Advertisement

المهذب في علم أصول الفقه المقارن 005


المجلد الخامس
الفصل الثالث في أركان القياس وشروطها وما يتعلق بها
ويشتمل على تمهيد، ومباحث:
أما التمهيد: فهو في تعريف الركن، وبيان أركان القياس إجمالاً.
أما المباحث فهي:
المبحث الأول: في الأصل وحكمه وشروطهما وما يتعلق بهما.
المبحث الثاني: في الفرع وشروطه وما يتعلق به.
المبحث الثالث: في العلة وشروطها وما يتعلق بها.
-
(5/1959)

التمهيد في تعريف الركن، وبيان أركان القياس إجمالاً
ويشتمل على ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: في تعريف الركن لغة واصطلاحا.
المطلب الثاني: في بيان أركان القياس إجمالاً.
المطلب الثالث: في بيان أسباب عدم ذكر حكم الفرع من الأركان.
(5/1961)

المطلب الأول تعريف الركن
أولاً: تعريف الركن لغة:
الركن لغة هو: أحد الجوانب التي يُستند إليها ويقوم بها، وركن
الشيء جانبه الأقوى.
ثانياً: تعريف الركن اصطلاحا:
الركن اصطلاحاً: هو الداخل في حقيقة الشيء المحقق لماهيته،
وقيل: هو: ما يتم به الشيء، وهو داخل فيه.
- والماهية هي الحقيقة الكلية المعقولة.
وقولهم: إن الركن داخل في الماهية معناه: أنه جزء من مفهومها
يتوقف تعلقها على تعلقه.
فيكون الفرق بين الركن والشرط: أن شرط الشيء: ما يتم به
الشيء ويتوقف عليه، لكنه خارج عنه.
فالركوع - مثلاً - ركن في الصلاة؛ لأن الصلاة تتوقف عليه مع
أنه داخل فيها، والوضوء شرط لها؛ لأنها تتوقف عليه - أيضا -
لكنه خارج عنها.
(5/1963)

المطلب الثاني في بيان أركان القياس إجمالاً
جمهور العلماء الذين قالوا بحجية القياس يعتبرون أركان القياس
أربعة هي: الأول: الأصل، والثاني: الفرع، والثالث: العلَّة
الجامعة بين الأصل والفرع، والرابع: حكم الأصل.
فهذه الأركان لا يتم القياس إلا بها، فالقياس مجموع الأمور
الأربعة.
وقد قدم ذكر الأصل على غيره من الأركان؛ لأن الأصل يجب
تقديمه دائما، وقدم الفرع على حكم الأصل؛ لأن الفرع مقابل
للأصل، فناسب أن يذكر عقيبه لما بين الضدين من اللزوم في
الذهن، وقدمت العلَّة على حكم الأصل؛ لأنها سبب بالنسبة له،
ولا شك أنه يقدم السبب على المسبب.
(5/1964)

المطلب الثالث في بيان أسباب عدم ذكر حكم الفرع من أركان القياس
لم يذكر حكم الفرع ضمن أركان القياس، لسببين:
أولهما: أن حكم الفرع ثمرة القياس، وثمرة الشيء لا يصح أن
تكون من أركانه.
ثانيهما: أن حكم الفرع لو عُدَّ منها لاقتضى توقف القياس عليه،
فيكون دوراً، والمعلوم: توقف ثمرة القياس على القياس لا العكس.
اعتراض على هذا:
قال قائل - معترضاً -: لو أطلق لفظ " حكم " لكان أوْلى
ليشمل حكم الأصل وحكم الفرع.
جوابه:
إننا قيدنا لفظة: " حكم " بقولنا: " حكم الأصل "؛ لكون
حكم الأصل هو السابق في ثبوته؛ حيث إن العلم به سابق على
العلم بحكم الفرع، فحكم الأصل هو الطريق إلى العلم بحكم
الفرع؛ إذ لولاه لما ثبت للفرع حكم، فلو أطلقنا لفظة: " حكم "
للزم تسوية السابق باللاحق والمتقدم بالمتأخر، ويكون حكم الفرع هو
عين حكم الأصل، وهذا لا يجوز؛ لأننا قلنا في حقيقة القياس:
"إثبات مثل حكم أصل لفرع ... "، فحكم. الفرع مثل حكم
الأصل، وليس هو عينه، وقد بيَّنَّا ذلك أثناء شرحنا لتعريف القياس.
(5/1965)

فلو قال الشارع: " حرمت الخمر لإسكارها " ثم قيس النبيذ
عليها.
فالأصل.: الخمر، والفرع: النبيذ، والجامع: الإسكار،
والحكم: التحريم الذي نص عليه، وعلم في الخمر قبل أن يعلم في
النبيذ، وليس تحريم النبيذ هو عين تحريم الخمر، بل إن الخمر أشد
تحريماً.
(5/1966)

المبحث الأول في الأصل وحكمه وشروطهما وما يتعلق بهما
ويشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: في بيان المراد بالأصل.
المطلب الثاني: في بيان المراد بحكم الأصل.
المطلب الثالث: هل حكم الأصل المنصوص عليه ثابت بالنص أو
بالعِلَّة؟
المطلب الرابع: في اشتراط كون حكم الأصل شرعيا عمليا.
المطلب الخامس: في اشتراط كون حكم الأصل حكما ثابتا مستمراً.
المطلب السادس: في اشتراط كون حكم الأصل معقول المعنى.
المطلب السابع: في اشتراط أن لا يكون دليل حكم الأصل متناولاً
بعمومه حكم الفرع.
المطلب الثامن: هل يشترط قيام دليل على جواز القياس على الأصل؟
المطلب التاسع: هل يشترط في الأصل: أن يكون قد انعقد الأجماع
على أن حكمه معلل، أو أن تثبت علته بالنص؟
المطلب العاشر: هل يجوز القياس على أصل محصور بعدد؟
المطلب الحادي عشر: اشتراط كون حكم الأصل معللاً بعلة معينة.
(5/1967)

المطلب الثاني عشر: بيان أن حكم الأصل إذا كان ثابتا بنص فإنه
يجوز القياس عليه.
المطلب الثالث عشر: حكم القياس على أصل ثابت عن طريق
الإجماع.
المطلب الرابع محشر: هل يشترط في الأصل المقاس عليه: أن تجمع
الأمة - كلها - عليه، أو يكفي اتفاق الخصمين؟
المطلب الخامس عشر: حكم القياس على الأصل الثابت عن طريق
القياس.
المطلب السادس عشر: إذا كان حكم الأصل منصوصا عليه، وقد
اختلف فيه الخصمان، فهل يجوز القياس عليه؟
المطلب السابع عشر: هل يقاس على حكم الأصل الخارج عن قاعدة
القياس؟
(5/1968)

المطلب الأول في بيان المراد بالأصل
لقد اختلف العلماء في المراد بالأصل على مذاهب:
المذهب الأول: أن الأصل هو: محل الحكم المشبه به.
وهو مذهب كثير من العلماء وهو الحق؛ لأن الأصل هو: ما
كان حكم الفرع مقتبسا منه، ومردوداً إليه، وهذا إنما يتحقق في
محل الحكم المقيس عليه، أو المشبه به.
فمثلاً: حرم اللَّه تعالى الخمر بقوله تعالى: (إنما الخمر والميسر
والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) فإذا قيس
عليها النبيذ بجامع الإسكار، فإن النبيذ - على هذا - يكون محرما
كالخمر، فالأصل فناا هو: الخمر الذي هو محل الحكم، ويكون
الفرع هو النبيذ؛ حيث إن النبيذ مردود إلى نفس الخمر، فيأخذ مثل
حكمه.
المذهب الثاني: أن الأصل هو: دليل الحكم، أي: نفس الدليل
الدال على حكم الواقعة، فيكون الأصل في المثال السابق هو نفس
الدليل الدال على تحريم الخمر وهي الآية.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن الدليل هو الذي بني عليه الحكم وهو التحريم - هنا - فيكون
(5/1969)

هو الأصل؛ لأنه مفتقر إليه، ولا يصح أن يكون المحل هو الأصل؛
لأنه محتاج إلى غيره، وهو الدليل الذي أثبت الحكم فيه.
المذهب الثالث: أن الأصل هو: الحكم الثابت في المحل، وهو
التحريم في المثال السابق.
وهو مذهب فخر الدين الرازي، وسراج الدين الأرموي.
دليل هذا المذهب:
أن الأصل هو: ما ابتنى عليه غيره، وكان العلم به موصلاً إلى
العلم أو الظن بغيره، وهذه الخاصية موجودة في الحكم لا في غيره؛
لأن حكم الفرع لا يتفرع عن المحل، وكذا فقد يؤخذ الحكم عن دليل
عقلي، أو مما هو معروف بالضرورة فيقاس عليه، ويتفرع منه حكم الفرع.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي؛ نظراً لصحة إطلاق الأصل على كل من هذه
المذاهب، ولا مانع من ذلك، بيان ذلك:
أنه إذا كان معنى الأصل: ما يبنى عليه غيره، فإنه يمكن أن يكون
الحكم أصلاً؛ لبناء الحكم في الفرع عليه، وهو مراد أصحاب
المذهب الثالث.
وإذا كان الحكم في الخمر أصلاً فالنص الذي به معرفة الحكم يكون
أصلاً للأصل، وعلى هذا: فأيُّ طريق عرف به حكم الأصل من نص
أو إجماع أمكن أن يكون أصلاً، وهو مراد أصحاب المذهب الثاني.
وكذلك الخمر فإنه إذا كان محلاً للفعل الموصوف بالحرمة فهو
- أيضاً - أصل للأصل، فيمكن أن يكون أصلاً، وهو مراد أصحاب
المذهب الأول.
(5/1970)

المطلب الثاني في بيان المراد بحكم الأصل
حكم الأصل هو: الحكم الشرعي الذي ورد به نص من كتاب أو
سُنَّة، أو إجماع في الأصل، ويراد: إثبات مثله في الفرع كحرمة
الخمر، فإنا أثبتنا مثله في الفرع وهو النبيذ، وحرمة الربا في البر،
فإنا أثبتنا مثله في الفرع وهو: الأرز أو الذرة.
(5/1971)

المطلب الثالث هل حكم الأصل المنصوص عليه ثابت بالنص أو بالعلة؟
قال العلماء: إن علَّة تحريم ربا التفاضل في الأرز هي: كونه
مكيل جنس، قياساً على البر، فهل الحكم في البر - وهو أحد
الأصناف المنصوص عليها - ثابت بهذه العِلَّة أو بالنص؟
لقد اختلف العلماء في هذا على مذهبين:
المذهب الأول: أن حكم الأصل ثابت بالعِلَّة، لا بالنص.
وهو مذهب المالكية، والشافعية، وبعض الحنفية، وهو الحق؛
لأنه لو كان الحكم يثبت في محل النص بالنص، دون العِلَّة لامتنع
جريان القياس بإلحاق الفرع بالأصل، والسبب في ذلك: أنه لا
يتحقق القياس إلا إذا كان الحكم ثابتا في المنصوص عليه بالعلَّة حتى
يمكن إثبات مثل ذلك الحكم بمثل تلك العِلَّة، فاما إذا كانَ الحكم
ثابتاً في الأصل بالنص، لا بالعلَّة، ولا نص في الفرع، ولم يثبت
بالعِلَّة في الأصل لم يتصور إثبات مثل حكم الأصل بمثل الوصف
الذي في الفرع، وينقطع نظام القياس - حينئذٍ -، ويكون الفرع
غير مقاس على الأصل، لكن القياس صحيح بإجماع القائسين،
فيكون إجماعهم على ذلك إجماعا على أن الحكم في الأصل ثابت
بالعِلَّة.
المذهب الثاني: أن حكم الأصل ثابت بالنص، لا بالعلَّة.
وهو مذهب كثر الحنفية، وكثر الحنابلة.
(5/1972)

أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن حكم الأصل قد يثبت تعبُّداً، فلو ثبت بالعلَّة
لم يثبت مع عدمها.
جوابه:
إن كل الأحكام معللة، لكن بعض الأحكام قد أدركنا العِلَّة التي
من أجلها شرع الحكم، فإن كانت قاصرة لم نقس على ذلك، وإن
كانت متعدية استعملنا القياس.
أما البعض الآخر من الأحكام فلم ندرك العِلَّة التي من أجلها شرع
الحكم، فلذلك قلنا: إن الحكم تعبدي، فالحكم التعبدي له عِلَّة قد
ثبت الحكم بها، لكن لم ندركها.
الدليل الثاني: أن العِلَّة مستنبطة من حكم الأصل، ومتفرعة عليه
، وتابعة له في الوجودَ، فلو كان الحكم ثابتاً بها، لكان الأصل
ثابتاً بما لا ثبوت له دون ثبوته، وهذا دور.
جوابه:
إنا لا نريد أن العِلَّة هي المعرفة للحكم بالنسبة إلينا؛ لأنها مستنبطة
منه، وأنها لا تعرف دون معرفته، وإنما نريد أنها المعرفة للمعنى
الذي شرع لأجله الحكم، أي: أن العِلَّة دالة على أن الحكم لم
يوجد هنا - مثلاً - إلا من أجل كذا.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي، وذلك لأن قول أصحاب المذهب الأول - إن
الحكم ثابت بالعلَّة - لا يريدون به أن العِلَّة معرفة له بالنسبةِ إلينا؛
لأنها مستنبطة منه، وأنها لا تعرف دون معرفته.
(5/1973)

وإنما يريدون أن هذه العِلَّة هي التي من أجلها شرع الشارع هذا
الحكم في الاءصل.
وقول أصحاب المذهب الثاني - وهو: أن الحكم ثابت بالنص -
وأن العلَّة غير مثبتة للحكم لم يريدوا بذلك أنها ليست العِلَّة التي من
أجلهاً شرع الحكم، وإنما أرادوا: أنها غير معرفة لحكم الأصل
بالنسبة إلينا، ولم ينكر أصحاب المذهب الأول ذلك، فلا خلاف
في المعنى، بل في اللفظ.
ولقد ذكرت في كتابي " الخلاف اللفظي عند الأصوليين " أن
العلماء اختلفوا في ذلك على قولين، ورجحت: أن الخلاف
معنوي، وأنا الآن أعدل عن ذلك الرأي، وأثبت هنا أن الخلاف
لفظي؛ لما ذكرت.
(5/1974)

المطلب الرابع في اشتراط كون حكم الأصل حكماً شرعيا عمليا
يشترط في حكم الأصل أن يكون حكما شرعيا عمليا قد ثبت
بكتاب أو سُنّة، أو إجماع؛ لأن المراد فيه القياس الشرعي الذي
يكون الغرض منه إثبات حكم شرعي في الفرع.
وخرج بذلك: الحكم العقلي، والحكم اللغوي، والحكم
الحسي، فعلى تقدير جريان القياس فيها، فإنه ليس قياسا شرعيا،
بل عقليا، ولغويا، وحسيا.
ويستثنى من ذلك: ما إذا كان القياس لغويا، ويتوصل به إلى
حكم شرعي، فإن هذا يعتبر داخلاً في الحكم الشرعي كقياس تسمية
النبش سرقة، واللواطة زنى، ليثبت بذلك القطع، والجلد أو الرجم.
(5/1975)

المطلب الخامس اشتراط كون حكم الأصل حكما ثابتا مستمراً
يشترط في حكم الأصل الذي قصد تعديته إلى الفرع أن يكون
ثابتا مستمراً في الأصل؛ لأنه إذا لم يكن ثابتا فيه بأن لم يشرع فيه
أصلاً، أو أنه شرع فيه، لكنه نسخ، فإنه لا يجوز بناء حكم الفرع
عليه؛ لأمرين:
أولهما: أن كون الشيء مبنيا على الغير صفة له، وتحقق الصفة
يستدعي تحقق الموصوف، فإذا لم يكن الموصوف ثابتا لم تكن
الصفة ثابتة له.
ثانيهما: أنه إذا لم يكن الحكم في الأصل ثابتا أمكن توجيه المنع
عليه، فلا يمكن للمستدل أن ينتفع به قبل إقامة الدليل على ثبوته.
(5/1976)

المطلب السادس اشتراط كون حكم الأصل معقول المعنى
يشترط في القياس: أن يكون حكم الأصل مدرك المعنى والعلَّة
التي لأجلها شرع هذا الحكم؛ لأن القياس مبني على إدراك العِلَّة؛
حيث إن المراد منه تعدية الحكم من محل إلى محل بواسطة تعدي
العلَّة.
أما ما لا يعقل معناه ولا تدرك عِلَّته كاعداد الصلوات، وركعات
كل صلاة، وعدد السعي والطواف، فإنه لا يجوز القياس فيه.
(5/1977)

المطلب السابع اشتراط أن لا يكون دليل حكم الأصل متناولاً
بعمومه حكم الفرع
فمثلاً: لو جعلنا دليل تحريم الخمر هو ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -:
"كل مسكر حرام "، فإنه لا يصح قياس النبيذ على الخمر هنا؛ لأن
هذا النص قد تناول بعمومه النبيذ كتناوله للخمر، فالنبيذ محرم
بالنص، لا بالقياس.
(5/1978)

المطلب الثامن هل يثشترط قيام دليل على جواز القياس على الأصل؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يشترط في الأصل: أن يقوم دليل على
جواز القياس عليه.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: عموم الأدلة المثبتة للقياس؛ حيث إنها أجازت
القياس على الأصل مطلقا، فلم تعتبر هذا الشرط.
الدليل الثاني: أنا إذا ظننا كون حكم الأصل معللاً بوصف، ثم
علمنا أو ظننا حصوله في الفرع: حصل ظن أن حكم الفرع مثل
حكم الأصل، والعمل بالظن واجب.
المذهب الثاني: أنه لا يقاس على الأصل إلا إذا قامت الدلالة على
جواز القياس عليه.
وهو مذهب عثمان البتي البصري.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنه لم يورد دليلاً على ما زعمه، وما لا دليل
عليه فإنه لا يعتمد ولا يعول عليه.
الجواب الثاني: أن هذا معارض بالواقع من الصحابة - رضي الله عنهم -
(5/1979)

حيث إنه من تتبع أحوالهم في مجاري اجتهاداتهم فإنه
يعلم أنهم كانوا يقيسون الفرع على الأصل عند وجود ما يظن كونه
علَّة لحكم الأصل في الأصل ووجدها في الفرع وإن لم يقم دليل
خَاص على وجوب تعليل حكم ذلك الأصل، وجواز القياس عليه،
وأصرح شيء في ذلك قول عمر لأبي موسى: " اعرف الأشباه
والأمثال ثم قس الأمور برأيك "، ولم يفصل.
من ذلك: أنهم اختلفوا في قول الرجل لامرأته: " أنت علي
حرام "، فقاسه بعضهم على الطلاق، وبعضهم قاسه على الظهار،
وبعضهم قاسه على اليمين، ولم ينقل نص خاص، ولا إجماع على
القياس على تلك الأصول.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ حيث إنه بناء على المذهب الثاني تصبح دائرة
القياس ضيقة جداً، كما هو واضح.
(5/1980)

المطلب التاسع هل يشترط في الأصل أن يكون قد انعقد الإجماع
على أن حكمه معلل، أو أن تثبت علته بالنص؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يشترط في الأصل: أن يكون قد اتفق
العلماء على أن حكمه معلل، ولا يشترط - أيضا - أن تثبت علَّته
بالنص، بل لو ثبت ذلك بالطرق الاجتهادية الظنية جاز القياس عليه.
وهذا مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ للدليلين اللذين
ذكرتهما في " أنه لا يشترط في الأصل أن يقوم دليل على جواز
القياس عليه "، وهو المطلب السابق.
المذهب الثاني: أن ذلك يشترط فلا يقاس على أصل حتى يدل
نص على عين علَّة ذلك الحكم، أو انعقد الإجماع على كون حكمه
معللاً.
وهو مذهب بشر المريسي المعتزلي.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن هذا المذهب لا دليل عليه، وما لا دليل عليه
لا يعتمد عليه.
الجواب الثاني: أن هذا معارض بالواقع من الصحابة والواقع من
(5/1981)

فقهاء الإسلام، حيث إنه ثبت عن الصحابة - رضي اللَّه عنهم -
أنهم كانوا يقيسون الفرع على الأصل بواسطة عِلَّة اجتهادية مثل فعلهم
في مسألة: " أنت عليّ حرام "، فقاسه بعضهم على الطلاق بعلَّة
تختلف عمن قاسه على اليمين.
ومثل فعلهم في " مسألة الجد والإخوة " وغيرها.
وكذلك فقهاء الإسلام كثيراً ما نراهم يختلفون في عِلَّة الأصل،
فمثلاً: حرم التفاضل في بيع البر بالبر، وهذا ثابت بحديث الأشياء
الستة، ولكن الفقهاء اختلفوا في العلَّة التي من أجلها حرم هذا
التفاضل على أقوال:
فقيل: إن العِلَّة هي الطعم، وعليه يحرم التفاضل في كل مطعوم.
وقيل: إن العِلَّة هي الاقتيات والادخار، وعليه فإنه يحرم التفاضل
فيما يقتات وما يدخر كالأرز والذرة.
وقيل: إن العلَّة هي الكيل أو الوزن، وعلى هذا: يحرم
التفاضل فيما يكال وَما يوزن ومع ذلك فقد جاز القياس.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي، حيث إنه بناء على المذهب الثاني تكون دائرة
القياس ضيقة جداً، لأن أكثر العلَل اجتهادية عقلية، فلو لم نعلل
بتلك العلل لما بقي لنا قياس إلا في القليل النادر.
(5/1982)

المطلب العاشر هل يجوز القياس على أصل محصور بعدد معين؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: يجوز القياس على أصل محصور بعدد معين.
أي: لا يشترط في الأصل: أن لا يكون محصوراً بالعدد، بل
يجوز القياس على الأصل، سواء كان محصوراً أو لم يكن محصوراً.
وهو مذهب كثير من العلماء، وهو الحق؛ لعموم أدلة حجية
القياس، فإنها لم تفرق بين الأصل المحصور بالعدد وبين الأصل غير
المحصور إذا أدركت عِلَّة حكم الأصل.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز القياس على الأصل المحصور بالعدد.
وهو مذهب بعض العلماء حتى إنهم قالوا: لا يجوز القياس على
جواز قتل الفواسق الخمس في الحل والحرم؛ لأنهن محصورات في
قوله عليه السلام: " خمس يقتلن في الحل والحرم ".
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن مفهوم العدد حُجَّة، وذلك يدل على نفي
الحكم عما عداه، أي: أن تخصيص ذلك بالذكر يدل على نفي
الحكم عما عداه.
جوابه: يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنه يمنع أن مفهوم العدد هنا حُجَّة.
(5/1983)

الجواب الثاني: سلمنا أن مفهوم العدد حُجَّة هنا، لكن القياس
أقوى منه هنا إذا فهم المعنى الذي لأجله شرع الحكم.
الدليل الثاني: أن جواز القياس عليه يبطل الحصر، فلم يجز كما
إذا كان القياس يرفع شيئاً من مدلولات النص الدال على حكم
الأصل.
جوابه:
أنا نمنع أن القياس على الأصل المحصور يبطل الحصر، أو يرفع
شيئا من مدلولات النص، بل إن القياس يزيد عليه أشياء بشرط
الاتفاق مع المذكورات بالعلَّة.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ حيث إنه بناء على المذهب الثاني لا يقاس على
الخمس اللاتي يقتلن بالحل والحرم، ولا يقاس على الأشياء الستة في
حديث عبادة بن الصامت.
أما بناء على المذهب الأول فإنه يقاس على كل شيء إذا وجدت
العلَّة.
(5/1984)

المطلب الحادي عشر اشتراط كون حكم الأصل معللاً بعلة معينة
قد صرح بها
لأن العلَّة المبهمة لا يعلم وجودها في الفرع، فلا يقال مثلاً:
تجب الزكاة في الحلي للعِلَّة المقتضية لوجوبها في النقد.
* * *
(5/1985)

المطلب الثاني عشر بيان أن حكم الأصل إذا كان ثابتا بنص
فإنه يجوز القياس عليه.
لأن النص من الأدلة المثبتة للأصل؛ لأن الأصل ينبني عليه الفرع،
ويلحق به، ويعتمد عليه، والشيء الذي لم يثبت لا يتصور بناء غيره عليه.
مثاله: قولنا: الخنزير إذا ولغ في الإناء، فإنه يغسل سبع مرات؛
قياسا على الكلب بجامع: أن كلًّا منهما حيوان نجس، فإن منع
أحدهم الحكم في ولوغ الكلب دللنا عليه بنص الحديث الذي هو
قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا ".
(5/1986)

المطلب الثالث عشر حكم القياس على أصل ثبت عن طريق الإجماع
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز القياس على أصل ثابت عن طريق
الإجماع.
وهو مذهب جمهور العلماء.
وهذا هو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: أن الإجماع أصل ثابت تثبت به أحكام الشرع،
فجاز القياس على الأصل الثابت به كالقياس على ما ثبت بالكتاب
والسُّنَّة.
الدليل الثاني: أنه يجوز القياس على أصل ثابت بخبر الواحد،
وهو يفيد الظن.، فمن باب أَوْلى أن يقاس على أصل ثابت
بالإجماع؛ لأن الإجماع آكد من خبر الواحد.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز القياس إلا على الأصل الثابت
بالكتاب والسُّنَّة - فقط - ولا يجوز القياس على أصل ثابت
بالإجماع مطلقاً.
ْوهو مذهب بعض الشافعية، وحكي عن بعض الحنابلة.
دليل هذا المذهب:
إنه إذا أجمع العلماء على أصل، فإن ذلك الإجماع أو الاتفاق
(5/1987)

حصل عن دليل - وهو مستند الإجماع - فيجب طلب الدليل
والمستند، فإنه ربما كان نطقا يتناول الفرع فيغني عن القياس، وربما
كان معنى لا يتعدى الحكم الذي ثبت بالإجماع، فلا يجوز القياس
عليه.
جوابه:
إن الدليل الذي ثبت به الإجماع إن كان نطقاً يتناول الفرع: لم
يمنع القياس، بل يقويه.
وإن كان معنى لا يتعدى الحكم الذي ثبت بالإجماع لا يمنع أن
يكون هناك معنى آخر يتعدى إلى الفرع فيقاس عليه.
فإذا لم يوجد ما يمنع القياس على ما ثبت بالإجماع، فإنه يقاس
عليه بشرط: معرفة العِلَّة، ولا داعي للنظر فى مستند الإجماع.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ حيث إنه بناء على المذهب الثاني فإنه لا يجوز
إلا على ما شبت بدليلين هما: الكتاب والسُّنَّة، أما على المذهب
الأول فإنه يقاس على الأصل الثابت بثلاثة أدلة: الكتاب، والسُّنَّة،
والإجماع، فتكون دائرة القياس عند أصحاب المذهب الثاني أضيق
من دائرة القياس عند أصحاب المذهب الأول، ويكون كل قياس
الأصل فيه مجمع عليه باطلاً عند أصحاب المذهب الثاني.
(5/1988)

المطلب الرابع عشر هل يشترط في حكم الأصل المقاس عليه أن تجمع
عليه كل الأمة، أو يكفي اتفاق الخصمين؟
لقد بيَّنت فيما سبق: أنه يجوز القياس على ما ثبت بالإجماع،
ولكن اختلف العلماء هل يكفي اتفاق الخصمين أو يشترط اتفاق كل
الأُمَّة؛ على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يكفي اتفاق الخصمين، فلا يشترط أن يكون
حكم الأصل المقيس عليه متفقا عليه من كل الأُمَّة؛ حيث إن
الخصمين - المستدل والمعترض - إذا اتفقا على حكم الأصل، فإن
المناظرة تنضبط، ويكون لها فائدة، أما إن كان حكم الأصل مختلفاً
فيه، فإن المعترض له أن ينازع فيه كما ينازع في الفرع، وهذا هو
الحق؛ لما ذكرت.
مثال ذلك: قياس الأرز على البر في تحريم ربا الفضل بجامع:
الطعم، أو الكيل، فإن الحكم متفق عليه، وإن اختلف في العِلَّة
كما سبق.
المذهب الثاني: أنه يشترط في حكم الأصل المقيس عليه: أن
يكون متفقا عليه بين الأمَّة، ولا يكفي أن يكون الأصل متفقاً عليه بين
الخصمين.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن حكم الأصل إذا لم تجمع عليه كل الأمَّة، فإنه يجوز للخصم
(5/1989)

- وهو المعترض -: أن يعلل حكم الأصل بعلَّة قاصرة لا تتعدى إلى
الفرع، وإن وافقه المستدل على هذا بطل القياس؛ لعدم وجود المعنى
الجامع بين الأصل والفرع.
وإن لم يوافقه المستدل على ذلك، بل علل المستدل بعلة أخرى
متعدية إلى الفرع: بطل القياس أيضا؛ لأن المعترض قد علل حكم
ذلك الأصل بعلة قاصرة، ومنع أن يكون ذلك الشيء الذي أتى به
المستدل عِلَّة للأصل.
وبيَّن - أي: المعترض - عدم موافقته على أن العِلَّة في حكم
الأصل تلك العلَّة المتعدية التي أوردها المستدل، وذكر أَن عِلَّة حكم
الأصل هي التي لا تتعدى إلى الفرع.
وسموا ذلك بالقياس المركب، وهو: أن يكون الحكم متفقا عليه
بين الخصمين، لكن لعلتين مختلفتين، فكل واحد من الخصمين علل
الحكم بعلة مخالفة لعلة الآخر، كما في قياس حلي البالغة على
حلي الصبية؛ فإن عدم وجوب الزكاة في حلي الصبية متفق عليه بين
الخصمين، لكن لعلتين مختلفتين، فإنه عند أحدهما: لعلَّة كونه
حليا، وعند الآخر: لعِلَّة كونه ما، للصبية.
جوابه:
أنا لو عملنا بهذا الشرط، وهو إجماع كل الأُمَّة على حكم الأصل،
فإن ذلك يفضي إلى ندرة الأصل وحكمه المقاس عليه، وبالتالي ندرة
القياس كله مما يؤدي إلى خلو كثير من الحوادث عن الأحكام.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي، كما سبق.
(5/1990)

المطلب الخامس عشر حكم القياس على الأصل الثابت عن طريق القياس
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: لا يجوز القياس على أصل ثبت عن طريق القياس.
وهو مذهب جمهور العلماء، فلا يجوز قياس الذرة على الأرز
الذي هو مقاس على البر.
وهذا هو الحق؛ لأن العلَّة الجامعة بين الأصل الثاني - وهو في
المثال: البر - والأصل الأول - وهو الأرز - إن كانت موجودة في
الفرع وهو: الذرة، فليقم القائس بقياس الفرع - وهو الذرة -
على الأصل الثاني - وهو البر - مباشرة؛ لأن ذكر الأصل الأول
يكون - حينئذٍ - تطويل من غير فائدة، وغير المفيد عبث يجب رده
وعدم اعتباره.
وإن كانت العِلَّة الجامعة بين الأصلين - الأصل الأول وهو الأرز،
والأصل الثاني وهو البر - غير موجودة في الفرع - وهو الذرة -:
لم يجز قياس الذرة على الأصل الأول - وهو الأرز -؛ لأنه قد
ظهر أن حكم الأصل الأول - وهو الأرز - قد ثبت بعِلَّة غير
موجودة في الفرع، وهذا يبطل القياس؛ لأن من شرط صحة
القياس: أن تكون عِلَّة الأصل وعِلَّة الفرع متساويتين.
المذهب الثاني: أنه يجوز القياس على أصل ثبت بالقياس.
(5/1991)

وهو مذهب بعض الحنفية، وبعض الشافعية، وكثير من الحنابلة،
وهو اختيار أبي عبد اللَّه البصري.
دليل هذا المذهب:
أنه لما ثبت الحكم في الفرع صار أصلاً في نفسه، فجاز أن يستنبط
منه عِلَّة، ويقاس عليه غيره كالنص نفسه، ولا فرق.
جوابه:
إن هذا يؤدي إلى إثبات حكم في الفرع بغير علَّة الأصل، وذلك
لا يجوز.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي، كما سبق من المثال.
(5/1992)

المطلب السادس عشر إذا كان حكم الأصل منصوصا عليه وقد اختلف
فيه بين الخصمين فهل يجوز القياس عليه؟
لقد بيَّنت فيما سبق: أنه يجوز القياس على حكم الأصل
المنصوص عليه، واتفق عليه الخصمان، وبيَّنت أن الحكم الذي اتفق
الخصمان عليه يجوز القياس عليه.
لكن إذا نص على حكم أصل، ولكن اختلف الخصمان فيه،
فهل يجوز القياس عليه؟
لقد اختلف العلماء فيه على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز القياس على الأصل وحكمه إذا كان
منصوصاً عليه، وإن خالف فيه أحد الخصمين، فلا ينظر إلى
خلافه، وقد بيَّنا ذلك فيما سبق.
مثاله: قولنا: إن الخنزير إذا ولغ في الإناء، فإنه يغسل ذلك
الإناء سبع مرات؛ قياسا على الكلب بجامع: أن كلًّا منهما حيوان
نجس.
فإن منع الخصم في ولوغ الكلب - أي: فإن خالف الخصم في
حكم الأصل - فإن المستدل يرد ويقول: إن غسل الإناء من ولوغ
الكلب سبع مرات قد ثبت بالنص.، وهو قوله عليه السلام:
" إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا "،
فيصح قياس الخنزير على الكلب، وإن خالف الخصم في الأصل وحكمه.
(5/1993)

لكن صحة هذا مشروطة بأن يكون النص غير شامل للفرع، فإن
كان شاملاً للفرع أخذنا حكمه من النص، ولا داعي للقياس.
هذا هو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق، لأن الأصل
وحكمه يعتبران من أركان القياس، فإذا خالف أحد في هذا الأصل،
فيجوز للمستدل أن يثبته بدليل معتمد كالنص وغيره، وهذا حال
جميع أركان القياس إذا خالف في أحدها بعض المعترضين، وليس
طريق إثبات حكم الأصل مقصوراً على الاتفاق - فقط -، بل
يكفي أي دليل يجعل المجتهد يغلب على ظنه أنه قد أثبت ذلك
الحكم، والنص يغلِّب الظن، فيجب أن يثبت به الأصل وحكمه
كالإجماع، لأن الفرق بينهما تحكم.
اعتراض على هذا:
قال قائل - معترضاً -: إذا كان الأمر كذلك فلماذا لم تجوزوا
القياس على ما ثبت بالقياس، مع أن القياس يغلب على الظن أنه
عبت للأصل.
جوابه:
إن الأصل عندنا لا يثبت بالقياس، لذلك لا يجوز القياس على ما
ثبت بالقياس، لأن العِلَّة الجامعة بين الأصل الأول والثاني إن كانت
موجودة في الفرع، فلَيقم المستدل ويقيسه على الأصل الثاني مباشرة
ويكفيه، وإن لم تكن العلَّة موجودة في الفرع لم يصح القياس؛
لأن القياس مبني على وجوَد العِلَّة، وهي هنا ليست كوجودة، لهذا
السبب منعنا القياس على ما ثبت بالقياس.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز القياس على المختلف فيه وإن كان
منصوصا عليه.
(5/1994)

وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن القياس المختلف فيه بين الخصمين، يؤدي ويفضي إلى الانتقال
من مسألة إلى مسألة أخرى، بيان ذلك:
أن المستدل إذا قاس على أصل مختلف فيه بين الخصمين، فإن
المعترض يمنع ذلك، ويقول: لا أسلم ثبوت ذلك الأصل بذلك
النص، فإن أثبت المستدل الأصل بدليل آخر كالمفهوم، أو الإجماع
السكوتي، أو نحوهما: جاز للمعترض أن يمنع الاستدلال بذلك،
فيكون مختلفاً فيه، وهكذا إن حاول المستدل أن يثبت الأصل بأي
دليل عارضه خصمه فيه، فينتقل الكلام من مسألة إلى مسألة أخرى،
ويبني الخلاف على الخلاف، وليس أحد الخصمين بأوْلى من الآخر
في ذلك، حيث إن كلًّا منهما قد بلغ درجة الاجتهاد.
جوابه:
إن الأصل وحكمه يثبت بالنص كغيره من أحكام الشريعة كثبوت
الأحكام بأخبار الآحاد، والظواهر من النصوص، والمجتهد الذي
يثبت حكماً بأي نص يعمل به ويفتي به، ولا يضره مخالفة الخصم
وعدم أخذه بذلك النص، فكذلك هنا فإنه يُثبت الأصل وحكمه بأي
نصٍ صح عنده ويبني عليه أحكاما أخرى من قياس عليه، ونحو
ذلك.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي، وهو واضح.
(5/1995)

المطلب السابع عشر هل يُقاس على حكم الأصل الخارج عن قاعدة القياس؟
أو تقول: هل يقاس على حكم الأصل المعدول به عن سنن القياس؟
المراد من ذلك: أن الطريقة المعهودة في القياس الشرعي: كون
ذلك الحكم معللاً بعلَّة منصوصة أو مستنبطة، وكون تلك العلَّة
موجودة في صور كثيرة، فإذا ورد حكم معدول به عن هذا فهَل
يقاس عليه أو لا؟
أقول - في الجواب عن ذلك -: إن الأحكام المشروعة أنواع،
سأذكرها وأذكر منها الخارج عن قاعدة القياس، وغير الخارج،
فأقول:
النوع الأول: ما شرع من الأحكام ابتداء من غير أن يؤخذ من
أصول أُخر، ولا يعقل معناها كأعداد الصلوات، وأعداد ركعات
كل صلاة، ونصب الزكاة، ولِمَ جُعل الركوع مفرداً، والسجود
مثنى؟ فهذا النوع لا يجوز القياس فيه؛ نظراً لعدم وجود العِلَّة التي
هي أهم ركن من أركان القياس.
وهذا غير خارج عن قاعدة القياس؛ لأنه لم يسبقها عموم قياس
يمنع منها، ولا يستثنى عن أصول أخر حتى يسمى بالخارج عن
القياس، ولكن بعض العلماء سماه بالخارج عن قاعدة القياس،
وهذه التسمية مجاز.
(5/1996)

النوع الثاني: ما شرع من الأحكام ابتداء من غير أن يؤخذ ويقتطع
من أصول أُخر، وهي معقولة المعنى، لكنها عديمة النظير والمثيل.
أي: لا يكون له نظير خارج عما يتناوله الدليل الدال على تلك
الأحكام، فهذا لا يقاس عليها؛ نظراً لتعذر الفرع الذي هو ركن
من أركان القياس.
من أمثلته: رخصة المسح على الخفين؛ فإنه معلل بعسر نزعه في
كل وقت، وأن الحاجة ماسة إليه، ولكن لا يساويه في هذا المعنى
شيء مما يشبهه من بعض الوجوه كالعمامة والقفازين، فلذلك لم
يجز قياس شيء منها عليه، وهذا على مذهب من قال: لا يجوز
القياس على الرخص.
وكذلك رخصة القصر لعذر السفر، فمانه معلل بالمشقة المخصوصة
وهي غير حاصلة في حق غير المسافر، فإن الشقة مناسبة ظاهرة
لذلك الحكم، ولا يمكن تعليله بمطلق المشقة، وإلا لوجب ثبوت
القصر في حق المريض.
وكذلك مشروعية القسامة تجب على من لم يدع عليه ولي الدم
القتل، ولا تسقط بها عنهم الدية، ووجبت على عدد مخصوص،
وجعل الخيار إلى ولي الدم فيمن يحلف، وهذا لا يوجد في غيره.
وهذا غير خارج عن قاعدة القياس، لكن القياس هنا امتنع؛
لعدم وجود الفرع - كما سبق قوله -.
ولذلك لا يصح ما يقوله بعض الفقهاء: إن توقيت الإجارة خارج
عن قياس الأصول كالبيع والنكاح؛ لأنه ليس جعل أحدهما أصلاً
والآخر خارجاً عنه بأوْلى من العكس، بل كل واحد منها أصل
بنفسه لانظير له.
(5/1997)

النوع الثالث: ما شرع من الأحكام على وجه الاستثناء والاقتطاع
عن القواعد العامة والأصول المقررة، ولا يحقل معناه، وهذا النوع
لا يقاس عليه؛ نظراً لفقد العِلَّة التي عليها مدار القياس.
من أمثلة ذلك: قبول شهادة خزيمة بمفرده لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من شهد له خزيمة فهو حسبه "، وقوله لأبي بردة: هاني بن نيار الأنصاري
- وقد ضحى بالجذع من المعز -:
" تجزيك ولن تجزي عن أحد بعدك ".
وتسمية هذا النوع بالخارج عن قاعدة القياس تسمية حقيقية؛ حيث
إن القاعدة: أن الجذع من المعز لا تجزئ، والقاعدة: أنه لا يقبل في
الشهادة إلا شهادة اثنين.
النوع الرابع: ما شرع من الأحكام على وجه الاستثناء والاقتطاع
عن القواعد العامة، وهو مخالف للأصول المقررة، وهو معقول
المعنى.
مثل: مشروعية بيع العرايا - وهو بيع الرطب في رؤوس النخل
بمثل قدره تمراً عن طريق الخرص - فهذا على خلاف القاعدة وهي:
النهي عن بيع المزابنة - وهي: بيع التمر بالتمر - ونعلم أنه لم يشرع
ناسخا لبيع المزابنة، بل على وجه الاستثناء والاقتطاع عنها لحاجة
الفقراء، فيقاس العنب على الرطب؛ لأنه في معناه.
وكذلك: ما شرع من رد المصراة، ورد صاع من التمر معها بدل
اللبن الموجود في ضرعها؛ فإن هذا لم يشرع لقاعدة ضمان المثليات
بالمثل، والمتقومات بالقيمة، ولكنه على وجه الاستثناء من تلك
القاعدة؛ لعِلَّة وهي: الحاجة لذلك؛ حيث إن اللبن الكائن في
الضرع لدى البيع اختلط باللبن الحادث بعده، ولا يمكن التمييز
(5/1998)

بينهما، ولا يمكن معوفة القدر الموجود في الضرع عند البيع، وكان
الأمر قد تعلق بمطعوم، لذلك خلَّص الشارع المتبايعين من المنازعة
والوقوع في ورطة الجهل بالتقدير بصاع من التمر، لاشتراكهما في
وصف الطعام، ولتقاربهما في القيمة كما قدر دية الجنين بغرة عبد أو
امَة، مع اختلاف الجنين بالذكورة والأنوثة، ولما فهمنا المعنى الذي
لأجله شرع الحكم قسنا عليه غيره؛ حيث إنا نقول: لو ردَّ المصراة
بعيب آخر غير التصرية رد معها أيضا صاعا من التمر بدل اللبن
الموجود في الضرع.
وهذا النوع قد اختلف فيه هل يجوز القياس عليه أو لا؟
اختلف في ذلك على مذاهب، من أهمها مذهبان:
المذهب الأول: أنه يجوز القياس عليه مطلقا وإن كان خارجا عن
قاعدة القياس.
هو مذهب كثير من الشافعية، والحنابلة، وبعض الحنفية.
وهو الحق؛ لأنه حكم شرعي معقول المعنى، مُدرك العلَّة إما عن
طريق النص، أو عن طريق الاستنباط، فجاز القياس عليه كالقياس
على غيره من الأصول الغير المعدول به عن سنن القياس، والجامع:
توفر أركان القياس وشروط كل ركن.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز القياس عليه.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن القياس على المعدول به عن سنن القياس تكثير لمخالفة الدليل؛
لأن قياس الأصول يقتضي أن يكون حكم المعدول عن سنن القياس
(5/1999)

كحكمه، لكن النص أخرجه عنه، فيبقى ما عداه على وفقه، فإخراج
غيره عن حكمه تكثير لمخالفته، بخلاف القياس على الأصول الغير
المعدول به عن سق القياس؛ فإنه لا يلزم منه مخالفة الدليل.
جوابه:
إن الشارع إنما يخالف الدليل لمصلحة تزيد على مصلحة ذلك
الدليل؛ عملاً بالاستقراء، وتقديم الأرجح، وهو شأن صاحب
الشرع، فإذا وجدنا تلك المصلحة التي خولف الدليل لأجلها في
صورة أخرى: وجب أن يخالف الدليل بها - أيضا - عملاً
برجحانها، فنحن - حينئذٍ - قد أكثرنا موافقة الدليل لا مخالفته.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذا النوع معنوي؛ حيث أثر في بعض الفروع الفقهية،
ومنها:
1 - أنه على المذهب الأول: يجوز قياس العنب على الرطب،
فيجوز بيع العنب بالزبيب، كما جاز بيع الرطب بالتمر.
وعلى المذهب الثاني: لا يجوز ذلك.
2 - أنه على المذهب الأول: يجوز القياس على مسألة المصراة
بخلاف المذهب الثاني.
النوج الخامس: ما شرع من الأحكام ابتداء من غير اقتطاع عن
أصول أخر، وهي معقولة المعنى، ولها نظير وفروع.
فهذا اتفق القائلون بالقياس على أنه يجري فيه القياس.
وهو قسم غير خارج عن قاعدة القياس باعتبار وجه من الوجوه.
فهذه الأنواع الخمسة اختلف حكم القياس فيها بسبب اختلاف
الأحكام فيها.
(5/2000)

المبحث الثاني في الفرع وشروطه وما يتعلق به
ويشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: في بيان المراد بالفرع.
المطلب الثاني: اشتراط كون العلَّة الموجودة في الفرع مثل علة حكم
الأصل من غير تفاوت واختلاف.
المطلب الثالث: اشتراط عدم كون حكم الفرع منصوصا عليه أو
مجمعاً عليه.
المطلب الرابع: اشتراط كون الحكم في الفرع مماثلاً لحكم الأصل في
عينه أو جنسه.
المطلب الخامس: اشتراط عدم تقدم حكم الفرع على حكم الأصل.
المطلب السادس: هل يشترط أن تكون العِلَّة في الفرع معلومة قطعا؟
المطلب السابع: هل يشترط في حكم الفرع أن يكون مما ثبت بالنص
جملة؟
(5/2001)

المطلب الأول بيان المراد بالفرع
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن الفرع هو الحل الذي لم ينص على حكمه
كالنبيذ فإنه فرع، والخمر أصل؛ لأن الجميع مسكر.
وهو مذهب كثير من العلماء، وهو الحق؛ لأن الفرع هو:
المفتقر إلى غيره، والمردود إليه، وهذا إنما يتحقق على الحل وهو
النبيذ؛ حيث إنه مقيس على الخمر ومشبه به بوجه شبه وهو:
الإسكار، فلولا الخمر لا عرفنا حكم النبيذ.
المذهب الثاني: أن الفرع هو: حكم تلك الصورة المقيسة،
فيكون الفرع - على هذا - تحريم النبيذ.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن حكم الصورة الثانية متفرج عن العِلَّة، والعلَّة متفرعة عن حكم
الصورة الأولى، وفرع الفرع فرع لذلك الأصل، فصح أن يكون
حكم الصورة الثانية فرعا.
جوابه:
إن هذا فيه تكلفا واضحا؛ حيث إن الفرع عند الإطلاق ينصرف
إلى الفرع المباشر، لا إلى ما كان فرعا بواسطة.
(5/2003)

بيان نوع الخلاف:
الخلاف لفظي؛ نظراً لصحة إطلاق الفرع على كل من هذين
المذهبين، ولا مانع من ذلك؛ لكن إطلاقه على المذهب الثاني فيه
بعض التكلف، فيكون الفرع على المذهب الأول أوْلى.
فيكون - على هذا - الأصل هو المحل الذي ورد حكمه في
الكتاب، أو السُّنَّة، أو الإجماع كالخمر، والهرة، والصبي.
والفرع هو المحل الذي لم يرد حكمه في كتاب، ولا سُنَّة، ولا
إجماع: كالنبيذ، والفأرة، والسفيه، بيان ذلك:
أننا لما قسنا النبيذ على الخمر كان عندنا أربعة أركان:
الأصل: الخمر، والفرع: النبيذ، والعِلَّة: الإسكار،
والحكم: التحريم.
ولما قسنا الفأرة على الهرة: كان عندنا أربعة أركان:
الأصل: الهرة - الوارد حكمها بقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات "،
والفرع: الفأرة، والعلَّة:
كثرة التطواف وصعوبة التحرز منها، والحكم: طهارة سؤرَ كل
منهما.
ولما قسنا السفيه على الصبي كان عندنا أربعة أركان:
الأصل: الصبي، حيث أجمع العلماء على أنه يحجر عليه -
والفرع: السفيه، والعِلَّة: ضعف التصرف، والحكم: الحجر
عليهما.
(5/2004)

المطلب الثاني اشتراط كون العلَّة الموجودة في الفرع مثل علة حكم
الأصل من غير تفاوت واختلاف
وذلك كالإسكار، فإنه موجود في الخمر، وموجود في النبيذ من
غير اختلاف، لذلك ألحقنا النبيذ بالخمر، وكالطعم، فإنه موجود
في الأرز وفي البر من غير اختلاف وتفاوت، لذلك قسنا الأرز على
البر، والقتل العمد العدوان فإنه موجود في القتك بالمثقل، وموجود
في القتل بالمحدد من غير تفاوت، لذلك قسنا القتل بالمثقل على
القتل بالمحدد، وهكذا.
فإن وجد تفاوت واختلاف فإنا ننظر:
إن كان هذا الاختلاف جاء عن طريق نقصان علَّة الفرع عن عِلَّة
حكم الأصل كقول بعضهم: تجب الزكاة في مال الصبي؛ قياسا
على مال المكلف بجامع: أن كلًّا منهما يملك ماله، فإن هذا لا
يصح؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن علَّة حكم الأصل تختلف
عن علَّة الفرع؛ حيث إن علَّة الأصل - وهو البالغ -: أنه يملك
ماله بالقوة والفعل، أما عِلَّة الفرع فهي: إنه يملك ماله بالقوة فقط.
وإن كان هذا الاختلاف جاء عن طريق زيادة عِلَّة الفرع: فإن
القياس يصح، بل يكون الفرع أوْلى بالحكم من الأَصل، كما في
قياس ضرب الوالدين على التأفيف لهما في التحريم بجامع الإيذاء
في كل، فإن الإيذاء في الضرب أشد.
(5/2005)

المطلب الثالث اشتراط عدم كون حكم الفرع منصوصا عليه
أو مجمعا عليه
أي: يشترط في الفرع: أن يكون خالياً عن نص من كتاب، أو
سُنَّة، أو إجماع يصادم وينافي حكم القياس، فإذا كان النص أو
الإجماع يخالف القياس فلا قياس، وإلا لزم تقديم القياس على
الحكم الثابت بالنص والإجماع، هذا إذا كان النص أو الإجماع
يخالف الحكم الذي ورد به القياس.
أما إذا كان يوافق القياس فإنا ننظر:
إن كان النص أو الإجماع الدال على ثبوت حكم الفرع بعينه هو
الذي دلَّ على حكم الأصل، فالقياس باطل؛ لأن نسبة دلالة النص
أو الإجماع على حكنم الفرع وحكم الأصل على السواء، فلا فرق
بينهما، فليس جعل تلك الصورة أصلاً، والأخرى فرعا أوْلى من
العكس.
وإن كان النص أو الإجماع الدال على ثبوت حكم الفرع غير
النص أو الإجماع الدال على حكم الأصل: فالقياس جائز عند أكثر
العلماء، وهو الحق، لأن ترادف الأدلة على المدلول الواحد جائز؛
لإفادة زيادة الظن.
(5/2006)

المطلب الرابع اشتراط كون الحكم في الفرع مماثلاً لحكم
الأصل في عينه، أو جنسه
مثال المماثلة بينهما في العين: قياس القتل بالمثقل على القتل
بالمحدد في وجوب القصاص في النفس بجامع: القتل العمد العدوان.
فعين الحكم تعدى إلى الفرع، وهو قصاص النفس، فالحكم في
الفرع هو الحكم في الأصل بعينه.
ومثال المماثلة بينهما في الجنس: قياس ثبوت ولاية النكاح على
الثيب الصغيرة بالقياس على إثبات الولاية في مالها بجامع: الصغر:
فقد تعدى جنس الولاية في الفرع، وهو جنس تحته ولاية المال،
وولاية النفس، لأن ولاية النكاح من جنس ولاية المال، فإنهما سبب
لنفاذ التصرف، وليست عينها لاختلاف التصرفين.
وهذا الاشتراط واضح في تعريفنا للقياس، حيث قلنا:
" إن القياس: إثبات مثل حكم أصل لفرع ".
(5/2007)

المطلب الخامس اشتراط عدم تقدم حكم الفرع على حكم الأصل
يشترط: ألا يكون حكم الفرع متقدما على حكم الأصل مثل:
أن يقال: الوضوء شرط للصلاة فتجب فيه النية كالتيمم، ومعلوم أن
مشروعية التيمم متأخرة عن مشروعية الوضوء؛ فمشروعية الوضوء
كانت قبل الهجرة، ومشروعية التيمم كانت بعد الهجرة في السنة
الرابعة، وقيل: في الخامسة.
واشترط ذلك: لأن ثبوت حكم الأصل الذي هو وجوب النية في
التيمم مقارن لعلته التي هي كونها شرطا في الصلاة، فإذا تقدم
حكم الفرع كوجوب النية في الوضوء على حكم الأصل الذي هو
وجوب النية في التيمم: لزم تقدمه على عِلَّته المقارنة لحكم الأصل،
وهذا لا يصح.
(5/2008)

المطلب السادس هل يشترط أن تكون العِلَّة في الفرع معلومة قطعا؟
لقد اختلف العلماء فى ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يشترط ذلك، بل يكفي ظن وجود العِلَّة
في الفرع.
وهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ لقوله تعالى: (فاعتبروا)
حيث إنه عام، ولم يشترط فيه العلم القطعي، فتخصيصه بالقطعي
تخصيص بلا مخصص، وهو باطل، فثبت أنه يدخل فيه العلم
والظن.
المذهب الثاني: أنه يشترط حصول العلَّة في الفرع معلوما، لا
مظنونا.
وهو مذهب بعض العلماء.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنه لا دليل على هذا المذهب، وما لا دليل عليه
لا يعول عليه.
الجواب الثاني: أن الظن غاية الاجتهاد فيما يقصد به العمل، فإذا
حصل ظن كون الحكم معللاً بذلك الوصف، ثم حصل ظن ثبوت
ذلك الوصف في الفرع: حصل ظن أن الحكم في الفرع يماثل الحكم
في الأصل، والعمل بالظن واجب.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ حيث إنه بناء على المذهب الثاني فإن دائرة القياس
تكون أضيق من العمل على المذهب الأول، وقد سبق ذكر ذلك.
(5/2009)

المطلب السابع هل يشترط في حكم الفرع: أن يكون مما ثبت بالنص جملة؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يشترط ذلك، بل يجوز القياس مطلقا.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لعموم حديث معاذ
السابق الذكر؛ حيث قال: " أجتهد رأيي "، فلم يفصل بين ما
ثبت حكم الفرع فيه على جهة الإجمال، وبين غيره، وأقره النبي
- صلى الله عليه وسلم - على ذلك، فدلَّ على أن القياس لا يشترط فيه تقدم نص مجمل على الفرع.
المذهب الثاني: يشترط لصحة القياس: أن يثبت حكم الفرع
بالنص على جهة الإجمال.
وهو ما ذهب إليه أبو هاشم، حيث نقل عنه أنه يذهب إلى
وجوب تناول النصوص لحكم الفرع على جهة الإجمال، والقياس
إنما هو للكشف عن مواضعها وانتزاع تفاصيلها، وذلك كميراث الجد
مع الإخوة الثابت بنص إجمالي، ثم استعمل القياس لتفصيله،
فلولا ورود ميراث الجد لما جاز القياس في توريثه مع الإخوة الدال
عليه الإجماع وإطلاق قوله تعالى: (ولأبويه لكل واحد منهما
السدس) ، وكذلك القول في سائر الفروع، فاما إثبات فرع لم
يتناول حكمه نص على سبيل الجملة فلا يصح.
(5/2010)

دليل هذا المذهب:
أن الصحابة لم تستعمل القياس إلا في فروع قد ورد حكمها
بنصوص على سبيل الإجمال، ألا ترى إلى قياسهم الجد على ابن
الابن، وقياسهم حد شارب الخمر على حد القاذف في تعيين عدد
الجلدات لورود حد القاذف بالنص بخلاف الشارب، وهذا على
جهة الإجمال.
جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ ذلك، بل إنه ثبت بعد تتبع واستقراء ما ورد من
الأقيسة التي استعملها الصحابة - رضي اللَّه عنهم - أنهم كانوا
يستعملون القياس مطلقاً بدون أن يتقيدوا بهذا الشرط، من ذلك:
أنهم استعملوا القياس في الكنايات في الطلاق، ومن ذلك: أنهم
قاسوا من قال لزوجته: " أنت عليّ حرام " على الطلاق، وعلى
الظهار، وعلى اليمين، وأنهم قاسوا العهد على العقد، وقاسوا
الأخوة الأشقاء على الإخوة لأم في المشركة، وقاسوا المفوضة على
الزوجة المدخول بها في استحقاق المهر ونحو ذلك، فثبت حكمه ولا
نص في الفرع أصلاً لا جملة ولا تفصيلاً.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ لما سبق.
(5/2011)

المبحث الثالث في العِلَّة وشروطها وما يتعلق بها
ويشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: في تعريف العِلَّة لغة وأسمائها.
المطلب الثاني: في تعريف العِلَّة اصطلاحا.
المطلب الثالث: في تقسيمات لمعِلَّة.
المطلب الرابع: في طرق ثبوت العلَّة " مسالك العِلَّة ".
المطلب الخامس: هل يشثرط: أَن تكون العلَّة مناسبة مشتملة على
حكمة قصدها الشارع من تَشريعه؟
المطلب السادس: هل يشترط أن تكون العِلَّة ظاهرة جلية، أو يجوز
التعليل بالوصف الخفي؟
المطلب السابع: حكم التعليل بالحكم الشرعي.
المطلب الثامن: بيان أنه يشترط في العِلَّة: أن لا تخالف نصا ولا
إجماعا.
المطلب التاسع: حكم التعليل بالحكمة.
المطلب العاشر: هل يجوز تعليل الحكم الوجودي بالوصف
الوجودي وتعليل الحكم العدمي بالوصف
الوجودي، وتعليل الحكم العدمي بالوصف
العدمي، وتعليل الحكم الوجودي بالوصف العدمي؟
(5/2013)

المطلب الحادي عشر: حكم التعليل بالوصف المركب.
المطلب الثاني عشر: حكم التعليل بأكثر من علة " تعدد العلل ".
المطلب الثالث عشر: حكم تعليل حكمين أو أحكام بعلة واحدة.
المطلب الرابع عشر: هل الطرد دليل على صحة العِلَّة؟
المطلب الخامس عشر: في بيان أنه يشترط في الوصف المستنبط المعلل
به: أن لا يرجع على الأصل بإبطاله.
المطلب السادس عشر: حكم التعليل بالاسم الجرد.
المطلب السابع عشر: حكم التعليل بالوصف العرفي.
المطلب الثامن عشر: هل يجوز التعليل بالعِلَّة القاصرة؟
المطلب التاسع عشر: بيان أنه يشترط في العِلَّة أن لا تكون معارضة
بعلة أخرى.
المطلب العشرون: تخصيص العِلَّة.
(5/2014)

المطلب الأول في تعريف العِلَّة لغة، وأسمائها
العَلة - بفتح العين - هي: الضرة، وهي الزوجة الثانية،
وسميت هذه بالضرة؛ لأنها تعل بعد صاحبتها من العلل الذي يعنى
بها الشربة الثانية عند سقي الإبل، والأولى منهما تسمى النهل.
أما العِلَّة - بكسر العين - فإنها تأتي بمعنى المرض، يقال: اعتل
العليل علة صعبة.
ولهذا سميت العلَّة في القياس بهذا الاسم؛ لأنها معنى يحل
بالمحل فيتغير به حال المحل بلا اختيار، ومنه سمي المرض عِلَّة - كما
قلنا -؛ لأن المرض إذا حل بشخص تغيرت حاله من النشاط إلى
الضعف، ومن الصحة إلى السقم، ومن الفتوة إلى الوهن.
وتسمى العِلَّة بالمناط، أي: مناظ الحكم، وهو متعلق الحكم من
ناط، ينوط، نوطاً، أي علَّق، يُعلِّق، تعليقا.
فمناط الحكم: إذا أضاف الشرع الحكم إليه، وناطه به، ونصبه
علامة عليه، فحكم الفرع متعلق بتلك العلَّة: إن وجدت عِلَّة حكم
الأصل في الفرع: وجد مثل حكم الأصل للفرع، وإن انتفَت العِلَّة
انتفى الحكم.
وتسمى العِلَّة: بالوصف المناسب الجامع بين الأصل والفرع.
وتسمى العِلَّة بالمعنى الذي لأجله شرع الحكم.
وتأتي بمعنى السبب، ولعل هذا هو المناسب للمعنى الاصطلاحي؛
لأن العلة سبب في ثبوت الحكم في الفرع المطلوب إثبات الحكم له.
(5/2015)

المطلب الثاني في تعريف العِلَّة اصطلاحا
لقد عرفت العلَّة بتعريفات كثيرة، وأقربها إلى الصحة هو:
الوصف المعرِّف للحَكم.
الوصف معنى قائم بالموصوف.
وينبغي أن يكون هذا الوصف: وصفا ظاهراً منضبطا مجاوزاً
فشتملاً على معنى مناسب للحكم.
والمراد بالظاهر: ما كان من أفعال الجوارح كشرب الخمر علة
للحلد، والسرقة علة للقطع، والقتل العمد العدوان علة للقصاص،
وهكذا.
وقيدنا الوصف بكونه ظاهراً لتخرج الصفات غير الظاهرة
كالصفات الخفية كالرضى والسخط، كأن يعلل ثبوت البيع برضى
العاقدين، فهذا لا يجوز؛ لأنه وصف خفي غير ظاهر: حيث إن
الوصف المعلل به يكون معرفا للحكم الشرعي، والخفي لا يصلح أن
يكون معرفاً؛ نظراً لخفائه، فهو محتاج إلى التعريف.
اعتراض:
قال قائل - معترضا -: إن الوصف الخفي يجوز التعليل به،
فالوصف وإن كان خفيا، لكنه بدلالة الصيغ الظاهرة عليه كدلالة
الإيجاب والقبول على الرضى: يكون من الأوصاف الظاهرة.
(5/2016)

جوابه:
التعليل بالوصف الخفي وإن صح في بعض الأحكام؛ لقرينة،
لكنه لا يصح في جميع الأحكام؛ لذلك يحصل اختلاف بين حكم
وحكم، بخلاف الوصف الظاهر فلا يحصل فيه ذلك.
وقيدنا الوصف بكونه منضبطا لبيان أن الوصف المعلل به ينبغي أن
يكون مستقراً على حالة واحدة لا يختلف باختلاف الأشخاص، ولا
الأزمان، ولا الأحوال: فالسفر ثلاثة فراسخ علة إباحة الفطر في
رمضان مطلقاً، أي: لجميع الأشخاص المكلَّفين كبيراً أو صغيراً،
يتحمل المشاق أو لا يتحمل في صيف أو شتاء، في حالة مرض أو
حالة صحة وفتوة.
فيخرج بذلك الوصف غير المنضبط كالمشقة، فإنها غير منضبطة؛
حيث إنها تختلف باختلاف الأزمان، والأشخاص، والأحوال،
فلو عللنا إباحة الإفطار في رمضان بالمشقة لوقع اضطراب واختلاف
بين الأشخاص والأزمان، فتجد بعض الناس يباح له الإفطار؛ لأنه
يجد مشقة، وتجد آخر لا يفطر؛ لأنه لا يجد تلك المشقة التي
وجدها الآخر، ولأبيح الإفطار في الشتاء دون الصيف أو العكس،
وتجد من ركب الراحلة لا يباح له الإفطار؛ حيث إن السفر عليه
أيسر، بينما الذي لا يملك الراحلة يباح له ذلك.
إذن لا بد من اشتراط الانضباط في الوصف حتى يتحد الناس في
الحكم وتسود العدالة التي جاءت بها الشريعة الإسلامية.
وقيدنا الوصف بكونه مجاوزاً؛ لبيان أن هذا الوصف ينبغي أن
يكون موجوداً في غير محل الحكمْ كالطعم: فإنه موجود في البر
الذي هو محل الحكم، وموجود في غيره كالأرز والذرة، ومثل
(5/2017)

القتل العمد العدوان: فإنه موجود في القتل بالحدد، وموجود في
غيره كالقتل بالمثقل، ويُسمَّى ذلك الوصف " علة متعدية ".
وخرج بذلك العلَّة القاصرة - وهي التي توجد في محل الحكم
ولا توجد في غيره - كالسفر الذي هو علَّة إباحة الفطر في رمضان،
والنقدية في الذهب والفضة؛ حيث إنهمَا وصفان لا يوجدان في غير
السفر، وغير الذهب والفضة.
وقيدنا الوصف بكونه مشتملاً على معنى مناسب للحكم لبيان أن
هذا الوصف ينبغي أن يكون مشتملاً على الحكمة التي من أجلها شرع
الحكم، فلا يجوز تعليل حكم بعِلَّة لا تناسب الحكم.
وقولنا: " المعرِّف " معناه: أن يكون هذا الوصف دالًّا على
وجود الحكم في محله، وأنه شُرع لهذا المعين.
وخرج بذلك الشرط؛ لأنه ليس معرِّفا للمشروط؛ حيث إنه
يصح وجود الشرط بدون وجود المشروط كالطهارة، فإنها شرط
للصلاة، لكن قد توجد الطهارة، ولا توجد الصلاة، بخلاف
العلَّة فإنها لا يمكن أن توجد بدون المعلول، فإنه كلما وجدت السرقة
وجد القطع، وكلما وجد الزنى وجد الجلد أو الرجم، وكلما وجد
القتل العمد العدوان وجد القصاص، وهكذا.
والمراد بلفظ " الحكم ": الحكم الشرعي، أي: أن هذا الوصف
قد عرفنا بالحكم الشرعي.
وهذا احتراز عن الوصف المعرف لنقيض الحكم وهو: المانع.
اعتراض على هذا التعريف:
لقد قال قائل - معترضا -: إنه يلزم من هذا التعريف:
(5/2018)

أنه لا فرق بين العلَّة والعلامة؛ حيث إنه يصدق على العلامة: أنها معرفة
للحكم، وَهي ليست عِلَّة، مما يجعلنا أن نقول: إن التعريف غير
مانع من دخول العلامة فيه.
جوابه:
إن الأحكام تضاف إلى عللها، لا إلى علاماتها، فالقصاص
مضاف إلى علَّته وهي: القتل العمد العدوان، والرجم مضاف إلى
علَّته وهي: الزنى، ولا يضاف الحكم إلى العلامة، فالرجم لا
يضَاف إلى الإحصان، لأنه علامته، بل يضاف إلى الزنى.
تنبيه: لقد سبق في المسألة الرابعة من المطلب الأول من المبحث
الرابع من الفصل الرابع من الباب الثاني ذكر تعريفات العلماء للعلَّة،
وبيان أن الخلاف بينهم في تعريفها لفظي أثناء بحثنا للسبب من الحكم
الوضعي، فلا داعي لإعادته فراجعه من هناك.
وقد بينت ذلك بالتفصيل في كتابي " الخلاف اللفظي عند الأصوليين "
فراجعه فهو مطبوع متداول.
(5/2019)

المطلب الثالث في تقسيمات العِلَّة
تنقسم العِلَّة إلى عدة تقسيمات باعتبارت وحيثيات مختلفة هي كما
يلي:
التقسيم الأول: العلَّة تنقسم من حيث هي إلى قسمين:
القسم الأول: العلًّة الشرعية وهي: التي تصير علة بجعل جاعل
مثل: المكيل في البر، فإن المكيل موجود في البر قبل مجيء
الشرع، لكن الشارع عده عِلَّة لتحريم ربا الفضل، والإسكار في
الخمر، حيث إن الإسكار موجود في الخمر قبل مجيء الشرع،
ولكن الشارع عده عِلَّة لتحريم الخمر، وهكذا.
القسم الثاني: العِلَّة العقلية وهي: التي لا تصير عِلَّة بجعل
جاعل، بل بنفسها مثل: الحركة من المتحرك، فإن الحركة علة على
كون المتحرك متحركاً من جهة العقل.
التقسيم الثاني: العِلَّة تنقسم من حيث ثبوتها إلى قسمين:
القسم الأول: العِلَّة المنصوصة وهي: ما ثبتت بالنص.
أي: ما نص الشارع عليها نصا صريحاً كقوله تعالى: (لئلا
يكون للناس على اللَّه حجة) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"إنما جعل الاستئذان من أجل البصر "،
أو ما نص الشارع عليها نصا غير صريح كقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات ".
(5/2020)

القسم الثاني: العِلَّة المستنبطة، وهي ما ثبتت باجتهاد المجتهدين
كتعليل تحريم الخمر بالإسكار، وتعليل وجوب القصاص على القاتل
بالمحدد بالقتل العمد العدوان، وهكذا.
وهذان القسمان سيأتي التفصيل فيهما في مسالك العِلَّة إن شاء الله
تعالى.
التقسيم الثالث: العِلَّة تنقسم من حيث تعديها وعدم ذلك إلى
قسمين:
القسم الأول: العِلَّة المتعدية وهي: العلة التي توجد في محال
وفروع غير المحل المنصوص عليه كالإسكار يوجد في الأصل وهو
الخمر، ويوجد في غيره كالنبيذ وأي مسكر، والمكيل يوجد في
الأصل وهو البر، ويوجد في غيره كالأرز والذرة.
القسم الثاني: العِلَّة القاصرة وهي: العِلَّة التي لا توجد إلا في
المحل المنصوص عليه، فلا تتجاوزه إلى غيره مثل: السفر؛ حيث
إنه عِلَّة لقصر الصلاة، ولا يوجد في غيره، وكذلك الثمنية أو
جوهرية الثمن؛ حيث إنه عِلَّة لتحريم الربا في النقدين، فإن هذا
الوصف قاصر على النقدين فقط.
التقسيم الرابع: العِلَّة تنقسم من حيث لزوم الوصف أو عدم ذلك
إلى قسمين:
القسم الأول: الوصف اللازم، وهو: الوصف المعلل به الذي
يكون لازما للموصوف لا ينفك عنه مثل: كون البر مطعوما، فإنه
يُعلل به تحريم ربا الفضل في البر، والطعم لازم للموصوف لا ينفك
عنه.
(5/2021)

القسم الثاني: الوصف غير اللازم، وهو: الوصف غير اللازم
للموصوف، أي: ينفك عنه، وهو نوعان:
الأول: الوصف الأصلي وهو: ما ثبت بمقتضى الخلقة والطبيعة
كالتعليل بوصف البكارة في جواز إجبار البكر على الزواج.
الثاني: الوصف الطارئ: كانقلاب العصير خمراً، وإمكان
زوال ذلك.
التقسيم الخامس: العِلَّة تنقسم من حيث توقف معلولها على
شرط وعدم ذلك إلى قسمين:
القسم الأول: العلَّة المتوقفة على حصول شرط كقولنا: الزنا علَّة
للرجم، لكن هذا الرجم لا يمكن إلا إذا توفر شرط وهو: كون
الزاني محصنا، فالإحصان شرط لرجم الزاني.
القسم الثاني: العلَّة غير المتوقفة على حصول شرط كقولنا: الزنا
عِلَّة للجلد، فإن هَذا الجلد يحصل من غير أن يتوقف على شرط
الإحصان.
التقسيم السادس: العلَّة تنقسم من حيث الدفع والرفع بها إلى
أربعة أقسام:
القسم الأول: الوصف اِلدافع للحكم والرافع له مثل: الرضاع،
فإنه يدفع حل النكَاح، ويرفع النكاح إذا طرأ عليه.
القسم الثاني: الوصف الرافع للحكم، وغير الدافع له، مثل:
الطلاق، فإنه يرفع حل الاستمتاع.، ولكنه لا يدفعه؛ نظراً لجواز
النكاح بعده؛ حيث لا يكون الطلاق مانعا من وقوع نكاح جديد.
القسم الثالث: الوصف الدافع للحكم، وغير الرافع له مثل:
(5/2022)

العدة، فإنها تدفع النكاح اللاحق؛ حيث إن العدة تمنع النكاح من
غير الزوج، ولكنها لا ترفع النكاح السابق فهو موجود.
القسم الرابع: الوصف غير الدافع للحكم، وغير الرافع له،
وهذا لا دخل له هنا؛ لأنَّ الدفع والرفع خاصان بالوصف المانع.
التقسيم السابع: العِلَّة تنقسم من حيث كونها مع الحكم ثبوتية،
أو عدمية تنقسم إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: العلة الثبوتية والحكم الثبوتي كإثبات الطعم علَّة
لثبوت تحريم الربا في البر.
القسم الثاني: العِلَّة العدمية، والحكم العدمي كقولنا: عدم
الرضا عِلَّة لعدم صحة اَلبيع.
القسم الثالث: العلَّة العدمية، والحكم الثبوتي كقولنا: عدم
الفسخ في زمن الخيار عِلَّة لثبوت واستقرار الملك.
القسم الرابع: العلَّة الثبوتية، والحكم العدمي كقولنا: ثبوت
الدين عِلَّة لعدم وجوبَ الزكاة.
التقسيم الثامن: العِلَّة من حيث نسبتها إلى المكلف وعدم ذلك
تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: عِلَّة من فعل المعَلف كقولنا: شرب الخمر عِلَّة
لوجوب الحد، فإن الشرب فعل المكلف.
القسم الثاني: عِلَّة ليست من فعل المكلف كقولنا: البكارة عِلَّة
في ثبوت ولاية الإجبَار في النكاح.
التقسيم التاسع: العِلَّة من حيث تعدد أوصافها، وعدم ذلك
تنقسم إلى قسمين:
(5/2023)

القسم الأول: العِلَّة ذات الوصف الواحد كقولنا: الإسكار عِلَّة
لتحريم الخمر.
القسم الثاني: العِلَّة ذات الأوصاف المتعددة، كقولنا: القتل
العمد العدوان عِلَّة لوجوب القصاص.
(5/2024)

المطلب الرابع في طرق ثبوت العِلَّة " مسالك العِلَّة "
علة حكم الأصل تثبت بطرق ومسالك كثيرة، وهي تنقسم إلى
قسمين:.
القسم الأول: إثبات العِلَّة عن طريق النقل.
القسم الثاني: إثبات العِلَّة عن طريق الاجتهاد.
وإليك بيان كل قشم مع الأمثلة فأقول:
(5/2025)

القسم الأول إثبات العلَّة عن طريق النقل
" مسالَك العِلَّة النقلية "
ويشتمل على ما يلي:
الطريق الأول: النص الصريح.
الطريق الثاني: النص الظاهر.
الطريق الثالث: الإجماع.
وفيما يلي بيان كل طريق فأقول:
(5/2026)

الطريق الأول: النص الصريح المثبت للعلية:
وهو: ما وضع للتعليل من غير احتمال، فيكون قاطعا في تأثيره.
أي: ما صرح فيه الشارع بكون الوصف علَّة أو سببا للحكم،
فيقول - مثلاً -: " اقطعوا يد السارق؛ لعلةَ كذا "، أو " لسبب
كذا "، أو " لموجب كذا "، أو " لأجل كذا "، أو " من أجل
كذا"، أو " لمؤثر كذا ".
ومن أمثلته: قولك: " اقطعوا يد السارق؛ لعلة سرقته، أو
لسبب سرقته ".
ومنه قوله تعالى: (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل) ،
وقوله عليه الصلاة والسلام: " إنما جعل الاستئذان من أجل البصر"،
وقوله: " إنما نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي من أجل الدافة ".
والخلاصة: أن أي صيغة موضوعة للتعليل، ولا تحتمل غيره تعد
من قبيل النص الصريح في التعليل.
شرط التعليل بالنص الصريح:
يشترط في صيغ النص الصريح في العلية: أن لا يقوم دليل يدل
على أنه لم يقصد بها التعليل.
فإن قام دليل على أن المتكلم لم يقصد التعليل الحقيقي فلا تكون
صيغة للتعليل كما لو قلنا لشخص: لِمَ فعلت كذا؛ فقال: لأجل
إني أردت، فإن هذه الصيغة وإن كانت صريحة في التعليل إلا أنها
ملغاة، حيث إن قرينة الحال هنا تنبي إلى أنه لم يقصد التعليل،
ولهذا يقال: إنه استعمل اللفظ في غير محله، فيكون مجازاً.
(5/2027)

الطريق الثاني: النص الظاهر المثبت للعلية:
والمراد به: ما لا يكون فاطعا في تأثيره، فيكون يحتمل التعليل
ويحتمل غيره، ولكن التعليل به أرجح.
وألفاظ النص الظاهر في العلية هي كما يلي:
1 - لفظ " كي "، سواء كانت مجردة عن " لا "، كقوله
تعالى: (كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا) أو كانت مقرونة بها كقوله تعالى: (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) .
ويشترط فيها: أن تكون بمنزلة لام التعليل معنى وعملاً.
وبعضهم جعلها من النص الصريح.
2 - لفظ " اللام "، كقوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) ،
وقوله: (ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ) .
3 - لفظ " أنْ " بفتح الهمزة، وتخفيف النون، ومنه قوله
تعالى: (يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا) ، ومنه قولك:
"جئت أن أعطى " أي: للإعطاء.
4 - لفظ " إنْ " بكسر الهمزة، وتخفيف النون، وهي الشرطية،
والشروط اللغوية أسباب كقولك: " إن تقم أقم معك " يعني: علة
قيامي هي: قيامك.
5 - لفظ " أنَّ " بفتح الهمزة وتشديد النون كقوله تعالى:
(وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) ، ودخلها التعليل
بسبب تقدير لام العِلَّة، والمراد: لئلا يرجعون.
6 - لفظ " إن" بكسر الهمزة، وتشديد النون، ومنه قوله
(5/2028)

