Advertisement

الواضح في أصول الفقه 002


الوَاضِح في أصُولِ الفِقه

تأليف
أبي الوَفاء عَلي بن عَقيل بن مُحمَّد بن عَقيل
البَغدادي الحَنبلي (513 ه)

تحقيق
الدكتور عَبد الله بن عَبد المُحسن التركي
وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد

الجزء الثاني

مؤسسة الرسالة
(/)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(2/2)

الوَاضِح في أصُولِ الفِقه
2
(2/3)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

جَميع الحقُوق مَحفوظة للناشِر
الطبعة الأولى
1420 ه - 1999 م

مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع
وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - بنايه المسكن، بيروت - لبنان
تلفاكس: 319039 - 815112
فاكس 603243 ص. ب: 117460

AL- Resalah PUBLISHERS
BEIRUT/LEBNON - Telefax: 815112 - 319039
fax: 603243 - P.O.Box: 117460
Email: Resalah@Cyberia.net.lb
(2/4)

فصل
في مراتب الأدلَّةِ الشَّرعيةِ على الأحكام الفِقهيَّةِ
اعلم أن الأصلَ في الدلالةِ والمبتدَأ به في أوَّلِ مراتِبها: كتابُ اللهِ تعالى، والدَّلالةُ على ذلك من طريقين: النطقِ، والاستنباطِ.
فالنطقُ: قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لمُعاذٍ -رحمةُ اللهِ عليه- حيثُ بعثَه إلى اليمن قاضياً: "بمَ تَحكُمُ"؛ قال؛ بكتاب اللهِ، قال: "فإن لم تَجِدْ"؟
قال: بسُنةِ رسولِ الله، قال: "فإن لم تَجدْ"؛ قال: أجتهدُ رأي ثم لا آلُو (1)، فحَمِدَ اللهَ على توفيقه لذلك. ولو سكتَ عنه، لكان كافياً
__________
(1) أخرجه الطيالسي (559)، وابن سعد في "الطبقات" 2/ 347 - 348، و) حمد 5/ 230 و236 و242، وعبدبن حميد (124)، والدارمي 1/ 60، وأبو داود (3592) و (3593)، والترمذي (1327) و (1328)، وابن حزم في "الإحكام" 7/ 111 و111 - 112، والبيهقي 10/ 114، والخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" 1/ 154 - 155 و 188 و 188 - 189، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" 2/ 55 - 56 و56 من طرق عن شعت نجن الحجاج، عن أبي عون محمد بن عبيد الله الثقفي، عن الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة، عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه. ووقع عند الطيالسي ومن رواه من طريقه: " .. عن أصحاب معاذ من أهل حمص -وقال مرة: عن معاذ-، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم .... "، وجاء في رواية علي بن الجعد عن شعبة عند ابن عبد البر في موضع: " .. الحارث بن عمرو، عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن معاذ بن جبل .. ".
(2/5)

من حيثُ كونُه إقراراً.
وإنما ابتُدىءَ بكتاب اللهِ تعالى؛ لأنه قَطْعِيٌ من جهة النَقْلِ المعصوم، ومن جهة الإِعجازِ المأمونِ معه التَحريفُ والزَيادةُ والنُقصانُ؛ إذ لا يَقبلُ غيرَه من الكلام، ولا يَختلِطُ به شيءٌ من القول المُتضمِّنِ للأحكامِ وغيرِ الأحكامِ، هذا تقديمٌ أوجَبَتْه قُوَّةُ الدَلالةِ.
والثاني (1): أنه أفضلُ الأدلَّةِ؛ إذ كان كلاماً الله سبحانه.

فصل
ودَلالةُ الكتابِ الكريمِ من وجهين: نَصٍّ وظاهِرٍ.
والعمومُ أحدُ قِسْمي الظاهرِ على قولِ مَنْ أثْبَتَ له صيغةً (2)، ومَنْ
__________
وإسناد هذا الحديث ضعيف. انظر كلام أهل العلم عليه مستوفى في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" للشيخ الألباني 2/ 273 - 286.
(1) أي الطريق الثاني للدلالة على أنه يبتدأ بكتاب الله سبحانه.
(2) هذا مذهب جماعة الفقهاء، وجمهور الأصوليين والمتكلمين؛ فبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وداود الظاهري، وعامة أصحابهم، وهو قول جماهير المعتزلة. انظر "المعتمد" 1/ 195، و "البرهان" 1/ 321، و "المستصفى" 2/ 36، و"إلِإحكام في أصول الأحكام " للآمدي 2/ 293، و "الوصول إلى الأصول" 1/ 206، و "البحر المحيط" 3/ 17 - 18، و"أصول السرخسي" 1/ 132، و"فواتح الرحموت" 1/ 260، و"العدة" 2/ 485 - 489، و"المسودة" ص 89، و "التمهيد" 2/ 6، و"منتهى الوصول والأمل" ص 75، و"إحكام الفصول" ص 133، و"الإحكام" لابن حزم 3/ 98، و"إرشاد الفحول" ص 115.
(2/6)

أثبتَ حُكْمَه بالقَرينةِ (1).
__________
(1) وهؤلاء فريقان:
1 - أصحاب الخصوص، الذين قالوا: إنه ليس للعموم صيغة تخصه، وأن ما ذكروه من الصيغ موضوع للخصوص، وهو أقل ما يتناوله اللفظ، ولا يقتضي العموم إلا بقرينة.
أو: إن هذه الصيغ حقيقة في الخصوص، ومجاز فيما عداه.
وهذا الرأي ينسبه الأصوليون إلى أبي الحسن بن المنتاب من المالكية، ومحمدبن شجاع الثلجي من الحنفية، وحكي عن جماعة من المعتزلة.
2 - الواقفية، الذين قالوا: إنه ليس للعموم صيغ تقتضيه بمجردها، بل اللفظ فيها مشترك بين الواحد اقتصاراً عليه، وبين أقل الجمع فما فوقه اشتراكاً لفظياً، فيما يحمل من الصيغ على الواحد ك "من، وما، وأي" ونحوها، وأما ألفاظ الجموع فهي مشتركة بين أقل الجمع وبين ما فوقه اشتراكاً لفظياً، ولا يجوز حمل أي منها على العموم أو غيره إلا بقرينة تدل على المراد بها.
أو: إنا لا نعلم أوضعت هذه الصيغ للعموم أم لا؟ أو إنا نعلم أنها وضعت للعموم، ولكن لا ندري أحقيقة هي أم مجاز؟ مشتركة هي أم ظاهرة؟ فيجب التوقف فيها حتى يقوم الدليل على المقصود بها.
والقول بالوقف مذهب أبي الحسن الأشعري، والقاضي أبي بكر الباقلاني، والقاضي أبي جعفر السمناني، ووافقهم عليه محمد بن عيسى الملقب ببرغوث، وأحمد بن يحيى الراوندي من متكلمي المعتزلة.
ونقل جماعة من الأصوليين القول بالاشتراك بين العموم والخصوص مبايناً للقول بالوقف، وحكوه مذهباً آخر لأبي الحسن الأشعري، والله أعلم. انظر "البرهان" 1/ 320 - 322، و"المعتمد" 1/ 194 - 195، و "المستصفى" 2/ 36 - 37، و"البحر المحيط" 3/ 17 و20 - 25، و"منتهى الوصول والأمل" ص 75، و"الوصول إلى الأصول" 1/ 206 - 207، و"الِإحكام" للآمدي 2/ 293 - 294، و"أصول السرخسي" 1/ 132، و "فواتح الرحموت" 1/ 260، و"الِإحكام" لابن حزم 3/ 97، و "إحكام الفصول" ص 133 و141، و"العدة" 2/ 489 - 490، =
(2/7)

وعَدَّه قومٌ وجهاً ثالثاً (1)، ولا وجهَ لذلك عندي؛ إذ كان العمومُ إنما يَدُل بظاهره، ولذلك يُصرَفُ عن شمولِه واستغراقِه إلى الخصوصِ بالدَّلالةِ التي يُصرَفُ بها عن وجوبِه إلى النَدْبِ، والنَّهيُ عن حَظْرِه إلى التَنزيهِ.

فصل
فأمَّا النَص: فهو النُطقُ الذي انتهى إلى غايةِ البيانِ، مأخوذٌ من مِنَصةِ العَرُوسِ، وقيل: ما استوى ظاهرُه وباطنُه، وقيل: ما عُرِفَ معناه من نطقِه، وقيل: ما لا يحتمِلُ التأويلَ (2).
وأما عين النص: فقولُه: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الانعام: 151] وبينَتِ السُّنَة المستثنَى بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يَحِلُّ دم امرِىءٍ مسلم إلا بإحدى ثلاثٍ: كفرٌ بعد إيمانٍ، أو زنىً بعد إِحْصانٍ، أو قتل نفس بغير نفسٍ" (3).
__________
= و"المسودة" ص 89، و"التمهيد" 2/ 6 - 7، و"إرشاد الفحول" ص 115 - 111.
(1) انظر "شرح اللمع" 2/ 147.
(2) أورد المصنف جميع هذه التعريفات في الصفحة (33) من الجزء الأول.
(3) أخرجه الطيالسي (289)، وأحمد 1/ 382 و428 و 444 و 465 و6/ 181، والدارمي 218/ 2، والبخاري (6878)، ومسلم (1676) (25) و (26)، وأبو داود (4352)، وابن ماجه (2534)، والترمذي (1402)، والنسائي 7/ 90 - 91 و 8/ 13، وابن حبان (4407) (4408) (5976) (5977)، والدارقطني 3/ 82 و82 - 83، والبيهقي 8/ 19 و 194 - 195 و 202 و213 و283 - 284، والبغوي (2517)، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا =
(2/8)

ومن النص أيضاً: قولُه تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2].

فصل
في حكمِ النَّصِّ
وأما حكمُ النَّصِّ: فتَلقِّيهِ (1) بالاعتقادِ له والعملِ به، ولا يُترَكُ إلا بنص يُعارِضُه.

فصل
وهو (2) أعلى مراتب أدِلةِ الكتاب، كما أن الكتابَ أعلى مراتب الأدلةِ في الجُملةِ.

فصل
وعينُ الظاهرِ على ضَرْبينِ: ظاهر بوضعِ اللغة: كالأمرِ يَترجحُ إلى الإِيجاب مع احتمالِه النَدبَ، وكالنَهي يحتمِلُ التَحريمَ والكراهةَ والتَنزيهَ، وهو في التحريمِ أظهرُ، وإليهَ أمْيَلُ، وكسائرِ الألفاظِ المُحتمِلةِ (3) لمَعْنيين وهو في أحدِهما أظهرُ.
__________
= بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة".
وفي الباب أيضاً عن عثمان بن عفان، وعائشة، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم.
(1) في الاصل: "تلقيه"، والجادة ما أثبتناه؛ للزوم الفاء في جواب أما.
(2) يريد: النص.
(3) صورتها في الأصل: "المجملة"، وهو تحريف وانظر أيضاً ما تقدم في الصفحة (33 - 34) من الجزء الأول.
(2/9)

فصل
في حُكْمِه
[حكمُه] (1): أن يُحمَلَ على أظهرِ المَعْنيين، ولا يُحمَلَ على غيره إلا بدليلٍ.
وأما الظاهرُ بوضعِ الشَرعِ، كالأسماءِ المنقولِة من اللغة إلى الشرعِ عند من أثبتَ النقلَ، كالصلاةِ نُقِلَتْ من الدُّعاءِ في اللُّغةِ إلى هذه الأفعالِ المخصوصةِ، والحَجُّ في اللغةِ: القَصْدُ، ونُقِلَ إلى هذه الأنْساكِ المخصوصةِ.
والأشبهُ عندي: أنها مَزيدَة غيرُ منقولةٍ؛ لأن في الصلاة الشرعية دعاءً مًشترَطاً (2) على أصلنا، وهو ما تَتضمُه الفاتحةُ التى لا تَتِمُّ الصلاةُ إلا بها من قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] وما تتضمَّنُه من دعاءِ التشهُّد، وهو واجب عندنا بما ثبتَ من الآثارِ (3).
والحجُّ (4) وإن كان أفعالًا وأنساكاً، لكنْ لا بُدَّ لكل نُسُكٍ من قصدٍ إلى مكانِه، حتى المَكَيُّ لا يزالُ يَقصِدُ ما بين عَرَفاتٍ إلى مِنىً، إلى مَحلِّ الطَّوافِ والسعْيِ.
__________
(1) ليست في الأصل.
(2) بم في الأصل: "ومشترط".
(3) انظر "المغني" (2/ 226 - 227).
(4) تحرفت في الأصل إلى: "الحجج".
(2/10)

فبَقِيَتِ الصلاةُ دعاءً في أفعال، والحجُّ قصداً (1) إلى مَحالِّ أنساكٍ، فما خرجَ الدعاءُ والقصد عن أصلهما، ولا استحالا عن معناهما.
وكذلك النِّكاح: الجمع، وهو على الجمع في الوَطْءِ لجمع الذَّاتَيْنِ، وفي العَقْدِ لجمعِ الشَّمْلِ المفضي إلى الجمع بين الزَّوجَيْنِ، فأين النقل مع هذه الحالِ؟
فإن قيل: مع ما ذكرْتَ من الِإبقاءِ على حقائقِ الأسماءِ فيما ذكرْتَ، فلا بُدَّ من نقلٍ؛ لأن اسمَ الصلاةِ كان لمَحْضِ الدُّعاءِ، وهو الرَّغْبَةُ إلى الله سبحانه والسؤالُ له، وصار واقعاً على ركوعٍ وسجودٍ وليس بدعاءٍ، فقد نقِلَ، ألا ترى أنّا كنا نسلُبُ الاسمَ عن القراءةِ والقيام والرُّكوعِ إذا سُئِلْنا عنه: هل هو دعاء؟ فنقول: لا، وإن قيل لنا: هلَ هو صلاة؟ فقلنا: لا، فلمّا جاءَ الشرع، قلنا: إنه صلاةٌ وليس بدعاءٍ، وخَصَّصْنا قولَه: "رَبِّ اغْفِرْ لي"، "اللهم صلِّ على محمَّدٍ وآلِ محمدٍ"، بأنه صلاة شرعيَّةٌ ودعاءٌ، فقد تحقَّقَ النقلُ في الأفعال؛ حيثُ صار في الشرع صلاةً وليس بدعاءٍ، بعدَ أن لم يَكُنْ صلاةً في اللُّغةِ ولا دعاءً.
قيل: يجوزُ أن يكونَ الاسم اقتصرَ على الأْفعال؛ لأنها أحوالٌ للراغب الطالب، والخضوعُ بهذه الأفعالِ المخصوصةِ بين ركوعٍ وسجودٍ إنما يثبت على طلب الإِثابةِ من الله والرَّحمة، فغَلَبَ فيها اسمُ القصدِ بها، واقتصرَ على الأَفعالِ التابعةِ للطلبِ والرغبةِ، وهو الدعاءُ
__________
(1) في الأصل: "قصد".
(2/11)

لفظاً ومعنىً، كما أن المُحارِبَ يُسَمى بالمِحْراب (1) حالَ مُجاوَلَتِه (2) في الكَرِّ والفرِّ، والواطىء يُسَمَّى مُجامِعاً حالَ الإيلاجِ والنزْعِ، وبين الكَرِّ والفَرِّ تضادٌّ، وبين الإيلاج والنَّزعِ تضادٌّ، لكنْ لَما كان مُعتاداً في الفِعْلينِ، اقتصرَ عليه حكمُ الاسمين، كذلك الخضوعُ من الراغب الدَاعي تابعٌ لدعائِه، إذ لا مقصودَ له في ذلك إلا طلبُ ثمرِ ذلكَ الخضوعِ، وهو الإثابةُ والجزاءُ على التضرُّعِ، والدعاءُ عنوانُ قصدِه، وحكايةُ ما في نَفْسِه.

فصل
وحكمُ هذا المُختلَفِ في نقله وتبقيتِه: أن يُحمَلَ على ما نُقِلَ إليه أو ضُمَّ إليه على الخلاف المعروفِ، ولا يُحمَلَ على غيره، ولا يَبْقى على مُجرَّدِ أصلِه من غير الزِّيادةِ إلا بدَلالةٍ.
ولأصحاب الشافعي -رحمةُ الله عليه- في النقلِ وجهان، وسأذكرُهما (3) في الخلافِ إن شاء الله (4).
__________
(1) في الأصل: "بالحراب"، ولعلها محرفة عن: "بالمِحْراب"، فإنه يقال: رجل محْراب: أي شديد الحرب شجاع، أو صاحب حرب.
(2) يقال: جال: إذا ذهب وجاء، ومنه: الجَوَلان في الحرب، وجال القوم جَوْلَةً: إذا انكشفوا ثمً كَروا. "اللسان" (جول).
(3) في الأصل: "وساذكرها"، والأنسب بالمقام ما أثبتنا.
(4) انظر الصفحة 422 وما بعدها من هذا الجزء.
(2/12)

فصل
والعمومُ على قول مَنْ اثْبَته صيغةً من جُملةِ الظاهرِ، وقد قدمنا حَدَّه (1).
فأمَّا عينُه في الإثبات: فكقوله سبحانه: {فاقْتُلوا المُشْركين} [التوبة: 5]، وقولِ النَبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ بَدَلَ دينَه فاقتلُوه" (2)، وسائرِ أَسماءِ الجُموعِ، وفي النفْيِ في النَكِراتِ: "لا يُقتَلُ مُسلِم بكافر" (3)، "لا نَذْرَ في مَعْصِيةِ اللهِ" (4).
فحكمً هذا: اعتقادُ حكمِ عمومِه إثباتاً ونفياً، ولا يُخَص شيء منه
__________
(1) انظر الصفحة (34) من الجزء الأول.
(2) سلف تخريجه في الصفحة (39) من الجزء الأول.
(3) أخرجه ضمن حديث مطول عبد الرزاق في "المصنف" (18508)، وأحمد 1/ 79 و 122، والدارمي 2/ 190، والبخاري (111) و (3047) و (6903) و (6915)، وأبو داود (4530)، وابن ماجه (2658) والترمذي (1412)، والنسائي 8/ 19 و19 - 20 و23 - 24 و24، وابن الجارود (794)، والطحاوي في "شرح معاني الأثار" 3/ 192، والبيهقي 8/ 28 و28 - 29 و29 من حديث علي بن أبي طالب.
وفي الباب أيضاً عن عبد الله بن عمرو، وابن عمر، وابن عباس.
(4) أخرجه أحمد 4/ 430 و433 - 434، ومسلم (1641)، وأبو داود (3316)، وابن ماجه (2124)، والنسائي 7/ 19 و27 - 28 و28 و29 و30، والبيهقي 10/ 68 - 69 و70 من حديث عمران بن حصين.
وأخرجه أحمد 6/ 247، وأبو داود (3290) و (3291) و (3292)، وابن ماجه (2124)، والترمذي (1524)، والنسائي 7/ 26 و26 - 27 و27، والبيهقي 10/ 69 من حديث عائشة.
(2/13)

إلا بدَلالةٍ صالحةٍ لتخصيص العمومِ، على الخلاف الذي نذكرُه إن شاءَ اللهُ في مسائل الخلافِ (1).

فصل
وأما الاسمُ المُفرَدُ إذا عُرِّفَ بالألفِ واللَّامِ، كالرجلِ، والمسلمِ، والمشركِ: فقد اخْتلَف فيه أهلُ الجدلِ:
فمنهم: من جعلَه من ألفاظ العمومِ.
ومنهم: من أخرجَه من العمومِ.
والأشْبَهُ: أنه من ألفاظ العموم (2)؛ إذ كان دخولُها لإِعادة التَّسميةِ إلى مذكورٍ، مثل قولِنا: دخلتُ السُّوقَ فرأيتُ رجلَاً، ثم عُدْتُ فرأيتُ الرَّجلَ، وليس ذلك في الابتداءِ، فلم يعمَلْ دخولها إلا إعادةَ الاسمِ إلى جنسِ الرِّجالِ والنَساءِ.

فصل

ومن أعْيانِ ألفاظِ العموم: الأسماء المُبْهَمةُ، ك "منْ" فيمن يَعقِلُ، و"ما" فيما لا يعقِلُ، و"أيّ" فيَ الجميعِ، و"أين" في المكانِ، و"متى" في الزَّمانِ، فذلك كلُّه من ألفاظ العمومِ.
وحُكْمُه: أن يُحمَلَ على عمومه إلأ أن يَخُصَّه دليلٌ، فيخرج عنه ما خَصَّه الدليلُ (3).
__________
(1) في الجزء الأخير من الكتاب.
(2) انظر ما تقدم في الصفحة (35) من الجزء الأول.
(3) انظر أيضاً ما تقدم في الصفحة (36) من الجزء الأول.
(2/14)

فصل
في المَرْتَبةِ الثانيةِ من أدِلَّةِ الأحكامِ الشرعيةِ، وهي: السنَةُ.
وهي ثلاثُ مراتبَ:
فالأُولى منها: القولُ، وهو مُنقسِمٌ قِسْمَينِ: مُبتدأٌ، وخارج على سببٍ.
فالأوَّلُ: المُبتدأ: وهو مُنقسِم قسمين: نَصٌّ، وظاهرٌ، ومن جملةِ الظاهرِ: العمومُ، على ما بيَّنَّا في الكتابِ (1).

فصل
فأمَّا النصُّ: فكقوله - صلى الله عليه وسلم -: "في الرقَةِ رُبْعُ العُشْرِ" (2)، "فيما سَقَتِ
السماءُ العُشْرُ" (3)، "في أرْبَعينَ شاةً شاةٌ" (2).
وحكمُ ذلك: إيجابُ تَلَقَيهِ باعتقادِ وجوبِه والعمل به، ولا يُترَكُ إلا بنصٍّ يُعارِضُه، ونسخٍ يَرفَعُ حكمَه.
والظَّاهرُ: كقوله صلى الله عليه وسلم لأسماءَ في دم الحَيْضِ: "حُتِّيهِ، ثم اقْرُصِيهِ، ثم اغْسِليهِ بالماءِ" (4)، يُحمَلُ على الوجوبِ، ولا يُصرَفُ إلى الاستحباب إلا بدليلٍ.
__________
(1) راجع لذلك ما سلف في الصفحة (38) من الجزء الأول.
(2) هو جزء من حديث أنس رضي الله عنه في الصدقات، وقد سبق تخريجه في الصفحة (37) من الجزء الأول.
(3) تقدم تخريجه في 1/ 189.
(4) تقدم تخريجه في الصفحة (38) من الجزء الأول.
(2/15)

والعمومُ: كقوله صلى الله عليه وسلم:" ليس في المال حَقٌّ سوى الزَّكاةِ" (1)، "ليس للمَرْءِ إلا ما طابَتْ به نفسُ إمامِه" (2)، فيَعُمُّ سائرَ الحقوقِ إلا ما خَصَّه الدليلُ من الغراماتِ والكَفاراتِ والدِّيَاتِ.
__________
(1) أخرجه بهذا اللفظ ابن ماجه (1789) عن علي بن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن آدم، عن شريك، عن أبي حمزة -وهو ميمون الأعور-، عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس مرفوعاً.
وقد خالف عليّ بن محمد أبو كريب محمد بن العلاء فرواه عند الطبري في "التفسير" (2527) عن يحيى بن آدم، بهذا الإسناد، فقال فيه:، إن في المال حقاً سَوى الزكاة". وهو الصواب، فقد رواه بهذا اللفظ الترمذي (654)، والبيهقي 4/ 84 من طريق الأسود بن عامر شاذان، والدارمي 1/ 385، وعنه الترمذي (655) عن محمد بن الطفيل، والطبري (2530) من طريق أسد بن موسى، والدارقطني 2/ 125 من طريق بشر بن الوليد ومنصوربن أبي مزاحم، خمستهم عن شريك بن عبد الكه النخعي، به.
والحديث إسناده ضعيف، قال الترمذي: ليس إسناده بذاك، وأبو حمزة ميمون الأعور يضعف، وروى بيان واسماعيل بن سالم عن الشعبي هذا الحديث قوله، وهذا أصح.
قلت: ورواية إسماعيل بن سالم خرجها الطبري في" تفسيره" (2525)، وإسماعيل هذا ثقة، وإسناد الطبري إليه صحيح.
وقال البيهقي: هذا حديث يعرف بأبي حمزة ميمون الأعور، كوفي، وقد جرحه أحمدبن حنبل ويحيى بن معين فمن بعدهما من حفاظ الحديث.
قلت: وفي إسناد الحديث علة أخرى غير أبي حمزة لم يشر إليها الترمذي ولا البيهقي وهي سؤ حفظ شريك بن عبد الله النخعي.
(2) لم نجد هذا الحديث.
(2/16)

فصل
وأما القِسْمُ الثاني -وهو الخارجُ على سببٍ-: فمُنقسِم قسمين:
مُستَقل دون السبَبِ: كما رُوِيَ عنه صلى الله عليه وسلم أنه لما قيل له: "إنك تَتَوضأ من بئرِ بُضاعَةَ، وهي تُطرَح فيها المحائضُ ولحومُ الكلاب وما يُنجي (1) الناسُ، قال: "الماءُ طَهُورٌ لا يُنجسُه شيء إلا ما غَير طعْمَه أو ريحَه" (2)، فحكمُ هذا في استقلاله بنفسه حكمُ القولِ المُبتدإ، وقد سَبقَ بيانُه وانقسامُه.
وقد ذهب بعضُ الفقهاءِ من أصحاب الشافعي إلى أنه يُقصَرُ على السبب الذي ورَدَ فيه (3)، وليس بصحيحٍ؛ لأنه سُئِلَ - صلى الله عليه وسلم - عن بئرٍ
__________
(1) في الأصل: (يتنجى).
(2) سبق تخريجه في الصفحة (39) من الجزء الأول.
(3) هو اختيار إسماعيل بن يحيى المزني، وأبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي، وأبي بكر محمد بن محمد الدقاق من أصحاب الشافعي كما عزاه اليهم غير واحد، بل إن إمام الحرمين نسبه إلى الإمام الشافعي نفسه، فقال في "البرهان": فالذي صح عندنا من مذهب الشافعي اختصاصها به. يعني: اختصاص صيغة العموم بالسبب الوارد بها، وتابعه على هذا النقل الرازي في "المحصول"، والأمدي في "الإحكام"، لكن حقق كثير من أئمة الشافعية أن الصحيح من مذهب الشافعي خلافه: وهو أن اللفظ العام المستقل بنفسه الوارد على سبب خاص من سؤال أو واقعة، يجب حمله على عمومه، كما نقل ذلك الزركشي في "البحر المحيط" -ورجحه- عن الشيخ أبي حامد، والقاضي أبي الطيب، والماوردي، وابن برهان في "الأوسط". والرازي في "مناقب الشافعي"، وذكر عن ابن السمعاني في" القواطع": أن عامة الأصحاب يسنده الى الشافعي. ورجحه أيضاً الإسنوي في "نهاية السول"،
(2/17)

بعَيْنِها، فعَدَل عن ذِكْرِ مائِها المخصوصِ بها، وأجابَ عن الماء الذي هو أصل، فدَل ذلك على أنه أرادَ بيانَ حكمِ الماءِ، ولم يُرِدْ بيانَ حكم يَختصُّ البئرَ؛ لأن السؤالَ مخصوصٌ، وجوابه عائم، فكان الاعتبار بنطقِه العامَ، دونَ سؤالِ السائلِ الخاصَ، لاسِيما والنبيُّ [صلى الله عليه وسلم]، أخرجَ جَوابه بخلاف سؤالِ السائلِ، ولا يَفعَل ذلك إلا لغَرض صحيح، وهو: إفادةُ حكمِ ما سألَ عنه وما لم يسألْ عنه، ولا تَسقط فائدةُ لفَظِ الشارع نظراً إلى اقتصار السائلِ في سؤاله عن بعض المياهِ، والشارع عليه الَسلام عم بالحكم جميعَ المياهِ.
والقسم الثاني من الخارج على السَّبَب: ما لا يَستقِل بنفسه دونَ السببِ، مثلُ ما رُويَ عن السائل عن لَطْم (1) أمَتِه الرَّاعِيَةِ؛ حيثُ أكلَ الذئب شاةً من غنَمِه، وأنه أخَذهُ ما يأخذَ الرجلَ على تَلَفِ مالِه (2)،
__________
= وتاج الدين السبكي في "الِإبهاج". انظر "البرهان" 1/ 372 - 373، و "اللمع" ص 38، و"البحر المحيط" 2/ 203 - 210، و"الإحكام" 2/ 347، و"المحصول" 3/ 125، و" الإبهاج في شرح المنهاج" 2/ 184 - 186، و"نهاية السول" 2/ 476 - 480.
(1) في الأصل: "قتل"، وورد في هامشه: "كذا في الأصل، صوابه: لطم".
(2) أخرجه الطيالسي (1105)، وابن أبي شيبة 11/ 19 - 20، وأحمد 45/ 447 و 448، ومسلم (537) (33)، وأبو داود (930) و (3282)، والنسائي 3/ 14 - 18، وابن حبان (165)، والبيهقي 10/ 57 من حديث معاوية بن الحكم السلمي، قال: كانت لي غنيمة ترعاها جارية لي في قبل أحد والجوانية، فاطلعت عليها ذات يوم وقد ذهب الذئب منها بشاة، وأنا من بني آدم آسف كما يأسفون، فصككتها صكة، فعظم ذلك علي، فاتيت =
(2/18)

وما رُويَ أن أعرابياً قال له: جامَعْتُ امرأتي في نهار رمضانَ (1)، فقال لكلِّ واحدٍ منهما: "أعْتِقْ رَقَبَةً"، فيصيرُ قولُه - صلى الله عليه وسلم - مع سؤالِ السائل كالقولِ الواحدِ، فتقديرُه: أعتِقْ رقبةً إذا لَطَمْتَ (2) أمَتَك، وأعتِقْ رقبةً، إذا جامعْتَ في نهار رمضانَ زوجتَك.

فصل
ومن جُملةِ أقسامِ السنةِ: فعلُ النبى - صلى الله عليه وسلم -، وهو منقسِمٌ قسْمينِ:
أحدُهما: ما فَعَلَه على غير وجهِ القُرْبةِ، كالأكلِ، والشُرْبِ، والمَشْيِ (3): فيَدُلك ذلك على الإباحةِ والجوازِ؛ لأنه لا يَفعلُ ما نُهِيَ
__________
= رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقلت: أفلا أعتقها؛ قال: "ائتني بها" فأتيته بها، فقال: "أين الله؟ "، قالت: في السماء، قال: "من أنا؟ " قالت: أنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال:" أعتقها فإنها مؤمنة".
(1) تقدم تخريجه في الصفحة (40) من الجزء الأول.
(2) في الأصل: "قتلت".
(3) عامة أهل العلم على أن أفعاله صلى الله عليه وسلم الجبلية الصادرة بمقتضى طبيعته صلى الله عليه وسلم والتي ليست على وجه القربة، كالقيام والقعود والأكل والشرب والمشي وغيرها، تدل على الإباحة له - صلى الله عليه وسلم - ولأمته، وهو المشهور، المحكي في كتب الأصول الاتفاق عليه وعدم المنازعة فيه، لكن نقل القاضي أبو بكر الباقلاني عن قوم ولم يعينهم أنه مندوب، وحكى الباجي في "إحكام الفصول" أنه مذهب لبعض المالكية، وتابعه عليه القرافي في "شرح تنقيح الفصول". واشتهر عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه كان يتتبع مثل هذا ويقتدي به، كما هو منقول عنه في كتب السنة المطهرة. انظر "الإحكام" 1/ 247، و"نهاية السول" 3/ 17، و"سلم الوصول" 3/ 17، و"البحر المحيط " 4/ 177، و"التلويح على التوضيح" 2/ 14، و"التقرير والتحبير" 2/ 302، و"فواتح =
(2/19)

عنه، وهذا يَصفُو دليلاً على الإباحة، ويَخلُصُ دليلاً على الجواز في حق مَنْ قال بعصْمَتِه - صلى الله عليه وسلم - من الخَطَا، فتقعُ أفعالُه كلها من هذا القبيلِ مُباحَةً، ومُبِيحةً لأُمَّتِه، وهم المعتزلةُ والإماميةُ.
فأمَّا على قول أهلِ السُّنةِ، وهو مذهبُنا: فإنه لا تقعُ منه هذه الأفعالُ دالَّةً على الإباحة إلا مشروطةً بأن لا يَتعقبَها مَعْتبةٌ من الله، أو استغفارٌ منه واستدراك؛ حيثُ كان لا يُقَر على الخطإ، على قول من جَوزَ عليه الخطأ، وهذا ملحوظٌ في هذا الفصلِ على مَنْ أغفلَه، مُستدرَك على مَنْ أهْمَلَه، بل أطلقَ القولَ إطلاقاً.
ونَكشِفُ ذلك بمثال قد كان منه - صلى الله عليه وسلم -، وهو أنه استغفرَ للمُشركينَ، وقامَ على قبور المُنافِقينَ، حتى قال الله سبحانه: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة: 84]، وقال: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 113] فلو أن قائلًا قال بإباحةِ ما قالَهَ من الاستغفارِ للمشركين، والصلاةِ والقيامِ على قبور المنافقين، لكان مبادراً بإباحة ما لم يَكُ مباحاً، فلا بُدَّ من هذا القَيْدِ مع تجويزِ الخطأ عليه - صلى الله عليه وسلم -، وأنه إنما يَدُلُّ على الإباحة إذا أقِر عليه، ولم تَأتِ لائمةٌ من الله سبحانه على ما قالَه أو فعلَه، فحينئذٍ يصيرُ دَلالةً على الجوازِ.
وأما القسمُ الثاني من فعلِه - صلى الله عليه وسلم -، وهو ما فعلَه على وجه القُرْبَةِ:
فهو على ثلاثة أضْرُبٍ:
__________
= الرحموت" 2/ 180، و"شرح تنقيح الفصول" ص 288، و"منتهى الوصول" ص 34 - 35، و"إحكام الفصول" ص 223، و"العدة" 3/ 734، " و" شرح الكوكب المنير" 2/ 178 - 179، و"إرشاد الفحول" ص 35.
(2/20)

أحدها: أن يكونَ امتثالًا لأمرٍ، فانْظُرْ في ذلك الأمرِ:
فإن كان أمراً مُطلَقاً أو مُقَيداً بالإيجاب: فذلك الفعلُ منه واجب، وانما كان كذلك؛ لأن النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لا يُهَمِلُ أمراً اتجَهَ نحوَه من الله سبحانه، فالظاهرُ من فعله أنه امتثالٌ للأمرِ بتلك القُرْبَةِ على الوجه الذي أمِرَ بها.
وإن كان الأمرُ نَدْباً: كان فعلُه نَدْباً؛ لأن الظاهرَ من حاله - صلى الله عليه وسلم - امتثالُ الأمرِ بحَسَبه، وعلى الوجه الذي أمِرَ به؛ لأن إيجابَ اتباعِنا له مَبْنِيٌّ على اتباعهَ لِمَا أمِرَ به وأُوحِيَ إليه.

فصل
وإن كان فعلُه بياناً لمُجمَل (1): فيُعتبرُ بالمُبينِ؛ فإن كان واجباً فهو واجبٌ، وان كان نَدْباً فهو نَدْب (2)، وإنما كان كذلك؛ لأن البيانَ لا يَعدُو رُتْبَةَ المبينِ، ومتى عداه لم يكُ بياناً؛ لأن البيانَ ما انطبقَ على المُبينِ، كالتفسير ينطبقُ على المُفسرِ، والتعبيرِ بحَسَبِ المعبرِ.
__________
(1) هو الضرب الثاني من فعله - صلى الله عليه وسلم - الذي على وجه القربة حسب ترتيب المصنف.
(2) وان كان مباحاً، فهو مباح. وعلى هذ اتفاق كلمة الأصوليين. انظر "البرهان" 1/ 448، و"الإحكام" 1/ 247 - 248، و"البحر المحيط" 4/ 180، و"إحكام الفصول" ص 223، و"التقرير والتحبير" 2/ 302 - 303، و"منتهى الوصول" ص 35، و"شرح تنقيح الفصول" ص 288، و"إرشاد الفحول" ص 36، و"العدة" 3/ 734 - 735، و"المستصفى" 2/ 214، و"فواتح الرحموت" 2/ 180، و"نهاية السول" 3/ 17 - 18، و"مناهج العقول" 2/ 274 - 275.
(2/21)

وحكمُه: أن يُعمَلَ به وُيصارَ إليه، ولا يُترَكَ ظاهرُه إلا بدَلالةٍ.

فصل
وإن كان مُبتدأً (1): ففيه ثلاثةُ مذاهبَ:
أحدها: يقتضي الوجوبَ، وهو مذهبُ أصحابنا (2) وبعض أصحاب الشافعى (3)، وسيجىء ذكرهُ مُستوفى في مسائلَ الخلافِ إن
__________
(1) هو الضرب الثالث من فعله - صلى الله عليه وسلم - الذي على وجه القربة.
(2) ذكر القاضي أبو يعلى في "العدة": أنها إحدى روايتين عن الِإمام أحمد، واختارها في مقدمة "المجرد"، وحكى في"القولين" عن الحسن بن حامد القول بها، واختارها أيضاً محمد بن علي الحلواني، وقطع بها محمد بن أحمد ابن أبي موسى الهاشمي في "الإِرشاد" من غير خلاف.
والرواية الثانية: القول بالندب، ذكرها القاضي في "العدة"، وقال: هي اختيار أبي الحسن عبد العزيز بن الحارث التميمي، واختارها أيضاً فخرالدين إسماعيل بن علي المأموني، ونسب المجد ابن تيمية اختيارها إلى القاضي أبي يعلى في مقدمة "المجرد" مع أنه عزى إليه اختيار رواية الوجوب كما ذكرنا.
وهناك رواية ثالثة ذكرها أبو الخطاب في "التمهيد" -ورجحها-، وهي القول بالوقف، عند الكلام على فعله - صلى الله عليه وسلم - الذي لم تعلم جهته، ولم يقيده بكونه على سبيل القربة مع أنه أجرى الاختلاف في الرواية نفسها فيه؛ وقد روي عن أحمد ما يدل على أنه يقتضي الوقف، حتى يعلم على أي وجه فعل ذلك، عن وجوب أو ندب أو إباحة. وعزى اختيارها إلى أبي الحسن التميمي، وهو خلاف ما نسبه إليه القاضي. انظر "العدة" 3/ 735 - 737، و"المسودة" ص 187 - 188، و"التمهيد" 2/ 317 - 318، و" شرح الكوكب المنير" 2/ 187 - 189.
(3) انظر "البرهان"1/ 488 - 489، و " الإحكام" 1/ 248، و "البحر المحيط" 4/ 181.
(2/22)

شاءَ الله (1)، ولا يُصرَفُ عن ظاهره إلا بدليلٍ، لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - القدْوةُ، وفي فعلِه الأسْوة، وهو المأمورُ باتَباعِه، لقوله تعالى: لقَدْ كانَ لكُمْ في رَسُولِ اللهِ أسْوَة حَسَنة [الأحزاب: 21]، وقال: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ} [الأحزاب: 37]، فلو لم يكُنْ فعلُه دليلًا لنا، لمَا زال الحَرج بفعلِه عنا، وكذلك لما سُئلَ عن الغُسْلِ قال: "أما أنا فيكفيني أن احْثوَ على رأسي ثلاثَ حَثَياتٍ من ماءٍ" (2)، وقال: "إنما أنْسَى لأسن" (3)، ولَمَّا خلعَ النَّعلَ خَلَعُوا (4).
__________
(1) في الجزء الرابع، الصفحة 111.
(2) أخرجه أحمد 4/ 81 و84 و 85، والبخاري (254)، ومسلم (327)، وأبو داود (239)، وابن ماجه (575)، والنسائي 1/ 135 و 207، والبيهقي 1/ 176 من حديث جبيربن مطعم قال: تماروا في الغسل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم -،" فقال بعض القوم: أما أنا فإني أغسل رأسي كذا وكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - أما أنا فإني أفيض على رأسي ثلاث أكف".
وفي الباب أيضاً عن جابر بن عبد الله، وعائشة، وأم سلمة، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم.
(3) روى مالك في "الموطأ" 1/ 100: أنه بلغه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إني لأنْسى أو أنس لأَسُنَّ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" 24/ 375: هذا الحديث بهذا اللفظ، فلا أعلمه يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بوجه من الوجوه مسنداً ولا مقطوعاً من غير هذا الوجه، وهو أحد الأحاديث الأربعة في" الموطأ" التي لا توجد في غيره مسندة ولا مرسلة، والله أعلم، ومعناه صحيح في الأصول ...
(4) رواه الطيالسي (2154)، وعبد الرزاق (1516)، وابن أبي شيبة 2/ 417، =
(2/23)

وإذا ثبتَ هذا فلا يُصرَفُ عن الوجوب إلا بدَلالةٍ توجبُ تخصيصَه بذلك.
والثاني من المذاهب: يقتضي النَدْبَ؛ لأنه قد بلغَ مَبْلَغَ القُرَبِ، وتَرددَ بين أن يكونَ خاصاً له وبين أن يكونَ عامَّاً لنا، فأعطَيْناهُ أدنى مراتبِ القُرَبِ، وهو النَدْبُ، ولم نَرْتَقِ إلى ما أعلى منه إلا بدليلٍ.
والثالثُ: أنه على الوَقْفِ، لترددِه بين تخصيصِه - صلى الله عليه وسلم - وبين تشريعِه، فوقَفْنا حتى يَبينَ من أيَ القِبيلَيْنِ هو، وليس له صيغةٌ تقتضي إيجاباً ولا نَدْباً.

فصل
في الثالث من مراتبِ السنةِ وأقسامِها
الِإقْرارً من النبي - صلى الله عليه وسلم - لآحادِ أُمَّتِه على قول يسمعُه فلا يُنكِرُه، أو فعلٍ يراهُ فلا يَنْهى عنه، فيكونُ إقرارُه عليه في حكمِ تَجْويزِه له بصريح القولِ؛ لأنه كما لا يُقَرُّ هو على الخطإِ لا يجوزُ له إقرارُ أُمتِه على الخطإِ.
__________
وأحمد 3/ 20 و92، والدارمي 1/ 320، وأبو داود (650)، وأبو يعلى (1194)، وابن خزيمة (1017)، وابن حبان (2185)، والحاكم 1/ 260، والبيهقي 2/ 431، وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي عن أبي سعيد الخدري، قال: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما صلى خلع نعليه، فوضعهما عن يساره، فخلع القوم نعالهم، فلما قضى صلاته قال: "مالكم خلعتم نعالكم؟ " قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا، قال: "إني لم أخلعهما من بأس، ولكن جبريل أخبرني أن فيهما قذراً، فإذا أتى أحدكم المسجد، فلينظر في نعليه، فإن كان فيهما أذى، فليمسحه".
(2/24)

فالإقرار على القولِ: مثلُ قولِ أبي بكرٍ بمحْضَرٍ منه لماعِزٍ: إن أقَررْتَ أربعاً رجَمَكَ رسولُ الله (1)، فهو كقوله لماعِزٍ: إن اقرَرْتَ أربعاً رجمتُك.
ألا تراه لم يَتجاوزْ عن قول الخطيب: من يطعِ اللهَ ورسولَه فقد رَشِد، ومن يَعصِهما فقد غَوَى، بل قال له: "بئس الخطيبُ أنت، أسِيَّانِ هما؟ قل: ومن يعصِ اللهَ ورسولَه فقد غَوى" (2)، فأقَرة على الجمعِ بين اسمِ اللهِ واسمِه بالواو، وهي للجمع، ولم يُقِرة على التَّثْنيةِ في "يعصِهما" (3) حسبَ ما جاءَ به الكتابُ العزيزُ: {والله ورسولُه أحقُّ أن يُرْضُوهُ} [التوبة: 62]، ولم يَقُلْ: يُرضُوهما.
وكذلك لما سمعَ رجلًا يقولُ: الرجل يجدُ مع امرأتِه رجلًا؛ إن قتلَ قتلتُموه وإن تكلمَ جَلَدتُموه، وإن سكتَ سكتَ على غَيْطٍ، أم كيف يَصنع (4)؟ فلم يُنكِرْ عليه ذلك، فكان إقراراً له على ذلك، فكأنه قال: إن قتلتَ قَتلتك، وإن تَكلَّمتَ بالقَذْفِ جلدتُك، وإن سكتَّ فاسْكُتْ على غيظٍ منك.
__________
(1) سلف تخريجه في الصفحة (41) من الجزء الأول.
(2) رواه أحمد 4/ 256 و379، ومسلم (870)، وأبو داود (1099) و (4981)، والنسائي 6/ 90، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (3318)، وابن حبان (2798)، والحاكم 1/ 289 من حديث عدي بن حاتم. وليس عندهم جيمعاً: "أسيان هما؟ ".
(3) في الأصل: "يعصيهما".
(4) راجع تخريجه في الصفحة (41) من الجزء الأول.
(2/25)

وإلى أمثال ذلك من إقراره لهم (1) على اعتراضاتِهم عليه - صلى الله عليه وسلم - في أفعاله، كقولهم: نَهَيْتَنا عن الوِصالِ وواصَلْتَ، ما بالُنا نَقصُرُ وقد أمِنَّا؟، دعاكَ قوم فأجبْتَ، ودعاكَ قومٌ فلم تُجِبْ، أمَرْتنا بالفسخِ ولم تَفْسَخْ، فاعتذر عن كلِّ اعتراضٍ منهم بعُذْرٍ، فقال في الوِصالِ: "لستُ كاحدِكم" (2)، وقال في القصْرِ: "صدقةٌ تَصدَّقَ بها اللهُ عليكم، فاقبلوا صدقتَه" (3)، وقال في الفسخِ: "إني قلَّدْتُ هَدْيي ولَبدْتُ رأسي، فلا أحِل حتى أنْحَر" (4)، وقال في الزيارةِ: "إن في بيتِ فُلانٍ
__________
(1) في الأصل: "له" بضمير الِإفراد، والصواب ما أثبتناه.
(2) رواه ابن أبي شيبة 3/ 82، وأحمد 3/ 124 و173 و193 و 202 و 218 و235 و247 و253 و276 و289، والد ارمي 2/ 8، والبخاري (1961) و (7241)، ومسلم (1104)، والترمذي (778)، وابن حبان (3574) و (3579)، والبيهقي 4/ 282 من حديث أنس بن مالك.
وفي الباب عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمر، وأبي سعيد الخدري، وعائشة رضي الله عنهم.
(3) أخرجه أحمد 1/ 25 و36، والدارمي 4/ 351، ومسلم (686)، وأبو داود (1199) و (1200)، وابن ماجه (1065)، والترمذي (3034)، والنسائي 3/ 116 - 117، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" 1/ 415، وابن حبان (2739) و (2741)، والبيهقي 3/ 134 و140 - 141 و 141 من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
(4) أخرجه مالك 1/ 439، وأحمد 6/ 283 و 285، والبخاري (1566) و (1697) و (1725) و (4398) و (5916)، ومسلم (1229)، وأبو داود (1806)، وابن ماجه (3046)، والنسائي 5/ 136، وابن حبان (3925)، والبيهقي 5/ 12 و12 - 13 و 134 من حديث حفصة أم المؤمنين أنها قالت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما شأن الناس حلوا ولم تحلل أنت من عمرتك؛ فقال: "إني =
(2/26)

كلباً"، فقالوا له: إن فى بيت فُلانٍ هِراً، فقال: "الهِرُّ سَبُعٌ ليست بنَجَسٍ" (1)، وهذا كُلُّه يَدُلُّ على جواز الاعتراضِ لاستعلام العللِ، ولو لم يَجُزْ لنهاهم عن أصل الاعتراضِ.
وحُكم القولِ قد بيناه (2)، فكذلك إقرارُه الجاري مَجْراهُ.

