ومطلقهما بالدليل الظني كخبر الواحد،
والقياس.
كما يجوز - بناء عليه - بيان المجمل القطعي بالظني كخبر الواحد
والقياس.
وترتب على المذهب الثاني: عدم جواز تخصيص وتقييد القطعي
بالظني، فلا يجوز تخصيص عموم القرآن والسُّنَّة المتواترة ومطلقهما
بالدليل الظني كخبر الواحد والقياس.
كما ترتب عليه - أيضا -: جواز بيان المجمل القطعي بالظني
كخبر الواحد والقياس.
وترتب على المذهب الثالث: عدم جواز تخصيص وتقييد القطعي
بالقطعي ولا بالظني، ولا يجوز تخصيص وتقييد الظني إلا بالقطعي
- فقط -.
وكذلك ترتب عليه - أيضا -: عدم جواز بيان المجمل القطعي
بالظني، فلا يُبين المجمل الظني إلا بالقطعي - فقط -.
وترتب على المذهب الرابع: مثل ما ترتب على المذهب الثالث
من حيث التخصيص والتقييد.
وترتب عليه - أيضا - مثل ما ترتب على المذهب الأول،
(3/1263)

والثاني من حيث المجمل، ففي هذا وقع الخلاف بين المذهب الثالث
والرابع.
***
المسألة السابعة: بيان أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة:
لقد اتفق العلماء على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة
إلى تنفيذ العمل - وهو وقت وجوب العمل بالخطاب -؛ لدليلين:
الدليل الأول: أن تأخير البيان عن وقت الحاجة يعتبر تكليفا بما لا
يطاق وهو: لا يجوز؛ حيث لا قدرة للمكلف - حينئذ - على
الامتثال.
الدليل الثاني: أن وقت الحاجة وقت للأداء، فإذا لم يكن مبينا
تعذر الأداء، فالبيان - إذن - ضرورة من الضروريات التي لا بد منها.
مثل ما لو قال: " حجوا هذا العام "، ثم إذا جاء وقت الحج
لم يبين لهم كيفية الحج وطريقته.
وقد حكى إجماع العلماء على عدم الجواز - هنا - كثير من
العلماء كابن السمعاني، والباجي، والغزالى، والسمرقندي،
وابن قدامة، وغيرهم.
تنبيه: يلزم على مذهب القائلين بجواز تكليف ما لا يطاق أن
يقولوا - هنا -: جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لأن هذه
المسألة فرد من أفراد جواز تكليف ما لا يطاق، فهنا وقع الخلاف،
ولكنه يصرف إلى الجواز العقلي، أما الوقوع فقد اتفق العلماء على
عدمه.
(3/1264)

المسألة الثامنة: هل يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى
وقت الحاجة - وهو وقت وجوب العمل بمقتضاه -؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت
الحاجة مطلقاً، أي: سواء كان المراد بيانه له ظاهر يُفهم ويُعمل به
كالعام والمطلق، أو ليس له ظاهر كالمجمل.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: العقل دلَّ على جواز تأخير البيان عن وقت
الخطاب إلى وقت الحاجة مطلقاً، بيانه:
أن هذا لا يترتب على فرض جوازه محال؛ لأن غاية ما في الأمر
هو: جهل المكلَّف بما كُلِّف به مدة من الزمن، وهذا ليس بمحال،
ولا يؤدي إلى المحال فهو إذن جائز.
الدليل الثاني: الوقوع، فقد وقع تأخير البيان عن وقت الخطاب
إلى وقت الحاجة في الشريعة، والوقوع دليل الجواز، وإليك بيان
المواضع التي وقع فيها ذلك من الكتاب والسُّنَّة:
الموضع الأول: قوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19) .
فإن معنى: (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ) : أنزلناه؛ لدلالة قوله: (فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) ،
حيث أمر اللَّه تعالى نبيه بالاتباع بفاء التعقيب،
ولا يتصور ذلك قبل الإنزال لعدم معرفته به، وإنما يكون بعد الإنزال
وإذا كان المراد بقوله: (قَرَأْنَاهُ) هو: الإنزال: فإن قوله:
(ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) يدل على تأخير البيان عن وقت الإنزال؛ لأن " ثم "
للمهلة والتراخي.
(3/1265)

اعتراض على ذلك:
قال قائل - معترضا -: إن المراد بالبيان المذكور في الآية: البيان
التفصيلي، وتراخي البيان التفصيلي عن وقت الخطاب مسلم لا نزاع
فيه، إنما النزاع في البيان الإجمالي.
جوابه -:
إن تقييد البيان المذكور في الآية بالبيان التفصيلي تقييد بلا دليل،
حيث ذكر البيان مطلقا، ولم يوجد ما يقتضي تقييده.
الموضع الثاني: أن اللَّه تعالى أمر بني إسرائيل بذبح بقرة؛ حيث
قال: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) ،
فالله أمر بذبح بقرة معينة - غير منكرة -، ولكنه لم يعينها ويفصل في
صفاتها إلا بعد أن سألوا عدة أسئلة متكررة، ودل على كون المأمور
به معينا أمران:
أولهما: أن بني إسرائيل سالوا تعيينها، حيث قال تعالى - عنهم -:
(ادع لنا ربك يبين لنا ما هي) ، وقوله: (ما لونها)
ولو كانت منكرة لما احتيج إلى ذلك؛ لأنه بإمكانهم الخروج عن
العهدة بأي بقرة كانت.
ثانيهما: تعيين اللَّه للبقرة المطلوبة ووصفها بقوله:
(إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين) ،
وقوله: (إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان) ، والضمير في ذلك يصرف إلى ما أمروا به وجوبا، فهذا يدل على أن البقرة معينة، فثبت: أنه أخر بيان
أوصاف البقرة المأمور بذبحها إلى وقت الحاجة؛ حيث إن البيان تأخر
عن وقت الخطاب؛ فإنه لم يقترن بالخطاب بيان تفصيلي ولا إجمالي.
(3/1266)

اعتراض على ذلك:
قال قائل - معترضا -: لا نُسَلِّمُ التمسك بهذه الآية؛ لأنه يلزم
منه جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ وذلك لأن بني إسرائيل عند
الخطاب بهذه الآية كانوا محتاجين إلى البيان وهو باطل.
جوابه:
لا نسلم أن الآية تقتضي جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لأن
الأمر يقتضي عدم الفور، وإنما يلزم ذلك لو كان الأمر مقتضيا
للفور.
اعتراض آخر:
قال قائل - معترضا -: إنا لا نُسَلِّمُ أن البقرة كانت معينة؛ لأنها
لو كانت معينة لما عنفهم اللَّه تعالى على السؤال عنها، لكنه عنفهم
بقوله: (فذبحوها وما كادوا يفعلون) .
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أنه عنفهم على السؤال، بل على التواني
والتقصير في الذبح بعد البيان.
الجواب الثاني: أنها لو كانت غير معينة لكان بإمكانهم الخروج
عن العهدة بأي بقرة كانت.
الموضع الثالث: قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) ، وقوله: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) ، وقوله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) ،
ثم جاء بيان ذلك في السُّنَّة: فأخَّر بيان أفعال الصلاة وأوقاتها حتى بيَّن
ذلك جبريل عليه السلام للنبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: " يا محمد، هذا وقت
(3/1267)

الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين "، ثم بيَّن
الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأُمَّته، فقال: " صلوا كما رأيتموني أصلي ".
وكذلك في قوله: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - مقدار الواجب وصفته في الذهب والفضة، والمواشي، والعقارات،
والثمار، والزروع شيئاً فشيئاً.
وكذلك الحج، فقد بيَّن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أفعال الحج وطريقته - بعد نزول آية الحج - وقال: " خذوا عني مناسككم ".
الموضع الرابع: قوله تعالى: (وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم) ،
وهذا عام، ثم ورد بعد ذلك تخصيصه بقوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى) ، وجميع الأعذار الشرعية قد خصصت هذا العموم.
الموضع الخامس: قوله تعالى: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ) ، وهو عام يشمل كل معبود، فقد
قال ابن الرثعْرَى: لأخصمن محمداً، فجاء إلى - صلى الله عليه وسلم - وقال: "أليس قد عبدت الملائكة، أليس قد عبد المسيح، أليس قد عبد عزير، فينبغي أن يكون هؤلاء حصب جهنم، فتوقف النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجواب "
ثم أنزل قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ) ، فخصصت بذلك الآية الأولى، فثبت بذلك تأخير بيان
العام الذي أريد به الخاص، وهو تأخير البيان عن وقت الخطاب.
الموضع السادس: قوله تعالى: (واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى) ، ثم بيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ذلك
التقسيم بعد سلب القاتل، وأن المقصود بذي القربى هم: بنو هاشم،
وبنو المطلب، وأن بني أمية، وبني نوفل، وبني عبد شمس
(3/1268)

غير داخلين في ذوي القربى، فلما سئل عن ذلك قال: " أنا وبنو
المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام، ولم نزل هكذا "، وشبك
بين أصابعه.
فثبت أن قوله: " ولذي القربى " لم يبين إلا عند وقت الحاجة،
فدل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة.
الموضع السابع: قوله تعالى - لنوح عليه السلام -:
(احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) ، ففهم
نوح - عليه السلام - أن ابنه من أهله، لكن لما أدرك ابن نوح الغرق
ورآه نوح - عليه السلام - خاطب ربه قائلاً: (إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق) ، فبيََّن اللَّه تعالى أنه عمل غير صالح، فهنا لم يبين الشارع ذلك وقت الخطاب، بل أخَّره إلى وقت الحاجة.
الموضع الثامن: قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) ، ثم خصَّص ذلك بعده بقوله: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) .
الموضع التاسع: قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) ، ثم ورد
تخصيصه بقوله عليه السلام: " أحل لنا ميتتان ودمان ".
والأمثلة على وقوع تأخير البيان من وقت الخطاب إلى وقت الحاجة
في الشريعة كثيرة جداً تكاد لا تحصى، ولا سبيل إلى إنكاره، وإن
اعترض بعضهم على بعض الأمثلة والاستشهادات؛ نظراً لتطرق
الاحتمال إليه بتقدير اقتران البيان به، فإنه لا يمكن أن يتطرق ذلك
إلى جميع الأمثلة، وبالتالي لا يمكن إنكارها كلها،؛ من ادعى ذلك
فهو معاند ومكابر، والمعاند والمكابر لا يعتد بقوله.
الدليل الثالث: القياس على النسخ، بيان ذلك:
(3/1269)

أن النسخ بيان وتخصيص في الأزمان، وهذا بيان في الأعيان،
والنسخ يجوز تأخيره باتفاق العلماء، بل هو واقع فيه.
وعلى هذا: يجوز أن يرد لفظ يدل على تكرار الفعل على الدوام
ثم ينسخ ويقطع الحكم بعد حصول ذلك الاعتقاد بلزوم الفعل على
الدوام.
وورود بيان نسخ الحكم بعد اعتقاد دوامه واقع لا شك فيه - كما
سبق في النسخ - فإذا كان هذا جائزاً فإنه يجوز تأخير البيان مطلقا،
ولا فرق.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز تأخير البيان من وقت الخطاب إلى
وقت الحاجة مطلقا، أي: سواء كان المراد بيانه له ظاهر يفهم
ويعمل كالعام والمجمل، أو ليس له ظاهر كالمجمل إلا النسخ
- فقط - فيجوز فيه ذلك.
وهو مذهب بعض الحنفية، وبعض الشافعية - ونسب إلى
الصيرفي منهم -.
وهو مذهب جمهور الظاهرية، وجمهور المعتزلة، وبعض
المالكية، وبعض الحنابلة كغلام الخلال - عبد العزيز بن جعفر -
وأبي الحسن التميمي.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أنه يراد بالخطابات تفهيم السامع للمطلوب فيها
لكي يعمل بها، وهذه هي فائدتها، والخطاب بالمجمل بدون
توضيحه وبيانه خطاب بما لا يفهم، والخطاب بما لا يفهم لا فائدة
فيه، وما لا فائدة فيه يكون وجوده كعدمه، وهذا هو العبث الذي
يتنزه الله عن الكلام به.
(3/1270)

جوابه:
لا نسلم عدم وجود الفائدة من الخطاب بالمجمل، حيث توجد
فائدة في الخطاب به، وهي: معرفة أن هناك أمراً أو نهياً في الشريعة؛
ليعرف بذلك المكلف العازم على امتثال الأمر الذي ورد في هذا
الخطاب المجمل، والمكلف العازم على ترك المنهي عنه الوارد في
المجمل إذا بُين له، فالمكلف العازم على الفعل في حالة الأمر،
والعازم على الترك في حالة النهي - بعد البيان - يستحق الثواب،
ويسقط عنه العقاب.
فمثلاً: قوله تعالى: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) خطاب مجمل.
ومع ذلك فقد خاطبنا به الشارع؛ لوجود الفائدة فيه؛ حيث إننا
عرفنا بهذا الخطاب ما يلي:
1 - وجوب إيتاء حق الزرع،
2 - وقت دفع زكاة الزروع،
3 - أنه حق المال، فهنا المكلَّف يمكنه أن يعزم
فيه على الامتثال، والاستعداد لذلك فيثاب على ذلك، ولو عزم
على ترك إلامتثال لكان عاصيا.
وكذلك قوله تعالى: (أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح) ، فإن
هذا مجمل، ومع ذلك فإن فيه فائدة، وهي: أن يعرف المكلَّف
إمكان سقوط المهر بين الزوج والولي.
وكذلك قوله تعالى: (يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) ، فهو
مجمل، ومع ذلك ففيه فائدة وهي: أن يُعرف أن المطلقة تجب عليها
عدة بعد زوجها الأول، فكل هذا لا يخلو عن أصل الفائدة، وإنما
يخلو عن كمالها، وذلك غير بعيد، بل واقع في الشريعة.
الدليل الثاني: قياس الخطاب بالمجمل بالخطاب بلفظ " أبجد هوز "،
وهو يريد به وجوب الصلاة: فكما لا يجوز الخطاب
(3/1271)

بأبجد هوز، فكذلك لا يجوز الخطاب بالمجمل بجامع: عدم
الفائدة في كل منهما.
جوابه:
إن هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الخطاب
بالمجمل فيه فائدة وهو: قيام المكلف بالعزم على الفعل الذي سيبين
- فيما بعد -، واستعداده لذلك، فلا يضر تأخير تفصيل البيان إلى
وقت الحاجة.
أما الخطاب بلفظ: " أبجد هوز "، وهو يريد وجوب الصلاة فلا
يفيد شيئاً؛ لأنه تغيير للوضع، وقلب لحقائق الأمور، فافترقا.
الدليل الثالث: أنه اتفق على أنه لا يجوز أن يخاطب الأعجمي
بالعربية - لمن لا يفهمها - وسبب ذلك: أن الأعجمي لا يفهم لغة
العرب، فهو لم يسمع إلا اللفظ، دون معناه.
فكذلك خطابه بالمجمل، دون بيانه لا يجوز؛ لأنه خطاب بما لا
يفهم، وإذا كان الأمر كذلك فلا يجوز تأخير بيانه إلى وقت الحاجة.
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أن قياسكم الخطاب بالمجمل على خطاب
الأعجمي بالعربية قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لما ذكرناه
سابقاً وهو: أن الخطاب بالمجمل يفيد قيام المكلَّف بالعزم على الفعل
إذا بيَّن له تفاصيله، ويستعد لذلك، فلا يضر تأخيره.
بخلاف خطاب الأعجمي بالعربية لمن لا يفهمها، فإنه لا يفيد
شيئا أصلاً.
(3/1272)

الجواب الثاني: أنه لا يمتنع مخاطبة الأعجمي بالعربية؛ قياساً
على مخاطبة المعدوم، بيان ذلك:
أنا جوزنا كون المعدوم مخاطبا بالتكاليف الشرعية، وذلك على
تقدير الوجود، أي: أنه مأمور بها إذا وجد وتوفرت فيه شروط
المكلَّف - كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه تعالى - فإذا كان هذا جائزاً،
فمن باب أَوْلى جواز مخاطبة - صلى الله عليه وسلم - لجميع أهل الأرض من
العرب والعجم، ويشعرهم اشتمال هذا القرآن على أوامر يعرفهم بها
المترجم، فكما جاز أمر المعدوم على تقدير وجوده وتوفر شرط
التكليف، كذلك يجوز أمر الأعجمي بالعربية على تقدير وجود المبيِّن
له، وهو: المترجم.
الدليل الرابع: أنه لا خلاف في أنه لو قال: " في خمس من
الإبل شاة "، وأراد به خمساً من الغنم أو البقر، فإنه لا يجوز
ذلك؛ لأنه تجهيل في الحال، وإيهام الخلاف المراد، فكذلك قوله
تعالى: (فاقتلوا المشركين) يوهم قتل كل مشرك، فإذا لم يُبين أنه
مخصص فهو تجهيل في الحال، وكذلك لو قال: " له عليّ عشرة "
وأراد بالعشرة سبعة فإنه لا يجوز؛ لأنه تجهيل، وإن كان ذلك جائزاً
إن اتصل الاستثناء به بأن يقول: " له عليّ عشرة إلا ثلاثة "،
وكذلك العموم قد وضع للاستغراق، فلا يجوز إرادة الخصوص به
إلا بشرط وجود قرينة متصلة مبينة لذلك، فأما إرادة الخصوص بدون
قرينة فهو تغيير للوضع.
جوابه:
إن ما ذكرتم صحيح لو كان العام نصا في إفادته للاستغراق،
أي: لو كانت دلالة العام قطعية لكان ما ذكرتم صوابا، ولكن ليس
(3/1273)

الأمر كذلك عند جمهور العلماء؛ لأن دلالة العام ظنية، حيث إن
صيغ العموم تفيد العموم والخصوص، لكن إفادتها للعموم أرجح
- كما سيأتي بيانه والاستدلال عليه في باب العموم -.
وبناء على ذلك: فيجب على المكلََّف العمل باللفظ العام على
عمومه إن تجرد عن القرينة المخصصة، وهو - في نفس الوقت -
يحتمل أن يراد منه الخصوص، وينتظر أن ينبه على الدليل المخصص.
أما إذا أراد بالعشرة: سبعة، وأراد بالإبل: البقر، ونحو ذلك،
فهذا ليس من كلام العرب، وهو تغيير للوضع، وقلب لحقائق
اللغة.
المذهب الثالث: التفصيل بين المجمل، والعام، والمطلق:
فيجوز تأخير بيان المجمل، ولا يجوز تأخير بيان العام والمطلق.
وهو مذهب أبي الحسن الكرخي، واختاره الدقاق من الشافعية
وأبو الحسين البصري.
دليل هذا المذهب:
أن اللفظ العام يجب حمله على الحقيقة؛ فإذا ورد لفظ عام،
فإنه يجب أن نعتقد العموم فيه، أما إذا ورد لفظ عام أريد به
الخصوص ولم يبين مراده في ذلك، فإنه لا يجوز تأخير بيانه عق
وقت الخطاب به؛ لأن ذلك يؤدي إلى القول بلزوم اعتقاد الشيء
على خلاف ما هو عليه، ويفضي إلى ثبوت حكم في صورة غير
مرادة - أصلاً - ولذا فلا يجوز تأخير بيان مثل هذا العموم لئلا يلزم
منه ما ذكرناه؛ بخلاف المجمل؛ حيث إن المجمل لا يفهم منه معنى
معين؛ لأن معانيه متساوية في الفهم، ولا يرجح أحدهما على الآخر
إلا بقرينة.
(3/1274)

جوابه:
إن ذلك يبطل بالنسخ؛ لأن ما ذكرتموه موجود فيه، فالسامع
يعتقد استمراره وعمومه، وهو اعتقاد جهل، كما أن له أن يخبر
عنه، وقد جوزنا تأخيره، على أنه عندنا يعتقد عموم اللفظ العام
بشرط عدم وجود ما يخصصه، وإذا ورد التخصيص علمنا أن
المخصوص لم يدخل في العموم.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف - هنا - معنوي قد أثر في مسائل، منها ما يلي:
1 - هل يجوز تأخير تبليغ الأحكام؟
فمن أجاز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة أجاز
للرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يؤخر التبليغ لما أوحي إليه من قرآن أو غيره إلى وقت الحاجة إليه.
ومن منع جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة:
قال: لا يجوز للرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يؤخر التبليغ - وستأتي هذه المسألة.
2 - إذا عثر الفقيه على عموم القرآن، ثم عثر على خبر واحد
يرفع بعض ذلك العموم، وعرف أن الآية متقدمة على الخبر، فهل
يكون الخبر نسخاً للآية أو تخصيصا مثل: قوله تعالى:
(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى)
فإنها نزلت في غزوة بدر، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة حنين: " من قتل قتيلاً فله سلبه ".
فمن أجار تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة: قال
بأن الخبر مخصص فيلزم الأخذ به.
(3/1275)

ومن منع جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب: قال بأن الخبر
يكون ناسخاً للآية، فلا يجوز الأخذ به، لأن خبر الواحد لا ينسخ
القرآن.
***
المسألة التاسعة: هل يجوز تأخير تبليغ الأحكام من وقت
نزولها إلى وقت الحاجة إليها؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أنه يجوز تأخير تبليغ الأحكام من وقت نزولها
إلى وقت الحاجة إليها.
وهو مذهب الجمهور.
وهو الحق، لما قلناه في المسألة السابقة وهو: جواز تأخير البيان
من وقت الخطاب إلى وقت الحاجة مطلقا، حيث لا يترتب على
فرض جوازه محال، وقد سبق بيانه.
المذهب الثاني: لا يجوز تأخير تبليغ الأحكام من وقت نزولها إلى
وقت الحاجة إليها، وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك) .
وجه الدلالة: أن اللَّه أمر بتبليغ كل الأحكام، والأمر المطلق
يقتضي الفور، فيكون تأخير تبليغ الأحكام يؤدي إلى مخالفة الأمر
بالتبليغ، ومخالفة الأمر لا يجوز، فيكون تأخير التبليغ غير جائز.
(3/1276)

جوابه:
نسلم لكم أن الأمر يقتضي الفور، ولكن توجد قرينة صرفته من
إفادته للفور إلى كونه مفيداً للتراخي، وهي: العقل؛ حيث إن
العقل دلَّ على جواز تأخير تبليغ الأحكام إلى وقت الحاجة؛ حيث
لا يترتب على فرض جواز تأخيره ولا وقوعه محال؛ لأن كل ما في
الأمر هو: جهل المكلََّف بما كُلِّف به مدة من الزمن، وهذا ليس
بمحال، ولا يؤدي إلى المحال، فهو جائز.
المذهب الثالث: لا يجوز تأخير تبليغ القرآن، أما السُّنَّة فيجوز
تأخير تبليغها، وهو مذهب فخر الدين الرازي، والآمدي.
دليل هذا المذهب:
إن القرآن هو الذي يطلق عليه القول بأنه منزل على الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
جوابه:
أنا لا نسلِّم التفريق بين القرآن والسُّنَّة؛ لأن كلًّا من القرآن
والسُّنَّة يطلق عليهما بأنهما منزلان، وعلى هذا فإذا كان القرآن يجب
تبليغه فوراً، فكذلك بقية الأحكام الواردة في السُّنَّة؛ إذ لا فرق.
وإذا وجب التبليغ لي جميع الأحكام فوراً، فإن هذا يكون إذا ورد
الأمر مطلقاً، ولكن العقل هو الذي قيده؛ حيث دلَّ العقل على
جواز تأخير التبليغ - كما قلنا سابقاً -.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف لفظي؛ لأن الخلاف في هذه المسألة راجع إلى الخلاف في
المسألة السابقة: فمن أجاز هناك تأخير البيان عن وقت الخطاب،
أجاز هنا، ومن منع: منع هنا.
(3/1277)

الفصل العاشر في حروف المعاني
وهي حروف يحتاج إليها؛ لأن معرفتها مهمة لسلامة استنباط
الأحكام الشرعية من الأدلة؛ حيث إن كثيراً من مسائل الفقه يتوقف
فهمها على فهم معنى الحرف ومدلوله.
وهذه الحروف التي سنذكرها ليست كلها من قبيل الحروف، بل
بعضها من قبيل الأسماء والظروف، لكن أطلقوا عليها حروف المعاني
تغليباً، أو تشبيهاً لها بالحروف في البناء وعدم الاستقلال، وحروف
المعاني كثيرة، ولكني سأذكر ما تمس الحاجة إليه، وما وقع في تفسيرها
بعض الخلاف في الباحث التالية:
المبحث الأول: في " الواو ".
المبحث الثاني: في " الفاء ".
المبحث الثالث: في " ثم ".
المبحث الرابع: في " أو ".
المبحث الخامس: " في الباء ".
المبحث السادس: " في " اللام ".
المبحث السابع: في " في "
المبحث الثامن: في " مِنْ ".
(3/1279)

المبحث الأول
في " الواو "
حرف الواو تأتي للمعاني التالية:
أولاً: أنها تأتي عاطفة:
واتفق على أنها تفيد الجمع.
ولكن اختلف العلماء هل تفيد الترتيب والمعية مع كونها تفيد
الجمع على مذاهب:
المذهب الأول: أنها لمطلق الجمع من غير إشعار بخصوصية المعية
أو الترتيب، أي: أن الواو تدل على جمع المعطوف والمعطوف عليه
في حكم واحد من غير ملاحظة حصولهما معا، أو أن أحدهما قبل
الآخر، فإذا وجد ترتيب أو معية، فإنما هو من خارج دلالة الواو.
وهو مذهب أكثر أهل اللغة، وأكثر علماء الشريعة.
وهو الحق، للأدلة التالية:
الدليل الأول: أن أهل اللغة يستعملون الواو في أبنية يمتنع فيها
الترتيب مثل قولهم: " تقاتل زيد وعمرو "، فلو كانت للترتيب لما
حسن هذا؛ حيث لا ترتيب فيه؛ حيث إن المفاعلة إنما تصح عند
صدور الفعلين دفعة واحدة، وكذلك قولهم: " جاء زيد وعمرو
قجله "، فلو كانت " الواو " للترتيب: للزم التناقض؛ لأن قوله:
"قبله " يقتضي تقديم مجيء عمرو، والواو تقتضي تأخيره، وإذا
(3/1281)

استعملوه فيما يمتنع فيه الترتيب وجب أن يكون حقيقة في غير
الترتيب؛ لأنها الأصل في الإطلاق، وإذا كان حقيقة في غير الترتيب:
وجب أن لا يكون حقيقة في الترتيب؛ دفعا للاشتراك.
الدليل الثاني: قوله عليه الصلاة والسلام: " لا تقولوا ما شاء
الله وشاء فلان قولوا: ما شاء اللَّه ثم شاء فلان "، فلو كانت الواو
للترتيب لما نهاه عن العطف بها، وأمرهم أن يأتوا بلفظ " ثم "،
وهذا بدل على أن الواو لمطلق الجمع.
الدليل الثالث: الاستقراء دلَّ على أن الواو لمطلق الجمع، بيانه:
أنه بعد الاستقراء وتتبع كلام العرب والقرآن والسُّنَّة وجدنا أنها لا
تأتي للمعية، ولا للترتيب، من ذلك قوله تعالى:
(وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة) ، وقوله:
(وقولوا حطة وادخلوا الباب سجداً) ، فإن هاتين الآيتين وردتا في سورة واحدة وفي قصة واحدة فلو كانت الواو للترتيب لوقع تناقض بين الآيتين؛ لما فيه من جعل المتقدم متأخراً، والمتأخر متقدما.
الدليل الرابع: أنه احتج المبرد بقول حسان بن ثابت:
وما زال في الإسلام من آل هاشم ... دعائم عز لا ترام ومفخر
بها ليل منهم جعفر وابن أمه ... . علي ومنهم أحمد المتخير
فلو كانت الواو للترتيب لما قدم جعفر وعليا على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الدليل الخامس: قوله تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا)
(3/1282)

فقدم عيسى على أيوب ويونس، ومعلوم أنهما كانا قبله، وكذلك
قدم سليمان على داود، وقد أوحي إليه قبله، فلو كانت الواو
للترتيب لما كان هذا.
الدليل السادس: أنه لو قال: " رأيت زيداً وعمراً "، فإنه يسبق
إلى الفهم السامع أنه رآهما معا، ولا يسبق إلى الفهم أنه رأى زيداً
قبل عمرو، وسبق الفهم يدل على الحقيقة، إذن الواو لا تكون
للترتيب حقيقة.
الدليل السابع: أن أهل اللغة قد فرقوا بين قولنا: " جاء زيد
وعمرو "، وقولنا: " جاء زيد ثم عمرو "، فلو كانت الواو
للترتيب لما كان بينهما فرق.
المذهب الثاني: أنها للجمع بقيد الترتيب، فإذا قال: " جاء زيد
وعمرو " دلَّ على أن مجيء زيد قبل مجيء عمرو، وهو مذهب
بعض أهل اللغة، وبعض الشافعية والحنفية والحنابلة.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما خرج إلى السعي قرأ قوله تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله) ، ثم قال: " ونبدأ بما بدأ الله
به "، فرتب النبي - صلى الله عليه وسلم - الفعل على ما اقتضاه اللفظ، وهذا يدل على أن الواو للترتيب.
جوابه:
إنه على تقدير صحة الحديث: فإن الجواب واضح؛ إذ لو كانت
الواو للترتيب لفهم الصحابة مدلولها، ولما احتاجوا إلى سؤال النبي
- صلى الله عليه وسلم -، حيث إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقل ما قاله إلا بعد سؤال سائل.
(3/1283)

الدليل الثاني: أنه لما قال سُحيم عبد بني الحسحاس:
عميرة ودع إن تجهزت غازياً ... كفى الشبيب والإسلام ناهيا
قال له عمر بن الخطاب - رضي اللَّه عنه -: لو قدمت الإسلام
على الشبيب لأجزتك.
وجه الدلالة: أنه لو لم تكن الواو للترتيب لما أنكر عمر ذلك -
وهو من أهل اللسان - فدل ذلك على أن الواو للترتيب.
جوابه:
إن هذا الإنكار إنما كان على وجه الأدب في تقديم الأهم في
الذكر، لا لأن الواو تقتضي الترتيب؛ جمعا بين الأدلة.
المذهب الئالث: أنها للجمع بقيد المعية، وهو مذهب بعض
المالكية والحنابلة.
دليل هذا المذهب: الوقوع؛ حيث وقع أن " الواو " قد جاءت
بمعنى " مع " في كلام العرب، من ذلك قول أبي الأسود الدؤلي:
لا تنه عن خلق وتأتي بمثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
وقوله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) .
فإن الواو - هنا - قد استعملت بمعنى " مع "، والاستعمال دليل
الحقيقة.
جوابه:
إن استعمال " الواو " في غير المعية أكثر، والكثرة يرجح بها،
فتكون " الواو " لغير المعية، ولا تستعمل للمعية إلا بقرينة، وقد
حصل هنا، فقد استعملت للمعية بقرينة، ولا نزاع عند دلالة
القرينة.
(3/1284)

بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ حيث تأثر بهذا الخلاف كثير من مسائل الفقه،
ومنها: أنه لو قال لزوجته: " إن دخلت الدار وكلمت زيداً فأنت
طالق ".
فيلزم على المذهب الأول: أنه لا يقع الطلاق حتى تدخل وتكلم،
ولا فرق في أيهما المقدم؛ لأن الواو لمطلق الجمع، وهو مذهب
الشافعية والحنابلة، وهو الصحيح.
ويلزم على المذهب الثاني: أنها لا تطلق إلا إذا قدمت الدخول
على الكلام؛ لأن الواو للترتيب.
ويلزم على المذهب الثالث أنها لا تطلق إلا إذا كانت تكلم زيداً
أثناء دخولها؛ لأن الواو للمعية.
ثانيا: أن الواو تأتي بمعنى " مع "، وتسمى؛ واو المفعول معه
مثل: " سرت والليل "، ويكون ما بعدها منصوبا.
ثالثا: تأتي الواو بمعنى " أو " كقوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) ، وقوله: (أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع)
رابعا: تأتي " الواو " للاستئناف، كقوله تعالى: (ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده) ، وقوله: (هل تعلم له سميا ويقول الإنسان) ،
وقوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به) ، وقد سبق بيانه في المحكم والمتشابه.
خامسا: تأتي الواو بمعنى " رب " كقول الشاعر: جران العود:
وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس
(3/1285)

أي: رب بلدة.
سادسا: تأتي الواو للقسم مثل قوله تعالى: (والفجر وليال عشر) .
سابعا: تأتي الواو بمعنى الحال مثل: " جاء زيد وهو يضحك،.
ثامناً: تأتي الواو بمعنى " إذْ " مثل قوله تعالى: (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا) إلى قوله: (وطائفة قد أهمتهم أنفسهم)
أي: إذ طائفة قد أهمتهم أنفسهم.
والواو عند التجرد تكون للعطف المتضمن مطلق الجمع كما قلنا
في الأول، ولا تستعمل في غير ذلك من المعاني إلا بقرينة.
(3/1286)

المبحث الثاني حرف " الفاء "
تأتي للمعاني التالية:
أولاً: أنها تأتي عاطفة، واختلف في كونها للترتيب والتعقيب
على مذاهب:
المذهب الأول: أنها تأتي للترتيب، والتعقيب، وهو مذهب
جمهور العلماء.
وهو الحق؛ حيث إن " الفاء " تفيد أن ما بعدها ثبت له الحكم
بعد ثبوته لما قبلها من غير مهلة، فإذا قلت: " جاء زيد فعمرو ":
أفاد هذا أن عمراً ثبت له المجيء بعد زيد من غير تراخ بينهما في
الزمن.
والترتيب إما أن يكون في الزمان مثل: قوله تعالى: (خلقك فسواك) ، وقولك: " ضربته فهلك ".
وإما أن يكون الترتيب في الذكر، وهو عطف مفصل على مجمل
كقوله تعالى: (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) ،
وقوله: (فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً) ،
وقوله: (فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ) ، وكقولك: " أعطى
فأجزل "، وقولك: " خطب فأحسن "، وهذا الوقوع دليل على
أنها للترتيب.
(3/1287)

