Advertisement

الواضح في أصول الفقه 001



الكتاب: الوَاضِح في أصُولِ الفِقه
المؤلف: أبو الوفاء، علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي الظفري، (المتوفى: 513ه)
المحقق: الدكتور عَبد الله بن عَبد المُحسن التركي
الناشر: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان
الطبعة: الأولى، 1420 ه - 1999 م
عدد الأجزاء: 5
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الوَاضِح في أصُولِ الفِقه

تأليف
أبي الوَفاء عَلي بن عَقيل بن مُحمَّد بن عَقيل
البَغدادي الحَنبلي (513 ه)

تحقيق
الدكتور عَبد الله بن عَبد المُحسن التركي
وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد

مؤسسة الرسالة
(/)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(مقدمة/2)

الوَاضِح في أصُولِ الفِقه
(مقدمة/3)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

جَميع الحقُوق مَحفوظة للناشِر
الطبعة الأولى
1420 ه - 1999 م

مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع
وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - بنايه المسكن، بيروت - لبنان
تلفاكس: 319039 - 815112
فاكس 603243 ص. ب: 117460

AL- Resalah PUBLISHERS
BEIRUT/LEBNON - Telefax: 815112 - 319039
fax: 603243 - P.O.Box: 117460
Email: Resalah@Cyberia.net.lb
(مقدمة/4)

المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونتوبُ إليه، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلاّ الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102)} [آل عمران: 102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)} [النساء: 1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)} [الأحزاب: 70 - 71].
أما بعد: فإن كتاب "الواضح في أصول الفقه" لأبي الوفاء عليِّ بن عقيل بن محمد البغدادي الحنبلي- رحمه الله تعالى- يُعدُّ بحقٍّ من أمهاتِ كتب الأصول على وجه العموم، وكُتُب أصول الحنابلة على وجه الخصوص، فهو يأتي من حيث القدم في المرتبة الثانية بعد كتاب "العُدَّةِ" لشيخه القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين ابن الفرَّاء، حيث استفاد ابن عقيل مما في كتاب شيخه، وأضاف إليه الكثير من غزير علمه وواسع معرفته.
لقد انتهج ابنُ عقيل الاستقصاء في إيراد الأقوال، وذِكرِ الاراء والاعتراضات الواردة عليها، ومناقشتها، والاستدلال على ما يراه راجحاً بالأدلة الشرعية، والتصدي للردِّ على أقوال الطوائف المنحرفة، كَالخوارج،
(مقدمة/5)

والقدرية، والسالمية، وا لصالحية، والمعتزلة، وغير هم، والتوسع في تفنيد مزاعمهم، مع حرصه على استخدام العبارة السهلة، والأسلوب الواضح الميسر، كما أوضح ذلك في مقدمة كتابه حيث قال: "فإن كثيراً من أصحابنا المتفقهة سألوني تأليف كتابٍ جامعٍ لأصول الفقه، يوازي في الإيضاح والبسط وتسهيل العبارة- التي غمضت في كتب المتقدمين، ودقَّت عن أفهام المبتدئين- كتابيَّ الجامعين للمذهب والخلاف، وأَستوفي فيه الحدود والعقود، ثم أُشير إلى الأقرب منها إلى الصِّحة، وأميز المسائل النظريات بدلائل مُستوفاة، وأسئلةٍ مُستقصاةٍ، ليخرُج بهذا الإيضاح عن طريقة أهل الكلام وذوي الإعجام، إلى الطريقة الفقهية والأساليب الفروعية، فأجبتهم إلى ما سألوا، مُعتمداً على الله سبحانه في انتفاعي على النَّمطِ الذي طلبوا وأمَّلوا، مع بذل وُسْعي في ذلك واستِقْصائي فيه"
لقد أثرى ابن عقيل- رحمه الله تعالى- كتابه الواضح بأمور ميزته عن كتب الأصول الأخرى، حيث جمع في أوله جملةً من أصولِ الفقه، ذكر فيها الكثير من العقود والحدود وتمهيد الأصول، وأتبع ذلك بفصولٍ في الجَدَل- على غير عادة كتب الأصول- ذكر فيها حدود الجَدَل وعقودَه وشروطه وآدابه ولوازمه، وذكر من دقائقِ هذا الفن وفوائده ما لا يوجد فى كتب الجدل المتخصصة، ثم أورد في آخر الكتاب جملة من غرائب المسائل والفصول النادرة، لقطها- كما ذكر- من الكتب والمجالس، وقيَّدها ليُنتفع بها.
لقد عرض- رحمه الله- الآراء على اختلافها بتجرد وحياد، ورجَّحَ ما رآه منها راجحاً دون تعصبٍ وعِنادٍ، ونبَّه على غوامض المسائلِ ودقائقها، ووضَّحها أيما إيضاح، وشرح ما صَعُبَ ممها شرحاً مستفيضاً يُذلِّلُ صَعْبَها
(مقدمة/6)

ويُسَهِّلُ حَزنَها، كما في فصل "الاستدلال بفساد الشيء على صحة غيره" وغيره من الفصول.
إنَّ هذه الميزات العظيمة لهذا الكتاب، والتي يندر اجتماعها لكتاب مثله، دفع المجد ابن تيمية- رحمه الله- أن يقول فيه: " لله دَرُّ الواضح لابن عقيل من كتاب، ما أغزر فوائده، وأكثر فرائده، وأزكى مسائله، وأزيد فضائله، من نقلِ مذهبٍ، وتحرير حقيقةِ مسألةٍ وتحقيق ذلك " (1)
وقال عنه ابن بدران الدمشقي رحمه الله: "الواضح لابن عقيل، هو كتابٌ كبير في ثلاث مجلدات، أبان فيه عن علمٍ كالبحر الزاخر، وفضلٍ يُفحم من في فضله يُكابر، وهو أعظم كتابٍ في هذا الفن، حذا فيه حذو المجتهدين " (2) ..
صلتي بالواضح لابن عقيل:
لقد صَوَّرت الجزء الأول والثاني من الكتاب من دار الكتب الظاهرية بدمشق منذ ثلاثين عاماً، واعتمدتُهما مصدراً من مصادر البحث الذي قدَّمتُه لدرجة الدكتوراه: "أصول مذهب الإمام أحمد"، ونقلت منهما فى مواضع كثيرة، وقد بيَّنتُ ذلك في مقدمةِ الطبعة الأولى من "أصول مذهب الإمام أحمد"، كما أشرتُ إلى أهمية "الواضح " وقيمته العلمية بين كتب أصول الحنابلة، ودعوتُ طُلاّب العلم إلى الاهتمام بكتب الأصول المخطوطةِ للحنابلة، ومنها "الواضح"، وكنتُ حريصاً على أن يُنشر الكتاب.
وبعد أن عثرتُ على الجزء الثالث من مكتبة برنستون بأمريكا،
__________
(1) "المسودة": 65 - 66.
(2) "المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل ": 462.
(مقدمة/7)

تجددت الرغبةُ في نشر الكتاب، وبدأتُ العمل فيه، وأخَّرَ صدوره كثرةُ المشاغل، وعدمُ التَّفرُّغ لذلك، ثم تَبيَّنَ لي أن دراسة الكتاب وتحقيق جزءٍ منه موضوع رسائل دكتوراه لأصحاب الفضيلة المشايخ: الدكتور موسى بن محمد القرني، والدكتور عطاء الله فيض الله، والدكتور عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس، في جامعة أم القرى، فسررتُ لذلك، وحمدتُ الله أن اتجه إلى الكتاب من لديه القدرة تحت إشراف علمي متخصص لخدمته، وقد كنت أحد المناقشين لصاحب الفضيلة الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس في القسم الذي تولى تحقيقه، واطلعتُ على عمل الأخوين الآخرين.
وقد، بذل الإخوة جميعاً جهداً موفقاً في الكتاب، وكان حرياً بهم أن ينشروه جميعاً، أو ما كان منه محل دراستهم، أو يقوم كل منهم بنشر الجزء الذي تولى تحقيقه. ومرت السنون دون أن يصدر هذا الكتاب، مما دفعني إلى تجديد العزم، والاستعانة بالله تعالى في إكمالِ تحقيقه ونشره متعاوناً مع مؤسسة الرسالة، وإن لم يبلغ الصفة التي كنت أود أن يخرج عليها، إذ فيه العديد من الموضوعات تستدعي استكمالاً أو تعليقاً وبياناً، ولعل الله يوفق الإخوة الذين درسوا الكتاب أن يخرجوه مستكملاً لجوانب التحقيق، فهم أولى وأمكن من غيرهم، أو يهىء الله له من يخدمه من العلماء المتخصصين المتفرغين.
وقد وصلتني- والكتاب تحت الطبع- نسخة مطبوعة من الجزء الأول من الكتاب أصدرها الدكتور جورج مقدسي، وكان الدكتور فؤاد سزكين قد أطلعني على مسودتها منذ سنوات عديدة، وهي على طريقة المستشرقين التي لا تضيف جديداً على طبع النَصّ كما هو.
ومما أعان على تحقيق الكتاب ونشره وتوزيعه على طلاب العلم، ما
(مقدمة/8)

تفضل به أحد المحسنين وأهل الخير في المملكة العربية السعودية من تحمل تكاليفه، ابتغاء مرضاة الله ومثوبته، فجزاه الله أحسن الجزاء، وأكرمه في دار كرامته.
وليس ذلك بغريب على أهل الخير والإحسان في المملكة العربية السعودية إذ يشاركون في تيسير كتب العلوم الشرعية، ويعينون طلاب العلم إسهاماً منهم في عمل الخير، وشكراً لله على ما أنعم به عليهم.
نسأل الله تعالى أن ينفع بهذا الكتاب، ويجعله خالصً لوِجهه الكريم.
ويجزي كل من أسهم في إخراجه ونشره.
والحمَد الله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وأصحابه.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله واصحابه.
عبد الله بن عبد المحسن التركي
وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد
(مقدمة/9)

ترجمة المؤلف
هو أبو الوفاء عليُّ بن عقيل بن محمد بن عقيل بن أحمد الظفري، البغدادى (1).
وذكر ابن أبي يعلى أنه: علي بن محمد بن عقيل (2).
ووضع بعض من ترجم له "محمداً" بدل "أحمد" وزادوا في نسبه: "عبد الله" فقالوا: علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن محمد بن عبد الله (3) وذكر الذهبي في "السير" أن اسمه: على بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبد الله (4)
والظفري- بفتح الظاء والفاء- نسبة إلى الظفرية، وهي محلة كبيرة شرقي بغداد (5).
وُلد ابن عقيل- رحمه الله- في بغداد دار السلام في جمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثين وثلاثين وأربع مئة (6)
وقيل: سنة اثنتين وثلاثين وأربع مئه (7).
__________
(1) المتتظم 9/ 212، البداية والنهاية 12/ 184، ذيل طبقات الحنابلة 1/ 142، المنهج الأحمد 2/ 252.
(2) طبقات الحنابلة 2/ 259.
(3) الوافي بالوفيات 21/ 326، ولسان الميزان 4/ 243.
(4) سير أعلام النبلاء19/ 443.
(5) الأنساب 4/ 102.
(6) المنتظم 9/ 212، البداية والنهاية 12/ 184، شذرات الذهب 4/ 35.
(7) طبقات الحنابلة 2/ 259.
(مقدمة/10)

وقيل: سنة ثلاثين وأربع مئة (1).
أسْرتُه:
يقول ابن عقيل عن أسرته: "فأما أهل بيتي: فإن بيت أبي كلهم أرباب أقلام وكتابة، وشِعرٍ وآداب، وكان جدي محمد بن عقيل كاتب حضرة بهاء الدولة، وهو المنشىء لرسالة عَزْل الطائع وتولية القادر، ووالدي أنظر الناس وأحسنهم جدلاً وعلماً، وبيت أمي بيت الزهري، صاحب الكلام والمدرس على مذهب أبي حنيفة" (2).
ولابن عقيل ولدان ماتا في حياته:
أحدهما: أبو الحسن عقيل، وكان في غاية الحُسن، فَهِماً، تفقه على أبيه، وناظر في الأصول والفروع، وكان فقيهاً، فاضلاً، يقول الشِّعر، وقد توفي في حياة أبيه سنة عشر وخمس مئه (3)، وتجلَّد والدُه عند وفاته، وظهر من صبره ورضاه بقضاء الله سبحانه الشيء العُجاب.
يقول ابن عقيل في ذلك: "مات ولدي عقيل وكان قد تفقه وناظر، وجمع أدباً حسناً، فتعزَّبتُ بقصة عمرو بن عبد وُدٍّ الذي قتله عليٌّ رضي الله عنه، فقالت أمه ترثيه:
لو كان قاتل عمرو غير قاتله ... ما زلتُ أبكي عليه دائم الأبد
لكنَّ قاتِلهُ من لا يُقادُ به ... من كان يُدعى أبوه بيضة البلدِ
فأسْلاها وعزاها جلالة القاتل، وفخرها بأن ابنها مقتوله، فنظرت إلى
__________
(1) مناقب الإمام احمد: 635.
(2) المنتظم 9/ 213، ذيل طبقات الحنابلة 1/ 143، المنهج الأحمد 2/ 253.
(3) ذيل طبقات الحنابلة 1/ 163 - 164.
(مقدمة/11)

قاتل ولدي الحكيم المالك، فهان عليَّ القَتْلُ والمقتولُ لجلالة القاتل " (1).
ولم يقتصر الأمر على تَصَبُّرِهِ بل كان ينهى عن إظهار الجزع أو تهييج الأحزان، يقول رحمه الله: "لما أُصبتُ بولدي عقيلٍ خرجتُ إلى المسجد إكراماً لمن قصدني من الناس والصُّدور، فجعل قارىء يقرأ: {قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا} [يوسف: 78] فبكى الناس، وضجَّ الموضعُ بالبُكاء، فقلت له: يا هذا، إن كان قصدُك بهذا تهييج الأحزان فهو نياحةٌ بالقرآن، وما نزل القرآن للنَّوح، وإنَّما نزل ليُسَكَنَ الأحزان، فأمْسِكْ " (2).
فتأمل ورعه ودينه رحمه الله، لم يمنعه حزنه على ولده من بيان الحقِّ، وإرشادِ الخلق.
الثاني: أبو منصور هِبةُ الله، حفظ القرآن، وتفقَّه، وظهر منه أشياء تدلُّ على عقلٍ ودينٍ، ثم مرض وطال مرضُه، وأنفق عليه أبوه مالاً كثيراً في مرضه، وبالغ في ذلك.
يحكي ابن عقيل عن مرض ابنه ووفاته فيقول: "قال لي ابني لمّا تقارب أجله: ياسيدي قد أنفقت، وبالغت في الأدوية والطبّ والأدعية، ولله تعالى فيَّ اختيار، فدعني مع اختياره. قال: فوالله ما أنطق الله سبحانه وتعالى ولدي بهذه المقالة التي تُشاكلُ قول ابن إبراهيم لإبراهيم: {افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} إلا وقد اختاره الله تعالى للحظوة" (3). وتألَّم- رحمه الله- لوفاة ابنه الثاني، إلا أنه تصبر وسلم لأمر الله، واستسلم لقضائه، وكان
__________
(1) نفس المصدر 1/ 164.
(2) المنتظم 9/ 188.
(3) ذيل طبقات الحنابلة 1/ 165.
(مقدمة/12)

يقول: "لولا أن القلوب توقِنُ باجتماعٍ ثانٍ لتفطرت المرائر لفراقِ المحبِّين " (1).

نشأته وطلبه للعلم:
لقد عانى ابن عقيل- رحمه الله- في نشأته من وطأة الفقر، وقلة ذات اليد، ومرارة العِوَزِ والحاجة، حتى إنه كان ينسخ بالأجرة، يقول عن نفسه: "وعانيتُ من الفقر والنسخ بالأجرة" (2).
كان ذلك إلى أن هيأ الله له الشيخ أبا منصور عبد الملك بن يوسف (3)، فتكفل برزقه، وكفاه مؤونة البحث عن الرِّزق، ليتفرغ لطلب العلم.
فتفرغ ابن عقيل إثر ذلك لطلب العلم، وشرع في تحصيله والتَزوُّد منه، ومما هيأ له الجو لينهل من معين العلم، كونه نشأ في بغداد التي كانت آنذاك تعج بالعلماء والفقهاء على اختلاف مذاهبهم وتنوُّع مشاربهم.
وساعده هذا على النهل من كافة العلوم، والاستفادة من شتى المعارف، مما كوَّن لديه حصيلة طيبة مُتميِّزة.
وكان لما حباهُ الله به من ذهنٍ وقادٍ، وذكاءٍ مُفْرِطٍ، وهمةٍ عاليةٍ أثرٌ كبيرٌ في تحصيل العلوم، يقول عنه ابن رجب: "وكان ابن عقيل رحمه الله من أفاضل العلماء، وأذكياء بني آدم، مُفرط الذكاء، مُتَّسع الدائرة في العلوم " (4).
__________
(1) نفس المصدر، والمنهج الأحمد 2/ 270.
(2) المنتظم 9/ 213، ذيل طبقات الحنابلة 1/ 143.
(3) توفي سنة 460 ه، ترجمته في المنتظم 8/ 250، وسير أعلام النبلاء 18/ 333.
(4) ذيل طبقات الحنابلة 1/ 151.
(مقدمة/13)

لقد كانت هذه الهمة، مع تلك الرغبة في ارتشاف العلم، مع حفظ الله تعالى له، حائلاً بينه وبين الالتفات إلى ما عدا ذلك من نعيم الدنيا الزائل وملاهي الحياة ومفاتنها، يقول رحمه الله: " وعصمني الله من عُنْفوان الشبيبة بأنواع من العصمة، وقصر محبتي على العلم وأهله، فما خالطتُ لعَّاباً قط، ولا عاشرتُ إلا أمثالي من طلبة العلم " (1).
وكان رحمه الله يرى أن طلب العلم أفضلُ ما يتقرَّبُ به العبد إلى ربِّه، بعد أداء الفرائض، يقول في مقدمة كتابه "الفنون" (2): "أما بعد، فإن خير ما قُطع به الوقتُ، وشُغلت به النَّفسُ، فتُقُرِّب به إلى الرَّبِّ جلَّت عظمتُه، طلبُ علمٍ أخرج من ظُلمة الجهل إلى نور الشرع، واطلع به على عاقبةٍ محمودةٍ، يُعملُ لها، وغائلةٍ مذمومةٍ، يُتجنَّبُ ما يوصلُ إليها".
ويقول- رحمه الله-: " إني لا يحلُّ لي أن أُضَيعِّ ساعة من عمري حتى إذا تعطل لساني عن مُذاكرةٍ ومناظرةٍ، وبصري عن مطالعةٍ اُعمِلُ فكري في حال راحتي وأنا مستطرح، فلا أنهضُ إلا وقد خطر لي ما أُسطرُهُ" (3).
وهذا من تقديره- رحمه الله- لقيمة الوقت، وحرصه على عدم إهداره أو إضاعته.

شُيوخُه:
لقد ساعد جوُّ بغداد العلمي ابن عقيل على التحصيل والإفادة من
__________
(1) المنتظم 9/ 213، ذيل طبقات الحنابلة 1/ 143.
(2) 1/ 7.
(3) المنتظم 9/ 214.
(مقدمة/14)

علماء عصره، وساعده على ذلك ذكاؤه المفرط، وحُبُّه للعلم، فأخذ يتنقل بين مشايخ بغداد وعلمائها على كثرتهم، فتنوعت علومه، وتعددت معارفه، وكان هذا سبباً في كثرة مشايخه.
وكان أبو يعلى الفراء أول من أخذ ابن عقيل الفقه عنه، فقد ذكر أنه تفقَّه عليه فى حداثة سِنِّهِ، وبقي ملازماً له، غير مُخِلٍّ بمجالسه، حتى وفاته سنة ثمان وخمسين واربع مئة (1).
وذكر ابن عقيل أن أول من لقَّنه القرآن، هو الشيخ أبو إسحاق إبراهيم ابق الحسين الخزاز، حيث قال: " كان الشيخ أبو إسحاق الخزاز شيخاً صالحاً بباب المراتب، وهو أول من لقنني كتاب الله بدرب الديوان بالرصافة " (2).
ويقول ابن عقيل- رحمه الله- عن شيوخه: "شيخي في القراءة ابن شيطا، وفي الأدب والنحو: أبو القاسم بن برهان، وفي الزُّهد: أبو بكر الدّينوري، وأبومنصور ابن زيدان أحلى من رأيت، وأعذبهم كلاماً في الزُّهْد وابن الشيرازي، ومن النساء: الحرانية، وبنتُ الجنيد، وبنت الغَرَّاد المنقطعة إلى قعر بيتها، لم تصعد سطحاً قط، ولها كلامٌ في الورع، وسيدُ زُهّاد عصره وعينُ الوقت: أبو الوفاء القزويني، ومن مشايخي في آداب التصوف: أبو منصور ابن صاحب الزيادة العطار، ومن مشايخي في الحديث: التَّوَّزي، وأبو بكر بن بشران، والعشاري، والجوهري وغيرهم، ومن مشايخي في الشعر والترسُّل: ابن شبل، وابن الفضل، وفي الفرائض: أبو الفضل الهمذاني، وفي الوعظ: أبو طاهر ابن العلاف صاحب ابن سمعون، وفي الأصول: ابن الوليد، وأبو القاسم ابن التَّبان
__________
(1) ذيل طبقات الحنابلة 1/ 142 - 143.
(2) المنتظم 9/ 98.
(مقدمة/15)

وفي الفقه: أبو يعلى ابن الفراء، وأبو إسحاق الشيرازي، وأبو نصر ابن الصباغ، وأبو عبد الله الدامغاني، وأبو الفضل الهمذاني، وأبو بكر الخطيب، وأبو منصور بن يوسف وغيرهم" (1).
وثمة عددٌ كبير من المشايخ الذين تلقى عنهم ابن عقيل لم يرد ذكرهم هنا، وكثرتهم إن دلَّت، فإنما تدل على شغف ابن عقيل بتحصيل أنواع العلوم، وحرصه على ألا يفوته أي نوع منها.
وفيما يلي أهم مشايخ ابن عقيل الذين أخذ عنهم وأفاد منهم:
1 - ابنُ شيطا: أبو الفتح عبد الواحد بن الحسين بن أحمد بن عثمان ابن شيطا البغدادي، كان من كبار أئمة القُراء، ولد ببغداد سنة سبعين وثلاث مئة، وتوفي بها سنة خمسين واربع مئه" (2).
2 - ابنُ بَرهان: عبد الواحد بن علي بن عمر بن إسحاق بن إبراهيم ابن بَرهان العكبري، كان من علماء العربية، عالماً بالنحو والتاريخ وأيام العرب، أخذ عنه ابن عقيل الأدب والنحو، مات سنة ستٍ وخمسين واربع مئة (3).
3 - أبو بكر الدينوري: ذكر ابن عقيل أنه أخذ عنه الزهد (4).
4 - أبو منصور ابن زيدان، وقيل: أبو بكر. ذكر ابن عقيل أنه أخذ عنه الزهد (5)
__________
(1) المنتظم 9/ 212 - 213
(2) تاريخ بغداد 11/ 16، والمنتظم 8/ 199، ومعرفة القُرّاء الكبار 1/ 333.
(3) تاريخ بغداد 11/ 17، والمتتظم 8/ 337، والبداية والنهاية 12/ 92.
(4) المنتظم 9/ 212.
(5) المنتظم 9/ 212، ذيل طبقات الحنابلة 1/ 143.
(مقدمة/16)

5 - أبو الوفاء القزويني (1): وقيل: أبو الحسين القزويني (2)، وقيل: أبو الحسن، هو علي بن عمر بن محمد بن الحسن الحربي، كان شيخاً لابن عقيل في الزهد، قال ابن عقيل: "شهدتُ جنازته، وكان يوماً لم يُر في الاسلام بعد جنازة أحمد ابن حنبل مثله" (3).
6 - أبو منصور ابن صاحب الزيادة العطار: هو محمد بن أحمد
ابن عبيد، المعروف بابن صاحب الزيادة. توفي سنة ثمانٍ وستين وأربع مئة (4).
7 - التَّوَّزي: هو أحمد بن علي بن الحسين بن محمد بن موسى، أبو الحسين، المعروف بابن التَّوزي، كان شيخ ابن عقيل في الحديث، توفي سنة اثنتين وأربعين وأربع مئة (5)
8 - ابنُ بِشْران: محمد بن عبد الملك بن محمد بن عبد الله بن بشران البغدادي، راوي السنن عن الدارقطني. أخذ عنه ابن عقيل الحديث، وكان ثقة، توفي سنة ثمان وأربعين وأربع مئه" (6).
9 - العُشاري: محمد بن علي بن الفتح بن محمد الحربي البغدادي، كان ثقة دَيِّناً، مكثراً من الحديث، أخذ عنه الحديث ابن عقيل وغيره، توفي سنة إحدى وخمسين وأربع مئه" (7).
__________
(1) المنتظم 9/ 212.
(2) ذيل طباتات الحنابلة 1/ 143.
(3) تاريخ بغداد 12/ 43.
(4) المنتظم 8/ 299.
(5) تاريخ بغداد 4/ 324، والمتتظم 9/ 212.
(6) تاريخ بغداد 2/ 248، والمححظم 9/ 212.
(7) تاريخ بغداد 3/ 107، وطبقات الحنابلة 2/ 191.
(مقدمة/17)

10 - الجوهري: الحسنُ بن علي بن محمد بن الحسن الجوهري البغدادي، كان ثقة، صالحاً، توفي سنة اثنتين- وقيل: أربع- وخمسين وأربع مئة (1).
11 - ابن شبل: محمد بن الحسين بن عبد الله بن أحمد بن يوسف الشِّبلي، أحد الشعراء المشهورين، كان شيخاً لابن عقيل فى الشعر، توفي سنة ثلاث وسبعين وأربع مئة" (2).
12 - ابن الفضل: علي بن الحسين بن علي بن الفض، أبو منصور الشاعر، المعروف بِصُرَّ دُرّ. كان ممن أخذ ابن عقيل الشِّعر عنهم، توفي سنة خمسٍ وستين وأربع مئة (3).
13 - أبو الفضل الهمذاني: عبد الملك بن إبراهيم بن أحمد الهمذانيُّ الفرضي، كان من أئمة الدين وأوعية العلم، وله اليد الطولى في العلوم الشرعية، وانتهت إليه الرئاسة في علم الفرائض والحساب، توفي سنة تسعٍ وثمانين وأربع مئة" (4).
14 - ابن العلاف: محمد بن علي بن محمد بن يوسف أبو طاهر، البغدادي، كانت له حلقة في جامع المهدي، ثم من بعده في جامع المنصور، توفي سنة اثنتين وأربعين وأربع مئة" (5).
15 - أبو يعلى ابن الفراء: محمد بن الحسين بن خلف بن أحمد ابن الفراء، البغدادي، القاضي، شيخ الحنابلة في وقته.
__________
(1) تاريخ بغداد 7/ 393، وشذرات الذهب 3/ 292.
(2) المنتظم 8/ 328، وذيل طبقات الحنابلة 1/ 142.
(3) المنتظم 8/ 281، ووفيات الأعيان 3/ 385.
(4) المنتظم 9/ 100، والبداية والنهاية 12/ 153.
(5) تاريخ بغداد 3/ 103، والمنتظم 8/ 148.
(مقدمة/18)

كان فريد عصره، ووحيد دهره، ونسيج وحده، وهو أول من أخذ ابنُ عقيل الفقه عنه، توفي سنة ثمانٍ وخمسين وأربع مئة (1).
16 - أبو إسحاق الشيرازي: إبراهيم بن علي بن يوسف بن عبد الله الفيروزآبادي، الشافعي، كان مُقدَّماً في الأصول والفقه والجدل، توفي سنة ست وسبعين وأربع مئة (2).
17 - ابن الصباغ: عبدُ السَّيِّدِ بنُ محمد بن عبد الواحد بن محمد بن أحمد بن: جعفر، أبو نصر، الشافعي، كان مقدماً ورعاً، تقياً، انتهت إليه رئاسة الشافعيه في وقته، توفي سنة سبعٍ وسبعين وأربع مئة (3).
18 - الدَّامغانيُّ: محمد بن علي بن محمد بن الحسين، أبو عبد الله الدامغاني، الحنفي، القاضي. كان عفيفاً، وافر العقل، كامل الفضل، مكرماً لأهل العلم أخذ عنه ابن عقيل الفقه. توفي سنة ثمانٍ وسبعين وأربع مئة (4).
19 - أبو بكر الخطيب: أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد الخطيب، البغدادي، الحافظ، المحدِّث، المؤرخ، صاحب التصانيف الكثيرة. أخذ عنه ابن عقيل الحديث، توفي سنة ثلاثٍ وستين وأربع مئة (5).
20 - أبو إسحاق الخزاز: إبراهيم بن الحسين الخزاز، المقرىء، الزاهد، اللصالح، شيخ القراء فى وقته، توفي ببغداد سنة تسع وثمانين وأربع مئة (6).
__________
(1) تاريخ بغداد 2/ 256، والمنتظم 8/ 253.
(2) المنتطم 9/ 7، والبداية والنهاية 12/ 124.
(3) المنتظم 9/ 12، ووفيات الأعيان 3/ 217، والبداية والنهاية 12/ 126.
(4) تاريخ بغداد 3/ 109، والمنتظم 9/ 22.
(5) المنتظم 8/ 265، والبداية والنهاية 12/ 101.
(6) المنتظم 9/ 89، والمنهج الأحمد 2/ 203.
(مقدمة/19)

تلاميذُه:
أخذ العلم عن ابن عقيل عدد غير قليل من الفضلاء، منهم:
1 - ابن ناصر: محمد بن ناصر بن محمد بن علي البغدادي، كان حافظاً ضابطاً، ثقةً، خبيراً بالجرح والتعديل، توفي سنة خمسين وخمس مئة (1).
2 - المغازلي: عمر بن ظفر بن حفص المغازلي البغدادي، كان مقرئاً محدِّثاً، توفي سنة اثنتين وأربعين وخمس مئة (2).
3 - أبو المعمَّر الأنصاري: المبارك بن أحمد بن عبد العزيز الخزرجي الأنصاري، كان ذا فهم وعلم بالحديث، توفي سنة تسع وأربعين وخمس مئة (3).
4 - أبو سعد السمعاني: عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني، العالم، الحافظ، البارع، صاحب التصانيف، أحد من أجاز لهم ابن عقيل، توفي سنة ثلاث وستين وخمس مئة (4).
5 - عبد الحق اليوسفي: عبد الحق بن عبد الخالق بن أحمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف اليوسفي، كان شيخاً، صالحاً، متعففاً، وهو أحد شيوخ ابن الجوزي، توفي سنة خمس وسبعين وخمس مئة (5).
__________
(1) المنتظم 10/ 162، وذيل طبقات الحنابلة 1/ 225.
(2) معرفة القراء الكبار 2/ 407، وشذرات الذهب 4/ 131.
(3) المنتظم 10/ 160، وشذرات الذهب 4/ 315.
(4) المنتظم 10/ 224، وشذرات الذهب 4/ 205.
(5) شذرات الذهب 4/ 251.
(مقدمة/20)

مكانته العلمية:
برع ابن عقيل- رحمه الله- في علوم كثيرة، وبزَّ أقرانه في فنون مختلفة، وزاحم علماء عصره، وتقدم على فضلاء دهره، فحاز المكانة العالية، وبلغ المرتبة السامية، التي أهلته أن يكون مرجعاً في كثير من العلوم.
وقد كان- رحمه الله- بارعاً في الفقه وأصوله، وله في ذلك استنباطاتٌ حسنةٌ، وتحريراتٌ كثيرةٌ مستحسنة، وكانت له يد طولى في الوعظ والمعارف، وكلامه في ذلك حسنٌ، وأكثره مستنبطٌ من النصوص الشرعية، فيستنبط من أحكام الشرع وفضائله معارف جليلة، وإرشادات دقيقة (1).
ونال ابن عقيل مكانة عالية عند كثير من علماء عصره على اختلاف مذاهبهم، إذ لم يكن- رحمه الله- مُقلِّداً، ولا مُتعصباً لرأي، بل كثيراً ما كان يخالف آراء المتقدمين عن دليلٍ ونظرٍ. فمع أنه تفقه على مذهب الإمام أحمد- رحمه الله- وألف فيه، فأضحت تصانيفه معتمدة في بيانه وتقريره إلا أنه نحا منحى الاجتهاد، فانفرد بمسائل كثيرة خالف فيها المذهب، لدليل ظهر له.
يقول عنه ابن رجب: "وكان مع ذلك يتكلم كثيراً بلسانِ الاجتهاد والترجيح، واتِّباع الدَّليل الذي يظهرُ له، ويقول: الواجبُ اتِّباعُ الدَّليل، لا اتِّباع أحمد" (2).
وقال عنه أيضاً: "وله مسائل كثيرةٌ ينفردُ بها، ويُخالف فيها المذهب" (2).
__________
(1) ذيل طبقات الحنابلة 1/ 152.
(2) ذيل طبقات الحنابلة 157/ 1.
(مقدمة/21)

وقد أثنى عليه جماعةٌ من أفاضل العلماء؛ قال ابن الجوزي: "انتهت إليه الرئاسة في الأصول والفروع، وله الخاطِرُ العاطِرُ، والفهمُ الثاقِبُ، واللَّباقَةُ، والفطنةُ البغدادية، والتبريز في المناظرة على الأقران، والتصانيفُ الكِبار" (1).
وقال الحافظ الذهبي عنه: "الإمامُ العلامة، البحر، شيخ الحنابلة، المتكلم، صاحب التصانيف. كان يتوقد ذكاءً، وكان بحر معارفٍ، وكنز فضائلٍ، لما يكن له في زمانه نظير" (2).
وقال ابنُ السمعاني: "كان إماماً، فقيهاً، مُبرِّزاً، مناظِراً، مُجوداً، كثير المحفوظ، مليح المحاورة، حسن العشرة، مأمون الصحبة" (3).
وقال عنه أبو طاهر السلفي: "ما رأت عيناي مثل الشيخ أبي الوفاء ابن عقيل، وما كان أحدٌ يقدر أن يتكلم معه لغزارة علمه، وحُسنِ إيراده، وبلاغة كلامه وقوة حجته" (4).
ووصفه الصَّفديُّ: بأنه من أعيان الحنابلة، وكبار شيوخهم، وكان مُبرِّزاً، مناظراً، حادَّ الخاطر، بعيد الغور، جيد الفكرة، بحاثاً عن الغوامض، مقاوماً للخصوم، وصنف كتباً في الأصول والفروع والخلاف (5).
وقال ابن رجب:"كان من أفاضل العالم، وأذكياء بني اَدم، مُفْرط الذكاء في العلوم، وكان خبيراً بالكلام، مُطلعاً على
__________
(1) مناقب الإمام أحمد: 634.
(2) سير أعلام النبلاء19/ 443 - 445.
(3) لسان الميزان 4/ 244.
(4) ذيل طبقات الحنابلة 1/ 147.
(5) الوافي بالوفيات 21/ 326.
(مقدمة/22)

مذا هب المتكلِّمين " (1).

مُصَنفاتُه:
نظراً لثقافة ابن عقيل الواسعة، فقد تعددت مُصنَّفاتُه، وتنوعت مؤلفاته، ومن أهمها:
1 - "الفُنون": وهو كتاب كبير جداً، تراوحت تقديرات المؤرخين لعدد مجلداته ما بين مئتين وثمان مئة مجلدة، ويشتمل هذا الكتاب على فوائد كثيرة، وتقريرات مفيدة، يقول عنه ابنُ رجب: "هو كتاب كبيرٌ جداً، فيه فوائد جليلة في الوعظ، والتفسير، والفقه، والأصلين، والنحو، واللغة، والشعر، والتاريخ، والحكايات، وفيه مناظراتُه، ومجالسُه التي وقعت له، وخواطرُهُ، ونتائجُ فكره، قيَّدها فيه" (2).
ولم يُعْرَف منه إلاّ قطعةٌ حقَّقها وعلق عليها الدكتور جورج مقدسي، وقام بنشرها في جزءين، طبعتها المطبعة الكاثوليكية في بيروت سنة 1970 م.
2 - "الفصول" في الفقه الحنبلي، ذكر أَبن رجب أنه عشرُ مُجلدات (3)، وقال غيره: سبع مُجلدات (4).
ويُسمى "الفصول " أيضاً: "كفايةُ المُفتي"، وهو من الكتب المهمة في فقه الحنابلة. وُجِد منه قطعتان مخطوطتان، أحدهما بدار الكتب المصرية تحت رقم (13 فقه حنبلي)، والأخرى بالمكتبة الظاهرية بدمشق تحت رقم
__________
(1) ذيل طبقات الحنابلهْ 1/ 155.
(2) المصدر السابق 1/ 155.
(3) المصدر السابق 1/ 156.
(4) المدخل إلى مذهب الإمام أحمد: 29.
(مقدمة/23)

(63) فقه حنبلي.
3 - "التذكرة"، منه نسخة خطية في المكتبة الظاهرية بدمشق، تحت رقم (87) فقه حنبلي.
4 - "الإشارة"، وهو مجلد لطيف اختصر فيه ابن عقيل كتابه الموسوم ب " الروايتين والوجهين" (1).
5 - "المنثور" وهو في الفقه.
6 - "الإرشاد"، وهو في أصول الدين.
7 - "الانتصار لأهل الحديث".
8 - "نفي التشبيه".
9 - "مسألة في الحرف والصوت" (2)، منه نسخة خطية في المكتبة الظاهرية بدمشق، تحت رقم (245) حديث، وهو في إثبات الحرف والصوت في كلام الله تعالى، والرَّدِّ على من أنكر ذلك، وقد نشُر في مجلة الدراسات الشرقية للمعهد الفرنسي بدمشق سنة (971 ام)، بتحقيق جورج مقدسي.
10 - "الجدل على طريقة الفُقهاء"، نُشر في مجلة الدراسات الشرقية للمعهد الفرنسي بدمشق سنة (1967) بتحقيق جورج مقدسي.
11 - "عُمْدة الأدلَّة".
12 - "المفردات".
13 - "المجالس النظريات".
__________
(1) ذيل طبقات الحنابلة 1/ 156.
(2) المصدر السابق 1/ 156.
(مقدمة/24)

14 - "تهذيب النفس" (1) وهو في الآداب والأخلاق.
15 - "رؤوس المسائل" في الفقه (2).
16 - "مسائل مشكلة في آيات من القرآن" (3).
17 - "الكفاية في أصول الدين".
18 - "تفضيل العبادات على نعيم الجنات".
19 - "الواضح في أصول الفقه"، وهو هذا الكتاب.

صلة ابن عقيل ببعض شيوخ المعتزلة:
على الرغم من المكانة السامية التي بلغها ابن عقيل، والمنزلة الرفيعة التي تبوَّأها، فإن بعض أصحابه من الحنابلة قد تكلَّم فيه، لتردُّده على بعض المشايخ من المعتزلة، وتلقيه عنهم علم الكلام.
يقول ابن عقيل عن ذلك: "وكان أصحابنا الحنابلة يريدون مني هجران جماعة من العلماء- يعني شيوخه من المعتزلة- وكان ذلك يحرمني علماً نافعاً" (4).
وقد علَّق الحافظ الذهبي- الذي نقل هذا الكلام- عليه بقوله: "قلت: كانوا ينهونه عن مُجالسة المعتزلة، ويأبى، حتى وقع في حبائلهم، وتجسَّر على تأويل النصوص، نسأل الله السلامة" (5).
__________
(1) المصدر السابق 1/ 156.
(2) المدخل إلى مذهب الإمام أحمد: 209.
(3) ذيل طبقات الحنابلة 1/ 156.
(4) سير أعلام النبلاء19/ 447.
(5) سير أعلام النبلاء 19/ 447.
(مقدمة/25)

وقد اشتدت نِقمةُ الحنابلة عليه نتيجة تجاسُرِه على تأويل نُصوص الصفات، ودفاعه عن الحلاّج، واعتذاره له، حتى طلبوا دمه، وأهدروه، إلى أن أعلن توبته عن ارائه الاعتزالية، ورجوعه عن ترحُّمهِ على الحلاّج، فانطفأت بذلك نار الفتنة.
ولم يكتفِ- رحمه الله- بإعلان التوبة، بل أخذ يُصنّف في الردِّ على المعتزلة، هاتكاً أستارهم، وكاشفاً عن عوارِهم عن علم ودراية.
يقول الحافظُ ابن حجر: "نعم، كان مُعتزلياً، ثم أشهد على نفسه أنه تاب عن ذلك، وصحَّتْ توبتُهُ، ثم صَنف فى الردِّ عليهم، وقد أثنى عليه أهل عصره ومن بعدهم، وأطْراهُ ابنُ الجوزي، وعَوَّلَ على كلامه في أكثر تصانيفِهِ " (1).
ونَقل الحافظ ابن رجب قصة توبة ابن عقيل، ورجوعه عمّا كان عليه، فقال: "فمضى ابن عقيل إلى بيتِ الشريف، وصالحهُ، وكتب خطهُ: يقولُ عليُّ بن عقيل بن محمد: إني أبرأُ إلى الله تعالى من مذاهب مبتدعَةِ الاعتزال، وغيره، ومن صُحبة أربابه، وتعظيم أصحابه، والتَّرحُّمِ على أسلافهم، والتكثُّر بأخلاقهم، وما كنتُ عَلَّقْتُه ووُجد بخطِّي من مذاهبهم وضلالتهم، فأنا تائبٌ إلى الله تعالى من كتابته، ولاَ تحلُّ كتابتُهُ، ولا قراءتُه، ولا اعتقاده، وإنني علَّقتُ مسألة الليل في جملة ذلك، وإنَّ قوماً قالوا: هو أجسادٌ سود. وقلتُ: الصحيحُ: ما سمعتُه من الشيخ أبي علي، وأنه قال: هو عدمٌ، ولا يُسمى جسماً، ولا شيئاً أصلاً، واعتقدتُ أنا ذلك، وأنا تائبٌ إلى الله تعالى منهم.
واعتقدتُ في الحلاّج: أنه من أهل الدين والزُّهد والكرامات،
__________
(1) لسان الميزان 4/ 243.
(مقدمة/26)

ونصرتُ ذلك في جزء عملتُه، وأنا تائبٌ إلى الله تعالى منه، وأنه قُتل بإجماع علماء عصره، وأصابوا في ذلك، وأخطأ هو، ومع ذلك فإني أستغفر الله تعالى، وأتوب إليه من مخالطة المعتزلة والمبتدعة وغير ذلك، والترحُّم عليهم، والتعظيم لهم، فإن ذلك كله حرامٌ، ولا يحلُّ لمسلمٍ فعله، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من عَظَّم صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام".
وقد كان الشريف أبو جعفر، ومن كان معه من الشيوخ والأتباع، ساداتي وإخواني- حرسهم الله تعالى- مصيبين في الإنكار عليَّ، لما شاهدوه بخطي من الكتب التي أبرأ إلى الله تعالى منها، وأتحقَّقُ أني كنتُ مخطئاً، غيرمصيبٍ.
ومتى حُفِظ عليَّ ما ينافي هذا الخط وهذا الإقرار، فلإمام المسلمين مكافأتي على ذلك، وأشهدتُ الله وملائكته وأولي العلم على ذلك، غَيْرَ مجبر ولا مكره، وباطني وظاهري- يعلمُ الله تعالى- في ذلك سواءٌ. قال تعالى: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [المائدة: 95]. وكتب يوم الأربعاء، عاشِر مُحرّم سنة خمسٍ وستين وأربع مئة" (1).
هكذا تاب ابن عقيل- رحمه الله- ورجع عمّا كان عليه، والله سبحانه يقبلُ التوبة عن عباده ويعفو عن السَّيِّئات، والتوبةُ تَجُبُّ ما قبلها، ومن أَتبع السيئة بحسنةٍ محتها.
وهذا ما فعلهُ ابنُ عقيل، فقد عاد بعد توبته إلى نص السنَّة، وردَّ على من مشى بُرهة في ركابهم من المبتدعة.
يقول ابن قُدامة المقدسي عنه: "ثُم عاد بعد توبته إلى نصِّ السُّنة والردِّ
__________
(1) ذيل طبقات الحنابلة 1/ 144 - 145، والمنتظم 8/ 275.
(مقدمة/27)

على من قال بمقالته الأولى بأحسن كلام، وأبلغ نظام، وأجاب على الشُّبه التي ذُكِرت بأحسن جوابٍ، وكلامه في ذلك كثيرٌ في كتب كبارٍ وصغارٍ، أجزاءٍ مفردةٍ، وعندنا من ذلك كثير، فلعلَّ إحسانهُ يمحو إساءته، وتوبته تمحو بدعته فإن الله تعالى يقبل التوبة عن عبادِه ويعفو عن السَّيِّئات" (1).

وفاته:
بعد حياةٍ حافلةٍ بطلب العلم، وتدريسه، والتصنيف فيه والسعي في سبيله، توفي ابن عقيل- رحمه الله- عن ثلاثٍ وثمانين سنة، وقد وافاه الأجل في بغداد بُكرة الجمعة ثاني عشر جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وخمس مئة، وصُلي عليه في جامعي القصر والمنصور، وكان الإمام في جامع القصر ابن شافع، وقد حضر جنازته والصلاة عليه جمع يفوت الإحصاء، قال ابن ناصر: "حزرتهم بثلاث مئة ألفٍ" (2).
رحم الله ابن عقيل، وغفر له، وجزاه على ما قدَّم أفضل الجزاء.

وصف النسخة الخطية:
تم الاعتماد في تحقيق الكتاب على نسخة وحيدة لم نقف على غيرها، وهي مؤلفة من ثلاثة أجزاء، نسخت عن أصلٍ آخر بخط المصنف، كما ورد على الصفحة الأولى من الجزء الأول: "منقول من خط المصنف مُعارض بأصله"، وكذلك في الورقة (242) عند قوله: "أبي المغيث" فعلق الناسخ في هامش النسخة بقوله: "كذا بخط ابن عقيل، والصواب: "مغيث"، وأيضاً في الورقة (253) عند
__________
(1) الرد على ابن عقيل: 2.
(2) ذيل طبقات الحنابلة 1/ 162، وسير أعلام النبلاء 19/ 447.
(مقدمة/28)

قوله: "مشغلاً"، علق الناسخ في الهامش بقوله: "كذا بخط ابن عقيل، والصواب: شاغلاً"، وكذلك ورد في هامش الورقة (278) ما نصه: "بلغ العرض من أول الكتاب بأصل المصنف ومنه نُقل".
ولم يتبين اسم الناسخ كاملاً، فقد طمست الرطوبة بعضه، والظاهر أن اسمه: أبو بكر الجيلي، كما ورد على الصفحة الأولى من الجزء الأول، وكذلك ورد في هامش الورقة (63) ما نصه: "كتب إلى هاهنا أبو بكر الجيلي".
ولم يتبين أيضاً تاريخ انتهاء الجيلي من النسخ، لأن النقص أصاب الورقات الأخيرة من الورقة (311) إلى آخر الجزء، ولكن بما أن الجيلي نسخها للعلامة عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي ابن الجوزي- كما هو موضح على الصفحة الأولى- فهو إذن قبل وفاة ابن الجوزي سنة 597 ه.
وقد تمم النقص ناسخ آخر كما ورد في آخر الجزء: "آخر الأول، يتلوه الأمر بالشيء ليس بنهي عن ضدِّه من طريق اللفظ، تممه محمد بن محمود المراتبي في الثالث من ربيع الثاني سنة ثمان وعشرين وستِّ مئة وصلى الله على محمد وآله يارب يارب يارب يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام اغفر لي".
فهذا التاريخ يختص بالنقص الذي تممه المراتبي فقط، أما تاريخ نسخ الجيلي فقد أصابه الطمس ولم يتبق منه إلا: "نقله أبو بكر .. الجيلي في المحرم سنة اثنتين ... وخمس .... ".
والجزء الأول من الكتاب محفوظ بدار الكتب الظاهرية بدمشق تحت رقم 78، ويتألف من (314) ورقة، في كل صفحة (23) سطراً. وعلى
(مقدمة/29)

الصفحة الأولى منه: "ملكه من فضل ربه يوسف بن عبد الهادي من كتب القاضي علاء الدين".
والجزء الثاني أيضاً من محفوظات دار الكتب الظاهرية تحت رقم (79) ويتألف من (270) ورقة في كل صفحة (19) سطراً، وقد أصابت الرطوبة ثلاثين ورقة من أوله فأودت بالأسطر الثلاثة العليا من هذه الورقات.
وعلى الصفحة الأولى منه عدة تملكات هي: "انتقل بالابتياع الشرعي من ولد شيخنا بُرهان الدين بن قندس في سادس ربيع الاَخر سنة ثمان وسبعين وثمان مئة بشهادة الشيخ أحمد العسكري فأقبض الثمن بحضرته .. ".
وتحته: " ملكه من فضل ربه يوسف بن عبد الهادي من كتب القاضي علاء الدين".
وتحته أيضا: "ملكه من فضل ربه أحمد بن يحمى بن عطوة الدرعي".
وقد وقفه أحمد بن يحمى لمدرسة أبي عمر، كما ورد في أسفل الصفحة: "وقف أحمد بن يحى النجدي المحل مدرسة أبي عمر في الصالحية".
وتحت العنوان تملك آخر نصه: "ملك هذا الكتاب العبد الفقير الكسير الراجي عفو ربه محمد بن الشيخ سعد الدين القادري البغدادي الحنبلي غفر الله له آمين".
أما الجزء الثالث من الكتاب فهو من محفوظات مكتبة جامعة برنستون في الولايات المتحدة الأمريكية تحت رقم (1842). ويقع في (223) ورقة، في كل صفحة (19) سطراً إلى (21) سطراً في بعض الصفحات،
(مقدمة/30)

وكُتب على الورقة الأولى منه فهرساً للأبواب والفصول الواردة فيه، ولم يسلم هذا الجزء أيضاً من الطمس في كثير من المواضع، وعليه بجانب العنوان تملك: "ملكه من فضل ربه يوسف بن عبد الهادي من كتب القاضي علاء الدين". وأسفل الصفحة: "انتقل بالابتياع الشرعي من ولد شيخنا الشيخ تقي الدين ابن قندس تغمده الله بالرحمة والرضوان في سادس ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين وثمان مئة وذلك بحضور الشيخ بهاء الدين أحمد العسكري، وقبض الثمن بحضوره والله أعلم".

منهج المؤلف في الكتاب:
قسم ابن عقيل كتابه إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أورد فيه ما يتعلق بأصول الفقه، حيث استهله ببيان معنى الفقه، وبيان معنى العلم وأقسامه، وأتبع ذلك بذكر الأصول من كتابٍ وسنةٍ ودلالاتها، ثم ذكر فصولاً في جمع الحدود والعقود والحروف التي تدخل في أبواب الكتاب، وجميع ما يحتاج إليه من الألفاظ المتضمنة لمعان لا يستغني عنها من أراد العلم بأصول الفقه، ثم أورد فصولاً في النسخ، واختتم هذا القسم بذكر صفة المفتي والمستفتي.
القسم الثاني: أفرده ابن عقيل للجدل- جدل الأصوليين وجدل الفقهاء- وذكر سبب ذلك بقوله: "واعلم أنني لما قدمتُ هذه الجملة من العقود، والحدود، وتمهيد الأصول، وميزتها عن مسائل الخلاف، رأيتُ أن أشفعها بذكر حدود الجدل، وعقوده، وشروطه، وآدابه، ولوازمه، فانه من أدوات الاجتهاد، وأؤخِّر مسائل الخلاف، إلحاقاً لكل شيء بشكله، وضم كل شيء إلى مثله، فجمعتُ بذلك بين قواعد هذين العلمين: أصول الفقه والجدل، وأخَرت مسائل الخلاف فيهما، فإنَ الأصول بالأصول أشبه، واليها أقرب، والخلاف بالخلاف أشبه، والله
(مقدمة/31)

الموفق" (1)،

القسم الثالث: وهو مسائل الخلاف، ابتدأه بذكر الأوامر والنواهي، ثم ذكر عدة فصول في فحوى الخطاب، والاستثناء، والمجمل والمفسر، والمحكم والمتشابه، وأفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - والنسخ، والأخبار، والإجماع، والقياس، والاجتهاد.
وقد تميز كتاب الواضح بميزات عديدة، أهمها:
1 - التوسع والاستقصاء في معظم فصول الكتاب مع الحرص على الإيضاح والبسط وتسهيل العبارة، كما بين ذلك ابن عقيل في مقدمته.
2 - تضمنه لمباحث الجدل، وهو ما يقلُّ في كتب الأصول الأخرى.
3 - الاستقصاءُ في إيراد الأقوال الورادة في المسالة المراد بحثها، وذكرُ أدلة كل قولي من الأقوال، ومناقشة هذه الأدلة بتجرُّدٍ وحيادٍ، واختيار الراجح من الأقوال، وتعضيدُهُ بالدليل المعتبر.
4 - توضيح بعض العبارات والمسائل بالشواهد القرآنية والحديثية، وذكر أقوال أهل اللغة، وما روي عن العرب من الشعر والنثر في ذلك.
5 - ايراد ابن عقيل في آخر كتابه لجملةٍ طيبةٍ من غرائب المسائل والفصول، حيث قال: "مسائل تتبعتها مما كنتُ أغفلته، وفصول لقطتها من الكتب والمجالس من غرائب المسائل والفصول" (2).
__________
(1) الجزء الأول، الصفحة 295.
(2) انظر الورقة 206 من الجزء الثالث من الأمل.
(مقدمة/32)

تحقيق الكتاب:
اتُّبع في تحقيق الكتاب الخطوات التالية:
- نسخُ الأصل الخطي، ومُقابلته.
- تفصيلُ النص، وترقيمه، وضبط ما يحتاج إلى ذلك منه.
- عزو الآيات القرآنية، وتخريج الأحاديث والآثار.
- إحالة غالب النُقول الواردة إلى مصادرها، وعزو الأبيات الشعرية إلى قائليها.
- استكمالُ العبارات التي لحقها الطمس في الجزء الثاني والثالث من الأصل الخطي، وقد تطلَّب ذلك الرجوع إلى كثير من كتب أصول الفقه، وخاصة كتاب "العدة" لأبي يعلى شيخ المصنف، و"التمهيد" و"التبصرة" وغيرها، وما لم نقف عليه في تلك المصادر، أُثبت تقديره حسب المعنى وكما يقتضيه السياق، ووُضع بين حاصرتين، وأشير إلى ذلك في الحاشية.
- عمل الفهارس اللازمة التي تُعين طالب العلم في الوصول إلى بُغيته بيُسر وسهولة.
- هذا ونسألُ الله عز وجلَّ أن يعفو عما حصل فيه من سَهْوٍ ومن تقصير، راجين منه تعالى القبول، والله الموفق.
(مقدمة/33)

الوَاضِح في أصُولِ الفِقه

تأليف
أبي الوَفاء عَلي بن عَقيل بن مُحمَّد بن عَقيل
البَغدادي الحَنبلي (513 ه)

تحقيق
الدكتور عَبد الله بن عَبد المُحسن التركي
وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد

الجزء الأول

مؤسسة الرسالة
(/)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1/2)

الوَاضِح في أصُولِ الفِقه
1
(1/3)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

جَميع الحقُوق مَحفوظة للناشِر
الطبعة الأولى
1420 ه - 1999 م

مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع
وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - بنايه المسكن، بيروت - لبنان
تلفاكس: 319039 - 815112
فاكس 603243 ص. ب: 117460

AL- Resalah PUBLISHERS
BEIRUT/LEBNON - Telefax: 815112 - 319039
fax: 603243 - P.O.Box: 117460
Email: Resalah@Cyberia.net.lb
(1/4)

بسم الله الرحمن الرحيم
والحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلواتُه على سيِّدنا محمدٍ وآلِه الطَّاهرين، أَمّا بعدُ:
فإنَّ كثيراً من أصحابنا المتفقَهةِ سألوني تأليفَ كتابٍ جامعٍ لأصول الفقهِ، يوازي في الإِيضاحِ والبَسْطِ وتسهيلِ العبارةِ التي غَمُضتْ في كتب المتقدِّمين، ودَقَّتْ عن أفهام المبتدِئين، كتابيَّ الكبيرين الجامعين للمذهب والخلافِ (1)، وأستوفي فيه الحدودَ والعقودَ، ثم أشِير إلى الأقرب منها إلى الصِّحًة، وأُمَيز المسائلَ النًظريًاتِ بدلائلَ مُسْتَوْفاةٍ، واسئلهٍ مُسْتقْصاةٍ، ليَخْرُجَ بهذا الإِيضاحِ عن طريقةِ أهل الكلام وذوي الإِعجام إلى الطريقة الفقهيَّةِ، والأساليب الفُرُوعيًةِ، فأجَبْتُهم إَلى ما سَأَلُوا، مَعتمداً على اللهِ سبحانه في انتفاَعي على النَّمَط الذي طَلَبُوا وأَملُوا، مع بَذْلِ وُسْعِي في ذلك، واستقصائِي فيه، ولن يَخِيبَ عن دَرْك البُغْيَةِ مَنْ صَدَقَ نفسَه الطَّلَبَ، وبَلَغَ جِدَّه في الاجتهاد لدَرْك المَطْلب، ثم فَزِعَ إلى الله سبحانه فيما وراءَ جُهْدِه، طالباً للإعانة على دَرْك الإَصابةِ في قَصْده بحُسْن التوفيقِ والهدايةِ، واثقاً بقوله سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69]
__________
(1) لعله أراد كتابيه "الفصول" و"التذكرة"، انظر "ذيل طبقات الحنابلة" 1/ 156، و"المدخل إلى مذهب الِإمام أحمد بن حنبل" ص 418.
(1/5)

فصل
في بيان معنى قولِنا: أُصولُ الفِقْهِ
فالفقهُ في الأصل اللغَويِّ: الفَهْمُ، وقيل: العلمُ، قال سبحانه: {وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44]، وقولُه: {مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ ضَعِيفًا} [هود: 91]، أي: لا نفهم، وقالَ - صلى الله عليه وسلم -:"نَضَّرَ" (1) اللهُ امْرَأً سَمعَ مَقالَتِي فوعاها، فأَدَّاها كما سَمِعَها، فَرُبَّ حامل فِقهٍ غيرُ فقيهٍ، ورُبَّ حاملِ فقهٍ إلى مَنْ هو أفْقَهُ منه" (2).
وهو في عُرْفِ قومٍ: عبارةٌ عن فَهْم الأحكامِ الشَّرْعِيَّةِ بطريق النًظَرِ.
وقال قومٌ: هو العِلْمُ بالأَحكام الشَرعةِ بطريق النَظَر والاستنباطِ (3).
وأصولُه: هي ما تُبْنَى عليه الأحكام الفِقْهيَّةُ من الأدلَّةِ على
__________
(1) كتبت في الأصل فوق السطر وتحتها: "رحم".
(2) أخر جه أحمد 4/ 80، 82، والدارمي 1/ 65، وابن ماجه (231) والحاكم 1/ 87، والطحاوىِ في "مشكل الآثار" 4/ 283، وابن عبد البر في "جا مع بيان العلم" 1/ 41، والطبراني في الكبير (1451) و (1544) من حديث جبيربن مطعم.
وفي الباب عن زيد بن ثابت، وا بن مسعود، وأبي الدرداء، وأنس، وابن عمر وغيرهم.
(3) - وقد ذكر الطوفي عدة تعريفات لمعنى الفقه اصطلاحاً، وما يرد على كل تعريف، انظر "شرح مختصر الروضة" بتحقيقنا 1/ 133 - 175.
(1/7)

اختلافِ أنواعِها، ومراتِبها: كالكتاب ومراتب أدلَّتِه؛ من نصٍّ، وظاهرٍ، وعمومٍ، ودليلِ خِطابه، وفَحْوى خَطابهِ، وَالسُّنةِ ومراتبها، والقياسِ، وقولِ الصَّحابىِّ- علَى الخلاف- واستصحاب الحالِ مع انقسامِه، فهذه أصولٌ تَنْبَنِي عليها الأحكامُ (1).
ولا ينصرفٌ إطلاقُ الفقهِ إلى العلم جملةً، بدليل علمِ النحْوِ، والطب، واللغة، والهَنْدَسةِ، والحِساب؛ فإن العلماءَ المبرزين فيها لا يَقَعُ عليهم اسمُ الفقهاءِ، ولا علىَ علومِهم اسمُ الفقهِ (2)، وكذلك العلماءُ بأصولِ الدين، العارفون بالجواهر، والأعراضِ، والأجناسِ، والأنواع، والخاصةِ، والفَصْلِ، والاستدلالِ بالشاهدِ على الغائبِ، لا يقعُ علَيهم اسمُ فقهاءَ؛ لعدم علمِهم بأحكام الشرْع، ولا تسمَّى علومُهم أصولاً للفقه.
وإن كانت الأدلة التي ذكرنا بالأصولِ تَنْبَنِي على العلوم التي يُبْنى عليها إثباتُ أصولِ الدين؟ من حَدَثِ العالمِ، وإثباتِ الضَانعِ، وأنه واحدٌ، وما يَجبُ له، ويجوزُ عليه، وما لا يجوزُ عليه، وبعْثَةِ الرُّسُلِ وصِدْقِهم، إلى أمثال ذلك، ولكنْ لمَّا كانت أخص بكَونها أصولًا للدِّين؛ لم يُطْلَقْ عليها ما انْبَنى على ما دونها من الأصولِ، كما لا يقالُ في اللغه أصولُ الذينِ، وإن كانتِ الأحكامُ الشرعيةُ مبنيةً على الألفاظ اللغوية.
__________
(1) وهو ما قاله شيخه أبو يعلى، انظر "العدة"1/ 70، و "شرح مختصر الروضة" 1/ 125 - 126، و"شرح الكوكب المنير" 1/ 41.
(2) انظر "شرح الكوكب المنير" 1/ 42.
(1/8)

لكنَّ العلماءَ علَّقوا الأسماءَ على الأقرب والأخصَ دونَ الأبعدِ والأعمِّ، كما فعلوا ذلك في الأنساب، والدَّلائَلِ، فلم يُحيلُوا بدَلالة الإِجماعِ على الإِعجازِ الذي هو دليلُ صدقِ النُّبُوَّةِ، لكن احالوا بحُجَّةِ الإِجماعِ على قولِ الصادق؛ لأنها أقربُ، دونَ دَلالةِ صدق الصَّادقِ؛ لأنها أبعدُ.
فمَنْ قال: إنه الفهْمُ، تعلقَ بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فرُبَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفْقهُ منه"، ولا شَكَّ أن الحاملَ سَبَقَ المحمولَ إليه بالعلمِ بما نَقَلَهُ، لكنَّ الأفقهَ خبَرَ منه بجودةِ فهمِه ما لم يَخبُرْه.
واعتلَّ من قال: إنه العلمُ- وهو المعوَّلُ (1) عليه عند علمائِنا- بأن الفهمَ قد اشتركَ فيه العامِّيُّ والمجتهدُ، وانفردَ أهلُ الاجتهادِ بكونهم علماءَ، وليس كلُّ فَهِمٍ عالماً، وكل عالمٍ فَهِم، والله أعلم.
__________
(1) في الأصل: "المعمول".
(1/9)

فصل

في العلمِ وتحديدِه وأقسامِه
إذ حَدًدْنا الفقهَ بعلم الأحكامِ الشرعيَّةِ، فلابُدَّ أن نُوَضحَ عن حقيقةِ العلمِ الذي حدَّدْنا به الفقهَ حسبَ ما أوضحْنا من حقيقة الفقهِ، وقد اخْتبَطتْ فيها أقوالُ العلماءِ على اختلاف مقالاتِهم وآرائِهم.
والكُل معترَضٌ بطريقين:
أَحدهما: بالخلاف فيما انْبَنى عليه التَّحديد.
والثاني: بطريق التَّحقيقِ، وأن في القَوْلِ فيه والتَحديدِ له قصوراً عنه، وإِجمالًا (1) لا يَصْفو معه كشف حقيقتِه.
فقال قوم: معرفةُ المعلومِ على ما هو به (2).
وقال قومٌ: معرفةُ الشَيءِ على ماهو به (3).
فمَنْ قال: معرفة المعلوم. اعْتُرِضَ قولُه بأنه صَرفَ من اللفظة قبلَ بيانِ معناها، وقولُنا: معلوَم، مصرف من عَلِمَ، كمضروبٍ من
__________
(1) في الأصل: (إجمال).
(2) وهو ما اختاره الشيرازي في "شرح اللمع في أصول الفقه" 1/ 84.
(3) أورد القاضي أبو يعلى عدة تعريفات للعلم، وذكر ما يرد على كل منها. انظر "العدة" 1/ 76 - 79.
(1/10)

ضَرَبَ، ومن لا يعرفُ الأصلَ لا يعرفُ المصرَّفَ منه، وما هذا إِلا بمثابةِ من حَدَّ السوادَ بما سَودَ الجسمَ، ونحن لم نَعْلَمْ سواداً، فكيف نعرفهُ بما صُرفَ منه؟!
ومن قال: معرفةُ الشيءِ. معترَض بأنه يَخرجُ منه العلمُ بالمعدومِ، فإنه علمٌ، وليس بمعرفةٍ بشيءٍ، وإن بناه على ذلك الأصلِ، فهو فاسدٌ بالأدلة القاطعةِ في أصول الدِّينِ. ولو كان ذاتاً في العدَم، لكان مُستغنِياً بذاته عن القديمِ، وهذا نفسُ القولِ بقِدَم العالَمَ، وموافقةٌ لأصحابِ الهوى، فهَذان حدَّان متقاربان معترَضان.
وقال قوم: تَبَيُّنُ المعلوم على ماهو به (1). والحدُ للحقيقةِ ينتظمُها شاهداً وغائباً، واللهُ سبحانه يَتعالى عن أن يوصفَ بأنه متبيِّنٌ، لِمَا في طبعِ هذه الكلمةِ وجوهرها من العثورِ على الشَّيءِ بعد خفائِه، والظهورِ بعد استبهامِه، وهو بالعثورِ بعد الخفاءِ أخصُّ منه بالمعرفة المطلقةِ.
وقال قومٌ: اعتقادُ الشَيءِ على ما هو به مع سكونِ النفسِ إلى معتقَدهِ (2). واعْتُرضَ بأن ما تعتقدُه العامةُ من الجهالاتِ، وتَسْكُنُ إليه من التقاليدِ ليست علوماً، وسكونها إلى ما تعتقدهُ تَبْعُدُ إزالتهُ بالتشكيك فيه بأنواعِ الحُججِ والبراهينِ، فضلًا عن الإزاحةِ عنه، وقولهُم: الشَيء. قد أفسَدْناه واعْتَرَضْناه بما دل على إفساد مقالةِ أهلِ المعدومَ.
__________
(1) انظر "البرهان في أصول الفقه" للجويني 1/ 115.
(2) أورد أبو إسحاق الشيرازي هذا القول ونسبه للمعتزلة، وذكر الاعتراضات التي ترد عليه. انظر "شرح اللمع" 1/ 84 - 86.
(1/11)

وقال قوم: إدراكُ المعلوم أو الشَيءِ على ما هو به. وإدراك، لفظ عام يَشترك بين دَرْكِ الحواس والعلومِ، والحدُ بالمشترَكِ لا يجوزُ، وإنما يُحَدُّ الشيءُ بخصيصة.
وقال قوم: الإِحاطةُ بالمعلوم. وهو معترَض بأن الإِحاطةَ تشتَرِكُ أيضاً، يقالُ: أحطتُ به رؤيةً وسَماعاً.
وقال الشيخُ أبو القاسمِ بنُ بَرْهانَ (1): هو قضاءٌ جازم في النًفْس.
والقضاءُ بالحكم أخص منه بالعلمِ.
واحسَنُ ما وجدتُه لبعضِ العلماءِ أنْ قال: هو وِجْدانُ النفس الناطقةِ لامورِ بحقائقِها (2).
وقال بعضُ المتأخًرين: العلمُ هو ما أَوجبَ لمن قامَ به كونَه عالماً (3). وهذا أبعدُ من الكلِّ؛ لما فيه من الِإحالةِ على كون العالِم بما قامَ به عالماً، ونحن لم نعلمْ ما قامَ به، وعن ذلك سُئِلَ، وكونُه عالماً اسمٌ، لكنْ لحقيقةٍ بَعْدُ ما عَلِمْناها، وما ذلك إلا بمثابةِ مَنْ سُئِل عن السوادِ فقالَ: هيئةٌ يصيرُ بها الجسمُ اسودَ (4)، وأسودُ مشتقٌّ من
__________
(1) عبد الواحد بن علي بن برهان، أبو القاسم العكبري، شيخ العربية والنحو والأنساب، توفي سنة (456) ه. "سير أعلام النبلاء" 18/ 124.
(2) ذكر الطوفي هذا التعريف الذي اختاره ابن عقيل، وأورد عليه اعتراضين. انظر "شرح مختصر الروضة" 1/ 169 - 170.
(3) ذكره الجويني، وصرح بنسبته لأبي الحسن الأشعري. انظر "البرهان" 1/ 115.
(4) في الأصل: "أسوداً".
(1/12)

سوادٍ، فقد أحالَ على اسمٍ ما عَقَلْنا بعدُ الحقيقةَ التي لأجلها سُمِّيَ أَسودَ، ويُفضي إلى الدَّوْرِ، فيُعَرِّفُ السَّوادَ بالأسود، والأسود بالسَّوادِ، وما عَرَفْنا الحقيقةَ التي صَدَرَ عنها إلا بتميينر.
وقال بعض المتاخَرين من المحقَقين (1): لا حَدَّ له عندى، وإنما هذه كلُّهارسومٌ (2).
فإن قيل: فالحدود كلها تعطي حد الشَيءِ بنفسِه، فإن المعرفةَ هي العلمُ، والتَّبَينَ هو العلمُ، والإِدراكَ هو العلم، فمن قال: العلم المعرفةُ، كمن قال: العلمُ العلمُ.
قيل: أَجمعَ العلماءُ على أنه لا يجوز حَدُّ المحدودِ بغيرِه، بل لا يُحَدُّ إلا بنفسِه؟ فالسائل عن حَدِّ الشَّيءِ لا يسألُ إلا لجهالتِه بحقيقةِ ما سألَ عنه، فلو أتَيْنا عند سؤالِه عن حقيقةِ الشيءِ بالغيرِ، جَهَّلْناه بحقيقتهِ، إذ أَشَعَرْناه بغيره، وبَعَّدْناه عن مقصودِه، ولو أعدنا عليه ما سألَ عنه، بأنْ يقولَ لنا: ما العلمُ؟ فنقولَ: العلمُ، لَمَا افَدْناه، فقد نطقَ باسم ما عرفَ حقيقته، فإذا أعدنا عليه اللَّفظةَ لم أَفِدْه شيئاً، فإذا بطلَ الأمران، لم يَبْقَ أن يكونَ الجوابُ إلا الفَزَعَ إلى الأوجزِ عبارةً، وأخصِّ خصيصةً؛ لنكشفَ عن حقيقتهِ بإيجازِها، وتخصُّصِها، وكشفِها عن جوهريَّتهِ وطبيعتِهِ، فنكون بذلك مقرِّبين إلى فهمِه معنى ما سألَ عنه، لا عادلين إلى غيرِه، ولا معيدين لِمَا سألَ عنه، بل موضِّحين كاشفِين عن حقيقةِ ما سألَ عنه.
__________
(1) في الأصل:"المحقين".
(2) وهو ما قاله الغزالي في "المستصفى" 1/ 16 - 17.
(1/13)

يوضًحُ هذا: أن أهلَ العلمِ أجمعُوا على أن للحدِّ حقيقةً، وهو قولُهم: حدُّ الحدِّ، فقالوا: هو قول وجيزٌ يُنْبِىءُ عن حقيقةِ الشيءِ.
وقال بعضُهم: الجامعُ لجنسِ ما فَرَّقَه التَّفصيلُ.
وقال قوم: هو الجامعُ المانعُ.
وقال قوم: قولٌ وجيزٌ محيطٌ بالمحدودِ، دالٌّ على جنسِهِ.
وقيل: قولٌ وجيزٌ يدورُ على المحدودِ بالانعكاسِ، كقولك: كلُّ جسمٍ فهو جَوْهَرٌ آخِذٌ في الجهاتِ، وكلُّ جوهرٍ آخذٍ في الجهات فهو (1) جسم.
وقيل: الحدُّ ما أحاطَ بالمحدودِ، فمَنَعَ أن يَدْخُلَ فيه ما ليس منه، أويَخْرُج عنه ما هو منه (2).
وقيل: الحدُ هو الجوابُ في سؤالِ ما هو؟ وأصلُه: المنعُ في اللغة، ومنه سُمَّيَ البوَّابُ حَدّاداً لمنعِه، وسُميَ الإِحدادُ في العِدَّةِ لمنع المرأةِ به التَّطَيُّبَ ودواعيَ الجماع، وسُمِّىَ الحديدُ حديداً لمنع السِّلاحِ (3)، كما قال سبحانه: {لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ} [الأنبياء: 80]،وسمي الحدُّ المشروعُ حدًّا لمنعِه من ارتكابِ الجرائمِ، وحدودُ الدار والملكِ هو المانعُ من دخولِ ملكِ غيرهِ فيه، فهو مشترَكٌ بين هندسيٍّ، وفلسفيٍّ، وفقهيٍّ، وأصلُه: الجَمْعُ والمَنْعُ، وإن اختلفت
__________
(1) تحرفت في الأصل إلى: "فهم".
(2) انظر فيما قيل في الحد "العدة" 1/ 74 - 75، وشرح اللمع " 1/ 81 - 82.
(3) عبارة أبي يعلى في "العدة" 1/ 75: "لأنه يمنع من وصول السلاخ الى المتحصن به".
(1/14)

أنواعً المنعِ، فإذا كان للمنع تخصُّصٌ بحقيقةِ الشَّيءِ، فلا يُنكرُ أن يًحَدَّ الشيءً بنفسِه؟ إذ كان هو المخلِّصَ له عن غيرهِ، المانعَ من الشركةِ والاشتباهِ، وهو خلاصةُ الحقيقةِ والخصيصةِ.
وقال قومٌ من الأصوليِّين: لا حاجةَ بنا إلى الحدودِ، ولا معنى لها، لأن في الأسماءِ غَناءً عنها؛ لأنها أعلامٌ على المسمَّياتِ.
وهذا باطلٌ؛ لأن في الحدودِ أكبرَ المنافعِ التي لا يُوجَدُ مثلُها في الأسماءِ، فمن ذلك:
أن الاسمَ قد يُستعملُ على (1) جهةِ الاستعارةِ والمجازِ، فإذا جاءَ الحدُّ بَيَّنَ الاستعارةَ والمجازَ من الحقيقةِ، فتَعْظمُ المنفعةُ؛ لأن كثيراً منه قد يَلْتَبِسُ وُيشكِلً، فيُحتاجُ فيه إلى نظرٍ واستدلالٍ.
ومن ذلك: أنه قد يَتَبَيَّنُ المحدودُ من طريقٍ آخَرَ، وهو أن فيه ذكرَ العِلَّةِ والسَّبب الذي لأجله استَحَق الاسمَ والصفةَ، فيظهرُ معناه بظهورِ عِلَّتهِ، مثل قَولِنا: حكيمٌ: هو اسمٌ، فإذا طُلِبَ الحدُّ، ظهرَتْ حقيقةُ الحكمةِ، فكانت كاشفةً للعِفَةِ، مثلُ قولِهم: هي صفةٌ للمرءِ (2) توجبُ إتقانَ الأفعالِ الصادرةِ عنه.
__________
(1) في الأصل: "عن".
(2) غير واضحة في الأصل، ولعل صوابها ما قدرناه.
(1/15)

<رأس>فصل فيما يجبُ صيانةُ الحَدِّ عنه
واعلم أنه لا يجوزُ أن تأتيَ في الحدِّ بالمشترَكِ، كقولِك في العلمِ: إدراكٌ، فيدخلَ فيه سائرُ دَرْكِ الحواسِّ، ولا بما لو أسْقَطْتَه لم يَختلَّ الحدُّ؟ لأنه هو الحَشْو، والحدُّ خُلاصةٌ لا تحتملُ الحَشْوَ، مع كونه مَشروطاً بإيجازِ اللَّفْظِ، وذلك مثلُ قولك في حدِّ الإنسانِ: الكاتبُ المتقلِّدُ السَّيْفَ، وفي العلم: الذي لا يتطرقُ عليه شكٌ ولا شُبْهَةٌ، فهذه زيادةٌ في الحد تُنقصُ المحدودَ، فخرجَ بعضُ الناس عن الحَدِّ، وتخرجُ بعضُ العلوم وهي: الاستدلاليَّةُ، وُيخصُّ الحدُّ بعلم الضرورةِ، وعلمِ القديمِ (1) سبحانه.
وليس ذلك في كلِّ زيادةٍ؛ لأنك لو اتَيْتَ بالزِّيادةِ من الأعم، مثل قولِك: جسمٌ منتصبُ القامَةِ ضَحّاكٌ بكاءٌ؛ فإنه لا يَنقصُ، إذ ليس بعضُ الناسِ ليس بجسمٍ، بخلاف قولِك: كاتبٌ؛ لأن بعضَ الناسِ ليس بكاتبٍ، ولو قال: الكاتبُ بالقُوةِ، لم يَفْسُدْ، لكنَه يطولُ، فيخرجُ عن الِإيجازِ.
ولا يجوزُ فيه الإِبهامُ، مثلُ قولِك: وما جرى هذا المَجْرى أو مَجْرى ذلك، وما كان كذلك، حتى تَتبينَ من أيَ وجهٍ يكونُ.
__________
(1) القديم ليس من أسماء الله الحسنى، إنما هو من التسميات التي جرت على ألسنة المتكلمين والفلاسفة، فالقديم في لغة العرب: هو المتقدم على غيره، ولم يستعملوه فيما لم يسبقه عدم، والصواب أن يستعاض عنه بما جاء في قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} [الحديد: 3]،. فاتباع ما جاءت به الشريعة أولى من اتباع ألفاظ أهل الكلام. خاصة فيما يتعلق بصفات الله سبحانه "شرح العقيدة الطحاوية" 1/ 77.
(1/16)

ولا يجوزُ أن تأتيَ بالجنسِ الأعلى وأنت تقدرُ على الأدنى، مثل، قولِك في حَدِّ الإنسانِ: جَوهرٌ أو جسم، وأنت تقدرُ أن تقولَ: حيّ، ولا باللَّفظِ الأطولِ وأنت تقدرُ على الأقصرِ، مثلُ قولِك: يمشي على رجلَيْنِ، ويَبطِشُ باليَدَيْنِ، ولا بالأعمِّ وأنت تقدرُ على الأخَصِّ، مثلُ قولِك: جسم. وأنتَ تَقْدِرُ على: حَيٌّ.

فصل

فإذا ثَبتَ حَدُّ العِلم، وبَيانُ معنى الحد، فما الأحكام التي تميَّز بها حَد الفِقه في قولنا: العلم بالأحكام الشرعية؟ فهي القضايا الشرعية، وذلك هو: الِإباحة، والحَظْر، والإِيجاب، والنَّدب، والكَراهة، والتَّنْزيه، وقد أدخل قوم فيها: الشَّك، والوقف.
ولا يَسْتَحِقُّ بِمَعْرفةِ هذه الأحكام والعلمِ بها اسمَ الفقيه، إلا مَن عَلمها بطريقِ النَّظرِ في أدلَّةِ الشَّرع، وأَسند كُل حُكم إلى دليله، واسْتَثارَه بمُثير.

فصل
والعلم الذي حَدَّدناه في الجُملة يَنقسم قِسمين: قَديمٍ، ومُحدَثٍ.
فالقديم: عِلمُ الله سُبحانه، صِفة من صِفاته، ولازِم من لَوازِم ذاتِه، دَلَّ على إثباتِهِ إتقانُ أَفْعَاله، ونَصُّ كِتابه، وهو علمٌ واحِد يتعلق بالمعلومات على حَقائقها، لا يَتعدَّد بتعددِ المعلومات، ولا يَتجددُ بتجُدِد المُحدَثات (1)، ولا يُوصَفُ بكسْبِىٍّ ولا ضرورِي.
__________
(1) لعله يقصد: أن علم الله لا يزيد عند تجدد الحوادث، كما هو الشأن في المخلوق، لأن علم الله أزلي.
(1/17)

والقسم الثاني: العِلمُ المُحدَث، وهو ضَربان: ضروري، ومكتسب:
فالضروري: ما لَزِم نفسَ المخلوقِ لزوماً لا يمكن دَفعه والخروج عنه، وقولنا: نفس المخلوق. تحرز عن العِلم القديم، وهو ضربان:
بديهي لا يحتاج إلى مًقدمات، ولا سِياقات نَظرية، كالعلم بنَفسه وأحوالها.
وما يحصل بوسائط ومُقدمات، كعلم الهَنْدسة ومَسائِلها.
وأما الاستدلا فيُ الكَسْبي: فهو العِلم المكتَسَب بالنَظر والاستِدلال، كالاستدلال بالشاهد على الغَائب، والصَّنعة على الصانع، فهذا الضرب من العلم هو الذي حَدَّدنا به الفقه، فقُلنا: العِلم بالأحكام الشرعية. ومع ذِكْرنا للنَظَر فلا بد أن نُحَقِّقه، وكذلك الاستِدلال.
فالنظر الذي هو طَريق العلم الاستدلالي، هو التأمل في حالِ المنظور، كالنَّظر في دلائل العِبر.
والاستدلالُ: طَلبُ مَدلوله، وذلك إنما يَقع بالفِكر والبَحث (1). والعلم الاستدلالي يَتَطرق عليه الشك والشبْهة.
واعلم: أن علم الاكتِساب كُلَه مَردود إلى علم الاضطِرار، وقد يكون مَردوداً بمقدماتٍ أو مَراتبَ؛ فمِن ذلك أنّه قد يكون عشر مُقدمات
__________
(1) انظر أقسام العلم عند أبي يعلى في "العُدة" 1/ 80 - 82، والشيرازي في "شرخ اللمع" 1/ 86 - 87.
(1/18)

في عَشر (1) مَراتب، فَتُرَد العاشرة إلى التاسعة، والتاسعة إلى الثامنة، والثامنة إلى السابعة، ثم على ذلك إلى الأولى. مثاله: الاجتهاد مَردو إلى الإِجماع، والإِجماع مَردود إلى النُبوة، والنبوة مَردودة إلى المعجزة، والمعجزةُ مَردودة إلى أحدِ أمرين:
إما حكمة الله عزً وجل التي دل عليها إتقانُ صَنائِعِه وشرائِعِهِ، فعندها تحصل الثقةُ بأنه لا يُؤيد بمعجزةٍ كذاباً، ولا يزينُ قبيحاً، ولا يصد عن حق، ولا يَحول بين المكلف وبينه، وإذا لم يجد الإِعجاز هذا المُستَنَد، لم تحصل دلالتهُ على صدقِ مَن قام على يَدَيْه.
أو إلى حُكمه وإرادته المطلقة ومشيئته لملكه (2) على اختلاف المذهبين: مذهب أهل السنة، ومذهبِ المعتزلة. فتتم العشرُة على مذهبهم بردِّ حُكمه إلى غِناه عن القَبيح مع علمه به، وغناه عن القبيح مع علمه به مردود إلى دِلالةِ أفعالِهِ، ودِلالة أفعالِهِ مَردودة إلى التغير، والتغير ضرورةٌ.
ومِن شرفِ العلم أنه يَدَّعيه من لا يُحسنه، ويفرح إذا نُسب إليه.
وقولنا: علم كَسبي، نسبةً إلى اكتساب المكتَسِب، وكذلك: علم نَظري، منسوبٌ إلى النظر الذي هو التأمل، مثل قولك: رجل فارسي ومَكّي؛ إذا نسبتَه إلى فارس ومكة.
فكذلك قولنا: علم ضروري، نسبته إلى الضرورة، وهو هجومه على النَّفس بغير استدعاء من المضطر إليه، ولا اختيار لدخوله عليه.
__________
(1) في الأصل: "عشرة".
(2) في الأصل: "لملكته".
(1/19)

فصل

وطرق العلوم سِتَة لا سابع لها، منها: العلومُ الحاصِلةُ بالمعلومات عن دَرْكِ الحواس، وهي خمس: حاسَّة البَصر، والسمع، والشم والذوق، اللَّمس، والسادس من الطرق؛ ضَربان: هاجمٌ على النفس، وهو الضروري. ومُستحضَر لها بالكسب، وهو الاستدلال (1) بالمحسوس على غير المحسوس، وكل منها يُدرِك الشيءَ وضده إذا كان له ضد، كحاسة البَصر تُدرك السواد والبياض وهما ضِدان، وحاسَّة الشم تُدرِك الطيب والخبيث، وحاسةُ اللَّمس تدرِك الناعِم والجَريش (2)، والحار والبارد، وحاسةُ الذَوق تدرِك الحُلو والحامض. وما يحصل بطريق دلالة الحال من خَجل الخَجِل، ووَجَل الوَجِل، وبِرِّ البارِّ، وعُقوق العاق وما شاكل ذلك.
وأما ما يحصل من غير طريق لكن يدخل على النفس هاجماً كوجود الرِّي، والعَطش، والجوع، والشَبع، وما يجده الِإنسانُ من نفسه، من صِحته وسقمه، ولَذته وألمه، قد (3) قدمنا ذكره في الحصر، وهو السادس من الطرق.

فصل
وهذه العلومُ الحاصلة عن الطرق التي ذكرناها غيرُ مُتولدة من هذه
__________
(1) في الأصل: "الاستدلالىِ".
(2) الجريش: الشيء الخشن، ومنه الدقيق الذي فيه غِلَظ. "اللسان ": (جرش).
(3) في الأصل: "وقد".
(1/20)

الطرق، وإنما هي حاصلة من اللهِ فعلَاَ عقيبَ وجود الطرق التي ذكرناها، التي بَعضها كَسْبي؛ كالتأمل والاعتبار، والبحوث، والأفكار، وبعضها تدخل دخول غَلَبة؛ مثل العلم الحاصل عن أخبار التواتر، وما يدخل على العيان، وسائر الحواس، فيُحدِث الله العلمَ عقيبه كما يُحدث الموتَ عقيب الجراح، والجزعَ عند رُؤية الأسد، والمسرة عند تَجددِ الظَّفر، وقُدوم الغائب، وإيلادِ الوَلد، إذ كان القول بالتولد (1) قولًا يُضاهي قول أهلَ الطَّبع (2) الذي قامَ بفساده دليل العقل، وكذبه الشرع. وذلك هو المانعُ لنا من القول بخلقِ الأفعالِ مضافةً إلى غيرِ اللهِ سُبحانه، وكما قامت الدلالةُ بفَساد قولِ أهلِ الطبْع، قامت بفسادِ القولِ بإثباتِ شريكٍ في الخلق.
وإنما أنِس كثير من المُسْتَأْنِسِين بالحواس المحطوطِين عن درجة النظر بجَري العادات، فأضافوا إلى غيرالله ما لا يكون إلا من الله؛ كالولدَ يوجد عند الجماع، والزَرعِ يوجد عن فعل الزرّاع، والموت يوجد عند جَرح الجارح، وذلك أثر وجد عنده وعقيبه لا عَنه، وكذلك وجود الكون عند وجود الجوهر لا مَحالة، وليس بمتولدٍ عنه بما ثبت لله تعالى من دلالة الوحدة في الصنع، وهذا أصل كبير.
__________
(1) بسط ابن حزم القول في معنى التولد، والخلاف فيه في كتابه "الفِصل" 5/ 181 - 182.
(2) هم الدهريون الطبيعيون الدين يقولون بالمحسوس ولا يقولون بالمعقول. انظر "الملل والنحل " 2/ 3 - 4.
(1/21)

فصل
والعقل: ضرب من العلوم الضرورية، وبه قال جمهور المتكلّمين (1).
وقال قوم: قوة غريزيةٌ يُفْصَل بها بين الحُسن والقُبح.
وقال قوم: يُفصل بها بين حَقائق المعلومات.
وقال قوم: هو مادَّة وطَبيعة.
وقال قوم: هو جَوهرٌ بَسيطٌ (2).
والجمهور من المتكلمين على ما ذكرنا، وأنه من العلوم الضرورية، وإنما ذكرناه حيث أفضنا في ذكرِ العلوم ومُتعلقاتها وطرقها وهو من جُمْلَتِها، وله بما ذكرنا تَعَلُّق من نَفي حكمَه بتحسين وتَقبيح وبيان ما ينتهي إليه.
فالدلالة على فَساد القول بكونه جوهراً، أن الجواهر من حيث كونُها جواهرَ جنسٌ واحد، فلو كان العقل جَوهراً لاستغنى العاقل بوجود نَفسه عن عقلٍ لكونه جوهراً في نفسه، فلما لم يكن عاقلًا بجوهرِ ذاته ونَفسه، كان من المحال كوُنه عاقلًا بجوهر آخر هو من جنسه.
وأيضاً فإنه لو كان جَوهراً لصحَّ قيامه بنفسه إذ هذا خصيصة الجوهر، ولما لم يصح قيامُهُ بنفسه عُلِمَ أنه مَحمول لغيره، وهذا نعتُ العَرَض.
__________
(1) وهو اختيار شيخه أبي يعلى، انظر "العدة" 1/ 38.

(2) انظر الاختلاف في تعريف العقل في "العدة" 1/ 83 - 88، و"شرح اللمع" 1/ 90 - 91، و"البرهان" 1/ 111.
(1/22)

ولأنه لو كان جوهراً، ويصحُّ أن يقومَ بنفِسِهِ، لصَحَّ أن يحيا ويعقل ويكلَّف، فإذا ثبت أنه عَرَضٌ، فالدلالة على أنه ليس بعَرضٍ غيرُ العلم؛ أنه لو كان عَرَضاً غيرَ العلم، لصح وجود سائرِ العلومِ مع عدمِهِ حتى يكونَ العالمُ بدقائقِ الأمور غيرَ عاقلٍ، أو وجودُه مع عدم سائرِ العلوم، حتى يكون الكاملُ العقلِ غيرَ عالم بنفسه، ولا بالمدرَكَات، ولا بشيء من الضروراتِ، إذ لا دليل يوجب تضمُّن أحدِهما للآخر، وذلك نهاية الإِحالة، أوَ لا ترى أن سائرَ أنواع الأعراضِ يجوز أن يكون كل واحدٍ منها في المحل، ولا يكون بُدّا من حصول اتِّصافِ المحل بالعَرَض الآخر، بل إذا حَمَلَ الجسمُ عَرضاً من جنسٍ امتنع من حمله لأخرَ من جنسه مما يُضاده، فلما كان في مَسألتنا لا يصح أن يكون عالماً مَن ليس له عَقلٌ، ولا عاقلاً من ليس له عِلم، عُلِمَ أنه نوع من العلوم لا غير.
وأيضاً فإنه لو كان ليس من العلوم، لم يَخلُ أن يكون مثلَها أو ضِدَّها وخِلافَها، أو خلافَها وليسَ بضدٍ لها. ومحالٌ كونه مثلها لأنها مختلفة، والشيء لا يشبه أشياء مختلفة، ولأنه لو كان مثلها لاستغنى بها عن وجوده؛ لأن المِثل يَسُدُّ مَسَد المِثل، كالجوهر يَسدُّ مَسدَّ الجوهر، وَلَوجَبَ أن تكونَ العلوم عقلاً إذ لا يُشابه العقل ما ليسَ بعقلٍ. وَيستحيل أن يكون ضِدَّها وخلافَها؛ لأن ذلك يُفضي باستحالةِ اجتماعهما-أعني العقل والعلم- وذلك باطل باتفاق. بل لا يصح أن يكون عالماً إلا من كان عاقلاً. ومُحالٌ كَوُنه خِلافَها وليس بضدٍ لها؛ لأنه لو كان ذلك كذلك لجاز وجودُ كلِّ واحدٍ منهما (1) مع ضدٍّ صاحبه
__________
(1) في الأصل: "منها".
(1/23)

ووجود أحدهما مع ضدِّ الآخر، حتى يكون العَقل موجوداً مع ضِدِّ العلم وهو الجهلُ بالضروريات والمشاهدات، إذ العلم بالضروريات والدقائق موجود مع ضِدِّ العقل من الخيال والاختلال، وذلك معلوم فساده في العقل، فثبت أنه لا يجوز أن يكون جنساً مخالفاً لسائر العلوم.
فإذا ثبت هذا وأنه علم، فلا يجوز أن يكونَ كل العلوم ضَروريِّها وكسبيِّها؛ لأننا قد علمنا عُقلاءَ عِدةً خالين من العلوم الكَسبية النَظرية، ولا يجوز أن يكون كل العلوم؛ لأنه لو كان كذلك لكانَ كلُّ مَن فقد العلمَ بالمُدرَكات بعدمِ إدراكه لها غيرَ عاقل.
ولا يجوز أن يكونَ هو علمَ العالم بوجود نفسه وما عنده من لذةٍ وألم، وصِحة وسقم؛ لأنه لو كان كذلك لكان الأطفالُ والبهائمُ والمجانينُ عُقلاءَ لعلمهم بذلك من نفوسهم. فلم يَبق إلا ما ذكرنا، وأنه بعض العلوم الضرورية، وهو علم بوجوب واجباتٍ، واستحالةِ مُستحيلاتٍ، وجَواز جائزاتٍ (1)، فهذه العلوم التي يَختص بها العقلاء.
وبيان هذه الجمل، مثل العلم بأن الضَدين لا يَجتمعان، وأن الائنين أكثرُ من واحد؛ وأن المعلوم لا يَخرج عن أن يكون مَوجوداً أو غيرَ موجودٍ، وأن الموجودَ لا يَنفك عن أن يكون عن أولٍ أو لا عَن أولٍ، ومن ذلك حُصول العلم عن الأَخبار المتواترة، فمن حَصَلت له هذه العلوم عُدَ عاقلًا.
__________
(1) "المنخول": 44.
(1/24)

فصل
والفَهم: العِلم بمعنى القول عند سَماعه، ولذلك لم يوصف البارىء به؛ لأنه لم يَزل عالماً، وقد يُفهم الخطأ كما يُفهم الصواب، وُيفهم الكذب كما يُفهم الصدق. ولا سَبيل إلى النقض على المخالفين في الحق إلا بعد فَهم باطلهم، كما لا سبيل إلى اتباع مذهب أهل الحق، إلا بعد فهمه من أنهم (1) على الحق.

فصل
وإذا ثبت أنه (2) من بعض العلوم، فلا يَقبلُ الزيادةَ والنقصانَ؛ لأن العلم الكَسبي لا يقبل الزيادة، والضّروري أولى أن لا يقبل الزيادة، وما ورد في ذلك، فإنما هو من باب قولهم: فُلانٌ أعلم من فلان.
بمعنى أن معلوماته أكثر، كذلك أعقل؟ بمعنى أأن، تجاربه أكثر.
والتجارب قد تَجوزَ فيها قوم، فقالوا: هي (3) عقلٌ ثانٍ، وقالوا في المشورة: عَقلُ غَيرك مُنضمٌ إلى عَقلك. فهذا مَجاز، والحقيقة لا تَقبل التزايد، كقولنا: حَياة، وإرادة، وعِلم، وأمر، وقيامٌ بالنفس، وحصولٌ في المكان، فهذا كله لا يَقبل التزايد.
وكذلك العِلم والعَقل بعض العلوم، فلم يقبل ما لا تقبله العلوم.
__________
(1) في الأصل: "أنفسهم ".
(2) أي العقل.
(3) في الأصل: "هو".
(1/25)

فصل
واختَلف أهلُ العلم في التَّحسين، والتَّقبيح، والِإباحة، والحَظْر، هل هي من قضاياه؟.
فذهب أصحابُ الحديث وأهلُ السنة والفُقهاءُ إلى أن لا تَحسين ولا تَقبيح، ولا إباحة ولا حظر، إلا من قِبَل الشرع، وذهبَ كثير من المتكلّمين إلى، أن التَّحسين والتَّقبيح من قضايا العقل (1)، وإليه ذهبَ أبو الحَسن التَّميمي (2) - من أصحابنا- على ما حُكي عنه، والمُعوَّل على تَقبيح الشرعِ وتَحسينِهِ. والعَقل محكومٌ عليه لا حاكم في هذه القضايا.
والدلالة على ذلك بحَسَب هذا الكتاب، وأنه أصولُ فِقه لا أصول الدين، أنَّ القائلين بتَقبيح العقَل- كالبَراهمة (3) - قبحوا إيلام الحيوان وإتعابه، وحَسنوا منه ما لا يمكن دفع الأضرّ عنه والألم إلا به، وهو الأقل الذي يضطر إليه لدفع الأكثر، كالفَصد، والحِجامة، وقَطع المُتآكلِ، وأجمعوا على تَقبيح ما استغني عنه.
__________
(1) سيورد المؤلف في الصفحة (200) من هذا الجزء فصلَاً كاملًا في الفرق بين مذهب أهل السنة والمتكلمين في ذلك. وانظر "شرح مختصر الروضة" 1/ 402 - 409.
(2) عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث، فقيه حنبلي، صنف كتاب "الأصول" و"الفرائض"، توفي سنة 371 ه، "طبقات الحنابلة" 2/ 139.
(3) قوم من أهل الهند سُمّوا بذلك نسبة إلى رجل منهم يدعى: براهم، وهم ينكرون بعثة الرسل والنبوات أصلاً. "الملل والنحل": 506.
(1/26)

ثم إن الشرع أباحَ الِإيلام لا مَوقوفاً على هذا، إذ لا ضرورة إلى الِإيلام بل هو غني عنه، وأجمعنا على أن الشارع يؤلم من غير حاجةٍ، وأن ذلك حَسن، فبطل تحسين العَقل وتقبيحه.

فصل

ومحله القلب (1)، لقوله تعالى: ({أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ} [الحج: 46]، وقال: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ} [الحج: 46]، وقال عُمر في ابنِ عباس: لَه لِسانٌ سَؤولٌ، وقَلبٌ عَقول (2). وإضافَة العَرب الشيءَ إلى الشَيءِ إما لكونه هُوَ هُو، أو مَكانَه، وليس القلبُ عقلاً بإجماع، لم يَبْقَ إلا أنه مَحلُّ العَقل، بإضافَة الشيء إلى محله، ومن خَلَقَ العقلَ أعلمُ بمحله {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} [الملك: 14]، فلا الْتِفات إلى قولِ من يَقُول: [إن محلَّه في الرأس] (3).
__________
(1) أي: محل العقل. قال أبو يعلى في "العدة" 1/ 89: "ذكره أبو الحسن التميمي في كتاب العقل".
(2) أورده ابن عبد البر في "الاستيعاب" 3/ 1323، في ترجمة ابن عباس.
(3) ورد هنا في الأصل طمس بمقدار أربع كلمات، وقد أثبتناها اقتباساً مما ذكره أبو يعلى في "العدة" 1/ 84 - 89. وقد أُقحم في الأصل بعد هذا ما نصه: "وحكم العلة والقياس قضاء الشرِع المستنبط، فيمتاز عن أحكام الشرع الثابتة بالظواهر والنظر بهذا الوصف" يشرد العبارة في مكانها الصحيح في الفصل التالي.
(1/27)

فصل

ولما حَدَّدنا الفِقهَ بعلم الأحكام الشرعية، فلا بُدَّ بَعد بيان العلوم وطُرُقِها أن تُحَدَّ الأحكامُ جُملةً، ثم يُحَدَّ كل واحدٍ على حِدته.
فالأحكام: القَضايا، فهي ها هنا قضايا الشرعِ.
وحكمُ العِلَّة والقِياس: قضاءُ الشرع المُسْتَنْبَط، فيمتازعن أحكام الشرع الثابتة بالظواهر والنظر بهذا الوصف.

فمنها: الإباحة (1): إطلاق الشرع.
وقيل: إذنُ الشرع بالمباح المأذونِ فيه شَرعاً.
وقيل: إتمام مالَه فِعله، وكلُّ مُباحٍ حَسن.
وقيل: ما لا ثوابَ في فعله ولاعِقابَ على تركه.
الأولُ أصح؛ لأنه لا يدخل عليه فِعل الصبيان والمجانين، إذ لا يوصَفُ الشرع بأنه أطلقَ أو اذنَ في أفعالهم.
والتحديد بنَفي العِقاب يَبطُل بفِعْلِ الصغار والمجانين، فإنه لا ثوابَ فيه، ولا عقابَ عليه، وليسَ بموصوفٍ بالِإباحة، وكذلك خَطا العقلاء وما يصدر عنهم غفلةً، ومعَ نزع ذهولٍ، وحالَ الإِغماء.

والحَظْرُ: مَنع الشرع، فالمحظور (2): ما مَنعَ منه الشرع، وأصله: المنع، ومنه سُمي المُحتَظِر: مُحتظراً؛ إذ جَعلَ حول إبلهِ أو مَتاعه
__________
(1) "العدة" 1/ 167، و"شرح مختصر الروضة" 1/ 386، وانظر الصفحة (131) من هذا الجزء.
(2) انظر المحظور وما ذكر من أسمائه في "المحصول" (1/ 101 - 102، وانظر الصفحة (132) من هذا الجزء.
(1/28)

- في الجملة- مانعاً من العَوْسَج (1). وسُميت الحَظيرةُ بذلك من المَنع.
وقيل: ما في فِعله عقاب.
والواجب في أصل اللغه (2): الساقِط، من قولهم: وَجبَ الحائط، ووَجبتِ الشمس. والِإيجابُ: الإِسقاط، وهو الإِلزام، وها هنا هو إلزام الشرع.
وقد قيل: ما في فِعله ثَوابٌ، وعلى تركه عِقاب. ولا يُحتاج إلى ذِكر الثواب، بل إذا رُسِم برَسْم كفى قولُنا: ما في تركه عِقاب.
وقيل: ما لا يجوز تركه (3).

والحَدُّ هو الأول (4)، وهذه رسومٌ بِمُتَعلّقات وأحكام، فالثواب والعقاب أحكام الواجب. والإِيجاب شَيء وأحكامه شئٌ آخر، والتَّحديد بمثل هذا يأباه المُحقِّقون، حيث أبَوْا أن يَحدّوا الأمرَ بما كانَ المُمْتَثِل له طائعاً، والمُتَأبِّي عنه عاصياً، فإن هذه أحكام ومُتعلقات، وإنما حَدّوه باستدعاء الأعلى من الأدنى فِعلاً.
والفَرضُ في أصل اللغة: التأثير، مِن فرْضَة القَوس، وفُرْضَة
__________
(1) وهو شجر من شجر الشوك. "اللسان": (عَسَج).
(2) انظر تحقيق معنى الواجب لغة في: "شرح مختصر الروضة" 1/ 266 - 267.
(3) انظر بقية تعريفات الواجب في "العدة" 1/ 159 - 160، و"شرح الكوكب المنير" 1/ 345 - 349. والصفحة (124) من هذا الجزء.
(4) أي القول: بأنه إلزام الشرع.
(1/29)

النهر (1)، وهو ها هنا عِبارة عما ثَبت إيجابُه بنَصٍ أو دليلِ قَطع (2).

والنَّدبُ، قيل: هُو الحثّ على الفِعل في الأصل. وها هنا: هو الحثُّ على طاعةِ الله، ولا يَجوز أن يكونَ الحثُّ حَداً للندب، وهو آكَدُ من الاسْتِدْعاءِ، ومُجرد الاستدعاء يَقتضي الإِيجاب، فكيفَ يَقتض ي الحثُّ ما دونه، وهو النَّدب؟.
وقيل (3): ما في فعله ثواب، ولَيس في تركه عقاب.
ومن جعله أمراً حقيقة، قال: هو استدعاء أو اقتضاءُ الأعلى الأدنى بالفعل على وَجه الأولى، أو على وجه لا ياثم بتركه.
وقيل (3): الاستدعاءُ يَتضمن التَخيير بينَ الفِعل والترك لا إلى بَدل.
وأصله في الفُغة: الدُعاء. قال الشاعر:
لا يَسْألونَ أَخاهُم حينَ يَنْدُبُهمْ ... للنائِباتِ على ما قَالَ بُرهانا (4)
وُيريد (5): حين يدعوهم. وهو بالحث أنصع تحديداً من الدعاء
__________
(1) فُرضة القوس: الحَزّ يقع عليه الوتر (أي: المحل الذي يشد به الوتر في طرفي القوس)، وفُرضة النهر: مشرب الماء منه، وثلمته التي منها يُستقى.
"اللسان ": (فرض).
(2) انظر الصفحة (125) من هذا الجزء.
(3) في الأصل: "ويسأل".
(4) البيت لقُرَيط بن أنيف من قصيدة يهجو بها قومه ويمدح بني مازن. وهو في
"الحماسة" لأبي تمام 1/ 57، وفيه: "في النائبات" بدل: "للنائبات".
(5) في الأصل: "ويريدون".
(1/30)

والاقتضاء، لكن لا بد من تَقييده بالتَّخيير بين الفِعل والترك (1).
وأما الكَراهةُ، والمَكْروهُ: فإنه استِدعاءُ التركِ على وجهٍ لا مَأْثَم في فِعله، وهو مِن مَرتبة النَهي المُطلق الحاظر بمنزلة الندب من الإيجاب (2).

والمَشكوك: قيل: ليس بحكمٍ، وقيل: حُكم (3)، كما قال أبو حنيفة، وأحمد في رِوايةٍ في الجِمار (4)، والصحيح عندي أنه ليسَ بمذهب، وإنما هو مُترددٌ في النَفس بين أمرين لا يَرْجَحُ إلى أحدهما، وها هنا يكون التَردد بين حُكمين، والمُتَردد في طريق الطلب، والشاك في الجِمار، يَنبغي أن لا يكون له مَذهبٌ فيه.
و"الوَقف": قيل: مَذهب. لأنه يُفتي به، ويدعو إليه، وُيناظِر عليه، ويجب على القائل به إقامةُ الدليلِ عليه.
وقيل: الوقوف ليس بمذهب (5)، وإنما هو جُنوحٌ عن التَّمذهُب،
__________
(1) سيورد المؤلف بحث الندب باوسع مما هنا في الصفحة (126) من هذا الجزء.
(2) وانظر أيضاً في تعريف المكروه: "شرح اللمع" 1/ 107، و "البرهان" 1/ 310 - 312، و"شرح الكوكب المنير" 1/ 413 - 419.
(3) "شرح الكوكب المنير" 1/ 344.
(4) أي الشك في وقوع الجمار في مكان الرمي. قال المرداوي في "الِإنصاف" 4/ 33: "يشترط أن يعلم حصول الحصى في المرمَى على الصحيح من المذهب، وقيل: يكفي ظنه، جزم به جماعة من الأصحاب، وذكر ابن البنا رواية في الخصال: أنه يجزئه مع الشك أيضاً، وهو وجه أيضاً في المذهب وغيره"
(5) "المستصفى" 1/ 165.
(1/31)

والأول أصح.

فصل
ولما قَدَّمنا ذكر الأصول التي تَنبني عليها هذه الأحكام وَجب بَيانها، وهي الأَدلة التي تَستند إليها.
فالدليل: هو المُرْشِدُ إلى المطلوب (1).
والدالُ: هو الناصِبُ (2) للدلالة.

والمُستَدِلُّ: هو الدالُّ، وقيل: الدالُّ هو الدليل. والمُستَدِل: هو الناصب للدليل.
والاستدلال: طَلبُ المدلول (3).
وقال قوم: الدليل هو الفاعل للدلالة. وليسَ بصحيحٍ؛ لأن اللهَ سُبحانه خَلقَ الدلائل، ولا يُطلق عليه اسم دَليل.
وقال قوم: الدليل: ما نُظر فيه، فأَوجب النَظرُ فيه العِلمَ، فهو الدليل، وما أوجبَ النظرُ فيه ظَناً- والظنُّ: تَغليبُ أحد المجوَّزَين، وقيل: العِلَّةُ لأحدِ المُجوَّزَين أو المُترددَين في النًفس مِن غير قَطعٍ- فهو الأمارة، وفرقوا بين (4) الأمارة والدلالة بموجباتها، فما أفضى بالناظر
__________
(1) وهذا تعريفه لغة، أما في الاصطلاح: فهو ما يمكن التوصل بصحيح النظر
فيه إلى مطلوب خبري. انظر: "شرح الكوكب المنير" 1/ 51 - 52.
(2) في الأصل:" الباحث". وانظر "الكافية" للجويني: 46.
(3) هكذا ذكره المؤلف ها هنا، وسياتي في الصفحة (447): الاستدلال: طلب الدلالة.
(4) تحرفت في الأصل إلى: "ومن قوانين".
(1/32)

فيه إلى الظن فهو أمارة، وما أفضى به إلى العلم فهو دلالة.
فالأول من الأصول- وهي الأدلة التي انْبنَتْ (1) عليها أحكام الفقه- هو: الكِتاب. ودلالته ستة أقسام: ثَلاثة من طَريق النُّطق، وثَلاثةٌ من جهة المعقول من اللَّفظ، فالتي (2) من جِهة النطق: نَصٌ، وظاهِرٌ، وعُموم. والمعقول: فَحوى الخِطاب، ودَليل الخِطاب، ومَعنى الخطاب.
فالنص: ما بَلغ من البَيان غايته، مأخوذٌ (3) مق مِنَصَّةِ العَروس (4).
وقيل: ما لا يَحتَمِل التَّأويل. وقيل: ما استَوى ظاهِرُه وباطنه.
وقيل: ما عُرِف مَعناه من لَفظِه (5).
والظاهر: ما ترددَ بين (6) أمرين. وقيل: ما احتمَل أمرين، وهو في أحدهِما أظهر (7).
__________
(1) في الأصل: "أثبت".
(2) في الأصل: "فالنص".
(3) في الأصل: "فمأخوذ".
(4) المِنصَّة: ما تُظهر عليه العروس لتُرى: "اللسان": (نصص).
(5) "العدة" 1/ 137، "البرهان" 1/ 412، "المستصفى" 1/ 157، وسيكرر المؤلف هذه التعريفات في الصفحة (91).
(6) في الأصل: "من".
(7) قال الطوفي في (شرح مختصر الووضة) 1/ 558: ينبغي أن يقال: "هو في أحدهما أرجح دلالة"، لئلا يصير تعريفاً للظاهر بنفسه.
(1/33)

والعموم: ما شَمل شَيئين فَصاعِداً شمولًا واحداً.
وقيل: ما عَمَّ شيئين على وجهٍ واحدٍ. ولايجوز أن يقال في حَد عموم: عَمَّ؛ لأنه مصرَّفٌ من اسمٍ بَعدُ ما علمناه، وقد أفسدنا ذلك في قولِ من قال في عِلم: مَعرفة المعلوم (1).

فصل
فالنصُّ: كقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} [النور: 2]، وكقوله: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الأنعام: 151]. وحُكمه أنْ يُصارَ إليه ويُعملَ به، ولا يُترك إلا بنصٍّ يُعارِضه.

فصل
وأما الظاهر: فهو كل لَفظٍ تَردَّدَ بين أمرين، هو في أحدهما أظهر.
فهو في الألفاظ بمنزلة الظنَ المتردد في النَفس بين أمرين، وهو في أحدهما أظهر. وهو ضَربان: ظاهرٌ بوضع اللغة، وظاهرٌ بوضع الشرع.
فالظاهر بوضع اللغة؛ كالأمر يَحتمل النَّدب والإِيجاب، لكنه في الإِيجاب أظهر (2)، والنهي يحتمل التَنزيهَ والحظْرَ، وهو في الحَظر أظهر، وكسائر الألفاظ المحتملة لمعنَيين وهو في أحدهما أظهر.
__________
(1) انظر ما تقدم في الصفحة (10).
(2) مثل له القاضي أبو يعلى في "العدة" 1/ 141 بقوله تعالى: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ
اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ}.
(1/34)

وحُكمه أن يُحمل على أظهر مُحتَمليه، ولا يُصار إلى غيره إلا بدليل.
وأما الظاهرُ بِوَضْعِ الشرع؛ كالأسماء المنقولة من اللُّغة إلى الشرع، على قولِ من أثْبَتَ نَقلها، كالصلاةِ في الأصل اسم للدعاء، ونُقلت في الشرع إلى هذه الأفعال المخصوصة، والحجِ اسمٌ للقَصد، وفي الشرع: اسمُ هذه المناسك والأفعالِ المعروفة، وغير ذلك من الأسماء المنقولة من اللغة إلى الشرع.
وحكمه أن يُحمل على ما نُقِل إليه في الشرع، ولا يُحمل على غيره إلا بدليل.
وقال قوم: ليسَ في الأسماء شيءٌ منقول، بل كل اسم زِيدَ عليه مَعاني مع بَقائِه على أصله (1)، كما زيدت الطهارة إلى الصلاة، ولم تَصِر زيادةً على الصلاة بل مَضمومة إليها مَزيدة عليها. فعلى هذا القول لا تُحمل على غير موضوعها من اللُّغه إلا بدلالة (2).

فصل

فاما العموم؛ فألفاظه أربعة (3):
أسماء الجموع؛ كالمسلمين والمشركين والأبرارِ والفُجارِ.
والاسم المُفرد إذا عُرِّف بالألف واللام؛ كالرجل والمرأة،
__________
(1) وهو ما قاله القاضي أبو يعلى في "العدة" 1/ 190.
(2) انظر الصفحة (100) من هذا الجزء والصفحة (11) من الجزء الثاني.
(3) انظر "شرح اللمع" 1/ 309 - 318.
(1/35)

والمسلم والمشرك.
وقال بعض العُلماء: لا يكون هذا من الفاظ العموم (1). والأول أصح.
والأسماء المبهمة ك"مَن" فيما يَعقل، و"ما" فيما لا يَعقل، و"اي" في الجميع، و"حيث" و"أين" في المكان، و"متى" في الزمان، والنَّفي في النكرات، كقوله: لا رَجلَ في الدار، ولا يُقتَل مُسلم، ومارأيتُ رَجلًا، وما أشبهه، فحكمُ هذا أن يُعملَ به وُيصارَ إليه ولا يُخص إلا بدليل (2).

وأما مَعقول اللَّفظِ؛ فثَلاثة أيضاً: فَحوى الخِطاب، ودليل الخطاب، ومعنىْ الخطاب.
فأما الفَحوى؛ فقد اختلِف فيه، فجعله أصحابنا وجماعة من الأصوليين من جُملة النُّطق.
وقال قومٌ: هو من مَعقول اللَّفظ؛ وهو أن يَنص على الأعلى، وُينبه على الأدنى، كما نَبَّه على الائتمان على الدّينار بالائتمان على القِنْطار، ونَبَّه بنفي الائتمان على القنطار بنفي الائتمان على الدينار (3)،
__________
(1) لأنه يفيد الجنس لا الاستغراق، وهو قول الفخر الرازي، وأبي هاشم الجبائي، انظر: "المحصول" 2/ 367، و"المعتمد" 1/ 227.
(2) في الأصل: "بذلك".
(3) في قوله تعالى في سورة آل عمران الآية 75: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ}.
(1/36)

ونَبه بالنهي عن التَّأفيف على ما أدنى منه من الأذايا (1)، وكنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التضحية بالعَوراء (2) تَنبيهاً على العمياء، فحكم هذا عندنا حكم النَص على مامضى.

وأما دَليل الخِطاب: فهو تَعَلق الحكم على أحَدِ وَصْفَي الشيء، وعلى شَرطٍ أو غاية، فَيدل على أن ما عَداه بخلافه؛ كقوله تعالى: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ} [الطلاق: 6]، وكقوله عليه السلام: "في سَائمةِ الغَنمِ زَكاة" (3)، فَيدل على أن غيرَ الحامل لا نَفقةَ لها، وغيرَ السائمة لا زَكاة فيها، وفي ذلك خِلافٌ يأتي إن شاء اللهً في مَسائل الخلاف.
وأما معنى الخِطاب: فهو القِياس، وله مَوضغ يَخًصُّه، لكن قَدمناه
__________
(1) في قوله تعالى في سورة الإسراء الأية 23: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا}.
(2) أخرج أحمد 4/ 284 و289، والدارمي 2/ 76 - 77، وأبو داود (2802)، والترمذي (1497)، والنسائي 7/ 214، وابن ماجه (3144)، والبيهقي 5/ 242 و 9/ 274 من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أربع لا تجوز في الأضحى: العوراء البيَّن عورها، والعرجاء البين عرجها، والمريضة البين مرضها، والكسير التي لا تُنقي".
(3) طرف من حديث أنس بن مالك في الصدقات، أن أبا بكر كتب له هذا الكتاب لما وجهه الى البحرين:" بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله على المسلمين .. "، وفيه: "في سائمة الغنم الزكاة"، رواه أحمد 1/ 11 - 12، والبخاري (1445)، وأبو داود (1567)، والنسائي 5/ 27 - 29، وابن ماجه (1800)، والدارقطني 3/ 112 - 114، والحاكم في" مستدركه" 1/ 390 - 392، والبيهقي 4/ 85، 86.
(1/37)

مع ذكرنا الأدلة.
وحَدُه: هو جَمعٌ بَين مُشْتَبِهَيْن بالنظر لاستخراج الحكم.
وقيل: هو حَمْلُ فَرع على أصل بعلةٍ جامعة، وهذا فيه نَوعُ تخصيصٍ بقياسِ العِلة.
والأَجْودُ أن يمال: شَرائطه مُؤثّرة، وإجراء حُكم الأصل على الفَرع.
وهو على ضُروب يأتي ذكر ها في مَكانه إن شاء الله.

فصل
فأما السنَّة، فدلالتها من ثلاثة أوجه: قَول، وفِعل، وإقْرار.

فالقول ضَربان: مُبتدأ، وخارِج على سَبب.
فالمبتدأ ينقسم إلى ما انقسم إليه الكتاب من النَّص، والظاهر، والعموم.
فالنص؛ كقوله عليه الصلاة والسلام: "في أرَبعينَ شاةً، شاةٌ" (1) وما أشبهه، فحكمه أن يُصارَ (2) إليه وُيعملَ به، ولا يترك إلا لنص مثله.
وأما الظاهر؛ كقوله عليه الصلاة والسلام: "حُتَيهِ، ثُم اقْرُصِيه، ثم اغسِليه بالماء" (3)، "صُبوا على بَولِ الأعرابي ذَنوباً مِن ماء" (4)، فَيُحمَلُ
__________
(1) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة تعليق (3).
(2) في الأصل: "يضاف".
(3) أخرجه مالك في "الموطأ" 1/ 60 - 61، والبخاري (307)، ومسلم (291)، والترمذي (138) من حديث أسماء رضي الله عنها.
(4) أخرجه من حديث أبي هريرة: أحمد 2/ 239، والبخاري (220) =
(1/38)

على الوجوب، ولا يُصرف إلى الاستحباب إلا بدليل.
وأما العموم؛ كقوله: "مَن بَدَّلَ دينَهُ فاقْتُلوه" (1)، فيُحمل على العُموم ممن يَعقل من الرجال والنساء، إلا ما خَضه الدليل.
والخارج على سبب، ضَربان: مُستَقل (2) دون السبب؛ كقوله - جَوابَ قَولهم: إنك تَتوضأ من بئر بُضاعة، وهي تُطرح فيها المحائِضُ، ولحومُ الكلاب، وما يُنْجي الناسُ-: "الماءُ طَهورٌ لا يُنجسه شَئ" (3). فحكمه أن يُصارَ إليه كما يصار إلى المبتدأ، ولا يخص ولايُقصرعلى سَببه، وقد ذهب بَعض العلماءإلى قَصْره على سَببه الذي وَرَد فيه (4)، وليسَ بشيء.
والضرب الذي لا يَسْتقل دونَ سَببه، كما رُوي: أن أعرابياً قال:
__________
= و (6128)، والترمذي (147)، وأبو داود (380).
وأخرجه من حديث أنس بن مالك: البخاري (219) و (221) و (6025)، ومسلم (284) و (285).
(1) أخرجه من حديث ابن عباس: أحمد 1/ 282 و283 و322، والبخاري (3017) و (2922)، وأبو داود (4351)، والترمذي (1458)، والنسائي 7/ 104، وابن ماجه (2535)، وابن حبان (4475) و (5606)، والحاكم 3/ 538 - 539، والبيهقي 8/ 204 - 205.
(2) في الأصل: "مستقبل".
(3) أخرجه من حديث أبي سعيد الخدري: أحمد 3/ 15 و 31 و86، وأبو داود (66)، والترمذي (66)، والنسائي 1/ 174.
قولهم: "وما ينجي الناس"، أي: يلقونه من العذرة، يقال: أنجى، اذا ألقى نجوه. "النهاية" 5/ 26.
(4) وهم بعض أصحاب الشافعي كما سيذكر المصنف في الصفحة (16) من الجزء الثاني.
(1/39)

جامعتُ في نَهارِ رَمضان، فقال: "اعْتِقْ رَقَبَة" (1)، فَنَصُّ قوله مع السبب كالجملة الواحدة، فكانه قال: إذا جامعتَ فأعتِق رَقَبة.

فصل
وأما الفِعل، فَضربان:.
أحدهما: ما فَعله على غَيرِ وجه القُربة؛ كالمشي، والنوم، والأكل، فيدل على الجواز، وهذا يُشير إلى أصل، وأن أَفعالَه في الأصل الاقتِداءُ به، ولا تختص به إلا أن تَقومَ دِلالةُ تخصيصِ ذلك به.
والثاني: ما فَعَله على وجه القُربة، فهو على ثَلاثةِ أضرب: أن يكون امتثالًا لأمبر فيُعتبر بذلك الأمر، فإن كان واجباً فهو واجب، وإن كان الأمر نَدْباً فالفِعل نَدب.
والضرب الثاني: أن يكون ما فَعله بياناً لِمجملٍ فيُعتبر بالمُبَيّن، فإن كان واجباً، فهو واجب، وإن كان ندباً فهو نَدب.
والثالث: أدأ يكون مُبتدأ، ففيه مذاهب:
أحدها: أنه يَقتضي الوجوب ولا يُصرف إلى غيره إلا بدليل.
والثاني: يَقتضي النَّدب، ولا يُصرف عنه إلا بدليل.
والثالث: أنه على الوقف، ولا يُحمل على واحدٍ منهما إلا بدليل.
__________
(1) أخرجه أحمد 2/ 208 و 241 و281، والد ارمي 2/ 11، والبخاري (1936) و (1937) و (2600) و (5368) و (6087)، ومسلم (1111)، وأبو داود (2390)، والترمذي (724)، وابن ماجه (1671)، والبيهقي 4/ 221.
(1/40)

فصل
وأما الِإقرار؛ فضربان: إقرارٌ على قَولء، وإقرارٌ على فِعل.
فالقول؛ مثل ما روي أنه سَمع رجلًا يَقول: الرجل يجد مع امرأتهِ رَجلًا، إن قَتل قَتلتموه، وإن تكلَّم جَلدتمهوه، وإن سكتَ سَكتَ على غَيظ، أم كيف يصنع (1)؟، فكأنَه لما سكتَ، قال ذلك.
والثاني: أن (2) يَرى من يَفعل شيئاً، فيسكت عَنه، مثل ما روي أنه رأى قَيسَ بن قَهْدٍ يُصلي رَكعتي الفَجر بعد الصبح، فلم يُنكر عَليه (3)، فكأنه فعلَ هذا أو أجازه نطقاً. وقراره لأبي بكرٍ الصديق على الاجتهاد بحضرته، وقوله: إن أقررتَ أربعاً رَجَمكَ رسول الله (4).
وهذا، وإن كان قَولاً فَقد صَدَرَ عن اجتهادِ القَلب.
__________
(1) أخرجه من حديث عبد الله بن مسعود: أحمد 1/ 420 و448، ومسلم (1495)، وأبو داود (2253)، وتمامه: فقال: " اللهم افتح" وجعل يدعو، فنزلت آية اللعان: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ} فابتلي به ذلك الرجل من بين الناس، فجاء هو وامرأته إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتلاعنا، فشهد الرجل أربعَ شهادات بالله: إنه لمن الصادقين، ثم لعن الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، فذهبت لتلعن فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - "مه"، فأبت، فلعنت، فلما أدبرا قال:" لعلها أن تجيء به أسودَ جعداً"، فجاءَت به أسود جعداً.
(2) في الأصل: "أنه".
(3) أخرجه أحمد 5/ 447، وأبو داود (1267)، والترمذي (422)، وابن ماجه (1154)
(4) أخرجه أحمد 1/ 8، وأورده الزيلعي في "نصب الراية" 4/ 77، من حديث أبي بكر رضي الله عنه قال: كنت عند النبي - صلى الله عليه وسلم - جالساً، فجاء ماعز فاعترف =
(1/41)

فصل

وأما الِإجماع: فهو اتّفاق فُقهاء العَصر على حكم الحادثة، وقال قَومٌ: عُلماء. وذلك حَدٌ بالمشترك، فإنّ اتفاقَ النحاةِ، وأهلَ اللغة، والمفسرين ليس بِحُجة، وإن كانوا عُلماء، ولايعتد بقَولهم في حادثة (1).
والمُجمع على كونه إجماعاً: ما اتَفَقَت فَتْواهم فيه نطقاً.
واختلف العلماء في فَتوى بَعضهم أو فِعله، وسكوتِ الباقين من غيرِ نكيرٍ، مع انتِشار ذلك فيهم. فقيل: حجة وليس بإجماع. وقيل: هو إجماع (2).
وإنما أَخرتُ ذكر الِإجماع لأن ما تَقدم يَصلح أن يكونَ دليلاً يَستند إليه الِإجماع، وإن كانَ بعضُ ما تقدمَ دون الإِجماع.
والإِجماعُ في رتبة النَّص، وإن كانَ حكمه أن يُعمل به ويُصار إليه، فلا يَجوز تركه بحال، ويتأكد على النَّص بمرتبة؛ وهي (3) أن
__________
= عنده مرة، ثم جاء فاعترف عنده الثانية، فرده، ثم جاء فاعترف الثالثة، فرده، فقلت له: إنك إن اعترفت الرابعة رجمك، قال: فاعترف الرابعة، فحبسه، ثم سأل عنه فقالوا: لا نعلم إلا خيراً، فأمر به فرجم.
(1) ذكر الطوفي عدة تعريفات للِإجماع، وما يرد على كل منها: "شرح مختصر الروضة" 3/ 6 - 8.
(2) وهو ما رجحه الفتوحي في "شرح الكوكب المنير" 2/ 212، وقال: "اختاره أبو الخطاب من أصحابنا، وقطع به أبو إسحاق الشيرازي، واختاره الغزالي في "المنخول"، وصرح به أبو الحسين البصري في "المعتمد".
(3) في الأصل: "وهو".
(1/42)

النص وإن كانَ قول المعصوم في خَبره وحُكمه، لكنه يَصح أن يَرِدَ مثله بحيثُ يُعارضه ويقضي عليه بالنسخ؛ لأنه في عَصر نزول الوحي، فيقضي الأخرُ على الأول. فأما الِإجماع، فإنه مَعصوم عن الخطأ، مَحفوظٌ عن المُعارضة والنسخ، إذليس له مِثله فيَقضي عليه.
وأما تَخصيصُه بالصحابة، أو بأهلِ المدينة، أو بأهل البيت، فَعلى خلافٍ بين الناس، وسَيأتي في مسائل الخِلاف من الكتاب (1) إن شاء الله، ونُبَيَّنُ الصحيح عندنا في ذلك.

