Advertisement

المهذب في علم أصول الفقه المقارن 004


المجلد الرابع
الفصل الثاني عشر في العموم والخصوص
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: في العموم.
المبحث الثاني: في الخصوص.
(4/1455)

المبحث الأول في العموم
ويشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: تعريف العام.
المطلب الثاني: بيان أن العموم من عوارض الألفاظ حقيقة.
المطلب الثالث: هل العموم من عوارض المعاني حقيقة أو لا؟
المطلب الرابع: في أقسام العام.
المطلب الخامس: هل للعموم صيغة في اللغة؟
المطلب السادس: صيغ العموم.
المطلب السابع: الجمع المنكر هل يفيد العموم إذا لم يقع في سياق
النفي؟
المطلب الثامن: هل نفي المساواة بين الشيئين يقتضي نفي المساواة
بينهما من كل الوجوه؟
المطلب التاسع: الفعل المتعدي إلى مفعول هل له عموم بالنسبة إلى
مفعولاته أو لا؟
المطلب العاشر: دلالة العام هل هي قطعية أو ظنية؟
المطلب الحادي عشر: أقل الجمع ما هو؟
المطلب الثاني عشر: هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب؟
(4/1457)

المطلب الثالث عشر: حكاية الصحابي للحادثة بلفظ عام هل يفيد
العموم؟
المطلب الرابع عشر: حكاية الراوي لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بلفظ "كان " هل يفيد العموم؛ وأن هذا الفعل يتكرر منه - صلى الله عليه وسلم - أو لا؟
المطلب الخامس عشر: هل يدخل العبد فى الخطاب المضاف إلى
الناس والمؤمنين والأمَّة والمسلمين؟
المطلب السادس عشر: الجمع الذي فيه علامة التذكير هل يتناول
النساء؟
المطلب السابع عشر: العام بعد التخصيص هل هو حقيقة في الباقي
أو يكون مجازاً؟
المطلب الثامن عشر: هل العام المخصوص حُجَّة في الباقي؟
المطلب التاسع عشر: هل يجوز تخصيص العام إلى أن يبقى واحد؟
المطلب العشرون: المخاطِب - بكسر الطاء - هل يدخل في عموم
خطابه؟
المطلب الواحد والعشرون: هل يجب اعتقاد عموم اللفظ قبل
البحث عن المخصص؟
المطلب الثاني والعشرون: الجمع المنكر المضاف إلى ضمير الجمع هل
يقتضي العموم في كل من المضاف والمضاف إليه؟
المطلب الثالث والعشرون: هل المفهوم له عموم؟
المطلب الرابع والعشرون: ترك الاستفصال في حكاية الحال مع
وجود الاحتمال هل ينزل منزلة العموم في المقال؟
(4/1458)

المطلب الأول تعريف العام
العام هو: اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد.
شرح التعريف:
قولنا: " اللفظ " جنس يشمل كل ما يتلفظ به مما يتكون من
حروف هجائية، سواء كان مهملاً، أو مستعملاً، عاما أو خاصا،
مطلقا أو مقيداً، مجملاً أو مفصلاً، حقيقة أو مجازاً.
والمقصود هنا باللفظ هو: اللفظ الواحد، لكن لم نذكر لفظ
"الواحد" للعلم به.
وقد عبَّرنا ب " اللفظ " لإخراج أمرين هما:
الأمر الأول: العموم المعنوي، أو المجازي كقولنا: " هذا مطر
عام "، فإن مثل ذلك لا يدخل في التعريف "، وذلك لأن العموم
المعنوي لا يتحد الحكم فيه، بل يختلف - كما سيأتي بيانه - أما
العموم اللفظي - وهو ما نحن بصدده - فإن الحكم فيه متحد، أي:
قولنا: " أكرم الطلاب " عام وشامل جميع الطلاب بدون تخصيص.
الأمر الثاني: الألفاظ المركبة، أي: أن قولنا: " اللفظ " أخرج
الشيء الذي أفاد العموم، ولكن بأكثر من لفظ كقولهم: " ضرب
زيد عمراً "، فإن العموم قد استفدناه من الفاعل وهو الضارب وهو
زيد، والمفعول به، وهو المضروب وهو عمرو، والفعل وهو:
الضرب، وكقولهم: " كلام منتشر ".
(4/1459)

قولنا: " المستغرق " أي: يشترط أن يكون هذا اللفظ مستغرقاً
أي: متناولاً لما وضع له من الأفراد دفعة واحدة.
وقد عبَّرنا بلفظ " المستغرق " لإخراج ما يلي:
الأول: اللفظ المهمل مثل: " ديز "، حيث إنه لا يدخل في
التعريف؛ لأن الاستغراق فرع الاستعمال والوضع، والمهمل غير
موضوع لمعنى وغير مستعمل، فمن باب أوْلى أنه لا يستغرق.
الثاني: اللفظ المطلق مثل قوله تعالى: (فتحرير رقبة) ، فإنه
لا يدخل في التعريف، لأن اللفظ المطلق يتناول واحداً لا بعينه -
كما سيأتي -.
أما اللفظ العام فإنه يتناول أفراداً بأعيانهم.
الثالث: النكرة في سياق الإثبات، حيث لا تدخل في التعريف،
لأن النكرة وإن وضعت للفرد الشائع في جنسه إلا أنها لا تستغرق
جميع ما وضعت له، أي: أنها لم تتناوله دفعة واحدة، وإنما
تتناوله على سبيل البدل، فمثلاً: " اضرب رجالاً " معناه: حقق
الضرب في أقل الجمع وهو: ثلاثة، فإذا ضربت ثلاثة رجال فإنك
تخرج عن العهدة.
قولنا: " لجميع ما يصلح له " معناه: ما وضع له اللفظ،
فالمعنى الذي لم يوضع له اللفظ لا يكون اللفظ صالحاً له.
فمثلاً لفظ " مَنْ " وضع للعاقل، ولفظ " ما " وضع لغير
العاقل، وهما من صيغ العموم - كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه - فلا
يمكن أن تستعمل " من " لغير العاقل، فنقول: " اشتر من رأيته من
البهائم "، ولا يمكن أن تستعمل " ما " للعاقل فتقول: " أكرم ما
رأيته من العلماء ".
(4/1460)

إذن: قولنا: " لجميع ما يصلح له " قيد قصد منه تحقيق معنى
العموم.
وقصد منه - أيضا - الاحتراز عن اللفظ الذي استعمل في بعض
ما يصلح له مثل قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ) ، فإن لفظ
" الناس " صيغة من صيغ العموم، ولكن لم يقصد بها هنا العموم،
بل قصد بها فرد واحد، وهو: نعيم بن مسعود، وقيل: طائفة من
الأعراب استأجرتهم قريش، وقيل غير ذلك.
قولنا: " بحسب وضع واحد " معناه: أن يكون اللفظ يدل على
معناه بحسب وضع واحد.
وهذه العبارة أتى بها لإخراج أمرين هما:
الأول: اللفظ المشترك؛ لأن المشترك هو اللفظ الدال على
معنيين، فكثر لا مزية لأحدها على الآخر مثل: " العين "، و "القرء"،
أما اللفظ العام فهو اللفظ الواحد الموضوع لمعنى واحد، هذا المعنى
عام.
ولهذا: نعمل باللفظ العام؛ لأن معناه واحد قد فهمناه.
أما اللفظ المشترك، فلا نعمل به إلا بعد أن تأتي قرينة ترجح أحد
المعاني - كما سبق بيانه -.
الثاني: اللفظ الصالح للحقيقة والمجاز مثل: " الأسد ".
اعتراض على هذا التعريف:
قال قائل - معترضا -: إن العام عرف بالمستغرق، والمستغرق
مرادف للعام، وتعريف الشيء بمرادفه دور، فكأنه قال: إن العام
هو المستغرق، والمستغرق هو العام، والدور لا يصح في التعريفات.
(4/1461)

جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أن الاستغراق مرادف للعموم؛ لأن
العموم لغة هو: الشمول، والشمول يختلف عن الاستغراق من
جهة اللغة، فهما لفظان لكل منهما معنى يخالف الآخر، فلا
ترادف بينهما، وإن اشتركا في بعض اللوازم.
الجواب الثاني: سلمنا أن الاستغراق مرادف للعموم، وهذا لا
مانع منه، ويكون من الحد اللفظي الذي سبق أن ذكرناه في الباب
الأول، فيجوز أن يعرف الشيء بلفظ يرادفه إذا كان أوضح منه، ولا
شك أن لفظ " الاستغراق " أوضح من لفظ العام بالنسبة للسامع،
فعرف به زيادة في البيان والإيضاح، فيكون كما نعرف الليث بأنه
الأسد.
(4/1462)

المطلب الثاني بيان أن العموم من عوارض الألفاظ حقيقة
اتفق العلماء على أن العموم من عوارض الألفاظ حقيقة،
والعوارض جمع عارض، والعارض هو: الذي يذهب ويجيء،
ومنه سمي المال عرضا؛ لأنه يذهب ويجيء، قال تعالى:
(تريدون عرض الدنيا) .
فمعنى قولنا: " إن العموم من عوارض الألفاظ ": أن العموم
يلحق الألفاظ.
وهو عرض لازم لما لحقه من الألفاظ، وهذا خاص ببعض
الألفاظ، والمقصود بذلك صيغ العموم التي تدل على استغراق اللفظ
بجميع الأفراد، فإذا قلنا: " هذا اللفظ عام "، فإن إضافة العموم
إلى اللفظ ووصفه به حقيقة، وهذا كقولنا: " هذا حيوان مريض "،
فإن إضافة المرض إليه حقيقة.
إذن: العموم عارض للفظ قد يجيء إليه، وقد يزول عنه،
وليس العموم داخل في حقيقة اللفظ: فمتى ما وجد اللفظ فهو
عام، هذا ليس هو المقصود، وإنما المقصود ما ذكرنا.
(4/1463)

المطلب الثالث هل العموم من عوارض المعاني حقيقة أو لا؟
لقد عرفنا أن العموم من عوارض الألفاظ حقيقة، وهذا متفق
عليه، ولكن العلماء اختلفوا هل العموم من عوارض المعاني حقيقة
على مذاهب:
المذهب الأول: أن العموم ليس من عوارض المعاني حقيقة، بل
هو من عوارضها مجازاً، وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق
عندي؛ لدليلين:
الدليل الأول: أن من لوازم العام أن يكون اللفظ العام متحداً،
ومع اتحاده يكون متناولاً لأمور متعددة من جهة واحدة: فالأفراد
الذين تناولهم اللفظ يجب أن يكونوا متساوين في الحكم، فمثلاً
قولك: " أكرم الطلاب " يجب أن يتساوى جميع الطلاب بالإكرام،
فإكرام زيد يجب أن يكون مثل إكرام عمرو وبكر، وهكذا دون زيادة
أو نقصان.
أما لو قال: " عم المدينة المطر " - ونحو ذلك من أمثلة العموم
المعنوي أو المجازي - فهذا إطلاق مجازي متساهل فيه؛ لأن المطر قد
يكون في بعض الوديان والأماكن أكثر من البعض الآخر، كذلك لو
قال: " عم القبيلة العطاء " هو إطلاق مجازي؛ لأن الخليفة لا يمكن
أن يعطي كل فرد من أفراد القبيلة مثل ما أعطى الآخر، فعطاء رئيس
القبيلة يختلف عن عطاء غيره، فاختلفوا في الحكم.
بخلاف ألفاظ العموم، فإن الحكم متساو في جميع الأفراد،
(4/1464)

فقوله تعالى: (أقيموا الصلاة) ، فإن كل فرد يجب أن يصلي
الظهر أربع ركعات، سواء كان رئيس القبيلة أو غيره.
الدليل الثاني: أن العموم لغة هو شمول أمر واحد لمتعدد،
والمتبادر من الوحدة: الوحدة الشخصية، والمعاني ليست مشخصة،
فلا توصف بالعموم، وإنما يوصف به ما يتحقق فيه الشخص وهو
اللفظ، فإذا وصف المعنى بالعموم كان مجازاً.
المذهب الثاني: أن العموم من عوارض المعاني حقيقة، وهو
اختيار ابن الحاجب.
دليل هذا المذهب:
أنه ورد استعمال العموم في المعاني كقولهم: " عم الخليفة الناس
بالعطاء "، و " عمهم المطر "، و " عمهم القحط "، و " هذا عطاء
عام " ونحو ذلك، وهذا قد شاع وذاع في لسان أهل اللغة،
والأصل في الاستعمال الحقيقة.
جوابه:
إنا لو قلنا: إن استعمال العموم في المعاني استعمالاً حقيقياً، مع
قولنا: إن العموم من عوارض الألفاظ حقيقة للزم من ذلك أن يكون
العموم مشتركاً لفظيا بين الألفاظ والمعاني، والاشتراك خلاف
الأصل، لكن لو قلنا: إن العموم من عوارض المعاني مجازاً، فإنا
نكون قد تخلصنا من الاشتراك.
فإن قلت: إن المجاز أيضاً خلاف الأصل - كما سبق -.
أقول: إن المجاز مقدم على المشترك، فهو أوْلى أن يقال به.
والدليل على أن العموم من عوارض المعاني مجازاً: ما قلناه
- فيما سبق - من أن لازم العام: أن يكون اللفظ واحداً متناولاً
لجميع الأفراد بنسب متساوية.
(4/1465)

أما العموم المعنوي أو المجازي: فإنه يخالف هذا اللازم، فعطاء
هذا الفرد غير عطاء ذلك الفرد، والمطر في هذا المكان غير المطر في
ذلك، فاختلفت النسبة، فنتج: عدم وجود لازم العام، فلم يكن
عاماحقيقة.
المذهب الثالث: أن العموم ليس من عوارض المعاني حقيقة ولا
مجازاً.
دليل هذا المذهب:
أن العموم لغة هو: شمول أمر واحد لمتعدد، وقد قلنا فيما
سبق: إن الوحدة يتبادر منها الوحدة الشخصية، وهي لا تتحقق إلا
في الألفاظ، فالمعنى لا يوصف بالعموم حقيقة، ولا يوصف
- أيضاً - مجازاً؛ لعدم العلاقة بين اللفظ والمعنى.
جوابه:
أن المعاني توصف بالعموم مجازاً، والعلاقة متحققة، وهي:
علاقة الدال بالمدلول.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف لفظي؛ لأن الخلاف راجع إلى تفسير العموم ما هو وما
المراد به؟
فإن أريد بالعموم: استغراق اللظ لمسمياته، فهو من عوارض
الألفاظ خاصة، وهذا هو الحق.
وإن أريد بالعموم شمول أمر لمتعدد مطلقا بدون النظر إلى تساوي
النسب أو لا، فهو من عوارض الألفاظ والمعاني معا.
وإن أريد بالعموم: شمول مفهوم الأفراد فهو من عوارض المعاني
خاصة.
(4/1466)

المطلب الرابع أقسام العام
ينقسم العام إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: عام من جهة اللغة، وهو: ما استفيد عمومه من
جهة اللغة.
أي: أن اللفظ قد وضع في اللغة للعموم، وهي صيغ العموم
التي سيأتي ذكرها إن شاء اللَّه - وهو المقصود بباب العموم -.
القسم الثاني: العام من جهة العرف، وهو: ما استفيد عمومه
من جهة عرف أهل الشريعة، مع كون اللفظ لا يفيد العموم من
جهة اللغة كقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) ، فإن هذا اللفظ
لو نظرنا إليه نظرة لغوية فإنه لا يعم، حيث إنه يفيد: تحريم الأكل
فقط، ولكن عرف الفقهاء جعله مفيداً لتحريم كل ما يتعلق بالميتة من
أكلها، وجميع أنواع الانتفاعات.
القسم الثالث: العام من جهة العقل، وهو: ما استفيد عمومه
من جهة العقل، دون العرف واللغة، وهو ثلاثة أنواع:
النوع الأول: أن يكون اللفظ مفيداً للحكم ولعلته، فيقتضي
ثبوت الحكم أينما وجدت العلة، كاللفظ المشتمل على ترتيب الحكم
على الوصف كقولنا: " حرم الخمر للإسكار "، فهذا اللفظ لا يفيد
العموم من جهة اللغة، كل ما أفاده هو: أن الوصف عِلَّة للحكم
فقط.
(4/1467)

وإنما عم من جهة العقل؛ لأن العقل يحكم بأن العِلَّة كلما
وجدت وجد المعلول، وكلما انتفت ينتفي المعلول، وعن طريق ذلك
نقول: إن كل مسكر حرام، وبذلك يكون عموم هذا اللفظ ثابتاً
بالعقل.
النوع الثاني: أن يكون المفيد للعموم: ما يرجع إلى سؤال السائل
كما إذا سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عمن جامع في نهار رمضان، فيقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اعتق رقبة "، فنعلم أنه يعم كل مجامع وهو مكلف.
النوع الثالث: مفهوم المخالفة كقوله عليه الصلاة والسلام: " في
سائمة الغنم الزكاة "، فإنه يدل على أنه لا زكاة في كل ما ليس
بسائمة.
(4/1468)

المطلب الخامس هل للعموم صيغة في اللغة موضوعة له؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن للعموم صيغة في اللغة خاصة به، موضوعة
له، تدل على العموم حقيقة، ولا تحمل على غيره إلا بقرينة،
وهي أدوات الشرط والاستفهام، وكل اسم دخلت عليه " أل "
الاستغراقية سواء كانت جمعاً أو مفرداً، وكل نكرة أضيف إلى
معرفة، وكل وجميع والنكرة في سياق النفي، والأسماء الموصولة،
و" واو " الجمع، ولفظ " سائر " المشتقة من سور المدينة، وسيأتي
بيان ذلك.
وهذا مذهب جمهور العلماء، وهو الحق عندي؛ لما سيأتي من
الأدلة:
الدليل الأول: إجماع الصحابة - رضي اللَّه عنهم - على أن تلك
الصيغ للعموم، بيانه:
أن الصحابة - رضي اللَّه عنهم - وهم من بلغاء العرب
وفصحائهم كانوا يجرون تلك الألفاظ والصيغ - السابق ذكرها
على العموم إذا وردت في الكتاب والسنة، وكانوا - رضي الله
عنهم - يحملونها على إفادتها للعموم، ولا يطلبون دليلاً على
ذلك، فكأن إفادتها لذلك أمر مسلم به، ولكنهم كانوا في
اجتهاداتهم واستدلالاتهم - يطلبون دليل التخصيص، ليخصصوا به
(4/1469)

العموم، فإن وجدوا المخصص أخذوا به، وإن لم يجدوا: أجروها
على أصلها وعلى حقيقتها، وهو العموم، وكانوا يفعلون ذلك دون
أن ينكر بعضهم على بعض، فكان إجماعا سكوتيا منهم على أن
تلك الصيغ والألفاظ دلَّت بالوضع على العموم، وفعل الصحابة
ذلك عن طريق وقائع وقعت لهم، وإليك أمثلة لذلك:
منها: أنهم عملوا على أن قوله تعالى: (والسارق والسارقة) ،
وقوله: (الزانية والزاني) يفيد العموم بسبب وجود المفرد المحلى
بأل الاستغراقية، فعملوا على أن جميع السارقين، وجميع السارقات،
وجميع الزناة والزانيات يعاقبون بالعقاب الوارد في الآيات، دون
نكير من أحد.
ومنها: أنهم تمسكوا بقوله عليه السلام:
" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه "
على عدم جواز قتال مانعي الزكاة حتى
روى لهم أبو بكر قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إلا بحقها "، حيث إنه استثناء، والاستثناء يدل على أن المستثنى منه عام.
ومنها: احتجاج أبي بكر - رضي اللَّه عنه - على الأنصار لما
قالوا: " منا أمير ومنكم أمير " بقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"الأئمة من قريش ".
والكل سلموا له هذا الاحتجاج، ولم ينكر عليه أحد.
ومنها: احتجاج علي - رضي اللَّه عنه - بقوله تعالى:
(وأن تجمعوا بين الأختين) على تحريم الجمع بين الأختين، ولولا أن المثنى
المعرف بـ " أل " يفيد العموم لما صح هذا، أي: أنه يحرم الجمع بين
الأختين، سواء كانتا حرتين أو أمَتين.
ومنها: أنه لما نزل قوله تعالى:
(4/1470)

(الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) قالت الصحابة - رضي اللَّه عنهم -: فأينا لم يظلم نفسه، فبين عليه السلام: أنه أراد به ظلم النفاق والكفر.
ومنها: قوله تعالى: (وذروا ما بقي من الربا) فيه ثلاث صيغ
للعموم، وهي: " واو الجمع في قوله: وذروا "، و " اسم
الموصول في قوله: ما بقي "، واسم المفرد المحلى بـ " أل " وهو قوله:
" الربا "، فعمل الصحابة على أن كل ذلك يفيد العموم، والتقدير:
ليترك جمعكم كل الذي بقي من جميع أنواع الربا.
ومنها: قوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم) ، حيث يوجد فيه:
واو الجمع، والجمع المنكر المضاف إلى المعرفة وهو: الكاف في
قوله: " أنفسكم "، فعمل الصحابة على أن ذلك كله عام،
والتقدير: لا يجوز لكل واحد منكم أن يقتل نفسه.
ومنها: قوله تعالى: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا) .
ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا تنكح المرأة على عمتها "، وقوله: " لا يرث القاتل "،
فعمل الصحابة على أن بهل ذلك يفيد العموم، دون نكير.
ومنها: أن فاطمة بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - قد جاءت إلى أبي بكر تطالبه بميراثها من أبيها محتجة بقوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) ،
حيث إن هذا عام يشمل جميع الأولاد وأنهم يرثون من آبائهم، فقال
لها أبو بكر: إني سمعت الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول:
" نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة ".
فهنا لم ينكر عليها الاحتجاج بعموم الآية، وإنما أتى لها بمخصص
يخرج أولاد الأنبياء عن بقية الأولاد، ويكون التقدير: أن جميع
(4/1471)

الأولاد يرثون من آبائهم إلا أولاد الأنبياء، فإنهم لا يرثون أصلاً "،
ولم ينكر ذلك أي صحابي، فكان إجماعا.
ومنها: أنه لما نزل قوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)
قال عبد اللَّه بن أم مكتوم: " إني ضرير "، فنزل قوله
تعالى: (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) ، ففهم عبد الله من الجمع المعرف بأل
وهو: (القاعدون) العموم لذلك ذهب، وقد وافقه الرسول - صلى الله عليه وسلم -، إذ لم ينكر عليه ذلك، بل سكت حتى نزل الاستثناء،
والاستثناء دليل على أن المستثنى منه عام.
ومنها: أن لبيد بن ربيعة لما قال - على مجمع من قريش -:
ألا كل شيء ما خلا اللَّه باطل ... ... ... ... ... ...
قال عثمان بن مظعون - رضي اللَّه عنه - وكان بين الحاضرين في
مكة -: " صدقت ".
ولما قال لبيد:
... ... ... ... ... وكل نعيم لا محالة زائل
قال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول.
وجه الدلالة: أنه لو لم تكن " كل " الواردة في الشطر الثاني
- مفيدة للعموم لما صح هذا التكذيب، ولم ينكر ذلك أحد فكان
إجماعاً سكوتيا.
ما اعترض به على هذا الدليل:
الاعتراض الأول: أنه إن صح أن بعض الصحابة قد فهموا من
تلك الصيغ العموم، فإنه لم يصح من جميعهم، والحُجَّة في فهم
جميعهم، أما فهم بعضهم فلا حُجَّة فيه.
(4/1472)

جوابه:
إن بعض الصحابة الذين فهموا من تلك الصيغ العموم وعملوا
على ذلك، لم ينكر عليهم الآخرون، إذ لو وجد إنكار لنقل،
ولكن لم ينقل إلينا شيء من ذلك، فكان إجماعاً سكوتياً.
الاعتراض الثاني: أنكم استدللتم بالإجماع السكوتي على أن تلك
الصيغ للعموم.
ولا نسلم لكم أن الإجماع السكوتي يصلح لأن يحتج به في إثبات
الأحكام.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنا أثبتنا - في الباب الثالث فصل الإجماع -:
أن الإجماع السكوتي حُجَّة تثبت به القواعد الأصولية، والأحكام
الفرعية.
الجواب الثاني: سلمنا أن الإجماع السكوتي ليس بحُجَّة في
الشرعيات، لكنه حُجَّة في إثبات اللغويات؛ لأن الصحابة يعتبرون
من فصحاء العرب، وأعلم باللغة، واشتقاقاتها، واستعمالاتها،
وصيغها، وموضوعاتها من غيرهم.
الدليل الثاني: أن السيد لو أمر عبده وقال له: " من دخل داري
فأعطه درهماً " فأعطى العبد جميع الداخلين، فإنه يستحق المدح،
وإن أعطى الجميع إلا واحداً فإنه يستحق اللوم والذم، واستحقاقه
للمدح في الحالة الأولى، وللذم في الحالة الثانية دليل على أن "من "
الشرطية تفيد العموم.
(4/1473)

الدليل الثالث: أن الشخص لو أخبر نجقال: " ما رأيت اليوم
أحداً "، والحقيقة: أنه رأى زيداً، فإن خبره يكون مخالفة للواقع،
وكذبا: فهو أخبر بصيغة عموم - وهي: النكرة في سياق النفي -
أنه ما رأى أحداً، فيقتضي هذا: أنه لم ير أيَّ إنسان، ولكن هذا
خلاف الحقيقة؛ حيث إنه رأى زيداً في الواقع، فيكون خبره كذبا
ونقضا، ومخالفا للواقع، فلو لم تفد النكرة في سياق النفي العموم
لما صح تكذيبه.
الدليل الرابع: أن القضاة والحكام والمفتين يبنون على أن تلك
الصيغ والألفاظ تفيد العموم إذا نطق بها المتكلم، وعلى ذلك أمثلة:
منها: أن السيد لو قال: " أعتقت عبيدي وإمائي "، ثم بعد
ذلك مات مباشرة، فإنه يُحكم على أن جميع العبيد والإماء أحرار؛
حيث إنه تكلم بصيغة من صيغ العموم وهي: الجمع المنكر المضاف
إلى معرفة الوارد في قوله: " عبيدي وإمائي "، وعلى ذلك جاز لمن
سمع هذا القول: أن يزوج عبيده، ويتزوج من إمائه بغير إذن
الورثة؛ لأنهم بهذه الصيغة أصبحوا أحراراً لا دخل لأحد بهم، ولو
لم يكن الجمع المنكر المضاف إلى معرفة مفيداً للعموم لما كان ذلك.
ومنها: لو قال السيد: " العبيد الذين فى يدي ملك زيد "، فإن
القاضي يحكم بأن جميع العبيد ملك لزيد؛ لأن السيد ذكر في كلامه
صيغة عموم، وهي الجمع المعرف بـ " أل ".
ومنها: لو قال زيد لعمرو: " لي عليك ألف ريال "، فقال
عمرو: " ما لك عليّ شيء "، لكان هذا إنكاراً لجميع الألف؛
لأنه عبر بصيغة عموم وهي: النكرة في سياق النفي.
(4/1474)

والأمثلة على بناء الأحكام الشرعية على أمثال هذه العمومات في
سائر اللغات لا يمكن حصرها.
الاعتراض الذي وجه إلى أدلة الجمهور جميعاً - وهي الأربعة
السابقة الذكر -.
قال قائل - معترضاً على ما سبق قوله في الأدلة السابقة الذكر -:
إن مجرد اللفظ والصيغة لا تفيد العموم، ولكنها أفادت العموم فيما
ذكرتموه من الأمثلة بسبب قرائن اقترنت بها.
أي: أنه يحتمل أن يكون بين الصحابة عرف أن هذه الصيغ تفيد
العموم، أو أن هناك أدلة أخرى - لم تصل إلينا - جعلتها للعموم،
كذلك يحتمل أن يكون بين السيد وعبده تعارف وتفاهم على أنه إذا
أمره بصيغة من تلك الصيغ، فإنه يمتثل على العموم، وكذلك الشأن
عند القضاة والحكام، أو يكون عرف منتشر بين الناس في بلدة من
البلدان على ذلك.
جوابه:
يجاب عنه بأجوبة:
الجواب الأول: أنه لو كان هناك قرائن جعلت تلك الصيغ للعموم
لنقلت إلينا؛ لأن ما لا يتم الدليل إلا به لا يجوز للراوي ترك نقله،
وحيث لم ينقل، ثبت أنه لم تكن قرائن.
الجواب الثاني: أنا لو قلنا: إن تلك الصيغ لا تفيد العموم إلا
بقريتة: للزم من ذلك عدم الاستدلال بأي آية، وبأي حديث، إلا
إذا وردت قرينة تؤيد هذا الاستدلال، فنكون قد استفدنا الأحكام من
القرائن لا من النصوص، وهذا ظاهر البطلان؛ لأنه يؤدي إلى
أمرين باطلين:
(4/1475)

أولهما: تعطيل أكثر الآيات والأحاديث عن العمل، وهذا كفر
ظاهر.
ثانيهما: مخالفة إجماع العلماء؛ حيث أجمعوا على الاستدلال
بمجرد الآية، والحديث بدون قرائن.
الجواب الثالث: أنا لو قلنا: إن تلك الصيغ لا تفيد العموم إلا
بقرينة للزم من ذلك: أن تخلو تلك الصيغ عن الفائدة؛ لأن القرينة
هي التي جعلتها تفيد العموم، أما تلك الصيغ والألفاظ فلا تفيد
شيئا، فيكون ذكرها في الكتاب والسُنَّة عبثا لا فائدة فيه، وهذا
ظاهر البطلان؛ لأنه يؤدي إلى الكفر.
الجواب الرابع: أنا لو قلنا: إن تلك الصيغ لا تفيد العموم إلا
بقرينة للزم من ذلك اضطراب واختلال الشريعة كلها: أوامرها
ونواهيها العامة؛ حيث يمكن لكل شخص أن لا يمتثل الأوامر العامة،
ولا ينتهي عن النواهي العامة؛ لأنه - على زعمكم - سيطلب
القرينة التي تدخله مع المأمورين، أو مع الذين قد نهوا، وهذا لم
يقله أحد.
الجواب الخامس: أنا لو قلنا: إن تلك الصيغ لا تفيد العموم إلا
بقرينة للزم من ذلك: أن لا يصح من أحد أن يحتج بلفظ عام،
كقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) في صورة خاصة، بيانه:
أنا لو وجدنا شخصا لا يصلي، وقلنا له: لماذا لا تصلي؛ فقال:
لأن اللَّه لم يأمرني بالصلاة، قلنا له: بل أمرك بقوله: " أقيموا
الصلاة "، فقد ورد فيه صيغة عموم - وهي واو الجمع - فتشملك
وغيرك إلى قيام الساعة، فلو كانت تلك الصيغ لا تفيد العموم إلا
بقرينة لكان يمكنه أن يقول: " لم أعلم إني مراد بهذا الأمر، لأنه؛
(4/1476)

لم ترد قرينة تدل على أني أدخل مع المأمورين، أو يقول: لا يوجد في
اللفظ دلالة ولا قرينة تدل على أني مراد معهم، إذن لا يلزمني
الامتثال.
وقال هذا الشخص ذلك؛ لأن اللفظ العام لا يدل على الصورة
الخاصة إلا بقرينة - على زعمكم - وهذا يبطل الشريعة كلها.
الجواب السادس: أنا لو قلنا: إن تلك الصيغ لا تفيد العموم إلا
بقرينة للزم من ذلك: أن لا يقدر أحد أن يأمر جماعة بأمر عام، ولا
ينهاهم بنهي عام، فمثلاً لو قال السيد لعبيده: " اخرجوا من هذه
الدار "، فخرج بعضهم دون بعض، فيلزم على زعمكم: أنه لا
يمكنه معاقبة الذين لم يمتثلوا الأمر؛ لأنه لم يبين قرينة تدل على أنه
يجب عليهم الخروج، بل يلزم - على زعم المعترض - أن يقول:
أنت يا فلان اخرج، وأنت يا فلان اخرج، وهكذا، حتى ينتهي
العدد، وهذا لا يمكن بل تستحيل الحياة مع ذلك.
فبان من هذا الأجوبة الستة: أن قول المعترض: " إن تلك الصيغ
لا تفيد العموم إلا بقرينة " ظاهر البطلان، وواضح الفساد.
المذهب الثاني: أنه لا صيغة للعموم معلومة، وتلك الصيغ ليست
لعموم ولا لخصوص، بل هي مشتركة بينهما اشتراكا لفظياً، أي:
أن الجمع المعرف بـ " أل " - مثلاً - يفهم منها معنيان: " العموم "،
و"الخصوص "، ولا يرجح أحدهما إلا بقرينة.
وهو مذهب محكي عن أبي الحسن الأشعري.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: حسن الاستفهام والاستفسار من السامع لها يدل
(4/1477)

على أنها لا تدل على العموم فقط، ولا على الخصوص فقط، بل
تدل عليهما.
أي: أن هذه الصيغ عند التكلم بها يحسن الاستفهام من المتكلم
بها عما أراده منها، إذ يحسن أن يقال له: هل أردت بذلك البعض
أو الكل، وحسن الاستفهام دليل على أن تلك الصيغ يفهم منها
العموم، والخصوص، فتكون حقيقة في كل منهما، فلو كانت
للعموم فقط، أو للخصوص فقط: لما حسن الاستفهام.
جوابه:
لا نسلم أن حسن الاستفهام دليل على أن تلك الصيغ حقيقة في
الخصوص والعموم، بل إن الاستفهام إنما حسن هنا لإزالة اللبس،
ولأجل احتياط المستفهم من كلام المتكلم، فقد يكون المتكلم غير
متنبه، أو أن الصيغة يجوز أن تحمل على الخصوص مجازاً، فيزول
هذا اللبس بالاستفهام، وهذا الاستفهام أريد به التوكيد، ومعروف
أن فائدة التوكيد هي: رفع اللبس عن ذهن السامع، وإزالة الاتساع
في الفهم وحمل اللفظ.
وأيضا: فإن الاستفهام عن المراد ومن اللفظ لا يدل على ما ذكرتم؛
بدليل: أن من قال: " رأيت أسداً " يصح أن يقال له: أردت
الرجل الشجاع، أو الحيوان المفترس؛ ومع ذلك لا يمكن أن يقول
قائل: إن لفظ " الأسد " يستعمل حقيقة في الرجل الشجاع.
الدليل الثاني: أنه لا نزاع في أن اللفظ مستعمل في العموم تارة
كقوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت) ، واستعمل في
الخصوص تارة أخرى كقوله تعالى: (الذين قال لهم الناس) ،
(4/1478)

والأصل في الاستعمال الحقيقة، فتكون تلك الصيغ حقيقة في
العموم والخصوص بالاشتراك اللفظي.
جوابه:
أن الأصل في الاستعمال الحقيقة محمول على ما إذا كان اللفظ
متردداً بين المعاني من غير أن يتبادر منه أحدها بخصوصه، وتلك
الصيغ ليست من هذا؛ حيث إن العموم يتبادر إلى الفهم عند
الإطلاق، فكانت حقيقة في العموم، مجازاً في الخصوص، وقلنا
ذلك؛ لأمرين:
أولهما: أن العموم هو المتبادر إلى الفهم.
ثانيهما: تخلصا من الاشتراك اللفظي؛ حيث إنه خلاف الأصل،
وقلنا بالمجاز - وإن كان خلاف الأصل - إلا أنه خير من الاشتراك
وأَوْلى منه كما سبق في الفصل الثامن - وهو تعارض ما يخل
بالفهم -.
المذهب الثالث: أن تلك الصيغ ليست حقيقة في العموم، وإنما
هي حقيقة في الخصوص، مجاز في العموم.
أي: أن تلك الصيغ يتبادر إلى الفهم منها الخصوص، ولا تحمل
على العموم إلا بقرينة.
وهو لبعض العلماء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن دلالة تلك الصيغ على الخصوص متيقنة،
ودلالتها على العموم مشكوك فيها، وجعل اللفظ حقيقة في المتيقن
أوْلى، لعدم احتمال الخطأ.
(4/1479)

جوابه:
يجاب عنه بأجوبة:
الجواب الأول: أن كون اللفظ دالاً على الشيء يقينا لا يدل على
أنه مجاز في الزائد عليه بدليل: أن الجمع المذكر كالمسلمين يدل على
الثلاثة - وهو أقل الجمع - يقيناً مع أنه ليس بمجاز في الزائد عليه
وفاقاً.
الجواب الثاني: لا نُسَلِّمُ أن الحمل على العموم مشكوك فيه، بل
قد غلب على ظننا بسبب أدلة قد سبق ذكرها من إجماع الصحابة،
وغيره.
الجواب الثالث: أن حمل تلك الصيغ على العموم أوْلى وأحوط؛
لأن الحمل على العموم محصل لغرض المتكلم على التقديرين -
أعني: إرادة العموم أو الخصوص، والحمل على الخصوص غير
محصل لغرض المتكلم، على تقدير إرادة العموم، فكان الحمل
عليه أَوْلى.
الدليل الثاني: أن هذه الصيغ لو كان للعموم للزم من استعمالها
في بعض الصور: الكذب، بيان ذلك:
أن الشخص لو قال: " رأيت العباد "، و " طفت البلاد "،
و"لبست الثياب "، و " ركبت الخيول "، و " اشتريت العبيد "،
و"أنفقت دراهمي "، فإن تلك الصيغ لو كانت للعموم للزم من
الكلام بها الكذب؛ ضرورة؛ لأنه يعلم قطعاً أنه ما رأى كل العباد،
وأنه ما طاف كل البلاد، وأنه ما لبس جميع الثياب، وأنه ما ركب
جميع الخيول، وأنه ما اشترى جميع العبيد الذين في الأرض، وأنه
ما أنفق كل دراهمه.
(4/1480)

أما لو كانت للخصوص، فإنه لا يلزم من استعمال ذلك هذا
المحذور، فكان جعله حقيقة في الخصوص أوْلى.
جوابه:
لا نسلِّم لزوم الكذب فيما ذكرتموه من الأمثلة؛ لأنه يجوز أن يراد
بها الخصوص بقرينة العقل، والعقل من المخصصات المعروفة، فلا
يمكن عقلاً أن يرى جميع العباد، أو أن يطوف جميع البلاد،
وهكذا.
وحينئذٍ لا يلزم الكذب؛ لأن إرادة المجاز من اللفظ الصالح له
ليس بكذب، ولو قلنا: إن هذا كذب للزم أن يكون قول القائل:
"رأيت حماراً " - عندما رأى بليداً - أن يكون ذلك كذباً، وهذا لم
يقله أحد.
المذهب الرابع: التوقف، بمعنى: إنا لا ندري أن تلك الصيغ
حقيقة في العموم مجاز في الخصوص، أو العكس، وهو أنه حقيقة
في الخصوص مجاز في العموم.
وهو مذهب حكي عن أبي الحسن الأشعري، وأبي بكر الباقلاني.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن كون تلك الصيغ موضوعة للعموم، أو
للخصوص إما أن يعلم عن طريق العقل، أو عن طريق النقل،
وهذا كله باطل، بيان ذلك:
إن زعمتم، أن العقل هو الذي أثبت أن تلك الصيغ للعموم أو
للخصوص، فهذا باطل؛ لأن العقل لا مدخل له في اللغات؛
وذلك لأن اللغات لا تثبت إلا بالنقل.
(4/1481)

وإن زعمتم أن النقل هو الذي أثبت أن تلك الصيغ للعموم، أو
للخصوص، فهذا باطل - أيضا -؛ لأن النقل قسمان: " آحاد "،
و" متواتر ".
فإن زعمتم أن المتواتر هو الذي أثبت ذلك فهذا باطل؛ لأمرين:
أولهما: لقلته وندرته.
ثانيهما: أنه لو كان الأمر كذلك لعلمناه كما علمتموه؛ لأن
المتواتر هو: ما علم ضرورة لكل الناس، لا أن تعلمه طائفة دون
أخرى.
وإن زعمتم أن الآحاد هو الذي أثبت ذلك فهذا باطل - أيضاً -؛
لأن الآحاد لا يحتج به على إثبات القواعد الأصولية؛ لأن القواعد
قطعية، والآحاد لا يفيد إلا الظن، والظني لا يقوى على إثبات
القطعي.
فبان أنه لا دليل على أنها للعموم، ولا على أنها للخصوص،
فوجب التوقف.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن حاصل هذا الدليل هو: أنكم تطالبوننا
بالدليل على أن تلك الصيغ تفيد العموم، وهذا لا يستقيم ولا يصح؛
لأمرين:
أولهما: أن المطالبة بالدليل ليست بدليل، أي: أن مطالبتكم لنا
بالدليل على أن تلك الصيغ تفيد العموم ليس بدليل لكم على أن
تلك الصيغ لا تفيد العموم.
(4/1482)

ثانيهما: على فرض أن المطالبة بالدليل تعتبر دليلاً، فإنا قد أثبتنا
أدلة من إجماع الصحابة، وأهل اللغة، واستعمالاتهم على أن تلك
الصيغ تفيد العموم بمجردها.
الجواب الثاني: لا نُسَلِّمُ لكم أن الآحاد لا يحتج به على إثبات
القواعد الأصولية، بل خبر الواحد يثبت تلك القواعد بشرط: أن
تكون تلك القواعد وسيلة إلى العمل، قياسا على العمل بالآحاد في
الفروع.
فنتج: أن هذه الصيغ قد ثبتت بالآحاد؛ لأنها وسيلة إلى العمل.
الدليل الثاني: أن الأدلة متعارضة، والاحتمالات متقاومة،
والجزم بواحد ترجيح بلا مرجح، ولو قدرنا أن يكون هناك مرجح،
لكن لا نزاع أن هذا المرجح ليس بقاطع؛ حيث إنه يحتمل الخطأ،
فوجب التوقف.
جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ أن الأدلة المثبتة للخصوص في قوة الأدلة المثبتة
للعموم، بل إن أدلة القائلين: إن تلك الصيغ حقيقة في العموم أقوى
من أدلة المذاهب الأخرى - كما سبق بيانه - وإذا كان الأمر كذلك
فإن كونها للعموم أرجح، والعمل بالراجح واجب، وحينئذٍ لا
داعي لهذا التوقف.
المذهب الخامس: أن تلك الصيغ والألفاظ حقيقة في العموم في
الأمر والنهي - فقط - ولا يعلم هل هي حقيقة أو مجاز في الأخبار.
وهو مذهب لبعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن الأوامر والنواهي تكليف بعمل، فلو لم نعرف المراد بها لاقتضى
(4/1483)

تكليف ما لا يطاق، فوجب حمل تلك الصيغ والألفاظ على أنها
حقيقة في العموم.
بخلاف الخبر من الوعد والوعيد، وغير ذلك، فإنه لا يقتضي
وجوب شيء يحتاج أن يعمل به.
جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ ذلك، بل إن تلك الصيغ والألفاظ حقيقة في العموم
مطلقا، سواء كانت أمراً أو نهيما أو خبراً، ولا فرق بين الأوامر
والنواهي والأخبار.
ودلَّ على عدم التفريق بينهما ما يلي من الوجوه:
الأول: أن الحال فيهما واحدة؛ حيث إنه يخاطب بالخبر لفائدة
كالأمر، فالمكلف مطالب بالعلم بمراد الشارع منهما.
الثاني: أن الطريق إلى إثبات أحدهما هو الطريق إلى إثبات
الآخر، فالممتنع من أحد الأمرين يلزمه الامتناع من الآخر بدليل: أن
أهل اللغة يستعملون الأمرين على وجه واحد.
الثالث: أن الصحابة - رضي اللَّه عنهم - كانوا يرجعون في
أوامر اللَّه تعالى ونواهيه، وأخباره إلى ظاهر الخطاب، ولا يفرقون
بينها.
بيان نوع الخلاف:
ابخلاف - هنا - معنوي، وهو ظاهر، فأصحاب المذهب الأول -
وهم الجمهور - يحملون أي صيغة من الصيغ السابقة على العموم
بدون أي قرينة، ولا يحملونها على الخصوص إلا بقرينة، ويعملون
على هذا بدون توقف، ولا يفرقون بين الأوامر والنواهي والأخبار.
(4/1484)

أما أصحاب المذهب الثاني والرابع فهم لا يحملون تلك الصيغ
على العموم ولا على الخصوص، ولا يعملون بشيء منهما حتى ترد
قرينة ترجح أحد الأمرين، ولا يفرقون بين الأوامر والنواهي والأخبار.
أما أصحاب المذهب الثالث: فهم يحملون أيَّ صيغة من الصيغ
على أنها حقيقة في الخصوص بدون قرينة، ولا يحملونها على
العموم إلا بقرينة ويعملون على ذلك بدون توقف، ولا يفرقون في
ذلك بين الأوامر والنواهي والأخبار.
أما أصحاب المذهب الخامس: فإنهم يفرقون: فإن كانت الصيغة
وردت في سياق أمر أو نهي، فإنهم يحملونها على العموم، وإن
وردت في سياق الإخبار، فإنهم يض وقفون.
وطبق على ذلك قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) ،
فأصحاب المذهب الأول يقولون: إنه عام لجميع الناس دون استثناء.
وأصحاب المذهب الثالث يقولون: إنه خاص لبعض الناس، ولا
يحمل على جميع الناس إلا بقرينة.
وأصحاب المذهب الثاني والرارج: لا يحملونه على العموم ولا
على الخصوص حتى تأتي قرينة ترءجح أحدهما.
وأصحاب المذهب الخامس يقولون: إنه عام؛ لأنه أمر، وهكذا.
(4/1485)

المطلب السادس في صيغ العموم
بعد أن عرفنا أن للعموم صيغة في اللغة خاصة، موضوعة له، تدل
على العموم حقيقة: نريد أن نبين في هذا المطلب تلك الصيغ، فأقول:
هي كما يلي:
الصيغة الأولى: أدوات الاستفهام.
الصيغة الثانية: أدوات الشرط.
الصيغة الثالثة: " كل " و " جميع ".
الصيغة الرابعة: الجمع المعرف بـ " أل ".
الصيغة الخامسة: الجمع المعرف بالإضافة.
الصيغة السادسة: " واو " الجماعة.
الصيغة السابعة: " النكرة في سياق النفي ".
الصيغة الثامنة: المفرد المحلى بـ " أل ".
الصيغة التاسعة: المفرد المعرف بالإضافة.
الصيغة العاشرة: الاسم الموصول.
الصيغة الحادية عشرة: " سائر " المشتق من سور المدينة.
(4/1487)

وإليك بيان تلك الصيغ، مع الاستدلال على كل واحدة منها، وبيان
المتفق عليه والمختلف فيه منها.
وقد ذكر بعضهم: أن الصيغ أكثر من هذا، ولكن كل ما ذكروه
يرجع إلى ما ذكرناه، فأقول:
(4/1488)

الصيغة الأولى: أدوات الاستفهام، وهي أنواغ:
النوع الأول: " من " المستعملة للعقلاء كقولك: " من عندك من
الطلاب؟ ".
النوع الثاني: " ما " المستعملة لغير العقلاء كقولك: " ما عندك
من البهائم؟ ".
النوع الثالث: " أي " المستعملة للعقلاء كقولك: " أي العلماء
قابلت؟ "، والمسنعملة لغير العقلاء كقولك: " أي الدواب
ركبت؟ ".
النوع الرابع: " متى " الزمانية كقولك: " متى تزورني؟ ".
النوع الخامس: " أين " المكانية كقولك: " أين تذهب؛ ".
النوع السادس: " أيان " الزمانية كقوله تعالى: (يسألونك عن
الساعة أيان مرساها) ، وغير ذلك.
دليل إفادة هذه الصيغة للعموم:
دل على أن أدوات الاستفهام تفيد العموم: أن تلك الألفاظ
والصيغ إما أن تكون للعموم فقط، أو للخصوص فقط، أو لهما
معاً بالاشتراك اللفظي، أو لا تكون لكل واحد منهما، والكل باطل
إلا الأول.
بيان ذلك:
أنه لا يصح أن تكون موضوعة للخصوص فقط، إذ لو كانت
موضوعة له: لما حسن من المجيب أن يجيب بلفظ كل أو جميع؛
لأن الجواب يجب أن يكون مطابقاً للسؤال، لكن لا نزاع في ذلك،
(4/1489)

فإذا قال: " من عندك؟ " يمكن للمجيب أن يقول: " عندي جميع
أو كل الطلاب "، فلو كانت للخصوص لما صح ذلك.
ولا يصح أن تكون موضوعة للخصوص والعموم بالاشتراك
اللفظي؛ لأنه يكون مجملاً، والمجمل لا يمكن أن يجاب عنه
بجواب معين إلا بعد عدة استفهامات عن الأقسام الممكنة، فمثلاً إذا
قال: " من عندك؟ "، فإذا كانت " من " مشتركة بين الخصوص
والعموم، فإن المجيب - لا بد أن يقول له: " أتسألني عن الرجال
أم عن النساء؟ "، فإذا قال: أسألك عن الرجال، فلا بد أن
تقول: أتسألني عن رجال العرب أو عن رجال العجم؟ ، فإذا قال:
أسألك عن رجال العرب، فلا بد أن تقول: أتسألني عن رجال
ربيعة، أو مضر؟
وهلم جرا إلى أن يأتي على جميع أحياء العرب
وقبائلهم، ثم يأتي على جميع أصنافها من العلماء، والجهال،
والشيوخ، والكهول، والبيض، والسود، وغير ذلك.
فثبت أنه لو صح الاشتراك لوجبت هذه الاستفهامات، لكنها غير
واجبة؛ لأمرين:
أولهما: أنه لا عام إلا وتحته عام آخر، وإذا كان كذلك: كانت
التقسيمات الممكنة غير متناهية، والسؤال عنها على سبيل التفصيل
محال.
ثانيهما: أنا علمنا بالضرورة من عادة أهل اللسان: أنهم
يستقبحون مثل هذه الاستفهامات، فبطل كون تلك الصيغ موضوعة
للعموم والخصوص بالاشتراك اللفظي.
ولا يصح أن لا تكون تلك الصيغ موضموعة للعموم
(4/1490)

ولا للخصوص بالاتفاق؛ لأن هذا يؤدي إلى أنه يوجد في الكتاب
والسّنَّة ألفاظ لا تفيد شيئاً، وهذا غير ممكن.
فلما بطلت الأقسام الثلاثة: لم يبق إلا الأول - وهو أنها
موضوعة للعموم - وهو الصحيح.
***
الصيغة الثانية: أدوات الشرط، وهي أنواع:
النوع الأول: " من " المستعملة للعقلاء كقوله تعالى: (ومن
يتوكل على اللَّه فهو حسبه) .
النوع الثاني: " ما " المستعملة لغير العقلاء كقوله تعالى:
(ما عندكم ينفد) .
النوع الثالث: " أي " المستعملة للعقلاء كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أيما امرأة نكحت نفسها فنكاحها باطل "،
والمستعملة لغير العقلاء كقولك:
"أي بهيمة رأيتها فاشترها "،
و" أي " عامة فيما تضاف إليه من
الأشخاص، والأزمان، والأمكنة، والأطوال.
النوع الرابع: " أين " المكانية كقوله تعالى:
(أينما تكونوا يدرككم الموت) .
النوع الخامس: " متى " الزمانية كقولك: " متى تجلس أجلس ".
ونحو ذلك.
الأدلة على إفادة تلك الصيغة للعموم:
دل على أن أدوات الشرط تفيد العموم ما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: صحة الاستثناء مما دخلت عليه أداة الشرط، فيصح
أن يقول: " من دخل داري فأكرمه إلا زيداً "، والاستثناء يخرج من
الكلام ما لولاه لدخل، فثبت أن " من " الشرطية للعموم.
(4/1491)

الدليل الثاني: إجماع الفقهاء وأهل اللسان على ترتب الأحكام
العامة إذا عبر بلفظ من هذه الألفاظ الشرطية، فمثلاً لو قال: " من
دخل من عبيدي هذه الدار فهو حر "، فإن الفقهاء وأهل اللسان قد
أجمعوا على أنه يعتق كل عبد له دخل الدار، ولهذا يجوز لكل من
سمع هذا ورأى دخول العبد الدار أن يستخدمه، ويستأجره،
ويشتري منه ويبيع عليه، دون إجازة مولاه.
الدليل الثالث: توجيه الاعتراض والذم إلى من خالف الأمر العام
بها، وسقوطه عمن جرى على موجب العموم، فمثلاً لو قال
السيد لعبده: " من دخل داري فأكرمه "، فإن أكرم جميع الداخلين
فإنه يستحق المدح والثواب، وإن أكرم بعض الداخلين فقط دون
البعض الآخر، فإنه يستحق الاعتراض من السيد، وذمه وعقوبته فلو
جاء عقلاء أهل اللغة وهو يعاقبه فقالوا: لماذا تفعل به هذا؛ فقال
لهم: إني قد أمرته بأمر عام، فلم ينفذ ذلك الأمر العام، فهنا
يوافقونه على هذا الذم، وهذا يدل على أن أداة الشرط تفيد العموم.
الصيغة الثالثة: " كل "، و " جميع ":
مثل قوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) ،
وقوله: (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ) .
والفرق بين " كل " و " جميع ":
أن " كل " تقتضي الاستغراق والعموم مطلقا، سواء أضيفت إلى
نكرة نحو قوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) .
أو أضيفت إلى معرفة وهي جمع كقولك: " كل الرجال ".
(4/1492)

أو أضيفت إلى معرفة وهي مفرد كقولك: " كل غزال جميل ".
ولذلك كانت " كل " أصرح صيغ العموم؛ لشمولها العاقل
وغيره، والمذكر والمؤنث، والمفرد، والمثنى، والجمع، وسواء ذكر
المضاف إليه كما سبق، أو حذف المضاف إليه نحو قوله تعالى:
(كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ) .
أما " جميع " فهي مثل " كل " إلا أنها لا تضاف إلا إلى معرفة
فقط، فتقول: " جميع الرجال "، ولا تقول: " جميع رجل "،
أما " كل " فيجوز ذلك.
الأدلة على إفادة هذه الصيغة للعموم:
دل على أنهما يفيدان العموم: ما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن أهل اللغة إذا أرادوا التعبير والغوص في
الاستغراق، فإنهم يفزعون إلى استعمال لفظ " كل "، و " جميع "
ولو لم يفيدا العموم لما فزعوا إليهما وتركوا غيرهما.
الدليل الثاني: أنه لما سمع عثمان بن مظعون قول لبيد:
... ... ... ... ... وكل نعيم لا محالة زائل
قال له: " كذبت نعيم الجنة لا يزول "، فلولا أن " كل " تفيد
العموم لما صح هذا التكذيب، وقد سبق هذا.
الدليل الثالث: لو قال السيد: " أعتقت كل - أو جميع -
عبيدي وإمائي "، ومات في الحال، ولم يعلم منه أمر آخر سوى
هذه العبارة: فإن الفقهاء قد أجمعوا على أن جميع عبيده وإمائه قد
عتقوا، ولهذا يجوز أن يتصرف معهم بأي نوع من أنواع التصرف
بدون الرجوع إلى الورثة.
الدليل الرابع: أن لفظ " كل " و " بعض " موضوع أحدهما
(4/1493)

للعموم، والآخر موضوع للخصوص، و "كل " مقابل للبعض، واتفق
على أن لفظ " بعض " للخصوص، فيكون لفظ " كل " للعموم.
الدليل الخامس: سقوط الاعتراض عن المطيع بالأمر بهما،
وتوجيهه على العاصي، بيانه:
أن السيد لو قال لعبده: " أكرم كل من دخل داري "، فإن أكرم
جميع الداخلين، فإنه يسقط الاعتراض عنه، ويستحق المدح، فلو
قال السيد لعبده: " أنت أفنيت دراهمي بإكرامك جميع الداخلين
وإنما قصدت من عبارتي: إكرام العلماء فقط "، فيقول العبد
- مدافعاً عن نفسه -: " أنت ما أمرتني بإكرام العلماء، وإنما أمرتني
بإكرام جميع الداخلين "، فعقلاء أهل اللغة يوافقون العبد على
تصرفه، ويخالفون السيد، فلو لم تكن " كل " مفيدة للعموم لما
صح ذلك.
وكذلك لو أن العبد أعطى كل الداخلين إلا واحداً، فقال له
السيد: لماذا لم تعطه؛ فقال العبد: لأنه جاهل - مثلاً - فإن العبد
يستوجب التأديب من قبل السيد، ومن قبل عقلاء أهل اللغة، لأنه
لم يمتثل الأمر على العموم، ولو لم تكن " كل " تفيد العموم لما
صح ذلك.
***
الصيغة الرابعة: الجمع المعرف بـ " أل " مثل: " الرجال "
و" المسلمين " و " الناس ":
إن كان هناك معهود، فإنه ينصرف إلى المعهود مثل قولهم:
"جمع الأمير الصاغة "، وإن لم يكن هناك معهود، فقد اختلف
العلماء هل يفيد العموم أو لا؛ على مذهبين:
(4/1494)

المذهب الأول: أنه يفيد العموم.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق، للأدلة التالية:
الدليل الأول: أنه لما قال بعض الأنصار: " منا أمير ومنكم أمير "
قال أبو بكر - رضي اللَّه عنه -: إني سمعت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يقول:
" الأئمة من قريش "، فسلم الأنصار ذلك وانسحبوا، ولو لم يدل
الجمع المعرف بـ " أل " - وهو هنا " الأئمة " على العموم لما صحت تلك
الدلالة، ولما انسحب الأنصار - ولما وافقه بقية الصحابة على ذلك،
وقد سبق.
الدليل الثاني: أنه لما عزم أبو بكر على قتال مانعي الزكاة، قال
له عمر: أليس قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -:
"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه - فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها "،
فهنا قد احتج عليه بعموم لفظ " الناس "، ولم ينكر
عليه أبو بكر ولا أحد من الصحابة إفادته للعموم، بل عدل أبو بكر
إلى الاستثناء، فقال: أليس قد قال: " إلا بحقها "، وأن الزكاة
من حقها.
الدليل الثالث: أن هذا الجمع يؤكد بما يقتضي العموم، كقوله
تعالى: (فسجد الملائكة كلهم أجمعون) ، فلو لم يفد العموم لما
جاز تأكيده بـ كل، وبـ أجمع.
الدليل الرابع: صحة الاستثناء من الجمع المعرف بـ " أل " فتقول.:
"أكرم الرجال إلا زيداً"، ولو لم يكن مفيداً العموبم لما صح الاستثناء
منه.
الدليل الخامس: الجمع المعرف أعلى في الكثرة من الجمع المنكر؛
لأنه يصح انتزاع المنكر من المعرف، ولا ينعكس: فيجوز أن تقول:
(4/1495)

" رجال من الرجال "، ولا يجوز أن تقول: " الرجال من رجال "،
ومعلوم بالضرورة أن المنتزع منه أكثر من المنتزع.
المذهب الثاني: أن الجمع المعرف بـ " أل " لا يفيد العموم، بل هو
يحتمل العموم والخصوص، وهو مذهب قد حكي عن أبي هاشم
المعتزلي.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن " أل " يحتمل أن تكون استغراقية، ويحتمل أن
تكون عهدية، والاحتمالان متساويان، فيكون الجمع المعرف بأل
مشتركا بين العموم والخصوص.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن " أل " للتعريف، فينصرف إلى ما يعرفه
السامع، فإن كان هناك عهد، فالسامع به أعرف، فيصرفه إليه،
وإن لم يكن هناك عهد كان السامع أعرف بالكل من البعض؛ لأن
الكل واحد، والبعض كثير مختلف، فيكون الجمع المعرف بـ أل
منصرفا إلى الكل.
الجواب الثاني: إنما يقال ذلك: إذا كان لا يتبادر من الجمع
المعرف بـ " أل " أي معنى من المعنيين، وهذا غير صحيح هنا؛ لأنه يتبادر
من الجمع المعرف بـ " أل " الاستغراق، فيكون يقتضيه حقيقة، ولا يحمل
على العهد إلا بقرينة.
الدليل الثاني: أنه يقال: " جمع الأمير العلماء "، فإنه معلوم:
أنه ما جمع جميع العلماء الذين على وجه الأرض، والأصل في
(4/1496)

الكلام الحقيقة، فتكون هذه الألفاظ حقيقة فيما دون الاستغراق،
فوجب أن لا تكون حقيقة في الاستغراق.
جوابه:
أن هذا القول صحيح، ولكنه مخصص بالعرف، فهو جمع
العلماء الذين يمكنه جمعهم عرفا، كما يقال: " من دخل داري
أكرمته "، فإنه لا يتناول الملائكة واللصوص.
الدليل الثالث: أنه لو كان الجمع المعرف بـ " أل " يفيد العموم: للزم
أن يكون قولنا: " رأيت كل الناس " خطأ؛ لأنه تكرار للفظين
يؤديان معنى واحداً وهما: " كل "، و " الناس "، حيث يفيدان
العموم.
وللزم أن يكون قولنا: " رأيت بعض الناس " خطأ؛ لأنه
تناقض، حيث إن لفظ " بعض " مناقض للفظ: " الناس ".
جوابه:
لا نسلم أن الأول يكون تكراراً، بل يكون تأكيداً.
ولا نسلم أن الثاني يكون نقضا، بل يكون تخصيصا.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي وهو ظاهر، فإنه على المذهب الأول يكون
لفظ " الرجال "، أو " المؤمنون " مفيداً للعموم بدون قرائن، أما
على المذهب الثاني فإنه لا يفيد العموم إلا بقرينة.
فلو حلف ليصومن الأيام، فإنه بناء على المذهب الأول: يحمل
(4/1497)

على جميع أيام العمر، وبناء "على المذهب الثاني: لا يحمل على
شيء حتى تأتي قرينة تبين المراد، وهكذا.
***
الصيغة الخامسة: الجمع المعرف بالإضافة يفيد العموم:
دلَّ على ذلك ما يلي:
الدليل الأول: صحة الاستثناء، فيجوز أن تقول: " أكرم طلاب
الكلية إلا زيداً ".
الدليل الثاني: لو قال: " أعتقت عبيدي وإمائي "، و " طلقت
نسائي "، فإنه يعم جميع العبيد، والإماء، والنساء بإجماع العلماء.
الدليل الثالث: سقوط الاعتراض عن المطيع بالأمر بهذه الصيغة
وتوجهه على العاصي.
وكل هذه الأدلة قد سبق بيانها.
***
الصيغة السادسة: " واو " الجمع تفيد العموم، فإذا أمر جمعا
بصيغة الجمع فإنه يكون للعموم:
يدل على ذلك: أن السيد لو قال لعبيده: " قوموا "، فإن قاموا
جميعا، فإنهم يستحقون المدح، وإن قام بعضهم، دون بعض،
فإن الذين قاموا يستحقون المدح، أما الذين لم يقوموا فإنهم
يستحقون الذم والتأديب.
فاستحقاق هؤلاء للمدح، وهؤلاء للذم دليل على أن الصيغة
للعموم.
(4/1498)

أثر هذه الصيغة:
أنه لو قال - مثلاً - لوكلائه: " أعطوا زيداً مما في أيديكم
عشرة"، فإن كل واحد مأمور بإعطاءه شيئاً، ويفهم أيضا من كلامه:
أن كل واحد مأمور بإعطاءه عشرة غير ما يعطيه صاحبه.
***
الصيغة السابعة: النكرة في سياق النفي هل تفيد العموم؟
مثاله: " لا أحد في الدار "، أو " ما قام أحد " ونحو ذلك.
اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن النكرة في سياق النفي تفيد العموم.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق، لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: صحة الاستثناء من هذه النكرة، فيجوز أن تقول:
" لا رجل في الدار إلا زيداً "، و " ما قام أحد إلا زيداً "،
والاستثناء دليل على أن المستثنى منه عام.
الدليل الثاني: أنه لو لم تكن النكرة في سياق النفي تعم لما كان
قول الموحد: " لا إله إلا اللَّه " نفيا لجميع الآلهة سوى اللَّه تعالى.
الدليل الثالث: أن " لا " في قولهم: " لا رجل في الدار "
مسماة بـ " لا الجنس "، وإنما ينتفي الجنس بانتفاء كل فرد من أفراده،
وذلك يدل على أنه يفيد الاستغراق.
المذهب الثاني: أن النكرة في سياق النفي لا تفيد العموم إلا
بشرط أن تكون النكرة مسبوقة بـ " من " الجارة، سواء كانت ظاهرة
كقوله تعالى: (وما من إله إلا الله) ، أو مقدرة كقوله: (لا إله إلا الله) ، والتقدير: ما من إله يعبد بحق إلا اللَّه.
(4/1499)

وهو مذهب بعض النحاة كأبي البقاء العكبري، وبعض اللغويين.
دليل هذا المذهب:
أن النكرة في سياق النفي إذا خلت من حرف " من " تكون غير
صريحة في إفادتها للعموم؛ حيث يجوز الزيادة عليها فتقول مثلاً:
" ما عندي رجل بل رجلان "، وهذا لا يؤدي إلى التناقض؛ حيث
إنه قصد: أن ما عنده رجل واحد، بل عنده رجلان، لذلك لا تعم.
أما إذا قال: " ما عندي من رجل "، فإنه يعم؛ لامتناع إثبات
الزيادة عليه، فلا يمكنه أن يقول: " ما عندي من رجل بل رجلان "
صمان قاله: وقع تناقض، ولا فرق بين الصورتين إلا إثبات " منْ "
وعدمها، فدل على أن " من " هي المؤثرة في العموم.
جوابه:
يجاب عن هذا بجواب إجمالي، وتفصيلي:
أما الجواب الإجمالي فهو أن يقال: إن هذا مخالف لإجماع
العلماء في الفقه والعقيدة.
أما مخالفته لما أجمع عليه العلماء في الفقه، فهو أن العلماء قد
أجمعوا على أن الشخص لو حلف وقال: " والله لا آكل رغيفا "
فإنه يحنث إذا أكل رغيفين، وتجب عليه كفارة يمين، فلو كان قولكم
صحيحا: لما حنث؛ حيث إنه يؤول - على زعمكم - بأنه حلف أن
لا ياكل رغيفا واحداً، ولم يحلف على أنه لا ياكل رغيفين.
أما مخالضه لما أجمعت عليه الأُمَّة في العقيدة فبيانه أن يقال:
لو كان يجوز أن يقال: " ما عندي رجل بل رجلان " لجاز أن
يقال في قوله تعالى: (ولم تكن له صاحبة) بل صاحبتان.
(4/1500)

ولجاز أن يقال في قوله تعالى: (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) ، بل
يظلم اثنين، لأنه ورد فيها كلها نكرة، ولم يتوفر فيها شرطكم،
وهو: كونها مسبوقة بـ مِن، لذلك ما تقتضي العموم على زعمكم،
وهذا ظاهر البطلان، بل يؤدي إلى الكفر.
أما الجواب التفصيلي فهو أن يقال: إن النكرة إذا أطلقت - أي:
لم تقيد بأي قرينة - فإنها تكون مستعملة فيما وضعت له حقيقة،
وهو العموم مثل قولنا: "ما عندي رجل "، و " لا رجل في الدار".
أما إذا لم تطلق بل قيدت بقرينة، فإنها تكون لما اقتضته هذه
القرينة، فتكون لغير ما وضعت له، وهو المجاز، أي: الخصوص
مثل قوله: " ما عندي رجل بل رجلان "، فقوله: " بل رجلان "
قرينة لفظية صرفت اللفظ، وهي: النكرة في سياق النفي من كونها
مفيدة للعموم إلى أنها للخصوص، فإذا زالت هذه القرينة، فإن
الصيغة وهي: النكرة في سياق النفي تعود لما وضعت له أصلاً،
وهو: العموم، قياساً على أسماء الحقائق، فلو قال مثلاً: " رأيت
أسداً "، فإن السامع يحمل لفظ " الأسد " على ما وضع له حقيقة
وهو: الحيوان المفترس، فإذا قال المتكلم: " رأيت أسداً يخطب "
فإن السامع يحمل لفظ " الأسد " على غير ما وضع له، وهو:
الرجل الشجاع بسبب تلك القرينة، وهي لفظ " يخطب "، فلو
زالت القرينة، فإن السامع يحمل لفظ " الألممد " على الحقيقة،
وهو الحيوان المفترس.
كذلك هنا: فإن لفظ " بل رجلان " إذا وجد لم تفد النكرة في
سياق النفي العموم، وصارت للخصوص، وإذا عدم هذا اللفظ
أفادت النكرة في سياق النفي العموم.
(4/1501)

اعتراض على هذا الجواب:
قال قائل - معترضاً -: إن كلامكم يدل على أن " من " الجارة لا
تأثير لها في العموم، ووجودها في بعض الآيات، كقوله تعالى:
(مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) لا فائدة منه، مما يؤدي إلى أن نقول: إن
هناك حروفاً في القرآن قد وردت عبثا.
جوابه:
نحن لا نقول: إن لفظ: " من " لا فائدة لها، بل لها فائدة
وهي: أنها مؤكدة للعموم، أي: أن النكرة في سياق النفي المسبوقة
بـ " من " اَكد من النكرة في سياق النفي التي لم تسبق بـ " من "،
وفائدة التوكيد في الكلام: رفع اللبس، وإزالة الاتساع في الفهم.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي، حيث أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها:
ما سبق من أنه إذا قال: " والله لا آكل رغيفاً "، فإنه بناء على
المذهب الأول يحنث إذا أكل رغيفاً فأكثر، وبناء على المذهب الثاني
فإنه لا يحنث إذا اكل رغيفين.
***
الصيغة الثامنة: المفرد المحلى بـ " أل " هل يفيد العموم؛
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يفيد العموم.
وهو مذهب كثير من العلماء وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: صحة الاستثناء من المفرد المحلى بال، وقد ورد
ذلك في القرآن كقوله تعالى: (إن الإنسان لفى خسر إلا الذين آمنوا) .
(4/1502)

فاستثنى اللَّه تعالى هذا الجم الغفير - وهم المؤمنون - من
لفظ " الإنسان "، وهو مفرد محلى بـ أل، فلو لم يكن المفرد المحلى
بـ أل مفيداً للعموم لما جاز الاستثناء منه.
الدليل الثاني: أنه يؤكد بما يؤكد به العموم، وقد ورد ذلك في
قوله تعالى: (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ) ، فلفظ
"الطعام " مفرد محلى بـ " أل "، وأكد بلفظ " كل "، فلو لم يكن المفرد
المحلى بـ " أل " مفيداً للعموم لما جاز تاكيده بما يؤكد به العموم.
الدليل الثالث: أنه ينعت بما ينعت به العموم، وورد ذلك بقوله
تعالى: (أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء) ، فهنا
قد نعت لفظ " الطفل " وهو مفرد محلى بـ " أل " بالجمع، وهو قوله:
(الذين) ، فلو لم يكن المفرد المحلى بـ " أل " مفيداً للعموم: لما جاز
ذلك.
المذهب الثاني: أن المفرد المحلى بـ " أل " لا يفيد العموم.
وهو مذهب كثير من العلماء كفخر الدين الرازي، وأكثر أتباعه،
وأبي هاشم.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أنه لو كان المفرد المحلى بـ " أل " يفيد العموم للزم أنه
إذا قال: " لبست الثوب "، أو " شربت الماء " أنه لا يصدق إلا إذا
لبس جميع ثياب العالم، وشرب جميع مياه الدنيا، وهذا لا يمكن،
فدل على أن المفرد المحلى بـ " أل " لا يفيد العموم.
جوابه:
إن هذه الأقوال مفيدة للعموم، لكنها مخصصة بالعرف، ودليل
(4/1503)

العقل، وهما مخصصان للعموم، فهو لم يلبس إلا الثوب المتعارف
عليه أن يلبس، ولم يشرب إلا الماء الذي يرويه عرفا.
الدليل الثاني: أن المفرد المحلى بـ " أل " لا ينعت بما ينعت به الجمع،
فلا يقال: " جاءني الطالب الفضلاء "، فلو كان مفيداً للعموم لجاز
ذلك.
جوابه:
أنا أثبتنا أن المفرد المحلى بـ " أل " ينعت بما ينعت به الجمع، وهذا ثبت
عن طريق النقل من كتاب الله، ومن كلام العرب:
أما الكتاب، فقد قال تعالى: (أو الطفل الذين لم يظهروا على
عورات النساء) .
أما كلام العرب فقد قالوا: " أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم
البيض "، فهنا قد نعت المفرد المحلى بـ " أل " وهو: " الدينار "،
و"الدرهم " بالجمع، وهو " الصفر "، و " البيض "، ولم يقولوا:
" أهلك الناس الدينار الأصفر والدرهم الأبيض " مما يدل على أن
المفرد المحلى بـ " أل " يفيد العموم، أما ما ذكرتموه فهو من إنشاءكم لا
يقوى على معارضة ما ذكرناه.
بيان نوع الخلاف:
هذا الخلاف معنوي؛ حيث إنه أثر في بعض الفروع، ومنها:
1 - أنه لو قالت المرأة: " قد أذنت للعاقد بهذا البلد أن يزوجني "
فإنه على المذهب الأول: يجوز لكل عاقد أن يزوجها، أما على
المذهب الثاني: فلا يجوز.
2 - أنه لو قال: " إذا قدم الحاج فأنت طالق ".، فعلى المذهب
(4/1504)

الأول: أنها لا تطلق إلا إذا قدم جميع حجاج هذه البلدة، فلو مات
أحد حجاج هذه البلدة، أو لم يرجع فإنها لا تطلق.
أما على المذهب الثاني: فإنها تطلق إذا قدم واحد من الحجاج.
3 - إذا نوى التيمم بتيممه الصلاة وأطلق، ولم ينو فرضاً ولا
نفلاً - وقلنا: إن التيمم يبيح الصلاة ولا يرفع الحدث - فهل يتناول
هذا التيمم الفرض والنفل؛ فبناء على المذهب الأول: أنه يتناول
الأمرين، وبناء على المذهب الثاني: فإنه يتناول النفل فقط.
الصيغة التاسعة: المفرد المعرف بالإضافة يفيد العموم:
وهذا دلَّ عليه: صحة الاستثناء، فتقول مثلاً: " أكرم عالم هذه
المدينة إلا زيداً "، والاستثناء دليل على أن المستثنى منه عام.
أثر هذه الصيغة:
1 - إذا قال: " زوجتي طالق وعبدي حر "، ولم ينو معيناً: فإن
جميع زوجاته طوالق، وجميع عبيدء أحرار؛ استدلالاً بهذه القاعدة.
2 - إذا قال: " وقفت هذه الدار على ولدي "، فإنه يتناول
جميع أولاده الذكور والإناث؛ بناء على هذه القاعدة.
***
الصيغة العاشرة: الاسم الموصول، سواء كان مفرداً كالذي،
والتي، أو مثنى كاللذين، أو جمعاً كاللذين، واللاتي، واللائي
يفيد العموم:
دل على ذلك ما يلي:
الدليل الأول: صحة الاستثناء فتقول: "أكرم الذي نجح إلا زيداً".
(4/1505)

الدليل الثاني: سقوط الاعتراض من السيد لعبده إذا أمر بأمر فيه
اسم موصول، وامتثل العبد أمر السيد، وتوجهه إذا لم يمتثل.
وهذا إذا قال للعبد: " أكرم الذي يدخل الدار ".
وقد سبق بيان ذلك مراراً.
***
الصيغة الحادية عشرة: " سائر ":
وهي المشتقة من سور المدينة، أي: الشامل.
أما " سائر " التي بمعنى الباقي فليست من صيغ العموم، ومنه
قوله - صلى الله عليه وسلم - لغيلان الثقفي لما أسلم وتحته عشر من النسوة -: " اختر منهن أربعاً وفارق سائرهن " أي: باقيهن.
ويدل على أن " سائر " من صيغ العموم ما يلي:
الدليل الأول: استعمال فصحاء العرب لها على أنها تفيد العموم
كقول أبي العلاء المعري:
أشرب العالمون حبك طبعا ... فهو فرض في سائر الأديان
وقال:
فظن بسائر الإخوان شراً ... ولا تأمن على سر فؤادا
الدليل الثاني: صحة الاستثناء، وقد ورد ذلك في قول ذي الرمة:
معرسا في بياض الصبح وقعته ... وسائر السير إلا ذاك منجذب.
فسائر هنا بمعنى: جميع، بدليل أنه استثني منه.
(4/1506)

المطلب السابع الجمع المنكر هل يفيد العموم إذا لم يقع في سياق النفي؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يفيد العموم، وهو مذهب أكثر العلماء،
وهو الحق عندي؛ لأن الجمع المنكر صالح لكل مرتبة من مراتب
الجماعة التي تبتدي من الثلاثة إلى العشرة، فيصح أن تقول:
"رجال ثلاثة وأربعة وخمسة"، وهذا كله جائز، لكن لا تشير بذلك
إلى أقل من ثلاثة، إذن الثلاثة لا بد منها، فثبت أنها تفيد الثلاثة
فقط؛ لأنه أقل الجمع، ولا يحمل على ما زاد عليه إلا بدليل.
المذهب الثاني: أنه يفيد العموم.
وهو مذهب الجبائي.
دليل هذا المذهب:
أن المرتبة المستغرقة لهذه المراتب إحدى مراتب الجمع المنكر،
فيحمل عليها؛ لأنه أحوط، فإن ما عداها داخل فيها، أما هي فلا
تدخل في غيرها، وما دام الجمع المنكر يصح حمله على المرتبة
المستغرقة لجميع المراتب كان عاما؛ لأنه يصدق عليه تعريف العام،
وهو: أنه لفظ استغرق جميع ما يصلح له.
جوابه:
لا نسلم أن الأحوط هو حمل الجمع المنكر على المرتبة المستغرقة،
(4/1507)

بل هذا ممنوع؛ لجواز أن يكون الأحوط هو حمله على أقل مراتبه،
خصوصاً إذا وقع الجمع في جانب الأمر؛ لأن ذلك فيه براءة الذمة
بخلاف حمله على المرتبة المستغرقة، فإن ذلك يكون شغل الذمة بما
لم يقم الدليل على شغلها به، والأصل أن الذمة بريئة من
التكاليف.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي، وهو ظاهر، فلو قال السيد لعبده: " أكرم
علماء "، فإنه بناء على المذهب الأول: يكرم العبد ثلاثة فقط وتبرأ
ذمته، وبناء على المذهب الثاني: فإنه لا تبرأ ذمة العبد إلا بعد أن
يكرم جميع العلماء.
(4/1508)

المطلب الثامن هل نفي المساواة بين الشيئين يقتضي نفي المساواة
بينهما من كل الوجوه؟
فمثلاً إذا قلنا: " لا يستوي زيد وعمر "، فهل هذا يقتضي نفي
المساواة في جميع الوجوه: في الكرم والعلم، والخلق، وغير ذلك
أو هو: يقتضي نفي المساواة من بعض الوجوه - فقط - كالكرم،
أو نحو ذلك؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن نفي المساواة بين الشيئين يقتضي نفي المساواة
بينهما من كل الوجوه التي يمكن نفيها عنهما.
وهو مذهب جمهور العلماء.
وهو الحق عندي؛ لأن هذا من قبيل النكرة في سياق النفي،
والنكرة في سياق النفي من صيغ العموم - كما سبق - وهي تفيد
العموم من جميع الوجوه.
المذهب الثاني: أن نفي المساواة بين الشيئين لا يقتضي نفي المساواة
بينهما من كل الوجوه، بل من بعضها - فقط -.
وهو مذهب بعض الشافعية كفخر الدين الرازي، والبيضاوي،
وكثير من الحنفية.
دليل هذا انذهب:
أن نفي المساواة بين الشيئين يحتمل احتمالين هما:
(4/1509)

الاحتمال الأول: نفي المساواة بينهما من كل الوجوه.
الاحتمال الثاني: نفي المساواة بينهما من بعض الوجوه.
ومعلوم أن المقسم - وهو نفي المساواة - أعم من القسمين،
وبذلك يكون نفي المساواة أعم، وكل واحد من القسمين أخص،
والأعم لا يدل على الأخص من حيث خصوصه، فلا يكون نفي
المساواة عاماً في نفيها من كل الوجوه.
جوابه:
نسلم أن الأعم لا يدل على الأخص في جانب الإثبات؛ لأن
ثبوت الأعم لا يعتبر ثبوتاً للأخص، فمثلاً: لو قال شخص:
"رأيت حيواناً " لا يدل على أنه رأى إنسانا.
أما في جانب النفي فلا نسلم ما ذكرتموه، فإن الأعم يدل على
الأخص، لأن المراد بالنفي هو: نفي الماهية، والماهية لا تنتفي إلا
بانتفاء جميع أفرادها، فلو بقي فرد من أفرادها لتحققت الماهية فيه،
وحينئذٍ لايتحقق ما قصد من اللفظ.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي، حيث إنه أثر في بعض الفروع، ومنها:
إذا قتل المسلمُ الكافر الذمي فهل يقتل المسلم به؟
اختلف في ذلك على قولين -:
القول الأول: إن المسلم لا يقتل بالكافر الذمي؛ لقوله تعالى:
(لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة) ، ونفي الاستواء
يقتضي نفيه من جميع الوجوه، فلو قتل المسلم بالكافر: لحصل
(4/1510)

بينهما استواء في القصاص، والذمي غير مساو للمسلم، بل هو أقل
منه في العصمة.
القول الثاني: أن المسلم يقتل بالكافر الذمي، واستدلوا بآثار،
منها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قتل مسلما بذمي وقال:
" أنا أحق من وفى بذمته ".
ولما قيل لهم: إن هذا ينافي نص الآية التي نفت المساواة بينهما،
وهذا النفي عام للدنيا والآخرة.
قالوا: إن المراد بنفي المساواة في الآية، هو: نفي المساواة من
وجه واحد وهو: نفيها في الفوز بالجنة بدليل قوله:
(أصحاب الجنة هم الفائزون) .
فعند أصحاب القول الثاني: إن المساواة متحققة بين المسلم
والكافر الذمي في الدنيا، فالذمي دمه معصوم كالمسلم، فمن قتله
قتل به، ولو كان مسلما.
(4/1511)

المطلب التاسع الفعل المتعدي إلى مفعول هل له عموم
بالنسبة إلى مفعولاته أو لا؟
المسألة مفروضة فيما إذا كان الفعل متعديا، ولم يذكر مفعوله،
ووقع الفعل في سياق النفي كقوله: " والله لا آكل "، أو وقع في
سياق الشرط كقوله: " إن أكلت فأنتِ طالق "، فهل يكون هذا
عاما في جميع المأكولات أو لا؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يكون عاماً في جميع المأكولات، وإذا كان
كذلك فإنه يقبل التخصيص؛ حيث إنه: إن نوى المتكلم مأكولاً
معيناً، فإنه لا يحنث بأكل غيره.
وهذا مذهب جمهور العلماء وهو الحق، للأدلة التالية:
الدليل الأول: أن الفعل من باب النكرة، والنكرة إذا وقعت في
سياق النفي فإنها تعم، كذلك الفعل إذا وقع في سياق الشرط فإنه
يعم، وقد سبق أنهما - أي: أن النكرة في سياق النفي،
والشروط - من صيغ العموم، إذن الفعل في سياق النفي، والشرط
عام، ومتى ثبت عمومه فإنه يقبل التخصيص.
الدليل الثاني: أن الفعل المنفي في قوله: " والله لا آكل " يقصد
منه نفي الماهية، والماهية - كما قلنا سابقاً - لا تنتفي إلا بانتفاء
جميع أفرادها، حيث إنه لو بقي فرد لتحققت الماهية فيه، فيكون
اللفظ - على هذا - عام، والعام يقبل التخصيص.
(4/1512)

المذهب الثاني: أنه لا يكون عاما في جميع المأكولات، وإذا كان
كذلك فإنه لا يقبل التخصيص، وهو مذهب كثير من الحنفية.
دليل هذا المذهب:
قياس الفعل المتعدي في مفعوله على الزمان والمكان، بيان ذلك:
أنه لو عم الفعل المتعدي في مفعوله: للزم من ذلك: أن يعم
كذلك في الزمان والمكان؛ قياساً على ذلك، والجامع: أن كلًّا من
هذه الأمور يعتبر لازماً من لوازم الفعل، فالفعل المتعدي لا يتحقق
إلا بمفعول، وهو كذلك لا يتحقق إلا في زمان ومكان، لكن الفعل
المتعدىِ لا يعم بالنسبة للزمان، ولا المكان، فلذلك لا يقبل
التخصيص فيها، فكذلك ما نحن فيه.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ عدم عموم الفعل في الزمان والمكان؛
بل هو عام فيهما، وإذا كان كذلك فإنه يقبل التخصيص، فمن قال
لزوجته: " إن كلمت زيداً فأنت طالق "، ثم قال: " قصدت
التكليم شهراً "، فإنه يقبل منه ذلك، ونقل هذا عن الإمام الشافعي
وهذا صريح في عموم الزمان وقبوله التخصيص، والمكان مثله.
الجواب الثاني: أن هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق،
ووجه الفرق: أن ذكر الفعل المتعدي يعتبر ذكراً للمفعول به، فكأنه
موجود في اللفظ، فإذا قال: " والله لا آكل "، فإن الأكل قد ذكر
في اللفظ، فيوصف بالعموم، ويرد عليه التخصيص، أما ذكر
الفعل فلا يعتبر ذكراً لزمانه ولا لمكانه، فلا يكون كل منهما مذكوراً
في اللفظ، فلا يوصفان بالعموم، ولذا لا يقبل التخصيص.
-
(4/1513)

بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي، قد أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها:
1 - لو قال: " والله لا أضرب " ونوى الضرب بالعصا مثلاً،
فإنه لا يحنث بالضرب بالسوط أو غيره؛ لأن كلامه عام وخصصه
بالنية، وهذا بناء على المذهب الأول.
أما بناء على المذهب الثاني، فإنه يحنث بالضرب بأي آلة؛ لأن
كلامه لا يعم؛ لذلك لا تقبل التخصيص.
2 - لو قال: " إن أكلت فأنت طالق "، ونوى أكلاً معينا
كالتفاح، فإنها لا تطلق إذا أكلت البرتقال، أو غير التفاح؛ لأن
كلامه عام، وخصصه بالنية؛ لأن العام يقبل التخصيص، هذا بناء
على المذهب الأول.
أما على المذهب الثاني: فإنها تطلق باكل أي أكل؛ لأن كلامه لا
يعم، لذلك لا يقبل التخصيص.
(4/1514)

المطلب العاشر دلالة العام هل هي ظثية أو قطعية؟
لقد قلنا: إن للعموم صيغاً مستعملة فيه تدل عليه، وهي تلك
الصيغ التي ذكرناها، لكن هل إفادتها للعموم ظنية، أو قطعية؛
أي: هل تلك الألفاظ والصيغ تدل على العموم مع احتمال أن
المقصود بها الخصوص، أو أنها تدل على العموم مع عدم احتمال
الخصوص؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن دلالة العام ظنية، أي: أن تلك الصيغ
والألفاظ تدل على العموم والخصوص، لكن دلالتها على العموم
أرجح من دلالتها على الخصوص.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق عندي؛ لأن هذه الصيغ
تستعمل للعموم كما سبق الاستدلال عليه - ومع ذلك فقد كثر
إطلاقها وإرادة الخصوص كثرة لا تحصى حتى اشتهر قولهم: " ما من
عام إلا وقد خصِّص " إلا قوله تعالى: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ،
واستعمال تلك الألفاظ والصيغ في الخصوص كثيراً تجعل دلالتها على
العموم ظنية؛ لأن احتمال إرادة الخصوص بها وارد وثابت بدليل،
وهو ما سبق.
المذهب الثاني: أن دلالة العام قطعية، أي: أن تلك الصيغ
والألفاظ تدل على العموم دلالة قطعية، فلا يحتمل الخصوص.
وهو مذهب أكثر. الحنفية.
(4/1515)

دليل هذا المذهب:
أن تلك الصيغ وضعت للعموم، دون الخصوص، فلا يفهم منها
عند إطلاقها إلا ما وضعت له - وهو العموم -، واحتمال
الخصوص منها احتمال عقلي مجرد عن الدليل، والاحتمال المجرد
عن الدليل لا ينافي قطعية الدلالة.
جوابه:
لا نسلم أن احتمال الخصوص منها احتمال عقلي مجرد عن الدليل
بل إرادة الخصوص منها هو احتمال ناشى عن دليل - وهو: كثرة
استعمالها في الخصوص حتى قيل: ما من عام إلا وقد خصص،
والاحتمال الناشئ عن دليل ينافي القطعية بالمدلول.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي، له أثره؛ حيث إنه بناء على المذهب الأول:
فإن القياس وخبر الواحد يقويان على تخصيص العام؛ لأن دلالته
عند هؤلاء ظنية، ودلالة خبر الواحد والقياس ظنية، والظني يقوى
على تخصيص الظني.
أما بناء على المذهب الثاني: فإن القياس وخبر الواحد لا يقويان
على تخصيص العام؛ لأن دلالته عند هؤلاء قطعية، ودلالة القياس
وخبر الواحد ظنية، والظني لا يقوى على تخصيص القطعي.
وانبنى على ذلك بعض الفروع التي سيأتي ذكرها في المخصصات
إن شاء اللَّه.
(4/1516)