وأما الدليل على أنها للتعقيب فهو وقوعها في جواب الشرط مثل
قولك.: " إن دخلت الدار فأنت طالق " فالجواب - وهو الطلاق -
يلي الشرط عقبه بلا مهلة.
المذهب الثاني: أن " الفاء " لا تدل على الترتيب.
وهو محكي عن الفراء.
دليل هذا المذهب:
قوله تعالى: (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ) .
وجه الدلالة: أن مجيء الباس إنما يكون قبل الهلاك، فهذا يدل
على أن " الفاء " تأتي وهي لا تدل على الترتيب، وكذلك قوله
تعالى: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله) .
جوابه:
إن في الكلام حذفاً تقديره: " أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا "،
ومثله الآية الأخرى، ولا شك أن إرادة الإهلاك سابقة على مجيء
البأس، ولا شك أن إرادة قراءة القرآن سابقة على قراءته، فتكون
الفاء في النصين على أصلها من الترتيب والتعقيب.
المذهب الثالث: أن الفاء لا تدل على التعقيب.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
قوله تعالى: (قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ) .
(3/1288)

وجه الدلالة: أن افتراء الكذب يكون في الدنيا، والإسحات
بالعذاب أي: الاستئصال به يكون في الآخرة، وبينهما تراخ في
الزمن، إذن: " الفاء " لا تكون للتعقيب.
جوابه:
إن الفاء في هذه الآية للتعقيب، وقد حصل لهم ذلك الإسحات
في الدنيا، بيان ذلك: لا تختلفوا على الله كذبا فيستأصلكم
ويهلككم هلاكا لا بقية فيه، فالافتراء والعذاب كلاهما في الدنيا؛
لأن الاستئصال لا يكون في الآخرة، فتعقيب الافتراء بالاستئصال
متحقق في الدنيا مباشرة لمن لم يرجع منهم عن غيه، وقد حصل
ذلك لفرعون وقومه.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي، حيث أثر ذلك في بعض الفروع الفقهية ومنها:
1 - هل تجب استتابة المرتد؟
يلزم على المذهب الأول - وهو: أن الفاء للترتيب والتعقيب -:
أنه لا تجب استتابة المرتد؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"من بدل دينه فاقتلوه "،
فالفاء - هنا - للتعقيب بلا مهلة، وهي تقتضي الترتيب باتصال.
ويلزم على المذهب الثالث - وهو: أن الفاء لا تدل على
التعقيب -: أنه تجب الاستتابة؛ لأن الفاء ليست للتعقيب.
2 - لو قال: " إن دخلت هذه الدار فدخلت هذه الدار الأخرى
فأنت طالق "، فإنه يلزم على المذهب الأول: أنها لا تطلق حتى
تدخل الدار الأولى قبل الثانية، فلو عكست لم تطلق؛ لأن الفاء
للترتيب.
(3/1289)

ويلزم على المذهب الثاني: أنها تطلق إذا دخلت الدار الثانية قبل
الأولى؛ لأن الفاء ليست للترتيب.
ثانيا: وتأتي " الفاء " بمعنى " الواو " مثل قول امرئ القيس:
بسقط اللوى بين الدخول فحومل
و" الفاء " عند التجرد تستعمل حقيقة في العطف والترتيب
والتعقيب، ولا تستعمل في غيره إلا بقرينة.
(3/1290)

المبحث الثالث حرف " ثُمَّ " بضم الثاء وفتح الميم مع تشديدها
وهي تفيد التشريك في الحكم بين المعطوف والمعطوف عليه،
والترتيب بينهما بمهملة وتراخ فتقول: " جاء زيد ثم عمرو "، فأفاد
هذا: اشتراك زيد وعمرو في المجيء، والترتيب بحيث كان مجيء
عمرو بعد مجيء زيد، ومجيء عمر يكون متأخراً عن مجيء زيد.
والدليل على أنها للتشريك، والترتيب بمهملة: الاستقراء والتتبع
لكلام العرب، والنقل والاستعمال، كقوله تعالى: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) ، وقوله: (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (52) .
قال بعض العلماء: إنها لا تكون للترتيب، بدليل ورودها في
بعض النصوص وهي لا تفيده، كقوله تعالى: (خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها) ، حيث إن الجعل قبل خلقنا، وكقول
أبي نواس:
إن من ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد ساد قبل ذلك جده
جوابه:
إن هذا ورد مجازاً بقرينة السياق.
وقال فريق آخر من العلماء: إنها لا تكون للمهلة بين المعطوفين
- وحكي عن الفراء - بدليل قولك: " أعجبني ما صنعت اليوم ثم
ما صنعت أمس أعجب "، وكقول أبي داود جارية بن الحجاج:
(3/1291)

كهز الرديني تحت العجاج ... جرى في الأنابيب ثم اضطرب
فالاضطراب يأتي بعد الهز مباشرة بدون تراخ.
جوابه:
إن هذا خارج عن القاعدة، وهو مجاز.
والحق هو ما قلناه وهو أن " ثم " العاطفة للتشريك، والترتيب
بمهلة، ويبنى على ذلك أحكاماً شرعية منها:
1 - إذا قال: " أنت طالق ثم طالق ثم طالق "، فإنها تقع
واحدة.
ولا يقع ما بعدها؛ لأنها بانت بالأولى، فلا تصادف الثانية
والثالثة محلاً؛ حيث إن " ثم " للترتيب، وهذا بخلاف " الواو ".
2 - إذا قال: " وقفت على أولادي ثم على أولادهم "، فإنه لا
يستحق أحد من البطن الثاني مع وجود أحد من البطن الأول.
3 - أنه يشترط الترتيب في أعضاء التيمم؛ حيث ورد في صفته:
" ثم ضرب بشماله على يمينه، وبيمينه على شماله - على الكفين -
ثم مسح وجهه ".
(3/1292)

المبحث الرابع حرف " أوْ " - بفتح الهمزة وتسكين الواو -
وهي تفيد أحد الشيئين أو الأشياء.
وهي تقع بين اسمين كقولك: " جاء زيد أو عمرو "، وبين
فعلين كقولك: " خط الثوب أو ابن الجدار ".
وإذا وردت في الإنشاء كالمثال السابق ففيه تفصيل:
إن كان أمراً: أفادت التخيير بينهما، وتحافظ على أصلها فتكون
لأحد الشيئين أو الأشياء.
وإن كان نهيا أو نفيا: أفادت العموم، وأفادت حظر كل واحد
منهما منفرداً، وحظرهما مجتمعين قولك: دالا تكلم زيداً أو عمراً،.
وما قلناه - وهو أنها لأحد الشيئين أو الأشياء - هو الأصل في
استعمالها، وقد تستعمل لغير ذلك، ولكن بقرينة، وإليك بيان
المعاني التي تستعمل فيه " أو ".
أولاً: أنها تأتي للشك، وهي المختصة بالخبر كقولك: " جاء
زيد أو عمرو "، ومنه قوله تعالى: (لبثنا يوما أو بعض يوم) ،
وهذا مذهب جمهور العلماء، ودليلهم: الاستقراء لكلام العرب.
وحالف في ذلك كثير من الحنفية مستدلين بأن الكلام موضوع
لإفهام السامع، وهو منتف في الشك.
(3/1293)

جوابه:
إن هذا التعليل لا يدفع مجيئها للشك، لأن الشك - أيضا -
معنى يقصد إفهامه بأن " يخبر المتكلمُ المخاطب بأنه شاك في تعيين أحد
الأمرين.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي؛ لاتفاق الفريقين على أن " أو " في أصل
الوضع لأحد الشيئين، ولاتفاقهم على أنه لو قال: " رأيت زيداً أو
عمراً " أنه أخبر عن رؤية أحدهما، وأنه غير معين، وذلك يقتضي
الشك، ولا يخرجها عن كونها لأحد الشيئين، وإذا كان المعنى
متفقا عليه، فلا خلاف حقيقي.
ثانيا: أنها تأتي للإباحة كقولك: " جالس العلماء أو الأدباء ".
ثالثا: أنها تأتي للتخيير، وهي التي يمتنع فيه الجمع مثل:
"تزوج هنداً أو أختها ".
أما الإباحة فيجوز الجمع بينهما.
رابعا: أنها تأتي للإبهام، كقولك: " قام زيد أو عمرو " إذا
كنت تعلم من هو القائم منهما، ولكن قصدت الإبهام على
المخاطب.
وبهذا تعرف الفرق بين ذلك وبين الشك؛ حيث إن الشك لا
يعلمه المتكلم والسامع، أما الإبهام فيعلمه المتكلم دون السامع.
خامسا: أنها تأتي بمعنى " الواو "، فتكون لمطلق الجمع، ومنه
قوله تعالى: (إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ) ،
وقول الشاعر توبة الحميري مخاطبا ليلى الأخيلية:
(3/1294)

وقد زعمت ليلى بأني فاجر ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها
سادساً: أنها تأتي للإضراب مثل " بل "، ومنه قوله تعالى:
(وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون) أي: بل يزيدون.
سابعا: أنها تأتي بمعنى " إلا "، كقولك: " لأقتلن الكافر أو
يسلم " أي: إلا أن يسلم.
ثامناً: أنها تأتي بمعنى " إلى " كقولك: " لألزمنك أو تقضيني حقي ".
تاسعا: أنها تأتي للتفريق بين الأشياء والتقسيم بينها، كقولهم:
" الكلمة اسم، أو فعل، أو حرف ".
عاشراً: أنها تأتي بمعنى " إن " الشرطية، كقولك: " لأضربنه
عاش أو مات ".
وهذه المعاني لا تفهم إلا بقرائن، والأصل هو المعنى الأول -
وهو: أنها تفيد أحد الشيئين أو الأشياء، فإن كانت في أمر أفادت
التخيير بينهما، وإن كانت في نهي أفادت العموم وحظر كل واحد
منهما منفرداً أو هما معاً مجتمعين، وقد بني على ذلك بعض
الأحكام الشرعية ومنها:
1 - لو قال في النفي: " واللهِ لا أكلم زيداً أو عمراً "، فلو كلم
واحداً منهما أو كلمهما معاً: حنث.
2 - لو قال في الإثبات: " واللهِ لأدخلن هذه أو هذه الدار ":
برَّ بدخول إحدى الدارين.
3 - لو قال: " بع هذا أو هذا "، فإن هذه وكالة صحيحة،
وهي بمنزلة ما لو قال له: " بع أحدهما ".
(3/1295)

المبحث الخامس حرف " الباء "
تأتي لمعان هي كما يلي:
أولاً: أنها تأتي للإلصاق، وهو: إضافة الفعل إلى الاسم،
فيلصق به بعد ما كان لا يضاف إليه لولا دخولها مثل: " مسحت
برأسي "، وهو قسمان:
الأول: إلصاق حقيقي كالمثال السابق، وقولنا: " أمسكت بالقلم ".
الثاني: إلصاق مجازي مثل: " مررت بزيد " حيث إن المرور لم
يلصق به، وإنما ألصق بمكان بقرب من زيد.
واستعمالها للإلصاق هو الحقيقة.
ثانيا: أنها تأتي بمعنى " مِنْ " التي للتبعيض، ومنه قول الشاعر
أبي ذؤيب الهذلي:
شَرِبتْ بماء البحر ثم ترفَّعَتْ ... مني لجج خضر لهن نشيج
أي: بعض ماء البحر، ووروده في لغة العرب دليل على جواز
ذلك.
وورودها هنا للتبعيض يرد على قول ابن جني: إن " الباء " لا
تكون للتبعيض في لغة العرب.
ثالثا: أنها تأتي بمعنى الاستعانة، وهي: الداخلة على ألة الفعل
مثل: " قطعت بالسكين "، و " وصلت إليك بالسيارة "، ومنه قوله
تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة)
(3/1296)

رابعا: أنها تأتي بمعنى المصاحبة، وهي: التي يصلح في موضعها
" مع " مثل قوله تعالى: (قد جاءكم الرسول بالحق) أي: مع
الحق، وقولك: " جاء زيد بسلاحه "، و " اشتريت الدار بمتاعه ".
خامسا: أنها تأتي لتعدية الفعل اللازم وتسمى باء النقل، وهي:
القائمة مقام الهمزة في تصيير الفاعل مفعولاً مثل: قوله تعالى:
(ذهب اللَّه بنورهم) أي: ذهب نورهم.
سادسا: أنها تأتي بمعنى البدل مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -:
" لقد شهدت في دار عبد اللَّه بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم " أي: ما أحب أن يكون لي بديلاً عنه حمر النعم.
سابعا: أنها تأتي بمعنى " عن " للمجاوزة، وتكثر بعد السؤال
مثل: قوله تعالى: (فاسأل به خبيراً) ، وقوله: (ويوم تشقق الأرض بالغمام) .
ثامنا: أنها تأتي للقسم مثل: " بالله لأقومن ".
تاسعا: أنها تأتي بمعنى " إلى " مثل: (وقد أحسن بي) أي: إلي.
عاشراً: أنها تأتي للتوكيد، وتقترن إما مع المبتدأ كقولك:
"بحسبك درهم "، أو مع الخبر كقوله تعالى: (أليس الله بكاف عبده) ،
أو مع المفعول كقوله تعالى: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) ، وبعضهم يسميها: " باء الزائدة "، وهذا لا يجوز.
حادي عشر: أنها تأتي بمعنى " على " مثل قوله تعالى:
(وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) أي: على قنطار، وعلى دينار.
(3/1297)

ثاني عشر: أنها تأتي بمعنى " في " الظرفية الزمانية مثل قوله
تعالى: (وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل) أي: وفي
الليل، والليل زمان.
ثالث عشر: أنها تأتي بمعنى " في " الظرفية المكانية مثل قوله
تعالى: (ولقد نصركم اللَّه ببدر) أي: في بدر.
رابع عشر: أنها تأتي بمعنى السبب مثل قوله تعالى: (فكلاً أخذنا بذنبه) ،
وقوله: (ولم أكن بدعائك رب شقيا) .
و" الباء " عند التجرد تستعمل للإلصاق حقيقة، ولا تستعمل في
غيره من المعاني التي ذكرناها إلا بقرينة.
(3/1298)

المبحث السادس
حرف " اللام " الجارة
وتأتي لمعان هي كما يلي:
أولاً: أنها تأتي للاختصاص مثل قولك: " المال لزيد "،
و"الباب للمسجد ".
وتستعمل اللام للاختصاص حقيقة، ولا تستعمل لأي معنى من
المعاني الآتية إلا بقرينة، وهو قول كثير من علماء اللغة كابن يعيش
وابن الخشاب.
وبعض العلماء - كالجرجاني - جعلها للملك، ومتى ما
استعملت في غيره فبقرينة.
وهذا ليس بصحيح، بل هي حقيقة للاختصاص - كما قلنا -؛
لأمرين:
الأول: أن الاختصاص معنى عام لجميع موارد استعمالها، وبأي
معنى استعملت لا تخلو منه.
الثاني: أن الملك اختصاص، وليس كل اختصاص ملكا، أي:
أن كل مالك مختص بملكه.
ثانياً: أنها تأتي للملك مثل:. " هذا المال لزيد ".
ثالثا: أنها تأتي للاستحقاق مثل: " النار للكافرين ".
والفرق بين " الاختصاص " و " الاستحقاق " و " الملك ": أن ما
(3/1299)

صح أن يقع فيه التملك، وأضيف إليه ما ليس بمملوك له، فاللام
معه: لام الاختصاص مثل: " الباب للمسجد "، أما ما لا يصح له
التملك فاللام معه لام الاستحقاق مثل: " النار للكافرين "، أما
ما عدا ذلك فاللام: لام الملك.
رابعاً: أنها تأتي للتعدية مثل قوله تعالى: (فهب لي من لدنك ولياً) ،
وقولك: (ما أضرب زيداً لعمرو) .
خامسا: أنها تأتي للصيرورة مثل قوله تعالى:
(فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) ،
وهذا عند البصريين، أما الكوفيون فيسمونها بلام " كي ".
سادساً: أنها تأتي بمعنى التعليل مثل قوله تعالى:
(لئلا يكون للناس على الله حجة) ، وقوله: (لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا) .
والفرق بين لام الصيرورة، ولام التعليل: أن لام التعليل تدخل
على ما هو غرض لفاعل الفعل، ويكون مرتبا على الفعل، بخلاف
لام الصيرورة فليس فيها إلا الترتيب.
سابعاً: أنها تأتي بمعنى " في " مثل قوله تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة) أي: في يوم القيامة.
ثامناً: أنها تأتي بمعنى " من ": لقولك: " سمعت له صراخا "
أي: منه.
تاسعاً: أنها تأتي بمعنى " على " كقوله تعالى: (يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ) أي: على الأذقان، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: لعائشة لما أرادت شراء
بريرة فتعتقها: " خذيها واشترطي لهم الولاء، فإن الولاء لن أعتق "
أي: اشترطي عليهم.
(3/1300)

عاشراً: أنها تأتي بمعنى التمليك مثل قوله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء) ،
وقولك: " وهبت لزيد ديناراً " أي: ملكت الصدقات الفقراء، وملكت الدينار زيداً.
حادي عشر: أنها تأتي بمعنى " إلى " مثل قوله تعالى: (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا)
أي: إليها.
ثاني عشر: أنها تأتي بمعنى: " عند " الزمانية مثل قوله تعالى:
(أقم الصلاة لدلوك الشمس) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"صوموا لرؤيته وأفطر والرؤيته ".
(3/1301)

المبحث السابع في حرف " في "
تأتي للمعاني التالية:
أولاً: أنها تأتي ظرفية مكانية كقولك: " تعلمت في الكلية "،
وتأتي زمانية كقولك: " زرتك في الصباح ".
ثانية: أنها تأتي بمعنى " على " التي هي للاستعلاء مثل قوله
تعالى: (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) .
ثالثاً: أنها تأتي للسببية والتعليل كقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"دخلت امرأة في هرة".
رابعا: أنها تأتي بمعنى " إلى "، ومنه قوله تعالى: (فردوا أيديهم في أفواههم)
أي: إليها.
خامساً: أنها تأتي مؤكدة - وهي التي يفيد الكلام بدونها -
كقوله تعالى: (وقال اركبوا فيها) أي: اركبوها.
سادساً: أنها تأتي بمعنى " مع "، كقوله تعالى: (ادخلوا في أمم قد خلت)
أي: ادخلوا مع أمم.
وأنكر بعض العلماء - كالبيضاوي - استعمال "في " لغير الظرفية.
والحق: أن " في " تستعمل حقيقة في الظرفية، ولا تستعمل في
غيرها إلا مجازاً.
(3/1302)

المبحث الثامن في حرف " مِنْ "
ترد لمعان هي كما يلي:
أولاً.: أنها ترد لابتداء الغاية في المكان وفى الزمان، فمثال المكان:
قولك: " لك من الأرض من هذا إلى هذا "، ومنه قوله تعالى:
(سبحان الذي أسرى بعبده من المسجد الحرام) ، ومثال الزمان
قولك: " الامتحان يكون من السبت "،
ومنه قوله تعالى: (ومن الليل فتهجد) .
ثانياً: أنها ترد للتبعيض، وهي التي يكون منها لفظ " بعض "
مثل: " كل من هذا الطعام "، و " خذ من هذه الدراهم ".
ثالثاً: أنها ترد لتبيين الجنس، مثل: " مشيت ميلاً من الأرض "
و" أكلت شيئاً من الطعام "، ومنه قوله تعالى:
(فاجتنوا الرجس من الأوثان) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"التمس ولو خاتماً من حديد ".
واختلف العلماء في " من " هل هي حقيقة في ابتداء الغاية،
والتبعيض والتبيين، أو هي حقيقة في البعض دون البعض الآخر؟
على مذاهب ثلاثة: أصحها: أن " من " حقيقة في ابتداء الغاية؛
لكثرة استعمالها فيه، والكثرة يُرجح بها، وعلى ذلك فلا تستعمل
في غير ابتداء الغاية من المعاني إلا مجازاً، فتحتاج إلى قرينة.
رابعاً: أنها تأتي لتأكيد العموم - وهي الداخلة على نكرة لا
تختص بالنفي، فمثلاً لو قال. "ما جاءني رجل " لاحتمل أن
يكون قد نفى أنه جاءه رجل واحد.
(3/1303)

ولكنه لم ينف أنه جاءه رجلان، بل يستطيع أن يقول: " بل
رجلان "، لكن إذا وضعت " من " قبل لفظ " رجل "، وقال.:
"ما جاءني من رجل " لا يمكن ذلك، وسيأتي ذلك - في باب العموم
إن شاء اللَّه.
خامساً: أنها تأتي بمعنى " على "، ومنه قوله تعالى:
(وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) أفي: على القوم.
سادساً: أنها تأتي بمعنى " الباء "، ومنه قوله تعالى:
(ينظرون من طرف خفي) أي: بطرف.
ثامناً: أنها تأتي بمعنى البدل كقوله تعالى:
(وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ) أي: بدلكم.
تاسعاً: أنها تأتي بمعنى " في " كقوله تعالى: (أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ)
أي: في الأرض.
عاشراً: أنها تأتي - بمعنى " عند " كقوله تعالى:
(لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) أي: عند اللَّه.
حادي عشر: أنها تأتي للتعليك مثل قوله تعالى:
(يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ)
أي: لأجل الصواعق.
(3/1304)

الفصل الحادي عشر في الأوامر والنواهي
ويشتمل على تمهيد، ومبحثين:
أما التمهيد: فهو في بيان أهمية الأمر والنهي، وسبب تقديم الأمر.
أما المبحثان فهما:
المبحث الأول: في الأمر.
المبحث الثاني: في النهي.
(3/1305)

التمهيد في بيان أهمية الأمر والنهي، وسبب تقديم الأمر على النهي
إن الأمر والنهي من أهم مباحث أصول الفقه؛ لأمرين:
أولهما: أنهما أساس التكليف في توجيه الخطاب إلى المكلفين.
ثانيهما: أن معرفتهما تؤدي إلى معرفة الأحكام الشرعية بتفاصيلها
وبها يتميز الحلال من الحرام.
أما سبب تقديم الأمر على النهي فهو: أن الأمر: طلب إيجاد
الفعل، أما النهي فهو: طلب الاستمرار على عدم الفعل، فقدم
الإيجاد على العدم.
(3/1307)

المبحث الأول في الأمر
ويشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: في تعريف الأمر.
المطلب الثاني: هل تشترط إرادة الآمر المأمور به؟
المطلب الثالث: هل للأمر صيغة موضوعة في اللغة؟
المطلب الرابع: هل الأمر حقيقة في الفعل؟
المطلب الخامس: فيما تستعمل فيه صيغة الأمر وهي: " افعل ".
المطلب السادس: فيما تقتضيه صيغة الأمر - وهي: " افعل " -
حقيقة إذا تجردت عن القرائن.
المطلب السابع: هل اقتضاء " افعل " للوجوب ثبت عن طريق
الشرع أو اللغة؟
المطلب الثامن: بيان نوع القرينة التي تصرف الأمر من الوجوب إلى
غيره.
المطلب التاسع: إذا ورد الأمر بعد النهي فماذا يقتضي؟
المطلب العاشر: الأمر المطلق هل يقتضي فعل الأمور به مرة أو التكرار؟
(3/1309)

المطلب الحادي عشر: الأمر المعلق بشرط أو صفة هل يقتضى تكرار
الأمور به بتكرار الشرط أو الصفة؟
المطلب الثاني عشر: إذا كرر لفظ الأمر بشيء واحد مثل: " صل
ركعتين، صل ركعتين "، فهل يقتضي التكرار؟
المطلب الثالث عشر: الأمر المطلق هل يقتضى فعل الأمور به على
الفور أو لا؟
المطلب الرابع عشر: هل يسقط الواجب المؤقت بفوات وقته؟
المطلب الخامس عشر: امتثال الأمر هل يحصل به الإجزاء ويسقط
القضاء؟
المطلب السادص عشر: الأمر بالأمر بالشىء هل يكون أمراً بذلك
الشيء أو لا؟
المطلب السابع عشر: هل أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المطلق أمر لأمته، وأمر الأمة هو أمر للنبى، وأمر واحد من الصحابة هو أمر لغيره؟
المطلب الثامن عشر: تعلق الأمر بالمعدوم.
المطلب التاسع عشر: هل يجوز الأمر من الله تعالى بما يعلم أن
المكلف لايتمكن من فعله؟
(3/1310)

المطلب الأول في تعريف الأمر
الأمر هو: استدعاء الفعل بالقول على جهة الاستعلاء.
بيان هذا التعريف:
قوله: " استدعاء " أي: طلب، وهو جنس؛ حيث دخل فيه
كل طلب سواء كان طلب فعل، أو طلب ترك، من المساوي، أو
من الأدنى، أو من الأعلى.
قوله: " استدعاء الفعل " أخرج طلب الترك، وهو النهي.
وقوله: " بالقول " أي: الصيغة، فخرج بذلك الإشارات
والرموز، وبعض الحركات، والفعل الذي يستدعي بغير قول، فإن
هذه الأمور تسمى أمراً مجازيا؛ لأن الطلب من لوازم الأمر
الحقيقي، والصيغة من لوازم الطلب؛ بناء على أن الكلام حقيقة في
العبارات اللسانية، لا في المعاني النفسانية.
وقوله: " على وجه الاستعلاء " معناه: أن يأتي الأمر متكيفا
بكيفية الترفع على المأمور كأمر اللَّه للمخلوقين، وأمر السيد لعبيده،
وأمر الأب لأولاده، وأمر السلطان لرعيته.
فعبارة " على جهة الاستعلاء " أخرج طلب الفعل بالقول على
جهة الدعاء والالتماس.
وعلى هذا: فإنه يشترط في الأمر الاستعلاء - وهو: أن يجعل
(3/1311)

الآمر نفسه في مرتبة أعلى رتبة من غيره، وإن لم يكن ذلك حاصلاً
باعتبار الواقع.
وهو مذهب بعض الشافعية كالآمدي، والرازي، وبعض المالكية
كابن الحاجب، والباجي، والقرافي، وبعض الحنابلة كأبي الخطاب،
وابن قدامة، وبعض الحنفية كصدر الشريعة، وابن عبد الشكور.
وهو الحق؛ لدليلين:
أولهما: أن الرجل العظيم لو قال لغيره: " افعل " لا على سبيل
الاستعلاء، بل على سبيل التضرع واللين، فإنه لا يقال: إنه أمر،
ولذلك نفى النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمر حينما قال لبريرة: " ارجعي إلى زوجك.. " فقالت: أتامرني يا رسول اللَّه؟
قال: " لا، إنما أنا شافع "
فهنا لم يكن ذلك القول أمراً؛ لأنه صدر لا على سبيل الاستعلاء.
ثانيهما: أنه لو قال من هو أدنى رتبة لمن هو أعلى رتبة منه:
"افعل " بصفة المستعلي، فانه يقال: " إنه أمره "، ولذلك يوصف
هذا المستعلي بالجهل والحمق بسبب أمره، لمن هو أعلى منه.
وهناك من اشترط في الأمر العلو - وهو: كون الأمر في نفسه
أعلى رتبة ودرجة من المأمور، لذلك عرف الأمر بأنه: قول القائل
لمن هو دونه: افعل.
وهناك من لم يشترطهما - أي: لم يشترط في الأمر الاستعلاء
ولا العلو - لذلك عرف الأمر بأنه: القول الطالب للفعل مطلقا.
وهناك من اشترطهما مع) ، وقد فصلت ذلك في كتابي " إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر ".
(3/1312)

المطلب الثاني هل تشتراط إرادة الآمر المأمور به
أي: هل تشترط إرادة فعل المأمور به والامتثال أو لا؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا تشترط إرادة الآمر المأمور به.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لذلك قلنا: إن الأمر
هو: " استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء " مطلقا أي:
سواء أراد الآمر إرادة المأمور به وامتثاله أو لا.
والأدلة على عدم اشتراط إرادة الآمر المأمور به هي كما يلي:
الدليل الأول: أن اللَّه تعالى أمر إبراهيم بذبح ابنه، ولم يرده؛
لأنه لو أراده لوقع؛ لأن اللَّه تعالى فعال لما يريد.
الاعتراضات التي وجهت إلى هذا الدليل والأجوبة عنها:
الاعتراض الأول: أنه لم تثبت صيغة الأمر، فمن أين ثبت أن
إبراهيم رأى في المنام صيغة الأمر؟
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن صيغة الأمر واضحة في النص، حيث قال
تعالى: (يا أبت افعل ما تؤمر) .
فإن قال قائل: إن الصيغة وهي: (افعل ما تؤمر) للمستقبل،
(3/1313)

وهذا يعني أنه لم يؤمر حتى الآن، ولو أراد ذلك في الماضي لكان
يقول: " افعل ما أمرت ".
فإنا نقول: إن فعل المضارع أحياناً يأتي للماضي مثل قوله تعالى:
(إني أراني أعصر خمراً) أي: إني رأيت،، وهذا مثله، فالمراد:
ما أمرت به.
الجواب الثاني: أن إبراهيم لو لم يؤمر لم يجز أن يأخذ ابنه،
ويضجعه للذبح؛ لأن ذلك حرام، فثبت أنه أمر وحيا في المنام.
الاعتراض الثاني: أن إبراهيم لم يؤمر بالذبح الحقيقي، وإنما أمر
بمقدماته من الاضطجاع والأخذ بالمدية، وقد فعل ذلك ووقع ما أراده
الله تعالى.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن المأمور به الذبح، وحقيقة الذبح معروفة
وهي: قطع مكان مخصوص معه تبطل الحياة.
الجواب الثاني: أنه لو كان المأمور به: المقدمات - فقط -: لم
يكن في ذلك بلاء مبين، ولا يحتاج فيه إلى الصبر؛ حيث قال
تعالى: (إن هذا لهو البلاء المبين) ، وقال: (ستجدني إن شاء الله من الصابرين) .
الاعتراض الثالث: أنا نسلم أنه أمر بالذبح، وقد فعل وذبح،
ولكن اللَّه يلحم ما يشقه إبراهيم ويعيده كما كان، فوقع ما أمر الله
-
(3/1314)

جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنه لو وقع الذبح، وكان يلتحم كما تقول: لما
احتاج إلى فداء؛ لأنه فعل المأمور به، ولا يجمع بين البدل والمبدل.
الجواب الثاني: أنه - لو كان كما تقول لذكره اللَّه تعالى؛ لأنه من
الآيات الباهرة.
الاعتراض الرابع: أنه أمره بالذبح، ولكنه نهاه عنه.
جوابه:
هذا لا يجوز على قواعدكم - أيها المعتزلة -؛ لأن الأمر بالشيء
يدل على حسن ذلك الشيء، ولا يجوز نهيه عن الحسن.
الدليل - الثاني: أنه يحسن أن يقول الرجل لعبده: " أمرتك بكذا
ولم أرده منك "، ولو كان من شرط الأمر الإرادة لما حسن ذلك كما
لا يحسن أن يقول الرجل لعبده: " أردت منك كذا ولم أرده "؛ لما
فيه من التناقض.
الدليل الثالث: أن العرب قد سموا من قال لعبده: " افعل كذا "
آمراً من قبل أن يعلموا إرادته، فلو كان من شرط الأمر الإرادة لم
يجز للعرب أن يسموه بذلك إلا بعد علمهم لإرادته
المذهب الثاني: أنه تشترط إرادة الأمر المأمور به.
وهو مذهب كثير من المعتزلة، لذلك عرفوا الأمر بأنه: إرادة
الفعل بالقول على وجه الاستعلاء.
(3/1315)

أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن صيغة الأمر ترد والمراد بها الأمر كقوله تعالى:
(وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) وترد والمراد بها الإباحة كقوله تعالى:
(وإذا حللتم فاصطادوا) وترد والمراد بها التهديد كقوله تعالى:
(اعملوا ما شئتم) وترد والمراد بها الهوان، كقوله تعالى: (اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ) وترد والمراد بها غير ذلك من معاني " افعل "، ولا
نميز الأمر من غير الأمر - مما تستعمل له صيغة افعل - إلا بالإرادة،
فدل على أنها تشترط.
جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ أن الأمر يتميز عما ليس بأمر بالإرادة، وإنما الحق: أن
الأمر يتميز عما ليس بأمر بالاستدعاء فقط، فإذا استدعى الآمر
وطلب الفعل سمي آمراً، سواء أراد وقوعه أو لم يرده.
فأما بقية الصيغ - وهي الإباحة، والتهديد والهوان وغير ذلك -
فلا يوجد فيه استدعاء، وعليه: فلا يكون أمراً.
الدليل الثاني: القياس، وبيانه:
أن قول القائل: " افعل كذا " هو نفسه قول القائل: " أريد منك
كذا "، ولا فرق بينهما عند العرب.
جوابه: لا نُسَلِّمُ ذلك، بل بين العبارتين فرق من وجهين:
الوجه الأول: إن قوله: " أريد " إخبار عن إرادته، وليس
باستدعاء، ولهذا يدخله التصديق والتكذيب.
أما قوله: " افعل كذا " استدعاء، ولهذا لا يدخله التصديق
والتكذيب.
(3/1316)