تعالى: (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) ،
وقوله: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) ،
وقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات "،
وقوله في المحرم الذي وقصته ناقته فمات:
" اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تخمروا رأسه،
فإن اللَّه يبعثه يوم القيامة ملبياً ".
و" أنَّ "، و " إنَّ " تكونان من ألفاظ النص الظاهر في العلية،
سواء دخلت عليهما الفاء أو لا، فيقال: " فأنَّ " أو " فإنَّ ".
7 - لفظ " الباء " كقوله تعالى: (إنكم ظلمتم أنفسكم
باتخاذكم العجل) ، وقوله: (ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله) ،
وقوله: (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم) .
والباء تأتي للتعليل إذا كانت سببية، وهي التي تصلح في الغالب
أن تحل اللام محلها.
8 - لفظ " إذ " بكسر الهمزة، وسكون الذال، كقوله تعالى:
(ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون)
أي: لأجل ظلمكم في الدنيا، وهي بمنزلة اللام،
ومنهم من قال: إنها للتعليل، ولكن هذا التعليل لم يستفد من لفظها،
ولكنه مستفاد من المعنى.
وقال بعض العلماء: إنها لا تكون - للتعليل، ومعنى الآية هنا: إذ
ثبت ظلمكم.
9 - لفظ " الفاء " التي بمعنى السببية، ومثالها في النفي المحض
قوله تعالى: (لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا) ، ومثالها في الطلب
المحض قوله تعالى: (يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا) .
(5/2029)

وبعضهم منع أن تكون الفاء للتعليل.
10 - لفظ " لعل "، ومنه قوله تعالى: (اعبدوا ربكم الذي
خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون) ، وهو مذهب الكوفيين.
وبعضهم منع أن تكون " لعل " تفيد التعليل.
11 - لفظ " حتى " المرادفة للفظ " كي " كقوله تعالى: (ولا
يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم) ، ومنه قولك: " راجع دروسك
حتى تنجح "، ومنه قوله تعالى: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين
منكم) ، وقوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) .
ولفظ " حتى " تحتمل أن تكون للاستثناء، ومنه قوله تعالى:
(فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) .
12 - ذكر المفعول له كقوله تعالى: (لأمسكتم خشية الإنفاق) ،
وقوله: (يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت) .
13 - لفظ " إذن "، ومنه قوله تعالى:
(إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ) .
والخلاصة: أن أي لفظ يحتمل التعليل، ويحتمل غيره احتمالاً
مرجوحاً، أو أخذ التعليل من معنى النص لا من لفظه: فهو من
قبيل النص الظاهر المثبت للعلية.
***
الطريق الثالث: الإجماع المثبت للعلية:
والمراد به: اتفاق مجتهدي العصر على أن هذا الوصف المعين علَّة
للحكم المعين.
(5/2030)

ومن أمثلة العِلَّة المجمع عليها: أن البكر الصغيرة يولى عليها،
والعِلَّة هي: الصغر اتفاقا، ويقاس عليها الثيب الصغيرة في وجوب
التولية عليها بجامع: الصغر.
مثال آخر.: أن الأخ الشقيق مقدم في الإرث على الأخ لأب،
والعلَّة هي: امتزاج النسبين: نسب الأم ونسب الأب واختلاطهما
إجماعا.
ويقاس على ذلك: تقديم الأخ الشقيق على الأخ لأب في ولاية
النكاح، وتحمل العاقلة بجامع: امتزاج النسبين.
مثال ثالث: أن الغاصب يضمن ما أتلف من مال، والعلَّة:
كون التالف مالاً قد تلف تحت اليد العادية إجماعا.
فيقاس على ذلك: السارق، فإنه يضمن ما أتلف - وإن قطعت
يده - والعِلَّة: أنه مال تلف تحت اليد العادية.
(5/2031)

القسم الثاني من أقسام طرق ثبوت العلَّة:
ثبوت العلَّة عن طريق الاجتهاد
" مسالكَ العِلَّة الاجتهادية "
ويشتمل على ما يلي:
الطريق الأول: الإيماء إلى العِلَّة.
الطريق الثاني: المناسبة والإخالة.
الطريق الثالث: السبر والتقسيم.
الطريق الرابع: تنقيح المناط.
الطريق الخا مس: الدوران.
الطريق السادس: الوصف الشبهي " الشبه ".
(5/2033)

الطريق الأول في الإيماء إلى العِلَّة
ويشتمل على بيان الإيماء وهو التمهيد، وبيان أنواعه:
أما التمهيد فهو في تعريف الإيماء، والفرق بينه وبين النص والظاهر
على العلة.
أما الأنواع فهي:
النوع الأول: أن يذكر الوصف، ثم يذكر الحكم بعده، وهو مقترن
بالفاء.
النوع الثاني: ترتيب الحكم على الوصف بصيغة الجزاء والشرط.
النوع الثالث: أن يذكر الشارع حكما بعد سؤال سائل مباشرة.
النوع الرابع: أن يذكر الشارع وصفا مع حكم لو لم يكن الحكم
معللاً به لما كان لذكره فائدة.
النوع الخامس: أن يفرق الشارع بين أمرين بذكر صفة تشعر بأنها هي
علة التفرقة في الحكم.
النوع السادس: أن يأتي أمر الشارع أو نهيه في شيء ما، ثم يذكر
في أثنائه شيئاً آخر لو لم يقدر كونه علة لم يكن له
تعلق بأول الكلام ولا بآخره.
النوع السابع: أن يذكر الشارع مع الحكم وصفا مناسبا لأن يكون
علة لذلك الحكم.
(5/2035)

التمهيد في تعريف الإيماء والفرق بينه وبين النص
والظاهر على العِلَّة
أولاً: الإيماء لغة هو: بمعنى الإشارة، مأخوذ من " وما إليه "
"يمأ"، و " - مئا "، ويأتي الإيماء بمعنى الإشارة بالرأس، أو باليد.
وبعضهم يطلق على ذلك: " الإيماء والتنبيه "، وهما لفظان
متقاربان في المعنى لغة.
ثانيا: الإيماء اصطلاحا هو: اقتران وصف بحكم لو لم يكن هو
أو نظيره للتعليل لكان بعيداً، فيحمل على التعليل؛ دفعا للاستبعاد.
ويراد به: أن يكون التعليل مفهوما من لازم مدلول اللفظ وضعا.
والفرق بينه وبين النص الصريح والظاهر على العلية: أن النص
الصريح على العلية يشترط فيه: أن يكون اللفظ موضوعا للتعليل،
ولا يحتمل غيره.
والنص الظاهر على العلية يشترط فيه: أن يترجح أن اللفظ
موضوعا للتعليل مع احتمال غيره.
أما الإيماء إلى العِلَّة فهو: أن اللفظ فيه لا يكون موضوعا للتعليل،
وإنما يفهم التعليل منه من السياق، أو القرائن اللفظية الأخرى.
(5/2037)

النوع الأول - من أنواع الإيماء -: أن يذكر الوصف ثم يذكر
الحكم بعده وهو مقترن بالفاء:
أولاً: بيان ذلك با لأمثلة والدليل:
ومن الأمثلة: قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا) ،
وقوله: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ)
وقوله؛ (قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض) ، وقوله عليه
الصلاة والسلام: " من بدل دينه فاقتلوه "،
وقوله: " من أحيا أرضا ميتة فهي له ".
فإن في هذه الأمثلة دلالة على أن الوصف المتقدم - وهو السرقة،
والزنى، والأذى، وتبديل الدين، وإحياء الأرض - علَّة للحكم
وهو: وجوب القطع، والجلد، والاعتزال، والقتل، وتمليك
الأرض.
ودليل ذلك: أن الفاء ظاهرة في أنها للتعقيب، ولهذا فإنه لو
قيل: " جاء زيد فعمرو "، فإن ذلك يدل على مجيء عمرو عقيب
زيد من غير مهلة، فكذلك هنا فإن ذكر الحكم وهو مقترن بالفاء بعد
وصف مباشرة يلزم منه أمران:
أولهما: ثبوت الحكم عقيب ذلك الوصف من غير مهلة.
ثانيهما: السببية؛ لأنه لا معنى لكون الوصف سببا إلا ما ثبت
الحكم عقيبه وبعده مباشرة.
وليس ذلك قطعا، بل ثبت ذلك بالاجتهاد؛ لأن الفاء في اللغة
ترد بمعنى الواو في إرادة الجمع المطلق، وقد ترد بمعنى " ثم " في
إرادة التأخير مع المهلة، غير أنها ظاهرة في التعقيب.
(5/2038)

ثانيا: هل تشترط المناسبة للوصف المومأ إليه؟
لقد اختلف العلماء في الحكم المترتب على الوصف هل يشترط
لإشعاره بكون الوصف عِلَّة: أن يكون الوصف مناسباً لذلك الحكم،
أو لا يشترط ذلك؛ على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا تشترط المناسبة للحكم.
أي: أن ذكر الوصف أولا، ثم ذكر الحكم بعده، وهو مقرون
بالفاء يدل على أن ذلك الوصف سبب وعلَّة لذلك الحكم مطلقا،
أي: سواء كان ذلك الوصف مناسباً للحكم، كقوله تعالى:
(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) ، وما ذكر معه من الأمثلة،
أو لم يكن مناسباً للحكم كقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"من مس ذكره فليتوضأ "،
فإن عِلَّة وجوب الوضوء هي: مس الذكر، وإن لم نعلم مناسبة هذا
الوصف لذلك الحكم.
وهذا هو مذهب الغزالي، وفخر الدين الرازي، وابن الحاجب،
وصفي الدين الهندي، وهو الحق؛ لأنا لو قلنا: إن الوصف المومأ
إليه الخالي عن المناسبة لا يصلح أن يكون عِلَّة للحكم، فإنه يلزم
على هذا القول أحد أمرين هما:
الأمر الأول: إما أن لا يكون للحكم عِلَّة أصلاً.
الأمر الثاني: إما أن تكون له عِلَّة أخرى غير ذلك الوصف.
أط الأمر الأول - وهو: أن لا يكون للحكم عِلَّة أصلاً - فهو
باطل لوجهين:
الأول: أن الحكم بدون العِلَّة والحكمة عبث، والعبث محال على
الله سبحانه.
(5/2039)

الوجه الثاني: أن الحكم مع عِلَّته أكثر فائدة مما إذا لم يكن
كذلك، ومما لا شك فيه أن حمل تصرفات الشارع على ما هو أكثر
فائدة أوْلى وأليق، لا سيما إذا علمنا أن الغالب في تصرفات الشارع
أن تكون على وفق تصرفات العقلاء والعرف.
أما الأمر الثاني - وهو: أن تكون له علَّة أخرى غير ذلك
الوصف فهو باطل - أيضا -؛ لأن ذلك الغيرَ معدوم، والأصل
بقاء ما كان على ما كان.
وعلى هذا: فإنه يتعين ذلك الوصف الخالي عن المناسبة علَّة
للحكم.
المذهب الثاني: أنه تشترط المناسبة للحكم.
أي: أن الوصف المذكور قبل الحكم المقرون بالفاء لا يدل على
العلية إلا إذا كان مناسبا لذلك الحكم، وهو لبعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أنه قد استقبح عرفا أن يقال: " أكرموا الجهال "، وهذا
الاستقباح إنما جاء من أن الجهل مانع من الإكرام، فالأمر بإكرام
الجاهل إثبات للحكم مع قيام المانع وهو: الجهل، إذن لا بد أن
يكون الوصف الدال على العلية مناسبا للحكم.
جوابه:
إن الجاهل قد يستحق الإكرام بسبب جهة أخرى غير جهله، كان
يكون ذلك لكرمه، أو لشجاعته، أو لنسبه، فيتضح أن الجهل لا
يكون مانعا من الإكرام.
(5/2040)

ثالثاً: بيان أن كلام الراوي مثل كلام الشارع في ذلك:
قول الراوي: " سهى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فسجد"،
وقوله: "رض يهودي رأس جارية فأمر به رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أن يرض رأسه بين حجرين "،
وقوله: " زنا ماعز فرجم "،
فإن هذا القول مثل كلام الشارع - السابق الذكر -.
أي: أن الراوي إذا ذكر وصفاً ثم ذكر بعده حكما مقروناً بالفاء،
فإنه يُفهم أن ذلك الوصف سبب وعِلَّة لذلك الحكم.
ففي الأمثلة السابقة: يكون السهو هو علَّة وسبب السجود،
ويكون رض اليهودي رأس الجارية هو سببَ وعلَّة رض رأسه بين
حجرين، ويكون الزنا هو سبب رجم ماعز، وهكذا في جميع
الأمثلة المماثلة لذلك، كما قلنا فيما صدر من الشارع من غير فرق،
إلا أن كلام الشارع - سواء كان من اللَّه أو من رسوله - أقوى في
الدلالة على العلية والسببية من كلام الراوي؛ لأن كلام الشارع لا
يتطرق إليه من الخلل والزلل والخطأ الذي يمكن أن يتطرق لكلام
الراوي.
أدلة ذلك:
لقد دلَّ على أن كلام الراوي مثل كلام الشارع في فهم السببية
والعلية أدلة من أهمها:
الدليل الأول: أن الراوي وهو الصحابي الذي شهد له اللَّه تعالى
ورسوله بالعدالة، وبذل النفس والنفيس لإعلاء كلمة اللَّه لا يمكن أن
يُعبر بلفظ يفهم السببية والعلية إلا إذا كان الأمر كذلك حقيقة، ذلك
لأنه يعلم - تمام العلم - أنه لو عبر بهذا اللفظ الذي يفهم السببية
وهو ليس كذلك، فإنه يكون ملبساً ومدلسا في دين اللَّه، ويعم
(5/2041)

فساده؛ لأن هذه الشريعة عامة وشاملة لجميع المكلفين إلى قيام
الساعة، وهذا كله يتنزه عنه الصحابى الذي اختاره اللَّه لصحبة نبيه،
ولنقل الشريعة كما هي إلى من بعده.
الدليل الثاني: أن الصحابي لا يمكن أن يعبر بلفظ يفهم السببية
والعلية إلا إذا كان كذلك بحكم كونه من فصحاء العرب، وكونه
عارفاً: لمواقع الكلام، ومجاري اللغة، وعالما بدلالات الألفاظ
واشتقاقاتها، وأساليبها.
رابعا: هل يشترط الفقه في الراوي الذي فهمنا
من كلامه السببية أو لا؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يشترط في الراوي: أن يكون فقيهاً.
أي: أن الراوي الفقيه إذا ذكر وصفا ثم ذكر بعده حكما مقرونا
بالفاء، فإنه يفهم أن ذلك الوصف سبب وعلة لذلك الحكم.
وهو مذهب أكثر العلماء.
وهو الحق؛ لأن احتمال الخطأ والوهم في كلام الراوي غير الفقيه
أقوى من احتماله في كلام الراوي الفقيه.
المذهب الثاني: أنه لا يشترط ذلك، فالراوي إذا ذكر وصفا، ثم
ذكر بعده حكما مقرونا بالفاء، فإنه يفهم أن ذلك الوصف سبب
وعلة لذلك الحكم مطلقا، أي: سواء كان الراوي فقيها، أو غير
فقيه.
وهو مذهب بعض العلماء.
(5/2042)

دليل هذا المذهب:
أن التعبير بلفظ يفهم منه السببية والعلية لا يقتبس من الفقه، ولكنه
يستفاد من اللغة ودلالات الألفاظ، لذلك اشتراط الفقه من الراوي
لامعنى له.
جوابه:
أن الراوي لو نقل إلينا نص اللَّه تعالى، أو نص رسوله - صلى الله عليه وسلم - فنحن نوافقكم على هذا.
أما إذا رأى عملأ عمله رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، وأراد أن يعبر عنه بلفظه وأسلوبه الخاص، فلا بد أن يكون عالما ومدققا بدلالات الألفاظ
- كما قلتم - وعالماً بفقه الأحكام ومقاصد الأفعال، ومراد الشارع
من كلامه وفعله.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ فبناء على المذهب الأول: فإن كلام الراوي
الفقيه في ذلك يفيد السببية والعلية بدون قرائن أخرى، أما كلام
الراوي غير الفقيه فإنه لا يفهم السببية والعلية إلا بواسطة قرائن
أخرى، وبناء على المذهب الثاني: فإن كلام الراوي يفيد السببية
مطلقا وبدون قرائن.
***
النوع الثاني - من أنواع الإيماء -: ترتيب الحكم على الوصف
بصيغة الجزاء والشرط:
فإذا وردت أداة من أدوات الشرط، فإن فعل الشرط يكون وصفا
وعلة، وجواب الشرط يكون هو الحكم.
(5/2043)

ومن أمثلته: قوله تعالى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا) .
فورود الوصف وهو تقوى اللَّه - فعلاً للشرط " من " يدل على
أنه عِلَّة وسبب للحكم وهو: إخراجه من الضيق الذي هو فيه.
وأيضاً قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"من اتخذ كلباً - إلا كلب ماشية أو صيد نقص من أجره كل يوم قيراطان ".
فيكون هنا: سبب وعِلَّة نقصان أجره هو اتخاذه للكلب.
ووجه جعل ذلك من الإيماء إلى العِلَّة: أن الجزاء والجواب يتعقب
فعل الشرط ويلازمه، ولا ينفك عنه، ومعروف: أن السبب يثبت
الحكم عقيبه، ويوجد بوجوده.
وهذا يعني: أن الشرط في مثل هذا المقام سبب للجزاء والجواب.
تنبيه: بعض العلماء جعلوا هذا النوع من النص الظاهر على
العلَّة.
والحق أنه من ثبوت العِلَّة عن طريق الاجتهاد، من نوع الإيماء؛
حيث يحتاج إلى بعض النظر والاستدلال.
النوع الثالث: أن يذكر الشارع حكما بعد سؤال سائل مباشرة
فإن ذلك يغلِّب على الظن: كون ذلك السؤال عِلَّة لذلك الحكم:
مثاله: حديث الأعرابي الذي جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: هلكت يا رسول اللَّه، قال: " ماذا صنعت؟ "
قال: وقعت على أهلي في نهار رمضان،
قال: " اعتق رقبة.. ".
أي: أسألك عن حكم ذلك، فلما قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -:
(5/2044)

"اعتق رقبة " غلب على الظن: أن الوقاع - وهو الجماع في نهار رمضان -
عامداً عِلَّة لوجوب الكفارة.
ووجه كون الوقاع سببا وعِلَّة للحكم: أنه لما كان الحكم الذي
ذكره رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - جوابا عن سؤال الأعرابي، فإنه يتضمن أن يكون السؤال معاداً في الجواب تقديراً، فكأنه قال له: إذا واقعت أهلك في نهار رمضان فكفِّر بكذا.
اعتراض على ذلك:
قال قائل - معترضا -: إن ما ذكره الرسول - صلى الله عليه وسلم - يحتمل أن يكون جواباً عن سؤال الأعرابي، ويحتمل أن يكونه جوابا عن سؤال آخر، أو هو ابتداء كلام مستأنف، أو هو زجر للأعرابي عن الكلام،
وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال.
جوابه:
إن هذه الاحتمالات قد تتصور عقلاً، لكنها ممتنعة هنا؛ لأن قول
الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "اعتق رقبة " لو لم يكن جوابا عن سؤال الأعرابي: للزم خلو سؤال الأعرابي عن الجواب مما يؤدي إلى تأخير البيان عن
وقت الحاجة، وهذا غير جائز اتفاقا.
اعتراض على هذا الجواب:
قال قائل - معترضا -: لا نُسَلِّمُ أنه يلزم منه تأخير البيان عن
وقت الحاجة؛ لأنه يحتمل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم أنه لا حاجة للمكلف إلى ذلك الجواب في ذلك الوقت.
(5/2045)

جوابه:
أن الغالب في السؤال: أن يكون في وقت الحاجة، ونحن نعمل
على الغالب الأعم، أما ما قلتموه - وإن كان محتملاً - لكنه
مرجوح؛ لأنه نادر الوقوع، ولا يعمل على النادر.
***
النوع الرابع: أن يذكر الشارع وصفا مع حكم، ولم يصرح
بالتعليل به، ولكن لو لم يكن الحكم معللاً به لما كلان لذكره
فائدة: -
ولذلك نقول: إن هذا يفيد العلية ظنا؛ لأمرين:
أولهما: أنه لو لم يكن كذلك لكان ذكره لغواً وعبثاً لا فائدة فيه.
ثانيهما: أنه إذا كان ذكر عديم الفائدة في كلام العقلاء لا يجوز،
فعدم وروده في كلام الشارع أوْلى.
فيجب تقدير الكلام على وجه مفيد، وذلك صيانة لكلام الشارع
عن اللغو والعبث وعدم الفائدة.
حالات هذا النوع:
الحالة الأولى: أن يُسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن حكم شيء ما، فيسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن وصف له، وبعد إخباره بالوصف يقول حكمه فيه، فهذا يفيد أن ذلك الوصف الذي أخبروه به علَّة لذلك الحكم الذي نطق به بعده.
مثاله: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن جواز بيع الرطب بالتمر، فقال عليه الصلاة والسلام: " أينقص الرطب إذا جف؟ "،
فقالوا: نعم، فقال: " فلا إذن ".
(5/2046)

فقد دلَّ سؤاله واستكشافه عن نقصان الرطب عند الجفاف على أن
هذا النقصان عِلَّة لعدم جواز بيعه رطبا.
ولو لم يفهم منه ذلك: لا كان للسؤال عنه وذكر الحكم بعده
فائدة.
الحالة الثانية: أن يتوجه سؤال إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن حكم واقعة معينة، فيذكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - حكم حادثة أخرى مشابهة لها منبها على وجه الشبه بذكر وصف مشترك بينهما، فيفيد أن ذلك الوصف عِلَّة لذلك الحكم.
مثاله: أن امرأة من جهينة جاءت إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول اللَّه، إن أمي أدركتها الوفاة وعليها فريضة الحج، فهل يجزئ أن أحج عنها؛ فقال: " أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه أكان
يجزئ عنها؟ " قالت: نعم، قال: " فدين اللَّه أحق أن يقضى ".
فهنا: قد ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - نظير دين اللَّه، وهو دين الآدمي، ونبه على التعليل به؛ لكونه عِلَّة الانتفاع، ولو لم يكن قد ساقه لهذا الغرض - وهو التعليل به - لكان عبثا، ففهم من هذا: أن نظيره
في المسؤول عنه - وهو دين اللَّه وهو: الحج - كذلك عِلَّة لمثل ذلك
الحكم، وهو النفع.
الحالة الثالثة " أن يذكر الشارع وصفا ظاهراً في محل الحكم ابتداء
من غير سؤال، لو لم يكن هذا الوصف مؤثرأ في الحكم لكان ذكره
عبثاً.
مثاله: أنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لابن مسعود بعد ما توضأ بماء نُبذت فيه تمرات لتجذب ملوحته: " تمرة طيبة وماء طهور "،
فقد نبَّه - صلى الله عليه وسلم - على تعليل الطهورية ببقاء اسم الماء عليه.
(5/2047)

الحالة الرابعة: أن يذكر الشارع الحكم لدفع إشكال في محل
آخر، ويردفه بوصف، فحينئذ يغلب على الظن: أن ذلك الوصف
عِلَّة لذلك الحكم.
مثاله: أنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه امتنع من الدخول على قوم عندهم كلب، فقيل له: إنك تدخل على بني فلان وعندهم هرة،
فقال - صلى الله عليه وسلم -:
"إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات ".
بيان ذلك: أنه حصل عند الناس إشكال وهو: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رآه الناس قد امتنع من الدخول على قوم عندهم كلب استشكلوا دخوله عند قوم آخرين وعندهم هرة، اعتقاداً منهم أن الكلب والهرة في الحكم سواء، فبين لهم - صلى الله عليه وسلم -: أن الحكم مختلف، فإن الهرة طاهرة، وليست بنجسة، وعلَّة طهارتها: كثرة تطوافها وصعوبة التحرز منها، ولو لم يكن لذكر تطوافها عقيب الحكم أثر في
الطهارة لما كان لذكره فائدة.
تنبيه: ويمكن أن يعرف أن كثرة التطواف عِلَّة الطهارة سؤر الهرة
بطريق النص الظاهر على العلية - كما سبق بيانه -.
***
النوع الخامس: أن يفرق الشارع بين أمرين في الحكم:
بأن يذكر صفة ما تشعر بأنها هي علَّة التفرقة في الحكم ما دام قد
خصها بالذكر دون غيرها، فلو لم تكن علَّة لكان ذلك على خلاف
ما أشعر به اللفظ، وذلك فيه إلباس لا يمكن أن يرد من الشارع:
وهذا يكون على حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون حكمهما مذكوراً في خطاب واحد،
وتقع التفرقة فيما يلي:
(5/2048)

1 - أن تقع التفرقة بلفظ الاستدراك كقوله تعالى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ) ، فقد فرق
بينهما في أن تعقيد الأيمان هي المؤثرة في المؤاخذة.
2 - أن تقع التفرقة بلفظ الاستثناء كقوله تعالى: (فنصف ما
فرضتم إلا أن يعفون) ، فقد فرق بين لزوم النصف وعدمه في
ضمن الاستثناء.
3 - أن تقع التفرقة بلفظ الغاية كقوله تعالى: (ولا تقربوهن
حتى يطهرن) ، فقد فرق في الحكم بين الطهر والحيض في جواز
القربان من عدمه.
4 - أن تقع التفرقة فيه باستئناف أحد الشيئين بذكر صفة من صفاته
بعد ذكر الآخر كقوله - صلى الله عليه وسلم -:
" للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم "
فهنا: فرق بين الراجل والفارس، ووجه الفرق بين الموصوفين في
الحكم: هو ذكر وصفين هما الراجلية والفارسية.
5 - أن تقع التفرقة بلفظ الشرط والجزاء كقوله - صلى الله عليه وسلم -
: " لا تبيعوا البر بالبر ... " إلى قوله: " فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يداً بيد "، فهنا: قد حصل التفريق بين منع بيع الجنس بجنسه
متفاضلاً، وبين جواز بيعه بغير جنسه، ولو لم يكن ذلك لعلية
الاختلاف بين الأمرين، لكان بعيداً عن المراد.
الحالة الثانية: أن يكون حكم أحد الأمرين مذكوراً في هذا
الخطاب كقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"القاتل لا يرث "،
فإن هذا مشعر بأن عِلَّة حرمانه من الإرث هو: القتل.
(5/2049)

النوع السادس: أن يأتي أمر الشارع أو نهيه في شيء ما، ثم
يذكر في أثناء هذا الأمر أو هذا النهي شيئاً آخر:
لو لم يقدر لمحونه عِلَّة لذلك الحكم المطلوب لم يكن له تعلق
بالكلام لا بأوله، ولا بآخره مما قد يعتبر خبطا واضطراباً في الكلام
يتنزه الشارع عنه.
مثاله: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) .
فيفهم من هذا: أن عِلَّة النهي عن البيع هي: كونه مانعا من
السعي إلى الجمعة؛ لأنناً لا يمكن أن نقدر النهي عن البيع مطلقا،
فإنه متناقض مع قوله تعالى: (وأحل اللَّه البيع) ، ويكون خبطا في
كلام الشارع واضطرابا فيه.
فلم يبق إلا أن يكون النهي عن البيع في وقت محدد، وهو
وقت: كونه شاغلاً عن السعي للجمعة.
***
النوع السابع: أن يذكر الشارع مع الحكم وصفا مناسبا لأن
يكون عِلّة لذلك الحكم:
كقوله تعالى: (إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم)
فعِلَّة جعل الأبرار في الجنة هي: البر، وعِلَّة جعل الفجار في النار
هي: فجورهم.
وهذا الحكم عام في كلام الشارع، وكلام المكلَّفين، ولا فرق
بينهما: فغالب كلام وألفاظ الشارع قد اعتبرت فيه المناسبة.
وكذلك كلام المكلَّفين العقلاء قد اعتبرت فيه المناسبة، ومن ذلك
(5/2050)

قولهم: " أكرم العلماء وأهن الفساق "، فهنا يفهم: أن علَّة إكرام
العلماء هي: العلم، وعِلَّة إهانة الفساق هي: الفسق.
حالات هذا النوع:
الحالة الأولى: الوصف الذي اعتبر وكان عِلَّة في نفسه وذاته كما
مثلنا فيما سبق: فإن العلم هو بنفسه الوصف الذي اعتبر عِلَّة لإكرام
العلماء.
الحالة الثانية: الوصف الذي اعتبر وكان اعتباره؛ لكونه يحتمل:
أن العِلَّة ما تضمنه ذلك الوصف واشتمل عليه.
ومثاله: قوله - صلى الله عليه وسلم -:
" لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان ".
فهنا: نرى أن الشارع قد نهى عن القضاء مع الغضب، والعلَّة
ليست هي نفس الوصف المناسب - وهو الغضب - ولكن العلَّة
هي: " الدهشة المانعة من تركيز الفكر "، التي تضمنها وصف
الغضب.
وسبب قولنا ذلك: أنا لما علمنا أن الغضب اليسير الذي لا يمنع
من استيفاء الفكر ولا يشوش عليه لا يمنع من القضاء، وأن الجوع
المبرح والألم المبرح ومدافعة الأخبثين يمنع من استيفاء الفكر وتركيزه:
علمنا أن عِلَّة المنع ليست هي الغضب، بل تشويش الفكر.
وهذا ما ذهب إليه الغزالي، وفخر الدين الرازي، وكثير من
العلماء.
أما كثير من العلماء فقد ذهبوا إلى أن علَّة النهي عن القضاء هي:
نفس الغضب، فالغضب - عند هؤلاء - هي: العِلَّة المانعة من
القضاء؛ لأن فيه تشويشاً للفكر، واضطراب الحال يؤدي إلى عدم
(5/2051)

العدل والإنصاف والدقة التي ينبغي للقاضي أن يكون حكمه على
وفْقها، ولهذا تجدهم قد جعلوا الوصف - وهو الغضب - من أمثلة
الحالة الأولى.
وذكروا: أن الحديث وإن دلَّ بظاهره على أن مطلق الغضب علَّة
إلا أن جواز القضاء مع الغضب اليسير يدل على أن مطلق الغضَب
ليس بعلَّة، بل المقصود بالغضب المانع من القضاء إنما هو الغضب
الشديد الذي يشوش الفكر، ويمنع القاضي من استيفاء النظر والفكر.
جوابه:
أنا نمنع كون نفس الغضب هو العلَّة؛ لأن الحكم لما دار مع
تشويش الفكر وجوداً وعدماً، وانقطع عن الغضب وجوباً وعدما،
وليس بين التشويش والغضب ملازمة أصلاً؛ لأن تشويش الفكر قد
يوجد حيث لا غضب، والغضب يوجد حيث لا تشويش، فعلمنا
بذلك أنه ليس بينهما ملازمة، وحينئذٍ: نعلم أنه لا يمكن أن يكون
الغضب عِلَّة، بل العِلَّة إنما هو التشويش - فقط -.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ حيث إنه بناء على المذهب الأول يجوز قياس
كل ما يشوش الفكر على الغضب كالجوع، والعطش، وحصر
البول، والألم، ونحو ذلك؛ حيث إن العِلَّة متعدية.
أما بناء على المذهب الثاني - وهم القائلون: إن العِلَّة هي نفس
الغضب - فلا يجوز القياس على الغضب غيره - حيث إن العلَّة
عندهم قاصرة، فلا يجوز قياس الجوع والألم عليه.
تنبيه: لا مانع من أن يكون مثال واحد ينطبق على أكثر من نوع
من أنواع الإيماء إلى العِلَّة، وحيمئذ يكون الإيماء فيه من عدة جهات
بحسب جهة النظر فيه.
(5/2052)

الطريق الثاني من طرق ثبوت العلَّة بالاجتهاد
ثبوت العِلَّة بالمناسَبة والإخالة
ويشتمل على ما يلي:
أولاً: تعريف المناسبة، وسبب تسميتها بالإخالة.
ثانيا: الدليل على أن المناسبة قفيد العلية.
ثالثاً: أقسام المناسب.
رابعا: هل المناسبة تبطل بمعارضة مفسدة مساوية أو راجحة؟
(5/2053)

أولاً: تعريف المناسبة وسبب تسميتها بالإخالة:
1 - المناسب لغة يأتي بمعنى المشاكل للشيء، يقال:، ليس
بينهما مناسبة " أي: مشاكلة.
ويأتي لفظ " ناسب " بمعنى: أشرك في النسب، يقال: " ناسبه "
أي: أشركه في نسبه.
ويطلق على الملائمة، ومنه قولهم: " تلائم القوم والتأموا " إذا
اجتمعوا، واتفقوا، وتناسبوا.
2 - والمناسب في الاصطلاح هو: وصف ظاهر منضبط يحصل
عقلاً من ترتب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصوداً للعقلاء من
حصول مصلحة أو دفع مفسدة.
والمراد بالمصلحة: اللذة ووسيلتها، والمراد بالمفسدة: الألم
ووسيلته.
وكل من المصلحة والمفسدة يكون على البدن، والنفس، ويكون
في الدنيا والآخرة.
وإنما أتي بعبارة: " يصلح أن يكون مقصوداً للعقلاء "؛ لأن
العاقل متى ما خير، فإنه مما لا شك فيه يختار المصلحة ودفع المفسدة.
وأتي بلفظ: " الظاهر المنضبط "؛ لأن الخفي منه وغير المنضبط
غير معتبر؛ لأنه غير معلوم، فلا يمكن أن يعرف الحكم به.
وما خفي من الأوصاف يلجأ فيها إلى مظنتها الظاهرة المنضبطة.
فمثلاً وجوب القصاص لم يُعلل بالعمد؛ لأن العمدية فيه خفية؛
حيث إن القصد وعدمه من الأمور النفسية التي لا يدرك شيء منها،
(5/2055)

وإنما علل القصاص وأنيط بما يلازم العمدية من الأعمال المخصوصة
التي يتحقق فيها العمدية، وهو القتل بأحد الآلات الجارحة،
فصارت العِلَّة: " القتل العمد العدوان ".
كذلك: المشقة قد تظهر أنها مناسبة لترتب الحكم - وهو الإفطار
في السفر - عليها تحصيلاً للمصلحة المقصودة وهي التخفيف، لكن
المشقة لما كانت غير منضبطة؛ حيث إنها تختلف باختلاف الأزمان
والأشخاص: تعذر جعلها عِلَّة الحكم، وجعل نفس السفر هو
العِلَّة؛ لأنه مظنتها.
وتسمى المناسبة بالإخالة؛ لأن بها يخال ويظن أن الوصف هو
العلَّة.
***
ثانياً: الدليل على أن المناسبة تفيد العلية:
الدليل يتكون من مقدمتين، ونتيجة، وإليك بيان ذلك:
المقدمة الأولى: أن الأحكام مشروعة لمصالح العباد.
المقدمة الثانية: أن هذا الحكم مشتمل على هذه الجهة من المصلحة.
النتيجة: أنه يغلب على الظن أنه إنما شرع الحكم الفلاني لأجل
تلك المصلحة.
وإليك الاستدلال على المقدمة الأولى، والثانية، والنتيجة فأقول:
أما المقدمة الأولى - وهي: أن الأحكام مشروعة لمصالح العباد -
فإنه قد دلَّ عليها ما يلي:
الدليل الأول: أن اللَّه تعالى حيم بإجماع المسلمين، ولا معنى
لحكمته إلا أنه لا يفعل شيئاً إلا وفيه مصلحة؛ لأن هذا شأن الحكيم.
(5/2056)

الدليل الثاني: قوله تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم) ، ومن
مقتضى التكريم والتشريف الذي خلق اللَّه الإنسان عليه أن لا يكلف
بما لا فائدة له فيه؛ لأن ذلك ينافي تكريمه وتشريفه، ومفهوم هذا:
أنه لو كلف فإنه لا يكلف إلا بما فيه مصلحة.
الدليل الثالث: أنه ثبت من استقراء النصوص الشرعية أن الله
رحيم بعباده، وأن رحمته وسعت كل شيء، وأنه أرسل الرُّسُل
رحمة بالناس أجمعين، مما لا يقبل معه شك في أنه سبحانه أراد
مصلحتهم، ولم يشرع ما فيه ضرر عليهم، وأنه تعالى لم يرد بعباده
العسر، وإنما أراد لهم اليسر، وكل هذا يدل بوضوح على أن
التكاليف بأسرها للمصالح؛ لأن تكليف الناس بما لا فائدة معه في
غاية العسر والمشقة والحرج، وليس فيه رحمة، ولا رأفة، بل
يتحقق معه من الضرر ما ينافي كونه رحيما رؤوفا بالعباد.
الدليل الرابع: أن أحكام اللَّه: إما أن تكون مشروعة للإضرار
بالعباد، أو مشروعة لا لمصلحة لهم، ولا له، أو مشروعة لمصلحة
عباده.
أما الأول - وهو كونها مشروعة للإضرار بالعباد - فهو باطل؛
لأنه يكون بذلك ظالماً، والظلم عليه سبحانه محال؛ لقوله تعالى:
(وما الله يريد ظلما للعالمين) ، وقوله: (وما ربك بظلام للعبيد) ،
ولإجماع المسلمين على أن الظلم منتف عليه تعالى.
وأما الثاني - وهو: كون الأحكام ليست مشروعة لمصلحة عباده
ولا له - فهو باطل - أيضاً -؛ لأنه يؤدي إلى القول بأنه شرعها
عبثا، والعبث على اللَّه محال؛ لقوله تعالى: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا) ،
وقوله: (ربنا ما خلقت هذا باطلاً) ، ولإجماع
المسلمين على أنه تعالى محال أن يوصف بالعبث.
(5/2057)

فلم يبق إلا الثالث - وهو: أن اللَّه تعالى إنما شرع الأحكام
لمصلحة العباد ونفعهم -.
أما المقدمة الثانية - وهي: أن هذا الحكم مشتكل على هذه الجهة
من المصلحة - فالدليل عليها: أن القول بأن الحكم الفلاني مشروع
للمصلحة الفلانية مبني على أننا وجدناه كذلك من اشتماله على تلك
المصلحة.
وأما النتيجة - وهي: أنه غلب على الظن أنه إنما شرع الحكم
الفلاني لأجل تلك المصلحة - فالدليل عليها أن يقال: إن الحكم لم
يشرع إلا لمصلحة - كما سبق -، وهذه المصلحة إما أن تكون هي
نفس المصلحة الظاهرة لنا، أو غيرها.
أما الثاني - وهو: أن تكون غير المصلحة الظاهرة لنا - فهو
باطل؛ لأن الأصل عدم مصلحة أخرى يضاف إليها الحكم.
وإذا ثبت أن غير هذا الوصف ليس عِلَّة لهذا الحكم ثبت ظن
غالب أن هذا الوصف هو العِلَّة لهذا الحكم.
***
ثالثاً: أقسام المناسب من حيث تأثيره وعدم تأثيره:
المناسب بهذا الاعتبار ينقسم إلى خمسة أقسام هي كما يلي مرتبة
على حسب القوة:
القسم الأول: المناسب المؤثر وهو: ما ظهر تأثير عين الوصف
في عين الحكم المتنازع فيه بالإجماع أو النص، أو ما ظهر تأثير عينه
في جنس الحكم.
مثال ما ظهر تأثير عين الوصف في عين الحكم: أن الحرة الحائض
(5/2058)

تسقط عنها الصلاة بالنص والإجماع لوصف مناسب وهو: مشقة
التكرار؛ حيث إن الصلاة تتكرر، فلو وجب قضاؤها لشق عليها
ذلك، فهنا قد ظهر تأثير عين الوصف - وهو المشقة - في عين
الحكم وهو: سقوط الصلاة.
فنقيس الأُمَّة على الحرة في ذلك؛ لأنهما يشتركان في مشقة
التكر ار.
مثال آخر: أن الثيب الصغيرة تزوج لصغرها، ثم يبين أن عين
الصغر ظهر تأثيره بالإجماع في الولاية في حق الابن، وفي ولاية
المال، فهنا قد ظهر عين هذا المعنى في عين هذا الحكم في محل
آخر، فعدي ذلك الحكم بعينه - وهو الولاية - بتلك العِلَّة بعينها
- وهو: الصغر - إلى محل النزاع، وهو الثيب الصغيرة.
ومثال ما ظهر تأثير عين الوصف في جنس الحكم: أن الأخ
الشقيق مقدم على الأخ لأب في الميراث، فيقاس على ذلك تقديمه
في ولاية النكاح، فهنا: قد أثر امتزاج النسبين - وهو عين
الوصف - في جنس الحكم وهو مطلق الولاية.
القسم الثاني: المناسب الملائم وهو:
ما ظهر تأثير جنس الوصف في جنس ذلك الحكم مثل: سقوط
قضاء الصلاة إذا علل بالحرج والمشقة، فإن هذا من جنس معاني
الشرع وملائم له إذا نظرنا إلى إسقاط الشرع كثيراً من التكاليف
بأنواع من الكلفة، كما هو الشأن في السفر والمرض.
القسم الثالث: المناسب الغريب وهو: الذي لم يظهر تأثيره ولا
ملائمته لجنس تصرفات الشرع مثل: أن المطلقة ثلاثا في مرض الموت
ترث، لأن الزوج قصد الإضرار بها، والفرار من ميراثها، فيعامل
(5/2059)

بنقيض قصده على ما هو متبع في القواعد الشرعية، قياسا على
القاتل في عدم توريثه؛ لأنه استعجل الإرث بجامع وهو: أن كلاً
منهما قد استعجل أمراً قبل أوانه، ومن استعجل أمراً قبل أوانه
عوقب بحرمانه.
فتعليل حرمان القاتل بهذا الوصف لم يناسب جنسا من تصرفات
الشرع، مع أنه يبدو مناسبا.
تنبيه: لقد اختلف العلماء في المراد بالمناسب المؤثر، والملائم
والغريب اختلافا عظيما حتى أن بعض العلماء قد عرف المؤثر بما
عرف به الآخرون الملائم، وعرف بعضهم الغريب بما عرف به
الآخرون الملائم، وعرف بعضهم المؤثر تعريفا شاملاً لأنواع أربعة،
وبعضهم حصره في نوعين وهكذا، وقد ذكرت بعضا من ذلك في
كتابي " إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر " فراجعه فهو مطبوع
متداول.
القسم الرابع: المناسب المرسل، وهو الذي لم يشهد له أصل
معين بالاعتبار، ولا بالإلغاء، وهو موضوع المصلحة المرسلة التي
سبق الكلام عنها في الأدلة المختلف فيها.
ومثاله: قياس شارب الخمر على القاذف؛ حيث إن الناس لما
استحقروا الحد المشروع في الخمر جمع عمر بن الخطاب كثيراً من
الصحابة وشاورهم في الأمر، فقال علي - رضي اللَّه عنه -: " من
شرب سكر، ومن سكر هذى، ومن هذى افترى، فأرى أن عليه
حد المفتري " فأخذوا بقوله؛ أخذاً بالمصلحة.
القسم الخامس: المناسب الملغى، وهو: الوصف الذي لم يشهد
(5/2060)

له أصل بالاعتبار بوجه من الوجوه، وقد ظهر إلغاؤه، وإعراض
الشارع عنه في جميع صوره.
مثاله: أن بعض فقهاء الأندلس قد أفتى بأن على المجامع في نهار
رمضان: كفارة وهي: صيام شهرين متتابعين، فهذا فيه مصلحة
وهي: منع هذا المكثر من الجماع في نهار رمضان من فعله، ولكن
هذه المصلحة قد خالف نصا وهو حديث الأعرابي الذي رتب الكفارة
على ما يلي: عتق الرقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين،
فإن لم يجد فإطعام ستين مسكين.
لذلك اتفق العلماء على عدم الأخذ بهذا القسم.
***
رابعاً: هل المناسبة تبطل بمعارضة مفسدة مساوية أو راجحة؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن المناسبة تبطل بمعارضة مفسدة مساوية أو راجحة.
وهو مذهب الآمدي، وابن الحاجب، والصفي الهندي، وبعض
العلماء، ونسبه بعضهم إلى أكثر العلماء، وهو الحق عندي؛ للأدلة
التالية:
الدليل الأول: أن المصلحة متى ما عورضت بمفسدة مساوية، أو
راجحة، فإن العمل بالمصلحة حينئذِ لا يُعدُّ من المصلحة عند
العقلاء، بل يكون عبثا يخرجه العقل عن كونه مناسبا إلى كونه غير
مناسب.
الدليل الثاني: أن المفسدة إذا كانت مساوية للمصلحة أو راجحة
عليها، فإن هذا يقتضي عقلاً أن لا مصلحة حينئذِ.
(5/2061)

فلو أن رجلاً - مثلاً - اشترى ثوباً بعشرة ريالات، ثم قال
لوكيله: " بع هذا الثوب بعشرة ريالات، أو بثمانية "، فإن هذا
القول لا يقبل منه؛ لأنه يؤدي أن لا يربح، ولو فعل رجل ذلك
لعد منه خروج عن تصرفات العقلاء.
الدليل الثالث: استقراء أحكام الشريعة والعقل قد دلا على أن
دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، بيان ذلك:
أنه بعد استقراء وتتبع الأحكام الشرعية وجدنا أنه عند تعارض
المفسدة مع المصلحة، فإنه يقدم دفع المفسدة على جلب المصلحة في
كثير من الأمور.
والعقل حاكم في ذلك أيضاً؛ لأن في دفع المفسدة مصلحة أيضاً،
وعلى هذا لا يجوز العمل بمصلحة معارضة بمفسدة مساوية لها أو
راجحة عليها.
المذهب الثاني: أن المناسبة لا تبطل بمعارضة المفسدة مطلقا.
وهو مذهب فخر الدين الرازي، والبيضاوي، وكثير من العلماء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: الوقوع؛ حيث إنه قد ورد من الشارع ما يدل على
إعمال المناسبتين المتعارضتين، وعدم بطلانهما بذلك التعارض.
كالصلاة في الدار المغصوبة، فقد رتب عليها الثواب من حيث
كونها صلاة، والعقاب من حيث كونها مغصوبة، وكذلك البيع
وقت النداء الثاني للجمعة قد رتب عليه الملك؛ لأنه بيع صحيح
الأركان، والعقاب؛ لأنه وقع في وقت النداء المنهي عنه.
(5/2062)

ففي هذين المثالين نرى الشارع قد رتب على جهة المصلحة
والمفسدة مقتضاهما.
جوابه:
إن الكلام في مصلحة تعارضها مفسدة في شيء واحد، أما ما
ذكرتموه في المثالين فإنه ليس كذلك؛ حيث إن مفسدة الغصب لم
تكن قد نشأت من الصلاة، بدليل: أنه يأثم إذا أشغل المغصوب
واستعمله ولو لم يصل، وكذلك فإن مصلحة الصلاة لم تنشأ من
الغصب بدليل: أن صلاته صحيحة إذا أداها في غير الأرض
المغصوبة، فلم يحصل التعارض بين مصلحة الصلاة، ومفسدة
الغصب؛ حيث لا تعارض بين المقتضى الذاتي، والمقتضى الخارجي.
الدليل الثاني: أن السلطان لو ظفر بجاسوس من أعدائه، فإنه
يحسن منه أمران: " عقابه "، و " العفو عنه ": فقد يعاقبه زجراً
لأمثاله وتأديبا لهم، وقد يحسن إليه ويعفو عنه إما لكشف أسرار
عدوه عن طريق هذا الجاسوس، وإما أنه عفى عنه للاستهانة بعدوه،
وفعل السلطان هذا لا يعد خارجاً به عن مقتضى المناسبة والحكمة،
وسواء في ذلك ما إذا كانت المناسبتان متساويتين، أو إحداهما أرجح
من الأخرى.
جوابه:
لا نسلم أن هذا التصرف من السلطان حسن على الإطلاق، بل
لا بد أن يفعل الأرجح منهما، ولو فعل المرجوح منهما لا يكون
تصرفه وفعله موافقاً لتصرفات العقلاء، ولا يكون مناسبا.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي؛ حيث إن أصحاب المذهب الثاني - وهم
القائلون: بعدم بطلان المناسبة بمعارضة المفسدة الراجحة أو المساوية -
(5/2063)

أرادوا من العلَّة الوصف المؤثر المعرف للحكم، ولم يريدوا جملة ما
يتوقف عليه المعلول، ولا دخل لوجود الشرط، وعدم المانع في
التأثير اتفاقا، بل المؤثر نفس الوصف، وقد تخلف الحكم عنه،
وهو موجود قطعا.
أما أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون ببطلان المناسبة
بمعارضة المفسدة الراجحة أو المساوية - فإنهم أرادوا من العِلَّة أنها
جملة ما يتوقف عليه المعلول من وصف مؤثر معرف للحكم،
ووجود شرط وعدم مانع، ولا شك أن هذه الجملة تزول إذا تخلف
الحكم لفقد شرط، أو وجود مانع.
وهذا لا يمنع اتفاق أصحاب المذهبين على أن العِلَّة في غير موضع
التخلف تامة صحيحة يترتب عليها المعلول، وفي موضع التخلف
غير تامة، والحكم معدوم، وهو لم يترتب على العِلَّة إلا أن العدم
عند أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون ببطلان المناسبة - مضاف
إلى عدم وجود العلَّة، أي: أن المناسبة لما بطلت بمعارضة مفسدة
راجحة أو مساوية كأنها لم توجد.
والعدم عند أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون بعدم
بطلانها - مضاف إلى وجود المانع، أو تخلف شرط.
أي: أن المناسبة موجودة لم تبطل بمعارضة تلك المفسدة الراجحة،
أو المساوية، ولكن لم يعمل بها؛ نظراً لوجود مانع، أو تخلف شرط.
إذن اتفق الفريقان على المعنى وهو: أنه لا يُعمل بالمناسبة المعارضة
بمفسدة راجحة أو مساوية، ولكن اختلفوا في سبب عدم العمل.
فأصحاب المذهب الأول قالوا: إن السبب هو: كون المناسبة
معارضة بالمفسدة فأسقطتها.
وأصحاب المذهب الثاني قالوا: إن السبب هو: وجود المانع.
(5/2064)

الطريق الثالث من طرق ثبوت العلَّة بالاجتهاد
ئبوت العِلَّة بالسبر والتقسيم
ويشتمل على ما يلي:
أولاً: تعريف السبر والتقسيم.
ثانيا: أسماء هذا الطريق.
ثالثا: أقسام التقسيم، وتعريف كل قسم، وشروطه، وبيان إفادة
كل قسم للعلية.
رابعا: بيان كيفية سبر الأوصاف غير الصالحة للعلية وحذفها
وإبطالها.
(5/2065)

أولأ: تعريف السبر والتقسيم:
1 - السبر والتقسيم لغة:
السبر لغة: الأصل، واللون، والهيئة، والمنظر، ومنه قولهم:
" حسن السيرة " أي: حسن الهيئة.
وهو يطلق على الاختبار، ومنه قولهم: " سبرت الجرح " أي:
نظرت ما غوره.
والتقسيم لغة هو: مأخوذ من قسم الشيء إذا جزأه وفرقه.
2 - السبر والتقسيم اصطلاحا:
السبر اصطلاحا هو: اختبار الوصف في صلاحيته وعدمها للتعليل
والتقسيم اصطلاحا هو: حصر الأوصاف المحتملة للتعليل بان
يقال: العِلَّة إما كذا أو كذا.
3 - المراد بهذا الطريق هنا:
المراد بالسبر والتقسيم: حصر الأوصاف التي تحتمل أن يُعلل بها
حكم الأصل في عدد معين، ثم إبطال ما لا يصح بدليل، فيتعين
أن يكون الباقي عِلَّة.
فمثلاً: أن يقول المجتهد: إن تحريم الربا في البر ثبت لعلة،
والعلة هذه يحتمل أن تكون: كونه مكيلاً، أو كونه مطعوما، أو
كونه مقتاتا، أو كونه مدخراً، أو كونه موزونا، أو كونه مالاً،
وعجز عن استنباط عِلَّة أخرى فوق هذه العلل الست، فهذا يُسمَّى
بالتقسيم.
(5/2067)

ثم يبدأ بسبر واختبار تلك الأوصاف، وينظر فيها، ويسقط ما لم
يجده مناسبا، وما لا يصلح لتعليل الحكم به بحيث يبقى ما يمكن
التعليل به وعجز عن إبطاله، وهو كونه مكيلاً - مثلاً - فهذا يُسمى
بالسبر.
مثال آخر: أن يقول المجتهد في ولاية الإجبار على النكاح: إن
هذا الحكم إما أن يعلل بالصغر، أو يعلل بالبكارة.
أما تعليل الإجبار على النكاح بالصغر فإنه باطل؛ لأنها لو كانت
العلَّة الضغر لثبتت ولاية الإجبار على الثيب الصغيرة؛ نظراً لوجود
نفسَ العلَّة فيها، وهذا مخالف لنص وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"الثيب أحق بنفسها"،
وهو عام للثيب الصغيرة والكبيرة، فلم يبق إلا أن يعلل
بالثاني وهو: البكارة.
***
ثانيا: أسماء هذا الطريق:
بعض العلماء يطلق عليه: " السبر " فقط، وبعضهم يطلق عليه
"التقسيم " فقط، وبعض ثالث يطلق عليه " السبر والتقسيم " معا،
وهذا هو المنتشر، وهو الصحيح؛ لأن هذا الطريق لثبوت العِلَّة
يتكون منهما معا، فلا يغني السبر عن التقسيم، ولا يغني التقسيم
عن السبر.
اعتراض على عبارة: " السبر والتقسيم ":
قال قائل - معترضا -: إنه من خلال معرفتنا لتعريف السبر
والتقسيم، فإنه من الأنسب تقديم التقسيم على السبر في الذكر ما
دام أنه متقدم عليه في الواقع ونفس الأمر، فيقال: " التقسيم
والسبر؛ حيث إن التقسيم متقدم في الوجوب على السبر كما سبق في
التعريف، والأمثلة.
(5/2068)

جوابه:
إن التسمية الصحيحة هي: " السبر والتقسيم " كما صححنا ذلك؛
لأمرين:
أولهما: أن الأصل هو السبر؛ لأنه هو الذي يؤثر في معرفة
العلية، وأما التقسيم فقد وجد بسبب: أن السبر يحتاج إلى شيء
يسبر.
ثانيهما: أن محل السبر هو التقديم على التقسيم في العمل،
وذلك لأن المجتهد أولاً يسبر ويختبر المحل هل فيه أوصاف، أو هو
تعبدي؛ ثم إذا أثبت أن فيه أوصافاً فإنه يحصر تلك الأوصاف،
ويقسمها، ثم يسبر ثانياً، فقدم السبر في اللفظ باعتبار السبر الأول.
***
ثالثاً: أقسام التقسيم:
ينقسم التقسيم إلى قسمين:
القسم الأول: التقسيم الحاصر، وهو ما يكون دائراً بين النفي
والإثبات.
وطريق معرفة العِلَّة فيه: أن يقوم المجتهد بحصر الأوصاف التي
تنقدح في الذهن مما يمكن تعليل حكم الأصل فيه، ثم يختبرها
بالأدلة والأمارات التي سلكت في اعتبار الوصف المنايسب للعلية،
ثم يبطل ما لا يصلح منها بواحد من طرق الإبطال والحذف التي
ستأتي - إن شاء اللَّه - فما يتبقى بعد هذا الحذف والإبطال يعتبر هو
الوصف الذي يتعين للتعليل به عند المجتهد.
(5/2069)

فمثلاً: يقول المجتهد في ولاية الإجبار على النكاح: إن هذا
الحكم إما أن لا يكون معللاً بعلَّة أصلاً، أو يُعلل بالصغر، أو يعلل
بالبكارة، أو يعلل بغيرهما.
أما الأول - وهو: أن يكون الحكم غير معلل - فهو باطل
بالإجماع؛ حيث أجمع العلماء على تعليل هذا الحكم.
وأما الثاني - وهو أنه معلل بالصغر - فهو باطل أيضا؛ لأن
الحكم لو كان معللاً بالصغر للزم عليه ثبوت ولاية الإجبار على الثيب
الصغيرة، وهذا مخالف للنص، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"الثيب أحق بنفسها".
وأما الرابع - وهو أن الحكم معلل بغير الصغر والبكارة - فهو
باطل بالإجماع؛ حيث أجمع العلماء على عدم وجود غير هذين
الأمرين لتعليل الحكم بهما.
فلم يبق إلا الثالث وهو: أن الحكم معلل بالبكارة.
مثال آخر: أنه اختلف العلماء في جارية بين رجلين جاءت بولد
فادعياه، فقال بعض الغلماء: بالرجوع إلى قول القائف، وقال
آخرون: نقبل القرعة فيه، وقال فريق ثالث: بالتوقف، فلا ينسب
الولد إلى واحد منهما، وقال فريق رابع: يثبت النسب منهما جميعاً.
فإذا أفسدنا وأبطلنا الأقوال الثلاثة الأولى بأي طريق من طرق
الإبطال، فإنه يصح القول الرابع، وهكذا في جميع الأمثلة.
بيان أن هذا القسم يفيد العلية بالاتفاق:
التقسيم الحاصر يفيد العلية إما قطعاً، وإما ظنا.
فيفيد العلية قطعا في حالة كون الحصر للأقسام وإبطال الأوصاف
(5/2070)

غير الصالحة بطريق قطعي، وهذا قليل في الشرعيات، لكنه يكثر
في العقليات.
ويفيد العلية ظنا إذا كان الحصر وإبطال الأوصاف غير الصالحة،
ورد بطريق ظني، وهو كثير في الشرعيات، ومن أمثلته ما سبق.
شروط هذا القسم:
هذا القسم - وهو الحاصر - لا يصح ولا يُثبت العِلَّة إلا بشروط
هي كما يلي:
الشرط الأول: أن يكون حكم الأصل معللاً بالاتفاق؛ لأن الحكم
إذا لم يجمع على تعليله وحصر المجتهد جميع علل هذا الحكم، فإنه
لا يلزم من إبطال جميع تلك العلل صحة العِلَّة التي عجز عن إبطالها.
الشرط الثاني: أن لا تكون العلَّة مركبة، أما إن كان هناك احتمال
لتركيب العِلَّة: فإن إبطال بعض الأوصاف المحتملة غير كاف في
الاستدلال لعلية المتبقي؛ لأن الساقط وإن صح أن لا يكون عِلَّة
مستقلة، إلا أنه لا يزال الاحتمال قائما في أنه جزء من أجزاء العَلَّة
بحيث إذا انضم إلى غيره يكون عِلَّة مستقلة، فلا بد - إذن - في
مثل هذه الحالة من إبطال كون المجمَوع عِلَّة أو جزءا من العِلَّة.
الشرط الثالث: أن يكون سبره حاصراً بجميع الأوصاف التي يمكن
أن تكون علَّة، واشترطنا ذلك لأنه إذا كان سبره لم يكن حاصراً
بجميع عللَ الحكم لجاز وجود عِلَّة لم يذكرها قد تكون هي العِلَّة
الحقيقية لمشروعية الحكم، فيكون القياس خطأ.
كيف يثبت المجتهد حصر العلل؟
لقد ذكرنا في الشرط الثالث: أنه لا بد أن يكون سبره حاصراً
لجميع علل الحكم، ويثبت حصر العلل بأمرين:
(5/2071)

الأمر الأول: أن يسلم الخصم - ويوافق على أن ما ذكره المستدل من
الأوصاف هي الممكنة لأن تكون علَّة، ولا يوجد غيرها كانحصار
عِلَّة تحريم الربا في البر بكونه مكيلاً، أو موزونا، أو مطعوما، أو
مدخراً، أو مقتاتا، وكانحصار عِلَّة وجوب الكفارة في الجماع في
نهار رمضان في: " جماع مكلَّف في نهار رمضان "، أو في " إفساد
الصوم المحترم "، وكانحصار عِلَّة الإجبار في النكاح في " الصغر "
أو " البكارة ".
الأمر الثاني: أن لا يسلم الخصم ولا يوافق على هذا الحصر الذي
ذكره المستدل، فهنا ننظر إلى المستدل:
فإن كان المستدل مجتهداً فعليه السبر للأوصاف بقدر إمكانه،
بحيث يعجز عن إيراد غير ذلك من الأوصاف والعلل.
وإن كان المستدل مناظراً - أي: أمامه خصم يناظره في مسألة ما -
فإنه يكفيه أن يقول: هذا ما استطعت التوصل إليه من أوصاف
وعلل، وقد بحثت فلم أجد غير ذلك، وعليك أيها الخصم أن
يلزمك ما يلزمني إذا كنت تشاركني في الجهل بغير ذلك من الأوصاف.
أما إن كنت مطلعا على وصف آخر غير ما ذكرت، فعليك التنبيه
عليه وإظهاره لأنظر في صحته وفساده، فإن كتمان ذلك الوصف أو
العلَّة محرم، حيث إن من كتم ذلك إما أن يكون كاذبا وهو حرام،
وإما أن يكون كاتما لدليل مست الحاجة إلى إظهاره وهو محرم أيضا،
وكلاهما يتسببان في جعل هذا الخصم لا يعول على قوله، ولا يُعتد
بما صدر عنه.
القسم الثاني - من أقسام التقسيم -: التقسيم المنتشر، وهو: ما
(5/2072)

لا يكون دائراً بين النفي والإثبات، أو كان دائراً بينهما، ولكن
الدليل على نفي عِلته فيما عدا الوصف المبين فيه ظني.
وطريق معرفة العِلَّة فيه: أن يقال: الحكم إما أن يكون معللاً، أو
لا يكون كذلك.
أما كونه غير معلل فبعيد؛ لأن الغالب المألوف من الشارع - على
حسب ما دلَّ عليه الاستقراء - أن أحكام اللَّه - كلها - معللة - كما
سبق بيان ذلك -.
وإذا ثبت أن الحكم معلل، فإن العِلَّة إما أن تكون غير ظاهرة لنا،
أو تكون ظاهرة.
أما كون العِلَّة غير ظاهرة لنا: فهو بعيد؛ لأمور هي كما يلي:
الأمر الأول: أن الغالب في علل الأحكام إنما هو الظهور، وإذا
وجد فرد منها غير ظاهر، فإنه يندرج تحت الأعم والأغلب على
الظن، فيكون ظهورها أغلب على الظن.
الأمر الثاني: أن الحكم إذا كان معقول المعنى كان على وفق المعتاد
من تصرفات العقلاء وأهل العرف، والأصل مطابقة الشرع للعقل
والعرف.
الأمر الثالث: أن عدم ظهور العِلَّة يبطل فائدة التعليل؛ لأن
فائدته التوسع في معرفة الأحكام، وانقياد المكلف لها، وتلقيها
بالقبول ما دامت نفسه مطمئنة أن الحكم ملائم لطبيعته.
وإذا ثبت أن عدم ظهور العلة بعيد: فإنه يكون الغالب ظهورها.
وإذا كان الغالب ظهور العلة، فإنه يقال:
(5/2073)

العلة إما هذا الوصف أو ذاك الوصف، أو الوصف الثالث إلى
آخر الأوصاف التي تكون محتملة للتعليل في نظر المعلل.
ولما كان المعلل سليم الحس والعقل عدلا ثقة: فإنه يحصل غلبة
الظن بانحصار صفات محل الحكم فيما ذكره من الأوصاف، ولم
يجد سواها.
ثم بعد أن يُثبت حصر الأوصاف بالطريقة السابقة يسقط بعد ذلك
بعضها عن درجة الاعتبار بدليل صالح يغلب على الظن منه عدم
صلاحية ما أسقط للتعليل به، فيلزم من ذلك انحصار التعليل فيما
استبقاه؛ بناء على قولنا: يمتنع خلو محل الحكم عن عِلَّة ظاهرة.
بيان أن هذا القسم يفيد العلية:
هذا القسم يفيد العلية؛ وهو حُجَّة للمستدل وهو المجتهد الناظر -
وهو: من بحث لنفسه، فما غلب على ظنه وجب عليه العمل به،
ولا يكون حُجَّة على الغير، وهو اختيار الآمدي، وبعض العلماء.
وهو الحق؛ لأن هذا التقسيم - وهو: المنتشر - يثير غلبة الظن
عند المجتهد، فيجب أن يتبع ما غلب على ظنه؛ لأن المجتهد مهما
غلب على ظنه شيء: فإنه يجب أن ياخذ به.
وبعض العلماء ذهبوا إلى أنه حُجَّة مطلقا للناظر، وهو المجتهد
المستدل، وللمناظر، وهو الخصم.
وبعض العلماء ذهبوا إلى أنه حُجَّة في الأحكام العملية دون العلمية.
وبعض العلماء ذهبوا إلى أنه ليس بحجة مطلقا.
وقد ذكرت هذه المذاهب مع أدلتها في كتابي " إتحاف ذوي البصائر
بشرح روضة الناظر "، فارجع إليه.
(5/2074)

رابعا: بيان كيفية سبر الأوصاف غير الصالحة للعلية وحذفها
وإبطالها:
قلنا في تعربف السبر والتقسيم: إن المجتهد والمستدل يقوم باختيار
علَّة واحدة، ويعلل الحكم الشرعي بها، ويحذف العلل والأوصاف
غير الصالحة للعلية، ويسلك في حذف تلك الأوصاف وإبطالها
المسالك الآتية:
المسلك الأول: الإلغاء، وهو: بيان أن الحكم في الصورة
الفلانية ثابت بالوصف الذي استبقاه - فقط - دون غيره، ويتبين
بهذا أن المحذوف من الأوصاف لا أثر له في الحكم؛ لأنه لو كان
المحذوف من الأوصاف له أثر في الحكم لما جاز إثبات الحكم بدونه.
وكيفية ذلك: أن يقوم المجتهد ببيان أن الوصف الذي أبقاه للتعليل
به قد ثبت الحكم به في صورة من الصور من غير أن يقترن
بالأوصاف التي تم إلغاؤها وحذفها، وهذا يوضح أن الوصف الذي
أبقاه مستقل بالتعليل، وعند ظهور ذلك يمتنع إضافة الحكم في محل
التعليل إلى الوصف الذي تم حذفه، لأن في هذا إثباتا للحكم
بوصف لم يثبت استقلاله، وإلغاء للوصف الذي ثبت استقلاله وهو
ممتنع.
المسلك الثاني: أن يكون الوصف المحذوف قد ألف من الشارع
إلغاءه في جنس ذلك الحكم المعلل، وحيحئذ يكون إلغاؤه واجباً وإن
كان مناسبا.
فمثلاً قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"من أعتق شركاً له في عبد قوم عليه الباقي من نصيب شريكه "،
فهنا حذف العلماء وصف الذكورة وإن أمكن
تقرير مناسبة بين صفة الذكورة وسراية العتق غير أنا لما عهدنا من
(5/2075)

الشارع التسوية بين الذكر والأنثى في أحكام العتق ألغينا صفة الذكورة
في السراية، بخلاف ما عداه من الأحكام، حيث اعتبر الشارع
وصف الذكورة في الشهادة والقضاء، والإمامة، وولاية عقد النكاح.
المسلك الثالث: الحذف وهو: أن يبين المجتهد - وهو: المستدل -
أن ما يحذفه من الأوصاف من جنس الأوصاف التي عهدنا وألفنا
وعرفنا من الشارع عدم الالتفات إليها في إثبات الأحكام كالأوصاف
الطردية كالطول، والقصر، والسواد، والبياض، ونحو ذلك.
المسلك الرابع: عدم وجدان مناسبة بين الوصف والحكم.
وبيانه: أن لا يجد المجتهد - وهو العدل الثقة المؤهل للنظر
والبحث - مناسبة بين الوصف والحكم أو ما يوهم المناسبة، وحينئذ
لو قال: لم أجد فيه ذلك لصدق في كلامه، فيكون الوصف غير
مناسب، فيلزم حذفه.
(5/2076)

الطريق الرابع من طرق ثبوت العِلَّة بالاجتهافى
ثبوت العِلَّة عن طريق تنقيح المناط
ويشتمل على ما يلي:
أولاً: تعريفه.
ثانيا: بيان أن تنقيح المناط يُعتبر من طرق ثبوت العِلَّة.
ثالثا: الفرق بين تنقيح المناط والسبر والتقسيم.
رابعاً: الفرق بين تنقيح المناط وتخريج المناط، وتحقيقه.
(5/2077)

أولاً: تعريف تنقيح المناط:
1 - التنقيح لغة: التشذيب، والتهذيب، ومنه: " تنقيح الجذع
من النخلة " أي: تشذيبه حتى يُخلص من السعف والأغصان التي لا
فائدة منها، ولا تؤثر على ثمرة النخلة، ويقال: " نقح الشاعر
قصيدته " إذا هذبها وخلصها من الأبيات التي لا دخل لها في
الموضوع.
والمناط مأخوذ من ناط الشيء ينوطه نوطا، أي: علقه، فالمناط
ما يتعلق به الشيء، يقال: نطت الحبل بالوتد أنوطه نوطاً: إذا
علقته به، ومنه: ذات أنواط وهي: الشجرة التي يعلق عليها
المشركون أسلحتهم، والمناط من أسماء العِلَّة، وقد سبق بيان ذلك.
2 - تنقيح المناط اصطلاحا هو: أن ينص الشارع على الحكم،
ويضيفه إلى وصف فيقترن به أوصاف لا مدخل لها في الإضافة،
فيقوم المجتهد بحذف ما لا يصلح عِلَّة ليتسع الحكم.
أو تقول هو: أن ينص الشارع على الحكم عقيب أوصاف يعرف
فيها ما يصلح للتعليل، وما لايصلح للتعليل، فينقح المجتهد
الصالح ويلغي ما سواه.
فلا بد في تنقيح المناط من توفر شرطين:
أولهما: أن يكون النص دالًّا عليه وصف خاص بالأصل، ويكون
دور المجتهد حذف خصوص الأصل، وحينئذ يشترك الأصل والفرع
في الحكم معاً.
ثانيهما: أن يدل النص على علية أوصاف أخرى، ويقوم المجتهد
بحذف ما لا دخل له في العلية ليصبح الباقي عِلَّة للحكم.
(5/2079)

مثاله: حديث الأعرابي، وهو: أنه قد أتى أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: هلكت يا رسول اللَّه، قال: " ما لك؟ "
قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم،
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اعتق رقبة ".
فهنا: قد أشار النص إلى أوصاف وهي: " كون المواقع أعرابيا "
و" كون الموطوءة زوجته "، و " كون الوقاع حصل في رمضان
معين "، و " كون الوقاع حصل في رمضان من مكلف "، و " كونه
أفسد صوما محترماً ".
فحذف بعض العلماء جميع هذه الصفات إلا وصفا واحداً هو:
"كونه واقع في نهار رمضان "، فخصص الحكم بهذا الوصف،
فأوجب الكفارة - على من واقع في نهار رمضان فقط، دون غيره،
فتكون هذه العِلَّة قاصرة.
وبعض العلماء الآخرين حذفوا جميع تلك الأوصاف إلا وصفا
واحداً هو؛ " كونه أفسد صوماً محترما "، لذلك أوجبوا الكفارة
على كل من أفسد الصوم المحترم، سواء أفسده بالجماع، أو بالأكل
والشرب عمداً بلا عذر، فتكون العِلَّة هنا متعدية.
ولا يجوز لأي عالم مهما كان أن يحذف أي وصف إلا بدليل
شرعي مقبول، وقد بيَّنت الأدلة على حذف تلك الأوصاف بإسهاب
في كتابي " إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر " فارجع إليه.
***
ثانيا: بيان أن تنقيح المناط يعتبر طريقا من طرق ثبوت العِلَّة:
من دقق في تعريف تنقيح المناط، فإنه يجزم بأنه طريق من طرق
إثبات العِلَّة، حيث إن حاصله: هو حصر العلل التي وردت في
(5/2080)

النص الخاص بذلك الحكم، ثم اختبار وسبر تلك العلل من قبل
المجتهد فيحذف ويبطل ما لا يصلح أن يعلل به الحكم، فإذا أبطلها
كلها إلا واحدة جعلها هي العِلَّة مثل ما قلناه في حديث الأعرابي
السابق الذكر، وهذا قريب من السبر والتقسيم.
وبعض العلماء سماه بالاستدلال كالحنفية، وهم قد وافقوا
الجمهور في طريقة حذف الأوصاف إلا وصفا واحداً، فيكون
الخلاف بيننا وبين الحنفية لفظياً.
***
ثالثا: الفرق بين تنقيح المناط والسبر والتقسيم:
قد يقول قائل: إن حقيقة تنقيح المناط قريبة من حقيقة السبر
والتقسيم الذي هو الطريق الثالث من طرق ثبوت العلية، فهل هما
واحد، أم بينهما فرق؟
أقول: لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يوجد فرق بينهما.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق، لذلك جعلناه طريقا
لإثبات العِلَّة غير طريق السبر والتقسيم.
واختلف هؤلاء في وجه الفرق على أقوال:
القول الأول: أن تنقيح المناط خاص في الأوصاف التي دلَّ عليها
ظاهر النص، وهي محصورة بواسطة هذا الظاهر، أما السبر
والتقسيم فإنه خاص في الأوصاف المستنبطة الصالحة للعلية، ثم
إلغاؤها إلا ما ادعي أنه عِلَّة، وهذا هو الحق عندي.
(5/2081)

القول الثاني: إن تنقيح المناط اجتهاد في الحذف والتعيين معا، أما
السبر والتقسيم فهو اجتهاد في الحذف، فيتعين الباقي.
جوابه:
لا نسلم ذلك، بل إن السبر والتقسيم لا بد فيه من الاجتهاد في
الحذف، والتعيين؛ حيث لا يمكننا أن نعين هذه العِلَّة ونقول: إنها
هي العِلَّة الحقيقية إلا بعد عدة اجتهادات فيها.
القول الثالث - في وجه الفرق بينهما -: إن السبر والتقسيم لابد
فيه من تعيين الجامع والاستدلال على عليته، أما تنقيح المناط فإنه لا
يجب فيه تعيين العِلَّة.
جوابه:
لا نسلم ذلك، بل يجب تعيين العِلَّة في تنقيح المناط والاستدلال
عليها، وإلا لما جاز العمل بها؛ لأنه لا يمكن ثبوت شيء بدون دليل
فالمجتهد لا يمكنه أن يحذف أي عِلَّة، أو يعينها إلا بدليل.
هذه أقوال جمهور العلماء القائلين بوجود الفرق بين تنقيح المناط،
والسبر والتقسيم.
المذهب الثاني: أنه لا فرق بين تنقيح المناط، وبين السبر والتقسيم؛
لأن تنقيح المناط في الحقيقة:. استخراج للعِلَّة بالسبر.
وهو مذهب إعام الحرمين.
جوابه:
لا نسلم ذلك، بل يوجد فرق بينهما كما سبق بيانه.
ثم لا نُسَلِّمُ أن تنقيح المناط هو: استخراج للعِلة بالسبر، بل هو
(5/2082)

تعيين وصف من الأوصاف التي ذكرت في النص، وبيان أنه هو العِلَّة
دون غيره من الأوصاف، فهو تعيين لا تخريج.
أما السبر والتقسيم فهو خاص في العِلَّة المستنبطة المستخرجة فقط.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف لفظي؛ حيث اتفق أصحاب المذهبين على العمل بتنقيح
المناط على أنه طريق من طرق إثبات العِلَّة بالاجتهاد إلا أن أصحاب
المذهب الثاني أدخلوا تنقيح المناط ضمنَ السبر والتقسيم؛ حيث إن
السبر والتقسيم عندهم عام وشامل للمنصوصة والمستنبطة لذلك
جعلوهما طريقاً واحداً.
أما أصحاب المذهب الأول، فإنهم فرَّقوا بين المنصوصة والمستنبطة،
وجعلوا تنقيح المناط خاصا بالعلَّة المنصوص عليها ظاهراً وجعلوا
السبر والتقسيم خاصاً بالعلَّة المستنبطة، وجعلوا ذلك طريقين لإثبات
العلَّة:
طريق السبر والتقسيم وهو خاص بالمستنبطة.
طريق تنقيح المناط وهو خاص بالمنصوصة.
رابعاً: الفرق بين تنقيح المناط وتخريجه، وتحقيقه:
الاجتهاد في العِلَّة ينحصر في ثلاثة أنواع:
النوع الأول: تحقيق المناط.
النوع الثاني: تنقيح المناط.
النوع الثالث: تخريج المناط.
(5/2083)