المطلب الحادي عشر أقل الجمع ما هو؟
لتحرير محل النزاع في هذه المسألة لا بد أن أذكر ما يلي:
أولاً: ليس محل النزاع في هذه المسألة في معنى لفظ " الجمع "
المركب من " ج، م، ع "، وذلك لأن موضوع هذا اللفظ يقتضي
ضم شيء إلى شيء، وهذا منطبق على الاثنين والثلاثة، وما زاد
بلا خلاف.
ثانيا: وليس محل لخلاف في لفظ " الجماعة " في غير صلاة،
فإن أقله ثلاثة بلا خلاف.
ثالثاً: وليس محل الخلاف في تعبير الاثنين عن نفسيهما، أو
الواحد عن نفسه بضمير الجمع، سواء كان ضمير المتكلم متصلاً
كقوله: "فعلنا"، أو منفصلاً كقوله: " نحن ".
رابعاً: وليس محل الخاث ف مدلول مثل قوله تعالى:
(فقد صغت قلوبكما) ، وقول اسقائل: " ضربت رؤوس الرجلين "،
و"وطئت بطونهما "، وذلك لأن التعبير عن عضوين من جسدين
بلفظ الجمع يقصد منه التخفيف، فإنه لو قيل: " قلباكما " لثقل
اجتماع ما يدل على التثنية فيما هو كالكلمة الواحدة مرتين.
خامسا: وليس محل التخفيف هو الجمع المعرف بـ " أل " كالرجال،
فإنه للاستغراق.
إذن ما هو محل النزاع؟
(4/1517)

محل النزاع هو: جمع القلة المنكر، وهي التي تكون على وزن
أربعة أمور هي كما يلي:
1 - أفعلة كأرغفة
2 - أفعل كأرجل.
3 - أفعال كأثواب
4 - فِعْلَة كصبية.
وكذلك جمع المذكر السالم المنكر كمسلمين، وجمع المؤنث
السالم كـ " مسلمات ".
وكذلك جمع الكثرة المنكر كرجال.
وكذلك " واو الجمع " مثل الواو في قوله: " خرجوا ".
فاختلف العلماء في أقل الجمع هل هو ثلاثة أو اثنان أو واحد على
مذاهب هي كما يلي:
المذهب الأول: أن أقل الجمع ثلاثة حقيقة، ويطلق على الاثنين
والواحد مجازاً.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: ما روي عن ابن عباس - رضي اللَّه عنهما - أنه
دخل على عثمان - رضي اللَّه عنه - فقال له: إن الأخوين لا يردان
الأم إلى السدس، إنما قال تعالى: (فإن كان له أخوة فلأمه السدس) ، والأخوان في لسان قومك ليسا بأخوة، فقال عثمان:
"لا أستطيع أن أنقض أمراً كان قبلي، وتوارثه الناس، ومضى في
الأمصار ".
وجه الدلاله: أن ابن عباس - وهو من أرباب اللسان وأهل اللغة
والفصاحة والبلاغة، وترجمان القرآن وحبر الأمة - قد بيَّن أن أقل
الجمع ثلاثة في اللغة، وعثمان - وهو أيضاً من أهل اللسان واللغة -
(4/1518)

قد وافقه على ذلك، فلم ينكر عليه ذلك، وإنما اعتذر عنه بأنه ترك
مقتضى اللسان في هذه المسألة الفرعية - وهي مسألة حجب الأم من
الثلث إلى السدس - بسبب وجود قرينة صرفت اللفظ من كونه
لثلاثة إلى كونه يحمل على اثنين، وهذه القرينة والدليل هو:
إجماع من قبله على خلافه، فلما عدل عن ذلك بالإجماع دلَّ على
صحة ما قاله ابن عباس من أن الأخوين ليسا بأخوة في لغة العرب،
فدل على أن الجمع لا يطلق على الاثنين حقيقة، فدل على أن أقل
الجمع ثلاثة حقيقة.
ما اعترض به على هذا الدليل:
الاعتراض الأول: أن هذا الأثو ضعيف من حيث سنده؛ لأنه من
رواية شعبة بن دينار، وهذا قد تكلم فيه أئمة الحديث، والحديث
الضعيف لا يمكن أن يستدل به على إثبات قاعدة أصولية ككون أقل
الجمع ثلاثة.
جوابه:
لا نسلم ضعف هذا الأثر؛ حيث إن الحاكم قد صحَّحه في
"المستدرك "، فقال: " هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه "،
وقد وافقه الذهبي على ذلك في " تعليقه على المستدرك "، ونقل
الذهبي في " ميزان الاعتدال " أن أحمد بن حنبل قال في شعبة هذا:
إنه ما به بأس.
الاعتراض الثاني: على فرض صحة هذا الأثر، فإنه معارض بما
أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى "، والحاكم في " المستدرك " عن
خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه أنه كان يقول. " الإخوة في كلام
العرب أخوان فصاعداً ".
(4/1519)

جوابه:
يجاب عنه بأجوبة:
الجواب الأول: أن هذا الأثر المنقول عن زيد بن ثابت قد ورد في
سنده عبد الرحمن بن أبي الزناد، وهذا الرجل قد تكلم فيه بعض
أئمة الحديث، فقال الإمام أحمد بن حنبل: " إنه مضطرب الحديث "
وقال يحيى بن معين: " ابن أبي الزناد لا يحتج بحديثه "، وهذا
الكلام في هذا الرجل قد ضعَّف من هذا الأثر مما جعله لا يقوى
على معارضة الأثر الوارد عن ابن عباس وعثمان.
الجواب الثاني: على فرض صحة ما نقل عن زيد ومعارضته لما
نقل عن ابن عباس وعثمان، فإنا نرجح الأثر المروي عن عثمان وابن
عباس؛ وذلك نظراً لكثرة وعظم مرتبة ابن عباس وعثمان - رضي
الله عن الجميع - وعلمهما الواسع في الشريعة واللغة.
الجواب الثالث: سلمنا صحة نسبة الأثر إلى زيد: فإنه يمكن
الجمع بينه وبين الأثر المروي عن ابن عباس وعثمان بطرق، أحسنها:
أن الأثر المروي عن عثمان وابن عباس يحمل على إطلاق اللغة
بصورة عامة، فإنها تقتضي أن أقل الجمع ثلاثة في جميع أبواب
الفقه، أما كلام زيد فإنه يحمل على أن الجمع يطلق علي الاثنين في
هذه المسألة فقط، وهي: " حجب الأم من الثلث إلى السدس
بالأخوين "، وهناك أجوبة أخرى وطرق للجمع قد ذكرتها في كتابي
" أقل الجمع عند الأصوليين "، فارجع إليه.
الدليل الثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"الراكب شيطان، والراكبان شيطانان والثلاثة ركب ".
وجه الدلالة: أن - صلى الله عليه وسلم - قد فصل بين التثنية والجمع، وجعل
(4/1520)

للاثنين اصطلاحاً خاصا دون الجمع، فعلم أن التثنية ليست بجمع
حقيقة.
الدليل الثالث: قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"الشيطان يهم بالواحد والاثنين، فإذا كانوا ثلاثة لم يهم بهم ".
وجه الدلالة: نفس السابق.
الدليل الرابع: أن الثلاثة تنعت بالجمع، والجمع ينعت بالثلاثة
فيقال: " ثلاثة رجال "، و " رجال ثلاثة "، لكن التثنية لا تنعت
بالجمع، ولا ينعت الجمع بالتثنية، فلا يقال " اثنان رجال "،
ولا يقال: " رجال اثنان "، فلو كان الاثنان أقل الجمع: لجاز نعت
أحدهما بالآخر، لكن ذلك لا يجوز، فلا يكون الاثنان جمعا.
الدليل الخامس: أن العرب جعلت مراتب الأعداد ثلاثة أقسام:
" الواحد "، ثم " التثنية "، ثم " الجمع "، فقالوا: " رجل "،
و" رجلان "، و " رجال ".
فلو كان الجمع يطلق على الاثنين حقيقة: لكانت مراتب الأعداد
منحصرة في ضربين هما: " الواحد "، و " الجمع "، وهذا مما لا
يجوز؛ لأنه خلاف ما استقر عليه وضع لغة العرب.
الدليل السادس: أن أهل اللغة قد فرَّقوا بين التثنية والجمع في
الضمير المتصل، فقالوا في التثنية: " فعلا "، و " افعلا "، وقالوا
في الجمع: " فعلوا "، و " افعلوا "، فلو كان الجمع يطلق على
التثنية: لما فرقوا بينهما، ولقالوا لكل منهما: " فعلوا " أو " افعلوا"
ولكنهم لم يقولوا ذلك مما يدل على أن التثنية ليست بجمع، فينتج:
أن أقل الجمع ثلاثة حقيقة.
الدليل السابع: أن أهل اللغة قد فرقوا بين التثنية والجمع في
(4/1521)

الضمير المنفصل، فقالوا في الجمع: " هم فعلوا "، وقالوا في
التثنية: " هما فعلا "، فلو كانت التثنية جمعا لما فرقوا بينهما في
ذلك، ولقالوا: " هم فعلوا " للجمع والتثنية.
الدليل الثامن: أن أهل اللغة قد فرَّقوا بين التثنية والجمع بالتأكيد،
فقالوا في الجمع: " جاء الزيدون أنفسهم "، وقالوا في التثنية:
"جاء الزيدان أنفسهما "، فلو كان الجمع يطلق على التثنية وأن الاثنين
أقل الجمع: لجاز تأكيد أحدهما بالآخر.
الدليل التاسع: أن ما فوق الاثنين هو المتبادر إلى الفهم من صيغة
الجمع، والتبادر إلى الفهم من علامات الحقيقة، بخلاف عدد
الاثنين، فإنه لا يتبادر إلى الفهم من إطلاق لفظ الجمع، وهذا يدل
على، أن الجمع يكون حقيقة في الزائد على الاثنين، وهو: الثلاثة
فما فوقها، فيكون أقل الجمع ثلاثة.
المذهب الثاني: أن أقل الجمع اثنان حقيقة، ويطلق على الواحد
مجازاً.
وهو مذهب القاضي الباقلاني، والباجي، وابن الماجشون،
وداود الظاهري، وابنه محمد، وأبي إسحاق الإسفراييني، وهو
اختيار علي بن عيسى النحوي، ونفطويه، والخليل بن أحمد.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قوله تعالى: (فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون) .
وجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه أطلق ضمير الجمع وهو الوارد
بقوله: " معكم "، والمراد: موسى وهارون - عليهما السلام -
(4/1522)

وهما اثنان، والمراد بالإطلاق الحقيقة، فلو لم يكن الاثنان جمعا لما
أطلق عليهما ضمير الجمع وأرجعه إليهما.
جوابه:
إن الضمير الوارد في قوله: (معكم) لم يرجع إلى اثنين - كما
زعمتم -، بل هو راجع إلى ثلاثة وهم: موسى، وهارون،
وفرعون، والمقصود بالمعية هنا: هي: معية العلم، أي: أن اللَّه لما
أمر موسى وهارون بالذهاب إلى فرعون، فلما وصلوا إليه فهو معهم
بالعلم لما يقولون - أي: مع موسى وهارون والذي ذهبوا إليه،
وهو فرعون.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (عسى اللَّه أن يأتيني بهم جميعا) .
وجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه أطلق ضمير الجمع، وهو الوارد
في قوله: (بهم) ، وأرجعه إلى اثنين، وهما: " يوسف "
وشقيقه " بنيامين ".
فلو لم يكن الاثنان جمعا: لما جمع الضمير، ولقال: " بهما"،
ولكنه سبحانه لم يقل ذلك، بل قال: " بهم " مما يدل على أن
التثنية جمع، فيكون أقل الجمع اثنين.
جوابه:
إن الضمير في قوله: " بهم " لم يرجع إلى اثنين - كما زعمتم -
بل رجع إلى ثلاثة، وهم: " يوسف "، و " بنيامين "، وأخيهم
الأكبر: " شمعون " القائل: (فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي) فيكون على وجهة.
الدليل الثالث: قوله تعالى: (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ)
(4/1523)

وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد استعمل لفظ " الجمع " في قوله:
(إِذْ تَسَوَّرُوا) في الاثنين وهما الملكان، وهما الخصمان، بدليل
قوله: (خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ) إلى قوله: (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ) ، فلو لم يكن الاثنان
جمعا لما أرجع ضمير الجمع في (تَسَوَّرُوا) إليهما، فيكون أقل
الجمع اثنين.
جوابه:
إن الضمير في قوله: (تَسَوَّرُوا) لم يرجع إلى اثنين، بل
رجع إلى أكثر، حيث إنه يجوز أنه حضر مع جبريل وميكائيل
جماعة من الملائكة، ورد الضمير بلفظ الجمع إلى الجميع، فقال:
(إِذْ تَسَوَّرُوا) .
الدليل الرابع: قوله تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا
فأصلحوا بينهما) .
وجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه قد رد ضمير الجمع في قوله:
(اقتتلوا) إلى التثنية، وهما: (الطائفتان) ، فدل على أن التثنية
جمع، فيكون أقل الجمع اثنين.
جوابه:
إن هذه الآية لا تصلح للاستدلال بها على أن أقل الجمع اثنان؛
لأن المراد بالطائفة - هنا - الجمع، وليس المفرد، يؤيد ذلك سبب.
نزول هذه الآية، حيث قال سعيد بن جبير: إن الأوس والخزرج كان
بينهم على عهد رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قتال بالسيف والنعال ونحوه، فأنزل اللَّه هذه الآية فيهم، وقال مجاهد: تقاتل حيان من الأنصار بالعصي والنعال فنزلت الآية، وقيل في سبب نزولها غير ذلك، وكل ما ذكر
(4/1524)

من سبب يدل دلالة واضحة على أن المراد بالطائفة هنا هو جمع
وليس مفرداً.
الدليل الخامس: قوله تعالى: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78)
وجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه قد جمع الضمير في قوله:
(لِحُكْمِهِمْ) مع أن المراد به اثنان هما: " سليمان "، و " داود " مما
يدل على أن صيغة الجمع تتناول الاثنين حقيقة، فيكون أقل الجمع
اثنين.
جوابه:
إن ضمير الجمع الوارد في قوله: (لِحُكْمِهِمْ) لم يرجع إلى
اثنين، بل هو راجع إلى أربعة وهم: الحاكمان وهما: " داوود "،
و" سليمان "، والمحكوم له وهو صاحب الزرع، والمحكوم عليه
وهو صاحب الغنم.
اعتراض على هذا الجواب:
قال قائل - معترضا -: سلمنا أن الحكم يضاف إلى الحاكم،
لكن لا نُسَلِّمُ أن الحكم يضاف إلى المحكوم عليه أو له.
جوابه:
يجوز في لغة العرب نسبة الحكم إلى المحكوم عليه أوله عن طريق
المجاز، يقال للذي له قضية في محكمة: " هل صدر حكمه؟ "
فمثل هذا الإطلاق يجوز لغة، ولا مانع منه، وهو محكوم له أو
عليه، والقرآن نزل بلغة العرب.
وهناك ستة أجوبة عن الاستدلال بهذه الآية قد ذكرتها في كتابي:
(4/1525)

" أقل الجمع عند الأصوليين وأثر الاختلاف فيه "، فارجع إليه إن
شئت.
الدليل السادس: قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) .
وجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه قد عبر عن الإخوة بالأخوين،
وهذا يدل على أن التثنية جمع، فلو لم تكن التثنية جمعا لما قال
ذلك، فيدل على أن أقل الجمع اثنان.
جوابه:
المراد بلفظ " الأخوين " هنا: الطائفتان، أو القبليتان، أو
الجماعتان؛ لأن اسم الأخوين يقع على ذلك، قال الشاعر:
فألحق بحلفك في قضاعة إنما ... قيس عليك وخندق إخوان
فسمى القبيلتين أخوين.
الدليل السابع: قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"الاثنان فما فوقهما جماعة ".
وجه الدلالة: أن هذا نص في أن أقل الجمع اثنان؛ حيث إن
الرسول - صلى الله عليه وسلم - أخبر أن الاثنين جماعة، والرسول - عز وجل - من أهل اللغة، بل أبلغهم وأفصحهم، فلو نقل هذا عن واحد من الأعراب لكان حُجة، فعن صاحب الشرع أوْلى.
جوابه: يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أن هذا الحديث ضعيف؛ حيث روي هذا الحديث
من طرق كثيرة كلها ضعيفة، وقد بيَّنت هذه الطرق في كتابي " أقل
الجمع عند الأصوليين "، وإليك بعضا من ذلك:
أن في سنده: " الربيع بن بدر " قال عنه النسائي: " متروك
(4/1526)

الحديث "، وقال يحى بن معين: " ليس بشيء "، وقال ابن أبي
حاتم الرازي: " الربيع بن بدر لا يشتغل به، ولا بروايته، فإنه
ضعيف الحديث "، وقال ابن كثير في " تحفة الطالب ": " الربيع
اتفق أئمة الجرح والتعديل على جرحه ".
وقيل غير ذلك.
وإذا كان كذلك فلا يصلح للاستدلال به على إثبات قاعدة أصولية
وهي: أن أقل الجمع اثنان.
الجواب الثاني: على فرض صحة هذا الحديث فإنه لا يدل على أن
أقل الجمع اثنان مطلقا، بل يحمل على أن المراد حصول فضيلة
الصلاة جماعة من حيث الحكم الشرعي، لا من حيث اللفظ
اللغوي؛ لأن الشارع إنما يبين الأحكام التي بعث لبيانها لا اللغات
التي عرفت من غيره؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما بعث لبيان الشرعيات.
وبهذا يكون هذا الحديث - إن صح - دليلاً لنا، لا لهم؛ حيث
إنه لو كان الاثنان جمعا حقيقة: لما احتاج إلى البيان؛ لأنه يعرف
ذلك من اللغة ما يعرفه.
المذهب الثالث: أن أقل الجمع واحد حقيقة.
وهو مذهب أبي حامد الإسفراييني، ونسبه بعضهم إلى إمام
الحرمين، ولكن هذه النسبة ليست صحيحة كما بينت ذلك في كتابي
" أقل الجمع عند الأصوليين ".
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) .
(4/1527)

وجه الدلالة: أنه سبحانه وحده منزل الذكر، فإذا ثبتت العبارة
بلفظ الجمع عن الواحد لم يستنكر حمل معلوم المخصص على
الواحد حقيقة.
جوابه:
إن هذا ليس في محل النزاع؛ حيث قلنا: إن الواحد الذي يُعبِّر
عن نفسه بلفظ الجمع، فإنه تعبير صحيح، لكن جاء عن طريق
المجاز.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ) .
وجه الدلالة: هو نفسه ما سبق.
جوابه:
هو نفس الجواب السابق.
الدليل الثالث: أن إطلاق لفظ الجمع على الواحد قد ورد في
كلام العرب، فمثلاً: إذا برزت امرأة لرجل واحد حَسُنَ من زوجها
أن يقول - في توبيخها -: " أتتبرجين للرجال يا لكعاء "، وهو لم
ير إلا رجلاً واحداً.
جوابه:
إنه لا يعني بلفظ " الرجال " رجلاً واحداً، بل استعمل لفظ
الجمع، وهو " الرجال " بدلاً من لفظ " الواحد "، لأن غرض
الزوج لم يتعلق بذلك الرجل الواحد، بل تعلق غرضه بجنس
الرجال لظنه أنها ما تبرجت لواحد إلا وقد تبرجت لغيره، فتبرجها
لواحد سبب للإطلاق.
(4/1528)

المذهب الرابع: أن أقل الجمع ثلاثة حقيقة، ويطلق على الاثنين
مجازاً، ولا يطلق على الواحهد لا حقيقة ولا مجازاً.
دليل هذا المذهب:
أولاً: استدل أصحاب هذا المذهب على أن أقل الجمع ثلاثة
جقيقة بأدلة أصحاب المذهب الأول - وهم الجمهور -.
ثانيا: واستدلوا على أنه يطلق على الاثنين مجازاً بما استدل به
أصحات المذهب الأول؛ حيث إنهم يطلقون الجمع على الثلاثة،
ولا يمنعون من إطلاقه على الاثنين مجازاً.
ثالثاً: استدلوا على أن الجمع لا يطلق على الواحد مجازاً بقولهم:
إن المجاز لا بد فيه من قرينة وعلاقة، ولا علاقة بين المعنى الحقيقي
- وهو الثلاثة - والمعنى المجازي - وهو الواحد - فلا يصح إطلاق
الجمع عليه مجازاً.
جوابه:
إن الجمع يطلق على الواحد مجازاً، كما في الواحد ينزل نفسه
منزلة الجمع كقوله: " نحن فعلنا "، وهذا معروف أنه مجاز - كما
قلنا ذلك في المذهب الثالث -.
والعلاقة بين المعنى الحقيقي وهو: الجمع، والمعنى المجازي وهو:
الواحد موجودة، وهي اليتعدد الصادق بالتعدد الواقعي كما في
الجمع، والتعدد التقديري كما في الواحد الذي يقوم بما تقوم به
الجماعة.
المذهب الخامس: أن أقل الجمع ثلاثة حقيقة، ولا يطلق على
الاثنين حقيقة ولا مجازاً.
(4/1529)

أدلة هذا المذهب:
أولاً: استدل أصحاب هذا المذهب على أن أقل الجمع ثلاثة
حقيقة بما استدل به أصحاب المذهب الأول، وهم الجمهور.
ثانياً: واستدلوا على أن الجمع لا يطلق على الاثنين لا حقيقة،
ولا مجازاً بالأدلة التالية:
الدليل الأول: أنه لا علاقة بين الاثنين والجمع، وعند فقد العلاقة
يمتنع المجاز، وذلك لأن المجاز لا بد فيه من العلاقة.
جوابه:
أن الجمع يطلق على الاثنين بطريق المجاز، والعلاقة بين الاثنين
والجمع موجودة وهي: التعدد الواقعي؛ حيث إن الاثنين فيهما
تعدد، والجمع فيه تعدد كذلك.
الدليل الثاني: أنه لو صح إطلاق الجمع على الاثنين، ولو
مجازاً: لصح نعت التثنية بالجمع وبالعكس، لكن لا يجوز أن
يقال: " جاءني رجلان عالمون "، ولا " جاء رجال عالمان ".
جوابه:
إن العرب كانت تراعي صورة اللفظ محافظة للتماثل بين الصفة
والموصوف، فلهذا لم يجوزوا نعت المثنى بالجمع ولا العكس.
وقد التزم بعضهم النعت مع الاختلاف مجازاً.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي، قد أثر في بعض المسائل الفقهية، ومنها:
1 - لو حلف وقال: " والله لا أكلم بني آدم ".
(4/1530)

فإنه لا يحنث إلا إذا كلم ثلاثة؛ بناء على المذهب الأول وهو:
أن أقل الجمع ثلاثة.
وقيل: يحنث إذا كلم اثنين، بناء على المذهب الثاني وهو: أن
أقل الجمع اثنان.
ويلزم على المذهب الثالث - وهو: أن أقل الجمع واحد: أنه
يحنث إذا كلم واحداً.
2 - الصلاة على الميت.
قيل: لا بد أن يصلي عليه ثلاثة؛ بناء على أن أقل الجمع ثلاثة.
وقيل: يكفي أن يصلي عليه اثنان؛ بناء على أن أقل الجمع اثنان.
وقيل: يكفي أن يصلي عليه واحد؛ بناء على أن أقل الجمع واحد.
3 - لو قال الزوج: " إن تزوجت نساء فأمرأتى طالق ": لم
تطلق إلا إذا تزوج ثلاث نسوة؛ بناء على أن أقل الجمع ثلاثة.
ويلزم على المذهب الثاني - وهو: أن أقل الجمع اثنان -: إن
امرأته تطلق إذا تزوج امرأتين.
ويلزم على المذهب الثالث - وهو؛ أن أقل الجمع واحد -: إن
امرأته تطلق إذا تزوج امرأة واحدة.
4 - إذا نذر صوم أيام - ولم يبين مقصده - فإنه يلزمه ثلاثة أيام؛
بناء على أن أقل الجمع ثلاثة.
ويلزمه يومان؛ بناء على أن أقل الجمع اثنان.
ويلزمه يوم واحد؛ بناء على أن أقل الجمع واحد.
(4/1531)

5 - لو قال لزوجته: " أنت طالق طلقات " - ولم يبين مقصده -
فإنه يلزمه ثلاث طلقات، بناء على أن أقل الجمع ثلاثة.
ويلزمه طلقتان، بناء على أن أقل الجمع اثنان.
ويلزمه طلقة واحدة؛ بناء على أن أقل الجمع واحد.
وقد أفردت هذه المسألة بمصنف مستقل - لما رأيت أهميتها لطالب
العلم - سميته: " أقل الجمع عند الأصوليين وأثر الاختلاف فيه " قد
توسعت بذكر المذاهب، وأدلتهم، والمناقشة، وأثر الخلاف الفقهي
والأصولي، فارجع إليه إن شئت فهو مطبوع بمجلد.
(4/1532)

المطلب الثاني عشر هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب؟
إذا ورد لفظ عام على سبب خاص - واللفظ مستقل بنفسه دون
سببه - فهل يسقط السبب عموم اللفظ أو لا؟
فمثلاً إذا حدثت حادثة فوردت في حكمها آية أو حديث بلفظ عام
من الألفاظ، والصيغ السابقة الذكر، فهل يكون هذا الحكم خاصا،
نظراً إلى سببه، أو عاماً نظراً إلى لفظه؛ أي: إن كان الجواب عاما
والسؤال خاصا، فهل خصوص السبب يخصص العام، أو لا؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
أي: أن اللفظ العام الوارد على سبب خاص لا يختص به، بل
يكون عاماً لمن تسبَّب في نزول الحكم ولغيره.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق عندي؛ لما يلي من
الأدلة:
الدليل الأول: أن الحجة في لفظ الشارع:
فإن أورد الشارع الحكم وهو مشتمل على صيغة من صيغ العموم
- السابقة الذكر -: جعلنا الحكم عاماً سواء نزل ذلك الحكم
بسبب، أو بغير سبب، وإن أورد الشارع الحكم بلفظ خاص:
خصصنا ذلك الحكم.
(4/1533)

فالمعتبر هو اللفظ، وقد أجمع العلماء على ذلك في بعض الصور.
فمثلاً لو كان لرجل أربع نساء فقلن له: " طلفنا جميعاً "، فقال
هو: فلانة طالق، فإنه لا تطلق إلا واحدة، وهي المعينة، فلم
ينظر إلى السؤال العام، بل نظرنا إلى لفظ الزوج.
كذلك لو قالت واحدة منهن: " طلقني "، فقال: " كل نسائي
طوالق "، فهنا: جميع نسائه يطلقن؛ حيث نظرنا إلى لفظ الزوج،
ولم ينظر إلى سبب هذا القول.
الدليل الثاني: إجماع الصحابة - رضي اللَّه عنهم - على تعميم
الأحكام الواردة على أسباب خاصة، بيان ذلك:
أن أكثر العمومات - قد وردت على أسباب خاصة، فمثلاً:
آيات الظهار نزلت في شأن أوس بن الصامت وزوجته، وآيات
اللعان نزلت في شأن عويمر العجلاني وزوجته، وقيل: إنها نزلت
في هلال بن أمية وزوجته، وآية السرقة قد نزلت في سرقة رداء
صفوان بن أمية، وآية القذف نزلت في شأن عائشة - رضي اللَّه عن
الجميع - والأمثلة كثيرة.
والصحابة - رضي اللَّه عنهم - قد عمموا أحكام هذه الآيات من
غير نكير، فدل على أن الأحكام لا تخصص بأسبابها، ولو كانت
مخصصة بأسبابها: لكان إجماع الصحابة على التعميم خلاف
الدليل، وهذا لم يقل به أحد.
الدليل الثالث: أن المقتضي للعمل بالعموم موجود، وهو اللفظ
العام الذي يشمل السبب وغيره وضعا، والمانع له غير موجود؛
حيث لا يوجد بين السبب والعام تنافي؛ نظراً لإمكان العمل بالعام
(4/1534)

في السبب وفي غيره، ومتى وجد المقتضي وانتفى المانع وجب العمل
بالعام على عمومه؛ لوجود المقتضي السالم عن المعارض.
المذهب الثاني: أن العبرة بخصوص السبب، لا بعموم اللفظ.
أي: أن اللفظ العام الوارد على سبب خاص يختص به.
أي: أن خصوص السبب يخصص العام، ويجعله مراداً به هذا
السبب بخصوصه، فلا يعمل بالعام على عمومه.
وهو مذهب الإمام مالك في رواية عنه، واختاره بعض الشافعية
كالمزني، والدقاق، والقفال، وحكي عن الإمام الشافعي، وحكي
عن أبي ثور.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أنه لو كان الخطاب الوارد على سبب عاما: لجاز
إخراج السبب عن العموم بالاجتهاد، كما في غيره من الصور
الداخلة تحت العموم ضرورة تساوي نسبة العموم إلى الكل، وهو
خلاف الإجماع.
فمثلاً: نزلت آية اللعان بسبب قصة عويمر العجلاني، وهي بلفظ
عام، فإن حكم اللعان يختص بعويمر؛ لأنه لو لم يختص حكم
اللعان به - وهو سبب نزوله - لجاز إخراج السبب - أي: إخراج
عويمر - بالتخصيص كأي فرد من أفراد العموم، ولكنه لا يجوز
إخراجه؛ لأن الآيات نزلت بشأنه أصلاً، وما دام أنه لا يخرج بأي
حال، بينما غيره من الأفراد يجوز إخراجه، فثبت أن اللفظ مختص
بسببه وهو عويمر.
جوابه:
إنا لما قلنا: إن الحكم الوارد بلفظ عام على سبب خاص يجب
(4/1535)

تعميمه لما ورد بشأنه ولغيره، فإن هذا لا يلزم منه: جواز إخراج
السبب - وهو ما ورد الحكم بشأنه كعويمر في آيات اللعان - وذلك
لأنه لا خلاف في أن كلام الشارع في آيات اللعان - مثلاً - هو بيان
لحكم ما وقع لعويمر، ولكن هل هذه الآيات الواردة في اللعان بيان
لعويمر خاصة، أو بيان له ولغيره مما شابه ذلك؛ هذا هو محل
النزاع.
فعندنا: أن اللفظ الوارد في حكم اللعان يعم عويمر ويعم غيره،
لكن الفرق بينه وبين غيره: أن اللفظ تناوله تناولاً قطعيا، وتناول
غيره تناولاً ظنيا، لذلك قلنا - هناك -: إن دلالة العام ظنية، وما
دام أن الخطاب في حق عويمر قطعي، فلا يمكن أن يخصص أو
يخرج بحال، أما غيره فيجوز خصيصه بدليل معتبر.
الدليل الثاني: أن الراوي حرص على نقل سبب نزول الحكم ولا
فائدة من حرصه على نقل السبب إلا لأن الحكم مختص به، فلو كان
الحكم عاما: لكان نقل السبب وعدم نقله سواء في عدم الفائدة.
جوابه:
لا نسلم ما قلتموه، بل إن لنقل الراوي للسبب فائدتان هما:
الفائدة الأولى: امتناع إخراج السبب - وهو عويمر مثلاً - من
آيات اللعان بحكم التخصيص بالاجتهاد، وذلك لأنه تناوله قطعا
- فذكره للسبب ينبه على ذلك - وقد سبق بيان ذلك.
الفائدة الثانية: معرفة أسباب نزول الآيات، وورود الأحاديث،
وهذا يتضمن فوائد، منها:
أولاً: معرفة سير الصحابة وما جرى بينهم، لنقتدي بالحسن من
(4/1536)

الوقائع التي وقعت في عصرهم، والتأسي بصبرهم على ما ألم بهم
من مصائب.
ثانياً: معرفة معاني النصوص الشرعية من الكتاب والسنَّة، فإن
العارف بسبب نزول هذه الآية أعلم بمراد الشارع من غير العارف.
ثالثا: معرفة مقاصد الشارع في كل آية أو حديث.
رابعا: التوسع في علم الشريعة؛ حيث إن العالم بأسباب نزول
الآيات أقدر على استنباط الأحكام منها من غيره.
الدليل الثالث: أنه لو لم يكن للسبب تأثير في الحكم لما أخر
الشارع بيان الحكم إلى حالة وقوع تلك الواقعة.
أي: أن الشارع قد أنزل حكم الظهار - مثلاً - بعد وقوع حادثة
أوس بن الصامت وزوجته مباشرة، وهذا يدل على أن حكم الظهار
مختص بأوس وامرأته؛ إذ لو كان الحكم عاماً لأوس وزوجته
وغيرهما لأنزل حكم الظهار قبل وقوع تلك الواقعة، أو أخره عن
وقوع الحادثة، ولكن لم يفعل ذلك، فثبت أن نزول الحكم بهذا
الوقت بالذات يدل على اختصاصه بالحادثة التي وقعت فيه.
جوابه:
يجاب عنه بأجوبة:
الجواب الأول: أن قولكم - في هذا الدليل - تحكم على الله
تعالى، وليس لنا التحكم عليه، وسؤاله: لمَ فعل كذا؛ ولِمَ لم
يفعل كذا؛ وما فائدة نزول هذا في هذا الوقتَ؛ إلى آخر الأسئلة
التي لو سمح بمثلها لأدى إلى الكفر والظلال، فلا يجوز طلب
الفائدة لأفعال اللَّه تعالى، فهو معلوم أنه لا يفعل شيئاً إلا وفيه فوائد
(4/1537)

ومصالح: فقد يدركها بعض العلماء، أو يدرك بعضها، وقد لا
يدركها فتكون تعبدية، فله سبحانه أن ينشئ التكليف في أي وقت
شاء؛ لعلمه سبحانه أن مصلحة العباد والبلاد تقتضي ذلك، قال
تعالى: (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ) .
الجواب الثاني: أن قولكم: " إنه ما أخر بيان الحكم إلى وقوع
الواقعة إلا لأن الحكم مختص بهذه الواقعة " يلزم منه: أن يختص
الرجم بماعز، واللعان بعويمر وزوجته، أو هلال وزوجته، والسرقة
بمن نزلت فيهم؛ لأن اللَّه أخر بيان تلك الأحكام إلى وقوع وقائعهم،
وذلك كله خلاف إجماع الصحابة، فيكون ظاهر البطلان.
الجواب الثالث: على فرض أن سؤالكم صحيح: فإنا نقول - في
الجواب عن ذلك -: إن اللَّه علم أن مصلحة العباد والبلاد تقتضي نزول
اَيات اللعان - مثلاً - في هذا الوقت، فأراد إيقاع واقعة لينزل الحكم
بشأنها، فأحدث واقعة عويمر مع زوجته، فأنزل آيات اللعان،
لتكون حكما له ولغيره ممن شابهه.
اعتراض على ذلك:
قال قائل - معترضا - لِمَ أحدث حادثة لأجل إنزال حكم اللعان،
ولِمَ لم ينزله ابتداء كغيره؟
جوابه:
إن اللَّه أحدث بعض الحوادث، وأنزل بشأنها أحكاما شرعية،
لأمرين:
أولهما: أن إنزال الحكم والجواب بعد حدوث الحادثة أوقع في
النفوس من إنزال الحكم ابتداء.
(4/1538)

ثانيهما: ليعلم الناس أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يأت بشيء من عنده، بل إن كل ما جاء به من القرآن والسُّنَّة هو من عند اللَّه وحده، قال
تعالى: (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ) ، ولذلك
كان يتوقف عن جواب بعض الأسئلة حتى ينزل به وحي.
الدليل الرأبع: أن الحكم جواب، والواقعة والحادثة سؤال، ومن
شرط الجواب: أن يكون مطابقا للسؤال لا يزيد عنه ولا ينقص، فلو
كان الجواب عاماً والسؤال خاصا لم يكن الجواب مطابقا للسؤال،
والأصل المطابقة؛ لكون الزيادة عديمة التأثير فيما يتعلق به غرض
السائل.
جوابه:
إن أردتم بمطابقة الجواب للسؤال: الكشف عنه، وبيان حكمه،
وأن يكون متناولاً له: فهذا نسلمه لكم، وقد وجد وحصل.
أما إن أردتم بمطابقة الجواب للسؤال: أن يكون مطابقا له تمام
المطابة: بدون زيادة بعض البيانات لغير ما سئل عنه: فلا نسلم؛
وذلك لأنه قد ثبت في الشريعة أن الشارع يسأل عن شيء فيجيب عنه
وعن غيره، كما ورد أنه - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن الوضوء بماء البحر قال:
" هو الطهور ماؤه الحل ميتته "،
فهنا قد تعرض لحل الميتة، ولم يكن مسؤولاً عنها.
بيان نوع الخلاف:
قد يبدو أن الخلاف - هنا - لفظي؛ لاتفاق أصحاب المذهبين
على أن أحكام اللعان، والظهار، والسرقة، والرجم، وغيرها مما
نزلت بسبب حوادث خاصة: هي عامة لمن نزلت بسببهم،
ولغيرهم، لكن أصحاب المذهب الأول - وهم الجمهور - قالوا:
(4/1539)

أخذنا هذا العموم عن طريق اللفظ العام: ولم يلتفتوا إلى كونه نزل
بسبب أو بغير سبب، أما أصحاب المذهب الثاني فقد قالوا: إن
تلك الأحكام لا شك أنها عامة، لكن لم نأخذ عمومها عن طريق
اللفظ العام الوارد في النص؛ لأن هذا اللفظ العام مختص بسببه،
ولكن أخذنا ذلك العموم عن طريق القياس، أي: قياس الحوادث
المشابهة على ما حدث لعويمر، وهلال، وأوس.
كذلك لو نظرنا إلى الدلالة، فقد اتفق أصحاب المذهبين على أنها
ظنية؛ لأن دلالة العام ظنية، ودلالة القياس ظنية.
ولكن الحق: أن الخلاف معنوي؛ لأن أصحاب المذهب الأول
قصدوا أن تلك الأحكام قد ثبتت للحوادث المشابهة لما حدث لعويمر
وأوس، وهلال عن طريق النص واللفظ.
أما أصحاب المذهب الثاني فقد قصدوا: أن تلك الأحكام قد
ثبتت للحوادث المشابهة لعويمر وأوس عن طريق القياس.
والفرق بين ما ثبت عن طريق النص، وما ثبت عن طريق القياس
من وجهين هما:
أولهما: أن الحكم الثابت عن طريق عموم النص أقوى من الحكم
الثابت عن طريق القياس.
ثانيهما: أن الحكم الثابت عن طريق النص ينسخ، ويُنسخ به،
أما الحكم الثابت عن طريق القياس فلا ينسخ، ولا ينسخ به - كما
سبق بيانه -.
(4/1540)

المطلب الثالث عشر حكاية الصحابي للحادثة بلفظ عام هل يفيد العموم؟
إذا حكى الصحابي ما شاهده من الحوادث بلفظ عام كقوله:
"نهى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - عن المزابنة،
وأمر بوضع الجوائح، وقضى بالشفعة للجار،
فهل يؤخذ بعموم قوله أو لا؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن قول الصحابي: أمر رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، أو نهى، أو قضى، أو حكم يقتضي العموم، وهو مذهب كثير من
العلماء، واختاره سيف الدين الآمدي، وهو الحق عندي؛ لإجماع
الصحابة ومن جاء بعدهم من علماء السلف والخلف على أن قوله
يفيد العموم: فقد عرفنا - بالاستقراء والتتبع - أنهم كانوا يرجعون
إلى هذه الألفاظ، ويحتجون بها في عموم الصور التي تحصل في
أزما انهم: فقد قال ابن عمر - رضي اللَّه عنهما -: " كنا نخابر
أربعين سنة حتى أخبرنا رافع أن - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المخابرة "، وإذا رأى أحد منهم شخصا يبيع بالمزابنة أو المحاقلة منعوه مستدلين بقول
الصحابي: " نهى رسول اللَّه لمجيم عن المزابنة والمحاقلة، وكانوا
يمنعون عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه مستدلين بقول الصحابي:
"نهى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه "، وكذلك فقد أخذوا بقول الصحابي: " أمر رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بوضع الجوائح "،
وبقوله: " رخص رسول اللَّه في السلم "، وبقوله: " رخص
رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في العرايا "، وقوله: " قضى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -
(4/1541)

بالشفعة للجار "، وكانوا يفعلون ذلك، ويستدلون بتلك الألفاظ
دون نكير من أحد، فصار هذا إجماعا منهم على الاحتجاج بمثل
ذلك في عموم الصور، وعلى العمل بها.
المذهب الثاني: أن قول الصحابي: أمر رسول اللَّه، أو نهى،
أو قضى لا يفيد العموم.
وهو مذهب أكثر العلماء.
دليل أصحاب هذا المذهب:
أن قول الراوي: أمر، أو نهى هو حكاية للراوي لما شاهده،
وهذه الحكاية محتملة لاحتمالات هي كما يلي:
الاحتمال الأول: أن يكون قد سمع لفظاً عاماً، فحكاه كما
سمع.
الاحتمال الثاني: أن يكون قد سمع لفظا خاصا فظنه عاماً،
فحكاه على أنه عام.
الاحتمال الثالث: أن يكون قد شاهد أمراً خاصا، ولكنه فهم
العموم، فحكاه بصيغة العموم.
وهذه الاحتمالات متساوية، فلا يرجح أحدها إلا بمرجح، ولا
يوجد مرجح، فالتمسك بعموم هذا هو تمسك بتوهم العموم، لا
بلفظ عرف عمومه، وقيل: إن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط
به الاستدلال.
جوابه:
إن هذه الاحتمالات تنقدح في الذهن، ولكن رجحنا إفادة ما
يقوله للعموم، لأمرين:
(4/1542)

أولهما: إجماع الصحابة ومن بعدهم من السلف والخلف - كما
سبق بيانه -.
ثانيهما: أن الحاكي - وهو الصحابي - عربي فصيح عارف
بدلالات الألفاظ، فهذا يبعد عنه احتمال أن يفهم ما ليس عاما أنه
عام حتى يحكيه بصيغة العموم.
وكذلك هو - أي: الحاكي وهو الصحابي - قد شهد اللَّه له
ورسوله بالعدالة، فهو ذو ورع ودين وتقوى، وهذا كله يمنعه من
حكاية العموم، وهو غير متيقن له، لأنه يعلم أن ذلك يوقع الناس
في لبس دمابهام.
وعلى فرض أن هذا الراوي الصحابي لم يقطع بالعموم، فلا
يمكن أن ينقل ما يقتضي العموم إلا وقد ظهر له العموم، والغالب
إصابته فيما ظنه ظاهراً وراجحاً، والعمل - بالغالب الظاهر واجب،
فيجب العمل بما ظهر منه، ومهما ظن صدق الراوي فيما نقله عن
النبي - صلى الله عليه وسلم - وجب اتباعه.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي، بيان ذلك: أن أصحاب المذهبين قد اتفقا على
أن النهي عن المزابنة، والمخابرة، والمحاقلة، والمنابذة، والملامسة،
والغرر، والأمر بوضع الجوائح، والقضاء بالشفعة فيما لم يقسم
- إلى آخر ذلك عام وشامل للأشخاص الذين نهوا، وأمروا،
وقضي في حقهم ولمن جاء بعدهم ممن شابههم.
ولكن اختلفوا في طريق ذلك: فأصحاب المذهب الأول قالوا:
استفدنا ذلك العموم عن طريق لفظ الصحابي ونصه، أما أصحاب
(4/1543)

المذهب الثاني فقالوا: قد استفدنا تعميم الأحكام من دليل خارجي،
وهو القياس، أي قياس غيرهم عليهم.
والفرق بين ما ثبت عن طريق النص، وما ثبت عن طريق القياس
من وجهين قد ذكرناهما في مسألة: " هل العبرة بعموم اللفظ أو
بخصوص السبب ".
(4/1544)

المطلب الرابع عشر حكاية الراوي لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بلفظ "كان " هل يفيد العموم؛ وأن هذا الفعل يتكرر منه - صلى الله عليه وسلم -، أو لا؟
إذا قال الراوي: " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل كذا "،
فهل هذا يفيد العموم والتكرار أو لا؟
اختلف فيه على مذهبين:
المذهب الأول: أن هذا يفيد العموم.
وهو لبعض العلماء، وهو الحق؛ لأن الراوي إنما يحكي الفعل
والحادثة بلفظ " كان " إذا ثبت عنده تكرار ذلك الفعل، حيث لا
يفهم من لفظ " كان " إلا التكرار في مخاطباتنا فتقول - مثلاً -:
"كان زيد يأتي هذه المكتبة "، لا يمكن أن يقول ذلك إلا إذا كان زيد
يتردد عليها أكثر من مرة.
المذهب الثاني: أن هذا لا يفيد العموم، وهو مذهب جمهور
العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن الفعل إنما يفيد الماهية من حيث هي بقطع النظر عن المرة أو
التكرار، وحيث لا موجب للتكرار، فلا يكون هذا القول دالًّا على
التكرار، بل يكون التكرار مستفاداً من دليل خارجي.
جوابه:
إن هناك موجبا للتكرار، وهو ما ذكرناه في دليلنا.
(4/1545)

بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ حيث إن المعبر بلفظ " كان " يدل تعبيره على أن
فعل - صلى الله عليه وسلم - الذي حكاه هذا الراوي بلفظ " كان " متكرر؛ بناء على المذهب الأول.
أما بناء على المذهب الثاني: فإن تعبيره بلفظ " كان " لا يدل على
تكرار الفعل، بل يدل على المرة الواحدة فقط.
ولا شك أن ما تكرر وقوعه من فعله - صلى الله عليه وسلم - أقوى مما وقع مرة واحدة.
(4/1546)

المطلب الخامس عشر هل يدخل العبد في الخطاب المضاف إلى الناس
والمؤمنين، والأمة، والمسلمين؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن العبد يدخل تحت خطاب التكليف بالألفاظ
العامة المطلقة مثل: " الناس "، و " المؤمنين "، و " المسلمين "،
و"الأمة "، فهو كالحر، فلا يخرج منها إلا بقرينة.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن العبد من جملة
من يتناوله اللفظ؛ فهو من " الناس "، ومن " المؤمنين "، ومن
"المسلمين "، ومن " الأُمَّة "، بدليل: أنه يوصف فيقال: هذا العبد
مسلم، ومؤمن، ومن الناس، والأُمَّة، ولا يوجد مانع من دخوله
لا شرعي ولا عقلي.
المذهب الثاني: أن العبد لا يدخل تحت تلك الخطابات إلا بدليل
وقرينة تدخله، وهو مذهب بعض الشافعية، وبعض المالكية.
دليل هذا المذهب:
أن أكثر الأوامر الشرعية لم يدخل العبد فيها كالأمر بصلاة الجمعة،
والأمر بالزكاة، والأمر بالحج، والأمر بالجهاد، ونحو ذلك، مما
يدل على أن تلك الخطابات موجهة إلى كاملي التكليف، وهم
الأحرار.
(4/1547)

أي: أنه نظراً إلى خروج العبد عن بعض التكاليف، فإنه لا
يدخل ضمن الخطابات العامة إلا بدليل وقرينة.
جوابه:
إن خروج العبد عن بعض التكاليف لا يلزم منه: عدم دخوله في
الخطابات العامة؛ لأن هذه التكاليف التي سقطت ورفعت عنه: قد
سقطت ورفعت عنه لعذر، وهو: كونه رقيقا مما جعله فقيراً مشتغلاً
بخدمة سيده، فإذا زال هذا العذر - وهو الرق - عادت إليه
التكاليف كاملة، قياساً على المريض والمسافر والحائض والنفساء،
فإن هؤلاء تسقط عنهم بعض التكاليف كأداء صوم رمضان في وقته
لعذر، وهو التلبس بالمرض، أو السفر، أو الحيض، أو النفاس،
فإذا زال هذا العذر عاد إليهم هذا التكليف.
وقياساً على الحائض، والنفساء، حيث تسقط عنهما الصلاة في
وقتها لعذر وهو: الحيض، والنفاس، ولا يقضيان، فإذا زال
الحيض أو النفاس عاد إليهما وجوب الصلاة.
ولم يقل أحد: إن المريض، والمسافر، والحائض، والنفساء لا
يدخلون تحت لفظ " الناس "، و " المؤمنين "، و " المسلمين "،
و" الأمَّة "، وهم في حالة عذرهم، فكذلك العبد يدخل تحت لفظ
الناس والمؤمنين، وغيرها من الخطابات، وهو في حالة الرق، ولا
فرق بين العبد وهؤلاء، والجامع: أن كلًّا من العبد والمريض
والمسافر والحائض والنفساء قد زال عنه التكليف لعذر، وهو الرق
بالنسبة للعبد، والمرض، والسفر، والحيض، والنفساء، فإذا زال
هذا العذر عادت إلى هؤلاء جميعاً التكاليف كاملة.
(4/1548)

اعتراض على هذا:
قال قائل - معترضاً -: إن الصلاة والصيام قد سقطت عن
المسافر، والحائض، والمريض، والنفساء؛ نظراً لوجود السبب
السقط وهو: وجود مشقة الجمع بين هذه التكاليف والمرض،
والسفر، والحيض، والنفاس، أما العبد فلا توجد هذه المشقة
فيستطيع أن يصلي الجمعة، ويحج، ويزكي، ويجاهد، ومع ذلك
فقد أسقطت عنه تلك التكاليف، فلم تسقط عنه تلك إلا لأنه لا
يدخل تحت الخطابات الموجهة إلى الأحرار.
جوابه:
كذلك العبد قد أسقطت عنه هذه التكاليف لأسباب، وهي كما
يلي:
أما سبب سقوط صلاة الجمعة عمه فهو: أنه مأمور بخدمة سيده؛
حيث إنه يعتبر من مال السيد، فلا بد أن يسخر لهذه الخدمة.
والخدمة لا تتم إلا إذا كان خادماً في كل الأوقات، ومنها وقت
صلاة الجمعة؛ حيث إنه يبقى في المنزل ويجهزه استعداداً لقدوم سيده
من الصلاة، ثم إنه قد أخرج أبو داود: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الجمعة حق على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض ".
فاستثناء هؤلاء يدل على أنهم يدخلون في الخطابات، كما دخل
غيرهم، وإنما خرج العبد بالاستثناء؛ لما ذكرناه من السبب.
أما سبب سقوط الزكاة عنه فهو: أن الزكاة تجب على من ملك
نصابا وحال عليه الحول، والعبد لا يملك المال، بل كله مملوك؛
(4/1549)

قياساً على الحر الفقير الذي لا يملك نصابا، فإنه لا تجب عليه
الزكاة، ومع ذلك فقد دخل تحت تلك الخطابات، فكذلك العبد.
أما سبب سقوط الحج عنه فهو: ما قلناه في سبب سقوط صلاة
الجمعة عنه.
ولأن الحج مشروط بالاستطاعة المالية، والعبد لا يملك شيئاً،
لذلك سقط عنه الحج، قياساً على الحر الذي لا يملك ما يحج به،
فإنه يسقط عنه الحج، ومع ذلك يدخل تحت الخطابات، فكذلك
العبد.
أما سبب سقوط الجهاد عنه فهو: أن رقبته مال، والمالية التي فيه
للسيد، وفي الجهاد تعرض للتلف، والسيد له حفظ ماله من التلف.
المذهب الثالث: أن العبد لا يدخل في الخطابات العامة المتعلقة
بحقوق الآدميين، أما الخطابات العامة المتعلقة بحقوق اللَّه، فيدخل.
حكي هذا عن أبي بكر الجصاص.
دليل هذا المذهب:
أن العبد لا يملك فعل شيء من حقوق الآدميين كالعقود
والإقرارات، ونحو ذلك، فلم يدخل في الخطاب بها، أما حقوق
الله فإنه يملك أن يتعبد اللَّه سبحانه.
جوابه:
إن العبد لم يمبك التصرف في العقود والإقرارات بسبب: كونه
رقيقاً وملكاً لسيده، وهذا لا يمنع من دخوله في الخطاب بها وبغيرها،
ثم يخص بدليل، وذلك كصيغة العموم، فإنها تستغرق جميع
الأفراد، وإن جاز أن يخصص فرداً، وتخصيص هذا الفرد لا يبطل
(4/1550)

ما وضع له، وكذلك حقوق اللَّه تعالى يتوجه إليه الخطاب بها،
وكثير منها لا يملك فعله - كما سبق بيانه - ومع ذلك لا يمنع دخوله
تحت تلك الخطابات.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ وذلك لأن أصحاب المذهب الأول قصدوا: أن
العبد يدخل ضمن الخطابات الموجهة إلى الأحرار كالناس، والأُمَّة،
والمسلمين، والمؤمنين دخولاً أصلياً، ولا يخرج عن ذلك الخطاب إلا
بدليل، وهي الأسباب التي ذكرناها سابقاً.
أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم قصدوا: أن العبد لا يدخل
ضمن تلك الخطابات أصلاً، وما دخل فيها فإنه دخل بدليل مثل
القياس.
أما أصحاب المذهب الثالث فهم وافقوا أصحاب المذهب الأول
بالنسبة لحقوق اللَّه تعالى، ووافقوا أصحاب المذهب الثاني بالنسبة
لحقوق الآدميين.
ويلزم من ذلك: بناء على المذهب الأول أنه تجب على العبد صلاة
الجمعة إذا أذن له سيده في حضورها؛ لأن المانع كان من جهة السيد
وقد انتفى.
وكذلك يلزم منه بناء على المذهب الأول: أنه يجب عليه الحج إذا
أذن له سيده في دخول الحرم.
أما على المذهب الثاني فإنه يلزم منه: أنه لا تجب عليه صلاة
الجمعة، ولا الحج، ولو أذن له سيده؛ لأنه أصلاً لم يدخل تحت
التكاليف إلا بدليل خارجي.
(4/1551)

المطلب السادس عشر الجمع الذي فيه علامة التذكير هل يتناول النساء؟
ولبيان محل النزاع لا بد مما يلي:
أولاً: إن كان الجمع خاصا بالذكور كلفظ " الرجال "، فإن
النساء لا يدخلن اتفاقا.
ثانياً: إن كان الجمع خاصا بالإناث كالنساء، والبنات، فإن
الرجال لا يدخلون بالاتفاق.
ثالثا: إن كان لفظ الجمع متناولاً للذكور والإناث لغة ووضعا
كلفظ " الناس "، فهو يتناول الذكور والإناث بالاتفاق.
رابعا: إن كان لفظ الجمع قد جاء بلفظ لا يتبين فيه التذكير، ولا
التأنيث مثل: أدوات الشرط والاستفهام، فإن هذا يتناول الذكور
والإناث اتفاقا.
خامسا: إن كان الجمع قد ورد بلفظ قد تبين فيه علامة التذكير
بشكل واضح كالجمع بالواو والنون مثل: " المسلمين "، أو
" المؤمنين "، أو " الصابرين "، أو " الشاكرين "، أو جمع بضمير
الجمع مثل قوله تعالى: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا) ، و "قاموا"،
و" قعدوا ".
فهذا هو الذي وقع فيه الخلاف هل تدخل النساء فيه أو لا؟
على مذهبين:
المذهب الأول: أن النساء يدخلن في الجمع الذي تبينت فيه علامة
(4/1552)

التذكير كالمسلمين، والمؤمنين، واشربوا، وكلوا، وقاموا، ولا
يخرجن إلا بدليل.
وهو مذهب الإمام أحمد في رواية عنه، وأكثر الحنابلة، وكثير
من الحنفية، وبعض الشافعية، وبعض المالكية، وبعض الظاهرية
كمحمد بن داود.
وهو الحق عندي لدليلين:
الدليل الأول: أن المألوف والمعتاد عند العرب أنه إذا اجتمع
الذكور والإناث غلَّبوا جانب التذكير في ألفاظهم وخطاباتهم، ولو
كان الذكر واحداً.
فمثلاً: إذا كان أمامك عدد من النساء، فإن اللغة تقتضي أن
تقول: " قمن "، و " اخرجن " اتفاقاً.
وإذا كان أمامك عدد من الرجال، فإن اللغة تقتضي أن تقول:
" قوموا "، و " اخرجوا " اتفاقاً.
وإذا كان أمامك عدد من الرجال وعدد من النساء - وهم
مجتمعون - فإن الصحيح عند أهل اللغة أن تقول: " قوموا "،
و"اخرجوا " بدليل: أنك لو قلت للرجال: " قوموا "،
و"اخرجوا"، وللنساء " قمن "، و " اخرجن " لعده أهل اللغة،
لكنة وعياً، وغير موافق للقواعد اللغوية.
فعلم من ذلك: أن الخطاب يصلح لهما، ويشتمل عليهما.
وقد وقع تغليب المذكر على المؤنث في قوله تعالى: (قلنا اهبطوا
منها جميعاً) ، والخاطبون ثلاثة: " آدم "، و " حواء "،
و"إبليس "، فلو كانت النساء لا يدخلن لقيل لآدم وإبليس: " اهبطا"
(4/1553)

ولحواء: " اهبطي "، ولكنه لم يقل ذلك، مما يدل على أن النساء
يدخلن ضمن الخطاب الذي ظهرت فيه علامة جمع المذكر.
وقاعدة التغليب معمول بها عند العرب، معمول بها في كلامهم،
والقرآن جاء بلغة العرب، والأمثلة على ذلك كفيرة:
فمنها: تغليب جمع من يعقل إذا كان معه من لا يعقل كقوله
تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ) .
ومنها: تغليب أحد الاسمين على الآخر؛ لأسباب هي:
إما لشرف التذكير كقوله تعالى: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) ،
فإنه غلب هنا الأب على الأم، ومنه قول الفرزدق:
أخذنا بآفاق السماء عليكم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع
فقوله: " قمراها " تغليب للفظ " القمر " على لفظ " الشمس "
لكون القمر مذكراَّ، والشمس مؤنثا.
وإما أن يغلب أحد الاسمين على الآخر لخفته كقولهم: " دولة
العمرين " يريدون أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما -.
وأما أن يغلب أحد الاسمين لكراهة النطق بالاسم الآخر كقول
عائشة - رضي اللَّه عنها -: " وما لنا عيش إلا الأسودان "
تريد: التمر والماء، والتمر أسود، والماء أبيض،
فغلبت التمر الأسود مع أن كلاهما مذكر، ولكن العرب شأنها كراهة ذكر البياض، لإيهامه البرص، ولذلك تجدهم يسمون الأبيض أحمراً،
ومنه قوله عليه الصلاة والسلام:
" بعثت إلى الأسود والأحمر ".
الخلاصة: أن العرب ألف منهم تغليب شيء على شيء، وإذا
(4/1554)

ألف ذلك كان كالقاعدة اللغوية، فمن تكلم بغير ذلك، فإنه لم
يتكلم بلغتهم.
الدليل الثاني: أن أكثر أوامر الشرع ونواهيه، وخطاباته العامة
وردت بلفظ التذكير كقوله تعالى - في كثير من الآيات -: (يا أيها
الذين آمنوا) ، وقوله: (هدى للمتقين) ،
وقوله: (كلوا واشربوا ولا تسرفوا) ،
وقوله: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وآتوا الزكاة) ،
وقوله: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا) ، وقوله: (ولا تقتلوا النفس) ،
وقوله: (وذروا ما بقي من الربا) ، وانعقد الإجماع على أن النساء
يشاركن الرجال في أحكام تلك الأوامر والنواهي، وجميع الخطابات
فلو كانت الصيغة خاصة بالذكور لكانت تلك التكاليف خاصة بهم
فلا تتعداهم إلى النساء، وهذا خلاف ما أجمعت عليه الأُمَّة.
اعتراض على هذا:
قال قائل - معترضاً -: إن النساء لم يدخلن في ذلك اللفظ،
وإنما شاركن الرجال في الحكم بدليل غير اللفظ.
جوابه:
أنه لو كان هناك دليل خارجي لعلمناه، وما دمنا لم نعلمه فلا
يثبت، ومدعيه يحتاج إلى إظهاره.
المذهب الثاني: أن النساء لا يدخلن في الجمع الذي تبينت فيه
علامة التذكير كالمسلمين ونحوها إلا بدليل خارجي.
وهو مذهب كثير من الحنفية، وبعض المالكية كالباقلاني، وأكثر
الشافعية، والأشاعرة، وبعض الحنابلة كالطوفي، وهو رواية عن
الإمام أحمد.
أدلة أصحاب هذا المذهب:
الدليل الأول: أن اللَّه ميز النساء بألفاظ خاصة كالمسلمات،
(4/1555)

والمؤمنات، ونون النسوة، فقال تعالى: (إن المسلمين والمسلمات ... ) ، فلو كن يدخلن ضمن الخطاب الذي ظهر فيه
علامة التذكير: لما حرص على تخصيصهن وتمييزهن بألفاظ خاصة،
ولاكتفى بخطاب التذكير، ولكنه لم يفعل ذلك، بل خص الذكور
بخطاب والإناث بخطاب آخر مما يدل على أنهن لا يدخلن ضمن
الخطابات التي ظهرت علامة التذكير فيها إلا بقرينة.
جوابه:
أن الشارع قد خص النساء بألفاظ كالمسلمات ونون النسوة للبيان،
والإيضاح، والتأكيد عليهن، وكونه يفعل ذلك لا يمنع من دخولهن
في اللفظ العام الصالح لهن، فقد ورد أنه يذكر لفظ عام لجميع
الأفراد، ثم يخص بعض الأفراد بالذكر، ويعطف الخاص على العام
للتأكيد عليه والاهتمام به مثل قوله تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) ، فلفظ " الملائكة " عام لجميع
الملائكة، ويدخل جبريل وميكائيل، ومع ذلك فقد خصهما بالذكر،
ومثله قوله تعالى: (فاكهة ونخل ورمان) ، فإن لفظ " الفاكهة "
عام وشامل لجميع أنواع الفاكهة، ومنها الرمان، ومع ذلك فقد
خصه بالذكر.
فإذا جاز ذلك فإنه يكون جائزاً في قوله تعالى: (إن المسلمين والمسلمات) ، فيكون لفظ " المسلمين " عام للذكور والإناث،
وعطف عليه " المسلمات " زيادة في التأكيد وتخصيصا للشيء بالذكر.
الدليل الثاني: قياس الجمع على المفرد، بيان ذلك:
أن الجمع هو ذكر الواحد ثلاث مرات.
فقولنا: " مسلمون " هو تكرير لقولنا: " مسلم ومسلم ومسلم "
(4/1556)

والمفرد وهو: " المسلم " لا يشمل المؤنث اتفاقاً، فكذلك الجمع لا
يتناول المؤنث.
جوابه:
إن هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن كلامنا في
الجمع الذي فيه علامة التذكير، وليس كلامنا في المفرد، فالمفرد لا
شك أنه لا تدخل النساء فيه، أما الجمع فيدخلن، ولا يمتنع أن
يدخل الشيء في الشيء في حال الجمع، ولا يدخل في حال الإفراد.
يؤيد هذا: أن من لا يعقل يدخل في جمع من يعقل، ولكنه لا
يدخل من لا يعقل فيمن يعقل في حال الإفراد.
الدليل الثالث: قياس الرجال على النساء، بيانه:
كما أن الرجال لا يدخلون في جمع النساء، فكذلك النساء يجب
أن لا يدخلن في جمع الرجال.
جوابه:
إن هذا القياس فاسد - أيضا -؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إنا
قلنا: إن النساء يدخلن ضمن الخطابات التي فيها علامة التذكير؛
لأن اللغة وردت بذلك، ولم ترد بدخول الرجال في جمع التأنيث
- كما سبق بيانه - وذلك لكون التذكير أقوى؛ حيث إن العرب
غلبوا لفظ التذكير، ولم يغلبوا لفظ التأنيث لأسباب ذكرناها.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ حيث إن أصحاب المذهب الأول قصدوا:
أن النساء دخلن في دلالة اللفظ الذي فيه علامة التذكير، ولا
يخرجن إلا بدليل. أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم قصدوا: أن
(4/1557)

النساء لم يدخلن في دلالة ذلك اللفظ ولا يعمهن، ولا يدخلن تحته
وضمنه إلا بدليل كالقياس عليهم.
وبناء على ذلك فقد اختلفوا في بعض الفروع، ومنها:
1 - إذا قال لمن أمامه من الرجال والنساء: "ملكتكم هذه الدار".
فإنه بناء على المذهب الأول: فإن النساء يشاركن الرجال في
ملكية هذه الدار، أما على المذهب الثاني: فإن النساء لا حق لهن
في هذه الدار.
2 - إذا صلَّت المرأة ودعت بدعاء فهل يكفيها أن تقول: " وما أنا
من المشركين، وأنا من المسلمين "، أو لا بد من ذكر جمع المؤنث؟
اختلف في ذلك على قولين:
القول الأول: إنه يكفيها أن تقول ذلك؛ بناء على المذهب الأول.
القول الثاني: أنه لا بد أن تقول: " وما أنا من المشركات، وأنا
من المسلمات "، وإلا لما قبل دعاؤها، وهذا بناء على المذهب الثاني.
3 - إذا قال رجل لجمع من الرجال والنساء ومعهم زوجته - وهو
يعلم بوجودها -: " طلقتكم "، فهل تطلق زوجته؟
اختلف في ذلك على قولين:
القول الأول: أنها تطلق؛ لأنها تدخل في خطاب الرجال، هذا
بناء على المذهب الأول.
القول الثاني: أنها لا تطلق؛ لأنها لا تدخل في خطاب الرجال
إلا بدليل، وقوله: " طلقتكم " خطاب رجال فلا تدخل فيه،
فينبغي لأجل ذلك: ألا تطلق.
(4/1558)

المطلب السابع عشر العام بعد التخصيص هل هو حقيقة
في الباقي أو يكون مجازاً؟
أي: اللفظ العام إذا خص منه أفراد هل يكون حقيقة في الباقي،
أو يصير مجازاً فيما بقي بعد التخصيص؛ لقد اختلف العلماء في
ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن العام إذا دخله التخصيص فإنه حقيقة فيما بقي
بعد التخصيص مطلقا، أي: سواء كان المخصص متصلاً أو غير
متصل.
وهو مذهب أكثر الحنفية، وأكثر الشافعية، وأكثر الحنابلة،
وحكي عن الإمام أحمد، وهو الحق عندي؛ لدليلين:
الدليل الأول: قياس اللفظ العام بعد التخصيص على اللفظ قبل
التخصيص.
بيانه: أن اللفظ العام متناول للباقي بعد التخصيص كما كان
متناولاً له قبل التخصيص، واستعمال اللفظ العام في الباقي قبل
التخصيص حقيقة اتفاقاً؛ لكون اللفظ متناولاً له، فيكون استعماله
في الباقي بعد التخصيص حقيقة كذلك، لوجود المقتضي للحقيقة،
وهو اللفظ المتناول لهما.
الدليل الثاني: أن المخصص قد أثر في المخصوص والمخرج فقط،
ولم يؤثر في الباقي بعد التخصيص فيبقى على ما هو عليه، بيان
(4/1559)

ذلك: أن لفظ " السارق " - مثلاً - قد وضع لجميع السارقين،
فلما جاء المخصص صرف دلالة لفظ " السارق " عن بعض
السارقين، وبين أن هذا البعض - كالمجنون والصبي - لا تقطع
أيديهما إذا سرقا، وإذا صرفت دلالته عن هذين الشخصين، فإن
دلالة اللفظ - وهو السارق - على الأفراد غير المخصوصين باقية لم
تتغير، ومستمرة على ما هي حقيقة.
فالمخصص لم يؤثر في الباقين، بل أثر في المخصص والمخرج،
فتبقى دلالة اللفظ العام المخصوص حقيقة فيما بقي.
يؤيد ذلك الاستثناء فإنه لو قال لعبده: " أكرم الرجال إلا زيداً "،
فإن الاستثناء خاص بزيد، والخطاب متعلق به، وقد أخرجه عن
الإكرام، فالاستثناء - هنا - قد صرف دلالة اللفظ عن زيد فقط،
ولم يتعرض للرجال الباقين لا من قريب ولا من بعيد، فيبقى
الخطاب موجه إليهم بالإكرام حقيقة، فتكون دلالته حقيقية عليهم.
ولا فرق بين القرينة المخصصة المتصلة والمنفصلة في ذلك، كما
لاحظت من المثالين؛ لأن الشارع لم يفرق بينهما.
المذهب الثاني: أن العام إذا دخله التخصيص، فإنه يصير مجازاً
فيما بقي بعد التخصيص مطلقاً، أي: سواء كان المخصص متصلاً أو
غيرمتصل.
وهو مذهب كثير من الحنفية، وكثير من الشافعية، وبعض الحنابلة
كأبي الخطاب، وابن تيمية، وبعض المالكية كالقرافي، وابن
الحاجب، وهو اختيار إمام الحرمين والغزالي.
دليل هذا المذهب:
أن حد المجاز هو: استعمال اللفظ في غير ما وضع له، ولفظ
(4/1560)

العموم وضع أصلاً وحقيقة لاستغراق جميع الأفراد، فإذا استعمل
اللفظ العام في بعض الأفراد صار ذلك اللفظ مستعملاً في غير ما
وضع له، فصار مجازاً كما لو استعمل الحمار في الرجل البليد.
جوابه:
إنكم قستم ما نحن فيه على أسماء الحقائق إذا استعملت في غير ما
وضعت له، فذكرتم أن هذا كاستعمال الحمار في الرجل البليد،
وهذا لا يسلم لكم، فالعرب لم تضع اسم الحمار للرجل البليد
حقيقة، واستعملوا لفظ العموم في البعض حقيقة.
المذهب الثالث: أن العام إذا دخله المخصص المتصل - كالشرط،
والاستثناء، والصفة، والغاية - فإنه يكون حقيقة في الباقي.
وإن خص بمنفصل فإنه يصير مجازاً فيما بقي.
وهو اختيار أبي الحسين البصري، ونسب إلى القاضي أبي بكر
البا قلاني.
دليل هذا المذهب:
أنه يوجد فرق بين العام المخصص بالمنفصل، والعام المخصص
بالمتصل، وهو:
أن العام إذا خصص بالمنفصل - كالعقل والنص - فإنه يكون قد
أريد بذلك اللفظ العام غير ما وضع له بسبب قرينة، فمثلاً لو قال:
" أكرم العلماء "، ثم قال: " أريد الطوال "، فإنه يتناول الباقي
كما يتناول غيره، وهو ما خرج بالمخصص، فإذا استعمل في الباقي
بعد التخصيص صدق عليه أنه مستعمل في بعض ما تناوله، فكان
مجازاً.
(4/1561)

أما العام إذا خصص بالمتصل كالاستثناء، فإنه يكون مقيداً بهذا
المخصص، والمقيد بشيء لا يتناول غير ما قيد به، فالاستثناء -
مثلاً - قد أثر في المخرج فقط - كما سبق - فيبقى اللفظ العام متناولاً
للباقي حقيقة؛ لأنه يصدق عليه: أنه لفظ استعمل فيما تناوله لا في
غير ما تناوله.
جوابه:
أنا لا نسلِّم التفريق بين التخصيص بالمنفصل والمتصل، فهما
سواء، فقول القائل: " أكرم العلماء "، ثم قوله: " أريد الطوال "
هو نفسه: "أكرم العلماء إلا القصار".
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ لأن أصحاب المذهب الأول قصدوا: أن الأفراد
الذين بقوا بعد التخصيص قد دلَّ عليهم اللفظ العام وتناولهم حقيقة،
أي: دخلوا في عمومه بدون قرينة.
أما أصحاب المذهب الثاني: فإنهم قصدوا أن الأفراد الذين بقوا
بعد التخصيص لا يدل عليهم اللفظ العام ولا يتناولهم إلا بقرينة.
وكون اللفظ يدل على ما بقي بدون قرينة أقوى من كونه لا يدل
عليهم إلا بقرينة.
(4/1562)

المطلب الثامن عشر هل العام المخصوص حُجَّة في الباقي؟
اللفظ العام إذا دخله التخصيص وأخرج بعض أفراده - بعد
التخصيص - هل يبقى حُجَّة فيما لم يخص أو لا؟
فمثلاً قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) عام في جميع الميتات
وهي مثلاً خمس ميتات - وهي: ميتة البقر، وميتة الغنم، وميتة
الإبل، وميتة السمك، وميتة الجراد - وجاءنا مخصص لهذا العموم
وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"أحل لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان فالسمك والجراد.. "،
فأخرج السمك والجراد، فصار الباقي ثلاث ميتات
- وهي: ميتة الإبل، والغنم، والبقر - فهل يحتج بقوله تعالى:
(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) على ما بقي بعد التخصيص - وهي:
الثلاث الميتات - أو لا؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن اللفظ العام إذا دخله التخصيص يبقى حُجَّة
فيما لم يُخص مطلقا، أي: سواء كان المخصص متصلاً أو منفصلاً.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: إجماع الصحابة - رضي اللَّه عنهم - على
الاحتجاج بالعمومات، واكثرها قد خص، فلم يمنعهم خروج بعض
الأفراد من أن يستدلوا باللفظ العام على ما بقي بعد التخصيص،
ولهذا صور كثيرة:
(4/1563)

منها: احتجاج فاطمة - رضي اللَّه عنها - بعموم قوله تعالى:
(يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) على طلب حقها من ميراث أبيها، ولم
ينكر عليها أبو بكر ولا غيره من الصحابة ذلك، مع أنه مخصص
بالكافر، والقاتل، والعبد، فإنهم قد استدلوا بعموم هذه الآية
على ميراث الباقي بعد إخراج هؤلاء الثلاثة.
ومنها: قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) ، وقوله: (والسارق والسارقة ... ) فقد احتجوا بهما
مع أنهما قد خصا بالمكره، والصبي، والمجنون، والجاهل.
والأمثلة على ذلك كثيرة؛ حيث إن كلها تدل على إجماع الصحابة
على الاحتجاج بالعموم المخصوص.
الدليل الثاني: أن دلالة العام لا زالت على ما هي عليه لم تتغير
بعد التخصيص، كما كانت قبل التخصيص، بيان ذلك:
أن لفظ " السارق " مثلاً قد وضع لجميع السارقين؛ حيث إنه لفظ
مفرد محلى بـ " أل "، فهو يفيد العموم - فهو يتناول كل سارق فتقطع
يده، فلما جاء المخصص وأخرج بعض السارقين كالمجنون،
والصبي، ومن سرق ما دون النصاب، وبيَّن أن هؤلاء لا تقطع
أيديهم وإن سرقوا، فإن هذا المخصِّص قد صرف اللفظ العام - وهو
السارق في قوله تعالى: (والسارق والسارقة ... ) عن دلالته على
هؤلاء، وإذا صرف المخصوص دلالة اللفظ عن هؤلاء، فإنه لم
يصرفه عن دلالته على الباقي، ولم يتعرض للباقي لا من قريب، ولا
من بعيد، فيبقى اللفظ يدل على الباقي على ما كان سابقا، ويستمر
على ذلك بدون تأثير، وهذا قياساً على الاستثناء، فإذا قال:
"أكرم الطلاب إلا زيداً "، فإن الاستثناء خاص بزيد، وقد أخرجه
(4/1564)

عن الإكرام، ولم يتعرض لبقية الطلاب، فيبقون على إكرامهم دون
تغيير.
المذهب الثاني: أن اللفظ العام إذا دخله التخصيص لا يبقى حُجَّة
فيما لم يخص مطلقاً، أي: سواء كان المخصص متصلاً أو منفصلاً،
وهو ما ذهب إليه أبو ثور - إبراهيم بن خالد صاحب الشافعي -
واختاره عيسى بن أبان الحنفي.
دليل هذا المذهب:
أن العام بعد التخصيص أصبح كل فرد من الأفراد الباقية يحتمل أن
يخرج بالتخصيص، ويحتمل أن لا يخرج، ولا يمكن ترجيح أحد
الاحتمالين، فيكون بقاء الأفراد مشكوكا فيه، والمشكوك لا حُجَّة فيه،
فاللفظ العام بعد تخصيص بعض أفراده لا يبقى حُجَّة على الباقي.
جوابه:
أن احتمال خروج الأفراد الباقية - بعد التخصيص - لا يؤثر بالظن
الغالب على كونها باقية على ما كانت؛ لأن الأصل البقاء، حتى
يقوم دليل على خلاف ذلك، ومتى كانت دلالة العام على الباقي
ظنية وجب العمل به في الباقي؛ لأن العمل بالظن متعين وواجب.
المذهب الثالث: العام حُجَّة في الباقي إن خُمنَ بمتصل كالاستثناء
والغاية والصفة، ولا يكون حُجَّة في الباقي إن خُصَّ بمنفصل كالنص
والعقل.
وهو مذهب أبي الحسن الكرخي.
دليل هذا المذهب:
أنه يوجد فرق بين العام المخصَّص بالمتصل، والعابم المخصَّص
(4/1565)

بالمنفصل وهو: أن العام المخضَص بالمتصل لا يحتمل غير الأفراد
الباقية، فيكون العام ظاهراً في هؤلاء الأفراد، فيكون حُجَّة فيهم؛
حيث إن العمل بالظاهر واجب.
أما العام المخصَّص بالمنفصل فإنه متناول لما خرج كما هو متناول
للباقي بعد الإخراج، وهذا يؤدي إلى جواز أن يخرج من الباقي
بعض آخر بدليل لم يظهر لنا، فلا يكون العام ظاهراً في الباقي،
فلا يكون حُجَّة.
جوابه:
إن العام كان حُجَّة قبل أن يدخله التخصيص في كل الأفراد، نظراً
لكونه متناولاً لهؤلاء الأفراد، فيكون حُجَّة بعد التخصيص؛ لكونه
لا يزال متناولاً لهؤلاء الأفراد الباقين، وذلك لأن المخصص قد أثر
في الأفراد المخرجين، أما الباقين فلم يتأثروا بهذا المخصِّص، فيبقى
اللفظ العام دالًّا على الباقي كما كان وهذا مطلقا.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ حيث إن أصحاب المذهب الأول قصدوا: أن
الباقي بعد التخصيص يعمل به؛ لأن دلالة اللفظ العام عليه ظاهرة،
ولا يحتاج الأمر إلى أي قرينة، أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم
قصدوا: أن الباقي بعد التخصيص لا يعمل به إلا إذا جاءت قرينة
تدل على وجوب العمل به.
فمثلاً: قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) ، وخصص منها: الصبي، والمجنون، والجاهل.
فإن أصحاب المذهب الأول قالوا: يستدل بعموم الآية على ثبوت
(4/1566)

حكم الزنى على الأفراد الباقية، فيجلدون إذا زنوا، دون الثلاثة
الذي خصوا.
أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم يتوقفون، ولا يستدلون بعموم
اتلك الآية على إثبات حكم الزنى على الأفراد الباقية، ولا يثبت
عليهم ذلك إلا بدليل خارجي.
-
(4/1567)

المطلب التاسع عشر هل يجوز تخصيص العام إلى أن يبقى واحد؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أنه يجوز أن يُخصَّص العام إلى أن يبقى واحد
مطلقاً، أي: سواء كان العام جمعاً كالرجال، أو غير جمع مثل:
"من "، و "ما".
وهو مذهب الإمام مالك، وأكثر الحنفية، وبعض الشافعية،
واكثر الحنابلة، وهو الحق؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: أنه واقع في القرآن الكريم، ومنه قوله تعالى:
(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ، ومنزل الذكر هو الله
الواحد الأحد.
ومنه قوله تعالى: (أولئك مبرءون مما يقولون) ، وأراد بذلك
عائشة - رضي اللَّه عنها -، ومنه قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) ، فقد عبر بلفظ العموم وهو:
"الناس "، والمراد به واحد وهو: نعيم بن مسعود الأشجعي، كما
ذكره المفسِّرون.
الدليل الثاني: أنه واقع عند أهل اللغة: فقد كتب عمر إلى سعد
ابن أبي وقاص - رضي اللَّه عنهما - قائلاً: " قد أنفذت إليك ألفي
رجل "، وكان قد أرسل إليه ألفاً من الرجال والقعقاع بن عمرو،
(4/1568)

فهنا قد أطلق اسم الألف الأخرى وأراد بها واحداً وهو القعقاع،
ولم ينكر عليه أحد.
الدليل الثالث: أنه لفظ من ألفاظ العموم يجوز تخصيصه إلى
الثلاثة، فجاز إلى ما دونها ولا فرق، قياساً على " من "، فإنه
يجوز تخصيصها إلى أن يبقى واحد، فتقول: " من دخل داري من
الطلاب فأكرمه إلا فلاناً وفلانا "، حتى يبقى واحد، فكذلك غيرها
ولا فرق.
المذهب الثاني: التفصيل، بيانه:
إن كانت الصيغة غير الجمع، فيجوز تخصيصها إلى أن يبقى واحد.
وإن كانت الصيغة جمعاً، فإنه يجوز تخصيصها إلى أن يبقى
ثلاثة، ولا يجوز ما دون ذلك.
وهو مذهب القفال، وأبي بكر الرازي.
دليل هذا المذهب:
أن هناك فرقاً بين الجمع وغيره، وهو: أن اسم الجمع حقيقة في
الثلاثة فصاعداً، لأنها أقل مراتب الجمع على الصحيح، واستعماله
فيما دون الثلاث إخراج له عن موضوعه، فلا يجوز.
أما في غير الجمع من صيغ العموم كأدوات الشرط والاستفهام،
واللفظ المفرد، فيجوز تخصيصها إلى أن يبقى واحد " لأنه أقل
مراتبه نحو قوله: " من نجح فله جائزة "، وهو يريد شخصا واحداً:
جوابه:
إنه لا فرق بين الصيغ عندنا؛ لما ذكرناه من الآيات والخبر، وهذا
أثبت عندنا مما ذكرتموه من إنشاءكم.
(4/1569)

المذهب الثالث: أنه لا يجوز أن يخصص العام إلى أن يبقى
واحد، ولا أقل الجمع، بل الذي يجوز هو: أن يخصص العام إلى
أن صبقى عدد يوصف بالجمع الكثير مطلقا، أي: سواء كان لفظ
العموم جمعا كالرجال، أو غير جمع كأدوات الشرط والاستفهام.
إلا أن يستعمل ذلك اللفظ الواحد على سبيل التعظيم، كقوله
تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر) .
وهو مذهب أبي الحسين البصري، واختاره فخر الدين الرازي،
وبعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أنه لو جاز أن يكون الباقي بعد التخصيص ثلاثة فما دونها: لكان
قول القائل: " قتلت كل الناس " وهو لم يقتل إلا ثلاثة فأقل: غير
مستقبح عرفا؛ لكونه قد استعمل اللفظ فيما يصلح له، لكن هذا
القول مستقبح عرفاً؛ حيث إن أهل العرف يلومون هذا القائل،
ويستقبحون هذا القول منه، فدل على أن العام لا يصلح للثلاثة
ابتداء، فلا يصلح لها كذلك بعد التخصيص.
جوابه:
إنه عند وجود القرينة المخصصة، فإن أهل العرف لا يعيبونه، ولا
يلومونه، ولا يستقبحون قوله ذلك.
فيجوز أن يقول ذلك وإن قتل القليل، كما يجوز أن يقول
الشخص العليل الذي يصف أمراً للطبيب: " أكلت اللحم "، ويريد
به القليل.
(4/1570)

بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ حيث إنه قد أثر في بعض الفروع الفقهية،
ومنها: ما إذا كان للرجل أربع نسوة، وقال: " نسائي طوالق "،
ثم قال؛ " كنت أخرجت ثلاثا "، فإنه يقبل بناء على المذهب
الأول، حيث إن الباقية واحدة، ويجوز تخصيص العام إلى أن يبقى
واحد.
ولا يقبل بناء على المذهب الثاني؛ لأن الصيغة جمع، والجمع لا
يخصص إلى واحد.
ولا يقبل هذا؛ بناء على المذهب الثالث، لأن اسم النساء لا يقع
على الواحدة.
(4/1571)

المطلب العشرون المخاطِب - بكسر الطاء - هل يدخل في عموم خطابه؟
إذا تكلم شخص وأمر، أو نهى، أو أخبر بأمر عام، أو نهي
عام، أو خبر عام - فهل يكون المتكلم داخلاً في عموم هذا الخطاب
لغة أو لا؟
اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن المتكلم والمخاطب يدخل في عموم خطابه
وكلامه مطلقا، أي: سواء كان الكلام أَمراً أو نهيا أو خبراً.
وهو مذهب بعض الشافعية، وأكثر الحنابلة، ونسب إلى الأكثرين،
وهو الحق؛ لأن السيد لو قال لعبده: " من أحسن إليك فأكرمه "،
ثم أحسن إليه السيد نفسه، فإن أكرمه فإنه يستحق المدح والثناء،
وإن لم يكرمه، فإنه يستحق الذم واللوم، وهذا باتفاق العقلاء من
أهل اللغة فاستحقاقه للمدح في الحالة الأولى، واستحقاقه للذم في
الحالة الثانية دليل على أن السيد داخل في عموم خطابه، ومتناول
له؛ فلو لم يكن الخطاب متناولاً للسيد، وأنه من جملة من أمر العبد
بإكرامه لما استحق الذم لما لم يكرم السيد؛ لأن العبد لم يخالف ما
أمر به، فدل ذلك على أن المتكلم يدخل في عموم كلامه.
المذهب الثاني: أن المتكلم والمخاطب لا يدخل في عموم كلامه
وخطابه مطلقا، أي: سواء كان الخطاب أمراً، أو نهيا، أو خبراً.
وهو لبعض العلماء.
(4/1572)

أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قوله تعالى: (قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) .
وجه الدلالة: أنه لو كان المتكلم داخلاً في عموم كلامه، لكان
هذا الكلام من اللَّه مقتضيا دخوله سبحانه وتعالى ودخول صفاته،
وهو باطل.
جوابه:
أنا لو نظرنا نظرة لغوية مجردة لاقتضى ذلك العموم، ولكن
القرينة قد خصصت المتكلم والمخاطِب - وهو اللَّه عَزَّ وجَلَّ -
والقرينة هنا هي العقل.
الدليل الثاني: أن السيد لو قال لعبده: " من دخل داري فأعطه
درهماً "، فلو كان المتكلم داخلاً في عموم خطابه وكلامه: لكان
هذا القول يقتضي دخول السيد في هذا الخطاب، فيكون العبد
مأموراً بإعطاء السيد إذا دخل؛ لأنه يوصف بأنه داخل، ومع ذلك
فإن السيد لو دخل لا يحسن من العبد أن يعطيه درهماً، وذلك في
نظر العقلاء، ويجعل ذلك مستقبحاً منه؛ حيث إن العبد لو أعطى
السيد فكأن السيد قد أعطى نفسه؛ لأن العبد يأخذ الدراهم من
سيده، وهذا لا يسمى عطاء، فدل ذلك على أن السيد ليس داخلاً
في عموم كلامه وخطابه.
جوابه:
نفس الجواب عن الدليل السابق، فنقول: إنا لو نظرنا إلى قول
السيد لعبده نظرة لغوية مجردة لوجدنا أن اللفظ عام، ولكنه
مخصص بالقرينة، وهي: العقل؛ حيث إن السيد لا يُعطى؛ لأن
العقل منع أن يعطي الإنسان نفسه.
(4/1573)

المذهب الثالث: الفرق بين الأمر وغيره، بيانه:
إذا كان المتكلم والمخاطب آمراً، فإنه لا يدخل في عموم كلامه
وخطابه.
وإن كان المتكلم والمخاطب غير آمر، فإنه يدخل في عموم كلامه
وخطابه.
وهو مذهب أبي الخطاب الحنبلي، وأبي الحسين البصري.
أدلة هذا المذهب:
أما الدليل على أن غير الآمر يدخل في عموم كلامه وخطابه،
فهو دليل المذهب الأول.
أما الدليل على أن المتكلم والمخاطب لا يدخل في عموم كلامه
وخطابه إذا كان آمراً، فهو يتكون من وجهين:
الوجه الأول: أن المقصود والغرض من الآمر: أن يمتثل المأمور به
ويفعل، ولهذا يقول الممتثل للأمر: " أطعت وامتثلت وفعلت "،
وهذا لا يكون إلا من الغير.
الوجه الثاني: أن الأمر هو: استدعاء الفعل بالقول ممن هو
دونه، والإنسان لا يتصور أن يكون دون نفسه، بل هو على نمط
واحد ليس بعضه أدون من بعض، فلذلك لا توجد حقيقة الأمر هنا،
فلم يجز أن يأمر العاقل نفسه.
وبناء على هذين الوجهين: لا يدخل الآمر بالخطاب العام ضمن
خطابه.
جوابه:
أن المتكلم والمخاطب يدخل تحت عموم خطابه وكلامه سواء كان
آمراً أو غير آمر.
(4/1574)