الوجه الثانى: أن السيد لو قال لعبده: " أريد منك كذا ولست
أريده " لأنكر ذلك، لكونه تناقضا وقبحاً، ولكنه لو قال لعبده:
"افعل كذا ولست أريده " لا ينكر هذا.
الدليل الثالث: قياس الأمر على النهي، بيان ذلك:
أن النهي إنما يكون نهياً لعلمنا أن الناهي يكرهه، فكذلك الأمر
إنما يكون أمراً لأن الآمر يريد المأمور به.
جوابه:
لا نسلم ما قلتموه في النهي؛ لأن النهي إنما كان نهياً للزجر عن
الفعل بالقول على وجه الاستعلاء، فكذلك الأمر إنما كان أمراً
لاستدعاء الفعل على وجه الاستعلاء.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي؛ لأن مآل كلام أصحاب المذهبين واحد؛
حيث حصل الاتفاق على المعنى، فأصحاب المذهب الأول نظروا
إلى السامع الذي يحمل كلام المتكلم على مراده، فيقول: مراد
المتكلم بصيغة الأمر: معناها الحقيقي، وهو طلب الفعل؛ نظراً
لعدم وجود صارف لهذا الأمر إلى غيره، ولو كان مراد المتكلم غيره
لنصب قرينة تدل على ذلك، فكان إرادة غيره احتمالاً عقليا.
وهذا هو معنى قول أصحاب المذهب الثاني فإنهم يقرون بأن
التهديد ليس معنى حقيقيا، بل هو احتمال عقلي لا يراد إلا عند
إقامة دليل أو قرينة تدل على إرادته، فكان الخلاف لفظيا.
(3/1317)

المطلب الثالث هل للأمر صيغة موضوعة في اللغة؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن للأمر صيغة موضوعة لغة له، وتدل عليه
حقيقة بدون قرينة كدلالة سائر الألفاظ الحقيقية على موضوعاتها
ومعانيها، وهي صيغة فعل الأمر: " افعل " مثل: " اكتب ".
والمضارع المجزوم بلام الأمر وهي: " ليفعل " كقوله تعالى:
(فليحذر الذي يخالفون عن أمره) .
واسم فعل الأمر مثل قوله تعالى: (عليكم أنفسكم) .
والمصدر النائب عن فعله كقوله تعالى: (فضرب الرقاب) .
وإنما تخصص صيغة " افعل " بالذكر؛ نظراً لكثرة دورانها في
الكلام.
وهذا المذهب هو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ للأدلة
التالية:
الدليل الأول: أن العرب قد وضعوا لما لا يحتاج إليه أسماء
كالأسد، والهر، والسيف، والخمر، فمن باب أوْلى أن يضعوا
صيغة للأمر تدلْ عليه؛ وذلك لأن الحاجة داعية إلى معرفة الأمر،
لكثرة مخاطبات الناس به، فلا يمكن أن يتخاطبوا بغير صيغة، فدل
هذا على أنهم وضعوا له صيغة وهو: " افعل ".
(3/1318)

الدليل الثاني: أن السيد لو قال لعبده: " اسقنى ماء "، فلم
يسقه، فإنه يستحق - عند أهل اللغة - الذم والتوبيخ، فلو لم تكن
هذه الصيغة موضوعة للاستدعاء لما استحق ذلك.
الدليل الثالث: أنا نجد في العقل ضرورة أن من وجدت منه صيغة
" افعل " يسمى آمراً، أما إذا لم توجد منه هذه الصيغة، فإنه لا
يسمى آمراً، ولو كان الأمر أمراً لقيامه في النفس لسمي من لم يوجد
منه ذلك آمراً.
الدليل الرابع: أن أهل اللغة قد قسموا الكلام إلى أمر، ونهي،
وخبر، واستخبار، فعبروا عن الأمرب " افعل "، وعبروا عن
النهي بـ " لا تفعل "، وعبروا عن الخبر ب " زيد في الدار "،
وعبروا عن الاستخبار بقولهم: " هل جاء زيد؛ "، ولم يشترطوا
لذلك أية قرينة، فدل على أن " افعل " للأمر بمجردها بدون قرينة.
وهذا التقسيم قد اشتفاض بين أهل اللسان كاستفاضة سخاء حاتم،
وشجاعة عنترة.
الدليل الخامس: أنه يسبق إلى الفهم إذا أطلقت صيغة " افعل ":
أنها للأمر، ولا يسبق إلى الفهم إلا الحقيقة، أما غيره فلا يفهم إلا
بواسطة قرينة، فلو كانت صيغة " افعل " مشتركة بين الأمر وغيره:
لما سبق إلى فهمنا أن السيد إذا قال لعبده: " افعل " أن ذلك أمر،
فلما سبق ذلك إلى فهمنا دلَّ على أنه حقيقة في الأمر مجاز في غيره،
بخلاف الألفاظ المشتركة: فلو قال السيد لعبده: " اصبغ الثوب "،
أو قال: " ائت العين ": فلا يسبق إلى فهمنا لون دون لون،
ولا عين دون عين.
(3/1319)

المذهب الثاني: أنه ليس للأمر صيغة في اللغة، وإنما صيغة "افعل "
مشتركة بين الأمر وغيره، ولا يحمل على أحدهما إلا بقرينة.
وهو مذهب أكثر الأشاعرة.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن هذه الصيغة - وهي: " افعل " - إما أن تثبت
أنها للأمر عن طريق العقل، أو النقل.
فإن زعمتم أنها ثبتت للأمر عن طريق العقل، فهذا باطل؛ لأن
العقل لا مدخل له في اللغات، وإن زعمتم أنها ثبتت للأمر عن
طريق النقل، فهذا باطل - أيضا -؛ لأن النقل قسمان: " متواتر "
و"آحاد".
فإن زعمتم أنها ثبتت للأمر عن طريق التواتر فهذا باطل؛ لأنه لو
ثبت ذلك عن هذا الطريق: لعلمناه بالضرورة كما علمتموه، ولكننا
لم نعلمه فثبت أنه لم تثبت أنها للأمر عن التواتر.
وإن زعمتم أنها ثبتت للأمر عن طريق الآحاد فهذا باطل؛ لأن
الآحاد لا تثبت به قاعدة أصولية كهذه القاعدة وهي: أن " افعل "
صيغة للأمر؛ حيث إن الآحاد لا يفيد إلا الظن، والقاعدة الأصولية
قطعية، والظني لا يثبت القطعي، إذن: لا أصل لإثبات هذه
الصيغة.
جوابه: يجاب عنه بأجوبة:
الجواب الأول: أن هذا الدليل يقتضي المطالبة بالدليل على أن
"افعل " صيغة للأمر، وهذا باطل؛ لأمرين:
الأمر الأول: أن المطالبة بالدليل ليس بدليل.
(3/1320)

الأمر الثاني: على فرض أن المطالبة بالدليل دليل فإنا قد أقمنا أدلة
على أن هذه الصيغة للأمر، وذلك من إجماع عقلاء العرب وأهل
اللسان على ذم العبد إذا خالف هذه الصيغة، والذم على المخالفة
دليل على أنها تختص بالأمر، وأن أهل اللغة قد فرَّقوا بين الأمر
والنهي والخبر والاستخبار في أن كل واحد منها له صيغة تخصه،
وأن " افعل " للأمر - كما سبق - وغير ذلك من الأدلة، ولا يمكن
لكم أن تنكروا تلك الأدلة، ومن أنكرها فهو معاند.
الجواب الثاني: قولكم: " إن الظني لا يثبت القواعد الأصولية؛
لأنها قطعية " لا نسلمه، بل هذا فيه تفصيل:
فإن كانت القاعدة علمية، فلا تثبت بالظني.
وإن كانت القاعدة عملية أو وسيلة إلى العمل كهذه القاعدة، فإنها
تثبت بالظني؛ قياساً على الفروع.
الجواب الثالث: أنا نقلب هذا الدليل عليكم: فأنتم قلتم: إن
"افعل " مشتركة بين الأمر وغيره، فمن أين أثبتم ذلك: فإن قلتم:
ثبت ذلك عن طريق العقل فهذا باطل؛ لما سبق، وإن قلتم: ثبت
ذلك عن طريق النقل، فهذا باطل أيضاً؛ لما سبق، فأي جواب
لكم يكون هو جوابنا.
الدليل الثاني: أن هذه الصيغة - وهي: " افعل " - قد ترد
والمراد بها الأمر، وقد ترد والمراد بها الإباحة، وقد ترد والمراد بها
التعجيز، أو التهديد، وليس حملها على أحد هذه الوجوه بأوْلى
من حملها على الآخر، فوجب التوقف فيها حتى تأتي قرينة ترجح
أحد الوجوه؛ قياساً على " اللون ".
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
(3/1321)

الجواب الأول: أنه إذا وردت صيغة " افعل "، وهي مجردة عن
القرائن فهي للاستدعاء، وهو: الأمر، ولا تحمل على غيره من
الإباحة والتهديد والتعجيز وغيرها إلا بقرينة واضحة جلية.
الجواب الثاني: أنكم قستم صيغة " افعل " على اللفظ المشترك
مثل " اللون "، وهذا القياس فاسد، لأنه قياس مع الفارق؛ حيث
إن لفظ " اللون " لم يوضع لشيء معين، أما صيغة " افعل "، فإن
العرب قد وضعوها لشيء معين، وهو: الاستدعاء، فمثلاً: لو
أمر السيد عبده بأن يقوم بتلوين ثوبه، فقام العبد فلوَّنه بأيِّ لون شاء
فإنه لا يستحق الذم ولا التوبيخ؛ لأن " اللون " لفظ مشترك بين
جميع الألوان، لكن لو أمره وقال: " اسقني ماء "، ولم يسقه فإنه
يستحق الذم والتوبيخ، لأن " افعل " عند الإطلاق لا تحمل إلا على
معنى معين وهو: الاستدعاء.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي، حيث إن أصحاب المذهب الأول يحملون
صيغة " افعل " على أنها ظاهرة، وأن لها معنيان وهما: إفادتها
للأمر، وعدم إفادتها له، وأنه يرجح إفادتها للاستدعاء والأمر بدون
قرينة، ويعملون على ذلك.
أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم يحملون لفظ " افعل " على أنه
مجمل وأنه لا معنى له راجح: فالمعنيان السابقان لا يرجح أحدهما
على الآخر إلا بمرجح خارجي: فلا يجوز عندهم العمل بأن " افعل "
للأمر إلا بدليل خارجي يدل على أنه للأمر، وإلا: توقفوا.
بيان منشأ الخلاف في هذه المسألة:
إنا منشأ الخلاف في مسألة صيغة الأمر هو: خلافهم في مسألة
(3/1322)

صفة لكلام، فمن ذهب إلى أن الكلام لفظي: قال: للأمر صيغة
وهي " افعل "، وهم أصحاب المذهب الأول، ومن ذهب إلى أن
الكلام نفسي قال: لا صيغة للأمر، ولا للنهي، ولا للعام، ولا
للخاص - وهم أصحاب المذهب الثاني - وهم الأشاعرة -.
فالأمر عند الأشاعرة: هو: اقتضاء الفعل بذلك المعنى القائم
بالنفس المجرد عن الصيغة.
والصحيح الذي لا يجوز غيره: أن كلام اللَّه هو الذي نقرؤه
بألفاظه ومعانيه، فالكلام كلام الباري، والصوت صوت القارئ دل
على ذلك أدلة كثيرة منها:
الدليل الأول: قوله تعالى: (فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ) ،
فصرح - هنا - بأن الذي يسمعه ذلك المشرك المستجير هو: كلام الله
بألفاظه ومعانيه.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11) .
فهنا: لم يكن ذلك المعنى القائم بالنفس الذي عبر عنه بالإشارة كلاما.
الدليل الثالث: قوله تعالى: (فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) مع قوله:
(فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ) ، حيث أمر اللَّه تعالى مريم بالامتناع عن الكلام،
ولكن لما سألوها أن تبين لهم ذلك أشارت إليه، فلم يكن ذلك
المعنى القائم بنفسها الذي عبرت عنه بالإشارة كلاما.
الدليل الرابع: قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"إن اللَّه عفا لأمتي عما حدثت به نفسها ما لم تتكلم أو تعمل به "،
فبين - هنا - أن المسلم إذا حدث نفسه بشيء من الأمور السيئة كقتل فلان، أو سبه، فإنه معفو عنه
(3/1323)

شرعاً، إذا لم يتكلم أو يفعل، فهنا لم يسم حديث النفس وما
يجول بالخاطر كلاماً.
الدليل الخامس: أن أهل اللغة واللسان قد أجمعوا على أن الكلام
ينقسم إلى " اسم "، و " فعل "، و " حرف "، وكل واحد من هذه
الأقسام تسمى كلمة، فالاسم: كلمة ينطق بها اللسان غير مقترنة
بزمان، وهي تفيد كزيد، والفعل: كلمة ينطق بها اللسان مقترنة
بزمان كقام، والحرف: كلمة ينطق بها اللسان لا تدل إلا مع غيرها
مثل: "إلى".
الدليل السادس: أن العقلاء - على اختلاف طبقاتهم - قد
تعارفوا على تسمية الذي ينطق بلسانه: أنه متكلم، وتعارفوا
- أيضاً - على تسمية من لم يتكلم: أنه ساكت، أو أخرس،
فقولكم - أيها الأشاعرة -: " إن الكلام معنى قائم بالنفس "
خالفتم ذلك، وسميتم الساكت أو الأخرس بأنه متكلم.
الدليل السابع: أن الفقهاء قد أجمعوا: أن المسلم لو حلف أن لا
يتكلم، ثم حدَّث نفسه بأشياء، ولم ينطق بلسانه فإنه لا يحنث،
ولو نطق بلسانه لحنث، ووجبت الكفارة.
الدليل الثامن: أن الكلام لو كان معنى قائما في النفس - كما
يقول الأشاعرة - للزم من ذلك التكرار الذي لا فائدة فيه في قوله
تعالى: (ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله) ، لأن - على
زعمكم - عبارة: " يقولون " تدل على ما في النفس، فيكون
قوله: (في أنفسهم) تكراراً لا فائدة فيه، وهذا باطل، لأنه لا
يوجد أي حرف في القرآن لا فائدة فيه، فإن قوله: (في أنفسهم)
(3/1324)

دليل على أن ذلك القول في النفس وقيد بذلك، فلو لم يقيد بقوله:
(في أنفسهم) لانصرف إلى الكلام باللسان.
فبان من هذا: أن الأشاعرة لما قالوا: " إن الكلام معنى قائم في
النفس "، قد خالفوا ما جاء في الكتاب، والسُّنَّة، وإجماع أهل
اللسان واللغة، وإجماع العقلاء فيما تعاليفوا عليه، وإجماع
الفقهاء، ومن خالف ذلك فلا يعتد بقوله، والله أعلم.
(3/1325)

المطلب الرابع هل الأمر حقيقة في الفعل؟
أي: إذا فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - فعلاً فهل يدل هذا على أن المفعول مأمور به حقيقة؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن الأمر ليس بحقيقة في الفعل.
وهذا مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأنه يوجد فرق بين
الأمر والفعل من وجوه:
الوجه الأول: من حيث الحد: فإن الأمر هو: الاستدعاء بالقول
على وجه الاستعلاء.
بخلاف الفعل فإنه لا يقال فيه ذلك، وإن نُقل هذا التعريف
للفعل، فإنه يحتاج إلى دليل يُعتمد عليه، فيكون الأمر حقيقة في
القول المخصوص؛ لعدم الحاجة إلى دليل في ذلك، أما الفعل
فنظراً لاحتياجه إلى دليل فإنه يكون أمراً مجازاً.
الوجه الثاني: أن الآمر بالقول يُقال له: اَمر، بخلاف فاعل
الفعل فإنه لا يقال له: إنه آمر بذلك الفعل.
الوجه الثالث: أنه يُتصرف في القول فيقال: " أمر، يأمر، أمراً
بخلاف الفعل فلا يقال لمن صلى أو صام: إنه أمر ".
الوجه الرابع: أن الفعل يصح نفي الأمر عنه بخلاف القول،
فتقول: " فعل ذلك ولم يأمر به "، ولكن لا يجوز قول ذلك في
(3/1326)

القول، فلا يقال: " أمر بذلك ولم يأمر به "؛ لأنه يلزم منه
التناقض.
المذهب الثاني: أن الأمر حقيقة في الفعل كما هو حقيقة في القول.
وهو مذهب بعض الشافعية، وبعض الفقهاء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قوله تعالى: (وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر) .
وجه الدلالة: أنه استعمل الأمر في الفعل، والاستعمال دليل
الحقيقة، إذن الأمر حقيقة في الفعل، ويكون المعنى: وما فعلنا إلا واحدة.
جوابه:
أنه لا يراد أن: فعله كلمح بالبصر، وإنما المراد: أن من صفته
وشأنه أنه إذا أراد شيئاً قال له: كن، فيقع ويكون كلمح البصر في
السرعة.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (وما أمر فرعون برشيد) .
وجه الدلالة: كما سبق في الدليل الأول.
الجواب:
أن المراد بقوله: (وما أمر فرعون برشيد) أي: وما قول فرعون
برشيد، ويدل على ذلك قوله - بعد ذلك -: (فاتبعوا أمر فرعون)
والاتباع إنما يكون حقيقة في القول، لا في الفعل.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ ويتبين أثره في فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنه يلزم على
(3/1327)

المذهب الأول أنه إذا فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - فعلاً أمام الصحابة، فإن هذا الفعل ليس بأمر لهم بأن يفعلوا مثله على الوجوب، أو على الندب
- على الخلاف الآتي -، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد يفعل الشيء وهو له خاصة، وقد يفعل الشيء على جهة النفل والفضل والندب، وقد يفعله سجية وخلقاً، أما إذا أمر بالقول فإن الأمر يؤخذ من هذا
القول فيكون للوجوب، أو الندب على الخلاف الذي سيأتي.
ويلزم على المذهب الثاني: أنه إذا فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - شيئاً فإنه يكون أمراً بفعله - وهذا الفعل يكون واجبا، أو مندوباً - على
الخلاف الذي سيأتي -.
(3/1328)

المطلب الخامس فيما تستعمل فيه صيغة الأمر - وهي: " افعل " -
لقد سبق أن قلنا: إن الأمر هو: استدعاء الفعل بالقول على وجه
الاستعلاء، وقلنا - أيضاً -: إن للأمر صيغة وهي: " افعل "،
وينبغي أن تعلم هنا: أن صيغة " افعل " - أو ما يقوم مقامها - لا
تستعمل للأمر فقط، ولا تستعمل للوجوب أو الندب، بل تستعمل
لمعان أخر غير ذلك، وإليك بيان ذلك فيما يلي:
الأول: الوجوب كقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) .
الثاني: الندب كقوله تعالى: (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً) ،
والصارف له من الوجوب إلى الندب هو: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر على الصحابة الذين لم يكاتبوا العبيد الذين كانوا تحت أيديهم
مع أن فيهم خيراً للإسلام والمسلمين.
الثالث: التأديب كقوله - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن أبي سلمة -:
" يا غلام، سم اللَّه، وكل بيمينك، وكل مما يليك ".
وبين الندب والتأديب عموم وخصوص، بيان ذلك:
أن التأديب خاص بإصلاح الأخلاق وتحسينها، وهذا أعم من أن
يكون من مكلف وغيره، أما الندب فهو خاص بالمكلفين، وهذا أعم
من أن يكون مختصا بإصلاح الأخلاق وغيرها.
الرابع: الإرشاد كقوله تعالى: (وأشهدوا إذا تبايعتم)
وقوله: (إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) .
(3/1329)

والفرق بينه وبين الندب أن المندوب مطلوب لمنافع الآخرة، لذلك
يوجد فيه ثواب بخلاف الإرشاد، فإنه مطلوب لمنافع الدنيا لذلك لا
ثواب فيه.
الخامس: الإباحة كقولك لشخص آخر: " كل من بستاني ".
السادس: التهديد كقوله تعالى: (فاعبدوا ما شئتم من دونه) ،
وقوله: (اعملوا ما شئتم) ، وسماه بعضهم بالوعيد، وسماه
آخرون بالتقريع، وسماه فريق ثالث بالتوبيخ.
السابع: الإكرام كقوله تعالى: (ادخلوها بسلام آمنين)
الثامن: الإهانة كقوله تعالى: (ذق إنك أنت العزيز الكريم)
وضابطه: أن يؤتى بلفظ دال على الإكرام، والمراد ضده.
التاسع: التعجيز كقوله تعالى: (فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ) ،
وقوله: (فأتوا بسورة من مثله) ، وقوله: (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) ، وهو إنما يكون فيما لا قدرة للعبد عليه.
العاشر: السخرية مثل قوله تعالى: (كونوا قردة) ، وسمي
ذلك بعضهم بالتسخير، وهذا لا يصح؛ لأن السخرية هو: الهزء
كقوله تعالى: (إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون) ،
أما التسخير فهو نعمة وإكرام كقوله تعالى: (وسخر لكم الليل والنهار) .
الحادي عشر: الدعاء مثل قوله تعالى: (ربنا اغفر لي ولوالدي)
وهذا لا يكون إلا من الأدنى إلى الأعلى على وجه الإحسان والتفضل.
الثاني عشر: التسوية كقوله تعالى: (فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا)
(3/1330)

بعد قوله: (اصلوها) والمراد: أن هذه التصلية لكم سواء
صبرتم أو لا، فالحالتان سواء، فيكون قوله تعالى - بعد ذلك -:
(سواء عليكم) جملة مبينة ومؤكدة مبالغة في الحسرة عليهم.
الثالث عشر: التمني كقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"كن أبا ذر " أي: يتمنى أن يكون أبا ذر، وكقولك: " كن فلانا كذا " أي: أتمنى أن تكون يا فلان طالب علم، وأكثر الأصوليين يمثلون للتمني بقول امرئ القيس:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
وهذا لا يصح؛ لأن المستعمل في التمني - في هذا البيت - هو
صيغة الأمر مع لفظ: " ألا " لا الصيغة وحدها.
الرابع عشر: الامتنان كقوله تعالى: (كلوا من طيبات ما رزقناكم) ،
وسماه بعضهم بالإنعام.
والفرق بينه وبين الإباحة: أن الإباحة مجرد إذن، أما الامتنان فلا
بد من اقترانه بذكر احتياج الخلق إليه، وعدم قدرتهم عليه.
الخامس عشر: التكوين، كقوله تعالى: (كن فيكون) ،
وسماه بعضهم: " كمال القدرة ".
والفرق بينه وبين السخرية: أن التكوين: سرعة الوجود من
العدم، وليس فيه انتقال إلى حال ممتهنة، بخلاف السخرية فإنه لغة
الذل والامتهان.
السادس عشر: قرب المنزلة كقوله تعالى: (ادخلوا الجنة) .
السابع عشر: التحذير والإخبار عما يؤول إليه أمرهم كقوله تعالى:
(تمتعوا في داركم ثلاثة أيام) .
الثامن عشر: الخبر كقوله ثعالى: (أسمع بهم وأبصر) أي:
(3/1331)

سمعت وأبصرت، وكقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
"إذا لم تستح فاصنع ما شئت "
أي: إذا لم تستح صنعت ما شئت، حيث يصح في: جوابها الصدق والكذب.
التاسع عشر: التعجب كقوله تعالى: (انظر كيف ضربوا لك الأمثال) .
وبعضهم مثل كذلك بقوله تعالى: (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ) أي: ما
أسمعهم وأبصرهم، وهذا فيه بُعْد؛ لأنه يفهم منه الخبر كما سبق.
العشرون: الإنذار كقوله تعالى: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ) .
وقد جعله بعضهم نوعاً من التهديد، ولكن هذا ليس بصحيح،
حيث يوجد فرق بينه وبين التهديد من وجوه:
الأول: أن التهديد عرفاً أبلغ في الوعيد والغضب من الإنذار.
الثاني: أن الفعل المهدد عليه يكون ظاهر البطلان والتحريم، أما
الإنذار فقد يكون كذلك، وقد لا يكون.
الثالث: أن الإنذار يكون مقروناً بالوعيد كالآية السابقة، وقوله
تعالى: (قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار) ، أما التهديد، فقد
يكون مقرونا بالوعيد، وقد لا يكون.
الواحد والعشرون: الالتماس كقولك لنظيرك: " أعطني كتابا ".
الثاني والعشرون: المشورة كقوله تعالى: (ماذا تأمرون) .
الثالث والعشرون: التصبر كقوله تعالى: (لا تحزن إن اللَّه معنا) .
الرابع والعشرون: الاحتقار كقوله تعالى: (ألقوا ما أنتم ملقون) .
وذلك في قصة موسى - عليه السلام - يخاطب السحرة؛ وذلك
(3/1332)

لأن السحر وإن عظم شأنه - عندهم - فإنه في مقابلة ما أتى به
موسى - عليه السلام - من المعجز حقير.
والفرق بينه وبين الإهانة: أن الإهانة تكون بالقول، أو بالفعل،
أو بالتقرير كترك إجابته، أو نحو ذلك، لا بمجرد الاعتقاد،
والاحتقار قد يكون بمجرد الاعتقاد، يقال في مثل ذلك: احتقره،
ولا يقال: أهانه.
الخامس والعشرون: التكذيب كقوله تعالى: (فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) .
السادس والعشرون: التحسير كقوله تعالى: (قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ) ، وقوله: (قل موتوا بغيظكم) .
السابع والعشرون: التفويض كقوله تعالى: (فاقض ما أنت قاض) ،
وسماه بعضهم بالتسليم، وسماه آخرون بالتحكيم.
الثامن والعشرون: الاعتبار كقوله تعالى: (انظروا إلى ثمرة إذا أثمر وينعه)
، وقوله: (قل سيروا في الأرض فانظروا) ،
حيث إن في ذلك عبرة لمن اعتبر، وبعضهم سماه: تذكير النعم.
التاسع والعشرون: إرادة الامتثال لأمر آخر، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كن عبد اللَّه المقتول، ولا تكن عبد اللَّه القاتل، فالمقصود الاستسلام
والكف عن الفتن.
الثلاثون: الاحتياط كقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"إذا قام أحدكم من النوم فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا "
بدليل قوله بعده: " فإنه لا يدري أين باتت يده"، فالأمر هنا للاحتياط؛ حيث إنه يحتمل أن تكون يده قد لاقت نجاسة من بدنه لم يعلمها، فليغسلها قبل إدخالها في الإناء؛ لئلا يفسد الماء الذي فيه.
(3/1333)

المطلب السادس فيما تقتضيه صيغة الأمر - وهي: " افعل " - حقيقة
إذا تجردت عن القرائن
بعد أن عرفنا أن صيغة: " افعل " تستعمل في المعاني الثلاثين
السابقة، اختلف العلماء في هذه الصيغة إذا تجردت عن القرائن ماذا
تقتضي حقيقة؛ على مذاهب:
المذهب الأول: أن صيغة الأمر - وهي افعل - إذا تجردت عن
القرائن، فإنها تقتضي الوجوب حقيقة، واستعمالها فيما عداه من
المعاني كالندب والإباحة والتهديد يكون مجازاً لا يحمل على أي
واحد منها إلا بقرينة، وهو قول كثير من العلماء، وهو الحق،
للأدلة التالية:
الدليل الأول: قوله تعالى: (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) ،
هذا في سورة الأعراف، وقال تعالى في سورة الحجر:
(فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى لما أمر الما، ئكة بالسجود سارعوا إلى
ذلك وامتنع إبليس عن السجود فوبخه وذمه، وأهبطه من الجنَة؛ إذ
قوله تعالى: (ما منعك) استفهام إنكاري قصد به الذم والتوبيخ،
ولا يمكن أن يكون المقصود به الاستفهام الحقيقي؛ لأن الاستفهام
(3/1334)

الحقيقي يصدر من الجاهل، وهذا منتف بحق الله تعالى، فالله عالم
بالسبب الذي من أجله ترك السجود لآدم، فالله لا تخفى عليه خافية.
فدل ذلك على أن مقتضى الأمر الوجوب؛ إذ لو لم يكن السجود
واجباً عليه لما استحق الذم والتوبيخ على تركه؛ لأنه لا يذم أحد إلا
بسبب تركه لواجب، حيث إنا قلنا: إن الواجب هو: ما ذم تاركه
مطلقا، فالصيغة - وهي: افعل - تقتضي الوجوب عند التجرد.
ما اعترض به على هذا الاستدلال:
الاعتراض الأول: أنه يُحتمل أن يكون قد اقترن بتلك الصيغة قرينة
تفيد الوجوب، فلذلك ذمَّه على ترك ذلك الواجب، وهذا لا
يدخل في محل النزاع؛ لأن العلماء اتفقوا على أن الصيغة تفيد
الوجوب إذا انضم إليها قرائن.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن ما قلتموه مجرد احتمال لا دليل عليه،
والاحتمال الذي لا دليل عليه لا يلتفت إليه؛ إذ لو قبلنا كل
احتمال - من غير أدلة - لما بقى لنا دليل في الشريعة، وهذا يؤدي
إلى ترك الشريعة كلها، وهذا ظاهر البطلان، فإما أن تذكروا القرينة
التي تزعمونها حتى نختبرها، وأما أن تقبلوا ما قلناه.
الجواب الثاني: أن الظاهر من النص في الآيتين يقتضي أن التوبيخ
والذم قد تعلقا بمجرد مخالفة الأمر بالسجود بدون قرينة بدليل قوله:
(إذ أمرتك) ، ولم يذكر قرينة أخرى بعد قوله:. (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ) ، فهذا كله يدل على أنه
(3/1335)

أمر مطلق لا قرينة معه، فدل ذلك كله على أن الذم والتوبيخ قد
تعلقا بمجرد المخالفة.
الاعتراض الثاني: أن إبليس ليس من الملائكة، فلا يدخل تحت
الأمر بالسجود، فيدل هذا على أن توبيخه لمعنى آخر.
جوابه.:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب - الأول: أن ظاهبر نص الآيتين يدل دلالة واضحة على أن
إبليس من الملائكة، وأنهم قد سجدوا لآدم، ولم يسجد إبليس
معهم فوبخه على ترك السجود، فقال في الآية الأولى:
(إلا إبليس لم يكن من الساجدين) ، وقال في الآية الثانية:
(إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين) ، والأصل: أن يكون المستثنى
من جنس المستثنى منه، ولا يترك هذا الأصل إلا بدليل، ولا دليل.
فدل ذلك على أن الذم تعلق بتركه السجود.
الجواب الثاني: أن ابن عباس - رضي اللَّه عنهما - وهو حبر
الأُمَّة وترجمان القرآن قد روي عنه أنه قال: كان إبليس من أشراف
الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازنا على الجنان، وكان له سلطان
السماء الدنيا وسلطان الأرض ".
الدليل الثاني: قوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) .
وجه الدلالة: أن اللَّه حذر الذين يخالفون الأمر بالفتنة والعذاب
الأليم، وهذا يدل على أن الأمر المطلق للوجوب؛ لأن الوجوب
هو: ما ذُمَّ على تركه مطلقا، أو هو: ما توعد بالعقاب على تركه
(3/1336)

مطلقا، والمخالف هنا قد توعد بالعقاب؛ لأنه خالف أمر اللَّه وأمر
رسوله وترك امتثاله، فيكون الأمر المطلق يقتضي الوجوب، فلو كان
الأمر المطلق لا يقتضي الوجوب - بأن يقتضي الندب أو الإباحة أو
التوقف - لما حذر الشارع من مخالفته.
الدليل الثالث: قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ويل يومئذ للمكذبين) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد ذمَّهم على تركهم فعل ما قيل لهم
افعلوه، وهذا يدل على أن الأمر المطلق يقتضي الوجوب، لأنه هو
الذي يذم على تركه، فلو كان الأمر يقتضي الندب لما ذمهم على
ترك المأمور به، كما لا يذم من رخص له في الترك.
الدليل الرابع: قوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم)
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أخبر أنه إذا قضى أمراً لم يكن لأحد
أن يتخير فيه، وجعل عصيانه ضلالاً، وإذا كانت مخالفة الأمر
عصياناً وضلالاً، فإن ذلك يقتضي وجوب امتثال الأمر، لئلا
يعصي، فثبت أن الأمر المطلق يقتضي الوجوب؛ لأنه لو لم يكن
للوجوب لما جعل مخالفته عصياناً وضلالاً.
الاعتراض على هذا الاستدلال:
قال المعترض فيه: إنما ورد هذا في القضاء، والقضاء هو:
الإلزام، والإلزام واجب، ولذلك جعل مخالفه عاصياً وضالاً، لا
أنه قد جعل مخالف الأمر الصريح عاصياً.
(3/1337)

جوابه:
يجاب على ذلك بأجوبة:
الجواب الأول: أنه أراد صريح الأمر: فجعل مخالفة الأمر
الصريح عصياناً وضلالاً بدليل سبب نزول الآية، حيث ذكر أن سبب
نزولها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر قوماً أن يزوجوا زيد بن حارثة - مولى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - - فأبوا فنزلت تلك الآية.
الجواب الثاني: لا نُسَلِّمُ أن القضاء بمعنى الإلزام؛ لأنه لو كان
القضاء بمعنى الإلزام لما قيل: إن اللَّه تعالى قد قضى بالطاعات
- كلها -؛ لأن النوافل طاعات، ولكنه لم يلزمها.
الجواب الثالث: سلمنا أن القضاء بمعنى الإلزام، والقضاء دون
مرتبة الأمر؛ لأن القضاء لا صيغة له، والأمر له صيغة، فإذا كان
القضاء لازماً مع أنه دون مرتبة الأمر، فمن باب أولى أن يكون الأمر
لازماً.
الدليل الخامس: أن - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي فمر به أبو سعيد بن المعلى فدعاه - صلى الله عليه وسلم - وهو في الصلاة فلم يجبه أبو سعيد، فلما فرغ الرسول - صلى الله عليه وسلم - من صلاته قال له: ما منعك أن تجيب وقد سمعت اللَّه تعالى يقول: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسولِ إذا دعاكم) .
وجه الدلالةِ أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد لامَ أبا سعيد على تركه للإجابة بعد أمر اللَّه تعالى بها بدليل قوله له: (ما منعك) ، فدل على أن
الأمر للوجوب، ولو لم يكن الأمر للوجوب لما لامه على ذلك؛
لأن ما ليس بواجب لا يلام على تركه.
(3/1338)