وهذه الأنواع تختلف باختلاف ظهور العِلَّة وعدم ذلك، وإليك
بيان كل نوع:
أما النوع الأول - وهو: تحقيق المناط - فهو: أن المجتهد قد
تحقق من وجود العِلَّة والمناط في الأصل، ولكنه يجتهد من تحقيق
وجودها في الفرع، وآحاد الصور.
أي: أنه اتفق على أن هذا الوصف هو عِلَّة حكم الأصل بنص،
أو إجماع، فيقوم المجتهد بالتحقق والتأكد من وجود هذا الوصف
في الفرع - الذي يراد إلحاقه بالأصل -.
إذن وظيفة المجتهد هنا سهلة؛ حيث إن عِلَّة الأصل موجودة،
ولكنه يتأكد من وجودها في الفرع بنوع اجتهاد.
مثاله: الاجتهاد في القِبْلة؛ حيث إن استقبال القِبْلة معلوم بالنص،
أما أن تكون جهة القبْلة هذه أو تلك عند الاختلاف فهو معلوم بنوع
اجتهاد، حيث إنه لا يجتهد المجتهد - هنا - في وجوب القبْلة،
ولكنه يجتهد في هذه هل هي قِبْلة أم لا؟
وكذلك: علل الشارع وجوب نفقة القريب بالكفاية، وهو ثابت
بالنص، وهذا لا يجتهد فيه المجتهد، بل يجتهد في بعض الصور
الفرعية، فيقول: الكفاية واجبة في النفقة، وهذا معلوم بالنص،
والرطل من الأكل يكفي هذا الشخص بعينه، إذن: يكون هو
الواجب في نفقة القريب، وهذا معلوم بالاجتهاد.
وكذلك: فإن الشارع قد علل قبول الشهادة بالعدالة، وهو
معلوم بالإجماع، والنص، أما تحقق العدالة في زيد أو عمرو، فإنه
معلوم بالاجتهاد.
(5/2084)

وهذا لم يختلف العلماء فيه؛ لأن العِلة معلومة بنص أو إجماع.
أما النوع الثاني - وهو: تنقيح المناط فهو: أن ينص الشارع على
العلة نصاً غير صريح، فيقوم المجتهد بالاجتهاد في تعيين عِلَّة حكم
الأَصل وإبرازها، وحذف ما علق بها من أوصاف بأنواع من
الاجتهادات، ثم يجتهد في تحقق هذه العِلَّة في الفرع - كما سبق
بيانه.
ووظيفة المجتهد هنا أصعب من وظيفته في النوع الأول؛ حيث إنه
يبذل جهداً في إبراز عِلَّة الأصل وتعيينها في هذا النوع، ثم يجتهد
مرة أخرى في تحققها في الفرع.
أما النوع الأول: فلا يجتهد المجتهد في عِلَّة الأصل؛ لأنها منصوص
عليها أو مجمعا عليها، ولكنه يجتهد فقطَ في تحققها في الفرع.
أما النوع الثالث: وهو تخريج المناط فهو: أن ينص الشارع على
حكم في محل، ولا يتعرض لمناطه وعلته لا صراحة ولا إيماء،
فيقوم المجتهد باستنباط واستخراج عِلَّة حكم الأصل أولاً، ثم يتحقق
من وجود هذه العِلَّة في الفرع.
ووظيفة المجتهد في هذا النوع أصعب من وظيفته في النوعين
السابقين، بيان ذلك:
أن العلَّة في النوع الأول منصوص عليها أو مجمع عليها، فهي
واضحة هنا جلية، فيتحقق من وجودها في الفرع فقط لذلك سمي
بتحقيق المناط، حيث يتحقق من وجود المناط والعِلَّة في الفرع فقط.
أما العلَّة في النوع الثاني فهي منصوص عليها نصاً غير صريح،
حيث أضيفَ الحكم إليها وإلى عدد من الأوصاف الأخرى، فيقوم
المجتهد بإبرازها عن غيرها وتعيينها وتهذيبها وحذف ما سواها، ثم
يقوم بالتحقق من وجودها في الفرع لذلك سمي بـ " تنقيح المناط ".
(5/2085)

أما العِلَّة في النوع الثالث، فلم ينص عليها لا نصاً صريحاً ولا
غير صريح، فيقوم المجتهد باستنباط عِلَّة حكم الأصل بأي طريق من
طرق إثبات العلَّة كالمناسبة، أو الدورَان، أو السبر والتقسيم، أو
الوصف الشبهي، ثم يقوم بالتأكد والتحقق من وجودها في الفرع،
لذلك سمي هذا بتخريج المناط؛ لأن المجتهد أخرج العِلَّة من خفاء
إلى وضوح.
مثاله من الكتاب: قوله تعالى: (إنما الخمر والميسر ... ) فهنا
قد نص الشارع على تحريم الخمر، ولم يتعرض هذا النص للعلة لا
صراحة ولا إيماء، فقام المجتهد باستنباط العِلَّة بطريق المناسبة وقَال:
إن عِلَّة تحريم الخمر: الإسكار بعد تدبر واخَتبار واستقصاء واستقراء
وتتبع، ثم تأكد من وجودها في الفرع وهو النبيذ، قألحق النبيذ
بالخمر بواسطة هذه العِلَّة.
ومثاله من السُّنَّة: قوله - صلى الله عليه وسلم - -:
" لا تبيعوا البر بالبر إلا مثل بمثل ... "
فهنا لم يتضمن هذا النص لا صراحة ولا إيماء ما يدل على
علَّة تحريم الربا، لكن المجتهد استنبط العلَّة بالنظر والاجتهاد
واستعمال طرق استنباط العلل، فقال: إن الربا في البر قد حرم،
لكونه مكيلاً، أو مطعوماً، وهذه العِلَّة موجودة في الأرز، فيلحق
الأرز بالبر في تحريم الربا فيهما بجامع الكيل أو الوزن.
ونظراً لقلة اجتهاد المجتهد في النوعين الأول والثاني وهما:
تخريج المناط وتنقيحه، فإنه قد اتفق على الاحتجاج بهما، وأقرَّ
بهما أكثر منكري القياس.
أما النوع الثالث - وهو: تخريج المناط فقد اختلف العلماء فيه،
نظراً إلى كثرة وظائف المجتهد، واعتماده على كثير من الظنون فيه،
وهذا هو الاجتهاد القياسي الذي وقع الخلاف فيه.
(5/2086)

الطريق الخامس من طرق ثبوت العلَّة بالاجتهاد ثبوت العِلَّة بالدَوران
ويشتمل على ما يلي:
أولاً: في تعريفه.
ثانيا: هل الدوران يفيد العلية؟
(5/2087)

أولأ: في تعريف الدوران:
1 - الدوران لغة: مأخوذ من دار الشيء يدور دوراً، ودورانا،
أي: طاف، ومنه قولهم: " يدور حول البيت " إذا طاف به،
وليس عنده طرف يقف عنده.
2 - الدوران اصطلاحاً هو: أن يوجد الحكم عند وجود الوصف
وينعدم عند عدمه.
مثاله: دوران حكم العصير مع وجود الإسكار وعدم وجوده،
فإن عصير العنب قبل وجود الإسكار كان حلالاً، فلما حدث
الإسكار: حرم، فلما زال الإسكار وصار خلا صار حلالاً.
فهنا تلاحظ: أن الحكم - وهو التحريم - قد دار مع الإسكار
وجوداً وعدماً، فلما وجد وصف كونه مسكراً وجد الحكم وهو
التحريم، ولما انتفى عنه وصف الإسكار انتفى عنه الحكم وهو:
التحريم.
فقد دلنا هذا الدوران على أن العِلَّة في تحريم العصير إنما هي
السكر.
ويُسمَّى هذا ب " الدوران الوجودي والعدمي "، أو " الدوران
المطلق ".
أما إذا وجد الحكم عند وجود الوصف، ولا ينعدم الحكم عند
عدم الوصف، فهذا يسمى: " الدوران الوجودي ".
أما إذا انعدم الحكم عند عدم الوصف، ولا يوجد الحكم عند
وجود الوصف، فهذا يسمى: " الدوران العدمي ".
(5/2089)

ثانياً: هل الدوران يفيد العلية؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن الدوران يفيد العلية ظنا بشرط: عدم المزاحم،
وعدم المانع.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: العادة والعقل، بيانه: أنا نجد العقلاء من الناس
يفزعون في أمور الأدوية والأغذية إلى التجربة، فهم - على اختلاف
عقائدهم ومللهم ومعادنهم ولغاتهم - يرون أن التجارل أثبتت أن
الأثر الفلاني مما يعد صحة ونشاطا قد حصل عند استعمال هذا
الدواء، أو ذاك الغذاء الفلاني وتكراره، ولم يحصل ذلك حالة
انعدامه، فيستمسكون به عندما يريدون الحصول على ذلك الأثر،
ولولا غلبة ظنهم أن استعماله سبب لذلك الأثر لما فزعوا إليه عند
إرادتهم له، ولم يفزعوا لغيره، فإذا كان الدوران دليل على صحة
العِلَّة العقلية هنا، فإنه يكون دليلاً على صحة العِلَّة الشرعية ولا فرق.
الدليل الثاني: أدط الدوران يفيد العلية فى الأمور العادية والمألوفة،
فإذا كان الأمر كذلك في الأمور العادية فمانه يفيد ظن العلية في
غيرها؛ لعدم الفارق.
فمثلاً: لو أن زيداً قد دخل فرأينا عمراً قد قام، فلما خرج زيد
جلس عمرو، وتكرر ذلك فإنه يغلب على ظننا: أن العلَّة في قيام
عمرو هي: دخول زيد.
كذلك لو أن جماعة من الناس قد رأوا زيداً يغضب عند مناداته
بلقب مخصوص، ولا يغضب إذا دعي بغيره، وقد تكرر منه ذلك:
(5/2090)

فإنه يحصل لهم الظن أنه إنما يغضب لكونه يُدعى بذلك اللقب
المخصوص.
ولهذا فإنهم لو سئلوا عن سبب غضبه، فمما لا شك فيه أنهم
سيعللون ذلك بتلك المناداة، بل إن الصبيان لو علموا أمره فإنهم متى
ما أرادوا إغضابه، فإنهم لا يترددون في دعائه بذلك اللقب الذي
يكون مدعاة لإثارة ذلك الغضب فيه، ولو سئلوا عن السبب لأجابوا
بنفس الجواب أيضاً.
ولولا أن الدوران مفيد لظن العلية لما حصل لهم ذلك الظن، وإذا
ثبت أن الدوران يفيد ظن العلية في مثل هذه الصورة، فإنه يثبت
ذلك الظن في غيرهما؛ لأن الأصل أن يترتب الحكم على المقتضى،
والمقتضى لذلك الظن إنما هو الدوران، وهذا يعني: أن يثبت الظن
حيث ثبت الدوران.
المذهب الثاني: أن الدوران يفيد العلية قطعا.
وهذا مذهب قد حكي عن بعض المعتزلة، وقيل: إنهم إنما قالوا:
إن الدوران يفيد القطع بالعلية عندما وجدوا أن الوصف مناسب كما
هو الشأن في الإسكار الذي دارت معه حرمة عصير العنب.
جوابه:
لا يسلم أن ذلك يفيد العلية قطعاً؛ لأن مناسبة الوصف لا تمنع
الاحتمال، ولا يستلزم العلية، نظراً لجواز أن يكون وصف مناسب
ولا يكون هو العِلَّة بأن لا يعتبره الشارع في تعلق الحكم، ومع
الاحتمال كيف يثبَت الفطع؟!
المذهب الثالث: أن الدوران لا يفيد العلية بمجرده لا قطعا ولا
ظناً.
(5/2091)

وهو مذهب بعض الشافعية كابن السمعاني، والآمدي، وبعض
المالكية كابن الحاجب، وهو اختيار أكثر الحنفية.
دليل هذا المذهب:
أن الدوران قد وجد فيما لا دلالة له على العلية كدوران أحد
المتلازمين المتعاكسين، ومن ذلك المتضايفان كالأبوة والبنوة، فإنه
كلما تحقق أحدهما تحقق الآخر، وكلما انتفى أحدهما انتفى الآخر،
وليس أحدهما علَّة للآخر، فإذا كان الدوران قد يوجد من غير أن
يكون عِلَّة دلَّ ذلك على عدم دلالته على العلية.
جوابه:
نحن لم نقل: إن الدوران يفيد ظن العلية مطلقا.
بل اشترطنا لذلك شرطين هما: " عدم المزاحم "، و " عدم
المانع ".
أي: أننا نقول: إن الدوران الذي يفيد ظن العلية هو الذي لم
يقم دليل على عدم علية المدار فيه، أي: الخالي عن المزاحم.
وما ذكرتم من الصور التي تخلفت عنه العلية فيها ليس من
الدوران الذي هو حُجَّة عندنا، لأنه ليس خاليا عن المزاحم ما دام
الدليل قائما على عدم العلية فيه بين المدار والمدار، فلا يقدح هذا في
الدوران الذي هو دليل على العلية عندنا.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي؛ حيث إن أصحاب المذهبين الأول والثاني
قالوا بإفادة الدوران للعلية بشرط: وجود الدوران مع عدم المزاحم
وانتفاء الموانع، وصلاحية الوصف للعلية، وظهور المناسبة.
(5/2092)

وأصحاب المذهب الثالث قالوا بعدم إفادة الدوران للعلية إذا لم
تظهر معه مناسبة الوصف للعلية.
وعلى هذا فقد اتفق أصحاب المذاهب على أن الدوران بمجرده
ليس مسلكاً مستقلاً لإثبات العِلَّة، بل لا بد أن يكون معه من المناسبة
وغيرها مما يدل على العلية، فكان الخلاف لفظيا.
(5/2093)

الطريق السادس من طرق ثبوت العلَّة بالاجتهاد ثبوت العِلَّة بالوصف الشبَهي - وهو الشبه -
ويشتمل على ما يلي:
أولاً: تعريفه.
ثانيا: هل الوصف الشبهي مثبت للعلية - وحجة؟
ثالثاً: غلبة الأشباه، أو قياس الأشباه.
(5/2095)

أولاً: تعريف الوصف الشبهي:
1 - الشبه لغة: هو المثل، والجمع: أشباه، وأشبه الشيء
الشيء إذا ماثله.
2 - واصطلاحا هو: " الوصف الذي لم تظهر فيه المناسبة بعد
البحث التام عنها ممن هو أهله، ولكن ألف من الشارع الالتفات
إليه في بعض الأحكام ".
بيان هذا التعريف:
لبيان هذا التعريف لا بد أن نقسم الوصف إلى قسمين:
القسم الأول: الوصف الذي ظهرت فيه المناسبة بعد البحث التام.
القسم الثاني: الوصف الذي لم تظهر فيه الناسبة بعد البحث التام.
أما القسم الأول - وهو: الوصف الذي ظهرت فيه المناسبة بعد
البحث التام - فهو الوصف المناسب، وقد سبق الكلام عنه في
الطريق الثاني من طرق ثبوت العِلَّة بالاجتهاد، وهو: " المناسبة
والإخالة ".
أما القسم الثاني - وهو: الوصف الذي لم تظهر فيه المناسبة بعد
البحث التام - فهو نوعان:
النوع الأول: الوصف الذي لم تظهر فيه المناسبة، ولم يؤلف
من الشارع الالتفات إليه في شيء من الأحكام، ويُسمى بالوصف
الطر دي، وذلك كا لطول، والقصر، والسواد، والبياض، ويطلق
عليه بـ: " قياس الطرد " كأن يقول قائل في طهارة الكلب: حيوان
مألوف له شعر كالصوف، فكان طاهراً كالخروف.
(5/2097)

أو يقول قائل: حرمت الخمرة لكون لونها أحمراً، أو لكونها
معبأة في زجاجات، أو يقول قائل: إن الأعرابي قد وجبت عليه
الكفارة؛ لكونه طويلاً أو أسمراً، أو نحو ذلك.
أو يقول قائل: الخل مائع لا يصح أن تزال به النجاسة، وعلل
ذلك بقوله: إنه لا تبنى عليه القناطر، ولا يصطاد فيه السمك، ولا
تجري فيه السفينة، فكان في ذلك كالدهن، فإنه لا تصح إزالة
النجاسة به بالاتفاق، بخلاف الماء فنظراً لكونه تبنى عليه القناطر،
ويصطاد فيه السمك، وتجري فيه السفينة فإنه يصح أن تزال به
النجاسة.
فإن تلك الأوصاف التي ذكرت في تلك الأمثلة السابقة أوصاف
طردية لا مناسبة بينها وبين الحكم الشرعي؛ حيث إن الشارع لم
يعتبرها، ولم يلتفت إليها، فهذا باطل عند جمهور العلماء.
النوع الثاني: الوصف الذي لم تظهر فيه المناسبة بعد البحث التام
لكن ألف من الشارع الالتفات إليه في بعض الأحكام.
وهذا ما يسمى بـ " الوصف الشبهي ".
وسمي بالوصف الشبهي - أو الشبه -؛ لأنه أشبه الوصف
الطردي من جهة، وأشبه الوصف المناسب من جهة أخرى.
فهو قد أشبه الوصف الطردي من جهة أن المجتهد لم يقف على
مناسبة بين هذا الوصف وبين الحكم رغم البحث والتقصي، فهنا ظن
المجتهد أنه غير معتبر كالوصف الطردي.
وهو قد أشبه الوصف المناسب من جهة أن المجتهد قد وقف على
اعتبار الشرع له في بعض الأحكام، فإن هذا يوجب على المجتهد أن
يتوقف عن الجزم بانتفاء مناسبته، فهنا يظن المجتهد أنه معتبر.
(5/2098)

فنجد الوصف الشبهي تردد بين أن يكون معتبراً من وجه، وغير
معتبر من وجه آخر: فمن حيث إن المجتهد لم يقف على مناسبته بعد
البحث التام: ربما يجزم بعدم مناسبته.
ومن حيث إنه عهد من الشارع الالتفات إليه في بعض الأحكام:
فإن هذا ربما يوجب عليه التوقف عن هذا الجزم بعدم المناسبة.
فهو في مرتبة تعتبر دون مرتبة المناسب، وفوق مرتبة الطردي،
وفيه شبه منهما.
مثاله.: قول بعضهم في الاستدلال على مسألة إزالة النجاسة
المتقدمة: طهارة تراد لأجل الصلاة، فلا تجوز بغير الماء كطهارة
الحدث، فالجامع بينهما: كون كل منهما طهارة لأجل الصلاة.
أما مناسبتها لتعيين الماء فيها فإنها غير ظاهرة بعد البحث، لكن
عهد من الشارع الالتفات إليها في بعض الأحكام مثل: مس
المصحف، والطواف، وذلك يوهم اشتمالها على المناسبة.
***
ثانياً: هل الوصف الشبهي - أو الشبه - مثبت للعلية، وحجة؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن الوصف الشبهي يعتبر طريقاً من طرق ثبوت
العلة، فهو حُجَّة.
وهو مذهب الإمام الشافعي في ظاهر مذهبه، والإمام أحمد في
رواية صحيحة عنه، وهو اختيار جمهور الشافعية، والحنابلة، وأكثر
الفقهاء.
وهو الحق؛ قياسا على الوصف المناسب، بيان ذلك:
(5/2099)

أن الوصف المناسب أثبت العلة؛ لأنه يفيد غلبة الظن، فكذلك
الوصف الشبهي يفيد الظن الغالب، فكان مفيداً للعلة مثل الوصف
المناسب، فيكون حجة بجامع: إفادة كل واحد منهما للظن.
وإنما قلنا: إن الوصف الشبهي يفيد ظن العِلَّة؛ لأن الحكم متى ما
ثبت في محل، ولم يعلم وجود وصف مناسب فيه، بل علم وجود
وصف شبهي مع أوصاف طردية أخرى، فإن هذا لا يخلو من أمرين:
الأمر الأول: أن يكون الحكم غير معلل بمصلحة أصلاً، وهذا
بعيد؛ لأن الأحكام معللة بالمصالح؛ حيث إن أحكام الشرع لا
تخلو من حكمة، فاحتمال كون الحكم لمصلحة وعلة ظاهرة أرجح
من احتمال كونه تعبدياً.
الأمر الثاني: إذا ثبت أن الحكم معلل بمصلحة، فإن تلك
المصلحة لما لم تكن وصفا مناسبا مستقلاً، فإنها لا بد أن تكون
موجودة ضمن الوصف الشبهي، أو ضمن الوصف الطردي - أي:
لمصلحة ضمن أوصاف أخرى غير معتبرة عند الشارع -.
أما وجود المصلحة ضمن الوصف الطردي فهو باطل؛ لأن
الوصف الشبهي دائر بين أن يكون مستلزما للمناسبة، وبين أن يكون
موهما للمناسبة بخلاف الوصف الطردي، فإنه لم يكن دائراً بينهما،
بل هو خال من المناسبة قطعا، ولا يوهم وجودها فيه.
فاتضح بذلك أن احتمال اشتمال الوصف الشبهي على المصلحة
أغلب وأظهر من اشتمال الأوصاف الباقية عليها.
فبان - من ذلك - أن ظن كون الوصف الشبهي متضمنا لتلك
المصلحة أكثر، فلا يجوز إسناد الحكم إلى الوصف الطردي؛ لأن
(5/2100)

العمل المرجوح مع وجود الظن الراجح غير جائز، فثبت أن الحكم
يثبت بالوصف الشبهي.
إذن الوصف الشبهي يفيد ظن العلية؛ فيجب العمل به؛ لقيام
الأدلة على أن العمل بالظن واجب.
المذهب الثاني: أن الوصف الشبهي لا يعتبر طريقا لثبوت العِلَّة
فليس بحُجَّة.
وهو مذهب المحققين من الحنفية، وبعض المالكية كالقاضي أبي
بكر، وبعض الشافعية كأبي إسحاق المروزي، وأبي إسحاق
الشيرازي، وبعض الحنابلة كالقاضي أبي يعلى، وهو رواية عن
الإمام أحمد.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن الوصف الشبهي إما أن يكون مناسبا، وإما أن
يكون غير مناسب.
فإن كان مناسباً فهو مقبول باتفاق القائسين؛ لأنه قياس عِلَّة.
وإن كان غير مناسب فهو مردود باتفاق القائسين؛ لأنه وصف
طردي، والوصف الطردي مردود.
جوابه:
لا نسلم هذا الحصر، بل إن الوصف قسمان: "وصف مناسب "،
و" وصف غير مناسب ".
وغير المناسب نوعان: " وصف شبهي "، و " وصف طردي "،
والمردود هو الوصف الطردي فقط؛ لعدم التفات الشارع إليه في
(5/2101)

جميع الأحكام، أما الوصف الشبهي فهو مقبول، نظراً لالتفات
الشارع إليه في بعض الأحكام.
الدليل الثاني: أن إجماع الصحابة - رضي اللَّه عنهم - هو
الدليل المعتمد في إثبات القياس، ولم يثبت أن الصحابة قد علَّلوا
بالوصف الشبهي في قياساتهم، وما دام أن الصحابة لم يعملوا به،
فلا يثبت.
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أنكم لم تثبتوا بالأدلة على أن الصحابة لم يعملوا
بالوصف الشبهي، وما لا دليل عليه لا يعتد به.
الجواب الثاني: على فرض أن الصحابة لم يعملوا بذلك، فإنه لا
يلزم من عدم عمل الصحابة بهذا النوع من الأوصاف والأقيسة عدم
جواز العمل به، لجواز أن يدل عليه دليل آخر غير عملهم به.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي فيما يظهر لي راجع إلى التسمية فقط؛ حيث
إن أصحاب المذهب الثاني يعملون بالوصف الذي يلتفت إليه الشارع
في بعض الأحكام ويعتبره، ولكنهم يدخلونه ضمن الوصف المناسب.
أما إذا لم يلتفت إليه الشارع مطلقا فهو الطردي الذي لا يعتبر.
وهذا موافق لما قاله أصحاب المذهب الأول، لكنهم جعلوا درجة
متوسطة بين الوصف المناسب، والوصف الطردي سموها بالوصف
الشبهي؛ حيث إنه يشبه الوصف المناسب من جهة، ويشبه الوصف
الطردي من جهة أخرى، وقد سبق بيان ذلك.
(5/2102)

ثالثاً: كلبة الأشباه، أو " قياس الأشباه ":
وهو: أن يتردد فرع بين أصلين، ويكون شبهه بأحدهما أكثر
فيلحق باكثرهما شبها به.
ومعناه: أن يكون الفرع - المطلوب بيان حكمه - قد ترد بين
أصلين؛ لأنه يشبه كل واحد منهما ببعض الجوانب.
فالمناط الموجود في الفرع قد وجد في كل واحد من الأصلين، إلا
أنه يشبه أحدهما في أوصاف هي أكثر من الأوصاف التي بها مشابهته
للأصل الآخر، فيلحق الفرع بالأصل الذي شبهه به أكثر، فلو أن
الفرع قد أشبه المبيح في ثلاثة أوصاف، وأشبه الحاضر في أربعة
أوصاف، فإنا نلحق الفرع بالحاضر؛ لأنه أكثر شبها به.
مثاله: العبد إذا قتل خطأ وزادت قيمته على دية الحر، فإنه
يلاحظ فيه أمران:
أولهما: كونه نفسا، وصورته صورة آدمي، فهو في ذلك يشبه
الحر، وهذا يقتضي أن يدفع القاتل الدية، ولا يزاد على الدية
المفروضة في الحر.
ثانيهما: كونه مالأ متقوما، فهو في ذلك يشبه الحيوان كالفرس
وغيره، وما إلى ذلك من الأموال المتقومة، وهذا يقتضي أنه يمكن أن
يزاد في تعويضه على دية الحر.
فالملاحظ في العبد المقتول خطأ أنه اجتمع مناطان متعارضان،
وبالموازنة: نجد أن مشابهته للحر في كونه آدميا مكلفا يثاب على الخير
ويعاقب على الشر، ومشابهته للحيوان لأتعدو كونه مملوكا متقؤَما
في الأسواق، فهو بالحر أكثر شبها، فكان إلحاقه به أوْلى من إلحاقه
(5/2103)

بالحيوان، أو غيره من الأموال المتقومة، وعلى ذلك فلا يزاد في
قيمته على دية الحر، هذا ما ذهب إليه أبو حنيفة، وأحمد.
أما الشافعي فإنه ألحقه بالحيوان؛ حيث إنه أكثر شبها به من شبهه
بالحر، لذلك تجب على القاتل قيمة العبد حتى ولو زادت على دية
الحر.
مثال آخر: " المذي " متردد بين البول والمني، فمن قال: إنه
نجس قال: هو خارج من الفرج، ولا يخلق منه الولد، ولا يجب
به الغسل، فهو في ذلك يشبه البول أكثر من مشابهته للمنى، فيلحق
به فيكون نجساً مثله.
ومن قال: إنه ظاهر: قال: هو خارج فيه نوع من الشهوة،
ويخرج أمامها فهو في ذلك يشبه المني.
والخلاصة: أنا نلحق الفرع بالأصل الذي يغلب على ظننا أنه
يشبهه أكثر، لذلك سمي بـ " غلبة الأشباه "، أو " قياس الأشباه ".
تنبيه: بعض العلماء قد غرف قياس الأشباه، أو غلبة الأشباه
بأنه: تردد فرع بين أصلين قد أشبه أحدهما في الحكم، وأشبه الآخر
في الصورة، وهو قريب من تعريفنا، ومثاله نفس المثال الأول الذي
ذكرناه.
تنبيه آخر: كثير من العلماء يذهبون إلى أن قياس الأشباه أو غلبة
الأشباه داخل في قياس الشبه، لذلك تجدهم عرفوا قياس الشبه
بنفس تعريفنا لقياس الأشباه، أو غلبة الأشباه، وهذا ليس بصحيح.
بل الحق: أن قياس الشبه هو الذي سميناه بـ " الوصف الشبهى"
وهو يعتبر طريقاً من طرق إثبات العلة غير الوصف المناسب.
(5/2104)

أما غلبة الأشباه، أو قياس الأشباه، فإنه يختلف عنه، فقد يوجد
فيه الوصف المناسب، لكن تنازع الفرع فيه أصلان - كما ذكرت -
فتدبر ذلك.
ولقد ذكرت هذا في هذا المكان، لبيان الفرق بينهما.
ونظراً لاختلاف العلماء فيه، وخلطهم بين الأمرين، وأن الفرق
بينهما دقيق جداً، فإن ذلك قد غمض على بعض العلماء حتى قال
بعضهم: " لست أرى في مسائل الأصول مسألة أغمض من هذه ".
(5/2105)

المطلب الخامس هل يشترط أن تكون العلَّة مناسبة أي: مشتملة على
حكمة قصدها الشارع من تشريعه للحكم؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: يشترط أن تكون العِلَّة مشتملة على حكمة قصدها
الشارع.
والمراد بالحكمة: تحصيل مصلحة، أو تكميلها، أو دفع مفسدة أو
تقليلها مثل: تعليل الترخص في قصر الصلاة بالسفر؛ لاشتماله
على الحكمة المناسبة للتخفيف، وهي المشقة، ومثل: جعل الزنا
علَّة لوجوب الحد على الزاني؛ لاشتماله على حكمة مناسبة،
وهي: اختلاط الأنساب.
فلا بد أن تكون العلَّة وصفا مناسبا يغلب على ظن المجتهد فيه
وجود المصلحة المقصودة للشارع من تشريع الحكم.
فالإسكار - مثلاً - مناسب لتحريم الخمر، وإيجاب العقوبة على
السكران.
والمصلحة في ذلك حفظ عقول الناس.
وقتل الوارث مورثه مناسب لحرمانه من الميراث؛ لأن ترتب
الحرمان على ذلك القتل يحقق مصلحة هي: دفع العدوان عن من
هو أوْلى الناس بالرعاية، والاحترام، والمحافظة عليه، وهو قريبه،
(5/2106)

ولولا حرمان الوارث القاتل لمورثه الذي استعجل الشيء قبل أوانه؛
لأدى إلى أن يقوم كثير من الناس بقتل مورثيهم استعجالاً لذلك
المال، وفي ذلك من الفساد ما لا يخفى.
وعلى ذلك فلا يجوز التعليل بالأمارة المجردة، وهي العلامة
المحضة أو الوصف الطردي.
والوصف الطردي هو: ما ليس من شأنه تعليق الحكم عليه،
كأن يُعلل وجوب الحد في الزنى باسم الشخص الزاني، أو هيئته،
أو نحو ذلك، أو يعلل تحريم الربا في البر بكونه من المزروعات أو
نحو ذلك، أو يعلل حرمة الخمر بكونه شرابا أحمر، أو أنه عصير
عنب، أو أنه يحفظ في أوزان خاصة.
أو يعلل وجوب قطع يد السارق بكون السارق غنيا، أو نحو ذلك
من الأوصاف التي لا مناسبة بينها وبين الحكم.
وهذا هو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن الحكم حينما
أثبتناه في الفرع، فإنما أثبتناه بواسطة وصف غلب على ظننا أن حكم
الأصل قد ثبت من أجله، وهذا غير متصوَّر في الأوصاف الطردية
المحضة، والأمارات غير المؤثرة.
المذهب الثاني: أنه لا يشترط ذلك، فيجوز أن يكون الوصف
مناسبا، وغير مناسب، متضمنا لمصلحة مناسبة وغير متضمن لذلك،
أي: يستوي المناسب وغيره.
وهو مذهب الغزالي، وتبعه على ذلك كثير من الحنابلة.
دليل هذا المذهب:
أن الوصف أمارة على الحكم ومعرفا له، فيُعلل به، سواء كان
(5/2107)

مناسباً أو غير مناسب؛ لأنه معرف للحكم، فيصدق عليه تعريف
العلَّة.
جوابه:
إنه لو جاز تعليل الحكم بمجرد الأمارة لم تكن لها فائدة سوى
تعريف الحكم، وذلك يفضي إلى لزوم الدور، بيانه: أن العلَّة
مستنبطة من حكم الأصل فهي - إذن - فرع منه، وإذا صح القول
بأنها لمجرد تعريف الحكم - فقط - كان الحكم متفرعا عنها، وذلك
هو الدور، وهو ممنوع.
ونحن لما قلنا: إن العِلَّة هي: الوصف المعرِّف للحكم: قلنا:
إن الوصف يُشترط فيه: أن يكون ظاهراً، منضبطاً، مجاوزاً،
مشتملاً على معنى مناسب للحكم، فلم يطلق ذلك الوصف فتدبر
التعريف الذي سبق للعِلَّة.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف فيما يظهر لي لفظي؛ لأنا نريد في المذهب الأول: العِلَّة
التي نلحق الفرع بالأصل بسببها، فلا يمكن هذا الإلحاق إلا إذا كان
الوصف مناسبا: غلب على ظننا وجود المصلحة المقصودة للشارع من
تشريع الحكم، وهذا لا يخالفه أصحاب المذهب الثاني.
وأصحاب المذهب الثاني يريدون العِلَّة المطلقة الشاملة للعِلَّة
المتعدية، أو العِلَّة القاصرة التي لا يمكن أنَ نلحق بواسطتها أي فرع
فلم يتوارد كلام الفريقين على محل واحد.
(5/2108)

المطلب السادس هل يشترط أن تكون العلَّة ظاهرة جلية أو يجوز
التعليل بالوصف الجلي والخفي؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يشترط أن تكون العِلَّة ظاهرة جلية.
وهو مذهب المالكية، وبعض الحنفية، وبعض الشافعية، وبعض
الحنابلة، وهو الحق؛ لأن المقصود من الوصف المعلل به إثبات
الحكم في الفرع، ولا يمكن هذا إلا إذا كان هذا الوصف جليا ظاهراً
في الأصل ويوجد في الفرع كما وجد في الأصل، أما إذا كان هذا
الوصف خفياً في الأصل فإنه لا يمكن إثبات الحكم بواسطته في الفرع
فمثلاً لو قلنا: إن عِلَّة الملك في البيع هو: التراضي بين المتبايعين،
فإن هذه العلَّة لا تصح؛ لأن الرضى من الأوصاف الخفية التي يتعذر
الوقوف عليَها بنفسها، لذلك لا بد أن نعلل الملك في البيع بأمر
ظاهر يكون مظنة تحقيق الرضا في البيع وهو: الإيجاب والقبول من
الطرفين، أو المعاطاة في الأشياء اليسيرة والحقيرة.
فإن الإيجاب والقبول من الطرفين في الأشياء النفيسة والمعاطاة في
الأشياء الحقيرة دليل على رضا المتعاقدين.
المذهب الثاني: أنه لا يشترط ذلك، بل يجوز التعليل بالوصف
الجلي والخفي، ولا فرق.
وهو مذهب أكثر الحنفية.
(5/2109)

تفسير الجلي والخفي من الأوصاف عند الحنفية:
المراد بالوصف الجلي عندهم: ما لا يحتاج إلى النظر الكثير
كتعليل طهارة سؤر الهرة بكثرة التطواف وصعوبة التحرز منها المنبه
عليه في قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات ".
والمراد بالوصف الخفي عندهم: ما يحتاج إلى نظر كثير ودقة تأمل
كالعلل التي يتطرق إليها الاحتمال كتعليل تحريم ربا الفضل في البر
بالطعم، أو الاقتيات، وتعليل عررم الربا في الذهب والفضة
بالثمنية، ونحو ذلك.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي؛ حيث إن أصحاب المذهب الأول إنما اشترطوا
أن يكون الوصف ظاهراً بنفسه أو بغيره، وهذا موافق لما أراده أكثر
الحنفية؛ حيث بيَّنوا: إن الوصف الخفي يكتسب الظهور مما يقوم
مقامه، فمثلاً الرضا بين المتعاقدين وإن كان خفيا، إلا أن دلالة صيغة
العقد الظاهرة عليه جعلته من الأوصاف الظاهرة التي يجوز التعليل
بها، وعليه: فإن كل وصف يمكن الوقوف عليه بدليل يزيل خفاءه
يصح نصبه أمارة وعِلَّة ما دام المقصود حاصلاً به، وهو التعريف
بالحكم.
فهذا الكلام منهم يدل على أن الوصف الظاهر هو الذي يعلل به،
أما ما خفي فلا يعلم إلا بواسطة الوصف الظاهر، وهو موافق لما
قلناه.
(5/2110)

المطلب السابع حكم التعليل بالحكم الشرعي
هل يجوز أن يكون الوصف المعلل به حكما شرعيا؟
مثاله: قول المجتهد في الذمي: يصح ظهاره؛ لأنه يصح طلاقه
كالمسلم.
مثال آخر: قياس الوضوء على التيمم في وجوب النية؛ لأنهما
طهران عن حدث.
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: أننا قلنا: إن العِلَّة هي المعرف للحكم، ولا
يستبعد أن يجعل حكما ما معرفاً لحكم آخر، كأن يقول الشارع:
"مهما رأيتم أني أثبت الحكم الفلاني في الصورة الفلانية فاعلموا أني
أثبت الحكم الفلاني فيها أيضا ".
الدليل الثاني: أن الحكم قد يدور مع الحكم الآخر وجوداً وعدما،
فتثبت عليته بذلك، كما ثبتت علة غيره؛ لأن الدوران طريق من
طرق إثبات العِلَّة مطلقاً، أي: من غير فرق بين عِلَّة وعِلَّة - كما
سبق بيانه -.
فمثلاً: صحة ظهار الذمي توجد مع صحة طلاقه، فمن صح
(5/2111)

طلاقه صح ظهاره، ومن لم يصح طلاقه لا يصح ظهاره، فتكون
صحة طلاقه عِلَّة لصحة ظهاره.
وكذلك: جواز رهن المشاع يوجد مع جواز بيعه وجوداً وعدما،
فما صح بيعه صح رهنه، وما لم يصح بيعه لا يصح رهنه، فيكون
جواز بيع المشاع عِلَّة لجواز رهنه.
الدليل الثالث: أنه وقع في الشريعة تعليل الحكم الشرعي بالحكم
الشرعي، والوقوع دليل الجواز، من ذلك أن امرأة من جهينة جاءت
إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -
فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج أفأحج عنها؟
قال: " نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك
دين أكنت قاضيته؟ اقضوا حق الله فالله أحق بالوفاء ".
فهنا نبه الرسول - صلى الله عليه وسلم - على أن العلَّة لصحة القضاء: كون الشيء صار ديناً في الذمة، فقد قاس - صلى الله عليه وسلم - إجزاء الحج عن الغير بإجزاء قضاء الدين عنه بعلَّة كون المقضي ديناً، والدين حكم شرعي؛ لأنه لزوم أمر في الذمة، وهذا اللزوم معتبر شرعاً، مترتب على خطاب الله تعالى المتعلق بأداء الحق.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز تعليل الحكم الشرعي بالحكم
الشرعي.
وهو لبعض العلماء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن الحكم الذي جعل عِلَّة يحتمل فيه ثلاثة
احتمالات فقط هي:
الاحتمال الأول: إما أن يكون مقارناً للحكم.
(5/2112)

الاحتمال الثاني: إما أن يكون متأخراً عنه.
الاحتمال الثالث: إما أن يكون متقدما عليه.
أما الأول - وهو: أن يكون الحكم الذي جعل عِلَّة مقارنا للحكم
الذي جعل معلولاً - فإنه لا يصح التعليل به؛ لأَن جعل أحدهما
علَّة والآخر معلولاً تحكما؛ حيث إنه يحتمل أن يكون الحكم الذي
جعله عِلَّة معلولاً، ويحتمل العكس، فلا مزية لأحدهما على
الآخر، فالقطع بكون أحدهما عِلَّة والآخر معلولاً تحكم.
أما الثاني - وهو: أن يكون الحكم الذي جعل عِلَّة متأخراً عن
الحكم الذي جعل معلولاً - فإنه لا يصح التعليل به؛ لأن المتأخر لا
يكون عِلَّة للمتقدم؛ نظراً لوجود العلول بدون العِلَّة.
أما الثالث - وهو: أن يكون الحكم الذي جعل علَّة متقدما على
الحكم الذي جعل معلولاً - فلا يصح التعليل به - أَيضا -؛ لأن
القول بجوازه يلزم عليه وجود العِلَّة مع تخلف معلولها عنها - وهو
الحكم - وهذا نقض، والنقض من قوادح ومبطلات العِلَّة، وسيأتي
إن شاء اللَّه، وبذلك اتضح أن التعليل بالحكم الشرعي غير جائز.
جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ قولكم في الأول والثاني، بيان ذلك:
أن قولكم: " إن الحكم المقارن لا يكون علَّة " لا نسلمه، بل لا
مانع من جعل الحكم علَّة للحكم المقارن له، ولا يكون في ذلك
تحكم؛ لجواز أن يكون أَحد الحكمين مناسباً، والآخر غير مناسب،
فتكون المناسبة مرجحة لكون ذلك الحكم المناسب عِلَّة.
وقولكم: " إن الحكم المتأخر لا يكون عِلَّة للمتقدم " لا نسلمه،
(5/2113)

بل يكون الحكم المتأخر علَّة للحكم المتقدم؛ لأنا نقصد بالعلَّة
المعرف؛ لأن المعرف يجوز أَن يكون متأخراً عن المعرف.
الدليل الثاني: أن الشارع إذا أثبت حكمين في صورة واحدة معا،
فليس أحدهما يتميز عن الآخر في الوجود والافتقار، والمعلومية،
وعلى ذلك فليس جعل أحدهما عِلَّة للآخر أوْلى من العكس،
وحينئذ:
1 - إما أن لا يكون أحدهما عِلَّة للآخر، وهذا مطلوبنا.
2 - أو أن يجعل كل واحد منهما عِلَّة للآخر، فيلزم الدور.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ قولكم: " إنه لا مزية لأحدهما على
الآخر "، بل قد توجد مزية من حيث إنه يجوز أن يكون أحد
الحكمين مناسبا للآخر من غير عكس، أو يجوز أن يكون أحدهما
أكثر مناسبة من الآخر، فيكون المناسب، أو الأكثر مناسبة هو
العلة.
اَلجواب الثاني: لا نُسَلِّمُ أنه يلزم الدور إذا جعلنا كل واحد منهما
علَّة، وذلك لأن العلَّة هي المعرف، ولا مانع من أن يكون كل واحد
مَن الشيئين معرفا للآخر.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ حيث إن أصحاب المذهب الثاني لا يجيزون
التعليل بالحكم الشرعي في الأمثلة السابقة، وكذلك مثل: قياس
زكاة مال اليتيم بزكاة غيره في أنه مالك تام الملك، وقياس الرقبة
الواجبة في الظهار على الرقبة الواجبة في القتل، وجعل الإيمان
شرطاً فيهما باعتبار أن كل واحدة منهما كفارة.
(5/2114)

المطلب الثامن بيان أن العلَّة يشترط فيها أن لا تخالف نصا أو إجماعاً
هذا قد اتفق العلماء عليه؛ لأن العلَّة مستنبطة من حكم الأصل
الثابت بالنص أو الإجماع، فالعلَّة هي الوصف الذي دلَّنا عليه النص
أو الإجماع، وإذا كان الأمرَ كذلك فلا يعقل أن يخالف العلَّة
أصولها، وهو النص، أو الإجماع، وتكون علَّة صالحة لثبوت
الحكم، فإذا علل أحدهم بعِلَّة تخالف نصا أو إجماعاً، فإنها
مردودة.
مثل: ما ورد عن بعض فقهاء الأندلس، حيث أفتى للملك الذي
أكثر من الجماع في نهار رمضان بأنه يصوم شهرين متتابعين، وعلل
ذلك بسهولة العتق على مثل هذا الملك لما لديه من الأموال والجواري
حيث لا يجد في ذلك أي نوع من المشقة، ولا يحقق الزجر الذي
شرعت الكفارة من أجله، فألزمه بالصوم الذي هو يشق عليه،
وأجدر بتحقق الزجر والردع لأمثاله.
لكن هذه العِلَّة مردودة؛ لأنها مخالفة للنص، وهو حديث
الأعرابي الذي رتب كفارة الجماع في نهار رمضان على ثلاث مراتب:
أولها: عتق الرقبة، فإن لم يجد فالصيام، فإن لم يستطع فالإطعام.
(5/2115)

المطلب التاسع حكم التعليل بالحكمة
الحكمة لغة: ما تعلقت بها عاقبة حميدة، وهي: بخلاف السفه.
وهي في الاصطلاح تطلق على ما يترتب على التشريع من جلب
مصلحة أو تكميلها أو دفع مفسدة أو تقليلها.
فيكون الفرق بينها وبين العلَّة: أن العِلَّة هي الوصف الظاهر
المنضبط الذي جعله الشارع مناطَا لثبوت الحكم؛ حيث ربط الشارع
به الحكم وجوداً وعدماً بناء على أنه مظنة لتحقيق المصلحة المقصودة
للشارع من شرع الحكم.
أما الحكمة فهي: المصلحة نفسها، ولذلك فإنها تتفاوت درجاتها
في الوضوح والانضباط.
فمثلاً: أباح الشارع للمسافر قصر الصلاة، وعلل ذلك:
بالسفر؛ حيث لا يختلف باختلاف الأفراد، ولا الأحوال فهو ظاهر
منضبط وهو مظنة للمشقة.
والحكمة هي: المصلحة التي قصدها الشارع.
كذلك: أجاز الشارع - مثلاً - للشريك أن يتشفع في مال شريكه
والوصف المنضبط في ذلك: الشركة فتكون هي العِلّة.
أما الوصف غير النضبط والذي يختلف باختلاف الأفراد والأحوال،
والذي قصده الشارع في التشريع، فإنه دفع الضرر عن الشريك
القديم من الشريك الجديد، وهذا هو حكمة التشريع.
(5/2116)

ونظراً لكون تلك الحكمة تختلف باختلاف الأفراد والأحوال،
وقد تكون خفية، فإن العلماء قد اختلفوا هل يجوز تعليل الحكم بها
أو لا يجوز؟ على مذاهب:
المذهب الأول: أنه لا يجوز التعليل بالحكمة.
وهو مذهب كثير من العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن حكمة الحكم الغالب فيها الخفاء، وعدم
الانضباط: فهي مختلفة باختلاف الأحوال، والأفراد، والأزمان،
فمثلاً: المشقة التي هي حكمة مشروعية قصر الصلاة في السفر،
وإباحة الإفطار في السفر تختلف باختلاف الأشخاص، فبعضهم
يشعر بالمشقة عند أدنى تعب، وبعضهم لا يشعر بشيء مهما صعب
السفر، وبعضهم قد توسط، كذلك المسافر في الشتاء قد لا يشعر
بالعطش، كمن سافر في الصيف، كذلك الراكب دابة أو سيارة،
أو طائرة يختلف عن غير الراكب، فلو قلنا: إن المشقة هي العلَّة في
الإفطار لترتب على ذلك: اختلاف الحكم باختلاف الأفراد وقوة
تحملهم وعدم ذلك، وترتب عليه أيضا اختلاف الحكم باختلاف
الأزمان، وترتب عليه - أيضاً - اختلاف الحكم باختلاف المركوب
ونحو ذلك، وهذا يجعل أحكام الشرع تختلف باختلاف الأفراد،
والأحوال، حتى أنك لتجد اثنين مسافرين: هذا يجوز له الإفطار،
وهذا لا يجوز؛ نظراً لاختلاف ظروفهما.
ويترتب عليه: لزوم البحث الشديد والنظر الدقيق لمعرفة مناط
الحكم لهذا الشخص أو ذاك، وهذا فيه من التكليف ما اللَّه به عليم،
والكلفة خلاف حكمة التخفيف الذي جاءت به الأحكام الشرعية،
وقد وجدنا الشارع رد الناس في مثل هذه الأمور - التي يختلف فيها
الناس - إلى مظانها الظاهرة الجلية؛ دفعا للتخبط في الأحكام،
(5/2117)

ونفياً للحرج والمشقة والعسر، فرخص في القصر والفطر لعلَّة ظاهرة
جلية لا تختلف باختلاف الأفراد والظروف وهي: مجرد السفر
ثمانين كيلو متراً، ولم يعلق الترخص بالمشقة؛ لأنها مما يضطرب بها
الناس ويختلفون فيها - كما قلنا -.
ويؤيد ذلك: أن الشارع لم يرخص للعمال في التحميل، أو
البناء في الفطر في الحضر مع أنهم يجدون من المشقة ما لا يجده
المسافرون.
كذلك قلنا: إن حد الزنى وجب لعلة وهي: نفس الزنا، ولم
نعلل بالحكمة وهي: اختلاط الأنساب؛ لأنا لو عللنا بوجوب الزنا
باختلاط الأنساب لقال قائل: أنا أضمن أنه لا تختلط الأنساب بأن
أزنى بامرأة لا زوج لها وهى موقوفة لا ترى الرجال ولا يرونها،
وإذا كان الحكم يدور مع العِلة: إذا وجدت وجد الحكم وإذا عدمت
عدم الحكم كما قلنا في الدوران: فإنه على هذا إذا وجد اختلاط
الأنساب وجد الحكم، وهو تحريم الزنا والحد عليه، وإن لم يوجد
اختلاط الأنساب فلا يوجد الحكم، فلا حد على الزاني.
ولكن العلماء قد اتفقوا على بطلان ذلك، وعللوا وجوب حد
الزنا بعلة ظاهرة جلية وهي: نفس الزنا.
كذلك: أوجب الشارع العدة لبراءة الرحم بالوطء الذي هو مظنة
لشغل الرحم حتى لو كان صغيرة أو يائسة مما لا يتصور معها اختلاط
الأنساب، والأمثلة على ذلك كثيرة لا تعد ولا تحصى.
وهذا قياسا على ما ذكرناه في أن الصبي المميز غير مكلف؛ حيث
إن الصبي وإن كان مفرقاً بين الخير والشر، والجيد والرديء،
والطيب والخبيث إلا أنا لا نقول بأنه مكلف؛ لأنا لا نعلم بالدقة متى
(5/2118)

عرف ذلك، ولأن الصبيان يختلفون في ذلك باختلاف بيئاتهم،
ونوع التربية التي ربوا عليها مما يلزم منه: أن يقال: إن هذا الصبي
مكلف، وذاك غير مكلف فيختلف الحكم باختلاف الصبيان.
لكن الشارع قد وضع لنا حداً إذا بلغه الصبي يكون مكلفاً لا
يختلف فيه الصبيان وهو: حد البلوغ - وهو: خمسة عشر عاما،
أو الاحتلام، أو الإنبات من قبل، وتزيد الصبية الحيض.
كذلك هنا: فإن حكمة الحكم وهي المشقة مثلاً في السفر تختلف
باختلاف الأشخاص والأقوال، فوضع لنا الشارع علامة ظاهرة جلية
لا تختلف باختلاف الأشخاص والأقوال، وهي: السفر، فيكون
الحكم واحداً لجميع المكلفين.
الدليل الثاني: أنه لو جاز التعليل بالحكمة: للزم تخلف الحكم
عن علته، وهذا خلاف الأصل.
فمثلاً لما قلنا بوجوب الحد على الزاني، فإما أن يعلل ذلك
بالوصف المنضبط الظاهر وهو: الزنا، وإما أن يعلل ذلك بحكمته
وهي: اختلاط الأنساب.
لا يمكن أن نعلل بالثاني - وهو اختلاط الأنساب -؛ لأنه يلزم
منه التخلف في بعض الصور؛ حيث يتحقق اختلاط الأنساب بدون
الزنا؛ كأن يأخذ إنسان أطفالأ صغاراً جداً على حين غفلة من آبائهم
وفرقهم حتى صاروا رجالاً، فلن يستطيع آباؤهم التعرف عليهم،
فهنا قد تحققت الحكمة، وهي: اختلاط الأنساب، فينبغي على هذا:
القول بوجوب الحد على من أخذهم؛ لأنه حقق الحكمة، وهي:
اختلاط الأنساب، وهذا لم يقل به أحد، فبان من هذا: أنه، قد
(5/2119)

تخلف الحكم عن علَّته، وهو نقض مبطل للتعليل كما سيأتي إن شاء
الله، فثبت أنه يعلل بالأول وهو الوصف الظاهر، وهو: الزنا.
الدليل الثالث: أن الشارع قد علل الترخص في قصر الصلاة
بالسفر نفسه حتى لو انتفت فيه المشقة كالسفر المريح بأي وسيلة، ولم
يعلل ذلك بالحضر وإن اشتمل على المشقة، كما هو الشأن فيمن
يلاقي المشاق في الأعمال الشاقة كعمال المصانع.
فهنا وجدنا الشارع اعتبر المظان عند خلوها عن الحكمة.
ولو جاز التعليل بالحكمة لما وجدنا الشارع اعتبر تلك المظان؛ لأنه
لا عبرة بها مع تحقق خلوها عن الحكمة، لكنه اعتبرها فدلنا ذلك
على أن المعتبر المظنة دون الحكمة.
المذهب الثاني: أنه يجوز التعليل بالحكمة مطلقا.
وهو مذهب الغزالي، وفخر الدين الرازي، والبيضاوي، وبعض
العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن الحكمة - وهي: مقصود الشارع من شرع الحكم - هي أصل
لذلك الوصف، فإذا جاز التعليل بالوصف المشتمل عليها، فإنه من
باب أوْلى أن يجوز التعليل بالحكمة؛ لأنها أصل لذلك الوصف،
ولا يعقل أن يكون الأصل أقل درجة من فرعه.
أي: إذا جاز التعليل بالفرع - وهو الوصف - فإنه من باب أوْلى
إلى جواز التعليل بالأصل - وهي الحكمة.
جوابه:
إن قياس الحكمة على الوصف بالقياس الأولى لا نسلمه، بل هو
قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق:
(5/2120)

أن الوصف المشتمل على الحكمة يجوز التعليل به؛ لأمرين:
أولهما: اشتماله على الحكمة، ثانيهما: كونه ظاهراً منضبطا.
بخلاف الحكمة، فإنه لا يتوفر فيها الأمر الثاني؛ لعدم انضباطها
غالبا - كما قلنا سابقا - حيث تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة،
والأشخاص كالمشقة.
المذهب الثالث: التفصيل، بيانه:
إن كانت الحكمة ظاهرة منضبطة بنفسها، فإنه يجوز التعليل بها.
وإن كانت الحكمة خفية مضطربة، فإنه لا يجوز التعليل بها.
وهو ما ذهب إليه الآمدي، وابن الحاجب، والصفي الهندي،
وكثير من الحنابلة.
دليل هذا المذهب:
أنا قلنا: إنه لا يجوز التعليل بالحكمة إذا كانت خفية غير منضبطة
لأمرين هما:
أولهما: أن الحكمة الخفية المضطربة تختلف باختلاف الأشخاص
والأماكن، والأزمان والأحوال، ويعسر معرفة حكمة الحكم والحال
هذه.
ثانيهما: أن التعليل بالحكمة الخفية المضطربة يفضي إلى العسر
والحرج في حق المكلََّف؛ حيث إنه سيكلف بالبحث عنها والاطلاع
عليها، والنصوص تنفي العسر عن المكلفين.
وقد سبق بيان هذين الأمرين في الدليل الأول من أدلة المذهب
الأول، وهو أنه لا يجوز التعليل بالحكمة مطلقاً.
(5/2121)

وقلنا: إنه يجوز التعليل بالحكمة إذا كانت ظاهرة منضبطة؛ لأن
الوصف الظاهر المنضبط يصح التعليل به؛ لاشتماله على حكمة
مقصودة للشارع، وهذا الوصف يعتبر فرعا لحكمته أقيم مقامها؛
لأنه ظاهر منضبط، ومن الواضح أن العلماء لم يقولوا بصلاحية
الوصف للعلية، إلا لأنه مظنة لتلك الحكمة المقصودة أصلاً في
التشريع، فإذا وجدنا الحكمة بهذه الصفة من الظهور والانضباط،
فإنها تكون مساوية لذلك ألوصف بالظهور والانضباط، وعلى هذا
فإن التعليل بها جائز.
جوابه:
إن الحكمة لو كانت ظاهرة منضبطة لجاز التعليل بها؛ لكنها غير
ظاهرة ولا يمكن أن تنضبط؛ لأنها - كما قلت مراراً - تختلف
باختلاف الأشخاص، والأماكن، والأحوال، والأزمان، فهي
راجعة إلى دفع مفسدة، أو جلب مصلحة، وهذه الأمور تختلف
باختلاف الناس وحاجاتهم ومصالحهم، ودفع المفاسد عنهم، وكل
ذلك مما يخفى ويزيد وينقص بحسب الأحوال والأشخاص، فإذا كان
الأمر كذلك فلا تكون ظاهرة، ولا يمكن أن تنضبط إلا نادراً، ولا
يمكننا العلم بهذا النادر إلا بعد عسر وحرج، والعسر والحرج
مرفوعان في الشريعة.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي، فيما يظهر؛ لأن أصحاب المذاهب قد اتفقوا
على الترخص للمسافر في قصر الصلاة وإباحة الفطر، ولم نجد
واحداً منهم قد نظر إلى تحقق المشقة وعدم تحققها، وهذا يجعل
الخلاف لا أثر له.
(5/2122)

المطلب العاشر هل يجوز تعليل الحكم الوجودي بالوصف الوجودي
وتعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي، وتعليل
الحكم العدمي بالوصف العدمي، وتعليل الحكم
الوجودي بالوصف العدمي؟
هذا فيه تفصيل إليك بيانه:
أما الأول - وهو: تعليل الحكم الوجودي بالوصف الوجودي -
فهو جائز مثل: وجود تحريم الربا في البر، والعِلَّة وجود الطعم
فيه، أو الكيل، أو الوزن.
أما الثاني - وهو: تعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي -
فهو - أيضا - جائز مثل: وجود الدين عِلَّة لعدم وجوب الزكاة.
أما الثالث - وهو: تعليل الحكم العدمي بالوصف العدمي - فهو
أيضاً جائز مثل: عدم الرضا علَّة لعدم صحة البيع، مثال آخر:
عدم نفاذ التصرف بالنسبة للمجنون والعِلَّة: عدم العقل.
أما الرابع - وهو: تعليل الحكم الوجودي بالوصف العدمي -
فهو مثل: قولنا: عدم الفسخ في زمن الخيار عِلَّة لثبوت واستقرار
اللك: فقد اختلف العلماء فيه على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز ذلك.
(5/2123)

وهو مذهب فخر الدين الرازي، وصفي الدين الهندي، وكثير
من العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن الدوران يدل على ذلك؛ حيث إن الحكم يدور
مع بعض العدميات، فيقال: ثبت واستقر الملك لما عدم الفسخ في
زمن الخيار، ولو وجد الفسخ في زمن الخيار لما ثبت الملك، كذلك
تقول: عدم السبب الشرعي الناقل للملك موجب لحرمة الانتفاع بما
وضعت اليد عليه، ووجود السبب الشرعي الناقل للملك مبيح
للانتفاع به، وهذا هو الدور، والدور يفيد ظن العلية - كما قلنا
فيما سبق - والعمل بالظن واجب.
الدليل الثاني: أن العِلَّة هي: المعرف للحكم - كما قلنا في
تعريف العلَّة - وهذا المعنى لا ينافي العدم؛ لأن العدم قد يكون
معرفا على وجود حكم ثبوتي، كما يكون معرفا لحكم عدمي.
فمثلاً: عدم الشرط يعرفنا عدم المشروط، وعدم العِلَّة يعرفنا
عدم المعلول، فكذلك العدم يعرفنا بوجود حكم ثبوتي، فعدم
امتثال العبد لأوامر سيده يعرفنا غضبه عليه والغضب أمر وجودي.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز تعليل الحكم الوجودي بالوصف
العدمي.
وهو مذهب الآمدي، وابن الحاجب، وكثير من الشافعية، وهو
مذهب أكثر الحنفية.
أدلة هذا المذهب:
الدليل م لأول: أنه اتفق على أنه يجب على المجتهد البحث عن
عِلَّة الحكم بالسبر والتقسيم للأوصاف التي تصلح للعلية - كما سبق
(5/2124)

بيانه - وهذا شيء يستطيعه المجتهد في الأوصاف الثبوتية، أما
الأوصاف العدمية فإنها غير متناهية لذلك لا يجب عليه سبرها؛
لعدم استطاعته على حصرها -، وهذا يدلنا على أن الأوصاف العدمية
لا تصلح للعلية؛ إذ لو كانت واجبة لوجب على المجتهد سبرها
شأنها في ذلك شأن الأوصاف الثبوتية؛ لأنه لا يجوز إهمال شيء مما
يصح التعليل به.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ ما ذكرتموه، بل يجب على المجتهد سبر
جميع العلل التي يمكن أن يعلل به الحكم، سواء كانت ثبوتية، أو
عدمية، وإن لم يفعل المجتهد ذلك فلا يصلح للاجتهاد.
الجواب الثاني: سلمنا عدم وجوب سبر الأوصاف العدمية على
المجتهد، فليس ذلك الحكم؛ نظراً لعدم صلاحيتها للتعلل بها، بل
إن ذلك سقط عن المجتهد لتعذره؛ حيث إن العدميات غير متناهية.
الدليل الثاني: أنه يصح في الاستعمال اللغوي والعرفي أن يقول
قائل - سائلاً -: " أي شيء وجد حتى حدث هذا الأمر؟ "،
وهذا يفهم أنه لو لم يكن الحدوث متوقفا على وجود شيء: لكان
لغواً شأنه في ذلك شأن قول القائل: " أي رجل مات حتى حدث
لفلان هذا المال؟ "، فإن حدوث المال غير متوقف على موت أحد،
فكان سؤالاً فاسداً.
وهذا كله يفيد: أنه لا بد للحكم الثبوتي من عِلَّة وجودية
وثبوتية، وهو يتضمن عدم جواز التعليل بالعدم.
(5/2125)

جوابه:
أنه لو سلم توقف حدوث ذلك الأمر على الأمر الوجودي، فإنه
معارض بما يدل على صحة تعليل الأمر الوجودي بالأمر العدمي،
فيصح أن يقال: عاقب الوالد ولده؛ لأنه لم يمتثل أمره، وطرد زيد
من الكلية؛ لأنه لم ينجح، وهذا كله تعليل للأمر الوجودي بالأمر
العدمي.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف لفظي فيما يظهر لي؛ لأن أصحاب المذهب الثاني
موافقون على تعليل الحكم الثبوتي والوجودي بالوصف العدمي، إلا
أنهم لا يعبرون بالوصف العدمي، بل يعبرون بمفهومه، فمثلاً: لما
قلنا: إن عدم الفسخ في زمن الخيار علَّة لثبوت الملك، قال أصحاب
المذهب الثاني: إن انتهاء زمن الخيارَ علَّة لثبوت الملك، وهكذا فلا
خلاف في الحكم في اللفظ.
(5/2126)

المطلب الحادي عشر حكم التعليل بالوصف المركب
المراد بالوصف المركب: الوصف المتكون والمركب من عدة أجزاء
كتعليل وجوب القصاص بالقتل العمد العدوان، أو تعليل وجوب
الكفارة بوقاع مكلف في نهار رمضان، وهكذا.
فهل يجوز التعليل بذلك؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على
مذاهب:
المذهب الأول: أنه يجوز التعليل بالوصف المركب من أجزاء كما
جاز التعليل بالوصف الواحد.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: قياس العِلَّة المركبة من عدة أوصاف على العِلَّة
المتكونة من وصف واحد، بيان ذلك:
أن الوصف الواحد يغلب على الظن أنه علَّة بأحد طرق إثبات
العلَّة السابقة كدلالة طريق النص الصريح، أَو طريق الإيماء، أو
طريق الإجماع، أو طريق المناسبة، أو السبر والتقسيم، أو تنقيح
المناط، أو الدوران، فكذلك الوصف المركب من عدة أجزاء يظن
عليته بتلك الطرق؛ لأن ما يثبت به علية الوصف الواحد يصلح أن
يثبت به علية الأوصاف المتعددة من غير فرق؛ لأن القول بالفرق لا
دليل عليه، وما لا دليل عليه لا يعتمد عليه.
الدليل الثاني: أن المصلحة قد لا تحصل إلا بعلة مركبة من
(5/2127)

أوصاف؛ حيث إنه بعد الاستقراء والتتبع ثبت أن كثيراً من الأحكام
الشرعية يتوقف القول فيها على حصول أوصاف عديدة ليكمل
التناسب بين الوصف والحكم، فمثلاً لو اقتصرنا على وصف واحد
لكان الحكم واسعاً لا يمكن حصره، فمثلاً لو قلنا: إن علَّة كفارة
الوقاع هي: الوقاع فقط لدخل المكلف وغيره، ولو قلنا:إن العِلَّة
هي: وقاع مكلَّف في نهار رمضان لحصر ذلك في هذا الشخص
الموصوف بتلك الصفات.
كذلك لو قلنا: إن عِلَّة وجوب القصاص هي: " القتل " فقط،
لدخل قتل الخطأ، وقتل شبه العمد، ولما ناسب وجوب القصاص،
ولكن لما أضيف إليه كونه عمداً عدواناً حُصر الشخص الذي يجب
عليه القصاص، وناسب الحكم.
الدليل الثالث: وقوع التعليل بالوصف المركب في السنة، ومن
ما جاء في بعض الروايات: تعليل أحكام المستحاضة بأنه دم عرق
انفجر، فعلل الدم بالانفجار، وهذا هو التركيب، والوقوع دليل
الجواز.
المذهب الثاني: لا يجوز التعليل بالوصف المركب من أجزاء.
وهو مذهب بعض المعتزلة، وحكي عن أبي الحسن الأشعري.
دليل هذا المذهب:
أنه لو صح التعليل بالوصف المركب من أجزاء، فعندنا احتمالات:
الاحتمال الأول: إما أن تكون العلية قائمة بجزء غير معين.
الاحتمال الثاني: إما أن تكون العلية قائمة بجزء معين.
الاحتمال الثالث: إما أن تكون العلية قائمة بكل واحد منها.
(5/2128)

الاحتمال الرابع: إما أن تكون العلية قائمة بمجموع الأجزاء.
وكلها باطلة، بيان ذلك:
أن الأول - وهو: كون العلية قائمة بجزء غير معين - باطل؛
لأن العلية وصف موجود، والواحد لا بعينه لا وجود له، وغير
الموجود لا يصح أن يقوم به الموجود.
وأما الثاني - وهو: كون العلية قائمة بجزء معين - فهو باطل
- أيضاً -؛ لأن قيام العلية بجزء معين يجعل الجزء المعين هو العِلَّة،
فتكون العِلَّة مفردة، لا مركبة، وهو خلاف ما نحن بصدده.
وأما الثالث - وهو: كون العلية قائمة بكل جزء من هذه
الأجزاء - فهو باطل - أيضا -؛ لأنه يؤدي إلى جعل كل جزء عِلَّة
مستقلة، فيكون كل واحد منها عِلَّة، ولا يكون المجموع هو العَلة
كما هو المفروض في هذه المسألة.
وأما الرابع - وهو: كون العلية قائمة بمجموع الأجزاء - فهو
باطل؛ لأن ذلك يوجب قيام المتحد بالمتعدد أو اتحاد المتعدد، وهو
قلب للحقائق.
وإذا بطلت تلك الاحتمالات فإنه يمتنع قيام العلية بالوصف المركب.
جوابه:
إن هذا الدليل منتقض بالحكم على المتعدد من الألفاظ والحروف
بأنه خبر أو استخبار، أو وعد أو وعيد، وما إلى ذلك من أقسام
الكلام؛ لأن كونه خبراً. زائد عليه، فإما أن يقوم كونه خبراً بكل
حرف، أو بمجموع الحروف.
ومنتقض بما يتجدد من الأعداد والهيئة الاجتماعية، فمثلاً: كل
(5/2129)

واحد من العشرة ليس بعشرة، وعند اجتماعها يكون المجموع
عشرة.
فكذلك: كل واحد من أجزاء الوصف ليس هو العِلَّة، وعند
اجتماعها يكون المجموع عشرة.
المذهب الثالث: يجوز التعليل بالوصف المركب من أجزاء بشرط:
أن لا يزيد على سبعة أجزاء.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أنه بعد الاستقراء والتتبع ثبت أن أجزاء الوصف هي سبعة،
ولذلك لا يزاد على ذلك، فإن زاد فلا يجوز التعليل به.
جوابه:
لا داعي لهذا التقييد بهذا العدد من الأجزاء؛ لعدم وجود الدليل
المقيد أو المخصص، وإن وجد في حالة واحدة، فالحالة الواحدة لا
يقيد بها قاعدة عامة.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا قد اختلف فيه على قولين:
القول الأول: أن الخلاف لفظي، وهو الحق؛ لأن أصحاب
المذاهب قد اتفقوا على أن الأجزاء لا بد منها في العلية، ولكن
الخلاف وقع بينهم - بعد ذلك - في أنها هل هي أجزاء للعلة، أو
أن واحداً منها علة والباقي شروط فيها.
فمن أجاز التعليل بالعلة المركبة - وهم أصحاب المذهب الأول
والثالث - جعل جميع الأجزاء علة.
(5/2130)

ومن منع التعليل بالعلة المركبة من أوصاف تعلق بوصف واحد،
وجعل الباقي شروطا لذلك الوصف.
ولا يترتب على الخلاف شيء بالنسبة لوجود باقي الأجزاء؛ حيث
إنه لا بد منها، سواء كانت أجزاء أو شروطا.
القول الثاني: إن الخلاف معنوي، وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا القول:
أن لهذا الخلاف أثراً وهو: أنه من أجاز التعليل بالوصف المركب
من أجزاء قالوا بعلية كل جزء، وبناء على ذلك فإنهم يشترطون
المناسبة في كل الأجزاء.
أما من منع التعليل بالوصف المركب من أجزاء، فإنهم لا
يشترطون المناسبة إلا في هذا الجزء الذي جعلوه عِلَّة، دون الباقي.
جوابه:
أن المناسبة تشترط في العِلَّة مطلقا، أي: سواء كانت وصفاً
مفرداً، أو متعدداً مركبا، وليس هذا أثراً للخلاف.
(5/2131)

المطلب الثاني عشر حكم تعليل الحكم بأكثر من عِلَّة " تعدد العِلَل "
اتفق العلماء على جواز تعليل الحكم الواحد نوعاً المختلف شخصا
بعلل مختلفة، كان تعلل إباحة قتل شخص بكونه مرتداً، وتعلل
إباحة قتل شخص آخر بكونه قاتلاً، وتعلل إباحة قتل شخص ثالث
بكونه زانيا محصنا.
واختلف العلماء في تعليل الحكم الواحد في صورة واحدة بعلتين
مختلفتين، أو أكثر من ذلك مثل: تعليل حرمة وطء امرأة؛ بكونها
معتدة، وكونها حائضا، وتعليل وجوب القتل على مكلف بكونه
زانيا وهو محصن، وبكونه قاتلاً، وبكونه مرتداً، فهل يجوز
ذلك؟
اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أنه يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين فأكثر مطلقا.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: أن العلَّة هي: الوصف المعرف للحكم - كما
قلنا في تعريف العِلَّة - ولَا مانع من اجتماع المعرفات والأمارات على
شيء واحد، ولذلك قالوا: إن من لمس وبال، فإنه ينتقض وضوؤه
بهما.
الدليل الثاني: الاستقراء والتتبع دلَّ على جواز ذلك؛ حيث إنه
بعد الاستقراء والتتبع للأحكام وأسبابها وجدنا إنه يمكن جدا أن يصدر
من شخص واحد في ساعة واحدة سببان يوجدان معا يوجبان قتله.
(5/2132)

كالزنا والردة، ومن الممكن أن تحرم المرأة بسببين يوجدان معا
كالحيض والإحرام، أو الإحرام والعدة، أو الحيض والعدة، أو
تجتمع الثلاثة وهي: العدة والحيض والإحرام معا. كذلك لو جمع
شخص بين لبق أخته ولبن زوجة أخيه، ثم سقاه لصبية دون السنتين،
فإن تلك الصبية تحرم على ذلك الشخص بسببين معا وهما: " أنه يعد
عمها "، و " أنه خالها ".
فكان عمها من جهة أنها رضعت من لبن زوجة أخيه الذي أصبح
أباً لها.
وكان خالها من جهة أنها رضعت من لبن أخته التي أصبحت أمًّا
لها.
فاجتمع للتحريم سببان وعلتان معا، فهذا يدل على وقوع اجتماع
الأسباب دفعة واحدة في حكم واحد، وهذا يدل على جوازه.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز مطلقا.
وهو مذهب الآمدي، وتاج الدين ابن السبكي، ونسب إلى
القاضي أبي بكر الباقلاني.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن من شروط العلَّة: أن تكون مناسبة للحكم،
والقول بمناسبة الحكم الواحد لعلتين مختلفتين يقتضي أن الحكم مساو
لهما، والقول بمساواته لهما يقتضي اختلافه مع نفسه؛ لأن مساوي
المختلفين مختلف، ولما استحال اختلافه مع نفسه نتج: عدم جواز
تعليله بعلتين فأكثر مختلفة حتى لا يؤدي إلى المحال.
(5/2133)

جوابه:
نحن قلنا بجواز تعليل الحكم بعلتين أو أكثر بشرط مناسبتهما
للحكم، فيجوز أن تكون العلتان قد اشتركتا في جهة واحدة،
وحينئذٍ تتحقق المناسبة بينهما وبين الحكم في تلك الجهة، ويزول ما
ذكرتموه من الامتناع، إذن: لا مانع من القول بجواز تعليل الحكم
بأكثر من عِلَّة.
الدليل الثاني: أن تعليل الحكم بأكثر من علَّة يلزم منه أمور ثلاثة:
" إما تحصيل الحاصل "، أو " اجتماع المثلين "، أو " نقض العِلَّة "
وهذه الأمور الثلاثة كلها باطلة، فيكون التعليل بأكثر من علَّة لحكم
واحد باطل.، بيانه:
أن الحكم يحصل بأي علَّة من تلك العلَل المختلفة، وهذا لا بد
منه؛ لأنا لو لم نقل بذلك فإنه يلزم النقض من غير مانع، وهو
باطل، وعلى هذا تكون العِلَّة الثانية إذا وجدت فلا يخلو:
إما أن تقتضي أيضاً حصول نفس الحكم، وهذا هو تحصيل
الحاصل.
وإما أن تقتضي حكما آخر مماثلاً للحكم الأول، ويلزم على هذا
اجتماع المثلين.
وإما أن تقتضي حكما آخر غيرهما، أو لم تقتضي شيئاً، فيلزم
- على هذا - النقض بدون مانع، وهو باطل.
جوابه:
أنا فسرنا العلَّة بأنها: المعرف للحكم، ولا مانع من اجتماع
معرفين للحكم الواحد - كما سبق بيانه - وعليه فلا يمتنع تحصيل
(5/2134)

الحكم بعلتين فأكثر، أى: تحصيل الحكم بالعلَّة الأولى، والثانية،
وغيرهما.
وما ذكرتموه من امتناع تحصيل الحكم السابق تحصيله بالعلَّة الأولى
متصور إذا فسرت العِلَّة بالمؤثر؛ لأنه قد حصل الحكم بالمؤثر السابق
- وهي العِلَّة الأولى - فلا معنى للمؤثر اللاحق - وهي العِلَّة
الثانية -.
المذهب الثالث: التفصيل بين المنصوصة والمستنبطة، حيث يجوز
تعدد العلل إذا كان منصوصا عليها، ولا يجوز تعدد العلل إذا كانت
مستنبطة.
وهو اختيار ابن فورك، وفخر الدين الرازي.
دليل هذا المذهب:
أنه لو أعطى إنسان فقيرا قريبا له، فإنه:
يحتمل أن يكون قد أعطاه لداعي الفقر فقط.
ويحتمل أن يكون قد أعطاه لداعي القرابة فقط.
ويحتمل أن يكون قد أعطاه لداعي الفقر والقرابة معا.
ويحتمل أن يكون قد أعطاه لا لفقره ولا لقرابته.
وهذه الاحتمالات متنافية بدليل: أن كون الفقر مثلاً داعيا ينافي
كون غير الفقر داعيا، أو جزءاً من الداعي.
ولما كانت متنافية، وكانت متساوية من حيث التعليل بها، فعندنا
احتمالان هما:
الاحتمال الأول: إما أن تبقى على جهل التعليل بواحدة منها
(5/2135)

المؤدي إليه التساوي، فلا يحصل الظن بواحد منها على التعيين،
فلا يجوز أن يحكم بأنه عِلَّة.
الاحتمال الثاني: وإما أن يترجح بعضها، وهذا الترجيح يحصل
بأمرين هما: " المناسبة "، و " الاقتران "؛ لأن ذلك مشترك بين هذه
الاحتمالات، وحينئذ تكون العلَّة هي الراجح منها دون المرجوح،
وهذا يعني أنا نعلل الحكم بالراجح فقط، إذن لا يجوز تعدد
الأوصاف في العلَّة المستنبطة، أما العلَّة المنصوصة فيجوز فيها ذلك؛
للنص.
جوابه:
لا نسلِّم التفريق بين العلَّة المنصوصة والمستنبطة، بل كلاهما واحد
في جواز تعدد العلل، فإذا جاز في العلَّة المنصوصة محإنمه يحوز في
المستنبطة ولا فرق.
ثم المثال الذي ذكرتموه لا نسلمه؛ لأنا لا نُسَلِّمُ أن احتمال كون
إعطائه لفقره مثلاً ينافي احتمال كونه أعطاه لفقهه فقط.
المذهب الرابع: عكس الثالث، وهو: أنه يجوز تعدد العلل في
المستنبطة، ولا يجوز في المنصوصة.
وهو لبعض المذاهب.
دليل هذا المذهب:
قياس العلَّة المنصوصة على العِلَّة العقلية، فكما أنه لا يجوز
اجتماع العلَل العقلية على معلول واحد، فكذلك العِلَّة الشرعية
المنصوصة بجامع: أن كلأ منهما قطعية؛ فالعقلية معروف أنها
قطعية، والمنصوصة فإنها كانت قطعية؛ لأنه لم يعتبر غيرها.
(5/2136)