فصل

وأما قَولُ الصحابي الواحد إذا لم يَنتشِر بينَ الباقين، فهل هُو حجة؟ على خلاف، فَبعضهم ذكر أنه حُجةٌ بنفسه، وبعضهم جَعله حُجةً مع قياس ضَعيف، وبعضهم قال: ليس بحجةٍ، وإنه كقولِ واحدٍ من سائر المجتهدين. وسياتي ذلك في الخلاف من الكتاب (1) إن شاء الله.
وحكمه إذا قيل: حُجة، أن يُعمل به، وُيصار إليه، وهل يَجوز أن يُخَصَ به العُموم، ويُصرفَ به ظاهر السنة والكتاب؟ على خلاف بين الناس. وهو على قول من جَعله حُجة، مِمّا يَفتقر أن يَستند إلى دلالةٍ، كالقياس لا بد له من دلالةٍ وشاهدٍ يَشهد بصحته. والِإجماع أيضاً لا بُد أن يَستند إلى دلالةٍ من أحد الدلائل المتقدمة، وإذا جاءَ
__________
(1) سياتي في الجزء الأخير من الكتاب.
(1/43)

قولُ (1) صحابي آخر بخلافه، رُنجَحَ بينهما ترجيحُ الأدلة.

فصل

وأما استِصحاب الحال، فهل هو دَليلٌ أم لا؟ فالعلماءُ المحققون على القول بأنه دليل، وخالف كونَهُ دليلاً بعضُ من لا يُعتمد (2).
وهو ضَربان: استِصحابُ حالِ العَقلِ في إبراءِ الذمة، وإخلاءُ الساحةِ من حقٍ لم تَقم به دِلالةُ الشرع، وهو دليل يَفزع إليه المجتهدُ عند عدم الأدلة.
وصورته: قولُ المستدل في مَسالةِ نَفي وُجوب الديةِ الكاملةِ في قَتل الكِتابي (3): الأصلُ براءةُ ذِمةِ هذا القاتل من الزائد على الدية، فمُدعي الزيادةَ على هذا المقدار عليه الدليل.
والضرب الثاني: استصحابُ حالِ الإجماعِ، وفيه خلافٌ بين العُلماءِ، فبعضهم لا يجعلُهُ دليلاً، وبعضهم جعلَه دليلاً، فمن لم يجعلْهُ دليلاً اعتمد على أن الخِلاف المسوغ مَنعَ مِن بقاء الاجماع،
__________
(1) في الأصل: "جاء على قول "ولعل "على" زائدة.
(2) نسب الطوفي القول بعدم حُجيته إلى الأحناف وأبي الحسين البصري وبعض المتكلمين. انظر "شرح مختصر الروضة" 3/ 148.
(3) اختلف في مقدار ديته؛ فهي ثلث دية الحر المسلم عند الشافعي وإحدى الروايتين لأحمد، وهي نصف دية المسلم عند مالك، ومثل دية المسلم عند أبى حنيفة. "العدة" 4/ 1269.
(1/44)

إذا لا يسُوغُ (1) اجتهاد مع الإجماع، ولا سُلطان للإِجماع مع حدوث التَسويغ، فالبَقاء على حالٍ قد استحالت لا وجه له.
ومثاله: قول من ذَهب إلى المنع من الخُروج عن الصلاة لرؤية الماء (2): الأصلُ انعقاد صَلاته بالإجماع، فلا يزول عن القول بصحتها إلا بدليل. فليس بتمسكٍ صحيح، لأن الإجماع انعقد على انعقاد صلاةٍ لم يرَ فيها الماء، فلا يَبقى إجماع لموضع الخِلاف (3).
__________
(1) في الأصل: "لا تشريع".
(2) هو قول الثافعي، انظر "الأم " 1/ 141.
(3) انظر تفصيل ذلك في "العدة" 4/ 1262. وسيورد المصنف ما أورده هنا في الصفحة (68) من الجزء الثاني.
(1/45)

فصول
في بيان حدود، ورسوم، وخصور، لا يُستَغنى عن بيانها، لحصولها مُبددة في الكتاب، واستناد الأبواب والفصول إليها، واعتمادنا في هذا الكتاب عليها.

فصل
في النظر: وهو الأصل في تَحصيل هذا الأمر، والطريق إليه. وهو: اسم مشترك يَقع على الرؤية بالبصَر، قال سبحانه: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)} [القيامة: 22 - 23]، وعلى الانتظارِ للمنتَظِر، والتَّوقع له {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} [النمل: 35].
وهو ها هنا: التأفُل والتفكُر والاعتبار بمعرفة الحق من الباطل، والفَصل بين الحجة والشُبهة، وهو فِكرة القلب، وتأمله، ونَظرهُ المطلوب به علمُ هذه الأمور، وغلبةُ الظنَ لبعضها، وقد يصيب الناظرُ فيها وقَد يُخطىءُ، وكِلاهما نظرٌ منه، وقد ينظر في شُبهٍ وفي دَليل، وقد يَصل بنظره إلى العِلم تارةً إذا سَلَكَ فيه المسلكَ الصحيحَ ورتّبه على واجبه ومقتضاه، وقد لا يَصل إليه إذا قَصَّر وغَلِط وخَلط فيه، أو نظر فيما هو شبهة وليس بدليل.
(1/46)

فصل
وللنظر آلة، وغَرض:
فالاَلة: هي المطلوب من أجل غيره.
والغَرضُ: هو المطلوب من أجله في نَفسه.
فالغرضُ، كالمعرفةِ باللهِ ورسولِه، فإنَّ حاجةَ المكلًفِ إلى ذلك مُناسبة، إذ كانَت المعرفة بالله ورسوله فَريضة واجبة، ولا يوصَل إليها إلا بالبُرهان، والبُرهان آلة يُتوصل به إلى حصول المعرفة.
والغَرض في الجدل- بعد النظر المختص بالِإنسان- هو إظهارُ الحق من الباطل، وتَحديدُ السؤال والجواب هو الآلةُ لذلك، وكذلك تَحديدُ الإِلزامِ والانفصالِ، وكذلك تحديدَ القِياس والبرهان، وكذلك علم الاتفاق والاختلاف.
والغرض في النحو: مَعرفة الصواب في تَصرّف الكلام والإِعراب، وتحصيلُ الشواهدِ آلةٌ لذلك، وكذلك الأصولُ المتفقُ عليَها، وكذلك القياسُ في النحو آلة.
والغَرض في الفقه: إصابةُ الحق في الفُتيا، ومعرفةُ الأصول من الكتاب والسُنة والِإجماع آلة.

وكذلك الغَرض في علمِ الكلام: إصابةُ الحقِّ في أصل الديانات (1)، وذلك خَمسةُ أَضْرُبٍ: مَعرفةُ اَلله تعالى، ثم مَعرفة ما يَجوز عليه مما لايجوز عليه، ثم مَعرفةُ الرسولِ، ثم معرفة ما يَجوز عليه مما لا يجوز، ثم معرفةُ أصل الفُتيا من الإجماع، والاجتهاد بِحُجَّةِ
__________
(1) هذه العبارة من المؤلف موهمة، ففيها مدح لعلم الكلام وإظهار الجانب الحسن =
(1/47)

العقل آلة لجميع ذلك.
وكذلك الجدَلُ آلة، وكل آلةٍ للجدل (1) آلة لعلم الكلام؛ من تَحديد السؤال والجواب، والِإلزام، والانفصال، والقياس، والبُر هان، والاتفاق، والاختلاف.
والغَرض في الجملة على ضَربين: إصابة نِفعٍ، وإزالةُ ضَرَر، وكلُّ لَذَّة ليسَ عليها تَبِعة في دُنيا ولا اَخرة؛ فهي غرض، وكل سَلامة من أَلمٍ (2) هي غَرض، إلا أن يؤدي إلى نفعٍ هو أوفر وأعظم، أو ألمٍ هو أشد وأكبر.

فصل
وقد يَظفَر الطالبُ- وهو الناظر- بدليلٍ هو آلة لحكيمٍ، ثم يكون على نَظره لطلب آلةٍ أُخرى في طَيِّ تلك الآلة تكون لغرض اَخر، وهو حكم تَعديةٍ للحكم.
مثال ذلك: ظَفرهُ بالنصِّ على تَحريم التَفاضل في (3) الأعيان الستة (4)، فَقد ظَفِر ببادِرة النُطق بتحريم التفاضل فيها، وينظر نَظراً ثانياً
__________
= منه، ولم يزل العلماء من أئمة السلف يذمون هذا العلم ويحذرون من الاشتغال به، والحق واضح في كتاب الله وسنة رسوله، فهمه السلف الصالح، دونما حاجة إلى علم الكلام.
(1) في الأصل: "الجدل"، ولعل ما أثبتناه أولى.
(2) في الأصل: "المرء".
(3) في الأصل: "من".
(4) وهي المذكورة في الحديث: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح إلا سواء بسواء، عيناً بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى".
أخرجه من حديث عبادة بن الصامت: الدارمي 2/ 259، ومسلم =
(1/48)

في عِلة ذلك الحكم لِيُعَدي إلى غَير الأعيان حكمَ الأعيان، فيكون طَلبه الثاني لعلّةِ الحكم، وتكون تَعديته بحسَب العِلّة، فإن كانَ الكيلَ عَدَّى إلى كل مَكيل، وإن كانَ الطُّعْمَ عَدَّى إلى كل مَطعوم، وإن كانَ القوتَ عَدَّى إلى كل مُقتات، وإن لم يَظهر له ما يَصلح أن يكونَ علَّته وَقف على المنصوص عليه، كوقوف أصحاب الشافعى رحمة الله عليه على الثَّمَنيَّةِ في الذهب والفِضةِ، فلم يَتعدَّواَ بالنص مَوزوناً غيرَهما مع ثبوت صِحة العِلَّة الواقفَةِ عِندهم، وأنه يكفي في التعليل إفادةُ العِلّة، وأنه ثبت مُعلَّلًا بعلةٍ تقف على المحل، والكلام في ذلك يأتي شافياً في مَسائل الخِلاف (1) إن شاء الله.

فصل
وتَتفاوت (2) أذهانُ المجتهدين في التَّعدية والجُمود على محلِّ النص، فقد يُقْدِم على التَّعدية مُقْدِم لقُصوره عن الخَصيصة التي توجب وقوفَ الحكم على مَوضعِ النص، وقد يَجمُدُ عن التعدية مُقَصر لَم يَنكشف له وجه التَّعدية والِإلحاق، وهذه مَزَلّة، قدام، وبيان مَقادير الرجال في إلحاق الأشباه بالأشباه، وقطع المُتَّحِدات عن التعدية والإِلحاق.
__________
= (1587) (80) و (81)، وأبو داود (3349)، والنسائي 7/ 274 وه 27، وابن ماجه (2254). ومن حديث أبي سعيد الخدري أخرجه مسلم 3/ 1211 (82).
(1) في الجزء الأخير من الكتاب.
(2) في الأصل: "وتَتَقارب".
(1/49)

مثال ذلك: قَطْعُ اصحاب أبي حَنيفة النَّبيذَ عن الخمر (1) ومرادَ الخمرِ بالتحريم عنها مع استوائَهما في الاشْتِداد والإِطراب (2).
ومثلُ قَطْع أصحابنا وأصحاب الشافعي للجماعِ في نَهار رمضان عن الأكلِ في إيجابَ التكفير (3)، مع استوائهما في الهَتك بالمقصود المَرغوب.
ومثلُ قَطْعِ أصحاب مالكٍ وأصحابِنا جِماعَ الناسي في رمضان عن أَكله وشربِه، مع تَساويَ إسقاط الحَرَج والمُؤاخَذة فيهما (4).
ومثلُ قَطْعِ أصحابِ أبي حَنيفةَ كَفارةَ الطهار، بنَفي اعتبار الإيمان في رَقبتها عن كَفارة القَتل، مع تساويهما في مِقدار الصوم وتتابُعهِ فيهما (5).
وقَطْعِ أصحاب أبىِ حَنيفة وأصحابنا- فىِ إحدى الروايتين- قَتلَ العمدِ عن قَتلِ الخَطأ فىِ إيجاب الكفَارة رَأساً (6).
__________
(1) في الأصل: "التمر"، وانظر "الدرر الحكام في شرح غرر الأحكام" 2/ 87.
(2) لأن الخمر عند الحنفية هي التي من عصير العنب إذا غلا واشتد وقذف الزبد، بخلاف نبيذ التمر والزبيب وإن غلا واشتد وسكن "الدرر الحكام في شرخ غرر الأحكام" 2/ 87.
(3) "المغني" لابن قدامة 4/ 365 - 366، و"الأم" 2/ 82.
(4) لا ينطبق ما ذكره المصنف على مذهب الإمام مالك لأنه يوجب القضاء على من أكل أو شرب أو جامع ناسياً في نهار رمضان بخلاف الحنابلة، حيث يوجبون القضاء على المجامع ناسياً دون الآكل والشارب. انظر "المدونة" 1/ 208، و "الكافي" 1/ 341، و" المغني" 4/ 374.
(5) "الدرر الحكام في شرح غرر الأحكام" 1/ 394، و"المغني" 11/ 81.
(6) "المغني" 12/ 13 و 21.
(1/50)

وما ذاك كله إلا لتفاوتهم في قوة النظر في الإلحاق والقَطع.

فصل
فالنظرُ الأول: في فَهم مخارج كلامِ الشارع.
والنظرُ الثاني: في استخراج العِلَل إن كانت، وإسقاط التعليل إن لم يكن.
والنظر الثالث: في الجَمْع والقَطع.
فالأول؛ مثل ما رَوى أصحابُ أبي حنيفةَ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا رِبا في دَارِ الحَرب" (1)، وادَّعَوا أن المُرادَ به نَفيُ حُصولِ الرِّبا. وفَهِم أصحابُنا، وأصحابُ الشافعي نَفيَ الحكم نَهياً لا رَفعاً إلحاقاً بقوله: "لا جَلَبَ ولا جَنَب ولا شِغَار" (2). وقوله تعالى: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ}
__________
(1) أورده الزيلعي في "نصب الراية" 4/ 44، وقال: قلت: غريب، وأسند البيهقي في "المعرفة في كتاب السير" عن الشافعي، قال: قال أبو يوسف: إنما قال أبو حنيفة هذا لأن بعض المشيخة حدثنا عن مكحول عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا ربا بين أهل الحرب"، أظنه قال: "وأهل الِإسلام"، قال الشافعي: وهذا ليس بثابت، ولا حجة فيه.
(2) أخرجه أحمد 4/ 429 و439 و443، والنسائي 6/ 111 و228، وأبو داود (2581)، والترمذي (1123)، والبيهقي 10/ 21 من حديث عمران بن حصين.
وقوله: "لا جلب": الجلب يكون في شيئين: أحدُهما: في الزكاة وهو أن يَقْدَم المصَدق على أهل الزكاة فينزل موضعاً، ثم يرسل من يجلب إليه الأموال من أماكنها ليأخذ صدقتها، فنهي عن ذلك، وأَمِر أن تؤخذ صدقاتهم على مياههم وأماكنهم. الثاني: أن يكون في السباق: وهو أن يَتْبَع الرجلُ =
(1/51)

[البقرة: 197]، وكأن المفهوم من مُراده: لا تَرفُثوا، ولا تَفسُقوا، ولا تجلبُوا ولا تجنبوا في حال السِّباق، ولا تشاغروا في باب النكاح، وكذلك: لا تُرْبوا في دارِ الحرب، وإنما خَضَها بالنهي لِئلا يَظنوا أنها دار إباحةٍ تُبيح المحظور من الرِّبا، وتَوهم أولئك: لا ربا، بمعنى دار إباحة، فلا يَحرم فيها الربا (1).
ومثال ذلك الثاني (2): استخرافي أصحابنا والشافعيةِ التعليلَ من النَّهي عن شُربِ الخمرِ، وإيجاب العُقوبَةِ عليها بأنها ذات شِدَّة مُطرِبة، وتَعديتُهم بهذه العلّة للحكم إلى ما قامت به الشَدة وهي الأنْبذة (3).
والنظر الثالث؛ في الجَمع والقَطع، وقد بانَ في الفصل الأول (4)،
__________
= فرسه فيزجره ويَجْلِب عليه ويصيح حثاً له على الجري، فنهي عن ذلك.
"النهاية" 1/ 281.
و"الجَنَب": أيضاً يكون في شيئين: الأول: في الزكاة: وهو بمعنى الجَلَب، أو أن يجنب رب المال بماله ويبعده عن موضعه حتى يحتاج العامل إلى الِإبعاد في اتباعه. والثاني: في السباق: وهو أن يَجْنُبَ الرجلُ فرساً إلى فرسه الذي يسابق عليه، فاذا فتر المركوب تحول إلى المجنوب. "النهاية" 1/ 103.
و"الشغار": هو النكاح المعروف في الجاهلية وهو: أن يقول الرجل لآخر: زوجني ابنتك أو أختك على أن أزوجك ابنتي أو أختي، على أن صداق كل واحدة منهما بضع الأخرى.
(1) انظر تفصيل ذلك في "حاشية ابن عابدين" 5/ 186، و"المغني" 6/ 98 - 99.
(2) أي النظر في استخراج العلل، وإسقاط التعليل.
(3) "المغني" 12/ 512 - 513، و"الأم" 6/ 130.
(4) انظر الصفحة: (49).
(1/52)

مثَلُ إلحاقِ الطعام بالمَنصوصات أو إلحاق المكيلات بها من حيث فى مَكيلات، وقَطع الطعام عنها، أو إلحاق المُقتات بها، وقَطع المكيلات والمَطعومات عن المُقتاتات.

فصل
والنظر الذي نحن فيه يُثمر العِلمَ إذا كان صَحيحاً واقعاً مَوقعه، مُستَوفاة شُروطه، لا من طَريق التولد، لكن من جهة جَرْي العَادة، بأن اللهَ يُحدث العِلم عَقيبه، على ما بَيَّنا مِن فَساد القَول بالتولد (1).

فصل
ولا نقول: إن النظرَ الفاسدَ يتضمنُ الجهلَ والشلك ولا يُثمرهما، وإنما يفعل الجاهل والشاكّ الجهلَ والشكَّ مبتدئاً به، لا عَن شيءٍ تَضمنه هو طريقٌ له. والدّلالة على ذلك أنه لو كان الفَاسد من النظر، أو النَّظر في الشبهة طَريقاً للجهل لم يَقع بَعده الشكّ والظنّ. ولو كان طريقاً للشكِّ والظنِّ لم يقعِ الجهلُ بل كان يَقعُ ما هو طريقٌ إليه خاصةً. ألا ترى أنَ النظرَ الصَّحيحَ لما كان طريقاً للعلم، لم يقع عقيبه أو بَعده الجهلُ، ولا غَيرٌ من أغيارِ العلمِ في الجملة. وأيضاً فإن العالم قَد يَنظرُ في الشبهةِ كما يَنظرُ فيها الجاهلُ، ولا يقع له الجهل، ولا يَخرج عن العِلم، وقد يَقصدُ إلى إفسادِ النَّظر فيقعُ فاسداً، كما يَقع ممن لايَقصد، فلا يتولَّد له جَهل ولاشكٌ، ولايخرج به عن كونه عالماً بحال المنظور فيه، فتبيانُ صحيحِ النظر في الأدلة طريقٌ للعلم،
__________
(1) انظر ما تقدم في الصفحة: (20 - 21).
(1/53)

وفاسدُ النظر في الشبهة ليسَ بطريقٍ للجهل والشك والظنِّ وغَلبةِ الظن.

فصل

والدلالةُ على صِحةِ النظرِ، وكونِهِ طَريقاً إلى العلم بحال المنظورِ فيه، قَولُه تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2]، وَجميعُ آياتِ الحثِّ على النظر في دَلائل العِبَر، مثل قوله: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا} [العنكبوت: 20]، {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 20 - 21]، وَمُحالٌ ان يُحيلَنا على النظر حَثاً لنا على إثبات ما وَراءَ المشاهدات، وليسَ بطريق العلم.
وأيضاً: فإن حُصول العلم بحالِ المنظور فيه عقيبَ صحيحِ النَّظر، دلالة على أنه طريق، إذ لو لم يكن طَريقاً لم يحصل عَقيبه.
وأيضاً: فإنه لا يَخلو أن يكون النَظر صَحيحاً أو فاسداً، فإن كانَ صَحيحاً فهو ما نَقوله، وإن كانَ فاسداً فلا يَخلو أن يكون فَساده مَعلوماً ضرورةً، فيجب أن يَشترك في ذَلك العُقلاء، إذ الضرورات من العلوم لا يَختلف فيها كل من تَتَجه نحوه العلوم الضرورية. أو يكون مَعلوماً بطريق الاستدلال والنظر، فقد صح لنا مَعرفةُ شيءٍ من المعلومات بالنظر، فما بالكم جَحدتم أن يكون النظر طَريقاً؛! وهذا إثبات لما نَفَيتُموه، وكُل أمر لا يمكن نَفيه إلا بإثباته واجب لا مَحالة.
فإن قيل: أتعلمون صحةَ النظر ضرورةً أم بدليل، فإن كان ضرورةً وَجب أن نَشْرَكَكُم في العلم وكل مَنْ خالفكم، وذلك باطل، وإن كانَ
(1/54)

بنَظرٍ فبماذا ثَبت صحة النظر الثاني؟
قيل: نَعلمه بحدوث العلم لنا بحال المنظور فيه عند صحيح النظر، وذاك أمرٌ بَيِّنٌ لكَ أيها السائل عند سؤالك لنا عن دَليلِ كلَ مَسألة تسألنا عنها، فنريك كيف دليل تلك المسألة، وكيف صَحَّ حصولُ العلم، فكلُّ نظرٍ حصلَ عنده علمٌ، فإنما حَصل لأنه نَظرٌ صحيحٌ، وطريقٌ إليه، وكلُّ ما لَيست هذه حاله فليسَ بصحيح.
وجواب ثانٍ: وهو أنّا نَعلم صِحة النظرِ بضربِ من النظرِ، داخل في جُملة النًظر، وهو النظر الذي به عَلمنا فسادَ قول من قال: لا أعلم شيئاً إلا بدَرْك الحاسًة، أو بالضرورة المبتدأة في النفس، وبالتًقليد، ولا وَجه سِوى ذلك إلا النَّظر، وهذا ليس بنَقضٍ لما أصلْناه، ومثلة نقضٌ لمذهبِهم إذ (1) استدلوا على فسادِ النظرِ بضَربٍ من النظر.

فصل
وهذا النظر واجبٌ بما قَدمناه من الأدلة السمعيةِ، وهي صالحة للِإيجاب حَسب ما صلحت لإِثبات صِحة النظر، ولأن الله- سبحانه- قد أوجب عَلينا اعتقادَ الحق واجتنابَ الباطل، فيما اختلف فيه أهل الِإسلام من الأحكام، وقد ثبتَ أنه لا يُعلم ذلك ضرورةً، لاختلافِ العقلاء فيه، والضّرورات يَتفق عليها العقلاء. فلا يُفزع إلا إلى العِلم بصحةِ الصحيح وفسادِ الفاسد، ولا طَريق إلى ذلك إلا النظر، وما لا يَحصل الواجبُ إلا به فَواجبٌ.
__________
(1) في الأصل: "إذا".
(1/55)

فصل
في بيان ما يَحتاج إليه النظرُ الذي هو طريقُ العلمِ بالمنظورِ فيه.
فأولُ ما يقال في هذا: إن النظر لا يكونُ طريقاً للعلم حتى يكونَ صحيحاً، ولا يكونُ صحيحاً حتى يكون واقعاً على وَجهين يحتاج إليهما، أحدهما يرجع إلى النَّظر نفسِهِ، والآخر يَرجع إلى صِفةِ فاعِلهِ.
فالوجه الذي يَرجع إليه؛ هو أن يكون نظراً في دليلٍ ليس بشُبهة (1)، وأن يكونَ نظراً في حكم غيرِ مَعلومٍ للناظرِ بضرورةٍ أو دَليلٍ؛ لأن ما حَصل مَعلوماً من أحد الوَجهين لم يَصحَّ طلبُ العلمِ به.
وَيسوغ أن ينظر في طَريق الأدلة عليه، وهل هي أدلة أم لا. ولكن ليسَ ذلك من طلبِ العلمِ بالمدلولِ عليه في شَيء.
وأما ما يَرجع إلى الفاعل للنظر، فأمران:
أحدهما: أن يَكون كاملَ العَقلِ (2)، وقَد سبق مِنا ذكر العقل وما هو (3)، وليس من كماله أن يكونَ موجباً وحاظِراً، ومُحَسناً ومُقبحاً كما يقول من خَالفَنا، وإن كانَ لأصحابنا فيه خلاف.
والأمر الآخر: أن يكونَ عالماً بحصول الدليل، وبالوجه الذي
__________
(1) "شرح اللمع" 1/ 94 - 95.
(2) في "شرح اللمع" 1/ 94: "أن يكون الناظر كامل الأدلة".
(3) انظر الصفحة (22).
(1/56)

بحصوله عليه صارَدليلًا ومتعلقاً بمدلوله، غيرَظانً ولا مُتوهمٍ لذلك (1)، فإنه إن لم يَعلم هذين الأمرين لم يصل بنظره إلى العِلم.

فصل
في بيان الوجوه التي مِنْ قِبَلها يَحصل خَطأ الناظرِ في نظره لتُجتَنب.
اعلم أن الخَطأ يَدخل علي النَاظرِ من وجهين:
أحدهما: أن ينظرَ في شبهةٍ ليست دليلًا، فلا يصلُ إلى العلم.
والآخر: أن يَنظر نظراً فاسداً، وفسادُ النظر يكون بوجوه: منها: أن لا يَستوفِيَه، ولا يَستقصيَ فيه، ولا يَستكمِلَة، وإن كان نَظراً في دليل.
ومنها: أنِ يَعدِل عن التَّرتيب الصحيح في نظره، فَئقَدَّم ما حَقه أن يُؤخَّر، وئؤخَّر ما مِن حَقِّه أن يُقَدم (2).
ومنها: أن يَجهل بعضَ صِفاتِ الدليلِ التي لا يَتم كوُنه دليلًا على الحكم إلا بحصولها، وحصولِهِ عليها، وحصولِ علم المستدلِّ بها.
ومنها: أن يَضم إلى وَصف الدليل وَصفاً يُفسده، نحو أن يقول: إنما يدل خَبر النبي - صلى الله عليه وسلم - على تحريم الخَمر؛ لأنه خَبرٌ عن تحريم
__________
(1) في "شرح اللمع": 1/ 95: "أن يستوقي الدليل بشروطه ... لأنه متى لم يستوف الدليل بشروطه، بل تعلق بطرف الدليل أخطأ الحكم ولم يصل إلى المقصود".
(2) "شرح اللمع" 1/ 95.
(1/57)

الخمر. فإن ذلك يُؤدي إلى أن يكون خبرهُ عن تَحريم المَيْتةِ والدَّم ليسَ بدالٍّ على تَحريمها؛ لأنه ليس بخبرٍ عن تحريم الخَمر، ولو لمَ يَدل خَبره عن الميتة والدم على كونهما حَرامَين، لما دلَّ خبره (1) عن كونِ الخَمر حَراماً على كونهِ حراماً، ولبطلت دلالةُ جميعِ أخباره عن سائر الأحكام.
فهذه الزيادةُ وأمثالُها في أدلة العقلِ والسمعِ مُفسدةٌ للاستدلال (2)، وجَهلُ الناظرِ ببعض صفات الدليل التي يحتاج إلى عِلمها نُقصان مِنه، ومُفسدٌ للنظرِ فيه، وصورة ذلك أن يسمعِ المكلًفُ خَبرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تَحريم الخمر، ولا يعلمَ مع ذلك أنه خبر لرسولِ الله، فلا يَعلم- لجهله قَصدَ الله سُبحانه- كونه دَليلًا. وكذلك لو شاهدَ ما يظهر على يده من إحياء الميت، وقَلب العصا ثُعباناً، وفَلقِ البَحر، ولم يعلم أنه من فِعل الله سُبحانه مقصودَاً به إلى تَصديقه، لم يَعلم كونه دلالة على ثبوته في أمثال هذا. وهذه جملة ما يُدخِل الخَطأ والتخليطَ على الناظر.

فصل

في القول في أحوال الأمور المنظور فيها، والمُستَدلِّ [بها] (3) على الأحكام.
وهي على ضَربين:
__________
(1) في الأصل: "خبر".
(2) في الأصل: "الاستدلال".
(3) ليست في الأصل.
(1/58)

منظور فيها يوصِلُ النظرُ الصحيحُ فيها إلى العلمِ بحقيقةِ المنظورِ فيه (1)، وما هذه حالُه مَوصوف بأنه دليل على قَولِ جميع مُثبتي النظر، وباتفاق الأصوليين والفقهاء.
وقد دخل في ذلك جميعُ أدلة العقول المتوصل بها إلى العلم بحقائقِ الأشياءِ وأحكامِها، وسائر القضايا العقلية، ودخل فيه جميعُ أدلةِ السمْعِ الموجبة للعلم والقَطع من نصوصِ الكتاب والسنةِ، ومَفهومِها ولحنها، وإجماع الامة، والمتواتر من الأخبار، وافعالِ الرسول عليه الصلاة والسلام الَواقعةِ موقعَ البيان، وكل طريق من طُرق السمع يوصل النظر فيه إلى العلم بحكم الشرع دون غَلبة الظن.
والضرب الآخر: امرٌ يوصِل النظر فيه إلى الظن وغالب الظن، ويوصَفُ هذا الضرب بأنه أمارةٌ على الحكم (2)، وُيخَص بهذه التسمية للفَرق بينه وبين ما يُؤدي النظر فيه إلى العِلم والقطع. وهذا تواضع وليس من مُوجب اللغة؛ لأن أهلها لا يُفرقون بين الأمارة والدّلالة والسمة والعلامة (3).
ومرادنا بقولنا في هذا الضرب الذي يَقع عند (4) النظر فيه غالب الظن: إنه طريق للظن، أو موصل أو مؤدٍ إليه، أنه مما يَقع الظن عنده مبتدأً لا أنه طريق كالنظر في الدليل القاطع، الذي هو طريق للعلم
__________
(1) في الأصل: "منه".
(2) "العدة" 1/ 35.
(3) وهو ما ذكره القاضي في "العدة" 1/ 131.
(4) في الأصل: "عنده".
(1/59)

بمدلوله، وإنما نَتجوَّز بقولنا: يُوصل وُيؤدي، وإنه طريق للظن (1).
وهذا الضرب الذي يُؤدي النقر فيه (2) إلى الظن، ضَربان: فمنه: ما لا أصلَ له مُعين، نحو الظن والاجتهاد في جَزاء الصيد، وقِيَمِ (3) المِثْلِ، وأُروشِ الجنايات، وقِيمَ المُتلَفات، ونَفقات الزَوجات، والاجتهاد في عَدالة الأئمة والقُضاة والشهود وأمثال ذلك، مما لا أصل له مُعَين يُردُ إليه وُيقاسُ (4) عَليه، كقياس النبيذ على الخمر، والأرز في تَحريم التَّفاضل على البُر بعلةٍ جامعةٍ بينهما؛ لأن النَبيذ أصلاً هو الخَمر، والأرز أصلاً هو البُرُّ، بخلافِ ما نحن فيه.
ومُحقِّقو نُفاةِ القِياس يُقِرون بصحة هذه الأمارات، ووُجوب الحكم بما يُؤدي النظرُ والاجتهادُ فيها إليه.

فصل
واتفق أهل العلم أجمع على أن هذه الأمارات عَقلية من حيث كان الرجوعُ فيها إلى العادات المعقولة، وإلى القِيم المعروفة، وإلى مُماثلة الصور المنظورة، وقَدر الحاجات في الأقوات، وما يُعرف به من الأحوال عَدالةُ الأئمة والقُضاة والوُلاة والشهود ظاهراً، فكل هذا عَقلي، والحكم المعلَّق عَليه شرعي، من إيجاب النَّفقة، وقِيَم الأرش، وجَزاء الصيد، والحكم بالشّهادة، وما جَرى مجرى ذلك.
__________
(1) " المسودة": 505 - 506.
(2) في الأصل: "إليه".
(3) في الأصل: "فهم".
(4) في الأصل: "مقياس". وانظر "العدة" 1/ 135 - 136.
(1/60)

فصل
والضربُ الآخر: نَظرٌ فيما له أصلٌ مُعين، فمنه ما يوصَف بأنه قِياس، وهو الاستدلال على ثُبوت الحكم في الفرع بعلةِ الأصل بعد ثُبوته وقيام الدلالة على تَعليله، إما بنصٍ على علته يُوجب العلم بها، وإما استثارةٍ لها، تقتضي غلبة الظن لكونها علة، ثم وجوب الحكم بأنها علة الأصل بعدَ حصول الظن لذلك.
وقد تقدم تحديد القياس (1)، وهو نَفس حَمل الفرع على حكم الأصل (2) بالوجه الجامع بينهما من علةٍ أو دِلالة أو شُبهة، على خلافٍ يأتي ذكره إن شاء الله.
فالقياس نَتيجةُ الاستدلالِ على العلّة والعلم بها، وسنذكر في باب أحكام العلل (3) - إن شاء الله- تَفصيلَ طُرق الأَدلة والأمارات على صحة العلة من التقسيم والمقابلة والطَردِ والجَرَيان- عند من رَأى ذلك دَليلاً- إلى غير ذلك.
ومنه أيضاً: الاستِدلال بأصلِ مَعنىً مِن لُغةٍ أو حكمٍ ثابتٍ في الشرع على المراد، مثل قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البقرة: 237]، وقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، أنه زَمن الحَيض أو
__________
(1) انظر ما تقدم صفحة (38)، وما سيأتي صفحة (433).
(2) في "شرح مختصر الروضة" 3/ 219 "حمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما".
(3) في الجزء الثاني، الصفحة 77 وما بعدها.
(1/61)

الطُّهر، وهل العَفو إلى الزوج أو الوَلي؛ وذلك من باب الاجتهاد الذي يَسوغ الاختِلاف فيه، وليسَ هو من باب حَمل الفَرع على الأصل بالعِلة.

فصل
وقد زعم قوم أن الاستِدلالَ على الحكم ومَوضع الحكم ليس بقِياس، وأنه استِدلال، وأنه لكونه استدلالًا جازَ إثباتُ الحدود والكَفارات به، لا مِن حيث كونه قياساً (1). وهؤلاء قوم امتنعوا من الاسم، وأعطوا المعنى، لأنه إذا حُقَقَ عليهم خَرج كلامهم المُسمى استدلالًا قِياساً مَحضاً.
ومثال ذلك: قولهم بوجوب الكفارة في رَمضان من الجنس الأَكل، لكن لاختصاصه بأنه تَناوله مقصود (2)، حصل به الهتك لصَوم عين رمضان، على وَجهٍ حصل به مأثمُ الإِفساد والهَتك، ولا شُبهة حصَلت قبل خُروجِ اليوم، مع كون الصوم مُسْتَحَقَاً وقت الإِفساد، ولا مَفْزَع لهم في جَميع ذلك ولا مُستند إلا إلى الوَطء، فاشبه -بهذه الخصائص- الأكلُ عامِداً الوطءَ (3)، فهل هذا إلّا محضُ القياسِ؟! ومَحصول هذا رَدُ الأكل إلى الوَطء بمعانٍ جامعةٍ وأوصافٍ مؤثرة.
وكذلك رَدُ الأرُزِّ على البُر، والنَبيذِ على الخَمر بالمعنى، فإن
__________
(1) نسب أبو الحسين البصري ذلك إلى الحنفية في "المعتمد" 2/ 264 - 267.
(2) هكذا وردت العبارة في الأصل، ولعل الأولى أن تكون:" قولهم بو جوب الكفارة في رمضان من الأكل، لاختصاصه بأنه تناول مقصود .. ".
(3) في الأصل: "للوطء".
(1/62)

التَحريم فيها لم يجب للجنس، وإنما وَجبَ لمعنىً يشتركان فيه، ولا فَضل بين (حمل)، (1) الأكل على الوَطء بهذه الخصائص، وبينَ حَمل الأرُزِّ علىِ البُر بالخِصيصة الجامعة بَينهما.
فقد بان هذا، وسَنُبين فيما بعد- إن شاء الله (2) أن المطلوب بطرق الاجتهاد في الشرعيات الظن- لثبوت الحكم- وغالب الظن، فإذا جازَ إثبات الحدود والكفارات بمثل هذا الاستدلال وهو مُوجب لغالب الظنّ دون العِلم بجواز الخِلاف والاجتهاد فيه، صَحَّ أيضاً وجازَ إثباتها بطريق القياس على العِلَّة، لأنه أقوى وأثبت من هذه الطريقة، فلا وَجهَ لفَرقِهم في ذلك بين استِدلالٍ (3) وقِياس يوجبان غالبَ الظنّ دون العِلم، ولا بقي فرقٌ سوى تسمية هذا قِياًساً وهذا استِدلالاً، ولا وَجه للتعويل في الفَرق على اختِلاف الاسم.
وأما قَولهم: إننا نُعمِل القِياس في مَوضعِ الحدِّ والكَفارة، ولا نُعمِله في إثباتهما. فإنه قَول خِلوٌ عَن مَعنى؛ لأن موضعهما إذا لم يَكن معلوماً بطريقٍ تُوجِبُ العلم، وصَح أن نَجعل القِياس موضعاً لهما، جازَ أيضاً أن نُثبتَهما بقياسٍ لا يُوجِب العلم، ونحنُ نَستقصي ذلك في مسائل القِياسَ الخِلافية لنا ولَهم (2)، إن شاء الله.
__________
(1) زيادة يتم بها المعنى.
(2) في الجزء الأخير من الكتاب.
(3) في الأصل: "الاستدلال".
(1/63)

فصل
وجميعُ أحكام الأمارات والعِلل الشرعية ثابتة بالسمع دونَ العَقل؛ لأن العقل لا يوجب حُكْماً من أحكام العبادات والعُقود على ما نَدُلُّ عليه من بَعدُ، إن شاء الله.

فصل
في شَرح ما يُعلَمُ بالعقل دون السمع، وما لا يُعلَم إلا بالسمع دون العَقل، وما يَصِحُّ أن يُعلم بهما جَميعاً.
اعلم أن جميعَ أحكام الدِّينِ المعلومة لا تَنفكُّ من ثَلاثة أقسام: قسم منها: لا يَصحُّ أن يُعلم إلا بالعَقل دون السمع.
القسم الثاني: لا يَصحُّ أن يُعلم بالعَقل، بل لا يُعلم إلا من جِهة السمع.
القسم الثالث: يَصحّ أن يُعلم عَقلاً وسَمعاً.
فأما ما لا يصحُّ أن يُعلم إلا بالعقل دون السمع؛ نَحو حُدوث (1) العالَم، وإثبات مُحدثِه سُبحانه، وإثبات وَحْدانِيّتِه سبحانه، وإثبات صِفاته الواجبة له (2)، وإثبات الرسالة وتَجويزها عليه سُبحانه، وكل ما يتعلق على هذه الجملة مما لا يصحُّ أن يُعلم التوحيدُ والنُبوةُ إلا به.
والدلالة على ذلك أن السَّمع إنما هو عِبارة عن كلام الله، وما هو مَرويّ عمّن يُعلم أنه رسولُه المُخبرُ عنه، وإجماع مَن أخبر رسوله أنه
__________
(1) في الأصل:"حدث".
(2) هذا غير صحيح، فإن الله تعالى نَبه على أن حدوث الحوادث دليل على وحدانيته سبحانه وقُدرته وإرادته، ووجود الخالق سبحانه دَل عليه السمع والعقل والفطرة، وأسماؤه وصفاته دَلّ العمل عليها إجمالاً، كما دل عليها السمع إجمالا وتفصيلاً، فهي ثابتة بالعقل والسمع، لا بالعقل وحده.
(1/64)

لا يُخطىء في قَوله، ولن يصح أن نَعرف أن القولَ قولُ اللهِ ورَسولِه وخَبره ممن لا يُخطىء إلا بَعد أن نعرفَ الله؛ لأن تلك الجُملَ كلَها فرعٌ لِإثبات، اللهِ سُبحانه، ومُحالٌ أن يعلَمَ وصفَ اللهِ أو رسولَ اللهِ مَن لا يَعرفُ الله، كما أن من المُحالِ أن يَعرفَ كلامَ زيدٍ ورسولَ زيدٍ من لا يعرفُ زيداً، فوجبَ أن يكونَ العِلمُ بالله وبرسولِهِ من المعلوم عَقلًا لاسَمعاً.
ولا يجوز أن يَقول قائلٌ: إنني أعرفُ اللهَ ورسولَه بسمعٍ عن قولِ الله وقولِ رسولِه. لأنه ليس لنا مُخبِرٌ نعلمُ صِدْقَهُ ضرورةً، لما ثَبت من الدلاله على أنه ليس للمُخْبِرِ طَريقٌ غيرَ الطريقِ التي تُثبت لنا العلمَ، ولا يَجوز أيضاً أن يكونَ صدقُهُم في الإِخبار عن التوحيد والنُّبوة مَعلوماً بدليلِ العَقل؛ لأنه يوجِب أن يكونَ ذلك الدليل، هو الدليل الذي به نعلم ثبوت التوحيدِ والنبوة، دون خَبر المُخبرِ عَنهما، وإنما يكون خبره عنهما تَنبيهاً عَليهما، وهي الدَلالةُ دون قولِهِ، فثبتَ أنَ العلم بهذه الجُملة وما لا يَتم ويَحصل إلا به مُدرَكٌ بقضية العقل من حيث لا مجالَ للسمع فيه.
على أن المخبِرَ عن ذلك لا يَخلو أن يكونَ عالِماً بصحة ما أَخبر عنه بنظر أو بخَبر؛ فإن كانَ يَعلمُهُ بالنظر صَحَ ما قُلناه، وإن كان يَعلمُهُ بخبرِ مُخبرٍ آخر ثم كذلك الثاني، وجب إثباتُ إخبار مُخبِرين لا نِهاية لهم، وذلك مُحال.

فصل
وأما ما يُعلمُ بالسمْعِ من حَيثُ لا مَساغَ للعقلِ فيه، فنحوُ العلم
(1/65)

بكون فعل التكليف حَسناً وقَبيحاً، أو حَلالَاَ وحَراماً، وطاعةً وعِصياناً، وقُربةً، واجباً ونَدباً؛ وعَقداً ماضياً نافِذاً، أو تَمليكاً صَحيحاً، وكونه (1) أداءً وقضاءً، ومُجزِئاً وغيرَ مُجزىءٍ، وتحريم كلِّ مُحرمٍ من فِعله على مراتبه، وسندل على ذلك في مَسائل الخلاف (2)، إن شاء الله.

فصل

فأما ما يصح أن يُعْلَمَ بالعقلِ تارةً وبالسمع أخرى؛ فهو (3) كل حكمٍ -وقَضية- عقلي، لا يُخِل (4) الجهلُ بهما بالعلم بالتوحيد والنُبوة، نحو العِلمِ بجوازِ رُؤية اللهِ سبحانه بالأَبصار (5)، وجوازِ الغُفران
__________
(1) في الأصل: "فكونه"
(2) في الجزء الأخير من الكتاب.
(3) في الأصل: "وهو".
(4) في الأصل: "يحل" بالحاء المهملة.
(5) رؤبة المؤمنين ربهم- سبحانه وتعالى- يوم القيامة ثابتة بالكتاب والسنة، فلا عبرة بقول من خالف في ذلك. يقول ابن أبي العز الدمشقي في "شرح الطحاوية" 1/ 207 وما بعدها: "المخالف في الرؤية الجهمية والمعتزلة ومَن تبعهم من الخوارج والِإمامية، وقولهم باطل مردود بالكتاب والسنة، وقد قال بثبوت الرؤية الصحابة والتابعون وأئمة الِإسلام المعروفون بالِإمامة في الدين، وأهل الحديث، وسائر طوائف أهل الكلام المنسوبون إلى السنة والجماعة ... وقد روى أحاديث الرؤية نحو ثلاثين صحابياً، ومن أحاط بها معرفة يقطع بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قائلها". وانظر "شرح أصول الاعتقاد" للالكائي 3/ 470 - 499، و"الشريعة" للآجري: 264 - 270.
(1/66)

للمذنِبِين غيرِ الكفار (1)، والعلم بصحة التَّعبد بالعَمل بخبر الواحد، والقِياس في الأحكام، وأمثالِ ذلك مما إذا جَهله المكلَّف صَحّ مع جَهله به أن يَعرف الله عَزَ وجلَّ ونُبوةَ رُسُله عَليهم السلام، وهذه جُملة كافية في هذا الباب، إن شاء الله.
__________
(1) انظر "شرح العقيدة الطحاوية": 451 وما بعدها.
(1/67)

<رأس>فصل في معنى التكليف، وقصدِ الفقهاءِ بوصفِ الشخصِ أئه مُكلَّف.

اعلم أن حَدَ التكليفِ: إلزام ما عَلى العَبد فيه كُلفَةٌ ومَشقَّةٌ، إما في فِعله أو تَركِه، كقول (1) القائل: كَلَّفتُك (2) عظيماً، وكلَّفتُ زَيداً أمراً شاقاً، وأمثال ذلك، والفقهاءُ يَستعملون ذلك على ثَلاثةِ معاني:
فوجهٌ منها: ما قُلناه وحَدَّدناه، وهو الأصل الجامع، وهو المطالبة بالفِعل أو الاجتناب له، وذلك لازمٌ في الفَرائض العامّة، نحو التَوحيد والنُّبوة والصلاة، ومَا جَرى مجرى ذلك، لكلِّ عاقلٍ بالغ مع اختلافِ فَرائضهم في أمورٍ لا يَعم فَرضها.
والوجه الثاني: أن يَقولوا للعبدِ: مُكَلفٌ ومُخاطَب، على تأويل أنَّ عليه فيما سَها ونامَ عنه ولَم يقع منه في حال السكرِ والغَلبة فرضاً (3) يلزمه، على تأويل أن طَلاقَه نافذٌ واقع، وحَدَّه واجبٌ، وضَمان جِنايَته في ذِمته لازمٌ، ومن ماله مأخوذٌ، وأمثال ذلك، وإنما يُخاطَب بذلك قبلَ زوالِ عقلِهِ وبَعدَه، فيقال له: إذا نَسيتَ صلاةً ونمتَ عنها في وقتٍ لو كنتَ ذاكراً لها (4) ويقظاناً لزمَتك، فقد وجب عليك قَضاؤها وفعل مِثلها،
__________
(1) في الأصل: "يقول".
(2) في الأصل: "كلفك".
(3) في الأصل: "فرض".
(4) في الأصل: "الله".
(1/68)

كما يقال للحائض: إذا طَفرتِ فعليكِ قَضاءُ الصيام الذي لم تُخاطَبي به بسببِ عَرَضٍ أزال تَكليفَه عَنك.
والوجه الثالث: أن يَقولوا: إن الطفل مُخاطَبٌ ومُكلَّف، وكذلك العَبد والمريض. يَعنون بذلك؛ أنهم إذا فَعلوا ما لا يَجب عليهم فِعله، نابَ مَنابَ ما يجب عليهم ووَقع موقعَه، ولذلك قالوا: المريض الذي يُجهدُه الصيامُ والقِيامُ إلى الصلاة ولا يَجب ذلك عليه، مخاطَبٌ بِهما إذا فَعلَهما. يعنون بذلك: أنهم إذا فَعلوا ما لا يَجب عليهم فِعله، نابَ مَناب ما يجب عليهم وَوقع مَوقِعَه. ويقولون: العبدُ مُخاطبٌ بالجُمَعِ إذا حَضرها وفَعلها. يَعنون بذلك؛ أنها نائِبةٌ مَناب ما يجب عليه وإن لم تكن مِن فَرضه. وكذلك من تَكلًف الحج باستطاعة بَدَنِه وإن لم يَجد زاداً ولا راحلةً، تكلًف الحج بمعنى أنه نائبٌ عن فَرضِهِ إذا وجد ذلك، وإن لم يكن ما فَعله من مُكلًفه، على قولِ من جَعل الاستطاعةَ: الزادَ والراحلةَ (1).
وكذلك قولهم: إن الطفل مُكلفٌ بالصلاة (2) إذا فَعلها بشروطها قبل البلوغ، وفي الوَقت. يَعنون بذلك: أنها نائبة مَناب ما يجبُ عليه، وإن لم تكن من فَرضه، فيجب تَنزيل فَرائِضِهم على هذه الوجوه.
فإن قيل: ليس يَنضبط الحدُّ بما ذَكرتم، فإنً إفطارَ العيد (3) من أيام التًشريق، والطيبَ، والاغتِسالَ، وأخذَ الزينةِ من اللِّباس للجُمع
__________
(1) انظر "المغني" 5/ 7 - 9.
(2) في الأصل: "للصلاة".
(3) في الأصل: "العبد".
(1/69)

والأعياد، وإزالة الأنْجاس، هذه كلها من جُملة تكاليف الشرع، وهي مُساعدةٌ للطبع، ومُلائمةٌ للنفْس، فلا تَكْلِفة (1) فيها، فَبطلَ أن يكونَ تكليفُ الشرع مأخوذاً من الكُلفَة والمشقَة.
قيل: لا يَخرج؛ لأن كل من أخرجَ الأمرَ والنهيَ عن مَشيئته المُطْلَقَة إلى دخولٍ تحت رسمٍ، فإنه (2) تكليف، حتى إنه يحْسُنُ أن يقول العربي: كنتُ بنِيّةِ الصوم، فَكَلَّفني صَديقي الإِفطارَ، وكنتُ على شَعث السفر فَكَلفني دخولَ الحَمام. فإلزامُ الرسم تَكليفٌ وإن وافَق الطبعَ، وإلزامُ الطبيب من جهة العِلاج أَكلَ (3) المُرُورَةِ وشُربَ الشَرْبَة الحُلوة، كتكليفِ الحِمية من حَيث إنه رسمٌ وحدٌّ يوجب الاتَباع.
واعلم- وفقك اللهُ- انَ أفعالَ العُقلاءِ على ضَربين: ضَربٌ منها: لا يصحُّ دخوله تحتَ التكليف، وهي ما يقع منهم حالَ الغَفلةِ والسَّهوِ والنومِ والغَلبةِ بالسُّكْر، وكلِّ ما يَقع عن عُزوب العقل (4) والتمييز.
وقال جماعة من الفُقهاء: إن العاقلَ مُكلَفٌ في هذه الأحوال تَكليفاً ما، ولربما كَشَفَ تحقيقُ الكلام بين من خالفَنا في ذلك عن عبارةٍ دونَ أن يكونَ تحتها معنى، مثل قولهم: يَلزمه عند إفاقته وتَذكُره
__________
(1) في الأصل: "يخلفه".
(2) في الأصل: "وإنه".
(3) في الأصل: "اتخذ".
(4) أي: عند غياب العقل، يقال: عزب عني فلان، أي: غابَ وبَعُد. "اللسان": "عزب".
(1/70)

قَضاءٌ وغُرمٌ وطَلاقٌ وحَدّ. وهذا فارغ من المعنى الذي قَصدناه.
والدلالة على إبطال القَول بتكليف العازِب العقل، أو الذِّكر من الساهي والذاهل، ما هو ساهٍ عنه، وذاهلٌ عنه؛ أنَ اللهَ سبحانه إنما كلَّف من كلَّفه فِعلاً، أنْ يقعَ ذلك الفعلُ منه على وَجه التَقربِ إليه والطاعةِ له، أو كلفه اجتناباً يقع منه على وَجهٍ بقصدِ التقرب، ولا يَصح أن يقعَ التقرُّبُ إليه بالفعلِ أو التَركِ إلا بَعد أن يَقَع وهو عَالمٌ به حتى يصح القَصدُ إليه دونَ غيره، والساهي لا يَصح أن يكونَ مع سهوهِ عالماً، فكيفَ يصحُ أن يكونَ بالفعلِ أو التَّركِ متقرباً؟ فثبتَ بهذا أنه غيرُ داخلٍ تحتَ التَكليف.
وأيضاً لو قيل للساهي: اقصِدِ التقرُّبَ بفعلِ ما أنتَ ساهٍ عَن فعله، أو التقربَ بالاجتناب له، لوجب أن يقصدَ إلى إيقاعِ ما يَعلمُ أنه ساهٍ عنه أو اجتنابهِ، وعَلمُه بأنه ساهٍ عنه ينقض كونه ساهياً عنه، ويعودُ فيخرجُ -بهذا- العلمُ عن كونه ساهياً عنه، ولو دَفعه وخرج عنه، لاستحال كونه ساهياً عنه مع كونِه عالماً به.
وأما الدلالة على إحالةِ تكليفِ النائمِ والسكران، والمغلوب على عقلِهِ بالإِغماء، فهو الدليل الذي دل على نَفي تكليف البهيمة، وَالطفل الذي لا يعقل، والمجنون، لاشتراكِ جميعهم في زوال العقل والتمييز، بل قد عُلِم أن الطفلَ والمجنون والبهيمة، أقربُ إلى العِلم والقصد إلى كثيرٍ من الأفعال من المغلوب والنائم والسكران، فإن الطفلَ والمجنونَ يَظهر من قُصودهم واتباعِ ماَ يُرام منهم بالمُداراةِ والإِشارةِ، فِعلاً لما
(1/71)

يُصوَّب لهم، وتَرْكاً لما يُنهون عنه بنوعِ من اللُّطف والسَّوق إلى ما يُراد، كالترغيب لهم في بعضِ الأفعالِ؛ كالأخذِ والتناولِ والحَبْو والمشي، والاجَتناب، مثل: تزهيدهم في الرضاع وقُربان الثَدي عند الفِطام.
والبهائم فمعلوم تعليمُها وتَلَقّفُها كل صِناعة تَصلح لها بحسبها، كتعليم الجَوارحِ الاقتِناصَ، والكلب الاصطيادَ، والِإمساكَ علينا والاشْتِلاء إذا اشْلَيناه (1) والكَف إذا زَجًرناه، وحيوانِ الحرثِ والسَّقي كالبَقَر والجِمال. كلُّ ذلك تَلقُفٌ للأعمال وإثباتُ صُوَرِها في القُلوب حِفظاً وذِكراً، وهذا معدوم في حق النائم والمغلوب والسكران، فإذاً قد بانَ أنهما سَواء، فوجب تساويهما في نَفي التكليف لقيام العِلّة فيهما، وهي زوال العقل والتمييز. نعم وفي الطفل والمجنون والبهيمِ من التجنُّب والتحرُّزِ من المُضارِّ، ما ليسَ في السَّكران والنائم، فقد تحقَّق الأولى في نفي تكليف السكران والمغلوب والنائم.
فإن قيل: إلا أنَّ الناسيَ يُذكًر، والغافلَ يُنَبه، والنائمَ يوقَظ، وذاكَ القَدْر من الإِيقاظِ والتنبيه الذي يَحسُنُ من غيره له لأجل تَهيُّئه لذلك وكون محله قابلًا، فلا يُنكَر أنْ يُخاطبَ هو ان يفعلَ في نَفسِهِ من الإِيقاظِ والتذكرِ ما يفعلُهُ غَيرُه فيه.
قيل: هذا باطِلٌ بالصبي يُؤمَرُ وليُّه بأمرِهِ بالصلاةِ وضَربهِ، ولا يدل على أنً المعنى الذي فيه لقبول الأدب يوجبُ عليه ويكلفَ في نَفسه ما كلّفه الوليُّ في حَقه، ولأن الولًى مُتَيقظٌ لأمرِهِ، والساهي والنائمُ
__________
(1) أشليت الكلب: إذا أغريته بالصيد. "اللسان": (شلا).
(1/72)

والناسي غيرُ مُتَيقظٍ لأمره.
<رأس>فصل في ذكر ما تعفَق به مَن أدخلهم في التكليف من الفُقهاء.

قالوا: كيف تُخرجونهم من التكليف، وقَد أجمعت الأمة من الفقهاء- وهم العُمدة في هذا- على أنَ أفعالَهم وتروكَهم في حكمِ أفعالِ العقلاءِ، وهم ماخوذون بها ومؤاخَذون عليها أخذَ التَكليف؛ من ذلك: إيجابُ قَضاءِ الصلواتِ على السكرانِ والنائمِ، وقَضاءِ الصوم على الذاهلِ عن نِيّته والناسي لها في وقتِها (1) المأخوذِ عليه، علىَ اختِلافهم فيه، ومؤاخذتُهم بغرامات ما يقعُ منهم من الجنايات، وهذا هو حُكم التكليف والدخول تحته، فبمَ ينفصلون عن هذا؟
قيل: قد بَينا أنهم في زوال العقل كالمجانين والأطفال والبهائم، وأنهم أسوأ حالًا، فامتنع التكليف.
وأما وجوب الغَرامة والقَضاء، فذلك وجب بفرض مبتدأ، ولله سُبحانه أن يبتدىءَ خِطابَ العاقلِ ويلزِمَه ما شاء من العبادات، فما يُحقَق التكليف إلا عند عودتهم (2) إلى إفاقتهم (2) وعقلهم (2)، وإيجابُ ذلك في حالِ إفاقتهم (2) لا يوجب تكليفَهم (2) حالَ زوالِ عقلهم (2)، ولو أننا لم نجعل فَواتَ الصلوات وإتلافَ المالِ حالَ السُّكر والإِغماءِ سَبباً لِإيجاب ما وجب حال إفاقتهم (2)، لكان جائزاً صحيحاً بإجماعِنا،
__________
(1) وهو تبييتها من الليل عند المالكية والشافعية والحنابلة. انظر "المغني" 4/ 333 - 335.
(2) جميع هذه الضمائر وردت في الأصل بالتثنية، والصواب ما أثبتنا، فهي تعود على: النائم، والناسي، والسكران، والمغمى عليه.
(1/73)

فَعُلم بذلك أَنَّ التكليفَ حصل بعد عَودِ العقلِ وحصولِ الإِفاقة.
وقد تكون التكاليفُ بعد حُصول أسبابِ سبقت، لا من جهةِ المكلفِ ولا من فِعله رأساً، ولا كَسْبَ له فيها؛ كَإيجاب الاغتسال على الحائضِ بعد انقِطاعِ الدم، وإن كانَ جريُ الدمِ ليس من كَسبها، فأوجبَ (1) الغُسلَ مستنداً إلىَ ذلك، وكذلك وجوبُ قَطع القُلْفَة التي وُجدت من خَلقِ اللهِ سبحانه، فتناولَ التكليفُ إزالتَها وقَطعَها بعد البلوغِ بنفسِهِ، وقبلَ البلوغِ خِطاباً لوليّه، فَلسنا نمنعُ أمثالَ هذا، وإنما نمنعُ الخِطاب لهم (2) في حالِ الغَيْبة، وزَوالِ العقلِ.
ولأنه قد يكونُ فِعلُ البهيمة، وقَتلُ الخطأ، وحُكم الحاكم، وفُتيا المُفتي، أسباباً لوجوب أفعالٍ على غيرِ الفاعلينَ لها، لا لأن فعلَ البَهيمةِ وفعلَ قاتل الخطإِ داخلانِ تحتَ تكليفِ العاقلةِ وصاحب البهيمةِ، لكن جاءَ الشرعُ بذلك تحكماً منه، ولم يلجئنا (3) ذلك أَن نقولَ بدخولِ هذه الأفعالِ تحت التكليفِ، فبطلَ أن يكونَ وجوبُ القَضاءِ لحكايةِ ما مضى من العباداتِ الواجبةِ في الأزمانِ الماضيةِ في حالِ الغَلبَة والسّكر والصَغر، وجوباً يدل على تَقدم التكليف.
فأما توهّم من تَوهم أن حدَّ السكران إنما وَجب عليه بسببِ أَدْخَلَه على عقلِهِ وهو السُّكر، فإنه باطلٌ، لأن السّكر من فِعل اللهِ تعالى وليس من كَسْبِ العَبْدِ وَمقدوراتِه مباشَراً ولا مُتولداً (4)، فأما استحالةُ ابتدائِهِ
__________
(1) في الأصل: "ووجب".
(2) في الأصل: "لهما".
(3) في الأصل: "يلجنا".
(4) بل الأفعال إنما تنسب إلى فاعليها سواء كانت خيراً أم شراً، والله خلق هذه الأفعال وأصحاب الأفعال، وأقدرهم على فعلهم، فهم لهم قدرة وإرادة حقيقية فهي من كسبهم.
(1/74)

لفعلِ السُّكر في نفسهِ فباطلٌ باتفاقٍ، وأما امتناعُ كونِهِ مولِّداً لفِعل السُّكرِ بسببِ كان منه فظاهرُ البطلانِ، لأنه لم يكن منه إلا الشرب، وشُربه للماء وسائرِ المائعاتِ من جنسِ شُربه الخمرَ العَتيق، فلو ولَّد أحدُ الشُربين لولد الآخر، لأن الشيء إذا ولدَ عند أصحاب التولُّد وَلَد مثله، ولو ساغ القولُ بأن الشرب يُولَد السُّكرَ، لساغ أن يقال: إن الأكلَ والشربَ يولدان الشَبعَ والريَّ، وأن الوَجْبةَ (1) تولَد الموتَ، وكل هذا باطل.
وأصلُ القول بالتوليد عند أهلِ السنةِ باطل، خِلافَ المعتزلةِ (2) وأهلِ الطبع، فإنه لا تَوتُدَ في فعلِ اللهِ سبحانه ولا فعلِ الخلقِ، فسقط ما طلبوه، ولا يسُوغ أيضاً لأحد أن يقولَ: إن السُّكْر إنما وجب وتولَّد عن ذاتِ الشراب؛ لأنه جِسم من الأجسام، والأجسامُ لا تُولَد شيئاً، ولأنه لو تولَد السُّكر عن ذات الشراب، لكاَنَ فِعلًا لله سبحانه؛ لأنه فاعل الجِسم الذي هو الشرابُ، وإذاً لم يُحد السكرانُ لسببٍ كانَ منه وأمرٍ أدخله على نفسه.
ولو قيل: إنما حُدَّ لأنه شَربَ، وانه قد أجرى اللهُ العادةَ بفعل السكرِ عندَ تَناولِهِ. لكان ذلك أولى، إلا أنه لم يكن محدوداً إلا على
__________
(1) أي السقطة مع الهَدَّة. "اللسان": (وجب).
(2) تنسب هذه الفرقة إلى واصل بن عطاء الذي خالف الحسن البصري في القدر، وأن الفاسق في منزلة بين منزلتين لا كافر ولا مؤمن، ولما طرده الحسن البصري من مجلسه اعتزل عند سارية من سواري المسجد وانضم اليه عمرو بن عبيد، وسُموا مع من تبعهما بالمعتزلة. انظر "الملل والنحل" 1/ 43 - 85، و"الفرق بين الفرق": 114 - 202، و"نشأة الأراء والمذاهب": 200 - 209
(1/75)

شَيءٍ فعله مع العقل لا مع زوال العقل، لأنه يَشرب وهو عاقل مُميز.

فصل
ومما تَعلَّقوا به علينا في نَفي تَكليف السكران، قوله تعالى: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء: 43]، ونهيه للسكارى عن الصلاةِ وقُربانِها، إثباتُ تَكليفٍ لهم وصَرفُ خطابِ إليهم، وذلك مُبطل لما أصلتم من نَفي الخِطاب لهم والتَكليف.
قيل: إذا تأملتُم الأدلّةَ التي تَقدَمت، رأيتم أنها صارفةٌ لها عن ظاهرها، ووجبَ بتلك الأدلةِ أن نتاولها على وجهٍ يوافقُ تلك الأدلةِ الصحيحةِ، والتأويلُ لها ينصرفُ إلى وجوهٍ عدة:
منها: أن السكْر الذي صَحَ صرفُ الخطاب نحو صاحبهِ؛ هو السُّكر الذي يحصلُ معه نَوعُ تخليطٍ في الكلامِ، ولا يُزيل العقلً زَوالًا يمنع فَهم الخطاب، وذلك ليسَ بمانعٍ عندنا، فهو كالنُعاس بالإِضافةِ إلى النوم، ولا يَمنع شيئاً من التَكليف، ولهذا علامة نَذكُرها؛ وهي (1) نَشوةٌ يتحرك مَعها بتصفيق وإنشادٍ ورَقصٍ، كانَ يتماسك عنه حالَ صَحوهِ قبل النَشوة، ويراه قَبيحاً من نَفسِه وغيرِه، فهذا إذا نُبه تَنبه، وإذا فُزِّع فَزِع، وَيجتنِبُ المضارَّ ويَتطلَّبُ المنافعَ، فهذا يَحسُن أن يُقال له: يا هذا، لا تقرب المسجد ولا تَدخل في الصلاة، حتى تَتماسكَ وتَصحو عن هذه النَشوة.
ويحتمل: لا تَشربوا شُرباً يؤدي بكم إلى حالٍ تدخلوا بها
__________
(1) في الأصل: "وهو".
(1/76)

المساجد والصلوات، مثل قول القائل: لاتَدخل الصلاةَ ذاهلًا ولا ساهياً. بمعنى: تَيقَظ وادخُلْ، ولا تَدخل الصلاةَ عَطشاناً. أي: اشرب وادخُل. كذلك ها هنا، المراد به: لا تَشرب شُرباً يؤدي بك إلى التَخليط وتَدخل الصلاة. فكأنه قال: لا تشربوا شُرباً يؤدي بكم إلى التَّخليط. وهذا كان في أوقات الشُرب قبل النَسخ.
وقد قيل: لا تَقربوا الصلاةَ وأنتُم سُكارى من النوم والاستثْقال (1)، حتى تَستيقظوا استيقاظاً يَزول معه ثِقَل النوم، ويكمُلُ مَعه تَمييزكُم لما تَقولون، ونَشاطكم فيما تَعملون.
ويحتمل أنه قال للصُحاة: لا تَقربوا الصلاةَ وقد شَرِبتم شُرباً، عساكم تجوزون تَخليطَ الأقوال في صَلاتكم (2).
وقد قيل: إن رَجلاً تَقدم في الوَقت الذي كانت مُباحة، فَخلَّط في سورةِ الكافرين، وأقام الفاتِحة وأعمال الركعة، فَنزلت (3). ومن أقامَ أكثرَ أقوالِ الصلاةِ وأفعالِها لا يكونُ خارجاً عن حَيِّز التكليف (4).

فصل
واعلم أن المُكره داخلٌ تحت التَكليف، على أنَ فيه اختلافاً بينَ الناس؛ وذلك أنَّ المكره لا يَكون مُكرهاً إلا على كَسبه وما هو قادرٌ
__________
(1) "تفسير الطبري" 5/ 96.
(2) فصَّل الطوفي هذه المسالة في "شرح مختصر الروضة" 1/ 190 - 193.
(3) أورده الطبري في "تفسيره" 5/ 95، وذكر أن الرجل هو علي بن أبي طالب أو عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما.
(4) في الأصل: "التكلف".
(1/77)

عليه؛ نحو المكره على الطَلاق والبَيعِ وكلمةِ الكُفر، وكل ذلك إذا وَقع فهو كَسبٌ لمن وَقع منه، وواقع مع عِلمه به وقَصده إليه بِعَينه، فيصحّ لذلك تَكليفه، كتكليف ما لا إكراه عليه فيه.
وزعمت القَدَريًة (1) أنه لا يصحُ دخولُهُ تحتَ التكليف؛ لأنه لا يَصح منه غير ما أكره عليه.
وهذا قولٌ باطلٌ من وجهين:
أحدهما: أنه قَد يصح منه خِلاف ذلك؛ لأنه عندهم قادرٌ على ما أكره عليه وعلى ضِده وتَركه، فلو شاءَ فَعَلَ ضِده والانصرافَ عنه، ولتحمل الضرر وكفَّ عنه، فسقط ما قالوه. وغاية ما فيه أنه يشق عليه، ويتكلًف ما يُضاده ويَثقل، وهذا مما يجانسُ التَكليفَ، فأما أن يُضادّه فلا؛ لأن التكلفَ أبداً إنما هو لفعلِ ما يَثقل وَيشق.
الوجه الثاني: أنه ليس كل من لا يَصح منه الانصراف عن الفِعل يمتنع تَكليفُه؛ لأن القادرَ عندنا على الفِعل من الخَلق لا يصحُ منه الانصرافُ عن الفعل في حال قدرتِهِ عليه، لوجوب وجودِها مع الفعل وإن كان ذلك يصح منه، بمعنى صحِة نيته (2)، وأنه لا يصح كوُنه قادراً على ضِده بدلاً منه، ومع ذلك فإن تكليفَه صَحيح.
__________
(1) هم القائلون بأن كل عبد خالق لفعله، وليس الله تعالى فيه صنع ولا تقدير. انظر "الفرق بين الفرق": 18، و"نشأة الآراء والمذاهب والفرق": 167 - 174.
(2) في الأصل: "تبيينه".
(1/78)

فصل
وذهبَ كثير من الفقهاء إلى نَفيِ دخولِ فِعل المكرَه تحت التكليف، واعتلّوا بأنه واقع من فاعِله بغير إرادةٍ له ولا قصد إليه، فصار بمنزلةِ فعلِ النائمِ والمغلوبِ اللَّذين لا قَصد لهما، وهذا باطلٌ باتفاق الأصوليين؛ لأن مُطَلَق زَوجته وقاتلَ غيرِه عند إكراهه على ذلك، عامدٌ لما يَفعله، عالمٌ به، قاصدٌ إليه، مختار له على وقوع المكروه به من جهة مُكرِهِه، مُرجَح لأسهلِ الأمرينِ عنده على أصعبهما، وهو طلاق زوجته وقَتلُ غيره توقيةً لنفسه التي هي أعزُ عِنده من زَوجته ونفْسِ غيره.
والذي يدلُّ على قَصدِه ودخولِ فِعله تحتَ التكليف؛ مَنعُ الشرعِ له من قَتل البريء المكرَه على قَتله، وإلحاق الوعيد به على إيقاع القَتل به، وبهذا النهي والوعيد والتأثيم قد بان أن اللهَ سبحانه يصحّ أن يُكلفنَا تركَ كل ما نُكره على فعلِه، حسبما كلًفنا تَرْكَ قَتلِ البريء، وإنما رَخَّص لنا قولَ كلمة الكُفر تَسهيلاً منه علينا ورفقاً بنا (1)، وليسَ دخولُ الرِّفق رُخصةً وسُهولةً مما يمنعُ دخولَ التكليف، كما رَخص لنا في المَرَضِ الإِفطارَ، ولم يمنع ذلك تَكليفَه لنا الانزجار عن التداوي بما حَرم علينا، وأمْرَه إيانا بالصلاةِ بحَسْبِ الطاقة.
فإن قيل: فكيفَ يجتمع الإِكراهُ والقصدُ وهما ضِدان أو كالضدين، ولذلك لا يَحسن أن تَقول: ما أردتُ كلمةَ الكفر لكن
__________
(1) وذلك قوله سبحانه وتعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}. سورة النحل، [الآية: 106].
(1/79)

قَصدتُ كلمة الكفرِ حال إكراهي. وما الفَرق بينَ المكره والمُختار إذا جَعلتَ المكرَه قاصداً والمختارَ قاصداً؟
قيل: هذا أمرٌ غامضٌ عند أكثر الناس، مُشتبه عليهم، ونحن نكشفه ونُخرجه إلى حَيِّز الوضوح بعون الله، فنقول: إنَّ المُكرهَ قاصدٌ دفْعَ المكروه بالفِعل والقول الذي أكره عليه، وهو غير مُطلَق الدواعي والإِرادات، بل مقصورُ الدواعي، وقد يكره على قَتل من يَودُّ وُيؤْثِر أنَه لا يقتلُهُ، وأنه لو وَجد خلسةً أو طريقاً للتخلص من قَتله لسلكه مبتدراً، وطار إليه هارباً، وطباعه تبكي على ذلك الشخص، ثم إنه يشهد ما يلحقه من الضرر، وَيزِنُه بالضرر الحاصل بالحزن على المُكرَهِ على قَتله، فَلجأ إلى دَفع أعظم الضررين، وهو إزهاق نَفسه وتعذيبها بالجراح، وقَبِل (1) الارتفاقَ بأيسرِهما؛ وهو مَضرتُهُ بغَمِّه وخزنه الداخِلَيْن عليه بالإِضرار بمن لا يَستحق الِإضْرار.
ولنا دواخل من هذا الجنس يتحير مَعها العقلُ، مثل رَوم تناولِ الدواءِ المُر الكَريهِ ريحُهُ وطَعمُهُ وفعلُهُ في النفس، لما يَلحظه المَتداوي من الخَوْفِ على نَفسِهِ من الأمراضِ الممتدةِ الآلام، ولربما كانَت مُزهقةً للنفسِ، فهو مُريدٌ لشربهِ لا لِعَينه، لكن متحَملاً كُلفةَ الألمِ والضرَرِ اليَسير، لدفعِ الألم والضرر (2) الكثير، فهذا وأمثائه من بَطَ الدُبَيلة (3)، وقَطعِ اليدِ المتَأَكِّلةِ، تَتحير العقول مَعه بالبادرة، وتَنتهي إلى
__________
(1) في الأصل: "قبل"، بدون الواو.
(2) في الأصل: "الضرر والألم الكثير".
(3) البَط: الشق. والدبيلة: دمّل كبير تظهر في الجوف فتقتل صاحبها غالباً. "اللسان": (بطط) و (دبل).
(1/80)

اختيارِ دفعَ الآعلى من الضررين بالأدنى.

فصل
قال المُحققون: ولا فَرق بين الِإلجاء والِإكراه من جهة اللغة. وقال قومٌ: الِإلجاءُ أبلغ، وهو أنه ما خيف مَعه القتل، والإِكراه: ما يكون مَعه الخوف فيما دون النَّفس.
وقال بعض القَدَرية: الإِلجاء: ما لا يكون معه إلا داع واحدٌ إلى فعلٍ واحدٍ. والإِكراه: ما يَصح أن يكونَ معه داعٍ إلى الًفعل وإلى خِلافه وضِده.
وأهلُ اللغة لا يَفصلون بين الِإلجاءِ والإِكراه، والقَهرِ والإِجبارِ، والاضطهادِ والحمل، كُل ذلك عندهم بمعنىً واحدٍ؛ وهو البعثُ على اكتساب ما يُكره وقوعُه، ولو تُركَ وسَوْمَ دَواعيه لما فَعله، بل كانَ معه في النفَسِ زاجرٌ يزجُرُه عنه، فلا وجه للافتِئات على أهلِ اللسانِ في الأسماء الموضوعةِ، وهم الأصل فيها.
فأما المعنى؛ فما يُنكِرُ أحدٌ أن يكون فيما يُخَوّف به المكرَه، وهو خَوف على النفس، وعلى ما دونها من مالٍ أو عِرضٍ أو طَرفٍ أو وَلد.
ومنه ما يكون مَعه داعٍ واحدٌ، ومنه ما يكون مَعه دواعي مختلفةٌ ومُتفاوتةٌ ومُتَرجِّحةٌ، فلاطائل في خِلاف ما هذا حكمه (1).

فصل

وحَدُ الِإكراه على التقريب: هو البَعث على اكتِساب ما لو لم يُبعَث
__________
(1) ورد في هامش الأصل ما نصه: "آخر الثالث من الأصل".
(1/81)

عليه لم يَكتسبه.
وقيل: ما أباحَ الشرعُ إيقاعَ الفعل عنده، من كل ضَرر يَخاف به الِإنسانُ على النفسِ وما دونَها مما لا يُحتمل مثلُه في اطِّراد العادة، وذلك مَوقوف على ما يَرد به السمعُ، أو يَحصلُ بالاجتهادِ إن لم يَرِد به سَمع، وقد كان يجوزُ ورودُ التعبُّد بالامتناع من إيقاعه، وإن استَضرَّ في نفسِهِ وما دونَ نفسِهِ، وإنما لطف الشرع بتَجويز دفعِ الضررِ عن النفسِ وما دونَها باكتِسابِ ما أُلجىء إلى الإِتيان به.
وامتنعَت المُعتَزلة من تَجويزِ سِوى ما يَصح أن يُباح وُيطلق من القَبائح ابتداءً من غَير إكراه. فأما الِإكراه فلا يُبيحُ ما يَقبُحُ (1) الابتداءُ به، ولاَ يُبيح إلا ما لا يَقبح الابتداءُ به، بناءً منهم على القَول بتحسينِ العقلِ وتَقبيحه، وهذا لا يَصحُّ، لأن الأمَّة أجمعت على قُبحِ كُفران النِّعمة، والكُفرِ بالمُنعِم، وقد أجمعت على أنَّ اللهَ مُنعمٌ، وأجمعوا على إباحةِ الشرعِ لكلمةِ الشِّرك والكفرِ باللهِ لأجلِ الإِكراه، سِيما في حقِّ مَن لا يَتهدَّى إلى المَعاريضِ (2) ولا يُحسنُها، فإنه يصرِّح بالكفرِ والشركِ من حيثُ الإِطلاقِ والِإباحةِ لأجلِ دَفعِ ضَررِ الإِكراهِ عنه.
__________
(1) في الأصل: "يبيح".
(2) المعاريض: كلام يشبه بعضه بعضاً في المعاني، كالرجل تسأله: هل رأيت فلاناً؟ فيكره أن يكذب وقد رآه فيقول: إن فلاناً ليُرى. وهي التورية بالشيء عن الشيء. "اللسان": (عرض).
(1/82)

فصل
واختلف الناس في صِحَّةِ (1) الِإكراهِ على الزنى في حَق الرجلِ (2)، فقال قوم: لا يَصح. واعتلّوا بأنه لا يفعل إلا مع الشهوة والِإنعاظ، وقُوة الدواعي، وانشراحِ الصدرِ، وانتشارِ النَّفسِ. والإِكراه ثَمرهُ التخوفُ على النفسِ، وذلك يحصر النفسَ، ويَجمع الأعضاء عن الانبساط، وُيخمد نيران الشهوة عن التَّوثب.
وقال قوم: يَصح. واعتلّوا بأن الإِنسان يجد من نفسِهِ صحةَ التركِ لفعلِ ما يَشتهيه، وإقدامِه على ما يَكره، مع فَرَطِ الشهوة لما يَتركه، وفَرط الكراهةِ لما يُقدمُ على فعله، فإذا ثبت هذا جاز أن يَحملَ نفسَه على ما يَكره، وما لولا الإِكراه لتركه، كما يتكلَف شُربَ الدواءِ المر، وقَطعِ يده المُتأكَلة، وقَد كلف اللهُ إبراهيمَ ذبحَ ولدِه -وإن كانَ التكليفُ أقلَّ حالًا من الِإكراهِ- وقتلُ الولدِ لا يُساعدُه طبع، والزنى يُساعده الطبعُ.

فصل
ولا خلاف بين الناسِ فىِ صحةِ إكراهِ المرأةِ على إيقاعِ الفعلِ فيها بالوَطءِ (3)؛ لأنها محل لإِيقاع الفعل، والذي يصح الإِكراهُ عليه إنما هو أفعالُ الجوارحِ الظاهرةِ المَشاهَدَةِ التي يتسلطُ عليها التصريفُ
__________
(1) في الأصل: "حجة".
(2) انظر تفصيل ذلك في "المغني" 12/ 348.
(3) "المغني" 12/ 347 - 348.
(1/83)

في المُراداتِ مِن الافعال، فتقع أفعالُها بحسْبِ الِإلجاء إلى احدِ الدواعي.
فأما الِإكراه على ما غابَ وبَطَن من القلوب، فلا، فعلى هذا لا يَصحُّ أن يُكره الإِنسانُ على اعتِقادِ مذهبٍ، أو علمٍ بمعلومٍ لم يَعلمْه، أو بظنٍ مما لم يتحصل له طريقهُ، أوَ عزمٍ على ما لا يعرف، أو الجهل، قال سبحانه: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} [النحل: 106]، يعني: من اعتقد الكفر، وإنما لم يُعف عن أعمالِ القلوب ها هنا، لأن الإِكراه لم يتسلَّط عليها، ويَلحق بهذا أنَّ العلمَ والجهلَ والظنَ وغيرَ ذلك من أعمالِ القلوب كالمحبة والبُغضِ والألفةِ والإِعجاب والخَوْفِ والحَزَنِ والمسَرَّة والغَم لاَ يَتحصلُ بالاستمالةِ كما لم يتحصَلْ بالإِكراهِ، فالإِنسانُ لا يجهلُ ما عَلِمه، ولا يَعلم ما يجهلهُ بالرِّشوة والاستمالة، لكن يَتَبع في القَول، وُيقلد بالنًّطقِ من يَستميله، والقلب بحاله لا يُغيره إلّا المَعاني التي يَصلُ عملُها إليه، كالأدلةِ والبراهينِ أو الشَّبَه وما شاكل ذلك.

فصل
وعندي أن كُلَّ فعلٍ من أفعالِ القُلوب صَحَّ دخولُه تحت التكليف، صح الإِكراهُ عَليه، كالعلوم الاستدلالية يَصح التكليفُ لتَحصُّلها بطريقها، وهو النظر والعزم (1) واَلنَّدم، هذا كلّه داخلٌ (2) تحت التكليف، فيصحُ الِإكراهُ على تَحصيلِهِ بطريقِه.
__________
(1) في الأصل: "العزوم".
(2) في الأصل: "دخل".
(1/84)

فصل

في أحكامِ الأفعالِ الداخلةِ تحتَ التكليفِ، وما ليس بداخلٍ تحته.
اعلم أنَّ احكامَ جميعِ الافعالِ لا تخرجُ عن حُكمين: عقلي وشَرعي، لا ثالثَ لهما، فأما الأحكامُ العقليةُ الثابتة لها، فهي التي يكون عليها في ذواتِها من الأحكام والصفاتِ، إما لأنْفُسِها وما هي عليه في أجناسِها التي خَلَقَها الأالله عزَ وجل عليها، أو بمعانٍ تتعلقُ بها ضَرباً من التعليق:
فالأول: نحو؛ الفِعلُ، حركة وسكوناً، وإرادةً وعِلماً، ونَظراً، وأمثال ذلك.
والثاني: نحو؛ كونُ الفعلِ مَقدوراً ومعلوماً، ومُدرَكاً ومُراداً ومذكوراً وأمثالُ ذلك مما يُوصفُ به، لتعلقِ العلمِ والإِرادةِ والقدرةِ والذكر بها.
وكذلك وصفُها بأنها أعراضٌ، وحوادثُ، وموجودةٌ، وعينٌ ثابتةٌ، ونحوُ هذا، إنما هي أحكامٌ عقليةٌ، فلا يجوز أن يثبتَ لها حكمٌ عقلي لمعانٍ تُوجد بها، وتختصُّ بذواتِها، لكونها أعراضاً يَستحيلُ حملُها لأمثالِها من الأعراضِ، وذلك نحو استحالةِ وصفِها بأنَها مُتحركةٌ وساكنةٌ وحَية وعالمةٌ مريدةٌ، وأمثال ذلك.
وعلى هذه الأحكام التي قدمنا ذكرَها أحكام عقليةٌ غيرُ شرعيةٍ، ومعنى إضافتِها إلى العَقَلِ: أنَّها مما يُعلمُ كونُ الفعلِ عليها بقَضيةِ العقل المنفردِ عن السمع، وقَبل مَجيء السمع.
فكل حُكمٍ لفعلٍ عُلم من هذا الطريقِ مما ذكرناه وأضربنا عن
(1/85)

ذكرِهِ، فإنه حُكمٌ عقلى ليس بشرعي، ولا نعني بذلك أنه لا يصحُ أن يَرِدَ السمعُ بالإِخبار عن كونِها كذلك، وتأكيد أدلةِ العقلِ على أحكامِها، وإنما نَعني أنها مما يُعلم عقلاً وإن لم يَرد السمعُ، وقد دخل في هذه الجملةِ سائرُ أفعالِ العِبادِ المتكلَف منها (1) وغيرِ المتكلَف، وأفعالُ سائرِ الحيوان كلُها، لأنها لا تَنفك كلُها من الأحكامِ التي ذكرناها.

فصل
والضرب الثاني من أحكامها: أحكامٌ شَرعية وهي التي تختصُ بها أفعال المتكلّفين من العِباد دون غيرها، وذلك نحو كون الكسب حَسناً وقبيحاً، ومُباحاً ومحظوراً، وطاعة وعصياناً، وواجباً وندباً، وعبادةً لله سبحانه وقربةً، حلالاً وحراماً، ومكروهاً ومستحباً، وأداءً وقضاءً، ومجزئاً، وصحيحاً وفاسداً، وعقداً صحيحاً أو باطلًا أو فاسداً، فكلّ هذه الأحكامِ الثابتةِ للأفعالِ الشرعيةِ شَرعيةٌ لا سبيل إلى إثباتِ شيءٍ منها والعلم به من ناحية قَضية العقل (2)، وهذا هو معنى إضافتها إلى الشرعِ، لا مَعنى له سوى ذلك، غير أنه لا يمكن أن يَعرفَ أحكامَها هذه الشرعية إلا بتأملِ العقلِ، ويَستدل بعقلهِ على صحةِ السمعِ، وصدقِ موردِهِ، وتَلَقّي التوقيفِ على هذه الأحكام من جهتِهِ أو مِن جهةِ مَنْ خَبَّر عنه، ولولا وُرودُ السَّمع بها، لما عُلم بَالعَقلِ شيءٌ منها لما نُبينه وندل عليه فيما بعد إن شاء الله.
__________
(1) في الأصل: "منهم".
(2) انظر ما تقدم في الصفحة (65) و (66).
(1/86)

فإن قيل: إذا صحَّ عندكم وُرودُ السمعِ بالِإخبارِ عن هذه الأحكامِ العقليةِ، وكونهُ طريقاً إلى العلمِ بها، أو إلى تأكيدِ العلم بها كما يصحُّ أن تُعلم عقلاً، فلمَ قلتم: هي عَقلية. دون أن تقولوا: هيَ أحكامٌ شرعية. أوتقولوا: هي عَقلية شَرعية لحصولِ العلمِ بها من الطريقين؟
قيل له: أما مَن قال: لا تُعلم أحكامُها هذه بالسمع، وإنما يجب أن تُعلمَ عقلاً، وإنما يردُ السمعُ بتأكيدِ أدلةِ العقلِ. فقد سقطَ عنه هذا الِإلزامُ؛ لأنه يجعلُ معنى هذه الِإضافةِ إلى ما يُعلمُ الحكمُ به، وإن لم يكن سُمع.
وإذا لم نقل نحن ذلك، قلنا: إنما وَجه إضافتِها إلى العقلِ دون السمع أمران:
أحدُهما: أنها أحكامٌ معلومةٌ بالعقلِ قبل ورودِ السمعِ، ولو لم يَرد السمعُ أصلًا، فكان إضافتُها لذلك إلى العقلِ أولى.
والوجهُ الآخرُ: أنها تُعلمُ بالعقلِ لو لم يَردِ السمعُ، ولا يصحُّ أنْ تُعلمَ بالسمعِ لو لم تَثبت بالعقل، فصارت إضافتُها لأجل ذلك إلى العقلَ أولى.
فأمّا قولُ المطالِب: فهَلا قُلتم: إنها عَقليةٌ شَرعيةٌ. فإنْ أراد به أنها (21)، لا تُعلم إلَّا بأمرين: العَقل والسمع، أو بكل واحدٍ منهما وإن لم يحصل الاَخر، فذلك باطلٌ، لأنها تُعلم وإن لم يَقترنا، وتُعلم بمجرد العقل لو فُقد السمع، ولا يصحِ أن تُعلم بالسمع لو فُرض عدم العقل.
وإن أراد بذلك أنها تُعلم عقلَا، ويَصح أن تعلم سَمعاً أو يؤكد السمعُ الأدلةَ العقليةَ عليها، كانَ ذلك صحيحاً، ولا مُعتبرَ با العباراتِ
(1/87)

والِإطلاقات.

فصل
واعلم أن جَميعَ أفعالِ المكلًفِ الداخلةِ تحتَ التكليف- دون ما يقع منه حالَ الغَلبة وزوالِ التكليف- ينقسم قسمين لا ثالث لهما، ولا واسطة بينهما:
أحدهما: ما للمكلّفِ فعله.
والآخر: ما ليسَ للمكلًفِ فعله.
ولا يجوز أن يقال: إنَ منها ما لا يقال له فعله، ولا ليس له فعله، وذلك معلومٌ بضرورةِ العقلِ، كما يُعلم بأدلتِهِ (1)؛ أن المعلومَ لا يخرجُ عن عدمٍ أو وُجودٍ، وأن الموجودَ لا يخرج عن قِدمٍ أو حُدوث.
والذي له فعله منها حَسنٌ كله، وهو يَنقسم إلى: مُباحٍ وندبٍ وواجبٍ، وسنذكر حدودَ ذلك وحدودَ غيره مما يحتاج إليه في هذا الكتابَ- إن شاءالله- في فصل مفردٍ جامعٍ لكل ما يحتاج إليه من الحُدود (2).
والذي ليس له فعلُهُ: هو القَبيح المحرمُ الِإقدامُ عليه.
وكل مُكلَف له فِعلُ شيءٍ مما ذكرنا، فلايجوزأن يكون له بحق
__________
(1) في الأصل: "بأول فيه".
(2) أنظر الفصل التالي.
(1/88)

الملكِ والاختراعِ وإنشاءِ الأعيانِ، كالذي لله سبحانه من التصرفِ فيها بحق الربوييةِ، واستحقاقِ العِبادة، وإنما يكون للمكلَف الفعلُ على وجهِ ما حده له مالكُ الأعيان، وَأذِن له فيه. ومتى قيل: إن للمكلف وغيرهِ من الخَلق شيئاً من الذوات نحو الأمةِ والعَبد والدارِ والثوب، فإنما معنى ذلك أنه له التصرف فيه، والانتِفاع به بقدَر ما أذِنَ له المالك للأعيان عزَ وجل، وما عدا ذلك ظُلم وعُدوان ومحظورٌ عليه.
(1/89)

فصول

في جمع الحدودِ والعقودِ والحروفِ التي تَدخلُ في أبوابِ الكتاب، وجميعِ ما يُحتاج إليه من الألفاظِ المتضمنةِ لمعانٍ لا يَستغني عنها مَن أرادَ العِلمَ بأصولِ الفقهِ.
فصل
حدُ الفقهِ: العِلمُ بالأحكامِ الشرعيةِ. وقيل: معرفةُ الأحكام الشرعيةِ. وأصولُه: ما انْبَنت عليها الأحكامُ الشرعيةُ؛ لأن الأصلَ ما انبنى عليه غيرُه، فأصلُ الفِقهِ: ما انبنى عليه. وقيل: ما تُفرِّعَ عنها أحكامُ الشرع (1).

فصل
وعينُ الأصول: الكتاب والسُنة والِإجْماعُ.
فكتاب اللهِ: ما بَين الدفًتين من القُرآن.
والأصول منه: النَّص والظاهرُ والعُمومُ والفَحوى والدليلُ والمعنى.
والسنة كذلك.
__________
(1) انظر ما تقدم في الصفحة (7 - 9).
(1/90)

فصل

فالنص: ما بَلغ ببيانِه إلى الغايةِ من الكَشف، قال الراجز (1):
وَجيدٍ كَجِيْدِ الرِّيم لَيْسَ بفاحشٍ ... إذ اهِي نَصَّتْهُ ولا بمُعَطَّل
يعني: كَشَفَتْه.
وقيل: ما عُرف مَعناه من نُطقِه.
وقيل: ما استَوى ظاهرُه وباطنُه.
وقيل: ما لا يحتمل إلا معنى واحداً (2).

فصل

والظاهر: ما احتمل أمرين، هو في احدهما اظهر (3).
فصل
والعمومُ: ما شَمل شَيئين فَصاعداً شُمولاً واحداً.

وقيل: العموم: الاشتراك للكلِّ في الصَيغةِ. والعموم: الاشتمالُ على الكُلِّ، وهو الإِحاطة.
وقد قال بعض الفقهاء: ما عَمً شَيئين فَصاعداً. وليسَ بمَرْضي؛
__________
(1) لعله أراد: "الشاعر"، فالبيت ليس برجز، وهو البيت الثالث والثلاثون من معلقة امرىء القيس المشهورة والتي أولها:
قِفا لبكِ من ذكرى حبيب ومنزل.
(2) انظر ما تقدم من تعريفاته في الصفحة (33).
(3) نقدم في الصفحة (33).
(1/91)

لأن قوله: "عَم"- وعن العموم سئِلَ- ليسَ بتحديدٍ، كمن قيل له: ما السواد؟، فقال: ما سَودَ المحل الذي يَقوم به (1).

فصل
والخصوص: قول نَعني به البعضَ.
وقيل: صيغة البَعض. وقيل: إفرادُ البَعضِ بالصيغةِ. وهذه حُدودٌ كلُها على قَول من يقول: للعمومِ صِيغة.

فصل

فالعموم: صيغةٌ للكُل، والخصوص: صيغة للبعضِ، والِإشارة إلى الدلالة على أن له صيغةٌ بحسْب المكان- إلى أن نَستوفيَه إن شاء الله في مسائل الخلاف- أن نقولَ: لا بُد في كل لغةٍ بمعنى العموم من صيغةٍ مِن قِبل ان حاجةَ أهلِ اللسانِ إلى الدَلالةِ على العُمومَ كحاجتهم إلى الدلالةِ على الخُصوص، فلو جازَ أن لا يكون للعمومَ صيغة، لجاز أن لا يكون للخصوصِ صيغةٌ، ويجيءُ مِنْ هذا ويلزمُ منه أنْ لا يكونَ لشيءٍ صيغةٌ ولا دِلالةٌ، وليس من حيث جاءت لفظةُ العمومِ على مَعنى الخصوص لقرينة، مثل قول القائل: غسلتُ ثيابي.
وليسَ من عادة الناس استيعابَ جميع ثيابِهم بالغَسل، حتى يبقوا عراة، يَنبغي أن نجعلَ لفظةَ العموم غيرَ موضوعةٍ، بل الثقة بأنَ قرينةَ الصيغة تخُص، هي التي أغنت عن ذكر التخصيص، وما هو إلا بمثابة قولِ القائل: جاءني إخوتك. وإن كان منهم مَن قد مات، ثِقةً بمعرفةِ ذلك لا مِن جهة اللفظ.
__________
(1) انظر ما تقدم في الصفحة (34).
(1/92)

فصل
والتخصيص: تمييز بَعضِ الجملةِ بحُكم.
وقيل: إخراجُ بعضِ ما تَناوله العموم، هذا في الجملة.

فصل
فأما تَخصيص الصِّيغ العامةِ في الشرعِ، فهي: بَيانُ المراد باللفظ.

فصل

وليس من شَرط التخصيصِ أنْ يتقدمَهُ عموم، فإنه قد يَقع مُبتدأً، وُيعرفُ أنه تخصيص بالإِضافة إلى جُملة لو تناولها النطق كتناولِ هذا كانَ عُموماً أو تَعميماً، فيقال: خُصَّ النبي - صلى الله عليه وسلم- بقيام الليلِ (1)، وخُص الأبُ بالرجوع في الهِبة (2)، وخُصَّ الرسولُ- صلى الله عليه وسلم -بالنكاحِ بلفظِ الهِبة (3)، وخُصت مكةُ بالحج، فهذه التخصيصات كان مَعناها: المكلفونَ كثرة، وخوطبَ النَبي - صلى الله عليه وسلم - بقيامِ الليل، والناكحون كثرة، وخُص النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنكاحِ
__________
(1) في قوله تعالى في سورة الِإسراء الآية 79: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً
لَكَ}، وفي الآيتين الأوليين من سورة المزمل: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2)}.
(2) في حديث ابن عمر وابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يحل لواهب أن يرجع فيما وهب إلا الوالد من ولده".
أخرجه أحمد 2/ 78 وأبو داود (3539)، وابن ماجه (2377)، والترمذي (2133)، والنسائي 6/ 265.
(3) في قوله تعالى: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 50]
(1/93)

بلفظِ الهبةِ، والأقاربُ كثرةٌ وخُص الأبُ بالرجوع في الهِبة، والمساجدُ كثرة، وخصت الكعبةُ بالصلاةِ إليها والحج إليها. فهذا نوع من التخصيصِ غريبٌ يَخرج عن تَخصيصٍ ورد على عموم، كإخراج اهلِ الكتاب بإعطاء الجِزية من آية القَتل (1)، وإخراج القاتل عن الإِرث من بين الأقارب والأرحام (2) وما شاكلَ ذلك، فذاكً تخصيصُ عمومٍ، وهذا تخصيصٌ ميزَهُ من بين أمثال في المعاني سوى ما مُيِّز به من الفَضل الذي اقتضى التخصيصَ بالحكمِ الذي خُصصَ به.
__________
(1) وهي الآية التاسعة والعشرون من سورة التوبة: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}.
(2) أخرج الِإمام مالك في "الموطأ" 2/ 867، والِإمام أحمد في "المسند" 1/ 49 عن عمرْ بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ليس للقاتل شيء".
(1/94)

فصل (1)
في الكلام
وهو الحروف والأصوات المنظومة للتفاهمِ عما في النفوسِ من الأغراضِ، فهذا جملة الكلام.
فصل
وهو علي ثَلاثة أقسام: اسمٌ، وفِعل، وحَرف، لا رابع لها.

فالاسم: لفظٌ (2) يَدل على مَعنى في نَفسه غير مقترنٍ بزمانٍ، محصلٌ دِلالةَ الإِشارةِ دونَ الإِفادةِ، وفيه سَبعُ لغاتٍ أسْيَرهن واشْهرُهن: كَسر الألف، يقال: اِسْمٌ، واسْمٌ، واُسُمٌ، وَوِسْمٌ، ووُسْمٌ، وسِمٌ، وسمٌ (3).
فمن قال: اسم- بكسرِ الألف- قال: هو من ذواتِ الياء من سمى يَسْمي، فالأمر فيه: اسْمُ يا هذا.
ومن قال بضمِّ الألفِ، قال: هو من ذواتِ الواو، من سَمَى يَسْمو.
__________
(1) تكررت في الأصل.
(2) في الأصل: "كلمة".
(3) "شرح المفصل" لابن يعيش 1/ 23 - 24.
(1/95)

ومن قال: وِسْم ووُسْم، قلبَ الهَمزة واواً، كما قالوا: إشاح ووِشاح، وأسماء ووَسْماء، وأجوه ووُجوه.
ومن قال بحذفِ الألفِ، قال: أصله: سُمْوٌ، فاستُثقلت ضَمّةُ الواو فنُزِعت، وحُذِفت لالتقاءِ الساكنين، فبقي: سُم، قال الشاعر:
لِأفضَلِها بَيتاً وأمنعِها حِمى ... وأكرَمِها أهلاً وأحسَنِها سُماً (1)
ومن قال: سُم، بالضم، نَقل ضمة الواو (2) إلى السين، نحو:
قُم، قال الشاعر:
وعامُنا أَعجَبنا مُقَدَمُهْ ... يُدعى أَبا السمْحِ وقِرْضابٌ سُمُهْ (3)
ومن قال: سِم. بالكسرِ، جعلَ الكسرَ خَلفاً من ألف الوصل أو
الواو الساقطة، كقولهم: فِم، قال الشاعر:
[و]، اللهُ أسماكَ سُماً مُباركا ... آثركَ اللهُ به إيثارَكا (4)
__________
(1) ورد البيت مع آخر قبله في: "المقتضب" 1/ 230، و"المنصف" 1/ 60،
و"أمالي ابن الشجري" 2/ 66، و"اللسان": (سما)، وروايته فيها:
فدع عنك ذكر اللهو واعمد لمدحة ... لخير مَعد كلِّها حيثما انتمى
لأعظمها قدراً وأكرمها أباً ... وأحسنها وجهاً وأعلنها سُما
(2) أي الواو من (وُسْم).
(3) الرجز في "المنصف" 1/ 60، و "الإنصاف" لابن الأنباري: 16، و"اللسان":
(سما)، ويروى بضم السين وكسرها. وبعده:
مبتركاً لكل عظم يلحمُه.
(4) الرجز لأبي خالد القناني، وهو في "ضياء السالك" 1/ 45، و"الِإنصاف": 15، و "اللسان": (سما)، ومحل الاستشهاد فيه، "سماً" بضم السين على وزن =
(1/96)

وتقول في اشتِقاق فِعله: سَمَيْتُه وسَمَوْتُه وأسمَيته وسَمَتُه بالتشديد، قال الشاعر:
اللهُ أسماكَ الذي اسماكه
واختلفوا في اشتقاقِهِ على وجهين:
أحدهما: أنه مُشتق من السموّ، وهو الرِّفعة؛ لأن الاسمَ يَسمو بالمسمى، فيرفعه من غَيره، وهذا قولُ أهلِ البَصرة، فهو مُعتل من لام الفِعل من ذوات الواو أو الياء، والأصل فيه: فَعَل أو فَعِلَ، ويجمع على أسماء، بوزن أفعال، على رد لام الفعل (1).
وتَصغيرُه: سُمَي، وقال سيبويه عن يوُنسَ (2): إنَ أبا عمرو (3) كان يقول: إنهم يَقولون في تَصغير اسم وابن: أُسَيم واُبَيْن، كقول الشاعر:
تَركُ أُبَيْنيْكَ (4) إلى غَيرِ راع (5)
__________
= (هدى)، ويسقيم استشهاده مع الرجز السابق؛ لأن السين في "سمه" رويت بالضم والكسر.
(1) "شرح المفصل" 1/ 23.
(2) يونس بن حبيب، أبو عبد الرحمن الضبي، من أئمة النحويين، أخذ عن أبي عمرو بن العلاء، وعنه أخذ سيبويه والكسائي، توفي سنة (183) ه. "سير أعلام النبلاء" 8/ 171.
(3) زَبّان بن العلاء بن عمار التميمي المازني، أبو عمرو البصري، شيخ القراء والعربية، توفي سنة (154) ه. "سير أعلام النبلاء" 6/ 407.
(4) في الأصل: "تترك أبنيك".
(5) الرجز في "اللسان": (بنى)، وقبله: "من يك لا ساء فقد ساءني"، وهو منسوب للسفاح بن بكير اليربوعي.
(1/97)

وقال آخر:
هُم أُبَينى وَهُم شُجوني
والثاني: أنه مُشتق من السِّمَةِ، وهي العلامةُ؛ لما في الاسمِ من تمييز المُسمَّى من غيرِهِ، وهذا قول أهل الكوفة.

فصل
وأمَّا وضعها (1)، فعلى أوجهٍ:
منها: القابٌ وأَعلام وُضعت في اللغةِ للتمييزِ بين المُسمَّيات، فهذا الوجهُ يقومُ مقامَ الِإشارةِ إلى العَين، وذلك مثلُ: زَيد وعَمرو.
[و] منها: ما وضع لإِفادةِ بِنْيةٍ من صورةٍ مخصوصةٍ (2)؛ مثل: إنسان وفرس وسَبُع.
ومنها: ما وضعَ لإِفادةِ جنسٍ؛ مثل: عِلم وقُدرة وإرادة.
ومنها: ما وضعَ لإِفادةِ أمرٍ تعلقَ بالمُسمى؛ مثل أن يولد له فيُسمى أباً، ويولد لأخيه فَيسمى عَمّاً، ويولد لأُخته فيسمى خالًا، ومثل: تحت وفَوق وأمام ووَراء وتِلْقاء، فإذا كان فوق السقف، قيل: مَقر ومُستَقر.
وإذا كانَ تحته قيل: ظُلَّة وسقف.
ومنها: مايكون مُفيداً لمعنىً، فمنه ما يكون على وجهِ الاشتقاقِ، مثل: مَقتول ومَضْروب، وقاتِل وضارب (3).
__________
(1) يعني الأسماء.
(2) في "العدة" 1/ 187: "ومنها ما وضع لإِفادة صورة وبنية مخصوصة".
(3) وردت العبارة في "العدة" 1/ 187، كما يلي: "والاسم المفيد لمعنى يتعلق =
(1/98)

وقد يتفقُ الاسمانِ في الصورةِ والذَلالةِ، مثل قَولنا: الوَطء بالنكاح ومِلكِ اليمين مُباح.
وقد يتَّفقان في الأسماءِ ويختلفانِ بالمعنى؛ مثل: القُرء، تردَّدَ بين الحَيضِ والطُهرِ.
وقد يختلفانِ في اللَّفظِ والمعنى؛ مثل قولِنا: الخَمرُ مُحرمةٌ، والخَلُ مُباح.
وقد يَختلفانِ في الصورةِ ويَتفقانِ في المعنى، مثل: زَكاة وصدقة (1).

فصل
والأسماءُ على ضَربين: ما هو عام، [ومنه ما هو خاص.
فالعامٌ على ضربين: منه ما هو عامٌ ليس فوقه ما هو أعمّ منه.
ومنه ما هو عامٌ] بالِإضافةِ إلى ما هو أَخص منه، وإن كان خاصاً بالِإضافةِ إلى ما هو فوقَه.
فالعام الذي ليس فوقَه أعم منه [مثل:] معلوم ومذكور، والخاصُ الذي هو عام في نفسِهِ، مثل قولنا: عَرَض، هو عام في جميع الأجناسِ، وهو خاص بالِإضافة إلى قولنا: معلوم ومذكور.
__________
= بالمسمى، قد يكون على وجه الاشتقاق، مثل قولنا: مقتول ومضروب، ومنه ما هو مشتق، مثل قولنا: قاتل وضارب،.
(1) جميع هذه الأوجه أوردها القاضي في "العدة" 1/ 187.
(1/99)

والخاص الذي هو في الحقيقة خاص؛ مثل: أسماء الأعيان (1).

فصل
ولنا أسماء مُشتركة تَقَع على أضداد، مثل: جَوْن؛ فلونٌ يقع على السوادِ والبَياضِ، وقُرء؛ يَقع على الطهرِ والحَيضِ، وشَفق؛ يَقع على الحُمرةِ والبَياضِ، وعَين؛ يقع على الذهب وعَين الماءِ والباصِرةِ، وغير ذلك. ومَولى؛ يَقعُ على الأسفلِ وهو المَنعَمِ عليه بالعِتقِ، والأعلى وهُو المعتِق المُنْعِم، ولا يُصرفُ عند الِإطلاقِ إلى شَيءٍ منها بعَينه لكن بدِلالة (2).

فصل
ولنا أسماءٌ هي في اللغةِ على مَعنىً، وفي الشرعِ على غيرهِ، واختلفوا في نَقلِها، فقال قومٌ: هي مُبقاةٌ مَزيدةٌ شَرعاً. وقال قومٌ: نُقِلت عن أصلِ الوَضع (3). وسنذكر ذلك في مسائل الخِلاف إن شاء الله، وذلك مثل الصلاةِ؛ هي في اللغةِ: الدُّعاء، وفي الشرعِ: هذه الأفعالُ والأقوالُ المخصوصةُ. والحج: القَصدُ، وهو في الشرع: هذه المناسكُ المخصوصةُ. والزكاةُ: الزِّيادةُ والنَماءُ، وهي في الَشرعِ: صَدقةٌ مَخصوصةٌ. والصومُ: عبارة عن الإِمساكِ، وهو في الشرعِ:
__________
(1) هذا الفصل مأخوذ نصَاً من "العدة" 1/ 187 - 188، وما بين المعقوفين استدرك منه.
(2) انظر " العدة " 1/ 188.
(3) انظر ما تقدم في الصفحة (35)، وما سيأتي في 2/ 422.
(1/100)

إمساك عن الأكلِ والشربِ والجماعِ بقَصدٍ ونِيَّةٍ في زمنٍ مَخصوصٍ (1)

فصل
واختلف الناس في طَريق وضعِها على مَذاهبَ، ونحن نستوفيها في مسائلِ الخلافِ (2) -إن شاء الله-:
فقال قوم: إنَ طريقَها الوحيُ والِإلهامُ لآدمَ عَليه السلامُ.
وقال قوم: إنها مُواضَعَة (3).
وقال قوم: بعضها بطريقِ الإِلهام، وبَعضها بالقياسِ، وبَعضُها بالمواضَعة.

فصل

وأما القسم الثاني من الكلام وهو الفِعل؛ فهو: عبارة عما دَل على زَمانٍ مَحدود.
وقالوا في عَلامة الأسماء: ما كانَ عبارة عن شخص، وما حَسُنَ الجرُّ به وعَنه، وعبارة عما يَصحُّ تَصغيره وُيثَنَّى ويثَلث.
وقالوا في علامةِ الأفعالِ: ما حَسُن فيه قَد، وسين، والمستقبل،
__________
(1) انظر "العدة" 1/ 189.
(2) انظر 2/ 397 وما بعدها.
(3) أي: وضعت بمواضعة أهل اللغة ومواطأتهم على ذلك. انظر "العدة" 1/ 190 - 193.
(1/101)

مثل: سَيفعل ولسوفَ يَفعل (1).

فصل

والحرف: ما عُدمت فيه علامات الأسماءِ والأفعالِ، وقيل: هو عبارة عن شَيئينِ احدُهما مَعنىً، والآخر عِبارة.
والمعنى: هو طرَف الشيءِ، مثل قولِهم: حرفُ الوادي.
والثاني: قول أهل النحو: هو عبارةٌ عما أفادَ مَعنىً في غيرِهِ (2).

فصل
وقد حصر بعض أهلِ العلمِ الكلامَ، فقال: هو: أمر، وفي مَعناه: السؤال والطَّلبُ والدُّعاء والاقتضاء، يقال: سألَه، وطلبَ منه، واقتَضاه، وأَمَرَة بمعنى: استدعى منه بالقولِ فعلاً.
والمفَرِّقُ الرُّتبة، وسنذكرها- إن شاء الله- في حدود هذه الأبوابِ الخاصة.
قال: والنَهي، وفي مَعناه: الكفُّ والزَّجر والمَنع، يقال: نَهاه، وزَجَره، وكَفَّه عن القَبيح، ومنعه.
قال: والخَبر والاستِخبار، ومن هذا القَبيل: القَسَمُ، فإنه خَبر مؤكًدٌ، والجحود خَبرٌ أيضاً بالنفي، وهو الإِنكار.
قال: ومنه- أعني من الخبر- الوَعدُ والوَعيدُ، فإنه إخبارٌ عن مَنافع
__________
(1) "شرح المفصل"2/ 7 - 4.
(2) المصدر نفسه 8/ 2.
(1/102)

أو مَضار، وسَنستوفي حدودَ ذلك- إن شاء الله- بعد الفراغِ من الجُملة التي قَسمها هذا العالِم من الكلام.
قال: والأمثال والتَشبيه، وهما متقاربان.
قال: والنَهي، والاستِفهام، ومثله الاستعلام، والنداء، والأسماء (1)، وقد قَسمناها (2).

فصل
في تحديدِ ما حَصره من جُملةِ الكَلامِ ونوعِهِ.

فأما الأمر؛ فهو: استدعاء الأعلى الفِعلَ بالقولِ ممن هو دونه.
ولا يَصح قولنا: ممن هو دونه، إلا بعدَ التصريح بالأعلى لتَعود الهاءُ إليه. وحذَفَ قومٌ ذكرَ الأعلى، وقالوا: ممن هو دونه، إعادة للهاءِ إلى مُقَدرٍ مُضمرٍ، ولا يَجوزُ فىِ الحدودِ إضمارٌ ولا تَقديرٌ (3).
ولا يُحتاج في الطلب والاقتِضاء إلى ذكرِ الرتبة، وُيحتاج أنْ تُذكر الرتبةُ في السؤالِ بالعَكسِ، فيقال: استدعاء الأدنى الفِعلَ ممن هو فوقه أو أعلى منه.
والدُّعاء والنداء لا يَحتاج إلى رُتبةٍ أيضاً، قال الله سبحانه:
__________
(1) انظر التفصيل في معاني الكلام في "الصاحبي" لابن فارس: 150 - 158.
(2) تقدم في الصفحة (98) وما بعدها.
(3) سيورد المؤلف تعريفات أخرى للأمر في أول كلامه على الأوامر في 2/ 450.
(1/103)

{يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} [إبراهيم: 10]، وهو الأعلى، وقال: {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى} [الشعراء: 10]، وهو الأعلى، وقال: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا} [مريم: 3]، وهو الأدنى، وقال: {ادْعُوا رَبَّكُمْ} [الأعراف: 55] {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} [السجدة: 16]،.
والاقتِضاءُ نوعٌ من الطَّلَب، ولكنه بطلب القَضاءِ أخص.

فصل
والنَّهي: استِدعاءُ الأعلى التَّركَ من الدّونِ، أو ممن هو دونه (1).
ولك أنْ تقولَ في الأمرِ والنهي: استدعاءُ الفعل بالقولِ، أو استدعاءُ التركِ بالقَولِ من الدونِ، وتَستغني عن الأعلى.

وإن قلتَ: ممن دونَه. فلا بد من ذكرِ الأعلى في ذكرك الاستدعاء، لتعودَ الهاءُ إلى المذكور في الحَدِّ وهو الأعلى. وليس في قولِكَ: الدون، هَاءُ كنايةٍ تحتاج إلى عودِها إلى مذكورٍ ولا مُضمرٍ، وليس لنا في النهي ما يُوافقه من الأدنى إلّا الرَّغبةُ في التركِ، وهي إلاستِقالةُ، وسُؤالُ تَركِ فعل يسوء، أو يُؤلم، أو يَسوءُ المفعول به أو منه، ولكن لا يصرَّح به في حق اللهِ، فلا يُقال: سألتُ اللهَ أن يتركَ أَلميَ أو إيلاميَ، لكن يقال: سألتُ الله أن يُزيلَ أو يَرفَعَ، وأن يكفِيني، وأن يعصِمَني، وأن يَمنعَ عني.
وأما الزَّجرُ والكَف، فلا يَليقُ إلا بالآدميِّ مَع الآدميِّ، أو من اللهِ لغَيرِه أنْ يكونَ زاجراً وكافّاً، ولا يكونُ مَزجوراً كما لا يكون مَنهياً ولا مأموراً، إذ في ذلك استدعاءُ نوعِ عُنف وشِدة، وذلك يكون من الله
__________
(1) سيورد المؤلف تعريفات أخرى للنهي عند كلامه على المناهي في 3/ 230.
(1/104)

بالعَبدِ، ولا يليق بالله من جِهة العبدِ، فيقال: زَجر الله الخلقَ ونَهاهم.
ولا يُقال: زَجروه ولا نَهوه.

فصل

وأما الخبرُ؛ فهو في طَبعِهِ وجَوهرهِ ونعتِهِ: ما احتَمل الصدقَ والكَذبَ (1). ولسنا نريدُ به: مِن طريقٍ تَحقَّقَ الكذبُ فيه، فإنَّ خبر الله لا يَحتملُ الكذبَ، وهو خبر، لكن نُريد به -على ما ذكره شيخنا أبو القاسم بن بَرْهان- ما حَسن أن يُقال فيه من طريق اللغة: صدقتَ أو كذبتَ. فكل كلمةٍ حَسُن في اللُّغة أن يُقال في جَوابها: صدقتَ أو كذبتَ؛ فهي خَبر.
فكلمةُ الكفرِ والتَثنيةِ والتَّثليثِ لا يَحسن في الشَرعِ ولا العَقلِ أنْ يُقال في جَوابها: صدقت، وكلمة التوحيد لا يَحسن في الشرع ولا العقل -على قَول من يَجعله مُحَسّناً (2) - أن نقول (3): كذبت. لَكن من طريق اللغة لا يَقبح، كما أنّا نقول: إن كلمة الكفرِ حَقيقة وليست حقاً، ومَن رمى، فعَمَدَ إصابة شيء، فأصابه، يُقال: أصابَ؛ منَ الِإصابةِ في طَريقةِ أهلِ الرَّمْي، ولا يُقالُ ذلك على سَبيل الصوابِ شَرعاً، كذلك: صَدقت، في باب التَثنية، وكذبت، في باب التوحيد، تحسن لُغة، ويكون وجه حُسنها أنها كلمة مَوضوعة موضعَ الوضعِ
__________
(1) "الصاحبي": 150.
(2) يعني المعتزلة، وقد تقدم بيان المؤلف لذلك في الصفحة (26).
(3) أي: "في جوابها".
(1/105)

اللغوي، لكنَّ الخطأ والقُبحَ فيها من طَريق الشرع أو العَقل، أو هما، كما أنَّ قولَ القائل لرامي الشيء: أصابَ، فيَ حُكمِ الرماية، وإن كان مُخطئاً ومُقيماً أَو مُبطلًا من حَيث الشريعة.

فصل
والقَسَم من هذا القَبيل؛ لأنه خَبرٌ مُؤكَدٌ بالحَلفِ بالمُحترم (1) فإن (2) قولَ المُنكرِ: ليسَ عَليَّ شَيءٌ مما ادَّعاه، يكونُ مُخبراً بِنَفي الاستحقاق، فإذا قال: واللهِ ما يستحق على، كانَ مؤكِّداً لخَبَرِه بقَسَمه.

والقَسَمُ والحَلِفُ خَبرٌ مُؤكَّد بالاسم المُحترم نفياً في القَسَم على الإِنكار، وإثباتاً أيضاً إذا حلف لإثباتِ الدَّم في القَسَامة (3)، أو اليمين مع الشاهدِ في المال، أو اللًّعان من الزوج لإِثبات زِنى الزوجةِ، وتصديقِ نفسِه في القَذْفِ.
فصل
والوَعدُ والعِدَةُ خَبرٌ أيضاً، وحَدُّه: إخبارٌ بمنافعَ لاحقةٍ بالمُخْبَرِ من
__________
(1) في الأصل: "بالمحسن من"، وما أثبتناه يؤيده قول المؤلف الأتي: "والقسم والحلف خبر مؤكد بالاسم المحترم".
(2) في الأصل: "وان".
(3) القسامة- بالفتح-: كالقسم، وحقيقتها أن يقسم من أولياء الدم خمسون نفراً على استحقاقهم دم صاحبهم، إذا وجدوه قتيلاً بين قوم ولم يعرف قاتله، فإن لم يكونوا خمسين، أقسم الموجودون خمسين يميناً، ولا يكون فيهم صبي ولا امرأة ولا مجنون ولا عبد، أو يقسم بها المتهمون على نفي القتل عنهم، وإن حلف المدَّعون استحقوا الدية، وإن حلف المتهمون لم تلزمهم الدية.
"النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير 4/ 62.
(1/106)

جهة المُخْبِر في المستقبل، ووعد الله بالثوابِ لمن أطاعَه داخلٌ تحتَ هذا الحَد.
قال أهل اللغة: الوَعدُ في الخير، والوعيد في الشرِّ، يقول، أهل اللغة في الخير: وعَدْته، وفي الشر: اوعَدْته وتَواعَدْته.

فصل
والوعيد في الأصل: هو إخبارٌ بمَضار محضة لاحقةٍ بالمُخبر من جهة المخبِرِ في المستقبل، ويدخل تحته وعيدُ الله للفسَّاق والكفار على مخالفته وارتكابِ نواهِيه.

والتَّشبيه: إلحاق الشيءِ بنظيرهِ في الصُّورةِ أو المعنى أو هما، وبذلك يَتَبين قوة شعرِ الشاعر، وفقهِ الفقيه؛ لأن رأسَ مال الشعراء التَشبية الذي لا تنْتِجه إلا القريحة الصافية، وليس من الغَزَلِ الذي يحرِّكة العِشْق، والمدْح الذي يحرَكة فيه الإِعطاء والرِّزْق، ولا الهَجْوِ الذي يثيرُه الحسد والعدَاوة ومجازاة المسيء، ولا النَّدْب والمَراثي الذي يَهيجه الخزْن بفَقد الحميمِ، فلم يَبْقَ للتشبيهِ سوى القًريحةِ الصافيةِ، والوزنِ الصائبِ، والاطلاع على حقيقة المِثْلين والمشتبِهَيْن، وعليه يدوز القياس حيث، كان جمَعاً بين مشتبِهَيْنِ.
فصل
والتمني: تَطَلبٌ في النفس لمستبعَدٍ حصوله.
والتَّرجي: تَطلُّب مايتوقَع أو يقرب في النفس حصولُه تقرببباً إلى
(1/107)

خصيصتها

فصل

والاستفهام: طلبُ الفَهْمِ، والاستعلام: طلب العلم.
والأسماء قد سبق الكلام فيها (1).
__________
(1) انظر الصفحة (99) وما بعدها.
(1/108)

فصول
بيان حروف المعاني
اعلم- وفقك الله- أن الحرفَ واقعٌ على الطَرَف والشَفِير، كطَرَف الوادي، وحرف الإِجابة (1) والرَّغيف، وطَرَفُ كلِّ شيءٍ: حرفُه، ويقع على الحرفِ المكتوب من حروف المعْجَمِ، ويَقع في اللغة على الكلمةِ التامَّةِ، وعلى الكلمة غيرِ التامةِ، يقولون: ما فهمت هذا الحرفَ من كلامكم، وما أخطأ فلانٌ أو ما أصابَ في حرفٍ من كَلامه، يريدون: في كلمةٍ منه، وعندي أن هذا تَجوزٌ في الكلام، أو تَنبيه على العِلَّةِ بالحرف في الخطأ والصواب، وقد يُعبَّرُ بالحرفِ عن قراءةٍ، وطريقةٍ في القراءةِ، كقولهم: يقرأ بحرفِ أبي عمرو.
فأما الحرف اللُّغوي الذي يتكلم أهلُ العربيةِ على معانِيه وأحكامه؛ فهو اللفظ المتَّصل بالأسماءِ والأفعالِ وكلِّ جُملة من القَول، والداخلُ عليها لتغيير معانِيها وفوائدِها، مثل: "من"، و"إلى"، و"بَعد"، و"حتى"، و"ما".
نذكرُ جملةً منه:
__________
(1) الإجانة: إناء تغسل فيه الثياب، "اللسان": (أجن) و (ركن).
(1/109)

فصل

في معنى"مَن"
اعلم أنَ حرف "مَن" له ثلاثةُ مواضع: فتجيءُ للخبرِ، والجزاءِ، والا ستفهام.
فأما مجيئُها للخبر، فنحو قولك: جاءَني مَن أحبَبْت، ورأيتُ مَن أعجبني.
وأما مجيئها للشرط والجزاء، نحو قولك: مَن جاءني أكرمتُه، ومَنِ انقطعَ عنِّي عاقَبْتُه.
وأما مجيئها للاستفهام، فنحو قولك: مَن عِندَك؟ ومَن كَلمك؟ ومَن تَزَوًج إليك؟
ولا يَحسُن في تفسير: جاءَني من أحببت: فَرسٌ أو بعيرٌ، ولا في جواب الاستفهام بمن عندك؟: عندي حمارٌ أوثورٌ؛ لأن "من" لما يعقل.