فصل
وأما إقرارُه على الفعل: فمثلُ ما رُوِيَ أنه رأى قَيْسَ بن قَهْدٍ يُصلي ركعتي الفجرِ بعد الصبح، فلم يُنكِرْ عليه (3)، فكان حكمُ إقرارِه لقيس حكمَ فعلِه للركعتين، وقد سبقَ الكلامُ في فعله - صلى الله عليه وسلم -.
__________
= لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر".
(1) أخرجه ابن أبي شيبة 1/ 32، وأحمد 2/ 327 و442، والطحاوي في" شرح مشكل الأثار" (2656)، والعقيلي في "الضعفاء" 3/ 386 - 387، وابن عدي في "الكامل" 5/ 1892، والدارقطني 1/ 63، والحاكم 1/ 183، والبيهقي 1/ 249 من طريق عيسى بن المسيب البجلي، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأتي دار قوم من الأنصار ودونهم دار، قال: فشق ذلك عليهم، فقالوا يا رسول الله، سبحان الله، تأتي دار فلان، ولا تأتي دارنا، قال: فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لأن في داركم كلباً، قالوا: فإن في دارهم سنوراً، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن السنور سبع". وهو عند بعضهم مختصر، ولفظه في بعض المصادرة "الهر سبع" كما عند المصنف. وفي إسناد الحديث: عيسى بن المسيب البجلي الكوفي، وهو ضعيف. انظر "نصب الراية" 1/ 134 - 135، و"التلخيص" 1/ 25، والتعليق على "شرح مشكل الآثار".
(2) انظر ما تقدم قريباً في الصفحة (15).
(3) سبق تخريجه في الصفحة (41) من الجزء الأول
(2/27)

فصل
في الدَّلالةِ الثالثةِ بعد الكتابِ والسنةِ، وهي الإجماعُ
وقد مضى تحديدُه (1) بما أغنى عن إعادتِه، وهو ضربان: أحدُهما: ما ثبتَ بقول جميعِهم، كاتفاقهم على جواز البَيْعِ، والشرِكةِ، والمُضارَبةِ، وغيرِ ذلك من أحكام الشرع التي لم يَخْتلِفِ الناسُ في جوازِها.
فحكمُه: أن يُصارَ إليه وُيعمَلَ به، ولا يجوزُ تركُه بحال، إذ لا يَتسلطُ على حكمه بعد ثبوته نسخٌ؛ لأنه لاطريقَ إلى النسخ بعد انقطاعِ الوَحْي، ولا نَص يُعارِضُه، ولا لنا إجماعٌ يُعارِضه، بخلاف ما قلنا في النص الذي يعارضُه نص آخرُ؛ لاجتماع نَصيْنِ في زمنٍ واحدٍ؛ لأن النصَيْن يصدران عن عصرٍ يجتمعُ (2) فيه النصان، وهو عصرُ النبوَّةِ، والإجماعُ لا يَتحققُ في عصر النبوَّةِ، والنص لا يبقى لنا مُجدداً في (3) زمن الإجماعِ، فلذلك لم يُتصوَّرْ معارضتُه بنص -ولا إجماع، وامتناعِ إجماعين في عصر واحدٍ، ولأن الأمةَ معصومة في اتِّفاقها عن أن تُجمعَ على حكم ثبتَ فيه نص عن الله سبحانه أو عن رسولِه بخلاف اتِّفاقِهم.
__________
(1) انظر الصفحة (42) من الجزء الأول.
(2) في الأصل: "يجمع".
(3) عبارة الأصل: "ونص لا يبقى لنا مجدد"، ولعل الصواب كما أثبتنا.
(2/28)

فصل
فأمَّا ما ثبتَ بقول بعضِهم (1) أو فعلهِ وسكوتِ الباقين، مع انتشارِ ذلك بينهم من غير إنكارٍ له، ولا ظهور ما يدل على أنهم في مُهلةِ النَظرِ فيه، كقوله: حتى أنظُرَ في هذا، أو دَلالةِ حال تدل على توقفِه توففَ الناظر فيه، لا المُصحَحِ له، فذلك حُجةٌ.
ومهما ظَهَرَ نكير أو توقفٌ، فليس ذلك الحكمُ والفَتْوى إلا قولٌ (2) لقائلِه ومذهبٌ للناطقِ فيه دون الساكتِ، وإنما كان كذلك؛ لأن الإنكارَ مخالفة، فلا إجماعَ، وظهورَ الارْتياءِ والنظَرِ عدمُ موافقةٍ، فلا يكونُ إجماعاً مع عدمِ الاتفاقِ؛ إذ ليس الِإجماعُ إلا الاتفاقَ.
وأما السكوت: فقد جعلَه قوم إجماعاً، ومَنَعَ منه آخرون مع قولهم: إنه حُجةٌ، ومَنْ منعَ أن يكونَ قولُ الصحابى حجةً، ومنعَ أن يكونَ السكوتُ موافقةً، فلا يَتحققُ عنده حُجةً ولا موافقةً.
فوَجْهُ من قال: إن سكوتَهم الذي لا يَظهرُ معه التوقفُ للنظرِ موافقةٌ: هو أن الأمَةَ معصومةٌ على مذهب القائلين بالإجماع، والمعصوم كما لا يَنطِق بخطأٍ لا يُقِر على خطَأٍ، ألا ترى أن الرسوَلَ - صلى الله عليه وسلم - كان معصوماً عن الخطإ بنفسهِ في أحكامِ الشرعِ لم يقِر على
__________
(1) هو الضرب الثاني من الإجماع.
(2) كذا الأصل بالرفع، وهو مخرج على لغة بني تميم؛ فإنهم يبطلون عمل "ليس" إذا اقترن الخبر بعدها ب "إلا"؛ كما يبطل أهل الحجاز عمل "ما" إذا كان خبرها كذلك. انظر "مغني اللبيب" 1/ 293 - 294 و"الجنى الداني" ص 460.
(2/29)

خطإ، فجعِلَ إقرارُه على الأقوال والأفعالِ كقوله وفعلِه المعصُومَيْن من الخطإِ.
فإن قال- مَن لم يجعلِ السكوتَ موافقة، ولم يَنسِبْ إلى ساكتٍ قولًا -: إن الساكتَ منهم أمرُه في سكوتِه مُتردِّدٌ بين النظرِ والارتياءِ في حكم القَضيَّةِ، وبين حِشْمةِ القائلِ بأن يكونَ إماماً صارماً أو عالِماً مهوباً (1)، كما قال بعضُهم: هِبْته وكان امْرَأٌ مَهِيباً (2)، وكما قال أبو
__________
(1) من الهيبة، بني على قولهم: هُوبَ الرجل، لما نقل من الياء إلى الواو، فيما لم يسم فاعله، ومنه قول حميد بن ثور الهلالي:
وتأْوِي إلى زُغْبٍ مساكين دونهم ... فلًا لا تَخطَّاه الرفاق مَهُوبُ
وهو شاذ مخالفً للقياس، والجادة فيه: مَهِيبٌ. انظر "شرح الشافية" 3/ 149، و"اللسان" (هيب).
(2) قاله ابن عباس في عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وذلك في مسألة المباهلة، وهي أول مسألة عالت في الميراث في زمن عمر، وخالف فيها ابن عباس بعد وفاة عمر. فقد روى البيهقي في "السنن" 6/ 253، وأورد ابن حزم في "المحلى" 9/ 264 عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: دخلت أنا وزفر بن أوس بن الحدثان على ابن عباس بعد ما ذهب بصره، فتذاكرنا فرائض الميراث، فقال: ترون الذي أحصى رمل عالج عدداً لم يحص في مال نصفاً ونصفاً وثلثاً، إذا ذهب نصف ونصف، فأين موضع الثلث؟ .. ، فذكر الحديث. وفي آخره: قال ابن عباس: فلو أعطى من قدم الله فريضة كاملة، ثم قسم ما يبقى بين من أخر الله بالحصص، ما عالت فريضة، فقال له زفر: فما منعك أن تشير بهذا الرأي على عمر؟ فقال: هبته والله!.
وروى بعضه عبد الرزاق في "مصنفه" (19022) و (19024)، وسعيد بن منصور في "السنن" 1/ 44. وانظر "المغني" 9/ 28 - 29.
(2/30)

هريرة لمَّا أكْثَر الروايةَ بعد موتِ عمرَ رضي الله عنهما: إني لو رَويت ذلك في أيَّامِه، لرأيتُ الدِّرَّةَ تفعلُ وتصنعُ (1).
ويحتملُ أن يكونَ السكوتُ للموافقةِ وحُجةً لا تَتحققُ مع الترددِ؛ لأنه مَقامُ اتَباع وبناءِ أحكام الشرع المُوجبةِ للأموالِ، والمُريقةِ للدماءِ، والمبيحةِ للفُروجِ، فكيفَ يُقدَمُ عليها بأمرٍ يتردَّدُ هذا التردُّدَ المتقابِلَ الذي لا يُرجحُ إلى الموافقةِ دون المخالفةِ، [و] الذي لا يُبْنى عليه رضاً بنقلِ ملْكٍ، ولا إتلافِ مال، حتى لو أمْسَكَ عن بيع مالِه، لم يكُ ذلك رضاً ولا إذناً، ولو أمسكَ عن إفسادِ مال، لم يكُ ذلك إذناً مُسقِطاً للضَّمانِ، فكيف يُبنى من الِإمساكِ حُجَّة هي آكَدُ حُجَّةٍ لأهلِ الِإسلامِ.
قيل: التَّرددُ المذكورُ يُتصوَّرُ في حق النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ بأن يكون مُنتظِراً للوَحْي، وكم قضيَّةٍ وسؤالٍ وحادثةٍ انتظرَ في حُكْمها الوحيَ، كقصَّةِ عائشةَ رضي الله عنها لما اتُهمَتْ، أمسك حتى جاء الوحيُ، فأقامَ الحدَّ على القاذفِ (2)، وقصَّةِ المُتلاعِنَيْن ما زال يقولُ للزوج: "البَيِّنَةَ أو
__________
(1) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (20496)، وأورده ابن عبد البر في" جامع بيان العلم وفضله" 2/ 121، وابن كثير في "البداية والنهاية" 8/ 110.
(2) قصة الإفك أخرجها عبد الرزاق (2748) و (2749) و (2750)، وأحمد 6/ 194 - 197 و197 - 198، والبخاري (2637) و (2661) و (2879) و (4025) و (4141) و (4690) و (4757) و (6662) و (6679) و (7369) و (7545)، ومسلم (2770)، وأبو داود (4735) و (5219)، والترمذي (3185) و (3581) والنسائي في "الكبرى" (8931)، وابن جبان (4212) و (7099)، والبيهقي 7/ 101 و 302 و302 - 303 من حديث عائشة رضي الله عنها.
(2/31)

حَد في ظَهْرِك" (1)، حتى نزلَتْ آيات اللِّعانِ.
ويحتمل أن يكونَ سكوته لمهْلَةِ النظرِ، على قول من يُجَوزُ في حقَه الاجتهادَ في الحوادثِ، وَيرَى الاجتهادَ طريقاً لأحكامه في القضايا، والنقل يشهد بصحَةِ ذلك؛ حيث عوتِبَ على الفِداءِ (2)، ولو كان فعلُه عن وحيٍ، لما عتِبَ عليه، بل كان ما نزلَ نسخاً للحكم في المستقبل، لا عِتاباً على الأولِ، ومثل عَتْبِه على الاستغفار للمشركين (3)، والصلاةِ والقيامِ على قبور المنافقين (4)، ثم مع كونه
__________
(1) أخرجه أحمد 1/ 238، والبخاري (2671) و (4747) و (5307)، وأبو داود (2254) و (2256)، وابن ماجه (2067)، والترمذي (3179)، والبيهقي 7/ 393 - 394 و 394 - 395 و 395 من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه.
وفي الباب عن أنسى بن مالك عند أحمد 3/ 142، ومسلم (1496)، والنسائي 6/ 171 و172 - 173، والبيهقي 7/ 405 - 406.
(2) أخرجه من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أحمد 1/ 30 - 31، و32 - 33، وعبد بن حميد (31)، ومسلم (1763)، وأبو داود (2690).
(3) أخرج أحمد 5/ 433، والبخاري (1360) و (3884) و (4675) و (4772)، ومسلم (24)، والنسائي 4/ 90 - 91 من حديث المسيب بن حزن قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... ، فقال: "لأستغفرن لك ما لم أُنه عنك"، فانزل الله عز وجل: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة: 113] وأنزل الله تعالى في أبي طالب: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56].
(4) وذلك عندما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبي ابن سلول، فانزل =
(2/32)

يَجتهِدُ تارةً، وينتظِرُ الوحيَ تارةً، لم يَخرُجْ إمساكُه عن الِإنكارِ للأقوالِ والأفعالِ عن كونه حُجَّةً مُتَبَعةً، وسُنَّةً محتجاً بها، على أن القومَ لم يكونوا لِيمسكُوا عن لائحِ اعتراضٍ عليه - صلى الله عليه وسلم -، وعلى (1) أئِمتهم ومُتقَدميهم في العلوم؛ طلباً لإِثارة الفائدةِ، وعِلْمِ ما لم يَعْلموا، والنبيُّ [- صلى الله عليه وسلم -]، يُقِرُّهم على اعتراضهم وُيجيبُهم، وكذلك المُتقدَمون من الأئمَّةِ والخلفاءِ.
فأمَّا اعتراضُهم على النبي - صلى الله عليه وسلم -: فقولُهم: ما بالُنا نَقصُرُ وقد أَمنَا؟ واللهُ تعالى يقولُ: {أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ} [النساء: 101] , فلم تقُلْ: ليس لكم الاعتراضُ، بل أنتم مأخوذونَ بالاتباع من غيرِ سؤال، بل قال لهم: "صدقةٌ تصَدَّقَ الله بها عليكم، فاقْبَلُواَ صدقَته" (2).
وقالوا له في فَسْخِ الحجِّ: أمَرْتَنا بالفسخ ولم تفسخْ؟ فقال: "لو استَقْبلتُ من أمرِي ما اسْتَدبَرتُ، لما سُقْتُ الهَدْيَ، ولَجعلْتُها عُمرةً، لكنَي سُقْتُ هَدْيِي، ولَبدْتُ رأسي، فلا أحِلُّ حتى أَنْحَرَ" (2).
وقالوا له: نَهَيْتَنا عن الوصال وواصَلْتَ، فقال: "لستُ كأحدِكم،
__________
= الله عز وجل: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة: 84]، أخرجه من حديث عبد الله بن عمر: أحمد 2/ 18، والبخاري (1269) و (4670) و (4672) و (5796)، ومسلم (2400) و (2774)، وابن ماجه (1523)، والترمذي (3098)، والنسائي 4/ 36 - 37.
(1) في الأصل:"وعن".
(2) سلف تخريجه في الصفحة (26).
(2/33)

إني أظَل عند ربي، فيُطعِمُني وَيسْقِيني" (1).
ولَمَا قال في شاةِ آلِ مَيْمونةَ حيثُ مَروا بها عليه تُجَر كما يُجَر الحمارُ: "هلَّا أخذَ أهلُ هذه الشَاةِ إهابَها، فدَبَغُوه، فانتفَعُوا به"، قالوا: إنها مَيْتة، ومعلومٌ أنهم لا يجوزُ أن يَظُنُوا فيه أنه لم يَعلَمْ أنها مَيْتة مع جَرهم (2) لها، ومع ذِكْرِ إهابِها بالدبْغِ دون سائرِ أجزائِها، لكن كان قولُهم لِإثارة فائدةٍ، وإزالةِ شُبْهةٍ مع قول الله سبحانه: {حُرمَتْ عليْكُمُ المَيْتَةُ} [المائدة: 3]، فخرجَ جوابُه مَخْرجَ ما عَلِمَه من شبههِم بظاهر الآيةِ، فقال: "إنَما حَرُمَ من المَيْتَةِ أكْلُها" (3)، فكأنه أجابَهم بتخصيص عمومِ الآيةِ التي كان من عمومِها الشُبْهَةُ.
ولَمَا دُعِيَ إلى دار قومٍ فأجابَ، ودُعِيَ إلى دار قومٍ فلم يُجِبْ، اعترضوا اعتراضَ المُستعلِمِين للفرق، فقال: "إنَّ في بيتِ فُلانٍ كلباً" يعني الذي امْتَنَعَ من قَصْدِه، فاعترضوا عليه اعتراضاً ثانياً يُضاهي الكَسْرَ (4) لتعليله - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: فإن في بيت فلانٍ هِراً، فلم يُنْكِرْ ذلك، وهو إتباعُ اعتراضٍ على الجواب، بل عدَلَ إلى الفَرْقِ، فقال: "الهرُّ سَبُعٌ ليست بنَجَسٍ" (5).
__________
(1) انظر لتخريجه الصفحة (26).
(2) في الأصل: "خبرهم".
(3) هو عند أحمد 6/ 329، ومسلم (363)، وأبي داود (4120)، وابن ماجه (3610)، والنسائي 7/ 171 - 172، وابن حبان (1285)، والبيهقي 1/ 15 - 16 من حديث ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها.
(4) لأن الكسر نقض على المعنى دون اللفظ، ويرجع إمَّا إلى منع صحة العلَّة، أو إلى معارضتها بما يفسدها. انظر "علم الجذل في علم الجدل" ص 66.
(5) مضى تخريجه قريباً في الصفحة (27).
(2/34)

وذلك باب مُتَّسِعٌ، لكنْ فيما ذكرنا كفايةٌ لمن عَقَلَ أنَّ القومَ لم يكُ مِنْ دأبِهم وعادتِهم الإِمساكُ عن أحدٍ في الأحكام الشرعيةِ، ولو سَكَتُوا لأحدٍ يوماً ما، لسكتوا لأفعالِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد اعترضوا فيما هو أكبر من ذلك، وهو يوم عُمْرةِ القَضاءِ، فقالوا: أليسَ قد قال: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ}؟؛ وقد صُدِدْنا، حتى قال - صلى الله عليه وسلم -: "واللهِ لتَدْخلنَّ" (1)، وقال أبو بكرٍ: أقال لكم: العام؟، فالظاهر مع هذه الحالِ أنَّ سكوتهم موافقةٌ.
وأما ما ذهبَ إليه المعترِض من الحِشْمَةِ والمحاباةِ، فقد انهالَ إلينا في السِّيَرِ من اعتراضاتٍ لبعضهم على بعضٍ ما يَمنَع هذا التأويلَ ويُبعِده عنهم، فمن ذلك: ما روِيَ أن عمرَرضي الله عنه لما نَهى عن المُغالاةِ في صَدَقاتِ النساءِ، اعترَضَتْ عليه امرأةٌ، فقالت: لِمَ تَمْنَعنا ما اعطانا الله، والله سبحانه يقول: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} (2) [النساء: 20].
ولمَّا نفى نَصْرَ بن حَجَّاج حيث سمعِ امرأةً تشبِّب بذِكْرِه في شِعْرِها ليلًا، وحَلَقَ وَفْرَتة، قالت له أُمُّه: لِمَ نفَيْتَ ولدي؟ فقال: لأنه يَفتِن نساءَ المسلمين، فقالت: فهل نَفَيْتَه إلى بلاد الشِّرْكِ (3)؟! فهذا
__________
(1) هذا الكلام لم يكن في عمرة القضاء، بل هو في يوم الحديبية عندما صدتهم قريش عن البيت، وهو جزء من حديث مطول: أخرجه عبد الرزاق (9725)، وأحمد 4/ 328 - 331، والبخاري (2731) و (2732)، وابن حبان (4872) عن المسور بن مخرمة.
(2) رواه عبد الرزاق في "المصنف": (10420)، والبيهقي في السنن 7/ 233، وأورده ابن كثير في تفسيره 2/ 213.
(3) أخرج ابن سعد في "الطبقات" 3/ 285 عن عمرو بن عاصم الكلابي، قال: =
(2/35)

اعتراضُ النساءِ على إمامِ وَقْتِه مع شِدَّتِه وبَأسِه.
وقولُ عليٍّ عليه السلام على مَنْ قال: الماءُ من الماءِ، ولم يُوجِبِ الاغتسالَ من (1) الإكْسالِ: تُراني أرْجمُهُ، ولا أوجبُ عليه صَاعاً من ماءٍ (2)!
وقولُ من نَفى العَوْلَ منهم: والذي أَحْصى رَمْلَ عالجٍ عدداً ما جعلَ اللهُ في الفَريضةِ نصفاً ونصفاً وثُلُثاً، ذهبَ المالُ بنصفَيْهِ، فأين موضعُ الثُّلُثِ (3)؟!
__________
= أخبرنا داود بن أبي الفرات، قال: أخبرنا عبد الله بن بريدة الأسلمى، قال: بينا عمر بن الخطاب يعس ذات ليلة، إذا امرأة تقول:
هل من سَبيلٍ إلى خَمْرٍ فأشْرَبَها ... أم هل سبيلٌ إلى نَصْرِ بن حجًاجِ
فلما أصبح، سأل عنه، فإذا هو من بني سُلَيْم، فأرسل إليه، فأتاه، فإذا هو من أحسن الناس شعراً، وأصبحهم وجهاً، فأمره عمر أن يطم شعره، ففعل، فخرجت جبهته، فازداد حسناً، فأمره عمر أن يَعْتَمَّ، ففعل، فازداد حسناً، فقال عمر: لا والذي نفسي بيده لا تُجامعني بأرض أنا بها، فأمر له بما يصلحه، وسيره إلى البصرة.
وفي سند هذه القصة انقطاع؛ عبد الله بن بريدة لم يسمع من عمر بن الخطاب، وعمرو بن عاصم الكلابي قال الحافظ في "التقريب ": صدوق في حفظه شيء.
(1) في الأصل: "عن".
(2) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (943) عن علي بلفظ: يوجب الحد، ولا يوجب قدحاً من ماء؟!.
ورواه البيهقي في "السنن" 1/ 166 عن علىِ أيضاً بلفظ: ما أوجب الحد أوجب الغسل.
(3) هو من قول ابن عباس، وقد تقدم تخريجه في الصفحة (30).
(2/36)

وقولُ الآخرِ: رَحِمَ اللهُ زيداً، جعلَ ابنَ الابنِ ابناً، ولم يَجْعلْ أبا الأبِ أباً (1).
والآخرُ يقول: يا أميرَ المؤمنين، إن جعلَ الله لك على ظَهْرِها سَبيلاً -يعني بالحَدِّ في حق الحاملِ-، فماجعل لك على ما في بَطْنِها سبيلَاً (2).
وقولهم لأبي هريرة حيثُ رَوَى غَسْلَ اليَديْنِ عند القيامِ من النَّومِ (3): فما يُصْنَع بالمِهْراس (4)؟
__________
(1) هو من قول ابن عباس في زيد بن ثابت رضي الله عنهما، انظر المغني لابن قدامة 9/ 68.
(2) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 10/ 88 - 89 في الحدود، والقائل هو معاذبن جبل رضي الله عنه.
(3) حديث أبي هريرة: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يدخل يده في الِإناء حتى يغسلها ثلاث مرات، فإنَ أحدكم لا يدري أين باتت يده".
أخرجه: مالك 1/ 21، وأحمد 2/ 241 و 465، والبخاري (162)، ومسلم (278)، وأبو داود (105)، والترمذي (24)، والنسائي 1/ 6 و7 و 99، وابن ماجه (393)، وابن حبان (1061) و (1062) و (1063) و (1064) و (1065).
(4) ذكر هذا الاعتراض أحمد في المسند 2/ 382: " ... فقال قيس الأشجعي: يا أبا هريرة، فكيف إذا جاء مهراسكم؟ قال: أعوذ بالله من شركَ ياقيس".
والمهراس: هو الحَجرُ الكبير المنقور، لا يقِلُّه الرجال لثقلِه، يَسعُ ماءً كثيراً، يتطهر الناسُ منه. "النهاية" 5/ 259، و"اللسان": (هرس).
(2/37)

وكلامُ عائشة رضي الله عنها في روايات أبي هريرة بتحقيقِ الأحاديثِ (1).
وقولُ عائشةَ في روايات ابنِ عباسٍ (2).
هذا ظاهرٌ عنهم لمن عَرَفَ السيرة، فأين دعوى الإِمساكِ؟ وفي هذا كفايةٌ إلى أن يُوَضحَ في مسائل الخلافِ إن شاءَ اللهُ.

فصل
فأمَّا قولُ الواحدِ من الصحابةِ، فقد عَدَّه قوم من الأدلةِ والحججِ الشرعية، فعلى قولهم: يكون حجة رابعةً للأدلةِ الثلاثة -أعني الكتابَ والسنةَ والإِجماعَ -وتعلقوا في ذلك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "عليكم بسُنَّتي وسُنَةِ الخُلفاءِ الراشِدينَ مِن بَعدي" (3)، فلا يجوزُ أن يكون ذلك راجعاً إلى روايتهم عنه؛ لأن ذلك قد دخل في قوله: "سُنتي"، ولأنهم عرفوا التنزيل والتأويل، وشَهدوا من أفعالِ النبي - صلى الله عليه وسلم - ما لم يَشهدْه التابعون، فكان قولُهم حجةً لهذه المزية، وقد أشار النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك حيث
__________
(1) أخرج البخاري (3568)، ومسلم (2493)، وأبو داود (3655)، والترمذي (3643)، وأحمد 6/ 118، 138، 157، 257 عن عروة بن الزبير أنَ عائشة قالت: ألا يُعجبك أبو هريرة؟ جاء فجلسَ إلى جنب حُجرتي يحدِّث عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يُسمعُني ذلك، وكنت أُسَبح، فقام قبل أن أقضي سُبحتي، ولو أدركتُه لرددتُ عليه، إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يسرد الحديث كسردكم.
أي: أنها أنكرت عليه كثرة تحديثه وسرده للأحاديث وعدم تمهله وإعادته ليفهم عنه. وانظر "الِإجابة لِإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة": 121.
(2) انظر "الِإجابة لِإيراد ما استدركته عائشة علئ الصحابة": 87 - 101.
(3) تقدم تخريجه في الصفحة: (280) من الجزء الأول.
(2/38)

قال: "أَصحابي كالنُجوم، بأيّهم اقتديتم اهتَديتم" (1). فعلى هذا القولِ هو حجة وُيقدَمُ على القياسِ كما تُقدمُ سنَةُ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - (2).
وذهب قومٌ إلى أنه كأقوال المجتهدين ليس بحجةٍ (3)؛ لأنَّ قولَهم الذي لا يصدُر عن روايةٍ هو المختلفُ فيه، ورأيهم لا وَجه لترجيحِه على رأينا وقياسِنا، ولو ترجح رأيهُم لقُربهم، لترجحَ الرأيُ بقُرب الخلفاء والأئمة، ولترجح على الأئمةِ أقربُهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولو كان كذلك لكان قولُ أبي بكرٍ حجةً على من دونه، وقول عمرَ حجةً على من دونه ... وعلى هذا. ولا وجه لذلك؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لمِ يجعل الأفقه الأقرب، بل قال للأقرب: "رحم اللهُ امراٌ سمع مَقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها، فرب حاملِ فقه إلى مَن هو افقه منه" (4). وقد يروي الصحابي للتابعي.
__________
(1) تقدم تخريجه في الصفحة: (280) من الجزء الأول.
(2) وهذا قول المالكية وأكثر الحنابلة وبعض الحنفية، وهو رأي الشافعي في القديم.
انظر هذا الرأي وأدلته في: "العدة" 4/ 118، و"التمهيد" 3/ 331، و "المسودة": 335، و"شرح الكوكب المنير" 4/ 422، و"شرح تنقيح الفصول" 445، و"التبصرة": 395، و"البرهان" 2/ 1358، و" الفصول في الأصول" للجصَّاص 3/ 361، و"أصول السرخسي" 2/ 106.
(3) هو قول الشافعي في الجديد، والرواية الثانية للِإمام أحمد، ورجّحه الغزالي والآمدي وابن الحاجب وأبو الحسن الكرخي، انظر المصادر السابقة و"أصول مذهب الِإمام أحمد" 394 و398، و "إِرشاد الفحول": 243، والمستصفى 1/ 261.
(4) تقدم تخريجه في الصفحة: (7) من الجزء الأول.
(2/39)

وقد أطلق النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - اسم الأفقه على الأبعد عنه، وليس للقُرب والمشاهدة إلا منزلة التَقدم، فأمَّا الآراء فإنها صفات مخلوقة في الفِطَرِ، فلا مَزية فيها بالتقدم، ولو كانت الآراء تَتَقاصر بالتأخر، لما بقي للأواخر من الرأي ما يصلح للمعاشِ ولا المعاد، بل كانت الآراء تَتَلاشى.
وذهب قوم إلى أنَّ قولَ الواحد من الصحابة حجة مع القياس الضعيف، وليس بصحيح؛ لأنّه ما لم يكن حجةً من نفسه لايَصيرُ حجةً بضم القياس إليه، لقول التابعي، ولأنه لو كان قول الصحابي لقوته، حجة مع قياس ضعيف لكان قولُ التابعي حجةً مع قياس قوي وجَلى، ولأنهم إن أشاروا بالقياس الضعيف إلى الخَفي وذهبوا إلى أنه حجة في نفسه، فبانضمامه إلى غيره ما تجدَّد له في نفسه حجة، فكيف تجدَد في غيره بأن صار حجة به؟
وإن ذهبوا إلى أن القياس الضعيف ليس بحجة، فكيف جعلوا قول الصحابي بانضمام ما ليس بحجة [له] (1) حجة؟ ولمَ خصّوا ذلك الضعيف دون أن يجعلوا انضمام صحابي آخر إليه شرطاً في كونه حجة، والأشخاص إلى الأشخاص حجة في الشرع كالبينَة.
على أن هذا قول فاسد من وجهٍ آخرَ، وهو: أنه لا يكون الإجماعُ مع كونه من أعظِمِ الأدلة إلا إذا صدر عن دلالةٍ، ولو قياساً أسندوا الحكم إليه، لم نحتجْ أن نقولَ في الإجماع: إنه لا يكون حجة إلا بانضمام قياس إليه. كذلك لا نَحتاج - مع علمنا بأنه لا يذهب
__________
(1) زيادة يستقيم بها السياق.
(2/40)

الصحابي إلى مذهبِ لا يكون مستنداً إلى رواية إلا بقياس ورأيٍ- أن نَعتبر مع قوله ليكوَن (1) حجةً قياساً ضعيفاً، بل نكتفي بعلمه أنه ما قال ذلك إلا عن قياس، كما اكتفينا في الإجماع بذلك، وقد ذهب الشافعي -رحمة الله عليه- في أحدِ قولَيه إلى أنه ليس بحُجةٍ، فلا يُحتج به ولكن يُرجحُ به الدليلُ.

فصل
واختلف القائلون بأنه حجُةٌ: هل يُخصصُ به العمومُ؟ على مذهبين:
فقال قوم: يُخصّ به العموم؛ لأنه دليلٌ ثبت به الحكمُ الشرعي، فجازَ أن يُخص به العموم وُيصرف به الظاهر، كالقياس.
والثاني: لا يُخص به العموم؛ لأن العمومَ ظاهرُ كلامِ صاحبِ الشريعة، فلا يُتركُ لِقَول من ليس بمشرع (2).
فقال من نصر المذهبَ الأول: إذا جاز أن يُثبتَ به حكمٌ شرعي وإن لم يكن قولًا للشارع، جاز أن يُخَص به العمومُ وُيصرفَ به الظاهر، وان لم يكنْ قولًا للشارع.

فصل
ويترتب على ذلك التنبيه، وهو فَحوى الخِطاب، وقد عدَّه قومٌ من
__________
(1) في الأصل: "ليكن".
(2) سيأتي تفصيل هذه المسألة وبيانها في 3/ 397.
(2/41)

أدلة النُّطق، وعده آخرون من المعقول (1).
وصورتُه: نَصٌ على الأعلى بحكم يُنبه به على الأدنى، أو على الأدنى ليُنبه به على الأعلى، كقوله سبحانه: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: 75]، فنبه بأداءِ القِنطارِ على أداءِ الدينار، ونبه بنفي أداء الدينار على نفي أداء القِنطار، ونَهى عن التأفيف في حق الأبوين، ونبه بذلك على ما هو أكثر منه من الأذايا، ووجهُ قلة الأذية بالتأفيف: أنه دالٌّ على التبرمِ والضجرِ، وليس بصريح، والصريحُ آكد في تأليمِ القلوبِ.
وقد سماه قوم: قياساً جلياً، وكنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن التضحيةِ بالعَوراء (2)، فكان ذلك منه تَنبيهاً على العَمياء، إذ فقدُ العينِ الواحدةِ أقلُ في التعيب والمضرة؛ لأنها قد ترعى من أحد الجانبين، والعمى يعدمها الرعي ورؤيةَ العُشبِ والمرعى، ويعدم منها عضوان مُستطابان.
ووجه من جعله قياساً: أنه ليسَ في نُطقِ الناهي عن التأفيف نَهيٌ عن الشتم، وليس في لفظِ الناهي عن العَوراء لفظُ نهي عن العمياء، لم يبقَ إلا أنه مَعقول من لفظه أنه لما كَرِه العَوَر -وهو أقل تعييباً- كره العمى لكونه أكثرَ، ولما صانَ قلب الوالدينِ بنَهيه عن التأليم بالتأفيف لكونه دالًا على نوع تبرم وتضجر، كان المعقول منه أنه مستدعى لصيانة قلبيهما عن التأليم بالشتم الذي هو أوفى تأليماً وأذيةً من طريق الأولى.
__________
(1) لهذه المسألة تفصيل وبيان في 3/ 258 وما بعدها.
(2) تقذم تخريجه ص (37) من الجزء الأول.
(2/42)

ووجهُ من قال: إنَّه نُطْقٌ: أن العربَ وضعتْ هذا مبالغة، فإذا قال: هذا الفرسُ لا يلحقُ غُبارَ فَرسي. كان أفصحَ عندهم من قولِه: سَبقه فرسي. وإذا قال: فُلان يأسف على شَم قُتارِ (1) مَطبخه. كان أبلغ من قوله: لا يُطعمني من طعامِه ولا يَسقيني من شرابه. واذا كان تَنكبُ النطقِ المُنبىء عن معنى إلى نطقٍ موضوع هو أوفىَ في التفهيم، كان ذلك نُطقاً، ولا يكون قياساً؛ لأن القياسَ مًا احتاجَ إلى نوعِ استنباطٍ وتشبيهٍ.

فصل
ويَتلو ذلك: دليلُ الخطاب (2).
وفيه خلافٌ كبير بين أهل العلم الأصوليين والفقهاء في أصله: هل هو دليل أم لا؟
ثم في تفاصيله اذا عُلَّق الحكمُ على وصفٍ أو شرطٍ أو غايةٍ، أو اسم، هل يدل على نفي الحكم عما انتفى عنه ذلك الوصفُ وتلك الغاية وذلك الشرط أو الاسم؟ أو لا يدلُ على النفي بل يكونُ الحكمُ فيما علق عليه، ويكون ما لم يعلقْ عليه على حكم الأصل إلى أن تقومَ دلالة، أو يكون دليلًا في تعليقِ الحكمِ بالغايةِ خاصةً أو الشرطِ والغاية دونَ الوصفِ أو بالثلاثةِ دونَ الاسم أو بالجمع، ذلك كله مُستوفى في مسائلِ الخلاف إن شاء الله، إلَا أن من اثبته جعله من
__________
(1) القُتار: ريح القِدر والشواء. "القاموس المحيط": (قتر).
(2) ويسمى كذلك مفهوم المخالفة، وانظر "العدة" 2/ 448، و"شرح مختصر الروضة"2/ 725.
(2/43)

أدلة المعقول، والمحققون أكثرهم على إسقاطه من الأصوليين (1)، ووافقهم ابن سُرَيج (2) والقاضي أبو بكر (3).
ودليل الخطاب عند من أثبته، كقوله تعالى: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 6]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم:" في سائمةِ الغنم زَكاة" (4)، فدل ذلك عند من جعله دليلًا على نفي إيجاب النفقة لغير الحوامِل، ونفي إيجابِ الزكاة في غير السوائم.

فصل
في التعليق على الغاية
مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "المُتَبايعان كلُّ واحدٍ منهما بالخيار ما لم يَتفرَّقا" (5)،
__________
(1) انظر "التبصرة": 218، و "المستصفى" 2/ 194، و"الإبهاج" 1/ 235.
(2) هو أبو العباس أحمدُ بن عمرَ بن سُريج البغدادي، من أعلامِ فقهاءِ المذهب الشافعيّ، له مصنفات كثيرة تبلُغ نحو (400) مصنف، منها "الودائعَ" وتصنيف على "مختصر المزني"، توفي ببغداد سنة (306) ه.
انظر: "تاريخ بغداد" 4/ 287 - 290، و"سير أعلام النبلاء" 14/ 201.
(3) هو محمد بن علي بن إسماعيل الشاشي الشافعي، المعروف بالقفّال الكبير، كانَ فقيهاً وأصولياً ولغوياً. وإمام وقته فيما وراء النهر، وعنه انتشرَ فقهُ الشافعى بما وراء النهر.
توفي بشاش سنة (365) ه. انظر "طبقات السبكي" 3/ 200 - 222، و"سير أعلام النبلاء"16/ 283.
(4) تقدم تخريجه في الصفحة (37) من الجزء الأول.
(5) أخرجه أحمد 1/ 56، والبخاري (2111)، ومسلم (1531)، وأبو داود (3454)، والنسائي 7/ 248، وابن حبان (4916)، والبغوي (2047)، من=
(2/44)

و" لا زكاةَ في مالٍ حتى يَحولَ عليهِ الحَوْل" (1)، و "على اليدِ ما أخَذَت
حتى تُؤديه" (2). فيدلُّ ذلك على أن ما بعد الغاية بخلاف ما قبلها.

فصل
فأمَّا تعليقُ الحكم على الأسماءِ، مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "جُعلَت لي الأرض مسجداً وجُعِل تُرابها طهوراً" (3)، فيدل على أن غيرَ التراب عندهم ليس بطهور (4)، واستقصى قومٌ إلى أن جعلوا تعليقَ الأحكامِ على أسماءِ الألقاب يدلُّ على أن ما عداها بخلافِه، وتركُ المكالمةِ لهمَ
__________
= حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، بلفظ: "المتبايعان كلُّ واحدٍ منهما على صاحبه بالخيار، ما لم يتفرقا، إلا بيع الخيار".
(1) أخرجه بهذا اللفظ ابنُ ماجه (1792) من حديث عائشة -رضي الله عنها- وأخرجه عن على -رضي الله عنه-: أحمد 1/ 148، وأبو داود (1573)، والبيهقي 4/ 95، والدارقطني 2/ 91، وابن أبي شيبة 3/ 158 و 159، بلفظ: "ليس في مال زكاة حتى يحولَ عليه الحول".
وفي الباب عن أنس وابن عمر، انظر" نصب الراية"2/ 329 - 330.
(2) أخرجه أحمد 5/ 8 و12، وأبو داود (3561). والترمذي (1284)، وابن ماجه (240) والدارمي 2/ 264.
(3) جزء من حديث خصال النبيِّ صلى الله عليه وسلم التي فُضل بها على غيره، أخرجه البخاري (335) في التيمم، و (438) في الصلاة، و (3122) في الجهاد، ومسلم (521)، وأحمد 3/ 304، والنسائي 1/ 209 - 211، والدارمي 1/ 322 - 323، وابن حبان (6398) من حديث جابر بن عبد الله.
وفي الباب عن أبي ذر عند أحمد 5/ 148، وأبي داود (4891) أوالحاكم 2/ 424
(4) هذا رأيُ أكثر الحنابلة، كما قرره المجد في "المسودة" ص (352)، وانظر "العدة" 2/ 475، و"شرح الكوكب المنير" 3/ 509 - 510.
(2/45)

أصوبُ، لكن لا بُدَّ من إيضاحِ فَضيحتهم في ذلك، فإنَّ المقالات البعيدة إذا لم يُتكلم عليها بإيضاحِ فسادها اشْتاقَت قلوب المتفقِّهة إليها، لتوهم أن القائلين بها على شيءٍ، ويأتي شرح ذلك كله في مسائل الخلاف إن شاء الله.
(2/46)

فصل
في معنى الخطاب
وهو القياس، وقد مضى تحديده في جَدل الأصول (1)، ونذكر هاهنا حدودَ المحقَقين من الفقهاء:
فقال قوم: رد فرع إلى أصل بمعنى يجمعهما. وهذا حَد حَملي يشمل قياس العلَّة، والدلالة، والشبه، والصحيح، والفاسد.
وقياس العلَّة من ذلك هو: حملُ فرع على أصل بعله جامعةٍ بينهما، وإجراءُ حكم الأصل على الفرع.
وقيل: إن قياس العلَّة الصحيح: إثباتُ حكم الأصل للفرع لاجتماعهما في علَّةُ الحكم.
والعبارات في ذلك كثيرة (2)، وهذا أسَدُّ ما رأيتُ في كتب المحققين، وسمعتُ من ألفاظ الأئمة المبرزين.
ومثال قياس العلة: قياس النبيذ على الخمرِ بعلة أن فيه الشدَّةَ المُطربةَ، وقياس الفأرةِ على الهر (3) بعلة الطيافة، وقياس الأرز على
__________
(1) انظر الصفحة (433) من الجزء الأول.
(2) انظر"العدة"1/ 174، و"شرح مختصر الروضة" 3/ 223.
(3) في طهارة سُؤرها.
(2/47)

الحِنطة (1) بعلة الطعم، وأنه مَطعومُ جِنس.

فصل
وقياسُ الدلالةِ، وهو على ثلاثةِ أضرب (2):
أحدها: الاستدلال بخَصيصةٍ من خصائص الشيء عليه، وذلك مثل: قولنا بنفي وجوب سجودِ التلاوة، لما وجدنا فيه من خَصيصةِ النافلة، وهو جواز فعلهَ مع عدم الضرورة على الراحلة، فجواز الفعل مع عدم العُذر على الراحلة من خصائص النوافل؛ فيستدل به على كونه نافلة (3).
والضرب الثاني: أن يُستدل بالنظير على النظير، كاستدلالنا في وجوبِ الزكاةِ على مالِ الصبي وفي ماله بوجوب العشر، وهو نوعُ زكاةٍ في زَرْعه، فنقول: مَن وجبَ العُشر في زَرعِه، وجب رُبعُ العشر في ماله. وان مَنعوا قولنا: "في" (4) قُلنا: "مَنْ وَجب العُشر لأجل زَرعه"، فلا يبقى منع.
وانما يُحقق هذا القياس تَحقيق النظارة إذا طولبتَ بالجمعِ أو
__________
(1) في جريان الربا فيه.
(2) زاد أبو الخطاب ضرباً، وهو: قياسُ الاسم الخاص على الاسم الخاص، مثل: قياس إزالة النجاسة على رفع الحدث بجامع كونهما طهارة شرعية، فلا تجوز إزالة النجاسة بالخل كما لا يجوز رفع الحدث به.
انظر "التمهيد" 1/ 29، و"اللمع": 66.
(3) انظر "المغني"2/ 364 - 366.
(4) أي في قوله: "من وجب العشر في زرعه".
(2/48)

ابتدأتَ به لتُكفَى مؤنة المنع أو المطالبة. وتحقيق النظارة بينهما: أن كلُّ واحدٍ حق لأجلِ المال وجبَ مواساةً على وجه القُربة بدليل اعتبار النية، وسمَّاه الشرع: زكاة، حيث قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:" يُخْرَصُ الكَرمُ فَتُؤخذُ زكاتُه زبيباً، يُخْرص الرُّطب فتؤخذ زَكاته تَمراً" (1)، ونصرف كلُّ واحد منهما مَصرف الآخر، ويجب طُهرةً للمال، وإنما خرج عن نظارته بالحول؛ لأن الحول في سائر الأموال جُعل لتكامل النماء، وهذا تكامل نماؤه باسْتحصادِه.
ومثال آخر لهذا القسم: قولنا في ظهار الذمي: مَن صح طلاقُه صح ظِهارُه كالمسلِم؛ لأن الظهار نظير الطلاقِ حيث كان قولًا يختص الأزواجَ دال على الإعراض عن الزوجة، وكلُّ واحدٍ منهما يؤثر في تحريم الأبضاع، وحقيقته القول (2).

فصل
والثالث من ضروب قياس الدلالة: قياس الشبه، مثل: قياس الطهارة في إيجاب الترتيب والموالاةِ، على الصلاة من حيث اشتبها في البطلان بالحدثِ.
وقد أخرجه قوم عن أن يكون دليلًا، وسنذكر ذلك في الخلاف إن
__________
(1) أخرجه من حديث عتاب بن أسَيد: أبو داود (1604). والترمذي (644)، والنسائي 5/ 109 وابن حبان (3279)، والبيهقي 4/ 122.
وأخرجه مرسلاً من حديث سعيد بن المسيب: مالك في "الموطأ" 2/ 703.
(2) انظر تفصيل المسألة في "المغني" 11/ 56.
(2/49)

شاء الله.

فصل
وقد قسم بعضُ أئمة الفقهاء البغداديينْ القياس على ثلاثة أضرب، فقال: قياس جَلي، وقياس واضح، وقياس خَفي (1).
قال: فالجلي: مالا يَحتمل إلا معنى واحداً، فهو بين المعقولات كالنصِّ بين الملفوظات، إلا أن بعضَ الأقيسةِ الجليةِ أجلى من بعض.
وجعلَ الشافعي رضي الله عنه التنبيهَ (2) من قبيلِ القياس الجلى، كقولهِ تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23]؛ لأنًّ تَحريم الضرب ليس بلفظه، إذ ليس هو فى لفظه لكنه فى معناه، وكذلك قوله: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: 75]، ومن ذلك: "نَهَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن التَضحية بالعَوراء" (3)، ليس في لفظه النهي عن العمياء، لكن في معناه، فهذا عند الشافعي من القياس الجلي (4).
__________
(1) هذا التقسيم للقياس باعتبار قوته وضعفه، وأكثر الأصوليين يَنصون على أنه ينقسم الى قسمين: قياس جلي أو واضح، وقياس خفي. فيدرجون الواضح الذي جعله ابن عقيل ضرباً مستقلاً بالجلي. انظر "العدة" 4/ 1325 و"المسوّدة" ص (374)، و"شرح مختصر الروضة" 3/ 223، و"شرح الكوكب المنير" 4/ 207.
(2) أي فحوى الخطاب.
(3) تقذم تخريجه في الصفحة: (37).
(4) انظر قول الشافعية في ذلك وأدلتهم التي يستندون اليها. في "المحصول" 5/ 121 - 123، و"البحر المحيط" للزركشي 5/ 36.
(2/50)

وامتنع جماعة من الأصوليين والفقهاء من إدخال هذا في جملة القياس، فقالوا: ما أكثر ما اغترَّ بهذا قوم وقالوا: إنه قياس، حيث لم يكن في لفظه نهي عن الضرب ولا ذكر العمياء، وإنما هو في معناه. وليس كما ظنوا، فإن الوضع هو للمنع نُطقاً، وصار كقول المتهدِّد: افعل ما شئتَ وأكثِر مما نَهيتُك عنه. قال الله سبحانه: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت: 40] وقا. ل لإبليس: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ} [الإسراء: 64] هذا كله بلفظ الاستدعاء، فهو أكثرُ من قولكم في التنبيه: ليس فيه ذكر الضرب، لكن وضِعت الصيغةُ التي هي بصورةِ صيغةِ الأمرِ، تهديداً لضد مَا وضِعَت صيغة الأمرِ، فإنَّ التهديدَ زجر عن جميع ما ذكره سبحانه، كذلك ذكرُ التأفيف والدينارِ صيغة موضوعة للنهي عن الكثر، فإذا جازَ أن تضع: "افعل ما شئتَ" زجراً عن فعل، كان وضعها للنهيّ عن التأفيف، نهياً عن الضرب بالصيغة لا بالمعنى، وهذا واضح في هذا الباب.
وأدخل هذا المُقَسم في القياسِ الجلي قولَه - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَقْضي القاضي حينَ يَقْضي وهُو غَضْبان" (1)، وهو دونَ الأول، والأوّل أجلى، وإنَما أدخل هذا في باب الجليّ، لأنَّ السابق إلى الفَهم أنَ الغضب يَشغلُ القلبَ، وُيزعج الطبعَ، وُيحيل المزاجَ، ويعمي عن الرأي، إذ مبنى الرأيّ على الاعتدالِ، فيتعدّى ذلكَ إلى كلُّ مُزعج للطبعِ مزيل للاعتدالِ من الطرب، والحزن، والحَقْنِ (2)، والخوف، والجوع
__________
(1) تقدم تخريجه ص (525) من الجزء الأول.
(2) الحقن: هو احتباس البول، والحاقن: هو الذي حَبسَ بولَه. "اللسان": (حقن).
(2/51)

المفرط، والعطش.
ومن الجلي أيضاً عنده (1) - وإن كان دون الأول- قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الفأرة تموت في السمن: "إنْ كانَ جامداً فالقوها وما حَولها، وإن كان مائعاً فأريقوه" (2). فيسبق إلى الفهم أن كلُّ جامدٍ من دبس وشحم كذلك يؤخذ ما حولها من جامِده وُيراق مائِعُه؛ لأن الجامد مُتماسك لا تَتَعدى نجاسة ما لاقَته إلى ما وراء المُلاقَى منه، والمائع بخلافه.
ومن الجلي عنده أيضاً: ما نص عليه، مثل قوله تعالى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى} الى قوله {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} [الحشر: 7]، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كنتُ نَهيتكُم عن ادَخارِ لُحوم الأضاحي لأجلِ الدَافَة" (3).
__________
(1) أي عند الإمام الشافعي رحمه الله.
(2) أخرجه من حديث ميمونة -رضي الله عنها-: أحمد 6/ 335، والبخاري (235)، و (236) في الوضوء، و (5538) و (5539) في الذبائح والصيد، وأبو داود (3841) في الأطعمة، والترمذي (1798) في الأطعمة، والنسائي 7/ 178، والدارمىِ 2/ 109، وابن حبان (1392)، والبيهقي 9/ 353، وابن أبي شيبة 8/ 280.
وفي الباب عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عند أبي داود (3842). وعبد الرزاق في "المصنف" (278)، والبيهقي 9/ 353، وأحمد 2/ 232، 265 ,490.
(3) أخرجه مسلم (1971) في الأضاحي، وأبو داود (2812)، ومالك في "الموطأ" 2/ 484 - 485، والنسائي 7/ 235، والبيهقي 9/ 293، وابن حبان (5927)، وأحمد 6/ 51 والدافَّة: من الدّف وهو السير السريع. =
(2/52)

القسم الثاني: وهو الواضح، مثل قوله سبحانه: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25]، فالذي ظهر من ذلك ووضح أن نُقصان الحدِّ في حقها لأجلِ الرق الذي فيها لا لأجل الأنوثة، إذ لو كإن لأجل الأنوثة لأثرت بحدِّها (1) في التنقيص، ومعلوم أنَ الأنوثةَ لم تُؤثَر في تكميل الجلد ولا في إحصان الرجم، فلم يبق إلا مَحْضُ الرق، وذلك موجود في رِقِّ العبد، فَيُعدَّى إليه تنقيصُ الحدِّ.
وكلُّ ما ثبتَ فيه علةُ الأصلِ بضربِ من الدليل، فهو واضح عند هذا المُقَسم، ولا بأس بما ذكره (2).
قال: وأمَّا الخَفي، فهو: قياس الشَّبَه، وهو: أن يَتردد فرعٌ بين أصلين له شبة بكل واحد منهما وشبهه بأحدهما أكثر أو أقيس شَبهاً وآكد تأثيراً، فإنه يُرد إليه. وهذا إنَما يكون إذا لم يكن أحدُ الأصلينِ علةً مدلولًا علي صحتها يتعدى إلى الفرع.
ومثال ذلك: صحةُ ملكِ العبدِ، فإن العبدَ يتردَّدُ بين أصلين في الشبه، فيشبهُ الأحرارَ من وجه؛ لأنه مُكلفٌ يجب عليه القِصاص إذا قَتل عمداً، ويملكُ الأبضاعَ، ويوقع الطلاقَ بنفسِه، وتجب عليه
__________
= والدافة -كما قال ابن الأثير: قوم من الأعراب يريدونْ المصر. يريدُ: أنهم قدموا المدينة عند الأضحى، فنهاهم النبى - صلى الله عليه وسلم - عن اذخارِ لحوم الأضاحي ليفرقوها، فينتفع أولئك القادمون بها.
(1) في الأصل: "بحدتها" ولم نَرَ لها وجهاً.
(2) انظر "العدة" 4/ 1325، و"المسوَّدة" ص (347 - 375)، وقد أطلق القاضي أبو يعلى على القياس الخفي، اسم: " قياس غَلبةِ الشبه".
(2/53)

الحدودُ والكفاراتُ، ويتعلقُ بإقرارِه حكمُ الإِلزامِ للحقوقِ في ذِمته، وإيجابِ القَوَد المفضي إلى قَتله وإسقاط حقِّ سَيدِه من رقِه وماليتهِ، ويصح أمانُه وإيمانه وردَّتُه، وهذا حكمُ الآدميةِ في الأصلِ، ويشبهُ البهائمَ من حيث إنه مملوك يُباع وُيبتاع ويوهب، وتجب قيمتُه عند الإتلاف، ويضمن بالغُصوب والأيدي المتعدية. فإلى أيّ الأصلين كان أميلَ وبأيِّهما كانَ أشبه وجَبَ إلحاقُه به، وهذا من أحسنِ الأقْيسة. فلا عبرة بقول من أسقطه، وسنذكر ذلك في مسائل الخلاف إن شاَء الله.
ونُشير إلى الدلالةِ هاهنا، وذلك أن الشرع قد ورد باعتبار الأشباه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - للذي سألَه عن القُبلةِ في الصومِ: "أرأيتَ لو تَمضْمَضتَ" (1). وقال للخَثعمية حين سألته عن إدراكِ فريضةِ الحجِّ لأبيها وهو شيخٌ لا يَستمسك على الراحلةِ لتحجُّ عنه: "أرأيتِ لو كان على أبيكِ دينٌ فقضيتهِ، أكانَ ذلك ينفَعُه؟ فَدَينُ الله أحق" (2). وقد كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رحمة الله عليه: الفَهم الفَهم فيما تَلَجْلج في صَدرك مما ليس في كتاب الله
__________
(1) السائلُ هو عمر-رضي الله عنه-، والحديث أخرجه أبو داود (2385) في الصوم، وابن أبي شيبة 3/ 60 - 61، والدارمي 2/ 13، والبيهقي 4/ 218، وأحمد 1/ 21، وابن حبان (3544)؛ وصححه الحاكم في "المستدرك" 1/ 431، ووافقه الذهبي.
(2) أخرجه بنحوه مالك في "الموطأ" 1/ 359، وأحمد 1/ 346، و 359، والبخاري (1513) و (1855)، ومسلم (1334) وأبو داود (1809)، والنسائي 5/ 117 - 119، والبيهقي 4/ 328، والترمذي (928)، وابن ماجه (2909)، والبغوي (1854)، وابن حبان (3989) و (3990). من حديث عبد الله بن عباس.
(2/54)

ولا سُنةِ رسولِ الله، ثم اعرفِ الأشباه والأمثال وقِس بأشبهها بالحق (1).