والآمر في الوجهين اللذين ذكرهما أصحاب المذهب الثالث قد
خرج من العموم بسبب القرينة، وهي: أن العاقل لا يأمر نفسه في
الوجه الأول، ولا يطلب الامتثال من نفسه في الوجه الثاني.
إذن: الآمر يدخل تحت عموم أمره، إلا أن القرينة قد خصصته
وأخر جته، لما ذكرناه.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ حيث إن مقصد أصحاب المذهب الأول: أن
الأصل أن المتكلم - مطلقاً - يدخل في عموم كلامه ولا يخرج إلا
بقرينة.
أما أصحاب المذهب الثاني: فإن الأصل عندهم: أن المتكلم
- مطلقا - لا يدخل في عموم كلامه، ولا يدخل إلا بقرينة.
أما أصحاب المذهب الثالث، فقد فرقوا بين الآمر، وغيره،
فالأصل في الآمر أنه لا يدخل في عموم كلامه.
أما غير فالأصل أنه يدخل.
وقد تأثر بذلك بعض الفروع الفقهية التي منها:
1 - أنه لو قال المسلم: " نساء المسلمين طوالق "، فإن زوجته
تطلق؛ بناء على المذهب الأول؛ لأن المتكلم يدخل في عموم كلامه.
وكذلك تطلق بناء على المذهب الثالث؛ لأن الزوج ليس آمراً،
فيدخل في عموم كلامه.
وبناء على المذهب الثاني: فإن زوجته لا تطلق؛ لأنه لا يدخل
في عموم كلامه.
2 - لو قال: " عندي لورثة أبي ألف ريال "، فإنه يدخل معهم
(4/1575)

ويكون له نصيب منها عند أصحاب المذهب الأول، وكذلك يدخل
عند أصحاب المذهب الثالث؛ لأنه خبر وليس بأمر، وهو يدخل في
الخبر دون الأمر عندهم.
وأما عند أصحاب المذهب الثاني فلا يدخل، وليس له نصيب
منها؛ لأن المخاطب والمتكلم لا يدخل في عموم كلامه.
3 - لو قال لزوجته: " إن كلمت رجلاً فأنت طالق "، فكلمت
زوجها وقع الطلاق بناء على المذهب الأول، وكذلك بناء على
المذهب الثالث.
ولا يقع الطلاق؛ بناء على المذهب الثاني؛ لأن المتكلم لا يدخل
تحت عموم كلاملى.
4 - لو وقف داراً على الفقراء، ثم افتقر ذلك الواقف، فإنه
يدخل معهم بناء على المذهب الأول، والثالث.
ولا يدخل معهم بناء على المذهب الثاني، وهكذا.
(4/1576)

المطلب الواحد والعشرون هل يجب اعتقاد عموم اللفظ
قبل البحث عن المخصص؟
إذا ورد لفظ من ألفاظ العموم - السابقة - فهل يجب على
السامع اعتقاد عمومه قبل أن يبحث عن المخصص، أو لا يجب
اعتقاد عمومه إلا بعد البحث عن المخصص فلا يجد؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجب اعتقاد عموم اللفظ في حال علمنا به،
وإذا اعتقد عمومه وجب العمل بذللث، إذا جاء وقت العمل به، قبل
البحث عن المخصص، وفي حين عملنا به فإن وجدنا مخصِّصا تركنا
العام واعتقدنا المخصص - وما بقي بعد التخصيص - إن بقي شيء -
وإن لم نجد المخصِّص له نستمر في العمل بالعام.
أي: يجب اعتقاد عموم اللفظ ؤبل ظهور المخصِّص، فإذا ظهر
المخصَّص تغير ذلك الاعتقاد.
وهو مذهب أبي بكر الصيرفي، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد،
واختاره كثير من الحنابلة كأبي يعلى، وتلميذه ابن عقيل، وابن
قدامة، وأبي بكر عبد العزيز بن جعفر " غلام الخلال "، وبعض
الحنفية.
وهو الحق عندي؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: أن ترك التمسك با العام لاحتمال وجود المخصص:
يلزم منه: ترجيح المرجوح على الراجح، وهو ممتنع، بيان ذلك:
(4/1577)

أن اللفظ العام راجح؛ حيث إنه قد وجد وأثبت الحكم بلا شك
فهو معلوم قطعاً، واحتمال وجود المخصص مرجوح؛ حيث إنه
مجرد احتمال لا دليل عليه قد يثبت وقد لا يثبت، فكوننا نترك دليلاً
قد ثبت - وهو اللفظ العام - من أجل احتمال وجود مخصّص هذا
ترجيح المرجوح على الراجح، وهذا ممتنع عقلاً.
الدليل الثاني: أن الأصل عدم المخصص، وذلك يوجب ظن
عدم المخصص، وهو يكفي في ظن إثبات الحكم باللفظ العام.
الدليل الثالث: أن احتمال وجود الشيء لا يترك به الشيء الثابت
بدليل عمل الصحابة - رضي اللَّه عنهم - في النسخ: فقد كان
الصحابة - رضوان اللَّه عليهم - يعتقدون بسبب كثرة ما نزل عليهم
من الناسخ والمنسوخ - أن كل حكم ينزل عليهم سينسخ فيما بعد،
ولكن هذا الاعتقاد لم يمنعهم من العمل بالحكم حال نزوله، فإذا
نزل ما ينسخه تركوا المنسوخ، وعملوا بالناسخ.
فكذلك هنا: يجب اعتقاد عموم اللفظ حال علمنا به، والعمل
على ذلك وإن كنا نْحتمل وجود مخصص له، فإن ثبت هذا
المخصِّص تركنا العام وعملنا بالمخصص، وإن لم يثبت مخصِّص
نستمر في العمل على العموم، وهذا فيه من الاحتياط ما يعلمه كل
فطن.
الدليل الرابع: القياس على أسماء الحقائق، بيانه:
أنه لو لم يجز التمسك بالعام إلا بعد البحث عن المخصص: لما
جاز التمسك باللفظ على حقيقته إلا بعد البحث هل يوجد ما يقتضي
صرفه عن المجاز أو لا؛ بجامع: احتمال الخطأ، لكن لا يجب
ذلك -، بل نحمل لفظ " الأسد " على الحقيقة، وهو: الحيوان
(4/1578)

المفترس، ونعمل على ذلك من غير بحث من أنه هل وجد ما يقتضي
صرفه عنه أو لا؟ فكذلك هنا نعتقد عموم اللفظ، ونعمل على ذلك
من غير بحث عن وجود مخصص أو لا.
الدليل الخامس: القياس على صيغة الأمر وصيغة النهي، بيان
ذلك:
أن الأمر المطلق يقتضي الوجوب، والنهي المطلق يقتضي التحريم،
فإذا وردت صيغة من صيغ الأمر، فإنه يجب اعتقاد الوجوب ونعمل
على ذلك، ولا يصرفنا عن هذا إلا صارف من قرينة أو دليل يبين أن
المراد غير الوجوب من الندب وغيره.
وكذلك إذا وردت صيغة من صيغ النهي، فإنه يجب اعتقاد
التحريم ونعمل على ذلك ولا يصرفنا عن هذا إلا صارف من قرينة أو
دليل يبين أن المراد غير التحريم من كراهة أو نحوه.
فكذلك هنا فإنه إذا وردت صيغة من صيغ العموم، فإنه يجب
اعتقاد عمومه، ونعمل على هذا الاعتقاد، ولا يصرفنا عن ذلك إلا
صارف ومخصص يبين أن المراد غير العموم.
المذهب الثاني: أنه لا يجب اعتقاد عموم اللفظ والعمل به حتى
يبحث عن المخصص، فلا يجد ما يخصه.
وهو مذهب ابن سريج، وهو اختيار بعض الحنابلة كأبي الخطاب،
وهو مذهب أكثر العلماء من المالكية، والشافعية، وبعض الحنفية.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن أفيَ صيغة من صيغ العموم - السابقة الذكر -
لا تفيد العموم إلا بشرط وهو: عدم المخصص، وقبل طلب
(4/1579)

المخصص يكون وجوده وعدمه مشكوكا فيه، والشك في الشرط
يوجب الشك في المشروط، أي: إذا شككنا في وجود المخصص
وعدم وجوده: فإن هذا يلزم منه أن نشك في هذا اللفظ هل أفاد
العموم أو لا؟
إذن: حجته بالنسبة إلى كل فرد مشكوك فيها، والمشكوك فيه لا
يعمل به.
جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ أن وجود المخصص وعدمه مشكوك فيه، بل عدمه
عندنا أغلب على الظن، فيكون ظن حجية اللفظ العام أغلب،
فعلى هذا يعتقد عمومه، ويجب العمل بذلك.
الدليل الثاني: أن اللفظ العام يحتمل أن يكون مراداً به العموم
باعتبار أنه وضع لذلك لغة، واللفظْ عند إطلاقه يدل على ما وضع
له.
ويحتمل أن يكون العموم غير مراد منه لوجود ما يخصصه؛ نظراً
لكثرة ورود التخصيص على العام حتي شاع قولهم: " ما من عام
إلا وقد خصص ".
والاحتمالان متساويان، فلو عمل بالعام قبل طلب المخصص لزم
ترجيح أحد المتساويين على الآخر، بدون مرجح، وهو باطل.
إذن طلب الباحث للمخصص يريد بذلك ترجيح أحد الأمرين
بمرجح، فإن وجد المخصص فقد ترجح الخصوص على العموم، وإن
لم يجده فقد ترجح العموم على الخصوص؛ لأن عدم الوجدان دليل.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
(4/1580)

الجواب الأول: أنا نعمل بالأصل، والأصل هو عموم اللفظ،
أما التخصيص فهو عارض له يحتاج إلى قرينة مخصِّصة، كما عملنا
بأسماء الحقائق.
فإن الأصل حمل الاسم - وهو الأسد مثلاً - على حقيقته، أما
المجاز، فهو عارض له يحتاج إلى قرينة.
وبذلك يكون احتمال العموم راجحا على احتمال الخصوص
- وليسا سواء كما زعمتم - فيعتقد عموم اللفظ، ويعمل على هذا
الاعتقاد؛ لأن العمل بالراجح واجب.
الجواب الثاني: أن كلامكم يؤدي إلى التوقف مما يؤدي إلى ترك
العمل بالدليل الثابت - وهو اللفظ العام - وذلك لأن الأدلة
المخصصة كثيرة وغير محصورة، فقد يجد المجتهد الدليل المخصص
اليوم، وقد لا يجده اليوم، ويقول: سأبحث عنه في الغد،
وهكذا حتى تذهب الأيام، وهو يؤمل نفسه بأنه سيجد مخصصا
لهذا العموم، وبينما هو يفعل ذلك - يكون ذلك الدليل الثابت
- وهو اللفظ العام - معطلاً عن العمل، وهذا لا يجوز.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ لأن أصحاب المذهب الأول قصدوا: أن
اللفظ العام يجب أن يُعمل به حال سماعنا إياه بدون قرائن.
أما أصحاب المذهب الثاني فقد قصدوا: أن اللفظ العام لا يعمل
به إلا بقرينة، وهي: عدم وجود مخصص.
وهذا يظهر في مسألة وهي: هل يجوز للحاكم أن يحكم بالبينة
أو بالإقرار بدون الرجوع إلى الخصم أو الغريم؛، فبناء على المذهب
(4/1581)

الأول: يجوز ذلك، وبناء على المذهب الثاني: لا يجوز؛ حيث
إن العمل بذلك كالعمل بالدليل قبل الفحص عن المعارض، وهذا
هو الذي أرجحه؛ لأن هناك مخصصا وهو: أن هذه الأمور لا بد
فيها من مناقض.
مسألة: هل يشترط القطع بعدم وجود المخصص للعمل
باللفظ العام أو لا؟
لقد اختلف أصحاب المذهب الثاني في ذلك على قولين:
القول الأول: أنه لا يشترط القطع بعدم وجود المخصص، بل
يكفي أن يبحث المجتهد عن المخصص، ويستقصي في ذلك في
مضانه، فإذا غلب على ظنه عدم وجود المخصص: حكم بأنه لا
مخصص لهذا اللفظ العام، وحينئذ يجب العمل به.
ذهب إلى ذلك: ابن سريج، وإمام الحرمين، والغزالي، وأبو
الخطاب، وأكثر أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: لا يجب
اعتقاد عموم اللفظ والعمل به إلا بعد البحث عن المخصص، فلا
يوجد -.
دليل هذا القول:
أنه لو اشترط القطع بعدم وجود المخصِّص للزم من ذلك تعطيل
العمل بالعمومات كلها؛ لكثرة الأدلة، وعدم انحصار الأصول
وتفرقها، فيكفي أن يغلب على ظنه عدم وجود المخصص والعمل بما
يغلب على الظن واجب.
القول الثاني: إنه يشترط القطع بعدم وجود المخصص.
(4/1582)

أي: أن المجتهد يبحث عن المخصص، فإذا قطع بعدم وجوده،
وسكنت نفسه بأنه لا دليل مخصص، فإنه يعمل باللفظ العام.
وهو اختيار القاضي أبي بكر الباقلاني.
دليل هذا القول:
أنه إذا كانت نفسه تشعر بدليل شذ عنه، وتردد فيه، وقال في
نفسه: يمكن أن يوجد ذلك الدليل المخصص، ويمكن أن لا يوجد،
فكيف يحكم بدليل ويعمل به - وهو اللفظ العام - يجوز أن يكون
الحكم به حراماً.
جوابه:
يمكن لأصحاب القول الأول أن يجيبوا عن ذلك بقولهم: إنه إذا
بحث عن المخصص وغلب على ظنه عدم وجوده، فإنه يغلب على
ظنه أن هذا اللفظ عام، فيجب اعتقاد عمومه والعمل به؛ لأن
العمل بالظن الغالب واجب، ولا يقع في ذلك تردد؛ إذ لو اشترط
القطع في كل دليل: لما بقى دليل؛ لأن جل الأدلة ظنية.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي؛ حيث اتفق أصحاب القولين على أنه يجب
اعتقاد عموم اللفظ والعمل على ذلك، سواء علم قطعا أو ظناً بعدم
وجود المخصص؛ لأنه اتفق على العمل بالظن؛ حيث إن الصحابة
- رضي اللَّه عنهم - كانوا لا يفرقون بين الدليل القطعي، والدليل
الظني في وجوب العمل.
(4/1583)

المطلب الثاني والعشرون الجمع المنكر المضاف إلى ضمير الجمع هل يقتضي
العموم في كل من المضاف والمضاف إليه؟
مثال ذلك: قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) ، فهل
تقتضي هذه الآية أخذ الصدقة من كل نوع من أنواع مال كل مالك؟
أو أخذ الصدقة من نوع واحد من مال كل مالك؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن الجمع المنكر المضاف إلى ضمير الجمع يقتضي
العموم في كل من المضاف والمضاف إليه، وهو مذهب جمهور
العلماء.
وهو الحق؛ لأن الجمع المضاف من صيغ العموم، وضمير الجمع
من صيغ العموم - أيضاً - فإذا أضيف العام إلى العام اقتضى ذلك:
العموم في كل من المضاف والمضاف إليه عملاً بظاهر اللفظ.
المذهب الثاني: أن الجمع المنكر المضاف إلى ضمير الجمع لا
يقتضي العموم في كل من المضاف والمضاف إليه.
وهو مذهب جمهور الحنفية، وقد نسب إلى الكرخي، وهذه
النسبة غير صحيحة.
دليل هذا المذهب:
أن اللفظ دال على إيجاب صدقة منكرة محلها المال المضاف إلى
(4/1584)

المالك، فإذا أخرج من نوع واحد صدقة، فقد أخرج من جملة
الأموال، فلا يجب عليه الزيادة على ذلك، يؤيد ذلك: أن الرجل
لو قال: " لبس القوم ثيابهم "، فإنه يفهم من ذلك أن كل واحد
منهم ليس ثوبه.
فكذلك هنا: فإنه إذا أخذ الصدقة من جزء المال صدق أخذها من
المال، ولهذا فقد وقع الإجماع على أن كل درهم ودينار من دراهم
ودنانير المالك موصوف بأنه من ماله، ومع ذلك فإنه لا يجب أخذ
الصدقة من خصوص كل درهم ودينار له؛ لعدم دلالة اللفظ عليه.
جوابه:
إن إضافة العام إلى العام لا بد أن يكون له فائدة، ولا فائدة له
إلا اقتضائه العموم في المضاف والمضاف إليه.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ حيث إنه يترتب على المذهب الأول: أنه يجب
أخذ صدقة من كل نوع من أنواع المال لكل مالك، فعلى هذا
المذهب لا تكفي صدقة من نوع واحد من الأموال.
ويترتب على المذهب الثاني: أنه يكفي أخذ صدقة من نوع واحد
من جميع الأموال من كل مالك.
(4/1585)

المطلب الثالث والعشرون هل المفهوم له عموم؟
المفهوم ينقسم إلى قسمين:
مفهوم موافقة وهو: ما كان حكم المسكوت عنه موافقاً لحكم
المنطوق به، كقولنا بتحريم ضرب الوالدين أخذاً من منطوق قوله
تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) .
ومفهوم مخالفة وهو: ما كان حكم المسكوت عنه مخالفا لحكم
المنطوق، كقولنا: المعلوفة من الغنم لا زكاة فيها أخذاً من قوله عليه
الصلاة والسلام: " في سائمة الغنم الزكاة ".
فهل المفهوم في هذين القسمين يعم أو لا؟
اختلف في ذلك على
مذهبين:
المذهب الأول: أنه يعم.
أي: يثبت الحكم في جميع صور المسكوت عنه إما على موافقة
المنطوق به أو على مخالفته، وهو مذهب أكثر العلماء، وهو الحق؛
قياساً على اللفظ، فكما أن اللفظ يثبت الحكم في جميع صور
مسمياته، فكذلك مفهومه يثبت الحكم في جميع صور مسمياته،
فالشارع لما قال؛ " في سائمة الغنم زكاة "، فقد تضمن ذلك القول
قولاً آخر، وهو: أنه لا زكاة في المعلوفة، ولو صرح بذلك لكان
عاماً.
المذهب الثاني: أن المفهوم لا يعم.
(4/1586)

وهو اختيار الغزالي.
دليل هذا المذهب:
أن العموم من صفات اللفظ والنطق، والمفهوم ليس بلفظ،
فلذلك لا يعم.
جوابه:
إن مفهوم الموافقة والمخالفة كالمنطوق، فلذلك قلنا في باب
النسخ: إنه ينسخ، ويُنسخ به، فكذلك هنا يدخله العموم كما دخل
اللفظ ولا فرق.
بيان نوع الخلاف:
اختلف في هذا الخلاف هل هو معنوي، أو لفظي على قولين:
القول الأول: أن الخلاف معنوي، وهو الحق عندي؛ لأنه تأثر
بهذا الخلاف بعض الفروع الفقهية، ومنها:
أن قوله عليه الصلاة والسلام: " إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس "،
فإن هذا النص قد دلَّ بمفهومه على أن ما دونهما ينجس بملاقاة
النجاسة، سواء تغير أو لا، كوثر بماء طاهر ولم يبلغ قلتين، أو
لم يكاثر.
هذا إذا كان للمفهوم عموم، وهو المذهب الأول.
أما إذا قلنا: إن المفهوم لا عموم له، فإن الحديث لا يقتضي
النجاسة في هذه الصورة.
القول الثاني: أن الخلاف لفظي لا ثمرة له؛ لأن الخلاف إن كان
في أدن مفهومي الموافقة والمخالفة يثبت فيهما الحكم في جميع ما سوى
(4/1587)

المنطوق من الصور أو لا؟
فالحق الإثبات، وهو مراد أصحاب
المذهب الأول، وأصحاب المذهب الثاني لا يخالفونهم في ذلك.
وإن كان الخلاف في ثبوت الحكم فيهما بالمنطوق أو لا؛ فالحق
النفي، وهو مراد أصحاب المذهب الثاني، وأصحاب المذهب الأول
لا يخالفونهم فيه، ولا ثالث - هنا - يمكن فرضه محلاً للنزاع.
والحاصل؛ أنه نزاع لفظي يعود إلى تفسير العام بأنه ما يستغرق في
محل النطق، أو هو: ما يستغرق في الجملة.
جوابه:
إن الخلاف في أن مفهومي الموافقة والمخالفة يثبت فيهما الحكم في
جميع ما سوى المنطوق أو لا؟
وأصحاب المذهب الأول يثبتون ذلك.
أما أصحاب المذهب الثاني فهم لا يوافقونه، كما زعمتم، بل
يخالفون ذلك، ويقولون: إن الحكم يثبت في صورة واحدة مخالفة
للمنطوق فقط.
(4/1588)

المطلب الرابع والعشرون ترك الاستفصال في حكاية الحال مع وجود الاحتمال هل ينزل منزلة العموم في المقال؟
مثاله: أن ابن غيلان الثقفي قد أسلم وتحته عشرة نسوة، فقال له
الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
"أمسك أربعاً وفارق سائرهن "،
ولم يسأله عن كيفية عقده عليهن في الجمع أو الترتيب،
أي: لم يستفسر منه هل عقد على هذه النسوة بعقد واحد
في زمن واحد، أو عقد عليهن بعقود متعددة في أزمان مختلفة،
فهل تركه السؤال عن ذلك يفيد العموم وينزل منزلة عموم المقال؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن ترك الاستفصال في حكاية الحال مع وجود
الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال..
وهو مذهب الإمام الشافعي، وتبعه على ذلك كثير من العلماء،
وهو الحق؛ لأن ترك الرسول - صلى الله عليه وسلم - الاستفصال من الحاكي في حكايته مع قيام الاحتمال الذي من شأنه أن يؤثر في الحكم، فإن ذلك ينزل منزلة العموم في المقال، فيكون الحكم - وهو إمساك أربع ومفارقة
الباقي - عام في جميع الأحوال، سواء كان العقد على هذه النسوة
في زمن واحد أو في أزمان متعددة.
المذهب الثاني: أن ذلك لا ينزل منزلة العموم في المقال.
وهو مذهب أبي حنيفة، وبعض الشافعية.
(4/1589)

دليل هذا المذهب:
أن " ترك الاستفصال.. " ليس من صيغ العموم، فلا يقتضي
العموم، ثم إن. ما ذكره أصحاب المذهب الأول هو قضية خاصة،
فلا يستدل بها على إثبات قاعدة عامة؛ لاحتمال أن يكون الرسول
لمجيم قد عرف خصوص الحال؛ حيث إنه عارف بحال القائل - وهو
أنه عقد عليهن بوقت واحد - فأجاب بناء على ذلك: لا؛ لأنه لا
فرق بين تلك الحالة وغيرها في ذلك الحكم.
جوابه:
أن هذا ضعيف؛ لأن القاعدة ليست مفروضة في كون تارك
الاستفصال عالما بشيء، وإنما هي مفروضة في قضية لا يعلم فيها
تارك الاستفصال عن حال صاحب القضية مع احتمال اللفظ إياها،
وظاهر الحديث يدل على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم -
لا يعلم شيئاً عن زواج غيلان، هل هو بعقد واحد أو مختلف،
وما قالوه من الاحتمال لا دليل عليه، فيبقى على ظاهره.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ حيث إنه ترتب على المذهب الأول: أن
الشخص لو أسلم وعنده أكثر من أربع نسوة، فعليه أن يمسك أربعا
منهن فقط، ويفارق الباقي، فيختار منهن ما شاء، ويترك الباقي
مطلقا، سواء كان العقد على هذه النسوة في زمن واحد، أو في
أزمان متعددة؛ وهذا يتبين فيه سماحة الإسلام ويسره.
- أما أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: " إن ترك
الاستفصال ... " لا يفيد العموم - فهم بنوا الحكم على عدم وجود
(4/1590)

هذه القاعدة، فقالوا: إن كان العقد عليهن في وقت واحد، فعليه
أن يجدد عقد النكاح على أربع منهن على حسب اختياره.
وإن كانت تلك العقود مرتبة - أي: كل واحدة عقد عليها بعد
الأخرى: فعليه أن يمسك الأربع الأول، ويفارق ما عداهن، وذلك
لأن العقود الأولى قد صادفت محلاً قابلاً للعقد، فكانت صحيحة،
أما ما عداها فلم يصادف محلاً قابلاً للعقد، فكان باطلاً.
(4/1591)

المبحث الثاني في الخصوص
ويشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: تعريف التخصيص.
المطلب الثاني: هل يجوز تخصيص العموم؟
المطلب الثالث: مخصصات العموم المنفصلة.
المطلب الرابع: مخصصات العموم المتصلة.
(4/1593)

المطلب الأول تعريف التخصيص
التخصيص هو: قصر العام على بعض أفراده.
المراد من " قصر العام ": قصر حكمه، وإن كان لفظ العام باقياً
على عمومه، لكن لفظاً لا حكما.
والمراد من قوله: " على بعض أفراده " أي: أن هذا العام
يخصص ويكون المراد به بعض أفراده بسبب قرينة مخصصة.
مثل قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) ،
فقد أورد اللَّه تخصيص ذلك بقوله: (وأولات الأحمال أجلهن أن
يضعن حملهن) ، فهنا قد خصص الشارع المطلقة الحامل، وجعل
عدتها وضع الحمل، فلم يبق لفظ العموم - وهو المطلقات - على
عمومه، بل قصره على بعض أفراده.
مثال آخر: إذا قال: " أكرم الطلاب الناجحين "، فهنا قد قصر
هذا اللفظ العام - وهو: الطلاب - على أفراد معينة وهم الناجحون.
وإذا قيل: هذا كلام مخصوص معناه: أنه قصر على بعض
فائدته، وكان غرض المتكلم به: بعض ما وضع له.
والتخصيص يقرب من النسخ إلا أن بينهما فروقا قد ذكرتها في
باب النسخ.
(4/1595)

المطلب الثاني هل يجوز تخصيص العموم؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن تخصيص العموم يجوز مطلقا، أي: سواء
كان اللفظ العام أمراً، أو نهياً، أو خبراً.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: وقوعه في كتاب اللَّه وسُنَّة رسوله، والوقوع دليل
الجواز.
فمن أمثلة وقوعه في الأمر قوله تعالى: (والسارق والسارقة)
وقوله: (والزانية والزاني ... ) مع أنه ليس كل سارق يقطع، وكل
زان يجلد.
وقوله تعالى: (يوصيكم اللَّه في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين)
مع خروج الكافر، والعبد، والقاتل عنه.
ومن أمثلة وقوعه في النهي: قوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ)
مع أن بعض القربان غير منهي عنه.
ومن أمثلة وقوعه في الخبر: قوله تعالى: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ)
مع أنها لم تؤت السموات والأرض وملك سليمان، وقوله:
(تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ) مع أنها لم تدمر السموات والأرض والجبال.
وأكثر العمومات الواردة في الآيات والأحاديث قد خصصت حتى
(4/1596)

قيل: " ما من عام إلا وقد خصص " إلا قوله تعالى:
(وهو بكل شيء عليم) ، كما سبق بيانه،
ولو لم يكن التخصيص جائزاً لما وقع في الكتاب والسُّنَّة.
الدليل الثاني: أنه لا معنى لتخصيص العموم سوى صرف اللفظ
عن جهة العموم الذي هو حقيقة فيه إلى جهة الخصوص بطريق
المجاز، والتجوز غير ممتنع لذاته، ولهذا لو قدرنا وقوعه لم يلزم
المحال عنه لذاته، ولا بالنظر إلى وضع اللغة، ولهذا يصح من
اللغوي أن يقول: " زارني كل أهل البلد "، وإن تخلف عنه
بعضهم.
المذهب الثاني: التفريق بين الخبر وبين غيره.
فيجوز تخصيص اللفظ العام إذا كان أمراً أو نهيا، أما إذا كان
خبراً فلا يجوز، وهو لبعض الطوائف.
دليل هذا المذهب:
أما جواز التخصيص إذا كان اللفظ العام أمراً أو نهيا: فدليله:
الوقوع كما سبق.
أما عدم جواز التخصيص إذا كان اللفظ العام خبراً، فدليله: أنه
لو جاز تخصيص الخبر للزم الكذب في الخبر، لما فيه من مخالفة
المخبر للخبر، وهو غير جائز كما في نسخ الخبر.
جوابه:
لا نسلم لزوم الكذب، ولا وهم الكذب بتقدير إرادة الخصوص
والمجاز، وقيام الدليل على ذلك، ولو لم يكن جائزاً للزم من ذلك
أن يكون قول القائل: " رأيت أسداً "، وهو يريد الرجل الشجاع
(4/1597)

أن يكون كاذبا إذا تبينا أنه لم يرد الأسد الحقيقي، وليس كذلك
بالإجماع، وعلى هذا قلنا بجواز نسخ الأخبار.
المذهب الثالث: التفريق بين الأمر، وغيره.
فيجوز تخصيص اللفظ العام إذا كان غير أمر، أما إذا كان أمراً
فلا يجوز، وهو لبعض الطوائف.
دليل هذا المذهب:
أما جواز التخصيص إذا كان اللفظ العام غير أمر، فدليله الوقوع
كما سبق.
أما عدم جواز التخصيص إذا كان اللفظ العام أمراً فدليله: أن
القول بجواز تخصيص الأمر يوهم البَداء - وهو ظهور المصلحة بعد
خفائها - وهذا مستحيل على اللَّه تعالى، لذلك لا يجوز تخصيص
الأمر.
جوابه:
لا نسلم إيهام البَداء؛ لأنا نعلم أن اللفظ في الأصل يحتمل
التخصيص، فقيام الدليل على وقوعه مبيِّن للمراد، وإنما يلزم البداء
أن لو كان المخرج مراداً.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي؛ لأنه لا أحد ينكر أن بعض الأفراد مخرج عن
دخولها تحت بعض الألفاظ العامة، ولكن بعضهم - وهم الجمهور
- قد سموا ذلك بالتخصيص، وبعضهم سموه بغير ذلك، فالخلاف
- إذن - بالتسمية.
(4/1598)

المطلب الثالث في مخصِّصات العموم المنفصلة
لقد قلنا: إن التخصيص هو: قصر العام على بعض أفراده، فيكون
المخصص هو: القاصر للعام على بعض أفراده، أي: هو فاعل
التخصيص فهو المخرج، وهو: إرادة المتكلم الإخراج.
والمخصص ينقسم إلى قسمين:
مخصص منفصل وهو: ما يستقل بنفسه، بأن لا يكون مرتبطا بكلام
آخر.
ومخصص متصل وهو: ما لا يستقل بنفسه، بل هو مرتبط بكلام
آخر.
وإليك الكلام عن المخصصات المنفصلة في المسائل التالية:
المسألة الأولى: في التخصيص بالحس.
المسألة الثانية: في التخصيص بالعقل.
المسألة الثالثة: في تخصيص الكتاب بالكتاب.
المسألة الرابعة: في تخصيص الكتاب بالسُّنَّة المتواترة: قولية أو
فعلية.
المسألة الخامسة: في تخصيص السُّنَّة المتواترة بالسُّنَّة المتواترة،
والآحادية بالآحادية.
(4/1599)

المسألة السادسة: في تخصيص السُّنَّة المتواترة والآحادية بالكتاب.
المسألة السابعة: في تخصيص الكتاب والسُّنَّة المتواترة بخبر الواحد.
المسألة الثامنة: في تخصيص الكتاب والسُّنَّة بتقرير النبي - صلى الله عليه وسلم -.
المسألة التاسعة: في تخصيص الكتاب والسُّنَّة المتواترة بالإجماع.
المسألة العاشرة: في تخصيص الكتاب والسُّنَّة بمفهوم الموافقة.
المسألة الحادية عشر: في تخصيص الكتاب والسُّنَّة بمفهوم المخالفة.
المسألة الثانية عشر: في تخصيص الكتاب والسُّنَّة بالقياس.
المسألة الثالثة عشرة: في تعارض الخاص مع العام.
المسألة الرابعة عشرة: قول الصحابي وفعله ومذهبه هل يخصص
العموم؟
المسألة الخامسة عشرة: العرف والعادة هل يخصص بها العموم؟
المسألة السادسة عشرة: هل يجوز تخصيص العام بذكر بعضه؟
المسألة السابعة عشرة: العام إذا قصد به المدح أو الذم هل يخصص
العام؟
المسألة الثامنة عشرة: عطف الخاص على العام هل يخصص العام؟
(4/1600)

المسألة الأولى: في التخصيص بالحس:
وهو الدليل المأخوذ من أحد الحواس الخمس، وهي: الرؤية
البصرية، أو السمع، أو اللمس، أو الذوق، أو الشم.
والحس قد أنجمع العلماء على جواز التخصيص به، دلَّ على
ذلك: الوقوع: حيث وقع أن الحس قد خصص اللفظ العام،
والوقوع دليل الجواز.
من أمثلة ذلك: قوله تعالى: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بأمر ربها) ،
ونحن نشاهد أشياء كانت حين هبوب الريح لم تدمرها كالجبال،
والسماء، والأرض.
ومن ذلك: قوله تعالى: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) ، ونحن
نعلم أن هناك أشياء كثيرة لم تؤت منها بلقيس كالسموات،
والأرض، وأن ما كان في يد سليمان - عليه السلام - لم يكن في
يدها، وهو شيء.
***
المسألة الثانية: في التخصيص بالعقل:
العقل هو: آلة إدراك الأشياء والتمييز بينها.
والعقل قد اختلف في جواز التخصيص به على مذهبين:
المذهب الأول: أن العقل يجوز تخصيص العموم به.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليل الوقوع؛ حيث
إنه قد وقع أن "العقل خصَّص وأخرج بعض أفراد العام، وبين أنهم
غير داخلين في عموم اللفظ، وهذا هو التخصيص، والوقوع دليل
الجواز.
(4/1601)

ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) ،
فإن لفظ " الناس " صيغة عموم - حيث إنها جمع معرف بـ " أل " -
فيدخل فيه كل الأفراد، ولكن العقل اقتضى بنظره عدم دخول الصبي
والمجنون بالتكليف بالحج؛ لعدم فهمهما، بل هما من جملة الذين
لا يخاطبون بخطاب التكليف.
ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: (الله خالق كل شيء) ، فإن
لفظ " كل " قد تناول بعمومه لغة كل شيء مع أن ذاته وصفاته أشياء
حقيقة، ومع ذلك فإنها لا تدخل في هذا العموم، وخرج ذلك
بدلالة ضرورة العقل من عموم اللفظ، وذلك مما لا خلاف فيه بين
العقلاء، ولا نعني بالتخصيص غير ذلك.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز التخصيص بالعقل.
ذهب إلى ذلك طائفة من المتكلمين.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن دليل العقل متقدم وسابق في الوجود على أدلة
السمع، والمخصِّص ينبغي أن يكون متأخراً عن المخصَّص، فلا
يصلح أن يكون العقل مخصصا للعموم وهو متقدم.
جوابه:
أن العقل يجب أن يكون متأخراً بالنظر إلى ذاته، أو بالنظر إلى
صفته، وهو كونه مبيناً ومخصصاً.
أما الأول - وهو: كون العقل متأخراً بالنظر إلى ذاته - فنحن
نسلم لكم أنه متقدم على النقل والسمع.
أما الثاني - وهو: كون العقل متأخراً بالنظر إلى صفته، وهو:
(4/1602)

كونه مخصصا -: فلا نسلم أنه لا يتأخر، بل يكون متأخراً عن
النقل والسمع؛ لأن العقل وإن كان متقدما في ذاته على الخطاب
العام غير أنه لا يوصف قبل ذلك بكونه مخصصا لا لم يوجد، وإنما
يصير مخصصاً ومبيناً بعد وجود الخطاب، فيصير التخصيص من
صفاته.
وذلك لأن المخصص هو: الدليل المعرف لإرادة المتكلم بهذا
اللفظ، وأنه أراد هذا التكلم بهذا اللفظ العام معنى خاصا، والعقل
يدل على ذلك بعد وجود الخطاب العام وإن كان متقدما في ذاته على
ذلك الخطاب.
الدليل الثاني: أن حقيقة التخصيص هي: إخراج بعض ما تناوله
اللفظ عنه، ونحن نعلم بالضرورة أن المتكلم لا يريد بلفظه الدلالة
على ما هو مخالف لصريح العقل، فلا يكون لفظه دالًّا عليه لغة،
أي: لا يمكن تناول اللفظ لما يخالف صريح العقل، ومع عدم
الدلالة اللغوية على الصورة المخرجة لا يكون تخصيصاً.
فقوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت) نعلم منه ضرورة
بالعقل أن الصبي والمجنون لا يدخلان تحت لفظ " الناس " أصلاً،
فلا يكون متناولاً لهما لغة؛ لأنه لا يمكن أن يتناول البفظ لما يخالف
صريح العقل، فلا يكون هذا اللفظ عاما أصلاً للصبي والمجنون،
وبالتالي: لا يكون العقل مخصصا لهما.
جوابه:
لا نسلم ذلك، بل يدخل غير المعقول، والمخالف لصريح العقل
تحت اللفظ من حيث اللسان والوضع.
(4/1603)

بيان نوع هذا الخلاف:
القد اختلف في ذلك على قولين:
القول الأول: إن الخلاف معنوي، وهو الحق؛ وذلك لأنه أثر
في مسألة من مسائل أصول الفقه وهي: " العام بعد التخصيص هل
هو حقيقة في الباقي، أو يكون مجازاً؛ " - وقد سبقت في المبحث
الأول -.
فبناء على المذهب الأول: فإن تخصيص العموم بدليل العقل
يجري فيه الخلاف السابق في تلك المسألة هل هو حقيقة في الباقي،
أو مجاز.
وبناء على المذهب الثاني - وهو: عدم جواز التخصيص بالعقل -
فإن العام المخصوص بالعقل حقيقة بلا خلاف؛ لأن العقل لا
يخصص أصلاً، فيبقى اللفظ على ما هو عليه حقيقة.
القول الثاني: إن الخلاف لفظي، واختاره بعض العلماء -
كالباقلاني، وإمام الحرمين، والغزالي، وإلكيا الهراسي،
والقرافي، والتاج ابن السبكي، والإمام الرازي، وغيرهم -،
ودليلهم: أن المعنى قد اتفق أصحاب المذهبين عليه.
ولكن اختلف في تسميته تخصيصا.
جوابه:
أنه يفهم من أدلة أصحاب المذهب الثاني: أن الأفراد المخصوصين
بالعقل لم يدخلوا في اللفظ العام أصلاً، فعلى مذهبهم: لا يوجد
شيء يخصص بالعقل، فإذا لم يتناول اللفظ العام هؤلاء المخرجين
(4/1604)

بالعقل، فإنه لا يصدق عليه تعريف التخصيص، وهو: قصر العام
على بعض أفراده، فيكون الخلاف معنوياً.
المسألة الثالثة: في تخصيص الكتاب بالكتاب:
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب، وهو
مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: الو قوع؛ والوقوع دليل الجواز.
ومثال الوقوع: أن قوله تعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)
ورد مخصصاً لقوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) .
أي: كل مطلقة تعتد بثلاث حيض إلا الحامل، فإنها تعتد بوضع
الحمل ولو بعد ساعة من الطلاق، أو بعد سنة.
مثال آخر: أن قوله تعالى: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) ورد مخصصا لقوله تعالى: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) .
أي: أنه لا يجوز نكاح الكافرات والمشركات إلا نساء أهل
الكتاب، وهم اليهود والنصارى، فيجوز نكاحهن.
الدليل الثاني: أن العام والخاص من الكتاب إما أن يعمل بهما معا
أو لا يعمل بهما معا، أو يعمل بالعام دون الخاص، أو يعمل
بالخاص وما بقي بعد التخصيص.
(4/1605)

أما الأول - وهو العمل بالخاص والعام - فهو باطل؛ لأن فيه
جمعاً بين متناقضين.
أما الثاني - وهو: عدم العمل بهما معا - فهو باطل - أيضا -؛
لأنه يستلزم ترك دليلين قد ثبتا، وهذا لا يجوز.
وأما الثالث - وهو: أن يعمل بالعام دون الخاص - فهو باطل -
أيضاً -؛ لأنه يستلزم ترك دليل بالكلية - وهو الخاص - وهذا لا
يجوز.
وأما الرابع - وهو: أن يعمل بالخاص وما بقي بعد التخصيص -
فهو الصحيح؛ لأنه يستلزم إعمال الدليلين على حسب القدرة،
وهذا أَوْلى من إبطال أحدهما بالكلية.
المذهب الثاني: أن الكتاب لا يخصص الكتاب، وهو مذهب
بعض أهل الظاهر.
دليل هذا المذهب:
قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى فوض البيان إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والبيان هو التخصيص، وذلك يقتضي: أن لا يحصل البيان
والتخصيص إلا بقوله - صلى الله عليه وسلم -،
ولا يحصل بقول اللَّه تعالى.
جوابه:
يجاب عنه بجوابينْ:
الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أنه يلزم من تفويض البيان إليه أن لا
يحصل البيان منه تعالى، وهذا لأنه يجوز أن يفوض الشيء إلى
(4/1606)

شخص، ويحصل ذلك الشيء من غيره، والفائدة في التفويض
نصبه لذلك، لا أن غيره ممنوع منه.
الجواب الثاني: أنا لا نُسَلِّمُ أن المراد من الآية هو: البيان - كما
ذكرتم - بل المراد من الآية هو: إظهار ما نزل اللَّه، وإبلاغه إلى
الأُفَة يدل على ذلك: أنا لو حملنا قوله تعالى: (لتبين للناس)
على البيان، وهو: إزالة الإشكال لوقع تعارض بين تلك الآية،
وقوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) ،
والتعارض خلاف الأصل، فوجب - للتخلص من هذا التعارض -
حمل الآية التي استدللتم بها على التلاوة، والإبلاغ، وإذا كان المراد
من تلك الآية: الإبلاع، والتلاوة: لم يلزم من تفويض البيان إلى
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: أنه لا يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف لفظي؛ لاتفاق أصحاب المذهبين على أن يكون عدة
الحامل مطلقهَ هو: وضع حملها؛ لقوله تعالى:
(وأولات الأحمال) مع أنه قال: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) ،
وللاتفاق على جواز نكاح نساء أهل الكتاب، لقوله تعالى:
(والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ... ) مع قوله تعالى:
(ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) ، لكن أصحاب المذهب الأول قالوا
بأن هذا من باب تخصيص الكتاب بالكتاب، وأصحاب المذهب
الثاني لم يجعلوه من هذا الباب، وإنما جعلوه من باب آخر وسموه
باسم آخر.
(4/1607)

المسألة الرابعة: في نخصيص الكتاب بالسُّنَّة المتواترة سواء
كانت السُّنَّة قولية أو فعلية:
هذا جائز بالاتفاق؛ لدليلين هما:
الدليل الأول: الوقوع، والوقوع دليل الجواز.
مثال تخصيص الكتاب بالسُّنَة القولية: قوله - صلى الله عليه وسلم -:
" لا يرث القاتل "، وقوله؛ " لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم "،
فإنهما وردا مخصصين لقوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ)
أي: أن جميع الأولاد يرثون من آبائهم إلا القاتل لا يرث، والولد
الكافر.
اعتراض على ذلك:
قال قائل - معترضاً -: إن هذين الحديثين ليسا بمتواترين، بل
هما في مرتبة الآحاد، فكيف تقول: إنهما في مرتبة التواتر.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أنهما في مرتبة الآحاد، بل كانا في
مرتبة التواتر في زمن التخصيص، وهو زمن الصحابة - رضي الله
عنهم - والعبرة بزمن التخصيص، لا بهذا الزمن.
الجواب الثاني: على فرض أنهما في مرتبة الآحاد، وأن العبرة
بهذا الزمن، فإن الآية قد خصصت بهما مع أنهما في مرتبة الآحاد،
وإذا خصصت الآية بهما مع أنهما في مرتبة الآحاد، فمن باب أوْلى
أن يخصص الكتاب بالمتواتر؛ لأن المتواتر أقوى من الآحاد.
ومثال تخصيص الكتاب بالسُّنَّة المتواترة الفعلية: رجم ماعز بن مالك
(4/1608)

قد خصص قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) ، وأصبحت الآية قاصرة على الزاني البكر، والزانية البكر.
الدليل الثاني: أن العام من الكتاب والخاص من السُّنَّة المتواترة
دليلان قد ثبتا، فإما أن يعمل بهما معاً، أو لا يعمل بكل واحد
منهما، أو يعمل بالعام دون الخاص، أو يعمل بالخاص وما بقى بعد
التخصيص، والثلاثة الأولى باطلة، فيكون الرابع هو الصحيح كما
بينا ذلك في تخصيص الكتاب بالكتاب.
المسألة الخامسة: في تخصيص السُّنَّة المتواترة بالسُّنَّة المتواترة
وتخصيص السّنَّة الآحادية بالآحادية:
هذا قد اختلف فيه على مذهبين:
المذهب الأول: أن ذلك كله يجوز.
وهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: وقوعه، والوقوع دليل الجواز، حيث إن قوله
- صلى الله عليه وسلم -: " لا زكاة فيما دون خمسة أوسق "
ورد مخصصا لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
" فيما سقت السماء الزكاة ".
الدليل الثاني: أن العام من السُّنَّة المتواترة، والخاص منها دليلان
قد ثبتا فإما أن نعمل بكل واحد منهما، أو لا نعمل بهما، أو نعمل
بالعام دون الخاص، أو نعمل بالخاص وما بقي بعد التخصيص
والثلاثة الأولى باطلة، فيكون الرابع هو الصحيح، وقد سبق بيان
ذلك في الدليل الثاني من أدلة تخصيص الكتاب بالكتاب.
(4/1609)

وكذلك يقال في العام من الأحاد والخاص منها.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز تخصيص السُّنَّة بالسُّنَّة مطلقا.
وهو لبعض الجلماء.
دليل هذا المذهب:
قوله تعالى: (لتبين للناس ما نزل إليهم) .
وجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد جعل مبيِّنا، فلا يحتاج كلامه إلى بيان.
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أنه كما أن الكتاب يبين ويُخصص بعضه بعضا،
فكذلك السُّنَّة تبين وتخصص بعضها البعض الآخر ولا فرق،
بجامع: أن كلًّا منهما من اللَّه تعالى.
الجواب الثاني: أن المقصود بالآية هو: إظهار ما نزل اللَّه وإبلاغه
إلى الأُمَّة، وليس المراد: إزالة الإشكال، وبناء على ذلك فلا يصح
الاستدلال بالآية على ما ذكرتموه، ثم إنه قد وقع، ولا يترتب على
فرض وقوعه تنافي.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف لفظي؛ حيث لم يترتب على هذا الخلاف أثر في
الفروع، وأن تخصيص السُّنَّة بالسُّنَّة قد وقع، لكن أصحاب
المذهب الأول يسمونه تخصيصا وبيانا، وأصحاب المذهب الثاني لا
يسمونه بذلك، وقد يجعلونه مبينا ومخصصا بأي مخصص غير
السُّنَّة.
(4/1610)

المسألة السادسة: في تخصيص السُّنَّة المتواترة والآحادية بالكتاب:
قد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز تخصيص السُّنَّة المتواترة والآحادية
بالكتاب.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: قوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) .
وجه الدلالة: أن السُّنَّة شيء من الأشياء، والتخصيص بيان،
فيكون الكتاب مخصصا لها.
الدليل الثاني: أن العام من السُّنَّة المتواترة والآحاد، والخاص من
الكتاب دليلان قد ثبتا، فإما أن نعمل بكل واحد منهما، أو لا نعمل
بكل واحد منهما، أو نعمل بالعام دون الخاص، أو نعمل بالخاص
وما بقي بعد التخصيص، والثلاثة الأولى - كلها - باطلة، فيصح
الرابع وهو المطلوب، وقد سبق بيان ذلك في الدليل الثاني من أدلة
تخصيص الكتاب بالكتاب.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز تخصيص السُّنَّة المتواترة والآحاد
بالكتاب، وهو مذهب بعض الشافعية، وقول بعض المتكلمين.
دليل هذا المذهب:
أن وصف الكتاب بكونه بياناً للسُّنَّة يوهم بأنه تابع للسُّنَّة؛ لأن
البيان تابع، فوصما أن لا يجوز؛ لئلا يقع إيهام.
(4/1611)

جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنا نمنع ذلك؛ لأن الله تعالى قد وصف الكتاب
بكونه (تبياناً لكل شيء) في معرض المدح له، فلو كان كونه بياناً
لغيره يوهم بالتبعية لما كان ذلك صفة مدح.
الجواب الثاني: على فرض تسليم ما قلتموه، فإن الإيهام زائل
بما علم بالضرورة من كون القرآن أصلاً غير تابع لكل ما يقع بيانا له،
وهو أقل رتبة منه.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ حيث إن أصحاب المذهب الأول قصدوا أنه لو
جاء عام من السُنَّة وجاء خاص من الكتاب، فإن العام يخصص
بالخاص، ويعمل بالخاص وما بقي بعد التخصيص، أما أصحاب
المذهب الثاني فإنهم قصدوا أن العام من السُّنَّة لا يخصصه الخاص
من الكتاب، بل يكون له دلالة أخرى.
***
المسألة السابعة: في تخصيص الكتاب والسُّنَّة المتواترة بخبر الواحد:
ولقد اختلف فيه على مذاهب:
المذهب الأول: أنه يجوز تخصيص العام من الكتاب والسُّنَّة
المتواترة بخبر الواحد مطلقاً.
وهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: إجماع الصحابة - رضي اللَّه عنهم -؛ حيث إنه
(4/1612)

كان البعض منهم يخصص العام من الكتاب والسُّنَّة المتواترة بخبر
الواحد، ولا ينكر عليه الاَخرون، فكان ذلك إجماعا على ذلك.
ومن أمثلة ذلك: أنهم خصصوا قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم)
بما روى أبو بكر - رضي اللَّه عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة "،
وبقوله: " لا يتوارث أهل ملتين مختلفتين "،
وهما خبران من أخبار الآحاد.
ومنها: أنهم خصصوا قوله تعالى: (وأحل لكم ما وراء ذلكم)
بما روي عنه عليه السلام أنه قال: " لا تنكح المرأة على عمتها ولا
على خالتها ".
ومنها: أنهم خصصوا عموم قوله تعالى: (حتى تنكح زوجا غيره)
بما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لامرأة رفاعة:
" لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك ".
ومنها: أنهم خصصوا قوله تعالى: (وقاتلوا المشركين كافة)
بما روى عنه عليه السلام أنه قال في حق المجوس:
" سنوا بهم سُنَّة أهل الكتاب "، ونحو ذلك مما لا يحصى كثرة.
الدليل الثاني: أن العام من الكتاب والسُّنَّة المتواترة، والخاص
من خبر الواحد دليلان قد ثبتا، فإما أن نعمل بكل واحد منهما، أو
لا نعمل بكل واحد منهما، أو نعمل بالعام ونترك الخاص، أو نعمل
بالخاص وما بقي بعد التخصيص، والثلاثة الأولى باطلة، فيكون
الرابع هو الصحيح على ما فصلناه في الدليل الثاني من أدلة
تخصيص الكتاب بالكتاب.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز تخصيص الكتاب والسُّنَّة المتواترة
بخبر الواحد مطلقة.
(4/1613)

وهو مذهب بعض الفقهاء وبعض المتكلمين.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: إجماع الصحابة على رد خبر الواحد إذا خالف
الكتاب؛ حيث روي أن عمر - رضي اللَّه عنه - رد خبر فاطمة بنت
قيس فيما روته أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين طلقها زوجها - لم يفرض لها النفقة ولا السكنى فقال - أي: عمر -: " لا ندع كتاب ربنا وسُنَّة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت، أنسيت أم ذكرت " ولم
ينكر عليه أحد من الصحابة، فكان إجماعا.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: لا نسلِّم حصول الإجماع الذي زعمتموه؛ لأن
عمر قال ذلك وسمعه بعض الصحابة الموجودين في المدينة، أما بقية
الصحابة وهم الذين خارج المدينة، فلم يسمعوا بهذا، فادعاء
الإجماع بعيد جداً.
الجواب الثاني: على فرض حصول الإجماع، فإن عمر - رضي
الله عنه - لم يرد خبرها لكونه خبر آحاد ولا يقوى على تخصيص
الكتاب، ولكنه ردَّ خبرها؛ لأنه شك في حفظها بدليل قوله: " لا
ْندري أنسيت أم ذكرت "، فلو لم يكن هذا هو سبب رده لخبرها لما
كان لهذه العبارة فائدة، ولا يمكن أن يأتي أي صحابي بعبارة لا فائدة
منها.
أي: يلزم لتحصيل فائدة هذه العبارة أن نجعلها هي سبب رده.
ولو قلنا بأن سبب ردِّه هو: كون خبر الواحد لا يخصص الكتاب
لما كان لهذه العبارة فائدة، وتكون عبثا، وهذا لا يجوز.
(4/1614)

الدليل الثاني: أن الكتاب والسُّنَّة المتواترة مقطوع بهما، وخبر
الواحد مظنون، فتقديمه على الكتاب والسُنَّة المتواترة تقديم المرجوح
على الراجح، وهو ممتنع عقلاً.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن خبر الواحد وإن كان ظني الثبوت إلا أن
دلالته على معناه - أقوى من دلالة العام من الكتاب والسُّنَّة
المتواترة -؛ لأن خبر الواحد خاص في مراده لا يحتمل غير المراد،
أما العام فهو يحتمل، وإذا كان دلالة الخبر أقوى في الدلالة على
معناه من العام، فإنه يكون راجحاً عليه، والعمل بالراجح متعين.
الجواب الثاني: أن هذا منقوض بالبراءة الأصلية، فإنها يقينية مع
أنها تترك بخبر الواحد، فكذلك العام من الكتاب والسُنَّة المتواترة
يترك بخبر الواحد.
الدليل الثالث: قياس التخصيص على النسخ، بيان ذلك:
أنه كما لا يجوز نسخ الكتاب والسُّنَّة المتواترة بخبر الواحد،
فكذلك لا يجوز تخصيصهما به؛ لأن النسخ تخصيص في الأزمان.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن هذا القياس صحيح لو لم يرد دليل أقوى منه
قد ألغى هذا القياس، وهو: الإجماع، فإن الصحابة قد أجمعوا
على رد خبر الواحد إذا كان ناسخا للمقطوع، كما أجمعوا على
قبوله إذا كان مخصصا له.
(4/1615)

الجواب الثاني: سلمنا عدم حصول هذا الإجماع، لكن هذا
القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن التخصيص
أهون من النسخ، لأن التخصيص دفع، والنسخ رفع، والدفع
أسهل من الرفع.
المذهب الثالث: التفصيل بين ما خُصَّ بقطعي، وبين ما خُصَّ
بظني، بيانه:
إن كان العام من الكتاب والسُّنَّة المتواترة قد خُصَّ بدليل متفق عليه
- وهو الدليل القطعي -: فإنه يجوز تخصيصه بخبر الواحد.
وإن كان العام منهما لم يخص بقطعي، فإنه لا يجوز تخصيصه
بخبر الواحد، وهو مذهب عيسى بن أبان، وكثير من الحنفية.
دليل هذا المذهب:
أن ما دخله التخصيص بدليل قطعي صار مجازاً فيما بقي وصارت
دلالة العام ظنية، وحينئذ يقوى خبر الواحد على تخصيصه؛ لأن
كلا الأمرين مظنون، والظق يعارضه ظن مثله.
أما إذا لم يدخله التخصيص أصلاً فهو باق على حقيقته في
الاستغراق؛ حيث إن دلالة العام عند أكثر الحنفية قطعية وحينئذٍ لا يقوى
خبر الواحد على تخصيصه، لأنه قطعي وخبر الواحد ظني، والظني
لا يقوى على تخصيص القطعي.
جوابه:
إن هذا الكلام مبني على قاعدتكم - أي: قاعدة الحنفية وهي:
أن دلالة العام قطعية - ونحن نخالفكم في هذه القاعدة؛ حيث قلنا
هناك: إن دلالة العام ظنية، وهي أضعف من دلالة الخاص - وهو:
(4/1616)

خبر الواحد -؛ حيث إن الخاص - كخبر الواحد - لا يقبل
التخصيص بخلاف العام، فإنه يقبل التخصيص ويرد عليه، فيكون
خبر الواحد أقوى من العام، فإذا كان الأمر كذلك فإن خبر الواحد
يقوى على تخصيص العام.
المذهب الرابع: التفصيل بين المخصَّص بالمتصل، وبين المخصَّص
بغيره.
بيانه: أن العام من الكتاب والسُّنَّة المتواترة إن لم يخص أصلاَّ أَو
خص بمتصل كالشرط والغاية والاستثناء، فلا يخصصه خبر الواحد.
أما إذا خص بمنفصل كالنص، أو القياس، أو الإجماع، فإن
خبر الواحد يخصصه، وهو مذهب أبي الحسن الكرخي.
دليل هذا المذهب:
أن العام إذا لم يخصص أصلاً، فإن دلالته على الأفراد قطعية،
فلا يقوى خبر الواحد على تخصيصه، وإن خص بالمخصص المتصل
فإنه أيضا تكون دلالته قطعية؛ لأنه لا يحتمل غير ما قُيِّد به من
الأفراد الموصوفة بالصفة، أو الشرط، ونحو ذلك، فتكون دلالته
على الباقي قطعية، وإذا كانت دلالة العام قطعية، فإن خبر الواحد
لا يقوى على تخصيصه.
أما إذا خصص العام: بمنفصل كالنقل والقياس، فإنه يصبح ظني
الدلالة على الباقي؛ لأنه يحتمل أن تخرج منه بعض الأفراد الباقية
بدليل كما خرج بعض الأفراد في المرة الأولى، وإذا كان العام ظني
الدلالة وخبر الواحد كذلك، فإنهما يتساويان في الظن، فيتعارضان،
فيقدم - حينئذ - خبر الواحد؛ لأن فيه عملاً بالدليلين؛ لأنه يعمل
(4/1617)

بالخاص، وما بقى بعد التخصيص، أما لو عملنا بالعام للزم إبطال
دليل قد ثبت وهو الخاص، فلا يجوز.
المذهب الخامس: أن العام يعمل فيه فيما عدا الفرد الذي دلَّ عليه
خبر الواحد الخاص، أما الفرد الخاص الذي دلَّ عليه خبر الواحد،
فإنه يتعارض مع ما دلَّ عليه اللفظ العام، وحينئذ لا نرجح أحدهما
على الآخر، ونتوقف حتى يرد دليل يرجح أحدفما، وهو مذهب
القاضي أبي بكر الباقلاني.
دليل هذا المذهب:
أن خبر الواحد والعام قد اجتمع في كل واحد منهما قطع من وجه
وظن من وجه آخر، فوقفا موقفاً سواء، ولم يترجح أحدهما على
الآخر.
بيانه:
أن خبر الواحد مقطوع الدلالة والمعنى، حيث إنه خاص، ولكنه
من جهة أخرى مظنون السند والأصل.
واللفظ العام الوارد في الكتاب والسُّنَّة المتواترة مقطوع السند
والأصل، ولكنه من جهة أخرى مظنون المعنى والدلالة والشمول.
فخبر الواحد قطعي الدلالة ظني الثبوت، والعام من الكتاب
والسُّنَّة المتواترة قطعي الثبوت ظني الدلالة، فكل واحد منهما قوي
من جهة وضعيف من جهة أخرى، فهما - إذن - متقابلان،
ومتساويان في القوة، وليس أحدهما بأوْلى من الآخر، ولا دليل
على ترجيح أحدهما على الآخر، فوجب التوقف.
(4/1618)

جوابه:
إن خبر الواحد أرجح من العام؛ لما ذكرناه كثيراً فيما سبق،
وهو: أن العمل بالخاص - وهو ما دلَّ عليه خبر الواحد - فيه إعمال
للدليلين.
حيث يتضمن: العمل بالخاص، وما بقي بعد التخصيص من
العام، أما العمل بالعام ففيه إبطال للخاص - وهو ما دلَّ عليه خبر
الواحد -، ومعروف أن إعمال الدليلين إن أمكن أوْلى من إعمال
أحدهما دون الآخر.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي، حيث إنه أثر في بعض الفروع الفقهية،
ومنها:
قوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) ،
فقد خصَّصه أصحاب المذهب الأول بما روت عائشة - رضي الله
عنها -: أن قوما قالوا: يا رسول الله، إن قوماً يأتوننا باللحم لا
ندري أذكر اسم اللَّه عليه أم لا؛ فقال: " سموا عليه وكلوا "، وما
روي أنه قال: " ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم اللَّه أو لم يذكر "،
ونحوهما.
فعند أصحاب المذهب الأول: أن التسمية سُنَّة، وأن متروك
التسمية عمداً حلأل كله، وعموم تلك الآية قد خصص بما ذكرناه من
أخبار الآحاد.
أما عند أصحاب المذهب الثاني والثالث والرابع فلم يُخصِّصوا
الآية السابقة بتلك الأحاديث، وقالوا: إن هذه الأحاديث ظنية،
(4/1619)

ودلالة العام قطعية، والظني لا يخصص القطعي، وبناء على ذلك
قالوا: أن متروك التسمية عمداً ليس بحلال، ولا يجوز أكله؛ أخذاً
بعموم الآية السابقة.
أما أصحاب المذهب الخامس فقد توقفوا في ذلك حتى يأتي دليل
يرجح أحدهما.
المسألة الثامنة: في تخصيص الكتاب والسُّنَّة بتقرير النبي - صلى الله عليه وسلم -.
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن التقرير يخصص العموم مطلقا، سواء كان
اللفظ العام ورد في الكتاب أو السُّنَّة.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن تقرير النبي - صلى الله عليه وسلم - لذلك الواحد على ذلك الفعل، وسكوته عن الإنكار دليل واضح
على جواز ذلك الفعل له، وإلا كان فعله منكراً، ولو كان كذلك
لاستحال من النبي - صلى الله عليه وسلم - السكوت عنه، وعدم النكير عليه؛ لأنه لا يحل له الإقرار على الخطأ، وهو معصوم، وإذا لم ينكر عليه كان سكوته دليلاً من أدلة الشرع، وهو مقابل بالنص العام، إذن هما
دليلان قد ثبتا، وحينئذ نقول: إما أن نعمل بكل واحد منهما، أو
لا نعمل بواحد منهما، أو نعمل بالعام ونترك الخاص، أو نعمل
بالخاص وما بقي بعد التخصيص، والثلاثة الأولى باطلة، فيصح
الرابع وهو: أن نعمل بالخاص وما بقي بعد التخصيص؛ جمعا بين
الدليلين كما سبق بيانه في الدليل الثاني من أدلة تخصيص الكتاب
بالكتاب.
(4/1620)

المذهب الثاني: أنه لا يجوز تخصيص العموم بتقرير الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن التقرير لا صيغة له، فلا يقع في مقابلة ما له صيغة، فلا
يكون مخصصاً للعموم.
جوابه:
إن التقرير وإن كان لا صيغة له غير أنه حُجَّة قاطعة في جواز
الفعل؛ نفياً للخطأ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -،
بخلاف العام، فإنه ظني محتمل للتخصيص، فيكون التقرير أقوى،
والأقوى يخصص الأضعف، فالتقرير يخصص العام.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي، وهو واضح؛ حيث إنه لو وجد عام من
النص، وأقر - صلى الله عليه وسلم - على فعل يخالف دلالة ذلك العام، فإن العام لا يكون حكمه متناولاً لهذا الفرد، بل يكون مراداً به غيره، هذا
عند أصحاب المذهب الأول.
أما عند أصحاب المذهب الثاني: فإن العام يكون حكمه متناولاً
لهذا الفرد وغيره؛ لأن التقرير لا يقوى على تخصيص العام عندهم.
***
المسألة التاسعة: في تخصيص الكتاب والسُّنَّة المتواترة بالإجماع:
هذا جائز باتفاق العلماء المعتد بأقوالهم، دلَّ عليه ما يلي:
الدليل الأول: الوقوع، والوقوع يدل على الجواز، بيانه:
(4/1621)

أنه لما قال تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) ، فإنهم خصصوا هذه الآية بالإجماع على أن العبد يجلد
خمسين جلدة على النصف من الحر؛ قياساً على الأمة، وبيانه:
أن اللَّه تعالى قال: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) ، فهنا قد صرح بأن على الأمة
نصف ما على الحرة، فيقاس على الأمة العبد، فيكون عليه نصف ما
على الحر، وأجمعوا على هذا فخصص به قوله تعالى: (الزانية
والزاني..) ، فتكون الآية مخصصة بالإجماع، وقد يكون مستند
الإجماع غير ذلك القياس، لكن غير المجمعين لا يلزمهم البحث عن
هذا المستند، بل يكفيهم الإجماع على التخصيص.
الدليل الثاني: أن الإجماع أوْلى من عام الكتاب والسُّنَّة المتواترة؛
لأنهما نصوص، والنص قابل للتأويل، والإجماع غير قابل لذلك،
فيكون الإجماع أقوى، وحينئذ يخصص عام الكتاب والسُّنَّة
المتواترة.
تنبيه: لا يجوز تخصيص الإجماع بالكتاب والسُّنَّة المتواترة،
لاستحالة أن ينعقد الإجماع على خلاف الكتاب والسُّنَّة المتواترة.
***
المسألة العاشرة: في تخصيص الكتاب والسُّنَّة بمفهوم الموافقة:
لقد اتفق العلماء على أن مفهوم الموافقة - وهو: دلالة اللفظ
على ثبوت حكم المنطوق به للمسكوت عنه وموافقته له - يخصص
العموم من الكتاب والسُّنة، وذلك لأن مفهوم الموافقة دليل خاص
(4/1622)

من أدلة الشرع، والعام دليل كذلك، فإذا تعارض الدليلان، فإنا
نعمل بالخاص، وما بقي بعد التخصيص؛ جمعا بين الدليلين، وهو
أَوْلى من العمل بالعام، وترك الخاص، لأن فيه إهمال لدليل قد
ثبت، وقد سبق هذا مراراً.
مثاله: لو قال: " كل من دخل داري فاضربه "، ثم قال: " إن
دخل زيد فلا تقل له أف "، فإن ذلك يدل على تحريم ضرب زيد
وإخراجه من العموم.
***
المسألة الحادية عشرة: في تخصيص الكتاب والسُّنَّة بمفهوم المخالفة:
لقد اختلف العلماء في مفهوم المخالفة - وهو: دلالة اللفظ على
ثبوت حكم للمسكوت عنه مخالف لما دلَّ عليه المنطوق - هل
يُخصص العام من الكتاب والسُّنَّة أو لا؛ على مذهبين:
المذهب الأول: أن مفهوم المخالفة يخصص العام من الكتاب
والسُّنَّة.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق، لما ذكرناه من الدليل
على جؤاز تخصيص العام بمفهوم الموافقة، وقد سبق.
المذهب الثاني: أن مفهوم المخالفة لا يخصص العام من الكتاب
والستُنَّة.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن العام منطوق به، والمنطوق أقوى من المفهوم؛ نظراً لافتقار
(4/1623)

المفهوم فى دلالته إلى المنطوق، وعدم افتقار المنطوق فى دلالته إلى
المفهوم.
فيكون المفهوم أضعف، فلو خص العام به للزم من ذلك العمل
بالأضعف وترك الأقوى، وهو خلاف المعقول.
جوابه:
نسلم لكم أن المفهوم أضعف من المنطوق، لكن الذي جعلنا
نعمل بالمفهوم الخاص هو أنه لا يلزم منه إبطال العمل بالعام مطلقا؛
حيث إنا نعمل به وما بقي بعد التخصيص، أما العمل بالعموم فإنه
يلزم منه إبطال العمل بالمفهوم الخاص، ولا يخفى أن الجمع بين
الدليلين ولو من وجه أَوْلى من العمل بظاهر أحدهما، وإبطال
الآخر.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي.
فإنه بناء على المذهب الأول، فإن مفهوم قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"فى سائمة الغنم زكاة " يخصص عموم قوله غيهيم: "فى أربعين شاة شاة "،
فتكون الزكاة واجبة فى الغنم السائمة فقط، أما المعلوفة فتخرج عن
الوجوب، والذى أخرجها المفهوم.
أما بناء على المذهب الثانى، فإن هذا المفهوم لا يخصص ذلك
العموم.
****
المسألة الثانية عشرة في تخصيص الكتاب والسُّنَّة بالقياس:
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
(4/1624)

المذهب الأول: أن القياس يخصص عموم الكتاب والسُّنَّة مطلقاً.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: أن القياس دليل شرعي خاص، والعام دليل
شرعي، ولا يمكن أن نقدم العام على الخاص؛ لأنه يلزم منه إلغاء
الخاص بالكلية، أما تقديم الخاص عليه، فلا يوجب ذلك، فكان
تقديم الخاص - وهو القياس - أَوْلى.
وقد سبق بيان ذلك كثيراً.
الدليل الثاني: أن صيغة العموم قد ضعفت بسبب كثرة تعرضها
للتخصيص، وكثرة احتمالات دخول المخصصات عليها حتى قيل:
"ما من عام إلا وقد خص منه البعض " فى حين أن القياس لا يحتمل
ذلك، والمحتمل أضعف من غير المحتمل، فيكون القياس أقوى من
العام، والقوي يخصص الضعيف.
المذهب الثاني: أن القياس لا يخصص عموم الكتاب والسُّنَّة
مطلقاً.
وهو مذهب بعض المعتزلة كالجبائي، وبعض الفقهاء، ووجه عند
الإمام أحمد، واختاره بعض الحنابلة كأبي إسحاق بن شاقلا.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: حديث معاذ - رضي اللَّه عنه - حيث رتب الأدلة
فكان الكتاب أولاً، ثم السُّنَّة، ثم الاجتهاد - ومنه القياس -
فصوبه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فالقياس يعمل به بشرط: عدم وجود كتاب ولا سُنّة.
(4/1625)

فلا يمكن على هذا تقديم القياس على عموم النص من الكتاب
والسئُنَة.
فالفول بتخصحص عموم الكتاب والسُّنَّة بالقياس تقديم للقياس
على الكتاب والسُّنَّة، وأنه خلاف النص فكان باطلاً.
جوابه:
أن كلامكم هذا يقتضي: أن لا يجوز تخصيص الكتاب بالسُّنَة
المتواترة؛ لأن الكتاب متقدم عليها، وهذا باطل؛ حيث قلنا هناك:
إنه يجوز تخصيص الكتاب بالسُّنَّة المتواترة، فإذا جاز تخصيص
الكتاب بالسُّنة المتواترة مع تأخرها في الرتبة عنه، فإنه يجوز
تخصيص النص بالقياس مع تأخره عنه في الرتبة.
الدليل الثاني: أن النص العام أصل - حيث إنه ثبت بكتاب أو
سُنَّة - والقياس فرع لذلك النص العام؛ حيث إنه يلحق به،
والفرع لا يمكن أن يسقط أصله، أي: لو خصصنا النص العام
بالقياس للزم من ذلك تقديم الفرع على الأصل، ولزم إسقاط الفرع
للأصل، وهذا لا يجوز.
جوابه:
إنا لم نترك الأصل بفرعه، وإنما القياس هو فرع لنص آخر،
وليس فرعا للنص المخصوص، والنص تارة يخصص بنص آخر،
وتارة يخصص بمعقول نص آخر، ولا معنى للقياس إلا معقول النص.
فمثلاً: لما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
" لا تبيعوا البر بالبر " قسنا عليه الأرز،
وقلنا بأنه لا يجوز الربا فيه، قياسا على البر، خصصنا بهذا
القياس عموم قوله تعالى: (وأحل اللَّه البيع) ، فهنا لم يخصص
الأصل بفرعه.
(4/1626)

الدليل الثالث: أن النصوص العامة تفيد ظن الحكم فائدة أقوى
وأكثر من إفادة القياس لظن الحكم، فلا يجوز تقديم الأضعف
والأقل فائدة - وهو القياس - على الأقوى والأكئر فائدة - وهو
العموم -.
جوابه:
لا نسلم ذلك على الإطلاق، بل قد تكون الظنون المستفادة من
القياس أقوى، وقد تكون الظنون المستفادة من العموم أقوى في نفس
المجتهد، إذن: لا يبعد أن يوجد قياس قوي أغلب على الظن من
عموم ضعيف.
المذهب الثالث: الفرق بين القياس الجلي، والقياس الخفي، بيانه:
إن كان القياس جلياً، فإنه يخصص العموم.
وإن كان القياس خفيا، فإنه لا يخصص العموم.
وهو مذهب ابن سريج، والإصطخري من الشافعية، وبعض
المتكلمين.
ثم اختلف هؤلاء في تفسير الجلي والخفي على أقوال:
فقيل: إن الجلي هو قياس العِلَّة - وهو إثبات الحكم في الفرع
بعفَة الأصل - ولا يوجد له إلا أصل واحد، والقياس الخفي هو:
قيَاس الشبه وهو: تردد الفرع بين أصلين، ويكون شبهه بأحدهما
أكثر فنلحق الفرع بأكثرهما شبها.
وقيل: إن الجلي هو: ما يظهر فيه المعنى الجامع بين الأصل
والفرع، والقياس الخفي هو: ما كانت فيه العِلَّة مستنبطة من حكم
الأصل، وقيل غير ذلك.
(4/1627)

دليل هذا المذهب:
أن القياس الجلي أقوى من عموم الكتاب والسُّنَّة، فيقوى على
تخصيصه.
أما القياس الخفي فهو أضعف من العموم فلا يقوى على تخصيصه.
وعلى المجتهد اتباع الأقوى من الدليلين.
جوابه:
أنه لا فرق بينهما؛ حيث إن القياس الخفي دليل، فكان حكمه
حكم القياس الجلي ولا فرق؛ حيث إنه من جنسه في تخصيص
العموم؛ قياسا على خبر الواحد: لما كان دليلاً كان حكمه حكم
الجلي، وهو: خبر المتواتر في التخصيص.
المذهب الرابع: أن العام المخصوص يخصص بالقياس، أما غيره
فلا، وهو مذهب عيسى بن أبان، وهو اختيار أكثر الحنفية.
دليل هذا المذهب:
أنا ما دخله التخصيص من اللفظ العام يصير مجازاً، فيكون بذلك
ضعيفا فيقوى القياس على تخصيصه.
أما العام الذي لم يدخله التخصيص فهو باق على حقيقته في
الاستغراق - حيث تكون دلالته قطعية - فلا يقوى القياس على
تخصيصه؛ لأن القياس ظني فهو أضعف من القطعي.
جوابه:
أن هذا مبني على قاعدتكم، وهي: أن دلالة العام قطعية،
ونحن نخالفكم فيها، فإن دلالة العام عندنا ظنية - كما سبق بيان
ذلك - وإذا كانت كذلك، فإن القياس يقوى على تخصيص العام؛
(4/1628)

لتساويهما في الدلالة، ولا فرق عندنا بين العام المخصوص، وبين
غيره في ذلك.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ حيث إنه قد تأثر بهذا الخلاف بعض الفروع
الفقهية، ومنها:
أن قوله تعالى: (ومن دخله كان آمنا) قد أجراه أصحاب
المذهب الثاني والثالث والرابع على عمومه، حيث إنهم قالوا: إن
من وجب عليه حد في النفس، ثم لجأ إلى الحرم لا يقتص منه داخل
الحرم، ولكنه يلجأ إلى الخروج بعد إطعامه، وسقياه، ومعاملته،
وكلامه حتى إذا خرج اقتص منه.
وهذا مذهب الحنفية.
أما أصحاب المذهب الأول فإنهم قالوا: إنه يُقتص منه،
وخصَّصوا ذلك من عموم الآية السابقة بالقياس؛ حيث قاسوه على
من جنى في داخل الحرم، فإن قتله جائز أخذاً من قوله تعالى:
(وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ) ، وهذا مذهب جمهور العلماء، وهو الصحيح.
المسألة الثالثة عشرة: تعارض الخاص مع العام:
إذا كان الخاص يثبت حكماً في بعض أفراد العام، وهذا الحكم
يخالف حكم العام كقول السيد: " أكرم الطلاب "، و " لا تكرم
(4/1629)

زيداً "، فما الحكم هنا؛ لقد اختلف العلماء في ذلك على
مذهبين:
المذهب الأول: أن النص الخاص يخصص اللفظ العام مطلقا.
أي: سواء علمنا تاريخ نزول كل واحد منهما، أو لم نعلم،
وسواء تقدم العام على الخاص أو تأخر، أو جهل التاريخ فلا نعلم
أيهما المتقدم والمتأخر؛ أو كانا متقارنين في النزول، أو غير ذلك.
وهو مذهب كثير من العلماء، وهو الحق، لدليلين:
الدليل الأول: أن الصحابة - رضي اللَّه عنهم - كانوا إذا تعارض
العام مع الخاص، فإنهم يقدمون الخاص مطلقا ولا ينظرون إلى كون
أحدهما متقدماً أو متأخراً ولا إلى غير ذلك، ومن أمثلة ذلك:
قوله تعالى: (يوصيكم اللَّه في أولادكم) ، فهذا النص عام
يدل على أن جميع الأولاد يرثون من اَبائهم فخصصوه أولاً بما روي
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا يرث الكافر من المسلم، ولا المسلم من الكافر "، فخرج الولد الكافر، فإنه لا يرث من أبيه المسلم،
وخصصوه ثانياً بما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " لا يرث القاتل "، وخصصوه ثالثا بما رواه أبو بكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " نحن الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة "، فخرج أولاد الأنبياء.
وكذلك قوله تعالى: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) ، فهو عام
يدل على جواز الزواج - بغير المذكورات في الآية -: فيجوز - على
ذلك - الزواج بعمة الزوجة، وبخالتها، وبابنة أختها وابنة أخيها،
ولكن الصحابة قد خصصوا هذه الآية بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
(4/1630)

"لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها "، فأخرج هذا الحديث
أربع نساء -: خالة الزوجة، وعمتها، وابنة أختها، وابنة أخيها،
ونحو ذلك، مما لا يحصى عنهم ولم ينقل إلينا أنهم بحثوا هل العام
نزل قبل الخاص، أو الخاص قبله، فدل على أن الخاص يخصص
العام مطلقا، سواء تقدم على العام، أو تأخر عنه، أو جهل
التاريخ.
الدليل الثاني: أن تخصيص العام بالخاص فيه عمل بكل واحد من
الدليلين معاً، وذلك لأن الخاص يعمل فيه فيما دلَّ عليه من الأفراد،
والعام يعمل به فيما بقي بعد التخصيص، وفي هذا جمع بين
الدليلين - وهما العام والخاص -.
وهو أَوْلى من أن يقال: إن المتأخر ينسخ المتقدم إن علم تاريخ
نزولهما؛ لأنه يلزم منه إهمال وإبطال دليل قد ثبت.
وهو أَوْلى من التوقف إن جهل التاريخ؛ لأنه يلزم منه: ترك
دليلين قد ثبتا.
فكان القول بأن الخاص يُخصِّص العام مطلقا هو الراجح؛ لئلا
يلزم ترك وإبطال الدليلين أو أحدهما.
المذهب الثاني: الفرق بين أن يعلم تاريخ نزولهما، أو أن يجهل،
أو يكون الخاص والعام مقترنين بيانه:
إن علمنا أن الخاص نزل وورد بعد العام، فإن الخاص ينسخ
العام فنعمل بما دلَّ عليه الخاص.
(4/1631)

وإن علمنا أن العام والخاص نزلا معاً، فإن الخاص يخصص العام
كما سبق.
وإن علمنا أن العام نزل وورد بعد الخاص، فإن العام يكون
ناسخاً للخاص، ويثبت الحكم لجميع الأفراد.
وإن لم نعلم التاريخ، حيث لم نعلم تقدم أحدهما، ولا كون
أحدهما مقارناً للآخر، فإنا نتوقف عن العمل بكل واحد منهما حتى
تأتي قرينة تدل على المراد.
وهو مذهب جمهور الحنفية، وإمام الحرمين، والقاضي عبد الجبار.
دليل هذا المذهب:
أن ابن عباس - رضي اللَّه عنهما - قال: " كنا نأخذ الأحدث
بالأحدث من أعمال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ".
وجه الدلالة: أن هذا ظاهر أن المتأخر أوْلى بالعمل من المتقدم
عند العلم أن أحدهما متأخر عن الآخر، ولم يفرق هذا الأثر بين أن
يكون المتقدم الخاص، أو المتقدم العام، فيكون المتأخر منهما هو
المعمول به، فيكون المتأخر ناسخا للمتقدم.
أما إذا علمنا مقارنة الخاص للعام، فلم يوجد مقتضى النسخ
- وهو العلم بالتأخر - فيكون الخاص مخصصا للعام على ما سبق.
أما إذا جهلنا التاريخ فلم نعلم المتقدم منهما فإنا نتوقف؛ لأن كلاً
من العام والخاص دلالته قطعية: فهما متساويان، فإذا عملنا
بأحدهما دون الآخر نكون قد رجحنا واحداً منهما بدون مرجح،
والترجيح بدون مرجح لا يجوز، فيلزمنا التوقف حتى يأتى دليل
يرجح أحدهما.
(4/1632)

جوابه:
يجاب عنه بأجوبة:
الجواب الأول: أن هذا الأثر هو قول صحابي واحد، فيكون
ضعيف الدلالة.
الجواب الثاني: على فرض صحته فإنا نحمله على ما إذا كان
الأحدث خاصاً، فيخصص العام؛ جمعا بين الدليلين.
الجواب الثالث: أنا لا نُسَلِّمُ تساوي الدليلين - العام والخاص -
عند جهل التاريخ، بل هذا الزعم مبني على قاعدتكم وهي -: أن
دلالة العام قطعية، وهذا لا نسلمه لكم، بل إن دلالة العام ظنية،
وإذا كانت ظنية، فإن الخاص يكون أقوى من العام؛ لأن دلالة
الخاص قطعية، وحينئذٍ يقوى الخاص على تخصيص العام.
الجواب الرابع: أن العام والخاص إذا تعارضا فإن الخاص أرجح
- وإن جهل التاريخ -؛ لأن العمل به فيه إعمال للدليلين معاً؛ حيث
إنه يعمل بالخاص، وما بقي بعد التخصيص من العام، أما إذا تركنا
العمل. به، ففيه ترك لأحدهما، والإعمال خير من الإهمال والترك.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي، حيث إن أصحاب المذهب الأول قصدوا: أن
الخاص يخصص العام بدون البحث عن تأخر أحدهما أو تقدمه أو
نحو ذلك، أما أصحاب المذهب الثاني فقد قصدوا: أنه إذا ورد
خاص وعام، فإنهم يبحثون هل العام نزل قبل الخاص، أو
العكس، أو جهل ذلك، أو كانا مقترنين وكل قسم له حكم قد سبق
بيانه، وقد انبنى على ذلك بعض الفروع الفقهية، ومنها؛
(4/1633)

أن قوله تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) ،
وقوله: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى)
إلى آخر آيات القصاص: فإنها تفيد العموم، سواء كان القاتل أو
المقتول مسلماً أو كافراً، وعلى هذا فإنه يجب القصاص على المسلم
إذا قتل كافراً مطلقاً، وهو من أفراد العموم.
إلا أن أصحاب المذهب الأول - وهم الجمهور - قد خصَّصوا هذا
العموم وقالوا: إنه لا يقتل المسلم بالكافر الذمي، والمخصص لذلك
أحاديث منها: " ... ألا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده "،
وكذلك ما جاء فيما رواه أبو جحيفة قال: قلت لعليٍّ: هل عندكم
شيء من الوحي ما ليس في القرآن؛ قال: لا، والذي فلق الحبة
وبرأ النسمة إلا فهماً يعطيه اللَّه رجلاً في القرآن، وما في هذه
الصحيفة، قلت: وما في هذه الصحيفة؛ قال: العقل، وفكاك
الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر ".
أما أصحاب المذهب الثاني - وهم الحنفية - فلم يخصصوا تلك
الآيات بتلك الأحاب يث الخاصة، وذهبوا إلى أن المسلم يقتل إذا قتل
ذمياً؛ وأوَّلوا الحديث بأن المراد: لا يقتل مسلم بكافر حربي - فقط -
وللجمهور وللحنفية استدلالات أخرى يمكن أن تراجع في كتب
الفروع.
***
المسألة الرابعة عشرة: قول الصحابي وفعله ومذهبه هل يخصِّص العموم؟
لقد اختلف فى ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن قول الصحابي ومذهبه لا يُخصص العموم.
(4/1634)

وهو مذهب أكثر الشافعية، والمالكية، وكثير من العلماء، وهو
الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: أن العام دليل ظاهر فيما اقتضاه من التعميم، ولم
يوجد له ما يصلح أن يكون معارضا له سوى فعل الصحابي وقوله،
وهو غير صالح لمعارضته؛ حيث إن فعله غير مستند إلى نص يدل
على أن المراد بذلك العام الخاص، بل يكون مستنداً إلى ما يظنه
دليلاً أقوى منه، فيحتمل أن يكون دليلاً، ويحتمل أن لا يكون
دليلاً، وبتقدير أن يكون دليلاً يحتمل أن يكون أقوى منه، ويحتمل
أن لا يكون، وهذه الاحتمالات متساوية، ولا مرجح؛ أما العام
فهو دليل لا يحتمل شيئاً، فيقدم غير المحتمل على المحتمل، وعليه:
فلا يقوى قول الصحابي ومذهبه على تخصيص العام.
الدليل الثانى: أن الواقع من الصحابة - رضي اللَّه عنهم - يشهد
بأن قول الصحابي لا يخصص العموم؛ حيث إنه كان الواحد منهم
إذا سمع العموم من الكتاب والسُّنَّة، فإنه يترك قوله ومذهبه من
أجل هذا العموم، وما نقل عن أحد منهم أنه خص عموما بقول
نفسه، فهذا يدل على أن قوله أضعف من عموم كلام الشارع.
فانظر مثلاً إلى ابن عمر، حيث ترك مذهبه لحديث رافع بن
خديج في المخابرة، فروي أن ابن عصر قال: كنا نخابر أربعين سنة
لا نرى بذلك بأساً حتى أخبرنا رافع أن النبي - صلى الله عليه وسلم -
نهى عن المخابرة، فإذا كان ابن عمر قد ترك قوله ومذهبه، وهو من فقهاء الصحابة فغيره أوْلى بالترك.
المذهب الثاني: أن قول الصحابي ومذهبه يخصص به العموم.
وهو مذهب الحنفية والحنابلة.
(4/1635)

دليل هذا المذهب:
أن قول الصحابي حُجَّة يقدم على القياس، وتخصيص العموم
بالقياس جائز - كما سبق - فقول الصحابي المقدم عليه أَوْلى أن
يخصص به.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنا قلنا في الباب الثالث - في دليل قول
الصحابي -: إن قول الصحابي حُجَّة إذا لم يعارض نصا من كتاب
أو سُنَّة، أما إذا عارض ذلك فلا يحتج به.
الجواب الثاني: أن قياسكم قول الصحابي على القياس، قياس
فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، والفرق بينهما من وجهين:
الوجه الأول: أن الاحتمالات تتطرق في قول الصحابي ومذهبه
أكثر من تطرق الاحتمالات في القياس كما سبق بيانه في دليلنا الأول
من المذهب الأول، وكما سبق في دليلنا الثاني من المذهب الأول من
مسألة تخصيص الكتاب والسُّنَّة بالقياس.
الوجه الثاني: أن القياس ثبت اعتماداً على أصل ثابت بكتاب أو
سُنَة، فجاز التخصيص به لمعرفتنا للدليل الذي اعتمد عليه، أما
قول الصحابي ومذهبه المخصص للعموم فلا نعرف مستنده لذلك
رددناه، ونعمل بما ثبت وعلمناه، وهو العموم.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ حيث أثر هذا الخلاف في بعض الفروع، ومنها:
أن ابن عباس - رضي اللَّه عنهما - قد روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه
(4/1636)

قال: " من بدل دينه فاقتلوه "، فهذا عام في الرجال والنساء، لكن
روي عنه - أي: عن ابن عباس - أن مذهبه: أن المرأة إذا ارتدت لا
تقتل، فهل يخصص عموم الحديث بمذهبه أو لا؛
على المذهبْ الأول: لا يخصص عموم الحديث بقول ومذهب
ابن عباس وعليه: تقتل المرأة إذا ارتدت.
وعلى المذهب الثاني: يخصص ذلك العموم بقول ابن عباس،
وعلى ذلك: لا تقتل المرأة إذا ارتدت.
وقد تكلمت عن مخالفة الصحابي للحديث النبوي الشريف
مخالفة كلية، أو مخالفة لبعضه من حيث تخصيصه في كتابي:
"مخالفة الصحابي للحديث النبوي الشريف - دراسة نظرية تطبيقية -
ورجحت فيه: أنه لا يلتفت إلى قول ومذهب الصحابي، بل يعمل
بعموم قول الشارع من الكتاب أو السُّنَّة، وذكرت أدلة كثيرة على
ذلك، وناقشت أدلة المخالفين، مع بيان نوع الخلاف هناك وتكثير
الأمثلة، فراجعه إن شئت فهو مطبوع في مجلد ومنتشر في المكتبات
العامة والخاصة.
***
المسألة الخامسة عشرُة: العرف والعادة هل يُخصَّص بها العموم؟
للكلام عن هذه المسألة لا بد التفصيل الآتي:
أولاً: إن كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - أوجب أو حرم
أشياء بلفظ عام، ثم رأينا العرف والعادة جارية بترك بعضها،
أو بفعل بعضها، فهل تؤثر تلك العادة في تخصيص ذلك العام حتى يقال: المراد من ذلك العام
ما عدا ذلك البعض الذي جرت العادة بتركه، أو بفعله أم لا تؤثر
في ذلك، بل هو باق على عمومه متناول لذلك الفعل ولغيره؛
(4/1637)