وهذا بخلاف العِلَّة المستنبطة، فإنها لما كانت ظنية فإنه يصح أن
يكون كل واحد منَ الوصفين - أو الأوصاف - عِلَّة كما أن سبب
ظن العلية حاصل في كل واحد من الوصفين.
جوابه:
لا نسلم ما ذكرتموه، فلا نسلم أن العلل المنصوص عليها كلها
قطعية، بل أكثر العلل المنصوصة ظنية، حيث إن هناك من النصوص
الدالة على علية الوصف آحاد، أو دلالة هذا النص على العِلَّة دلالة
ظنية وإن كان ثابتا عن طريق التواتر، وهذا أكثر العلل المنصوصة،
وما وجد من العلل المنصوصة القطعية فهو قليل جداً، ولا يمكن أن
تثبت قاعدة أصولية والمستند صور قليلة، ويترك صوراً كثيرة لا يلتفت
إليها.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي؛ لاتفاق أصحاب المذاهب على المعنى،
واختلافهم في العبارة؛ لأنه لا يوجد أحد من أصحاب المذاهب يمنع
قيام وصفين، كل واحدي منهما لو انفرد لاستقل بالحكم، لكن
يقال: هل الحكم مضاف إليهما أم هو مضاف إلى كل واحد منهما؛
ولقد رجحت في كتابي: " الخلاف اللفظي عند الأصوليين " أن
الخلاف معنوي، وفصَّلت في ذلك، ولكن الآن أعدل عما قلته
هناك إلى ما قلته هنا؛ لما سبق من التعليل.
(5/2137)

المطلب الثالث عشر حكم تعليل حكمين أو أحكام بعِلَّة واحدة
لتحرير محل النزاع لا بد أن أقول: إن الأحكام لا تخلو من أمور:
الأمر الأول: أن تكون العِلَّة الواحدة قد أثبتت أحكاما متماثلة،
وهذا له صورتان:
الصورة الأولى: أن تكون في ذات واحدة، وهذا غير جائز؛
لاجتماع المثلين.
الصورة الثانية: أن تكون في ذاتين، وهذا جائز كأن يحصل قتل
بفعل زيد وعمرو، فيجب القصاص على كل واحد منهما، فهو
حكم في ذاتين.
الأمر الثاني: أن تكون العلَّة الواحدة قد أثبتت أحكاما مختلفة،
ولكنها غير متضادة، فإن هذا جائز، مثل: تحريم الصلاة والصوم
ومس المصحف، والعِلَّة واحدة وهي: الحيض.
الأمر الثالث: أن تكون العِلَّة الواحدة قد أثبتت أحكاما مختلفة
متضادة مثل: القتل العمد العدوَان عِلَّة لوجوب القصاص، ولحرمان
القاتل من الميراث، وهذا الذي اختلفَ العلماء فيه على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز تعليل حكمين فكثر بعِلَّة واحدة.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن العِلَّة - كما قلنا
فيما سبق - هي: المعرف للحكم، ولا مانع من أن يكون الوصف
(5/2138)

الواحد معرفاً بحكمين أو أكثر، فيكون مناسبا لهما: فالقذف مثلاً
عِلَّة لوجوب الحد على القاذف، وهو أيضاً عِلَّة لعدم قبول شهادته.
والقتل العمد العدوان عِلَّة لوجوب القصاص، وعِلَّة أيضاً لحرمان
القاتل من الميراث.
والغروب علَّة لجواز الفطر في رمضان، وعلَّة أيضا لوجوب صلاة
المغرب، وعِلَّة أيضا لصحة الحج.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز تعليل حكمين فأكثر بعِلَّة واحدة.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد، وعليه فلا يصح أن يكون
الوصف الواحد عِلَّة لحكمين.
جوابه:
هذا الكلام ليس على إطلاقه، بل ذلك يصح في الواحد الحقيقي
من جهاته، أما كلامنا هنا فيخص الجهات المختلفة، فالغروب -
مثلاً - علامة وعِلَّة لجواز الفطر من جهة، وعلامة وعِلَّة لوجوب
المغرب من جهة أخرى.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي فيما يظهر لي؛ ذلك لأن أصحاب المذهب
الثاني لا يخالفون في أن القتل العمد العدوان عِلَّة لوجوب
القصاص، وعلَّة - أيضا - لحرمان القاتل من الميراثَ؛ حيث لا
يوجد ما يعلل به هذان الحكمان إلا هذه العِلَّة، فيكون الخلاف في
اللفظ دون المعنى.
(5/2139)

المطلب الرابع عشر هل الطرد دليل على صحة العِلَّة؟
المراد من الطرد هو: الوصف الذي لم يعلم كونه مناسبا، ولا
مستلزماً للمناسب إذا كان الحكم حاصلاً مع الوصف في جميع
الصور المغايرة لمحل النزاع.
بيان محترزات التعريف:
فقولنا: " الوصف الذيْ لم يعلم كونه مناسبا " أخرج الوصف
المناسب للحكم، وقد سبق بيانه.
وقولنا: " ولا مستلزما للمناسب " أخرج الوصف الشبهي؛ لأن
الوصف الشبهي قد التفت إليه الشارع في بعض الأحكام، فيكون
فيه شبه من المناسب، وقد سبق بيان ذلك.
وقولنا: " إذا كان الحكم حاصلاً مع الوصف في جميع الصور
المغايرة لمحل النزاع " أخرج الدوران؛ لأن الدوران هو: اقتران
الحكم مع الوصف وجوداً وعدما، فإذا وجد الوصف وجد الحكم،
وإذا عدم الوصف عدم الحكم - وقد سبق بيان الدوران -.
أي: أن هذه العبارة تميز الطرد عن الدوران، فلو اقترن الحكم مع
الوصف في صورة النزاع لكان دوراناً.
فالفرق بين الطرد والدوران: أن الدوران: مقارنة الحكم مع
الوصف وجوداً وعدماً، والطرد: مقارنة الوصف في الوجود دون
العدم.
(5/2140)

فاتضح من ذلك: الفرق بين الوصف الطردي، والوصف
المناسب، والوصف الشبهي، والدوران.
وقد سبقت أمثلة الوصف الطردي أثناء كلامنا عن الوصف
الشبهي، ومنها: قول بعضهم في نية الوضوء: عبادة يبطلها
الحدث، وتشطر بعذر السفر فيشترط فيها النية كالصلاة.
ومنها: قول بعضهم في طهارة الكلب: حيوان مألوف له شعر
كالصوف، فكان طاهراً كالخروف.
فهل الطرد دليل على صحة العِلَّة؟
وللجواب عن ذلك أقول: في ذلك تفصيل:
فالقائلون بأن الدوران لا يكون دليلاً على صحة العلَّة، ولا يعتبر
طريقاً لثبوت العلَّة كابن السمعاني، والآمدي، وابن الحاجب،.
وأكثر الحنفية - كما سبق بيانه - يقولون بعدم اعتبار الطرد طريقا
لصحة العِلَّة من باب أوْلى؛ لأن الطرد يتعلق بجانب الوجود فقط،
لذلك سُمِّي بـ " الدوران الوجودي ".
أما الدوران فهو يتعلق بجانب الوجود والعدم معا - وقد تقدم
الإشارة إلى ذلك أثناء تعريفنا للدوران، فمن نفى أن يكون الدوران
طريقاً لثبوت العِلَّة: نفى أن يكودط الطرد دليلاً على ثبوتها وصحتها.
أما القائلون بأن الدوران حُجَّة، وأنه دليل على صحة العلَّة - وهو
قول أكثر العلماء، وهو الذي رجحناه - فإنهم اختلفوا في الطرد
هل يصلح أن يكون دليلاً لصحة العِلَّة أو لا؟ على مذهبين:
المذهب الأول: أن الطرد لا يصلح دليلاً على صحة العِلَّة مطلقا.
وهو قول جمهور القائلين بحجية الدوران، وهو الحق؛ لدليلين:
(5/2141)

الدليل الأول: أن أقل أحوال الدليل الشرعي: أن يوجب الظن،
لأن مناط الأعمال في الشريعة ينقسم إلى معلوم ومظنون، وما لا
يفيد العلم ولا الظن، فمعلق الحكم به متحكم - وهو الدعوى بلا
دليل -، والتحكم ممنوع شرعا، وقد رأينا الطرد في علل لا يغلب
على الظن تعلق الحكم بها واتباعه لها، فإذا ادعى الطارد الظن في
أحدها تبين خطأوه، لأن للظن في العرف أسبابا كما أن للعلوم
النظرية طرقا مفضية إليها، فمن ادعى أن وراء هذا الجدار شخصا من
غير أن يبني ظنه على سبب يقتضي ذلك: كان مخطئا، فكذلك
الحال في الوصف الطردي لا يصلح سببا لظن الأحكام.
الدليل الثاني: أن طرد العِلَّة لا يرجع في التحقيق إلا إلى تعليق
المعتل للحكم بها أينما وجدت، وذلك فعله وهو مخالف فيه، وإنما
يجب تعليق الحكم بها إذا ثبت كونها عِلَّة بالدليل، ومتى لم يثبت
ذلك لم يجب تعليق الحكم بها في أي موضع، وإذا ثبت ذلك
وجب تقدم العلم بكونها عِلَّة على طردها.
المذهب الثاني: أن الطرد يصلح دليلاً على صحة العِلَّة.
وهو مذهب فخر الدين الرازي، والبيضاوي، والصيرفي، وابن
القصار.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن عدم الطرد يدل على فساد العلَّة، وهو
النقض، فيجب أن يكون وجود الطرد يدل على صحتها.
جوابه:
إن القائلين بتخصيص العِلَّة يمنعون ذلك - كما سيأتي بيانه -.
(5/2142)

أما من لم يقل بتخصيص العلَّة فإنهم يقولون: إن الطرد شرط في
صحة العِلَّة، ولذلك تفسد العلة بعدم الطرد، ولكن هذا لا يدل
على أن وجوده دليل على صحتها، فلا يلزم من كون عدم الشرط
يمنع الصحة: أن يكون وجوده موجباً لها، يؤيد ذلك أمران:
الأمر الأول: أن عدم الإحصان يمنع وجوب الرجم، ووجود
الإحصان لا يوجب الرجم، كذلك: عدم الطهارة يمنع صحة
الصلاة، ووجودها لا يوجب صحة الصلاة.
الأمر الثاني: أن الشيء يجوز أن يثبت بمعنى ولا يثبت ضده بعدم
ذلك المعنى: فالحكم ثبتت صحته بالإجماع، ولا يثبت فساده
بعدمه، فكذلك هنا: يجوز أن يثبت فساد العِلَّة لعدم الطرد، ولا
تثبت صحتها لوجوده.
الدليل الثاني: من الواقع؛ حيث إننا إذا رأينا مركوب القاضي
عند باب الأمير، فإنه يغلب على ظننا كون القاضي في دار الأمير،
وسبب ذلك: أن مقارنتهما في سائر الصور أفاد ظن مقارنتهما في
هذه الصورة المعينة.
جوابه:
أن هذا ليس من قبيل قياس الطرد، بل من قبيل العمل بقرائن
الأحوال، وترجيح احتمال على احتمال: فغلب على الظن وجود
القاضي في منزل الأمير عند النظر إليها واعتبارها.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي؛ لأن أصحاب المذهبين اتفقوا على أنه لا يمكن
أن يُنكر الطرد إذا غلب على الظن، وأنه لا يمكن لأحد أن يتبع كل وصف
لا يغلب على الظن، وإن أحالوا أطراداً لا ينفك عن غلبة الظن.
(5/2143)

المطلب الخامس عشر في بيان أنه يشترط في الوصف المستنبط المعلل به
أن لا يرجع على الأصل بإبطاله
ودليل هذا الشرط: أن العِلَّة لما كانت فرعا لهذا الحكم من حيث
إنها مستنبطة منه، والفرع لا يجوز أن يعود على أصله بالإبطال؛
لأنه يلزم منه: أن يرجع إلى نفسه بالإبطال - أيضا - باعتبار أن
إبطال الأصل إبطال للفرع، فلا يجوز - إذن - أن يكون الوصف
المعلل به مبطلاً لحكم أصله أو جزء منه؛ لأن إبطال الشىء نفسه
محال.
ومن أمثلة العلَّة التي تعود على أصلها بالإبطال: ما ذكره بعض
المالكية من أن اتبَاع رمضان بصوم ستة أيام من غير شوال كاف في
المطلوب، ما دام أن المعنى موجود فيه وهو: أنه تكميل للسنة، ولا
يخفى.
وهذا التعليل مبطل لخصوص شوال الذي دلَّ عليه النص.
ومنها: أنه لما ورد قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"في كل أربعين شاة شاة "
علل كثير من الحنفية وجوب الشاة في الزكاة بدفع حاجة الفقراء، ولذلك
- جوزوا إخراج قيمتها.
وهذا التعليل - وهو: دفع الحاجة - يرفع وجوب الشاة بعينها مع
أن الحديث صريح في وجوبها؛ لأن حاجة الفقير تندفع بقيمة الشاة
- أيضاً - فتعليل هذا بهذه العِلَّة - وهي: دفع الحاجة - نقل وجوب
الشاة بعينها إلى تخيير المزكي بين إخراج شاة بعينها، وبين قيمتها،
وهذا التعليل قد محاد على أصله بالإبطال.
(5/2144)

المطلب السادس عشر حكم التعليل بالاسم المجرد
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أنه لا يجوز مطلقا التعليل بالاسم المجرد مثل:
تعليل تحريم الخمر بكون العرب سمته خمراً، وتعليل تحريم الربا في
المذهب بكونه ذهباً.
حيث إنا نعلم بالضرورة أن مجرد هذا اللفظ لا أثر له، فإن أريد
به تعليله بمسمى هذا الاسم، وهو: كونه مخامراً للعقل مانعا عن
إدراك حقائق الأمور، فإنه يكون تعليلاً بالوصف لا بالاسم، وإن
أريد به غير ذلك فممنوع؛ لعدم أثره.
وهو مذهب كثير من الشافعية، والمالكية، وهو الحق؛ لما ذكرناه
ولأن الاسم ليس وصفا ولا فيه معنى الوصف، فانتفت عنه حقيقة
العلَّة.
المذهب الثاني: أنه يجوز التعليل بالاسم مطلقا.
وهو مذهب أكثر الحنفية، وكثير من الشافعية مثل قولهم:
لا يجوز بيع الكلب المعلَّم؛ لأنه كلب فهو وغير المعلم في ذلك سواء،
ومثل قول آخرين في النبيذ: إنه يسمى خمراً فيحرم كالمعتصر من
العنب، ومثل قول فريق ثالث في بول ما يؤكل لحمه: إنه بول
كبول الآدمي.
(5/2145)

جوابه:
يجاب عنه: أننا عرفنا العلة بأنها الوصف المعرف للحكم والاسم
ليس وصفا، ولا فيه معنى الوصف.
ثم لو دققنا في تلك الأمثلة التي ذكرتموها وزعمتم أنها تعليل
بمجرد الاسم، فإنا لا نجدها كذلك، بل فيها شبه بالوصف، حيث
شبه الأسماء بالأوصاف.
المذهب الثالث: التفصيل بين الاسم المشتق، فيجوز التعليل به،
وبين الاسم العلم واسم الجنس، فلا يجوز على خلاف بينهم.
وهو مذهب كثير من المالكية، وبعض الحنفية، وبعض الشافعية،
وكثير من المعتزلة.
بيان هذا المذهب ودليله:
أن الاسم إذا كان مشتقا من فعل كالضارب، فإنه يجوز أن يكون
عِلَّة، لأن الأفعال يجوز أن تجعل عللاً في الأحكام.
أما إذا كان الاسم غير مشتق فهو نوعان:
النوع الأول: الاسم العَلَم كزيد وبكر: قد اتفق أصحاب المذهب
الثالث على أنه لا يجوز التعليل به؛ لأن الأعلام غير لازمة؛ لجواز
انتقالها.
ولأن العَلَم إنما جعل في موضع الإشارة على الشيء، والإشارة
ليس بعلَّة في أي حال من الأحوال، فينبغي أن يكون القائم مقامها
- وهو العَلَم - كذلك.
النوع الثاني: اسم الجنس كالرجل، والمرأة، والفرس: قد
اختلف فيه أصحاب المذهب الثالث على قولين:
(5/2146)

القول الأول: إنه يجوز التعليل به، وهو مذهب المعتزلة،
وعللوا ذلك: بأن هذا الاسم لازم غير منتقل.
القول الثاني: إنه لا يجوز التعليل به، وهو مذهب بعض
الحنفية، وبعض الشافعية.
وعللوا ذلك: بأن التعليل بالأسامي يشبه التعليل بالطرد،
والتعليل بالطرد فاسد - كما سبق بيانه.
وإنما جوزوا التعليل بالأسامي المشتقة مع أنها أسامي؛ للاشتقاق
الذي فيها لا بنفس الاسم.
جوابه:
إن كلامنا في الاسم المجرد، حيث إنا قلنا: إنه لا يجوز التعليل
به، أما الاسم الذي تضمن صفة كالاسم المشتق كالضارب، أو هو
مستلزم للصفة، فإنه يجوز التعليل به؛ لأنه يؤدي إلى كونه تعليلاً
بالوصف لا بالاسم.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي فيما يبدو لي؛ وذلك لأن أصحاب المذاهب قد
اتفقوا على أن الاسم إذا كان وصفا، أو هو بمعنى الوصف، أو
يفهم منه الوصف بأي شكل، فإنه يجوز التعليل به؛ لأن هذا تعليل
بالوصف لا بالاسم.
أما إذا كان الاسم لا يفهم منه الوصف، فإنه لا يجوز التعليل به؛
لأن مجرد الاسم لا أثر له ولا يدل على معناه.
ويدلنا على ذلك: قول أصحاب المذهب الثالث: إنا جوزنا
التعليل بالأسامي المشتقة؛ للاشتقاق الذي فيها، لا بنفس الاسم.
ويؤيد ذلك - أيضاً -: الأمثلة التي ذكرها أصحاب المذهب الثاني
فإنه يفهم من الاسم الذي عللوا به فيها الصفة ولو كان فهما بعيداً.
(5/2147)

المطلب السابع عشر حكم التعليل بالوصف العرفي
الوصف العرفي هو: الوصف الذي لا يختلف باختلاف الأزمان
كالشرف والخسة والدناءة، والكمال، والنقصان.
فهذه الأوصاف يجوز التعليل بها؛ لأن المناسبة التي هي الشرط
الأساسي في التعليل موجودة في تلك الأوصاف العرفية، فمثلاً:
الشرف يناسب التكريم، وتحريم الإهانة، ووجوب المحافظة،
والخسة تناسب إباحة الإهانة.
ولكن لا يجوز التعليل بتلك الأوصاف إلا بشرطين:
الشرط الأول: أن يكون الوصف العرفي مطرداً: لا يختلف
باختلاف الأوقات والأزمان، واشترط ذلك؛ لأمرين:
أولهما: أن الحكم إذا لم يوجد في جميع صور ذلك الوصف
وقد وجد الحكم معه وبدونه، فإن هذا يسمى بـ " عدم التأثير "،
وهو من مبطلات العِلَّة؛ كما سيأتي إن شاء اللَّه.
ثانيهما: أن العرف لو لم يكن مطرداً لجاز أن يكون ذلك العرف
حاصلاً في عصر غير حاصل في غيره، وهذا لا يجعله صالحا
للتعليل به.
الشرط الثاني: أن يكون الوصف العرفي مضبوطا متميزا عن غيره.
واشترطنا ذلك؛ لأن القعليل بالشيء فرع تميزه عن غيره، ولا يتم
ذلك إلا عند تمام التصور للوصف المعلل به.
(5/2148)

المطلب الثامن عشر هل يجوز التعليل بالعِلَّة القاصرة؟
تحرير محل النزاع:
لقد سبق في المطلب الثالث الذي هو في تقسيمات العِلَّة: أن
قلنا: إن العِلَّة من حيث تعديها وعدم ذلك تنقسم إلى قسمين: " عِلة
متعدية "، و " علة قاصرة ".
أما العِلَّة المتعدية فهي: ما يئبت وجودها في الأصل والفرع،
أي: تتعدى من محل النص إلى غيره كالقتل العمد العدوان،
والزنا، والإسكار، والكيل " وغير ذلك.
أما العِلَّة القاصرة أو الواقعة، فهي التي يثبت وجودها في الأصل
فقط، ولا تتعدى إلى الفرع، أي: لا تتعدى محل النص كالسفر
المبيح للفطر والقصر، والاستبراء للأُمَّة في أول حدوث ملكها
للتعرف على براءة رحمها، والرمل في الأشواط الأول من الطواف؛
لإظهار الجلد والنشاط للمشركين.
واتفق العلماء على صحة التعليل بالعلَّة المتعدية، سواء كانت
منصوصة أو مستنبطة، ولا يمكن أن يختلفوَا فيها؛ لأن القياس لا يتم
إلا بعِلَّة تتعدى إلى الفرع لتكون سببا في إلحاقه بالأصل.
واتفق العلماء على صحة التعليل بالعلَّة القاصرة المنصوص عليها،
أو المجمع عليها؛ لأن المنصوصة ليستَ محل اجتهاد واختلاف.
أما العِلَّة القاصرة المستنبطة فقد اختلف العلماء في جواز التعليل بها
على مذهبين:
(5/2149)

المذهب الأول: أنه يجوز التعليل بالعلَّة القاصرة المستنبطة.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن العِلَّة القاصرة المستنبطة كالعلَّة القاصرة المنصوص
عليها أو المجمع عليها ولا فرق، فإذا جاز التعليل بالعلَّة القاصرة
المنصوص عليها أو المجمع عليها، فكذلك إذا استنبطت، فيجب أن
تكون صحيحة، كما أننا لم نفرق بين العِلَّة المتعدية المنصوص عليها
أو المجمع عليها وبين العِلَّة المتعدية المستنبطةَ.
الدليل الثاني: أنه إذا كان الوصف القاصر مناسبا للحكم،
والحكم ثابت على وفقه، فإنه يغلب علىِ الظن كونه عِلَّة للحكم،
أي: كونه معرفا للحكم، ولا معنى لصحة العِلَّة إلا ذلكَ.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز التعليل بالعلَّة القاصرة.
وهو مذهب أكثر الحنفية، وهو اختيار بعض الشافعية، ومال إليه
أبو عبد اللَّه البصري من المتكلمين.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أنه لا فائدة للتعليل إلا التعدية إلى الفرع، والعلة
القاصرة - كما سبق - لا تتعدى إلى الفرع، وما دام أنه يخلو
التعليل بالعلَّة القاصرة من التعدي فلا فائدة فيه، وما لا فائدة فيه فلا
يرد به الشرع، وبناء على ذلك فإنه يبطل التعليل بالعلَّة القاصرة.
جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ أن فائدة العِلَّة منحصرة بما ذكرتم من التعدي إلى
الفرع، بل إن للعِلة فوائد هي كما يلي:
الفائدة الأولى: أنه بسبب العِلة القاصرة يمكننا التعرف على أن
(5/2150)

ذلك الحكم مطابق للحكمة والمصلحة، فتميل النفوس - بطبيعتها -
إلى قبول ما عرفت الحكمة والمصلحة التي من أجلها شرع ذلك
الحكم أكثر من قبولها للأحكام التي لم تعرف الحكمة والمصلحة التي
من أجلها شرع الحكم، وهذه فائدة عظيمة لمن تدبرها.
الفائدة الثانية: لو ظهرت علَّة قاصرة، وعلَّة متعدية في حكم
واحد، ولم يوجد دليل يرجح العلَّة المتعدية بالعلية، فإنه لا يجوز
تعدية الحكم إلى الفرع؛ لأن وجود العلَّة القاصرة منع من ذلك؛
فلولا وجود العِلَّة القاصرة لتعدى الحكم بتلك العِلَّة من غير توقف
على دليل مرجح.
الفائدة الثالثة: أن ثبوت العلَّة القاصرة دليل يستدل به المجتهد على
اختصاص النص الأصلي بذلك الحكم، وحينئذ لا يشتغل المجتهد
بالتعليل لأجل أن يعدي الحكم إلى الفرع، وذلك حينما عرف
اختصاص الأصل به.
الفائدة الرابعة: أن العلَّة القاصرة تفيد بمفهومها، فإذا ثبتت النقدية
عِلَّة في النقدين، فإن عدَم النقدية مشعر بانتفاء تحريم الربا.
الفائدة الخامسة: أن العارف للعلة القاصرة يحصل له أجران إذا
امتثل الحكم: أجر قصد به الامتثال، وأجر قصد به فعل الفعل
لأجل العِلَّة القاصرة من جلب مصلحة أو دفع مفسدة.
الفائدة السادسة: أن العلَّة قد تكون في زمان قاصرة، لا فرع
لها، ولكن قد يحدث هناكَ فرع في المعنى علق على العِلَّة نفسها،
فحينئذٍ يقوم المجتهد بإلحاق ذلك بالمنصوص عليه.
وهذه الفوائد قد اعترض على بعضها، ولكن هذه الاعتراضات
ضعيفة؛ لذلك لم أذكرها.
(5/2151)

ثم لو سلمنا أن تلك الاعتراضات على بعضها صحيحة، فإنه لا
يمكن أن يعترض عليها جميعها، ومن اعترض عليها جميعا، فإنه
معاند ومكابر، والمعاند والمكابر لا يعتد بقوله.
الدليل الثاني: أن العِلَّة الشرعية أمارة، وإذا كانت أمارة فلا بد
أن تكون كاشفة عن شيء ما، وهذا لا يتوفر في العِلَّة القاصرة،
لأنها لا تكشف عن الأحكام، فلا يصح أن تكون أمارَة، وعليه فلا
يصح أن تكون عِلَّة.
جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ أن العِلَّة لا تكشف عن شيء ما، بل تكشف عن المنع
من استعمال القياس، وعن الفوائد التي ذكرناها سابقا.
الدليل الثالث: أن العلَّة القاصرة غير معلومة من طريقة الصحابة
- رضي اللَّه عنهم - فلاً تثبت؛ لأن القياس وتفاريعه إنما يتلقى من
الصحابة، ويلزم من عدم المدرك عدم الحكم.
جوابه:
أن من استقرأ وتتبع ما نقل عن الصحابة، فإنه يجد أنهم - رضي
الله عنهم - اجتهدوا في التوصل إلى أحكام الشريعة وأحكامها،
وأسرارها بحسب الإمكان، والاطلاع على حكمة الحكم في الأصل
وقاسوا بسبب بعض العلل، وتوقفوا في الأخرى.
ثم إن كون الصحابة لم يعتبروا العلل القاصرة، ولم يكن ذلك
من طريقتهم لا دليل عليه، وما لا دليل لا يعتد به.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي؛ حيث إنه لا أثر له في الفروع الفقهية، حيث
(5/2152)

إن أصحاب المذهبن قد اتفقوا على المعنى: فأصحاب المذهب الأول
أرادوا - بالتعليل استخراج المناسب، فحكموا بصحة التعليل،
وأصحاب المذهب الثاني أرادوا بالتعليل: القياس - هذا اصطلاح
أكثر الحنفية -، والقاصرة - على هذا - ليست قياسا، بل هي إبداء
حكمة، فلم تكن تعليلاً.
أي: لا خلاف في المعنى؛ لأن مراد من أجاز التعليل بها:
استخراج المناسبة وإبداء الحكمة، وهذا لا يمنعه من لم يجز التعليل
بها - وهم أصحاب المذهب الثاني -.
ومراد من منع التعليل بها: منع القياس والتعدية، وهذا لا
يخالف فيه من أجاز التعليل بالعلَّة القاصرة.
تنبيه: قلت هنا: إن الخلاف لفظي، إذ لا أثر له في الفروع،
وقلت في كتابي " الخلاف اللفظي ": إن الخلاف معنوي؛ حيث أثر
في أصول الفقه.
(5/2153)

المطلب التاسع عشر بيان أنه يشترط في العلَّة التي عللنا بها:
أن لا تكون معارضة بعلة أخرى تقتضي إبطالها
العِلَّة قسمان: عِلَّة منصوصة، وعلة مستنبطة.
أما العلة المنصوصة، فلا يمكن أن تتعارض مع غيرها من العلل؛
لأن العِلَّة المنصوصة يجب الأخذ بها واتباعها، فلا يصح الانتقال
منها إلى مجموع العلل المستنبطة التي يمكن أن يعلل بها الحكم؛ لأن
المنصوصة ثبتت بالنص، والمستنبطة ثبتت بالاجتهاد، فكانت
المنصوصة أَوْلى من المستنبطة بالاعتبار، وكذلك الأمر في العلَّة
المجمع عليها لا يجوز الانتقال منها إلى غيرها.
أما العِلَّة المستنبطة فإنه يمكن أن يقع بينها وبين غيرها تعارض:
فإن عارضتها عِلَّة أخرى مستنبطة فإنا ننظر:
إما أن تكون غير صالحة لتعليل الحكم بها، وهذا نعرفه عن طريق
السبر والتقسيم - الذي سبق بيانه -: فالعلة غير الصالحة للتعليل لا
يتصور أن تعارض العِلَّة الصالحة.
وإما أن تكون العلة المعارضة - بكسر الراء - صالحة لتعليل الحكم
بها: فهذه العِلَّة المعَارضة - بكسر الراء - لها حالتان:
الحالة الأولى: أن تكون العلتان متساويتين، أي: لا تتميز
إحداهما عن الأخرى، فإن المجتهد في هذه الحالة يختار أي العلتين
شاء.
(5/2154)

الحالة الثانية: أن تكون إحدى العلتين أرجح من الأخرى، ففي
هذه الحالة تقدم الراجحة على المرجوحة.
وهذا ما قاله كثير من العلماء.
والأوْلى: أن لا يذكر هذا الشرط؛ لأمرين:
أولهما: أن العلل وتعارضها وتقديم الأرجح منها، وإبطال
بعضها يُعلم عن طريق السبر والتقسيم، كما بينا فيما سبق.
ثانيهما: أن هذا مما يخص التعارض بين المعاني الذي سيأتي بيانه
إن شاء اللَّه في باب التعارض والترجيح.
(5/2155)

المطلب العشرون تخصيص العِلَّة
قلنا: إن العِلَّة مطردة، ومعنى ذلك: أنه كلما ثبتت العِلَّة في
محل: ثبت بها الحكم، وهذا الاطراد هو بمثابة العموم؛ قياسا
على اللفظ:
فكما أن اللفظ الذي يشمل عدداً غير محصور يُسمى عاما، فكذا
العِلَّة التي تكون في محال كثيرة تسمى عِلَّة عامة من حيث وجودها
في كل هذه المواضع والمحال.
وإذا كان اللفظ العام يرد عليه ما يخصصه - كما سبق بيانه -:
فهل العلَّة التي ثبت وجودها في مواضعها، وتخلف حكمها في
مواضع منها يصح أن يحمل هذا التخلف على التخصيص، وتبقى
العِلَّة ويبقى حكمها فيما عداه من المواضع والمحال، أو أن وجودها
في موضع دون حكمها يؤثر عليها، ويكون هذا دليلاً على أنها
ليست بعِلَّة؛ لأنها لو كانت عِلَّة صحيحة لثبت بها الحكم في جميع
المحال.
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب.
المذهب الأول: أنه يجوز تخصيص العِلَّة مطلقا، أي: سواء
كانت منصوصة أو مستنبطة.
وهو مذهب كثير من الحنفية كالكرخي، وصدر الشريعة،
والدبوسي، وبعض الشافعية، كصفي الدين الهندي، وبعض
(5/2156)

الحنابلة كأبي الخطاب، وحكي عن الأئمة الثلاثة: أْبي حنيفة،
ومالك، والشافعي، وهو رواية للإمام أحمد.
وهو مذهب المعتزلة، وهو الحق؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: القياس على الأدلة اللفظية: فكما أن التخصيص
لا يقدح في كون العام حُجَّة، فكذلك تخلف الحكم عن الوصف
في بعض المواضع لا يقدح في كون الوصف عِلَّة؛ لأنه يكون
تخصيصا للعلَّة، والجامع: أن كلًّا من اللفظ اَلعام والعِلَّة دليل
شرعي: فالعَام لفظ الشارع، والعِلَّة معنى لفظ الشارع.
الدليل الثاني: أن العِلَّة الشرعية أمارة على الحكم في الفرع،
ووجودها في موضع معَ تخلف الحكم عنها لا يخرجها عن كونها
أمارة؛ لأنه ليس من حقيقة الأمارة ملازمة حكمها في كل موضع
وحال، بدليل: أن الغيم الرطب أمارة على نزول المطر، وإن لم
يكن المطر ملازما له في بعض الأحوال.
المذهب الثاني: لا يجوز تخصيص العِلَّة مطلقا، أي: سواء
كانت منصوصة، أو مستنبطة.
وهو مذهب بعض المالكية كالقاضي أبي بكر الباقلاني، والقاضي
عبد الوهاب، وبعض الشافعية كفخر الدين الرازي، والأستاذ أبي
إسحاق، وبعض الحنابلة كأبي يعلى، وبعض المعتزلة كأبي الحسين
البصري، وهو رواية عن الإمام أحمد.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن العِلَّة لو صحت مغ تخلف الحكم عنها للزم
من ذلك ثبوت الحكم في المحل الذي وجدت فيه العلة؛ لأن من
لازم كون العِلَّة صحيحة أن يثبت بها الحكم.
(5/2157)

جوابه:
لا نسلم أنه قولكم: إنه من لازم العِلَّة ثبوت الحكم بها؛ لأنه
ليس المراد بالعلَّة: ما يلزم الحكم لها مطلقا، وإنما المراد بالعلَّة: ما
اشتمل على معنى مقصود للشارع من شرع الحكم ببعث المكلف على
الامتثال، وهي بذلك المعنى يتوقف ثبوت الحكم بها على عدم المانع
ووجود الشرط، وحينئذٍ: لا يلزم من صحة العِلَّة ثبوت الحكم بها.
الدليل الثاني: قياس العِلَّة الشرعية على العِلَّة العقلية، فكما أن
العِلَّة العقلية لا يجوز تخصَيصها، بل يلزم من ثبوتها في محل
ثبوت حكمها، فكذلك العِلَّة الشرعية لا يجوز تخصيصها: فيلزم
من ثبوتها ثبوت حكمها، وإلا لم تكن عِلَّة.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن هذا القياس لا يصح؛ لانه قياس مع الفارق،
ووجه الفرق: أن العلَل العقلية علَل مقتضية للحكم بذاتها، أما
العلَل الشرعية فهي عَلَل بوضع الشرع لها، وقد يتخلف عنها
حكمها.
الجواب الثاني: أنا لا نُسَلِّمُ الحكم في الأصل المقاس عليه وهي:
العِلَل العقلية، حيث إن العِلَل العقلية يتخلف عنها حكمها إذا وجد
مانع مثل: تخلف الإحراق عن النار حيثما يكون الحطب رطبا لكون
الرطوبة مانعة من الإحراق.
المذهب الثالث: أنه يجوز تخصيص العِلَّة إذا كانت منصوصة،
أما إذا كانت العِلَّة مستنبطة فلا يجوز.
(5/2158)

وهو مذهب أكثر الحنفية كالبزدوي، والسرخسي، وكثير من
المالكية كالباجي، وأكثر الشافعية، ومنهم: أبو إسحاق الشيرازي.
دليل هذا المذهب:
أن العِلَّة المنصوصة لفظ الشارع، واتباع مقتضى لفظه واجب،
قإذا خص بعض ما تناولته العِلَّة، فإن ما عدا الصورة المخصوصة
يبقى على حاله وهو الوجوب، بخلاف العِلَّة المستنبطة، فهي
تكتسب اعتبارها بوجود حكمها معها في جميع المحال، فإذا تخلف
عنها في محل تبين أنها ليست بعِلَّة كاملة، وإنما هي بعض العِلَّة.
جوابه:
إن هذا الدليل مبني على قصر اعتبار العِلَّة على وجودها في جميع
المحال مع حكمها، وهذا غير مسلم؛ لأحد أمرين:
أحدهما: كون مسلك الاطراد غير معتبر لإثبات العِلَّة.
ثانيهما: أو أنه لا بد مع الاطراد من توفر كون الوصف مناسبا.
المذهب الرابع: عكس الثالث، وهو: أنه يجوز التخصيص إذا
كانت العِلَّة مستنبطة، ولا يجوز إذا كانت العِلَّة منصوصة.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن العِلَّة التي ثبتت بالنص تتناول محل النقض بعمومها النصي،
فتثبت فيه العِلَّة صريحا، فلا يقبل التخصيص؛ لأننا لو قلنا بجواز
تخصيصه للزم من ذلك إبطال دلالة النص، بخلاف العِلَّة المستنبطة
فإنها ثبتت بالاستنباط من قبل المجتهد؛ ودليلها اقتران الحكم بها مع
(5/2159)

عدم المانع، ولا يصح تخلف الحكم عنها مع عدم وجود مانع، أو
تخلف شرط.
جوابه:
أن العموم النصي إن كان قطعيا، فإنا نسلم أنه لا يقبل التخصيص
كغيره من العمومات التي تدل على أفرادها دلالة قطعية، وهذا لا
يختص بتخصيص العِلَّة، فيكون هذا خارجا عن محل النزاع.
أما إن كان العموم ظاهراً في الدلالة، فيجوز تخصيصه، ويقدر
وجود مانع في محل التخلف.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي راجع إلى تفسير العِلَّة أهي موجبة أو مقتضية؛
فمن فسرها على أنها مقتضية: فإنه أجاز تخصيصها؛ لأن كونها
مقتضية يتوقف على اشتراط شروط، وانتفاء موانع، فربما تخلف
عنها الحكم، ومفهوم هذا: أنه لا يرى تخصيصها في العِلَّة الموجبة
التي لا يتخلف عنها الحكم.
ومن فسر العِلَّة على أنها موجبة: فإنه لم يجز تخصيصها؛ لأن
الموجبة هي التيَ لا يتخلف عنها الحكم، ومفهوم هذا: أنه يرى
جواز تخصيصها في العِلَّة المقتضية التي ربما تخلف عنها الحكم.
تنبيه: موضوع تخصيص العلَّة يُسمى عند بعض العلماء بالنقض
- وهو وجود العِلَّة دون وجود حكمها - وقد اختلف العلماء في كون
" النقض قادحا للعِلَّة أو لا؛ وعندي أنه لا يصلح أن يكون قادحا للعِلَّة
مطلقا كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه، لذلك جعلته هنا وسميته
لاتخصيص العِلَّة " كما فعل كثير من العلماء.
(5/2160)

الفصل الرابع في قوادح القياس ومبطلاته
والاعتراضات عليه
ويشتمل على المباحث التالية:
المبحث الأول: في قادح سؤال الاستفسار.
المبحث الثاني: في قادح منع الحكم في الأصل.
المبحث الثالث: في قادح منع وجود الوصف في الأصل.
المبحث الرابع: في قادح منع وجود الوصف في الفرع.
المبحث الخامس: في قادح منع وجود الوصف في الأصل والفرع.
المبحث السادس: في قادح منع كون الوصف عِلَّة.
المبحث السابع: في قادح التقسيم.
المبحث الثامن: في قادح النقض.
المبحث التاسع: في قادح التركيب.
المبحث العاشر: في قادح فساد الوضع.
المبحث الحادي عشر: في قادح فساد الاعتبار.
(5/2161)

المبحث الثاني عشر: في قادح المعارضة في الأصل.
المبحث الثالث عشر: في قادح المعارضة في الفرع.
المبحث الرابع عشر: في قادح عدم التأثير.
المبحث الخامس عشر: في قادح الكسر.
المبحث السادس عشر: في قادح القلب.
المبحث السابع عشر: في قادح القول بالموجب.
(5/2162)

المبحث الأول في سؤال الاستفسار
ويشتمل على مطلبين هما:
المطلب الأول: في بيان المراد منه.
المطلب الثاني: كيفية الجواب عنه:
أولاً: كيفية الجواب عن استفسار المعترض حينما
يكون اللفظ مجملاً.
ثانيا: كيفية الجواب عن استفسار المعترض حينما
يكون اللفظ غريبا.
(5/2163)

المطلب الأول بيان المراد بسؤال الاستفسار
وهو: طلب معنى اللفظ؛ لإجمال فيه أو غرابة.
ومعنى ذلك: أن يطلب المعترض من المستدل بيان معنى اللفظ
الذي أورده في قياسه.
فيقول المعترض للمستدل: إنه ورد لفظ في قياسك يحتمل معنيين
في نظره، أو فيه غرابة فاطلب منك تفسيره وبيان المراد منه.
وسؤال الاستفسار يقدم على جميع القوادح؛ لأن ما بعده من
القوادح فرع على فهم معنى اللفظ الوارد في القياس.
والصيغ التي يستعملها المعترض في هذا السؤال هي: صيغ
الاستفهام كالهمزة، وأي، وهل، وأين، وكم، وكيف، ومن،
ومتى، وأشهر الصيغ في هذا الموضع هي: الهمزة، وما، وأي.
(5/2165)

المطلب الثاني كيفية الجواب عن الاستفسار
أولاً: الجواب عن استفسار المعترض حينما يكون اللفظ
مجملاً:
إذا طلب المعترض من القائمس بيان المعنى الذي يريده من اللفظ
الذي أورده في قياسه، فإن القائس يجيب عن ذلك بطرق هي:
الطريق الأول: أن يمنع القائس كون اللفظ مجملاً: فيقول: إن
اللفظ الذي أوردته لا يحتمل إلا معنى واحداً، ويستشهد على ذلك
بكلام أهل اللغة.
مثاله: قال المستدل - وهو القائس - مستدلاً على أن الحيض مانعاً
من صحة الطواف -: قرء تحرم معه الصلاة، فيحرم معه الطواف؛
قياسا عليها.
فيقول المعترض: إن قياسك الطواف على الصلاة قد اشتمل على
لفظ مجمل، وهو لفظ قرء -؛ لأنه يحتمل أن يراد به الحيض،
ويحتمل أن يراد به الطهر، فما الذي تريده منهما بهذا اللفظ؟.
فيجيب المستدل - وهو القائس - بقوله: أنا أمنع كون لفظ:
"القرء " يحتمل أكثر من معنى؛ لأنه لا يطلق إلا على معنى واحد
هو: الحيض، ويورد من كلام أئمة اللغة ما يدل على ذلك.
الطريق الثاني: أن يقر المستدل - وهو القائس - على أن اللفظ
(5/2166)

يحتمل معنيين، ولكنه يُبين أن لفظه ظاهر في الدلالة على مقصوده
ومراده، ويبين أن ذلك ظاهر من جهة الشرع، أو من جهة العرف،
أو من جهة اللغة، وإليك مثالاً لكل واحد:
مثال بيان المستدل: أن اللفظ الذي أورده ظاهر الدلالة على مراده
شرعا: قوله: الوضوء قربة فوجبت له النية؛ قياسا على غيره من
القرب كالصلاة.
فيقول المعترض: قد اشتمل قياسك هذا على لفظ مجمل - وهو:
لفظ " الوضوء "؛ لأنه يحتمل أن يقصد به الوضوء اللغوي، أو
الأفعال المخصوصة، وهو معنى شرعي، فأي المعنيين تريد بهذا
اللفظ؟
فيجيب المستدل بقوله: إن لفظ " الوضوء " الوارد في قياسي
ظاهر الدلالة على أن المراد به الأفعال المخصوصة شرعاً؛ لأن لفظ
"الوضوء" لا يتبادر إلى الذهن عند إطلاقه إلا المعنى الشرعي.
ومثال بيان المستدل: أن اللفظ الذي أورده ظاهر من جهة العرف:
قوله: خروج الدم اليسير من المصلي لا ينقض وضوءه؛ لأن الدم
اليسير معفو عنه؛ قياسا على ما لو كان خارج الصلاة.
فيقول المعترض: قياسك هذا قد اشتمل على لفظ مجمل، وهو
لفظ " يسير "؛ حيث يتفاوت المكلَّفون في تقدير هذا اليسير.
فيجيب المستدل بقوله: إن ما أوردته في قياسي من لفظ " اليسير "
ظاهر الدلالة على أن المراد به اليسير في عرف أوساط المكلَّفين لا
الغالين، ولا الجافين.
ومثال بيان المستدل: أن اللفظ الذي أورده ظاهر من جهة اللغة:
قوله: إذا حال عن الماء أسد جاز التيمم قياسا على فاقد الماء حقيقة.
(5/2167)

فيقول المعترض: قياسك هذا قد اشتمل علر، لفظ مجمل وهو:
" أسد "؛ لأنه يحتمل أن يراد به الحيوان المفترس، أو يراد به الرجل
الشجاع، فما الذي تريده بهذا اللفظ؟
فيجيب المستدل بقوله: إن لفظ " الأسد " ظاهر من حيث الوضع
اللغوي على الحيوان المفترس وهي: دلالة حقيقية، ودلالته على
الرجل الشجاع دلالة مجازية، لهذا قد اتضح أن المراد به الحقيقة
وهو: الحيوان المفترس.
الطريق الثالث: أن يفسر المستدل مراده باللفظ؛ بأن يسلم المستدل
بالإجمال، ولا يدعي الظهور، وإنما يختار أحد المعنيين أو المعاني
المحتملة.
مثاله: قول المستدل: المكره على القتل مختار للقتل فيقتص منه
كغير المكره.
فيقول المعترض: قد اشتمل هذا القياس على لفظ مجمل، وهو
لفظ " مختار "؛ حيث إنه يحتمل أن يكون اسم فاعل، وهو القادر
على القتل، أو أن يراد به الفاعل الراغب للقتل، فما المعنى الذي
تريده منهما بهذا اللفظ؟
فيجيب المستدل بقوله: إني أريد بهذا اللفظ الأول وهو: الفاعل
القادر على الإتيان بالفعل؛ حيث لا مانع له في بدنه وإن كان
محمولاً على هذا الفعل من خارج.
(5/2168)

ْثانيا: كيفية الجواب عن الاستفسار حينما يكون اللفظ غريبا:
يجيب المستدل عن استفسار المعترض في هذا بطرق هي كما يلي:
الطريق الأول: أن يمنع المستدل كون اللفظ غريبا.
مثاله: قال المستدل: لا تحل فريسة الكلب غير المعلم؛ لأنه
وحش لم يروض فلا تحل فريسته؛ قياسا على الذئب.
فيقول المعترض: قد اشتمل قياسك هذا على لفظ غريب وهو
لفظ " فريسته "، فما الذي تريده بهذا اللفظ؟
فيجيب المستدل بقوله: إني أمنع أن يكون لفظ " الفريسة " غريبا،
بل هو معروف المعنى.
الطريق الثاني: أن يُبَيِّن المستدل كون هذا اللفظ ظاهر المعنى،
ويبين أن ذلك ظاهر من جهة القرينة، أو جهة اللغة، أو جهة
العرف، وإليك مثالاً لكل واحد:
مثال بيان المستدل: أن اللفظ ظاهر من جهة القرينة: قول
المستدل: طلَّة زوجت نفسها فلا يصح نكاحها كما لو لم يأذن وليها.
فيقول المعترض: قد اشتمل قياسك على لفظ غريب، وهو لفظ
" طلَّة "، فما المراد بهذا اللفظ؟
فيجيب المستدل بقوله: إن هذا اللفظ - وهو: " طلَّة " - الوارد
في قياس ظاهر المعنى؛ حيث إن المراد به المرأة؛ لقرينة إسناد التزويج
لها.
ومثال بيان المستدل: أن اللفظ ظاهر المعنى من جهة اللغة: قوله:
لا يحل الأكل من الصيد الذي أكل منه الكلب المعلم؛ لأنه صيد
جارحه لم ترض فلم يحل كغير المعلم.
(5/2169)

فيقول المعترض: إنه ورد في قياسك لفظ غريب وهو: " لم
يرض "، فما المراد من هذا اللفظ؟
فيجيب المستدل بقوله: إن لفظ " لم يرض " ظاهر المعنى، على
حسب الوضع اللغوي؛ حيث إنه من الرياضة.
ومثال بيان المستدل: أن اللفظ ظاهر المعنى من جهة العرف:
قوله: القُبْلة من الصائم مبدأ مجرد عن الغاية، فلا تفسد الصوم
كالمضمضة.
فيقول المعترض: إنه ورد في قياسك هذا لفظان غريبان هما:
"مبدأ "، و " غاية "، فما المراد بهما عندك؟
فيجيب المستدل بقوله: إق لفظ " مبدأ "، و " غاية " ليسا بغريبين
بل هما ظاهران عرفا عند المجتهدين المتخصصين بعلم المناظرة ومسائل
الخلاف؛ حيث إن المراد بلفظ " المبدأ ": السبب، والمراد بلفظ
" غاية ": المقصود.
الطريق الثالث: أن يفسر المستدل مراده باللفظ، فيسلم كون اللفظ
غريباً، ويكتفي ببيان المعنى الذي يتضح به اللفظ.
مثاله: قول المستدل: لا يحل صيد الكلب غير المعلم؛ لأنه
خراش لم يُبْلَ، فلا تحل فريسته كالسيد.
فيقول المعترض: إنه ورد في قياسك هذا ألفاظ غريبة وهي لفظ:
" خراش "، ولفظ: " لم يُبْلَ "، ولفظ " السيد "، فما مرادك
بهذه الألفاظ؟
فيجيب المستدل بقوله: أريد بلفظ: " خراش ": الكلب، وأريد
بلفظ " لم يُبْلَ ": أنه لم يجرب ويمتحن حتى يتعلم، وأريد بلفظ
" السيد ": الذئب.
(5/2170)

المبحث الثاني في قادح منع الحكم في الأصل
ويشتمل على مطلبين هما:
" المطلب الأول: في بيان المراد منه.
المطلب الثاني: في كيفية الجواب عنه.
(5/2171)

المطلب الأول في بيان قادح منع الحكم في الأصل
المراد منه: أن يمنع المعترض الحكم الذي يدير المستدل ثبوته في
الأصل.
مثاله: قول المستدل: الخل مائع لا يرفع الحدث، فلا يزيل
النجاسة قياساً على الدهن، فهنا جعل المستدل - وهو القائس -
الدهن أصلاً، والفرع: الخل، وحكم الأصل أن الدهن غير مزيل
للنجاسة، والعِلَّة: أن كلًّا منهما مائع لا يرفع الحدث.
فيقول المعترض: أنا أمنع الحكم في الأصل، فإن الدهن عندي
مزيل للنجاسة.
مثال آخر: قول المستدل: الخنزير حيوان نجس العين، فيوجب
غسل الإناء من ولوغه سبعا؛ قياسا على الكلب.
فيقول المعترض: أنا أمنع الحكم في الأصل، فالكلب عندي لا
يغسل الإناء من ولوغه سبعا.
* * *
(5/2173)

المطلب الثاني كيفية الجواب عن منع الحكم في الأصل
إذا منع المعترض ثبوت الحكم في الأصل، وأراد المستدل الجواب
عن هذا المنع، فإن الجواب يختلف باختلاف أحوال مذهب المعترض
وهي:
الحالة الأولى: أن يكون مذهب المعترض معلوما، وهو متحد مع
مذهب المستدل.
الحالة الثانية: أن يكون مذهب المعترض معلوما، وهو مختلف مع
مذهب المستدل.
الحالة الثالثة: أن يكون مذهب المعترض غير معلوم.
وإليك بيان تلك الحالات مع أمثلتها:
أما الحالة الأولى - وهي: كون مذهب المعترض معلوما متحداً -
فإن المستدل يجيب عن منعه للحكم في الأصل بثلاث طرق:
الطريق الأول: أن يقوم المستدل بتفسير حكم الأصل بما يسلم به
المعترض:
مثاله: قول المستدل: الإجارة عقد على منفعة، فبطل هذا العقد
بموت المعقود له؛ قياساً على النكاح.
فيقول المعترض: أنا أمنع الحكم في الأصل، حيث إن النكاح لا
يبطل بالموت، وإنما ينقضي وينتهي بالموت كالإجارة إذا انتهت مدتها،
فإنه لا يقال: بطلت، وإنما يقال: انتهت وانقضت.
فيجيب المستدل بقوله: إني أردت ببطلان العقد بالموت: أن يرتفع
(5/2174)

بالموت: وحينئذ يسلم حكم المستدل من ورود المنع؛ لأنه لا خلاف
بين المعترض والمسًتدل في أن العقد يرتفع بالموت.
فهنا فسر المستدل حكم الأصل بتفسير يسلِّم به المعترض، وسبب
ذلك: أن مذهب المعترض معلوم متحد مع مذهب المستدل.
الطريق الثاني: أن يُبيِّن المستدل محلا من المسألة متفقا عليه بينهما.
مثاله: قول المستدل: لا تجب قراءة الفاتحة على المأموم؛ لأنه
مأموم، فوجب أن يسقط عنه فرض القراءة؛ قياسا على ما إذا أدرك
المأموم الإمام، وهو راكع.
فيقول المعترض: أنا أمنع الحكم في الأصل؛ حيث إن المأموم إذا
أدرك الإمام وهو راكع وأمكنه قراءة الفاتحة وإتمامها قبل فوات الركعة
وجبت عليه قراءتها.
فيجيب المستدل بقوله: لا خلاف بيننا وبينكم أنه إذا خاف فوات
الركعة لم تجب عليه قراءة الفاتحة، وهذا يكفي أن تسلم به.
الطريق الثالث: أن يورد المستدل دليلاً على ثبوت الحكم في
الأصل.
مثاله: قول المستدل: الوضوء عبادة يفسدها الحدث، فيكون
الترتيب فيها واجباً قياساً على الصلاة.
فيقول المعترض: أنا أمنع الحكم في الأصل، وهو وجوب
الترتيب في الصلاة.
فيجيب المستدل بقوله: إن الحكم في الأصل وهو وجوب الترتيب
(5/2175)

في الصلاة ثبت بقوله لمجفه: "صلوا كما رأيتموني أصلي "،
ولم ينقل عنه - صلى الله عليه وسلم -: أنه صلى إلا مرتبا،
فدل على وجوب الترتيب.
مثال آخر: قول المستدل: الخنزير حيوان نجس العين، فوجب
غسل الإناء من ولوغه سبعا؛ قياسا على الكلب.
فيقول المعترض: أنا أمنع الحكم في الأصل، فالكلب عندي لا
يغسل من ولوغه سبعاً.
فيجيب المستدل بقوله: لقد ثبت الحكم في الأصل بقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسنله سبع مرات ".
وهذا على رأي جمهور العلماء، أي: أن المعترض إذا منع الحكم
في الأصل، فإن المستدل يثبت حكم الأصل بأي نوع من أنواع
الأدلة، فإذا أثبت ذلك فإن قياسه صحيح.
لكن هل ينقطع المعترض إذا أقام المستدل دليلاً على حكم الأصل
- كما سبق -؟
أقول - في الجواب عن ذلك -: إن المعترض لا ينقطع إذا أثبت
المستدل الحكم في الأصل؛ بل للمعترض أن يسعى إلى إبطال دليل
المستدل؛ لأن المستدل إذا علم أن المعترض لن يعترض عليه إذا أورد
الدليل لإثبات الحكم في الأصل، فإنه يحتمل أن يورد المستدل دليلاً
لا يصلح أن يكون مثبتا للحكم، وهذا يجعل المعترض لا يورد
الاعتراض ابتداء؛ لأنه يعلم أنه سيقبل من المستدل أيمما دليل يثبت به
الحكم في الأصل، وعلى هذا: لا يكون لمنع الحكم ابتداء معنى،
ومنعا لهذا الاحتمال، فللمعترض أن يسعى إلى إبطال دليل المستدل
الذي أورده لإثبات الحكم في الأصل حتى يعجز، وهو رأي
الآمدي، وابن الحاجب، وابن الهمام، وغيرهم.
(5/2176)

وهناك رأي آخر في المسألة وهو: أن المعترض ينقطع إذا أقام
المستدل دليلاً على ثبوت الحكم في الأصل، ولا يجوز المعترض أن
يعترض على ذلك، وهذا الرأي ضعيف لما قلناه.
هذا الكلام عن الحالة الأولى - وهي: كون مذهب المعترض
معلوماً متحداً -.
أما الحالة الثانية - وهي: كون مذهب المعترض معلوماً وهو
مختلف - فإن المستدل يجيب عن منعه للحكم في الأصل بالطرق
الثلاث التي ذكرناها في الحالة الأولى، وهي: " تفسير حكم
الأصل بما يسلم به المعترض "، و " بيان محلاً من الحكم يسلم به
المعترض "، و " إقامة الدليل على حكم الأصل "، والأمثلة نفس
الأمثلة السابقة، لكن يراعى فيها أن الحكم مختلف فيه في المذهب.
وتزيد هذه الحالة طريق رابع وهو: أن يبين المستدل أن الصحيح
من مذهب المعترض هو التسليم بحكم الأصل.
مثاله: قول المستدل الشافعي: من أحرم بالحج نفلاً وعليه فرض،
فإن إحرامه ينعقد فرضا؛ لأنه إحرام بالحج ممن عليه فرضه،
فانصرف إحرامه إلى ما عليه من الفرض؛ قياسا على ما لو أحرم
إحراما مطلقا.
فيقول المعترض الحنفي: أنا أمنع الحكم في الأصل؛ حيث إن
الإحرام الذي أطلق فيه النية أنه يكون تطوعا، وهذا قد نقله الحسن
ابن زياد عن أبي حنيفة.
فيجيب المستدل بقوله: إن أبا الحسن الكرخي - وهو الذي ينقل
الرواية الصحيحة عن أبي حنيفة - قد نقل عن أبي حنيفة التسليم
بحكم الأصل، فإذا ثبت أنها الرواية الصحيحة، فإن المنع يبطل.
(5/2177)

أما الحالة الثالثة - وهي: كون مذهب المعترض غير معلوم - فإن
المستدل يجيب عن منعه للحكم في الأصل بطريقين:
الطريق الأول: أن يبين المستدل رأي إمام المعترض.
هذا خاص فيما إذا كان رأي إمام مذهب المعترض موافقا لما يراه
المستدل.
مثاله: قول المستدل: العيوب في النكاح تثبت الخيار، لأنها تمنع
معظم المقصود بالنكاح، فيثبت بها الخيار؛ قياسا على الجُب.
فيقول المعترض: لا أعلم لإمام مذهبي رأيا في هذا.
فينقل المستدل عن إمام مذهب المعترض ما يدل على أن تلك
العيوب تثبت الخيار.
الطريق الثاني: أن يورد المستدل دليلاً على ثبوت الحكم في
الأصل.
مثاله: قول المستدل: من قتل بآلة غير السيف لم يقتص منه إلا
بالسيف؛ لأنها آلة لا يقتص بها لو كان القتل بالسيف، فلم يجز
القصاص بها إذا كان القتل بها؛ قياسا على ما إذا سقى القاتل
المقتول خمراً، فإنه لا يجوز أن يسقى القاتل خمراً حتى يموت،
وإنما يقتص منه بالسيف.
فيقول المعترض: لا أعلم لإمام مذهبي رأيا في هذا، فلا يلزمني
التسليم به.
فيجيب المستدل بقوله: إن الحكم في الأصل قد ثبت بقوله - صلى الله عليه وسلم -: -
" لا قود إلا بالسيف ".
(5/2178)

المبحث الثالث في قادح منع وجود الوصف في الأصل
ويشتمل على مطلبين هما:
المطلب الأول: في بيان المراد منه.
المطلب الثاني: في كيفية الجواب عنه.
(5/2179)

المطلب الأول في بيان منع وجود الوصف في الأصل
المراد منه: أن يمنع المعترض وجود الوصف المعلل به في الأصل.
وهذا له حالتان:
الحالة الأولى: أن يمنع المعترض وجود الوصف في الأصل بناء
على أصله هو.
مثاله: قول المستدل: الكلب حيوان يغسل الإناء من ولوغه سبعا
فلا يطهر جلده بالدباغ قياسا على الخنزير.
فيقول المعترض: أنا أمنع، الوصف في الأصل؛ حيث إن الخنزير
عندي لا يغسل الإناء من ولوغه سبعا.
الحالة الثانية: أن يمنع المعترض وجود الوصف في الأصل بناء على
أصل المستدل.
مثاله: قول المستدل: الطلاق معنى تتعلق صحته بالقول، فلم
يصح تعليقه على الشعر؛ قياسا على البيع.
فيقول المعترض: إن الوصف الذي تدعيه في الأصل غير موجود
بناء على مذهبك؛ حيث يصح البيع بالكتابة، ولا يتعين بالقول.
(5/2181)

المطلب الثاني كيفية الجواب عن قادح منع وجود الوصف في الأصل
المعترض إذا منع وجود الوصف في الأصل، فإن جواب المستدل
يختلف باختلاف الحالتين السابقتين.
أما الحالة الأولى - وهي: منع المعترض وجود الوصف في الأصل
بناء على أصله هو - فإن المستدل يجيب عن هذا بأحد طريقين:
الطريق الأول: أن يفسر لفظ الوصف على نحو يسلم به
المعترض.
مثاله: قول المستدل: الوضوء عبادة يبطلها الحدث، فيشترط فيها
الترتيب قياسا على الصلاة.
فيقول المعترض: أنا أمنع وجود الوصف في الأصل، فالصلاة لا
يبطلها الحدث الذي لم يتعمد عندي.
فيجيب المستدل بقوله: أردت بقولي: " يبطلها الحدث ": أن
الحدث يمنع من إتمامها، وهذا مسلم به.
الطريق الثاني: أن يأتي المستدل بدليل يثبت فيه وجود الوصف في
الأصل.
مثاله: قول المستدل: الكلب حيوان يغسل الإناء من ولوغه سبعا
فلم يطهر جلده بالدباغ، قياسا على الخنزير.
فيقول المعترض: أنا أمنع الوصف في الأصل، وهو غسل الإناء
سبعاً من ولوغ الخنزير.
(5/2182)

فيستدل المستدل - وهو القائس - على وجود الوصف في الأصل
بقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا "،
فإذا وجب الغسل سبعا في الكلب وهو أدنى من الخنزير، فأولى أن
يجب الغسل من ولوغ الخنزير.
أما الحالة الثانية - وهي: منع المعترض وجود الوصف في الأصل
بناء على أصل المستدل - فإن المستدل يجيب عن هذا: بأن يفسر
المستدل لفظ الوصف بما يسلم به المعترض.
مثاله: قول المستدل: الطلاق معنى تتعلق صحته بالقول، فلم
يصح تعليقه على الشعر؛ قياسا على البيع.
فيقول المعترض: الوصف الذي ذكرته في الأصل غير موجود فيه؛
بناء على مذهبك؛ لأن البيع يصح عندك بالكتابة، ولا يتعين القول.
فيجيب المستدل بقوله: أنا أردت بقولي: " تتعلق صحته بالقول "
أي: أنه يصح بالقول، لا أني أريد أنه لا يصح إلا بالقول،
فصحته بالقول لا تنفي صحته بغيره، وهي الكتابة.
(5/2183)

المبحث الرابع في قادح منع وجود الوصف في الفرع
وهو يشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: بيان المراد منه.
المطلب الثاني: كيفية الجواب عنه.
(5/2185)

المطلب الأول بيان قادح منع وجود الوصف في الفرع
المراد منه: أن يمنع المعترض وجود الوصف المعلل به في الفرع.
ولهْ حالتان - أيضا - هما:
الحالة الأولى: أن يمنع المعترض وجود الوصف في الفرع بناء على
أصله هو.
مثاله: قول المستدل: يجوز الاستئجار على الحج؛ لأن الحج
فعل يجوز أن يفعله الشخص عن غيره، فجاز أن يفعله عنه بأجرة؛
قياساً على الخياطة.
فيقول المعترض: أنا أمنع الوصف في الفرع، فالحج لا تدخله
النيابة عندي.
الحالة الثانية: أن يمنع المعترض وجود الوصف في الفرع بناء على
أصل المستدل.
مثاله: قول المستدل: الطلاق معنى تتعلق صحته بالقول، فلم
يصح تعليقه في الشعر؛ قياسا على البيع.
فيقول المعترض: الوصف الذي ذكرته في الفرع غير موجود فيه؛
بناء على مذهبك؛ لأن الطلاق يصح عندك بالكتابة مع النية.
(5/2187)

المطلب الثاني كيفية الجواب عن قادح منع وجود الوصف في الفرع
المعترض إذا منع وجود الوصف في الفرع، فإن جواب المستدل
يختلف باختلاف الحالتين السابقتين، وإليك بيان ذلك:
أما الحالة الأولى - وهي: منع المعترض وجود الوصف في الفرع
بناء على أصله - فإن المستدل يجيب عن هذا بأحد طريقين:
الطريق الأول: أن يُفسر المستدل لفظ الوصف بما يوافق عليه
المعترض.
مثاله: قول المستدل: يجوز الاستئجار على الحج؛ لأن الحج
فعل يجوز أن يفعله الشخص عن غيره، فجاز أن يفعله عنه بأجرة؛
قياساً على الخياطة.
فيقول المعترض: أنا أمنع الوصف في الفرع، فالحج لا تدخله
النيابة عندي.
فيجيب المستدل بقوله: إني أردت بقولي: " يجوز أن يؤديه
الإنسان عن غيره " أنه يجوز أن يأمر شخص آخر أن ينوي الإحرام
عنه، ويضيف التلبية بالحج إليه.
الطريق الثاني: أن يقيم المستدل دليلاً يدل على وجود الوصف في
الفرع.
مثاله: قول المستدل: القتل بالمثقل قتل عمد عدوان، فوجب فيه
القصاص؛ قياسا على القتل بالمحدد.
(5/2188)

فيقول المعترض: أنا أمنع وجود وصف العدوان في الفرع.
فيجيب المستدل بقوله: إن وجود الوصف في الفرع ثبت بدليل
وهو: تحريم الشارع للعدوان، كما قال تعالى: (ولا تعتدوا إن الله
لا يحب المعتدين) .
أما الحالة الثانية - وهي: منع المعترض وجود الوصف في الفرع
بناء على أصل المستدل - فإن المستدل يجيب عن هذا بتفسير لفظ
الوصف في الفرع بما يسلم به المعترض.
مثاله: قول المستدل: الطلاق معنى تتعلق صحته بالقول، فلم
يصح تعليقه على الشعر؛ قياسا على البيع.
فيقول المعترض: الوصف الذي ذكرته في الفرع غير موجود فيه
بناء على مذهبك؛ حيث إن الطلاق يصح عندك بالكتابة مع النية.
فيجيب المستدل بقوله: إني أردت بقولي: " تتعلق صحته
بالقول " أي: يصح بالقول، لا أنه لا يصح إلا بالقول، فصحته
بالقول لا تنفي صحته بغيره، وهي الكتابة.
(5/2189)

المبحث الخامس في قادح منع الوصف في الأصل والفرع معا
وهو يشتمل على مطلبين هما:
المطلب الأول: في بيان المراد به.
المطلب الثاني: في كيفية الجواب عنه.
(5/2191)

المطلب الأول في بيان المراد من منع الوصف في الأصل والفرع
المراد: أن يمنع المعترض وجود الوصف في الأصل والفرع.
وله حالتان:
الحالة الأولى: أن يمنع المعترض وجود الوصف في الأصل والفرع
بناء على أصله.
مثاله: قول المستدل: التيمم لليدين يكون إلى المرفقين؛ لأنه
طهارة بالصعيد، فوجب أن يستوعب فيها المحل كتطهير الوجه.
فيقول المعترض: أنا أمنع الوصف في الأصل والفرع، فإن التيمم
ليس بطهارة في الأصل - الذي هو الوجه - وليس بطهارة في الفرع
- الذي هو اليدان -؛ وذلك لأن الطهارة: ما طهر المحل ورفع
الحدث، ونحن قد اتفقنا على أن التيمم لا يرفع الحدث، فوصفه
بأنه طهارة غير حقيقي.
الحالة الثانية: أن يمنع المعترض وجود الوصف في الأصل والفرع
بناء على أصل المستدل.
مثال ذلك: قول المستدل: الطلاق معنى تتعلق صحته بالقول،
فلم يصح تعليقه على الشعر؛ قياسا على البيع.
فيقول المعترض: الوصف الذي ذكرته لا يوجد في الأصل ولا في
الفرع؛ بناء على مذهبك:
فالأصل الذي هو البيع يصح عندك بالكتابة، ولا يتعين بالقول.
والفرع الذي هو الطلاق يصح عندك بالكتابة، ولا يتعين بالقول.
(5/2193)

المطلب الثاني في كيفية الجواب عن قادح منع وجود الوصف في الفرع والأصل
المعترض إذا منع وجود الوصف فيهما، فإن جواب المستدل
يختلف باختلاف الحالتين السابقتين، بيان ذلك:
أما الحالة الأولى - وهي: منع المعترض وجود الوصف فيهما بناء
على أصله هو - فإن المستدل يجيب عن ذلك سالكا أحد طريقين:
الطريق الأول: أن يفسرْ المستدل لفظ الوصف بما يوافق عليه
المعترض.
مثاله: قول المستدل: الكلب حيوان يغسل الإناء من ولوغه عدداً
فلم يطهر جلده بالدباغ؛ قياساً على الخنزير.
فيقول المعترض: أنا أمنع الوصف في الأصل والفرع، فالغسل
عدداً لا يجب في ولوغ الخنزير، ولا في ولوغ الكلب.
فيجيب المستدل بقوله: عندكم أنه إذا غلب على الظن عدم طهارة
الإناء بغسلة واحدة، فإن الغسل يكرر حتى تحصل غلبة الظن
بالطهارة، وعندنا العدد معتبر في حالة غلبة الظن وعدمها، فيصح
- على هذا - اعتبار العدد في الغسل من ولوغ الكلب في الجملة.
الطريق الثاني: أن يقيم المستدل دليلاً على وجود الوصف في
الأصل والفرع.
(5/2194)

مثاله: المثال السابق؛ فإذا قال المعترض: أمنع الوصف في
الأصل والفرع، فالكلب والخنزير لا يجب غسل الإناء من ولوغهما
سبعا.
فيستدل المستدل على وجود الوصف في الأصل والفرع بقوله - صلى الله عليه وسلم -:
" إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا ".
فإذا نص على وجوب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا، وهو
أدنى من الخنزير، فالخنزير أوْلى أن يجب فيه هذا الحكم.
أما الحالة الثانية - وهي: منع المعترض وجود الوصف فيهما بناء
على أصل المستدل - فإن المستدل يجيب عن ذلك سالكا طريقا واحداً
وهو: أن يفسر لفظ الوصف بما يسلم به المعترض.
مثاله: قول المستدل: الطلاق معنى تتعلق صحته بالقول، فلم
يصح تعليقه على الشعر؛ قياسا على البيع.
فيقول المعترض: ما ذكرته في قياسك من الوصف غير موجود في
الأصل على مذهبك: فالبيع الذي هو الأصل يصح عندك بالكتابة
ولا يتعين بالقول.
كذلك: ما ذكرته في قياسك من الوصف غير موجود في الفرع
على مذهبك: فالطلاق - الذي هو الفرع - يصح عندك بالكتابة مع
النية، ولا يتعين بالقول.
فيجيب المستدل بقوله: إني أردت بقولي: " تتعلق صحته
بالقول ": أنه يصح بالقول، لا أنه لا يصح إلا بالقول، فصحته
بالقول لا تنفي صحته بغيره وهي الكتابة، وبهذا لا ينتفي الوصف
عن الأصل والفرع.
(5/2195)

المبحث السادس في قادح منع كون الوصف عِلَّة
ويشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: في بيان المراد منه.
المطلب الثاني: في حجيته.
المطلب الثالث: في كيفية الجواب عنه.
(5/2197)

المطلب الأول في بيان المراد منه
والمراد منه: أن يمنع المعترض كون الوصف الذي ذكره المستدل عِلَّة
للحكم.
أي: أن المستدل إذا قاس الفرع على الأصل بجامع عِلَّة سماها
وذكرها، فإن المعترض يقول: أنا أمنع كون هذا الوصف عِلَّة لهذا
الحكم.
أو يقول: ما الدليل على كون هذا الوصف عِلَّة للحكم؟
ولهذا يطلق بعض العلماء عليه مصطلح: المطالبة، أي:
المطالبة بتصحيح العِلَّة، أو إثبات كونها تصلح للعلية.
وهو أهم قادح من قوادح العِلَّة؛ لأمرين:
أولهما: عموم وروده على جميع ما يدعي أنه عِلَّة.
ثانيهما: كثرة الأدلة التي يثبت بها المستدل أن هذا الوصف عِلَّة.
مثاله: قول المستدل: تقاس الفارة على الهرة، فيكون سؤر
الفأرة طاهراً كسؤر الهرة بجامع: كثرة التطواف في المنزل.
فيقول المعترض: أنا أمنع كون كثرة التطواف علَّة لطهارة سؤر
الهرة، أو يقول: ما الدليل على أن التطواف عِلَّة لطهاَرة سؤر الهرة.
(5/2199)

المطلب الثاني حجيته
وهو حُجَّة، أي: أن للمعترض منع كون الوصف عِلَّة، وهو
قول بعض الحنفية كالدبوسي، والسرخسي، وابن الهمام، وبعض
المالكية كابن الحاجب، والباجي، وبعض الشافعية كأبي إسحاق
الشيرازي، وإمام الحرمين، والغزالي، والآمدي، وتاج الدين ابن
السبكي، وبعض الحنابلة كأبي يعلى، وتلميذيه: أبي الخطاب وابن
عقيل، وهو الحق عندي؛ لأن إثبات الحكم في الفرع لا يمكن
الاستناد في إثباته إلى مجرد وجود الحكم في الأصل؛ حيث إنه لا
بد من عِلَّة جامعة بينهما، وهذه العِلَّة تكون مشتملة على معنى
مقصود للشارع من شرع الحكم، حيثَ إننا قلنا: إن الأحكام مبنية
على المصالح، وإذا كان الأمر كذلك فلا بد أن يُطالب المستدل بان
يُبين تأثير هذا الوصف في الحكم الذي ذكره، ولا بد أن يشعر
المستدل بأنه سيطالب بذلك؛ لأن عدم شعوره بذلك سيؤدي إلى أن
بعضهم سيتمسك بالأوصاف الطردية التي لا تشتمل على معنى
مقصود للشارع - كما سبق بيانه - وهذا يفضي إلى التلاعب
بالأحكام، فيضيع القياس، لأنه لم يفد الظن الذي من أجله صح
الاعتماد عليه.
وبعضهم قال: ليس للمعترض منع كون الوصف علَّة، وعللوا
ذلك بأن قبول منع كون الوصف عِلَّة يؤدى إلى التسلسل، وانتشار
الكلام.
(5/2200)

وهذا غير صحيح؛ لأن المستدل إذا أورد دليلاً يفيد الظن بكون
هذا الوصف يصلح أن يكون عِلَّة، فلا مجال للتسلسل وانتشار
الكلام، ويكون منع المعترض لهذَا الدليل بعد ذلك من العناد؛ لأنه
مطالبة بعلية ما غلب على الظن كونه عِلَّة.
(5/2201)

المطلب الثالث كيفية الجواب عن قادح منع كون الوصف عِلَّة
لما قلنا: إن للمعترض منع كون الوصف الذي ذكره المستدل عِلَّة
للحكم، أي: للمعترض مطالبة المستدل بإقامة الدليل على كون
الوصف عِلَّة، فإنه يجب على المستدك حينئذ أن يجيب عن هذا المنع
بإثبات كون الوصف عِلَّة للحكم.
ويثبت كون الوصف يصلح لأن يكون عِلَّة بالطرق المثبتة للعلية،
وهي مسألة العِلَّة التي ذكرناها فيما سبق، وهي: النص الصريح،
والنص الظاهر، والإجماع، والإيماء، والمناسبة، والإخالة،
والسبر والتقسيم، وتنقيح المناط، والدوران، والوصف الشبهي.
مثال ذلك: قول المستدل: النباش يُقاس على السارق في وجوب
قطع يده، والعِلَّة: أخذ المال بخفية.
فيقول المعترض: أنا أمنع كون " أخذ المال بخفية " علة للقطع.
أو يقول: ما الدليل على كون هذا الوصف - " وهو أخذ المال
بخفية"عِلَّة؟
فيجيب المستدل بقوله: إن الدليل على كون هذا الوصف علة
للقطع قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) .
والسرقة: الأخذ بخفية، فقد ورد الحكم وهو مقرون بالفاء بعد
الوصف مباشرة، وهذا من أنواع الإيماء إلى العِلَّة المعتبرة - كما سبق
بيانه.
(5/2202)