فصل

من فصول قياس الشَبه
واعلم أنه إذا ثبتَ في الأصلِ علَّةُ للحكمِ وكانَ الفرعُ يُشبهُ الأصلَ في غير العَلّة، فهل يجوزُ إلحاقُ الفرع به بذلك الشبه وإن لم يشبهه في العلَّة؟
اختلف في ذلك العلماء، ولأصحابِ الشافعيِّ وجهان حسب الاختلاف:
فمنهم من قال: يجوز ذلك (2)؛ لأنَ شَبهه به فيما أشبهه يغلب
__________
(1) أخرجه الدارقطني 206/ 4، والبيهقي 10/ 115، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" 1/ 200، وأورده الِإمام ابن القيم في "إعلام الموقعين" 1/ 85 - 86، وابن حَزم في "الإحكام" 8/ 1003، وقال: " إن نسبته إلى عمر، لا تصح". وتعقبه الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير"4/ 196، وصحّح نسبته إلى عمر -رضي الله عنه-.
(2) وهو ما عليه الأكثرون من الشافعية، ويرشد إليه قول الِإمام الشافعي في كتاب "الأم ": "والقياسُ قياسان: أحدهما: يكون في مثلِ معنى الأصل، فذلك الذي لا يحل لأحد خلافه، ثم قياس: أن يشبه الشيء بالشيء من الأصل، والشيء من الأصل غيره، فيشبه هذا بهذا الأصل ويشبه غيره بالأصل غيره، وموضع الصواب فيه عندنا والله تعالى أعلم أن ينظر: فأيهما كان أولى بشبههِ صِير إليه: فإن أشبه أحدهما في خصلتين، والآخرَ في خصلةٍ، ألحقه بالذي هو =
(2/55)

على الظن أنَه بذلك الشبه مثلُه في جَلب حكمِ الأصل إليه وموافقته في حكمه.
ومنهم من قال: لا يجوزُ ذلك (1)؛ لأنه قد ثبت أنَّ الحكمَ في الأصل لأجلِ العلَّة، لا لما أشبهه فيه الفرع فيفضي إشراكه في حكم الأصل بغير علته، ويفارق هذا إذا لم تكن للأصل علَّةُ؛ لأنه لا يُفضي إلى إثبات الحكم في الفرع بما لم يثبت به حكم الأصل، لكنا لم نجد إلا الشبه، فعلقنا الحكم في الفرع بما غلب على ظننا أنَّه هو الذي تعلق به حكمُ الأصلِ.
ويمكن أن يقال على هذا: إن الأحكام الشرعية قد تَثبت في الأصلِ المقيسِ عليه بعلتين، ولا يمنع تعدية الحكم إلى الفرع بإحداهما مشاركةُ (2) الفرع للأصل في تلك الواحدة، ومعلوم أن الشَّبهَ طريقٌ لإثباتِ التعديةِ لحكمِ الأصل إلى الفرع، فلا يُمنع إلحاقُ الفرعِ بالأصلِ لأجلِ اشتراكِهما في الشبهِ، وإن انفرد الأصل بالعلة التي لم يشاركْه فيها الفرعُ، فيصيرُ الشبهُ كإحدى العلتين، فلما لم
__________
= أشبه بالخصلتين".
انظر"الأم" 7/ 85 باب اجتهاد الحاكم، وارجع إلى قياس الشبه، ورأى الشافعية في حجيته في "المحصول" 5/ 201 - 203، و"البحر المحيط" 5/ 234 - 241.
(1) ممن ذهب إلى ذلك من الشافعية: أبو إسحاق. الشيرازي، وأبو بكر الباقلاني، وأبو بكر الصيرفي. انظر "المستصفى" 2/ 310، و"المحصول" 5/ 203، و"البحر المحيط" 5/ 236.
(2) في الأصل: "ومشاركة".
(2/56)

يقفْ إلحاقُ الفرعِ بالأصلِ أن يشاركه في العلتين، بل جاز إلحاقُه به لمشاركتِه في إحداهما، كذلكَ لا يمنعُ الإلحاقُ لمشاركتِه له في الشبه وان لم يشاركْه في العلَّة.
ولِمن نصرَ الأول -وهو المنع- أن يقول: إن العلتينِ مُتساويتان، وكلُّ واحدة صالحة لجلب الحكم، فلذلك اكتفينا في الالحاقِ للفرع بالأصل باشتراكِهما (1) في إحدى العلتين، وليس كذلك الشبه؛ لأنه لاَ يساوي العلَّة، فإذا وُجِدَ الحكمُ في الأصلِ مع وجودِ العلةِ فيه، ولم يوجدْ في الفرع لم نأمنْ أن يكونَ الشبهُ الذي اشترك فيه الفرعُ والأصلُ خِلواً عن جَلب الحكمِ، وإنما الجالبُ للحكمِ في الأصلِ العلّةُ لقوَّتها وضعفِ الشبهِ، بخلافِ ما إذا انفرد الشبهُ عن علةٍ في الأصل؛ لأنه لم يبقَ لنا ظاهر به يُجلب الحكمُ إلى الأصلِ إلا الشبهُ، وقد شاركه فيه الفرعُ، فلذلك عَدينا حكمَ الأصلِ إلى الفرع (2).

فصل
فيما يفتقر إليه القياس
قال المحققون من العلماء: ولا بُدٌّ للقياس من أصل، وفَرعٍ، وعلّةٍ، وحُكم.
__________
(1) في الأصل: "لاشتراكهما".
(2) اكتفى المصنف -رحمه الله- بأن يسوق رأي المجيزين والمانعين لقياس الشبه، دون أن يرجِّح بينهما، والذي اختاره أكثر الحنابلة، ونصره القاضي أبو يعلى، أن قياسَ الشبه حجةٌ يعتدُّ بها، وأن الحادثة تلحق بأقربهما اليها، وأكثرهما شبهاً بها. انظر"العدة" 4/ 1325 - 1329، و "المسودة" ص (374)، و"شرح الكوكب المنير" 4/ 188.
(2/57)

فالأصل: ما تَعدى حكمه إلى غَيره.
ومن الأصوليينِ من يقول: إنَ الأصلَ هو: النصُّ الواردُ فيما جعلتموه أصلًا، مثل نص النبي - صلى الله عليه وسلم - على تحريم التفاضل في الأعيان الستة (1)، وهذا وإن كان هو الأصل في إثبات الحكم، فهو مختص بالأصولِ لا يَتعدَّى عنها، وأما الذي يَتعدى ما في المنصوص عليه من العلّة، فكانت هي الأصول، إذ كان ثبوت الحكم في الفرع بمعناها دون النص.
ومن الفقهاء من قال: الأصلُ: ما ثَبت حكمه بنفسه (2). وُيريد بذلك ماثبت حكمه بلفظٍ يخصه.
وقد اعترض هذا القائل على من قال: بأن الأصلَ ما تعدى حكمُه إلى غيره: بأنَّ الذهب والفضة أصلان، ولم يثبت بهما حكم غيرهما عند أصحاب الشافعي. فأجابَ عن ذلك: بأنا إنْ عللَّناهما بالوزن فقد تَعدى حكمهما، وإن قلنا: العلَّة الثمنية على قول الشافعي -رضي الله
__________
(1) ورد هذا في حديث أبي الأشعث قال: كان أُناس يتبايعونَ آنية فضة في مغنم إلى العطاء، فقال عبادة: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُر بالبرِ، والشعيرِ بالشعيرِ، والتمرِ بالتمرِ، والملحِ بالملحِ، إلا مثلًا بمثل يداً بَيدٍ، فمن زاد أو استزاد، فقد أربى. أخرجه مسلم (1587)، وأبو داود (3349)، وابن ماجه (4454)، والنسائي 7/ 274 - 276، والبيهقي 5/ 277، وابن حبان (5015).
(2) يُرجع إلى معنى الأصل في "العدة"1/ 175، و"شرح مختصر الروضة" 3/ 229 - 230، و"شرح الكوكب المنير" 4/ 14 - 15.
(2/58)

عنه- فلا (1)، فإن الذهبَ والفضةَ ليسا عندَ أصحاب الشافعيّ -رحمةُ الله عليه وعليهم- لا أصلينِ ولا فرعينِ، بل ثبت حَكمهما بالنص من غير أن (2) يُعدَّى إليهما حكمُ غيرِهِما، ولا يُعدى حكمُهما إلى غيرهما، فلا يُسَميان بواحدٍ من الاسمينِ لا بفرع ولا بأصلٍ.
وقد قال بعضهم: إنْ صارتْ الفُلوس أثماناً عُدي حكمُهما إليها، فحرم التفاضل فيها. فعلى قول هذا القائل قد وُجدت خصيصةُ الأصل فيها.
واعتُرضَ الحد الذي ذكره من قال: ما ثبتَ حكمه بنفسه، بأن قيل: ليس لنا شيءٌ ثبتَ بنفسه من سائرِ الأحكام، وما فسره به من قوله: أردتُ: ما ثبتَ بلفظٍ يخصُه. فلا يَقتضيه لفظُه؛ لأن اللفظ الذي يخصّه إنما هو غيره، وليس هو نفسه.

فصل
والفرع هو: ما تَعدى إليه حكم غيره.
ومن الأصوليين من يقول: إنه الحكم، كما جُعل الأصلُ النص. فلحظ في ذلك أنَ الذي تفرع عن الأصل إنما هو الحكم، فجعله فرعاً له.
وقد بينا أن الأصل هو: المنصوص على حكمه، والفرع هو: الذي ثبت بالعلة حكمه.
__________
(1) في الأصل: "لا" أي لا يتعدى حكمهما.
(2) ليست في الأصل.
(2/59)

فصل
والعلة هي: التي ثبتَ الحكم لأجلها، أو نقول: ما أوجَبت الحكم، أو نقول: ما غَيرت المعتلَ، وهو المحكوم فيه -على قول أبي علي الطبري (1) - كما تُغيَّر علةُ المرض المريضَ الذي تقومُ به.

فصل
والمعلول هو: الحكم (2)، ولذلك يقول القائل: بمَ تُعلل هذا الحكم؛ ويقال: اعتل فلان بكذا. فيما ذهبَ إليه من الحكم.
وقال أبو علي الطبري -من أصحاب الشافعيّ رحمة الله عليه-: إنه المحكومُ فيه، كما يسمى مَن حلَّته العِلة وقامَ به المرضُ: مَعلولًا.
والأول أصحُ؛ لأن معلولَ العلَّة هو ما أثارته، وما أثارت سوى الحكم دون ذاتِ ما قامت به العلةُ، بخلافِ الجسمِ، فإنَّ العلَّةَ تقومُ به وتوثر فيه، فلهذا كان الجسمُ معلولًا.

فصل
والمُعلل: حكمُ الأصل؛ لأنَه المطلوبُ علتُه.
والمُعَلل هو: الناصب للعلَّةِ، وقد يُسمّى ذلك: المستدل بالعلة؛
__________
(1) هو الحسن بن القاسم أبو على الطبري شيخ الشافعية، من مصنفاته "المحرِّر في النظر" وهو أول كتاب في الخلاف المجرد، و"الإفصاح في المذهب"، درس ببغداد، وتوفي فيها سنة (350) ه. "تاريخ بغداد" 8/ 87، "سير أعلام النبلاء" 16/ 62
(2) انظر "الكافية في الجدل": 61 - 62.
(2/60)

لأنَه بمنزلة الناصب لها.
والمُعتَل هو: المحتج بالعلة.

فصل
والحكمُ الذي هو من جملة ما احتاج إليه القياس وشرط له، هو: قَضاء الشرعِ المستنبط.
وصورته: قول القائِس: فكانَ، فوجبَ، فلزمَ، فلم يَجزْ، فأبيحَ، فاسْتُحب، فاسْتُحِق، وما شاكلَ ذلكَ من العباراتِ بحسب المسألة المختلَفِ فيها.

فصل

ويجوزُ أن تكونَ العلَّة صفةً ذاتيةً أو شرعيةً، واسماً مشتقاً أو عَلماً أو حُكماً (1):
فالصفة الذاتية: كالطعم والقوت في الأعيان المنصوص عليها.
والشرعية: كقولنا: عبادة أو كفارة.
والاسم المشتق: كقولنا في النَّبّاش (2): سارق، وفي واطىء الأجنبية بغير شُبهة: زان.
__________
(1) تُنظر مسألة تعليل الحكم بالأسماء المشتقة وأسماء الألقاب في "العدة" 4/ 1340، و"التمهيد" 4/ 41، و"المسوّدة " 393، و"شرح الكوكب المنير" 4/ 42.
(2) نَبش الموتى: استخراجهم بعد الدفن، والنباش: الفاعل لذلك."اللسان": (نَبشَ).
(2/61)

والاسم العلم: كقولنا: ماء أو تراب.
والحكمُ: كقولنا: مَن صَح طلاقه صَح ظِهاره، ومَن وجب العُشرُ في زَرعهِ أو لأجلِ زَرعه، وجبَ رُبع العُشر لأجل مالهِ، وما لا تجبُ الزكاةُ في ذكورِه لا تجبُ في إناثِه، كغير الخيل من الوحوشِ والبغالِ والحمير (1).

فصل
وقال قوم من أهلِ الجدل: إنَّ الاسمَ العَلم لا يجوزُ أن يَكون علةً (2): لأن العلَّةَ: ما أفادت معنى يتعلق به الحكم، والاسم إنما هو مُواضَعةٌ بين أهل اللغة للتعريف، وما كان للتعريف لم يتضمن التعليل، كقولنا: زَيد وعَمرو، ولهذا كان مَوجوداً قبل الشرع.
وهذا ليس بصحيح؛ لأن العللَ الشرعيةَ أمارات من جهةِ صاحب الشرع جُعِلتْ علامات على الأحكام وصارت علةً بجعلِ جاعلٍ، وكذلك لَو وَرد التعليلُ به من صاحبَ الشرع، فقال: أزيلوا النَّجاسةَ بالماءِ لا بغيرِه؛ لأنَّه ماء، وتَيمموا بالتراب؛ لأنه ترابٌ، كان تعليلًا صحيحاً، وإذا جاز وُرودُ الشرع به (3)، لم يجز المنعُ من كونِه علةً؛ ألا ترى أن العقوبةَ لما لم يجزْ أن تكون مُعللةً بإحسانِ المحسِن، وطاعةِ المطيعِ، لم يجزْ أن يردَ الشرعُ بها، فيقول: عاقبوا زيداً؛ لأنه
__________
(1) انظر تفصيل مسألة زكاة الخيل في "المغني" 4/ 66 - 69.
(2) وهو ما اختاره بعض الشافعية منهم الفخر الرازي، انظر "التبصرة" 454، و"المحصول " 5/ 311.
(3) ليست في الأصل.
(2/62)

أحسن أو بَر والديه، أو لأنَه وحد الله وشكر أنْعمه.
وأبداً يوردون على هذا، أنَ صاحبَ الشريعة نفسُ قولهِ حجة، فلذلكَ حَسُن منه ذلك، ونحن لا نُجوِّز أن يُعَلَّل إلا بماله شروط العِللٍ، وهذا ليسَ بصحيحٍ؛ لأن صاحبَ الشريعةِ مع كون قوله حجة، فإنَه إذا أخرجَ الكلامَ مَخرجَ التعليلِ لم يُخرجه إلا بشروطِ التعليل، وكذلكَ لو قالَ في العقلياتِ من العلل: إنما أوجبَ كونَ الجسمِ مُتحركاً قيامُ السوادِ به، لم يجزْ. لِما ثبتَ من أن علّة كونِ المتحرِّكِ مُتحركاً هو الحركةُ، وقيامُ السواد به لا يوجب إلا كونه أسوداً.
وكذلك لو قال: أحسنوا إلى زيدٍ؛ لأنه مُسيء، وعاقبوا عمراً؛ لأنه
محسن. لم يكن هذا تعليلًا صحيحاً، بل لاتجوزُ علةُ ذلك لما فيه
من الاختلالِ والفساد، ولم يصر صحيحاً لأنه ورد من جهةِ الشارع.
وكذلكَ القولُ بأنَ زيداً حيُّ وهو ميت، أو أبيض وهو أسود، لما كان كذباً ممن وجد، ولا يجوزُ ورودُه من صاحب الشرع، كذلك إضافةُ المعلولِ إلى مالا يَليق بأن يكونَ علةً له، بَل علةً لضِده.
فإذا ثَبتت هذه القاعدة عُلم أن كلَ شيءٍ علل به الشرعُ، أو حسنَ أن يُعلّل به، جازَ أن يُعلّق الحكمُ عليه تعليقَ المعلولِ على علتِه.

فصل
وقال قوم من أهلِ الجدلِ والفقهاءِ: لا يجوزُ أن يكونَ الحكُمُ علةً للحكم (1).
__________
(1) والراجح المختار أنه يجوز أن يكون الحكم علَّةُ لحكم آخر.
انظر "التمهيد" 4/ 44، و"المسوَّدة": 411.
(2/63)

وهذا القائلُ لا يرى أن جعْلَ المعلولِ علةً سؤالًا صحيحاً؛ لأن المعلولَ هو الحكم، فلا يجوز أن نجعله علةً من حيثُ إيرادُه سؤالًا، وهو لا يراهُ علةً من حيثُ الاستدلالُ به.
قال: لأنَ الحكمَ معلولُ علةٍ لا ثباتَ له إلا بها، فلا يكونُ له استقلال إلا بالعله، فكيف يكون علةً لحكمٍ هو مثله؟!
وما ذلك إلا بمثابةِ من قال: إن التحركَ الذي هو معلولُ الحركةِ علةٌ لتحركِ الجسم.
ومما يدلُ على أنَّ الحكمَ لا يكونُ علةً وانما يكونُ دلالةً على الحكم: أنا إذا قلنا: ما كانَ رباً في دار الإسلام كانَ رباً في دار الحرب. لا يقتضي أنه إنما كان رباً في دار الحرب؛ لأنه في دار الإسلام، ولكنَّه إنما كان رباً في الدارين جميعاً لأجلِ التفاضل فيما حَرُم فيه التفاضل، وذلك هو العلَّة. فإذا جعله المخالفُ رباً في دار الإسلام، علمنا أنه كان للعلةِ التي هي التفاضل في الجنسِ، وذلك مَوجود فَي دارِ الحربِ، فكان رباً فيها بوجودِ علته.
قال بعض أئمةِ الأصول: وهذا استصحاب حالٍ بصورةِ قياس، ومعناه: أنه قد ثبت كونه رباً في دارنا، فمن ادعى أنَّه ليسَ برباً في دارِ الحربِ فَعليهِ الدليلُ.
فيقالُ: إن أردتَ أن ذلكَ ليس بعلةٍ موجبةٍ، فهذا حكمُ جميعِ عللِ الشرع، وإنما الموجبة العللُ العقليةُ.
وإن أردتَ أنها ليست أمارة، فليس بصحيح؛ لأنك أقررتَ بانها دلالةٌ، والدلالةُ أمارة، ويدل على ذلك أنه قد توجدُ في ذلك إحدى
(2/64)

الدلائل التي تثبت العلَّة، ألا ترى أنه يجوز أن يقولَ صاحبُ الشرع: ما كلانَ رباً في دارِ الإسلام يكون رباً في دار الحرب، كما قال: "مَنْ بَدلَ دينَهُ فَاقْتُلوه" (1)، فيكونُ علةً، وعلى أنَّ ما كلان رباً في دار الإسلام فقد تضمن العلةَ الموجبةَ للربا، فصح وصفُه بأنَّه علةٌ لكونه رباً في دارِ الحرب.
ولعلَّ هذا القائلَ افْترقَ في نفسهِ ما كان غَرضَ الحكمِ وما لم يكنْ غرضه، وليست العللُ موقوفةً على ذلك، وإنما هي ما جُعلت بدليل شرعي، وكل علَّةُ يطالب بصحتها فمن مستندها يعطي أنها لم تقمْ بنفسِها، فيجب أن لا تَصح لنا علَّةُ، إذ لم نَنفِ أن يكونَ الحكمُ علةً إلا لكونهِ يَستندُ إلى غيره.

فصل
وقد تكونُ العلةُ وجودَ صفةٍ أو اسم، وقد تكون نفياً، كقولنا: ليس بمطعومٍ (2) ولا ثَمنٍ، أو ليس بموزونٍ وليس بتُرابٍ (3).
وكذلك في الحكم: مالا يجوزُ بيعهُ لا يجوزُ رَهنه، فيكون النفيُ نافياً للحكمِ، ألا ترى أنه يحسنُ أن نقول: لا تَحسُنُ عقويتُه؛ لأنه لم يُسىء.
__________
(1) تقدم تخريجه في الصفحة: (39) من الجزء الأول.
(2) أي ليس بمطعوم فيجوز التفاضل فيه.
(3) أي ليس بتراب فلا يجوز التيمم به.
(2/65)

فصل

ويجوزُ إثباتُ كلَّ حكم شرعي طريقُه الظنُّ بالقياس، سواء كانَ كفارةً أو حدَّاً أو مُقدراً من المقدرات (1).
ومنع أصحابُ أبي حنيفة من إثبات ذلك بالقياس (2)، واستدلوا في ذلك بأن الحدود شُرعت ردعاً، وذلك لا يدرك بالقياس، وكذلك الكفارات لإسقاط المآثم.
وربما قالوا: إن القياس هو رد الفرع إلى أشبه الأصلين به، والشبَه الآخر شُبهة فيه، والحدود تَسقط بالشبهة بل لا تجب مع نوع شُبهة.
وهذا لا يصح؛ لأن ذلكَ حكم شرعي ثبتَ بخبر الواحد فثبت بالقياس، كسائر الأحكام. يوضح ذلك: أن سائر الأحكام ألطاف ومَصالح، وكما لا يَعلم مقادير الأجرام ومقابلاتها إلا الله، ينبغي أن لا يُعلم مقدار مصالح الأدميين وألطافهم بالأراء والقياس، وما اعتل نُفاةُ القياس إلا بهذا في سائرِ أحكام الشرع، ولو جاز أن لا يثبت حَد ولا كَفارة لما ذكروا من كون الشبه الآخر الذي لا تَشهد به شُبهة، لكان الخلاف المسوغ شبهةً حتى لا يجبَ حد مع خلاف، بل لا يجب [إلا] (3) مع الإجماع.
__________
(1) تنظر هذه المسألة، وما قرره الحنابلة ومعهم الشافعية من جواز إثبات الحدود والكفارات عن طريق القياس، في: "العدة" 4/ 1409، و"التمهيد" 3/ 449، و"المسوّدة": 398، و "شرح مختصر الروضة" 3/ 451.
(2) انظر قول الحنفية هذا في: "أصول السرخسي" 2/ 157 - 164.
(3) زيادة يستقيم بها السياق.
(2/66)

على أننا لا نُثبت حداً ولا كفارة إلا بقياس دل دليل شرعي على إثباتِ علةِ الحكم به، فصار ثابتاً من جهةِ صاحب الشرع، وقد ناقضوا بقياسهم كفارةَ الأكلِ على الجماع بما جمعوا بينهما به من أنه أفطر بمتبوع جنسه وبمقصوده (1).
__________
(1) وذلك فيمن أفطر عامداً بالأكل في نهار رمضان حيث أوجبوا عليه كفارة المواقع زوجته في نهار رمضان، والتي ورد بها النص، ودليلهم في ذلك القياس.
(2/67)

فصل
في استصحاب الحال (1)
وهو ضَربان:
استصحابُ حالِ العقلِ في بَراءة الذمم من الحقوق، وهي العباداتُ والغراماتُ، كقولِ القائلِ في إسقاطِ ديةِ المسلمِ إذا قُتِلَ في دارِ الحرب، أو في إسقاطِ ما زادَ على ثلث الدية في قَتل الكتابي خطأ: الأصلُ براءةُ الذمة وفراغُ الساحة، فمن ادّعى شَغلها فعليه الدليل.
ولسنا نجدُ في الشرعِ ما يشغلها بديةِ المسلم المقتولِ في دار الحرب، ولا بما زاد على الثلث في قتلِ الكتابي، فيبقى على حكمِ الأصل. فهذا دليل يفزعُ إليه المجتهدُ عند عدمِ الأدلةِ.
والثاني: استصحابُ حالِ الإِجماعِ، وهذا مُختلف فيه، وهو مثل قول الشافعي في حق المتيمم إذا وَجَد الماءَ في صلاته: إن صلاتَه انعقدت بالإِجماع، فلا يزول عن ذلك إلا بدليل. وسيأتي الكلام على ذلك إن شاءَ الله.
__________
(1) الاستصحابُ لغة: طلب المصاحبة واستمرارها. وشرعاً: استدامة إثبات ما كان ثابتاً، أو نفي ما كان منفياً. "إعلام الموقعين" 1/ 294، وانظر: "شرح مختصر الروضة" 3/ 147 حيث عرفه الطوفي: "بالتمسك بدليل عقلي أو شرعي لم يظهر عنه ناقل".
(2/68)

فصول
تجمع أنواعاً من الأقيسةِ، وبيانُ الأحسن والأقوى منها والأَرَكِّ، وتُحققُ ما أهمله كثير من الفقهاءِ.
فصل
في التقسيم (1)
وقد سبق تحديدُه، وتَقريبه ها هنا: أن يذكرَ المستدلُّ كلَّ قِسم يتوهم أن الحكم يتعلق عليه ويُبطله، سوى القسم الذي تعلق به الحكم، وأكثر ما يتفق هذا ويكون مثلُه في الموضعِ الذي يتفق الخُصماء أو الخصومُ على أن للحكمِ علةً واحدةً.
مثاله: ما يُقال في أن الشفيع يأخذ (2) الشِّقْص (3) بالثمن الذي وقع العقدُ عليه.
فيقولُ المستدِلُ على ذلك: قد دلَّ على ثبوتِ الشفعةِ للشفيعِ
__________
(1) التقسيم هو: حصر المعترض مدارك ما ادعاه المستدل علةً، وإلغاء جميعها "شرح مختصر الروضة" 3/ 491، و"التمهيد" 4/ 22، و"العدة" 4/ 1415، و"المسوَّدة": 426 وانظر ما تقدم في الجزء الأول (472).
(2) في الأصل: "فى حدِّ".
(3) الشقص: هي القطعة من الأرض، والجمع: أشقاص، انظر "اللسان": (شقص).
(2/69)

بعد تمام الشراءِ، وأنه ياخذُه بعوض، فلا يخلو ذلك العوضُ إمَّا أن يكونَ قدرَهُ ما يرضى به الشفيعُ، أو ما يرضى به المشتري للشقص، أو يَتراضيان به، أو بقيمةِ الشقص، أو بالثمنِ الذي وقع عليه العقدُ، إذ ليس هاهنا قسم آخر له تعلق به.
ثم يَشرع في إفسادِ كلِ قسم سوى القِسم الذي يتعلق به الحكم، فيقول: ولا يجوزُ أن يكونَ القدرُ هو ما يرضى به الشفيعُ؛ لأنَّه قد يكونُ رضاه بالأقلِ الذي يَستضر به المشتري، والضررُ لا يزال بالضررِ، ولا يجوزُ أن يكونَ ما يرضى به المشتري، فإنه قد يرضى بالأكثرِ الذي إن أخذَ به الشفيعُ اسْتَضر، وان لم ياخذ [به] (1) لما يرى من كثرتهِ استضرَّ بإسقاطِ شُفعتِه، ولا يجوزُ أن يكونَ ما يتراضى به الشفيعُ والمشتري معاً؛ لأنه يؤخذُ من غير رضَى، وربما لا يتراضيان على شيءٍ، فيؤدي إلى إسقاطِ الشفعةِ، ولا يجوزُ بقيمةِ الشقص؛ لأنها قد تزيدُ على الثمنِ فيستضرُ به الشفيعُ، وقد تنقصُ عن الثمن فيستضرُ المشتري، فلم يبقَ إلا الثمنَ الذي وقع العقدُ عليه، وفي الأخذِ بالثمنِ إزالةُ الضررِ عنهما (2)، فوجبَ الأخذُ به دونَ ما سبق من الأقسام.

فصل
ومنها: الاستدلال بالعكسِ، وهو:. رَد آخِر، الأمرِ إلى أولِه، أو أولِه إلى آخِره (3).
__________
(1) زيادة ليست في الأصل.
(2) في الأصل "عنها".
(3) انظر "العدة"4/ 1414، و "التمهيد" 3/ 358، و"المسودة" 425.
(2/70)

وأصله في اللغة: شَدُّ رأسِ البعير بخِطامِه إلى ذِراعه.
وعند أهلِ الجدلِ: أن يتبدلَ ترتيبُ الكلامِ ويتحفظَ معه أمران: الصفةُ والصدقُ.
ومثال ذلك: قولك: رجل قائم. فإذا عكستَ قلت: قائم رجلٌ. فتجعلُ المبتدأ خبراً والخبرَ مبتدأ، ويتمُ ذلكَ عندهم في النفي العام أبداً، ولا يتمُ في النفي الخاصّ أبداً. والإثباتُ الخاصُ يتمُ فيه أبداً، وأما الإثباتُ العام فلا يتمُ فيه إلا إذا جعلته خاصاً، فإذا قلت: كلُّ مسكرِ حرام. كان هذا صدقاً، وإذا عكست فقلت: كلُّ حرامِ مسكر. لا تصدقُ إلا إذا خصصت فقلت: وحرامٌ ما يُسْكِرُ.
وأما صورتُه عند الفقهاءِ: فكقولِ الحنفيّ في الماءِ إذا تغيرَ بالخل أو الزَّعفران: إنه لو كان تَغير الماءِ بالزعفرانِ يمنعُ الوضوءَ به، لكان وقوعه فيه يمنعُ (1)، كالنجاسةِ إذا حصلتْ في ماء قليل، لما منعَ تغيرُ الماءِ بها من الوضوء منع وقوعها فيه. وذلك أنه يدعي أن التغييرَ والوقوعَ يفترقان وينعكسان، ما يمنع وقوعه يمنع تغيره، ثم يُبدل فيقول: ما يمنعُ تغيرَه يمنعُ وقوعَه، على ترتيبِ أهلِ الجدل، إلا أنه ينقلُه إلى الزعفران فيقول: ثم وجدتُ الزعفرانَ وقوعه لا يمنع، فتغيرُه لا يمنعُ.
فحقيقةُ العكسِ عند أهل الجدلِ: ما يمنعُ وقوعَه يمنعُ تغيّره، وما يمنعُ تغيرَه يمنعُ وقوعَه، إلاَ أنه لا يتمُ له إلا إذا أتى بهما خاصَّين منكرين.
والفقهاءُ يريدونَ بعكسِ العلَّةِ: عدمَ الحكمِ عند عَدمِ العلَّةِ بكل
__________
(1) أي لكان مجرد وقوع الزعفران في الماء يمنع الوضوء، حتى لو لم يحُدث تغيراً في طعمه أو لونه.
(2/71)

حال، وهو هذا، لأنهما لا يَفترقان أبداً.
ومثال آخر: من صَح طلاقُه صح ظِهاره، عكسُه عند أهلِ الجدلِ: مَن صح ظهاره صح طَلاقُه. ويعبر عن ذلك: لو لم يَصح ظهارُ الذميّ لم يصح طلاقُه، كالصبيِ والمجنونِ.

فصل
وقد اختلفَ أهلُ العلمِ في صحةِ الاستدلالِ بهذا- أعني العكس الذى ذكرناه ومثلناه-.
فمنهم من قال: لا يصح (1)؛ لأن عدمَ العلَّةِ لا يدلُّ على عدمِ الحكمِ في الشرعياتِ، لأن الحكمَ قد ثبت بعكس، فإذا زالت إحدى العلتينِ جاز أن تخلفَها علَّةُ أخرى، وكذلك عدم أخذ الحكمين لا يدلُ على عدمِ الحكمِ الأخرِ لجوازِ أن يختلف طَريقُهما.
ومنهم من قال: يصح الاستدلالُ به، وهم الأكثرونَ من الفقهاءِ وأهلِ الجدل، وهو أصح (2)؛ لأن الحكمينِ إذا كان طريقُهما واحداً وثَبتا معاً جاز أن يُستدل بوجود أحدِهما على وجودِ الآخر، وبعدم أحدِهما على عدم الآخر؛ لأن القرآن تضمنَ الاستدلالَ بالعكسِ، قال سبحانه: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] والمراد بقولِه: إلا الله: غير، وهي صفة، فوصفَ الألهةَ التي ادعوها بانها غيرُ
__________
(1) نُسِبَ ذلك إلى القاضي أبي بكر الباقلاني، وغيره من الشافعية، انظر؛ "شرح الكوكب المنير"4/ 219، "البحر المحيط" 5/ 46 - 48.
(2) وهو اختيار أكثر الاصوليين والفقهاء، وقد استدلى به الشافعي في عدة مواضع.
انظر: "البحر المحيط" 5/ 47.
(2/72)

الله، ولم يتعرضْ لذكرِ الواحدِ في هذا الموضِع البتة، فكأنه قال سبحانه: لو كانَ فيهما الألهةُ التي تدعونها لفسدتا، فلما لم تفسدا علمنا أنها ليست آلهة. وهذا استدلال بالعكسِ.

فصل
ومن جملةِ العكسِ ما يقوله الفقهاء: جعلُ العلَّةِ معلولاً والمعلولِ علَّةُ (1)، وهو: أن يقدم المؤخر ويؤخر المقدمَ.
والمعلولُ، هو: حكمُ الفرعِ.
مثاله: قولُ أصحابِنا وأصحاب الشافعي في الصداقِ: ما جاز أن يكون ثمناً جاز أن يكون صَداقاً، كَالعشرةِ. فيقولُ الحنفي: أنا أقول: ما جاز أن يكون صَداقاً جاز أن يكون ثمناً، كالعشرةِ، وذلك أنك تقول: العشرةُ جازتْ في الصداقِ؛ لأنها جازت في الثمنِ، فعلتُك الثمنُ، وحكمُك جوازُ الصداق. وأنا أقول: بل العشرةُ جازت ثمناً؛ لأنها تجوزُ صداقاً، فأجعلُ العلَّةَ جوازَها صداقاً، والحكم جوازَها ثمناً، فلا يكونُ أحدُنا أولى به من الآخِر، فيقف الدليلُ.
وهل يصحُّ هذا السؤال أم لا؛ على مذهبين:
أحدهما: يصح؛ لأنه يقفُ معه الدليلُ (2).
__________
(1) جعلُ العله معلولًا، والمعلول علَّةُ، هو نوع من أنواع قياس القلب، كما صرح به الكلوذاني في" التمهيد" 4/ 215 - 212 والمجد في" المسوَّدة": 446، وانظر: "شرح الكوكب المنير"4/ 335.
(2) هذا رأي الحنابلة والشافعية، انظر: "التبصرة": 479.
(2/73)

والمذهب الثاني: أنه لا يصح ولا يقدم في الدليل (1)؛ لأن الحكمينِ إذا أوجبَهما دليلٌ واحدٌ فلا يفترقان، فوجود أحدِهما يدل على وجودِ الآخرِ، فإذا كان النَكاح الصحيح يوجب الطلاقَ والظهارَ، فصحة الظهارِ تدل على صحةِ الطلاقِ، وصحة الطلاقِ تدلُّ على صحةِ الظهارِ، كما أن وجوبَ نَفقةِ الزوجة يَدل على وجوبِ السكنى والكسوة، ووجوث الكسوةِ يدل على وجوبِ النفقةِ، ولأنه يصير بمنزلةِ منعِ علةٍ وادعاءِ علّة؛ ولأن علتك قاصرةٌ وعلةَ المستدلِ متعدية، والمتعدية أولى.

فصل
ومن ذلك: الاستدلال بالاستقراءِ في لغةِ الجدليين، ويسميه الفقهاء: شهادة الأصول (2).
وهو: أن يستقر حكمٌ في أصولِ الشريعة على صفةٍ واحدة ثم يتنازعُ المجتهدان في فرعِ حكمٍ يوافق تلك الأصول، فإلحاقه بتلك الأصولِ أولى، كما تقولُ في نواقضِ الوضوء، كالنوم والبولِ والغائطِ والريحِ والمذي: كلُّ ذلك ينقض الوضوء خارجَ الصلاة وداخلَ الصلاة، والكلام والمشي والقيام والضرب: كلُّ ذلك لا ينقض الوضوء خارج الصلاةِ ولا داخلَ، ثم اختلفوا في القَهْقَهةِ، فقال الحنفي: تَنْقُض الوضوء داخلَ الصلاة ولا تنقضة خارج الصلاةِ (3). وذلك مخالفٌ
__________
(1) ذهبَ إلى ذلك الحنفية، والقاضي أبو بكر الباقلاني. انظر "تيسير التحرير" 4/ 161.
(2) أي من الطرق الدالة على صحة العلَّة، الاستقراء أو شهادة الاصول، انظر "العدة" 5/ 1435.
(3) انظر "المغني"1/ 239.
(2/74)

للأصول الناقضةِ للوضوء وللأصولِ غيرِ الناقضة، فمن يلحقه بالأصولَ أولى.

فصل
ومن ذلك: ما يسميهِ الفقهاءُ: الذرائع، ويسميه أهلُ الجدلِ: أنه المؤدي إلى المستحيل في العقل أو الشرع.
من ذلك: قولنا وأصحابُ الشافعي في إيجاب القِصاص على المشتركين في القتل أو إيجابهِ في القتلِ بالمثقل: إَن القولَ بإسقاطِ القود يفضي إلى إهدار الدماء.
ومنه: قول أصحابنا وأصحاب الشافعي في اعتبارِ الولي لعقدِ النكاح: إننا لو لم نَعتبرْ اَلولي، لأفضَى إلى تضييع الأبضاعِ وإسقاط حقوقِ الأولياء؛ لأن الغالبَ من حالِها انخداعُها وميلُها إلى من تَشتهيه دون من يكافئُها.
ومنه: القول بأننا لو صححنا القراضَ (1) على العروض، لأدى إلى أن يأخذ رب المال جميعَ الربحِ لحاجةِ العاملِ أن يشتري مثلَ العروض برأسِ المالِ والربحِ الذي اجتهد في تحصيلِه، فيقعُ عملُه ضياعاً، أَو يأخذَ العاملُ بعضَ رأسِ المال لتحصيلِه لمثلِ العروضِ بأقل ما باعه.
__________
(1) القِراض: هي شركةُ المضاربةِ؛ بأن يكونَ المالى من أحد المتعاقدين، والعملُ والجهدُ من المتعاقد الآخر، وَيشترطُ جمهور الفُقهاء لصحتها أن يكون رأس المال نقداً، ذهباً أو فضة، ولا يصح أن يكون عروضاً.
(2/75)

ومنه: أنا منعنا تزوجَ المسلمِ بالأمةِ الكافرةِ لئلا يؤدي إلى استرقاقِ الكافرِ ولد المسلم.
والاعتراضُ على هذه الدلالةِ من وجهين:
أحدهما: أن يقالَ: إن الشريعة كما حسمت المضار أثْبَتَت (1) جوازَ التوصلِ إلى الأغراضِ وإسقاطِ العقوبات بالشبهاتِ، ولم تحملْنا على القتلِ لمن قَتل بالعصا الصغيرة، إذا قامت بقتله بينة هي شاهد وامرأتان، أو شهدَ بذلك الفساق، وغير ذلك من الأسباب التي تسقط، وإذا اشتركَ من يجبُ عليه ومن لا يجبُ، أو عفا أحدُ الأولياء عن الجارحِ (2) كلُّ ذلك أُسقط به الاستيفاء، ولو كان القصدُ الاحتياط لما بناهُ الشرعُ على الدَّرء والِإسقاط؛ لأنهما ضدان، وتعليلُ الولي بما ذكروا يزول بإذن الأولياءِ لها في النكاح، فتزول الذريعة. وانفرادُ أحد المتضاربين، غيرُ ممتنعٍ في المضاربةِ، كما أفردَ ربُ المالِ بالخسارِة وجُبر المالُ بالربحِ، ويخرج عمل العامل ضياعاً. وتملكُ الكافرِ المسلمَ حكماً جائز غيرُ ممنوعٍ منه شرعاً بدليلِ الإرثِ.
والوجه الثاني: أن يُقالَ: ما ذكرتموه يُفضي إلى ما احتَرزتم عنه، ويقررُ الوجوهَ التي تحصل منها الذريعةُ، وهو: أن قتل الجماعةِ بالواحدِ يفضي إلى إخراجِ القتلِ عن بابه؛ لأنه مما يَسقط بالشبهة إجماعاً، والشركة شبهة من حيثُ إنَ كلُّ واحد من الجراحات يَتغطى حكم سِرايته بالجراحة الأخرى، ولا يُدرى لعله ماتَ من فعلِ واحدٍ دون
__________
(1) في الأصل: "ثبت".
(2) في الأصل: "الخارج".
(2/76)

الباقين، أو من فعلِ اثنين أو ما شاكل ذلك، فنكون بقتلِنا الجميع قاتلين غير قاتل في طَى قاتل، والدماء على أصلِ الحَقْن في حقَ الظالمِ والمظلومِ، ونتبعُ كلَ مسألةٍ بمثلِ هذا.

فصل
لا يختلفُ أهلُ الجدلِ في الِإثباتِ أنَه يجوزُ أن يُجعل علةً للأحكام الشرعية، مثلُ قولِنا: مطعوم، فلا يجوز التفاضلُ في بيعِ بعضهِ ببعض، ومُشتد فحرم، ورقيق فضمن باليدِ، ومُسلم فلا يُقتل بالكافر، وكافر فلا يقتل به المسلمُ، وأبٌ وعدوٌ فاسق، فلا تُقبل شهادتهُ.
واختلفوا في النفي: هل يصح أن يُعلل به الحكم الشرعي؟ فقال أصحابُنا والمحققون من أصحاب الشافعي وكثيرٌ من أهلِ الجدل: يصحُّ (1)، وقد تُنعتُ النكرةُ بالنَفي فَي العربية، قال سبحانه: {إنها بَقَرةٌ لا فارِضٌ} [البقرة: 68] {إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ} [البقرة: 71]، {يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ} [البقرة: 254]، {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ} [الشعراء: 88]،، كما وصف ونعتَ بالإثباتِ، فقال سبحانه: {إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} [البقرة: 69].
__________
(1) هذا ما اختاره الحنابلة، ووافقهم في ذلك بعض الشافعية كأبي إسحاق الشيرازي، والفخر الرازي، والقاضي البيضاوي. انظر "المسوَّدة": 418، و"شرح الكوكب المنير"4/ 48، و"التبصرة": 456، و"المحصول" 5/ 295 - 299.
(2/77)

واستدل من نص [على] (1) ذلك بأن الدلالة قد تكونُ بنَفي على نفيِ ما دل إثباته على الإثباتِ، مثاله: أن العِلم والقُدرةَ دليلان على حياةِ مَن قاما به واتصف بهما، فلا عالم قادر إلا حى، وكما دل إثبات القُدرةِ والعِلم على إثباتِ الحياةِ دل نَفيُ الحياةِ من المحلِّ، على نفي العلمِ والقدرةِ.
ونقول في الفقه: ليس بماءٍ، فلا يجوز الوضوء به. ليس بترابٍ، فلا يجوزُ التيممُ به. ليس بعَدلٍ، فلا تُقبلُ شهادتهُ. ليس من جنسِ الأثمان ولا مَطعوم، فلا ربا فيه. لا يجوزُ الانتفاع به فلا يجوزُ بيعُه (2). أو غيرُ منتفع به، فلا يجوز بيعُه (2). والعقلاء لا يُنكرون قول القائل: زيد ليس في الدارِ؛ لأنه لا صجة في داره ولا دابته على بابِ دارِه، كما لا ينكرون قول القائل: إنه في الدارِ لضجةِ غلمانِه ووقوفِ فَرسِه.
وقال قوم: لا يصح أن يستدلَ به (3)؛ لأن النفيَ غير شيء، وما ليس بشيء لا يَدل؛ لأن الدلالةَ زيادةٌ على كونِ الشيء شيئاً؛ لأن لنا أشياء لا تدلُ، فلا يدل إلا شيءٌ.
__________
(1) ليست في الأصل والسياق يقتضي إثباتها.
(2) مكرر في الأصل.
(3) هذا مذهب الأحناف، واختاره الآمدي وابن الحاجب، وتبعهما ابن السبكي، وقال الأمدي: منعه الأكثر.
انظر "تيسير التحرير"4/ 2، و"فواتح الرحموت" 2/ 274 و" جمع الجوامع" 2/ 280، و"الإحكام" للآمدي 3/ 295، و"مختصر ابن الحاجب" مع شرحه للعضد 2/ 214.
(2/78)

وهذا لا يصحُّ؛ لأن العدمَ وإن لم يكنْ شيئاً فإنه يدلُ، يقولُ العقلاءُ: لا روحَ في الشِّعر؛ لأنه لا حِس فيه.
فإن قيلَ: فهذا ليس باستدلالٍ بالنفي، لكنه قول بالنفي لعدم الدليلِ، فكان قولُهم: لا روحَ فيه لأنه لا حِسَّ فيه، معناه: لا اثبتُ فيه روحاً إذ لا أجدُ فيه دلالة الروحِ. فهذا عدمُ الدليل لا أنه دليل.
وكذلك قولُهم: لا ضَجة في دارِه فليس هو في دارِه، تقديرُه: لا أجدُ دليلَ كونِه في الدار، فلا أثْبتهُ في الدارِ، وكلُ ما جاء من هذا القبيلِ فهذا معناه، فأمَّا أن يكونَ النفي دليلًا فكلاً.
قيل: بل قد يكونُ دليلَاً للنطقِ، ويرجعُ إلى أحدِ أصلين: إمَّا دليلُ الخطاب، فيكون قول القائلِ من أصحابنا أو أصحابِ الشافعي في النُّورَة: ليس تُراباً، وفي الخَل: ليسَ بماءٍ، وفي المعلوفة: ليست سائمةً، اعتماداً على قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "جُعِلت لي الأرض مَسجداً، وجُعل تُرابها لي طهوراً" (1)، وقوله: "الماءُ طهور" (2)، فيكونُ الحكمُ المعلقُ على الاسمِ دل على نفيه عن غيره، فيكون دليلاً فيما هذا سبيلُه من الأسماءِ والأوصافِ، فإذا علق نَفي الحكم على نفيها، كانَ ذلكَ بدليل الخطابِ.
أو يكون اعتماداً على أصلٍ آخر وهو: أن الأصلَ نفيُ الأحكام من إيجابِ زكاةٍ في المال، ومن طهوريّةٍ في الجامدات والمائعاتِ سوى
__________
(1) تقدم تخريجه في الصفحة: (45).
(2) تقدم تخريجه في الصفحة: (39) من الجزء الأول.
(2/79)

الماءِ، فإذا عَلَّق الشرعُ حكمَ الطهوريّة على التراب، والزكاةَ على السائمةِ، وقال القائل في الجِصّ: ليس بتراب، وفي الَمعلوفةِ: ليست سائمةً؛ كان معتمداً في نفي الحكم علىَ الأصلِ، حيث انتفى المعنى الذي عُلِّقَ الحكم عليه في الشرع، وهو الترابيةُ في الطهارةِ، والسومُ في الزكاة، فهذا وجهٌ من جوهِ الدَلائلِ لا عدمَ الدليل الذي عولت عليه.
ويقال: إنَّ النفيَ وإن لم يكنْ شيئاً، فإنه يجوز أن يجعل دليلاً على نفي مثلِه، فإن الشرعَ والعقلَ لا يمنع من ذلك. ألا ترى أنه قد عَلق الشرعُ جوازَ التيممِ بالتراب على عَدم الماءِ، والانتقالَ إلى الإِطعام أو الصوم عند عدم الرَقبةِ، والعدم ليس بشيء، فلأجلهِ أحدث حَكماً آخرَ وَنقل إليه.
ويحسنُ أن يقالَ: من أساءَ فعاقِبه، ولا تعاقبْ من لم يُسىء.
وعدمُ الِإساءةِ ليست شيئاً، ويحسن أن نُعلِّلَ بالنفي، فنقول: إنما لم يُعاقَب؛ لأنه لم يسىء، ويُقال: إنما لم أستودعْه المالَ؛ لأنه ليس بثقة.
ويستدلون بالإِثباتِ على النفي، فيقالُ: إنه فاسق، فلا تقبل شهادتُه، ومحسنٌ، فلا تَحسن عُقويتُه، ومَطعومٌ، فلا يجوز التفاضل فيه. ولا يُستنكر أن يكونَ الاثبات جَلَبَ نفياً، والنفي ليس بشيء، فكما لا يُقال ذلك في الحكمِ، كذلك لا يقالُ في دلالةِ الحكمِ.
وأصلُ التعاليل الشرعية أماراتٌ ودلائل، وقد يقعُ النفي أمارة ودلالةً، فيقالُ: لا عقلَ لهذا؛ لتَخَبُّطِ (1) أفعالهِ. ولا حياةَ فيه؛ لأنه لا حِس فيه
__________
(1) في الأصل: "لتثبط"، والصواب ما اثبتناه.
(2/80)

ولأ نَماء. وعلى هذا أبداً، فلا تَغترَّ بقولِ مُهول يقول لك: العدمُ ليس بشيء وكيف يدل ما ليس بشيء على حكمٍ أوحال. فإن هذا وأشباهَه كلام خِلو من معنى يمس ما ذكرناه.

فصل
وإذا كان القياس استثناء، فقد اختلفَ العلماءُ في صحته.
فقال قوم: يجوز الاستدلال به. وقال قوم: لا يجوزُ، وذلك مثلُ قولِ أصحاب الشافعي في السباعِ: حَيوان ليس بكلبٍ ولا خنزير فكان طاهراً، أَصلهُ الشاةُ. فجعلَ الحيوانَ علَّةُ، واستثنى منه الكلبَ والخنزيرَ.
وهذا عندي يُبنى على أصلٍ وهو: القولُ بتخصيص العلَّةِ، فمن قال بجوازِ التخصيصِ ساغ الاستثناءُ عنده في هذهِ العللِ، والكلامُ فيها فرغ على ذلك الأصلِ (1)، فنُشير ها هنا إلى ما يليقُ بالفصلِ، وهو: أن الحيوانية لو كانت علَّةُ لساغتْ في سائرِ الأحياءِ، ولا يُعرف كونُ العلَّة علةً إلا بجريانها وسلامتها، ولأنَّ من اعتمدَ على التخصيصِ أغناه ذلك عن وصف هو سلب واستنثاء.
فإن قيل: لو كان السلبُ والاستثناءُ يُفيد التخصيصَ أو يعطي ما ذكرتم، لكانت العلةُ ذاتَ الوصفين مخصوصةً؛ فإذا قالَ الشافعي: مطعومُ جنسٍ، خصَ تحريمَ التفاضلِ في الجنسيةِ، ألا تراه لو قال: مطعوم، وأمسك عن الجِنس لساغ في كلُّ مطعوم بيع بمطعوم.
__________
(1) سيأتي فصل تخصيص العلَّة في المباحث الآتية.
(2/81)

قيل: لا يلزمُ هذا؛ لأن الطعمَ علَّةُ في تحريمِ التفاضلِ أينما وُجد، لكن بشرطِ ملاقاةِ جنسِه، البر للبرِّ، والشعيرُ للشعيرِ، ولا نقول: إنه علَّةٌ في البر وليس بعلةٍ في الشعيرِ، والمستثني في العلَّة بنفي الكلب والخنزيرِ مُخرجٌ لهما من الحيوانية، فقد تخصصتْ الحيوانيةُ، وهي اَلعلةُ، فوقف على محل دون محل، فالحياةُ توجبُ طهارةَ الشاةِ ولا توجبُ طهارةَ الكلبِ والخنزيرِ، فترددَ السبعُ بينهما لأنه لا يمكنُ أن يُقاسَ عليهما جميعاً مع تضادِ الحكم فيهما.