الجواب فيه تفصيل:
1 - إن علم أن العادة كانت حاصلة في عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع علمه بها، وعدم منعهم عنها: كانت مخصصة، لكن المخصص في الحقيقة ليس العرف ولا العادة بل تقرير الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
2 - وإن علم أنها ما كانت حاصلة في عصره، أو ما علم بها،
أو كان يمنعهم من ذلك، أو لم يثبت شيء من ذلك: فإنه لا يجوز
التخصيص بها؛ لأن أفعال الناس ليست بحُجَّة على الشرع.
3 - إذا فرضت العادة بحيث تكون مجمعاً عليها بأن يستمر عليها
كل واحد من العلماء وغيرهم: كانت مخصصة، لكن المخصص
في الحقيقة هو الإجماع، وليست العادة والعرف.
ثانيا: إذا كانت العادة جارية بفعل معين كأكل طعام معين مثلاً،
ثم إنه سمع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهاهم عنه بلفظ تناوله وغيره مثل قوله: " نهيتكم عن أكل الطعام "،
فهل يكون النهي مقتصراً على أكل ذلك الطعام فقط،
أم يجري على عمومه، ولا تؤثر عادتهم في ذلك؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن العرف والعادة لا يخصص بها العموم.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن أفعال الناس
وعاداتهم وأعرافهم لا تكون حُجَّة على الشرع، واللفظ عام، ولم
يوجد له معارض، والعادات لا تصلح أن تكون معارضة؛ لما قدمنا،
فوجب العمل بعموم اللفظ.
المذهب الثاني: أن العرف والعادة يخصص بها العموم.
(4/1638)

وهو مذهب الحنفية.
دليل هذا المذهب:
أن العرف يُعتبر من أدلة الشريعة، فإذا دلَّ هذا الدليل على شيء
خاص، وعارض عموم آية أو حديث، فإنا نعمل بالخاص وما بقي
بعد التخصيص من العام؛ جمعاً بين الدليلين، وهو أوْلى من العمل
بالعام وترك الخاص - الذي هو العرف -؛ لأنه يلزم منه: العمل
بأحد الدليلين وترك الآخر.
جوابه:
نحن معكم أن العرف دليل من أدلة الأحكام، لكن بشرط أن لا
يعارض نصاً من النصوص الشريعة، فإن عارضه: فلا يكون دليلاً،
ولا يؤخذ به.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ حيث أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها:
ما ذكرناه: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لو قال: " نهيتكم عن أكل الطعام "
وكانت العادة جارية بأكل طعام معين كالأرز - مثلاً - فإنه على
المذهب الأول: فإن النهي يكون على جميع الأطعمة، ولا تؤثر
على هذا العموم عادتهم.
أما على المذهب الثاني، فإن النهي يكون مقتصراً على أكل ذلك
الطعام وهو الأرز فقط؛ لأن العادة مخصصة للعموم.
***
المسألة السادسة عشرة: هل يجوز تخصيص العام بذكر بعضه؛
مثال ذلك: قوله عليه السلام: " أي إهاب دبغ فقد طهر "،
(4/1639)

فإنه عام في كل جلد غير مدبوغ؛ حيث إن الإهاب اسم لذلك،
وقال عليه السلام في شأن ميمونة: " دباغها طهورها "، فهل ذكر
هذا يعتبر تخصيصا لذلك العام؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يجوز تخصيص العام بذكر بعضه.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن المخصص يجب
أن يكون منافياً للعام، وذكر بعض العام بحكم العام غير مناف له،
فحكمهما واحد فامتنع التخصيص؛ لعدم وجود ما يقتضيه.
المذهب الثاني: أنه يجوز تخصيص العام بذلك الفرد المذكور.
وهو مذهب قد نسب إلى أبي ثور - رحمه اللَّه - فيكون المراد من
الإهاب جلد الشاة.
دليل هذا المذهب:
أن المفهوم مخصِّص كما سبق، وتخصيص الشيء بالذكر يدل
على نفي الحكم عما عداه بطريق مفهوم المخالفة، وعلى ذلك:
يكون تخصيص جلد الشاة بالذكر يدل على نفي ذلك الحكم عما
عداه، وإذا ورد عام متناول لكل الجلود، فإنه يقع التعارض بينه
وبين مفهوم ذلك الخاص، ويقع التنافي بينهما، إذن يكون المقتضي
للتخصيص موجود، فيكون ذكر بعض العام مخصصا للعام،
ويحصر على هذا البعض المذكور فقط.
جوابه:
إن مفهوم المخالفة الذي قلنا بأنه مخصص هو: الذي اعتبر دليلاً
من أدلة الشرع، وهو: مفهوم الصفة ومفهوم الشرط والعدد وغيرها
(4/1640)

من أنواع المفاهيم إلا مفهوم اللقب فليس بدليل، - لذلك لا يخصص
العام، وهذا الذي ذكرتموه هو من قبيل مفهوم اللقب، حيث إن
ذكر جلد الشاة إنما يدل على عدم ما عداه بطريق مفهوم اللقب، فلا
يرد ذلك علينا.
ولو سلم أن مفهوم اللقب حُجَّة، لكنه في غاية الضعف، فلا
يصلح أن يكون مقاوماً للعموم، فالتمسك بالعموم أوْلى.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ حيث أثر في بعض الفروع، ومنها ما سبق؛
حيث إن أصحاب المذهب الأول - وهم الجمهور - قد أخذوا بعموم
قوله عليه السلام: " أيما إهاب دبغ فقد طهر "، ولم يخصصوه بما
روي أنه - صلى الله عليه وسلم - مر على شاة ميمونة فوجدها ميتة،
فقال: " هلا أخذوا جلدها فانتفعوا به دباغها طهورها "،
وقالوا: إن كل جلد ميتة يطهر بالدباغ من غير فرق بين مأكول اللحم وغيره، وقالوا ذلك بناء على قاعدتهم.
أما أصحاب المذهب الثاني - وهو: أبو ثور ومن تبعه - فإنهم
قد خصصوا ذلك العموم بالحديث الخاص وهو حديث شاة ميمونة
وقالوا: إن الحديث يحمل على الشاة دون غيرها من مأكول اللحم
- كالبقر والإبل، قالوا ذلك بناء على قاعدتهم.
***
المسألة السابعة عشرة: العام إذا قصد به المدح أو الذم هل
يخصص ذلك العام؟
مثال ذلك: قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)
(4/1641)

، فهل قصد الذم يخرج هذا اللفظ عن عمومه أو لا؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: إن قصد الذم والمدح من اللفظ العام لا يخصص
العام، وهو مذهب أكثر العلماء، وهو الحق؛ لأن قصد المدح
والذم وإن كان مطلوباً ومقصوداً للمتكلم، فلا يمنع ذلك من قصد
العموم معه؛ لأنه لا منافاة بين قصد المدح والذم وبين العموم، وقد
أتى بالصيغة الدالة على العموم، وقصد المدح والذم ليس من
مخصصاتها فتبقى على ما هي عليه مفيدة للعموم.
المذهب الثاني: أن قصد الذم والمدح من اللفظ العام، يخصص
العام، وهو محكي عن الإمام الشافعي.
دليل هذا المذهب:
أن اللفظ لم يقصد به العموم، وإنما قصد به المدح - فقط -
مبالغة في الحث على الامتثال، أو قصد به الذم مبالغة في الزجر
عنه، وما دام أنه لم يقصد باللفظ العموم فلا يكون عاما.
جوابه:
أنا لا نعلم مقصد الشارع، فقد يكون قد قصد الأمرين معا،
فالاحتياط هو: الجمع بين المقصودين معا، وهو أوْلى من العمل
بأحدهما وتعطيل الآخر.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ خيث أثر ذلك في بعض الاستدلالات من
النصوص، فبناء على المذهب الأول - وهو مذهب الجمهور -.
فإن قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)
(4/1642)

يصلح للاستدلال به على وجوب زكاة الحلي لكون العموم مقصوداً والذم لم يخرج اللفظ عن العموم.
وبناء على المذهب الثاني: فإن تلك الآية لا تصلح للاستدلال بها
على وجوب زكاة الحلي، لكون العموم غير مقصود، بل المقصود
في ذلك هو والذم، وهو قد أخرج اللفظ عن عمومه.
***
المسألة الثامنة عشرة: عطف الخاص على العام هل يخصص العام؟
مثاله: قوله عليه السلام: " لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهدٍ
بعهده ".
فهل يعمل على أن لفظ " كافر " عام وشامل لجميع الكفار:
الذمي، والمستأمن، والحربي، فإذا قتل مسلم أحد هؤلاء الثلاثة،
فإنه لا يقتل به قصاصا، أو أن قوله: " ولا ذو عهد في عهده "
معطوف عليه، وهو خاص بالمعاهد وهو: الذمي والمستأمن،
فيخصص ذلك عموم لفظ " كافر "، فيكون المقصود: لا يقتل
مسلم بكافر حربي فقط.
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن عطف الخاص على العام لا يخصص العموم.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن المقتضي للتعميم
قائم، وهو اللفظ العام - وهو بالمثال: النكرة في سياق النفي -
والمعارض الموجود، وهو عطف الخاص عليه لا يصلح أن يكون
(4/1643)

معارضا له؛ لأن مقتضى العطف هو الاشتراك بين المعطوف
والمعطوف عليه في أصل الحكم الذي عطف عليه، لا الاشتراك فيه
من جميع الوجوه، وإذا كان كذلك لم يكن عطف الخاص منافيا
لتعميم المعطوف عليه، فلم يصلح معارضا له، وإذا وجد المقتضي
للتعميم ولم يوجد المعارض له وجب القول بالتعميم.
المذهب الثاني: أن عطف الخاص على العام يخصص العموم.
وهو مذهب الحنفية.
دليل هذا المذهب:
أن حرف العطف يجعل المعطوف والمعطوف عليه كالشىء الواحد،
وذلك يقتضي التسوية بينهما في الحكم وتفاصيله.
جوابه:
نسلِّم أن حرف العطف يقتضي ذلك، لكن في الحكم العام، لا
في تفاصيل الحكم.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ حيث ترتب على هذا الخلاف أثر في بعض
الفروع.
ومنها ما سبق: فعلى المذهب الأول: أن المسلم لا يقتل بالكافر
العام، أي: جميع الكافرين، سواء كانوا ذميين أو حربيين، وذلك
لأن لفظ " كافر " نكرة في سياق نفي فاقتضت العموم، وقوله:
"ولا ذو عهد في عهده " معطوف على لفظ " لا يقتل "، فيكون
التقدير، وأيضا لا يقتل ذو عهد، وهو ما يزال في عهده.
وعلى المذهب الثاني: فإن المسلم يقتل بالذمي والمستأمن، أما
(4/1644)

الكافر الحربي فلا يقتل به؛ لأن قوله: " ولا ذو عهد في عهده "
خاص، وقد عطف على عام فيخصصه، فيكون التقدير: لا يقتل
مسلم بكافر، ولا يقتل ذو عهد في عهده بكافر حربي.
وبما أن المعطوف يشارك المعطوف عليه في كل المتعلقات: يكون
قوله: " لا يقتل مسلم بكافر " مشاركا للمعطوف وهو: " ولا ذو
عهد في عهده بكافر حربي "، وما دام أن المعطوف عليه قد قصد به
الخاص وهو الحربي، فكذلك المعطوف يكون المقصود به الحربي؛
حيث خصصناه به، فلا يقتل مسلم بكافر حربي، أما الذمي
والمستأمن إذا قتلهما المسلم فإنه يُقتل بهما.
ولا بد من قول ذلك حتى يكون لعبارة: " ولا ذو عهد في عهده "
فائدة؛ حيث إن هذه العبارة ليس كلاما مستقلاً قصد به النهي عن
قتل المعاهد ما دام في عهده؛ لأن هذا معلوم بقوله تعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره) ، فتكون هذه العبارة قد قصد بها بيان حكم القصاص عند قتل المستأمن.
(4/1645)

المطلب الرابع في المخصصات المتصلة
وهي أنواع:
النوع الأول: الشرط.
النوع الثاني: الصفة.
النوع الثالث: الغاية.
النوع الرابع: الاستثناء.
(4/1647)

النوع الأول من المخصصات المتصلة الشرط
وفيه مسائل:
المسألة الأولى: تعريفه.
المسألة الثانية: أقسامه.
المسألة الثالثة: صيغه.
المسألة الرابعة: أحكام التخصيص بالشرط.
(4/1649)

المسألة الأولى: تعريفه:
أولاً: الشرط لغة هو: العلامة - وهذا إذا كان بفتح الراء.
ولكن المراد به هنا: الشرط بتسكين الراء، وهو: الإلزام.
ثانيا: الشرط في الاصطلاح هو: ما يلزم من عدمه العدم، ولا
يلزم من وجوده وجود، ولا عدم لذاته.
وقد سبق بيان ذلك في أقسام الحكم الوضعي في الباب الثاني.
***
المسألة الثانية: أقسام الشرط:
ينقسم الشرط باعتبار وصفه إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: الشرط العقلي، وهو: ما لا يوجد المشروط،
ولا يمكن عقلاً بدونه مثل: اشتراط الحياة للعلم؛ حيث إن العقل
يحكم بأنه لا علم بلا حياة.
القسم الثاني: الشرط العادي، وهو ما يكون شرطاً عادة مثل:
نصب السلم لصعود السطح، فإن العادة تقتضي: أنه لا يمكن لأي
إنسان أن يصعد السطح إلا بوجود سلم يصعد عليه.
القسم الثالث: الشرط الشرعي، وهو ما جعله الشارع شرطا
لبعض الأحكام كاشتراط الطهارة لصحة الصلاة.
القسم الرابع: الشرط اللغوي، وهو: ما يذكر بصيغة التعليق
وهي: " إن "، أو إحدى أخواتها كقولك لزوجتك: " إن دخلت
الدار فأنتِ طالق "، فإن الطلاق - هنا - يقع عند دخولها..
(4/1651)

ومثل قولك: " إن جئتني أكرمتك "، فإنه علق الإكرام بالمجيء،
فهنا قد خصص الإكرام بالمجيء فقط، فلا فرق بين ذلك وبين أيِّ
مخصص، فلا فرق بين تلك العبارة وبين قولك: " لن أقوم
بإكرامك إلا إذا جئتني "، وهذا استثناء، وقولك: " لن أكرمك
حتى تأتيني "، وهذه غاية، وكقولك فى الصفة: " من أتاك
فأكر مه ".
وهناك تقسيمات أخرى للشروط قد ذكرتها في الحكم الوضعي في
الباب الثاني.
***
المسألة الثالثة: صيغ الشرط اللغوي:
لما كان الشرط اللغوي هو المهم في هذا الباب، وهو التخصيص
كان لا بد من بيان - باختصار - صيغ الشرط، وأصل الباب،
فأقول:
صيغ الشرط هي: " إن " المخففة، و " إذا "، و " من "، و "ما"
و" مهما "، و " حيثما "، و " أينما "، و " إذ ما "، وأم هذه
الصيغ: " إن " وقلنا ذلك لأمرين:
أولهما: أتها حرف، وما عداها أسماء، والأصل في إفادة
المعاني إنما هي الحروف.
ثانيهما: أنها تستعمل في جميع صور الشرط، بخلاف أخواتها،
فإن كل واحد منها تختص بمعنى لا يجري في غيره كقولهم: " من "
لمن يعقل، و " ما " لغير العاقل، و " أينما " للمكان، وهكذا.
(4/1652)

المسألة الرابعة: أحكام التخصيص بالشرط:
الشرط مع المشروط له أحكام خاصة به، وهي:
الحكم الأول: أنه يجب اتصاله بالمشروط اتصالا عاديا، بحيث
لا يصح الفصل بينهما بالزمن فصلاً تحكم العادة فيه بأن الشرط غير
تابع للمشروط.
الحكم الثاني: يجوز تقديم الشرط وتأخيره، وإن كان وضعه
الطبيعي هو صدر الكلام، والتقدم على المشروط لفظا لكونه متقدما
عليه في الوجود طبعا.
الحكم الثالث: أن الشرط الواقع بعد الجمل المتعاطفة يرجع إلى
جميع الجمل مثل قولك: " أكرم الرجال، وتصدق على المساكين إن
دخلوا الدار "، فكأنه قال: أكرم الرجال إن دخلوا الدار، وتصدق
على المساكين إن دخلوا الدار.
الحكم الرابع: أنه إذا اتحد الشرط والمشروط أو تعددا يختلف
الحكم باختلاف آلة التعدد وهي " الواو "، و " أو "، وهذا يتبين
في حالات:
الحالة الأولى: أن يتحد الشرط والمشروط مثل: " إن دخل الدار
فكرمه "، فيتوقف المشروط على هذا الشرط وحده وجوداً وعدماً.
الحالة الثانية: أن يتحد الشرط ويتعدد المشروط بالواو كقوله: "إن
نجحت تصدقت بدرهم وصمت يوما "، فيقتضي الشرط الجمع بين
التصدق والصيام معا.
الحالة الثالثة: أن يتحد الشرط ويتعدد المشروط بلفظ " أو "
كقولك: " إن نجحت فإني سأتصدق أو أصوم يوما لا، فيقتضي
الشرط حصول التصدق وحده، أو الصيام وحده.
(4/1653)

الحالة الرابعة: أن يتعدد الشرط بحرف " الواو "، ويتحد
المشروط كقولك: " إن نجحت وشفى أبي تصدقت بألف ريال "
فهنا لا يمكن أن يوجد المشروط - وهو التصدق بألف ريال - إلا بعد
أن يحصل الشرطان معا وهما النجاح والشفاء.
الحالة الخامسة: أن يتعدد الشرط بحرف " الواو "، ويتعدد
المشروط بحرف " الواو " أيضاً كقولك: " إن نجحت وشفي أبي
تصدقت بألف ريال وصمت يوما " فيقتضي هذا: أنه لا يمكن وجود
المشروطين وهما التصدق والصيام إلا إذا وجد الشرطان وهما:
النجاح والشفاء معاً.
الحالة السادسة: أن يتعدد الشرط بحرف الواو، ويتعدد المشروط
بحرف " أو " كقولك: " إن نجحت وشفي أبي تصدقت بألف ريال
أو صمت يوماً "، فهنا يكون حصول الشرطين وهما: النجاح
والشفاء مقتضيا حصول أحد المشروطين على التخيير، فإما التصدق
أو الصيام.
الحالة. السابعة: أن يتعدد الشرط بحرف " أو "، ويتحد المشروط
كقولك: " إن بني زيد الجدار أو نجح فأعطه درهماً "، فهنا لا بد من
حصول أحد الشرطين حتى يحصل على الدرهم.
الحالة الثامنة: أن يتعدد الشرط بلفظ " أو "، ويتعدد المشروط
بحرف " الواو " كقولك: " إن بنى زيد الجدار أو نجح فأعطه كتابا
ودرهما "، فهنا لا بد من حصول أحد الشرطين وهما: البناء أو
النجاح، فإذا حصل أحدهما فإنه يستحق المشروطين معا وهما:
الكتاب والدرهم.
الحالة التاسعة: أن يتعدد الشرط بحرف " أو "، ويتعدد المشروط
(4/1654)

بحرف " أو " أيضاً كقولك: " إن بنى زيد الجدار أو نجح فأعطه كتابا
أو درهما "، فهنا لا بد من حصول أحد الشرطين - وهما البناء أو
النجاح، فإذا حصل أحدهما فإنه يستحق أحد الشروطين وهما:
الكتاب، أو الدرهم.
(4/1655)

النوع الثاني من المخصصات المتصلة الصفة
ويشتمل على مسألتين:
المسألة الأولى: تعريفها.
المسألة الثانية: أحكام التخصيص بالصفة.
(4/1657)

المسألة الأولى: تعريف الصفة:
الصفة هي: التابع المشتق الذي يقع نعتا للموصوف مثل:
"طالب ناجح "، فلفظ " ناجح " قيد به اللفظ المطلق وهو:
"طالب ".
وقيل: هو ما أشعر بمعنى يتصف به بعض أفراد العام كقولك:
"أكرِم الطلاب الناجحين "، فلفظ " الطلاب " عام يشمل الناجحين
والراسبين.
ولما وصف الطلاب بالناجحين أخرج الطلاب الراسبين، فيكون
الإكرام مقتصراً على الناجحين فقط.
***
المسألة الثانية: أحكام التخصيص بالصفة:
الحكم الأول: يشترط في الصفة اتصالها بالموصوف، فلا يصح
الفصل بينهما في الزمن.
الحكم الثاني: أن الصفة إن وقعت بعد جملة كقولك: " أكرم
الطلاب الناجحين "، فإن هذا الوصف يقتضي اختصاص الإكرام
بالناجحين من الطلاب - فقط -، ولولا ذلك الوصف لعم الإكرام
الناجحين وغير الناجحين من الطلاب، فالصفة أخرجت بعض ما
كان داخلاً تحت اللفظ لولا الصفة.
الحكم الثالث: أن الصفة إن وقعت بعد جمل كقولك: " أكرم
العلماء، والتجار، والطلاب الطوال "، فإن الصفة تعود إلى
الجمل كلها، أي: أكرم الطوال من العلماء، والطوال من التجار،
والطوال من الطلاب.
(4/1659)

وقيل: بل الصفة ترجع إلى أقرب مذكور - وهي الجملة الأخيرة -
فيكون المراد: أكرم جميع العلماء والتجار والطوال من الطلاب،
والخلاف فيه كالخلاف في الاستثناء هل يرجع إلى الجملة الأخيرة،
أو جميع الجمل فيما لو قال: " أكرم العلماء والتجار والطلاب إلا
الطوال "، وسيأتي بالتفصيل إن شاء اللَّه.
الحكم الرابع: أن الصفة إن وقعت قبل جمل كقولك: " أكرم
الطوال من العلماء والتجار "، فإنها ترجع إلى الجميع، فيكون
المراد: أكرم الطوال من العلماء والطوال من التجار فقط، وهذا
على الصحيح من أقوال العلماء.
الحكم الخامس: أن الصفة إن وقعت وسطا بين جملتين مثل:
"أكرم العلماء الطوال والتجار "، فإن الصفة ترجع إلى ما قبلها
فقط، أما ما بعدها فلا ترجع إليه، والتقدير: اكرم العلماء الطوال،
أما التجار فأكرمهم جميعاً طوالهم وقصارهم هذا على القول
الراجح.
وقال بعضهم: إن الصفة ترجع إلى الجملتين: إلى ما قبلها وإلى ما بعدها.
(4/1660)

النوع الثالث من المخصصات المتصلة الغاية
ويشتمل على مسألتين:
المسألة الأولى: تعريفها وألفاظها.
المسألة الثانية: أحكام التخصيص بالغاية.
(4/1661)

المسألة الأولى: تعريفها، وألفاظها:
الغاية في اللغة هي: طرف الشيء، ومنتهاه، وأقصاه.
والغاية في الاصطلاح هي: أن يؤتى بعد اللفظ العام بحرف من
أحرف الغاية مثل " اللام "، و " حتى "، و " إلى ".
و" حتى " تكون من ألفاظ الغاية إذا كانت جارة.
أما إن كانت عاطفة فإنها لا تكون دالة على الغاية.
***
المسألة الثانية: أحكام التخصيص بالغاية:
الحكم الأول: أن الغاية إذا ذكرت بعد جملة واحدة فلها صورتان:
الصورة الأولى: أن تكون الغاية واحدة كقولنا: " أكرِم العلماء
إلى أن يدخلوا الدار "، فإن دخول الدار يقتضي اختصاص الإكرام
بما قبل الدخول، وإخراج ما بعد الدخول من عموم اللفظ، ولولا
ذلك لعم الإكرام حالة ما بعد الدخول وما قبل الدخول.
الصورة الثانية: أن تكون الغاية متعددة، وهذه لها حالتان:
الحالة الأولى: أن تكون الغاية متعددة، وكانت على الجمع
بحرف " الواو " كقولك: " أكرم العلماء إلى أن يدخلوا الدار
ويأكلوا الطعام "، فإن ذلك يقتضي استمرار الإكرام إلى تمام الغايتين
معاً، وهما: دخول الدار، وأكل الطعام دون ما بعدهما.
الحالة الثانية: أن تكون الغاية متعددة، وكانت على التخيير
بحرف " أو " كقولك: " أكرم العلماء إلى أن يدخلوا الدار أو
(4/1663)

السوق "، فإن ذلك يقتضي استمرار الإكرام إلى تمام إحدى الغايتين
- أيهما كانت - دون ما بعدها.
الحكم الثاني: أن الغاية إذا ذكرت بعد جمل متعددة كقولك:
"أكرم العلماء والتجار إلى أن يدخلوا الدار "، فإن الغاية ترجع إلى
الجملتين معاً، فإكرام العلماء يستمر إلى غاية دخولهم الدار،
وإكرام التجار يستمر إلى غاية دخولهم الدار، هذا على الصحيح من
أقوال العلماء.
وقيل: إن الغاية - هنا - ترجع إلى أقرب مذكور، أى: إلى
الجملة الأخيرة، فيكون التقدير على هذا: " أكرم جميع العلماء
مطلقاً: دخلوا أو لم يدخلوا، وأكرم التجار إلى أن يدخلوا الدار.
وهذا الحكم يكون مطلقا، أي: سواء كانت الغاية واحدة كما
مثلنا أو متعددة على الجمع كقولنا: " أكرم العلماء والتجار إلى أن
يدخلوا الدار أو السوق "، وسواء كانت الغاية معلومة الوقوع في
وقتها كقولنا: " أكرم العلماء إلى أن تطلع الشمس "، أو غير
معلومة الوقت كقولنا: " أكرم العلماء إلى أن يدخلوا الدار ".
(4/1664)

النوع الرابع من المخصصات المتصلة الاستثناء
ويشتمل على مسائل:
المسألة الأولى: تعريفه.
المسألة الثانية: صيغ الاستثناء وأدواته.
المسألة الثالثة: الفرق بينه وبين التخصيص بالمنفصل.
المسألة الرابعة: الفرق بينه وبين النسخ.
المسألة الخامسة: هل يشترط في الاستثناء اتصاله؟
المسألة السادسة: هل يجوز تقديم المستثنى على المستثنى منه؟
المسألة السابعة: الاستثناء من غير الجنس هل يسمى استثناء حقيقة أو
مجازاً؟
المسألة الثامنة: حكم استثناء كل المستثنى منه.
المسألة التاسعة: هل يجوز استثناء الأكثر؟
المسألة العاشرة: هل يجوز استثناء النصف؟
المسألة الحادية عشرة: الاشتثناء الواقع بعد الجمل المتعاطفة بالواو هل
يرجع إليها جميعاً، أو إلى الأخيرة فقط؟
المسألة الثانية عشرة: صور الاستثناءات المتعددة.
(4/1665)

المسألة الأولى: تعريف الاستثناء:
أولاً: الاستثناء لغة: مأخوذ من الثني، وهو: العطف من
قوله: ثنيت الحبل أثنيه: إذا عطفت بعضه على بعض.
وقيل: إن الثني هو: الصرف، يقال: " ثنيته عن الشيء " إذا
صرفته عنه.
ثانياً: الاستثناء اصطلاحا هو: قول متصل يدل بحرف إلا أو
إحدى أخواتها على أن المذكور معه غير مراد بالقول الأول.
شرح التعريف، وبيان محترزاته:
قوله: " قول " أخرج المخصصات العقلية والحسية.
وقوله: " متصل " أخرج بقية المخصصات المنفصلة السابقة الذكر.
والمراد: أن يكون الاستثناء متصلاً بالجملة غير منفصل عنها.
وقوله: " يدل " أخرج الصيغ والألفاظ المهملة التي لا تدل على
شيء.
وقوله: " بحرف إلا أو إحدى أخواتها " أخرج أمرين:
أولهما: المخصصات المتصلة الأخرى كالتخصيص بالشرط،
والصفة، والغاية السابقة الذكر، فإن لهذه المخصصات أدوات وصيغ
تختلف عن أدوات الاستثناء.
ثانيهما: أخرج مثل قولهم: " أكرم القوم دون زيد " فإن هذا
ليس باستثناء لغة.
وقوله: " على أن المذكور معه غير مراد بالقول الأول " معناه: أن
المذكور بعد أداة الاستثناء مخرج من القول الأول ولا يدخل تحته.
(4/1667)

مثاله: قوله: " نجح الطلاب إلا زيداً "، فقوله: " إلا زيداً "
قول متصل بما قبله من الكلام - وهو: " نجح، الطلاب "، ولكن
هذا القول - بما فيه صيغة الاستثناء - دلَّ دلالة واضحة على أن
المذكور معه - وهو زيد - غير مراد بالقول الأول، حيث لا يشمله
حكم النجاح.
***
المسألة الثانية: صيغ الاستثناء وأدواته:
أدوات وصيغ الاستثناء إحدى عشرة صيغة وهي: " إلا "، وهي
أم الباب، و " غير "، و " سوى "، و " ما عدا "، و " ليس "،
و"لا يكون "، و " حاشا "، و " خلا "، و " سيما "، و " ما خلا "، و "عدا".
أما صيغة: " إلا " فهي حرف بالاتفاق.
وأما صيغة: " حاشا " فهي حرف عند سيبويه، وهو الصحيح،
ويقال فيها: " حاشى "، و " حشا ".
وأما صيغة: " لا يكون " فهي فعل بالاتفاق.
وأما صيغة: " ليس "، و " ما عدا "، و " ما خلا " فهي أفعال
على الأصح.
وأما صيغة: " خلا "، و " عدا " فهما مترددان بين الفعلية
والحرفية بحسب الاستعمال، فإن نصب ما بعدهما كانتا فعلين، وإن
جر ما بعدهما كانتا حرفين.
وأما صيغة: " لا غير "، و " سوى " فهما اسمان.
(4/1668)

ويجوز في " سوى " ضم السين، وكسرها، والمد، فيقال:
"سواء".
وأما صيغة: " لا سيما " فاجتمع فيه حرف واسم.
***
المسألة الثالثة: الفرق بين الاستثناء والتخصيص بالمنفصل:
الفرق بينهما من وجهين:
الوجه الأول: أن الاستثناء يشترط فيه الاتصال فتقول: " أكرم
الطلاب إلا زيداً "، ولا يجوز أن تقول: " أكرم الطلاب "، ثم
بعد مدة تقول: " إلا زيداً "، وسيأتي لذلك زيادة بيان إن شاء اللَّه.
أما التخصيص بالمنفصل فلا يشترط فيه ذلك؟! إذ يجوز أن يأتي
متصلاً، ويأتي متراخيا ولا مانع من ذلك، وقد سبق بيان ذلك.
الوجه الثاني: أن الاستثناء يتطرق إلى ما يدل على معناه دلالة
ظاهرة، وإلى ما نص على معناه فتقول: " أكرم الطلاب إلا زيداً "
وتقول: " له علي عشرة دراهم إلا ثلاثة ".
أما التخصيص بالمنفصل، فإنه لا يجوز في النص، وإنما يصح في
الظاهر - وهو العام فقط - فيجوز أن يقال: " أكرم الطلاب،،
ثم يقول: " لا تكرم زيداً "؛ لأن دخول زيد في عموم الطلاب
ظني؛ حيث قلنا: إن دلالة العام ظنية، ولكن لا يقال: " أكرم
زيداً وعمراً وبكراً "، ثم بعد ذلك يقول: " لا تكرم زيداً "، فإن
قال ذلك فإنه يكون نسخاً، لا تخصيصا.
(4/1669)

المسألة الرابعة: الفرق بين الاستثناء والنسخ:
الفرق بينهما من أوجه:
الوجه الأول: أن الاستثناء يشترط فيه اتصاله بالمستثنى منه؛ لأنه
لايستقل بنفسه.
أما النسخ فيشترط فيه: أن يكون الناسخ متراخيا عن المنسوخ؛
حيث قلنا في تعريف النسخ: " إنه رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم
بخطاب متراخ عنه "، وقلنا النسخ يشترط فيه الانفصال؛ لأن كلاً
من الناسخ والمنسوخ يستقل بنفسه.
الوجه الثاني: أن الاستثناء مانع، والنسخ رافع، أي: أن
الاستثناء يمنع بعض الأفراد من الدخول تحت اللفظ، ولولا هذا
الاستثناء لدخل، فالاستثناء يمنع دخول المستثنى تحت لفظ المستثنى
منه.
أما النسخ فهو يرفع ما دخل تحت اللفظ الوارد.
الوجه الثالث: أن الاستثناء يمنع بعض الأفراد من الدخول تحت
اللفظ فتقول: " أكرم الطلاب إلا زيداً "، ولكن لا يجوز أن يمنع
الاستثناء جميع الأفراد من الدخول تحت اللفظ، فلا يجوز أن يقال:
" لي عليه عشرة إلا عشرة ".
أما النسخ فيجوز أن يرفع جميع الحكم أحياناً كرفع وجوب
الصدقة بين يدي مناجاة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ويجوز أن يرفع بعض الحكم كرفع بعض عدة المتوفى عنها زوجها،
فقد كانت حولاً كاملاً، فنسخ ورفع بعضها حتى صارت أربعة أشهر
وعشراً.
(4/1670)

وقد سبق بيان الفرق بين النسخ والتخصيص في الباب الثالث
بصورة إجمالية فراجعه إن شئت.
***
المسألة الخامسة: هل يشترط في الاستثناء الاتصال:
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يشترط - لصحة الاستثناء -: أن يكون
الاستثناء متصلاً بالمستثنى منه، فلا يجوز الفصل بينهما.
أي: أن يكون متصلاً بالكلام حقيقة مثل: " نجح الطلاب إلا
زيداً " بدون انقطاع، أو يكون في حكم المتصل بأن يكون انفصاله
قبل أن يستوفى المتكلم غرضه من الكلام نحو: أن يسكت عن
الاستثناء لانقطاع نفسه، أو لبلع ريقه، أو سعال، أو ما أشبه ذلك.
وهذا مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: أن الاستثناء غير مستقل بنفسه، فهو جزء من
الكلام أتي به لإتمامه وإفادته، لذلك لا يفيد شيئاً إلا إذا اتصل به
مباشرة، لكن لو انفصل الاستثناء عن المستثنى منه لم يكن ذلك
الاستثناء متمما لذلك الكلام الأول، فمثلاً لو قال: "أكرم الطلاب "
ثم قال بعد شهر: " إلا زيداً "، وقال: إني أردت به الاستثناء من
الكلام الذي قلته منذ شهر: فإنه يقبح عند أهل اللغة، ويعدون ذلك
لغواً؛ لأن الكلام يورد لإفهام الغير وإفادته، وقوله: " إلا زيداً "
لا يفهم منه شيء، حيث إنه لا يرتبط بقوله: " أكرم الطلاب ".
وهذا قياساً على الخبر مع المبتدأ، فكما أن الخبر لا يفيد شيئاً بدون
المبتدأ، والمبتدأ لا يفيد شيئاً بدون الخبر، فكذلك المستثنى لا يفيد
شيئاً بدون المستثنى منه.
(4/1671)

الدليل الثاني: أنه لو جاز الفصل في الاستثناء لما علم صدق
صادق، ولا كذب كاذب؛ لأن من تكلم بكلام يحكم من خلاله أنه
يكون كاذباً قد يستثني، فلا يكون كاذبا، وهذا باطل؛ حيث يفضي
إلى عدم استقرار الأمور، فلا تتم عقود، ولا تصح مواثيق ولا
معاملات، وهذا لا يمكن أن يقصده عاقل، لذلك لم يجز الفصل
في الاستثناء طلباً للاستقرار ومعرفة حقائق الأمور.
المذهب الثاني: أنه لا يشترط اتصال المستثنى بالمستثنى منه، بل
يجوز انفصال المستثنى عن المستثنى منه.
وهو لبعض العلماء، وقد حكى عن ابن عباس، والحسن
البصري، وعطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جبير، وغيرهم
- وسيأتي ذكر خلافهم في مدة هذا الفصل -.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
" والله لأغزون قريشاً مرتين أو ثلاثاً " ثم سكت، ثم قال: " إن شاءَ اللَّه "،
ولولا صحة الاستثناء بعد السكوت لما فعله؛ لكونه مقتدى به.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنه ليس المراد به الاستثناء - هنا -، وإنما المراد به
أن الأفعال المستقبلية لا بد أن تقيد بمشيئة اللَّه - تعالى - امتثالاً لقوله
تعالى: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) ،
ولقوله تعالى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) .
الجواب الثاني: على فرض أن المراد به الاستثناء، فإن بسكوته قبل
(4/1672)

الاستثناء يحتمل احتمالاً قوياً: أنه من السكوت الذي لا يحل
بالاتصال الحكمي - كما ذكرنا فيما سبق - ويجب العمل على ذلك.
الدليل الثاني: أن الاستثناء بيان وتخصيص للكلام الأول فجاز
تأخيره كالنسخ، والأدلة المنفصلة المخصصة للعموم.
جوابه:
إن قياسكم على النسخ، وعلى الأدلة المنفصلة المخصصة قياس
فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، حيث إنا أثبتنا فرقين بين الاستثناء
والمخصص المنفصل في المسألة الثالثة السابقة، وكذلك أثبتنا ثلاثة
فروق بين الاستثناء والنسخ في المسألة الرابعة السابقة، ومع وجود
الفرق فلا قياس.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ حيث إن المتكلم لو فصل بين المستثنى منه
والمستثنى، فإن المستثنى لا يؤثر على المستثنى منه إلا إذا فصله بشيء
اضطر إليه كسعال ونحوه كما لو قال. " عليّ ألف ريال استغفر الله
إلا مائة "، فإنه لا يصح الاستثناء، وذلك لأنه فصل بشيء يستطيع
تركه، هذا بناء على المذهب الأول.
أما بناء على المذهب الثاني، فإنه يصح الاستثناء، وقالوا: إنه
فصل يسير فلم يؤثر، وقد رجحه بعض الشافعية، وإني أتعجب من
ذلك؛ حيث خالفوا في ذلك الأصل الذي قالوا به وهو: اشتراط
الاتصال.
تنبيه: المشترطون للاتصال - وهم أصحاب المذهب الأول - وهم
الجمهور اتفقوا على أن ينوي المتكلم الاستثناء في الكلام، فلو لم
يعرض له نية الاستثناء إلا بعد فراغ المستثنى منه لم يُعتد به.
(4/1673)

تنبيه ثان: اختلف أصحاب المذهب الأول في موضع نية الاستثناء
فقال أكثرهم: يُكتفى بوجود النية قبل فراغه، وهو الصحيح، وقال
بعضهم: يعتبر وجود النية في أول الكلام.
تنبيه ثالث: اتفق أصحاب المذهب الأول - وهم المشترطون
للاتصال - على أنه لا يجوز تقدوم المستثنى في أول الكلام كقولك:
" إلا زيداً قام القوم "، وكذلك لا يجوز ولو تقدمه حرف نفي
كقولك: " ما إلا زيداً في الدار أحد "، وأما قول الشاعر:
وبلدة ليس لها طوري ... ولا خلا الجن بها إنسي
فهذا شاذ ولا يقاس عليه.
تنبيه رابع: اختلف أصحاب المذهب الثاني - وهم المجوزون
لانفصال المستثنى عن المستثنى منه - في وقت هذا الانفصال على
أقوال:
القول الأول: أنه يجوز الانفصال شهراً، وهو محكي عن ابن
عباس - رضي اللَّه عنهما -.
القول الثاني: أنه يجوز الانفصال سنة، وهو محكي عن ابن
عباس - رضي اللَّه عنهما -.
القول الثالث: أنه يجوز الانفصال وإن طال أبداً، وهو محكي
عن ابن عباس - رضي اللَّه عنهما -.
ولكن الصحيح: أنه يؤول ما جاء عن ابن عباس - رضي الله
عنهما - إن صح - على نسيان: " إن شاء اللَّه "، كما ورد ذلك
عن بعض العلماء، كالإمام أحمد والقرافي وابن جرير.
(4/1674)

القول الرابع: يجوز تأخير الاستثناء ما دام في المجلس، وهو
المروي عن الحسن البصري، وعطاء، وقد أومأ إليه الإمام أحمد.
القول الخامس: يجوز الفصل بين المستثنى والمستثنى منه في اليمين
في زمن يسير إذا لم يخلط كلامه بغيره.
القول السادس: يجوز تأخير الاستثناء إلى أربعة أشهر.
القول السابع: يجوز تأخير الاستثناء لفظا، لكن مع إضمار
الاستثناء متصلاً بالمستثنى منه، ويكون المتكلم به مدينا فيما بينه وبين
الله تعالى، ونسب إلى بعض المالكية.
القول الثامن: يجوز تأخير الاستثناء إذا ورد معه كلاماً يدل على
أن ذلك الاستثناء مما تقدم مثل: أن يقول: " جاء الناس "، ثم
يقول بعد زمان: " إلا زيداً، وهو استثناء مما كنت قلت ".
***
المسألة السادسة: هل يجوز تقديم المستثنى على المسثثنى منه؟
لقد اختلف المشترطون للاتصال على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز تقديم المستثنى على المستثنى منه إذا كان
متصلاً به، فيجوز أن تقول: " ما جاءني إلا أخاك من أحد "،
و"قام إلا زيداً القوم "، و " القوم إلا زيداً ذاهبون "، و " في الدار
إلا زيداً أصحابك "، و " ضربت إلا زيداً القوم "، ومنه قول
الكميت بن زيد:
فما لي إلا آل أحمد شيعة ... وما لي إلا مشعب الحق مشعب
والتقدير: فما لي شيعة إلا أحمد، وما لي مشعب إلا مشعب
الحق.
(4/1675)

ومنه: قول كعب بن مالك للنبي - صلى الله عليه وسلم - شعراً:
الناس ألب عليك فينا ليس لنا ... إلا السيوف وأطراف القنا وزر
والتقدير: ليس لنا وزر إلا السيوف وأطراف القنا، وهو قول
جمهور العلماء.
وهو الحق، لوروده في السماع كما سبق من الأبيات الشعرية.
ولأنه لا يخل بالفهم.
المذهب الثاني: لا يجوز تقديم المستثنى على المستثنى منه، وهو
لبعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن الأصل في المستثنى التأخير، والأصل في المستثنى منه التقديم،
وإذا جاء المستثنى متقدما، فهو خلاف الأصل، فلا يُعتد به.
جوابه:
أن تقديم المستثنى على المستثنى منه لا يخل بالفهم، ولذلك جاز.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي، حيث إنه أثر في بعض الفروع، ومنها أنه لو
قال: " له عليّ إلا عشرة مائة دينار "، فإنه استثناء صحيح،
ويكون المتكلم مقرًّا بتسعين، بناء على المذهب الأول.
أما عند أصحاب المذهب الثاني، فإن هذا لا يصح، ولم يقر
بشيء.
(4/1676)

المسألة السابعة: الاستثناء من غير الجنس هل يسمى استثناء
حقيقة أو مجازاً؟
لقد اتفق العلماء على أن الاستثناء من الجنس حقيقة، واختلفوا
في الاستثناء من غير الجنس هل هو استثناء حقيقة أو مجاز؛ على
مذهبين:
المذهب الأول: يشترط - لصحة الاستثناء -: أن يكون المستثنى
من جنس المستثنى منه، فلا يصح الاستثناء من غير الجنس فلا تقول:
" رأيت الناس إلا حماراً "؛ لأن الحمار لا يدخل في عموم الناس،
وإذا ورد ذلك - أي: ورد استثناء من غير الجنس - فهو مجاز،
وليس بحقيقة.
وهو مذهب كثير من العلماء.
وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن حقيقة الاستثناء تدل على ذلك، بيانه:
أن الاستثناء هو: استفعال مأخوذ من الثني، ومنه تقول: "ثنيت
الشيء ": إذا عطفت بعضه على بعض، وتقول: " ثنيت زيداً عن
رأيه " إذا رددته، وحقيقة الاستثناء - بالمفهوم العام - هو: إخراج
بعض ما تناوله اللفظ المستئنى منه.
أى: بعد أن كان اللفظ متناولاً لجميع الأفراد ثناه الاستثناء عن
البعض، وهذا غير متحقق في قول القائل: " رأيت الناس إلا
حماراً "؛ لأن الحمار - وهو المستثنى - غير داخل في مدلول الناس
- وهو المستثنى منه - حتى يقال بإخراجه وثنيه عنه، بل الجملة
الأولى باقية بحالها لم تتغير، ولا تعلق للثاني بالأول أصلاً؛ لأنه
ذكر لفظ " الحمار " وهو ما لا دخول له في الكلام الأول - وهو
(4/1677)

الناس - فلم تتحقق حقيقة الاستثناء؛ حيث إنه لم يصرف الكلام
ولا ثناه عن وجه استرساله، فلم يتحقق الاستثناء من اللفظ.
اعتراض على هذا:
قال قائل - معترضا -: إنه يصح الاستثناء بناء على ما وقع به
الاشتراك من المعنى بين المستثنى والمستثنى منه؛ حيث إنهما يشتركان
في الحيوانية.
جوابه:
أنه لو جاز ذلك للزم منه جواز استثناء كل شيء من كل شيء
ضرورة: أنه ما من شيئين إلا وهما مشتركان في معنى عام لهما،
وليس كذلك.
الدليل الثاني: أن الاستثناء من الجنس قد كثر استعماله كثرة شائعاً
حتى إنه إذا أطلق يتبادر منه أنه من الجنس، والتبادر أمارة الحقيقة،
فكان حقيقة في الاستثناء من الجنس، فإذا ورد استثناء من غير الجنس
فقد ورد على خلاف الحقيقة، فيكون مجازاً.
الدليل الثالث: أن الاستثناء من غير الجنس على غير وضع اللغة،
فلو قال: " رأيت العلماء إلا الكلاب "، أو قال: " قدم الحاج إلا
الحمير "، لكان ذلك مستهجناً وعيباً عند عقلاء أهل اللغة، وما هذا
شأنه لا يكون وضعه مضافاً إلى أهل اللغة.
المذهب الثاني: أنه لا يشترط أن يكون المستثنى من جنس المستثنى
منه، بل إن الاستثناء من غير الجنس صحيح، ويكون حقيقة.
وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، وبعض الشافعية، وبعض
المتكلمين، وبعض النحويين كابن جني.
(4/1678)

دليل هذا المذهب:
أن الاستثناء من غير الجنس قد استعمل في القرآن ولغة العرب،
والاستعمال يدل على الحقيقة، ومن أمثلة ذلك:
الثال الأول: قوله تعالى: (لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاما)
فقد استثنى السلام من اللغو، وليس من جنسه.
الثال الثاني: قوله تعالى: (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) فقد استثنى التجارة من الباطل،
وهي ليست من جنس الباطل.
الثال الثالث: قوله تعالى: (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ)
فوقع استثناء الظن من العلم، وهو ليس من جنسه.
المثال الرابع: قوله تعالى: (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) ، وإبليس لم يكن من
جنس الملائكة؛ لقوله تعالى: (إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) ، والجن ليسوا من جنس الملائكة؛ لأنه كان مخلوقا من
نار، قال تعالى: (خلقتني من نار) ، والملائكة من نور، والنار
غير النور، فلا يكون من جنسهم.
المثال الخامس: قول جران العود - عامر بن الحارث - شعراً:
وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس.
واليعافير والعيس ليست من جنس الأنيس، وذلك لأن " اليعافير "
جمع يعفور "، وهو ولد الظبية، ويطلق على ولد البقرة الوحشية -.،
و" العيس " هي إبل بيض يخالط بياضها شقرة واصفرار.
المثال السادس: قول النابغة الذبياني:
(4/1679)

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
وليس فلول السيوف عيباً لأربابها، بل فخراً لهم، وقد استثناها
من العيوب، وليست من جنسها.
المثال السابع: قول العرب: " ما جاءني زيد إلا عمرو "،
وقولهم: " ما زاد إلا ما نقص "، وقولهم: " وما بالدار من أحد
إلا الوتد "، فقد استثنوا هنا عمراً من زيد، والنقص من الزيادة،
والوتد من أحد، وليست من جنسه.
والأمثلة على الاستثناء من غير الجنس كثيرة، كلها تدل على أنه
ورد استعمال ذلك في القرآن وكلام العرب: الشعر والنثر،
والاستعمال دليل الحقيقة، فيكون الاستثناء من غير الجنس صحيحاً،
وهو حقيقة كالاستثناء من الجنس.
جوابه:
لا نسلم أن في هذه الأمثلة استثناء من غير الجنس، بل إن بعضها
استثناء من الجنس، والبعض الآخر لا يوجد فيه استثناء، فتكون
"إلأ للاستدراك، وإليك بيان ذلك:
أما المثال الأول: وهو قوله تعالى: (لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاماً) .
والمثال الثاني: وهو قوله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) .
وقول - العرب: " ما جاءني زيد إلا عمر " من المثال السابع: فإن
" إلا " في هذه الأمثلة بمعنى: " لكن ".
(4/1680)

والتقدير في الآية الأولى: لا يسمعون فيها لغواً لكن يسمعون
كلاما وسلاما.
والتقدير في الآية الثانية: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل لكن إذا
كانت تجارة عن تراض منكم فكلوا.
والتقدير في المثال: " ما جاءني زيد لكن جاءني عمرو ".
أما بقية الأمثلة، فإن الاستثناء فيها من الجنس، وإليك بيان ذلك.
أما المثال الثالث وهو قوله تعالى: (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ) ،
فإن هذا عام في كل ما يسمى علما، والظن يُسمى
علما، فتقول: " هذا علم ظني "، و " هذا علم يقيني "، ودليل
ذلك قوله تعالى: (فإن علمتموهن مؤمنات) ، وأراد: إن
ظننتموهن؛ لاستحالة اليقين في ذلك.
وقيل: إن " إلا " هنا بمعنى " لكن "، والتقدير: وما لهم به من
علم لكن اتبعوا الظن.
أما المثال الرابع وهو قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس) ، فهو استثناء من الجنس؛ لأن إبليس
كان من الملائكة؛ لأمور ثلاثة:
أولها: أن ذلك قول ابن عباس - وهو حبر الأمة وترجمان
القرآن -.
ثانيها: أن اللَّه تعالى قد استثناه من الملائكة، والأصل أن يكون
من جنسهم؛ للاتفاق على صحة الاستثناء من الجنس، والاختلاف
في غيره.
ثالثها: أنه لو لم يكن إبليس من الملائكة لما كان عاصيا للأمر
(4/1681)

المتوجه إلى الملائكة؛ لكونه ليس منهم، ودلل على عصيانه بقوله:
(إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين) .
فقولكم: " إنه من الجن " لا نسلمه؛ لما قلناه حيث إنه كان من
الملائكة من قبيل يقال لهم: " الجن "؛ لأنهم كانوا خزان الجنان،
وكان إبليس رئيسهم، وتسميته جنياً لنسبته إلى الجنة، ويحتمل أن
يكون قد سمي بذلك لاجتنانه واختفائه.
أما المثال الخامس، وهو قول الشاعر: جران العود:
وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس
فانه استثناء من الجنس؛ لأن اليعافير - وهي أولاد الضباء، أو
أولاد البقر الوحشية، والعيس وهي الإبل مما يؤنس بها، فهي من
جنس الأنيس، بل قد يحصل الأنس بالأبنية والأشجار فضلاً عن
الحيوانات.
أما المثال السادس وهو قول النابغة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
فهو استثناء من الجنس؛ لأن فلول السيوف عيب في السيوف،
وإن كان يسبب فلولها فخراً ومدحة لأربابها، فهو في الجملة استثناء
من الجنس.
وأما المثال السابع، وهي: الأقوال التي رويت عن العرب، فهي
استئناء من الجنس، فقولهم: " ما زاد إلا ما نقص " تقديره: " ما
زاد إلا الذي نقص " أي: ينقص.
وقولهم: " ما بالدار من أحد إلا الوتد " استثناء من الجنس؛
لأن " أحد " يطلق على الجمادات كما يطلق على الآدمي.
(4/1682)

وقال بعضهم: إن " إلا " في هذا المثال بمعنى " لكن "
وهكذا تبين لك أيها المستدل أن الأمثلة التي زعمت أن الاستثنا من
غير الجنس قد استعمل فيها أصبحت لا تصلح لما استدللت له،
فبطل دليلك، ومن ثم يبطل مذهبك.
* * *
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ حيث ترتب على هذا الخلاف: أن من
قال: إن الاستثناء من غير الجنس لا يصح، ولا يسمى استثناء حقيقة
- وهم أصحاب المذهب الأول - فإنه لم يجوز التخصيص به، فلو
أقر بشيء واستثنى من غير جنسه: كان استثناؤه باطلاً..،
أما من قال: إن الاستثناء من غير الجنس يصح، ويسمى، استثناء
حقيقة - وهم أصحاب المذهب الثاني - فإنه يجوز التخصيص به،
فلو أقر بشيء واستثنى من غير جنسه كان استثناؤه صحيحا، فإذا
قال: " عليّ لزيد ألف درهم إلا ثوبا "، كان هذا صحيحا عند
هؤلاء.
أما عند أصحاب المذهب الأول فلا يصح هذا.
* * *
المسألة الثامنة: حكم استثناء كل المستثنى منه:
لقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز استثناء كل المستثنى منه،
بحيث لا يبقى منه فرد، ولو فعل متكلم ذلك: لكان استثناؤه لغواً،
وكانت العبرة بما نطق به أولا.
ودليل ذلك: أن استثناء الكل يفضي إلى العبث؛ حيث ينفي بعد
أن أثبت، وعلى هذا فلو قال: " له عليّ عشرة إلا عشرة "، فإن
(4/1683)

العشرة تلزمه، كذلك لو قال: " أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا "، فإنه
يلزمه الطلاق بالثلاث؛ لأنه رفع الإقرار، والإقرار لا يجوز رفعه.
لكن نقل ابن طلحة - أبو بكر عبد اللَّه بن طلحة البابري الإشبيلي
المالكي - في كتابه: " المدخل في الفقه " أن الرجل لو قال لامرأته:
" أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثا "، ففيه قولان:
القول الأول: أنه استثناء ينفعه.
والثاني: أنه لا ينفعه، ويلزمه الثلاب، ويعد نادما.
فعلى القول الأول: لا تطلق زوجته، وذلك يدل على صحة
استثناء الكل.
ولكن قال كثير من العلماء: إنه قول غريب وشاذ.
ولذلك لا يخرق ما أجمع العلماء عليه من أنه لا يجوز استثناء
الكل، وهو الحق - لما قلنا فيما سبق - فلو استثنى الكل لكان هذا
الاستثناء لغواً، وكانت العبرة بما نطق به أولاً، فمن قال: " له
عليّ عشرة إلا عشرة "، فإن هذا يعتبر لاغيا، فتلزمه العشرة التى
أقر بها أولاً.
وأثر هذه المسألة قد وضح من المثال السابق.
***
المسألة التاسعة: هل يجوز استثناء الأكثر أو لا؟
لقد اختلف العلماء في. ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أنه لا يجوز استثناء الأكثر، بل الذي يصح:
استثناء الأقل، أي: لا يجوز أن يكون المستثنى أكثر من الباقي بعد
الاستثناء.
(4/1684)

وهو مذهب أكثر نحاة البصرة، وأكثر الحنابلة، وبعض الحنفية
كأبي يوسف، وبعض المالكية كابن الماجشون، والباقلاني.
وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: أن الاستثناء وأحكامه قد أخذناه عن طريق أهل
اللغة، وأهل اللغة أنفسهم ذكروا أن المتكلم لو استثنى الأكثر لكان
كلامه عياً ولكنة.
قال ابن جني: " ولو قال قائل: هذه مائة إلا تسعين - ما كان
متكلما بالعربية، وكان كلامه عيا ولكنة.
وقال القتبي - وهو ابن قتيبة -: يجوز أن يقول: " صمت
الشهر إلا يوماً "، ولا يجوز أن يقول: " صمت الشهر كله إلا
تسعة وعشرين يوما ".
وقال مثل ذلك ابن درستويه: عبد اللَّه بن جعفر النحوي.
وقال أبو إسحاق الزجاج: لم يأت الاستثناء في كلام العرب إلا
في القليل من الكثير، فإذا كان هؤلاء الأئمة قد أنكروا استثناء
الأكثر، فإنه يثبت أن استثناء الأكثر ليس من اللغة، فلا يجوز.
ولو جاز استثناء الأكثر لجاز في كل ما قبحه أهل اللغة وكرهه
لسان العرب.
الدليل الثاني: أن الاستثناء قد جرى في كلام العرب على خلاف
الأصل؛ لأنه إنكار بعد إقرار، والأصل: عدم الإنكار، لكن لما
كان الإنسان قد يغفل عن بعض ما أقر به أجيز استثناء القليل لدفع
الضرر، وأما الأكثر فلا يُعقل أن يغفل عنه الإنسان، فلم يجز فيه
الاستثناء جريا على الأصل في الكلام.
(4/1685)

المذهب الثاني: أنه يجوز استثناء الأكثر.
وهو لجمهور العلماء، فيجوز أن يقول: " له علي عشرة إلا
تسعة "، فيكون مقراً بواحد.
ِأدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قوله تعالى: (فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين) ، وقال: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين) .
وجه الدلالة: أنه في الآيتين قد استثنى كل واحد منهما من الآخر،
ففي الآية الأولى قد استثنى العباد من الغاوين، وفي الآية
الثانية قد استثنى الغاوين من العباد، فإن استووا فقد استثنى المساوي
وإن تفاوتوا فأيهما كان أكثر فقد استثناه وأبقى الأقل، وهذا يدل على
جوازه.
على أن الغاوين أكثر من غير شك بدليل قوله تعالى:
(وقليل في عبادي الشكور) ، وقوله: (ولا تجد أكثرهم شاكرين) ،
وقوله: (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) .
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنه لو ثبت أن أحد الفريقين أكثر من الآخر، وأنه
استثناء لم يكن قد استثنى الأكثر، بل استثنى الأقل في الموضعين،
بيان ذلك:
أما الآية الأولى، فإن هناك شواهد دلَّت على أنه استثنى الأقل؛
حيث قال تعالى: (لأغوينهم أجمعين) يعني ولد آدم بدليل قوله
(4/1686)

تعالى في سورة أخرى: (أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا)
ثم استثنى في سورة أخرى قائلاً: (إلا عبادك منهم المخلصين) ،
وهم القليل المذكور، ولهذا قيده بلفظ " منهم "، فثبت أنه استثنى الأقل وأبقى الأكثر.
أما الآية الثانية، فإن اللَّه تعالى قال فيها:
(إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) ، فأضاف العباد إليه مطلقا،
وذلك يقع على كل عبد له من مَلَك، وآدمي، وجني، ثم قال:
(إلا من اتبعك من الغاوين) ، والغاوون من جميع العباد هم الأقل؛ لأن الملائكة كلهم غير غاوين كما قال تعالى: (بل عباد مكرمون) ، وهم أكثر
الخلق، ويضاف إليهم من آمن من الإنس والجن، فيكونون أكثر من
الغاوين، فثبت أنه استثنى الأقل، وأبقى الأكثر.
الجواب الثاني: لا نُسَلِّمُ أن " إلا " في الآيتين للاستثناء، بل هي
بمعنى " لكن "، والتقدير يكون في الآية الأولى: " ولكن عبادك
المخلصين لا أستطيع غوايته "، والتقدير في الآية الثانية: " ولكن
من اتبعك من الغاوين فإن جهنم موعدهم أجمعين ".
أما الآية الأولى فظاهر فيها أن المراد"بلفظ " إلا ": " لكن ".
أما الآية الثانية وهي قوله: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك) ، فظاهرها يفيد أنه استثناء - في السلطان، تقديره:
" إلا اتبعك من الغاوين، فإن لك عليهم سلطانا "، وهذا لا يصح؛
لأن الغاوين لا سلطان له عليهم - أيضا - دلَّ على ذلك قوله تعالى:
(وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي) ، فأخبر أنه لا سلطان له على الغاوين - أيضا - فدل هذا على
(4/1687)

أن تقدير الكلام: " لكن من اتبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم
أجمعين ".
الدليل الثاني: قياس الاستثناء على التخصيص بالمنفصل، بيان
ذلك:
أنه كما يجوز إخراج أكثر ما تناوله اللفظ بالمخصصات المنفصلة.
فكذلك يجوز إخراج أكثر ما تناوله اللفظ بالاستثناء، ولا فرق،
بجامع: أن كلاً منهما يخرج من العموم ما لولاه لدخل.
جوابه:
إن هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، والفرق بينهما من
وجهين:
الوجه الأول: أن التخصيص بالمنفصل لا يختص بعبارة، فهو
يصح بجميع أدلة العقل والنقل، ولا يقف على حرف مخصوص،
أما الاستثناء فلا يجوز إلا بحروف مخصوصة، ولهذا يجوز
تخصيص المعلوم من المجهول، والمجهول من المعلوم في المنفصل،
ولا يجوز ذلك في الاستثناء بالعدد.
الوجه الثاني: أن من جنس التخصيص بالمنفصل ما يرفع الجملة
وهو: النسخ؛ لأن التخصيص: تخصيص الأعيان، والنسخ:
تخصيص الزمان، وليس من جنس الاستثناء ما يرفع الجملة؛ حيث
لا يجوز استثناء الكل كما سبق.
الدليل الثالث: قياس استثناء الأكثر على استثناء الأقل، بيانه:
أنه كما يجوز استثناء الأقل وإبقاء الأكثر باتفاق، فكذلك يجوز
(4/1688)

استثناء الأكثر وإبقاء الأقل، ولا فرق، بجامع: أن كلاَّ منهما فيه
إخراج بعض ما شمله العموم.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق،
والفرق بينهما من وجهين:
الوجه الأول: أن استثناء الأقل هي لغة العرب، واستعمله أهل
اللسان وصرحوا بجوازه، بخلاف استثناء الأكثر فقد نفوه وقبحوه
كما سبق ذكر ذلك، فقياس ما قبحه أهل اللغة وأنكروه - وهو
استثناء الأكثر - على ما استحسنه أهل اللغة وأجازوه - وهو استثناء
الأقل - لا يمكن عقلاً.
الوجه الثاني: أن الاستثناء وضع للاختصار، أو للاستدراك،
ويحسن ذلك في الأقل، وليس في الحكمة وجود ذلك في الأكثر.
الدليل الرابع: أن استثناء الأكثر قد ورد استعماله في قول الشاعر:
أدوا التي نقصت تسعين من مائة ... ثم ابعثوا حكما بالحق قواما
فهنا قد استثنى الشاعر تسعين من مائة، وهو استثناء الأكثر، فهذا
الاستعمال دليل جوازه.
جوابه:
إن هذا البيت ليمس فيه استثناء لفظي؛ لأنه لم يأت فيه بأداة
الاستثناء، وأدوات الاستثناء معروفة ومحصورة، ؤإنما ذكر نقصان
الأكثر مما دخل تحت الاسم.
(4/1689)

بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا قد اختلف العلماء فيه على قولين:
القول الأول: إن الخلاف معنوي، وهو الحق؛ لأنه قد أثر في
بعض الفروع الفقهية، ومنها:
1 - أنه لو قال لزوجته: " أنت طالق ثلاثاً إلا اثنتين " فقد
اختلف العلماء في ذلك، والخلاف مبني على الخلاف فى هذا
الأصل.
فبناء على قول أصحاب المذهب الأول - وهم المانعون من جواز
استثناء الأكثر - فإنه يلزم الزوج جميع المستثنى منه، وهي التطليقات
الثلاث، ويكون الاستثناء لغواً.
وبناء على قول أصحاب المذهب الثاني - وهم المجيزون لاستثناء
الأكثر - فإنه يلزم الزوج طلقة واحدة.
2 - إذا قال: " له عليّ عشرة إلا تسعة " فقد اختلف في الشيء
الذي يلزم المقر - هنا -.
فبناء على قول أصحاب المذهب الأول - وهم المانعون من استثناء
الأكثر - فإنه يلزم المقر جميع المستثنى منه، ويكون الاستثناء لغواً،
فتلزمه العشرة - كلها -.
وبناء على قول أصحاب المذهب الثاني - وهم المجيزون استثناء
الأكثر - فإنه يلزم المقر واحد فقط.
القول الثاني: إن الخلاف لفظي، وهو اختيار المازري، وعلل
ذلك بأن أصحاب المذهبين لم يخالفوا في الحكم، وإنما خالف أصحاب
(4/1690)

المذهب الأول؛ لأن العرب لم تستعمل استثناء الأكثر، لكن العرب
وإن لم تستعمله فلا يسقط حكم الاستثناء في الإقرار وغيره.
جوابه:
لا نسلم أن أصحاب المذهب الأول لم يخالفوا في الحكم، بل
خالفوا في مسائل الإقرار، والطلاق، وغير ذلك؛ بناء على
خلافهم في هذه القاعدة.
المسألة العاشرة: هل يجوز استثناء النصف:
لقد اختلف أصحاب المذهب الأول في المسألة السابقة - وهم
المانعون من استثناء الأكثر - في استثناء النصف على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يجوز استثناء النصف، بل الذي يجوز
استثناء أقل من النصف.
وهو مذهب الباقلاني، وأكثر الحنابلة، والخليل ابن أحمد،
والنضر بن شميل، وجمهور البصريين، وهو الحق؛ لما سبق من
الدليلين المذكورين في المذهب الأول - وهو عدم جواز استثناء
الأكثر - وهما يدلان على عدم جواز استثناء النصف.
المذهب الثاني: يجوز استثناء النصف، وأما الأكثر منه فلا يجوز.
وهو اختيار بعض النحويين كابن درستويه النحوي، وبعض
الحنابلة.
دليل هذا المذهب:
قوله تعالى: (يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً نصفه) .
(4/1691)

وجه الدلالة: أنه هنا قد استثنى النصف، وليس هو بأقل من
المستثنى منه، بل هو مساوي له، وهو استدلال مبني على أن "نصفه "
بدل من " قليلاً "، فيكون في حكم المستثنى من الليل، والتقدير:
" قم الليل إلا نصفه ".
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن لفظ " نصفه " كلام مبتدأ ليس باستثناء، وإنما
الاستثناء في قوله: " إلا قليلاً ".
الجواب الثاني: أن " نصفه " ظرف للقيام فيه، ويكون " نصفه "
بدل من الليل، والتقدير: " قم الليل نصفه إلا قليلاً "، أو تقول:
التقدير: " قم نصف الليل إلا قليلاً ".
إذن الآية لا تصلح للاستدلال بها على جواز استثناء النصف.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي، حيث إنه أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها:
1 - أنه لو قال: " له علي عشرة إلا خمسة " فقد اختلف في
الشيء الذي يلزم المقر - هنا -.
فبناء على المذهب الأول - وهو عدم جواز استثناء النصف - فإنه
يلزم المقر جميع المستثنى منه، ويكون الاستثناء لغواً، فتلزمه العشرة
- كلها -.
وبناء على المذهب الثاني - وهو جواز استثناء النصف - فإنه يلزم
المقر خمسة فقط.
(4/1692)

المسألة الحادية عشرة: الاستثناء الواقع بعد الجمل المتعاطفة
بالواو هل يرجع إليها جميعاً، أو يرجع إلى الأخيرة فقط؟
محل الخلاف في هذه المسألة إذا لم يكن هناك قرينة تدل على
إرادة الجميع، أو قرينة تدل على أن المراد الجملة الأخيرة أو الأولى،
فإن كان هناك قرينة وجب العمل بما تقتضي تلك القرينة.
ومثال الاستثناء الذي يعود إلى الجميع بقرينة: قوله تعالى:
(إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34) ،
فإن الاستثناء هنا راجع إلى الجميع اتفاقا.
وأيضاً يمكن أن يمثل لذلك بقوله تعالى:
(وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ... ) ، ثم قال في آخر الآية: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ... ) ، فإنه يرجع إلى الجميع اتفاقا.
ومثال الاستثناء الذي يرجع إلى الجملة الأولى بقرينة قوله تعالى:
(فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ) ،
فالاستثناء هنا راجع إلى الجملة الأولى؛ لأن المعنى: فمن شرب منه
فليس مني إلا من اغترف غرفة بيده فإنه مني، ولو كان الاستثناء
راجعاً إلى الأخيرة لكان المعنى: ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من
اغترف غرفة بيده، وهذا لا يراد.
ومثال الاستثناء الذي يرجع إلى الجملة الأخيرة بقرينة قوله تعالى:
(4/1693)

(وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا) ، فإن الاستثناء راجع إلى الأخيرة؛ لأن تحرير الرقبة
هو حق لله، فلا يسقط بإسقاطهم.
والنزاع واقع في الاستثناء الواقع بعد الجمل المتعاطفة بالواو، أما
إذا كان العاطف غيرها كالفاء، وثم، فإن الاستثناء يختص
بالأخيرة، حيث إن الفاء وثم يقتضيان الترتيب كما سبق قوله في
معاني الحروف، أما الواو فلا تقتضي ذلك.
إذن: اختلف العلماء في الاستثناء الواقع بعد الجمل المتعاطفة
بالواو هل يرجع إليها جميعاً، أو يرجع إلى الأخيرة فقط؛ على
مذهبين:
المذهب الأول: أنه يرجع إلى جميع الجمل.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: اتفاق أهل اللغة على أن تكرار الاستثناء عقيب كل
جملة يعتبر نوعاً من العي، والركاكة فيما لو أراد إرجاعه إلى الجميع
كما لو قال: " إن شرب زيد الخمر فاضربه إلا أن يتوب، وإن زنا
فاضربه إلا أن يتوب "، فإذا ثبت استقباح ذلك: فلم يبق - للتخلص
من ذلك - إلا أن يجعل استثناء واحداً في آخر الجمل ويعود إلى
جميعها فيقول: " إن شرب زيد الخمر فاضربه، وإن زنا فاضربه إلا
أن يتوب ".
الدليل الثاني: القياس على الشرط، بيانه:
كما أن الشرط إذا تعقب جملاً، فإنه يرجع إلى جميع الجمل،
فتقول: " نسائي طوالق، وعبيدي أحرار إن كلمت زيداً "،
(4/1694)

فكذلك الاستثناء فإنه يرجع إلى جميعها، ولا فرق بينهما، والجامع:
أن كلًّا منهما لا يستقل بنفسه، وأنهما يتعلقان بغيرهما من الكلام،
ولا بد من اتصالهما، فإذا ثبت شيء لأحدهما ثبت في الآخر.
اعتراض على ذلك:
قال قائل - معترضا - على ذلك: إن قياسكم الاستثناء على
الشرط قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن رتبة
الشرط: أن يتقدم على الجزاء سواء تقدم على اللفظ أو تأخر،
فكانه في المثال السابق قال: " إن كلمت زيداً فنسائي طوالق وعبيدي
أحرار ".
بخلاف الاستثناء فإنه لا يصلح أن يتقدم - كما سبق بيانه -.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: نحن لم نقس الاستثناء على الشرط مطلقا، بل
قسنا الاستثناء على الشرط المتأخر، فإنه هنا لا فرق بينهما كما سبق.
الجواب الثاني: على فرض تقدم الشرط فإنه يتعلق بجميع الجمل
مثل ما إذا تأخر، فقولنا: " إن كلمت زيداً فنسائي طوالق وعبيدي
أحرار "، مثل قولنا: " نسائي طوالق وعبيدي أحرار إن كلمت
زيدأ"، ولا فرق، فإذا كان الشرط متعلقا بجميع الجمل، سواء
تقدم أو تأخر، فكذلك الاستثناء فإنه مساو للشرط في حال تأخره.
الدليل الثالث: أن الجمل المعطوف بعضها على بعض بمنزلة
الجملة الواحدة، ولهذا فلا فرق بين قوله: " اضرب الجماعة التي
منها قتلة وسراق وزناة إلا من تاب "، وبين قوله: " اضرب من قتل
(4/1695)

وزنا وسرق إلا من تاب "، فوجب اشتراكهما في عود الاستثناء إلى
الجميع.
الدليل الرابع: أن الاستثناء صالح لأن يعود إلى كل واحدة من
الجمل، وليس البعض أَوْلى من البعض، فوجب العود إلى الجميع
كالعام.
المذهب الثاني: أن الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة، ولا يرجع
إلى جميع الجمل.
وهو مذهب أبي حنيفة، وجمهور الحنفية، وبعض الحنابلة كالمجد
ابن تيمية، وكثير من الظاهرية.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن العموم يثبت في كل صورة وجملة بيقين،
وعود الاستثناء إلى جميعها مشكوك فيه، فلا يرفع اليقين بالشك.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن العموم لا يثبت قبل تمام الكلام، وما تم
الكلام حتى أردف وأتى باستثناء يرجع إلى العموم.
الجواب الثاني: يلزم من كلامكم هذا: أن لا يعود الشرط
والصفة على جميع الجمل - لما ذكروه من أن التعميم متيقن - مع أن
أكثركم يسلم أن الشرط والصفة يعودان إلى جميع الجمل.
الدليل الثاني: أن الجملة الثانية فاصلة بين الاستثناء والجملة
الأولى، فلم يرجع الاستثناء إليها، كما لو فصل بينهما بقطع
الكلام، وإطالة السكوت، أو بكلام آخر.
(4/1696)

جوابه:
لا نسلم أنه فصل؛ لأنا ذكرنا أنه لما عطف بعض الجمل على
البعض الآخر بالواو صارت الجمل كالجملة الواحدة.
الدليل الثالث: أن الاستثناء لا يستقل بنفسه، ولا يفيد بمفرده،
فوجب رده إلى ما قبله مباشرة، فإذا رد إلى ما قبله مباشرة، وهو
الذي يليه، فقد استقل وأفاد، فإذا استقل وأفاد فلا حاجة إلى تعليقه
بما قيل ذلك من الجمل؛ لأن تعليقه بذلك تعليق على الزيادة فيجري
مجرى الكلام المستقل بغيره لا من ضرورة.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنا قد جعلنا الاستثناء يرجع إلى جميع الجمل التي
قبله؛ نظراً لصلاحيته لأن يرجع إليها، فلا نسلم أنه تعلق بما قبله
ضرورة.
الجواب الثاني: أن كلامكم هذا يبطل بالشرط والصفة؛ لأنهما
يتعلقان بجميع الجمل، فكذلك الاستثناء، ولا فرق، فلو قال:
"أكرم العلماء والتجار إن كانوا طوالا "، أو قال: " أكرم العلماء
والتجار الطوال "، فإن ذلك يرجع إلى الجميع، فكذلك هنا.
بيان نوع الحنلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ حيث إن هذا الخلاف قد أثر في بعض
الفروع، ومنها:
1 - قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا)
(4/1697)

فإنه بناء على المذهب الأول فإن هذا الاستثناء راجع إلى الجملتين السابقتين معا، وهما الواردتان في قوله تعالى: (ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً) ،
وقوله: (وأولئك هم الفاسقون) ، والتقدير: " لا تقبلوا لهم شهادة أبداً إلا الذين تابوا منهم فاقبلوا شهادتهم فيما بعد "،
وكذلك يقال: " وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا، فلا يحكم عليهم بفسق ".
أي: أنه على المذهب الأول: القاذف إذا تاب تقبل شهادته،
وتعود إليه عدالته؛ بناء على أن الاستثناء يرجع إلى الجملتين السابقتين.
أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم أرجعوا الاستثناء إلى الجملة
الأخيرة فقط، فلذلك قالوا: إن التوبة لا تسقط عدم قبول الشهادة،
بل إن شهادته تبقى مردودة، ولكنها - أي: التوبة - ترفع عنه
وصف الفسق.
2 - قوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا يؤم الرجل في أهله، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه ".
فإن الاستثناء على المذهب الأول يرجع إلى الجملتين السابقتين معا
وهما: " لا يؤم الرجل في أهله "، و " لا يجلس على تكرمته ".
إذن يكون الإذن في الأمرين، أي: لا يؤم الرجل في أهله إلا
بإذنه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه.
أما على المذهب الثاني، فإن الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة
فقط، وعلى ذلك يكون الإذن يشترط في جلوسه على تكرمته فقط،
دون الإمامة في الصلاة، وهكذا تقول في كل ما يماثل ذلك.
(4/1698)

المسألة الثانية عشرة: صور الاستثناءات المتعدِّدة:
الصورة الأولى: أن يكون استثناء معطوف على ما قبله كقولك:
" علي عشرة إلا ثلاثة وإلا اثنين "، فترجع جميعها إلى العشرة،
فيكون المقربة خمسة؛ لأن العطف يقتضي الشاركة بين المعطوف
والمعطوف عليه في الحكم، والعطوف خارج من المستثنى منه،
فكذلك المعطوف عليه.
الصورة الثانية: أن لا يعطف الاستثناء، ويكون الثاني مستغرقاً لا
قبله كقولك: " عليّ عشرة إلا اثنين إلا ثلاثة " فترجع جميعها إلى
العشرة وهو الأولى؛ لأن استغراق الثاني للأول يمنع من رجوعه إليه؛
حيث قلنا: إن الاستثناء لا يستغرق.
الصورة الثالثة: عدم وجود العطف، وعدم استغراق الثاني
للأول كقولك: " عليّ عشرة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة " فهنا كل
استثناء يرجع إلى ما قبله مباشرة؛ لقربه منه فيختص به، فتكون
السبعة مستثناة من الثمانية، والثمانية مستثناة من العشرة، والستة
مستثناة من السبعة، ويعمل في ذلك قاعدة: " أن الاستثناء من النفي
إثبات ومن الإثبات نفي "، وتطبق المثال على هذه القاعدة فتقول:
إن " الثمانية " منفية؛ لأننا قد استثنيناها من " العشرة " المثبتة.
وتكون " السبعة " مثبتة؛ لأننا قد استثنيناها من " الثمانية " المنفية.
وتكون " الستة " منفية؛ لأننا قد استثنيناها من " السبعة " المثبتة.
فيلزمه على هذا ثلاثة فقط، قد تقول: كيف أخرجت ذلك؛
نقول: إنه لا استثنى الثمانية من العشرة يكون الباقي اثنين.
ولما استثنى السبعة من الثمانية " المنفية " أي: التي نفاها عنه يكون
بذلك قد أثبت السبعة، فإذا ضممت إلى السبعة الاثنين السابقين
يكون جملة ما لزمه تسعة، فإذا أخرج من التسعة ستة بقي ثلاثة.
(4/1699)

الفصل الثالث عشر المطلق والمقيد
ويشتمل على المباحث التالية:
المبحث الأول: تعريف المطلق.
المبحث الثاني: بيان في أي شيء يكون المطلق؛ والأمثلة على ذلك.
المبحث الثالث: تعريف المقيد.
المبحث الرابع: على أي شيء يطلق المقيد؟
المبحث الخامس: مقيدات المطلق.
المبحث السادس: إذا اجتمع مطلق ومقيد
فهل يحمل المطلق على المقيد أو لا؟
المبحث السابع: إذا ورد لفظ مطلق، ثم قيده مرة، ثم قيده مرة
ثانية بخلاف التقييد الأول فما الحكم؟
(4/1701)

المبحث الأول تعريف المطلق
المطلق لغة هو: الانفكاك من أي قيد: حسيا كان أو معنوياً،
فمثال الحسي: قولهم: " هذا الفرس مطلق "، ومثال المعنوي:
الإطلاق في الأدلة.
المطلق اصطلاحا: اللفظ المتناول لواحد لا بعينه باعتبار حقيقة
شاملة لجنسه.
فقولنا: " اللفظ " جنس يشمل كل ملفوظ به: مفيداً أو غير مفيد.
وقولنا: " المتناول لواحد " أخرج اللفظ غير المفيد، وأخرج
ألفاظ الأعداد المتناولة لأكثر من واحد.
وقولنا: " لا بعينه " أخرج أسماء الأعلام، وما مدلوله واحد
معين، والعام المستغرق.
وقولنا: " باعتبار حقيقة شاملة لجنسه " أخرج المشترك، والواجب
المخير، فإن كلًّا منهما يتناول واحداً لا بعينه باعتبار حقائق مختلفة.
فمثلاً: قول السيد لعبده: " أكرم طالبا "، فإن هذا الأمر قد
تناول واحداً من الطلاب غير - معين، ومدلول هذا الأمر شائع في
جنسه.
أي: لا يوجد طالب معروف، أو جماعة من الطلاب معروفين
بصفة معينة، بل الواجب على العبد اخحيار أي طالب ويكرمه،
وتبرأ ذمة العبد.
(4/1703)

المبحث الثاني في أي شيء يكون المطلق؛ والأمثلة على ذلك
المطلق يكون في أمور:
الأول: أنه قد يكون في معرض الأمر كقولك: " اعتق رقبة "،
أو " أعط طالباً جائزة ".
الثاني: قد يكون في مصدر الأمر كقوله تعالى: (فتحرير رقبة) .
الثالث: قد يكون في مصدر الخبر عن المستقبل كقوله عليه
السلام: " لا نكاح إلا بولي "، وكقولك: " سأعتق رقبة ".
لكن لا يمكن أن يكون الإطلاق في معرض الخبر المتعلق بالماضي
كقولك: " رأيت رجلاً "، أو " أعطيت طالباً "، أو " أعتقت
رقبة"؛ لأن هؤلاء - وهم الرجل والطالب والرقبة - قد تعينوا
بالضرورة، وهي ضرورة إسناد الرؤية إلى الرجل، وضرورة إسناد
العطية إلى الطالب، وضرورة إسناد الإعتاق إلى الرقيق.
(4/1704)

المبحث الثالث تعريف المقيد
المقيد لغة: ما يقابل المطلق، وهو ما قيد بشيء من وصف أو
شرط أو نحوه.
والمقيد اصطلاحا هو: المتناول لمعين، أؤ لغير معين موصوف بأمر
زائد على الحقيقة الشاملة لجنسه.
مثال ذلك: قولنا: " أعط هذا الطالب "، أو " أعط الطالب
الطويل "، فقد قيدنا الطالب الأول بتعيينه بالإشارة إليه، وقيدنا
الطالب الثاني بوصفه بالطول الذي أخرجه عن بقية الطلاب.
(4/1705)

المبحث الرابع على أي شيء يطلق المقيد؟
التقييد يطلق باعتبارين:
الأول: ما كان من الألفاظ دالاً على غير معين، ولكنه موصوف
بوصف زائد على مدلوله المطلق، كقوله تعالى: (وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) ،
وكقولك: " أكرم الطالب الناجح ".
الثاني: ما كان من الألفاظ الدالة على مدلول معين، أو ما تناول
معيناً كزيد وعمرو، وهذا الرجل.
(4/1706)

المبحث الخامس مقيدات المطلق
المطلق والمقيد كالعام والخاص فيما ذكر من مخصصات العموم
المتصلة والمنفصلة، المتفق عليها، والمختلف فيها.
فعلى هذا يجوز تقييد الكتاب بالكتاب، والسُّنَّة بالسُّنَّة، وتقييد
السُّنَّة بالكتاب و، والعكس، وتقيد المطلق بالإجماع، والقياس،
والمفاهيم، ونحو ذلك.
(4/1707)

المبحث السادس إذا اجتمع مطلق ومقيد فهل يحمل
المطلق على المقيد أو لا؟
هذا يختلف باختلاف أحوال ورودهما، ففي بعض الحالات لا
يحمل المطلق على المقيد إذا وردا، وفي بعض الحالات يحمل،
وإليك بيان ذلك:
الحالة الأولى: أن لا يكون متعلِّق حكم المطلق هو عين متعلِّق
حكم المقيد مثل أن يقول: " أدوا الصلاة "، ويقول: " اعتقوا رقبة
مؤمنة إذا حنثتم " فهنا لا يحمل المطلق على المقيد اتفاقا؛ لأنه لا
يوجد مناسبة بينهما، ولا تعلق لأحدهما بالآخر أصلاً.
الحالة الثانية: أن يكون متعلِّق حكم المطلق هو عين متعلّق حكم
المقيد.
وهذه الحالة لها ست صور:
الصورة الأولى: أن يكون متعلقهما واحداً والسبب واحداً، وكل
واحد منهما أمراً كقوله: اعتقوا رقبة إذا حنثتم، ثم يقول: اعتقوا
رقبة مؤمنة إذا حنثتم، فهنا يحمل المطلق على المقيد، وكذا لو قال:
اعتقوا رقبة مؤمنة، ثم قال: اعتقوا رقبة، وكذا لو لم نعلم تقدم
أحدهما، ففي هذا كله يحمل الطلق على المقيد.
دليل ذلك. أن الجمع بين الدليلين أَوْلى من إعمال أحدهما وترك
(4/1708)

الآخر: فالعمل بالمقيد عمل بالمطلق ضرورة أن المطلق جزء من
المقيد، والآتي بالكل آت بالجزء، فيكون العمل بالمقيد عملاً
بالدليلين، وأما العمل بالمطلق فليس عملاً بالمقيد؛ لأن الآتي بالجزء
لا يكون آتيا بالكل، بل يكون تاركا للمقيد، فيكون العمل بالمطلق
يستلزم ترك المقيد بالكلية.
الصورة الثانية: أن يكون متعلق المطلق والمقيد واحداً والسبب
واحداً، وكل واحد منهما نهيا مثل أن يقول: " لا تعتق رقبة "، ثم
يقول مرة أخرى: " لا تعتق رقبة كافرة في كفارة اليمين "، فهنا فيه
تفصيل:
أن من يقول بأن المفهوم حُجَّة، وأنه يخصص به العموم فإنه
يخصص النهي العام؛ لأن النهي في قوله: " لا تعتق رقبة كافرة "
يدل على إجزاء المسلمة؛ لأنه مختص بالنهي عن الكافرة، وهو
بمفهومه يدل على إجزاء المسلمة، وهذا بناء على جواز التخصيص
بالمفهوم كما سبق بيانه.
أما من لم يحتج بالمفهوم، فإنه لا يخصص النهي العام؛ لأنه لا
موجب لذلك.
الصورة الثالثة: أن يكون متعلق المطلق والمقيد واحداً، والسبب
واحداً، ويكون أحدهما أمراً والآخر نهيا، فإن المقيد يوجب تقييد
المطلق بضده، سواء كان المطلق أمراً والمقيد نهيا كقوله: " اعتق
رقبة"، ثم يقول: " لا تعتق رقبة كافرة "، أو كان المطلق نهيا،
والمقيد أمراً كقوله: " لا تعتق رقبة "، ثم يقول: " اعتق رقبة
مؤمنة".
الصورة الرابعة: أن يكون حكم المطلق والمقيد واحداً، وسبب
(4/1709)

المطلق يختلف عن سبب المقيد، وكل واحد منهما أمراً كقوله تعالى
في كفارة الظهار: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) ، وقوله في كفارة القتل:
(وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) ، فهنا الحكم واحد، وهو في
وجوب إعتاق رقبة، وهو في المطلق والمقيد أمر، والسبب مختلف،
حيث إن سبب عتق الرقبة في المطلق هو: الظهار، وسبب عتق
- الرقبة في المقيد هو: القتل الخطأ، فهل يحمل المطلق على المقيد،
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: إن قام دليل نحو القياس على المقيد أو غيره حمل
المطلق على المقيد، وإن لم يقم دليل، فإن المطلق يبقى على
إطلاقه، وهو مذهب جمهور الشافعية، ومنهم الإمام الشافعي،
والآمدي، وفخر الدين الرازي، وبعض المالكية كالقاضي أبي بكر
الباقلاني، وبعض الحنابلة كأبي الخطاب، وبعض المعتزلة كأبي
الحسين البصري، وهو الحق عندي لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن القياس دليل شرعي عام في كل صورة إلا إذا
فقد فيه ركن من أركانه، أو شرط من شروطه، وذلك لأن الأدلة
على حجيته لم تفرق بين صورة وصورة، فإذا دلَّ القياس على حمل
المطلق على المقيد، فإنه يجب العمل على في لك عملاً بحجية القياس.
الدليل الثاني: قياس تقييد المطلق على تخصيص العام بالقياس،
بيانه:
أنه كما أن العام يجوز تخصيصه بالقياس، فكذلك يجوز تقييد
المطلق بالقياس، والجامع: صيانة القياس عن الإلغاء، بل هذا
أَوْلى " لأن دلالة العام على كل الأفراد دلالة لفظية، ودلالة المطلق
(4/1710)