مثال آخر: قول المستدل: لا يباع العنب بالزبيب؛ لأن العنب إذا
جف نقص، فلم يصح البيع قياسا على بيع الرطب بالتمر.
فيقول المعترض: أنا أمنع كون النقصان بالجفاف علة لمنع البيع،
أو يقول: ما الدليل على كون هذا الوصف علة للحكم؟
فيجيب المستدل بقوله: إن الدليل على كون وصف الجفاف علَّة
لمنع البيع هو: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم -
حينما سئل عن بيع الرطَب بالتمر - قال: أينقص الرطب إذا يبس؟ "
قالوا: نعم، قال: "فلا إذن "
أي: فلا تبيعوا الرطب بالتمر.
فهنا: قد رتب الرسول - صلى الله عليه وسلم - الوصف -
وهو النقصان بالجفاف - على الحكم - وهو عدم جواز البيع -
بما يدل بالإيماء على التعليل، وقد سبق بيان ذلك.
مثال ثالث: قول المستدل: تجري على الصغير الولاية في
النكاح؛ لأنه صغير، فجرت عليه الولاية فيه؛ قياسا على الولاية في
المال.
فيقول المعترض: أنا أمنع كون الصغر عِلَّة في ولاية المال، أو
يقول: بين الدليل على كون هذا الوصف عِلَّة لهذا الحكم.
فيجيب المستدل بقوله: إن الدليل على ذلك هو: الإجماع.
مثال رابع: قول المستدل: المطلقة طلاقا ثلاثا بائنا في مرض
الموت ترث من زوجها معاملة له بنقيض قصده؛ قياسا على القاتل.
فيقول المعترض: أنا أمنع كون المعاملة بنقيض المقصود علَّة في منع
القاتل من الإرث، أو يقول: ما الدليل على أن هذا الوَصف عِلَّة
لهذا الحكم؟
(5/2203)

فيجيب المستدل: الدليل على كون المعاملة بنقيض المقصود عِلَّة في
منع القاتل من الإرث هو: مناسبة هذا الوصف لهذا الحكم؛ َ حيث
إن القاتل قتل مورثه لتعجيل حصوله على مال مورثه، فعاملناه جزاء
تصرفه الممنوع بأن منعنا عنه هذا المال.
وهكذا يثبت المستدل علية الوصف بأحد طرق ثبوت العِلَّة.
موقف المعترض من ذلك:
إن اقتنع المعترض بهذا الطريق أو المسلك، والدليل المثبت لعلية
الوصف: صح قياس المستدل، وانقطع المعترض.
وإن لم يقتنع المعترض فإن له أن ينظر في هذا الدليل أو المسلك
الذي أقامه المستدل، ويعترض عليه إذا أمكنه ذلك بأن يورد
الاعتراضات المناسبة لكل دليل أو مسلك من المسالك التي اعتمد
عليها المستدل، وكأن المستدل قد أورد هذا الدليل ابتداء.
فمثلاً: إذا استدل المستدل على كون الوصف يصلح أن يكون علَّة
لهذا الحكم عن طريق الكتاب، فإن المعترض يورد عليه الاعتراضات
التي تورد على الاستدلال بالكتاب ابتداء، وإذا استدل عليها عن
طريق السُّنَّة، فإن المعترض يورد عليها الاعتراضات التي تورد على
الاستدلال بالسُّنَّة، وهكذا.
ففي المثال الأول السابق - وهو: قياس النباش على السارق -
حيث إن المستدل استدل على كون الوصف - وهو أخذ المال بخفية -
عِلَّة بقوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) ، فقد
يعترض المعترض بأحد الأمور التالية:
فقد يقول - أي: المعترض -: إن هذه الآية منسوخة، والمنسوخ
لا يستدل به.
(5/2204)

وقد يقول المعترض: إنك أيها المستدل قد استدللت بالمفهوم
المخالف من الآية، وأنا لا أحتج بالمفهوم.
وقد يقول المعترض: إنك أيها المستدل قد أوردت هذه الآية على
قراءة لإثبات كون الوصف علَّة، وأنا عندي قراءة أخرى لا يمكن
معها إثبات كون الوصف عِلَّةَ.
وهكذا في بقية الاعتراضات على الكتاب، ويقول ذلك أيضا في
السُّنَة، ويزيد: اعتراض المعترض على سند الحديث.
موقف المستدل من ذلك:
إن اقتنع المستدل بأحد هذه الاعتراضات: فإنه يبطل قياسه،
ولنقطع.
وإن لم يقتنع، فإن عليه أن ينظر في هذه الاعتراضات، ويجيب
عنها كل اعتراض بحسبه:
فإن كان الاعتراض بالنسخ، فإن المستدل ينظر فيه من حيث تعيين
الناسغ، وتاريخ النسخ، وإمكان الجمع.
وإن كان الاعتراض بالمفهوم، فإن المستدل يبين حجية المفهوم
بالأدلة، وهكذا.
(5/2205)

المبحث السابع في قادح التقسيم
ويشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: في بيان المراد منه.
المطلب الثاني: في حجيته.
المطلب الثالث: في شروطه.
المطلب الرابع: في بيان الفرق بينه وبين الاستفسار.
المطلب الخامس: في كيفية الجواب عنه.
(5/2207)

المطلب الأول في بيان المراد منه
والمراد منه: ترديد المعترض لفظ المستدل بين احتمالين - أو أكثر -
مع منع أحدهما وتسليم الآخر، أو مع تسليمهما مع اختلاف ما
يترتب عليهما.
ومعناه: إذا اشتمل قياس المستدل على لفظ محتمل لمعنيين أو
أكثر، فإن للمعترض - إن استطاع -: أن يُردِّد بينهما بأن يقول:
اللفظ الذي أوردته أيها المستدل في قياسك مُحتمل لمعنيين: أحدهما
ممنوع، والآخر: مسلَّم.
أو يقول: إنه محتمل لمعنيين أسلم بهما، لكن يرد على أحدهما
ما لا يمكن الاحتجاج بهذا المعنى.
مثاله: قول المستدل: لا تجب الزكاة في مال الصبي؛ لأنها عبادة
فلم تجب عليه كسائر العبادات.
فيقول المعترض: اشتمل قياسك هذا على لفظ " عبادة "، وهو
متردد بين معنيين:
أحدهما: أنها عبادة محضة، وهذا ممنوع؛ لأن فيها جانب المؤنة.
ثانيهما: أنها عبادة غير محضة، وهذا مسلم، لكنه لا يفيدك في
عدم وجوب الزكاة على الصبي؛ لأنها عبادة من جهة، ومؤنة من
جهة أخرى: فهي - إذن - واجبة في ماله باعتبارها مؤنة كنفقة
الزوجة والأقارب، والولي هو الذي يخرجها.
(5/2209)

المطلب الثاني حجيته
هذا القادح حُجَّة، أي: أن للمعترض أن يورد التقسيم على قياس
المستدل، وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن تحديد
مراد المستدل من لفظ قياسه مطلوب منه، وبواسطة التقسيم يتوصل
إلى بيان المراد، فكان مقبولاً.
وبعض العلماء قالوا بعدم حجية هذا القادح؛ حيث إنه يغني عنه
قادح الاستفسار.
وهذا ليس بصحيح؛ لأن يين قادح التقسيم، وقادح الاستفسار
فروقا سيأتي ذكرها إن شاء اللَّه.
(5/2210)

المطلب الثالث شروط التقسيم
ليس كل ما يقوله المعترض من التقسيم مقبولاً، بل اشترط في
المقبول منه شروط هي كما يلي:
الشرط الأول: أن يكون لفظ المستدل في قياسه مما يصح تردده بين
احتمالين أو أكثر؛ إذ لو لم يكن لفظه متردداً لما كان للتقسيم فائدة؛
لأنه سيحمل حينئذ على معناه الذي لا يحتمل غيره، ولو لم يكن ما
يقول المعترض من الوجهين صحيحا: لكان عبثا.
مثال ذلك: قول المستدل: المكره على القتل مختار للقتل،
فيقتص منه كالمكرِه - بكسر الراء -.
فيقول المعترض: قد اشتمل قياسك هذا على لفظ " مختار " وهو
يحتمل معنيين:
الأول: مختار بمعنى الفاعل الراغب في القتل، وهذا ممنوع.
الثاني: مختار بمعنى الفاعل القادر على القتل، وهذا مسلم.
هذا مثال ما توفر فيه هذا الشرط.
أما مثال ما لم يتوفر فيه هذا الشرط فهو قول المستدل: النبيذ
شراب مسكر، فكان حراماً كالخمر.
فيقول المعترض: قد اشتمل قياسك هذا على لفظ " مسكر "،
وهو محتمل لثلاثة معان: " مسكر بالمعنى الشرعي "، و " مسكر
بالمعنى اللغوي "، و " مسكر بالمعنى العقلي ".
(5/2211)

فهذا التقسيم لا يصح؛ حيث إنه لا يحتمله اللفظ.
الشرط الثاني: أن يكون التقسيم حاصراً لجميع المعاني التي
يحتملها لفظ المستدل ما لم يحترز في إيراده.
ويمثل له بما سبق من قياس المكره - بفتح الراء - على المكرِه -
بكسر الراء - السابق.
أما إذا لم يكن التقسيم حاصراً، فإنه لا يتم إيراده؛ لاحتمال أن
يكون ذلك المعنى الذي لم يذكره المعترض هو مراد المستدل.
فمثلاً لو قال المستدل: المرأة الحرة العاقلة يجوز لها ولاية عقد
النكاح؛ لأنها عاقلة، فصحت منها الولاية كالرجل.
فيقول المعترض: لفظ " عاقلة " متردد بين معنيين:
الأول: أنها عاقلة بمعنى أنها مجربة، وهذا ممنوع.
الثاني: أنها عاقلة بمعنى أن لها حسن رأي وتدبير، وهذا مسلم.
فهذا التقسيم غير حاصر؛ لاحتمال أن يورد المستدل المعنى الثالث
لكونها عاقلة وهو: أن لها عقلاً غريزيا يمكن أن تدرك به المصالح
والمفاسد، ويكون هذا هو مراد المستدل فيبطل تقسيم المعترض.
الشرط الثالث: أن يكون التقسيم مطابقا لما ذكره المستدل، فلا
يورد المعترض زيادة على لفظ المستدل.
ويمثل له بما سبق من قياس الزكاة على سائر العبادات في أنها لا
تجب على الصبي بجامع: أن كلًّا منهما عبادة.
وكذلك: قياس المكره على المكره، ونحوهما.
أما إذا كان التقسيم غير مطابق بأن زاد المعترض على ما ذكره
(5/2212)

المستدل لم يصح ذلك منه، فيكون ذلك سببا في رد تقسيم المعترض؛
حيث إن المستدل لم يذكر هذه الزيادة.
مثال ذلك: قول المستدل: البكر البالغة لا تجبر على النكاح؛
لأنها بالغة عاقلة؛ قياساً على الثيب.
فيقول المعترض: قولك: " بالغة عاقلة " مع كونها بكراً، أو مع
كونها ليست بكراً: الأول: ممنوع، والثاني: مسلم.
فإن هذا التقسيم فيه زيادة على ما ذكره المستدل من لفظه، حيث
إن المستدل لم يتعرض في لفظه إلى ما ذكره المعترض، فإيراده لهذه
الزيادة لا يلزم المستدل قبولها، فالمستدل له أن يقول: هذه زيادة
على ما ذكرته فلا يلزمني.
(5/2213)

المطلب الرابع في بيان الفرق بين التقسيم والاستفسار
لقد ذكر بعض العلماء: أن التقسيم لا يختلف عن قادح الاستفسار
وهذا ليس بصحيح كما سبق.
وشبين الفرق بينهما من وجهين:
الوجه الأول: أن التقسيم يرد من المعترض حينما يكون اللفظ
متردداً بين احتمالين أو أكثر، أي: يرد حينما يكون اللفظ مجملاً
فقط.
أما الاستفسار فإنه يرد حينما يكون اللفظ مجملاً، وحينما يكون
اللفظ غريبا.
الوجه الثاني: أن المعترض في التقسيم يحكم على ما يحتمله لفظ
المستدل بأن هذا ممنوع، أو هو مسلم.
أما المعترض في الاستفسار فلا يحكم على ما يحتمله لفظ المستدل.
(5/2214)

المطلب الخامس في كيفية الجواب عن هذا القادح
المستدل له: أن يجيب عن تقسيم المعترض بطرق هي كما يلي:
الطريق الأول: أن يُبين المستدل أن لفظه الذي أورده في قياسه
ظاهر الدلالة على مراده، شرعا، أو عرفا.
مثال بيان المستدل لمراده شرعا: قول المستدل: الوضوء طهارة
قربة اشترطت لها النية كغيرها من القرب.
فيقول المعترض: إن لفظ " طهارة " تحتمل معنيين:
أحدهما: أنها طهارة قربة بمعنى النظافة من الخبث، وهذا ممنوع
كونه من القرب التي هي عِلَّة في وجوب النية.
ثانيهما: أنها طهارة قربة بمعنى الأفعال المخصوصة التي هي
الوضوء الشرعي، وهذا مسلم.
فيجيب المستدل بقوله: إن لفظ انطهارة ظاهر الدلالة شرعا في أن
المراد به الوضوء الشرعي؛ لأنه هو المتبادر عند الإطلاق.
ومثال بيان المستدل لمراده عرفا: قول المستدل: لا ينقض الوضوء
الدم اليسير الخارج من المصلي؛ لأنه معفو عنه؛ قياسا على ما لو
كان خارج الصلاة.
فيقول المعترض: إن لفظ " اليسير " احتمل ثلاث معان:
(5/2215)

أحدها: اليسير في نظر الجافين.
ثانيهما: اليسير في نظر المغالين.
ثالثهما: اليسير في نظر المعتدلين.
والأول والثاني: ممنوعان.
والثالث: مسلم؛ لجريانه على منهج الشريعة.
فيجيب المستدل بقوله: إن لفظ " اليسير " ظاهر الدلالة في أن
المراد به اليسير في نظر المعتدلين؛ لأن العرف يقتضي صرف مثل هذا
التقدير إليهم.
الطريق الثاني: أن يختار المستدل المعنى الذي سلم به المعترض،
فيقول به، فيندفع عنه مقتضئ التقسيم.
مثاله: قول المستدل: المكرَه على القتل مختار للقتل فيقتص منه
كالمكرِه.
فيقول المعترض: لفظ " مختار " يحتمل معنيين:
أولهما: أن المراد به الفاعل الراغب في القتل.
ثانيهما: أن المراد به الفاعل القادر على القتل.
والأول ممنوع، والثاني مسلم.
فيجيب المستدل بقوله: أنا أختار المعنى الثاني وهو: الفاعل
القادر على القتل.
(5/2216)

المبحث الثامن في قادح النقض
ويشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: في بيان المراد به، وأهميته.
المطلب الثاني: في حجيته.
المطلب الثالث: الحالات التي يرد عليها النقض وحكم كل حالة.
المطلب الرابع: هل على المستدل أن يحترز عن النقض في قياسه؟
المطلب الخامس: كيفية الجواب عن هذا القادح، وبيان موقف
المعترض من ذلك الجواب.
(5/2217)

المطلب الأول في بيان المراد بالنقض، وأهميته
المراد به: وجود العلة في موضع دون حكمها.
ويُسمى عند الحنفية: المناقضة.
والنقض يعتبر من أهم المباحث عند الأصوليين وأهل النظر
والجدل؛ نظراً لكثرة حاجتهم إليه، وكثرة وجوده في المناظرات بين
العلماء.
مثاله: قول المستدل - في حق من لم يبيت النية -: تعرى أول
صومه عنها، - فلا يصح، فجعل عراء أول الصوم عن النية علة
لبطلانه.
فيقول المعترض: هذا منتقض بصوم التطوع، فإنه يصح بدون
تبييت النية.
فهنا قد وجدت العلة وهي: عراء أول الصوم عن النية قد وجدت
في صوم التطوع، وتخلف الحكم - وهو عدم صحة الصوم عنه -؛
لأن الصوم في هذه الحالة صحيح.
(5/2219)

المطلب الثاني حجيته
لقد اختلف العلماء في النقض هل يقدح في العلية أو لا؟
على مذاهب:
المذهب الأول: أن النقض لا يقدح في العلية مطلقا فيما وراء
محل النقض، سواء كانت العلة منصوصة أو مستنبطة، وسواء كان
التخلف لمانع، أو لغير مانع.
وهو مذهب أكثر الحنفية، وكثير من المالكية، وبعض الحنابلة،
وهو الحق؛ لأن تخلف الحكم عن الوصف في بعض الصور إما أن
يكون عن دليل، أو لغير دليل.
فإن كان التخلف لدليل يدل عليه: لم يقدح؛ لأن هذا الدليل
يكون مخصِّصاً للدليل الذي دلَّ على العلية، والتخصيص جائز
باتفاق؛ لأنه يرد على العام مطلقا، سواء كان العموم مستفاداً من
اللفظ، أو من المعنى.
وإن كان التخلف لغير دليل: فإن هذا التخلف لا يُعتبر، ولا يُعتدُّ
به لعدم وجود الدليل، والمعتبر هو الدليل الذي دلَّ على العلية،
وبذلك لا يكون النقض قادحاً.
المذهب الثاني: أن النقض يعتبر قادحا للعلية مطلقاً.
المذهب الثالث: التفصيل بين العلَّة المنصوصة، فإن النقض لا
يقدح فيها، وبين العلة المستنبطة، فإن النقض يقدح فيها.
(5/2220)

المذهب الرابع: عكس الثالث.
وهذه المذاهب قد سبق الكلام عنها بالتفصيل في " تخصيص
العِلَّة"، وهو المطلب العشرون من الفصل الثالث السابق.
فنظراً إلى أني لا أعتبر النقض قادحاً للعلية، فإنه يعتبر تخصيصا
للعلة، وليس قادحا من قوادحها، لذلك قدمت الكلام عنه هناك.
(5/2221)

المطلب الرابع الحالات التي يرد عليها النقض وحكم كل حالة
الحالة الأولى: أن يورد المعترض النقض بما يسلِّم به المستدل.
وإيراد النقض بناء على ذلك صحيح؛ لأن على المستدل أن يفي
بمقتضى علته، وهو: وجودها في جميع المحال، والمعترض يخبره
بعدم وجودها في بعض المحال، وإذا بين له ذلك كانت العِلَّة منتقضة
باعتراف المستدل، فلزمه النقض.
مثاله: قول المستدل: الخل مائع مزيل للعين والأثر، فجاز أن
يكون مطهراً للمحل النجس؛ قياساً على الماء.
فيقول المعترض: هذا منتقض بالدهن، فهو مائع مزيل للعين
والأثر، ومع ذلك فإنه لا يطهر المحل النجس عندكم.
الحالة الثانية: أن يورد المعترض النقض بناء على أصله هو الذي
يسلم به، لا على ما يراه المستدل.
وإيراد النقض بناء على ذلك قد اختلف فيه على مذهبين:
أصحهما: عدم جواز إيراد المعترض النقض بناء على أصله؛ لأن
العلة التي أوردها المعلل حُجَّة على المعترض، والنقض الذي يورده
المعترض دعوى، ولا تنقض الحُجَّة بالدعوى.
مثال ذلك: قول المستدل: لا يقتل المسلم بالذمي؛ لأنه كافر،
فلا يقتل به المسلم؛ قياساً على الحربي.
(5/2222)

فيقول المعترض الحنفي: هذا منتقض على أصلي بالمعاهد، فهو
كافر ويقتل به المسلم عندي.
مثال آخر: قول المستدل: المتوفى عنها زوجها لا يجب لها
السكنى؛ لأنه لا نفقة لها؛ قياسا على الموطوءة بشبهة.
فيقول المعترض الشافعي: هذا منتقض على أصلي بالمطلقة الحائل؛
فإنه لا نفقة لها، ويجب لها السكنى.
فلا يقبل هذا؛ لأن عِلَّة المستدل لا ترد بمجرد الدعوى.
الحالة الثالثة: أن يورد المعترض النقض بناء على أصله هو، وبناء
على أصل المستدل، أي: أنهما يُسَلِّمان بذلك معا.
وإيراد النقض بناء على هذه الحالة صحيح؛ لأنه يلزم على أصل
المعترض والمستدل، فكل منهما يُسلم بهما.
مثاله: قول المستدل: الأرز مكيل يحرم فيه التفاضل؛ قياسا على
البر.
فيقول المعترض: هذا منتقض ببيع الجنسين فهما مكيلان، ويجوز
التفاضل بينهما.
فيسلم كل من المعترض والمستدل، حيث يريان التعليل بالكيل
والجنس.
(5/2223)

المطلب الرابع هل على المستدل أن يحترز عن النقض في قياسه؟
إذا أثبت المستدل حكما عن طريق القياس فهل عليه أن يورد في
قياسه هذا ما يدفع عنه النقض من قِبَل أي معترض؟
فمثلاً لو قال المستدل: الخل مائع، فجازت إزالة النجاسة به
كالماء، فهل يورد المستدل في علته قيداً يحترز به على النقض، فيقول
- أي: المستدل -: الخل مائع طاهر - فيزيد لفظ " طاهر " في
العِلَّة؛ لئلا تنقض عِلَّته بأن يقول المعترض: إن هذا منتقض بالمائع
النجس؛ حيث إنه مائع، ولا تجوز إزالة النجاسة به، أو لا؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
أصحهما: أنه على المستدل أن يحترز عن النقض بذكر قيد يدفع
عنه ورود النقض؛ لأن الاحتراز عن النقض فيه ضبط لمجرى الكلام،
وبعد عن انتشار الكلام وتوسعه، وكثرة احتمالاته وحصر لمقصود
المستدل، فكان الالتزام به متعينا.
وعلى هذا: فإنه لا بد أن يقول المستدل في العِلَّة - في المثال
السابق -: " مائع طاهر "؛ لئلا يكثر الكلام وهو يستطيع منع
ذلك.
(5/2224)

المطلب الخامس بيان كيفية جواب المستدل عن هذا القادح
وبيان موقف المعترض من هذا الجواب
إذا أورد المعترض صورة زعم فيها وجود عِلَّة المستدل مع تخلف
الحكم عنها تنقض عِلة المستدل: فإن للمستدل أن يجيب عن ذلك
بأحد الطرق التالية:
الطريق الأول: أن يمنع المستدل وجود علته في تلك الصورة التي
أوردها المعترض.
مثال ذلك: قول المستدل: المضمضة في الغسل واجبة؛ لأن الفم
عضو يجب غسله من النجاسة، فوجب غسله من الجنابة؛ قياسا
على سائر الأعضاء.
فيقول المعترض:. هذا منقوض بالعين فهي عضو يجب غسله من
النجاسة، ولا يجب غسله في الجنابة.
فيجيب المستدل بقوله: العين عندي لا يجب غسلها من النجاسة،
فلا يلزم النقض.
مثال آخر: الوقف عقد نقل، فوجب أن يفتقر للقبول؛ قياسا
على البيع.
فيقول المعترض: هذا منتقض بالعتق فهو عقد ينتقل فيه الملك،
ولا يفتقر إلى القبول.
(5/2225)

فيجيب المستدل بقوله: العتق عندي ليس بنقل، وإنما هو إسقاط
كالطلاق، والإسقاط لا يفتقر للقبول بخلاف النقل والتمليك.
موقف المعترض من الجواب بهذا الطريق:
حينما يمنع المستدل وجود العلَّة في صورة النقض، فإنه يجوز
للمعترض إقامة الدليل على وجَود العلَّة إذا تعين طريقا للمعترض
لنقض العِلَّة؛ لأن فيه تحقيقا لفائدة المناظَرة.
أما إذا لم يتعين طريقا للمعترض، بل وجد ما يحقق المقصود
بطريق آخر، فلا يجوز له - أي: للمعترض - إقامة الدليل على
وجود العلَّة في الصورة المنقوض بها علة المستدل؛ لأن الفائدة تتحقق
بذلك الطريق الآخر.
مثال ذلك: قول المستدل: الوضوء طهارة فتحتاج إلى النية
كالتيمم.
فيقول المعترض: هذا منتقض بإزالة النجاسة فهي طهارة، ولا
تجب فيها النية.
فججيب المستدل بقوله: أنا أمنع كون إزالة النجاسة طهارة.
فيقيم المعترض الدليل على وجود الدليل على أن إزالة النجاسة
طهارة، وهو قوله تعالى " (وثيابك فطهر) .
الطريق الثاني: أن يفسر المستدل لفظ علته، وهذا فيه التفصيل
الآتي:
1 - أن يفسر المستدل لفظ علته وله معنى واحد.
مثاله: قول المستدل: الوضوء طهارة من حدث، فتفتقر إلى
النية؛ قياسا على التيمم.
(5/2226)

فيقول المعترض: هذا منتقض بإزالة النجاسة، فهي طهارة ولا
تحتاج إلى النية.
فيجيب المستدل بقوله: إني قد ذكرتُ قيداً في العِلَّة، وهو كونه
حدثا، وإزالة النجاسة ليست عن حدث.
2 - أن يفسر المستدل لفظ علته وله معنيان.
مثاله: قول المستدل: جمع الطلاق في القرء الواحد لا يكون
مبتدعا؛ قياساً على ما لو طلقفا ثلاثا في قرء واحد مع الرجعة بين
الطلقتين.
فيقول المعترض: إن هذا منتقض بما لو طلقها ثلاثا في الحيض،
فهو جمع للطلاق في قرء واحد وهو بدعي.
فيجيب المستدل بقوله: أنا أريد بالقرء: الطهر، لا الحيض.
3 - هل يفسر المستدل لفظ علته العام بالخاص؟
قد اختلف العلماء فيه على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يجوز للمستدل أن يفسَّر اللفظ العام
بالخاص.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن لفظ المستدل
عام، ومقتضاه شمول جميع المحال؛ حيث إنه لازم له، فإذا أورد -
عليه النقض فهو مورد على ما يلزمه، وإرادته الخاص بعد النقض
زيادة في الوصف؛ ليدفع بها النقض، وهذا لا يصح.
المذهب الثاني: يجوز ذلك.
وهو مذهب بعض العلماء.
(5/2227)

دليل هذا المذهب:
القياس على الشارع، بيان ذلك:
كما أن للشارع أن يطلق لفظا عاما ثم يخصه، فكذا المستدل ولا
فرق.
جوابه:
هذا قياس باطل؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن
للشارع النسخ، وله أن يذكر بعض العلَّة، ويترك الباقي إلى اجتهاد
المجتهد، وهذا لا يجوز في حق المسَتدل الذي يريد إثبات الحكم
بعلته.
الطريق الثالث: أن يزيد المستدل وصفا في علته.
وهذا ليس بصحيح، فلا يجوز للمستدل أن يزيد وصفا في علته؛
لأمرين:
الأمر الأول: أن ما ذكره المستدل هو جميع العِلَّة، والنقض قد
ورد على جميع العلَّة، فإذا ذكر وصفا آخر للعِلَّة بعد ورود النقض:
كان هذا انتقالاً إلى علَّة أخرى متكونة من العلَّة السابقة، ومن
الوصف الذي زاده.
الأمر الثاني: أن القول بجواز هذه الزيادة للمستدل إخلال بقواعد
الجدل والمناظرات، وعدم الالتزام بضوابطها التي تقتضي إيراد
المستدل دليله كاملاً أمام المعترض.
مثاله: قول المستدل: باع رجل مطعوما بمطعوم متفاضلاً، فهذا
لا يجوز؛ قياسا على البر.
(5/2228)

فيقول المعترض: هذا منتقض ببيع الأرز بالبر متفاضلاً.
فيجيب المستدل بقوله: أنا أزيد وصفاً في العِلَّة، فأقول:
"مطعوم من جنس واحد " حتى لا يرد هذا النقض.
فهنا: لا يجوز للمستدل أن يزيد ذلك لما قلناه.
الطريق الرابع: أن يمنع المستدل تخلف الحكم عن صورة النقض.
إذا قال المعترض: إن قياسك هذا علته منقوضة؛ حيث إن العِلَّة
قد وجدت ولم يوجد حكمها، فإن للمستدل أن يجيب بمنع كون
الحكم متخلفا عن صورة النقض التي أوردها المعترض.
مثاله: قول المستدل: الأرز ربوي، لأنه مطعوم قياسا على البر.
فيقول المعترض: هذا منقوض بالتفاح فهو مطعوم، ولا يجري
فيه الربا.
فيجيب المستدل بقوله: أنا - أمنع تخلف الحكم عن الصورة التي
أوردتها - أيها المعترض - وهي: التفاح -، لأن التفاح عندي
ربوي.
الطريق الخامس: أن يُبين المستدل في صورة النقض التي أوردها
المعترض فوات شرط، أو وجود مانع.
مثاله: قول المستدل: الحلي تجب فيه الزكاة، لأنه نصاب كامل
حال عليه الحول، فوجبت فيه الزكاة قياسا على المضروب.
فيقول المعترض: هذا منتقض بحلي غير البالغ، فهو نصاب
كامل، وحال عليه الحول، ومع ذلك لا تجب فيه الزكاة.
فيجيب المستدل بقوله: إن ما أوردته من صورة النقض قد تخلف
عنها ما هو شرط، وهو: التكليف تغليباً لمعنى العبادة.
(5/2229)

المبحث التاسع في قادح التركيب
ويشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: المراد منه.
المطلب الثاني: أقسامه.
المطلب الثالث: حجيته.
المطلب الرابع: كيفية الجواب عنه.
(5/2231)

المطلب الأول بيان المراد منه
المراد من قادح التركيب: أن يكون الحكم في الأصل ثابتا بطريق
اتفق المستدل والمعترض عليه، مع منع المعترض كون الحكم ثابتا بعلة
المستدل: إما بمنع كونها عِلَّة، أو بمنع وجودها في الأصل.
أي: أن حكم الأصل قد اتفق عليه المستدل والمعترض، وهذا
الحكم معلل بعلَّة عند المستدل، ومعلل بعلَّة أخرى عند المعترض،
فيمنع المعترض أن الحكم معلل بعلة المستدلَ إما بمنع كونها علَّة، أو
بمنع وجودها في الأصل.
(5/2233)

المطلب الثاني أقسام قادح التركيب
لقد اتضح من التعريف: أن المعترض يعترض على عِلَّة المستدل إما
بمنع كون وصف المستدل عِلَّة للحكم، وإما بمنع وجود علَّة المستدل
في الأصل.
ولهذا ينقسم هذا القادح إلى قسمين:
القسم الأول: قادح التركيب في الأصل.
القسم الثاني: قادح التركيب في الوصف.
أما القسم الأول - وهو قادح التركيب في الأصل - فهو: أن
يتفق الخصمان - المستدل والمعترض - على حكم الأصل، ويعين كل
واحد منهما علَّة تخصه، فيمنع المعترض كون وصف المستدل علَّة
لحكم الأصل.
مثاله: قول المستدل: المرتدة إنسان بدل دينه فتقتل كالمرتد.
فيقول المعترض: الحكم عندي في الأصل هو قتل المرتد، لكن
العِلَّة لقتله هي: الجناية على المسلمين بتنقيص عددهم، وإعانة
عدوهم عليهم، لا أنها تبديل الدين، وهذه العلَّة التي ذكرتها أنا لا
توجد في الفرع، فإن سلَّمت بها لم يتعد الحكَم إلى الفرع؛ لعدم
وجودها فيه.
أما القسم الثاني - وهو قادح التركيب في الوصف - فهو: أن
(5/2234)

يتفق الخصمان - المستدل والمعترض - على حكم الأصل مع تعيين
المستدل عِلَّة لحكم الأصل، وتعيين المعترض عِلَّة أخرى مع منعه كون
عِلَّة المستدل موجودة في الأصل.
مثال ذلك: قول المستدل: إن الرجل لو قال: إن تزوجتُ فلانة
فهي طالق: لم يقع طلاقه بعد العقد عليها؛ لأنه تعليق للطلاق قبل
النكاح فلا يقع؛ قياسا على ما لو قال: فلانة التي سأتزوجها طالق.
فيقول المعترض: أنا أوافقك على حكم الأصل، وهو عدم وقوع
الطلاق، ولكن العلَّة فيه هي كونه تنجيزاً لا تعليقا؛ حيث إنه نظراً
لكون هذه الصيغة تقتضي وقوع الطلاق في الحال، وهو لا يملك
الطلاق في الحال، فإنها تكون لغواً لا أثر له بعد العقد.
أما ما ذكرته - أيها المستدل - من العِلَّة - وهي: كونه تعليقا -
فغير موجود في الأصل.
وسواء سلمت بما ذكرته من عِلَّة، أو أخذت بعلتك التي لا توجد
في الأصل، فإن الحكم لن يتعدى إلى الفرع؛ لأن علتي لا توجد
في الفرع، وعلتك لا توجد في الأصل.
(5/2235)

المطلب الثالث حجية التركيب
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
أصحهما: أن للمعترض إيراد القدح بالتركيب بأن يمنع علَّة
المستدل في الأصل الذي يتفق مع المستدل على حكمه، أو يمنع
وجود عِلَّة المستدل في الأصل؛ وذلك لأن قادح التركيب ينبني على
الخلاف في قياس التركيب، والخلاف في قياس التركيب متعلق
بالأصل، والأصل يشتمل على العِلَّة والحكم، وإذا منع المعترض
كلاً من العِلَّة والجكم، فإن للمستدل إقامة الدليل الدال على كون
وصفه عِلَّة، وإقامة الدليل الدال على وجود وصفه في الأصل.
اعتراض على هذا:
قال قائل - معترضا -: إن المستدل إذا أقام الدليل على كون
الوصف عِلَّة، أو أقام الدليل على وجود العلَّة في الأصل، فإن هذا
انتقال عنَ المقصود.
جوابه:
إن فعل المستدل هذا ليس انتقالاً إلى المقصود، بل هو في صميم
المقصود وإثباته؛ حيث - إنه إثبات لما هو من مقدمات القياس، ودفاع
عن دليله.
(5/2236)

المطلب الرابع كيفية الجواب عن قادح التركيب
هذا فيه التفصيل الآتي:
أولاً: الجواب عن قادح التركيب في الأصل:
إن المعترض هنا يمنع كون وصف المستدل عِلَّة لحكم الأصل.
وإذا كان الأمر كذلك فإن المستدل يجيب بنفس الجواب عن منع
كون الوصف علَّة الذي سبق في المبحث السادس من هذا الفصل،
وذلك بذكر المسالك والأدلة الدالة على كون الوصف عِلَّة.
ثانياً: الجواب عن قادح التركيب في الوصف:
المعترض هنا يمنع وجود العِلَّة في الأصل، وإذا كان الأمر كذلك:
فإن المستدل يجيب بنفس الجَواب عن منع وجود العلَّة في الأصل
الذي سبق في المبحث الثالث من هذا الفصل، وذلكَ بذكر الأدلة
من الشرع أو العقل أو الحس على وجود العِلَّة في الأصل.
(5/2237)

المبحث العاشر في قادح فساد الوضع
ويشتمل على مطلبين هما:
المطلب الأول: بيان المراد منه وأقسامه.
المطلب الثاني: كيفية الجواب عنه.
(5/2239)

المطلب الأول بيان المراد من قادح فساد الوضع وأقسامه
المراد منه: أن يبين المعترض أن قياس المستدل لم يكن على الهيئة
الصالحة لاعتباره في ترتيب الحكم، وأن يكون ما جعله المستدل عِلَّة
للحكم مشعراً بنقيض الحكم المرتب عليه.
ويبين هدا التعريف من ذكر أقسامه والأمثلة لكل قسم، فأقول:
ينقسم قادح فساد الوضع إلى قسمين:
القسم الأول: أن يكون الجامع في قياس المستدل قد ثبت اعتباره
في نقيض الحكم الذي رتبه عليه المستدل بنص أو إجماع.
مثال الأول - وهو ما كان المعنى الجامع قد ثبت اعتباره بنص في
نقيض الحكم -: قول المستدل: يجوز بيع الرطب بالتمر؛ لأن
النقص يحصل بجفاف الرطب، فلا يمنع هذا صحة البيع؛ قياسا
على بيع التمر الحديث بالتمر القديم.
فيقول المعترض: قياسك هذا فاسد الوضع؛ لأن الشارع قد رتب
على العلَّة التي ذكرتها حكماً هو نقيض ما رتبته عليها في قياسك،
وذلك بالنص، وهو: أنه سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الرطب بالتمر، فقال: " أينقص الرطب إذا يبس؟ " قالوا: نعم،
قال: " فلا إذن ".
(5/2241)

فهنا جعل النقص بالجفاف عِلَّة لمنع البيع، وعدم جوازه، وما
جعله الشارع عِلَّة للمنع لا يجوز أن يجعل عِلَّة للجواز.
ومثال الثاني - وهو: ما كان المعنى الجامع قد ثبت اعتباره
بإجماع في نقيض الحكم - قول المستدل: مسح الرأس مسح،
فاستحب تكراره؛ قياسا على الاستجمار بالحجر.
فيقول المعترض: قياسك هذا فاسد الوضع؛ لأن الإجماع قد
رتب على هذه العِلَّة التي ذكرتها حكما هو نقيض ما رتبته عليها من
حكم، وذلك في مسح الخف، حيث لا يستحب فيه التكرار
إجماعا مع أنه مسح.
القسم الثاني: أن يرتب المستدل على المعنى الجامع حكما هو ضد
لما يقتضيه ذلك المعنى، وهذا يفهم من مقتضى أصول الشريعة،
ومعرفة مقاصدها كأن يرتب المستدل على المعنى الجامع حكما خفيفا
مع أن هذا المعنى يقتضي التثقيل والتغليظ، أو يرتب عليه حكما
واسعاً وهو يقتضي التضيق.
فمثال الأول - وهو: أن يرتب المستدل على المعنى الجامع حكما
خفيفا مع أنه يقتضي التغليظ - قول المستدل: من أفطر في نهار
رمضان عامداً، فلا كفارة عليه؛ لأنه أفطر بما يصح وقوعه من
الواحد، فلا تجب عليه الكفارة، قياسا على ما لو أفطر في السفر.
فيقول المعترض: قياسك هذا فاسد الوضع؛ لأنك علَّقت على
المعنى الجامع الذي يقتضي التشديد والتغليظ حكما خفيفا؛ وذلك
لأن الإفطار في نهار رمضان عمداً إثمه عظيم وشديد، فيناسب أن
توجب عليه الكفارة تشديداً وتغليظا حتى لا يعود لمثلها، ولا يكون
مقتضياً للتخفيف بسقوط الكفارة.
(5/2242)

ومثال الثاني - وهو: أن يرتب المستدل على المعنى الجامع حكما
واسعا مع أنه يقتضي التضييق - قول المستدل: الزكاة وجبت على
وجه الارتفاق لدفع حاجة الفقير، فكان أداؤها على التراخي؛ قياسا
على وجوب الدية على العاقلة.
فيقول المعترض: قياسك هذا فاسد الوضع؛ لأنك رتبت على
المعنى الذي يقتضي التضييق حكما بالتوسيع؛ حيث إن دفع الحاجة
يناسب المبادرة، لا التراخي.
(5/2243)

المطلب الثاني كيفية الجواب عن قادح فساد الوضع
لقد ذكرنا قسمين لقادح فساد الوضع، والجواب عن هذا القادح
يختلف باختلاف القسمين السابقين، فأقول:
أولاً: الجواب عن القسم الأول: أن يورد المستدل من الأجوبة
على النص والإجماع كما لو كان الاستدلال بهما ابتداء، فيقول
مثلاً: إن النص هذا منسوخا.
ويقول - أي: المستدل -: إني لا أرى الاستدلال بهذه الآية أو
ذاك الحديث من الوجه الذي أوردته أيها المعترض، كأن يستدل
المعترض بالمفهوم المخالف من الآية أو الحديث، وهو لا يرى
الاحتجاج به، أو يقول المستدل: إن الآية التي أتيت بها أيها
المعترض لها قراءة أخرى غير ما قرأت بها، أو يعترض بأن هذا
الحديث مرسل، والحديث المرسل غير حجَّة، أو أن في السند رجلا
غير ثقة، أو نحو ذلك.
ويقول في الإجماع: إن الإجماع الذي استندت إليه إجماع
سكوتي، وهو ليس بحُجَّة عندي، أو نحو ذلك.
مثال ذلك: قول المستدل: سؤر السبع نجس؛ لأنه سؤر سبع
ذي ناب، فكان نجسا كسؤر الكلب والخنزير.
فيقول المعترض: قياسك هذا فاسد الوضع؛ لأنك رتبت على
العلة ضد ما علقه الشارع عليها في قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "الهر سبع "
فجَعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - كونه سبعا عِلَّة للطهارة.
(5/2244)

فيجيب المستدل بقوله: هذه الرواية التي ذكر فيها التعليل بالسبعية
رواية ضعيفة هذا من جهة السند.
وهي غير صحيحة من جهة المتن؛ لأن التعليل بكونه سبعا منقوض
بالحكم بنجاسة سؤر الكلب فهو سبع، وقد حكم الشارع بنجاسة
سؤره بقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"إذا ولغ الكلب في إتاء أحدكم فليغسله سبعا ".
مثال جواب المستدل على اعتراض المعترض بالإجماع: ما سبق
من أنه يستحب تكرار مسح الرأس؛ قياسا على الاستجمار بالحجر،
فيقول المعترض: قياسك فاسد الوضع؛ لأن الإجماع قد رتب على
هذه العِلَّة التي ذكرتها حكما نقيض ما رتبته عليها من حكم، وذلك
في مسح الخف، حيث لا يستحب فيه التكرار إجماعا مع أنه مسح.
فيجيب المستدل بقوله: لم أرتب على هذه العِلَّة إلا ما تقتضيه،
وما رتبته من حكم هو مقتضى الوصف فيما ذكرت أيها المعترض،
فيستحب التكرار في مسح الخف، إلا أنه وجد مانع من التكرار؛
حيث إن تكرار مسح الخف يؤدي إلى تلفه.
ثانيا: الجواب عن القسم الثاني - وهو: أن يبين المستدل أنه ما
رتب على العِلَّة إلا ما تقتضيه -.
مثاله: قول المستدل: القتل عمداً معنى يوجب القتل، فلا
يوجب الكفارة؛ قياسا على الردة.
فيقول المعترض: قياسك هذا فاسد الوضع؛ لأنك قد رتبت على
العلَّة التي تقتضي التشديد حكما بالتخفيف؛ حيث إن عظم الجناية،
وهي: القتل يقتضي تشديد الحكم، لا تخفيفه بعدم إيجاب الكفارة.
فيجيب المستدل بقوله: لم أرتب على العِلَّة إلا ما اقتضته، لا
ضد ذلك؛ لأن تشديد وتغليظ عقوبة الجناية بإيجاب القصاص قد
بلغ الغاية في العقوبة، فلا يغلظ فيه بوجه آخر بإيجاب الكفارة.
(5/2245)

المبحث الحادي عشر في قادح فساد الاعتبار
ويشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: في بيان المراد منه.
المطلب الثاني: كيفية الجواب عنه.
المطلب الثالث: الفرق بينه وبين فساد الوضع.
(5/2247)

المطلب الأول بيان المراد من قادح فساد الاعتبار
المراد منه: أن يبين المعترض: أن الحكم الذي دلَّ عليه قياس
المستدل مخالفا لدليل من الكتاب، أو السُّنَّة، أو الإجماع.
فالقياس إذا خالف نصا من كتاب أو سُنَّة، أو خالف إجماعا،
فإن القياس لا يعتبر؛ لأمرين:
أولهما: إجماع الصحابة - رضي اللَّه عنهم - فقد كانوا يقولون
بالقياس ويستدلون ويقرون به، ويستخرجون أحكام بعض الحوادث
المتجددة عن طريقه، ولكن بشرط: أن لا يكون الحكم الثابت عن
طريق القياس مخالفا لكتاب، أو سُنَّة، أو إجماع.
ثانيهما: حديث معاذ السابق الذكر في حجية القياس؛ حيث
جعل القياس في المرتبة الثالثة بعد الكتاب والسُّنَّة، فصوبه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقد سمي هذا بفساد الاعتبار؛ لأن اعتبار القياس مع النص
والإجماع اعتبار له مع دليل أقوى منه، وهو اعتبار فاسد للأمرين
السابقين.
(5/2249)

المطلب الثاني كيفية الجواب عن هذا القادح
إذا استدل المستدل على حكم حادثة بالقياس، ثم اعترض عليه
المعترض بقوله: إن قياسك هذا فاسد الاعتبار - أي: لا يعتبر -
حيث إنه مخالف لنص، أو إجماع، فإن المستدل يجيب عن ذلك
بإيراد المناقشات التي ترد على الاستدلال بالكتاب، أو السُّنَّة، أو
الإجماع ابتداء، وذلك بالتفصيل التالي:
أولاً: إذا قال المعترض: إن قياسك أيها المستدل قد خالف نصا
من الكتاب، وهي: قوله تعالى كذا، فإن المستدل يورد المناقشات
التي ترد على الاستدلال بالكتاب كما لو كان الاستدلال بالكتاب
مبتدأ، فيقول: مثلاً: إن الآية التي زعمت بانها تعارض قياسي
منسوخة.
أو يقول: إن الآية التي أوردتها أيها المعترض لها قراءة أخرى
توافق قياسي.
أو يقوم المستدل بتأويل الآية بأن يحملها على معنى غير ظاهر
بدليل يقتضي هذا الحمل، أو يقول: إن الآية دلَّت بعموم قد
خصص، وهو لا يرى الاستدلال بالعموم الذي خصص، أو يبين -
أي المستدل - أن هذه الآية معارضة بآية أخرى هي كذا، فتعارضت
الآيتان، فلم يتم الاستدلال بهما، وسلم القياس، وهكذا إلى آخر
الاعتراضات والمناقشات التي يمكن أن توجه إلى الاستدلال بالكتاب.
(5/2250)

مثال ذلك: قول المستدل: صوم رمضان مفروض، فاشترط له
تبييت النية، قياسا ضلى صوم القضاء.
فيقول المعترض اقياسك هذا فاسد الاعتبار؛ لأنه يخالف نصا
من القرآن، وهو قوله تعالى: (والصائمين والصائمات) إلى
آخر الآية، فهنا قد - أطلق الصيام، فيكون صحيحا دون تبييت النية.
فيجيب المستدل بقوله: أنا أمنع كون الآية ظاهرة الدلالة على
صحة الصوم دون تبييت النية، حيث إن الصيام فيها مطلق، ونحن
قيدناه بقوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل ".
ثانياً: إذا قال المعترض: إن قياسك هذا - أيها المستدل - قد
خالف نصا من السُّنَّة، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - كذا: فإن المستدل يورد المناقشات التي ترد على الاستدلال بالسُّنَّة، كما لو كان الاستدلال بالسُّنَّة ابتداء، فيورد عليه نفس المناقشات التي ذكرناها في الاستدلال بالكتاب، ويزيد على ذلك المناقشات والاعتراضات على السند بأن يقدح في عدالة أو حفظ راوي الحديث، أو أن يثبت أن راوي
الحديث قد خالف ما رواه، أو أن الرواية قد اختلفت، أو يثبت أن
هذا الحديث الذي ذكره المعترض معارض بحديث آخر فيتساقطان،
ويسلم قياسه، وهكذا إلى آخر الاعتراضات والمناقشات التي يمكن أن
توجه إلى الاستدلال بالسُّنَّة.
مثال ذلك: قول المستدل: لا يجوز السلم في الحيوان؛ لأنه غير
منضبط، قياساً على السلم في المختلطات.
فيقول المعترض: قياسك هذا فاسد الاعتبار؛ لأنه قد خالف
حديثا ثابتا عن - صلى الله عليه وسلم - وهو: " أنه رخص في السلم "، فلفظ "السلم " عام في جميع ما يمكن أن يكون فيه، وذلك لوجود " أل "
(5/2251)

الاستغراقية المفيدة للعموم، فيكون السلم فردا من أفراد هذا العموم،
فيجوز السلم فيه.
فيجيب المستدل بقوله: إن هذا الحديث يحمل على ما سوى
الحيوان مما يمكن ضبطه من المكيل والموزون، دلَّ على هذا الحمل
قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من أسلف في شيء ففي كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم ".
ثالثا: إذا قال المعترض: إن قياسك - أيها المستدل - قد خالف
إجماعا: فإن المستدل يورد المناقشات والاعتراضات التي ترد على
الاستدلال بالإجماع كما لو كان الاستدلال بالإجماع ابتداء، فيورد
عليه بأن لا يسلم أن هذا مجمع عليه، أو أن الطريق الذي ثبت به
هذا الإجماع مشكوك فيه، أو أن هذا الإجماع إجماع سكوتي،
والإجماع السكوتي ليس بحُجَّة عنده، أو غير ذلك.
مثال ذلك: قول المستدل: أن الرجل لا يجوز له أن يُغسِّل زوجته
المتوفاة؛ لأن الصلة التي بينه وبينها قد انقطعت، فلا يجوز نظره
إليها؛ قياسا على الأجنبية.
فيقول المعترض: قياسك هذا فاسد الاعتبار؛ لأنه قد خالف الإجماع،
وهو: أن عليا رضي اللَّه عنه قد غَسَّل فاطمة الزهراء بعد وفاتها،
ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فكان إجماعاً على جواز ذلك.
فيجيب المستدل بقوله: أنا أمنع صحة سند هذا الإجماع، فلم
يصح هذا عن علي رضي اللَّه عنه.
أو يقول: لو سلمت أن هذا وقع من علي، فإني لا أسلم كونه قد
اشتهر وسمع به كل الصحابة حتى يكون سكوتهم عن الإنكار إجماعا.
أوِ يقول: إن هذا ثبت عن طريق الإجماع السكوتي، وهو ليس
بحُجَّة عندي.
(5/2252)

المطلب الثالث الفرق بين قادح فساد الاعتبار وقادح فساد الوضع
بعض العلماء كالشيرازي وغيره - يجعل فساد الوضع وفساد
الاعتبار من باب ترادف الألفاظ، فيجعل أحدهما مغنيا عن الآخر.
وهذا ليس بصحيح، بل بينهما فرق؛ لذلك جعلت لكل واحد
له منهما مبحثا خاصا به، ووجه الفرق واضح من خلال حقيقة كل
واحد منهما.
وبيانه:
أنه إذا كان القياس على هيئة غير صالحة لأخذ الحكم منه مع أنه لم
يخالف نصا من كتاب أو سُنَّة، ولم يخالف إجماعا: فإن هذا يرد
عليه قادح فساد الوضع.
وإذا كان القياس على هيئة صالحة لأخذ الحكم منه مع أنه مخالف
لنص من كتاب أو سُنَّة، أو لإجماع: فإن هذا يرد عليه قادح فساد
الاعتبار.
وقد يجتمعان بأن يكون القياس على هيئة غير صالحة لأخذ الحكم
منه مع أنه قد خالف نصا أو إجماعا، فإن هذا يرد عليه القادحان
معا.
(5/2253)

المبحث الثاني عشر في قادح المعارضة في الأصل
ويشتمل على مطالب هي:
المطلب الأول: بيان المراد منه.
المطلب الثاني: بيان أنواعه.
المطلب الثالث: بيان حجيته.
المطلب الرابع: بيان أن المعترض لا يحتاج إلى دليل يشهد لوصفه
الذي اعترض به.
المطلب الخامس: بيان أنه على المعترض بيان انتفاء الوصف الذي
اعترض به عن الفرع.
المطلب السادس: بيان كيفية الجواب عن هذا القادح.
(5/2255)

المطلب الأول بيان المراد من قادح المعارضة في الأصل
المراد به: أن يبين المعترض معنى في الأصل الذي ذكره المستدل
يرى أنه العِلَّة غير ما ذكره المستدل، أو أنه جزء العِلَّة.
أي: أن المعارضة في الأصل هي: أن يذكر المعترض عِلَّة أخرى
في الأصل المقيس عليه غير العِلَّة التي علل بها المستدل، ويدعي
المعترض أن الحكم في الأصل نشأ بالعلَّة التي ذكرها لا بالعلَّة التي
ذكرها المستدل، وهذه العِلَّة التي ذكرهاً المعترض معدومة في الفرع.
مثاله: قول المستدل الحنفي - في عدم وجوب تبييت النية في
صوم الفرض -: إن صوم الفرض صوم عين فيؤدى بالنية قبل
الزوال؛ قياسا على صوم النفل.
فيقول المعترض: ليس المعنى في الأصل - وهو صوم النفل - هو
ما ذكرت، بل المعنى فيه: أن النفل مبني على السهولة والتخفيف،
ولهذا جاز أداؤه بنية متاخرة من الشروع، وهذه العِلَّة لا توجد في
الفرع، وهو - صوم الفرض - وعليه فلا يجوز قياسه على صوم
النفل.
(5/2257)

المطلب الثاني بيان أنواع المعارضة في الأصل
قادح المعارضة في الأصل يتنوع من حيث استقلال العِلَّة التي يبديها
المعترض وعدم استقلالها إلى ثلاثة أنواع.
النوع الأول: أن يكون ما أبداه المعترض مستقلاً بالتعليل.
مثاله: قول المستدل: لا يجوز بيع الفواكه متفاضلاً؛ قياساً على
البر بجامع كونهما طعاما.
فيقول المعترض: ليست العِلَّة فى الأصل كونه مطعوما، وإنما
العلَّة هي: كونه مدخراً، وهذه العلة لا توجد في الفرع الذي هو
الفَواكه؛ حيث إنها لا تدخر، وعليه: فلا يجوز قياس الفواكه على
البر.
النوع الثاني: أن يكون ما أبداه المعترض جزءا من العِلَّة.
مثاله: قول المستدل: يجب القصاص على من قتل بالمثقل؛
قياسا على من قتل بالمحدد، والعِلَّة الجامعة بينهما: القتل العمد
العدوان.
فيقول المعترض: ليست العِلَّة في الأصل هي ما ذكرت، فقط،
بل لا بد أن تزاد جزءاً وهو لفظ: " بجارح "، فتكون العِلَّة كاملة
هي: القتل العمد العدوان بجارح، وهذه لا توجد فيَ الفرع،
وهو القتل بالمثقل، وعليه: فلا يقاس على القتل بالمحدد.
(5/2258)

النوع الثالث: أن يكون ما أبداه المعترض تقييداً لعِلة المستدل
المطلقة.
مثاله: قول المستدل: الذي يتحول من اليهودية إلى النصرانية،
أو العكس فإنه يُقتل؛ لأنه بدَّل دينه، قياسا على المرتد.
فيقول المعترض: ليست العِلَّة في الأصل على إطلاقها، بل إنا
قلنا: إن المرتد يُقتل استدلالاً بقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"من بدَّل دينه فاقتلوه "؛ حيث إنه خاص بتبديل الإسلام بالكفر فقط، وليست العِلَّة هي مطلق التبديل.
(5/2259)

المطلب الثالث في حجية قادح المعارضة في الأصل
هذا القادح حُجَّة، فللمعترض إيراد المعارضة في الأصل على
التعريف السابق، وهذا هو مذهب جمهور العلماء وهو الحق؛
لدليلين:
الدليل الأول: أنه يحتمل أن يكون الوصف الذي ذكره المستدل
علة لحكم الأصل استقلالأ، ويحتمل أن يكون الوصف الذي ذكره
المعترض هو علَّة حكم الأصل استقلالاً، أو جزءا من العِلَّة،
والاحتمالان متسَاويان؛ حيث إن الوصفين متساوس في اقتضاء الحكم
فترجيح أحدهما دون الآخر تحكم، وينتج من ذلك: أنه يجوز
للمعترض إيراد المعارضة في الأصل، فإن استطاع المسمتذل الجواب
عنه، وإلا يقدح هذا القادح القياس ويبطله.
اعتراض:
قال قائل - معترضا -: لا أسلم المساواة بين وصف المستدل
والوصف الذي أبداه المعترض، بل إن وصف المستدل يرجح على
وصف المعترض؛ لأن اعتبار وصف المستدل يؤدي إلى توسيع دائرة
الأحكام؛ لأنه يعدي الحكم إلى الفرع، وبخلاف وصف المعترض
- الذي لا يوجد في الفرع - فإنه لا يعدي الحكم إلى الفرع.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
(5/2260)

الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ هذا الوجه الذي ذكرته لترجيح وصف
المستدل أن يكون عِلَّة - وهو توسيع دائرة الأحكام - لأمرين:
أولهما: أن هذا ليس مسلكا لإثبات كون الوصف عِلَّة.
ثانيهما: أن هذا الاستدلال يؤدي إلى الدور؛ حيث يتوقف كونه
عِلة على توسيع الأحكام، وتوسيع الأحكام يتوقف على كونه عِلَّة.
الجواب الثاني: على فرض صحة هذا الوجه الذي ذكرته من وجه
الترجيح، إلا أنه معارض بما يدل على ترجيح وصف المعترض،
فالمعترض أيضا مجتهد قد أبدى لنا وصفا اعتبره هو عِلَّة الحكم، فإذا
اعتبرنا وصف المستدل، ولم نقبل وصف المعترض، فقد تحكمنا
وأثبتنا الحكم في الفرع، وإثبات حكم الفرع خلاف الأصل؛ لأن
الأصل عدم الحكم في الفرع.
الدليل الثاني: أن المستدل قد التزم بإيراد وصف يصح التعليل به،
ومن ضرورة صحة التعليل بأي وصف سلامته مما يعارضه، أي: من
شروط الوصف الذي يصلح للتعليل به أن لا يعارضه شيء من
الأوصاف الأخرى كما سبق بيانه في المطلب التاسع عشر من المبحث
الثالث من الفصل الثالث.
(5/2261)

المطلب الرابع بيان أن المعترض لا يحتاج إلى دليل يشهد لوصفه
الذي اعترض به
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن حاصل المعارضة
هو نفي ثبوت الحكم في الفرع بالعِلَّة التي ذكرها المستدل، ويكفي
المعترض في تحقيق هذا النفي أن يثبت أن جملَّة المستدل غير مستقلة،
ولا يحتاج المعترض في إثبات أن ما أبداه من الوصف مستقل
بالتعليل؛ لأن إثبات كون ما أبداه جزء العِلَّة يحقق المطلوب، فما
أبداه المعترض قد لا يكون عِلَّة بل جزء منَ العلَّة - وحينئذ فهو لا
يؤثر - من حيث هو - في أصَل، حتى يقال يحتاج إلى أصل ودليل
يشهد له.
(5/2262)

المطلب الخامس بيان أنه على المعترض بيان انتفاء الوصف
الذي اعترض به عن الفرع
وهو مذهب الباجي، وبعض العلماء، وهو الحق؛ لأن مقصود
المعترض بإيراده للوصف الذي اعترض به على وصف المستدل هو:
بيان الفرق بين الأصل والفرع، ولا يتم هذا المقصود إلا بنفي ما أبداه
من الوصف عن الفرع؛ لأنه لا يتم مقصوده إلا بذلك، فوجب
عليه، من باب ما لا يتم الواجب إلا به.
وقد ذكرت عدداً من الأمثلة على ذلك فيما سبق.
(5/2263)

المطلب السادس بيان كيفية الجواب عن قادح المعارضة في الأصل
إذا أراد المستدل أن يجيب عن اعتراض المعترض بهذا القادح، فإنه
يجيب بأحد الطرق التالية:
الطريق الأول: أن يمنع المستدل وجود الوصف الذي أورده
المعترض في الأصل.
مثاله: قول المستدل في وجوب القصاص من القاتل بالمثقل قياسا
على القاتل بالمحدد بجامع: القتل العمد العدوان.
فيقول المعترض: ليست العِلَّة كما ذكرت، بل هي: القتل العمد
العدوان بجارح.
فيجيب المستدل: أنا أمنع كون وصف " جارح " يضاف إلى العِلَّة
وهي: القتل العمد العدوان؛ حيث إن العبرة بإزهاق الروح عن
طريق العمد العدوان.
الطريق الثاني: أن يبين المستدل أن الوصف الذي أبداه المعترض
ملغى.
مثاله: قول المستدل: لا يجوز بيع الأرز بالأرز متفاضلاً؛ قياسا
على البر بجامع الطعم.
فيقول المعترض: ليست العلَّة كما ذكرت، ولكن العلَّة في
الأصل هي: كونه مطعوما، وكون لونه يميل للحمرة.
(5/2264)

فيجيب المستدل بقوله: إن وصف الحمرة ملغى شرعا؛ لأنه وصف
طردي لا يؤثر في الأحكام.
الطريق الثالث: أن يبين المستدل أن ما ذكره قد استقل بالتعليل
بظاهر نص أو إجماع، دون ما أبداه المعترض.
مثال ذلك: قول المستدل: الأرز مطعوم، فيجري فيه الربا؛
قياسا على البر.
فيقول المعترض: العِلَّة عندي هي: كونه مكيلاً.
فيجيب المستدل بقوله: إن هناك نصا قد دزَ على اعتبار التعليل
بالطعم، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"الطعام بالطعام مثلاً بمثل ".
الطريق الرابع: أن يبين المستدل استقلال وصفه بالتعليل، وذلك
بإثبات الحكم في صورة دون وصف المعترض.
مثاله: قول المستدل: إذا أمَّن العبد الحربي فإنه يجوز؛ لأنه أمان
من مسلم عاقل، فجاز قياسا على الحر.
فيقول المعترض: العلَّة في الاصل عندي هي: الإسلام،
والعقل، والحرية؛ لأن الحرية تمكنه من إظهار مصالح الأمان أكمل.
فيجيب المستدل بقوله: إن ما ذكرته من الإسلام والعقل مستقل
بالتعليل، وذلك في صورة العبد الذي أذن له العبد في أن يقاتل،
فيكون - على هذا - وصف الحرية ملغى.
(5/2265)

المبحث الثالث عشر في قادح المعارضة في الفرع
ويشتمل على مطالب هي كما يلي:
المطلب الأول: في بيان المراد منه وأقسامه.
المطلب الثاني: في بيان حجيته.
المطلب الثالث: في بيان كيفية الجواب عنه.
(5/2267)

المطلب الأول في بيان المراد منه، وبيان أقسامه
المراد من قادح المعارضة في الفرع: أن يُبين المعترض في الفرع ما
يقتضي نقيض حكم المستدل في الفرع إما بنص، أو إجماع، أو
بوجود وصف مانع للحكم، أو بفوات شرط للحكم.
أقسام هذا القادح:
لقد تبين من التعريف أن هذا القادح ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: معارضة قياس المستدل بالنص أو الإجماع.
فيذكر المعترض دليلاً آكد من قياس المستدل من نص أو إجماع يدل
على خلاف ما دلَّ عليه قياسه، فيتبين بذلك أن ما ذكره المستدل فاسد
الاعتبار؛ نظراً لمخالفة قياسه للنص أو الإجماع، وهذا مذكور في
قادح فساد الاعتبار، وقد سبق بيان ذلك بالتفصيل في المبحث الحادي
عشر من هذا الفصل.
القسم الثاني: معارضة قياس المستدل بالوصف.
ومعناه: أن يقول المعترض: ما ذكرته أيها المستدل من الوصف
وإن اقتضى ثبوت الحكم في الفرع إلا أن عندي وصفا آخر يقتضي
نقيض الحكم الذي تريد إثباته.
وهذا هو المراد من قادح المعارضة في الفرع.
(5/2269)

وينبغي أن تتنبه إلى أن هذا الوصف الذي أبداه المعترض يحتاج إلى
أصل يرد إليه، ويحتاج إلى أن يكون ثابتا، ولا بد أن يكون ثبوته
بمسلك من المسالك المثبتة لعلية الوصف، ولا يشترط أن يكون
بالمسلك الذي أثبت به المستدل علية وصفه.
فالمعترض - في هذا - كالمستدل في كيفية إثباته لعلية الوصف،
فكما أن المستدل يحتاج لإثبات علية وصفه، فكذلك المعترض.
مثاله: قول المستدل: الوضوء طهارة عن حدث، فافتقرت إلى
النية؛ قياساً على التيمم.
فيقول المعترض: الوضوء طهارة بالماء، فلم تفتقر إلى النية؛
قياساً على إزالة النجاسة.
فهنا المستدل قد استند إلى " أصل "، و " عِلَّة ":
فالأصل هو: التيمم، والعِلَّة هي: الطهارة من الحدث.
وهو يرى: أن هذه العلَّة يشترك فيها الفرع - الذي هو الوضوء -
والأصل - الذي هو التيمم -، فيثبت في الفرع الحكم الثابت في
الأصل وهو: وجوب النية.
أما المعترض هنا فهو لم يسلم بهذا القياس، فأبدى في الفرع
وصفاً آخر قد استند فيه إلى أصل آخر، وهذا الوصف هو: كونه
طهارة بالماء، والأصل هو: إزالة النجاسة.
وهذا الوصف الذي أبداه المعترض قد عارض به ثبوت حكم
المستدل في الفرع: فيقتضي وصف المعترض في الفرع عدم وجوب
النية، ويقتضي وصف المستدل وجوب النية، إذن اقتضى وصف
المعترض في الفرع ضد ما اقتضاه وصف المستدل. "
(5/2270)

المطلب الثاني بيان حجيته
قادح المعارضة في الفرع حُجَّة كقادح المعارضة في الأصل.
أي: أن للمعترض إيراد المعارضة في الفرع - هو رأي جمهور
العلماء - وهو الحق؛ لأن مقصود المستدل إثبات حكم الأصل في
الفرع بواسطة العلَّة المشتركة بينهما، وهذا المقصود لا يمكن أن يتم
إلا إذا غلب على الظن عدم وجود المعارض لتلك العلَّة؛ حيث إنا
قد بينا في المطلب التاسع عشر من المبحث الثالث من الفصل
الثالث: أنه يشترط في العِلَّة عدم وجود ما يعارضها.
(5/2271)

المطلب الثالث في بيان كيفية الجواب عن قادح المعارضة في الفرع
المستدل يجيب عما أورده المعترض في المعارضة في الفرع بما يرد
على المستدل من اعتراضات ابتداء.
فيقول المستدل - مثلاً -: إن قياسك الذي عارضتني به فاسد
الوضع، أو فاسد الاعتبار، أو علتك التي استندت إليها منقوضة،
أو غير مؤثرة، أو الحكم في الأصل ممنوع، أو إلى آخر تلك
الأجوبة التي ترد على المستدل ابتداء قدحا في قياسه.
تنبيه: بعض العلماء ذكر بعد ذلك قادح الفرق وتكلم عنه على أنه
قادح منفرد.
والحق: أنه لا يخرج عن قادح المعارضة في الأصل أو في الفرع
لذلك ترك ذكره كثير من العلماء.
والجواب عنه لا يخرج عما ذكرناه في جواب المعارضة في الأصل
والفرع.
(5/2272)

المبحث الرابع عشر في قادح عدم التأثير
ويشتمل على ما يلي من المطالب:
المطلب الأول: بيان المراد منه.
المطلب الثاني: بيان أن هذا القادح خاص بقياس المعنى إذا كانت
علته مستنبطة.
المطلب الثالث: أقسامه.
المطلب الرابع: كيفية الجواب عنه.
المطلب الخامس: بيان سبب إفراد هذا القادح في هذا المبحث.
(5/2273)

المطلب الأول بيان المراد من قادح عدم التأثير
المراد منه: أن يبين المعترض أن الوصف الذي ذكره المستدل لا مناسبة
فيه للحكم، ولا أثر له فيه فيبقى الحكم بدون ذلك الوصف.
أي: أن تأثير العلَّة في الحكم معناه: انتفاء الحكم عند انتفاء
الوصف في نفس المحل الذي ثبتت علية الوصف فيه، فيكون على
هذا معنى عدم التأثير: وجود الحكم بدون الوصف في المحل الذي
ثبتت عليته فيه.
مثاله: قول المستدل: الغائب مبيع غير مرئي فلا يصح بيعه
كالطير في الهواء.
فهنا: جعل المستدل العِلَّة في عدم صحة بيع الطير في الهواء:
كونه غير مرئي ليلحق الغائب به في هذه العِلَّة.
فيقول المعترض: هذه العلَّة لا تأثير لها في الأصل المقاس عليه،
- وهو الطير -؛ لأن عدمَ الصحة يوجد في الطير ولو كان مرئيا؛
حيث إنه معلوم أن الطير في الهواء لا يجوز بيعه، سواء كان مرئيا
أو غير مرئي؛ لعدم القدرة على تسليمه، إذن يكون الوصف الذي
ذكره المستدل غير مؤثر في الحكم؛ لوجود الحكم بدونه.
(5/2275)

المطلب الثاني بيان أن هذا القادح خاص بقياس المعنى
إذا كانت علته مستنبطة
لقد اتضح من تعريف قادح عدم التأثير: أن معناه: أن الوصف
لا مناسبة فيه للحكم، وهذا يجعل هذا القادح مختصا بقياس المعنى
وهو: ما ثبتت فيه علية الوصف المشترك بين الأصل والفرع بالمناسبة؛
حيث إنه هو الذي يشتمل على المناسب.
أما غيره كقياس الشبه، فلا يتصور معه قادح عدم التأثير؛ لأن
المستدل بقياس الشبه لم يقيم قياسه فيه على المناسبة، فلا يمكن أن
يرد عليه هذا القادح.
كذلك هذا القادح خاص بالعلَّة المستنبطة الاجتهادية المختلف فيها،
فلا يتصوَّر في العلَّة المنصوصة، ولا المستنبطة المجمع عليها، وذلك
لأن كلًّا من المنصوصة والمجمع عليها لا بدَّ فيهما من المناسبة؛ صونا
للنص والإجماع عن الخطأ، ومن هنا لا يصح أن يرد عليهما هذا
القادح، وهو عدم التأثير.
أما المستنبطة فنظراً لكونها واردة من المجتهد، ومن فعله واستنباطه
فإنه يرد عليها هذا القادح، وهو عدم تأثيرها.
(5/2276)

المطلب الثالث أقسام عدم التأثير
ينقسم هذا القادح إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: عدم التأثير في الوصف.
القسم الثاني: عدم التأثير في الأصل.
القسم الثالث: عدم التأثير في الحكم.
القسم الرابع: عدم التأثير في الفرع.
أما القسم الأول - وهو: عدم التأثير في الوصف - فهو: أن
يبين المعترض أن الوصف الذي أورده المستدل في قياسه طرديا، لا
مناسبة فيه، ولا شبه.
مثاله: قول المستدل: صلاة الصبح صلاة لا تقصر، فلا يقدم
آذانها قبل وقتها، قياسا على صلاة المغرب.
فيقول المعترض: إن الوصف الذي عللت به - وهو عدم القصر -
إنما هو تعليل بوصف طردي لا مناسبة فيه لعدم التقديم بدليل: أن
عدم التقديم للآذان موجود حتى في الصلاة التي تقصر.
أما القسم الثاني - وهو: عدم التأثير في الأصل - فهو: أن يُبين
المعترض أن الوصف الذي علل به المستدل في الأصل الذي قاس عليه
مستغنى "عنه، ويذكر - أي: المعترض - وصفا آخر فيه مستقلاً
بإثبات الحكم.
(5/2277)

مثاله: قول المستدل: المبيع الغائب مبيع لم يره العاقد، فلا يجوز
بيعه؛ قياسا على الطير في الهواء.
فيقول المعترض: إن ما ذكرته من الوصف - وهو: عدم الرؤية -
وإن كان مناسباً لنفي الصحة، إلا أنه يغني عنه وصف عدم القدرة
على التسليم، فيكون ما ذكرته وصفا غير مؤثر في حكم هذا
الأصل؛ نظراً لوجود وصف آخر يغني عنه؛ حيث إن المؤثر في
الحكم هو وصف القدرة على التسليم، وعلى هذا: فإنه لو حصلت
الرؤية ولم تتحقق القدرة على التسليم، فإن البيع لا يصح.
أما القسم الثالث - وهو: عدم التأثير في الحكم - فهو: أن يُبين
المعترض أن المستدل قد ذكر في الدليل وصفا لا تأثير له في الحكم
المعلل، أو تقول: معناه: أن تكون العِلَّة مشتملة على وصف
مستغنى عنه في إثبات الحكم؛ حيث إن الحكم يثبت بدونه.
مثاله: قول المستدل: صلاة الجمعة صلاة مفروضة، فلا تفتقر
إلى إذن الإمام لإقامتها؛ قياسا على غيرها من الصلوات المفروضة.
فيقول المعترض: إن وصف " مفروضة " الوارد في قياسك لا
تأثير له في حكم الأصل، فلا حاجة إليه؛ حيث إنه لو حذف،
فإن العِلَّة لا تنتقض؛ لأن الفرض والنفل في هذا سواء في أن كلاً
منهما لا يحتاج إلى إذن الإمام.
مثال آخر: قول المستدل: المرتد ترك الصلاة بمعصية فقضاؤها
يجب عليه؛ قياسا على السكران.
فيقول المعترض: إن الوصف الذي ذكرته - وهو: المعصية - لا
تأثير له في إثبات حكم الأصل؛ حيث إن السكران يجب عليه قضاء
(5/2278)

الصلاة، وإن لم يكن عاصيا بسكره؛ كما لو شرب الخمر مكرها،
أو شربه لإزالة لقمة قد غص بها.
أما القسم الرابع - وهو: عدم التأثير في الفرع - فهو: أن يُبين
المعترض أن المستدل قد ذكر وصفا وإن كان مناسبا، إلا أنه لا يوجد
في جميع صور الفرع.
مثاله: قول المستدل: المرأة التي تولت عقد نكاحها زوجت نفسها
بغير إذن وليها وبغير كفء، فلم يصح نكاحها؛ قياساً على ما لو
زوجها وليها بغير كفء.
فيقول المعترض: إن الوصف الذي ذكرته وهو: وصف الزواج
بغير كفء وإن كان مناسبا لعدم صحة النكاح، إلا أنه لا يوجد في
جميع صور الفرع وهو: تزويج المرأة انفسها مطلقا بكفء وبغير
كفء.
أي: أن كون الزواج من غير كفء لا أثر له؛ لأن النزاع واقع
فيما إذا زوجت نفسها مطلقا: من الكفء أو من غير الكفء،
وحكمهما سواء فلا أثر له.
(5/2279)

المطلب الرابع كيفية الجواب عن قادح عدم التأثير
لقد قلنا: إن قادح عدم التأثير ينقسم إلى أربعة أقسام وهي:
عدم التأثير في الوصف.
عدم التأثير في الأصل.
عدم التأثير في الحكم.
عدم التأثير في الفرع.
ولكل قسم جواب، ولبيان ذلك لا بد من التفصيل الآتي:
أولاً: قد تبين أن عدم التأثير في الوصف - وهو القسم الأول -
معناه: كون الوصف لا مناسبة فيه، ولا شبه، فيكون طرديا، وهو
بهذا التفسير راجع إلى قادح منع كون الوصف عِلَّة الذي فصلنا
الكلام عنه في المبحث السادس من هذا الفصل، فيكون - على
هذا - الجواب عنه مثل الجواب عن قادح منع كون الوصف علَّة،
فارجع إليه.
ثانياً: قد تبين أن عدم التأثير في الأصل - وهو القسم الثاني -
معناه: كون الوصف الذي ذكره المستدل في الأصل مستغنى عنه
بالوصف الذي أظهره المعترض، وهو بهذا التفسير راجع إلى قادح
المعارضة في الأصل بمعنى آخر؛ وذلك لأن المستدل يذكر وصفا،
والمعترض يذكر وصفا آخر، وقد فصلنا الكلام عن ذلك في المبحث
(5/2280)

الثاني عشر من هذا الفصل، وعلى هذا يكون الجواب عن هذا
القسم هو نفس الجواب عن قادح المعارضة في الأصل.
ثالثاً: قد تبين أن عدم التأثير في الحكم - وهو القسم الثالث -
معناه: أن يذكر المستدل وصفة لا تأثير له في الحكم، وهو بهذا
التفسير راجع إلى القسم الأول - وهو: كون الوصف لا تأثير له
وهو الطردي، وإذا كان راجعا إلى القسم الأول، والقسم الأول
- كما قلنا - راجع إلى قادح منع كون الوصف عِلَّة، فيكون - على
هذا - جوابه نفس جواب قادح منع كون الوصف عِلَّة.
رابعا: قد تبين أن عدم التأثير في الفرع - وهو القسم الرابع -
معناه: اشتمال عِلَّة المستدل على وصف مقيد بصورة من محل
الخلاف، بحيث لا تطرد العِلَّة معه في جميع صور محل الخلاف،
وهو بهذا التفسير راجع إلى القسم الثالث - وهو عدم تأثير الوصف
في الحكم -، وذلك لأن الوصف الذي ورد مقيداً بصورة جعل
العِلة لا تطرد معه في جميع صور الفرع، فكان الوصف مع وجوده
غير مؤثر في الحكم في جميع صور الفرع، وإذا كان راجعا إلى
القسم الثالث، والقسم الثالث راجع - كما قلنا - إلى القسم
الأول، والقسم الأول راجع إلى قادح منع كون الوصف عِلَّة: فيكون
- على هذا - الجواب عن هذا القسم هو نفس الجواب عن قادح منع
كون الوصف عِلَّة المذكور بالتفصيل في المبحث السادس من - هذا
الفصل.
وإليك مثالاً على طريقة الجواب عن هذا القادح وهو: قول
المستدل: المرأة المرتدة كفرت بعد إسنلام، فتستحق القتل قياسا على
الرجل.
(5/2281)

فيقول المعترض: قولك: " كفرت بعد إسلام " وصف لا تأئير له
في حكم الأصل وهو الرجل؛ لأن الرجل يقتل بالكفر وإن كان
أصلياً.
فيجيب المستدل بقوله: إن الوصف الذي ذكرته قد ثبت تأثيره
بالنص، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -:
" لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث:
رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسا بغيرحق ".
(5/2282)