فصل
في (غَير) هل تدخل على العلَّة
أما من قال بالاستثناءِ في العلِل، فجوّز ذلك من غيرِ تفصيل، ومن منعه ولم يسوَغْه في العللِ، فقد اختلفَ هذا القبيلُ بحسب اختلافِ حالِ (غير)، فإنها قد تجيء بمعنى الصفةِ (1)، وتجيء بمعنى الاستثناءِ، فإذا جاءت بمعنى الصفةِ أجازها الفريقان، وإذا جاءت بمعنى الاستثناء كانت على ما ذكرنا من الخلافِ، وقد جاءت في قولِه تعالى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 95]، على الوجهين، فقرىءَ: {غيرَ أولي الضرر} بالنصب (2)، فكانت استثناءً، وجاءت بالرفع فكانت صفةً (3)، كأنه قال: لاَ يَستوي القاعدون من
__________
(1) وهو الأصل فيها، انظر "المساعد على تسهيل الفوائد" لابن عقيل، 1/ 590.
(2) هذه قراءة نافع، وابن عامر، والكسائي، انظر "حجة القراءات" لابن زنجلة: 210، و"الحجة للقراء السبعة" لأبي علي الفارسي 3/ 178 - 179.
(3) وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وعاصم، وحمزة، على أنها صفة للقاعدين. انظر المراجع السابقة.
(2/82)

المؤمنينَ السليمون، فالسلامةُ وصف له نُطقان: إن شئتَ قلتَ: سليماً، وإن شئتَ قلت: بلا ضرر به. تقولُ في الصفة: جاءني القومُ غيرُ زيد. بالرفعِ، وتقول: جاءَ القومُ غيرَ زيد، بالنصب استثناءً، فأثبتَ المجيء للقومِ ونَفيتَه عن زيد، فإذا جعلتها وصفاً: وصفتَ القومَ الجائين بانهم غيرُ زيد، تقولُ: المئةُ غيرُ الواحدِ، والواحدُ غيرُ المئةِ، فالمئةُ وصف للجماعةِ من العدد المخصوصِ، والواحدُ صفةٌ لزيدٍ، ولا نتعرضُ لزيدٍ بنفي ولا إثباتٍ.

فصل
في العلَّةِ إذا كانت ذاتَ وصفٍ واحدٍ وصحت كانت أولى (1)
وذلك مثل قولنا في العبد: مُقوم فَضمن بقيمتهِ بالغاً ما بلغ، كالبهيمة. قاتل فلا يرث، كالبالغ وكالعامد. وارث فلا وصيةَ له.
وذات الوصفين، مثل قولنا: حُر مُسلم، مَطعومُ جنس، شرابٌ مُشتدّ.
وذات الثلاثة أوصاف والأربعة والخمسة، مثل قولنا: ماءُ تغير بمخالطةِ ما ليسَ بمُطهرٍ، والماء مُستَغنٍ عنه. حُرةٌ سَليمة مَوطوءة في القُبل، ولا حَصَر في هذا على مُعلل.
ولا عبرةَ بقولِ من قال: إنه لا يُزاد القياس على خمسة أوصاف.
__________
(1) يريد بهذا: أنه إذا تقابلت علتان من أصل واحد، وكانت إحداهما ذات وصف واحد، والأخرى ذات وصفين أو أكثر، فالعلة ذات الأوصاف الأقل، هي الأولى بأن تجعل مناطاً لثبوت الحكم. وهذا ما قرره القاضي في "العدة" 4/ 1331، وأبو الخطاب في "التمهيد" 3/ 235، وانظر "المسوَّدة": 379.
(2/83)

فإنَّ هذأ بحسب اجتماع الفَرع والأصلِ في العلَّة مهما بلغت أوصافُها.
وقد قال أصحابنا وأصحابُ الشافعي في مسألةِ من كان بقُرب المصر يجبُ عليه الحضورُ إذا سمع النداء: حُر مُسلم صَحيح مُقيم في موطنٍ يبلُغهُ النداءُ من موضع تصحُّ فيه الجمعةُ، فهوكالمقيمِ في المِصْرِ. وهذا القياس يَتضمن سبعةَ أوصاف.
فَوجه من جَعل الأولى من القياس ما قلَّ أوصافَه أن قال: إن ذلك مُؤذِن بقلةِ دخولِ الفسادِ، كمدينةٍ تكتفي في الحراسة بسورٍ واحد وحارسٍ واحد.
ومن الناس من قال: الكثيرةُ الأوصاف أولى (1)؛ لأن ذلكَ مؤذن بكثرة شَبَه الفرع بالأصل، وخاصة على أصلِ من يقول بأنَ التسويةَ بين الأصلِ والفرعِ دافع للنقض.
واعترض بعضُ أهل الجدلِ على اعتلالِ القائلِ الأول وقوله: أقل لدخول الفَساد، وقال: هذا قولُ من يظن أن الأوصافَ موضوعة للاحتراز، ولذلك شبهها بالأسوارِ والحصونِ، وليس الأمرُ على ذلك؛ لأن الأوصافَ إنما تدخل في التعليلِ بحسب تأثيرها في جَلب الحكم لا للسلامة من النقضِ، ولذلك لايعتد بوصف هو حَشوَ خِلْو من معنى، وإن كان دافعاً للنقض، وما هو إلا بمثابة الشبه في باب القِيافة، وكلما كثر الشبه تأكًد الظن في إلحاق الولد بالمُشبَّه به.
__________
(1) هو رأي بعض الشافعية كما في "التبصرة": 489، و"اللمع": 80.
(2/84)

فصل
وقد تضم إلى أوصافِ العلَّة الشرائط، كقولِ القائلِ: زَانٍ محْصَن، وقولنا: ملكَ أربعينَ من الغنم سائمة حولًا، وسرق نِصاباً من حِرز مثله لا شبهة له فيه. أُم حرة سليمة صحيحة مقيمة رشيدة، خالية عن الأزواجِ، راضية بأجرةِ المثل، فكانت أحقَ بولدِها. فإن هذه العللَ تَجمع أوصافاً وشروطاً، كالحولِ والسوم مع ذكر النصاب من الغنم، وذكر الوطنِ مع الحريةِ والإِسلام والذَكوريةِ. فعمل العلَّةِ: الجلب، وعمل الشرطِ: أنه مصحح لعملِ العلَّةِ.

فصل
وينفصل الشرط عن العلَّةِ بأن العلَّةَ تليق بتعليقِ الحكمِ عليها، والشرط لا يليق بتعليقِ الحكم عليه.
بيان ذلك: أنه لا يحسن أن يعلق على الاحصان - وهو نوع فضل مكتَسب - إيجابُ الرجم، ولا على السوم والحولِ إيجاب الزكاة، وإنما الذي يليق: العقوبة بالجريمة، وهي: الزنا، وسرقة النصابِ.
والمواساة بالمقدارِ من المالِ، وهو: الغنى، لا بالأجلِ وقلةِ المؤونةِ، وهما مرفقان بربِ المال ليتكاملَ النماء وتقل المؤونة، فتسهل المواساة.

فصل
واختلفَ أهل الجدل في العلّة التي تكون صورةَ المسألة (1)، مثل
__________
(1) انظر "البرهان" 2/ 1098.
(2/85)

قولنا في حجة رهنِ المشاع: إنه رهن مشاع، فصح، كما لو رهنه من الشريك، وهبةُ مشاع فصحت، كما لو كانت مما لا يَنقسم (1)، وفي الطهارة: بأنها طهار بالماءِ، فصحت بغير نية، كإزالة النجاسة (2)، وفي بَيع اللحم بالحيوان (3): إنه بيعُ لحمٍ بحيوان، فلم يصح، كبيع اللحمِ بالمُدَبر، وبيع اللحم بالبعير المنكسر.
فقال بعضُهم: لا يصح؛ لأن ذلك يُفضي إلى أن يكون نفسُ العلَّةِ هو المعلل له. ولأنه يؤدي إلى التنافي؛ لأنه يفضي إلى كونِ المسألةِ معللة لا معللة؛ لأنك إذا قلتَ: حرمت الخمرُ لأنها خَمر. فقد علَلت وبينت أنها معلَلة، إلا أن معنى قولك: لأنها، غير معللة لعينها، وهذا يدل على أنها غير معللة.
ومنهم من قال بصحتها -وهو عندي أصح- إذا دلت الدلالة على صحة العلَّة، ألا ترى أنَكَ تعلل لوجوب الحدِّ على الزاني بأنه زان، والقطعِ على السارقِ بأنه سارق، فنفس السؤالِ يجعل علةً لصلاحيتهِ علةً، فلا تَنظر إلى أعداد التسميات، كما ينظر بعض المتفقهة، فيقول: هذه المسألة، فأين العلَّة؟ طلباً لأعدادِ أركانِ العلَّة التي قد عدوها من وصفٍ وحكم وأصل، وإنما العبرةُ بما يدل الدليل على أنه علَّةُ وما يصلحُ لجلب الحكمِ، فلا فرقَ بين أن يكون عينَ المسألة أو غيرَها. وقد أشبعت الكلامَ في ذلك في الأسئلة على القياس في سؤالٍ يكثر من المتفقهة وقولهم فيه (4): هذه المسألة، فأين العلَّة؛ أو
__________
(1) "المغني" 6/ 456، و8/ 247.
(2) "المغني" 1/ 156.
(3) نفس المصدر 6/ 90.
(4) في الأصل "في".
(2/86)

هذه العلةُ، فأين المسألة؟ بما فيه كفاية. وبينت أنه سؤال باطل.

فصل
واختلفوا في العلَّةِ الواقفةِ التي لا تَتعدى أصلها (1)، مثلُ قولنا في تعليل (2) غير الماء لإِزالة النجاسة: لأنه مائعٌ لا يرفع الحدثَ. وقولِ أصحاب الشافعي -رحمة الله عليه-: إنَّ علَّةُ الربا في الذهبِ والفضةِ كونُهما ثمنينِ للأشياءِ غالباً.
وقد حُكي عن أبي بكر القَفّال (3) -من أصحابِهم- أنه عللهما بالاسم، وذلك غير صحيح، لأنه قد أجمع القائمون أنَّ لهما علةً واحدة، ومتى علل بالاسم مع كون اسماهما اثنين، فيصير خَرقاً لإِجماع القائسين حيث يكونُ تعليلهما بعلتين.
وذهب جماعة من الفقهاءِ (4) وأهلِ الجدل إلى إبطالها، كأبي الحسنِ الكرخي (5) ومن نذكره في مسائلِ الخلافِ إن شاء الله.
__________
(1) وتسمى بالعلة القاصرة، والخلاف إنما هو في القاصرة المستنبطة، أما المنصوصة أو المجمع عليها، فاتفقوا على صحتها، انظر "العدة" 4/ 1379، و "التمهيد" 4/ 61، و،"المسودة": 411 و"شرح مختصر الروضة" 3/ 317.
(2) في الأصل: "تعلل".
(3) تحرفت في الأصل إلى: "البقال"، والقفال تقدمت ترجمته في الصفحة: (44).
(4) إبطال العلَّة القاصرة هو مذهب الحنفية وأكثر الحنابلة، انظر "أصول السرخسي" 2/ 158، و"فواتح الرحموت" 2/ 276.
(5) هو أبو الحسن عبيد الله بن الحسين بن دلال البغدادي الكرخىِ مفتي =
(2/87)

واعتل من صَححها (1): بأنها يجوزُ أن تكونَ علةً بالنص، كذلكَ جازَ أن تكونَ علةً بالاستنباطِ.
قالوا: ولأنه إذا دل الدليل على صحتِها، ووجد الحكمُ بوجودِها وعُدمَ بعدمِها؛ ظهر أن الحكمَ ثبتَ لأجلها، فصارت كالمتعديةِ ولم يضر عَدمُ تعديها.
واعتل من ذهبَ إلى إبطالِها: أنها لا تفيد إلا ما أفاده النصُ، وفي النصِ غنية عنها في تعليق الحكمِ عليه دونها.
ولأصحاب الشافعي أن يمنعوا عدمَ الفائدةِ؛ لأن العلمَ بعلةِ الحكمِ علم زَائد على العالم بالحكمِ، والتعدي فائدة أخرى، فلا تَجحد فائدة مظفورٌ بها لفائدةٍ لم تَتحصلْ، فالنصُ أفادَ منعَ التفاضلِ والنَساءِ، والعلة كونهما ثمناً. وقد أوقفَ من خالفهم تحريمَ التفرقِ قبل القَبض في بيع الأثمان بعَضِها ببعض، وعللوا ذلكَ بكونه صرفاً، وذلك غيرُ متعدٍ. وعلَّل القائمون كلهم عدمَ نفوذِ إعتاقِ الصغير والمجنون بأنه غير مُكلَّف، وليس بمتعدٍ.
__________
= العراق، وشيخ الحنفية، انتهت إليه رئاسة المذهب، وانتشرت تلامذته في البلاد، صنف "المختصر في الفقه" وله رسالة في أصول الحنفية، توفي سنة (340) ه" تاريخ بغداد" 10/ 353 - 355، "سير أعلام النبلاء" 15/ 426.
(1) هم أكثر الشافعية والمالكية وبعض المعتزلة، وهو اختيار أبي الخطاب، وابن قدامة، والمجد ابن تيمية من الحنابلة. انظر "المحصول" 5/ 423، و"التبصرة": 452، و، "المستصفى" 2/ 345، و "اللمع": 72، و"المعتمد" 2/ 801.
(2/88)

فصل
في التعليل بأن الشيء مختلف فيه
مثل قولِ القائلِ في إباحة الخيل: بأنه حيوانٌ مُختلفٌ في وجوب الزكاة فيه، فجاز كلُه، كالمعلوفةِ من الماشيةِ، أو حيوانٌ مختلفٌ في أكلِه، فطهرَ جلدُه بالدباغ، أو كان سُؤره طاهراً، أو فطهر بالذكاة، هل يصح أن يجعلَ ذلك علةً أم لا؟
فذهب قومٌ إلى المنعِ. قالوا: لأن الحكمَ، وهو: جوازُ أكلِه والمنعُ من أكلِه، مُضافٌ إلى عصرِ النبي - صلى الله عليه وسلم -، والاختلافُ حادثٌ بَعد وفاته - صلى الله عليه وسلم -، فيؤدي إلى أن يسبقَ الحكمُ علتَه.
وذهب قومٌ إلى أن ذلك جائز، إذ كان لكونه مختلفاً فيه تأثيرٌ في الحكمِ المعلًقِ عليه، كقولنا على ذلك (1): إنً النبيذ مختلفٌ في إباحته، فلا يفسقُ شاربُه متأوِّلاً، وكقولنا في الشاهد واليمين: حكمٌ مختلفٌ فيه اختلافاً ظاهراً واجتهاداً بيَناً، وليس فيه مخالفةُ نص من كتابٍ ولا سُنةٍ ولا إجماعٍ، فاذا حَكَم به حاكم نَفَذ حكمُه ولم يُنقَض، كسائرِ المُجتَهَدِ فيه من الأحكامِ. فهذا تأثير صحيح في نُفوذِ حكمِ الحاكمَ.
وقولهم: يُفضي أن يَسبق الحكمُ علته. ليس بصحيح؛ لأنً كونه مختلفاً فيه من أحكام الشرعِ، وتسويغه من أحكام الشرع، ولأن المجتهدَ لم يؤخذ عليه إَلا ما يصل إليه بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا اعتبار
__________
(1) تحرفت في الأصل الى: "ملك".
(2/89)

بما كان في زمانِه إذا لم يكن [له] (1) به علم، والله أعلم.

فصل
ويجوزُ أن يُجعلَ الوصفُ المركبُ علةً (2)، والوصفُ المركبُ أولى من الأصلِ المركبِ، كقولنا في الحُليّ: لا تجبُ فيه الزكاةُ إذا كان للصغير، فلا تجبُ فيه الزكاةُ إذا كان لكبيبر، كالجواهر.
وكقول أصحاب أبي حنيفة في بيع المدبَّر: حيوانٌ لا يجوزُ بيعه باللحم، فلا يجوز بيعُه بحال أصله الحر. فوصفُه بهذه الصفةِ قد وجد وسُلِّم، وإن اختلف الخصمان في طريقِ وجوده، لكن تقف صحة كونه علةً على الدليل، كسائر الأوصاف، وهل تجب مُساواة الكبير والصغير في الزكاة أم لا؟

فصل
في تعليلِ المعلل بالشيء، وقوله: إنه مجمع عليه، فإنه تصحُ علته إذا أثرت (3).
__________
(1) ليست فىِ الأصل.
(2) العلّةُ ذات الوصف المركب: هي العلَّة المركبة من عدة أوصاف كما في تعليل وجوب القصاص بالقتل العمد العدوان. ويجوز التعليل بالوصف المركب عند أكثر الأُصوليين، ونقل عدمُ جواز ذلك عن الآشعري وبعض المعتزلة. انظر "المستصفى" 2/ 336، "المحصول" 5/ 305 و"مُسَلم الثبوت" 2/ 291، و"أصول السرخسي" 2/ 175 و"شرح تنقيح الفصول": 409، "شرح الكوكب المنير" 4/ 93.
(3) انظر "شرح الكوكب المنير" 4/ 93، و "المسوَّدة": 409.
(2/90)

ومثاله: ما نقولُه فيمن عَقد على ذاتِ مَحرم: يجب عليه الحد؛ لأنه وَطء حُرِّم بالإِجماع لم يصادْف مِلكاً ولا شبهةَ مِلك، والواطىء من أهلِ الحدِّ، عالمٌ بالتحريمِ، فوجبَ عليه الحد، كما لو لم يعقد.
وكما يقول أصحاب أبي حنيفة في المتولد من بين الغَنم والظباء: تجب فيه الزكاة؛ لأنه منفصل من حيوانٍ تجب فيهِ الزكاة بالإجماع، فجازَ أن تجبَ فيه الزكاةُ، كالمتولِّدِ من بينِ السائمةِ والمعلوفةِ، وهذا يصح إذا أثرَ الوصف في الحكمِ؛ لأن لكونه مجمعاً عليه تأثيرٌ في وجوب الحد وإسقاطِ الحد، ولكونه مجمعاً عليه تأثيرٌ في وجوبِ الزكاةِ.

فصل (1)
والحكم الواحد في الشرعِ يتعلق بأسباب مختلفة، كالقتل يجب بالقتلِ العمدِ، وبالردَّة، وبالزنا مع الإِحصان. وتحريمِ الأكل دل عليه المنغ من القَتل، كنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قَتلِ الضفدعِ (2)، فدل تحريم قتلهِ على المنعِ من أكلهِ. وإباحة القَتلِ دل على تحريمِ الأكل، كالخمسِ المؤذيات نص على إباحة قَتلهِن (3)، فكان إباحة قتلهن دالاً
__________
(1) انظر "المسودة": 416 - 417 و"شرح مختصر الروضة" 3/ 339 - 340 و"شرح الكوكب المنير" 4/ 71، و"البرهان" 2/ 819 - 830، و"المستصفى" 2/ 342، و"فواتح الرحموت" 12/ 282.
(2) أخرجه أحمد في المسند 3/ 453 و499، والنسائي 7/ 210، وابن ماجه (3223)، والد ارمي 2/ 15 - 16، والبيهقي 9/ 258، وأبو داود (5269).
(3) عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خَمس فواسق يقتلن في الحِل والحَرَم: العقرب، والحِدأة، والغُراب الأبقع، والفأرة، والكلبُ العقور". أخرجه: "البخاري (1829)، ومسلم (1198). (71) =
(2/91)

على تحريمِ أكلهن، وكالأمرِ بقتل البَهيمة الموطوءة (1)، ووجوبُ الغُسلِ يَتعلقُ بالجنابةِ والحيضِ والنفاسِ، وقد يجبُ على الشخصِ الواحِد القتلُ بأسبابِ تجتمع فيه، كرجلٍ قَتَلَ وارتَد، فإن عُفيَ عن القصاصِ قُتل بالردَة، وإن تابَ عن الرِّدة ولم يُعف عن القصاص قُتل قَوَداً.
فأمَّا الأصلُ الواحدُ إذا عُرف حكمهُ بنص أو إجماعٍ وله وصفان، هل يجوزُ أن يكونَ كلُّ واحدٍ من الوصفين علةً بانفرادهِ ثبت الحكمُ فيه لأجلهِ؟ فإن تنافتْ فروعُها امتنعَ أن يكونا صحيحين، وإن لم تتناف فروعُها وقامَ الدليلُ على صحةِ كلِ واحدٍ منهما بنطقٍ أو ببينةٍ تَنطق، جازَ أن يُعلل بكِل واحدةٍ منهما، وكذلك إذا دلَّ على صحة كلُّ واحدة منهما الإِجماعُ.
ومثال ذلك: أن بيعَ السمك في الماء لا يجوزُ، وهذا حكم متفق عليه، ومعلل بأنه غير مملوك للبائع، ومعلل أيضاً بأنه مجهول الصفة، ومعلل أيضاً بأنه غيرُ مقدورٍ على تسليمه، فإن حصل في شبكةِ الصياد سمك بحيث لا يمكنهُ أن يتخلصَ، فقد ملكه، فإن كان فشاهَداً مَرئياً صحَ، إمَّا في شَبَكَةٍ أو بركة صافيةِ الماءِ بحيث كُشفَ للناظرِ من وراءِ الماءِ الصافي، صَحَّ بيعُه، لحصولِ الملكِ والرؤيةِ والقُدرة على
__________
= والترمذي (8371)، وابن حبان (5633)، وأحمد 6/ 33، 87، 259، والنسائي 5/ 208، والبيهقي 5/ 209.
(1) لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة". أخرجه أبو داود (4464)، و (4465)، والترمذي (1454)، وابن ماجه (2564)، والبيهقي 8/ 233 - 234، وأحمد في المسند (242)، والحاكم 4/ 355.
(2/92)

تسليمهِ، وفي ذلك زوال العللِ الثلاثِ التي كانت مانعة من بيعِه.
وإن زالت علتان وبقيت علةٌ من الثلاثِ، مثل أن يحصلَ ولا يمكنه الخروجُ منها لكنه التبسَ بالشبكةِ أو ركب بعضه بعضاً فصار كالصُبْرَةِ فلم يشاهَد لم يصح، لتخلفِ علَّةُ واحدة من الثلاثِ، وهي عدم رؤيةِ التَّحْتاني، مع كونِه مختلفاً لا يُقنع نظر الأعلى منه عن نظرِ الأسفلِ، بخلافِ الأطعمةِ المتساويةِ الأجزاءِ.
وكذلك إن أزلتَ علَّةُ علةً وبقيت الأخرى نهضت الباقية بالمنعِ كما منع الثلاث، ومن هاهنا امتنعَ اعتبارُ العكسِ عندنا وعند المحققين من أهلِ الجدل؛ لأنَ بقاءَ علة من العللِ يَمنعُ، فلا يمكن أن تنعكسَ العلةُ مع بقاءِ خلفها، بخلافِ العللِ العقليةِ؛ فإنَ معلولَها لما لم يثبتْ إلا بها وحدَها لا جَرَمَ وجب العكس، فإذا قلتَ: كلُّ جسمٍ قامت به الحركةُ، فَهومتحرك، وكل جسمٍ لم تَقمْ به حركة، فليس بمتحركٍ. صَحَّ ولزم ذلك، إذ ليس للمعلولِ -وهو التحرك- علَّةً سوى الحركةِ، فلا يخلفها ما يَعمل عملَها.
وإذا قلتَ في الشرعية: كلُّ امرأةٍ قامَ بها الإِحرام إذا اتصفت بالإِحرام كانت مُحَرمة. لا يمكنُ أن تقولَ: وكل امرأةٍ لم تتصفْ بالإِحرام فَهي مباحةٌ. لصحةِ تخلُّفِ علةٍ تعملُ عملَ الإحرام، وهي الصومُ، أو العدةُ، أو الحيضُ، فافهم ذلك، فهذا على قولِ من لم يَعتبر العكسَ في العللِ الشرعيةِ.
وأمَّا على قولِ من اعتبرَ العكسَ، فإنَه لا يجيزُ، قال: لأنه لا يمكنُ الدلالةُ على حجتها بالنطقِ ولا بالبينةِ ولا بالإِجماعِ ولا بالسلبِ
(2/93)

والوجودِ ولا بشهادةِ الأصولِ، فحينئذٍ تفسدُ لعدم الدليلِ على صحتِها لا لأجلِ أنَ الحكمَ الواحد لا يتعلقُ بعلَتين.
وهذا لا يلزم؛ لأنَه إذا ثبتَ لكِل واحدةٍ من العللِ التاثيرُ والجلبُ للحكمِ بدلالةِ النطقِ أو البَيّنةِ أو الإجماعِ، واجتمعتْ في محلٍ فجُلِبَ الحكم، لم يمكنْ أن تَخلوَ كلُّ واحدة من أن تكونَ مؤثِّرة، ويبينُ ذلك بحالِ انفرادِها، وأنها تَستقل بالحكمِ، وهذا كافٍ في نفي اعتبارِ العكس، وفي صحةِ ثبوت الحكمِ بعللٍ عِدةٍ.

فصل
فإذا صحَّ إثباتُ الحكمِ في الأصلِ بعلتين، وتعليلُه بعلتين، وكانَ أحد الوصفينِ أعمَّ من الآخرِ، ودل الدليلُ على صحةِ كلِّ واحدةٍ، كان المعلِّل بالخيارِ بين أن يستدل بالعامةِ وبين أن يستدل بالخاصةِ، كالخبرين؛ أحدهما يدلُّ على حكم بعمومِه، والأخر يدل عليه بخصوصِه، كان مخيراً في الاستدلالِ بأيِّهما شاء (1).
وقال قوم: الخاصَّةُ أولى، لأنَّها تصرحُ بالحكم. ولم يسلموا أن الخبرَ العامَ يساوي الخاصَ بل الخاصُ في الحكمَ المقدم.

فصل
وإذا صحتا -أعني: العلتين المثبتتين للحكم- فلا فرقَ بين أن يكونَ فروعُ إحداهما أكثرَ من الأخرى أم تتساوى (2).
__________
(1) انظر "المسوَّدة": 379 - 380، و"العدة" 5/ 1534 و"البرهان" 2/ 1291.
(2) وهو اختيار القاضي أبي يعلى، وأبي الخطاب، وعليه أكثر الشافعية. انظر =
(2/94)

وقال قوم من أهل الجدل: مِن شرط صحتهما أن تتساويا في الفروع؛ لأن الكثيرةَ الفروعِ هي التي يثبت بها الحكمُ، فلا يُحتاج في إثباتِه إلى ما قلَّت فروعُها. وهذا لا يصحُّ؛ لأن كثرةَ الفروع لا تدل على صحةِ العلَّةِ (1).

فصل
في القياسِ على أصل مختلف في حكمهِ (2)
فإن كان قد ثبتَ عند المعلّلِ بنصٍ من كتابِ أوسنةٍ، جاز القياسُ عليه؛ لأن الاعتبارَ بالدليلِ، وليس الدليلُ كلهُ الَاتفاق، بل غيرُ الاتفاقِ أدلة كثيرة، والاتفاق واحد من جملة أدلة، فإذا لم يوجد الاتفاق ووجدَ دليل آخر ثبت الحكم (3).
وإن كان القياسُ على أصل يوافقُه خصمهُ في حكمِه ويخالفهما فيه غيرهُما من أهلِ الاجتهاد، فإن كان لهما عليه دليل صحيح صحَّ القياسُ عليه، وإن لم يكن لهما عليه دليل لم يجز العملُ على هذا القياس؛ لأن حكمَ أصلهِ لم يثبتْ بدليل شرعي، لأنَ اتفاقَ الخصمين
__________
= "التمهيد" 4/ 248، و" المسوًدة": 381، و" البرهان" 2/ 1272، و"التبصرة": 488.
(1) هو رأي بعض الشافعية كما في "التبصرة": 488.
(2) انظر هذا الفصل في "العدة"4/ 1364، و"التمهيد" 3/ 437 و"المسوَّدة": 401 - 452، و"شرح الكوكب المنير"4/ 100.
(3) وخالفَ في ذلك بشر المريسي، واشترط أن يكون الأصلُ منصوصاً عليه، أو مجمعاً على تعليله حتى يجوز قياس الفرع عليه، انظر المراجع السابقة، و"المحصول" 5/ 368.
(2/95)

ليسَ بدليل من أدلَّةِ الشرعِ، وإنَّما في الجدال إذا اتفق الخصمان كفى، لكن ليس القياسُ على هذا الوجه قياساً مدلولًا عليه، بل قياسٌ اتفقا على حكمهِ في الأصلِ.

فصل
في القياسِ على العام الذي دخله التخصيصُ، وعلى المخرجِ من العمومِ.
مثاله: قولهُ عز وجل: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]،ثم خُصَّ بقوله عز وجل: {فَإنْ أَتَيْنَ بفاحشةٍ فَعَلَيْهِن نُصْفُ مَا عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العذاب} [النساء: 25]، وقوله تعالى: {والسارِقُ والسارِقةُ فَاقْطَعوا أيديهما} [المائدة: 38]، خصَّ بما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا قَطْعَ في ثَمرٍ ولا كَثَر" (1). فيجوزُ القياسُ على الأصل الخاص المخرجِ من العموم، فيقاسُ العبيدُ في تَنصيفِ الحد على الإماءِ، وتُقاس الأموال التي ليست في الإحراز على الثمر والكَثَر.
__________
(1) روي هذا من حديث رافع بن خديح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" لا قطع، في ثمَرٍ وكَثَر" أخرجه مالك 2/ 839، وأحمد 3/ 463 - 464، وأبو داود (4388) و (4389)، والترمذي (1449)، والنسائي 8/ 87 - 88، وابن ماجه (2593)، وابن حبان (4466)، وعبد الرزاق (18916)، والبيهقي 8/ 262 - 263 والكَثَر: جُمار النخل، وهو شحمُه الذي في وسط النخلة."النهاية" 4/ 152
(2/96)

فصل
فأمَّا القياسُ على ما بقي تحت العموم بأن يُقاسَ على السارِق في وجوبِ قطعِ الجاحِد للوديعة أو الخائنِ والمختلسِ، ويُقاس على الزاني في وجوبِ مئة جلدةٍ اللّائِطُ ومَن أتى بَهيمةً، فهذا مُختلَف فيه.
فقيل: لا يجوزُ؛ لأن لفظَ العموم لما دخله التخصيصُ ضعفَ عن الاستيعابِ عند قوم، وصار مجازاً عند قومٍ، فإذا ضعفَ لفظهُ وزالت حقيقتهُ، ضعفَ معناه.
وقيل: يجوز، وهو الأصحُ عندنا وعند أصحابِ الشافعي (1)؛ لأن العلَّةَ التي تُستنبطُ منه قد صحت، والمعنى الذي فيه لا يضعفُ، والاعتبارُ بالدليل على صحةِ العلَّةِ.

فصل
من هذا القبيل وهو المخصوص
حُكي عن الشافعي -رضي الله عنه- أنه لا يُقاس على المخصوص (2)، فحمله المحققون من أصحابه -رحمة الله عليهم-
__________
(1) انظر "العُدّة" 2/ 538، و"المسوَّدة": 116، و"شرح الكوكب المنير" 4/ 38، و"المنخول": 153، و"التبصرة": 448، و"البحر المحيط " 5/ 71.
(2) ورد ذلك في قوله -رحمه الله- في "الرسالة" في الصفحة: 545: "ما كان الله فيه حكم منصوص، ثم كانت لرسول الله سنة بتخفيفٍ في بعض الفرض دون بعض: عُمِلَ بالرخصة فيما رخَص فيه رسول الله دون ما سواها، ولم يُقس ما سواها عليها، وهكذا ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من حكم عام بشيءٍ ثم سن فيه سنة تفارق حكم العام".
(2/97)

على أحد أمرين:
إمَّا الأحكام التي خُص بها أشخاص، كرضاع سَهْلة لسالم وكان كبيراً (1)، والرخصة لأبي بَكرة في دخوله الصف رَاكعاً (2)، وكرخصته لأبي بُردة في الذَبح للعناق أضحية (3).
وإما الرخصُ التي اختصت معانيها بها، وذلك كالمسحِ على الخُفين لم نَقِس عليه برقعاً ولا عِمامةً ولاقُفازين، حيث جعَل ذلك
__________
(1) روى ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن القاسم، عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: أمرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - سَهلة امرأة أبي حذيفة، أن ترضع سالماً مولى أبي حذيفة حتى تذهب غَيرة أبي حذيفة، فأرضعته وهو رجل.
قال ربيعة: فكانت رخصة لسالم، أخرجه مسلم (1453)، والنسائي 6/ 105، وأحمد 6/ 38 و 39 و 201 و356، وابن ماجه (1943)، والبيهقي 7/ 459 وابن حبان (4213)، وعبد الرزاق (13884). وتخصيص الحكم بسالم وسهلة هو قول عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر وأبي هريرة، وابن عباس، وسائر امهات المؤمنين -غير عائشة-، وانظر تفصيل ما قيل في المسألة في "المغني" 11/ 320 - 322، وكلام ابن القيم رحمه الله في "زاد المعاد" 5/ 577 - 593.
(2) عن أبي بكرة -نفيع بن الحارث -رضي الله عنه- أنه دخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم راكع، قال: فركعتُ دونَ الصف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "زادكَ الله حِرصاً ولا تَعُدْ". أخرجه البخاري (783) في الأذان، وأبو داود (683) و (684) في الصلاة، والبغوي في "شرح السنة": (822) و (823)، وابن حبان (2194) و (2195)، والبيهقي 6/ 103، وأحمد 5/ 39، 45، وعبد الرزاق (3376)، وانظر "المغني" 3/ 76 - 78.
(3) عن البراء بن عازب: أنَّ خالي -أبا بردة- ذبحَ قبل أن يصلي النبي صلى الله عليه وسلم فقال =
(2/98)

للمشقةِ اللاحقةِ التي لا يساويها خلعُ غيرهما فيها (1)، ومثل الرخصةِ في تَحلل المُحصَرِ عن الإحرام بالعدو الصاد عن المسجدِ الحرام وبقاعِ المناسك الواجبة بالإِحرام، فلا يقاسُ عليه الحصرُ من المرضِ؛ لأنه يُمكنه التخلصُ من العدو بالتحلُّل، ولا يتخلص من المرض، ولا يُقاس موضعُ النجاسة على البدنِ والثوب على نجاسةِ أثرِ الاستنجاء حتى يقتصر (2) فيه على المسح (3)؛ لأن المشقة بالتكرر هناك لا توجدُ في غيره، ولا يقاس على تكررِ أيمانِ القَسامة أيمان في حقٍ من الحقوقِ لتَغلظِ الدماءِ وتَخصصِها بالغِلظة من سائرِ الحقوق، فهو من البابِ الذي علته غير مُتعدية.
وقال بعض أصحابِه (4): وكل ما كان مستثنى للضرورة أو الرخصة
__________
= النبي صلى الله عليه وسلم: "شاتك شاة لحم وليس من النسك في شيء" فقال: يا رسول الله،
فعندي عَنَاق جَذعة هي خير من مُسِنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تُوفي عنك ولا
توفي عن أحدٍ بعدك".
أخرجه البخاري (5557)، ومسلم (1961) (9)، وأبو داود (2800)، والنسائي 7/ 223، وابن حبان (5910) و (5911)، والبيهقي: 9/ 277، والدارمي 2/ 80.
والعَنَاق: الانثى من أولاد المعز ما لم يتم له سنة. "اللسان": (عنق).
(1) انظر "الرسالة": 546، ومنعُ المسح على العمامة هو قول الشافعية ومالك وأبي حنيفة، وجوز الحنابلة المسح عليها. انظر "المسألة فيا المغني" 1/ 379 وما بعدها.
(2) في الأصل: "يقتضي".
(3) انظر "المغني" 1/ 218 - 219.
(4) منهم أبو منصور البغدادي حيث قال: لا يجوز القياس عندنا على الرخص؛ =
(2/99)

للمشقة من جُملة محظورٍ لا يجوز القياسُ عليه (1).

فصل
في الاستحسان
والاستحسانُ في اللغةِ: استفعالٌ من الحُسنِ، وهو: أن يرى الشَيء حَسناً أو يعتقده حَسناً، يقول الرجلُ من أهلِ اللغةِ: استَحسنتُ صورةَ زيد، ورِكْبَةَ (2) عمروٍ، ودارَ خالدٍ. كما يقول: استصوبتُ رأيهُ واستعقَلتهُ واستَجهلته، أي: وجدتُ رأيه صواباً، ورأيتُه عاقلاً، أو وجدته عاقلًا، ووجدته جاهلًا.
ومراد الفقهاء بذلك: الرأي والاعتقاد، وهو: أن يعتقد وَيرى أن هذا الحكم في الشرع حَسَن، فإن كان ذلك الدليل شرعياً، فَهو صحيح (3).
وقد نَطَق بالاستحسانِ أبو حَنيفة (4).
__________
= لأنه معدول بها عن الأصل وما عدا محل الرخصة يبقى على الأصل. "البحر المحيط" 5/ 57 - 58.
(1) عقد الزركشي مبحثاً ذكر فيه أمثلة على استعمال الشافعية القياس في الرُّخَص التي تبين معناها. "البحر المحيط" 5/ 58 - 61.
(2) الرَّكْبة: ضربٌ من الركوب، يقال: هو حسن الركبة. "اللسان": (ركب).
(3) للاستحسان عدة تعريفات، من أجودها تعريف أبي الحسن الكرخي: "العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليلٍ شرعي خاصَ بتلك المسألة" انظر: "التلويح على التوضيح" 2/ 81، و (المسودة) 451 - 454 و"شرح مختصر الروضة" 3/ 190، و"شرح الكوكب المنير" 4/ 431.
(4) انظر "أصول السرخسي" 2/ 200 و "ميزان الاصول" 2/ 898 و"فواتح =
(2/100)

وقد نَص عليه صاحبُنا أحمد ابن حنبل، فقال في المُضارِب إذا خالف رب المال في الشراء: الربحُ لصاحِب المال، ولهذا أجرةُ مثله، وكنتُ أذهب إلى أن الربحَ لصاحب المال ثم استحسنتُ (1).
وقال في رواية المَروذي (2): يَجوز شراءُ أرض السوادِ ولا يَجوز بَيعها، فقيل له: كيف يُشترى. ممن لا يملك؛ فقال: القياسُ كما تقول، ولكن هو استحسان (3).
وقال الشافعي -رحمة الله عليه- في السارِق إذا أخرج يده اليسرى بدل اليمنى فقطعت، فقال: القياس أن تُقطع يمناه، والاستحسان أن لا تقطع (4).
وقال في الاستِحْلافِ بالمصحِف: حَسن (5)، أي للتخويف والردع.
وجملته: أنه تركُ القياسِ لدليلٍ أقوى منه.
__________
= الرحموت" 2/ 320، و"كشف الأسرار" 2/ 290.
(1) وردت هذه الرواية عن أحمد في "العدة" 5/ 1604.
(2) هو أحمد بن محمد بن الحجاج أبو بكر المروذي، من أجل أصحاب الإمام أحمد، وقد نَقل عنه الكثير من المسائل، توفي سنة (275) ه. انظر "سير أعلام النبلاء" 13/ 173 و"طبقات الحنابلة" 1/ 56.
(3) واستند الإمام أحمد -رضي الله عنه- في هذا الاستحسان، الى فعل الصحابة حيث رخَّصوا في شراء المصاحف وكرهوا بيعها. انظر العدة 5/ 1605.
(4) انظر "الأم" 6/ 53، و"الإحكام"، للآمدي 4/ 157.
(5) نفس المصدر 6/ 279.
(2/101)

وقال أبو الحسن الكَرخي: والاستحسان: تركُ الحكمِ إلى حكمٍ أولى منه.
وقال قوم: الاستحسانُ هو: تخصيصُ العلَّةِ.
وقال قوم: هو تركُ الطريقة المطردة لطريقةٍ غيرِ مطردة لأمرٍ يختصُ بذلك الحكم.
وقال قوم: هو تركُ القياسِ لدليل أخفى منه.
وقال بعضُهم: إذا امتد القياسُ على بعضِ الأصولِ أدى إلى التفاحشِ، وخرج عما يعرفهُ الفقهاء، فحينئذٍ نرى أن يُقطع من جملة البابِ، ويحكم له بحكم آخر.
وقال القاضي أبو عبد الله الصَيْمَري الحنفي (1) -رحمه الله-: الاستحسانُ هو: العلمُ بالشيء على الوجهِ الذي لوقوعهِ عليه يكون حسناً، والاستقباح هو: العلمُ بالشيء على الوجهِ الذي لوقوعهِ عليه يكونُ قبيحاً.
وقال بعضُ أصحاب أبي حَنيفة: لا يجوزُ أن يشترط فيه العلم؛ لأن القصد به غلبة الظنَ، وليس الاستحسانُ القولَ بغيرِ دليل.
قالوا: وقد روي عن إياس بن مُعاوية (2): قيسوا القضايا ما صلح
__________
(1) هو أبو عبد الله الحسين بن علي بن محمد الصيمري، من كبار فقهاء الحنفية، والمناظرين، عُرِفَ بوفرة العقل، والصدق في النقل، توفي سنة (430) ه، عن إحدى وثمانين سنة. انظر "تاريخ بغداد" 8/ 98، و"سير أعلام النبلاء" 17/ 616.
(2) هو أبو واثلة إياس بن معاوية، قاضي البصرة، يضرب به المثلُ في الذكاء =
(2/102)

الناس، فإذا فسدوا فاستحسِنوا. وقال أيضاً: ما وجدتُ القضاءَ إلا ما يستحسنُه الناسُ.
قالوا: وقد أمر الله سبحانهَ باتباع الأحسن، قال تعالى: {يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر: 18].
قالوا: فيتركُ القياسُ للكتاب في حقِّ من قال: "مالُ صدقةٍ" القياسُ يقتضيِ العمومَ فحملناهُ عَلى الأموالِ الزكاتيةِ لقولهِ تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103].
وللخبرِ في القهقهةِ (1)، وخيارِ الثلاثِ في البيعِ (2)، ولسبقِ الحدثِ
__________
= والدهاء والسُؤدد والعقل، توفي سنة (121) ه. انظر "حلية الأولياء" 5/ 177، و"سير أعلام النبلاء" 5/ 155.
(1) قوله: و"للخبر في القهقهة"، يشير إلى رأي الحنفية في قولهم بوجوب الطهارة لمن قهقه في الصلاة، وهو حكمٌ معدول به عن أصل القياس، ذلك أن القياس في نواقضِ الوضوء جميعها، أنها تنقضُ الطهارة في الصلاة، كما تنقضها خارج الصلاة، وهذا أمرٌ لا يتحقق في القهقهة، اذ لا تنقض الوضوء إلا في الصلاة، والذي أوجب العدول عن هذا القياس ورود الخبر في القهقهة: "من ضحكَ منكم قهقهة فليعد الصلاة والوضؤ جميعاً".
وسيأتي تخريجه في 2/ 143. وانظر: "أصول السرخسي" 2/ 153.
(2) يشير بقوله: "خيار الثلاث في البيع" إلى أن الأصل في البيع أن يكون لازماً، إلا أنه قد عُدِل عن هذا الأصل لورود الخبر الذي جوز خيار الشرط ثلاثة أيام.
وهو ما رواه ابن عمر أن حَبَّان بن منقذ كان يُخاع مما ابتاع فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له الخيار فيما يشتري ثلاثاً. أخرجه: الدارقطني في "السنن" =
(2/103)

في الصلاةِ.
والإِجماعِ؛ (1) كإسلامِ الدراهمِ في الحديدِ (2)، وأجرةِ دخولِ الحمامِ مع الجهالة.
ولقولِ الصحابي، بمثلِ مسألة زيد بن أرقم لقول عائشة (3)،
__________
= 3/ 54 - 55، والحاكم في "المستدرك" 2/ 22، والبيهقي في "السنن الكبرى" 5/ 273، والحميدي في "المسند" 2/ 292 - 293.
(1) أي يترك القياس للإجماع الوارد على خلافه، فيقتضي العدول وقطع المسألة عن حكم نظائرها.
(2) كان يقول الرجل للصانع: اعمل لي آنية من نحاس أو حديد -ويبين نوعها وصفتها- ويقدر ثمنها بكذا من الدراهم. فالقياس أن هذا لا يجوز؛ لأنه بيع معدوم، لكنه جاز استحساناً لإجماع الناس على التعامل به.
انظر "كشف الأسرار" 4/ 5، "أصول السرخسي" 2/ 203
(3) أخرج البيهقي في "السنن" 5/ 330، والدارقطني في "سننه" 3/ 52، وعبد الرزاق في "المصنف": (14812) و (14813)، عن أبي إسحاق السبيعي، عن امرأته: أنها دخلت على عائشة -رضي الله عنها-، فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم الأنصاري وامرأة أخرى، فقالت أم ولد زيد بن أرقم: يا أم المؤمنين، إني بعت غلاماً من زيد بن أرقم بثمانمئة درهم نسيئة، واني ابتعته بستمئة درهم نقداً. فقالت لها عائشة -رضي الله عنها-: بئسما اشتريت، وبئسما شريت، إن جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد بطل، إلا أن يتوب.
فقول عائشة -رضي الله عنها- مخالف للقياس؛ لأن البيعة الأولى مختلفة عن البيعة الثانية، وقد ثبت عليه بالبيعة الأولى الثمن كاملاً، إلا أنه قد عُدل عن هذا القياس لقول عائشة -رضي الله عنها-، والذي يرجِّح سماعها النهي من النبي - صلى الله عليه وسلم - عن هذا البيع، حيث جعلت جزاء مباشرته بطلان الجهاد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وانظر "المنار": 735.
(2/104)

وتقديرِ عينِ الدابةِ ربع قيمتها لقول عمر (1)، وقتلِ الجماعةِ بالواحدِ لقول عمر (2).
والاستدلالِ بمن حَلف أن لا يصليَ لا يحنثُ حتى يأتىَ بمعظم الركعةِ، لأنَ الأقل ملغى، ومن حلفَ أنه يهودي أو نصرانيٌ، القياسُ إن لا تجب عليه الكفارةُ؛ لأنَهُ لا يحلف الله، ولكن حَنثناهُ استحساناً؛ لأنه هتكَ حرمةَ الدينِ، فصار كالحالفِ بالله في هتكِ الحرمةِ.
وجملةُ ذلك أنه ينقسمُ ثلاثةَ أقسام:
أحدُها: تركُ القياس لدليل أقوى منه، فهذا نقول به، وهو صحيحٌ.
والثاني: تركُ القياسِ لغيرِ دليل، فهذا لا يجوزُ لأحد أن يذهبَ إليه؛ لأنه مجردُ هوى النفسِ واستحسانها.
والثالثُ: ترك القياس للعُرفِ والعادةِ، فهاهنا يتصورُ الخلافُ.
ومن وجهٍ آخر، وهو أن ما يرونه أقوى من القياسِ، يتكلم عليه وأنه ليس بأقوى.
فأمَّا الأولُ: هو أن القياسَ حجةٌ شرعيةٌ، ودليل يجبُ المصيرُ إليه، فلا يجوز تركُه للعرفِ الطارىء كالكتابِ والسنَةِ والِإجماعِ.
__________
(1) أخرج عبد الرزاق في "المصنف" 10/ 77 عن شريح: أن عمر كتب إليه: في عين الدابةِ ربع ثمنها.
(2) يعني قول عمر -رضي الله عنه-: "لو تمالأ عليه أهل صنعاء لأقدتهم به"، تقدم في الصفحة: 369 من الجزء الأول.
(2/105)

وأما الكلامُ في الثاني؛ هو: أن تلفيق شهودِ الزنا والسرقةِ ليس بأمرٍ قوي لإِقامةِ حد الزنا والقطعِ في السرقةِ، وقد نوافقهم في موضعِ الاستحسانِ، ونخالفهُم أنه عُدِلَ بهِ عن القياسِ، بل القياسُ هو موضعُ الاستحسانِ، كقولهم: القياسُ أن لا يُباعَ على المفلِس ماله، لأنه مكلف، وإنما استحسنا في بيعِ دراهمَ بدنانيرَ، لأنهما كالجنسِ الواحدِ. فنقول: بل القياسُ من امتنعَ من أداءِ حقٍّ أخذَ به جبراً، إذا أمكن الاستيفاءُ منه.
وقد نُعارض مثل قولِهم بالاستحسانِ، بأن نقولَ: إن كان القياسُ اقتضى أن لا يجبرَ مكلف على بيعِ مالِه، فالقياس أن [لا] (1) يضيعَ على مسلم حق.
ثم إنهم تركوا الاستحسانَ في مواضعَ، وأخذوا بالقياسِ فيها.
قالوا: لو أسلمَ رجل إلى رجل آخرَ في ثوبٍ ثم اختلفا، فقالَ صاحبُ السلم: هو هَروي، وقال المُسلِم: هو مَروي، تحالفا، فحلفَ من عليه السَلَمُ: ما هو هروي وتَبرَّأ. وحلفَ صاحبُ السلم: ما هو مروي، ورد عليهِ رأس المال، فإنْ أقامَ كلُّ واحدٍ منهما بينةً فالبينةُ بينة الطالِب، وإن اتفقا على الجِنس على أنه مروي واختلفا في المقدارِ، فقال الطالبُ: هو ستةُ أذرع في ثلاثة أشبار، وقال المسلم إليه: هو خمسةُ أذرع في ثلالةِ أشبار، تحالفا وترادا في القياس. وأما في الاستحسان فينبغي أن يكون القولُ قولَ المطلوب مع يمينه، فأخذ بالقياسِ وترك الاستحسان.
__________
(1) ليست في الأصل.
(2/106)

فصل
والاستحسانُ أعم من تخصيصِ العلَّةِ؛ لأن تخصيصَ العلَّةِ كتخصيصِ العمومِ، يتركُ القياسُ في موضعٍ واحدٍ من الجنس والباقي على القياسِ.
والاستحسانُ قد يكونُ ترك القياسِ رأساً، كالنسخ، وقد يكونُ مثلَ تخصيصِ العلَّةِ وتخصيصِ الخبر.