فصل

في معنى "أيُّ"
اعْلَم أنهأ في أصْلِ وَضْعِها للفَصْلِ، وأن لها ثلاثةَ مواضعَ: تجيءُ للخبر، والشَرْط والجزاءِ، والاستفهام.
فأما مجيئُها للخبر، نحو قولك: لأضْرِبَنَّ أيهم قامَ، ولأوَبخَنَ أيَ القومَ دخل الدار.
وأما الاستفهام، نحو قولك: أيَ الناسِ رأيتَ؟ وأيهم كلمْتَ؟
(1/110)

وأما مجيئها للشرط والجزاء: نحو قولك: أيهم ضربْتَ اضرِبْ، وأيهم هجرتَ أهجرْ، وأيَّهم كلمْتَ اكلِّمْ.

فصل
في حرف "مِن " بكسر الميم
وهي حرفٌ له ثلاثةُ مواضعَ:
أَحدها: أنها لابتداءِ الغاية، تقول: سرتُ من الكوفةِ إلى البصرة. وهذا أصلُها على ما ذكره القومُ، وهي نَقِيضةُ "إلى"؛ لأن "إلى" تجيءُ لانتهاءِ الغايةِ، و"مِن" تجيءُ لابتدائِها.
وقد تدخلُ في الكلام للتَبْعِيضِ، وتكون صلةً في الكلام وزيادةً.
فأما كونُها لابتداءِ الغاية، نَحْو قولهم: جئتُ مِن الحجاز إلى العراقِ، وهذا الكتابُ مِن زيدٍ إلى عمرو، يَعْنونَ: ابتداءَ مجيئِه وصدورِه من زيدٍ، وانتهاءَهُ إلى عمرٍو.
وأما مجيئُها للتَبعِيضِ، فنحو قولك: أخذتُ من مالِ فلانٍ، واستفدتُ من عِلْمِه، وأكلت مِن طعامِه.
وأما كونُها صِلَةً زائدةً، فنحوُ قولك: ما جاءَني مِنْ احدٍ، وما بالربْعَ من أحدٍ (1).
__________
(1) زاد ابن هشام على ما ذكره المؤلف من معانيها: البدل، والظرفية، والتعليل، وبيان الجنس. "أوضح المسالك": 352 - 354.
(1/111)

فصل
في حرف "ما"
وقد تدخلُ في الكلام للنَفْيِ والجَحْدِ، نحوُ قولِه: ما لَهُ عندِي حَقٌّ، ولا لَهً قِبَلي دَيْنٌ، وما أحْسَنَ زيدٌ -على وجهِ النفي لإِحْسانِه- وما قامَ عمرو، ونحوً ذلك.
وقد تدخلُ في الكلام للتَّعَجُّبِ، نحوُ قولك: ما أحْسَنَ زيداً! وما أجْمَلَ عَمْراً! على وجهِ التعجب من حُسْنِ زيدٍ وجمالِ عمرٍو.
وقال بعضُهم: تدخل الاستفهام، (نحو) (1): ما في الكِيسِ؟، والاستبهام: [نحو] (1): {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم: 10]، {إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى} [النجم: 16]، في الكيس ما فيه، إبْهاماً على السائلِ لا إفهاماً له، كما تُجيبه بالِإفْهام، فتقولُ: فيه دراهمُ.
وقال بعضُ أهلِ اللُّغةِ: إنها خاصةٌ لما لا يَعقِلُ (2)، وقال آخرون: بل هي لما يَعقِلً وما لا يَعقِلُ، وإنه قد يكون جوابُها بذِكْرِ ما يعقلُ وما لا يعقلُ، بحيثً إذا قيل له: ما عندك؟ صَلَحَ أن يقولَ: رَجلٌ، وأن يقول: فَرَسٌ، قال الله تعالى {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ...} , الآيات: [الشمس: 5 - 6]
__________
(1) ليست في الأصل، وزدناها للتوضيح.
(2) "أوضح المسالك": 78 - 79.
(1/112)

فصل

في معنى "أم"
اعْلَمْ أن لها موضعَيْنِ، احدهما: الاستفهام، نحو قولك: سَكتَ زيدٌ أمْ نطقَ؟ وقامَ أَم (1) قعدَ؟ وقد تكون للاستبهام، تقول: زيدٌ عندك أم عمرو، فكأنك قُلتَ: ايها عندك؟ وهذا زيدٌ أم اخوهُ؟
وقد تكونُ "أم" بمعنى (أو)، إذا ارِيدَ بهما الاستفهام، إذا قلتَ: أزيدً عندك أم عمرٌو؟، فهو كقولك: أزيدٌ عندك أو عمرٌو (2)؟.

فصل

في معنى "إلى"
هي موضوعةٌ لانتهاءِ الغايةِ، نحو قولك: ركبتُ إلى زيدٍ، وجئتُ إلى عمرو، وكُل الطعامَ إلى آخِرهِ، وتكونُ في هذا الموضعِ بمعنى "حتى"، التي هي للغايةِ، وإن اريدَ به دخولُ الغايةِ في الكلام، فبدليل يوجبُ ذلك غَيْرِ "إلى"، نحوُ قوله: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6]، وأريد به: مَعَ المرافقِ (3)، بدليلٍ غيرِ الحَرْفِ (4)؛ ولذلك لم
__________
(1) في الأصل: "أو".
(2) "الصاحبي" لأحمد بن فارس اللغوي: 97 - 98.
(3) وهو قول جمهور العلماء، وخالف في ذلك زفر وابن داود وبعض أصحاب مالك، فجعلوا "الى" لانتهاء الغاية، فلا يدخل المذكور بعدها. "المغني" 1/ 172 - 173.
(4) وهو حديث جابر رضي الله عنه قال: كان النبي ي إذا توضأ، أدار الماء
إلى مرفقيه. رواه الدارقطني في "السنن" 1/ 83.
(1/113)

يُوجِبْ قولُه: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187]، دخولَ الليلِ مع النهارِ.

فصل

في معنى "الواو"
اعلم بأن الواوَ حرفٌ موضوعٌ للجمع والنَسَقِ، والتًشْريكِ بين المذكورين، نحو قولك: ضربتُ زيداً وعمراً، وأكرمتُ خالداً وبَكْراً.
وقد تَرِد بمعنى "أو" بدِلالَةٍ، كقوله: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3]، أي: أو ثُلاثَ أو رُباعَ.
وقد ذكر قومٌ من الفقهاء (1) أنها موضوعةٌ للتَرْتيبِ والتَعْقيب، بمَنْزِلَةِ "ثُم" و"الفاء"، ولا يُمْكِنُ دعوى ذلك، لكن وَرَدَتْ في مواضَعَ قامت الدَلالَةُ على أن فيها ترتيباً، فأما أن تكونَ الواوُ أوْجَبَتِ الترتيبَ فيها، فلا، وكيفَ يمكنُ دعوى ذلك، وقد قالَ أهلُ اللغةِ: رأيتُ زيداً وعمراً معاً، ولم يَستَجِيزُوا: رأيتُ زيداً ثم عمراً معاً، ولا استجازُوا قولَ القائل: رأيتُ زيداً فعمراً معاً؟
ومما يُوَضحُ ذلك أنه لم يأتِ في اللغةِ: اقْتَتَلَ زيدٌ ثم عمرٌو، ولا اقتتلَ زيدٌ فعمرو، لما كان الاقْتتالُ من افعالِ الاشْتِراكِ التي لا يكون الفِعلُ فيها إلا من اثنينِ، وقالوا: اقتتل زيدٌ وعمرٌو، واختصمَ خالدٌ وبكرٌ، فلو كانتِ الواوُ تُوجِبُ الترتيبَ، لما حَسُنَ ذلك فيها كما لم يَحْسُنْ في "ثم" و"الفاء".
__________
(1) نسب الجويني ذلك إلى الشافعية. انظر "البرهان" 1/ 181.
(1/114)

والدَّلالةُ على أن "اقتتل" و"اختصم" للشركةِ، أنه لو قال قائل: اقتتل زيدٌ ثم عمرٌو، لَحَسنَ أن يُقالَ: اقتتلَ زيدٌ مع مَنْ؛ ثم عمرٌو مع من؟ كلّ ذلك لأن الشركة مقتضى قول القائل: اقتتل، سنذكرُ ذلك شافياً في مسائلِ الخِلافِ من الكتاب -إن شاء الله-، وإنما لم يَصِحَ دخولها في الأفعال المشْتَرَكةِ؟ لأنهَ لو قال قائل: اختَصمم زيد وعمرو، وكان ذلك يفِيد ترتيباً، لكان قد سبقَ الفعل من أحد المخْتَصِمَيْنِ قبل حصوله من الآخر، وذلك محالٌ؛ لأن المشَتركَ لا ينفرد به الواحد، فلا جَرَمَ لا يَسْبِق به الواحدُ، وإذا لم يَسْبِق، فلا ترتيبَ (1).

فصل

في الكلام في معنى "الفاء"
وهي حرف إذا كان للنَّسقِ والعطفِ، اقتضى إيجابَ الترف:، بغير مهلةٍ ولاتراخٍ ولا فَصْلٍ، فهي منفصلةٌ عن الواوبإيجابِ العطفَ بنوع ترتيبٍ، ومنفصلة عن "ثم" و "بعد" بكونها لا فَصل توجِبُ، ولامهْلةً ولا تَراخِي، بل توجبُ التعقيبَ في الترتيبِ.
فإذأ قلتَ: ضربت زيداً فعمراً، أردتَ ترتيبَ ضرب عَمرٍو على ضرب زيد (2)، لكنْ عَقِيبَه بلا فصلٍ.
وكذلك دخلتِ الفاءُ للشرطِ والجزاءِ، لأنه اَدْخَل لتعجيل الجزاءِ،
__________
(1) "شرح المفصل " 8/ 90 - 94.
(2) في الأصل: "أردت ترتيب ضرب زيد على ضرب عمرو".
(1/115)

وإنما جُعِلَ الجزاءُ معجلًا، لأنه إن كان مجازاةً على إساءةٍ، كان أرْدَعَ عنها، وإن كانَ على حَسَنَةٍ، كان التعجيلُ أدعى إليها، فقالوا: لا تَسوني فأسوءَك.
وقد تكونُ جوابَ جملةٍ من الكلام، نحْوَ قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6]، وإذا دخلتَ مكةَ، فطُفْ بالبيتِ.
وقد تكون جوابَ الأمرِ، نحْوَ قوله: {كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة: 117]،وليس هو في هذه المواضعِ للتعقيب.

فصل

في معنى"ثُم"
وهي مُوجِبَةٌ للترتيب، لكنْ بمهلةٍ وفصلٍ، فإذا قال: اضرب زيداً ثم عمراً، أرادَ به الترتيبَ بنوع فصلٍ متأخرٍ، لا بتعقيب.
وقد تَرِدُ بمعنى الواو، قال الله سبحانه: {ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ} [يونس: 46]، بمعنى: واللهُ شهيدٌ على فعلِهم حالَ فعلهم، لا مُرَتَباً على فعلِهمِ، ويحتملُ أن تكونَ على أصلِها للتَّراخي بكون شهودِ الباري متراخياً عن وفاتِه - صلى الله عليه وسلم -، فإنه (1) {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ} [يونس: 46]، لا عن أفعالهم، فإنه قال: {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ
__________
(1) في الأصل: "أنه".
(1/116)

شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ}، والباري لا يشهدُ فعلَهم قبل فعلِهم نَظراً، بل عِلْماً (1).

فصل

في القول في معنى "بَعْدَ"
وهي حرفٌ يفيدُ الترتيبَ، ولايفيدُه على مهلةٍ، بل يَصْلُحُ ما بعدها أن يكونَ بمهلةٍ وغيرِ مهلة، فتَقول: جاءَني زيدٌ بعدَ. عمرٍو بيومٍ، وتقول: بلَحْظَةٍ، وعَقِيبَهُ (2).

فصل

القول في معنى "حتى"
ولها ثلاثةُ مواضعَ، وأصلها في اللغة للغايةِ، وهي حرفٌ جارٌّ، تقول: أكلتُ السمكةَ حتى رَأْسِها، وضَربتُ القومَ حتى زَيدٍ، مَعناه: حتى انتهيتُ إلى رأسِها، وإلى زيدٍ.
وقد تكون بمعنى الواو (3)، إذا قلتَ: كلَّمْتُ القومَ حتي زيداً كلمتُه (4)، تريدُ به: كلمتُه.
والثالثة: حتى رأسُها، فيكونُ معناهُ الابتداءُ: حتى رأسُها أكلْتُه.
__________
(1) "الصاحبي": 119 - 120.
(2) "الصاحبي": 118.
(3) واشترط البصريون لذلك أن يكون الثاني من الأول. انظر "الصاحبي": 122.
(4) كذا في الأصل، ولعلها زائدة.
(1/117)

فصل

القول في معنى "متى"
ومتى ظرفُ زمانٍ وسؤالٌ عنه، تقول: متى قامَ زيدٌ؟ ومتى قامتِ الحربُ؟ أو متى تقومُ؟ والجواب عنه: غَداً، أو تقول: قامَ، أو قامَتْ أمسِ.
[وتكونُ للجزاء، كقول الشاعر:] (1)
مَتى تَأتِهِ تَعْشُو إلى ضَوءِ نارِهِ ... تَجِدْ خَيرَ نارٍ عِنْدَها خَيرُ مُوقِدِ (2)

فصل

في معنى "أين"
اعلم أن "أين" سؤالٌ عن المكانِ، وهي عندهم ظرفُ مكانٍ، وجوابُها يَقَعُ به، فإذا قلتَ: أينَ زيدٌ؟ أو أين أبوك؟ كان جوابه: في المسجدِ، أو السَّوقِ (3).

فصل

القول في معنى "حيث"
وهي حرفٌ للمكانِ أيضاً، فهي ظرفٌ من ظروفِ المكان، كأينَ،
__________
(1) ما بين حاصرتين ليس في الأصل.
(2) البيت. للحطيئة جرول بن أوس بن مالك، من قصيدة طويلة يمدح بها بغيض ابن عامر بن شماس التميمي، وهي في "ديوانه": 161، و"شرح المفصل" 7/ 45.
(3) وتكون شرطا لمكان نحو: "أين لقيت زيدا فكلمه " بمعنى: في أي مكان "الصاحبي": 114.
(1/118)

تقول: حيثُ وجدتَ زيداً فأكرِمْهُ، وحيثُ صَلَحَ مِنَ البلادِ فاسكَنْهُ.

فصل

في معنى "إذ" و"إذا"
واعلم أنهما ظرفانِ للزمان، تقول: جاءَ زيدٌ إذْ طلَعَ الفجرُ، وجاء المطرُ إذْ غَربَتِ الشمس، وتقول: إذا جاءَ زيدٌ فأكرِمْه، وإذا قَدِمَ الحاجُّ فأنْزِلْهم (1).
__________
(1) "الصاحبي": 110 - 113.
(1/119)

فصل

في بيان حروف الصِّفاتِ التي يقومُ بعضُها مَقامَ بعضٍ، ويُبْدَلُ بعضُها ببعضٍ.
من ذلك قوله تعالى: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71]، بدلأ من: على جُذوعِ النخل.
وقوله في الباء: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان: 59]، بمعنى: فاسأل عنه خبيراً.
واللام بمعنى "على": {وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ} [الحجرات: 2]، يعني: عليه بالقول، وقوله: {وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ} [غافر: 52]، بمعنى: عليهم اللَعْنَةُ.
و"إلى" بدلاً من "مع": {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2]، أي: مَعَ أموالِكم، {قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} [آل عمران: 52]، أي: مَعَ الله، هذا قولُ أكثرِ العلماء، ووجدتُ عن علي بن عيسى الرُّمَّاني (1) أنها على حقيقتِها؛ فإنَ معنى قولِه: مَن
__________
(1) علي بن عيسى بن علي، أبو الحسن الرمانى من كبار النحاة، له كتاب "شرح أصول ابن السراج" و"شرح سيبويه"، توفي ببغداد سنة (384) ه. "سير أعلام النبلاء"16/ 533.
(1/120)

أنْصاري في الجهادِ في اللهِ صابراً إلى أن يصلَ إلى ثواب الله؟ وأقامَ اسمَ الله مَقامَ ثوابه سبحانه (1)، وقوله: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} الأكل ها هنا: الأخذ، تقول العرب: ما لي لا يُؤكَل: لا يؤخَذ، فكأنه يقول: لا تَشوبوا بالأخذِ أموالَهم إلى اموالكم.
وقد جاء في أشعار العَرب ذلك، قال الشاعر:
فإنْ تَسْأَلوني بِالنَساء فإنني ... عَليمٌ بأدواءِ النساءِ طَبيب (2)
والمراد بالنساء: عن النساءِ، فأقامَ الباءَ مَقامَ "عن".
وقد جاء في كلامِهم حيث قالو: سَقَطَ فلانٌ لِفِيه، أي: على فِيه.
وقال الشاعر:
فخَر صَريعاً لِلْيَديْنِ ولِلفَمِ (3)
والمرادُ به: على اليَدَيْنِ وعلى الفَمَ.
__________
(1) "الصاحبي": 104، وتفسير الطبري 3/ 284.
(2) البيت لِعَلقمة بن عبدة بن ناشرة بن قيس، المعروف بعلقمة الفحل، شاعر جاهلي. انظر "الشعر والشعراء" 1/ 218، و "البيان والتبيين" 3/ 329.
(3) عجز بيت نسب إلى عدة شعراء، فقد نسب إلى ربيعة بن مكدم، وروايته: فهتكت بالرمح الطويل إهابه ... فهوى صريعاً لليدين وللفم ونسب إلى عكبر بن حديد: "ضممت إليه بالسنان قميصه ... "، كما نسب إلى جابر بن حيى التغلبي، وصدره: "تناوله بالرمح ثم انثنى له .. ".
"المغني" لابن هشام: 781، "شرح اختيارات المفضل": 955، "الأمالي" 2/ 272.
(1/121)

وقالت العرب في معنى "إلى" مكانَ "مع ": الذَّوْدُ (1) إلى الذَوْدِ إبل، أي: مَعَ الذَّوْد.
وقد وُضِعَتِ اللامُ موضعَ "إلى"، قال سبحانه: {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} [الزلزلة: 5]، يعني: إليها.
وقد ابدِلَت "على" ب "مِنْ "، قال سبحانه: {الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا (2) عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ} [المطففين: 2]، يعني: مِنَ الناسِ، {الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ} [المائدة: 107]، أي: استحقَّ مِنْهم.
و"مِنْ" قَد تَردُ مكان الباء، قال سبحانه: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد: 11]، مكان: بأمرِ الله، وكذلك قوله: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ} [القدر: 4]، أي: بكلِّ أمر.
وقال تعالى: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} [المطففين: 28]، يعني: منها، و: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا} [الإنسان: 6]، يعني: يَشرب منها عبادُ الله، {فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ} [هود: 14]، أي: انْزِلَ من (3) علمِ اللهِ. {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا} [الأنبياء: 77]، أي: على القوم (4).
__________
(1) الذود: ما بين الثنْتين إلى التسع من الِإبل. "اللسان": (ذود).
(2) في الأصل: "كالوا"، وهو خطأ.
(3) في الأصل: "في"، وهو خطأ؛ لأن التمثيل هنا لِإقامة الباء مقام "من".
(4) التمثيل هنا لِإقامة "من" مقام "على".
(1/122)

{وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} [الشورى: 25]، أي: من عبادِه (1).
و"على" بمعنى "عند"، قال سبحانه: {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ} [الشعراء: 14]، أي: عندي (2).
__________
(1) التمثيل هنا لِإقامة "عن" مقام "من".
(2) نقل المؤلف هذا الفصل من "العدة" لشيخه أبي يعلى 1/ 208 - 212.
(1/123)

فصل
في الوجوب (1)
وأصلُه في اللًّغةِ: السقوطُ، يُقالُ: وَجَبَ الحائِطُ، إذا سَقَطَ (2).
وهو معنى قوله سبحانه: {وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} [الحج: 36]، وقولِهم: وَجَبَت الشمسُ.
وهو في الشرع: عبارة عن الإِلْزام واللًّزُومِ، فالإِلزامُ: إيجابٌ، واللًّزوم: وجوبٌ، واللَّازِم (3): واجبٌ، وقَيل: ما في تَرْكِه عِقاث، وهذا رَسْمٌ، وهو على معناه في اللًّغة، لأنه إذا لزمه، فقد سَقَطَ عليه سقوطاً لا يُمْكِنُه الخروجُ عنه ولا الانْفِكاكُ مِنه (4)، وقيل: ما وجَبَ اللوْمُ والذَّمُّ على تركه من حيثُ هو تَرْكٌ له، وهذا حَدُّ القاضي أبي بكر (5)
__________
(1) انظر ما تقدم من تعريف المؤلف للواجب في الصفحة: (29).
(2) في الأصل: "مكان" بدل: "إذا سقط"، وهو خطأ.
(3) في الأصل:"والكلام".
(4) في الأصل:"فيه".
(5) نسبه إليه الرازي في "المحصول" 1/ 1/117.
والقاضي أبو بكر: هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر ابن الباقلاني -نسبه إلى بيع الباقلاء- الأصولي المتكلم صاحب التصانيف، توفي سنة 403 ه. "سير أعلام النبلاء" 17/ 190.
(1/124)

فصل
والفَرْضُ: غيرُ الواجبِ، وهو أمرٌ زائدٌ على الواجبِ على مذهبِ أصحابِنا، وكثيرٍ من أهل العراق.
وقال قومٌ: هو الواجبُ، وإنما هما اسمان لمعنىً واحدٍ، مثلُ قولِنا: نَدْبٌ ومُسْتَحَبٌّ، ولازم، وفرض.
وهو عند من أثْبَتَهُ غَيْراً للواجب ثابتٌ بأعلى دليلٍ، وله أعلى منازلِ الوجوب، وهو ماثَبَتَ بنصِّ قُرآنٍ، أو خَبَرِ تَواتُرٍ، أو إجماعٍ.

وإذا تأملَ المجتهدُ آيَ الكتاب، وَجَدَ أن الفرضَ بمعنى الواجب، قال سبحانه: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} [البقرة: 197]، {وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} [البقرة: 237]، يعني: أوْجَبْتم، {مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ} [الأحزاب: 38]، أي: أوجبَ، وفَرَضَ الحاكمُ، أي: أوجبَ (1). وسنذكر ذلك في مسائل الخلاف (2) -إن شاء الله-.
فصل
والفَرْضُ: مأخوذٌ من التَأثِيرِ، ومنه سُمَيَتْ فُرْضَةُ النَهر، وحَزَةُ الوَتَر من القَوْسِ، فله مَزِيةُ اسمٍ على الواجب؛ لأنه مزيدٌ بالأثَرِ على السُّقوطِ.
__________
(1) ذكر القاضي أبو يعلى مسالة الفرق بين الفرض والواجب بإسهاب في "العدة" 2/ 376، 384.
(2) انظر 3/ 163.
(1/125)

وعن أحمدَ روايتان: هل هو اسمٌ للواجب في الجُمْلَةِ، أم لواجبٍ ثَبَتَ بدليلٍ قَطْعِي (1)؟ على روايتين، وسنذكَرُ ذلك في الخلافِ من الكتاب (2) -إن شاء الله-.

فصل
والنَّدْبُ: حَث بترغيبٍ لا بترهيبٍ.
وقيل: اقتضاءٌ من الأعلى للأدنى بالفعل على وجهٍ يُقابَلُ فاعلُه بالثواب على فعلِه، ولا يُقابَلُ بالعقاب على تركهِ، وهذا وأمثاله رُسُومٌ وتعريفاَتٌ لا أنَه تحديد بشروطِ الحَدَ.
وقيل: استدعاءُ الأعلى للفعلِ ممن هو دونَهُ على وَجْهِ التَخييرِ بين الفعلَ والتركِ.

وقيل: المندوبُ: ما في فعلِه ثوابٌ، وليس في تركهِ عِقابٌ. وهذهِ التعاريفُ كُلُّها لو عُدِمَتْ، لَمَا زالَ معنى النَدْب، فهي دلائلُ، وهو في نفسِهِ على مقتضى اللغة: الدُعاءُ؛ ولذلك قالَ شاعرهم:
لايَسْألونَ أخاهُم حين يَنْدُبُهُم ... للنَائِباتِ على ما قَالَ بُرْهَانا (3)
ويقولُ القائلُ منهم: نَدبتُ فُلاناً لكذا؛ إذا دعاهُ له.
وصار في الشَرْع اسماً لدعاءٍ إلى عَمَلٍ مخصوصٍ، وهو الطَاعةُ
__________
(1) ذكر المؤلف أنه عبارة عما ثبت (يجابه بنص أو دليل قطع. انظر الصفحة (30).
(2) في الجزء الأخير من الكتاب.
(3) تقدم في الصفحة (30).
(1/126)

للهِ، وما تُعُبِّدَ بهِ المُكَلَّفُ.
والندْبَةُ: دُعاء المَيتِ بتَفَجعٍ، ولذلك جُعِلَ في آخرِه الهاءُ لِإخراجِ كآبَةِ الحُزْنِ من قَعْرِ الصَدْرِ، والهاءُ من حروفِ الصدرِ، فالأصلُ في الندب: الدعاءُ (1).
وقال بعضهم: المندوب: كلّ فعلٍ وقعَ عَقِيبَ استدعائِهِ بالقولِ بأدنى مراتِبِ الاستدعاءِ من الأعلى للأدنى.

فصل
في الحقيقة
الحقيقةُ: القولُ الدالُّ بصيغةِ اللَّفظِ، وقيل: هو القولُ الذي يدلُّ بأصلِ الوَضْع، ومثال ذلك: الحمارُ، قولٌ يدلُّ على النَّهَّاقِ، والفَرس؛ قولٌ يدلُّ على الصَّهَّالِ، والإِنسان، يُذكَر على النَّاطِقِ بأصلِ الوضعِ وصيغةِ اللفظ، فإن قيل للبَلِيدِ من الناس: حمار، لَمْ يدلَّ بصيغةِ اللفظِ، ولا بأصلِ الوضعِ، لكن بالاستعارةِ لدَلالةِ حالٍ، فشارك الأصلَ بنوْعِ شركةٍ، وهي البَلادةُ.

فصل
والمجازُ: القولُ الذي يدل بتقدير الأصلِ دونَ تحقيقهِ، ومثال ذلك: سل القريةَ، هذا مجازٌ؛ لأنه يدلّ بتقديرِ الأصلِ، وهو قولك: سلْ أهلَ القريةِ.
__________
(1) تقدم تعريف المؤلف للندب في الصفحة (30).
(1/127)

فصل
ولكلِّ مجازٍ حقيقةٌ، فذكرُ الأصل في هذا القولِ هو الحقيقةُ، والمجاز كلُه يُعَبرُ عن أصلِه، وأصلُه هو حقيقتُه، ومن الكلام المعبرِ عن أصلِه ما لا يَحْسُنُ أن يُقالَ: إنه مجاز؛ لأنه كَثُرَ فظهًر معناه، كظهورِهِ بالأصلِ، وذلك مثلُ قولِنا في اللهِ سبحانه: إنه العَدْلُ، لا يقالُ: إنه ليس عدلاً في الحقيقةِ؛ إذ قد صارَ يدل بصيغةِ اللَّفظِ، وإن كان ذلك على جهةِ الفَرْعِ، وإنما الأصلُ أنَّ اللهَ تعالى العادلُ، والعَدْلُ مَصدَرٌ وليس بوصفٍ.

فصل

في الفصلِ بين الحقيقةِ والمَجازِ
اعلم أنَ المجازَ إنما يظهرُ معناهُ برَدِّهِ إلى أصلِه، والحقيقةُ ليست كذلك، بل معناها ظاهر في لفظِها من غيرِ رَدِّها إلى غَيْرهِا (1).

فصل
ولا يخلو استعمالُ المجازِ من أن يكونَ للبلاغةِ، أو للتَّوَسُعِ في العبارةِ، أو لتقريب الدَلالةِ، فلذلك عُدِلَ عن التحقيقِ إلى المجازِ، وإنما قيل للقولَ: حقيقة؛ لأنه دُلَّ به على المعنى على التحقيقِ بجَعْلِ كلَ حقيقةٍ في موضعِهاوعلى حَقَها (2).
__________
(1) توسع الشيرازي في ذكر العلامات التي تعرف بها الحقيقة من المجاز. انظر "شرح اللمع" 1/ 122 - 124.
(2) المصدر نفسه 1/ 116 - 117.
(1/128)

فصل
في الصِّدْقِ الذي هو أحدُ مُحْتَمَلَي الخبرِ.
هو الخبرُ عن الشيءِ على ما هو به، وهو نَقِيضُ الكَذِبِ.
والكَذِبُ: هو الخبرُ عن الشيءِ على خِلافِ ما هو به.
وأصلُ الصِّدق: القُوًّةُ والصَّلابةُ، وقيل: هو في أصلِ اللغةِ: ثَباتُ الشيءِ، ومنه قولُهم: صادقُ الحَمْلَةِ، إذا حَمَلَ في الحَرْب، ولم يَرْجِعْ، ومنه قولهم: رُمْح صَدْق، إذا كان صُلْباً.
وصَداقُ المرأةِ: ما ثبتَ عليه العَقْدُ، وإنما خص به عِوَض النكاحِ دونَ البَيْعِ وغيرِهِ لقُوّةِ عِوَضِ النكاحِ وثبوتِه: إما تَسْمِيَةً، وإما حُكْماً مع السكوتِ عنه، وعندَ قومٍ مع الرضَى بإسقاطِه.
والصَديق: هو الثابتُ المَوَدَّةِ.
والصَدْق: الِإخبار عما ثبتَ مُخبَره.
والصَدَقَةُ: تُثَبتُ المالَ وتحفظُه، كما أن الزَكاة تنَفَيهِ وتُرَيعُه.

فصل
والكَذِبُ مُختَلَفٌ في قُبْحِه، هل هو لِنفسِه أم بِحَسَبِ المكان (1)؟
فقال الأكثرونَ: قَبِيح بحَسَب مراسِمِ الشَرْع، ولهذا حَسُنَ عند العلماءِ حيثُ أجازَه الشرعُ لإِصَلاح ذاتِ البَيْنَ (2)، وللزوجةِ في
__________
(1) انظر في ذلك "المسودة": 233.
(2) وذلك فيما روي عن أم كلثوم بنت عقبة -رضي اللُه عنها- أنها قالت: =
(1/129)

مكانٍ (1)، وحَسنَهُ بل أوجبَه إذا سئلَ عن أبيه أو نَبيهِ لَيًقْتَلَ، فكذَبَ دفعاً عن أبيهِ ونَبيِّهِ القتلَ بالكذبِ، فإنه يُثابُ وَيحْسُنُ- كذبه، فبَطَلَ أن يكونَ لنفسِه.

فصل
ومهما أمْكَنَ بسَعَةِ العلمِ التَعريضُ، ففي المعَاريضِ مَنْدوحَةٌ عن الكذِبِ (2)، فلا يَحل الكذب مهما اتسعَ عِلْمُه لمعاريضِ الكَلِمِ.
__________
= سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، فينمي خيراً أو يقول خيراً"، رواه البخاري (2692) في الصلح، ومسلم (2605) في البر والصلة، وأبو داود (4921) في الأدب، والترمذي (1939) في البر والصلة.
(1) فيما رواه الترمذي (1940) في البر والصلة من حديث أسماء بنت يزيد -رضي الله عنها-، فيه: "الكذب كله على ابن آدم إلا في ثلاث خصال: رجل كذب امرأته ليرضيها، ورجل كذب في الحرب، فإن الحرب خدعة، ورجل كذب بين مسلمين ليصلح بينهما"، وهو عند أحمد في "المسند" 6/ 454
(2) روى البخاري في "الأدب المفرد": 305 من طريق قتادة عن مطرف بن عبد الله قال: صحبت عمران بن حصين من الكوفة إلى البصرة، فما أتى عليه يوم إلا أنشدنا فيه شعراً، وقال: إن في معاريض الكلام مندوحة عن الكذب.
وله شاهد من حديث عمر بن الخطاب عند الطبري في "تهذيب الآثار" 1/ 121، والبيهقي في "السنن الكبرى" 10/ 199، وذكره الحافظ ابن حجر في "الفتح" 10/ 594، ونسبه للطبراني في "الكبير" وقال: رجاله ثقات.
والمعاريض: التورية بالشيء عن الشيء، قال ابن حجر: الأولى أن يقال: كلام له وجهان، يطلق أحدهما والمراد لازمه. انظر ما تقدم في الصفحة (82).
(1/130)

وقد تَعاطَى قومٌ وقالُوا: هو قَبيحٌ وإن دفعَ به قتلَ أبيهِ ونَبيِّه، وإن اصلَحَ (1) به، لكنَه دفعَ به ما هو اقَبحُ منه، وهذا بعيدٌ، لأنه تَعَطَى أن يُقالَ: أكلُ الميتة حالَ الضًرورَةِ حَرامٌ، لكن يُدْفَعُ بها ما هو أشد حَظْراً منها، وهو قتلُ النَّفْسِ بتركِ الأكلِ.

فصل

والمُحالُ أبعدُ من الكذب، فإن الكذبَ: الخَبَرُ عن الشيءِ على [خلافِ] (2) ما هو به مَعَ جوَازِ أن يكونَ على ما هو به، مثل قولِ القائلِ: زيدٌ في الدارِ وليس فيها، والمُحالُ قولُه: زيدٌ في الدَّارِ وفي السوقِ الآنَ، فهذا محال لأنه خبرٌ بما يخالِفُ خَبَرُهُ مخْبَرَهُ، وبما لا يُمْكِنُ أن يكونَ على ما أخْبَرَ به.
فصل

في الِإباحَةِ
والِإباحَةُ (3): مُجَرَّدُ الِإذْنِ، ولذلك سُمَّيَ الآذِنُ في أكل طعامهِ: مبيحاً.
وقيل: إطلاقٌ في الفِعْلِ.
وقيل: ما لا عقابَ على تاركِه، ولا ثوابَ لفاعِلِه، وقيل: ما لا لائمةَ على فاعِله.
__________
(1) في الأصل "صلح"، وما أثبتناه هو المناسب.
(2) ليست في الأصل، ولا بد من زيادتها ليستقيم المعنى.
(3) انظر ما تقدم في الصفحة (28).
(1/131)

ورُتْبَةُ المبيحِ تخصّصُه، فيقالُ: اذِنَ المتخصصُ بالشيءِ لغيرِ المتخصِّصَ به.

فصل

والحَظْر (1) في الأصل: المَنْعُ، مأخوذٌ من الحَظِيرَةِ، والمُحْتَظِر: الجاعلُ العَوْسَجَ حول إبلِه أو رَحْلِه، وما حظره الشرعُ: هو ما منعَهُ، وحَظْرُ الشرعِ: مَنْعُه، وكل محظورٍ ممنوع، وهو نَقيضُ الإِباحةِ؛ لأنها إطلاقٌ وإذنٌ، وهذا منع وكفٌّ.
فصل

والطَّاعةُ: الموافقة للأمرِ على مذهب أهل السنَّةِ، والموافقةُ للِإرادَةِ على مذهبِ المُعْتَزِلَةِ (2).
وهي على ضَربَيْنِ: فريضةٌ، ونافلة: فالفريضةُ: ما استُحِقَّ على تَرْكِها الوَعِيدُ والذمُّ ما لم تُتَلافَى بالتوبةِ والقضاءِ والعَزْم على الأداءِ عندَ العَجْزِ، وأخْصَرُ من هذا أن نقول: ما لم يَحْصُلِ اَلتلافِي.

فصل
فأما النافلةُ فأصلُها في اللغه: الزيادةُ، ومنه سُمِّيَ النَفَل: ما زيدَ على سَهْمِ الفارس والرَّاجِلِ (3). وقوله: ({نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء: 79]: زيادةً في عملِك.
__________
(1) انظر ما تقدم في الصفحة (28).
(2) كما صرح به القاضي في "العدة" 1/ 163.
(3) "اللسان": (نفل).
(1/132)

وهي في الشرعِ: ما في فعلِه ثوابٌ، ولا يلامُ تارِكُه، وقيل: ما رُغبَ فيه مما لا يَقْبحُ تركُه.

فصل
والطاعةُ والانقيادُ والاتَباعُ نظائرُ، فإنها: الاستجابةُ بسهولةٍ، {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: 11]،، انفعلنا بسهولةٍ غيرَ مُعْتاصِين (1) ولا بمعالجةٍ، نظيرَ قوله: {وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} [ق: 38]، فمِن ها هنا جاءَتْ استعارةُ قولِه: (طَائِعِينَ) هو، وإن كَانتا مفعولَيْنِ غيرَ مكَلَّفَتَيْنِ، لكنْ كان تَأتَيهما وتكوُنُهما في السرعةِ والتَأتَي كفعلِ الطائع من المكلفين المنقادِ لأمرِ الله سبحانه.
والطاعة بالأمرِ أَخَص، تقول: أمرَه فأطاعَه، وسألَه فاستجابَ له، ولا يقالُ: أطاعَه في حق الأعلى للأدنى.

فصل

والمعصيةُ: نقيضُ الطاعةِ، وهي الاباءُ عن فعلِ المأمورِ به. وقيل: مخالفةُ الأمرِ على مذهب أهل السُّنَةِ، وعلى مذهب المعتزِلةِ: مخالفة الإِرادةِ (2).
وتَصريفُ ذلك: الطاعة، والمطاوعةُ، والانْطِياعُ، والطَوْعُ، والطَواعِيَةُ، ومنه الاستطاعة؛ وهي ما تنطاعُ به الأفعال، ومنه التَطوُع؛
__________
(1) في الأصل:"معتاص" وما أثبتناه هو المناسب للسياق، والمعتاص: كل متشدد عليك فيما تريده منه."اللسان": (عوص).
(2) "العدة" 1/ 163.
(1/133)

وهو ما يفعلُه الإنسانُ من غيرِ حَمْلٍ عليهِ ولا إلْزامٍ.

فصل
وهل يُسمَى النَظَرُ والتأمُلُ في دَلائِلِ العِبَرِ طاعةً؟
قال قومٌ: يَصِحُّ أن يقالَ: طاعةٌ.
وهذا لا يَصِحُّ؛ لأن الطاعةَ إنما هي موافقةُ الأمرِ، وما دام في طُرُقِ النَظَرِ، وطالباً مُعْتَرِفاً (1)، فليس بعارِفٍ، فلا يصحُ منه الطاعةُ، ولا التقربُ إلى من لا يَعْرِفُ، وهو في حالِ النظرِ لم يعرفْ بَعْدُ من يُطِيعُه، ولا من يأمرُه قَبْلَ الطاعةِ، وهذا عندي فيه تفصيل: فالنظرُ الأوَلُ على هذا، فأما النظرُ الثاني والثالث فيما بَعْدَ العِرْفانِ، فيَصِحُ الأمرُ به حيث ثَبَتَ الأَمْرُ.

فصل
في الِإذن
والِإذنُ: هو الِإطلاقُ في الفعلَ.

قال العلماءُ: وأصلُه في الاشتقاقِ من الأذُنِ، كأنه التوسعةُ في الفِعْلِ بالقولِ الذي يُسمَعُ بالأذُنِ، ومنه الأذانُ: إنما هو الدعاءُ إلى الصلاةِ الذي يُسمَعُ بالأذُن.
والعربُ تقول: آذَنَني، بمعنى: أعْلَمَني، كأنه يقول: أسمَعَنِي
__________
(1) أي: سائلَاَ، يقال: اعترف القومَ: سألهم، وقيل: سألهم عن خبر ليعرفه.
"اللسان": (عرف).
(1/134)

بأَذُني، أو سَمِعْتُه بأُذُني، ولا سَمْعَ إلا بالأذنِ.
ومنه قولهم: المأذون، وله أحكامٌ في، الفقه.
ونظيرُ إلِإذنِ: الِإباحةُ.

فصل

في الحفظ
والحِفْظُ: هو العَقْلُ (1) الذي يُمْكِنُ معه التَأْدِيَةُ.
وهو في الحقيقةِ: الذِّكر الذي يُمْكِنُ معه الحِكايَةُ (2).

فصل

في الفَهْمِ
والفَهْمُ (3): العلمُ بمعنى القولِ عند سماعِه، ولذلك لا يُوصَفُ به الله تعالى، لأنه لم يَزَلْ عالماً به، وقد يُفْهَمُ الخطأً كما يفهمُ الصوابُ، ويفهمُ الكَذِبُ كما يُفهمُ الصدْقُ، ألا ترى أنه يُفهمُ قولُ الدَهْرِيِّ (4): الأجسامُ قديمةٌ، كما يُفهمُ قولُ الموَحِّدِ: إن الأجسامَ مُحدَثَةٌ، وكذلك يفهمُ كُلُّ باطلٍ، ولولا فهمه، لما عُلِمَ أنه باطلٌ.
__________
(1) كتبت في الأصل: "العقد"، والصحيح ما: أثبتناه.
(2) في "التعريفات ": 79: "ضبط الصور المدركة".
(3) انظر ما تقدم من تعريف المؤلف للفقه في الصفحة (7 - 8).
(4) نسبة إلى الدهرية، وهم القائلون ببقاء الدهر وقدمه، وتناسخ الأرواح، وإنكار الثواب والعقاب. "الملل والنحل " 3/ 2.
(1/135)

فصل
في العَقْدِ
هو في أصلِ اللغة عبارةٌ عن: ارتباطِ طرفينِ أحدهما بالآخرِ، ومنه: عَقْدُ ما بين طَرَفَي الحَبْلِ، أو عَقْدُ ما بين حَبْلَيْنِ (1).
وهو في الفقهِ: عبارةٌ عن ارتباطِ عَهْدَيْنِ وعِدَتَيْنِ فيما وقعَ العهد به بين متعاهدَيْنِ أو متعاقدَيْنِ-وهما المتلافظانِ- بما قَصداه من صِلَهٍ ما بين شخصينِ بنكاحٍ، أو بَيْعٍ، أو شَركَةٍ، أو إجارةٍ.
فالإِيجاب: قولُ الباذلِ، والقَبول: قول القابل (2)، والقَبُولُ (3) عِنوانُ الرضى، واللزومُ حكمُ ما تأكَدَ منها، والجوازُ حَكم ما تُرِكَ (4) منها.

فصل
واللزومُ: وصفٌ للعقد، وهو عِبارة عن وقوعِه على وجه لا يُمكن لواحدٍ (5) منهما الخروجُ عنه، ولا فَسْخُه، وذلك كعقدِ النَكاحِ، والبيعِ المُطْلَقِ بعد التَفَرقِ، والإِجارةِ، والخُلْعِ.
__________
(1) "اللسان": (عقد).
(2) في الأصل: "القائل".
(3) في الأصل: "القول"، ولعل ما أثبتناه هو المناسب.
(4) تحرفت في الأصل إلى: "رك".
(5) في الأصل: "واحد".
(1/136)

فصل
والجوازُ: وَصفٌ في العَقْدِ، وهو ان، يقعَ على وجهٍ لكل واحد منهما الخروجُ عن حكمِه؛ كالشَرِكةِ والمضَارَبةِ، والوَكالَةِ في أصل الوَضْعِ، والبيعِ مع خيارِ الشَّرْطِ، والكِتابةِ في جانب العَبْدِ. والوصفانِ لُطْفانِ من اللهِ سبحانه للتخليصِ من الإِضْرارِ والضرَرِ.

فصل
وقد يقعُ العَقْدُ بوصفِ اللُّزُوم، فيَعْتَرِضُ سببُ الجوازِ للتخلُّصِ؛ كالعثورِ على عَيْبِ (1) في المبِيع والَمَنْكُوحَةِ (2)، فيملِكُ المستضِرُّ بالعيب فسخَ العقدِ.
وقد يَعْتَرِضُ اللزومُ بَعدَ الجوازِ (3) بانقضاء مُدةِ الاستدراكِ في خِيارِ الثلاثِ (4)، والتفرُّقِ عن المَجْلِسِ، أو بحصولِ الرضى بإسقاطِ حَقِّ الاستدراكِ، وهو التصريحُ بالإِلزامِ.

فصل
ويدخلُ في ذلك عقدُ الذَمَّةِ والهُدْنَةَ بين أُمةٍ وأُمةٍ أو نائِبيهما، وهو على ما ذكرنا من الحدً والشروطِ.
__________
(1) في الأصل: "نعت".
(2) تحرفت في الأصل إلى: "المنكوكة".
(3) في الأصل: "الجواب".
(4) وذلك في البيع مع خيار الشرط.
(1/137)

فصل
ومن جُمْلَةِ ذلك عَقْدٌ بينَ العبدِ وبين اللهِ سبحانه، وهو النَّذْرُ، فالوفاءُ به لازمٌ، إما بوجودِ الشرطِ، إن كان مشروطاً بأمرٍ قد يحصلُ، أو كان مُطْلَقاً، فيلْزَمُ بإطلاقِ العقدِ.

فصل
ومن جملةِ ذلك عقدُ الِإحرام، والصلاةِ، والصِّيامِ، وذلك يَلْزَمُ الوفاءُ به بالشروعِ فيه (1)، وهو كالَنَّذْرِ عند قومٍ، وهو جائزٌ كالعقودِ الجائزةِ عند قومٍ.

فصل
ولنا من جملةِ هذا عقدٌ يُعرفُ بعقدِ الباب، وعقدِ المذْهَبِ، وحَدُّه: أنه الأصلُ الذي يَنْبَني عليه الخبرُ، وهو عَلى ثلاثةِ أضْرُبٍ: كُلِّي، وشَرْطي، وما كان عليه عِلَّةٌ، ولكل واحدٍ مثالٌ من أصولِ الذَين والفِقْهِ.
فأما من أصولِ الدين، فمثلُ قولِك: كلُّ مُتَغَيِّرٍ أو مُنْفَعِلٍ فَمُحدَثٌ، وكقولك: كلُّ كبيرةٍ موجبةٌ لفِسْقِ فاعِلها، وكقولِك: كلُّ صغيرةٍ مفعولةٍ مع عَدَم اجتناب الكبيرة فغيرُ مُكَفَّرَةٍ، وكلُّ فعلٍ حَسَنٍ لا يَتقدَّمُه أو يصاحِبُه إَيمانٌ فَمُحْبَطٌ، فهذا مثالُ الضَّرْبِ الأوَّلِ من
__________
(1) الكلام هنا في النفل من الصلاة والصيام، وليس في الفرض، بخلاف الحج والعمرة. وانظر تفصيل المسالة في "المسودة": 60، و "شرح مختصر الروضة" 1/ 354، وشرح الكوكب المتير 1/ 407 - 411.
(1/138)

أصولَ الدِّين.
ومثالُه من الفقهِ أن نقولَ: عقد الباب، من مذهبنا أنَ كل مُسْكرٍ حرام، وكل مُسَوغٍ الاجتهادُ فيهِ لا يفسق معتَقِدُه، وَلا فاعِله المعتقِدُ إباحتَه، أو المستفتي في فعلِه مَنْ يعتقِدُ إباحتَه.
ومثال الثاني: وهو الشَرطِيُّ من العقودِ من جهةِ الأصول: إذا كان الله سبحانَه شَرَطَ أن لا يعذَبَ حتى يبعثَ، الرسلَ لنفي الحُجةِ حينَ قالَ: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165]، وقوله: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]، كان مِنْ مقتضى شرطِه سبحانَه أن لا يعَذَبَ الأطفالَ والمجانينَ، إذ لا رِسالَة إليهم، ولا خِطابَ لهم، وقد صَرحَ به في آيةٍ أخرى: {أن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ} [الأعراف: 172 - 173] فما شرَطَهُ الباري لئلاَّ يقالَ: لايفعله، ولا يجوزُ أن يفعلَه، وقوله: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] يَقطع حجةَ المتعلقينَ في التكاليفِ بالَأقدارِ؛ لأنَ اللهَ سبحانَه إذا تَرَكَ عن نفسِه حجَّةً بعد الرسلِ لايَبْقَى ما يكون حجَّةً عليه، ولاحجةَ لمكلفٍ بعد الرسلِ، كذلك لا تَبِعَةَ على صَبِيٍّ ومجنونٍ مع عَدَمِ الرسالةِ إليه.
ومثاله من عقودِ الباب في المذاهب، الفقهيةِ: إذا كان التحريم للجَمْعِ بينَ الأختَيْنِ في عقَدِ النَكاح هوا ممَّا يَتجدد من قَطِيعَةِ الرَّحمِ بالتغايرِ على الفِراشِ، وجبَ أن يَحرُم الجمع بين الأختينِ في الوطِء بملْكِ اليمين، لِما يورِث من قطيعةِ الرحمِ، وإذا كان تحريمُ الخمرِ، لِمَا يَعْقب من العداوةِ والبغضاءِ والصَّدَ عن ذكرِ الله، وعن الصلاةِ،
(1/139)

وكان ذلك موجوداً في السكْرِ من النَبِيذِ، وجبَ تحريمُ النَبيذِ.
ومثال الثالث من الأصول (1)، وهو التَعْلِيليُّ، كقولِك: إنما لم يُعاقِب اللهُ من لم تَبْلُغْه الدعوةُ؛ لأنه لم يَتَجِهْ نحوه خِطاب على أصل أهل اَلسنة، مع كونِهم ذَوِي عقولٍ تنهاهُم عن عبادةِ الصُوَرِ والحجارةِ المُشكَلَةِ، لعلةٍ هي عدمُ البلاغ بدليلِ قوله: {مَ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]، أوجبَ هذا التعليلُ من طريق الأوْلى أن لا يُعاقَبَ أطفالُ المشركينَ لما ثَبَتَ من أنهم غيرُ سامِعِينَ للخِطابِ، ولا تَوَجهَ نحوَهم، ولا معهم عقولى تمنعُهم.
ومثال الثالثِ من أصولِ الفقهِ: إنما حُرِمَ القاتلُ الِإرثَ عقوبةً له حيثُ اتُهِم في تَعجلِ حَقَه، فيجبُ على من عللَ بذلك أن لايَحْرِمَ الطفلَ، والمعروفَ بالجنونِ بقتلِهما نَسِيبَهما وموروثَهما؛ لأنه لا قَصْدَ له، فيَسْتَحِق العقوبةَ بفعلِه.

فصل
ويجبُ على من عَقَدَ عقداً أن لا يُناقِضَ فيه، ويحرُسَ ذلك الأصلَ من المناقضةِ كما يحرُسُ العِلَلَ، ومتى انخَرمَ خرجَ أن يكونَ عقداً.
__________
(1) يعني: من أصول الدين.
(1/140)

فصل
في النَّفْيِ
والنفيُ: هو الخبرُ الذي يدل على أنَّ المُخْبَرَ به ليس بشيءٍ، أو ليس بموجودٍ، وكلُّ خبرٍ فلا يخلو أن يكون نَفْياً، أو إثْباتاً، أو إبْهاماً، فالنفي ما قَدَّمْنا، والإِثباتُ نقيضُه، وهو الخبرُ الذي يدل على أن المخبرَ به موجود، أو أن المخبرَ به شيءٌ، وأما الإِبهامُ: فهو الخبرُ الذي لا يدلُّ على وجودِ المخبرِ به ولاعدمِه.
والمثْبَتُ: هو المخبر بوجودِه، أو بكونِه شيئاً. والمَنْفى: هو المخبر بِعَدَمِه، أو بكونِه ليس بشيءٍ.
فعلى هذا: من أثْبَتَ الحَرَكَةَ [فقد أخبر بوجودِه]، (1)، ومن نفاها، قد أخبرَ بعدمِها (2)، ومن أخبرَ بتحريمِ النَبيذِ، أو إيجاب الشُّفْعَةِ بالجوارِ، فقد أخبر بوجودِ الحُكْمَيْنِ؛ أعني: تحريمَ النبيذ، ووجودَ إيجابِ انتزاعِ العَقَارِ بالجِوارِ.
والدَّلالةُ على أن النفيَ يتعفَق بالعدَم قولهم: الضِّدانِ يتنافيانِ، والإِثباتُ نَقيضُ النفي، كما أن الوجودَ نقيض العَدَمِ.
والدلالة على أن الإِثباتَ في الصَفةِ متعلق بالمصدرِ قولُهم: ذَمَمْتُه لأنه ظالمٌ، ومدحتُه لأنه مُومِنٌ أو مُحْسِن، والتعلقُ في ذلك كُله في الذَمَ بالظُلْمِ، وفي المَدْحِ بالإِيمانِ والإِحسانِ، وفي العِقابِ بالكُفْرِ،
__________
(1) ما بين حاصرتين زيادة يستقيم بها المعنى.
(2) في الأصل: "بنفيها".
(1/141)

وفي الثَواب بالإِيمانِ، فاعتُبرَ ابداً الشيءُ الذي لَهُ ومن أجلِه كان المخبرُ عنهَ على الصَفةِ، فإن كانَ معنىً غيرُ المخبَرِ عنهُ، فالذمُ متعلقٌ به، وكذلك الحمدُ، وعليه قِياسُ الإِثباتِ والنَفيِ، وإن كان ليس بمعنىً غيرِ المخبَرِ عنه في الحقيقةِ، كقولك: لأنه موجودٌ، ولأنه باقٍ، إذ ليس يفيدُ تقديرَ معانٍ، فكل ذلك متعلق بالمخبَرِ عنه.

فصل
وقد يُثْبَتُ الشيءُ من وجهٍ، وُينْفَى من وجهٍ آخَرَ، كمايُعلمُ من وَجهٍ، ويجهلُ من وجهٍ آخَرَ، ذلك كقولِك: السعَفَة مُتَحركةٌ. فهذا إثبات للحركةِ، ثمِ تقولُ: ولم يحرِّكْها مُحرك. فهذا نفى للحركةِ، لأنه لو لم يحركْها مُحرَكٌ كانت حركَتُها معدومةً لا مَحالةَ، فقد دل على أن المخبَرَ به في القولِ الأول موجود، ودل في الثاني على أن المخبرَ به معدوم، وهذانِ الخبرانِ متناقضانِ، إلا أن تناقضَهما لمَا كان لا يُعرفُ إلا من طريقِ الاستدلالِ، جازَ أن يجمَعَ بينهما مَنْ لم يستدل فيعلمَ أنهما يتناقضانِ.

فصل
ولنا سَلْبٌ، وبينَهُ وبينَ النَفْيِ فَرْق: وهو أن النفيَ دَلالة على عَدَم المخبرِ به، والسلْب دلالةٌ على أن المخبَرَ به على نَقيضِ الصَفَةِ بالإِنكارِ، موجوداً كان المخبَرُ به أو معدوماً.
مثالُ ذلك من الأصولِ، قولُك: ليسَ جوْهَرُ الجمادِ مثلَ جَوْهَرِ الحيوانِ، فهذا هو السلْبُ، وليس بالنَفيِ؛ لأنه لم يدل على عدمٍ، وإنما دل على أن المُخبَرَ به على نقيضِ الصَفةِ، فقلتَ: ليس مثلَه،
(1/142)

وهذه صفةٌ لا تَختص بالوجودِ دونَ العدم، ولا بالعدم دون الوجودِ، وإنما تدلُّ على النقيضِ في القولِ والفعَلِ (1) بطريق الإِنكارِ.
والفرقُ بين الإِيجاب والِإثباتِ: أن الإِثباتَ دَلالةٌ على أن المخبَرَ به موجودٌ، والإِيجاب دً لالةٌ على أن المخبَرَ به على صفةٍ بطريقِ الِإقرارِ (2)، وليس يدلُّ على وجودِ المخبرِ به ولا عَدمِه لا مَحالَةَ؛ لأنه قد يكونُ إيهاماً وغيرَ إيهامٍ.

فصل

في الصَّوابِ
وهو العدولُ إلى الحقِّ، ويكونُ في القولِ والفعلِ، كما أن الحُسْنَ يكونُ في القولِ والفعلِ، وكذلك الحق في القولِ والفعلِ، والصوابُ لا يكونُ إلا حَسناً.
فأمَّا الإِصابةُ، فقد تكونُ حَسَنةً، وتكونُ قبيحةً على ما قَررْنا (3) في رَمْيِ الكافرِ المسلمَ، ورمي المسلمِ الكافرَ، أو رميِ الابنِ أباه، إصابتُه له قبيحةٌ، وإصابةُ المسَلمِ للكافرِ حَسَنَةٌ، وجميعاً إصابةٌ، فهذا في الفعل.
فأما في الاجتهادِ والبحْثِ، فلو بَحَثَ إنسانٌ عن شيِءٍ فوجدَه وكان ذلك الشيءُ بدْعَةً وضَرَراً لغيرِه، كان عِصْياناً، ولم يَمْنعْ عصيانُه أن يكونَ وجودُه لَذلك إصابةً.
__________
(1) في الأصل: "العقل".
(2) في الأصل: "الإفراد".
(3) انظر الصفحة (105).
(1/143)

قال بعض الأصوليِّين: وقد يكونُ صوابٌ أصوبَ من صوابِ، كما يكونُ صلاح أصلحَ من صلاحٍ، وطاعةٌ أفضلَ من طاعةٍ، قال عَلي بن عيسى في كتابِه: وهذا يجوزُ على طريقِ المبالغةِ، كما يقالُ: فلانٌ أصدقُ من فلانٍ، أو أصدق العالمينَ.

فصل

في الخطأ
والخطأ: نقيض الصواب؛ وهو الدَّفعُ عن الحقِّ، وهو الذهابُ عن الحقِّ، وهو الضلالُ عن الحَقِّ.

فصل
في الضَّرُورَةِ
والضرُورَةُ: هي الفعل الذي لا يُمْكِنُ التخلصُ منه.
والمُضْطرُّ: هو المفعولُ به ما لا يمكنه التخلصُ منه.
والضَرُورَةُ والاضْطِرارُ واحدٌ، وهما غيرُ الِإلْجاءِ وخلافُه؛ وذلك أن الإِلجاءَ: أن يُحمَلَ على أن يَفعَلَ، والضَّرورَة: أن يُفْعَل فيه شيءٌ لا يمكنه الانصراف عنه.

واشتقاقُ الضرورةِ من الضُرِّ، والضرُّ: ما فيه ألمٌ، وقد يُقال: اضْطَرة إلى أن يفعلَ، كما يقال: ألْجَاهُ إلى أن يَفعلَ، غيرَ أن الأظهرَ في الاضْطِرارِ أنه خِلافُ الاكتساب، ألا ترى أنه يقالُ: أباضْطِرارٍ عرفتَ هذا، أم باكتسابٍ؟ ولا يَقع الَإِلجاءُ هذا الموقعَ، وإذا تقاربتِ
(1/144)

المعاني تداخلت الألفاظُ، فوقعَ بعضُها مَوقعَ بعضٍ، ونابَ بعضُها عن بعضٍ.
وأكثرُ ما تستعملُ الضرورةُ في العلمِ، وهي في الفعل كلِّه تَصِح، فكَوْنُ الإِنسانِ ضرورة، وشَهْوتُه ضرورةٌ، وخَواطِرُه ضرورةٌ وأكثرُ أحوالِه ضرورةٌ؛ لأن أكثرَ أحوالِه ما يُفعل فيه، وأقلُّها ما يَفْعَلُ ويَكْتَسِبُ كحركتِه، وسكونِه، وجمعِهِ، وتفريقِه، وإرادتِه، وكراهتِه، واعتقادِه، وندمِه، وإصْرارِه، وما يَجْرِي هذا المَجْرَى، فاكتسابٌ كلُه.
وكأنَ الأصلَ في الضرورةِ أن يُفعلَ في الشيءِ ما يَضُرة، ولا يَتهَيأ
له الانصرافُ عنه، ثم كَثُرَ حتى صارَ في كلِّ ما يُفعلُ فيه مما لا يَتهيأ
له الانصرافُ عنه، ضَرَّهُ أو نَفَعَهُ، وقد يضْطَرُّ الِإنسانُ نَفسَهُ إلى أمرٍ، كالذي يُلقي نفسَه من سطحٍ، فيَضْطَر نفسَهُ إلى الهُبوطِ.

فصل
في الضِّدَّ
وهو: المنافي للنَّقيض مع المنافاةِ لِمَا نافاهُ، وشرح ذلك: أنَّ المنافاةَ قد تكونُ بين الشيئَيْنِ، ولا مُضادَّةَ بينهما، كالإِرادةِ تنافي الموتَ، ولا تُنافِي ما نافَى الموتَ من الحياةِ والمعرفةِ وغيرِ ذلك، وإنما قيلَ: مُنافاة، ولم يُقَلْ: مُضادَّة؛ لأن المضادَّةَ نهايةُ المُبايَنَةِ، والمنافاةُ إنما يُرادُ بها الدَّلالةُ على أنه لا يَصِحُّ وجودُهما معاً.
وأما النقيضُ فهو أعمُّ من الضد، فكلُّ ضدَّ نَقيضٌ وليسَ كُلُّ نقيضٍ ضداً، إذِ الصِّدقُ نقيضُ الكذبِ، وليس بضدٍّ، وكذلك المتحركُ نقيضُ الساكنِ، وليس بضا، وكذلك المنافاةُ أعمُّ من
(1/145)

المضادَّةِ، والنَقيضانِ قد يجتمعانِ في الوجودِ (1)، ولا يَصِح أن يجتمِعَ الضدانِ في الوجود، وذلك كقولك: زَيدٌ متحرِّكٌ، ليس زيدٌ متحرِّكاَ، فهذان القولانِ نقيضانِ، وقد اجتمعا في الوجودِ، والضدان يتعاقبانِ في الوجودِ.
وعندي أن ذلك لأنَّ الضدَّيْنِ لا يقومُ كل واحدٍ منهما إلا بمَحَل، ولا يتبيينُ التضاد إلا بالمَحَل الواحدِ، ولا اجتماعَ للحَرَكةِ والسَكونِ، ولا للبياضِ والسَّوادِ في محلٍّ واحدٍ، والنَقيضُ (2) في اللفظ الواحد لا يَجتمع مع النقيض، وإنما قولُ القائلِ: زيدٌ متحركٌ [ليس]، (3) متحركاً، نقيضانِ، لكنْ في زمانَيْنِ، والنطقُ لم يَجْمَعْهما (4)، وإنما يَعْقُبُ أحدُهما الاَخَرَ، وإنما الذي بَقِي من المُفارَقَةِ أن القولَيْنِ نقيضانِ، وجُمِعَا لزيدٍ جَمْعاً لا يُجْمَعُ مثلُه في الضِّدَّيْنِ، فقيلَ: زيدٌ متحركٌ، ليس زيدٌ متحرِّكاً، والضدانِ لا يجتمعانِ وجوداً في المحلِّ.
__________
(1) كلام المؤلف هنا ليس على إطلاقه، وهو خلاف المعروف من أن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، وربما يتضح بقوله بعد قليل: "وإنما قول القائل: زيد متحرك، ليس متحركاً، نقيضان، لكن في زمانين، والنطق لم يجمعهما، وإنما يعقب أحدهما الآخر .. ".
(2) كتبت في الأصل: "والنقيضان" ولعل ما كتبناه هو المتناسب مع السياق.
(3) زيادة على الأصل يقتضيها النص.
(4) في الأصل:" يجمعها"، وما قدرناه أنسب.
(1/146)

فصل
واعلم أن لنا ما يُضادُ شَرْطَ الشيءِ وليس بمضادٍّ له، كالِإرادةِ تُضاد الكراهةَ من حيثُ إنها لا تجتمعُ معها في المحَلِّ، والكراهةُ لا تجتمعُ مع المَوْتِ، ولا الِإرادةُ تجتمعُ مع اْلموتِ، ولا يقالُ: إن الِإرادةَ ضدُ الموتِ، ولا الكراهة ضدُ الموت، لكنَ الموتَ يُضادُ ما لا يصحُ وجودُ الإِرادة والكراهةِ إلا مَعَهُ، وهو الحياةُ.
وكذلك العِلْمُ لا يجتمعُ مع الموتِ، لا لكونِ الموتِ ضداً له، لكنْ لكونِه ضد الشَرْطِ وهي الحياةُ، فافْهَمْ ذلك.

فصل
في مثالِ ذلك من الفِقْهِ
إن الحَظْرَ في باب الاستمتاعِ يُضادُ الإِباحةَ لا الملكَ، والإِباحةُ لا تجتمعُ مع عِتْقٍ ولا طلاقٍ لا من حيثُ مضادَّتُهما لها، لكنْ لِمضادةِ الشرطِ لها، وهو الملكُ.

فصل
وقال بعضُ أهلِ العلم بالأصولِ: وما ادفَعُ قولَ القائلِ: إنَ الموتَ يُضادُّ الإِرادةَ.
والذي نختارُه هو الأولُ؛ لأنه ينبغي أن يكونَ المضادُ للشيء مضادَّاً لِمَا ضادَّهُ، كالسوادِ لمَا ضادَّ البياضَ، ضادَ جميِعَ ما يُضادُّ البياضَ من سائرِ الألوانِ، وقد علمنا أن الكراهةَ تضادُّ الموت، والموتُ يضادُّ الحياةَ، فينبغي أن تكونَ الكراهةُ تضادُّ الحياةَ، كما نقولُ في
(1/147)

حركةٍ يَمْنَةً، وحركةٍ يَسْرَةً، والسكونِ، فإن كان هذا لا يجبُ في بعضِ الأضْدادِ، لم يَجِبْ أيضاً في كلِّ الأضدادِ المُساوَقَةُ.
ومما يَدُلُّ على ذلك أن الأضدادَ إنما تتضادُ على المحل الواحدِ إذا كان من شأنِها أن تَحِلَّ في مَحَلٍّ، يدل على ذلك أن بياضَ زيدٍ لا يُضادُ سوادَ عمرو، وُيضادُه ما كان من جِنْسِ ذلك البياضِ يَحُلُ في زيدٍ، وإذا ثبتَ هذا قلنا: إن المضادَّةَ بينَ الإِرادةِ والكراهةِ حاصلةٌ من حيثُ تعاقَبَتْ على المَحَلِّ، ومتى وُجدَ أحدهُما في المَحَلِّ-وهو الحَي-، انتفى الآخَرُ عن ذلك المَحَلِّ، فأما إذا وُجدَ الموتُ انتفتِ الحياةُ، وهي ضِدُّه، وكان امتناعُ حلولِ الإِرادةِ لاَ لحلولِ ضدِّها - وهي الكراهةُ-، لكنْ لعدم شَرطِها، وهي الحياةُ، فخرجَ المحل عن كونِه قابلاً لكراهةٍ وإرادةٍ، فصَارَ كعَدَم المحلِّ رأساً، لا يقالُ: إنه ضد لأعْراضِ الجسمِ.

فصل
في الفِسْقِ

الفِسْقُ: هوالخروجُ، يقال: فَسَقَتِ الحيَّةُ: إذا خَرَجَتْ. وسُمِّيَتِ الفَأْرَةُ: الفُويسِقَةَ (1)، وسُمَيَ به العاصي بكبيرةٍ، أو بمداومةٍ [على]، صغيرةٍ، لخروجهِ عن أمرِ الله وشرعِه، قال سبحانه: {فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50]، يعني: خرجَ. فهذا حَدُّ الفِسْقِ أصلًا في اللغةِ.
وهو في الفقهِ بحكمِ الرَّسْمِ: عبارةٌ عن فِعْلِ كبيرةٍ، أو مُداوَمةٍ
__________
(1) لخروجها من جحرها على الناس. "اللسان": (فسق).
(1/148)

على صغيرةٍ، وقد اختلفَ الناسُ في ذلك، فقال قوم: إن الله سُبحانَه لم يَنصِبْ على الكبيرةِ عَلَماً ولا دَلالةً، لِيَقَعَ الاجتنابُ لكلِّ معصيةٍ.
وقال صاحبنا (1) رحمةُ اللهِ عليهِ: عليها امارَةٌ، فكل معصيةٍ أوجبت حَدَاً في الدنيا، كالزِّنى، والسرقةِ، والشًّرْب، والقَذْفِ، وقَطْعِ الطريقِ، أو وَعيداً في الآخرةِ كالربا، والتَوَلي عن الجَهادِ إذا الْتَقَى الصَّفَّانِ، فهو كبيرة (2). والصغائر: ما عدا ذلك.
وحَصَرَها قومٌ بأربعينَ (3)، وأدخلوا فيها عُقُوقَ الوالدَيْنِ، وشهادةَ الزورِ، والانتسابَ إلى غَيْرِ العَشِيرةِ، واسْتِرْقاقَ الحُرِّ.
وحَصَرَها قومٌ بعَشرَةٍ، فقالوا: الشِّرْكُ، والقَذْفُ في اللِّسانِ، والسَّرقةُ، والقتل في اليَدِ، والشًّربُ، وأكل الرِّبا، وأكل مالِ اليتيم في البَطْنِ، والزِّنى، واللِّواطُ في الفَرْجِ، والفِرارُ من الزَّحْفِ في القَدَمِ.
والدَلالة على معرفتِنا لها: أن الله سبحانَه قد سمَّى كبائرَ، وشرطَ إحْبَاطَ كلِّ سيئَةٍ غَيْرِها باجتنابِها، فدلَّ ذلك على أن لنا غَيْرَها، وشَرَعَ عقوباتٍ، وجاءَ بوعيدٍ على معاصٍ مخصوصةٍ، فالاستدلال بعِظَم العُقوبةِ على عِظَمِ الجريمةِ استدلالٌ صحيحٌ، فنستدلًّ على الأكثرِ
__________
(1) يعني الِإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.
(2) قال ابن أبي العِزَ في "شرح العقيدة الطحَاوِيةِ" 2/ 525 بعد أن ذكر عدة أقوال في الكبيرة: "وقيل: إنها ما يترتب عليها حَد، أو توعُد بالنار، أو اللعنةِ، أو الغضب، وهذا أمثلً الأقوال" وذكر أنه قولٌ مأثورٌ عن الإمام أحمد.
(3) وحصرهَا الِإمام الذهبي في كتابه "الكبائر" بسبعين، وعد منها ابن حجر الهيتمي في كتابه "الزواجر عن اقتراف الكبائر" سبعاً وستين وأربع مئة كبيرة.
(1/149)

مَاثَماً عندَ اللهِ على الأكثر عُقُوبَةً بوَضْعِ الله، كما نستدلُّ على الفَضْلِ في أعمالِ الطَاعاتِ بما يَرِدُ من مَقَاديرِ المجازاةِ عليها، وشِدةِ الحَثِّ على فِعْلِها، ومَجِيءِ الوَعِيدِ على تركِها.

فصل
والعَدْلُ: هو الاسْتِقامةُ في الفِعْل.
وقيل: هو العُدُولُ إلى الحق.
وقيل: هو الوَضْعُ للشيءِ في حَقِّه.

وقيل: سُميَ العدلُ بهذا؛ لأن العَدْلَ: هو الذي لا يَمِيلُ، وهو مأخوذُ من التَّعديلِ الذي يَنْفِي المَيْلَ.
فصل
والجَوْرُ: هو المَيْلُ عن الحق، ومنه قولُه سُبْحانَه: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ} [النحل: 9]، وتقولُ العَرَبُ: جارَ السهْمُ: إذا مالَ.

ونَقائضُ تلكَ الحدودِ المُقَدمَةِ في العَدْلِ ها هنا أن نَقُولَ: هو وضعُ الشيءِ في غيرِ حقِّهِ، نَقِيض قولك في العدلِ: هو وَضْعُ الشيءِ في حَقَهِ، ومن نقائضِ العدلِ في حدودِ الجَوْرِ أن نقولَ: هو المجازفةُ في الفِعْلِ حتى يَميلَ عن الحق، وهذا الحَدُّ نَقِيضُ قولِك في حد العَدْلِ: هو المُضِى في الفِعْلِ حتى لا يَمِيلَ عنِ الحق.
(1/150)

فصل
في الظُّلْمَ
والظلمُ: هو الانْتِقَاصُ، قالَ سبحانه: {وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا} [الكهف: 33]، وتقولُ العربُ: مَن أشْبَهَ أباهُ فما ظَلَمَ، أي: ما انتقصَ من حقِّ الشَبَهِ، ومن قال: إنه وَضْعُ الشيءِ في غيرِ مَوْضِعِه (1)، فما خرجَ بهذا عن الانْتِقَاصِ.

وقد غَلَبَ استعمالُ الناسِ الظلمَ في انتقاصِ حقوق الآدمِيِّينَ، وانتقاصِ الحقِّ الذي يجبُ به الذّمُ شَرعاً، ولو كانَ الظُّلْمُ ما كان انتقاصاً من حَقِّ آدميٍّ، لَمَا كانَ الكُفْرُ ظُلْماً، وقد قال سبحانه: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]، لأنه انتقاصُ أكْبَرِ الحقوقِ، وهو شُكْرُ المُنْعِمِ اَلأولِ، ومِن نِعَمِهِ يكونُ إنعامُ مَنْ بَعْدَهُ في الإِنعام، كحَنينِ الوالدِ، وإكرامِ الصَّديقِ، فإنه المُمِدُّ بتَحْنِينِ القُلوبِ وتَليِينِها.
فصل
واعْلَمْ أنَّ العدلَ والإِنصافَ نَظَائِرُ، والجَوْرَ والظلمَ نظائرُ، ويتميَّزُ أحدُ القَبيلَيْنِ من الاَخرِ عندَنا بالشَّرْع، كما يتميَّزُ السواد من البياض بالبَصَرِ، وعند من أثبتَ العَقْلَ مُحَسِّناً ومُقَبِّحاً (2) يقول: إن المِيزَةَ بينهما بالعَقْلِ، كما أن المِيزَةَ بين البياضِ والسَّوادِ بالبصرِ.
__________
(1) هو قول القاضي أبي يعلى في "العدة" 1/ 169.
(2) يعني المعتزلة كما تقدم.
(1/151)

فصل
في حروف المُباحَثاتِ (1)
وهي تسعةٌ في الأصلِ، ومدارُ البيانِ فيها على "ما هو"- وهو البَحْثُ عن "الماهِيةِ" (2) -، ثم "هَلْ"، و"امْ"، و"ما"، و"مَنْ"، و"أيُّ"، و"أيْنَ"، و"مَتَى"، و"كَيْفَ"، و"كَمْ"، وهي على مَعانٍ مُتَفَرقَةٍ (3).

فصل
في الماهِيةِ (2)
وهو المَعْنى الذي يدل عليه القولُ بِدَلالةِ الإِشَارةِ. وأصلُ الماهيةِ (2): هو المعنى المنسوبُ إلى "ما" التي يُستَخبر بها، فيقال: ما هو؟، و"ما" هي التي سَألَ بها من جَهِلَ اللهَ سبحانَه، وهو فِرْعَوْنُ (4)، وعَدَلَ عنها إلى ما يَلِيقُ بالله من تَعْرِيفِهِ بافعالهِ- إذ لا
__________
(1) وتسمى أيضاً: "أدوات السؤال".
(2) في الأصل: "المايية"، وانظر "التعريفات" ص 171.
(3) جاءت في الأصل: "متفقة"، ونرى أن صوابها: "متفرقة".
(4) يعني قوله تعالى في سورة الشعراء، [آلاَية: 23]: {قال فرعون وما رب العالمين}.
(1/152)

ماهِيَّةَ له- موسى الكَلِيمُ الكريمُ عَليه السلائم (1).
وكل علَم قِياسيٍّ، فَمدارُ البيانِ فيه على "ما هو؟ ".

فصل
في "هَلْ"

وقد تَرِدُ بمعنى الألِفِ (2)، تقول: هل زيدٌ في الدارِ؟ مكانَ قولِك: أزيدٌ في الدارِ؟ وقولُك: هَلْ قامَ زيدٌ؟ بدلًا من قولِك: أقامَ زيدٌ (3)؟.
فصل
في "أمْ"

وأما "أم" فلا يُبْحَث بها ويستخرج إلَّا بعدَ كلامٍ قد تقدمَ، مثل قولِك: زيدٌ قامَ أم عمرٌ و؟ بكرٌ دخلَ أم خالدٌ (4)؟
ولا يُبتداب "أم" بخلافِ "هل" و"الألف"، أعني: ألِفَ الاستفهامَ.

فصل
في الألف
والألف يُستأنَفُ الاستخبارُ بها، فتقول: أزيدٌ قامَ؟ أعمرو في
__________
(1) بقوله: {رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين} سورة الشعراء، [الاَية: 24] وما بعدها.
(2) أي ألف الاستفهام.
(3) "شرح المفصل" 8/ 150 - 155.
(4) المصدر نفسه 8/ 97 - 98.
(1/153)

الدارِ؛ أدَخل الأميرُ دارَه؟ وما شاكلَ ذلك (1).

فصل
في "كَيْفَ"

فأما "كيفَ هو؟ " فيقعُ سؤالًا عن الصُّورةِ والحال (2)، ويجوزُ أن تقولَ بدلاً منه: ما حالُه؟ ما صورتُه؟ فتجتزىء به من القولِ: كيفَ هو؟ وهذا المُوَضِّحُ لكونِ "كيف هو" إنما هو سؤالٌ عن الصورةِ والحالِ، لأنه حَسُنَ مَجِيءُ أحدِهما بدلَاَ من الآخَرِ، وهذا علامةُ صِحةِ الدَّعوى في البَدَلِ، وإذا رأيتَ الإِفصاحَ بالغرامة (3) يَنطبقُ على ما ادُعِيَ أنه بَدلٌ له، أو عِبارةٌ عنه، فاعلم صِحَةَ الدً عوى.
فصل
في "كم"

وهي: حرفٌ للبَحْثِ عن العِدَّةِ (4)، تقول: كم عندَك رجلَاَ (5)؟، وكم في الكِيسِ دِرْهماً (5)؟. ويَشهدُ لذلك أنَّكَ تُقِيمُ مَقامَ هذا قولَك: ما عِدَّةُ مَنْ عندَك مِنَ الرِّجالِ؟ وما عَدَدُ ما في الكيسِ من الدراهمِ؟،
__________
(1) "شرح المفصل" 8/ 150 - 152.
(2) المصدر نفسه 4/ 109 - 110
(3) كذا في الأصل، والغرامة في اللغة: ما يلزم أداؤه.
(4) "شرح المفصل" 4/ 125 - 136.
(5) في الأصل: "رجل" و "درهم".
(1/154)

فصل
في "مَتَى"

وأما "متى": فهو بَحثٌ عن الزمانِ (1)، تقول: مَتى جاءَ ابُوكَ؟ ومتى عُوفِي أخوكَ؟ ومَتى قَدِمَ الأميرُ؟ فالجواب عنه: اليومَ، أمسِ. فالسؤال عن الزمان يَنُوبُ عنه أن تقولَ: ما زَمانُه؟.
فصل
في "ايْنَ"

فأما "اينَ هو؟ " فهو بحثٌ عنِ المكانِ، تقولُ: أين زيدٌ مِنَ السُّوقِ؟ وأينَ كنْتَ اليومَ؟ ويَحْسُنُ أن يقالَ بدلاً منه: ما مكانُه؟.
فصل
وكان الفرضُ في إبدال كُلِّ حرفٍ ب "ما" بيانَ فضلِ "ما" وكثرةِ فائدتِها بدخولِها بدلًا من كلًّ حرفٍ: ما عِدتُه؟ بدلًا من: كم هو؟، وما مكانُه؟ بدلاً من: أينَ هو؟، وما زمانُه؟ بدلاً من: متى هو؟، وما عندك؟ بدلاً، مِنْ: مَنْ عندَك (2)؟، وما حالُه؟ بدلًا من: كيف هو؟، فقد بأنَ أنها الاصلُ في حروفِ المباحثاتِ.
__________
(1) ولها وجوه أخرى. انظر"الصاحبي" ص 145، و "شرح المفصل" 4/ 103.
(2) في الأصل: "ممن عندك".
(1/155)

فصل
في التَحْصِيلِ
وهو: حذفُ فُضُولِ الكلام. وقيل: هو الاعتمادُ على المقصودِ دونَ الحَشْوِ والتَطْوِيلِ، ولا سبيلً إلى ذلك مع التكثيرِ إلا بالتماسِ الغَرَض ما هو، ثم التماس ما يُحتاجُ إليه في الغرضِ، فحينئذٍ يقعُ التحصيلُ، ويَصِحُّ التَمييزُ.
والتَحصيلُ والتَهذيبُ والتخليصُ نظائرُ، ويقالُ: هو (1) نَقِي الكلامِ، كثيرُ الصوابِ.

فصل
في الاجْتِهادِ
والاجتهادُ في الأصلِ: كلُ فعلٍ فيه مشَقَةٌ، ثم صارَ عَلَماً على الطلَبِ للحق من الطريقِ المُوديَةِ إليه على احتمالِ المشقَةِ فيه.
ومثال الاجتهادِ في الأحكامِ كعَبْدٍ ضَل عن سيدِهِ، فقامَ أصحابُه بالاجتهادِ في طَلَبهِ، فسلكَ كل منهم طريقاً غيرَ طريقِ الآخَرِ بحَسَبِ ما غَلَبَ على ظَنِّهِ (2) وجودُه له، ووقوعُه عليه، واسْتَفْرَغَ الَوُسْعَ،
__________
(1) في الأصل: "هي".
(2) في الأصل: طلبه".
(1/156)

واستَنْفَدَ المنوةَ بمقدارِ الطَاقةِ.

فصل
والاجتهادُ على ضَرْبَيْنِ:
اجتها. يؤدي إلى معرفةٍ.
واجتهاد يؤدي إلى غَلَبَةِ ظَنً أنه لا شيءَ أوْلى بالحادثةِ من تلك القضيةِ.
(1/157)

فصل
في تحقيقِ معنى قولِ الفقهاءِ في الفعلِ: إئهُ مكروهٌ وذلك منهم وبينَهم ينصرفُ إلى وجهَيْنِ لا ثالثَ لهما:
أحدهما: أنه المنهى عن فعلِه نهيَ فضْلٍ وتَنْزيهٍ، مثل: سلوكِ ما يحفظُ المروءَةَ تنَزُّهاً عن سلوكِ ما يَقْدَحُ فيها، كالأكلِ على الطريقِ، ومَد الرِّجْلِ بين النَاسِ، وكثرةِ الضحِكِ، واستدامةِ المُزاحِ والهزءِ، وتركِ الوَقَارِ بإهمالِ التَجَملِ، ومأمورٌ على وَجْهِ النَدْب بأن يفعلَ غيرَهُ، والذي هو أوْلى وأفضلُ منه، وذلك نحوُ: كراهيةِ اَلتركِ لصلاةِ الضُحَى، وصلاةِ الليلِ، وهو التهجُّدُ وقيامُ الليلِ الذي يفعلُه العلماءُ والصلحاءُ، والنَوافلِ المأمورِ بفعلِها، فيقالُ للمكلفِ: يُكْرَهُ لك تركُ هذهِ الفضائلِ المؤديةِ بك إلى المنازلِ؛ لأن في تركِها تفويت الرغائبِ من ثوابِ اللهِ تعالى (1).

فصل
والوجهُ الآخَرُ من المَكْرُوهِ: وصفُ المختلَفِ في حكمِه بأنه مكروهٌ، نحو: وصفِنا التَوَضؤ بالماءِ المستعمل بأنه مكروة؛ لموضعِ
__________
(1) اشرح الكوكب المنير 1/ 418 - 419.
(1/158)

الخلافِ في جوازِ التوَضُّؤ به (1)، ونحو: التوَضّؤِ بسُورِ الهِرِّ مع القدرةِ على غير؛ (2)؛ لأنه أفضلُ، وَنَحو أكلِ لحوم السباع (3)، وما يَحرُمُ أكلُه، واتفِقَ على أن العدولَ عنه وأكلَ غيرِه أَوْلى.
وفي الجملةِ، فهو كلُّ ما كان العدولُ إلى غيرِه أحوطَ وأوْلَى وأفضلَ.

فصل
وإنما يجبُ أن يقالَ في أمثالِ هذا: إنه مكروهٌ في حق من رأى أنَ ذلك لا يجوزُ، ولا يقالُ: إنه مكروهٌ على الإِطلاقِ، سِيما على قولِ من يقولُ: إن كُلَّ مجتهدٍ مصيب.

فصل
وليس من عادةِ الفقهاء أن يصفُوا ما أُمِرْنا به مما ليس غيرُه أفضلَ منه، ولا ما قَطَعَ الدليل على تحريمِه، بأنه مكروهٌ؛ فلذلك لا يجوزُ أن يقالَ في تركِ شيءٍ من الفرائض، ولا في المُباحِ المطْلَقِ: إنه مكروهٌ ولا يصفون أكلَ المَيْتَةِ والذمِ والخنْزير وشُرْبَ الخمرِ بأنه مكروهٌ؛ لمَّا كان مقطوعاً بتحريمِه.

فصل
وقد يقالُ في الفعلِ: إنه مكروهٌ، إذا كان مختلَفاً في تحليلِه
__________
(1) "المغنى" 1/ 31 - 33.
(2) "المغنى" 1/ 70 - 72.
(3) "المغني" 13/ 319 - 320.
(1/159)

وتحريمِه اختلافاً حاصلاً مُسَوَّغاً، مع عدم النص القاطعِ على أحدِ الأمرَيْنِ، بل واقعٌ به من جهةِ الاجتهادِ وغَلبةِ الظَنِّ، فيقالُ في مثلِ هذا: إنه مكروهٌ فعلُه عندَ من أدَّاهُ اجتهادُه إلى تحريمِه، فكان القولُ بذلك من فَرْضِهِ وتَجْويزِه لغيرِه القولَ بتحليلِه إذا كان ذلك جهْدَ رأيهِ، فيكونُ ذلك مكروهاً في حقِّ عالمٍ وفَرْضِه، وغيرَ مكروهٍ في حقِّ غيرِه إذا اخْتَلَفَ اجتهادُهما، لا وَجْهَ لقولِهم: إنه مكروة، سوى ما ذَكَرْنا.
وقد أشارَ النبيُ - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك بقوله: "الحلالُ (1) بين، والحرامُ (1) بيِّن، وما بين ذلك أمور متشابهات لا يعلمُها إلا قليل" وقال: "لكل مَلِكٍ حِمىً، وحِمى اللهِ محارِمه، ومن حامَ حولَ الحِمَى، يوشِك أن يَقَعَ فيه" (2)، وقال: "دعْ ما يَريبُكَ لِمَا لا يَريبُك" (3) وقال لوابِصَةَ:
__________
(1) في الأصل: "حلال"، "وحرام"، والتصحيح من مصادر التخريج الأتي
(2) نص الحديث عند مسلم في "صحيحه" برقم (1219) من رواية النعمان بن بشير: "الحلال بَين، والحرام بَين، وبينهما أمور مُشْتبِهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي حول الحِمى يوشِكُ أن يَرْتَعَ فيه، ألا وإن لكل مَلِكٍ حِمى، وحمى الله محارِمُه".
وأخرجه أحمد 4/ 267 و269، والدارمي 2/ 161، والبخاري في "صحيحه" 1/ 20 و3/ 69، وأبو داود 2/ 218، والترمذي 5/ 198، والنسائي 7/ 213، وابن ماجه (1318) و (1319).
(3) أخرجه البخاري تعليقاً عن حسان بن أبي سنان في البيوع: باب تفسير المشبَّهات.
وأخرجه من حديث الحسن بن علي رضي الله عنه أحمد في "المسند" 1/ 200، والدارمي 2/ 161، والترمذي (2637) في صفة القيامة، والنسائي =
(1/160)

"استفتِ نفسَك وإنْ أفتاكَ المُفتُونَ، فالبِرُّ ما اطمأنَّتْ إليه نفسُك، والإثْمُ ما حاكَ في صَدْرِك" (1).
ولم يُرِدْ - صلى الله عليه وسلم - بالمتشابِهاتِ، ولا ما حاكَ في الصًدْرِ ما لا دَليلَ عليه، لكنَهُ أرادَ ما كانَ في دليلِه غُموض، والدَلالةُ على ذلك قولُه: "لا يعلمها إلًا قليلٌ"، ولو كان ما لا دليلَ عليه، لمَا أضافَهُ إلى القليلِ من العلماء، وهمُ الذينَ زالَ الاشتباهُ عنهم لانكشافِ الأدلًةِ لهم.

فصل
ويكرهُ للِإنسانِ الإِقدامُ على ما حاكَ في صَدْرِه، وخافَ الزلَلَ فيه، وظنً إصابةَ دليلٍ قاطعٍ عليهِ، بل يجب عليه الكَف عن ذلك اجْتِناباً.

فصل
فأما وصفُ الفعلِ الواقعِ بأنه مكروهٌ لله، واكتسابُ العبد له، فذلك باطل؛ لأنه تعالى الخالقُ لجميعِ أفعالِ العبادِ وأكسابِهم، والمريدُ لإِيجادِها، وقد يوصفُ بأنه كارهٌ للقبائحِ منها، على معنى أنه كارهٌ لكونِها دِيناً مَشْرُوعاً، وكارهٌ لوقوعِها مِمنْ نَزَّهَهُ عنها من الأنبياءِ والملائكةِ ومَنْ عَلِمَ أنَّه لا يَقَعُ منه، فأما على غيرِ ذلك فإنه باطلٌ.
__________
= 8/ 329 - 328. وقال الترمذي: هذا حديث صحيح.
وأخرجه أحمد 3/ 153 من حديث أنس رضي الله عنه.
(1) أخرجه أحمد في "المسند" 4/ 228، والدارمي 2/ 161.
(1/161)

فصل
في معنى قولِ الفقهاءِ والأصوليِّينَ في الفعلِ: بأنه صحيح، وفاسد، ونَحْوُ ذلك.
فالذي يُريدُ به الأصولِيُّونَ من قولِهم: صحيحٌ. أنه فعل واقع على وجهٍ يوافقُ حكمَ الشرعِ، مِن أمرٍ به، أو إطلاقٍ فيه، ولا يَعنُون به: أنَ قضاءَه غيرُ واجبٍ، ولا أنَّ فِعْلَ مثلِه بعدَ فعلِه غيرُ لازمٍ.
وكذلك: إنما يُريدونَ بالفعلِ أنه فاسد وباطل: أنه قبيحٌ، وأنه مفعولٌ على مُخَالفَةِ الشرع، ولا يُريدونَ به ما كانَ قضاؤهُ واجباَ، وفعلُ مثلِه بعدَه لازم.

فصل
وأما معنى القولِ: بأن الفعل باطلٌ وفاسدٌ، مثلَ قولهم: صلاة باطلةٌ وفاسدة: أن فعلَ مثلِها واجبٌ بعدَ فعلِها، وقضاؤها لازمٌ، فبانَ أن الفسادَ والبُطْلانَ عندهم: ما لم يَقَعْ موقعَ الإِجزاءِ وإسقاطِ الواجب عن الذِّمَّةِ، فالعملُ في ذلك كلِّه على قولِه - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ عَمِلَ عَمَلاً ليسَ علَيْهِ امْرُنا فهو رَد" (1). وردُ العَقْدِ والعبادةِ والشَّهادةِ: أن لا يَعْمَلَ عَمَله.

فصل
ومعنى الصحيحِ عندَ الفقهاءِ-أعني من العباداتِ-: إبْراءُ الذِّمًةِ
__________
(1) رواه البخاري 5/ 221 في الصلح و 4/ 298 في البيوع تعليقاً، ومسلم (718)، وأبو داود 2/ 506، وابن ماجه (14) في المقدمة من حديث عائشة رضي الله عنها.
(1/162)

بفعلِها، وسقوطُ القضاءِ، ووقوعُها مَوْقع الإِجْزَاءِ؛ ولذلك قالَ كثير منهمِ: إن الصلاةَ في الدارِ المغصُوبَةِ صحيحةٌ ماضيةٌ، وإن كانت واقعةَ على غيرِحكمِ الشَرْعِ ولا أمرِه، بل معصيةٌ.
وسموا الصلاةَ التي قطعَها بإطفاءِ الحريقِ، وتَنْجِيَةِ الغريقِ، وإبعادِ الضَرير عن السقوطِ في البئرِ غيرَ صحيحةٍ، بل قالوا: باطلة، وإنْ كانت طاعةً الله بنفسِها، وبالفعلِ الذي قطَعها به، لكنْ أرادوا بقولِهم: باطلة، وجوبَ قضائِها، وعدمَ الاعتدادِ [بها] (1)، ونَفْيَ سقوطِ ما في الذِّمَّةِ بفعلها، ويجيءُ من هذا دليل على إحدى الرِّوايتينِ لنا، وأن الفعلَ الذي هو طاعةٌ أبطلَها لمَا لم يَكُ من الطاعاتِ المشروع مثلُه فيها؛ ألا ترى أنه لو أطالَ القراءَةَ والرُّكوعَ، وكرر تسبيحاتِ الرَكوع والسجود؛، صارَ من جملةِ أفعالِها غيرَ مُبْطَلٍ بها (2) بالإِجماع، ثم إنًّ الفقهاءَ اختلفوا: هل يصيرُ التطويلُ واجباً، أم لا؟.
فكذلك كان يجبُ أن يكونَ الغَصبُ للدارِ لمَّا كان من المَناهي التي لا تَخْتَص الصلاةَ، أن يكونَ معصيةً غيرَ قادحةٍ، وسَنَسْتقْصِي القولَ في ذلك فيما بعْدُ، إن شاءَ الله.

فصل
فكذلك، قولُهم: عَقْد باطل، وشهادة باطلةٌ، وحكم باطل، وقولُهم: عقد صحيحٌ، وشهادة صحيحةٌ، وحكم صحيح، فإنَّما يَعْنُونَ بصحَّتِه: نفوذَه ووقوعَ التَّمْلِيكِ به.
__________
(1) ليست في الأصل.
(2) أي الإِطالة والتكرار.
(1/163)

ويريدونَ ببطلانِه وقولِهم: عقدٌ باطلٌ وفاسدٌ: غيرَ نافذٍ، ولا يَحْصُلُ به التمليكُ.
وشهادةٌ باطلةٌ: لا يجوزُ أو لا يجبُ العملُ بها، ولا يَثْبُتُ بها الحق.
وإقرار باطل، وإنكارٌ باطل في أمثالِ ذلك مِما لعلنا أن نَشْرَحَهُ من بَعْدُ.
فهذه جُمَلُ المُقَدَماتِ التي لا تَتِم معرفةُ أصولِ الفِقْهِ، وأحكامُ أفعالِ المكلفينَ إلا بها، كافية إن شاءَ اللهُ.

فصل
في المُلْكِ
الملكُ عندَ قومٍ من الأصولِيِّينَ: هو القُدْرةُ على ما للقادرِ أن يتصرَّفَ فيه، والمالِكُ: هو القادرُ على مَالِه أو تَصَرفِه.
وقيل: هو القُوةُ، وهو قريب من الأولِ، ومنه قولُهم: عَجِين مملوك: إذا كان معجوناً عَجْناً قَوَاهً.
وقيل: هو التسلطُ بحق، وهذا أشْبَهُ بالفِقْهِ.
وقيل: هو الاختصاصُ بالتَصَرفِ، فكلُّ مختصٍّ بالتصرفِ في منافعَ أو أعْيانٍ، فهو مالكُها (1).
__________
(1) "الفروق اللغوية" لأبي هلال العسكري ص 150.
(1/164)

فصل
و"لملكُ قد يجبُ بتمليكِ مُمَلِّك، وملكٌ يجبُ لابتمليكِ مُمَلكٍ، فالأولُ كملكِ العَبْدِ، والثاني كملكِ الرَّب جَل وعَزً.
والعبدُ يملِكُ بحكمِ اللهِ عز وجل، واللهُ سبحانَه مالكٌ للأعيانِ تمَلكَ خَلْقٍ وإيجادٍ؛ لأنه المخرجُ لها من العَدمِ، والعبدُ مأذونٌ له في التصرف، محظورٌ عليه بعضُ التَصرفاتِ.

فصل
وقال ثَعْلَبٌ (1): "مَالِك" أمْدَحُ من "مَلِك"؛ لأنه يدل على الاسمِ والصَفةِ (2). ولا يجوزُ أن يملكَ أحدُنا بالعَقْلِ، وإنما يجوز بحجةِ السمعِ، كما لا يجوزُ أن يَذْبَحَ شيئاً من البهائم بحجةِ العقل، وإنما يجوزُ بحجة السمعِ.
والأصل في ذلك أنً الإِنسانَ غيرُ مالك للتصرفِ بنفسِه، بل فوقَ العقلِ آمِرٌ وناهٍ، وليس فوقَ قدرةِ الله متحجرٌ.
والمعتزلة تقولُ: الأصل في ذلك: أنً الواحدَ منا لا يملك العِوَضَ على إزهاق نَفْسٍ، ولا إراقةِ دَمِ، والله يملك التَعويضَ، وهو النَعيمُ المؤبدُ، والبَقاء السًرْمَد، فيُوفِىَ التعويضَ على الإِيلامِ.
__________
(1) هو. أحمد بن يحى بن زيد بن سيار، أبو العباس الشيباني، المعروف بثعلب، من أئمة النحو واللغة، كان راوية للشعر والحديث، توفي سنة (2191) ه "سير أعلام النبلاء" 5/ 14 - 7.
(2) "تفسير القرطبي" 1/ 140.،
(1/165)

فصل
في معنى وَصفِ الخِطابِ بأنه مُحْكَم ومُتَشابِة
اعلم أن المُحْكَمَ يرجعُ إلى معنَييْنِ: أحدهما: أنه مُفَسر لمعناهُ، وكاشف له كَشْفاً يُزيلُ الإِشْكالَ، ويرفعُ وجوهَ الاحتمالِ، وهذا المعنى موجود في كلام الله عزَ وجل، وكثيرٍ من كلام خلقِه، فيجبُ وصفُ جميعِه بأنه محَكم على هذا التَأْوِيلَ.

فصل
والوجهُ الآخرُ: أن يكونَ معنى وصفِ الخِطابِ بأنه محكم، بمعنى: أنه محكمُ النَظْمِ والتَرتيب، على وجهٍ يُفيدُ من غيرِ تناقضٍ واختلافٍ يَدْخُلُ عليه، فكلُّ كلامٍ هذا سبيلُه، فهو محكم (1)، وإنِ احتملَ وجوهاً، والتبسَ معناهُ، فإنه يَخْرُجُ عن كونِه محكماً.
وما فَسَدَ نَظْمُه، واختل عن وجهِه وسَنَنِه، وُصِفَ بالفسادِ لا بالتَشَابُهِ.
وقد غَلَبَ على قولِ الفقهاءِ: أن المحكمَ ما كان حكمُه ثابتاً.

فصل
فأما المُتَشابهُ، فمعنى وصفِ الخطاب بأنه متشابة، فهو: أنه محتمِلٌ لمعانٍ مختَلِفةٍ يقعُ على جميعِها، ويتناَولُها على وَجهِ الحقيقةِ،
__________
(1) أورد ابن النجار الفتوحي معظم تعريفات المحكم في "شرح الكوكب المنير" 2/ 140 - 143.
(1/166)

أو يتناولُ بعضَها حقيقةً وبعضَها مجازاً، ولا يُنْبِىءُ ظاهِرُه عما قُصِدَ به.
وإنما اخِذَ له هذا الاسمُ من اشتباهِ معناهُ على السامعِ، وفَقْدِ عِلْمِه بالمرادِ به، ومنه قولُه: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، يحتمِلُ زَمَنَ الحَيْضِ، وزمنَ الطهْرِ، وقولُه: {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البقرة: 237]،، يحتمِلُ الزَّوْجَ، ويحتمِلُ الوَلِيَّ احتمالًا واحداً، وقولُه عزَّ وجل: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43]،، يحتملُ اللَّمْسَ باليَدِ، ويحتملُ الكنايةَ عن الوَطءِ باطِّرادِ العُرْفِ وبإضافتِه إلى النساءِ، وإلى أمثالِ ذلك مِمَّا يسوغُ التَّنازعُ فيه، والاجتهادُ لطلبِ معناه، وكذلك كلُّ الأسماءِ المشْتَرَكَةِ.

فصل
فأما المتشابهُ المتعقَقُ بأصولِ الدِّين، فكثيرٌ؛ مثلُ قوله: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرحمن: 27]، {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [الحجر: 29] {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا} [يس: 71]، {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] , {غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [المجادلة: 14] {يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} [البقرة: 15]، {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} [آل عمران: 54]، {وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67]، {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ} [الرحمن: 39]، {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 92]، {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى} [طه: 118]، {فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا} [طه: 121]، {حم}، {الر}، {المر} {حم عسق}، {كهيعص}، {المص}، {ص}، {ق}، هذه الحروفُ في أوائلِ السوَرِ.
فوَجْهُ التَّشابُهِ فيه: تردُّدُه بينَ حقائقَ مختلفةٍ، أو حقيقة ومَجازٍ،
(1/167)

وفي الحروفِ إعْجامٌ يزيدُ على التَشابُهِ؛ لأنه لم يُوضَعْ لشيءِ مُعَيَّنِ، فضلاَ عن شيئيْنِ، فإذا لم يُوضَعْ لشيءٍ واحدٍ، فكيف يَتَرَددُ بين الشيئَيْنِ؟.
فأما التَرددُ في الوَجْهِ: فقد يُعَبَّرُ به عن الأولِ، كقوله: {وَجْهَ النَّهَارِ} [آل عمران: 72]،وبانَ انه أرادَ به الأولَ من قولِه: {وَاكْفُرُوا آخِرَهُ} [آل عمران: 72]، وقد يُعبَّرُ به عن خِيارِ الشيءِ وأَجْوَدِهِ، كوجهِ الثوْبِ، ووجهِ الحائطِ، وهو الذي يُحَسنُ بالَاجُر المَحْكُوكِ، والغَزْلِ المُحَسَّنِ، والعملِ المُجَودِ، وبين هذا العُضْوِ المخطَطِ الجامعِ للمحاسِنِ وَالحَواس.
واليدِ: بينَ الجارحةِ، والقُدرَةِ، والنَعْمَةِ.
والرَّحْمَةِ: بينَ الرقَةِ، والفعلِ الدال على إرادةِ الخَيرِ، أو إرادة الخيرِ ودفعِ الضيْر.
والغَضبِ: بين غَليانِ دم القلبِ طَلَباً للانتقامِ، وبينَ التَعذيبِ والانتقامِ الذي يدل على غَضَب من يَصدرُ عنه من الخَلْقِ.
وعلى هذا الاشتباهِ جميعُ ما يَجيءُ من الأوصافِ، فقامت دَلاَلةُ العَقْلِ والنصَ على نَفْي مالا يليقُ به مما هو وصفُ الأجسامِ المُحْدَثَةِ، وهو الأوَّلِيَّةُ والتَّخْطِيطُ والجارحةُ، ولم يَبْقَ إلا أَحَدُ مَذهبَيْنِ: وهو نَفْسُ الذَاتِ، فيكونُ معناهُ: ويَبْقَى رَبُّكَ، وكذلك قولُه: {وَكُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] والمرادُ به: إلأَ هُو (1).
أو قول أصحابنا بالوقوفِ عن التفسير والتأويل (2).
__________
(1) هذا من تأويلات المعطلة، والصواب إثبات الوجه الله عز وجل على ما يليق بجلاله سبحانه وتعالى.
(2) جمهور الحنابلة وغيرهم من أئمة السلف يثبتون الصفات ويعتقدون معانيها،=
(1/168)

والنصُ الذي مَنَعَ من حَمْلِه على الجارحةِ، وعلى الأولِ، وحملِ الغَضَبِ على الاشْتِياطِ أو غَليانِ دمِ القلبِ قولُه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، ودليلُ العقلِ الذي دَل على أَنه سبحانَه ليس بِجِسْمٍ، ولا مُشْبِه للأجسامِ (1).

فصل
في الحروف المُعْجَمَةِ في أوائِل السوَرِ
وهي من جملةِ المتشابِه، فقالَ قومٌ: أسماءٌ لله.
وقال قومٌ: حروفٌ من أسماءٍ، مثلُ: كاف: من "كافي"، وها: من "هادي"، وصاد: من "صادق"، أو من "صَمَد".
وقال قومٌ منهم: {الر}، {حم}، {ن}: الرحْمان، اسمٌ مُقَطَعُ الحروفِ.
وقال قومٌ: لا يعلَمُ معناها إلا الله (2)
__________
= ويفوضون أو يتوقفون في كيفية هذه الصفات، لا عن تفسيرها كما ذكر المصنف.
(1) ذِكرُ المصنفِ -رحمه الله- لآيات الصفات ضمن المتشابه مخالف لمنهج أئمة السلف، القائلين بأنها ليست من المتشابه، وأن الله يوصف بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله - صلى الله عليه وسلم - لا يتجاوز في ذلك القرآن والحديث، وينظر بسط المسألة في رسالة "الإكليل في المتشابه والتأويل" لشيخ الإسلام ابن تيمية ضمن مجموع الفتاوى 13/ 294 - 305.
(2) خالف المصنف هنا أئمة السلف، فالمعتمد أن الحروف المقطعة في أوائل السور ليست من المتشابه، كما يدعيه بعض الأشاعرة، فقد تكلم السلف في معانيها وكلامهم مشهور، وقد ساقه ابن تيمية في معرض الرد على هذه الدعوى في كتابه "بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية" -مخطوط- 2/ الورقة 248 - 249 والله سبحانه أعلم بمراده من هذه الحروف، وفيها إشارة إلى إعجاز القرآن، فقد وقع به تحدي المشركين، فعجزوا عن معارضته، وهو مركب من هذه الحروف التي تتكون منها لغة العرب، فدل عجزهم عن الإتيان بمثله على أنه من عند الله.
(1/169)

فصل
في بيان مُناقَضَةِ من قالَ من أصحابِ الحديثِ: إن هذِه الآياتِ آياتُ صفاتٍ، وإنها تُمَرُ على ظاهرِها.
ووجهُ المناقضةِ منهم: أَنّهم قالوا: لا نعلمُ مامعنى "يَدٍ"، حتى قُلْنا لهم: أَجَارِحةٌ هي؟ فقالوا: لا، قلنا: فَقُدرةٌ هي؟ قالوا: لا، قلنا: فَنِعمَةٌ؟ قالوا: لا، وهذهِ الأقسامُ التي تتردَّدُ في إطلاق قولِنا: "يَدٌ"، فإذا قالوا: ليس واحداً منها، لم يَبْقَ إلا القول بأنَّا لا نعلمُ ما معناها.
وسَمِعْنا هؤلاءِ القائلينَ بأعْيانِهم يقولُون بألفاظِهم، وقَرَأْنا من كُتُبِهم القول: بأنه يَجبُ القول: بأنه يجبُ حَمْلُ الكلامِ على ظاهِرهِ، أو إمرارُه على ظاهرهِ، ولس يجوزُ أن يَجْمَعَ القائل بين قولِه: لا يعلمُ تأويلَه إلا اللهُ، وبينَ قولِه: أَحْمِلُهُ على ظاهرِه، أو: حَمْلُهُ على الظاهرِ يُسقِطُ حكمَ التأويلِ؛ لأن التأويلَ صَرْفٌ له عن ظاهرِه.
ثم إن الآية عندهم أنَّ الوقفَ منها على قولِه: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} (1) [آل عمران: 7]، وهذا يُعْطِي أن لظاهِرها تأويلاً غامضاً لا يعلمُه إلا اللهُ، فكيفَ يقال بعدَ ذلك: يجبُ حملُها على ظاهرِها؟ وأيُ ظاهرٍ يَتَحَقَقُ مع عدمِ العِلْمِ؟ وما لا يُعلم خَفِيّ، فإنْ قالوا: لها ظاهرٌ. فهم مطالَبُونَ بما ظهرَ من معنى الصَفَةِ، وإنْ قالوا: لا نعلمُ.
__________
(1) ولها وجه آخر في الوقف على: (والراسخون في العلم). انظر تفصيل المسألة في "تفسير القرطبي" 4/ 16 - 19.
(1/170)

بَطَلَ تَعَلقهم بظاهر، ودعواهم أنَ لها ظاهراً (1).

فصل
وما يوهِم أنه مختلفٌ، أو متناقِضٌ مثل قولِه {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ} [الرحمن: 39]، فإنه يُحْمَلُ على مَقام، وقوله: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 92]، يُحْمَلُ على مَقامِ آخَرَ (2)، وضمانُ اللهِ سبحانَه لآدمَ ان لا يَعْرَى (3) مشروطٌ بأن لا يَأكل من الشجرة (4).

فصل
والاشتباهُ بين الطهْرِ والحَيْضِ (5)، والعَفْو في الِإسْقاطِ والِإعْطاءِ، ومن أن يكونَ الذي بِيَدِهِ عُقْدَة النكاحِ هو الزَّوج أو الوَلِيُّ (6) يزولُ بالدليل الدالِّ على أنه في أحدِهما أوْلى، وبأحدهِما أشْبَة.
__________
(1) لا تعارض هنا كما ذكر المصنف رحمه الله، فمعنى قولهم: تحمل على ظاهرها؛ أنه الظاهر المفهوم لغة. بما يليق بجلالِ الله سبحانه وتعالى. انظر مجموم فتاوى ابن تيمية 3/ 43 وما بعدها.
(2) ذكر الفخر الرازي عدة وجوه للجمع بين الآيتين. انظر "التفسير الكبير" 19/ 213 - 214، و"تفسير القرطبي" 10/ 59 - 61.
(3) في قوله تعالى: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى} [الآية: 118] من سورة طه.
(4) في قوله تعالى: {تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} سورة البقرة [الآية: 35]، والأعراف [الآية: 19].
(5) كما تقدم فى معنى "القرء" في قوله تعالى: "والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء" سورة البقرة، [الآية: 228].
(6) كما تقدم أيضاً في قوله تعالى:" إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح" سورة البقرة، [الآية: 237].
(1/171)

فصل
وليس ببدْع أن يكونَ الله سبحانَه في كتابه ما يَتَضحُ وينكشفُ معناهُ، ليُعمَلَ به اعتقاداً أو طاعةً، وفيه ما يَتشابَهُ لنُؤمِنَ بمتشابِهِه، ونقفَ عندَه، فيكونَ التكليفُ فيه هو الإِيمانَ به جملةً، وتركَ البحثِ عن تفصيلِه، كما كتَمَ الروحَ، والسًاعةَ، والآجالَ، وغيرَ ذلك من الغُيوبِ، وكَلَّفنَا التصديقَ به دونَ أن يُطْلِعنا على علمِه.

فصل
وغيرُ ممتنع أن يكونَ من الغامض الذي لا يعلمهُ إلا خواصُّ العلماءِ المجتهدينَ، والأظهرُ في الآيةِ أنَ المتشابِهَ الذي قال سبحانَه فيه: {وَمَا (1) يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 7]، أن له تأويلاً عندَه، وأن الراسخينَ في العلم لَمَّا لم يعلمُوا له تأويلًا، قالوا: {آمَنَّا بِهِ}، وتَسَلوْا بقولِهم: {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا}،: ليزولَ الرَّيْبُ عنهم، لِما ثَبتَ من حِكْمةِ اللهِ عندَهم، والله أعلم.

فصل
في الجِنْسِ
ولا بُدَّ للفقيهِ من معرفتِهِ لتَكَررِ الجنسيةِ في أبواب من الفقهِ، كالزكاةِ والرَبا. واعلم أن الجِنْسَ، هو جملةٌ متفقةٌ متماثلةٌ، والجنسُ الواحدُ: ما
__________
(1) في الأصل: "لا"، وهو خطأ.
(1/172)

سدَّ بعضُه مَسَّ بعضٍ، وقامَ مَقامَه، وذلك بالمشاهدة (1)، أو بأن لا يجوزَ على أحدِهما شئٌ إلا جازَ على الآخَرِ مِثْلُه ونَظِيرُهُ، ولذلك لم يَجُزْ أن يكونَ الله سبحانَه مِثْلاً لشيءٍ، ولا شيءٌ مِثْلًا له، إذ لو شابَه المُحْدَثَ من وجهٍ، لجازَ عليه من ذلك الوجهِ ما يجوزُ على المُحْدَثِ من ذلك الوجه.
فمثالُه عند الأصولِيينَ: الجَوْهَرُ جنس واحد من حيثُ هو جوهر على الحقيقةِ، فما جوهرٌ إلَّا سَاد مسَدَّ جوهرٍ في خصائصِه من شُغْلِ الحَيز، وحَمْلِ العَرَضِ كاللوْنِ والحركةِ والسُّكونِ (2).

فصل
في النَّوْعِ
وهو تحتَ الجنسِ بنوع فَضْلٍ وخاصةٍ، وإن قلتَ: هو ما انفصلَ عن الجنسِ بمعنى، كان أخصَرَ، والاختصارُ للحدِّ واجب في طريقةِ المحقَقينَ. وما لم ينفصلْ من الجنسِ بمعنىً، فهو جزءٌ فيه وليس بنوعٍ.
مثالُ الأولِ- وهو ما انفصلَ عن الجنْس (3) بمعنى-: الجِسْمُ والخَط والسَّطْحُ، كُلُّ واحدٍ من هذه الثلَاثةِ نوع للجَوْهَر؛ لأنه قد انفصلَ بمعنىً هو التأليفُ والسَّطْحيَّةُ -وهي: طول وعرض لا عمقَ له-، وبالخَطيَّةِ -وهي: طولى لا عَرْضَ له ولا عُمْقَ-، والانقسامِ
__________
(1) في الأصل: "كالمشاهدة".
(2) 1 نظر "التعريفات" ص 69 - 71.
(3) في الأصل: "الجوهر".
(1/173)

أيضاً، والجوهرُ لا يَنْقَسِمُ.
ومثالُ الثاني -وهو الذي لا ينفصلُ عنه بمعنىً-: كالجزءِ الذي لا يتجزَأ، وكذلك الجزءُ من السوادِ والحُمُوضَةِ وما جرى مَجْرَى ذلك (1).

فصل
وقد جنَسَ الناسُ الأجسامَ أجناساً، فقالوا: جنسُ الحيوانِ، وجنسُ النَباتِ، وجنسُ الجَمادِ.
والمحقًقونَ من أهلِ الأصولِ جَعَلُوا الكل جنساً، وقالوا: إن الجنسَ الواحدَ قد يَعْرِضُ فيه ما لا يَسُد بعضُه مَسَد بعض، كالحيوان والجمادِ؛ فإنهما وإن كانا من جنسٍ واحدٍ، فإنه لا يَسُد أحًدُهما مَسَد الاَخَرِ، أو يَرْتَفِعَ ذلك العارضُ -يعنون عارضَ الحيوانيةِ وعارضَ النباتيةِ- فإنها أعراض خَصَّصَتِ الجسم بخَصِيصَةٍ أوجبَتْ عند الفقهاءِ وبعضِ الأصوليينَ تَجنساً، حتى إن بعضَ الفقهاءِ جعلَ صناعاتِ الآدميين وآثارَهم في الأجسام مُجَنسةً، كتلفيقِ الغَزْلِ ثوباً، وتفريقِ الحِنْطةِ دقيقاً، وجَعْلِ أجزاءِ اَلأرضِ فَخاراً.

فصل
وسلَكَ من جَنس بالصنْعَةِ والخصائصِ الواقعةِ في الجسمِ مَسلكَ من جَعل الجوهرَ جنساً، فَخَصوا بهذا المتساويَ من الحيوانِ، فقالوا في الغَنَمِ: جِنْس، وفي البَقَرِ: جنس، وقالوا في الذَهب: جنس،
__________
(1) انظر الفرق بين الجنس والنوع في (الفروق اللغوية) ص 134.
(1/174)

والفِضًةِ: جنسٌ، وقد سَمَّاه الشرعُ بذلك، فجعل الفضةَ جنساً، والذهبَ جنساً، وهذا صحيحٌ، لأن آحادَ الجنس يَسُد بعضُها مَسَد بعضٍ من الحيوانِ والنباتِ، وما لم يَسُد بعضُه مَسَد بعضٍ-وإن كان جوهراً- ليس بجنسٍ؛ لاختلافِهما في الفَصْل والخَصيصَةِ، وهذه الطريقةُ ألْيَقُ بالفقهِ، والأولَى أقْرَبُ إلى مذهبِ الأوائلِ.

فصل
والوسَطُ من هاتينِ الطريقتينِ أن لا نقولَ: إن التَجنسَ يقِفُ على الجَوهَريةِ فقطْ، ولا جنسَ إلا الجوهرُ، ولا نقولَ ما ذهبَ إليه أبو حنيفةَ من أنَ الصنعةَ ما تجنَسُ، كتلْفِيقِ الغَزْلِ ثوباً، وتَفريقِ الحَب دقيقاً، لكن نقولُ: إن العارضَ على الجوهر والدَخِيلَ عليه، إن كانَ لازماً كالذهبيَّةِ في الجوهرِ والفضيةِ؛ صارَ به كأنَهُ جنسٌ آخَرُ، وإن كان الدَخيلُ غيرَ لازمٍ مثلَ الحركةِ والسكونِ، والحُمُوضةِ والحَلاوةِ؛ لم يَصِرْ به كالجنسِ الآخَرِ، وهذا أشبهُ بمذهب الفقهاءِ، والشرعُ يُصَدقُه [حيثُ جعلَ] (1) الذهبَ جنساً والفضةَ جنساً، ولم يجعلِ الصناعةَ في الذهب جنساً غيرَ جنسِ سَبائِكِه، ولا جعلَ حُموضَةَ اللَّبَنِ جنسَهُ، ولا حلاوتَةَ.

فصل
وأهل اللغة يقولونَ: جنسُ الرُّومِ، وجنس التُّرْكِ، وجنسُ السندِ، وجنس الزَنْجِ، وما شاكلَ ذلك، ويذهبون إلى اتَفاقِ تلك الجملة الممَيَّزَةِ من غيرِها.
__________
(1) ما بين حاصرتين زيادة يتم بها المعنى.
(1/175)

فصل
في معنى قولِهم: الطبْع
وقد نطقَ بذلك أهلُ الطبْعِ (1)، ثم دارَ بين أهل الكلامِ، وقد تَعَدَّى إلى أهل الفقهِ، فنطقَ به الخُراسانِيُّونَ من أصحاب أبي حنيفةَ، فقالوا في مسألةِ طهارةِ الحَدَثِ: لا تَفْتَقِرُ إلى النيةِ؛ لأَن طَبْعَ الماءِ إزالةُ الحَدَثِ والنَّجَسِ، فلا يَفْتَقِرُ في كونِه رافعاً إلى النيَّةِ (2). وما ذلك إلا خَطَأ كبير لمَنْ كَشَفْنا له عن حقيقةِ القولِ بالطبْعِ.

فصل
فالطَّبْعُ عندَ القائلينَ بإثباتِه: هو الخاصةُ التى يكونُ الفعلُ بها من غيرِ جهةِ القدرةِ، وليس عندَ أهلِ الإِسلام حادث يَحدُثُ من غيرِ جهةِ القدرةِ؛ لأن الحوادثَ خلقُ الله سُبحانَه، فلم يَبْقَ لغيرِه حادث يصدرُ عنه.
والخاضَةُ عندَهم على ضربَيْنِ:
طبع معروث عندهم، كالحرارةِ في النارِ، والبُرُودَةِ الدائرةِ بين النَّارِ والهواءِ، والرُّطُوبةِ في الماءِ، واليُبُوسَةِ في الترابِ والحَجَرِ.
وطبعٌ مُبْهَمٌ، كجَذْبِ المِغْناطِيسِ للحديدِ، وعملِ السَّقَمُونيا (3) في
__________
(1) تقدم التعريف بهم في الصفحة (21) الحاشية رقم (2).
(2) انظر "المغني" 1/ 156 - 157.
(3) نبات يسبتخرج من تجاويفه رطوبة دبقة، وتجفف وتدعى باسم نباتها أيضاً، مضادتها للمعدة والأحشاء أكثر من جميع المسهلات، تسهل المرة الصفراء =
(1/176)

إخراجِ الصَّفْراءِ، وإنما قلنا: من غير جِهَةِ القدرةِ؛ لأنَ ما يكونُ بالقدرةِ يقعُ بالتمييزِ؛ لأن القدرةَ لا تقومُ إلا بمَحَلٍّ فيه اختيارٌ، أو تكونُ صفةً لمختارٍ، وقد أكْذَبَ الله سبحانَه، أهلَ الطبعِ بقولِه: {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ} الى قوله: {صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ} [الرعد: 4]، ولو كانَ الماءُ يُعْطِي النباتَ الرطوباتِ بالطبعِ الذي أثْبَتُوه لأعطاها رطوبةً خاصَّة ذات طَعْمٍ خاصٍّ؛ لاستواءِ أجزاء الماءِ في نَفْسِه، فلمَّا اختلفتِ الطعوم مع اتّحادِ الماءِ والتُّرْبَةِ، علِمَ أنه لم تَأتِ النباتَ من جهةِ الطبعِ، لكنْ من جهةِ اختيارِ الصَانعِ الطَّابعِ (1)، ولأن الطبائع تَتَباينُ لتضَادِّها، وقد اجتمعت في الحيوانِ، ولا يَجْمَعُ المُتَنافِرَ إلا قاسِرٌ قاهِرٌ، وليس إلَّا المختارَ القادرَ سبحانَه.