الاعتراض على ذلك:
قال المعترض: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يلمه، ولكنه أراد أن يُبين له أنه لا تقبح الاستجابة للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو في الصلاة، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يخالف غيره في ذلك.
جوابه:
لا نسلم ذلك؛ لأن الظاهر من هذه القصة وقوله - صلى الله عليه وسلم - يقتضي لزوم الإجابة، وهو في معنى الإخبار عن نفي العذر، وهذا يدل
على أن الأمر للوجوب.
الدليل السادس: قوله - صلى الله عليه وسلم -: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ".
وجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل المشقة من لوازم الأمر، وإنما تكون المشقة لازماً للأمر إذا كان للوجوب.
أي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما جعل المشقة من لوازم الأمر: نفي الأمر الذي فيه مشقة وهو: أمر الوجوب؛ لأنه يعاقب ويذم على تركه،
وأثبت الأمر الذي ليس فيه مشقة وهو: أمر الندب؛ لأنه لا يذم ولا
يعاقب على تركه.
الدليل السابع: أن بريرة قد أعتقتها عائشة - رضي اللَّه عنهما -
فخيرها رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بين مفارقة زوجها وعدم ذلك، فاختارت فراقه، وكان زوجها - وهو مغيث - يحبها، وكان يمشي خلفها في الأسواق وهو يبكي، فلما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك: ذهب إلى بريرة فقال لها: " لو راجعتيه فإنه أبو أولادك "،
فقالت: أتأمرني يا رسول اللَّه؟
فقال: " لا إنما أنا شافع "، فقالت: لا حاجة لي فيه.
(3/1339)

وجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -
نفى الأمر مع ثبوت شفاعته - صلى الله عليه وسلم -
الدالة على الندب، فدل على أن أمره للوجوب؛ لأنه لو أثبت
الأمر: لوجب عليها الامتثال والرجوع إلى زوجها.
الدليل الثامن: إجماع الصحابة - رضي اللَّه عنهم - على أن
الأمر يقتضي الوجوب؛ حيث إنهم كانوا يسمعون الأمر من الكتاب
والسُّنَّة، فيحملونه على الوجوب، ولهذا لم يرد عنهم أنهم سألوا
النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المراد بهذا الأمر،
بل كانوا يحملون جميع الأوامر على الوجوب إلا إذا اقترن به قرينة تصرفه عن الوجوب، ولم ينكر بعضهم على بعض في ذلك، فكان إجماعا، وهذا ثبت في وقائع كثير:؛ ومنها:
الواقعة الأولى: أنه لما روى أبو هريرة - رضي اللَّه عنه - عن
النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله: " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا والثامنة بالتراب "
أجمع الصحابة على وجوب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبع مرات.
الواقعة الثانية: أنهم استدلوا على وجوب الصلاة عند ذكرها
بالأمر المطلق الوارد في قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ".
الواقعة الثالثة: أن أبا بكر - رضي اللَّه عنه - استدل على وجوب
الزكاة على المرتدين بقوله تعالى: (وآتوا الزكاة) ،
وقال: "والزكاة من حقها " يقصد:. إن الزكاة من حق كلمة لا إله إلا اللَّه، ولم ينكر عليه أحد فكان إجماعاً.
الواقعة الخامسة: أن عمر بن الخطاب - رضي اللَّه عنه - استدل
(3/1340)

على وجوب أخذ الجزية من المجوس بقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"سنوا بهم سُنَّة أهل الكتاب "، ولم ينكر عليه أحد، فكان إجماعا منهم.
اعتراض على ذلك:
قال قائل - معترضاً -: يُحتمل أن يكون الصحابة رجعوا في كل
واقعة من تلك الوقائع إلى قرينة دلَّت على الوجوب، فكان
الوجوب مستفاد من القرينة، لا من مطلق الصيغة، وهذا لا خلاف
جوابه:
يجاب عن ذلك بأجوبة:
الجواب الأول: أن ما ذكر هنا مجرد احتمال لا دليل عليه،
والاحتمال الذي لا دليل عليه لا يُعتد به؛ لأنا لو قبلنا كل احتمال
بدون أدلة لما استقام لنا دليل في الشريعة، وبهذا تبطل الشريعة
كلها، وهذا ظافر البطلان.
الجواب الثاني: أن الظاهر من هذه الوقائع: أن الصحابة قد
احتجوا بنفس صيغة الأمر الواردة في تلك النصوص على الوجوب،
ولم يرجعوا إلى أي قرينة من القرائن، والظاهر يجب العمل به.
الجواب الثالث: أنه لو كان هناك قرينة اعتمد عليها الصحابة في
حمل الأمر على الوجوب: لما ترك - الصحابة - رضي الله - عنهم -
نقلها؛ لأن نقل القرينة أوْلى من نقل لفظ الأمر؛ حيث إن في تركها
تضييع للشريعة، ولا يمكن أن ينقل الصحابة الآلاف من الأحاديث،
ويتركوا بعض القرائن، فما قيل في الاعتراض اتهام للصحابة
(3/1341)

بالتقصير، وهذا لا يجوز؛ لأن الصحابة اختارهم اللَّه لصحبة نبيه،
وذلك لنقل هذه الشريعة - كلها - إلى من بعدهم بكل أمانة وإتقان.
الجواب الرابع: أنه لم ينقل عن صحابي واحد في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سأل عن مقتضى الأمر في حال من الأحوال،
وهذا يدل على أنهم كانوا يفهمون من الأمر الوجوب، دون قرائن.
الدليل التاسع: أن لفظة " افعل " تمنع من الإخلال بالفعل بدليل
أن أهل اللغة يعقبون المعصية على الأمر بلفظ " الفاء " فيقولون:
"أمرتك فعصيتني "، و " قلت لك افعل فعصيتني "، وقال تعالى:
(أفعصيت أمري) ، وقال: (لا يعصون اللَّه ما أمرهم) ،
وقال الشاعر الحصيني بن المنذر الرقاشي -
لما نصح يزيد بن المهلب بأن لا يذهب إلى الحجاج بن يوسف،
ولكنه خالف نصيحته، وذهب إلى
الحجاج فعز له - قال:
أمرتك أمراً جازماً فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإمارة نادما
فهنا جاءت المعصية عقب الأمر غير الممتثل بلفظ " الفاء - التي
هي للتعقيب - كما سبق في حروف المعاني - والمعصية توجب
العقوبة؛ لقوله تعالى: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) ،
فدل هذا على أن المعصية إنما لزمت المأمور؛ لأجل إخلاله
بما أمر به، وهذا يقتضي أن لفظة الأمر - وهي افعل - المجردة عن
القرائن تفيد الوجوب، ولو لم تكن مفيدة للوجوب لم نكن
بمخالفة ذلك الأمر عاصين.
الدليل العاشر: أن السيد لو أمر عبده قائلاً: " اسقني ماء "،
فإن امتثل العبد بأن سقاه ماء، فإنه يستحق المدح، وإن لم يمتثل
- بأن لم يسقه ماء - فإنه يستحق الذم والعقوبة، فرأى العقلاء من
(3/1342)

أهل اللغة هذا السيد وهو يعاقب عبده، وسالوه عن سبب ذلك فقال
لهم: إني أمرته بأن يسقيني ولم يفعل، فإن هؤلاء يتفقون معه على
حسن لومه وعقابه؛، نظراً لمخالفته الأمر، فدل ذلك على أنه ما
استحق الذم والعقوبة إلا لأنه ترك واجباً؛ لأن الواجب هو الذي
يذم على تركه مطلقا، فلو كان الأمر المطلقَ لا يقتضي الوجوب: لما
استحق العبد المخالف للأمر الذم والعقوبة؛ لأنه لا يعاقب إلا على
ترك واجب.
الدليل الحادي عشر: إن قول القائل: " افعل " لا يخلو من أربعة
أمور فقط هي كما يلي:
1 - أن يقتضي المنع من الفعل.
2 - أن يقتضي التوقف.
3 - أن يقتضي التخيير بين القعل وعدمه.
4 - أن يقتضي أن يفعل لا محالة - وهو الوجوب -.
أما الأول - وهو اقتضاؤه المنع من الفعل - فهو باطل؛ لأنه يكون
معنى " افعل ": لا تفعل، وهذا نقيض فائدة اللفظ.
أما الثاني - وهو: التوقف - فهو باطل؛ لأن قوله: " افعل "
حث على الفعل فهو نقيض التوقف وهو: عدم الفعل.
أما الثالث - وهو التخيير - فهو باطل؛ لأنه ليس للتخيير ذكر
في اللفظ، وإنما اللفط يتعلق بالفعل دون تركه.
فلما بطل الثلاثة الأول: بقي الرابع وهو: أن " افعل " يقتضي
أن يفعل لا محالة - وهو الوجوب -.
المذهب الثاني: أن صيغة الأمر - وهي " افعل " - إذا تجردت عن
(3/1343)

القرائن تقتضي الندب حقيقة، واستعمالها فيما عداه من المعاني
كالوجوب والإباحة والتهديد وغيرها يكون عن طريق المجاز، لا
يحمل على أي معنى منها إلا بقرينة.
وهو مذهب بعض الشافعية، وكثير من المعتزلة، منهم أبو هاشم،
واختاره بعض الفقهاء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن قوله: " افعل "، وقوله: " أمرتكم " يشترك
الوجوب والندب فيه بشيء واحد، وهو: طلب الفعل واقتضاؤه،
وأن فعل المأمور به خير من تركه، وهذا القدر المشترك بينهما معلوم
مقطوع به، قدتيقنا منه.
أما لزوم العقاب بترك فعل المأمور به فغير مقطوع به، بل مشكوك
فيجب تنزيل الأمر على أقل ما يشترك فيه الوجوب والندب؛ لأنا
قطعنا فيه، وهو طلب الفعل من غير وعيد بالعقاب على الترك وهو:
الندب.
أما ما شككنا فيه، وهو: لزوم العقاب بترك المأمور به - وهو
الوجوب - فإنا نتوقف فيه حتى يرد دليل من خارج.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن ما ذكرتموه إنما يستقيم لو كان الواجب ندبا
وزيادة فتسقط الزيادة المشكوك فيها، ويبقى الأصل، وليس كذلك،
(3/1344)

بل يدخل في حد الندب - كما سبق -: جواز تركه مطلقا،
وجواز ترك الفعل لا يوجد في الوجوب.
الجواب الثاني: أن هذا استدلال بالعقل على أنه يُحمل على
الندب، وهو معارض باستدلالنا على أنه يحمل على الوجوب؛
حيث إنا قد دللنا على ذلك بنصوص من الكتاب والسُّنَّة، وإجماع
الصحابة، وإجماع أهل اللغة والعرف.
وإذا تعارض الدليل النقلي مع الدليل العقلي، فإنه يُقدم الدليل
النقلي خاصة في مسألة لغوية كهذه المسألة.
الدليل الثاني: أنه لو كان لفظ: " افعل " تقتضي الوجوب لما
حسن أن يقول العبد لسيده والولد لوالده: " اعطني درهما "، فلما
كافي الجميع يتخاطبون بينهم بذلك دلَّ على أنه لا يقتضي الوجوب.
جوابه:
أنا قلنا بأن لفظ " افعل " يستعمل في غير الوجوب - كما سبق
بيانه - وهذا لا يكون إلا بقرينة، فإذا ورد هذا اللفظ - وهو:
"افعل " من العبد، أو الابن، فإن العرب تصرفه عن الوجوب إلى
محمله، وهذا غير ممتتع؛ لأنه قد ورد على غير وجهه، فيكون قد
صدر مجازاً، وهذا لا يخرج اللفظ عن حقيقته، ألا ترى أنهم
يقولون للسخي: يا جواد، فلا يخرج ذلك عن الحقيقة.
الدليل الثالث: أن السلطان قد يأمر بالقبيح والحسن، ويوصفان
بأنهما مأمور بهما على الحقيقة، فلو اقتضى الأمر الوجوب: لكان
إذا تناول القبيح جعله واجباً.
جوابه:
نحن نقول: إنه لو أمر بالقبيح: لكان واجباً هذا هو الأصل،
(3/1345)

لكن منع من ذلك أصل آخر أقوى منه وهو: أن فوق هذا الآمر -
وهو السلطان - آمر آخر وهو الله عَزَّ وجَلَّ؛ حيث نهى عن ذلك -
القبيح، وامتثال أمره ألزم من امتثال أمر السلطان، فغلب نهيه على
أمر ذلك الأدون - وهو السلطان - فلذلك سقط لزوم أمر هذا.
الدليل الرابع: أنه ليس في الأمر لفظة الوجوب، فلم تقتضه.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنا نقول لكم مثل ما قلتم لنا، وهو: إنه ليس
في الأمر لفظة الاستحباب فلم تقتضه - أيضا -.
الجواب الثاني: أنه ليس كل ما ليس فيه لفظ معنى لا يقتضيه
كالندب والوعيد والتهديد ليس هو في لفظة " افعل "، ومع ذلك
هي مقتضية له بقرينة تدل عليه.
المذهب الثالث: أن صيغة الأمر " افعل " إذا تجردت عن القرائن
تقتضي الإباحة حقيقة، ولا يحمل على غيرها من الوجوب أو
الندب إلا بقرينة.
وهو مذهب بعض الشافعية كما حكاه عنهم الأستاذ أبو إسحاق
في " شرح الترتيب ".
دليل هذا المذهب: أن درجات الأمر بالفعل ثلاث:
فأعلاها: الثواب على الفعل، والعقاب على الترك، وهذا هو
الو جوب.
وأوسطها: الثواب على الفعل، وعدم العقاب على الترك،
وهذا هو الندب.
(3/1346)

وأدناها: عدم الثواب وعدم العقاب على الفعل والترك، وهذا
هو الإباحة.
فالثالث يفهم منه: جواز الإقدام على الفعل، وهو قدر مشترك
بين المراتب الثلاث، وهو: الإباحة، فهي إذن: درجة متيقنة.
أما الدرجتان الأولى والثانية - وهما الوجوب والندب - فإنه
مشكوك فيهما، فنحن نحمل الأمر على ما تيقنا منه، وهو:
الإباحة، ونترك ما شككنا فيه إلى أن ترد قرينة من خارج، فيكون
الأمر المطلق يقتضي الإباحة.
جوابه:
إنكم جعلتم - هنا - الإباحة من درجات الأمر، وهذا ليس
بصحيح؛ لوجود الفرق بين الإباحة والأمر من وجوه هي كما يلي:
الوجه الأول: الفرق من جهة التعريف، فتعريف الأمر يختلف
عن تعريف المباح، فقد عرفنا الأمر بأنه:
" استدعاء الفعل بالقول ... " - كما سبق - وعرفنا المباح بأنه:
" ما أذن اللَّه في فعله وتركه غير مقترن بذم فاعله وتاركه ولا مدحه "، فاتضح من ذلك:
أن الأمر طلب واستدعاء، بخلاف الإباحة فإنها إذن في الفعل
وإطلاق للفاعل من تقييده بأي شيء.
الوجه الثاني: الفرق من جهة وضع اللغة؛ حيث إن اللغة
وضعت لفظ " افعل " للأمر، ولفظ " لا تفعل " للنهي، ووضعت
عبارة: " إن شئت أفعل وإن شئت لا تفعل " للإباحة، فإنا بمعرفتنا
بوضع اللغة ندرك تفرقة بين هذه الصيغ والألفاظ: فلفظ: " افعل "
يقتضي طلب شيء، ويمنع من الإخلال بالمأمور به، ولفظ: " لا
تفعل " يقتضي النهي ويمنع من فعل المنهي عنه، ولفظ: " إن شئتْ
(3/1347)

افعل وإن شئت لا تفعل " يفيد عدم الطلب، ولا يمنع المخاطب من
الفعل ولا من الترك.
الوجه الثالث: الفرق من جهة الضرورة؛ حيث إنا علمنا
بالضرورة اختلاف معاني هذه الصيغ، وأنها ليست بألفاظ مترادفة،
فصيغة: " افعل " وضعت للأمر، و " لا تفعل " وضعت للنهي،
و" إن شئت افعل وإن شئت فلا تفعل "، وضعت للإباحة، فعلمنا
التفرقة بينها كما علمنا التفرقة بين " قام " و " يقوم "؛ حيث إن لفظ
" قام " وضع للماضي، ولفظ " يقوم " وضع للمضارع والمستقبل.
فإذا علمنا هذه الفروق بين الأمر والإباحة فكيف تجعلون الإباحة
من درجات الأمر بالفعل؟!
المذهب الرابع: التوقف في معنى صيغة " افعل " حتى يرد دليل أو
قرينة تدل على المعنى المراد.
وهو مذهب كثير من الأشاعرة، ونسب إلى أبي الحسن
الأشعري، والقا ضي الباقلاني، والغزالي، وصحَّحه الآمدي.
واختلف في تفسير ذلك: فمنهم من قال: معناه: أن الصيغة
موضوعة لواحد من اثنين هما: الوجوب والندب، ولكن لا يدري
عينه.
ْومنهم من قال: معناه: أننا لا ندري ما وضعت له الصيغة أهو
الوجوب، أو الندب، أو الإباحة، أو التهديد، أو: أنها مشتركة
بينها بالاشتراك اللفظي.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن صيغة: " افعل " ترد والمراد بها الايجاب،
(3/1348)

وترد والمراد بها الندب، وترد والمراد بها الإباحة، وترد والمراد بها
التهديد، وليس حملها على أحد فذه الوجوه بأوْلى من حملها على
الوجه الآخر، فوجب التوقف فيها.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أن هذه الصيغة - وهي افعل - إذا
وردت مجردة عن القرائن تحتمل غير الوجوب، وإنما تحمل على غير
الوجوب بقرينة قياسا على لفظة: " أوجبت "، فإنها لغة تحمل على
الوجوب عند الإطلاق، وتحمل على غير الوجوب بسبب قرينة مثل
قوله - صلى الله عليه وسلم -: "غسل الجمعة واجب على كل محتلم ".
الجواب الثاني: أن ما قلتموه يبطل بأسماء الحقائق كالأسد
والحمار، فإنه يجوز استعمالهما في الرجل عند وجود القرينة، ثم
هو حقيقة في الحيوان المفترس والحيوان البهيم عند الإطلاق.
الدليل الثاني: أنها لو كانت صيغة " افعل " حقيقة في الوجوب
أو الندب، أو الإباحة: لما حسن الاستفهام من المأمور بها: فيقول
السيد لعبده: " اسقني ماء " فيحسن من العبد أن يقول: هل أمرتني
إلزاما أو ندبا؟
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أن الاستفهام يحسن من المأمور بهذه
الصيغة إذا تجردت عن القرينة.
(3/1349)

الجواب الثاني: أنه قد يحصل استفهام من المأمور بها، ولكن هذا
جاء احتياطا، ومنعا من اتساع الفهم.
الدليل الثالث: أن استعمال صيغة " افعل " في الندب والإباحة
أكثر من استعماله في الوجوب، ولا يجوز أن يكون موضوعا
للوجوب مع استعماله في غيره أكثر.
جوابه:
يجاب عنه بأجوبة:
الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أنه يستعمل في الندب والإباحة أكثر، بل
إن استعمال لفظ " افعل " في الوجوب أكثر - كما مر من حمل
الصحابة لهذه الصيغة على الوجوب، وكذا أهل اللغة -.
الجواب الثاني: إن صح ما قلتموه وهو: أن استعمالها في الندب
والإباحة أكثر دليل على أن صيغة: " افعل " حقيقة فيهما، وليس
بدليل على التوقف - كما زعمتم -.
الجواب الثالث: أن هذا الدليل لا يمنع أن تكون صيغة: " افعل "
حقيقة في الوجوب؛ لأنه لا يمتنع أن يكون اللفظ حقيقة في شيء
ويُستعمل في غيره أكثر، يدل على هذا: أن " الغائط " حقيقة في
المطمئن من الأرض، واستعماله فيما يخرج من الإنسان ممثر.
وكذلك " الراوية " حقيقة في الجمل الذي يحمل المزادة،
واستعماله في المزادة أكثر.
وكذلك " الوطء " حقيقة في الدوس، واستعماله في الجماع أكثر.
الدليل الرابع: إن كون هذه الصيغة وهي: " افعل " موضوعة
للوجوب أو الندب أو الإباحة، إما أن يعلم عن طريق العقل، أو
(3/1350)

النقل، وكل ذلك باطل، فلا دليل لكي على تعيين أحد هذه
الأقسام، فتبقى صيغة " افعل " مشتركة بينها، فوجب التوقف،
بيان ذلك:
إن زعمتم أن العقل دلَّ على أحد هذه الأقسام، فهذا باطل؛ لأنه
لا مدخل للعقل في اللغات.
وإن زعمتم أن النقل دلَّ على أحد تلك الأقسام، فهذا باطل
- أيضاً -؛ لأن النقل قسمان: " متواتر "، و " آحاد ":
فإن زعمتم أن المتواتر دلَّ على أحد تلك الأقسام، فهذا باطل؛
لأن المتواتر لو أثبت ذلك لعلمناه مثل ما علمتموه، ولقلة التواتر.
وإن زعمتم أن الآحاد دلَّ على أحد تلك الأقسام، فهذا باطل
أيضا؛ لأن كون صيغة " افعل " للوجوب أو للندب قاعدة أصولية،
والقاعدة الأصولية قطعية، والآحاد ظني، والظني لا يقوى على
إثبات القطعي، فثبت أنه لا دليل على تعيين أحد هذه الأقسام،
إذن: يجب التوقف.
جوابه:
يجاب عنه بأجوبة:
الجواب الأول: أن هذا الكلام مطالبة بالدليل، والمطالبة بالدليل
ليس بدليل.
الجواب الثاني: على فرض أن المطالبة بالدليل دليل: فإنا قد
أثبتنا بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة، وإجماع
الفقهاء، وأهل اللغة واللسان على أن صيغة " افعل " إذا تجردت عن
القرائن تقتضي الوجوب.
(3/1351)

الجواب الثالث: نحن معكم بأن العقل لم يدل على أن " افعل "
للوجوب، لأن العقل لا مدخل له في اللغات، ونحن معكم
- أيضاً - على أن ذلك لم يثبت عن طريق التواتر، لقلة التواتر
وندرته.
ولكن لا نوافقكم على أن الآحاد لا يثبت قاعدة أصولية مطلقا،
بل في ذلك تفصيل: فإن كانت القاعدة الأصولية علمية - أي:
ليست وسيلة إلى العمل - فهذه لا تثبت بالآحاد.
وإن كانت القاعدة الأصولية عملية - أي: هي وسيلة إلى العمل -
فهذه تثبت بالآحاد، قياسا على العمل بخبر الواحد بالفروع.
فهذه القاعدة - وهي اقتضاء صيغة " افعل " للوجوب - إن لم
تثبت بأدلة قطعية، فلا أقل من أنها ثابتة بادلة ظنية، وهي: ما فهم
من الآيات والأحاديث الآحادية، وإجماع الصحابة السكوتي، وإذا
كان الأمر كذلك فلا يجوز التوقف.
هذه الأجوبة إنما تصح إذا كان سبب توقفهم هو: عدم ثبوت أدلة
ترجح أحد الأقسام.
الدليل الخامس: قياس لفظ " افعل " على اللفظ المشترك كالعين
والقرء، فكما أنا لا ندري ما المقصود من لفظ " العين "، أهو:
المذهب، أو الشمس، أو الجارية، أو الباصرة، فكذلك لا ندري
ما المقصود بلفظ: " افعل " أهو: الوجوب أو الندب، أو الإباحة،
فلذلك نتوقف فيها كما توقفنا في اللفظ المشترك.
جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ أن لفظ " افعل " مثل اللفظ المشترك، بل بينهما فرق
(3/1352)

وهو: أن لفظ " افعل " يفهم منه ترجيح الفعل على الترك، وهذا
قد أجمعتم معنا عليه، وبهذا خالف اللفظ المشترك كالعين، حيث
إنه لايفهم منه معنى معين.
وبناء على ذلك: فإنه يلزمكم أن تتوقفوا، بل تنزلوا الأمر على
أقل ما يشترك فيه الوجوب والندب: وهو طلب الفعل، وأن فعله
خير من تركه - وهذا هو الندب - أما ما زاد على ذلك - وهو:
لزوم العقاب على الترك، فلكم أن تتوقفوا فيه، وعلى هذا يكون
توقفكم المطلق ظاهر البطلان.
الدليل السادس: أن صيغة " افعل " لا تفيد شيئاً، وإنما هي
معنى قائم في النفس مشتركة بين الأمر وغيره، ولا يحمل على أي
شيء إلا بقرينة.
جوابه:
إن هذا باطل؛ لأن واضع اللغة قد وضع كل لفظ لمعنى، هذا
في الأصل، فلا يوجد أي لفظ إلا وله معنى قطعي أو ظني.
ويلزم من كلامكم في دليلكم هذا ما يلي:
أولها: أنه يسفه الواضع لهذه اللغة، وأنه يتكلم بكلام لا معنى
لبما.
ثانيها: أن تلك الألفاظ لا فائدة فيها بمجردها، فيكون وضعها
عبثا فهي لا تفيد شيئاً.
ثالثها: أن تقدير قرينة - هاهنا - كتقدير قرينة في سائر أنواع
الأدلة من الكتاب والسُّنَّة، وهذا يبطلها كلها.
أي: أنه إذا كانت صيغة " افعل " لا تفيد شيئاً إلا بقرينة،
(3/1353)

فكذلك الآيات والأحاديث لا تفيد شيئاً إلا بقرائن؛ لأنها كلها ألفاظ،
واشتراط القرينة هنا يجعل المسلم لا يعمل بأي لفظ إلا بقرينة، وهذا
يبطل جميع الأدلة، وبذلك تخلو الألفاظ عن الفائدة، وتختل
أوامر الشرع العامة، وهذا لا يقوله عاقل.
وإذا كانت هذه الأمور تلزم من قولكم في دليلكم هذا: فإنه
يكون باطلاً بلا شك.
تنبيه: المذاهب في هذه المسألة أكثر مما ذكرت، لكن لم أذكر إلا
المهم منها؛ لتأثر الفروع الفقهية فيما ذكرته.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي وهو ظاهر، وأمثلة تأثر الفروع الفقهية بهذا
الخلاف كثيرة، ومن ذلك:
1 - اختلافهم في الإشهاد على المراجعة هل هو واجب أو لا؟
فأصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إن الأمر المطلق
للوجوب - يقولون: يجب الإشهاد على المراجعة؛ لقوله تعالى:
(فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) ، فقالوا: إن المراد بالإمساك: المراجعة،
والإشهاد على المراجعة مأمور به، والأمر يقتضي الوجوب، فإن
ترك الإشهاد فهو آثم.
أما أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: إن الأمر المطلق
للندب - فإنهم يقولون: إن الإشهاد مندوب إليه، فإن ترك الإشهاد
فلا إثم عليه؛ استدلالاً بقاعدتهم هنا.
أما أصحاب المذهب الثالث - وهم القائلون: إن الأمر المطلق
(3/1354)

للإباحة - فإنهم يقولون: إن الإشهاد مباح، فإن ترك الإشهاد أو
فعله فلا إثم ولا أجر له.
أما أصحاب المذهب الرابع - وهم القائلون: إن الأمر المطلق
يتوقف فيه - فإنهم يقولون: لا يجوز أن يشهد حتى ترد قرينة تدل
على وجوبه، أو عدم ذلك.
2 - إذا قال السيد لعبده أو الوالد لولده: " اسقني ماء ".
فأصحاب المذهب الأول قالوا: يجب عليه أن يسقيه، فإن لم
يفعل عاقبه.
وأصحاب المذهب الثاني والثالث والرابع قالوا: لا يجب عليه أن
يسقيه وإن لم يفعل: لا يعاقب.
3 - هل الوعيد على الترك مأخوذ من نفس لفظ " افعل "؛
فذهب أصحاب المذهب الأول إلى أن الوعيد على الترك مستفاد
من نفس صيغة " افعل ".
أما أصحاب المذاهب الأخرى فذهبوا إلى أن الوعيد على الترك
مأخوذ من قرائن اقترنت بهذا الأمر.
(3/1355)

المطلب السابع هل اقتضاء الفعل للوجوب ثبت عن طريق الشرع
أو غير ذلك الطريق؟
لقد اختلف أصحاب المذهب الأول في المطلب السابق - وهم
القائلون: إن الأمر المطلق يقتضي الوجوب - فيما بينهم هل اقتضى
الأمر المطلق الوجوب بوضع الشرع أو اللغة، أو عن طريق العقل
على مذاهب:
المذهب الأول: أن صيغة " افعل " اقتضت الوجوب بوضع اللغة،
وهذا هو الحق لدليلين:
الدليل الأول: أنه قد ثبت عن أهل اللغة تسمية من خالف مطلق
الأمر عاصياً وتوبيخه بالعصيان عند مجرد ذكر الأمر، وإذا كان الأمر
كذلك فإنه يقتضي دلالة الأمر المطلق على الوجوب.
الدليل الثاني: أن الوعيد مستفاد من اللفظ كما يستفاد منه الاقتضاء
الجازم.
المذهب الثاني: أن صيغة " افعل " اقتضت الوجوب بوضع الشرع "
لأن النصوص الشرعية هي التي بيَّنت أن مخالف الأمر متوعد بالعقاب
والعذاب الأليم،. وبذلك يكون مطلق الأمر يقتضي الوجوب.
المذهب الثالث: أن صيغة " افعل " اقتضت الوجوب عن طريق
العقل؛ لأن العقل هو الذي ربط بين " افعل "، وبين معاقبة تارك
المامور به، ونتج عن هذا: أن افعل للوجوب.
(3/1356)

جوابهما:
يجاب عن المذهبين الثاني والثالث، ودليل كل واحد منهما بأن
هذا كله راجع إلى اللغة وفهمها لو دققوا النظر.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ لأننا إذا قلنا: إن الأمر يقتضي الوجوب
بوضع اللغة: وجب حمل الأمر على الوجوب، سواء كان ورد من
الشارع أو غيره إلا ما خرج بدليل.
أما إذا قلنا: إن الأمر اقتضى الوجوب من جهة الشرع أو العقل
كان الوجوب مقصوراً على أوامر صاحب الشرع، والأوامر التي
يقتضي العقل أنها للوجوب فقط.
(3/1357)

المطلب الثامن بيان نوع القرينة التي تصرف الأمر من الوجوب إلى غيره
لقد اتفق القائلون: " إن الأمر المطلق يقتضي الوجوب " على أنه
لا يصرف عنه إلا بقرينة، ولكنهم اختلفوا في نوع هذه القرينة على
مذهبين:
المذهب الأول: أن أيَّ قرينة قوية تصرف الأمر من الوجوب إلى
غيره، وهذا مطلق، أي: سواء كانت نصاً، أو إجماعا، أو
قياساً، أو مفهوماً، أو فعلاً، أو مصلحة، أو ضرورة، أو سياق
كلام، أو أية قرينة مقالية أو حالية تصلح أن تصرف الأمر من
الوجوب إلى غيره، وهذا هو الحق؛ لأن القرينة مما ذكرنا تعتبر
دليلاً شرعياً، فلو لم نأخذ بها للزم من ذلك ترك دليل شرعي قد
ثبت، وهذا لا يجوز.
المذهب الثاني: أن القرينة التي يؤخذ بها لصرف الأمر من
الوجوب إلى غيره هي: نص آخر، أو إجماع فقط.
وهو مذهب الظاهرية وعلى رأسهم ابن حزم.
دليل هذا المذهب:
أن النص الآخر والإجماع دليلان يقويان على صرف الأمر من
الوجوب إلى غيره، أما غيرهما من القرائن فليست في مستواهما من
القوة، فالعدول عن الوجوب بغيرهما انحراف عن الطريق الصحيح
وتقول على اللَّه ورسوله، وخروج على مدلولات الخطاب في لغة
القرآن والسُّنَّة.
(3/1358)

جوابه:
لا نسلم أن غير النص والإجماع لا يصلح أن يكون قرينة تصرف
الأمر من الوجوب إلى غيره، بل كل قرينة معتبرة شرعا تصلح أن
تكون صارفة كما صلحت أن تكون دليلاً إلى حكم شرعي يعمل،
ولا فرق، فإن منعتم أن تكون أية قرينة صارفة فامنعوا أن تكون
دليلاً، وهذا يلزم منه: ترك أكثر أدلة الشريعة، وهذا إبطال لها،
وهذا لا يجوز.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي، حيث أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها:
1 - مكاتبة العبد الرقيق.
فذهب الجمهور إلى أن مكاتبة الرقيق المسلم الذي فيه خير
للإسلام مندوب إليها؛ والأمر الوارد في قوله تعالى:
(فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً) مصروف من الوجوب إلى الندب؛
لإقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض الصحابة، حيث إنهم لم يعتقوا عبيدهم مع أن فيهم خيراً للإسلام والمسلمين، ولأنه يترتب على ذلك تعطيل الملك وتحكم المماليك في المالكين.
أما أصحاب المذهب الثاني - وهم الظاهرية - فقالوا: إن المكاتبة
واجبة، وعلى السلطان أن يجبر المالكين على المكاتبة؛ لأن الأمر
الذي في الآية السابقة للوجوب، ولا يوجد صارف من النص، أو
الإجماع له.
2 - وليمة العرس هل هي واجبة؟
فأصحاب المذهب الأول يقولون: إن وليمة العرس ليست واجبة
(3/1359)