فصل
والمخصوصُ من القياسِ بدليلٍ صحيحٍ، كخبر، أو إجماع، أو غيرِهما من الأدلةِ، يصير أصلَاً من أصولِ الشرع (1)، فإن دلت الدلالةُ على تعليلهِ جاز القياس عليه.
وهذا كما يقول: إنَ ديةَ الخطأ تجب على الجاني، قياساً ومعقولاً، كقتل العمد، وأبدال سائرِ المتلفاتِ، أوجبناها على العاقلةِ للسنةِ، ولقول عمر وعلي رضي الله عنهما، ثم وجدناه معللاً، وهو أنَه أرش جنايةٍ على حُرٍّ خطأً، فتحملهُ العاقلةُ مواساةً، يقاسُ على ذلك ما دون النفسِ على اختلافِ الفقهاءِ في القدرِ. فأصحابُ أبي حنيفة يقيسون عليه المقدَّر، وهو الموضِحةُ (2)، وأصحابُنا ما دون الثلثِ، وأصحابُ الشافعي الجميع حتى مالا مقدر فيه، مما دون الإِيضاح.
__________
(1) انظر "العدة"4/ 1397، و"شرح الكوكب المنير" 4/ 22، و"شرح مختصر الروضة" 3/ 303، و"التمهيد" 3/ 444، و"المسودة ": 399.
(2) الموضحةُ: هي الشجة توضح العظم وتظهره وتكشفه.
انظر "أنيس الفقهاء"/ القونوي، تحقيق عبد الرزاق الكبيسي ص: 294.
(2/107)

وأصحاب أبي حنيفة يسمون مثلَ هذا: القياسَ على موضع الاستحسانِ، واختلفوا في جوازِه، فأجازه بعضُهم، ومنع منه بعضهم (1).
وقال أبو الحسن الكَرخي: لا يجوز القياس على المخصوصِ من جملةِ القياسِ إلا في ثلاثةِ مواضعَ:
أحدُها: أن يكون علَّةُ منصوصاً عليها، كقولهِ - صلى الله عليه وسلم - في سؤر الهرة: "إنها من الطوافين عليكم والطوافات" (2). وهذه علَّةُ صاحب الشرع، يعني أنه لا يمكنُ الاحترازُ منها، فقِسنا على ذلك كلُّ ماَ لا يمكَنُ الاحتراز منه من الحشرات.
أو يكون مجمعاً على تعليلهِ وإن اختلف في علَّتِه.
أو يكون موافقاً لبعضِ الأصولِ، أو يكون مما لم يفصلْ أحدٌ بينه وبين المخصوصِ، كالأكلِ والجماعِ في رمضانَ ناسياً، ظناً منه أنه لم يفصلْ أحمدُ وغيرهُ بينهما.
__________
(1) رأي عامة الحنفية: أنَ الشرع إذا ورد بما يخالف في نفسه الآصول، فإنه يجوز القياسُ عليه إذا كان له معنى يتعداه.
وراجع تفصيل رأي الحنفية في "كشف الأسرار" 3/ 1031 - 1032 و"أصول السرخسي" 2/ 153، و"ميزان الاصول" 2/ 914.
(2) أخرجه: مالك في "الموطأ" 1/ 22 - 23، وأحمد 5/ 303 و309، والترمذي (92)، والنسائي 1/ 155 - 178، وابن ماجه (367)، والدارمي 1/ 187 - 188، والبغوي (286)، والحاكم 1/ 160 وصححه، وابن حبان (1299)، من حديث أبي قتادة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " إنها ليست بنَجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات" وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(2/108)

وعن محمدِ بن شُجاعِ الثلجي (1): أنه لا يجوزُ القياسُ عليه إلا إذا كان طريقهُ مقطوعاً به. وكلُّ ذلك غيرُ صحيح عندنا؛ لأنَّهُ إذا دلًت الدلالةُ على تعليلهِ، جاز القياسُ عليه كسائرِ الأصولِ، فأمَّا مخالفتُه لسائرِ الأصولِ الأخَرِ فتوجبُ الرجوعَ إلى الترجيحِ، فيعارض الأصلان، على أنهم قد قاسوا أرشَ الموضحةِ فما زاد على ديةِ الجنينِ، وهو عارٍ وخالٍ عما ذهبوا إليه.

فصل
فعلى هذا إذا قاسَ الشافعيٌ على موضعِ الاستحسانِ فقال الحنفيُ: لا أُسَلِّم لك الحكمَ في الأصلِ على حكم القياسِ، مثلَ أن تقيسَ ما دونَ الموضِحةِ على الموضِحةِ، فيقولُ الحنفيُ: لا أسَلمُ أنَ الموضِحَة على أصلِ القياس، فهذا فاسدٌ؛ لأن القياسَ ليس مذهبه الآن، ولا يجوزُ لأحدٍ أن يمنعَ على مالا يقولُ به، وإنما وزانه أن يقولَ: لا أسَلِّمُ على مقتضى العقلِ، وهو فاسدٌ، فكذلك هذا.
وقيلَ: ينظر في ذلك، فإن كان صاحبُ المذهب روي عنه روايتان رواية قياساً وروايةٌ استحساناً، فالمنع صحيح. فإن قال: فيه قياس واستحسان وبه أقول، فلا يجوز له الممانعة على القياس، وإن قال: فيه قياس واستحسان، وسكت، فإن اختارَ أصحابُه القياسَ صحت الممانعةُ، وإن اختاروا الاستحسانَ لا يصح، والله أعلم.
__________
(1) هو أبو عبد الله محمد بن شجاع البغدادي الحنفي، المعروف بابن الثلجي، عُرِف بالورع والتعبد، له كتاب في "المناسك"، توفيَ سنة (266) ه. انظر "سير أعلام النبلاء" 12/ 379، و"الوافي بالوفيات" 3/ 148، و"الفوائد البهية":171.
(2/109)

فصل
في المركب (1)
واعلم أن القياسَ على الأصلِ المركبِ على ضربين:
أحدُهما: أن يَبني دليلًا على دليل ويقيس مختلفاً على مختلفٍ ثم يدلّ عليه، وهذا حَسَن يستعمل في كلّ علمٍ، وأكثرُ ما يستعملُه أهلُ الأصولَ.
مثالُه من الفقهيات: أن يُسألَ عن بيعِ الأرز بالأرز متفاضلًا فيقول: لا يجوزُ. فيطالَبُ بالدليلِ، فيقول: لأنه مطعوم جنس، أو لأنه مكيلُ جنس، فحرم التفاضل فيه كالبُرّ. فيقولُ السائلُ: هذا قياس، وأنا لا أسلمُ لك أن القياسُ حجة. فيستدلُ على صحةِ القياسِ بالإِجماعِ، فيقولُ: لا أسلمُ لكَ أن الإِجماعَ حجة. فيستدلُّ عليهِ بالكتابِ، وهي آية الِإجماع: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115)} [النساء: 115]، فهذا تركيب على أصل لم يُسلمْه خصمه، لكنه أصل يختصُ به المستدِلُّ، ثم يقيمُ الدلالةَ عليه.
وقد استدلَّ الشافعيُ -رحمة الله عليه- بمثلِ هذا في مواضعَ: منها: أنه قال: ولو كان الصوفُ والشعرُ والريشُ لا يموتُ بموتِ ذاتِ الروحِ، أو كان يطهرُ بالدباغ، لكان ذلك في قرنِ الميتةِ وسِنّها،
__________
(1) يرجع في هذا الفصل إلى "شرح مختصر الروضة" 3/ 552، و"شرح الكوكب المنير" 4/ 313.
(2/110)

وجازَ في عظمِها؛ لأنهُ قبلَ الدباغ وبعدَه سواء. فقاسَ الصوفَ والشعرَ على العظمِ، ومعلومٌ أنه لا يسلَم له أصحابُ أبي حنيفة الأصلَ، بل يقولُ أبو حنيفةَ: إنً العظَم لا ينجس بالموتِ. ولا شكَّ أن الشافعيَ رضي الله عنه لم ينظرْ إلى منعِ أبي حنيفة، بل عوَّل على الدلالةِ القائمةِ في كونِ العظمِ يحيا ويموتُ بقوله سبحانه: {قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس: 78 - 79].
وقال في البكرِ البالغةِ: يجوزُ للأبِ إجبارُها، ولو كانت إذا بلغت أحقِّ بنفسِها أشبه أن لا يجوزَ ذلك عليها قبل بلوغها، كما قلنا في المولودِ يقتلُ أبوهُ: يحبسُ قاتلُه، حتى يبلغَ [فيقتصَّ] (1) أو يعفوَ.
ونريدُ به: لو لم يجزْ للأبِ إجبارُها بالغةً لم يجزْ تفويتُه عليها قبل بلوغها، كالقودِ للصغيرِ فيما يقعُ فيه، وهو يعلمُ أنَّ أبا حنيفة يقولُ: بأن الوليَّ يستوفي القصاصَ للصغيرِ، لكنه عوّلَ على أنه يدل عليه بأن القصاصَ للتَشَفي وذلك يفوّتُ على الوارِث، ولأنه حق الصغيرِ فلا يفوتُ عليه، كالمالِ، وهذا يدلُّ من كلامِه أيضاً، على أنَّ عنده يجوزُ القياسُ على فرعٍ لأصلٍ آخر.

فصل
والضربُ الثاني (2): الذي يستعملهُ المتفقهة يريدون به هذا الذي ذكرناه، إلا أنَّه بَعُدَ البناءُ عليه لبُعْدِ ما بين المسألتين، كما يقولُ أصحابُنا وأصحابُ الشافعي: في أنَّ بيعَ اللحمِ بالحيوانِ لا يجوزُ؛
__________
(1) زيادة يقتضيها السياق.
(2) أي: الضربُ الثاني من القياس على الأصل المركب.
(2/111)

لأنه بيع لحمٍ بحيوانٍ ولا يجوز، أصله بيع اللحمِ بالمدَبر (1)، أو بيع عين غائبةٍ، فلا يصحُّ، أصله المدَبرُ.
وأنثى، فلا يصح منها عقد النكاحِ، كبنتِ خمسَ عشرةَ سنة، وكقولِ أصحاب أبي حنيفة: رهن مشاع، فلا يصح، أصلة نصف الكلب، ومعلومٌ أنَ المدبَر الغائبَ لا يصحُّ بيعة عند الشافعي للجهلِ بصفتِه، وعند أبي حنيفة لكونِه مدبراً مطلقَ التدبير، لا للجهل بصفته، ونصف الكلبِ لا يجوز رهنهُ عند الشافعي، لنجاسةِ عينهِ، وعند أبي حنيفة لإشاعتهِ، فهذا وأمثاله قد اختلفَ أهلَ الجدلِ في صحتِه؛ فقال قوم: إنه فاسدٌ.
والدليل عليه: هو أن الطريقَ إلى العلم بحكم الأصلِ لا يختلف، كتحريم التفاضلِ في البر، وإنما يختلف الطريق إلى العلم بالعلةِ، وفي المركَبِ تختلف الطريق إلى العلمِ بالحكمِ، لا طريق العلمِ بعلتِه.
ولأنَّ الأصلَ إذا اختلفَ القائسون في علتِه، كالأشياءِ الأربعةِ: البر والشعير والتمر والملحِ، قال أبو حنيفةَ: العلةُ فيها الكيلُ المعتاد. وقال الشافعي: العلَّة هو الطعْم. وقال مالك: القوت (2). فيثبت الشافعى الربا في الفواكهِ غيرِ المكيلةِ والموزونةِ ولا يثبته في الجصِّ والنُورَةِ، وأبو حنيفةَ يثبته في الجصِّ والنورةِ دونَ الفواكِه. فلو تركَ أحدهما قولَه
__________
(1) المدبر: هو العبد يُعلق عتقه على موت سيده. "اللسان": (دبر).
(2) انظر "المغني" 6/ 53، و"المجموع" 9/ 395، و"حلية الفقهاء" للقفال: 4/ 149، و"البناية في شرح الهداية" للعيني 6/ 525، و"مواهب الجليل" 4/ 336
(2/112)

لقيام دليلٍ، بأن يقول: دلالةُ الطعْم ليس بعلةٍ لزالَ الخلافُ عن الرمانَ والبقولِ، وكذلكَ لو دلتْ دلالة على أنَّ الكيلَ ليس بعلةٍ لزال الخِلاف عن الجصِّ والنورة، بحيثُ لا يكونُ فيه الربا إجماعاً، هذا هو القياسُ الصحيحُ.
وفي مسألةِ التركيب: لو دل الدليلُ على فسادِ أحدِ القولين لم يزل الخلافُ؛ ألا ترى أنَ الخلافَ في ابنةِ عشرينَ سنة، هل يجوزُ أن تزوِّج نفسَها أم لا؟ والأصلُ ابنةُ خمسةَ عشرَ سنةً. فيقولُ الخصمُ: لو دل الدليلُ على أنَ ابنةَ خمسةَ عشرَ سنةً بالغ، لجوزتُ لها أن تُزوِّجَ نفسها، وإذا تركتُ قولي في بلوغِها، لم يزل الخلافُ في ابنةِ عشرينَ سنة، وكذلكَ لو قامَ الدليلُ على أنَ خمسةَ عشرَ ليس ببلوغ لم يزل الخلافُ.
ومن قالَ بصحتها استدلَّ بأنَّ الحكمَ في الأصل المركبِ متفقٌ عليه، وإنَما اختلفوا في علتِه، ألا ترى أنهم اتفقوا على أن ابنةَ خمسةَ عشرَ سنة لا يصح منها النكاحُ، وإنما قالَ الشافعي: لكونها أنثى. وقال أبو حنيفة: لكونها غيرَ بالغٍ. وذلكَ لا يمنعُ صحةَ القياسِ عليه، كاختلافِهم في علَّةُ الأصل في غير المركب.
قلنا: غير المركب اتفقوا على أن طريقَ العلمِ بحكمهِ واحدة، وعلى تعليله، فإن علته واحدة، ثم اختلفوا في عينِها، على حسبِ الدلالةِ عند كلِ واحدٍ، ولو دلتْ عنده دلالة على أن التي ادَّعاها فاسدة لرجعَ إلى قولِ صاحبه، وهذا لا نجدُه في المركب؛ لأنه لم تُستنبطْ منه علتهُ، ولو دل على فساد أحدِهما لخرج أن يكونَ أصلًا بحال. وغير المركب لو اتفقوا على فساد أحدهما كان أصلًا على حاله، ويقوى
(2/113)

بالاتفاق.

فصل
وأما القياسُ على الأصلِ المخالفِ للأصولِ، وهو على موضعِ الاستحسان، وصورتُه كما نَقولُ: إذا قالَ المشتري للبائع: بعني.
فقالَ: بعتُكَ. انعقدَ البيعُ قياساً على ما يقولُ المتزوجُ للوليّ: زَوجني بنتَك فلانة. فيقولُ: قد زوجتكَها. وكما نَقيسُ جماعَ الناسي في الحجّ -على أحدِ القولينِ- على الجماع في الصوم، فعند جماعةٍ من أصحاب الشافعيّ وغيرِهم يجوزُ الَقياس علىَ هذا الأصلِ. وعند أصحاب أبي حنيفةَ لا يجوزُ القياس على الأصل المخصوصِ من جملة القَياسِ؛ لأن الجماعَ (1) يبطلُ العباداتِ كلَّها، عامداً وناسياً، كالصلاةِ والوضوء والاعتكاف، هذا هو القياسُ، إلا أنَّا قلنا: جماع الناسي لا يبطلُ الصومَ استحساناً؛ لخبرِ الأكل (2)؛ لأنَّ أحداً لم يفصل بين الأكلِ والجماعِ في الصوم قياساً، وليس كما ظنوا. فإن مذهبنا أن وطءَ الناسي (3) يُبطلُ بخلافِ أَكلِ الناسي، فأمَّا الجماعُ في الحجِّ
__________
(1) في الأصل: "الإجماع".
(2) وهو ما رواه أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أكلَ الصائمُ ناسياً، وشربَ ناسياً، فليتم صومَه فإنما أطعمه اللهُ وسَقاه". أخرجه: أحمد 2/ 425 و 491 و 513 - 514، والبخاري (1933) و (6669)، ومسلم (1155)، وأبو داود (2398)، والترمذي (722)، وابن ماجه (1673)، والدارقطني 2/ 180 والبغوي (1754). والبيهقي 4/ 229، وابن حبان (3519) و (3520). وابن خزيمة (1989).
(3) انظر في فساد صوم من وطىء ناسياً في شهررمضان "المغني" 4/ 374، وفساد حج من وطىء ناسياً "المغني" 5/ 173 - 174.
(2/114)

فإنَا نقيسهُ على سائرِ الأصولِ، ولا نقيسهُ على الصومِ.
وجملتُه: أن عندهم لا يجوزُ القياسُ على موضعِ الاستحسانِ إلا إذا نص على علّةٍ؛ لأنَ النصَ على العلَّةِ، كالنصّ على وجوب القياسِ. أو أجمعت الأمَّةُ على تعليلِ موضعِ الاستحسانِ وان اختلفوَا في علتِه أو يكونَ مما لم يفصلْ أحدٌ بينه وبين المخصوصِ فيكونُ حكمُه حكمَ ما خُص من جملةِ القياس (1).

فصل (2)
وأما القياسُ على الخبرِ المخصّصِ للعموم، فقد أجازه أبو الحسن الكرخي، وعند محمدِ بن شجاع: إن كان الخَبرُ مقطوعاً به جاز القياسُ عليه، وإن لم يكنْ مقطوعاً به لم يجزْ القياسُ عليه إذا خالف الأصولَ.
وهذا لا يصح؛ لأنَّه قد وردَ التعبدُ بوجوب القياسِ، ومخالفته لقياسٍ آخرَ، لا يمنعُ من القياس عليه إذا دلتَ الدلالةُ على صحةِ علّتهِ، والمنصوصُ على علته أوَ المجمعُ على تعليله أولى؛ ولأنَّ الاعتبارَ بالدليلِ الدال على صحةِ العلَّةِ سواء كان نصاً أو غيرَه، كسائرِ الأقيسةِ.
__________
(1) هذا التفصيل هو رأي أبي الحسن الكرخي وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك.
(2) هذا الفصل تابع للفصل الذي تقدم فيه البحث عن جواز القياس على الفرع المخالف للقياس، واعتباره أصلًا قائماً بذاته.
(2/115)

فصل
يجمع مسائل في الشرع طريقها القياس
منها: أنَّ اللهَ سبحانَه قالَ: {ومَن قتلَ مؤمناً خطأً فتحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ ودية مُسلمة إلى أهلِه} [النساء: 92]، فنصّ على الذكرِ؛ لأنَ لفظَ (مؤمنٌ) لا يقع إلا على الذكرِ، وهو نكرة أيضاً، فلا يعمُ الذكَرَ والأنثى، ووجب في قتلِ المؤمنةِ تحرير رقبةٍ قياساً على المؤمنِ.
ومنها قولُه تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء:43، المائدة: 6] ولم يذكر الحائضَ والنُفَسَاءَ إذا انقطعَ دَمُهما ولم يجدا الماءَ، فأمر بالتيمم عند عدمِ الماء، وكانَ ذلك قياساً على المنطوق به من الأشخاصِ المحدثينَ الذين انتظمتهم الآيةُ.
ومنها: قولُه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ} [الأحزاب: 49]، فخص المؤمناتِ بالذكرِ، وقيسَ عليهن الذمياتُ أيضاً، فإنهنَ إذا طُلقنَ قبلَ الدخولِ لم يكن عليهنَ عدة، وقضيَ بالقياسِ، ولم يُعولْ على دليلِ الخطابِ في هذا البابِ تقديماً للقياس عليه.
ومنها: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ
(2/116)

الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9]، فكان المعقولُ منعه سبحانه من البيعِ لئلا يشتغلَ بهِ عن الصلاةِ، فقيسَ عليه الإجارةُ والنكاحُ وسائرُ الأعمالِ من البناءِ والنَجارةِ.
ومنها: قولُه تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4]، ولم يذكرْ الذينَ يرمون المحصَنينَ من الرجال، ومعلومٌ أنَ إيجابَ الحد على الذكورِ، كان قياساً على مكانِ النطقِ؛ لأنَه قذفَ شخصاً محصناً، وهتكَ عِرضاً سليماً، فنَظَرَ القائسون إلى المعنى، ولم يَقصروا الحكمَ على النطقِ وهذا هو عينُ القياس.
ومنها: قوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء: 11] فخصّ الحجبَ بالِإخوةِ ذكراً، فعداه القائسون إلى الأخواتِ بالمعنى، فجعلوا الأخواتِ كالإِخوةِ في حجب الأم من الثُّلث إلى السدسِ، بعلة أنهم أولادُ أبٍ وأولادُ أمٍ.
ومنها: قولُه تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ} [النساء: 23] الأية، ولم يذكرْ الجداتِ أمهاتِ الأباءِ والأمهاتِ، ولا بناتِ البناتِ ولا بناتِ البنين، ولا خالاتِ الأبوين وعماتِهما.
فإن اعترضَ أهلُ الظاهرِ فقالوا: إنما ثبتَ ذلك بالاسمِ؛ لأنَّ أمهاتِ الأمهاتِ أمهاتٌ، وبناتِ البنين والبناتِ بناتٌ.
قيل: هذا لا يصح؛ لأنَّ أبا بكر الصديق رضي الله عنه قالَ للجدة: لا أجدُ لكِ في كتاب الله شيئاً (1). وهو سيدُ اللغةِ، ولو كانت
__________
(1) أخرجه مالك في "الموطأ" 2/ 513، وأبو داود (2894)، والترمذي =
(2/117)

أمّاً في اللغةِ، لكانت موجودة في ذكرِ الأمهاتِ على زعمِكم، ومحال أن يعدمَ هو الاسم ونجدُه من بعده، ولا يقالُ في لغةِ العرب لعماتِ الجدِّ عمات حقيقة، ولا لبنت بنتِ الأخ بنتُ أخ حقيقة.

فصل
يجمع الأقيسةَ على السنةِ
من ذلك ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من باعَ عبداً ولهُ مالٌ فمالُه للبائع إلا أن يشترطَ المبتاعُ" (1)، وحكمُ الجاريةِ إذا بيعتْ ولها مال حكمُ العبدِ إجماعاً إذا (2 بيع وله مال 2) قياساً على العبدِ، فالإجماعُ على الحكم، والقياسُ على العبدِ قول القائس.
ومن ذلك: ما رويَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "رُفعَ القلمُ عن ثلاثة: عن الصبى حتى يحتلمَ، وعن المجنونِ حتى يفيقَ، وعن النائمِ حتى يَستيقظَ" (3). وروي: "ينتبه" فخصَّ هؤلاء بالذكرِ، وحكمُ الِإناثِ من
__________
= (2101)، وابن ماجه (2724)، والبيهقي 6/ 234، وابن حبان (6031) والحاكم 4/ 338.
(1) أخرجه من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- البخاري (2379) ومسلم (1543) (80)، والترمذي (1244)، والنسائي 7/ 296، وابن ماجه (2211)، والبيهقي 5/ 324، وابن حبان (4922).
(2 - 2) في الأصل: "بيعت ولها مال"، ولعل المثبت هو الصواب.
(3) أخرجه من حديث عائشة -رضي الله عنها-، أحمد 6/ 144، وأبو داو (4398) والنسائي 6/ 156، وابن ماجه (2041)، وابن حبان (142).
وفي الباب عن ابن عباس، وأبي هريرة وأبي قتادة، وغيرهم انظر "نصب الراية"4/ 161 - 165.
(2/118)

هؤلاءِ حكمُ الذكورِ، وما ورد الحكم الذي هو العفو إلا في الذكور.
ومن ذلكَ: ما روي عن النبي فى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مَن أعتقَ شِركاً لهُ في عبدٍ،- ويروى: مملوكٍ - قومَ عليه قيمةُ عدل، وإلا عَتَق منهُ ما عَتَقَ، ورق ما رق (1) "فكان حكمُ الإِماءِ حكمَ العبيد قياساً عند القائسين.
ومن ذلكَ: ما روى ابنُ عباس عن ميمونةَ أن فأرةً وقعتُ في سمنٍ فأُخبرَ النبى صلى الله عليه وسلم فقال: "ألقُوها وما حَولَها وكُلوا" (2). فقيسَ على الفأرةِ ابنُ عِرس (3) والعصفورُ وكل ميتٍ له دم سائلْ عند قومِ، وما لا دمَ له أيضاً عند قوم، وقيسَ على السمنِ الدبسُ الجامدُ وَالزبدُ واللبنُ وسائرُ الجامدات.

فصل
فيما حكمَ النيى صلى الله عليه وسلم لأشخاصٍ، حُمِلَ عليهم غيرُهم في تلك الأحكام
وذلك قياس عند قومٍ وليست أقيسةً عند قوم.
وعلى الأول أكثرُ العلماءِ من القائسين.
__________
(1) أخرجه مالك 2/ 772 والشافعي 2/ 66 وأحمد 2/ 2 و15 و77 و 105 و112 و142، والبخاري (2522) و (2523) ومسلم (1501)، وأبو داود (3940) و (3941) و (3942) و (3943)، والترمذي (1346)، والنسائي 7/ 319 وابن حبان (4316)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
(2) تقدم تخريجه في الصفحة (52).
(3) ابن عِرس: دُوَيبة معروفة تَشبه الفارة وهي دونَ المنَوْر، تفتك بالدجاج ونحوها. والجمع (بنات عِرس).
انظر "لسان العرب" و"المعجم الوسيط": (عرس).
(2/119)

منها: حديثُ الأعرابي الذي ساله عن المواقعةِ لامرأتِه في نهارِ رمضان، فقال له صلى الله عليه وسلم: "أعتِقْ رَقَبة" (1) حُمل ذلكَ على كلِّ مجامع في نهارِ رمضان، وصار كأنه قال: لأنَكَ جامعتَ في نهارِ رمضان.
ومنها: قولُه - صلى الله عليه وسلم - لفاطمةَ بنتِ قَيس لما طلقها رِفاعة ثلاثاً، فتزوجتْ عبدَ الرحمن ابن الزبير، وذكرتْ أن معهُ كهُدبةِ الثوب، فقال: "لعلك تريدي أن تراجعيْ رفاعةَ" أو كما قال، ثم قالَ لها: "لا حتى تذوقي عُسيلتَه ويذوقَ عُسَيلتك" (2)، حُمل على كلِّ امرأةٍ طلقَها زوجُها ثلاثاً، فزوجت بغيره، لا تباحُ للأول بمجرد العقد حتى توجدَ الإصابةُ.
ومنها: قولُه لفاطمةَ بنتِ أبي حُبَيش: "إنما هو دمُ عرقٍ، فتوضئي لكلِّ صلاة" (3)، فكان محمولاً على كلُّ مستحاضةٍ.
__________
(1) تقدم تخريجه في الجزء الأول، الصفحة 40.
(2) أخرجه مالك 2/ 531، والبخاري (5792)، ومسلم (1433)، والبيهقي 7/ 375، وابن حبان (4121). والصواب أن قوله - صلى الله عليه وسلم - لتميمة بنت وهب انظر "الفتح" الحديث (5317).
وهدبة الثوب: هي طرفه الذي لم ينسج، تعني بذلك أن متاعَه رخو كهُدبة الثوب.
(3) ورد ذلك في حديث عائشة أنها قالت: قالت فاطمة بنت أبي حبيش: يا رسول الله، إني لا أطهر، أفأدع الصلاة؟
قالت: فقالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -:" إنما ذلك عرق، وليست بالحيضة، فاتركي
الصلاةَ، فإذا ذهبَ عنكِ قدرُها، فاغسلي عنك الدم وصلي ".
أخرجه مالك في "الموطأ" 1/ 61، وأحمد 6/ 42 و137 و194 والبخاري (306) و (320) و (325) و (331)، ومسلم (333)، وأبو داود (282) و (298)، والترمذي (125)، وابن ماجه (624)، والنسائي 1/ 181 و 185 و186، وابن حبان (1350) و (1351) و (1352) و (1353) و (1354).
(2/120)

ومنها: قوله لهندٍ زوجةِ أبي سُفيان لما شكتْ إليه شُحَّ أبي سفيان: "خُذي ما يكفيكِ ووَلَدك بالمعروفِ (1) "، فحملَه قومٌ على كلُّ مستحقٍّ لدينٍ، زوجةً كانت أو غيرَ زوجةٍ، وحملَه قومٌ على كلِ زوجةٍ دونَ أربابِ الديونِ.
واستدل من قالَ: ليسَ هذا من باب القياسِ، إنما عُلِمَ التعدي بالنصِّ، وهو قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "قَولي للواحدِ قوَلي للجماعةِ" (2) "قولي لامرأةٍ واحدةٍ قولي لمائةِ امرأةٍ" (3). فلما كان حكمُه - صلى الله عليه وسلم - للواحد وعليه، حكمه
__________
(1) ورد هذا في حديث عائشة -رضي الله عنها.
أخرجه: أحمد 6/ 39 و 50 و 206، والبخاري (2211) و (5730) و (5364) و (7180)، ومسلم (1714)، وأبو داود (3532)، وابن ماجه (2293)، والنسائي 8/ 246 - 247، والبيهقي 7/ 466 و477 و 10/ 269 - 270، وابن حبان (4255) و (4256).
(2) اشتهر هذا الحديث في كلام الفقهاء والأصوليين، وليس له أصل ولا سندٌ في كتب الحديث. نبَّه إلى ذلك ابن كثير، والمزي، والذهبي، والسبكي، وابن حجر العسقلاني. انظر "موافقة الخَبَر في تخريج أحاديث المختصر" لابن حجر العسقلاني: 1/ 527، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني (578).
والحديث التالي يؤدي معناه.
(3) ورد ذلك في حديث أميمة بنت رقيقة أنها قالت: أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة يبايعنه فقلن: نبايعك يا رسولَ الله على أن لا نشرِكَ بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نقتلَ أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيك في معروف، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "فيما استطعتن وأطقتن" قالت: فقلت: الله ورسولُه أرحمُ بنا من أنفسنا، هلم نبايعك يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لا أصافح النساء، إنما قولي لمئة امرأة كقولي لامرأة =
(2/121)

للجماعة وعليهم، كان غيرُ هؤلاء الأشخاصِ داخلينَ بحكمِ هذا النطقِ دونَ القياسِ، وذلك لأنَه مبعوث إلى الكافة.
فيقالُ: هذا حثٌ منهُ - صلى الله عليه وسلم - على القياسِ؛ لأنَ بيانَه للواحِد لا يعمُّ الجماعةَ من جهةِ اللفظِ، والحكمُ للشخص الواحِد والخطابُ خاصٌ له، فكان يجوزُ أن يختصَ ذلك الواحد، كأبي بُردةَ في الجذعةِ من المعزِ (1)، وكسالم في الرضاعِ بعد علو السن وخُروجه عن حَدِّ الرضاع (1)، وكأبي بكرةَ في (1) في دخولِه الصف راكعاً وإنما عم من حيث المعنى، فقولُه: "قولي للواحد قولي للجماعةِ"، "حكمي في الواحدِ حكمي في الجماعةِ" دالٌ على القياسِ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - أمرَ بإجراءِ المعنى على عمومِه وهذا هو عينَ القياسِ.

فصل
إذا نصَّ صاحب الشرعِ على حكمِ شيء، وقال: قيسوا عليه ما هو مثلُه ونظيرُه، فإنَا نبحثُ عن علته، ثم نقيس عليه لنعطيَ اللفظةَ
__________
= واحدة، أو مثل قولي لامرأة واحدة".
أخرجه: أحمد 6/ 357، والنسائي 7/ 149، والترمذي (1597) وابن ماجه (2874)، والحاكم 4/ 71، وابن حبان (4553). قال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح.
(1) تقدم تخريجه في الصفحة (98).
(2/122)

حقَّها، وهو قولُه: ما هو مثلُه. وهذا إجماع، وإنما يقعُ الاجتهادُ منا في معرفةِ العلَّةِ ومعرفةِ النظيرِ.
ولو لم يأمرْنا بالقياسِ عليه لكن نص على علتِه بأن يقولَ: حرمتُ هذا لكذا، فإنه يجوزُ القياسُ عليه، واجتهادُنا يقعُ في طلب النظيرِ ووجودِ العلَّةِ فيه، دونَ معرفةِ العلَّةِ.
وكذلك لو أجمع العلماءُ على علته، كان حكمُه حكمَ ما نصَّ عليهِ صاحبُ الشرع، وكذلكَ لو أجمعَ العلماءُ على تعليلهِ ولم يثبتوا علته، فإنَه يجوزُ القياسُ عليه، وكذلك إن دلتْ الدلالةُ على تعليله، جازَ القياسُ عليه.
وقال بشر المريسي (1): لا يجوزُ القياسُ على أصلٍ ما لم يكنْ منصوصاً على علتِه أومجمعاً على علتِه.
وقال قومٌ: لا يجوزُ القياسُ على أصل لم يرد النصُّ بالقياسِ عليه.
وهذا غيرُ صحيح؛ لأنَّ أصحابَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ورضوانُ اللهِ عليهم قاسوا على أصولٍ لم يرد النصُّ بالقياسِ عليها بعينِها، ولا وردَ النصُّ على عللِها ولا تعليلها، ولو كان ثم نص لبانَ لنا وظهر، كما ظهرَ حكمُ الأصل.
__________
(1) هو أبو عبد الرحمن بشر بن غياث بن أبي كريمة العدوي البغدادي. غلبَ عليه الكلام، وانسلخ من الورع والتقوى، وقال بخلق القرآن، حتى كان عينَ الجهمية وعالمهم، فمقته أهل العلم، وكفره العديدُ منهم.
انظر: "تاريخ بغداد" 7/ 56 - 67، و"الوافي بالوفيات" 10/ 151، و"سير أعلام النبلاء"10/ 199 - 202.
(2/123)

ولأنَه إذا دل الدليلُ على صحةِ القياسِ على الجملةِ، وأنَه أصلٌ من أصولِ الشرعِ يجبُ العمل به، فإذا وجدنا بعدَ ذلكَ قياساً صحيحاً، ودلَّت الأماراتُ على صحتِه، علمنا أنَه من جملةِ القياسِ الذي قامَ الدليلُ على وجوب العملِ به؛ ولأنَّه إذا دلَّ دليل على صحتِه بعدمِ النصِّ على علتِه، أَو عدمِ الاجماعِ على علتِه لا يُمنعُ من صحتِه، كالحكمِ.

فصل
في بيانِ القياسِ على أصلٍ ثبتَ حكمهُ بالنص
فمن ذلكَ: أن الله سبحانه نصَّ على حد الإِماءِ على النصفِ من حَدِّ الحرائر، فقال سبحانه: {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25]، والمحصناتُ ها هُنا الحرائرُ، ثم قاسَ العلماءُ عليهن حدَ العبيدِ.
وعن عامرِ بن سَعدٍ أن عمرَ بنَ الخطابِ رضي الله عنه ضربَ العبدَ في الفرية أربعينَ.
وعن [ابن] (1) أبي الزنادِ عن أبيه قال: حضرتُ عمرَ بن عبد العزيز جلدَ عبداً في فريةٍ ثمانين، فأنكرَ الذين شهدوه من الناسِ وغيرُهم من الفقهاءِ، فقالَ عبدُ الله بنُ عامر: أدركتُ واللهِ عمرَ بن الخطاب فما رأيتُ إماماً جلدَ أعبداً في فريةٍ فوقَ أربعين (2).
__________
(1) ساقطة من الأصل.
(2) أخرجه مالك في "الموطأ"2/ 26، وعبد الرزاق 7/ 438، والبيهقي 8/ 251، وابن أبي شيبة 9/ 504 من طريق سفيان عن عبد الله بن أبي بكر.=
(2/124)

وقيلْ؛ إن الضاربَ للعبدِ ثمانين في الفِريةِ، أبو بكر بن محمد بن عمروِ بن حزم (1).
وإذا فسختِ المعتقةُ تحتَ عبدٍ نكاحَها، إن كان قبلَ الدخولِ؛ لا عِدةَ عليها، وإن كان بعدَ الدخولِ؛ اعتدتْ عِدةَ المطلقة (2)، لقولِ اللهِ تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، ولقولهِ تعالى: {ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب: 49].
وكذلك انفساخهُ بالرضاعِ، وهو أنْ تُرضعَ امرأةُ الرجلِ الكبيرةُ، امرأتَه الصغيرةَ يبطلُ نكاحُها عند الجمهورِ، خلافاً للأوزاعي (3)، ثم في عدتِها ما ذكرناه.
وقاسَ الجمهورُ استعمالَ آنيةِ الذهب والفضةِ في الوضوء والاغتسالِ والبخورِ، على الأكلِ والشرب (4)، وقاسوا ما سوى الحجرِ في الاستنجاءِ على الحجرِ، وما سوى الشَّثَ (5) والقَرَظِ (6) في الدباغ
__________
=والمقصود بالفرية: القذف.
(1) أخرجه ابن أبي شيبة 9/ 503.
(2) انظر "المغني" لابن قدامة 11/ 214.
(3) انظر تفصيل المسألة في "المغني" 11/ 327 وما بعدها.
(4) انظر "المغني" 1/ 101 وما بعدها.
(5) الشَّث: نبت طيب الريح يدبغ به، وجمعه شثاث."القاموس المحيط": (شثَّ).
(6) القَرَظ هو ورقُ السلَمِ، أو ثمر السنْط، يُدبغ به ويصبغ. تقول: أديم مقروظ. أي: مدبوغ من القَرَظ. "القاموس المحيط": (قرظ).
(2/125)

على الشَثِّ والقَرَظِ، وقاسوا تقليمَ الأظفارِ في الإِحرام على حلق الشعرِ، وقياسُ الجماع في العمرةِ على الجماعِ في الحجِ، وقاسَ الشافعيُ النبيذَ على الخَمرِ، وقاسوا على الأربعةِ في الربا (1) ما سواها، والله أعلم.
__________
(1) أي الأصناف الأربعة: البُرُّ، والتمر، والشعير، والملح، والتي تتحقق فيها علَّةُ المطعومية.
(2/126)

فصول
في الاعتراضاتِ على الأدلةِ التي قدمنا ذكرها
فنبدأ بالكلامِ على الاستدلالِ بالكتابِ حسب ما بدأنا بدلائل الكتابِ، وذلك من ثمانيةِ أوجه:
أولُها: الاعتراضُ بانَك أيها المستدلُّ لا تقولُ به، وذلك من وجهين:
أحدهما: أن يكونَ استدلالُه بأصلٍ لا يقولُ به، مثل استدلال الحنفي بدليلِ الخطاب، وله أن يقول: هذا من مسائلِ الأصول ولي فيها مذهب. أو يكونَ استدلالًا بشرطٍ أو علةٍ، ويكونَ ممن يقولُ بهما.
والثاني: أن لا يقول به في الموضِع الذي استدلَّ به، مثلُ استدلال الحنفي في شهادة أهل الذمة بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ. .} [المائدة: 106]، فيقول الشافعي: هذا مما لا تقولُ به؛ لأنَه وردَ في قضيةِ المسلمين، وعِندكَ لا تُقبلُ شهادتُهم على المسلمينِ (1).
(1) انظر "الأم" 6/ 246.
(2/127)

وتكفَفَ بعضهم الجوابَ عنه فقالَ: إنَه لما قبلَ شهادتَهم على المسلمين؛ دلّ على أنَّ شهادتهم على الكفارِ أولى بالقبولِ، ثم دلَّ الدليلُ على أن شهادتَهم لا تقبل على المسلمين، وبقيَ في حقّ الكفارِ على ما اقتضاه. وهذا ليسَ بجوابٍ صحيحٍ؛ لأنه تعلَّق بالأولى، وذلك أنَّ الخطابَ ارتفعَ حكمه فكيفَ يبقى مع ارتفاعِ حكمِ فحواه؟
وثانيها (1): أن يقولَ بموجبِها وذَلك على ضربين:
أحدُهما: أن يحتجَّ من الآيةِ بوضعِ اللغةِ، فيقول السائل بموجبها في وضعِ الشريعةِ، أو يكونَ ذلك بالعكسِ، بأن يحتجَ من الآيةِ بوضعِ اللغةِ، ويتبع ذلك بأنَّ القرآنَ نزلَ بلغةِ العرب، وأنا لا أنتقل عنه إلا بدليل ينقلني.
وللمستدلِّ أن يقولَ: إطلاق الكتاب ينصف إلى ما استقر في الشرع، وهو الوضعُ الثاني، فيقضي على اَلأول، وهذا يأتي في التعلقِ في تحريمِ المصاهرةِ بالزنا بقوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} [النساء: 22]، والمراد به: لا تَطَؤوا ما وطىء آباؤكم. فيقول مخالفهُ فيها: بل ينصرفُ إطلاقُ النَكاحِ فى النَكاحِ في الشرع، وهو العقدُ، فيكون معناه: لا تتزوجوا من تزوجَ بهن آباؤكُم. وينتقلُ الكلامُ بينهما إلى الأسماءِ، هل فيها منقول، أو هي مُبقاة على وضعِ اللغةِ؟ وذلك مستوفى في مسائلِ الخلاف إن شاء الله.
__________
(1) أي ثاني الأوجه الثمانية.
(2/128)

والضربُ الثاني (1): أن يقولَ بموجبهِ في الوضعِ الذي احتجَّ به، وذلك مثل أن يستدل الشافعيُّ في العفوِ عن (2)، القِصاص إلى الدية من غير مصالحةٍ ولا رضا من الجاني بقولِه تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 178]، والعفوُ هو الصفحُ والتركُ، فيقول الحنفي: أنا قائل بموجبهِ، والعفو هاهنا هو البذل، ومعناة: إذا بذلَ الجاني للولي الديةَ، اتبعَ بالمعروفِ. فيسلك الشافعى الترجيح، وأن العفوَ في الإِسقاطِ أظهر، فإنَ ورودَها في الإسقاطِ أكثر، ومعناها بالإِسقاط ألحق وأشبهُ. وذلك في عرفِ القرآن والتخاطب، فإنَها لم تَرِد إلا للإِسقاط: {واعف عَنا} [البقرة: 286]، {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} [التوبة: 43]، {وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ} [آل عمران: 155]، وقرنَ العفوَ بالغفران فقال: {وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 99]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الخضروات: "عَفوّ، عفا الله عنها أو عنه" (3).
ويسلك مسلكاً ثانياً إن وجدَ من ساقَ الآيةَ وأمثالَها، مما يؤكد أحدَ الوضعينِ فيها على الوضعِ الآخرِ، فإن قويَ الوضع لما أراده السائل
__________
(1) أي الضرب الثاثي من الوجه الثاني.
(2) في الأصل: "على".
(3) أخرج الدارقطني 2/ 97، والبيهقي في "السنن" 4/ 129، والحاكم في "المستدرك 1/ 401 عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال؛ "فيما سقت السماء والبعل والسيل العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر، يكون ذلك في التمر والحنطة والحبوب، فأمَّا القثاء والبطيخ والرمان والقصب والخضر؛ فعفوٌ عفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم". وأورده المتقي الهندي في "الكنز" (15879).
(2/129)

صحَ قولُه بالموجِب، وإن قويَ ما أراده المستدل اندفع القولُ بالموجبِ.
فاسلكْ ذلك أبداً تجد البغيةَ بعونِ الله.
ثالثُها: أن يدعي السائلُ إجمالَ الآيةِ التي استدلً بها المستدلُّ، إمَّا في وضعِ الشرعِ، أو في وضعِ اللغةِ. فأمَّا إجمالُها في الشرع؛ فمثل استدلال الحنفي في نيةِ صوم رمضانَ من النهارِ بقولِه تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]، وهذا قد صامَ بعد شهودِه الشهرَ فخرجَ من عُهدةِ الأمرِ.
فيقولُ المعترض: هذا مجملٌ؛ لأنً المرادَ به: فليصمُه صوماً شرعياً، ونحنُ لا نعلمُ أنَّ مَنْ صامَ بنيةٍ من النهارِ قد أتى بصومٍ شرعي، فكيف يعلمُ أنه خرجَ من عهدةِ الأمرِ؟!.
فيسلكُ المستدلُ أحدَ مسلكين: إمَّا أن يوضحَ أنَّ الصومَ مُبَقّى على ما كانَ عليه في اللغةِ، وأنه لم ينقلْ عن الوضعِ اللغوي، فمدعي نقلهِ يحتاجُ إلى دليلٍ، وإذا احتاجَ إلى دليلٍ لم يتحقق الإِجمالُ الذي ادعاه، فإن كان ممن يرى نقلَ الأسماءِ عن اللغةِ إلى الشرعِ، سلك بيان أن الصوم الشرعي بنيةٍ منَ النهارِ، وأن صومَ النافلةِ شرعيٌ، وقد عُهدت في الشرع صحتُه بنية من النهارِ، فينصرف الإِطلاقُ من الشرعِ إلى الصومِ المستقرِ في الشرعِ، وهذا ما طالبتُ به.
وأما الإِجمالُ في اللغة، فهو مثلُ استدلالِ شافعي في أن الِإحرامَ
بالحج لا يصحُّ في غير أشهرِ الحج، لقوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ
(2/130)

مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ ...} الأية [البقرة: 197].
فيقول مخالفهُ: هذه آيةٌ مجملة؛ لأنَ الحجَّ ليس باشهرٍ، ألا تراهُ قال: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} فصرحت الآيةُ بأن الحَج غيرُ الأشهر؛ لأنَّ الحجَ لا يُفرضُ فيهنَ وهنَ الحَج. فلا بُدٌّ من معرفةِ المرادِ بالمضمرِ ما هو؟ هل هو إحرامُ الحج؟ أو أفعال الحج؟ إذ لهُ إحرام وأفعالٌ، فوجبَ التوقفُ إلى أن يعلمَ ما المرادُ به، وما هذا سبيلهُ فما وضحَ منه دليل للحكمِ المستدل عليه، فإذا شرعَ في الدليلِ على أنٌ المرادَ به وقتُ إحرامِ الحج، فإن كان بغيرِ لفظ الآيةِ تحققَ إجمالُها الذي ادعاة المعتَرض؛ لأن حاجتَه إلى الدلالةِ تفسيرٌ ومعرفة للحكمِ من غيرِ اللفظِ، وحدُّ المجملِ: ما لم يُعرفْ معناهُ من لفظهِ.
وإن حقَق من نطقِ الآية، أنَّ المرادَ به: وقتُ الِإحرامِ، فقد أجابَ. مثال ذلك: أن نقول: أجمعنا على أن الأفعالَ في أيامٍ وقوفٌ ورمي وطواف، لا تزيدُ على الأيام المعدودةِ، فلم يبقَ ما يتحققُ في الشهورِ، إلا الإِحرامُ يقعُ من شَوال إلى التاسع من ذي الحجة، فيجري كلُّ قبيل في يومٍ من هذه الشهورِ، فهو وقتٌ ممتدٌ لمن أرادَ الإِحرامَ، ولأنه نطق بما يعطي الِإحرامَ، وهو قوله: فَرَضَ، والفرض: الِإيجابُ والِإلزامُ، وهو الِإحرامُ، ولهذا عقَبه بالنهي، فقال: فمن فرضَ، فلا رفثَ، فعَقَب الفرضَ بفاءِ التعقيب لتجتنبَ المحظوراتِ، والذي يتعقبُه التحريم والتجنبُ إنما هو الإِحَرام، فأمَّا الأفعال، فإن جميعها يسبقه التجنب، فمثلُ هذا البيان رفعَ الإِجمالَ الذي ادَّعاهُ
(2/131)

المعترضُ، فتأمل كلَّ آيةٍ يدّعي فيها الإِجمال، فإذا وجدت فيها مثلَ هذا بَطل دعوى الِإجمال.
ورابعها: المشاركةُ في الدليلِ.
فيقرر السائل أن له في الآيةِ دلالةً من وجهِ، كما أن للمستدل دلالةً من وجهٍ، ولا يقعُ سؤالُ المشاركةِ إلا من مُسَلم وجهَ دلالةِ المستدل منها، فلا يحسن بعد قولِه: إنِّي مُشارك لكَ في الآيةِ، أو إنها مشتركة الدلالةِ بَيني وبينك. أن يأتي بالمطالبةِ، كما لا يحسنُ في القولِ بموجب العلَّةِ، أن يعقبه بالمطالبةِ، لأنَ القائلَ بالشركةِ مقر بالدلالةِ؛ لأن الَشركة في الدلالةِ أن يكونَ لكلِّ واحد من المستدلِ بها دلالةٌ، فإذا عادَ يقول: ما وجه الدلالةِ؟ كان بمثابةِ من ادُعي عليه دار في يديه، فقال: المدعي شريكي فيها. ثم عادَ يقولُ: أقمِ البينةَ على أنَ لك فيها حقاً. فإنَه لا يُعوَّلُ على مطالبته بعدَ إقرارِه بمشاركتهِ إياه في المِلكِ، ولا يحسنُ أن يتعقبَ دعوى المشاركةِ دعوى الإِجمالِ، فإن المشاركةَ إنما تكونُ بعد ثبوتِ الدلالةِ التي أقرَ بمشاركتِه فيها، وبعد الإِقرارِ بالدلالةِ لا تجوزُ دعوى الإِجمالِ؛ لأنَ المجملَ: ما لم يعقلْ معناه من نُطقِه، والدلالةُ لا تكون إلا بمعقولٍ؛ لأن الدلالَة مرشدةٌ، وكيف يُسترشد بما لايعقل؟
ومثالُ ذلك: استدلالُ الشافعي أو الحنبلي في النكاحِ بغير ولي بقولِه تعالى: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} [البقرة: 232]، فلو لم يكن تزويجها إلى الأولياءِ، لما نهاهم عن العَضْلِ، إذ لا يتصورُ العضل عندهم.
(2/132)

فيقولُ الحنفيُ: لي في الآية مثلُ مالكَ، وهو قولُه: {أَنْ يَنْكِحْنَ}، فأضافَ النكاحَ إليهنَّ، فيدل ذلك أن لهن أن يعقدنَ، ونحن أرجحُ استدلالًا بها؛ لأن العقدَ إذا اطلقَ اقتضى العقدَ الصحيحَ، والعضلُ قد يكونُ بحق وبغيرِ حقٍ.
خامسُها: الاعتراضُ باختلافِ القُراءِ في الأيةِ، فيصيرُ كتقابُل اثنينِ أو روايتينِ في تفسيرِ الآيةِ، فيوقفُ الاستدلالُ بنا، قالَ بعض المشايخِ: وهي آكد من الخبرين (1)؛ لأن كلُّ واحد منهما يجوزُ أن يكون حقاً، ويجوزُ أنْ يكونَ باطلاً، والقراءتانِ نزلَ بهما القرآن، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "نَزل القرآنُ على سَبعةِ أحرفٍ" (2) فلا يجوزُ على واحدة منها الخطأ، وإنما يبقى التأويلُ، فيقعُ فيه الترجيحُ، فالمُخَفصُ من ذلكَ أن نقولَ بهما إنْ أمكنَ ذلك، أو نرجحَ القراءةَ بنوع نقل، أو نُرجحَ القارىء بها لكونه الأعلمَ، أو أنَ الشواهدَ لها أكثر، أو أنَها توجب الاحتياط.
مثال ذلك: استدلالُ الشافعي أو الحنبلي في إيجابِ الوضوء لمن
__________
(1) أي آكد من كلُّ من الخبرين الواردين بطريق الأحاد.
(2) ورد في حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أنزلَ القرآن على سبعة أحرف، والمراء في القرآن كفرٌ -ثلاثاً-، ما عرفتم منه، فاعملوا به، وما جَهلتم فردوه إلى عالمه". أخرجه أحمد 2/ 300، والطبري في "التفسير" 1/ 11، وابن حبان في "صحيحه" (74) و (743)، وأورده الهيثمي في "المجمع" 7/ 51، وابن كثير 2/ 10 في" تفسيره" وقد صَححَ إسناده. وفي الباب عن ابن مسعود، وأُبي بن كعب.
(2/133)