المطلب الخامس بيان سبب إفراد هذا القادح في هذا المبحث
لو دققت النظر لوجدت أن الأقسام الأربعة قد انحصرت في
قسمين فقط وهما:
القسم الأول: عدم التأثير في الوصف.
القسم الثاني: عدم التأثير في الأصل.
أما القسم الأول: فهو راجع إلى قادح منع كون الوصف عِلَّة.
وأما القسم الثاني: فهو راجع إلى قادح المعارضة في الأصل.
فإذا كان الأمر كذلك، فما سبب إفراده بهذا المبحث؟
أقول: إن سبب ذلك هو كثرة استعمال العلماء له على هذا
المصطلح في مناظراتهم ومجادلاتهم، ومناقشاتهم، ومحاوراتهم في
الفروع، حيث إنهم كثيراً ما يرددون قولهم: " إن عدم التأثير
موجب لفساد العِلَّة ".
(5/2283)

المبحث الخامس عشر في قادح الكسر
ويشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: بيان المراد منه.
المطلب الثاني: بيان حجيته.
المطلب الثالث: بيان كيفية الجواب عنه.
(5/2285)

المطلب الأول بيان المراد من قادح الكسر
المراد منه: أن يُبين المعترض عدم تأثير أحد وصفي العِلَّة ونقض
الوصف الآخر.
ومعناه؛ أن العِلَّة تكون مركبة من وصفين:
أحدهما: لا تأثير له، أي: يوجد الحكم بدونه.
الثاني: أنه منقوض، أي: يوجد، والحكم يتخلف عنه.
فالكسر - على هذا - مركب من قادحين قد سبق الكلام عنهما،
هما:
1 - قادح النقض الذي سبق الكلام عنه في المطلب الثامن من
هذا الفصل.
2 - قادح عدم التأثير الذي سبق الكلام عنه في المطلب الرابع
عشر من هذا الفصل.
مثاله: قول المستدل: لا يجوز بيع الغائب؛ لأنه مبيع مجهول
الصفة عند العاقد حال العقد، فلم يصح؛ قياساً على ما لو قال:
بعتك ثوبا.
فيقول المعترض: هذا القياس منكر بما لو عقد على امرأة لم يرها؛
فإنها مجهولة الصفة عند العاقد حال العقد، ومع ذلك صح العقد.
(5/2287)

فالعِلة في هذا القياس مركبة من وصفين هما: " كونه مبيعا "،
و" كونه مجهول الصفة ".
والمعترض لم يعتبر الوصف الأول - وهو: كونه مبيعا -؛ لأنه
لا تأثير له عنده؛ حيث إن المرهون والمستأجر كالمبيع.
أما الوصف الثاني - وهو: كونه مجهول الصفة - قد نقضه
المعترض بقوله: ليس كل مجهول الصفة لا يصح العقد عليه؛ حيث
إنه يصح العقد على امرأة لم يرها.
(5/2288)

المطلب الثاني بيان حجية قادح الكسر
هذا القادح حُجَّة، أي: للمعترض أن يوجه هذا القادح إلى عِلَّة
المستدل المتكونة من أوصاف، وهو مذهب البيضاوي، وأبي إسحاق
الشيرازي، وأبي الوليد الباجي، وتاج الدين ابن السبكي،
والإسنوي، وفخر الدين الرازي، وهو الحق عندي؛ لأن العِلَّة إما
أن تكون مجموع أوصاف، وإما أن تكون بعضا منها.
أما كونها مجموع الأوصاف فباطل؛ لأن المعترض قد بين أن أحد
هذه الأوصاف لا أثر له.
فلم يبق إلا الاحتمال الثاني وهو كون بعض الأوصاف هو العلَّة،
والمعترض - في هذا القادح - قد أورد على الوصف الباقي النقض،
فيكون باطلاً.
اعتراض:
قال قائل - معترضاً -: إن هذا القادح وهو الكسر يؤول في نهاية
الأمر إلى النقض، فلا داعي لذكره منفرداً.
جوابه: إنه يوجد فرق بينهما، والفرق من وجهين:
الوجه الأول: أن الكسر وإن آل إلى النقض - وهو نقض ما ثبت
أنه عِلَّة - إلا أنا لم نتوصل إلى ذلك إلا بعد أن سبقه مرحلة وهي:
بيان عدم تأثير أحد الوصفين.
الوجه الثاني: أن الكسر - كما اتضح من حقيقته - لا يكون إلا
في العِلَّة المركبة من وصفين أو أكثر.
(5/2289)

المطلب الثالث في بيان كيفية الجواب عن قادح الكسر
يجيب المستدل عن هذا القادح بأحد طريقين هما:
الطريق الأول: أن يبين المستدل أن ما أسقطه المعترض وصف مؤثر
بدليل يقيمه على ذلك، أو أن يبين أن هذا الوصف هو مؤثر عنده
فقط، بيان ذلك:
إن أسقط المعترض وصفا مؤثرأ، فإن المستدل له أن يبين أن ما
أسقطه من الوصف هو مؤثر بأن يقيم الدليل على كونه مؤثرا.
مثاله: قول المستدل: إن كل ما تحقق فيه الطعم مطعوم جنس،
فلا يجوز التفاضل في بيعه؛ قياسا على البر.
فيقول المعترض: وصف الطعم الذي ذكرته منقوض ببيع الحنطة
بالشعير فهما مطعومان، ولا يحرم التفاضل بينهما.
فيجيب المستدل بقوله: إن الوصف الذي أسقطته وهو: "الجنس "
هو وصف مؤثر قد ثبت ذلك بالدليل، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: " فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد "،
وما دل عليه الدليل الشرعي الصحيح، فلا يجوز إسقاطه.
وإن أسقط المعترض وصفا قد اختلف في تأثيره، فإن المستدل له
أن يبين أن ما أسقطه المعترض هو مؤثر عنده، وإن لم يكن مؤثرا
عند المعترض.
(5/2290)

الطريق الثاني: أن يبين المستدل فرقا بين ما ذكره هو وبين ما أورده
المعترض في صورة الكسر.
مثاله: ما سبق وهو: قياس المستدل بيع الغائب على ما لو قال:
بعتك ثوبا.
فقال المعترض؛ هذا منكسر بما إذا عقد على امرأة لم يرها.
فيجيب المستدل بقوله: إن هناك فرقا بين ما أوردته من العلَّة، وما
أوردته - أيها المعترض -، فالنكاح ليس كالبيع في الجهالة؛ لأن
للجهالة في التأثير في عقد البيع ما ليس لها في عقد النكاح؛ حيث
يثبت الخيار بعد الرؤية في عقد البيع، ولا يثبت في عقد النكاح.
(5/2291)

المبحث السادس عشر في قادح القلب
ويشتمل على مطالب هي:
المطلب الأول في بيان المراد منه.
المطلب الثاني: في بيان حجيته، وأنه من باب المعارضة، وليس من
باب الإفساد.
المطلب الثالث: في بيان أنواعه.
المطلب الرابع: في بيان كيفية الجواب عنه.
(5/2293)

المطلب الأول المراد من قادح القلب
المراد منه: أن يبين المعترض حكما مخالفا لحكم المستدل بعِلَّة
المستدل وأصل المستدل.
مثاله: قول المستدل: إزالة النجاسة طهارة تراد لأجل الصلاة،
فلا تجوز إزالتها بغير الماء؛ قياسا على طهارة الحدث.
فيقول المعترض: إزالة النجاسة: طهارة تراد لأجل الصلاة،
فيجوز إزالتها بغير الماء؛ قياسا على طهارة الحدث.
فهنا قد اتفق المستدل والمعترض في العلَّة والأصل - كما تلاحظ -
ولكن المستدل أورد قياسه لإثبات عدم جَواز إزالة النجاسة بغير الماء.
أما المعترض فقد قلب على المستدل استدلاله، وقد استند إلى علَّة
المستدل وأصله؛ حيث أثبت بواسطتهما حكما في الفرع مخالفا
للحكم الذي أثبته المستدل.
(5/2295)

المطلب الثاني في بيان حجيته، وأنه معارضة
قادح القلب حُجَّة، أي: قادح في العِلَّة، وهو مذهب كثير من
العلماء، منهم الباقلاني، والآمدى، وفخر الدين الرازي، وإمام
الحرمين، وأبو إسحاق الشيرازي، وأبو يعلى، وتلميذاه: أبو
الخطاب، وابن عقيل، والدبوسى، والسرخسي، والقرافي،
والباجي، وغيرهم، وهو الحق؛ قياسا على الاستدلال بالنص
الشرعي، فكما أن النص الشرعي يستعمله المستدل للاستدلال به
على حكم شرعي، ويستعمله المعترض للاستدلال به على حكم آخر
كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -:
" لا ضرر ولا ضرار "،
فقد استدل به المستدل على أن الغاصب لخشبة قد وضعها
في بنائه لا يؤمر بنقض بنائه لأجل ذلك المغصوب " لأن في ذلك إضرارا به.
واستدل المعترض - أيضا - بهذا النص على أن منع صاحب
الخشبة المغصوبة منه لا يجوز؛ لأنها ملك له، ففي منعه حقه إضرار
فإذا جازت المشاركة في الاستدلال من النص، جازت المشاركة
في الاستدلال بالعِلَّة، لأن النص أصل للقياس، والمعترض قد شارك
- هنا - المستدل في عِلَّته.
وإذا ثبت أن القلب قادح في العلة فهو من باب المعارضة، وليس
(5/2296)

من باب الإفساد، وهو ما ذهب إليه جمهور العلماء، وهو الحق؛
بدليل: أن القلب لو كان مفسداً للعلَّة لما صح من المعترض إيراد
القلب؛ إذ كيف يستند المعترض إلى علَّة يرى أنها فاسدة، فالعلَّة
عند المعترض في قادح القلب - كما قلنَا سابقا - صحيحة، ولكن
استعملها المستدل في غير وجهها، كما استعمل بعض المجتهدين
النص على غير وجهه الصحيح.
(5/2297)

المطلب الثالث في بيان أنواعه
وهو يتنوع إلى أنواع، إليك بيانها:
النوع الأول: قلب الغرض منه إبطال مذهب المستدل صراحة، أو
ضمنا.
مثال ما يبين المعترض فيه إبطال مذهب المستدل صراحة: قول
المستدل - على وجوب مسح ربع الرأس -: مسح الرأس ركن في
الوضوء، فيكفي فيه أقل ما يطلق عليه الاسم كالوجه.
فيقول المعترض: مسح الرأس ركن في الوضوء، فلا يكفي فيه
الربع كالوجه.
فكان هذا القياس مبطلاً لمذهب المستدل صراحة؛ حيث إن قياس
المعترض نتج عنه: أن مسح الرأس لا يكفي فيه الربع، وقياس
المستدل نتج عنه: أن مسح الربع يكفي.
ومثال ما يبين المعترض فيه إبطال مذهب المستدل ضمنا وإلزاما:
قول المستدل - للاستدلال على اشتراط الصوم في الاعتكاف -:
الاعتكاف لبث محض، فلا يكون قربة بنفسه كالوقوف بعرفة.
فيقول المعترض: الاعتكاف لبث محض، فلا يشترط الصوم في
صحته؛ قياساً على الوقوف بعرفة.
(5/2298)

فكما تلاحظ فإن المستدل أراد بقياسه: إثبات اشتراط انضمام أمر
إلى الاعتكاف؛ حيث إن الاعتكاف بنفسه لا يكفي؛ كما هو الحال
في الوقوف بعرفة؛ حيث لا بد فيه من الإحرام، والأمر الذي يريد
المستدل أن ينضم إلى الاعتكاف هو الصوم إلا أنه لم يصرح به.
والمعترض - كما تلاحظ - قد صرح بالحكم الذي يريد إثباته؛
فهو قلب على المستدل استدلاله باعتماده على أصل المستدل وعلته،
مثبتا في الفرع حكما مخالفا لحكم المستدل، وهو بفعله هذا قد أبطل
مذهب المستدل الذي لم يصرح به.
النوع الثاني: قلب التسوية وهو: أن يكون في الأصل حكمان:
أحدهما: منتف عن الفرع بالاتفاق بين المعترض والمستدل، والحكم
الآخر مختلف فيه بينهما، فإذا قام المستدل بإثبات ذلك المختلف فيه
بالقياس على الأصل اعترضه المعترض بوجوب التسوية بين الحكمين
في الفرع بالقياس على الأصل، فيلزم من وجوب التسوية بينهما في
الفرع إبطال مذهب المستدل.
أي: أنه من لازم ثبوت هذه المساواة بين الحكمين في الفرع: أن
لا يثبت الحكم الذي أراده المستدل في الفرع؛ لأنه بالمساواة التحق
بالحكم المتفق على انتفائه عن الفرع.
مثاله: قول المستدل - للاستدلال على وقوع طلاق المكرَه -:
المكرَه مكلف مالك للعصمة، فيقع عليه الطلاق؛ قياسا على
المختار.
فيقول المعترض: المكرَه مكلف مالك للعصمة، فيستوي فيه
إقراره بالطلاق، وإيقاع الطلاق؛ قياسا على المختار.
(5/2299)

فهنا تلاحظ: أن الأصل الذي استند عليه المستدل في قياسه قد
اشتمل على أمرين هما: " الإقرار بالطلاق "، و " إيقاع الطلاق ".
وحكم الأول - وهو الإقرار بالطلاق - فقد اتفق على نفيه المستدل
والمعترض، أي: اتفقا على أن المكرَه لا يؤخد بإقراره بالطلاق؛
لسلب الاختيار عنه.
أما حكم الثاني - وهو إيقاع الطلاق - فقد اختلف المستدل
والمعترض فيه.
فالمستدل أراد بقياسه إثبات هذا الحكم - وهو إيقاع الطلاق في
الفرع - وهو المكرَه - وهو قول الحنفي.
والمعترض - وهو الشافعي - بين المساواة بين الحكمين في الفرع،
ومن لازم التسوية بينهما: أن ينتفي الحكم هذا، وهو إيقاع الطلاق
الذي أراد المستدل إثباته في الفرع - وهو المكرَه -.
النوع الثالث: قلب العِلَّة حكما والحكم عِلَّة، وهو: أن يورد
المستدل قياسه الذي اشتملَ على أصل وعِلَّة وحكم لإثبات ذلك
الحكم في فرع يرى أنه وجدت فيه عِلَّة الأصل، فينظر المعترض في
قياس المستدل، فيقلب ما كان عِلَّة إلى حكم، وما كان حكما إلى
علة؛ لبيان أن ما جعله المستدل علَّة لا يصح أن يكون عِلَّة؛ نظرا
لصحة جعله حكما، فيلزم من ذلك: أن لا يثبت في الفرع الحكم
الذي أراد المستدل إثباته فيه.
مثال ذلك: قول المستدل: يصح ظهار الذمي؛ لأن من صح
طلاقه صح ظهاره؛ قياسا على المسلم.
فيقول المعترض: المسلم صح طلاقه؛ لأنه صح ظهاره.
(5/2300)

فهنا المستدل - كما تلاحظ - أورد قياسه لإثبات أن الذمي إذا
صدر منه الظهار، فإن ظهاره يقع صحيحا، والأصل الذي قاسه
عليه هو السلم، والعِلَّة: صحة الطلاق، والحكم: صحة الظهار،
وهذه العِلَّة قد وجدت في الفرع، وهو الذمي؛ حيث يصح طلاقه،
فحينئذٍ يثبت فيه الحكم، وهو صحة الظهار.
أما المعترض فإنه - كما تلاحظ - نظر إلى العِلة والحكم الذين قد
اشتمل عليهما أصل المستدل فقلبهما، فجعل ما هو عِلَّة حكما، وما
هو حكم علَّة؛ حيث جعل العِلَّة صحة الظهار، والحكم هو:
حُجَّة الطلاق.
فيلزم من هذا: أن لا يثبت في الفرع - الذي هو الذمي - الحكم
الذي أراد المستدل إثباته فيه، فلا يصح الظهار منه؛ لأن العِلَّة التي
استند إليها المستدل لم تصح لإثبات ما أراده.
(5/2301)

المطلب الرابع في بيان كيفية الجواب عن قادح القلب
يختلف جواب المستدل عن قادح القلب باختلاف أنواعه، ولبيان
ذلك لا بد من التفصيل الآتي:
أولاً: الجواب عن النوع الأول:
يكون جواب المستدل عن قادح القلب الذي يبديه المعترض في هذا
النوع بما يرد على العلَّة المبتدأة: فيورد المستدل من أوجه الجواب ما
يورده على علَّة المعترض، كما لو كان المعترض قد جاء بعلَّة أخرى
غير العِلَّة التي قد جاء بها المستدل، فله - أي: للمستدل - أن
يجيب بعدم التأثير أو بفساد الوضع، أو بفساد الاعتبار، أو بمنع
وجود العلَّة في الأصل، أو بمنع وجودها في الفرع، أو بترجيح علته
على عِلَّة المعترض.
مثال ذلك؛ قول المستدل: الرأس ممسوح، فلا يجب استيعابه
بالمسح؛ قياساً على الخف.
فيقول المعترض: الرأس ممسوح، فلا يقدر مسحه بالربع؛ قياسا
على الخف.
فيجيب المستدل بقوله: أنا أمنع الحكم في الأصل، وهو: أن
مسح الخف لا يتقدر بالربع.
(5/2302)

فهنا: المستدل قد منع الحكم الذي في الأصل؛ حيث اعتمد عليه
المعترض في قلبه قياس المستدل، وفعل ذلك المستدل لأجل أن يصح
قياسه.
ثانياً: الجواب عن النوع الثاني - وهو: قلب التسوية - يكون بما
تقدم في النوع الأول.
ويزاد في الجواب عن هذا النوع: بأن يبين المستدل الفرق بين ما
يرى المعترض أنهما متساويان.
مثاله: نفس المثال السابق في النوع الثاني وهو: قياس المكرَه على
المختار في وقوع طلاق كل منهما بجامع: أن كلًّا منهما مكلف
مالك.
فيقول المعترض: المكرَه مكلف مالك للعصمة فيستوي فيه إقراره
بالطلاق، وإيقاع الطلاق.
فيجيب المستدل بقوله: أنا لا أسلم التسوية بين إيقاع الطلاق
والإقرار به؛ بل بينهما فرق، ووجه الفرق: أن الإقرار بالطلاق
يدخله الصدق والكذب، أما الإيقاع به فإنه لا يحتمل ذلك، بل إذا
وجد وقع.
ثالثا: الجواب عن النوع الثالث - وهو: قلب العِلَّة حكما،
وقلب الحكم عِلَّة - يكون بما تقدم من الأجوبة عن النوع الأول، لا
سيما الجواب بأن يرجح المستدل تعليله على تعليل المعترض بأحد
أوجه الترجيح.
مثاله: نفس المثال السابق في النوع الثالث وهو: أن يقيس
المستدل الذمي على المسلم في صحة الظهار منه بجامع: أن كلا
منهما يصح منه الطلاق.
(5/2303)

فيقول المعترض: المسلم صح طلاقه؛ لأنه صح ظهاره.
فيجيب المستدل بقوله: إن ما ذكرته من التعليل يرجح على ما
ذكرته - أيها المعترض - وسبب الترجيح: أن التعليل الذي ذكرته
تكون العلَّة فيه متعدية؛ حيث إن تعليل صحة ظهار المسلم بصحة
طلاقه، يجعل العِلَّة متعدية إلى الفرع الذي هو الذمي؛ حيث إن
الذمي يصح طلاقه، فيصح ظهاره.
أما التعليل الذي ذكرته - أيها المعترض - تكون العلَّة فيه قاصرة،
فلا تتعدى إلى الفرع؛ حيث إنك - أيها المعترض - لما قلبت هذا
الأصل بأن كانت صحة ظهار المسلم عِلَّة لصحة طلاقه، فهذا يجعل
العِلة غير متعدية للفرع، فلا يثبت فيه الحكم وهو صحة الظهار من
الذمي.
ومعروف أن العِلَّة المتعدية أَوْلى من القاصرة؛ حيث إن فيه تعميما
للأحكام الذي هو مقصد من مقاصد الشريعة؛ لأن الأصل تعميم
الأحكام.
(5/2304)

المبحث السابع عشر في قادح القول بالموجب
ويشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: بيان المراد منه.
المطلب الثاني: أنواعه، وبيان كيفية الجواب عن كل نوع.
المطلب الثالث: في بيان أنه لا يجوز للمعترض تغيير كلام المستدل.
(5/2305)

المطلب الأول بيان المراد من قادح القول بالموجَب - بفتح الجيم -
المراد منه: أن يسلم المعترض مقتضى قياس أو تعليل المستدل مع
بقاء الخلاف بينهما في الحكم المتنازع فيه.
مثاله: قول المستدل: يقتص ممن وجب عليه القصاص وإن كان
قد لجأ إلى الحرم؛ لأنه قد وجد منه سبب جواز استيفاء القصاص،
فكان استيفاؤه منه جائزاً.
فيقول المعترض: أنا أقول بموجب تعليلك هذا، فاستيفاء
القصاص جائز عندي، لكن الخلاف بيني وبينك في جواز استيفائه
في الحرم، وليس في تعليلك ما يدل على جوازه.
(5/2307)

المطلب الثاني أنواعه، وبيان كيفية الجواب عن كل نوع
يتنوع القول بالموجب إلى نوعين هما:
النوع الأول: ما يكون القول بالموجب فيه يرد على دليل يكون
المطلوب به إبطال مذهب الخصم.
ويعبر بعض العلماء عن ذلك بالقول بالموجب الذي يقع في جانب
النفي.
وهو قسمان:
القسم الأول: أن يكون المطلوب نفي الحكم، فيكون اللازم من
دليل المستدل نفي كون شيء معين موجبا لذلك الحكم.
مثاله: قول المستدل: القتل بالمثقل لا تفاوت بينه وبين القتل
بالمحدد إلا في آلة القتل، والآلة وسيلة للقتل، والتفاوت في
الوسيلة لا يمنع من وجوب القصاص كالتفاوت في محل المتوسل إليه
مثل كون المقتول صغيراً، أو كبيراً، أو غنياً، أو فقيراً.
فيقول المعترض: نعم أنا أقول بموجبه وهو: أن التفاوت في
الوسيلة لا يمنع من وجوب القصاص.
لكن لِمَ لا يمتنع القصاص لشيء آخر غير التفاوت كوجود مانع
اَخر، أو فقد شرط، أو عدم المقتضى؛ وما ذكرته أيها المستدل لا
يقتضي امتناع شيء من ذلك.
(5/2308)

القسم الثاني: أن يكون المطلوب نفي علية ما هو علَّة الحكم عند
الخصم، ويكون اللازم من القياس نفي عليه ملزوم علته.
مثاله: قول المستدل - في أن الإجارة لا تنفسخ بالموت -: إن
الموت معنى يزيل التكليف، فلا تنفسخ فيه الإجارة؛ قياساً على
الجنون، فإنه كذلك.
فيقول المعترض: أنا أقول بموجب دليلك وهو: أن الإجارة لا
تنفسخ بالموت، وإنما ينفسخ عقده فقد حدث ما يقتضي ذلك، وهو
زوال الملك، ولهذا قال العلماء: لو باع العين المستأجرة انفسخت
الإجارة.
كيف يجيب المستدل عن هذا النوع؟
يجيب بأحد طريقين:
الطريق الأول: أن يُبين المستدل لزوم حكم محل النزاع بوجود
مقتضيه مما ذكره في دليله إن أمكنه بيانه كأن يقول المستدل في المثال
السابق: يلزم من كون التفاوت في الآلة لا يمنع القصاص: وجود
مقتضى القصاص، فيقول - أي المستدل -: إذا سلمت - أيها
المعترض -: أن تفاوت الآلة لا يمنع القصاص: فالقتل المزهق هو
المقتضي، والتقدير: أنه موجود.
الطريق الثاني: أن يُبين المستدل أن النزاع إنما هو فيما يعرض له في
الدليل إما بإقرار، أو اعتراف من المعترض بذلك.
مثاله: قول المستدل: الدين لا يمنع وجوب الزكاة.
فيقول المعترض: أنا أسلم أن الدين لا يمنع الزكاة، لكن لِمَ
قلت: إن الزكاة تثبت؟
(5/2309)

فيجيب المستدل بقوله: إن هذا القول بالموجب لا يسمع؛ لأن
محل النزاع في هذه المسألة مشهور، وهو: - هل الزكاة تجب مع
الدين؟ ومع الشهرة لا يقبل العدول عنها.
النوع الثاني: أن يكون المطلوب فيه إثبات الحكم في الفرع،
ويكون اللازم من دليل المستدل ثبوته في صورة ما من الجنس.
مثاله: قول المستدل: تجب الزكاة في الخيل، لأنه حيوان تجوز
المسابقة عليه؛ قياساً على الإبل.
فيقول المعترض: أنا أقول بموجب دليلك، ومن هنا وجبت فيه
زكاة التجارة، لكن النزاع ليس في زكاة التجارة، إنما هو في زكاة
عينه، ودليلك أيها المستدل إنما يقتضي وجوب أصل الزكاة، ولا
يلزم من إثبات المطلق إثبات جميع أنواعه.
كيف يجيب المستدل عن هذا النوع؟
يجيب المستدل بنفي أن يكون هذا من القول بالموجب بأن يقول في
المثال السابق: إن هذا ليس من القول بالموجب؛ لأن كلامنا في
زكاة العين، والنزاع فيها، فحينما قلنا: تجب الزكاة فيها انصرف
الذهن إليها؛ لأن الألف واللام للعهد، والمعهود ذهنا هنا هو زكاة
العين، وعلى ذلك: فإن ما قلته أيها المعترض ليس قولاً بالموجب.
(5/2310)

المطلب الثالث في بيان أنه لا يجوز للمعترض تغيير كلام المستدل
لو أورد المعترض القول بالموجب بطريقة ووجه يغير كلام المستدل
عن ظاهره: فإن هذا لا يجوز، ولا يتوجه إلى المستدل، بل يكون
المعترض قد تكلَّم في موضوع آخر، فانقطعت الصلة بينه وبين
المستدل.
مثاله: قول المستدل - في إزالة النجاسة بالخل - مائع لا يرفع
الحدث، فلا يزيل النجس، قياسا على المرق.
فيقول المعترض: أنا أقول بموجب ذلك؛ فإن الخل النجس عندي
لا يزيل النجاسة، ولا الحدث.
فإن هذا الكلام من المعترض لا يتوجه ولا يصح؛ لأنه أورد القول
بالموجب على وجه غيَّر فيه كلام المستدل؛ لأن المستدل يقصد الخل
الطاهر، فهو المحل الذي تنازع العلماء فيه، والمعترض تكلم عن
الخل النجس.
(5/2311)

الباب السادس في الاجتهاد والتقليد
ويشتمل على فصلين:
الفصل الأول: في الاجتهاد.
الفصل الثاني: في التقليد.
(5/2313)

الفصل الأول في الاجتهاد
ويشتمل على المباحث التالية:
المبحث الأول: في تعريفه.
المبحث الثاني: في مجالاته ومواضعه.
المبحث الثالث: شروط المجتهد.
المبحث الرابع: حكم الاجتهاد.
المبحث الخامس: هل يقبل اجتهاد شخص في مسألة معينة إذا
عرف دقائقها، دون المسائل الأخرى؟
وهو: " تجزؤ الاجتهاد ".
المبحث السادس: هل يجوز الاجتهاد في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم -؟
المبحث السابم: هل يجوز الاجتهاد للنبي - صلى الله عليه وسلم -؟
المبحث الثامن: هل وقع الاجتهاد من النبي - صلى الله عليه وسلم -؟
المبحث التاسع: هل يجوز الخطأ على النبي - صلى الله عليه وسلم - في اجتهاده؟
المبحث العاشر: هل كل مجتهد مصيب في الفروع أو المصيب واحد؟
المبحث الحادي عشر: هل كل مجتهد مصيب فى أصول الدين
أو المصيب واحد؟
(5/2315)

المبحث الثاني عشر: إذا تعارض عند المجتهد دليلان، وعجز
عن الترجيح فماذا يفعل؟
المبحث الثالث عشر: هل يجوز للمجتهد أن يقول في الحادثة
الواحدة قولين متضادبن في وقت واحد؟
المبحث الرابع عشر: المجتهد الذي لم يجتهد في مسألة،
ولكن العلوم كلها حاصلة عنده،
وعنده القدرة على الاجتهاد، فهل
يجوز له أن يقلد غيره؟
المبحث الخامس عشر: إذا نص المجتهد على حكم في مسألة
لعلَّة ذكرها ووجدنا تلك العلَّة في مسَائل أخرى فما الحكم؟
المبحث السادس عشر: إذا نص المجتهد على حكم في مسألة،
ولم يبين علته فيها، وتوجد مسألة تشبه تلك المسألة فما الحكم؟
المبحث السابع عشر: إذا نص المجتهد على مسألتين متشابهتين
بحكمين مختلفين فهل يجوزنقل حكم إحداهما للأخرى؟
المبحث الثامن عشر: إذا روي عن مجتهد في مسألة واحدة
روايتان مختلفتان، وصح هذا النقل فما الحكم؟
(5/2316)

المبحث الأول في تعريف الاجتهاد
أولاً: الاجتهاد لغة هو: افتعال من الجهد - بالضم والفتح -
وهو: الطاقة والوسع.
وقال ابن الأثير: هو: بفتح الجيم: المشقة، وقيل: المبالغة
والغاية، وبالضم: الوسع والطاقة.
ويقال: " اجتهد في الأمر " أي: بذل ما في وسعه وطاقته في
طلبه ليبلغ مجهوده، ويصل إلى نهايته.
فالاجتهاد لغة: استفراغ الوسع، أي: غاية ما يقدر على
استفراغه لتحصيل أمر شاق.
ثانيا: الاجتهاد في الاصطلاح:
1 - تعريف الاجتهاد الراجع إلى النظر إلى الاجتهاد باعتبار المعنى
المصدري الذي هو فعل المجتهد هو: " بذل الفقيه ما في وسعه
لتحصيل ظن بحكم شرعي عملي من دليل تفصيلي ".
بيان التعريف ومحترزاته:
قولنا: " بذل " جنس في التعريف، يشمل كل بذل مطلقا،
أي: سواء كان من فقيه، أو غيره، وسواء كان في الأحكام، أو
في غيرها، وسواء كانت شرعية، أو لغوية، أو نحوية، أو منطقية
أو حسابية، أو هِندسية، أو نحو ذلك.
(5/2317)

فلما أضفنا لفظ " بذل " إلى لفظ " الفقيه " أخرج غير الفقيه مما
سبق ذكره.
والمراد بالفقيه: المتهيئِ للفقه، ومن عنده ملكة استنباط، وقدرة
على استخراج أحكام شرعية لحوادث متجددة.
قولنا: " ما في وسعه " الوسع - كما قلت سابقا - هو: الجهد
والطاقة، ويعرف ذلك بالإحساس بالعجز عن زيادة البحث والنظر.
قولنا: " لتحصيل ظن " قد أورد في التعريف؛ لبيان أن الاجتهاد
لا يفيد إلا حكما ظنياً.
وأتي بعبارة: " بحكم شرعي " لإخراج الحكم اللغوي، أو
العقلي، أو الحسي، أو العرفي، أو التجريبي.
وقلنا: " عملي " لبيان أن الاجتهاد يجري في الفروع - فقط -
ولا يجري في الأصول - وهي العقائد -.
وقولنا: " من دليل تفصيلي " لبيان أن الفقيه يبذل جهده لاستنباط
حكم شرعي فرعي من آية أو حديث، أو قياس، أو أيّ دليل من
الأدلة المختلف فيها.
والخلاصة: أن المجتهد هو الفقيه، وقد بينت بالتفصيل الفقيه
والفقه في الفصل الأول من الباب الأول.
3 - تعريف الاجتهاد الراجع إلى النظر إلى المعنى الإسمي
للاجتهاد - الذي هو وصف قائم بالمجتهد: " إنه ملكة تحصيل
الحجج على الأحكام الشرعية ".
(5/2318)

فأورد لفظ " ملكة " لبيان أن صاحب الملكة يصدق عليه أنه مجتهد،
سواء باشر عملية الاستنباط فعلاً أو لم يباشر.
و" تحصيل الحجج على الأحكام الشرعية " أي: تحصيل الدليل،
أو الأمارة على الحكم، وهذا قريب من قولنا في التعريف السابق:
" لتحصيل ظن بحكم شرعي ".
(5/2319)

المبحث الثاني مجالات الاجتهاد ومواضعه
الاجتهاد يكون في الظنيات فقط، وذلك يشمل الأقسام التالية:
القسم الأول: النص قطعي الثبوت، ظني الدلالة، وهذا يكون
في الآية، الذي دلَّ لفظها على الحكم دلالة ظنية، والحديث
المتواتر الذي دلَّ لفظه على الحكم دلالة ظنية، مثاله: قوله تعالى:
(وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) ، فهذا قطعي الثبوت؛
لأنه قرآن، ولكنه ظني الدلالة؛ لأن لفظ " القرء " يحتمل أن يكون
معناه " الحيض "، ويحتمل أن يكون معناه: " الطهر "، فيجتهد
المجتهد للوصول إلى المراد من أحد المعنيين.
القسم الثاني: النص ظني الثبوت قطعي الدلالة، وهذا يكون في
خبر الواحد الذي دلَّ على معناه دلالة قطعية، مثاله:
قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"في كل خمس من الإبل شاة "،
فإن هذا نص قطعي الدلالة؛ لأنه
لا يدل إلا على معنى واحد فقط، ولكنه ظني الثبوت؛ لأنه لم ينقل
إلينا بطريق التواتر، فيجتهد المجتهد بالبحث عن سنده، وطريق
وصوله إلينا، وحال رواته من العدالة والضبط.
القسم الثالث: النص ظني الثبوت والدلالة معا، وهذا يكون في
خبر الواحد الدال على معناه دلالة ظنية، مثاله:
قوله - صلى الله عليه وسلم -:
(لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب "،
فإن المجتهد يجتهد هنا في أمرين هما:
(5/2320)

الأول: في سند الحديث، وطريق وصوله إلينا، وحال رواته من
العدالة والضبط.
الثاني: في دلالة الحديث؛ لأن الحديث يحتمل معنيين هما: دالا
صلاة صحيحة إلا بفاتحة الكتاب "، و " لا صلاة كاملة إلا بفاتحة
الكتاب ".
القسم الرابع: الاجتهاد فيما لا نص فيه ولا إجماع، وهذا يكون
في حادثة لم يرد حكمها في نص ولا إجماع، فيبذل المجتهد ما في
وسعه في تحصيل حكم لتلك الحادثة، وذلك باستعمال أدلة أرشده
إليها الشارع مثل: القياس، والاستحسان، وقول الصحابي،
والمصالح المرسلة، والاستصحاب، وشرع من قبلنا، والعرف،
وسد الذرائع، ونحو ذلك.
(5/2321)

المبحث الثالث شروط المجتهد
الاجتهاد لا يقبل ولا يعمل به ولا ينظر فيه إلا إذا صدر من شخص
قد توفرت فيه شروط هي كما يلي:
الشرط الأول: أن يكون عارفا بكتاب اللَّه تعالى وما يتعلَّق به:
فإذا أراد المجتهد الاستدلال بآية على حكم حادثة، فإنه لا بد أن
يعرف عنها ما يلي:
أولاً: هل هي ناسخة أو منسوخة حتى لا يستدل بآية منسوخة.
ثانيا: سبب نزولها؛ لأنه يساعده على معرفة معنى الآية.
ثالثاً: أقوال الصحابة فيها؛ لأنهم أعرف بمعناها من غيرهم.
رابعا: أقوال كبار التابعين فيها؛ لأنهم يقربون من الصحابة في
ذلك.
خامسا: تفاسير علماء الشريعة وعلماء اللغة لها.
سادساً: معرفة ما يعارضها من ظواهر الآيات الأخرى، والأحاديث.
سابعاً: معرفة نوع دلالتها هل دلَّت على الحكم بمنطوقها، أو
مفهومها، ونوع هذا المنطوق، ونوع هذا المفهوم.
ولا يشترط حفظ القرآن كله، ولا يشترط حفظ آيات الأحكام
- كما قال بعضهم - بل يكفيه أن يعرف مواقع آيات الأطعمة من
القرآن، وآيات الحدود منه، وآيات النكاح والطلاق والرضاع،
(5/2322)

والنفقات، ونحو ذلك، حتى إذا نزلت حادثة في الأطعمة مثلاً
يذهب إلى المواضع التي توجد فيها آيات الأطعمة، ويستدل على
حكم حادثته بآية منها، بعد أن يطبق عليها ما ينبغي معرفته عنها.
الشرط الثاني: أن يكون عارفا بسُنَّة رسوله - صلى الله عليه وسلم -،
فإذا أراد المجتهد الاستدلال بحديث على حكم حادثة، فإنه لا بد أن يعرف
عنه مثل معرفته عن الآية تماماً، وقد سبق ذلك.
ويزاد في الحديث: أن يعرف سند الحديث، وطريق وصوله إلينا،
وحال رواته من العدالة والضبط، ومعرفة الصحيح من الأحاديث
والضعيف.
ولا يشترط حفظ الأحاديث كلها، ولا حفظ أحاديث الأحكام
- كما قال بعضهم - بل يكفي معرفة ما تتعلق به الأحكام إجمالاً كما
قال جمهور العلماء؛ ذلك لأن المجتهد الذي توفرت فيه جميع
شروط المجتهد إذا لم يطلع على حديث مما يمكن أن يغيب عن ذهنه
بعد البحث الجاد عن كل ما يتصل بموضوع اجتهاده من النصوص لا
يمنعه ذلك من تحصيل الظن بالحكم الشرعي بدليل آخر، يؤيد ذلك
الصحابة - رضي اللَّه عنهم - فقد كانوا يجتهدون بالنوازل ويستدلون
على ذلك بأدلة، ثم يظهر لهم بعد ذلك حديث يخالف اجتهادهم
أو يوافقه.
فمثال المخالفة: قول ابن عمر - رضي اللَّه عنهما -: كنا نخابر
أربعين سنة حتى أخبرنا رافع بن خديج بأن - صلى الله عليه وسلم - قد نهى عن المخابرة.
ومثال الموافقة: أن ابن مسعود - رضي اللَّه عنه - قد قضى في
(5/2323)

المفوضة بأن لها مهر مثيلاتها، ولها الميراث؛ وعليها العدة، فاخبره
معقل بن سنان الأشجعي أن هذا القضاء لك يا ابن مسعود هو قضاء
النبي - صلى الله عليه وسلم - في بروع بنت واشق من جماعتنا،
ففرح ابن مسعود على أن قضاءه قد وافق قضاء الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
والأمثلة على خفاء بعض الأحاديث عن بعض الصحابة كثيرة.
ويقع هذا منهم، ولم يسلب ذلك منهم ملكة الاجتهاد، أو
وصف الاجتهاد.
الشرط الثالث: أن يكون عالِما بالمجمع عليه، والمختلف فيه.
واشترط ذلك؛ لئلا يجتهد في مسألة قد أجمع العلماء على
حكمها.
ولا يلزم أن يحفظ جميع مواقع الإجماع، بل في كل مسألة يفتي
فيها ينبغي أن يعلم أن فتواه غير مخالفة للإجماع.
وأما المختلف فيها من المسائل، فلا بد للمجتهد أن يعرف المسألة،
وأدلة كل فريق.
ولقد كان الأئمة الأربعة ومن تبعهم يعرفون الاختلافات والمناظرات
والمحاورات التي جرت بين الصحابة، ومن جاء بعدهم ممن يُعتد
بقولهم؛ لذا اهتم كثير من العلماء بهذا - وهو علم الخلاف -
وألفوا فيه كالمحلى لابن حزم، والذخيرة للقرافي، والحاوي
للماوردي، والمغني لابن قدامة، والمجموع شرح المهذب للنووي،
وبداية المجتهد لابن رشد، والمبسوط للسرخسي، وغيرها.
الشرط الرابع: أن يكون عالما بعلم أصول الفقه؛ حيث إنه يجعله
عالِما بأن هناك أدلة متفقا عليها كالكتاب، والسُّنَّة، والإجماع،
(5/2324)

والقياس، وأن هناك أدلة مختلف فيها كالاستصحاب،
والاستحسان، وقول الصحابي، والمصالح المرسلة، وسد الذرائع،
والعرف، وشرع من قبلنا، وأن هناك قواعد أصولية.
ويعرف أقسامها، وشروط كل دليل، وترتيبها، وفك التعارض
بينها.
الشرط الخامس: أن يكون عالما بالقياس، حيث إن أكثر من
نصف الفقه مبني عليه، فيعرف أركانه، وشروط كل ركن،
وقوادحه، ونحو ذلك مما قلناه في باب القياس، قال الإمام الشافعي:
" من لم يعرف القياس فليس بفقيه "، وقال الإمام أحمد: " لا
يستغني أحد عن القياس "، وعرف بعضهم الاجتهاد بأنه القياس،
وهذا كله يدل على أهمية القياس.
الشرط السادس: أن يكون عالما باللغة العربية وقواعدها من لغة
ونحو، وبلاغة، وبديع، ومعرفة كل ما يتوقف عليه فهم الألفاظ؛
لأن القرآن والسُّنَّة وردا بلغة العرب، ولا يمكن لأي شخص أن
يعرف ما تدل عليه ألفاظهما إلا بمعرفته باللغة العربية.
ولا يشترط أن يتعمق في علم النحو واللغة، ومعرفة دقائق ذلك
كسيبويه، أو الكسائي، أو الخليل بن أحمد، أو المبرد.
وإنما ينبغي معرفة القدر الذي يفهم به خطاب العرب، وعاداتهم
في الاستعمال إلى حد يفرق بين صريح الكلام، وظاهره،
ومجمله، وحقيقته، ومجازه، وعامه، وخاصه، ومحكمه،
ومتشابهه، ومطلقه، ومقيده، ونصه، وفحواه، ولحنه، ومعرفة
أي شيء يساعد على فهم الأحكام الشرعية من الألفاظ.
ويتفطن للمراد هل أريد باللفظ المعنى اللغوي له، أو العرفي، أو
(5/2325)

الشرعي بقرائن السياق، والقرائن العقلية، وحال المتكلم،
والموضوع الذي قيل فيه، والغرض الذي سيق لأجله.
الشرط السابع: معرفة مقاصد الشريعة بأن يفهم المجتهد مقاصد
الشارع العامة من تشريع الأحكام، وأن يكون خبيراً بمصالح الناس،
وأحوالهم، وأعرافهم، وعاداتهم.
الشرط الثامن: أن يكون عدلاً مجتنبا للمعاصي القادحة في
العدالة، وهذا الشرط يشترط لجواز الاعتماد على فتواه: فمن ليس
بعدل فإنه لا تقبل فتواه، ولا يعمل بها الآخرون.
أما هو في نفسه، فيجب عليه أن يعمل باجتهاده إذا توفرت فيه
الشروط السابقة.
سؤال: إن المجتهد الفاسق لو أظهر دليله، وكان دليلاً صالحا
للاحتجاج به، فهل يجب الأخذ بقوله، والاعتماد عليه؟
جوابه:
إن كان المستمع لهذه الفتوى عالِما ومدركا لصحة الدليل، ووجه
دلالته على الحكم فإنه يعمل بفتوى ذلك الفاسق؛ اعتماداً على
الدليل الصحيح الذي أظهره، وليس هذا اعتماداً على اجتهاد المجتهد.
وإن كان المستمع لهذه الفتوى لا يعلم ولا يدرك صحة الدليل الذي
أظهره ذلك المجتهد الفاسق، فإنه لا يعمل بفتواه.
(5/2326)

المبحث الرابع حكم الاجتهاد
إذا توفرت شروط المجتهد السابقة في شخص، فالاجتهاد في حقه
يكون تارة فرض عين، وتارة فرض كفاية، وتارة مندوبا، وتارة
محرما، وإليك بيان ذلك:
أولاً: يكون فرض عين في حالتين هما:
الحالة الأولى: اجتهاد المجتهد في حق نفسه فيما نزل به؛ لأن
المجتهد لا يجوز له أن يقلد غيره في حق نفسه.
الحالة الثانية: اجتهاد المجتهد في حق غيره إذا تعين عليه الحكم فيه
بأن لا يوجد في العصر إلا هو، أو ضاق وقت الحادثة، فإنه يجب
على الفور؛ لأن عدم الاجتهاد يقتضي تأخير البيان عن وقت
الحاجة، وهذا لا يجوز.
ثانيا: يكون الاجتهاد فرض كفاية عندما تنزل حادثة بأحد،
فاستفتى العلماء، أو عين واحداً أو طائفة، فإن الوجوب يكون
فرضا علهيم جميعاً، وأخصهم بفرضه المخصوص بالسؤال عنها،
فإن أجاب واحد منهم عنها سقط الفرض عن جميعهم، وإن أمسكوا
مع ظهور الصواب لهم أثموا، وإن أمسكوا مع التباسه عليهم عذروا.
ثالثا: يكون الاجتهاد مندوبا إليه في حالتين هما:
الحالة الأولى: أن يجتهد العالم قبل نزول الحادثة ليسبق إلى معرفة
حكمها قبل وقوعها.
(5/2327)

الحالة الثانية: أن يستفتيه سائل عن حكم حادثة قبل نزولها.
رابعا: يكون الاجتهاد محرما في حالتين هما:
الحالة الأولى: أن يقع الاجتهاد في مقابلة دليل قاطع من نص أو
إجماع.
الحالة الثانية: أن يقع ممن لم تتوفر فيه شروط المجتهد فيما يجتهد
فيه؛ لأن نظره لا يوصله إلى الحق، فيفضي إلى الضلال، والقول
في دين اللَّه بغير علم.
(5/2328)

المبحث الخامس هل يقبل اجتهاد شخص في مسألة معينة إذا عرف
دقائقها دون المسائل الأخرى في نفس الباب؟
وهي مسألة " تجزؤ الاجتهاد "
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين.
المذهب الأول: أنه يقبل اجتهاده فيها، أي: أنه يجوز تجزؤ
الاجتهاد.
فالشخص العارف لمسألة معينة وأدلتها، وطرق النظر فيها، وما
يئعلق بها، فإنه يجوز أن يجتهد فيها، ويعمل باجتهاده.
وهو مذهب جمهور العلماء.
فمثلاً لو أحاط بمسألة المشركة - وهي: زوج، وذات سدس،
وأخوة لأم، وأخوة أشقاء، فعرف كل ما يتصل وما يتعلق بها من
معرفة علم الفرائض، وأركانه، وشروطه، ثم اجتهد فيها فإنه يقبل
اجتهاده ويعمل به، وإن كان جاهلاً بأي مسألة أخرى كان يكون
جاهلاً بمسألة المفوضة، أو الجد والإخوة.
وهذا هو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أنه لو كان العلم في جميع مسائل الفقه شرطا
لبلوغ درجة الاجتهاد وشرطا لقبوله منه: لكان توقف بعض الصحابة
(5/2329)

- رضي اللَّه عنهم - وبعض الأئمة عن الفتيا في بعض المسائل وعدم
قدرتهم على ذلك مخرجا لهم عن الاجتهاد.
ولكن الأمر ليس كذلك؛ حيث توقف بعض الصحابة عن الفتوى
في بعض المسائل، ومع ذلك لم يزل عنه وصف الاجتهاد، وكذلك
سبق أن بيَّنا أن الإمام أبا حنيفة، ومالكا، والشافعي، وأحمد كانوا
يكثرون من قولهم: " لا أدري "، ولم يكن ذلك مخرجا لهم عن
درجة الاجتهاد، بل كانوا يجتهدون في المسائل الأخرى فيقبل
اجتهادهم فيها.
الدليل الثاني: أن بعض مسائل الفقه لا صلة لها بالمسألة الأخرى،
فالغفلة غن المسائل الأخرى لا تضره.
فمثلاً: لا صلة لمسالة " المشركة " فى مسألة " الجد والإخوة "،
فيتم اجتهاد المجتهد في مسألة المشركة بلا نقصان، فيقبل اجتهاده فيها.
وكذلك من عرف مسألة " قتل المسلم بالذمي " وما ورد فيها من
الآيات والأحاديث والآثار وأقوال السلف والخلف فيها، فإنه يقبل
اجتهاده فيها، ولا يضره عدم معرفته بمسألة " قتل الحر بالعبد "
وهكذا؛ لأن الاجتهاد تام.
المذهب الثاني: أنه لا يقبل اجتهاده فيها، أي: لا يجوز تجزؤ
الاجتهاد ...
وهو مذهب بعض الحنفية كملا خسرو، والفناري، وبعض
الشافعية كالشوكاني.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: إن لم يحط بأدلة جميع مسائل الفقه لا يحصل له
(5/2330)

عند البحث عن حكم مسألة ظن عدم المانع؛ لإمكان وجود ما يتصل
بموضوعه في موضع آخر لم يطلع عليه وينظر فيه، ومن لا يحصل
له ذلك الظن لا يتمكن من استخراج الحكم، إذن: لا يعتبر عمله
اجتهاداً شرعياً يصح أن يؤخذ به.
جوابه:
لما قلنا بقبول اجتهاد ذلك الشخص بمسألة معينة قد عرف دقائقها
لم نقل ذلك مطلقاً، بل اشترطنا: أن يغلب على ظنه أنه قد أحاط
بجميع ما يتعلَّق بتلك المسألة من أدلة، أما الاحتمالات التي لا دليل
عليها فلا تؤثر على اجتهاده.
الدليل الثاني: أنه لو جاز تجزئة الاجتهاد للزم أن يقال: نصف
مجتهد، أو ثلثه، أو ربعه، ولم يقل بذلك أحد.
جوابه:
لا يلزم ذلك ولا يُسمَّى بنصف أو ثلث مجتهد، بل يسمى مجتهداً
في ذلك البعض، وهو اجتهاد تام فيما اجتهد فيه، وإن كان قاصراً
بالنظر إلى من فوقه من المجتهدين.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ حيث إنه بناء على المذهب الثاني، فإن المجتهد
قسم واحد وهو: المجتهد العام العارف لكل مسألة من مسائل الفقه
بأدلتها غالباً، فلا يعتد بقول غيره من المجتهدين الذين يختصون
بمعرفة مسائل معينة.
أما بناء على المذهب الأول فإن المجتهد قسمان:
(5/2331)

القسم الأول: مجتهد خاص وهو: الشخص الذي يجتهد بمسألة
معينة، وقد سبق بيان ذلك.
القسم الثاني: مجتهد عام، وهو: العارف لغالب مسائل الفقه
بأدلتها.
وكل واحد منهما يقبل اجتهاده، ويُعتد به، ولا فرق بينهما.
(5/2332)

المبحث السادس هل يجوز الاجتهاد في زمان - صلى الله عليه وسلم -؟
لقد - اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز الاجتهاد في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - مطلقا.
وهو مذهب أكثر المحققين من العلماء كالغزالي، والآمدي،
وفخر الدين الرازي، ومحمد بن الحسن، والقاضي أبي بكر
الباقلاني، وهو الحق عندي لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن - صلى الله عليه وسلم - قد جاءه خصمان يختصمان فقال - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن العاص: " اقض بينهما يا عمرو "، فقال عمرو: أنت أوْلى مني يا رسول اللَّه، قال: " وإن كان "،
قال عمرو: فإن قضيت، بينهما فما لي؟
قال: " إن أنت قضيت بينهما فأصبت القضاء
فلك عشر حسنات، وإن أنت اجتهدت فأخطأت فلك حسنة "
وهذا صريح في جواز الاجتهاد في زمنه - صلى الله عليه وسلم -.
الدليل الثاني: أن - صلى الله عليه وسلم - قال لعقبة بن عامر ولرجل من
الصحابة: " اجتهدا فإن أصبتما فلكما عشر حسنات، وإن أخطأتما
فلكما حسنة "، وهو في معنى الدليل الأول.
الدليل الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -
فوض الحكم في بني قريظة إلى سعد بن معاذ؛ حيث رضوا بحكمه، فحكم سعد فيهم برأيه واجتهاده،
فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - له:
" لقد حكمت بحكم اللَّه فوق سبعة أرقعة ".
(5/2333)

وجه اجتهاد سعد - رضي اللَّه عنه - فيهم هو: أحد أمرين:
إما أنه قاسهم على المحاربين الذين قال اللَّه تعالى فيهم: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ) ، والجامع:
الفساد في كل؛ وذلك لموالاتهم قريشاً في وقعة الأحزاب، ونقضهم
عهدهم.
وإما أنه قاسهم على الأسرى الذين عوتبوا على فدائهم، وتبين أن
قتلهم كان هو الحكم.
وهذا يدل على وقوع الاجتهاد في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم -، والوقوع دليل الجواز مطلقاً.
الدليل الرابع: أن بعض الصحابة - رضي اللَّه عنهم - يروي عن
البعض الآخر الأخبار، والأحكام، والناسخ والمنسوخ، وكانوا
يقبلون ذلك، ويعملون به، دون مراجعة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو بينهم، فكذلك يجوز لهم الاجتهاد في زمانه - صلى الله عليه وسلم - دون مراجعته، ولا فرق.
الدليل الخامس: أنه لا يلزم من فرض اجتهاد الصحابة في زمانه
- صلى الله عليه وسلم - محال، ولا يؤدي إلى مفسدة، وما كان كذلك فهو جائز، فيكون الاجتهاد في زمانه - صلى الله عليه وسلم - جائزاً.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز الاجتهاد في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم.
وهو مذهب بعض العلماء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن كثيراً من الصحابة - رضي اللَّه عنهم - قد
رجعوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يسألونه عن حكم وقائع قد حصلت لهم، ولو
(5/2334)

كان الاجتهاد في زمانه - صلى الله عليه وسلم - جائزاً: لاجتهدوا واستنبطوا أحكام حوادثهم بأنفسهم، ورجوعهم إليه دلَّ على أن الرجوع واجب، فالاجتهاد حرام.
جوابه:
إن رجوعهم إلى - صلى الله عليه وسلم - في بعض الأمور لا يدل على منعهم من الاجتهاد بالكلية، أو أنه حرام، بل رجوعهم إليه يحتمل عدة
احتمالات هي:
الأول: أنه يحتمل أنهم رجعوا إليه فيما لم يظهر لهم فيه وجه
الحكم بالاجتهاد.
الثاني: أنه يحتمل أنهم مخيرون بين الرجوع إليه، وبين
الاجتهاد، فاختاروا الرجوع إليه.
الثالث: أنه يحتمل أن الذي رجع إليه لم تتوفر فيه شروط
المجتهد.
وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال.
الدليل الثاني: أن الصحابة - رضي اللَّه عنهم - يمكنهم معرفة
الحكم عن طريق الوحي الصريح القاطع بالحكم، وإذا كان يمكنهم
معرفة الحكم معرفة قطعية، فلا يجوز ردهم إلى الاجتهاد المفيد للظن.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن هذا الدليل منقوض بما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث إنه قد تعبَّد بالقضاء بقول الشهود، والحكم بظاهر أقوالهم
حتى قال - صلى الله عليه وسلم -:
"إنكم لتختصمون إلي ولكل بعضكم يكون ألحن
(5/2335)

بحجته من بعض، وإنما أقضي بنحو ما أسمع "، فهنا يقضي
الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالظن، وكان يمكن نزول الوحي، ويبين الحق صريحا وواضحا وقطعياً في كل واقعة حتى لا يحتاج إلى رجم بالظن،
وخوف الخطأ.
الجواب الثاني: أنه إذا نزل الوحي بالنص، وثبت فإنا نحكم به،
ولكن إذا لم ينزل نص، فإنه يجوز الاجتهاد؛ لأن هذا الاجتهاد لا
يضاد نصاً قاطعاً ثابتا.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ حيث إنه بناء على المذهب الأول يجوز
الاجتهاد بين مياه تنجس بعضها، وهو على شاطئ البحر.
أما بناء على المذهب الثاني فلا يجوز ذلك.
ويجوز - أيضاً - الاجتهاد في أوقات الصلاة مع إمكان الصبر إلى
اليقين.
أما بناء على المذهب الثاني فلا يجوز ذلك.
(5/2336)

المبحث السابع هل يجوز للنبي - صلى الله عليه وسلم - الاجتهاد؟
أولاً: اتفق العلماء على جواز الاجتهاد للنبي - صلى الله عليه وسلم - في الأمور الدنيوية، ومنها أمور الحرب، بدليل وقوعه منه - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث صالح غطفان مقابل ثمار المدينة، ولم تتم هذه المصالحة بسبب مخالفة رؤساء أهل المدينة، ووقوعه في تأبير النخل - بعد قدومه المدينة.
ثانياً: اتفق العلماء - أيضا - على جواز الاجتهاد للنبي - صلى الله عليه وسلم - في تحقيق مناط الحكم، ومنه الأقضية، وفضل الخصومات، ونحو ذلك.
ثالثاً: اختلف العلماء في جواز اجتهاده - صلى الله عليه وسلم - في غير ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز الاجتهاد للنبي - صلى الله عليه وسلم -.
وهو قول جمهور العلماء، وهو الحق عندي؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: عموم قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)
حيث إن اللَّه قد أمر أهل البصائر أن يعتبروا ويقيسوا الأشياء بما يماثلها
- كما سبق بيان ذلك في باب القياس - وهو عام وشامل لجميع أهل
البصائر، ورسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أعلى أهل البصائر، وأرفعهم منزلة، فكان بالاعتبار أولى.
الدليل الثاني: قياس نبينا - صلى الله عليه وسلم - على داود وسليمان عليهما السلام.
بيانه:
(5/2337)

أنه لما اعتدت غنم قوم على زرع آخرين، ذهب صاحب الزرع
وصاحب الغنم يتخاصمان إلى داود - عليه السلام - ليحكم بينهما،
فحكم بينهما بحكم، وخالفه فيه سليمان - عليه السلام - وحكم
- أي: سليمان - بحكم آخر، فكان حكمهما بالاجتهاد، بدليل:
أن سليمان لو لم يحكم بالاجتهاد لما قال تعالى: (ففهمناهما سليمان) ،
وما يذكر بالتفهيم إنما يكون بالاجتهاد، لا بطريق الوحي.
وإذا جاز لداود وسليمان - عليهما السلام - الاجتهاد، فإنه يجوز
الاجتهاد لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ولا فرق،
والجامع: النبوة في كل.
الدليل الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يشارك أُمَّته
فيما لم يرد فيه تخصيص له، أو تخصيص لهم - كما سبق بيانه -،
والاجتهاد قد أمرت أُمَّته به لإيجاد أحكام شرعية للحوادث المتجددة،
لكي تكون الشريعة صالحة لكل زمان ومكان، فهو يشارك أُمَّته في الاجتهاد، فيجوز له - صلى الله عليه وسلم - الاجتهاد مثل غيره، وليس في العقل ما يحيله في حقه ويصححه في حقنا، ولهذا أوجب عليه وعلينا العمل باجتهادنا في مضار الدنيا ومنافعها.
الدليل الرابع: أنه لا يلزم من فرض تعبده - صلى الله عليه وسلم - بالاجتهاد محال عقلاً، ولا يؤدي إلى مفسدة، وكل ما كان كذلك كان جائزأ عقلاً، فتعبده بالاجتهاد جائز عقلاً.
الدليل الخامس: وقوع الاجتهاد منه - صلى الله عليه وسلم -، ولو لم يكن متعبدا بالاجتهاد لما وقع منه، فقد اجتهد في حوادث شتى، منها: اجتهاده
في أسرى بدر، حيث أخذ الفداء مقابل إطلاق الأسرى، وهذا
بالاجتهاد، وستأتي أمثلة على ذلك في المسألة التالية.
(5/2338)

المذهب الثاني: لا يجوز الاجتهاد للنبي - صلى الله عليه وسلم -.
وهو مذهب بعض الشافعية، وحكي عن أبي منصور الماتريدي من
الحنفية، وهو ظاهر مذهب ابن حزم، واختاره أبو علي وابنه أبو
هاشم.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قادر على معرفة الحكم بالوحي الذي يفيد العلم قطعا وصريحا، وكل من كان قادراً على العلم
القطعي لا يجوز له العمل بالظن، فلا يجوز للنبي - صلى الله عليه وسلم - العمل بالظن الحاصل بالاجتهاد، فلا يجوز له الاجتهاد.
جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قادراً على معرفة الحكم بالوحي؛ لأن الوحي ليس في اختياره ينزل عليه متى شاء،
ولذلك قد يضطر إلى الاجتهاد في الأمور التي لا تقبل التأجيل.
الدليل الثاني: إنه ثبت - فيما سبق في حجية السُّنَّة -: أن قول
النبي - صلى الله عليه وسلم - نص قاطع، وحُجة قاطعة على من سمعه شفاها أو بلغه عن طريق التواتر، والاجتهاد لا يفيد إلا الظن.
فهنا حصل تضاد بين قوله - صلى الله عليه وسلم -، حيث قلنا بإفادته القطع، وبين اجتهاده حيث إنه لا يفيد إلا الظن، فالقطع غير الظن فكيف
يجتمعان؟!
جوابه:
أنه لو قيل له: إن ظنك علامة على حكم اللَّه - تعالى - فيكون
قد استيقن الظن والحكم معاً، فلا تنافي بين معرفته الحكم بالوحي،
(5/2339)

ومعرفته إياه بالاجتهاد؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لما ظن الحكم بالاجتهاد فإنه يقطع بكونه حكم اللَّه في الحادثة.
الدليل الثالث: لو جاز الاجتهاد للرسول - صلى الله عليه وسلم -: لأجاب عن كل واقعة سئل عنها، ولما انتظر الوحي؛ لأن الاجتهاد هو الوسيلة لمعرفة الحكم فيما لا قاطع فيه، لكنه - صلى الله عليه وسلم - توقف في اللعان والظهار، وانتظر الوحي، فهذا يدل على عدم جواز القياس.
جوابه:
إن توقف - صلى الله عليه وسلم - عن الاجتهاد في بعض الوقائع والحوادث
وانتظاره للوحي لا يلزم منه عدم تعبده بالاجتهاد في جميع الحوادث؛
لأنا لا نقول: إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يجتهد حال حدوث الحادثة، بل كان ينتظر الوحي، فإذا لم ينزل عليه وحي وخشي الفوات اجتهد.
وعلى هذا، فإنه يحتمل أن يكون تأخره بسبب السعة في الوقت.
ويحتمل أن يكون بسبب أنه لم ينقدح في ذهنه اجتهاد الآن.
ويحتمل أن يكون بسبب توقفه؛ حيث إن بعض المسائل لا تقبل
الاجتهاد، أو هي مما نهي فيه عن الاجتهاد.
الدليل الرابع: قوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إن هو إلا
وحي يوحى) .
وجه الدلالة: أن هذه الآية بينت أن كل ما ينطق به النبي - صلى الله عليه وسلم - وحي، وإذا كان الأمر كذلك، فلا يبقى للاجتهاد مجال، ولكان
الاجتهاد في حقه نطقاً عن الهوى المنفي عنه بالآية الكريمة، فالضمير
في قوله تعالى: (إن هو) يرجع إلى النطق المذكور في الآية في
ضمن قوله: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) وهو عام.
(5/2340)

جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ عموم الآية، بل إن الآية وردت لرد ما
كان يقوله الكفار بأن ما يأتي به - صلى الله عليه وسلم - من القرآن ليس وحيا من عند اللَّه، بل هو افتراء منه على اللَّه - تعالى - فالضمير في قوله
تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) يرجع إلى القرآن، فيكون تقدير
الآية كذا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ينطق فيما ينطق به من القرآن من هوى نفسه، ما القرآن إلا وحي يوحى إليه من اللَّه تعالى، فعلى هذا تنفي الآية: أن يتكلم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بغير القرآن، ولا تمنع الآية من ذلك.
الجواب الثاني: سلمنا أن الآية عامة في جميع ما نطق به الرسول
- صلى الله عليه وسلم - من القرآن وغيره، إلا أن ذلك لا ينفي اجتهاده - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه لو كان متعبداً بالاجتهاد بواسطة الوحي لما كان اجتهاده نطقا عن الهوى، بل كان بالوحي، وما حكم به باجتهاده إما صواب من أول الأمر، أو يحتمل الخطأ في بادئ أمره، لكن اللَّه تعالى يرشده إلى الصواب، أو يقره عليه، فلا يحتمل غير الحق.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ حيث إنه بجوز بناء على المذهب الأول أن
يكتفي المجتهد بالاستدلال على حكم مسألة بدليل ظني مع أنه قادر
على الاستدلال عليه بدليل قطعي.
كما يجوز على هذا المذهب الاجتهاد في أوقات الصلاة والقِبْلة مع
إمكان الصبر إلى اليقين.
أما بناء على المذهب الثاني فلا يجوز كل ذلك.
(5/2341)

المبحث الثامن هل وقع الاجتهاد من النبي - صلى الله عليه وسلم -؟
لقد اختلف أصحاب المذهب الأول في المبحث السابع - وهم
القائلون: يجوز الاجتهاد للنبي - صلى الله عليه وسلم - - فيما بينهم هل وقع الاجتهاد منه - صلى الله عليه وسلم - أو لا؟ على مذهبين:
المذهب الأول: أن الاجتهاد وقع من النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وهو مذهب بعض الحنفية، وكثير من المالكية ومنهم ابن الحاجب،
وكثير من الشافعية ومنهم: الآمدي، وفخر الدين الرازي، وكثير
من الحنابلة ومنهم: أبو الخطاب، وابن قدامة، وهو الحق عندي؛
لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن - صلى الله عليه وسلم - قد استشار أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - في الأسرى يوم بدر، فأخذ برأي أبي بكر، حيث وافق
رأيه رأي النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخذ الفداء مقابل إطلاق سراح الأسرى، فعاتبه الله تعالى بقوله: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) ،
فحزن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد نزول هاتين الآيتين.
فلو لم يكن الرسول لمجييه قد وقع منه الاجتهاد وعمل به لما
عوتب، لأنه لا عتاب على العمل بالوحي.
الدليل الثاني: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما أعلن فرضية الحج سأله الأقرع
(5/2342)

ابن حابس - رضي اللَّه عنه -: لعامنا هذا أم للأبد؛ فقال - صلى الله عليه وسلم -: "هو للأبد، ولو قلت لعامنا لوجب ".
وجه الدلالة: أنه لو لم يكن للرسول - صلى الله عليه وسلم - الاختيار لما قال ما قال، وكون الاختيار له - صلى الله عليه وسلم - في أن يقول:
" نعم " ظاهره الاختيار بالاجتهاد،
أي: له الحق في أن يقول ذلك بالاجتهاد.
الدليل الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -
لما أراد أن ينزل ببدر دون الماء، قال
له الحباب بن المنذر: إن كان هذا بوحي فنعم، وإن كان الرأي
والمكيدة فأنزل بالناس دون الماء، لنحول بينه وبين العدو، فقال
لهم: ليس بوحي، وإنما هو رأي واجتهاد، ورجع إلى قوله،
ورحل وذهب إلى الموضع الذي أشار به الحباب، فهذا صريح في
وقوع الاجتهاد منه - صلى الله عليه وسلم -.
الدليل الرابع: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قال بشأن مكة:
" لا يختلى خلاها، ولا يعتضد شجرها ... "
قال له العباس: إلا الإذخر فإنه لقبورنا وبيوتنا،
فقال عليه السلام: " إلا الإذخر ".
فلم يقبل الرسول - صلى الله عليه وسلم - قول العباس الطالب للتخفيف إلا بالاجتهاد ومعلوم أن الوحي لم ينزل عليه في تلك الحالة، فكان الاستثناء
بالاجتهاد.
اعتراض على هذا:
قال قائل - معترضا -: إن هذا الدليل يحتمل احتمالات هي:
الأول: أنه يحتمل أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان مأموراً بالوحي بالاستثناء عندما يسأله العباس.
الثاني: أنه يحتمل أن جبريل - عليه السلام - كان حاضراً،
فأشار إليه بقبول طلب العباس.
(5/2343)

الثالث: أنه يحتمل أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يريد أن يستثني الإذخر فسبقه العباس.
وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول عام لجميع الاحتمالات وهو: أن هذه الاحتمالات
مجرد تصورات لا دليل عليها، وما لا دليل عليه لا يعتد به.
الجواب الثاني خاص في الاحتمال الثالث - وهو: كون النبي
- صلى الله عليه وسلم - كان يريد استثناء الإذخر فسبقه العباس - وهو: أنا لا نسلم ذلك؛ لأن المستثنى لا يجوز تأخيره عن المستثنى منه، حذراً من
التلبيس، وقد انتقل الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الجملة التي تفيد حرمة قطع الإذخر من غير أن يستثني إلى أخرى وهي: " ولا تحل ساقطتها إلا
لمنشد، ومن قتل قتيلاً فهو بخير النظرين ... "
وحين ذاك قال العباس ما قال.
المذهب الثاني: أن الاجتهاد لم يقع من النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وهو مذهب بعض الشافعية، وبعض الحنابلة، وكثير من المتكلمين.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أنه لو وقع من النبي - صلى الله عليه وسلم - الاجتهاد لاستفاض نقله؛ لكونه حادثاً غريبا بالنسبة له - صلى الله عليه وسلم -، لكنه لم ينقل إلينا فلم يقع منه - صلى الله عليه وسلم -.
جوابه:
أن الاجتهاد وقع منه - صلى الله عليه وسلم -، واستفاض، ونقل إلينا بطرق مختلفة
(5/2344)

تكفي لإثبات أن - صلى الله عليه وسلم - اجتهد في أمور، وقد سبقت الأمثلة على ذلك، ولا يلزم عدم اطلاع بعض الناس عليها أنه لم يقع.
الدليل الثاني: أنه لو وقع الاجتهاد من النبي - صلى الله عليه وسلم - للزم من ذلك اختلاف اجتهاداته - كعادة المجتهدين - ولو اختلفت اجتهادات النبي - صلى الله عليه وسلم - لاختلفت أحكامه التي يصدرها فيتهم بسبب ذلك بتغير رأيه، وبوضع الشريعة، لكنه لم تتغير أحكامه، ولم يتهم بذلك، فينتج أن لم يقع منه الاجتهاد.
جوابه:
أن اجتهاد النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس مثل اجتهادات غيره تتغير وتتبدل في قضايا متشابهة، بحيث يوجه إليه هذه التهمة، وعندما أخطأ في
بعض اجتهاداته مما يكون سببا في تغيير نتائجها: نزل الوحي
لتصحيح هذا الخطأ، فمنع السبب في توجيه تلك التهمة إليه - صلى الله عليه وسلم -، وبذلك يكون مجتهداً من غير أن يصدر منه ما يوجب هذا الاتهام، فلا يتخذ عدم توجيه هذه التهمة إليه ذريعة لإنكار اجتهاده.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي؛ لاتفاق أصحاب المذهبين على جواز اجتهاده
- صلى الله عليه وسلم -، وكونه وقع منه ذلك الاجتهاد أو لم يقع، فإنه لا يغير من المعنى والحكم شيئاً.
(5/2345)

المبحث التاسع هل يجوز الخطأ في اجتهاد - صلى الله عليه وسلم -؟
لقد اختلف أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إن الاجتهاد
وقع منه - صلى الله عليه وسلم - في جواز الخطأ في اجتهاده - صلى الله عليه وسلم -.
المذهب الأول: أنه يجوز الخطأ في اجتهاده - صلى الله عليه وسلم -.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: قوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) .
وجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أذن للذين تخلفوا عن غزوة تبوك: بين اللَّه تعالى في هذه الآية خطأه في ذلك.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى
حتى يثخن في الأرض) .
وجه الدلالة: أن - صلى الله عليه وسلم - لما أخذ المال عوضا عن أسرى بدر: بين اللَّه تعالى له أنه أخطأ بترك قتل هؤلاء الأسرى، حتى قال النبي
- صلى الله عليه وسلم -: " لو نزل من السماء عذاب لما نجا منه إلا عمر "، وذلك لأن عمر بن الخطاب قد أشار بقتل الأسرى.
الدليل الثالث: قوله عليه الصلاة والسلام: " إنما أحكم بالظاهر
وإنكم لتختصمون إليَّ، ولعل أحدكم يكون ألحن بحجته من بعض،
فمن قضيت له بشيء من مال أخيه، فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة
من النار ".
(5/2346)

وجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد بين هنا أنه يقضي بما لا يكون حقا في نفس الأمر، وهذا يدل على أنه يقع منه الخطأ في اجتهاده.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز الخطأ في اجتهاده - صلى الله عليه وسلم -
وهو مذهب بعض الشافعية.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قوله تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) .
وجه الدلالة: أن اللَّه - تعالى - قد أمرنا - هنا - باتباع حكم
الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فلو جاز عليه الخطأ في حكمه لكنا قد أمرنا باتباع الخطأ، والشارع لا يمكن أن يأمر بذلك.
جوابه:
هذا منقوض بأن اللَّه - تعالى - قد أمر العامي باتباع قول المجتهد
والمفتي مع جواز خطئه، فلو كان ما ذكروه صحيحا للزم من ذلك:
أن اللَّه تعالى أمر باتباع الخطأ، وهذا لا يقوله أحد.
الدليل الثاني: أن المقصود من البعثة وإظهار المعجزة: اتباع
الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الأحكام الشرعية؛ إقامة لمصالح الخلق، فلو جاز الخطأ على النبي - صلى الله عليه وسلم - في حكمه.: للزم من ذلك التردد في قوله، والشك في حكمه، وذلك مما يخل بمقصود البعثة، وهذا محال.
جوابه:
إن المقصود من البعثة إنما هو تبليغه عن اللَّه - تعالى -: أوامره،
ونواهيه، والمقصود من إظهار المعجزة: إظهار صدقه فيما يقوله من
(5/2347)

الرسالة، والتبليغ عن اللَّه تعالى، وذلك مما لا يتصور خطأه فيه
بالإجماع.
بخلاف ما يحكم به عن اجتهاده، فإنه لا يقول فيه عن وحي،
ولا بطريق التبليغ، بل حكمه فيه حكم غيره من المجتهدين، فتطرق
الخطأ إليه في ذلك لا يوجب الإخلال بمعنى البعثة.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي؛ لأن ما حكم به باجتهاده - صلى الله عليه وسلم - إما أن يكون صوابا من أول الأمر، أو يحتمل الخطأ في بادئ الأمر، لكن الله
تعالى يرشده إلى الصواب، فهو صواب في نهاية الأمر.
(5/2348)

المبحث العاشر هل كل مجتهد مصيب في الفروع أو المصيب واحد؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن المصيب واحد من المجتهدين.
وأصحاب هذا المذهب يُسمون بالمخطئة؛ حيث إنهم يرون: أن لله
تعالى في كل حادثة حكما معينا، أصاب الحق من أصابه، وأخطأه
من أخطأه.
فمثلاً: إذا حدثت حادثة في الفروع، ولم يوجد دليل قاطع في
حكمها من نص، أو إجماع: فإنا نعلم أن لله تعالى فيها حكما
شرعيا معينا، فيطلب المجتهدون ذلك الحكم بشتى أنواع الاجتهاد:
فمن أدركه كان مصيبا، ومن لم يدركه كان مخطئا لا إثم عليه، ولا
يقطع بخطأ واحد بعينه من المجتهدين، ولا يقطع بإصابة واحد بعينه.
وهذا مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: إجماع الصحابة السكوتي، بيانه:
أنه انتشرت عن الصحابة - رضي اللَّه عنهم - وقائع ومسائل خطأ
بعضهم بعضاً فيها، وصرخوا بلفظ الخطأ والإنكار، فلو كان كل
مجتهد في ذلك مصيبا لم يخطئ بعضهم بعضا، بل كان يقول
بعضهم لبعض: " أنا مصيب وأنت مصيب ".
وإليك بعض الأمثلة على ذلك:
(5/2349)

1 - قول أبي بكر رضي اللَّه عنه - لما سئل عن الكلالة -:
"أقول فيها برأيى، فإن كان صوابا فمن اللَّه، وإن كان خطأ فمني،
وأستغفر اللَّه، والله ورسوله بريئان منه، الكلالة: ما عدا الوالد
والولد ".
2 - قول عمر - رضي اللَّه عنه - في قضية قضاها -: " والله ما
يدري عمر أصاب أم أخطأ ".
3 - أنه لما كتب كاتب لعمر: " هذا رأي اللَّه ورأي عمر "
قال له عمر: " بئس ما قلت: اكتب: هذا مارآه عمر، فإن يكن
صوابا فمن اللَّه، وإن كان خطأ فمن عمر ".
4 - قول ابن مسعود - رضي اللَّه عنه - لما سئل عن المفوضة:
هل لها مهر؛ -: أقول فيها برأيى فإن كان صوابا فمن اللَّه، وإن
كان خطأ فمن الشيطان: للمرأة مهر مثيلاتها ... ".
ففي هذه الأمثلة الأربعة قد بين كل من أبي بكر، وعمر، وابن
مسعود أن الحق واحد قد يصيبه بعض المجتهدين، وأن غيره خطأ.
5 - أن عمر أرسل إلى امرأة فأفزعها فأجهضت، فاستشار عثمان
ابن عفان، وعبد الرحمن بن عوف فقالا: " لا شيء عليك إنما أنت
مؤدب "، وكان عليّ في القوم ساكتا، فقال عمر: عزمت عليك
يا أبا الحسن لتخبرني، فقال عليّ: " إن كانا قد اجتهدا فقد أخطئا،
وإن كانا ما اجتهدا فقد غشاك: عليك الدية "، فقبل قوله، ولم
ينكر عليه عمر تخطئة عثمان وعبد الرحمن.
6 - أنه لما ورَّث زيد بن ثابت الإخوة مع الجد اعترض عليه ابن
عباس - رضي اللَّه عنهم - فقال: " ألا يتقي اللَّه زيد، يجعل ابن
(5/2350)