على ذلك ليست لفظية، بل معنوية، ومعروف: أن الدلالة اللفظية
أقوى من الدلالة المعنوية، فإذا كان القياس يخصص العام مع أن
دلالته على الأفراد لفظية وهي قوية، فمن باب أوْلى جواز تقييد
المطلق بالقياس.
المذهب الثاني: أن المطلق يحمل على المقيد عن طريق اللغة
واللفظ من غير حاجة إلى دليل آخر.
وهو مذهب بعض الحنابلة كأبي يعلى، وبعض العلماء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن المطلق في باب الشهادة، كقوله تعالى:
(واستشهدوا شهيدين من رجالكم) ، قد حمل على المقيد الوارد
في قوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) ، ولذلك أجمع
العلماء على اعتبار العدالة في جميع الشهود، ومنها شهود المداينة
مع أنه أطلق فيها هاهنا.
والجامع: تقديم المقيد الذي هو كالخاص على المطلق الذي هو
كالعام.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أن ذلك التقييد بحسب اللفظ، من غير
دليل، بل هو بدليل وهو الإجماع والنص، وهو قوله تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) ، والقياس على
الموضع الذي نص فيه على العدالة بجامع حصول الثقة بقولهم.
(4/1711)

الجواب الثاني: أن هذا غير منضبط في كل شيء، فقد قيد في
الوضوء بالمرافق، وأطلق بالتيمم، فلم نحمله عليه، فتقابلا.
الدليل الثاني: أن حمل المطلق على المقيد هو لغة العرب،
فالعرب تطلق الحكم في موضع، وتقيده في موضع آخر، فيحمل
المطلق على المقيد، وهذا له أمثلة كثيرة.
من ذلك: قوله تعالى: (والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيراً والذاكرات) ، فحمل لفظ " الحافظات "
و" الذاكرات " على " الحافظين " و " الذاكرين "، وقول الشاعر:
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف
والتقدير: ونحن بما عندنا راضون، فحمل المطلق على المقيد لغة
وغير ذلك من الأمثلة
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن جميع ما ذكروه حمل المطلق على المقيد
بدليل، والدليل في تلك الأمثلة هو: العطف؛ لأن حكم المعطوف
هو حكم المعطوف عليه.
وهو واضح في الآيتين وبيت الشعر.
الجواب الثاني: أن المطلق حمل على المقيد في تلك الأمثلة السابقة
لدليل، وهو: أن أحد الكلامين غير مستقل بنفسه، ولا يفيد فائدة
فحمل على الآخر لموضع الحاجة على حمل الكلام على فائدة.
المذهب الثالث: أنه لا يحمل المطلق على المقيد مطلقا، وهو قول
أكثر الحنفية، وبعض الشافعية، وكثير من الحنابلة.
(4/1712)

دليل هذا المذهب:
أن حمل المطلق على القيد رفع لحكم المطلق، وذلك نسخ له،
والنسخ لا يثبت بالقياس.
جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ أن زوال الحكم كان بطريق النسخ، بل هو عندنا
بطريق التقييد، ولهذا يكون الحكم كذلك لو كان المطلق والمقيد
مقترنين في الورود، أو كان القيد متقدماً، ولو كان بطريق النسخ لما
كان كذلك؛ لأن من شروط النسخ أن يكون الناسخ متأخراً عن
المنسوخ - كما سبق -.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ لأن بعض الفروع الفقهية قد تأثرت بهذا الخلاف،
ومنها:
أنه قال تعالى في الظهار: (فتحرير رقبة) ، وقال في آية قتل
الخطأ: (فتحرير رقبة مؤمنة) ، فعلى المذهب الأول والثاني:
يحمل المطلق على القيد في هذه الصورة، فلا يجزي عند أصحاب
هذين المذهبين في الكفارتين إلا الرقبة المؤمنة، وهو مذهب جمهور
العلماء.
أما عند أصحاب المذهب الثالث - وهم الذين منعوا حمل المطلق
على المقيد في هذه الصورة - فقد أعملوا المطلق على إطلاقه،
وأعملوا المقيد على تقييده، ففي كفارة الظهار تجزئ عندهم الرقبة
الكافرة عملاً بالإطلاق، وفي كفارة القتل الخطأ لا تجزئ إلا الرقبة
المؤمنة عملاً بالتقييد.
(4/1713)

الصورة الخامسة: أن يكون حكم المطلق والمقيد واحداً، وكل
واحد منهما نهياً، والسبب مختلف مثل أن يقول: " لا تعتق رقبة "
في كفارة الظهار، ثم يقول: " لا تعتق رقبة كافرة " في كفارة
القتل، في هذه الصورة تفصيل:
فمن يحتج بالمفهوم وتقييد المطلق بالمقيد إن وجد دليل، فإنه
يخصص النهي العام بالكافرة إن وجد دليل، وإن لم يوجد فلا
يخصص، فمفهوم قوله: " لا يعتق رقبة كافرة " هو: اعتق رقبة
مؤمنة، فالمفهوم هذا يخصص ويقيد قوله: " لا تعتق رقبة " أي:
لا تعتق رقبة كافرة، فيكون المراد: اعتق رقبة مؤمنة.
أما من لم يحتج بالمفهوم فلا يخصص النهي العام.
الصورة السادسة: أن يكون حكم المطلق والمقيد واحداً، ويكون
أحدهما أمراً، والآخر نهياً، والسبب مختلف، فالمقيد يوجب تقييد
المطلق، سواء كان المطلق أمراً مثل أن يقول: " اعتق رقبة في كفارة
الظهار "، والمقيد نهياً مثل قوله: " لا تعتق رقبة كافرة في كفارة
القتل "، أو بالعكس: أي يكون نهيا في المطلق كقوله: " لا تعتق
رقبة في كفارة الظهار "، ويكون المقيد أمراً كقوله: " اعتق رقبة
مؤمنة في كفارة القتل ".
(4/1714)

المبحث السابع إذا ورد لفظ مطلق، ثم قيده مرة، ثم قيده مرة ثانية
بخلاف التقييد الأول، فما الحكم؟
الجواب يختلف باختلاف اتحاد السبب، أو اختلافه، فيكون الأمر
على صورتين:
الصورة الأولى: أن يتحد السبب في الإطلاق، والقيدين مثل
قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً إحداهن بالتراب "،
وروي في حديث آخر: " أولاهن بالتراب ":
وروي في حديث آخر: " أخراهن بالتراب ".
فالحكم في هذه الصورة: أن يبقى المطلق على إطلاقه، ويتعارض
المقيدان؛ لأن التقييد في هذا متفق عليه، وليس إلحاقه بأحدهما أوْلى
من إلحاقه بالآخر، فيبقى على إطلاقه.
الصورة الثانية: أن يختلف السبب مثل: إطلاقه في قضاء رمضان
بقوله تعالى: (فعدة من أيام أُخر) من غير اشتراط التتابع
والتفريق، وقيد صوم التمتع بالتفريق، حيث قال تعالى: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ) ، وقيد صوم
كفارة الظهار بالتتابع بقوله تعالى: (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) ،
فالحكم في هذه الصورة: أن المطلق يقيد بالمقيد إذا دلَّ عليه قياس،
أو دليل آخر، فيحمل على ما كان القياس عليه أولى، أو على ما
كان دليل الحمل عليه أقوى.
(4/1715)

أي: أن قضاء رمضان المطلق يحمل على الأقوى شبها به من
صوم التمتع المفرق، أو صوم كفارة الظهار المتتابع، وإن لم يكن
هناك تشابه بين المطلق وبين أحد هذين القيدين، فإنه يبقى على
إطلاقه فيخير الإنسان في قضاء رمضان بين التتابع، والتفريق.
(4/1716)

الفصل الرابع عشر في المنطوق والمفهوم
اعلم أن اللفظ باعتبار طريق فهم دلالته على المعنى والحكم ينقسم
إلى قسمين:
القسم الأول: المنطوق.
القسم الثاني: المفهوم.
وإليك بيان ذلك في المبحثين التاليين:
المبحث الأول: في المنطوق.
المبحث الثاني: في المفهوم.
(4/1717)

المبحث الأول في المنطوق
ويشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: تعريفه.
المطلب الثاني: أقسامه: " منطوق صريح "، و "منطوق غير صريح ".
المطلب الثالث: أقسام المنطوق غير الصريح:
القسم الأول: دلالة الاقتضاء.
القسم الثاني: دلالة الإيماء.
القسم الثالث: دلالة الإشارة.
(4/1719)

المطلب الأول تعريف المنطوق
المنطوق في اللغة هو: الملفوظ به.
واصطلاحا هو: ما دلَّ عليه اللفظ في محل النطق.
أي: أن يكون حكماً للمذكور وحالاً من أحواله، سواء ذكر
ذلك الحكم ونطق به أو لا، مثل: وجوب الزكاة في الغنم السائمة
الذي دلَّ عليه منطوق قوله عليه السلام: "في سائمة الغنم الزكاة ".
(4/1721)

المطلب الثاني أقسام المنطوق
ينقسم المنطوق إلى قسمين:
القسم الأول: منطوق صريح، وهو: ما وضع اللفظ له فيدل
اللفظ عليه بالمطابقة أو التضمن، أي: أن المنطوق الصريح هو دلالة
اللفظ على الحكم بطريق المطابقة، أو التضمن؛ حيث إن اللفظ قد
وضع له.
مثاله: قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) ، حيث دلَّ
اللفظ بمنطوقه الصريح على نفي المماثلة بين البيع والربا، فالبيع
جائز، والربا حرام، وهذا القسم يسميه الحنفية " عبارة النص "، أو
دلالة العبارة، ويقصدون بها: دلالة اللفظ على المعنى المقصود منه
الذي سيق له.
القسم الثاني: منطوق غير صريح، وهو: ما لم يوضع اللفظ
له، بل يلزم مما وضع له.
أي؛ أن المنطوق غير الصريح هو: دلالة اللفظ على الحكم
بطريق الالتزام؛ إذ أن اللفظ مستلزم لذلك المعنى والحكم، فاللفظ
- هنا - لم يوضع للحكم، ولكن الحكم فيه لازم للمعنى الذي
وضع له ذلك اللفظ، فمثلاً قوله تعالى: (وعلى المولود له رزقهن
وكسوتهن بالمعروف) ، فالحكم المنطوق به بالصراحة هو: أن نفقة
(4/1722)

الوالدات من رزق وكسوة واجبة على الآباء، فهذا هو المتبادر من
ظاهر اللفظ، وهذا هو ما سيقت الآية لأجله.
ولكن الآية دلَّت بالالتزام على أن النسب يكون للأب، لا للأم،
وعلى أن نفقة الولد على الأب، دون الأم، فإن " اللام " لم يوضع
لإفادة هذين الحكمين، ولكن كل منهما لازم للحكم المنصوص عليه
في الآية.
والالتزام معتبر في المنطوق غير الصريح، كما هو رأي كثير من
العلماء.
(4/1723)

المطلب الثالث
أقسام المنطوق غير الصريح
ينقسم المنطوق غير الصريح إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: دلالة الاقتضاء.
القسم الثاني: دلالة الإيماء.
القسم الثالث: دلالة الإشارة.
ووجه الحصر في انقسام المنطوق غير الصريح إلى هذه الأقسام
الثلاثة هو: أن المدلول عليه بالالتزام إما أن يكون مقصوداً للمتكلم
من اللفظ، أو لا يكون مقصوداً له.
فإن كان الأول - وهو كونه مقصوداً للمتكلم - فذلك بحكم
الاستقراء قسمان:
أحدهما: أن يتوقف على المدلول صدق الكلام، أو صحته عقلاً
أو شرعاً، فدلالة اللفظ عليه تسمى دلالة الاقتضاء.
ثانيهما: أن لا يتوقف عليه ذلك، فدلالة اللفظ عليه تسمى دلالة
إيماء.
وإن كان الثاني - وهو: أن لا يكون مقصوداً للمتكلم - فدلالة
اللفظ عليه تسمى دلالة الإشارة، وإليك بيان هذه الأقسام الثلاثة فيما
يلي:
(4/1724)

القسم الأول
دلالة الاقتضاء
ويشتمل على المسائل التالية:
المسألة الأولى: تعريف دلالة الاقتضاء.
المسألة الثانية: أنواع المقتضَى - بفتح الضاد -
المسألة الثالثة: أركان الاقتضاء.
المسألة الرابعة: هل للمقتضى عموم؟
(4/1725)

المسألة الأولى: تعريف دلالة الاقتضاء:
دلالة الاقتضاء هي: دلالة اللفظ على معنى لازم مقصود للمتكلم
يتوقف عليه صدق الكلام، أو صحته العقلية، أو صحته الشرعية.
وقيل: هي: ما كان المدلول فيه مضمراً إما لضرورة صدق المتكلم
وإما لصحة وقوع الملفوظ به.
أي: أن المدلول فيه مضمر، ولم ينطق به، ولكن يكون من
ضرورة اللفظ.
***
المسألة الثانية: أنواع المقتضَى - بفتح الضاد -:
المعنى الزائد الذي يستدعيه النص، والذي يتوقف صدف الكلام أو
صحته العقلية أو الشرعية على تقديره ينقسم إلى ثلاثة أنواع:
النوع الأول: ما يتوقف عليه صدق الكلام.
النوع الثاني: ما يتوقف عليه صحة الكلام شرعاً.
النوع الثالث: ما يتوقف عليه صحة الكلام عقلا.
وإليك بيان كل نوع مما سبق مع الأمثلة فأقول:
النوع الأول، وهو: ما يتوقف عليه صدق الكلام، أي: ما
وجب تقديره ضرورة صدق الكلام.
فلولا تقديره مقدما لكان الكلام كذبا، ومخالفاً للواقع والحقيقة.
مثال ذلك: قوله عليه الصلاة والسلام: " إن اللَّه رفع عن أمتي
الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه "، فإن ظاهر هذا يدل على أن
(4/1727)

كلاً من الخطأ والنسيان قد وضعا عن الأُمَّة، وأنهما لا يقعان فيها،
وهذا لا يطابق الواقع؛ حيث إنه يقع من الأمَّة الخطأ والنسيان
والإكراه؛ لأن الأُمَّة ليست معصومة، والرسول لا يخبر إلا صدقاً،
وعلى هذا لا بد - لأجل أن يكون الكلام صدقاً - من تقدير
محذوف، فتعئن أن نقدِّر شيئاً زائداً - عن الذي استفدناه عن طريق
عبارة النص - وهو: " الإثم " فيكون تقدير الكلام بعد هذا: "رُفع
عن أمتي إثم الخطأ، وإثم النسيان، وإثم ما استكرهوا عليه ".
مثال آخر: قوله عليه الصلاة والسلام: " لا صيام لمن لم يجمع
الصيام من الليل "، فإن ظاهر هذا النص يدل على نفي وجود ذات
الصيام إلا بعزم ونية، وهذا لا يطابق الواقع؛ لأن ذات الصيام
وصورته قد يقع بدون نية، فلا بد لصدق هذا الكلام من تقدير شيء
زائد وهو: " صحيح "، فيكون تقدير الكلام بعد الزيادة: " لا
صيام صحيح لمن لم يجمع الصيام من الليل ".
النوع الثاني: ما توقف عليه صحة الكلام شرعا.
أي:. ما وجب تقديره ضرورة تصحيح الكلام ص شرعا، فيمتنع
وجود الملفوظ شرعا بدون ذلك المقتضى.
مثال ذلك: قوله تعالى: (فمن كلان منكم مريضا أو على سفر
فعدة من أيام أخر) ، فظاهر هذا يدل على أن المسافر يصوم عدة من
أيام أخر، سواء صام في سفره أو لم يصم، ولكن الشرع دلَّ على
أن المسافر إذا أفطَر في سفره فعليه القضاء في أيام أخر، أما إذا صام
في سفره فلا موجب للقضاء عليه، فيكون التقدير - لأجل تصحيح
الكلام شرعا - " أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر ".
مثال آخر: قول الإنسان لمن يملك عبداً: " اعتق عبدك عني وعلي
(4/1728)

ثمنه "، فهذا تصرف قولي، فما دلَّ بعبارة نصه لا يصح شرعا إلا
بتقدير بيع سابق؛ إذ لا يجوز شرعاً عتق عبد الغير بدون ولاية أو
وكالة.
وبناء عليه: فإن صحة هذا التصرف شرعا تتوقف على ثبوت ملك
مريد العتق أو لا، والشيء الذي يتصور ناقلاً لملكية العبد إلى من
أراد عتقه - هنا - هو " البيع ".
فهذا هو المعنى الذي قصده مريد العتق، ولو لم ينطق به؛ لأنه
قد فهم من مضمون قوله بدليل ذكره للثمن، فصار تقدير الكلام:
" بع عبدك هذا عليّ بألف ريال - مثلاً - وكن وكيلاً عني في عتقه ".
فالمقتضى - هنا - هو " البيع "، وقدر مقدما ليستقيم ويصح
التصرف.
النوع الثالث: ما توقف عليه صحة الكلام عقلاً.
أي: ما وجب تقديره ضرورة لتصحيح الكلام من جهة العقل،
فيمتنع وجود الملفوظ عقلاً بدون ذلك المقتضى.
مثاله: قوله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم) ، فإن العقل
يمنع من إضافة التحريم إلى ذات الأمهات، فوجب إضمار فعل
يتعلق به الحكم - وهو هنا التحريم -، فوجب إضمار " الوطء "،
نظراً إلى أن العقل يقتضيه، فيكون التقدير: " حرم عليكم وطء
أمهاتكم ".
مثال آخر: قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) ، فإن العقل
يمنع من إضافة الحكم إلى ذات الميتة، فوجب عقلاً إضمار فعل
يتعلق به التحريم، وهو هنا " الأكل ".
(4/1729)

والأمثلة على ذلكْ كثيرة كقولك: " حرمت عليك هذه الدار "
والمقصود: دخول الدار، كذلك قولك: " حرمت عليك هذا
الطعام، أي: أكله، وهكذا.
***
المسألة الثالثة: أركان الاقتضاء:
لقد علمت من تعويف الاقتضاء، وأقسامه: أن دلالة الاقتضاء
تتكون مما يلي:
1 - المقتضِي - بكسر الضاد - وهو: النص، أو الكلام الذي
يستلزم معنى مقدراً ومقدما على المنطوق بلفظه ضرورة استقامة معناه،
ويسمى الحامل على التقدير والزيادة.
2 - المقتضَى - بفتح الضاد - وهو: المعنى المزيد المقدر الذي
طلبه واستلزمه - ضرورة - كلام الشارع، أو المتكلم لتصحيحه،
وليستقيم معناه شرعا أو عقلاً.
3 - الاقتضاء، وهو: النسبة بينهما، أي: أن استدعاء المنطوق
نفسه لذلك المقدر لحاجته إليه، ولعدم استقامته إلا بذلك التقدير
والزيادة يسمى اقتضاء.
فإذا توفرت هذه الأمور في الكلام المراد استخراج حكم شرعي
منه يكون ما ثبت به حكم المقتضى.
وإن شئت المزيد عن الكلام عن " دلالة الاقتضاء " فراجع كتابي:
" دلالة الألفاظ على الأحكام عند الحنفية وأثرها الفقهي ".
(4/1730)

المسألة الرابعة: هل للمقتضى عموم؟
إذا كان المقتضى عاما يشمل أفراداً كثيرين، ولم يقم دليل على
تعيين واحد منها، فهل يقدر ما يعم تلك الأفراد، أو يقدر واحد
منها؛ لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا عموم له.
وهو مذهب الحنفية، وبعض الشافعية كالغزالي، والآمدي.
وهو الحق عندي؛ لأن ثبوت المقتضى كان للضرورة حتى إذا كان
الكلام مفيداً للحكم بدونه لم يصح إثباته لغة ولا شرعا.
وإذا كان للضرورة فإن الضرورة تقدر بقدرها، ولا حاجة لإثبات
العموم فيه ما دام الكلام مفيداً بدونه، ويبقى فيما وراء موضع
الضرورة - وهو استقامة الكلام - فلا يثبت فيه العموم؛ قياسا على
أكل الميتة، فإنه لما أبيح للضرورة قدر بقدرها، وهو سد الرمق
فقط، وما وراء ذلك من الحمل والتناول حتى الشبع: فلا يثبت حكم
الإباحة فيه.
المذهب الثاني: أن المقتضى له عموم..
وهو مذهب بعض الشافعية، ونسب إلى الإمام الشافعي، وعليه
كثير من العلماء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن المقتضى بمنزلة المنصوص في ثبوت الحكم،
حتى كان الحكم الثابت به بمنزلة الثابت بالنص لا بالقياس، فكذلك
في إثبات صفة العموم فيه، فيجعل كالمنصوص، فيجوز فيه العموم
كما يجوز في النص.
(4/1731)

جوابه:
إن المقتضى تبع للمقتضي، فإنه شرطه ليكون مفيداً، وشرط
الشيء يكون تبعاً، فلو جعل المقتضى كالمنصوص لخرج من أن يكون
تبعا، والعموم حكم صيغة النص خاصة، فلا يجوز إثباته في
المقتضى.
الدليل الثاني: أن اللفظ في مثل قوله: " رفغ عن أمتي الخطأ
والنسيان " دال على رفع ذات الخطأ، وهذا متعذر، فوجا تقدير
ما هو أقرب إلى رفع الذات، وهو: رفع جميع الأحكام؛ لأنه إذا
تعذر نفي الحقيقة وجب أن يصار إلى ما هو أقرب إلى الحقيقة، وهو
هنا جميع الأحكام؛ لأن رفعها يجعل الحقيقة كالعدم، فكأن الذات
قد ارتفعت حقيقة.
جوابه:
إن إضمار جميع الأحكام يلزم منه تكثير مخالفة الدليل المقتضي
للأحكام، وهو وجود الخطأ والنسيان.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ حيث ترتب على ذلك اختلافهم في بعض
الفروع الفقهية، ومنها:
أن من تكلم في صلاته ناسيا، أو مخطئا، أو ساهياً، بطلت
صلاته ولا إثم عليه، وعليه الإعادة، وهو قول أصحاب المذهب
الأول - وهم القائلون: إن المقتضى لا عموم له - حيث قالوا: إن
قوله - صلى الله عليه وسلم -: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " لا عموم له، فيكون
(4/1732)

المرفوع حكماً واحداً وهو: " الإثم " المقتضي للعقوبة في الآخرة،
ولم يرفع الحكم الدنيوي وهو: الإعادة.
أما على قول أصحاب المذهب الثاني - وهو: أن للمقتضى
عموما - فإن من تكلم في صلاته ناسيا أو مخطئاً فلا تبطل صلاته إذا
كان الكلام قليلاً، واحتجوا بعموم المقتضى في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ... "،
حيث قال هؤلاء: إن الحكم الذي عفي عنه عام شامل للحكم الدنيوي، وهو عدم البطلان، وللحكم الأخروي وهو: عدم الإثم والمؤاخذة.
(4/1733)

القسم الثاني دلالة الإيماء
وهي دلالة اللفظ على لازم مقصود للمتكلم لا يتوقف عليه صدق
الكلام ولا صحته عقلاً، أو شرعا، في حين أن الحكم المقترن
بوصف لو لم يكن للتعليل لكان اقترانه به غير مقبول، ولا مستساغ.
فذكر الحكم مقروناً بوصف مناسب يفهم منه أن عِلَّة ذلك الحكم
هو ذلك الوصف.
مثل قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)
فإن الحكم - وهو قطع يد السارق - رتبه الشارع على السرقة،
فالآية قد أومأت إلى عِلَّة قطع اليد، وهي: السرقة.
مثال آخر: قوله تعالى: (إن الأبرار لفي نعيم) فإنه إيماء إلى
أنهم ما صاروا في النعيم إلا لعِلَّة وهي: برهم.
وكذلك قوله تعالى: (وإن الفجار لفي جحيم) فإنه إيماء إلى
أنهم ما صاروا في الجحيم إلا لفجورهم.
وكقولك: " أكرم العلماء وأهن الفساق " فيه إيماء إلى أن إكرام
العلماء لعلة وهي: العلم، وأن إهانة الفساق لعلة وهي: الفسق،
ويقاس على ذلك كل ما خرج مخرج المدح والذم.
تنبيه: هذا القسم قد سماه بعضهم: دلالة الإيماء، وسماه بعض آخر
بالتنبيه، وبعضهم سماه بفحوى الكلام، وبعضهم سماه بلحن الكلام.
تنبيه آخر: دلالة الإيماء يتنوع إلى ستة أنواع، وهو من مسالك العلَّة
الاجتهادية، وسيأتي الكلام عنها في باب القياس بالتفصيل إن شاء اللَّه.
(4/1734)

القسم الثالث دلالة الإشارة
وهي: دلالة اللفظ على لازم غير مقصود للمتكلم لا يتوقف عليه
صدق الكلام ولا صحته، فالحكم قد أخذناه - هنا - من إشارة
اللفظ، لا من اللفظ نفسه.
ويعني به: ما يتبع اللفظ من غير تجريد قصد إليه، فكما أن
المتكلم قد يفهم بإشارته وحركته في أثناء كلامه ما لا يدل عليه نفس
اللفظ فيسمى إشارة، فكذلك قد يتبع اللفظ ما لم يقصد به ويُبنى
عليه.
مثالهْ قوله تعالى ت (وحمله وفصاله ثلاثون شهراً) ، فإن هذا
يدل مع قوله: (وفصاله في عامين) على أن أقل مدة الحمل ستة
أشهر، وهذه دلالة إشارة.
وهذا الحكم غير مقصود من لفظ الآيتين، بل المقصود في الآية
الأولى هو: حق الوالدة وما تقاسيه من الآلام في الحمل وفي
الفصال، والمقصود في الثانية -: بيان أكثر مدة الفصال.
ولكن لزم منهما: أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وهذه دلالة
إشا رة.
مثال آخر: قوله تعالى: (فالآن باشروهن) ، فإنه أباح
المباشرة إلى طلوع الفجر بقوله: (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من
الخيط الأسود) ، وكان بيان ذلك هو: المقصود.
(4/1735)

ومع ذلك فقد لزم منه: أن من جامع في ليل رمضان وأصبح جنبة
لم يفسد صومه؛ لأن من جامع في آخر الليل لا بد من تأخر غسله
إلى النهار، فلو كان ذلك مما يفسد صومه لما أبيح الجماع في آخر
جزء من الليل، فهذا الحكم قد أخذ من دلالة الإشارة.
إذن يكون المنطوق غير الصريح ثلاثة أقسام: اقتضاء النص،
وإيماء النص، وإشارة النص، وهذا منهج الجمهور في تقسيمه، أما
الحنفية فلا يخالفونهم في هذه الأسماء وأمثلتها إلا أنهم يخالفونهم
في أصل التقسيم.
(4/1736)

المبحث الثاني في المفهوم
وهو يشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: في تعريف المفهوم، وبيان أقسامه.
المطلب الثاني: في مفهوم الموافقة.
المطلب الثالث: في مفهوم المخالفة.
(4/1737)

المطلب الأول تعريف المفهوم، وبيان قسميه
المفهوم لغة: ما يستفاد من اللفظ، وهو اسم مفعول من الفهم،
وهو: إدراك معنى الكلام، فالمفهوم - إذاً -: ما يدرك من الكلام
ويستفاد منه.
والمفهوم اصطلاحا هو: معنى يستفاد من اللفظ في غير محل
النطق.
فقولنا: " معنى يستفاد من اللفظ " جنس يتناول المنطوق والمفهوم.
وقولنا: " في غير محل النطق " يخرج المنطوق بقسميه: المنطوق
الصريح، والمنطوق غير الصريح، فيختص التعريف للمفهوم.
والمفهوم ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: مفهوم الموافقة.
القسم الثاني: مفهوم المخالفة.
وإليك بيان كل قسم فيما يلي.
(4/1739)

المطلب الثاني في مفهوم الموافقة
ويشتمل على المسائل التالية:
المسألة الأولى: في تعريف مفهوم الموافقة.
المسألة الثانية: في أسماء مفهوم الموافقة.
المسألة الثالثة: في شروط مفهوم الموافقة.
المسألة الرابعة: هل دلالة مفهوم الموافقة دلالة قياسية أو دلالة لفظية؟
المسألة الخامسة: هل مفهوم الموافقة له عموم؟
المسألة السادسة: أقسام مفهوم الموافقة من حيث كونه أوْلى أو مساوبا.
المسألة السابعة: أقسام مفهوم الموافقة من حيث القطعية والظنية.
المسألة الثامنة: حجية مفهوم الموافقة.
(4/1741)

المسالة الأولى: في ثعريف مفهوم الموافقة:
مفهوم الموافقة هو: ما يكون مدلول اللفظ في محل السكوت
موافقا لمدلوله في محل النطق.
أو تقول: هو دلالة اللفظ على ثبوت حكم المنطوق به للمسكوت
عنه وموافقته له نفيا وإثباتا.
مثل قوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) فالمسكوت عنه - وهو
تحريم ضرب الوالدين، وشتمهما - قد دلَّ عليه اللفظ المنطوق به
وهو: تحريم التأفيف.
فتقول: إذا كان مجرد التأفيف قد حرم، فمن باب أوْلى أن يحرم
ما لم ينطق به الشارع وهو: الضرب وكل ما هو أشد من التأفيف.
المسألة الثانية: أسماء مفهوم الموافقة:
الاسم الأول: مفهوم الموافقة، وهذا عند الشافعية وجمهور
العلماء، وسموه بهذا، لأن مدلول اللفظ في محل السكوت موافق
لمدلوله في النطق.
الاسم الثاني: دلالة النص، وهذا عند الحنفية، ويقصدون بهذا
ما ثبت بمعنى النص لا اجتهاداً ولا استنباطاً.
الاسم الثالث: دلالة الدلالة، وهذا عند بعض العلماء، ووجه
ذلك: أن الحكم فيها يؤخذ من معنى النص، لا من لفظه.
الاسم الرابع: مفهوم الخطاب، وهذا عند ابن فورك، وأبي يعلى.
(4/1743)

الاسم الخامس: القياس الجلي، وهذا عند الإمام الشافعي،
ووجه ذلك: أنه إلحاق المسكوت بالمنطوق لمعنى يقتضي ذلك.
الاسم السادس: دلالة التنبيه الأولى.
الاسم السابع: فحوى اللفظ، ويعبر عن ذلك بعضهم بفحوى
الخطاب، ووجه ذلك: أن الحكم الذي يثبت بمنطوقه يثبت لغير
المذكور بروحه، ومعناه، ومعقوله.
الاسم الثامن: لحن الخطاب، ويعبر بعضهم عنه بقوله: " لحن
القول ".
واختلف العلماء في " الفحوى "، و " اللحن " هل هما مترادفان
أو بينهما فرق؛ على مذهبين:
المذهب الأول: أنهما اسمان مترادفان.
وهو مذهب كثير من العلماء، وهو الصحيح عندي؛ لأن فحوى
الكلام يقصد به معناه، وهذا هو اللحن، وهذا مستفاد من كلام
العرب، يقولون: " عرفت ذلك في لحن كلامه " أي: فحواه،
وفيما يصرفه إليه من غير إفصاح به، ومنه قوله تعالى:
(وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) أي: في مفهومه، وما يظهر لك بالفطنة.
ويقول العريب: " تلاحن الرجلان " إذا تكلم كل واحد منهما بما
يفهمه عنه صاحبه، وقال الشاعر مالك بن أسماء الفزاري:
منطق صائب وتلحن أحيا ... ناً وأحلى الحديث ما كان لحنا
أي: ما كان مفهوماً فحواه.
(4/1744)

ومراد الشاعر: أن جاريته تتكلم بشيء وهي تريد غيره، وتعرض
في حديثها، فتزيله عن جهته، وذلك لفطنتها وذكائها.
المذهب الثاني: أنهما متباينان، أي: أن " الفحوى " غير
"اللحن ".
واختلف أصحاب هذا المذهب في الفرق بينهما على أقوال:
فقيل: فحوى الخطاب هو: ما كان المسكوت عنه أوْلى بالحكم
من المنطوق به، أما لحن الخطاب فهو: ما كان المسكوت عنه مساويا
للمنطوق به، وهذا قول تاج الدين ابن السبكي وتبعه بعض
الأصوليين.
وقيل: إن الفحوى: ما نبه عليه اللفظ، أما اللحن فهو: ما
لاح في اللفظ.
جوابه:
أنه لا دليل على هذا التفريق، وما لا دليل عليه، لا يُعتد به.
***
المسألة الثالثة: شروط مفهوم الموافقة:
الشرط الأول: وجود المعنى المشترك بين المنطوق والمسكوت، بأن
عرف المعنى المقصود من الحكم المنصوص عليه، وعرف وجوده في
المسكوت عنه بحيث لا يكون هذا المعنى المقصود أقل مناسبة في
المسكوت عنه من مناسبته للمنطوق به.
فمثلاً قوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) قد عرفنا أن المقصود من
تحريم التأفيف هو: حماية الوالدين من الأذى وكفه عنهما، فيثبت
هذا تحريم الضرب، والشتم، والسب، والقتل؛ لأن هذه الأمور
(4/1745)

أشد إيذاء من مجرد التأفيف، ولولا هذه المعرفة لما لزم من تحريم
التأفيف تحريم الضرب والشتم والقتل وغيرها من أنواع الأذى؛ لأنه
قد يقول الملك للجلاد إذا أمره بقتل منازع له في الملك أو غير ذلك:
" لا تقل له أف ولكن اقتله "، لكون القتل أشد في دفع محذور
المنازعة من التأفيف.
الشرط الثاني: أن يكون المسكوت أوْلى بالحكم من المنطوق به،
أو مساوياً له، ومثال الأول: تحريم ضرب الوالدين أخذاً من النهي
عن التأفيف لهما، وقد سبق، ومثال الثاني: تحريم إحراق مال
اليتيم على أكله المنهي عنه بقوله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال
اليتامى ظلماً) ، فإن إحراقه مساوي لأكله ولا فرق.
ولقد اختلف العلماء في هذا الشرط، أي: هل يشترط في
مفهوم الموافقة: أن يكون المسكوت عنه أوْلى بالحكم من المنطوق به
أو لا يشترط ذلك، وتكفي المساواة؛ على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يشترط في مفهوم الموافقة كون المسكوت عنه
أَوْلى بالحكم من المنطوق، بل تكفي المساواة بينهما: بأن يكون وجود
مناط الحكم على قدر واحد من التوافر في المنطوق والمسكوت، فإن
كان المسكوت عنه أوْلى بالحكم من المنطوق به، فهذا من باب أوْلى.
لكن يشترط فيه: أن يكون المعنى في المسكوت عنه أقل مناسبة
للحكم عن المنطوق به.
وهذا مذهب الحنفية، وبعض الشافعية كالغزالي، والبيضاوي.
وهو الحق عندي؛ لأنا نعلم قطعا أنه ربما يفهم ثبوت الحكم في
المسكوت عنه من ثبوته للمنطوق به مع عدم أولويته بالحكم، وذلك
الفهم مناط الحكم لغة من غير حاجة إلى إعمال الذهن. في البحث
(4/1746)

عن هذا المناط، كما في تحريم إحراق مال اليتيم، أو تبذيره، فإنا
قلنا ذلك أخذاً من تحريم أكله ظلماً، حيث قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) .
إذن: لا وجه لترك هذه الدلالة الدالة على ثبوت الحكم
للمسكوت كفهم ثبوته للمنطوق بمجرد فهم اللغة، بل لا بد من
إعمالها.
وكل ما في الأمر أن الاحتجاج بمفهوم الموافقة الأولوي أقوى من
الاحتجاج بالمفهوم المساوي، ويشتركان في أن كلًّا منهما يفهم من
معنى النص بمجرد فهم اللغة.
لذلك جعلنا تعريف مفهوم المرافقة شاملاً للأولوي والمساوي.
المذهب الثاني: أنه يشترط في مفهوم الموافقة: كون المسكوت عنه
أَوْلى بالحكم من المنطوق به، ولا يكتفي بمجرد التساوي في الحكم
بين المنطوق والمفهوم.
وهو مذهب جمهور العلماء.
دليل هذا المذهب:
أنه إذا كان المسكوت عنه أَوْلى بالحكم من المنطوق أمكن فهم
اتحادهما في الحكم جزما؛ لأنه يبعد أن يكون هناك احتمال للتعبد في
ثبوت الحكم للمنطوق، أما في حالة المساواة فإنه يرد احتمال التعبد
في ثبوت الحكم للمنطوق، وهذا الاحتمال يمنع من إلحاق المسكوت
بالمنطوق، فإن ألحق به مع قيام هذا الاحتمال: كان إلحاقاً بطريق
القياس، لا بطريق المفهوم.
(4/1747)

جوابه:
إن هذا الدليل نقل للمسألة عن محل النزاع، بيانه:
أن محل النزاع هو إلحاق المسكوت بالمنطوق لاشتراكهما في معنى
يدرك بمجرد معرفة اللغة، وكون المناط الذي يجمع بين المنطوق
والمسكوت مما يدرك لغة ينفي احتمال التعبد في ثبوت الحكم للمنطوف.
بيان نوع الخلاف:
لقد اختلف في الخلاف هنا هل هو معنوي، أو لفظي على قولين:
القول الأول: أن الخلاف معنوي، وهو الحق؛ حيث إنه ترتب
على هذا الخلاف ما يلي:
1 - أنه بناء على المذهب الأول: فإن مفهوم الموافقة ينقسم إلى
نوعين وهما: مفهوم الموافقة الأولوي، ومفهوم الموافقة المساوي،
ولا يخفى ما في ذلك من سعة الاستدلال بالنص.
أما بناء على المذهب الثاني، فإن مفهوم الموافقة نوع واحد،
وهو: مفهوم الموافقة الأولوي، ولا يخفى ما في ذلك من التضييق
بالاستدلال بالنصوص.
2 - أنه بناء على المذهب الأول - وهو: عدم اشتراط الأولوية -
فإن ثبوت حكم المنطوق للمسكوت في حال المساواة إنما يكون بطريق
النص.
أما بناء على المذهب الثاني - وهو: اشتراط الأولوية - فإن ثبوت
حكم المنطوق للمسكوت عنه في حال المساواة إنما كان بطريق
القياس، لا بطريق النص.
(4/1748)

وفرق بين ما تجري عليه أحكام القياس، وبين ما يأخذ حكم
المنصوص.
فإن ما يؤخذ عن طريق النص أقوى مما يؤخذ عن طريق القياس.
القول الثاني: أن الخلاف لفظي يرجع إلى مجرد التسمية؛ حيث
إنهم قد اتفقوا على المعنى، واختلفوا في اللفظ؛ فالمشترطون
للأولوية - وهم أصحاب المذهب الثاني - جعلوها شرطا للتسمية
بمفهوم الموافقة، وأن المفهوم المساوي لا يسمى بالموافقة وإن كان مثل
الأولوي من ناحية الاحتجاج به عن طريق القياس.
جوابه:
أنا نسلم أنه مثل الأولوي من حيث الاحتجاج به، ولكن يختلفان
في المعنى: فالأولوي يحتج به عن طريق اللفظ والنص؛ أما المساوي
فإنه يحتج به عن طريق القياس، وفرق بين ما تجري عليه أحكام
القياس، وما تجري عليه أحكام النص.
فالنص ينسخ ويُنسخ به، أما الكتياس فلا ينسخ ولا ينسخ به.
والقياس أضعف في الدلالة من الدلالة المأخوذة من النص، كما
سبق بيانه أكثر من مرة.
المسألة الرابعة: هل دلالة مفهوم الموافقة دلالة قياسية أو دلالة
لفظية؟
اختلف في ذلك على مذاهب، من أهمها مذهبان:
المذهب الأول: أن دلالة مفهوم الموافقة دلالة لفظية معنوية.
وهو مذهب أكثر الحنفية، وأكثر المالكية كابن الحاجب، والقرافي
(4/1749)

وبعض الشافعية كالآمدي، وتاج الدين ابن السبكي، وكثير من
الحنابلة كأبي يعلى.
وهو الحق عندي؛ لدليلين:
الدليل الأول: أن التنبيه بالأدنى على الأعلى، أو بأحد المتساويين
على الآخر أسلوب عربي فصيح تستعمله العرب للمبالغة في تأكيد
الحكم في محل السكوت، وهو أفصح عندهم من التصريح بحكم
المسكوت عنه.
فمثلاً إذا قصدوا كون أحد الفرسين سابقا للآخر قالوا: " هذا
الفرس لا يلحق غبار هذا الفرس "، وكان هذا التعبير عندهم أبلغ
من قولهم: " هذا الفرس سابق لهذا الفرس ".
الدليل الثاني: أن الحكم الثابت بمفهوم الموافقة مستند في فهمه إلى
المناط اللغوي، وهو المعنى المقصود من الحكم المنصوص عليه، فلم
يتوقف فهمه على الاجتهاد والاستنباط والتأمل الدقيق، بل إنه عند
سماع اللفظ والنص يتنبه الذهن من العارف باللغة، فينتقل مباشرة
من المنطوق إلى المسكوت انتقالا ذهنيا سريعا بدون توقف على
مقدمات شرعية، أو استنتاجية.
المذهب الثاني: أن دلالة مفهوم الموافقة من قبيل القياس، وهو ما
يُسمى بالقياس الجلي.
وهو مذهب الإمام الشافعي، وأكثر الشافعية، ومنهم: إمام
الحرمين، وأبو إسحاق الشيرازي، وفخر الدين الرازي، وبعض
الحنفية، وبعض الحنابلة كأبي الحسن الجزري.
دليل هذا المذهب:
أن مفهوم الموافقة يدل على إلحاق مسكوت عنه بمنطوق به؛
لاشتراكهما في عِلَّة الحكم فانطبق عليه حد القياس.
(4/1750)

أي: أنا لا نلحق المسكوت بالمنطوق إلا إذا عرفنا المعنى الذي
سيق الكلام لأجله، فإذا سبق إلى الفهم هذا المعنى، ومقصد
الشارع منه من غير تأمل طويل، فإنا نلحق المسكوت بالمنطوق.
أما إذا لم نعرف ذلك المعنى فلا يجوز ذلك الإلحاق إجماعا،
فمثلاً لو لم نعرف المعنى الذي سيق له الكلام في قوله تعالى:
(فلا تقل لهما أف) من كف الأذى عن الوالدين لما قضينا بتحريم
الشتم والضرب والقتل، فهنا قد اجتمعت أركان القياس، حيث إن
الأصل هو: التأفيف، والفرع: الضرب، والعلَّة: الإيذاء في
كل، والحكم: تحريم كل من القتل والشتم وغيرهاً من أنواع الأذى،
وهذا هو بعينه القياس، فتكون دلالة مفهوم الموافقة قياسية.
جوابه:
إنكم جعلتم دلالة مفهوم الموافقة دلالة قياسية، وهذا لا نسلمه؛
لوجود الفرق بينهما من وجوه:
االوجه الأول: أن المعنى المشترك بين المنطوق والمسكوت شرط
لغوي لدلالة المنطوق على المسكوت، فلا يلزم من وجود هذا المعنى
أن تكون الدلالة في محل النزاع دلالة قياسية، لأن قياس الفرع على
الأصل من حيث المعقول، لا من حيث اللغة، وهو بخلاف مفهوم
الموافقة كما قلنا.
الوجه الثاني: أن الدلالة في مفهوم الموافقة ثابتة قبل استعمال
القياس، فإن كل أحد يعرف اللغة: فإنه يفهم من قوله: " لا تقل
له أف "، لا تضربه، ولا تشتمه، ولا تقتله، ونحو ذلك من
أنواع الأذى، سواء علم شرعية القياس أو لا.
الوجه الثالث: أن الأصل في القياس أنه لا يجوز أن يكون جزءاً
(4/1751)

من الفرع ومندرجاً تحته بالإجماع، بخلاف مفهوم الموافقة، فإنه قد
يقع ذلك مثاله قوله تعالى: (فمن يعمل مثفال ذرة خيراً يره) ،
فإن ذلك يدل بمفهوم الموافقة على أن ما زاد على الذرة حكمه حكم
الذرة والذرة جزء من هذه الزيادة.
الوجه الرابع: أن الفرع في القياس يشترط فيه أن يكون أدنى من
الأصل، أما في مفهوم الموافقة فإنه يشترط أن يكون مساوياً للأصل،
أو أعلى منه.
بيان نوع الخلاف:
لقد اختلف في نوع الخلاف هل هو لفظي أو معنوي على قولين:
القول الأول: أن الخلاف معنوي، وهو الحق عندي؛ لأنه قد
ترت على هذا الخلاف خلاف في بعض المسائل، ومنها:
1 - من يرى أن دلالة مفهوم الموافقة لفظية قد تعامل مع ذلك مثل
ما لفعل مع الألفاظ: من أن اللفظ ينسخ وينسخ به، وهو أقوى من القياس.
أما من يرى أن دلالة مفهوم الموافقة قياسية فقد عامل ذلك مثل ما
يفعل مع القياس: من أنه لا ينسخ، ولا ينسخ به، وهو أضعف من
دلالة الألفاظ.
فلو قال قائل: هل يجوز النسخ بمفهوم الموافقة؟
جوابه:
إن الخلاف مبني على الخلاف في هذه المسألة:
فمن قال: إن دلالة مفهوم الموافقة لفظية: قال يجوز النسخ به.
ومن قال: إن دلالة مفهوم الموافقة قياسية: قال: لا يجوز النسخ
به، وقد سبق بيان ذلك في النسخ.
(4/1752)

2 - عند تعارض مفهوم الموافقة مع القياس فإن مفهوم الموافقة
يقدم على القياس عند من يرى أن دلالته لفظية، فيكون الحكم الذي
استفدناه عن طريق مفهوم الموافقة مقدما على الحكم الذي استفدناه
عن طريق القياس.
3 - أن مفهوم الموافقة تثبت به العقوبات كالحدود، والقصاص،
والكفارات عند أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إن دلالة
مفهوم الموافقة لفظية؛ وذلك لأن هذه الدلالة لفظية خلت عن الشبهة
في دلالتها، وهذا عند الحنفية.
أما إذا كانت دلالة مفهوم الموافقة دلالة قياسية، فلا يُعتبر مفهوم
الموافقة طريقا لإثبات ما يندري بالشبهات من الحدود والكفارات؛
حيث إنها مقدرات، ولا مدخل للعقل أو الاجتهاد بالرأي في
المقدرات، هذا أيضاً عند الحنفية.
أما عند الجمهور، فإن العقوبات من حدود وكفارات تثبت بمفهوم
الموافقة، سواء كانت دلالته دلالة لفظية، أو من قبيل القياس،
وهذا قد بينته بالتفصيل في كتابي " إثبات العقوبات بالقياس " فارجع
إليه إن شئت، وسيأتي تفصيله في باب القياس إن شاء اللَّه تعالى.
القول الثاني: إن الخلاف لفظي لا ثمرة له، وهو اختيار إمام
الحرمين، والغزالي، والتفتازاني، وأمير بادشاه.
دليل هذا القول:
أن أصحاب المذهبين قد اتفقوا على اعتبار هذا النوع من الدلالة،
واتفقوا على الحكم، إلا أن أصحاب المذهب الأول جعلوه من
الدلالة اللفظية، وأصحاب المذهب الثاني جعلوه من قبيل القياس
الجلي، فالخلاف اعتباري اختلفت أنظار الفريقين إليه:
(4/1753)

فمن نظر إلى المعنى الذي هو مناط الحكم، والذي كان واسطة
إلحاق المسكوت بالمنطوق به يدرك بمجرد فهم اللغة دون حاجة إلى
استنباط واجتهاد: اعتبره من الدلالة اللفظية، وسماه مفهوم موافقة
أو دلالة نص، وهو ما ذهب إليه أصحاب المذهب الأول.
ومن نظر إلى إلحاق المسكوت بالمنطوق على أنه إلحاق فرع بأصل؛
لاشتراكهما في عِلَّة جامعة سنهما: اعتبره من قبيل القياس الجلي،
وهو ما ذهب إليه أصحاب المذهب الثاني.
إذن: يكون الخلاف في التسمية، لا في المعنى، فيكون الخلاف
لفظياً.
جوابه:
أن من جعله من قبيل الدلالة اللفظية يقصدون أن مفهوم الموافقة
يعامل معاملة الألفاظ من حيث إنه ينسخ ويُنسخ به، وأنه أقوى من
القياس، أما من جعله من قبيل القياس، فإنهم يقصدون أن مفهوم
الموافقة يعامل معاملة القياس في أحكامه، فيكون الخلاف - على
هذا - خلافاً معنوياً.
المسألة الخامسة: هل مفهوم الموافقة له عموم؟
اختلف القائلون: إن دلالة مفهوم الموافقة دلالة لفظية في مفهوم
الموافقة هل له عموم؛ على مذهبين:
المذهب الأول: أن مفهوم الموافقة له عموم.
وهو مذهب بعض الحنفية كابن الهمام، وبعض الشافعية، وبعض
الحنابلة.
وهو الحق عندي؛ لأنه يُعامل معاملة الملفوظ به، والملفوظ به قد
(4/1754)

يكون عاما، وقد يكون خاصا، لذلك تجد مفهوم الموافقة - بناء
على ذلك - ينسخ وينسخ به.
المذهب الثاني: أنه لا عموم لمفهوم الموافقة.
وهو مذهب بعض الشافعية كالغزالي، وبعض الحنابلة، وجمهور
الحنفية.
دليل هذا المذهب:
أن العموم من أوصاف اللفظ، ولا لفظ في مفهوم الموافقة؛
حيث إنه فحوى اللفظ ومعناه اللغوي.
جوابه:
أن مفهوم الموافقة هو كالملفوظ به سواء بسواء، بل قد يكون
الحكم في المسكوت عنه أوْلى من الحكم في المنطوق به - كما قلنا
فيما سبق، وإذا كان الأمر كذلك؛ فإنه يجري عليه ما يجري على
الألفاظ.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي، لا ثمرة له؛ حيث لا تترتب عليه فائدة
بالنظر إلى إثبات الحكم تحليلاً وتحريما: فمفهوم الموافقة يتحقق في
جميع صور إيذاء الوالدين من قتل وضرب وشتم ونحو ذلك،
فيكون حكمها التحريم، وذلك فهمناه من حرمة التأفيف في قوله
تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) ، ولكن بعضهم قال: أخذنا ذلك
من عموم مفهوم الموافقة، والبعض الآخر يقول: أخذنا ذلك عن
طريق عموم اللفظ المنطوق به.
(4/1755)

المسألة السادسة: أقسام مفهوم الموافقة من حيث كونه أَوْلى أو
مساوياً:
لقد سبق أن قلنا: إنه لا يشترط في مفهوم الموافقة: أن يكون
المسكوت عنه أوْلى بالحكم من المنطوق به، فيترتب على ذلك: أن
مفهوم الموافقة ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: مفهوم موافقة أولوي.
القسم الثاني: مفهوم موافقة مساوي.
أما القسم الأول - وهو: مفهوم الموافقة الأولوي - فهو: ما كان
المسكوت عنه أَوْلى بالحكم من المنطوق به، أي: أن المناسبة بين
المسكوت عنه وبين الحكم أقوى وأشد منها بين المنطوق وبين هذا
الحكم، فيكون المسكوت عنه أوْلى منه بالحكم، وهو يسمى بالتنبيه
بالأدنى على الأعلى، والأمثلة على ذلك كثيرة: منها: قوله تعالى:
(فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) ، وقد سبق بيان ذلك، ومنها قوله تعالى:
(وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا) ، فإن هذا تنبيه - وهو
عدم أدائه للدينار - على الأعلى - وهو: عدم أدائه للأكثر من
الدينار -، أي: إنه إذا كان لا يؤدي الدينار مع قلته، فإنه من باب
أَوْلى أن لا يؤدي ما هو أكثر منه.
القسم الثاني: مفهوم الموافقة المساوي، وهو: ما كان المسكوت
عنه مساويا للمنطوق به في الحكم.
أي: أن المناسبة بين المسكوت عنه وبين الحكم على قدر الناسبة
الموجودة بين المنطوق وبين هذا الحكم.
(4/1756)

ومن الأمثلة على ذلك: تحريم إحراق مال اليتيم أو تبذيره؛ لأنه
مساوي لأكله المحرم، وقد سبق بيان ذلك فلا داعي لتكراره.
المسألة السابعة: أقسام مفهوم الموافقة من حيث القطعية
والظنية:
ينقسم من هذه الحيثية إلى قسمين:
القسم الأول: مفهوم موافقة قطعي.
القسم الثاني: مفهوم موافقة ظني.
فالقسم الأول - وهو: مفهوم الموافقة القطعي - هو: ما كان فيه
المعنى المقصود من الحكم المنصوص عليه معلوماً جزماً.
أما القسم الثاني - وهو مفهوم الموافقة الظني - فهو: ما كان فيه
المعنى المقصود من الحكم المنصوص عليه راجحا على غيره.
وهذا التقسيم على الرأي الذي رجحناه فيما سبق، وهو عدم
اشتراط كون المسكوت عنه أَوْلى بالحكم من المنطوق به، فهو شامل
للمساوي وللأولوي.
وعلى هذا يكون إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق بطريق مفهوم
الموافقة إما أن يكون قطعيا، أو ظنيا، وفي كل منهما إما أن يكون
المسكوت عنه أوْلى بالحكم من المنطوق، أو مساويا له، فكان
مجموع ذلك أربعة أنواع:
النوع الأول: مفهوم موافقة قطعي أولوي.
النوع الثاني: مفهوم موافقة قطعي مساوي.
(4/1757)

النوع الثالث: مفهوم موافقة ظني أولوي.
النوع الثالث: مفهوم موافقة ظني مساوي.
وإليك أمثلة لكل نوع من تلك الأنواع:
مثال النوع الأول - وهو: مفهوم الموافقة القطعي الأولوي - قوله
تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) ، فإنه يفهم من ذلك - قطعا ومن باب أَوْلى - أن من عمل
مثقال جبل خيراً أو شراً فإنه سيراه، وهذا مما لا شك فيه، ولا
يتطرق إليه احتمال.
مثال آخر: قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"من أخذ شبراً من الأرض ظلما فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين "، فقد بين الشارع الوعيد الشديد لمن اغتصب شبراً من الأرض، فإذا كان هذا الوعيد الشديد يقع على من اغتصب هذه المساحة القليلة، فإن اغتصاب ما هو أوسع منه مساحة أشد في الوعيد، وأدخل في الظلم، وقد نبَّه بالقليل والأدنى على الكثير والأعلى، وهذا لا يتطرق إليه احتمال.
مثال النوع الثاني - وهو: مفهوم الموافقة القطعي المساوي -:
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) ، فقد توعد الشارع من أكل مال
اليتيم ظلماً بالوعيد الشديد، وعلمنا بطريق المفهوم: أن من أحرق
مال اليتيم أو أتلفها بأي صورة من صور الإتلاف، فإن عليه ذلك
الوعيد، وهذا المفهوم الموافق المسكوت عنه مساو للمنطوق به في
الحكم جزماً.
مثال النوع الثالث - وهو: مفهوم الموافقة الظني الأولوي - قوله
- صلى الله عليه وسلم -:
"أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها ... ".
(4/1758)

فهو نص على منع التضحية بالعوراء، وبما أن العمى عور مرتين،
فإن العمياء أَوْلى بالحكم المذكور في العوراء بجامع: أن هذا العور
يسبب نقص في القيمة، فالعمياء أحرى بهذا المعنى.
لكن قد يقول قائل: لماذا لم نقل: إن هذا من أمثلة مفهوم
الموافقة القطعي الأولوي.
جوابه:
أن هذا المعنى الذي من أجله منع التضحية بالعوراء لم نجزم به،
بل هو يغلب على ظننا؛ حيث إن هناك احتمالاً آخر وهو: أن يكون
المعنى الذي من أجله منع التضحية بالعوراء: أن العوراء مظنة الهزال
والضعف والسقام؛ لأن العوراء ناقصة البصر، لا ترى إلا ما قابل
عينها المبصرة فقط، فيكون هذا مظنة لنقص رعيها، ونقص رعيها
مظنة لهزالها، وهذا المعنى قد لا يوجد في العمياء؛ لأن صاحبها
يعرف بعماها لذلك تجده يهتم بها ويعلفها، وقد يختار لها أجود
العلف وذلك مظنة السمن.
مثال النوع الرابع - وهو مفهوم الموافقة الظني المساوي -: قوله
عليه الصلاة والسلام: " من أعتق له شركا في عبد فكان له مال يبلغ
ثمن العبد قوم العبد عليه قيمة عدل فأعطى شركاؤه حصصهم وعتق
عليه العبد وإلا فقد عتق منه ما عتق ".
فهو يدل على سراية العتق في حق العبد، والعلماء قد ألحقوا
الأمة بالعبد في هذا الحكم؛ لأنه يغلب على الظن عدم وجود الفرق
بينهما في ذلك.
قد يقول قائل: لماذا لم نجعل هذا من أمثلة مفهوم الموافقة القطعي
المساوي.
(4/1759)

جوابه:
الذي منعنا من ذلك: أنه يوجد احتمال وهو: أن يكون الشارع
إنما نص على العبد في هذا الحديث لخصوصية في العبد لا توجد في
الأمة وهي: أن العبد إذا عتق فإنه يزاول مناصب الرجال وأعمالهم
ما لا تزاوله الأنثى، ولو كانت حرة.
***
المسألة الثامنة: حجية مفهوم الموافقة:
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن مفهوم الموافقة حُجَّة، وهو طريق لاستنباط
الأحكام الشرعية.
وهو مذهب جمهور العلماء من السلف والخلف.
وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأولْ: إجماع الصحابة - رضي اللَّه عنهم - حيث إنهم
فهموا ذلك من خطاب اللَّه تعالى ورسوله، ومن مخاطباتهم - فيما
بينهم -؛ وذلك في وقائع كثيرة، ومنها:
1 - أنهم فهموا من قوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ
ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) : أن ما زاد على مثقال ذرة أولى منه
في أن الشخص يراه يوم القيامة.
2 - قول أبي بكر - رضي اللَّه عنه - في شان مانعي الزكاة:
"والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم عليه " فإن الصحابة قد فهموا من هذا: أنه إذا قاتلهم على عقال
البعير، فمن باب أوْلى أن يقاتلهم على ما فوقه.
(4/1760)

الدليل الثاني: أن هذا الأسلوب من الدلالة معروف عند أهل
اللغة قبل ورود الشرع، بل هو أبلغ في الدلالة من التصريح؛ حيث
إفي العرب يرون ذلك ضربا من البلاغة، ونوعاً من التأكيد للحكم
في محل السكوت، وهم أهل اللسان، وأرباب البيان، وبلغتهم
نزل القرآن، فإن الشارع ينزل خطاباته على الأصول اللغوية
وأساليبها وعرفها في الفهم، وما هو حُجَّة لغة يجب اعتباره حُجَّة
شرعا ما لم يقم دليل على أن الشارع أراد معنى خاصا.
الدليل الثالث: تبادر فهم العقلاء، بيانه:
أن العقلاء إذا سمعوا هذا التعبير من الكلام كقول السيد لعبده:
"لا تعط زيداً درهماً، ولا تظلمه بذرة، ولا تعبس في وجهه، ولا
تقل له أف "، فإنه يتبادر إلى أذهانهم: امتناع إعطاء زيد ما فوق
الدرهم، وامتناع الظلم إلى ما فوق الذرة، وامتناع أذيته فيما فوق
التعبيس، وفوق التأفيف كالشتم والضرب،
قال ابن تيمية - رحمه اللَّه -:
" وجمهور العلماء يرون أن إنكار فهم تحريم الضرب من
تحريم التأفيف من نقص العقل، والفهم، وأنه من باب السفسطة في
جحد مراد المتكلم ".
وقال شمس الدين الذهبي: " ما فهم أحد قط من عربي ولا
نبطي ولا عاقل ولا واع: أن النهي عن قول: " أف " للوالدين إلا
وما فوقها أولى منها، وهل يفهم ذو حس سليم إلا هذا؛ وهل هذا
إلا من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، وبالأصغر على الأكبر ".
المذهب الثاني: أن مفهوم الموافقة ليس بحُجَّة.
وهو مذهب ابن حزم وأكثر الظاهرية.
(4/1761)

دليل هذا المذهب:
أن مفهوم الموافقة ما هو إلا نوعا من القياس، والقياس باطل
جملة وتفصيلاً - كما سيأتي تفصيل كلامهم فيه - فيكون مفهوم
الموافقة ليس بحُجَّة مثله.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أن مفهوم الموافقة من قبيل القياس،
بل إن دلالته دلالة لفظية، كما سبق بيان ذلك بالتفصيل وما كانت
دلالته لفظية، فإنه يكون حُجَّة كالنصوص.
الجواب الثاني: على فرض أن مفهوم الموافقة من قبيل القياس،
فإنه حُجَّة؛ لأن القياس حُجَّة على رأي جمهور العلماء.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ حيث تأثرت في هذا كثير من الفروع الفقهية،
وسيأتي ذكر ذلك؛ حيث إن الظاهرية جعلوا مفهوم الموافقة من قبيل
القياس، وهم ينكرون القياس وينفونه، والجمهور يثبتونه فتكون
الأمثلة تنطبق على البابين، ولا داعي لتكرار ذلك.
(4/1762)

المطلب الثالث في مفهوم المخالفة
ويشتمل على المسائل التالية:
المسألة الأولى: في تعريفه.
المسألة الثانية: في أسمائه.
المسألة الثالثة: في أنواعه وحجية كل نوع.
المسألة الرابعة: في شروطه.
(4/1763)

المسألة الأولى: تعريف مفهوم المخالفة:
هو: دلالة اللفظ على ثبوت حكم للمسكوت عنه مخالف
للحكم الذي دلَّ عليه المنطوق نفياً وإثباتاً.
مثاله: قوله عليه السلام: " في سائمة الغنم الزكاة "، فإن
اللفظ دلَّ بمنطوقه: أن الغنم السائمة فيها زكاة.
ودلَّ بمفهوم المخالفة: أن الغنم المعلوفة لا زكاة فيها.
فاللفظ - وهو الغنم السائمة - دلَّ على ثبوت حكم للمسكوت
عنه، وهو - هنا - الغنم المعلوفة - مخالف للحكم الذي دلَّ عليه
المنطوق - وهو وجوب الزكاة - وهذا الحكم المخالف هو: أن
المعلوفة لا زكاة فيها.
وقيل: هو: الاستدلال بتخصيص الشيء بالذكر على نفي الحكم
عما عداه.
ومعنى ذلك: أنه إذا خص شيء بالذكر ونطق به وصرح بحكمه،
فإنا نستدل بذلك على أن المسكوت عنه يخالفه في الحكم، فإن كان
المنطوق به قد أثبت حكمه، فالمسكوت عنه قد نفي عنه ذلك الحكم،
وإن كان المنطوق به قد نفي حكمه، فالمسكوت عنه قد أثبت له ذلك
الحكم.
فقوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) ،
فالمنطوق به: أن من قتل شيئاً وهو محرم متعمداً فيجب عليه المثل،
ومفهوم المخالفة: أن من قتل شيئاً وهو محرم خطأ، فلا يجب عليه
شيء.
(4/1765)

وقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"الثيب أحق بنفسها من وليها ".
فالمنطوق: أن الثيب أحق بنفسها في أمر النكاح.
والمفهوم: أن البكر وليها أحق منها في أمر النكاح.
وقولك: " اعط السائل لحاجته " يفهم بمفهوم المخالفة: أن غير
المحتاج لا يعطى.
***
المسألة الثانية: أسماء مفهوم المخالفة:
مفهوم المخالفة يسمى بعدة أسماء عند العلماء، وهي كما يلي:
الاسم الأول: مفهوم المخالفة، وهذا هو المشهور عند جمهور
العلماء في كتبهم.
وسمي بذلك؛ لأنه استنتاج مجرد، غير مستند إلى منطوق،
فيكون مفهوماً، أي: أن المفهوم منه يخالف المنطوق به حكما.
الاسم الثاني: دليل الخطاب، وسمي بذلك لأحد أمور ثلاثة:
الأول: سمي بذلك إما لأن دليله من جنس الخطاب.
الثاني: أو سمي بذلك لأن الخطاب دال عليه.
الثالث: أو سمي بذلك لمخالفته منطوق الخطاب.
الاسم الثالث: تخصيص الشيء بالذكر، وهذا الاسم منتشر عند
الحنفية، واعتبروا التمسك به من التمسكات الفاسدة - كما سيأتي
ذكره -
(4/1766)

المسألة الثالثة في أنواع مفهوم المخالفة وبيان حجية كل نوع
وهي كما يلي:
النوع الأول: مفهوم الصفة.
النوع الثاني: مفهوم الشرط.
النوع الثالث: مفهوم الغاية.
النوع الرابع: مفهوم العدد.
النوع الخامس: مفهوم الاستثناء.
النوع السادس: مفهوم الحصر بـ " إنما ".
النوع السابع: حصر المبتدأ في الخبر.
النوع الثامن: مفهوم اللقب.
وإليك بيان كل نوع:
النوع الأول: مفهوم الصفة:
أولاً: بيان حجيته:
إذا كان للمنصوص عليه صفتان، فعلق الحكم بإحدى الصفتين
هل يدل هذا على نفي الحكم عما يخالفه في الصفة الأخرى؟
أو تقول: الخطاب العام المعلق حكمه على صفة لا توجد في كل
مدلول هل يدل على نفي ذلك الحكم عما انتفت عنه تلك الصفة؛
كقوله عليه السلام: " في الغنم السائمة زكاة "، فهل يدل على نفي
(4/1767)

الزكاة عن غير السائمة وهي المعلوفة أو لا؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين هما:
المذهب الأول: أنه يدل على النفي، أي: أن مفهوم الصفة حُجَّة.
فإذا علق الحكم على صفة، فإن هذا يدل على نفي ذلك الحكم
إذا انتفت تلك الصفة.
وهو مذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد، وأكثر
أصحابهم، وبعض أهل العربية كأبي عبيدة - معمر بن المثنى - وهو
اختيار أبي الحسن الأشعري، وهو الحق عندي لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن تخصيص الحكم بالصفة لا بدَّ له من فائدة
صوناً للكلام عن اللغو، فإن لم يكن هناك فائدة سوى انتفاء الحكم
عما عدا الموصوف بتلك الصفة وجب حمله عليه، وإن لم يحمل
عليه: كان التخصيص بتلك الصفة لغواً، وكلام الشارع يصان عن
اللغو، ولأجل ذلك يحمل تخصيص الحكم بتلك الصفة على نفيه
عند عدم تلك الصفة.
الدليل الثاني: قياس تقييد الخطاب العام بالصفة على تقييده
بالاستثناء، وقد ثبت أن الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات
نفي، فكذا التقييد بالصفة يجب أن يفيد النفي فيما عدا الموصوف
بتلك الصفة إن كان الكلام موجبا، أو بالعكس إن كان منفيا.
الدليل الثالث: أن الحكم المرتب على الخطاب المقيد بالصفة
معلول بتلك الصفة؛ لأن ترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعلية -
كما سيأتي بيان ذلك في باب القياس - وانتفاء العلة يوجب انتفاء
الحكم، فيلزم من ذلك انتفاء الحكم فيما انتفت عنه تلك الصفة.
(4/1768)

الدليل الرابع: أنه روي عن أبي عبيد - القاسم بن سلام - أنه لما
سمع قوله - صلى الله عليه وسلم -: " لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ "، قال: إن من ليس بواجد لا يحل عرضه وعقوبته،
وروي عنه - أيضا - أنه لما سمع قول - صلى الله عليه وسلم -: "مطل الغني ظلم " قال: مطل غير الغني ليس بظلم، فأبو عبيد - وهو من فصحاء العرب وأهل اللغة - قد فهم أن تعليق الحكم وتخصيصه بصفة يدل على نفي ذلك الحكم عما
إذا انتفت تلك الصفة عنه.
الدليل الخامس: أن ابن عباس - رضي اللَّه عنهما - قد منع
توريث الأخت مع وجود البنت مستدلاً بمفهوم المخالفة من قوله
تعالى: (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ)
حيث - رضي الله عنه - قد فهم من توريث الأخت مع عدم الولد:
امتناع توريثها مع البنت؛ لأنها ولد، وهو من فصحاء العرب،
وهو أفقه الناس في الدين، وأعلمهم بالتأويل، وترجمان القرآن.
الدليل السادس: أنه لما روى أبو ذر قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"يقطع صلاة الرجل: الحمار، والكلب الأسود، والمرأة "،
قال له عبد اللَّه بن الصامت: ما بال الأسود من الأحمر من الأصفر من الأبيض؟
وجه الدلالة: أن عبد اللَّه بن الصامت فهم من تخصيص الكلب
الأسود بالحكم نفي هذا الحكم عن غيره، وأن الكلب الأبيض، أو
الأحمر لا يقطع الصلاة، ولم ينكر عليه أبو ذر - راوي الحديث -
بل قال: يا ابن أخي، سالت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - كما سألتني فقال:
"الكلب الأسود شيطان "، فقد فهم عبد اللَّه وأبو ذر من تعليق
الحكم - وهو قطع الصلاة - على الكلب الموصوف بالسواد انتفاء
الحكم عن غير الكلب الأسود، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر ذلك، والنبي - صلى الله عليه وسلم - أفصح العرب لسانا، وعبد الله وأبو ذر من فصحاء العرب.
(4/1769)

الدليل السابع: أن العربي لو قال لوكيله: " اشتر لي حصانا
أسود " لفهم منه: عدم شراء الأبيض، ولو أنه اشترى أبيض لم
يكن ممثلاً، ولو قال لزوجاته: " الداخلة منكن لهذه الغرفة طالق "
لطلقت كل واحدة تدخل هذه الغرفة، وفهم منه انتفاء الطلاق عند
عدم الدخول.
المذهب الثاني: أنه لا يدل على النفي، أي: أن مفهوم الصفة
ليس بحُجَّة.
فإذا علق الحكم على صفة، فإن هذا لا يدل على نفي ذلك
الحكم إذا انتفت تلك الصفة، وهو مذهب أبي حنيفة، وأتباعه.
وهو اختيار بعض الشافعية كفخر الدين الرازي، والآمدي، وابن
شريح، وبعض المالكية كأبي بكر الباقلاني، وأكثر المعتزلة، وبعض
أهل العربية كالأخفش.
أدلة هذا المذهب: -
الدليل الأول: أن المقيَّد بالصفة لو دلَّ على نفي الحكم عما عدا
الموصوف بها: لما حسن الاستفهام عن الحكم فيه لا نفيا ولا إثباتا
كما هو الواقع في مفهوم الموافقة، حيث إنه في مفهوم الموافقة لا
يحسن الاستفهام فيه، فمثلاً لو قال السيد لعبده: " لا تقل لزيد
أف " لا يحسن من العبد أن يسأل ويقول: هل أضربه؟
ولكنه في مفهوم الصفة - وهو من مفهوم المخالفة - يحسن فإنه
لما قال - صلى الله عليه وسلم -: "في الغنم السائمة زكاة" حسن أن يقال: هل في المعلوفة زكاة أو لا؟
فهو إذاً غير دال على الحكم فيه لا نفيا ولا إثباتا.
(4/1770)

جوابه:
أن مفهوم الموافقة لم يحسن الاستفهام فيه؛ لأن دلالته قطعية،
أما مفهوم الصفة فدلالته ظنية، لذلك حسن الاستفهام، فلا يلزم
من قبح الاستفهام في مفهوم الموافقة قبحه في مفهوم الصفة.
أما إذا كانت دلالة مفهوم الموافقة ظنية - كما قلنا فيما سبق - فإن
السؤال حسن للتأكيد، والتأكيد يكون لإزالة الاتساع في الفهم،
وهذا قلناه في باب العموم.
الدليل الثاني: أن المقيد بالصفة لو كان دالاً على نفي الحكم عما
عداه، فإما أن يعرف ذلك بالعقل، أو بالنقل، وهما باطلان.
بيان ذلك:
أنه إن زُعم أن ذلك معروف بالعقل فهو باطل؛ لأن العقل لا
مدخل له في اللغات.
وإن زعم أن ذلك معروف بالنقل فهو باطل أيضاً - لأن النقل
قسمان: " متواتر "، و " آحاد ":
فإن زُعم أن ذلك معروف بالمتواتر فهذا باطل؛ لأنه لو كان
معروفاً بذلك، لاشترك الناس في علمه، ومنهم المخالف؛ نظراً
لاشتراكهم في أسباب العلم كسلامة الحاسة، ومخالطة أهل اللغة،
والاقتباس منهم، ولكنه لم يعلم بذلك، فبطل أن يكون معلوما من
جهة التواتر.
وإن زعم أن ذلك معروف بالآحاد، فعلى تقدير صحته وسلامته
عن المعارض، فإنه غير كاف؛ لأنه لا يفيد إلا الظن، والظن لا
يقوى على إثبات قاعدة أصولية كمفهوم الصفة، أي: لا يمكن
إثبات مثل هذا الأصل الذي نزل عليه كلام اللَّه، وكلام رسوله بما لا
يفيد إلا الظن.
(4/1771)

جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: نسلم لكم أن هذا غير معروف بالعقل، ولا
بالتواتر، ولكن لا نُسَلِّمُ قولكم: " إن الظن لا يثبت القاعدة
الأصولية " على إطلاقه، ولكن في ذلك تفصيل، إليك بيانه:
إن كانت القاعدة الأصولية علمية فنحن معكم بأنها لا تثبت
بالظن، وإن كانت القاعدة الأصولية عملية، فإنها تثبت بالظن؛
قياسا على إثبات الفروع العملية بالآحاد.
الجواب الثاني: أنا نقلب ذلك عليكم، ونقول لكم مثل ما قلتم
لنا درهو: أن مفهوم الصفة ليس بحُجَّة إما أن يعرف عن طريق العقل
أو النقل، وكل ذلك باطل، وجوابكم هو جوابنا.
الدليل الثالث: أن المقيد بالصفة لو كان دالًّا على نفي الحكم عما
عدا الموصوف بالصفة لذل عليه إما من جهة صريح الخطاب، وإما
من جهة أن تخصيص الحكم بالصفة لا بد له من فائدة، ولا فائدة
سوى نفي الحكم عندْ عدم الصفة، وإما من جهة أخرى، وكلها
باطلة.
بيان ذلك:
إن قلتم: إنه دلَّ على نفي الحكم عما عدا الموصوف من جهة
صريح الخطاب فهو باطل؛ لأنه ليس في الخطاب إلا إثبات الحكم
في الموصوف فقط.
وإن قلتم: إنه دلَّ على نفي الحكم عما عدا الموصوف من جهة أن
تخصيص الحكم بالصفة لا بد له من فائدة، ولا فائدة سوى نفي
(4/1772)

الحكم عند عدم الصفة، فهذا باطل؛ لأن تخصيص الحكم بالصفة
له فوائد كثيرة، ومنها:
الفائدة الأولى: تكثير أبواب الاجتهاد، بيان ذلك:
أن الشارع لو استوعب جميع محل الحكم، ونص على كل حكم
لم يبق للاجتهاد مجال، ولكنه يخصص بعض الأحكام بالذكر
ويعلقها على أوصاف، ويخصص بعض الحوادث بالأحكام معللاً
بعلة ظاهرة، أو غير ظاهرة مريداً من ذلك أن يحصل النظر
والاجتهاد فيها، وبذلك الاجتهاد يحصل الثواب الجزيل للمجتهدين.
الفائدة الثانية: عدم إخراج المذكور من عموم اللفظ، بيانه:
أن الشارع قد ذكر هذا الشيء الموصوف تأكيداً عليه، وللاحتياط
من أن يأتي بعض ألناس ويجتهد ويخرجه عن اللفظ بالتخصيص.
فمثلاً لو قال: " في الغنم زكاة "، ولم يخصص " السائمة "
بالذكر لجاز لأي مجتهد أن يخرج السائمة عن العموم بالاجتهاد،
فخص " السائمة " بالذكر، لئلا تكون محلًّا للاجتهاد، وتكون
غيرها محل الاجتهاد.
الفائدة الثالثة: تأكيد الحكم في المسكوت عنه، بيانه:
أنه إذا كان قد ذكر الحكم وهو معلق بتلك الصفة وذلك المعنى،
فإنه إذا وجدت تلك الصفة وذلك المعنى في المسكوت، عنه بصورة
أقوى، فإن حكم المنطوق به يكون للمسكوت من باب أوْلى مثل ما
قلنا في مفهوم الموافقة.
الفائدة الرابعة: أن يكون مقصود صاحب الشرع تكثير ألفاظ
النصوص ليكثر ثواب القارئ.
(4/1773)

وغير ذلك من الفوائد.
وإن قلتم: إنه دلَّ على نفي الحكم عما عدا الموصوف من جهة
أخرى، فهذا باطل؛ لأن الأصل عدمه، فلا يمكن أن يصار إليه إلا
لدليل يحققه.
جوابه:
نحن نقول: إنه دلَّ على نفي الحكم عما عدا الموصوف من جهة
أنه لا بد للتخصيص من فائدة، لكن لا لأنه لا فائدة سوى نفي
الحكم عما عدا الموصوف، بل لما ذكرتموه من الفوائد أيضا، ولكن
هذه الفائدة التي ذكرناها - وهي: دلالة ذلك على نفي الحكم عما
عدا الموصوف - هي الأسبق إلى الذهن والأقوى، فيكون الحمل
عليه أَولى.
أما الباقي مما ذكرتموه من الفوائد فهي تنقدح في الذهن، ولكن
أضعف من انقداح الفائدة التي ذكرناها، فلا تمتنع، وقلنا ذلك
تكثيراً لفوائد الكلام؛ حيث إن تكثير فوائد الكلام أوْلى من الإقلال
منها.
الدليل الرابع: قياس مفهوم الصفة على مفهوم اللقب، بيانه:
أنه لو دلَّ تقييد الحكم بألصفة على نفي الحكم عما عدا الموصوف
بها، لدلَّ تقييد الحكم بالاسم على نفيه عما عداه بجامع: التمييز؛
حيث إن القصد من الصفة إنما هو تمييز الموصوف بها عن غيره،
فكذا المقصود من الاسم إنما هو تمييز المسمى عن غيره، أو بجامع:
صيانة التخصيص عن الإلغاء، أو بجامع: حمله على تكثير الفائدة.
ولكن تقييد الحكم بالاسم لا يدل على نفيه عما عداه، فكذلك
تقييد الحكم بالصفة لا يدل على نفيه عما عداه.
(4/1774)

جوابه:
أن هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن
نفي الحكم في صورة التقييد بالصفة أسبق إلى الفهم من سائر
الفوائد، وهو غير حاصل في صورة التقييد بالاسم.
أي: أن شعور الذهن عند سماع اللفظ العام المقيد بالصفة
الخاصة بما ليس له تلك الصفة أزم من شعوره بما يغاير مدلول اسم
"ما " عند سماعه.
وإذا كان الأمر كذلك، فإنه لا يلزم من دلالة مفهوم الصفة على
النفي دلالته على النفي في صورة التقييد بالاسم.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ لأنه قد ترتب على هذا خلاف في بعض
الفروع، ومنها إذا قال: " وقفت هذا على أولادي الفقراء "، فإن
غير الفقراء لا يدخلون بناء على المذهب الأول.
ويدخل غير الفقراء بناء على المذهب الثاني.
ولهذا فروع كثيرة في أبواب الوقف، والوصايا، والنذور والأيمان
وهو واضح ولا داعي لذكره.
ثانياً: اختلف أصحاب المذهب الأول في أن تقييد الحكم بالصفة
هل يدل على نص الحكم عما عداه مطلقا، سواء كان من جنس
المثبت فيه أو لم يكن من جنسه، أو يختص فيما إذا كان من جنسه،
فمثلاً إذا قلنا: " إن في سائمة الغنم الزكاة " هل يدل ذلك على نفي
الزكاة عن المعلوفة مطلقا، سواء كانت معلوفة الغنم أم الإبل، أم
البقر، أو يختص النفي بمعلوفة الغنم؟
اختلف في ذلك على قولين:
(4/1775)

القول الأول: إن تقييد الحكم بالصفة في جنس يدل على نفي
الحكم عما عدا الموصوف بها في ذلك الجنس لا غير.
وهذا قول أكثر أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون بحجية
مفهوم الصفة - وهو الحق عندي؛ لدليلين:
الدليل الأول: أن دلالة المفهوم تابعة لدلالة المنطوق، والتابع لا
يزيد على المتبوع، ولا يتعداه.
الدليل الثاني: أن دلالة المفهوم مخالفة لدلالة المنطوق، وهو لم
يتناول إلا الجنس المذكور، فمخالفه كذلك لا يخالف إلا الجنس
المذكور؛ تحقيقا لمعنى المخالفة.
القول الثاني: أن تقييد الحكم بالصفة في جنس يدل على نفي
الحكم عما عدا الموصوف بها في ذلك الجنس وفي غيره.
وهو قول الأقل من أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون
بحجية مفهوم الصفة -.
دليل هذا القول:
أن الوصف المذكور في الحكم علَّة الحكم، فإذا انتفت العلَّة انتفى
الحكم؛ لأن الأصل اتحاد العِلَّة.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أن الوصف المذكور علَّة الحكم؛ لأنه
يحتمل أن يكون شرطاً له.
الجواب الثاني: سلمنا أن الوصف المذكور علَّة الحكم، لكن
يكون عِلَّة في الجنس المذكور ولا يكون عِلَّة مطلقا.
(4/1776)

بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي، حيث أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها:
أنه لما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "في سائمة الغنم الزكاة "، فإن مفهومه: أنه لا زكاة في معلوفة الغنم، أما معلوفة الإبل والبقر ففيها
الزكاة؛ وهذا بناء على القول الأول - وهو: أن تقييد الحكم بالصفة
في جنس يدل على نفيه عما عداه في ذلك الجنس -.
أما بناء على القول الثاني: فإنه لا زكاة في معلوفة الغنم والإبل
والبقر، لأن تقييد الحكم بالصفة في جنس يدل على نفي الحكم عما
عدا الموصوف بها في ذلك الجنس وفي غيره.
ثمالثما: صور مفهوم الصفة.
مفهوم الصفة له صور وهي كما يلي:
الصورة الأولى؛ أن يذكر اسم عام، ثم يذكر بعده وصف خاص
مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"في الغنم السائمة زكاة " - وهو كما سبق -.
الصورة الثانية: تخصيص الحكم بصفة عارضة، والمراد منها:
تعليق الحكم على صفة لا تستقر، بل تطرأ أحيانا وتزول أحيانا
أخرى مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"الثيب أحق بنفسها من وليها "،
فهنا اقترن الحكم - وهو كون المرأة أحق بنفسها من وليها - بوصف - وهو
الثيوبة - وهذا الوصف طارئ على المرأة.
الصورة الثالثة: مفهوم التقسيم وهو: أن يذكر قسمين، ويذكر
حكم أحد القسمين، فإن هذا يدل على انتفاء ذلك الحكم عن القسم
الآخر، مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -:
" الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن "،
فهنا قسم المرأة إلى قسمين:
(4/1777)

الأول: " ألي م "، وهي التي فارقت زوجها وتسمى " الثيب ".
الثاني: " بكر "، وهي التي لم تتزوج.
وجعل لكل قسم حكماً معيناً، فحكم " الأيم " أنها أحق بنفسها،
أي: تستأمر، وحكم البكر: أنها تستأذن.
فتخصيص " الأيم " بأنها أحق بنفسها يدل على نفيه عن البكر،
وتخصيص البكر بالاستئذان يدل على نفيه عن الأيم.
الصورة الرابعة: مفهوم العِلَّة وهو: دلالة اللفظ المقيد بالعلة على
ثبوت نقيض حكمه للمسكوت عنه الذي انتفت عنه تلك العِلَّة كقوله:
" حرمت الخمرة لإسكارها "، فإن هذا يدل بمفهومه على أن ما لا
إسكار فيه لا يحرم.
الصورة الخامسة: مفهوم الحال، وهو دلالة اللفظ المقيد بحال من
الأحوال على ثبوت نقيض حكمه للمسكوت عنه الذي عدمت فيه
تلك الحال كقوله تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في
المساجد) ، فحرمت المباشرة في حالة معينة وهي: الاعتكاف،
ودل بمفهومه المخالف: حل المباشرة إذا انتفى فيه تلك الحال.
الصورة السادسة: مفهوم المكان، وهو: دلالة اللفظ الذي علق
الحكم فيه بمكان معين على ثبوت نقيض هذا الحكم للمسكوت عنه
الذي انتفى عنه ذلك كقوله تعالى: (فاذكروا الله عند المشعر الحرام) .
الصورة السابعة: مفهوم الزمان، وهو: دلالة اللفظ الذي علق
الحكم فيه بزمان معين على ثبوت نقيض هذا الحكم للمسكوت عنه
الذي انتفى عنه ذلك الزمان كقوله تعالى:
(4/1778)

(الحج أشهر معلومات) ، فإنه يدل بمفهومه المخالف:
عدم صحة الحج إذا وقع في غير زمانه.
وكل هذه الصور تجمعها عبارة " مفهوم الصفة "، وكلها حُجَّة
عندنا والأدلة على ذلك هي نفس الأدلة على حجية الصفة.
النوع الثاني: مفهوم الشرط:
والمراد هنا: الشرط اللغوي، دون الشرعي والعقلي، فالحكم
المعلق على شيء بكلمة " إن " هل هو عدم عند عدم ذلك الشيء أو
لا؟
اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن مفهوم الشرط حُجَّة.
أي: يوجد الحكم بوجود الشرط، وينتفي الحكم إذا انتفى
الشرط.
وهو مذهب القائلين: لمفهوم الصفة، وبعض المنكرين له كابن
سريج، وأبي الحسن الكرخي، وأبي الحسين البصري، والإمام
فخر الدين الرازي.
وهو الحق عندي؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أنه روي أن يعلى بن أمية قال لعمر بن الخطاب:
ما لنا نقصر وقد أمنا، وقد قال تعالى: (فليس عليكم جناح أن
تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) .
وجه الدلالة: أن أبا يعلى قد فهم من تخصيص القصر بحالة
الخوف عدم القصر عند عدم الخوف، ولم ينكر عليه عمر، بل
قال: قد عجبت مما عجبت منه، فسألت - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال:
" صدقة تصدق اللَّه بها عليكم فاقبلوا صدقته ".
(4/1779)

فيعلى وعمر قد فهما من تعليق إباحة القصر في حالة الخوف
وجوب الإتمام في حالة الأمن، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر هذا الفهم، بل أقره.
ما اعترض به على ذلك:
الاعتراض الأول: أن أبا يعلى وعمر إنما عجبا؛ لأن الإتمام
واجب بحكم الأصل، حيث إن الآيات أمرت بإتمام الصلاة، وإنما
استثنى حالة الخوف، وأباح فيها القصر لهذا العذر، وهو:
الخوف، فبقيت حالة الأمن على ما هي عليه يجب فيها الإتمام،
فثبت أنهما عجبا نظراً لمخالفة الأصل.
جوابه:
لا يوجد في القرآن آية تدل على وجوب إتمام الصلاة بلفظها
خاصة، ولهذا يقال: إن الأصل في الصلاة القصر، فروي عن
عائشة - رضي اللَّه عنها - أنها قالت: " كانت صلاة السفر والحضر
ركعتين فأقرَّت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر "، فدل على
أنهما فهما وجوب الإتمام عند الأمن بسبب مفهوم الشرط.
الاعتراض الثاني: أن الآية حُجَّة لنا؛ حيث لم يثبت انتفاء الحكم
عند انتفاء الشرط، فيجوز القصر عند عدم الخوف.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن مفهوم الشرط قد دلَّ على منع القصر عند عدم
الخوف، وإنما ترك العمل بمفهوم الشرط لدليل آخر أباح القصر ولو
لم يوجد خوف؛ قياساً على ظاهر العموم، فإنه يترك أحيانا لدليل
آخر.
(4/1780)