لمسَ النساءَ بقولِه تعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} (1) [النساء: 43، المائدة: 6] وهو حقيقة في المماسةِ باليدِ.
فيقولُ الحنفي: قد قُرىء: {أو لامَستُم}، وهو على وزنِ فاعلتم، وذلك اسمٌ للجماعِ وكنايةٌ عنه، إذ به تتحققُ المفاعلةُ، وليس حملُك له على اللَّمسِ باليد بتلك القراءةِ، بأولى من حملِنا له على الوطءِ بهذه القراءِة (2).
فيقولى المستدلُّ: من قرأ: {لمستُم} انصرفت قراءتُه إلى الِإمساسِ باليدِ صريحاً، ومن قرأ: {لامَستُمْ} وقع على الوطءِ كنايةً، فكانَ الصريحُ أولى، ولأنَّا نجمعُ بين إيجاب الطهارتينِ بالقولِ بالقراءتين، غسلاً بالجماعِ ووضوءاً باللمسِ باليد.
سادسُها: الاعتراضُ بالنَّسخ؛ وهو من ثلاثةِ أوجه:
أحدُها: أن يُنقلَ الناسخُ صريحاً، وذلك مثلُ: استدلالِ الحنبلي والشافعي في إيجاب الفدية على الحاملِ والمرضعِ إذا أفطرتا في رمضانَ خوفاً على الجَنينِ والولدِ بقولِه تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184] فيقولُ الحنفى: قد قالَ سلمةُ بن الأكوع: إنَّها منسوخة (3) بقولهِ تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ
__________
(1) أو {لمستم} بغير ألف هي قراءة حمزة والكسائي. و {أو لامستم} بالألف، هي قراءة ابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، وعاصم، وابن عامر، انظر "الحجة للقراء السبعة" لأبي علي الفارسي: 3/ 163 و"الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها" لمكي بن أبي طالب: 1/ 391.
(2) انظر تفصيل المسألة في "المغني" 1/ 256 وما بعدها.
(3) الخبر عن سلمة بن الأكوع، قال: لما نزلت {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ =
(2/134)

فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185].
فيجيبُ الشافعيُّ أو الحنبليُّ: بأنها منسوخة في حقّ من كانَ له الِإفطار من غيرِ حمل ولا رَضاع، وحكمُها في حق الحاملِ والمرضعِ باق.
والثاني: أن يُدَّعى نسخُها بآية أخرى متأخرة، مثل استدلالِ الحنبلي والشافعي فى تخيرِ الإِمام في الأسرى بين المَنِّ والفِداءِ، بقوله تعالى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [محمد: 4]، فيقول الحنفي: قد نُسخ هذا التخييرُ (1) بقوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5]؛ لأنها متأخرةٌ.
فيجيبُ المستدلُّ: بأنا نجمعُ بين الآيتين، فنستعملُ القتلَ في غيرِ الأسرى، والتخييرَ في الأسرى، ولا وجهَ لدعوى النسخِ مع إمكانِ الجمعَ.
والثالثُ: أن يُدَّعى نسخُها بأنها شرعُ من قبلَنا، وقد نسخَها شرعُنا
__________
= مِسْكِينٍ} [البقرة: 184]، كان من أراد منا أن يفطر أفطرَ وافتدى، حتى نزلت الأية التي بعدها فنسختها. أخرجه البخاري (4506)، ومسلم (1145)، وأبو داود (2315) والترمذي (798)، والنسائي 4/ 190.
(1) أخرج الطبري عن ابن عباس في قوله تعالى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [محمد: 4] قال: الفداء منسوخ، نسختها {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ}. وهو مذهب ابن جريج والسدي وابن عباس. والذي رجحه الطبري أن الآية محكمة، وأن حُكم الفِداء والمن باق لم ينسخ. وهو مذهب ابن عمر والحسن وابن سيرين ومجاهد وأحمد والشافعي. انظر "تفسير الطبري" 27/ 26، و"أحكام القرآن" للشافعي 1/ 158، و"نواسخ القرآن" لابن الجوزي: 466.
(2/135)

كاستدلالِ الشافعي أو الحنبلي في ايجابِ القِصاص في الطرفِ بينَ الرجلِ والمرأةِ بقوله تعالى: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45] فيقول الحنفي: هذا راجعٌ إلى حكم التوارةِ؛ لأنه قال: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا} ... وقوله: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}، وقد نُسختِ التوراةُ بالقرآنِ، وشريعةُ موسى بشرعِ محمدٍ صلى الله عليهما.
فيجيبُ الشافعي: بأنَّ شرعَ من قبلنا شرعٌ لنا نتمسكُ به، وندلُ على ذلك بأدلتنا في تلك المسألة -وسنذكرها في مسائلِ الخلافِ إن شاء الله- وعمدتُنا: أنَّ شريعةَ من قبلَنا (1) شرعٌ ثابتٌ بدلالةٍ مَرضيّةٍ، فلا نعدِلُ عنها، ولا نحكمُ برفعِ أحكامِها إلا بصريحِ نَسخ، فأمَّا بنفس شريعةٍ تَحتمل التقريرَ للكلَ، وتَحتمل نسخَ البعضِ وتَبْقِيةَ البعضِ، فلا وجهَ لإزالة الأحكامِ الثابتةِ بالاحتمالِ.
وسابعُها: التأويلُ، وهو ضربان:
تأويلُ الظاهرِ، مثلُ استدلالِ الشافعي والحنبلي في إيجاب الإيتاءِ في الكتابةِ (2) بقولِه تعالى: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 33] فيقول الحنفي: إنَّما أرادَ به مالَ الزكاة، ويشهدُ لذلك إضافتُه إلى الله سبحانه، أو نحملهُ على الإيتاءِ من طريقِ الاستحبابِ بدليل نذكره.
والثاني: تخصيصُ العموم، كاستدلالِ الشافعي في قتلِ شيوخِ المشركين بقوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5]، فيقولُ الحنفي:
__________
(1) في الأصل: "قبله".
(2) هو أن يدفع السيد إلى عبده المكاتب جزءاً من مال الكتابة، أو يضع عنه جزءاً منه.
(2/136)

هي مخصوصة في الشيوخِ بدليل.
فلا جوابَ عن ذلك إلا النظرُ في الدليلِ، هل يصلحُ للتخصيصِ أوْ لا؟
فإن لم يصلحْ ردهُ، وإن صلحَ تكلم عليه كلامَه على الأدلةِ المبتدأةِ، فإذا تكلّم عليه سَلمَ لهُ الظاهرُ والعمومُ.
وثامنُها: المعارضةُ، وهي ضربان: معارضةُ بالنطقِ، ومعارضةُ بالعلةِ.
فالمعارضةُ بالنطقِ: مثلُ أن يستدل الشافعيُ في تَحريم شعرِ الميتةِ بقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3]، فيعَارضُ الحنبلى أو الحنفيُ بقولهِ تعالى: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (80)} [النحل: 80]، فيقولُ الشافعيُ: إنً الله سبحانهَ جعلَ من أصوافِها، ونحن نقولُ بأنَ منها ما هو أثاثُ ومتاعٌ يباحُ استعمالهُ، وهو ما جُزَّ بعدَ الذكاةِ، وقُطعَ عنها حَال الحياةِ، وجعل له غاية، وهو الموتُ.
وإن عارضَ بعله تكلم عليها بما يتكلمُ على العللِ المبتدأةِ، ليسلمَ دليلة.
(2/137)

فصول
في الاعتراضات على الاستدلال بالسنة
وهو من ثلاثة أوجه:
أولها: الردُ.
والثاني: الكلامُ على الِإسنادِ.
والثالث: الكلامُ على المتنِ

فصل
فأمَّا الردُ، فمن وجوهٍ:
أحدُها: ردُ الرافضةِ أخبارنا في مَسحِ الخفينِ، وايجاب غَسل الرجلين (1)، وزعمِهم أنهم لا يقبلونَ أخبارَ الآحادِ.
فجوائنا لهم من ثلاثة أوجه:
__________
(1) فهم لا يوجبون غسل الرجلين في الوضوء، بل يقولون بمسحهما فقط، واحتجوا بقراءة خفضِ: {وَأَرْجُلَكُمْ} في قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] بعطف: (أرجلكم) على الممسوح لا على المغسول، وهو خلاف ما عليه جمهور أهل السنة. انظر "المغني" 1/ 184 وما بعدها.
(2/138)

أحدُها: أن أخبارَ الآحادِ أصلٌ من أصولِ الدينِ، فإن منعوا ذلك، نقلنا الكلامَ إلى ذلك الأصل.
والثاني: البيان لتواترها من طريقِ المعنى، فإن جميعَ أصحابِ الحديثِ فيها بينَ ناقلٍ وقابل، فهو كشجاعةِ علي (1)، وسخاءِ حاتم (2)، وفصاحةِ قُسٍّ (3). وفَهاهة باقِلٍ (4)، جملتها تواتر، وخبّرونا بها آحاد.
والثالث: أن يناقضوا بما خالفوا فيه، فإنهم أثبتوا ذلكَ بأخبارِ الآحادِ، كتصدُّقِ عليٍّ عليه السلام بخاتِمه في الصلاةِ (5)، ونكاحِ
__________
(1) يعني علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-.
(2) حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي، أبو عدي، كان من أجواد العرب في الجاهلية، وكان يضرب بجوده وسخائه المثل، توفي سنة (46) قبل الهجرة. "الأعلام" 2/ 151، "مجمع الأمثال" 1/ 82.
(3) قس بن ساعدة بن حذافة بن زهير الإيادي، من حكماء العرب قبل الإسلام، يضرب المثل بفصاحته وبلاغته، توفي سنة (23) قبل الهجرة. "الأعلام" 5/ 196، "المعارف" لابن قتيبة: 61.
(4) رجل جاهلي من إياد، يضرب بعيه المثل، فيقال: أعيا من باقل. قيل: إنه اشترى ظبياً بأحد عشر درهماً، فمر بقوم سألوه عن ثمنه، ففتح أصابع كفيه ودلع لسانه، يريد: أحد عشر، فهرب الظبي منه. "المعارف": 608، "مجمع الأمثال" 2/ 72، و"الأعلام"2/ 42.
(5) عن عمار بن ياسر -رضي الله عنه- قال: وقف بعلي سائل وهو راكع في صلاة تطوع، فنزع خاتمه فأعطاه السائل، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعلمه ذلك فنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأية: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على =
(2/139)

المتعةِ، والمنع من الصلاةِ على ما ليسَ من الأرضِ، أو نبات الأرض (1)، ونقضِ الوضوءِ بأكلِ لحم الجزورِ (2)، وما شاكلَ ذلك.
الثاني: ردُّ أصحاب أبي حنيفةَ أخبارَ الآحادِ فيما تَعُمُ به البلوى (3)
__________
= أصحابه، ثم قال: "من كنت مولاه فعلي مولاه". أورده الهيثمي في "المجمع" 7/ 17 وقال: رواه الطبراني في "الأوسط" وفيه من لم أعرفهم، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 293، وأورد نحوه عن ابن عباس: السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 293 والهندي في "الكنز" (36354) والشوكانىِ في "فتح القدير" 2/ 56. وذكر ابن الأثير في "جامع الأصول" (6515) نحوه عن عبد الله بن سلام. وذكر ابن كثير في "تفسيره" بعض رواياته، ثم قال: وليس يصح شيء منها بالكلية، لضعف أسانيدها وجهالة رجالها. انظر "تفسير ابن كثير" 2/ 71، "تفسير الطبري" 6/ 288،"فتح القدير" 2/ 56.
(1) فهم يشترطون في مكان سجود الجبهة أن يكون على الأرض أو على شيء من نبات الأرض. انظر "الروضة البهية" 1/ 66.
(2) الوضوء من أكل لحم الجزور، ورد في الحديث الذي رواه جابر بن سَمُرة، قال:" أمَرَنا رسول الله ي أن نتوضأ من لحوم الإبل، ولا نتوضأ من لحوم الغنم". أخرجه: ابن أبي شيبة "المصنف" 8/ 46 - 47، وأحمد 5/ 102، 105، ومسلم (360)، وابن حبان (1125)، (1127).
كما أخرجه من حديث البراء، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أنصلي في أعطان الإبل؟
قال:"لا". قيل: أنصلي في مرابض الغنم؟ قال: "نعم"، قيل: أنتوضا من لحوم الإبل؟ قال:"نعم"، قيل: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: "لا".
أخرجه: أحمد 4/ 288، وابن ماجه (494)، وأبو داود (184) والترمذي (81)، وابن حبان (1128)، وابن خزيمة في "صحيحه" (32).
فنقض الوضوء بكل لحم الجزور لم يتفرد به الشيعة بل هو قول الإمام أحمد ابن حنبل وأحد قولي الشافعي. انظر "المغني" 1/ 250 وما بعدها.
(3) ينظر رأي الحنفية في رد خبر الواحد إذا ورد موجباً للعمل، فيما تعمُّ به =
(2/140)

كردّهم خبرَنا في مسّ الذكر (1). وقالوا: ما يعمُ به البلوى يكثرُ سؤالهُم عنه، وجوابه - صلى الله عليه وسلم -، فإذا نقله الواحدُ اتُّهِمَ، واقتضى الحالُ أن ينقله العددُ الكثير والجمُّ الغفيرُ. فننقلُ الكلامَ معهم إلى ذلك الأصلِ، ونناقضهم بما عملوا فيهِ بخبرِ الواحد، كالمنعِ من بيعِ رباع (2) مكةَ، وإيجابِ الوتر (3)، والمشي خلفَ الجنازة (4).
الثالثُ: ردُّ أصحابِ مالك فيما خالفَ القياس، كردّهِم خبرَ خيارِ المجلسَ (5).
__________
= البلوى، وما يَستندون إليه من أدلةٍ وحجج في "أصول الجصاص" 3/ 113، و"أصول السرخسي" 1/ 368، و"تيسير التحرير" 3/ 112.
(1) الوضوء من من الذكر ورد في حديث بُسرة بنتِ صفوان، أن النيي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا مَس أحدُكم ذكره، فليتوضأ" أخرجه: مالك في "الموطأ"1/ 42، والشافعي في "المسند" 1/ 34، وأحمد 6/ 406، وأبو داود (181)، والترمذي (83)، والنسائي 1/ 100، 216، والحاكم 1/ 137، والدارقطني 1/ 146، والبيهقي 1/ 129، 130، وابن حبان (1112) و (1113) و (1114).
والحديث إسناده صحيح، صححه غير واحد من الأئمة. أما الحنفية فقد ردوه لتفرد بسرة به عن سائر الصحابة مع حاجتهم إلى معرفته، انظر" أصول السرخسي" 1/ 368.
(2) الرباع: جمع رَبْع، وهو الدار، أو المنزل، وانظر تفصيل المسألة في "المغني" 6/ 364 وما بعدها.
(3) انظر "المغني" 2/ 591 وما بعدها.
(4) انظر المصدر السابق 3/ 397 وما بعدها.
(5) تقدم في الصفحة: 44.
(2/141)

والجوابُ لهم: إفسادُ ذلك الأصلِ بأدلتنا ويناقضونَ فيه بما قالوا به مما يخالفُ القياسَ.
الرابعُ: ردُّ أصحاب أبي حنيفة فيما خالفَ قياسَ الأصولِ، كردهم خبرنا في المصراة (1)، والقرعةِ (2)، وغيرهما.
__________
(1) خبر المصراة رواه أبو هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تُصرّوا الإبلَ والغنم، فمن ابتاعها بعدَ ذلك، فهو بخير النظرين بعد أن يَحلبها، إن رضيَها أمسكها، وان سخطها ردَّها وصاعاً من تمر" أخرجه مالك 2/ 683، وأحمد 2/ 242، والبخاري (2150)، (2151)، ومسلم (1515)، (1524)، وأبو داود (3443)، والترمذي (1251)، (1252)، وابن ماجه (2239)، والنسائي 7/ 253، وابن حبان (4971).
والتصرية: هي أن يجمعَ اللبن في ثدي الإبلِ والغنم، حتى يُوهمَ ذلك أن الحيوان ذو لبن غزير.
ووجَّه الحنفية رد هذا الخبر، بأنه مخالف للأصول من وجوه: أولًا: أنه معارض لقوله صلى الله عليه وسلم:" الخراج بالضمان". ثانياً: أن فيه معارضة لمنع بيع الطعام بالطعام نسيئةً، وذلك لايجوز باتفاق. ثالثاً: أن الأصل في المتلفات إمَّا القيم واما المثل، وإعطاء صاع من تمر في لبن ليس قيمة ولا مثلًا. رابعاً: في ردِّ صاع من تمرٍ بدل اللبن، بيع طعام مجهول بالمكيل المعلوم، لأن اللبن الذي دلس به البائع غير معلوم القدر. قال ابن رشد: "ولكن الواجب أن يستثنى هذا من هذه الأصول لموضع صحة الحديث، وهذا كأنه ليس من هذا الباب، وانما هو حكم خاص" انظر "الهداية في تخريج أحاديث البداية": لأبي الفيض العماري: 7/ 334.
(2) الحديث بمشروعية القرعة رويَ مسنداً من حديث عمران بن حصين، أن رجلًا أعتق ستة مملوكين له عند موته، وليس له مال غيرهم، فأقرع رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، فاعتق اثنين، ورد أربعة في الرِّق. أخرجه أحمد 4/ 438 =
(2/142)

والجوابُ: أنَّ قياسَ الأصولِ هو القياسُ على ما ثبتَ بالأصولِ، وقد بينا الجوابَ عنه، ولأنهم قد ناقضوا فعملوا بخبرِ الواحدِ في نبيذِ التمرِ (1)، وقَهقهة المُصلي (2)، وأكلِ الناسي في الصومِ (3).
والخامسُ: رذُ أصحابِ أبي حنيفة أخبارَنا مما يوجبُ زيادةً في
__________
= و 445، ومسلم (1668)، وأبو داود (3961)، وابن حبان (5075).
وأخرجه مرسلًا من حديث سعيد بن المسيب: أحمد 4/ 445، وعبد الرزاق (16751)، والشافعي 2/ 67، والبيهقي 10/ 286، وابن حبان (5075).
(1) قوله فعملوا بخبر الواحد في نبيذ التمر، يشيرُ بذلك الى قول الحنفية بأن نبيذ التمر لا يسمى خمراً، ولا يقام الحد على من شربَ قليله الذي لا يسكر، وإنما الحد على من سكرَ بالفعل. والخمر المحرم الذي يجب الحد في قليله وكثيره عندهم هو ما كان مصنوعاً من ماء العنب اذا غَلا واشتد وقذف بالزبَد، وما عدا ذلك من الأشربة فإنما يجب الحد على السكر منها، لا على مجرد الشرب.
وقد ساق الحنفية عدة آثار وأخبار في ذلك، الا أنها لا تقوى على معارضة الأخبار التي ساقها جمهور الفقهاء في ذلك. انظر تلك الأثار في "نصب الراية" 4/ 307 - 310، وتفصيل المسألة في "المغني" 12/ 514 وما بعدها.
(2) انظر "نصب الراية" 1/ 47 - 54، و"المغني" 2/ 451.
(3) تقدم تخريجه في الصفحة (114).
وقد أخذ الحنفية بهذا الحديث رغم مخالفته للقياس؛ لأن الصوم يفوت بفوات ركنه، وهو الاحتباس عن الطعام والشراب، ورغم ذلك تركوا هذا الأصل، وأخذوا بحديث الأحاد الوارد في شأن الناسي.
(2/143)

نصِ القرآنِ وأن ذلكَ نسخ، كخبرنا في إيجابِ التغريب (1)، فقالوا: هذا يوجب زيادة في نص القرآنِ، وذلك نسخ، فلا يقبلُ فيه خبرُ الواحد.
والجوابُ: أنَ ذلك ليس بنسخ عندنا؛ لأن النسخَ هو الرفعُ والِإزالة، ونحن لم نرفعْ ما في الآيةِ من الجلدِ، إنما ضممنا وزِدنا إليه التغريبَ، وهو عقوبةٌ أخرى؛ ولأنهم قد ناقضوا في ذلك حيثُ زادوا الوضوءَ بالنبيذِ في آيةِ التيممِ بخبرِ ابنِ مسعود (2).
__________
(1) ورد ذلك في حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، الثيِّب بالثيِّب، جلدُ مائةٍ والرجم، والبكِرُ بالبكرِ جلدُ مائةٍ ونَفيُ سَنة"، وقد تقدم تخريجه في الصفحة: (193) من الجزء الأول، وانظر أيضاً "المغني" 12/ 322 وما بعدها.
(2) عن عبد الله بن مسعود، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له ليلة الجن: "عندك طهور؟ " قال: لا، الا شيءٌ من نَبيذ في إداوة، قال:" تمرة طيبة، وماء طهور". زاد الترمذي: "فتوضأ منه" أخرجه: أبو داود (84)، والترمذي (88)، وابن ماجه (384). قال الترمذي: وانما رويَ هذا الحديث عن أبي زيد عن عبد الله ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأبو زيد رجل مجهول عند أهل الحديث لا تعرف له رواية غير هذا الحديث.
وقد بين الزيلعي في "نصب الراية" علل هذا الحديث التي توجب. ضعفه. انظر "نصب الراية" 1/ 137 - 148.
(2/144)

فصل
في الاعتراض على الإِسناد
وأما الاعتراض على الإسنادِ، فالكلام عليه من وجهين:
أحدهما: المطالبة بإثباتهِ، وهذا إنما يكون في الأخبارِ التي لم تدون في السننِ والصحاحِ، ولم تسمعْ إلا من المخالفينَ، كاستدلالِ الحنفي في صدقةِ البقرِ بأنَ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "في أربعينَ مسنة وفيما زادَ بحسابه" (1)، فلا جواب عن هذا إلا أن يبَينَ إسنادَه، ويحيلَه على كتابٍ موثوقٍ به معتمد عليه.
الثاني: القدح في الإسنادِ، وهو من ثلاثةِ أوجهٍ:
أحدُها: أن يذكرَ الراوي بأمرٍ يوجب ردَّ حديثه، مثلَ الكذبِ أو البدعةِ أو الغفلة.
والثاني: أن يذكر أنه مجهول. وجوابه: أن يبينَ للحديثِ طريقاً آخر فيزيل جهالتَه رواية الثقاتِ عنه، أو بثناءِ أصحابِ الحديث عليه.
__________
(1) عن معاذ بن جبل قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم الى اليمن، فأمره أن يأخذ من كلُّ ثلاْثين بقرة تبيعاً، أو تبيعةً، ومن كلُّ أربعين مسنة، ومن كلُّ حالم ديناراً، أو عدله معافر. أخرجه أبو داو (1576)، والترمذي (623)، وعبد الرزاق (6841)، وابن ماجه (1803)، والحاكم 1/ 398، والبغوي في "شرح السنة" (1517) وأما قوله: "وفيما زاد بحسابه" فلم أقف له على أصل في كتب الحديث التي بين يدي.
وانظر "نصب الراية" 2/ 346 - 353.
(2/145)

والثالث: أن يذكرَ أنَهُ مرسلٌ، وجوابُه: أن يبيِّنَ إسنادَه، أو يقولَ: المرسَلً كالمسند إن كان ممن يعتقدُ ذلك.
وأضاف أصحابُ أبي حنيفة إلى هذا وجوهاً أُخَر:
منها أن يقول: السلف رَدُّوه (1)، كما قالوا في حديثِ القَسامة (2)، أن عمرَو بن شعيب (3) قال: والله ما كان الحديثُ كما حَدثَ سهل (4).
__________
(1) ومما يدخل في هذا عند الحنفية، أن يجري الاختلاف بينَ الصحابة في حكم، ويكون هذا الحكم قد تضمنه أحد الأحاديث المرفوعة إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فيكونُ اختلافهم دليلًا على ضعف الخبر، وعدم صحة نسبته إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولولا ذاك لما اختلفوا، ولسلموا بماكشفَ عنه الخبر.
انظر: "الفصول في الأصول " 3/ 117، و"أصول السرخسي" 1/ 369.
(2) تقدم شرح معنى القسامة في الجزء الأول، الصفحة (106).
(3) عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، من التابعين، روى عن أبيه وعن الربَيع بنت معوذ، توفي سنة (118) ه. "تهذيب الكمال" 22/ 64، "شذرات الذهب" 1/ 155.
(4) هو سَهل بن أبي حَثْمة بن ساعدة الأنصار -رضي الله عنه- راوي حديث القَسامة: أن عبد الله بن سَهل، ومُحَيصةَ بن مسعود أتيا خَيبر في حاجة لهما، فتفرقا، فقتلَ عبدُ الله بن سَهل، فأتى النبى صلى الله عليه وسلم أخوه عبد الرحمن بنُ سهل وابنُ عفه حُوَيصة، فتكلم عبد الرحمن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "الكُبْرَ الكبْرَ"، فتكلما بامر صاحبهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "تستحقون صاحبكم- أو قال: قَتيلكم -بأيمانِ خمسين منكم" قالوا: يا رسول الله، لم نَشهده، كيفَ نحلف عليه؟! قال: "فتبرئُكُم يهود بأيمان خمسين منهم". قالوا: يا رسول الله، قوم كفَّار. قال: فوداه النبي صلى الله عليه وسلم من قِبَلِهِ. قال سهل: فدخلتً مربداً لهم يوماً فركضتني ناقة من تلك الِإبلِ ركضةً. أخرجه مالك 2/ 877 - 878، وأحمد =
(2/146)

وجوابهُ: أنَه إذا كان الراوي ثقةً لم يُرد حديثهُ بإنكارِ غيرهِ؛ لأن المنكرَ ينفي، والراوي يثبتُ، والإِثباتُ مقدَمٌ على النفي، لأن المثبتَ معه زيادة علمٍ.
ومنها: أن يقولَ: الراوي أنكرَ الحديث، كما قالوا في قولهِ صلى الله عليه وسلم: "أيُّما امرأةٍ نُكحتْ بغير إذن وليها، فنكاحُها باطل" (1): إن راويهُ الزُهْري (2)، وقد قال: لا أعرَفه.
فالجواب عنه: أنَ إنكارَ الراوي لا يَقدحُ في الحديثِ؛ لجوازِ أن
__________
= 4/ 142، والبخاري (2702)، و (3173)، و (6142)، و (6143)، ومسلم (1669)، وأبو د اود (4520)، و (4523)، والتومذي (1422)، والنسائي 8/ 8 - 9، والبغوي (2546)، والبيهقي في "السنن" 8/ 118 - 119، وابن حبان (6009).
(1) أخرجه من حديث عاثشة -رضي الله عنها-: أحمد 6/ 47 و 165 - 166، وأبو داود (2083)، والترمذي (1102)، وابن ماجه (1879)، والدارقطني 3/ 221 و 225 - 226، والحاكم 2/ 168، والبغوي في "شرح السنة" (2262)، وابن حبان (4074).
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وقد صح وثبت بروايات الأئمة الأثبات، سماع الرواة بعضهم من بعض، فلا تعلل هذه الروايات بحديث ابن علية، وسؤاله ابن جريج عنه، وقوله: إني سألت الزهري عنه فلم يعرفه، فقد ينسى الحافظ الحديث بعد أن حدث به، وقد فعله غير واحد من حفاظ الحديث.
(2) محمد بن مسلم بن عبيد الله، أبو بكر الزهري المدني الحافظ، من مشاهير التابعين، توفي سنة (124) ه. انظر "تذكرة الحفاظ"1/ 108، "شذرات الذهب" 1/ 162.
(2/147)

يكونَ أنْسِيَهُ، وقد صنفَ الناس فيمن نسيَ ما رواه (1)، فرويَ له عن نفسه، فقال: حدثني فلان عني، حتى قالوا: فصارَ بنسيانِه بينه وبينَ نفسهِ رجلٌ.
ومنها: أن يقولَ: راوي الحديثِ لم يعملْ به، ولو علمَ صحتهَ لم يعدلْ عن العمل به، كما قالوا في حديثِ الغَسلِ من ولوغِ الكلبِ سَبعاً (2): راويه أبو هُريرة، وقد أفتى بثلاث مرات (3).
فالجوابُ: إنَ الراوي يجوز أن يكونَ قد نسي في حالِ الفُتيا أو أخطأ في تأويلهِ، فلا تُتركُ سنةٌ ثابتةٌ، لأجلِ تركهِ لها.
ومنها: أن يقولَ: إنَّ هذه الزيادةَ لم تُنقَل نقلَ الأصلِ كما قالوا في حديث: "فيما سَقَت السماءُ العشرُ، وفيما سقي بنَضح أو غَرْب نصفُ العشر إذا بلغ خمسةَ أوسق" (4)، فقالوا: هذا الحديث رواةَ
__________
(1) منهم الخطيب البغدادي أحمد بن علي بن ثابت، صنف كتاب "من حَدث ونسي".
(2) عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا ولغَ الكلب في إناء أحدكم، فاغسلوه سَبع مرات". أخرجه: مالك 1/ 34، وأحمد 2/ 460، والبخاري (172)، ومسلم (279) (90)، والنسائي 1/ 52، وابن ماجه (364)، والبغوي (288)، والبيهقي 1/ 240، وابن حبان (1294).
(3) أخرج الدارقطني عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة، قال: إذا ولغ الكلبُ في الإناء، فاهرقه ثم اغسله ثلاث مرات.
كما أخرج الدارقطني عن أبي هريرة أنه كان إذا ولغ الكلب في الإناء أهرقه، وغسله ثلاث مرات. "سنن الدارقطني" 1/ 66، وانظر "نصب الراية" 1/ 130 - 132.
(4) الحديث- دون قوله: "إذا بلغ خمسة أوسق"- أخرجه من حديث عبد الله =
(2/148)

جماعةٌ، فلم يذكروا الأوسُقَ، فدل على أنهُ لا أصل لها.
فالجوابُ: أنه يجوزُ أن يكونَ قد ذكرَ هذه الزيادةَ في وقتٍ لم تحضر (1) الجماعة، أو كانَ هو أقربَ إليه، فسمع الزيادةَ دونهم، فلم يجزْ ردُ خبرِ الثقةِ مع هذا التجويزِ والاحتمالِ.

فصل
وأما الكلامُ على المتنِ: فالمتنُ ثلاثةُ أقسام: قولٌ، وفعلٌ، واقرارٌ.
فالقولُ ضربان: مبتدأٌ، وخارجٌ على سببٍ.
فالمبتدأ: كالكتاب، يتوجهُ عليه ما يتوجهُ على الكتاب، وقد قدمنا شرحَه، إلا أنا نذكرُ هَاهنا ما يتوجهُ على المتنِ بأوضحِ أمَثلةٍ، ولربما اتفق فيه زيادة، لم تكن في الكتاب.
واعلم أن الاعتراضَ على المتنِ من ثمانيةِ أوجه:
__________
= ابن عمر: البخاري (1483)، والترمذي (640)، وأبو داو (1596)، والنسائي (5/ 41). وهو من حديث جابر بن عبد الله عند مسلم (981)، وأبي داود (1597)، والنسائي 5/ 42.
أما التقييد بلفظ: "خمسة أوسق" فقد ورد من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة"، أخرجه البخاري (1448)، ومسلم (979)، وأبو داو (1558) و (1559)، والترمذي (626) و (627)، وابن ماجه (1793)، وابن خزيمة (2293) و (2294) و (2295) و (2298).
(1) في الأصل: "يخص"، ولعل المثبت هو الصواب.
(2/149)

أحدُها: أن يستدلَّ بما لا يقولُ به، وذلك من ثلاثةِ أوجه:
منها: أنْ يستدل بحديث، وهو ممن لا يقبلُ مثلَ ذلك الحديث؛ كاستدلالِهم بخبرِ الواحدِ فيما يعم البلوى به، أو فيما خالفه القياسُ، وما أشبه ذلك مما لا يقولون فيه بخبرِ الواحدِ.
فالجوابُ: أن تقول: إن كنت أنا لا أقول به، إلا أنَك تقولُ به، وهو حجةٌ عندك، فيلزمُك العملُ به.
وهذا قد استمرَ عليه أكثرُ الفقهاءِ، وعندي أنَّه لا يحسنُ الاستدلالُ بمثلِ هذا؛ لأنً الدليلَ على المذهب المسؤولِ عنه، إنَما يكونُ بما يعتِقدُه المستدل دليلًا، فإذا استدلَّ بمَا يعتقده غيرُهُ دليلاً وهو يعتقده غيرَ دليلٍ لمْ يَكُن مُسْتَدِلًا، لكنَّ صورتَه صورةُ المستدلِ، ومعناهُ معنى الملتزمِ على مذهبِ غيرِه، والمفسدِ لمذهبِ غيره. وليس هذا من الاستدلالِ في شيء.
ومن نصرَ الأوّل قال: على هذا ليس يحسنُ بنا أن نستدل على نبوةِ نَبينا - صلى الله عليه وسلم -، بما نتلوُه من آي التوراةِ والِإنجيل المغَيرين المُبَدَّلَين، لكن نستدل به على أهل الكتاب اعتماداً على تصديقِهم، لما فيه من الأخبارِ التي يعتقدونهاَ أخباراً لله سبحانه، التي أوحاها إلى موسى وعيسى عليهما السلام.
والثاني: أن يستدلَّ منه بطريقٍ لا يقولُ به، مثل أن يستدلَّ بدليلِ الخطاب وهو لا يقولُ به، كاستدلالِهم في إبطالِ خيارِ المجلسِ، بما روي عنَ النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه نهى عن بيعِ الطعام حتى يُقبضَ" (1) فدل
__________
(1) أخرجه البخاري (2135)، ومسلم (1525) (29)، وأبو داود (3497)، =
(2/150)

على أنه إذا قُبض في المجلسِ جازَ بيعهُ.
فيقالُ لهُ: هذا احتجاج بدليلِ الخطاب، وأنتَ لا تقول بهِ، فيقول في الجواب عن هذا: هذه طريقة لبعضِ أصَحابنا، وأنا ممن أقولُ به.
أو يقولُ: إَن هذا اللفظَ للغايةِ، وأنا أقولُ به فيماَ عُلقَ الحكم فيه على الغايةِ.
والثالثُ: أن لا يقولَ به في الموضعِ الذي وردَ فيه، كاستدلالهِ على أن الحرَّ يقتلُ بالعبدِ، بقوله عليه الصلاة والسلام: "مَن قتلَ عبدَه قَتلنا" (1).
فيقالُ له: القتلُ الذي يتناولُهُ الخبرُ لا نقولُ به، فإنَّه لا خلافَ بيننا أنَه لا يُقتلُ بعبدِه. وقد تكلَف بعضهُم الجوابَ عنه فقال: لما أوجبَ القتلَ على الحر بقتلِ عبده، دل على أنه يُقتلُ بعبدِ (2) غيره أولى. ثم دل الدليلُ على أنه لا يقتلُ بعبدِه، ونفي قتله بعبدِ غيرهِ على ما اقتضاه.

والاعتراضُ الثاني أن نقولَ بموجبه، وذلك على وجهين:
__________
= وابن ماجه (2227)، والترمذي (1291)، والطبراني في "الكبير" (10874).
وابن أبي شيبة 6/ 368، وأحمد 1/ 215، وابن حبان (1847). من حديث ابن عباس-رضي الله عنهما-.
(1) أخرجه أحمد 5/ 11، وأبو داود (4515)، والترمذي (1414)، والنسائي 8/ 20 - 21، والبيهقي 8/ 35، وابن ماجه (2663)، والد ارمي 2/ 191، عن سمرة بن جندب -رضي الله عنه-.
(2) في الأصل: "بعبده"، والمثبت هو الأنسب لاستقامة العبارة.
(2/151)

أحدُهما: أن يحتج المستدل باحدِ الموضعين، فيقول السائلُ بموجبه بالحملِ على الموضعِ الآخر، مثل أن يستدل الشافعيُ في نكاحِ المحرم بقولهِ عليه الصلاة والسلام: "لا يَنكحُ المحِرمُ ولا يُنبكح" (1). فيقولُ الحنفي: النكاحُ في اللغةِ هو الوطءُ، فكأنَّه قال: لا يَطأ المحرِمُ الرجلُ، ولا يُوطىء: لا تُمكنُ المرأةُ المحرمَ مِن وطْئِها.
فالجوابُ من وجهين:
أحدهما: أن يقولَ: النكاحُ في عُرفِ الشرعِ هو: العقدُ، وفي عرفِ اللغةِ هو: الوطءُ، واللفظ إذا كان له عرف في اللغة وعرف في الشرع حُمِلَ على عُرف الشرع، ولا يُحمَلُ على عرفِ اللغةِ إلا بدليل.
والثاني: أن يبينَ من سياقِ الخبرِ وغيرِه، أن المرادَ به ما قاله.
والضربُ الثاني: أن يقولَ بموجبهِ في الموضع الذي احتجَ به، كاستدلالِ أصحابنا في خيارِ المجلس، بقولهِ صلى الله عليه وسلم: "المتبايعانِ بالخيارِ مالم يتفرقا" (2)، فيقول المخالفُ: المتبايعانِ هما المتشاغلان بالبيع قبل الفراغ، وهما عندي هناك بالخيار.
فالجوابُ عنه من وجهين:
__________
(1) أخرجه أحمد 1/ 57، 64، 68، ومالك في "الموطأ" 1/ 348، ومسلم (1409)، والترمذي (840)، وأبو داود (1841)، والنسائي 5/ 192، وابن ماجه (1966)، والبغوي في "شرح السنة" (1980)، وابن حبان (4123).
من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه-.
(2) تقدم تخريجه في الصفحة (44) من هذا الجزء.
(2/152)

أحدهما: أن يبينَ أن اللفظَ في اللغةِ حقيقة فيما ادعاه.
والثاني: أن يبينَ الدليلَ عليه من سياقِ الخبرِ أو غيرهِ، أنَّ المرادَ به ما قاله.

فصل

والاعتراضُ الثالث: أن يدعى الإجمالَ، إمَّا في الشرعِ أو في اللغةِ، فأمَّا في الشرع؛ فمثلُ أن يحتجَ الحنفيُّ في جوازِ الصلاةِ بغيرِ اعتدال، بقوله صلى الله عليه وسلم: "صَلوا خَمْسَكم" (1)، وهذا قد صلى خمسَه.
فيقولُ الشافعي أو الحنبلي: هذا مجمل؛ لأن الأمرَ بالصلاةِ الشرعيةِ هنا، وذلك لا يعلمُ من لفظِ هذا الخبرِ، بل يقتصرُ في معرفتهِ إلى غيره، فلم يحتج به، إلا بدليل يدلُ على أن تلكَ صلاة.
فيجيبُ عن هذا: بأن اللفظَ يقتضي صلاةً في اللغةِ، لأن القرآنَ بلغتِهم، فإذا صلى صلاةً شرعيةً حصل ممتثلًا، فينتقلُ الكلامُ إلى ذلك الأصل، وأن يقولَ الشافعي أو الحنبليُ: بأن إطلاقَ الأمرِ بالصلاةِ، ينطلقُ إلى ما تقررَ في الشرع، ولسنا نعلمُ أن من صلى ولم يعتدلْ أنه قد وفى الصلاةَ الشرعيةَ، ولَا خَرَجَ من عهدةِ الأمرِ بها.
وأما المجملُ في اللغةِ؛ فمثلُ أن يستدل الحنفيُ في تضمينِ
__________
(1) حديث أبي أمامة الباهلي -رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب في حجة الوداع، فقال: "اتقوا الله، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم"، أخرجه: أحمد 5/ 251، والترمذي (616)، وقال: حديث حسن صحيح. والحاكم في "المستدرك" 1/ 9، والبغوي 1/ 23.
(2/153)

الرهنِ بقولهِ عليه الصلاة والسلام: "الرهنُ بما فيهِ" (1). فيقولُ له الشافعيُّ أو الحنبلي: هذا مجملٌ؛ لأنه يفتقرُ إلى تقدير مضمرٍ، فيحتملُ أن يكونَ معناهُ: الرهن مضمون بما فيه، ويحتمل أن يكونَ معناهُ: مبيعاً بما فيه، ويحتمل أن يكونَ المرادُ به: محبوساً بما فيهِ.
فوجبَ التوقفُ فيه إلى أن يرد دليل يرجحه إلى أحدِ محتملاتهِ.
فالطريق في الجواب أن يبينَ أن المرادَ به ما ذكرنا. إمَّا من طريقِ الوضعِ، أو من جهةِ الَدلالةِ، وذلك أن قولَنا: محبوسٌ بما فيه، وهو رهنٌ. كقولهم (2): مضمونٌ بما فيه، وليس برهن.

فصل
في الاعتراضِ الرابعِ، وهو: أن يدعيَ المشاركةَ في الدليلِ.
__________
(1) هذا الحديث روي مسنداً ومرسلاً: أما المسند فرواه الدارقطني في "السنن" 2/ 32، 34 من حديث أنسِ بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الرهن بما فيه" وقد بين الإمام الدارقطني ضعفَ هذا الحديث بل بطلانه؛ لأن في سنده رجالاً لا يؤخذ بحديثهم لضعفهم. انظر "سنن الدارقطني" 3/ 32، 34.
وأما المرسل فرواه أبو داود في "المراسيل" عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "الرهن بما فيه"، قال ابن القطان: "مرسلٌ صحيح"، ومعنى الحديث: أنه إذا هلك الرهن وعميت قيمته، يقال حينئذ للذي رهنه: زعمتَ أن قيمته مائة دينار، أسلمته بعشرين ديناراً، ورضيتَ بالرهن، ويقال للآخر: زعمتَ أن ثمنهُ عشرة دنانير، فقد رضيت به عوضاً من عشرين ديناراً. انظر "نصب الراية" 4/ 422.
(2) في الأصل: "قولهم".
(2/154)

وذلكَ: مثل أنْ يستدل الحنفى في مسألةِ الساجة (1) بقولهِ عليه الصلاةُ والسلام: "لا ضررَ ولا ضرارَ" (2)، وفي نقضِ بناءِ الغاصبِ إضرار به، فوجب أن لا يجوز.
فيقولُ الشافعيُّ أو الحنبليُّ: هو حجةٌ لنا؛ لأنَ في إسقاط حق مالِك السَّاجة من ردَها بعينها، والعدول عنه إلى رد قيمتها، إضراراً بمالِكها المغصوب منه، ولربّما تعددت القيمة، فبقي ذلك حقاً وديناً في ذمَّةِ الغاصبَ، وانتقالُ الحق من عينِ مالِه إلى ذمّةِ غيرِه غايةُ الِإضرارِ. ومَعنا تَرجيح، وهو: أنًّ المتعديَ جلبَ الإضرارَ بتعديه، والمغصوبُ منه بريء من الابتداءِ بالإضرارِ، فكان بنفي الإِضرار عنه أحق.
__________
(1) مسألة الساجة التي يقول بها الحنفية هي: إذا غصَبَ أحدُهم ساجةً أي خشبة، وأدخلها في بنائه، فإن كانت قيمةُ البناء أكثر من قيمة الخشبة، فإنه يملكها، ويعوضُ صاحبُها قيمتَها، وان كانت قيمتها أكثر منِ قيمة البناء لم ينقطع حق المالك عنها. واستدلوا على ذلك بحديث: "لا ضرر ولا ضِرار".
انظر "الأشباه والنظائر" لابن نجيم: 88، و"بدائع الصنائع" 9/ 4417.
(2) حديث حسنٌ بطرقه وشواهده، رواه الإمام مالك مرسلاً في "الموطأ" 2/ 745 ورواه موصولًا من حديث أبي سعيد الخدري، الدارقطني 3/ 77، و 228/ 4، والبيهقي 6/ 69، والحاكم 2/ 57 - 58، وفي الباب عن ابن عباس عند أحمد 1/ 213، وابن ماجه (2341)، والدارقطني 4/ 228.
وعن عبادة بن الصامت عند أحمد 5/ 326 - 327، وابن ماجه (2340).
وعن أبي هريرة عند الدارقطني 4/ 228 وعن عائشة عند الدارقطني 4/ 227، والطبراني في "الأوسط" (270) و (1037).
(2/155)

فيجيبُ الحنفيُّ بما يقررُ نفيَ الإضرارِ معهُ برد القيمةِ.

فصل
في الاعتراضِ الخامِس، باختلافِ الروايةِ.
مثلُ أن يستدل الحنبليُّ أو الشافعيُّ في إباحةِ الجنينِ بذكاةِ أمّه بقولَ النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ذكاةُ الجنينِ ذكاةُ أمه" (1).
فيقولُ الحنفيُّ: قد روي: ذكاةَ بالفتحِ، وروي ذكاةُ أمة بالضم، والفتح يعطي أن تكون ذكاته مثل ذكاة أمه، كقوله سبحانه: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} [آل عمران: 133]، وقال في موضع آخر: {كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الحديد: 21]، وقول الشاعر:
فعيناكِ عيناها وجيدُكِ جيدُها (2)
وإذا تردد بين أن يكون ذكاتُه نفسَ ذكاةِ أمّه، وبين أن يكون مثلَ ذكاة أمِّه، وقف الدليل على الترجيح. وكان ما ذهب إليه أبو حنيفة أشبه؛ لأنَّ الباب بابُ حظرٍ في الأصل، إلى أن يحصل يَقينُ الذكاة، ومما يرجِّح
__________
(1) أخرجه من حديث أبي سعيد الخدري أحمد 3/ 31، 39، 53 وعبد الرزاق (865)، وأبو داود (2727)، والترمذي (1476) وابن ماجه (3199)، والدارقطني 4/ 274، والبيهقي 9/ 335، وابن حبان (5889)، والبغوي (2789)، قال الترمذيْ هذا حديث صحيح، وقد رويَ من غير هذا الوجه عن أبي سعيد، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وغيرهم.
(2) صدر بيت لمجنون ليلى قيس بن الملوح، وعجزه: (ولكن عظمَ الساقِ منكِ دقيق). وهو في ديوانه: 207، و"الكامل" للمبرد: 1038.
(2/156)

هذا، أنَ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الصيد: إ إذا أصابَه السهمُ، ووقع في الماء، فلا تاكله، لعل الماء أعانَ على قَتلِه " (1)، فحكمَ بحظرِ صيدٍ حصلَ العقرُ فيه، لتردّد الأمر في مساعدة التخنق بالماء، فكيف يبيحُ ما وقع العقر في غيره، وقطعنا على تَخَنقِهِ الصرف الذي لم يَشُبْهُ عقر ولا مباشرة باَلة الذكاة؟ بل يكون تَنبيهاً، ويبقى الجنينُ على ما ورد به نص الكتاب من تحريم المُنْخَنِقَةِ.
ومثل استدلال الشافعي أو الحنبلي في تخيير أولياء الدم بين القَوَد والدِّية، بقوله - صلى الله عليه وسلم - في قتيل خُزاعة: "وأنتُم يا خُزاعة، فَقد قَتلتم هذا القَتيل، وأنا واللهِ عاقِلُه، فمن قتل بعد ذلك قَتيلًا، فأهلُه بين خِيَرتَين؛ إن احبوا قَتلوا، وإن أحبّو أخَذوا العَقْلَ" (2) فيقول الحنفي: قد روي:
__________
(1) ورد هذا من حديث عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اذا أرسلتَ كلبك وسميت، فأمسَكَ وقَتَلَ فكُلْ. وإن أكَلَ، فلا تأكل، فإنَّما أمسَكَ على نفسه، وإذا خالط كلاباً لم يُذكر أسم الله عليها، فأمسكن فقتلْنَ، فلا تأكل، فإنك لا تدري أيهما قتل. وإنْ رميتَ الصيدَ فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به الا أثرُ سَهمِك"، فكلْ. وإنْ وقع في الماء، فلا تأكل، فإنكَ لا تدري الماء قتله أم سهمُك"، أخرجه: البخاري (5484)، ومسلم (1929) (6) (7)، وأبو داود (2850)، والترمذي (1469)، والدارقطني 4/ 294.
(2) أخرجه البخاري (112)، و (2434) و (6880)، ومسلم (1355)، وأحمد 2/ 238، وأبو داود (2017) و (4505). وأبو عوانة 4/ 42، وابن حبان (3715)، والطحاوي في "شرح مشكل الأثار" (3145) و (4793)، والبيهقي في"الدلائل" 5/ 84، وفي "السنن" 8/ 52، والدارقطني 3/ 97 - 98، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
(2/157)

"إنْ أحبوا فادوا" (1)، والمفاداةُ مفاعلة، فلا يكون إلا صُلحاً بالتراضي، والخبرُ خبر واحد، فيجب أن يتوقف فيه حتى يعلم أصل الحديث.
فالجواب: أنه قد روي الجميع، والظاهر منهما الصحة، فيصير كالخبرين، فنجمع بينهما، فنقول: يجوز بالتراضي وبغير التراضي، وهم يسقطون العمل بخبرنا، فمن عمل بالروايتين كان أولى.

فصل
والاعتراض السادس بالنسخ؛ وذلك من وجوه:
أحدها: أن ينقل نسخه صريحاً.
والثاني: أن لا يكون صريحاً، لكن ينقل ما ينافيه متأخراً، فيدعي نسخه بذلك المنافي المتأخر عنه.
والثالث: أن ينقل عن الصحابة العمل بخلافه ليدل على نَسخه.
الرابع: أن يدعي نسخه بأنه شرع من قبلنا، وأنه نسخه شرعنا.

فصل
فأمَّا النسخ بالصريح؛ فمثل أن يستدل الشافعي في طهارة جُلود الميتة بالدباغ، بقوله صلى الله عليه وسلم: "أيما إهابٍ دُبِغ فقد طَهُر" (2). فيقول الحنبلي [من] أصحابنا (3): هذا منسوخ بقوله عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن عُكَيْم: "كنتُ رخصتُ لكم في جلودِ الميتة، فإذا أتاكم
__________
(1) أخرجه البيهقي في "السنن" 8/ 53.
(2) تقدم في الصفحة (34) من هذا الجزء،
(3) في الأصل: "لأصحابنا".
(2/158)

كتابي هذا، فلا تنتفعوا من الميتة بإهابٍ ولا عَصب" (1). وهذا صريح نسخ كلُّ خبر ورد في طهارة الجلود بالدباغ.
فيقول الشافعي: هذا عادَ إلى تحريم الِإهاب، وبعد الدباغ لا يُسمى إهاباً، لكن يسمى جلداً أو أديماً.
فيقول أصحابنا: إنما عاد النهي إلى ما كان تَقدم من الِإباحة، فانقلوا عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان أباح اهُبَ الميتات، فلا يجدوا ذلك في نقل صحيح.
لم يبق إلا أنه عاد النهي إلى ما كان مباحاً وسماه إهاباً، استتباعاً للاسم الأول، كما سميت المطلقةُ زوجةً، والمطلق بَعلاً بعد الطلاق استِتباعاً.