فصل
إذا ثَبَتَ أنْ لا طَبْعَ، فلا بُدَّ أن نكشِفَ عن وجوهِ الإِضافاتِ، ونعْطِيَ كل شَيءٍ حَظهُ، حتى لايُعْطَى ما ليسَ بفاعل منزلةَ الفاعلِ، ولا تُعْطَى الآلاتُ حقَّ الأسباب، ولا يُبْخَسَ الفاعل حقَة من الفعلِ، فهذه مَهاوِي هَامِ الكَفَرةِ إلىَ هوَّةِ الإِلْحادِ، ومَزَلةُ أقدام المهْمِلينَ لأصلِ الاعتقادِ، وما يجوز لعاقلٍ أن يجَودَ الكلامَ في مسَالةِ الفَرْع لإِسقاطِ نِيًةٍ في طهارةٍ، فَيشْرِك أو يُلْحِدَ.
فاعلم أن إضافةَ الفعلِ إلى الشيءِ تكون من وجوهٍ كثيرةٍ:
__________
= واللزوجات الردية من أقاسي البدن. "القاموس المحيط": (سقم).
(1) "تفسير القرطبي" 9/ 281.
(1/177)

أحدها: إضافةُ الفعْلِ إلى وَقْتِهِ، وهو ظَرْفُ زمانِه، كقولك: نَبتَ المَرْعى في الرَّبيعِ، وأَطْلعَتِ النَّخيلُ في الفَصْلِ، وصَلَحتِ الثمرُ في الصَيفِ أو الخَرِيفِ.
وإضافتُهُ إلى المكانِ، كقولك: طريق تؤدِّي بنا إلى البَحْرِ، أو إلى المَعْدنِ (1)، وأرض زَكِيةٌ مُنْبِتَةٌ، وأرض رُخْوةٌ أو صُلْبةٌ. فهذه (2) أظْرُفُ مكانٍ.
وإضافتهُ إلى الآلةِ، كقولِك: آلَمَهُ السَّوطُ، وَوَحَتْهُ السكَينُ (3) أو السيفُ، ونَحَتَ الخَشَبةَ القَدُومُ، فهذا المفعولُ به؛ فالمحل مقطوعٌ، ومضروبٌ، ومَنْحُوتٌ.
والمحلُّ المفعولُ فيه شَرْطٌ أيضاً لإِيقاعِ النَحْتِ والقَطْعِ فيه، وهو الرَابِعُ.
والخامس: السبَبُ، وفيه وقعَ الخلافُ، فلا فاعِلَ للريَ ولا للشِّبَعِ، ولا إخراجِ الصفْراءِ، ولا تبريدٍ وتسخينٍ، وإحداثِ طَعْمٍ، وإنشاءِ لَوْنٍ، وايجادِ خاصةٍ، إلا الله سبحانَه.
وعندَ أهلِ الطَّبْع ومن وافقَهم من المتكلمينَ من المعتزلةِ، أن السَبَ: هو الذي سموْهُ طبعاً ومُوَلِّداً، فها هنا مَزَلةُ الأقدامِ، فمن قال: إن الماءَ يُطَهرُ بطبْعٍ، وُيزيلُ بوضْعِهِ، فهو كالقائلِ بأنه يُنْبِتُ (4)
__________
(1) هو المكان يثبت فيه الناس؛ لأن أهله يقيمون فيه ولا يتحولون عنه شتاء ولا صيفاً. "اللسان": (عدن).
(2) في الأصل: "فهذا".
(3) أي قطعته بسرعة.
(4) في الأص: "يثبت".
(1/178)

بطبعِه، ويروي بطبعهِ، وذلك فاسدٌ بما فَسَدَ به مذهبُ أهلِ الطبعِ، فلم يَبْقَ إلا أن يقالَ: الطهارةُ تقعُ عندَ إجرائِه بنية المُكَلَّفِ تَعَبداً، وقد بينَ الله سبحانَه ذلك في كثيرٍ من آيِ كتابهِ، مثلُ قوله: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} [الواقعة: 63 - 64]

فصل
في اختلافِهم في الطَّبائعِ على أربعةِ مذاهبَ:
فمنهم من جعلَها موجِبة للفعلِ، كالاعتمادِ الذي في الحَجَرِ يُوجِبُ ذهابَه إلى جهةٍ، والفاعلُ غيرُها في الحقيقةِ.
ومنهم من جعلَها فاعلةً في الحقيقةِ، وهم أهلُ الطبْعِ.
ومنهم من جعَلَها مفعولًا بها، مثل: ما يفعلُ القَطْعُ بالسكِّينِ.
ومنهم من جعلَها مفعولًا عندَها، وهو مذهبُ أهلِ السُّنةِ، وهو مذهبُنا (1).
__________
(1) القول بأن الله -سبحانه وتعالى- يفعل عند الطبائع والأسباب والقوى لا بها يفضي إلى إبطال حكمة الله في خلقه، وأنه لم يجعل في العين قوة تمتاز بها عن الخد تبصر بها، ولا في القلب قوة يمتاز بها عن الرجل يعقل بها، ولا في النار قوة تمتاز بها عن التراب تحرق بها، فضلاً عما في هذا القول من مخالفة للكتاب والسنة؛ فإن الله تعالى يقول: {وهو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحاباً ثقالًا سقناه لبلد ميت فانزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات}، وقال تعالى: {وما أنزل الله من السماء من ماء فاحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة} وقال تعالى: =
(1/179)

فصل
وقد أشارَ اللهُ سبحانَه إلى المذهب الأخيرِ-وهو مذهبُنا- في كثيرٍ من الأفعالِ، واكتفى بذلك بياناً للعاقلِ، وتنبيهاً له على باقِيها، فقالَ في حق عيسى: ({وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا (1) بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ (2) الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي} [المائدة: 110]، وإذا أخرجَ عيسى أن يكونَ فاعلاً، وجعلَ له الفعلَ سبحانه، فلا موجودَ إلا عن فعلِه وخَلْقِه؛ لأنه لو اختُصَّ شئ من خلقِه بفعلٍ يكونُ منه وعنه، لكانَ الأخص بذلك الأنبياءَ عليهم السلام الذين أيدَهُم بما خَصهم به من خَرْقِ العاداتِ شهادةً لهم بالصدقِ، وقال
__________
= {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ}، وقال: {وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا}، وقال: {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ}، وقال: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ}، ومثل هذا في القرآن كثير، وكذلك في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كقوله: "لا يموتن أحد منكم إلا آذنتموني به حتى أصلي عليه، فإن الله جاعل بصلّاتي عليه بركة ورحمة"، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن هذه القبور مملوءة على أهلها ظلمة، وإن الله جاعل بصلاتي عليهم نوراً".
فالله سبحانه خلق الأسباب والمسببات، وجعل هذا سبباً لهذا، فإذا قال القائل: إن كان مقدوراً، حصل بدون سبب، وإلا لم يحصل. جوابه أنه مقدور بالسبب، وليس مقدورأ بدون السبب. انظرا مجموع الفتاوى" 8/ 136 - 139 و 3/ 112 - 113.
(1) هذه قراءة نافع وأبي جعفر ويعقوب، وقرأ الباقون: {طيراً}. "الغاية في القراءات العشر" ص 125، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 240 و256.
(2) في الأصل: "وإذ تبرىء"، وهو غلط من الناسخ.
(1/180)

سبحانه {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16] فلم يبقَ شيءٌ من جسمٍ ولا عَرَض يضافُ خَلْقُه إلى أحدٍ سواه، ولأنه أضافَ إلى الأشياءِ إضافاتٍ، وأضافَ إلى نفسِه مثلَها، فقال في العَسلِ: {فيه شفاءٌ للنَّاسِ} النحل: 69،، وقال: {وإذا مَرِضْتُ فهو يَشْفِينِ} [الشعراء: 80]، فالأحق أن يكونَ الشفاءُ حقيقةً مضافاً إلى الخالقِ سبحانه، والعسلُ يكون عنده الشِّفاءُ، والماءُ يوجَدُ عند نزولِه الإِنباتُ، والمنبتُ حقيقةً، هو الله سبحانه، فإنه سبحانه يقولُ: {فأَحيَيْنا به} [فاطرَ: 9]، {يُنْبتُ لكم به الزَّرْعَ والزَّيْتونَ} [النحل: 11]، وقال: {فأَنبتنا به} (1) [النمل: 60، وق: 9] يعني: انبَتْنا لكم عندَه، وقد أضافَ الله سبحانه الِإضلالَ إلى الأصنامِ (2) والسَّامِريِّ (3)، والضَّلالُ فيهم لابهم.
ومن دلائلِ العقولِ، أنَّ الطبائعَ عندَهم هي الفاعلُ الأولُ، وليس فوقَه عندهم من هو أعلى، وقد وَجَدْنا هذه الطبائعَ مقهورةً مقسورةً، حيث جُمعَ المتنافرُ منها والمتضادُّ في الحيوانِ والنباتِ، وكما أن أهلَ الطبعِ أثبتوا له الفعلَ، فقد أثبتوا له المضادَّةَ والمنافاةَ، فإذا اجْتَمعَ مع أضدادهِ في هياكلِ الحيوانِ والنباتِ، عُلِمَ أن المضادةَ فيه لا من طريقِ
__________
(1) وقع في الأصل زيادة: "لكم" قبل: "به"، وهو غلط من الناسخ أيضاً.
(2) في قوله تعالى في سورة إبراهيم، [الآية: 35 - 36]: {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمناً واجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيراً من الناس}.
(3) في قوله تعالى في سورة طه، [الأية: 85]: {قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري}.
(1/181)

الطبعِ، وإنما هو بوضعِ واضعٍ، تارةً يُفَرقُ بينها بالانحلالِ، وتارة يَجْمَعُ بينها إذا أرادَ الاجتماعَ، فهذا حسب ما يليق بهذا الكتاب، والله أعلم.
(1/182)

فصل
في البيانِ
وهو إخراجُ المعنى، أو نقول: إظهارُ المعنى بلفظٍ غيرِ ملتبِسٍ ولا مشتبهٍ، أو نقول: منفصلًا عما يَلْتَبِسُ به ويَشْتَبِهُ (1).
وهو في اللغة من القَطْعِ والفَصْلِ، يقال: بأنَ منه: إذا انقطعَ، قال - صلى الله عليه وسلم -: "ما ابِينَ من حَى، فهو مَيْت" (2)، وقال الشاعر:
بأنَ الخَلِيطُ ولو طُووِعْتُ (3) ما بانا (4)
__________
(1) "العدة" 1/ 100.
(2) أخرجه أحمد 5/ 218، والدارمي 2/ 93، وأبو داود (2858)، والترمذي (1480)، والحاكم 4/ 123 - 124، والبيهقي 9/ 245 من حديث أبي واقد الليثي. ولفظه: كان الناس في الجاهلية قبل الِإسلام يجبون أسنمة الِإبل، ويقطعون أليات الغنم، فيأكلونها، ويحملون منها الودك، فلما قدم - صلى الله عليه وسلم - سألوه عن ذلك، فقال: "ما قطع من البهيمة وهي حية، فهو ميت". ورواية أبي داود مختصرة بلفظ: "ما قطع من البهيمة وهي حية، فهوميت".
وأخرجه ابن ماجه (3216)، والحاكم 4/ 124 من حديث ابن عمر. ولفظه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما قطع من البهيمة وهي حية، فهو ميت".
(3) في الأصل: "طوعت" وهو خطأ، وما أثبته هو الرواية، وهو من الفعل "طاوع".
(4) صدر بيت لجرير، عجزه: =
(1/183)

وبانتِ المرأةُ من زَوْجِها: إذا فارقَها، وانقطعَ بالبيانِ عن كل ما يحْصُلُ به التباسٌ أو اشتباهٌ.

فصل
فيما حَدِّ به الشافعي -رضي الله عنه- البيانَ، واعْتُرِضَ عليه فيه.
فقال: البيانُ: اسمٌ جامع لمعان مجتمِعةِ الأصولِ، متشعِّبةِ الفروع، فأقلُّ ما في تلك المعاني المتشعبةِ أن يكونَ بياناً لمن خُوطب [بها]، (1) ممَّن نزلَ القرآن بلسانِه، وإن كانَ بعضُها أشدَّ تأكيداً في البيانِ من بعض (2)، ثم جعلَه على خمسةِ أوجهٍ (3).
ولم يفهمْ كلامَه من اعترضَه مِن المُحْدَثِينَ الذين لم يبلغوا شَاوَ أصحابِه في العِلْمِ، فقال أبو بكر بن داود (4): البيانُ أبْيَنُ من هذا الذي ذكرَه وفَسرَه به الشافعي.
ثم قال بعدَ اعتراضِه عليه: ولم يصفِ البيانَ، لأنه ذكرَ جملة
__________
=وقطعوا من حبال الوصل أقرانا.
والخليط: الجار. انظر "اللسان": (خلط)، و "ديوان جرير" 1/ 160، و "الخصائص" لابن جني 1/ 95.
(1) ليست في الأصل.
(2) انظر "الرسالة" للإِمام الشافعي ص 21.
(3) المصدر نفسه ص 26 - 39.
(4) هو محمد بن داود بن علي، أبو بكر الظاهري، الأديب صاحب كتاب "الزهرة" و "الوصول إلى معرفة الأصول"، توفي ببغداد سنة (297) ه. "سير أعلام النبلاء" 13/ 109.
(1/184)

مجهولةً، فكان بمنزلةِ من قال: البيانُ: اسمٌ يشتملُ على أشياءَ، ثم لايُبَيَنُ عن، تلك الأشياءِ ما هي (1).

فصل
في نصرةِ كلامهِ والرُّدِّ على من اعترضَه
وذلك أن الشافعي أبو هذا العلمِ وأمه، وهو أولُ من هَذَبَ أصولَ الفقهِ، ومن غزارةِ علمِه، وكثرةِ فضلهِ عَلِمَ أن البَيانَ مما لا يضبِطُه حدٌّ، حيث، كان مشتملًا على أنواع؛ فمنها: النص، والظاهرُ، والعمومُ، وتفسيرُ المجمَلِ، وتخصيصُ العموم، ودليلُ الخِطاب، وفَحْوى الخطاب، فذكرَ ذلك باسم جامع، فقال جَملة، وجميعُ ذلكَ بيانٌ وإنِ أختَلَفًت مراتبُه، وقوله: "مجتمِعة الأصولِ"، يعني: في الاسمِ الشامل، وهو البَيانُ، وقوله: "متشغبة الفروع"، يعني: بينَ نصٍّ، وظاهرٍ، وعمومٍ، وتخصيصٍ، وفحوىً، ودليلٍ، وإلى أمثالِ ذلك، فهذه شُعَبُ الاسَمِ الذي سماه جملة، هو: البيانُ.
ثم قال "وإن كان بعضُها آكدَ بياناً من بعض"، وصدقَ؛ حيثُ كان البيانُ مراتبَ، وقد أشارَ النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك حيث قال: "إنَ من البَيانِ لَسِحراً" (2)، ولم يقلْ: إن البيانَ سِحْرٌ، وإنما جعلَ بعضَه سحراً،
__________
(1) ذكر القاضي أبو يعلى هذا الاعتراض في "العدة" 1/ 103، ونسبه لغير أبي بكر بن داود.
(2) أخربر" مالك 2/ 986، وأحمد 2/ 16 و59 و62 و 94، والبخاري في "صحيحه" (5146) و (5767) وفي "الأدب المفرد" (875)، وأبو داود (5007)، والترمذي (2028)، وابن حبان (5718) و (5795)، والبغوي =
(1/185)

ولأن النصَّ أجلاها، والعمومَ والظاهرَ دونه، ودليلَ الخطاب دونَ فحْواهُ، فهذا كلامُ من أحاطَ بالبيانِ خُبْراً، وقتلَه عِلْماً.

فصل
وقال أبو بكر الصيْرَفِيُّ (1) -وهو من بعضِ أصحاب الشافعي-: البيانُ: إخراجُ الشيءِ من حَيزِ الاحتمالِ إلى حيًزِ التًّجَلَي (2)، وهو اختيارُ أبي بكرٍ عبد العزيزِ (3) من أصحابِنا.
__________
= (3393) عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: قدم رجلان من المشرق، فخطبا، فعجب الناس لبيانهما، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن من البيان لسحراً، أو إن بعض البيان سحر".
وفي الباب عن ابن عباس عند أحمد 1/ 269، و303 و309 و327، وأبي داود (5011)، وأبي يعلى (2332) و (2581)، وابن حبان (5780).
وعن عمار بن ياسر عند أحمد 4/ 263، والدارمي 1/ 365، ومسلم (869).
وعن ابن مسعود عند أحمد 1/ 397.
وعن بريدة بن الحصيب الأسلمي عند أبي داود (5012).
(1) هو محمد بن عبد الله، أبو بكر الصيرفي الشافعي، أصولي، أحد أصحاب الوجوه في المذهب، من تصانيفه: "شرح الرسالة"، وكتاب في الإجماع، وكتاب في الشروط، توفي سنة (330) ه. "طبقات الشافعية" للسبكي 3/ 186 - 187، وانظر مصادر ترجمته هناك.
(2) أورد تعريف الصيرفي هذا أبو الحسين البصري في "المعتمد" 1/ 294، والقاضي أبو يعلى في "العدة" 1/ 105، والغزالي في "المنخول" ص 63، وفي عبارتهم جميعاً: من حيز الِإشكال إلى حيز التجلي.
(3) هو عبد العزيز بن جعفر بن أحمد بن يزداد، أبو بكر البغدادي الحنبلي، المعروف بغلام الخلال، من بحور العلم، له الباع الأطول في الفقه، من =
(1/186)

وفي هذه العبارةِ خَلَلْ اعترضَه الأصوليون، قالوا: وذلك أن هذا أحدُ أقسام البيانِ، وهو ما كان تفسيراً لمجمَلٍ، أو تخصيصَ عموم، ويخرجُ منهَ البيانُ المبتدَأ.
ومعلومٌ أن من جملةِ أنواعِ البيانِ ما كان نصاً مبتدَأً، وما كان للخطاب للمبتدإِ إشكالٌ، فيخرج منه إلى حميِ التجلي؛ فالمبتدأ من قولِ اللهَ، وقولِ رسولِه بيانٌ صحيح، وإن لم يَتَعلقْ عليه هذا الحدُ الذي ذكرَهُ الصيْرَفى. على أن قولَه: من حيزِ الاحتمالِ إلى التجلي، ليس بمقابلةٍ صحيحةٍ، بل كان يجبُ أن يقولَ: من حيز الخفاء أو الغموض إلى حيز التجلي، أو من حيز الاحتمال إلى حيز الاتحادِ بمعنىً واحدٍ، والأصح أن لا يقالَ: إخراجٌ، لأن هذا هو فعل البيانِ، وهو التَبْيِين، لكن نقولُ: خروجٌ، لا إخراجٌ.

فصل
وقال قومٌ من المتكلِّمين: البيانُ: هو الدَلالةُ على الشيءِ أو الحكمِ، لأن البيانَ إنما يقعُ بها، وقد ذهبَ إليه أبو الحسنِ التَمِيمِي (1).
قال بعضُ النَاس (2): هذا فيه خَلَلٌ أيضاً، لأن من الدلائلِ ما لا يقعُ به البيانُ كالمجمَلِ ونحوِه.
__________
= تصانيفه: "المقنع"، و"الشافي "، و"الخلاف مع الشافعي"، توفي سنة (363) ه. "سير أعلام النبلاء" 16/ 143 - 145.
(1) هو عبد العزيز بن الحارث بن أسد، أبو الحسن التميمي الحنبلي، صنف في الأصول والفروع، توفي سنة (371) ه. "طبقات الحنابلة" 2/ 139.
(2) هو القاضي أبو يعلى الفراء. انظر "العدة" 1/ 106.
(1/187)

فصل
وقال قومٌ: البيانُ هو العلمُ الذي يُبَيَّنُ به المَعْلُومُ، وإليه ذهبَ أبو بكرٍ الدقاقُ (1)، وهو من المُعْتَرَضاتِ أيضاً؛ لأنه صَرفَ منه "يُبَيَّنُ به" وبعدُ ما عَرَفْناهُ، وقد تقدم اعتراضُنا على من قال في حدِّ العِلْم: معرفةُ المعلومِ (2).

فصل

في وُجُوهِ البَيانِ
فمنها: الأحكامُ المبتدأة.
ومنها: تخصيصُ العموم الذي يُمْكِنُ استعمالُه على ظاهرِ ما ينتظمُه (3) الاسمُ، فيُبَينُ أن المَرادَ به بعضُ تلك الجملةِ.
ومنها: صَرْفُ الكلامِ عن الحقيقةِ إلى المجازِ، وصرفُ الأمْرِ عن الوجوبِ بظاهرِه إلى النَدْبِ أو الِإباحةِ، وصرفُ الخَبَرِ إلى الأمْرِ.
ومنها: بيانُ الجملةِ التي لا تَسْتَغْنِي عن البيانِ في إفادةِ الحكْمِ، وهذا هو التفسيرُ المرادُ بالجملةِ، كقولِه تعالى: {وآتُوا حَقَه يومَ
__________
(1) هو محمد بن محمد بن جعفر البغدادي، أبو بكر الدقاق، فقيه أصولي، صنف كتاباً في أصول الفقه على مذهب الشافعي، وولي القضاء بكرخ بغداد، توفي سنة (392) ه. "طبقات الشافعية" لابن قاضي شهبة 1/ 155 - 156، و"تاريخ بغداد" 3/ 229 - 230.
(2) انظر الصفحة (10).
(3) وقع في الأصل: "ظاهره ما ينتظم" والسياق يقتضي ما كتبناه، وهو كذلك في "العدة" 1/ 107.
(1/188)

حَصادِهِ} (الأنعام: 141) بينَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن المرادَ به العُشْرُ من السيح (1)، أو نِصْفُ العُشْرِ من سَقْيِ الكُلَفِ (2)، أو رُبْعُ العُشْرِ من الأثمانِ (3).
ومنها: النَسْخُ؛ وهو رفعُ الحكمِ في الاستقبالِ بعدَ أن كان ظَننا فيه الدوامَ.

فصل
فأما ما يحتافي إلى البيانِ، فكل لفظٍ لا يمكنُ استعمالُ حُكْمِه من لفظِه.
وسمعتُ مَنْ عُوِّلَ على قولِه (4) [يقول]: ما لم يمكن استعمالُ
__________
(1) أي الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض، وفي حديث الزكاة: "ما سقي بالسيح ففيه العشر". "اللسان": (سيح).
(2) أخرجه البخاري (1483)، وأبو داود (1596)، وابن ماجه (1817)، والترمذي (640)، والنسائي 5/ 41، وابن خزيمة (2307) و (2308) عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً العشر، ما سُقِيَ بالنَضْح نِصف العشر".
وأخرجه أحمد 3/ 341 و 353، ومسلم (981)، وأبو داود (1597)، والنسائي 5/ 41 - 42، وابن خزيمة (2309) من حديث جابربن عبد الله الأنصاري.
والكُلَف: جمع كُلْفَةٍ، وهى ما تُكَلفُه على مشقَّة، مثل غُرْفَةٍ وغُرَف.
(3) وذلك في حديث أنس بن مالك في الصدقات، وفيه: "وفي الرقَهِ ربع العشر" وقد تقدم تخريجه في الصفحة (37) تعليق (3).
(4) يعني القاضي أبا يعلى. انظ ه "العدة" 1/ 108.
(1/189)

حكمِه، ولم يَقُلْ: من لفظه.
فنقضَ عليه بعضُ الأصوليينَ بقولِ القائلِ لغيرِه: اصعَدْ إلى السماءِ، أو: صَلِّ اليومَ مِئَة ألفِ رَكْعَةٍ؛ فإنه لا يمكنُ استعمالُ حكمِه، وليس يَحْتاجُ إلى بيانٍ؛ لأنه لم يَنْعَدِم (1) الإِمكانُ من طريقِ اللَّفظِ، لكِنْ من جهةِ عدم القدرةِ على الفعلِ، مثلَ قوله: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141]، فنحن وإنْ عَلِمْنا معنى الحق إلا أنًا لا نعلمُ قَدْرَ الحق ولا نوعَه، فإنه يجوزُ أن يكونَ حق المالِ شُكْراً بالأبدانِ، ويجوزُ أن يكونَ مِقْداراً دونَ مِقْدارٍ، وقولِه - صلى الله عليه وسلم -: "أُمِرْتُ أن اقاتِلَ النَّاسَ حتى يقولوا: لا إله إلا الله فإذا قالوها، عَصَمُوا مِنِّي دماءَهم وأموالَهم إلا بحقَها" (2)، وهذا مجملٌ لا يُعْلَمُ منه ما حقُها،
__________
(1) في الأصل: "يتقدم" والجادة ما أثبتناه.
(2) أخرجه أحمد 2/ 314 و377 و 423 و438 - 439 وه 47 و 482 و 502 و 528 - 529، وأخرجه مسلم (21)، وأبو داود (2640)، وابن ماجه (3927)، والترمذي (2606)، والنسائي 7/ 6 و77/ 7 و77 - 78 و78 و79 من حديث أبي هريرة.
وأخرجه البخاري (1399) و (6924) و (7284) د 7285)، وأبو داود (1556)، والترمذي (2607)، والنسائي 5/ 14 - 15 و5/ 6 و5 - 6 و 7/ 77 و78 و78 - 79 من حديث عمر بن الخطاب.
وأخرجه البخاري (25)، ومسلم (22) من حديث عبد الله بن عمر. وأخرجه أحمد 3/ 199 و224 - 225، والبخاري (392)، وأبو داود (2641) و (2642)، والترمذي (2608)، والنسائي 7/ 75 - 76 و76 و 8/ 109 من حديث أنس بن مالك.
وهو مروي أيضاً من حديث غيرهم من الصحابة.
(1/190)

وقولِه أتعالى: {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} [النساء: 24]، لا ندري كمِ المال؟ وما المال الذي يبتغى به؟.

فصل
في حقيقةِ الذفَةِ التي تَحفَظُ الأموالَ والحقوقَ.
وهي العَهْذ والأمانُ ومنه سُمي أهل الذَمَّةِ، وهم المعاهَدون، وهم في ذِمةِ الله، أي: في عهدهِ، وذِمَة فلانٍ: عهدُه.

فصل

في بيانِ المالِ
حيث عرضَ ذكرُه ها هنا، وهو: ما يتناقله الناسُ في العادةِ بالعقودِ الشرعيَّةِ -لطلبِ الأرْباحِ والأكساب التي تلزم بها الأموال والحقوق والذَمَةُ- لرغباتِهم فيه، وانتفاعِهم به، مأخوذٌ من المَيلِ من يَدٍ إلى يَدٍ، وجانب إلى جانبِ، فإنك إن اقتصرتَ على قولِك: "المرغوب والمنتفَع به"، فإن الخمورً مرغوبٌ فيها، ومنتفَعٌ بها، وليست مالَاً.
فإن قيل: المال ما يقَومُ بالإتلافِ، أو: قوبِلَ بالأعْواض، بطَلَ بدم الأحرارِ ومنافعِهم، وبالأبْضاع، فلا بد من ذكرِ المناقلةِ بالمعًاوَضاتِ التي يقْصَدُ بها الأرباح، ولاَ الرغْبَةُ تكفي وصفاً له، ولا المعاوَضةُ، حتى يَنضمَّ إلى ذلك ما ذَكَرْنا من المناقَلةِ لرغبةِ الأرباحِ، واللهُ أعلمُ.
(1/191)

فصل

في حقيقةِ البُضْعِ
ولما جَرى ذكرُ الأبْضاعِ، وبالفقيهِ حاجة إلى معرفةِ حقيقتِها، اقتضتِ الحالُ ذكرَ حَدها وحقيقتِها، وهي: المنافعُ المستباحةُ بعَقْدِ النِّكاح دونَ عُضْوٍ مخصوص من فَرْجٍ أو غيرِه، على ما تَعْتَقِدُه المُتَفَقَهَةُ.
والمُباضَعَةُ: مفاعلة من المُتْعَةِ به، والمتفقَهةُ تقولُ: منافعُ البُضْعَ.

فصل

فيما يقعُ به البيانُ
وهو خمسةُ أشياءَ: القولُ، والكتابُ، والإِشارةُ، والفعلُ، والإقرارُ.
فالقولُ: الكتابُ والسّنَةُ، ويترتَبُ عليه الإِجماعُ، والقياسُ (1).
فالبيانُ من اللهِ تعالى يقعُ بالقولِ من جهةِ الكتاب بالآي التي عُرِفَتْ معانيها من ظاهرِها، مثل قولِه تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3]، {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} [النور: 32] ثم بينَ المحرَّماتِ، وقال: {لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24]، ثم خَصَّ من المباحاتِ بعموم هذه الآيةِ باستثناء السُّنَةِ تحريمَ الأْختِ والعَمّةِ والخالةِ، على الَأختِ وبنتِ الاختِ وبنت الأخِ.
ومثل قولِه: {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ
__________
(1) "العدة" 1/ 110 وما بعدها.
(1/192)

أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء: 15]، ثم بين السبيل، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "قد جعلَ الله لهن سبيلًا، البِكْرُ بالبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ، وتغريبُ عامٍ، والثيبُ بالثيِّبِ جلدُ مِئَةٍ والرَّجْمُ " (1).
ومثل قولِه: {وَآتُوا الزَّكَاةَ}، بيَّنَ ذلك في كتابهِ الذي كتَبه لعمروبن حَزْمٍ (2) في الزكَواتِ والدِّياتِ (3)، وكتابهِ الذي لأبي بكرٍ في
__________
(1) أخرجه ابن أبي شيبة 10/ 81، وأحمد 313/ 5 و317 و318 و320 و320 - 321، والدارمي 2/ 810، وملسم (1690) (12) و (13) و (14)، وأبو داود (4415) و (4416)، وابن ماجه (2550)، والترمذي (1434)، والنسائي في "الكبرى" (7142) و (7143) و (7144) و (7980) و (11093)، وابن الجارود (810)، والطحاوي في "شرح معاني الأئار"3/ 134، والبيهقي 8/ 210 وا 22 - 222 من حديث عبادة بن الصامت.
(2) هو عمرو بن حزم بن زيد بن لَوذان، الأنصاري، يكنى أبا الضحاك، صحابي مشهور، شهد الخندق وما بعدها، واستعمله النبي - صلى الله عليه وسلم - على نَجْران، روى عنه كتاباً كتبه له فيه الفرائض وإلزكاة والديات، كانت وفاته بعد الخمسين.
"الإصابة"4/ 621.
(3) حديث عمرو بن حزم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائضُ والسنَنُ والدياتَ، وبعث به معه، فقرىء على أهل اليمن: أخرجه بطوله: ابن حبان (6559)، والحاكم 1/ 395 - 397، والبيهقي 4/ 89 - 90.
وأخرجه مختصراً: الدارمي 2/ 188 و 189 - 190، والنسائي 8/ 57 - 58 و58 - 59، وابن خزيمة (2269)، والدارقطني 1/ 122 و 2/ 285 و 3/ 210، والبيهقي 1/ 87 - 88 و 8/ 25 و28 و73 و79 و88 و88 - 89 و 95 و97.
(1/193)

الصَّدقاتِ (1)، وكتابهِ الذي كتبَه إلى مَشْيَخَةِ جُهَيْنَةَ في جُلُودِ المَيْتَةِ قبلَ
موتِه يُحرِّمُ فيه استعمالَها، وينهاهم عنها (2).
فبانَ بهذا أن كتابَه - صلى الله عليه وسلم - يجري في البيانِ مَجْرى قولِه.
وقد بَينَ الصلاةَ والحَج بفعلهِ، فقالَ للذي سألَه (3): "صَلِّ مَعَنا" (4)، وقال في الحَجِّ: "خُذُوا عَنَي" (5)، فصارَ قَولُه وفعلُه وكتابُه بياناً.
وأما الإِشارَةُ؛ فقولُه: "الشَّهْرُ هكذا وهكذا" (6) وأشارَ بأصابِعهِ، وقد
__________
(1) تقدم تخريجه في صفحة (37) تعليق (3).
(2) أخرجه أحمد 4/ 310 - 311، وأبو داود (4127) و (4128)، وابن ماجه (3613)، والترمذي (1729)، والنسائي 7/ 175 عن عبد الله بن عكيم الجهني قال: أتانا كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأرض جهَيْنَةَ- قال: وأنا غلام شاب، قبل وفاته بشهر أو شهرين-: "أن لا تنتفعوا من الميتة بإهابٍ ولا عَصَبٍ".
(3) أي سأله عن أوقات الصلوات، كما في الحديث.
(4) أخرجه أحمد 5/ 349، ومسلم (613)، وابن ماجه (667)، والترمذي (152)، والنسائي 1/ 258 - 259، وابن خزيمة (323) و (324) من حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي.
(5) أخرجه أحمد 3/ 301 و 318 و332 و337 و367 و378، ومسلم (1297)، وأبو داود (1970)، والنسائي 5/ 270، وابن خزيمة عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يرمي على راحلته يوم النحْرِ، ويقول: "لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حَجتي هذه".
(6) أخرجه أحمد 2/ 28 و43 و 44 و52 و 81 و 122 و 125 و 129، والبخاري 1908) (1913) و (5302)، ومسلم (1080) (4) و (5) و (10) و (12) =
(1/194)

أمرَ الله زكريًا بقوله: {آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ (1) فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ} [مريم: 10 - 11].
وقد بين أيضاً بالإِقرار؛ فإنه لمًا أقر على قول سَمِعَهُ، فلم يُنْكِر، وفعلٍ رآه، فَلم يُنكرْه، فقد بينَ جوازَ ذلك؛ لأنه لا يُقِر على باطلٍ (2).
وقد بيَّنَ بالنًسخِ مُدةَ الحُكْمِ إلى حينِ نسخِه (3).
__________
= و (13) و (15) و (16)، وأبو داود (2319)، والنسائي 4/ 139 - 140 و 140، وابن خزيمة (1909) من حديث عبد الله بن عمر.
(1) قوله تعالى: {من المحراب} سقط من الأصل.
(2) انظر في الإقرار ما تقدم في صفحة (41).
(3) انظر هذا المبحث -أعني: فيما يقع به البيان- بأوسع مما هنا في "العدة" 1/ 110 - 130.
(1/195)

فصل
في التَرْتيبِ
وُيحتاجُ إليه في أفعالِ العباداتِ المرتَبةِ، وفي تراتيب الأدلةِ حالَ الاجتهادِ، كترتيبِ السنه على القياسِ، والكتابِ على الَسَنةِ.

وبيانُ معناه وحدُّه
اعلم أن الترتيبَ: هو وضعُ الشيءِ في حقَه.
وقيل: الترتيبُ: جعلُ الشيءِ في المكانِ الذي هو أوْلى به.
وقيل: الترتيبُ: تَصْييرُ الشيءِ في المرْتَبَةِ التي هيَ له.

فصل
وإخراجُ الشيءِ عن مَرْتَبتِه بأحدِ ستَّة أقسام: التَّقديمِ، أو التأخيرِ، أو الرَّفعِ، أو الحَطِّ، أو الأخذِ يمينَاً أو شمالاً.
وتغييرُ الكلام ستَةُ أقسام: زيادة، ونقصان، وقَلْب، وإبدال، وتقديم، وتأخير، فكَلُّ واحدٍ من هذه يُزيلُ الكلامَ عن ترتيبِه، ومرتبتِه فى الأصل.
والقلبُ في الأصل: جعلُ الأعلى أسْفَلَ، والأسفلِ أعلى، ثم كَثُرَ حتى استُعْمِلَ على تغييرِ الصُورةِ إلى الصورةِ.
(1/196)

فصل

والبَدَل، والِإبدال: رفع أحدِ الشيئين، ووضعُ الأخرِ مكانه قال سبحانه: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ} [النحل: 101]،، وقيل: التكفير بالشيءِ عن الشيءِ بَدَلٌ، وسميَ التيمم بدلاً عن الوضوء.
ونظير التَرتيبِ: التَمييز، والتَصفيف (1)، والتأليف.
ونقيضُ التَرتيبِ: التخليط، كما أن نقيضَ التَحصيلِ: التَحريف.

فصل
والإِلْزامُ: هو التَعليقُ على الخَصْم ما لا يقولُ به بدَلالَةِ ما يقول به.
والإِلزامُ: هو الجمعُ بينَ مذهبينِ من جهةِ أن أحدَهما يشهَدُ بِشَبهٍ بالأخَر؛ لِيُسَويَ بينهما المسؤولُ.

وقيل: الإِلزامُ: هو المطالبةُ للخَصْمِ بما لا يقولُ به على مذهبٍ يقولُ به، وذلك في الأصولِ مثلُ قولِ المسلمِ لليهودي: إنما لَزم القولُ بصِدْقِ موسى؛ لقيام المُعْجِزِ على يدهِ شاهداً له، وهو خَرْق العادةِ، وقد انخرقت العادة على يدَيْ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، فلَزِمَ تصديقه فيما جاءَ به من نسخِ السبْتِ.
ومن الفقهِ: قد ثبتَ وجوبُ النَيةِ للتيَمم لتحقيقِ التَعبدِ، وهذا موجودٌ في الماء، فيَلْزَمُ له النيةُ، وَيجيءُ استيفاءُ ذلك في الجَدَل (2) إن شاءَ الله.
__________
(1) في الأصل: "التضعيف".
(2) في الجزء الأخير.
(1/197)

فصل
في الاتًفاقِ والاختلافِ

اعلم أن الاتًفاقَ والاختلافَ على ضَرْبَيْنِ:
ما يرجعُ إلى الذَواتِ، وما يرجعُ إلى المذاهبِ والآراءِ والاعتقاداتِ.
فالاتِّفاقُ والاختلافُ الراجعُ إلى الذواتِ: الاتَفاقُ والاختلافُ في الأجناسِ، فكلُّ جِنْسٍ، هو مخالفٌ لغيرِه من الأجناسِ، ومتَفِقٌ في نفسِه؛ إذ كان الجنسُ الجملةَ المتَفقةَ الأجزاءِ، والجزءُ من الجنسِ موافقٌ للجزءِ الأخَرِ بنفسِه، ومخالِف لغيرِه من الأجناسِ بنفسِه، والمعتبَرُ في الاتفاقِ أن يَسُد أحدُ الشيئينِ مَسَدَّ الاَخَرِ.
والاتفاقُ الراجعُ إلى الآراءِ والمذاهب والاعتقاداتِ: هو الإِجماعُ على الرَّأيِ، أو المذهبِ، أو الاعتقادِ.
وقيل: ذهابُ كلِّ واحدٍ من المتَفِقِينَ إلى ما ذهبَ إليه الأخَرُ.
وقيل: التَواطؤ على الاعتقادِ أو الاختيارِ، أو المذهبِ.

فصل
والاختلافُ في الذواتِ المعتبرُ فيه: أن لا يَصِحَّ أن يَسُد أحدُهما مَسَد الآخَرِ، وقد تَعْتَرِضُ فصولٌ تُخْرِجُ الجنسَ الواحدَ أن يَسُدً بعضُه مَسَد الاَخَرِ، فالمعتبرُ في ذلك رفعُ تلك الفصولِ عن الأوهام، وهي الأعراضُ العارضةُ، كالصُّورِ، والطُّعومِ، فإذا أزَلْتَها عن الوَهمِ، سَدتْ أجزاءُ الجنسِ بعضُها مَسد بعضٍ.
(1/198)

فصل
فيما يدخلُ عليه لفظُ: "أفْعلُ "، وليس ممَّا يقبلُ التَّزايُدَ في نفسِه.
مِن ذلك قولُهم: زيدٌ أعلمُ من عَمْرٍو. حسن أحْسَنُ من حسينٍ.
وقولُهم: قبيحٌ أقبحُ من قبيحٍ. وإنما نَعْنِي به أن زيداً يعلمُ معلوماتٍ أكثرَ من معلوماتِ عمرٍو؛ إذ لا يجوزُ أن يَرْجِعَ إلى عِلْم زيدٍ بأن خالداً قائمٌ، وعمرٌو أعلم به من ذلك المعلوم، ولا أن عَمْرا يعلمُ أن القَارَ اسود، وزيدٌ أعلمُ بذلك منه، إذ ليسَ في قولِنا: إن العلمَ معرفةُ المعلوم على ما هو به مايَحتمِلُ أن يزيدَ عليه علمٌ آخر، فيكون معرفة الَمعلومِ زيادةً على ما هو به، أو غيرَ ذلك.
وكذلك قولنا: إن هذا الجسْمَ قائمٌ بنفسِه، لا يَحتمِل التزايدَ في أن جسماً آخَرَ اقوَمُ بنفسِه منه، ولَمَّا قالت العربُ: أجسَم، فأدخلَت عليه لَفْظَةَ: "أفعل" على أنها أرادتْ بالجسمِ المُؤلَّفَ، وأدخلتِ التَّزايدَ بلفظةِ: "أفعل" على ما يتزايدُ، وهو كَثْرة التَّأليفِ بكثرةِ الأجزاءِ المؤلَّفةِ.
وقولُنا: حسَنٌ وأحْسَنُ منه، يُرادُ به: أن الأحْسَنَ ما أُمِرنْا به من الثَّناءِ والمَدْحِ لمن فعلَ الحَسَن، أُمِرْنا باوفَرَ منه وأكثرَ لمن فعلَ ما قيلَ: إنه الأحْسَنُ، ومن قيل: إنه فعلَ حَسَناً ما، لا الأحسنَ، هو الذي أنقصُ رتبةً ممَّن فعلَ الأحسنَ، وهو الذي يستحقُّ بوعدِ الله سبحانه من المدحِ والثناءِ والتعظيمِ عليه أقلَّ.

فصل
وأما قولُنا في أحدِ القبيحينِ: إنه أقبحُ، أنَّ ما يُقابَلُ عليه من الذمِّ
(1/199)

والانتقام والامتهانِ أكثرُ وأوفرُ، وهذا يرجعُ إلى أصلٍ، وهو: أن التَقبيحَ إلىَ الشَّرع والتَّحسينَ إليه، فإذا رأيْنا مضاعفةَ الأجرِ، والثناءَ، والوَعْدَ والشهادةَ بالفَضلِ، لمن فعلَ حَسَناً ممًا حَسَّه، ورأيْنا ما هو دونَ ذلك في حَسَنٍ آخَرَ، عَلِمْنا أنه أبلغُ في باب الحُسْنِ، وكذلك الذمُّ.

فصل
في الفَرْقِ بين مذهب أهل السنه -وهم الفقهاءُ وأصحابُ الحديث- وبين مذهب المتكلمَين في كونِ الحسَنِ ما حَسَّنَه الشَرعُ، والقبيحِ ما قَبَّحَه الشَرعُ عند أهلِ السنةِ، وكونِ القبيحِ قبيحاً بمعنى يعودُ إلى النفْسِ، والحَسَنِ [حَسناً] (1) بمعنىً (2) يعودُ إلى النفس:
أن أهلَ السنةِ قالوا: إن الشرعَ إذا أباحَ شيئاً، أو أمرَ به فأوجبَه أو ندبَ إليه، عَلِمنا أنه الحسَنُ، وكذلك إذا مَدَحَ عليه، ووَعَدَ بالنَعيم لفاعِله، كالصَلاة، والصَيامِ، والصَدقةِ، وبِر الوالِدْينِ، وما يُشاكِلُ ذلكَ أيضاً من ذَبْحِ الحيوانِ، وقتلِ الآباءِ في الجهادِ، ولأجْلِ (3) سَبِّ (4) النبيِّ عليه الصلاة والسلام، وهذه الأمورُ تأباها العقولُ بفِطرَتِها، لكنْ لَمَّا وردَ الشرعُ بتحسينِها، حَكَمْنا بحُسْنِها.
وإذا حَظَرَ شيئاً وحَرَّمَهُ، وزجرَ عنه، وتَوَعدَ (5) عليه بالنَّارِ، فهو
__________
(1) زيادة على الأصل لتتناسق عبارة النص وتتضح.
(2) في الأصل: "معنى".
(3) في الأصل: "لأجل" بدون الواو.
(4) في الأصل: "سبب".
(5) في الأصل: "تواعد"، والجادة ما أثبتناه.
(1/200)

القبيحُ، وإن كان العقلُ لا يَأْباهُ ولا يُقَبحُه، كالفِرارِ من الزَحْفِ لحِفْظِ النفسِ وخَوَرِها، وكذلك بَيْعُ درهمٍ بدرهميْنِ بطِيب قلب ورضا نفسٍ، وكذلك قَبحَ قومُ شعيبِ نَهْيَهُم (1) عن ذلك، فقالواَ: {أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ (2) مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} [هود: 87].
وقال المخالفون: إنا نجدُ القَبيحَ من ذاتِ الشيءِ، فإذا كان في نفسِه على صفةٍ يَذُمها العقلُ وُينكِرها؛ فذلك هو القبيح، وذلك كالظلمِ، وعقوقِ الوالدينِ، وكُفْرانِ النَعَمِ، والفسادِ، وما يُودي إلى الفسادِ.
والأحسنُ نجدُه من نفوسِنا، وكذلك الأقبحُ، فنجدُ الإِساءَةَ إلى الجارِ قبيحةً، والتَأفيفَ الدال على الضجَرِ من الوالدينِ قبيحةً، والإِساءةَ إلى الوالدين أقبحَ من الإِساءةِ إلى الجارِ، وضَرْبَ الوالدينِ أقبحَ من التأفيفِ.
قالوا: و [لو] (3) لم يكُ في العقلِ تزايدُ ذلك، لَمَا عَقَلْنا التَنْبيهَ على المنعِ من الضرب بالنَهيِ عن التأفيفِ، فلو لم يكنْ في النفسِ مايَزِن ذلك وُينْزِلُ كل واَحدٍ منهما منزلةً تَخُصهُ لَمَا عَقَلنا بالنَهيِ عن التأفيفِ النهيَ عن الشَتْمَ والضربِ (4).
__________
(1) غير واضحة في الأصل.
(2) وردت في الأصل: "أتنهانا أن نعبد"، وهي جزء من الأية (62) من سورة هود، الواردة في قوم صالح، لا قوم شعيب.
(3) سقطت من الأصل.
(4) انظر ما تقدم في ص 26 - 27.
(1/201)

فصل
في الِإشارة إلى الدَّلالةِ بحَسَب الكتابِ، ولولا أنه ليس بموضِعِه لأطَلْتُ، لكنْ نذكرُ ما يليقُ بهذا اَلكتابِ، فنقول- وبالله التوفيقُ-:
إنه لا يخلو أنَّ دعواكم حُسْنَ الحَسَنِ وقُبْحَ القبيحِ بالعقلِ معنىً علمتموه ضرورة من جهة العقلِ، أو بالاستدلال.
فلا تجوز دعوى الضَّرورةِ، لأننا وكثيراً (1) من العقلاءِ مخالفون في ذلك، وقائلون بأنَّا لا نعلمُ شيئاً من ذلك إلا بالسَّمْعِ، ولو جازَ أن يختلفَ العقلاءُ فيما هو معلومٌ ضرورةً، لاختلفوا في حُسْنِ العَدْلِ، وشُكْرِ المُنْعِمِ، فقال بعضُهم: إنه قبيحٌ، وحَسَّنَه بعضُهم، فلمَّا لم يختلفوا في حُسْنِ العدلِ وقبحِ الظُلمِ، ولم يَجْرِ وقوعُ الخلافِ في ذلك، ووقعَ الخلافُ في طريقِ التَحسينِ، فقال قومٌ: هو السمعُ، وقال قومٌ: هو العقلُ، بطَلَ دعوى العلمِ بذلك من جهةِ الضَّرورةِ.
فإن قيل: الخلافُ قد يقعُ عناداً كما عانَدَتِ السوفسطَائيةُ (2) في جَحْدِ الحقائقِ، ودَرْكِ الحواسِّ.
قيل: فهذا أمرٌ لا يَخْتَصُّنا، ولَئِنْ جازَ مثلُ ذلك في حقِّنا وانَّا نعاندُ
__________
(1) في الأصل: "وكثير".
(2) السفْسَطَةُ: قياس مركَبٌ من الوَهْميات، والغرض منه تغليط الخصم وإسكاته، كقولنا: الجوهر موجود في الذهن، وكل موجودٍ في الذهن قائمٍ بالذهن عَرَضٌ، لينتج أن الجوهرَ عرضٌ. "التعريفات" للجرجاني ص 118 - 119، وانظر تفصيل الكلام على السفسطائية في "الفصل" لابن حزم 1/ 8، و"مجموع الفتاوي" لابن تيمية 19/ 135.
(1/202)

ما نجدُه من تحسينِ العقلِ، جازَ ذلك في حقِّكم من معاندةِ ما اعتقدناه من أن التحسينَ ليس إلَا من جهةِ السمعِ.
ولا يجوزُ أن يكونَ من جهةِ الاستدلالِ بأدلةِ العقلِ، لأننا وإياكم في النَظَرِ والاستدلالِ سواءٌ، فلو جازَ دعوى التقصيرِ منَا في أدلَةِ العقلِ إلى أن يُفْضِيَ بنا ذلك إلى جَحْدِ القبيحِ والحَسَنِ المؤدي إليها والعلم بها دليلُ العقلِ، لجازَ أن يذهبَ بعضُ النَاظرينَ المستدلِّينَ إلى قُبْحِ العدلِ وحُسْنِ كُفْرِ المُنْعم (1)؛ لقصورِه في النَظرِ.
وعلى انَا على ما كُنَّا نجدُه في نفوسِنا من إيلامِ الحيوانِ، وقتل الآباءِ والأولادِ، وقطعِ الأرحام؛ لأجلِ الكُفْرِ، ونكابدُ نفوسَنا في إيقاع ذلك مكابدةً نجدُها في نفوسِنَا نجدُها اليومَ بعدَ استقرارِ الشَرعٍ، ولاَ عِبْرَةَ بها؛ لأجل أن الشَرعَ حَسنَها، كذلك قبلَ الشرع، ومن هان عليه ذلك هانَ باستمرارِ العادةِ لا بتحسينِ العقولِ، كالقَصًابينَ والمُحارِبينَ الذين صارَ ذَبْحُ الحيوانِ عندَهم كتجارةٍ، أو تفصيلِ ثوبٍ، والمحاربة كَتَشْنيخ (2) شجرةٍ، أو رميٍ إلى هَدَفٍ، ومع ذلك فلا عِبْرةَ بما نجدُه من ذلكَ معِ تحسينِ الشرع له، والأمرِ ببعضِه، وجعلِه في الهدايا والجهادِ قُرْبةَ وطاعةً، ومعلومٌ أَن هذا من أبعدِ المنافاةِ ما بين كونِه في فِطْرَةِ العقلِ قبيحاً إلى كونِه في الشَرعِ حَسَناً وطاعةً وقُرْبةً.
وأما الِإشارُة إلى النَهيِ عن التأفيفِ، فلِعِلْمِنا بأن النهيَ لأجلِ نفيِ المَضَرةِ، ولسنا نقولُ: إنَّا لا نعلمُ بالعقلِ مراتبَ الإِساءةِ، فلما
__________
(1) في الأصل: "النعم"، والأنسب ما أثبتناه.
(2) المُشنَخُ من النخل: ما نُقَح عنه سُلًاوه -أي: شوكه-. "اللسان": (شنخ).
(1/203)

نَهَى عن ادناها -ونحنُ نعلمُ بالعقلِ أعلاها-، عَلِمْنا قبحَ الأدنى والأعلى بنهيهِ لا بعقولِنا، وعلمنا مقاديرَ المضارِّ بعقولِنا، وتفاوت ما بينَ الإِضْرارِ بالتضَجرِ والتَبَرّمِ، والإِضرارِ بالشَتْمِ والضربِ.
(1/204)

فصل
في الرأيِ
وهو مما عليه المدار في القِياسِ.
اعلم أن الرايَ: هو استخراج حالِ العاقبةِ.
وقيل: استخراج صوابِ العاقبةِ (1).
وقيل: هو نهاية الفِكْرِ (2)، وهو لإِدراكِ العواقبِ، كالرويةِ لدَرْكِ الشاهد الحاضر، والارتياء: تَجاذب الرأْيَيْنِ.

فصل
في الحَقِّ
وهو (3): اسمٌ مشترَكٌ بين الموجودِ الثَّابتِ، وبين الواجب اللَّازمِ، وبين نقيضِ الباطلِ، وهو الصوابُ في القَوْلِ والاعتقادِ.
فأما الموجود: فهو من تسميةِ الباري بأنَّه حَقٌّ، من قولِه: {أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} [النور: 25]، ومنه قولُ النبيِّ عليه الصلاة والسلام:
__________
(1) هو تعريف القاضي أبي يعلى في "العدة" 1/ 184.
(2) في الأصل: (الذكر)، هو الذي يناسب الموضوع. وانظر "التمهيد" لأبي الخطاب 1/ 64.
(3) تحرفت في الأصل الى: "وهم".
(1/205)

"أشهدُ أنك حقٌ، وأن الساعةَ حقٌ، وأن الجَنَةَ حق، والنارَ حقٌّ، والعَرْضَ حقُ، والسِّحْرَ حقٌّ" (1)، والمرادُ بذلك: ثابت وكائنٌ؛ ولذلك خَلَطَ به السحرَ، وإن كان باطلاً لا حَقّاً، لا بمعنى أنه صوابٌ، لكن [بمعنى] (2) أنه كائن وموجودٌ، وليس بمنفيٍّ على ما قاله نُفاةُ السحر.
ويحتملُ أن يكونَ قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "وأن السَّاعةَ حق، والنارَ حقٌّ، والجَنَّةَ حقٌّ"، المرادُ به: ضِد الباطلِ، لا نفسُ الوجودِ؛ لأنها من المخبَراتِ والوَعْدِ، فإذا قال: هي حقٌّ، كأنه قال: إخبارُ الله بها حقٌّ، ووعدُ الله ووعيدُه حق، وقال سبحانه: {لِيَعْلَمُوا (3) أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} [الكهف: 21]، يقال: حَقَقْت الشيءَ (4) وأحْقَقْتُه، فهو حَق: إذا كنتَ منه على يقينٍ.
__________
(1) أخرجه ضمن دعاء في صلاة الليل مالك 1/ 215 - 216، وأحمد 1/ 298 و308 و358 و366، والدارمي 1/ 348 - 349، والبخاري في "صحيحه" (1120) و (6317) و (7385) و (7442) و (7499) وفي "الأدب المفرد" (697) وفي "خلق أفعال العباد" (628)، ومسلم (769) (199)، وأبو داود (771) و 772)، وابن ماجه (1355)، والترمذي (3418)، والنسائي في "المجتبى" 3/ 209 - 210 وفي "الكبرى" (1319) و (7703) و (7704) و (7705) وفي "عمل اليوم والليلة" (868)، وابن خزيمة (1151) و (1152)، وابن حبان (2597) من حديث ابن عباس. ولم يرد قوله: "العرض حق، والسحر حق" عندهم جميعاً، وورد عند الدارمي قوله: "والبعث حق" بدل: "والعرض حق".
(2) زيادة يتم بها المعنى.
(3) في الأصل: "واعلموا".
(4) في الأصل: "بالشيء"، وقارن ب "اللسان": (حقق).
(1/206)

وأما الحقُّ الواجبُ، وحَقَّ بمعنى: وَجَبَ، من قولِه سبحانه: {وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [الزمر: 71]، {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ} [الزمر: 19]، وجَبَ ووَجَبَتْ، ونقول: حُقَّ لك أن تفعلَ، وحَقِيقٌ بك أن تفعلَ، وعليك؛ يعني: واجبٌ لك، وواجبٌ عليك.
والحقُّ مصدرٌ أُقيمَ مَقامَ الصِّفَةِ، ومعناه: ذو الحقِّ، والعربُ تُسَمَّي الفاعلَ والمفعولَ بالمصدرِ تكثيراً، يقالُ: رجلٌ عَدْل ورضاً، بمعنى: عادِلٌ ومَرْضِيٌّ، كما أنشدونا:
ترْعَى إذا غَفَلَت حتَى إذا ادَّكَرَتْ ..... فإنَّما هيَ إقْبالٌ وإدْبارُ (1)
يعنون: فإنما هي مقبلةٌ مدبره (2)، قال سبحانه: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} [البقرة: 177]، والمرادُ به: البارُّ، أو: البِرُ بِرُّ مَنْ امنَ بالله (3).
__________
(1) هذا البيت من قصيدة للخنساء -واسمها: تُماضِر بنت عمرو بن الشًريد، من بني سُلَيم- ترثي بها أخاها صخراً، وهو في وصف ناقة ثكلت ولدها، وروايته في "البيان والتبيين" 3/ 201، و"الحيوان" 6/ 507، و"اللسان": (قبل): "ترتع ما غفلت .. "، وفي "ديوانها" ص 248، و"خزانة الأدب" 1/ 431 و 2/ 34: "ترتع مارتعت".
(2) هذا أحد توجيهات ثلاث لصحة وقوع اسم المعنى خبراً عن اسم العين، والتوجيه الثاني: أن يقال: إنه مجاز عقلي بحمله على الظاهر، وهو جعلُ المعنى نفسَ العين مبالغةً، والثالث: أنه على تقدير مضاف محذوف، أي ذات إقبال. انظر "خزانة الأدب" 1/ 431.
(3) "التفسير الكبير" للرازي 5/ 38.
(1/207)

فصل
والحَق: أعَم من الملكِ؛ لأنه يَعُمُّ الديونَ والأملاكَ، والملكُ يَخُصُ الأعيانَ.
وَيعُم الحق الأموالَ وغيرَها؛ فإنه يدخلُ فيه الدَماءً، والفُرُوجُ، ومنافعً الأحرارِ، والعقوباتً، والعباداتً، فكل ذلك لله سبحانه وللآدَمِيِّينَ.
والملكً يختصُ الأعيانَ والأموالَ خاصَةً

فصل
في الكُلِّ
وهي كلمةٌ من بعضِ ألفاظِ العمومِ، فلا بًدَ للأصولى (1) من معرفتِها، وهي: الجملةُ التامةُ.
وكلٌّ: أعم العموم (2)، فلا يدخلً إلا على الأَعم، ولا يدخلً على أخَص الخصوصِ، ولكَنَها في العمومِ على طبقاتِه، مثلً قولِك: كلُّ الناسِ، ثم تقول: كلُّ بني هاشمٍ.
ونظيرُ كلٍّ: الجميعُ.
فأمَّا العمومُ والاشتمالً والاستغراقُ والِإحاطةً فإنها لا تًستَعْمَلُ استعمالَ كل، وإنْ كانَ فيها معناهُ.
__________
(1) تحرفت في الأصل إلى: "للأصول".
(2) في الأصل: "للعموم".
(1/208)

فصل
والفَرْقُ بينَ إضافةِ كُلٍّ إلى الجِنْسِ، وبينَ إضافتِه إلى الواحدِ من الجنسِ؛ أنَ معنى الجزءِ في الجنسِ يجبُ للجميعِ، وفي واحدٍ يجبُ لكلِّ واحدٍ من الجميعِ؛ مثالُ ذلك قولُك: [كل] (1) القُيام في الدَّارِ لهم درهمٌ، فالدرهم الواحدُ مشترَكٌ بين القُيَّام كلِّهم، وإذا قلَتَ: كل قائمٍ في الدارِ فله درهمٌ. فالدراهم بعِدةِ القيامِ في الدارِ.

فصل
في البَعْضِ
والبعضُ: هو النَاقصُ من الجملة، وهو نقيضُ الكُل، ويقال: هو الناقصُ عن الجملة التَامةِ.
والجزءُ، والشَطْرُ، والثُّلْثُ، والربْعُ، وكُلُّ جزءٍ ينسبُ إلى الجملة، فهو بعضُه في الحقيقة.

فصل
في الذَّنْبِ
وهو التَأخرُ عن الواجب، قال الزَّجاجُ (2): أصلُه من اشتقاق آخرِ الشيءِ.
والجُرْمُ، والمعصيةُ، والخطيئةُ نظائرُ الذَنبِ.
__________
(1) زيادة يتم بها المعنى.
(2) هو إبراهيم بن محمد بن السري، أبو إسحاق الزجاج، من أئمة النحو في زمانه، صنف كتاب: "العروض"، و"الاشتقاق"، و"معاني القرآن"، توفي سنة (311) ه. "سير أعلام النبلاء" 14/ 360.
(1/209)

فصل

في حَدَ النًسْخِ وحقيقتِه (1)
وهو في أصل اللُّغةِ: الرفْعُ والإِزالةُ، قالوا: نسخت الشَمسُ الظلَّ، ونسخت الريحُ الآثارَ، بمعنى: رَفَعَتْها.
وهوعلى المعنى في الشَرع، لكنَه رفعٌ مخصوصٌ، فيقعُ بمعنى: رفعِ الحُكْم رأساً، ويقعُ على وجه التَبديلِ للحكم، قال سبحانه: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ} [النحل: 101]،، وقال: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ ننْسأها (2) نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106]،، وهذا صريحُ التَبديلِ ومعناه.
فتحقيقُ حده على مذهب أصحابنا وأهلِ السنه: أنه المبدلُ لحكمٍ ثبتَ، ولولا ورودُه لكان ثابتاً.
وقد اختلف الناسُ في تحديده، وخَلطَ قومٌ من الفقهاء كلامَهم بكلام القَدَرِيةِ، وأنا أذكرُ في هذا الكتابِ حدودَ أهلِ الكلام مِمَّن
__________
(1) سيورد المؤلف بحثاً مستفيضاً في النسخ في 4/ 174.
(2) هذه قراءة أبي عمرو وابن كثير، والمعنى: ما ننسخ من آية الآن، أو نؤخر نسخها، مأخوذ من النَّسَأ، وهو التأخير، وقرأ الباقون: {نُنْسِها}، والمعنى على هذه القراءة: ما ننسخه من آية، أو ننسكها يا محمد، فلا تذكرها، مأخوذ من النسيان. "النشر في القراءات العشر" 2/ 219 - 220.
(1/210)

خالفَ السُّنَةَ لتُجتنبَ، وليمتازَ الحقُّ عندنا من باطلهم، ولِئَلَا يغتر المبتدىءُ بما يجدُه في كتبهم، فإنه قد يُفضي إلى فسادٍ في الأصل لايعلمُه:
فقالت القَدرِيةُ، ومَنْ تابعَهم إما قَصْداً، وإمَّا جهلًا بمذهبهم: إن حَدَّه ومعناه: أنه النص الدالُّ على أن مِثْلَ الحكمِ الثابتِ بالنص المتقدمِ زائلٌ على وجهٍ لولاه لكان ثابتاً (1).
وقال بعضُهم أيضاً: إنه الدالُّ على أن مثل الحكمٍ الثابتِ بالمنسوخِ غيرُ ثابتٍ في المستقبل، على وجهٍ لولاه لكان ثابتاً بالنصِّ الأولَ (2).
وزادَ فيه آخرون: بأنه ما دَلَّ على سقوطِ مثلِ الحكمِ الثابتِ بالنَّصِّ الأولَ، مع تراخيه عنه (3).
وقال بعضُ الفقهاءِ: حَدُّه: أنه بيانُ مُدَّةِ انقطاعِ العبادةِ.
وكلُّ هذه الحدودِ باطلةٌ ومجانِبةٌ لمعنى النَسْخِ بما نُبَيِّنُ إن شاءَ الله.

فصل
وإنما عَدَلت القدريَّةُ إلى تحديد النَّسخِ بهذه العباراتِ؛
__________
(1) ذكر الطوفي هذا الحد، ونسبه للمعتزلة، ثم ذكر ما يرد عليه من اعتراضات.
"شرح مختصر الروضة" 2/ 254 وما بعدها.
(2) "شرخ اللمع" 2/ 187.
(3) ذكر الفتوحي قريباً منه في "شرح الكوكب المنير" 3/ 526.
(1/211)

لاعتقادهم أنَ الله لا يَصِح أن يَنْهى عن شيءٍ أمرَ به بعدَ أمرِه به؛ لأن ذلك- على ما زعموا هم واليهودُ (1) - عينُ البَداءِ أو يوجبُ البَداءَ (2)، أو أن يكون الحَسَنُ قبيحاً، والطَاعةُ عصياناً، والمرادُ مكروهاً، وأنَّ ذلك لا يقعُ إلا عن سفيهٍ، لا عن حكيمٍ، وطَوَّلوا القولَ في ذلك بناءً على ذلك الأصلِ، وأنه لا يجوزُ أن يَنْهى عما أمرَ به، ولا يُريدُ كونَ مانهى عنه.
فمن اتَّبَعَهم في الحدِّ انساقَ به تحديدهُ إلى هذا الأصلِ، وإنما سلكَه من الفقهاء مَنْ نقلَ من صحيفةٍ، أو أعجبه بالبادرة صورةُ اللَّفظِ واختصارُه، من غير رَوَيةٍ ولا معرفةٍ بما يُفضي إليه (3).

فصل
في تصحيح حدِّنا، وبيانِ سلامتِه
والذي نختارُه في حدِّ النَسخِ ومعناه: أنه الخطابُ الدالُّ على ارتفاعِ الحكمِ الثابتِ بالخطاب المتقدِّمِ، على وجهٍ لولاه لكان ثابتاً
__________
(1) قال العطار في "حاشيته على جمع الجوامع" 2/ 121: نبه الإمام أبو حفص البلقيني على أن حكاية خلاف اليهود في كتب أصول الفقه مما لا يليق؛ لأن الكلام في أصول الفقه فيما هو مقرر في الِإسلام، وفي اختلاف الفرق الِإسلامية، أما حكاية اختلاف الكفار، فالمناسب لذكرها أصول الدين.
(2) فسره الطوفي بقوله: وهو أن الشارع بدا له ما كان خفي عنه، حتى نهى عما أمر به، أو أمر بما نهى عنه. "شرح مختصر الروضة" 2/ 262. وسيورد المؤلف فصلاً في الفرق بين النسخ والبداء فى ص 237.
(3) في الأصل: "يقضي الله"، وهو تحريف بيِّن.
(1/212)

به، مع تراخيه عنه (1).
والدَلالةُ على ذلك: أنه لو لم يكنْ رفعاً للخطاب المتقدمِ، لم يكن نسخاً ولا إزالةً، لكنه كان ما دل عليه حكماً مبتدأً غيرَ مزيلٍ لحكمٍ ثبتَ.

فصل
في (2) بيان كل وصفٍ من الحدّ الذي اخترناه، وتأثيرهِ في الخصيصة.
إنما قلنا: الخطابُ المزيلُ لحكم خطابٍ تقدَّمَ، ولم نقلْ: النصُّ المزيلُ لحكم نص تقدمَ؛ لأن الخطابَ يثبتُ به الحكمُ ويزولُ، وإن لم يكنْ نصاً، مثل أن يكون لَحْناً، وفحوىً، ومفهوماً، ودليلَ خطابٍ، فإذا قلنا: الخطابُ، دخلَ النصُّ، وإذا قلنا: النصُّ، خرجَ جميع ما ذكرنا من المفهومِ والفحوى والدليلِ واللحنِ.
وأيضاً فإن السَّمعَ الواردَ بوجوب العباداتِ التي الذِّمَمُ منها بريئةٌ في العقلِ مزيل لحكم العقلِ، وليسَ بنسخ له؛ لأنه مزيل لما ليس هو من حكمِ الخطابِ، فثبتَ صحَةُ قولِنا.
وإنما قلنا: ما دلَّ على زوال الحكمِ وارتفاعِ الحكمِ الثابتِ،
__________
(1) ذكر هذا التعريف أبو إسحاق الشيرازي في "شرح اللمع" 2/ 186، والرازي في "المحصول" 3/ 282، والآمدي في "الِإحكام " 3/ 151، وعزوه إلى القاضي أبي بكر الباقلاني، وارتضاه الغزالي في "المستصفى" 1/ 107.
(2) وردت في الأصل: "فأما"، وصححناها كما هو مثبت، لتتناسق العبارة وتتضح.
(1/213)

بدلًا من قولنا: ما دلَّ على ارتفاع الأمرِ بالشيءِ بعدَ استقرارِه، وزوالِ النَّهي عنه بعد ثبوتِه، أو الإِباحةِ، أو الحَظْرِ؛ لأن قولنا: زوالُ الحكم، أو ارتفاع الحكمِ، يدخلُ فيه المأمور به، والمنهى عنه، والمندوب إليه، وذِكْر الأمرِ ذكرٌ للأخصِّ، فيَسْقطُ ما ليس بأمرٍ ممَّا هو فرضٌ وندبٌ وإباحةٌ وحظرٌ، فاللَّفظُ الذي لا يَسْقُط معه ولا يَخرُجُ بعض الأحكام أحسن من اللَّفظِ الذي يَخًص، فيسقِطُ ويخرِجُ ما لا بد من دخولِه، فبان أن قولَنا: الرافعُ للحكم، أوْلى من قولهم: الرافع لمأمورٍ به.
وأما قولُنا: على وجهٍ لولاه لكان حكمُ الخطاب الأولِ ثابتاً؛ لأنه لو لم يكنِ الحكم ثابتاً بالخطاب الأولِ لولا ورودُ الثَاني، لكان ما ثبتَ بالثاني حكماً مبتدأً، ولم يكنْ رافعاً لحكم الخطابِ الأولِ.
ويدلُّ على هذا أنه لو كان الخطاب المتضمِّنُ للحكم مفيداً لوقتٍ محدودٍ، وقد وقِّتَتِ العبادة به، ثم وردَ بعد تَقَضَي وقتهِ خطاب آخرُ مُسقِطٌ لمثل حكمِه، لم يكنْ عند أحد نسخاً لحكم الخطاب الأولِ، وذلك نحو قوله: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187]، وهذا يفيد الصيامَ إلى حين دُخولِ الليلِ، ولا يفيدُ وجوبَه في الليلِ، فلو قال: إذا دخلَ الليل فلا تصُمْ في الليل، لم يكن نسخاً؛ لأنه لم يزِلْ حكماً لولا ورودُه لكان ثابتاً بحقِّ الخطابِ المتقدم، فوجبَ لذلك اشتراط ذلك في الحَدَ.
وإنما قلنا: مع تراخيه عن الخطاب المتقدِّيمِ؛ لأنه لو وَرَدَ معه ومقترناً به، لم يكنْ مزيلاً لشيءٍ ثَبَتَ بالأمرِ باتفاقٍ، ولا مُنبئاً عن انقطاع عبادةٍ ثبتت به، ذلك نحو أن يقول: صُمْ إلى الليل، فإذا دخلَ
(1/214)

الليلُ فَلا تَصُمْ ولا صيامَ عليك، ليس بمزيلٍ لحكم ثبتَ بقوله: صُمْ إلى الليل، فلو أطلقَ الأمرَ بالصيام، أو دل دليل على أن المرادَ بفرض الصيام زَمَنُ الليلِ والنهارِ جميعاً، ووردَ ذلك واستقرَّ، ثم قال له: لا تصمْ فَي الليل، فقد أسْقَطْتُ ذلك عنك، كان نسخاً؛ لأنه قد أزالَ حكماً ثبتَ بالخطاب المتقدمِ مع تراخيه عنه وبَعْدَ ورودِه واستقرارِه.
فهذا هو الحدُّ الذي اخترناه.
وسائرُ المعتزلةِ تأبى هذا الحدً لمخالفتِه أصولَهم، فالدَلالةُ على فساد حدودِهم التي قَدمْنا ذكرَها: أننا إذا كنا قد بَينَا أن النسخَ هو الإِزالةُ؛ وجبَ أن لا يصحَّ تحديدُه إلا بما ذكرناه دونَ جميعِ ما قالوه؛ لأنه يصيرُ تحديدهُ بذلك أجنبياً من معنى النسخ، لأنه إذا قيل: حَدُه الخطابُ الدَالُ على ارتفاعِ حكمِ الخطاب الأوَّلِ، أو الدالُ على انقطاعِ مدةِ العبادةِ (1)، أو الدالُ على سقوط مثلِ ما تضمَنَه الخطابُ الأولُ في المستقبلِ، وأمثالُ ذلك مما هو [في] (2) معناه، وجبَ أن لا يكون الناسخُ رافعاً ولا مزيلاً لشيءٍ مما ثبتَ بالخطاب الأولِ؛ لأن مثلَ ما ثبتَ به غَيْرُه، ولم يثبتْ قَطُّ بخطابِ أولَ، فيزولَ بالثاني، وليسَ ما أزالَ مِثْل الشيءِ ورَفَعَه مزيلًا لنفسَ الشيءِ، ولو كان مثلُ هذا نسخاً، لكان كلُّ خطابٍ ابْتُدِىءَ به إثبات عبارةٍ نسخاً لحكم خطابٍ آخرَ، وإن لم يكنْ بينهما تنافٍ في الحكم، ولم يكن أحدُهما رافعاً لشيءٍ ثبتَ بالاَخَرِ، وإذا بطَل؛ بطلَ ما قالوه.
__________
(1) في الأصل "العادة".
(2) زدناها على الأصل؛ لاقتضاء السياق لها.
(1/215)

وأيضاً ممَّا يدلُّ على فساد قولِهم؛ أنهم قد قالوا: إنه ما دلَّ على زوال مثلِ حكمِ الخطاب الأوَّلِ على وجهٍ لولا ورودُه لكان ثابتاً بالخطاب الأوَّلِ، وهذا تَصريحٌ منهم بأن الناسخَ يُزيلُ ما ثبتَ بالخطاب الأولِ، ولولا ورودُ الثاني لكان ما أزالَه ثابتاً بالخطاب الأولِ، وهم كلُّهم يقولون: ما أزالَه الناسخُ ما ثبتَ قَطُّ -على قولهم- بالخطاب الأول، ولا دخلَ تحتَهُ، ولو تَضَمَّنه ودخلَ تحتَه لم يَجُزْ رفعُه وإزالتُه؛ لأنه يُوجِبُ بزعمهم جميعَ ما ادَّعَوْه من الِإحالةِ في صفةِ الله عزَّ وجلَّ، وهذه مناقضةٌ ظاهرةٌ، فإذا كان لا بدَّ من الثبوت على مُوجَبِ قولِهم: لولا ورودُ الناسخِ لكان الحكم ثابتاً بالخطاب المتقدِّمِ، وجبَ لا مَحالَةَ دخولُ ما رفعَه الناسخُ تحت الخطابِ المتقدِّم، ورفعُه بعد ذلك بما أزالَه ونسخَه، وهذا ما لا حيلةَ لهم في دفعه، ولا شُبْهَةَ في تناقض كلامِهم فيه.

فصل
فأما قولُ مَنْ قال: حدُّه: أنه الدالُّ أو المبينُ عن مُدَّةِ العبادة، أو عن زمن انقطاع العبادةِ، فإنه قولٌ ظاهرُ السقوطِ؛ لأنه يوجبُ أن يكونَ قولُه: صُمْ إلىَ الليل، فإذا دخلَ الليلُ فلا تَصُمْ، نسخاً لقوله: صمِ اللَّيلَ؛ لأنه بيانٌ عن مدَّةِ زمنِ العبادةِ وعن انقطاعِها، بل كان يجبُ أن يكونَ قولُه: صم إلى الليل، نسخاً لقوله: صم؛ لأنه قولٌ فيه إثبات العبادةِ، وبيان مدَّتِها وزمنِ انقطاعِها، وذلك باطلٌ باتِّفاقٍ، فسقطَ ما قالوه.
وإن ضَمُّوا إلى ذلك أن يقولوا: الدال على مدةِ انقطاع العبادة، أو سقوطِ مثلِها، مع تَراخيه عن الحطاب المتقدِّمِ، دخل عَليهم ما
(1/216)

أَفْسَدْنا به قولَ مَنْ قَبْلَهم بعينهِ؛ لأنّ [زمنَ] (1) العبادةِ التي دل على انقطاعها الخطابُ المُتراخي، لم يدخلْ قطُّ في الخطاب (2) الأولِ، ولا تَضَمَّنَه، فكيف يكونُ الثاني رافعاً له؟ فبطَلَ ما قالوه.
والذي يدل على سقوطِ هذا الحد وإبطالِه على أصولنا: أننا نُجَوزُ نسخَ العبادةِ الواحدةِ والفعلِ الواحدِ قبل دخولِ وقتِهِ، وإن لم تكنْ إزالةُ حكمِه بياناً لسقوطِ أمثالِه، ولا بياناً لانقطاع مدةِ التَعَبُدِ به، أو التَّعبُدِ بسقوط أمثالِه، فبطلَ ما قالوه في حدِّ النسخ من كلِّ وجهٍ، وثبتَ بذلك: أن كل نسخٍ لحكمٍ في الشَّرعِ، إن كان نسخاً لفعل واحدٍ، أو بعضِ جملةٍ دخلَت تحتَ خطابٍ متقدِّمٍ، أو دليلٍ على تَكْرارِ العبادةِ، فإنه رفع لما ثبتَ بالخطابَ المتقدم قبلَ دخولِ وقتِه، وهذا واضحٌ لا إشكالَ فيه.
وسنبينُ جوازَ نسخِ الشيءِ قبلَ وقتِه في مسائل الخلافِ من الكتاب (3)، إن شاءَ الله.

فصل
في بيان قولِنا: نَسَخَ، على وزن: فَعَلَ (4).
أعلم أن هذا القولَ يقعُ على ناصب الدً ليلِ على رَفْعِ الحكمِ الثابتِ بالخطاب، ويقعُ أيضاً على الدليلِ الرافعِ لحكم الخطابِ
__________
(1) لم ترد في الأصل، والسياق يقتضيها.
(2) في الأصل: "كالخطاب " والجادة ما كتبناه.
(3) انظر 4/ 271.
(4) في "المعتمد" 1/ 366، و"التمهيد" 2/ 336: "ناسخ على وزن فاعل".
(1/217)

الأولِ، ويجري أيضاً على مُعْتَقِدِ جوازِ نسخِ الشَيء بغيرِه، وقد يقعُ ويجري أيضاً على حكم الخطاب الثاني الرافعِ لحكم الخطابِ الأولِ، فهذا جملةُ ما تستعملُ هذهَ اللفظةُ فيه.
والدَّلالةُ على استعمالهم لها في ذلك اجْمَعَ: إجماعُ العلماءِ أن الله سبحانه نسخَ حكمَ آية االسيف (1)، ونسخ كذا، ونسخ كذا، بمعنى: أنه نصبَ الدليلَ على رفع الحكمِ الثابت بالخطاب المتقدمِ.
ويقولون أيضاً: نسختِ الآيةُ إلسنَةَ، ونسختِ السّنَةُ الآيةَ، يريدون؛ أنها دالةٌ على زوال الحكمِ الأول.
وُيقال: نُسِخَ صومُ عاشوراءَ بصوم رمضانَ، ونُسِخَتِ الوَصيةُ للوالدَيْن (2) بالميراث (3)، ويريدون بذلك: أنه رفعَ حكماً ثابتاً قبلَ
__________
(1) وهي قوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5].
وليس ثمة إجماع على نسخها كما قال المصنف، بل هي محكمة عند أكثر العلماء، وناسخة لجميع ما أمِرَ به المؤمنون من الصَفح والعفو والغفران للمشركين.
وذهب الحسن والضحَّاك والسدي وعطاء إلى أنها منسوخة بقوله تعالى: {فإما مَنَّا بعدُ وإما فداءً} [محمد: 4]. انظر "الناسخ والمنسوخ في القرآن" لأبي جعفر النحاس ص 197 - 198، و"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" لمكي بن أبي طالب ص 308 - 309، و"نواسخ القرآن" لابن الجوزي ص 309.
(2) يعني قوله تعالى: {كُتِبَ عليكم إذا حضر أحدَكم الموتُ إن ترك خيراً الوصيةُ
للوالدين والأقربين} [البقرة: 1180].
(3) يعني آيتي المواريث، وهما [الآيتان: 11 و12] من سورة النساء.
(1/218)

ورودِه
ويقال: فلانٌ ينسخُ القرآنَ بالسنَةِ، وفُلانٌ (1) لا ينسخُ القرآنَ بالسنَّةِ.
وهذا الاستعمالُ متفَقٌ على إطلاقه، وهو مجازٌ عندنا في جميع ذلك، إلا في ناصب الدَّلالةِ على رفع حكمِ الخطاب، لأنه تعالى هو الرافعُ للحكم في الحقيقة بقوله الذي نسخَ، والنَسخُ قولُه الذي به يكون ناسخاً.
ومعتقِدُ نسخِ القرآنِ بالسنَةِ ليس برافعٍ لحكم القرآنِ، لكنَه مخبِرٌ عن رفع الله له بقوله على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام.
وكذلك الدليلُ الدال على رفع الحكمِ ليس برافع له على الحقيقة، وإنما يدل على رفع اللهِ له به.
وكذلك الحكمُ الثاني ليس برافع للأول، وإنما الرافعُ له مَنْ رفعَ الأولَ وأبدلَه بالثاني، فدل بهذا النفيِ على أنه مجازٌ في جميع ذلك، إلا ما تحقَقَ في حقِّ اللهِ جل ثناؤه، إذ كان هو الرافعَ بإضافة النَسخ إليه، وهو مَنْ (2) يرفعُ وُيثْبِتُ حقيقةً.
والمعتقدُ للنَسخ يعلمُ برفعه وُيخْبِرُ، والرفعُ لم يحصلْ باعتقاده ولا بخَبَرهِ، يوضِّحُ ذلك: أنه لو لم يعتقدْ ولم يُفْتِ بالنسخ، لما عادَ الحكمُ ثابتاً، ولو لم ينْزِلِ الله وحياً يأمرُ بالرفع والإِزالةِ، لكان الحكمُ ثابتاً، فبانَ بذلك أنه هو الرَّافعُ (3) للحكم حقيقةً.
__________
(1) في الأصل: "العراقي".
(2) وردت في الأصل: "ممن"، وهو غلط.
(3) كتب في الأصل: "الرفع"، وصوابها ما أثبتناه.
(1/219)

فصل
في قولنا: منسوخٌ
وحقيقةُ قولِنا: منسوخٌ، إنما هو الحكمُ المرفوعُ، لأن الآيةَ وإن سُمِّيَتْ منسوخةً، فإنها غيرُ مرفوعةٍ ولا مزالةٍ، وإنما المرفوعُ حكمُها، وهي باقيةٌ من جهة كونِها كلاماً لله سبحانه، وكذلك السّنَةُ ثابتةٌ، وإنما المنسوخُ حكمُها.
فإن قيل: أليسَ قد قالوا: من جملةِ المنسوخِ ما نُسِخَ رَسْمُه؟ وهذا قولُكم يعطي أنْ لا منسوخَ إلا الحكمُ دون الرسْم.
قيل: إذا تامَّلَ المحقِّقُ ذلك، وجَدَ أن المنسوخَ من الرسمِ إنما نُهِيَ عن كَتْبه في المصحف، وتلاوتِه في القراءَة، وهذا حكمٌ أيضاً؛ لأن النهيَ حكمُ الله على المكلَّفين، وأما عيْنُ الآيةِ فلا تُرْفَعُ، والله أعلم.

فصل
يحصرُ ذلك ويجمعُ منثورَه
اعلم أنه لا بُدَّ في هذا البابِ من إثبات ناسخٍ، ونسخٍ، ومنسوخٍ، ومنسوخٍ عنه:
فالناسخُ: الرافعُ للحكم، وهو الله سبحانه على ما قَدَّمْنا وحَقَّقْنا.
والنسخ: قولُه سبحانه الدالُّ على رفع الحكمِ، ووَحْيُه إلى نبيِّه - صلى الله عليه وسلم -
والمنسموخُ: هو الحكمُ المرفوعُ.
(1/220)

والمنسوخُ عنه:- هو المكلف المتعبدُ بالفعل، الذي تُزالُ العبادةُ عنه بعد ثبوتِها، والحكم في الجملة من إباحةٍ وحظرٍ وإيجابٍ ونَدْبٍ، فتجبُ معرفةُ ذلك وتحصيلُه على كل فقيهٍ.
وأما الرافعُ، فقد يكونُ، وقد لا يكونُ، فليس هو ممَا لابد منه، وهو الحكمُ المنسوخُ به؛ لأنه ليس من ضرورة المنسوخِ أن يُنْسَخَ إلى شيء يَخْلُفُه، ويكونُ بدلًا عنه، بل قد ثبتَ ذلك، مثلُ: نسخِ الحَبْسِ في البيوتِ (1) بالجَلْد والتَغريب أو الرجم (2)، وإبدالٍ التَّوَجُّهِ إلى بيت المقدسِ بالتَوَجُّه إلى البيت اَلعتيقِ (3)، وَما رُفعَ ونُسِخَ لا إلى بدلٍ، مثلُ: رفعهِ صدقةَ النَّجْوى (4) لا إلى صدقةٍ، وبدلٍ، بل قنوعٍ بما شرعَ من الصلاة والزكاة، ومثلُ نسخِه لسورة كانت مثلَ الأحزابِ لا نعلمُ لها بدلًا (5).
__________
(1) الوارد في قوله تعالى: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً} [النساء: 15].
(2) بقوله صلى الله عليه وسلم: "خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مئة، وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مئة، والرجم"، وقد تقدم تخريجه في الصفحة (193).
(3) في قوله تعالى: {فول وجهك شطر المسجد الحرام} [البقرة: 144].
(4) أي: تقديم صدقة بين يدي نجوى النبي صلى الله عليه وسلم التي كانت واجبة بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة} [المجادلة: 12].
(5) أخرج الطيالسي (540)، وعبد الرزاق (13363)، وعبد الله بن أحمد في زياداته على "المسند" 5/ 132، والنسائي في "الكبرى" (7150)، وابن حبان =
(1/221)

فإن قيل: القرآنُ يدفعُ هذا بقوله: {ما نَنْسَخْ من آيةٍ أو نُنْسِها نأتِ بخيرٍ منها أو مثلِها} [البقرة: 106]، وما استشهدتم [به] ما خلا من بدل؛ لأنه قال: {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [المجادلة: 13]، وقال في قيام الليلِ: {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا} [المزمل: 20]، فما ذكرَ نسخاً إلا وعَقَّبه منسوخاً به من تعبد: إما أضعفَ، أو أسهلَ، وأخْبَرَ بذلك.
قيل: الإِسقاطُ رأساً خيرٌ كما أَخبَرَ، ولم يقل: نأتِ بحكم هو خيرٌ، بل الِإسقاطُ خيرٌ، والصلاةُ والزكاة ليست بدلًا عن صدقةِ النَجْوى بإجماعنا (1).

فصول
في شروط الناسخِ والمنسوخِ، وما ألْحِقَ به وليس منه.
فأحدُ شرائطهما (2): أن يكونا حُكمين شرعيَّين، فأما النَّاقلُ عن حكم العَقْلِ، الساقطُ بعد ثبوتِه، فلا يوصفُ بأنه ناسخ، ولذلك لم توصفِ العباداتُ الشرعيةُ من الصلوات وغيرها، والخطابُ المحرمُ (3)
__________
= (4428) و (4429) عن زِرَّ بن حُبَيْش قال: قال أُبَي بن كعب: كم تَعُدُّون سورة الأحْزاب من آية؟ قلت: ثلاثاً وسبعيق، قال أبى: والذي يُحْلَفُ به إن كانت لتعدل سورة البقرة، ولقد قرأنا فيها آية الرجم: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم.
(1) "العدة " 3/ 783 - 785، و"المسودة": 198.
(2) في الأصل:"شرائطها".
(3) في الأصل: "المحترم".
(1/222)

لمَّا لم يكنْ في العقلِ حراماً، بأنهما ناسخان لحكم العقلِ، وكذلك لا يوصفُ الموتُ المزيلُ لفَرْضِ العبادة، وكل ماجرى مَجْراه (1)، بأنه ناسخٌ لها، لمَا لم يكن المزيلُ خطاباً مزيلًا لحكم خطابِ أوَّلَ، ولأنه قد قيل للمكلَّفِ في أَصل التَعَبدِ: العبادةُ لازمةٌ لك إلىَ أن تموتَ، فصارَ لاقتران البيانِ به غيرَ ناسخٍ، وإنما نمنعُ وصفَهما بأنه ناسخٌ ومنسوخٌ، وإنْ كان بمعنى ما يوصفُ بذلك من الخطاب، لأنه ليس بخطاب أزالَ حُكْمَ خطابٍ ثابتٍ.
ومن شرطهما: أن يكونَ الخطابُ النَاسخُ منفصلَاَ عن المنسوخ، ومتأخَراً عنه، لأنه إذا كان متًصِلًا به، لم يكنْ ناسخاً (2)، ولا ما يزولُ حكمُه به منسوخاً؛ ولهذا لم يكنْ قولُه: {حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} [البقرة: 222]، نسخاً لحَظْرِ الوَطْءِ، وقولُه: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} [التوبة: 29]، نسخاً لفَرْضِ القتالِ، وإلى أمثالِ ذلك.

فصل
ومن شرائطهما (3) أيضاً: أن لا يكونَ الخطابُ المرفوعُ حكمُه مقيَّداً بوقت يقتضي زوالَ الحكمِ عند دخولِه، ولذلك لم يكنْ قولُه: {أُ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187]، ناسخاً لصيام النَّهار، ولا كانت إباحةُ الإِفطارِ يومَ الفِطْرِ وما بعده نسخاً لصيام رمضانَ، وإلى أمثالِ ذلك مما وردَ التَعَبُّدُ به مؤقَتاً بوقتٍ محدودٍ.
__________
(1) أي: كزوال العقل بالجنون.
(2) إنما يكون استثناءً وتخصيصاً.
(3) في الأصل: "شرائطها"، وما أثبتناه هو الجادة.
(1/223)

فصل
ومن حَقِّهِما (1) في حكم الدِّين: أن يكونا خطابين واردين مِمَن (2) تجبُ طاعتهُ وتلزمُ عبادتُه، وتثبتُ الأحكامُ بما يَشْرَعُه، وهو الله سبحانه.
فإن قيل: فما تقولون في قول الرسولِ لأُمَّتهِ: قد أُزيلَ (3) عنكم الحكمُ، بعد استقرارِه، هل هو نسخٌ، أم لا؟
قيل: هو نسخٌ، لكن ليس بنسخٍ من جهته، وإنما هو عبارةٌ عن رفعِ الله عزَّ وجل له، لأنه لا يُزيلُ ولا يُبَدِّلُ من تلقاءِ نفسهِ، فهو عن الله يقول، فصار قولُه لنا كقول جبريلَ له عن الله من (4) الأحكام، وإزالةِ الأحكام، وكقول المُفْتِي مِنَا للمستفتي: قد سقطَ عنك ما كنتُ أفتيتُك به، فاعَمل بغيره، ليس بنسخ منه، وإنما هو خَبَرٌ عن حكم الله عزَّ وجل عليه بذلك عند تَغَيرِ اجتهادِ المفتي.

فصل
وقد يقعُ النسخُ في أوامرِ مَنْ لا تلزمُ طاعتهُ ونواهيه، إذا رَفَعَ بعضَ ذلك ببعضٍ، غيرَ أنه ليس مما يثبتُ به، ولا يزولُ حكمٌ من جهة الدَينِ.
__________
(1) في الأصل: "حقها".
(2) في الأصل: "فيمن"، وهو تحريف واضح.
(3) في الأصل: "أزال"، وما أثبتناه هو المناسب لما ذكره المصنف من إشكال.
(4) وردت في الأصل كلمة "له" قبل "من"، وهي مقحمة لا معنى لها.
(1/224)

فصول
في بيانِ ما ليس من الشُّروط وقد تشتبهُ، فأزَلْنا الاشتباهَ بذكرِها.
فمن ذلك: أنه ليس من شَرْطِ النَّاسخِ أنْ يكونَ رافعاً لمثل حكمِ المنسوخِ في المستقبل، دونَ نفسِ حكمِه الثابتِ به، لأننا قد بَينَا أن مثلَ حكمِه غيرُحكمِه، ومارفعَ غيرَ (1) حكمِ الشيءِ الثابتِ به، فليس بناسخً له.
وسنذكرُ إبطالَ ما يظنُه المخالفون من المُعْتَزِلَة، وأنه لو أُزيلَ نفس الحكمِ المنسوخِ، لكان بداءً وإحالةً، بما يُوَضَحُ الحق، إن شاءَ الله (2).

فصل
وليس من شرطهما أن يكونَ الناسخُ وارداً بعد تَقَضِّي وقتِ المنسوخ؛ لتَوَهُّمِ المشترط لذلك إحالةَ نسخ الشيءِ قبلَ وقتِه؛ لأن ذلك صحيحٌ جائز على ما نُبَينُه من بعد، إن شاءَ الله (3).
__________
(1) في الأصل: "عن".
(2) انظر ما تقدم في الصفحة (212).
(3) انظر الجزء الرابع، ورقة 2631، من الأصل.
(1/225)

فصل
ولا يُتصورُ النسخُ على التَّحقيقِ إلا بأن يكونَ نسخاً قبل تَقَضَي وقتِه، إن كان المنسوخُ المتعبَّدُ به واحداً، أو بعضاً لجملة، على ما بَينَاه من قبلُ (1).

فصل
وليس من شرط المنسوخِ أن يكونَ ممَّا يصحُ أن يدخلَه الاستثناءُ والتَخصيصُ، وأن لا يكونَ فعلاً واحداً، لأنهم يبنون ذلك على إحالة نسخِ الشيء قبلَ وقتِه، وهم في ذلك مخطئون؛ لِمَا نُبَيِّنُه من الدلائل في مسائل الخلافِ، إن شاء الله (2).

فصل
وليس من الشرط أن يكونَ نسخُ الشيءِ بمثلِه، مثل: سُنَّةٍ بسُنَةٍ، بل يجوزُ نسخُ المقطوع به بغير المقطوعِ به من السنَّة على ظاهر كلام أحمدَ، وأَخَذَهُ بعض أصحابنا -رضي الله عنهم- ممَّا قال أحمدُ -رضيَ الله عنه- في رواية الفضل بن زياد (3) وأبي الحارث (4) في خَبَر
__________
(1) في الصفحة (217).
(2) في الجزء الرابع من الكتاب.
(3) هو أبو العباس الفضل بن زياد القطان البغدادي، كان من المتقدمين عند الإمام أحمد، وقع له عنه مسائل كثيرة جياد. "طبقات الحنابلة" 1/ 251 - 253.
(4) هو أحمد بن محمد، أبو الحارث الصائغ، من أصحاب الِإمام أحمد المقدمين، روى عنه مسائل كثيرة. "طبقات الحنابلة" 1/ 74 - 75.
(1/226)

الواحدِ: إذا كان إسنادُه صحيصاً وجبَ العملُ به، ثم قال: أليس قِصَةُ القِبْلَةِ حين حوَلَت، أتاهم الخبرُ وهم في الصلاة، فتَحَوَلوا نحو الكعبةِ (1)؛ وخبر الخمرِ أهراقوها، ولم ينتظروا غيرَه (2)؛. قال: فثبتَ أنه
__________
(1) أخرج أحمد 4/ 283 و288 - 289 و 304، والبخاري (40) و (399) و (4486) و (4492) و (7252)، ومسلم (525)، وابن ماجه (1010)، والترمذي (340) و (2962)، والنسائي 1/ 242 - 243 و243 و2/ 60 - 61 عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة صلى نحو بيت المقدس ستة أو سبعة عشر شهراً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل الله تعالى: {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهلث، شطر المسجد الحرام} فوجه نحو الكعبة، وكان يحب ذلك، فصلى رجل معه العصر، ثم مر على قوم من الأنصار وهم ركوع في صلاة العصر نحو بيت المقدس، فقال: هو يشهد أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم -، وأنه قد وجه إلى الكعبة، قال: فانحرفوا وهم ركرع.
وأخرجه مالك 1/ 195، وأحمد 15/ 2 - 16 و26 و105 و 113، والدارمي 1/ 281، والبخاري (403) و (4488) و (4490) و (4491) و (4493) و (7251)، ومسلم (526)، والترمذي (341) و (2963)، والنسائي 1/ 244 - 245 و 2/ 61 عبد الله بن عمر.
(2) أخرجه مالك 2/ 846 - 847، وأحمد في "المسند" 3/ 183 و189 - 190 وفي "الأشربة" (17) و (18) و (136)، والبخاري (2464) و (4617) و (4620) و (5582) و (5583) و (5600) و (5622) و (7253)، ومسلم (1980)، وأبو داود (3673)، النسائي 8/ 287 و287 - 288، وابن حبان (5352) و (5361) و (5362) (4945) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ما كان لنا خمر غير فضيخكم هذا الذي تسمونه الفضيخ، فإني لقائم أسقي أبا طلحة وفلاناً وفلاناً إذ. جاء رجل، فقال: وهل بلغكم الخبر؟ فقالوا: وما ذاك؟ قال: حرمت الخمر، قالوا: أهرق هذه القلال يا أنس. قال: فما=
(1/227)

قد أُخِذَ بالسَنَّةِ في نسخ الكتابِ، وإن كانت آحاداً.
وهذا عندي لاتثبت منه رواية تُعْطِي نسخَ القرآن بالسَنَّة حتى يتقرَّرَ شروطُ النسخِ فيه، وليس مَعَنا أن القومَ كانوا استقبلوا بيتَ المقدسِ بقرآنٍ؛ لأنه ليس معنا قرآن نتلوه في ذلك، وإنما غايةُ ما فيه أنها كانت قبلةً بدليل قطْعٍ، وهو أمرُ الرَّسولِ لهم بذلك، واستقبالُه لها على الدَّوام، وما نعرفُ أحداً قال بأن القرآنَ يُنسَخُ حكمُه بخبر واحدٍ (1)، ولا خبَرَ التواترِ القَطْعِيَّ بخبر الواحدِ، فيصيرُ خبرُ أهلِ قُباء يحتاجُ إلى أويل يُخْرِجُه عن ظاهره، ولا في إباحة الخمرِ تلاوة.

فصل
والمنصوصُ عن صاحبنا أحمد -رضي الله عنه- أن من شَرْطِ نسخِ القرآنِ أن يكونَ بقرآن، ولا يجوزُ بالسَنَّةِ، قال وقد سُئِلَ: هل تَنسخُ السّنَّةُ القرآنَ؟ قال: لا، لا يَنسخُ القرآنَ إلا قرآن يَجيءُ بعدَه، والسنَّة تُفَسِّرُ القرآنَ (2).
__________
سالوا عنها، ولا راجعوها بعد الخبر.
(1) بل نقل المصنف الخلاف فيه عن أهل الظاهر فيما سيأتي له في مباحث النسخ، وهو مقرر في "الِإحكام" لابن حزم 4/ 107.
وعزاه شيخ الإسلام ابن تيمية مذهباً لابن عقيل نفسه، حيث قال في "المسودة" ص 203: وحكى ابن عقيل في "الفنون" عمن قال: "إن خبر الواحد والقياس يجوز أن ينسخ حكم القرآن": وقرر حنبلي ذلك. أظنه نفسه.
(2) ذكر هذه الرواية أبو يعلى في "العدة" 3/ 788 - 789، واختار أبو الخطاب في "التمهيد" 2/ 369 جواز نسخ القرآن بالسنة المتواترة، وحكاه رواية عن أحمد.
(1/228)

وسنذكرُ ذلك مستوفىً في مسائل الخلاف (1).

فصل
وليس من شرطهما أن يكونا نَصَّيْنِ مقطوعاً على ثبوتهما، وموجِبَيْنِ للعِلْمِ؛ لأننا سنقيمُ الدَّليلَ على صحةِ نسخِ التَواتر بمثلِه، ونسخِ خَبَرِ الواحدِ بالمتواتر، وإن مَنَعْنا من نسخ المتواتِر بخبرِ الواحدِ.

فصل
وكذلك ليس من شرطهما أن يكونَ المنسوخُ حكماً قد نُقِلَ لفظُه إلينا، بل يجوزُ أن يَرِدَ النسخُ لحكم، ولا يكونُ ذلك الحكم ثبتَ بلفظ منقول إلينا، بدليل أن نسخَ القِبْلَةِ وردَ واتَفقَ الناس على أن استقبالَ بيتِ المقدس منسوخٌ بفَرْض التوجه إلى الكعبة، وقد اتَفَقَ الكُلُّ على أنه لا نص في الكتاب أوَ السنَةِ منقولٌ إلينا بلفظ وتفصيلٍ يُوجبُ التوجهَ إلى بيت المقدسِ رفعَ حكمه بقول: {فوَل وجهَكَ شَطْرَ المسجدِ الحرامِ} [البقرة: 144]، ولو تَتَبًعْنا كثيراً من المنسوخ لوجدنا أمثال ذلك، وإن كان حكمُه مرفوعاً.

فصل
ولا يمتنعُ أيضاً نسخُ الحكمِ الثابتِ باجتهاد النبى صلى الله عليه وسلم وقياسِه -إذا قلنا: يجوز أن يَحْكُمَ باجتهاد-، وإن لم يكنْ ثابتاً بلفظ ذي صيغةٍ وصورةٍ يَجِبُ نقلُها.
__________
(1) في الجزء الرابع من الكتاب في الصفحة 231.
(1/229)

فصل
وكذلك ليس من شرطهما أن يكونا أمراً نُسِخَ بنهي، أو نهياً منسوخاً بأمر، أو حَظْراً منسوخاً بإباحة، لِمَا بَيَّنَّاهُ من قبلُ (1)؛ لأنه قد يُنْسَخُ الإِيجاب والحظرُ بالإِباحة، وينسخُ الفرضُ المُضَيًقُ من أصله، وقد يُتركُ وُيرفعُ تضييقُه بتوسعة وقتِه، أو بتوسعة التًخييرِ بينه وبين غيرِه، بحَسَبِ المشيئةِ المطلقةِ، والإِرادةِ النافذةِ، أو المصلحةِ الحكْمِيَّةِ.

فصل
وكذلك لا يُعتبرُ بقول من قال: يجبُ أن لا يُنسَخَ الواجبُ إلا بواجب مثلِه، بل قد يُنسخُ بواجبٍ مثلِه، وُينسخُ بالحظر، وُينسخُ بالنَّدب، وُينسخُ بالإِباحة (2)، فيجبُ أن لا يعتبرَ في ذلك أكثرُ من أن يكونَ أحدُهما رافعاً لحكم الآخَرِ، أيً حكمَيْنِ كانا.

فصل
في الدَّلالةِ على ذلك
وهو أنه لا يخلو: إما أن يكونَ النسخُ لمصلحةٍ، أو لمجرَّدِ مشيئةٍ مطلقةٍ من جهة مَنْ له التًصَرفُ في ملك الأعْيانِ، وكلاهما لا يَمنعُ من ذلك، ولذلك صَحَّ أن يرتفعَ الحظر إلى إيجاب وإباحةٍ ونَدْبٍ، وترتفع الإِباحةُ إلى إيجاب ونَدْبٍ، وإلى تحريم وحظرٍ، ويرتفعَ الندبُ إلى إيجاب وإلى إباحة وحظرٍ، فوجبَ أن يكونَ الاعتبارُ في ذلك بما قُلْناه فقَطْ.
__________
(1) انظرما سبق في الصفحة (221 - 222).
(2) "العدة" 3/ 783 - 785.
(1/230)

فصل
وكذلك فلا اعتبارَ بقول من قال: من شرطهما أن تكونَ أحكامُهما ثابتةً بنصِّ الخطابين وظاهرِهما دون لَحْنِهما وفحواهما، أو دليلٍ دالٍّ على تَكْرارِ العبادةِ المنسوخةِ ودوامِها، وقد يكونان (1) كذلك، ويكونان بخلاف هذه الصِّفةِ، إذا عُلِمَ ثبوت حكمِ المنسوخِ من الخطاب بأيِّ وجهٍ كان، من ظاهرٍ ونصٍّ وفحْوىً ودليلِ تكرارٍ، وأكثرُ العباداتِ المنسوخةِ لم يثبتْ دوامُ حكمِها بنصٍّ، بل بدلائلَ تدلُّ على التَّكرار.

فصل
وكذلك إذا ثبتَ حكمُ الناسخِ، وكان منافياً لحكم المنسوخِ، وجبَ كوُنه ناسخاً له، وإن لم يَثْبُتْ ذلك بلفظه؛ ولهذا قال الناسُ: إن آياتِ المواريثِ (2) نَسَخَتْ آيةَ الوصيةِ للوالدَيْنِ والأقربين (3)، وإن لم يتنافَ حكماهما من جهة اللفظ؛ لأنه كان يَصِح أن يأخذَ الوالدان بالوصيةِ والميراث جميعاً؛ ولذلك بَيَّنَ النبىُّ صلى الله عليه وسلم: أن آيةَ المواريثِ قد نَسخَت ما قبلها بقوله صلى الله عليه وسلم "ان اللهَ قد أعطى كُل ذي حَقٍّ حَقَه، فلا وصيةَ لوارث" (4)، وأمثالُ هذا كثير.
__________
(1) في الأصل: "يكونا" والجادة ما أثبتناه.
(2) الآيتان (11 و12) من سورة النساء.
(3) الأية (180) من سورة البقرة.
(4) أخرجه ابن أبي شيبة 11/ 491، وأحمد 5/ 267، وأبو داود (2870) و (3565)، وابن ماجه (2713)، والترمذي (2120)، والبيهقي 6/ 264 من حديث أبي أمامة الباهلي. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وفي الباب عن عمرو بن خارجة؛ وأنس بن مالك، وابن عباس، =
(1/231)

فصل
وكذلك فليس من شرطهما كونُ الناسخِ أخف من المنسوخ؛ لأنه قد يُنسخُ الشَيءُ بمثله، وبما هو أثقلُ منه، وبما هو أخف، وقد يُنسخُ إلى غير بَدَل أصلاً، على ما نَدُل عليه من بعدُ (1)، إن شاء الله؛ فلا وجهَ لقول مَنْ قال: لا يُنسخُ إلا ببدلٍ (2).
فهذه جملة كافية في الشُروط المُعْتَبَرةِ وغيرِ المعتبَرةِ.

فصول
في بيانِ ما يصحُ ثبوتُ حكمِه بالتًعبدِ، ويصحُّ زوالُه بالنسخ.
قد أكثرَ أهل العلمِ من الفقهاءِ والمتكلمين استعمالَ القولِ: بأن النسخَ يتناولُ الأزمانَ فقَطْ دون الأعيانِ، وأن التَخصيصَ يتناولُ الأعيانَ والأزمانَ والأحوالَ، وهذا إنما يستعملُه المحصَلون لعلم هذا البابِ على سبيل التجَوُّزِ والاتَساعِ؛ لأن الأعيانَ والأزمانَ باتَفاقٍ ليست من أفعال العبادِ ومقدوراتِهم، ولا ممَّا يدخلُ تحت تكاليفِهم، وإذا كان كذلك؛ وجَبَ أن يتناولَ النسخُ على الحقيقة رفعَ فِعْل في بعض الأزمانِ دونَ رَفْعَ الزمانِ.
وكذلك فإنما يدخلُ التخصيصُ في إسقاط فعل في بعض
__________
= وغيرهم. انظر "نصب الراية" 4/ 403 - 405.
(1) انظر ما يأتي في الصفحة (250).
(2) القائلون بمنع نسخ الحكم إلى غير بدل هم جماهير المعتزلة كما حكاه عنهم الجويني في (البرهان) 2/ 1313.
(1/232)

الأعيانِ، وذلك نحْوُ أن يقولَ: صَلِّ أبداً دائماً. ثم يقولُ له: لا تُصَلِّ.
فيكونُ النسخُ داخلًا على الفعلِ دونَ زَمَنِه. وكذلك إذا قال: اقتلوا المشركين إلا زيداً. فزيدٌ على الحقيقة ليس بمخصوص، لكنَّ المخصوصَ منعُ إيقاعِ الفعلِ فيه؛ لأن اللَفظَ يقتضي إيقاعَ الفعلِ في جميع الأزمانِ وجميعِ الأعيان، فإذا مُنعَ من إيقاعه في بعضها كان ذلك تخصيصاً للأفعال، وكذلك إذا قال: اقْتُلِ المشركَ إلا أن يكونَ معاهَداً، فكأنَّه قال: اقْتُلْه في حالِ لا عَهْدَ له، ولا تَقْتُلْه في حال العهدِ، فذلك يرجعُ إلى التخصيص لِإيقاع الفعلِ في حالٍ دونَ حال، وكونُ المشركِ حَرْبياً أو معاهَداً لا يدخلُ تحت تكليفِ المسلم، لأنهما صفتان للمشرك وفِعْلان من أفعالِه، والعبدُ لا يُكَلَّفُ فعلَ غيرِه، فيجبُ تنزيلُ هذه الإِطلاقات وحَمْلُها على ما قلناه.

فصل
في القول في جواز سقوطِ جميع العباداتِ عن المكلفين بالنَّسخِ (1)، واستحالةِ سقوطِ جميعها [لا] (2) بالنسخِ.
اعلم أنَا قد قَدمْنا في أوَّلِ الكتاب (3): أنه لا حَظ لضَرُوراتِ العقولِ وأدلَّتِها في القضاء على تحسين فَعل أو تقبيحِه، أو إيجابه، أو حَظْرِه، أو إباحتِه، وأنه لا شيءَ من الأفعال له صِفة، ووجْة لكَونه في ذاته عليه، يقتضي العَقْل الحكمَ فيه ببعض هذه الأحكامِ، وإنما
__________
(1) وقع في الأصل: "لا بالنسخ"، والصواب حذف (لا).
(2) زيادة على الأصل يستقيم بها مراد المصنف.
(3) انظر الصفحة (26).
(1/233)

تثبتُ للأفعال هذه الأحكامُ بالسمع فَقَطْ، وأنه لا يجبُ فَرْضٌ على أحد من جهة العقلِ، من معرفة اللهِ سبحانه إلى ما دونَ ذلك، فالتَكليفُ إذاً -لأجل ما قد بينَاه- لا يكونُ إلا سَمْعاً.
وثَبَتَ من أصلنا أيضاً أنه لا يجب على الله تكليفُ خلقِه، وبَعْثُه الرُّسُلَ إليهم، سواءٌ عَلِمَ أن لهم في ذلك المصلحةَ لجميعهم، أو لبعضهم دونَ بعضٍ، أو لا مصلحةَ لأحد منهم فيه.
فإذا ثَبَتَتْ هذه الجملة التي يُفارَقُ فيها القدريةُ ويخالفون؛ لم يَصْلُحْ للفقيه المعتقدِ في الأصل ضلالَتهم أن يَبْنِيَ الأمرَ في التَّكليف على ما قالوه من وجوب الاستصلاحَ للخَلْقِ أو لبعضهم على الله سبحانه، وجازَ لأجل هذا سقوطُ جميعِ العباداتِ عن جميع الخَلْق، وأن لا يبعثَ الله تعالى إلى أحد رسولاً، فيَسْقُطُ حينئذٍ عنهم فرض معرفتِه، وكلُّ ما عداها، ولا يُصِيبُ أحدٌ منهم إذ ذاك قبيحاً، ولا محرماً، ولا محظوراً، وكذلك فقد يجوزُ في حكمتِهِ سبحانه أن ينسخَ عنهم بالسمع الواردِ من جهته جميعَ ما تَعَبدهم به، وُيزيلَ فَرْضَه، وُيسقط عنهم تحريمَ كل ما حَرمَ عليهم فعلَه، وأن يجعلَ الواجبَ عليهم من ذلك محظوراً، والمحظورَ واجباً، غيرَ معرفتِه تعالى، وإيجابِ العِلْم بأنه على خِلافِ ما هو عليه من صفاته، وكذلك فلا يجوزُ تَعَبُّدُهم بَأن يعلموا أن بعضَ الأمورِ بخلاف حقيقتِه، وعلى ضِدَ صفتِه.
وإنما امتنعَ نهيُه عن معرفته؛ لأنه داخل في باب تكليفِ المحالِ؛ لأنه إذا قال: اعْلَمْ أنَني قد نهيتُك عن معرفتي، وحَظَرْت عليك فِعْلَها،
(1/234)

أو ابَحْتُك فِعْلَهَا وتركَها إن شئت. وجبَ أن يكونَ في ضِمْنِ هذا الخطاب: أنِ اعْرِفْ هذا الخطابَ لي، وأنني أنا المسقِطُ لفرضِ معرفتي عَنك. وهذا نفسُه امرٌ بمعرفته؛ لأنه إذا وجبَ أن يعلمَ أن هذا الأمرَ والنَسخَ واردٌ من قِبَلِ الله، فقد وجبَ عليه أن يَعرفَه، فيصيرُ ذلك في تقدير قولِه: كُنْ عارفاً بي وغير عارف، وهذا ممتنعٌ في التكليف.
وكذلك إذا قال له: اعلم أَنَّني على خلاف ما أنا عليه، أو أن بعضَ الحوادثِ على خلاف ما هو في ذاته عليه، كان تكليفاً لمَا لا يَصِحُّ فعلُه ولا تركهُ، وكذلك سبيلُ العلمِ بكلِّ مُسْتدَلٍّ عليه، معِ عَدمِ الدَّليلِ عليه على ما قد بَيَّنَّاه بن قبلُ، فأمَّا ما عدا ذلك، فإنه يجوز نَسخُ جميعِه، وتبديلُ حكمِه.
وزعمتِ المعتزلةُ: أن افعال المكلَّفِ على ضربَيْنِ:
أحدهما: لا يجوزُ دخولُ النَّسخِ عليه، ولا بُدَّ من ابتداء الأمرِ من الله به، أو ابتداءِ النَّهي عنه، وتبقيتِها ما دام المكلَّفُ حياً سليماً، وهو كلُّ فعلٍ له صفةٌ في العقل تقتضي كونه حَسَناً واجباً، وقبيحاً محرَّماً، لا يجوز تغييرُها، وخروجُه عنها، فالحَسَنُ الواجبُ من ذلك، نحوُ: معرفةِ الله عزَّ وجلَّ، ونحوُ: العدل والِإنصافِ، وشُكْرِ المنعِمِ، وأمثالِ ذلك. والقبيحُ، نحوُ: الجهل بالله، والظُّلمِ، وكُفرانِ النِّعْمَةِ، والكَذِبِ، وما يَجري مَجرى ذلك. قالوا: فهذا مما لا يجوزُ نسخُ حكمِه وتغييرُه؛ لأنه لا يتغيَّرعن صفته التي اقتضت حُسْنَه ووجوبَه، أو قبحَه وتحريمَه.
وزعمت المعتزلةُ أيضاً: أن معرفة الله عزَّ وجلَّ وإن كانت حسنةً،
(1/235)

فليس جهةُ وجوبِها كونَها حَسَنةً؛ لأن المباحَ والنًدْبَ حَسَنان، وإن لم يكونا واجبَيْنِ، وإنما جهةُ وجوبِها عندهم كونُها لُطْفاً في فعل الواجباتِ العقليًةِ إذا كانت من فعلنا، وغيرَ لُطْفٍ لو اضْطررْنا إليها.
وفي الجملة فإنه ليس جهةُ وجوبِ الشيءِ كونَه حَسَناً فقَطْ، دونَ حصولِ وجهٍ زائدٍ على حُسْنِه يقتضي وجوبَه، وإن كان كونُ الفعلِ قبيحاً جهةً لوجوب تركِهِ على العالِمِ بقبحه، ووجوبِ تحريمِه على الله العالِمِ بذلك، ومن هو في حُكْمِ العالِمِ به.
قالوا: فأمًا ما لا صفةَ له في العقل تقتضي كونَه حسَناً واجباً أو قبيحاً من سائر الشَرْعِياتِ، فإنه يجوزُ نسخُه، وتبديلُ حكمِه، بحَسَبِ ما يعلمُ الله سبحانه من صلاح المكلفينَ على إيجابه تارةً، وتحريمِه أخرى، أو إباحتِه، أو الندبِ إليه، وقد دعاهم هذا القولُ إلى أنَ القديمَ سبحانه محكوم عليه في تكليفه لخَلْقِه، محجورٌ عليه وحاشاه من ذلك في تصاريفِه.
وبيانُ ذلك من مقالتهم: أنهم قالوا: يجب عليه إذا عَلِمَ المصلحةَ في رفع التَكليفِ أن يرفعَ التكليفَ عنهم، وإن لم يقَعْ فعله بحسَب ذلك، كان خارجاً عن نَمَطِ الحِكْمةِ وسبيلِ العدلِ إلى الجَوْر والسفَهَ -تعالى عن ذلك- وأنَه لا يجوز أن يَنهى عن شيءٍ مما أمَرَ به، إذا كانت مصلحة المكلفين متعلقةً به، ولا يأمرَ بشيءٍ يكون تركة مصلحةً لهم، فصارت أفعاله وشرائعة تحت حَجْرِ مصالحِ خَلْقِه، وهذا مستوفىً في أصول الدَينِ، وليس الإِشباع فيه لَيقاً بهذا الكتاب، وإنما نذكر شَذَراتٍ ئبْنَى عليها حكم أصولِ الفقه ليَتَحذًرَ الناظرَ في كُتبِهم من الوقوع في معتقداتهم، فأكثر الفقهاءِ لا خِبْرَةَ لهم بمثل هذا.
(1/236)

فصل
في الفَرْق بين النسخِ والبَداءِ
قد بَينَا فيما تقدمَ (1): أن النَسخَ: هو رفعُ ما ثبتَ حكمُه بعد استقرارِه، دونَ رَفْعِ مثلِ ما ثبتَ، ودونَ بيانِ مدَّةِ انقطاعِ العبادة، بما يُغْنِي عن الإِعادة، وذلك جائز على الله سبحانه، وصواب في حِكْمَتِه.
فهذا بيانُ النَسخِ تمهيداً للفرقِ بينه وبين البَداءِ.

فصل
فأما البداءُ فمعناه وحقيقتُه: أنه استدراكُ علمِ ما كان خافياً مستوراً عمن بدا له العلمُ به بعدَ خَفَاء، ولذلك يقال: بدا الفَجْرُ: إذا ظَهَر، وبدا الرَّكْبُ: إذا طلعَ أوائلُه، وبَدا لي من فلانٍ ما كان مستوراً، ومنه قوله تعالى: {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ} [الأنعام: 28]، {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: 47]، {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا} [الزمر: 48]، وقولُه: {يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ} [آل عمران: 154]، وإذا كان كذلك، وكانت دلائلُ العقول والسمعِ قد قامت ودلت على أن الله سبحانه عالم بما كان، وما يكونُ، وما لا يكونُ أنْ لوْ كان كيفَ كان يكونُ، وبعواقب الأمورِ، ومن كان كذا، ثبتَ أن البَداءَ الذى شرحناه غيرُ جائزٍ عليه سبحَانه (2).
__________
(1) انظر الصفحة (212) وما بعدها.
(2) "شرح اللمع" 2/ 191، و "التمهيد" 2/ 338 - 340، و "شرح الكوكب المنير" 3/ 536 - 537.
(1/237)

فصل
ولا يَقْتَضِي النَسخُ دلالَة على استدراكِه عِلْمَ ما لم يكنْ عالماً به سبحانه، ولا دَلالَةً على البَداء في إرادته؛ لأن الدَّلالةَ التي دلت على كونه عالماً بكلِّ معلومٍ في كل حالٍ مَنَعتْ أن يكونَ نسخُه للحكم بعد ثبوتِه دلالَةً على استدراك علمِ ما لم يكن به عالِماً، وبُدُوِّ ما لم يَكُ له بادياً، وما ذلك إلا بمثَابةِ ما صدَرَ عنه من الأفعال لُطْفاً وعَسْفاً، فلا لُطْفُ فعلِه دَل على رِقَةٍ وانفعالٍ، ولا عَسْفُه وعَذابُه دلً على اشْتِطاطٍ، بل فعلٌ يتغيرُ عن ذات لا تتغيَّرُ ولا تنفعلُ، والله أعلم.
فتغييرُ الحالِ يليقُ بالمكلفين وبزمانِهم، ولا يليقُ بالله سبحانه، فعادَ النًسخُ إلى تَغَيرِ حالِ الشًخص وتغيُّرِ زمانِه ومصالحِه.
وإن أتُوا من قِبَلِ تَوَهُّمِهم: أنَ (1) الأمرَ يقتضي الِإرادةَ، والنَهْيَ يقتضي الكراهةَ، وإذا كرهَه بعد أن أرادَه، فقد بدا له. فليس ذلك أصلاً صحيحاً عندنا، بل لا يقتضي الأمرُ الِإرادةَ، ولا النهيُ الكراهةَ؛ لِمَا نُبيِّنُه في باب الأوامرِ ومسائلِ خلافِها (2).

فصل

في بيان الفَرْقِ بين النسخِ والتًخصيصِ فيما يفترقان فيه، والجَمعِ بينهما فيما يستويان فيه
قد سَبَقَ في التحديداتِ ذِكْرُ العمومِ والخصوصِ، وذكرُ النَّسخِ
__________
(1) في الأصل: "وأن"، والسياق يقتضي حذف الواو منها.
(2) في الجزء الثاني من الكتاب، الصفحة 450.
(1/238)

وتحديدهُ، والنَّاسخِ والمنسوخِ، بما أغنى عن الِإعادةِ (1).
فالتَخصيصُ على قول من أثْبَتَ العمومَ صيغةً موضوعةً لاستغراق الأعيانِ والأزمانِ بالحكم، لا يَحْصُلُ إلا باستثناء مُقارنٍ متَّصلٍ، أو بدليل منفصلٍ من عقل أوسمعٍ أوقياسٍ شرعيٍّ، وكل شيءٍ دَلَّ على أن المرادَ بتلك الصِّيغةِ الموضوعةِ لإِفادة العمومِ بعض ما وُضِعَتْ له، فهو التَّخصيصُ عندهم.
والمحقِّقون منهم يقولون: هذه القرائنُ دلالةٌ على ما به يصيرُ الخطابُ مخصوصاً، وهي إرادة النَّاطقِ بالصِّيغة كونَها خاصَّةً، هذا هو المحقَّقُ على قول من قال: إن للعموم صيغةً.
ولا يَحْسُنُ ممَّن (2) منعَ تأخيرَ البيانِ عن وقت الخطاب أن يجعلَ النَّسخَ بياناً لوقت الحُكْمِ؛ لأن النَّاسخ لا يكون إلا متأخَرَاً عن وقت المنسوخِ عنه، ولا يجوزُ النسخُ إلا كذا، فلو كان بياناً، لَمَا اجتَمَعَ طرفا مذهبهِ، بل تناقضَ غايةَ التَّناقضِ؛ لأن النًسخَ مِن شَرْطه أن يقعَ متراخياً عن المنسوخ، والبيان من شرْطه أن لا يتأخَرَ عن الخطاب المبيِّن، بل يكونُ به مقترِناً، فقد بأنَ أن النسخَ رَفعُ ما قُصِدَ واريدَ إثبات حكمِه بالخطاب الأولِ، والتخصيص بيانُ ما أُريدَ بالخطاب مما لم يُقْصَدْ به.

فصل

وأما ما اتَفَقَ فيه النَسخُ والتًخصيصُ، فيجبُ أن نقولَ: إنهما
__________
(1) انظر الصفحة (35) و (210) وما بعدهما.
(2) غير واضحة في الأصل.
(1/239)

تخصيصان، غيرَ أن النَسخَ تخصيصٌ يوجبُ رفعَ ما ثَبَتَ حكمُه، والتَّخصيصَ الذي ليس بنسخٍ بيانُ ما أُريدَ باللفظِ مما لم يُعَينْ به.
فصل

في بيان ما ينفصلُ به النسخُ من التَخصيص الذي ليس بنسخ.
وذلك من وجوه (1):
أحدها: أن التخصيصَ لا يَدْخُلُ في الأمر بمأمور واحدٍ، والنًسخ يكونُ نسخاً بحكم الأمرِ بمأمور واحد (2)؛ فالفعلُ (3) الواحدُ يُنْسَخُ بعد فَرْضِه، ولا يصحُ دخولُ التخصيصِ فيه.
ومما يَنْفَصِلُ به أحدُهما عن الاَخر أيضاً: أن التًخصيصَ يخْرِجُ من الخطاب ما لم يُرَدْ به، والنًسخُ يرفعُ ما أُريدَ به إثباتُ حكمِه.
ومما ينفصلُ به أيضاً: أن من سَبيل النَسخِ كونَه أبداً متراخياً متاخَراً عن المنسوخ؛ لِمَا بَيناه من قَبْلُ، والتَخصيصُ، قد يَصحُّ اتصالُه
__________
(1) انظر هذه الوجوه مستوفاة في "العدة" 3/ 779 - 785، و"شرح مختصر "الروضة" 3/ 587 - 588، و"روضة الناظر" مع شرحها "نزهة الخاطر" ص 197 - 198.
(2) أي يجوز ورود النسخ على الأمر بفعل واحد، كما نسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى البيت الحرام، والأمر بالفعل الواحد لا يدخله التخصيص؛ لأن التخصيص لا يكون إلا من متعدد. "نزهة الخاطر" ص 197.
(3) في الأصل: "بالفعل".
(1/240)

بالمخصوص، ويصح تأخرُه عنه، وانفصالُه منه.
ومما ينفصلُ به أيضاً: أن النسخَ لا يكونُ أبداً إلا قَوْلًا وخطاباً، والتخصيصُ يكونُ بالخطاب وسائر أدلَّةِ العَقْلِ والسمْعِ، ولا يُنْسخُ حكم بدليل عَقْلٍ.
وممَّا ينفصلُ به: أن التَّخصيصَ لا يْنفي دَلالَةَ اللَّفظِ المخصوصِ على ما بَقِيَ تحته، إن كان حيقيقةً أو مجازاً، على اختلاف القائلين بالعموم في ذلك، والنسخ يُبْطِلُ دَلالةَ المنسوخِ، حتى لا يُمْكِنُ مع ورودِ النَاسخِ أن يكونَ دليلًا على ما كان يدُل عليه؛ من ثبوت الحكمِ في تلك الأزمانِ المستقبَلةِ، وهذا الفرقُ يوجبُ أن يكون الناسخ رافعاً لما ثبَتَ من حكم اللَّفظِ المتقدِّمِ لا مَحالةَ، والتخصيصُ مبِّينٌ عن أن الحكمَ ما ثبتَ في المخصوص.
ومما ينفصلُ به أيضاً: أن تخصيصَ العامَ يكونُ بخبر الواحدِ، والقياسِ، والاستدلالِ غيرِ القياسِ، وطرقِ الاجتهادِ، وإن كان تخصيصاً لأصل يوجبُ العِلْمَ ويقطعُ العذْرَ، والنسخُ لأصل ما هذه سبيله لا يكونُ بقياس ولا بخبر واحدٍ، لا يجوز ولا يصح إلا بنصٍّ قاطعٍ، وإنْ نُسِخَ خبرُ الواحدِ بمثلِه من الأخبارِ.
(1/241)

فصل
فيما (1) يَفْصِلُ به بينهما المخالفون، مما لا يتأتَّى على أصلنا؛ ليعرفَه الموافقُ، فيجتنبَه، وتتأكَدَ بمعرفتِه معرفةُ أصولِنا.
فمن ذلك: أنَّهم قالوا: وينفصلُ التَّخصيصُ عن النَّسخ؛ فإن من سبيل التَّخصيصِ أن يكون وارداً قبلَ ورودِ المخصوصِ أو معه أو عَقِيبَه بلا فصلٍ، لمنْعِ تأخّرِ البيانِ عنده عن وقت (2) الخطاب، والنَسخُ لا يكون إلا متأخراً عن المنسوخ، لا قبلَه ولا مَعَه ولا عَقِيبَه، وهذا أصل نُخالفُه فيه، قد سَبَقَ بيانُنا له (3).
ويكفي في الفصل بينهما عندنا أن يقالَ: النَسخُ لا بُد من كونه متأخَراً متراخياً عن المنسوخ، والبيانُ ليس كذلك، لأنه قد لا يكونُ متراخياً، بل يكون قبلَه أو مَعَه أو عقِيبَه، وقد استوفينا ذلك فيما قَبْل.
ومما فَصَلُوا به أن قالوا: من بيان النَسخِ أن يتناولَ الأزمانَ فقَطْ، ومن حقِّ التَّخصيصِ أن يتناولَ الأوقاتَ والأعيانَ وأحوالَ الأعيانِ وصفاتِها وأفعالَها، وهذا ليس بصحيح؛ لما أوْضَحْناه من قَبْلُ أن النسخَ لا يتناولُ ذواتَ الأزمان، ولا ذواتَ الأعيانِ وأحوالِها وصفاتها وأفعالها، وإنما يتناولُ الأفعالَ الواقعةَ في (4) الأوقاتِ والأعيانِ، دونَ ذواتِ الأحوالِ والصِّفاتِ، وقد سَبقَ في بيان هذا ما أغنى عن إعادته (5).
__________
(1) في الأصل: "مما".
(2) في الأصل: "قرب"، وهو تحريف.
(3) انظر الصفحة (223).
(4) في الأصل: "من" والأنسب ما أثبتناه.
(5) انظر الصفحة (232).
(1/242)

فصول
في بيان وجوهِ النَّسخِ
اعلم أنه يجوزُ أن يَقَعَ النسخُ لُطْفاً وتخفيفاً بعدَ تشديدٍ وتغليظٍ بشهادة الكتاب العزيزِ، وهو قوله: {الآن خَفَّفَ الله عنكم وعَلِم أنَّ فيكم ضَعْفاً فإنْ يَكُنْ منكم مئةٌ صابرةٌ يغلبوا مئتَيْنِ وإنْ يَكُنْ منكم ألفٌ يغلبوا ألفَيْن بإذن الله} [الأنفا: 66]، بعد قولِه: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا} [الأنفال: 65]، فَنَسَخَ لقاءَ الواحدِ من المسلمين للعَشَرةِ من المشركين إلى لقاء الواحِد للاثنين.
وقولُه: {فالآن باشِرُوهُنَّ وابتغُوا ما كَتَبَ الله لكم وكُلُوا واشْرَبُوا حتى يتبيَّن لكم الخَيْطُ الأبيضُ من الخيْط الأسودِ من الفَجْر} [البقرة: 187]، بعد تحريمِه الأكل والجماع على من نامَ.
وقولُه: {إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} [المجادلة: 12]، ثم نسخَه بقوله: {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [المجادلة: 13].
وقوله: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ}، وقولُه: {وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ}، ثمَّ قال: {وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ
(1/243)

أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ} يعنى تطيقوه {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} [المزمل: 20]

فصل
ويجوزُ أن يقعَ النسخُ عقوبةً ومجازاةً على جرائمَ من المكلفين، يشهدُ لذلك الكتابُ العزيزُ، وهو قولُه: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} [النساء: 160 - 161].
والظاهرُ من هذا اللَّفظِ الذي أخْرجَه بيانَ المقابلةِ لجرائمَ عَدَّدَها أنه حرَّمَ عليهم الطَّيِّباتِ عقوبةً على هذه المخازي المذكورةِ عنهم، المضافةِ إليهم.