الجواب الثاني: أنه يحتمل أنه ذكر الشرط يبين فيه: أن السبب في
نزول إباحة القصر كان الخوف، ثم عممت الإباحة كما في قوله
تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ) ،
فبين أن ذلك سبب الارتهان، لا أنه شرط في الارتهان.
الدليل الثاني: أن كتب النحو بأسرها ناطقة بأن كلمة " إنْ "
تسمى عند أهل اللغة بحرف الشرط، والشرط هو: ما ينتفي الحكم
عند انتفائه، فيقال: الطهارة شرط لصحة الصلاة، والحول شرط
وجوب الزكاة، والاستطاعة شرط وجوب الحج، والحياة شرط العلم
والقدرة؛ فيلزم من انتفاء الطهارة، وانتفاء الحول، وانتفاء
الاستطاعة، وانتفاء الحياة: انتفاء صحة الصلاة، ووجوب الزكاة،
ووجوب الحج، وانتفاء العلم والقدرة.
فيكون انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط معنى عاما في جميع موارد
استعماله، فوجب جعله حقيقة فيه؛ دفعا للاشتراك، والتجوز.
المذهب الثاني: أن مفهوم الشرط ليس بحُجَّة.
أي: أن أداة الشرط لا تدل على انتفاء المشروط عند انتفاء شرطه،
وإنما انتفاء المشروط عنذ انتفاء الشرط يعلم من البراءة الأصلية.
وهو مذهب أكثر الحنفية، والإمام مالك، واختاره أبو بكر
الباقلاني، والغزالي، وأكثر المعتزلة منهم القاضي عبد الجبار، وأبو
عبد اللَّه البصري، وهو مذهب الآمدي.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن الرجل لو قال لزوجته: " إن دخلت الدار
فأنت طالق "، فإن هذا لا ينفي وقوع الطلاق بدون دخول الدار؛
حيث إنه لو نجز أو علق بشيءآخر فإنه يقع.
(4/1781)

جوابه:
لا نسلم أنه لا ينتفي وقوع الطلاق بدون دخول الدار إذا نظرنا إلى
قوله فقط.
أما استدلالكم على قولكم بوقوع المنجز أو المعلق بتعليق آخر:
فهذا استدلال غير صحيح؛ لأن ذلك غير المطلق بدخول الدار.
الدليل الثاني: أن أداة الشرط لو دئَت على انتفاء المشروط عند
انتفاء الشرط لكان قوله تعالى: (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا) دالاً على أن الإكراه على الزنا غير حرام عند إرادة
الزنا، أي: أن الآية - لم تدل على نفي حرمته عند إرادته، لكن
الآية لا تدل على ذلك، وعليه: لا تكون أداة الشرط دالة على نفي
المشروط عند انتفاء الشرط.
جوابه:
أن تخصيص الشرط بالذكر هنا قد ظهر له فائدة أقوى من فائدة
نفي الحكم عند انتفائه، وتلك الفائدة هي: التقبيح والتشنيع على
هؤلاء الذين يكرهون الإماء على الزنا، ويحملونهن عليه مع أن
الإماء أنفسهن لا رغبة لهن فيه، فتكون الآية - على ذلك - ليست
من باب مفهوم الشرط.
بيان. نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي، حيث أثر في بعض الفروع الفقهية ومنها:
1 - أن أصحاب المذهب الأول قالوا: إن الطلقة ثلاثا الحائل لا
تجب النفقة عليها؛ أخذاً بمفهوم الشرط في قوله تعالى: (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) فهنا قد جعلت
(4/1782)

الآية النفقة للبائن بشرط أن تكون حاملاً، فينتفي الحكم عند انتفاء
الشرط، فيثبت عدم وجوب النفقة للمطلقة ثلاثا الحائل.
أما أصحاب المذهب الثاني فقد قالوا: تجب النفقة للمطلقة ثلاثاً
مطلقا، أي: سواء كانت حاملاً أو حائلاً، ولم يأخذوا بمفهوم
الشرط في هذه الآية، وقالوا: إذا كانت الآية قد صرحت بوجوب
النفقة للحامل، فهي ساكتة عن نفقة الحائل، فيبقى الحكم على
أصله، وهو الوجوب للنفقة؛ لأن الزوجة قبل الطلاق كانت نفقتها
واجبة على الزوج، فيستمر ذلك ما دامت في العدة.
النوع الثالث: مفهوم الغاية:
مد الحكم إلى غاية ونهاية محددة بواسطة لفظ " إلى "، كقوله
تعالى: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) ، أو بلفظ " حتى "، كقوله
تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) ، أو مد الحكم بصريح
الكلام كقولك: " صوموا صوماً آخره الليل "، هل يدل على نفي
الحكم فيما بعد الغاية أو لا؟
لفد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن مفهوم الغاية حُجَّة.
أي: أن الحكم إذا قيد بغاية، فإن ذلك يدل على نفي الحكم فيما
بعد الغاية، فحكم ما بعد الغاية يخالف ما قبلها.
وهو مذهب القائلين بمفهوم الشرط، وبعض المنكرين له كالقاضي
أبي بكر، والقاضي عبد الجبار، والغزالي.
وهو الحق عندي؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن ما بعد الغاية في مثل قوله تعالى:
(4/1783)

(فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) ،
وقوله: (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ)
ليس كلاماً تاماً، ولا يستقل بنفسه؛ لأنه لو ابتدأ قائلاً: " حتى
تنكح زوجاً غيره "، و " حتى يطهرن "، وسكت، لم يحسن
السكوت عليه، ولا يصح ذلك حتى يتعلق بما قبله، وهو قوله:
(فلا تحل له) ، وقوله: (ولا تقربوهن) .
إذن: لا بد فيه من إضمار، وذلك الإضمار إما ضد ما قبله أو
غيره.
أما الثاني - وهو: أن يضمر غير الضد - فهو باطل؛ لأنه ليس
في الكلام ما يدل عليه عيناً.
فتعيَّن الأول - وهو: "إضمار الضد - فيكون تقدير الكلام في
المثال الأول: " فلا تقربوهن حتى يطهرن فاقربوهن "، وتقدير
الكلام في المثال الثاني: " حتى تنكح زوجا غيره فتحل له "، فإذا
ثبت ذلك في هذه الصورة ثبت في غيرها لعدم القائل بالفرق.
الدليل الثاني: أن ما بعد الغاية يقبح الاستفهام عنه، فلو قال
السيد لعبده: " لا تعط زيداً درهما حتى يقوم "، و " اضرب عمراً
حتى يتوب "، فإنه يقبح من العبد أن يسأل ويقول: إذا قام هل
أعطيه درهما؛ وإذا تاب هل أضربه؟
وسبب هذا القبح هو: أن الجواب قد فهم بدون ذلك، فالسؤال يكون تحصيل حاصل، فلو لم يفهما لما قبح الاستفهام عنهما.
الدليل الثالث: أن غاية الشيء: نهايته، ونهاية الشيء:
منقطعه، ومعروف أن الشيء إذا انقطع وانتهى صار خاصا بحكم،
وصار ما بعده خاصا بحكم آخر، وهو ضده، وإن لم يكن ضده
لم يتحقق مفهوم الغاية، ففي الأمثلة السابقة: ضد تحريم الزوجة
(4/1784)

بعد الطلقة الثالثة هو: حلها بعد الزواج بزوج آخر، وضد وجوب
الصوم في النهار هو: عدم وجوبه في الليل، وضد عدم قربان
الزوجة قبل الطهر هو: حلها بعد الطهر.
المذهب الثاني: أن مفهوم الغاية ليس بحُجَّة.
أي: أن الحكم إذا قيد بغاية فإنه لا يدل على نفي هذا الحكم فيما
بعد الغاية، وهو مذهب كثير من الحنفية، وبعض الشافعية
كالآمدي، وبعض المالكية كالباجي.
دليل هذا المذهب:
أن النطق واللفظ خاص بحكم ما قبل الغاية، أما ما بعد الغاية
فهو مسكوت عنه: لم يتعرض له اللفظ والنطق لا بنفي، ولا
بإثبات، فيبقى على النفي الأصلي، وهو الأصل فتبقى الذمة بريئة
من التكليف فيه.
جوابه:
نسلم لكم أن الأصل هو بقاء الذمة بريئة من التكاليف، ولكن إذا
جاء دليل يغير هذه الحالة ويرفع هذا الأصل أخذنا به، وعندنا قد قام
دليل على أن حكم ما بعد الغاية يكون ضد ما قبلها، وهي الأدلة
الثلاثة السابقة الذكر.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا هو معنوي، حيث إنه أثر على بعض الفروع،
ومنها: الأمثلة السابقة.
وأيضا: أن الغسل يجزئ عن الوضوء بدليل مفهوم الغاية في قوله
تعالى: (حتى تغتسلوا) ، فإن مفهومه: إن اغتسلتم فلكم أن
(4/1785)

تقربوا الصلاة، فلولا أن الغسل يجزئ عن الوضوء لم يكن
للمغتسل أن يقرب الصلاة.
النوع الرابع: مفهوم العدد:
إذا خصص الحكم بعدد معين وقيد به، فهل يدل هذا على نفي
ذلك الحكم عن غير ذلك العدد، سواء كان ذلك الغير زائداً عليه أو
ناقصاً عنه أو لا؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن مفهوم العدد حُجَّة.
أي: أن تقييد الحكم بعدد مخصوص يدل على نفي ذلك الحكم
فيما عدا ذلك العدد، سواء كان زائداً أو ناقصا.
وهو مذهب أكثر القائلين بمفهوم المخالفة، وهو اختيار بعض
الحنفية، وداود الظاهري، وبعض الشافعية، وعلى رأسهم الإمام
الشافعي.
وهو الحق عندي لكن بشرط وهو: أن لا يكون قد قصد بالعدد
التكثير أو المبالغة نحو قولك: " جئتك ألف مرة ولم أجدك ".
والأدلة على حجية مفهوم العدد هي كما يلي:
الدليل الأول: أن قتادة - رضي اللَّه عنه - قال:
لما نزل قوله تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:
"قد خيرني ربي فواللهِ لأزيدن على السبعين "، ففهم النبي - صلى الله عليه وسلم - من الآية أن نفي المغفرة مقيد بالسبعين، فإذا زاد العدد عن السبعين فقد انتفى الحكم - وهو عدم المغفرة - رجاء أن يبدله بحكم آخر وهو المغفرة، ولذلك قال:
لأزيدن على السبعين فيكون تخصيص الحكم بعدد "، على نفي
الحكم عن غير هذا العدد المعين.
(4/1786)

ما اعترض به على هذا الدليل:
الاعتراض الأول: أن هذا الحديث ضعيف لم يدون في الصحاح،
والحديث الضعيف لا يحتج به في إثبات قاعدة أصولية، قال ذلك
أبو بكر الباقلاني، وإمام الحرمين، وأشار إليه الغزالي.
جوابه:
إن هذا غير مسلَّم، بل أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب
التفسير، باب: قوله: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ... ) عن
ابن عمر - رضي اللَّه عنهما - قال: لما توفى عبد اللَّه بن أُبي جاء
ابنه إلى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ليصلي فقام عمر فأخذ بثوب رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول اللَّه، تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه، فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: "إنما خيرني اللَّه فقال:
(استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة ... ) ،
وسأزيد على السبعين ... "، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب
فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر، وأخرجه الترمذي،
والنسائي. إذن: يكون الحديث صحيحا؛ حيث إن أصح الأحاديث
ما اتفق عليه البخاري ومسلم، وهذا قد اتفق عليه البخاري ومسلم.
الاعتراض الثاني: على فرض صحته، فإنه خبر واحد؛ وخبر
الواحد لا يقوى على إثبات قاعدة أصولية كمفهوم العدد.
جوابه:
إن خبر الواحد يثبت القاعدة الأصولية إذا كانت وسيلة إلى العمل
مثل هذه القاعدة، كما قلنا ذلك أكثر من مرة.
(4/1787)

الدليل الثاني: أن الحكم لو ثبت فيما زاد على العدد المذكور لم
يكن لذكر العدد فائدة، وكلام الشارع لا يجوز أن يعرى عن الفائدة
ما أمكن، كما لا يجوز أن يخلى ذكر الصفة، والشرط عن
الفائدة، فثبت أن فائدة ذكر العدد هي: أن ينفى الحكم عما عدا
المقيد بعدد، وهذا هو مفهوم العدد.
الدليل الثالث: أن الأمة قد عقلت من تحديد حد القاذفِ بثمانين
نفي وجوب الزيادة، وعدم جواز النقصان.
المذهب الثاني: أن مفهوم العدد ليس بحُجَّة.
أي: أن تقييد الحكم بعدد مخصوص لا يدل على نفي ذلك
الحكم فيما عدا ذلك العدد.
وهو مذهب أبي حنيفة، وأكثر الحنفية، وأكثر الشافعية كالآمدي،
وفخر الدين الرازي، وأكثر المعتزلة، وأكثر الظاهرية.
دليل هذا المذهب:
أن تعليق الحكم على العدد لا يدل على نفيه عما زاد، ولا عما
نقص، لاحتمال أن يكون في تعليقه بذلك العدد فائدة سوى نفيه عما
زاد أو نقص.
جوابه:
لا شك أنه توجد فوائد كثيرة في تعليق الحكم على العدد - كما
قلنا فيما سبق - ولكن أقوى الفوائد انقداحا في الذهن وأقربها إليه
هو: أنه يدل على نفي الحكم عما زاد أو نقص، وهذا هو مفهوم
العدد.
تنبيه: أكثر الأدلة على حجية مفهوم الصفة والشرط تصلح
(4/1788)

للاستدلال بها على حجية مفهوم العدد، وأكثر أدلة المخالفين فيهما
تصلح للاستدلال بها على عدم حجية هذا المفهوم، والجواب نفس
الجواب.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي، حيث أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها:
1 - أنه لو قال لوكيله: " بع هذا الثوب بمائة ريال "، فإن باع
وكيله هذا الثوب بأكثر من مائة أو أقل فإنه لا يصح البيع؛ هذا بناء
على المذهب الأول؛ لأن مفهوم العدد حُجَّة.
أما على المذهب الثاني: فإنه لو باع بأكثر صح البيع؛ لأنه لا
مفهوم للعدد.
2 - أن النجاسة إذا أصابت ما دون القلتين نجسته، وحمل
الخبث؛ استدلالاً بمفهوم العدد من قوله - صلى الله عليه وسلم -:
" إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث ".
وبناء على المذهب الثاني فإن ما دون القلتين يحمل الخبث.
3 - أنه يجب الوضوء من ثلاث قطرات من الدم، بناء على
المذهب الأول؛ استدلالاً بمفهوم العدد من قوله - صلى الله عليه وسلم -:
" ليس في القطرة والقطرتين من الدم وضوء إلا أن يكون دما سائلاً "، بخلاف المذهب الثاني؛ حيث لا يقولون بمفهوم العدد.
النوع الخامس: مفهوم الاستثناء من النفي:
لقد اختلف العلماء في الاستثناء من النفي هل هو إثبات أو لا؟
مثل قوله: " لا عالم في البلد إلا زيد " على مذهبين:
المذهب الأول: أن الاستثناء له مفهوم، أي: أن الاستثناء من
النفي إثبات، فإذا قلنا: " لا عالم في المدينة إلا زيد "، فإنه يدل
على نفي كل عالم سوى زيد، وإثبات كون زيد عالما.
(4/1789)

وهو مذهب جمهور العلماء، وأكثر منكري المفهوم.
وهو الحق عندي؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن القائل: " لا إله إلا اللَّه " يُعتبر موحداً مثبتا
للألوهية لله تعالى، ونافيا لها عما سواه بالإجماع، ولو كان نافيا
للألوهية عما سوى اللَّه تعالى غير مثبت لها بالنسبة إلى اللَّه تعالى لما
كان ذلك توحيداً لله تعالى؛ لعدم إشعار لفظه بإثبات الألوهية لله
تعالى، وذلك خلاف الإجماع.
الدليل الثاني: أن كون الاستثناء من النفي إثباتا يتبادر إلى فهم كل
سامع، فمثلاً لو قال: " لا عالم إلا زيد "، و " لا فتى إلا علي "،
و" لا سيف إلا ذو الفقار "، فإنه يتبادر إلى ذهن كل سامع لغوي:
أن هذا من أدل الألفاظ على علم زيد وفضله، ومن أدل الألفاظ
على فتوة علي، وعلى أنه لا سيف قاطع إلا المسمى بذي الفقار.
الدليل الثالث: أنه ثيت عن أهل اللغة أنهم قالوا: الاستثناء من
الإثبات نفي، ومن النفي إثبات، وكلامهم حُجَّة؛ حيث إنهم أعلم
الناس بما وضعت له الألفاظ، وبذلك يكون الاستثناء دالاً على ثبوت
نقيض حكم المستثنى منه للمستثنى، فيكون الاستثناء من النفي إثباتا،
ومن الإثبات نفياً.
المذهب الثاني: أن الاستثناء من النفي ليس بإثبات، فقولك: "لا
عالم إلا زيد " لا يدل على كون زيد عالما.
وهو مذهب أبي حنيفة، وأكثر أصحابه.
دلبل هذا المذهب:
أنه لو كان الاستثناء من النفي إثباتاً لكان قوله عليه الصلاة والسلام:
(4/1790)

" لا صلاة إلا بطهور "، وقوله: " لا نكاح إلا بولي "
مقتضيا تحقق الصلاة عند وجود الطهارة، وتحقق النكاح عند وجود
الولي؛ حيث إن الطهور والولي مستثنى من نفي الصلاة، ونفي
النكاح، والاستثناء من النفي إثبات - على زعمكم - فيلزم من ذلك
صحة الصلاة عند وجود الطهارة، وصحة النكاح عند وجود الولي،
وهذا ليس بصحيح باتفاق العلماء؛ لأن الطهارة قد تكون موجودة،
ومع ذلك لا تصح الصلاة؛ نظراً لفقدان شرط آخر، وكذلك قد
يوجد الولي، ومع ذلك لا يصح النكاح؛ نظراً لفقدان شرط آخر،
وهكذا.
فإذا كان الأمر كذلك فليس الاستثناء من النفي إثبات، بل إن
الاستثناء هو: إخراج المستثنى عن دخوله في المستثنى منه، وأنه غير
متعرض لنفيه ولا إثباته.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنه يحتمل أن يكون قد قصد بهذين الحديثين وما
شابههما: بيان أن الطهارة شرط في صحة الصلاة، وأن الولي
شرط في صحة النكاح، فإن هذا لا يفيد ثبوت صحة الصلاة عند
الطهارة، وثبوت صحة النكاح عند وجود الولي؛ قياساً على قولنا:
" لا قضاء إلا بعلم وورع "، فإن هذا القول لا يفيد ثبوت القضاء
لكل ورع وعالم، وإنما يفيد اشتراط العلم والورع فيمن يتولى
القضاء.
الجواب الثاني: أنه يحتمل أنه قد قصد بالحصر في هذين الحديثين
المبالغة والاهتمام بالشيء، وبيان أنه أهم شروطه؛ حيث إن أهم
(4/1791)

شروط الصلاة: الطهارة، وأهم شروط النكاح: وجود الولي؛
قياساً على قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الحج عرفة ".
فهذا الحديث لم يقصد منه ثبوت الحج عند الوقوف، ونفيه عند
عدم الوقوف؛ لأن الحج قد يبطل مع الإتيان بالوقوف؛ لكونه قد
ترك ركناً آخر من أركانه، ولكنه ذكر ذلك لأن الوقوف بعرفة أهم
أركان الحج.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ لأنه أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها:
1 - إذا قال المقر: " ليس له عليّ شيء إلا درهما "، فإن
أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إن الاستثناء من النفي
إثبات - يوجبون على المقر درهماً، لأن الاستثناء من النفي إثبات.
وأما أصحاب المذهب الثاني - وهم الحنفية - فلا يوجبون شيئا
على المقر؛ لأن الاستثناء من النفي ليس بإثبات، ويقولون: إن
المستثنى مسكوت عنه، لا يحكم عليه بنفي ولا إثبات.
2 - إذا قال: " والله لا آكل إلا هذا الرغيف "، فإن على
المذهب الأول يحنث إن لم يأكل الرغيف؛ لأن الاستثناء من النفي
إثبات.
أما بناء على المذهب الثاني: فإنه إذا لم يأكل شيئاً من الرغيف
فإنه لا يحنث؛ لأن الاستثناء من النفي ليس بإثبات.
النوع السادس:. مفهوم " إنما ":
هل تقييد الحكم بهذا اللفظ - وهو إنما - كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الولاء لمن أعتق ": وقوله: " إنما الأعمال بالنيات "،
(4/1792)

وقوله: "إنما الربا في النسيئة "
يدل على الحصر، وإثبات الحكم، ونفيه عما عداه أو لا؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن " إنما " يدل على الحصر، وإثبات المذكور،
ونفي ما عداه، وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: أن لفظة " إنما " مركبة من جزئين هما: " إن "
المشددة، و " ما ".
و" إنَّ " للإثبات مثل: " إن زيداً ناجح ".
و" ما " للنفي مثل: " ما زيد بناجح ".
وإذا كانت " إن " للإثبات، و " ما " للنفي حال انفرادهما،
فيجب استصحاب ذلك وإبقاء ما كان على ما كان في حال
اجتماعهما في التركيب، إذن لفظ " إنما " موضوع للأمرين:
للإثبات، والحصر، ونفي ما عدا المذكور.
أي: أن لفظ " إنما " يفيد الإثبات إذا نظرنا إلى " إنَّ "، ويفيد
الحصر ونفي ما عدا المذكور إذا نظرنا إلى " ما ".
الدليل الثاني: أن المتبادر إلى أفهام أهل اللغة والعارفين بأساليب
اللغة العربية من لفظ " إنما " هو: الحصر، وإثبات المذكور ونفي ما
عدا المذكور، فلم تستعمل في موضع من النصوص الشرعية، أو
الأشعار العربية إلا ويحسن فيه الحصر والنفي، والأصل في
الاستعمالِ الحقيقة، والأمثلة على ذلك كثيرة.
ومنها قوله تعالى: (إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ) ، حيث حصر الله
سبحانه نفسه في صفة الوحدة مع أنه له صفات كثيرة، ولكنه
حصرها هنا باعتبار خاص، وهو المعلوم من سياق الآية، حيث قال
(4/1793)

تعالى: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ) .
ومنها قوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) ، فقد
حصر الخشية على العلماء وإن كان يوجد من العباد من يخشاه
سبحانه من غير العلماء، ولكنه حصر ذلك في العلماء؛ لكونهم
أشد خشية لله بسبب علمهم بالآيات.
ومنها: قوله تعالى: (إنما أنا منذر) ، فقد فسَّره بصريح الحصر
في غير موضع كقوله تعالى: (وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ) ، وقوله: (إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ) .
ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"إنما الأعمال بالنيات "،
وقد فسَّره بقوله: " لا عمل إلا بنية " وهو حصر.
ومنها: قول الفرزدق:
أنا الضامن الراعي عليهم وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
فحصر المدافعة فيه أو في مثله.
المذهب الثاني: أن تقييد الحكم بلفظ " إنما " لا يدل على الحصر،
بل يدل على إثبات الحكم المذكور - فقط - ولا يدل على نفي ما
عداه.
وهو مذهب أكثر الحنفية وبعض الشافعية كالآمدي، وبعض
الحنابلة كالطوفي.
دليل هذا المذهب:
أن لفظ " إنما " مركبة من جزأين هما: " إنَّ " و " ما ".
و" إنَّ " للتأكيد.
(4/1794)

و" ما " كافة، وليست نافية.
أي: أن " ما " تكف " إنَّ " وأخواتها عن العمل فيما بعدها،
وتقلبها من اختصاصها بالدخول على الأسماء - فقط - إلى دخولها
على الفعل:
فلفظ " إنَّ " مختصة بالدخول على الأسماء فقط فيقال: " إن
زيداً مسافر "، ولا تدخل على الأفعال فلا يقال: " إنَّ قام زيد ".
ولكن لما وردت لفظة " ما " بعد " إن " أفادت أمرين:
أولهما: أنها كفتها عن العمل.
ثانيهما: أنها جعلت " إن " تدخل على الفعل فتقول: " إنما قام
زيد".
وإذا كانت " ما " كذلك فليست نافية، ولا تدل على النفي
كقولنا: " إنما النبي محمد "، فإن هذا يدل على إثبات النبوة
لمحمد - صلى الله عليه وسلم -، ولا تنفي النبوة عن غيره من الأنبياء.
جوابه:
لا نسلم ما ذكرتموه، لأن " إنما " تفيد الإثبات والنفي؛ لوجود ما
يقتضيهما وهما: " إنَّ. " المؤكدة المثبتة، و " ما " النافية؛ قياسا على
الاستثناء من النفي الذي هو إثبات، فكما أن قولنا: " لا فتى إلا
علي" يفيد نفي الفتوة عن غير علي، وتأكيد الفتوة لعليّ، فكذلك
هنا فقولنا: " إنما العالم زيد " يفيد إثبات العلم الصحيح لزيد
والتأكيد على ذلك، ونفي العلم الصحيح عن غيره.
أما قولكم: " إنما " النبي محمد، فهذا كلام من إنشاءكم، وهو
(4/1795)

اختراع على اللغة لم يسمع به، فلا يقوى على معارضة ما ورد في
القرآن وكلام العرب.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ حيث تأثرت بهذا الخلاف بعض الفروع الفقهية،
ومنها: لو أخبر مخبر قائلاً: " إنما العالم زيد "، فإن هذا يُفهم أن
العلم محصور على زيد، وأن غيره لا علم عنده، هذا بناء على
المذهب الاءول.
أما على المذهب الثاني: فإن هذا لا يفيد الحصر، بل يفيد تأكيد
الإثبات، فالعلم يوجد عند زيد وعند غيره.
النوع السابع: حصر المبتدأ في الخبر:
قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
"الشفعة فيما لم يقسم "، وقوله: "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم "،
وقولنا: " العالم زيد "، و " صديقي زيد "
هل يدل ذلك على حصر الشفعة فيما لم يقسم، وعلى حصر
تحريم الصلاة في التكبير، وتحليل الصلاة في التسليم، وعلى حصر
الحلم في زيد، وعلى حصر الصداقة فى زيد أو لا؟
اختلف العلماء
في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن ذلك يدل على الحصر ويفيده.
أي: أن ذلك يدل على حصر الشفعة فيما لم يقسم، وحصر
التحريم في التكبير، وحصر التحليل في التسليم، وحصر العلم
والصداقة في زيد.
وهو مذهب كثير من العلماء منهم الغزالي، وإلكيا الهراسي،
وابن قدامة.
(4/1796)

وهو الحق عندي؛ لدليلين:
الدليل الأول: أن أهل اللغة يُفرقون بين قول القائل: " زيد
صديقي "، وبين قوله: " صديقي زيد " بأن الثاني يفيد الحصر،
ولولا أن الثاني يفيد الحصر لما حصلت التفرقة بينهما، فكل من قال
بالتفرقة بينهما قال: إن تلك التفرقة بإفادة الحصر وعدم إفادته.
الدليل الثاني: أن الاسم إذا دخلت عليه " أل " كقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"الشفعة فيما لم يقسم "، أو أضيف إلى معرفة
كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم "، وقولنا: " صديقي زيد "، فإن هذا الاسم يفيد الاستغراق،
وبالتالي فإن ذلك يفيد الحصر، وهو ظاهر فيه،
بيان ذلك:
أنه أفاد الحصر؛ لأن المحكوم به - وهو الخبر - يجب أن يكون
مساويا للمحكوم عليه - وهو المبتدأ - أو أعم منه.
فمثال المساوي: قولنا: " الإنسان بشر "، فالإنسان - هنا -
وهو المبتدأ - محكوم عليه بأنه بشر - وهو الخبر - وهو مساوٍ له.
ومثال الأعم قولنا: " الإنسان حيوان "، فالإنسان هنا. وهو
المبتدأ - محكوم عليه " بأنه حيوان وهو أعم من الإنسان، وإذا ثبت
ذلك فإن " التحريم " الوارد في حديث: " تحريمها التكبير " مبتدأ،
و" التكبير " خبره، فيكون " التكبير " مساويا للتحريم، فينحصر
التحريم في التكبير كما حصرنا " الإنسان " في " الحيوان "، وكما
حصرنا الإنسان في البشرية.
وعلى ذلك: فإن التحريم يجب أن ينحصر في التكبير، والتحليل
يجب أن ينحصر في التسليم، والشفعة يجب أن تنحصر فيما لم
يقسم، والصداقة يجب أن تنحصر في زيد.
(4/1797)

المذهب الثاني: أن ذدك لا يدل على الحصر ولا يفيده.
أي: أن ذلك لا يدل على حصر الشفعة فيما لم يقسم، وحصر
التحريم في التكبير، وحصر التحليل في التسليم، وحصر العلم
والصداقة في زيد في الأمثلة السابقة.
وهو مذهب أكثر الحنفية، رالقاضي أبي بكر، وبعض المتكلمين.
دليل هذا المذهب:
أن مثل ذلك لو أفاد الحصر: لكان قول القائل: " صديقي زيد
وعمرو " تناقضاً، لأن قوله: " صديقي زيد " يفيد الحصر - على
زعمكم - وقوله: " وعمرو " يقتضي أن لا تكون صداقته منحصرة
في زيد، بل توجد فيه وفي عمرو، فثبت التناقض.
جوابه:
أننا قلنا: إن هذا يفيد الحصر إذا كان مجرداً عن القرائن، أما إذا
اقترن به ما يغيره عنه، فلا يفيد الحصر " لأجل هذه القرينة،
و"عمرو " معطوف على " زيد " فهو يغيره، فيصير - حينئذ -
المعطوف والمعطوف عليه كأنه جملة واحدة، والمعطوف عليه بدون
المعطوف بعض الكلام، وبعض الكلام لا اقتضاء له على الانفراد،
وهذا قياساً على ما قلناه في الاستثناء، فإن المستثنى منه مع المستثنى
جملة واحدة، فإن المستثنى منه لو لم يقترن بالمستثنى كان المستثنى منه
تمام الكلام، وبتقدير الاقتران به يصير بعض الكلام.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي، حيث إن هذا الخلاف قد أثر في بعض الفروع،
ومنها ما سبق من الأمثلة، فإنه بناء على المذهب الأول، فإن
(4/1798)

التحريم يجب أن ينحصر في التكبير، والتحليل يجب أن ينحصر في
التسليم، والشفعة يجب أن تنحصر فيما لم يقسم، والصداقة،
والعلم يجب أن ينحصرا في زيد، هذه القاعدة، ولكن إذا وجد
دليل أو قرينة تدل على غير ذلك، فإنه يؤخذ بها.
أما بناء على المذهب الثاني - وهو أن مثل هذا لا يفيد الحصر -
فإنه يترتب على ذلك - في الأمثلة السابقة -: أن بعض الشفعة فيما
لم يقسم، وبعض التحريم التكبير، وبعض التحليل التسليم،
وبعض العلم عند زيد، وبعض الأصدقاء زيد.
هذه القاعدة عندهم - في مثل هذا التعبير - ولكن إذا وجدت
قرينة تدل على غير ذلك كأن تدل على أن التحرلي م منحصر في التكبير
فإنه يؤخذ بها.
النوع الثامن: مفهوم اللقب:
إذا قيد الحكم أو الخبر بالاسم فهل يدل على نفي الحكم عما عداه؟
اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن مفهوم اللقب ليس بحُجَّة.
أي: أنه إذا قيد الحكم أو الخبر باسم فلا يدل ذلك على نفي
الحكم عما عداه، مطلقاً: أي: سواء كان هذا الاسم علماً أو اسم
جنس.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق عندي؛ لما يلي من
الأدلة:
الدليل الأول: أن تقييد الحكم بالاسم لو كان دليلاً على نفي
الحكم عما عداه لكان قول القائل: " عيسى رسول اللَّه " كفراً؛
(4/1799)

لأنه يدل بمفهومه على أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - وغيره من الأنبياء ليسوا برسل، وهذا كفر صريح.
الدليل الثاني: أنه لو كان تقييد الحكم بالاسم يدل على نفي
الحكم عما عداه لما حسن من الإنسان أن يخبر أن زيداً يأكل إلا بعد
علمه أن غيره لم يأكل، وإلا كان مخبراً بما يعلم أنه كاذب فيه، أو
ربما لا يأمن فيه من الكذب، وحيث استحسن العقلاء ذلك مع عدم
علمه بذلك دلَّ على عدم دلالته على نفي الأكل من غير زيد.
الدليل الثالث: أنه لو كان تقييد الحكم بالاسم يدل على نفي
الحكم عما عداه لأفضى ذلك إلى سد باب القياس، لأنه إذا قال
- في حديث الأشياء الستة -: " لا تبيعوا البر بالبر " يجب أن لا
يقاس الأرز عليه، لأن تخصيص البر بالذكر يوجب إباحة ربا الفضل
في غيره من الأرز وغيره، فلما كان هذا مانعاً من القياس الثابت
وجب تركه.
المذهب الثاني: أن مفهوم اللقب حُجَّة.
أي: أنه إذا قيد الحكم أو الخبر باسم، فإنه يدل على نفي الحكم
عما عداه.
وهو مذهب بعض المالكية، وبعض الشافعية كأبي بكر الدقاق،
وبعض الحنابلة كأبي يعلى، وهو رواية عن الإمام أحمد.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قياس تقييد الحكم بالاسم على تقييده بالصفة،
فإن الصفة تميز الموصوف من غيره، وكذلك الاسم وضع لتمييز
المسمى من غيره، ثم إذا علق الحكم على صفة دلَّ على أن ما عداه
(4/1800)

بخلافه، فكذلك إذا علق الحكم على الاسم، فإنه يدل على أن ما
عداه بخلافه ولا فرق، فإذا قال: "اعط هذا الكتاب لزيد"، فإنه يفهم
منه: أنه لا يعطيه إلى عمرو، ولا إلى غيره، بل يعطى لزيد فقط.
جوابه:
أن قياسكم الاسم على الصفة قياس فاسد، لأنه قياس مع
الفارق، والفرق بينهما من وجهين:
أولهما: أن الصفة يجوز أن تكون علَّة يعلق الحكم عليها بخلاف
الاسم فلا يجوز أن يكون عِلَّة، فلا يعلق الحكم عليه.
ثانيهما: أن الصفة تذكر مع اسم فلا تفيد إلا تخصيصه.
بخلاف الاسم، فإنه يعدل عن اسم إلى اسم كل واحد منهما
يقع به التعريف، فلا يوجب ذلك التخصيص.
الدليل الثانيْ أنه لو تخاصم رجلان فقال أحدهما: " أما أنا
فليست أمي ولا أختي ولا زوجتي زانية "، فإنه يتبادر إلى الفهم أنه
ينسب الزنا إلى أم خصمه، وأخته، وزوجته، ولذلك يجب حد
القذف على الأول عند بعض العلماء.
جوابه:
أن ذلك إن فهم منه، فإنما يفهم من قرينة حاله، وهي الخصومة،
لا من دلالة مقاله.
ولو فرض ذلك في غير الخصومة، فنحن نمنع فهمه، لذلك لا
يجوز إقامة حد القذف على القائل بذلك.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي، حيث إن بعض الفروع قد تأثرت بهذا الخلاف ومنها:
(4/1801)

1 - أنه لو قال في الخصومة: " إن زوجتي ليست بزانية "، فإن
هذا لا يعتبر قذفاً لزوجة خصمه عند أصحاب المذهب الأول؛ لأن
مفهوم اللقب ليس بحجة، لذلك لا يجوز إقامة حد القذف على
القائل.
أما بناء على المذهب الثاني، فإن هذا يعتبر قذفا لزوجة خصمه،
فتجب إقامة حد القذف على القائل، لأن مفهوم اللقب حُجَّة.
2 - إذا أوصى بعين لزيد، ثم قال بعد ذلك: أوصيت بها
لعمرو، فإنه بناء على المذهب الأول لا يُعتبر ذلك رجوعاً عن الوصية
لزيد، بل يشرك بينهما؛ لأنه لا يفهم من كونه أوصى بها لزيد أنه ما
أوصى بها لعمرو، ولا يجعل التعبير بالاسم الثاني دالاً على نفي
غيره.
أما أصحاب المذهب الثاني، فإنهم قالوا: يكون هذا رجوعاً عن
الوصية لزيد، وتصح وصية عمرو، فيجعل التعبير بالاسم الثاني -
وهو عمرو - دالاً على نفي غيره.
المسألة الرابعة: شروط مفهوم المخالفة:
إنني لما قلت: إن مفهوم الصفة، والتقسيم، والغاية، والحال،
والمكان، والزمان، والشرط، والغاية، والعدد، والاستثناء،
والحصر بإنجا، وحصر المبتدأ في الخبر كلها حُجَّة ليس هذا على
إطلاقه، بل يشترط في ذلك شروط هي كما يلي:
الشرط الأول: أن لا يرجع حكم المفهوم المخالف على أصله
(4/1802)

المنطوق به بالإبطال؛ لأن المفهوم فرع المنطوق، ولا يجوز أن يُقدم
الفرع على الأصل، ويُسقطه.
الشرط الثاني: أن لا تظهر أولوية المسكوت عنه بالحكم، أو
مساواته فيه للمنطوق، وإلا استلزم ثبوته في المسكوت عنه، فكان
مفهوم موافقة، ولا يكون مفهوم مخالفة.
الشرط الثالث: أن لا يوجد في المسكوت - المراد إعطاؤه حكما -
دليل خاص يدل على نقيض حكم المنطوق، فإن وجد ذلك الدليل
الخاص كان هو طريق الحكم المعمول به، لا المفهوم المخالف، كما
قلنا في قوله تعالى: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) إنه لم يعمل بمفهوم الشرط هنا؛
حيث لم يثبت انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط، فيجوز القصر عند
عدم الخوف، وذلك لوجود دليل آخر قد أباح القصر ولو لم يوجد
الخوف، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"صدقة تصدق اللَّه بها عليكم فاقبلوا صدقته ".
الشرط الرابع: أن يذكر القيد مستقلاً، فلو ذكر على وجه التبعية
لشيء آخر فلا مفهوم له مثل قوله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) ، فتقييده بالمساجد لا مفهوم له؛ لأن المعتكف
ممنوع من المباشرة مطلقاً.
الشرط الخامس: أن لا يكون هناك تقدير جهالة بحكم المسكوت
عنه من جهة المخاطب.
الشرط السادس: أن لا يكون القيد قد خرج مخرج الأغلب المعتاد
كقوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) ، وذلك لأن الخلع إنما يكون عند خوف عدم القيام بما
(4/1803)

أمر اللَّه به من قبل كل من الزوجين، فلا يفهم منه: أنه عند عدم
الخوف لا يجوز الخلع، فهذا الوصف لا مفهوم له، كذلك قوله
تعالى: (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ) ، فإن وصف الربائب
بكونهن في الحجور جار وموافق للغالب لمن تزوج امرأة معها ابنتها،
فإنه يربيها في بيته، فهذا الوصف لا مفهوم له؛ إذ لا يجوز للرجل
أن يتزوج من ابنة امرأته، ولو تربت في غير بيته.
الشرط السابع: أن لا يكون المقصود من القيد هو: المبالغة في
التكثير كقولك: " جئتك ألف مرة " - وقد سبق التنبيه عليه - فهذا
لا مفهوم.
الشرط الثامن: أن لا يكون المقصود من القيد: المبالغة في التنفير
كقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة)
فهذا لا مفهوم له، حيث لا يدل بالمفهوم المخالف: أن الربا القليل
حلال، ولكن سيق هذا لبيان أن الربا كان جاريا على الأغلب
وللتنفير منه.
الشرط التاسع: أن لا يكون المقصود من القيد: الحث على
الامتثال كقوله - صلى الله عليه وسلم -:
" لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت
فوق ثلاث إلا على زوج فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشراً "،
فالوصف بالإيمان لا مفهوم له؛ لأنه سيق للحث على
الامتثال لأوامر اللَّه في الإحداد ثلاث ليال على الميت، وليس
المقصود منه جواز ما زاد إن كانت لا تؤمن بالله.
الشرط العاشر: أن لا يكون المقصود من القيد: إظهار الامتنان
كقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا) ،
فإن هذا لا مفهوم له، لأنه سيق لإظهار المنة بطيب اللحم الطري،
(4/1804)

وليس المقصود من ذلك الوصف - وهو قوله: (لَحْمًا طَرِيًّا) كون
اللحم غير الطري ممتنع أكله.
الشرط الحادي عشر: أن لا يكون الكلام الذي ورد فيه القيد
جواباً لسؤال سائل، أو حادث معين، فإن كان كذلك فإنه لا يعمل
بالمفهوم؛ لأن فائدة المنطوق قد وردت خاصة بذلك السؤال، أو
الحادثة، كما لو سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن سائمة الغنم، فأجاب بوجوب الزكاة في سائمة الغنم، فإنه لا يدل على أن المعلوفة لا زكاة فيها من هذا اللفظ.
الشرط الثاني عشر: أن لا يكون الشارع قد ذكر القيد للقياس
عليه، فإن وجد فيه شروط القياس - كلها - فلا مفهوم له، كقوله
- صلى الله عليه وسلم -: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية، والغراب الأبقع، والفأرة، والكلب الأسود، والحدبا "،
فلا مفهوم لذلك؛ حيث إن الشارع إنما ذكرهن لما فيهن من الأذى،
فيجوز أن نلحق بهن كل ما فيه أذى.
هذه أهم شروط مفهوم المخالفة.
(4/1805)

الباب الخامس في القياس
ويشتمل على تمهيد، وأربعة فصول:
أما التمهيد فهو في بيان أهمية القياس.
أما الفصول فهي:
الفصل الأول: في تعريف القياس.
الفصل الثاني: في حجية القياس.
الفصل الثالث: في أركان القياس وشروطها وما يتعلق بها.
الفصل الرابع: في قوادح القياس ومبطلاته، والاعتراضات عليه.
(4/1807)

التمهيد في بيان أهمية القياس
لقد قلنا في الباب الثالث: إن القياس هو رابع الأدلة المتفق عليها
إجماعاً بعد الكتاب والسُّنَّة والإجماع، ولقد أخرته إلى هنا؛ لأنه
يأتي بالمرتبة الرابعة بعد الكتاب والسُّنَّة والإجماع، وما تفيده
النصوص والألفاظ من الأحكام، كما قال الشاعر:
إذا أعيا الفقيه وجود نص ... تعلَّق لا محالة بالقياس
فالمجتهد لا يلجأ إليه إلا بعد فقد النص من الكتاب والسُّنَّة أو
الإجماع.
ومعرفة القياس من أهم شروط المجتهد؛ إذ لا يمكن أن يبلغ أحد
الاجتهاد أو يستنبط حكما شرعيا لحادثة متجددة إلا بواسطة القياس.
قال الإمام الشافعي - رحمه اللَّه -: " من لم يعرف القياس فليس
بفقيه "، وقال الإمام أحمد - رحمه الله -: " لا يستغنى أحد عن
القياس "، وأهمية القياس تتبين في أمور:
الأول: أنه يُعوَّل على القياس في معرفة أسرار الأحكام،
والوقوف على الحكَم والمقاصد والعلل التي شرعت من أجلها
الأحكام من جلب مَصالح أو درء مفاسد.
الثاني: أن القياس هو المنهل العذب الذي نأخذ عن طريقه أحكام
الوقائع والحوادث والقضايا المتجددة، وذلك لأنه من المعروف أن
(4/1809)

النصوص قليلة ومتناهية، والحوادث والوقائع والقضايا المتجددة كثيرة
غير متناهية، فالنصوص لا تقوى على مد كل واقعة وحادثة بحكم
منصوص عليه، فليس أمام المجتهد إلا القياس، وما يتعلق به من
وجوه النظر والاستدلال، فكانت الحاجة إلى القياس لا تنقطع،
وفوائده لا تنتهي ما دامت الحوادث والوقائع والقضايا تتجدد على
مدى السنوات والقرون إلى قيام الساعة.
الأمر الثالث: أن من عرف القياس معرفة دقيقة فإنه يغنيه عن
معرفة أكثر علوم الشريعة؛ حيث إنه إذا أراد أن يقيس على حكم من
الأحكام ثبت بنص، فإنه لا بد أن يتأكد من ثبوت هذا النص، وأن
يعرف تفاسير العلماء لهذا النص - سواء كانت آية أو حديثاً - وهل
هو ناسخ أو منسوخ؟ وهل هو محكم أو متشابه؟ وهل هو حقيقة
أو مجاز؟ وهل دلَّ على الحكم المقاس عليه بالمنطوق أو بالمفهوم؟
وهل هو عام أو خاص؟ أو مطلق أو مقيد؟ أو هو أمر أو نهي؟ أو
هو مجمل أو ظاهر أو نص؟ إلى آخر ما يتعلق بالنص،
ثم إذا كان الحكم مأخوذاً من حديث فإنه لا بد أن يعرف ما سبق، ويزيد معرفته لرجال الحديث، لأنه لا يجوز القياس على شيء مشكوك فيه،
وهكذا، وهذا يشمل كل العلوم.
الأمر الرابع: أن القياس باب من أبواب تعميم الأحكام الشرعية،
حيث إنه إذا ثبت حكم من الأحكام وعرفنا عِلَّة ذلك الحكم،
ووجدنا تلك العلَّة في فروع أخرى، فإنا نلحق تلك الفروع بذلك
الأصل ونعمم حكم الأصل ونجعله لتلك الفروع.
(4/1810)

الفصل الأول في تعريف القياس
وبشتمل على مباحث:
المبحث الأول: تعريف القياس لغة.
المبحث الثاني: تعريف القياس اصطلاحا.
(4/1811)

المبحث الأول في تعريف القياس لغة
ويشتمل على مطلبين هما:
المطلب الأول: فيما يطلق عليه لفظ " القياس " لغة.
المطلب الثاني: في خلاف العلماء في لفظ القياس هل يطلق على
"التقدير " و " المساواة " حقيقة أو حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر.
(4/1813)

المطلب الأول فيما يطلق عليه لفظ " القياس " لغة
القياس لغة يطلق على إطلاقين:
الإطلاق الأول: يطلق على التقدير، والتقدير هو: أن يعرف
قدر أحد الأمرين بواسطة معرفتنا لقدر الآخر مثل: قولنا: " قست
الثوب بالذراع " أي: قدرت الثوب بالذراع.
ومنه قولهم: " قاس الطبيب الجراحة " أي: قدر الطبيب مدى
غور ذلك الجرح بواسطة الميل، والميل هو: آلة تدخل في الجرح
ليرى هل هو عميق ووصل إلى العظم، أو أنه وسط، أو أنه
سطحي لم يؤثر، وذلك من أجل تقدير أرش - الجناية.
الإطلاق الثاني: يطلق القياس لغة على المساواة، سواء كانت
المساواة حسية كقولنا: " قست النعل بالنعل " أي: ساويت إحداهما
بالأخرى، وقولنا: " قست الثوب بالثوب " أي: حاذيت وساويت
أحدهما بالآخر.
أو كانت المساواة معنوية كقولنا: " فلان يقاس بفلان " أي:
يساويه في الفضل، والشرف، والعلم، وكقولنا: " فلان لا يقاس
لفلان " أي: لا يساويه في الفضل والعلم.
(4/1815)

المطلب الثاني في خلاف العلماء في لفظ " القياس " هل هو حقيقة
في هذين المعنيين، أو حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر؟
على مذاهب:
المذهب الأول: أن القياس مشترك معنوي بين " التقدير "،
و" المساواة ".
أي: أنه حقيقة في التقدير، ويكون المطلوب به شيئين هما:
الأول: معرفة مقدار الشيء مثل: " قست الثوب كالذراع ".
الثاني: التسوية في مقدار الشيء مثل: " فلان لا يقاس بفلان "
أي: لا يساويه.
فصار " التقدير " كلي تحته فردان:
أحدهما: استعلام القدر نحو: " قست الثوب بالذراع ".
والآخر: التسوية في المقدار نحو: " فلان لا يقاس بفلان ".
وهو مذهب كثير من العلماء، وهو الحق عندي؛ لأن القياس إما
أن يكون حقيقة في التقدير، مجازاً في المساواة، أو هو مشترك
بينهما بالاشتراك اللفظي، أو بالاشتراك المعنوي، والأمر إذا دار بين
الاشتراك اللفظي والاشتراك المعنوي قدم الاشتراك المعنوي، لأن
الاشتراك اللفظي خلاف الأصل، لأنه يحتاج إلى قرينة تبين المراد من
المعنيين، وإذا دار اللفظ بين الحقيقة والمجاز قدمت الحقيقة؛ لأن
(4/1816)

المجاز خلاف الأصل؛ لأن المجاز يحتاج إلى قرينة، فتبين أن لفظ
القياس مشترك معنوي بين " التقدير " و " المساواة " - كما بيناه فيما
سبق - لنسلم من الاشتراك اللفظي، والمجاز اللذين هما على خلاف
الأصل.
المذهب الثاني: أن القياس في اللغة حقيقة في التقدير مجاز في
المساواة.
وهو مذهب بعض العلماء كالآمدي.
دليل هذا المذهب:
أن المساواة لازمة للتقدير، والتقدير ملزوم، واستعمال اللفظ في
ذلك مجاز لغوي من باب إطلاق الملزوم على اللازم، وهو شائع
مشهور - وقد سبق بيانه في مبحث المجاز -.
جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ ذلك؛ لأن المجاز خلاف الأصل؛ حيث إنه يحتاج
في دلالته إلى قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي الحقيقي بينما الحقيقة
لا تحتاج إلى تلك القرينة، وما لا يحتاج مقدم على ما يحتاج.
المذهب الثالث: أن لفظ " القياس " مشترك لفظي بين " التقدير "
و" المساواة ".
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن لفظ " القياس " قد استعمله العرب في " التقدير "، واستعمله
العرب في " المساواة "، والأصل في الاستعمال الحقيقة.
(4/1817)

جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ ذلك؛ لأن الاشتراك اللفظي خلاف الأصل؛ لأمرين:
أولهما: أن الأصل عدم تعدد الوضع، أي: أن الأصل: أن
يكون اللفظ له معنى واحد، فإذا ورد لفظ له معنيان فهذا خلاف
الأصل.
ثانيهما: أن المشترك اللفظي يحتاج في دلالته على أحد معنييه أو
معانيه إلى قرينة تعين المراد منه، وما لا يحتاج يقدم على ما يحتاج.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ لأن أصحاب المذهب الأول يحملون لفظ
القياس على التقدير المتضمن معنى المساواة، ويحملونه على المساواة
المتضمن معنى التقدير بدون الحاجة إلى قرينة، أما أصحاب المذهب
الثاني: فإنهم يحملونه على التقدير بدون قرينة، ولا يحملونه على
المساواة إلا بقرينة؛ لأنهم يفرقون بينهما، أما أصحاب المذهب
الثالث: فإنهم لا يحملون لفظ القياس على شيء منهما إلا بقرينة،
أي: أنهم يتوقفون حتى تثبت قرينة تبين المراد منه.
* * *
تنبيهان:
التنبيه الأول:
القياس يتعدى بـ " على " وهو كثير جداً في الاستعمال، ومنه
قولنا: " النبيذ يقاس على الخمر "، و " الأرز يقاس على البر ".
ويتعدى بـ " الباء " قليلاً يقال: " قاسه بالشيء "، ومنه قولهم:
" قياس صب البول في الماء الراكد بالبول فيه ".
(4/1818)

التنبيه الثاني:
القياس واوي، ويائي، وكل ذلك ورد عن العرب.
فقد ورد: قاس، يقيس، قيسا، قياسا.
وقد ورد: قاس، يقوس، قوساً.
(4/1819)

المبحث الثاني في تعريف القياس اصطلاحا
ويشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: هل يمكن تحديد القياس بحد حقيقي؟
المطلب الثاني: هل القياس دليل مستقل أو هو من فعل المجتهد؟
المطلب الثالث: نعريف القياس المختار، وبيانه بالشرح والأمثلة.
(4/1821)

المطلب الأول هل يمكن تحديد القياس بحد حقيقي؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يمكن تحديد القياس بحد حقيقي.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن القياس اعتباري
اصطلاحي، تكون حقيقته على حسب ما يصطلح عليه أهل الفن،
لذلك يمكن أن يحده كل مجتهد بحسب اعتباره واصطلاحه الذي رآه.
المذهب الثاني: أنه لا يمكن تحديد القياس بحد حقيقي، أي:
يتعذر حد القياس بحد حقيقي، وهو اختيار إمام الحرمين وبعض
العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن القياس يشتمل على حقائق مختلفة وهي: الأصل، والفرع،
والعِلَّة، والحكم في نفي وإثبات، وكل واحد من هذه الحقائق
يشترط فيه شروط تختلف عن شروط الآخر، فلا يمكن جمع هذه
ْالحقائق وشروطها في حد واحد جامع مانع.
وقالوا: ما وجد من تعريفات للقياس، فإنها ليست حدوداً
حقيقية، بل هي رسوم، والرسوم غير الحدود.
جوابه:
لقد قلنا: إن القياس أمر اعتباري اصطلاحي، وبناء على ذلك
(4/1823)

فإنه يمكن للمجتهد أن يجمع أركان القياس، والقيود التي يراها في
تعريف واحد على حسب رأيه هو فقط.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي؛ لأن كلًّا من أصحاب المذهبين قد قام بتعريفه،
لكن أصحاب المذهب الأول يسمون ذلك حداً، وأصحاب المذهب
الثاني يسمون ذلك رسما وليس بحد، فالخلاف في التسمية، أما
المعنى فهو متفق عليه.
(4/1824)

المطلب الثاني هل القياس دليل مستقل أو هو من فعل المجتهد؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن القياس من فعل المجتهد، لا يتحقق إلا
بوجوده.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) .
وجه الدلالة: أن الاعتبار هو الإلحاق بعد النظر في وجوه الأدلة،
ولا شك أن ذلك من فعل المجتهد؛ يؤيده: أنه سبحانه أضاف
الاعتبار إلى ذوي العقول البصيرة، فقال: " فاعتبروا ... ".
الدليل الثاني: حديث معاذ - رضي اللَّه عنه - حيث قال له النبي
- صلى الله عليه وسلم -: "إن عرض عليك قضاء فبمَ تقضي؟ "
قال: بكتاب اللَّه، قال: " فإن لم تجد؟ "
قال: بسنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،
قال: " فإن
لم تجد؛ " قال: أجتهد رأيي، فصوبه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وجه الدلالة: أنه أضاف الاجتهاد إلى رأيه هو، والقياس من
الرأي، فالقياس - إذن - يكون من فعل المجتهد.
الدليل الثالث: أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى
الأشعري كتابا جاء فيه: " الفهم فيما جاءك مما ليس في قرآن ولا
سُنَة، ثم قس الأمور عند ذلك ".
(4/1825)

وجه الدلالة: أن عمر أمر أبا موسى بأن يلحق ما لم يرد في
حكمه نص بما يشابهه مما ورد فيه نص، وليس هذا الإلحاق إلا من
قبيل فعل المجتهد.
الدليل الرابع: أن إلحاق الفرع بالأصل، وثبوت مثل حكم
الأصل للفرع ليس بالأمر السهل، حيث إنه لا يجوز للمجتهد إلحاق
هذا بذاك إلا بعد معرفة أن هذا الشيء شبيه بذلك الشيء، ومعرفة
العِلَّة في الأصل، والتحقق من وجودها في الفرع إلى غير ذلك من
الأمور التي تشترط للقياس - كما سيأتي التفصيل فيه - وكل هذا من
فعل المجتهد وهو القائس.
المذهب الثاني: أن القياس دليل مستقل كالكتاب والسُنَّة وضعه
الشارع لمعرفة حكمه، سواء نظر فيه المجتهد أو لم ينظر، وليس
فعلاً للمجتهد.
وهو مذهب الآمدي، وابن الحاجب، والكمال ابن الهمام،
وابن عبد الشكور، والأنصاري.
دليل هذا المذهب:
أن القياس وضعه الشارع ليعرف عن طريقه المجتهد حكم الله
- تعالى - بواسطة النظر فيه؛ حيث إن دلالة القياس على الأحكام
دلالة ذاتية وثابتة كالكتاب والسُّنَّة، سواء نظر المجتهد أو لم ينظر.
جوابه:
يجاب عنه بثلاثة أجوبة:
الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ ذلك؛ لأن القياس لا يدل على أي حكم
(4/1826)

شرعي إلا بوجود مجتهد يبين هذه الدلالة، بواسطة تأكد هذا
المجتهد من وجود أركان القياس الأربعة، وتوفر شروط كل ركن.
الجواب الثاني: أن قياسكم القياس على الكتاب والسُّنَّة فهو قياس
فاسد، لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن دلالة الآية من
الكتاب، والحديث من السُّنَّة على الحكم لا يشترط فيها توفر أركان
أو شروط، أما القياس فيشترط ذلك، ولا يبين ذلك إلا المجتهد.
الجواب الثالث: أن الآية أو الحديث يستدل المجتهدون بهما على
حد سواء بخلاف القياس، فقد يستدل بعض المجتهدين بهذا القياس
في حين أن المجتهد الآخر - في تلك المسألة - يستدل بقياس آخر
على رأي مخالف للأول مثل ما حصل بين ابن عباس، وزيد في
مسألة " هل الجد يحجب الإخوة؛ "، فابن عباس - رضي الله
عنهما - قد جعل الجد يحجب الإخوة، ودليله على ذلك:
القياس، حيث قاس الجد على ابن الابن بجامع: أن كلًّا منهما في
مرتبة واحدة بالنسبة للميت، فقال: " ألا يتقي اللَّه زيد يجعل ابن
الابن ابناً، ولا يجعل أب الأب أباً " أي: أنه كما أن ابن الابن
يحجب الإخوة، فكذلك ينبغي للجد أن يحجب الإخوة، ولا فرق
بسبب الجامع السابق.
أما زيد بن ثابت فإنه ورث الإخوة مع الجد، ودليله القياس،
وهو قياس غير قياس ابن عباس، حيث قاس الأخ على الجد بجامع:
أن كلًّا منهما قد أدلى بالأب، فالجد ما صار جداً للميت إلا لأنه أب
أبيه، والأخ ما ضار أخاً للميت إلا لأنه ابن أبيه، فإذا كان الجد
يرث فكذلك الأخ.
فهنا كل من ابن عباسٍ وزيد - رضي اللَّه عنهم - قد استعمل
(4/1827)

القياس واستدل به، ولكن استدلال واستعمال ابن عباس يختلف عن
استدلال واستعمال زيد، فهذا يبين أن القياس من فعل المجتهد،
بخلاف الآية أو الحديث، فإن استدلال هذا المجتهد بها هو نفسه
استدلال المجتهد الآخر بها.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذا معنوي؛ حيث أثر في تعريفات الأصوليين
للقياس.
أي: أن عبارات الأصوليين في تعريف القياس قد اختلفت؛ بناء
على اختلافهم في هذه المسألة.
فمن أخذ بالمذهب الأول - وهو أن القياس من فعل المجتهد - فقد
عبَّر - في تعريف القياس - بلفظ: " حمل فرع على أصل "، أو
" إثبات "، أو " إلحاق "، أو " تعدية "، أو " تسوية "، أو " رد "
أو نحو ذلك مما يفيد أن القياس من فعل المجتهد، ومكتسب منه؛
حيث إن الحمل يحتاج إلى حامل، والإثبات يحتاج إلى مثبت،
ْوالإلحاق يحتاج إلى ملحق، والتعدية تحتاج إلى معدي، والتسوية
تحتاج إلى مسوي، والرد يحتاج إلى راد، وهذا هو المجتهد وهو
القائس، وقد فعل ذلك الجمهور، ومنهم القاضي أبو بكر الباقلاني،
والغزالي، وناصر الدين البيضاوي، وتاج الدين ابن السبكي،
وصدر الشريعة من الحنفية، وفخر الدين الرازي، وأبو إسحاق
الشيرازي، وأبو الوليد الباجي، وغيرهم من جمهور السلف
والخلف.
ومن أخذ بالمذهب الثاني - وهو: أن القياس دليل مستقك، وهم
الآمدي، وابن الحاجب، وابن عبد الشكور، وابن الهمام،
(4/1828)

والأنصاري - فقد عبر عن القياس بأنه " استواء "، أو " مساواة "،
أو نحو ذلك.
والمساواة صفة قائمة بالمنتسبين: " الأصل "، و " الفرع "، مما
يعطينا علماً بأن القياس ليس فعلاً للمجتهد، وكان مجرد عمله:
إظهار حكم ما لم ينص عليه بطريق القياس بمساواته فيما نص عليه؛
لاشتراكهما في عِلَّة حكم الأصل.
أي: أن " الأصل "، و " الفرع " مستويان تمام التساوي، ولكن
المجتهد يظهر هذا الاستواء - فقط - كالآية هي تدل على حكم تلك
الحادثة، والمجتهد أظهر لنا هذه الدلالة.
(4/1829)

المطلب الثالث تعريف القياس المختار، وبيانه بالشرح والأمثلة
لقد اختلفت عبارات الأصوليين في تعريف القياس، والسبب في
هذا الاختلاف هو: اختلافهم في القياس هل هو دليل مستقل أو هو
من فعل المجتهد؛ وقد سبق بيان ذلك، ونظراً لأني لا أريد أن أدخل
طالب العلم في متاهات قد لا يخرج منها إلا بشق الأنفس،
وانسجاماً للمنهج الذي رسمته للسير عليه في هذا الكتاب، فإني
اخترت تعريفاً للقياس أقرب للصحة من غيره في نظري، وهو:
أن القياس: إثبات مثل حكم أصل لفرع لاشتراكهما في علَّة
الحكم عند المثبت.
بيانه وشرحه:
قولنا: " إثبات " جنس يشمل كل إثبات، سواء كان إثباتا لمثل
حكم الأصل في الفرع، وهو قياس المساواة - وهو الذي نحن
بصدده -.
أو كان إثباتاً لنقيض حكم الأصل في الفرع لنقيض العِلَّة فيه،
رهو قياس العكس مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"وفي بضع أحدكم صدقة "،
قالوا: يا رسول اللَّه، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ ،
قال: " أرأيتم لو وضعها في حرام؛ " أي: أكان يأثم؛ قالوا:
نعم، قال: "فمه ".
(4/1830)

يعني: أنه كما أنه إذا وضعها في حرام يأثم، فكذلك إذا وضعها
في حلال، فإنه يؤجر.
فهنا ثبت نقيض حكم الأصل - وهو الوطء في الحرام - في
الفرع - وهو الوطء في الحلال - لنقيض العِلَّة وهي: افتراقهما في
الحلال والحرام.
ومعنى " الإثبات ": إدراك النسبة بين الفرع والأصل، والمراد به
هنا: مطلق إدراك النسبة، سواء كان على جهة الإيجاب، أو جهة
النفي، وسواء كان على سبيل القطع، أو على سبيل الظن.
وقلنا ذلك حتى يشمل القياس: القياس في المثبتات، وفي
المنفيات، وفي القطعيات، وفي الظنيات.
فمثال القياس في المثبتات: قياس الضرب على التأفيف بجامع
الإيذاء في كل فيكون حراما، فأثبتنا تحريم التأفيف في الضرب.
ومثال القياس في المنفيات قولهم: الكلب نجس، فلا يصح بيعه
كالخنزير، فلما نفينا صحة بيع الخنزير نفينا صحة بيع الكلب؛ قياساً
عليه بجامع النجاسة في كل.
ومثال القياس في القطعيات: قياس الضرب على التأفيف في
الحرمة بجامع الإيذاء، وقياس إحراق مال اليتيم على أكله بجامع
الإتلاف.
وقلنا:. إنه قطعي هنا؛ لأن الفرع أَولى بالحكم من الأصل، هو
في المثال الأول، أو مساوي له - كما هو في المثال الثاني -.
ومثال القياس في الظنيات: قياس الأرز على البر في حرمة الربا
(4/1831)

بجامع كونه مكيلاً، وقلنا: إنه ظني؛ لأن الفرع ليس بأوْلى بالحكم
من الأصل، ولا هو بالمساوي له.
وقولنا: " مثل " في التعريف، المثل لا يحتاج إلى تعريف؛ لأن
تصوره بديهي؛ حيث إن كل عاقل يعرف بالضرورة: أن هذا الحار
مثل ذلك الحار في كونه حاراً، وأنه يخالف البارد.
ولفظ: " مثل " أتى به في التعريف؛ لأمرين:
أولهما: لإخراج قياس العكس؛ لأن قياس العكس هو: إثبات
نقيض حكم الأصل في الفرع؛ لافتراقهما في عِلَّة الحكم.
ثانيهما: أنه ذكر للإشارة إلى أن الحكم الثابت في الفرع ليس هو
عين الحكم الثابت في الأصل، وإنما هو مثله؛ وذلك لاستحالة قيام
الواحد بالشخص بمحلين؛ لذلك يكون الحكم في الفرع أضعف من
الحكم في الأصل؛ لأن المشبه ليس في قوة المشبه به.
فقولنا: " زيد كالأسد في الشجاعة " لا يفهم من هذا أن شجاعة
زيد في قوة شجاعة الأسد، وإنما تقارب ذلك.
فكذلك هنا لما قلنا: إن النبيذ مثل الخمر في الإسكار، فينبغي أن
يكون مثله في التحريم لا يفهم من هذا أن تحريم النبيذ - وهو الفرع -
هو نفسه تحريم الخمر - وهو الأصل -، بل إن الحكم في الفرع
أخف من الحكم في الأصل، فإثم شارب النبيذ أقل من إثم شارب
الخمر؛ وذلك لأن تحريم الخمر ثبت بدليل قطعي وهو النص،
وتحريم النبيذ ثبت بدليل ظني، وهو القياس، وما ثبت بدليل ظني
أخف مما ثبت بدليل قطعي.
قولنا: " حكم أصل لفرع " المراد بالحكم هو الحكم المطلق وهو:
(4/1832)

نسبة أمر إلى آخر، وقلنا ذلك ليكون القياس شاملاً للقياس في
الشرعيات، والقياس في اللغويات، والقياس في العقليات.
وقال بعضهم: إن المراد بالحكم - هنا - هو الحكم الشرعي
العرف بأنه خطاب اللَّه المتعلق بأفعال المكلَّفين اقتضاء أو تخييراً أو
وضعاً.
وهذا ليس بصحيح؛ لأن تفسير الحكم بهذا يجعل القياس يختص
بالشرعيات، وهذا تخصيص بدون مخصص قوي.
والمراد بالأصل هو: المقيس عليه، وهو: الحادثة التي ورد
حكمها في النص والإجماع مثل؛ " الخمر "، و " البر "، و "الهرة".
والمراد بالفرع هو: المقيس، وهو الحادثة التي لم يرد حكمها في
نص ولا إجماع مثل: " النبيذ "، و " الأرز "، و " الفأرة ".
قولنا: " لاشتراكهما في عِلَّة الحكم " اللام - هنا - سببية.
ومعنى اشتراكهما أي: اتحاد الأصل والفرع.
والعلَّة هي: الجامع بين الفرع والأصل، ويُسمَّى مناط الحكم.
مثل: قياس النجيذ على الخمر بجامع: الإسكار، وقياس الأررْ
على البر بجامع: الكيل أو الوزن، وقياس الفأرة على الهرة
بجامع: أن كلًّا منهما يكثر التطواف في المنزل ويصعب التحرز منها.
والمراد بعِلَّة الحكم أي: عِلَّة حكم الأصل.
وتقدير الكلام: أن القياس هو: إثبات مثل حكم أصل لفرع،
هذا الإثبات جاء بسبب اتحاد الأصل والفرع في علَّة حكم الأصل لا
بسبب آخر، لذلك تجد المجتهد يفكر أولاً في الحكم هل هو معلل،
وهلً علته متعدية؛ ثم يفكر ثانيا هل توجد هذه العلة في جزئية من
(4/1833)

الجزئيات؛ ثم يفكر ثالثاً في الإلحاق، ثم يفكر رابعا في نوع هذا
الإلحاق، وهكذا - كما سيأتي التفصيل فيه إن شاء اللَّه تعالى -.
وأتي بعبارة: " لاشتراكهما في علَّة الحكم " للاحتراز عن إثبات
الحكم في الفرع بواسطة نصٍ أو إجماع، فلا يكون حكم الفرع ثابتا
بالقياس، بل قد ثبت بذلك النص.
مثال ثبوت حكم الفرع بالنص: ثبوت تحريم النبيذ بعموم قوله
- صلى الله عليه وسلم -: "كل مسكر حرام "، فمن أثبت تحريمه بهذا النص لا يجوز
أن يقيسه على الخمر.
ومثال ثبوت حكم الفرع بالإجماع: ثبوت الإرث للخالة؛
لإجماع الصحابة على ذلك، لا بسبب القياس على الخال الثابت
إرثه بقوله عليه السلام: " الخال وارث من لا وارث له ".
قولنا: " عند المثبت " المراد بالمثبت: القائس، وهو المجتهد
الذي تولى عملية القياس، سواء كان مجتهدأ مطلقا أم كان مجتهداً
بالمذهب، وليس المراد به: المقلد؛ لأن المقلد يأخذ الحكم من
المجتهد.
والمراد من هذا: أن إثبات مثل حكم الأصل للفرع بسبب
اشتراكهما في عِلَّة حكم الأصل، هذا على حسب ما ظهر لذلك
المجتهد فقط دونَ غيره، لذلك قلنا فيما سبق: إن القياس من فعل
المجتهد؛ حيث إنه قد يثبت هذا المجتهد مثل حكم الأصل للفرع
بسبب جامع بينهما في حين أن مجتهداً آخر في عصره لا يرى ذلك.
(4/1834)

الفصل الثاني في حجية القياس، أو التعبد بالقياس
ويشتمل على المباحث التالية:
المبحث الأول: في بيان معنى الحجية، والتَّعبُّد.
المبحث الثاني: في تحرير محل النزاع.
المبحث الثالث: كل القياس حُجَّة عقلاً؛ أي: هل يجوز
التعبد بالقياس ويكون دليلاً من الأدلة على إثبات الأحكام؟
المبحث الرابع: النص على علَّة الحكم هل هو أمر بالقياس؟
المبحث الخامس: هل التنصيص على العلَّة يوجب الإلحاق
عن طريق القياس، أوَ عن طريق اللفظ والعموم؟
المبحث السادس: في تقسيمات القياس.
المبحث السابع: فيما يجري فيه القياس، وما لا يجري.
المبحث الثامن: هل القياس من الدين؟
(4/1835)

المبحث الأول في بيان معنى الحجية، والتعبد
الحُجَّة هي الدليل والبرهان، ومعنى كون القياس حُجَّة: أنه دليل
وبرهان نصبه الشارع لمعرفة بعض الأحكام، والمراد من قولنا:
القياس حُجَّة - كما قال فخر الدين الرازي - أنه إذا حصل للمجتهد
ظن بأن حكم هذه الصورة مثل حكم تلك الصورة فهو مكلف
بالعمل به في نفسه، ومكلف بأن يفتي به غيره.
وقول بعضهم: " يجوز التعبد بالقياس " هذه عبارة عن إيجاب
الله تعالى العمل بمقتضى القياس، وذلك كإيجاب العمل بالكتاب
والسُّنَّة تماما، فيكون المكلَّف بالقياس - على هذا - المجتهد ومن
يقلده.
فالحكم الذي توصلنا إليه من خلال عملية القياس هو الذي نتعبد
الله به، فنرجوا من اللَّه الثواب على العمل به، ونخاف منه العقاب
عند ترك العمل به.
فالحجية والتعبد متلازمان، بيان ذلك:
أنه لا فائدة من حجية القياس سوى وجوب العمل بمقتضاه، ولا
يمكن أن نعمل به إلا إذا كان حُجَّة.
إذن: يجوز أن نُعبِّر عن هذا بالتعبد والحجية، ولا ضير في
ذلك، وهو منتشر في كتب الأصول.
(4/1837)

المبحث الثاني تحرير محل النزع
يتبين ذلك فيما يلي:
أولاً: الأمور الدنيوية يجري القياس فيها بالاتفاق.
والمقصود بالأمور الدنيوية هي: التي لم يكن المطلوب بها حكما
شرعياً كمداواة الأمراض، والأدوية، والأسفار، مثل: أن يفقد
الطبيب دواء لمرض معين - فيأتي الطبيب بدواء يشابهه في تأدية نفس
الغرض " والجامع: أن كلًّا منهما موافق لمزاج المرض المخصوص.
ومعنى كون القياس حُجَّة في ذلك: أنه ليس حُجَّة من قِبَل
الشارع، حيث إنه حُجَّة صناعية اقتضتها صناعة الطب يسترشد بها
الطبيب لمداواة الأمراض، واستمدادها من العقل، ومثل ذلك
الأغذية فيجوز قياس غذاء على غذاء في تأدية عمل واحد.
ثانياً: الأمور اللغوية كقياس النبش على السرقة، واللواط على
الزنا. هذا اختلف العلماء في جريان القياس فيها على مذهبين - وقد
سبق بيان ذلك -.
ثالثاً: الأمور الشرعية، وهو موضوع مبحث القياس، وإذا أطلق
القياس فالمراد به: القياس في الشرعيات، وقد اختلف في جواز هذا
القياس.
والخلاف لم يجر في كل قياس، بل إن الخلاف قد جرى في
جزئية من القياس، وتتبين تلك الجزئية فيما يلي فأقول:
(4/1838)

لقد علمت: أن القياس هو: إثبات مثل حكم أصل لفرع
لاشتراكهما في علَّة الحكم عند المثبت، فلا بد - إذن - من أربعة
أركان وهي: " الأصل "، و " الفرع "، و " العِلَّة "، و " الحكم ".
فالقياس إذن متوقف على مقدمتين هما:
المقدمة الأولى: أن يتأكد المجتهد أن الحكم في الأصل معلل بعِلَّة،
وأنها متعدية.
المقدمة الثانية: أن يتأكد أن تلك العِلَّة حاصلة بتمامها في الفرع.
فهنا ننظر إما أن تكون تلك المقدميتن قطعيتين، أو ظنيتين، أو
الأولى قطعية، والثانية ظنية، أو العكس، فهذه أربعة أقسام، إليك
بمانها:
القسم الأول: أن تكون المقدمتان قطعيتين، فهنا قد اتفق العلماء
على أن القياس حُجَّة يجب العمل به، وإن كان بعضهم لا يسميه
قياساً.
وهذا ينحصر في ست صور هي كما يلي:
الصورة الأولى: أن ينص على العِلَّة نصا صريحاً كقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"إنما جعل الاستئذان من أجل البصر "،
فهنا نص على العِلَّة وهي: البصر أو النظر،
والاطلاع على أسرار الناس، ولذلك شرع
الحكم، وهو مشروعية الاستئذان، فيقاس على ذلك الاستماع،
ويمكن أن يمثل له بقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي من أجل الدافة ".
الصورة الثانية: إيماء النص إلى العلَّة كقوله - صلى الله عليه وسلم - في الهرة: " إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات "،
فهنا قد نبَّه النص على العِلَّة وهي: " كثرة التطواف وصعوبة التحرز منها "،
(4/1839)

فلذلك شرع الحكم، وهو طهارة سؤر الهرة، فيقاس عليها الفأرة
لوجود نفس العِلَّة، وهي كثرة التطواف وصعوبة التحرز منها،
فيكون حكم الفأرَة مثل حكم الهرة وهو طهارة سؤرها.
ومن العلماء من جعل هذه الصورة من الصورة الأولى وهو:
النص على العِلَّة.
الصورة الثالثة: أن يجمع العلماء على العِلَّة كالحجر على الصبي
لعلة ظاهرة، وهي: ضعف الإدراك عنده.
الصورة الرابعة: أن يكون المسكوت عنه أَوْلى بالحكم من المنطوف
به كتحريم ضرب الوالدين قياساً على تحريم التأفيف لهما بجامع
الإيذاء - وقد سبق في مفهوم الموافقة -.
الصورة الخامسة: أن يكون المسكوت عنه مساوياً للمنطوق به
كتحررم إحراق مال اليتيم قياساً على تحريم أكله، بجامع الإتلاف في
كل - وقد سبق بيانه في مفهوم الموافقة.
ويُسمى هذا بنفي الفارق بين الأصل والفرع كقياس العبد على الأَمَة
أو العكس.
الصورة السادسة: قياس النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل قوله لعمر - رضي اللَّه عنه - لما جاءه وقال له: يا رسول اللَّه، إني قبلت وأنا صائم،
فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -:
"أرأيت لو تمضمضت؛ " يعني: قس القُبْلة على المضمضة.
فاتفق العلماء على أن القياس يجوز في هذه الصور؛ نظراً لأن
المقدمتين قد قطع بهما، وحينئذٍ يجب العمل بالقياس فيها.
والدليل على ذلك: الاستقراء والتتبع لكلام علماء الأصول
(4/1840)

المحققين في تحرير محل النزاع، وفي أدلة المجوزين للقياس والمانعين
منه، حيث اتضح من خلال هذا الاستقراء أن الخلاف في القياس في
غير تلك الصور الست، وإن ذكر بعضهم خلافا فيها فليس خلافا
حقيقياً يترتب عليه اختلاف في الحكم، فيكون خلافا لفظيا لا ثمرة
له، وهو خلاف لا يضر ما دام أن الكل يقولون بوجوب العمل به.
القسم الثاني: أن تكون المقدمة الأولى قطعية، والثانية ظنية مثل
قياس القاضي في حال الجوع والعطش على قضائه حال الغضب
بجامع: اشتغال الفكر، وتشوشه عن فهم أدلة الخصمين.
فهنا: قد أجمع العلماء على أن عِلَّة منع القاضي من القضاء حين
الغضب هو ذلك التشوش الذي حصل في فكره، وهذه العِلَّة
مقطوع بها، لذلك أجمع العلماء عليها، أما التشوش الحاصل عند
العطشان والجوعان والحاقن وما شابه ذلك لم يقطع به بل هو ظنيء
القسم الثالث: أن تكون المقدمة الأولى ظنية، والثانية قطعية
كقياس التفاح على البر في حرمة ربا الفضل بعِلَّة كونه مطعوماً.
فهنا: العلَّة في البر مظنونة لاحتمال أن تكون العِلَّة كونه مكيلاً،
أو كونه موزوناً، أو كونه مقتاتا، أو كونه مدخراً - حيث جرى
الخلاف في ذلك -.
لكن العلَّة في الفرع مقطوع بها وهو: كونه مطعوما؛ حيث لا
يوجد عِلَّة سَواها في الفرع.
القسم الرابع: أن تكون المقدمتان ظنيتين كقياس النبيذ على الخمر،
والأرز على البر، والزبيب على التمر، وغير ذلك.
(4/1841)

فالإسكار علَّة مظنونة في الأصل وهو الخمر، ومظنونة في الفرع،
وهو النبيذ، ويقال مثل ذلك في باقي الأمثلة.
وهذه الأقسام الثلاثة - وهو كون المقدمتين ظنيتين - أو إحداهما
ظنية والأخرى قطعية - قد اختلف العلماء فيها؛ لأن ذلك يفيد ظنية
القياس، والخلاف في القياس الظني، وتلك الظنية كما أنها متحققة
بظنية المقدمتين معاً: فهي أيضاً متحققة بظنية إحداهما.
(4/1842)

المبحث الثالث هل القياس حُجَّة؛ أي: هل يجوز التعبد بالقياس
ويكون دليلاً من الأدلة على إثبات الأحكام أو لا؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب كثيرة، فبعضهم قال:
يجوز عقلاً، ويجوز شرعا، وبعضهم قال: يجب عقلاً، ويجوز
شرعا، وبعضهم قال: يجب عقلاً وشرعا، وبعضهم قال: يجوز
عقلاً ولا يجوز شرعا، وبعضهم قال: لا يجوز عقلاً ولا شرعا،
وقد بينت ذلك ببعض التفصيل في كتابي " إتحاف ذوي البصائر بشرح
روضة الناظر " إلا أن هذه الأقوال والمذاهب وإن كثرت ترجِع إلى
مذهبين هما " أن القياس حُجَّة "، و " أن القياس ليس بحُجة "،
وإليك بيانهما:
المذهب الأول: أن القياس حُجَّة، أي: يجوز التعبد بالقياس
عقلاً وشرعا، أي: أن القياس دليل من الأدلة الشرعية المعتبرة
لإثبات أحكام شرعية.
وهو مذهب جمهور العلماء من السلف والخلف، وهو الحق
عندي؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: إجماع الصحابة السكوتي على أن القياس يُعتبر
دليلاً من الأدلة الشرعية.
والاستدلال بالإجماع أقوى من الاستدلال بالكتاب والسُّنَّة هنا؛
(4/1843)

لأنه لا يؤلي النسخ، ولا يحتمل التأويل بخلاف النص من الكتاب
والسُّنَّة، فإنه يقبل النسخ والتأويل، وما لا يقبل يُقدم على ما يقبل.
لذلك قال فخر الدين الرازي: " الإجماع هو الذي يعول عليه
جمهور الأصوليين " - أي: في حجية القياس -.
وقال الآمدي: " الإجماع أقوى الحجج في هذه المسألة ".
وقال أكثر العلماء: إن إجماع الصحابة على العمل بالقياس يعد
أقوى الأدلة على ثبوت حجيته ووجوب العمل به.
وتقرير إجماع الصحابة على حجية القياس هو أن يقال: أجمع
الصحابة - رضي اللَّه عنهم - على إثبات الأحكام بالقياس وعلى أنه
يعمل به، وما أجمع عليه الصحابة فهو حق، فالعمل بالقياس حق.
وسأبين ذلك بوجوه أربعة:
الوجه الأول: أنه ثبت عن جمع كثير من الصحابة - رضي الله
عنهم - القول بالقياس والعمل به في الوقائع التي لا نص فيها،
فقاموا بإلحاق المثل بالمثل بسبب جامع، والعادة تقتضي بأن اجتماع
جمع كثير من الصحابة على العمل بالشيء لا يكون إلا بقاطع دال
على العمل به.
الوجه الثاني: أنه قد تكرر عمل أكثر الصحابة بالقياس عند عدم
النص وشاع وذاع، ولم ينكر ذلك أحد.
الوجه الثالث: أنه لما لم ينكر بعض الصحابة على الآخرين قولهم
بالقياس واستدلالهم به، فإن القول به يكون مجمعا عليه بين
الصحابة، وهذا الإجماع صحيح.
(4/1844)

الوجه الرابع: أن المجمع عليه بين الصحابة حُجَّة يجب العمل
بمقتضاه.
فالناتج من هذه الوجوه الأربعة: أن القياس حُجَّة، يجب العمل
به، وأنه مصدر من مصادر التشريع الإسلامي بعد الكتاب والسُنَّة
والإجماع.
الأدلة على هذه الوجوه الأربعة:
سأبين فيما يلي دليل كل وجه من تلك الوجوه الأربعة، وبعض
الاعتراضات الموجهة إلى كل دليل، والجواب عنه فأقول:
أما الوجه الأول - وهو: أنه ثبت عن جمع كثير من الصحابة
القول بالقياس والعمل به في الوقائع التي لا نص فيها - فالدليل
عليه: ما نقل عن الصحابة من الوقائع التي حكموا فيها بالقياس،
وهذا كثير، ومن ذلك:
1 - قياس الصحابة - رضي الله عنهم - خلافة أبي بكر على
الإمامة في الصلاة، وقالوا في ذلك: " رضيه رسول الله لديننا أفلا
نرضاه لدنيانا ".
وجه الدلالة: أنهم قاسوا الإمامة العظمى، وهي الخلافة على
الإمامة الصغرى، وهي: الصلاة بجامع: الصلاحية في كل.
2 - اجتهاد أبي بكر - رضي اللَّه عنه - في أخذ الزكاة من منع
دفع الزكاة بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وقتالهم على ذلك، ووافقه الصحابة.
وجه الدلالة: أن أبا بكر قاس خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أخذ الزكاة، وقتالهم عليها، بجامع: قيام كل منهما في تنفيذ أوامر الشريعة.
(4/1845)

اعتراض على ذلك:
أن أبا بكر لم يتمسك بالقياس، وإنما تمسك بالنص، وهو قوله
تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم) ، فهنا الآية قد
أمرت بالأخذ، والأمر المطلق يقتضي الوجوب، فيجب أن يؤخذ
من المسلمين الزكاة، فمن أطاع فلا إشكال، ومن عصى وأبى أن
يؤديها فيجب قتاله؛ استنادأ إلى قاعدة: " ما لا يتم الواجب إلا به
فهو واجب "، وأبو بكر نائب عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيجب أن يقاتلهم على ذلك، فيكون أبو بكر قد استدل بالنص على قتالهم، لا بالقياس.
جوابه:
أن قوله تعالى: (خذ من أموالهم) خطاب مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلا يتعدَّى إلى غيره إلا بدليل، ولا دليل إلا القياس هنا.
وقال بعض العلماء: إن أبا بكر قاتل من منع الزكاة؛ قياساً على
الصلاة، فكما أن الصلاة يُقاتل من تركها، فكذلك يقاتل من منع
الزكاة بجامع: أن كلًّا منهما ركن من أركان الإسلام، وهذا ممكن
لكن القياس الأول أَوْلى، وعليه الأكثر.
3 - أن أبا بكر - رضي اللَّه عنه - ورث أم الأم، وترك أم
الأب، فقال له رجل يقال له عبد الرحمن بن سهل بن حارثة: "لقد
ورثت امرأة من ميت لو كانت هي الميتة لم يرثها، وتركت امرأة لو
كانت هي الميتة ورث جميع ما تركته، فرجع أبو بكر عن ذلك إلى
التشريك.
وجه الدلالة: أن أبا بكر رجع عن إفراد أم الأم بالسدس إلى رأي
(4/1846)

آخر، وهو تشريك أم الأم مع أم الأب بالسدس؛ قياسا لأم الأب
على أم الأم.
4 - أن أبا بكر - رضي اللَّه عنه - قاس تعيين الإمام بالعهد إلى
عمر على تعيينه بعقد الأُمَّة له بالخلافة بجامع: أن كلًّا منهما صادر
ممن هو أهل لذلك، فالأُمَّة عقدوا لأبي بكر بالخلافة لأنهم أهل
لذلك، وأبو بكر أهل لذلك؛ لأنه نائب عنهم.
5 - ما روي عن عمر - رضي اللَّه عنه - أنه كتب إلى أبي موسى
الأشعري كتابه المشهور، والذي جاء فيه: " اعرف الأشباه والنظائر
وقس الأمور برأيك ".
6 - ما روي عن عمر - أيضاً - أنه جلد أبا بكرة واثنين معه
هما: نافع، وشبل بن معبد، حد القذف؛ حيث لم يكمل نصاب
الشهادة على المغيرة بن شعبة بأنه زنى.
وجه الدلالة: أن عمر قاس الشاهد في الزنا عند عدم تمام
النصاب على القاذف في وجوب الحد.
7 - ما روي عن عمر - أيضا - في مسألة المشركة - وهي:
زوج وأم وأخوة الأم وأخوة أشقاء فحكم فيها بأن النصف للزوج،
والسدس للأم، والثلث للأخوة لأم، ولم يعط الإخوة الأشقاء
شيئاً، فقال الإخوة الأشقاء: هب أن أبانا كان حماراً، أو حجراً
ألسنا من أم واحدة؛ فشرك بين الإخوة لأم والإخوة الأشقاء في قضاء
آخر، فهنا قاس الإخوة الأشقاء على الإخوة لأم بجامع: اشتراكهم
في الإدلاء للميت بالأم.
8 - ما روي: أن عمر - رضي الله عنه - قد أرسل إلى امرأة
فأجهضت - أي: أسقطت جنينها - خوفا وفزعا من هيبته،
(4/1847)

فاستشار الصحابة في ذلك، فقال - عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن
عفان: إنما أنت مؤدب فلا شيء عليك، وقال له عليّ بن أبي
طالب: أما المأثم فأرجو أن يكون محطوطاً عنك، وأرى أن عليك
الدية فاتبع عمر رأي علي.
وجه الدلالة: أن عثمان وعبد الرحمن بن عوف قاساه على
مؤدب امرأته وولده وغلامه، وقاسه علي على قاتل الخطأ.
9 - ما روي: أن عمر - رضي اللَّه عنه - كان متردداً في قتل
الجماعة بالواحد، فقال عليّ - رضي اللَّه عنه -: يا أمير المؤمنين،
أرأيت لو أن نفراً اشتركوا في سرقة أكنت تقطعهم؟
قال: نعم، قال: فكذلك.
وجه الدلالة: أنه قاس القتل على السرقة.
10 - قال علي - رضي اللَّه عنه -: " اجتمع رأي ورأي عمر
في أمهات الأولاد ألا يبعن، أما الآن فقد رأيت بيعهن ".
وجه الدلالة: أن المسألة مختلف فيها: فمن ذهب إلى جواز بيع
أمهات الأولاد قاسهن على الإماء وغيرهن من الممتلكات، ومن
ذهب إلى عدم جواز بيعهن قاسهن على الحرائر.
11 - ما روي عن علي أنه قال في حد شارب الخمر: " إذا
شرب سكر، وإذا سكر هذى، دماذا هذى افترى، فعليه حد
المفتري ".
وجه الدلالة: أن عليا قاس شارب الخمر على القاذف بجامع:
الافتراء.
(4/1848)