فصل
وأمَّا النًسخ بنقلِ المتأخِّر، فمثل: أن يستَدِل الحنبلي أو الظاهري في جَلْدِ الثَّيِّب مع الرَّجمِ بقوله عليه الصلاة والسلام: "خُذُوا عني، قد جَعَلَ الله لَهنَّ سَبيلًا، البِكْرُ بالبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ وتغريبُ عامٍ، والثيبُ بالثَّيِّبِ جلدُ مئةٍ والرَّجمُ" (2).
فيقول له الحنفيُّ أو الشَّافعيُّ: هذا منسوخٌ بما رُوي: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رجَمَ ماعِزاً ولم يَجْلِدْهُ (3)، وهذا منه كان متأخِّراً عن قَوله الذي
__________
(1) تقدم في الصفحة (194) من الجزء الأول.
(2) تقدم في الصفحة (193) من الجزء الأول.
(3) قصة رجم ماعز بن مالك الأسلمي أخرجها أحمد 2/ 286 - 287 و 453،=
(2/159)

تَضَمَّنه خَبَرُكم؛ لأنَ خبرَكُم وَرَدَ أولَ ما شُرِعَ الجلدُ والرجمُ.
فالجوابُ: أنَ قولَهُ في خبرِكم: "ولم يَجْلِدْه"، نفيٌ لا يحيطُ به الراوِي، وعساهُ شاهَدَ الرجمَ خاصَةً، فروى ما شاهدَ، وعساهُم سَبقُوا إلى رجْمِهِ ذُهولاً عن الجَلْدِ، فسقطَ بالسهْوِ عنه.
والذي يوضحُ هذا ما روي: أنَّ علياُّ -كرمَ الله وجهه- جَلَدَ شُراحَةَ الهَمْدانِيةَ يومَ الخميسِ، ورجَمها يومَ الجُمُعَةِ، ثم قال: جلَدْتُها بكتابِ اللهِ، ورجَمْتُها بسنةِ رسولِ اللهِ (1)، فكان هذا من على -كرم الله وجهه-
__________
=والبخاري (5271) و (6815) و (6825) و (6167)، ومسلم (1691) (16)، وابن ماجه (2554)، والترمذي (1428)، والنسائي في "الكبرى" (7177) و (7178)، والبيهقي 8/ 219 من حديث أبي هريرة.
وأخرجها أحمد 3/ 323، والدارمي 2/ 176، والبخاري (5270) و (5272) و (6816) و (6820) و (6826) و (7168)، ومسلم (1691) (16)، وأبو داود (4430)، والترمذي (1429)، والنسائي في "المجتبى" 4/ 62 - 63. من حديث جابر بن عبد الله، وأخرجها أيضاً الطيالسي (2627)، وعبد الرزاق (13344)، وأحمد 1/ 245 و 314 و328، ومسلم (1693)، وأبو داود (4425) و (4426)، والترمذي (1427)، والنسائي في "الكبرى" (7171) و (7172) و (7173)، وأبو يعلى (2580)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" 3/ 143، والطبراني (12304) و (12305) و (12306) من حديث عبد الله ابن عباس.
وهي مروية أيضاً من حديث غيرهم من الصحابة كجابر بن سمرة. وأبي سعيد الخدري، وبريدة بن الحصيب، وعمران بن حصين، ونعيم بن هزال.
(1) أخرجه أحمد 1/ 93 و 107 و 116 و 121 و 140 و141 و 143 و 153، والبخاري (6812)، والنسائي في "الكبرى" (7140) و (7141)، =
(2/160)

رِوايةً وعملًا، وهو إثباتٌ معه روايةٌ، وخَبَرُكم نَفْيٌ معه احتمالٌ، فبقيَ لفظُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في الجَمْعِ بينَ الجلدِ والرجمِ بحالهِ، فلا يُنْسخُ (1) بمحتَمِل فتَردِّدٍ.

فصل
وأما النسخُ بعملِ الصحابةِ بخلافهِ، فمثلُ: استدلالِ الحنفي في مسألة استئناف الفَرِيضةِ في زكاةِ الإِبل بقوله عليه الصلاة والسلام: "فإذا زادَتِ الإِبل على عِشْرِينَ ومئةٍ، استَؤنِفَتِ الفَرِيضةُ في كلِّ خَمْسٍ شاءٌ" (2).
__________
= والطحاوي في "شرح معاني الآثار" 3/ 140، والحاكم 4/ 365. وقال: صحيح، ووافقه الذهبي.
(1) يعني قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتقدم: "خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا .... "الخ.
وانظر: "أصول السرخْسي" 2/ 71 و"التمهيد" للكلوذاني 2/ 378.
(2) وأخرجه إسحاق بن راهوية في "مسنده" كما ذكر الزيلعي في "نصب الراية" 2/ 343، وأبو داود في "مراسيله" (106)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" 4/ 375، وابن حزم في "المحلى" 6/ 33 - 34 من طرق عن حماد بن سلمة قال: قلت لقيس بن سعد: خذلي كتاب محمد بن عمروبن حزم، فاعطاني كتاباً، أخبر أنه أخذه من أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب لجده، فقرأته، فكان فيه ذكر ما يخرج من فرائض الإبل، فقص الحديث إلى أن يبلغ عشرين ومئة، فاذا كانت أكثر من ذلك، فعد في كلُّ خمسين حقة، وما فضل فمنه يعاد إلى أول فريضة من الإبل، وما كان أقل من خمس وعشرين ففيه الغنم، في كلُّ خمس ذود شاة.
وأخرجه موقوفاً الطحاوي في "شرح معاني الآثار" 4/ 377 عن عبد الله بن =
(2/161)

فيقول الحنبلي أو الشافعي: هذا الخبرُ منسوخٌ؛ لأن أبا بكر الصديقَ وعمرَ -رضي الله عنهما- لم يعملا به، وأمْرُ الزكاةِ ظاهرٌ غيرُ خافٍ، فلو عَلِما بقاءَ حُكْمِه لعملا به، لم يَبْقَ إلا أنهما علما نَسْخَه.
فالذي ينبغي أن يجيبَ به: هو أن يتكلمَ على عملِ الصحابة بأنه يجوزُ أن يكون لم يَبْلُغْهما، أو بلغَهما فتأوَّلاهُ كما تأوَّلْتُم (1).

فصل
وأما النسخُ بأنه (2) شرع مَنْ قَبْلنا (3): فمثل: استدلال الحنبلي أو الشافعي في مسألة إحْصَان الرجم، وأنه لا يُعْتبرُ له الإسلام، بما روي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رجمَ يهوديّين زنيا بعد إحصانهما (4).
__________
= مسعود أنه قال في فرائض الإبل: إذا زادت على تسعين، ففيها حقتان إلى عشرين ومئة، فإذا بلغت العشرين ومئة، استقبلت الفريضة بالغنم، في كلُّ خمس شاة، فإذا بلغت خمساً وعشرين، ففرائض الإبل، فإذا كثرت الإبل، ففي كلُّ خمسين حقة.
وأخرجه موقوفاً أيضاً ابن أبي شيبة 3/ 125، والبيهقي 4/ 92 عن علي قال: إذا زادت الإبل على عشرين ومئة، تستأنف الفريضة.
(1) انظر "التمهيد" لأبي الخطاب الكلوذاني 3/ 193.
(2) فى الأصل: "فإنه"، والذي يقتضيه السياق ما أثبتناه.
(3) في الأصل: "قبلها"، وهو تحريف.
(4) قصة رجم اليهودي واليهودية اللذين زنيا أخرجها مالك 2/ 819، وأحمد 1/ 5 و 7 و 17 و 61 - 62 و 63 و 76، 126، والدارمي 2/ 178، والبخاري (3635) و (6841)، ومسلم (1699) (26) و (27)، وأبو داود (4446) و (4449)، وابن ماجه (2556)، والنسائي في "الكبرى" (7334) من حديث =
(2/162)

فيقول الحنفي: إنما رجمهما بحُكمِ التوراةِ، فإنه أمرَ بإحْضارِ التوارة، ثم عمل بذلك، وشرعُنا قد نسخ حكمَ التوراةِ.
فالجواب: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يَثِقُ بنقلِ هذهِ التوراةِ، لما تطرق عليها من التبديلِ والتغيير، وإدخالِ كلامٍ غيرِ كلام اللهِ فيها، وفيها العجائبُ، وكم حوادثَ طَرأَتْ فاستأصلت ما كان منها، فأعادُوا تَسْطِيرَ ما تَلَقَّفُوه من الرِّجالِ، فهذا يمنعُ النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يعملَ بحكمها في الجملةِ، لا شَرْعاً لموسى، ولا شرعاً له مُوافقة لموسى، ومتابعةً بحكم نَقْلِها، لم يَبْقَ إلا أنه عَلِمَ ذلك بطريقِ مِثْلِه، وهو الوَحْيُ المعصومَ عن الزيادةِ والنُقْصانِ، وكيف يجوزُ أن يُظَن بأنه يقيمُ حداً، ويتلفُ نَفْساً بحكم لم يَثْبُتْ أنه شرع الله سبحانه بطريقِهِ الذي يثبتُ الشرع بمِثْلِهِ؟ وهل يجوزُ أن يَفْعَلَ فيهم إلا ما يفعلُه فينا بما شَرَعَ الله له، مع قول الله سبحانه له: {وأَنِ احْكُمْ بَيْنَهم بما أَنّزَلَ الله} [المائدة: 49]؟ وإنما اسْتَدْعا بالتَوْراةِ، ووافَقَهم على كذبِهم حيثُ قالوا: إن عقوبةَ الزَّاني (1) التَّحْمِيمُ (2) لِيُبَيِّنَ كذبهم فيما أخْبَروا به، وفيما كَتَمُوهُ من ذِكْرِهِ صلى الله عليه في التوراة.
__________
=عبد الله بن عمر.
وقد رويت قصة رجمهما أيضاً عن غيره من الصحابة، وفي بعضها: أنهما كانا محصنين. انظر "فتح الباري" للحافظ ابن حجر 12/ 167 - 169.
(1) في الأصل: "الزان".
(2) في" اللسان" (حمم): حمَّم الرجلَ: سَخم وجْهَه بالحُمَم، وهو الفحم، وفي حديث الرجْم: أنه أمر بيهودي مُحَمم مَجْلود، أي مُسْوَدّ الوجه، من الحُمَمَة وهي الفَحْمة.
(2/163)

فصل
وقد ألْحَقَ أصحابُ أبي حنيفة وجهاً آخر، وهو النسخُ بزوالِ العِلَّةِ (1)، وذلك مثل: أن يستدلَّ الشافعي أو الحنبلي في تَخْلِيل الخَمْرِ: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهى أبا طَلْحَة عن تخليلها، وأمرَه بإراقَتِها (2)، فقالوا: كان أوَّلَ ما حُرمَ الخمرُ وألِفُوا شُرْبَها، فنهى عن تَخْليلِها تغليظاً وتشديداً، وقد زالَ ذلك المعنى، فزالَ الحكمُ.
فالجواب عن ذلك: أن نَتَبَيَّنَ أن النَهْيَ كان حُكْمَ اللهِ في الخَمْرِ كإيجاب الحَدِّ والتَّفْسيقِ بشُرْبِها. والتنْجيسِ بها، فدعوى أنه كان لتلك الحالِ تشديداً، وأنه زالَ باعتيادِ الترْكِ، نسخ بغيرِ دليل، بل لمجرَّدِ احتمال، على أنَّ النهيَ منطوق به، والعلةَ منطوق بها، فقوْلُه جواباً لأبي طلحة حيثُ قال له: أفأخَللُها؟ قال: "لا، أهرقْها"، قال: إنها لِأيْتام، قال: "أرَقها"، والله سبحانه عَلَّلَها بقوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ} [المائدة: 91]، وهذانِ النُّطْقانِ لا يجوزُ أن يُسْقطا بمجرَّدِ قولِكم: يجوزُ أن يكونَ حالُ النهي اقْتَضَت
__________
(1) كذا قال المؤلف رحمه الله، والمسطور في كتب أصول الحنفية أنه لا يعد نسخاً، وقالوا: هو من قبيل انتفاء الحكم لانتفاء العلَّة. انظر "التقرير والتجبير" 3/ 71، و"فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت" 2/ 86.
(2) أخرجه أحمد 3/ 119 و 180 و 260، والدارمي 2/ 118، ومسلم (1983)، وأبو داود (3675)، والترمذي (1294) عن أنس بن مالك.
وأخرجه الترمذي (1293) عن أنس، عن أبي طلحة الأنصاري.
(2/164)

الاحْتِدادَ (1)، ثم فَتَرَ النهيُ ونُقِضت الأحكامُ، كما لا يجوزُ ذلك في إيجابِ الحد، والتفسيقِ، وسقوط التغْريمِ على متْلِفِها، ونجاستِها، ويدَعى أن ذلك كان في حالِ احتدادِ النهي، وقرْبِ عَهْدِهم بها.
فالنهي مطلق والأحكام ثابتةٌ، والنسخ ممتنع بعدم النطقِ الصالح للنسخِ، بل قد أبْقَى الشرع أحكاماً على سبيل التعَبُّد بعد زوال عِلَلها، كإبقاء تشريع الرمَلِ (2) والاضْطِباعِ (3)، وإن كانا وُضعا لاظهار الجَلَدِ للمشركين، وقد زال الخوف وبقيا تعبداً خِلْواً من عِلةٍ، وكذلك إبقاءُ القَصْرِ بعد اشتراطِ الخوف، فلما قَالوا له: يا رسولَ الله، ما بالُنا نقصر وقد أمِنَا، والله تعالى يقول: {إنْ (4) خِفْتُم} [النساء: 101] فقال: "صَدَقَةٌ تَصدَّقَ الله بها عليكم" (5)، فكان لأجل الخوف، فلما
__________
(1) أي: الشدة.
(2) الرَمَل، بالتحريكِ: الهَرْوَلَةُ يشير بذلك إلى رَمَلانهِ - صلى الله عليه وسلم - بأصحابهِ ليرُيَ المشركين قوَّتهم.
انظر: "صحيح مسلم بشرح النووي" 9/ 13 و"سنن الترمذي" (857) و"النهاية في غريب الحديث والأثر". (رَمل).
(3) الاضطباع: أن يُدخلَ المُحرمُ الرداءَ من تحت إبْطِهِ الأيمنِ، ويردُّ طَرَفَهُ على يسارِه، ويُبدي مَنْكِبَهُ الأيمَنَ ويُغَطي الأيْسرَ، سمي به لإبداءِ أحد الضبْعَيْن.
وهو العضُدُ أو الإبْطُ. قاله المجد في "القاموس" (ضبع).
وانظر: "مسند أحمد" 1/ 306 و"سنن الترمذي" (859) و"سنن أبي داود" (1883) و"سنن ابن ماجه" (2945).
(4) في الأصل: "وإن".
(5) تقدم تخريجه في الصفحة: 26.
(2/165)

زالت العلَّةُ بَقِيَ مجرَّدَ صدقة.
فإذا كانت الشريعةُ على هذا، لا يجوز أن يُقدَمَ على نسخ النطقِ الصريح بالنهي المطلقِ لأجْل دعوى علَّةٍ ما ثبتت، ودعوى أَنها قد زالت، ودعوى أنها إذا زالت انْتَسخ الحكمُ، والكلُّ لم يَثْبُت، ولا أصْلٌ استقر في الشرعِ، ولا نُسَلِّمه لك.

فصل

والاعتراضُ السابع: التَّأويل، وذلك على ضرْبَين:
تأويل الظاهرِ؛ كاستدلالِ الحنفي في إيجابِ غَسْلِ الثوب من المَنِيِّ بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن كان رَطْباً فاغْسِلِيه، وإن كان يابِساً فَحُكَيه" (1)، فحَمَلَه أصحابُنا وأصحابُ الشافعي على الاستحبابِ بدليلٍ.
ومثل: استدلالهم في الشفْعَةِ بالجِوَارِ بقولِ النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الجارُ أحقُ بصَقَبِه" (2)، فيقول أصحابنا: هو محمولٌ على العَرْضِ عليه
__________
(1) لا يُعرفُ هذا الحديث مرفوعاً من كلام النبى صلى الله عليه وسلم، والمنقول أن عائشة -رضي الله عنها كانت تفعلُ ذلك من غير أن يأمرَها. قالت: كنتُ أفركُ المَنِى من ثَوْب رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إن كان يابسا، وأغسلهُ إذا كان رَطباً.
انظرَ: "نصب الراية" للزيلعي 1/ 209 و"شرح معاني الآثار" 1/ 49 و" سنن الدارقطني" 1/ 125 وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" 1/ 279 عن أم سلمة وقال: رواه الطبراني في"الكبير" وفيه أبو بكبر الهُذليُّ وهو ضَعيف. وانظر "المعجم الصغير" للطبراني 1/ 25.
(2) أخرجه أحمد 6/ 10 و 390، والبخاري (2258) و (6977 - 6981)، وأبو داو (3516) وابن ماجه (2495) و (2498)، والنسائي 7/ 320، وابن حبّان =
(2/166)

استحباباً، والِإحسانِ لجوارِه بدليلِ المسألة، وهي أن الشُّفْعة لا تُسْتَحَق إلا بالشَرِكةِ، فيُجْمَعُ بين هذا وبين قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الشفعةُ فيما لم يُقْسَمْ، فإذا وقعتِ الحدودُ، وصُرِّفت الطرقُ، فلا شُفْعَةَ" (1).

فصل
وأما تخصيصُ العمومِ، مثل: استدلالِ أصحابنا وأصحاب الشافعي في قتل المُرْتَدةِ بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من بَدل دينَه فاقتُلُوه" (2)
__________
= (5180) و (5181) و (5183)، وانظر "أصول السًرَخْسي" 1/ 144.
وقولُه - صلى الله عليه وسلم -: "بصَقبه"، قال البغوفي في "شرح السنة" 8/ 242: والسقَبُ: القُرْبُ بالسين والصاد، يريدُ بما يليه، وبما يقربُ منه، وليس في هذا الحديث ذِكْرُ الشُّفْعةِ، فيحتمل أن يكمنَ المرادُ منه الشفْعةَ، ويحتمل أنه أحقٌ بالبرِّ والمعونةِ.
(1) أخرجه أحمد 3/ 296 و 3172 و 399، والبخاري (2213) و (2214) و (2257) و (ه 249) و (2496) و (6976)، وأبو داود (3514)، وابن ماجه (2499)، والترمذي (1370)، والنسائي 7/ 321، وابن حبان (5184) و (5186) و (5187) من حديث جابر بن عبد الله.
وأخرجه أبو داود (3515)، وابن ماجه (2497)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" 4/ 121، وابن حبان (5185) من حديث أبي هريرة. ورواية أبي داود مختصرة بلفظ: "إذا قسمت الأرض وحدت فلا شفعة".
وقوله صلى الله عليه وسلم: "وصُرفت"، قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" 4/ 436: أي بُنيت مصارفُ الطرقِ وشوارعها، كأنه من التصرف أو من التصريف، وقال ابن مالك: معناه خلصت وبانت، وهو مشتق من الصِّرف بكسر المهملة، الخالص من كل شيء.
(2) تقدم تخريجه في الجزء الأول، الصفحة: (39).
(2/167)

فيخُضُه الحنفي بقولِ النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما بالُها قُتِلتْ وهي لا تُقَاتِلُ" (1)، وبما يذكرُهُ من القياسِ.
فالجواب: أن يُتَكلمَ على الدليل، فيُبْقَى له العمومُ.

فصل

في الاعتراض الثامن: المُعارَضَةُ
وهي ضربان: معارضة بنُطْقٍ، ومعارضةٌ بعِلَّةٍ:
فالمعارضةُ بالنطقِ، مثل؛ أن يستدل الشافعي في جوازِ صلاةٍ لها سبَب في أوْقاتِ النهْيِ بقوله صلى الله عليه وسلم: "من نامَ عن صلاةٍ أو نَسِيَها، فَلْيُصَلها إذا ذَكَرَها" (2)، فيُعارضهُ الحنفى أو الحنبلي بنَهْي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاةِ في هذهِ الأوقاتِ (3)، ويُقدَمُ خبرَه على العموَمِ، لكونه نَهْياً
__________
(1) أخرجه أبو داود (2652)، وابن ماجه (2842)، وانظر "عون المعبود" 7/ 329، و"إيثار الِإنصاف في آثار الخلاف" لسبط ابن الجوزي: 241، و"التمهيد" للكلوذاني 1/ 12، و"شرح الكوكب المنير" 3/ 243، و"شرح مختصر الروضة"2/ 577، و"المستصفى" 2/ 148، و"التمهيد في تخريج الفروع" للإسنوي: 413.
(2) أخرجه البخاري (597) ومسلم (1558) وابن ماجه (696) والترمذي (77 - 178) والنسائي 1/ 236، وانظر "فتح الباري" 2/ 268 و" شرح مختصر الروضة" 2/ 577، و"شرح الكوكب المنير" 1/ 366.
(3) يريد قوله صلى الله عليه وسلم:"لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمسُ، ولا صلاةَ بعد العصرِ حتى تغيبَ الشمس" أخرجه أحمد 3/ 95 والبخاري (586) ومسلم (827) والنسائي 1/ 278 من حديث أبي سعيد الخدريِّ -رضي الله عنه-.=
(2/168)

مخصَصاً لأوقاتٍ، والخاصُ يَقْضِي على العامَ.
فالجوابُ له من وجهَيْن: أحدهما: أن يُسْقِطَ المعارضةَ بما ذكرنا من وجوهِ الاعْتِراضاتِ، والثاني: إن يُرَجحَ دلِيلَه بما يَجِدُ من وجُوهِ التَرْجيحاتِ.

فصل
فأمَّا الخارجُ على سبَبٍ فضرْبانِ -على ما قَدمنا- مستقِل بنفسِهِ دونَ السبب، والكلامُ عليه كالكلام على السنةِ المُبْتَدَأةِ، وزادَ أصحابُ مالك في الاعتراض عليهَ زيادةً على ما يُتَكَلمُ به على المبتدأ، وهو أن قالوا: هذا مقصور على السبب الذي وَرَدَ فيه، وذلك مثل: استدلالنا في إيجاب الترْتيب في الطهارةِ بقوله: "ابدَؤُوا بما بَدَأ الله بهِ" (1)، فقالوا: هذا وَرد في الَسعْيِ بين الصفا والمَرْوَةِ، وأرادَ به
__________
=وانظر "الرسالة": 316 - 330، و"فتح الباري" 2/ 25 و"شرح الكوكب" 5/ 604 و"المستصفى" 2/ 148 و"شرح مختصر الروضة" 2/ 577 و"إحكام الفصول": 666، و"شرح معاني الآثار" 2/ 186.
(1) هذه رواية النسائي 5/ 236، وصححها ابن حزم والنووي كما في "نَيْل الأوطار" 2/ 56 وصححها الأبادي، في "عونِ المعبود" 5/ 367. وأخرجها الدارقطني في "السنن" 2/ 254.
وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط في إسناد هذه الرواية: ورجاله ثقات.
لكنَ هذه الرواية شاذَّةٌ، فإنَ مالكاً وسفيان ويحيى بن سعيد القطَان قد اجتمعوا على رواية: "نبدأ". انظر: "زاد المعاد" 2/ 227 ونقل الشوكاني عن ابن حجر قوله: وهم أحفَظُ من الباقين.
ورواية: "نبدأ" أخرجها مالك في "الموطأ" 1/ 305 وأبو داود (1888) =
(2/169)

ابدؤُوا فِعْلا بما بدأَ الله به قولًا، فوجبَ الترتيبُ حيثُ ورد، وفيما ورد، ولا يُحْمَلُ على غيرِهِ إلا بدَلالَةٍ.
والجواب: أن اللفظَ صالح لِإيجابِ الابتداء بكل ما بدا الله به، وصالحٌ أن يكون معللاً بكونِ الله سبحانه بدأَ به، وفي ذلك معقول، وهو أنه ما بدأ به إلا وهو الأوْلى عندَه سبحانه في الفِعْلِ، فإذا جاء في طَيِّ الأمرِ المطلق، اقتضى ما اقتضاهُ الأمرُ المطلق، فلا يُتْرَكُ عمومُ الففْظ لخصوصِ السبب، وسيأتي الكلام عليه في مسائل الخلاف إن شاء الله.

فصل
الثاني: مالا يَستقل بنفسه دونَ السبب، فالذي يخصُّه من الاعتراضِ دعوى الإجْمالِ، وذلك مثل: أن يستدل الشافعي أو الحنبلي في مسألة مُدِّ عَجْوَةٍ بما روي: أن رجلًا أتى النبى - صلى الله عليه وسلم -، ومعه قِلادَة وفيها خَرَز وذَهَبٌ، فقال: إنى ابتَعْتُ هذا بسبعةِ دنانيرَ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا حتى تُمَيِّزَ" (1).
فيقول الحنفي: هذا مُجْمَل؛ لأنه قضية في عَيْنٍ، فيُحْتَمَلُ أن
__________
=والترمذي (862) واُبن ماجه (3074) من حديث جابر بن عبد الله. وانظر: "المسوَّدة": 130 و "اللمع في أصول الفقه": 38 و"التبصرة": 144 و"شرح مختصر الروضة" 2/ 501 و"أصول السرَخْسي"1/ 200.
(1) أخرجه مسلم (4051)، وأبو داود (3351)، والترمذي (1255)، والنسائي 7/ 279 من حديث فَضالةَ بن عُبَيْد. وانظر "شرح النووي على مسلم" 11/ 20، و"عون المعبود" 9/ 200.
(2/170)

يكون الثمن مثلَ الذَّهب الذي فى القِلادة، فنهاه لذلك، ويحتمل أن يكون أكثرَ، فنهاه لأجلِ الزيادة، لا لأجْل اجتماعِ الذهب وغيْرِه، فوجبَ التوقفُ حتى يُعْلَمَ.
فالجواب عنه: أن هذا زيادةٌ في السبَب المنقولِ، والحكمُ إذا نُقِلَ مع سببه لم تَجُزِ الزيادةُ عليها إلا بدَلالَةٍ والسبب كون الذَهب مع الخَرَزِ، والذهبُ بالذهب، والحكمُ هو النهي، فما ادعَيْتَه زيادةٌ لم تُنْقَلْ، على أن الظاهرَ أن عاقلًا لا يبيعُ ذهباً بذهبٍ مثلِهِ، أو ذهبُه أكثرُ من الذهبِ الذي باعَهُ به ومعه زيادة خرزٍ، فليس هذا البيعَ المعتادَ، بل الظاهرُ أن الذهبَ الذي في القلادةِ أقَل.
ولأنه لو كان المَنْعُ لِمَا ذكرتم لنُقل، ولا يجوزُ أن يُنقلَ مالا يَتعلَّقُ الحكمُ به، ويُسْكَتَ عما تعلقَ به الحكم، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يَسْتَفْصِلْ، ولو كان لِمَا ذكرتم لكان موضِعُ الاستفصالِ إن لم يَعْلَم كيفيَّةَ الحالِ، ومكانُ البيانِ للعلَّةِ إن كان عَلِمَ، ليُجتنبَ أمثالُ ذلك من البيوعِ.

فصل
وأما الفعلُ فيَتَوَجَّهُ (1) عليه ما يتوجه على القولِ من الاعتراضِ، فالأول: أن يبين أن المُسْتدِل لا يقولُ به، وذلك مثل: أن يستدل الحنفي في قتل المسلم بالكافر بأن النبي صلى الله عليه وسلم قَتَلَ مسلماً بكافر، وقال: "أنا أحَقُّ مَنْ وَفَى بذِمتِهِ" (2).
__________
(1) في الأصل: "فيوجه".
(2) أخرجه الدارقطني، وقال: لم يسنِده غير إبراهيم بن أبي يحيى، وهو متروكُ =
(2/171)

فيقول له الحنبلي أو الشافعي: هذا لا نَقُولُ به، فإن الذي قَتَلَه به كان مُسْتأمِناً، لأنه كان رسولًا، ولا يُقْتل المسلمُ بالرسولِ عندَ أبي حنيفة.
وقد تكلفَ بعضُ أصحابِ أبي حنيفة الجوابَ عن ذلك، فقال: لما قَتَل المسلمَ بالرسولِ، كان ذلك دالاً على قتلِ المسلم بالذِّمِّيِّ من طريق الأوْلى، فنُسِخَ قَتْلُ المسلمِ بالرسولِ، وبقي الذميُّ على مُقْتَضَاهُ الأولَ.

فصل

الاعتراضُ الثاني: المنازعةُ في مُقْتَضاه، وهذا النوع يتوَجه على الفعلِ من طريقين: أحدهما: أن يُنازِعَه فيما (1) فَعَلَ، والثاني: أنْ ينازِعَه في مُقْتَضَى الفعلِ.
فأمَّا الأولُ: فمثل: أن يستدل الشافعي في تَكْرارِ مسح الرأسِ بما رُوي: أن النبى - صلى الله عليه وسلم - تَوَضأ ثلائاً ثلاثاً، وقال: "هذا وُضوئى، ووضُوءُ
__________
=الحديثِ. ورُوي مرسلاً من طريق عبد الرحمن بن البيلماني، وعن عبد الله ابن عبد العزيز الحضرمي، أخرجهما أبو داود في مراسيله. وقد أوفى الحافظ الزيلعى على الغاية في الكلام على هذا الحديث فانظر "نصب الراية" 335/ 4. و"شرح معاني الآثار" 3/ 192 و"إيثار الإنصاف" لسبط ابن الجوزي: 397 و"سبل السلام" 3/ 458 و "نَيْل الأوطار" 7/ 9 و"الاختيار لتعليل المختار" 5/ 27 و"اختلاف الحديث" للشافعي بحاشية "مختصر المزني": 564 و"شرح الكوكب المنير"3/ 263.
(1) في الأصل: "فما".
(2/172)

الأنبياءِ قَبْلي، ووضُوءُ خليلِي إبراهيمَ" (1).
فيقولُ (2) الحنفي: قوله: "توضأ ثلاثاً" معناه غَسَلَ، لأن الوُضوءَ في اللغة هو النظافةُ وما تحصل به الوَضَاءَةُ، وذلك إنما يحصل بالغَسْل دونَ المسْح.
فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن يُبَينَ أن الوضوءَ في عُرْفِ الشرع هو الغَسْل والمَسْحُ جميعاً، وفي اللغة عبارة عن الغَسْل، فوجب أن يُحمل على عرف الشرع، والثاني: أن يُبينَ بالدليلِ من جهة السياقِ أو غيرِه أن المرادَ به الغسلُ والمسح، مثل: أن يقولَ الشافعي: لما كان قولُه في الأولى: "توضأ مرة مرة" رجع إلى مسح الرأس مع غسل الأعضاء وجب أن يكون قولُه: "ثم توضا مرتَيْنِ مَرتينِ" راجعاً إلى جميعِ الأعضاء دون أن يخرجَ الرأسُ من الثانيةِ والثالثةِ، وقد انتَظَمَها الخبرُ.
الطريقُ (3) الثاني: أن يُسَلمَ ما فعلَه عليه الصلاةُ والسلام، لكِنه ينازعُه
__________
(1) أخرجه ابن ماجه (419) والبيهقي، في "السنن الصغرى" 1/ 53 وفي "السنن الكبرى" 1/ 80 من طريق ابن عمر، وفي إسناده عبد الرحيم بن زيد العَمِّيِّ عن أبيه. قال البوصيري في "الزوائد" 1/: في الإسناد، زيدٌ العَميُ وهو ضعيف. وعبد الرحيم متروك، بل كذاب. وانظر "نصب الراية" 1/ 28، و"الاختبار لتعليل المختار" 1/ 7 و"الكافي" لابن قدامة 1/ 65 و"المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين" لأبي يعلى 1/ 73 و"نيل الأوطار" 1/ 159.
(2) في الأصل: "فَقول".
(3) في الأصل: "فالطريق".
(2/173)

في مُقْتضَى فعلِه، وذلك مثل: أن يستدلَّ الشافعي أو الحنبلي في الاعتدالِ في الرُّكوعِ والسجودِ بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فَعَلَ ذلك، فيقولُ المُخالِفُ: فِعْلُه لا يَقْتَضِي الوجوبَ (1).
والجواب عنه من ثلاثَة أوْجُه: أحدها: أن يقولَ: فِعْلُه عندِي يَقْتَضِي الوجوبَ، وان لم تُسَلِّمْ، دللْتُ عليه، والثاني: أن يقولَ: هذا بيان لمُجملٍ واجبٍ في القرآنِ، وبيانُ الواجب واجبٌ، والثالث: أن يقول: قد اقْتَرَنَ به أمْر، وهو قولُه عليه السلامَ: "صَلوا كما رَأيْتُمُوني أصَلِّي (2). والأمرُ يَقْتضِي الوجوبَ.

فصل

الاعتراضُ الثالث: دعوى الإجمالِ، وهو مثل: أن يستدلَّ الشافعي في طَهارَةِ المَنِيِّ بأن عائشةَ أمَ المؤمنين رضي الله عنها قالت: كنت أفْرُكُ المنيَّ من ثَوْب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يُصلِّي" (3)، ولو كان نَجِساً لقَطَعَ الصلاةَ.
فيقول الحنفي: هذا مُجْمل لأنه قَضِية في عَيْن، فيحتمل أنه كان قليلًا، ويحتمل أنه كان كثيراً، فوجبَ التوَقُّفُ فيه.
__________
(1) انطْر في هذه المسألة: "أصول السرخسي" 2/ 87 و"المسوَّدة": 76 و"إرشاد الفحول": 74 و"إحكام الفصول": 223 و"شرح تنقيح الفصول": 288 و"التمهيد" للكلوذاني 2/ 316.
(2) أخرجه أحمد 5/ 53 والبخاري (631) والدارمي (1253) من حديث مالك ابن الحويرث.
(3) تقدم تخريجه في الصفحة: 166. أخرجه ابن خزيمة (290) بنحو اللفظ المذكور
(2/174)

فالجواب: أن يبينَ بالدليل أنه كان كثيراً، لأن عائشةَ احْتَجَّتْ بهذا الخبرِ على طَهارَتِهِ، ؤلَا يجوزُ أن تَحْتَج بما يُعْفَى عنه مع نجاسَتِه، ولأنها أخْبَرَت عن دوام الفعل وتَكَررِه، وَيبْعُدُ أن يستويَ حالهُ في القِلةِ مع تكررِه.

فصل

والاعتراضُ الرابع: المُشارَكةُ في الدليلِ، مثل: أن يستدل الحنفي في جوازِ تَرْكِ قِسْمةِ الأراضي المَغْنُومَةِ بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - تَرَكَ قِسْمَةَ بعضَ خَيْبَرَ (1).
فيقول الشافعي أو الحنبلي: هذا حُجة، لأنه قَسَمَ بعضَه، وفعلُه يقتضي الوجوبَ، وأما تَرْكُه لِماْ تركَ فيُتأوَّلُ على وَجْهٍ من وجوهِ العُذْرِ، إمَّا لنوائبه أو مهمات الأسلام.
فيجيب الحنفي بأن يَتَأوَّلَ القسْمَ ليَجْمَعَ بينَه ويينَ التَرْكِ، ويقولُ: لستُ أوجِبُ القِسْمَةَ، وفعلُه وتركهُ بيانٌ لجوازِهما، وأصْرفُه عن الوجوب بدليلٍ.

فصل

والاعتراضُ الخامس: اختلافُ الروايةِ، وذلك مثل: أن يستدل الحنفي في جوازِ نكاح المُحْرِمِ بأن النبى - صلى الله عليه وسلم - تَزوجَ مَيْمُونَةَ وهو
__________
(1) انظر "سنن أبي داود" (3393) و "الكافي" لابن قدامة 4/ 160 و"الأموال" لأبي عبيد: 581 و"الموطأ" 2/ 540 و"الاستخراج" لابن رجب: 228 و"أصول السرخسي" 2/ 8.
(2/175)

مُحرِم (1).
فيقول الشافعيُّ أو الحنبليُّ: رُوي أنه تزوجها وهما حَلالانِ (2). والجواب عنه من وجهين (3): أحدهما: أن يَجمعَ بين الروايتيْنِ إن أمْكَنَهُ.
والثاني: أن يُرَجحَ روايتَهُ على روايةِ المخالفِ.

فصل

والاعتراض السادس: دعوى النسخِ، وذلك مثل: أن يستدل الحنفي في سجود السهْوِ بأن النبى - صلى الله عليه وسلم - سَجَدَ بعدَ السلامِ. فيقول الشافعي: هذا منسوخ بما روى الزهْرِيُّ قال: كان آخِرَ الأمْرَيْنِ من رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - السجودُ قبل السلامِ (4).
__________
(1) حديث زواجه - صلى الله عليه وسلم - ميمونةَ وهو مُحرم، أخرجه البخاري (5114) ومسلم (1410) وأبو داود (1827) والترمذي (842) والنسائي 5/ 191 من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-. وقال ابن القيم في "زاد المعاد" 3/ 372: وأما قول ابن عباس- يعني حديثه هذا - فمما استُدرك عليه، وعُد من وَهْمه.
وانظر "فتح الباري"10/ 207 و"نيل الأوطار" 5/ 13 و"شرح معاني الآثار" 2/ 268، و"التمهيد" للكلوذاني 3/ 206.
(2) انظر "سنن أبي داود" (1826) و"صحيح مسلم بشرح النووي" 9/ 200 و"مسند أحمد" 6/ 333.
(3) انظر "أصول السرخسي" 2/ 21.
(4) "السنن الصغرى" للبيهقي 1/ 316. وانظر هذه المسألة في "زاد المعاد" 1/ 286 و"سبل السلام"1/ 389. و"بداية المجتهد" 1/ 270
(2/176)

فالجواب للحنفي أن يقولَ: أنا أجْمَعُ بينهما بالتأويلِ، أو (1) يتكلمَ على النسخِ بما يُسْقِطُه (2).

فصل

الاعتراض السابع: التأويل، وهو مثل: أن يستدل الحنفي بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوجَ ميمونة وهو مُحرمٌ.
فيتأولُه الحنبلي أو الشافعيُّ، فيقول: معناه أنه مُحْرِم بالحَرَمَ لا بالإِحْرام (3)، مثل قولهم لمن كان بتِهامَةَ: مُتْهِمٌ، ومن كان بنَجْد: مُنْجِدٌ، وأَنشدُوا في عثمان رضي الله عنه حيثُ كان بحَرَمِ المدينةِ:
قتلُوا ابنَ عفانَ الخليفَةَ مُحْرِماً ... وَدَعا، فلم يُرَ مثلُه مَخْذُولًا (4)
وَيحْمِلُه على ذلِكَ بالدليل.
فالجواب: أن يَتكلَّمَ على الدليلِ الذي صَرَفَه به عن ظاهِرِه ليُسقِطَه، ويَبْقى له الظاهرُ.

فصل

والاعتراضُ الثامن المعارضة، وذلك يكون بظاهرٍ، وقد يكون بعلةٍ.
__________
(1) في الأصل: "أَن".
(2) وقد أطال الطحاويُّ النَّفَس في مناقشة هذه المسألة في "شرح معاني الآثار" 1/ 440 وانظر "نصب الراية" 2/ 170 والاعتبار في "الناسخ والمنسوخ من الآثار" للحازمي: 115.
(3) انظر "زاد المعاد" 3/ 374، و"غريب الحديث" للخطابي 1/ 323.
(4) من كلمة نفيسةٍ للراعي النميري في "ديوانه": 231.
(2/177)

فالظاهر: مثل أن يستدل الشافعي في رفع اليد بما روى أبو حميد الساعدي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع يديه حذو منكبيه (1). فيعارضه الحنفيُّ بما روى وائل بن حجر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع يديه حيال أذنيه (2).
والجواب أن يتكلم على المعارضة بما ذكر من وجوه الاعتراضات (3)، أو يرجح دليله على ما عورض به بما نذكره في فصل الترجيحات إن شاء الله. وإن كانت المعارضة بالعلة، فالجواب عنه أن يتكلم عليها بما يتكلم على العلل.

فصل
وأما الإقرار فضربان على ما قدمنا (4): إقرار على قول، وهو كقوله عليه السلام في الاعتراض والجواب، واقرار على فعل. فهو كفعله - صلى الله عليه وسلم - في الاعتراض والجواب على ما قدمنا.

فصل
الاعتراض على الاستدلال بالإجماع، وهو من أربعة أوجه:
أولها: من جهة الرد، وهو من ثلاثة أوجه: أحدها رد الرافضة (5)،
__________
(1) أخرجه البخاري (735، 736، 738) ومسلم "بشرح النووي" 4/ 315 وابن ماجه (862).
(2) أخرجه النسائي 2/ 122 وابن ماجه (867).
(3) انظر "شرح الكوكب المنير" 4/ 628 - 633.
(4) انظر: الصافحة (24).
(5) انظر "المسوَّدة": 315 و"التمهيد" 3/ 224 و"شرح الكوكب المنير"2/ 213 و"شرح مختصر الروضة" 3/ 14 و"شرح تنقيح الفصول": 324 و"التبصرة في =
(2/178)

فإن عندهم أنه ليس بحجة في شيء من الأحكام، فالجوابُ أن يقال: هذا أصل من أصول الدين، فإذا لم تُسلموا دللناَ عليه بما سنذكره في مسائل الخلاف من هذا الكتاب إن شاء الله (1).
على أنه إن لم يكن حجة عندهم، ففيه حجة، وهو قولُ الإمام المعصوم عندهم، فوجب الأخذ بِه.

فصل
في الثاني منَ الرَّد:
وهو رد أهلِ الظاهرِ لإِجماع غير الصحابة (2).
فالجوابُ: أن ذلك أصل لنا، وندل عليه بما يأتي في مسائل الخلافِ إن شاء الله (1).
__________
= أصول الفقه": 349 و"إرشاد الفحول": 132 و"أصول السرخسي" 1/ 295 و"فواتح الرحموت" 2/ 211.
قلتُ: قال ابن النجار في "شرح الكوكب" 2/ 213: وروي- أي إنكار الإجماع -عن الإمام أحمد- رضى الله عنه-، وحُمِل على الوَرعَ، أو على غير عالمٍ بالخلافِ، أو على تعذرِ معرفة الكُل، أو على العام الَنطقي، أو على بُعْدِه، أو على غيرِ الصحابة لحصرهم وانتشار غيرِهم. وانظر "المسوَّدة": 315 - 316.
(1) في الجزء الأخير في الكتاب الصفحة 101 وما بعدها.
(2) انظر: "النبذة الكافية في أحكام أصول الدين" لابن حَزْم: 18 و"مراتب الإجماع له": 11 و"المستصفى" 1/ 189 و"الإحكام في أصول الأحكام" لابن حزم.
(2/179)

فصل
في الثالث من وجوه الرَّد:
رَدُ أهل الظاهر لما ظهر فيه قولُ بعضِهم وسكت الباقون، فإنَّ عندهم أن ذلك ليس بحجة (1).
فالجواب أن يقال: إن ذلك حجةٌ، فإن لم يُسَلِّموا نقلنا الكلام إليه لما سيأتي في الخلاف إن شاء الله (2).

فصل
الاعتراض الثاني بعد قبول الإجماع
المطالبة بتصحيحِ الِإجماع، وذلك: مثل أن يستدل الحنبلي أو الشافعي في تغليظ الدية بالحرم بأن عمر وعثمان وابن عباس رضي الله عنهم غلظوا بالحرم.
فيقول الحنفي: هذا قولُ نَفَرٍ من الصحابة وليس بإجماع (3).
فالجواب: أن يُبَينَ ظهورَ الِإجماع بأن يقول: شأنُ القتلِ مما يشيع وينتشر ويُتَحَدثُ به وُينْقَلُ القضاء فيه لا سيما في قضية عثمان رضي الله عنه، فإنه قضى في امرأة قتلت في زحام الطواف بتغليظ الدِّية والطواف يَحضُرهُ الناس من الأفاق، ولم يخالفه أحد، فالظاهر أنَّه إجماع.
__________
(1) انظر "النبذة الكافية": 22، و"المستصفى"1/ 191.
(2) في الجزء الأخير من الكتاب الصفحة 190.
(3) انظر "بداية المجتهد" 4/ 279.
(2/180)

فصل
والاعتراض الثالث
أن ينقل الخلاف عن بعضهم، مثل: أن يستدل الحنفيُّ في توريثِ المبتوتة بأن عثمان رضي، الله عنه ورَّث تُماضرَ بنت الأصبغ الكلبية من عبد الرحمن بن عوف بعدما بت طلاقها.
فيقول الشافعيُّ: روي عن ابن الزبير أنه خالف، فقال: ورثَ عثمانُ تماضر، أما أنا فلا أرى توريث المبتوتة (1).
فالجواب: أن يتكلم على قولِ ابن الزبير بما يسقطه، فيسلم له الإجماع.

فصل
الاعتر اض الرابع
أن يتكلم عليه بما يتكلم على متن السُّنة وقد بينَاه.

فصول
الاعتراض على قول الواحد من الصحابة
اعلم أن الاعتراض عليه من ثلاثة أوجه:
أحدها: الرد، وأنَّهُ ليس بحجة، فيدل المستدلُّ به على ذلك
__________
(1) انظر "إيثار الإنصاف": 179، و"السنن الصغرى" 3/ 126 و "الموطأ": 448.
(2/181)

الأصل، وأنه حُجة بما يأتي ذكره في مسائل الخلاف إن شاء الله (1).

والثاني: أن يعارض قول الصحابي بنص كتاب أو سنةٍ.
فجواب المعارضة: الكلامُ عليهما بما يتكلم على الكتاب والسنة المستدل بهما ابتداءً بما بينا.

فصل

الاعتراض الثالث: أن ينقلَ الخلافَ عن غيرِهِ من الصحابةِ، فتصيرَ المسألةُ خلافاً بين الصحابةِ، فيقفَ دليلُه.
والجوابُ عن ذلك: أن يتكلمَ على ما ذَكَر من قَوْلِ غيرِهِ بما يُسْقِطُهُ، إمَّا بتأويل يجمعُ به بين القَوْلينِ، أو ترجيح لقولِ من استدل به، فيسلم له قَوْلُ من استدل بقولِه من الصحابةِ. والترجيحُ: ان يذكر أنَ المُستدِل بقولهِ كان أعرفَ وأقْرَبَ إلى النبى - صلى الله عليه وسلم -، أوْ أخص به، أو بكوْنهِ من الخُلفاءِ. وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "عليكم بسُنَتي وسُنةِ الخُلفاءِ الراشدين من بَعدِي" (2)، أو يكون استدلالهُ بقَوْلِ الأخصِّ منهم كأبي بكر وعمرَ، فيقول: إن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمر بالاقتداءِ بهما، فقال: "اقتدوا باللذَيْنِ مِن بعدي: أبي بكرٍ وعمر" (3).
__________
(1) انظر الجزء الأخير من الكتاب الصفحة 199.
(2) تقدم تخريجه في الصفحة 280 من الجزء الأول.
(3) أخرجه الترمذي (3663) وأحمد 5/ 399 وابن ماجه (97) وابن حبان (6902) من طريق حذيفة بن اليمان.
(2/182)

فصول
الكلام على فحوى الخطاب (1)
اعلم أن الاعتراضَ عليه من وجوه:
أحدّها: المطالبة بتصحيحِ المعنى الذي يقتضي تأكيدَ الفَرْعِ على الأصل، وذلك مِثْل: أن يقولَ الشافعيُّ في إيجاب الكفَارةِ في قَتْلِ العَمْدِ: إنَما وجبتِ الكفَارة لتغطيةِ المأثَمِ أو رَفْعِهِ؛ فإذا وجبت في قَتْلِ الخطأ ولا إثْمَ فيه، فافي العَمْدِ أولى (2).
فيقول الحنفيُّ أو الحنبليُّ (3): لا أسلمُ أنَ الكفارةَ وُضِعَتْ لِرَفْعِ المأثَم، وما ذكَرْتَة مِن قَتْلِ الخطأ، فهو الدالُّ على خلافِ ما ادعَيْتَ؛ لأنَ قَتْلَ الخطأ لا مأثَمَ فيه، فكيف تستدل على أنها وضِعَت لِرَفْعِ المأْثَم؛ والأَصْلُ [الذي] به نَبَّهتَ ما وَجَبتْ فيه لمأْثَمٍ، على أَنَّها لو وَجَبَتْ فيما لم يتمحَّضْ مَأْثَمةً مُطبقةً لنوعِ تكفيرٍ أو تطهير، فمن أين لنا أنها تُقاومُ جُرماً كبيراً ومأْثماً مَحْضاً؛
__________
(1) انظر "التمهيد" للكلوذاني 2/ 189 و"إحكام الفصول": 439 و"شرح تنقيح الفصول": 54.
(2) انظر: "الأم" 6/ 9 و"شرح النووي على مسلم" 11/ 177 و"نَيْل الأوطار" 7/ 7.
(3) انظر "إيثار الإِنصاف": 405 و"تفسير القرطبي" 5/ 331.
(2/183)

فيقولُ الشافعيُّ: الدلالةُ على أنها وُضِعَت لذلك تَسْمِيَتُها بكفارة، وقولُه صلى الله عليه وسلم في عِتْقِ الرقبةِ في عمْدِ الخطأ: "أعتقوا عنه رَقَبَةً، يَعْتِقِ الله بكل عُضْوٍ منها عضْواً منه من النارِ" (1) وإذا لُحِظَ وَضعها وأنها مُتَتَبعٌ بإيجابِها مواضعَ الجرائم والهُتوكِ، فلا تتعدّى قَتْلًا، أو هَتْكَ صيام أو إحرام، أو قَتْلَ صَيْدٍ، أو ارتكابَ محظورٍ في الحج، أو هَتْكَ حُرْمةِ اسمٍ أقسِمَ به، عُلِمَ بذلك أنها وُضعت مُكَفِّرة للذنوب، وشذَّ قَتْلُ الخطأ من بين هذه الجرائمِ فوجَبَتْ فيه، لأنه صورةُ جريمةٍ، لأنه قَتلُ نَفْسٍ بغَيْرِ حقٍّ، وغالبُ الحالِ فيه: أنه لا يخلو من تَفْريطٍ في الاحتياطِ والتأمُّلِ، وإن لم يكن، فهو نادر من الجِنْسِ، فألْحِقَ بالغالبِ كما أُلحِقَ المتودع (2) في سَفَرهِ في استباحةِ الرخص بالغالب من المسافرين في أرباب المشاقِّ، وكالآيسةِ في العِدةِ والطِّفلَةِ ألحقاَ بمَنْ يُتَصَوَرُ في حقَهن شَغْلُ الرحِمِ بإيجابِ العِدَّةِ والاستبراءِ.

فصل

في الاعتراض الثاني
أن يقولَ بموجب التأكيدِ، مِثْلَ أن يقولَ: لما كان القَتْلُ العَمْدُ آكدَ، غُلِّظَ فيه بإيجابِ القَوَدِ.
فيقول الشافعي: القَوَدُ لحَق الآدميَ، ولذلك يسقطُ بعَفْوِهِ، ويؤخَذُ فيه المالُ بصُلْحِهِ، وينحط عن رُتبةِ العقوبةِ بذلك إلى رُتبةِ المُعاوضةِ وأحكامِ الأموالِ، وذلك لا يقضي حق الله سبحانه من القَتْلِ، كما
__________
(1) أخرجه أحمد 3/ 490، 491، وأبو داود (3964) من حديث واثلة بن الأسقع.
(2) أي: المسافر في دَعَةٍ دون مشقة.
(2/184)

لم يَقْضِ في شِبْهِ العَمْدِ والقَتْلِ في الحَرَم تَغْليظ الدِّيةِ عن إيجاب الكفارةِ، فكما لم يَنُب إيجابُ القيمةِ من الصَيدِ المملوكِ عن الجزاءِ، ولا وجوبُ المَهْرِ في الوطْءِ بشُبْهةٍ في نهارِ رمضان عن كفَّارةِ الصوْم، بل حق اللهِ تعالى إذا تغاير لم يسقُط بالتغليظِ بغيرِهِ، كإيجاب الحَدِّ على الزاني في نهارِ رمضان لا يُسقط عنه كفارة الصيام، فأوْلىَ أن لا يُسقطَ تغليظُ حق الآدميِّ هُنا حقَّ الله تعالى.