فصل
ويَقَعُ كرامةً وطلباً لرضا المكلَّفِ وماتَطِيبُ به نفسُه، مثلُ قوله سبحانه لنبيِّنا صلى الله عليه وسلم: {قد نَرَى تَقَلُّبَ وجهِك في السَّماء فلنُوَلِّيَنَّك قِبْلةً ترضاها فوَلِّ وجهَك شَطْرَ المسجدِ الحرام} [البقرة: 144]، وكان يكرهُ استقبالَ قبلةِ اليهودِ، وُيحِحث استقبالَ قبلةِ إبراهيمَ، فنسخَ اللهُ سبحانه ما كرهَه بما رضيَه من القبلتَيْن كرامةً له - صلى الله عليه وسلم -

فصل
وقد يكونُ ذلك لمصلحة مبنيَّةٍ على ما قَدَّمْنا من سهولةٍ بعد صعوبةٍ، وتخفيفِ التكليفِ؛ لكونه أقربَ إلى الاستجابة استصلاحاً للمكلَّفينَ، وقد يكونُ ابتلاءً من الله، ولا يبينُ وجهُ الأصلحِ فيه؛ إذْ له فعلُ ما شاءَ، يشهدُ لذلك قولُه: [سبحانه وتعالى]: {سيقولُ
(1/244)

السُّفهاءُ من الناس ما وَلَّاهم عن قبلتِهم التي كانوا عليها}، فأجابَهم بقوله: {قل لله المشْرقُ والمغْربُ يهدي من يشاءُ إلى صراطٍ مستقيم} [البقرة: 142]، وهذا تعليلٌ بمُجَرَّدِ المَلَكةِ، وأبانَ عن الابتلاء بقوله: {وما جَعَلْنا القِبلَةَ التي كنتَ، عليها إلا لنعلمَ من يَتَّبعُ الرَّسولَ ممَّن ينقلبُ على عَقِبَيْهِ وإن كانت لكبيرةً إلا على الدين هَدَى اللهُ} [البقرة: 143]، فامتحانُ العقولِ وابتلاؤها بعضُ وجوهِ النسخِ على ما قَررْنا في هذا الفصلِ.

فصل
ولا يختص بالأصلح؛ لأنا قد بَينَا أنه نسخَ بتحريمٍ وتضييقٍ في مقابلة أجرامٍ عَددَها، والأصلح لُطْفٌ، وليس اللطف مما يصلحُ أن يكونَ مقابَلًا بظلم، فلما قالَ سبحانه: {فبظلمٍ من الذين هادُوا} [النساء: 160]، عُلِمَ أنه لايُقابلُ المفسِدَ بالأصلح، وسنُشبعُ الكلامَ في نفي وجوبِه على الله سبحانه في مسائل الخلاف (1)، إن شاءَ الله.

فصل
والنسخُ على ثلاثة أَضْرُب: نسخُ الحكْمِ دونَ الرسمِ، ونسخُ الرَّسمِ دونَ الحكمِ، ونسخُ الرَّسم والحكمِ معاً.
فالاولُ: الوصيةُ للوالدَيْن والأقربين (2)، والاعتدادُ والتَربصُ بعد وفاةِ
__________
(1) انظر 4/ 211.
(2) في قوله تعالى: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين} [البقرة: 180].
(1/245)

الزَّوج حَوْلاً (1)، وهما جميعاً يُتلَيان في كتاب الله تعالى، فنُسِخَتِ الوصيَةُ بآية المواريثِ (2)، ونُسِخَ الحولُ بالأربعة أشهر وعشراً (3).
والثَّاني: آيةُ الرَّجمِ، منسوخةُ الرَّسمِ من كتاب اللهِ، وهَمً عمرُ بكَتْبها في حاشية المصحفِ، وخافَ النَّاسَ أن ينسُبُوا إليه الزَيادةَ في المصحف، وهي: {لا تَرْغَبُوا عن آبائكم فإن ذلك كُفْرٌ بكم، الشَيخُ والشَّيخةُ إذا زَنيا فارْجُمُوهما البتَّةَ نكالاً من الله واللهُ عزير حكيم} (4)،
__________
(1) في قوله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول} [البقرة: 240].
(2) في الآيتين (11 و12) من سورة النساء.
(3) في قوله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً} [البقرة: 234].
(4) أخرج هذه القصة مالك 2/ 823، وأحمد 1/ 23 و29 و36 و. 4 و43 و47 و 50 و 55 - 56، والدارمي 2/ 179، والبخاري (6829) و (6830)، ومسلم (1691)، وأبو داود (4418)، وابن ماجه (2553)، والترمذي (1431) و (1432)، والنسائي في "الكبرى" (7151) و (7154) و (7157) و (7158) و (7159) و (7160) عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.
دون ذكر نص الأية التي أوردها المصنف.
وأما قوله: "لا ترغبوا عن آبائكم فإن ذلك كفر بكم" فلاعلاقة له بآية الرجم، وقوله: (الشيخ والشيخة. .....) لم يرد إلا عند النسائي في "الكبرى" (7156) من طريق سفيان، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: سمعت عمر بن الخطاب، فذكره. وقال النسائي عقيبه: لا أعلم أن أحداً ذكر في هذا الحديث: " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" غير سفيان، وينبغي أنه وهم، والله أعلم.
(1/246)

وهي ثابتة الحكمِ، وهذا تعليقٌ للحكم على الغالب، وأن الشَيخيْنِ يكونان محصَنَيْن، وليس بتعليق على حقيقة السنِّ؛ لأنَ الشَيخَ والعجوزَ إذا لم يكونا تَواطَآ في نكاح صحيحٍ جُلِدا، لكن هذا ممَّا ذُكِرَ فيه السنُّ إحالةً على غالِبِ الحالِ معها.
وكذلك ذِكْرُ التَتابعِ في كفَّارةِ اليمين في قراءة ابن مسعود: "ثلاثةِ أيامٍ متَتابِعاتٍ" (1)، نُسِخَ الرسم، والحكمُ- وهو التَتابع- باقٍ عندنا (2).
والثالثُ: مثل ما روي عن عائشةَ رضي الله عنها أنها قالت: كان فيما أنْزَلَ الله: عَشْر رَضَعاتٍ معلوماتٍ، فَنُسِخنَ بخَمْسٍ معدوداتٍ، فتُوُفِّيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مما يُقْرَا في القرآن (3)، فكانت العَشْرُ منسوخةَ
__________
(1) في قوله تعالى: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام} [المائدة: 89]، و"متتابعات" قراءة أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود. "تفسير الطبري" 7/ 30، و"زاد المسير" 2/ 415.
ولم يرد فيما نقل إلينا من الروايات عن ابن مسعود أو غيره رفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإن قال قائل: هذا مما لا مجال فيه للاجتهاد بالرأي، فله حكم المرفوع، قلنا: نعم، يصح الاعتراض بهذا، إن كان ابن مسعود يرى أنها قرآن عن النبي صلى الله عليه وسلم، وليس الأمر كذلك، بل يحتمل أن تكون مذهباً له أو تفسيراً.
وبناء عليه لا يصح التمثيل بها على ما ذكره المصنف من نسخ الرسم مع بقاء الحكم، فليس هي قراءة مرفوعة، فضلاً عن أن تكون قرآناً، ثم الخلاف واقع بين الصحابة ومن بعدهم في اشتراط التتابع، والله أعلم.
(2) انظر "المغني" 13/ 528 - 529.
(3) أخرجه مالك 2/ 608، والدارمي 2/ 157، ومسلم (1452)، وأبو داود (2062)، وابن ماجه (1942)، والترمذي إثر الحديث (1150)، والنسائي =
(1/247)

الرسم إذلم نَقِفْ لها على رسم، ومنسوخةَ الحكمِ إذلم يَبْقَ بالعَشْرِ (1) عِبْرةٌ، ولا تَعَلَّقَ التحريم عليها.

فصل
وقد روِيَ أن سورةً كانت كسورة الأحزاب رفِعَتْ، وذكرَ فيها: "لو أن لابن آدمَ واديَيْنِ من ذهب لابتغى إليهما ثَالثاً، ولا يملأَ جَوْفَ ابنِ آدمَ إلا الترابُ، ويتوب الله على مَنْ تابَ" (2)، ورويَ أن الدَّاجِنَ
__________
= 6/ 100، وابن حبان (4221) و (4222)، والبيهقي 7/ 454 عن عائشة رضي الله عنها.
(1) في الأصل: "بالعشرة"، والصواب ما أثبتناه.
(2) أخرج مسلم (1050)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" 2/ 418 - 419 و419، والبيهقي في "دلائل النبوة" 7/ 156، عن أبي موسى الأشعري قال: كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة، فانسيتها، غير أنى قد حفظت منها: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب.
وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 1/ 256 - 257، وزاد نسبته إلى: ابن مردويه، وأبي نعيم في "الحلية".
وأخرج نحوه البخاري في "التاريخ الكبير" 4/ 325، والبزار (3634 - كشف الأستار، والطحاوي فىِ "شرح مشكل الآثار" 2/ 419 - 420 عن بريدة بن الحصيب الأسلمي.
وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 1/ 257 - 258، وزاد نسبته إلى ابن الضريس. وانظر ما تقدم في الصفحة (221) الحاشية رقم (5).
وأخرج نحوه أيضاً البخاري تعليقاً في "صحيحه" (6440)، والترمذي (3793)، والطبري في "تفسيره" 30/ 2840، والطحاوي في "شرح مشكل =
(1/248)

أكلت شيئاً كان فيه قرآن ولم يذْكَرْ (1).
وأنكرَ هذا قوم من الأصوليين، ولا وَجْهَ للِإنكار إذا صحَّت الرواية بذلك؛ لأنه إن كان القول بالأصلح، فقد يكون الأصلح رفعها، كما كان في الوقت الذي تُلِيَتْ ونزَلَتْ الأصلح نزوئها وتلاوتها، وإن كان القول بمطلق المشيئةِ، فيرفع الله ما يشاء كما ينَزِّل، وقد أعْلَمَ نَبينا ليلةَ القَدْرِ، ثم أنْساهُ ورَفَعهَا (2)، يعني رفعَ علمَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بها؛ بدليَل أنه قال: "فاطلبوها"، ولو كان الرفع لعَيْنها، لَمَا أمرَ بطلبها، كذلك رفعَ عِلْمنا بالسُّورة والآية، لا أنه أعْدَمها وأزالَ ذاتَها، وما خلا إنزالُها من
__________
= الآثار" 2/ 420 عن أبي بن كعب.
(1) أخرج أحمد 6/ 269، وابن ماجه (1944) عن عائشة قالت: لقد نزلت آية الرجم، ورضاعة الكبير عشراً، ولقد كان في صحيفة تحت سريري، فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتشاغلنا بموته، دخل داجن فأكلها.
ولقد كذَّب ابن حزم هذه الرواية في "الإِحكام في أصول الأحكام" 4/ 77 - 78، فانظر تمام كلامه فيه.
(2) أخرج أحمد 2/ 291، والدارمي 2/ 28، ومسلم (1166)، وابن خزيمة (2197)، وابن حبان (3678) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أريت ليلة القدر، ثم أيقظني أهلي، فنسيتها، فالتمسوها في العشر الغوابر".
وأخرج أحمد 5/ 313 و319، والدارمي 2/ 27 - 28، والبخاري (49) و (2023)، و (6049)، وابن حبان (3679) عن أنس بن مالك، عن عبادة ابن الصامت أنه قال: خرج نبي الله صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: "خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان، فرفعت، وعسى أن يكون خيراً لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة".
(1/249)

فائدة، وهي الِإيمانُ بها حيثُ كانت مَتْلُوَّةً، والتَسليمُ لحكم اللهِ حيث رُفِعَتْ، وفي رفعها بعد الإِنزالِ نوع بَلْوىً، قال الله سبحانه: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [النحل: 101]، فيكون رفعُ ما أنزلَه ونسخ ما أحكمَه زيادةً في إيمان المؤمنِ بتسليمه الله، وفتنةً للَّذين في قلوبهم مَرَضٌ.

فصل
وليس من شَرْط النسخِ للحكمِ أن يكون إلى بَدَل، بل قد ينسَخُ إلى بدَل وإلى غير بدلٍ، فيكونُ النسِخ إسقاطاً ورفعاً للحكم من أصله، وذلك كنسخ تَرَبُّصِ زوجةِ المتوفَى ما زاد على الأربعة أشهرٍ وعَشْراً من الحَوْل إلى غير بدلٍ، والاقتصارِ على خَمْس رضَعاتٍ بعد عَشْرٍ، فسقوط الخمْسِ إلى غير بدلٍ.
وليس لقائل أن يقولَ: أبْدَلَ الحَوْلَ ببعضه، وأبدلَ العَشْر بنصفها؛ لأن ما بَقِيَ بقيَ على ما كان، والسَّاقطُ منه خَرَجَ عمَّا كان، فلا وجهَ لتسمية ما بقيَ بدلَاً، مع كونِه على حكم أصلِه، والبدل ما قامَ مَقامَ الشَّيءِ، وسَدَّ مَسَده في الحكم الذي علِّقَ عليه، ولو جاز أن يُسَمَّى بعضُ الحولِ بدلًا؛ لَسُمَيَ ما بقيَ من الصَلاةِ المقصورةِ في السَّفَر بدلًا عن التَّامَّةِ في الأصل.

فصل
وما نُسِخَ إلى بدَل على خمسةِ أضْربِ: نسخُ واجبٍ إلى واجب، ونسخ واجبِ إلى مباحٍ، ونسخُ واجبِ إلىَ نَدْب، ونسخُ محظورٍ إلى مباح، ونسخُ إباحةٍ إلى حَظْر، وهي مَما قد يكونُ عقويةً.
(1/250)

فصل

فأما نسخُ الواجبِ إلى الواجب، فعلى ضَرْبَيْن (1):
نسخ واجبِ معينٍ إلى مثله في الإِيجاب والتَعيين، كنسخ الاتِّجاهِ إلى بيت المقدسِ إلى الاتَجاهِ نحْوَ الكعبةِ.
ونسخ واجب موسَّعٍ بالتَّخيير إلى واجب مضيقٍ بالتَعْيينِ، كالصِّيام، كان المُطِيقُ القادرُ عليه في صَدْر الإِسلامِ مخيراً بين الصِّيام والفِدْيَةِ طعام مسكينٍ مع الإِفطارِ، فقالَ سبحانه: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184]،، ثم نُسِخَ إلى الصَّوم حَتْماً وتعييناً من غير تخييرٍ، مع الإِقامةِ والصِّحَّةِ بقوله تعالى: {فمن شَهِدَ منكم الشَهْرَ فَلْيَصُمْه}، وتقديرُه: شَهدَ منكم الشَّهْرَ صحيحاً مقيماً {فَلْيَصُمْه}، بدليل قولِه: {ومن كان (2) مريضاً أو على سَفَرٍ فَعِدَةٌ من أيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185]، والمرضُ والسَّفرُ لا يُعْدِمانِ شهادةَ الشَهْرِ، لكنْ يُعْدِمانِ صفتَيْنِ في الشَّخص: الإِقامةَ والصِّحَّةَ، فثبتَ التَّقييدُ في الإِبدالِ، وهو (3) نوعُ توسعةٍ مع العُذْرِ، بعدَ أن كان التًخييرُ مع الصِّحةِ والإِقامةِ توسعةً مع عَدَمِ العُذْرِ.

فصل

وأما نسخُ الواجب إلى المُباحِ: كالصَّدقةِ عند مناجاةِ الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله: {وإذا ناجَيْتُمَ الرًسولَ فقَدً موا بينَ يَدَيْ نجواكم صدقةً}
__________
(1) انظر "العدة" 3/ 783 - 784.
(2) في الأصل زيادة: "منكم" بعد "كان".
(3) في الأصل: "وهي".
(1/251)

[المجادلة: 12]، فنُسِخَ ذلك الوجوبُ إلى جواز فعلِها وجواز تركِها بقوله تعالى: {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} (1) [المجادلة: 13].

فصل

وأما نسِخُ الواجب إلى النَّدْب: كالمصابرةِ، كان في صَدْر الإِسلام واجباَ على الِإنسَان المجاهدِ أن يُصابِرَ عَشَرَةً من المشركين، فنُسخَ إلىَ اثنين وجوباً، ونُدبَ إلى مصابرة ما زاد على الاثنين (2)، وقد تَلَونا الآيَ في ذلك في فصل نسخِ الأشدَ إلى الأخفِّ (3).
فصل

وأما نسخُ الحَظْرِ إلى الِإباحة (4): فقولُه تعالى: {عَلمَ اللهُ أنكم كنتم تَخْتانُون أنفسَكم فتابَ عليكم وعَفا عنكم فالآن باشِرُوهُنَّ وابْتَغُوا ما كتبَ اللهُ لكم وكُلُوا واشْرَبُوا حتى يَتَبينَ لكم الخَيْطُ الأبيضُ من الخيط الأسودِ من الفجْر} [البقرة: 187]، فكان الأكلُ والمباشرةُ محظورةً إذا نامَ ثم استيقظَ، ثم نُسخَ بالاَية المَتْلُوةِ أول هذا الفصلِ.
ومن السنَة قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "كنتُ (5) نَهَيْتُكم عن زيارة القُبورِ، ألا
__________
(1) المصدر السابق 3/ 784.
(2) المصدر السابق 3/ 784 - 785.
(3) انظر ما تقدم في الصفحة (243).
(4) في الأمحل: "والِإباحة"، والصواب بدون الواو كما أثبتنا.
(5) في الأصل: "كنتم".
(1/252)

فزُوزوها، و (1) كنتُ نهيتكم عن ادِّخار لحومِ الأضاحي، ألا فادَخِروها" (2).

فصل

وأما نسخ الِإباحةِ إلى الحظر: فهو كنسخ إباحةِ الشُّحُوم على اليهود لأجل ظلمِهم، بالحظْر لها عقوبةً، وكنسخ الخمرِ على أَمَته بعد إباحتِها مصلحةً، أو إرادةً مطلقةً.
فصل
قال بعضُ أهلِ العلمِ: وفي تقديم الأشَقَ على الأسهَلِ الأخَفِّ حِكْمَةٌ لها تأثيرٌ في التَكليف، وذلك أن النفوسَ إذا استشعرت لزومَ الأصعب، وتوَطنَتْ على التزامه، ثم جاءَ ما هو أسهلُ منه، سَهُلَ زيادةَ سهولةٍ، وهذا نجده من عاداتنا؛ فإن الظُلْمَ من السلاطينِ، والمُسْتامِينَ من الباعةِ، إذا ساموا الكثيرَ من المال والوافرَ من الأثمان، ثم جاءت المساهلة بإسقاط البعضِ، سَهُلَ الباقي، وإن كان الثمنُ الذي صارَ إليه، هو القدْرَ من الثَمن الذي هو ثمنُ المثْل، والقَدْرُ الذي صارَتِ
__________
(1) في الأصل: "كنت " بدون الواو.
(2) أخرجه أحمد 5/ 350 و355 و 356 و 356 - 357 و 359 و361، ومسلم (977) و (1977) و (37) و 3/ 1563 - 1564، وأبو داود (3235) والترمذي (1554) و (1515)، والنسائي 4/ 89 و 8/ 310 و 311 - 311 و311، وابن حبان (3168) و (5390) و (5391) و (5400) من حديث بريدة بن الحصيب.
(1/253)

المصادرة [إليه] (1)، هو الذي اطْمَأنَّتِ النُفوس إليه بالعادة، لكنْ لو ابْتدِىءَ بالآخِرِ فكان اوَّلاً، لم يَسْهُلْ.
فهذا نوعُ حِكْمَةٍ يُسَهِّل على نفوس المكلَّفين ما كان لولاه صعباً.

فصل
وقد جَمَعَ اللهُ سبحانه منثورَ ما ذَكَرْنا في قوله سبحانه: {ما نَنْسَخْ من آية أو ننْسِهَا نَأتِ بخير منها} [البقرة: 106]، يعني: خيراً لكم، وإلّاَ فالقرآن في نفسه لا يتفاضل؛ لكونه كلاماً لله سبحانه، وصفةً من صفاته التي لا تحتمِل التَّفاضلَ والتَخايرَ.
وماهو خيرٌ لنايحصلُ من وجوه:
أحدها: في السهولة المخفِّفَةِ عنَّا ثقَلَ التكليفِ، وذلك خيرٌ من وجهين: أحدهما: انتفاء المَشَقَةِ على النَفس، والثاني: حصول الاستجابةِ والمسارعةِ؛ فإن النفوسَ إلى الأسهل أسرعُ، وإذا أسْرَعَت الاستجابةُ، تَحَقَقَ إسقاطُ الفَرْضِ، وحصول الأجرِ.
والثاني من وجوه الخيرِ: كثرةُ المشقَةِ التي يتوفَّرُ بها الثواث، قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لعائشةَ: "ثوابك على قَدْرِ نَصَبِك" (2).
__________
(1) زيادة على الأصل يتضح بها المعنى.
(2) أخرجه أحمد 6/ 43، والبخاري (1787)، ومسلم (1211) و (126) و (127)، وابن خزيمة (3027)، والدارقطني 2/ 286، والحاكم 1/ 471 عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، يصدر الناس بنسكين وأصدر بنسك واحد؛ قال: "انتظري، فإذا طهرت، فاخرجي إلى التنعيم، فأهلَّي منه، ثم القينا عند كذا وكذا، ولكنها على قدر نصبك، أو نفقتك".
(1/254)

وقد يكون الخيرُ الأصلحَ الذي لا نعلمُ وجهَه.
وقوله: {أو مِثْلِها}: في السُّهولة أو الصُعوبةِ أو المَثُوبَةِ.
فإن قيل: فما أفادَ التبديلُ بالمِثْل شيئاً، إذا كان المثلُ ما سَدَّ مَسَدَّ مثله.
قيل: بل قد يفيدُ، إما زوالَ المَلَلِ؛ فإن النفوسَ قد تَمَلُّ، فإذا انتقلت إلى غَيْرٍ، سَهُلَ عليها التكليفُ، فإن المغايرةَ تُخَفًفُ الأفعال.
وقد تكونُ مِثْلًا لها في السُهولة والأجرِ، لكنْ يحصلُ بتغيُرِها وتبديلِها بغيرها زيادةُ تعبُّدٍ، وهو التًسليمُ والتًحكُمُ لأمر اللهِ في تغيير أحكامِه، ونقل عبادة من عبادة إلى عبادة من غير تَلوُّمٍ ولا اعتراضٍ، بخلاف ما نَطَقَتْ به الآياتُ عن أهل الشًرْكِ والنًفاقِ؛ من قولهم: {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} [البقرة: 142]، وقولِهم: {أيُّكم زَادَتْه هذه إيماناً} [التوبة: 124]، وقولِه: {{وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ} [النحل: 101]، فإذا حَصَلَ من المؤمنين المسارعةُ إلى طاعة اللهِ، والرًضا بتبديل الأحكام، وتغايُرِ التَكليفِ، كان لهم المضاعفةُ في الثواب، واللهُ أعلمُ.
(1/255)

فصل

في المُطْلَق
وهو في عبارات الفقهاءِ: ما عُلِّق الحكمُ عليه باسمه الأعَمِّ، كقوله: لا تذبحوا الحيوانَ لغير مَأْكلَةٍ، أو عُلَقَ عليه الحكمُ باسم خاصٍّ بالِإضافة إلى ما فوقه من الجِنْس، عامٍّ لما تحته من الأشخاص، كقوله: في الغنم صدقةٌ، {فتحريرُ رقَبَةٍ} [المجادلة: 3]، فهو مطلق عن صِفَة أو نَعْتٍ موسومٍ باسم مطلقٍ، وقوله تعالى: {واستَشْهِدُوا شهيدَيْن من رجالكم} [البقرة: 282].

فصل
وهو في أصل اللغة: التَخْلِيَةُ والِإرسالُ، تقول: أطلقتُ العبدَ والطًائرَ والدَّابَّةَ من القيدِ والقفصِ والشِّكالِ (1)، واطْلَقْتُ القولَ اطْلِقُه: إذا خَلَّيْتَه وأرسلتَه من تعليق على نعت أو صفةٍ؛ فإطلاقُ القولِ من معنىً يعيقُه، كإطلاقِ العبدِ والطًائر من معنىً يعيقُه.

فصل

في المُقَيَّد
والمقيَّد: ما غلِّقَ على اسم بنعت أو صفةٍ أو غيرِ ذلك مما يخصُه
__________
(1) هو العقال أو الحبل تشد به قوائم الدابة. "اللسان": (شكل).
(1/256)

على بعض الجملةِ المرسلَةِ، وهو شبيةٌ بالتّخصيصِ، وهو من نظرائه، والمطلقُ شبية بالعموم، ونظيرٌ له.
ومثالُ المقيَّدِ: {وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْل منكم} [الطلاق: 2]،. فكان عمل التَّقييدِ بالعدالة عَمَل التَخصيصِ المخرجِ من الجملة بعضَها، فصارتِ العدالةُ مخصَّصَةً بعضَ الرِّجالِ بالشَّهادة.
وكذلك قولُه: "في سائمةِ إلغنم (1) " صار مقيَّداً بالسَّوْم بعد أن كان مُطلقاً (2) على الغنم.
وقوله تعالى {فتحريرُ رَقَبةٍ مؤمنةٍ} [النساء:92] بعد قوله: {فتحريرُ رَقبةٍ} تقييد بالايمتن، وهو تخصيص فى الحقيقه، فالإِطلاق مكثِّرٌ أبداً؛ لأنه أَعمُّ، والتَقييدُ مقلِّلٌ أبداً؛ لأنه أخَصُّ.

فصل

وأصلُ الفَحْوى في الكلام في اللُّغة: من الكشف والإِظهارِ، قالوا في أبزار (3) القِدْرِ: فَحَا (4)، وقالوا: فَحِّ قِدْرَك، أي: أَلقِ فيها الأبزارَ لتفوحَ رِيحُها، فكما أن الأبزارَ تُظهِرُ ريحَ القِدْرِ، كذلك الفحوى تظهرُ
__________
(1) تقدم تخريجه في الصفحة (37) الحاشية رقم (3).
(2) في الأصل: "معلقاً"، وصوابها ما أثبتناه.
(3) الأبْزار: جمع بَزْر- بالكسر والفتح، والكسر أفصح-، وهو التابَلُ، وبَزَرَ القِدْرَ: رمى فيها البزر.
(4) في الأصل: "فح"، والفَحَا- بفتح الفاء وكسرها، والفتح أكثر-: تَوابِلُ القُدور، كالفُلْفُل والكمُّون ونحوهما.
(1/257)

معنى الكلام (1).

فصل
في لَحْنِ القول
وأما لحنُ القول: هو ما فهِمَ منه بمعنىً من لفظه، قال سبحانه: {ولتَعْرِفَنَهم في لَحْن القولِ} [محمد: 30]، وقال الشَّاعرُ:
مَنْطِقٌ صائبٌ وتَلْحَنُ أحيا ....... ناً وخيرُ الحديثِ ماكان لَحْنا (2)
وقيل: لحنُ القولِ: ما دلَّ عليه وحُذِفَ واستغْنيَ عنه بدليل الكلام عليه، نحو قولِه: {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ} -فانْبَجَسَتْ (3) - {مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} [البقرة: 60]، فدلَّ الكلام على أنه ضربَ الحجرَ فانفجرَتْ، ومثلُ قولِه: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى}، {فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى} [النازعات: 17، 20]، ففحواه: فذهبَ، فقالَ، وأراه الآيةَ الكبرى (4).
__________
(1) في الأصل: "للكلام"، والأنسب ما كتبناه.
(2) البيت لمالك بن أسماء بن خارجة الفزاري في جارية له، وقبله:
أَمُغَطَىً منِّي على بَصَري لل .... حبِّ أم أنتِ أكمل الناسِ حُسْنا
وحديث ألَذُه هو مما ... يَنْعَت النَاعتون يُوزَن وزنا
وهو في "البيان والتبيين" 1/ 147 و228، و"الأغاني" 17/ 236، و"الأمالي" 1/ 5، و"الشعر والشعراء" 2/ 782، و"اللسان": (الحن)، وورد في بعضها: "وأحلى " بدل "وخير".
(3) إشارة إلى الآية (160) من سورة الأعراف، ففيها: "فانبجست".
(4) "العدة" 1/ 154.
(1/258)

ويحتملُ أن يكونَ لحنُ القولِ ما أَفْصَحَ (1) بالمعنى وكَشَفَه، من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إِنكم لتَخْتَصِمُون إليَّ، ولعلَّ أحدَكم ألحنُ بحُجتِه من صاحبه" (2).

فصل

واعلم أنه لا يجبُ نُصْرَةُ أصولِ الفقهِ على مذهب فقيهٍ، بل الواجبُ النَظَرُ في الأدلَّةِ؛ فما أدّاه الدَّليلُ إليه، كان مذهبُه بحَسَبه، وبنى على ذلك الأصلِ، ونعوذُ بالله من اعتقاد مذهبٍ، ثم طلب تصحيحِ أصلِه، أو طلب دليلِه، وما ذلك إلا بمثابة من مضى في طريق مظلمٍ بغير ضياءٍ ثم طلبَ لذلك الطَّريقِ ضياءً يَنظرُ [إن] (3) كان فيه بئرٌ أو سَبُعٌ أو ما شاكلَ ذلك، أو كان سليماً، والذي يجب أن يكونَ الدَّليلُ هو المرشِد إلى المذهب.
__________
(1) في "الأصل ": "يصح "، والجادة ما أثبتنا.
(2) أخرجه مالك 2/ 719، وأحمد 6/ 302 و 290 و307 و308، و 320، والبخاري (2458) و (2680) و (6967) و (7169) و (7181) و (7185)، ومسلم (1713)، وأبو داود (3583) و (3584) و (3585)، وابن ماجه (2317)، والنسائي 8/ 223 و247 من حديث أم سلمة.
وأخرجه أحمد 2/ 332، وابن ماجه (2318) من حديث أبي هريرة.
(3) زيادة على الأصل يستقيم بها الكلام.
(1/259)

فصل

في فَرْض أصولِ الفقهِ
اعلم أن علمَ ذلك فَرْضٌ على الكفاية دونَ الأعيانِ (1)، والدَليلُ على ذلك: أن معرفةَ أحكام أفعالِ المكلفين المتوصَلِ إلى علمها بأصول الفقهِ وأدلَّةِ أحكام الفَقهِ، إنما هو على الكفاية دونَ الأعيانِ، وإنما على العاميِّ التَقليد في ذلك، والرجوعُ إلى قول العلماءِ، ولا يُعتبرُ بخلاف من يُخالِفُ في ذلك ممن زَعم أنه فرضٌ على الأعيان، وسنذكرُ ذلك في مسائل الخلافِ -إن شاء الله-، في باب التقليد ومسائلِه (2).
__________
(1) وهو المذهب والصحيح الذي عليه أكثر أصحاب الإمام أحمد كما قرره صاحب "آداب المفتي" و "شرح التحرير" فيما نقله عنهما ابن النجار الفتوحي في "شرح الكوكب المنير" 1/ 47.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "المسودة" ص 571: وقيل: هو فرض عين على من أراد الاجتهاد والحكم والفتوى. ونقل مثله أيضاً الفتوحي في "شرح الكوكب المنير" 47/ 1 عن ابن مفلح.
(2) في الجزء الأخير من الكتاب الصفحة 224.
(1/260)

فصل

في تراتيب أصولِ الفقهِ
اعلم أن أصولَ الفقهِ مرتَّبةٌ:
فأوَّلُها: الخطابُ الواردُ في كتاب اللهِ وسُنًةِ رسولِه على مراتبَ نذكرُها فيما بعد، إن شاء الله.
وثانيها: الكلامُ في حُكْم أفعالِ الرَّسولِ عليه الصلاة والسلامُ، الواقعةِ موقعَ البيانِ لمجملٍ في كتاب أو سُنَّةٍ، أو ابتداءِ إثباتِ حكمٍ بها؛ لأنها إذا وَقَعَتْ موقعَ البيانِ، صارَتْ بمنزلة الخطاب، وربما كان البيانُ بها لمنْ عَلِمَها وشاهَدَها أبلغَ منه بالقول، علىَ ما نذكرة من بعدُ، إن شاءَ الله.
وثالثها: القول في الأخْبارِ، وطُرُقِها، وأقسامِها.
ورابعُها: القولُ في بيان الأخبارِ المرويَّةِ عن الرَّسول عليه الصلاة والسَّلام، الآحادِ منها الواردةِ بشرُوطِ قَبُولِها في الأحكام، وأحكامِ المتلقَّى بالقبولِ منها، والمختلَفِ فيه.
وخامسُها: الإِجماع، وكيفيَّتُه، وحكمُه.
وسادسُها: القياسُ، ومعناه: المعاني المودَعةُ في كلام الرَّسولِ
(1/261)

- صلى الله عليه وسلم - التي إذا ثبتَ تَعَلُّقُ الحكمِ بها، وجبَ القياسُ على الأصولِ المودَعةِ فيها.
وسابعُها: صفةُ المُفتِي والمُستفتِي، والقولُ في التًقليد.
وثامنُها: القولُ في الحَظْر والإِباحةِ، وهذا يختصُّ أصلَنا؛ لأن طريقَهما السمعُ، وأما مَنْ يجعلُ طريقَهما العقلَ، لا يجعلُ الحظرَ والِإباحةَ من أحكام أصولِ الفقهِ، بل يجعلُهما من أحكام أصولِ الدِّينِ.

فصل
وقد دخلَ في الخطاب: الأمرُ، والنهيُ، والخصوصُ، والعمومُ، والنَاسخُ، والمنسوخُ، والمجمَلُ، والمفسَّرُ، والمطلَقُ، والمقيدُ، ولَحْنُ الخطابِ، ودليله، وفَحواه، ومراتبُ البيانِ، وسيجىءُ كلُ شيءٍ من ذلك في بابه، إن شاءَ الله.

فصل

والواجبُ عندنا تقديمُ الخطاب بحكم التَرتيب الواجب في أصول الفقهِ، والواجبُ تقديمُ خطاب الكتَابِ منه على خَطاب الَسُّنًةِ، وذلك أن كلَّ مَرْتَبَةٍ دونَ الخطابِ، إنما هي مودَعةٌ في الخطاب.
إنما وجبَ تقديم الكتاب؛ لكونه كلامَ اللهِ تعالى، وهو المرسِلُ لصاحب السُّنَّةِ، ولأن القرآنَ دَلالةُ صِدْقِه، وآيةُ نُبُوَّتِه، ولِمَا اختص به في نفسه من الجزالة والفصاحةِ والبلاغةِ، الخارقُ للعادات، ولكونه المضمَّنَ للأمر بطاعةِ الرسولِ فيه، عَلِمْنا اتباعَ السُنَّةِ.
(1/262)

فصل
وقد سَوَّى قومٌ بين مقطوعِ السنَةِ -وهو المتواتِرُ منها- وبين الكتابِ، وهم القائلون بجواز نسخِ الكتاب بالسنَةِ المتواتِرةِ، وعندنا أن للكتاب رتْبَةً على السُّنَةِ -وإن كانت متواتِرَةً- بما ذكرناه من المزايا.

فصل
ويلي الخطابَ في الرُّتْبَةِ: أفعال الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - الواقعةُ موقعَ البيانِ؛ لكونها بمثابة قولِه الواردِ لبيان الأحكامِ.
وخبرُ الواحدِ نظنُ به أن النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال ما تضمَّنَه من الحكم، وخبرُ التَواترِ نَقطعُ بما تضمَنَه، ونُثبتُ بخبر التواترِ الأصولَ، ولا نُثْبت بخبر الواحدِ إلا الأحكامَ (1).
__________
(1) قال الِإمام الحافظ الخطيب البغدادي في "الكفاية في علم الرواية" ص 432: خبر الواحد لا يقبل في شيء من أبواب الدين المأخوذ على المكلفين العلم بها والقطع عليها، والعلة في ذلك: أنه إذا لم يعلم أن الخبر قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كان أبعد من العلم بمضمونه. فأما ما عدا ذلك من الأحكام التي لم يوجب علينا العلم بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قررها، وأخبر عن الله عز وجل بها، فإن خبر الواحد فيها مقبول، والعمل به واجب، ويكون ما ورد فيه شرعاً، لسائر المكلفين أن يعمل به، وذلك نحو: ما ورد في الحدود، والكفارات، وهلال رمضان وشوال، وأحكام الطلاق، والعتاق، والحج، والزكاة، والمواريث، والبياعات، والطهارة، والصلاة، وتحريم المحظورات.
ولا يقبل خبر الواحد في منافاة حكم العقل، وحكم القرآن الثابت المحكم، والسنة المعلومة، والفعل الجاري مجرى السنة، وكل دليل مقطوع =
(1/263)

وقد قال بعضُ أصحابِنا: إذا تَلَقَتْه الأُمَةُ بالقَبول، صارَ كالمتواتِر في إثبات الصِّفاتِ، وليس بصحيح (1)؛ لأن التَّلَقِّيَ بالقَبول قد يقعُ لحُسْن الظن في الرَاوي، أو لعدم العلمِ بما يوجبُ رَدَه، أو لأنه غيرُ مقطوعٍ بكذبه، ولا هو مما ينافي ما يجبُ للقديم؛ لكونه محتمِلاً للتأويل وصَرْفه عن ظاهره بدليل العقلِ النَّافي لِمَا لا يليقُ بالقديم، وبالنصوص النَّافيةِ للتَشبيه، فلا يقعُ من المتلقَّى بالقَبول (2) ما يتحصَلُ من تواتر الروايةِ؛ فلذلك ثبتَ بالتواتر القراَنُ بإجماع الصَحابةِ، وردّوا بإجماعهم ما انفردَ به ابنُ مسعودٍ، فصفاتُ اللهِ لا تَدْنُوا عن رُتْبَة القرآنِ؛ لأنه صفة لله سبحانه، فصارَ ردُّهم لخبر الواحدِ فيما طريقُه الكلامُ بإجماعِهم دَلاَلَةً على أنه لا يجوز قَبولُ خبر الواحدِ إلا في الإضافة إلى الله، فأمَّا على أن المذكورَ صفة لله فلا (3)، وليس كلُّ مضافٍ إلى الله صفة لله (4)؛ بدليل الرُّوح المضافةِ إليه في حَق آدمَ
__________
= به، وإنما يقبل به فيما لا يقطع به؛ مما يجوز التعبد به كالأحكام التي تقدم ذكرنا لها، وما أشبهها مما لم نذكره.
(1) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا كان جمهورأهل العلم من جميع الطوائف على أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقاً له أو عملاً به، أنه يوجب العلم، وهذا هو الذي ذكره المصنفون في أصول الفقه من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، إلا فرقة قليلة من المتأخرين اتبعوا في ذلك طائفة من أهل الكلام أنكروا ذلك ... كالباقلاني والجويني وابن عقيل وابن الجوزي والآمدي". انظر "مقدمة في أصول التفسير": 67 - 68.
(2) في الأصل: "القول".
(3) هذا على قاعدة من يرد خبر الواحد في باب الأسماء والصفات؛ لأنه لا يفيد العلم. والصواب: أن خبر الواحد إذا صَحَّ فإنه يفيد العلم، وخاصة إذا احتفَّ بالقرائن، ويصح الاستدلال به على ثبوت الأسماء والصفات لله سبحانه وتعالى.
(4) الأصل أن ما أضيف إلى الله صفة له، إلا إذا علم أنه عين قائمة بنفسها أو متعلق بها.
(1/264)

وعيسى (1)، وكشفت أدلةُ القرآنِ وأدلةُ العقولِ على أنها مجردُ تشريفٍ بإضافة، لا أن لله صفةً يقالُ لها: الرُّوحُ ولَجَتْ آدمَ ولا عيسى، وإنَّما ذلك قولُ الحُلولِية (2).

فصل
ويلي ذلك: الكلامُ في الِإجماع، لأن حجَّته تثبتُ بعدَ الرَّسولِ عليه الصلاة والسلام، وبعد استقرارِ أحكامِ الكتابِ والسُّنَّةِ، ولأن ثبوتَ الحُجةِ فيه؛ بنَوْعِ دَلاَلَةٍ منهما، ومردود به إليهما.
فإن قيل: كيف أَخَّرْتُمُ الِإجماعَ عن الكتاب والسُنَّةِ بالِإجماع، ولا تتركونَ الِإجماعَ بهما؟
قيل: نحن لا نتركُ قولَ اللهِ وقولَ رسولِه لقول علماءِ الأُمَّةِ، لكنْ نتركُهما لِمثْلهما، فنتبين بإجماع الأُمةِ أن ذلك منسوخ، أو معدولٌ عن ظاهره؛ إذْ كان الِإجماعُ ليس بدليل في نفسه، لكنْ يصدرُ عن دليل، خلافَ من قال إنه ينعقدُ عن تَخْمِينِ الأُمَّةِ ومجرَّدِ حكمِهم، كما قالوا في تجويزِ قولِ الله سبحانه لنبيه: احْكُمْ بما تريدُ، فمهما حَكَمْتَ به، فهو حكمُنا، ولعِلْمِنا بأن الأُمَةَ لا ترفعُ حكماً باجتهادها، ولا بقياس منها.

فصل
ويلي ذلك: القياسُ، وإعمالُه في مواضعه، وذِكْرُ ما (3) هو فَرْضُه،
__________
(1) وذلك في الاية (29) من سورة الحجر، والآية: (171) من سورة النساء.
(2) نسبة إلى الحلول، وسموا بذلك لأنهم يقولون بحلول روح الإله في بعض الأشخاص."الفَرْق بين الفِرَق" ص 254.
(3) في الأصل: "من"، والمناسب ما أثبتناه.
(1/265)

وما يَتَّصِلُ من الفصول ببابه، وإنما وجبَ تأخيرُه عمَّا قَدَمْناه من الأدلةِ؛ لأجل أنه إنما ثَبَتَ كونُه أصلَاَ ودليلاً بالكتاب والسُّنَّةِ والإِجماعِ، على ما نبيِّنُه فيما بعدُ (1)، إن شاءَ الله، ولأن استعمالَه في مخالفة ما قدَّمْناهُ من الأدلةِ التي هي أصلُه محظورٌ، وإنما يصحُّ استعمالُه، إذا لم يَنْفِ ما ثبتَ به حُكْمُه.

فصل
ويلي ذلك: صفةُ المفتي، وإنما وجبَ تقديمُ القياسِ على هذا الأصلِ؛ لأجل أن المفتيَ إنما يصيرُ مفتياً يجوزُ الأخذُ بقوله، إذا عَرَفَ أدلَّةَ الأحكام، ومن جملتها القياسُ، فلما وجبَ أن يكونَ من جملة ما يصيرُ به مفَتياً القياسُ، وجبَ تقديمُ القياسِ؛ ليكونَ (2) العلمُ له بالقياس حاصلاً، وبمواضع القياسِ أيضاً عالماً.

فصل

وإنما جَعَلْنا القوْلَ في صفة المفتي والمستفتي من أصول الفقهِ؛ لأجل أن فتواه للعاميِّ دليلٌ له على وجوب الأخذِ به في حال وجوازِه في حال، فصارَتْ فتوى المجتهدِ للعاميَ كالأدلَّة التي هي النُصوصُ والظَّواهرُ والإِجماعُ والقياسُ للعالِمِ، ولما وجبَ أن تكونَ تلك من أصول الفقهِ؛ لكونها أدلَّةَ الأحكام للعلماء، كذلك فتوى (3) المفتين وجبَ أن تكونَ من أصولِ الفقه؛ لكونها أَدلَّةَ الأحكام للعوامِّ.
__________
(1) سيأتي في الجزء الأخير من الكتاب في الصفحة: 269.
(2) في الأصل: "ليكن"، والصواب ما كتبناه.
(3) في الأصل: "قوى".
(1/266)

وإنما ذَكَرْنا صفةَ المستفتي، وخَلَطْناه بأصول الفقهِ -وإن كان عامَياً مقلَداً ليس من الأدلةِ بشيء-؛ لأجل أن المفتيَ إنما يفتي عامِّياً له صفةٌ يسوغُ له التَّقليدُ للعالم إذا كان عليها، ولو لم يكُ كذلك، لَمَا جَازَ له الأخْذُ بقول غيرِه؛ فوجبَ ذِكْرُ صفتِهما وحالِهما.
وإذ (1) ذكرنا صفةَ المفتي والمستفتي، فقد ذكرنا أيضاً صفةَ الحاكمِ والمحكومِ عليه، وإن كان لا يصيرُ حاكماً بكونه عالماً بالأحكام، وممَّن يجوزُ تقليدُه، وإنما يصيرُ كذلك بأن يكونَ إماماً قد عَقَدَ له أهلُ الحَلِّ والعَقْدِ، أو متقلِّداً للحكم من قِبَلِ إمام أو مَنِ استخلفَه الِإمامُ.
فأما المحكومُ عليه فقد يكونُ عامِّياً، وقد يكونُ عالماً، والمستفتي لا يجوزُ أن يكونَ إلا عامَياً.
فإن قيل: قد بَيَّنْتُمُ الوجهَ الذي لأجله جَعَلْتُم المفتي والمستفتي من أصول الفقهِ، فما وجة جعلِكم الحظرَ والِإباحةَ من أصول الفقهِ؟
قيل: لى لان العالمَ إذا فقدَ الأدلَةَ في الحادثة، وجبَ أن يقِرَّ الأمرَ فيها على حكم العقلِ، إن كان ممَّن يُثْبِتُ به حظراً وإباحةً، فإن لم يكنْ ممَّن (2) يقولُ بذلك، وكانت الحادثةُ تتردَّدُ بين شَغْلِ ذِمَّةٍ وبين فَراغِها؛ بنى الأمرَ على فراغ الذِّمَّةِ، وإن لم يكنْ ممَّن يقولُ بإباحة ولا حظرٍ بمقتضى العقلِ، بَنَى على ما دَلَّ عليه أصلُ السَّمعِ من الحظر
__________
(1) في الأصل: "وإذا"، والجادة ما أثبتنا.
(2) في الأصل: "من".
(1/267)

أو الإِباحةِ، فلذلك جعلنا (1) الحظرَ والإِباحةَ من جملة أصولِ الفقهِ.

فصل
في صفةِ العالمِ الذي يسوغُ له الفتوى في الأحكام (2).
هو أن يكونَ على صفات عامَةٍ وخاصَةٍ:
فالعامةُ: التي لا تَخْتَص، من ذلك: العقلُ، والبلوغُ، والإِسلامُ، والعَدالةُ.
والصفاتُ التي تختصُّ: أن يكونَ عارفاً بالأدلَةِ ومناصبِها، وما يكونُ منها دليلًا بقضيةِ العقلِ وطريقِ الإِيجاب، وما هو متعلق بمدلوله تعلقاً لازماً، وما يدل منها بطريق المواضعَةِ من إهل اللغة، نحو تواضعِهم على دَلالاتِ الألفاظِ، وما جَعَلَه الشَرعُ دليلًا على الأحكام، ولولا ورودُه بذلك لم يكنْ دليلًا؛ لأنه بمعرفة ذلك يتمكَنُ من الوصول إلى العِلْم بأحكام الشَرعِ، وأنها مشروعةٌ من قِبَل الله عزَّ وجل الذي تعَبَّدَ خَلْقَه بماشاءَأن يَتعبدهم به.
وأن يكونَ بحيثُ يصحُ له ويتأتَى منه أن يحكمَ بحكم الله في القضية، إذا كان حاكماً.

فصل
ولا يصلُ إلى علم ذلك إلَّا بعدَ معرفتِه بحَدَث العالَمِ، وإثباتِ
__________
(1) في الأصل: "جعلت"، والمثبت أنسب للسياق.
(2) انظر "صفة الفتوى والمفتي والمستفتي": ص 13 - 54، و"العدة" 5/ 1594 - 1600، و "التمهيد" 4/ 390 - 392، و"المسودة" 514 - 517، و"شرح الكوكب المنير" 4/ 459 - 467.
(1/268)

الصَّانعِ تعالى، وأنه على ما يجبُ كونُه عليه من صفاته الواجبةِ له، وأنه يتعبَّدُ بالشَّرائع على ألْسِنَةِ رسلِه عليهم السَّلام، وأن يعرفَ كونَ الرسولِ رسولًا له تعالى بما دَلَّ على صدقه من معجزاته، ولا يصحُ له ذلك إلا بعد النَظَرِ في معجزاته، وأن يعرفَ وجهَ كونِها دلالةً على صدقه، ولا يصحُّ منه العلمُ بذلك أجمعَ حتى يكونَ عارفاً بالأدلَّةِ ونَصْبِها، ووجوبِ بناءِ النَّظرِ فيها بعضِه على بعض، وبناءِ العلوم الحاصلةِ عندَه، ومتى لم يَكْمُلْ بذلك ويتقدَّمْ علمُه، لم يصلْ إلى العلم بالله وبصدق رسلِه، وأنه تعالى متعبِّدٌ بهذه الأحكام؛ إذ كان تعبده بهذه الأحكام فرعاً على ما ذكرناه من الأصول وأدلتِهَا، ولهذه الأصولِ شروحٌ لا يصَلُ إلى معرفتها إلَّا من اطلَعَ في أصول الدِّياناتِ.

فصل
ثم يجبُ بعدَ ذلك أن يكونَ عارفاً باحكام الخطابِ، ومواقع الكلامِ ومواردِه، ومصادرِه، ومحتمِلِه وغيرِ محتمِلِه، ووجوهِ احتمالاتِه، وخاصَهِ وعامَّه، ومجمَله ومفسرهِ، ومحكمِه ومتشابِهِهِ، وحقيقتِه ومجازِه، ومطلَقِه ومقيده، ومَكْنِيِّه وصريحِه، وفَحْواهُ ولَحْنِه، ودليلِه، والفرقِ بين ذلك وغيرِ ذلك مما قد بَينَاه وشَرَحْناه في فصول البيانِ وأحكام الخطاب من هذا الكتاب، وإنَّما اعْتَبَرْنا ذلك في حقَه؛ لأنه بمعرفةَ ذلك يتمَكَنُ من معرفة المَرادِ بالخطابِ في الكتاب والسنَّةِ، ومَنْ قَصرَ عن ذلك، لم يَصِلْ إلى معرفته.
واعلم أنه لن ينالَ عِلْمَ ذلك حتى يحفظَ من اللُّغة والنَحْو والِإعرابِ، ما يتعلقُ بمعاني الآي، والسُّننِ المتضمِّنةِ للأحكام.
(1/269)

فأمَّا إخلالُه بما زادَ على ذلك فغيرُ مُضِرٍّ به في معرفة بتَضَمُنِ الكلام، ولو أنا لم نُسَوَغْ له الفُتْيا حتى يصيرَ في علم اللغة والإِعرابِ مثلَ الخليلِ (1) والمُبَرَّدِ (2) ومن جَرَى مَجْراهما في العلمَيْنِ، لضاقَ عليه، وشَغَلَه التَّناهي فيهما عن علم طرقِ الأحكامِ ووجوهِ الاجتهادِ.
قال المحقِّقونَ من العلماء كالقاضي الإِمامِ أبي بكرٍ (3) ومَنْ قاربَه أو شاكلَه: ولا وجهَ لقول من قال: إنه يلزمُه معرفةُ الأسماءِ الشًرعيةِ، والفرقِ بينها وبين اللُّغَوَّيةِ؛ لأنه ليس في الشَّرع اسم يخالفُ اللغوية على ما بيَّنَّاهُ من قبلُ (4)، ونبيِّنُه إن شاء اللهُ في مسائل الخلافِ (5).

فصل
ويجبُ أيضاً عند كثيرٍ من أهل العلمِ أن يكونَ حافظاً لكتاب الله جميعِه، ومحيطاً بالسننِ المتضمِّنةِ للأحْكام.
وذهب المحقِّقونَ إلى أنه يَلْزَمُه أن يحفظَ من الآي ما يتعلَّقُ به
__________
(1) هو الخليل بن أحمد بن عبد الرحمن الفراهيدي الأزدي، أبو عبد الرحمن البصري، إمام العربية، ومنشىء علم العروض، صنف كتاب "العين" في اللغة، و"العروض"، و"النقط والشكل" وغيرها، توفي سنة (170) ه، وقيل: (175) ه. "سير أعلام النبلاء" 7/ 429، و"إنباه الرواة" 1/ 376.
(2) هو محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الأزدي، أبو العباس البصري، إمام النحو، له تصانيف كثيرة، منها: كتاب "الكامل"، توفي سنة (286) ه. "سير أعلام النبلاء" 13/ 576.
(3) يعني الباقلاني.
(4) انظر الصفحة (35) و (100).
(5) سيأتي في 2/ 410.
(1/270)

أحكامُ الفقهِ، وما هو ناسخٌ ومنسوخٌ، وتاريخَ ذلك، وفي ذلك كفايةٌ له عن القَصَص والمواعظِ والأمثالِ والزَّواجرِ، إذ لا يتعلَقُ بذلك حكمٌ شرعيٌّ، فإن كان في القَصص ما يتعلَّقُ به (1) حكمٌ شرعيٌّ هو شرعٌ لمن قَبْلَنا، فذلك كآي الأحكامِ النازلةِ في شريعتنا، على أصلنا: أنَ (2) شَرْعَ من قَبْلَنا شرعٌ لنا.

فصل
ويجبُ أيضاً أن يكونَ عارفاً بأحكام أفعالِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام، وما قدَّمنا ذكرَه من مراتبها (3)، وما يجبُ اتَباعُه عليه منها، وما لا يجبُ ذلك فيه، وكيف يكونُ الفعلُ منها بياناً لحُكْم قولٍ لَزِمَ الأمَةَ أمثالُه، وما ليس منها كذلك.

فصل
ويجبُ كونُه عالماً بناسخ الخطاب ومنسوخِه اللذَين تتعلَّقُ بهما الأحكامُ، دونَ ما لا يتضمَّنُ من ذلكَ حكماً، ومعنى النَسخِ وطريقِ الحكمِ به، ويعرف أحكام المتعارضِ من النُصوصِ الذي لا يمكنُ بناءُ بعضِه على بعض، وما يمكنُ ذلك فيه، وهل يكونُ أخْذُ ما يمكنُ بناؤه دليلاً على الحكم، أم يجبُ إيقافُه وتعارضُه، والرجوعُ إلى غير ذلك؟
__________
(1) في الأصل: "من".
(2) في الأصل: "وأن".
(3) انظر ما تقدم في الصفحة (40).
(1/271)

فصل
وأن يعرفَ طُرُقَ البياناتِ، وما يجوزُ تأخيرُه منها، وما لا يجوزُ ذلك فيه.

فصل
وأن يكونَ عارفاً بالِإجماع وحجتِه، والخلافِ الذي يُعتد به والذي لا يُعتدُ به منه، وأين يسوغُ الاحتجاجُ بالإجماع؟ وأين لا يسوغُ التعلُّقُ

فصل
ويعلمَ أيضاً ما جُعِلَ في الشَّرع طريقاً إلى إثبات الحكمِ، إمَّا بجهة النَّصِّ، أو بغالب الظَّنَ بعد الاجتهادِ.

فصل
ويجبُ أن يكونَ عالماً عارفاً بالأخبار، ومراتبِها، وترجيحِها.

فصل
ويجبُ أن يكونَ عارفاً بالعِلَل، ووجهِ القياسِ، وأحكام العِلَلِ، وأين يجبُ أن تعملَ؟ وكيف يَستدِلُّ على ثبوتِ العلَّةِ المقيسِ عليها، أو على فسادها؟

فصل
ويجبُ في الجملة أن يكونَ عالماً بجميع أصولِ الفقه وأدلَّةِ الأحْكامِ، وما هو أوْلى بالتَّقدُّم منها، على ما تَقَدَّمَ من ترتيبنا.
(1/272)

فصل
ويجبُ مع ذلك كلِّه ان يتَقِيَ اللهَ تعالى، ويَستعمِلَ التَحرزَ فيما يُفتِي به ويحكُم -إن كان حاكماً-، وأن يعلمَ أنه مؤاخذٌ بالتَّقصير والتَساهلِ في ذلك.
ومتى لم يكنْ كذلك، لم يَجُزْ للعاميِّ أن يستفتيَه ويرجعَ إلى قوله.
(1/273)

فصل
فيما يجبُ أن يحفظَ من الأحاديث
ظاهر كلام أحمدَ أنه يعتبرُ في صحَّة الفُتْيا حِفْظُ جملةٍ من الأحاديث، قال في رواية صالحٍ (1) في الرَّجل إذا حَمَلَ نفسَه على الفتيا: ينبغي أن يكونَ عالماً بوجوه القرآنِ، عالماً بالأسانيد الصَّحيحةِ، عالماً بالسُّنن (2).
ونقلَ عنه أبو الحارث: لا يجوزُ الاختيارُ إلا لرجل عالمٍ بالكتاب والسنة (3).
__________
(1) هو صالح بن أحمد بن محمد بن حنبل، أبو الفضل الشيباني البغدادي، قاضي أصبهان، وهو أكبر أولاد الإمام أحمد، سمع من أبيه مسائل كثيرة، توفي سنة (266) ه."سير أعلام النبلاء" 12/ 529، و"طبقات الحنابلة" 1/ 173.
(2) كتبت في الأصل: "السير"، والمثبت من "العدة" 5/ 1595، و "المسودة" ص 515، و "إعلام الموقعين" 1/ 44 و 4/ 205.
(3) ذكر هذه الرواية بنصها القاضي أبو يعلى في"العدة" 5/ 1595، وذكرها أيضاً ابن القيم في "إعلام الموقعين" 1/ 45 و 4/ 205، ووقع عنده في الموضعين: "الإفتاء" بدل " الاختيار"، وهي بحروفها في "المسودة" ص 515، إلا أن شيخ الإسلام ابن تيمية جعلها من رواية يوسف بن موسى، وعقب عليها بقوله: =
(1/274)

وقال في رواية حَنْبَلٍ (1): ينبغي لمن افْتى أن يكونَ عالماً بقول من تقدَّمَ، وإلا فلا يًفْتي (2).
وقال في رواية يوسفَ بن موسى: أحب إليً أن يتعلَّمَ كل ما تكلم النًاسُ فيه (3).
وسألَ رجلٌ أحمدَ بن حَنْبَلٍ: إذا حفظَ الرَّجلُ مئةَ ألفِ حديثٍ يكونُ فقيهاً؟ قال: لا، قال: فمِئَتَىْ الْف حديثٍ؟ قال: لا، قلت: فثلاثَ مِئَةِ ألفِ حديثٍ؟ قال: لا، قلت: فأرْبَعَ مئةِ ألفٍ؟ قال بيده هكذا، وحَرَّكَ يدَه (4).
وقال الثِّقاتُ من أصحاب الحديثِ: إن يحيى بن مَعِين (5) كان يحفظُ مِئَتَيْ ألفٍ، وكان عليُّ ابن المدينى (6) يحفظً أربعَ مئةِ ألفِ
__________
= قلت: الاختيار غير الإفتاء؛ لأن الاختيار ترجيح قول على قول، وقد يفتى بالتقليد المحض.
(1) هو حنبل بن إسحاق بن حنبل، أبو علي الشيباني، ابن عم الإمام أحمد وتلميذه، له مسائل كثيرة عنه، صنف "الفتن" و "المحنة"، وله "تاريخ" مفيد، توفي سنة (273) ه. "سير أعلام النبلاء" 13/ 51.
(2) وردت هذه الرواية في "العدة" 5/ 1595، و"المسودة" ص515، و"إعلام الموقعين" 1/ 45 و 4/ 205.
(3) ذكر هذه الرواية أبو يعلى في " العدة" 5/ 1595، وابن القيم في"إعلام الموقعين" 4/ 205.
(4) هذه الرواية في "العدة" 5/ 1597، و"إعلام الموقعين" 1/ 45 و 4/ 205.
(5) هو يحى بن معين بن عون بن زياد، أبو زكريا الغطفاني ثم المُرِّي، شيخ المحدثين، توفي سنة (233) ه. "سير أعلام النبلاء" 11/ 71.
(6) هو علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح، أبو الحسن السعدي البصري، أمير =
(1/275)

حديثٍ، وعثمانُ أخوه (1) مئةَ ألفٍ.
وقال المخبِرونَ (2) لأحمدَ: أجابَ عن سِتِّ مئةِ ألف.
فظاهرُ كلام أحمدَ اعتبارُ هذا المِقْدارِ -أعني خَمْسَ مئةِ ألْفٍ، أو سِتَّ مئةِ ألفٍ-، حيثُ حَركَ يدَه تحريكاً يُعْطِي التردُّدَ في فتيا من يحفظُ أربعَ مئةِ ألفٍ.
قال شيخُنا الِإمامُ أبو يَعْلى ابنُ الفرَاءِ (3) -كرمَ اللهُ وجهَه-: وهذا محمولٌ على الاحتياط والتَغليظِ في الفتيا (4).
__________
= المؤمنين في الحديث، توفي سنة (234) ه. "سير أعلام النبلاء" 11/ 41.
(1) كذا الأصل، ولم نتبين وجهه، وعثمان هذا لا ندري من هو، فلا يعرف لعلي بن المديني أو يحيى بن معين أخ بهذا الاسم، فضلاً عن أن يكون حافظاً، إلا أن يكون في الكلام سقط، تقديره: وأبو بكر بن أبي شيبة يحفظ (كذا)، وأخوه عثمان ... ؛ فإن عثمان بن أبي شيبة معدود في الحفاظ.
(2) كذا كانت في الأصل، ثم عدلت بقلم مغاير إلى "المختبرون "، وتوجيه الأول: أنهم الرواة المختصون بالرواية والإخبار عن الِإمام أحمد، ويؤيد ذلك أن هذه الرواية ذكرها أبو يعلى في "العدة" 5/ 1597، وابن القيم في "إعلام الموقعين" 1/ 45، وليس فيها ذكر لاختبار أو امتحان، بل هي مجرد رواية وإخبار عن مقدار حفظ الإمام أحمد.
(3) هو محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفراء، أبو يعلي البغدادي، شيخ الحنابلة في زمانه، ولي القضاء بدار الخلافة والحريم، مع قضاء حرَّان وحُلوان، صنف "العدة" و"أحكام القرآن" و"المعتمد"، وغيرها، توفي سنة (458) ه. "سير أعلام النبلاء" 18/ 89.
(4) انظر "العدة" 5/ 1597، وتتمة كلامه فيه: ويحتمل أن يكون أراد بذلك =
(1/276)

وهذا من كلام شيخنا حَسَنٌ، لا يليقُ الكلامُ إلَّا به، وذلك أنَّا لو اعتبَرْنا حفظَ هذه الجملةِ، لما جازَتِ الفتيا لأحد؛ لأن هذا القَدْرَ لا يجتمعُ حفظهُ وحفظُ ما يَفْتقِر إليه الاجتهادُ من بقيَّة العلوم، وقد قدَمْنا أنه لا يفتقرُ إلى أقصى علوم اللُّغةِ والعربيَّةِ، بل ما لا بدًّ منه بمعرفة الآي والأخبار المضفَنةِ للأحكام، حتى قلنا: لا يحتاجُ أن يكونَ كالخليل والمُبَرًّد، كذلك لا يُشترطُ هنا أن يكونَ كابن المَدِينى وأحمدَ؛ لأن من بلغَ هذا الحَدَّ من الحفظ لابدَّ أن يفوتَه ما لا يسْتَغْنى عنه من الفقه، فهذا تحقيقُ كلامِ شيخِنا رضي الله عنه.
وَيعْضُدُ تأويلَ شيخِنا من كلام أحمدَ ما رواه أبو موسى الوَرَّاق (1): سمعتُ أحمد بن حنبلٍ وذاكرَه دحَيْم (2) بالأصول التي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال أحمد: إن الأصولَ التي يدورُ عليها العلمُ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ينبغي أن تكونَ ألفاً أو ألفاً ومئتين (3).
__________
= وصف أكمل الفقهاء، فأما ما لا بد منه فالذي وصفنا. يعني قوله المتقدم في صفة المفتي: أنه يحتاج أن يعرف من السنة جملها التي تشتمل الأحكام عليها.
(1) هو عيسى بن جعفر، أبو موسى الوراق الصفدي البغدادي، روى عن الِإمام أحمد أشياء، توفي سنة (272) ه. "سير أعلام النبلاء" 13/ 144، و"طبقات الحنابلة" 1/ 247.
(2) هو عبد الرحمن بن إبراهيم بن عمرو بن ميمون, أبو سعيد الدمشقي، قاضي مدينة طبرية، كان محدث الشام في وقته، توفي سنة (245) ه. "سير أعلام النبلاء" 11/ 515.
(3) انظر "العدة" 5/ 1600، و"المسودة" ص 516، و"شرح الكوكب المنير" 4/ 561
(1/277)

فهذا هو الذي تتضمَّنُه تعاليقُ الفقهاءِ في غالب الأحوالِ، وبانَ بهذه الرِّوايةِ أنه ذكرَ تلك الجملةَ احتياطاً ومبالغةً، واللهُ أعلمُ.

فصل
ولا يَحِلُّ لأحد أن يُفتيَ مع عَدَمِ ما ذكَرْنا أو اختلالِه، والدَّلالةُ على ذلك: قولُه تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36]، وقولُه {فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} [آل عمران: 66]، وقوله: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ} [التوبة: 122] فاعتبرَ التَّفقُّهَ في الدين في الإِنذار، وقولُه سبحانه: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].
وأيضاً فإن القاصرَ عن صفات الفُتْيا لا يُومَنُ أن يجيبَ بجهلٍ فيُضِلَّ، وقد ورَدَتِ السنَةُ بمثل ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: ((إن اللهَ لا يرفعُ العلمَ انتزاعاً يَنْتَزعُه من صدور الرِّجالِ، لكنْ يرفعهُ بموت العلماءِ، فإذا لم يَبْقَ عالمٌ اتَّخَذَ النَاسُ رؤوساً جُهَّالًا، فسُئِلُوا، فأَفتَوْا بغير علمٍ، فضَلُّوا وأَضَلُّوا" (1).
وأيضاً ما رُوِيَ أن أميرَ المؤمنين علىَّ بن أبي طالبٍ، سمعَ أن رجلاً تكلَّمَ في الحلال والحرامِ وليس بفقيهٍ، فخرجَ، فخطبَ،
__________
(1) أخرجه أحمد 2/ 162 و.19 و203، والدارمي 1/ 77، والبخاري في "صحيحه" (100) و (7307) وفي " خلق أفعال العباد" (369)، ومسلم (2673)، وابن ماجه (52)، والترمذي (2652)، والنسائي في "الكبرى" (5907) و (5908) عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
(1/278)

فقال: ذِمَّتي بما أقولُ رَهينَةٌ، وأنا به زَعيمٌ: إنَ امْرَأً صرَّحَتْ له العواقبُ عمَّا بين يَدَيْهِ من المَثُلاتِ، حَجَزَه التَّقوى عن تَقَحُّم الشُبُهاتِ، وإن شَرَّ النَّاسِ رجل قَمَشَ علماً في أوْباشٍ من النَّاسِ، فهو في قِطَع من الشُّبُهات كمِثْلِ نَسْجِ العنكبوتِ، خَباطُ عَشَواتٍ، رَكَابُ جهالاتٍ، لم يَعَضَّ على العلم بضِرْسٍ قاطعٍ فيَغْنَمَ، ولا سَكَت عمَّا لم يعلَمْ فيَسْلَمَ، فويلٌ للدِّماء والفُروجِ منه (1).
ولأن الرُّجوعَ في قِيَم المتلَفاتِ وأُرُوشِ الجِناياتِ لا يجوزُ، إلاَّ أن يكونَ المرجوعُ إليه من أهل الخِبْرةِ بأسعار الأسواقِ، فأوْلى في باب أحكامِ الشَّرعِ ألَّا يرجعَ إلى مَنْ لا خبرةَ له بها، أوكان مقصِّراً فيها.

فصل
وظاهرُ كلام أحمدَ جوازُ إرشادِ العاميِّ إلى مجتهدٍ يستفتيه، وإن كان المدلولُ عليَه والمرشَدُ إليه يخالفُ مذهبَ الدالِّ؛ فإنه سُئِلَ عن مسألة، فقال: عليك بالمدنيِّين (2). يعني: مذهبَ مالكٍ، وقال أيضاً لبعض أصحابه: لا تَحْمِل النَّاس على مذهبك. يعني: دَعْهم يَتَرَخَّصون بمذاهَب النَّاسِ.
وهذا يعطي أن مذهبَه: أن كلَّ مجتهدٍ مصيب، لأنه لو كان عنده على خطأ، لَمَا جازَ له دَلالَةُ الطالب للحقِّ على مَنْ يعتقدُ أنه على
__________
(1) انظر الخطبة بطولها في "الفائق" للزمخشري 2/ 15 - 16، و"نهج البلاغة" 1/ 105 - 108.
(2) انظر هذه الرواية بتمامها في "العدة" 4/ 1226، و"المسودة" ص 463، و"طبقات الحنابلة" 1/ 142.
(1/279)

غير حقٍّ، ووجهُ ذلك: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاءِ الرَّاشدين من بَعْدِي" (1)، مع علمه بأنهم سيختلفون، وقولُه: "وأصحابي كالنُجوم، بأيِّهم اقتديتم اهتدَيْتم" (2).
ولأن الِإجماعَ انعقدَ على جواز تَوْلِيَةِ بعضِ الفقهاءِ بعضاً ولايةَ
__________
(1) جزء من حديث العرباض بن سارية الصحيح الذي أخرجه أحمد 4/ 126 و 126 - 127 و 127، والدارمي 1/ 44 - 45، وأبو داود (4607)، وابن ماجه (42) و (43) و (44)، والترمذي (2676). وقال الترمذي: حسن صحيح.
(2) أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" 2/ 91، وابن حزم في "الِإحكام" 6/ 82 من حديث جابربن عبد الله. وفي سنده سلام بن سلم أو سُليم أو سليمان الطويل، قال البخاري: يتكلمون فيه تركوه، وقال ابن معين: ضعيف لا يكتب حديثه، وقال أحمد: روى أحاديث منكرة، وقال النسائي: متروك، وفيه الحارث بين غصين وهو مجهول.
وأخرجه الخطيب البغدادي في "الكفاية" ص 48، وابن بطة في "الِإبانة" (702)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" 7/ 632 من حديث ابن عباس. وفي سنده سليمان بن أبي كريمة وهو ضعيف الحديث، وجويبر بن سعيد الأزدي، قال ابن معين: ليس بشيء، وقال النسائي والدارقطني وغيرهما: متروك، والضحاك -وهو ابن مزاحم الهلالي راويه عن ابن عباس- لم يلقه.
وأخرجه الخطيب في "الكفاية" ص 48، وابن بطة في "الِإبانة" (700)، وابن عساكر 6/ 604 من حديث عمربن الخطاب، وفي سنده نعيم بن حماد وهو كثير الخطأ، وعبد الرحيم بن زيد العمي قال البخاري: تركوه، وقال يحيى: كذاب، وقال أبو حاتم: ترك حديثه، وضعفه أبو داود وأبو زرعة.
وأخرجه عبد بن حميد (783)، وابن بطة (701) من حديث عبد الله بن عمر، وفي سنده حمزة بن أبي حمزة الجزري، قال البخاري: منكر الحديث، وقال الدارقطني: متروك، وقال ابن عدي: عامة ما يروله موضوع.
(1/280)

الأحْكام مع العلمِ بأنهم يَقْضُونَ بما يخالفُ الحقَّ عندهم، ولو كان الإِرشادُ اَليهم غيرَ جائزٍ، لكان المنْعُ من توليتِهمُ الأحْكامَ أوْلى بالمنع؛ لأن الحكمَ يؤدِّي إلى إلزام ما ليس بحقٍّ عندَ المُوَلِّي، مثلُ الشافعىِّ يُوَلِّي الحنفيَّ والحنبليَّ فيَحْكُمان باستقرار الصَّداقِ وتكميلِه بالخَلْوةِ (1)، والحنبلي يوَلَّي الحنفى فيحكم بإيجاب الشُّفْعَةِ بالجِوار (2)، وُيوَلِّي الشافعيَّ فيحكم بإيجاب الشفْعَةِ للذِّمِّيِّ على المسلم (3)، وُيولِّي الحنفيَّ فيحكمُ بعقود عندَه باطلة، وبقَتْل المسلمِ بالكافر (4).
فإن قيل: كيف نرشدُه إلى ما نعتقدُه خطأً وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "الدينُ النَصيحةُ" (5)؛ وأَيُّ نصيحةٍ في إرشاد مسترشدٍ إلى مَنْ نُخَطِّئُه
__________
(1) انظر "المغني" 10/ 153 وما بعدها.
(2) انظر "البناية شرح الهداية" 8/ 451 وما بعدها، و "المغني" 7/ 436 وما بعدها.
(3) انظر " تكملة المجموع شرح المهذب" 14/ 314، و "المغني" 7/ 524 وما بعدها.
(4) يعني: الذمي، وانظر تفصيل المسألة في "البناية شرح الهداية" 10/ 23 وما بعدها، و"المغني" 11/ 465 وما بعدها.
(5) أخرجه أحمد 4/ 102 و102 - 103، ومسلم (55)، وأبو داود (4944)، والنسائي 7/ 156 و156 - 157، وابن حبان (4574) و (4575) عن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الدين النصيحة"، قلنا: لمن؟ قال: "الله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم".
وأخرجه أحمد 2/ 297، والترمذى (1926)، والنسائي 7/ 157 عن أبي هريرة.
وأخرجه أحمد 1/ 351، والبزار (61 - كشف الأستار)، وأبو يعلى (2372) =
(1/281)

في مذهبه؟
قيل: لسنا على قَطْع من الِإصابة منَّا، ولا الخطإ من مخالفنا، وخطأُ المجتهدِ خطأٌ لا يُسْتحَقُّ عليه عقابٌ، بل لا يخلو فيه من أجر الاجتهادِ، فهو كخطإ القِبْلَةِ، وخطإ المتَحَرِّي في المياه المشتبِهةِ نَجسِها بطاهرها؛ ولهذا المعنى اتَّفقنا على جواز تقليدِ مخالفينا ولايةَ الأَحكامِ، وتقاضَيْنا إليهم في الخصومات، وصَلَّيْنا خلفَهم.
ولهم أن يقولوا: فكما لا يجوزُ أن تَدُل على قطع الخطإ، لا يجوزُ أن تَدُل على ما يغلبُ على الظَّنَ أنه خطأٌ، ألا ترى أنه كما لا يجوزُ الدَلالَةُ على طريق يُقْطع فيه على الضرر، لا يجوزُ أن يُدَل المسترشدُ على طريق يغلبُ على ظنَنا أن فيه سَبُعاً.

فصل
وظاهرُ كلامِ أحمدَ أن صاحبَ الحديثِ أحق بالفُتْيا من صاحب الرايِ، قال عبد الله (1): سألْتُ أبي عن رجل يريدُ أن يسألَ عن الشَيءِ من أمر دينهِ فيما يُبْتَلَى به من الأيمانِ في (2) الطَلاق وغيرِه، وفي مِصْره من أصحاب الرَّأْي، ومن أصحاب الحديثِ لا يحفظون، ولا يعرفون
__________
= عن ابن عباس.
وأخرجه الدارمي 2/ 311، والبزار (62 - كشف الاستار) عن ابن عمر.
(1) هو عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل، أبو عبد الرحمن الشيباني المروزي ثم البغدادي، روى عن أبيه الِإمام أحمد شيئاً كثيراً، من جملته: "المسند" كله، و"الزهد"، توفي سنة (290) ه. "سير أعلام النبلاء" 13/ 516.
(2) في الأصل: "و"، والمثبت من المصادر الآتية قريباً.
(1/282)

الحديثَ الضَّعيفَ، ولا الإِسناد القَويَّ، فلمن يسألُ: لأصحاب الرَّأيِ، أو لهؤلاء مع ما هم. عليه من قِلَّة معرفتِهم؟ قال: يسألُ أصحابَ الحديثِ، ولا يسأل أصحابَ الرأيِ، ضعيفُ الحديثِ خيرٌ من رأي أهلَ الرَّأيِ (1).
وهذا عندي محمولٌ على أحد أمرَيْن؛ ليجتمعَ كلامُه ولا يتناقضَ: إمَّا على أنه عَلِمَ من أهل الحديثِ الذين ذَكَرَهم فقهاً؛ إذ لا يجوزُ لمثله (2) أن يجيزَ تقليدَ مَن لا اجتهاد له ولا فقهَ، سوى حِفْظِ أحاديثَ يَرْويها لا يعلمُ أسانيدَها، فضلَاً عن فقه ألفاظِها ومعانِيها.
أو يكون السُّؤالُ الذي أجازَه. برجعُ إلى الرِّواية، ويكون أهلُ الرأي الذين طَعَنَ فيهم أهلَ رأيٍ في رَدِّ الأحاديثِ، لا الرَّاي في فقه الأحاديثِ، واستنباط المعاني، والعلمِ بالقياس، وكيف يكونُ ذلك وهو من كبار أهلِ الراي؛ بقوله بالقياس، وعلمِه بأنه إجماعُ السلَف؟ وإنما الذَّمُ عادَ إلى ما تَردُ به الأحاديثُ كرأي المبتدِعين، والله أعلمُ.

فصل
ويجب أن ينظرَ المفتي إلى الحكم الذي يُفْتِي العاميَّ به: فإن كان مما يَسُوغُ خلافُه، أعْلَمَه الحكمَ في مذهبه، واستُحِبَّ
__________
(1) وردت هذه الرواية في "العدة" 5/ 1595 - 1596، و"المسودة" ص 515، و"إعلام الموقعين" 4/ 205، و"مسائل أحمد" لابنه عبد الله: 438.
(2) في الأصل: "بمثله".
(1/283)

له إعلامُه بمذهب غيرهِ، إن كان أهلاً للتَّوسعَة عليه وأهلاً للرُّخْصة، حتى إنْ ضاقَ عليه مذهبُه، سألَ غيرَه، فكان عامِلًا بالتقليد؛ لئلَّا يرتكبَ مخالفةَ مذهب هذا المفتي من غير تقليدٍ لآخرَ مِن أهل الاجتهادِ، فيكونَ في ذلكَ آثماً؛ فلذلك استَحْبَبْناله أن يجَنِّبَه التَّعرُّضَ بالِإثم.
وإن كان الحكمُ الذي أفْتى به إجماعاً لا يسوغُ الخلاف فيه، أَعلَمه ذلك، وكان إعلامُه واجباً وجوبَ فروضِ الكفاياتِ، إن كان في البلد غيرُه، وإن كان وحيداً لا مُفْتِيَ غيرُه، تعَيَّنَ عليه إعلامُه، كما تتعيَّنُ سائرُ فروضِ الكفاياتِ في حَقِّ الواحدِ.

فصل
والذي هو أهلٌ للرخصة: الطالبُ للحق أو بالحق، أو الطالبُ للتخلُّص مِنَ الربا أو الزَنا، فيدله إلى مذهب مَنْ يرى التَحَيلَ للخَلاص من الرِّبا، والخُلْعَ لعدم وقوعِ الطَلاقِ، وماَ شاكلَ ذلك (1).

فصل
وإذا جاءَتْ إلى المجتهدِ مسألةٌ، فعَزَبَ عنه الجوابُ، واحتاجَ إلى مُهْلَة للنَّظَر، فإن كان معه في المِصْرِ غيرُه، كان له رَدها، وإن كان قد تعَينَتْ عليه؛ بأن كان وحيداً في المِصْر، وَجَبَ عليه النَّظَرُ، ولم
__________
(1) شريطة أن لا يؤدي ذلك إلى استحلال ما حرم الله، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "كل حيلةٍ تضمنت إسقاط حق الله أو الآدمي، فهي تندرج فيما يستحل به المحارم". مجموع الفتاوى 3/ 191، وقد ذكرت هذه المسألة وأقوال العلماء فيها في كتابي "أصول مذهب الإمام أحمد" الصفحة 497 وما بعدها.
(1/284)

يَجُزْ له إهمالُ الجوابِ، كسائر فروضِ الكفاياتِ (1).

فصل
وإذا تَردَّدَ أمرُ الحادثةِ بينَ أصلَيْنِ، وجبَ عليه التَّرجيحُ، فإلى أيِّهما مالَتْ بحُكم الشَّبَهِ والأحكامِ، وجبَ عليه إلحاقُ الحادثَة به، وذلك مثلُ: أن جاءَتْه مسألةٌ تردَّدُ بيْنَ اليَمينِ بالله والظهارِ، أو تتردَّدُ بين إيجاب كفَّارةٍ أو نَفْيِ إيجابِها، وكان شَبَهُها بما يوجِبُ الكفَّارةَ أكثر، أَلْحَقَهَا به، وأوجبَ المنَارةَ.

فصل
وإن كان جوابُها عنده حاضراً؛ بأن حَضَرَه الدَّليلُ وكان وحيداً، تَعيَّنَ عليه الجوابُ، وإن كان معه غيرُه، جازَ له الامتناعُ (2)؛ وذاك لأن الصَّحابةَ -رضوانُ اللهِ عليهم- كانوا يتدافعون الفُتْيا، ولو كان الجوابُ متعيِّناً، لمَا جازَ لهم ذلك، ألا تَرَى أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا كان واحداً فيما كان عليه مِن إيجاب البيانِ عليه والتَّبليغِ، لم يَجُزْ له تأخير الجوابِ عن السؤال، ولا البياَنِ عن الحاجة بإجماعٍ، وعن الخطاب عندَ قومٍ.

فصل
فإن كان معه في المِصْر مَن لا يَصْلُح للفتيا، لكنَّه يُفْتِي ويعْرَفُ بذلك بَيْنَ العوامِّ، لم يَحِلَّ للمجتهد الامتناعُ مِن الجواب اعتماداً عليه
__________
(1) انظر "المسودة" ص 512، و"أدب المفتي والمستفتي" لأبي عمرو ابن الصلاح ص 108 - 109.
(2) انظر المصدرين السابقين.
(1/285)

لمعنَيْينِ:
أحدُهما: أنَ وجودَ ذلك كلا وجودٍ، وهو وحيدٌ في المَعْنى، إذ ذلك ليس مِن أهل الفَرْضِ، فهو كمن تركَ صلاةَ الجِنَازةِ لامرأةٍ أو ذمِّيٍّ معه في القرية، أو تركَ النَّهْيَ عن المنكَر، لوجود مجنونٍ أو طفلٍ معه في القرية، فإنه لا يَحِل له ذلك لمَّا كان على حُكم الوَحْدَةِ، إذ ليس معه مِن أهل الفَرْضِ والخطابِ أحَدٌ، كذلك ها هنا.
والمعنى الثاني: أنه إذا تَرَكَ الجوابَ إظهاراً للاعتماد على مَنْ ليس مِن أهل الفُتيا، صارَ كالِإحالةِ بالفُتيا على مَنْ ليس مِن أهلها، فهو كما لو دَل العامِّىَّ على غير فقيهٍ مجتهدٍ، فإنه لا يجوزُ له ذلك، كذلك ما يجري مَجْرى الدَّلالةِ عليه.
(1/286)

فصل
في صِفَة المُسْتفتِي
وهو مَن عُدِمَ في حقِّه ما قدَّمْناه من المعرفة بطرق الاجتهادِ (1)، أو قَصَرَ عنها تقصيراً يخرجه عن أن يجوزَ ان يستفتى في حكم الحادثةِ، فذاك العامِّيُّ بعينه، وفرْضه فيما يبتلى به من النَّوازل الدَينيَّةِ والحوادثِ الحُكْميَّةِ سؤال المجتهدِ الذي وصَفْناه فيما قَبْل، فهذا هو المستفتِي، وسؤالُه للمجتهد هو الاستفتاءُ.
ولا عِبْرَة بقول (2) من زَعَم أن على العامِّيِّ العلمَ بدليلٍ يرشِده إلى حكْم الحادثِة (3)؛ لأن ذلك يقطعه عن مصالحهِ، ولا يَتأَتى منه ولا له دَرْك البغْيَةِ؛ لكون ذلك يحتاج إلى تقدُّمِ معرفةِ أصولِ الفقهِ على ما قدَّمْنا، وأَنَّى ذلك للعامِّيِّ.

فصل
فإن كان عالماً بطرق الاجتهادِ، لكنَّه فاسق، فهل يجوز له أن
__________
(1) انظر "العدة" 5/ 1601، و"المسودة" ص 517، و"شرح الكوكب المنير" 4/ 539.
(2) مكررة في الأصل.
(3) هم قوم من المعتزلة البغداديين كما حكاه عنهم أبو الحسن البصري في "المعتمد" 2/ 360.
(1/287)

يأخذَ باجتهاد نفسِه، أم يرجعَ إلى مجتهد غيرهِ (1)؟
يحتملُ أن لا يُقَلدَ؛ ولهذا قلنا: إن الإِجماعَ ينعقدُ بغيره، ولا يَنْخَرِمُ بمخالفته، فألزمونا أخْذَه في الأحكام برأي نفسِه، وأنه لا يجوزُ مخالفةُ رأيه في حقِّ نفسِه برأي الجماعةِ، فسلَّمْناه، ولهذا نقول في القِبْلة: لاَ يَرْجِعُ إليه غيرُه، ولا يرجعُ إلى قول غيرهِ، إذا كان فاسقاً.

فصل
وحكمُ العامِّيِّ في جميع الأحْكام الشَّرعيَّةِ حكمُ العالمِ فيما لا يجدُ عليه دليلاً قطعياً كنصِّ كتابٍ أو سُنَةٍ متواترةٍ، فإنه يجوزُ له الأخْذُ بخَبَر الواحدِ المظنونِ في نفسه، المظنونِ به الحكمُ الذي وَرَدَ به، كذلك العاميُ لَمَّا لم يكنْ له طريقٌ إلى معرفة الحكم، صارَ فَرْضُه الرجوعَ إلى قول المفتي العالمِ العَدْلِ، الذي يَغْلِبُ على الظَّنِّ صدقُه، وإصابتُه فيما أَفْتى به.
فإن قيل: العالمُ يرجعُ إلى دليل قطعيٍّ يُوجبُ عنده الأخذَ بأخبار الآحادِ، والقياسِ، وغير ذلك من الأدلةِ المظنونةِ، والعامى لا علمَ عندَه قطعي في تقليده للعالم.
قيل: لا فَرْقَ بينهما، فإن العاميَ قد ثبتَ عنده من طريق مقطوعٍ به أنه مأمورٌ بالرجوع فيما يَنُوبُه إلى عالم بالحكم، والأخذِ بفتواه، وهو إجماعُ الصَّحابةِ على سماع الأسئلةِ من البادِيَة ومَنْ لا فقهَ له والجواب لهم عمَّا سأَلُوا، ولا أحدَ منهم امتنعَ من ذلك، وهذا طريقُ علمٍ لا ظَن، إذ لم يكنْ جميعُ الصحابةِ فقهاءَ.
__________
(1) انظر: "صفة الفتوى" ص 29.
(1/288)

فصل

ولا يَتَعيَّنُ الاستفتاءُ لواحد -وهو ما يذهبُ إليه الرافِضَة (1) من الإِمام المعصومِ، المودِع للعلوم، المغني عن غيره في باب الأحكامِ- لوجوه:
أحَدها (2): أنَّا لا نعلمُ إماماً معصوماً، ومَنْ نَحَوْا إليه بالإِمامةِ والعِصْمَةِ، فقد قَطَعُوا ما بيننا وبينه بقولهم: إنه كان في ذُلِّ التَّقيَّةِ المانعةِ من كَشْف الحَقِّ على الحقيقة. وهذا يُفضي إلى أن لا يُعْرَفَ له مذهبٌ، ولا يُتَعَرَّفَ منه حكمٌ، فالإِحالةُ على ما هذا سبيلُه مَنْع لنا من الرجوعِ إلى من وجَدْنا من العلماء، وسد لباب علمِ المعصومِ، فكنا عادِمِينَ لأحكام الشَرعِ؛ إذ كان علماؤنا غيرَ واقعينَ على الحقِّ، وعلمُ المعصومِ محجوبٌ عنا بالتَّقِيَّة.
وهذا مستوفىً في باب الإِمامةِ في أصول الدَّياناتِ، وليس هذا مكانَه.
__________
(1) هم صنف من الشيعة، وسموا: رافضة؛ لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر، وهم مجمعون على أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على استخلاف علي بن أبي طالب باسمه، وأظهر ذلك وأعلنه، وأن أكثر الصحابة ضلوا بتركهم الاقتداء به بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الإمامة لا تكون إلا بنص وتوقيف، وأنها وراثة، وأنه جائز للإمام في حال التَّقِيَّةِ أن يقول: إنه ليس بإمام.
وأبطلوا جميعاً الاجتهاد فى الأحكام، وزعموا أن الإمام لا يكون إلا أفضل الناس، وهم يدعون الإمامية؛ لقولهم بالنص على إمامة علي بن أبي طالب. (مقالات الإسلاميين) لأبي الحسن الأشعري ص 16.
(2) اقتصر المصنف على ذكر هذا الوجه فقط.
(1/289)

فصل
في بيان فسادِ هذه المقالةِ، بحَسَب الكتابِ.
إنه قولٌ يؤدي إلى الطَّعن فيهم وفي جميع الصَّحابةِ، أما الطَّعنُ فيهم؛ فإنهم لَمَّا أرادوا الإِمامةَ، قد بَرَزُوا في مقابلة كُل مكافح لهم في معنىً من المعاني، والصَّوْلُ أكبرُ من القول، ولم يَرْشَحُوا بما ذهبوا إليه إلى من تابعَهم على قتال من قاتَلَهم، ولا كاتَبُوا بما عَلِمُوه من الأحكام مما خُولِفُوا فيه مَنْ ناصَبَهم، وهذا بعينه دليلُنا على إعجاز القرآنِ، والردُ على من زعمَ أن القومَ قَدَرُوا، لكنْ أهْمَلُوا أمرَ المعارضةِ لقلِّة اكتراثِهم.
فقلنا: مُحالٌ أن نتحدَّاهم بالأسهل عليهم، وهو القولُ الذي يحصلُ به التَّكذيبُ، فيعدِلُوا إلى الأصعب، وهو الصَوْلُ الذي ليس فيه ما يَدُلُّ على الكذب، كذلك ها هنا لا يجوزُ أن يَعْدِلُوا -هؤلاء- عن القول لِمَا عَرَفُوه، والعدولُ عنه إلى الحِرابِ والقتالِ.

فصل
ويلزمُ العامِّيَّ: أن يعرفَ حالَ المفتي فيما لا غَناءَ عنه، فإذا سألَ عنه فوجدَه من أهل الفتيا، جازَ أن يستفتيَه (1)، وقد سبقَتْ صفاتُ العالِمِ المستفتَى، فأغنى عن الِإعادة.
ولا يجوزُ له أن يستفتيَ من شاءَ، هذا مذهبُ أحمدَ رضي الله عنه، وجمهورالعلماءِ من الفقهاء والأصوليين.
__________
(1) انظر "شرح مختصر الروضة" 3/ 663 وما بعدها.
(1/290)

وحُكِيَ ان قوماً أجازوا أن يستفتيَ غيرَه من غير تعَرُّفٍ لحاله في العلم والأمانةِ، كما يجوزُ أن يأخذَ بالقول من غير مسألةٍ عن الدَليل والحجَّةِ فيما أَفتاه به.
وهذا اعتلالٌ باطلٌ؛ لأن إجماعَ الأمَّةِ على خلافه؛ لأنهم كانوا لا يُجيزون للإِنسان أن يستفتيَ كُلَّ واحدٍ، ومن ليس من أهل العلم بهذا الشَأنِ، بل كان منهم من كان "يُلْزِمُ العامِّيَّ الاجتهادَ والمسألةَ في الأعلم منهم والأعدلِ والأفضلِ، [و] إذا (1) لزمه اجتهاده عند المسالةِ إلى أن منهم من هو أعلمُ وأورعُ وأفضل، لَزِمَه الأخذ بقوله دون الأخذِ بقول من قَصَرَ عنه، ومنهم من كان يعلمُ عدالَة الراوي، ثم يُحَلِّفُه مع عدالتِه، وهو على بن أبي طالب (2) -كرَّمَ اللهُ وجهه-.
ومعلوم أنَ تقليدَ العالِمِ للراوي كتقليدِ العاميِّ للفقيه في الاستفتاءِ، وأيضاً فإنَ المستفتَى، إذا لم يتقدمْ البحثُ عن حاله جازَ أن يكونَ كالمستفتِي في الجَهْل بالحكمِ المسؤولِ عنه، فلا يفيد سؤالُه فائدةً، لانَّهما سواء، فلا وجهَ لتقديمِ أحدِهما بأن يكونَ متبوعاً، ومُستفتىً على الآخر، كما لا يلزمُ استفتاءُ العالِم عالماً لتساويهما،
__________
(1) زيادة يقتضيها السياق.
(2) أخرجه أحمد 1/ 2 و9 و10، وأبو داود (1521)، وابن 4، جه (1395)، والترمذي (406) و (3006)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (414) و (415) و (416) و (417) عن أسماء بن الحكم الفزاري، عن علي رضي الله عنه قال: كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه غيري استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وأن أبا بكر رضي الله عنه حدثني -وصدق أبو بكر- أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال ... ، فذكر حديثاً.
(1/291)

كذلك لا يجوزُ استفتاءُ الجاهلِ جاهلاً لتساويهما.
فإن قيل: أليس قد اسْقِطَ عن العاميِّ النَظَرُ في أدلة الأحكامِ؛ كذلك وجبَ أن يُسقَطَ عنه النَظرُ في أعيان المفتِين، ولا فرقَ بين الدليلِ والمسؤولِ في كون كل واحدٍ منهما مرشِداً.
قيل: إنَ في تكليف العاميِّ النَظرَ في أدلَةِ الأحْكام تعطيلاً للمصالح، وتكليفَ ما يَضُرُّ تكليفُه بالعالَم؛ لوقوف المَعايشِ وَتعطِل الأعمالِ، وقد بَيَّنَا قَدْرَ ما يحتاجُ إليه المجتهدُ من العلوم، وكفى بذلك شغلَاً عن أن يبقى معه مُسْكة لتحصيل رزقٍ أو نَفَقَةِ عيال، وليس كذلك البحثُ والسؤالُ عن حالِ المستفتَى، فإنَه أمرٌ قريبٌ سهل لا يتعذَّرُ ولا يتطاوَلُ زمانُه.
فلهذه المصلحةِ جعلَ الله تعلمَ العلمِ فريضةَ كفايةٍ، ولم يجعلْه فريضةَ أعيانٍ.
وأيضاً، فإن كلَّ مَنْ لَزِمَهُ الرجوعُ إلى قول غيرِه، أو كلَّ من وجبَ عليه الرُّجوعُ إلى قولِ غيرِه، وجَبَ أن يعرفَه؛ بدليل أنَ النَبى - صلى الله عليه وسلم - لمَا وجبَ الرجوعُ إلى قوله، وجبَ أن نعرفَه، وكذلك الأئمَّةُ والحكامُ لَما وجبَ الرجوعُ إلى قولهم، وجبَ معرفتُهم، كذلك وجبَ على العاميِّ معرفةُ المجتهدين وأئمةِ الحَلِّ والعَقْدِ (1).
فإن قيل: أفليس يكفيه أن يُخبِرَه عن العلماء الواحدُ والاثنان ومَنْ لا يقعُ العلمُ بخبرِهم، ولا يعتبرُ من يقعُ العلمُ بخبرهِم وهو عددُ
__________
(1) انظر" شرح مختصر الروضة" 3/ 664.
(1/292)

التَّواترِ (1)، كذلك لا يعتبرُ من يُحقَقُ وُيقْطَعُ بأنه من أهل الاجتهادِ، بل يكفي أنْ يكونَ غيرَ عالمٍ وغير معلومٍ حالُه.
قيل: الأَوْلى في الخبرِ أن يُعلِمَنا مَنْ له علم بذلك، وهم علماءُ البلدِ العدولُ، على أنَ اعتبار العدالةِ والعلمِ يجوزُ أن يُعتبرَ في المستفتَى وإن لم يُعتبرْ في المخبِرِ عن فتواه؛ بدليلِ المُقَوِّمَينِ في المُقَوَّماتِ يُرجَعُ إليهما (2)، ويجبُ أن يكونا في اعتبار الثقةِ بقولهما عالِمين بالأسعارِ والأسواقِ، ولا يُعتَبرُ في الخبر عنهما ذلك، كذلك جازَ أن يكونَ المخبِرُ عن المفتى ليس بعالمٍ، ولكن يُعتبرُ العلمُ في المستفتَى.

فصل
فإِذا عَرفَ حالَ جماعةٍ في المِصْرِ فوجدَهم علماءَ عدولًا، فهل يلزمُه الاجتهادُ في الأعلم، أو يكونُ مخيًراً بين الجماعةِ؟
ذهبَ صاحبنا (3) إلى أنه ينبغي له أن يجتهدَ فيقلِّدَ الأعلمَ والأورعَ، ووافقَه جماعة، وذهبَ قوم إلىْ تخييرِه، فأيُّهم شاءَ قَلَّدَه، وأَخَذَ بقولِه.
__________
(1) في الأصل: "المتواتر".
(2) في الأصل: "إليها".
(3) يعني به الإمام أحمد بن حنبل والصحيح أن للإمام أحمد في هذه المسألة روايتين وبكل واحدة منهما قال جماعة من أصحابه، انظر في ذلك "التمهيد" 4/ 403 - 405، و "المسودة" ص 462 - 464، و"شرح مختصر الروضة" 3/ 666 - 667، و"شرح الكوكب المنير"4/ 571 - 573، و"إعلام الموقعين" 4/ 254 - 255.
(1/293)

والدَلالةُ لمن ذهبَ إلى وجوب ذلك: أن العلماءَ للعامَّةِ في باب الرًّجوعِ إليهم كالأدلَّة بالِإضافةِ إلىَ العلماء، ثم المجتهد يجبُ عليه أن يُرجِّحَ الدَلالَةَ، ويذهبَ إلى الحكمِ الذي رجحَتْ دَلالَتُه، كذلك ها هنا يجبُ على العاميِّ أن يُرَجِّحَ من يرجعُ إلى قولِه، وكذلك ترجيحُ الخبرِ على الخبر للعمل بالأرجح بوجوه التَراجيح واجبٌ ليعملَ بأرجحِها.
ووجهُ مَنْ [لا يرى] (1) الوجوبَ: أن الذي يَحْصُلُ به رُكْنُ الاستفتاءِ، ويتحقَقُ به المقصودُ، إنَما هو الاجتهادُ الكاملُ وقد وُجدَ، والعدالةُ للثِّقة وقد وُجدَتْ (2) فأمَّا الأفضلُ والأعلمُ والأورعُ فيُعَطى منزلتَه، وهو الأوْلى والاستحبابُ، فأمَّا الإِيجابُ فلا، بدليل الشَّهادةِ، فإنَه لا تُقَدمُ فيها دعوى من شَهِدَتْ له البينةُ الفاصلةُ، بالوَرَع وشدَّةِ التَّحرِّي.
وبدليل أن السلفَ الصالحَ لم يتركوا المفضولَ، ولا منعوا من استفتائِه؛ لوجود الأفضلِ، ولأن الفُتْيا والحكمَ مبنية على السهولةِ؛ ولذلك شهدَ للمخطىءِ بالأجر، وجعلَ للمصيب أَجْرَيْنِ (3).
__________
(1) زدناها على الأصل لضرورة استقامة المعنى.
(2) في الأصل: "وجد"، والمناسب ما كتبناه.
(3) في الأصل: "أخرى".
وهو يريد حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا حكم الحاكم فاجتهد، ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد، تم أخطأ، فله أجر" الذي أخرجه أحمد 4/ 198 و 204 - 205، والبخاري (7352)، ومسلم (1716)، وأبو د اود (3574)، وابن ماجه (2314)، والنسائي في "الكبرى" (5918) و (5919)، وابن حبان =
(1/294)

ولأنَّ غايةَ ما في هذا نوعُ احتياطٍ، وليس كل احتياطٍ واجباً، كما لم يجبْ الأخذ بالأشق، كالأخذِا بتحريم من افتى بالمَنْع، كذلك لا يلزمُ التَعويلُ على الأعلمِ والأورع؛ لأنَه الأحوطُ، إنما يُعطَى رتبتَه من الأوْلى والاستحبابِ.

فصل
واعْلَمْ أنني لَمَّا قَدَّمتُ هذه الجملةَ من العقودِ والحدودِ وتمهيدِ الأصولِ، ومَيزْتها عن مسائل الخلافِ، رأيت أن أُشْفِعَها بذكر حدودِ الجَدَلِ، وعقودِه، وشروطِه، وآدابه، ولوازمِه؛ فإنه من أدواتِ الاجتهادِ، وأُؤخِّرَ مسائلَ الخلاف؛ فيه إَلحاقاً لكلِّ شيءٍ بشكلِه، وضَم كل شيءٍ إلى مثله، فجمعت بذلك بين قواعدِ هذين العلْمين -أصولِ الفقهِ والجدلِ- واخَرْتُ مسائلَ الخلافِ فيهما، فإن الأصولَ بالأصول أشْبهُ، وإليها أقربُ، والخلاف بالخلافِ أشبهُ، والله الموفَقُ لما فيه سهولةُ الحفظِ للمنتهي، وسرعةُ الفهمِ والتلقُّفِ للمبتدي، وهو حَسْبي، ونِعْمَ الوكيلُ.
__________
= (5061) من حديث عمروبن العاص.
وأخرجه أحمد 4/ 198 و 204 - 205، والبخاري (7352)، ومسلم (1716)، وأبو داود (3574)، وابن ماجه (2314)، والترمذي (1326)، والنسائي في "المجتبى" 8/ 223 - 224 وفي "الكبرى" (5918) و (5919) و (5920)، وابن حبان (5060) من حديث أبي هريرة.
(1/295)

فصول
صناعةِ الجَدَلِ
وحَقيقتِهِ، وشُروطِه، وآدابه، وعُقودِه، وأدواتِه، والغرضِ به على طريقة الأصوليين -وسنعقبهُ إنَ شاءَ الله بمُفْرَدٍ (1) على طريقة الفقهاءِ-، وبيانِ المُضِيِّ في سننِه والخروجِ عنه، وكيفيَّةِ السؤالِ والجواب، وبيانِ الحُجةِ والبرهانِ، والحَجْرِ فيه والتفويضِ، والانتقالِ والَانقطاع والتخليطِ، وإلى كم ينتهي جوازُ السؤالِ ب "لِمَ" ويحسنُ، ومتى ينقطعُ وَيقْبُحُ، ومراتب الحُجَّةِ، والفَرْقِ بينها وبين الشُبهةِ، والفرقِ بين الحُجةِ والذَلالةِ، والَإِلزام والانفصالِ، وبيانِ أنواعِ الحجةِ وتنوُّعِها بتنوُع المذهب، ومصادرةِ اَلحجةِ بالصناعةِ، والفرقِ بين طريقةِ الحجَّةِ في جَدَلنا، وبَين الحجَّةِ في المنطقِ، وبيانِ الإلزام بوسائطَ وسِياقةٍ (2)، وبيانِ قسمةِ الالزام، والفرقِ بين البرهانِ والإِلزَام، وبيانِ الأصلِ والفرع، وبيانِ قِفةِ الأَصولِ وكثرةِ الفروعِ، والعِلَّةِ واَلمعلولِ، والفرقِ بين الدَلالةِ والعلَّةِ، وإيجابِ الحكمِ بالعلَّةِ، والعلَّةِ المسماةِ بالمتولّدةِ،
__________
(1) أي في كتاب مفرد، وقد أنجزه المصنف، وسماه: "الجدل على طريقة الفقهاء"، نشره المعهد الفرنسي بدمشق سنة (1967) م بتحقيق جورج مقدسي.
(2) أي تتابع.
(1/296)

وإجراءِ العلَّةِ في المعلول، نقلِ العلَّةِ إلى الكُلِّيةِ، وتحديدِ العلَّةِ، والعلَّةِ العقليَّةِ والسمعيَّةِ، والمعارضةِ وأنواعِها وأقسامِها، والقياسِ وأقسامِه، والوجوه التي منها يكونُ القياسُ، والقسمةِ وأنواعِها، والانقطاع وأنواعهِ بالشُّبهةِ والمكابرةِ والشَّغَبِ والمناقضةِ، والانتقالِ هل هو انقطاع في الجُملة أو بعضُه ليس بانقطاع؟ ووصايا علماءِ الجدلِ.

فصل

في حَدِّ الجدلِ المتحقِّقِ
وحده: نقْلُ الخَصْمِ من مذهبٍ إلى مذهبٍ، وقيل: من مذهبٍ إلى غيرهِ بطريقِ الحجَّةِ (1).

فصل
قال بعضُ أهل العلمِ: والغَرَضُ به إصابةُ الحق بطريقه.
فاعترضَه حنبليٌّ فقال: ذاك هو النَظرُ (2)؛ لأن غَرَضَ النَّاظرِ إصابةُ الحقِّ بطريقهِ، لكنَّ الغرضَ بالجدل من المُنْصِفِ: نقلُ المخالفِ عن الباطل إلى الحقِّ، وعن الخطإ إلى الإِصابةِ، وما سوى هذا فليس بغرض صحيحٍ، مثلُ بيانِ غلبةِ الخصمِ وصناعةِ المجادِلِ.
__________
(1) هذا التعريف ذكره الطوفي في "علم الجذل في علم الجدل" ص 4، وهناك تعريفات أخرى للجدل، انظرها في "العدة"1/ 184، و"التمهيد" 1/ 58، و"الجدل على طريقة الفقهاء" ص1.
(2) انظر كلام المصنف فيه في الصفحة (46).
(1/297)

فصل

في بيانِ الجَدَلِ
وهو سؤالُ السائلِ.
وحَدُّ السؤالِ هو: الطَّلبُ للإِخبارِ بأداتِه في الإِفهامِ.

فصل
والسؤالُ والاستعلامُ والاستخبارُ والاستفهامُ نظائرُ، إلا أن الاستخبارَ: هو الطلبُ للخبر، والاستعلامَ: الطلبُ للعلم، والاستفهامَ: الطلبُ للفَهْمِ.

فصل

وأدواتُ السُّؤال عشرةٌ (1): هل، والألِفُ، وأم، وما، ومن، وأيّ، وكيف، وكم، وأين، ومتى.
وقد يُستفهمُ بأنَّي، وهي ترجعُ إلى معنى كيفَ، قال سُبحانه: {يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا} [آل عمران: 37]، أوقال،: {أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} [البقرة: 259]، والمعنى في الأول: مِن أينَ لكِ؟ وفي الثاني: كيفَ يُحيي؟
وأما "لم" فمُركَبةٌ، أصلُها "ما" دخلتْ عليها اللَّامُ، وكذلك {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ} [النبأ: 1]، أصلُها "ما" دخلتْ عليها "عن" وأُدغِمَتْ.
__________
(1) انظر "علم الجذل في علم الجدل" ص 27 - 29.
(1/298)

فصل
وجميعُ الأدواتِ التي ذكرناها مختلِفٌ معناها، فيأتي الجوابُ فيها بحَسَبِ ما توجبُه صورتُها، فإذا قال السائلُ: هل أتاكَ زيدٌ؟ فجوابُه: نعم أو لا، فإن قال: أتاكَ زيد أم لا؟ لم يكنْ جوابُه كالأولِ، لكنْ جوابُه أن يقولَ: أتاني زيدٌ، أو يقولَ: لا. وكذلك إن قالَ: أزيدٌ أتاكَ أم عمرو أم (1) بكرٌ؟ فجوابُه أن يقولَ: أتاني، ثم يذكرُ مَنْ أتاه مِن الثلاثةِ لا غيرَ ذلك.
فإن قال السَّائلُ: ما أتاك؟ فجوابُه اى شيءٍ كان مما لا يَعْقِل، كقولهِ: فرسٌ، أو طائرٌ.
فإن قال السائلُ: من أتاك؟ فجوابُه مَنْ يعقل، مثلُ قولِه: أتاني زيدٌ، أو عمرٌو.
فإن قال السَّائلُ: كيف: أتاك؟ فجوابُه: راكباً أو ماشياً أو ما أشبهَ ذلك من الأحْوالِ.
فإن قال السائلُ: كم أتاك من القوم؟ فجوابُه عددٌ عشرةٌ، أو عشرون، وما أشبهَ ذلك من الأعداد.
فإن قال السائلُ: أين أتاكَ؟ فجوابه: في منزلي، أو حانوتي، أو المسجدِ، وما شاكلَه من الأماكنِ.
فإن قال السائلُ متى أتاك زيدٌ؟ فجوابه: يومَ كذا، أو سنة كذا، أو ما أشبهَ ذلك من الأوقات، فعلى هذا.
__________
(1) في الأصل: "وأم"، وهو خطأ، صوابه حذف الواو.
(1/299)

وإن قال السَّائلُ: لِمَ أتاكَ؟ فجوابُه بحاجة (1) كانت له، أو ما أشبهَ ذلك من الأغراضِ الباعثةِ على الأفعالِ.

فصل

في السُّؤالِ المختصِّ بالجدل، وخروجِ الجوابِ بحَسَبِه
فإذا قال السائلُ للمسؤول: ما مذهبك في حَدَثِ العَالَم؟ أو ما مذهبُك في شُرْبِ النبيذِ؟ فهذا سؤالى من جهة الصيغةِ والمعنَى.
فإن قال: أخبرني عن مذهبك في حَدَثِ العالم، أو في شُرب النَبيذِ، فهذا وإن كان معناه معنى السؤالِ من حيث كان استخباراً، لكنَ لفظَه لفظ الاستدعاءِ والأمرِ.

فصل
في الجواب
وكل جوابِ خبر، وليس كل خبرٍ جواباً (2)، لأنه قد يَخرج الخبرُ مخرجَ الابتداءِ، لا على وجه الجوابِ.
وأصلُ الجواب في اللُّغةِ: القَطْعُ (3)، من قولهم: هو يجوبُ
البلادَ. أي: يَقْطَعُهَا، وقولُه سبحانه {وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ} [الفجر: 9] أي: قطعُوه.
وإنَّما سُمِّيَ به ما قابلَ السؤالَ؛ لأنَّه يؤدي إلى القطعِ؛ لأن
__________
(1) مكررة في الأصل.
(2) انظر"الكافية في الجدل" ص 70.
(3) انظر "لسان العرب": (جوب).
(1/300)

المجيبَ يقطعُ بمعنى الخبرِ على طريقة الإِثباتِ والنَّفيِ، فإذا قال السائل: هل أتاك زيدٌ؟ فقد علَّقَ سؤالَه بأحدِ أمرين: إمَّا نَعَمْ، وإمًا لا، فنعمْ للإثبات، ولا للنفي، فالقاطعُ المجيبُ إمَّا بنعمْ؛ فيقطعُ بأنه قد أتاه، أو لا؛ فيقطع على أنه لم يأتِه.

فصل
وينبغي للسائلِ أن ينظرَ الى المعنى المطلوب في السؤالِ، فإن عَدَلَ المجيب لم يَرْضَ منه إلا بالرجوع إلى جوابَ ما سألَه عنه، فإنَّ كثيراً ممنْ لا يضبط الجدلَ، ولا يَدَ لهَ فيه يُسأل عن شيءٍ، فيجيبُ عن غيرِه، وهو يظنُّ أنه قد أجابَ، ويقْنَعُ منه السائل؛ إذ كان السائل أقصرَ منه علماً بتحديد الجواب.
مثالُ ذلك: أن يقولَ السائلُ: هل يحرمُ النبيذ؟ فيقولُ المجيبُ: قد حَرَّمَه قومٌ من العلماء. هذا عند أهلِ الجَدل ليس بجوابٍ عمَّا سألَ عنه وللسائل أن يُضايقَه في ذلك بأن يقولَ: لم اسالْكَ عن هذا، ولا بأنَ من سُؤالي إيَّاك جهلي بأن قوماً حرَّموه، ولا سألتُك عن مذهب الناس فيه، بل سألتُك أحرامٌ هو؟ فجوابي أن تقولَ: حرامٌ، أو ليسَ بحرامٍ، أو لا أعلم. فإذا ضايقه ألجأه إلى الجواب، أو بانَ جهلُه بتحقيق الجواب، وليس له أن يُجيبَ بالتعريض لمن سألَه بالِإفصاح، فإذا سألَ السائل بالإِفصاح لم يقنعْ بالجواب إلا بإفصاحٍ.

فصل
في اعتبارِ مطابقةِ الجوابِ للسُّؤالِ
اعلمْ أن مطابقةَ الجوابِ للسؤال هو كونه على ما اقتضاه من غير
(1/301)

تغييبرفي لفظِه ولا في معناه.
مثالُ ذلك: أن يقولَ السائلُ: أيحرمُ المطبوخُ؟ فيقول: نعم، أو لا، أو يقول: يحرمُ، أو لا يحرمُ.
فأمَّا إن قالَ جوابَ قولِ السائلِ: أيحرمُ المطبوخُ؟: أنا احرِّمُ كل مُسكرٍ. فلم يأتِ بجواب مطابقٍ؛ لأنه زائد في اللفظ والمعنى.
فإنْ قال السائلُ: أيحرمُ المطبوخُ؟ فقال المجيبُ: أحرمُ مطبوخَ التَّمرِ، فلم يأتِ بجواب مطابقٍ؛ لأنه ناقصٌ عن السؤال.
فإن قال السائلُ: أيحرمُ المطبوخُ؟ فقال المجيبُ في جواز الاجتهادِ: فيه نظر، فلم يأتِ بجواب مطابقٍ؛ لأنه معدولٌ عن المطلوب في السؤال.
وإنَّما ضرَبْنا لك الأمثلةَ؛ لأن قوماً يجيبون مثلها، ويَعْتَدُونَها أجوبةً (1).

فصل
في تحديدِ السؤالِ والجوابِ ووصفِهما
اعلم أن السؤالَ أربعةُ أضربٍ (2)، ويجمعُ الكل: ما هو الحدُّ؟ وهو أنه استخبارٌ، وكل سؤال استخَبارٌ، وكل سائلٍ مُستخبِرٌ.
والجواب أربعةُ أضربٍ، ويجمعُها كلَها: أنها إجابةُ إخبارٍ، وكلُّ مجيبٍ مُخبِرٌ، وقد يدخلُ فيَ الإِخبارِ ما ليس بجواب، وهو ما يُبتدأُ به
__________
(1) "المسودة": ص 551، و"الإيضاح لقوانين الاصطلاح" ص 44 - 45.
(2) سيأتي للمصنف بعد قليل في الصفحة 306 أنه خمسة أضرب.
(1/302)

من الخبر من غير مسألةٍ، وليس يدخلُ في الاستخبارِ ما ليس بسؤال.
فأولُ ضروبِ السؤالِ الأربعةِ: المسألةُ عن ماهيَّةِ المذهبِ.
والثاني: المسألةُ عن ماهيةِ برهانِه أو دليلِه؛ لأنك تقولُ أولًا: ما تقولُ في كذا وكذا؟ أو ما مذهبك في كذا وكذا؟ فإذا ذكرَ لك حكماً بعينِه أو شيئاً بعينه، قلتَ له: ما بُرهانُك عليه؟ أو ما دليلُك عليه؟ وهذان الضربانِ استفهامانِ مجرَّدانِ (1) لا يشوبُهما طعنٌ في مذهبِ المجيبِ، ولا يتبيَّنُ عند ذكرِهما فسادُ عقدٍ، ولكن عند ذكرِ الضَّربين الآخرَين؛ لأن الإِفسادَ والمطاعن فيهما تقعُ، وعند ذكرهما تُشرعُ وتُذكرُ.
والأولُ منهما- وهو ثالثُ الضروبِ من الأسئلة الأربعةِ-: المطالبةُ بوجه دَلالةِ البرهانِ على المذهب.
والثاني: أَخْذُ المجيبِ بإجراءِ العِلَّة في معلولها (2).
وسنصوِّرُ كل ذلك صورةً تُنبئُ عن حقيقته إن شاءَ الله (3).

فصل
في إقامة الدَّلالةِ على صحَّة هذا الترتيبِ
إنك لا تسألُ عن برهان شيىءٍ مذهباً كان أو غيرَ مذهبٍ حتى تسألَ
__________
(1) في الأصل:"مجوزان".
(2) "علم الجذل في علم الجدل" ص 31 - 32، و"العدة" 5/ 1466، و"المسودة" ص 551.
(3) سيورد المصنف ذلك في الصفحة (306) وما بعدها.
(1/303)

عن أصل ذلك الشيءِ، ولا تطالبُ بوجه دَلالتهِ إلا بعد معرفةِ ماهيَّتِه والمسألةِ عنها.
فأمَّا أخذُ المجيب بطَرْدِ علَّتِه في معلولاتها، فالدليلُ على أنه بعد المطالبةِ بوجه دَلالةِ الَبرهان: أنك (1) لا تصلُ إليه إلا بعد تسليمِ ما ادَّعاه المجيبُ من دلالة البرهانِ على قوله؛ لأنه تفريعٌ للمذهب والعلة، والتفريعُ لا يقعُ إلا بعد تسليم المفرَّع عليه؛ وذلك أنك لا تأخُذ خصمَك بتفريعِ قولٍ، ولا بتفريعٍ عليه إلَا بعد تسليمِ المفرِّعِ لهما، ولو لم تَسَلَمْهُما، لمنَعْتَه ما ادَّعاه من دلالتهما عليه فيهما، وسألتَه البينةَ على صحةِ ما ادَّعاه من دَلالتهما، وهذا يدلُك على أنك إذا أخذتَ خصماً بإجراءِ عِلَلِه في معلولاتها قبل مطالبتِه بوجه دلالتِها على صحَّةِ مذهبهِ، فقد سلمت له ما ادَّعاه من دلالتها عليه، وأخذتَه بإلحاق نظيرهِ المشارِكِ له فيها به، والتسليمُ إذا لم يَقَعْ بحُجَّةٍ فإنما يقِعُ بترك مسألةٍ لازمةٍ يجاوزُ بها إلى ما بعدها: إمَّا لمساهلةٍ في النَظرِ (2)، وإما بضَرْبٍ من التَّدبيرِ على الخصم، وإما للعجز والجهلِ.
ويدلُ على ذلك أيضاً: أنه يطالبُ بتفريع علًةِ المذهب من يعتقدهُ، إذا كان قد خُولِفَ في نظيره.
ويدلُّ عليه أيضاً: أنك تقولُ للمجيب: قد سَلَّمْتُ لك أن علَّتَك توجبُ صحةَ هذا المذهبِ، ولكنها أيضاً توجبُ صحةَ ما آخذُكَ بإلحاقه
__________
(1) في الأصل: "لأنك"، والجادة ما أثبتناه.
(2) في الأصل: "من الفطن"، والمثبت من "المسودة" ص 552، وهو الذي يتفق ومضمون البحث.
(1/304)

به من حيث أُوجبُ صِحَّتَه؛ فاجمَعْهما في التَّصحيحِ أو في الإِفساد، وإلا فَافْرُقْ بينَهما، مثلَ قولِك في المعلوفةِ: إن لها مؤنةً لا تحتملُ معها المساواةَ (1)، فيقالُ لك: فاطردِ العلَّةَ في كلِّ مال تحتاجُ تنميته إلى مُؤنةٍ، كمال التجارةِ والزَرعِ المسْقى بالكُلَفِ.
فإن قال قائل: كيف لم تُلحِقِ الضَرْبَ الثالثَ بالضَّربين الأولَين وتجعلْه استفهاماً مجرَّداً؛ إذ كان المطالبُ بالدَليل على المذهب كالمطالب بوجه دَلالتِه عليه؟
قلنا له: لِمَا وصفنا قبلُ، وهو أن أبوابَ الإِفسادِ، ووجوهَ الكسرِ لا تنفتحُ، ولا يرومُها السائلُ إلا بالضَرب الثالث وما بعده، وإنما قَدَّمَ الضَّربين الأَوَلَيْنِ لحاجتِه إلى معرفة ما يريد كسرَه قبل رَوْمِ كسرِه والقصدِ إليه.
ووجهٌ آخر: وهو أنك لا تقولُ: هلَّا قلت: كذا وكذا، أو لِمَ لم تَقُلْ: كذا وكذا؟ إلا وأنت في الضَرْب الثالثِ، وفي الضَّربِ الرابعِ، وبهذا الجنس من السؤال يَقصِدُ السَائلُ إلى كسر المذهب، فأمَّا الأوَّلان فهما المَسالةُ عن الماهية، لتعرفَ الماهيةَ، ثم تقصدُ إلىَ الطعن فيها، وهما كقولك: ما في يديك؟ ومن رأيتَ من القوم؟ وما قال لك فلان؟ وهذا كلّه استفهام مُجرَّدٌ، فإذا تحقَقَ السؤال عن الماهيَّة، انْبَنى عليه الاستفهامُ عن الحجَّةِ، فإذا شرَعَ المسؤولُ في بيان الحجةِ جاءَ سؤال الكسرِ عليها، لأنك لا تقولُ: لِمَ لم تعتقدْ كذا وكذا؟ ولِمَ لم تستدلَّ بكذا؟ وأنت متعرِّفٌ لماهيَّة المذهبِ والبرهانِ.
__________
(1) كتت في الأصل: "المواساة"، ويغلب على ظننا أنها كما أثبتنا.
(1/305)

ووجهٌ آخرُ: وهو أن السائلَ إنما يبتدىءُ في الكسرِ بعد ابتداءِ المجيبِ في بناء مذهبهِ، وابتداءِ المجيب لذلك الِإخبارِ عن دليله، والذي يقعُ بعد خبره عن ذلك من سؤالَ السائلِ الضربُ الثالثُ.