12 - اختلاف ابن عباس مع زيد بن ثابت في توريث الإخوة مع
فإن زيداً قد ورث الإخوة مع الجد، ودليله: القياس؛ حيث
قاس الأخ على الجد بجامع: أن كلًّا منهما قد أدلى إلى الميت بالأب.
أما ابن عباس فقد أنكر على زيد ذلك وقال: " ألا يتقي اللَّه زيد
يجعل ابن الابن ابنا، ولا يجعل أب الأب أبا "، حيث إنه يذهب
إلى أن الجد يحجب الإخوة، ودليله: القياس، حيث قاس الجد
على ابن الابن، فكما أن ابن الابن في منزلة الابن في حجبه
للإخوة، فكذلك الجد في منزلة الأب في حجبه للإخوة.
13 - اختلاف الصحابة في الخلع هل هو طلاق أو فسخ؛ فمن
ذهب إلى أنه طلاق - وهو ما روي عن عثمان - فإنه ألحقه بالطلاق
قياسا عليه، فأعطاه حكمه، وجعله يهدم من عدده، ومن لم
يذهب إلى أنه طلاق، فقد قال: إنه فسخ - وهو ما حكي عن ابن
عباس - فلم يهدم عنده من عدد الطلاق شيئاً.
14 - ما روي عن ابن عباس أنه قال في دية الأسنان: ألا اعتبرؤم
ذلك بالأصابع سواء وإن اختلفت منافعها.
وجه الدلالة: أن ابن عباس قاس الأسنان على الأصابع في حكم
الدية.
15 - اختلاف الصحابة في مسألة " الحرام "، وهو قول الزوج
لزوجته: " أنت علي حرام "، فبعضهم - وهو عليّ، وزيد،
وابن عمر - ذهب إلى أنه في حكم التطليقات الثلاث.
وبعضهم - وهو ابن مسعود - ذهب إلى أنه في حكم التطليقة
الواحدة.
(4/1849)

وبعضهم - وهو أبو بكر، وعمر، وعائشة - ذهب إلى أنه في
حكم اليمين تلزم فيه الكفارة.
وبعضهم - وهو ابن عباس - ذهب إلى أنه في حكم الظهار.
وجه الدلالة: أن من قال: إنه طلاق ألحقه بالألفاظ الموضوعة
للطلاق؛ لأنه لفظ يؤثر في تحريم الزوجة، وهو ليس من صريح
الطلاق، وليس مما أجمعوا على أنه من كناياته، ثم من جعله ثلاثا
فقد احتاط في الأمر، ومن جعله واحدة رجعية أخذ بالمتيقن، ومن
جعله واحدة بائنة توسط.
ومن قال: إنه ظهار فقد ألحقه بصيغته لمشابهته له في افتضاء
التحرريم؛ لأنه ليس من الألفاظ الموضوعة له.
ومن قال: إنه يمين ألحقه باليمين، فأوجب عليه كفارته.
هذا بعض ما نقل عن الصحابة من القول بالقياس والعمل به،
وهي وإن كانت آحاداً فإنه لا يمتنع تواتر القدر المشترك بين التفاصيل،
وهو: العمل بالقياس في الجملة.
اعتراض على هذا الوجه - وهو: الوجه الأول -:
ما ذكرب م من الصور السابقة لا يفيد ذهاب الصحابة جميعاً إلى
القول بالقياس، وما رويتم عن بعض الصحابة لا تزيد رواتها مع ما
شابهها على المائة والمائتين، وذلك لا يفيد القطع بالصحة؛ لاحتمال
تواطؤ هذا القدر على الكذب.
جوابه:
أن هذه مكابرة ومعاندة، فإنه لا يشك عاقل في أن القدر المشترك
مما ذكرنا أو لم نذكره مما شابهه متواتر، ومن اطلع على كتب السمر
(4/1850)

والأخبار والمحدثين والفقهاء، فإنه يقطع بصحة ذلك، قال المزني
صاحب الشافعي: " الفقهاء من عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا استعملوا المقاييس في الفقه في جميع الأحكام في أمر دينهم،
وأجمعوا بأن نظير الحق حق، وأن نظير الباطل باطل، فلا يجوز
لأحد إنكار القياس؛ لأنه التشبيه بالأمور والتمثيل عليها.
أما الوجه الثاني - وهو: أنه لم يوجد من واحد من الصحابة
إنكار أصل القياس - فالدليل عليه: أن القياس أصل عظيم في
الشرع نفياً وإثباتا، فلو أنكر بعضهم القياس لكان ذلك الإنكار
منقولاً إلينا، وهو أوْلى بالنقل من مسألة " الحرام "، و " الجد
والإخوة "، ونحوهما، ولو نقل لاشتهر ولوصل إلينا، فلما لم
يصل إلينا: علمنا أنه لم يوجد إنكار أصل القياس.
اعتراض على هذا الوجه - وهو الوجه الثاني -:
لا نسلم ما قلتموه في هذا الوجه - وهو الوجه الثاني - بل ثبت
الإنكار ووصل إلينا، فإنه نقل عن الصحابة إنكار الرأي تارة،
وأخرى إنكار القياس، وثالثة ذم من أثبت الحكم غير مستند لكتاب
أو سُنة، من ذلك:
1 - أنه روي عن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه قال: " أي
سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب اللَّه برأي ".
2 - ما روي عن عمر - رضي اللَّه عنه - أنه قال: " إياكم
وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السق، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها
فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا ".
3 - أنه روي عن عمر - أيضا - قال: " إياكم والمكايلة "،
قيل: ما المكايلة؛ قال: " المقايسة ".
(4/1851)

4 - أن شريحاً قال: كتب عمر بن الخطاب - رضي اللَّه عنه -
إليَّ قائلاً: " أقض بما في كتاب اللَّه، فإن جاءك ما ليس في كتاب
، لله فاقض بما في سُنَّة رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -،
فإن جاءك ما ليس فيها فاقض بما أجمع عليه أهل العلم ... ".
5 - أنه روي عن علي أنه قال: " لو كان الرأي أوْلى من السُّنَّة
لكان باطن الخف أوْلى بالمسح من ظاهره ".
6 - أنه روي أن عليا قال - في مسألة الجنين -:
" إن اجتهدا فقد أخطئا، وإن لم يجتهدا فقد غشاك " - يعني: عبد الرحمن بن
عوف، وعثمان بن عفان - في قصة الجنين السابقة الذكر -.
7 - أنه روي أن عليا قال: " من أراد أن يقتحم جراثيم جهنم
فليقل في الجد برأيه ".
8 - أنه روي أن ابن مسعود قال: " يذهب قراؤكم وصلحاؤكم
ويتخذ الناس رؤساء جهالاً يقيسون الأمور برأيهم "، وروي هذا عن
ابن عباس.
9 - أنه روي أن ابن عباس قال: " من أحدث رأيا في كتاب الله
عَزَّ وجَل، ولم تمض به سُنَّة من رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - لم يدر على ما هو منه إذا لقي اللَّه تعالى ".
10 - أنه روي أن ابن عباس قال: إن اللَّه تعالى قال لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) ، ولم يقل: بما رأيت، ولو جعل
لأحد أن يحكم برأيه لجعل ذلك لنبيه - صلى الله عليه وسلم -.
11 - أنه روي أن ابن عباس قال: " إياكم والمقاييس فإنما عبدت
الشمس بالمقاييس ".
(4/1852)

12 - أنه روي ابن عمر قال: " السُّنَّة: ما سنَّه رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - لا تجعلوا الرأي سُنَّة للمسلمين ".
13 - أنه روي أن ابن مسعود قال: " إذا قلتم في دينكم بالقياس
فقد أحللتم كثيراً مما حرَّمه اللَّه، وحرَّمتم كثيراً مما أحلَّه اللَّه ".
فهذه الصور وما شابهها مما ورد عن الصحابة إنكارات صريحة
للرأي والقياس، ونقلت إلينا، فإذا نظرنا إلى هذه الإنكارات منهم
فإنه يثبت أنهم أنكروا أصل القياس؛ إذن لا إجماع على اعتباره.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين: " جواب إجمالي "، و " جواب تفصيلي ".
أما الجواب الإجمالي فنقول فيه: إن هذه الروايات الواردة في
إنكار وذم القياس منقولة عمن نقل عنهم القول بالقياس والعمل به.
إذن: التعارض بين النقلين ثابت فلا بد من دفعه.
ودفعه لا يمكن إلا بالتوفيق بين هذين النقلين؛ لأنه لا يمكن أن
نترك النقلين معا؛ حيث إن فيه تركا لأمرين قد ثبتا شرعا، وهذا
باطل.
ولا يمكن أن نعمل بهما معاً؛ لأنه يلزم من ذلك الجمع بين
النقيضين وذلك مستحيل.
ولا يمكن - أيضا - أن نعمل بأحد النقلين دون الآخر من غير قرينة
ترجح أحدهما.
فلم يبق إلا التوفيق بينهما.
وطريق التوفيق بينهما: أن نحمل ما نقل عنهم من العمل بالرأي
(4/1853)

والقياس على القياس الصحيح، وهو: المستكمل لجميع شروط
الاحتجاج به، والصادر من أهل الاجتهاد.
أما ما نقل عنهم من إنكار وذم العمل بالرأي والقياس فنحمله على
ما كان صادراً عن الجهال، ومن لم يصل إلى درجة الاجتهاد، وما
كان مخالفا للنص، وما ليس له أصل يشهد له بالاعتبار، وما كان
على خلاف القواعد الشرعية، وهذا هو المسمى بالقياس الفاسد.
أما الجواب التفصيلي فهو: أن يجاب عن كل رواية من الروايات
المنقولة السابقة في ذم الرأي والقياس، فنقول على الترتيب السابق:
1 - أما - قول أبي بكر - رضي الله عنه -: " أي سماء تظلني
وأي أرض تقلني ... "، فإنما أراد به قوله في تفسير القرآن،
ونحن نسلم أنه لا مجال للرأي في ذلك؛ لكونه مستنداً إلى محض
السمع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأهل اللغة.
2 - وأما قول عمر - رضي الله عنه -:
" إياكم وأصحاب الرأي.. "، فإنما قصد به ذم من ترك الموجود من الأحاديث، وعدل إلى الرأي والقياس مع أن العمل به مشروط بعدم النص.
3 - وأما قول عمر: " إياكم والمكايلة "، وفسر المكايلة بأنها
المقايسة، فإن المراد بالمقايسة التي حذر عمر عنها هي القابسة الفاسدة.
4 - وأما قول عمر لشريح: " اقض بما في كتاب اللَّه.. "
فنقول فيه: إن القياس مما أجمع أهل العلم على العمل به.
5 - وأما قول علي: " لو كان الرأي أوْلى من السُنَّة.. "
فالمقصود منه: أن الشريعة ليست كلها على ما يقتضيه القياس، بل
بعضها تعبدي لا يجوز القياس فيه، وبعضها الآخر له عِلَّة يمكن أن
يقاس عليه بسبب تلك العِلَّة.
(4/1854)

6 - وأما قول عليّ في الجنين: " إن اجتهدا فقد أخطئنا.. "،
فإن عليا يبين في هذه المقالة: أنه ليس كل اجتهاد صوابا، وليس كل
اجتهاد خطأ، فإنه قد يخطى المجتهد في اجتهاده.
7 - وأما قول علي: " من أراد أن يقتحم جراثيم جهنم ... "
فإنه يقصد الرأي المجرد، وهو غير المستند إلى أصل من كتاب أو
سُنَة، فإن هذا لا يجوز.
8 - وأما قول ابن مسعود: " يذهب قراؤكم وصلحاؤكم،
ويتخذ الناس رؤساء جهالاً يقيسون الأمور برأيهم "، فالمراد منه:
القياس المذموم، وهو القياس الفاسد الصادر عن الجهال، ولهذا
وصفهم بأنهم جهال.
9 - وأما قول ابن عباس: " من أحدث رأيا في كتاب اللَّه "،
فإنه يحمل على الرأى المجرد عن اعتبار الشارع له.
10 - وأما قول ابن عباس: " إن اللَّه تعالى قال لنبيه: (وأن
احكم بينهم بما أنزل الله) ، ولم يقل بما رأيت "، فإن الحكم
بالقياس هو حكم بما أنزل اللَّه؛ لأن اللَّه عَزَّ وجَلَّ أمر به بقوله:
(فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) .
11 - وأما قول ابن عباس: " إياكم والمقاييس.. "، فإن المراد
بالمقاييسِ هنا: المقاييس الفاسدة وهي التي لم تتوفر فيها شروط
القياس.
12 - وأما قول ابن عمر: " السُّنَّة: ما سنه رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، ولا تجعلوا الرأي سُنَّة المسلمين "،
فإنه يفيد أن السُّنَّة هي: ما صدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قول أو فعل أو تقرير، والرأي المعتبر من الشارع
هو من السُنَّة؛ لأن السُنَّة دلَّت عليه بأحاديث سيأتي ذكرها - إن شاء اللَّه -
(4/1855)

أما الرأي المجرد من اعتبار الشارع له فليس من السُّنَّة في شيء.
13 - وأما قول ابن مسعود: " إذا قلتم في دينكم بالقياس فقد
أحللتم كثيراً مما حرمه اللَّه ... "، فالمقصود بالقياس هنا: القياس
الفاسد، وهو الذي لم يستند إلى أصل، أو الصادر من الجاهل،
أو المخالف للقواعد الشرعية.
والحاصل: أن هذه الأجوبة التفصيلية عن تلك النصوص مستفادة
من الجواب الإجمالي: فكل نص فيه ذم للقياس يُعنى به القياس
الفاسد غير المعتبر شرعا، وهو الذي لم يستكمل شروط القياس،
وكل نص فيه دليل على العمل بالقياس، وفيه مدح له، فإنه يُعنى به
القياس الصحيح، وهو المستكمل لشروط القياس.
اعتراض على جوابنا هذا:
قال قائل - معترضاً -: لا نُسَلِّمُ لكم هذا الجمع بين النقلين،
بل يمكن الجمع عندنا بطريق آخر وهو: أن نعتبر أن القائل بالقياس
انقلب منكراً له في آخر أمره، وحينئذٍ يحصل الإجماع على إنكار
القياس، وهو ما ندعيه.
جوابه:
أن قولكم: إن القائل به انقلب منكراً في آخر أمره لا دليل عليه،
فيكون قولكم دعوى بلا دليل، فتكون دعواكم باطلة، فيجب
المصير إلى الجمع الذي ذكرناه؛ حيث إنه يعتبر من طرق الجمع بين
الدليلين إذا تعارضا.
أما الوجه الثالث - وهو: أنه لما لم ينكر بعض الصحابة على
الآخرين قولهم بالقياس فقد انعقد الإجماع على صحته -.
(4/1856)

فالدليل عليه: أن سكوتهم وعدم إنكارهم على القائلين بالقياس
إما أن يكون عن خوف أو عن رضا.
لا يمكن أن يكون سكوتهم عن خوف؛ لأمرين:
أولهما: أن بعضهم خالف البعض الآخر في مسألة: " الحرام "
و" الخلع "، و " الجد والإخوة "، و " بيع أمهات الأولاد "، وغيرها
ولو كان هناك خوف يمنعهم من إظهار ما في قلوبهم لما وقع ذلك
الخلاف، فلا يعقل أن يكون سكوتهم عن مسائل أخرى عن خوف.
ثانيهما: أنا نعلم من حال الصحابة - رضي اللَّه عنهم - شدة
انقيادهم للحق، لا سيما فيما لا يتعلق به رغبة ولا رهبة في العاجل
أصلاً، وذلك مانع قوي يمنع من حمل سكوتهم على الخوف.
فثبت بذلك: أن سكوتهم كان عن رضا وعن موافقة، وذلك
يوجب الإجماع على حجية القياس، وإلا لكانوا مجمعين على الخطأ.
ما اعترض به على هذا الوجه - وهو الوجه الثالث -:
الاعتراض الأول: إذا كان سكوتهم لا عن خوف، فلا يلزم منه
ثبوت الإجماع على حجية القياس؛ لأنه يحتمل أن يكون سكوتهم
لخفاء الدليل.
جوابه:
إن هذا بعيد، لأنهم عرفوا أن الشرع من عند اللَّه، فلو لم يكن
القياس مأذونا فيه: لكان القائس مشرعا، وحينئذٍ كانوا ينكرون عليه.
الاعتراض الثاني: إذا كان سكوتهم لا عن خوف فلا يلزم منه
ثبوت الإجماع على حجية القياس، لأنه يحتمل أن يكون سكوتهم
لأنهم في مهلة النظر، ولم يظهر لهم كون القياس حقا أو باطلاً.
(4/1857)

جوابه:
أن سكوتهم المستمر - بعد مدة تكفي للنظر - دليل واضح على أن
هذا السكوت عن رضا وموافقة واقتناع.
الاعتراض الثالث: أنه لا مانع من أن يكون سكوتهم عن إنكار
القياس ناتج عن خوف، لأن القائل بالقياس هم: أبو بكر،
وعمر، وعلي، وعثمان، وابن عباس، وابن عمر، وزيد، ومعاذ
من أصحاب الدولة والسلطان ومن حولهم وحواشيهم وجلسائهم،
فهؤلاء معهم الرغبة والرهبة، فشاع ذلك في الدهماء، وانقادت
لهم العوام، فإنه يجوز للباقين السكوت تقية، أو لعلمهم أن
إنكارهم غير مقبول، وكيف يقال: إن الخوف زائل وقد قال ابن
عباس في مسألة العول - يقصد عمر -: " هبته وكان والله مهيبا "؟!
جوابه:
إن هذا طعن قبيح في حق الصحابة - رضي اللَّه عنهم - وجهل
بما كانوا عليه من الصلابة في الدين، بدليل الاستقراء والتتبع لجميع
الوقائع التاريخية المستفيضة، حيث إنها تؤكد أن جميع الصحابة لا
تأخذهم في اللَّه لومة لائم، وأنهم لا يمكن أن يروا منكراً ويسكتوا
عنه، ومن تلك الوقائع: ما ذكرناه من استدراكات بعض الصحابة
على بعض، ومخالفة بعضهم لبعض.
ومن ذلك: خبر المرأة التي راجعت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب
في مسألة تحديد المهر حتى عدل عن رأيه إلى رأيها وقال: " أصابت
امرأة وأخطا عمر ".
ومن ذلك: ما قاله سلمان الفارسي لعمر بن الخطاب:
" لا سمع لك علينا ولا طاعة حتى تخبرنا من أين لك هذا الثوب؟ "،
(4/1858)

فأمر عمر ابنه عبد اللَّه بأن يجيب سلمان فأخبره أنه لما أصبح ثوب أبيه
خلقاً فيه اثنتا عشرة رقعة، فقد تبرع بنصيبه من الثياب وضمه إلى
ثوب أبيه ليصنع منه ثوباً يصلي فيه بالناس الجمعة ويستقبل به الوفود.
ومن ذلك: قول عبيدة السلماني لعليّ: " رأيك مع الجماعة
أحب إلينا من رأيك لوحدك "، لما قال عليّ: " اجتمع رأي ورأي
عمر في أمهات الأولاد أن لا يبعن، وأنا الآن أرى بيعهن ".
ثم إن الصحابة - رضي اللَّه عنهم - اعتادوا على حرية الرأي،
فلا يضيق أحد منهم برأي الآخر مهما كان مركزه أو سلطانه بدليل:
أن رجلاً جاء إلى أمير المؤمنين عمر فساله عن حكم مسألة فأحاله إلى
عليّ وزيد فأفتياه، ثم رأى عمر الرجل صاحب المسألة، فسأله عن
قضاء عليّ وزيد فأخبره، فقال عمر: " لو كنت أنا لقضيت بكذا "
فقال الرجل: فما يمنعك والأمر إليك؛ قال عمر: " لو كنت أردك
إلى كتاب الله أو سُنَّة نبيه لفعلت، ولكني أردك إلى رأي والرأي
مشترك ".
وأما قول ابن عباس: " لقد هبته وكان واللهِ مهيبا "، فإنه يجاب
عنه: بأن الأمر أمر اجتهاد، ولو كان لدى ابن عباس دليل على
مذهبه من الكتاب والسُّنَّة يؤكد ذلك المذهب لأعلنه، ولكنه الرأي.
أما الوجه الرابع - وهو: أن المجمع عليه بين الصحابة حُجَّة يجب
العمل به - فهو صحيح لا ينبغي لعاقل أن يتردد فيه - وقد سبق
الاستدلال على ذلك في باب الإجماع.
ما اعترض به على هذا الوجه - وهو الوجه الرابع -:
الاعتراض الأول: سلمنا أن سكوتهم عن موافقة وعن رضا،
(4/1859)

ولكن لا حُجَّة في إجماع الصحابة، لأنهم عدلوا عما أمروا به ونهوا
عنه وتجبروا وتآمروا، وجعلوا الخلاف طريقا إلى أغراضهم حتى
جرى بينهم ما جرى من الفتن والحروب.
ومثل هؤلاء لا يجوز الاحتجاج بأقوالهم.
جوابه:
إن هذا يعتبر من سخافات النظام والرافضة، ويجب على المسلم
أن لا يلتفت لمثل هذه السخافات، حيث إنها تحط من قدر الصحابة،
فإن ذلك زندقة وإلحاد في الدين.
وكيف يقال فيهم مثل ذلك، والله عَزَّ وجَل قد عدلهم ورضي
عنهم، واختارهم لصحبة نبيه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:
"إن اللَّه اختارني واختار لي أصحاباً وأصهاراً "؟!
الاعتراض الثاني: سلمنا معكم أن إجماع الصحابة على العمل
بالقياس حُجَّة، لكن لم ينقل إلينا أنهم أجمعوا على العمل بجميع
أنواع القياس، أو بنوع واحد معين منها، فما المانع من أن يكون
إجماعهم على القياس الأولى وهو: أن يكون الفرع أوْلى بالحكم من
الأصل، أو يكون إجماعهم على منصوص العلَّة، وهذان النوعان
ليسا محل النزاع، بل متفق على جريان القياس فيهما.
جوابه:
إن تخصيص ما أجمعوا عليه على هذين النوعين يحتاج إلى دليل
ولا دليل عندكم، وإذا لم يوجد دليل على التخصيص، فإن الأمر
بالقياس يبقى على العموم، فيثبت أنهم أجمعوا على العمل بجميع
أنواع القياس، وأنه لا فرق بينها، وهذا هو الظاهر من استقراء
حالهم في الخلاف والاستدلال.
(4/1860)

الاعتراض الثالث: سلمنا أن الصحابة أجمعوا على العمل بجميع
أنواع القياس، فما المانع من أن يكون خاصا بهم: فلا يلزم من
جواز العمل بالقياس للصحابة جوازه لمن بعدهم؛ لأن هناك فرقا بين
الصحابة وغيرهم؛ ووجه الفرق:
أن الصحابة شاهدوا الوحي والتنزيل، وكان معروفا منهم شدة
اليقين والصلابة في الدين، وكثرة التحفظ، وبذل النفس والنفيس،
وترك الأهل والأوطان في سبيل نصرة دين اللَّه وإقامته، وقد ورد في
حقهم من الفضل والثناء في القرآن والسُّنَّة ما لم يرد في حق غيرهم.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنه كما أن الكتاب والسُنَّة يحتج بهما كل شخص
توفرت فيه شروط الاجتهاد على إثبات الأحكام الشرعية في كل
زمان، ولا فرق في ذلك بين فرد وفرد وشخص وشخص، فكذلك
القياس يحتج به كل شخص؛ لأنه لا قائل بالفرق بين الأزمان ولا
بين الأشخاص من حيث الحجج الشرعية.
الجواب الثاني: أن هذا الاعتراض مخالف للإجماع؛ وما خالف
الإجماع فهو ساقط لا يعتد به، بيان ذلك:
أن الناس افترقوا - بالنسبة للقياس - إلى فريقين فقط: فريق قائل
بان القياس حُجَّة بالنسبة إلى جميع الأُمَّة، وفريق آخر قائل بأن
القياس ليس بحُجَّة بالنسبة إلى جميع الأمَّة، فاتفق الفريقان على نفي
التفصيل، فيكون القول بالتفصيل خرقا لهذا الإجماع.
الاعتراض الرابع: سلمنا أن إجماع الصحابة حُجَّة، ولكنه إجماع
(4/1861)

سكوتي -، والإجماع السكوتي لا يفيد إلا الظن، ومسألتنا قطعية؛
حيث إنها قاعدة أصولية، والقطعي لا يستفاد من دليل ظني.
جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ أنها قطعية، بل هي ظنية عندنا؛ لأن هذه المسألة
عملية، والظن قائم مقام العلم في وجوب العمل بدليل: أنه لا
فرق بين أن يعلم بالمشاهدة وجود الغيم الرطب المنذر بنزول المطر
الذي يجب التحرز منه، وبين أن يخبر بوجود مثل هذا الغيم مخبر
لمن لا يمكنه مشاهدة الغيم في أنه يلزمه التحرز منه، فكذا هاهنا لا
فرق بين أن يتواتر النقل من الشرع في أنا مأمورون بالقياس، وبين أن
يخبرنا به من يظن صدقه في وجوب العمل بالقياس، وإن لم نعلم
صدق المخبر بذلك.
هذا هو الدليل الأول من أدلة الجمهور على حجية القياس.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) .
وجه الدلالة من هذه الآية على أن القياس حُجَّة من طريقين:
الطريق الأول: أن الاعتبار عند أهل اللغة هو تمثيل الشيء بغيره،
وإجراء حكمه عليه، ومساواته به.
والله أمر بالاعتبار في قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا ... ) ، فيكون
اللآصياس على هذا مأمور به، فيكون تقدير الآية: " اعلموا أنكم إذا
صرتم إلى الخلاف والشقاق ساوت حالكم حال بني النضير،
واستحققتم من العقاب مثل الذي استحقوه، واللفظ عام في الاعتبار
فوجب حمله على عمومه، والأمر بكل اعتبار إلا ما خصه الدليل،
وإن كان السبب الذي ورد فيه من الأخبار عن بني النضير خاصاً ".
(4/1862)

الطريق الثاني: أن القياس مجاوزة الحكم من الأصل إلى الفرع،
والمجاوزة اعتبار؛ لأن الاعتبار معناه العبور والانتقال من مكان إلى
مكان آخر، والعبور هو المجاوزة يقال: " عبرت هذا النهر " أي:
جزته واجتزته، وإذا كان الاعتبار مجاوزة، والقياس مجاوزة،
فتكون النتيجة: أن القياس هو الاعتبار.
والاعتبار مأمور به بالآية، فتكون النتيجة أن القياس مأمور به.
والأمر للوجوب؛ لأنه لا توجد قرينة تصرف الأمر من الوجوب
إلى غيره، فيكون القياس واجبا، والوجوب مستلزم للجواز، أي:
إذا كان القياس واجبا، فمن باب أوْلى أن يكون جائزاً؛ لأن
الوجوب جواز وزيادة.
ما اعترض به على هذا الدليل:
الاعتراض الأول: لا نُسَلِّمُ أن المراد بالاعتبار هنا: القياس
الشرعي؛ لأنه لو كان المراد بالاعتبار القياس لخالف أول الآية
آخرها، وكان تقدير الآية: " يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين
فألحقوا الفروع بالأصول، أو قيسوا الذُّرَة على البر "، وهذا في
غاية الركاكة، ولا يليق بجلال القرآن.
بل نقول: إن الاعتبار المأمور به هو الاتعاظ؛ حيث إنه هو الذي
يتفق مع أول الآية وآخرها، ويكون المعنى: اتعظوا يا أولي العقول
السليمة بفعل هؤلاء حتى لاينزل بكم مثل ما نزل بهم.
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أن لفظ " الاعتبار " لفظ مشترك بين ثلاث معان:
القياس، والمجاوزة، والاتعاظ.
(4/1863)

ونحن رجحنا أن يكون المراد بالاعتبار القياس لوجهين:
الوجه الأول: أن كثيراً من أهل اللغة ذكروا أن معنى الاعتبار
القياس مباشرة - كما سبق -.
الوجه الثاني: أن كثيراً من أهل اللغة ذكروا أن معنى الاعتبار
القياس بطريق غير مباشر؛ حيث قالوا: إن الاعتبار مجاوزة،
والقياس مجاوزة، إذن يكون القياس هو الاعتبار - كما سبق بيانه -.
فنحن رجحنا أن يكون معنى المراد من الاعتبار: القياس بواسطة
مساعدة اللغة لنا.
الجواب الثاني: أن الذي لا يناسب صدر الآية هو الاعتبار بمعنى
القياس - فقط - ونحن لم نقل: إنه هو المأمور به، بل نقول: إن
المأمور به هو الاعتبار بمعنى المجاوزة، وهو القدر المشترك بين
الاتعاظ والقياس، والمجاوزة هي: الانتقال من شيء إلى آخر،
سواء كان انتقالاً من حال إلى آخر، كما في الاتعاظ، أو من أصل
إلى فرع كما في القياس، فكل من القياس والاتعاظ فيه مجاوزة،
فيكون معنى الآية: " إنا فعلنا بهم ما فعلنا فقيسوا الأمور أنتم يا أولي
الأبصار"، فدخل في ذلك قياس أفعالنا على أفعالهم في وصول
الجزاء، فيحصل الاتعاظ، وكذلك قياس الفروع على الأصول،
فلا يلزم من كون صدر الآية غير مناسب للقياس بخصوصه عدم
مناسبته للقدر المشترك لما فيه من معنى الاتعاظ.
الاعتراض الثاني: نسلم أن المأمور به في الآية هو: الاعتبار الذي
هو بمعنى المجاوزة، وأن المجاوزة كلي يشمل القياس والاتعاظ،
حيث إنه مشترك بينهما، ولكن لا نُسَلِّمُ أن الآية مع هذا تثبت أن
القياس حُجَّة، لأن الأمر الكلي من حيث هو كلي لا دلالة فيه على
(4/1864)

الجزئي بخصوصه، فالمجاوزة من حيث هي مجاوزة لا دلالة فيها
على خصوص القياس، ولا توجد قرينة تدل على ذلك، فلا يلزم
الأمر بالمجاوزة الأمر بالقياس.
جوابه:
نُسلم لكم أن الأمر بالكلي ليس أمراً بكل جزئي بالنظر لذاته، من
غير أن تنظم إليه قرينة تفيد العموم، أما إذا انضم إليه ما يفيد العموم
فإنه يكون أمراً بكل جزئي؛ لأن دلالة العام كلية، أي: مقصود بها
الحكم على كل فرد فرد، وهنا وجد في الآية ما يقتضي العموم،
وهو هنا الاستثناء، فإنه يصح أن يقال: اعتبروا إلا الاعتبار الفلاني
- مثلاً -، وقلنا - فيما سبق -: إن الاستثناء معيار العموم،
وحينئذ يكون عاماً، والأمر به أمر بكل جزئي، وبذلك يكون القياس
مأموراً به قصداً، والعمل به واجبا، والوجوب يستلزم الجواز.
الاعتراض الثالث: نسلم لكم أن الآية تفيد الأمر بالقياس، لكن
لا يجوز التمسك بها؛ لأن دلالتها على الوجوب دلالة ظنية،
والظن لا يكتفى به في إثبات المسائل الأصولية؛ لشدة اهتمام الشارع
بها.
جوابه:
إن القاعدة الأصولية إذا كانت وسيلة إلى العمل فإنها تثبت بالدليل
الظني، فالقياس - إذن - يثبت بالأدلة الظنية؛ لأن المقصود من كون
القياس حُجَّة هو وجوب العمل به، لا مجرد اعتقاد وجوبه، فأي
مسألة هي وسيلة إلى العمل فإنها تأخذ حكم المسائل العملية.
الاعتراض الرابع؛ أن الآية تفيد الأمر بالقياس، ولكن الأمر قد
يرد للوجوب، أو الندب، أو الإباحة، وغير ذلك من المعاني التي
(4/1865)

ترد لها صيغة " افعل " - كما سبق - ولا قرينة قدل على أنها
للوجوب دون الندب والإباحة، فحمل الأمر على الوجوب - هنا -
هو ترجيح بدون مرجح.
جوابه:
أن الأمر إذا تجرد عن القرائن، فإنه يقتضي الوجوب دون غيره
- عندنا كما سبق بيانه - ولا يصرف إلى غيره إلا بقرينة، ولا قرينة - هنا - تصرفه عن إفادة الوجوب.
الدليل الثالث: قوله تعالى: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) هذا ما استدل به الشافعي.
وجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه قد أقام مثل الشيء مقام الشيء،
فدل ذلك على أن حكم الشيء يعطى لنظيره، وأن المتماثلين
حكمهما واحد، وذلك هو القياس الشرعي.
أو تقول في وجه الدلالة: إن اللَّه لما أوجب المثل ووكل تحقيقه في
شيء خاص إلى اجتهادنا: كان إذناً من - اللَّه تعالى بالاجتهاد مطلقا،
فلزم من يقول بمشروعية الاجتهاد في تحقيق المناط أن يقول بمشروعية
الاجتهاد القياسي.
الدليل الرابع: قوله تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) ، واستدل بتلك الآية ابن
سريج.
وجه الدلالة: أن المتنازع فيه لو ردوه إلى أولي الأمر - وهم
العلماء - لعلموا حكمه بالاستنباط، ولا معنى للاستنباط إلا
القياس، مأخوذ من استنبط الماء إذا أخرج من معدنه.
(4/1866)

اعتراض على ذلك:
قال قائل - معترضا -: لا نُسَلِّمُ أن الاستنباط هو القياس، بل
يمكن أن يكون المراد به ما هو أعم من القياس؛ حيث إنه يصح أن
يقال: إن مستخرج الحكم من ظاهر النص يُسمى مستنبطا.
جوابه:
إن لفظة: " الاستنباط " لو دققنا النظر فيها لوجدنا أنها خاصة في
الشيء الذي لا يستخرج إلا بصعوبة، فالشخص الذي يأتي بماء من
بئر عميق يُسمَّى مستنبطا للماء، لكن الذي يأتي به من البحر أو
النهر، فإنه لا يُطلق عليه أنه مستنبط عرفا، فكذلك هنا فإن من
استخرج حكما بصعوبة ومشقة، فإنه يُطلق عليه أنه مستنبط، وهذا
يحصل في القياس فقط، ومن عرف حكما من ظاهر نص كمعرفته
لوجوب الصلاة من قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) ، فإنه لا
يسمى مستنبطاً عادة وعرفا.
الدليل الخامس: قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) .
وجه الدلالة: أن القياس هو في حقيقته تمثيل الشيء بالشيء،
وتشبيه أحدهما بالآخر، فإذا جاز ذلك من اللَّه العالم بكل شيء
الذي لا تخفى عليه خافية، فهو من المخلوق أوْلى بالجواز.
وقد أكثر ابن القيم - رحمه الله - من ذكر مثل هذهَ الآية التي فيها
ضرب اللَّه فيها لعباده الأمثال، وساقها للاستدلال بها على حجية
القياس.
الدليل السادس: قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) .
(4/1867)

وجه الدلالة: أن العدل هو: التسوية بين المتماثلين في الحكم،
ولا شك أنه يتناول القياس؛ حيث إن فيه تسوية بين الفرع والأصل.
الدليل السابع: قوله تعالى: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) .
وجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه قاسهم على الأمم السابقة في أنهم
إن فعلوا مثل فعلهم من التكذيب نالهم ما نال السابقين من العاقبة
السيئة، فهنا أربعة أركان كاملة، فالأصل: الأمم السابقة، والفرع:
المخاطبون بالسير والنظر، والعِلَّة: التكذيب، والحكم: الهلاك.
الدليل الثامن: حديث معاذ، وهو: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بعث معاذاً إلى اليمن قاضياً، قال: " كيف تقضي إن عرض عليك قضاء؟ "
قال: بكتاب اللَّه عَزَ وجَلَّ، قال: " فإن لم تجد؟ " قال: بسُنَة
رسول اللَّه، قال: " فإن لم تجد؟ " قال: أجتهد رأيي ولا آلو،
فضرب رسول اللَّه على صدر معاذ ثم قال: " الحمد لله الذي وفق
رسول رسول اللَّه إلى ما يرضي اللَّه ".
وجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صوَّب معاذاً على أخذ الأحكام عن طريق الاجتهاد، والقياس نوع من أنواع الاجتهاد، فيكون القياس دليلاً من أدلة التشريع.
أو تقول - في وجه الدلالة -: إنه لو لم يكن القياس أصلاً
ودليلاً من أدلة الأحكام مطلقا لما صوب النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذاً على ما قال، ولما أقره؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لا يقر على خطأ، خصوصا في مثل هذا الأصل العظيم.
ما اعترض به على هذا الدليل:
الاعتراض الأول: أن الحديث ضعيف، من حيث سنده، والحديث
(4/1868)

الضعيف لا يمكن أن يستند إليه ويعتمد عليه في إثبات قاعدة أصولية
كالقياس.
بيان ذلك الضعف: أن الحديث رواه شعبة عن أبي عون، عن
الحارث بن عمرو - ابن أخي المغيرة بن شعبة - عن أناس من أهل
حمص من أصحاب معاذ بن جبل، عن معاذ.
والحارث بن عمرو مجهول لا يعرف، وأصحاب معاذ من أهل
حمص مجهولون - أيضا -.
قال الذهبي: " تفرَّد به أبو عون - محمد بن عبد اللَّه الثقفي - عن
الحارث، وما روى أحد عن الحارث غير أبي عون، فهو مجهول ".
وهذه الجهالة في الحارث،؛ أصحاب معاذ تسببت في ضعف
الحديث.
جوابه:
يجاب عنه باجوبة:
الجواب الأول: أن حامل لواء هذا الحديث هو شعبة، وشعبة
هذا قد أثنى عليه أهل الحديث، فقال بعضهم: " إذا رأيت شعبة في
إسناد حديث فاشدد يديك به "، فتقوى الحديث برواية شعبة له.
الجواب الثاني: أن الحديث قد انتشر بين رجال من أهل حمص
من أصحاب معاذ، وهذا يقوي الحديث؛ حيث إن أصحاب معاذ قد
عرفوا بالعلم والدين والفضل والصدق، ولا يعرف في أصحابه متهم
ولا كذاب ولا مجروح، فانتشاره واشتهاره بينهم يقوي الحديث.
الجواب الثالث: أن الحارث بن عمرو معدود من الثقات كما قاله
(4/1869)

ابن حبان، والعبرة بالتجريح اتفاق أئمة الحديث، أما تجريح بعض
أئمة الحدث لبعض الرواة، فهذا قل من يسلم منه.
الجواب الرابع: على فرض ضعف الحدمث فقد تقوى بعدة شواهد
موقوفة عن عمر، وابن مسعود، وزيد، وابن عباس، روى ذلك
كله البيهقي في " السنن الكبرى " - بعد أن روى هذا الحديث -
تقوية له، حيث قضى هؤلاء بما يدل عليه الحديث من الاجتهاد.
الجواب الخامس: أن هذا الحديث روي عن طريق آخر بإسناد
متصل، ورجاله معروفون بالثقة، قال أبو بكر الخطيب: " وقد
قيل: إن عبادة بن نسي رواه عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ،
وهذا إسناد متصل ورجاله معروفون بالثقة ".
الجواب السادس: أن هذا الحديث وإن كان مرسلاً، فإن الأُمَّة قد
تلقته بالقبول، والحديث المرسل إذا نقلته الأُمَّة بالقبول فإنه يعمل به
ويكون حُجَّة بالاتفاق.
الاعتراض الثاني: أنا لا نُسَلِّمُ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد صوَّب معاذاً على استعمال الاجتهاد عند عدم وجود نص؛ حيث روي الحديث برواية أخرى، وهي: أنه لما قال معاذ: " اجتهد رأيي "، قال له النبي
- صلى الله عليه وسلم -: "اكتب إليّ وأكتب إليك ليس لأحد أن يقول أنا "، فهنا - في هذه الرواية - لم يقره على الاجتهاد برأيه.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن هذه الرواية والزيادة غريبة وشاذة، فلا تقوى
على معارضة روايتنا الصحيحة المشهورة.
(4/1870)

الجواب الثاني: نسلم لكم صحة هذه الزيادة، ولكن يمكن الجمع
بينها وبين روايتتا لأن نقول: إنه تحمل هذه الزيادة والرواية التي
ذكرتموها على ما إذا اتسمع الوقت للواقعة التي نزلت؛ حيث يمكن
الصبر حتى يكاتب - صلى الله عليه وسلم - وهو في المدينة.
أما روايتنا فإنا نحملها على ما إذا ضاق الوقت، بحيث لا يمكن
الصبر في معرفة حكم اللَّه فيها على ذهاب الكتاب إلى المدينة ورده.
الاعتراض الثالث: أن هذا الحديث مناقض لقوله تعالى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) ، وقوله: (وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) ،
حيث قال النبي لمجيم لمعاذ: " إذا لم تجد الحكم في الكتاب ... "
يقتضي هذا أن الكتاب لم يشتمل على جميع الأحكام.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أن المقصود بالكتاب في الآيتين هو القرآن
الكريم، بل هو اللوح المحفوظ، فلا تناقض.
الجواب الثاني: سلمنا أن المراد به: القرآن الكريم، فلا يمكن أن
يفهم أحد اشتمال القرآن على جميع الأحكام؛ لأن ظاهر القرآن
يخلو من دقائق الحساب، وتفاريع الحيض، والوصايا، وأحكام
السائل التي اختلف فيها الصحابة كمسألة الجد والإخوة، والتحريم،
والخلع، وغير ذلك، فيتعين أن يكون المراد اشتماله عليها ابتداء،
وهذا لا يناقض العمل بالقياس؛ لأنه لما أمر اللَّه بالقياس بقوله تعالى:
(فاعتبروا) كان ما يستفاد منه مما اشتمل عليه بالواسطة.
الاعتراض الرابع: أن تصويب النبي - صلى الله عليه وسلم -
لمعاذ العمل بالقياس كان
(4/1871)

قبل نزول قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) ، فإن هذه الآية أفادت إكمال
الدين وتمامه، فيكون القياس قبل نزول هذه الآية حُجَّة؛ لكون
النصوص غير وافية لجميع الأحكام، أما بعد إكمال الدين والتنصيص
على جميع الأحكام، فلا يكون القياس حُجَّة؛ لعدم الحاجة إليه.
جوابه:
إن هذه الآية إنما تدل على كمال الدين من حيث أصوله، دون
فروعه؛ لأن الواقع أن النصوص لم تتناول جميع الفروع؛ لعدم
تناهيها، وبذلك تكون الحاجة ماسة إلى القياس لإثبات أحكام بعض
الفروع التي لم ينص على حكمها، فيكون القياس حُجَّة.
الاعتراض الخامس: أن معاذاً إنما قال: " أجتهد رأيي "، ولم
يقل أقيس، والاجتهاد كما يكون في القياس فكذلك يكون في تحقيق
المناط، فترجيح أن المراد بالاجتهاد هو القياس ترجيح بلا مرجح.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنه قال: " أجتهد "، والاجتهاد عام وشامل
للقياس وغيره، فيكون - على هذا - القياس أحد جزئيات الاجتهاد
فيدخل، بل القياس هو أعلى مراتب الاجتهاد، فدخوله أوْلى من
دخول غيره.
الجواب الثاني: أنه يوجد دليل يجعلنا نرجح أن المراد بذلك
القياس وهو: أن معاذاً ذكر الاجتهاد بعد النص من الكتاب والسُّنَّة،
أي: أنه يجتهد فيما لا نص فيه، أما تحقيق المناط فمعروف أنه يعتمد
على النص.
-
(4/1872)

الاعتراض السادس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أقر لمعاذ العمل به، فما المانع من أن يكون خصوصية له رضي اللَّه عنه.
جوابه:
إن الأصل: أن يكون عاما غير مختص بمعاذ بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "قولي لامرأة كقولي لمائة امرأة "،
فلا يختص بمعاذ إلا بدليل، ولا دليل صحيح عندنا،
فيبقى العام على عمومه.
الاعتراض السابع: أن الحديث خبر آحاد، فلا يفيد إلا الظن،
والظن لا يكتفى به على إثبات قاعدة أصولية كالقياس.
جوابه:
أن القاعدة الأصولية إذا كانت وسيلة إلى العمل، فإنها تثبت
بالظن؛ قياساً على الفروع - كما قلنا ذلك فيما سبق أكثر من مرة -
هذا الدليل الثامن من الأدلة على أن القياس حُجَّة.
الدليل التاسع: قوله - صلى الله عليه وسلم -:
" لعن اللَّه اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها ".
وجه الدلالة: أنه - صلى الله عليه وسلم - حكم بتحريم أثمان الشحوم، قياساً على أكلها المحرم بالنص.
الدليل العاشر: قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"إنما أقضي بينكم برأي فيما لم ينزل علي فيه شيء".
وجه الدلالة: أنه دلَّ على أنه - صلى الله عليه وسلم - يقضي برأيه، والقياس نوع من أنواع الرأي، فيكون حُجَّة.
اعتراض على هذا:
أن هذا خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، حيث إن اللَّه سبحانه يخطأه إذا أخطأ، بخلاف غيره من العلماء، وعليه فيجوز له الاجتهاد دون غيره.
(4/1873)

جوابه:
إنه إذا جاز للنبي - صلى الله عليه وسلم - الاجتهاد، فإنه يجوز لغيره من العلماء إذا فهموا المعنى الذي من أجله شرع الحكم المقاس عليه، ثم إن الخطأ
من المجتهد يؤجر عليه بأجر واحد.
الدليل الحادي عشر: ما روي أن عمر بن الخطاب سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قُبْلة الصائم فقال: " أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته؟ "
قلت: لا بأس بذلك، فقاق الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "ففيم؟ ".
وجه الاستدلال: أن هذا تنبيه على إلحاق القُبْلة بالمضمضة في عدم
الإفطار، والجامع: أن كلًّا منهما مقدمة لما يفطر، ولكنه لا يفطر،
فالمضمضة مقدمة للشرب، والقُبْلة مقدمة للإنزال، فتبين أن النبي
- صلى الله عليه وسلم - قد استعمل القياس، وذلك يوجب كون القياس حُجَّة.
ما اعترض به على هذا الدليل:
الاعتراض الأول: أن هذا من أقيسة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلا يدخل في محل النزاع؛ للاتفاق على جوازه.
جوابه:
إذا جاز له - صلى الله عليه وسلم - أن يقيس، فإنه يجوز لغيره،
والجامع: فهم المعنى الذي من أجله شرع الحكم.
الاعتراض الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر المضمضة - هنا - تقريبا لفهم عمر؛ لا لأجل قياس القُبْلة عليها.
جوابه:
إن المسألة في الحديث ليست من الأمور الصعبة التي تحتاج إلى تقريب
لفهمه، فلو لم يكن المقصود من ذكر المضمضة التنبيه على أصل القياس
لما كان لذكره فائدة، بل يكفي أن يقول: لا، القُبْلة لا تفطر.
(4/1874)

الاعتراض الثالث: أن هذا خبر واحد، وخبر الواحد لا يفيد إلا
الظن، والظن لا يكتفى به على إثبات قاعدة أصولية كالقياس.
جوابه:
أن القياس قاعدة أصولية وسيلة إلى العمل، فيكتفى بإثبات ذلك
بالدليل الظني؛ قياسا على الفروع.
الدليل الثاني عشر: أنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه - أحيانا - يذكر الحكم مقرونا بعلته، والتعليل يفيد تعدي الحكم أينما وجدت العِلَّة، وذلك هو نفس القياس.
من ذلك: قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة "،
وقوله عليه السلام في حق المحرم الذي وقَصَتْه ناقته:
" لا تخمروا رأسه ولا تمسوه طيبا، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً"،
وقوله: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها
تذكركم الآخرة "، وقوله - لما سئل عن بيع الرطب بالتمر -:
"أينقص الرطب إذا جف؟ " قالوا: نعم، فقال: " فلا إذن "،
وقوله: " إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى
يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده "، وقوله: " إنها ليست
بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات "، فتعليل الشارع
لبعض الأحكام إنما هو لإرشاد الخلق إلى كيفية ربط الأحكام بعللها
ليلحقوا ما وجدت فيه تلك العلل بتلك الأحكام.
اعتراض على هذا الدليل:
أنه لا يلزم من تعليل الحكم المنصوص عليه بعلَّة: إلحاق غير
المنصوص به؛ لاشتراكهما في العِلَّة، بل يجوز أَن يكون التعليل
(4/1875)

لبيان الباعث على الحكم؛ ليكون أقرب إلى الامتثال، ولهذا جاز
التعليل بالعِلَّة القاصرة التي لا قياس عليها.
جوابه:
أن الأصل في التعليل: أن يكون لتعدية الحكم، وذلك لا ينافي
قصد بيان الباعث على الحكم؛ ليكون أقرب إلى الامتثال، فالتعليل
يعم الأمرين، ولا يوجد مخصص لأحدهما.
الدليل الثالث عشر: أنه لو لم نعمل بالقياس لأدى ذلك إلى خلو
أكثر الحوادث بدون أحكام؛ لأمرين:
أولهما: قلة النصوص.
ثانيهما: كثرة الحوادث والصور والجزئيات التي لا نهاية لها.
فثبت أنه لا بد من القياس لإيجاد أحكام لتلك الحوادث المتجددة،
وهذا فيه رد على أعداء الإسلام حيث قالوا: إن الإسلام غير قادر
على إيجاد أحكام للحوادث المتجددة.
الدليل الرابع عشر: أن المجتهد إذا غلب على ظنه أن حكم الأصل
معلل بعلَّة معينة، ثم وجد هذه العِلَّة في محل آخر - وهو الفرع -
فإنه يحَصل عنده ظن غالب بأن حَكم الأصل متعدٍ إلى ذلك المحل
الذي وجدت العِلَّة فيه، واحتمل عنده احتمالاً مرجوحا عدم تعدية
حكم الأصل للفَرع، فالمجتهد أمامه أربعة أمور - لا خامس لها -
وهي:
الأول: إما أن يعمل بما غلب على ظنه، ويعمل بالاحتمال
المرجوح معا.
الثاني: وإما أن لا يعمل بهما معا.
(4/1876)

الثالث: وإما أن يعمل بالاحتمال المرجوح فقط ويترك العمل بما
غلب على ظنه.
الرابع: وإما أن يعمل بما غلب على ظنه فقط ويترك العمل
بالاحتمال المرجوح.
وكلها باطلة إلا الرابع، بيان ذلك:
أما الأول - وهو: العمل بهما معاً - فهو محال؛ لأنه جمع بين
متناقضين، والجمع بين المتناقضين محال.
أما الثاني - وهو: ترك العمل بهما معا - فهو محال - أيضا -؛
لأنه رفع للنقيضين معاً، وخلو الشيء عن النقيضين محال.
أما الثالث - وهو: العمل بالاحتمال بالمرجوح، وترك العمل
بالظن الراجح - فهو خلاف المشروع والمعقول؛ لأنه عمل بالضعيف
وترك للعمل بالقوي، وهذا لا يجوز شرعا ولا عقلاً.
فلم يبق إلا الرابع، وهو العمل بالظن الراجح، والعمل
بالراجح متعين؛ لأنه ثبت بعد استقراء أمور الشرع الجزئية والكلية أن
الظن الراجح يجب العمل به، وهذا ما يفيده القياس، فكان العمل
في قتضى القياس واجباً وهو المطلوب.
هذا ما صح عندنا من الأدلة على حجية القياس، وأنه دليل من
الأدلة الشرعية المعتمدة.
المذهب الثاني: أن القياس ليس بحُجَّة، ولا يجوز التعبد به عقلاً
ولا شرعا، أي: أن القياس لا يعتبر دليلاً من الأدلة الشرعية.
وأصحاب هذا المذهب افترقوا إلى فريقين:
الفريق الأول: أنكروه شرعا، أي: أن الأدلة الشرعية دلَّت على
أن القياس ليس بحُجَّة وهم الظاهرية.
(4/1877)

الفريق الثاني: أنكروه عقلاً، أي: أن معقول الشرع دلَّ على أن
القياس ليس بحجة، وهم النظام ومن تبعه.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) .
وجه الدلالة: أن الآية أفادت نهي المؤمنين عن التقدم على الله
وعلى رسوله بأي قول أو فعل، والقول بالقياس تقدم على الله
ورسوله؛ لأنه حكم بغير قولهما، فيكون منهيا عنه.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن الآية لا تمنع من العمل بالقياس، بل ربما
أوجبت العمل به؛ لأنها نهت عن العمل بغير كتاب اللَّه وسُنَّة
رسوله، والعمل بالقياس عمل بكتاب اللَّه وسُنَّة رسوله من وجهين:
الوجه الأول: أن من شروط الأصل - كما سيأتي إن شاء الله -:
أن يكون ثابتا بكتاب أو سُنَّة، فلا يقاس إلا على ما ثبت بهما
واختلف في القياس على المجمع عليه، فيكون العمل بالقياس عمل
بالكتاب والسُّنَّة.
الوجه الثاني: أن الكتاب والسُّنَّة قد ورد فيهما الأمر بالقياس في
آيات وأحاديث كثيرة ذكرناها سابقا في أدلتنا على حجية القياس،
فيكون العمل بالقياس عملاً بالكتاب والسُّنَّة.
الجواب الثاني: أن عملنا بالقياس ليس فيه تقديم على الكتاب
(4/1878)

والسُنَّة؛ لأننا لا نجري القياس فيما فيه نص من كتاب أو سُنَّة، بل
نجريه فيما ليس فيه نص، وليس في ذلك تقديم عليهما.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) ،
وقوله: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) .
وجه الدلالة: أن هذا دلَّ على أن الكتاب اشتمل على جميع
الأحكام الشرعية، فما ليس في كتاب اللَّه وجب: أن لا يكون
حمقا، وجاء ذكر السُّنَّة فكانت حقاً، وجاء ذكر الإجماع فكان حقاً،
لكن لم يذكر القياس فوجب أن يبقى على النفي الأصلي، فلا يجوز.
جوابه:
يجاب عنه بأجوبة:
الجواب الأول: أن الكتاب قد اشتمل على جواز القياس مباشرة
بقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) ، وغيرها من الآيات
التي ذكرتها في الاستدلال على أن القياس حُجَّة، فيكون الأمر
بالقياس قد ورد به الكتاب.
الجواب الثاني: إن لم يُسلّم أن الكتاب قد دلَّ على جواز القياس
مباشرة، فإنه دلَّ على ذلك بطريق غير مباشر؛ حيث إنه دلَّ على أن
السُّنَة حُجَّة بقوله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه) ، وغيرها
من الآيات.
ودل على أن الإجماع حُجَّة بقوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ..) ، وغيرها من
الآيات - كما سبق بيانه - وهما - أي: السُّنَّة والإجماع - قد دلا
على أن القياس حُجَّة بواسطة الأحاديث التي ذكرناها أثناء استدلالنا
(4/1879)

لحجية القياس، وبواسطة إجماع الصحابة السكوتي، وقد سبق
بيانه.
الجواب الثالث: إن لم يُسلَّم أن الكتاب قد دلَّ على جواز القياس
مباشرة أو بطريق غير مباشر، فادعاء المستدل أن الكتاب قد اشتمل
على جميع الأحكام الجزئية غير صحيح؛ لعدم وجود حكم في الجد
والإخوة، والتحريم، والمفوضة، والعول، والخلع، وغيرها مما
اختلف الصحابة فيها.
فإما أن يقال: إنه لا حكم لها، وإما أن يقال: إن لها حكما في
الكتاب، وإما أن يقال: إن لها حكما وأخذناه عن طريق القياس.
فإن زعم المستدل: أنه لا حكم لها، فهذا باطل؛ لأنه لا يوجد
حادثة إلا ولها حكم في الإسلام، وإن ادعى أحد غير ذلك فقد كفر.
وإن زعم المستدل: أن لها حكما ووجدناه في الكتاب، فهذا غير
صحيح؛ إذ لو كان هناك حكم في الكتاب لما اختلف الصحابة فيها.
فلم يبق إلا أن لها حكماً وأخذناه عن طريق القياس، وهو
الصحيح، وهو الذي أفتى به الصحابة.
الدليل الثالث: قوله تعالى؛ (إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) .
وجه الدلالة: أن ثمرة القياس، وهو: ثبوت حكم الفرع مظنون
لا معلوم، وكل مظنون لا يغني من الحق شيئاً منهي عن اتباعه،
فحكم الفرع منهي عن العمل به، فيثبت عدم جواز تعبدنا بالقياس.
جوابه:
إن الظن المنهي عن اتباعه والذي لا يغني عن الحق شيئاً فيما يكون
العلم واليقين ضرورة له كالعقائد وأركان الإسلام، دون مطلق الظن،
(4/1880)

وإلا انتقض بدلالات الكتاب والسُّنَّة على الأحكام، فإنها كلها
ظنية، ومع ذلك يجوز العمل بها بالإجماع.
الدليل الرابع: قوله تعالى: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) .
وجه الدلالة: أن الحكم بالقياس حكم بغير ما أنزل اللَّه، وكل
حكم لم ينزله اللَّه تعالى ابتداعا في الدين، وهذا منهي عنه،
فالقياس منهي عنه.
جوابه: -
إن الحكتم بالقياس حكم بما أنزل اللَّه؛ لأمرين:
أولهما: أن الله تعالى ورسوله قد دلَّ كلامهما في الكتاب والسُّنَّة
على جواز الحكم بالقياس بواسطة تلك الآيات والأحاديث التي
ذكرناها أثناء استدلالنا على حجية القياس، وإذا كان الأمر كذلك
فالحكم بالقياس يعتبر حبهما بما أنزل اللَّه.
ثانيهما: أن من شروط صحة القياس - كما سيأتي - أن يكون
حكم الأصل ثابتا بكتاب أو سُنَّة، فلا يقاس إلا على ما ثبت بهما،
فيكون العمل بالقياس عملاً بما هو مستنبط من المنزل، وكأنه حكم
بالمنزل وهو الكتاب والسُّنَّة.
الدليل الخامس: قوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) .
وجه الدلالة: أن الآية دلَّت على أن الأُمَّة إذا تنازعت في شيء
ولم تعرف حكمه، فيجب أن تأخذ حكمه من الكتاب والسُّنَّة،
فالحكم بالقياس ليس مردوداً إلى اللَّه ولا إلى رسوله، فيكون ذلك
الماخوذ عن طريق القياس باطلاً.
(4/1881)

جوابه:
إن الحكم بالقياس حكم مردود إلى اللَّه ورسوله، أي: إلى
الكتاب والسُّنَّة؛ لأمرين، قد ذكرتهما في جواب الدليل الرابع
السابق.
ثم إن هذه الآية حُجَّة عليكم لا لكم؛ حيث أبطلتم القياس من
غير رد إلى قول اللَّه ولا إلى قول رسوله، ولا إلى ما استنبط منهما.
الدليل السادس: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -:
"تعمل هذه الأُمَّة برهة بكتاب اللَّه، وبرهة بسُنَّة رسول اللَّه، وبرهة بالرأي، فإذا فعلوا ذلك ضلوا وأضلوا ".
وجه الدلالة: أن الأُمَّة إذا عملت بالرأي، فإن عملهم به مذموم
وموجب للضلال والإضلال، والقياس من الرأي، فيكون مذموماً،
وغير مشروع.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن هذا الحديث ضعيف، والضعيف لا يستدل به
على شيء، بيان الضعف: أنه كان من رواته عثمان بن عبد الرحمن
الزهري، وهذا متفق على ضعفه كما قال الهيثمي، وكذلك من
رواته جبارة بن المفلس، وهو ضعيف، كما قال ابن السبكي.
الجواب الثاني: أن الحديث على فرض صحته، فإنه معارض
بالأحاديث القوية التي استدللنا بها على حجية القياس السابقة،
وحينئذ يجب الجمع بينهما، ووجه الجمع: أن يحمل هذا الحديث
الذي اً ستدل به المنكر للقياس على القياس الفاسد، وهو الذي
(4/1882)

لم يستجمع شروط القياس، وتحمل الأحاديث الدالة على جواز القياس
على القياس الصحيح، وهو المستجمع لشروط القياس، وعلى هذا
فإنه يعمل بالدليلين.
الدليل السابع: ما روي عن - صلى الله عليه وسلم -:
"الحلال ما أحلَّ اللَّه والحرام ما حرَّم اللَّه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه ".
وجه الدلالة: أن الحديث قد بين أقساما ثلاثة هي: " حلال "،
و" حرام "، و " مسكوت عنه لا يلحق بالحرام ولا بالحلال "، فلو
قلتم بالقياس فإما أن تلحقوا المسكوت عنه بالحرام، فيكون حراما
بعد أن كان مباحاً، وهذا تحريم لما أحله اللَّه بالسكوت عنه.
وإما أن تلحقوا المسكوت عنه بالواجب، ويكون تاركه آثما بعد
أن كان مباحاً، وعليه: فالقياس يؤدي إلى تحريم الحلال وإيجاب
المباح، وهذا خلاف ما دلَّ عليه الحديث والشرع كله، فيكون
القياس باطلاً، لأنه يؤدي إلى باطل.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن الحديث ضعيف، حيث إن من رواته سيف
ابن هارون البرجمي، ضعَّفه النسائي والدارقطني، كما نقله الذهبي،
والحديث الضعيف لا يصلح للاستدلال به على شيء.
الجواب الثاني: على فرض صحة الحديث فإنا لا نُسَلِّمُ أن ما ثبت
حكمه عن طريق القياس مسكوت عنه، فيكون معفواً عنه، وإنما هو
داخل فيما حرَّمه اللَّه، أو أوجبه؛ لأمرين:
أولهما: أن الشارع لما علل الحكم في المنصوص على حكمه
(4/1883)

جعل بهذا التعليل سريان حكمه في المسكوت عنه، فكان المسكوت
عنه محكوماً فيه معنى بحكم اللَّه.
ثانيهما: أن دخول الواقعة في التحريم أو الإيجاب كما يعرف
بدلالة اللفظ يعرف - أيضا - بالدلائل العامة التي تبينها مقاصد
الشريعة في جملة نصوصها، وعامة أحوالها.
الدليل الثامن: ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
" تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم فيُحلون الحرام، ويحرمون الحلال ".
وجه الدلالة: أن الحديث ظاهر في ذم من يقيس الأمور برأيه،
بل جعل القائلين بالقياس والعاملين به خطراً على الأُمَّة، وأنهم
يسببون الفتنة التي ذمَّها اللَّه، وهذا يبطل القياس.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن الحديث ضعيف، حيث قال يحمص بن معين:
إن هذا الحديث ليس له أصل، والحديث الضعيف لا يصلح
للاستدلال به.
الجواب الثاني: على فرض صحة الحديث، لكنه معارض
بالأحاديث التي دئَت على حجية القياس - وهي التي ذكرناها فيما
سبق - فيجب - حينئذٍ - الجمع بينها، ووجه الجمع: أن نحمل
هذا الحديث على القياس الفاسد، وهو الذي لم يستكمل شروط
القياس، وأن القائس ليس أهلاً للاجتهاد، ويؤيد ذلك قوله فيه:
"فيحملون الحرام، ويحرمون الحلال "، ونحمل الأحاديث التي
(4/1884)

دلَّت على العمل بالقياس على القياس الصحيح المستكمل لشروط
القياس.
الدليل التاسع: ما روي عن - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
" ما هلكت بنو إسرائيل حتى كثر فيهم المولدون: أبناء سبايا الأمم،
فأخذوا في دينهم بالمقاييس فهلكوا وأهلكوا ".
وجه الدلالة: الحديث بيق أن ذم بني إسرائيل كان بسبب القياس
الذي استعملوه في دينهم، فمن فعل مثل ما فعلوا فقد استحق الذم
من اللَّه تعالى، أي: فمن استعمل القياس في معرفة الأحكام فقد
استحق الذم، فيكون استعمال القياس مذموما.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن الحديث لم يصح؛ لأن في سنده سويداً قال
عنه الإمام أحمد: إنه متروك الحديث، وقال الشهاب البوصيري:
إنه ضعيف، وفي سنده - أيضا - ابن أبي الرجال وهو متروك عند
النسائي، ومنكر الحديث عند البخاري، وإذا كان الحديث لم يصح
فلا يصلح للاستدلال به.
الجواب الثاني: على فرض صحة الحديث فإنه يحمل على القياس
الفاسد، وهو الذي لم يستكمل شروط القياس، أو أن القائس لم
يكن أهلاً للقياس، ويؤيد ذلك معنى الحديث؛ حيث إن معناه:
إنهم لم يعرفوا الأشباه، ولم يدركوا الإمثال ونظائرها، بل قاسوا
بالهوى والتعصب كما فعلوا في الشحوم حين حرمها الله عليهم،
فجملوها وباعوها، وما هذا إلا ضلال لا يقول به عاقل.
(4/1885)

وعلى هذا فالقياس الصحيح وهو المستكمل لشروط القياس،
وفاعله من أهل الاجتهاد، وهو الذي يجري على حسب أمر الشارع
لا يؤدي إلى ضلال، بل يؤدي إلى حق، والحق يجب اتباعه،
فيكون القياس حُجَّة.
الدليل العاشر: إجماع الصحابة السكوتي دلَّ على أن القياس
ليس بحُجَّة.
بيان ذلك: أنه نقل عن بعض الصحابة ذم العمل بالقياس - وقد
ذكرنا عدداً من النصوص على ذلك أثناء الاعتراض على الوجه الثاني
من وجوه تقرير الإجماع عند الجمهور - وهم القائلون بحجية القياس
وقد سبق -.
قال المنكرون للقياس: ولم يظهر من واحد منهم الإنكار على
ذلك الذم، وذلك يدل على انعقاد الإجماع على فساد القياس،
وعلى أن اللَّه لم يتعبدنا به.
جوابه:
لقد أجبنا عن ذلك بجوابين: " جواب إجمالي "، و " جواب
تفصيلي ".
أما الجواب الأجمالي فقد سبق بالتفصيل، ولا مانع من أن أشير
إليه هنا تذكرة للقارئ وهو: أن أقول: إن كل نص ورد فيه ذم
للقياس والرأي وأهله: فالمقصود فيه القياس الفاسد، وهو الذي لم
يستكمل شروط القياس، أو ورد من شخص ليس أهلاً للاجتهاد،
وأن كل نص ورد فيه مدح للقياس فالمقصود فيه القياس الصحيح،
إلى آخر ما قلناه هناك.
(4/1886)

وأما الجواب التفصيلي فالمقصود منه: الجواب عن كل نص ونقل
عن الصحابة فيه ذم للقياس، وقد سبق بيان ذلك هناك، ولا داعي
لتكراره.
الدليل الحادي عشر: إجماع العترة دلَّ على أن القياس ليس بحُجَّة
والمراد منهم: علي بن أبي طالب وزوجته فاطمة الزهراء، والحسن
والحسين، بيان ذلك:
أن المستدلين قالوا: كما نعلم بالضرورة - بعد مخالطة أصحاب
النقل - أن مذهب الأئمة الأربعة - وهم أبو حنيفة، ومالك،
والشافعي، وأحمد - القول بالقياس، فكذا نعلم بالضرورة أن
مذهب أهل البيت كالصادق والباقر إنكار القياس؛ حيث انعقد
إجماعهم على ذلك، وإذا ثبت أن آل البيت أجمعوا على إنكار
القياس ثبت أنه لا يجوز العمل به؛ لأن إجماعهم حُجَّة.
وهذا قول الشيعة الإمامية.
قال الحيدري: " ومذهب أهل البيت معلوم متواتر عنهم قد نقله
الخلف عن السلف في رد القياس، ورد من قال به ".
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن نقل الشيعة الإمامية إنكار القياس عن العترة
معارض بنقل الشيعة الزيدية عن العترة وجوب العمل بالقياس، قال
يحيى الزيدي: " إن أكثر أهل البيت قائلون بالقياس، وكيف يدعى
إنكار القياس والإمام علي بن أبي طالب قد عمل بالقياس في فتاويه،
وكذا من جاء من بعده من أئمة الشيعة " اهـ.
(4/1887)

فهنا ثبت أن النقلين متعارضان، فبطلت دعواهم أن العترة أجمعوا
على إنكار القياس، وإذا كان النقلان متعارضين، فلا بد من الجمع
بينهما، ووجه الجمع: أن نحمل قول من قال بعدم حجية القياس
بأنه يقصد القياس الفاسد الذي لم يستكمل شروط القياس أو الصادر
من غير أهل الاجتهاد، ونحمل قول من قال بحجية القياس بانه
يقصد القياس الصحيح الذي استكمل شروط القياس.
الجواب الثاني: إن سلمنا صحة حصول إجماع العترة على إنكار
لمقياس، فإنا لا نُسَلِّمُ أن إجماعهم حُجَّة على غيرهم عند المخالفة؛
لأن العترة بعض المجتهدين، والإجماع ينبغي أن يتفق عليه كل
المجتهدين الموجودين في العصر الواحد؛ لأن العصمة ثبتت للكل،
لا للبعض، فيكون قول الكل هو الحُجَّة، فيبطل - بذلك -
دعواهم أن إجماع العترة حُجَّة.
الدليل الثاني عشر: أن القياس يؤدي إلى الخلاف والمنازعة بين
المجتهدين؛ لأن مقدماته ظنية، والظن سبيل الخلاف، لا سبيل
الوفاق، والخلاف والمنازعة منهي عنهما؛ لقوله تعالى:
(وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) ،
وبذلك يكون القياس منهياً عنه، فيحرم العمل به.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول؛ أن الخلاف والمنازعة المنهي عنها في الآية المراد بها:
الخلاف والمنازعة في الحروب وسياسة الأمَّة وإدارة شئونها؛ حيث إنها
توجب الفشل وتسبب الهزيمة أمام الأعداء، أما الخلاف والمنازعة في
(4/1888)

الأحكام الشرعية، بحيث يرى مجتهد ما لا يراه الآخر لدليل ثبت
عنده: فليس منهياً عنها بدليل: ما اشتهر عن الصحابة أنهم اختلفوا
في مسائل كثيرة تكاد لا تحصى كمسألة الجد والإخوة، والخلع،
والتحريم، والعول، وغيرها، ولو كان الاختلاف والمنازعة منهيا
عنها على الإطلاق: لكان الصحابة قد أخطأوا في ذلك، بل لكانت
الأمَّة كلها مخطئة، وهذا ممتنع؛ لأن الأُمَّة معصومة عن الخطأ.
الجواب الثاني: أنه بناء على اعتقادكم وهو: أن الظن سبيل
الخلاف يكون كل ما أفاد الظن منهيا عنه؛ لأنه يؤدي إلى المنازعة،
فيلزم على هذا: أن لا نعمل بظواهر النصوص، ولا خبر الواحد،
ولا الشهادة، ولا الأدلة العقلية، فتبطل بذلك أغلب أدلة الشرع،
وهذا لا يقوله عاقل.
الدليل الثالث عشر: أن القياس مبني على التعليل، والشريعة
الإسلامية مبنية على التعبد والتحكم، فالقياس على هذا لا يمكن في
الشريعة، لعدم التناسب بينهما.
أما الدليل على أن القياس مبني على التعليل فهو قولكم: إن مدار
القياس على العلَّة، فإن وجدت عِلَّة الأصل في الفرع ألحقناه به،
وإن لم توجد لا يجوز الإلحاق.
وأما الدليل على أن الشريعة مبنية على التعبد والتحكم، فهو أنها
تفرق بين المتماثلات في الحكم، وتجمع بين المختلفات في الحكم.
أما التفرقة بين المتماثلات فمنها الصور التالية:
الأولى: أن الشارع رخص في قصر الصلاة في الرباعية في حق
المسافر، دون الثلاثية والثنائية مع أن الصلوات متماثلة.
(4/1889)

الثانية: أن الشارع فضل بعض الأزمنة والأمكنة على بعض:
ففضل ليلة القدر على سائر الأزمنة مع أنها متماثلة مع باقي الليالي،
وفضل مكة والمدينة وبيت المقدس وعرفة وسائر المشاعر مع أن الأمكنة
متماثلة.
الثالثة: أنه أوجب قضاء الصوم على الحائض والنفساء، ولم
يوجب قضاء الصلاة عليهما مع أنهما متماثلين؛ حيث إن كلًّا منهما
عبادة بل الصلاة أولى من الصوم بالمحافظة.
الرابعة -: أنه فرض الغسل من المني وأبطل الصوم بإنزاله عمداً،
وهو طاهر، دون البول، وهو نجس.
الخامسة: أنه حرم النظر إلى العجوز الشوهاء القبيحة المنظر إذا
كانت حرة مع أنها لا تفق الشبان ألبتة، وأباح النظر إلى الأمَة الشابة
الحسناء مع أنها تفق الشيخ الهرم.
السادسة: أنه أوجب قطع يد سارق القليل دون غاصب الكثير مع
أنهما متماثلين، بل غاصب الكثير أوْلى بالقطع.
السابعة: أنه أوجب الجلد بالقذف بالزنا، دون القذف بالكفر مع
أن القذف بالكفر أشد.
الثامنة: أنه أوجب جلد قاذف الحر الفاسق، دون قاذف العبد
العفيف.
التاسعة: أنه قبل في القتل شاهدين، دون الزنى فإنه لا يقبل فيه
إلا أربعة، مع أن القتل أشد من الزنى.
العاشرة: أنه أوجب غسل الثوب من بول الصبية، وأوجب
الرش من بؤل الصبي.
(4/1890)

الحادية عشرة: أنه فرق في العدة بين الموت والطلاق مع أن الرحم
لايختلف فيهما.
فكيف مع ذلك التفريق بين المتماثلات أن يقال بجواز القياس في
الشريعة؟! إذ لو جاز القياس لألحق المثل بالمثل، ولكنه لم يفعل.
أما الجمع بين المختلفات فمنها الصور التالية:
الأولى: أن الشارع سوَّى بين قتل الصيد في الحج عمداً والقتل
خطأ في وجوب الضمان مع أنهما مختلفان.
الثمانية: أنه سوَّى بين الصبية المتوفى عنها والكبيرة في العدة مع
اختلافهما.
الثمالثة: أنه سوَّى بين الماء والتراب؛ حيث جعل التراب كالماء مع
وجود الاختلاف؛ حيث إن التراب لا ينظف، بل يزيد في تشويه
الوجه.
فبسبب هذه الصور أثبت النظام أن الشريعة فرقت بين المتماثلات
وجمعت بين المختلفات في الحكم، وقال: إذا كان هذا هو حال
هذه الشريعة، فلا مجال للعقل فيها، وبالتالي لا يسوغ استعمال
القياس فيها؛ لأنه مبني على تعقل المعنى الذي من أجله شرع
الحكم، والعقل لا يمكنه إدراك مثل هذه الأمور.
هذا هو الدليل الثالث عشر على عدم حجية القياس.
جوابه:
يجاب عنه بأجوبة:
الجواب الأول: أن الأحكام أقسام ثلاثة:
(4/1891)

القسم الأول: أحكام لم نعرف عللها، فهو تعبدي كعدد
الصلوات والركعات.
القسم الثاني: أحكام قد تُردد في تعليله.
القسم الثالث: أحكام قد عرفنا عللها.
ونحن لم نقل بأن القياس جائز مطلقا، بل لا نقيس إلا بشروط
منها: قيام الدليل على أن الحكم معلل، ودليل على عين العِلَّة
المستنبطة، ودليل على وجود تلك العِلَّة في الفرع، والصور التي
ذكرها النظام لم تتوفر فيها هذه الأدلة، فلذلك لم يجر فيها
القياس، فيكون الاعتراض بها باطل، وعدم ظهور الحكمة فيها لمثل
النظام لا يجعلها دليلاً على أن كل أحكام الشريعة غير معللة،
وبالتالي لم يصح الأخذ بالقياس عليها.
الجواب الثاني: أن هذه الصور التي أراد النظام بسردها أن يثبت أن
الشريعة جمعت بين المختلفات، وفرقت بين المتماثلات قليلة جداً
ونادرة، وورود الصور النادرة على خلاف الغالب لا يقدح في
حصول الظن، كما أن الغيم الرطب إذا لم يمطر في حالة واحدة لا
يقدح في ظن نزول المطر منه، فامتناع القياس في صور معدودة لا
يقتضي امتناعه من أصله.
الجواب الثالث: وهو الجواب التفصيلي عن كل صورة ذكرها
النظام فأقول:
أولاً: ما ذكره من صور التفرقة بين المتماثلات، فالجواب عنها فيما
يلي:
- أما قوله في الصورة الأولى: " إنه رخص في قصر الصلاة في
الرباعية للمسافر دون الثلاثية والثنائية "، فالجواب عنه: بأنه فرق
(4/1892)

بينها، لقيام الفارق وهو: أن القصد من قصر الصلاة إنما هو
التخفيف على المسافر، والمحتاج للتخفيف إنما هو العدد الكثير المانع
للمسافر من قضاء حوائجه كالرباعية، دون العدد القليل كالثنائية،
فهي خفيفة على المسافر لا تمنعه من قضاء حوائجه.
وأيضا: فإن الصلاة الثنائية لو قصرت لعادت إلى ركعة واحدة،
وذلك ليس له نظير في أصل مشروعية الصلاة.
أما الثلاثية فإنه لا يمكن قصرها؛ لأمور:
أولها: أنه لا يمكن شطرها.
ثانيها: أنه لو حذف ثلثيها فإنه يبقى ركعة واحدة، وهذا مخل
لها، وليس لذلك نظير في أصل مشروعية الصلاة.
وثالثها: أنه لو حذف ثلثها، فإنه تبقى ركعتان، وهذا يخرجها
عن حكمة مشروعيتها وترأ، فإنها شرعت ثلاثا، فتكون وتر النهار
كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
" وتر الليل ثلاث كوتر النهار صلاة المغرب ".
أما قوله في الصورة الثانية: " إنه فضل بعض الأزمنة والأمكنة مع
أنها متماثلة،، فالجواب عنه: أنه ليس المعنى المقتضي للتفضيل هو
حقيقة الزمان والمكان كما توهم النظام، بل إن بعض الأزمنة وبعض
الأمكنة فضلت لوجود ما يقتضي لذلك التفضيل من الأمور التي
وقعت فيها: فليلة القدْر فضلت عن سائر الليالي؛ لأن القرآن نزل
فيها، وجعلت ميعاداً لنزول الملائكة والروح فيها بإذن ربهم،
ففضلت عند الخلائق بسبب ما ينزل بها من النعم والرحمات،
فكانت العبادة فيها أفضل حتى يكون حظ العبد فيها أوفر.
(4/1893)

ومكة المكرمة فضلت؛ نظراً لوجود المسجد الحرام والمشاعر
الكريمة.
والمدينة فضلت؛ لأنها مكان هجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأهلها أول من بايعه على النصرة والمنعة، وفيها قبر أفضل الخلق نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -.
وفضل بيت المقدس؛ لأن فيه المسجد الأقصى، وهو أولى
القبلتين، ومجمع الأنبياء، والمكان الذي أسري النبي - صلى الله عليه وسلم - إليه، وعرج منه إلى السماء.
وفضلت عرفة؛ لأنه محل وقوف الجم الغفير من الخلائق
متجردين ملبين.
فاتضح مما سبق أن التفضيل لا لأجل حقيقة الزمان والمكان، بل
لوجود ما يقتضي ذلك التفريق، ونتيجة لذلك اختلف الحكم، فبطل
ما ادعاه النظام من أنها متساوية.
وأما قوله في الصورة الثالثة: " إنه أوجب قضاء الصوم على
الحائض والنفساء دون قضاء الصلاة مع أنهما متماثلين "، فالجواب
عنه: أن إيجاب قضاء الصوم دون الصلاة ليس ذلك لزيادة العناية
بالصوم دون الصلاة، بل السر في ذلك: أن الشارع نظر إلى المشقة
وعدمها، والمصلحة وعدمها، بيان ذلك:
أنه نظراً لحصول المشقة الشديدة في قضاء الصلاة؛ لتكررها لم
يوجب الشارع قضائها، ونظراً لعدم المشقة في الصوم فإنه أوجب
قضائها.
وأيضا: فإن مصلحة الصلاة ستحصل فى زمن الطهر - لتكررها -
فلم يوجب قضائها، وأما مصلحة الصوم فإنها لا تحصل - لعدم
تكرره - فأوجب قضائه لتحصل المصلحة.
(4/1894)

فثبت بذلك أن بين الصلاة والصوم فرقا اقتضى ذلك الاختلاف في
الحكم، فبطل ما ادعاه النظام من كونهما متماثلين.
وأما قوله في الصورة الرابعة: " إنه أوجب الغسل من المني وأبطل
الصوم بإنزاله عمداً وهو طاهر، دون البول وهو نجس "، فالجواب
عنه: أن بين المني والبول فروقاً هي كما يلي:
الأول: أن المني يخرج من جميع البدن، لذلك سماه اللَّه تعالى
سلالة؛ لأنه يسيل من جميع البدن، وأما البول فهو فضيلة الطعام
والشراب المستحيلة في المعدة والمثانة، فتأثر البدن بخروج المني أعظم
من تأثره بخروج البول.
الثاني: أن الجسم كله يحصل له ارتخاء وثقل وكسل عقب خروج
المني، والاغتسال بالماء يشده ويعيد إليه قوته، أما البول إذا خرج فلا
يحدث في الجسم ذلك، فلا يحتاج إلى الاغتسال.
الثالث: أن إيجاب الغسل من المني وإبطال الصوم بإنزاله عمداً
ليس في ذلك حرج ومشقة؛ نظراً لقلة ما يقع، أما البول فإنه لو
أوجب اللَّه الغسل في كل مرة يبول فيها الإنسان لوقع الناس في حرج
ومشقة؛ نظراً لكثرة ما يقع.
فثبت أن المني يختلف عن البول فاقتضى ذلك اختلافهما في الحكم،
فبطل ما ادعاه النظام في أنهما متماثلان.
وأما قوله في الصورة الخامسة: " إنه حرم النظر إلى العجوز
الشوهاء إذا كانت حرة، وأباح النظر إلى الأمَة الحسناء "، فالجواب
عنه: أن الذي أوقع النظام في هذه الشبهة: أنه أخطأ في العِلَّة
ومقصد الشارع هنا؛ حيث توهم بأن السر؛ في ذلك الحكم هو القبح
والحسن في جزئيات النساء، وليس ذلك بصحيح، بل إن الحرة
(4/1895)

حرَّم النظر إليها مهما كانت، دون الأمَة مهما كانت؛ لأنه يوجد
فرق، وهو: أن المقصود من الأمَة الخدمة، وهي تستوجب التعرض
للنظر، وتكون الأمَة معها مبتذلة؛ إذ لا يمكن أن تقوم بعملها تمام
القيام وهي متسترة، وليس المقصود من الأمَة التزوج والنكاح لما
يترتب عليه استرقاق الولد، ولهذا لم يجز التزوج بأمَة الغير إلا فى
حالة الضرورة القصوى، من أجل ذلك أباح النظر إليها، فلو حرم
النظر إلى الأمَة لوجد في ذلك مشقة شديدة.
أما الحرة، فبما أنها قد أعدت للتزوج بها وإنكاحها، وهي
المقصودة للنسل والذرية، فإن ذلك كان داعيا إلى المحافظة عليها،
وتكريمها وتحسينها أمام الرجال الأجانب بمنع النظر إليها؛ دفعاً للفتنة
وحفظا للأنساب.
فثبت بهذا أن بين الحرة والأمَة فرقا اقتضى اختلاف الحكم.
فبطل - بهذا - ما قاله النظام من أنهما متماثلان.
وأما قوله في الصورة السادسة: " إنه أوجب قطع يد سارق القليل
دون غاصب الكثير مع أنهما متماثلان "، فالجواب عنه: أن بين
السرقة والغصب فرقا هو: أن السرقة أخذ مال الغير خفية من حرز
مثله في وقت ليس للمال حارس، ولا مدافع، أي: أن السارق لا
يمكن الاحتراز منه؛ حيث إنه ينقب الدور، ويهتك الحرز، ويكسر
القفل، ولا يستطيع صاحب المال الاحتراز بحفظ ماله بكثر من ذلك
فلو لم يشرع قطع يده لكثرت السرقة وعظم الضرر، واشتدت المحنة
بالناس؛ حيث يجمع شخص ماله بكل مشقة، ثم يأخذه شخص
آخر بدون أدنى تعب.
أما الغاصب فإنه يأخذ المال بمرأى من الناس، وبمرأى من صاحب
(4/1896)

المال، فيمكن التحرز منه، ويمكن للناس أن يأخذوا على يديه،
ويقوموا بأخذ حق المظلوم والمغصوب، ويشهدوا أمام القضاء على
اعتدائه.
فثبت أن بين الغاصب والسارق فرقا اقتضى ذلك اختلاف الحكم
فيهما، فبطل ما ادعاه النظام من أنهما متماثلان.
وأما قوله في الصورة السابعة: " إنه أوجب الجلد بالقذف بالزنى
دون القذف بالكفر "، فالجواب عنه: أن الذي جعل النظام يقول
بذلك هو توهمه بأن السر في حد القذف كونه رماه بأمر محرم شرعا
لذلك قال بأن القذف بالكفر أشد، فهو أوْلى بهذا الحد، وهذا
ليس بصحيح، بل بين القذف بالزنى والقذف بالكفر فرقان هما:
الفرق الأول: أن جلد القاذف بالزنى في غاية المناسبة؛ حيث إنه
لا سبيل إلى العلم بكذبه، فجعل الحد تكذيبا له، وتبرئة لعرض
المقذوف.
الثاني: أن المقذوف بالزنى يلحقه من العار والشنار ما اللَّه به عليم
لا سيما إدا كان المقذوف بالزنى امرأة، فإن العار والمعرة التي تلحقها
بالقذف بين أهلها وتشعب ظنون الناس فيها، وكونهم بين مصدق
ومكذب: لا يمكن أن يلحقها مثله بالقذف بالكفر؛ حيث إن الكفر
فيه تعاظم وجبروت وقوة بخلاف الزنا، فإن فيه خسة، ودناءة،
وسفول، ولو خير شخص بين الزواج بكافرة لم تزن ولا يمكنها أن
تفعل ذلك، وبين مسلمة قد زنت مرة واحدة، أو قيل عنها شيء في
ذلك لاختار الكافرة اليهودية أو النصرانية؛ وذلك لعظم الزنى في
الشريعة وفي نفوس الأحرار من الناس؛ لكونه يخلط الأنساب،
ويسبب شك الزوج في هؤلاء الأولاد هل هم له أو لغيره طول عمره.
(4/1897)

فثبت أن بين القذف بالزنى والقذف بالكفر فرقا، فاقتضى ذلك أن
يختلف الحكم فيهما.
وأما قوله في الصورة الثامنة: " إنه أوجب جلد قاذف الحر الفاسق
دون قاذف العبد العفيف "، فالجواب عنه: أن الجلد ليس المعنى فيه
مجرد العفة حتى يكون قاذف العبد العفيف أحق بهذا الحد، بل المعنى
الذي اقتضى حد القذف هو: ما سبق قوله في جواب الصورة
السابعة من أن الزنى مستقبح في العادات، وأن العار الذي يلحق
فاعله لا يستطيع أن يتحمله من كان عنده شيء من المروءة والشهامة
والشيمة، فلو ترك الناس يقذف بعضهم بعضا بهذا الأمر المستقبح
دون إقامة الحد على القاذفين، لأدى ذلك إلى مفاسد لا تعد ولا
تحصى، يقوم بتلك المفاسد الحاقدون والحاسدون الذين يريدون
إسقاط وإهدار قيمة الآخرين، وإذهاب كرامتهم، وبما أن الحر
أشرف من العبد خص بهذه المزية، دون العبد الذي هو نازل القدر
شرعاً، فثبت أن ما ادعاه النظام غير صحيح.
وأما قوله في الصورة التاسعة: " إنه يقبل في القتل بشاهدين،
دون الزنى لا بد فيه من أربعة "، فالجواب عنه: أن هذا في غاية
الحكمة والمصلحة، فكان الشارع قد احتاط للقصاص وللدماء كما
احتاط لحد الزنى، بيان ذلك:
أن الشارع لو لم يقبل في القتل إلا أربعة شهود لتجرأ المعتدون
على القتل، وضاعت أكثر الدماء.
وأما الزنى فإنه قد بالغ في ستره، فلم يقبل فيه إلا أربعة شهود
يشهد كل واحد منهم بما رآى شهادة يتنفى معها الاحتمال، وكذلك
في الإقرار به لم يكتف بأقل من أربع مرات؛ احتياطاً من الشارع في
(4/1898)