الابن ابنا، ولا يجعل أب الأب أبا "، فلو كان كل مجتهد مصيبا لما
أنكر على زيد، ولقال هو: هو مصيب، وأنا مصيب.
فهذه الأمثلة والصور وإن لم تتواتر آحادها إلا أنه بمجموعها تفيد
حصول التواتر عن طريق المعنى على أن الصحابة - رضي اللَّه عنهم -
قد اتفقوا على أن الحق واحد يصيبه بعض المجتهدين ويخطئه آخرون.
ما اعترض به على هذا الدليل:
الاعتراض الأول: أن إنكار بعضهم على بعض لا يدل على أن
الحق واحد، وأن بعض المجتهدين يصيبه، والبعض الآخر قد
يخطئه، بل إن الواحد قد نسب الخطأ إلى الآخر في اجتهاده؛ نظراً
لأن الصحابي المخطئ لم يبلغ درجة الاجتهاد، لذلك أنكر عليه.
جوابه:
أن هذا الاعتراض ظاهر البطلان؛ لأن الصحابة الذين قد اتهموا
بالخطأ في الاجتهاد، أو اتهموا أنفسهم: هم من كبار الصحابة
المجتهدين كأبي بكر، وعمر، وابن مسعود، وابن عباس، وعثمان،
وعبد الرحمن بن عوف، وعلي، كما سبق في الأمثلة، فإن كان
هؤلاء لم يبلغوا درجة الاجتهاد وليسوا أهلاً له، فمن الذي بلغ
درجة الاجتهاد في نظر هذا المعترض؟!
الاعتراض الثاني: أن الواحد قد نسب الخطأ إلى الآخر في
اجتهاده؛ نظراً لأن الصحابي المخطئ قد بلغ درجة الاجتهاد لكنه قد
قصر في الاجتهاد، ولم يبذل قصارى جهده للوصول إلى الحق.
جوابه:
إن هذا ظاهر الفساد - أيضا -؛ لأنه سوء ظن في الصحابة
(5/2351)

- رضي اللَّه عنهم -، وأنهم فرَّطوا، وقصروا في النظر، وأفتوا
بالخطأ مع استطاعتهم على الوصول إلى الصواب، وهذا فيه حكم
بالجهل، وحكم بالهوى والتشهي المجرد، وهذا لا يمكن في صحابة
قد اختارهم اللَّه لصحبة نبيه لمجيم، وعدَّلهم اللَّه ورسوله، وبذلوا
النفس والنفيس لأجل إعلاء كلمة اللَّه، ونصرة دينه.
فهذا الاعتراض يدل على أن قائله جاهل بأحوال الصحابة وما هم
عليه من التقوى والورع والزهد، وأنهم يتدافعون الفتوى، ولا يفتي
أحدهم إلا بعد التروي والمكث الطويل، ومن كان جاهلاً بهذه
الأحوال عن الصحابة، فلا يعتد بقوله.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (ففهمناها سليمان وكلاً آتينا حكما وعلما) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد بين أن المصيب واحد، وأن الحق
في قوله، وهو سليمان - عليه السلام - فخصصه بفهم الحق في
تلك الواقعة، وهذا يدل على عدم فهم داود - عليه السلام - له،
فلو كانا مصيبين معاً في الحكم لم يكن سليمان مختصا بفهمها.
أي: لو استوى داود وسليمان - عليهما السلام - في إصابة
الحكم لما كان تخصيص سليمان بالفهم مقيدا.
وهذه الآية تدل - أيضا - على أن الإثم محطوط عن المجتهد
المخطئ؛ لأن اللَّه تعالى مدح كلًّا من داود وسليمان فى آخر الآية
السابقة.
ما افترض به على هذا الدليل:
الاعتراض الأول: معروف أنه لا يجوز الخطأ على الأنبياء - عليهم
(5/2352)

السلام - فكيف تجوز نسبة الخطأ إلى داود - عليه السلام - وهو نبي
من الأنبياء؟
جوابها:
لقد قلنا - فيما سبق -: إنه يجوز الخطأ في اجتهاد النبي - صلى الله عليه وسلم -، لكنه لا يقر عليه، وهو مذهب الجمهور، وقد ذكرت عدة أدلة على ذلك، وإذا جاز الخطأ إلى اجتهاده - صلى الله عليه وسلم -، فإنه يجوز الخطأ في اجتهاد بقية الأنبياء ولا فرق.
الاعتراض الثاني: أنه لا يوجد دليل يدل على أن داود قد حكم
باجتهاده، ثم نسب إليه الخطأ، بل قد يكون داود قد حكم بنص،
ثم نسخ ذلك النص، فعلم سليمان بذلك النسخ، ولم يعلم داود
فحكم فاصاب.
جوابه:
إن ظاهر الآية قد دلَّ على أن داود قد حكم بالاجتهاد؛ حيث قال
تعالى: (ففهمناها) ، وإنما يوصف بالفهم من سمع الشيء المشتبه
ففهمه بفكره عن طريق أمارات ودلائل ظهرت له.
فلو حكم داود بالنص - كما زعم المعترض -: لما اختص سليمان
بالفهم دونه؛ لأنهما لا يختلفان في ذلك؛ حيث إن من أخبر
بالحكم، ولم يخبر به غيره: لا يقال: فهم دون غيره، وإنما يقال:
سمع وأخبر، دون غيره.
الاعتراض الثالث: أنه لو كان داود مخطئا في الحكم فإنه لا
يمدح، بل يذم، ولكن اللَّه تعالى قد مدحه، فوصفه بأنه قد أوتي
حكما وعلما، فثبت أن اجتهاده كان صوابا وعلما.
(5/2353)

جوابه:
أن اللَّه تعالى لما قال: (وكلا آتيناه حكما وعلما) ، فإنه عمم
ذلك، فلم يقل: إنه آتاه حكماً وعلما في هذه القضية، والحكومة،
فيحتمل: أنه أتاه في غيرها.
أو يكون " كلاً آتيناه حكماً وعلما " بوجود الاجتهاد، وطرق
الأحكام، ثم إن أحدهما فهم هذه الحكومة، والآخر لم يفهمها.
الدليل الثالث: قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر ".
وجه الدلالة: أن هذا صريح في أنه المجتهد يصيب ويخطئ،
ويؤجر المخطئ بأجر وثواب أقل من أجر المجتهد المصيب، فدل هذا
على أن الحق واحد يصيبه المجتهد تارة، ويخطئه أخرى.
الدليل الرابع: قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"إنما أحكم بالظاهر، وإنكم لتختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته منْ بعض، وإنما أقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار ".
هذا الحديث يدل على أن المصيب واحد، وغير مخطئ من وجوه:
الوجه الأول: أنه لو كان ما قضي به الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الحكم عند الله - تعالى -: لما اختلف باختلاف لحن المتخاصمين، أو تساويهما في ذلك.
الوجه الثاني: أنه لو كان ما قضى به النبي - صلى الله عليه وسلم - هو مصيب فيه، وأنه حكم اللَّه - تعالى -: لما قال:
" قضيت له بشيء من حق أخيه "،
ولما قال: " إنما أقطع له قطعة من النار "، حيث إنا نفهم
(5/2354)

من ظاهر هاتين العبارتين أنه - صلى الله عليه وسلم - يمكن منه الخطأ، فيعطي حق هذا لذاك، ولكنه لا يأثم في هذا الخطأ.
الوجه الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بيَّن أنه يقضي للإنسان بحق أخيه عن طريق الخطأ؛ لأنه يقضي بالظاهر، وقد يكون الظاهر خلاف
الواقع، ولو كان المخطى في الاجتهاد يأثم لما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الدليل الخامس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا بعث جيشا أوصاهم بقوله:
" إذا حاصرتم حصنا، أو مدينة، فطلبوا منكم أن تنزلوهم على
حكم اللَّه فلا تنزلوهم على حكم اللَّه، فإنكم لا تدرون ما يحكم
الله فيهم.. ".
وجه الدلالة: أن هذا يدل على أن لله تعالى حكما في الحادثة،
وأن هذا الحكم ليس هو ما يؤدي إليه الاجتهاد قطعا ويقينا.
اعتراض على ذلك:
قال قائل - معترضا -: إنه نهى عن ذلك؛ مخافة أن يحكموا
فينزل اللَّه - تعالى - حكما غير ذلك الذي حكموا به.
جوابه:
أن هذا الكلام من المعترض يدل على أن لله حكما قد يدركه
المجتهد، وقد يخطئه.
الدليل السادس: أنه لو صح تصويب كل واحد من المجتهدين:
لجاز لكل واحد من المجتهدين في القِبْلة أن يقتدي كل واحد منهما
بصاحبه؛ لأن صلاة كل واحد صحيحة، فما المانع من الاقتداء بمن
صلاته صحيحة؛ وكذلك لو اختلف مجتهدان في الماء الذي في هذا الإناء:
(5/2355)

فقال أحدهما: إنه طاهر، وقال الآخر: إنه نجس، فإنه يجوز على
مذهب المصوبة اقتداء كل واحد منهما بالآخر، ولكن هذا لا يجوز؛
لاتفاق الأُمَّة على فساد هذا الاقتداء، فدل على أن الحق واحد.
الدليل السابع: أن الأُمَّة مجمعة على جواز المناظرة بين المجتهدين؛
لما في ذلك من الفوائد الكثيرة، ولو كان كل واحد من المتناظرين
مصيبا فيما ذهب إليه لم يكن للمناظرة معنى ولا فائدة، وذلك لأن
كل واحد يعتقد أن ما صار إليه خصمه حق، وأنه مصيب فيه.
ووجدت المناظرة إما لأجل معرفة أن ما صار إليه خصمه صواب،
أو لرده عنه.
فإن كان الأول ففيه تحصيل الحاصل، وإن كان الثاني فقصد كل
واحد لرد صاحبه عما هو عليه مع اعتقاده أنه صواب يكون حراما.
المذهب الثاني: أن كل مجتهد في الفروع مصيب، وأن حكم الله
- تعالى - لا يكون واحداً معيتا، بل هو تابع لظن المجتهد،
فحكم اللَّه - تعالى - في حق كل مجتهد ما أدى إليه اجتهاده،
وغلب على ظنه، وسمي أصحاب هذا المذهب بالمصوبة.
وهو مذهب أبي بكر الباقلاني، والغزالي، وبعض المتكلمين،
وأكثر المعتزلة، ومنهم أبو الهذيل، وأبو علي، وابنه.
دليل هذا المذهب:
الدليل الأول: قوله تعالى: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أخبر أن القطع والترك بأمر اللَّه تعالى
فهما صوابان مع كونهما ضدين.
(5/2356)

جوابه:
هذا من باب الواجب ألمخير؛ حيث خير اللَّه تعالى عباده بين قطع
النخل وعدمه، والعلمأء لم يمنعوا أن يرد الحكم من اللَّه تعالى
بالتخيير في الأشياء، كما ورد التخيير بين خصال كفارة اليمين.
وإنما منعوا أن يكون الحكم من المجتهد وضده من مجتهد آخر،
كلاهما يكونان على صواب.
الدليل الثاني: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -:
"أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ".
وجه الدلالة: إن هذا الحديث يدل على أن كل واحد منهم على
صواب في اجتهاده.
جوابه:
إن الحديث يحتمل عدة احتمالات هي كما يلي:
الأول: أن المراد به أن العامي يقلد من أراد منهم.
الثاني: أن المراد به أن أيهم اقتديتم واهتديتم في روايته - عني -
أي: عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الثالث: أن المراد به أن قول الواحد منهم حُجَّة إذا انفرد.
واذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال.
اعتراض:
قال قائل - معترضا -: إذا ثبت أن العامي يقلد من شاء دلَّ على
أن الحق ليس في واحد، بل كل منهم على الحق.
(5/2357)

جوابه:
نحن جوَّزنا تقليد من شاء، ولم نشترط عليه تقليد من معه الحق؛
لأنه لا طريق له إلى ذلك بأن يأخذ الحكم.
الدليل الثالث: أنه لو كان الحق في واحد لما أجمع العلماء على
جواز أن يقلد العامي من شاء من المجتهدين، فلما أجمعوا على ذلك
دلَّ على أن كل مجتهد مصيب.
جوابه:
أن الحكم المجتهد فيه لا يوجد عليه دليل مقطوع به، وإلا فلو كان
مع أحدهما دليل مقطوع به: لجاز أن يقال للمقلد: من أفتاك خلاف
هذا فلا تقبله.
وأجمع العلماء - أيضاً - على أن المجتهد إذا أخطا، فلا إثم على
المقلد له، وهو مصيب في تقليده، فلهذا لم يمنع.
الدليل الرابع: قياس اختلاف الفقهاء على اختلاف القراء، فكما
أن كل من قرأ بحرف نقول: إنه مصيب، والقارئ بحرف آخر
نقول: إنه مصيب أيضا، فكذلك هنا.
جوابه:
أن هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق:
أن اختلاف القراء يرجع إلى نقل متواتر، وإعلام الشرع بأن
القرآن نزل على سبعة أحرف، ولا تناقض في ذلك، ولهذا كل
واحد من القراء له أن يقرأ بحرفه، وحرف غيره في حالة واحدة.
بخلاف مسألتنا التي نحن فيها، فإنه ليس لمجتهد أن يفتي بشىء
وضده في حالة واحدة؛ لما في ذلك من التناقض.
(5/2358)

الدليل الخامس: أنه لو أداه اجتهاده في وقت إلى جواز شيء،
ثم أداه اجتهاده في وقت آخر إلى تحريم ذلك الشيء: فلو قلنا بأن
الحق واحد للزم من ذلك: أنه لا يجوز له أن يحكم بالثاني - وهو
التحريم -؛ لأن عنده أن ذلك خطأ؛ حيث إنه حكم بالأول.
جوابه:
إنه ثبت عنده أنه خطأ ظنا لا علما، وفي هذه الحال قد بأن له أنه
صواب أيضا بالظن، وأن الأول خطأ، فحكم في كل حال بما أداه
إليه اجتهاده أنه الحق، وصار كالحكم في مسألتين.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ حيث ترتب على ذلك اختلاف في بعض
الفروع الفقهية، ومنها: إذا صلى خلف من توضأ تاركا للنية، أو
الترتيب، أو أي شيء مما اختلف فيه: فإنه تجب الإعادة على من
يرى وجوب النية في الوضوء، أو الترتيب فيه بناء على المذهب
الأول.
أما بناء على المذهب الثاني، فإن الإعادة لا تجب على من يرى
وجوب النية والترتيب في الوضوء؛ لأن كل مجتهد مصيب.
(5/2359)

المبحث الحادي عشر هل كل مجتهد مصيب في أصول الدين
أو المصيب واحد؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن المصيب واحد في أصول الدين.
وهو مذهب جمهور العلماء من السلف والخلف، وهو الحق؛
لأن كل قولين لا يجوز ورود الشرع بصحة كل واحد منهما: لم
يجز أن يكونا صوابين كقول المسلمين بالتوحيد، وقول غيرهم بالتثنية
وقول النصارى بالتثليث.
المذهب الثاني: أن كل مجتهد مصيب.
وهو ما روي عن عبيد الله بن الحسن العنبري؛ حيث حكي عنه
قوله: " إن المجتهدين في الأصول من أهل القبْلة جميعهم مصيبون
مع اختلافهم "، وحكي أيضا عن الجاحظ.
دليل هذا المذهب:
قياس الأصول على الفروع، فإذا جاز أن يكون كل مجتهد مصيبا
في الفروع جاز مثله في الأصول، ولا فرق.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن الأصل المقاس عليه لا نسلمه؛ حيث إنه
ليس كل مجتهد مصيبا في الفروع، بل المصيب واحد كما قلنا ذلك.
(5/2360)

الجواب الثاني: على فرض تسليم الأصل المقاس عليه، فإن هذا
القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن الفرع ليس
عليها أدلة قطعية، ويجوز أن يرد الشرع بحكمين متضادين فيها في
حق شخصين كالصلاة تحرم على الحائض، وتجب على الطاهر،
فلذلك جاز القول فيها: إن كل مجتهد مصيب، بخلاف الأصول،
حيث إن عليها أدلة قاطعة، ولا يجوز أن يرد الشرع بحكمين
متضادين فيها، ولذلك لم يجز الحكم فيها ويقال: إن كل مجتهد
مصيب.
تنبيه: هذه المسألة تخص العقيدة، ولا صلة لها بأصول الفقه،
وإنما ذكرتها هنا لأنها لها صلة بالمسألة السابقة.
(5/2361)

المبحث الثاني عشر إذا تعارض عند المجتهد دليلان وعجز
عن الترجيح وتحيَّر فماذا يفعل؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن عليه التوقف إلى أن يعلم أن أحدهما أرجح من
الآخر بأي أمارة، فإن لم يعلم فإنه يسقطهما، ويعمل بالبراءة
الأصلية، ولا يجوز التخيير بينهما، ولا العمل بأحدهما.
وهو مذهب أكثر الحنفية، وأكثر الشافعية، والحنابلة، وهو الحق
عندي؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: أن تخيير المجتهد في الأخذ بأحد الدليلين
المتعارضين عنده يؤدي إلى باطل، وما يؤدي إلى باطل فهو باطل؛
وذلك لأن التخيير يلزم منه الجمع بين النقيضين؛ لأن التخيير هو
تساوي الطرفين، وهو الإباحة، والمباح نقيض المحرم، فإذا تعارض
دليل مبيح مع دليل محرم، فخيرنا المجتهد بين كونه محرما يأثم
بفعله، وبين كونه مباحا لا إثم على فاعله: كان ذلك جمعا بين
هذين المتناقضين، والجمع بينهما باطل.
الدليل الثاني: أنه لو تعارض دليلان عند المجتهد، أحدهما
يقضي بإيجاب الحكم، والآخر يقضي بإباحته، ثم ذهب المجتهد
إلى المذهب الثاني - وهو: تخيير المجتهد بينهما - فقد تضمن هذا
ترجيح الدليل المبيح على الدليل الموجب بلا دليل، وهذا تحكم،
والتحكم باطل بالاتفاق.
(5/2362)

المذهب الثاني: أنه إذا تعارض دليلان عند المجتهد، ولم يترجح
أحدهما على الآخر عنده، فإنه يتخير بينهما، فإن شاء أخذ بهذا
الدليل، وإن شاء أخذ بالدليل الآخر، ولا يرجح أحدهما على
الآخر، ولا يجوز له التوقف.
وهو مذهب بعض الحنفية كالجرجاني، والجصاص، وبعض
المعتزلة كأبي علي وابنه، وبعض المالكية كأبي بكر الباقلاني.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن أمام المجتهد احتمالات خمسة باطلة إلا واحد،
وهي كما يلي:
الاحتمال الأول: إما أن يعمل المجتهد بالدليلين معا؛ المثبت
والنافي، وهذا محال؛ لأنه جمع بين متناقضين.
الاحتمال الثاني: وإما أن يسقط المجتهد الدليلين معا، فلا يعمل
بهما وهو باطل؛ لأنه يؤدي إل تعطيل دليلين قد ثبتا. -
الاحتمال الثالث: وإما أن يتوقف فلا يعمل بهما معا حتى يرد ما
يرجح أحدهما، وهو باطل؛ لأن التوقف إلى غير غاية فيه تعطيل
لدليلين قد ثبتا، ويمكن أن يكون الحكم في المسألة لا يقبل التأخير
بأي حال.
الاحتمال الرابع: وإما أن يرجح أحدهما فيعمل به، دون الآخر،
وهو باطل؛ لأنه تحكم، أي: هو تعيين بلا دليل، وليس أحدهما
بأوْلى من الآخر.
الاحتمال الخامس: وإما أن يتخير بينهما، فيختار ما شاء منهما
فيأخذه فيعمل به على طريقة الإباحة، وهذا هو الصحيح؛ وذلك
(5/2363)

لكون كل واحد منهما في قوة الآخر، وليس أحدهما بأوْلى من
الآخر، وهو مذهبنا.
جوابه:
لا نسلم صحة الاحتمال الخامس؛ لما ذكرناه من الدليلين السابقين
على أن التخيير باطل.
بل المسلم هو الاحتمال الثالث وهو: التوقف - وهو مذهبنا -
وليس فيه تعطيلاً للدليلين، حيث إنا لا نقصد به التوقف المطلق،
بل نقصد أن يتوقف إلى أن يعلم أن أحدهما أرجح من الآخر، فإن
لم يعلم فإنه يسقطهما، ويعدل إلى دليل آخر كالبراءة الأصلية؛
قياساً على القاضي إذا تعارضت عنده بينتان.
ومعروف أنه لا توجد أية حادثة إلا ويوجد لها دليل يدلنا على
الحكم فيها؛ لأن اللَّه تعالى قد كلفنا بأن نوجد أحكاما شرعية لكل
الحوادث المتجددة، ولا سبيل لإيجاد هذه الأحكام إلا بدليل شرعي،
فلو لم يجعل دليلاً لذلك: كان هذا تكليفا بما لا يطاق.
والتوقف واقع في الشريعة في صور، ومنها:
1 - أن المجتهد إذا سأله بعض المستفتين عن حكم مسألة لم يجد
لها دليلاً يعتمد عليه من نقل، أو عقل، فإنه حينئذٍ يتوقف.
2 - أنه إذا حدثت حادثة للعامي، فلم يجد مجتهداً يفتيه بها
بحكم، فليس أمامه إلا التوقف، لأنه لا يعرف الأدلة حتى يجتهد
لنفسه.
الدليل الثاني: قياس المجتهد على العامي؛ حيث إن العامي إذا
حدثت له حادثة، فسأل مجتهداً عن حكمها فأفتاه بأن حكمها
(5/2364)

الجواز، وسأل مجتهدا آخر فافتاه بأن حكمها التحريم: فإن العامي
يختار أيهما شاء إما حكم الجواز، أو التحريم، ولا حرج عليه في
ذلك، فكذلك المجتهد إذا تعارض عنده دليلان يختار أيهما شاء ولا
فرق بجامع: أن كلًّا منهما يتخير، فالعامي يتخير بين حكمين،
والمجتهد يتخير بين دليلين.
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ الحكم في الأصل المقاس عليه وهو
العامي؛ حيث إن العلماء اختلفوا في العامي إذا أفتاه مجتهدان قد
اختلفا في الحكم على أقوال:
فقيل: إن العامي يتخير بين فتوى هذا، وفتوى ذاك، وهو رأي
أكثر العلماء.
وقيل: إن العامي ينظر في أعيان المجتهدين، فيقبل قول أدينهما،
وأعلمهما، وهو مذهب كثير من الحنابلة، وبعض الشافعية.
وقيل: إن العامي يأخذ بالأثقل والأغلظ من قولي المجتهدين؛
احتياطاً.
وقيل: إن العامي يأخذ بالأسهل والأخف من قوليهما؛ لأن
الشريعة جاءت باليسر.
وقيل: إن العامي يأخذ بالأرجح دليلاً في اعتقاده.
وقيل: إنه ينبغي أن يسأل مجتهداً ثالثا.
إذن الحكم في الأصل مختلف فيه، فلا يجوز لكم أن تقيسوا على
أصل قد اختلف في حكمه.
(5/2365)

الجواب الثاني: سلمنا أن الأصل المقاس عليه قد اتفق على حكمه
وهو: أن العامي يتخير بين الحكمين، فإن هذا القياس فاسد؛ لأنه
قياس مع الفارق، ووجه الفرق:
أن العامي ليس أهلاً للنظر في الأدلة، ولم يتعبَّده الشارع باتباع
موجب ظنه.
وكذلك فإن العامي لا يكلف بأن يرجح بين حكمي المجتهدين في
حادثته.
أما المجتهد فإنه يختلف عنه في ذلك؛ فإنه أهل للنظر في الأدلة،
وقد تعبّده اللَّه باتباع موجب ظنه، وهو مكلف بترجيح أحد الدليلين
إذا تعارضا.
فأما إذا تعارض دليلان، ولم يجد مرجحا لأحدهما على الآخر،
فإنه لم يغلب على ظنه ترجيح أحد الدليلين على الآخر؛ لأنه لا ظن
له هنا، فحينئذٍ يجب عليه التوقف.
الدليل الثالث: أن التخيير بين الحكمين في الشرع قد وقع في
صور، ومنها:
1 - التخيير بين خصال كفارة اليمين بين الإعتاق، أو الإطعام،
أو الكسوة.
2 - أن من دخل الكعبة، فإنه يخير بأن يستقبل أي جدار أراد.
ووقوع التخيير في الشرع دليل على أن التخيير بين الدليلين بالنسبة
للمجتهد ليس ببعيد ولا بمستنكر.
جوابه:
أنا لا ننكر أن التخيير قد ورد في الشرع كما ذكرتم من الأمثلة،
(5/2366)

وهذا التخيير ليس فيه جمع بين نقيضين، فلم يمتنع عقلاً، فجاز
عقلاً وشرعا.
لكن الذي ننكره هو التخيير الذي يؤدي إلى الجمع بين النقيضين
مثل: أن يتخير بين الواجب، وغير الواجب، والحرام، والمباح،
فهذا لم يرد به الشرع، ويمتنع عقلاً؛ لأنه محال.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي، وهو واضح؛ حيث إنه يجوز الاستدلال
بالبراءة الأصلية على حكم حادثة قد ورد فيها دليلان متعارضان،
وهذا بناء على المذهب الأول.
أما بناء على المذهب الثاني: فإنه لا يجوز الاستدلال بالبراءة
الأصلية عند تعارض الدليلين، بل يختار أحد الدليلين ويعمل به.
(5/2367)

المبحث الثالث عشر هل يجوز للمجتهد أن يقول في الحادثة الواحدة
قولين متضادين في وقت واحد؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يجوز ذلك، فلا يجوز له أن يقول في
الحادثة الواحدة قولين متضادين كالتحريم والإباحة في وقت واحد.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: أن الصحابة - رضي اللَّه عنهم - قد تكلموا في
فروع فقهية كثيرة - كما سبق في باب القياس - ولم يحك ويرو عن
أحد منهم أنه قال في مسألة واحدة قولين متضادين في وقت واحد،
مع أنه روي لنا آلاف من الآثار عنهم، وهذا يدل على عدم جوازه.
الدليل الثاني: أن قول المجتهد في مسألة واحدة قولين متضادين
في وقت واحد لا يخلو من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: إما أن يكونا صحيحين.
الحالة الثانية: إما أن يكونا فاسدين.
الحالة الثالثة: إما أن يكون أحد القولين صحيحاً، والقول الآخر
فاسداً.
أما الحالة الأولى - وهي: كونهما صحيحين - فلا تصح؛ لأن
الشيء لا يجوز أن يكون حلالاً حراما، ولا نفيا ولا إثباتا؛ حيث
إنهما ضدان، ولا يمكن اجتماع الضدين.
(5/2368)

أما الحالة الثانية - وهي: كونهما فاسدين - فلا تصح - أيضا -؛
لأن القولين إذا كانا فاسدين، فإن القول بهما يكون حراما.
أما الحالة الثالثة - وهي: كون أحدهما صحيحا والآخر فاسدا -
فلا تصح - أيضا -؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون عالما بفساد القول
الفاسد، وإما أن يكون غير عالم بذلك.
أما الأول - وهو: كون المجتهد عالم بفساد الفاسد - فهذا لا
يصح ولا يمكن؛ لأنه يبعد أن يقول مجتهد بقول فاسد يحرم على
الأمة العمل به، فهذا تلبيس وتدليس لا يمكن أن يقوله مجتهد من
مجتهدي أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -.
وأما الثاني - وهو: كونه غير عالم بفساد الفاسد - فهذا قد اشتبه
عليه الفاسد من غير الفاسد، ومثل هذا لا يكون مجتهداً في المسألة؛
حيث لم يعلم بحكم تلك المسألة، فلا يقبل منه شيء، فخرج
- بهذا - عن المجتهدين.
وإذا ثبت بطلان الحالات الثلاث فإنه يبطل قول المجتهد في حادثة
واحدة بقولين في وقت واحد.
المذهب الثاني: أنه يجوز أن يقول المجتهد في المسألة الواحدة
قولين متضادين في وقت واحد.
وهو محكي عن الشافعي، وبعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
الدليل الأول: قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"إن وليتم أبا بكر وليتم ضعيفا في بدنه قويا في أمر اللَّه تعالى،
وإن وليتم عمر وليتم قويا في بدنه قويا في أمر اللَّه تعالى ".
(5/2369)

وجه الدلالة: أن هذين قولان، ولم ينص على أحدهما.
جوابه:
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقل: ولُّوا فلانا، وإنما قال: " إن وليتم فلانا فهو كذا، وإن وليتم فلاناً فهو كذا " فهو يبين صفة كل واحد منهما.
الدليل الثاني: أن عمر - رضي اللَّه عنه - جعل الأمر شورى في
ستة، ولم ينص على واحد منهم بعينه.
جوابه:
أن عمر - رضي اللَّه عنه - لم يقل: إن الخليفة بعدي فلان،
وفلان، وإنما قال: لا أدري أحق بهذا الأمر من أحد هؤلاء الستة.
(5/2370)

المبحث الرابع عشر المجتهد الذي لم يجتهد في مسألة، ولكن العلوم
كلها حاصلة عنده، وعنده القدرة على الاجتهاد
فهل يجوز له أن يقلد غيره من المجتهدين؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: لا يجوز له تقليد غيره مطلقا، أي: سواء مع
ضيق الوقت، أو سعته، لا فيما يخصه، ولا فيما يفتي به،
وسواء كان المجتهد الآخر مثله في العلم، أو أقوى منه.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن تقليد من لم تثبت عصمته ولا يعلم بالحقيقة
إصابته الحكم الشرعي، بل يجوز خطأوه، وتلبيسه لا يمكن أن يثبت
إلا بنص أو قياس على منصوص، ولا يوجد هنا نص، ولا قياس؛
لأن المنصوص عليه هو: أن العامي يقلد المجتهد؛ حيث إن المجتهد
له أن يأخذ بنظر نفسه، وللعامي أن يأخذ بقول المجتهد، بيان ذلك:
أما المجتهد فإنما جاز له الحكم بظنه؛ نظراً لعجزه عن العلم
القطعي بالحكم، فالضرورة دعت إلى ذلك في كل مسألة ليس فيها
دليل قاطع.
أما العامي فإنما جاز له تقليد غيره؛ نظراً لعجزه عن تحصيل العلم
والظن بنفسه.
(5/2371)

والمجتهد غير عاجز، فلا يكون في معنى العاجز، فيجب عليه أن
يطلب الحق بنفسه، ولا يساوى بالعامي.
الدليل الثاثي: قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) .
وجه الدلالة: أن المجتهد من أولي الأبصار الذين أمرهم الله
تعالى بالاعتبار والاجتهاد، فلو جاز له تقليد غيره: لكان تاركا ما
وجب عليه، وترك الواجب حرام، فكان تقليده لمجتهد آخر حراما.
الدليل الثالث - وهو: خاص للاستدلال على أن المجتهد لا يقلد
الآخر وإن كان مثله في العلم أو أقوى منه -: أن الواجب على
المجتهد أن ينظر في المسألة:
فإن غلب على ظنه أن الحكم في المسألة كذا، ووافق ذلك ما
غلب على ظن المجتهد الأقوى فحسن.
وإن غلب على ظن المجتهد الأقل علما خلاف ما غلب على ظن
المجتهد الأقوى علما، فماذا ينفع كونه أقوى علما، وقد صار ما
غلب على ظنه مزيفا وباطلاً عند المجتهد الأقل علما، والخطأ جائز
على الأعلم، وظن المجتهد الأقل علما أقوى في نفسه من ظن غيره،
وإن كان أعلم منه، وللمجتهد الأقل علما أن يأخذ بظن نفسه اتفاقا،
ولا يلزمه تقليد غيره وإن كان أعلم منه.
ويؤيد ذلك: أن الصحابة - رضي اللَّه عنهم - قد سوغوا
الخلاف لصغار الصحابة كابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير،
وزيد، وغيرهم من أحداث الصحابة؛ حيث كانوا يخالفون كبار
الصحابة كأبي بكر، وعمر، وعلي، وغيرهم.
اعتراض على ذلك:
قال قائل - معترضا -: إن بعض الصحابة: مثل طلحة بن عبيد الله
(5/2372)

والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن
عوف لم ينقل عنهم أنهم نظروا في الأحكام، واجتهدوا فيها، مع
ظهور الخلاف في عدة مسائل كمسالة: الجد والإخوة، والعول،
والتحريم، ونحوها مما يدل على أنهم أخذوا بقول غيرهم من
الصحابة الآخرين، وقلدوهم في ذلك.
جوابه:
أن ما ذكررم من الصحابة - رضي اللَّه عنهم - وما ماثلهم كانوا لا
يفتون ولا ينظرون في الأحكام؛ لأنهم اكتفوا بغيرهم من الصحابة،
أما علمهم في حق أنفسهم فلم يكن إلا بما سمعوه من - صلى الله عليه وسلم - من الكتاب والسّنَة، وعرفوه، فإن وقعت واقعة لم يعرفوا دليلها
شاوروا غيرهم؛ ليعرفوا الدليل، لا لأجل التقليد.
المذهب الثاني: أنه يجوز للمجتهد تقليد مجتهد آخر مطلقا.
وهو مذهب سفيان الثوري، وإسحاق بن راهويه، وهو رواية
عن الإمام أحمد.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) .
وجه الدلالة: أن اللَّه قد أمر بالسؤال، وأدنى درجاته جواز اتباع
المسؤول، واعتقاد قوله، وليس المراد به من لم يعلم شيئاً أصلاً،
بل المراد به من لم يعلم تلك المسألة، وسواء كان عاميا أو لم يجتهد
فيها وإن كانت له أهلية الاجتهاد، فكان هذا داخلاً تحت عموم
الآية.
(5/2373)

جوابه:
لا نسلم عموم الآية، بل هي خاصة بسؤال من ليس من أهل
العلم وهو العامي، فيكون المراد منها: أمر العوام بسؤال العلماء؛
لأنه ينبغي أن يتميز السائل عن المسؤول، فمن هو من أهل العلم
مسؤول، وليس بسائل، وكون حكم هذه المسألة غير حاضر في
ذهن المجتهد حال سؤال المستفتي عنه لا يخرجه عن كونه عالما؛ لأنه
متمكن من معرفة ذلك من غير أن يتعلم من غيره.
وعلى هذا: لا يكون داخلاً تحت هذه الآية؛ لأن الآية لا دلالة
لها على أمر أهل العلم بسؤال أهل العلم، فإنه ليس المسؤول أوْلى
بذلك السائل.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي
الأمر منكم) .
وجه الدلالة: أن المراد بأولي الأمر: العلماء، أي: أمر غير
العالم بحكم المسألة بطاعة العالم، وأدنى درجاته جواز اتباعه فيما
هو مذهبه، وهو عام.
جوابه:
أنه اختلف في المراد بـ " أولي الأمر " هنا على قولين:
القول الأول: إن المراد بهم الولاة، وعلى هذا فإن طاعتهم واجبة
على الجميع، ولا يجب على المجتهد اتباع وطاعة مجتهد آخر.
القول الثاني: أن المراد بهم: العلماء، وعلى هذا: وإن طاعتهم
واجبة على العوام، فلا تصلح الآية للاستدلال بها على ما زعمتم.
الدليل الثالث: أن المجتهد لا يقدر إلا على تحصيل ظن بالحكم،
وظن غيره من المجتهدين مثل ظنه، فما المانع من اتباع - ظن غيره؟!
إذ لا فرق.
(5/2374)

جوابه:
أنه إذا حصل ظن المجتهد في مسألة لا يجوز له أن يتبع ظن غيره،
فكان ظنه أصلاً، وظن غيره بدلا منه، ولا يجوز العدول الأخذ
بالبدل مع القدرة على إيجاد المبدل كما في سائر الأبدال والمبدلات.
المذهب الثالث: أنه يجوز أن يقلد المجتهد مجتهدا آخر أعلم منه
إذا تعذر عليه الاجتهاد.
وهو مذهب ابن سريج.
المذهب الرابع: يجوز أن يقلد المجتهد الواحد من الصحابة إذا كان
قد ترجح في نظره على غيره ممن خالفه، وإن استووا في نظره فإنه
يتخير في تقليد من شاء منهم، ولا يجوز تقليد من عدى الصحابة.
وهو مذهب أبي علي الجبائي، وحكي عن الشافعي أنه قال بذلك.
المذهب الخامس: أنه يجوز للمجتهد أن يقلد الواحد من الصحابة
والواحد من التابعين فقظ، دون من عداهم.
المذهب السادس: أنه يجوز للمجتهد أن يقلد مجتهداً آخر فيما
يخصه، دون ما يفتي نجه.
المذهب السابع: أنه يجوز للمجتهد أن يقلد مجتهداً آخر مطلقا إذا
خشي أن يفوت الوقت لو اشتغل بالاجتهاد.
جواب عن تلك المذاهب:
يقال في ذلك: إن صاحب كل مذهب قد قيد مذهبه بما سبق،
ولم يذكر دليلاً على هذا التقييد، لذلك لا يلتفت إلى ذلك ويبقي
الأصل وهو: إطلاق عدم الجواز.
(5/2375)

المبحث الخامس عشر إذا نص المجتهد على حكم في مسألة لعلَّة قد ذكرها
ووجدنا تلك العِلَّة في مسائل أخرى فَما الحكم؟
أقول: إذا نص المجتهد في مسألة على حكم، وعلل بعِلَّة توجد
في مسائل أُخر - سوى المنصوص عليها -: فإن مذهبه في تلك
المسائل هو مذهبه في المسألة المعللة، سواء قلنا بتخصيص العِلَّة أو لم
نقل؛ وذلك لأن هذا المجتهد يعتقد أن الحكم تابع للعِلَّة، أي:
يوجد الحكم حيث وجدت العِلَّة، فمثلاً هو: اعتقد أن وجوب النية
لعلة هي: " الطهارة عن الحدَث "، فكل ما وجدت هذه العِلَّة فيه:
يجب أن يكون الحكم موجوداً فيه وهو: وجوب النية، فالوضوء
طهارة عن حدث، والغسل عن المحيض طهارة عن حدث، إذاً
يجب أن يوجد الحكم، وهو: وجوب النية، وهكذا.
هذا إذا لم نقل بتخصيص العِلَّة.
وإن قلنا بتخصيص العِلَّة: فإن نخصيص العِلَّة إذا قام على تخصيصها
دليل فإنا نأخذ به، وإن لم يقم: فهي تبقى على عمومها كلفظ
العموم يدل على الشمول ما لم يخصه دليل.
(5/2376)

المبحث السادس عشر إذا نص المجتهد على حكم في مسألة معينة، ولم يذكر
عِلَّة ذلك الحكم، ووجدنا مسألة أخرى تشبهها شبها
يجوز أن يخفى على بعض المجتهدين فإنه لا يجوز
أن نجعل ذلك الحكم مذهبه في المسألة الأخرى
أي: لا يجوز أن يحكم بحكم تلك المسألة المنصوص عليه،
ويجعل في المسألة الأخرى المشابهة.
دل على ذلك دليلان:
الدليل الأول: أن تلك المسألة المشابهة الأخرى لم يتناولها لفظ
المجتهد في المسألة الأولى، ولا أشار إليها لا من قريب، ولا من
بعيد، ولم تخطر على بال ذلك المجتهد، ويمكن لو خطرت على
باله، أو عرضت عليه لصار فيها إلى حكم آخر غير حكم المسألة
التي نص على حكمها.
الدليل الثاني: أن الحكم الذي أثبته المجتهد في المسألة الأولى لو
أثبتناه في مسألة أخرى تشبهها: للزم من ذلك: إثبات مذهب
المجتهد بالقياس بسبب علَّة مستنبطة، وهذا لا يجوز في كلام
المكلَّفين، بخلاف كلام الشَارع، فإنه يجوز كما سبق.
الاعتراض على ذلك:
قال قائل - معترضاً -: إن الشارع يجوز القياس على كلامه وإن
(5/2377)

كانت العِلَّة مستنبطة، فكذلك المجتهد يجوز القياس على كلامه،
ولا فرق.
جوابه:
إن هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن
صاحب الشرع إذا حكم في مسألة، واستنبطنا عِلَّة ذلك الحكم،
فإنه قد تعبدنا أن نجري حكمها في أي صورة وجدت فيها تلك العِلَّة.
أما المجتهد فإنه لم يدلنا على ذلك، ويجوز أن يوجد فرق فيقع
الخطأ، وصاحب الشرع لا يجوز عليه ذلك، فافترقا.
(5/2378)

المبحث السابع عشر إذا نص المجتهد في مسألة على حكم ونص على مسألة
أخرى تشبهها على حكم آخر فهل يجوز نقل حكم
إحداهما وجعله في المسألة الأخرى أو لا؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يجوز نقل حكم المسألة الأولى، وجعله في
الثانية، ولا يجوز العكس.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: القياس على المسألة السابقة في المبحث السادس
عشر، بيان ذلك:
أنا قلنا - في المبحث السادس -: إنه إذا نص المجتهد على حكم
في مسألة معينة، ولم يبين علته فيها لا يجوز أن يجعل ذلك الحكم
مذهبه في مسألة أخرى تشبهها قد سكت عن حكمها، فإذا كان هذا
لا يجوز، فمن باب أوْلى أن لا نجعل مذهبه في مسألة قد نص على
حكمها هو مذهبه في مسألة أخرى قد نص على حكم فيها مخالف
للمسألة الأولى.
الدليل الثاني: أن المذهب إنما يضاف إلى الإنسان إذا قاله ونص
عليه، أو دلَّ عليه بدلالة تجري مجرى نصه من تنبيه وغيره، فإذا
عدم شيء من ذلك لم يجز إضافته إليه.
(5/2379)

وقد توجد من المجتهد نوع دلالة على حكم المسألة الأخرى،
لكن هو قد نص على خلاف تلك الدلالة، وإذا تعارضت الدلالة
بأي وجه من أوجه الدلالة مع النص الصريح، فإنه يقدم النص
الصريح على الدلالة البعيدة.
المذهب الثاني: أنه يجوز نقل حكم إحدى المسألتين وجعله في
الأخرى.
وهو مذهب بعض الحنفية، وبعض الشافعية.
دليل هذا المذهب:
أن المجتهد إذا نص في إحدى المسالتين على حكم، ونص في
نظيرتها على غيره، وجب حمل إحداهما على الأخرى بدليل: أن
الله تعالى لما نص في كفارة القتل على الإيمان، وأطلق في كفارة
الظهار، قسنا إحداهما على الأخرى، وشرطنا الإيمان فيهما،
كذلك يقال في هذه المسألة.
جوابه:
هذا قياس المسألة التي نحن بصدد الكلام عنها على مسألة قد
صرح بالحكم في إحدى المسألتين وسكت عن الأخرى، وهذا قياس
فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق.
بيان ذلك: أنه قد صرح في الكفارة في إحدى المسألتين، وسكت
في الأخرى، فقسنا المسكوت على المنطوق.
بخلاف مسألتنا، فإنه صرح في كل واحدة من المسألتين بخلاف
الأخرى، فلا يجوز جعل حكم إحداهما على الأخرى، كما
(5/2380)

ذكرنا ذلك في أن الشارع لما نص في صوم الظهار على التتابع، وفي
صوم التمتع على التفريق لم نلحق إحداهما بالأخرى.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ حيث إنه بناء على المذهب الأول لا يجوز أن
يكون للمجتهد في جمل مسألة منهما قولان، ولا يكون هذا طريقا
لمعرفة مذهب المجتهد.
أما بناء على المذهب الثاني فإنه يجوز أن يكون للمجتهد في كل
مسألة منهما قولان، ويكون هذا طريقا لمعرفة مذهب المجتهد.
(5/2381)

المبحث الثامن عشر إذا روي عن مجتهد في مسألة واحدة
روايتان مختلفتان وصح هذا النقل عنه
ففيه التفصيل الآتي:
أولاً: أنه لا يجوز أن يقول كل واحدة منهما في وقت واحد وفي
حالة واحدة كما بينا ذلك في المبحث الثالث عشر.
ثانيا: إذا قال المجتهد هذين الحكمين المختلفين - في تلك المسألة
في حالتين فلا يخلو إما أن لا نعلم الرواية الأخيرة أو لا نعلم:
فإن لم نعلم الرواية الأخيرة من هذا المجتهد، بحيث جهلنا تقدم
إحداهما على الأخرى، فإنا ننظر في هاتين الروايتين: فإن كانت
إحداهما أشبه من الأخرى بأصول ذلك المجتهد، فإنا نجعلها مذهبا
له، وتكون الأخرى مشكوكاً فيها، ولا يعمل بالشك.
وإن علمنا الرواية الأخيرة: فقد اختلف العلماء في ذلك على
مذهبين:
المذهب الأول: أن الرواية الأخيرة عن هذا المجتهد هي مذهبه في
المسألة، وتكون الرواية الأولى قد رجع عنها، فلا تضاف إليه.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن الرواية الأولى
كالمنسوخ، والرواية الثانية كالناسخ، فكما أن الصحابة يتركون
الحكم المنسوخ إذا جاء بعده ما ينسخه ويعملوا بالناسخ، فكذلك هنا
(5/2382)

فالروايتان حكمان مختلفان وردا من مجتهد واحد في مسألة واحدة
فهما قولان متضادان، فالثاني منهما ترك للأول كالنصين الواردين من
صاحب الشرع.
فيفهم من نصه الأخير أنه رجع عن رأيه الأول؛ حيث إن المجتهد
إذا أفتى شخصا بجواز شيء، ثم عاد وأفتاه بتحريمه فالظاهر أنه
رجع عن الأول؛ لأن الحق عنده قي واحد.
المذهب الثاني: أن الرواية الأولى هي التي تكون مذهبا له إلا أن
يصرح بالرجوع عنها.
وهو مذهب بعض الشافعية، وبعض الحتابلة.
دليل هذا المذهب:
أن قول المجتهد في الرواية الأولى كان بالاجتهاد، وقوله في
الرواية الثانية كان بالاجتهاد، والاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.
ولهذا روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه لما جاءته مسألة فيها
أم، وزوج، وأخوة لأم، وأخوة أشقاء في عام لم يعط الإخوة
الأشقاء شيئاً، فلما جاءت نفس المسألة بعد سنوات، أعطى الإخوة
الأشقاء فقيل له: إنك في عام كذا وكذا لم تشرك الإخوة الأشقاء،
فقال: " فتلك على ما قضينا يومئذ، وهذه على ما نقضي الآن "،
فلم يبطل عمر الاجتهاد الأول بالاجتهاد الثاني.
جوابه:
أن المجتهد إذا حكم في حق غيره ونفذ الحكم، ثم حكم بحكم
آخر بعد ذلك بنفس المسألة، فإنه لا يجوز له الرجوع إلى هذا الغير
ويبطل حكمه فيه؛ لأن نقض الاجتهاد بالاجتهاد هنا يفضي إلى أن
(5/2383)

لا يستقر حكم، وإلى وقوع الشغب بين الناس، وعدم وثوقهم
بالمجتهدين، ولهذا فإنه لا يسوغ للحاكم أن ينقض حكم من سبقه إذا
خالفه.
وهذا لا يدخل في مسألتنا التي نحن بصددها، حيث إن هذه
المسألة تخص مذهب الإنسان إذا لم يتعلق به حق غيره، فإذا قال
رأيا أولاً ثم عاد، وقال رأياً آخر: علمنا أنه تبين له الحق فرضيه،
وترك الأول، وبناء على هذا فإنا ننسب إليه الثاني، فلا يبقى الأول
مذهبا له.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي كما هو ظاهر، فأصحاب المذهب الأول نسبوا
إليه الرواية الثانية وجعلوها مذهبا له، والرواية الأولى تكون باطلة
ومنسوخة.
أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم نسبوا إليه الرواية الأولى
وجعلوها مذهبا له، وتركوا الرواية الثانية.
ويترتب على هذا اختلاف مذهب هذا المجتهد.
وما الذي ننسب إليه من الروايتين؟
(5/2384)

الفصل الثاني في التقليد
ويشتمل على المباحث التالية:
ْالمبحث الأول: تعريفه.
المبحث الثاني: هل يجوز التقليد في أصول الدين؟
المبحث الثالث: هل يجوز التقليد في الفروع؟
المبحث الرابع: بيان طرق معرفة العامي للمجتهد حتى يستفتيه.
المبحث الخامس: مجهول الحال هل يجوز تقليده؟
المبحث السادس: إذا كان في البلد مجتهدان فأكثر فأيهم
الذي يستفتيه العامي؟
المبحث السابع: إذا سأل العامي مجتهدين عن حكم حادثة،
فحكم أحدهما بالجواز وحكم الاآخر
بالتحريم، وأحدهما أفضل من الآخر فهل
يعمل بحكم الأفضل أو يتخير؟
المبحث الثامن: إذا استوى عند العامي المجتهدان اللذان قد
أصدرا فتواهما في جميع الأحوال،
وأحدهما أفتى بحكم أخف من الحكم الذي
أفتى به الآخر فأي الحكمين يأخذ به العامي؟
(5/2385)

المبحث الأول تعريف التقليد
أولاً: التقليد لغة هو: جعل الشيء في عنق الدابة وغيرها حال
كونه محيطا بهذا العنق، وهذا الشيء يسمى قلادة.
فلفظ " قلد " - كما قال ابن فارس -: يدل على تعليق شيء
على شيء.
ولا بد من كونه محيطا بالعنق؛ لأن الشيء إذا لم يكن محيطا
بالعنق لا يسمى قلادة في عرف اللغة.
ثم بعد ذلك استعمل - استعارة - في تفويض الأمر إلى الشخص
واتباعه في كل ما يقول.
ثانيا: التقليد اصطلاحا هو: قبول مذهب الغير من غير حُجَّة.
شرح التعريف وبيان محترزاته:
لفظ " قبول " جنس يشمل قبوله مع العمل به، وعدم العمل به،
فالمراد به: اعتقاد ذلك، ولو لم يعمل به لفسق.
ولفظ " مذهب " عام ما كان قولاً للمجتهد أو فعلاً له.
ونسب المذهب إلى الغير حتى يخرج به ما كان معلوما بالضرورة،
ولا يختص به ذلك الغير إذا كان من أقواله وأفعاله التي ليس له فيها
اجتهاد، فإنها لا تسمى مذهبه.
وأتي بلفظ " من غير حُجَّة " لبيان أنه يشترط في المقلد:
(5/2387)

أن لا يعرف الدليل الذي اعتمد عليه ذلك الغير - وهو المجتهد - في
حكمه، فخرج بهذا: المجتهد الذي وافق اجتهاده اجتهاد مجتهد آخر
وعرف دليل ذلك المجتهد الآخر على حكمه، فإنه لا يسمى تقليداً
كما يقال: أخذ أحمد بمذهب أبي حنيفة في هذه المسألة، أو أخذ
الشافعي بمذهب مالك.
وسبب قولنا هذا: أن المجتهد وإن كان آخذاً بقول الغير، لكنه
بسبب معرفته لدليل المجتهد الآخر حق المعرفة، وأخذه - حقيقة -
بالدليل، لا يسمى مقلداً، فيكون إطلاق الأخذ بمذهبه فيه تجوز.
وبناء على هذا: فإن الرجوع إلى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -، والرجوع إلى الإجماعِ لا يسمى تقليداً؛ لأن كلًّا من قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - والإجماع يعتبر حُجّة في نفسه.
بخلاف فتوى المجتهد فإن قوله ليس بحُجَّة في نفسه، ولا يعتبر
دليلاً على الحكم؛ لأنه فتواه تحتاج إلى دليل يعتمد عليه.
(5/2388)

المبحث الثاني هل يجوز التقليد في أصول الدين؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن أصول الدين لا يجوز فيها التقليد.
فلا يجوز التقليد في الأحكام التي تخص أصول الدين وهي:
المسائل الأصولية المتعلقة بالاعتقاد كمعرفة اللَّه تعالى، ووحدانيته،
وصحة الرسالة، ووجود اللَّه تعالى، وما يجوز عليه، وما يجب
له، وما يستحيل عليه.
فيحرم التقليد في هذه الأمور عند أكثر العلماء، وقالوا: يجب
على الكل معرفة ذلك بغير تقليد؛ وهذا هو الحق؛ لما يلي من
الأدلة:
الدليل الأول: أن العلماء أجمعوا على وجوب معرفة اللَّه تعالى،
ولا تحصل بتقليد؛ لجواز كذب المخبر، واستحالة حصوله.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) .
وجه الدلالة: أن هؤلاء الكفار قد بئنوا لهم أنهم سيحملون
خطاياهم، فرد اللَّه سبحانه عليهم قولهم، وكذبهم في ذلك، فدلَّ
على أنه لا يصح التقليد في أصول الدين.
(5/2389)

الدليل الثالث: قياس أصول الدين على أركان الإسلام، فكما
أنه لا يجوز التقليد في أركان الإسلام وهو وجوب الصلاة،
والزكاة، والحج، والصوم، فأصول الدين من الوحدانية، والنبوة
أوْلى بعدم الجواز.
المذهب الثاني: أنه يجوز التقليد في أصول الدين.
وهو محكي عن بعض الشافعية، وهو اختيار الحشوية.
دليل هذا المذهب:
أن المنع من التقليد في أصول الدين يؤدي إلى إضلال أكثر الناس،
بيان ذلك:
أن العامة - وهم أكثر الناس - لا يدركون الأدلة على الأسماء،
والصفات، ولا يعرفون كيفية ترتيبها، ولا الطريق الذي أخذ منه
التوحيد والنبوات، ولا يمكن لهم ذلك، فإذا كانوا لا يعرفون
الأدلة، ويمنعون من تقليد غيرهم في ذلك أفضى ذلك إلى إضلالهم،
وهذا لا يجوز، فوجب القول بجواز التقليد لهم، كما جاز لهم
التقليد في فروع الشريعة ولا فرق، والجامع: عدم معرفتهم لأدلة
كل من الأصول والفروع.
جوابه:
أن العامي عارف بتلك الدلائل الخاصة بإثبات وحدانية اللَّه تعالى،
والأسماء والصفات كالعلماء في ذلك، وهو - أي العامي - وإن
كان لا يقدر على أن يعبر عنه بالألفاظ الكلامية، فإن ذلك لا يضره
في معرفته؛ لأن ذلك عجز عن العبارة، لا عن المعنى المحصل
للمعرفة، بيان ذلك:
(5/2390)

أن العامي يشارك العلماء في معرفة اللَّه تعالى، وطرق التوحيد
والنبوات، فيعلم مما يدركه من صنائع اللَّه تعالى من السموات،
والأرضين، والشمس، والقمر، والنجوم، وسيرها، وثبوت
الأرض على الماء مع أن البناء لا يثبت على الماء، وتنقل الإنسان في
خلقه من النطفة إلى مراحل أخرى حتى وصل إلى إنسان سوي
يصرف الأمور، وأن الشمس تطلع في موعدها، وتغرب في
موعدها، وكذلك القمر، والنجوم دون تأخير أو تقديم، وأنه لو
اجتمع الإنس والجن على أن ينفعوا إنسانا بشيء لم يكتبه اللَّه له فلن
يستطيعوا ذلك، وأنه لو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لم يكتبه الله
عليه، فلن يستطيعوا ذلك، وأن هذا قائم مستمر لا فرق بين إنسان
وآخر، أو زمان وآخر، ويعلم أن كل ذلك قد جرى بانتظام،
واتساق أحوال، ولو كان لله تعالى شريك في ملكه، أو معه مدبر
لفسد هذا النظام، ووقع الاختلاف، كما يشاهد في كل شريكين،
كل ذلك يعلمه العامي بحسه، ويدركه بمجرد اختلاطه بالآخرين،
بل لا أبالغ إذا قلت: إن من العوام من يدرك ذلك ويؤمن به إيمان@
قويا أكثر من بعض من يسمى نفسه أنه متعلم.
أما قياسكم أصول الدين على فروعه في ذلك فهو قياس مع
الفارق؛ لأن أدلة الفروع كثيرة ومتنوعة، وتحتاج إلى دقة في النظر،
بخلاف أدلة أصول الدين فهي قليلة، وواضحة وأكثرها يؤخذ من
الواقع لذلك لا ينقطع عمر الإنسان ومعاشه فيها.
وأيضا لا خطر ولا محذور في تقليد العامي للمجتهد في الفروع؛
حيث إن الإثم محطوط عن المجتهد إذا أخطا، وهذا بخلاف أصول
الدين.
(5/2391)

المبحث الثالث هل يجوز التقليد في الفروع؟
في ذلك تفصيل:
أولاً: لقد أجمع العلماء على أن أركان الإسلام - وهي:
الصوم، والصلاة، والزكاة، والحج - لا يجوز فيها الاجتهاد؛ لأنه
ثبت بالتواتر ونقلته الأُمَّة خلفا عن سلف، فمعرفة العامي فيها توافق
معرفة العالم فيها، كما تتفق معرفة الجميع فيما يحصل بأخبار
التواتر من البلدان كالهند، والصين.
ثانيا: أما فروع الدين - غير ما سبق - كالبيوع، والأنكحة،
والعتاق، والحدود، والكفارات، وبعض جزئيات وتفاصيل
العبادات، ونحو ذلك من الأحكام الفقهية فقد اختلف الحلماء في
ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز للعامي، أو طالب العلم الذي لم يبلغ
درجة الاجتهاد أن يقلد المجتهد، والأخذ بفتواه.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: الإجماع على جواز ذلك قبل ولادة ذلك المخالف؛
حيث إن الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم كانوا يُسألون عن
الأحكام فيفتون، وكان السائل يتبع المجتهد والمفتي فيما يقول، وكان
العلماء يبادرون إلى الإجابة من غير إشارة إلى ذكر الدليل، أو طريق
الحكم، ولا ينهونهم عن ذلك من غير نكير من أحد، فكان إجماعا
على جواز اتباع العامي للمجتهد مطلقا.
(5/2392)

الدليل الثاني: قوله تعالى: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي
الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) .
وجه الدلالة: أن هذا دلَّ على أنه يرد الحكم إلى أهل الاستنباط
وهم المجتهدون.
الدليل الثالث: أنه لا خطر ولا محذور في تقليد العامي
للمجتهد في الفروع؛ لأن المجتهد لو أخطأ فلا إثم عليه، بل له
أجر، إذن لا خطر على المقلد في هذا.
أما في أمور العقائد، فإن المجتهد إذا أخطأ فعليه إثم، كما بيَّنا
هناك، لذلك جوزنا التقليد في الفروع، دون الأصول.
الدليل الرابع: أن الإجماع قد انعقد أن العامي إذا نزلت به حادثة
فإنه يلزمه فيها حكم شرعي، وهو بين أمرين لا ثالث لهما:
الأمر الأول: إما أن يعرف حكم حادثته بنفسه بواسطة الاستدلال.
الأمر الثاني: أو يعرف حكمها عن طريق التقليد.
أما الأمر الأول فلا يمكن؛ لأنه إذا أراد معرفة حكم حادثته بنفسه
فإنه لا بد أن يبدأ بتعلم العلم، فيعرف الأدلة، وكيفية ترتيبها،
والناسخ منها والمنسوخ، وأقوال العلماء في كل دليل، ومعرفة ما
يعارض ذلك الدليل، وكيفية فك ذلك التعارض، وهذا كله إذا كان
قابلاً للتعلم، وكذلك تعلم القياس وشروط كل ركن من أركانه،
وهذه المعرفة لا يمكنه تحصيلها إلا في زمان طويل، قد يذهب عمره
وهو لم يصل إلى حكم شرعي لحادثته، وكثير من أهل الحديث
يعرفون صحيح الأحاديث وسقيمها، ثم لا يمكنهم الاجتهاد.
إذن لا يمكن للعامي أن يعرف حكم حادثته بنفسه بواسطة الاستدلال.
(5/2393)

فلم يبق إلا أن يعرف حكمها عن طريق تقليده لغيره من المجتهدين.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز التقليد في الفروع، بل يلزم العوام
الاجتهاد والنظر في الدليل.
وهو مذهب معتزلة بغداد، وبعض العلماء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أنه قد لا يثق العامي بالمجتهد الذي أفتاه بأن لم
يخلص بالاجتهاد أو نحو ذلك، فيكون فعله مفسدة، فيحتاج العامي
أن يفهم دليل المجتهد ليزول شكه، ويكون واثقا من الحكم الذي
قاله له المجتهد.
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أن المجتهد لو أخبر العامي بالدليل الذي اعتمد
عليه، فإن هذا لا يفيد شيئاً؛ لأن العامي لا يعرف وضعه وطريقه
وكيفية الاستفادة منه - كما قلنا ذلك فيما سبق -.
الجواب الثاني: أن هذا الدليل منتقض بخبر الواحد، فإن العالم
لا يأمن أن يكون المخبر قد كذب عليه، فيكون بأخذه ما جاء في
الخبر والاستدلال به فاعلاً للمفسدة، ولكنه يأخذ المجتهد ممن توفرت
شروط الراوي فيه ما يرويه.
الدليل الثاني: قياس الفروع على الأصول، فكما أنه لا يجوز
للعامي التقليد في أصول الدين، فكذلك لا يجوز في الفروع.
جوابه:
أن هذا القياس قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ويفرق بينهما
من وجهين:
(5/2394)

الوجه الأول: أن طرق مسائل أصول الدين من التوحيد،
والنبوات عقلية يحتاج الإنسان فيها إلى تنبيه يسير، فلا ينقطع عمر
الإنسان ومعاشه فيها.
أما الفروع فنظرا إلى كثرة أدلته، وتنوعها، وتشعبها، وتجدد
الاجتهاد فيها، وأنه لا يتم إلا بأمور شرعية لا يمكن ضبطها ومعرفتها
إلا بطول بحث وسعة نظر واطلاع، وهذا يفضي إلى الانقطاع عن
المعاش الذي به قوام الدنيا.
الوجه الثاني: أن مسائل الفروع يطلب فيها ما يغلب على ظنه أنه
الحق، وذلك يحصل للعامي بقول المفتي وهو المجتهد، كما يحصل
للعالم بخبر الواحد عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
بخلاف مسائل الأصول، فلا بد من الجزم فيها.
(5/2395)

المبحث الرابع بيان طرق معرفة العامي للمجتهد حتى يستفتيه
قلنا: إنه يجوز للعامي تقليد كل شخص غلب على ظنه أنه من
أهل الاجتهاد، وأهل العدالة والتقوى، ولكن يرد سؤال وهو:
كيف يعرف ذلك المجتهد أو المفتي؟
أقول: يعرفه بطرق هي:
الطريق الأول: انتصاب ذلك الشخص للفتيا بمشهد من أعيان
العلماء، دون أن ينكروا عليه.
الطريق الثاني: أخذ الناس عنه، واجتماعهم على سؤاله والعمل
بما يقول، دون منكر.
الطريق الثالث: ما يظهر على ذلك الشخص المفتي من علامات
وصفات الدين والتقوى، والعدالة والورع.
الطريق الرابع: أن يخبره عدل ثقة عنده بأن هذا عالم عدل.
فإذا توفر واحد من هذه الطرق، فإنه يغلب على ظنه أن هذا هو
الذي ينبغي أن يقلد.
أما إذا غلب على ظنه أن هذا الشخص ليس من أهل الاجتهاد،
وأنه جاهل بأحكام الشريعة، فلا يجوز له أن يقلده، أو يأخذ عنه
إجماعاً.
(5/2396)

المبحث الخامس مجهول الحال هل يجوز تقليده؟
إذا لم يعرف العامي عن شخص أفيَ شيء، أي: لا يعرف عنه
أنه عالم، ولا أنه جاهل فهل يجوز له تقليده، والأخذ عنه؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
ْالمذهب الأول: أن مجهول الحال لا يجوز تقليده، ولا العمل
بفتواه.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: القياس على الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وعلى الشاهد، وحال الراوي، بيان ذلك:
كما أن الرسول لا يمكن أن تقبل الأُمَّة المبعوث إليهم قوله إلا بعد
أن تعرف وتطلع على المعجزات التي يذكرها؛ إذ لو قبلت الأُمَّة كل
من ادَّعى النبوة بدون أدلة على ذلك لضاعت الحقيقة، ولكثر الذين
يدَّعون النبوة كذباً وزوراً، وكما أن القاضي يجب أن يعرف حال
الشاهد من الصدق والعدالة، وكما أن الراوي للخبر يجب عليه أن
يعرف حال رواته بالتفصيل.
فكذلك يجب على العامي أن يعرف حال المجتهد والمفتي الذي
يريد أن يقبل قوله، ويعمل به، والجامع: أن كلًّا من الرسول،
والشاهد، والراوي، والمجتهد: مُتبع فيما يقول، ويترتب عليه
آثار.
(5/2397)

الدليل الثاني: أنا لا نأمن أن يكون حال المسؤول كحال السائل
في العامية المانعة من قبول القول، بل قد يكون أجهل من السائل.
واحتمال كونه أجهل من السائل قوي، لأن الأصل عدم العلم
والجهل؛ حيث إن الغالب إنما هم العوام.
فلذلك لا بد أن يسأل عنه، فإن كان عالما قلَّده، وإلا فلا.
المذهب الثاني: أن مجهول الحال يجوز تقليده، واستفتاؤه،
وليس على العامي البحث عنه.
وهو لبعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن من عادة العوام إذا دخلوا بلدة يريدون الاستفسار والسؤال عن
حكم حادثة حدثت لهم، فإنهم لا يبحثون عن عدالة من يسألونه،
ومن يستفتونه، ولا يسألون عن علمه، وهل هو قد بلغ درجة
الاجتهاد أو لا؟ وهذا شائع وذائع لا يحتاج إلى برهان.
جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ أن عادة العوام تعتبر دليلاً من أدلة الشرع حتى تكون
مثبتة لقاعدة من القواعد الأصولية، ولو جعلنا عادة العوام طريقا
لإثبات القواعد لانهدمت أكثر الشريعة.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي، وهو واضح.
(5/2398)

المبحث السادس إذا كان في البلد مجتهدان فأكثر
فأيهم الذي يستفتيه العامي؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن للعامي أن يسأل من شاء ممن غلب على ظنه أنه
من أهل الاجتهاد، ويتخير، ولا يلزمه أن يسال الأعلم والأفضل.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لإجماع الصحابة؛
حيث إن الصحابة - رضي اللَّه عنهم - فيهم الفاضل والمفضول من
المجتهدين، يتبين ذلك من بعض النصوص الواردة في ذلك كقوله
- صلى الله عليه وسلم -: "عليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ "، وقوله: " ... وأقضاكم عليّ، وأفرضكم زيد،
وأعرفكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل "، وكان فيهم العوام، ومن
فرض ذلك: اتباع الفاضلين والأخذ بقولهم لا غير، ومع ذلك لم
ينقل عن أحد من الصحابة تكليف العوام الاجتهاد في أعيان
المجتهدين، ولم ينكر أحد منهم اتباع المفضول، وقبول قوله مع
وجود الأفضل، فهذا يدل على أن العامي والمستمْتي له أن يتخير بين
الفاضل والمفضول.
المذهب الثاني: أنه يلزم العامي أن يسأل الفاضل، ويترك المفضول،
أي: أن العامي لا يتخير بين المجتهدين حتى يأخذ من شاء منهم، بل
يلزمه الاجتهاد في أعيان المجتهدين من الأورع، والأدين، والأعلم.
(5/2399)

وهو مذهب ابن سريج، والقفال، وبعض الشافعية، وبعض
الحنابلة، وهو رواية عن الإمام أحمد، وجماعة من المتكلمين.
دليل هذا المذهب:
قياس العامي على الأعمى عند الاختلاف في جهة القِبْلة؛ حيث
إنه لو كان هناك ثلاثة رجال سافروا، وأحدهم أعمى، فلما
حضرت الصلاة: اختلف المبصران في جهة القِبْلة:
أحدهما يقول: إن جهة القبْلة كذا، والآخر يخالفه ويقول: إن
جهة القِبْلة كذا، فإن الأعمَى يتبع أوثقهما في الدين والعدالة
والتقوى وأعلمهما بجهات القِبْلة.
فكذلك هنا فإن العامي لا يتبع إلا أفضل المجتهدين ديناً وعلما ولا
فرق.
جوابه:
أن هذا قياس مع الفارق، والقياس مع الفارق فاسد، ووجه
الفرق: أن المسألة المقاس عليها تختلف عن المسألة المقاسة وهي
مسألتنا؛ حيث إن العامي لو سأل مجتهدين فاختلفا في الحكم،
فأحدهما قال بجواز ذلك، والآخر قال بتحريمه، فإنا نوافق ونسلم
أن العامي يأخذ بقول الأفضل منهما في علمه ودينه، وهذا ليس من
مسألتنا - وستأتي بعد هذه -.
أما المسألة التي نحن بصددها هي: إذا كان في البلد عدة
مجتهدين بعضهم أفضل من بعفمن حيث العلم، فهل يسأل
العامي الأفضل أو المفضول؟
(5/2400)

والخلاصة: أن الخلاف بين المسألتين: أن ما نحن فيه لم يسأل
العامي أيَّ مجتهد.
أما المسألة الأخرى فهي: أن العامي قد سأل مجتهدين، وكل
واحد منهما قد أفتاه بفتوى تخالف فتوى الآخر، وأحدهما أفضل
من الآخر، فأيهما الذي يتبع العامي؟
(5/2401)

المبحث السابع إذا سأل العامي مجتهدين عن حكم حادثته فحكم أحدهما
بأنه يجوز فيها كذا، وحكم الآخر بأنه لا يجوز فيها كذا
وأحدهما أفضل من الآخر من حيث العلم
فهل يعمل بحكم الأفضل، أو يتخير؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن العامي يأخذ بقول وحكم الأفضل، ويترك
قول وحكم المفضول.
وهو مذهب بعض العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: قياس العامي على المجتهد، بيانه:
أنه إذا تعارض عند المجتهد دليلان: أحدها يحرم، والآخر
يجوز، فإن المجتهد يأخذ بأرجحهما وأقواهما في ظنه.
فكذلك العامي يتبع ظنه في الترجيح بين المجتهدين المتفاضلين.
أي: إن غلب على ظنه أن أحد المجتهدين أفضل من الآخر، فإنه
يتبع الأفضل، ويترك المفضول.
الدليل الثاني: أن العامي لا يشك في أن الصواب في أحد القولين،
وهذا شيء يحس به في قريرة نفسه، فإنه لا بد أن يجتهد في أن
يبعده عن هذا القول الخاطئ، ولا طريق له في ذلك إلا بأن يتبع
المجتهد الأفضل، ويترك المفضول.
(5/2402)

المذهب الثاني: أن العامي يتخير بين الحكمين، فإن شاء أخذ
بقول الأفضل، وإن شاء أخذ بقول المفضول.
وهو مذهب كثير من العلماء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن العامي لا يمكنه أن يعرف الأفضل منهما على
الحقيقة، بل قد يغتر بالظواهر، فيقدم المفضول، ويعتقد أنه هو
الأفضل، وذلك لأن معرفة أن هذا العالم أفضل من ذاك يحتاج إلى
معرفة أدلة كل واحد منهما على حكمه، وهذا ليس من شأن
العوام، ولا يمكنهم ذلك لو أرادوا، ولو جاز أن يعرف العامي أدلة
كل واحد من المجتهدين: لجاز للعامي أن ينظر في مسألته بنفسه
ابتداء، دون أن يرجع إلى أي مجتهد.
ثم إن زيادة الفضل لا تؤثر؛ لأن المفضول - أيضا - من أهل
الاجتهاد يُسأل ويفتي لو انفرد، فكذلك إذا كان معه غيره، ولا فرق.
جوابه:
أن العامي يعرف الأفضل بكل سهولة، حيث إنه يمكنه أن يعرف
ذلك بإحدى طرق:
الطريق الأول: الأخبار: كأن يخبره العدل الثقة بأن فلانا هو
أفضل علماء هذا العصر، أو يبلغه خبر عن طريق التواتر في ذلك.
الطريق الثاني: بالمشاهدة، كأن يرى فلانا من المجتهدين يذعن له
العلماء الآخرون، ويبجلونه، ويقدمونه عليهم، ويقبلون ما يقول.
الطريق الثالث: بالأمارات والقرائن، كأن يلاحظ عليه بعض
الأمور التي تجعله يحكم - بغلبة الظن - أن هذا هو الأفضل.
(5/2403)

أما قولكم: " إن زيادة الفضل لا تؤثر "، فليس بصحيح؛ بل
إنها تؤثر في زيادة الاطمئنان على الحكم، وأنه بعيد عن الحكم
الخاطئ.
الدليل الثاني: إجماع الصحابة، حيث إنهم لا ينكرون على
العامة ترك النظر في أحوال العلماء، وأنهم لم يفرقوا بين الفاضل
والمفضول.
جوابه:
أن هذا الإجماع صحيح، ولكنه محمول على أنه لا يفاضل بين
المجتهدين قبل السؤال، فيكون هذا يصلح للاستدلال به على المذهب
الأول من المسألة السابقة في المبحث السادس.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ حيث إنه لو اختلف مجتهدان في القبْلة،
فإنه يقلد أوثقهما وأعلمهما بجهات القبْلة عنده، وهذا بناء على
المذهب الأول.
أما على المذهب الثاني: فإنه يقلد من شاء منهما، ويتخير.
* * *
(5/2404)

المبحث الثامن إذا استوى عند العامي المجتهدان اللذان قد أصدرا فتواهما
في جميع الأحوال - أي: لا يوجد أفضل ولا مفضول -
وأحد المجتهدين قد أفتى بحكم شديد والآخر قد أفتى له
بحكم خفيف فأي الحكمين يأخذ به العامي؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن العامي يتخير بين الحكمين، فإن شاء أخذ
بالأخف، وإن شاء أخذ بالأشد.
وهو مذهب كثير من العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: أن المجتهدين إذا تساويا عند العامي في جميع
الأحوال، فإن قول أحدهما يساوي في القوة قول الآخر، فلا فرق
بينهما، فليس قول أحدهما بأفضل وأقوى وأوْلى من قول الآخر؛
فلا مجال للمفاضلة بينهما، ولو أراد أن يفاضل بينهما لما استطاع.
الدليل الثاني: أنه للعامي أن يقلد أيهما شاء في الابتداء قبل
الفتوى - كما قلنا في المبحث السادس - فكذلك له أن يختار قول
أيهما شاء بعد الفتوى، ولا فرق في ذلك.
المذهب الثاني: أنه يجب على العامي الأخذ بالحكم الأشد.
وهو مذهب بعض الشافعية، والخطيب البغدادي، وحكي عن
الظاهرية، وهو اختيار القاضي عبد الجبار بن أحمد.
(5/2405)

دليل هذا المذهب:
ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
" الحق ثقيل قوي، والباطل خفيف، ولربما شهوة تورث حزنا طويلاً ".
وجه الدلالة: أن هذا الحديث دلَّ على أن الحق في الأشد.
جوابه:
أن هذا الحديث معارض بقوله - صلى الله عليه وسلم -:
" بعثت بالحنيفية السمحة السهلة "،
وبقوله: " إن اللَّه يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه ".
وإذا تعارض الدليلان تساقطا، فيكون الصحيح هو أن يخير
العامي بينهما.
المذهب الثالث: أنه يجب عليه الأخذ بالحكم الأخف.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"بعثت بالحنيفية السمحة السهلة ".
ووجه الدلالة: أنه بيَّن أن الحق في الأخف الأسهل.
جوابه:
أن هذا الحديث معارض بقوله - صلى الله عليه وسلم -:
" الحق ثقيل، والباطل خفيف ".
وإذا تعارض الدليلان تساقطا، فيكون الصحيح: أن يخير العامي
بينهما كما قلنا.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي كما هو واضح.
(5/2406)

الباب السابع في التعارض والجمع والترجيح
ويشتمل على ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في التعارض.
الفصل الثاني: في الجمع.
الفصل الثالث: في الترجيح.
(5/2407)

الفصل الأول في التعارض
ويشتمل على المباحث التالية:
المبحث الأول: تعريفه.
المبحث الثاني: شروطه.
المبحث الثالث: إذا ثبت تعارض دليلين فهل يُقدم الجمع أو الترجيح؟
(5/2409)

المبحث الأول تعريف التعارض
أولاً: التعارض لغة: هو التقابل، وهذا قد يكون على سبيل
المماثلة والمساواة، ومن ذلك قولهم: " عارضت فلانا في السير "
إذا سرت حياله.
وقد يكون على سبيل الممانعة والمدافعة، ومن ذلك قولهم:
"عرض الشيء يعرض ": إذا انتصب وصار مانعا كالحجر في الطريق
يمنع السالكين، ومنه قولهم: " اعترض الشيء دون الشيء " أي
حال دونه.
وهذا الثاني هو المناسب لمعنى التعارض في الاصطلاح كما سيأتي.
ثانيا: التعارض اصطلاحاً هو: تقابل الدليلين على سبيل الممانعة.
بيان التعريف:
لفظ " تقابل " عام يشمل كل تقابل، فيدخل التقابل الواقع بين
حكمين مختلفين كالوجوب والتحريم، ويدخل التقابل الواقع بين
أقوال المجتهدين، ويدخل التقابل بين الدليلين.
وعبارة: " تقابل الدليلين " أخرجت ما سبق إلا تقابل الدليلين.
وعبارة: " على سبيل الممانعة " أتي بها لبيان أنه يشترط في
الدليلين المتعارضين: أن يدل أحد الدليلين على غير ما يدل عليه
الآخر كأن يدل أحدهما على الجواز، والآخر يدل على التحريم،
فدليل الجواز يمنع التحريم، ودليل التحريم يمنع الجواز، فكل منهما
مقابل الآخر، ومعارض له، ومانع منه.
(5/2411)