فصل آخر
في تحديد سؤالِ الجدلِ، وأقسامِه
وإنما اعتبرنا لسؤال الجدلِ ما اعتبرناه، لأن سؤالَ الاستفادةِ والاسترشادِ لا يعتبرُ له شرط من الشروط المذكورة لسؤال الجدلِ.
اعلم أن سؤالَ الجدلِ: هو الذي يُقصدُ به نقلُ الخصم عن مذهبه بطريق المُحاجَّةِ، وبيانِ أن الجوابَ فيه تابعٌ للسؤال إلا أن على المجيب إذا كان السؤالُ مضطرباً أن يعملَ في تقويمه حياطةً لجوابِهِ؛ إذ كان السؤالُ المضطربُ لا يمكن أن يطابقَه جوابٌ مستقيمٌ.

فصل
وسؤالُ الجدلِ على خمسة أقسامٍ (1): سؤالٌ عن المذهب، وسؤالٌ عن الدليل، وسؤالٌ عن وجه الدليلِ، وسؤالٌ عن تصحيح الدَّعوى في الدليل، وسؤال عن الِإلزام.
مثالُه: أن يقولَ السائلُ: ما مذهبُك في التجسيم؟ فهو سؤال عن ماهيَّة المذهب في التجسيم، وكذلك أن يقولَ: هل لك مذهبٌ في التجسيم؟ -والآنِيَّةُ (2) قبل الماهيةِ؛ لأن الآنِيةَ المذهبُ- فيقول
__________
(1) وقد تقدم ذكر المصنف لها على أنها أربعة في الصفحة (302).
(2) قال الجرجاني في "التعريفات" ص 38: الآنية تحقق الوجود العيني من =
(1/306)

السائلُ: هل لك مذهب في التجسيم؟ فإذا قال: نَعَمْ، قال: ما هو؟ فجاء السؤالُ عن ماهيَّة المذهب بعد السؤال عن آنِيَّة المذهب، وكان ذلك في المرتبة الأولى من سؤَالات الجدلِ.
فإذا قال المسؤول: مذهبي أن الصانعَ جسمٌ، فقال السائلُ: ما الدليلُ على أن القديمَ جسمق؟ فقال المجيبُ: فعلُه. فهذا جوابٌ مُحدَّدٌ، وإن كان باطلاً، فإن قال السائلُ: ما وجهُ دلالةِ فعلِه على أنه جسم؟ فقال المجيبُ: إنه لا يُعْقَل في الشاهدِ فاعلٌ إلا جسم، فجوابُه محدَّدٌ، لكنَّه لا يدل على ما قال.
وإنما يحتاجُ السائل إلى المطالبة بوجهِ الدَّلالةِ إذا كان المجيبُ قد ذكرَ دليلَه من وجهٍ لا يقتضي الحكمَ، إذ كان الشيءُ الواحدُ قد يُشارُ إليه من جهتين: إحداهما (1) تقتضي الحكمَ، والأخرى لا تقتضيه، كقولك: العالَمُ دليل على الباري. فليس في هذا بيان من أيِّ وجهٍ دَلَّ، فإذا كان من جهة أنه فعلَ، أو من جهة أنه حكمَ، أبانَ الوجهَ الذي منه دَلَّ.
فإن قال السائلُ: وما برهانُك على أنه لا يُعقلُ في الشاهد فاعلٌ إلا جسماً؟ ساغَ له ذلك؛ لأنه على دعوى لا يقتضيها العقلُ، فإن قال المجيبُ: إن كلَّ فاعلٍ في الشاهد جسمٌ، فقد أتى بجوابٍ صادقٍ في
__________
= حيث مرتبته الذاتية. والمقصود بها هنا -كما هو واضح-: وجود مذهب للمخاطب في المسألة، فالسؤال عنه يكون بالضرورة سابقاً على سؤاله عن كنه هذا المذهب وحقيقته.
(1) في الأصل: "أحديهما"، وهو خطأ.
(1/307)

نفسِه، لكنه كاذب في شهادته، لأن كلَّ فاعلٍ في الشاهد جسمٌ، إلا أنه لا يشهدُ بأن الباريَ جسمٌ.
فإن قال السائلُ: إذا كان الباري جسماً؛ لأن كل فاعل في الشاهد جسمٌ، فما الانفصالُ من أن الباريَ مؤلًفٌ؛ لأن كلَّ فاعلٍ في الشاهد مؤلَّفٌ؟ كان هذا من السائل إلزاماً صحيحاً على دلالةٍ تقتضي نظيرَ الحكمِ الذي قال به الخصمُ بمثل ما تقتضي الحكمَ الذي ذهبَ إليه سواءً.
فإن قال السائلُ: إذا كان الجسمُ في الشاهد مُحْدَثاً؛ لأن فيه سِمَةَ الحَدَث، فما الانفصالُ من أن كلَّ جسمٍ مُحْدَث؛ لأن فيه سِمَةَ الحَدَثِ؟ فهذا إلزامٌ صحيحٌ للموحِّد أن يبتدىءَ به المجسِّمَ، فيُلْزِمَه على قوله بالتًجسيم، وهو إلزام بدَلالةٍ تقتضي مثلَ الحكمِ الذي قال به الخصمُ، وربما قيل في مثل هذا: إنه إلزامٌ بعلَّةٍ يرادُ به إلزامٌ بدلالةٍ؛ لأن الدلالةَ تسمىَّ عِلَّةً.
فإن قال السائلُ: إذا كان الجسمُ فى الشاهد مُحْدَثاً؛ لأنه جسمٌ، فما الانفصالُ من أن كلَّ جسمٍ محدَث؟ كان هذا إلزاماً بعلَّةٍ على الصًحة، لأن الحكمَ والجالبَ للحكم في كلا الشِّقَّين واحدٌ، وإنما أخذَ المجيبُ بإجراء العلَّةِ حين نُقِلَتْ إلى الكليَّةِ، وإجراءُ العلَّة لازمٌ لكل معتلٍّ، وإلا كان مناقضاً.
فإن قال السائلُ: إذا زعمتَ أن بعض الأجسام قديمٌ، فما الانفصالُ من أن جميعَ الاجسامِ قديمة؟ كان هذا إلزاماً بالمعارضة (1)
__________
(1) ستأتي فصول المعارضة في الصفحة (387).
(1/308)

وكذلك إن قال: إذا كانت الأعراضُ تدل على حَدَثِ بعضِ الأجسامِ، فما الانفصال من أنها تدل على حَدَثِ جميعها؟ وكذلك إن قال: إذا كانت الدَلالةُ تختصُّ بعضَ الأجسامِ، فما الانفصالُ من أنها تختصُّ الجمادَ دون الحيوان؟
فإن قال السائلُ: إذا كان الباري واحداً، ولم يصح أن يكونَ الجسمُ واحداً، فما الانفصالُ من أن الباري لا يصحُ أن يكون جسماً، كما لم يصح أن يكون أكثرَ من واحدٍ؟ كان هذا إلزاماً بإعطاء المعنى في الجملة؛ لأن الخصمَ يُعطي أنه واحدٌ على الحقيقة.
فإن قال السائلَ: إذا كان الجسمُ لابد له من مجسِّم كما أن الحادثَ لا بدَّ له من مُحْدِثٍ، فما الانفصالُ مِن أن مَن لا يصحُّ أن يكونَ له مُجسِّمٌ، فليس بجسم؟ كان هذا الإِلزامُ يَقْضِيه العقلُ في الجسم بمجسِّم كما يقضي فرب الحادثِ المُحْدِث.

فصل
وكل سؤالِ جَدَلٍ فإنه على خلافٍ في المذهب؛ لأنه لا يصحُّ جَدَلٌ مع الموافقةِ في المذهب،، إلا أن يتكلم الخصمان على طريق المباحثةِ، فيُقَدرا الخلافَ لتصِخَ المطالبةُ، وُيتمكنَ من الزيادة.
وليس على المسؤولِ أن يُجيبَ السائلَ عن كل ما يسألُه عنه، وإنما عليه أن يُجيبَه فيما بينه وبينه فيه خِلاف، لتظهرَ حُجتُه فيه، وسلامتُه من المطاعن عليه، وإلا خَرَجَ عن حدِّ السؤالِ الجَدَليِّ.
وسَبيلُ الجَدَلِ في الفقه والنَحو وغيرِهما من الصنائع كسبيل الجَدَلِ في صنعة الكلامِ في أنه لا يكونُ إلا بعد ظهورِ الخلافِ،
(1/309)

إلا أن كل صناعةٍ تُرَدُّ إلى مُصادَرَةٍ -أعني بالمصادرةِ: التبليغَ بها إلى صَدْرِ المعنى بنوع ظَن أو غَلَبَةِ ظَنٍّ-، وصنعةُ الكلامِ تُرَدُ إلى ضرورةٍ، أو ما يَجْرِي مَجْرى الضرورةِ في أنه يُعلمُ بأدْنى فِكْرةٍ.

فصل

وسؤالُ الجدَلِ على ضربين: محدَّدٌ، ومعبرٌ عن التحديدِ، والتَحديدُ يكونُ في اللَّفظِ والمعنى، وكذلك التًعبيرُ.
فإن قال السائلُ: هل الجزءُ يتجَزَّأُ إلى ما لا نهايةَ له، أم الحدوثُ يَدُل على نهايتِه؟ كان السؤالُ غيرَ محددٍ؛ لأنه خرجَ مَخْرَجَ الخَلْطِ بين سؤالين: فأحدهما: هل الجزءُ يتجزا إلى ما لا نهايةَ له؟ وهذا سؤالٌ قائمٌ بنفسه، وهل الحدوثُ يدل على نهايته؟ سؤال آخرُ قائمٌ بنفسه، وقد جعلَهما على صيغة سؤالٍ واحدٍ، فهو كمن قال في مسائل الفقهِ: هل الخَلُّ يُزيلُ النًجاسةَ؟ أم كونُه لا يَقْوى على رفع الحَدَثِ مانعاً من إزالته لحكم النًجَسِ؟ فهذان سؤالان.
فإن قال السائلُ: ما مذهبكُ في الجزءِ؛ فقال المجيبُ: إنه لا يتجزاُ؛ بدلالةِ أن ما فيه من الاجتماعِ يَصِح أن يَنْتَفِيَ. كان هذا الجوابُ غيرَ محدَّدٍ؛ لأنه سؤالٌ عن فُتْيا المذهب، والجوابُ عنه وعن دَلالةِ المذهب جوابٌ (1) على صيغةٍ واحدة؛ إذ كاَن على قَضِيةٍ واحدة، وإنما تحديدُهَ أن يقولَ في الجواب عنه: إنه لا يتجَزأُ. أو يقولَ: إنه يتجزَأُ. فأمَّا أن يُدْخِلَ في الِإخبارِ عن الفُتْيا الِإخبارَ عن الاستدلال، فليس بجواب مُحَقَّقٍ، كما لا يَخْلِطُ السؤالَ عن المذهب بالسؤال عن
__________
(1) في الأصل: "جواباً"، والجادة ما أثبتناه.
(1/310)

دليلِ المذهبِ.
فإن قال المجيبُ: إنه لا يتجزَّأُ، والدليلُ على ذلك: أنه يصحُ أن ينتفيَ ما فيه من التَأليفِ والاجتماعِ، كان قد أتى بجواب محدَّدٍ، إلا أنه أتْبَعَه بإخبارٍ عما لم يُسأل عنه، لا أنه خلَطَه به، والإِتباعُ بجوابِ ما لم يُسألْ عنه كالخلط بما لم يُسألْ عنه، ثم إنه أتى بما ليس فيه شُبْهةٌ، ولو قال: الدليلُ على ذلك: أنه لا يَصِح أن ينتفيَ كلُّ ما فيه من الاجتماع، لكان قد أتى بشبهةٍ، ولكنْ جاءَ بما لم يُسْأَلْ عنه.
فإن قال السائلُ: ما مذهبُك في الجزء؟ فقال المجيبُ: الجزءُ لا يتجزَّأُ، فلم يأتِ بجوابٍ محدَّدٍ مِن قِبَلِ أنه لم يأتِ بما يَصلح أن يكونَ محمولًا على المَذهب بحملٍ ما؛ إذ كان لا يصحّ: مذهبي الجزءُ لا يتجزأُ، ويصح: مذهبى أنَ الجزءَ لا يَتجزَأُ.
فإن قال السائلُ: ما مذهبك في الجزء؛ فقال المجيبُ: قد ثبتَ أن الجزءَ لا يتجزَّأُ. فلم يأتِ لي بجواب محدَّدٍ؛ لأن جوابَ ما، إنما هو بالجِنْسِ وما جَرَى مَجْرى الجنسِ من الصِّفات، فلو قال بدلَ قد ثبتَ: ثابتٌ. لكان محدَّداً؛ لان ثابتاً من الصفات التي تقومُ مَقَامَ الجنسَ.
فإن قال السائلُ: ما الدليل على أن الجسمَ ينتهي إلى جزءٍ لا يتجزَّأُ؟ فقال المجيبُ: التألف الذي فيه. فجوابُه محدَّدٌ؛ لأن في التأليفِ اقتضاءً بصحَةِ الحكمِ، ولو كان قال: عَرَضٌ فيه، لم يكن جوابُه محدَّداً؛ لأنه ليس في حلولِ عَرَضٍ فيه ما يقتضي تناهيه، وأنه لا يتجزَّأُ أبداً.
(1/311)

فإن قال السائلُ: ما الدليلُ على أن الجزء [لا] (1) يتجزَّأُ أبداً، فقال المجيبُ: إن الدوائرَ المعقولةَ لا تَصِحُ على القول بالجزء. لكان جوابُه محدَّداً؛ لأنه على شبهةٍ، وكلُّ جواب محدَّدٍ في: ما الدليلُ على كذا؟ فإنه لا يخلو من أن يكونَ على حجَّةٍ أو شبهةٍ؛ لأن السائلَ إنما يطلبُ الأمرينِ ليقعَ الكلامُ عليه، ولو قال: بعضُ الأشكال لا تصحُّ على القول بالجزءِ. لم يكنْ محدداً؛ لأنه لا حُجَّةَ فيه ولا شبهةَ.
فإن قال السائلُ: ما الدليلُ على أن الجسمَ ينتهي إلى جزءٍ لا يتجزَّأُ؟ فقال المجيبُ: إن التَّأليفَ الذي فيه يصحُ أن ينتفيَ بضِدِّه من الافتراق، ولأن القادرَ على إيجاده قادرٌ على نفيه؛ إذ هو مُحدَثٌ، وكل محدَثٍ، فلا بُدَّ له من محدِثٍ. كان جوابُه غيرَ محدَّدٍ من قِبَلِ أنَه قد لَف عِدَةَ مراتبَ في مَرْتَبَةٍ واحدةٍ، ولو قال: إن التأليفَ الذي فيه يصحُّ أن ينتفيَ بضِدِّه من الافتراقِ. لكانَ جوابُه محدَّداً؛ لأنه إذا ثبتَ هذا المعنى ثبتَ الحكمُ، ولو نَقَصْتَ منه لأخْلَلْتَ به.

فصل آخَرُ
في تحقيقِ الجوابِ وتحديدهِ يَقْوى به العملُ والعلمُ
فأوَّلُ ضروبِ الجوابِ: الإِخبارُ عن ماهية المذهب، ثم الإِخبارُ عن ماهيَّةِ بُرْهانِه، ثم وجهُ دَلالةِ البرهانِ عليه، ثم إجَراءُ العِلةِ في المعلول، وحياطتُه من الزِّيادةِ فيه والنقصانِ منه، لئلَّا يُلحقَ به ما ليس منه، وُيخرجَ عنه ما هو منه.
__________
(1) سقطت من الأصل، وضرورة صحة العبارة تقتضي زيادتها.
(1/312)

والحجةُ في ترتيب الجواب، كالحجة في ترتيب السؤالِ (1)؛ لأن كُل ضَرْبٍ من ضروبِه مقابل لضربٍ من ضروب السؤالِ (2).

فصل
واعلمْ أنه إذا اجتمعَ اثنان قد عَرَفَ كل واحدٍ منهما مذهبَ صاحبهِ وهما على خلافٍ في المذهب، أغناهما علمُهما عن ضَرْبٍ من ضروب السؤالِ، وهو السؤالُ عن ماهِيةِ المذهبِ (3).
قلت: وقد يجري في حكم الاجتهادِ أن لا يَسْقُطَ السؤالُ لجواز تَغَيُرٍ يَطْرأُ على المذهب إلذي عُرِفَ به، فيزولُ ما عَرَفَه، وذلك يُعدم الثقةَ بالبقاء على المذهب، فلا غَناءَ إذاً عن السؤال.
فإن عَمِلْنا على قول من أَسقطَ السؤالَ عن ماهية المذهب لسابقِ معرفتِه، بَقِيَ السؤال عن ماهية دليلِه، فإذا قال السائلُ للَمعروف بالتَجسيم: ما ماهيَّةُ برهانِك، على إثبات القديمِ جسماً؟ فقال المجسمُ: الدليلُ على ذلك: أنا أجمَعْنا على أنًا لا نعقلُ في الشاهد فاعلًا إلا جسماً، وقد اتَفَقنا على أن اللهَ فاعلٌ، فوجبَ أن يكونَ جسماً. وجبَ على السائل أن يقولَ له: ومن أيَ وجهٍ وجبَ أن يكونَ جسماً، إذا كنا لم نعقلْ في الشاهد فاعلًا إلا جسماً؟ وما في قولك: لم نعقلْ فاعلًا إلا جسماً، مما يوجبُ أن يكونَ القديمُ جسماً إذا كان فاعلًا.
__________
(1) تقدم كلام المصنف عليه فى الصفحة (303).
(2) انظر "العدة" 5/ 1465 - 1466.
(3) انظر "الكافية" ص 79.
(1/313)

والدليلُ على أنَ له أنْ يسألَ عن هذا: أنه قد يَعْرِفُ اللهَ تعالى فاعلًا وأنه لا فاعلَ في الشاهد إلا جسمٌ مَنْ لا يعلمُ أن اللهَ جسمٌ، فلو كانت هذه المعرفةُ مُغنيةً في العِلْم بأنه جسمٌ، لم تقَعْ إلا معه، وإذا لم تَقَعْ معه، فلا بُد من أن يَعرفَ كيفيةَ إيجابها له، ومتى ارتفعتْ المعرفةُ، ساغَتِ المسألةُ.
وجوابُ هذا على أصل الجِسميِّ واضحُ الترتيب، وإن لم يكنْ صحيحاً، وترتيبُه أن يقولَ السائلُ: لمَّا كان اللهُ تعالى مُثْبَتاً بالعقل دونَ غيرِه، وكان الواجبُ فيما بيننا ألا نُثْبِتَ بالعقل إلا معقولًا، كما لا نثبتُ بالسَّمْعِ إلا مسموعاً، وكما لا نثبتُ بالبَصَرِ إلا مُبْصَراً، وكان وجودُ الفعلِ مما ليس بجسم في الشاهد غيرَ معقولٍ، وجبَ أن يكونَ جسماً لدخوله في قسم المعقولاتِ، وإلا فقد بَطَلَ أن يكونَ معقولًا، وكان تثبيتُه غيرَ معقولٍ، وهذا ما يدعيه الملحدون. وإنما صار هذا جواب تلك المسالةِ؛ لأنه خبرٌ عن كيفيةِ ما اعتلَّ به الجسْميُّ، فظنَ أنه برهانُ ذلك، وعلى السائل إذا ورَدَ عليه هذا الجوابُ أن يَطْعنَ فيه بغير تسليمٍ، فهو أَولى كما وصفنا، فإن أرادَ أخْذَ المجيب بطَرْدِ علَّتِه، قَدَّمَ على ذلك مقدمةً تُحررُ السؤالَ، فقال للمجيب (1): ألَيس إذا كان مثبَتاً بالعقول لم يَجُزْ أن يُعتقدَ فيه ما ليس بمعقولٍ؟ فإن قال المجيبُ: لا. نقَضَ علتَه، وكان للسائل أن يقولَ له: فلِمَ زعمتَ أنه جسمٌ لموضع المعقولِ، وأنت توجبُ إخراجَه من المعقول؟ أرأيتَ إن كان تثبيتُ المعقولِ واجباً لأنه معقولٌ، أليس يجبُ أن يكونَ كل معقولٍ واجبَ التثبيتَ إذ هو معقولٌ؟ فإن قال: بلى. قال له: فهلَّا قلتَ: هو
__________
(1) في الأصل: "المجيب"، وصوبناه بما يقتضيه السياق.
(1/314)

مؤلَّفٌ؛ لأنك لم تَعْقِلْ جسماً ولا فاعلًا إلا مؤلفاً.

فصل
واعلم أن المطالبةَ بطَرْدِ (1) العلَّةِ لا تكونُ طعناً في الجواب عن كيفيةِ البرهانِ إلا أن تكونَ مُضْطَرَّةً للمجيب عند مرورِه مع علَّتِه إلى نقضِه، وليس تكونُ مضطرةً إلى، ذلك إلا إذا ألزمته قولًا لا ملاءمة بينه وبين جوابِه في المَبْدأ، فيرجعُ عن جوابه خوفاً من ذلك القولِ وضَنّاً بمذهبه في تركه، وإنما تكون، كذلك إذا ألزمته نقضَ الحِسِّ الذي ينتقضُ بانتقاضِه كل جوابِ وكلُّ حقيقةٍ، أو إلجاؤه إلى نقضه قبل أن يبلغَ إلى علوم الحِسِّ، فلمَ يجد بُدَّاً من تَرْكِ كلِّ ما يعتقدُه، والإِقدام على كلِّ ما يكرهُه من النَّقْضِ.
مثالُ تمسُّكِه بمذهبه المفضي به إلى الخروج عن مذهبه: أن يُقالَ له: إذا كان الغائب جسماً وهو قديمٌ، فما تُنكرُ أن يكونَ مؤلَّفاً وهو قديمٌ؟ فيستمرُّ على الِإصرارِ على المذهب ضِنَّةً به، فيقول: لا أنكرُ ذلك، فيقالُ: فقد نَفَيْتَ الحَدثَ عن الأجسام، وقلتَ بقول أهلِ الدَّهْرِ، فأوجبَ ذلك عليك غَناءَ الأجسامِ عن صانعٍ؛ لأن القديمَ لا يحتاجُ إلى صانعٍ.
واعلم أنك إذا سلكْتَ هذا، وعلمْتَ أن السؤالَ والجوابَ لا يخرجان عن هذه الأقسامِ، ولا يَتوجَّهان إلا على هذه الوجوهِ، فلا تلتمسْها من غيرها، واصرفْ فكرَك في طلبها، فإنك إذا عرفت المَطْلَبَ
__________
(1) في الأصل:"بقود"، والذي يترجح لنا أنها محرفة عن "بطرد"، وهو ما أثبتناه.
(1/315)

اجتمعَ لك ذهنُك، وقَل تعبُك، وظَفِرْتَ ببُغْيَتِك، وسهُلَتْ عليك المسالكُ والجواباتُ، وانثالَت عليك انثيالًا من هذه الجهةِ، فأغنَتْك عن التَحفّظ لكلام غيرِك، ووقع لك باستخراجك ما سبقَك إليه غيرُك؛ لأن القرائحَ واحدةٌ، والمعْدنَ واحدٌ، وإنما يُضَلِّلُ أكثرَ الرجالِ التركُ والِإهمالُ، وقلَّ أن يَضِل متأمِّلٌ متدبِّرٌ (1) ناظرٌ متفكِّرٌ.

فصل
في بيان الانتقالِ عن السؤال
اعلم أن الانتقالَ عن السؤال هو: الخروجُ عما يُوجبُه أَوَّلُه من ملازمةِ السَّنَنِ فيه، وكذلك الانتقالُ عن الجواب.
مثال ذلك: قولُ السائلِ: ما الدليلُ على حَدَثِ الأجسام؟ فقالَ المجيبُ: الأعراضُ. فقالَ السائلُ: وما حَد الأعراضِ؟ فهذاَ انتقالٌ عن السؤال الأولِ -وهو السؤالُ عن حَدَث الأجسامِ- إلى سؤالٍ ثانٍ -وهو السؤالُ عن حَدَ الأعراضِ-، كانتقاله بقوله: وهل تبقى الأعراضُ؟ إذ كان هذا خروجاً عن سنَنِ السؤالِ الأولِ، وسؤالًا عن مذهبٍ آخرَ لا يُخِلُّ الخلافُ فيه بوجهِ الاستدلالِ على الحَدَثِ.
فإن أجابَ المسؤولُ عن هذا السؤالِ، كان خارجاً أيضاً مع السائلِ، ومثالُه من الفقه: أن يقولَ السائلُ للمسؤول: ما مذهبُكَ في الخمر، هل هو مالٌ لأهل الذِّمَّةِ؟ فيقولُ المجيب: هو مالٌ لهم. فيقول السائلُ: وما حَدُّ المالِ؟ فهذا انتقالى، فإن حد المالِ سؤالٌ مُستأنَفٌ، فإن شَرَعَ المجيبُ في جواب بيانِ المالِ فقد خرجَ مع السائلِ أيضاً.
__________
(1) في الأصل: "مدبر"، والجادة ما أثبتناه.
(1/316)

وهذا كثيرٌ مما يَتِمُّ بين المخِلِّين بآداب الجدلِ؛ لحرصهم على بيان معرفتِهم بما سُئِلُوا عنه، وما يَنبغي بيانُ المعرفةِ بجواب المسألةِ الثانيةِ بترك قانونِ الجدلِ في المسألة الأولى الذي هما فيه.
وذلك إذا خرجِ المسؤولُ من دليلٍ إلى دليلٍ آخَرَ قبل التَّمام للأول، كان انتقالَا منه، وإن- خرجَ بعد التَّمامِ، فليس بانتقالٍ في حكم الجدلِ.
واعلم أنه إذا دخلَ السائلُ دخولَ ملزِم بعد تَحقُقِ الخلافِ بينه وبين المسؤولِ فلا يجوزُ له أن يَخْرُجَ عن سنَنِ الإِلزام إلى أن ينتهيَ إلى تحقيق أنه لازمٌ، فكلما حاول، الخصمُ أن يهربَ منه، ردَّه إليه.

فصل
في تقاسيم الانتقالِ
والانتقالُ على أربعة أقسام:
انتقالٌ من مذهب إلى مذهبٍ، وانتقالٌ من عِلةٍ إلى عِلَّةٍ، وانتقالٌ من إلزامٍ إلى إلزامٍ، وانتقالٌ كل من تسليمٍ إلى ممانَعةٍ ومنازَعةٍ.
والأصولُ التي يَبْني عليها المجيبُ لا تخلو من أحد أمرين: إمَّا أن يكونَ أصلَاً مشهوراً؛ فإق المجيبَ لا يتكلمُ في فرعه إلا بعد التسليمِ له، أو لا يكون كذلك، فإن كان كذلك، فنازعَ السائلَ فيه كانت منازعتُه انتقالًا؛ لأنه نازعَ فيما يجبُ تسليمُه، فكأنه قد سلَّمه، ثم نازعَ فيه، وإن لم يكن الأصلُ كذلك كان للسائل أن ينازعَ فيه.
فإن قال السائلُ: ما الدليلُ على صِحةِ الاجتهادِ؟ فقال المجيبُ:
(1/317)

إجماعُ الصحابةِ على الرضا بالاختلاف في الفُتْيا. فإن قال السائلُ: وما الدليلُ على أن إجماعَهم حقٌّ؟ فقال المجيب: شهادةُ القرآنِ لهم بالتعديلِ، فقال السائلُ: وما الدليلُ على أن القرآنَ صحيحٌ؟ فقد انتقلَ أسوأَ انتقال؛ لأنه معلومٌ أنه لا يُتَكَلمُ في الاجتهاد إلا بعد التسليم بصحَّة القرآن. فهذا انتقالٌ من مذهب مشهورٍ إلى مذهب.
والانتقالُ من علَّةٍ إلى علَّةٍ: مثلُ أن يَستدِلَّ بعلةٍ، فلا يُمْكِنُه إجراؤها، فينتقلُ إلى غيرها.
والانتقالُ من إلزامٍ إلى إلزامٍ: مثل أن يُلْزِمَ مسألةً على مذهبه تَدُلُّ على فساد دليلِه أو مذهبه، فلاَ يُسَلمُها، فينتقلُ إلى إلزام غير تلك المسألةِ.
والانتقالُ من تسليم إلى ممانعة: مثلُ أن يُسلم له حكماً، فإذا ضاقَ عليه التسليمُ، عادَ يَمنعُ ما سَلمَه، فهذا كُلُّه انتقالٌ يصيرُ به منقطعاً بحكم الجدلِ.

فصل
في إسقاط السؤالِ
اعلمْ أن الرفعَ للسؤال إنما يقعُ بالبيان أنه يتساوى فيه الخصمان، وإذا تساوى فيه الخصمان، لم يكنْ على أحدهما دون الآخَرِ، ولا أحدُهما بالجواب عنه أَحق من الآخر.
ويحصلُ إسقاطُ السؤالِ بالتسوية بين الحكمين في أنه إن صَحَّ أحدُهما صَحَ الآخرُ، وإن فسدَ أحدُهما فسدَ الآخرُ، من غير بيانٍ لصحته، أو إفسادِه، وكذلك يسقطُ بالتسوية بين العِلتين.
(1/318)

بيانُ ذلك: سؤالُ السائلِ الرافضيِّ بأن يقولَ: إذا كان قوله لأبي بكرٍ: {لا تَحْزَن} [التوبة: 4] لا يخلو من أن يكونَ طاعةً أو معصيةً، ولم يَجُزْ للرسول أن ينهاه عن طاعةٍ، لم يَبْقَ إلا أن حُزْنَه كان معصيةً لا مَحالَةَ، فقال له السُنِّيُّ: إذا كان قوله لموسى: {لا تَخَفْ} [ه: 68، والنمل: 10]، لا يخلو من أن يكونَ طاعةً أو معصيةً، ولم يَجزْ أن ينهاه الله عن طاعةٍ، فخَوْفه معصيةٌ لا مَحالةَ، فقد سَوَّى بين الأمرين، ولم يجبْ عنه هل هو معصيةٌ أم لا؟ وإنما تَضَمَّنَ التسويةَ التي تُسقِط المسَألةَ عنه؛ إذ كانت على خصمه مثلَها عليه.
فاعرفْ هذه الطريقةَ في الجدلِ، فإنها طريقةٌ حسنةٌ تُلجِىءُ المبْطِلَ إلى مثل جواب المحِقِّ، وإذا خِفْتَ أن يلتبسَ الأمر على بعض من حضَرَ، فلا بأسَ أَن تجيبَ بعد البيانِ لإِسقاطِ السؤالِ.

فصل
في المطالبة ب "لِمَ"
وهو من فصول السؤالِ، وبيانِ ما يَحْسن أن يطالَبَ فيه ب"لِمَ"، وإلى ماذا ينتهي، و [ما] (1) لا يَحْسُن بعده "لِمَ".
اعلم -وفَّقَك الله أنه يحسن إلى أن يبلغَ إلى حدٍّ يقتضي فيه المقدِّمة للحكم، وأن يقتضيَها العقل، وسواءٌ كان ذلك على حُجَّةٍ، أو على شبْهَةٍ في أنه تَسقطُ المطالبة ب "لِمَ"، وتصير المطالبة بالانفصال من الإِلزام.
__________
(1) زيادة لا بد منها لاستقامة المعنى.
(1/319)

فإذا قال السائلُ: لِمَ كان الذمُّ لا يُستحق إلا على فعل أوكسب؟ فقال المجيبُ: لأن الذمَّ لا يستحقُّه إلا مسيءٌ. لم يَحْسُنْ بالسائل أن يقولَ: ولِمَ كان الذمُّ لا يَستحقُه إلا مسىءٌ؟ لأن هذا مما لا يُخالَفُ فيه في قضايا الشرائعِ والعقولِ، ولكنْ له أن يقولَ: ولِمَ إذا كان الذمُّ لا يقتضيه إلا مسيء، لا يُستحق إلا على كسب أو فعل؟ فإن قال المجيبُ: لأنه لو لم يَستحقه المسيءُ على فعلٍ، لم يَصِرْ (1) مستحِقاً له بعد أن لم يكنْ مستحِقاً، بل كان يجبُ أن يبقى على ماكان من حكم الأصلِ، وهو نَفْيُ استحقاقِ الذَّمِّ.
فليس للسائل أن يقولَ: ولِمَ إذا لم يَتغيرْ أمر، وجبَ أن يكونَ على ما كان؟ لأن الذي يقتضيه العقلُ في الأصل البراءةَ من كلِّ عقوبةٍ، والذمُّ نوعُ عقوبةٍ يقابَلُ بها المسيءُ.
ومثالُه من مسائل الفقهِ: أن يقولَ السائلُ الحنفي للمسؤول الشافعى أو الحنبليِّ- في إحدى الروايتين-: لِمَ وجبتِ المماثلةُ في القِصاص (2)؛ فيقولُ: لأنه مقابلةٌ ومكافأةٌ ومجازاةٌ، فيقولُ الحنفى: ولِمَ
__________
(1) في الأصل: "يصير".
(2) لا يستوفى القصاص في النفس إلا بالسيف عند الحنفية، وهو إحدى الروايتين عن أحمد.
وقال مالك والشافعي وأحمد في الرواية الأخرى: يقتص من القاتل على الصفة التي قَتَلَ بها، فمن قتل بمثَقَّلٍ كحجروغيره، قُتِلَ به، ومن قَتلَ تجويعاً أو تغريقاً أو نحوه، قتِلَ كذلك.
وهذا في الجملة، وإلا فإنهم قد استثنوا بعض الحالات التي لا تجوز فيها المماثلة؛ لأنها محرمة في ذاتها، فيتحين فيها السيف، ما إذا أوْجَر =
(1/320)

إذا كانت مقابلةٌ، وجبَ أن تكونَ على وجه المماثلةِ؟ فيقولُ الشافعيُّ: لأن الله تعالى قال: {فعَاقِبُوا بمثْلِ ما عُوقِبْتُم به} [لنحل: 12] و {جَزاءُ سَيئةٍ سيئةٌ مِثْلُها} [لشورى: 4]، فلا يَحْسُنُ بالحنفيِّ أن يقولَ: ولِمَ إذا قال الله سبحانه ذلك، وجَبَ اعتبارُه؟ بل يكونُ عدولُه عن قوله: ولِمَ؟ إلى قوله: إن المماثلةَ ها هنا هي أخذُ النَّفْسِ بالنَّفْسِ والطَّرَفِ بالطَّرَفِ دون كيفيةِ الجِراحِ، ونَصْرِفه عن ظاهرِه بدَلالةٍ نذكرُها.

فصل
وفي الجملة: إن الذي تنتهي إليه "لِمَ": هو أن يبلغَ المسؤولُ بالجواب عن المطالبة إلى غاية الثِّقةِ بالمعلومات القَطْعيَّاتِ في أصول الدِّينِ، وإلى شهادة الكتابِ أو السُّنَةِ، أو شهادةِ الأصول في مسائل الفقهِ المظنوناتِ.
وتنقطعُ المطالبةُ ب "لِمَ"، إذا انتهى المسؤولُ إلى قَضيَّةِ العقلِ أو الشرعِ المؤثوق بها التي يصيرُ قولُ السائلِ بعدها: "لِمَ" كالعَنَتِ والإِعناتِ (1) للمسؤول، أو إلى إجماعٍ منهما على كون ما عُلَقَ الحكمُ
__________
= المجنيَّ عليه خمراً حتى مات، أو قتله بالسِّحْر، وما أشبه ذلك، على خلاف بينهم في بعضها. انظر "الاختيار لتعليل المختار" لعبد الله الموصلي 5/ 28، و"بداية المجتهد ونهاية المقتصد" لابن رشد الحفيد 2/ 404، و"مغني المحتاج" للشربيني 4/ 44 - 45، و"المقنع" لعبد الله بن قدامة المقدسي مع "حاشيته" لسليمان بن عبد الله 3/ 358 - 359.
(1) العَنَتُ: دخول المشَقَّةِ على الإنسان، ولقاءُ الشدَّةِ، يقال: أعْنَتَ فلان فلاناً إعناتاً، إذا أدْخَلَ عليه عَنَتاً، أي: مَشَقةً. "اللسان" (عنت).
(1/321)

عليه سبباً.

فصل
وليس عليه أن يَضْطَر الخصمَ إلى العلم، وإنما الواجبُ عليه أن يُورِدَ عليه ما يقتضي عقلُه صِحَّتَه، فإذا تأَمَّله، علم إن كان حُجَّةً، ولم يَعْلَمْ إن كان شبهةً، وعلامةُ ذلك: الثِّقةُ التي يجدُها العاقلُ عند الفكرةِ، والشبهةُ لا توجدُ بها الثقةُ.
وأكثرُ المطالبةِ ب "لِمَ" ليُفتحَ وجهُ المطالبةِ بالإِلزام، وأخذِ المجيبِ بإجراءِ الاعتلالِ، وقد يَتِمُّ الغرضُ فيها بالتَّعجيزِ عن إقامة البرهانِ، وهو إذا وقَعَتِ المطالبةُ ب "لِمَ" إلى أن تنتهي إلى دعوى عَرِيَّةٍ عن الشُّبهةِ.
وعجزُ السائلِ: أن لا يَنْزِعَ (1) عن "لِمَ" مع تبليغ المسؤولِ به إلى الثِّقةِ.
__________
(1) أي لا ينتهى، قال في "القاموس" (نزع): نَزَعَ عن الأمور. نُزُوعاً: انْتَهى عنها.
(1/322)

فصل

في بيان الاحتجاجِ في المختلَفِ فيه، وسلوكِ المراتب الواجب سلوكُها.
اعلمْ -وفَقَك اللهُ- أن للعلوم مراتبَ وقعتْ مواقعَها لأعيانها، فلا يَسُوغُ لك (1) تغييرُها.
فمنها: ما هو أصلٌ وليس بفَرْعٍ، نحوُ علمِ الحِسِّ الذي إليه الانتهاءُ، وهو الغايةُ في إسناد المقدِّماتِ إليه للبناءِ عليه، والاستخراجِ منه، فإن العلمَ الاستدلا إنما يُسْنَدُ إلى الضروريِّ، والضروريُّ موضعُ الاتفاقِ، وما يزالُ المختلَفُ فيه مردوداً (2) إلى المتَفَقِ عليه، فعلم الحِسِّ أصلٌ لا يكونُ فَرْعاً لغيره؛ لأنه لم يُبْنَ على غيره وليس قبلَه شيءٌ.
ومنها: ما هو أصلٌ وفَرْعٌ، نحو العلمِ بالمحدَثِ، وكل شيءٍ يَثبتُ عليه غيرُه فهوأصل لمايَثبتُ عليه، وكل شيءٍ بُني على غيره فهوفَرْعٌ له، وليس يمكن أن يقعَ الفرعُ موقعَ أصلِه، ولا يجوز أن ينتقلَ الأصلُ إلى موضعِ فرعِه حتى يكونَ العلمُ بأنَ الشيءَ محدَث قبل العلمِ بأنه
__________
(1) رسمت في الأصل: "ذلك"، ولعل صوابها ما أثبتناه.
(2) في الأصل: "مردود".
(1/323)

حادثٌ، وأصلًا له؛ حيث كان حدوثُ الشيءِ محسوساً لوجداننا له بعد أن لم يَكنْ، ويحتاج في العلم بأن له محدِثاً إلى نوعِ تَأَملٍ ينتهي به إلى العلمِ بمحدِثه، فنعلمه محدَثاً بعد ما علمناه حادِثاً، فهذا ترتيبٌ لايمكن وقوع العلمِ إلاعليه.
ولا يمكن أيضاً أن يكونَ العلمُ بأنه حادثٌ قبل العلمِ بأنه موجودٌ، ولو جازَ هذا، لجاز أن يكونَ علمُ الاستدلالِ قبل علومِ الحِسَ، وأصلًا لها.
وكذلك في الظُّنون في مسائل الفروعِ؛ فإنه لا يجوزُ أن يسبقَ إلى ظَنِّنا تحريمُ التفاضلِ في الأَرُزِّ، ولا تحريم النَّبيذِ قبل أن نعلمَ تحريمَ الخمرِ، وقبل أن يَغلِبَ على ظنِّنا تحريم التفاضلِ في البُرِّ والشَّعيرِ، إذ كان تحريم النَّبيذِ مبنياً على تحريم الخمرِ، وتحريمُ التفاضلِ في الأرُزَ مبنياً على تحريم التفاضلِ في البُرِّ.

فصل
وإذا كان أصلُك في استدلالِك هو فرعاً (1) من علوم الاستدلالِ فلا تبعِدْ سؤالَ سائلك أن يكونَ إنكاراً؛ لأن المختلَفَ فيه لا يَبعد إنكارُه، كما لم يَبعُدْ ذلك في الفرع لكونه مختلَفاً فيه، فأبداً لا تَسْتَبْعِد (2) السؤالَ عن الأصل إذا كان فرعاً من علوم الاستدلالِ، بخلاف ما أصله الضروريّاتُ؛ فإنه لا يَسوغ السؤالُ لموضع الاتفاقِ على الضَّروريّاتِ، وبخلاف ما إذا كان الأصلُ في الاستدلال في المسائل الفقهيَّةِ مجمَعاً
__________
(1) في الأصل: "فرع".
(2) في"الأصل": "لا تستبدع"، والأولى ما أثبتناه.
(1/324)

عليه، أو منصوصاً عليه، فإنه يصيرُ في قُبْحِ السؤال عنه بمنزلة قُبْح السؤالِ عن الضَّروريات في مسائل الأصولِ.
ولا يجوزُ لك أن تدلَّ على المختلَف فيه بالمختلَف فيه؛ لأن الذي أحوجَ أحدَهما إلى الدليل -أعني مسألةَ الفرع- هو الاختلافُ، وإلا فقد كان الاتفاق مغنياً عن الدَّلالةِ، وهذا بعينه قائمٌ في الآخَرِ المستدَلِّ به، فكيف يُستدَلُّ به؟ ولو استغنى بعضُ المختلَفِ فيه عن الدَّلالةِ لاستعنى جميعُه عن الدَّلالةِ، كما أنه لو احتاجَ بعض المتَّفَقِ عليه إلى دَلَالةٍ لاحتاجَ جميعُه إلى دَلالَةٍ.

فصل
ومن المختلَف فيه ما يكونُ حقَاً، ولا يخرجُه الخلافُ فيه عن جواز البناءِ عليه، والِإسنادِ إليه، ولا يمنعُه كونُه لم يقعْ بحِسٍّ أن يُبْنى عليه، وذلك أن خروجَه عن الحِسَ لم يُبطِلْه، وإذا لم يُبطلْه، كان صحيحاً مع وجودِ الخلافِ فيه، فكم من صحيحٍ اختُلِفَ فيه، لاختلاف الناسِ في إدراكِ الصِّحَّةِ والفسادِ، وإذا كان صحيحاً، فالصَّحيحُ لا يُؤدِّي إلا إلى، الصِّحَّةِ ولا يثمرُ إلا الصَّحيحَ.
فإذا كان له وجهُ دلالَةٍ كانت صحيحةً، وذلك مثلُ رجوعِنا في الأصول إلى المحسوساتِ، وإن خالفَ فيها السُّوفسطائيَّة (1)، ولم يمنعْنا خلافُهم إيّانا من تعلقِنا بها، وبنائِنا عليها، وإسنادِنا إليها، ومثلُ خلافِ من خالفنا فرب امَّهاتِ الأولادِ في نفي جوازِ بَيْعِهنَّ (2)، لا يمنعُنا ذلك
__________
(1) انظر ما تقدم في الصفحة (202).
(2) أم الولد: هي التي ولدت من سَيِّدها في ملكه ما فيه صورة. =
(1/325)

أن نقيسَ على أُمِّ الولدِ غيرَها، ولا يمنعُنا الخلافُ في المُتْعةِ أن نقيسَ عليه نكاحَ المُحَللِ (1).

فصل
ومن علوم الحسِّ ما بعضُها أقوى من بعضٍ، كالمشاهدةِ آكَدُ من اللَّمْسِ، والاستماعُ للفهم آكدُ من الإِشارة، وليس يجبُ لذلك أن
__________
= وعدم جواز بيع أمهات الأولاد، أو التصرف فيهن بما ينقل الملكية كالهبة والوقف والوصية وغير ذلك، هو قول عمر وعثمان وعائشة، ومذهب أكثر التابعين، وجمهور فقهاء الأمصار كالشعبي والنخعي وعطاء وربيعة وأبي حنيفة ومالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وابن حزم الظاهري.
وأجاز بيعهن أبو بكر الصديق وعلي وابن عباس وابن الزبير وجابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدري، وهو مذهب داود وأبي بكر انظر "اللباب في شرح الكتاب" لعبد الغني الغنيمي 3/ 122، و"مواهب الجليل لشرح مختصر خليل" لأبي عبد الله الحطاب 6/ 355، و"بداية المجتهد" لابن رشد الحفيد 2/ 392 - 393.
و"كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار" لأبي بكر الحصني ص 510 - 511، و"المغني" لابن قدامة 14/ 580 و 584 - 585، و"كشاف القناع عن متن الإقناع" للبهوتي 4/ 569، و"المحلى" لابن حزم 6/ 217 - 219.
(1) المحلِّل: هو الذي يتزوج المرأة المطلقة ثلاثاً ليُحِلها لزوجها الأول.
والتحليل حرام لا يجوز في قول عامة أهل العلم، ولكن اختلفوا في صحة العقد الذي فيه اشتراط التحليل، وفي إباحة المبتوتة للزوج الأول به: فذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أنه باطل لا تحل به للزوج الأول، وذهب أبو حنيفة إلى أنه صحيح تحل به لزوجها الأول. انظر تفصيل المسألة في "البناية في شرح الهداية" 4/ 624 - 627، و"بداية المجتهد" 2/ 58 - 59، و"تكملة المجموع" 16/ 255 - 256، و"المغني" 10/ 49 - 50، و"المبدع في شرح المقنع" 7/ 85 - 86.
(1/326)

يكونَ البناءُ على القويِّ دون غيرِه، ولكنَ الوجهَ أن يكونَ البناءُ على متَفَقٍ عليه، ولا يُطلَبُ بعد الاتفاقِ غايةٌ.

فصل
ومن مانعَ أصلاً وناكرَه، فشرعَ في الدَّلالة عليه بطريق الاستدلالِ الذي يُسْلَكُ مثلُه في الفرع، فأبى ذلك طلباً للإِسناد إلى أصلٍ لا يَحتاجُ إلى دَلالةٍ، فقد ظلم وخرجَ عن قانون الجدلِ إلى الإِعناتِ، وكان في هذا بمثابة من قال: أوْصِلُوني إلى آخِرِ المسافةِ من غير أن تَسْلُكُوا بي في وَسطِها أو تَمُرُّوا بي على أَوَّلِها.
فيقال لمن سلكَ هذا: يا هذا، إنَّا لا نَدَعي أنَا وصلنا إلى معرفة ما سألتَ عنه، ولا إلى معرفةِ الأصلِ الذي أسنَدْنا إليه وناكَرْتنا فيه إلا بهذا الطريقِ، فإن أردتَ معرفتَه من الوجه الذي منه عرفناه، عَرَّفْناكَه وعَلِمْتَه، وإن أبَيْتَ ذلك، فلسنا نَقْدِرُ على غيرِه.
وكان أيضاً بمثابة من قال: لو كان اللَّوْنُ حقاً لوصلتُم إلى معرفته من غير طريق البصرِ، وهذا واضحُ الفسادِ، ولا بُدَّ من إحكام هذه الأمورِ، وإلا وقعَ في التَّخليطِ.
(1/327)

فصول
الحُجةِ والشُّبْهَةِ
فصل
في جوامع العلمِ بالحُجةِ
اعلم أن الحجَّةَ: مقدَمةٌ صادقةٌ، لها شهادةٌ على الحقيقة (1).
وإنما قلنا: لها شهادةٌ على الحقيقة؛ لأن من المقدِّماتِ ما له شهادة على التَخَيُّل دون الحقيقةِ، وهي الشُّبهةُ (2).
ومعنى قولنا: مقدِّمةٌ: كلُّ ما إذا قُدَمَ فكان أوَّلاً ظهر منه ثان، كائناً ما كان، وهي التي يسمِّيها الفقهاءُ وصفاً، فكما يكونُ القياسُ ذا وصفٍ ووصفين وثلاثةِ أوصافٍ، تكونُ الحجةُ ذاتَ مقدمةٍ ومقدمتين وثلاثِ
__________
(1) قال الجرجاني في "التعريفات" ص 82: الحجة: ما دل به على صحة الدعوى، وقيل: الحجة والدليل واحد.
(2) قال الآمدي في "المبين من معاني ألفاظ الحكماء والمتكلمين" ص 47: وأما المشبهات فما أوجب التصديق بها تخيل كونه من قبيل ما سبق من الأقسام يعني بالأوليات والمتواترات والمشهورات والمظنونات، كاعتقادنا أن نصرة الأخ عند كونة ظالماً مشهور، أخذاً من قول الجمهور: انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، وعند التحقيق تبين أنه ليس بمشهور، وأن المراد به إنما هو دفعه عن الظلم، وكفه عنه.
(1/328)

مقدِّمات، إلى أن تنتهيَ إلى نتيجةٍ صادقةٍ، والحكمُ في قياس الفقهاءِ، هي النتيجةُ في الأصول بلغةِ الأصوليِّين.
ولا تخلو شهادةُ الحجةِ من أن تُعلمَ بأول وَهْلةٍ أو بأدنى فِكْرَةٍ، ولا تخلو الحجَّةُ من أن تظهرَ شهادتُها عند الإِشارةِ إليها، أو لا تظهرَ، فإن لم تظهرْ عند الِإشارةِ إليها، فإنَّما ذلك لأنه أُشيرَ إليها من وجهٍ لا يتعلَقُ بالحكم، مثال ذلك: قول القائل: كلُّ جسمٍ فهو جوهرٌ، فالجسمُ لا يشهد من وجهِ أنه جوهرٌ على أَن له صانعاً، ويشهدُ من وجهِ أنه كان بعد أن لم يكنْ على أن له صانعاً، فقد بأن أنه يُذكرُ من وجهٍ ولا تكونُ له شهادةٌ، وُيذكرُ من وجهٍ آخر فتظهرُ له شهادة.
بيانُ صحةِ ذلك: أنك إذا قلتَ: إذا كان الجسم بعد أن لم يكنْ، فلا بُدَّ له من مكوِّنٍ. فهذا شهادةٌ، ولو قلت: إذا كان الجسمُ جوهراً، فلا بُدَّ له من مكوِّن. لم يكن هذا شهادةً، ولا له صحةُ الشهادةِ.
وكذلك تقولُ: إذا كان محكَماً متقَناً، فلا بدَّ له من عالمٍ أحكمَه وأتقنَه. ولا يصحُّ أن تقولَ: إذا كان معدوماً بعد أن لم يكنْ معدوماً، فلا بُدَّ له من عالمٍ أعدمَه. ولكن الذي يصحُّ أن تقولَ: إذا كان معدوماً بعد أن لم يكن معدوماً، فلا بُد من معدِمٍ أعدَمه وجعلَه معدوماً. ويَحسُنُ أن تقولَ: الجسم دالٌّ على الصانعَ المدبِّر. نعني من الوجوهِ التي بَيَّنَّا.
والمثالُ من مسائل الفروعِ: إذا قلتَ: النَبيذُ محرَّمٌ من حيث إنَّه مائعٌ أو مشروبٌ، فهذا لا يصحُ؛ لأن كونَه مائعاً ومشروباً لا يشهدُ بالتحريم، فإذا قلتَ: النَّبيذُ أو الخمر يشهدُ بالتحريم من حيث كونه
(1/329)

مشتدَّاً أو مسكراً. كان قولاً صحيحاً وشهادةً صحيحةً.
وهذا بعينه الذي يُسَمِّيهِ الفقهاءُ: التأثيرَ وعدَمَ التأثيرِ، فالذي له شهادةٌ بلغة الأصوليين هو الذي له تأثيرٌ بلغة الفقهاءِ، والذي لا شهادةَ له هو الذي يقول الفقهاءُ: لا تأثيرَ له، ويقولُ الخراسانِيُّونَ: لا إخالةَ (1) له.

فصل
وكل حُجَّةٍ فهي بمنزلة الناطقةِ بأن الحكمَ حقٌّ أو باطلٌ من حيثُ يجد العاقل معنى النُّطقِ في نفسِه عند خُطورِ المعنى على قلبه، والاعتمادُ على معنى النُطقِ لا على النُّطقِ، وإنما يجد العاقل كأَنَّ مخاطِباً يخاطبُه بأن المذهبَ صحيحٌ أو فاسدٌ؛ للاعتماد على ما يجدُه من معنى الخِطابِ، لا على نفْسِ الخِطابِ.
والحجَّةُ والدَّلالةُ والآيةُ والعلامةُ نظائرُ، وكذلك الدَّليل والبرهانُ، ينوبُ بعضُها مَنابَ بعضٍ في أكثر المواضعِ.
والأصلُ في الدَّالُ إنما هو المظهِرُ للدَّلالةِ، وكذلك الدَّليلُ على مذهب المتكلِّمين، وهو عندنا: المرشِدُ إلى المطلوب -وهو المدلولُ-.
وإنما سُمِّيَتِ الدَّلالةُ دليلاً من حيث إنَّها كالناطقة في الحكم بالصِّحَّةِ أو بالفسادِ.
__________
(1) الِإخالة: هي المناسبة، وسميت إخالة؛ لأن الناظر إليها يخال -أي: يظن- أنها علة. انظر "إرشاد الفحول": 214، ومختصر ابن الحاجب 2/ 239.
(1/330)

وكلُ حُجَّةٍ فهي بيانٌ يشهدُ بمعنى حكمٍ من الأحكامِ.

فصل
ولا يخلو البيانُ الذي هو حجَّةٌ من خمسةِ أقسامٍ: لفظٍ، وحَظ، وعَقْدٍ، وإشارةٍ، وحالةٍ.
وكلُّ ذلك إنما يكون حجَّةً إذا كان حقاً في نفسه وشهادتِه، وإذا كان في أحدهِما دون الآخرِ فهو شبهةٌ.
ودلالة اللَّفظ والحظ التي تكون حجَّةً: إنما هو في القضايا التي تشهد بمعنى قَضِيَّةٍ أخرى، وذلك مثل قولِك: زيد مسيءٌ، وكل مسيءٍ فهو مستحِقٌّ للذَّمِّ، فزيدٌ مستحِق للذَّمِّ، وكذلك لو قلتَ: زيدٌ ظالمٌ أو جَائِرٌ، وكذلك لو قلتَ: الأجسام لم تَسبِقِ الأعراضَ، وكلُ ما لم يَسبِقِ الأعراضَ حادثٌ، فالأجسامُ حادثةٌ. فهذا بيانٌ من جهة اللَّفظِ والحظ.
فأمَّا البيان [من جهة العقد] (1): فلو اعتقدتَ معنى المقدِّمةِ التي ذكرت لك، لظهرَ منها معنى الحكمِ، وإن لم يكن هناك قولٌ.
وأما البيانُ من جهة الإِشارةِ: فهو كالإِشارةِ إلى ما فيه الدَّلالة إذا كنتَ طالباً لها، فأشيرَ لك إليها، وهذا غايةٌ في المثال.
وأما الحالُ: فدَلالتها تظهر بأن يكونَ عليها الشيئُ ثم يزولَ، أو لا يكونَ عليها ثم يصيرَ، كخروج الجسمِ من حال إلى حال تنقلبُ الأعراضُ عليه في علم الأصولِ، وكخروج العينِ من حكمٍ إلى حكمٍ
__________
(1) ما بين حاصرتين ليس في الأصل، ولا بد منه لتمام المعنى.
(1/331)

في الفروع، مثالُه: خروجُ الطِّفْلَةِ بالبلوغ إلى حَيزِ التَكليفِ والرشْدِ، فيستدلُّ بتلكَ الحال على تغير حالِ الوَليِّ من رُتْبَةِ الإِجبارِ إلى رتبةِ الاستئذانِ لها في نكاحها، وخروجُ العبدِ بالتَكاتب من حال تملُّكِ سيِّدهِ لأُرُوشِ (1) جناياته وأكسابه إلى حالٍ صار هو المالكَ لها، أو [خروج الخمر بالتخلُّلِ من عدم اَلماليةِ إلى المالية] (2)، فمنعَ ذلك من خروجِ العصيرِ عن الماليةِ بحدوث الشَدةِ، وخروجِ العبد عن الماليَّة بالحُريةِ.
وكلُّ حجة تجبُ من جهة الحِسِّ فهي من باب الحالِ، لأن كلَّ حِسٍّ حالٌ.

فصل
وكلُّ حُجةٍ فلها تحديدٌ، ولها تعبير عن التَّحديدِ، ولايُخرجُها عن معنى الحجَّةِ كونُها ليست محدَّدةً؛ لأنها إذا ظهرَ صدقُها في نفسها، وأنها شاهدةٌ على الحقيقة لحكمها، فلم يُخِل بها أن تُذكرَ مع غيرِها، ولا أن يُحذفَ من لفظها، أو تُغيرَ عن ترتيبها بعد أن تؤديَ ما ذكرنا فيها.
وإن كنا نعلمُ أن تحديدَها إلى أن تَخْلُصَ على حقيقتها أبينُ لها
__________
(1) جمع أرْشٍ، وهو دِيَة الجِراحة، ثم استعمل في نقصان الأعيان؛ لأنه فساد فيها" المصباح المنير" (أرش).
(2) ما بين حاصرتين ليس في الأصل.
(1/332)

وأحسنُ لصورتها، لكنا لا نَبْخَسُ حفظَ المعنى حقَه من إيجاب حكمِها به.

فصل
وكل حُجةٍ فهي أصلٌ تشهدُ بالحكم، فإذا ظهرَ الحكمُ ولم يظهرِ الأصلُ، طُلِبَ ليُبْنى عليه ويُرَدَّ إليه، وإذا ظهرَ الأصل من الوجه الذي يَتعلَّقُ بالحكم، ظهرَ الحكمُ.

فصل
وكل حجه فإنه يَصحُّ أن يُدل عليها بالقضية، وكلُّ قضيةٍ فإنها لا تخلو من أن يكونَ لها شهادةٌ، أو لا يكونَ لها شهادةٌ، فإن كان لها شهادةٌ، فهي لا تخلو من أن تكونَ حجةً أو شبهة، وإن لم يكنْ لها شهادةٌ خرجتْ منهما جميعاً، ولم يُتكلَّمْ عليها إلا على طريق الشَّغْبِ (1) في المناظرة؛ لأن ما خلا منهما، فإنما هو محضُ الشَّغْبُ؛ إذ ليس يدنو عن الشبهة إلا الشَّغْبُ، كما لا يعلو عليه إلا الحجةُ، ولا معنى للاشتغال به في الجدْل.
فإن الكلامَ في هذا الشأنِ إنما يُعول فيه على الحجة لتظهرَ، والشبهةِ لتَبْطلَ، وما عدا هذا فهَذَرٌ يقطعُ الوقتَ، ويوجبُ السَّخائمَ، وهو الذي، رفِعَتْ بشؤمِه ليلةُ القَدْرِ (2)، وإليه انصرفَ نهيُ النبي صلى الله عليه وسلم،
__________
(1) الشغب في اللغة: هو تهييج الشر والفتنة والخصام. "اللسان" (شغب).
(2) تقدم نص الحديث وتخريجه في الصفحة (249).
(1/333)

عن قيل وقال (1)، وقوله: "مِراءٌ في القرآن كفْر" (2)، والشَّغْب لا يَتَموه به مذهبٌ.

فصل
وأصلُ الحجَّةِ في اللُّغة: القصد، من قولهم: حَجَّ يحُجُّ؛ إذا قصدَ، ومنه: حَجَّ البيتَ؛ إذا قصدَه، فكأن الحجَّةَ أُخذت من المَحَجَّةِ، وهي الاستقامةُ في الطريق المؤدي إلى البغية.
وقد يقال للشُّبهة: حجةٌ داحِضَةٌ، ولا يجوز أن تطلقَ حتى يتبينَ أن المعنى فيه الاستعارةُ، مثلُ استعارتِهم البشارَةَ في الِإخبار عن السوء استعارةً، وإن كان الأصلُ الِإخبارَ بالخَير الذي يَسُرُّ، قال الله سبحانه: {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [الشورى: 16]، وقال: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: 21، والتوبه: 34].

فصل
وكل ما تَطَرَّقَ عليه الاختلافُ مما ليس بأَولٍ (3) في العقل، فليس
__________
(1) أخرج أحمد 4/ 246 و249 و 250 و 255، والبخاري (1477) و (2408) و (5975)، ومسلم 1/ 1343 (593) عن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال".
(2) أخرجه أحمد 2/ 258 و286 و300 و424 وه 47 و478 و494 و 503 و528، وأبو داود (4603) من حديث أبي هريرة.
(3) الأول في العقل: هو الذي بعد توجه العقل إليه لم يفتقر إلى شيء أصلا من حدس أو تجربة أو نحو ذلك، كقولنا: الواحد نصف الاثنين، والكل =
(1/334)

لنا سبيل إلى، علمه إلا بحُجَّةٍ؛ من قِبَلِ أن المدعيَ له والمنكرَفيه سواءٌ إلا أن يكونَ مع أحدِهما حُجَّةٌ، فيَثْبُتَ مذهبَه دون الآخَرِ، وليس يجوزُ أن يَثْبُتا جميعاً؛ لأن أحدَهما يقول: هو حق. والآخَرُ يقول: هو باطلٌ.
لا اجتماعَ لهما في حكم واحدٍ، ولا حقيقةٍ واحدةٍ، وكذلك إذا قال أحدُهما: هو صدقٌ. وقال الآخرُ: هو كذبٌ. إذ لا اجتماعَ لهما في خبر واحدٍ، وسواءٌ كان ذلك في علم الدِّين، أو غيرِه من العلوم.

فصل
ولا يخلو الحكمُ الذي يظهرُ من الأصل على طريقة الحُجَّةِ من أن يكونَ فى معنى قضيةٍ واحدةٍ أو أكثرَ، فالحكمُ الذي يظهرُ من معنى القضيةِ الواحدةِ، كقولك: كلُّ مؤمنِ موحِّدٌ، أو ليس بمجسم. فالحكِمُ الذي يظهرُ من معنى هذه القضيةِ: أن بعضَ الموحِّدين مؤمن، وبعض من ليس بمجسِّمٍ مؤمنٌ، وكذلك قولك: كل إنسان جَوْهَر. فالذي يظهرُ من هذه القضيَّةِ: أن بعضَ الجواهرِ إنسانٌ.
وأما الحكمُ الذي لا يظهرُ إلا من أكثرَ من قضيةٍ، فكقولك (1: كلُّ شهيدٍ مؤمن، وكلُّ مؤمنٍ موحِّد 1). فيظهرُ من هاتين القضيتين: كلُّ
__________
= أعظم من جزئه؛ فإن هذين الحكمين لا يتوقفان إلا على تصور الطرفين، وهو أخص من الضروري مطلقاً. "التعريفات" ص 39.
وقال الآمدي في "المبين عن معاني ألفاظ الحكماء والمتكلمين" ص 43 - 44: وأما القضايا الأولية: فما يصدق العقل بها من غير توقف على أمر خارج، عن تعقل) مفرداته، كالعلم بأن الواحد أقل من الاثنين، ونحوه.
(1 - 1) مكرر في الأصل.
(1/335)

شهيدٍ فهو موحِّدٌ.

فصل
وإذا أوردَ الخصمُ ما يقتضي صِحَةَ الحكمِ، وكان على طريقة الحُجَّةِ، لم يكن لخصمه أن يطالبَه بما الدَّليل على صِحَّتِه؟ ولكن له أن يطالبَه بما الدليلُ؟ من جهاتٍ ثلاثٍ:
إحداها (1): بما الدَّليلُ على صحَّة المقدِّمَةِ؟ بلغة الأصوليِّين، وهي عبارة عن الوصفِ في لغة الفقهاءِ، حتى يَردَّه إلى بديهةٍ، أو لعلمٍ بأدنى فكرةٍ، أو لاقتضاءِ (2) ضرورةٍ، أو إلى موافقةٍ، وتسليمِ جدلٍ يقوم مقامَ الموافقةِ في البناء عليه والرَّدِّ إليه في الأصول، أو إلى ظاهرٍ من جهة الكتاب، أو السُنَّةِ، أو إجماع الكافَّةِ، أو شهادةِ الأصولِ، أو اتفاقٍ بين المَتجادلَيْنِ في مسائل الفرَوعِ.
والثانية (3): أن يطالبَه بما الدَّليلُ على صحَّةِ الدَّعوى من المقدِّمة؟ -وهو المُسمَّى عند الفقهاءِ: تأثيرَ الوصفِ-، إذ كانت مقدِّمةً قد تَضَمنَت دعوىً أو دعاويَ، وله أن يطالبَه بأيِّها شاءَ قبل صاحبِه بلا ترتيب يَتعينُ عليه، وليس له أن يطالبَه بالدًعوَييْنِ في حالةٍ واحدةٍ؛ من قِبَل أنه إذا كان مطالِباً عن مسألتين في حالةٍ واحدةٍ، لم يكن ذلك إلا على انتقالً.
__________
(1) في الأصل: "أحدها"، والجادة ما كتبناه.
(2) "أو لاقتضاء": كتبها الناسخ: "والاقتضاء"، وهو تحريف.
(3) في الأصل: "الثاني"، وما أثبتناه هو الجادة.
(1/336)

الثالثة (1): أن يطالبَه بما الدَّليلُ على صحَّةِ شهادةِ المقدمةِ، إذا كان الخصمُ قد أوردَها من وجهٍ لا تظهرُ منه الشهادةُ.
وله أن يَعْدِلَ عن المطالبة بماهيَّةِ (2) الدَّلالةِ، ويأخذَه بالتَّفريع على الأصل الذي ذَكَرَه في مذهبهِ أو حجَّتِه، فيَلْزَمُه على ذلك الأصَلِ ما لا بُدَّ منْ أن يتفرع عنه ليَتبَّينَ فسادُ الأصلِ من جهة الفرع، فإن الصحيحَ لا يتفرعُ عنه الفاسدُ، كما أن الفاسدَ لا يُنْتجُ الصحَيحَ.
ولا يخلو ما يُورِدُه الخصمُ من أن يكونَ يقتضي صحَّةَ ما يدَّعيه، أو لا يقتضي، فإن كان لا يقتضيه، كان لك أن تطالبَه بوجه دلالتِه عليه، حتى يأتيَ بالوجه الذي منه تُتخيلُ الشهادةُ بالحكم، وإن كان ما أوردَه يقتضي صحَّةَ ما يدَّعي، لم يكن لك أن تسألَه عن وجه الدَلالةِ؛ لأنه قد ظهرَ، وإنما لك أن تسألَه من وجهٍ آخرَ على الرسْمِ الذي بَيَّنَا.

فصل
وكل برهانٍ أصل، فرعُه نتيجتُه، وهي المقالةُ والمذهبُ الذي يصحُّ به، ويظهرُ منه، فكل مقالةٍ ومذهبٍ فرع بالإِضافة إلى البرهان الذي هو الأصلُ.

فصل
وكلُّ حجةٍ فالطَّريقُ إلى استخراجِها: تحصيلُ القضايا التي لها
__________
(1) رسمت في الأصل: "الثالث".
(2) في الأصل: "بمايية"، وصححناه كما هو مثبت.
(1/337)

شهادةٌ -وقولُ الأصوليين: شهادةٌ، هو معنى قولِ الفقهاءِ: لها تأثيرٌ- ثم تمييزُ (1) ما توجدُ معه الثِّقةُ والسلامةُ من المناقضة مما ليس كذلك، فكلُّ قضيَّةٍ من استخراجِ الحجةِ، وكل حجه، فإن معناها قد يمكنُ أن تَختلِفَ الصُورةُ الدالةُ عليه: فمرَّةً تكونُ في صورةِ الخبرِ-وهو الذي عليه المعتمَدُ-، ومرَّةً تكونُ في صورةِ الاستخبارِ، ومرَّةً تكونُ في صورةِ الأمرِ، ومرَّةً تكونً في صورةِ النهي، وكل ذلك يحْصُلُ به في النَّفسِ معنىً يشهدً بمعنىً آخَرَ، ولذلك سُمِّيَت شهادةُ القضيَّةِ شهادةً، لِما يَحصُلُ في النَّفسِ من المعنى الشاهدِ بمعنىً آخرَ.
ولربما كانت الشهادةُ بالإِفصاحِ، وربما كانت بالتَّعريضِ في الكلام، أو في الحال، وكل معنىً كان في حصولِ العلمِ بمعلومٍ آخَر، فَهو دالٌّ عليه، إلا أن ذلك على ضربين: أحدهما: ما يستحيلُ حصولُ العلمِ بالأوَّلِ فيه دون الثاني، والآخرُ: لا يستحيلُ.
فالذي يستحيلُ إلا بحصول الثاني هو أوضحُ وأجْلَى، والذي لا يستحيلُ أغمضُ وأخفى؛ وذلك لأنه قد تعترضُ فيه شبهةٌ، فيُعلمُ الأولُ، ولا يُعلمُ الثاني دون حلِّ تلك الشُّبهةِ.
ويقال: إذا كان لا يصحُ حصولُ العلمِ بأحد المعنيين دون الآخرِ، فكيف صارَ الأولُ هو الدَّالَّ على الثاني دون أن يكونَ كلُّ واحدٍ منهما دالّاً على الآخر؟
فالجوابُ عن ذلك: لأن الأولَ هو الذي يَشهدُ بالثاني، وهو الذي يَشهدُ العقلُ بأنه لا يجوزُ أن يَصحَّ إلا ولا بُدَّ من أن يَصحَ الثاني،
__________
(1) في الأصل: "تميز".
(1/338)

وليس كذلك سبيلُ الثاني؛ لأن العقلَ لا يَشهدُ له بأنه إذا صَحَّ صَحَّ الأولُ، كما شَهِدَ الأولُ بأنه إذا صَحَّ صَحَّ الثاني، فمن هناك كان المعنى الأولُ هو الدالَّ على الثاني، ولم يَجبْ أن يكونَ الثاني دَالاً على الأولِ، ولكن الثاني يَلْزَمُ من الأولِ من حيثُ كان دَالاً عليه.
مثالُ ذلك: إذا صَحَّ أن زيداً قد كفَر، صَحَّ أنه مستحِقٌ للعقوبةِ، أو نقولُ: الذَّمِّ، وليس إذا صَحَّ أنه يستحقٌّ الذَّمَّ، صَحَّ أنه قد كفرَ؛ لأنه قد يستحقُّ الذَّمَّ بالفِسْقِ الذي لا يَكفرُ به.

فصل

في الفرق بين الحجةِ والشُبْهةِ
اعلم أن الفرقَ بينهما: أن مع الحجةِ الثقةَ بالمقدَمةِ في نفسِها وشهادتِها، وليس كذلك الشُبهةُ؛ إذ (1) كانت الثِّقةُ إنما هي بإحداهما دون الأخرى، أو تخيُّل الثقة فيهما من غير حقيقة، ولو لم يكن هناك ثقةٌ أصلاً ولا تخيلُ ثقةٍ، لم يكن حجةٌ ولا شبهةٌ.
وكلُّ ما يُتكلم عليه في الجدلِ، فلا يخلو من حجةٍ أو شبهةٍ أو شَغْبٍ، ومن أحبَّ سلوكَ طريقةِ أهلِ العلم، فإنما يتكلمُ على حجةٍ أو شبهةٍ، فأمَّا الشَغْبُ فإنما هو تخليط أهلِ الجدلِ، وهو ما أوْهَمَ الكلامَ على حجة أو شبهة، ولم يكُ في نفسه حجةً ولا شبهةً.
والشبهة: ما تُخُيِّلَ به المذهبُ في صورةِ الحقيقةِ، وليس كذلك؛ لأن المقدَّمةَ إن كانت صادقة، فشهادتُها بالمذهب على الحقيقةِ، وكلُّ
__________
(1) في الأصل: "إذا".
(1/339)

مقدمةٍ تقتضي المذهبَ فإنها لا تخلو من أن تكونً حجةً أو شبهةً، وكلُّ اقتضاءٍ يسلمُ من المناقضةِ فهوعلى حجةٍ؛ من قِبَلِ أنه لو سَلِمَ من المناقضةِ وهو شبهةٌ، لم يكن سبيلٌ إلى حلِّ تلك الشبهةِ، وليس الأمر كذلك؛ إذ كل شبهةٍ فلأهلِ الاستدلالِ سبيلٌ إلى حَلِّها؛ إذ لو لمِ يكن لهم سبيلٌ إلى حلِّها؛ لكان المبطِلُ والمحق يقفان فيها مَوْقِفاً واحداً، ولأن الذي يدلُّ على نقيضِ ما يدعو إليه من المذهب يَقدحُ فيها، وُيؤثِّرُ في حَلِّها؛ من حيثُ لا بُد من أن يكونَ إذا صحَّ الَمذهبُ فسدَ نقيضُه، وإذا فسَدَ صَحَّ نقيضه، وهذا مطَرِدٌ في كلِّ مذهبٍ.
والشُبهةُ: مقدِّمةٌ لها شهادةٌ بالتخيلِ لها في نفسها أو شهادتِها دون الحقيقةِ (1)، وهي في المثال شخصٌ يُشبهُ زيداً، أو صورةٌ تُشبهُ صورةً، أو صورةٌ تُنكَّرُ بغيرِها، مثلُ ما شُبهَ علىَ اليهود عيسى، فقالَ سبحانه: {وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء: 157]، وقال: {قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا} [النمل: 41]، حتى قالت بعد التَنْكيرِ: {كَأنَّه هُوَ} [النمل: 42]، وذلك أنها إن كانت كاذبةً في نفسها، فإنما تُتَخيَّلُ صحتُها بما يوجدُ من الاقتضاءِ فيها الذي لا توجدُ معه الثقةُ، لا قبلَ التَّأملِ ولا بعدَه، وإن كانت صادقةً في نفسها، فالتخيُّلُ إنما هو في شهادتها، مثلُ (2) ما شُبِّهَ على موسى أن عِصيَّ السَّحَرَةِ تسعى.

فصل
وكلُّ حجةٍ فلا تخلو إذا وَردَت على النَفس من أن تظهرَ أنها
__________
(1) انظر الصفحة (328).
(2) في الأصل: "ومثل".
(1/340)

حجةٌ، أو لا تظهرَ، فإن كان لا تظهرُ، لم تَخْلُ الآفةُ في ذلك من ثلاثة أوجهٍ:
إمَّا لأنها مغيرةٌ عن الحَدِّ الذي ينبغي أن تكونَ عليه.
وإما لاعتراضِ شبهةٍ عليها تدعو إلى فسادِها.
وإما لأنها لم تُتَأَمَلْ حقيقةَ التأملِ كما يجبُ فيها.
فعلى هذه الأوجهِ الثلاثةِ مدارُ الآمةِ في الحجةِ التي تُوهِمُ أنها شبهةٌ.

فصل

في الفَرْقِ بين الحُجَّةِ والدَلالةِ
الفرقُ بيهما: أن الحجةَ لا بُد من أن تشهدَ بمعنى حكمِ غيرِها، وليس كذلك الدَلالةُ؛ لأنها قد يَحضرُ معناها للنَفسِ من غيرِ شهادةٍ بمعنى حكمِ غيرِها، مثالُ ذلك: قولُك: الجسمُ محدَثٌ، يشهدُ بأن له محدِثاً، فإن قلت: الجسمُ موجودٌ، لم يَشهدْ كشهادةِ الأولِ، فالذي يشهدُ بمعنى حكمٍ آخرَ حجةٌ، والذي لا يشهدُ بمعنى حكمٍ آخَرَ كالذي بَينَا من قولنا: الجسمُ موجودٌ، دَلالةٌ ليست حجةً.
وكلُّ حجةٍ فإن تأثيرَها هو تَمكُنُ المعنى في النفسِ بالشهادةِ له أنه حقٌّ، فأمَّا الدَلالةُ فليست كذلك، وإنما تأثيرُها إحضارُ المعنى للنَّفسِ، إلا أن العبارةَ بالدَلالةِ قد كَثُرَتْ حتى صارت تُوقَعُ مَوْقعَ الحجةِ، يقول القائلُ: ما الدَّلالةُ على كذا؟ ويريدُ: ما الحجةُ على كذا؟
(1/341)

وقد بَينْتُ لك الفرقَ بين معنيين تحتاجُ الى تمييزِهما، وعلم الفرقِ بينهما، وهو معنىً يُحضِرُ معنى آخَر، ولا يشهدُ أنه حق أوَ باطلٌ، فاعرف ما بَينْتُ لكَ مما تحتاجُ إلى علمِه وصحةِ تمييزِه في المعاني، ثم أَجْرِ (1) العبارةَ على العادةِ فيها، ولا تتعدَّ بها مواضعَها بما لايحسُنُ منها.
ومما يُوضَحُ لك الفرقَ في الاستعمالِ: أن إشارة الهادي إلى الطريقِ دلالةٌ عليه، وليس بحجةٍ، وكذلك النَّجمُ والرِّيحُ دلالةٌ على القبلة، وتغيُّرُ (2) الماءِ، أو تحرُكُه، أو آثارُ الماشي النَجِسِ الشَارب منه إليه، دَلالة على نجاستِه عند اشتباهِ الأواني، وليس بحجةٍ، والَاسمُ دلالةٌ على المسَمَّى وعَلَمٌ عليه، وليس بحجةٍ، والصِّفةُ مثلُ الشِّدَّةِ دلالةٌ على الموصوفِ، وليس بحجةٍ.
والفرقُ بين الحجةِ والدَّلالةِ؛ كالفرق بين دَلالةِ البرهانِ وبين دَلالةِ الكلامِ، وكلُّ حجةٍ فإنها لا بُدَّ من أن تُحضِرَ معنىً، إلا أن إحضارَها إنما هو للشهادةِ بالنتيجةِ عنها، فهي تُشارِكُ الدلالةَ من جهة الإِحضارِ للمعنى، وتنفردُ بالشهادةِ لغير المعنى الذي هي دالَّةٌ عليه بمنزلة العبارةِ عنه.
فكلُّ حجةٍ دَلالةٌ من حيث تُحضِرُ معنى الشهادةِ، ومن حيث هي بمنزلةِ النَّاطقةِ في النتيجةِ أنها صادقةٌ، وليس كل دَلالةٍ حجةً؛ لأنها قد تخلو من الشهادةِ بمعنىً سوى المعنى الذي تحتها بمنزلةِ العبارةِ.
__________
(1) كتبها الناسخ: "إجراء"، والصحيح ما كتبناه.
(2) في الأصل: "تغيير"، وما أثبتناه هو الأولى.
(1/342)

فصل
في مراتبِ الحُجَّةِ

اعلم أن مراتبَ الحجةِ مواضعُ المقدِّماتِ بلغة الأُصوليين، وهي أوصافُ العلَّةِ بلغة الفقهاءِ، على السياقَةِ من الأول إلى الثاني، ومن الثانى إلى الثالثِ، ومن الثالثِ إلى الرابعِ، ثم على ذلك إلى آخر مقدَمةٍ.
ولك أن تسوقَ المقدِّماتِ على طريقتين: من أولِها إلى آخرِها، ومن آخرِها إلى أولها، وسأضربُ لك مثلًا تتصوَّرُ به هذا المعنى إن شاء الله.
مثالُ السِّياقةِ من الآخِرِ إلى الأول: أن تقولَ: الاجتهادُ مبنيٌّ على الِإجماعِ، والِإجماعُ مبني على القرآن، والقرآنُ مبنيٌّ على الرِّسالةِ، والرِّسالةُ مبنيَّةٌ على المعجزةِ، والمعجزةُ مبنيةٌ على إثبات صانعٍ لا يجوزُ عليه تأييد كاذبٍ عليه بالمعجزةِ.
مثالُ السياقة من الأولِ إلى الآخِرِ: الرِّسالةُ مردودةٌ إلى المعجزةِ، والقرآنُ مردودٌ إلى الرسالةِ، والإِجماعُ مردودٌ إلى القرآنِ، والاجتهادُ مردودٌ إلى الإِجماعَ.
مثالُ السِّياقةِ في المقدِّماتِ التي هي قضايا: إذا صَحَّ الإِجماعُ صَحَّ الاجتهادُ، وإذا صحَ القرآنُ صحَ الإِجماعُ، وإذا صَحَتِ الرِّسالةُ صَحَّ القرآنُ، وإذا صَحَّتِ المعجزةُ صَحَّتِ الرِّسالةُ، وقد صَحَّتِ المعجزةُ، فيَلزمُ من ذلك بالسِّياقةِ أنه قد. صحَّ الاجتهادُ، وهذا من باب ما يَلزمُ بالوسائطِ.
(1/343)

مثالٌ في مسائل الفروع: إذا صحَ أن التَوبةَ ماحيةٌ للذَّنب، مُعيدةٌ للتَّائب إلى حكمِ الأصلِ، صحَ أن التائبَ من القَذْفِ عَدْلٌ عَائدٌ إلى حكمَ الأصلِ، وإذا صحَ أنه عدلٌ عائدٌ إلى ما كان عليه من الأصل، صحَّ أنه مقبول الشهادةِ، وزالَ حكمُ الرد، وقطِعَ التَّأبيدُ المذكورُ في الآيةِ (1) عن عمومِه وإرسالِه بهذا الدليلِ الموجب لتغليب ظن المجتهدِ عَوْدَ القاذفِ بالتوبةِ إلى ما كان عليه من الأصَلِ.

فصل

في الحُجةِ من جهة الضَّرورةِ والاكتسابِ
اعلم أن الحجةَ من جهةِ الضرورةِ لا تخلو من أن تكونَ في المقدمة، أو في الشَهادةِ، أو فيهما.
فالضرورةُ في المقدمةِ: كعلمِكَ بأن الجسمَ متحركٌ بعد أن لم يكن متحركاً، فلهذه المقدمةِ شهادةٌ إلا أنها ليست ضرورةً، ولكنَها تجبُ بأدنى فكرةٍ ما لم تعترض شبهة، وهي إذا كان الجسمُ متحركاً بعد أن لم يكن متحركاً، فلا بُد من حادثٍ لأجله كان متحركاً بعد أن [لم] (2) يكنْ متحركاً، فهذه الشَهادةُ تُعلمُ باكتسابٍ، والمقدَمةُ تُعلمُ باضطرارٍ.
__________
(1) يعني قوله تعالى في [الآية: 4 - 5] من سورة النور: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
(2) سقطت من الأصل.
(1/344)

وأما الضَّرورةُ في الشَّهادةِ دون المقدمةِ: كعلمِكَ بأن الجسمَ لم يَسبِقِ الحادثَ، فهذه المقدمة تُعلمُ باكتسابٍ، وتعلمُ شهادتُها باضطرارٍ، وهي إذا كان لم يَخْلُ من الحادثِ، فهو حادث باضطرارٍ، وعلى هذين القسمين مدارُ علمِ الاكتسابِ.
وأما إذا كانت المقدَمةُ والشَهادةُ جميعاً ضرورةً، وقَعَتِ النَتيجةُ ضرورةً، وذلك في الأعدادِ والمقاديرِ، مثالُ ذلك: هذان عددان متساويان، أو خَطَّان متساويان، زِدْتَ عليهما متساوياً، وكلُّ عددين متساويين أو خَطَّينِ متساويين زِدْتَ عليهما متساوياً، فهما بعد الزِّيادة متساويان، فهذان العددان المشارُ إليهما بعد الزِّيادةِ عليهما متساويان.

فصل

في الحُجةِ من جهةِ المتَفَقِ عليه والمختلَفِ فيه
اعلم أنا الحجةَ من جهة المختلَفِ فيه لا تخلو من أن تكونَ في الأصل، أو في الفرع، أو فيهما، وكلُّ ذلك يجوزُ الاحتجاجُ به إذا كان فيه تقريبٌ من المتَّفَقِ عليه، أو ما يجبُ الاتفاقُ عليه مما هو أَوَّلٌ في العقل؛ لأنه لو وقِف على المتفقِ عليه؛ لعُطِّلت أدلَّةُ الشَّرعِ والعقلِ لأجل المعاندة في الخلافِ.

فصل
في تعليقِ الحُجَّةِ بالمذهبِ

اعلم أن تعليقَ الحجةِ بالمذهب هو شهادتُها له بالنَّفس أو بوسيطةٍ، ولا يخلو التعلقُ من أن يكَونَ على الإِيجاب أو عَلى الاقتضاءِ، والاقتضاءُ يرجعُ إلى الإِيجابِ بعد التأملِ للمقدِّمةِ والسَّلامةِ
(1/345)

من الشبهةِ.
وتعلقُ الحجةِ بالمذهب كتعلقِ الأصلِ بالفرع؛ من جهة أنه يَنشأُ عنها كما ينشأ الفرعُ عن الَأصلِ، إلا أن تعلقَ الَأصلِ بالفرع أعمُّ من تعلقِ الحجةِ بالمذهبِ، وهما في تَنَشُؤ الثاني عن الأولِ سواءٌ.
فشهادةُ المعجزةِ للنُبوةِ بالنفس، وشهادتُها للاجتهادِ بوسائطَ قد قدمنا ذِكْرَها (1) في الشواهد، وذلك لَأن بصحةِ المعجزةِ تَصِحُ النبوَّةُ، وبصحة النبوَّةِ يصحُ الكتابُ، وبصحةِ الكتاب يصحُ الإِجماعُ، وبصحةِ الِإجماعِ يصحُ الاجتهادُ.
والمعجزُة أيضاً مردودةٌ إلى مقدِّمةٍ قبلها، وهي وجوبُ كونِ الباري على صفةٍ لا يُؤيِّدُ معها كذّاباً بالمعجِزِ، ثم لا تزالُ المقدَماتُ تَتَرقّى مرتبةً بعد مرتبةٍ إلى الأوائلِ في العقل، وإذا عُلِّقَتِ (2) المرتبةً الأولى من الحجةِ بالمرتبةِ الأخيرةِ التي هي المذهبُ من غير بيانٍ عن الوسائطِ، قَبُحَ ذلك، وأنْكَره علمُ الاستدلالِ، فلا يجوزُ أن يقالَ بوجوبِ صحةِ الاجتهادِ دون أن يتبيَّنَ ذلك من جهةِ الوسائطِ التي بينه وبينه.

فصل

في أنواعَ الحُجةِ
اعلم أن الحجةَ قد تتنوعُ بتنوع المذهب، وليس كلما تنوَّعتِ
__________
(1) انظر ما سلف في الصفحة (343).
(2) في الأصل: "علت"، والأنسب ما أثبتناه.
(1/346)

الحجةُ فإنما هو لتنوُّع المذهب، لأَنه قد تكَونُ حجةٌ واحدةٌ على مذهبين مختلفين غيرِ متناقَضين، وقَد تكونُ حُجَّتان على مذهبِ واحدٍ.
مثالُ ذلك: كالحجةِ على أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - صادقٌ في كلًّ ما أتَى به، هو الححةُ على أنه وَليُّ اللهِ؛ لأن المعجزةَ دَلتْ على ذلك؛ من حيثُ دلت على تعظيمِه، وتفخيمِ شأنِه، وإبانةِ الله عز وجل له بذلك عن غيره.
وقد تقوم الحجةُ وتُبينُ على نفي التشبيهِ من طريق العقلِ، وقد يَبِينُ ذلك من طريق السَمعِ.
فأمَّا الحجةُ على التَوحيدِ، فهي غيرُ الحجةِ على نفي الجَبْرِ (1) والتَشْبيهِ (2)؛ لأنه قد يصلُ الِإنسان إلى علمِ التَّوحيدِ بالحجةِ المُنْبئَةِ عن ذلك والبَيِّنةِ عليه وهو لا يعلم نفيَ الجَبْرِ والتَشبيهِ، بل يعتقدُ أنه واحدٌ
__________
(1) الجبر: هو نفي الفعل حقيقة عن العبد، وإضافته إلى الله تعالى؛ فلا فعل ولا عمل لأحد في الحقيقة إلا لله وحده، والعبد مجبر ومضطر الى الأعمال.
وأصحاب هذا المذهب يسمون جَبْرِية، وهم صنفان:
جبرية خالصة: وهي التي لا تثبت للعبد فعلًا، ولا قدرة على الفعل أصلًا.
وجبرية متوسطة: وهي التي تثبت للعبد قدرة غير مؤثرة أصلًا. انظر "مقالات الإِسلاميين" ص 279 - 287، و"الفرق بين الفرق" ص 211 - 215، و"الملل والنحل" 2/ 85 - 91.
(2) التشبيه: هو تشبيه ذات الباري سبحانه بذات كيره، أو صفاته بصفات غيره.
ويسمى القائلون به: مشبِّهةً أو مجسمةً، وهم أصناف شتى. انظر في ذلك "مقالات الإسلاميين" ص 207 - 218، و"الفرق بين الفرق" ص 225 - 230، و"الملل والنحل" 1/ 103 - 108.
(1/347)

يشبه أو واحدٌ يُجبرُ، فيعلمُ أحدَ الشَّيئين، ويَجهلُ الأخرَ.
وكلُّ نوعٍ من أنواعِ الحجةِ يخالِفُ الآخرَ، فإنه لا يجوزُ أن يُناقِضَه وإن خالَفه، كما أن العلومَ تختلفُ ولا تتناقضُ، وكذلك الحججُ تختلفُ ولا تتناقضُ، وكذلك أنواعُ المذاهب التي تظهرُ عن الحجةِ.
وفي الجملةِ: إن الحجةَ تَنَوَّعُ بتعليقِها بالمذهبِ؛ لأنه إذا قيل: ما الحجةُ على صحةِ الاجتهادِ؛ اقتضى غيرَ ما يقتضي: ما الحجةُ على صحةِ الإِجماعِ؟ وإذا قيل في النبيِّ: ما الحجةُ على النبوَّةِ؟ اقتضى ما يقتضي: ما الحجةُ على أنه وليُّ اللهِ؟ وهو ما يُرَدُّ إليه من شبهادةِ المعجزةِ التي جعلَها اللهُ تعالى عَلَماً ودَلالةً.

فصل
في مُصادَرَةِ الحُجَّةِ في الصِّناعةِ
اعلم أن مُصادرَةَ الحجَّةِ في الصناعة هي المقدِّماتُ التي تُوجدُ مسلَّمةً من الخصم ليُبنى عليها ما بعدها، وكلُّ صناعةٍ فإنها لا تخلو من ذلك إلا صناعةَ الكلام، فإن مصادراتِها تُسلِّمُ الأوائلَ في العقل ليُبنى عليه ما بعده، وهذا يدُلُّ على ثبوتِ صناعةِ الكلام على كلِّ صناعةٍ، فللهندسةِ مصادرةٌ تُؤخذُ من صناعةٍ من فوقِها، وكذلك لعلم الفقهِ مصادرةٌ تُؤخذُ من صنعةٍ فوقَها، وكذلك علمُ النَحْوِ وغيرُه من سائرِ العلومِ على ما بَيَّنَّا، فالمصادرةُ إذاً تُسلمُ ما يُبنى عليه ما بعده.
(1/348)

فصل
في الفرقِ بين طريقةِ الحُجةِ في الجَدَلِ والمنْطِقِ
اعلم أن الفرقَ بينهما: أن طريقةَ المنطق في الحجةِ على تحديد المعنى واللفظِ، وليس كذلك طريقةُ الجدلِ؛ لأنه قد يُستعملُ في العبارةِ عن الحجةِ المجازُ، وُيجرى على عادةِ أهلها في الاتَساعِ والِإيجازِ.
والطَّريقتان وإن اختلفتا في ذلك فإنهما تؤدِّيان إلى غَرَض واحدٍ، إلَّا أن إحداهما (1) على تحديد الطَّريقةِ، وأخرى على تغييرِها، وكلاهما موصِلٌ إلى البُغيةِ، ومظهرٌ للنَّتيجةِ، وإنما الاعتمادُ على تحقيقِ المعنى في النَّفسِ، وإن اختلفَ ما يُتوصَّلُ به من الطرقِ.
وطريقةُ الجدَلِ قد يجري فيها التَّحديدُ، ويجري فيها التَّغيير، فهي أوسعُ من طريقةِ المنطقِ من هذا الوجهِ، وطريقةُ المنطقِ أضيقُ؛ إذ كان لا يُسلَكُ إليها إلا من وجهٍ واحدٍ، والمثل في ذلك كمن قصدَ بلداً، فوجدَ طرقاً متشعِّبةً مشتبِهةً تُوصِلُ إليه أيضاً، فالذي على سَنَنٍ واحدٍ أوضحُ لمن لم يَرْتَضْ بالطًّرقِ المؤدِّيةِ، فأمَّا المُرْتاضُ فيتقاربُ ذلك عنده فى الإِيضاحِ.
وقد يستعملُ العالمُ ذلك لِإفهام العامِّيِّ؛ إذ كانت العامَّةُ لم تَألَفْ طريقَ التحديدِ، فهو وإن كان علىَ السَّنَنِ، فإنه صعبُ المَسْلَكِ عند من لم يَألَفْ تلك الطَّريقةَ، ولا جَرَتْ بها عادتُه.
__________
(1) في الأصل: "أحدهما".
(1/349)

فصول
الكلامِ في بيانِ العِلَّة- والمعلولِ- العقليةِ والشَّرعيةِ
فصل
في جوامعِ العلمِ بالعِلَّةِ
فحدُّ العِلَّةِ: أنها الموجبةُ لحكمِها، أو للحكمِ، أو للمعلولِ.
وزادتِ المعتزلة فقالت: الموجبة بوجودِها لصحةِ معنى الحكمِ بعد أن كان لا يصحُّ؛ بناءً على أصلهم، وأن الواجباتِ غير معلولةٍ، بل يُستغنى بوجوبِها عن عِلَةٍ.
بيانُ ذلك بالمثال: أن الحركةَ أوجَبَت بوجودِها صحَّة معنى الحكم بأن الجوهرَ متحرِّكٌ بعد أن كان لا يصحُّ، ولَمَا كان الِإيجابُ قد يكونُ بوجودِ الموجبِ نفسِه، وقد يكون بوجودِ شيءٍ سواه، كالفاعلِ على الموجب بفعلِه لأمر، قلنا: إنها الموجِبةُ بوجودِها؛ لنَفْرُقَ بين المعْنَيْينِ.
فأمَّا المعلولُ: فهو موجَب العلَةِ.
وقالت المعتزلةُ: هو المتغيرُ بالعلَّةِ عما كان عليه؛ من جهةِ حدوثِه، أو تقديرِ حدوثِه، أو حدوثِ معنىً فيه أو في بعضهِ، ومن هناك سمِّيَ المرض: عِلَّةً، ومَن حَل به المرضُ فغيرة عن الصَحةِ والاعتدالِ: معلولاً، وذلك أن الحكمَ يكونُ معلولَاً بالعلَّةِ، من جهةِ
(1/350)

أنه يصحُّ أن يوجدَ حقَّاً بعد أن كان لا يصحُّ، وكذلك الحمدُ والذمُّ والثوابُ والعقابُ، يصحُّ أن يوجدَ كلُّ واحدٍ منهما مستحقاً -عند من قال باستحقاقِه-؛ من أجلِ علَّةٍ كان صارَ بها على ذلك.
وأما المتحرِّكُ فمعلول بالحركةِ من أجل حدوثِها فيه، والعالِمُ معلولٌ كونَه عالمِاً بالعلمِ واجباً كان أو جائزاً.
والمعتزلةُ تقولُ: إن كونَ العالِمِ في الشَاهدِ معلولٌ بالعلم؛ لكونِه عَلِمَ مع جوازِ أن لا يعلمَ، فاحتاجَ إلى معنىً يكونُ به عالماً، وفي الغائب علِمَ مع وجوب أن يَعلمَ، فلم يفتقرْ إلى معنىً يكونُ به عالماً، كماَ أنه لَمَّا وُجِدَ الَحادثُ مع جوازِ أن لا يَحدثَ، افتقرَ إلى محدِثٍ يُحدِثُه، والقديمُ سبحانه لما وُجِدَ مع وجوبِ أن يُوجدَ، لم يَحْتَجْ إلى معنىً يُخصِّصُه بالوجودِ.
وأهلُ السُّنةِ يُعلِّلون الواجباتِ بعللٍ واجبةٍ، ويقولون: إن الموجِبَ لكونِ العالم عالماً هو العلمُ، فلو كانت الذاتُ موجبةً كونَها عالمةً، لكانت علماً؛ لأن الموجِبَ لكونِ العالِم عالماً إنما هو العلمُ، ولو جازَ أن يكونَ في الغائب ذاتٌ توجبُ كونَ العالمِ عالماً وليست عِلماً، لكان في الغائب مَا يوجبُ كونَ المتحرِّكِ متحرِّكاً وليس بحركةٍ، والكلامُ في ذلكَ على الاستقصاءِ لا يليقُ بهذا الكتابِ.
وأما العالِمُ الذي صارَ عالماً بعد أن لم يكنْ عالماً، وجدَ نفسَه على خلافِ ما كان عليه، فمعلولٌ بالعلمِ الذي وُجِدَ له بإجماعَ أهلِ السنةِ وأهلِ الاعتزالِ، إلا أنه معلول بما وُجِدَ في بعضه؛ لأن العلمَ في مَحَلٍّ منه.
(1/351)

وكذلك الرائي بعد أن لم يكنْ رائياً في أنه معلولٌ بوجودِ الرؤيةِ له في بعضِه، ومحل الرؤيةِ معلولٌ بما حَلَّ فيه.
فأمَّا القادرُ الذي صار قادراً بعد أن لم يكنْ قادراً، فمعلولٌ بوجود القُدْرَةِ بإجماعِ الأصوليين، وعند أهلِ السنةِ لا يُقيدون ذلك بالذي قَدَر بعد أن لم يكنْ، بل كلُّ قادرٍ فكونُه قادراً معلولٌ (1) بالقُدرةِ، على ما بَيَّنَا في العلمِ.
وأهل السنةِ لا يَخُصُّون العلةَ بتغيرِ المعلول عما كان عليه، بل المحدثُ عندهم بهذه الصِّفةِ، والقديمُ سبحانه يُعَلِّلون كوَنه قادراً بقدرة قديمةٍ، وإن كان معلولُ العلةِ ليس بكائنٍ بعد أن لم يكنْ.
وكلُّ علةٍ حادثة فهي تُغَيِّرُ المعلولَ عما كان عليه، ولذلك قيل للدَّلالةِ التي في الفقه: علة؛ لأنها تُغيِّرُ معنى الحكمِ عما كان عليه، لأنها اظهرَتْهُ بعد أن لم يكنْ ظاهراً؛ ولذلك لم يَجُزْ أن يكونَ المعدومُ الذي لم يُوجَدْ علَّةً، لأنه لم يكُ شيئاً قبل وجودِه فيُطلَقَ عليه التغييرُ بوجودِه، بل وجودُه هو هو على مذهبِ أهلِ السنةِ، إذ ليس الوجودُ صفةً، ولا يَسبقُ له شبيهٌ (2) قبل وجودِه.
والعلةُ والمعلولُ من باب المتضايفات (3)، فلا يثبتُ للمعنى حقيقةُ
__________
(1) في الأصل: "معلولًا"، وهو غلط.
(2) في الأصل:"سببه".
(3) المتضايفات: عبارة عن ماهيتين تَعقُّلُ كلُّ واحدة منهما لا يتم إلا مع تَعَقل الأخرى، كالأبوة والبنوة، ونحو ذلك. "المبين عن معاني ألفاظ الحكماء والمتكلمين" ص 68.
(1/352)

علَّةٍ إلا بالمعلولِ، فكما أن المعلولَ لا بُد له من علَّةٍ، فلا بُدَّ للعلَّةِ من معلولٍ وفى استحقاقِ اسمِ العلَّةِ.
وقولُ الفقهاءِ: إن علَّةَ الحكمِ مجعولةٌ، والعلَّةَ العقليَّةَ موجِبةٌ بنفسها لا بِجعْلِ جاعلٍ، كلامٌ فيه نوعٌ من السهوِ، فإن العلَّتين مجعولةٌ مفعولةٌ، وذلك أن الذي أوجدَ الحركةَ في المحلِّ هو الذي جعلَه متحركاً بها، والذي أوجدَ الحياةَ في المحل هو الذي جعلَه حياً بها، كما أن الذي وضعَ الشَدَّةَ، وجعلَها في المحلِّ، هو الذي جعلَه محرماً، وموجباً للحد بشُرْبِه بها ولأجلِها.
فالعللُ كلُها مجعولةٌ، ومعلولاتُها مفعولةٌ في الحقيقة ومجعولةٌ، ولا شيءَ أوجدَ شيئاً، ولا جدَّدَه سوى اللهِ سبحانه.
وبهذا (1) يتحقَّقُ التوحيدُ في الفعل والِإيجادِ، وإنما نضيفُ المعلولَ إلى العلَّةِ حكماً وذاتاً إضافةَ ما يكونُ عند الشيءِ لا عنه، خِلافاً لأهل الطَّبعِ والتَّوليد، القائلين بإضافةِ الخَلْقِ إلى الفاعلين.
فأمَّا القدرةُ فليست بعلةٍ للفعل؛ لأنها مُصَحِّحَةٌ، فكانت إلى الشرطِ أقربَ منها إلى العلَّةِ الموجبة، والقدرُة لا توجبُ المقدورَ، بخلاف العلَّةِ التي توجبُ المعلولَ.
فإن قيل: ليس يَتحقَقُ عندكم الفرقُ بين العلَّةِ والشرطِ والقدرةِ؛ إذ كان اللهُ سبحانه هو الموجِدَ للمقدورِ والمعلولِ والعلَّةِ والقدرةِ، وأصلكم على، هذا في الري والشِّبَعِ، وأنهما يوجَدان عَقيبَ الأكلِ والشربِ بفعل الله، لا عن الماءِ والطعامِ، ولا متولدين عنهما، وكذلك
__________
(1) في الأصل: "ولهذه".
(1/353)

العلمُ يحصلُ عَقيبَ النَظَرِ والاستدلالِ، فبِمَ تَفْصِلون بين العلَّةِ (1) والقدرة والشرطِ؟ وكلُّ حادثٍ إنما يحدثُ عن اللهِ سبحانه فِعْلاً وخَلْقاً عند هذه الأشياءِ، لا عنها ولا بها ولا عن تأثيرِها، وإنما يتحقَقُ الفرقُ على مذهب مَن جعلَ العلَّةَ موجبةً ومولِّدةً ومثمِرةً، وجعلَ الشَرطَ مهيئاً ومصحِّحاً، كالسكين صالحةٌ للقَطع متهيِّئةٌ له، لا موجبةٌ لحصولِه، فيقعُ حينئذٍ الفرقُ، فمن يجعلُها قدرةٌ يُخرجُها عن كونِها عِلَّةً (2)؛ لكونها مصحِّحةً لا موجبةً، ومن جعلَها علَّةً أخرجَها عن كونها قدرةً لكون العلَّةِ موجبةً.
قيل: نَفْصِلُ بما أجراه اللهُ سبحانه من العادةِ، وأن المعلولَ يكونُ عَقيبَ العلَّةِ لا محالةَ، كتحرك الجسمِ عند وجودِ الحركةِ.
والمشروطُ قد يوجدُ بوجودِ الشَرطِ وقد لا يوجدُ، والمقدورُ قد يوجدُ عند وجودِ القدرةِ المحدثةِ مصاحباً لها لا محالةَ -على قولِ من يَجعل الاستطاعةَ مع الفعلِ-، ويتأخر عنها لا محالةَ لا بزمانٍ ولا بما يتقدَّرُ بقَدْرِ الزمانِ، وهو مقدورٌ قَدَّرَه القديمُ جَلَّتْ عظمتُه.
ونفصلُ الشرطَ عن العلَّةِ بأن الشرطَ في مطَرِدِ العادةِ مصحِّحٌ كحدِّ السكين للقطعِ، واعتمادُها عند هبوطِها على المَحَل بثِقَلِها هو العلَّةُ الموجِبة القطعَ.
وفي عللِ الشرعِ: الزِّنا علة العقوبةِ، والإِحصانُ شرطُها، واللهُ
__________
(1) تكررت في الأصل.
(2) في الأصل: "فمن يجعلها علة يخرجها عن كونها قدرة".
(1/354)

سبحانه الواضعُ حكمَ العلَّةِ والشَرطِ، ولم يمنعْ كوُنه هو القاضيَ بهما والحاكمَ باعتبارهما الفصلَ بينهما بما يصلحُ للفصلِ.
وأصلُ العلَّةِ في اللغةِ مأخوذٌ من علَّةُ المريض، وهو تغبرُه عما كان عليه حيث كان صحيحاً، فالتغيُّرُ عن حال الصحةِ هو الأصلُ في اللغة، ونُقِلَ إلى التغيُّرِ الذي يوجبُ صحةَ معنى الحكم كائناً ما كان الحكمُ، إذا كان ما لو لم تُوجَدِ العلَّةُ لم يصحَّ، وكلُّ ما صحَّ أن يُوصَفَ بعد أن كان لا يصحُّ أن يوصفَ بها، فإنَّ ذلك لعلةٍ أوجبت ذلك له بعد أن لم يكنْ له.

فصل
والمدلولُ عليه على ضربين: معلولٍ، ومدلولٍ عليه غيرِ معلولٍ.
بيانُ ذلك: أن الحركةَ إذا كانت فلا بُد لها من فاعلٍ، فهي دَلالةٌ عليه وهو مدلوُلها، والفاعلُ لها ليس بمعلولٍ لها من حيثُ فعلُها، بل مدلولٌ بها عليه، وهي دالَّةٌ إذا كانت على الأمرين جميعاً وإن كان أحدهما معلولًا والآخرُ ليس بمعلولٍ، وهي علَّةُ كونِ المتحرِّكِ متحرِّكاً، وكونُه متحرِّكاً معلولُها.

فصل

في إيجابِ الحكمِ بالعلَّةِ، وصحَّةِ معناه بها بعد أن كان لا يصحُّ
وذلك أنه إذا وُجِدَتِ الحركةُ في المحل، صَحَّ معنى الحكم بأنه متحرِّكٌ بعد أن كان لا يصحُّ، إذ قبل أن توجدَ الحركةُ في المحل لا يصحُّ معنى الحكمِ بذلك، وليس بداخلٍ تحت التمكُنِ إن صحَّ
(1/355)

الحكمُ بأن المحل متحركٌ ولَمَا تُوجدِ الحركةُ، بل ذلك ممتنعٌ لاستحالتِه وتناقضِ القولِ فيه.
وكلُّ علةٍ محدَثةٍ فالحكمُ بها معلول على الوجهِ الذي ذكرنا؛ لأنه لا علةَ محدَثةٌ إلا ويصح بها حكمٌ بعد أن كان لا يصحُّ، وليس كلُّ حكم فإنه لا يَصِحُّ إلا بعلَّةٍ؛ لأن الحكمَ بأن القديمَ لم يزلْ ليس بمحدَثٍ كائنٍ بعد أن لم يكنْ لم يصحَّ بعلةٍ؛ لأنه ليس مما يصحُّ بعد أن لم يكنْ يصحُّ.
فأما الحكمُ بأن الجواهرَ مقدورةٌ فإنه مما يصحُّ بعلةٍ؛ لأنه لم يكنْ ظاهراً للنَفسِ صحتُه، فصارَ ظاهراً بعد أن لم يكنْ ظاهراً.
والعلةُ في مثل هذا إنما هي دَلالةٌ بها يظهرُ صحَةُ معنى الحكمِ، فكلُّ ماظهرَ للنفسِ صحتُه بعدأن كان لا يظهرُ للنفسِ صحتُه، فلا بُدَّ له من علَّةٍ إذا كان مما يخطُرُ على البال، ويحضُر النفسَ فلا تَتبينُ صحتَه دون شيءٍ آخر.

فصل
في إجراءِ العلَّةِ في المعلولِ

اعلم أن إجراءَ العلَّةِ في المعلول: هو الإيجابُ لكل معلولٍ بها، مثلُ ما وجبَ للواحدِ من المعلولِ بها، وعَبَّرَ عن ذلك آخرون بأن قالوا: يجبُ إذا حُكِمَ لشيءٍ أوعلى شيءٍ بحكمٍ من أجلِ علةٍ فيه أن يُحْكَمَ لكل ما فيه تلك العلَّةُ بمثل ذلك الحكمِ، وإن اختلفَتْ أحكامُهما وعللهُما من وجوهٍ أخَرَ؛ لأن اختلافَهما من حيثُ اختلفا لا يمنعُهما من الاتفاقِ في العلَّةِ التي لها ومن أجلها حُكِمَ لأحدِهما بذلك
(1/356)

الحكمِ، وذلك كرجلٍ نفى بقاءَ الحركةِ، فقيل له: لِمَ نَفَيْتَه عنها؟ فقال: لوجودِها، فهذا يلزمُه نفيُ البقاءِ عن الجسم؛ لأنه أيضاً موجود.
فلو قال: الجسمُ يتحركُ، ويسكنُ وُيحِسُّ، والحركةُ لا يجوزُ شيءٌ من هذا عليها.
قيل له: جميعُ ما ذكرتَ ووصفتَ به الجسمَ لا يمنعُ الوجودَ الذي عَللْتَ به في نفي البقاءِ، وإذا لم تَنْفِ الوجودَ -وهو علَّةُ عدم البقاءِ على ما ذكرتَ-، وجبَ أن لا ينتفيَ المعلولُ مع وجودِ علتِه لِماَ ذكرتَه من الأوصافِ التي اختصَّ بها الجسمُ.
ويقال له: ولِمَ جعلتَ الأوصافَ التي ذكرتَها للجسم وفي الجسمِ مانعةً من المعلولِ؟ وهي مما لم تُزِلِ العلَّةَ ولم تُعِدمْها، وهي الوجودُ.
ومثالٌ آخرُ لإِجراءِ العلَّةِ في المعلولِ: وهو أنَا متى علَّلنا كونَ القَارِ (1) أسودَ لقيام السوادِ به، وجبَ أن يكونَ ذلك جارياً في كلُّ محلٍّ فيه سوادٌ من سَبَج (2) وثوبٍ وحيوانٍ؛ إذ كانت العلةُ لا تخِلٌّ بمعلولها، كما أن المعلولَ لا يكونُ دون علتِه.
وقد قيل: إن إجراءَ العلَّةِ في المعلول: الإِلحاقُ بالمذهب كلُّ ما يلزم عليه، وهذا لا يصحُّ؛ لأن هذا يُفضي إلى أن يَطَرِدَ المذهبُ لتصحَ العلةُ، وإنما تُؤخذُ المذاهبُ من العلل، فأمَّا أن تؤخَذ صحةُ العللِ من المذاهب فلا.
__________
(1) القار، أو القير، بالكسر: شيء أسود يطلى به السُّفُن والإبل، أو هما: الزفْت.
"القاموس المحيط" (قير).
(2) السَّبَج: الخَرَز الأسود. "اللسان" (سبج).
(1/357)

مثالُ ذلك من الفروع: أن يقولَ: النَبيذُ حرامٌ لأنه مسكرٌ، وكلُّ ما أسكرَ كثيرُه فقليلُه حرامٌ كالخمر، فيقال له: فالبَنْجُ (1) والأفْيُونُ (2) وهذه المُخدراتُ كثيرُها يُزيلُ العقلَ، وُيذهلُ إذهالَ السُّكرِ، فيقول: فأنا أطردُ المذهبَ فيها، فيصيرُ تقديرُ كلامِه: فأنا لا أنقضُ عِلَّتي، ولا أمنعُ إجراءَها في معلولاتها، ولذلك أصيرُ إلى القول بتحريمِ قليلِ البَنْجِ والأفْيونِ، فاطردُ المذهبَ لتَنْحرِسَ العلَّةُ، فهذا مما يقبحُ في علم الجدلِ حيث كان تصحيحاً للدَّليلِ بالمذهب، والمذاهبُ تؤخذُ من الأدلةِ، فأمَّا أن تؤخذَ الأدلةُ أو تُصحَّح من المذاهب فكلاَّ.
وهذا يكثرُ من الفقهاء، اللهم إلا أن يكونَ المذهبُ علةً، مثلُ أن يكونَ المذهبُ: كلُ مسكرٍ حرامٌ، أو يكونَ صاحبُ المذهب وضعَ أن كلُّ ما أسكرَ كثيرُه فقليلُه حرامٌ، فلَعَمْري إنه إذا ما الزِمَ عليه المسكراتُ من الأدويةِ يقول: لا يلزمني، فإن المذهبَ خارجٌ مخْرَجَ التعليلِ، وموضوعٌ وضَعْ التعليلِ.
فإن قال: أما الجسمُ فإنه باقٍ من طريق الضَرورةِ؛ فلذلك لم أقلْ بعدمِه، والأفْيُون وهذه الأدويةُ مباح استعمالُها بالإِجماع (3)، فكيف يمكنني أن أقولَ بتحريمها؟ فهذا عُذْرِي في نفي إجراءِ علتيَ في هذه؛
__________
(1) البَنْج -من الهندية-: جنس نباتات طبية مخدرة من الفصيلة الباذنجانية، تستخدم المادة المستخرجة منه في التخدير والتنويم."المعجم الوسيط" (بنج).
(2) الأفيُون: عصارة الخَشْخاش، تستعمل للتنويم والتخدير. "المعجم الوسيط" (أفيون).
(3) على أنها أدوية تستخدم للتداوي فقط.
(1/358)

إذ ليس لي جَحْد الضرورةِ والإِجماعِ، لِما في ذلك من الفسادِ.
قيل: لسنا نحن الآمرين لك بارتكاب الفسادِ، ولا ابتدأناك بذلك، وإنما أخبرناك بأن علَّتَك التي علَّلْتَ بهاَ في عدم بقاءِ الحركةِ وإنهاءِ الوجودِ كأنها آمرةٌ لك من طريق النطقِ بأن كلَّ موجودٍ لا يبقى، ولو تَصَوَّرْتَها ناطقةً لخاطَبَتْكَ به دوننا، فكأننا مع ثبوتِ هذه القاعدةِ نقول لك: إن علتك توجبُ عليك كذا وتأمرُك بكذا، فيجبُ أن تتمسَّك بطاعتِها حيثُ تمسكْتَ بها، أو اخترْ معصيَتها بتركِ التمسّكِ بها حيثُ بانَ لك فساد ما أدَّتْ بك إليه، ولولا أن الذي الزَمتك العلةُ التي تمسَّكتَ بها فاسدٌ، لَمَا كسرْتَ مذهبَك، ولو كان الباطلُ لا يلْزِمُ صاحبَه إلا صحيحاً، لم يكنْ بين الحقِّ والباطلِ فرقٌ.
جوابٌ آخرُ: وهو أنه قد وجبَ عليكَ الحكمُ بفسادِها حيث أدتْ بك إلى جَحْدِ الضَّروراتِ وأوجبَتْ عليك ذلك، إذ لو كانت صحيحةً، لَمَا أوجبَتْ جحدَ الصحيحِ.
ولو أن قائلًا قال: زيدٌ شجاعٌ لأنه أسود، وعمرٌو الأسود جبانٌ، بَطَلَ تعليله بالسوادِ وبانَ غَلطُه؛ حيث وُجِدَتْ علتة- وهي السَّواد- في محلٍّ لم توجِبْ له حكمَها، فإن أخذ يقول: وإنما لم يكن عمرٌو شجاعاً مع كونه أسودَ، لأنه ليس من قريشٍ.
قيل: فقد بأنَ بهذا القولِ منك أنك أغفلتَ وصفاً في العلة لم تذكرْه، ولو أنك ذكرتَه أولًا، فقلتَ: زيدٌ شجاعٌ لكونه أسودَ من قريشٍ. لكان صحيحاً في صورةِ التَّعليلِ، وإن لم يكن السَّوادُ مؤثِّراً في الحقيقةِ، وإبداءُ كلِّ عُذرٍ نصبَه المعتلّ لتخصيص العلَّةِ كان هو
(1/359)

الموجِب عليه أن يجعلَه وصفاً لها، وبانَ تقصيرُه في التَعليلِ.
مثال ذلك من الفقهيًاتِ: أن يقولَ في بَيْع ما لم يَرَه: مبيع مجهول الصفةِ عند العاقدِ حالَ العقدِ، فلم يصح بيعُه كما لو قال: بعتُك عبداً.
فيقال له: علَّتك هذه موجودة في لُب الجَوْزِ واللَّوْزِ، وأساساتِ الحِيطانِ، وبواطنِ الصُبَرِ (1)، ولا توجبُ المعلولَ -وهو بُطلانُ البيعَ-، ولا تجري فيه.
فيقول: ذلك يَشُق عِلمُه، ويفضي إلى إتلافِ الماليًةِ، فهذا وصف اعتذر به، وهو الذي أخلَّ به، ولو ذكرَه لجرَتِ العلةُ في معلولها، فقد بانَ إخلالُه وتقصيرُه، فقد وجبَ عليك إدخالُ هذا الوصفِ في تعليلك.