إثباته، وحرصا على ستره، كما كره الشارع إظهاره والتكلم به،
وتوعد من يحب إشاعته في المؤمنين بالعذاب الأليم في الدنيا
والآخرة، وما ذلك إلا لما يلحق الشخص بالزنى من العار، بخلاف
ما يلحق القاتل.
فثبت اختلافهما فاقتضى ذلك اختلافهما في الحكم، فبطل توهم
النظام.
وأما قوله في الصورة العاشرة: " إنه أوجب غسل الثوب من بول
الصبية، - وأوجب الرش من بول الصبي مع تماثلهما لا، فالجواب
- عنه: أنه نرق بينهما لوجود فروق هي كما يلي:
الأول: أن بول الأنثى أخبث وأنتن من بول الذكر؛ لما في الأنثى
من برودة ولما في الذكر من حرارة، والحرارة تخفف من نتن البول.
الثاني: أن بول الصبية ينزل في مكان واحد فيسهل غسله، أما
بول الصبي فإنه لا ينزل في مكان واحد، بل ينزل متفرقاً، فيشق
غسله.
الثالث: أن الصبي يكثر حمل الرجال والنساء له، فالبلوى تعم
ببوله فيشق غسله، بخلاف الصبية.
فلما ثبتت هذه الفروق بين الصبي والصبية اختلف الحكم، فبطل
ما ادعاه النظام من أنهما متماثلان.
وأما قوله في الصورة الحادية عشرة: " إنه فرق في العدة بين الموت
والطلاق مع أن الرحم لا يختلف فيهما "، فالجواب عنه: أن
الشارع فرق بين عدة المتوفى عنها وعدة المطلقة؛ لوجود الفارق
بينهما وهو: أن صاحب النسب في حال الموت غير موجود،
(4/1899)

فاحتيط له بأربعة أشهر وعشراً، بخلاف المطلق؛ حيث إنه موجود،
فتبين أنه ليس المقصود من العدة براءة الرحم فقط، ولما وجد هذا
الفارق فرق الشارع بينهما في الحكم، فبطل ما ادعاه النظام من
تماثلهما.
ثانيا: ما ذكره من صور الجمع بين المختلفات، فالجواب عنها فيما
يلي:
أما قوله - في الصورة الأولى -: " إن الشارع قد سوى بين قتل
الصيد في الحج عمداً، والقتل خطأ في وجوب الضمان مع
اختلافهما "، فالجواب عنه: أن هذا من باب الحكم الوضعي؛
حيث إن سبب الضمان وجد فيهما وهو: نفس الإتلاف، وإن افترقا
في الإثم، وربط الضمان بالإتلاف من باب ربط الأحكام باسبابها،
وهذا في غاية العدل، فلو فرق بين المتعمد والمخطئ في الضمان
لادعى المتلف الخطأ وعدم القصد والعمد، فتساويا في الحكم،
فبطل ما ادعاه النظام من اختلافهما.
وأما قوله - في الصورة الثانية -: " إنه سوى بين الصبية المتوفى
عنها والكبيرة في العدة مع اختلافهما "، فالجواب عنه: أن هذا من
باب سد الذرائع؛ بيان ذلك: أن الصبية لو استثنيت من وجوب
العدة لوقع أن تزوج البنت باعتقاد أنها صغيرة مع أن رحمها مشغول،
فيحصل بذلك اختلاط في الأنساب، فاحتياطا للمحافظة على الأنساب
وجدت العدة حتى على المتيقن من براءة رحمها، فيكون تساوي
الصبية المتوفى عنها والكبيرة في العدة من باب الاحتياط، فبان من
ذلك عدم اختلافهما، فيكون ما ادعاه النظام من اختلافهما باطلاً.
وأما قوله - في الصورة الثالثة -: " إن الشارع قد سوى بين الماء
(4/1900)

والتراب حيث جعل التراب كالماء مع وجود الاختلاف.
فالجواب عنه: أنا لا نُسَلِّمُ أنه سوى بينهما، بل جعل التراب بدلا
عن الماء عند فقده، وجعل التراب بديلاً عن الماء عند فقده؛ لأمور
هي كما يلي:
الأول: أنه عام ومتيسر، ويحصل عليه كل الناس بدون مشقة.
الثاني: أن الشارع جمع الماء والتراب، وجعل منهما حياة كل
حيوان؛ حيث أخرج منهما أقوات بني آدم، والحيوانات.
الثالث: أن تكوين البشر من عنصرين: الماء والتراب.
الرابع: أن في استعمال التراب عند فقد الماء رفع للحرج الذي
يجده فاقد الماء، أو من يحتاج إلى شرب الماء إذا خاف على نفسه
في السفر أو الحضر.
فاتضح من ذلك أن الماء والتراب يجتمعان في أمور لذلك جمع
الشارع بينهما، وجعل التراب بد، عن الماء عند فقده.
الدليل الرابع عشر: أن البراءة الأصلية معلومة، والحكم الثابت
بالقياس لا يخلو إما أن يكون على وفق البراءة الأصلية، أو على
خلافها.
فإن كان الحكم الثابت بالقياس على وفق البراءة الأصلية، فإن
القياس غير مفيد؛ لأن الحكم حاصل بالبراءة الأصلية.
وإن كان الحكم الثابت بالقياس على خلاف البراءة الأصلية، فهو
ممتنع؛ لأن الحكم الثابت بالقياس معارض للحكم الثابت بالبراءة
الأصلية، والحكم الثابت بالبراءة الأصلية مقطوع به؛ لأن البراءة
دليل قطعي، والحكم الثابت بالقياس مظنون؛ لأن القياس دليل ظني،
والظني إذا عارض القطعي كان الظني باطلاً، فيلزم كون القياس
باطلاً.
(4/1901)

جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن الحكم الثابت بالقياس إذا وافق البراءة الأصلية
فهو يفيد التأكيد والتقوية، كما يقال: " دلَّ على هذا الحكم الكتاب
والسُّنَّة والإجماع "، فلا نسلم لكم عدم الفائدة.
أما إذا خالف الحكم الثابت عن طريق القياس البراءة الأصلية،
فلا نسلم أن هناك مقطوعاً به عارض مظنونا؛ لأن المقصود هو
استمرار البراءة الأصلية، واستمرارها مظنون، فيكون مظنون قد
عارض مظنوناً.
الجواب الثاني: على فرض التسليم أن فيه مقطوعا به عارض
مظنوناً، لكن هذا منقوض بمخالفة البراءة الأصلية بالنصوص الظنية
كخبر الواحد، والعمومات، وجواز العمل بالفتوى، والشهادة،
وتقويم المقومين، وجواز العمل بالظن بالأمور الدنيوية.
الدليل الخامس عشر: أن القياس لا يفيد إلا الظن؛ لأنه يعتمد
على مقدمات ظنية، وكل ما أفاد الظن يستحيل أن يتعبدنا اللَّه به؛ لأن الظن يؤدي بالمجتهدين إلى أن يحكموا حكما يمكن أن يكون
مخالفا لحكم اللَّه، ويؤدي إلى التخبط في أحكام الله.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنا معكم أن القياس يفيد الظن، ولكن ينبغي
التنبيه إلى أننا لا نقبل قياس كل أحد مطلقا، بل لا نقبل إلا قياس
المجتهد - وهو من توفرت فيه شروط المجتهد وهي كثيرة - فمن
(4/1902)

توفرت فيه تلك الشروط وبحث ودقق في المسألة، ثم بعد ذلك
خرج بحكم معين، فإن هذا هو حكم الله، وهو حكم ظني راجح،
والعمل به واجب.
أما الشخص الذي لم تتوفر فيه شروط الاجتهاد، فإن هذا لا
يقبل منه شيء وإن جزم بالحكم الذي ذكره؛ لأنه ذكره لا عن نظر
واستدلال، فيرد عليه جملة وتفصيلاً، حيث إنه هو يؤدي إلى حكم
يحتمل أن يكون مخالفاً لحكم اللَّه.
الجواب الثاني: أن هذا الدليل لهم منقوض بورود التعبد بالمظنون
كأخبار الآحاد، والنصوص التي فيها إجمال، أو عموم أريد به
خصوص، وقبول الشهادة، والاجتهاد في القبلة، وتقدير النفقات،
وتقييم المتلفات، فإذا أجازوا التعبد بهذه الظنون فليجيزوا التعبد
بالقياس، ولا فرق بينها بجامع: أن كلًّا منها لا يفيد إلا الظن.
الدليل السادس عشر: أن إثبات القياس لا يخلو إما أن يكون عن
طريق العقل أو طريق النقل، وكل الطريقين باطل، بيان ذلك:
أنه إن قيل: إنه ثبت عن طريق العقل فهو باطل؛ لأن العقل لا
مجال له في الشرعيات، وإن قيل: إنه ثبت عن طريق النقل فهو
باطل؛ لأن النقل قسمان: " متواتر "، و " آحاد "، فإن زُعم أنه
ثابت عن طريق التواتر فهو باطل؛ لأنه لو كان لعرفناه كما عرفه
ذلك المثبت له، وإن زعم أنه ثابت عن طريق الآحاد فهذا باطل
- أيضاً -؛ لأنه لا يجوز إثبات القواعد الأصولية بالآحاد.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أنه لا يجوز إثبات القاعدة الأصولية
(4/1903)

بخبر الواحد مطلقاً، بل إنه إذا كانت القاعدة وسيلة إلى العمل فإنه
يجوز إثباتها بالآحاد؛ قياساً على الفروع.
الجواب الثاني: أنا قد أثبتنا القياس عن طريقين: أحدهما:
الأخبار التي تلقتها الأُمَّة بالقبول، والأخبار التى تلقتها الأُمَّة بالقبول
تكون بمنزلة التواتر في إيجاب العلم والعمل، والثاني: إجماع
الصحابة - كما سبق بيانه -.
الدليل السابع عشر: أنه لو كان التعبد بالقياس جائزاً لما تعارضت
الأقيسة؛ لأن حجج اللَّه تعالى لا تتعارض ولا تتهافت، لكن
الأقيسة قد عارض بعضها البعض الآخر؛ حيث ترى أحد المتنازعين
من أهل القياس يزعم أن قوله هو القياس الصحيح، ثم يأتي الآخر
بقياس آخر يناقضه، ويزعم أنه هو القياس الصحيح.
جوابه:
إن سبب تعارض أقيستهم: اختلافهم في المعنى الذي علل به
الحكم تبعا لاختلاف أنظارهم في فهمه، كما يختلفون في فهم
الكتاب والسُّنَّة.
الدليل الثامن عشر: أنه لو جاز التعبد بالقياس لكان على عليته
دلالة، والدلالة إما أن تكون بالنص، وإما أن تكون بالعادات.
فإن زعم أنه دلَّ عليها بالنص فهذا ليس في محل النزاع؛ لأن
النزاع فِيما كانت العلَّة مستنبطة، والمستنبطة غير المنصوصة.
وإن زعم أنه دً عليها بالعادات، فهذا لا يجوز؛ لأن العادات لا
تثبت الأحكام الشرعية، فلا تكون مثبتة لعللها.
جوابه:
لا نسلم هذا الحصر فيما ذكرتم؛ فإن هناك طردا أخرى يعرف بها
(4/1904)

كون الوصف الجامع عِلَّة كا لإيماء، والتنبيه، والإجماع، والدوران،
والسبر، والتقسيم، والمناسبة - كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه -.
الدليل التاسع عشر: أن التحليل والتحريم أحكام شرعية،
والحكم خبر عن اللَّه، وأخبار اللَّه إنما تعلم بالتوقيف، لا بالقياس؛ القياس من فعل القائس، لا من توقيف الشارع، وربما أخطأ
القائس في الحكم، فكيف يكون حُجَّة مع هذا الاحتمال؟!
جوابه:
إن إثبات الحكم بالقياس أو نفيه يتوقف على ورود دليل من نص أو
إجماع على التعبد به، فلما ورد دليل يدل على ذلك كان إخباراً عن
إثبات الحكم بالفرع.
أي: أن الأحكام تعرف بالنص، وما عرف بالقياس فهو معروف
بالنص، لأن النص دال على القياس، فما أدى إليه فهو مأخوذ من
النص، وإن كان التوصل إلى ذلك بضرب من الاستدلال والنظر.
الدليل العشرون: أن التعبد بالقياس غير جائز في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث إنه لم يكن حُجَّة فيه؛ لعدم جواز الاجتهاد في عصره، فبطل
كونه متعبداً به في سائر العصور.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم -
قد استعمل القياس في أحاديث كثيرة قد ذكرنا بعضها في أدلتنا، فهذا فيه دلالة على مشروعية القياس.
الجواب الثاني: نسلم لكم أن القياس غير جائز في زمنه - صلى الله عليه وسلم -، ولكن هذا لا يدل على عدم جوازه بعد زمنه، لأن الناس في زمنه
(4/1905)

- صلى الله عليه وسلم - لم يكونوا بحاجة إلى القياس، لكون الوحي لا زال ينزل بأحكام لحوادث، بخلاف ما بعده من الأزمان.
الدليل الواحد والعشرون: أن أقوى عِلَّة عندكم هي: العِلَّة
المنصوص عليها ومع قوتها فإنها لا تقوى على إلحاق الفرع بالأصل،
فلو قال السيد لوكيله: " أعتق من عبيدي سالما؛ لأنه أسود "،
للزم من ذلك إعتاق سالم فقط، ولا يتعداه إلى كل أسود قياسا مع
أن العِلَّة منصوص عليها، وهذا متفق عليه، فكذلك لو قال
الشارع: " حرمت الربا في البر؛ لأنه مطعوم "، فإنه لا يتعدى
ذلك البر أبداً إلى كل مطعوم، فلا يقاس عليه كل مطعوم، فإذا
كانت العِلَّة المنصوص عليها لا توجب الإلحاق، فمن باب أوْلى أن
العِلَّة المستَنبطة لا توجب الإلحاق؛ لأنها أضعف منها.
جوابه:
يجاب عنه بأجوبة:
الجواب الأول: أنكم قستم كلام الشارع على كلام المكلَّفين،
وهذا لا يصح؛ لوجود الفرق بينهما.
ووجه الفرق: أنه لم يجز قياس غير سالم عليه بجامع السواد
بالاتفاق؛ لأن هذا يخص الأملاك، والشارع قد قيد الأملاك
حصولاً وزوالاً على ألفاظ قد تعبدنا اللَّه بها دون الإرادات، فلا
يجوز القياس فيها كالبيع، والشراء، والنكاح، والطلاق،
والعتاق، هذه الأمور لا بد من أن يتلفظ المالك بلفظة واضحة تدل
على مراده، فلو أن رجلاً قد أعطى آخر ثمنا لسلعة أضعاف ثمنها
الأصلي، وظهر على صاحب السلعة علامات الفرح، ولكنه
(4/1906)

لم يتكلم فإنه لا يصح البيع؛ لأنه لم يتلفظ بشيء، وهكذا القول في
العتق لا بد أن يقول: " أعتقت فلان "، وإلا لما صح العتق.
والسر في ذلك: أن اللَّه تعالى أراد حفظ مال المسلم، فلو أجاز
القياس في كلام المكلفين فيما يخص الأملاك لأصبح المسلم غنيا
وأمسى فقيراً.
أما الشارع، فإن الأحكام تؤخذ من ألفاظه، ومقاصده،
وسكوته، فلذلك يجوز أن نأخذ حكم المسكوت عنه من المنطوق به
بواسطة عِلَّة يستنبطها المجتهد.
الجواب الثاني: أننا لو فكرنا في ذلك تفكيراً لغويا مجرداً عن
الشرع لجاز القياس على العلَّة المنصوص عليها كقولنا: " لا تجالس
زيداً، فإنه مبتدع "، فإنَّ اللغة تقتضي عدم مجالسة كل مبتدع،
فكذا يجوز قياس كل أسود على سالم عن طريق اللغة، لكن الشرع
قد منع من هذا القياس؛ لأنه تعبدنا بألفاظ فيما يخص الأملاك.
الجواب الثالث: أنكم وقعتم فيما فررتم منه، حيث إنكم قد
استعملتم القياس لإبطال القياس، فقستم كلام الشارع على كلام
المكلفين، فإن كان القياس باطلاً عندكم، فإنه يبطل دليلكم هذا؛
لأنه مبني عليه.
الدليل الثاني والعشرون: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أوتي جوامع الكلم، ومع ذلك فإنه ذكر الأشياء الستة في حديث عبادة بن الصامت مع طوله، وترك عبارة: " حرمت الربا في المكيل " مع قصرها،
فكيف يليق به ذكر الطويل الموهم وهو حديث الأشياء الستة، وترك
الوجيز المفهم وهي عبارة: " حرمت الربا في المكيل "؟!
فلو كان القياس جائزاً لما شق على نفسه بذكر هذه الأشياء بأعيانها
-
(4/1907)

ولقال: " حرمت الربا في المكيل "، فما ذكرها بأعيانها إلا لأنه لا
يجوز الترابي فيها فقط، ولا يجوز القياس عليها.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن قولكم: " كيف يليق به ... " هذا تحكم
على اللَّه وعلى رسوله، وهو لا يجوز؛ لأنه لو فتح مثل هذا
لكثرت الاستفسارات عن الشريعة كلها، فيقال: لماذا طول في بعض
الأحكام وفصل فيها، وبعضها الآخر اختصر؟ ولماذا لم يبين أن
القياس حُحة، أو أنه ليس بحُجَّة لينقطع النزاع، وهكذا.
الجواب الثاني: على فرض جواز مثل هذه الأسئلة، فإنا نجيب
عن ذلك فنقول: إنه ترك الوجيز المفهم إلى الطويل الموهم لغرض
أراده وهو: الحث على طلب العلم والتشمير عن ساعد الجد لتبيين
ذلك للناس وتوضيحه،. وما ذلك إلا ليرفع الذين آمنوا والذين أوتوا
العلم درجات، ولتكون هذه النصوص محل تفكير وتدبر من قبل
المجتهدين إلى يوم القيامة، ولو أبان اللَّه كل شيء لحفظ ذلك، ولم
يشتغل أحد بالتفكير فيها ولسد باب الاجتهاد.
هذه أهم أدلة النكرين للقياس والجواب عنها فاتضح بذلك:
أن القياس يعتبر دليلاً من أدلة الشريعة يحتج به على إثبات
الأحكام الشرعية، ولقد أطلت في أدلة المثبتين، والنافين له والرد
عليها، لأمرين:
أولهما: أهمية القياس، حيث إن أكثر الأحكام الفقهية مبنية عليه،
وقد بيَّنت ذلك في التمهيد.
ثانيهما: أن الأدلة من قِبَل المثتبتين للقياس، وأدلة النافين له
(4/1908)

ومناقشتها تفيد القارئ معرفة واسعة لأسرار، وعلل، وحِكَم
الأحكام الشرعية، مما يجعله متوسعاً في معرفته لمقاصد الشريعة،
وهو مطلب مهم لكل طالب علم.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في حجية القياس خلاف معنوي، قد أثر في كثير من
الفروع الفقهية، ومنها:
1 - إذا دخل اللبن إلى جوف الصبي - دون السنتين - عن طريق
الأنف وهو السعوط، أو صب اللبن في الحلق ودخل الجوف، فإنه
بناء على المذهب الأول: يحرم ويثبت الرضاع؛ قياسا على الْتقام
الثدي، وعلة ذلك: أن كلًّا منهما يقوي العظم، وينبت اللحم،
وهذا مذهب الجمهور.
أما أصحاب المذهب الثاني: فإنهم ذهبوا إلى أن ذلك لا يحرم،
فلا يحرم عندهم إلا ما وصل إلى الجوف عن طريق الْتقام الثدي،
ولم يقولوا في ذلك بالقياس، وهذا رواية عن الإمام أحمد، وهو
مذهب الظاهرية.
2 - إذا قال الزوج: " أنت عليّ كظهر أختي "، أو قال أي لفظ
يشبه ذلك كقوله: أنت عليّ كيَدِ أمي، أو كرِجْلها، أو نحو ذلك
من تشبيه الزوجة بمن تحرم عليه، فإنه يحصل الظهار؛ قياسا على
لفظ الظهار الصريح، وهو قوله: " أنت عليّ كظهر أمي " التي
أجمع العلماء عليها، ولا فرق؛ حيث شبه ذلك بمن تحرم عليه،
وهذا قول أصحاب المذهب الأول وهم: المثبتون للقياس.
أما أصحاب المذهب الثاني - وهم المنكرون للقياس فقد ذهبوا إلى
(4/1909)

أنه لا يحصل الظهار إلا بقول الرجل لزوجته: " أنت علي كظهر
أمي " دون غيرها من الصيغ، ولم يأخذوا بالقياس.
3 - ذهب أصحاب المذهب الأول - وهم المثبتون للقياس - إلى
أن كل صنف يشابه الأصناف الستة الواردة في حديث عبادة بن
الصامت وهي: الفضة، والذهب، والبر، والشعير، والملح،
والتمر، فإنه يجري فيه الربا كما جرى في هذه الأصناف، قياسا
عليها، فيجري الربا في الأرز والذرة والعدس وغير ذلك، وهو
مذهب الجمهور.
أما أصحاب المذهب الثاني - وهم المنكرون للقياس - فإنهم
قالوا: إن الربا لا يقع إلا في هذه الأصناف الستة فقط، ولا يتعدى
حكم الربا إلى غيرها؛ بناء على عدم جواز القياس عندهم، فلا ربا
عندهم في الأرز، والذرة.
(4/1910)

المبحث الرابع النص على عِلَّة الحكم هل هو أمر بالقياس أو لا؟
بيان المقصود بهذه المسألة: إذا ذكر الشارع وصفا صالحاً لتعليل
الحكم به كقوله - صلى الله عليه وسلم - في لحوم الأضاحي: " كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي من أجل الدافة "،
أو قولك: " حرمت الخمر لعلة الإسكار "، فهل يُعد هذا أمراً بإجراء القياس في كل ما توجد فيه هذه العِلَّة؟
أي: أن الشارع إذا نص على علَّة الحكم في محل ثم وجد
المجتهد تلك العلَّة في محل آخر، هل يجب عليه أن يعدي الحكم
إلى ذلك المحل الآخر الذي وجدت العِلَّة فيه، أو لا يجب على
المجتهد، ولا يكلف بتعدية الحكم إلى غير ذلك المحل الذي نص فيه
على العِلَّة إلا إذا ورد فيه أمر يُفيد التعبد بالقياس.
اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن التنصيص على العِلَّة يفيد الأمر بالقياس مطلقا،
أي: سواء كان التنصيص على العِلَّة َ في جانب الفعل بأن يكون
الحكم إيجاباً أو ندبا، أو في جانبَ الترك بأن يكون الحكم تحريما أو
كراهة.
وهو مذهب أبي الخطاب الحنبلي، وأكثر الحنابلة، واختاره أبو
إسحاق الشيرازي، وأبو بكر الجصاص، والكرخي، وأكثر الحنفية،
وأبو الحسين البصري، وأشار إليه أحمد.
(4/1911)

وهذا المذهب هو الحق عندي، للأدلة التالية:
الدليل الأول: أنه لو لم يجز القياس على العلَّة المنصوص عليها
لم يكن للنص عليها فائدة؛ حيث لا فائدة لذكَرها في النص إلا
القياس عليها، وإلا لكان وجودها عبثاً.
اعتراض:
قال قائل - معترضاً -: إن هناك فائدة وهي: أن يعلمنا أنها عِلَّة،
حيث عقلنا المعنى الذي من أجله شرع الحكم، ولا نقول بالتعميم
إلا بدليل يدل عليه، وإذا كان المقصود هو العلم بالعِلَّة، فالعلم
نفسه فائدة.
جوابه:
إنه يلزم على قولكم هذا أن يكون الأمر لا يفيد الوجوب أو
الندب، وكذلك لا يفيد التحريم أو الكراهة، وإنما تكون فائدته أن
يُعلم أنه أمر، أو نهي، وكذلك سائر أقسام الكلام.
فيثبت: أنه لا فائدة في معرفة العِلَّة وذكرها إلا لنعرف المصلحة
فيها، وإذا عرفت المصلحة لزمه العمل عليها أين وجدت من المحال،
وإلا فذلك الحكم قد استفدناه بالنص، فلا فائدة في معرفة علته.
الدليل الثاني: أن التنصيص على العِلَّة يفيد وجوب تعميم الحكم
في جميع المحال التي وجدت فيها تلكَ العِلَّة، مثل لو قال الله
تعالى: " أوجبت أكل السُّكَّر في كل يوم؛ لأَنه حلو "، لكان ذلك
تعليلاً لوجوبه في كل يوم؛ ولعلمنا أن الحلاوة - فقط - وجه
المصلحة في الوجوب في كل يوم؛ حيث قصر التعليل عليها، فإذا
ثبت ذلك علمنا: أن الحلاوة هي المؤثرة في المصلحة، وهي العلَّة،
فوجب أكل كل شيء فيه حلاوة مثل: العسل.
(4/1912)

مثال آخر: لو قال الطبيب: " لا تأكل هذا لبرودته "، فإنه
يتبادر إلى الذهن: النهي عن كل ما توجد فيه هذه العِلَّة، وهي
البرودة.
اعتراض على هذا:
قال قائل - معترضاً -: إن التنصيص على العِلَّة لم يكن لأجل
الإلحاق، بل لبيان الحكمة والمصلحة في كل حكم، وهذا يفيد
الانقياد والقبول؛ حيث إن النفوس تميل إلى قبول ما عرفت فيه
الحكمة والمصلحة التي من أجلها شرع هذا الحكم أو ذاك.
جوابه:
إن - صلى الله عليه وسلم - بعث لبيان الأحكام الشرعية التي يجب أن تتعبد بها الأُمَّة، ويعملوا بمقتضاها مصداقا لقوله تعالى: (وما خلقت الجن
والإنس إلا ليعبدون) ، ولم يبعث لأجل التنبيه على أسرار الأحكام
دون العمل بها.
المذهب الثاني: أن التنصيص على عِلَّة الحكم ليس أمراً بالقياس
مطلقاً، أي: سواء كان التنصيص علىَ العِلَّة في جانب الفعل، أو
في جانب الترك.
وهو مذهب فخر الدين الرازي، والغزالي، والأستاذ أبي إسحاق
الإسفراييني، والآمدي، ونسبه إلى أكثر الشافعية، ونسبه ابن
الحاجب إلى الجمهور، واختاره جعفر بن مبشر وجعفر بن حرب
المعتزليان، واختاره بعض الحنفية، وهو مذهب الشيعة الزيدية.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن الأحكام إنما شرعت لمصلحة المكلفين، وجوز
(4/1913)

أن تكون المصلحة إذا نص على إيجاب أكل السكر؛ لأنه حلو أن
تختص بالسكر دون غيره مما وجدت فيه الحلاوة كالعسل مثلاً،
بدليل:. أن من تصدق على رجل؛ لأنه فقير لا يجب أن يتصدق على
كل فقير، فكذلك هاهنا من أوجب عليه أن يأكل السكر؛ لأنه حلو
لا يجب عليه أن يأكل كل حلو.
جوابه:
إنه إذا كانت العلَّة هي وجه المصلحة في الموضع المخصوص
المنصوص وجب تعلق الحكم بها أينما وجدت؛ لجواز أن تكون
مصلحة - أيضاً - فيكون الإخلال بفعله مفسدة.
الدليل الثاني: أن تعدية الحكم من محله إلى المحل الآخر لا بد
له من دليل يدل عليه، وحيث لا يوجد دليل من أمر، أو إخبار من
الشارع يدل على ذلك، فإن التنصيص على العلَّة لا يفيد وجوب
الأمر بتعدية الحكم.
جوابه:
إن ثبوت تعليل الحكم بمنزلة الإخبار من الشارع بوجوب تعدية
الحكم من المحل المنصوص عليه إلى المحل الآخر، وكأن الشارع لما
نص على العِلَّة قال: يجب على المجتهد أن يعدي الحكم إلى كل ما
توجد فيه تلك العِلَّة؛ لوجود المصلحة فيه.
الدليل الثالث: أن الإنسان إذا قال: " أعتقت عبدي فلانا؛ لأنه
أسود "، أو قال: " والله لا آكل السكر؛ لأنه حلو ": لم يلزمه
عتق كل عبيده السود، ولا يحنث باكل أي حلو غير السكر، فلو
كان التنصيص على العِلَّة يوجب تعدية الحكم من المحل المنصوص إلى
جميع المواضع التي توجد فيه هذه العِلَّة: لوجب أن يعتق عليه كل
(4/1914)

عبد له أسود، وللزمه أن يحنث باكل كل حلو، ولما لم يعتق كل
عبد له أسود، ولم يحنث بأكل كل حلو دلَّ على التنصيص على
العِلَّة ليص أمراً بالقياس.
جوابه:
إن الكلام هنا يخص ما يجعله صاحب الشرع عِلَّة، وليس ما
يجعله البشر عِلَّة، بيان ذلك:
أنه إنما لم يعتق عليه كل أسود، ولم يحنث بأكل كل حلو غير
السكر؛ لأن الواحد منا يجوز عليه التناقض والبَداء في أفعاله
وأقواله، بخلاف صاحب الشرع، فإن المناقضة والبَداء عليه غير
جائزة في أفعاله وأقواله في طرد عِلَّته وجريانها في أحكامها.
المذهب الثالث: أن التنصيص على العلَّة أمر بالقياس في جانب
الترك في التحريم - فقط - أما التنصيص عَلى العِلَّة في جانب الفعل
فليس أمراً بالقياس، وإلى هذا التفصيل ذهب أبو عبد اللَّه البصري.
مثال جانب الترك: ما إذا قال: " حرمت الخمر لإسكارها "
فالتنصيص على العِلَّة - هنا - يفيد الأمر بالقياس.
ومثال جانب الفعل: ما إذا قال: " تصدقت على زيد لفقره "
فالتنصيص على العِلَّة - هنا - لا يفيد إلا الأمر بالقياس.
دليل هذا المذهب:
أن تحريم الشيء وطلب تركه؛ لعلة يقتضي ترتب المفسدة على
فعل ذلك الشيء لتلك العِلَّة، ومعروف أن التباعد عن هذه المفسدة
لا يحصل إلا بترك جميع ما وجدت فيه هذه العِلَّة.
أما إيجاب الشيء وطلب فعله لعلة تترتب عليها مصلحة،
(4/1915)

فإن حصول هذه المصلحة لا يتوقف على فعل جميع ما يترتب عليه
مثلها.
قال ابن تيمية في " المسودة " - بعد ذكر رأي أبي عبد اللَّه البصري
هذا -: الفرق بين التحريم والإيجاب في العِلَّة المنصوصة قياس
مذهبنا في الأيمان وغيرها؛ لأن المفاسد يجب تركها كلها بخلاف
المصالح، فإنما يجب تحصيل ما يحتاج إليه، فإذا أوجب تحصيل
مصلحة لم يجب تحصيل كل ما كان مثلها للاستغناء عنه بالأول،
ولهذا نقول بالعموم في باب الأيمان إذا كان المحلوف عليه تركا
بخلاف ما إذا كان المحلوف عليه فعلاً " اهـ.
جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ أن فعل كل خير ليس بواجب متى وجدت فيه المصلحة
التي أمر بالفعل لأجلها، بل الأمر الواجب كالنهي في طلب الخير
ودفع الضرر، فإيجاب كل شيء تحريم لضده، فترك الواجب كفعل
المنهي عنه يكون مشتملاً على ضرر يجب دفعه، وعلى هذا: يجب
أن يكون حال الفعل والإيجاب كحال الترك والنهي، ولا فرق.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي لا ثمرة له؛ لأن الخلاف لم يتوارد على محل
واحد؛ حيث إن ما أثبته كل فريق لا ينفيه الآخر، وما نفاه كل فريق
لا يثبته الفريق الآخر، فأحد المذاهب يفرض الكلام في استقلال
التنصيص على العِلَّة بالوجوب بدون ضميمة شيء آخر معها،
والمذهب الآخر يفرضه في عدم استقلال التنصيص على العلَّة
بالوجوب، وأنه لا بد أن ينضم إلى ذلك كون العِلَّة مناسبة، وهَذا
(4/1916)

يقتضي أن النفي والإثبات في هذا الخلاف لم يتواردا على محل
واحد، فكان الخلاف لفظيا.
تنبيه: هذه المسألة مفروضة في حال عدم التعبد بالقياس، فلما
ورد التعبد بالقياس بالأدلة العقلية والنقلية تصبح هذه المسألة قليلة
الجدوى لا نصيب لها من الواقع، وبخاصة بالنظر إلى المجتهد الذي
يبحث في الأدلة التفصيلية، وما تدل عليه من أحكام، فإذا كان
دليل وجوب العمل بالقياس ثابتا عنده، وقد نص الشارع على
العلَّة، فمما لا شك فيه أنه يجب عليه العمل به بعد توفر أركانه
وشروط كل ركن، وبذلك لا يوجد تنصيص على العِلَّة لم ينضم
إليه دليل يدل على التعبد، فتكون هذه المسألة فرضية، قصد منها
الجلإل والمناظرة.
وبعض العلماء قصد من إيرادها بعد حجية القياس إضافة دليل آخر
يؤيد حجية القياس والعمل به في هذه المسألة، وهذا سائغ.
(4/1917)

المبحث الخامس هل التنصيص على العلَّة يوجب الإلحاق عن طريق
القياس، أو عن طَريق اللفظ والعموم؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن التنصيص على العِلَّة يوجب الإلحاق عن طريق
القياس فقط.
وهو مذهب جمهور العلماء.
وهو الحق عندي؛ لأننا لو نظرنا نظرة مجردة في قوله: " حرمت
الخمر لشدتها "، فإنه لا يتناول إلا تحريمها خاصة، ولو لم يرد
التعبد بالقياس لاقتصرنا على ذلك، ولما جاز لنا إلحاق كل مشتد من
نبيذ وغيره بالخمر، ولكن جاز إلحاق النبيذ وكل مشتد بالخمر بسبب
ورود التعبد بالقياس فقط.
المذهب الثاني: أن التنصيص على العِلَّة يوجب الإلحاق عن طريق
اللفظ والعموم، لا بطريق القياس، وهو ما ذهب إليه النظام.
دليل هذا المذهب:
أنه لا فرق في اللغة بين قوله: " حرمت الخمرة لشدتها " وبين
قوله: " حرمت كل مشتد "، فإن القولين بمعنى واحد؛ فالنبيذ
يدخل مع المشتدات كما دخل الخمر عن طريق العموم.
(4/1918)

جوابه:
لا نسلم ذلك؛ لأن قوله: " حرمت الخمرة لشدتها " لا تتناول
من حيث الوضع اللغوي إلا تحريم الخمرة المشتدة فقط، ولو لم يرد
التعبد بالقياس لاقتصرنا عليه، وكيف يصح ما تقولونه من الإلحاق
عن طريق اللفظ والعموم، ولله تعالى أن ينصب شدة الخمر خاصة
عِلَّة، ويكون فائدة ذكر العِلَّة زوال التحريم عند زوال الشدة.
بيان نوع الخلاف:
أن الخلاف هذا يمكن أن يكون لفظيا، ويمكن أن يكون معنويا
فيكون الخلاف معنويا؛ لأن النظام قصد من كلامه: أن تحريم النبيذ
ثبت عن طريق اللفظ والنص، والجمهور قصدوا: أن تحريم النبيذ
ثبت عن طريق القياس.
والفرق بين ما ثبت عن طريق اللفظ والنص وبين ما ثبت عن
طريق القياس من وجهين:
الوجه الأول: أن الحكم الثابت عن طريق عموم النص أقوى من
الحكم الثابت عن طريق القياس.
الوجه الثاني أن الحكم الثابت عن طريق النص يَنسخ، ويُنسخ
به، أما الحكم الثابت عن طريق القياس فلا ينسخ ولا يُنسخ به؛
لأنه ثبت عن طريق الاجتهاد، والنسخ لا يكون بالاجتهاد، كما
سبق بيانه في باب النسخ.
ويمكن أن يكون الخلاف لفظياً إذا نظرنا إلى الاتفاق على الحكم،
وإلى الدلالة؛ بيان ذلك:
أن أصحاب المذهبين قد اتفقوا على تحريم النبيذ، ولكن اختلفوا
في طريق الوصول إليه:. فالنظام توصل إلى هذا التحريم عن طريق
(4/1919)

عموم اللفظ، فهو يريد: أنه لما قال الشارع: " حرمت الخمر؛
لشدته " أن المحرم جميع المشتدات، والنبيذ من المشتدات، إذن
النبيذ يدخل ضمن جزئيات المشتد.
أما الجمهور فإنهم توصلوا إلى تحريم النبيذ عن طريق القياس
وقالوا: إن النبيذ يلحق بالخمر بجامع الإسكار، ولو لم يرد التعبد
بالقياس لما حرم النبيذ.
كذلك لو نظرنا إلى الدلالة فإنا نقول: إن أصحاب المذهبين قد
اتفقوا على أن تحريم النبيذ ثبت عن طريق دليل ظني، فالنظام أثبت
ذلك عن طريق العموم، ودلالة العموم ظنية، والجمهور أثبتوا ذلك
عن طريق القياس، ودلالة القياس ظنية.
(4/1920)

البحث السادس تقسيمات القياس
إن هذا له علاقة قوية بحجية القياس من حيث معرفة مراتبه التي
ينشأ عنها اختلاف في قوة الاحتجاج به تبعاً لاختلاف تلك المراتب
من جهة القوة والضعف، لذلك نقول: إن القياس له تقسيمات
عديدة هي كما يلي:
التقسيم الأول: ينقسم القياس من حيث القوة والضعف إلى
قسمين:
" القياس الجلي "، و " القياس الخفي ".
فالقسم الأولى، وهو القياس الجلي هو: ما كانت العِلَّة فيه
منصوصة أو غير منصوصة غير أن الفارق بين الأصل والفرع مقطوع
بنفي تأثيره، وهو صادق بالقياس الأولى، والقياس المساوي.
فقياس الأولى: أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق
به كقياس تحريم ضرب الوالدين على تحريم التأفيف بجامع: الأذى
في كل منهما.
وقياس المساوي: أن يكون المسكوت عنه مساوياً للمنطوق به
كقياس الأَمة على العبد في وجوب تقويم النصيب على معتق بعضها؛
حيث لم نعلم وجود فارق بينهما سوى الذكورية والأنوثة، وهما لا
يلتفت إليهما الشارع في أحكام العتق، ومثال آخر: قياس إحراق
مال اليتيم على أكله بجامع الإتلاف.
(4/1921)

أما القسم الثاني وهو: القياس الخفي فهو: ما كانت علَّته
مستنبطة من حكم الأصل، واحتمال تأثير الفارق فيه قوي كقياس
النبيذ على الخمر بجامع الإسكار، وقياس القتل بالمثقل على القتل
بالمحدد في وجوب القصاص بجامع: أن كلًّا منهما يعتبر قتلاً عمداً
عدواناً.
التقسيم الثاني: ينقسم القياس من حيث القطع والظن إلى قسمين:
" قياس قطعي "، و " قياس ظني ".
أما القسم الأول وهو: القياس القطعي فهو: ما قطع فيه بعلية
الوصف في الأصل، وقطع بوجودها في الفرع، ويشمل القياس
الأولى والقياس المساوي - كما سبق بيانه -.
أما القسم الثاني وهو: القياس الظني فهو: ما كانت إحدى
المقدمتين فيه أو كلتاهما ظنية، أي: أنا ظننا ظنا غالبا أن هذه هي
علَّة الأصل، وقطعنا بوجودها في الفرع، أو أنا ظننا أن هذه هي
علَّة الأصل، وظننا وجودها في الفرع - كما ذكرنا ذلك في تحرير
محل النزاع، وهذا هو المقصود بباب القياس مثل: قياس النبيذ على
الخمر بجامع الإسكار، وكقياس التفاح على البر بجامع الطعم.
وهذا التقسيم لا ينفي قول بعضهم: " إن القياس لا يكون إلا
ظنياً "، حيث إن مقصود هذا: أن القياس المختلف في حجيته لا
يكون إلا كذلك، فلم ينف وجود القياس القطعي، وإنما حصر
الخلاف في الظني.
والقياس القطعي قد اختلف في تسميته بذلك، فبعضهم سماه
بذلك، وبعضهم سماه بمفهوم الموافقة بقسميه، وبعضهم سماه،
بدلالة النص كما ذكرنا ذلك أثناء كلامنا عن المفهوم.
(4/1922)

التقسيم الثالث: ينقسم القياس باعتبار ذكر نفس العِلَّة فيه أو ذكر
ما يدل عليها، أو عدم ذلك إلى ثلاثة أقسام: " قياس عِلَّة "،
و"قياس دلالة "، و " قياس في معنى الأصل ".
أما القسم الأولى وهو: قياس العِلَّة فهو: ما صرح فيه بها،
وذلك كقياس النبيذ على الخمر في الحرمة بجامع الإسكار، وقد
يظهر وجه الحكمة معها كالفساد الذي في الخمر، وما فيها من الصد
عن ذكر اللَّه، وقد لا يظهر، بل يستأثر اللَّه عَزَّ وجَل به كالكيل
والوزن والاقتيات في تحريم الربا.
وأما القسم الثانىِ وهو: قياس الدلالة فهو: ما جمع فيه بين
الأصل والفرع بلازم العِلَّة، أو أثرها أو حكمها.
فمثال ما جمع فيه بين الأصل والفرع بلازم العِلَّة: قياس النبيذ
على الخمر في الحرمة بجامع الرائحة المشتدة في كل؛ حيث إن
الرائحة المشتدة لازمة عادة أو عقلاً للإسكار.
ومثال الجمع بينهما بأثر العلَّة: قياس القتل بالمثقل على القتل
بالمحدد في وجوب القصاص بجامع الإثم في كل؛ حيث إنه أثر
العِلَّة التي هي القتل العمد العدوان، وهو لازم شرعي.
ومثال الجمع بينهما بحكم العِلَّة: قياس قطع الجماعة بالواحد
على قتلهم به بجامع: وجوب الدية عليهم فيما لو كان غير عمد،
وهو حكم العلَّة التي هي القطع منهم خطأ في الصورة الأولى،
والقتل منهم خَطأ في الصورة الثانية، فقتل الجماعة بالواحد في
العمد ووجوب الدية بالقطع عليهم في الخطأ أمر ثابت من الشارع.
وأما قطعهم به في العمد فلم يرد حكمه في النصوص الشرعية،
(4/1923)

لذلك أثبتناه بما هو معلوم من الشارع وهو: وجوب الدية عليهم
بالقطع فيما لو كان خطأ.
والجمع يلازم العِلَّة في هذا القسم أقوى من الجمع بأثرها،
والجمع بأثر العِلَّة أقوى من الجمع بحكمها.
وأما القسم الثالث وهو القياس في معنى الأصل فهو: الذي لم
يصرح فيه بالعلَّة، ولا يلازمها، ولا بأثرها، ولا بحكمها، وإنما
جمع فيه بين الأصل والفرع بنفي الفارق كقياس صب البول في الماء
على التبول فيه في المنع بجامع: عدم الفارق بينهما في مقصود المنع،
وهو: تقذير الماء وإفساده وتنجيسه.
وسبب تسمية هذا القسم بالقياس في معنى الأصل: أن الفرع فيه
بمنزلة الأصل، حيث لم يوجد فارق بينهما.
التقسيم الرابع: ينقسم القياس إلى " قياس أولى "، و " قياس
مساو "، و " قياس أدنى ".
أما القسم الأول - وهو: القياس الأولى - فهو: ما كان فيه
ثبوت الحكم في الفرع أولى من ثبوته في الأصل كقياس ضرب
الوالدين على التأفيف لهما في الحرمة بجامع: الإيذاء، وكقياس
الشاة العمياء على العوراء في عدم الاكتفاء بها في التضحية بجامع:
وجود النقص المنافي للمقصود من الأضحية، وكقياس الجنون
والإغماء والسكر وكل ما أزال العقل على النوم في نقص الوضوء،
فإن الأمور المذكورة أولى بالحكم من الأصل.
وأما القسم الثاني - وهو: القياس المساوي - فهو: ما كان حكم
الفرع فيه مثل حكم الأصل، وذلك كقياس إحراق مال اليتيم على
أكله في التحرلي م بجامع: الإتلاف في كل من غير وجه حق،
(4/1924)

وكقياس المرأة على الرجل في أنها إذا أفلست وعندها شيء لم تدفع
ثمنه، فإن صاحب المال يكون أحق به من غيره.
والقياس الأولى والقياس المساوي يسميان بالقياس الجلي،
وبالقياس القطعي، وقد اختلف في تسميته قياسا كما سبق بيانه.
أما القسم الثالث - وهو القياس الأدنى - فهو: ما عدا القسمين
السابقين.
وهو المسمى بالقياس الخفي، وبالقياس الظني، وهو المقصود
بالقياس عند الإطلاق، وهذا متفق على تسميته قياسا.
وبعض العلماء ذكروا أقساما كثيرة لكني لم أذكرها هنا؛ لأنها إما
إنها تدخل ضمن ما ذكرت، أو أنها تعتبر عن مسالك العلَّة،
فوضعها هناك أولى - كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى -.
(4/1925)

المبحث السابع في ما يجري فيه القياس وما لا يجري فيه
لما فرغنا من حجية القياس، وبينا أن مذهب جمهور العلماء: أن
القياس حُجَّة: اختلف الجمهور - فيما بينهم - هل القياس حُجَّة في
كل شيء، أو أن هناك بعض الأمور يجري فيها القياس، بينما هناك
أمور لا يجري فيها القياس؛، فاختلفوا في ذلك، ولبيان ذلك
بالتفصيل قد قسمت ذلك إلى الطالب التالية:
المطلب الأول: في القياس في العقوبات.
المطلب الثاني: في القياس في المقدرات.
المطلب الثالث: في القياس في الأبدال.
المطلب الرابع: في القياس في الرخص.
المطلب الخامس: في القياس في الأسباب والشروط والموانع.
المطلب السادس: في القياس في العبادات وما يتعلق بها.
المطلب السابع: في القياس في العاديات.
المطلب الثامن: في القياس في العقليات.
المطلب التاسع: في القياس في كل الأحكام.
المطلب العاشر: في القياس في الأمور التي لا يراد بها العمل.
(4/1927)

المطلب الأول في القياس في العقوبات
والمراد من ذلك: الحدود والكفارات، فاختلف العلماء في جواز
القياس في الحدود والكفارات كقياس النباش على السارق، واللائط
على الزاني، وقياس من أفطر في نهار رمضان بشرب على المجامع
في نهار رمضان في وجوب الكفارة، على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز إجراء القياس في هذه الأمور.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق عندي؛ لما يلي من
الأدلة:
الدليل الأول. عموم أدلة حجية القياس التي ذكرناها فيما سبق،
ومنها: قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) ، والآيات
الأخرى، وحديث معاذ والأحاديث التي ذكرناها معه، وإجماع
الصحابة السكوتي، وغير ذلك، فإنها تدل دلالة واضحة على أن
القياس يجري في جميع الأحكام إذا استكملت جميع شروط القياس،
فلم تفرق بين حكم وحكم، فالقول بأنه حُجَّة في بعض الأحكام
دون بعض إما تخصيص للعام أو تقييد للمطلق، وقد اتفق العلماء
على أنه لا يجوز تخصيص العام ولا تقييد المطلق إلا بدليل، وحيث
إنه لا دليل لكل منهما، فتبقى أدلة القياس على عمومها وعلى
إطلاقها، فيكون القياس يجري في جميع الأحكام المستكملة لشروط
القياس، فينتج من ذلك جريان القياس في الحدود والكفارات،
وجميع المقدرات؛ لأنها من ضمن الأحكام.
(4/1929)

اعتراض على ذلك:
قال قائل - معترضا -: إن أردتم أن أدلة القياس تدل على جريانه
في الأحكام الشرعية عند استكماله لشروطه، فهذا مسلم، ولكن لا
نسلم إمكان حصولها في الحدود والكفارات لعدم إدراك العقل المعنى
الذي من أجله شرع هذا الحد أو تلك الكفارة.
جوابه:
إن العقل يحكم بأنه لا يمتنع عقلاً أن يشرع الشارع الحد أو الكفارة
لمعنى معين مناسب للحكم، ثم يوجد ذلك المعنى في صورة أخرى.
الدليل الثاني: أن خبر الواحد تثبت به الحدود والكفارات وإن كان
طريقه غلبة الظن، ويجوز فيه الخطأ والسهو، فكذلك يجوز أن
تثبت الحدود والكفارات بالقياس ولا فرق، والجامع: أن كلًّا منهما
يفيد الظن، ويجوز الخطأ والسهو في كل منهما.
الدليل الثالث: أن عمر بن الخطاب - رضي اللَّه عنه - استشار
في الخمر يشربها الرجل، فقال له عليّ: " نرى أن نجلده ثمانين،
فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى "، فجلد
عمر شارب الخمر ثمانين جلدة، فهذا إلحاق شارب الخمر بالقاذف
في الحد قياسا؛ إذ ليس من قبيل الاجتهاد بالنص، ولا الإجماع،
ولا البراءة الأصلية، ولا غيرها من الأدلة سوى القياس، وشاع
وذاع، ولم ينكره أحد فكان إجماعا، فينتج من ذلك: أن القياس
يجوز في الحدود، وإذا جاز في الحدود فإنه يجوز - أيضاً - في
الكفارات؛ لأنها أحكام مقدرة من قِبَل الشارع.
الدليل الرابع: أن العمل بالقياس عمل بالظن الغالب، ونحن
(4/1930)

مأمورون بأن نعمل به، وبذلك يكون إثبات الحدود والكفارات
بالقياس عملاً بما أمرنا به من الحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر.
المذهب الثاني: لا يجوز القياس في الحدود والكفارات.
وهو مذهب الحنفية.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن الحد شرع للردع والزجر عن المعاصي،
والكفارات وضعت لتكفير المأثم، وما يقع به الردع عن المعاصي،
وما يتعلق به التكفير عن المأثم لا يعلمه إلا اللَّه تعالى، فلا يجوز
إثبات شيء من ذلك بالقياس، لأننا لا نعلم المصلحة التي من أجلها
شرعت هذه الأمور.
جوابه:
إن هذا لو كان طريقاً في نفي القياس في الحدود والكفارات:
لوجب أن يجعل مثل هذا طريقاً في نفي القياس في جميع الأحكام،
كما فعله نفاة القياس حيث قالوا: " إن الأحكام شرعت لمصلحة
المكلفين، والمصلحة لا يعلمها إلا اللَّه تعالى، فيجب أن لا يعمل
فيها بالقياس ".
ولما بطل هذا في نفي القياس في جميع الأحكام: بطل في نفي
القياس في الحدود والكفارات، فينتج جواز القياس فيها.
الدليل الثاني: أن الحدود والكفارات تشتمل على تقديرات لا
تعقل معناها بالرأي كعدد المائة في الزنا، والثمانين في القذف،
والقياس لا يصح إلا إذا عقل المعنى الذي من أجله شرع الحكم،
فلما لم نعقل ولم ندرك المعنى والعِلَّة في الحدود والكفارات
(4/1931)

فلا يجوز جريانها بالقياس كأعداد الصلوات، وركعات كل صلاة،
وأنصبة الزكوات.
جوابه:
إن الأحكام التي أدركنا العِلَّة التي من أجلها شرع الحكم يجري
فيها القياس: فمن الممكن أن يشرع الشارع الحد أو الكفارة لمعنى
مناسب، ثم يوجد ذلك المعنى المناسب في شيء آخر، فتكون
معقولية التقدير غير ممتنعة، من أمثلة ذلك: قياس النباش على
السارق في القطع بجامع: أخذ مال غيره خفية من حرز مثله،
وقياس القاتل عمداً عدواناً على القاتل خطأ في وجوب الكفارة
بجامع: القتل بغير حق.
وأما ما لا يدرك فيه المعنى المناسب، فلا خلاف في أنه لا يجوز
القياس فيه؛ لفقدانه ركناً من أهم أركان القياس، وهي العِلَّة.
الدليل الثالث: أن القياس يفيد الظن، والظن يدخله احتمال
الخطأ فيكون شبهة، فلا يصح أن يثبت به الحد؛ لأن الحدود تدفع
بالشبهات بقوله - صلى الله عليه وسلم -:
" ادرؤا الحدود بالشبهات ".
وكذلك الكفارات فيها شائبة العقوبة، وقد يدخلها احتمال الخطأ،
فتدفع بالشبهات، فينتج: أنه لا قياس في الحدود والكفارات.
جوابه:
لا نسلم أن مجرد الظن يكون شبهة يمنع من إجراء القياس في
الحدود والكفارات مع ظهور الظن الغالب؛ لأنه لو كان مطلق الظن
مانعا من إقامة الحد: لما وجب هذا الحد بالأدلة الظنية كاخبار
الآحاد، وظواهر النصوص، والشهادات، وما شابه ذلك: فخبر
(4/1932)

الواحد يجوز عليه الخطأ، ومع ذلك يثبت به الحد، والشهود يجوز
عليهم الكذب والخطأ، ومع ذلك تقبل شهادتهم في الحدود،
وكذلك يقبل تقويم المقوم في نصاب السرقة مع جواز الخطأ عليه،
فإذا لم يكن الظن في هذه الأدلة مثيرة للشبهة، فكذلك القياس
الظني لا يثير الشبهة، فيقبل القياس في الحدود والكفارات.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ حيث أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها:
1 - أن من أفطر متعمداً من غير عذر بأكل أو شرب، فعليه
كفارة من جامع في نهار رمضان، وهو قول أصحاب المذهب
الأول، ودليلهم: قياس الآكل والشارب عمداً على المجامع في نهار
رمضان بجامع: أن كلًّا منهما قد انتهك حرمة رمضان بقصد منه.
وذهب بعض العلماء - وهو المذهب الثاني - إلى أنه لا كفارة
عليه، ودليلهم على ذلك: حديث الأعرابي الذي قال للنبي
- صلى الله عليه وسلم -:
إني واقعت أهلي في نهار رمضان، قال: " اعتق رقبة "، فإنه ورد
في الجماع في نهار رمضان، ولا يُعدَّى الحكم إلى كل إفطار، وهو
ما عليه كثير من العلماء.
2 - النباش - وهو من ينبش القبر فيأخذ ما في الأكفان - تقطع
يده؛ قياساً على السارق بجامع أخذ مال غيره من حرزه، وهو قول
أصحاب المذهب الأول.
وذهب أصحاب المذهب الثاني إلى أنه لا تقطع يد النباش؛ لعدم
وجود دليل على ذلك، ولا يصح القياس في الحدود عند أصحاب
هذا المذهب.
تنبيه: لقد بحثت إثبات العقوبات بالقياس في مصنف مستقلِ
فراجعه - إن شئت - فهو مطبوع متداول.
(4/1933)

المطلب الثاني القياس في المقدرات
المراد من ذلك: أن يرد من الشارع تقدير بعدد في موضع يمكن
إدراك المعنى الذي تعلق به هذا المقدار، ويوجد هذا المعنى في موقع
آخر، فهل يتعلق به ذلك التقدير كما تعلق في الموضع الأول؛
مثال ذلك: تقدير نصاب السرقة بثلاثة دراهم، وتقدير مدة
القصر للمسافر بأربعة أيام، وتقدير الحد في حد الزنى بمائة،
وتقدير التسبيح بمائة، فهل يجوز القياس على ذلك؟
لقد اختلف العلماء - في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز إثبات المقدرات بالقياس.
وهو مذهب الباقلاني، والباجي، وأبي إسحاق الشيرازي،
وإمام الحرمين، وأبي يعلى، وأبي الخطاب، وفخر الدين الرازي،
وتاج الدين ابن السبكي، وهو الحق، لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: عموم أدلة حجية القياس للأحكام المقدرة، وغير
المقدرة، فتكون الأحكام المقدرة فرداً من أفراد ذلك العموم..
الدليل الثاني: أن خبر الواحد تثبت به المقدرات، فكذلك تثبت
بالقياس بجامع: أن كلًّا منهما ظنيا.
الدليل الثالث: أن المقتضي للتعدية قد وجد في المقدرات، فينبغي
أن يوجد القياس كسائر الأحكام.
(4/1934)

المذهب الثاني: أنه لا يجوز القياس في المقدرات.
وهو مذهب الحنفية.
دليل هذا المذهب:
أن التقديرات قد ثبتت على وجه لا يمكن إدراك وجه اختصاصها
بذلك التقدير، دون ما هو أعلى أو أدنى، كما في تقدير نصب
الزكوات، فكانت من الأمور التعبدية التي لا نعلم العِلَّة التي من
أجلها شرعت، فلا يجري القياس فيها.
جوابه:
إننا في القياس ننظر إلى المعاني التي تعلَّقت بها تلك المقدرات،
فإذا وجدنا ما يساوي هذا المعنى في محل آخر أثبتنا فيه ما كان ثابتا
في الأصل من حكم، دون تعرض إلى وجه اختصاص ذلك المعنى
المشترك بين الأصل والفرع بمقدار عينه الشارع، فالنظر إلى المعنى
المشترك، وإثبات الحكم له، وليس النظر إلى وجه الاختصاص
بذلك المقدار لذلك المعنى.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي كما قلنا في إثبات العقوبات بالقياس؛ حيث
إن أصحاب المذهب الثاني لم يقيسوا على المقدرات شيئاً آخر، بينما
أصحاب المذهب الأول قد قاسوا على المقدرات وعملوا على ذلك
القياس.
فإن قال قائل: إن الخلاف يشبه أن يكون لفظيا؛ حيث إن
أصحاب المذهب الثاني قد أثبتوا التقدير فيها بالقياس.
ومن ذلك: تقدير المسح للرأس بثلاثة أصابع؛ قياساً على مسح
(4/1935)

الخف وتقدير الخرق الذي يعفى عنه في الخف بثلاثة أصابع؛ قياساً
على مسحه، وتقدير الدلاء التي تنزح من البئر حتى يحكم بطهارتها
إذا وقع فيها فأرة بعشرين، وتقدير سن البلوغ بسبع عشرة.
قلت - في الجواب عن ذلك -: إنهم قالوا: إن تلك المواضع
وأمثالها إنما كان من باب الاجتهاد في تحقيق المناط، فلم ينظروا في
الاجتهاد في أمور وردت فيها تقديرات من الشارع، كما في الحدود
وعدد الركعات، وإنما في أمور لم يرد فيها تقدير، فقالوا: إنا إذا
نظرنا في تعيين التقدير المناسب لها نجد أن التقدير لها متردد بين
مرتبتين هما: " المرتبة الدنيا "، و " المرتبة العليا "، فنجتهد في
تحديد المرتبة المتوسطة بينهما، وبذلك يتعين المقدار المناسب، فمثلاً،
إنا قلنا: إدن سن البلوغ سبع عشرة هذا لم نتوصل إليه بالقياس، بل
بالاجتهاد في تحفيق المناط، وطريقة ذلك:
أن عندنا مرتبة دنيا هي عشر سنين لا يكون فيها بالغاً، ومرتبة
عليا، وفي عشرون سنة يكون فيها بالغا، وبينهما مرتبة متوسطة
مترددة، فنجتهد في تحديد هذه المرتبة وإزالة هذا التردد، وعلى
ضوئها يكون تقدير السن التي يحكم فيها بالبلوغ، ومثل ذلك مثل
الاجتهاد في تحقيق المناط في تقدير مهر المثل، والئفقة، ونحو ذلك.
وفرق بين الاجتهاد بتحقيق المناط، والاجتهاد بالقياس، حيث إن
ما ثبت بالاجتهاد بتحقيق المناط أقوى مما ثبت بالقياس.
(4/1936)

المطلب الثالث القياس في الأبدال
المراد بإثبات الأبدال بالقياس: أن يرد من الشارع اعتبار أمر قائماً
مقام أمر لم يتمكن من طولب به من الإتيان به، مع إمكان إدراك
المعنى الذي تعلق به هذا الاعتبار، ويوجد هذا المعنى في محل آخر،
فهل يحكم على ما وجد فيه هذا المعنى بكونه بدلاً كما حكم في
الأول؛ مثل: المحصر إذا لم يجد هدياً هل ينتقل إلى الصوم؛ لأنه
هدقي تعلق وجوبه بالإحرام، فجاز الانتقال عنه إلى الصوم؛ قياسا
على سائر الهدايا؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: يجوز إثبات الأبدال بالقياس.
وهو ما ذهب إليه أبو إسحاق الشيرازي، والباجي، وأبو يعلى
الحنبلي.
وهو الحق؛ للأدلة الثلاثة التي ذكرناها في إثبات المقدرات
بالقياس، فراجعها من هناك.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز إثبات الأبدال بالقياس.
وهو مذهب الحنفية.
دليل هذا المذهب:
هو نفس استدلالهم على أن المقدرات لا يجوز إثباتها بالقياس،
فراجعه من هناك.
(4/1937)

جوابه:
وهو نفس الجواب الذي ذكرناه هناك.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي، حيث أثر في بعض الفروع، ومنها:
1 - أن تارك الواجب في الحج إذا لم يجد الدم، فإنه ينتقل إلى
الصوم؛ لأنه دَمٌ تعلق وجوبه بالإحرام، فجاز الانتقال عنه إلى
الصوم؛ قياساً على دمِ التطيب واللباس، هذا بناء على المذهب
الأول، ومنع ذلك أصحاب المذهب الثاني؛ لأن هذا إثبات بدل
بالقياس، وهو لا يجوز إثبات الأبدال بالقياس.
2 - المحصر إذا لم يجد هدياً، فإنه ينتقل إلى الصوم؛ لأنه
هدي تعلق وجوبه بالإحرام، فجاز الانتقال عنه إلى الصوم، قياساً
على سائر الهدايا، هذا على المذهب الأول.
أما أصحاب المذهب الثاني فلم يقولوا بذلك؛ نظراً لأنهم يمنعون
إثبات الأبدال بالقياس.
(4/1938)

المطلب الرابع في القياس في الرخص
هل يجوز القياس في الرخص كقياس الثلج على المطر في جواز
الجمع بين الصلاتين بجامع أن كلًّا منهما يتأذى منه المسلم؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز إثبات الرخص بالقياس، ولا مانع من
ذلك إذا عرفنا العِلَّة وتحققنا منها.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: عموم الأدلة المثبتة لحجية القياس من الإجماع
والكتاب والسُّنَّة والمعقول - كما سبق بيانه -؛ حيث إنها دلَّت على
أن القياس يجري في جميع الأحكام الشرعية إذا عرفت العلَّة وتحققت
في الفرع ووجدت جميع شروط القياس، فإن تلك الأدلة لم تفرق
بين حكم وحكم، وبما أن الرخصة حكم من الأحكام الشرعية،
فإنها تدخل في هذا العموم.
الدليل الثاني: أن الرخص تثبت بخبر الواحد، فكذلك تثبت
بالقياس، ولا فرق بجامع: أن كلًّا منهما يفيد الظن، ويجوز الخطأ
والسهو في كل منهما.
المذهب الثاني: لا يجوز إجراء القياس في الرخص.
وهو مذهب الحنفية، وقول للإمام مالك، وقول للإمام الشافعي.
(4/1939)

أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن الرخص مخالفة للدليل، فالقول بجواز القياس
عليها يؤدي ويفضي إلى كثرة مخالفة الدليل، فوجب أن لا يجوز.
جوابه:
إن الدليل إنما يخالفه صاحب الشرع لمصلحة تزيد على مصلحة
ذلك الدليل؛ عملاً بالاستقراء، وتقديم الأرجح هو شأن صاحب
الشرع، فإذا وجدنا تلك المصلحة التي خولف الدليل لأجلها في
صورة أخرى وجب أن يخالف الدليل بها - أيضاً - عملاً برجحانها -
فنحن حينئذٍ قد اكثرنا موافقة الدليل لا مخالفته.
الدليل الثاني: أن الرخص منح من اللَّه - تعالى - وعطايا فلا
يتعدى بها عن مواضعها؛ حيث إن في قياس غير المنصوص على
المنصوص في الأحكام الاحتكام على المعطي في غير محل إرادته،
وهذا لا يجوز، فينتج من ذلك: عدم جواز إثبات الرخص بالقياس.
جوابه:
إن مدار إجراء القياس على إدراك العلَّة والمعنى من شرع الحكم،
وكون الرخص تتصف باليسر والتخفيف لا يمنع من إجراء القياس
فيها، فمتى أدركنا العلَّة التي من أجلها شرعت تلك الرخصة،
ووجدنا تلك العلَّة في شَيء آخر، فإننا نعدي تلك الرخصة إلى ذلك
الشيء؛ تكثير لمنح اللَّه، وحفظا لحكمة الوصف من الضياع.
وقال إمام الحرمين - في الجواب عن ذلك الدليل -: هذا هذيان،
فإن كل ما يتقلب فيه العباد من المنافع فهي منح من اللَّه تعالى، ولا
يختص بها.
(4/1940)

بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ حيث أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها:
1 - أن الثلج تجمع من أجله الصلاتين؛ قياسا على المطر بجامع:
أن كلًّا منهما يتأذى منه المسلم، هذا على المذهب الأول.
وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يجمع بين الصلاتين من أجل
الثلج، لأن الرخصة تخص المطر - فقط - ولا قياس في الرخص،
ولا يدخل الثلج في لفظ " المطر "، وهو رأي أصحاب المذهب
الثاني.
2 - أن الإنسان إذا ركب دابة مسافة ميل، وخاف الغرق إن نزل
أو خاف غيره من أسباب القتال، فإنه يصلي صلاة القتال، ولا
يعيد؛ قياساً على الصلاة في القتال بجامع: الخوف في كل، أي:
كما رخص للمقاتل كذلك يرخص للراكب الخائف، هذا قول
أصحاب المذهب الأول.
وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يصلي صلاة القتال، بل يؤدي
الصلاة المعتادة؛ لأن الرخصة تخص المقاتل - فقط - ولا تتعدى إلى
غيره؛ حيث إنه لا قياس في الرخص، وهو قول أصحاب المذهب
الثاني.
تنبيه: لقد تكلمت عن هذه المسألة في مصنف مستقل وسميته
"الرخص الشرعية وإثباتها بالقياس " فارجع إن شئت، فهو مطبوع
متداول.
(4/1941)

المطلب الخامس القياس في الأسباب والشروط والموانع
المراد بالقياس في الأسباب هو: إثبات سببية وصف لحكم قياسا
له على وصف ثبتت سببيته لحكم آخر.
مثاله: قياس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد في وجوب القصاص
بجامع: القتل العمد العدوان، ولما كان السبب في وجوب
القصاص هو القتل بالمحدد، فإنه يكون القتل بالمثقل سبباً لوجوب
القتل.
كذلك إيجاب الحد على اللائط قياساً على الزاني بجامع إيلاج
فرج في فرج محرم شرعاً، فلما كان الزنى سبباً لإيجاب الحد كذلك
تكون اللواطة سبباً لإيجاب الحد.
والمراد بالقياس في الشروط هو: أنه لما كان معنى الشرط: ما
يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته:
فإنا إذا وجدنا أمراً من الأمور قد نص على شرطه ووجدنا ما يشاركه
في وجه الشرطية فيلحق به على وجه القياس ليكون شرطا لذلك
الأمر الآخر المشارك، مثاله: أن الشارع قد اشترط لصحة الصلاة
الاستنجاء من البول والغائط بالماء أو الحجر، والحجر إنما صح
الاستنجاء به بدل الماء؛ لكونه قالعاً لعين النجاسة فيقاس عليه كل
جامد يتوفر فيه هذا الوصف، وكقياس الوضوء على التيمم بجامع:
تمييز العادة عن العبادة بكل منهما، والنية شرط في التيمم، فتكون
شرطاً في الوضوء.
والمراد بالقياس في الموانع هو: أن المانع لما كان وجوده سببا لعدم
الحكم، فإنه إذا وجد في شيء لم ينص عليه، فإنه يكون سببا
(4/1942)

للحكم بعدم الحكم؛ قياساً على وجوده في الصورة التي نص فيها
على الحكم.
مثاله: أن الشارع قد أسقط عن الحائض الصلاة؛ لوجود الحيض
فيقاس عليه النفاس في وجوب إسقاط الصلاة عنها بجامع أن كلاً
منهما أذى وقذر يجب تنزيه المصلي منه.
هذا المراد في القياس في الأسباب والشروط والموانع، وهو قد
اختلف العلماء في جواز ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن القياس لا يجري فى الأسباب والشروط
والموانع.
وهو مذهب أكثر الحنفية، وبعض المالكية كابن الحاجب، وبعض
الشافعية كفخر الدين الرازي، والآمدي، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: أن مدار القياس على العِلَّة والجامع بين الأصل
والفرع: فإن لم توجد العلة والجامع في - الأسباب والشروط
والموانع، فلا يجوز القياس وهو ظاهر؛ حيث فقد أهم ركن من
أركان القياس وهو: العِلَّة.
وإن وجدت العِلَّة والجامع بين الأصل والفرع، فلا فائدة في
القياس؛ لأن هذا الجامع يعتبر هو السبب أو الشرط أو المانع،
ويكون كل من الأصل والفرع فرداً من أفراد هذا السبب،. أو هذا
الشرط، أو هذا المانع، وبذلك يكون الاشتغال بالقياس في
الأسباب والشروط والموانع لا فائدة فيه.
فمثلاً: لما قاس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد بجامع: القتل
العمد العدوان، فإنه جعل القتل العمد العدوان هو سبب وجوب
القصاص، فيكون القتل بالمثقل، والقتل بالمحدد فردين من أفراد
القتل العمد العدوان، فلا حاجة إذن للقياس.
(4/1943)

وكذلك لما قاس الوضوء على التيمم بجامع: أن كلًّا منهما طهارة
مقصودة يتميز بها العبادة عن العادة، فإنه جعل الطهارة التي تميز
العبادة عن العادة هي شرط صحة الصلاة، فيكون الوضوء والتيمم
لزدين من أفراده، فلا حاجة مع هذا للقياس.
وكذلك لما قاس النفاس على الحيض بجامع: أن كلًّا منهما أذى
وقذر يجب تنزيه المصلي منه: جعل الأذى والقذر الذي يجب تنزيه
المصلي منه مانع لصحة الصلاة، فيكون الحيض والنفاس فردين من
أفراده، فلا حاجة إذن للقياس.
الدليل الثاني: أن إجراء القياس في الأسباب والشروط والموانع
يؤول إلى إبطال الأصل المقيس عليه، ومن شروط القياس: ألا يعود
التعليل والقياس على الأصل بالإبطال، بيانه:
أننا إذا ألحقنا السبب والشرط والمانع الذي لم ينص عليه بالسبب
والشرط والمانع المنصوص عليه لعلة وجامع جمع بين المنصوص عليه
- من السبب أو الشرط أو المانع - وبين غير المنصوص عليه من
السبب أو الشرط أو المانع - فإن هذا سيؤول إلى أن السبب والشرط
والمانع في الأصل لم يكن هو ما نص عليه، وإنما هو معنى أوسع
منه، وفي هذا إبطال للأصل، وهو السبب والشرط والمانع
المنصوص عليه.
ولعلي أصور ذلك بالمثال: أنه لما قاس اللواط على الزنى في
وجوب الحد؛ لوجود معنى مشترك بينهما وهو الجامع، وهو:
إيلاج فرج في فرج محرم شرعا، فإن هذا يؤدي إلى أن الزنى لم
يكن عِلَّة للحد، وإنما العلَّة هي معنى أوسع منه وهو: إيلاج قرج
في فرج محرم شرعا.
كذلك لما قاس النفاس على الحيض في إسقاط الصلاة بجامع: أن
(4/1944)

كلاً منهما أذى، فإن يؤدي ويفضي إلى أن الحيض لم يكن علَّة
لإسقاط الصلاة، وإنما العِلَّة معنى أوسع منه وهو: وجود الأذَى
والقذر.
المذهب الثاني: أن القياس يجري في الأسباب والشروط والموانع.
وهو مذهب بعض الحنفية كصدر الشريعة، وابن الهمام، وكثير
من الشافعية كالغزالي، وتاج الدين ابن السبكي، وابن برهان،
والحنابلة.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: عموم أدلة حجية القياس؛ حيث إنها لم تفرق بين
حكم وحكم، والأسباب والشروط والموانع تُعتبر داخلة تحت هذا
العموم؛ لأنه يطلق عليها أحكام شرعية فيجري القياس فيها كما
يجري في غيرها.
جوابه:
أنا نسلم لكم عموم أدلة حجية القياس، ولكن بشرط توفر جميع
أركان القياس وشروط كل ركن، والأسباب والشروط والموانع
تخصص من هذا العموم، فلا يجري فيها القياس؛ لأن إجراء
القياس في الأسباب والشروط والموانع يؤدي إلى أمرين باطلين:
أولهما: أن إجراء القياس فيها لا فائدة فيه.
تانيهما: أنه يؤدي إلى تغيير الأصل وإبطاله، وقد بيَّنت ذلك في
الدليلين اللذين ذكرتهما فىِ مذهبنا.
وهذان الأمران هما اللذان قد خصصا الأسباب والشروط والموانع
وأخرجاها عن إجراء القياس فيها.
(4/1945)

الدليل الثاني: أن خبر الواحد تثبت به الأسباب والشروط والموانع
فكذلك تثبت الأسباب والشروط والموانع بالقياس بجامع: أن كلا
منهما يفيد الظن.
جوابه:
إن قياس القياس على خبر الواحد قياس فاسد؛ لأنه قياس مع
الفارق، ووجه الفرق: أن إثبات الأسباب والشروط والموانع
بالقياس يترتب عليه: أن هذا القياس يؤدي إلى إبطال الأصل، وهو
السبب والشرط والمانع المقيس عليه، وهذا لا يوجد في إثبات
الأسباب والشروط والموانع بخبر الواحد.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف لفظي؛ حيث إن أصحاب المذهب الأول - وهم:
المانعون من إجراء القياس في الأسباب والشروط والموانع - بيَّنوا أن
لا يكون كل من السببين سببا للحكم من حيث خصوصه، وإنما
السبب: القدر المشترك بينهما.
وهذا المعنى لا ينكزه ولا ينفيه أصحاب المذهب الثاني - وهم:
المجوزون لإجراء القياس في الأسباب والشروط والموانع -؛ لأنهم
إنّما قاسوا لأجل أن يثبتوا أن المقيس فرد من أفراد القدر المشترك
كالمقيس عليه الذي دلَّ النص على سببيته، لا ليثبتوا أنه مستقل
بالسببية بخصوصه.
(4/1946)

المطلب السادس القياس في العبادات وما يتعلَّق بها
المراد بالعبادات هو: أعظم العبادات وأدخلها في باب التعبد
كالصلوات وما شابهها، والزكوات، والصيام، والحج كإثبات
صلاة بإيماء الحاجب قياسا على صلاة المومئ برأسه.
ولقد اختلف العلماء في جريان القياس في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز القياس في العبادات.
وهو مذهب جمهور العلماء.
وهو الحق؛ لعموم أدلة حجية القياس، فهي دلَّت على جواز
القياس في جميع الأحكام الفقهية ولم تفرق بين ما يخص العبادات
أو المعاملات، والمرجع في ذلك هو: معرفة العلَّة التي من أجلها
شرع الحكم، فمتى ما عرفناها في الحكم المنصوصَ على حكمه،
ووجدناها في الفرع، فإنه يصح القياس، مع استكمال شروط
القياس.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز القياس في العبادات.
وهو مذهب بعض الحنفية كالكرخي، وبعض المعتزلة كالجبائي،
ونسب إلى أبي حنيفة.
دليل هذا المذهب:
أن الصلاة بإيماء الحاجب وما شابه ذلك هي من الأمور الهامة التي
(4/1947)

تتوفر الدواعي على نقلها، فلو كانت مشروعة لوجب على النبي
- صلى الله عليه وسلم - أن يبينها، وينقل ذلك أهل التواتر إلينا حتى يصير ذلك معلوما لنا قطعاً، ولما لم يحصل ذلك علمنا أن المصير إلى هذا القول باطل.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن عدم النقل لا يدل على عدم الوجدان، وعدم
الوجدان لا يدل على العدم، كما أن العدم لا يدل على عدم الجواز.
الجواب الثاني: أن هذا منتقض بوجوب الوتر عندهم، حيث إن
الوتر واجب عندهم مع أنه لم يعلم وجوبه قطعا.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي، لأن أصحاب المذهب الثاني - وهم:
المانعون من إجراء القياس في العبادات - مقصودهم: أن إثبات
الحكم بالقياس ابتداء من غير أصل يقاس عليه، أو إثبات عبادة زائدة
على العبادات الواردة في تلك الأصول ابتداء أو إثبات كيفية خاصة
لتلك العبادات مما لا مجال للعقل فيه: غير صحيح.
وهذا يوافقهم عليه أصحاب المذهب الأول - وهم المجوزون -.
أما إجراء القياس مع توفر شروط القياس فهو صحيح، وهذا
يؤيده الاستقراء والتتبع لكلام الفقهاء في جميع أبواب العبادات، فإنه
مملوء بالقياسات في العبادات.
(4/1948)

المطلب السابع القياس في العاديات
ما كان طريقه العادة والخلقة كأقل الحيض وأكثره، وأقل الحمل
وأكثره، هل يجوز إجراء القياس فيه؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يجري القياس في الأمور العادية والخلقية.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن القياس - كما
علمنا سابقاً - مبني على إدراك العلَّة في الأصول والفروع، والأمور
العادية ترجع إلى العادة والخلقة تختلف باختلاف الأشخاص
والأمزجة، ولا يعرف أسبابها، فلا يجوز إثباتها بالقياس.
المذهب الثاني: أنه يجري القياس في الأمور العادية.
وهو مذهب بعض العلماء، نقله أبو عبد اللَّه المحلي.
دليل هذا المذهب:
أن مدار القياس على إدراك المعنى الذي لأجله شرع الحكم، وهذه
الأمور العادية والخلقية ممكن إدراك معناها.
جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ إدراك المعنى الذي لأجله شرع الحكم في الأمور
العادية؛ نظراً لاختلاف عادات الناس، وأمزجتهم، وما يصلح لهذا
قد لا يصلح لذاك وهكذا، فيصعب إدراك عِلَّة تجمع بين الأصل
والفرع، بل لا يمكن.
(4/1949)

بيان نوع الخلاف:
الخلاف لا شك أنه معنوي؛ حيث أثر في مسألة وهي:
هل الحامل تحيض أو لا؟
فمن ذهب إلى أن القياس يجري في الأمور العادية: أثبت أن
الحامل تحيض وقال: لو منع الحمل دم الحيض لمنع دم الاستحاضة،
ألا ترى أن الصغر لما منع أحدهما منع الآخر، فكذلك الكبر.
ومن ذهب إلى أن القياس لا يجري في هذه الأمور قال: إن
الحامل لا تحيض، وقال: لو كان الدم الذي ينزل من الحامل دم
حيض لحرم به الطلاق، وانقضت به العدة، ولكن كل ذلك لم
يصح، فلم يكن ما ينزل منها دم حيض.
فإذا ثبت أن ما ينزل من الحامل هو دم حيض - كما قال الأولون
هنا - فإنه يترتب على ذلك أحكام شرعية مثل: تحريم مس
المصحف، وامتناعها عن الصلاة، وامتناعها من مواصلة الصوم،
وتحريم وطئها.
(4/1950)

المطلب الثامن القياس في العقليات
لقد اختلف في جريان القياس في الأمور العقلية على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز جريان القياس في العقليات، وهو:
إلحاق الغائب بالشاهد، وله جامع عقلي يكون في أربعة أشياء هي:
العِلَّة، والحد، والشرط، والدليل.
فمثال الجمع بالعلَّة: كون الشيء يصح أن يرى معللاً بالوجود
شاهداً، فكذا في الغائب بقصد قياس الباري سبحانه وتعالى على
خلقه في أنه يرى بجامع الوجود؛ حيث إنه عِلَّة الرؤية.
ومثال الجمع بالحد: قولك: حقيقة العالم شاهداً من له العلم،
فيجب طرد ذلك الحد غائبا بقصد إثبات العلم لله تعالى بالقياس على
ثبوت ذلك لخلقه مع الجزم باختلاف العلمين في الحقيقة والكيفية؛ إذ
ليس كمثله شيء.
ومثال الجمع بالشرط: قولك: العلم مشروط بالحياة شاهداً،
فكذلك غائبا، قالأصل هو الشاهد، والفرع هو: الغائب،
والجامع: كون كل منهما حيا، والحكم اتصاف كل منهما بالعلم
والإرادة، مع الاختلاف في الحقيقة.
ومثال الجمع بالدليل: قولك: الإحكام يدل على العلم والإرادة
شاهداً، فكذا غائباً.
وهذا مذهب جمهور العلماء، وهو الحق، وليس المقصود من
(4/1951)

القياس هنا: استنباط كون اللَّه موجوداً أو عالما، فهذا قد ثبت بالنقل
لمن آمن بالله وكتبه ورسله، ولكن المقصود هو: تقريب ذلك إلى
الأذهان وتصوير هذه الأمور للسامع، ولا مانع من ضم دليل إلى
دليل آخر ليحصل بذلك الترجيح، فيما لو وجد تعارض.
المذهب الثاني: لا يجوز جريان القياس في العقليات.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن القياس لا يفيد اليقين، والمطالب العقلية يقينية.
جوابه:
إن هذا الدليل يدل على عدم الحاجة إلى القياس، ولا يدل على
امتناع القياس في الأمور العقلية، ثم إن ما أفاد القطع أو الظن سواء
في الشريعة.
ثم إننا أردنا في القياس التصوير والتقريب إلى الأذهان فقط - لا
أخذ الحكم.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف لفظي؛ إذ أن تلك الأحكام العقلية والعقائدية ثابتة،
سواء استعمل القياس أو لا، ولكن أصحاب المذهب الأول قالوا
بجواز استعماله في العقليات من باب كثرة الاستدلال والاستئناس،
وأما أصحاب المذهب الثاني: فإنهم بيَّنوا أن تلك الأحكام ثابتة بدون
قياس، فلا داعي له، فيكون استعماله عبثا، والعقل يمنع من
العبث.
(4/1952)

المطلب التاسع في القياس في كل الأحكام
هل القياس يجري في جميع الأحكام الشرعية بلا استثناء؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن القياس لا يجري في جميع الأحكام الشرعية.
وهو مذهب أكثر العلماء، وهو الحق، للأدلة التالية:
الدليل الأول: أنه لو كان كل حكم يصح أن يثبت قياسا: للزم
من ذلك أن يكون حكم أصل القياس ثابتا بالقياس - أيضا - وكذلك
حكم أصل أصله، ثم إن انتهى إلى أصل لا يتوقف على القياس
على أصل آخر فهو خلاف الغرض، وإن لم ينته وتسلسل الأمر امتنع
وجود قياس ما؛ وذلك لتوقفه على أصول لا نهاية لها.
الدليل الثاني: أنه معلوم أنه يتعذر إجراء القياس في كثير من
الأحكام كعدد الصلوات، وعدد ركعات كل صلاة، وعدد
الطواف، والسعي، وأكثر مناسك الحج وما شابه ذلك مما لم نتمكن
من عقل معناه، وإدراك علته، ومدار القياس على تعقل المعنى الذي
يعلل به الحكم في الأصل، وهذا لم ندرك علته.
الدليل الثالث: أنا بينا في هذا الفصل عدم جواز إجراء القياس
في العاديات والأمور الخلقية، والأسباب والشروط والموانع، وهذا
يبطل القول بإجراء القياس في كل الأحكام.
(4/1953)

المذهب الثاني: أنه يجوز إجراء القياس في كل الأحكام.
ذهب إلى ذلك بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن الأحكام الشرعية - كلها - من جنس واحد، وتدخل تحت
حد واحد، وهو حد الحكم الشرعي، وحيث ثبت جريان القياس
في بعضها، فانه يثبت جريانه في بعضها الآخر؛ لأنهما متماثلان
ولا فرق بينهما.
جوابه:
لا نسلم أن جميع الأحكام متماثلة، بل بينها فرق؛ حيث إن
بعضها قد يقترن بأمور تجعله يختلف عن بعضها الآخر، ويتميز عنه:
فبعضها ندرك العِلَّة التي من أجلها شرع الحكم، فهذا يجوز فيه
القياس؛ لأن مدارَ القياس مبني على إدراك العِلَّة.
وبعضها الآخر: لا ندرك تلك العِلَّة، فهذا لا يجوز القياس فيها
مطلقاً.
فثبت: أنه مع دخول كل الأحكام تحت حد واحد وهو الحكم
الشرعي، وأنها كلها من اللَّه تعالى، فإنه يوجد بينها فرق من حيث
إدراك العِلَّة وعدم ذلك - كما بينت -.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف لفظي هنا؛ لأن أصحاب المذهب الأول - إنما نفوا جريان
القياس في كل الأحكام بالفعل وإثبات جميعها به؛ بناء على أن من
الأحكام ما تحقق لدينا عدم إدراك معناه، وإن إثبات جميعها به قد
يؤدي إلى أن لا يثبت حكم منها بغيره، وذلك محال؛ لأنه يلزم منه
الدور والتسلسل وهما باطلان.
(4/1954)

أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم لما أجازوا جريان القياس في كل
الأحكام، فإنهم قصدوا بتجويزه: أن كل حكم بالنظر لذاته،
وبقطع النظر عن غيره صالح لأن يثبت بالقياس إذا أدرك معناه؛ بناء
على رأي الجمهور وهو: أن جميع الأحكام لها علل ومعاني في
الحقيقة والواقع، ولكننا أدركنا ذلك في بعض الأحكام، ولم ندرك
علل ومعاني الأحكام الأخرى.
(4/1955)

المطلب العاشر في القياس في الأمور التي لا يراد بها العمل
الأمور التي لا يتعلق بها عمل كدخول النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة عنوة أو صلحاً لا يجري فيه القياس.
دليل ذلك: أن ما كان من هذا القبيل إنما يراد ليعرف ويعلم لا
ليعمل به، فطريق ذلك الرواية والسماع، ولا مجال للقياس في ذلك.
تنبيه: بقي من موضوع ما يجري فيه القياس وما لا يجري:
القياس في اللغات هل يجوز أو لا يجوز، وهذا قد تكلمت عنه
بالتفصيل في المبحث الرابع من الفصل الأول - من الباب الرابع
الذي هو في الألفاظ ودلالتها على الأحكام، فارجع إليه إن شئت.
(4/1956)

المبحث الثامن هل القياس من الدين؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: - أن القياس دين، أي: يسمى دينا.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد أمرنا بالقياس، وإذا أمرنا به،
فإنا نكون متعبدين به، وإذا ثبت: أن اللَّه تعالى قد تعبدنا به، فإنه
يكون من الدين.
الدليل الثاني: أن من نزلت به حادثة، وكان فيها مجتهداً لنفسه،
وضاق عليه الوقت: وجب عليه أن يقيس وينظر، وإذا لم يضق
عليه الوقت استحب له ذلك ليعد الجواب لوقت الحاجة، والواجب
والمستحب من الدين، فيصح بذلك أن يسمى القياس دينا.
المذهب الثاني: أن القياس لا يُسمى دينا، وليس منه.
وهو مذهب أبي الهذيل العلاف.
دليل هذا المذهب:
أن القياس لا يطلق عليه اسم الدين؛ لأن اسم الدين يقع على ما
هو ثابت مستمر، وكيف يسمى دينا، وهو فعل القائس.
أي: أن القياس من فعل المكلف، وهو القائس، ولا يصح أن يكون
الدين من فعل المكلف؛ إذ لو كان فعلاً للمكلف لم يعرف به الحكم.
جوابه:
نسلم أن القياس من فعل المكلف، ولكن اشترط أن يكون هذا
(4/1957)

المكلف مجتهداً - وهو من توفرت فيه شروط الاجتهاد - دون غيره،
والمجتهد يُعتبر مرجعاً لغير المجتهد في أحكام اللَّه تعالى؛ لمعرفته بها،
فيكون كل ما يقوله من الدين والشرع، فإذا توصل إلى أن الأرز من
المطعومات قياساً على البر، فإنه يحرم الربا فيه، فإن هذا من الدين
والشرع.
ولو لم يقبل قياس المجتهد ويعمل به لضاعت أكثر الشريعة؛ لأن
أكثر الفروع مبنية على القياس، وغيره مما يجتهد فيه المجتهدون،
فيعتبر كلامهم وقياساتهم من الدين الذي نتعبد اللَّه به، فنرجوا بذلك
ثواب اللَّه، ونخاف عقابه.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي، لا يترتب عليه أي أثر، لاتفاق أصحاب
المذهبين على أن القياس حُجَّة، فلم يرد عن أبي الهذيل، أو
الجمهور مخالفة في حجية القياس، والعمل بمقتضاه، فالعمل به
متفق عليه.
وإنما النزاع بين المذهبين جاء في تسمية ذلك دينا أو لا، فالجمهور
سموه بذلك، وأبو الهذيل منع من هذه التسمية.
فالخلاف إنما هو في مجرد التسمية فقط، فيكون الخلاف لفظيا.
هذا آخر المجلد الرابع من كتاب: " المهذب في علم أصول الفقه " لفضيلة
الشيخ الأستاذ الدكتور عبد الكريم بن علي بن محمد النملة حفظه الله
ونفع به الإسلام والمسلمين، ويليه المجلد الخامس إن شاء الله
وأوله: " أركان القياس وشروطها وما يتعلق بها "
وهو الفصل الثالث من الباب الخامس
(4/1958)