والأمر الوارد في قوله - صلى الله عليه وسلم - لعبد الرحمن بن عوف حين تزوج -:
" أولم ولو بشاة " مصروف عن الوجوب إلئ الندب؛ لأنه طعام
لسرور حادث فأشبه سائر الأطعمة.
أما أصحاب المذهب الثاني وهم الظاهرية فيقولون: إن الوليمة
واجبة؛ لأن الأمر الوارد في الحديث السابق مطلق، والأمر المطلق
للوجوب، ولا يوجد صارف من نص أو إجماع.
3 - الأكل من هدي التطوع هل هو واجب أو لا؟
أصحاب المذهب الأول - هم الجمهور - قالوا: إن الأكل من
الهدي ليس بواجب بل هو مندوب، والأمر الوارد في قوله تعالى:
(فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها) مصروف من الوجوب إلى الندب
والقرينة الصارفة هي أن الآية قد جاءت مبطلة لما كان عليه العرب
في جاهليتهم؛ حيث إنهم كانوا لا يأكلون من النسك، فأذن الله
سبحانه في الأكل، وندب إليه؛ لما فيه من مخالفتهم.
أما أصحاب المذهب الثاني - وهم الظاهرية - فقد ذهبوا إلى أن
الاكل واجب؛ لأنه مأمور به في الآية السابقة، والأمر يقتضي
الوجوب ولا صارف له.
(3/1360)

المطلب التاسع إذا ورد الأمر بعد النهي ماذا يقتضي؟
إذا وردت صيغة: " افعل " بعد الحظر - وهو النهي فماذا تقتضي؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أنها تقتضي الإباحة.
وهو مذهب كثير من العلماء منهم: الإمام مالك، وأحمد،
والشافعي في ظاهر كلامه، وهو اختيار بعض الحنفية، وأكثر الحنابلة
وأكثر الفقهاء.
وهو الحق؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: الاستقراء والتتبع للأوامر الشرعية الواردة بعد
النهي، فإق بعد استقراء وتتبع الأوامر الواردة بعد النهي في النصوص
الشرعية لم نجد أمراً ورد بعد الحظر إلا والمراد به الإباحة، ومن ذلك
قوله تعالى: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض) ،
وقوله: (فإذا تطهرن فأتوهن) ، وقوله: (وإذا حللتم فاصطادوا) ،
وقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها "،
وقوله: "كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي أما الآن فكلوا وادخروا ".
ما اعترض به على هذا الدليل:
الاعتراض الأول: أن هذه المواضع قد حملت على الإباحة بدليل،
وهو الإجماع.
(3/1361)

جوابه:
أنا لا نعلم دليلاً على حملها على الإباحة إلا ورودها بعد الحظر
فقط، أما الإجماع فهو حادث بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -، والإباحة مستفادة من هذه الألفاظ في وقته.
الاعتراض الثاني:
أنه ورد أمر بعد حظر، والمراد به الوجوب كقوله تعالى:
(فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين)
جوابه:
لا نسلم أن الوجوب مستفاد من هذه الآية، وإنما استفيد وجوب
قتل المشركين بآيات أخر كقوله تعالى: (فإن قاتلوكم فاقتلوهم) ،
وقوله: (فقاتل في سبيل الله) .
الدليل الثاني: العرف والعادة دلَّ على أن الأمر بعد الحظر للإباحة
فلو قال السيد لعبده: " لا أكل من هذا الطعام "، ثم قال له بعد
ذلك: " كل منه "، فإن هذا الأمر بعد الحظر يقتضي الإباحة؛ لأنه
لو لم يأكل لا يذم، ولو أكل لا يمدح، وهذا هو حد الإباحة.
المذهب الثاني: إذا وردت صيغة الأمر بعد النهي، فإنها تقتضي ما
كانت تقتضيه قبل وجود النهي من وجوب، أو ندب، أو إباحة،
أو يتوقف فيها على الخلاف السابق الذكر، أي: أن الأمر بعد النهي
في زلة الأمر المبتدأ، وهو مذهب أكثر المتكلمين، وأكثر الحنفية،
وأكثر المعتزلة، وأكثر المالكية، وبعض الشافعية كالبيضاوي.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول. أن أدلة إفادة الأمر المطلق للوجوب عامة وشاملة لما
(3/1362)

تقدمه حظر ولغيره، ولم توجد قرينة تصرفه عن مقتضاه الحقيقي
عندنا وهو الوجوب، فأشبهت بذلك صيغة الأمر التي لم يتقدمها
نهي، فيكون تقدم النهي على الأمر لم تؤثر عليه.
جوابه:
نحن نقول: إن صيغة الأمر تقتضي الوجوب إذا كانت متجردة
عن القرائن.
أما إذا وجدت قرينة صارفة من حمله على الوجوب إلى غيره،
فهذا يختلف.
وهنا لا نُسَلِّمُ أن صيغة الأمر متجردة عن القرينة، بل تقدم النهي
على الأمر قرينة دالة على أن المتكلم لم يستعمل صيغة الأمر للوجوب
بل استعملها للإباحة -.
أي: أن تقدم النهي على الأمر يعتبر قرينة صرفت الأمر من
الوجوب إلى الإباحة.
اعتراض على ذلك:
قال بعضهم: إن النهي لا يفيد الإباحة بلفظه ولا بمعناه؛ لأن لفظ
النهي يقتضي المنع والتحريم، ومعناه لا يوجب ذلك؛ لأنه لا يمتنع
أن يكون الشيء محرما، ثم يجعل واجباً، فينسخ التحريم
بالإيجاب.
جوابه:
نحن لا نقول: إن لفظ النهي فقط أفاد الإباحة، وإنما حصلت
الإباحة به، وبما بعده من صيغة الأمر، كما لو استأذن العبد سيده
(3/1363)

في فعل شيء، فقال له السيد: " افعل "، فإنا نحمله على الإباحة
بشيئين هما: " الاستئذان "، و " الأمر وهو قوله: افعل ".
الدليل الثاني: قياس الأمر على النهي في ذلك، بيانه:
كما أن النهي الوارد بعد الأمر يقتضي ما كان يقتضيه قبل الأمر
وهو: التحريم كذلك الأمر الوارد بعد النهي يقتضي ما كان يقتضيه
قبل النهي، وهو: الوجوب، ولا فرق.
جوابه: يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ الأصل المقاس عليه وهو قولكم: " إن
النهي الوارد بعد الأمر يقتضى ما كان يقتضيه قبل الأمر وهو:
التحريم "، بل إن النهي إذا ورد بعد الأمر فهو مقتض للكراهة
والتنزيه.
الجواب الثاني: سلمنا أن النهي إذا ورد بعد الأمر يقتضي التحريم
- كما قلتم -، فلا يجوز أن يقاس عليه الأمر الوارد بعد النهي،
وذلك لوجود الفرق بينهما.
ووجه الفرق: أن النهي آكد؛ لأنه يقتضي قبح المنهي عنه، وذلك
محرم، بخلاف الأمر، فإنه: استدعاء للفعل، وقد يستدعي
الشارع ما يوجبه، وما يستحبه، وقد يكون المراد به: الإذن بعد
المنع، وهو: الإباحة.
ويؤيد ذلك: أن النهي يقتضي التكرار، والفور، ولكنهم لا
يقولون ذلك في الأمر.
المذهب الثالث: الوقف وعدم الجزم بشيء مع الوجوب أو الإباحة.
(3/1364)

وهو مذهب إمام الحرمين.
دليل هذا المذهب:
أن الأدلة متعارضة بعضها يثبت المذهب الأول، وبعضهم يثبت
المذهب الثاني، ولا مرجح لواحد منها على الآخر، فالقول برأي
معين تحكم وترجيح بلا مرجح، وهو باطل، فوجب الوقف.
جوابه:
أنه لا داعي لهذا التوقف مع قوة أدلتنا على أن الأمر بعد النهي
للإباحة وضعف أدلة أصحاب المذهب الثاني، فوجب القول بالإباحة.
بيان نوع هذا الخلاف:
الخلاف معنوي كما هو ظاهر، حيث إنه لد أثر في كثير من
الفروع الفقهية، ومنها:
1 - حكم النظر إلى المخطوبة.
اختلف في ذلك على قولين:
القول الأول: إن النظر إليها مباح؛ لأنه أمر بعد نهي؛ حيث
نهي عن النظر إلى المرأة الأجنبية، ثم أمر بالنظر إليها في قوله - صلى الله عليه وسلم -: " اذهب فانظر إليها ".
القول الثاني: أن النظر إليها مندوب إليه؛ لأن الأمر وإن كان أمراً
بعد نهي لكنه معلل بعِلَّة تدل على أنه أريد بالأمر الندب، وهي:
قوله - صلى الله عليه وسلم -: " فإنه أجدر أن يؤدم بينكما ".
لعلك أيها القارئ تسأل وتقول: لمَ لم يحمل على الوجوب
أخذاً بالمذهب الثاني الأصولي.
(3/1365)

والجواب: أن هناك قرينة صرفته عن ذلك، وهو قوله:
" فإنه أجدر أن يؤدم بينكما ".
2 - حكم زيارة القبور.
اختلف في ذلك على قولين:
القول الأول: أن زيارة القبور مباحة؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال:
"كنتم نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها "، وهو أمر بعد نهي،
والأمر بعد النهي للإباحة.
القول الثاني: أن زيارة القبور مندوب إليها؛ لأن الأمر بزيارتها
وإن كان بعد نهي، لكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - علله بأنها يذكر الموت والآخرة "، وذلك أمر مطلوب شرعاً.
(3/1366)

المطلب العاشر الأمر المطلق هل يقتضي فعل المأمور به
مرة واحدة أو التكرار؟
إذا كان الأمر مقيداً بمرة واحدة مثل قولك: " اعط زيداً درهما مرة
واحدة " أو مقيداً بمرات كقولك: " اعط زيداً درهما ثلاث مرات "
فإن الأمر في هاتين الحالتين يكون مقيداً لما قيد به من المرة أو المرات،
وهذا بالاتفاق.
أما إذا وردت صيغة الأمر وهي: " افعل " مطلقة، أي: مجردة
عن القرائن، فهل تقتضي فعل المأمور به مرة واحدة، أو أنها تقتضي
التكرار؟
اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار، أي: لا
يقتضي إلا فعل المأمور به مرة واحدة - فقط -، فلو قال السيد
لعبده: " صم "، فإنه يخرج عن العهدة وتبرأ ذمته بصوم يوم واحد
فقط.
وهو مذهب أكثر الحنفية والظاهرية، ورواية عن الإمام أحمد،
وهو اختيار كثير من الحنابلة كأبي الخطاب، وابن قدامة، ونُسب إلى
اكثر العلماء والمتكلمين، وهو الحق عندي للأدلة التالية:
الدليل الأول: أن قول القائل لغيره: " ادخل الدار " معناه: كن
داخلاً، وبدخلة واحدة يوصف بأنه داخل، فكان ممتثلاً، وكان
الأمر عنه ساقطاً.
(3/1367)

اعتراض على هذا:
قال قائل - معترضا -: هو بالدخلة الثانية يوصف بأنه داخل
- أيضا - فالدخلة الثانية تكون داخلة تحت الأمر.
جوابه:
إنه بالدخلة الأولى يكون داخلاً على الكمال؛ لأن بها يسمى
داخلاً على الإطلاق، فكمل بها فائدة الأمر، فاما الدخلة الثانية،
فتكرار لفائدة الأمر بعد استكمالها.
الدليل الثاني: قياس الأمر المطلق على اليمين، والنذر، والوكالة، والخبر.
بيان ذلك:
1 - أنة - لو حلف قائلاً: " واللهِ لأصومن "، فإنه يَبَر بصوم يوم
واحد.
2 - أنه لو نذر قائلاً: " لله علي أن أصوم "، أو قال: " لله
عليّ أن أتصدق "، فإنه يكون قد أوفى بنذره بصوم يوم واحد،
والتصدق بدرهم واحد مرة واحدة.
3 - أنه لو قال لوكيله: " طلق زوجتي فلانة " لم، يجز للوكيل
أن يطلق أكثر من مرة واحدة.
4 - أنه لو أخبر عن نفسه، وقال: " قد صمت "، فإنه يكون
صادقا لو صام يوما واحداً، ولو قال: " سوف أصوم "، لكان
صادقا بصوم يوم واحد.
فإذا كانت هذه الأمور يكتفي فيها بمرة واحدة، ويخرج بفعل هذه
المرة عن العهدة، فكذلك الأمر المطلق، فإذا أمر الشخص أمراً
(3/1368)

مطلقا بشيء، فإن الواجب عليه فعل هذا الشيء مرة واحدة فقط،
وتبرأ ذمته.
اعتراض على ذلك:
قال قائل - معترضا -: إن الأمر في اليمين والتوكيل يقتضي
التكرار من جهة اللغة، ولكن تركنا مقتضى اللغة بالشرع، ولا يمتنع
أن يكون اللفظ في اللغة يقتضي أمراً، ثم يقرر الشرع فيه غير مقتضاه
في اللغة، كما لو حلف وقال: " والله لا آكل الرؤوس "، فإنه
يعم في اللغة كل رأس، وفي الشرع يُحملَ على رؤوس الغنم.
جوابه:
لا نسلم أن الشرع يغير مقتضى اللغة، وإنما الشرع يُقرر اللغة،
ويضيف إليها حكما زائداً، بدليل: أنه لو قال: " افعل ذلك أبداً "
أو قال: " طلق زوجتي ما أملكه ": لم يقطعه الشرع عن مقتضاه
في اللغة، فلا يقطعه عن التكرار، أما مسألة الرؤوس فلا نسلمها؛
حيث إنه يحمل على مقتضاه في اللغة.
الدليل الثالث: أن السيد لو قال لعبده: " ادخل الدار ".
فإنه لو دخل مرة واحدة، ثم خرج: لخرج عن العهدة، ولا
يجوز لومه، ولا توبيخه، ولو أن السيد لام عبده بسبب أنه لم
يدخل مرة ثانية وثالثة لخطأه العقلاء من أهل اللغة؛ لأنه بدخوله مرة
واحدة يكون قد امتثل الأمر، والصيغة لا دلالة فيها على العدد.
المذهب الثاني: أن الأمر المطلق يقتضي التكرار.
وهو مذهب بعض الشافعية كالأستاذ أبي إسحاق، وهو رواية عن
الإمام أحمد، وهو اختيار بعض الحنابلة كالقاضي أبي يعلى، وهو
قول جماعة من الفقهاء والمتكلمين.
(3/1369)

أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن أبا بكر - رضي اللَّه عنه - قد قاتل من منع
الزكاة، واستند في ذلك على قوله تعالى: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) ؛
حيث إنه حمل هذا الأمر على أنه لا بد أن يتكرر، وكان ذلك
بحضرة الصحابة، فكان ذلك إجماعاً منهم على أن الأمر يفيد
التكرار وإلا لما سكتوا على تلك المخالفة، ولما صح لأبي بكر
محاربة أهل الردة على ذلك؛ لكونهم قد امتثلوا دفع الزكاة في عهد
الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
جوابه:
إن تكرار دفع الزكاة ثبت عن طريق قرينة وهي: كون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أخذها منهم مراراً في أعوام متعددة،
وهذا خارج عن محل النزاع، لثبوت القرينة.
الدليل الثاني: أن الأمر لا اختصاص له بزمان دون زمان؛ لأنه لا
يوجد زمان أَوْلى من زمان آخر، فاقتضى إيقاع الفعل في جميع
الأزمان.
جوابه:
لا نسلم ذلك، بل الأمر يختص بأقرب الأزمان إليه؛ لأن الأمر
يقتضي الفور، فيختص إيقاع الفعل بأقرب الأوقات إليه، فيكون
مقتضى الأمر: افعله في أول الأوقات، فإن فات فافعله في الثاني،
فإن فات الثاني فافعله في الثالث، وهكذا، فعلى هذا: لا يكون
الأمر عاماً في جميع الأزمان.
"الدليل الثالث: قياس الأمر على النهي، بيانه:
(3/1370)

أن الأمر كالنهي بجامع أن كلًّا منهما: استدعاء وطلب، فالنهي
أفاد وجوب ترك الشيء، والأمر أفاد وجوب فعله.
والنهي اقتضى وجوب الترك أبداً، فكذلك الأمر يجب أن يكون
مثله بأن يقتضي الفعل أبداً.
جوابه:
أن هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن
النهي يقتضي عدم الماهية، وعدمها إنما يكون بعدم الإتيان بها في أي
فرد من أفرادها، بخلاف الأمر فإنه يقتضي طلب الماهية، والماهية
تتحقق ولو بفرد من أفرادها، فمقتضى التكرار موجود في النهي،
وليس موجوداً في الأمر.
الدليل الرابع: أن الأمر يقتضي العزم والفعل، ثم إنه يقتضي
العزم على التكرار، فكذلك يقتضي الفعل على التكرار، ولا فرق.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنه لا يمتنع أن يجب دوام العزم، دون دوام
الفعل كما لو قال: " صل مرة "، فإن العزم والاعتقاد تجب
استدامته، ولا تجب استدامة الفعل، فإذا فعل الصلاة وصلى ركعتين
برأت ذمته، لكن دوام العزم والاعتقاد واجب.
الجواب الثاني: أن قياس الفعل على الاعتقاد والعزم قياس فاسد؛
لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن الاعتقاد والعزم على الفعل
لم يجب بصيغة الأمر الواردة، وإنما يُستند في وجوبه إلى قيام
الدلالة على صدق رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، فإذا أخبر بالوجوب: وجب
(3/1371)

اعتقاده، فإذا عرف المكلَّف الأمر فلم يعتقد وجوبه صار مكذبا له في
خبره، فيصير كافراً بذلك.
بخلاف الفعل، فإنه يجب بصيغة الأمر، فإذا فعل ما يصح أن
يعلم الآمر أنه ممتثل كفاه مثل: أن يقول: " صل " فيصلي المأمور
ركعتين - فقط - فيحسن أن يقول: " قد صليت ".
المذهب الثالث: أن الأمر لا يدل على التكرار ولا على المرة
الواحدة، وإنما يدل على طلب الماهية، والماهية كما تتحقق في المرة
الواحدة تتحقق كذلك في غيرها، إلا أن المرة الواحدة ضرورية،
وليست المرة مما وضع له الأمر.
وهو مذهب بعض الشافعية كالإمام الرازي، والآمدي،
والبيضاوي.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن الأمر المطلق ورد استعماله في التكرار شرعا
وعرفا، أما في الشرع فمثل قوله تعالى: (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)
أما في العرف فمثل قولك: " أحسن إلى الناس ".
وورد استعمال الأمر المطلق في المرة الواحدة شرعا وعرفا.
أما في الشرع فمثل قوله عليه الصلاة والسلام: " إن اللَّه كتب
عليكم الحج فحجوا ".
أما في العرف فمثل قول السيد لعبده: " اشتر اللحم ".
والأصل في الاستعمال الحقيقة، فبطل أن يكون اللفظ حقيقة في
واحد منهما مجازاً في الآخر؛ لأن المجاز خلاف الأصل،
(3/1372)

ولا يجوز أن يقال: إنه وضع لكل واحد منهما حقيقة؛ لأن هذا يلزم
منه أن يكون الأمر المطلق مشتركا لفظياً، والاشتراك خلاف الأصل،
وتخلصاً من ذلك فإنه يقال: إن اللفظ - وهو لفظ الأمر المطلق -
وضع للقدر المشترك بينهما، وهو طلب الماهية.
جوابه:
إذا كان الأمر المطلق وضع للقدر المشترك وهو طلب الماهية - كما
زعمتم - فإنه يلزم من هذا: أنه إذا استعمل في المرة الواحدة، أو
التكرار يكون عن طريق المجاز؛ لأنه استعمال له في غير ما وضع
له، وينتج من ذلك: تكثير المجاز، وهو خلاف الأصل.
فوجب القول بأنه حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر؛ تقليلاً
للمجاز بقدر الإمكان.
ونظراً لقوة أدلتنا على أن الأمر المطلق يقتضي المرة الواحدة،
وضعف أدلة القائلين: إن الأمر يقتضي التكرار - كما سبق بيانه -
فإن لفظ الأمر المطلق يقتضي المرة الواحدة حقيقة، ولا يحمل على
أنه يقتضي التكرار إلا بقرينة، فيكون مجازاً فيه.
الدليل الثاني: أنه يحسن السؤال من المأمور بهذه الصيغة، فإذا
قال السيد لعبده: " قم "، فإنه يحسن من العبد أن يسأل ويقول:
ماذا تريد بأمرك هذا؛ هل تريد فعل المأمور به مرة، أو فعله أكثر من
مرة؛ فهذا الاستفسار يدل على أنه لا يفهم من الصيغة المرة الواحدة ولا
التكرار، بل لا يفهم منها إلا طلب الماهية.
جوابه:
إن السؤال والاستفسار قد استحسن هنا طلبا لتأكيد العلم أو الظن:
-
(3/1373)

فالمأمور فهم عدم التكرار؛ ولكنه استفسر ليتأكد من ذلك، والتأكيد
يكون؛ لئلا يتسع الفهم، أو طرد المجاز، لذلك يدخل في الخبر
فيقول شخص: " ختمت الليلة الماضية القرآن "، فسمع السامع
هذا، ولكنه أراد أن يتأكد فقال: " ختمت القرآن الليلة الماضية؛ ".
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا فيه تفصيل:
الخلاف الأول:
وهو الخلاف بين أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إن
الأمر المطلق لا يقتضي التكرار - وبين أصحاب المذهب الثاني - وهم
القائلون: إن الأمر يقتضي التكرار - خلاف معنوي؛ حيث تأثر
بهذا الخلاف بعض الفروع الفقهية، ومنها:
1 - حكم السارق مرة ثانية.
أصحاب المذهب الأول: يرون أن السارق إذا سرق مرة ثانية فلا
تقطع يده اليسرى بدليل: أن الأمر في قوله تعالى:
(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) لا يقتضي التكرار، ولا يحتمله، فلا
تقع من الأيدي إلا يمين السارق فقط.
أما أصحاب المذهب الثاني: فإنهم قالوا: الأصل: أن تقطع يد
السارق اليسرى إذا سرق مرة ثانية؛ لأن الأمر في الآية السابقة يقتضي
التكرار، ولكن هناك قرينة منعت من العمل على هذا الأصل وهي:
مراعاة حال السارق، وجعله ينتفع باليسرى.
2 - إذا وكل شخص شخصا آخر يطلاق امرأته فماذا يملك؟
(3/1374)

لو قال شخص لشخص آخر: " طلق زوجتي فلانة "، فقد
اختلف في ذلك.
فأصحاب المذهب الأول يقولون: إنه لا يجوز للوكيل أن يطلق
إلا مرة واحدة؛ لأن الأمر عندهم يقتضي المرة الواحدة.
أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم قالوا: إنه يجوز للوكيل أن
يطلق أكثر من طلقة؛ لأن الأمر عندهم يقتضي التكرار.
الخلاف الثاني:
وهو الخلاف بين أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إن
الأمر لا يقتضي التكرار -، وبين أصحاب المذهب الثالث - وهم
القائلون: إن - الأمر لا يقتضي التكرار، ولا المرة الواحدة -: فإن
هذا الخلاف يمكن أن يكون لفظيا، ويمكن أن يكون معنويا.
فيكون الخلاف لفظيا إذا نظرنا إلى أن أصحاب المذهبين قد اتفقا
على أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار، فمقصد أصحاب المذهب
الثالث هو: نفي التكرار والخروج عن العهدة بالمرة الواحدة ضرورة،
وهو نفسه مقصد أصحاب المذهب الأول، فلا خلاف إذن.
ويكون الخلاف معنوياً إذا نظرنا إلى دلالة الأمر المطلق على المرة
هل هي بطريق المطابقة أو الالتزام؟
فبناء على المذهب الأول - وهو: أن الأمر المطلق يقتضي المرة
الواحدة ولا يقتضي التكرار، فإن الأمر المطلق يدل على المرة الواحدة
دلالة مطابقة.
وبناء على المذهب الثالث - وهو: أنه لا يقتضي المرة ولا التكرار
وإنما هو طلب الماهية، فإن الأمر المطلق يدل على المرة الواحدة دلالة
التزام: على اعتبار أنها لازمة للامتثال؛ إذ لا يحصل بأقل منها.
(3/1375)

المطلب الحادي عشر الأمر المعلق بشرط أو صفة هل يقتضي تكرار
المأمور به بتكرار الشرط أو الصفة أو لا؟
أصحاب المذهب الثاني - في المطلب السابق - وهم القائلون: إن
مطلق الأمر يقتضي التكرار - قالوا: إذا عُلِّق الأمرُ بشرط كقولك:
" إن قام زيد فقم "، أو علق الأمر بصفة كقولك: " اعط الناجح
درهماً "، فإنه يقتضي التكرار من باب أوْلى؛ لأنهم إذا قالوا: إن
الأمر المطلق يقتضي التكرار، فإنه إذا علق بشرط أو صفة يقتضي
التكرار كلما تكرر الشرط، أو تكرر وجود الصفة.
أما أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إن الأمر المطلق لا
يقتضي التكرار بل المرة الواحدة: فقد اختلفوا في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن الأمر المعلق بالشرط أو الصفة لا يقتضي
التكرار.
وهذا هو مذهب أكثر القائلين: إن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار،
وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن العرف دلَّ على أن الأمر إذا علق بشرط، فإنه
لا يتكرر بتكرر الشرط؛ فإنه لا يعقل منه إلا فعل مرة واحدة، بيانه:
أن السيد إذا قال لعبده: " إن دخلت السوق فاشتر تمراً "، فإنه لا
يعقل منه تكرار شراء التمر، وإن تكرر دخوله السوق.
(3/1376)

كذلك لو قال الرجل لزوجته: " إن دخلت الدار فأنت طالق "،
فإنه لا يتكرر وقوع الطلاق بتكرر دخولها.
وكذلك قوله لوكيله: " طلق زوجتي إذا دخلت الدار "، فإنه لا
يعقل من هذا أن يطلقها كلما دخلت الدار، وإنما يطلقها مرة واحدة،
وإن تكرر دخولها الدار.
الدليك الثاني: أن أهل اللغة فرقوا بين قول القائل: " اعط زيداً
درهماً إذا طلعت الشمس "، وبين قوله: " اعط زيداً درهما كلما
طلعت الشمس " في أن العبارة الأولى تفيد أنه لا يتكرر الإعطاء
بتكرر طلوع الشمس، وأن العبارة الثانية تفيد: أنه يتكرر الإعطاء
بتكرر طلوع الشمس؛ بسبب كلمة " كلما "، فلو كان الأمر المعلق
بشرط يقتضي التكرار بتكرار الشرط: لما كان بين العبارتين فرق.
الدليل الثالث: قياس الأمر المعلق على شرط على الخبر المعلق
على شرط، بيانه:
أنه لو قال شخص: " زيد يدخل الدار إن دخلها عمرو "،
فتكرر دخول عمرو، ودخلها زيد مرة واحدة، فإنه يكون صادقا
بهذا الخبر، ولو لم يدخلها زيد إلا مرة واحدة.
فكذلك لو قال لزيد: " ادخل الدار إن دخلها عمرو "، فلو كرر
عمرو الدخول، ودخلها زيد مرة واحدة، فإنه يكون ممتثلاً للأمر،
ويخرج بها عن العهدة، ولا فرق بينهما.
المذهب الثاني: أن الأمر المعلق بالشرط أو الصفة يقتضي التكرار.
وهو مذهب بعض القائلين: " إن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار ".
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: الوقوع؛ حيث إنه وقع ووجد في كتاب الله أوامر
(3/1377)

معلقة بشروط وصفات تتكرر بتكرر الشروط والصفات من ذلك:
قوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) ، وقوله:
(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) ، وقوله: (الزانية والزاني
فاجلدوا) ، فكلما قام المسلم إلى الصلاة فلا بد له من الوضوء،
وكلما وجدت صفة السرقة في مسلم فإنه يجب قطع يده، وكلما
وجدت صفة الزنى في مسلم فإنه يجب الجلد، فهنا تكرار الفعل
بتكرر الشرط والصفة.
جوابه:
يجاب عنه بأجوبة:
الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أن قوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة..) يقتضي التكرار، حيث لا يقتضي تكرار الوضوء بتكرار
الصلاة: فقد يصلي الإنسان عدة صلوات بوضوء واحد، وقد يتوضأ
ولا يصلي.
الجواب الثاني: سلمنا أن فيما ذكر تكرار، ولكن هذا التكرار لم
يعقل من ظاهر هذه الآيات، وإنما جاء هذا التكرار من أدلة خارجية
كالإجماع أو القياس أو غيرهما.
الجواب الثالث: أنه كما وجدتم في الشريعة أحكاما تقتضي
التكرار بتكرر الشرط، كذلك وجدنا في الشريعة أحكاما لا تقتضي
التكرار بتكرر الشرط وهو: الحج والعمرة، فإن الاستطاعة توجد،
ولا يجب الحج الثاني.
الجواب الرابع: أنه تكرر الحد بتكرر السرقة والزنا لأنهما علتان،
والعلة يتبعها حكمها كلما وجدت.
(3/1378)

الدليل الثاني: قياس التعليق بالشرط على التعليق بالعلَّة،
والجامع: أن كل واحد منهما سبب فيه، ثم الحكم يتكرر بَتكرر
العِلَّة، فكذلك يتكرر بتكرر الشرط.
جوابه:
هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأنه يوجد فرق بين
العلَّة والشرط من حيث إن العلَّة تقتضي الحكم، وتدل عليه،
والشرط لا يدل على الحكم، ولا يقتضيه، فلم يتكرر بتكرره
بدليل: ما قلنا سابقا وهو: أن من طلق امرأته بشرط دخول الدار لم
يكن دخولها في المرة الثانية شرطا في الطلاق.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ حيث أثر هذا الخلاف في بعض الفروع
الفقهية، ومنها:
1 - لو قال لوكيله: " إن دخلت زوجتي الدار فطلقها "
هل يتكرر الطلاق بتكرر الدخول؟
اختلف في ذلك على قولين:
القول الأول: أنه لا يطلقها إلا طلقة واحدة، وإن تكرر الدخول.
القول الثاني: أنه يطلقها كلما تكرر دخولها، فإن دخلت ثلاث
مرات يطلقها ثلاث مرات.
2 - هل تجب الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - كلما ذكر؟
اختلف في ذلك على أقوال:
القول الأول: أن الواجب هو: الصلاة على النبي مرة واحدة في
المجلس الذي يتكرر فيه ذكره عملاً بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "بَعُد من ذكرت عنده فلم يصل علي "
(3/1379)

لأن الأمر المطلق بشرط لا يقتضي التكرار بتكرار الشرط.
القول الثاني: أن الواجب هو الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - كلما ذكر في المجلس الواحد؛ لأن الأمر المطلق يقتضي التكرار بتكرار الشرط.
القول الثالث: أن الواجب هو الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - مرة واحدة في العمر كله؛ لأن الأمر المعلق بشرط لا يقتضي التكرار بتكرار الشرط.
(3/1380)

المطلب الثاني عشر إذا كرر لفظ الأمر بشيء واحد مثل: " صل ركعتين
صل ركعتين " فهل يقتضي التكرار؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يقتضي التكرار، فلفظ الأمر الثاني لم يأت
بجديد؛ حيث إنه دلَّ على ما دلَّ عليه لفظ الأمر الأول، ولفظ
الأمر الأول اقتضى الوجوب، فلا يجوز حمل لفظ الأمر الثاني على
واجب غيره.
وهو مذهب بعض الشافعية، وبعض الحنابلة كأبي الخطاب وابن
قدامة، وهو الحق عندي؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: قياس الأمر المكرر على النذر المكرر، والخبر
المكرر، واليمين المكرر، بيان ذلك:
أنه لو كرر النذر وقال: " لله علي أن أصوم، لله علي أن أصوم "
لم يجب عليه إلا صوم يوم واحد فقط، فلا أثر لتكرار اللفظ.
كذلك لو قال: أإني قد تصدقت، إني قد تصدقت "، فإنه
يصدق لو لم يتصدق إلا مرة واحدة بدرهم واحد.
كذلك لو قال في - اليمين: " والله لأصومن والله لأصومن "،
فإنه يبر بصوم يوم واحد فقط، فلم يكن للفظ الأمر الثاني أثر، وقد
وقع أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال:
" واللهِ لأغزون قريشا، واللهِ لأغزون قريشا، واللهِ لأغزون قريشاً "،
(3/1381)

فلم يكن لهذا التكرار من أثر؛ حيث إنه غزاهم غزوة واحدة وهي غزوة الفتح.
فإذا كان الفعل لا يتكرر في هذه الأمور، فكذلك لفظ الأمر لا
يقتضي تكرار الفعل ولا فرق.
الدليل الثاني: أن السيد لو قال لعبده: " اسقني ماء اسقني ماء "
فإن لو أسقاه مرة واحدة فإنه يستحق المدح، ولو لامه السيد وقال
له: " اسقني مرات " لانتقده عقلاء أهل اللغة، وذلك لأن الأمر وإن
تكرر فإن الواجب الفعل مرة واحدة.
المذهب الثاني: أنه يقتضي التكرار.
وهو مذهب أكثر الحنفية، وبعض الشافعية، وبعض المعتزلة
كالقاضي عبد الجبار.
دليل هذا المذهب:
أن الغرض بالأمر هو: استدعاء الفعل؛ لأنه هو المطابق لصيغته،
ولا يخلو الأمر الثاني إما أن يكون قد فعل استدعاء للفعل الأول أو
لغيره، فإن فعل لاستدعاء الأول فقد حصل الغرض بالأول، فالثاني
يكون عبثا، فوجب حمله على فعل آخر؛ لئلا يكون عبثا.
جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ حمله على فعل آخر، بل يكون الأمر الثاني تأكيداً
للأول، والتأكيد. مقصود بلغة العرب والقرآن كقوله تعالى:
(فسجد الملأئكة كلهم أجمعون) .
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي، وهو ظاهر في بعض الفروج الفقهية، ومنها:
(3/1382)