المبحث الثاني شروط التعارض
ليس كل تعارض بين دليلين صحيحاً، بل إن للتعارض الصحيح
شروطاً هي كما يلي:
الشرط الأول: أن يكون الدليلان متضادين تمام التضاد بأن يكون
أحدهما يجوز، والآخر يحرم؛ لأن الدليلين إذا اتفقا في الحكم،
فلا تعارض كما بينا.
الشرط الثاني: أن يتساوى الدليلان في القوة، فلا تعارض بين
دليلين تختلف قوتهما من ناحية الدليل نفسه، كأن يدل حديث
متواتر على تحريم شيء، ويدل حديث آحاد على جوازه، فهنا لا
تعارض بينهما حيث يقدم الدليل المتواتر.
والتساوي بين الدليلين يجب أن يكون من جميع الوجوه:
فلا بد من التساوي في الثبوت فلا تعارض بين متواتر وآحاد.
ولا بد من التساوي في الدلالة، فلا تعارض بين ما دلالته قطعية
وما دلالته ظنية.
ولا بد من التساوي في عدد الأدلة، فلا تعارض بين دليلين
ظنيين، وبين دليل واحد ظني.
الشرط الثالث: أن يكون تقابل الدليلين في وقت واحد؛ حيث
إن اختلاف الزمن ينفي التعارض، ومن هنا قدم خبر: " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصبح جنباً وهو صائم "
(5/2412)

وقد روته إحدى زوجاته - صلى الله عليه وسلم - على
الخبر الذي رواه أبو هريرة: " من أصبح جنبا فلا صوم له ".
الشرط الرابع: أن يكون تقابل الدليلين في محل واحد؛ لأن
التضاد والتنافي لا يتحقق بين الشيئين في محلين: فالنكاح مثلاً
يوجب الحل في المنكوحة، والحرمة في أمها، إذن لا تعارض بين
قوله تعالى: (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) ،
وقوله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم) إلى قوله: (وأمهات
نسائكم) ، وذلك لاختلاف من يقع عليها الحل ممن يقع عليها
التحريم.
(5/2413)

المبحث الثالث إذا ثبت تعارض دليلين فهل يقدم الجمع أو الترجيح؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب، من أهمها مذهبان هما:
المذهب الأول: أنه يُقدم الجمع بين المتعارضين بأي نوع من أنواع
الجمع، فإن تعذر الجمع بين الدليلين المتعارضين، فإنه يرجح
أحدهما على الآخر، وذلك بأي وجه من أوجه الترجيح، فإن تعذر
على المجتهد الجمع والترجيح، فإنه ينظر في تاريخ ورود الدليلين
المتعارضين، فإن عرفه فإنه حينئذٍ ينسخ المتأخر المتقدم، فإن تعذر
الجمع، والترجيح ومعرفة المتاخر من المتقدم، فإن المجتهد يحكم
بسقوط الدليلين المتعارضين، ويرجع ويستدل على حكم الحادثة
بالبراءة الأصلية، وكأن الدليلين المتعارضين غير موجودين.
هذا مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن الدليلين المتعارضين دليلان قد ثبتا، ويمكن
استعمالهما معا، وبناء أحدهما على الآخر، فلا يمكن إلغاؤهما،
أو إلغاء واحد منهما إذا أمكن العمل بكل واحد منهما من وجه..
الدليل الثاني: أنه فد ورد تقديم الجمع بين الدليلين عن ابن عباس
- رضي اللَّه عنهما - حيث إنه لما قرأ قوله تعالى: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ) ، وقوله:. (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)
قال - أى ابن عباس -: يُسألون في موضع، ولا يُسألون في
موضع آخر، فقال - جامعا بينهما -: " لا يسألهم ربهم هل
(5/2414)

عملتم كذا وكذا؛ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يقول لهم: لِمَ
عملتم كذا وكذا؟ "، فهنا قدم الجمع على غيره.
الدليل الثالث: أن الجمع بين الأدلة المتعارضة فيه تنزيههما عن
النقص؛ لأن الدليلين المتعارضين بالجمع يتوافقان، ويزال الاختلاف
المؤدي إلى النقص والعجز، بخلاف الترجيح فإنه يؤدي إلى إلغاء
أحدهما وتركه؛ لأنه يوجب العمل بالراجح دون المرجوح، وكذلك
النسخ والتخيير، حيث إنه يترتب عليهما ترك أحد الدليلين،
وكذلك إسقاط الدليلين معا يترتب عليه ترك العمل بهما معا.
المذهب الثاني: أنه يقدم الترجيح على الجمع، فقال أصحاب هذا
المذهب في تفصيل ذلك: إنه يقدم النظر في تاريخ ورودهما، فإن
علم أن أحدهما متقدم على الآخر، فإنه يحكم بأن المتأخر ناسخ
للمتقدم، وإن تعذر معرفة تاريخ ورودهما: فإنه يرجح أحدهما
على الآخر بأي وجه من وجوه الترجيح، فإن تعذر التاريخ
والترجيح: جمع بينهما إن أمكن؛ لأن إعمال الدليلين اللذين لا
مرجح لأحدهما أوْلى من إهدارهما، فإن تعذر الجمع ترك العمل
بهما، وعدل إلى الاستدلال إلى ما دونهما في الرتبة.
وهذا مذهب الحنفية.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن الصحابة - رضوان اللَّه عليهم - كانوا إذا
أشكل عليهم حديثان، فإنهم يلجأون إلى الترجيح، وقد ثبت ذلك
في وقائع منها: أنهم رجحوا حديث عائشة - رضي اللَّه عنها -:
"إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل " على حديث: " إنما الماء من
الماء".
(5/2415)

جوابه:
هذا يدل على وجوب الترجيح بين الدليلين المتعارضين، وهذا لا
نزاع فيه، ولكن النزاع في تقديم الجمع على الترجيح، أو العكس،
وهذا الدليل لا يدل عل تقديم أحدهما على الآخر، ونحن نقول:
إنه إذا تعذر الجمع لجأنا إلى الترجيح، فلما لم يمكن الجمع بين
الحديثين السابقين، لجأوا إلى الترجيح.
الدليل الثاني: أن العقلاء قد اتفقوا على أنه عند التعارض يقدم
الراجح على المرجوح، واتفقوا - أيضا - على امتناع ترجيح
المرجوح، أو مساواته بالراجح.
جوابه:
أن النظر إلى الراجح من الأدلة والمرجوح منها، إنما يكون لدفع
التعارض بإسقاط أحدهما عن العمل، والأدلة بعد الجمع تكون
متوافقة، فلا تحتاج إلى الترجيح أصلاً.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي، وهو ظاهر.
(5/2416)

الفصل الثاني في الجمع
ويشتمل على مبحثين هما:
المبحث الأول: تعريفه.
المبحث الثاني: شروطه.
(5/2417)

المبحث الأول تعريف الجمع بين الأدلة المتعارضة
أولاً: الجمع لغة: هو تاليف التفرق، يقال: جمع الشيء عن
تفرقة يجمعه جمعا فاجتمع، وتجمع القوم إذا التفوا حول بعض.
ثانيا: الجمع في الاصطلاح هو: الائتلاف بين الأدلة الشرعية
وتوافقها؛ وبيان أن الاختلاف بينها غير موجود حقيقة.
(5/2419)

المبحث الثاني شروط الجمع بين الأدلة المتعارضة
ليس كل جمع بين دليلين متعارضين يصح، بل إن للجمع
الصحيح شروطا هي كما يلي:
الشرط الأول: أن يكون كل دليل من الدليلين المتعارضين ثابت
الحجية، فلا يجوز الجمع بين دليلين ضعيفين؛ لأنهما ليسا بدليلين.
الشرط الثاني: أن يكون كل دليل من الدليلين المتعارضين مساويا
للآخر، فلا يجوز الجمع بين دليل قوي ودليل ضعيف، بل يصار
هنا إلى ترجيح الأقوى.
الشرط الثالث: إذا كان الجمع بين الدليلين بالتأويل البعيد:
فلا يجوز أن يخرج هذا التأويل عن القواعد المقررة في اللغة.
ولا يجوز أن يخالف عرف الشريعة ومبادئها السامية.
ولا يجوز أن يخرج الكلام به إلى ما لا يليق بكلام الشارع.
الشرط الرابع: أن يكون الجامع من أهل الاجتهاد والنظر الدقيق
في الشريعة.
الشرط الخامس: ألا يخرج المجتهد بجمعه بين الدليلين عن حكمة
التشريع وسره، ولا يخالف بجمعه وتأويله الأحكام الشرعية المتفق
عليها، أو المنصوص عليها نصا قاطعا، أو ما علم من الدين
بالضرورة.
(5/2420)

الفصل الثالث في الترجيح
ويشتمل على المباحث التالية:
المبحث الأول: تعريفه.
المبحث الثاني: أركانه.
المبحث الثالث: شروطه.
المبحث الرابع: هل الترجيح لا يوجد إلا إذا وجد التعارض،
أو الترجيح لا يكون بين المتعارضين؟
المبحث الخامس: هل يجوز الترجيح بين دليلين قطعيين أو لا؟
المبحث السادس: حكم العمل بالراجح من الدليلين.
المبحث السابع: هل يجوز الترجيح بكثرة الأدلة؟
المبحث الثامن: طرق الترجيح بين الأدلة.
(5/2421)

المبحث الأول تعريف الترجيح
أولاً: الترجيح لغة هو: التمييل والتغليب، يقال: " رجح الميزان "
إذا مال، ويقال: " أرجح الميزان " إذا أثقله حتى مال.
ثانياً: الترجيح اصطلاحا هو: تقديم المجتهد لأحد الدليلين
المتعارضين؛ لما فيه من مزية معتبرة تجعل العمل به أوْلى من الآخر.
***
المبحث الثاني
أركان الترجيح
لقد اتضح من تعريف الترجيح أركان الترجيح وهي باختصار:
الركن الأول: وجود دليلين: راجح، ومرجوح.
الركن الثاني: وجود المزية في أحد الدليلين المتعارضين، وهو
المرجح به.
الركن الثالث: وجود المجتهد الذين يرجح أحدهما على الآخر.
الركن الرابع: بيان المجتهد فضل ومزية الدليل الذي يريد ترجيحه
على الآخر.
(5/2423)

المبحث الثالث شروط الترجيح بين الدليلين
ليس كل ترجيح بين دليلين متعارضين يصح، بل إن للترجيح
الصحيح شروطاً هي كما يلي:
الشرط الأول: أن يتعذر الجمع بين الدليلين المتعارضين، فإن
أمكن الجمع فلا يصح ترجيح أحدهما على الآخر.
الشرط الثاني: أن يكون الدليلان ظنيين، حيث إنه لا تعارض
أصلاً بين دليلين قطعيين، وبين دليل قطعي، ودليل ظني، وبالتالي
لا ترجيح هنا، بل لا بد أن يكون بين ظنيين؛ لأنهما قابلان
للتفاوت.
الشرط الثالث: أن يكون الدليلان متساويان في الحجية؛ فلا يصح
ترجيح ما كان حُجَّة على ما ليس بحُجَّة، بل لا يسمى ذلك بترجيح
أصلاً.
الشرط الرابع: أن يعلم المجتهد تحقق شروط المعارضة بين الدليلين.
الشرط الخامس: أن يكون المرجح قويا، بحيث يجعل المجتهد
يغلب على ظنه أن أحد الدليلين أقوى من الآخر.
(5/2424)

المبحث الرابع هل الترجيح لا يوجد إلا إذا وجد التعارض
أم الترجيح لا يكون بين المتعارضين؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن الترجيح لا يوجد إلا بين الدليلين المتعارضين،
ويظهر ذلك وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في التعريف.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأنه لولا التعارض لما
وجدت حاجة إلى الترجيح والبحث عنه بعد تعذر الجمع، ومعروف
أن الترجيح من جملة ما يدفع به التعارض، ومعروف - أيضاً - أنه
لم يلجأ المجتهد إلى الترجيح إلا من أجل التخلص من التعارض.
المذهب الثاني: أن الترجيح لا يوجد مع التعارض، ولا يشترط
لتحقق الترجيح وجود التعارض، فيكون الترجيح مباينا للتعارض.
وهو مذهب يعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن من شروط التعارض: استواء الدليلين من جميع الوجوه - كما
سبق بيانه - والترجيح لا بد أن يكون لأحدهما فضل وزيادة،
فالقول بالتعارض هو القول بتساوي الدليلين، والقول بترجيح
أحدهما قول بعدم الساواة بينهما، فهما - إذن - قولان متناقضان.
جوابه:
أن استواء الدليلين شرط في التعارض العام بين الدليلين نفسيهما،
وهذا لا يمنع من وجود جزئيات دقيقة في كل واحد من الدليلين
يجعل أحدهما يرجح على الآخر، أو وجود مرجحات خارجية.
(5/2425)

المبحث الخامس هل يجوز الترجيح بين دليلين قطعيين أو لا؟
لقد اختلف العلماء في هذا على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا يجوز الترجيح بين دليلين قطعيين، سواء
كانا نقليين، أو عقليين.
وهو مذهب أكثر الحنفية، وأكثر الشافعية كالغزالي، والآمدي،
وبعض المالكية كابن الحاجب، وبعض الحنابلة، وهو الحق؛ لما يلي
من الأدلة:
الدليل الأول: أن الترجيح لا بد أن يكون موجبا لتقوية أحد
الدليلين المتعارضين على الآخر، والدليل المقطوع به غير قابل للزيادة
والنقصان، فلا يطلب فيه ترجيح.
الدليل الثاني: أن الترجيح غير متصور في القطعي؛ لأنه إما أن
يعارضه قطعي أو ظني.
أما الأول - وهو احتمال معارضته بالدليل القطعى - فهو محال؛
لأنه يلزم منه ما يلي:
إما العمل بهما معا وهو باطل؛ لأنه جمع بين النقيضين.
وإما عدم العمل بهما معا وهو باطل؛ لأنه ترك لدليلين قد ثبتا.
وأما العمل بأحدهما دون الآخر وهو باطل؛ لأنه تحكم؛ حيث
لا ترجيح مع التساوي.
(5/2426)

أما الثاني - وهو احتمال معارضته بالدليل الظني - فهو محال،
لعدم تصور التعارض بين دليل قطعي ودليل ظني.
الدليك الثالث: أن الترجيح: تقوية، وهي: مستحيلة في
الدلائل القطعية، حيث إن احتمال النقيض إن كان قائما في أحد
الدليلين لم يكن يقينا، وإن لم يكن احتمال النقيض موجوداً فإنه
تمتنع التقوية والترجيح.
المذهب الثاني: أنه يجوز الترجيح بين الدليلين القطعيين.
وهو مذهب بعض الحنفية، وبعض الشافعية.
دليل هذا المذهب:
قياس الأدلة القطعية على الأدلة الظنية، بيان ذلك:
أنه كما يجوز الترجيح بين الأدلة الظنية، فكذلك يجوز الترجيح
بين الأدلة القطعية، ولا فرق، والجامع: أنها كلها أدلة من الشارع.
جوابه:
أن هذا القياس فاسد، لأنه قياس مع الفارق، والفرق بينهما من
وجوه:
الوجه الأول: عدم التفاوت في أكثر القطعيات، بخلاف
الظنيات، فإنه يوجد تفاوت في العلم بها.
الوجه الثاني: أن مدلول القطعي متحقق، لعدم جواز تخلف
المدلول عنه بخلاف مدلول الظني.
الوجه الثالث: أنه لا يحتمل النقيض في القطعي، دون الظني.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي، لا أثر له في الفروع.
(5/2427)

المبحث السادس في حكم العمل بالراجح من الدليلين
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجب العمل بالراجح من الدليلين المتعارضين.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: إجماع الصحابة - رضي اللَّه عنهم - حيث إنهم
كانوا يعملون بالراجح من الدليلين، ويتركون العمل بالدليل المرجوح
وهذا ثبت في عدة صعور ووقائع منها:
1 - أنهم عملوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"إذا التقا الختانان فقد وجب الغسل "
وتركوا العمل بقوله: " إنما الماء من الماء ".
2 - أنهم عملوا بحديث: " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصبح جنبا وهو صائم "، وتركوا العمل بقوله: " من أدرك الصبح وهو جنب فلا
صوم له ".
الدليل الثاني: أن العرف يقتضي العمل بالراجح، وترك
المرجوح، فإذا كان ترجيح الراجح متعين عرفا، فكذا شرعا.
الدليل الثالث: أنه لو لم نعمل بالراجح: للزم العمل بالمرجوح
ولا شك أن ترجيح المرجوح على الراجح ممتنع عقلاً، فلم يبق إلا
العمل بالراجح.
(5/2428)

المذهب الثاني: أنه لا يجب العمل بالراجح، بل إنه يلزم التخيير
أو التوقف.
وهو مذهب بعض العلماء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن الأدلة المتعارضة لا تزيد على البينات المتعارضة
والترجيح غير معتبر في البينات، فيقاس عليها الادلة المتعارضة،
فكما أنه لا تقدم شهادة الأربعة على شهادة الاثنين، فكذلك لا يقدم
دليل على دليل.
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابو:
الجواب الأول: أن الحكم في الأصل المقاس عليه وهو: " أن
الترجيح غير معتبر في البينات " مختلف فيه، حيث إنه معتبر عند
بعض العلماء، ومنهم مالك.
الجواب الثاني: أن هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق،
ووجه الفرق: أنه لو اعتبر الترجيح في البينات بكثرة العدد؛ لأدى
إلى عدم انضباط الأمور، وامتداد الخصومة؛ حيث إن الخصم سياتي
بشهود أكثر من شهود خصمه، وهكذا الآخر، ثم لا ينتهي الأمر،
ونظرا لذلك فإنه امتنع اعتبار الزيادة في البينات.
بخلاف الأدلة المتعارضة، فكلما زاد ما يقوي دليلاً تقوى رجحانه.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) .
وجه الدلالة: أن اللَّه قد أمر بالاعتبار مطلقا من غير تفصيل، فلا
وجه لوجوب العمل بالراجح، دون المرجوح.
(5/2429)

جوابه:
إن الآية تفيد الأمر بالاعتبار، وهو القياس - كما سبق بيانه - ولا
تفيد ما ذكرتموه، فليس فيها ما ينافي القول بوجوب العمل
بالراجح، حيث إن إيجاب العمل بأحد الدليلين لا ينافي إيجاب غيره.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي، كما هو واضح.
(5/2430)

المبحث السابع هل يجوز الترجيح بكثرة الأدلة؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز الترجيح بكثرة الأدلة.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: قياس الأدلة على الرواة، بيان ذلك:
أن رواية الاثنين أقرب إلى الصحة وأبعد عن السهو والغلط من
رواية الواحد؛ حيث إن الشيء عند الجماعة أحفظ منه عند الواحد،
ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "الشيطان مع الواحد،
وهو مع الاثنين أبعد "،
فيجب تقديم ما كثرت رواته، وإذا كان كذلك فإنه يجب تقديم
الحكم الذي كثرت أدلته.
الدليل الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعمل بقول ذي اليدين: "أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول اللَّه " حتى أخبره أبو بكر وبعض الصحابة.
وجه الدلالة: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - رجح بكثرة العدد.
الدليل الثالث: أن الصحابة - رضي اللَّه عنهم - كانوا يرجحون
بكثرة العدد، من ذلك:
1 - أن أبا بكر لم يعمل بخبر المغيرة: " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أطعم الجدة السدس " حتى شهد معه محمد بن مسلمة.
2 - أن عمر لم يعمل بخبر: " من استأذن ثلاثا ولم يؤذن له
فليرجع " حتى شهد مع الراوي بعض الصحابة، والأمثلة كثيرة.
(5/2431)

الدليل الرابع: أن مخالفة الدليل خلاف الأصل؛ لأن الأصل في
الدليل الإعمال، واستنباط الأحكام منه، فكثرة المخالفة أكثر
مخالفة من قلتها، فإذا وجد في جانب دليلان، ووجد في جانب
آخر دليل واحد: كان ترك العمل بالأول أكثر مخالفة ومحذوراً من
الثاني، فيؤخذ بالأقل محذوراً، والأخف ضرراً.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز الترجيح بكثرة الأدلة، بل يشترط أن
يكون المرجح به وصفاً للدليل المرجح، لا دليلاً مستقلا.
وهو مذهب الحنفية.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قياس الأدلة على الشهادات، بيان ذلك:
أنه لا ترجح الشهادة بكثرة العدد؛ حيث إن شهادة شاهدين
وشهادة أربعة سواء، فإذا كان الأمر كذلك في الشهادة، فكذلك
يمنع الترجيح بكثرة الأدلة.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن الحكم في الأصل المقاس عليه وهو: " عدم
الترجيح في الشهادة بكثرة العدد " مختلف فيه؛ حيث إن بعض
العلماء أثبتوا الترجيح في الشهادة بكثرة العدد، ومنهم الإمام مالك،
ولا قياس على أصل حكمه مختلف فيه.
الجواب الثاني: سلمنا الحكم في الأصل وهو: " أنه لا ترجح
الشهادة بكثرة العدد "، فإن هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع
الفارق، ووجه الفرق: أن الشارع منع الترجيح في الشهادة بكثرة
العدد ومقصوده سد باب الخصومات، حيث إنه يترتب على ذلك أن
(5/2432)

يقول الخصم: أنا آتي بعدد أكثر من عدده، فيقول الآخر: وأنا
أفعل كذلك، فلا تنتهي الخصومة.
بخلاف الترجيح بكثرة الأدلة، فلا يكون فيه ذلك.
الدليل الثاني: أنه لو جاز الترجيح بكثرة الأدلة، للزم من ذلك
تقديم القياس على خبر الواحد عند تعارضهما، وهذا ليس
بصحيح، إذ لو وجد مائة قياس، وعارضت تلك الأقيسة خبر واحد
كان ذلك الخبر راجحا، كما لو كان القياس راجحا، ولو كان
للكثرة أثر في قوة الظن لترجحت الأقيسة على الحديث الواحد.
جوابه:
إن اتحد أصل تلك الأقيسة المتعددة المعارضة للخبر: كانت كلها
في الحقيقة قياساً واحداً، وليست أقيسة متعددة، فإذا قدمنا الخبر
عليها فإنا نقدمه على قياس واحد لا غير.
وإن لم يتحد أصل تلك الأقيسة المتعددة فتكون مخالفة للقياس
المعارض للخبر في الأصل.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ حيث إنه أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها:
إذا ادَّعى رجلان شيئاً وهو في يد أحدهما، وأقام كل منهما بيّنة،
فإنه بناء على المذهب الأول: تقدم بيِّنة ذي اليد على بيِّنة الآخر؛
لأنهما استويا في إقامة البيِّنة، وترجحت بينة ذي اليد لكون الشيء
المتنازع عليه معه.
أما على المذهب الثاني: فإنه لا تسمع بيّنة ذي اليد؛ لأن اليد
دليل مستقل بإثبات الحكم، فلا يصلح لترجيح بيِّنة؛ لأنها منفصلة
عن البيِّنة.
(5/2433)

المبحث الثامن في طرق الترجيح بين الأدلة
ويشتمل على ما يلي من المطالب:
المطلب الأول: طرق الترجيح بين منقولين.
المطلب الثاني: طرق الترجيح بين معقولين.
المطلب الثالث: طرق الترجيح بين منقول ومعقول.
(5/2435)

المطلب الأول في طرق الترجيح بين منقولين
الترجيح بين الدليلين المنقولين يشمل الكتاب والسُّنَّة، لكن
العلماء تكلموا في ذلك عن السُّنَّة فقط، دون الكتاب، والسبب
في ذلك: أن القرآن قد وصل إلينا وهو متكامل لا زيادة فيه ولا
نقصان لا يشك في ذلك أيُّ مسلم، ونظراً لكونه متواتراً في السند
والمتن، فإنه لا تعارض بين آية وأخرى، فلا ترجيح فيه لآية على
أخرى للقطع بأن كله من عند اللَّه، وإن وجد تعارض بين آيتين في
الدلالة، فإنه تعارض يستطيع أي طالب علم أن يفك هذا التعارض.
وأما السُّنَّة - وإن كانت مثل القرآن في وجوب الاتباع والعمل
بمدلولاتها - فنظراً لكونها غير مقطوع بها من حيث السند والمتن فإنه
يوجد تعارض فيها بين حديث وحديث آخر، وبالتالي لا بد من
الترجيح بينهما، وطرق الترجيح.
فالعلماء تكلموا عن طرق الترجيح في السُّنَّة لكون التعارض فيها
يقع كثيراً وغالباً؛ بخلاف القرآن الكريم.
وطرق الترجيح بين الأحاديث والأخبار تتنوع بحسب ما ترجع
إليه، ولهذا جعلت الكلام عنها في المسائل التالية:
المسألة الأولى: في طرق الترجيح التي ترجع إلى الرواة.
المسألة الثانية: في طرق الترجيح التي ترجع إلى قوة السند وضعفه.
(5/2437)

المسألة الثالثة: في طرق الترجيح التي ترجع إلى متن الحديث.
المسألة الرابعة: في طرق الترجيح التي ترجع إلى الحكم.
المسألة الخامسة: في طرق الترجيح التي ترجع إلى أمر خارجي.
وإليك بيان كل مسألة بكل طرقها، وبيان المتفق عليه والمختلف فيه
منها، فأقول:
المسألة الأولى: طرق الترجيح التي ترجع إلى الرواة:
الطريق الأول: الترجيح بكون الراوي قريباً من الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
إذا تعارض خبران، وراوي أحدهما أقرب من رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وقت سماع الحديث، فإن حديثه يرجح على ما كان راويه أبعد منه؛ لأن الراوي القريب أوعى للحديث من البعيد، وأكثر سماعا له منه،
فيكون - أي: القريب - أبعد من احتمال الخطأ.
مثاله: التعارض الحاصل بين رواية ابن عمر، وأنس بن مالك في
حكاية تلبية الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع، فروى ابن عمر أنه نوى مفرداً - أي بالحج فقط -،
وروى أنس: أنه - صلى الله عليه وسلم - نوى قارناً، أي:
بالحج والعمرة معا.
فهنا ترجح رواية ابن عمر؛ وذلك لأنه أقرب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث إنه ورد في آخر الحديث أن ابن عمر قال: " كنت آخذ بزمام ناقة رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، يسيل علي لعابها ".
الطريق الثاني: الترجيح بكبر سن الراوي.
إذا تعارض خبران وراوي أحدهما أكبر من راوي الآخر، فإنه
يرجح الحديث الذي راويه اكبر سنا على الحديث الآخر؛ لأمور:
أولها: أن الغالب أن كبير السن يكون أقرب الناس مجلسا إلى
(5/2438)

النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
" لا تختلفوا فتختلف قلوبكم ليلين أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم ".
ثانيها: أن محافظته على منصبه تحمله على تحرزه عن الكذب.
ثالثها: أن الغالب في الكبار أنهم يتحرزون عن الكذب،
ويحتاطون لدينهم، فلا ينقلون إلا ما كانوا متأكدين منه أكثر من
الصغار.
رابعها: أن الكبير أضبط للحديث من الصغير.
ويستثنى من هذه القاعدة: الصغيرة الذي يحترز لدينه ويتميز
بالضبط أكثر من الكبير أو مثله.
مثاله: نفس المثال في الطريق السابق، وهو تعارض حديث ابن
عمر، مع حديث أنس، فأنا نرجح حديث ابن عمر؛ نظراً لكبر
سنه، لما ورد في آخر الحديث من قول ابن عمر: " أن أنسا كان
صغيراً يلج على كنساء وهن متكشفات، وأنا آخذ بزمام ناقة رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - يسيل عليّ لعابها ".
الطريق الثالث: الترجيح بكون الراوي متأخر الإسلام.
إذا تعارض خبران وراوي أحدهما كان متأخر الإسلام من الآخر،
فايهما الذين يرجح؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أنه يرجح حديث متأخر الإسلام.
وهو مذهب أكثر الشافعية، وبعض المالكية، وبعض الحنابلة،
وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن تأخره في الإسلام يدل على تأخره في روايته،
(5/2439)

فهو يحفظ آخر الأمرين من رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، فيكون الأخذ بخبره أوْلى.
الدليل الثاني: أن ابن عباس قال: " كنا ناخذ الأحدث فالأحدث
من أوامر رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - "، وخبر متأخر الإسلام هو الأحدث، فيكون هو الأَوْلى.
الدليل الثالث: أن رواية متقدم الإسلام تعتريها عدة احتمالات
هي كما يلي:
فيحتمل أن يكون خبره مما سمعه في آخر الأمر من رسول الله
- صلى الله عليه وسلم -، فيكون مساوياً لمتأخر الإسلام.
ويحتمل استماعه للخبر في أول الإسلام، فيكون متقدما في
الزمان، مرجوحاً في العمل.
ويحتمل أن يكون المتقدم منسوخا بالمتأخر.
وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال.
لذلك نرجح حديث متأخر الإسلام على متقدمه.
المذهب الثاني: أنه يرجح خبر الراوي المتقدم في الإسلام.
وهو مذهب بعض الحنفية، وبعض الشافعية كالآمدي، وبعض
المالكية كابن الحاجب.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن المتقدم "عاش حتى مات متأخر الإسلام متساويا
له في الصحبة، إلا أن المتقدم يزيد عليه بالتقدم؛ لقوة أصالته،
وسبق معرفته بالإسلام.
(5/2440)

جوابه:
أن سماع المتأخر متحقق التأخر، ولا يحتمل غير ذلك، أما
سماع المتقدم فإنه يحتمل التقدم والتأخر، وما لا يحتمل مقدم على
ما يحتمل.
الدليل الثاني: أن المتقدم قد يطلع على ما لا يطلع عليه المتأخر،
فهو أوْلى؛ نظراً لسبق معرفته، ولشدة احترازه عن الكذب صونا
لمنصبه.
جوابه:
أن في رواية المتقدم احتمال، بخلاف الآخر.
المذهب الثالث: أنهما متساويان، فلا نرجح رواية على أخرى.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن كل واحد منهما قد اختص بمزية لا توجد في الآخر، فالأول
قد اختص بمزية الأصالة والتقدم، واطلاعه على ما لم يطلع عليه
الآخر في الإسلام، أما راوي الحديث الثاني فإنه مختص بكونه لا
يروي في الغالب إلا آخر الأمرين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكانت روايتهما سواء.
جوابه:
لا نسلم أن روايتهما سواء، بل إن رواية المتقدم تحتمل التقدم
والتأخر، وأما رواية المتأخر فلا تحتمل إلا التأخر فافترقا.
المذهب الرابع: التفصيل، وهو: إن كان التقدم في الإسلام
موجوداً في زمن المتأخر، فلا ترجيح لواحد منهما على الآخر؛
(5/2441)

نظراً لجواز أن تكون رواية المتقدم في الإسلام متأخرة عن رواية المتأخر
فيه، ويحتمل العكس من غير ترجيح، فلا يقدم أحدهما على
الآخر.
أما إذا علم أن المتقدم في الإسلام مات قبل إسلام المتأخر، أو
علم أن أكثر رواياته متقدمة على رواية المتأخر، فإن رواية المتأخر
تكون أرجح؛ لأن ما علم تأخيرها على روايات المتأخر في الإسلام
فهو متقدم ومرجح على روايات المتقدم في الإسلام، وما لم يعلم
يكون نادراً، والنادر يلحق بالغالب الكثير، وهو مذهب فخر الدين
الرازي.
جوابه:
أن احتمال تقدم رواية الراوي المتقدم احتمال قوي وإن كان موجوداً
في زمن الراوي المتأخر، في حين أن هذا الاحتمال غير موجود في
الراوي المتأخر، وما لا يحتمل مقدم على ما يحتمل.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي، كما هو واضح.
الطريق الرابع: الترجيح بكون الراوي كثير الصحبة.
إذا تعارض خبران، وراوي أحدهما أكثر صحبة لرسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - من راوي الخبر الآخر، فإنه يرجح الخبر الذي راويه أكثر صحبة؛
لأمرين:
أولهما: أن كثير المصاحبة للنبي - صلى الله عليه وسلم - أعلم برواية الحديث، وأحفظ لها، وأكثر استيعابا لأقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله وأعلم بمقاصد الشريعة.
(5/2442)

ثانيهما: أن كثير الصحبة أقوى إيماناً من غيره بسبب كثرة استماعه
لمواعظه - صلى الله عليه وسلم -، فيكون تجنبه عن الكذب أكثر وأشد.
الطريق الخامس: الترجيح بكون الراوي سمع من غير حجاب.
إذا تعارض خبران، وراوي أحد الخبرين سمع الحديث من الراوي
الأول من غير حجاب، وراوي الخبر الثاني المعارض له سمع الخبر
منه وبينهما حجاب، فإنه يرجح خبر الراوي الذي سمع من الراوي
الأول من غير حجاب؛ لأن الرواية من غير حجاب شاركت الرواية
الأخرى في السماع، وتزيد عليها بتعين عين المسموع منه، فيكون
آمناً من تطرق الخلل الموجود في الرواية الأخرى.
لذلك ترجح رواية قاسم بن محمد بن أبي بكر عن عائشة - رضي
الله عنها - أن بريرة عتقت وكان زوجها عبداً على رواية الأسود بن
يزيد عن عائشة: أن بريرة عتقت وزوجها حر؛ ويرجح ذلك لأن
قاسم بن محمد قد سمع من عائشة بلا حجاب؛ لأنها عمته، أما
الأسود فقد سمع عنها مع الحجاب.
الطريق السادس: الترجيح بكون الراوي قد اتفق على عدالته.
إذا تعارض خبران، وراوي أحد الخبرين قد اتفق على عدالته،
وراوي الخبر الآخر قد اختلف في عدالته: فإن الخبر الذي اتفق على
عدالة راويه يرجح على الآخر، والعِلَّة في ذلك ظاهرة؛ حيث إن
المتفق عليه مقدم على المختلف فيه في كل شيء.
لذلك يُرجح خبر بسرة بنت صفوان في نقض الوضوء من مس
الذكر على خبر طلق بن عليّ الحنفي المعارض له المفيد عدم النقض
من مس الذكر؛ وذلك لأن خبر بسرة قد أخرجه مالك بإسناد ليس
(5/2443)

فيه إلا عدل متفق على عدالته، وأما رواة خبر طلق فإنه قد اختلف
في عدالتهم.
الطريق السابع: الترجيح بكون الراوي تتعلَّق القصة به، أو
سفيراً فيها.
إذا تعارض خبران، وراوي أحد الخبرين تتعلق القصة به، أو هو
مباشر لها، أو سفير فيها دون راوي الخبر الآخر: فإنه يرجح خبر
الراوي الذي تتعلق به القصة، أو كان سفيراً فيها على الخبر الآخر،
وذلك لأن الراوي الذي تتعلق به القصة والقضية، أو هو مباشر لها
أو سفير فيها أعرف بتفاصيل الموضوع، وأعلم بالقضية من غيره،
فتكون روايته أقرب إلى الصحة، فيكون أميل إلى قبولها.
لذلك يرجح خبر ميمونة - رضي اللَّه عنها -: " تزوجني رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن حلالان بسرف " على خبر ابن عباس - رضي الله عنهما -: " أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - نكحها وهو محرم "، وذلك لأن الراوية للأول هي التي عقد عليها، فهي أعرف بوقت عقدها، وتفاصيل الموضوع؛ لشدة اهتمامها به.
ثم يؤيد ذلك ما رواه أبو رافع - رضي اللَّه عنه -: " أنه - صلى الله عليه وسلم - نكحها وهما حلالان "، فهذا يرجح على خبر ابن عباس؛ لأن أبا
رافع كان سفيراً بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وميمونة، كما ورد التصريح به في بعض الروايات، وهذا مذهب كثير من العلماء.
أما الحنفية فإنهم رجحوا خبر ابن عباس في هذا، لأنه أفضل فى
الحفظ، وأحسن في الضبط، وأعلم بالشريعة منه.
وقد جرى في ذلك مناقشات واعتراضات في هذا، تجده مبسوطا
في كتب الفقه.
(5/2444)

الطريق الثامن: الترجيح بكون الراوي فقيهاً.
إذا تعارض خبران، وراوي أحد الخبوين أفقه من راوي الخبر
الآخر: فإنه يقدم الخبر الذي راويه أفقه على الخبر الآخر؛ وذلك
لأن الراوي الفقيه أعرف بمدلولات الألفاظ، وأعلم باقتناص الأحكام
الشرعية من الألفاظ، فهو - إذن - يميز بين ما يجوز وما لا يجوز،
وبين ما يمكن حمله على ظاهره، وما لا يمكن فيه ذلك، فإذا سمع
مثل ذلك فإنه يبحث عنه، وعن ما ليتعلق به من سبب نزوله ووروده
حتى يطلع على ما يزول به الإشكال، بخلاف غير الفقيه، فليس
كذلك " حيث إنه يروي ما يسمعه، وقد يؤدي إلى حكم غير
صحيح، أو إلى حكم مخالف لمقاصد الشريعة.
إذن يكون احتمال الخطأ في كلام الفقيه أقل، ويكون أكثر ضبطاً،
وأشد اعتناء بنقل الكلام.
لذلك يرجح خبر عائشة - رضي اللَّه عنها -: " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصبح جنباً من غير احتلام ويصوم " على خبر أبي هريرة - رضي الله عنه -: " من أصبح جنبا فلا صيام له ".
الطريق التاسع؛ الترجيح بكون الراوي حسن الاعتقاد.
إن الخبر الذي رواه راو حسن الاعتقاد يُرجح على الخبر الذي رواه
مبتدع، لأن الثقة بكلام الراوي حسن الاعتقاد أكثر من غيره.
لذلك يُرجح خبر قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"إن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن صيام الدهر"
على الخبر الذي رواه إبراهيم بن يحيى: أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: " من صام الدهر فقد وهب نفسه لله "؛ لأن إبراهيم بن يحيى
كان مبتدعاً - كما قال كثير من العلماء -.
(5/2445)

الطريق العاشر: الترجيح بكون الراوي ورعاً.
إذا كان راوي أحد الخبرين أورع من راوي الخبر الآخر، وأشد
احتياطاً فيما يرويه: فإن خبره يرجح؛ لذلك الورع والاحتياط،
فيكون كلامه أقل احتمالاً للخطأ.
الطريق الحادي عشر: الترجيح بكون الراوي أعلم باللغة العربية.
إذا كان راوي أحد الخبرين أعلم باللغة العربية من راوي الخبر
الآخر: فإنه يرجح الخبر الذي رواه العالم باللغة العربية؛ لأمرين:
أولهما: أن تطرق الخطأ إليه أقل.
ثانيهما: أن من كان كذلك إذا سمع خبراً، وعرف أن فيه ما لا
يحمل على ظاهره بحث عنه، وعن سبب وروده، وعن اشتقاقات
كلماته حتى يزول الإشكال.
فلذلك كان الوثوق برواياته أكثر.
الطريق الثاني عشر: الترجيح بكون الراوي راجح العقل.
إذا كان راوي أحد الخبرين أرجح عقلاً من راوي الخبر الآخر:
فإنه يُرجح الخبر الذي رواه راجح العقل على من يختل عقله في
وقت دون وقت؛ وذلك لتطرق احتمال روايته في وقت الخلل العقلي.
لذلك رجح الحنفية خبر ابن عباس وهو: " أنه - صلى الله عليه وسلم - نكح ميمونة وهو محرم " على خبر ميمونة ورافع:
" أنه نكحها وهما حلالان "
وعللوا ذلك بأن ابن عباس أرجح عقلاً، وأعلم وأضبط من راوي
الخبر الثاني.
الطريق الثالث عشر: الترجيح بالتزكية، وفيه تفصيل:
أولاً: أن يكون المزكي لأحد الراويين أكثر من الآخر، فخبر
(5/2446)

الراوي الذي زكاه الأكثر مرجح على خبر الأقل تزكية؛ لأنها أغلب
على الظن.
ثانيا: أن يكون المزكي لأحد الراويين أعدل وأوثق ممن زكى راوي
الخبر الآخر، فيرجح الخبر الذي زكى راويه الأعدل والأوثق.
ثالثا: أن تكون تزكية أحد الراويين بالحكم بشهادته، والآخر
بالرواية عنه، فيرجح الخبر الذي حكم بشهادة راويه؛ لأن الاحتياط
في الشهادة فيما يرجع إلى أحكام الجرح والتعديل أكثر منه في الرواية
لذلك قبلت رواية العبد، والواحد، والمرأة، دون شهادتهم
لوحدهم.
رابعا: أن تكون تزكية أحدهما بالعمل بروايته، والآخر بالرواية
عنه، فيرجح الأول؛ لأن الغالب من العدل أنه لا يعمل برواية غير
العدل، بخلاف الرواية عنه؛ لأن قد يروي العدل عن شخص لو
سئل عنه لسكت.
خامسا: أن تكون تزكية أحدهما بصريح المقال، والآخر بالرواية
عنه، أو بالعمل بروايته، أو بالحكم بشهادته فإنه يرجح الأول؛ لأن
الرواية قد تكون عمن ليس بعدل، والعمل بما يوافق الرواية،
والعمل بالشهادة قد تكون بغيرها وهو موافق لها، بخلاف. التزكية
بصريح المقال؛ فإنه لا يحتمل غير التزكية والتعديل.
لذلك يرجح خبر بسرة في نقض الوضوء من مس الذكر على خبر
طلق، وهو عدم النقض من ذلك؛ لأن الأول قد أخرجه الإمام
مالك، وليس في سنده إلا من هو متفق عليه، وكثر المزكون له،
وأما رواة خبر طلق فقد قل مزكوهم واختلف في تعديل بعضهم.
الطريق الرابع عشر: الترجيح بالشهرة، وهذا فيه تفصيل:
(5/2447)

أولاً: " أن يكون راوي أحد الخبرين مشهوراً بالحفظ، والإتقان،
والضبط، دون راوي الخبر الآخر، فيرجح الراوي الأول، لأن
شهرته في الضبط والحفظ والإتقان تؤدي إلى كئرة الثقة به، وقوة
الاعتماد عليه، وقلة احتمال الخطأ والغلط منه.
ثانياً: أن يكون راوي أحد الخبرين مشهور النسب أكثر من راوي
الخبر الآخر، فيرجح الأول؛ لأن علو النسب والاشتهار به يسبب
كثرة احترازه عما يوجب نقص منزلته المشهورة.
ثالثاً: أن يكون راوي أحد الخبرين مشهوراً بدقة الإسناد أكثر من
راوي الخبر الآخر، فيرجح الأول؛ لأن دقة الإسناد توجب علم
الطمأنينة، فيكون قريباً من اليقين.
لذلك رجح العلماء خبر شعبة وهو: " لا وضوء إلا من صوت
أو ريح " على خبر بقية بن الوليد الكلاعي عن محمد الخزاعي وهو:
" أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لمن قهقه في صلاته.. وأعد وضوءك "، وذلك لأن شعبة مشهور بين الأئمة، بخلاف بقية فإنه مجهول.
الطريق الخامس عشر: الترجيح بعدم الالتباس في اسم الراوي.
إذا كان روي أحد الخبرين معروف الاسم، ولم يلتبس اسمه
بأسماء الضعفاء، بينما راوي الخبر الآخر قد التبس اسمه بأسمائهم
فإنه يرجح الأول؛ لأنه أبعد من الاضطراب والشك.
الطريق السادس عشر: الترجيح بكون الراوي أكئر ملازمة للشيخ
المحدث.
إذا كان راوي أحد الخبرين أكثر ملازمة للشيخ المحدث الذي يأخذ
عنه الحديث، والآخر قليل الملازمة لذلك الشيخ، فإنه يرجح
الأول؛ لأمرين:
(5/2448)

أولهما: أن المحدث قد ينشط تارة فيسرد الحديث على وجهه،
وقد يتكاسل في بعض الأوقات فيقتصر على بعضه، أو يرويه مرسلاً.
ثانيهما: أن من يكون جليساً للمحدثين أكثر يكون أعرف بطرق
الأحاديث، وشرائطها.
المسألة الثانية: طرق الترجيح التي ترجع إلى قوة السند
وضعفه:
الطريق الأول: الترجيح بكثرة الرواة.
إذا كان رواة أحد الخبرين أكثر من رواة الخبر الآخر، فإن الخبر
الذي رواته أكثر يرجح على الذي رواته أقل، وهو مذهب جمهور
العلماء من السلف والخلف، وهو الحق، للأدلة التالية:
الدليل الأول: أن قول الجماعة أقوى في الظن، وأبعد عن السهو
والغلط والكذب.
الدليل الثاني: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يعمل بقول ذي اليدين:
"أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول اللَّه " حتى أخبره بذلك أبو بكر
وعمر.
الدليل الثالث: أنه لما روى المغيرة بن شعبة - رضي اللَّه عنه -:
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " أطعموا الجدة السدس "
قال أبو بكر: من يشهد معك؛ فشهد معه محمد بن سلمة.
الدليل الرابع: أن الناس اعتادوا على الميل والأخذ بالأقوى في
أمورهم العادية كالتجارة والزراعة، ولا شك أن الخبر الذي رواته
أكثر أقوى من الخبر الذي رواته أقل.
(5/2449)

وبعض الحنفية خالفوا في ذلك وقالوا: إنه لا يرجح بكثرة الرواة.
دليل هذا المذهب:
قياس الرواية على الشهادة، بيان ذلك:
أن شهادة الشاهدين، والأربعة فكثر سواء، ولا فرق بينهما،
كذلك خبر العدد في الرواية لا تؤثر في القبول وعدمه فيقبل الخبر
سواء كثر الرواة، أو قلوا.
جوابه:
إن هذا - قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، والفرق يتبين من
وجهين هما:
الوجه الأول: أن الشهادة مقدرة في الشرع بعدد، فإذا وجد هذا
العدد وجب تعليق الحكم عليه، بخلاف الخبر فإنه غير منصوص
على العدد فيه، فكان كلما كثر رواة الخبر كلما كان أقوى.
الوجه الثاني: أن الشهادة قد حُدّدت بعدد معين لفصل الخصومات
لأنه لو لم تحدد بعدد معين لقال الخصم: أنا سآتي بعدد أكثر مما أتى
به خصمي.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي، هو واضح، فأصحاب المذهب الثاني لا
يفرقون بين خبر رواه عشرة، وخبر رواه ثلاثة، أما أصحاب المذهب
الأول فهم يفرقون فيرجحون الأول، ويتركون الثاني.
الطريق الثاني: ترجيح المتواتر على الآحاد والمشهور، وهو
واضح.
(5/2450)

الطريق الثالث: ترجيح الحديث المسند على الحديث المرسل على
رأي الجمهور، وهو الحق؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: أن الاعتماد في حجية الحديث على السند وصحة
السند، وهذا يكون بالعلم بحال رجاله ورواته، والعلم بذلك
متحقق في المسند، بخلاف المرسل، ولهذا تقبل شهادة الفرع إذا
عرف شاهد الأصل، ولا تقبل إذا شهد مرسلاً.
الدليل الثاني: أن المرسل قد يكون بينه وبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - مجهول، وهذا الاحتمال منتف في المسند، فيرجح ما لا يحتمل على
ما يحتمل.
الدليل الثالث: أن المسند متفق على حجيته، بخلاف المرسل فقد
اختلف في حجيته.
الدليل الرابع: أنهما قد تساويا في الحكم الذي أفاداه ويزيد المسند
بالإسناد، وما زاده ذلك إلا قوة بين الراوي المجتهد وبين النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الطريق الرابع: الترجيح بقلة الوسائط.
إذا تعارض حديثان وأحدهما قليل الوسائط بين الراوي المجتهد
وبين - صلى الله عليه وسلم - ويسمى: " عالي الإسناد "، أما الآخر فهو كثير الوسائط، فإنه يرجح قليل الوسائط؛ لأنه كلما قلت الوسائط
والرواة كان أبعد عن احتمال الغلط والكذب، وأقوى في الظن
اتصاله برسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -.
الطريق الخامس: الترجيح بالسلامة عن الاختلاف.
إذا تعارض حديثان، لكن مسند أحدهما سالم من الاختلاف،
والآخر مما اختلف فيه، فإنه يرجح الأول؛ لأن الاتفاق يقوي
الحديث دون الثاني؛ لأن الاختلاف يضعف الحديث.
(5/2451)

المسألة الثالثة: طرق الترجيح التي ترجع إلى متن الحديث:
الطويق الأول: الترجيح بقوة الدلالة.
إذا تعارض خبران وأحدهما أقوى دلالة من الآخر؛ فإنه يرجح
الأول؛ لقوة دلالته على الحكم.
وإليك بيان ذلك:
أولاً: يرجح الخبر الذي يحتمل احتمالات قليلة على الخبر الذي
يحتمل احتمالات كثيرة، فاللفظ المشترك بين معنيين يرجح على
اللفظ المشترك بين ثلاثة احتمالات؛ وذلك لأن كثرة الاحتمالات
تضعف الدلالة.
تانياً: يرجح الخبر الخاص على العام، والمقيد على المطلق.
ثالنْاً: يرجح الخبر الدال على الحكم بالمنطوق على الخبر الدال
على الحكم بالمفهوم الموافق والمخالف.
رابعاً: يرجح الخبر الدال على الحكم بمفهوم الموافقة على الخبر
الدال على الحكم بمفهوم المخالفة.
خامساً: يرجح الخبر الدال على الحكم بمفهوم الشرط على الخبر
الدال على الحكم بمفهوم العدد، أو اللقب وهكذا.
سادساً: يرجح المتن الدال على الحكم مع ذكر العلَّة، على المتن
الدال علوا الحكم بدون ذكر العِلَّة.
سابعاً: يرجح الخبر الدال على العموم وباق على عمومه، على
الخبر الدال على عموم مخصوص؛ لأن التخصيص يضعف دلالة
اللفظ، لذلك قال بعضهم: إنه دلالة اللفظ بعد التخصيص على
الباقي دلالة مجازية.
(5/2452)

ثامنا: يرجح الخبر الذي لفظه فصيح على غيره، لكونه أقرب أن
يكون لفظ - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث إنه عليه السلام أفصح العرب فيبعد نطقه بغير الفصيح، وبذلك يظهر أن غير الفصيح مروي بالمعنى،
فيكون من الراوي.
الطريق الثاني: الترجيح بكون الخبر مرويا باللفظ:
إذا تعارض خبران وأحدهما قد روي باللفظ، والآخر قد روي
بالمعنى: فإنه يرجح الخبر الذي روي باللفظ؛ لأمرين:
أولهما: أنه يكون أغلب على الظن بكونه من كلام الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
ثانيهما: أن المروي باللفظ متفق على جواز روايته، وعلى كونه
حُجة، بخلاف المروي بالمعنى فقد اختلف فيه، والمتفق عليه مقدم
على المختلف فيه.
الطريق الثالث: الترجيح بكون لفظ الخبر مؤكداً.
إذا تعارض خبران، ولفظ أحدهما مؤكد، ولفظ الآخر غير
مؤكد، فإنه يرجح الأول؛ لأن الثاني يتطرق إليه الاحتمال والتأويل
بخلاف الأول، فإنه لا يحتمل ذلك.
الطريق الرابع: الترجيح بكون اللفظ مستقلاً.
إذا تعارض خبران وأحدهما قد أفاد الحكم المراد من غير حاجة إلى
إضمار وتقدير، والآخر يحتاج إلى ذلك، فإنه يرجح الأول - وهو
الذي لا يحتاج إلى شيء -؛ لأمرين:
أحدهما: أن الأصل استقلال كل نص بالإفادة وأخذ الأحكام،
والإضمار خلاف الأصل.
(5/2453)

ثانيهما: أن المستقل بنفسه معلوم المراد منه، والمحذوف منه ربما
يلتبس عليه ما هو المضمر منه.
الطريق الخامس: الترجيح بكون المتن سالما من الاضطراب.
إذا تعارض خبران ومتن أحدهما سالم من الاضطراب، بخلاف
الخبر الآخر، فإنه مضطرب، فإنه يرجح الأول - وهو السالم من
الاضطراب -؛ لأمرين:
أولهما: أن ما لا اضطراب فيه يدل على حفظ راويه، - وضبطه،
وسوء حفظ الخبر الذي وجد فيه اضطراب.
ثانيهما: أن ما لا اضطراب فيه أشبه بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
الطريق السادس: الترجيح بكون الخير مرويا في ثنايا قصة
مشهورة.
إذا تعارض خبران، وأحدهما قد روي في ثنايا قصة مشهورة
معروفة عند أهل النقل، والخبر الآخر قد انفرد به الراوي وذكره بدون
قصة: فإنه يرجح الأول، لأنه أقوى في النفوس وأقرب إلى السلامة
من الغلط مما يرويه المنفرد بدون قصة.
الطريق السابع: الترجيح بكون الخبر قولاً.
إذا تعارض خبران وأحدهما نقل قوله - صلى الله عليه وسلم -،
والآخر نقل فعله، أو تقريره: فإنه يرجح قوله على فعله، وفعله على تقريره، وقد سبق بيان ذلك.
الطريق الثامن: الترجيح بكون المتن قد تضمن نهيا.
إذا تعارض خبران وأحدهما نهي وما في معناه من النفي، والآخر
أمر وما في معناه، فإنه يرجح الخبر الذي فيه النهي؛ لأن الغالب في
(5/2454)

النهي دفع المفسدة الموجودة في المنهي عنه، والغالب في الأمر
بالشيء جلب المصلحة الموجودة في المأمور به، واهتمام العقلاء بدفع
المفاسد أكثر وأشد من اهتمامهم بجلب المصالح، يؤيد ذلك: أنه
يجب دفع كل المفاسد، ولا يجب جلب كل المصالح.
***
المسألة الرابعة: طرق الترجيح التي ترجع إلى الحكم:
الطريق الأول: ترجيح درء الحد على الموجب له.
إذا تعارض خبران: أحدهما يثبت الحد على عمل مخصوص،
والآخر ينفيه: فإنه يرجح الخبر الثاني - وهو: الذي ينفي الحد -؛
لأمور:
الأول: أن الحد ضرر، والضرر يزال؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
" لا ضرر ولا ضرار في الإسلام ".
الثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"ادرأوا الحدود بالشبهات ".
فالحدود تدفع، وتزال بالشبهات، والحديث المعارض الذي ينفي
الحد أقل درجته يورث الشبهة، فيدفع الحد بها، فيعمل بمقتضى
الحديث النافي له.
الثالث: أن ترك إقامة الحد على من يجب عليه الحد أوْلى من
إقامة الحد على من ليس عليه؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لأن يخطئ أحدكم في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة ".
الطريق الثاني: ترجيح الخبر الناقل على الخبر المقرر لحكم الأصل.
فإذا ورد خبران: أحدهما مبقي على البراءة الأصلية، ويوبجب
الثاني النقل عنها، وذكر حكم جديد، فإنه يرجح الثاني؛ لأمرين:
(5/2455)

أحدهما: أن الثاني يفيد التأسيس، والخبر الأول يفيد التأكيد
وتقرير حكم الأصل، والتأسيس أوْلى من التأكيد.
ثانيهما: أنه يوجد في الخبر الثاني زيادة علم، بينما الأول لا
يوجد فيه ذلك، والذي يفيد الزيادة مقدم على ما ليس كذلك.
الطريق الثالث: ترجيح الوجوب على الإباحة، والكراهة،
والندب.
إذا ورد خبران أحدهما يفيد إيجاب شيء، والثاني يفيد الندب،
أو الكراهة، أو الإباحة، فإنه يرجح الأول - وهو المفيد للإيجاب -؛
لأمرين:
أولهما: أن تارك الواجب مستحق للعقاب، بخلاف تارك
المندوب، والكراهة، والإباحة.
ثانيهما: أن ترجيح الواجب أحوط لدين المسلم.
الطريق الرابع: ترجيح الخبر المحرم، على الموجب.
إذا تعارض خبران: أحدهما يدل على تحريم شيء، والآخر يدل
على وجوب ذلك الشيء: فإنه يرجح الأول - وهو الدال على
التحريم -؛ لما سبق أن قلناه من أن الغالب أن التحريم لدفع المفسدة
والموجب إنما أوجب لمصلحة فيه، واهتمام الشارع بدرء المفاسد أكثر
من جلب المصالح، فلذلك يقدم المحرم على الموجب.
الطريق الخامس: ترجيح ما يفيد التحريم على ما يفيد الإباحة.
إذا تعارض دليلان أحدهما يفيد حرمة شيء، والآخر يفيد إباحته،
فإن الأول - وهو ما يفيد الحرمة - يرجح؛ لأمور:
أولها: أن في ترجيح لحرمة تقديماً للتأسيس على التأكيد؛ حيث
(5/2456)

إن تقديم المباح على الحرمة تبع للأصل، وهو أن الأصل في الأشياء
الإباحة، فيكون الدليل لم يفد شيئا، بل أفاد نفس ما أفادته الإباحة
الأصلية، فيكون جاء للتأكيد، فيكون تقديم المفيد للتحريم أوْلى؛
نظراً لقاعدة تقديم التأسيس على التأكيد.
ثانيها: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
" ما اجتمع الحلال والحرام إلا وغلب الحرام الحلال ".
ثالثها: أن العمل بمقتضى الحرام أحوط؛ لأن ملابسة الحرام توقع
في الإثم، بخلاف ملابسة المباح فلا توجب ذلك.
الطريق السادس: ترجيح مثبت الطلاق والعتالتى على نافيهما.
إذا تعارض حديثان أحدهما نافي للطلالتى والعتاق، ومبقي لعصمة
الزوجية ولقيد العبودية، والثاني: موجب لتحقق الطلاق ورفع
العصمة، أو العتاق، ورفع العبودية، فإنا نرجح الثاني - وهو:
تحقق الطلاق والعتاق، ورفع العصمة وملك اليمين -؛ لأمرين:
أولهما: أن الأصل عدم القيد من العصمة والرق.
ثانيهما: أن المثبت عنده زيادة علم لا توجد عند النافي.
الطريق السابع: ترجيح الأشد على الأخف.
إذا تعارض دليلان: أحدهما: يفيد حكما أخف، والآخر يفيد
حكماً أشد وأشق: فقد اختلف العلماء في أيهما الرجح على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يرجح الخبر الأثقل الأشد.
وهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: أن زيادة شدته ومشقته وثقله تدل على تأكد
المقصود، وفضله على الأخف الأيسر، فالمحافظة عليه أوْلى.
(5/2457)

الدليل الثاني: أن الأحكام الشرعية إنما شرعت لمصالح العباد،
ومصلحة العباد في الأشق والأثقل؛ لأنها أكثر أجرأ كما ورد عن
النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ثوابك على قدر نصبك "،
وفي رواية: " إن لك من الأجر على قدر نصبك ونفقتك ".
المذهب الثاني: أنه يرجح الدليل الأخف على الأشد.
وهو مذهب تاج الدين الأرموي، وتلميذه البيضاوي.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن مبنى الشريعة على التخفيف؛ لقوله تعالى:
(الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا) .
جوابه:
لا نسلم ذلك، بل إن الشريعة مبنية على ما يقتضيه مصلحة
العباد، ودفع المفسدة عنهم، وهذا يكون في الأشد والأغلظ والأخف
والأيسر، ثم إن الآية نزلت في حالة خاصة - وهي التخفيف في
القتال - فلا يستدل بها على إثبات قاعدة عامة.
الدليل الثاني: أن التغليظ فيه ضرر، والضرر مزال عنا؛ لقوله
- صلى الله عليه وسلم -: " لا ضرر ولا ضرار في الإسلام ".
جوابه:
لا نسلم أن التغليظ فيه ضرر، بل إن التغليظ إذا ورد فيه دليل
صحيح، فإن فيه مصلحة كما بينا فيما سبق.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي له ثمرة كما هو واضح.
(5/2458)

الطريق الثامن: ترجيح الخبر المحرم على الخبر - المفيد للكراهة.
إذا تعارض دليلان: أحدهما يفيد حرمة شيء، والآخر يفيد
كراهته: فإنه يرجح الأول - وهو المفيد التحريم -؛ لأن مفسدة
الحرمة أشد من مفسدة الكراهة، فلذلك يرجح ما يفيد الحرمة احتياطا.
***
المسألة الخامسة: طرق الترجيح التي ترجع إلى أمر خارجي:
الطريق الأول: الترجيح بموافقة القرآن.
إذا تعارض خبران، وأحدهما قد وافقته آية من الكتاب، دون
الأخر: فإتا نرجح الأول - وهو الموافق للآية -؛ لأن الآية قد
أفادت زيادة قوة في الظن في الخبر.
الطريق الثاني: الترجيح بموافقة السُّنَّة.
إذا تعارض خبران، وأحدهما يوافقه حديث آخر، دون الخبر
الآخر، فإنه يرجح الأؤل - وهو الموافق لحديث آخر -؛ لأن
الحديث الآخر قد أفاد زيادة قوة في الظن في الخبر الموافق له.
الطريق الثالث: الترجيح بموافقة القياس.
إذا اتفق خبران في كل شيء، إلا أن أحدهما قد وافقه قياس،
دون الآخر، فإنه يرجح الأول - وهو الموافق للقياس -؛ لما قلناه؛
لأن القياس قد أفاد زيادة قوة في الظن في الخبر الموافق له.
الطريق الرابع: الترجيح بالعمل به.
إذا تعارض خبران في كل الوجوه، إلا أن أحدهما قد عمل
الصحابة أو التابعون، أو أهل العلم بمقتضاه، والآخر لم يعمل به
هؤلاء، فإنه يرجح الأول - وهو الخبر المعمول به؛ لأمرين:
(5/2459)

أولهما: أن عملهم به يدل على أنه كان آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ثانيهما: احتمال أن عملهم به لقوته، وعدم عملهم بالآخر
لضعفه.
الطريق الخامس: الترجيح بتأخر الوقت.
إذا تعارض خبران، وأحدهما قد اقترنت به قرائن تدل على تأخر
وقته، ولم يقترن بالآخر ما يدل على ذلك: فإنه يرجح الأول -
وهو: ما دلت قرائن على أنه متأخر -؛ لأن المتأخر يكون هو آخر
الأمرين من النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيجب العمل به فيكون ناسخا للأول
والقرائن هى:
أولاً: كون إحدى الروايتين مؤرخة بتأريخ مضيق، بخلاف
الآخر، فتكون الرواية غير المؤرخة هي الراجحة، لاحتمال تأخرها
في الغالب.
ثانياً: كون إحدى الروايتين ذكر فيها مكة، والأخرى ذكر فيها
المدينة، فإن ما ذكر فيها المدينة مرجح على الأخرى، نظراً لتأخرها.
ثالثاً: أن يعلم أن أغلب رواية أحدهما بعد رواية الآخر غالبا،
فيرجح المتأخر.
الطريق السادس: الترجيح باشتمال الخبر على زيادة.
إذا تعارض خبران، وأحدهما فيه زيادة لا توجد في الآخر: فإنه
يرجح الخبر الذي اشتمل على الزيادة؛ لأمور:
أولها: أن الراوي الذي في خبره الزيادة عنده زيادة علم لا توجد
عند غيره.
ثانيها: أن دلالة الحديث الذي فيه زيادة دلالة ناطق، ودلالة
الحديث الآخر دلالة ساكت، ودلالة الناطق مقدمة.
(5/2460)

المطلب الثاني في طرق الترجيح بين معقولين
ويشتمل على المسائل التالية:
المسألة الأولى: طرق الترجيح بين الأقيسة التي ترجع إلى الأصل.
المسألة الثانية: طرق الترجيح بين الأقيسة التي ترجع إلى العِلَّة.
المسألة الثالثة: طرق الترجيح بين الأقيسة التي ترجع إلى الفرع.
المسألة الرابعة: طرق الترجيح بين الأقيسة التي ترجع إلى الأمور
الخارجية.
(5/2461)

المسألة الأولى: طرق الترجيح بين الأقيسة التي ترجع إلى
الأصل:
الطريق الأول: إذا تعارض قياسان، وكان الأصل في أحدهما
حكمه قطعي، وفي الآخر حكمه ظني: فإنه يرجح القياس الذي
حكمه قطعي؛ لأن ما كان حكم أصله ظنيا يتطرق إليه الخلل،
بخلاف ما كان حكمه قطعيا.
الطريق الثاني: إذا تعارض قياسان، وحكم أحدهما قد جرى
على وفق القياس، ومقتضى القواعد الكلية، وحكم القياس الآخر
معدول به عن سنن القياس، فإنه يرجح القياس الأول؛ لكونه أبعد
عن التعبد، وأقرب إلى العقول وموافقة الدليل.
الطريق الثالث: إذا تعارض قياسان وأحدهما يقتضي الإباحة،
والآخر يقتضي التحريم؛ فإنا نرجح القياس المقتضي للتحريم؛
لأمرين:
أولهما: أنه إذا اشتبه المباح بالمحظور غلب جانب الحظر.
ثانيهما: أن الخطأ في نفي هذه الأحكام أسهل من الخطأ في إثباتها.
الطريق الرابع: إذا تعارض قياسان، أحدهما يثبت الحد،
والآخر يسقط الحد، فإنه يرجح القياس المفيد إسقاط الحد، وهو
مذهب كثير من الشافعية، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"ادرأوا الحدود بالشبهات "،
والقياس المعارض أقل درجاته أن يكون فيه شبهه، والشبهه تدرأ الحدود.
الدليل الثاني: أن الحدود ضرر، والضرر منفي في الإسلام،
لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
" لا ضرر ولا ضرار في الإسلام ".
(5/2463)

الطريق الخامس: إذا تعارض قياسان أحدهما ينفي العتق، والآخر
يثبت العتق، فإنه يرجح الثاني - وهو إثبات العتق -؛ لأمرين:
الأول: أن العتق يتشوف إليه الشارع، دون الرق، فيقدم ما
يتشوف إليه الشارع، وما يتفق مع مقاصد الشريعة، وأهداف
الإسلام.
الثاني: أن الأصل زوال قيد ملك اليمين وهو الأصل، فيكون
القياس الموافق لهذا الأصل هو المرجح.
الطريق السادس: إذا تعارض قياسان، واتفق أهل القياس على
تعليل أحدهما، بخلاف الآخر: فإنه يرجح الأول - وهو المتفق
على تعليل حكم أصله -؛ لأن المتفق على تعليله مقدم على المختلف
الطريق السابع: إذا تعارض قياسان، أحدهما قد اتفق على عدم
نسخ حكم أصله، والآخر قد اختلف في نسخ حكم أصله، فإنه
يرجح الأول؛ لأن النسخ يؤدي إلى الخلل في فهم المقصود.
***
المسألة الثانية: طرق الترجيح بين الأقيسة التي ترجع إلى العلة:
الطريق الأول: إذا تعارض قياسان، وكانت علَّة أحدهما قاصرة،
وعلة الآخر متعدية: فإنه ترجح العِلَّة المتعدية؛ لأن العِلَّة المتعدية أتم
فائدة من العلَّة القاصرة، وأكثر منفعة؛ لأنها تفيد تعميم الأحكام،
وهو الأصل.
الطريق الثاني: إذا تعارض قياسان، أحدهما وجدت العِلَّة فيه
بصورة قطعية، والآخر وجدت العلَّة فيه بصورة ظنية، فإنه يرجح
الأول؛ لأن القاطع لا يحتمل غير العلية، بخلاف الظن.
(5/2464)

الطريق الثالث: إذا تعارض قياسان، وكانت علَّة أحدهما منعكسة
- أي: كلما عدم الوصف عدم الحكم -، وعلة الآخر ليست
كذلك: فإنه يرجح الأول؛ لأن عدم الحكم عند عدم الوصف دليل
اختصاص الحكم بالعِلَّة، وأكدت تعلقه به.
الطريق الرابع: إذا تعارض قياس أحدهما جلي - وهو: ما علم
فيه نفي الفارق بين الأصل والفرع -، والآخر خفي - وهو ما لم
يعلم ذلك - فإنه يقدم الجلي؛ نظراً لقوة الجلي.
الطريق الخامس: إذا تعارض قياسان، أحدهما ثبتت عِلَّته عن
طريق النص، والآخر عن طريق الإجماع، فإنه يرجح الثاني؛ لأن
الإجماع لا يحتمل النسخ والتأويل، بخلاف النص.
وكذلك النص يقدم على الإيماء.
الطريق السادس: إذا تعارض قياسان أحدهما ثبتت عِلَّته عن
طريق الإيماء بجميع أنواعه، والآخر ثبتت علَّته عن طريق غيره من
الطرق الاجتهادية كالمناسبة، والدوران، فإَنه يرجح الأول؛ لأن
الإيماء طريق أقوى من غيره، وما كان متفقا عليه أوْلى بالاتباع.
وهكذا في جميع الطرق المثبتة للعلية - مسالك العلَّة - يقدم
الأقوى على الأضعف: فيقدم الناسب على الدوران، والدوران
على ما ثبتت عليته بالسبر والتقسيم، وهكذا.
الطريق السابع؛ إذا تعارض قياسان، أحدهما علَّته عامة توجد
في جميع الأفراد، والآخر علَّته خاصة قد خرج منها بعض الأفراد،
فإنه يرجح الأول؛ لكثرة فوائد عِلَّته.
الطريق الثامن: إذا تعارض قياسان: أحدهما عِلَّته تقتضي
(5/2465)

الاحتياط، والآخر عِلته تقتضي عدم ذلك: فإنه يرجح الأول، وهو
واضح.
الطريق التاسع: إذا تعارض قياسان: أحدهما يشهد لعلته أصلان
- أي: يمكن استنباطها من أصلين - والآخر يشهد له أصل واحد،
فإنه يرجح الأول؛ لأن ما يشهد له اثنان أقوى مما يشهد له واحد.
الطريق العاشر: إذا تعارض قياسان: أحدهما علَّته ناقلة - أى:
مفيدة حكما شرعيا جديداً - والآخر علَّته مبقية على الأصل، فإنه
يرجح الأول - وهو القياس الذي عِلَّته ناقلة -؛ لأمرين:
أولهما: أن الناقلة من قبيل المثبت، والأخرى من قبيل النافي،
فيقدم المثبت على النافي؛ لأن فيها زيادة علم؛ قياسا على الخبرين.
ثانيهما: أن الناقلة تفيد حكما شرعيا، والأخرى لا تفيد شيئاً إلا
ما كان ثابتا قبل ذلك، فما كان مفيداً حكما شرعيا جديدأ أوْلى؛
قياسا على الخبرين المتعارضين.
الطريق الحادي عشر: إذا تعارض قياسان: أحدهما عِلته مفردة،
وعلة الآخر مركبة من أوصاف، فإنه يرجح الأول؛ لأنه كلما كانت
العَلَّة أقل أوصافا كلما كان ذلك أقرب إلى القبول، وأقوى في
الظن، وأقل اجتهاداً.
الطريق الثاني عشر: إذا تعارض قياسان: أحدهما علته وصفا
مشتملاً على الحكمة، والآخر علَّته نفس الحكمة: فإنه يرجح
الأول؛ لإجماع العلماء على صحةَ التعليل بالعلَّة، واختلافهم في
جواز التعليل بالحكمة.
(5/2466)

المسألة الثالثة: طرق الترجيح بين الأقيسة الثي ترجع إلى
الفرع:
الطريق الأول: إذا تعارض قياسان: أحدهما الفرع فيه مقطوع
بوجود العلة فيه، والآخر مظنون بوجود العلة فيه: فيرجح ما كان
الفرع مقطوعاً بوجود العِلَّة فيه؛ لأنه أغلب على الظن، وأبعد عن
احتمال.
الطريق الثاني: إذا تعارض قياسان: أحدهما ورد الفرع فيه متأخر
عن أصله، والآخر متقدم، فيرجح الأول؛ نظراً لسلامته من
الاضطراب، وبعده عن الاختلاف.
الطريق الثالث: إذا تعارض قياسان مشتركان في عِلَّة الحكم أو
جنسه، أو في العلَّة: فإنه يرجح القياس الذي كان الفرع فيه مشاركا
للأصل في عين الحكم وعين العِلَّة، على القياس الذي كان الفرع فيه
مشاركاً للأصل في جنس الحكم، وجنس العِلَّة؛ لأن التعدية باعتبار
الاشتراك في المعنى الأخص أغلب على الظن من الاشتراك في المعنى
الأعم.
***
المسألة الرابعة: طرق الترجيح بين الأقيسة التي ترجع إلى الأمر
الخارجي:
الطريق الأول: إذا تعارض قياسان، أحدهما قد وافقه عمل أهل
المدينة؛ بخلاف الآخر، فإنه يرجح الأول؛ لأن موافقته لعمل أهل
المدينة قوى الظن به، بخلاف الآخر.
(5/2467)

الطريق الثاني: إذا تعارض قياسان: أحدهما قد وافقه ظاهر
الكتاب أو السُّنَّة، بخلاف الآخر: فإنه يرجح الأول؛ لما سبق.
الطريق الثالث: يرجح القياس الذي وافقه عمل الخلفاء الأربعة
على القياس الذي لم يوافقه عملهم.
الطريق الرابع: يرجح القياس الذي وافقه قياس آخر، على
القياس الذي لم يوافقه قياس آخر، وهذا على مذهب جمهور
العلماء؛ لما سبق ذكره.
(5/2468)

المطلب الثالث في طرق الترجيح بين منقول ومعقول
المنقول قسمان:
القسم الأول: منقول خاص.
القسم الثاني: منقول عام.
أط القسم الأول - وهو: المنقول الخاص - فهو نوعان:
النوع الأول: أن يكون دالًّا على حكمه بالمنطوق.
النوع الثاني: أن يكون دالًّا على حكمه بالمفهوم.
فإذا تعارض القياس مع النوع الأول - وهو: المنقول الخاص
الذي دلَّ على حكمه بالمنطوق -: فإنه يرجح المنقول الخاص؛
لأمرين:
أولهما: أنه أصل بالنسبة إلى القياس.
ثانيهما: قلة تطرق الخلل إليه.
وإن تعارض القياس مع النوع الثاني - وهو: المنقول الخاص
الذي دلَّ على حكمه بالمفهوم - فهذا يختلف باختلاف قوة أنواع
المفاهيم، ويختلف بحسب اختلاف المجتهدين وما يقع في نفوسهم
من قوة الدلالة، وضعفها، وهذا لا يمكن ضبطه بقاعدة، لذلك
يكون هذا موكولاً إلى نظر الناظرين في آحاد الصور.
(5/2469)

أما القسم الثاني - وهو: المنقول العام -: إذا عارضه القياس
فقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب: أصحها: أن القياس
يرجح على العام؛ لأنه يلزم من العمل بعموم ألعام إبطال دلالة
القياس مطلقا، ولا يلزم من العمل بالقياس إبطال العام مطلقا، بل
كل ما يلزم منه تخصيصه بالقياس، أو تأويله، ومعروف أن الجمع
بين الدليلين على وجه أوْلى من العمل بأحدهما دمابطال الآخر،
وذلك لأن القياس - المعارض للعام - يتناول المتنازع فيه بخصوصه،
والمنقول يتناوله بعمومه، والخاص أقوى من العام.
ما اعترض به على هذا:
الاعتراض الأول: أن العموم أصل للقياس، والقياس فرع،
والأصل مقدم على الفرع.
جوابه:
أن هذا الاعتراض إنما يلزم لو كان ما قيل بتقديم القياس عليه هو
أصل ذلك القياس المقدم عليه، ولكن الأمر ليس كذلك، حيث إن
القياس المقدم يجوز أن يكون فرعا لغيره.
الاعتراض الثاني: أن تطرق الخلل إلى العموم أقل من تطرقه إلى
القياس، فكيف مع ذلك يقدم القياس الكثير الخلل والاحتمالات
على العام القليل الخلل والاحتمالات.
جوابه:
أن هذا الاعتراض معارض بمثله، فإن العام يحتمل أن يكون غير
ظاهر في العموم، فيكون الخلل فيه أكثر من احتمال الخلل في
القياس.
(5/2470)

وإن كان العام ظاهراً، فإنه يحتمل الخصوص، وهذا الاحتمال
غالب على الشرع، من احتمال الغلط من المجتهد، يؤيد ما قلناه:
قولهم: ما من عام إلا - قد خصص إلا قوله تعالى: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)
أما القياس ولا يوجد فيه ذلك.
هذا آخر المجلد الخامس، وهو آخر ما تيسر لي من الكتابة في هذا
الكتاب الموسوم: " المهذَّب في علم أصول الفقه المقارن - تحرير
لمسائله ودراستها دراسة نظرية تطبيقية " أرجو من اللَّه العلي القدير أن
ينفع به طلاب العلم، وأن يكون ذخيرة صالحة في الآخرة.
وكان الفراغ منه مساء يوم الإثنين الموافق للسابع والعشرين من
شهر رجب من عام ألف وأربعمائة وتسعة عشر من الهجرة النبوية
الشريفة بمدينة الرياض حماها اللَّه.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى اللَّه وسلم وبارك
على أفضل خلقه نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الأستاذ الدكتور عبد الكريم بن علي بن محمد النملة
الأستاذ في قسم أصول الفقه بكلية الشريعة بالرياض
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
(5/2471)

الفهارس العامة
(5/2472)