فصل

ومما يُفسدُ التعليلَ ضمُّ وصفٍ إلى العلَّةِ ليس من العلَّة في شيء وذلك مثل قولِ القائلِ: إنما كان الجسمُ متحرِّكاً من أجل أنه مُؤلَّف ومن أجل أن فيه حركةً، فهذا الاعتلالُ فاسد، والذي يدل على فسادِه: أنا نجدُ مؤلفاً ليس بمتحرِّكٍ، ولا نجدُ ما فيه الحركةُ إلا متحرِّكاً، وهذا يوجبُ أن كونَ الجسمِ مؤلفاً لم يوجبْ له التحرُّكَ، وإنما أوجبَ له التحركَ كونُ الحركةِ فيه لا غيرُ.
__________
(1) جمع صُبْرَة: وهي ما جُمع من الطعام بلا كَيْل ولا وَزْن بعضه فوق بعض، ويقال: اشتريت الشيء صُبْرَةً: أي بلا وزن ولا كيل. "اللسان" (صبر).
(1/360)

ومما يدلُّ على فساده أيضاً: أنَا نجدُ الجسمَ موصوفاً بجميع صفاتِه وأفعالِه إلا الحركةَ، فلا شيءَ من أوصافِه أوجبَ له التحركَ إذاً، ولا نجدُ الحركةَ فيه إلا وهو متحركٌ.
ومما يوضحُه أيضاً: أنًا نجدُ ضدً الحركةِ -وهو السكونُ- مع التأليفِ، ولا نجدُ السكونَ مع قيامِ الحركةِ به.
ولو كان كوُنه متحركاً إنما كان معلولًا بأمرين: قيام الحركةِ والتَّأليفِ، لوجبَ أن لا يزولَ المعلولُ إلا بزوالِ الأمرين؛ لأنَ الحكمَ إذا لم يَقَعْ إلا بأمرين، لم يرتفعْ إلا بارتفاعِهما، فلما وجَدْنا أن تحركَه يزولُ بزوالِ الحركةِ فقط، علمنا أنه إنما وُجِدَ بوجودها فقط.
ثم يقال لمن اعتل بمثل هذا الاعتلالِ: لِمَ اقتصرتَ على هاتين العلًتين دون أن تُضيفَ إليهما ثالثةً؛ فتاقولَ: إنما تحركَ الجسمُ لوجودِه، وتاليفهِ، وقيام الحركةِ به؟
فلا جوابَ له إلا وهَو المفسدُ لتعليله بالتأليفِ؛ لأن غايةَ ما يقولُ: إنما لم اعتَل بالوجودِ لأنه لا أثرَ للوجودِ في إثباتِ التحركِ، فكم موجودٍ لا يتحركُ، ولا شيءَ تقومُ به الحركةُ إلا وهو متحرَّكٌ.
فيقال له: فكذلك التأليفُ قد ثبتَ لجسمٍ لا يتحركُ، ولا جسمَ يتحركُ إلا وفيه حركة، فصار ذكرُ التأليفِ خِلْواً من تأثيرِ المعلولِ كالوجود سواءً، هذا الذي يُسميه الفقهاءُ: عَدَم التأثيرِ والحَشْوَ.
فإن قال قائل: أليس (1) إذا لم يوجدِ التحركُ عند التأليفِ، ووُجِدَ
__________
(1) في الأصل: "ليس".
(1/361)

عند قيامِ الحركةِ في الجسم، مما يدلُ على أن التأليفَ ليس بعلَّةٍ؟ وإلا فخَبِّرونا عن قولِكم في سفينةٍ وضعنا فيها كُرَّاً (1) فلم تَغرقْ، فوُضِعَ فيها قَفِيزٌ (2) فغَرِقَتْ، أليس إنما غَرَّقَها الجميعُ وقد كان بعضُه فيها قبل الغرقِ؟ وهذا يدلُّ على أن الشيءَ يَحدثُ لعلَّتين، فإذا وُجِدَتْ إحداهما لم يَحدثْ.
قيل: الجوابُ عن هذا من وجهين:
ومتى رفعْناه وفرَّفنا بينه وبين جملتِه، جازَ لنا أن نقولَ: هو هذا، وكذا إذا قلت: الدَّراهمُ تزيدُ درهماً على عشرين، لم يكن ذلك الدِّرهمُ معلوماً بعينه إلا أن نُقَدِّرَه زائداً، فإن عدَدْتَها واستوفَيْتَ عددَها الأوَّلَ، فكان الذي يبقى هو الزائدَ، ولو كان غيرُه هو الباقيَ كان أيضاً هو الزائدَ، ولا يجوزُ من أجلِ هذا أن نقولَ: الدَّراهمُ يزيدُ عددَها درهمٌ، ولو ساغَ هذا لكانت كلُّها زائدةً على عددِها نفسِه؛ لأن كلَّ واحدٍ منها يجوزُ أن يَحُلَّ هذا المَحَلَّ، فكذا لا يقالُ في الأرطال (3): رطلان مغرِقان (4)، لأن التغريقَ قد يقعُ على رِطْلين واحدٍ بعد واحدٍ؛ لأن التقديرَ الأوَّلَ إذا نَقَصَ كانت الشريطةُ في نَقْصِه أن لا يُتكلَّمَ على أنه كان وقَع؛ لأن نقصَه إبطالُه الْبَتَةَ، وأنت تُقَدِّرُ الرَّطلَ الأخيرَ إذا جعلتَه
__________
(1) الكُرُّ -بالضم والتشديد: مكيال لأهل العر اق، وهو ستون قفيز "اللسان" (كرز).
(2) هو أيضاً مكيال معروف، يساوي ثمانية مكاكيك عند أهل العراق، والمكوك صاع ونصف، وجمعه: أقْفِزَة وقُفْزان. "اللسان": (قفز) و (كرر).
(3) الرَّطْل -بفتح الراء وكسرها-: معيار يوزن به، وهو ثنتا عشرة أُوقِية، والأوقية أربعَون درهماً، فذلك أربع مئة ؤثمانون درهماً. "اللسان" (رطل).
(4) في الأصل: "معروفان".
(1/362)

زائداً مبتدأً لم يَسبقِ التقديرُ إلى غيره، وإلا فلا نقصَ، وإنما الْتَفَتَ إلى الأول تقديراً آخرَ.
فإن قال: أفيَخرج تقدير إيَّاه من علمي، وإن قَدرت الآخرَ هذا التقدير؟
قلنا: لا، ولكن في علمك أنك قد نقصْتَ تقديرَه، وقد كان فيه أولًا أنه هو المعروف عندك ما كنتَ مقدِّراً له زائداً. فإذا أزلتَ هذا التقديرَ لم يكَنْ كذلك، وذلك أنك لم تعلمْ علمَ حقيقةٍ أنه المغرِق دون غيرِه، وإنما علمتَ أن الزائدَ على ما تحتمله هو المغرِق لها، ولم تعلمْه عِياناً، فجعلتَ الزائدَ المعلومَ لا عِياناً معلوماً عَيْناً بالتقديرِ دون الحقيقة، وإنما كان هذا لأن فيها واحداً زائداً، وإن لم يكنْ معروفاً بعَيْنِه، وحقيقة هذا عند الله أيضاً هكذا؛ لأنه ليس في الأرطال (1) واحدٌ هو أوْلى بهذا النَّعتِ من غيره إلا بالتَّقديرِ، وما كان مثلَ هذا على هذا المنهاجِ يجر ي الكلامُ فيه، فافْصِلْ بينه وبين غيرِه مما لا يَصلُحُ فيه التقدير بأن فيه واحداً معلوماً أنه زائدٌ لا عِيانا، فإنه مستوي الأحوالِ، فليس بمبيَّن منه شيءٌ من شيءٍ، وفحالٌ أن يكونَ كله زائداً، وكلُّه لا زائداً؛ لأن في هذا إبطالَ الحسِّ.
والرِّيُّ والشَبَع، والتُخَمَة، والسَّير بالدَّابَّةِ الفراسخ الكثيرةَ، والسكر بالقَدَحِ والأقداحِ، يجاب في جميعِه بهذين الجوابين، والجوابُ الأولُ أقلُّ مؤنَةً من الثاني.
__________
(1) كتبت في الأصل:"الأبطال إلا".
(1/363)

فإن قال قائلٌ: فهذا الِإمامُ يستحِقُّ الِإمامةَ والكمالَ، ومتى زال عن الكمال جزءٌ (1) يختلفُ فيه سائره، لم يكن مستحِقاً للاسم.
قلنا له: الإِمامةُ: اجتماعُ السياسة، واسمُها واقعٌ عليه، والقولُ فيه كالقولِ في العشرةِ، واسمُها واحدٌ إلا أنَ لأبعاض العشرةِ أسماءً تخصها، وليس لعبارة الإِمامةِ بعض تقعُ عليه التسميةُ، فيقال: كما لم يَجُزْ تفصيلُ كثيرٍ مما تكلموا عليه مجمَلًا، فمتى فاتَتْه خلَّةٌ من الكمال، خرجَ بفَوْتِ تلك الخَلةِ من استحقاق ما توجبه دون غيرها، فإن كانت تلك الخَلَةُ (2) العلمَ بتدبير الحروبِ، خرجَ من استحقاق ولايةِ الحَرْب، وكان مستحِقاً للقضاءِ لمعرفته به، وعلى هذا كلَّما انحطَتْ رُتْبَةٌ (3) بقيَ على ما دونَها، مثلُ أن يكونَ مقصِّراً في العلم والاجتهادِ وبقيَ على العَدالَة، بقيَتْ عليه رتبةُ الشَهادةِ، وعلى هذا المثالِ في سائر الخِلالِ.
فإن قال: أليس لا يُوَلى القضاءَ إِلا العالمُ الوَرِعُ؟
قلنا: بلى.
فإن قال: أفليس قد يكون في الناس وَرِعٌ ليس بعالمٍ، وعالمٌ ليس بورعٍ؟
قلنا: بلى.
__________
(1) أشير في هامش الأصل إلى أن في نسخة أخرى: "حيز".
(2) تحرفت في الأصل إلى: "الجملة".
(3) في الأصل: "رتبته".
(1/364)

قال: فهذا ما أنكَرْتُم بعينه من ارتفاع المستحَقِّ بالشيئين بارتفاع أحدِهما.
قلنا: ليس يستحِق أحد على الِإمام أن يُوليَه القضاءَ، وإنما يجبُ عليه أن يُوليَ من يجمعُ العلمَ والورعَ إذا احتاج إليه وعَرفَ مقدارَه وموضعَه، وليس هذا من جنس العللِ الموجباتِ في شيءٍ؛ لأنه قد يكونُ لنا عالمٌ وَرِعٌ ولا يجبُ على الإِمام أن يُولِّيَه إذا سد مسده غيرُه.
فإن قال: فالحاجةُ إليه إحدى العللِ.
قلنا له: فقد يُمكِنُ في القدرة أن تكونَ الحاجةُ إليه قائمةً والإيجاب مرتفعاً، ولو كان هذا من باب الِإيجاب الذي نحن فيه للَزِمَ، وليس هذا من بابنا.
يُوضَحُ الفرقَ بينهما: أنه لا يجتمعُ عند صاحب العلَّتين التأليفِ والحركةِ في جسمٍ إلا كان متحرِّكاً، وقد يجتمعُ العلمُ والورعُ والحاجةُ لِإيجاب التَوليةِ غيرُ واقعة (1)، وإنما نحن في بابِ ما لكونه يكونُ الشيءُ لا مَحالةَ، ويستحيلُ مفارقتُه له، ولسنا في بابِ ما عند كونه يختارُ المختار والفعلَ لصوابِه في التَأَنِّي والعلمِ إن شاء، وإن شاء أبى أن يختارَ، وإنما قال للناس: فلانٌ مستحِق للقضاء، على معنى أن فيه ما يَحتاج إليه القاضي، وإنما يكونُ في حدِّ من يصلحُ له بالعلم دون غيره، فاذا كان الورعُ مفرَداً من العلم، فليس صاحبُه المتكلَّمَ عليه.
فإن سألَ عن الشاهديْنِ، فأمرُ الشاهدَيْنِ تعبد، ولو خَليْنا والعقلَ
__________
(1) في الأصل: "واقع".
(1/365)

كان الواحدُ والاثنانِ سواءً في أنهما غيرُ موجِبيَنِ للعلم، فكانت الطُّمأنينةُ تقعُ مع قولِ (1) الواحدِ كما تقعُ مع قولِ الاثنينِ، وقَدَّرَ اللهُ شهادةَ الاثنين في بعضِ المواضعِ، وهذا يدلّ على أن أمرهما تعبدٌ.
ومما يَدُل على أن ما يجبُ للعلتين لا يرتفعُ إلا بارتفاعِهما: أنه إذا ارتفِعَ فإنما يرتفعُ إلى ضده من وجودٍ أو عدم أو هيئةٍ، ومتى كان محتاجاً إلى علتين، كان ضده أيضاً محتاجاً إلى علَّتين، ومتى كانت المضادَّةُ واقعةً بينهما، كانت أيضاً واقعةً بين عللهِما؛ لأن العللَ لو اجتمعَتْ لوقعتِ المعلولاتُ، وإذا كان هذا هكذا؛ لم يَجُزْ وقوعُ ضدِّه وإحدى علتَيْهِ موجودةٌ، ولو جازَ ارتفاعُه بارتفاعِ إحدى علَّتيه، جاز وجودُه بوجودِهما، ولو جازَ هذا لم يَكُنْ بين ما يقعُ لعلتيْنِ وبين ما يقعُ لعلةٍ واحدة فصلٌ.
فإن سأل سائلٌ في هذا الباب عن ساجَةٍ (2) لا ترتفعُ عن الأرض إلا برَجُليْنِ، فقال: حدثْنا إذا رامَ أحدُهما رفعَها فلم تَرتَفعْ، ثم جاءَ الثاني فارتفعت، أليس الرفعُ حينئذٍ للثاني وحدَه، كما أن التفريقَ للقَفيزِ الزائدِ وحدَه؟ وقَرَّرُوا الإِلزامَ بأن الرفعَ اعتمادٌ كما أن العومَ في الماء اعتمادٌ، وليس بينهما فرْق قادحٌ إلا أن أحدَهما إلى فوقَ والآخرَ إلى أسفلَ.
يقالُ له: الفرقُ بينه وبين أثرِه في السَّفينةِ: أن الكُرَّ كان في السفينةِ وهي سليمةٌ سالمةٌ من الغرقِ، فلما جاءَ القَفيز غَرِقَتْ، فعُلِمَ
__________
(1) في الأصل:"القول".
(2) هي الواحدة من السَّاج، وهو خشب يجلب من الهند. "اللسان" (سوج).
(1/366)

بهذا أن الكُرَّ فيها ليس بعلَّةٍ لغرقِها، وأن كونَ القَفيزِ فيها وهي حاملةٌ للكُرِّ هو المغرِقُ لها، كما أن الضَربةَ الخفيفةَ هي علةُ الألم إذا كان البَدَنُ عليلاً أو بدَنَ طفلٍ في المهْد، ولو كان صحيحاً كبيراً لَم تُؤلِمْه ولا مثلُها، وإحدُ الحَمْلَيْن لم يكنْ موجوداً قَط في حال عدم ارتفاع السَّاجَةِ، فيكونُ الحَمْلُ الثاني هو الذي به ارتفَعَتْ، وليسَ يوجدُ أحدُهما إن كان علَّةً له دونَ الآخَرِ، فمتى وُجِدا وُجِدَ، وإن عُدِما عُدِمَ، وليس يوجدُ (1) مع وجودِ أحدِهما، ولكنْ بوجودِهما، وبمثلِ هذا يُفْرَقُ بينه وبين (2) الرِّيِّ والشِّبَعِ والتُخَمَةِ والسُّكرِ.
فإن سألت المعتزلة عن الإِيمان فقالت: هو يَثبتُ بأشياءَ يزولُ بزوالِ بعضِها. فليس هذا هو عندنا نحن هكذا، نحن نقول: إنه لا يزولُ الِإيمان بمخالفةِ شيءٍ من الأوامرِ ولا بارتكاب مَنْهِيٍّ من المناهي على الصحيح عندي من المذاهب، بل يكونُ مؤمناً بإيمانه، وهو المعنى الذي أَشَرْتُ إليه وهو التَصديقُ ناقصٌ الشُّعَبَ بما ارتكبَ من منهيٍّ أو خالفَ من أمرٍ، ولا يُوجَدُ إلا بوجوده، وكذلك البِرُّ والتَقْوى، فأما العدالةُ فإنها خارجةٌ لكونها تسميةً لمجموعٍ، فهي كاسم العَشَرَةِ وكلِّ جملةٍ من جمل الأعدادِ، فلا عدالَة مع وجود كبيرةٍ، وإن كثُرَتِ الطاعاتُ وحصلَ اجتنابُ المنهياتِ سوى تلك الكبيرةِ، والله أعلمُ.

فصل

في مسائلَ تشتبهُ في هذا الباب، ويَكثرُ التخليطُ فيها بين الفقهاءِ
__________
(1) في الأصل: "يعدم".
(2) في الأصل: "بين".
(1/367)

وهو ما يُبنى بعضُه على بعض من الأفعال، وما لا يُبنى عليه، بل يُلغى وُيجعلُ الحكمُ لغيره، وذلك يُشكِلُ بما ذكرناه من إشكال ما هو العِلَّةُ مما ليس هو العِلَّةَ، مثل ضعفِ كِبَبر أو مرض أو طفولةٍ، توجدُ معه جِراحة أو ضرب من جهة آدمي، وجراحبه يتعقّبُها سِرايةٌ بمرض لا يُزايلُه منذ الجراحةِ حتى يموتَ، فلا يُعلَّقُ على فعلِ اللهِ سبحانه الموجودِ قبل الجراحةِ من ضعف الطفولةِ والكِبَرِ والمرضِ، وفعلِه الموجودِ بعد الجراحة، سيَّما على قول أهل السنةِ وأنه ليس بمتولّدٍ عن الجراحةِ، فلا يُجعلُ لفعل الله سبحانه حظ من إسقاطٍ عن الجاني كما لو كان شريكُه آدمياً، بل يجعلُ كأنه انفردَ بالقتل، وتُغلَّظُ جنايتُه في المَحَلِّ الضعيف بالصِّغَرِ والكبَرِ والمرضِ، حتى إن الضربةَ التي لا يتعلَّقُ بها القَوَدُ على الضارب للكبير المشتَدِّ والصحيح (1) يتعلقُ بها القَوَدُ على الضارب للطفلِ الصغير والشيخِ الكبيرِ والمريض المدنَفِ (2)؛ إذ كانت قتلاً لمثله في مطردِ العُرْفِ، ولم يقل: إن فعلَ الله أعانَ على قتلِه، فيصيرُ شبهة في القتل؛ إذ تَرَددَ زهوقُ النفسِ بين ما يُوجبُ بانفراده -وهو فعلُ الاَدميِّ -وبين ما لا يُوجِبُ- وهو فعلُ الله سبحانه-، ونقطعُ على أن فعلَ الآدميِّ لم يَتحققْ مزهِقاً، بل الضعفُ المستولي على النفسِ بالمرضِ والكِبَر والطُّفولةِ كان مساعداً أكبرَ مساعدةٍ.
وذهب قوم إلى أن الضربَ بالعصا وإن كَثرَ عددُه لا يوجب القَوَدَ، وهذا نحوُ ما نحن فيه؛ لأنهم اعتَلوا بأن الضربةَ التي مات عَقِيبَها هي
__________
(1) في الأصل: "ولا".
(2) رجل مدنف: براه المرض حتى أَشْفى على الموت. "اللسان" (دنف).
(1/368)

التي أزهقَتْ، فإن النفس استقلَّتْ بالبقاءِ مع ما سبقَ من الجَلَداتِ والضرَباتِ السابقةِ وإن كَثُرَتْ، وما وجدناها زَهَقَتْ إلا عَقِيبَ الجَلْدةِ الأخيرةِ وهي مما لا يوجبُ القَوَدَ، وصار ما سبقَ -وإن أعقبَ ألماً وايجاعاً- بمثابة المرضِ والكِبَرِ عندهم؛ فإنه لا يوجبُ القَوَدَ أيضاً، وذاك بمثابته، وطردوا البابَ في كلُّ شيءٍ يقتلُ بثِقَلِه.
وزعموا أن القياسَ في اشتراكِ الجماعةِ في إزهاق النفسِ بالجراحِ كذلك، وأنه لا يُبنى ولا يجبُ القوَدُ، وإنما صاروا فيه إلى قضيَّةِ عمرَ، وقولِه: لو تمالأَ عليه أهلُ صنعاءَ لأقَدْتُهم به (1).
وقالوا أيضاً في السكْرِ الحاصلِ عقيبَ القَدَحِ العاشر: إنه هو المسكِرُ.
واتفقوا على أن الجارحَ جراحةً لا تبقى النفسُ بعدها في مطَّردِ العادةِ يفرَد بإيجاب القَوَدِ وإن شاركَه غيرُه بجراحةٍ قد يعيش معها في مطَّردِ العادةِ.
والمحقِّقون ممن خالفَ أهلَ الرًاي في مسألة الأقداحِ يقولون: إن السكرَ الحادثَ عند القَدَحِ العاشر ليس به ولا لأجلِه خاصَّةً، بل تكاملَ السكرُ بالعاشر، وتَناشَأ بقَدَحٍ بعد قَدَحٍ، كما يتناشأُ الشِّبَعُ بلُقمةٍ بعد لُقمةٍ، ويتناشأُ الرِّيُّ بجرعةٍ بعد جُرعةٍ، ويتناشأُ الجَبْر في
__________
(1) رواه مالك 2/ 871، والشافعي 2/ 100 - 101، وعبد الرازق (18073) و (18074) و (18075) و (18076) و (18077) و (18079)، وابن أبي شيبة 9/ 347 و 347 - 348، والبخاري (6896)، والدارقطني 3/ 202، والبيهقي 8/ 40 - 41.
(1/369)

العُضْوِ المكسورِ أو المُوتَهنِ (1) بشدةٍ بعد شدَةٍ، ويتناشأ الغَضَبُ بكَلِمةٍ بعد كَلمةٍ، ويمتلىء الإِناءُ بَقطرةٍ بعد قطرةٍ، ويذوبُ الجسمانِ باحتكاكٍ بعد احتكاكٍ، ويحصلُ اليقينُ بتناصر دليلٍ بعد دليلٍ، ويحصلُ العلم القَطْعيُّ الضروريُّ بإخبارِ واحدٍ بعد واحد إلى حين تكاملَ العددِ.
وُيبيِّنُ ذلك: أنه لا يَحسُنُ لمن شرب جَرَّةَ ماءٍ على ظَمَأٍ جُرعةً فجُرعةً أن يقولَ: أَرْوَتْني الجُرعةُ. وإن حصل الري عندها -أَعني الأخيرةَ- وَيحْسُنُ أن يقولَ: أرْوَتْني الجرَّةُ. ولا يَحسُنُ أيضاً أن يقولَ: أذابت سيفي هذه الضَّربةُ، ولا ملأت سقائي هذه المَذْقةُ (2). وَيحسُنُ أن يقال: غَرَّقَ السفينةَ هذا القفيزُ أو هذا السَّنْدانُ (3).
__________
(1) أي المصاب بَوهْن، وهو الضعف في العظم.
وقوله: "الموتهن" جاء به على سنن بعض أهل الحجاز؛ فإنهم لا يبدلون فاء الافتعال إن كانت واواً أو ياء أصلية تاء ويدغمونها في تاء الافتعال، ولا يلتفتون أيضاً إلى تخالف أبنية الفعل ياء وواواً، فيقولون في نحو: وعدو يسر: ايتَعَدَ وايتَسَرَ، وفي المضارع: يا تَعِد وياتَسِرُ -ولا يقولون: يَوْتَعِدُ ويَيْتَسِرُ؛ استثقالاً للواو والياء بين الياء المفتوحة والفتحة-، وفى اسم الفاعل: موتَعِدٌ ومُوتَسِرٌ، وفي الأمر ايتَعِدْ وايتَسِر.
والجادة في هذا ونظائره إبدال فاء الافتعال إن كانت واواً أو ياء أصلية تاء مدغمة فى تاء الافتعال، فيقال في نحو وهن ووعد ويسر: اتهَنَ واتَعَدَ واتَسَرَ، وفي المضارع: يَتَّهِنِ ويَتَعِدُ ويَتَّسِرُ، وفي اسم الفاعل: مُتَهِن ومتَعِدٌ ومتَسِرٌ، وفي الأمر اتَهِن واتَعِد واتَّسِر انظر "شرح الشافية" 3/ 80 - 83.
(2) المَذِيقُ: اللبن الممزوج بالماء، والمَذْقَة: الطائفة منه. "اللسان" (مذق).
(3) السَّنْدان: هو ما يَطُرقُ الحدَّاد عليه الحديد. "المعجم الوسيط" (سند).
(1/370)

وقد سمعْتُ في إشكالِ السفينةِ سؤالًا من محقِّقٍ، فقال: إن الغرقَ يتناشأُ كهذه الأشياءِ، إلا أن الشِّبَعَ والرِّيَّ والسكرَ نوعُ امتلاءٍ تَتحددُ عنده هذه الخصيصةُ، والامتلاءُ لا يتحصَّلُ إلا باجزاء الجسمِ المالىءِ للوعاءِ، كما أن الغَرقَ حقيقتُه عومُ السفينةِ في الماء إلى الحَدِّ الذي يغمُرُها، ولا يَغمرُ سائرَها إلا بعد أن يستوليَ على شيءٍ فشيءٍ من ذاتها إلى أن يَستُرَها وَيغمُرَها، ولا تزالُ عند طَرْحِ قفيزٍ قفيزٍ تعوم، فيسترُ الماءُ جزءاً منها إلى أن يبقى يسيرٌ من ذاتِها مكشوفاً، فإذا طُرِحَ القفيزُ غَمَرَها الماء لعومِ ما بَقِيَ من أجزائها في ذلك الماءِ.
فقال له محقِّقٌ: إن عومَ أجزائها مع تمكُنِها من السَّيرِ بما فيها لا يُسمَّى غرقاً، ولا يُسمَّى بعضَ الغرقِ، وُيسمى المنتشِي بالخمر والساكن النَفْس بالتَمَراتِ واللقَمِ شبعاناً بعضَ الشَبَعِ وسكراناً بعضَ السكر؛ ولهذا فسَّروا قولَه [تعالى]: {لا تَقْرَبُوا الصلاةَ وانْتُم سُكارَى حَتَى تَعْلَموا ما تَقُولُون} [النساء: 43] بالمخلِّطِ في كلامه بمبادِىء سُكرِه؛ لأن الخِطابَ لمن تحقَّقَ زوالُ عقلِه لا يَتحقَّقُ، فلم يَبْقَ إلا سكراناً بقيَ عليه مسْكَةٌ من عقلِه يبقى معها التكليف والخطابُ (1).
ولو كان العومُ مع السَّيرِ وحصولِ الغرضِ باستقلال السفينةِ غرقاً أو بعضَ غرق، لسُمِّيَ السابحُ: غَرِقاً؛ لانستار بعضِ جسدهِ بالماء، وهذا لا يجوزُ في كلِّ اسم وقَعَ على جُمْلةٍ وُضِعَ لها، إذا كانت الجملة لا تتبعَّضُ، بخلاف الجُمَلِ من الأعداد كعشَرَةٍ ومِئَةٍ، يقال في الخمسة: نصفها، وفي الثلاثة: بعضُها، ولا يقالُ في السفينة العائم
__________
(1) انظر ما سبق للمصنف إيراده في مسألة تكليف السكران في الصفحة (51).
(1/371)

بعضُها في الماء الثقيلةِ بوِقْرِها: غريقةً بعضَ الغرقِ، بل لا يقعُ اسمُ الغرقِ إلا على غَمْرِ الماء وعبورِه عليها.
فهذه جملة تكشفُ لك عن دقائقِ أغراضِ العلماءِ، ويَمنعُ فهمُك لها من أن يخدَعك خادعٌ في هذا النوعِ بزَخْرفةِ كلامٍ فارغٍ، فيَخلِطَ عليك الشيءَ بما ليس فيه، مثل أن يُوهِمَك ماليس بعلةٍ علَّةً، أو ينفيَ التَعليلَ في موضعِه، أو يجعلَ وصْفاً لعلًةٍ علَّةً، أو شَرْطاً لعلةٍ علَّةً، أو يُعلِّلَ بأوصافٍ ويَخلِطَها بحشوٍ.

فصل
فيما يُمكنُ نقلُه من العللِ إلى الكُلً ويلزمُ، وما يمكنُ نقلُه إلى كُلٍّ على صفةٍ دون الكلِّ على الإِطلاقِ
فنقلُ العلَّةِ إلى الكليَّةِ: هوجعلُ العلَّةِ عامةً بكلَ، ثم بناءُ ما وجبَ بهاعليها.
مثالُ ذلك قولُك: إنما وجبَ متحرِّكٌ لحركةٍ موجودةٍ، فكل حركةٍ موجودةٍ فواجب بها متحرِّكٌ. ولو قال: إنما وجبَ متحركٌ لأجلِ الحركةِ، للَزِمَ منه: وكل حركةٍ واجب بها متحرِّكٌ.
فإن قال: هذا المحَلُّ متحرَك؛ لأن فيه حركةً. لَزِمَ منه إذا نُقِلَتْ إلى الكليَّةِ: فكلُّ ما فيه حركةٌ فهو متحرِّكٌ.
ومن الفقهيَّاتِ: محرَّمٌ لأن فيه شِدَّةً مطرِبةً، فكل ما فيه شِدَةٌ مطربةٌ فهو محرَّمٌ.
مثالٌ آخرُ: فإن قال: البناءُ لا بُدَّ له من صانعٍ؛ لأنه مصنوعٌ، لَزِمَ
(1/372)

منه: كلُّ مصمنوعٍ لابُدَّ له من صانعٍ.
فإن قال: هذه الكتابة لا تكون إلا من عالمٍ بها؛ لأنها محكمَةٌ متقَنةٌ، لزمَ منه: فكل محكمٍ متقَنٍ لا يكونُ إلا من عالمٍ.
فأمَّا المنقولة إلى كلُّ مخصوصٍ لكونها خاصَّةً: قول القائل: هذا الحمار فارِةٌ (1)؛ لأنه جرى عَشَرَةَ فراسخَ، لَزِمَ منه: أن كلُّ حمارٍ جرى عشرَة فراسخَ فهو فارهٌ، ولا يلزمُ منه أن البعيرَ إذا جرى عشرةَ فراسخَ، أو الفرسَ إذا جرى عشرةَ فراسخَ فهو فارِهٌ.
بل لو قال: بَهيمَةٌ جرى، أو هذا البهيمةُ جرى عشرةَ فراسخَ فهو فارِه. لزمَ أن كلَّ فرسٍ وبعيرٍ جرى عشرةَ فراسخَ فهو فارِةٌ.
وفي الفروعيَّاتِ: لو قال: هذا الماء متغيِّرٌ فلا يجوزُ الوضؤُ به، لزمَ منه: أنه لا يجوز الوضؤ بالمتغيِّرِ بالطحْلُب (2) والتراب. ولو قال: هذا الماءُ متغيِّرٌ بالخَلِّ فليس بطَهورٍ. لزمَ منهَ أن يكونَ كلُّ ما تغيَّرَ بالخَلِّ فليسر، بطَهورٍ، ولا يلزم منه (3): الماءُ المتغيِّرُ بالتراب ليس بطهورٍ.
وعلى ذلك أبداً لوجوبِ إجراء العِلَّةِ في معلولِها، والله أعلم.
__________
(1) الفاره: هو النشيط الحاد القوي. "اللسان" (فره).
(2) الطحلب: شيء لزج أخضريخلق في الماء ويعلوه."المصباخ المنير" (طحلب).
(3) في الأصل: "فيه"، والأنسب ما كتبناه.
(1/373)

فصل
في تحقيقِ تحديدِ العللِ، وبيانِ الغَلَطِ فيه، والخروجِ عنه إلى التَّغييرِ لها
ذكرته ليُجتنبَ، كما ذكرتُ التحديدَ الصحيحَ ليُتَّبَع.
فنبدأَ بالصحيحِ: فمن ذلك: أن نقولَ: الِإنسانُ حَيٌّ لأجلِ الحياةِ الموجودةِ له. فهذا تحديدٌ صحيحٌ؛ لأن كلَّ حياةٍ موجودةٍ لشيءٍ فهو حيٌّ بها، وهي سليمةٌ من التَّغييرِ لها والتَغييرِ عنها.
فأمَّا المنكسرةُ (1) من العللِ: فهو أن نقولَ: الإِنسانُ حيٌّ لأجلِ الحياةِ الموجودةِ، فليس هذه محدِّدةٌ، بل منكسرةٌ، لأنه يلزمُ من هذا: كلُّ حياةٍ موجودةٍ فهو حي بها. وليس هذا صحيحاً؛ إذ حياةُ الحمارِ والفرسِ موجودةٌ، وليس الإِنسانُ حياً بها.
ومن العللِ غيرِ المحدِّدةِ أن نقول: هذا الإِنسانُ حَيٌّ لقيام الدَّلالةِ أن فيه حياةً. فهذا أيضاً غيرُ محددٍ؛ لأجل أنه لو لم تَقُم الدَّلالةُ، لم يُخرِجْه ذلك من أن يكون حياً.
فإن قال: إنه حيٌّ لأجل أنه علِمَ أن له حياةً موجودةً. كانت غيرَ محدِّدةٍ؛ لأنه لو لم يُعلَمْ ذلك، لم يُخرِجْه عما هو به من كونِه حياً، فذِكرُ العلمِ زيادةٌ لو أُسقِطَت لصحَّت.
فإن قال: هو حيٌّ لوجودِ عَرَضٍ يُضادُّ الموتَ. لم تكن محدِّدةً،
__________
(1) الكسر: نقض على المعنى دون اللفظ، ويرجع إمَّا إلى منع صحة العلة، أو إلى معارضتها بما يفسدها. "علم الجذل في علم الجدل" ص 66 - 67.
(1/374)

لأنه لم يُصرِّح بذكرِ الحياةِ، ولا ذكرها له، فلم يأتِ بها على الوجهِ الذي يقتضي الحكمَ بأنه حيٌ وهو الحياةُ.
وقد يَضعفُ نَظَر الخصمِ فيُدخِلُ في العلَّةِ شيئاً كثيراً ليس منها، فَتَفَقَّدْ ذلك وتأمله جيداً؛ لتُحَقِّقَها إن أردْتَ الإِلزامَ عليها على النحو الذي ذكرت لك.
ومثالُه من الفقهيات: الخمرُ حرامٌ لأجلِ الشِّدَّةِ الموجودةِ. ليس بتحديدٍ؛ لِمَا بَينَا في مثال الحياةِ.
فإذا قال: هذا العصير حرامٌ لأجل الشِّدَّةِ الموجودةِ له. فقد حَدَّدَ، وعلى ما قدمْنا فأقمِ الشَدَّة مَقامَ الحياةِ.

فصل

في الفرقِ بين الدَلالةِ والعِلةِ
اعلم أنه ليس كلُّ دَلالةٍ على شيءٍ فهي علَّةُ له، ألا ترى ان تدبيرَ العالَمِ دلالةٌ على القديمِ؛ إذ لا بد له من صانعٍ غيرِ مصنوعٍ، وليس بعلةٍ له، وكذلك الخبرُ الصادقُ دلالةٌ على كون المخبَر على ما هو به، وليس بعلةٍ لكونِ المخبرِ على ما هو به؛ إذ لو لم يوجَدِ الخبرُ، لم يَبطُلْ أن يكونَ المخبَرُ على ما هو به.
وقد يجتمعُ الشيءُ أن يكونَ علَّةً (1) لشيءٍ ودَلالةً عليه (1)، وذلك كالكفر؛ فإنه علَّةُ لاستحقاقِ الذَّمِّ، ودلالةٌ على استحقاقِه.
وكذلك عدمُ الواجبِ في الوقتِ الذي قد وجبَ فعله من غير غذْرٍ
__________
(1) هذه الكلمات مكررة في الأصل.
(1/375)

ولا تكفير، دَلالة على استحقاقِ الذَّمِّ، وليس بعلَّةٍ.

فصل
في العلَلِ العقليَّةِ والسمعيَّةِ
فالعقليَّةُ -وهي علَّةُ الحكمِ العقليِّ- موجبة للحكم لنفِسها وجنسِها، فمُحالٌ ثبوتُها أبداً مع انتفاءِ الحكمِ قبل الشَّرع، ومعِ ورودِه، وفي زمنِ نسخِه؛ لأن في تجويزِ ثبوتِها مع انتفاءِ الحكمَ نقْضاً لها، وكذلك في ثبوت حكمِها في موضعٍ ما مع انتفائِها نقضٌ لهَا على ما بَيَّنَّاه من قبلُ، وهذه كالحركةِ إذا كانت في مَحَلٍّ أوجبَتْ له التحرُّكَ لا مَحَالةَ.
وأما عللُ الأحكام: فعلاماتٌ وسِماتٌ تكونُ علامة بوضعٍ واختيارٍ، فلا يَمتنعُ أن تكوَنَ تارةً مجعولةً أَمارَةً، وتارةً لا تكونُ كذلك، وهذه كالشِّدَّةِ المُطربةِ إذا كانت في شرابٍ فهو محرم لا مَحالَةَ، إلَّا أنَّا عَلِمْنا ذلك من جَهةِ السَّمعِ؛ ألا ترى أن الشرابَ قبل أن يقعَ فيه خمرٌ أو تخمرٌ كان محلَّلاً، فلما وقعَ فيه خمرٌ أو حصلَ فيه تخميرٌ، صارَ محرَّماً بعد أن لم يكن محرَّماً، كما أن المحلَّ قبل أن تُوجَدَ فيه حركةٌ كان ساكناً، فلمَّا وُجدَتْ فيه الحركةُ، صار متحرِّكاً بعد أن لم يَكُنْ.
فكلٌّ ما إذا كان الأوَّلُ كان الثاني من أجل كونِ الأوَّلِ، فالأوَّلُ عِلَّةٌ، عقلياً كان أو سمعياً، ومثلُ هذه العلَّةِ السمعيَّةِ لا خلافَ في معنى القياسِ بها.
فإن قال قائلٌ: أفليس قد كانت الخمرُ تقعُ في الشراب والشَدةُ
(1/376)

تجصلُ في العصيرِ، فلا يكونُ حراماً قبل السمعِ؟ فما العلَّةُ التي لأجلِها كان حراماً بعد أن لم يَكُنْ حراماً؟
قيل له: قيامُ الحُجَّةِ بأن في شُرْبه المَفسدةَ المعلومةَ في هذا الزمانِ، دون ما سبقَه من الزمان الذي كَانت فيه مُباحَةً.
فإن قيل: فالمَفسدةُ التي صَرح بها القرآنُ -وهي إيقاعُ العداوةِ والبَغضاءِ بما يحصلُ من العَرْبَدةِ والمخاصمةِ، والصَدُّ عن ذكرِ اللهِ وعن الصَلاةِ (1) - لم تَزَلْ حاصلةً بالسُّكر المغطَي للعقل الذي به يحصلُ التمييزُ بين الأمورِ، وهذا أمرٌ ما تَجَددَ، فكيف تَصِحُّ لكم دعوى تَجَدُدِ المَفسدةِ والحالُ هذه؟
قيل: العلَّةُ في كونِه حراماً في هذه الحالِ وكونِه قبيحاً هو قيامُ الحجَّةِ بكونه مَفسدةً، والمَفسدةُ التي ذكروها- وهي التي نطقَ بها الكتابُ الكريمُ -مَفسدة لكن ليس بكلٍّ، بل من بعضِ المَفسدةِ ذاك، ويجوزُ أن يكونَ ما ذكرَه مما يحصلُ في هذه الامةِ وهذا الزمانِ حكمُه يَزيدُ عند اللهِ على كلِّ مَفسدةٍ، ويجوزُ أن تختلِفَ المفاسدُ باختلاف الأزمانِ والأشخاصِ، كما أن الكلامَ في الصلاةِ مفسدةٌ وفي الحجِّ ليس بمَفسدةٍ، والطيبُ في الحجِّ مفسدةٌ وفي الصلاةِ ليس بمفسدةٍ، وأكْلُ الزَّكاةِ مع كونِها أوساخ الناسِ مفسدةٌ في حقِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأهلِ بيتِه وليست بمَفسدةٍ في حقَ غيرِهم، والجَمْعُ بين الأختَيْن يَقطَعُ (2) والجمعُ
__________
(1) وذلك في قوله تعالى في سورة المائدة الآية (91): {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)}.
(2) أي يقطع الرحم بينهما.
(1/377)

بين الصَّديقتَيْن يَقطَعُ، وكان الحكمُ للتَحريمِ لقطيعةِ الرَّحمِ لا الصَّداقةِ، كذلك جازَ أن تُخَصَ هذه الأُمَّةُ (1) بتحريمِ ما يقطعُ بينهم ويَصُدُهمِ عن ذكر الله وعن صلاتهم لحرمةٍ تَخُصُّهم، فتكونُ منزلةً لهم وخصيصةً خُصُوا بها يكونُ في مخالفِتها من المفسدةِ ما لم يَكُنْ في حقِّ مَنْ سلفَ وما سلفَ مِنْ حالِهم، والله أعلم.
وقد قال بعضُ أهلِ العلمِ الأئمة: فإن قالُوا لنا: فما العلَّةُ التي كان بها قبيحاً في هذه الحالِ، وقد كان يجوزُ أن يقعَ في الحالِ الأُولى غيرَقبيحٍ؟
قيِل لهم: العلَّةُ في ذلك هو القَصْدُ إليه مع قيامِ الحجَّةِ بأن فيه مفسدةً.
فإن قيل: فما العلَّةُ التي لأجلها قَبُحَ القصدُ، وقد كان يجوزُ أن يقعَ في الحالِ الأولى؟ فنحن نسألُكم عن تَجَدُدِ قُبْحِ القصدِ، كما سألناكم عن الموجِبِ لتجدُّدِ القبحِ ما هو؟
قيل له: لم يكن يصحُّ أن يقعَ القصدُ الذي مع قيام الحجةِ الآن قبل قيام الحجَّةِ؛ إذ ليس القصدُ الذي قبل قيام الحجةِ كَالقصدِ الذي بعد قيامَ الحجةِ، كما لا يَصح أن يقعَ العلمُ بالَحركةِ -الذي هو عِلمٌ بأن المحَلَّ يتحركُ -قبل أن يُعلمَ المحل، فهذا العلمُ بخلاف العلمِ بالحركةِ من جهةِ أنها حركةٌ، فكذلك هذا القصدُ الذى مع قيامِ الحجَّةِ
يخالِفُ القصدَ الذي ليس مع قيام الحجَّةِ، وهو عندي أحسنُ من الأوَّلِ؛ لما فيه من رَدِّ القبحِ إلى اَلقصدِ مع قيامِ الحجةِ.
__________
(1) في الأصل: "الآية".
(1/378)

فصول
في الفروقِ بين العلَّةِ العقليَّةِ والشَرعيَّةِ
فمن الفروقِ: أن العلَّةَ العقليًةَ لا يجوزُ ولا يَصِح تخصيصُها بعَيْنٍ دون عَيْنٍ.
والعلَّةُ الشرعيَّةُ اختلفَ الناسُ فيها: فجوَّزَ تخصيصَها قومٌ بدَلالةٍ، ومنع آخرون من تخصيصِها؛ لأن الشرعيَّةَ أَمارةٌ وعلامةٌ ودَلالةٌ، وقد تَدُلّ على شيءٍ في وقتٍ، ولا تَدلُّ عليه في غيرِه، قالوا: فكذلك تدلُّ على الحكم في مَحَلٍّ، ولا تَدلُّ عليه في غيرِه، فقد استجازَ القائلون بتخصيصِ العلَّةِ (1) ذلك.
ولايجوز عند أحدٍ تخصيصُ علَّةِ العقلِ في عَيْنٍ دون عَيْنٍ، ولا في زمانٍ دون زمانٍ.

فصل
ومن الفروقِ بينهما أيضاً: أن الشرعية ربما احتاجت إلى شَرْطٍ في كونها علَّةً للحكم، نحو: الزَنا الموجِبِ للرًجمِ بشرطِ الإِحصانِ، ووجوبِ الزَّكاةِ في النًصابِ بعلَّةِ الغَناءِ به بشرطِ حُؤولِ الحَوْلِ على النًصابِ، وغيرِ ذلك.
__________
(1) في الأصل: "العلم".
(1/379)

والعقليَّةُ لا تحتاجُ في إيجابِها للحكمِ إلى شرطٍ؛ لكونها (1) موجبةً غيرَ علامةٍ للحكمِ، ولا أمارةٍ عليه (2)، ولا دَلالةٍ.

فصل
ومن الفروقِ أيضاً بينهما: أن العِلَّةَ العقليَّةَ لا بُدَّ أن تكونَ منعكِسةً، فالحركةُ عِلَّةُ كونِ المحلِّ الذي قامت به متحرِّكاً، فيجبُ من ذلك: أن كلَّ مَحَلٍّ لم تَقُمْ به الحركةُ، فلا يكونُ متحرِّكاً بحالٍ.
فأمَّا الشرعيَّةُ: فلا يُشترطُ لها العكسُ؛ فإنَّا إذا قلنا: كلُ شراب قامت به الشِّدَّةُ حرامٌ، لا يَلزمُ منه: أن كلَّ شرابٍ لم تَقُمْ به الشِّدَّةُ حلالٌ، وكان المعنى فيه: أن العقليَّةَ موجِبةٌ والشرَعيَّةَ أمارةٌ.
والأماراتُ والدَّلائلُ قد تَدلُ على الشيءِ فيُعلمُ، وليس إذا لم تَدُلَّ يُعدَمُ، وأما العقليَّةُ فموجِبةٌ، والموجبُ إذا وُجدَ أوجبَ موجَبَه لا مَحالةَ، فإذا لم يُوجَدْ لم يُوجَدْ موجَبُه لا مَحالَةَ.
ولأن العلَّةَ الشرعيَّةَ كما تَدُلُ على الحكمِ يَدُلُ غيرُها عليه، فإن الحكمَ الواحدَ من أحكام الشَّرعِ يَثبُتُ بعلَّتَيْنِ، فإذا زالَتْ إحداهما بقيتِ الأخرى، فلذلك لم يَكُنْ من ضرورةِ انعدامِها انعدامُ الحكمِ.
بيانُ ذلك: أن التَّنجُّسَ حكمٌ يَتعلَّقُ بالمحلِّ، تُوجِبُه علًتان: الاستحالةُ، وملاقاةُ نجاسةٍ، فإذا زالتِ الملاقاةُ، بقيتِ الاستحالةُ مستقلاً بها الحكمُ، وإن زالتِ الاستحالةُ، بقيتِ الملاقاةُ، فلم يَنْتَفِ
__________
(1) في الأصل: "بكونها".
(2) في الأصل: "علة".
(1/380)

الحكمُ بزوالِها وانتفائِها؛ فلذلك لم يُشرَطِ العكسُ فيها، بخلاف العقليَّةِ (1) فإن التحرُّكَ الذي هو حكمُ الحركةِ ومعلولُها لا يثبت بالحركةِ وبمعنىً آخرَ قَطُّ، فالحركةُ لا يُشارِكها في إيحاب التحركِ شيء من الأعراضِ، فلا جَرَمَ إذا انتفَتْ عن المحل، انْتَفى حكمُها -وهو تحرك المحل- لا مَحالَةَ.

فصل
ومن الفروق بينهما: أن عِلةَ الحكمِ العقليِّ يجبُ أن تكون أبداً مقارِنةً له غير متقدمَةٍ عليه ولا متأخِّرةٍ عنه، وليس كذلك سبيلُ العلة الشرعيَّةِ؛ لأنها قد تُوجَدُ قبل حصولِ الحكمِ كشِدةِ الخمر، وتَأتَي الطُّعْمِ وتَهَيُّؤِ الكَيْلِ والاقْتِياتِ في البُرِّ قبل ثبوتِ الحكمِ، وهو تحريمُ التَّفاضلِ، فلا يَجبُ أن تَجْريا في هذا البابِ مَجْرىً واحداً.

فصل
ومن الفروقِ بينهما: أن العلَّةَ الشرعيَّةَ يجوزُ أن تُوجِبَ حُكمَيْن مختلِفَيْنِ، مثلُ إيجاب شِدَّةِ العصيرِ تحريمَ شُرْبِه، وإباحةَ ضرب شاربه، وحرمةُ الرَّضاع وَالقرابةِ يُوجِبان تحريمَ النِّكاحِ، وإباحةَ الخَلْوَةَ والمُسَافَرَةِ، والحَيْض علَّةُ لتحريمِ وَطْءِ الزَوجِ في الفَرْجِ، وإباحةِ الأكلِ في نهارِ رمضانَ، والموجِبُ للغُسْلِ، وإسقاطِ إيجابِ الصلاةِ رأساً.
فأمَّا العلَّةُ العقلئةُ: فإن الحركةَ لا توجبُ تحرُّكَ الجسمِ وتَلَوُّنَه
__________
(1) في الأصل: "الشرعية".
(1/381)

المختلِفَيْنِ غيرَ المتضاديْنِ، ولا تحركَه وسكونَه الموجَبَيْنِ المتضادَّيْنِ، ولا تُوجِبُ أيضاً حكمَيْنِ مِثْلَيْنِ، كما لم تُوجِبْ حكمينِ مختلِفَيْنِ ولا متضادَيْنِ.
وإنما كان ذلك لمعنىً، وهي أنها (1) تُوجبُ الحكمَ والمعلولَ لجنسِها ونَفْسِها، ونفسُها وجِنْسُها غيرُ مختلِفٍ، والعللُ الشرعيَّةُ تُوجِبُ لوضعِ الواضعِ لها، واختيارِه لحكمَيْنِ مختلِفَيْن معلَّقَيْن عليها مع اتحادِها.

فصل
والعلَّتانِ الشَّرعيَّتانِ المختلِفتانِ قد تُوجِبانِ حكمَيْنِ متساوَييْنِ، كالشرب والقَذْفِ يُوجِبان حَدَ الشرب والقذفِ، فمن شربَ جُرْعَةَ خمرٍ وقَذَفَ مَحصَناً أو محصَنةً، حد الحَدَيْنِ معاً.

فصل
ولا يجوزُ أن يَنصِبَ اللهُ سبحانه علَّةً وعلامةً على إيجاب حُكميْنِ ضِدَيْنِ نقيضَيْنِ لا يصحُّ من المكلَفِ الواحدِ الجمعُ بينهما، بل يجوزُ أن ينصِبَ علَّةً لثبوت أحكامٍ مختلفةٍ أو تُرُوكٍ، أو أفعالٍ وتُروكٍ يصحُّ من المكلَّفِ الجمعُ يينها (2)، أو أن تكونَ علَّة لثبوتِ حكمٍ في وقتٍ وسقوطِه (3) في غيرِه، أو علَّةً لوجوب حكمٍ على عَيْنٍ وسقوطِه عن أخرى، فأمَّا أن يجعلَ للمكلَّفِ عَلامةً على ثبوتِ الحكمِ عليه
__________
(1) في الأصل: "إنما"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(2) في الأصل: "بينهما".
(3) في الأصل: "سقوط"، والأنسب ما أثبتناه.
(1/382)

وسقوطِه عنه في وقتِ وجوبِه، وعلى تحليلِه عليه وعلى تحريمِه، فذلك مُحالٌ.
وقد يضعُ الله سبحانه علامَتَيْن لحكمَيْن نقيضَيْن في حَقِّ مجتهدَيْنِ، وُيخيَّرُ المستفتي في الأخذِ بأيِّهما شاءَ، على ما تقدَّمَ في بيانِ الاجتهادِ وفصولِه.

فصل
ولا يجوزُ أيضاً أن تكونَ العلَّةُ الشرعيَّةُ علَّةً لحكمَيْنِ متساوَييْنِ على مكلَّفٍ واحدٍ، لأن حكمَ الله سبحانه فيما أحلَّه أو حَرَّمه لا يتزايدُ، وإن كان الوعيدُ على بعضِ الذُنوب أكثرَ من بعضٍ، والثَّوابُ على بعضِ الطَاعاتِ أكثرَ من بعضٍ، إلا أن كلُّ ذلك يجبُ من جهةٍ واحدةٍ، ولا يجوزُ إذا كان لتحريمِ شيءٍ أو تحليلِه للمكلَفِ علَّتان مختلِفتانِ وأكثرُ، أن يتزايدَ الحكمُ بتزايدِ عِلَلِه؛ لأجل أن علَلَه أدلَّةَ عليه، والحكمُ لا يتزايدُ بتزايدِ الأَدلَّةِ، وإنما يَقْوَى ثبوتُه في النًفْسِ بتزايدِ الأدلَّةِ، فقطْ.
وإنما اخْتَلَف المتكلَمون في العلل الموجبةِ إذا كَثُرَتْ، هل تتزايدُ أحكامُها والأحوالُ الموجَبةُ عنها أم لا؟ فأمَّا الَدَّلائلُ على الحكم شرعيَّةً كانت أو عقليَّةً -فلا تُوجِبُ تزايدَ حالِ المدلولِ عليه؛ إذ ليست الأدلَّةُ موجِبةً، لكنها كاشفةً وموضحةً.

فصل
في العلَّةِ التي نتيجتُها ظَنٌّ
وهي التي ترجعُ في كونِها توجِبُ إلى ظَنٍّ، وذلك يقعُ في العلل
(1/383)

العقليَّةِ والسمعيَّةِ، مثالُ ذلك: أن خَبَرَ الثَّقةِ عند المجتهدِ: أن هذا الطعامَ مسمومٌ، صَحَّحَ الحكمَ عنده بأنه مسمومٌ، وإذا صحَّ الحكمُ عنده بأنه مسمومٌ، وجبَ عليه تجنُّبه، وكذلك إذا أخبرَه الثِّقةُ بسببٍ يُوجِبُ مثله تنجيسَ الماءِ، وجبَ عليه تجنُّبُه.

فصل
فيما سمّاهُ قومٌ من المتكلِّمين: العِلَّةَ المولَّدةَ؛ تغريباً للعبارةِ فيه والمتولدُ لا أصلَ له عندنا، وإنما هو مذهبُ أهل الطبْعِ والاعتزالِ، ذكرتُه حتى لا تفوتَ معرفةُ ما تحتَه بتغريبِ تسميتِه.
والعلَّةُ المولَّدةُ عندهم: هي التي يُوجِب وجودُها غيرَها، ولا يخلو أن يُوجَدَ عَقِيبَها بلا فَصْلٍ، أو يوجَدَ معها، وذلك كالاعتمادِ الذي توجَدُ عنه الحركةُ، فقالوا: إن الحركةَ تولَدتْ عن الاعتمادِ، فسَمَّوْها: مولَّدةً، وعندنا وجِدَتْ عقِيبَ الاعتمادِ؛ فلا تكونُ عندنا مولَّدةً بناءً على أصلِنا في إبطالَ التوُّلدِ.
فأمَّا التي تكونُ لسببٍ والسببُ في حالِ تحركِه: كالخاتِمِ في اليَدِ، تقعُ حركةُ الخاتَمِ وحركةُ اليدِ معاً في حالةٍ واحدةٍ.
والعلَّةُ عندهم على ضَرْبَيْنِ: مولِّدةٍ، وموجبةٍ غيرِ مولِّدةٍ، فالعلَّةُ التي يجعلونها مولِّدةً: هي التي قدَّمنا ذكرَها، وَأما العلَّةُ الموجبةُ من غيرِ توليدٍ: فكالحركةِ إذا وُجِدَتْ أوجبَتْ متحركّاً بلا مَحَالَةَ.
وكلُّ علَّةٍ فلا بُدَّ أن توجِبَ متغيِّراً بها عمّا كان عليه على قولِ
(1/384)

هؤلاءِ -وهم أهلُ التولُّدِ-، وعندنا لا بُدَّ أن تُوجِبَ معلولًا في الجملةِ، فقد يكون تغيُّراً، وقد يكونُ غيرَه؛ لأن العلمَ علَّةُ كونِ العالِمِ عالماً شاهداً وغائباً، فاحْذَرْ مقالةَ هؤلاءِ وقولَهم: المعلولُ لا يكونُ عن العلَّةِ إلا حادثاً بعد أن لم يَكُنْ، وتغيراً عن حالٍ كان عليها إلى حال لم يكنْ.

فصل
في شَرْطِ العلَّةِ
اعلم أن شرطَ العلَّة: هو تعليقُها بما إذا وَقَعَتْ عليه أوجَبَتْ معنى الحكمِ، وإذا لم تَقَعْ عليه لم تُوجِبْ معنى الحكمِ.
والفرقُ بينها وبينَ الجُزْءِ من العلَّةِ: أن الاقتضاءَ لها إذا كانت على تلك الصفةِ، وليس كذلك الجزءُ من العلَّةِ، بل الاقتضاءُ للجملةِ بأجزائها.
مثالُ الأولِ: إذا كان القبيحُ من مَحْجُوجٍ فيه، استَحَقَّ الذمَّ لأجل القبيحِ الواقعِ على هذه الصفةِ، وليس يَستحِقُه لأجل القبيحِ وأنه محجوجٌ فيه، وكذلك يصحُّ الفعلُ بالقدرةِ إذا لم يَكُنْ مَنْعٌ، وليس يقعُ الفعلُ لأجل القدرةِ وعَدَمِ المنعِ، فهذا مثالُ الشرطِ، والمنعُ: مثلُ قَيْدٍ ورِباطٍ.
مثالُ الثاني -وهو الجزءُ-: علَّةُ الجسمِ الطُولُ والعَرْضُ والعُمْقُ، ولا يجوزُ أن تكونَ العلَّةُ الطولَ إذاكان عرْضٌ وعمقٌ، لأن الاقتضاءَ لاجتماع هذه الثلاثةِ على الحدِّ الذي وَصَفْنا.
(1/385)

ولو قال قائل في صفيحةٍ لها طولٌ وعَرْض من غيرِ عمقٍ، ثم حدثَ فيها عمقٌ، فصارت جسماً: العلَّة التي لأجلها صارت جسماً بعد أن لم تَكُنْ جسماً حدوثُ العمقِ لِمَا له طولٌ وعرضٌ. لحَسُنَ هذا القولُ منه؛ لأن الحادثَ الآن هو العمقُ، فالاقتضاءُ له.
فإن قال في سفينةٍ كان فيها كُرٌّ ولم تَغرَقْ، فزِيدَ عليها قَفِزٌ، فغَرِقَتْ: ما العلَّةُ في ذلك؟
قيل: العلَّةُ في ذلك طَرْحُ القفيزِ الزَائدِ فيها؛ لأنه الحادثُ الذي غَرِقَتْ به.
فإن قال: فلو طُرِحَ الجميعُ في حالٍ فَغَرِقَتْ، ما كان العلَّةُ في ذلك؟
قيل له: العلَّةُ في ذلك طرحُ الجميعِ؛ لأنه ليس بعضُ ذلك الحادثِ أوْلى من بعضٍ.
(1/386)

فصول
في المعارضةِ
اختَلَفَ الناسُ في المعارضِة، فأَثْبَتها قوم، ونفاها آخرون، واعتَلَّ نفاتُها بأنها ليست مسألةً ولا جواباً، فصارت كلاماً لا عُلْقَةَ له بكلام المستدلِّ.
واعتل من اثْبَتها -وهو عندي المذهبُ الصحيحُ، وأنها داخلة في أقسام السؤالِ والجواب- بأن قال: أنتم تعلمون أن المقِر لموسى [عليه اَلسلام] لإِطباقِ اَليهودِ على الإِقرارِ به، يَلزَمُه الإِقرارُ لهارونَ لإِطباقِهم أيضاً على الإِقرارِ به، فلو أن إنساناً أقر بموسى لهذه العلَّةِ وأنكرَ هارونَ، لكان مفرقاً بينهما بالإِقرارِ والإِنكارِ مع استواءِ الإِقرارِ لهما والعلةِ، وتفرقتُه بينهما مذهب تفردَ به؛ لأنه متى فعلَ ذلك فقد خُولِفَ فيها، وهي كبعض المذاهب التي يأتي بها؛ لأنه سواءٌ قولُه: ليس موسى كهارون، وليس الإِقرارُ لهَما مستوياً في الوجوبِ والعلَّةِ.
ولا شَك أنه قد تحقَقَ من قوله: إن المقِرَّ بموسى مصيب لعِلَّتي، وهي إطباقُ اليهودِ عليه، وأنه نبيٌّ، فإذا قال في هارونَ خلافَ ذلك، كان الملزِمُ له القولَ لمثلِ ذلك في موسى إلزاماً بالمعارضةِ الصحيحةِ؛ لأن العلَّةَ التي تعلقَ بها في موسى ينطبقُ عليها ايجابُ القولِ في هارون، كالقولِ في موسى، والفَرْقُ مذهبٌ، يَحسُنُ أن يقال: ما دليلُك
(1/387)

عليه؟ لأنه تَرْكٌ لمذهبٍ أوجبَتْه علتة الموجِبةُ للجمع بين موسى وهارون. ويقالُ أيضاً: إذا اقررْتَ بموسى لِإطباقٍ عليه؛ فهلَّا طردتَ علتَك واجريْتَها، وألزَمْتَ نفسَك من الإقرارِ بهارونَ مثلَ ما ألزمْتَها من الإِقرارِ بموسى؛ إذ كانت اليهودُ مطبِقَة عليه كإطباقِها على موسى؟ ويقالُ لمن أنكرَ المعارضةَ أيضاً: هل الحقُّ وأهلُه مفارقان للباطلِ وأهلِه في أنفسِهم بحُجَّتِهم؟ فإن قال: لا، فهذا مما لا يقولُه أحد، وإن قالَ: نعم، قيل له أيضاً: فيجوزُ لمن شكَّ في افتراقِهم أن يَسألَ عنه، وعمّا أوجَبَه.
ويقالُ لهم: إذا أمكنَ أن يكونَ في الناسِ من يقولُ بعلَّتِكَ، ويوافقُك فيها، ثم لايُوافِقُ في مقتضى العلَّةِ وموجَبِها، بل يُخالِفُك في المذهب، فلا بُد من مطالبتِه ببرهانِ مخالفتِه في المذهب مع موافقتِه في علَّتِهَ، كذلك هاهنا.
وفي الجُمْلَةِ والتفصيلِ: كلُّ من تركَ قولاً فلا بُدَّ له في اختيارِه تركَه إياه من علَّه وحًجةٍ، كما أن كلَّ من اختارَ قولًا فلا بُد له في اختيارِه إياه من علَّةٍ وحجةٍ، فإذا رأيْتَ تاركاً قد تركَ شيئاً واجْتَبَى واختارَ مثلَه، فلا بُد من مطالبتِه بحجَّةٍ في اختيارهِ تَرْكَ ما تركَ واختيارِ ما اختارَ، إذا ادَّعى أنه تركَ بحجَّةٍ واختارَ بحجَّةٍ.

فصلٌ آخرُ
في المعارضةِ
اعلم أنك إذا سُئِلْتَ عن الفَرْقِ بين شيئين قد فَرَقْتَ بينهما بالإِثباتِ والإِبطالاِ، لا بُدَّ لجوابِك الذي فيه تفريقُك أن يكونَ مبطِلًا
(1/388)

لما أَبطلْتَ محقِّقاً لما حقَّقْتَ، وليس يجوزُ أن يكونَ فيه الإِبطالُ دون التحقيقِ، ولا التحقيقُ دون الإِبطالِ؛ لأنك لا تُسأَلُ عن إبطالٍ مفرَدٍ ولا عن تحقيقٍ مفرَدٍ، وإنما سُئِلْتَ عن الأمرين جميعاً بسؤالٍ عنهما.
ويُوضحُ الدليلَ على ذلك: أن التَفرقةَ لهما وقَعَتْ، فإذا كان هذا هكذا، فالسؤالُ عنهما. مما يُؤيَّدُ هذا: أن الدليلَ على صحةِ أحدِهما لا يُوجبُ التفرقةَ بينهما، وكذا تصحيحُه؛ لأنهما قد يجتمعان في التصحَيحِ وفي دَلالةِ الدليلِ على صحَّتهما، فلو كان أحدُ القولين مفارقاً صاحبَه في الصحَّةِ بصحِته، لم يَجُزْ أن يجتمعَ القولان في الصحةِ؛ لأن صحةَ أحدِهما تفرُقُ بينه وبين الآخرِ في الصحةِ، كما أنك حين فَرَقْتَ بينهما ابطَلْتَ أحدَهما وصَحَّحْت الآخر، وكذلك التفرقُة بينهما في تصحيحِ أحدِهما وإبطالِ الآخرِ، كما أنها تصحيحُ أحدِهما وإبطالُ الآخرِ (1).
ولو كان من أجابَ عن أحدِهما دون الآخرِ مفرقاً بين القولين، لكان الذي يُقِر بنُبوَّةَ موسى وُينكرُ نُبوَّةَ هارونَ إذا سُئِلَ عما فَرَقَ بينهما، فأجابَ بما يُثْبتُ نُبوَّةَ موسى فَقَطْ، ولم يذكُرْ (2) ما أفسدَ عنده نُبوَّةَ هارونَ، قد أدَّى مَا أوجبَه عليه السؤالُ، وفرقَ بينهما تفرقةً أبطلَتْ نُبوَّةَ هارونَ وصَححَتْ نُبوَّة موسى، فكما أوجبَ أنه قد يُحقَقُ نُبوَّةَ موسى من لا يَقدِرُ على إبطالِ نبوةِ هارونَ مع تحقيقِه لنبوةِ موسى؛ إذ كان كُلما أثبتَ أحدَهما ثبتَ الآخرُ، عُلِمَ أن التفرقةَ بين الأمريْنِ
__________
(1) "كما أنها تصحيح أحدهما وإبطال الآخر"، كذا هي في الأصل، ولعلها مقحمة؛ إذ لم يتبين لنا منها معنى ذو فائدة هنا.
(2) في الأصل: "ينكر".
(1/389)

اللَّذَيْنِ افترقا بصحةِ أحدِهما وفسادِ الأخرِ ليست دَلالةً على صحةِ الصحيحِ منهما دون فسادِ الفاسدِ، ولا على فسادِ الفاسدِ دون صحةِ الصحيحِ.
ومما يؤكِّدُ هذا أنه قد دَل على صِحَّةِ أحدِ الأمرَيْنِ من لا يعلمُ سامعو دَلالتِه عليهما أنه مفرِّقٌ بينه وبين غيرِه حتى يسمعوا منه الإِقرارَ بأحدِهما أنه مفرِّقٌ بينه وبين غيره بإبطالِه (1) كما لا يعلمُ إذا سَمعَ منه الإِقرارَ بأحدِهما أنه يُفرِّقُ بينه وبين الآخرِ دون أن يُنكرَه، فلو كانت الدَّلالةُ على أحدِهما هي التفرقةَ بينه وبين الآخرِ في الصحةِ والفسادِ؛ لكان السامعون لها عارفين بمعرفةِ صاحبِها بينه وبين صاحبه، ولكان المعتقدُ لصحة أحدِهما قد فَرَّقَ أيضاً بينهما في عَقدهِ بالتصحيحِ والإِبطالِ والنَّفي والِإثباتِ، فلما كان المعتقِدُ لصحةِ أحدِهما لم يُفرِّقْ بينهما في عَقْدِه باعتقادِه صحةَ أحدِهما؛ لأنه قد يجوزُ لك التفرقةُ بين الشيئينِ بما يمكنُ خصمَك أن يجعلَه مستوياً بينهما، وإن تعاطى ذلك ووقَف (2) في الدعوى موقفَك، استويا ولم يَبِن منه شيء يجعلُك أوْلى بنُصرتِه منه بنُصرةِ مذهبِه.
ونظيرُ هذا: أن الشِّيعيَّ إذا قال للعُثْمانِيِّ: دليلي على أن عليَّاً أفضلُ من عثمانَ: كونُ السماءِ فوقي والأرضِ تحتي. جازَ للعثمانيِّ أن يقولَ: فهذابعينه هو دليلي على أن عثمانَ أفضلُ من عليٍّ، وما الذي جعلَك بأوْلى أن تَستدِلَّ على فضلِ عليَ على عثمانَ مني بالاستدلالِ به على فضلِ عثمانَ على عليٍّ؟ والسلام.
__________
(1) في الأصل: "إبطاله".
(2) في الأصل: "وقف".
(1/390)

فصل
اعلم أن للخصمِ أن يُعارِضَ خصمَه بما لا يقول به في بعض المواضعِ، وليس ذلك له في كلِّها، ولا بد من حدٍّ يَفصِل بين الموضعين، وسنقولُ فيه قولاً شافياً إن شاءَ الله.
إذا قابلَتِ المعارضةُ بما لا يقولُ به المتنازعان سَقَطَتْ؛ لأن صاحبَها معارِضٌ لنفسِه قاصدٌ بها إلى فسادِ مذهبه، وما كان هكذا فليس له أنه يعارضَ به، ولكن لغيرِهما أن يُعارِضَهَما به؛ إذ كان غيرُ تصحيحِ تلك المعارضةِ مذهبَه؛ لأنه إنما يكون لِذي المذهبِ من السؤالِ ما صَحَّحَ مذهبَه وأبطلَ مذهبَ خصمِه، وأما ما يبطل به مذهبه فلا، ولكنَه عليه، وذلك أن تأويلَ هذه المسألةِ الفُلانيةِ أن الفُلانيَّةَ تصحيح مذهبهما (1) به، وإن كانت مصححةً على الحقيقةِ فهي لهم على الحقيقةِ، وإضافتها إليهم على معنى أنهم سَبَقوا إليها، وأنهم يحاولون بها التصحيحَ لمذهبهم، وإن كان ذلك لا يَتِمُّ لهم.
وغَرَضُ السؤالِ تصحيح المذهب وإبطالُ ضِدَهِ، فإذا كان بخلافِ هذه الصِّفةِ فهو ساقطٌ، فإذا قابلَتَ قولًا لا يقول به المعارِض فهي صحيحةٌ؛ لأن صاحبَها أفسدَ باطلًا عنده بإظهارِ مساواتِه لباطلٍ آخرَ هو أيضاً باطلٌ عنده، فهذا على ضَرْبَيْنِ:
مثال الأولِ: قول السُّنَيِّ للمعتزِليَ: إذا زَعَمْتَ أن تكليفِ ما لا يطاقُ فاسدٌ لِمَا صَحَّ من عدلِ الله ورحمتِه، فهلاَّ زَعَمْتَ أن تعريضَ اللهِ سبحانه لمن المعلوم عندَه أنه يَعطَب بالتكليفِ للتكليفِ، وتعريضَ
__________
(1) في الأصل: "مذهبها".
(1/391)

من يَهلِكُ بالمحنةِ للمحنةِ، والتماسَ ما علمَ أنه لا يكونُ ممَنْ علمَ منه أنه لا يستجيبُ للتكليفِ فاسدٌ أيضاً للعلَّةِ التي ذكرتَها، وهو ما صح من حكمةِ الله عزَّ وجل ورحمتِه وعدْلِه وحُسْنِ نَظَرِه لخلْقِه؛ لأنهما قد استويا واتفقا على الأصلِ الذي قابلَتْه المعارضةُ، فإن كانت لازمةً للقائلِ به، فإن قولَ السائلِ فيه كقول المجيب.
ومما يَدلُّ على هذا: أن ملحداً لو سأل عن هذه المسألةِ، وهو من لا يقولُ بواحدٍ من المذهبَيْنِ -لا بمذهب العَدليِّ ولا الجَبْريَ-، لم يكنْ أحدُهما أوْلى بالجواب عنها من الآخرِ.
ومثالُ الثاني: بمنزلةِ معتزلي قال لمُجْبِرٍ: إذا زعَمْتَ أن الله يخلُقُ الفعلَ وُيعذِّبُ عليه، فلِمَ لم تَقُلْ: إنه يَضْطَر إلى الفعلِ وُيعذِّبُ عليه؟ لأنه لا يقولُ بالشيءِ الذي جعلَه ملزماً للمعارضةِ، فهما متَّفِقان على نفيِ العقاب على ما حصلَ بالاضطرارِ، كما حصلَ الاتفاقُ في المثال الأولِ عَلى جوازِ التكليفِ ممن في المعلوم أنه يَعطَبُ بالتكليفِ وعَقِيبَ التكليفِ، ومتى بنى المجيبُ جوابَه عَلى أمرٍ يوافقُه عليه السائلُ، لم يَكُنْ للسائلِ الطعنُ فيه إلا بما بَيَّنَ به مفارقتَه؛ لأنه إن سلَّم مشاكلتَه إئاه ثم طعنَ فيه، كان طاعناً في قولِه بطَعْنِه فيما هو عنده نظيرُه.
ومتى ما جعلْنا له من الطعْنِ بما يأتي في صورةِ الأولى، فمعناه (1) خلافُ معناه، وذلك كقولِ المُجبِر للمعتزلي: هلّاَ قلتَ: إن الله يُكلِّفُ العبدَ ما لم يُقدِرْه عليه، كما قلنا جميعاً: إنه يُكلِّفُ العبدَ ما
__________
(1) في الأصل: "ومعناه"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(1/392)

لم يُوفَقْه لفعلِه ولا عَصَمَه من تركِه. فإن اعترفَ المعتزليُّ بهذا التشبيه، ثم طعنَ في الجوابِ، فقد طعنَ في الأصلِ الذي تفرع منه، وإذا طعنَ في الأصلِ، فقد طعنَ فيما يقولُ به.
فإن قال له المعتزليُ: فكذلك فقل: إنه يُكلفُ ما يُعجَزُ عنه، قياساً على هذا الأصل.
فيقولُ: التوفيقُ ثوابٌ، ولا بأسَ بتركِ ثوابِ من لم يعلمْ، فأمَّا تكليفُ العاجزِ فإنه سَفَهٌ.
فيقول له: فاجعل هذا أيضاً فرقاً بين [سلبِ] (1) التوفيقِ وسلب القُدْرةِ، وسلبُ واحدٍ له تكليفٌ من سلب التوفيقِ دونَ سلبِ القُدْرةِ.
وليس هذا جوابَ المُجبِرِ، ولكنه مثالٌ يُتكلمُ عليه، فهذا جائزٌ له، لأنه سلَّمَ التشبيهَ غيرَ معترفٍ بما بعده بعد التسليمِ.
وللمعتزليِّ أيضاً أن يسألَ عن الدليلِ على أن تكليفَ من ليس بموفَقٍ ولا معصوم كتكليفِ من ليس بقادرولا ممكَنٍ؛ لأنه يضعُ السؤالَ في موضع خلافٍ، ألا ترى أنه ليس كلُّ من يعلَمُ أن الله يُكلفُ مع عدم العصمةِ والتوفيقِ، يعلمُ ويعتقدُ أنه يُكلفُ مع عدمِ القُدْرةِ والطَاقة؛ بل يعلمُ خلافَ ذلك، ويَدرِي أن التوفيقَ تسهيلٌ، والعصمةَ من أكبرِ الألطافِ، وأنها يجوزُ أن يَخُص بها المجتهدين في طاعتِه وخَواص خَلْقِه؛ لكونِها من زوائدِ إزاحةِ العللِ، فأمَّا أصلُ القُدَرِ والاستطاعاتِ والطاقات، فإنها المصحِّحةُ للنُهوضِ بحقائقِ التكليفِ فأين إزاحةُ العللِ بالرواتب اللابُدَيةِ من الزوائدِ اللطفية؟ وما منزلةُ ذلك
__________
(1) ليست في الأصل.
(1/393)

من الفقهِ إلا بمثابةِ من قال: لَمَّا لم يَجِبْ للزوجةِ الطِّيبُ وأُجْرَةُ الطبيبِ، لا يجبُ لها الخبزُ والإِدامُ وما هو القِوامُ (1)، ولَمَّا لم يُفسَخ النكاحُ بزوائدِ المُؤنِ -وهي الطيبُ والحَلْواءُ والإِدامُ-، لا يُفسَخُ بالِإعسارِ بالقوتِ الذي هو القِوام.

فصل آخر
من المعارضة
فمن ذلك قولُ المجيب (2): لو جازَ كذا لجازَ كذا، فإنه بمنزلةِ قولِ السائلِ: إذا كان كذا، فلِمَ لا يجوزُ كذا؟ لأنهما جميعاً قد عَلقا صحةَ أحدِ الأمرين وفسادَه بصحةِ الآخرِ وفسادِه، إلا أن السائلَ لا يجبُ عليه أن يأتيَ بالعلَّةِ الموافقةِ بينهما؛ لأن هذا من فَرْض المجيبِ، فلو لَزِمَه لكان مجيباً.
ووجهٌ آخرُ: وهو أنه نقيضٌ وليس بمقتضٍ، وإذا لم يكن مقتضياً، لم يكن عليه إقامةُ الحجَّةِ لأحدٍ، وإنما هو إنسانٌ وقعَ في نفسِه، فامتحنَه بالمسألةِ عنه، أو ظَنَّ ظَنا وقعَ عليه، فلَزِمَ المجيبَ أن يُبَينَ له، ولو كان للمجيب أن يقولَ له: ومن أين اشْتَبَها؟ لكان له أن يصيرَ سائلاً وهو مسؤولٌ، وكان على السائلِ أن يصيرَ مجيباً وهو سائلٌ، وكان له أيضاً أن يقولَ: ولِمَ تُنكِرُ أنت اشتباهَهما؟ فهذا هو التَّمانُعُ (3)،
__________
(1) القوام من العيش: ما يقيمك، وقوام العيش: عماده الذي يقوم به. "اللسان" (قوم).
(2) رسمت في الأصل: "المحب"، وهو تحريف.
(3) التمانع أو الممانعة: امتناع السائل عن قبول ما أوجبه المعلل من غير دليل.
انظر "التعريفات" ص 231.
(1/394)

وفيه فسادُ السؤالِ والجوابِ، والمجيب مُدَّعٍ لاشتباهِهما، وموقعُه موقعُ المطالَبِ.
وللسائلِ أن يقولَ له: ولِمَ زَعَمْتَ أن في جوازِ كذا جوازَ كذا، وأنا مخالفٌ لك في ذلك؛ وهل هذا إلا تَحكُمٌ منك عَلَيَّ مجردٌ من البرهانِ؟
فإن قال المجيبُ: لأنه لا فرقَ بينهما. كان للسائلِ أن يقولَ: دعواك لعدمِ الفرق كدعواك للجمعِ، وخلافي لك في هذه الدعوى الثانيةِ كخلافي لك في الدعوى الاولى؛ لأنها نفى لفرق هو عندي ثابتٌ، وسواءٌ على نفيتَ ما اخالفُك في نفيه، أو أثبَتَ ما أُخالفُك في إثباتِه، والأمرُ واحدٌ، ولي في ذلك مطالبتُكَ بالبَينَةِ على ما تَدَعِيه منه، فما الدليلُ على صحةِ نفيِك لهذا القولِ إن كنت مخالفاً لك فيها؟
فإن قال: لست أَجدُ بينهما فصلًا.
فللسائلِ أن يقولَ له: ليس كلُّ ما لم تَجِدْه يكونُ باطلًا، ولو كان هذا هكذا كانت علامةً لصحةِ وجودِك إيَّاها، فكانت على حقيقةٍ داخلةٍ في علَّتِك، فما يُدرِيك لعل غيرَك قد وجَدَه، ولعله صحيحٌ وإن لم تَجِدْه، وبعد: فهل تَدَّعي فسادَه مع قولِك: إني لم أجِدْه؟ فإن قلت: نعم، فما دليلُك على صحةِ ادَعائِك لذلك؟
فإن قال: لو جازَ أن يكونَ بينهما فصلٌ قد غاب عني، جاز أن يكونَ بين الحركةِ والسكونِ فصلٌ في أنهما عَرَضان إلا أنهما قد غابا عني، فقد جَوَّزَ مثلَ تلك الدعوى بعينِها.
(1/395)

وللسائلِ أن يقولَ: وما الدليلُ على أنه إذا جازَ أحدُ هذين جازَ الاَخرُ؟ فله أن يقولَ له: يجوزُ أن يكونَ في الدنيا حقيقةٌ لم تَعْلَمْها؟ فإن قال: نعم، قال له: فهل تدري، لعلَّ تلك الحقيقةَ فصلٌ بين الحركةِ والسُّكونِ في أنهما عَرَضان، أو فصلٌ بين الاوَّلين.
وقد يُجترأ في هذا الباب بمسألةٍ واحدةٍ، وهي: أن يقالَ للمجيب إذا قال: لو جاز كذا، فلِمَ لا يجوزُ كذا للأمر الثاني؟ فإذا قال، لكيْتَ، وكَيْتَ، قيل له: فأرِنا (1) هذا بعينِه في الاوَّلِ حتى نعلمَ أن تمثيلَك واقعٌ وإِلا فقد وَضَحَ أنك مثبتٌ بين شيئين متفرِّقَيْن في العلَّةِ، فأفسدت أحدَهما، أو صححْتَه بعلةٍ لغيرِه دونَه.
وكلُّ من رجعَ في استدلالِه إلى أنه لا يَجِدُ فصلاً، ولا يَجِدُ دليلاً، فالكلامُ الماضي داخلٌ عليه، وكلُّ من حكمَ في مواضعَ بالجمعِ وبالتفرقةِ، فالمطالبةُ بالبرهانِ واجبةٌ عليه، فاعرف هذا الموضعَ لكل ما وصَفْتُ لك في كلُّ بابٍ من نظائرِها.

فصل آخرُ
من المعارضةِ
اعلم أن المعارضةَ على ضربين: معارضةِ الدعوى بالدعوى.
والآخرِ: معارضةِ العلَّةِ بالعلَّةِ.
مثالُ الأولِ: قولُ الواحدِ من أصحابِنا المثبتِينَ لخلق اللهِ أفعالَ
__________
(1) في الآصل: "فارني".
(1/396)

الخلقِ للواحدِ من المعتزلةِ النَافينَ لخلقِ الفعلِ: إذا زعَمْتَ أن فعلَ الخلقِ غيرُ مخلوقٍ، فما الفرقُ بينك وبين من زعمَ أنه مخلوقٌ؟ فهذه المعارضةُ مقابلةُ دعوىً بدعوىً، وليس مقابلةَ علَّةٍ بعلةٍ، وَيحسنُ أن يكونَ جوابُه هذا القولَ، وهو: إنها مقابلةُ دعوىً بدعوىً، والدعْوَيانِ نفرُقُ بينهما بما دَل على صحَّةِ إحداهما (1) وفسادِ الأخرى، وكذلك الفرق بين المدَعِيَيْنِ؛ لأنه إنما فرَقَ بينهما بما فَرَقَ بين دعواهما، فَمُطالبتُكَ بما الفرقُ بيننا وبينك من هذا الوجه، مطالبةٌ بدليلِ دعوانا الذي صححَها وأبطل دعواك، فكان تقدير كلامِك: دُلني على أن عملَ الخلقِ غيرُ مخلوقٍ، والدليل على ذلك كَيْتَ وكَيْتَ.
وأما معارضةُ العلَّةِ بالعلَّةِ: فكقولِ أهلِ التوحيدِ للجسمى: إذا زعَمْتَ أن اللهَ جسمٌ؛ لأنك لم تَعقِلْ فاعلًا إلا جسماً، فهلَّا زعمتَ أنه مؤلَف؛ لأنك لم تعقِلْ فاعلًا ولا جسماً إلا مؤلفاً؛ لأنهم وضعوا علَتَه الأولى فيما عارضوه به، وهي المعقولُ، وهذا أصحُ ما يكونُ من المعارضةِ.
ومن الأول (2): قولُ السائلِ للمجيب: لِمَ لم تَقُلْ كذا، كما قلتَ كذا؛ وربما قال عاطفاً على شيءٍ دخل في دَرْجِ كلامِه: وكذا أيضاً فقل كذا، وهذا لا يكون إلا من جاهلٍ بالمعارضةِ، أو من منقطِعِ يَتعلَّلُ؛ لأن الكافَ في كما وكذا كافُ تمثيل، فأمَّا معنى قوله: مَثلَ كذا بكذا، فالتمثيلُ إنما يقعُ في النَّفسِ والصورةِ أو في العلَّةِ.
__________
(1) في الأصل: "أحدهما".
(2) أي من معارضة الدعوى بالدعوى.
(1/397)

وتمامُ هذه المعارضة التي (1) قد تجوزُ: أن يقولَ: لأن علَّةَ كذا كَيْتَ وكَيْتَ، وهو بعينِه موجود في الآخرِ، كما قال أهلُ التوحيدِ للجسميةِ: هلاَّ قلتم: إن اللهَ مؤلًف؛ لأنكم لا تعقِلُون جسماً إلا مؤلَّفاً، كما قلتم: إنه جسم؛ لأنكم لم تَعقِلوا فاعلاً إلا (2) جسماً. وهذا مما لا يقعُ بعده فصل، فكلُّ من حاولَ بعده فصلًا ناقَضَ؛ لأنَّا إنما نأتي بقَدْرِ منعِه من الحكمِ بالمعقولِ، وجُوزَ له الخروجُ منه، فإذا جازَ له الخروجُ منه لعلَّةٍ من العللِ، لم يكنِ القطعُ به في هذا الموضعِ واجباً لا مَحالةَ؛ لبطلان ما هو [فيه] (3) وفسادِه في موضعٍ آخرَ، ولا ينبغي إذا كان مما هو فيه أن يَبطُلَ أحياناً، أن يكونَ هذا بموجبٍ لكونِ اللهِ سبحانه جسماً.
وإذا كان هذا صحيحاً، فإنما يجبُ لشيءٍ آخرَ لا يسقطُ أبداً، ويكونُ موجباً به في كلِّ حالٍ، ألا ترى أن من جازَ عليه الكَذِبُ لا يُقطَعُ على شيءٍ يُخبِرُ به؛ لأن خبرَه ليس مما يُصدَّقُ أبداً فيكونَ علَّةً للتصديقِ، فإن صُدِّقَ فإنما يُصدَقُ بدليلٍ على صدقِه في الموضعِ الذي صُدِّقَ فيه، ولا يجوزُ لذلك الدليلِ أن يسقطَ في حالٍ من الحالاتِ؛ لأنه لو سقطَ لاحتاجَ في الموضعِ الذي اقتدى به فيه اقتداءً إلى ما يدل على أن موضعَه ذلك ليس من المواضعِ التي يسقطُ فيها، وإلا فلك أن تقولَ: ليس كلُّ ما كان معه هذا الدليلُ يجبُ له كذا، فما يُدرى لعلَّ صوضعَه هذا من تلك المواضعِ.
__________
(1) في الأصل: "الذي".
(2) في الأصل: "لا".
(3) ليست في الأصل.
(1/398)

ورجعَ الكلامُ إلى الجوابِ عن المعارضات المنثورةِ.
قلنا: فعلى المجيب إذا عُورِضَ بمثلِ ما وصَفْنا أن يقولَ لمعارضِه الذي قال له: لمَ قلت؟: وما أَشرْتَ أو أَمرْتَ بالتمثيلِ بينه وبين ما عارضْتَ به ذَيْتَ وذَيْتَ (1)، والذي عارضْتَ به كان من هذه العلَّةِ، فلو كان القولُ به واجباً لم يكنْ ليجبَ من حيث وجبَ، فإن أنت كشفْتَ التمثيلَ بينه وبينه لنعرفَه من علَتِه، ولأن القولين إنما يتشاكلان في النَّفسِ والصُورةِ والعلَّةِ، وليست (2) صورةُ هذين ولا عللُهما وأنفسُهما متشاكلةً، فهذا هو الذي يمنعني من القولِ به كما قلتَ، فالذي مَثلْتَ بينه وبينه: فإن كنتَ تراه واجباً لمشاكلتِه لشيءٍ مما أجَبْتَناهُ عن هذا، فأرِنا مشاكلتَه إياه حتى نُلحِقَه به، فلسنا نأبى إلحاقَ الشيءِ بمثلِه، وإن كنتَ ترى ترْكَنا له ورَغْبَتَنا عنه باطلًا لقيامِ بعضِ الدَلالةِ على صحَّتِه، ووجوبِ القولِ به، أن تنالَ خلافَ ذلك بإقامةِ الدليلِ على فسادِه وعلى صحةِ رَغْبَتِنا عنه، إلا أن تنشَطَ لتَرْكِ سؤالِك والأخذِ في الجوابِ، فنسألَك عما ادَعَيْتَ له.
واعلم أنه ليس كلُّ حقيقتَيْنِ تتفقان في العلَّةِ، فيجبُ قياسُ إحداهما على الأخرى (3)، فلو قال لك قائلٌ: إذا زعمْتَ أن موسى رسولُ اللهِ، فهلَّا زعمْتَ أن الحركةَ جسم؟ أو: فلِمَ لم تَقُلْ: إن الحركةَ لا تُرى كما قلتَ: إن محمداً رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، كان واضعاً
__________
(1) يقال: كان من الأمر ذَيْتَ وذَيْتَ، بمعنى: كيْتَ وكَيْتَ. "اللسان" (ذيت).
(2) في الأصل: "ليست".
(3) كانت في الأصل: "احداهما على الآخرة".
(1/399)

للتمثيلِ في غيرِ موضعِه، وساغتِ التفرقةُ بين ما جَمَعَ في العلَّةِ؛ لأن علةَ كونِ موسى رسولَ الله ومحمدٍ رسولَ اللهِ لا تجامعُ علةَ كونِ الحركةِ جسماً أو غيرَ جسمٍ، ترى أو لا تُرى.
ولكن لو قال: الدليل لا يُكذب، والأخبار المُضْطَرة لا تُكذَبُ، فإذا زعمتَ أن موسى رسول الله للخبرِ الذي يُصدَّق ولا يُكذَبُ فهلَّا زعمتَ أن الحركةَ غيرُ الجسمِ للدليلِ الذي يُصدقُ ولا يكذبُ؟ وما الفرقُ في حصولِ الثقةِ بين خبرٍ لا يُكَذبُ ودليل لا يكُذبُ؟ ولِمَ قَبلْتَ من بعضِ من أمنْتَ عليه الكذبَ دون بعض؟ فهذا بعينِه موجود فيَما ردَّدْتَه، فكان هذا سؤالًا صحيحاً وتمثيلاً بين القولين في العلَّةِ القصوى، ولكنِ القصدُ به إلى ما أرادَه السائلُ قصدٌ من موضع بعيدٍ وُجِدَ منه مثل هذا السؤالَ.
فهذه جملة شافية جداً، وليس يَقطع بها إلا حاذق بالمقابلةِ والترتيبِ، وعارف بمواضعِ الاتفاقِ والاختلافِ.
(1/400)

فصولٌ في المعارضةِ
بصياغةٍ (1) أخرى، ولغةٍ كاشفةٍ للمعنى يتأكدُ بها بيانُ الأغراضِ بها
فصل
في جوامعِ العلمِ بالمعارضةِ
اعلم أن المعارضةَ هي: الجمعُ بين الشيئين للتسويةِ بينهما في الحكمَ (2).
مثاله بالأصولِ: جَمْعُ ما بين إرادةِ القبيحِ والأمرِ به على ما يُقرِّره أهلُ الاعتزالِ، وبين إرادةِ أفعالِ الخلقِ والتمكُنِ منها مع العلمِ بوقوعِها عن تمكينِ الممكنِ منها على ما كان من قبيحِها وحَسَنِها، في أنه إن جازَ أحدُهما جازَ الآخرُ؛ إذ قد سَوَّى العَقْلُ بينهما في ذلك، وكل شيئين سَوى العقلُ بينهما في حكمٍ، فهما يستويان فيه، كما أن كلَّ شيئين سَوى الرسولُ عليه السلام بينهما في حكم، فهما مستويان فيه، إلا أن من ذلك ما يَظهَرُ باولِ وهْلَة، ومنه ما يظهرُ بأدنى فكرةٍ، ومنه مايظهرُ بوسيطةٍ، ومنه مالايظهرُحتى تحَلَّ الشُبهة، وهوكيف تَصَرفَتْ به الحالُ في ذلك سَوَّى العقلُ بين الأمرَيْنِ، وإن كانت
__________
(1) رسمت في الأصل: "فصناعة".
(2) ذكر الجويني هذا التعريف مع تعريفات أخرى، انظرها في "الكافية" ص 418.
(1/401)

التسويةُ لا تظهر إلا على الأوصافِ التي ذَكرْنا.

فصل
والمعارضة على ضربَيْنِ: أحدهما: ما كان على التسويةِ العامَّةِ، والآخرِ: ما كان على التسويةِ الخاصَّةِ.
فالتسوية العامَة: على أنه إن صحَ الأوَّلُ صحَّ الثاني، وإن فسدَ الأولُ فسدَ الثاني، وكذلك إن صَحَّ الثاني صَحَّ الأول، وإن فسدَ الثاني فسدَ الأول؛ وذلك أنه إن جازَ للحكيمِ تعذيب الطِّفلِ بغيرِ جرْمٍ منه، جازَ له تعذيبُ البالغِ بغيرِ جرْمٍ، وإن لم يَجزْ منه تعذيبُ الطفلِ بغيرِ جرْمٍ، لم يَجزْ تعذيب البالغِ، وكذلك إن جازَ تعذيبُ البالغِ بغيرِ جرْمٍ، جازَ تعذيبُ الطفلِ بغير جرْمٍ، وإن لم يَجزْ تعذيب البالغِ بغير جرْمٍ، لم يَجزْ تعذيب الطفلِ، فقد سَوَّى العقل بينهما على الوجهَيْن جميعاً.

فصل
وأما التَّسوية الخاصَّةُ (1)، فهي: على أنه إن صحَّ الأولى صحَّ الثاني، وإن فسدَ الثاني فسدَ الأوَّل، ولا يجب إن فسدَ الأولى فسدَ الثاني، ولا إن صحَّ الثاني صحَّ الأولى، وذلك لأنه إن كان العالَمُ قد خلا من الحوادثِ، فهو قديمٌ، وإن لم يَكنْ قد خلا من الحوادثِ، لم يكن قديماً، فهذه المعارضة صحيحةٌ باضطرارٍ، فليس يجبُ بالضَرورةِ أنه إن لم يَكنْ قديماً، لم يكنْ قد خلا من الحوادثِ، ولا
__________
(1) في الأصل: "بالخاصية".
(1/402)

يجبُ من أنه قد خلا من الحوادثِ أنه قديمٌ بالضرورةِ، كما وجبَ في الأولَ.

فصل
وكل معارضةٍ فلا بُدَّ فيها من تسويةٍ، إلا أن التسويةَ قد تَظهرُ باقتضاءِ العقلِ، وذلك مثلُ أن تقولَ: إن جازَ أن يكونَ القارُ أسودَ لا بسوادٍ، جاز أن يكونَ الآبِنُوسُ (1) أو السَّبَجُ (2) أسودَ (3) لا بسواد.
ومثلُ قولِك: إن جازَ في بابٍ أن يكونَ باباً بعد أن لم يكن باباً من غيرِ صانعٍ جعلَه باباً، جازَ في دولابِ أن يكونَ دولاباً من غيرِ صانع، أو باباً آخرَ من غيرِ صانعٍ جعلَه بَاباً.
فأمَّا ما يظهرُ من التسويةِ فيه من طريقِ اقتضاءِ العقلِ لا بضرورةِ العقلِ، لكن يظهرُ باقتضائِه عند الفِكْر، مثلُ أن تقولَ: إن جازَ أن يكونَ تَرْكُ الإِيمانِ ليس بقبيحٍ، جاز أن يكونَ الكفرُ ليس بقبيحٍ، وهذا إذا تُؤمل ظهرَ، وكل ذلك قد سَوَّى العقلُ فيه بين الشيئين من جهةِ أنه إن صحَّ أحدُهما صحَّ الاَخرُ، وإن لم يصح الآخرُ لم يصح الأولُ، فتأمل التسويةَ، وصَحَّحِ المقابلةَ، يظهرْ لك عِلْمُ ما تطلبُ علمَه، وما تحتاجُ إليه من ذلك.
__________
(1) شجر ينبت في الحبشة والهند، خشبه أسود صلب، ويصنع منه بعض الأدوات والأواني والأثاث. "معجم الوسيط " (الآبنوس).
(2) تقدم في الصفحة (357) أنه الخرز الأسود.
(3) كتبها الناسخ: "الأسود".
(1/403)

فصل
والمعارضةُ فلا تخلو أن تكونَ مطلقةً أو مقيَّدةً.
فالمطلقةُ منها: هي التي يُسَوِّي (1) العقلُ فيها بين الشيئين من غيرِ شَرْطٍ يوجبُ استواءَ الحكمِ فيها (2)؛ لأن العقلَ يقتضي استواءَهما وُيويس من فرقٍ [بينهما] (3).
فأمَّا المقيَّدةُ منها: فهي التي يُسوِّي العقلُ فيها بين الشيئينِ إن استوت عِلَلُهما أو دَلائلُهما؛ لأن العقلَ يقتضي استواءَهما وَيطمَعُ في فرقٍ بينهما.
مثالُ الاوَّلِ: بَيْنَ أن الأجسامَ قديمةٌ، وبَيْنَ أنها قد خَلَتْ من الحوإدثِ، وذلك أنها إن كانت قديمةً، فقد خَلَتْ من الحوادثِ لا مَحالةَ، فالعقلُ يَقضي بأنه إن صحَّ الأولُ صحَّ الثاني، وُيجمَعُ بينهما في ذلك ولا يُفرَّقُ، وكذلك إن لم تَكُنْ قد خَلَتْ من الحوادثِ فليست قديمةً، فيُجمَعُ أيضاً بين صحةِ هذين ولا يُفرق، وهو أنه إن صحَّ أنها لم تَخْلُ من الحوادثِ، صحَّ أنها ليست بقديمةٍ، فإذا قامتِ الدَّلالةُ بأنها لم تخلُ من الحوادثِ، صحَّ أنها ليست بقديمةٍ، ثم لا تُبالي وُجِدَت تلك الدلالةُ بعينها في السؤالِ الآخرِ أو لم تُوجَدْ؛ لأن العاقلَ قد قضى قضيَّةً مطلقةً: أنه إن صحَّ أحدُهما صحَّ الآخَرُ.
__________
(1) كتبت في الإصل: "يستوي".
(2) بعدها في الأصل: "إن استوت عللهما أو دلائلهما"، وهذا من شرط المعارضة المقيدة كما سيأتي.
(3) ليست في الأصل.
(1/404)

وكذلك يُسوي العقل بين الصُّوفِ والشَعَرِ؛ أنه إن كان في أحدِهما حياةٌ ففي الآخرِ حياةٌ. فهذا أيضاً جمعٌ قد قضى به العقلُ، ثم يُعتَبَر الشَعَرُ (1) بأنه لو كان فيه حياةٌ لآلَمَ من جهتِه الحيوانَ إذا قُطِعَ، فيظهرُ من عدم الألمِ والحِسِّ في الجملةِ أنه لا حياةَ فيه، وقد كان قضى العقلُ بالَتسويةِ بين الصوفِ وبين الشَّعَرِ، فإذا ظَهَرَ أنه لا حياةَ في الشَّعَرِ، ظهرَ أنه لا حياةَ فيِ الصوفِ، وإن كانت الدَّلالةُ التي في أحدِهما ليست موجودةً في الآخرِ.
فأمَّا التَّسويةُ المقيَّدة: فكما قضى العقلُ إن كان في الغائب عالِمٌ لا يَعلم، ففي الشاهدِ عالِمٌ لا يعلم، فهذا مقيَّدٌ بأنه إن استوت العلل والدلائلُ، فإذا اعتبِرَ فوُجِدَتْ دلائله مختلفةً، فإن الذي أوجبَ للعالِمِ في الشاهدِ عِلْماً كان به عالِماً -عند المعتزلةِ- هو كونه عَلِمَ مع جوازِ أن لا يَعلَمَ، أو يقول: هو تَغيُّره، والعالِم في الغائبِ لا يَتغيَّرُ، بطلت التسويةُ في ذلك، فهذا الاقتضاء عندهم وعلى زعمِهم على شبْهَةِ أن العقلَ قد أخرجَ فرقاً.
وعلى قولِ أهلِ السُّنَةِ: أن العللَ هاهنا متساويةٌ؛ لأن ما كان به العالِم عالِماً إنما هو العِلم وذلك يَعُمُّ الشاهدَ والغائبَ، فإن حصل فَرْقٌ، فإنما هو من حيثُ إن العلَّةَ في الغائب واجبةً، وكون العالِمِ عالِماً واجبٌ، وهذا يشيرُ إلى أصلٍ كبيرٍ، وأن اَلواجبَ ئعلَّل عند أهلِ السُّنَّةِ، وعندهم لا ئعلَّلُ واجبٌ، لاستغنائِه بوجوبِه عن معنىً.
ثم قالوا: عالِمٌ لذاتِه، وليست ذاته عِلماً، فوقعوا فيما هو أكثرُ من
__________
(1) في الأصل: "الشرع".
(1/405)

إثباتِ ذاتِ العلمِ؛ وهو كونُ ذاتٍ ليست علماً تُوجِبُ كونَ العالِم عالماً، وهذا إثباتُ كونِ العالِمِ عالِماً بذاتٍ ليست عِلماً، أو نقولُ: بمعنىً ليس بعلمٍ، وأثبتوا الذاتَ الواحدةَ موجِبةً كونَ العالِم عالِماً، والقادرِ قادراً، والحيِّ حياً.
وأما تسويةُ العقلِ بين وجودِ الحياة والموتِ في الحَجَرِ، وبين وجودِ الجَمادِيَّةِ والعِلم فيه فثابتٌ (1) صحيحٌ على حُجةٍ؛ لأن العقلَ لا يُفرقُ بين ذلك لا في أولِ وَهْلَةٍ ولا بعدَ فِكْرةٍ، ومَنْ زعمَ أن الفرقَ بينهما: أن الحياةَ تُضاد الموتَ، وأن الجماديةَ لا تُضاد العِلمَ، فأجاز أحدَهما ولم يُجزِ الاَخرَ، فقد أخطا خطأً فاحشاً؛ لأنه إذا لم يَجُزْ أحدُهما لتَّضادِّ، لم يَجُزِ الاَخرُ للتناقضِ؛ لأن العقلَ يُسوَّي بين التناقضِ والتَضاد في أنه لا يَصح اجتماعُ الوصفين بهما، كما أن العقلَ يُسوَّي بين تَضاد السوادِ والبياضِ على المَحَل الواحدِ، وبين تَضاد الحياةِ والموتِ على الِإنسانِ الواحد، يُسوَّي بين التناقضِ في الجوهرِ إذا وُصِفَ بأنه موجودٌ معدومٌ، وبين التناقضِ فيه إذا وُصِفَ أنه متحركٌ ساكنٌ، وإن كانت إحدى الصَفتين لعلةٍ غيرِ الذَاتِ، وهي التحركُ والسكونُ، والأخرى ليست كذلك، وهي الوصفُ بأنه معدومٌ، فإنه أمرٌ يعودُ إلى ذاتِه، وموجودٌ أمرٌ يعودُ إلى ذاتِه أيضاً، لا وصفٌ يزيدُ على الذَّاتِ.

فصل
وكل معارضةٍ فلا بُد فيها من تسويةٍ بين شيئَيْنِ: أولٍ وثانٍ؛ لأن
__________
(1) كتبت في الأصل: "ثابت"، والأنسب ما كتبناه.
(1/406)

التسويةَ في ذلك على ضَرْبَيْنِ:
أحدِهما أن تكونَ شهادةُ الأولِ شهادةَ الثاني، وذلك أن استحقاق الذَّمَ يشهدُ بالحاجةِ ممنْ فعلَ واستحَقً الذَّمَّ عليه، كما يشهدُ فعلُ الظلمِ بالحاجةِ، فلا يَظلِمُ إلا محتاجٌ إلى الظلمِ.
فأمَّا الضَّرْبُ الثاني: فهو أن يشهدَ الأولُ بأنه إن صحَّ صحَّ الثاني، وبأنه (1) إن بَطَلَ [لثاني] (2) بطلَ الأولُ، وذلك إن صحَّ أن زيداً كافرٌ، استَحقَّ الذَّمَّ أو فهو مستحِقٌّ للذمِّ، وإن بطَلَ أنه مستحِقٌّ للذَّمِّ، بطَلَ أنه كافرٌ، فشهادةُ الأولِ بصحتِه، وشهادةُ الثاني ببطلانِه، والشهادتان جميعاً صحيحتان، فمن جحدَ إحداهما (3)، لَزِمَه بالمعارضةِ جَحْدُ الأخرى؛ إذ كانت نظيرتَها في اقتضاءِ العقلِ لها.
ومن المثالِ للبابِ الأولِ: أن النًشْأَةَ الأولى إن كانت من فعلِ الطبيعةِ، فهي تشهدُ بأنه يجوزُ أن تكونَ النَّشأَةُ الثانيةُ من فعلِ الطبيعةِ، فهي تشهدُ بأن النَّشأَةَ الأولى يجوزُ أن تكونَ من فعلِ الطبيعةِ، وكذلك النشأةُ الثانيةُ إن كانت من فعلِ الطبيعةِ، وإذا بَطَلَ أن تكونَ النَشأةُ الأولى من فعلِ الطبيعةِ، بل مِنْ فعلِ مختارٍ، بَطَلَ أن تكونَ الثانيةُ من فعلِ الطبيعةِ، بل فعل ذلك المختار.
وهذا من أوضحْ المعارضاتِ؛ إذِ العقلُ سَوَّى بينهما في ذلك، وقضى أنه إن صحَّ أن يكونَ تدبيرُ العالَمِ يرجعُ إلى الطبيعةِ في
__________
(1) كتبت في الأصل: "بأنه" بدون واو.
(2) ليست في الأصل، وزدناها لتوضيح المعنى.
(3) في الأصل: "أحدهما".
(1/407)

الابتداءِ، صحَّ في الانتهاءِ، لا فَرْقَ في ذلك.
ولَمَا شهدَ إتقانُ الأمورِ وإحكامُ الصَّنْعَةِ بحكيمٍ في النَشأةِ الأولى مختارٍ للتًقديمِ والتَّأخيرِ، شهدَ في النَّشأةِ الثانيةِ بذلك.
ومن هذا الباب أيضاً: إن كان نَسْخُ الشريعةِ من حيث كان رَفْعَ ما شُرِعَ في الأوَّلَ وإزالةَ ما وُضِعَ معنى (1) يشهدُ بالبَداءِ، فهو يشهدُ بأن نسخَ النُورِ بالظُّلمةِ بَداءٌ، وإن كان نسخُ النُورِ بالظلمةِ يشهدُ بالبَداءِ، فهو يشهدُ أن نسخَ الشريعةِ بشريعةٍ غيرِها بَداءٌ، فشهادةُ كلُّ واحدٍ منهما في الآخرِ كشهادةِ الآخرِ فيه.
ومن هذا الباب أيضاً: إدامةُ الثَواب إن كان واجباً في الحِكْمةِ، فهو يشهد بأن إداَمةَ العِوَضِ واجبٌ فَي الحكمةِ (2)، وكذلك إدامةُ العِوَضِ إن كان واجباً في الحكمةِ، فهو يشهدُ بأن إدامةَ الثَّواب واجبٌ في الحكمةِ.
ومن هذا البابِ: إن كان العقلُ يشهدُ بوجوب المصالحِ على اللهِ سبحانه في الدنيا من حيثُ كانت نفعاً لا يُستضَرُّ به، والعبدُ محتاجٌ إليه، فواجبٌ عليه العَفْوُ عن العذابِ في الأخرى من حيثُ كان نفعاً لا يُستضر به، وإن كان العقلُ يشهدُ بوجوب العفوِ في الأخرى من حيثُ كان نفعاً لا يُستضرُّ به، فهو يشهدُ بإيجابَ المصالحِ في الدنيا،
__________
(1) كُتبت في الأصل هكذا "ومنن"، ولم نَتبين وجهها، ووضع فوقها ضبة صغيرة، وتعني أنها هكذا هي في الأصل المنسوخ عنه، إلا أنه قد خفي على الناسخ معناها، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(2) في الأصل: "الحكم".
(1/408)

إذ كانت نفعاً لايستضرُّ به.

فصل في المعارضِة لإسقاطِ السؤالِ

اعلم؛ أن المعارضةَ لإسقاطِ السؤال (1): هىِ الجمعُ بين مطالبةِ السائلِ وبين مذهبٍ له يَلزَمه فيه مثلُ ما طالبَ به، والاعتماد فيه على التَسويةِ، وإنما كانت هذه المعارضة تسقِطُ السؤالَ؛ لأنه بمنزلةِ السائل لنفسِه والناقضِ عليها.
مثالُ ذلك: سؤال بعضِ الإمامِيَّةِ (2) عن قولِه لأبي بكرٍ: {لا تَحزَنْ إنَّ اللهَ مَعَنا} [التوية: 40]، فقال: لا يَخْلو أن يكونَ حُزْن أبي بكرٍ طاعةً أو معصية، ولا يجوز أن يكونَ طاعةً؛ لأن الله سبحانه، ينهى عن طاعتِه، لم يَبْق إلا أنه معصية، فقد عصى أبو بكرٍ بحُزْنِه في المقامِ الذي هو مفاخرِه عندكم يا معاشرَ السُّنَةِ (3).
__________
(1) انظر (الكافية) ص 423.
(2) هم القائلون بإمامة علي رضي الله عنه بعد النبي عليه الصلاة والسلام نصاً ظاهراً، وتعييناً صادقاً، من غير تعريض بالوصف، بل إشارة إليه بالعين، قالوا: وما كان في الدين والإسلام أمر أهم من تعيين الإِمام.
ثم إنهم لم يثبتوا في تعيين الأئمة بعد الحسن والحسين وعلي بن الحسين رضي الله عنهم على رأي واحد، بل اختلافاتهم أكثر من اختلافات الفرق كلها. انظر في الِإمامية وفرقها وآرائها: "الملل والنحل" 1/ 162 وما بعدها، و"الفرق بين الفرق " ص 53 وما بعدها.
(3) هذا مطعن من عدة مطاعن تذكرها الإمامية في أبي بكر رضي الله عنه في تفسير هذه الآْية، وقد ذكر الفخر الرازي هذه المطاعن، وفندها كلها. انظر=
(1/409)

فيقولُ له السنَيُّ جواباً عن سؤالِه: أخْبِرْنِي عن قولِ اللهِ سبحانه لموسى: {لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ} [النمل: 10]، لا يخلو خوفُ موسى من أن يكونَ طاعة، فيكونَ اللهُ قد نهاه عن طاعةٍ، ولا يجوزُ ذلك، [أو] (1) أن يكونَ معصيةً، فقد عصى موسى في أجَل لياليه ومَقاماتِه عند ربِّه، فسقطَتِ المسألةُ بهذا الجواب للتسويةِ بين النهْيَيْنِ، فإنه لا يلزَمُ السُّنَى أن يكونَ أبو بكرٍ قد عصىَ، إلا أن يَلزمَ الِإماميَ أن يكونَ موسى قد عصى.
ومتى طلبَ إقامةَ العذرِ لموسى في خوفِه، وأن الخوفَ غلبَ عليه؛ لأنه من طباع الآدميَ الخوفُ من صُوَرِ الحيواناتِ المؤذيةِ وخرقِ العادةِ، قام العذرُ لأَبي بكرٍ في حصولِ خوفِه على النبى صلى الله عليه وسلم؛ حيث رأى من رسولِ الله الهربَ والتَخفَيَ من مكيدةِ المشركين، والمخافة على النبى طاعةٌ، وليس كلُّ طاعةٍ يكونُ النَهى عنها عصياناً؛ حيث كان النهيُ قد يقعُ إشفاقاً وإسقاطاً للمَشَقَّةِ عن المطيعِ، مثلُ قولِه سبحانه: {طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} [طه: 1 - 2] و [قولِه] {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فاطر: 8]، وما هذا سبيله لا يكونُ خوفاً يخلعُ الوِلايةَ، ويَحُط من رتبتِه الصالحةِ لأصلِ الِإمامةِ.
ومثالٌ آخرُ: مثل سؤالِ أصحابِ الأحوالِ (2) عن دعائِنا لله بأن
__________
= "التفسير الكبير" 16/ 67 - 69.
(1) ليسص في الأصل، واستدركناها لاقتضاء المعنى لها.
(2) يقصد المؤلف المتصوفة، والحال عندهم كما قال الجرجاني في "التعريفات" ص 81: هو معنى يرد على القلب من غير تصنع ولا اجتلاب ولا اكتساب من طرب أو حزن أو قبض أو بسط أو هيئة.
(1/410)

يُبْقِيَنا، والبقاء ليس بمعنىً، فقد دَعَوْناه بحال معقولةٍ ليست بمعنىً.
فقالَ المجيبُ: فقد يأمرُنا الله بأن ندومَ على حالِ السكونِ، والدَّوامُ ليس بمعنىً، فقد امِرنا بحال معقوله وليست بمعنىً. وإنما كان هذا إسقاطاً؛ لأن صاحبَ المقالةِ يقولُ: لا بدَّ من أن يتعلَّقَ الأمرُ بغيرِ مأمور به، ويقولُ مع ذلك: أن يكونَ الحيوانُ يَبْقى لابِبَقاءٍ.

فصل
في المعارضِة لإقامةِ الحُجَّةِ

اعلم أن المعارضةَ لإِقامةِ الحُجَّةِ على المَقالةِ لا بُدَّ فيها من تصحيح أحدِ الشَقَّيْنِ أو فسادِه بعد البيانِ للتسويةِ، ليظهرَ من ذلك حالُ الشّقِّ الآخرِ في الصحَّةِ أو الفسادِ، إلا أن يكونَ الخصمُ يوافقُ عليه، فيستغني بموافقتِه عن التعرضِ لتصحيحِه في نفسِه، ويكونُ الكلامُ كلُه إنما هو في التسويةِ بينه وبين الأصلِ الذي قد وافقَ عليه.
مثال ذلك: أن السائلَ إذا قال: ما الدليلُ على أنه لا يكونُ متحركٌ إلا لأجلِ حركةٍ واقعةٍ؟
يقولُ المجيبُ: لأن المسيءَ إنما كان مسيئاً لأجلِ إساءةٍ واقعةٍ؛ إذ المسىءُ إنما يكون مسيئاً [بعد أن كان غيرَ مسيءٍ] (1)، وهو في كلا الحالين موجودٌ عن حادثٍ، فلولا أن هناك حادثاً (2) غيرَه- هو
__________
(1) زيادة على الأصل يستقيم بها المعنى.
(2) وردت في الأصل: "حادث".
(1/411)

إساءتُه-، لوجبَ أن يكونَ على حالِه الأولى التي كان عليها غيرَ مسيءٍ، كما أن المتحركَ إنما يكونً متحركاً بعد أن كان غيرَ متحركٍ، وهو في كلا الحالين موجود عن (1) حادثٍ، فلولا أن هناك حادثاً غيرَه -هو حركتُه-، لوجبَ أن يكونَ على ما كان عليه غيرَ متحرِّكٍ، فهذا لا يُحتاجُ فيه إلى الكلام في أن المتحرِّكَ إنما كان متحركاً بحركةٍ؛ لأن خصمَه يوافقُه عليه، فإنما ينبغي أن يُعتمدَ على التسويةِ.
مثال آخرُ يَقْوَى به فهْمُ ما ذَكَرْنا وإتقانُه: أن يقولَ المعتزليُّ للسّنَيِّ: إذا كان اللهُ سبحانه قد بَرَّأ نفسَه من أن يأخذَ الغَيرَ بذنبِ الغيرِ بقولِه: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164]، لم يَجُزْ أن يقالَ: إنه يأخذُ لا بذنبِ، لقولِه: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]، أوقولهَ،: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التكوير: 8 - 9]، فتحْصُلُ المعارضةُ بأنه لَمَّا لم يَجُزْ أن يأخذَه بذنب غيرِه، لم يَجُزْ أن يأخذَه لا بذنبِ كان منه؛ إذ هما سواءٌ؛ لأنه ليسَ ذنبُ الغيرِ عن الغيرِ إلا بكونِه ليسَ بذنبِ له، فكذلك ذنب لم يَفْعَلْه ليس بذنبٍ له.
فإن خالفَ السائلُ في الأصلِ الذي بَنى عليه المعارضةَ، فقالَ: يجوزُ عندي أن يأخذَ اللهُ العبدَ بذنب غيرِه وبما شاءَ، فلا بُد من أن يَدُلَّ على أن هذا باطلٌ بعدَ الجمعِ والتَسويةِ.
__________
(1) كتب فوقها في الأصل كلمة: "غير".
(1/412)

فصل
في المعارضةِ المُغَيَّرَةِ

اعلم أن المعارضةَ المغيَّرةَ لا تخلو أن تكونَ غُيرَتْ بنقصانٍ، أو زيادةٍ، أو قَلْبٍ، أو إبدالٍ، أو نقلٍ.
فالنُقصانُ (1): كقول السائلِ: إذا لم يَكُنْ في الشاهدِ عالِمٌ إلا بعِلمٍ، فما تُنْكِرُ أن لا يكونَ في الغائبِ عالِم لا بعلم؟
فيقولُ الجاحدُ للصِّفات: هذه معارضة مبتورةٌ (2)؛ لأن الإِتيانَ بها على التَّمام أن يقالَ: إذا لم يَكُنْ في الشاهدِ عالِمٌ إلا بعلم من حيث يَعلَمُ تارةً ولاَ يَعلَمُ تارةً، فما تُنكِرُ أن لا يكونَ في الغائبِ إلا كذا؟
وهذا بناءً على أصلِ المعتزلةِ، وأن التعليلَ إنما يقعُ في الجائزاتِ، وأن الواجباتِ لا تُعللُ بل يُستغنى بوجوبِها عن عِلَةٍ.
وأهلُ السنَةِ يخالفون في ذلك، ويقولون: إن الواجبَ يُعلَّلُ بعلَّةٍ واجبةٍ، وعلة كونِ العالِمِ عالِماً هو العِلمُ شاهداً وغائباً، وهذا مما لا ينقطعُ فيه الغائبُ عن الشاهدِ، فافْهَمْ ذلك.
والجوابُ عنه: أن تُوضَحَ أن العلَّةَ الموجِبَةَ كونَ العالِمِ عالِماً هي العلمُ لا الذَّاتُ؛ إذ لا ذاتَ تُوجِبُ كونَ العالِم عالِماً إلا العِلمَ، وعندهم (3) أن ذاتَ القديمِ اوجَبَتْ له كوَنه عالِماً وليست عِلماً، وهذا
__________
(1) ذكرها الجويني ومثل لها في "الكافية" ص 424:
(2) في الأصل:"منثورة".
(3) أي عند المعتزلة.
(1/413)

قَلْب لأصلِ العلَّةِ والمعلولِ.
وأما المعارضةُ الزائدةُ (1): فكقولِ السائلِ الجاحدِ للفعلِ: إذا كان الفعل لا يكونُ في الشاهدِ إلا من فاعلٍ متغيِّرٍ به، فما تُنكِر أن لا يكونَ في الغائب إلا من فاعلٍ متغيِّر به؟ فهذه معارضة زائدة؛ لأن الذي يجبُ في الفَعلِ أن لا يكونَ إلا من فاعلٍ، فأمَّا التغيرُ فإنما يجبُ لفاعلٍ حل به الفعلُ، لا من جهةِ صدورِه عنه.

فأمَّا المعارضة المقلوبةُ عن وجهِها: فكقولِ السائلِ: إذا كانت القُدْرَةُ قبلَ الفعلِ، فما تُنكِرُ أن لا يَصِحَ بها الفعل؟ فهذه مقلوبةٌ؛ إذ (2) لو كانت مع الفعلِ، لم يَصِحً أن تكونَ قدرةً على الفعلِ في الحقيقةِ؛ لأنها إنما تكونُ قدرةً على أن نفعلَ وأن لا نفعلَ، وهذا لا يصِحُ لها إلا قبل الفعلِ، وهذا مثالٌ على مذهب المعتزلةِ ومن وافقَهم من الأصوليِّين.
وأما الإِبدالُ (3): فكقولِ السائل السَّالِميِّ (4): إذا كان الحيُّ بنفسِه
__________
(1) انظر "الكافية" ص 424 - 425.
(2) في الأصل: "إن".
(3) انظر "الكافية" ص 425.
(4) نسبة إلى السالمية، وهي جماعة تنتسب الى مذهب أبي عبد الله محمد بن بي الحسن أحمد ابن محمد بن سالم في التصوف، وإلى مذهب أبيه أبي الحسن أحمد بن محمد بن سالم في الأصول، وقد تتلمذ كلاهما على سهل ابن عبد الله التستري وأخذا عنه، وكان لهما في البصرة وسوادها أصحاب وأتباع، منهم فقهاء ومحدثون، أشهرهم أبو طالب المكي صاحب "قوت القلوب". انظر "سير أعلام النبلاء" 16/ 272 - 273، و"طبقات الصوفية" ص 414 - 416، و"الأنساب" 3/ 200، و"حلية الأولياء" 10/ 378 - 379.
(1/414)

أو بصفةٍ هي الحياةُ إنما كان رائياً بعد أن لم يَكُنْ رائياً لحدوثِ المَرْئى، فما تُنكِرُ أن تكونَ علَّةُ كونِه رائياً حدوثَ المَرْئيً؟
فهذا قد أبدلَ شيئاً مكانَ شيءٍ، فيقالُ له: ليس كذا قولُنا، وإنما هو أنه صحَّ الوصفُ للحي بنفسِه بأنه راءٍ أو بصفةٍ هي الحياةُ، فالتَّهيُّو للرؤيةِ وصف وجبَ له ما وجبَ، وهو البصرُ الذي أثْبَتَه لنفسِه، فوجبَ كوُنه بصيراً بصفتِه اللًازمةِ، فلمَّا حدثَتِ المرئياتُ رأى ما أَحدَثَ، فلم يحدُثْ إلا المرئيُّ، ولم يكُ حدوثُه موجِباً ولا مصحِّحاً كونَ الباري سبحانه رائياً، كحدوثِ ما يَحدُثُ تحت السَّقفِ، فيكونُ السقفُ له ظُلَّةً، فلا يَتجددُ للسقفِ وصفٌ بحدوثِ ما حدثَ تحتَه، لكن السقفُ كان متهيئا للإظِلال لما يكونُ تحته أو يَحدُثُ تحته، وللهِ المثلُ الأعلى.
واما النَّقْلُ (1): مثلُ أن يقولَ السائلُ المتجوًزُ في أسماءِ اللهِ بما لم يُسَمِّ به نفسَه: إذا كان القديمُ كبيراً، وإن كان أصلُ الكِبَرِ للجُثَّةِ والجِرْمِ، فما تُنكِرُ أن يكونَ سَخِيَّاً، وإن كان أصلُ السَّخاءِ الرَّخاوَةَ؟
فهذه معارضةٌ منقولةٌ عن موضعِها؛ لأنه قوبِلَ فيها بين معنىً قد نُقِلَ وبين معنىً لم يُنقَلْ، فالكِبَرُ الذي هو كِبَرُ الشَأنِ قد نُقِلَ عن كِبَرِ الجُثةِ، فاستُعملَ في حق القديم (2) سبحانه؛ لأنه يليقُ به كِبَرُ الشأنِ؛ إذ ليس بوصفٍ يُحِيلُ معنى القدمَ، ولا يُحِيلُ وصفاً من أوصافِه الواجبةِ له، والسخاءُ لم يُنقَلْ عن أصلِه منَ اللِّين والرَّخاوةِ، من أرضٍ سخيَّةٍ،
__________
(1) اتظر "الكافية" ص 425.
(2) وإن كان المؤلف رحمه الله ذكر هذا على سبيل الفَرض والتجوّز، إلا أنه لا ينبغي ذكره في حق الله سبحانه وتعالى.
(1/415)

إذ كأنه قيلَ: طَلْقُ الكَف، ليس يَكُزُّ (1) الكف عن العطاءِ.
على أن أصلَ المطالبةِ باطلةٌ؛ لأن اللهَ سبحانه لا تَثبُتُ أسماوة إلا توقيفاً (2).

فصل

في المعارضِة اللازمةِ بالضَرورةِ (3)
وهي التي شهادةُ الفَرْع فيها بالحُكْم كشهادةِ الأصلِ به؛ من جهةِ إيجاب العقلِ لها بأوَّل وَهْلَةٍ، وذلك لَأن من المعارضةِ ما يحتاج إلى التَأمل والفِكْرَةِ، ومنها ما لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنه يعلَمُ بالبديهةِ.
مثالُ ذلك: إذا كان التَّضادُّ يشهدُ بأنه لا يكونُ المَحَلُّ أسودَ أبيضَ في حالٍ، فالتناقضُ (4) يشهدُ بأنه لا يكوق الشيءُ موجوداً معدوماً في حالٍ، فمن حاولَ الفرقَ في ذلك، فهو محاوِلٌ (5) لرفعِ ما يُعلَمُ لزومُه من جهةٍ باضطرارٍ.
__________
(1) أي: لا يشدها ويضيقها بخلًا، ورجل كَز اليدين: أي بخيل. "اللسان" (كزز).
(2) قال ابن القيم في "بدائع الفوائد" 1/ 162: إن ما يطلق على الله سبحانه وتعالى في باب الأسماء والصفات توقيفي، وما يطلق عليه من الأخبار لا يجب أن يكون توقيفيأ كالقديم، والشيء، والموجود، والقائم بنفسه. وانظر "فتح الباري" 11/ 223.
(3) انظر "الكافية" ص 426.
(4) في الأصل: "فالبياض".
(5) في الأصل: "محال".
(1/416)

ومن ها هنا كان الصالِحيُّ (1) -المضافُ إلى صالحِ قُبةَ (2) - عندنا مناقِضاً في قولِه: إن التضاد يُوجِبُ أن لا يكونَ الشيءُ حياً مَيْتاً في حال، ثم قال: ويجوزُ أن يكونَ جماداً عالِماً؛ لأن الجَمادِيةَ لا تُضاد العلمَ، فأخطأ في ذلك خطأً فاحشاً؛ لأنه إذا كان التضاد يُوجِبُ أن لا يكونَ الشيءُ حيَّاً مَيْتاً في حالٍ، فالتناقضُ يُوجِبُ أن لا يكونَ الشيءُ جماداً عالِماً في حالٍ، وأجازَ أن يكون ميْتاً قادراً وعالِماً وقاصداً، وكُل متناقِض، ولم يُجِزْ أن يكونَ أسودَ أبيضَ؛ إذ التضاد يشهدُ عنه بأنه لا يجوزُ أن يكونَ أسودَ أبيضَ في حالٍ (3).
__________
(1) لا يخلو أن يكون المصنف أراد مطلق من ينتسب إلى مذهب صالح قبة المذكور بعدُ، أو أراد واحداً بعينه، فإن كان أراد الثاني؛ فالذي عرف بهذه النسبة وشارك صالح قبة في مقالته هو أبو الحسين محمد بن مسلم الصالحي، ترجم له الصفدي في "الوافي بالوفيات" 5/ 27 فقال: من أهل البصرة، أحد المتكلمين على مذهب الإرجاء، ورد بغداد حاجاً واجتمع إليه المتكلمون وأخذوا عنه، وله من المصنفات: كتاب "الإدراك الأول"، وكتاب "الإدراك الثاني"، وقال: ذكره ابن النديم قي كتاب "الفهرست". قلنا: ليس هو في المطبوع منه. وللصالحي هذا أيضاً ترجمة في باب ذكر المعتزلة من كتاب "المنية والأمل" ص40. وله أيضاً آراء ومقالات انظرها في "مقالات الإسلاميين" ص 132 - 133 و 158 و 168 وغيرها.
(2) من رؤوس المرجئة القدرية، ترجمه ابن المرتضى في باب ذكر المعتزلة من كتاب: "المنية والأمل" ص 41، فقال: له كتب كثيرة، وخالف الجمهور في أمور منها: كون المتولدات فعل الله ابتداء، وكون الإدراك معنى. وفي سبب تلقيبه بقبة قصة ذكرها أبو الحسن الأشعري في "مقالاته" ص 407، وذكر له أيضاً جملة من الأراء في ص 223 و 317 و383 و 406 - 407 و433.
(3) هذه المقالة ذكرها أبو الحسن الأشعري في "مقالات الإسلاميين" ص 309 =
(1/417)

ولا يَفصِلُ عاقلٌ بين ما يشهدُ به التضادُّ وبين ما يشهدُ به التناقضُ في أنه إذا شهدَ التضادُّ بأنه لا يصحُّ، فوجبَ أنه لا يصحُّ، فكذلك التناقضُ إذا شهدَ بأنه لا يصحُّ، فواجبٌ أن لا يصحَّ.
ومن هذا الباب أيضاً: إذا كان حلولُ الحركةِ في الحَجَرِ يشهدُ بأنه متحرك، فحلولُ اَلسوادِ فيه يشهدُ بأنه أسودُ، وكذلك إذا كان وجودُ الحركةِ يُوجِبُ أنه لا بُد من متحركٍ، فوجودُ السوادِ يُوجِبُ أنه لا بُد من أسودَ، وكذلك إذا كان القارُ يُوجبُ أنه لا يكون أسودَ إِلا بسوادٍ، فالغُرابُ يُوجِبُ أنه لا يكونُ أسودَ إلَا بسوادٍ، وكذلك الدَينارُ إذا كان يُوجِبُ أن لا يكونَ مضروباً إلا بطابِعٍ طبعَه، فالخاتِمُ لا يكونُ إلا بصانعٍ، وكلُّ هذا معلومٌ بالعقلِ قبل أن تُدرَى العلَّةُ ما هي، وذلك أنك قد تَدرِي العلَّةَ في المتحرِّكِ من وجهِ أنه متحركٌ؛ إذ كان العلمُ بالشيءِ متحرَكاً علماً بالحركةِ، ولا تَدريها من جهةِ ما هي حتى تَستدل عليها بالعلمِ، فالعلمُ بها من الوجهِ الأولِ ضرورةٌ، والعلمُ بها من الوجهِ الثاني اكتسابٌ.

فصل
في المعارضةِ على شبْهَةٍ أو شَغْب
اعلم أن المعارضةَ على شُبْهَةٍ: هو مقابلةٌ بما الاقتضاءُ فيه على غيرِثقةٍ.
__________
= -311 و 312 و568 - 569 والسمعاني في "الأنساب" 3/ 512، وقال أبو الحسن ص 312: إن صالحاً والصالحي قد انفردا في مقالتهما هذه، وخالفا فيها سائر أهل الكلام.
(1/418)

ومثالُ ذلك: إذا كان المتحرِّكُ بعد أن لم يَكُنْ متحركاً لا يكونُ إلا بحركةٍ، فالباقي بعد أن لم يَكُنْ باقياً لا يكونُ إلا ببقاءٍ، فهذه معارضة على شبهةٍ؛ لأن الأولَ على ثقةٍ، والثاني ليس على ثقةٍ.
وكذلك لو قال: إذا كان الجوْهَرُ لا يَفْنى إلا بفناءٍ، فما تُنكِرُ أن
يكونَ لا يَبْقى إلا ببقاءٍ؛
وكذلك لو قال: إذا كان الجوهرُ لا يَتحركُ الا بحركةٍ، فما تنكرُ أن لا يوجدَ إلا بوجودٍ؛ وكذلك لو قال: فما تُنكِرُ أن لا يَحدُثَ إلا بحدوثٍ.
وأما الشَغْبُ: فهو تقابلُ الألفاظِ من غيرِ معنى يقتضيه العقلُ، وُيعتَبَرُ بمثلِه في اعتقادِ الأمر.
وذلك كقولِ القائلِ: إذا كانت الاستطاعةُ قبل الفعلِ، فما تُنكِرُ أن يكونَ الجوهرُ قبل العَرَضِ؟
وأهلُ التَّحصيلِ لا يتكلَّمونَ إلا على حُجةٍ أو شُبهةٍ، فأمَّا الشَغْبُ فليس في الاشتغالِ به فائدة إلا بمقدارِ ما يُحذَرُ منه، وُيبينُ أنه شَغْب لا يتموَّهُ بمثلِه مذهبٌ (1).