1 - أنه لو قال لوكيله: " طلق زوجتي طلق زوجتى "، فإنه لا
يطلقها إلا مرة واحدة، لأن ذلك لا يقتضي التكرار.
2 - أنه لو قال لزوجته: " طلقي نفسك طلقي نفسك "، فإنها
لا تطلق نفسها إلا بواحدة فقط، لأن ذلك لا يقتضي التكرار.
هذا على المذهب الأول.
أما على المذهب الثاني فيلزم منه: أنه يطلقها أكثر من طلقة وتطلق
نفسها أكثر من طلقة.
شروط كونه لا يقتضي التكرار:
لقد مثلت لهذه المسألة بقول القائل: " صل ركعتين صل ركعتين،
مشيراً إلى أنه يشترط في الأمر المكرر ما يلي:
1 - أن يكون الفعلان من نوع واحد، فإن كانا من نوعين
مختلفين مثل: " صل ركعتين، صم يومين " كان الأمران للتأسيس.
2 - أن يكون الفعل قابلاً للتكرار، فإن كان غير قابل للتكرار
مثل: " صم هذا اليوم صم هذا اليوم "، فإنه يحمل على أن الثاني
مؤكد للأول.
3 - أن لا يكون بين الأمرين حرف عطف، فإن كان بينهما
عاطف مثل: " صل ركعتين وصل ركعتين " كان الأمران للتأسيس؛
لأن العطف يقتضي المغايرة.
(3/1383)

المطلب الثالث عشر الأمر المطلق هل يقتضي فعل المأمور به
على الفور أو لا يقتضي ذلك؟
إن اقترن بالأمر قرينة تدل على أن المأمور يفعل المأمور به لا على
الفور كأن يقول له: " اخرج في أي وقت شئت " فهو للتراخي
اتفاقاً.
وإن اقترن بالأمر قرينة تدل على أنه يفعل المأمور به على الفور كأن
يقول له: " اخرج الآن "، فهو للفور اتفاقا.
أما إذا لم يقترن بالأمر شيء يدل على الفور، ولا على غيره بأن
جاء الأمر مطلقا كان يقول له: " اسقني ماء لا أو " صم " أو " قم "
فهل يقتضي الفور أو لا؟
القائلون: إن الأمر المطلق يقتضي التكرار - وهو المذهب الثاني
من المطلب العاشر كما سبق بيانه - فإنهم يقولون: إن الأمر يقتضي
الفور؛ لأنه من ضرورياته؛ لأن تكرار فعل المأمور به يلزم أن يفعل
من أول ما صدرت لفظة الأمر إلى ما لا نهاية له على حسب قدرة
المكلَّف.
أما القائلون: إن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار - كما هو مذهب
كثير من العلماء وهو الذي رجحناه - فقد اختلفوا في الأمر المطلق
هل يقتضي الفور أو لا؛ على مذاهب:
(3/1384)

المذهب الأول: أن الأمر المطلق يقتضي الفور، ولا يجوز تأخيره
إلا بقرينة.
وهو مذهب بعض الحنفية كالكرخي، والجصاص، وجمهور
المالكية، وبعض الشافعية كأبي بكر الصيرفي، والقاضي أبي حامد
المروزي، والدقاق، وأكثر الحنابلة، وهو ظاهر مذهب الإمام
أحمد، والإمام مالك، وهو الحق عندي؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: قوله تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم) .
وجه الدلالة: أن في فعل الطاعة مغفرة، فتجب المسارعة إليها،
والمسارعة تقتضي إيقاع الفعل بعد صدور الأمر مباشرة.
اعتراض على ذلك:
قال قائل - معترضا -: المراد بالآية التوبة من الذنوب، وهذا لا
نزاع في أنه تجب المسارعة إله.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أن الآية خاصة بالتوبة، بل هي عامة
للتوبة وغيرها من الطاعات.
الجواب الثاني: سلمنا أن الآية خاصة بالتوبة من الذنوب، فإنها
عبادة قد وجبت على الفور بمطلق الأمر، فيقاس على ذلك بقية
العبادات.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات) .
وجه الدلالة: أن الله تعالى قد مدح هؤلاء على المسارعة بفعل
(3/1385)

الخيرات، فبناء على ذلك: يكون ترك المسارعة يذم عليه، وما يذم
على تركه هو الواجب.
الدليل الثالث: أن الأمر قد اقتضى الوجوب، فحمله على
وجوب الفعل عقيبه واجب؛ لأمرين:
أولهما: أنه إذا فعل المأمور به فور صدور صيغة الأمر يكون ممتثلاً
للأمر بيقين، دون شك.
ثانيفما: أنه بمجرد تأخير الفعل يكون معرضاً نفسه لخطر عدم
القيام به، ودرءاً لذلك واحتياطاً فإنه تجب المبادرة إليه.
الدليل الرابع: أن السيد إذا قال لعبده: " اسقني ماء "، فإن
سقاه على الفور استحق المدح بالاتفاق، وإن تأخر في امتثال الأمر،
ولم يسقه فور صدور صيغة الأمر، فإنه يحسن من السيد ذمه
وتوبيخه، فلما سأله عقلاء أهل اللغة عن سبب معاقبته لهذا العبد
قال لهم: إني أعاقبه؛ لأنه خالف أمري وعصاني؛ حيث إني أمرته
بأن يسقيني ماء، وتأخر في جلب الماء إلي، فهنا يُقبل منه هذا
العذر، ولا ينكر عليه، فهذا يدل على أن أهل اللغة قد اتفقوا على
أن الأمر المطلق يقتضي الفور.
اعتراض على ذلك:
قال قائل - معترضا -: نحن معكم أن الأمر هنا يقتضي الفور،
لكن ذلك دلَّ عليه قرينة وهي: أن السيد لا يستدعي ماء إلا وهو
عطشان فتأخره يضر به، فلذلك اقتضى التعجيل، وهذا ليس في
محل النزاع.
جوابه:
لا نسلم أن وجوب التعجيل ثبت عن طريق القرينة؛ لأن السيد
(3/1386)

- لما سأله عقلاء اللغة عن سبب معاقبته - لم يعلل ذمه وتوبيخه
بالعطش، وإنما علله بأنه أمره بشيء فأخره عنه وعصاه بذلك، فدل
على أن لفظ الأمر يقتضي الفور.
الدليل الخامس: أن صدور صيغة " افعل " هو سبب للزوم الفعل
فيجب أن يقع الفعل عقيب صدوره، قياساً على عقد البيع والطلاق
والموت، بيان ذلك:
أن البائع إذا قال: " بعتك هذه الدار بكذا " ثم قال المشتري:
"قبلت "، فإن ملكية الدار تنتقل فوراً إلى المشتري دون تأخير.
كذلك الطلاق: فإن الزوج إذا قال: " فلانة طالق "، فإنه يقع
فوراً.
كذلك إذا مات إنسان فإن ميراثه ينتقل إلى الورثة مباشرة، وهكذا.
فهذه الأمثلة وغيرها: الحكم يقع - عقيبها؛ لأنه أقرب الأوقات
إليها، فكذلك الأمر يجب أن يقع الفعل في أقرب الأوقات إليه،
وذلك لأن كل لفظ اقتضى معنى يجب أن يقع ذلك عقيبه.
الدليل السادس: القياس على العزم، وبيان ذلك:
أن الأمر يتضمن: " الأمر بالفعل "، و " الأمر بالعزم عليه "،
و" الأمر باعتقاد وجوبه ".
والعزم، واعتقاد وجوب الفعل واجبان على الفور.
فيقاس عليهما: الفعل، بجامع أن الأمر صدر بهما جميعاً.
فيجب - على هذا - فعل المأمور به على الفور.
المذهب الثاني: أن الأمر المطلق لا يقتضي الفور، بل يجوز تأخير
فعله أي: أن الأمر المطلق يقتضي الامتثال من غير تخصيص بوقت.
(3/1387)

وهو مذهب أكثر الحنفية، واختاره المغاربة من المالكية، وهو
مذهب أكثر الشافعية، ونسب إلى الإمام الشافعي، وهو رواية عن
الإمام أحمد.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قياس الزمان على الآلة، والمكان، والشخص،
بيان ذلك:
أن قولك: " اقتل " يلزم منه أمور ثلاثة: مكان يقتل فيه، وآلة
يقتل بها، وشخص يقتل، وقلنا ذلك؛ لأنه لا يمكن أن يفعل القتل
بدون مكان، وآلة، وشخص يقتل، ويجزئ أي مكان وآية آلة،
وأي شخص بدون تحديد، فيصير ممتثلاً بقتل أي شخص في أي
مكان، وفي أية آلة.
فكذلك الزمان لم تتعرض له صيغة الأمر، ولكنه. يلزم لامتثال
الأمر؛ لأنه لا يمكن أن يمتثل الأمر إلا بزمن معين، فيصير المأمور
ممتثلاً إذا قتل بأي زمن، بدون تحديد.
جوابه:
إن قياس الزمان على الآلة، والمكان، والشخص قياس فاسد؛
لأنه قياس مع الفارق، والفرق بينهما من وجهين:
الوجه الأول: أن عدم تعيين الزمان لإيقاع الفعل يؤدي إلى
تفويته، وإضاعته، بخلاف عدم تعيين المكان والآلة والشخص، فإنه
لا يؤدي إلى تفويته؛ لأنه قد يكون في الزمن الأول مصلحة، أو
درء مفسدة لا تكون في الزمن الثاني أو الثالث، فلو أخره لفات
ذلك، بخلاف المكان والآلة والشخص، فإن المصلحة لا تختلف
باختلاف الأمكنة، والآلات، والأشخاص الكفار.
(3/1388)

الوجه الثاني: أن الزمان الأول أوْلى لفعل المأمور به فيه؛ بدليل
ما بيَّنا وذكرنا من الاحتياط، وتحقيق الإيجاب، والسلامة من
الخطر، والتيقن والقطع بأن المأمور قد خرج عن العهدة بخلاف
الأمكنة، فإنه لا مزية لأحدها على الآخر، وكذلك الأشخاص لا
مزية لأحدهم على الآخر، وكذا الآلات لا مزية لإحداها على
الأخرى.
الدليل الثاني: قياس الأمر على الخبر، بيان ذلك:
أنه إذا قال: " سأعطي زيداً درهماً "، فإنه إخبار عن إيقاع الفعل
في المستقبل، ويكون ممتثلاً إذا أعطى زيداً بأي وقت شاء بدون
تحديد، فكذلك الأمر فلو قال: " أعطني الكتاب "، فإنه طلب
الفعل في المستقبل بدون تعيين أي زمن له، ولهذا لما صد المشركون
المسلمين عام الحديبية قال عمر لأبي بكر - رضي اللَّه عنهما -:
أليس قد وعدنا اللَّه تعالى بالدخول بقوله تعالى: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) فكيف صدونا؛ فقال أبو بكر: " إن الله
تعالى وعدنا بذلك ولم يقل بأي وقت "، فهذا كله يقتضي أن الخبر
لا يقتضي الوقت الأول، فكذلك الأمر بجامع: أن الفعل فيهما
يكون في المستقبل.
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أن قياس الأمر على الخبر قياس فاسد؛ لأنه قياس
مع الفارق، والفرق بينهما من وجوه:
الوجه الأول: أن الخبر يحتمل الصدق والكذب، أما الأمر فلا
يحتمل ذلك؛ حيث إنه حث، ووجوب، واستدعاء.
(3/1389)

الوجه الثاني: أن الخبر من الحكيم لا يوجد إلا بعد أن قد تيقن
الحكيم أنه يكون المخبر على ما أخبر فيه، فلا غرر عليه في التأخير.
أما الأمر، فإنه يلزم المأمور فعلاً لا يعلم أي وقت يوقعه، فكان
إيقاعه في أول الوقت أحوط؛ لأمرين:
أولهما: أن في التأخير خطر وغرر؛ لأنه ربما فاجأه الموت قبل
الفعل فيأثم.
ثانيهما: أن الآمر لو أراد التأخير لأخر الأمر بالفعل.
الوجه الئالث: أن مقصود الخبر أن يكون صدقا، وأي وقت أخبر
به وفعله تحقق المقصود، أما الأمر فالمقصود: الإيجاب، والإيجاب
لا يتم إلا بالإيجاد، والتأخير إلى غير غاية، يلحقه بالنوافل، وهذا
لا يجوز.
الجواب الثاني: أن جميع الصحابة ومنهم عمر - رضي اللَّه عن
الجميع - فهموا التعجيل، ولهذا امتنعوا من نحر الهدي، وإنما
حمله أبو بكر على التراخي بقرينة: ثبوت صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - وما يأتي به عن اللَّه، والتأخير والتراخي يجوز بقرينة، وهذا لا خلاف فيه، أما إذا تجرد عن القرائن فإنه يقتضي الفور.
الدليل الثالث: قياس الأمر على اليمين، بيان ذلك:
أنه لو قال: " واللهِ لأصومن "، فإنه يبر بيمينه إذا صام في أي
وقت شاء، فكذلك الأمر، فإذا قال: " افعل "، فإن المأمور يكون
ممتثلاً إذا فعل المأمور به في أي وقت فعله.
جوابه:
إن قياسكم الأمر على اليمين قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق،
(3/1390)

ووجه الفرق
: أن اليمين خير فيها بين أن يفعل، أو لا يفعل ويكفر،
أما الأمر فإنه لم يخير المأمور بين الفعل وتركه.
الدليل الرابع: أن المأمور يسمى ممتثلاً إذا فعل المأمور به في أي
زمن، فتعيينكم الزمن الأول تحكم منكم لا دليل عليه.
جوابه:
إن قولنا: فعل المأمور به يجب أن يكون بعد صدور الأمر به
مباشرة لم يكن بلا أدلة، بل بادلة من النقل والعقل وإجماع أهل
اللغة واللسان كما سبق بيانه.
المذهب الثالث: التوقف في ذلك حتى يقوم دليل يرجح المراد هل
المقصود الفور، أو التأخير.
وهو اختيار بعض الشافعية.
دليل هذا المذهب:
أن الأمر ورد استعماله في الفور مثل: الأمر بالإيمان، وورد
استعماله في التراخي كالأمر بالحج، والأصل في الاستعمال
الحقيقة، فكان الأمر حقيقة في كل منهما على انفراد، فهو مشترك
لفظي بين الفور والتراخي، فلا يفيد واحداً بخصوصه إلا بقرينة،
فإن لم توجد القرينة على أحدهما بخصوصه توقف في فهم المراد منه
حتى تقوم القرينة.
جوابه:
إن قولكم: " الأصل في الاستعمال الحقيقة " إنما يصح إذا كان
اللفظ لا يتبادر منه عند الإطلاق معنى من معانيه، أما إذا كان اللفظ
يتبادر منه معنى بخصوصه، فلا يقال ذلك.
(3/1391)

فلا يصح هذا القول فيما نحن فيه؛ لأن الأمر المطلق يتبادر منه
عند الإطلاق خصوص الفور، فكان اللفظ حقيقة فيما يتبادر منه،
مجازاً في غيره، والمجاز خير من الاشتراك اللفظي؛ وذلك لعدم
احتياجه إلى تعدد في الوضع والقرائن كما سبق.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذا معنوي؛ حيث تأثر بسبب هذا الخلاف كثير من
مسائل الفروع، ومنها:
1 - هل قضاء ما فات من رمضان يجب على الفور أو لا؟
اختلف في ذلك على قولين:
القول الأول: أن القضاء يجب على الفور، وإذا أخره بدون عذر
يأثم، ولا يجوز فعل النوافل من الصيام حتى يؤدي ما عليه من أيام
رمضان.
القول الثاني: أن القضاء لا يجب على الفور، بل يجوز تأخيره
بلا إثم، ويجوز فعل النوافل من الصيام وإن لم يقض ما عليه.
2 - هل يجب الحج فور استطاعة المسلم، أو يجوز تأخيره؛
اختلف في ذلك على قولين:
القول الأول: أن الحج واجب على الفور، فلا يجوز تأخيره،
فإن أخره لغير عذر فقد أثم؛ لقوله تعالى: (ولله على الناس حج
البيت) ، والأمر للفور.
القول الثاني: أن الحج يجوز تأخيره بغير عذر؛ لأن الأمر لا
يقتضي الفور.
(3/1392)

3 - إذا بلغ المال النصاب، وحال عليه الحول، فهل يجب
إخراج الزكاة على الفور أو لا؟ على قولين:
القول الأول: أن الإخراج يجب على الفور، وإن أخر ذلك فهو
آثم؛ لأن الأمر الوارد في قوله تعالى: (وآتوا الزكاة) للفور.
القول الثاني: أن الإخراج لا يجب على الفور، بل يجوز تأخيره
بدون إثم؛ لأن الأمر لا يقتضي الفور.
(3/1393)

المطلب الرابع عشر هل يسقط الواجب المؤقت بفوات وقته؟
إذا أمر الشارع بالفعل في وقت معين، فخرج الوقت ولم يُفعل
فهل يجب القضاء بأمر جديد، أو يجب القضاء بالأمر السابق؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن الواجب المؤقت لا يسقط بفوات وقته، وعلى
هذا: يكون القضاء يجب بالأمر السابق، ولا يحتاج إلى أمر
جديد، فلو لم يصل الفجر في وقتها، وطلعت الشمس فإنه يقضيها
بنفس الأمر الأول - وهو أمر الأداء -.
وهذا هو مذهب كثير من الحنفية - كالبزدوي، والخبازي،
والنسفي، واختاره القاضي عبد الجبار بن أحمد من المعتزلة، وهو
رواية عن الإمام أحمد، وهو مذهب كثير من الحنابلة كالقاضي أبي
يعلى، وابن قدامة، والحلواني، وهو الحق عندي؛ لأن الأمر أثبت
وجوب العبادة في ذمة المكلف، وكل ما ثبت وجوبه في الذمة، فلا
يمكن أن تبرأ الذمة منه إلا بشيئين هما:
أولهما: أن تؤدى تلك العبادة.
ثانيهما: أن يبرئه من كان له حق عليه من الآدميين، فلا تسقط
هذه العبادة إلا بأحد هذين الشيئين.
وبخروج الوقت لم يحصل الأداء، ولا الإبراء، فلم يسقط الوجوب.
فتكون الذمة مشغولة بهذا الوجوب، لا يزول هذا الشغل إلا
بمزيل له، وهو أحد الشيئين السابقين فقط.
(3/1394)

اعتراض على ذلك:
قال قائل - معترضا -: إن الوجوب إنما ثبت بشرط الوقت،
فإذا خرج الوقت سقط الوجوب؛ لأن شرطه قد زال.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن الأمر قد اقتضى الوجوب، والوقت ظرف
لإيقاع الفعل فيه، وبعدم الظرف لا يسقط الوجوب.
الجواب الثاني: أنه قد ثبت الوجوب بشرط الوقت، ولم يسقط
بفوات الوقت، فلو قال: " لله عليّ أن أتصدق يوم الجمعة بعشرة
دراهم "، فلم يتصدق يوم الجمعة لم يسقط عنه النذر، وكان من
الواجب - على زعمكم -: أن يسقطه؛ لأن شرطه قد فات، فهنا
النذر يبقى في ذمته حتى يوفي به: خرج وقته أو لم يخرج.
المذهب الثاني: أن الواجب المؤقت يسقط بفوات وقته، ويحتاج
في القضاء إلى أمر جديد.
أي: أن الأمر المؤقت إذا لم يفعله المكلَّف حتى خرج وقته، فإنه
يحتاج في القضاء إلى أمر جديد.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء من الحنفية، والمالكية، والشافعية
وبعض الحنابلة كأبي الخطاب.
والمراد بالأمر الجديد هو: دليل منفصل مثل الإجماع، أو خطاب
جلي على وجوب فعل مثل الفائت خارج الوقت، أو قياس.
وليس المراد: أنه يتجدد عند فوات كل واجب الأمر بالقضاء؛
لأن زمن الوحي قد انتهى.
(3/1395)

دليل هذا المذهب:
قياس الزمان على المكان والأشخاص، بيان ذلك:
أن اللَّه أمر بالحج إلى مكان مخصوص.
فقد قيدت الأوامر بصفات معينة لا يجوز التساهل بها، فلو حج
لغير مكة لما صح ذلك الحج.
فكذلك الأمر بعبادة إذا علق في وقت معين معناه: تخصيص هذه
العبادة بهذا الوقت، فمثلاً لا يجوز الصيام في غير رمضان ولا تجوز
الصلاة بغير وقتها، قياسا على الأمكنة، والجامع: أن كلها قد
قيدت المأمور بصفة معينة لا يجوز مخالفتها، ولا العدول عنها.
فالعاري والمتجرد عن تلك الصفة لا يتناوله اللفظ، ولا يدخل في
مفهومه، بل يبقى على ما كان قبل الأمر، فلو فات الوقت المحدد
فإنه يسقط الواجب، ويحتاج إلى أمر جديد.
جوابه:
إن قياسكم الزمان على المكان قياس فاسد، لأنه قياس مع الفارق،
حيث إنه يوجد فرق بين تعلق الأمر بزمان، وبين فعله بمكان معين،
والفرق بينهما من وجهين:
الوجه الأول: أن الزمان يتعلَّق بعضه ببعض، فالزمان الثاني تابع
للأول، فالواجب الذي ثبت في الزمن الأول - إذا لم يفعل - فإنه
ينسحب هذا الوجوب إلى الزمن الثاني، ثم الثالث وهكذا، ولا
تبرأ ذمة المكلف منه إلا بأدائه ولو في آخر العمر.
بخلاف المكان فإنه لا ينسحب إلى مكان آخر، وما يجوز فعله
في مكان قد لا يجوز فعله في مكان آخر.
الوجه الثاني: أن المكان لا يفوت، فأمكن الفعل فيه، فلا يعدل
(3/1396)

إلى غيره إلا أن تعذر الفعل فيه بأن صار لجة بحر، فيجوز الفعل في
غيره.
بخلاف الزمان، فإنه يفوت فوجب القضاء في غيره.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ لأنه يلزم على المذهب الأول: أن قضاء
العبادة يجب بالدليل الذي وجب به أدائها، فيكون دليل القضاء هو
نفسه دليل الأداء، فمن ترك الصلاة عمداً حتى خرج وقتها يلزمه
القضاء بالأمر الأول بالنص، فيكون الأمر الأول اشتمل على أمرين
هما: " الفعل أداء "، والثاني: " الفعل قضاء إن فاته الأداء ".
ويلزم على المذهب الثاني عدم جواز قضاء العبادة بالدليل الذي
وجب به أدائها، واختلف هؤلاء - أعني أصحاب المذهب الثاني -
فيمن ترك الصلاة عمداً حتى خرج وقتها هل يلزمه قضاؤها على
قولين:
القول الأول: أنه لا يلزمه قضاؤها؛ لأن القضاء يحتاج ويفتقر
إلى أمر جديد، ولم يرد فيه شيء.
القول الثاني: أنه يلزمه قضاء تلك الصلاة بعد خروج وقتها؛ لأنه
ورد دليل على وجوب القضاء بأمر جديد، واختلف هؤلاء في تعيين
هذا الأمر الجديد عنى رأيين هما:
الرأي الأول: أن الأمر الجديد هو قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"فدين اللَّه أحق بالقضاء".
الرأي الثاني: أن الأمر الجديد قياس تارك الصلاة عمداً على
النائم والناسي، لورود الأمر بوجوب القضاء عليهما،
وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها "،
وتارك الصلاة مثله.
(3/1397)

ْالمطلب الخامس عشر امتثال الأمر هل يحصل به الإجزاء ويسقط القضاء؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن امتثال الأمر يحصل به الإجزاء، ويسقط
القضاء.
أي: أن الأمر يقتضي وقوع الإجزاء بفعل المأمور به إذا امتثل وفعل
المأمور على الصفات والشروط التي أمر الشارع بها.
فالمكلف إذا أتى بالمأمور به على الوجه المشروع يستلزم الإجزاء.
وهذا هو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن الأصل براءة الذمة من جميع التكاليف، فإذا
أمر المكلف بفعل شيء فإن ذمته تكون مشغولة بهذا المأمور به، أي:
أن الأمر اقتضى الوجوب في الذمة، ولا يمكن أن تبرأ ذمته إلا بأحد
طريقين:
الأول: أداء وفعل المأمور به على الوجه المشروع.
الثاني: إبراء المكلف مما عليه من الديون - مثلاً - وهذا خاص
با لآدميين.
فإذا كان المأمور به واجباً مما أوجبه اللَّه عليه: فلا تبرأ ذمته، ولا
يخرج عن العهدة إلا بالإتيان به وفعله، فإذا فعله على الوجه
المشروع تكون ذمته بذلك بريئة من هذا التكليف كما كانت في
الأصل، فدل على أن امتثال الأمر يحصل به الإجزاء، وإسقاط
القضاء، وإبراء الذمة.
(3/1398)

الدليل الثاني: أن المأمور بفعل شيء وفعله على الوجه المشروع إذا
قيل له: " هل فعلت ما أمرت به؟ " حسن أن يقول: " نعم
فعلت " ويكون خبره صدقا، فلو كان امتثال الأمر لا يحصل به
الإجزاء وليس مسقطا للقضاء لكان خبره غير صدق.
الدليل الثالث: أنه لو كان امتثال الأمر لا يحصل به الإجزاء ولا
بسقط القضاء ولا يخرج عن العهدة: للزم من ذلك الامتثال طول
عمرة: فمثلاً: لو قال: " صم " فامتثل المأمور وصام يوما واحداً
- كما اقتضت صيغة الأمر:: فإنه - مع الامتثال - يجب القضاء؛
حيث إن الأمر لا زال متوجها إليه بصوم يوم كما كان متوجهاً إليه
قبل الامتثال، فيكون فعل المأمور به لازما له طول عمره، وهذا
خلاف ما أجمع عليه العلماء.
المذهب الثاني: أن امتثال الأمر لا يمنع من وجوب القضاء،
فامتثال الأمر لا يسقط القضاء.
وهو مذهب بعض المعتزلة كالقاضي عبد الجبار بن أحمد، وأبي
هاشم..
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: إن قولنا: " يجزئه " معناه: أنه لا يجب عليه
القضاء، وقد علمنا أنه غير ممتنع أن يأمر الحكيم بفعل من الأفعال،
ويقول: إذا فعلتموه فقد فعلتم الواجب، واستحققتم الثواب،
وعليكم القضاء، وهناك أمثلة في الشرع تؤيد ذلك، ومنها:
1 - أن المسلم إذا فسد حجه فإنه مأمور بأن يكمله ويمضى فيه،
مع أنه يجب عليه قضاؤه في السنة القادمة.
2 - أن المسلم قد أمر أن يصلي بغير طهارة إذا عدم الماء والتراب،
ثم يجب قضاء تلك الصلاة إذا وجد الماء أو التراب.
(3/1399)

3 - أن المسلم إذا ظن أنه على طهارة وهو في آخر الوقت، فإن
الصلاة واجبة عليه، وهو مأمور بها، ومع ذلك فعليه قضاؤها إذا
علم أنه كان على غير طهارة.
4 - أن المكلَّف مأمور بالإمساك في الصوم الفاسد كأن يصوم يوما
على أنه من شعبان، فتبين أنه من رمضان، فهذا إذا صامه فإنه يؤجر
عليه، ومع ذلك يجب قضاؤه.
جوابه:
إن المأمور إذا فعل المأمور به على الوجه الشرعي: فإن ذلك يمنع
لزوم القضاء؛ لأن القضاء للعبادة المؤقتة هو: فعلها بعد خروج
وقتها المحدد شرعاً، ويكون ذلك لأحد أمرين هما:
1 - إما لأن العبادة ما فعلت أصلاً.
2 - أو فعلت على وجه الفساد.
وكل من الأمرين غير حاصل؛ لأن المأمور بالعبادة قد فعلها في
وقتها بكمال شروطها على الوجه المشروع، فلم يُتصوَّر لزوم القضاء.
أما إذا حصل أحد الأمرين فلا شك أنه يجب عليه القضاء، وإن
كان فاعلاً له، فالحج الفاسد، والصوم الفاسد، والصلاة الفاسدة
فلا نسلم أن القائم بها قد امتثل الأمر؛ لأنه لم يأت بها على ما
اقتضاه الأمر؛ حيث إنه أوقعها فاسدة، فلم يأت بها على الوجه
الشرعي، فيبقى التعبد الواجب بالأمر في ذمته، ولن تبرأ هذه الذمة
من الأمر إلا إذا تدارك الخلل، وقضاها على الوجه المشروع.
أما إذا أتى بالحج والصوم والصلاة كاملة ومستوفية لجميع شروطها
فإن ذمته تبرأ بذلك الإتيان والامتثال، فلا يعقل مع ذلك إيجاب
القضاء.
-
(3/1400)

الدليل الثاني: أن القضاء يجب بأمر جديد - كما هو مذهب أكثر
العلماء، كما قلنا سابقا - وإذا كان الأمر كذلك فلا دلالة للأمر على
امتناع التكليف بمثل فعل ما أمر به، فلا يكون الأمر مقتضيا له.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أن القضاء يجب بأمر جديد - كما هو
مذهبنا كما سبق بيانه - حيث إننا قد صححنا: أن القضاء يجب
بالأمر السابق، ولا يحتاج إلى أمر جديد.
الجواب الثاني: إن سلمنا صحة أن القضاء يجب بأمر جديد، فإن
القضاء إنما سمي بذلك، لأنا نقضي العبادة التي فات وقتها، ولم
نفعلها، لذلك قلنا في حقيقة القضاء: " إنه فعل الشيء بعد خروج
وقته شرعاً "، وقد سبق بيانه، وهذا هو الذي نتفق معكم على
تسميته قضاء، فإن لم يكن كذلك فلا يمكن أن نسميه قضاء.
أما إذا وقع الفعل صحيحا لا خلل فيه ثم فعل مرة أخرى، فلا
يُسمى ذلك قضاء.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي، لأنه إن كان المراد لزوم الإتيان بمثله فهي
مسألة: " الأمر المعلق يقتضي التكرار "، والخلاف فيها كما سبق،
وعلى هذا فالأول يجزئ عن الآخر.
وإن كان المراد: أن الفعل الأول فيه خلل ولم يقع الموقع فهو غير
مجزئ، ويجب القضاء بالاتفاق.
(3/1401)

المطلب السادس عشر الأمر بالأمر بالشيء هل يكون
أمراً بذلك الشيء أو لا؟
ومثاله: لو قال زيد لبكر: " مر عمراً بأن يشتري لي كذا " فهل
يكون زيداً آمراً عمراً بشراء تلك السلعة؟
اختلف في ذلك على
مذهبين:
المذهب الأول: أن الأمر بالأمر بالشيء ليس أمراً به ما لم يدل
عليه دليل، أي: أن الأمر المتعلق بأمر المكلف لغيره بفعل من
الأفعال لا يكون أمراً لذلك الغير بذلك الأمر.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: أنه لو كان الأمر بالأمر بالشيء أمراً لذلك الغير:
لكان ذلك مقتضاه لغة، ولو كان كذلك: لكان أمره - صلى الله عليه وسلم - لأولياء الصبيان بقوله: " مروهم بالصلاة لسبع " أمراً للصبيان بالصلاة من الشارع، ولكن هذا ليس أمراً للصبيان من الشارع ولا إيجابا عليهم؛ لأن الأمر موجه نحو الأولياء؛ حيث إنه أمر تكليف، ولذلك يذم
الولي بترك هذا الأمر شرعاً.
وأيضا لو كان ذلك أمراً. للصبيان لكانوا مكلفين بأمر الشارع،
وهذا غير متصور في حق الصبيان؛ لعدم فهمهم لخطاب الشارع،
ولقوله عليه الصلاة والسلام: " رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي
حتى يبلغ.. ".
الدليل الثاني: أنه يحسن أن يقول شخص للولي - الذي يرى أن
(3/1402)

لطفله على طفل غيره شيئاً -: " طالب بحقه "، ويقول للمدعي
عليه - إذا عرف أنه لا شيء على طفله -: " لا تطعه ومانعه "،
ولا يعد ذلك مناقضة في كلامه، ولو كان الأمر بالأمر بالشيء أمراً
لذلك الغير لوقع التناقض.
وكذلك يحسن أن يقول السيد لعبده سالم: " مر غانما بكذا "،
ويقول لغانم: " لا تطعه "، ولا يعتبر ذلك مناقضة في كلامه، ولو
كان ذلك أمراً لغانم لكان كانه قال: " أوجبت عليك طاعتي ولا
تطعني " وهو ظاهر التناقض.
المذهب الثاني: أن الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء من الآمر
الأول.
أي: أن الأمر المتعلق بأمر المكلف لغيره بفعل من الأفعال يكون
أمراً لذلك الغير بذلك الفعل، وهو مذهب بعض العلماء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن نافعا قد روى عن عبد اللَّه بن عمر أنه طلق
امرأته وهي حائض، فسأل عمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال له: " مره فليراجعها، ثم ليتركها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله
أن يطلق لها النساء ".
وجه الدلالة: أن العلماء أجمعوا على أن ذلك كان واجبا على
ابن عمر مع أن الأمر ورد إليه من أبيه عمر الذي كان مأموراً من قبل
الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فهذا يدل على أن الأمر بالأمر بالشيء هو أمر بذلك الشيء، وإلا: لما وجب على ابن عمر ذلك.
(3/1403)

جوابه:
أن عمر وابنه - رضي اللَّه عنهما - قد فهما أن مقصود رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - التبليغ لعبد اللَّه، لا أن أباه يأمر من عند نفسه، ولا نزاع أنه إذا فهم التبليغ أن الثاني يكون مأموراً بالأمر الأول.
الدليل الثاني: أنا نقطع بأن اللَّه تعالى إذا أمر رسوله بأن يأمر
الأُمَّة بشيء: أن الأُمَّة تكون مأمورة من اللَّه تعالى بذلك الشيء،
وحيث ثبت القطع بهذا: كان الأمر بشيء أمراً بذلك الشيء من
الآمر الأول.
جوابه:
إن القطع الذي قلتموه - هنا - لم يأت من خصوص الأمر،
وإنما جاء من جهة العلم بأن الرسول مبلغ عن اللَّه أوامره، فالرسول
- صلى الله عليه وسلم - ليس آمراً، وإنما الآمر هو اللَّه تعالى.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ حيث إن هذا الخلاف قد أثر في بعض الفروع
الفقهية، ومنها:
1 - أن الرجل لو قال لابنه: قل لأمك: أنت طالق، فإن أراد
التوكيل فهذا واضح؛ فتطلق؛ لأن الابن يعتبر وكيلاً لأبيه في طلاق
أمه.
أما إذا لم يرد شيئاً:
فإنه يلزم على المذهب الأول - وهو: أن الأمر بالأمر بالشيء
ليس أمراً بذلك الشيء - فإنه لا يقع الطلاق.
ويلزم على المذهب الثاني - وهو: أن الأمر بالأمر بالشيء
(3/1404)