فصل
في المعارضة بالنقيض

اعلم أن المعارضةَ بالنَّقيضِ: هي مقابلة بالدعوى في الإِيجابِ للدَّعوى في السَّلْبِ.
__________
(1) تقدم كلام المصنف على الشبهة والشغب في الصفحة (339).
(1/419)

وذلك كقولِ الدَّهرِيَ: الأجسامُ قديمة؛ لأنه لم يَثبُتْ حَدَثُها بحجةٍ.
فيقالُ له: ما الفصل بينك وبين من قال: الأجسامُ محدَثةٌ؛ لأنه لم يَثبُتْ قِدَمُها بحجَّة؟ وكذلك لو قال: ما الفصلُ بينك وبين من قال: ليست الأجسامُ قديمة؛ لأنه لم يَثبُتْ قِدَمُها بحجةٍ؟ فهذا على السلْبِ في الحقيقةِ، والأولُ على معنى السلْبِ، فكلاهما لازم بالمعارضةِ.
وكذلك لو قال: لا أجَوزُ الاجتهادَ؛ لأني لا أعلمُ صِحتَه.
قيل له: فما الفرقُ بينك وبين من قال: أُجوِّزُ الاجتهادَ؛ لأني أعلمُ صحتَه؟

فصل
في المعارضةِ على الجُزْئي بالكُلَّي

اعلم أن المعارضةَ على الجزئيِّ بالكلي (1): هو مقابلة الحكم الذي يشهد به البعض بالحكم الذي يشهد به الكل (2)، مثالُ ذلك: قولُك: إذا كان بعضُ (3) الأفعالِ يشهدُ بأنه لا بُدَّ له من فاعلٍ، فكلُّ فعلٍ يشهد بأنه لا بُدَّ له من فاعل، وكذلك إذا كان بعضُ المحكَمِ المتقَن يشهدُ بأنه لا يكونُ إلا من عالِيمٍ، فكلُّ محكَمٍ متقَن يَشهدُ بأنه لا يكونُ إلا من عالم.
__________
(1) انظر "الكافية" ص 426 - 427.
(2) كتبت في الأصل: "الكلي".
(3) في الأصل: "تغير".
(1/420)

فصل
فإن قال قائل: إذا كان بعضُ الموجودين لا يكونُ إلا بموجِدٍ، فكلُّ موجودٍ لا يكونُ إلا بموِجدٍ، لم يصحَّ ولم يَلزَمْ ذلك؛ لأن بعضَ الموجودين كان وجودُه مع جوازِ أن لا يُوجَدَ، فاحتاجَ إلى موجِدٍ، فأمَّا ما وُجِدَ، ولم يكُ وجودُه بعد أن لم يَكُنْ، أو وجبَ وجودُه، لم يَحْتَجْ إلى موجِدٍ، بل استغنى بوجوبِ وجودِه عن موجِدٍ.

فصل
في المعارضة بالمثل والنظير
اعلم أن المعارضةَ بالمثلِ والنَّظيرِ: هي مقابلةُ ما يشهدُ به أحدُ المِثْلَيْن بما يشهدُ به الآخرُ، وذلك كالجوهرَيْنِ إذا لم يَصِح أن يكونَ أحدُهما قديماً، لم يَصحَ أن يكونَ الآخرُ قديماً، وذلك كغَرْفَةِ ماءٍ تُقسَمُ بقسمين، أو كثوب يُقطَعُ نصفين، وما أشبهَ ذلك، فهذا لا مُؤنةَ على عاقل ولا كُلْفَةَ فيً أنه إذا كان أحدُهما محدَثاً، فالأخرُ محدَثٌ؛ من حيثُ كانا متماثلين، وكذلك قياسُ السُّكونين المِثْلين في أنه لا يجوزُ أن يكونَ أحدُهما قديماً والأخرُ محدَثاً، كما لم يَجُزْ في الجوهرين، وكذلك التَّدبيران إذا كان أحدُهما لا يكونُ إلا من مُدَبرٍ، وكذلك المحكَمُ من بناءِ الدُورِ إذا لم يَكُنْ إلا ممنْ يُحسِنُه، فالمحكَمُ من بِنْيَةِ الإِنسانِ لا يجوزُ إلا ممن يُحسِنُه، كذلك يقتضي العقل فيه.
فأمَّا المعارضةُ بالنظيرِ: فهي المقابلةُ بين الشيئين اللذين لا يَسُد أحدُهما مَسد الأخرِ في العقلِ، وان (1) كان كلُّ واحدٍ منهما يشهدُ
__________
(1) في الأصل: "واذا"، والأنسب ما أثبتناه.
(1/421)

بمثل ما يشهدُ به الآخرُ.
مَثالُ ذلك: الظُّلمُ والعَبَثُ في أن الظلمَ إذا كانَ يشهدُ بأنه لا يكونُ من حكيمٍ، فالعَبَثُ يشهدُ بأنه لا يكونُ من حكيمٍ، وكذلك كان فعلُ ما لا فائدةَ فيه الْبَتةَ، كفعلِ ما هو مَحْضُ المضَرةِ ممن يدخلُ تحتَ رَسْمٍ خلا الباريَ سبحانه، فإنه لو فعلَ المضَارَ المَحْضَةَ، لم يخلُ فعلُه من حكمةٍ؛ لأنه لا رَسْمَ عليه ولا مُعقِّبَ لأمِرِه.

فصل
في المعارضةِ على أصلٍ أو عِلَّةٍ
اعلم أن المعارضةَ على أصلٍ: هي مقابلةُ ما (1) يشهدُ به الأصلُ بما يشهدُ به الفَرْعْ.
مثالُ ذلك: الكلامُ يشهدُ بأنه لا يكونُ إِلا من متكلمٍ، كما أن المعنى [من] متكلِّمٍ يشهدُ بأنه لا يكونُ إلا بكلامٍ.
وأما المعارضُة على علَّةٍ: فهي مقابلةُ ما يشهدُ به الأصلُ من أجل حقيقةٍ هو عليها بما يشهدُ به الفرعُ من أجلِ حقيقةٍ هو عليها.
مثالُ ذلك: قولُك لليهوديَ: إذا صَحَتْ نُبُوَّةُ موسى لأجلِ المعجزةِ، فما تُنكِرُ أن تصح نُبوَّةَ محمدٍ عليهما السلام لأجلِ المعجزةِ؟ وكذلك قولُك للنصرانى: إذا كان لا بدَّ للقديمِ جل وعزَ من علمٍ؛ لأنه لا عالِمَ إلا وله عِلم، فما تُنكِرُ أن تكونَ له قدرةٌ؛ لأنه ما من قادرٍ إلا وله قدرة؟ فهذه المعارضةُ بنظيرِ العلَّةِ.
__________
(1) في الأصل: "بما".
(1/422)

فصل
في الاحتجاجِ في المختلَفِ فيه
اعلم أن للعلوم مراتبَ وقَعَتْ مواقعَها لأعيانِها، فليس يجوزُ لذلك تغييرُها.
فمنها: أصل ليس بفرعٍ، نحو علمِ الحِسِّ (1).
ومنها: أصلٌ وفرعٌ، نحو العلمِ بالمحدَثِ.
وإنما كان علمُ الحِسِّ أصلًا؛ لأنك تَبْني عليه وتَستخرِجُ به، فيكونُ أصلًا لما أَثبَتَه عليه واستخرجتَه به، فلم يَجُزْ اُن يكونَ فرعاً؛ لأنه لم يُبْنَ على غيرِه، وليس قبلَه شيء استُخرِجَ به.
فأمَّا العلمُ بالمحدَثِ: فكل (2) شيءٍ بَنَيْتَ عليه شيئاً، فهو أصلٌ لما ابتَنَيْتَ عليه، مثلُ إحالتِك وبنائِك على علم الحسِّ، واستخراجِكَ له به، وكلُّ شيءٍ بُنيَ على غيرِه فهوفرعٌ له، وليس يُمْكِنُ أن يقعَ الفرعُ موقعَ أصلِه، ولا يجوزُ أن ينتقلَ الأصلُ إلى موضع فرعِه، حتى يكونَ العلمُ بأن الشيءَ محدَثٌ قبلَ العلمِ بأنه حادثٌ، وأصلًا له، والعلمُ بأنه محدَث قبلَ العلمِ بأن له محدِثاً، ولا يمكنُ أيضاً أن يكونَ العلمُ بأنه حادث والعلمُ بأنه محدَثٌ بعد العلمِ بأن له محدِثاً، ولا يمكُن أيضاً أن يكون العلمُ بأنه حادث قبلَ العلم بأنه موجودٌ، ولو جازَ هذا، لجازَ أن يكونَ علمُ الاستدلالِ قبل علومِ الحِسِّ، وأصلاً لها.
__________
(1) وهو ما يدرك بطريق الحواس، وقد تقدم الكلام عليه في الصفحة (20).
(2) في الأصل: "وكل"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(1/423)

فإذا سُئِلْتَ عن شيءٍ أصلُه فرعٌ من علوم الاستدلالِ، فعلومُ الاستدلالِ يجوزُ فيها الاختلافُ، فليس يَبعدُ أنَ يكونَ سائلُك منكِراً لأصلِه، ولا يجوزُ لك أن تَدُل على المختلَفِ فيه بالمختلَفِ فيه؛ لأن الذي أحوجَ أحدَهما إلى الدَّلالةِ هو الاختلافُ فيه، وهذا بعينِه قائم في الاَخَر، فلو اسْتَغْنى بعضُ ما يُختلَفُ فيه عن الدليلِ؛ لاسْتَغْنى عنه جميعُه، كَما أنه لو احتاجَ بعضُ المتَّفَقِ عليه إلى الدليلِ؛ لاحتاجَ إليه جميعه.
ومن المختلَفِ فيه ما يكونُ حقاً، فيكونُ البناءُ عليه محكَماً؛ لأنه لا يمنعُه من ذلك أنه لم يقَعْ بحِس، وذلك أن خروجَه عن الحِسَ لم يُبطِلْه، والصحيحُ لا يُثمِرُ إلا صحيحاً، فإذا كان له وجهُ دَلالةٍ، كانت صحيحةً.
وإنما بانَتْ علومُ الحسِّ وفَضَلَتْ (1) غيرَها بقوً تِها، وبانها الأولُ الذي يُجعَلُ البناءُ عليه؛ لأنها هي التي يُبنى عليها دون غيرِها، ومن علومِ الحسِّ ما بعضُه أقوى من بعض، وليس يَجِبُ من ذلك أن يكونَ البناءُ على القويِّ دونَ غيرِه، ولكن الوجهُ في جوابِه: أن يقال له: إن (2 للذي سألتَ عنه أصلاً 2) هو قبلَه، وبه استدلَلْتُ عليه
__________
(1) في الأصل:"فعلت".
(2 - 2) في الأصل: (الذي سألت عنه أصل).
(1/424)

وعَرَفْتُه، وذلك الأصلُ مما يُمكِنُ أن يُختَلَفَ فيه؛ لأنه ليس بعلمِ حسٍّ، وهو استدلالٌ، فإن كنتَ معترِفاً به أو مسلماً له على غيرِ اعترافٍ، دَلَلْتُك به بعدَ الاعترافِ والتَسليمِ، وإن كنتَ تُنكرُه وتُخالِفُ فيه، فاصْرِفِ السؤالَ إليه، حتى إذا حَق عندَك، ودخلَ بذلك في باب المجمَعِ عليه، أرَيْناك إيجابَه لصواب ما سألتَ عنه، فإن أبى هذا، فهو بمنزلةِ من قال: وصِّلُوني إلى آخر المسافةِ من غيرِ أن تَسلُكُوا بي في وسَطِها، أو تَمُروا (1) بي على أولِها. فهذا هو العَنَتُ والبَغْيُ والظُّلمُ البَينُ من طالبِه (2).
على أنه يقالُ له عند إثباته: إنَا لا ندَّعي أنَا وصَلْنا إلى معرفةِ ما سألْتَ عنه إلا بالأصل الذي أَوْمَانا إليه، فإن أردْتَ معرفتَه على الوجهِ الذي منه عَرَفْناه، عَرفْناكَهُ كما عَرَفْناه، وعَرفْناك علَّتَه، وإن لم تُرِدْ ذلك، فلسنا نقدرُ على غيرِه.
فإن قال: لو كان اللَّونُ حقَاً، لوَصلْتم إلى معرفتِه من غيرِ البَصَرِ، كان هذا القولُ بَينَ الفسادِ؛ إذ لا مُدرِكَ للونِ سوى المبصِرِ، فهذا بيانُ من طلبَ دَرْكَ الشيءِ من غيرِطريقِه.

فصل
السؤالُ على من أجابَ هذا الجنسَ من الجوابِ
اعلم أنه لا سؤالَ على من أجابَ بمثلِ هذا الجوابِ إلا من ثلاثةِ أوجهٍ، سنذكرُها إن شاءَ الله:
__________
(1) كتبها الناسخ: "مروا".
(2) غير واضحة في الأصل.
(1/425)

فلا يخلو السائلُ أن يكونَ منكِراً للأصلِ الذي استشهدَ به المجيبُ، أو معترِفاً به.
فإن كان منكِراً: فلن يخلوَ أيضاً من أحدِ قولين: إمَّا أن يكونَ عالِماً بأنه لو صحَ لأوجبَ الفرعَ الذي أضافَه إليه المجيبُ، أو عالِماً بأنه لا يُوجبُه صحَ أو بَطَلَ.
وإن كان معترِفاً به: فليس يخلو أيضاً من أن يكونَ عالِماً بأنه يُوجبُ ذلك الفرعَ، أو لا يُوجِبُه.
فإن كان منكِراً له عالِماً بايجابه للفرع لو صحَّ، لم يَكُنْ له أن يسألَ عن تسليمِه؛ لأنه إن سَلمَه، لم يَلْبَثِ المجيبُ أن يَدُل به على صحةِ ما أبطلَه وخالفَ فيه من فرعِه، ولكن يَطعُنُ فيه نفسِه، وُيجاذِبُ المجيبَ فيما ادعى من صوابِه حتى يُبطِلَ بإِبطالِه إياه فرعَه.
وإن كان منكراً عالِماً بأنه غيرُ موجب لذلك الفرع ولو كان صحيحاً، فله أن يسألَ فيه من وجهَيْنِ: أحدِهما: ما ذكرنا، والثاني: على تسليمِه؛ لأنه لا يَلبَثُ أن يَرى المجيبُ بالمساءلةِ مفارقتَه لما شبهَهُ به، وبأنه غيرُ موجِبِ له، فلا يَجِدُ المجيبُ بُداً من إبطالِه والرجوعِ إلى مذهب السائل فيه؛ لأنه قد تقدمَ الإِقرارُ بأنه لا يَثبُتُ لإِثباتِ هذا الأصلِ، وإذا كان هذا والأصلُ غيرُ ثابتٍ فقد بأنَ سقوطُه.
وإن كان معترِفاً به عالِماً بإيجابِه لِمَا أَوجبَه المجيبُ به، فليست له عليه مسألةٌ، وإنما يكونُ له أن يسألَه فيه مع اعترافِه من حيثُ يُوضحُ للمجيبِ مفارقتَه له، وذلك بأن يقولَ للمجيبِ: وما الدليلُ على أن هذا
(1/426)

الأصلَ موجِوب (1) له؟ ومن أَيِّ وجهٍ أوجبَه؟.

فصل
واعلم أن للخَصْمِ إذا خاصَمَك وخالفَك في المُستَنْبَطاتِ كلَها أن يَسلُكَ منها -إذا استشهدَ بها- شيئاً شيئاً حتى يَبلُغَ إلى علوم الحِسِّ وبَدائِهِ العقلِ، فإذا بلغَ إلى ذلك، كان الكلامُ في وجهِ دَلالَتِه على ما يَستدلُّ به عليه، فلا تَستَبطىء قولَه: ولِمَ قلتَ ذا؟ وفي هذا اسألْ، لا تُنكِرَنَهُ إلا أن يضعَ المساءلةَ في موضعٍ قد جامعك عليه، فيكونُ حينئذٍ سائلَاً لنفسِه، ظالماً بإيقافِك المسأله موقفَ من قد بانَ منه في الأمرِ الذي قد ساواه فيه.

فصل
في لزومَ طريق أوَّلَ السُّؤالَ وآخِرِه
اعلم أن كلَّ سؤالٍ ابتدَأْتَه، فاتَّصلَ بما يُبطِلُ عِلَلَ المجيبِ في إفسادِه واحتجاجِه في دَفْعِه إيَّاه عن نفسِه، وبما يُبينُ عن حقيقتِه ووجوبِه، فهو ماضٍ على سَنَنٍ؛ لأن المتَّصِلَ به مسهِّلٌ طريقَه، مقرِّبٌ من نتيجتِه التي فيه.
وكلُّ سؤالٍ ابتدَأتَه، ثم اتْبَعْتَهُ بما يَخرُجُ عمَّا وصَفْنا، فهو منقطعٌ خارج عن سَنَنهِ، وأنت بما وصَلْتَه به كذلك.
فإن قال قائلٌ: كلُّ مسألةٍ في هذا البابِ تُوجبُ ما تُوجبُه أختُها، فينبغي إن كان ما وصفْتَ حقَّاً، أن يكونَ من سأَل عن مسألةٍ فانقطعَ
__________
(1) قبلها في الأصل كلمة:"من"، والأنسب حذفها.
(1/427)

فيها، ثم وصلَها بأخرى من بابِها، غيرَ خارج من كلامِه، إلى أن يأتيَ على جميعَ ما في البابِ.
قلنا له: ليس إلى ما توجِبُ فصْلٌ، وإنما ذهبنا إلى ما اتَّصلَ بالمسألةِ، فأوجبَ لزومَها بعينِها، وسَهلَ طريقَها نفسِها، ومُضيها على حدِّ ما ابتُدِئَتْ عليه، فهو فيها وصاحبُه غيرَ خارجٍ عن سَنَنِها، ولم نُرِدْ أن ما اتَصَلَ بها، فأوجَبَ صحةَ المذهبِ الذي أجرِيَ بها إلى تصحيحِه بنفسِه دونهاكذلك، وهذا ما لا بُدَّ منه، وسنصوِّرُ صورتَه بَيِّنةً إن شاءَ اللهُ.
فنقولُ: لو أن جِسْميًّا سأل موحِّداً، فقال له: إذا زعمتَ أنه شيءٌ لا كالأشياءِ، فهَلا زعمتَ أنه جسم لا كالأجسامِ؟
فقال له الموحِّدُ: لأنه ليس كلُّ ما كان شيئاً يجبُ أن يكونَ جسماً، وذلك لوجودِ أشياءَ ليست أجساماً، وهي أفعالُ الجسمِ.
قال الجسميُّ: وما الدليلُ على وجودِ شيءٍ ليس بجسمٍ؟ لم يَكُنْ بهذا القولِ خارجاً عن مسألتِه؛ لأن الموجودَ على صحَّةِ مذهبه، ودفعُ المسألةِ وإسقاطُها بوجودِ (1) أشياءَ ليست أجساماً، والدَليلُ علىَ ذلك: أنه إذا صحَ هذا، بَطَلَتِ المسألةُ، فوجبَ على الجسمى على أصلِه دفعُه عما حاولَ من إفسادِ مسألتِه وحياطتُها، وليس يقدرُ على ذلك إلا بدفعِ المجيبِ عن جوابه، وليس يتهيَّأ له دفعُهُ وإفسادُ جوابه إلا بإفسادِ علَّتِه التي يُصححُ بها، وإفسادُ عِلَلِه لا يمكنُ إلا بمساَءلتِه فيها.
__________
(1) في الأصل: "موجود"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(1/428)

ومما يَدُل على ذلك: أنه إذا أفسدَ عِلَّةَ (1) ما ادَّعاه، ولم يُفسِدْه، كشفَ عن وجهِ المسألةِ بعينِها، وأوجبَ وقوفَها، وأخرجَ المجيبَ إلى تحديدِ الجوابِ عنها، وجعلَ لنفسِه الرجوعَ إليها، واقتضى جوابَها، فلولا أن ما كان من إفسادِه له منها وفيها، لم يُحقَقْ وجوبَها، وُيوجِبْ وقوفَها، ويزيدُ في قوَّتِها وجَذْبِها، وُيخرِجُ إلى اشْتِيافِ (2) غيرِ ما مضى من الجواب عنها، وليس كلُّ ما هو هكذا خروجاً عن المسألةِ، فما في الدنيا كَلام يمكنُ اتصالُه بابتداءِ السؤالِ، واعْتَبِرْ هذا تجِدْه.
واعلم أن كلَّ ما قَوَّى المسألةَ فهو من بابِها؛ لمعاضدتِه إيَّاها ومعونتِه لها، وليس لأحدٍ منعُ صاحبِها منه، لأنه إنما يجبُ عليه أن يأتيَ بمسألةٍ كاسرةٍ للمذهب، واجبةٍ على المجيبِ، ثم يُقَويَها، وُيحقَقَ وجوبَها كيف ما أمكنَ ذلَك ويسهلُ، وما اقتراحُ من يَقترِحُ عليه تقويةَ المسألةِ من وجهٍ دونَ وجهٍ إلا كاقتراحِه عليه ابتداءَها من وجهٍ دون وجهٍ، فإذا كان الاقتراحُ في الابتداءِ فاسداً، كان في التَّمامِ كذلك.

فصل
واعلم أن كثيراً من الجُهّالِ بحقائقِ النَظَرِ وقوانينِ الجَدَلِ يَتوهمون المسألةَ كلمةً واحدةً مَنْ تجاوزَها فقد جاءَ باخرى من غيرِ جنسِها، وخرجَ عن واجبِها، وفي الحقيقةِ أن كلُّ استخبارٍ تَمَّ وفهِمَ معناه فهو
__________
(1) كتبها الناسخ: "علتها".
(2) اشتاف فلان يشتاف اشتيافاً: إذا تطاول ونظر، وتَشَوفْتُ إلى الشيء: أي تطلعْتُ."اللسان" (شوف).
(1/429)

مسألةٌ تامةٌ، على معنى أنه قد لَحِقَ بالسؤالِ واستحقَّ اسمَه، ولولا ذلك لم يَجِبْ على المسؤولِ أن يُجيبَ عن سؤالٍ قائمٍ مفهومٍ عن شيءٍ، ولا استحَق اسمَ مسألةٍ.
فأمَّا ما ليس بسؤالٍ البَتَةَ، أو ليس بسؤال تامٍّ، فليس يجبُ الجوابُ عنه، لأن ما لم يتحقَقِ الكلامُ سؤالًا فلا يقتضي جواباً، والمسألةُ الناقصةُ لا يُفهَمُ معناها، وإنما يجبُ الجوابُ بعدَ الإِفهام، مع أنه ليس لسائلٍ أن يَسكُتَ ويقتضي الجوابَ إلا بعدَ الإِفهام وتمامَ المسألةِ، فمتى سكتَ عن كلامٍ غيرِ تامٍّ، فما تَحقَقَ له سؤال، ولاَ وجبَ لكلامِه جوابٌ.
وإذا كان هذا هكذا، فأوَّلُ الفصولِ فيه الاستخبارُ، وأوَّلُ جملةٍ تَرِدُ منه ما يقومُ من القولِ سؤالًا تامًّا، والزيادةُ أيضاً كذلك إلا أنها فرعٌ للابتداءِ، تنبني على وجوبِه وتقربُ إليه، وانما جعلَ المتكلِّمون هذا كلَّه مسألةً واحدةً، كما تُجعلُ الحركاتُ الكثيرةُ (1) في المسافةِ الواحدةِ سَيْراً واحداً، وإنما جعلوه سَيْراً واحداً لتأديةِ جميعِه إلى غايةٍ واحدةٍ، وهي التي أجْرى إليها بالابتداءِ وما بعدَه، وذلك أن أوَّلَ السؤالِ وعْدُ نتيجةٍ، فاظهرَها آخِرُه، وقَرَّبَ منها ما بينهما من الكلام، وشَدَّ بعضُ ذلك بعضاً، ولهذا التعاونِ وهذِه المناسبةِ التي بين الجمَيع في إظهارِ النَّتيجةِ والتَّقريب منها، وتأخيرِ النتيجةِ إلى آخرِ الجميعِ، ما جعلَ الكُلَّ سؤالًا واحداً؛ ألا ترى أن الفقهاءَ جعلوا الأكلَ الكثيرَ المتَّصِلَ لتأديتِه إلى غايةٍ هي الشِّبَعُ أكلًا واحداً، حتى إنَّهم قالوا: لو حَلَفَ:
__________
(1) في الأصل: "الكثرة".
(1/430)

لا أكَلْتُ إلا أكلةً واحدةً -عند قومِ-، ولآكُلَنَ أكلةً واحدةً -عند الجميعِ-، فأكل أكلًا طالَ وكَثُرَ لكنَهَ انتهى إلى غايةٍ هي شِبَعُه، لم يُعَدَ إلا أكلةً لِبرِّة وحِنْثِه بحَسَب يمينِه، وإن كان كلّ قطعةٍ من أكلهِ لو افرِدَتْ في حق غيرِه، فانتهتَ إلى غَرَضِه من شِبَعِه كان أكلةً تامَةً؛ لتأديتِها إلى غرضِ ذلك الأكلِ، وكانت هذه أكلةً وإن طالَتْ وكَثُرَتْ؛ لتأديتِها إلى نتيجةٍ، هي الشِّبَعُ للآكلِ.
كذلك صَيرنا ما تعاضَد من السؤالِ وقربَ من النتيجةِ الواحدةِ سؤالاً واحداً، فإذا استُؤنِفَ بعد ظهور الغَرضِ-وهو النتيجةُ- كلامٌ آخرُ، فهو سؤالٌ آخرُ، وحصلَتْ مسألةٌ ثانيةٌ.
وجملةُ هذا: أنك إذا وجدْتَ المسألةَ لوِجدانيَّةِ النتيجةِ كما وجدتَ السببَ لوجدانيَّةِ الغرض، فلا تلتفِتْ إلى قولِ من يقولُ: قد مضى ذاك السؤالُ، وهذا كلامٌ آَخرُ من المتكلِّمِ؛ فإن قصدَهم قطعُ الخصمِ في أوَّل وَهْلَةٍ وكلمةٍ، وهذا من تسويلِ الشياطين وتطميعِهم، وإلا فأين هم والوقوفَ على حقيقةِ الكلامِ فضلًا عن قطعِ الخصمِ؟ وإنما سمعوا قولَ القائل: جُمعَ بين فلاَنٍ وفلانٍ، فما كان إلا كلمتان حتى قَطَعَه، كما يقولون: تقاتَلَ فلانٌ وفلانٌ، فما كان إلا حَلَبُ شاةٍ (1) حتى صَرَعَه، وتجاولَ فلانٌ وفلانٌ، فما كان إلا مقدارُ طَرْفةِ الجفْنِ حتى طَعَنَه.
وهذا فَرَحُ ساعةٍ، وقولُ العَصَبيَّةِ (2) مع عدمِ التحقيقِ، وقَلَّ أن
__________
(1) أي وقت حلب شاة. "اللسان" (حلب).
(2) في الأصل: "العصبة".
(1/431)

يُفلحَ من تركَ التحقيقَ تعويلًا على أمثالِ هذه التزاويق (1) التي لا بقاءَ لها، وقَل أن ينتهيَ من سلكَ ذلك إلى مَقاماتِ الائمةِ، والله يكفي غوائلَ الطِّباع، وشرورَ النفوسِ، وغلباتِ الأهواءِ بمَنِّهِ وكرمِه.
__________
(1) في الأصل: (التزوايق).
(1/432)

فصول
في القياسِ وتحقيقهِ وضروبِه وشروطِه
فصل
القياسُ: هو الجمعُ بين مشتبِهَيْنِ لاستخراجِ الحكمِ الذي يَشهدُ به كلُّ واحدٍ منهما، ولا يخلو كلُّ واحدٍ منهما من أن يشهدَ بمثلِ ما شَهِدَ به الآخرُ أو نظيره.
مثالُ ذلك: قولُنا: إذا كان ظلمُ المُحسِنِ لا يجوزُ من حكيمٍ، فعقوبةُ المحسِنِ لا تجوزُ من حكيم.
وكذلك قولُنا: إن كانت عقوبةُ المحسِنِ تجوزُ من الحكيم، فظلمُ المحسنِ يجوزُ من الحكيمِ، فهذا مثالٌ لأهلِ التَّحسيَنِ والتَّقبيحِ.
ومثالٌ عليهم: إذا لم يَقبُحْ من الحكيمِ تمكينُ من عَلِمَ أنه بتمكينِه يَفسُدُ وُيفسِدُ، وتكليفُ مَنِ المعلومُ أنه لا يُؤمِنُ بل يكفرُ، فيستحِقُّ العقابَ الدائمَ، لم يَقبُحْ منعُه من اللُّطفِ الذي لو مُنِحَه لاتَبعَ الهُدى.
وإذا كان حدوثُ البناءِ لا بُدَّ له من محدِثٍ، فحدوثُ الجوهرِ لا بُدَّ له من محدِثٍ.
(1/433)

وإن كان تَصوُّرُ القِدَم ممكناً (1)، فتصورُ الحَدَثِ ممكنٌ، وإن كان تصورُ الحَدَثِ ليس بممكَنٍ، فتصورُ القِدمِ ليس بممكنٍ.
وإذا كان كونُ الحركةِ في مَحَل فيه السكونُ صحيحاً، كان كونُ الجوهرِ في مكانٍ فيه جوهر آخرُ صحيحاً.
وإذا كان كونُ الجوهرِ في مكانٍ فيه جوهر آخرُ لا يَصِح، فكونُ (2) الحركةِ في مَحَل فيه سكون لايَصِحُّ.
وإذا كان إفناءُ النَهارِ يجوزُ من الحكيم، فإفناءُ العالَم كلِّه يجوزُ من الحكيمِ.
وإذا كان إفناءُ العالَمِ لا يجوزُ من الحكيم، كان إفناءُ النهارِ لا يجوزُ من الحكيمِ.
وإذا كان استصلاح الحكيمِ منَّا بالرُسلِ جائزاً، كان استصلاحُ العالم (3) بالرسلِ جائزاَ أيضاً، وإذا كان استصلاحُ القديمِ بالرُّسلِ لا يجوزُ، فاستصلاحُ الواحدِ من حكمائنا بالرسلِ لا يجوزُ.
وإذا كانت دلالةُ العقلِ يجبُ العملُ عليها، فدلالةُ السمعِ يجبُ العملُ عليها، كدلالةِ السمع في سلامةِ الطرُقِ أو فسادِها، وغلاء الأسعارِ أو رُخْصِها، وخِصْبِ البلادِ أو جَدْبِها.
ومن هذا البابِ والقَبيلِ أيضاً: إذا كان التغيُّرُ صحيحاً، فالحدوثُ
__________
(1) في الأصل: "مركباً".
(2) في الأصل: "فكمون".
(3) في الأصل: "للعالم".
(1/434)

صحيح، وإذا كان الحدوثُ لا يصحُّ، فالتغيرُ لا يصحُّ؛ لأن التغيُّرَ حدوث في الحقيقة.
وإذا كان السَّببُ طاعةً، فالمسبَّبُ طاعةٌ، وإذا لم يكن المسببُ طاعةً، لم يكن السببُ طاعةً.
وكذلك إذا جاز عذابُ من لم يُكلَّفْ فعلًا ولا تركاً، جاز عذابُ من كُلِّفَ على غيرِ فعلٍ ولاتركٍ.
وكذلك من هذا الباب: إن صحَ من الطبيعةِ إنشاءُ إنسانٍ، صحَّ منها إنشاءُ دُولابٍ أو بابٍ أو كتابِ، وكذلك: إن صحَ منها ما فعلَ الإِنسانُ مِثْلَه، صحَ منها مَثلُ ما فعله الإِنسان، كما أنه إن صحَ فِعلُها لمثلِ زيد، صح فعلُها لمثلِ عمرٍو.
وكذلك: إن صحَ واجبٌ لا يَقبُحُ تركُه، صحَ واجبٌ لا يَحسُنُ فعلُه، وإن لم يصحَّ واجب لا يَحسُنُ فعلُه، لم يصح واجبٌ لا يَقبُحُ تركهُ.
وإذا استحالتِ القُدرةُ على الإِفناءِ، استحالَتْ على الإِنشاءِ، وإذا لم تَستَحِلْ على الإنشاءِ، لم تَستَحِلْ على الِإفناءِ.
ومن هذا الباب: القُدرُة لا تصحُ أن تكونَ قُدرةً على إيجادِ الموجودِ، كما أنها لا تصحُّ أن تكونَ قدرةً على إعدامِ المعدومِ، وهذا يُوجبُ أنها لا تكونُ قدرةً إلا على إيجاد المعدومِ.
ومنه أيضاً: الحياةُ الموجودةُ لا بُدَّ من حَى بها، كما أن القُدرةَ الموجودةَ لا بُدَّ من قادرٍ بها، كما أن محَل الحركةِ إن كان متحرِّكاً بها،
(1/435)

فمَحَل السوادِ أسودُ به.
وهذه مقابلاتٌ في القياسِ واضحةٌ، وأمثلةٌ بَيِّنةٌ يُحتَذى عليها فيما يُحتاجُ فيه إلى المقايسةِ.
ومن هذا الباب: إن لم تَصِحَّ التوبةُ من ذَنْب مع الإِقامةِ على غيرهِ، لم تصحَّ التوَبةُ من اليهوديَّةِ مع الإصرارِ علىً خِيانةِ حَبةٍ.
وكل قياسٍ فلا بُدَّ فيه من اشتباهٍ، إلا أنه قد يكونُ الاشتباهُ من جهةِ العلَّةِ التي لكلِّ واحدٍ من الحُكْمَيْنِ، وقد يكونُ من جهةٍ لتسويةِ العقلِ بين الحكْمَيْنِ، فعلى (1) هذين الشيئين الاعتمادُ في كلُّ قياس.
فعلى قولِ من يقولُ بتحسينِ العقلِ وتقبيحِه: مثالٌ في تسويةِ العقلِ بين الحكمين: إذا (2) لم يَجُزْ في قضيَّةِ العقلِ الأمرُ بالظلمِ لكونِه قبيحاً أو لكونِه ظلماً، لم يَجُزْ فعلُ الظُّلم لكونِه قبيحاً أو لكونِه ظلماً.
وعلى طريقةِ الكُلِّ: إذا قضى العقلُ أو الشرعُ بأن لا يجوزَ عقابُ من لم يُسىءْ، فلا يجوزُ عقابُ من لم يُكلَّفْ؛ لأنه لم يسىءْ.
وهذا وأشباهُه مما يُدرَكُ بأدنى تأمُّل، إلا أن تَعرِضَ شبهةٌ تَصُدُّ عنه.
__________
(1) في الأصل: "فعل".
(2) كتبت في الأصل: "فإذا"، والأوجه ما أثبتناه.
(1/436)

فصل

في الفرقِ بين المُعارَضةِ والقياسِ
اعلم أن المعارضةَ قياسٌ يُعتمدُ فيه على المناقضةِ، وهي نوع من القياس، ألا ترى أن عِمادَها التسويةُ بين ما عُورِضَ به وبين ما عُورِضَ، فكلُّ (1) معارضةٍ قياس، وليس كلُّ قياس معارضةً، ألا ترى أن النَحْوَ تقاسُ فيه الفروعُ على الأصولِ، فالاعتمادُ فيه على القياسِ، وليس الاعتمادُ فيه على المعارضةِ، وكذلك الفقهُ تقاسُ فيه الفروعُ على الأصولِ ولا تُعارَض.
ومعارضةُ كلُّ مبطِلٍ إنما تكونُ بما يَكشِفُ عن بُطلانِ مذهبهِ، مثلُ من يَكشِفُ (2) بمذهب أن اللهَ سبحانه لا يجوزُ أن يُعذَبَ من لم تَبلُغْه الدعوةُ؛ لأن اللهَ قال: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]، أو لأن من لم تَبلُغْه الدعوة ليس عنده سوى العقلِ، والعقلُ لا يُوجِبُ ولا يَحظُرُ، وينكشفُ من مذهبُه تجويزُ عذاب الأطفالِ مع كونِهم لا رِسالَةَ وصَلَتْهم، ولا خطابَ انصرفَ إليهمَ، ولا عقول تُرشِدُهم، فهذه مناقضةٌ لإِبطالِ مذهبِ المبطِلِ.
وكمعارضةِ من يَكشفُ بأنه لا يجوزُتكليفُ ما لا يطاقُ؛ بقولِه: يجوزُ تكليفُ ما يحالُ بينَ المكلَفِ وبين فعلِه.
وكمعارضةِ من قال: لا يَحسُنُ اللُّطفُ بمن يُعلَمُ أنه لا يَنتفعُ به، بقولِه: يجوزُ تكليفُ مَنِ المعلومُ أنه لا ينتفعُ بتكليفِه.
__________
(1) رسمت في الأصل: "مكل".
(2) في الأصل: "ينكشف".
(1/437)

فصل

في القياسِ الصَحيحِ والقياسِ الفاسدِ
اعلم أن القياسَ الصحيحَ: هو الجمع بين الشيئينِ اللَّذينِ يَشهدُ كلُّ واحدٍ منهما بالحكمِ على الحقيقةِ.
والقياس الفاسدُ: هو الجمع بين الشيئين اللَّذينِ يشهد كلُّ واحدٍ منهما بالحكمِ على التَّخيُلِ دون الحقيقةِ.
ولا يعتَبر بصحةِ الشاهدِ في نفسهِ في هذا الباب، وإنما المعتَبَرُ بأنه يشهد على الحقيقةِ كما يشهد قرينه، إمَّا بمثلِ الحَكمِ أو بنظيرِه.
فقياسُ اللطفِ على التكليفِ في أنه إذا لم يَجبِ اللطف لمن المعلوم أنه لا ينتفعُ به، لم يجبْ تكليف مَنِ المعلومُ أنه لا ينتفعُ به، وإذا لم يكنِ التمكينُ من فعلِ الظلم قبيحاً من جهة الصانعِ جلَّت عظمته، لم يكن القضاء بالظلمِ قبيحَاً منه سبحانه، فهذا مثالٌ على مذهبِ أهل السُّنَّةِ، وهذا قياسٌ صحيحٌ عندنا.
والمثال على مذهبِ غيرِنا: إذا جازتِ الإِرادة للظلمِ، جاز الأمر بالظلمِ من الحكيمِ مع ما فيها من الاستدعاءِ للظلمِ، فهذا قياسٌ صحيح، وإن كان الأصلُ الذي قِيسَ عليه فاسداً.
فأمَّا قياس التَّمكين على التَّوفيقِ فخطأ؛ وذلك أنه إذا قال القائل للجمع بينهما: إذا جازً أن لا يُعطى الكافر التوفيقَ للإِيمان، جاز أن لا يعطى التَمكينَ من الِإيمانِ؛ من قِبَل أنه إذا كان معلوماً فيه أنه لا ئؤمِن عند شيء ولا يوفَّقُ له، فيعطاة أوَ يحرَمه، وليس كذلك التمكينُ من الِإيمانِ؛ لأنه لم يَكنْ ممكَناً من الإيمانِ، من أجلِ أن الِإيمانَ يَقع
(1/438)

به، وإنما كان ممكَّناً من الِإيمانِ، من أجلِ أنه يَصِحُّ أن يقعَ وَيصِح أن لا يقعَ به.

فصل

في القياسِ العقليِّ والسمعيِّ
اعلم أن القياسَ العقليَّ: هو الذي يجبُ بشهادةِ المُشتبِهَيْنِ فيه بالحكمِ من جهة العقلِ.
والقياسُ السمعى: هو الذي يجبُ بشهادةِ المُشتبِهينِ فيه بالحكمِ من جهَةِ السَّمْعِ.
وذلك أن قياسَ التَّناقضِ على التَّضادِّ؛ من جهةِ أن التضادَّ إذا كان يشهدُ بأن لا يكونَ في المَحَل الواحدِ حياةٌ وموتٌ، فالتناقض يشهدُ بأنه لا يكونُ الشيءُ عالِماً مَيْتاً في حالٍ، كما لا يكوَن موجوداً معدوماً في حالٍ، وهذا يُفسِد قولَ الصالحيِّ (1): إنه يجوز وجود العلمِ والموتِ في مَحَل واحدٍ في حالٍ، ولا يجوز وجود الحياةِ والموتِ في المَحَل في حالٍ.
وأما القياس السمعى: فهو كالجمعِ بين الفِضَّةِ والرَّصاصِ، وليس واحدٌ منهما يوجِبُ تحريمَ التًفاضلِ في العقلِ، فإذا جاءَ النص بتحريمِ التفاضلِ في الفضَّةِ، ثم جاءَ بأن يُلحَق به في الحكمِ أشبَهُ الأشياءِ به، وكان الرَّصاصُ أشبهَ الأشياءِ به؛ إذ كان أقربَ إليه من الصفْرِ والنُّحاسِ ونحو ذلك، صار كأنه يشهد بتحريمِ التفاضل، كما
__________
(1) انظر ما تقدم في الصفحة (417) التعليق رقم (1).
(1/439)

تشهدُ الفضةُ بذلك، وكُلُّه من طريقِ السمعِ؛ إذ حكمُ الأصلِ وجبَ بالسمعِ، وكذلك إلحاقُ الأشبهِ به.
وقد يعتمدُ في هذا الباب على العِلَّةِ، كالاعتمادِ في تحريم النبيذِ على الشدَّةِ؛ إذ كانت فيه وفيَ الأصلِ المَقيسِ عليه -وهو الخمرُ-، كما يعتمدُ في القياسِ العقليِّ على الجمعِ بعلةٍ تكونُ موجِبة للحكمِ في أحدِ الشِّقَّينِ، فيلزمُ في وجودِها في الشَق الآخرِ وجوبُ الحكمِ أيضاً.
فإذا قيل لي: أَلْحِقْهُ بالأشبهِ به، ثم علمْتُ الأشبهَ به، لم احتجْ إلى أكثرَ من ذلك، وإذا قيل: ألحِقْهُ بالأشبهِ به، ثم لم يظهرْ لي الأشبهُ به، احتجْتُ إلى استخراجِ عِلَةٍ تُوضحُ الأشبهَ به.
فإذا كانتِ العِلةُ منصوصةً أو مفهومةً، فقد كُفِيتُ مُؤنَةَ الاستخراجِ، ووجبَ القياسُ عليها والملازمة لها.

فصل

في القياسِ على أصلِ الفَرْعِ
اعلم أن القياسَ على أصل يجبُ التسليمُ له في كلُّ صناعةٍ إذا صَحَتِ الشهادةُ، وكذلك في المُناظَرَةِ إذا اتَفقَ الخصمانِ عليه، ووقعَ تسليمُ الجَدَلِ فيه، وإنما تكونُ المنازعةُ فيه: أيشهدُ بالحكمِ، أم لا؟ فمن هذا الوجه تَنزِعُ وتَتحقُّقُ المنازعةُ.
وأما القياسُ على فرعٍ -وهو ما لم يُسَلَمْ له أهلُ الصَناعةِ، ولا الخصمانِ في المناظرةِ- فلا يجبُ التَسليمُ له، بل تقعُ المنازعةُ فيه كما تقعُ في شهادتِه حتى يُرَد إلى الأصولِ التي يجبُ التَسليمُ لها.
(1/440)

فصل
في القياسِ على عِلةٍ

اعلم أن القياسَ على علَّةُ يحتاجُ إلى ثلاثةِ أشياءَ:
أنها موجودة في أحدِ الشقَينِ، وأنها تُوجِبُ الحكمَ له، ولها شهادة بوجودِه في الآخرِ.
فيَنتُجُ (1) من ذلك: أن الحكمَ بوجودِها في الشق الآخر.
مثالُ ذلك: الجمعُ بين النورِ والظلمةِ فى القياسِ على العِلةِ إذا قال الخصمُ: النورُ خير؛ لأن من جهتِه منفعة، ثم إن ذلك يُوجِبُ أنه خيرٌ، ثم إن في الظلمةِ منفعة، فيَنتُجُ من ذلك أنها خير، ويكشفُ الخيرَ المدعى في النورِ الهدايةُ إلى المطلوب والإِيقافُ على الأغراضِ والطُّرقِ. ويكشفُ الخيرَ (2) المدعى في الظلمَةِ سَتْرُها لِمَا يُؤثِرُ الإِنسان سَتْرَه وتغطيتَه؛ كالتَخفِّي من المُؤذِي (3)، فيجتمعانِ في العِلَّةِ.
وكذلك يُحتاجُ إلى تصحيحِ أن في الخمرِ شِدَّة، ثم إنها تُوجِبُ التَحريمَ، ثم إنها في النَّبيذِ، فيُنتجُ ذلك أن النَبيذَ محرم.
__________
(1) في الأصل: "فتنتج".
(2) في الأصل: "الخبر".
(3) رسمت في الأصل "المودى".
(1/441)

فصل
في الوجوهِ التي منها يكونُ القياسُ
اعلم أن الوجوهَ التي منها يكونُ القياسُ: الاشْتِباهُ، إلا أن الاشتباهَ لا يكونُ قياساً حتى يجبَ به حكم، والاشتباهُ الذي يجبُ به حكم لا يخلو من أن يكونَ من جهةِ الشَاهدَيْنِ، أو الشهادتَيْنِ، أو الجميعِ، والاشتباهُ الذي يجبُ به حكم لا يخلو من أن يَرجعَ إلى النَفس أو إلى العِلَّةِ.
فالاشتباهُ في الشَّاهدين دونَ الشَّهادتَينِ: كالفعلِ يَشهدُ بأن له فاعلًا، كما يشهدُ الفعلُ بأنه لا يكونُ إلا من قادرٍ.
وأما الاشتباهُ في الشهادتين دونَ الشاهدين: فكالأمرِ بالظلمِ يشهدُ بأنه لا يكونُ من حكيم، كما تشهدُ إرادةُ الظُّلمِ بانها لا تكونُ من حكيمٍ، هذا شاهدٌ للمتكلِّمين من المعتزلةِ ومثالِهم.
ومثالُ ذلك من مذهبنا: فكالأمرِ المحكَمِ لا يصدرُ إلا من عالِمٍ، كما أن الفعلَ المتقَنَ لاَ يصدرُ إلا من عالِمٍ.
وأما الاشتباهُ في الجميعِ: فكتدبيرِ العالَمِ يشهدُ بأنه لا بُدَّ من
مُدبِّرٍ، كما يشهدُ تدبيرُ المَنْزِلِ والحانوتِ بأنه لا بُدَّ من مُدبرٍ.
وكلُّ اشتباهٍ ذكَرْناه فإنما هو في المعاني دونَ العِلَّةِ (1)، وأما الاشتباهُ بالعلَّةِ: كالصفيحةِ العليا متحركة؛ لأن فيها حركةً، فكذلك الصَفيحةُ السُّفلى متحرِّكةٌ؛ لأن فيها حركةً، وكذلك موسى عليه السلامُ نبىٌ؛ لأنه
__________
(1) في الأصل: "المعنى".
(1/442)

أتى بمُعجزةٍ، فكذلك محمد صلى الله عليه وسلم نبيٌّ؛ لأنه أتى بمُعجِزةٍ.

فصل
في صورةِ القياسِ

اعلم أن صورةَ القياسِ دائرة في جميعِ القياسِ إلا أن يَلحَقَ تغيير عن صورةِ الأصلِ، وهي: كذا يشهدُ بكذا، كما أن كذا يشهدُ بكذا لكذا، فعلى هاتين الصُورتين الاعتمادُ في كلُّ القياسِ، ولا مُعتَبَر فى هذا باللَّفظ، وإنما الاعتبارُ بالمعنى، فكل لفظ أدَّى إِليك هذا المعنى، فقد أَدَى صورةَ القياسِ على الحقيقةِ، وذلك كقولك: كذا يُوجبُ كذا، كما أن كذا يوجِب كذا. وكذلك إن قلتَ: كذا يَدُل على كذا، كما أن كذا يدُل على كذا.
فإن كانتِ الصُّورُة مشروطةً قلتَ: إن كان كذا شَهِدَ بكذا، فكذا يَشهدُ بكذا، وإذا كان كذا يوجِبُ كذا، فكذا يوجِبُ كذا.
فلا بدَّ لكل قياس من معنى هذه الصورةِ التي ذكرتُ لك وإن تصرفْتَ في العبارةِ كيف شِئْتَ بعدَ أن تُؤدِّيَ المعنى.

فصل
في التَصرُّفِ بالقياسِ

اعلم أن التَّصرفَ في القياسِ تَتغيَّر (1) الدَلالاتُ عليه والمعنى واحد، فتقولُ مرَّةً: كذا، كما أن كذا يوجبُ كذا، وتقولُ مرَّةً أخرى: إذا كان كذا يَدُلُّ على كذا، دلَّ على كذا، ومرةً تقولُ: سبيلُ كذا
__________
(1) في الأصل: "تعتبر".
(1/443)

سبيل واحدة في أن كلُّ واحدٍ منهما، يلزمُ له كذا، وتقولُ: قد سَوى العقلُ بين كذا وكذا في كذا وكذا، وتقولُ: لا فصْلَ بينَ كذا وكذا من جهةِ كذا وكذا، وتقولُ: إن كان كذا دَلالةٌ على كذا، ففي كذا دَلالة على كذا.
وسبيلُ دَلالةِ العبارةِ والإشارةِ والحالِ وغيرِها (1) مما يتقَرَّرُ به المعنى في النَّفسِ سبيل واحدةَ، إلا أن من ذلك ما هو على التَحديدِ، ومنه ما هو على التًغييرِ، وكلُّه يَصِح إذا أدَّى المعنى إلى النفسِ؛ إذ قد بلغَ به الغَرضَ المطلوبَ.

فصل
في القياسِ المَنْطِقيِّ

اعلم أن القياسَ المنطقيَّ: هو الجمعُ بين قرينةٍ لها نتيجة وبين النَّتيجةِ (2)، وإنما كان هذا قياساً؛ لأن القرينةَ تشهدُ بصحًةِ النتيجةِ، كما أن النتيجةَ تشهدُ بانها إن بَطَلَتْ بَطَلَتِ القرينةُ، فكل واحدٍ منهما شهادتُه بشهادةِ الآخرِ من الوجوبِ واللًّزومِ.
والقياسُ المنطقي على ثلالةِ أقسامٍ: كُلِّيَّةٍ، وقِسْمِيَّةٍ، وشَرْطِيَّةٍ: مثالُ الكُليةِ -وتُسمى: المُطلَقةَ-: كلًّ إنسانٍ حيوانٌ، وكلًّ حيوانٍ جسمٌ، فنتيجته: كلُّ إنسانٍ جسمٌ.
__________
(1) في الأصل: "وغيرهما".
(2) انظر "التعريفات" ص 181، و"المبين عن معاني ألفاظ الحكماء والمتكلمين" ص 33.
(1/444)

فإذا صحَتِ القرينةُ فلا بُد من أن تصحَّ النتيجةُ، فإذا لم تصحَّ النتيجةُ فلا بُدَّ من أن لا تصحَّ القرينةُ.
وكذلك لو قلتَ: كلُّ إنسانٍ حيوان، وليس واحد من الحيوانِ حَجَراً (1)، لأنْتَجَ: وليس واحد من النَاسِ حَجَراً.
وكذلك لو قلتَ: بعضُ النَّاسِ كاتب، وكلُّ كاتبٍ قارىء، للَزِمَ منه: بعضُ النَاسِ قارىء.
وكذلك لو قلتَ: بعضُ النَاسِ كاتب، وليس واحد من الكُتابِ أعمى، للَزِمَ منه: [ليس] (2) بعضُ النَاسِ باعمى.
وأما مثالُ القِسْميةِ (3): لا تخلو الشمسُ من أن تكونَ أكبرَ من الأرضِ أو أصغرَ أو مساويةً، فهذه مقدَمةٌ، والأخرى: أنها ليست بأصغَرَ ولا مساويةً، يلزمُ من ذلك: أنها أكبرُ، وإن لم تَكُنْ أكبرَ، فهيٍ إذن مساويةٌ أو أصغرَ، وإن كانت أكبرَ، لَزِمَ منه: أنها ليست مساوبةً ولا أصغرَ.
فأمَّا (4) مثالُ الشرْطِيةِ: إن كانتِ الشمسُ فوقَ الأرضِ، فالنهار موجودٌ، فهذه مقدَمة، والأخرى: والشمسُ فوقَ الأرض، فيَلزمُ منه: أنَّ النهارَ موجود، وإن لم يَكُنِ النهارُ موجوداً، لَزِمَ منه. أن الشمسَ ليست فوقَ الأرضِ.
__________
(1) في الأصل: "حجر".
(2) ليست في الأصل.
(3) في الأصل:"القسمة".
(4) في الأصل: "مقاماً".
(1/445)

فإن قلتَ: والنهارُ موجود، لم يَلزَمْ منه: أنَّ الشمسَ فوقَ الأرضَ.
وكذلك إن قلتَ: وليس الشمسُ فوقَ الأرضِ، لم يَلزمْ منه: أن النهارَ ليس بموجود.
فتحتاجُ إلى تحصيلِ أشياءَ: اثنان يُنتِجانِ واثنان لا يُنتِجانِ، إيجابُ الأولِ يُنتجُ، وكذلك سَلْبُ الثاني، فأمَّا سلبُ الأولِ وإيجابُ الثاني فلا يصح.
وليس يَحتمِلُ إيجازُ الكتابِ أكثرَ من ذلك، فالقليلُ منه يدُلُّ على الكثيرِ إن شاءَ الله.
(1/446)

فصول الاستدلالِ
اعلم أن الاستدلالَ: الطلَبُ للدلالةِ على المعنى.
ولا يخلو الاستدلالُ من أن يُستخرَجَ به المعنى، أو يُعلمَ به الحق في المعنى.
فالاستدلالُ الذي يُستخرَجُ به المعنى: هو الطلَبُ للمعنى بما يَحضُرُ بحضورهِ.
والاستدلالُ الذي يُعلَمُ به الحق في المعنى: هو الجمعُ بين شيئينِ يشهدُ أحدُهما بالآخَرِ.
والاستدلالُ الذي يُستخرجُ به المعنى لا يخلو من أن يكونَ من جهةِ علامةٍ وضْعِيةٍ -وقد كان يُمكِنُ أن يقومَ غيرُها مقامَها-، أو لا يكونَ كذلك:
فالأولى: إنما كانت دَلالةً على المعنى بجعلِ جاعلٍ لها علامةً على المعنى.
والثَّانيةُ: كانت دَلالةً على المعنى لا بجعلِ جاعلٍ لها علامةً على المعنى.
والاستدلالُ الذي يُستخرَجُ به المعنى لا يخلو أن يكونَ من جهةِ البيانِ الذي منه يَشهَدُ بالمعنى أو يَقتضِيهِ، أو لا يكونَ كذلك، بل يكونُ شأنُه أن يحضُرَ بحضورِه فَقطْ، والفِكرُ والقولُ يحضُرُ بحضورِهما المعنى، إلا أن المعنى الذي يحضُرُ بحضورِهما؛ منه ما يكون شاهداً
(1/447)

بمعنىً آخرَ، ومنه ما لا يكونُ كذلك، والفعلُ والقولُ يحضرُ بحضورِهما من جهةِ شهادتِهما به واقتضائِهما له، ولم يَكُنْ يجوزُ مع سلامةِ العقلِ ألا يَشهدَ الفعلُ بالفاعلِ إذا لم تعترِضْ شبهةٌ، ويشهدَ بأن الفعلَ إذا كان فلا بُد من فاعلٍ عَلِمَه عالِمٌ أو لم يَعلَمْه عالِمٌ، وكذلك اللونُ، فلا بُدَّ من مُلون، واذا كانت الحركةُ، فلا بُدَّ من محرِّك، وإذا كان العلمُ، فلا بُد من عالم به، وإذا كانت القدرةُ، فلا بد من قادر، وإذا كانت الِإرادةُ، فلا بُد من مريد، فهذا الطريقُ من الاستدلالِ لا [بد أن] (1) يجتمعَ فيه أمران: أحدهما استخراجُ المعنى، والآخر: شهادتُه بصِحتِه.
وأما دَلالةُ الكلامِ على المعنى فليست مما إذا كان، كان المعنى لا محالةَ، ألا ترى أنه قد يَسمعُ العَجمى كلامَ العربي فلا يحضرُه معناه، فهو من باب العلاماتِ التي جُعِلَت دلالةً على الشيءِ وقد كان يُمكنُ أن تُجعل على خلافِ ذلك، وليس كدلالةِ الفعلِ على الفاعلِ؛ إذ لا يُمكنُ أن تُجعلَ على خلافِ ذلك، فيكونُ العاقلُ يَستدِل بالفعلِ على أنه ليس له فاعل، كما كان يُمكِنُ أن يَستدِل بقيامِ زيدٍ على أنه ما قامَ، ويستدل بما قامَ زيدٌ على أنه قد قامَ، ألا ترى أنه لو تواضعَ اثنان بينهما على ذلك؛ لتفاهما من ذلك ما تواضَعَا عليه، واختصا بفهمِ ذلك حَسَبَ تواضعِهما.
وأما الاستدلالُ بالفكرِ فهو على ضَرْبَينِ: أحدهما: إطلاقُ الفكرِ، والآخر: تقييدُه، كالفكرِ في كذا.
__________
(1) ليست في الأصل.
(1/448)

فالأولُ: كالطَّلَب على الطمعِ أن يُوجَدَ ما يَحتاجُ إليه من غيرِ أن يَدرِيَ الطالبُ ما يَطلَبُ، وهل هناك مطلوب في الحقيقة، أم لا؛ لأنه لا يدري هل هناك ما يَحتاجُ إليه، أم لا؛ فهو يطلبُ لَعلهُ أن يَجِدَ ما يحتاجُ إليه، فكذلك المُفكَريطلبُ بفكرِه على طمعٍ لعلهُ أن يجدَ ما يحتاجُ إليه من المعنى، فهذا وجهٌ من وجوهِ الاستدلالِ بالفِكرِ (1).
فهذا القِسْمُ صاحبُه كناصبِ شبكةٍ يطمعُ وقوعَ الصيدِ.
والوجهُ الثاني: هو تعليقُ الفِكرِ بمعنىً بعينِه، فهو كالطالب لشيءٍ بعينِه، كعبدٍ أبَقَ، أو جَمَلٍ شَرَدَ، وهذا القسمُ يَحتاجُ فيه إلى أنَ يعرفَ مَظانَ المطلوبِ وُيقربَ ذلك أشد التقريبِ، ليسهُلَ الوِجْدانُ.
وقد يُفكَرُ المستدِل في المعنى على الجُملةِ، وقد يُفكَرُ في المعنى على التَفصيلِ، فإذا فكَرَ المستدلى في: ما الدليلُ؟ فهو فِكر في المعنى على الجملةِ، وإذا فكَرَ في: ما الدليلُ على حدوثِ الجسم؟
فهو في المعنى على التَفصيلِ، وتقديمُ الفكرِ في المعنى على الجملَةِ توطئة للفكرِ فيه على التفصيلِ، فينبغي أن لا يُغفِلَ المستدِل ذلك.
فأمَّا طلبُ المُستدِل المعنى في مَظانَه بالفكرِ: فهو وضعُه في نفسِه المعانيَ التي ينبغي أن يطلبَه فيها دونَ المعاني التي لا ينبغي أن يطلبَه فيها، بخلافِ ما تقولُ العامةُ: لو ضاعَ مني جَمَل طلبتُه في الكَوةِ (2)، وهذا غايةُ التضييعِ للوقتِ والتَضليلِ للفكرِ، وهو دأبُ المُتحيرينَ،
__________
(1) في الأصل: (الفكرة)، والأوجه ما كتبناه.
(2) الكَوة -بفتح الكاف، وضمها لغة-: الخرق في الحائط، والثقب في البيت ونحوه "اللسان" (كوي).
(1/449)

ومن صدقَ نفسَه الطلبَ، هجمَ به على المَطْلَب، فما مثلُه في ذلك إلا كالطالب للهلالِ في مَطالِعِه وجهاتِ مَطْلَعِهِ، فَهو اخلَقُ لوِجدانِه من الطَّالب لهَ مُتحيراً في جميعِ الآفاقِ، فيعودُ البصرُ كليلاً، والوقت المُغتنَم للنَظرِ متمحِّقاً (1)، وتَهجُمُ ظلْمةُ الليلِ، وينحدرُ الهلالُ عن أفْقِه فيتوارى، كذلك ها هنا تَكِلُ أداةُ الفكرِ، وَيسأمُ النَاظِرُ بتَمْحِيقِ قُوتِهِ ووقتِه في الطَّلب في غير مَظانِّ المَطْلوب، وكم يُدْهَى (2) النَّاسُ من هذا الفَنِّ لقلَّة معَاناتِهم لهذه الصِّناعةِ التيَ هي أصلُ الغنيمةِ.
ومثالُ ذلك مما نحن فيهِ: الطَّالبُ بفكرهِ للدليلِ على حَدَثِ الجِسمِ، فينبغي أن يَضَع في نفسِه ما لَة شهادةَ بغيرِه دون ما لا شهادةَ له.
وكذلك كلُّ برهان احتِيجَ إلى استخراجِه، فإنَما يُستخرجُ من حَيزِ ما له شهادة دون ما لا شهادةَ له، وليس إذا وَجَدَ ما له شهادة كفاهُ في ذلك دون أن يكونَ له شهادة لا بالمعنى الذي يطلبُه، فيكون حقَّاً في نفسِه.
وذلك أن المعانيَ على ضَرْبَينِ: معنىً يشهدُ بغيرِه، ومعنىً لا يشهدُ بغيرِه، والذي يشهدُ بغيرِه على ضَرْبَيني: برهانٍ وغيرِ برهانٍ، وليس يشهدُ بالمعنى ما لاتَعلُقَ له به، وكلُ تعلقٍ بين شيئين فلايخلو من أن يكون من أجل النَّفس، أو من أجلِ علَّةٍ، أو لا من أجل النَّفسِ ولا من أجلِ عَلةٍ، وكيف تَصرَّفتِ الحالُ بالتَعلُقِ فلا بُدَّ أن يَرجِعَ إلى أنه إذا صحَ الأوَّلُ صحَ الثاني، وإذا لم يصحَّ الثاني لم
__________
(1) أي ذاهباً ومبطلاً. "اللسان" (محق).
(2) أي يصابون بالدواهي، جمع داهية، والداهية: الأمر المنكر العظيم، ودواهي الدهر: ما يصيب الناس من عظيم نوَبِه.
(1/450)

يصح الأولُ؛ وذلك أنه إذا صحَّ الفعلُ، فلا بُدَّ من فاعلٍ، وكذلك لا بُد من حَيٍّ قادرٍ، وإذا صحَّ الفعلُ متقَناً محكَماً، فلا بُدَّ من عالِمٍ، وإذا صحَّ عالِم، فلا بُد من معلومٍ، ولا بُد من علمٍ على مذهبِنا شاهداً وغائباً، وعند المعتزلةِ: لا بُد من علم شاهدٍ دون الغائبِ، لدعواهم أن الواجب لا يُعللُ، وكذلك إذا صحَ قادرٌ، فلا بُد من مقدورٍ، ولا بُد من قُدرةٍ على قولِنا شاهداً وغائباً؛ لأنها عِلَّةُ كونِ القادرِ قادراً، كما أن العلمَ عِلَّةُ كونِ العالِمِ عالِماً، وكذلك سبيل الرائي لا بُدَّ له من مَرئِيٍّ، والسامعُ لا بد له من مسموع وسمع، وإذا لم يصح مسموعٌ، لم يصحَّ سامعٌ.

فصل
وكل استدلالٍ: فهو طَلَبُ الدَّلالةِ، كما أن الاستعلامَ: طلبُ العلمِ، وكما أن الاستخبارَ: طلبُ الخَبَرِ، والاستفهامَ: طلبُ الفهمِ، والاستنطاقَ: طلبُ النُّطقِ، والاستشهادَ: طلبُ الشَّهادةِ، والاستخراجَ: طلبُ الخروجِ، والاستحضارَ: طلب الحضورِ، والاستنصارَ: طلبُ النصْرةِ، فالاستدلالُ: طلبُ الدَّليلِ، واللهُ أعلمُ.

فصل
وكل مُستدِل فهو بمنزلةِ المُستنطِقِ لشيءٍ من الأشياءِ، إمَّا على الاستشهادِ، وإما على جهةِ الاستذكارِ، وطريقةُ الاستذكارِ والاستحضارِ والاستخراجِ واحدةٌ، إلا أن الاستذكارَ لِمَا قد كان خطَر على البالِ، ولِمَا لم يكن خطرَ بالبالِ، كانك تطلبُ منه معنىً غريباً لم يكُنْ خطرَ على البالِ قَبْلُ.
(1/451)

وكل ما تستنطقُه مستذكِراً أو مستشهِداً فهو بمنزلةِ إنسان تطلبُ منه ذاك، إلا أن الفرقَ بين شهادةِ الإنسانِ وشهادةِ البُرْهانِ: أن شهادةَ البرهانِ لا تكونُ إلا حقَاً في نفسِه، والحق لا يشهدُ بباطل، وأما شهادةُ الِإنسانِ فلا يجبُ القطعُ بها؛ لأن الإِنسانَ قد يشهدُ بالباطلِ، ولكنْ لو شَهِدَ إنسان هو نبي لكانت شهادتُه كشهادةِ البرهانِ؛ لأن كلُّ واحدٍ منهما لا يشهدُ إلا بحقٍّ.
فأمَّا الاستذكارُ فلست تحتاجُ فيه إلى ثِقةِ المُذكَر؛ لأنك لا تعملُ على شهادتِه، وإنما تُمَكنُ بادِّكارِه مما تَحتاجُ إلى النًظَرِ فيه.
وكل استدلال فهو إثارة للمعنى، إلا أن منه ما يُثيرُه ببيانٍ يُوجِبُ بياناً، ومنه ما يُثير بما ليس ببيان إلا أنه يُوجِبُ بياناً، فالأولُ: كالبرهان، والثاني: كالإِنسانِ، وإيجابُ الأوَّلِ للثاني لا يخلو أن يكونَ من جهةِ أنه يفعلُه، أو يَحضُرُ بحضورِه إمَّا شاهداً به أو غيرَ شاهدٍ.
وكلُّ استدلال فإنه لا يخلو أن يكونَ بإيرادِ سؤال يقتضي جواباً، أو بإظهارِ أول يقتضي ثانياً أو يُوجِبُه؛ وذلك أن كلُّ استدلال فهو استخراجٌ لمعنى قد يَستخرجُه بالسؤالِ عنه، وقد يَستخرجُه بإظهارِ ما يَقتضِيه وُيوجِبُه.

فصل
وكل بابِ من أبواب الاستدلالِ فإنه لا بُد فيه من خمسةِ أشياءَ: مستدِلٍّ، واسَتدلالٍ، وَمستدَلٍّ به، ومستدَلٍّ من جهتِه (1)، ومستدَلٍّ
__________
(1) لم يعرفه المصنف ضمن الحدود التي عرفها هنا، ولكن سيأتي بيان المراد به في الفصل التالي.
(1/452)

عليه.
فالمستدِل: هو النَاصبُ (1) للدَلالةِ.
والاستدلالُ: هو طلبُ الغَرَضِ بالدلالةِ.
والمستدَل به: هو المطلوبُ به الدلالةُ على المعنى، وهو بمنزلةِ الدَّلالةِ التي تُستخرجُ بها الدلالةُ على المعنى.
والمستدَل عليه: هو المطلوبُ ليظهرَ بالدلالةِ عليه، وهو الغرضُ الذي من أجلِه يُكَلفُ الطلبَ.

فصل
وكلُّ استدلال فإنه لا يخلو أن يكونَ طلباً بالسؤالِ، أو بالاستشهادِ في الجواب، أو لا يكونَ كذلك، فقد يكونُ السائلُ مستدِلّاً؛ لأنه يَستخرجُ بسؤَالِه الدلالةَ على المعنى، وقد يكونُ المجيبُ مستدِلّاً؛ لأنه يستخرجُ بجوابِه شهادةَ الدَلالةِ على المعنى، وذلك أنه قد تظهرُ الشهادةُ فيستخرجُ من جهةِ الشهادةِ [الدلالةَ] (2)، على المعنى، فهو طالبٌ من جهتِه الدلالةَ على المعنى، كما أن السائلَ طالبٌ من جهةِ المجيبِ الدَّلالةَ على المعنى.
والمستدَل به قد يكونُ السؤالَ، وقد يكونُ الإِظهارَ للشَاهدِ في الجوابِ.
__________
(1) في الأصل: "الباحث"، والمثبت من (الكافية) ص 46 - 47.
(2) زيادة على الأصل يستقيم بها المعنى.
(1/453)

وكل مُستدَلٍّ من جهتِه، فهو مسؤول أو بمنزلةِ مسؤول، فالمسؤولُ كالعالِمِ، والذي بمنزلةِ المسؤولِ كالكتابِ الذي يُوضَعُ على حِكْمةٍ، أو الفكرِ الذي يُقدمُ (1)، لصاحبه ما يَقْوى به على استخراجِ العلوم القياسيةِ، ومَرْتَبةُ المستدَلِّ من جَهتِه أدت يكونَ مجيباً أو بمنزلةِ المجيبِ.
وكلُّ مستدَل عليه، فهو الغَرَض المطلوبُ، وهو المسؤول عنه، والمعتَمَدُ في الجواب عليه؛ لأن حق الجواب أن يكونَ عما وقعَ عنه السؤالُ، فالمطلوبُ فَي السؤالِ هو المطلوب البيانُ عنه في الجواب؛ لأن الذي يَسألُ عنه السائلُ هو الذي يجيبُ عنه المجيبُ.
وكلُّ استدلال فهو استخراجُ المعنى من جهةِ شيء من الأشياءِ: إمَّا بالسؤالِ، وإمَّا بما كان بمنزلةِ السؤالِ من الاستشهادِ؛ لأن المجيبَ إذا كان مُستشهِداً للدَليلِ فكأنه مُسْتَخبِرٌ له مُستخرج ما عنده، فتحصيلُ الشواهدِ من أكبرِ آلاتِ العِلم.
مثالُ ذلك: الفعلُ يشهدُ بأنه لا بُد له من فاعلٍ، وأنه لا بُدَّ أن يكونَ فاعلُه قادراً عليه، والحكمةُ تشهدُ بأنها لا تكون إلا من عالِمٍ، والتَدبيرُ يشهدُ بأنه لا يكونُ إلا من قاصدٍ، والصُّنع يشهدُ بأن صانعَه إن كان غيرَ مصنوع فهو قديمٌ، ويشهدُ بأنه إن كان لا صانعَ إلا مصنوعٌ، تسلسلَ إلى"ما لا نِهايةَ له، والتغيرُ يشهدُ بالحدوثِ، وأنه لا بدَّ من أن يكونَ نفسُ المتغيرِ قد حَدَثَتْ له (2) عِلة كان بها متغيراً، وإلا وجبَ أن يكونَ على ما كانَ لم يَتغيرْ، والعلمُ يشهد بأنه لا يكون إلا
__________
(1) في الأصل: (يتقدم).
(2) في الأصل: (أو)، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(1/454)

من عالمٍ به قبلَ كوبه أو مدلولٍ عليه، فإن ذلك لا بُد من أن ينتهيَ إلى عالِمٍ، وإلا تَسَلْسَلَ إلى ما لا نهايةَ له، وأن العالِمَ لا يخفى عليه شيءٌ من وجهٍ من الوجوه؛ لأنه [لا] شيءَ إلا ويَصِحُّ أن يَعلَمَ غيرُه إيَّاه: إمَّا بالضرورةِ، وإما بالدَّلالةِ.
والعلمُ يشهدُ بأن العارفَ بالشيءِ على ما هو به لا يخفى عليه من وجهٍ من الوجوهِ لا بُدَّ أن يكونَ حَيًّاً؛ لأن معنى حي: يصح أن يُدْرِكَ.
ويشهدُ بأن الشيءَ الذي لا يجوزُ عليه الانقسامُ واحدٌ في الحقيقةِ، وأن الواحدَ على الحقيقةِ لا يكونُ جسماً؛ لأن الجسمَ مؤلَف من أجزاءٍ وجواهرَ هي أعداد.
ويشهدُ بأن القادرَ الذي لا يُعجزُه شيء لا يجوزُ أن يُساويَه شيءٌ في مقدورِه؛ لأنه يَلزَمُ أن يكونَ وجودُ كلُّ واحدٍ منهما مَنْعاً للآخَرِ من أن يفعلَ؛ لاستحالةِ مُمانَعَتِه له بفعلِه؛ إذ ليس وجودُ الفعلِ الذي يقعُ من أحدِهما بأولى من الآخرَ، فلا يوجدُ واحد منهما.
ويشهدُ بأن القديمَ لا يصحُّ أن يصيرَ غيرَ قديمٍ؛ لأنه ليس بداخل تحت المقدورِ؛ إذ لو كان داخلًا تحت المقدورِ، لم يصح أن يُوجَدَ إلا بإيجادِ موجودٍ.
والتَغيرُ يشهدُ بأن الجسمَ إذا لم يَخْلُ منه فهو محدَث؛ لأن المغيرَ له لا بُدَّ من أي يكونَ قبلَه ليفعَلَ فيه التَغييرَ.
وتَثَبُّطُ الفعلِ يشهدُ بنفي الحكمةِ واختلالِ الرَّأيِ.
(1/455)

والظُّلمُ يشهدُ بالحاجةِ والجهلِ بقُبحِ القبيحِ.
والقدرةُ تشهدُ بصحةِ الفعلِ، وأن القادرَ. بها يصحُّ أن يفعلَ ويصح أن لا يفعلَ، ومتى لم يَكُنْ كذلك، لم تَكُنْ قدرةٌ، وخرَجَتْ عن معنى القدرةِ.
والعقابُ يشهدُ بإساءةِ المعاقَبِ.

فصل
في الاستدلالِ الذي يُستخرجُ بالمعنى

اعلم أن الاستدلالَ الذي يُستخرجُ بالمعنى: هو الاستدلالُ الذي يُستحضَرُ به المعنى، فإذا حضرَ المعنى وأرَدْتَ أن تعلمَ أحق هو أم باطل؟ فلا بُدَ لك أن تستحضرَما يشهدُ بهِ وَينْتُجُ عنه؛ لأنك من جهةِ غيرِه تعلمُ أصحيحٌ هو أم فاسدٌ؟
فترتيبُ الاستخراجِ الذي هو الاستحضارُ الذي تحتاجُ إليه في الجسمِ: أن تبدأَ فتستخرجَ: هل للجسمِ حقيقةٌ؟ ثم تستخرجَ: ما حقيقتُه؟ فإذا حضرَ الجوابُ، فإنه: جَوْهَرٌ عَريضٌ عمِيقُ، ثم احتجْتَ أن تعلمَ أحق هو الجوابُ أم باطلٌ؟ فلا بد أن تستخرجَ: ما الدَّليلُ على صحَتِه؟ فإذا حضرَك الجوابُ: إذا كان هذا أجسَمُ من هذا، معناه أكثرُ أخْذاً في الجِهاتِ الستَ، فهذا جسمٌ، آخِذٌ (1) في الجهاتِ، وإذا كان الجسمُ آخذاً في الجهاتِ، فلا بُدَّ من أن يكونَ جوهراً طويلًا عريضاً عميقاً.
__________
(1) في الأصل: "أخذاً".
(1/456)

فصل
في الاستدلالِ الذي يُحَقَقُ به المعنى

اعلم أن الاستدلالَ الذي يُحَقَقُ به المعنى (1): هو الاستدلالُ الذي يُستشهد فيه على المعنى بالأصلِ على الفرع ليُعلمَ أحق هو أم باطل؟ فإذا شَهِدَ الأصلُ بفرع وكان (2) الأصلُ حقا وَأنه يشهدُ بحق، أنتجَ عن ذلك أن شهادتَه حق، وإذا كان الأصلُ باطلًا وأنه يشهدُ بحق، أنتجَ عن ذلك أن شهادتَه تلزمُ منه أنه يجبُ على القائلِ به أن لا يُفرقَ بين الأصلِ والفرعِ، فيقولَ بأحدِهما ولا يقولَ بالأخرِ؛ لأن الأصلَ إذا كان عنده حقًا، وكان الحق لا يشهدُ إلا بحق، لم يَجُزْ لهُ إنكارُ شهادتِه مع الِإقرارِ بعدالتِه، وذلك أنه لو أعطى الخصمَ: أن كلُّ فاعلٍ جسم، وكل جسمٍ مؤلَف، ثم منعَ من فرعِ هذا الأصلِ، فقال: وليس كلُّ فاعل مؤلَّفاً، كان مناقضاً ولم يصح له اعتلال في التَفرقَةِ بين الأمرين أصلًا.
فصل
في الاستدلالِ بالمثالِ الذي يُرد إليه المعنى

اعلم أن الاستدلالَ بالمثالِ الذي يُرد إليه المعنى على ضَرْبَينِ:
أحدهما: صورةٌ دائرةٌ في جميعِ التصاريفِ يُستَدَل بها على بَحْثِ ما فيها مما كان خارجاً عنها، وهي التي تَضبِطُ البابَ حتى لا يدخلَ فيه ماليسَ منه، ولايخرجَ عنه ما هو منه.
__________
(1) غير واضحة في الأصل.
(2) في الأصل:"وكل".
(1/457)

والضربُ الآخر: صورة (1) يُستشهد بها وُينتَجُ عنها في سائرِ أنواعِ القياسِ:
فالاوَّلُ: كالجوهرِ يُبحَثُ عنه من وجوهٍ كثيرةٍ كلُّها معقودة به، فمن ذلك: جنس واحد هو الجوهرُ، أم أجناس مختلِفة؛ وهل يَحتمِلُ جزء من الجوهر ما يَحتمِلُه الآخرُ من الأعراضِ؟ وهل لا شيءَ من الجواهر إلا ويجوزُ عليه ما جازَ على الآخر؟ وهل يُرَى الجوهرُ وُيلمَسُ؟ وهل يبقى الجوهر ببَقاءٍ, وهل يتداخلُ الجوهرُ؟ وهل يَصح خُلُو الجوهر من العَرَضِ في الوجودِ؟ وهل الجوهرُ غيرُ العرضِ؟ وهل ينتهي الجوهرُ إلى جزءٍ لا يَتجزَّا؟ وكم يلقى الجزءُ من الجواهرِ؟ وهل يَفْنى الجوهرُ؟ وهل يفنى بفَناءٍ؟ وهل تجوزُ الِإعادةُ على الجوهرِ؟ وهل يجوزُ أن يَفْنى جوهر دونَ جوهرٍ؟ وهل يجوزُ أن ينقلبَ الجوهرُ عرضاً؟ هذا كله بَحْث في الجوهر.
والصورةُ المُنتِجةُ الدائرةُ في جميعِ القياسِ: كصورةِ: كلُّ إنسانٍ حيوانٌ، وكل حيوانٍ جسم، يَلزَمُ منه: كلُّ إنسانٍ جسم (2).
ويوضِّحُ لك فصلَ ما يُنتَجُ بالصورةِ من غيرِه أن تَرُده إلى حروفِ المعجمِ، فتَجِدَه يُنتجُ (3)، كقولك: كلُّ (أ): (ب)، وكل (ب): (ج)، فتجدُه يُنتجُ: أن كلُّ (أ): (ج).
فتأَمَّلْ هذا الفصلَ فإن الفائدةَ فيه كبيرةً.
__________
(1) مكررة في الأصل، ووضع على الثانية علامة التصحيح، ولم يظهر لنا وجه تكريرها.
(2) هذا مثال على الضرب الثاني من الاستدلال بالمثال الذي يرد إليه المعنى.
(3) في الأصل: "يفتح".
(1/458)

فصل
في الاستدلالِ الذي يُعتمدُ عليه في الطريقة
اعلم أن الاستدلالَ الذي يُعتمدُ في الطريقةِ على ضَربَينِ: أحدهما: أن يشهدَ الأولُ بالثاني، والثاني بالثالثِ، والثالثُ بالرابعَ إلى آخر مَرْتَبَةٍ.
والضَرْبُ الآخرُ: أن يُحضِرَ الأولُ الثانيَ، والثاني الثالثَ، والثالثُ الرابعَ إلى حيث تنتهي مراتبُه، والاعتمادُ في هذا الاستدلالِ على أن تعملَ في الثاني على نحوِ العملِ في الأولِ.
مثالُ ذلك: التَغيرُ يشهدُ بحدوثِ الجوهرِ، وحدوثُ الجوهرِ يشهدُ بأنه لا بُدَّ من صانع غير مصنوعٍ، وأنه لا بُد من صانع غيرمصنوعٍ يشهدُ بأنه قديم، وأنه قديمٌ يشهدُ بأن الحاجةَ لا تجوزُ عليه، وأن الحاجةَ لا تجوزُ عليه يشهدُ بأنه لا يجوزُ عليه الظُّلمُ، وأنه لا يجوزُ أن يُؤيِّدَ كذَاباً بمُعجِزٍ.
ومثالُ الطريقةِ للإِحضار: ما الدليلُ على النُّبُوةِ؟ إذا حضرَ الجوابُ: بأنه المعجزُ، اقتضى السؤالُ الثاني: وما الدليلُ على المُعجِزَةِ؟ فإذا حضر الَجواب: بأنه الخروجُ عن العادةِ، اقتضى السؤال الثالث: ما (1) الدليلُ على الخروجِ عن (2) العادةِ؟ فإذا حضرَ الجوابُ: بأنه تَرْكُ المُعارَضةِ مع التَحدي للكافَةِ، كان على السائلِ أن يَتاملَ؛ فإن عَلِمَ فقد وصلَ إلى الغَرضِ، وإن اعترضَت عليه شُبْهَةٌ، سألَ عنها
__________
(1) في الأصل: "بعد".
(2) في الأصل: "من".
(1/459)

حتى تُكشَفَ له حقيقتُها.

فصل
في الاستدلالِ الذي تقعُ فيه مُنازَعة

اعلم أن الاستدلالَ الذي تقعُ فيه منازعة لا يخلو من أن تكون (1) في نفْسِ الشاهدِ المُستدَل به، أو في أنه يشهدُ، أو فيهما.
والمنازعةُ تَطَرَقُ على ذلك متى لم يَكُنْ معلوماً ببَدِيهَةِ العقلِ.
وإذا وقعَ التسليمُ للشاهدِ أنه حق في نفسِه، فإنه يشهدُ بطلب المنازعةِ في الاستدلالِ؛ لأنه يَلزَمُ أن الشهادةَ صحيحة لا مَحالةَ.

فصل
في الاستدلال بالنقيضِ

اعلم أن الاستدلالَ بالنقيضِ يكونُ من جهةِ أنه إذا صحَ أحدُ النَقيضَينِ، فسدَ الآخرُ لا مَحالةَ.
مثالُ ذلك: إذا صحَ: أن كلُّ جسم مؤلَف، فسدَ أنه ليس كلُّ جسمٍ بمؤلفٍ، وكذلك سبيلُ الموجِبةِ مع السالبةِ لا تَصْدُقانِ جميعاً البَتَةَ، فيَفسدُ أيضاً أنه ليس واحدٌ من الأجسام بمؤلَفٍ، وكذلك إذا صحَ: كلُ جوهرٍ داخل تحت المقدورِ، فسد: ليس كلُّ جوهرٍ بداخلٍ تحت المقْدُورِ، وكذلك يفسدُ: ليس واحد من الجواهر داخلًا تحت المقدورِ.
__________
(1) يعني المنازعة.
(1/460)

والنَقيض يَجيءُ على طريقين: إحداهما (1) طريقة الضِّدِّ، والأخرى طريقةُ السلْبِ:
فطريقة الضِّدِّ: كقولك: إذا صح أنه ساكنٌ، فليس بمتحرِّكٍ، وإذا صح أنه موجود، فليس بمعدوم، وإذا صحَ أنه محدَث، فليس بقديمٍ، وإن لم يَكنْ هناك ضِدٌّ في الحقيقةِ.
فأمَّا طريقة السلْبِ فكقولك: إذا صحَ أنه محدَث، لم يصح أنه ليس بمحدَثٍ.
ويستدل بالنقيضِ على الفَرْقِ؛ وذلك أن كلُّ فرقٍ بين شيئين فلا بد من أن يكونَ أحدهما على الموجِبةِ -وهي المثبتة-، والآخر على السَّالبةِ -وهي النافية-، كالفرقِ بين الدَلالةِ والعِلَّةِ، وذلك أن كلُّ عِلَّةٍ فلو بَطَلَتْ، لبَطَلَ أن يكونَ ما شَهِدَتْ به على ما هو عليه، [أما الدلالة فلو بطلَتْ، لم يَبطلْ أن يكونَ ما شهدت به على ما هو عليه] (2) وذلك أن الفعلَ يشهد بأن فاعلَه قادر، فلو بطلَ فلم يكنْ وجِدَ أصلاً، لم يَبطلْ أن يكونَ القادر على ما هو عليه قادراً، وكذلك لو لم توجَدِ الدلالة على القديمِ، لم يَبطلْ أن يكونَ قديماً. فأمَّا الحركة فلو لم توجَدْ، لم يصح متحرِّك، وكذلك السواد وسائر العِلَلِ.
فهذا بيان فَرْقِ ما بين بُطلانِ الدَلالةِ والعِلَّةِ، وهو كاشف عن الفرقِ بينهما في أنفسِهما.
__________
(1) في الأصل: "أحدهما".
(2) زدنا ما بين الحاصرتين على الأصل ليستقيم المعنى ويتضح.
(1/461)

فصل

في الاستدلال بالشَاهد على الغائب
اعلم أن الاستدلادَ بالشاهد على الغائب يَجْري على وجهين: أحدهما: الاستدلالُ بما تُشاهدُ على ما تَحتاجُ إلى علمه مما لا تُشاهدُ.
والآخرُ: الاستدلالُ بما له شهادةٌ على ما تَحتاجُ إلى علمه من جهة الدَّلالةِ.
مثال الأوَّلِ: الاستدلال بالمُشاهَدةِ (1) [على] (2) الفرق بين المُتحرِّكِ والساكنِ من جهة الرُّويةِ على أن الحركة تُرى، وكذلك الاستدلالُ بمشاهدة الشَّجرةِ المُورِقةِ بعد أن كانت يابسةً أن لها صانعاً جعلَها على تلك الصِّفةِ، كما أنك إذا شاهدْتَ الدَّار مبنيَّةً بعد أن كانت مهدومةً، فلا بدَّ من بانٍ (3) جعلَها على تلك الصَفةِ.
ومثالُ الثاني: استحقاقُ الذَّمِّ يشهدُ بأنه لا يَستحِقُه إلا مسيءٌ، وأن المسيءَ صار مسيئاً بعد أن لم يكن مسيئاً يشهدُ بأنه لا بُدَّ من إساءة لأجلها كان مسيئاً، كما أنه إذا صار موجوداً بعد أن لم يَكُنْ موجوداً، فلا بُدَّ من مُوجدٍ، وإذا حَدَثَ، فلا بُدَّ من مُحدِث، وإحكامُ الفعل يشهدُ (4) بأن فاعَلَه عالِمٌ.
__________
(1) في الأصل: "بالشاهدة".
(2) أضفناها على الأصل لتتضح العبارة.
(3) في الأصل: "باني".
(4) في الأصل: "تشهد".
(1/462)

فصل
في الاستدلالِ بالأصلِ على الفرعِ

اعلم أن الاستدلالَ بالأصل على الفرعِ يكونُ على وجهين:
أحدهما: تصحيحُ الفرعِ بالأصلِ.
والآخرُ: نقضُ [الأصلِ] (1) بما يشهدُ به من الفرعِ الفاسدِ. وهذا الوجه الثاني إنما يكون في إلزام المُبطِلينَ على أصولهم بما يَدُلُّ على بطلانها، وسواءٌ كان الأصل أولًاَ أو ثانياً في أنه إذا شهدَ بمعنىً، فذلك المعنى فرعٌ له.
فالمعجزةُ تشهدُ بالنُّبوَّةِ، إذ كانت تَدُل على الخلافةِ، والمُعجزةُ أصلٌ يَدُل عَلى أنها حقٌّ في نفسِها، وهو حِكمَةُ الفاعلِ لها، والدَّال بها هو الله عزَّ وجل، ولو لم يَثبُتْ أنها حق في نفسِها، لم يُلتفَتْ إلى شهادتِها.
فأمَّا أصلُ نُفاةِ الأعراضِ (2) من أنه لا حركةَ ولا سكونَ ولا اجتماعَ ولا (3) افتراق على الحقيقةِ، فيشهدُ بأنه لا يصحُّ أن يتحَركَ شيءٌ بعد أن كان ساكناً، ولا يجتمعَ شيءٌ بعد أن كان مُفترِقاً، لأنه في كلا (4) الحالين موجودٌ غيرُ حادثٍ، ولا حَدَثَ شيءٌ لأجله صار على تلك الصِّفةِ بعد أن لم يَكُنْ عليها، فيجبُ أن يكونَ على ما كان، ففرعُ
__________
(1) ليست في الأصل.
(2) انظر "الفصل في الملل والأهواء والنحل" 5/ 66 وما بعدها.
(3) في الأصل: "والا".
(4) في الأصل: "كلى".
(1/463)

ذلك الأصلِ أن لا يصيرَ الجسمُ مُتحركاً بعد أن كان ساكناً، ولا مُجتمِعاً بعد أن كان مُتفرقاً.
مثال في الفروع على الوجهِ الثاني من الاستدلالِ بالأصلِ على الفرعِ -وهو نقضُ الَأصلِ بما يشهدُ به الفرعُ- على مَنْ جعلَ الجدَّ كاحدِ الإخوةِ من حيث إدْلائِه بالأبِ (1) -وهم أصحابُنا (2) وأصحابُ الشافعىِّ (3) - وفَرعُوا على ذلك أن حَرَسُوا له تارةً ثُلُثَ المالِ وتارةً السدسَ، وهذا منهم عنايةً بحراسةِ فَرْضِ الأبوَةِ؛ إذْ ليسَ للأخُوَّةِ ذلكَ، فظهر بحراسةِ الفَرْضِ أنه ليس كآحادِ الإخْوةِ.
وعلى أصحاب أبي حنيفة حيثُ جعلوه وارثاً بالإدلاءِ (4) والأبُوَّةِ، ولم يَحُطُوا ميراثَ الَأمَ معه في مسألةِ: زوج وأم وجَد، وزوجةٍ وأم وجَد من فَرْضِها الذي هو ثُلُثُ الأصلِ إلى ثُلُثِ الباقي، بخلافِ الأبِ (5).
__________
(1) فالجد أبو الأب، والأخ ابن الأب، فكلاهما يصلان إلى الميت بالأب، وقرابة البنوة كقرابة الأبوة.
(2) انظر (المبلأع في شرح المقنع) 6/ 119 وما بعدها.
(3) انظر "روضة الطالبين" 6/ 23 وما بعدها.
(4) كتبت في الأصل: "بالإيلاد"، والذي يترجح لنا أن صوابها كما أثبتنا في المتن، وهو ما يؤيده السياق، والله أعلم.
(5) ذهب الحنفية، إلى أن الجد بمثابة الأب في أنه يحجب الإخوة الأشقاء أو لأب من الميراث، إلا ما يذكر عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن في أنه يقاسمهم -وهو أيضاً رأي الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد-، ولكن الحنفية خالفوا ذلك في فروعهم؛ فلم ينزلوا الجد منزلة الأب في مسألة: زوج وأم وجد، وزوجة وأم وجد، فجعلوا للأم ثلث أصل المال، لا ثلث الباقي بعد فرض أحد الزوجين كما في حالة الأب، وهو قول عامة أهل العلم إلا =
(1/464)

وأبداً يقولُ الفقهاءُ: هذا انتقالٌ من كلام في أصلٍ إِلى الكلامِ في كيفيتِه، وليس هذا انتقالاً، لكنَّه استدلال صحيح؛ لأنه لو صح الأصلُ، لم يَتكدرْ تفريعُه على مُؤصِّلِه، فإن الصحيحَ لا يُثمِرُ الفاسدَ، والمُحكَمُ من الأصولِ لا تنتقضُ (1) فروعُه، ألا ترى أن الله سبحانه استدل على صِحة كونِ القرآن من عند الله بنفي الاختلافِ فيه، فقال: {وَلَو كانَ مِنْ عِنْدِ غَيرِ اللهِ لَوَجَدُوا فيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً} [النساء: 82].

فصل
في الاستدلالِ بالقرينةِ على النتيجةِ

اعلم أن الاستدلالَ بالقرينةِ على النَتيجةِ تنقسمُ أبوابُه على ثلاثةِ أقسامٍ: الكُليةِ، والقِسْمِيةِ، والشَرْطيةِ:
فبابُ الكليةِ على ثلاثةِ أضربٍ:
الضرب الأول: له أربعةُ أنواع، وهي:
الأول، (2): كلُّ إنسانٍ مصنوع، وكل مصنوع مقدور، فكل إنسانٍ
__________
= أبا يوسف؛ فإنه جعل لها ثلث الباقي أيضاً. انظر "حاشية ابن عابدين" 6/ 770، و"مختصر الطحاوي" ص 143 و 147 - 148، و"المنتقى شرح الموطأ" 6/ 228 - 229، و "المغني" 9/ 20 - 21، و"روضة الطالبين" 6/ 12.
(1) رسمت في الأصل هكذا: "سط"، وقد وضع عليها علامة التضبيب إشارة إلى أن الناسخ استشكلها، والذي يظهر لنا أنها محرفه، وصوابها ما أثبتناه في المتن.
(2) ليست في الأصل.
(1/465)

مقدور.
الثاني: كلُّ إنسان جسم، وليس شيء من الأجسامِ بمعدومٍ، فليس شيء من النَاسِ بمعدوم.
الثالث: بعضُ الناسِ مُكلف، وكل مُكلَّفٍ مجازىً، فبعضُ النَاسِ مجازىً.
الرابع: بعضُ النَاسِ مؤمن، وليس واحد من المؤمنين مُخلَداً في النارِ، فبعضُ النَاسِ ليس بمُخلَدٍ في النارِ.
الضَرْبُ الثاني (1): [وله أربعة أنواعٍ: الأولُ] (2) كلُّ جسمٍ مُؤلَّف، وليس قديم بمؤلف، فليس جسم بقديمٍ.
والثاني: ليس واحد من المؤمنين بمخلدٍ في النارِ، وكلُّ كافرٍ مخلد في النارِ، فليس واحد من المؤمنين بكافرٍ.
الثالث: بعضُ المُوحَدين شهيد، وليس واحد من الضالين شهيداً، فبعضُ الموحَدين ليس بضالٍّ.
الرابع: ليس كلُّ مكلفٍ بمُهتَدٍ، وكل عالمِ مُهتَدٍ، فليس كلُّ مكلَّفٍ بعالم.
الضَّرْث الثالث: [وله ستَة أنواعٍ: الأولُ:] (2) كلُّ مؤمنٍ محمود، وكلُّ مُؤمنٍ مُثاب، فبعضُ
__________
(1) أي الضرب الثاني من باب الكلية.
(2) ما بين حاصرتين زيادة على الأصل للتبيين والِإيضاح.
(1/466)

المحمودين مُثابٌ.
الثاني: كلُّ مؤمنٍ مُحسِنٌ، وليس واحد من المؤمنين بقديم، فبعضُ المحسنين ليس بقديم.
الثالث: بعضُ المتَقين أمينٌ، وكل مُتَقٍ شهيدٌ، فبعضُ الأمناءِ شهيدٌ.
الرابع: كلُّ مؤمنٍ مُوحد، وبعضُ المؤمنين إمام، فبعضُ الموحدينَ إمام.
الخامس: كلُّ مُنعِم مشكور، وليس كلُّ مُنعِمٍ بمُثابٍ، فليس كلُّ مشكورٍ بمُثابٍ.
السادس: بعضُ الأعراضِ موجود، وليس شيء من الأعراضِ بجوهر، فبعضُ الموجوداتِ ليس بجوهرٍ.

فصل

كَثُرَ فيه غَلَطُ الأصوليين حتى قال فيه بعضُ المشايخِ الأصوليين: لا اعرفُ أحداً ممن مضى من المتكلَمين إلا وقد غَلِطَ فيه لدِقةِ مَسْلَكهِ، وغُموضِ مَأخَذِه، وهو: الاستدلالُ بفسادِ الشيءِ على صحةِ غيرِه.
وسأوضحُ منه بغايةِ وُسْعي ما أضعُكَ فيه على الواضحةِ بعونِ اللهِ تعالى ولُطْفِه وحُسْنِ توفيقِه.
وعَقْدُ الباب فيه: أن كلُّ دليل على صحةِ شيء فهو يَدُلُّ على فسادِ ضده، فكذَا إذا دل على فسادِ شيءٍ دل على صحةِ ضده، وضدُ
(1/467)

المذهبِ الذي عَينَاهُ ها هنا هو اعتقادُ فسادِه ونفيِهِ وإبطالِه.
وقد قال قوم: ليس هذا هكذا، ولكن في بداهَةِ العقولِ أن كلُّ ما صححه الدليلُ أبْطَلَ ضِدَّه -أو قالوا: أفسدَ ضده-، وكل ما أفسدَه صحَحَ ضدَّه.
والتحقيقُ في ذلك: أن الدليلَ إذا أفسدَ شيئاً أو صحَحَه، رَجَعَ في الأخَرِ -أعني بالاَخَرِ: ضده- إلى العقلِ، فافتى العقلُ في أسرع من لَمْحِ البصرِ بحقيقةٍ واجبةٍ.
والدليلُ على هذا التحقيق: أنك إذا دللت على صحَّةِ شيءٍ فقيلَ لكَ: ما الذي يُفسدُ ضدَّه؟ قلتَ: ما في العقلِ من استحالة اجتماعِ الشيءِ وضِدِّه في الصحةِ.
ولو قلتَ: ما دل على صِحَّتِه هو الذي يدلُّ على فسادِ ضدِّه، لساغَ لقائلٍ أن يقولَ لك: ومن أيِّ وجهٍ دل على ذلك؛ أرايتَ إن عارضَك مُعارِض، فقال: بل الدليلُ على صحَّتِه دال على صحَّةِ ضِدِّه، فماذا يفصلُ بينك وبينه في هذه المعارضةِ؛ فلا تَجِدُ بُدَّاً عند التحصيلِ من الرجوعِ إلى ما في العقلِ مما وَصَفْناهُ، وذلك لأن الدَّلالةَ إذا دَلَّتْ على أن زيداً مُسِيء، لم تَكُنْ بنفسِها دَلالةً على نفيِ الإِحسانِ الذي هو ضِدًّ الإِساءةِ عنه؛ من حيث إنه قد يُمكن أن يكونَ محسِناً من وجهٍ وهو بِرُّ أبيه، مسيئاً (1) من وجهٍ وهو عُقوقُ أمِّهِ، وإنما يَصح ذلك فيما لا يكونُ ثابتاً من وجهٍ ومعه ضِدُّه من وجهٍ آخرَ؛ كالدَّلالةِ على أن الشيءَ مُحدَث تدلُّ على بطلانِ قِدَمِه؛ فإنه لا يصحًّ
__________
(1) في الأصل: "مسيء".
(1/468)

أن يكونَ قديماً من وجهٍ.
فانْعَقَد البابُ على أن كلُّ دَلالةٍ (1) دَلَّتْ على صحَّةِ حكم أو مذهبِ أو حالٍ أو حقيقةٍ لم يُمكِنْ أن يكونَ ضدُها من وجهٍ من الوجوهِ مُجامِعَاً لها، فإن الدليلَ الدال على صحَّتِها هو المفسدُ لضدِّها، ومتى كان من قَبيلِ الأولِ لم يدل إلا على صحةِ ما دلَّ عليه دونَ أن يدلَّ على فسادِ ضدِّه أو بطلانِ ضده، وكلُّ ذلك يقتضيه العقلُ في ذلك، ونفيُ الضدِّ لضدِّه، فقد أفتى العقلُ وسبَقَتْ فتواه بذلك.
واعلم أن المُعتقِدَ لشيءٍ ليس له ضد يَفسُدُ أو يَصلُحُ مُعتقِدٌ، وليس تقفُ صحةُ فعتقَدِ الشيءِ على العلمِ بأن له ضدَّاً، ولو كان للمعتقدِ ضدٌّ لفسدتِ الحقائقُ.
وهذا موضعٌ لم يتقدمْ تحصيله فلا تَستوحِشْ من وَحدَتِكَ فيه، ولا تَعتبرْ بكثرةِ ما يورَدُ عليك فيه، فإن لكلِّ شيءٍ أولًا، ولكلِّ أوَّل وقْفَةٌ من المستوحَشِ منه، فلا يرُعْك ذلك.
واعلم أن الضدَّينِ المذكورين في هذا الباب هما الاعتقادان، فأمَّا المعتقَدُ الواحدُ (2) لا ضدَّ له فيَفسد أو يَصلُح.
والدَليل على ذلك: أنك لا تَجدُ قديماً هو ضدٌ للمحدَثِ الصحيحِ، ولا اثنينِ قَدِيمَينِ هما ضدٌّ لَلواحدِ القديمِ، ولا مُتحرِّكاً إلا بحركةٍ هو ضد للمتحرِّك بحركةٍ.
__________
(1) في الأصل: "ذلك".
(2) كتبت في الأصل: "للواحد".
(1/469)

فإن قلتَ: فما الدليلُ على صحَّةِ الأول دونَ ما حَكَيْتَه عن هؤلاءِ القومَ؟ فالدليلُ عليه ما ذكرَه المحقَقونَ من العلماء بهذا الشَّأَنِ، وهو أن الدليلَ لا يخلو من أن يكونَ هو المُعرِّف، المُبينَ الهاديَ، أو ما يستشهدُ لك المعرِّفُ (1) عندَ دلالته وُينَبِّهُك على ما فيه، فإن كان هو المعرِّفُ (1)، فقد اجتمعَ له الأمران؛ لأنه هو الذي عَرَّفَك صحةَ المذهب، وهو الذي عَرَّفَك ببَدِيهةِ العقلِ فسادَ ضدِّه، ومخاطبته إياك بالخواطِرَ كمخاطبتِه إياكَ ببديهةِ العقلِ، فإن كان المذكورُ ما فيه من الآثارِ ونحوها عند الدَّلالةِ والهدايةِ هو الدَّليلُ، فالصَّنعة إنما دلَّتْ على أن [لها] (2) صانعاً فقط، والعقلُ هو الذي دلَّ على صحةِ اعتقادِه، من حيثُ دلَّ على أن كلَّ ما أثبتَه الدليلُ يصحُّ اعتقادُه، وهو أيضاً إقرارُهم بما دلَّ على فسادِ ضده، فقد اجتمعَ له الأمرانِ، وشروطُهم التي تقدَّمَتْ تُوجِبُ ما قلنا؛ لأن قائلًا لو قال: من أين تجبُ صِحَّةُ اعتقادِ الصانعِ إذا دلَّتْ عليه الدلائل؟ فقلتَ: من حيثُ وجبَ أن صانعاً للمصنوعِ. فقال لك كذلك: فإنا لا نرى فيها أكثرَ من تثبيتِ صانعٍ فقط. لم تَجِدْ بُدَّاً من الرُّجوع إلى ما في العقلِ بما وصفنا، ورجوعُك إلى ما في العقل رجوعُ إلىَ من وضعَه فيه.
فإذا كان للمذهبَين ثالثُ، لم يَكنْ (3) ما يَدخُل في احدهما من
__________
(1) في الأصل:"المعروف"، ويغلب على ظننا أن الصواب ما أثبتناه.
(2) زدناها على الأصل ليتبين المعنى ويستقيم.
(3) كتبت في الأصل:"يكون" بالإثبات.
(1/470)

الفسادِ دليلًا على صحةِ واحدٍ من الثلاثةِ بعيْنِه، وإن لم يَكُنْ لهما ثالثٌ، فهذا المذهبُ في الاستدلالِ فيهما أجودَ.
ونظيرُ هذا: إذا لم يَكُنْ في العالَمِ إلا ثلاثةُ أماكنٍ، لم تكن غَيْبُوبةُ زيدٍ عن أحدِها (1) دالةً على كونِه في واحدٍ من الاثنين بعينِه، وإن لم يَكُنْ فيه إلا مكانانِ استدْلَلْتَ بغَيْبَتِه عن أحدِهما على كونِه في الآخرِ.
وقد يَستخِفُّ المتكلِّمون بالثالثِ كثيراً، وهو ثالثُ النَفي والإِثباتِ، والثالثُ: إمَّا الوقفُ أو الشك الذي يُثبتُه (2) بعضُ الناسِ مذهباً (3)، أو يُخرِجُه قومٌ عن كونِه مذهباً، ويَعتلونَ على ضعفِه عندهم، فيستدلون بفسادِ أحدِ الاثنينِ على صحةِ الأخرِ، ووجودُ ضد الثالثِ -ضعيفاً كان أو قوَياً- يمنعُ من هذا.
والدليلُ على ذلك: أن مُحصِّلًا لو اعترضَ عليهم، فقال لهم: ألستُم تعلمون أن لهذين المذهبين ثالثاً؟ فقالوا له: بلى. فقال لهم: فكيف صار بفسادِ أحدِ هذينِ الاثنين يوجبُ صحةَ ما صححتُموه دونَه؟ لم يجدوا بدَّاً من ذكرِ ما أضعفَه عندهم، وللمُحصلِ أن يقولَ لهم: فإنما كان ينبغي أن تذكُروا فسادَ المذهبين، ثم تَستدِلُّوا بذلك على صحةِ الثالثِ؛ إذْ لا رابعَ له بالضرورةِ، فأمَّا الاقتصارُ على إفسادِ واحدٍ
__________
(1) في الأصل: "أحدهما"، والذي يتفق ومعنى السياق ما أثبتناه.
(2) في الأصل:"يبينه".
(3) تقدم كلام المصنف في الصفحة (31): أن الشك ليس بمذهب، وأن الوقف مذهب.
(1/471)

فلا يَصلُحُ؛ لأن معارِضاً لو عارضَكم بذكرِ ما يُفسدُ به الذي صحَّحتُم، ثم جعلَ إفسادَه دليلَاَ على صحةِ الذي أفسدتُموه ما الذي تَنفصِلونَ به عن معارضتِه؟ فلا مَحِيصَ لهم عن ذلك.
فإن قالوا (1): الذي أفسدناه يَدخلُ فيه كذا وكذا فيُفسدُه، فإذا فسدَ فلا بُد من صحةِ الثاني، فيقالُ لهم (2): والذي صحَحتُموه يَدخلُ فيه كذا وكذا فيُفسدُه، وإذا فسدَ فلا بُد من صحَّةِ الأولِ.
وبعدُ: فلِمَ كان الأولُ صحيحاً لَما دخلَ في الثاني دونَ أن يكونَ الثاني هو الصحيحَ لمَا دخلَ في الأولِ؟ وكيف صارَ ذِكرُ ما يَدخلُ في الثاني دليلاً على صحةِ الثاني؟

فصل
في القِسْمِيَّةِ (3)
وذلك كقولِك: لا يخلو المعاقَبُ أن يكونَ مُسِيئاً، أو مُحسِناً، أو لا مُسيئاً ولا مُحسِناً، فإذا بطلَ أن يكونَ لا مُحسناً ولا مُسيئاً، كما بَطَلَ أن يكونَ مُحسِناً، لم يَبْقَ إلا أنه مُسيء، وكذلك المستحِقُّ للذمِّ.
وكذلك المستحِقُّ للحمدِ، لا يخلو من أن يكونَ مُحسِناً أو ليس بمحسنٍ، فإذا بطلَ أن يَستحِق الحمدَ مَنْ ليس بمحسنٍ، وجبَ أن لا يَستحِقَّه إلا مُحسِنٌ.
__________
(1) في الأصل: "قال".
(2) في الأصل: "له".
(3) في الأصل: "القسمة".
(1/472)

وما استُوفِيَتِ القِسمةُ بأحسنَ من قولِه سبحانه: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا} [الشورى: 49 - 50]، فانظرْ كيف أحَّدَ الِإناثَ، وأَحدَ الذكورَ، وجَمعَ، وحَرمَ، ولا قسم بعد هذه الأربعةِ.

فصل
في الشَّرطِيةِ
وهي إضافةُ الشيءِ إلى غيرِه، أو حملُه على غيرهِ من جهةِ صحةِ كونِه، لا من جهةِ الوجوبِ، بخلافِ وجودِ المعلولِ عند عِلتِه.
مثالُه: إن وافى زيدٌ بالكفرِ، فهو مُستحِق للتخليدِ في النَارِ. وإن قلتَ: وليس بمُستحِق للتخليدِ في النَارِ، لأنتجَ: أنه لم يُواف بالكفرِ.
ومتى أوجبتَ الشَرْطَ (1) وجبَ الجوابُ من حيث اللِّسانُ واللغةُ، وإن سَلَبْتَ الجواب وجبَ سلبُ الشرطِ.
وُيسمى الشرطُ والجوابُ بلُغةِ أهلِ الجدلِ: المقدَّمَ والتاليَ.

فصل

من الردِّ الفاسدِ في الجدل: أن يقالَ للِإنسانِ المُتمذهب بمذهبٍ: دُل على صحةِ مذهبك، فيقول: لا أَدُل، لكن دُلوا أنتم علىَ فسادِ مذهبِي؛ لأن عَجْزَه عن الدَلالةِ على صحة مذهبِه يَمنعُه من
__________
(1) في الأصل: (الشروط)، وما أثبتناه أنسب بالمقام.
(1/473)

التمذهب به؛ لأنه يعطي أنه مُقلِّدٌ (1)؛ إذ لو كان مُستدِلًا لدل السائلَ بما استدَلَّ به على المذهب، وذكرَ الدليلَ الذي لأجلِه تمذهبَ بذلك المذهبِ، ولمَّا عَجزَ عن الَدَّلالةِ خرجَ عن أهلِ المذاهبِ، وعُلِمَ أنه مُقلِّدٌ هَويَ شيئاً، فقالَ به. وعجْزُ السائلِ عن إفسادِه لا يُصحَحُ مذهبَ المسؤولِ، كما أن مُدَّعيَ النبوَّةِ لو طلبَ منه طالبٌ مُعجزةً دالَّةً على صدقه، فردَّ على الطالب طَلَبَه بأن قال: فدُلَّ أنت على كذبي، فليس عجزي [عن] إقامةِ الدَّلَالةِ على صِدْقي بأوفى من عَجْزِك عن إقامة الدليلِ على كذبي، لم يكُ هكذا القولُ صحيحاً لإِثباتِ دعواه، كذلك ها هنا (2).

فصل
من العِللِ
اعلم أنه إذا قال القائلُ: إنما كان الجسمُ مُتحرِّكاً؛ لأن فيه حركةً، فقد جعلَ الحركةَ عِلَةٍ لكونِ الشيءِ متحرِّكاً، وجعلَ عِلَّةَ كونِ الشيءِ متحرِّكاً، وعِلَّةَ استحقاقِه للوصفِ بالتحرُّكِ: الحركةَ، فلَزِمَه على هذا القياسِ أن يجعلَ كلَّ (3) حركةٍ وُجِدَتْ في شيءٍ علةً لتحركِه، وكل مُتحرِّكٍ ذا حركةٍ؛ لأنه قد جعل علةَ كونه مُتحركاً: الحركةَ.
فإن أبى هذا وزعمَ أن الواجبَ أحدُ الأمرَينِ، وهو أن يكونَ كلُّ
__________
(1) في الأصل: "مقلداً".
(2) انظر "الكافية" ص 386 وما بعدها.
(3) في الأصل: "علَّةُ".
(1/474)

مَنْ فيه الحركةُ مُتحركاً، وجَوَّزَ كونَ مُتحرَك بلا حركةٍ، فلخَصْمِه أن يَقلبَ عليه القضيةَ، فيجعلَ الواجبَ ما أسقطَه، والساقطَ ما أوجبَه، فقال: بل المُتحركُ فيه حركةٌ، ومن فيه الحركةُ ليس بمتحرِّكٍ، فلا يَجِدُ انفصالًا عن القَلْبِ عليه.
والأصل في هذا: أنَا لَما وجدْنا حركةً واحدةً تحدثُ في الشيءِ فيكونُ مُتحرَكاً بحدوثِها فيه، وجبَ القضاءُ على كلُّ حركةٍ بمثلِ ما شوهدَ فيها، وعلى هذا القياسِ: أنَا متى وجدنا شيئاً واحداً لا يَتحركُ إلا بحدوثِ الحركةِ فيه، وجبَ على كلُّ متحركٍ غابَ أو حضرَ بمثلِ ما شوهدَ منها، فإن لم يَسْتحِلْ وجودُ مُتحرَكٍ لا حركةَ فيه، فكان هذا الحكمُ إنما يقعُ على الجسمِ المُشاهَدِ دون ما لا يَحتمِلُ الحركةَ، ولا بُدَّ من أن يكونَ مُتحركاً، فقد صارت هذه القضيةُ مانعةً من القضاءِ على الغائبِ بما أوجبَتْهُ العلةُ في الشاهدِ، ولم تنكرْ أن يكونَ في قُدرَةِ الله سبحانه حركةٌ يُجريها في شيءٍ لا يجوزُ عليه التحركُ، فلا يكونُ بحدوثِها فيه متحركاً، وليس حكمُ الغائبِ من المحدَثاتِ حكمَ الشاهدِ فيما وجَدْنا من عِلَله، فإن وجدنا دَلالةً تُثبتُ شيئاً لا يجوزُ عليه التحرُّكُ ولا بُدَّ من حُلولِ الحركةِ فيه متى يكوَنُ هذا، نظراً لقولِهم: عندنا دلالةٌ تُثبِتُ شيئاً لا بُدَّ من وصفهِ بالتحرُكِ ونَفْي الحركةِ عنه، وإلا فأصل ما يجبُ تجويزُه إذ ليس يُمكِنُ القطعُ على كلِّ غائبٍ بحكمِ ما شوهدَ، فيكونُ ذلك مانعاً من إثباتِه وتجويزِه، والشيءُ إذا لَم يَمنعْ منه مانعٌ، وجبَ تجويزُه، إلا أن تمنعَه بَديهةُ العقلِ، فيكونُ دفعُها أكبرَ الموانعِ منها.
(1/475)

ومن (1) أصولِ هذه الأبوابِ العظامِ أنهم إنما جعلوا الشيءَ مُتحركاً لأن فيه حركةً، فأوجبوا لذلك أن يكونَ كلًّ ما فيه الحركةُ متحرّكّاً، لأنهم لم يجدوا الحركةَ فيه قَطًّ إلا وهو متحرِّكٌ، ولم يجدوه مُتحرِّكاً إلا وفيه الحركةُ، ولأنهم رأوا وصفَ لفظِه في العقلِ على حقيقةٍ يُستيقَنُ (2) منها، وذاك أن عَقْدَك على أنه مُتحرِّكٌ هو كقولِك: هو مُتحرِّكٌ، لأنك اعتقَدْتَه من جهتِها كما وصفنا من جهتِها ولفظِها، وهذا يوجبُ أن يكونَ كلُّ متحرِّكٍ إذاً لحركةٍ فيه، لأنهم لم يجدوا مُتحرِّكاً قَطًّ إلا بحركةٍ، وقد وجدوا مُتحرِّكاً بغيرِها أو بنفسِه مُحالَاً، كما وجدوا قيامَ الحركةِ بنفسِها (3 ووجودَها فيما ليس بمُتحركٍ 3) مُحالًا، وإلا فلِمَ قَضَوْا بأن من فيه الحركةُ مُتحرِّكٌ، وما أنكروا من وجودِ حركةٍ تُخالِفُ الحركاتِ في هذا الباب، إذ قد جاز وجودُ متحرِّكٍ يخالفُ المتحرِّكِينَ، فمهما استشهدوا به فيَ الحركاتِ (4)، رجعَ عليهم في المتحرِّكينَ.
__________
(1) ورد قبل هذا في الأصل: "واعلم أنه من نفى شيئاً فادعى أنه نفاه بدليل ظاهر وحجة واضحة يمكن غيره معرفة إنكاره". وهو مقحم هنا، وسيرد في مكانه الصحيح في ألفصل القادم.
(2) كتبت في الأصل "يستقان".
(3 - 3) هذه العبارة مكررة في الأصل.
(4) في الأصل: "الحركتين"، ولعل الصواب ما أثبتناه في المتن.
(1/476)

فصل
في الكلام على جُهَالِ مُنتَحِلي الجدلِ في قولهم: ليس على النافي دليلٌ، ولَا على المُنكِرِ حُجةٌ لنفيِه وإنكارِه، وإنما ذلك على المُثبِتِ خاصَّةً، فهو المُدَعِي.
اعلم أن من نَفَى شيئاً وأنكرَه، وادَعى أنه نفاه بدليلٍ ظاهرٍ وحجةٍ واضحةٍ يُمكِنُ غيرُه موافقتَه له في ذلك النفي والإِنكارِ ومعرفتَه، وأنه لم يَنْفِه بالحَدْسِ والتخمينِ ولا بحِسٍّ تفردَ به عن ذوي الإِحساس (1)، كان عليه إقامةُ الدليلِ على صِحةِ نفيهِ، والبَينَةِ على إنكارِه، ولَيس بين إثباتِه ونفيه فرق الْبَتَةَ بحُجتِه التي ادعى وجودَها وظهورَها، كما أن من أثبتَ شيئَاً بحجةٍ ظاهرةٍ، كان عليه إثباتُه بحجتِه التي ادَّعاها، ولَزِمَه من الدَّلالةِ على صحةِ إنكارهِ ما عليه من الدَّلالةِ بصحةِ إثباتِه، وليس بين الإِثباتِ والنفي فرق الْبَتَةَ في كونِهما مذهباً واعتقاداً يَصدُرانِ عن دَلالةٍ أوجبَتْهما، وحجةٍ ساقَتْ إليهما.
فأمَّا تعلُّقُهم وتمثيلُهم ما نحن فيه من نفيِ الحقائِق ذواتِ الدَّلائل الظاهرةِ بحكمِ اللهِ سبحانه في باب الشرع، فإنه فاسدٌ؛ وذلك أن من ادُّعِيَ عليه مالٌ فأنكرَه، لا يَزعُمُ أنَ العقول والدلائلَ الظاهرةَ تدُلُّ على فسادِ ادِّعائِه عليه، وإنما غايةُ ما يَدعي أنه عرَفَه بمعرفةٍ تخصُّه؛ إذ لم يَجِدْ نفسَه آخذةً لذلك المالِ المُدعى عليه، وذلك أمرٌ لا يَظهرُ لغيرِه في حالِ إنكارهِ، والمنكِرُ للحقائقِ القائمةِ دلائلُها الظاهرةِ حُجَجُها يزعمُ أن له دليلَاً على إنكارِه، وحجةً على تخطئة خصْمهِ إيَّاه فيما
__________
(1) رسمت في الأصل: "الاحاس".
(1/477)

نفاهُ، وأنه لو استدلَّ خصمُه لأدركَ مثلَ الذي أدركه من النفيِ لِمَا نفاه، ولعرَفَ من صحةِ إنكارهِ ما عَرَفه هو، فهو في هذا القولِ مُثبتٌ لدليلِ إنكارهِ، وخصمُه مُخالِفٌ له فيه، وعلى مَنْ أثبتَ شيئاً يُخالَفُ فيه أن يَأْتِيَ بدليله إذا ادَّعى ظهورَه، فأمَّا مُدَّعِي المالِ فإنه يَدَّعِي أن له بَيِّنةً على صحة ادعائِه إيَّاه، فلذلك طُولبَ بإحضارها، ولولا أن العقولَ لا تُبطِلُ دعواه، لفَرَّقَ الناسُ بينهما، ولكن لَمًا كان ادِّعاءُ أحدِهما وإنكارُ الآخَرِ يستحيلان في العقول على كلُّ واحدٍ وصاحبِه، وإن كان مُنكِراً لمذهب يزعمُ أنه منكر المالَ، فقد ينبغي أن يزعُمَ أن الذي أسقطَه عندَ إقامةِ البرهانِ على إنكاره: أنه لا سَبيلَ إلى إقامتِه من العقل والحِسِّ إلا بأَخْذِ مَنْ لا سبيلَ له إلى معرفته من خصومه بتصحيحه له؛ إذ ليس لهم عليه دليلٌ ظاهرٌ، ولا يدعوهم إلى مثل ما هو عليه منه، وهذا ما لا يقولُ [به] المُتعلقونَ بهذا الجهلِ.
على أن المُنكِرَ للمال ما خُلِّيَ ومُجرً دَ إنكارِه، إذ لو كان مُخَلَّى (1) وإنكارَه، لكان مجرَّدُ قولِه في جواب المُدَّعي: أستَحِقُّ عليه مئةَ دِرهَمٍ: لا يَستحِق عليً شيئاً ممَّا ادَّعى، كافياً في الردِّ للدَّعوى استناداً (2) إلى براءَةِ الذِّمَّةِ في الأصل عقلًا وشرعاً، لكنْ لمًا أوجبَتِ الشريعةُ اليمينَ بالله سبحانه -وهي نوعُ حُجَّةٍ في الشرع على مذهب العارفين بالسنَنِ، كهي مع الشاهدِ، ومُعدَّدَةٌ في أَيْمانِ القَسامَةِ (3) - عُلِمَ
__________
(1) في الأصل: "محلا".
(2) في الأصل: "إسناداً".
(3) القَسامة- بالفتح-: اليمين، كالقَسَم، وتقدم بيانها في الصفحة (106).
(1/478)

أنه لم يَعْرَ المُنكِرُ من دَلالةٍ، وإنما كانت دَلالتُه دلالةً مخصوصةً، وليس الكلامُ في كيفيَّة الدَّلالةِ، لكنْ كلامُنا (1) في أصل الدَلالةِ، وما قُنعَ من المُنكِرِ إلا بدَلالةٍ وحجةٍ على صحة إنكارِه.
ويقالُ لصاحب هذه المقالةِ: إنك مُقابَلٌ فيما تعلَّقْتَ به من الإِنكار للمال بما أجْمَعَ عليه العلماءُ من وجوب الدليلِ على مُدَّعي التوحيدِ ومثبتِه، وليس حقيقةُ التوحيدِ إلا نفيَ التَّثْنِيَةِ والتَّثْليثِ، فإن إثباتَ الصانع أصل، والتوحيدُ مبنى عليه، فلا فَرْقَ بين قولِ القائلِ: دُلَّ على إثبات الواحدِ، وبين قولِه: دُل على نفي ما زادَ عليه، ومن أرادَ أصلَ الإِثباتِ قال: دُلَّ على الصانعِ، وليس إثباتُ الصانعِ من التوحيدِ في شيءٍ؛ لأنه ليس من ضرورة الصنعةِ أن تَصدُرَ عن واحد، لكن وجبَتِ الوَحْدَةُ للقديم سبحانه حيثُ كان التَمانُعُ دالّاً على وَحْدَتِه من حيث كونُه قديماً كاملَ الذَاتِ والصَفاتِ، واستحالَ الكمالُ بلزوم العَجْزِ. عند إثباتِ الثاني، فوجبَ كوُنه واحداً، فبانَ بهذه الجملةِ: أن التوحيدَ نفيٌ في الحقيقة لِما زادَ على الواحد، وقد وجبَتِ الدَلالةُ عليه.
ويقالُ له أيضاً: هل بين إنكارِك لما أنكرْتَه، وبين إقرارِ خصمِك به فرقٌ ظاهر للحِس أو للعقل؛ فإن قال: لا، فقد صارَ إلى أنه لا فَرْقَ بين الحقِّ والباطلِ، وإن قال: نعم، قيل له: فهل يَلزَمُ دليلُ الفرقِ
__________
(1) في الأصل: "كلاماً".
(1/479)

بينهما؟ فإن قال: لا، فقد صار قائلًا بالفرقِ بين مَذهبينِ لا لِمُفرق (1)، وذلك باطل أيضاً، وإن قال: بلى يَلزَمُني دليلُ الفرقِ. فقد أَقَر بأنه يَلزَمُه إقامةُ الدَّلالةِ عليه، وفي هذا يطلانُ حيلتِه.
ويَدخُلُ على أصحاب هذه المقالةِ أن يُسقِطُوا إقامةَ الحُجَّةِ عن نافي (2) الرَّبِّ، والرُّسلِ، والكتب، والشرائعِ؛ لأنهم مُنكِرون، والمُنكِرُ لا بَيِّنةَ عليه في أن نفيَه اوْلى بَالحق من إثبات خصمِه، وإنما يجبُ هذا على المُقِرِّ، ومن صار إلى هذا أبطلَ مسائلَ المُوحَدينَ على المُلحِدينَ.
فإن كان المُتعلق بهذا مُلحِداً، بَطَلتْ مسائلُه على أصحاب الحدوثِ؛ لأنهم منكرون القِدَمَ وهو يُقِرُّ به، والمُنكِرُ لا بَيِّنةَ عليه، إنما البيِّنةُ على من اقر به، فإن قال: إذا ادعيت [القِدمَ] (3)، فلَعمْرِي إن على إقامةَ البَينةِ عليه، فأمَّا إنكاري للحَدَثِ فليس عليَّ فيه بَينةٌ. قلنا له: حدِّثن