أمر بذلك الشيء - فإن الطلاق يقع؛ لأنه يكون كانه أمر بالطلاق
فينفذ.
2 - لو قال زيد لبكر: مر عمراً أن يبيع هذه السلعة، ثم باعها
الثالث - وهو عمرو - قبل إذن الثاني - وهو بكر - بأن سمع زيداً
يقول ذلك - فهل هذا البيع صحيح؟
على المذهب الأول - وهو: أن الأمر بالأمر بالشيء ليس أمراً
بذلك الشيء - لا يكون هذا البيع صحيحا.
أما على المذهب الثاني - وهو: أن الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك
الشيء - يكون هذا البيع صحيحا.
(3/1405)

المطلب السابع عشر هل أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المطلق أمر لأمته وأمر الأمَّة المطلق هو أمر للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وأمر واحد من الصحابة هو أمر لغيره؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن الأمر للنبي - صلى الله عليه وسلم - هو أمر لأمته، وأمر الأمة هو أمر للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وأمر واحد من الصحابة هو أمر لغيره، ولا يخرج أحد عن خطاب الآخر إلا بدليل.
وهذا مذهب أكثر الحنفية، وأكثر المالكية، وأكثر الحنابلة، وهو
المشهور من مذهب الإمام أحمد، وقال الإسنوي: " إنه ظاهر كلام
الشافعي "، وهو الحق عندي، وللاستدلال على ذلك لا بد من
ذكر حالات هذه المسألة الثلاث، وذكر أدلة كل حالة ليكون ذلك
أوضح في ذهن طالب العلم فأقول:
الحالة الأولى: إذا خاطب اللَّه تعالى نبينا - صلى الله عليه وسلم - بالأمر بفعل عبادة بلفظ ليس فيه تخصيص كقوله تعالى: (يا أيها المزمل قم الليل) ،
و (يا أيها النبي اتق الله) ، و (يا أيها المدثر قم فأنذر) ، فإن أُمَّته
تشاركه في حكم ذلك الأمر والفعل حتى يدل دليل على تخصيصه
بذلك الحكم، ويدل على قولنا هذا ما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: قوله تعالى: (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) .
(3/1406)

وجه الدلالة: أنه لو كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - منفرداً بما يتوجه إليه من الأوامر الشرعية لما كان لتخصيصه بذلك اللفظ فائدة.
أي: أن الأصل والقاعدة: دخول الأُمَّة في الخطابات الموجهة إلى
النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويدل على ذلك: أن الشارع إذا أراد تخصيصه بشيء فإنه يبين ذلك مثل هذه الآية، أما إذا لم يبين فالأمر يعمه ويعم جميع الأمة.
الدليل الثاني: أن بعض الصحابة يسأل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن الأمر فيجيب عن حال نفسه، وهذا يدل على أنه لا فرق بينه وبينهم،
ومن ذلك:
1 - ما روته عائشة - رضي اللَّه عنها -: أن رجلاً سأل النبي
- صلى الله عليه وسلم - قال: " تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم "، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -.: " وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم ".
2 - ما روته أم سلمة - رضي اللَّه عنها -: أن امرأة قبلها زوجها
وهو صائم فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت له ذلك، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ألا فأخبريها أني أفعل ذلك ".
فلو كان الحكم مختصا به لم يصلح فعله أن يكون جوابا لهم.
الدليل الثالث: أن الصحابة - رضي اللَّه عنهم - إذا اختلفوا في
حكم من الأحكام الشرعية، فإنهم يرجعون إلى أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - كرجوعهم إلى فعله في الغسل من التقاء الختانين من غير إنزال،
ونحو ذلك.
فلو كان مخصوصا بحكم الشريعة لما صح رجوعهم إلى فعله
- صلى الله عليه وسلم -، فدل على مساواته بغيره في أحكام الشرع.
(3/1407)

الدليل الرابع: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أشار إلى ذلك،
حيث قال: " إنما أسهوا لأسن "، فخطابه لا يختص به.
الحالة الثانية: إذا توجه الخطاب بالأمر إلى الصحابة - رضي الله
عنهم - والأمة فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - يدخل فيه كقوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة) ، وقوله عليه الصلاة والسلام: "يا أيها الناس قد
فرض عليكم الحج فحجوا " دلَّ على ذلك دليلان هما:
الدليل الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أمر الصحابة بالفسخ، قالوا: أتامرنا بالفسخ وأنت لا تفسخ، فقال: " لو استقبلت من أمري ما
استدبرت لجعلتها عمرة، ولحللت كما تحلون "،
وفي رواية عن ابن عمر أنه قال: لما أمرنا رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أن نحل بعمرة قلنا: فما يمنعك يا رسول اللَّه أن تحل معنا؛ قال: " إني هديت ولبدت، فلا أحل حتى أنحر هديي ".
وجه الدلالة: أن - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر عليهم سؤالهم، بل أقرهم عليه؛ لأنه يُعرف أن الصحابة أرادوا - بسؤالهم - أن يُفسر لهم
انفراده عنهم بالحكم في هذه المرة، فلو لم يكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - داخلاً معهم في الخطابات الموجهة إليهم لما سألوه عن سبب عدم موافقته لهم، ولما أقرهم على ذلك، وبين لهم عذره وسبب عدم موافقته
لهم في هذا الحكم الخاص.
الدليل الثاني: قياس مشاركة الرسول - صلى الله عليه وسلم - للصحابة على مشاركتهم له، بيان ذلك:
أنه ثبت بالأدلة أن الأُمَّة يشاركون النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحكم الذي وجه إليه - كما سبق في الحالة الأولى - فكذلك يقاس عليه: أنه يشارك أمته في الأحكام الموجهة إليهم ولا فرق؛ لأنه لو ثبت حكم في حق
(3/1408)

الصحابة انفردوا به دون - صلى الله عليه وسلم - للزم من ذلك أن يثبت حكم خاص به دون الصحابة، وقد ثبت بطلان الأخير - وهو ثبوت حكم خاص به دون الصحابة - بالأدلة السابقة، وإذا بطل هذا فقد بطل الأول -
وهو ثبوت حكم في حق الصحابة انفردوا به دون النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وبذلك ثبت: أن الخطاب الموجه إلى - الصحابة يدخل فيه النبي
- صلى الله عليه وسلم -.
الحالة الثالثة: إذا توجه الأمر إلى واحد من الصحابة فإنه يدخل
غيره من الصحابة في ذلك الأمر، ويشمملهم حكمه مثل: " رجم
ماعز "، و " قطع يد سارق رداء صفوان بن أمية "، ودل على ذلك
أدلة، ومنها:
الدليل الأول: إجماع الصحابة في أحكام الحوادث؛ حيث إن
الصحابة - بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا يرجعون إلى ما قضى به النبي - صلى الله عليه وسلم - على أعيان وأشخاص منهم، فيأخذون تلك الأحكام المعينة ويعممونها له ولهم كرجوعهم في حد الزاني إلى قصة ماعز، وفي دية الجنين إلى حديث حمل بن مالك، وفي المفوضة إلى قصة بروع بنت واشق، وفي السكنى والنفقة إلى حديث فاطمة بنت قيس،
ونحو ذلك، ولم يقل أحد من الصحابة: إن كل حكم خاص بمن
خوطب به - فقط -؛ إذ لو كان لنقل، ولكن لم ينقل إلينا شيء
من ذلك، فكان ذلك إجماعا منهم على تساوي الجميع في تلك
الأحكام.
الدليل الثاني: أن قول الصحابي: " نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المزابنة " أمر يعم الصحابي الذي رآهَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يبيع بالمزابنة، ويعم غيره، وهذا بإجماع الصحابة؛ حيث احتجوا بهذا على تحريم بيع
(3/1409)

المزابنة، فلو كان الحكم مختصا بمن خوطب به فقط لما كان ذلك
عاما لجميع الصحابة، ومن بعدهم إلى قيام الساعة.
الدليل الثالث: أنه لو كان الحكم يختص بمن خوطب به من
الصحابة فقط، دون غيره من الصحابة: لكان ذلك أصلاً يعرفه كل
صحابي، وبناء عليه: لا يحتاج إلى أن - صلى الله عليه وسلم - يخاطب بعض الصحابة ويخصصه بالخطاب، ويبين ذلك باللفظ مثل قوله لأبي بردة
في الجذع من الماعز: " يجزيك، ولا يجزي عن أحد بعدك "، فلو
كان الصحابي يختص بما خوطب به لما كان لقوله: " ولا يجزي
لأحد بعدك " فائدة.
الدليل الرابع: قياس هذا على الألفاظ الواردة في الكتاب
والسُّنَّة، بيانه:
أن الألفاظ الواردة في الكتاب والسُّنَّة من أوامر ونواهي إنما
خوطب بها أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -،
وأجمع العلماء على أن كل خطاب موجه إلى الصحابة فهو موجه إلى غيرهم في جميع العصور إلى قيام الساعة، وإذا كان الأمر كذلك فمن باب أوْلى أن يكون الخطاب الموجه إلى واحد من الصحابة يدخل فيه غيره من الصحابة.
المذهب الثاني: أنه إذا توجه الأمر إلى واحد - مما ورد في تلك
الحالات - لم يدخل غيره فيه بإطلاقه، أي: أن الحكم يختص بمن
توجه إليه الأمر، ولا يدخل غيره فيه إلا بدليل يوجب التعميم.
وهو مذهب أكثر الشافعية، وبعض الحنابلة كأبي الحسن التميمي،
وأبي الخطاب.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قياس المتعبِّد على العبادة، بيان ذلك:
(3/1410)

أنه لو ورد الأمر بعبادة لم يتناول هذا الأمر بمطلقه عبادة أخرى،
فكذلك إذا توجه الأمر إلى شخص متعبَّد لم يدخل فيه متعبَّد آخر؛
لأن الأمر يتناول العبادة والمتعبَّد بها، فكما لا يتعدى أحدهما لا
يتعدى الآخر.
جوابه:
إن هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن
الله تعالى إذا أمر بعبادة، فإنه أراد أن تقام تلك العبادة بذاتها؛
لمصلحة يعلمها، بخلاف المتعبَّد فإنه سبحانه إذا أمره بأن يفعل شيئا
فإنه لا يقصده هو بالذات، ولكن يقصد جميع المكلَّفين، إذا لم
يوجد دليل يخصصه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مبعوث إلى الناس كافة، دون تخصيص بعض الأفراد دون بعض.
الدليل الثاني: قياس لفظ الخصوص على لفظ العموم، بيانه:
أن لفظ الخصوص ضد لفظ العموم، ثم إن لفظ العموم لا
يُحمل على الخصوص بمطلقه، فكذلك لفظ الخصوص لا يحمل
على العموم والاستغراق بمطلقه.
جوابه:
إن هذا - أيضا - قياس فاسد -؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه
الفرق: أن الخطاب وإن وجه إلى شخص فإنه يعم جميع الأشخاص؛
بناء على أن الشريعة عامة وشاملة لجميع المكلَّفين؛ حيث قال تعالى:
(وما أرسلناك إلا كافة للناس) ، وقال - صلى الله عليه وسلم -:
" بعثت إلى الأحمر والأسود ".
وأما لفظ العموم إذا ورد فإنه جاء على أصله، فلا يصرف عن
هذا الأصل إلا بدليل.
(3/1411)

الدليل الثالث: قياس كلام الشارع على كلام المكلَّفين، بيانه:
أنه لا خلاف بين أهل اللغة: أن السيد إذا قال لعبد واحد من
عبيده: " افعل كذا وكذا " لم يدخل بقية عبيده في ذلك الأمر،
فكذلك إذا أمر اللَّه نبيه بأمر لم تدخل فيه الأُمَّة، وكذلك الأمر
للصحابي الواحد لا يعم غيره من الصحابة.
جوابه:
إن هذا - أيضا - قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه
الفرق: أن لفظ صاحب الشرع أدل على العموم من لفظ غيره
بدليل: أنه لو قال اللَّه تعالى لنبيه، أو قال - صلى الله عليه وسلم - لبعض أُمته: "صم " لأنك صليت " دخل في ذلك كل مصل؛ اعتباراً بتعليله، أما
لو قال السيد لواحد من عبيده: " اسقني ماء؛ لأنك صليت " لم
يدخل غيره من عبيده المصلين في ذلك، ولو قال: " والله لا آكل
السكر؛ لأنه حلو " لم يدخل في يمينه غيره من الحلويات، فكلام
الشارع يختلف عن كلام المكلَّفين.
بيان نوع الخلاف:
لقد اختلف في الخلاف هنا هل هو معنوي أو لفظي على قولين:
القول الأول: إن الخلاف معنوي.
وهو الحق؛ لأن أصحاب المذهب الأول قصدوا: أن دخول
الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الخطابات الموجهة إلى الأُمَّة، ودخول الأُمَّة في الخطابات الموجهة إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ودخول بقية الصحابة في الخطاب الموجه إلى فرد منهم: ثبت عن طريق اللفظ والنص، ولا يخرج كل واحد من هؤلاء عن خطاب الآخر إلا بدليل خارجي.
(3/1412)

أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم قصدوا: أن كل خطاب مختص
بمن وجه إليه ولا يدخل غيره إلا بدليل كقياس غير المخاطب على
المخاطب.
فعلى المذهب الأول: يكون دخول غير المخاطب عن طريق عموم
اللفظ والنص.
وعلى المذهب الثاني: يكون دخول غير المخاطب عن طريق
القياس.
والفرق بين ما ثبت عن طريق النص، وما ثبت عن طريق القياس
من وجهين:
الوجه الأؤل: أن الحكم الثابت عن طريق عموم اللفظ والنص
أقوى من الحكم الثابت عن طريق القياس.
الوجه الثاني: أن الحكم الثابت عن طريق عموم اللفظ والنص
ينسخ وينسخ به، أما الحكم الثابت عن طريق القياس فلا ينسخ ولا
ينسخ به؛ لأنه ثبت عن طريق الاجتهاد، والنسخ خاص بالنصوص.
القول الثاني: إن الخلاف لفظي، وهو ما أشار إليه إمام الحرمين.
دليل هذا القول:
أن أصحاب المذهبين قد اتفقوا على أن الناس سواء في الشرع،
ولا فرق بين المخاطب وغير المخاطب إذا كان صالحاً له.
واتفقوا - أيضاً - على أن الخطاب الموجه إلى الواحد خاص به
عن طريق اللغة وااللسان.
فإذا كان هذا متفقا عليه فلا خلاف في المعنى، بل في اللفظ.
-
(3/1413)

جوابه:
إن جميع أصحاب المذهبين قالوا: إن غير المخاطب يدخل في
الحكم الخاص، وهذا متفق عليه بشرط صلاحيته له.
لكنهم اختلفوا هل هذا الدخول ثبت عن طريق عموم اللفظ
والنص أو قياس غير المخاطب على المخاطب.
فأصحاب المذهب الأول يقولون: إن دخول غير المخاطب ثبت
عن طريق اللفظ والنص، وأصحاب المذهب الثاني يقولون: إن
دخول غير المخاطب ثبت عن طريق القياس، وفرق بينهما كما بينا.
(3/1414)

المطلب الثامن عشر تعلق الأمر بالمعدوم
اتفق العلماء على أن المعدوم لا يطلب منه إيقاع المأمور به حال
عدمه؛ لأن هذا محال، فلا يتعلق به الأمر ما دام معدوما تعلقا
تنجيزيا.
واتفقوا - أيضا - على أن المعدوم إذا وجد وهو مستكمل لشرائط
التكليف، فإنه يطلب منه إيقاع المأمور به، وأنه يتوجه إليه الخطاب،
فيتعلق الأمر به.
ولكنهم اختلفوا في تعلق الأمر بالمعدوم الذي علم اللَّه - تعالى -
أنه سيوجده مستكملاً لشرائط التكليف على مذهبين:
المذهب الأول: الأمر يتعلَّق بالمعدوم على تقدير وجوده، ووجود
شروط التكليف فيه، فالأمر يتناول المعدومين الذين علم اللَّه تعالى
أنهم سيوجدون على صفة التكليف.
وهذا مذهب أكثر المالكية، وأكثر الشافعية، وأكثر الحنابلة،
وكثير من الحنفية، ونسبه بعضهم إلى جمهور العلماء.
وهو الحق؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: إجماع الصحابة والتابعين على أن الأمر متعلق
بالمعدوم، بيانه:
أن جميع الصحابة والتابعين كانوا يأخذون بأوامر اللَّه وأوامر رسوله - صلى الله عليه وسلم -
(3/1415)

ويطبقونها على من لم يوجد في زمان نزول تلك الأوامر،
ولم يحدث أن واحداً امتنع من ذلك التطبيق؛ إذ لو حدث لنقل،
ووصلنا، ولكن لم يكن شيء من ذلك، فصار إجماعا منهم على
أن الأوامر الشرعية تتناول من كان معدوما حال الخطاب بالأمر.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) .
وجه الدلالة: أنه لا خلاف أنه أريد بذلك جميع أُمَّته، فقد
خاطبهم وهم معدومين.
الدليل الثالث: قوله تعالى: (لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) .
وجه الدلالة: أن المعدوم قد بلغه الأمر إذا وجد، فدل على أن
الأمر يتعلق بالمعدوم.
الدليل الرابع: قوله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد أمرنا باتباع النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا خلاف في أنا مأمورون باتباعه، ولم نكن حين نزول الآية موجودين،
ومع ذلك فقد توجه الأمر إلينا بالتكليف، ومن لم يتبع الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقد كفر؛ لأن مخالفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - هي مخالفة لله، ومخالفة اللَّه كفر.
تنبيه: اختلف أصحاب هذا المذهب - وهم القائلون: إن الأمر
متعلق بالمعدوم - فيما بينهم - هل الأمر أمر إعلام، أو إلزام على
أقوال ثلاثة:
القول الأول: الأمر المتعلق بالمعدوم أمر إعلام، وليس أمر إلزام.
(3/1416)

القول الثاني: إن المعدوم ليس مأموراً مباشرة، وإنما يتناوله تبعا.
القول الثالث: إن الأمر المتعلق بالمعدوم أمر إلزام، وهو الحق
عندي؛ لأن أوامر الشرع في موضوعها ملزمة لا معلمة من غير
إلزام، وليست مجرد تابعة.
المذهب الثاني: أن الأمر لا يتعلق بالمعدومين، ولا يتناولهم،
وإنما يختص بالموجودين فقط.
وهو مذهب بعض الحنفية كالجصاص، وأكثر المعتزلة.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن المعدوم لا يُعتبر شيئاً، فأمره هذيان وعبث لا
فائدة فيه.
جوابه:
إن المعدوم يتعلق به الأمر بشرط: أن يكون في العلم أنه يوجد،
وهذا غير محال.
وأيضا فإن من عادة الناس أن يوصلوا إلى من يحدث من أولادهم
بالنظر إلى وقوفهم، وصرفها في وجوه يعينها الواقف، وإن كان
هؤلاء الأولاد في حال الوصاية معدومين، فهذا لا يمكن أن يكون
هذيانا وعبثا.
فالأمر تعلق بمأمور وجد في الثاني كما تعلقت الوصية بمن يحدث
في الثاني.
الدليل الثاني: قياس الأمر مع المأمور على القدرة مع المقدور،
بيانه:
(3/1417)

أنه إذا كانت القدرة لا يمكن أن تكون مع عدم المقدور، فكذلك
الأمر لا يمكن أن يكون مع عدم المأمور.
جوابه:
إن هذا القياس فاسد؛ لأنا لا نُسَلِّمُ الأصل المقاس عليه؛ حيث
إن اللَّه سبحانه يوصف بأنه قادر قبل وجود المقدور، واذا بطل الأصل
فإنه يبطل الفرع المقاس عليه، فيبطل دليلكم.
الدليل الثالث: أن المعدوم يستحيل خطابه، وهو: توجيه الكلام
إليه بحيث يفهم ذلك الكلام ويسمعه، فإذا استحالت مخاطبته:
استحال أن يكلف بامتثال الأمر وفعله.
جوابه:
إنا لما قلنا: إن الأمر يتعلق بالمعدوم: لم نقل ذلك مطلقا، بل
بشرطين هما: " أن يوجد "، و " أن يكون قد استكمل شروط
التكليف " فخطابه بإيجاد الفعل حال عدمه مستحيل، أما توجيه
ْالأمر إليه بشرط الوجود فلا يكون مستحيلاً؛ لأنه يفعل في حال
وجوده ما أمر به سابقا، وعلى هذا يصح أن يكون مأموراً.
يدل على ذلك: أن الولد يصير مكلفا بوصية والده الذي لم يراه،
وملزما بها حتى إنه يوصف بالطاعة بالامتثال، ويوصف بالعصيان
بالمخالفة.
الدليل الرابع: قياساً المعدوم على الصبي والمجنون، بيانه:
أنه اتفق على عدم تعلق الأمر بالصبي والمجنون مع وجودهما،
فمن باب أوْلى: أن لا يتعلق الأمر بالمعدوم، والجامع: عدم فهم
الخطاب، وعدم معرفة الأمر والمأمور به، وأنه لا يقع منهم فعل
صحيح.
(3/1418)

جوابه:
أنا قلنا: إنه يصح أن يؤمر المعدوم بشرط أن يزول العدم، مثل:
الصبي والمجنون، فإنهما مأموران بشرط البلوغ والعقل.
اعتراض على هذا الجواب:
قال قائل - معترضاً -: هذا الجواب مخالف للنص وهو قوله
- صلى الله عليه وسلم -: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق ... "، فكيف تزعم أن الصبي والمجنون مأموران مع
أنهما قد رفع القلم عنهما بالنص؟!
جوابه:
إنه ليس المراد برفع القلم - في هذا الحديث - هو أنه لا يتوجه
إلى الصبي والمجنون أي أمر، بل المراد برفع القلم - هنا - هو:
رفع المأثم، ورفع الإيجاب المضيق.
أي: أن الصبي والمجنون - في حال الصبا والجنون - لا يأثمان
إذا تركا ذلك الأمر، وأن هذا الأمر المتوجه إليهما لا يراد منه التضييق
عليهما بالتنفيذ فوراً، وإنما يوجه الأمر الآن، وامتثاله يكون بعد
البلوغ والإفاقة.
يدل على ذلك: أنه قرن معهما النائم، فالنائم يتوجه إليه الأمر
حال نومه، ولكن الامتثال يكون بعد استيقاظه، فكذلك الصبي
والجنون مثله.
بيان نوع الخلاف:
قد يبدو أن الخلاف لفظي لاتفاق أصحاب المذهبين على أن المعدوم
مكلَّف إذا وجد وهو مستكمل لشروط التكليف.
(3/1419)

ولكن الحق أن الخلاف معنوي؛ لأمرين:
أولهما: أن أصحاب المذهب الأول قصدوا: أن الأمر للمعدومين
ثبت عن طريق النص واللفظ.
أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم قصدوا أن الأمر للمعدومين ثبت
عن طريق القياس.
وفرَّق بين ما ثبت عن طريق النص، وما ثبت عن طريق القياس
من وجهين ذكرناهما فيما سبق.
ثانيهما: أن السيد لو خاطب عبيده قائلاً: " ليقف كل واحد
منكم ساعة "، ثم اشترى عبداً جديداً فهل يدخل في ذلك؟
أصحاب المذهب الأول يقولون: نعم يدخل معهم بالنص.
أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم يقولون: إنه لا يدخل معهم إلا
بدليل.
(3/1420)

المطلب التاسع عشر هل يجوز الأمر من اللَّه تعالى بما يعلم أن المكلَّف
لا يتمكن من فعله؟
مثل: إذا أمر اللَّه تعالى عبده بالحج هذا العام، وهو يعلم أن هذا
المأمور يموت في شوال - أي قبل الحج - فهل يجوز ذلك؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز الأمر من اللَّه تعالى بما يعلم أن المكلَّف
لا يتمكن من فعل المأمور به.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن الأمَّة مجمعة على
أن الصبي إذا بلغ فإنه يجب عليه أن يعلم ويعتقد كونه مأموراً بشرائع
الإسلام منهياً عن الزنا والسرقة والقتل في الحال، فإذا عزم على
فعل المأمور بها، وعزم على ترك المنهي عنها: يكون مثابا على ذلك
متقربا إلى اللَّه بذلك، وإن لم يحضره وقت صلاة أو زكاة، ولا
حضر من يمكن قتله، أو الزنا بها، أو مال تمكن سرقته، ولكن
يعلم نفسه أنه مأمور ومنهي بشرط التمكن؛ لأنه جاهل بعواتب
أمره، وعلمه بأن اللَّه - تعالى - عالم بعاقبة أمره، وأنه لا يتمكن
من فعل المأمور به لا يدفع عنه وجوب هذا الاعتقاد.
المذهب الثاني: لا يجوز الأمر من الله - تعالى - بما يعلم أن
المكفَف لا يتمكن من فعل المأمور به.
وهو مذهب المعتزلة.
(3/1421)

دليل هذا المذهب:
أن الأمر إذا قيد بشرط يؤدي إلى أن يكون وجود الشيء مشروطا
بما يوجد بعده، وهذا ممتنع، أي: يمتنع تعليق الأمر بشرط مستقبل؛
لأن الشرط لا بد أن يكون حاصلاً مع المشروط، أو قبله.
جوابه:
إن هذا ليس شرطاً لوجود ذات الأمر، وقيامه بذات الأمر، بل
الأمر موجود قائم بذات الأمر سواء وجد الشرط، أو لم يوجد،
وإنما هو شرط لكون الأمر لازما واجب التنفيذ، وليس ذلك من
شرط كونه موجوداً.
ولهذا قلنا: إن الأمر أمر للمعدوم بتقدير الوجود، وإن لم يبلغه
بشرط بلوغه، فليس البلوغ شرطا لقيام نفس الأمر بذات الأمر، بل
البلوغ شرط لزوم التنفيذ.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ حيث أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها:
1 - لو قال: " إن شرعت في الصوم فزوجتي طالق "، ثم
شرع ومات في أثناء صوم أول يوم، فإنه بناء على المذهب الأول
يلزمه الطلاق؛ لأن هذا صوم في الحال، وتمام ذلك مقيد بالشرط.
أما على المذهب الثاني: فإنه لا يلزمه الطلاق؛ لأن بعض الصوم
ليس بصوم، والفاسد لا يحسب شيئاً.
2 - لو علمت المرأة بالعادة أنها تحيض في أثناء يوم من رمضان
فإنه يلؤمها الصوم، ويجب عليها الشروع في ذلك اليوم الذي علم
(3/1422)

الله أنها تحيض فيه؛ لأن المرخص في الإفطار لم يوجد، والأمر لا
زال قائماً، هذا على المذهب الأول.
أما على المذهب الثاني: فإنه لا يلزمها أن تصوم ذلك اليوم؛ لأن
بعض اليوم غير مأمور بصيامه.
فوائد جواز الأمر من اللَّه تعالى بما يعلم أن - المكلف لا يتمكن من فعل
المأمور به:
قد يقول قائل: أنتم قلتم: يجوز الأمر من اللَّه تعالى بما يعلم أن
المكلَّف لا يتمكن من فعل المأمور به، فما فائدة ذلك؟
أقول - في الجواب عن ذلك -: إن في ذلك فوائد، ومنها:
1 - أن فيه استصلاحا لحاله يدعوه إلى فعل الطاعات، ويزجره
عن فعل المعاصي.
2 - أن فيه إصلاحا لغير المأمور بحثٍّ أو زجر.
3 - أن في هذا امتحانا وابتلاء للمأمور ليشتغل بالاستعداد فيثاب
على العزم على امتثال الأمر، ويعاقب على العزم على الترك.
وهذه الفوائد هي نفس فوائد مسألة: " جواز النسخ قبل التمكن
من الفعل " التي سبقت في باب النسخ؛ لأن هذه المسألة فرع عن
تلك، فكما قلنا: ْ يجوز النسخ قبل التمكن من الفعل، فكذلك
يقال: يجوز الأمر من اللَّه تعالى بما يعلم أن المكلَّف لا يتمكن من
فعله.
(3/1423)

المبحث الثاني في النهي
ويشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: في تعريف النهي.
المطلب الثاني: هل للنهي صيغة موضوعة في اللغة؟
المطلب الثالث: في ما تستعمل فيه صيغة " لا تفعل ".
المطلب الرابع: فيما تقتضيه صيغة النهي وهي: " لا تفعل " حقيقة
إذا تجردت عن القرائن.
المطلب الخامس: إذا ورد النهي بعد الأمر فماذا يقتضي؟
المطلب السادس: هل النهي يقتضي الانتهاء على الفور والتكرار؟
المطلب السابع: أحوال المنهي عنه.
المطلب الثامن: هل النهي عن الشيء أمر بضده؟
المطلب التاسع: هل النهي يقتضي فساد المنهي عنه أو لا؟
(3/1425)

المطلب الأول في تعريف النهي
أولاً: النهي لغة: المنع، ومنه سميت العقول نهى كقوله تعالى:
(لِأُولِي النُّهَى) ، وذلك لأن العقل ينهى صاحبه عن الوقوع فيما
يخالف الصواب.
ثانيا: النهي في الاصطلاح هو: استدعاء ترك الفعل بالقول على
جهة الاستعلاء.
شرح التعريف:
تولنا: " استدعاء " المراد به: الطلب، والطلب جنس يشمل:
لا طلب الفعل وهو الأمر "، و " طلب الترك وهو النهي ".
وقولنا: " ترك الفعل " أخرج الأمر؛ لأنه استدعاء الفعل كما
سبق.
وقولنا: " بالقول " أخرج الترك بالفعل كأن يُقيِّد عبده، ويمنعه
عما يريد، والمقصود بهذا القول: " صيغة النهي وهي: لا تفعل "
وليس المقصود أي شيء يدل على الكف مثل: " كف "، و " ذر "،
و" دع "، و " اترك "، فإن هذه الألفاظ وإن كان مدلولها الترك إلا
أنها ليست نواهي؛ لأن الترك قد دلَّ عليه بلفظ " الكف " ونحوه،
والنهي لا بد فيه من أن يدل على الترك لفظ غير الكف مثل: " لا
لفعل ".
وقولنا: " على جهة الاستعلاء " أخرج صيغة النهي إذا صدرت
(3/1427)

من المساوي مثل قول المساوي للمساوي: " لا تضرب فلانا "،
ويسمى شفاعة والتماساً.
وهذا اللفظ أخرج - أيضاً - صيغة النهي إذا صدرت من الأدنى
مثل قوله تعالى: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطانا) ويسمى دعاء.
وقلنا: ينبغي أن تكون صيغة النهي واردة على جهة الاستعلاء؛
لأن الأقل رتبة لو قال لمن هو أعلى رتبة: " لا تفعل " على وجه
الاستعلاء يقال له: إنه " نهاه "، ولذلك يوصف بالجهل والحمق
بسبب نهيه لمن هو أعلى منه رتبة.
(3/1428)

المطلب الثاني هل للنهي صيغة موضوعة في اللغة؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن النهي له صيغة موضوعة في اللغة تدل بمجردها
عليه، وهي: " لا تفعل ".
وهو مذهب كثير من العلماء وهو الحق عندي؛ لدليلين:
الدليل الأول: إجماع أهل اللغة على أن للنهي صيغة وهي: " لا
تفعل "، بيانه:
أن السيد لو قال لعبده: " لا تدخل هذه الدار "، فإنه يعقل منه
كفه عن الدخول، وإذا دخلها فإنه يستحق العقوبة، ولو رآه العقلاء
من أهل اللغة وهو يعاقبه، وسألوه عن سبب معاقبته وقال: إني
أعاقبه؛ لأنه عصاني: فقد نهيته عن دخول الدار بقولي: " لا
تدخل هذه الدار " فدخلها: لوافقوه على أن العبد قد استحق تلك
العقوبة، دون منكر لذلك، فكان هذا إجماعا منهم على أن ذلك
اللفظ وضمع للنهي.
الدليل الثاني: أن أهل اللغة قد قسموا الكلام إلى: " أمر "،
و"نهي "، و " خبر "، و " استخبار "، وجعلوا للأمر: " افعل "،
وجعلوا للنهي: " لا تفعل "، وللخبر: " قد فعلت "،
وللاستخبار " هل فعلت؟ ".
المذهب الثاني: أنه لا صيغة للنهي في اللغة، وإنما صيغة "
(3/1429)

" لا تفعل " مشتركة بين الأمر وغيره، ولا يحمل على أحدهما إلا
بقرينة.
وهو مذهب أكثر الأشاعرة؛ بناء على مذهبهم الفاسد: " إن
الكلام معنى قائم في النفس " كما قالوا في الأمر.
دليل هذا المذهب:
أن هذه الصيغة ترد والمراد بها الكف عن الفعل، وترد والمراد بها
الدعاء كقوله: (ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) ، وترد والمراد بها
الإرشاد كقوله تعالى: (لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم)
وترد والمراد بها غير ذلك، وليس أحد هذه المعاني بأوْلى من الأخرى
ولا يجوز ترجيح أحدها بلا مرجح، فوجب التوقف فيها حتى يرد
دليل يبين المراد كاللفظ المشترك.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنه إذا وردت صيغة: " لا تفعل "، وهي مجردة
عن القرائن فلا يفهم منها إلا الكف عن الفعل، ولا نحمله على
غيره من المعاني إلا بقرينة من شاهد الحال وغيره، فهي تكون حقيقة
في الاستدعاء وطلب الترك مجازاً في غيره، كلفظ " الأسد " المطلق
فهو حقيقة في الحيوان المفترس، ولا يحمل على الرجل الشجاع إلا
بقرينة.
الجواب الثاني: إنكم قستم صيغة: " لا تفعل " على اللفظ
المشترك وهذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن اللفظ
المشترك كالعين لا يفهم منه معنى معين، أما صيغة: " لا تفعل "
فإنه يفهم منها معنى معين وهو: طلب الترك.
(3/1430)

بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ فأصحاب المذهب الأول يجعلون صيغة: " لا
تفعل " من باب الظاهر؛ حيث إن لها معنيان: " معنى راجح وهو
طلب الترك "، و " معنى مرجوح وهو عدم إفادتها لذلك "،
فرجحوا إفادتها لطلب الترك وعملوا على ذلك بدون قرينة.
أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم جعلوا صيغة: " لا تفعل " من
باب المجمل، وهو الذي لا معنى له راجح، ويترتب على ذلك:
عدم العمل بصيغة: " افعل " إلا بقرينة.
(3/1431)

المطلب الثالث في ما تستعمل فيه صيغة " لا تفعل "
صيغة النهي وهي: " لا تفعل " تستعمل لمعان كثيرة هي كما يلي:
الأول: التحريم كقوله تعالى: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله) .
الثاني: الكراهة كقوله تعالى: (وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) .
الثالث: الإرشاد كقوله تعالى: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) .
الرابع: الدعاء كقول تعالى: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا) .
الخامس: التقليل والاحتقار كقوله تعالى: (لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم) ، فهو قليل وحقير، بخلاف ما عند اللَّه.
السادس: بيان العاقبة: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) : أن عاقبة الجهاد: هي
الحياة الأخروية السعيدة.
السابع: التسكين والتصبر كقوله تعالى: (لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) .
الثامن: الشفقة كقوله - صلى الله عليه وسلم -:
" لا تتخذوا الدواب كراسي ".
التاسع: اليأس كقوله تعالى: (يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم) .
العاشر: الالتماس كقوله لمن هو في مرتبتك: " لا تضرب فلانا ".
الحادي عشر: التهديد كقول السيد لعبده: " لا تفعل اليوم شيئاً ".
(3/1432)

المطلب الرابع فيما تقتضيه صيغة النهي وهي: " لا تفعل "
حقيقة إذا تجردت عن القرائن
اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن صيغة النهي - وهي: " لا تفعل " - تقتضي
التحريم حقيقة، ولا يحمل على غيره من المعاني السابقة إلا بقرينة.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: إجماع الصحابة - رضي اللَّه عنهم - والتابعين؛
حيث إنهم كانوا يستدلون على تحريم الشيء بصيغة النهي - وهي:
"لا تفعل " - فيقولون: الزنا محرم؛ لقوله تعالى:
(ولا تقربوا الزنا) ، والقتل محرم ل قوله تعالى: (ولا تقتلوا النفس التي حرم
الله إلا بالحق) ، والربا حرام لقوله تعالى: (ولا تأكلوا الربا) ،
ونحو ذلك، فهم كانوا ينتهون عن ذلك بمجرد سماعهم لتلك
الصيغة، ويعاقبون من يفعل المنهي عنه، واستدلالهم على التحريم،
وانتهائهم عن المنهي عنه، ومعاقبتهم لمن يفعل المنهي عنه دليل واضح
على أن الصيغة حقيقة في التحريم، فإذا استعملت في غيره كان ذلك
مجازاً.
الدليل الثاني: إجماع أهل اللغة واللسان، بيان ذلك:
أن السيد إذا قال لعبده: " لا تخرج من الدار " فخرج، ثم
عاقبه على خروجه، فإن العقلاء من أهل اللغة لا ينكرون على السيد
(3/1433)

معاقبة عبده، فلو لم تكن صيغة " لا تفعل " تقتضي التحريم لما
استحق العقوبة بمخالفتها.
المذهب الثاني: أن صيغة النهي - وهي: " لا تفعل " تقتضي
الكراهة التنزيهية، ولا يحمل على التحريم ولا على غيره إلا بقرينة.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن صيغة النهي وهي: " لا تفعل " ترد والمراد بها التحريم، وترد
والمراد بها الكراهة التنزيهية، والتحريم: طلب الترك والمنع من
الفعل، والكراهة: طلب الترك مع عدم المنع من الفعل، فاشتركا
في شيء واحد وهو: طلبط الترك، فنحمله عليه؛ لأنه هو المتيقن،
أما المنع من الفعل - وهو التحريم "، فهو شيء زائد يحتاج إلى
دليل.
جوابه:
هذا الدليل يفيد أنكم تطالبوننا بإثبات دليل على أنه يقتضي
التحريم - وهو المنع من الفعل - والمطالبة بالدليل ليس بدليل.
وإن سلمنا أن المطالبة بالدليل دليل، فإنا قد بينا أن مقتضى صيغة
النهي التحريم بدليلين قد سبق ذكرهما، ولهذا كان المخالف لهذه
الصيغة يستحق العقوبة، فلو كان النهي للتنزيه لما استحق مخالفها
للعقوبة.
المذهب الثالث: التوقف حتى يرد دليل يبين المراد من تلك الصيغة.
وهو لبعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن كون صيغة: " لا تفعل " موضوعة للتحريم، أو الكراهة
(3/1434)

التنزيهية إنما يعلم بدليل، ولم يثبت دليل من العقل، ولا من النقل
على أحدهما، فيجب التوقف.
جوابه:
إن كان توقفكم جاء بسبب عدم ثبوت دليل على أن المراد بها
التحريم أو الكراهة، فهو باطل؛ لأنا قد أثبتنا أدلة من إجماع
الصحابة، وإجماع أهل اللغة على أن صيغة " لا تفعل " للتحريم
حقيقة.
وإن كان توقفكم جاء بسبب تعارض أدلة المثبتين للتحريم، وأدلة
المثبتين للكراهة، وأنه لا مرجح لأحدهما على الآخر، فهذا باطل
- أيضا -؛ لأن الدليل المثبت للتحريم أرجح من الدليل المثبت
للكراهة، فيجب العمل به، والقول بالتحريم؛ لأن العمل بالراجح
واجب، فيكون التوقف فيه مخالفة لهذا الدليل، وهذا لا يجوز.
وإن كان توقفكم جاء بسبب: أن الصيغة لا تفيد شيئاً، فهذا
باطل - أيضا - لأنه يلزم منه تسفيه واضع اللغة، وإخلاء الوضع
عن الفائدة بمجرده.
المذهب الرابع: أن صيغة " لا تفعل " لفظ مشترك بين التحريم
والكراهة، فهي موضوعة لكل منهما بوضع مستقل، وهو لبعض
العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن صيغة " لا تفعل " قد استعملت في التحريم، والكراهة،
والأصل في الاستعمال الحقيقة، فكان اللفظ حقيقة في كل منهما.
جوابه:
إن الاشتراك اللفظي ينقدح إذا كان اللفظ - وهو: " لا تفعل "
(3/1435)

متردداً بين التحريم والكراهة على السواء، ولا يتبادر منه واحد منهما
بخصوصه عند الإطلاق، وهذا لم يحصل؛ لأن اللفظ عند إطلاقه
يتبادر منه التحريم، فيكون حقيقة فيه؛ لأن الحقيقة هي التي تتبادر
في الذهن وتسبق إليه.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي وهو ظاهر.
فأصحاب المذهب الأول يقولون: إن الوعيد على فعل المنهي عنه
مستفاد من نفس صيغة " لا تفعل "، فيعاقب على فعل المنهي عنه
بدون قرائن.
أما أصحاب المذهب الثاني، والثالث، والرابع، فإنهم يقولون:
إن الوعيد على فعل المنهي عنه لا يستفاد من نفس الصيغة وهي:
" لا تفعل "، وإنما هو مستفاد من قرائن احتفت بالصيغة، فلا يجوز
للناهي أن يعاقب المنهي على فعل الشيء المنهي عنه إلا بدليل وقرينة.
فمثلاً قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"ولا يبع بعضكم على بيع بعض "،
فإن النهي هنا للتحريم ابتداء عند أصحاب المذهب الأول،
ولا يصرف عنه إلى غيره إلا بقرينة.
ويكون النهي للكراهة ابتداء عند أصحاب المذهب الثاني، ولا
يصرف عنه إلى غيره إلا بقرينة.
وكان عند بقية المذاهب مجملاً لا يحمل على التحريم ولا على
الكراهة إلا بقرينة.
وكذلك قوله تعالى: (ولا يغتب بعضكم بعضا) تقول فيه كما
سبق، وقل ذلك في كل نهي ورد مطلقا.
(3/1436)

المطلب الخامس إذا ورد النهي بعد الأمر فماذا يقتضي؟
لقد سبق في مبحث الأمر أن قلنا: إن الأمر إذا ورد بعد النهي فقد
اختلف فيه هل يقتضي الإباحة أو يقتضي الوجوب.
ولكن هنا عكس المسألة السابقة، والكلام عنها يحتاج إلى تفصيل
هوكما يلي:
القائلون بأن صيغة الأمر بعد النهي للوجوب اتفقوا على أن النهي
بعد الأمر للتحريم؛ لأن النهي يقتضي التحريم كما سبق بيانه،
فوروده بعد الأمر لا يمنعه من إفادته للتحريم، فيجب العمل بالمقتضي
السالم عن المعارض، فتكون صيغة النهي الواردة بعد الأمر للتحريم
كما لو وردت ابتداء.
أما القائلون: إن صيغة الأمر الواردة بعد النهي للإباحة، فهم
الذين اختلفوا في هذه المسألة وهي: " ماذا تقتضى صيغة النهى بعد
الأمر؛ " على مذهبين:
المذهب الأول: أن صيغة النهي الواردة بعد الأمر تقتضي التحريم.
وهذا هو الحق، وهذا خلاف ما قلناه سابقاً في مسألة: " الأمر
الوارد بعد النهي "، فقد قلنا هناك: إن الأمر الوارد بعد النهي
يقتضي الإباحة، وهنا قلنا: إن النهي الوارد بعد الأمر يقتضي
التحريم، وذلك لوجود الفرق بينهما من وجوه:
الوجه الأول: أن دلالة النهي على التحريم أقوى من دلالة الأمر
(3/1437)

على الوجوب، ولا يلزم من العمل بما هو أقوى العمل بما هو
أضعف، ولذلك يقول عليه السلام: " ما اجتمع الحلال والحرام إلا
غلب الحرام الحلال ".
الوجه الثاني: أن الأصل في الأشياء العدم، فالقول بأن النهي
بعد الأمر يقتضي التحريم فيه عمل بالأصل.
الوجه الثالث: أن الشارع قد اعتنى بدرء المفاسد أشد من عنايته
من جلب المنافع والمصالح، فالقول بأن النهي بعد الأمر للتحريم فيه
عمل بهذا الأصل.
المذهب الثاني: أن - صيغة النهي الواردة بعذ الأمر تقتضي الإباحة
- مثل: صيغة الأمر الواردة بعد النهي؛ حيث قلنا: إنها تقتضي
الإباحة.
دليل هذا المذهب:
أن تقدم الأمر على النهي يعتبر قرينة على أن الفعل مأذون فيه،
وليس ممنوعاً، وبذلك تكون صيغة النهي ليس مراداً منها - حقيقتها،
بل تكون مجازاً في الإباحة لهذه القرينة.
جوابه:
إن هذا الدليل يفهم منه قياس " النهي الوارد بعد الأمر " على
"الأمر الوارد بعد النهي "، وهذا لا يصح؛ لأن النهي الوارد بعد
الأمر يختلف عن الأمر الوارد بعد النهي، فلو قال السيد لعبده: "لا
تدخل هذه الدار "، ثم قال له: " ادخلها " هذا يعتبر إذنا بالدخول
بعد أن حرم عليه الدخول.
بخلاف ما لو قال له: " ادخل هذه الدار "، ثم قال له: " لا تدخلها "، فإنه يعتبر تحريما بعد وجوب.
(3/1438)

ثم إن الذي يُبين الفرق ما ذكرنا فيما سبق من الوجوه.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي كما هو ظاهر، فلو قال السيد لعبده: - "ادخل
هذه الدار " ثم قال له: " لا تدخلها "، فإن دخلها بعد ذلك فهل
يستحق العقوبة؛
بناء على المذهب الأول: يستحق العقوبة بدون قرينة.
وبناء على المذهب الثاني: لا يستحق العقوبة إلا بقرينة تستوحب
ذلك.
(3/1439)

المطلب السادس هل النهي يقتضي الانتهاء على الفور والتكرار؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن النهي يقتضي الانتهاء عن المنهي عنه على الفور
ويقتضي التكرار، وهو مذهب أكثر العلماء، وهو الحق؛ لما يلي
من الأدلة:
الدليل الأول: أن النهي يقتضي عدم الإتيان بالفعل، وعدم
الإتيان لا يتحقق إلا بترك الفعل في جميع أفراده في كل الأزمنة،
وبذلك يكون ترك الفعل مستغرقا جميع الأزمنة، ومن جملتها الزمن
الذي يلي النهي مباشرة، فيكون النهي مفيداً للتكرار كما هو مفيد
للفور.
الدليل الثاني: أن الناهي لا ينهى إلا عن قبيح، والقبيح يجب
اجتنابه. على الفور، وفي كل وقت.
الدليل الثالث: أن السيد لو قال لعبده: " لا تدخل الدار "،
فإن ذلك يقتضي: أن لا يدخل الدار على الفور وعلى التكرار
والمداومة، وإن دخلها في أي وقت من الأوقات فإفه يستحق الذم
والعقوبة، ولو لم يكن مقتضيا لذلك لما استحق مخالفه الذم
والعقوبة.
المذهب الثاني: أن النهي لا يقتضي الفور، ولا يقتضي التكرار.
وهو مذهب بعض العلماء.
(3/1440)

دليل هذا المذهب:
قياس النهي على الأمر، فكما أن الأمر لا يقتضي الفور ولا
التكرار، فكذلك النهي لا يقتضي الفور ولا التكرار، والجامع: أن
كلاً منهما استدعاء وطلب.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ الحكم في الأصل المقاس عليه؛ لأن
الأمر يقتضي الفور، وهذا ثبت بأدلة قد سبق بيانها.
الجواب الثاني: سلمنا أن الأمر لا يقتضي الفور ولا التكرار،
لكن قياس النهي عليه لا يصح؛ لأنه قياس فاسد؛ حيث إنه قياس
مع الفارق، ووجه الفرق: أن النهي يقتضي عدم الإتيان بالفعل،
وعدم الإتيان لا يتحقق إلا بترك الفعل في جميع أفراده في كل
الأزمنة، ومن جملتها الزمن التالي لصدور صيغة النهي.
أما الأمر فهو طلب الفعل، والفعل يتحقق ولو في مرة واحدة،
فليس في الأمر ما يقتضي التكرار، فصح أن يقال: إنه لا يفيد
التكرار، وحيث كان لا يفيد التكرار فهو لا يفيد الفور.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف - هنا - لفظي؛ لأن أصحاب المذهبين قد اتفقوا على
المعنى، وإن اخلفوا في اللفظ والاصطلاح؛ إذ لا يمكن لأحد أن
يقول: إن النهي يقتضي الانتهاء عن المنهي عنه بعد صدور صيغة
الأمر بفترة ولا يمكن لأحد أن يقول: يجب الانتهاء عن المنهي عنه
مرة واحدة، ثم يعود لفعله، هذا لا يقوله أحد.
(3/1441)

قد يقول قائل: ما دام الأمر كذلك إذن ما سبب قول أصحاب
المذهب الثاني: إن النهي لا يقتضي الفور ولا التكرار؟
أقول - في الجواب عن ذلك -: إن سبب قولهم ذلك: أنهم
لما استقرؤا النصوص وجدوا: أن النهي يرد مرة للدوام والتكرار
كقوله تعالى: (ولا تقربوا الزنا) ، ومرة يرد لخلافه كقول الطبيب:
" لا تشرب اللبن ولا تأكل السمك ".
أما أصحاب الأول - وهم الجمهور القائلون: إن النهي يدل على
التكرار والدوام والعموم والفور مدة القيد في مثل قول الطبيب: "لا
تشرب اللبن ولا تأكل السمك ".
وبناء على ذلك: يكون النهي للدوام مدة العمر في المطلق ومدة
القيد في المقيد، فهم نجعلوا النهي يقتضي التكرار ويريدون من ذلك
مطلق الدوام الأعم من الدوام مدة العمر، ومن مدة القيد.
فأصحاب المذهب الثاني نظروا إلى الإطلاق من جهة، ونظروا
إلى التقييد من جهة أخرى، وغايروا بين النظرين، وهما واحد عند
أصحاب المذهب الأول، فلا خلاف في المعنى، فيكون الخلاف
لفظيا.
(3/1442)

المطلب السابع أحوال المنهي عنه
المنهي عنه له حالتان:
الحالة الأولى: أن يكون المنهي عنه فعلاً واحداً مثل: " لا تدخل
هذه الدار "، فإن النهي هنا يقتضي ترك ذلك الواحد بعينه.
الحالة الثانية: أن يكون المنهي عنه متعدد، وهذه الحالة لها ثلاث
صور:
الصورة الأولى: أن يكون كل فعل بخصوصه لا يجوز الإقدام
عليه، وجاء بلفظ العطف " الواو " مثل: " لا تقرب الزنا، ولا
تأكل الربا "، فإن النهي يقتضي عدم فعلها جميعها، كما لا يجوز
فعلها منفردة.
الصورة الثانية: أن يكون كل واحد منها يجوز فعله منفرداً، وجاء
بلفظ العطف " الواو " مثل: " لا تتزوج هنداً ولا أختها "، فإن
النهي هنا يقتضي عدم فعلها مجتمعة، ولا يدل على ترك كل واحد
منها على انفراده؛ لأن الدليل قائم على جواز التزوج بكل واحدة
منها استقلالا.
الصورة الثالثة: أن يكون كل واحد منها يجوز فعله منفرداً،
وجاء بلفظ " أو " مثل: " لا تدخل هذه الدار أو هذه الدار "، فإن
النهي يقتضي المنع من دخول أحدهما لا بعينه؛ لأن لفظ " أو "
للتخيير.
وخالف في الصورة الثالثة المعتزلة، وقد ذكرت مذهبهم في كتابي
" إتحاف ذوي البصائر " فارجع إليه إن شئت.
(3/1443)

المطلب الثامن هل النهي عن الشيء أمر بضده؟
لقد سبق - في باب الحرام -: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده
من حيث المعنى على أصح الأقوال.
وهذه المسألة عكس تلك المسألة، وهي: النهي عن الشيء هل
هو أمر بضده؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن النهي عن الشيء أمر بضده إذا كان له ضد
واحد، وإن كان له أضداد فهو أمر بأحدها، فإذا قال: " لا تقم "
فهو أمر بالقعود.
وهذا هو مذهب جمهور العلماء.
وهو الحق؛ لأن المنهي يتحتم عليه ترك المنهي عنه، ولا يمكنه ترك
المنهي عنه إلا بفعل ضده، وما تحتم فعله إلا لأنه مأمور به.
المذهب الثاني: أن النهي لا يكون أمراً بضده، سواء كان له ضد
واحد، أو أضداد، وهو لبعض الحنفية كالجرجاني، وبعض
المتكلمين.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أنه لا يمكن أن يكون لفظ واحد أمراً ونهيا.
جوابه:
نحن لم نقل: إن لفظ " لا تفعل " هي عين: " افعل "، بل إنا
(3/1444)

نقول: إن النهي عن الشىء أمر بضده من جهة المعنى، كما قلنا:
إن الأمر بالشيء نهي عن ضده من جهة المعنى، فهو مثل قولنا:
"زيد موجود في مكة"، ومعناه: " أنه ليس موجوداً في المدينة "
وهكذا.
الدليل الثاني: أن الإنسان منهي عن قتل نفسه، وليس بمأمور
بترك قتل نفسه؛ لأنه لا يثاب على ترك قتل نفسه، ولو كان مأموراً
به لأثيب عليه.
جوابه:
لا نسلم ذلك، بل هو مأمور بترك قتل نفسه، ويثاب على ذلك
كما يعاقب على قتل نفسه.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ حيث إن الرجل إذا قال لزوجته: " إن
خالفت أمري فأنت طالق "، ثم قال لها: " لا تقومي " فقامت،
فإنه يلزم على المذهب الأول: أنها تطلق؛ لأن النهي عن الشيء أمر
بضده، ويلزم على المذهب الثاني: أنها لا تطلق؛ لأن النهي عن
الشيء ليس أمراً بضده.
(3/1445)

المطلب التاسع هل النهي يقتضي فساد المنهي عنه أو لا؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن النهي يقتضي فساد المنهي عنه مطلقا، أي سواء
كان المنهي عنه عبادة، أو معاملة.
والمراد بالفساد: عدم ترتب الآثار.
فأثر النهي في العبادات: عدم براءة الذمة.
وأثر النهي في المعاملات: عدم إفادة الملك والحل.
فإذا ورد النهي عن السبب المفيد حكما يقتضي فساده، سواء كان
النهي عنه لعينه، أو لغيره في العبادات، أو في المعاملات كالنهي
عن البيع بعد النداء الثاني، والنهي عن بيع المزابنة، والنهي عن
نكاح المتعة، والشغار، وبيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها.
فالنهي عن كل ذلك يقتضي فسادها.
وهذا مذهب كثير من العلماء من المالكية، والشافعية، والحنابلة،
والظاهرية، وبعض الحنفية، وبعض المتكلمين.
وهو الحق؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: أن الشارع لا ينهى عن شيء إلا لأن المفسدة متعلقة
بالمنهي عنه، أو لازمة له، فقد ثبت من استقراء وتتبع النصوص
الشرعية: أن الشارع لا ينهى عن مصلحة، فلم يبق إلا أن نهيه عن
(3/1446)

مفسدة، وإذا كانت الأشياء المنهي عنها فيها مفاسد، فسيلحق الناس
منها ضرر، وإعدام الضرر مناسب عقلاً وشرعاً، ولا يمكن ذلك إلا
بقولنا: " إن النهي يقتضي الفساد مطلقا ".
الدليل الثاني: إجماع الصحابة - رضي اللَّه عنهم -؛ حيث إنهم
استدلوا على فساد العقود بالنهي عنها، ومن أمثلة ذلك:
أنهم استدلوا على فساد عقود الربا بالنهي الوارد في قوله عليه
الصلاة والسلام: " لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق،
ولا البر بالبر ... "، واستدلوا على فساد نكاح المحرم في الحج
بالنهي عنه الوارد في قوله - صلى الله عليه وسلم -:
" لا ينكح المحرم ولا ينكح "،
وغير ذلك، فلو لم يكن النهي يقتضي الفساد لما استدلوا بتلك
النواهي على فساد الأمور المنهي عنها، ولم ينكر أحد هذا الاستدلال
فكان إجماعا.
اعتراض على ذلك:
قال قائل - معترضا -: لعلهم رجعوا إلى فساد ذلك بسبب قرينة
دلَّت في الحال على ذلك الفساد.
جوابه:
لو كان هناك قرينة لذكرت، ونقلت كما نقل استدلالهم بتلك
النواهي، فلما لم ينقل شيء من ذلك: دلَّ على أنهم فهموا من
النهي الفساد مطلقاً.
الدليل الثالث: أن النهي عن الشيء يقتضي ترك هذا الشيء المنهي
عنه واجتنابه، والأمر بذلك الشيء يقتضي إيجاده وعدم تركه.
وتركه وعدم تركه متناقضان، والشرع بريء من التناقض وما
(3/1447)

يفضي إليه، ويلزم للتخلص من هذا التناقض - أن يقال: إن النهي
يقتضي فساد المنهي عنه مطلقا.
والأمر يقتضي صلاح المأمور به.
المذهب الثاني: التفريق بين العبادات والمعاملات، بيانه:
أن النهي عن العبادات يقتضي فسادها.
أما النهي عن المعاملات فلا يقتضي فسادها.
وهذا مطلقا أي: سواء كان النهي عن الشيء لعينه كالزنا، أو
كان النهي عنه لغيره كالبيع عند النداء الثاني يوم الجمعة.
وهو مذهب بعض الشافعية كفخر الدين الرازي، وبعض المعتزلة
كأبي الحسين البصري، وهو اختيار بعض الفقهاء.
تنبيه: اختلف أصحاب هذا المذهب فيما بينهم هل النهي اقتضى
الفساد مطلقا من جهة اللغة أو الشرع؛ على أقوال:
القول الأول: إن النهي اقتضى الفساد من جهة اللغة.
القول الثاني: إن النهي اقتضى الفساد من جهة الشرع.
القول الثالث: إن النهي اقتضى الفساد من جهة المعنى، وهو
الصحيح عندي؛ لأن النهي يدل على قبح المنهي عنه وحظره، وهو
مضاد للمشروعية.
دليل هذا المذهب:
أن العبادة طاعة، والطاعة عبارة عما يوافق الأمر، والأمر والنهي
متضادان، فما يوافق الأمر قربة وطاعة، وارتكاب النهي معصية،
فلا يمكن أن يجتمعا في شيء واحد، بأن يكون هذا الشيء منهيا عنه
(3/1448)

ومأموراً به في حال واحدة، فهذا يجعل النهي عن العبادات يقتضي
فسادها.
وذلك بخلاف المعاملات، فإنها ليست قربة، فلا يناقض المقصود
منها ارتكاب النهي، فالنهي عن المعاملات لا يقتضي فسادها،
فمثلاً: البيع وقت النداء الثاني يوم الجمعة صحيح يفيد الملك، لكن
البائع آثم لارتكابه المنهي عنه، فلا يوجد تناقض هنا.
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ عدم تناقض ذلك، فقد بيَّنا تناقضهما في
أدلتنا السابقة على مذهبنا.
الجواب الثاني: سلمنا أن النهي قد لا يناقض الصحة، لكن
الظاهر من النهي أنه يقتضي الفساد؛ للأدلة التي ذكرناها، والعمل
بالظاهر واجب.
وعلى فرض أنا خالفنا هذا الظاهر - وهو: أن النهي يقتضي
الفساد - وقلنا بالصحة في بعض الفروع، فإن هذا كان بسبب قرينة
صرفت اللفظ عن المعنى الراجح وهو الظاهر إلى المعنى المرجوح.
وهذا لا يعني أنا عدلنا عن قاعدتنا وأصلنا - وهو: أن النهي
يقتضي الفساد، بل نعمل على هذه القاعدة في مطلق النهي، قياسا
على قولنا: إن مطلق النهي يقتضي التحريم، لكن لو وردت صيغة
النهي مع قرينة صرفتها من التحريم إلى الكراهة: عملنا بتلك القرينة،
أما إذا تجرد النهي عن القرائن فإنه يقتضي التحريم، كذا هاهنا.
المذهب الثالث: التفريق بين ما نهي عنه لعينه، أو لغيره، بيانه:
(3/1449)

إن كان النهي عن الشيء لعينه كالزنا والسرقة، فإنه يقتضي الفساد.
وإن كان النهي عن الشيء لغيره كالبيع عند النداء الثاني في يوم
الجمعة، فإنه لا يقتضي الفساد.
هذا هو المذهب المنسوب للإمام أبي حنيفة والشافعي.
دليل هذا المذهب:
أن الشيء المنهي عنه لذاته ولعينه له جهة واحدة كالنهي عن الزنا
والكفر، والملاقيح والمضامين، وبيع الميتة، ونكاح المحارم، فهذه
التصرفات فاسدة قطعا؛ لعدم قابلية المحل للتصرف الشرعي، فلا
يترتب عليها أي أثر شرعي.
أما الشيء المنهي عنه لغيره كالنهي عن البيع عند النداء الثاني في
يوم الجمعة، له جهتان، فيصح من جهة، ويأثم البائع من جهة
أخرى، فالبيع صحيح؛ لتوفر شروط وأركان البيع ويأثم البائع،
لوقوعه في هذا الوقت المنهي عنه، وعلى هذا: لا يقتضي النهي
الفساد إذا كان النهي عن الشيء لغيره.
كذلك يقال في الصلاة في الثوب الحرير، والصلاة في الثوب
المسروق، وصوم أيام التشريق.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن هذا مخالف لعموم النص، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد "؛ حيث إنه عام وشامل
للمنهي عنه لعينه ولغيره، فهو يبين: أن المنهي عنه ليس عليه أمره
(3/1450)

مطلقا، فيجب أن يكون مردوداً، وهذا يشمل ذاته.، وآثاره،
ومتعلقاته.
الجواب الثاني: أنه لا فرق بين المنهي عنه لعينه، والمنهي عنه
لغيره، وذلك لأن الشارع لا ينهى عن شيء إلا لوجود المفسدة في
هذا الشيء المنهي عنه، ووجود هذه المفسدة إما قطعي - وهي
المفسدة الخالصة - أو ظني - وهي المفسدة الراجحة - والعمل
بالقطعي والظني واجب، ولا يجوز العمل بالمرجوح؛ لأنه كالمعدوم
لذا يجب اجتناب الشيء المنهي عنه مطلقا؛ نظراً لوجود المفسدة فيه.
المذهب الرابع: أن النهي عن الفعل يقتضي صحة المنهي عنه،
وهو اختيار أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، وكثير من الحنفية.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن مجرد صدور صيغة النهي يدل على تصور وقوع
المنهي عنه، فالنهي - مثلاً - عن صوم يوم النحر يدل على انعقاده،
فلو استحال انعقاده في نفسه لما نهى عنه؛ لأن المحال لا ينهى عنه،
أي: أن النهي عن غير المقدور عليه عبث، والعبث لا يليق
بالحكيم، فلا يجوز أن يقال للمقعد: " لا تطر "، ولا يجوز أن
يقال للأعمى: " لا تبصر هذا القلم "؛ لأن مثل ذلك عبث.
جوابه:
أنا نوافقكم بأن النهي يدل على تصور وقوع المنهي عنه عن طريق
الحس وهي الأفعال، أما الصحة والفساد فهما حكمان شرعيان
وضعيان لم يرد الأمر بهما، ولا النهي عنهما، يؤيد ذلك: سائر
مناهي الشرع، فلم يرد فيها ذلك، بل إنا نحن وأنتم قد أجمعنا
على إبطال كل ما نهى الشارع عنه، فقد أبطلنا بيع المحاقلة،
(3/1451)

والمزابنة، والمنابذة، والملامسة، والربا، والصلاة أثناء الحيض،
ونحو ذلك، ولا مستند لذلك إلا النهي، فهذا يدل على أن النهي
يقتضي الفساد والبطلان مطلقا.
تنبيه: إن هذا المذهب بعيد جداً؛ لأن النهي لا يدل على الصحة
عن طريق اللغة، ولا عن طريق الشرع، ولا عن طريق الضرورة،
فالمصير إليه تحكم ودعوى بلا دليل، بل الاستدلال بالنهى على فساد
الشيء المنهي عنه أقرب من الاستدلال بالنهي على الصحة،
وأصحاب هذا المذهب منعوا أن يكون النهي يدل على الفساد،
فكيف منعوا أن يكون النهي يدل على الفساد مع قربه منه، ويجيزوا
أن يكون النهي يدل على الصحة مع بعده؛ هذا بعيد وغريب.
المذهب الخامس: أن النهي لا يقتضي فساداً، ولا صحة مطلقا.
وهو مذهب بعض الفقهاء، وبعض المتكلمين.
دليل هذا المذهب:
أنه لا يوجد دليل صحيح من العقل ولا من النقل يفيد أن النهي
يقتضي الفساد، ولا يقتضي الصحة، ولا يوجد ما يفيد أنه يقتضي
الصحة.
أما كون الفاعل يأثم بفعل المنهي عنه، فذلك من دليل خارجي.
جوابه:
إن هذا الدليل متضمن للمطالبة بالدليل على الفساد، والمطالبة
بالدليل على الصحة، وهذا باطل من وجهين:
الوجه الأول: أن المطالبة بالدليل ليست بدليل.
الوجه الثاني: على فرض أن المطالبة بالدليل دليل، فإنا قد ذكرنا
أدلة صريحة تدل على أن النهي يقتضي الفساد، ولا يصرفه عنه إلا
(3/1452)

بقرينة، وأبطلنا أدلة المخالفين، وإذا كان النهي يقتضي الفساد، فإنه
لا يقتضي الصحة بالضرورة.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ حيث أثر ذلك في بعض الفروع الفقهية
ومنها:
1 - أن نكاح المحرم فاسد؛ لأن النهي الوارد في قوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا ينكح المحرم.. " يقتضي الفساد، وهو مذهب جمهور العلماء.
وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يفسد، ولم يعملوا بهذه القاعدة
وعملوا بأدلة أخرى، وهو مذهب الحنفية.
2 - من نذر صيام يوم العيد، فإن هذا النذر فاسد ولو صام لا
يصح صومه، ولا يسقط القضاء عنه؛ لأنه نهي عن صوم يوم العيد
والنهي يقتضي الفساد؛ فلا يكون صوم يوم العيد مشروعا، وهو
مذهب جمهور العلماء.
وذهب بعض العلماء إلى أن النذر صحيح بأصله دون وصفه.
وهو ما قاله الحنفية: فالناذر عندهم يجب عليه الفطر، والقضاء،
لكن لو صام هذا اليوم صح صيامه مع التحريم، ولم يعملوا بتلك
القاعدة - وهي: أن النهي يقتضي الفساد، فالنهي عندهم لا ينافي
المشروعية.
هذا آخر المجلد الثالث من كتاب: " المهذب في علم أصول الفقه المقارن "
للشيخ الأستاذ الدكتور عبد الكريم بن علي بن محمد النملة حفظه الله
ونفع به الإسلام والمسلمين، ويليه المجلد الرابع إن شاء الله
وأوله " العموم والخصوص " وهو الفصل الثاني عشر من الباب الرابع
(3/1453)