فصل

والاعتراضُ الثالث: الإِبْطالُ، وهو أن يُبْطِلَ هذا بالردَةِ، فإنَّها أعظمُ في المأثم من قَتْلِ الخطأ: ثم لم تجبْ في الرِّدَةِ مع وجوبها في قَتْلِ الخطأ، فقد بأن أنَها قد تَجِبُ في الأَدْوَن ولا تَجِبُ في الأغْلَظِ.
فالجوابُ للشافعيِّ أن يقول: إن الردَةَ مُحْبطَة للأعمالِ عند كافةِ العلماءِ، فكيفَ كفرُ أعمالُ الخير وهي لا تَقَعُ معها إلَّا مُنْحَبِطَةً، ولأنَّه ليس من جنسِ الردَّةِ من الكُفْرِ ما يوجبُ تكفيراً، والقَتْلُ فيه ما يُوجبُ، وهو الخطأ، وعَمْدُ الخطأ، فنبَّه إيجابُها في أدْوَنهِ على إيجابِها في أعلاهُ، على أنَ الردِّ ةَ قد أوجَبَت لله تعالى قَتْلَ المرتد، فما خلا من عقوبةٍ عظمى لأجْلِ جريمتِهِ العُظْمى.

فصل
في الاعتراضِ الرابع
وهو أن يُطالبَهُ بِحُكْمِ التأكيدَ، وذلك مِثْلَ أَن يقولَ الحنفي أَو الحنبلي لأَحدِ مَذْهَبَيهِ في إزالةِ النجاسةِ بالخَل: إنه إذا جازَ بالماءِ فبالخل
(2/185)

أجْوَزُ لحِدتِهِ وقَلْعِهِ للآثار، فيقول الشافعيُّ: فالأوْلى يُوجبُ أن يكونَ مَذْهبُك في الإِزالةِ بالخلِّ أولى من الماء؛ لأنه أبلغُ، وعندك الماءُ أفضَلُ، فلا يطابقُ مذهبُك دليلك!
فيقول الحنفيُ: إنَّما كان الماءُ أَولى؛ لأَن فيه نصّاً مُتَأوّلًا، فتعلَّقت الفَضيلةُ به لأَجل ذلك (1).

فصل

في الاعتراضِ الخامس
أن يجعلَ التأكيدَ حُجة عليه، وهو مثل استدلال الحنبليّ أو الشافعيِّ في اللواط بأَئه إذا وجبَ الحدُّ بالوَطْءِ في القُبُل مع كوْنِهِ مما يُستباحُ بَعْقدٍ وَبملكٍ، فلأن يجبَ في اللواطِ وهو ممّا لايُستباح بَعْقدِ نكاحٍ ولاملْكِ يمينٍ أولى (2).
فيقول الحنفيُّ: هذا هو الحُجةُ؛ لأنَّ اللواطَ لما كان أغْلَظَ في التحريمِ لم يُجْعَلِ الحد مُطَهِّراً له، ولا مُطيقاً لتكفيرِهِ لتَغَلظِهِ.
فيقول الشافعيُّ أو الحنبليُّ: ليس وَضْعُ الشرْع على ما ذكَرْتَ، بدليلِ أَنَّ العقوباتِ تتغلَّظ بتَغَلظِ الجرائمِ، فقُطِعَ بسرقةِ اَلمالِ، ثم ضوعفَتْ بقطعِ الرِّجْلِ مع اليَدِ بأخذِ المالِ والسعْيِ في الأرْضِ بالفسادِ في
__________
(1) انظر في هذه المسألة: "الاختيار لتعليل المختار"1/ 35 و"إيثار الإنصاف": 46 و"الكافي" 1/ 28 و "السنن الصغرى" 1/ 80.
(2) قارن "بالكافي" 4/ 85 و"زاد المعاد" 5/ 40 و" ملتقى الأبحر"1/ 334 و"إيثار الِإنصاف": 209 و"نَيْل الأوطار" 7/ 116 و" المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين" 2/ 317.
(2/186)

حقِّ قاطع الطريق، وتغلظ القَتْلُ فيه بالانحتامِ، وتغلظ حد الثيب على حد الأبكارِ، ولأنَّه لو كان هذا صحيحاً لَما وَجَبَ به التعزيرُ رأساً، بل كان لا يُعاقَبُ باللواطِ حداً ولا تعْزيراً.

فصل

في الاعتراض السادس
أن يُقابلَ التأكيدَ بما يُسْقِطُه: وهو أن يقول: إن كان اللواطُ آكدَ في التحريمِ، إلّا أن الفساد في وَطْءِ النساءِ أعظمُ؛ لأنَه يُفْضي إلى خَلْطِ الأنسابِ وإفسادِ الفراشِ، فهو بالحد أوْلى.
فيقال: الفسادُ في اللواطِ أشد؛ لأنه يقطعُ النسْلَ بوَضْعِ النطَفِ في غيرِ محل الحَرْثِ، وقد أشار الله سبحانه إِلى ذلك فقال: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ} [العنكبوت: 29]، والمراد به سبيلُ النَسْلِ، والله اعلم (1).

فصول
الكلام على دليلِ الخطابِ
وهو جارٍ مَجْرى الخطاب في أكثرِ الاعتراضات، إلا أن الذي يكثُرُ فيه وجوهٌ أحدُها: الرد مثْلَ أن يستدلَّ الشافعيُّ أو الحنبليُّ في تَبَع الثمرةِ للنخْلِ المَبيعِ قَبْلَ التأبيرِ بما رُوي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مَنْ باع نَخْلًا بعد أن تُؤبرَ، فثمرتُهَا للبائعِ إلا أن يشرطَها المبتاع (2) " فدلَّ على
__________
(1) "تفسير القرطبي" 13/ 341 و"معاني القرآن" للفراء2/ 316.
(2) أخرجه البخاري (2204) و (2716) ومسلم "بشرح النووي" 10/ 433 =
(2/187)

أنَّه إن باع قَبْلَ أن يُؤبرَ فثمرتُها للمشتري.
فيقول الحنفيُّ: هذا استدلال بدليلِ الخطابِ، وعندنا أنَّ ذلك ليس بحُجَّةٍ.
والجوابُ للشافعيِّ أن يقولَ: هو عندنا حُجَّة، فإِن لم يُسَلِّم، يُقْلَبِ الكلامُ إليه.

فصل
والثاني: أنَّ يقولَ: هذا احتجاجٌ بنَفْسِ الخطاب، فإِنه قال: مَنْ باعَ، و"مَنْ" حرث من حروفِ الشرطِ، فدل على أنَ التأبيرَ شَرْط في كَوْنِ الثمرةِ للبائع، وعندهم أنَّ ذلك ليس بشَرْطٍ.

فصل
والثالثُ: انَ ذِكْرَ الصفةِ في الحُكْمِ تعليل؛ ألا تَرى أنه إِذا قال: اقطعوا السارقَ، كان معناه: لسرقته، وحُدُّوا الزاني، معناه: لزناه، فكذلك لمّا قال: "من باع نَخْلاً بعد أَن تُؤبَّرَ، فثمرتها للبائعِ"، وجب أن يكونَ معناه: لكونها مؤبرةً، وعندهم أنَّ ذلك ليس بعلَّةٍ.

فصل
الاعتراض الثاني
أنَّ يُعارضَه بُنْطقٍ او فَحْوى النطْقِ، وهو التنبيهُ، أو بالقياسِ.
__________
=والترمذي (1244) وابن ماجه (2211) من حديث عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما-. وانظر "الفقيه والمتفقه" 1/ 212. و"التمهيد" للكلوذاني 2/ 189 "وشرح مختصر الروضة" 2/ 764.
(2/188)

والجوابُ: أن يتكلَّم على هذه المعارضاتِ بما يُسْقِطُها، فيبقى الدليلُ.

فصل
والاعتراضُ الثالث: أن يتكلَّمَ عليها بالتأويلِ؛ وهو أن يُبَينَ فائدةَ التخصيصِ بأن يقولَ: إِنَّما خَصَّ هذه الحالَ بالذكْرِ؛ لأنه مَوضعُ إِشكالٍ، مثلَ أن يستدلَّ الحنفيُّ في إِسقاطِ الكفارةِ في قتْلِ العَمْدِ بقوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] فدكَ على أَنه إذا قتله عَمْداً لم تجبِ الكفارةُ (1).
فيقولُ الشافعيُّ أَو الحنبليُّ لإِحدى الروايتين (2): إِنَّما خَصُّوا الخَطأَ بالذكْرِ لأَنه موضعُ إِشكالٍ حتى لايَظُن ظانٌّ أَنه لا يجبُ عليه الكفارةُ لكونه مُخْطئاً، أو خُصَّ بالذكْرِ؛ لأَنَ الغالبَ أَنه لايَقَعُ قَتْلُ مؤمنٍ لمؤمنٍ إِلأ على هذه الصفةِ.
ومثْلُه أيضاً: أنَّ يَستدلَّ الحنفيُّ في المَنْعِ من التيمُّم في الحَضَر بقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ ... فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43]، فدلَّ على أنه إِذا لم يكن في السفرِ لم يتيمَّم (3).
__________
(1) انظر "إيثار الإنصاف" للسبط: 405 و"ملتقى الأبحر" 2/ 282 و" شرح معاني لآثار" 3/ 177.
(2) انظر "الكافي " 4/ 52 و"الروايتين والوجهين" 2/ 298.
(3) "الاختيار لتعليل المختار" 1/ 20 و"مختصر الطحاوي": 20 و"فتح الباري" 1/ 588.
(2/189)

فيقول الحنبليُّ أو الشافعي: انما خص السفر بالذكْرِ؛ لأن غالبَ تعذرِ الماءِ يكون في السفرِ، فأحمله على ذلك بدليلِ كذا وكذا.
والجواب: أن يتكلم على الدليلِ بما يسْقطه، ليسلم له الدليل.
(2/190)

فصول
الكلام على معنى الخطاب وهو القياس
فصل
في عدد الَأسئلةِ التي يُعترضُ بها عليه
قال بعضُ الائمةِ: وُيعترضُ على القياسِ من عشرةِ اوجهٍ.
وقال بعضُهم: يُعترضُ عليه بأربعةَ عَشَرَ سؤالاً:
فالأوَّلُ: الاعتراضُ على وَضْعِ القياسِ.
والثاني: الاعتراضُ بالممانعةِ فيه.
الثالثُ: المطالبةُ بتصحيح العِلَة.
الرابعُ: إِفسادُة بعَدَمِ تأثيره.
الخامسُ: النَقْضُ.
السادسُ: القَوْلُ بموجبه.
السابعُ: القَلْبُ.
الثامنُ: الكَسْرُ.
التاسعُ: فسادُ الاعتبارِ.
(2/191)

العاشرُ: المعارضَةُ.
فالأربعة التي زيدت: منها تفصيلٌ دخل تَحْتَ إجمالِ قولِ الأولِ، والممانعة فيه. فقال مَنْ جعل الأسْئِلةَ أربعةَ عشر: ومن الأسْئلةِ: مَنعُ الحكمِ في الأصْلِ. ومَنْعُ الوصفِ في الأصلِ أو في الفَرْع، وان لا تُوجبَ العلةُ أحكامَها، وفسادُ الوَضْع غَيْرُ فسادِ الاعتبارِ، وأن يُعْتَرَضَ بعلةٍ على أصْلِها. فهذه جملةُ الأَسئلة (1).

فصل
في حدودِ هذه الاعتراضاتِ والأسْئلةِ على القياس، وأمثلتها لينكشفَ للمبتدي ويُسفر للمنتهي، وبيان ما ينبغي أن يكونَ جواباً لها.
فالأوَّلُ: الاعتراض على وَضْعِ القياسِ، إِما على جملته من جهةِ نُفاةِ القياسِ؛ كأهلِ الظاهرِ والإمامية، وهو الرد والمَنْعُ من كَوْنِهِ حُجَّةً في دين الله تعالى.
فالجوابُ عن هذا النوعِ من الاعتراضِ: إقامةُ الدِّلالةِ على كونهِ دليلًا من أدِلةِ الشرعِ بما نذكرُهُ في مسائلِ الخلافِ إن شاء الله.

فصل
والثاني: الرد له من جهةِ مثبتي القياسِ بادّعائهم أنك احَتَجْجتَ به في غيرِ موضعه؛ لأنه دليلٌ ظنيٌ، وقد استدللتَ به في محل لا يُقبَلُ فيه
__________
(1) انظر "التمهيد" للكلوذاني 4/ 99 و"أصول السرخسي" 2/ 118، 232، و"شرح الكوكب المنير"4/ 229 و"الفقيه والمتفقه" 1/ 214 و"الإبهاج في شرح المنهاج" 3/ 84 و"روضة الناظر" 2/ 262.
(2/192)

إلا الدليلُ القَطْعىُّ، وذلك قد يودُ من حنبليٍّ أو حنفى على شافعيٍّ استدلَّ على إثبات: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} من الفاتحةِ وكلِّ سورةٍ بأنها مكتوبةٌ في المصاحفِ بلا نكير، مَتْلُوَّة في المحاريب بغيرِ تغيير، فهي كسائرِ الآيِ من السُّوَرِ.
فللشافعيِّ أن يقولَ: إنني غيرُ مستدل بقياس، لكني مستدلٌ بدليل قطعيٍّ، وهو الإِجماعُ.
وتعاطى بعضُهم فقال: إني مستدل بعلةٍ تُوجبُ العلمَ، وهى إجماعُهم على كَتْبِهِم لها في المصاحفِ، وتلاوتهم لها في المحاريب، فإذا كانت علةً تُوجبُ العِلْمَ، ثبتَ بها ما طريقُهُ العِلْمُ كالعِلَلِ العقليةِ (1).
فيقول الحنبليُّ أو الحنفيُّ: أما الإجماعُ على الكَتْب والتلاوةِ فلا يُصَرِّحُ بالإجماع على انها آية مما يُكتبُ في ابتدائهِ أو كُتِبَتْ، بل يجوزُ أن تكون تلاوتُهم لها وكَتْبُهم إياها ابتداءً تبرك، واستفتاح باسمِ الله، كما كان يكتبُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} (2) الآية [آل عمران: 64].
فأَمَّا دعوى التعليلِ بعلةٍ قطعيةٍ، فالذي ذكرْتَهُ في الأصْلِ وهو جميعُ آيِ القُرآنِ، فإن كان موجوداً في الفَرْع، فأثْبتْ به ولا تَجْعَلْهُ علةً، وإن لم يكن موجوداً في الفَرعِ، فلا يصحَ قياسُكَ، وما مَثَلُكَ في
__________
(1) انظر "التمهيد"4/ 102.
(2) أخرجه البخاري (4424) ومسلم (1773) من حديث ابن عباس. وانظر
"شرح النووي على مسلم" 12/ 322.
(2/193)

هذا إلا مَثَلُ مَنْ قال: الشعيرُ فيه الربا؛ لانه مَنْصوص على تحريم التفاضلِ فيه، فأشْبَهَ البُرَّ. فإنه قد ادَّعى اجتماعَ الشعيرِ مع البُر في النَّصِّ (1)، فمنعه ذلك من أَن يكونَ قائساً؛ لأنَّه إنَّما يُقاس غيرُ المنصوصِ على المنصوصِ، وفي دُخولِ الشعير مع البُر في النص على تحريمِ التفاضُلِ ما يمنعُ القياسَ وُيغني عن أخْذِ حُكْمِ أحدِهما من الآخَرِ؛ إذ ليس أخْذُ حكْمِ الشعيرِ من البُر بأولى من أخْذِ حُكْمِ البُر من الشعير مع استوائِهما في اشتمالِ النصِّ عليهما وتناوُلِهِ لهما، كذلك إذا كان الإجماعُ قد انعقد في الفَرْعِ كَتْباً وتلاوةً، وفي الأصْلِ كذلك، فلا وَجْهَ للقياسِ، فهذا مما يصَور صورةَ القِياس وليس بقياس صحيح، كما قُلنا في قياس البُر على الشعيرِ، والشعيَرِ على البُر.

فصل
ومن الاعتراضِ: ردُ القياسِ من مُثْبتي القياسِ في محل لا يليقُ القياسُ بإِثباتهِ، كإثباتِ الأسماءِ فيمنع أصحابُ أبي حنيفةَ من إِثباتِها به، وإثباتِ اللغةِ في الجملةِ، وذلك مثل تَسْمِيَتنا النبيذَ خَمرْاً؛ لُمخامرتِه العَقْلَ وتغطيته له وفِعْلِهِ كفِعْلِ الخَمْرِ، وعساهم يقولون: إن الأسماءَ واللغاتِ مفروعٌ منها، وذلك إِما بالإلهام والتعليم من الله
__________
(1) يريدُ حديث عبادة بن الصامت: (إني سمعتُ رسول - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن بَيْع الذهب بالذهب، والفضًةِ بالفضةِ، والبر بالبُر، والشعيرِ بالشعيرِ، والتمْرِ بالتَمْرِ، والمِلْحِ بالمِلْحِ، إلْا سواء بسواءٍ، عَيْناً بَعْينٍ، فمن زاد او ازداد فقد أربى". تقدم تخريجه في الجزء الأول، الصفحة: 48.
(2/194)

سبحانه لأدم حيث علَّمه أَسماءَ الأَشياءِ، والأعمالُ كلها داخلة فيها، أو من حيثُ إنَّ أهْلَ اللغةِ لم يتركوا شيئاً إلّا وقد وضعوا له اسماً، فلم يَبْقَ للقياسِ مساغٌ (1).
فيُقال: إِن الإشباعَ في هذا يأتي في مسائلِ الخلافِ أنَّ شاء الله (2)، لكنا لا نُحِب أنَّ نُخْليَ هذه الشبهةَ من جواب، وذلك أنَّ الله سبحانه قد ألْهَمَ آدمَ وعلمه، وكما قال سبحانه: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31] وأنزلَ في آخرِ أمرِ النبى صلى الله عليه وسلم وزمانه قولَه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3]، ثم إِن الحوادثَ التي تجدَّدَتْ فى أعصارِنا بَعْدَهُ عَصْرَاً بعد عَصْرٍ، ولم يَنزل فيها قُرآن، ولا وَرَدَ فيها سُنة مِثْلَ الخُنْثى المُشْكِل، والغَرْقى، والهَدْمى، وميراث المُعْتَقٍ بَعْضُهُ، والنهبى، ومسألة الجد مع الأخوة وما شاكل ذلك كلَّها من دينِ الله، لكن عَنى بتَتِمَّةِ الدين: ما كان بَعْضُ أدلَتةِ نَصاً، وبعضُها استنباطاً، وما خلا كتابُ الله وسُنةُ رسولةِ من أدلةِ الأحكامِ الحادثةِ بما وَفقَ القائسين له من الاستنباطات والِإلحاقاتِ، وأخذِهم للمسكوتِ من المنطوقِ، كذلك علم آدم الأسماءَ بَعْضَها نُطْقاً وبَعْضَها إلْهاماً، وبَعْضَها بأن وَهَبَ له القُوَّةَ لاستنباطِ الاسمِ لما لم يُسَم مما سُمَّيَ بطريقِ المُشاكلةِ والمشابهةِ.
__________
(1) انظر "المستصفى" 2/ 331 و"شرح تنقيح الفصول": 412 و"الإحكام" للآمدي 3/ 210 و "أصول السرخسي" 2/ 156. وانظر في مسألة أصل اللغة: "المُزهر" للسيوطي 1/ 20 - 28.
(2) انظر الصفحة 397 من هذا الجزء.
(2/195)

وأيْضاً، مثال لِإثباتِ اللّغاتِ أيضاً، فمِثْلُ قياسِنا لَفْظَةَ السَّراحِ والفِراقِ على صيغةِ الطلاقِ، فيقال: هذا إِثباتُ لغةٍ بالقياسِ ولا يجوزُ ذلك.
فيكون الجواب الدلالةَ على ذلك الأصْلِ بما سنذكرة في مسائل الخلافِ إِن شاءَ الله (1).

فصل
ومن الاعتراضِ بردِّ القياسِ أيضاً من جهةِ القائلين به في الجُملةِ ردُّ أصحاب أبي حنيفةَ للقياسِ في الحدودِ والكفَّاراتِ والمقدَّراتِ في الجُملةِ، وَاعتلالُهم في ذلك بأَنَّ طريقَ ذلك العِلْمُ بمقاديرِ مراتبِ الإجْرام، ولا يُعْلَمْ ذلك بالأماراتِ، على (2) شافعيٍّ أو حنبليٍّ قاسَ اللِّواطَ عَلى الزنا في ايجاب الحدِّ (3)، وقولهم: إنَّه لا طريقَ إِلى معرفةِ ذلك؛ لأنَّه إِنَّما يُعلمُ بالَعِلْمِ بمقْدارِ الجُرْمِ وما يستحق عليه من العقوبةِ، ولا يعلمُ ذلك إِلّا الله سبحانه.
فيقول القائسُ: يجوزُ ذلك عندنا، وإِن لم تُسَلِّمْ، دَلَلْتُ عليه.
ونذكرُ ما وضعناه من الأدلَّةِ في كتابنا هذا في هذه المسألةِ في مسائل الخلافِ (1)، ونذكر مناقضاتِهم فيما قاسوا فيه من هذا القبيلِ، كقياسِهم الردَّ في قُطَّاع الطريقِ في استحقاقِ الحَدِّ على الرد في الجهادِ في
__________
(1) انظر الصفحة 403 من هذا الجزء.
(2) على شافعي: متعلق "ردُّ أصحاب".
(3) انظر في هذه المسألةِ: "نَيْل الأَوطار" 7/ 117 و"الكافي" لابن قدامة 4/ 85 و"عون المعبود" 12/ 153. و"عارضة الأحوذي" 6/ 240.
(2/196)

استحقاق السهْم، وقياسِهم الأكلَ على الوَطْءِ في شَهْرِ رمضان في ايجابِ كفَارةِ الصَوْم.

فصل
ومن الاعتراض: ردُّ القياس من جهةِ مثبتي القياس، كردهم (1) القياسَ في إِثباتِ حَيْضِ الحامل بالقياسِ، وهو أنه دَم رأتهُ في وَقتِهِ على صفتهِ ونَعْتِهِ فكان حَيْضاً كاَلدم الذي تراه غير الحامِل. فيقولُ الحنبلي أو الحنفيُّ: هذا امر طريقُهُ الوجودُ فلا يثبتُ بالقياسِ، وما ذلك إلّا بمثابةِ مَنْ قال: هذا شَخْص أسمر طويلٌ. فكان ولداً لزيدٍ كابنهِ فُلانٍ وكان مُشابهاً له في الصورةِ.
فالجواب: إِنه لا يمتنعُ أن يجعلَ صاحبُ الشريعةِ أمارَةً هي عَلَم على كوْنِ الدمِ حَيْضاً، ودِلالةً على كَوْنِ الدمِ له حُكْمُ دَم الحيضِ كما أنَه جعل وُجودَ سنين معلومٍ وقَدْرٍ معلومٍ ولَوْنٍ معلومِ، مِثْلَ أنَّ نقولَ: إِذا رأتْ بنتُ عشر سنينَ دماً فهو حَيْض، ومِثْل مَا قال في الصفة: "دَمُ الحيض أَسْوَدُ يُعرفُ " (2)، ومثل ما قال في العَدَدِ: "تحيضي في عِلْمِ الله ستاً اوسَبْعاً كما تحيضُ النساءُ ويَطْهُرْنَ لميقاتِ حَيْضِهِنَ
__________
(1) في الأصل: ردهم.
(2) يُريدُ قولَه - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة بنت أبي حُبَيْش وكانت تُستحاضُ: "إذا كان دمُ الحيضِ فإنه دم أسودُ يُعرَفُ، فإِذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الأخَرُ فتوضئي وصلي". أخرجه أبو داود (304) والنسائي 1/ 123 و 183 - 184. وانظر "الكافي" لابن، قدامة 1/ 42. و"شرح معاني الآثار" 1/ 103.
(2/197)

وطُهْرِهِن" (1).

فصل
ومن جُملةِ رَد القائسين للقياس: اعتراضُ أصحاب أبي حنيفةَ على مَنْ أثبتَ البدلَ بالقياسِ، كإثْباتِ البدلِ لدم الإَحصارِ بأنه هَدْي متَعلِّق بالإحرامِ، فأشْبَهَ هَدْيَ التمتعِ.
وقَوْلِهم: إن البَدَلَ ما سَد مَسَد المُبْدَلِ، وذلك لا يعلمُهُ الأ مَنْ يعلمُ مقدارَهما من الأصلح.
والجوابُ: إِنه يثبت بالقياسِ عندنا، ويدلى عليه بما سنذكره في مسائلِ الخلافِ (2) إنْ شاءَ الله، ثم يُناقَضون بما أثبتوه من الإِبدالِ بالقياسِ كوَضْعِهم.

فصل
ومن الاعتراضِ برد القياسِ من القائلين به: ردُ اصحاب ابي حنيفةَ للقياسِ في إثباتِ المُقدرات مثل قولِ الشافعي في حد البَلوغ: السنَةُ السابعةَ عَشْرَةَ يُحكم فيها ببلوغِ الجاريةِ، فحُكم فيها ببلوغِ الغُلام في الثامنة عشرة.
فيقولُ الحنفيُّ: هذا إثباتُ تقدير بالقياسِ، والتقديرُ لا يُعرَفُ له
__________
(1) أحرجه الترمذي (128) من حديث حمنة بنت جحش. وقال: حديث حسن صحيح.
(2) في الجزء الأخير من الكتاب.
(2/198)

معنى فيُقاسُ به، وإنما بالتوقيفِ (1).
فالجوابُ أن يُقالَ: عندنا يجوزُ إثباتُه بالقياسِ، وإن لم تُسَلم، دلَلْتُ عليه. ويُناقَضون بتقديرهم خَرْقَ الخُفِّ بثلاثِ أصابع بالقياسِ على المَسْحِ حيث قال الراوي: كان مَسْحُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - خطوطاً بالأصابع (2)، وقَدروا العَدَد في الجمعةِ بأربعةٍ بالقياسِ (3).

فصل
ومن الاعتراضِ بالردِّ له أيضاً: رد اصحابِ أبي حنيفةَ له إذا زادَ في نَص القرآنِ، مثل قياسِ الحنبليُّ أو الشافعيِّ في إيجاب النيةِ في الوضوء على التيمُّمِ، فيقول: هذا قياسٌ يتضمن الزيادةَ في نَص القُرآن (4)؛ لأن القرآنَ نص علي غَسْل الأعضاءِ المخصوصةِ، وهذا القياسُ يزيدُ فيها ايجابَ النيةِ، والزيادةُ في نَص القرآنِ نَسْخٌ له، ولا يجوزُ نَسْخُهُ بالقياس.
فالجوابُ: أن ذلك ليس بنسْخ، ويدلُّ عليه إذا منعوا، بما نذكرهُ من الأدلةِ على ذلك الأصل في مسائلِ الخلافِ (5)، ويُناقَضون بزياداتِهم في النصوصِ بالأقيسةِ، من ذلك قوله تعالى: {وَلِذِي الْقُرْبَى} [الأنفال: 41] فزادوا فيه اعتبارَ الفَقْرِ، فقالوا: إنَّ كانوا فقراءَ، بدليلِ القياسِ (6).
__________
(1) "شرح مختصر الروضة" 3/ 553.
(2) انظر "الاختيار لتعليل المختار" 1/ 24 و"الإحكام" للباجي: 547.
(3) انظر "المغني" 3/ 204.
(4) انظر "التمهيد" 4/ 105 و"أصول السرخسي"2/ 283.
(5) انظر 4/ 241.
(6) التمهيد 41/ 105.
(2/199)

فصل
ومما اعترضوا به من رَدِّ القياسِ مع قولهم بالقياسِ في رَد الجُمَلِ، وذلك مثل قياسِنا وأصحاب الشافعيِّ في إجازةِ المساقاةِ وإثباتِها على المضاربةِ، فيقول الحنفىُّ: المساقاةُ أصل من الأصولِ، وجُمْلةٌ من الجملِ، وليس في قوةِ الرأيِ إثباتُ جُمْلَةٍ به، كما لا يجوز اثباتُ صلاةٍ سادسةٍ بالقياسِ (1).
والجواب: أنَّ عندنا يجوزُ ذلك كما يجوزُ إِثباتُ التفصيل، وان لم يُسَلم ذلك، دلَلْنا عليه بما سيأتي في مسائلِ الخلافِ إن شاءَ الله (2).

فصل
ومن الاعتراضِ برد القياسِ أيضاً: مُخالفةُ دليل هو أقوى من القياسِ، مثل أن يقول: هذا قياس يخالفُ دليلاً مَقْطوعاً، مثل نَص قرآنٍ او سُنَّةٍ متواترةٍ او الاجماع، فيُجيبُ المعللُ عنه بأن يُبَينَ أنَّ ما اعتقده نَصاً مقطوعاً به ليس على ما اعتقده، وإنما هو ظاهِرٌ يُحتمل أو عُمومٌ، فيصرفه عن ظاهرِهِ وعُمومهِ بالقِياسِ، ولا جوابَ عنه إلا هذا، فإنه متى ثبتَ أنَ ذلك نَص أو دليلُ قَطْع في الجملةِ، سقط حكْمُ القياسِ، فلم يكن له مساغٌ في إثباتِ الحكْمِ (3).
__________
(1) انظر "الإحكام" للباجي: 549.
(2) انظر 4/ 240.
(3) "التمهيد"4/ 156.
(2/200)

فصل
ومن الاعتراض بردِّ القياس من مُثْبتي القِياسِ قولهم: إِنه يُقابلُهُ قولُ الصحابى ويُخالفُه، فلا يُعْتَد بقياس يُخالفُه قَوْلُ الصحابي.
فيقول الشافعيُّ: دَعْ تَقابُلَهُ، وهل هو إلا قَوْلُ مجتهدٍ يُصيبُ تارةً ويُخطىءُ أخرى، والقياسُ دليل من أدلّة الشرعِ، وينقل الكلام إلى ذلك الأصل، وإن أمكنه أن يُوافِقَ بين قَوْلِ الصحابيِّ وبينه بنوع بيانٍ، أو يتأوّلَ قَوْلَ الصحابي بما يُخرجه عن مخالفةِ القياسِ فعل (1).

فصل
ومن الاعتراضِ برد القياسِ من القائلين به في الأصلِ، ردُّ أصحاب أبي حنيفةَ القياسَ إِذا تضمَّن تخصيصَ العموم ابتداءً، أعني العمومَ الذي لم يُخَصَّ، وذلك مثل استدلالِ الشافعيِّ على أنَّه لا تنقضي عِدَةُ امرأةِ الصغيرِ بوَضْعِ حَمْلِها بعد موتِه، بأَنه حَمْلٌ مُنْتَفٍ عنه قَطْعاً ويقيناً فأشْبَهَ الولدَ الذي ولَدَتْة لِدُونِ ستَّةِ أشْهُرٍ منذ تزوجها (2).
فيقول الحنفيُّ: هذا تخصيصٌ مبتدأ لقوله تعالى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]، بالقياسِ، وعندي لا يجوزُ.
فيقول الشافعي: هذا عندي جائز؛ لانَ المعنى الذي جازَ به تخصيصُ العمومِ الذي قد خُصَّ بالقياسِ إنما هو لان القياسَ يتناولُ
__________
(1) انظر "التمهيد"4/ 106.
(2) "التمهيد"4/ 106، وانظر "مختصر المزني": 218.
(2/201)

الحُكْمَ بصريحِهِ، والعمومُ يتناولُ الحكْمَ بظاهرهِ، وهذا موجودٌ في العمومِ المبتدأ.
ويمكن أيضاً أن يُبَينَ أن اللفظَ مخصوصٌ في الحَمْلِ الذي قِسْنا عليه والحَمْلِ الحادثِ بعد الموتِ، فلم يكن القياسُ الذي ذكَرْناه مُبْتَدأً به التخصيصُ، إذ قد بان تخصيصه فيما ذكَرْنا من الموضعَيْن.

فصل
ومن هذا القبيلِ: رد مَنْ لا يرى تَخْصيصَ العموم بالقياسِ رأساً إذا قابله العمومُ.
فيقول المستدلُّ: يجوز ذلك؛ لأن القياسَ دليلٌ شرعيٌّ خاص فى الحُكْمِ مصرحٌ به فخُصَّ به العمومُ كخبرِ الواحدِ (1).

فصل
ومن ذلك: أن يُعْتَرضَ على الأصلِ بأنَه لا يجوزُ القياسُ عليه، مثل استدلالِ الحنفيِّ على جوازِ صوم شهرِ رمضان بنيَّةٍ من النهارِ (2) بالقياسِ على صَوْم يومِ عاشوراء، فيَقول المُعترضُ: إن صَوْمَ يوم عاشوراء إنْ كان واجَباً فقد نُسِخ، فلا يجوزُ القياسُ عليه.
فيقول المستدل: إنَّما نُسِخَ وُجوبُه دون إجزائه بنيّهٍ من النهارِ، والأَولى
__________
(1) انظر"شرح الكوكب المنير" 3/ 379 و"أصول السرخسي" 1/ 141 و"فواتح الرحموت" 1/ 357.
(2) انظر "ملتقى الأبحر" 1/ 197 و"الاختيار لتعليل المختار" 1/ 126 و"رحمة الأُمة" 194 و"إيثار الإنصاف": 77 و"التمهيد" 4/ 108
(2/202)

أنْ يقال ما ذكرْته أنا في النظرِ. خاطراً، وهو: أنَّ صَوْمَ يومِ عاشوراء أول ما شُرِعَ بالنقلِ الصحيحِ،- حيث دخل النبيُّ صلى الله عليه وسلم المدينةَ فوجدهم يصومونه، فسألهم في أثناء النهار عن صومهم له فقالوا: هذا يومٌ نجى الله فيه موسى، وساقوا فضائِلَه فقال: "أَنا أَحق بأخي موسى"، أو قال: "بصِيامهِ" ثم صامَ ذلك اليَوْمَ وأمر بصيامه (1)، فلا يخلوا أن يكونَ فَعَلَ ذلك إيجاباً بوحْيٍ نزل بإيجابهِ فقد حَصَلَ الوجوبُ بالوحْي (2) حيث أشْعِرَ بحالهِ في أثناءِ اليَومِ، فما تأخرت النية عن حالِ الوجوبِ، وما هذا سبيلُه كذا تكونُ نيَّتُه، كاستدارةِ أهلِ قُباء إلى الكعبة حيث سمعوا وإن كان الاستقبالُ شَرْطاً من ابتداءِ الصلاةِ المفروضةِ، لكنْ لمَا لم تُفْرَضْ على أولئك إلا في أثناءِ الصلاةِ؛ لوجودِ سَبَب الِإيجاب في أثنائِها، قُنع منهم باستقبالِها في أثناءِ الصلاةِ، فهذا علىَ أشد ما قَيل، وأنَه وَجَبَ لكن على هذه الصفة، وصَوْمُ شهرِ رمضانَ ليس من هذا القبيلِ، بل هو صَوْمٌ وُجِد سَبَبُ إيجابه قَبْلَ الشروع فيه، فكانت النيةُ فيه على حُكْمِ وَضْعِها في الواجباتِ كلَّها من الصوَم وغَيْرِهِ، وبهذا القَدْرِ انقطع القياسُ عليه.
وإن سَلكْنَا مَسْلَكَ أصحابِنا، فإنهم والمحققون من أصحاب الشافعيِّ لم يُقِروا بوجوبهِ وإنما كان تطوُّعاً، والتطوعُ ما زال في شَرْعِنَا نِيتُهُ من النَّهارِ، ولقياسِهم عليه جوابٌ يخُصُّهُ.
__________
(1) أخرجه البخاري (2004) و (3397) ومسلم "بشرح النووي" 8/ 250 وأبو داود (2444) من حديث ابن عباس-رضي الله عنهما-.
(2) في الأصل: "والوحي": ولعل الجادَةَ ما أُثْبِتَ.
(2/203)

فصل
ومن ذلك ردُّ القياسِ لِما ثبتَ من تَخْصيصِ أصْلِهِ بحكْمٍ يختصُّهُ، وانقطاعهِ عن الفَرْع، مِثْلَ قياسِ الحنفيُّ عَقْدَ النكاح بلَفْظِ الهِبَةِ على نكاحِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم (1)، فيقول: نكاحٌ عُقِدَ بلَفْظ الهبةِ فكان صحيحاً، كنكاحِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
فيقول الحنبليُّ أو الشافعيُّ: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مخصوصاً بذلك دون أمَتهِ، فينقطع القياسُ عن أصله كما انقطع في باب عدَدِ المنكوحات. فيقول المستدلُّ: إنً حكمَ النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمتِهِ واحَدٌ في حُكم الأصلِ إلا أنْ تَرِدَ دلالةُ التَخْصيصِ، ولا يجوزُ أن يَرِدَ هذا السؤالُ ممن يَحْتَجُّ بافعالِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ويجعلها كأقوالِهِ، وهل يحتجُّ بأفعالهِ إلا مَنْ يجعلُهُ مشارِكاً في التكليفِ وسائرِ أحكام الشَّرع، ولو كان مخصوصاً في أصْلِ التكليفِ لانقَطَعْنا عن الاقتداَءِ به، إَلا أن تقومَ دلالةُ اتباعهِ والاقتداءِ به في بَعْضِ أحوالهِ، فدعواها هنا تحتاجُ إلى دلالةٍ، وإلا فَنَحْنُ باقون على حُكْم الأصْلِ وهو وجوبُ المساواةِ في جميعِ أحكامه. فيحتاج المُعترِضُ أن يتكلَّف الدلالةَ على تَخْصِيصه بذلك بالآية، وهو قولُه سبحانه: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا} إلى قوله {خَالِصَةً لَكَ} [الأحزاب: 50]، فيقع الترجيحُ في تردُّدِ الهاء إلى الهِبَةِ أو إلى المرأةِ الموهوية وتخصيصه بها زَوْجةً من
__________
(1) انظر "التمهيد" 4/ 109 و" أصول السرخسي" 1/ 179 و "إيثار الِإنصاف": 148، و"مسند" أحمد 5/ 330، و"فتح الباري" 10/ 257، و"سنن النسائي" 6/ 91.
(2/204)

دون سائرِ المؤمنين (1).

فصل
ومن هذا القَبيلِ وهو دَعوى تخْصيصِ الأصل بما يُقطعُ عنه الفَرْعُ أن يُقاسَ عليه: قياسُ أصحابنا، وأصحاب الشافعيِّ في بقاءِ حُكْمِ الإحرام بَعْدَ الموتِ للمُحرم مِنَّا على المُحرِمِ الذي وَقَصَتْهُ ناقتُهُ في عَصرِاَلنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقضى في حقه بما قَضى من النَّهْيِ عن تَخْميرِ رأسه، وتكفينهِ في ثَوْبَيْهِ، ونَهْيِهم أن يُقربوه طيباً، فيقول الحنفيُّ: ذلك المحرمُ كان مخصوصاً ببقاءِ إحرامه، فإن النبى - صلى الله عليه وسلم - أخبرَ أنَّه يُبْعثُ مُلَبياً (2)، ولا نَجدُ ذلك في المُحرم مِنَّا إذ لا يشهدُ له الصادقُ ببعْثهِ مُلَبياً، فبقيَ على الأصْلِ من سُنَّةِ بني آدم المنطوقِ بها من جهةِ الملائكةِ عن الله سبحانه حيثُ غسلوا أبانا آدمَ صلى الله عليه.
فيقول المستدلُّ: بل العِلَّةُ الحالُ التي كان عليها، وهي الِإحرامُ ومَوْتة عليه، ويكون التجنُّب وإخبار النبيِّ ببَعْثِهِ مُلَبيا أو ملبِّداً بسبب مَوْتِهِ على الإِحرامِ وتَجْنيبهم له ما يتجنَبُه المُحْرم، كما قال في شهداءِ أحد: "زملوهم في كلومِهم ودمائِهم، فإنَّهم يبعثون يَوْمَ القيامةِ
__________
(1) انظر في هذه المسألة: "تفسير القرطبي" 14/ 212، و"تفسير الخازن" 3/ 474، و"الخصائص الكبرى" للسيوطي 2/ 246، و"المُحلَّى" 9/ 464.
(2) يريدُ ما أخرجه البخاري (1266) من حديث ابن عباس قال: بينما رجلٌ واقفٌ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفةَ إذ وقع من راحلته فأقْصَعَتْهُ- أو قال: فأقْعَصَتْهُ- فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اغسلوه بماءٍ وسِدْرٍ، وكفنوه في ثوبَيْن، ولا تُحنطوه ولا تُخَمَّروا رأسه، فإنَّ الله يبعثه يوم القيامة ملبيْاً". وأخرجه مسلم بشرح النووي "8/ 368 والنسائي 5/ 195، وانظر التمهيد 4/ 110.
(2/205)

وأوْداجُهم تَشْخُبُ دماً، اللونُ لون دمٍ، والريحُ ريح المِسْكِ" (1)، فكأنَّ دَفْنَهُم بآثارِ الشهادةِ أَوْجَبَ لهم ذلكَ وعمَّ شهيدٍ بعْدَهم، ولم يَجْعَلْ ذلك لهم خاصّةً، ويجعل ما أَخْبَرَ به عنهم يومَ القيامةِ خِصّيصَةً تخصُّهم، ولا فَصْلَ بين القِضَّتَيْن.
ولأصحابِ أبي حنيفةَ أن يقولوا: لَفْظُ التعليلِ يُقَدَمُ على الحالِ، ونحن نُعَلِّلُ بقَوْلهِ: "فإنَّه يُبْعَثُ يومَ القيامةِ مُلَبِّياً" ولَفْظ التعليلِ أحق بتعليقِ الحكمِ عليه من الحالِ، وخرج الشهداء بدلالةِ الِإجماعِ وبأنَّ الشهادةَ لا يثبتُ حُكمها إلّا بَعْدَ المَوْتِ، إذ هي حُكْمُ الموتِ على صفةٍ، وهو القَتْلُ من [أجل] إعلاءِ كلمةِ الله، والِإحرامُ عبادةٌ تختصُ الحياةَ، والله أعلم.

فصل
ومما يُرَدُ القياس به أن يُقالَ: إنَك قِسْتَ على أصلٍ، الخلاف فيه كالخِلافِ في الفَرْعِ، ومثالُ ذلك: أنَّ يقيسَ أصحابُ الشافعيِّ الخِنْزيرَ على الكَلْبِ في وُجوبِ العَدَدِ في الغَسْلِ من وُلوغهِ (2).
فيقول الحنفيُّ: أَنا أُخالفُك في وُلوغِ الكلبِ، كما أُخالفُكَ في وُلوغِ الخِنزيرِ، ومن قاسَ مخْتلِفاً على مُخْتَلِفٍ، فقد ادَّعى في الأصلِ كما ادَّعى في الفَرْعِ، ولا دلالةَ على دَعْواه منهما فيما استدلَّ.
__________
(1) أخرجه أحمد 5/ 431، والنسائي 4/ 78 و 6/ 29 من حديث عبد الله ابن ثعلبة.
(2) انظر "شرح النووي على مسلم" 3/ 176، وشرح "معاني الآثار" 1/ 21، و"فتح الباري"1/ 370، و"عون المعبود"1/ 137.
(2/206)

فيقول الشافعيُّ: إنَّ الكَلْبَ هو الأصْلُ من حيثُ وَرَدَ الخبرُ في غَسْلِ وُلوغهِ، فإذا صحَ الخَبرُ فيه وقد صحَّ، كان هو المنطوقَ، وغيرُهُ مسكوتاً عنه، وهذا شَرْطُ القياسِ، فلا علينا من مَنْعِكَ وتَسْليمك بعد أنَّ صحَّ الحديثُ في النُّطقِ بالعَدَادِ، ومنازعتكَ لا تُخْرِج الخَبرَ انَ يكونَ دليلاً، بل الخَبَرُ يَقْضي على مَنْعِكَ ومُنازعتِك، فأنا ادلُّ به على مَنْعِكَ.

فصل
وما (1) يغمضُ من فَسادِ القياسِ ذكرته لِتَحْذَرَ منه ومن أمثاله وتَنْهى عنه مَنْ سَلَكَهُ.
وتخليصُ الفَرْعِ من الأَصْلِ فيه أَن يقيسَ على أصْلٍ ليس فيه دليلٌ يخصُّه. وإنَّما هو ومسألةُ الفَرع التي هي موضعُ الخلافِ فَرْعانِ أو أصلان، فلا يجوزُ قياسُ أحدِهما على الآخَر؛ لأنَ ليس أحدُهُما بأن يكونَ أصلاً بأوْلى من الآخَرِ، ولا كَوْنُ أحدهما فَرْعاً بأوْلى من الَآخَرِ لِتَساوي الأَصْلِ والفَرْعِ فما الذي أحْوَجَ أحدَهما إلى الَاخَرِ؟
مثالُ ذلك من الأقيسَةِ الفاسدةِ: أنَّ يُسأل شافعيٌّ عن البُقول: هل يَجْري فيها الربا؟ فيُجيبُ بإثباتِ الرِّبا، فإذا طولبَ بالدليلِ قاسَ البُقولَ على الفواكهِ، فإذا نازَعَه المخالفُ في الفواكهِ كما نازعه في البُقولِ فَزِعَ إِلى الدلالةِ على ذلك بَقْولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "لا تبيعوا الطعامَ بالطعامِ إِلّا مِثْلًا بمِثل" (2)، أو يستدلّ بقياسِ الفواكهِ على البُرِّ إِذا
__________
(1) في الأصل: "وممّا". ولعلَّ الجادة ما أَثبتناه.
(2) أخرجه مسلم "بشرح النووي"11/ 22 من طريق مَعْمر بن عبد الله، وقال=
(2/207)

سُئِل عن الرِّبا في الفواكه، ويعَلِّلُ بأنَه مطعوم، فهذا مّما لا يدخلُ في الأَقْيسَةِ، لاستواءِ الأصلِ فيه والفَرْع في الدلالةِ، فلا مَزِيَّةَ لأحدِهما فيكونَ بتلك المَزِيةِ أصْلاً، ولَا يَنْحَطُّ أحدُهما عن الأخرِ فيكونَ بذلك الانحطاطِ فَرْعاً، فهو كَمَنْ أرادَ أنَّ يُوَزَعَ الأعيانَ المَنْصوصَ عليها فيجعلَ الشعيرَ مَقيساً على البُرِّ بعِلَّةِ الطعْمِ، وذلك فاسدٌ لِما ذكرْنا، كذلك هذا. والعلَةُ في الجميعِ أنَّ الدلالةَ شَمَلَتْ الشعيرَ والبُرَّ وهو النَصُّ. كذلك النص في الطعْم شَمَلَ الفاكهةَ والبُقولَ، فَتجنَبْ من الأَقْيسَةِ ما هذا سَبيلُهُ، فَمِثْلُ هَذا القياسِ مَرْدودٌ، لفسادهِ، فلذلك ذكَرْتُه في جُمَلةِ فُصول الردودِ.

فصل
فإِن قاسَ قائسٌ على أصلٍ مُجْمَعٍ عليه، فقال المُعترضُ: إنَ الِإجماعَ إِنَما يصدرُ عن دليلٍ. فيحتاجُ أنَّ يُبَينَ الدليلَ، فعساه يَشْتَمِلُ على الفَرْعِ كاشتمالهِ على الأصْلِ، فلا يكونُ في القياسِ فائدة، فيكون من قبيلِ القياس الأولِ، وهُو من الأقْيسةِ الرائجةِ التي يغترُّ بها مَنْ لا يَعرِفُ عُمَدَ الأقَيسَةِ وشروطَها، وهذا من الانتقادِ الذي يَغْفُلُ عنه كثيرمن الفُقهاءِ ممن لا مُعاناةَ له بهذا العِلْمِ فَضْلاً عن المُتَفقِّهةِ.
فالجواب: أَنَّ دليلَ الأصلِ [لا] (1) يجوزُ أَن يكونَ نَصّاً، لأَنَّه لو كان نَصّاً لَما خَفِيَ عن المُجتهدين وغيرهم. لم يَبْقَ إِلّا انَه في الظاهرِ علَّةُ
__________
= المِزي في "التحفةِ" (11482): انفرد به مسلم وأخرجه أحمد 6/ 400، والبيهقي في "السنن الصغرى"2/ 244 من الطريق نفسِها. وانظر "مختصر المزني": 76، و"شرح الكوكب المنير" 4/ 87.
(1) زيادة يقتضيها السياق.
(2/208)

الحُكْمِ، فإِذا اجتمعا في علَّةُ الحكْمِ فهو المُصَححُ للقياسِ. والظاهرُ أنَ الإِجماع حصل لاتفاقهما في عِلةِ الحكمِ.
وقد قال إِمامٌ في الجدل والفِقْهِ في الجَواب عن هذا الإِشكالِ: إِن دليلَ الأصل إِنْ شَمَلَ الفَرع، أو وقع الإِجَماعُ فيه كما وقع في الأصْلِ، فثبت انَه يخصه، وان القياسَ، جائز عليه.

فصل
ومن جُملةِ هذا القبيلِ الذي يَرد به القياسَ بَعْضُ مَنْ يقول بالقياسِ: أنَّ يقولَ المُعترضُ على القياسِ للقائسِ: إِنك قد قِسْتَ على موضعِ الاستحسانِ، وموضعُ الاستحسان مَخْصوصٌ، وكل مَخْصوصٍ فلا يُقاس عليه؛ لان المَخْصوصَ مُقْتَطَعٌ، ومَنْ جَمَعَ بَيْنَ مُقْتَطَعٍ وغَيْرِهِ، رامَ إزالةَ اقتطاع الشَرْع، فكان بمثابةِ مَنْ قَطَعَ بَيْنَ ما جمع الشَرْعُ بينهما (1).
فالجوابُ عنه أن يُقالَ: أنَّ القياسَ عندنا جائزٌ على كلِّ أصل يُوجَدُ فيه علَّةُ الحُكْمِ، ولأنَه اذا ثبتَ بالخَبَرِ أنه الحُكْمُ، صارَ أصلًا وكان القياسُ عليه أولى من القياسِ على غَيْرِهِ، وإِذا كان مَخْصوصاً عندكَ من القياس لم يَمْنَعْ ذلك كَوْنَه أصْلاً، وقد قاسَ أبو حنيفةَ جماعَ الناسي في صوم رمضان على أكْلِ الناسي (2)، وإن كان إسقاطُ القضاءِ عن الآكلَ ناسياً ليس يُقاسُ، لكنه استحسانٌ، وسنُشْبِعُ إِن شاءَ الله الكلامَ على ذلك في مسائلِ الخلافِ (3).
__________
(1) انظر "التمهيد" للكلوذاني 4/ 111.
(2) انظر "الاختيار لتعليل المختار"1/ 133 و"رحمة الأمة": 199.
(3) في الجزء الأخير من الكتاب.
(2/209)

فصل
ومن هذا القبيلِ أيضاً: أنَّ يقولَ المُعترضُ على القياس: إنَك جَعلتَ الاسمَ عِلَّةً، مثل قَوْلنا: كلب أَو تُرابٌ، فيقولُ أصحابُنا وأصحابُ الشافعيِّ (1): قد قدمْنا القولَ في جواز ذلك، وأنَّ الأسماءَ يجوزُ أن تُجعلَ عِلَلاً بالأحكام الشرعيةِ، وسندلُّ في مسائلِ الخلافِ إِن شاءَ الله على هذا الأصْلِ (2).

فصل
ومما يردُّون به القِياسَ أيْضاً اعتراضُ من اعترضَ على القياسِ بأَنَه نَفْى للاسمِ، ونَفي الاسمِ لا يجوزُ أن يُجعلَ علَّةً للحُكْمِ، مِثلَ قَولِنا وقولِ أصحاب الشافعيُّ في النورةِ والجِصِّ: ليس بترُاب، أو لا يَقَعُ عليه اسمُ التُّرابَ، فيقول الحنفي: هذا نفي اسمٍ، فلا يكونُ عِلَّةً لِنَفْي الحكمِ ولا لِإثْباتِهِ.
فجوابُ المستدلِّ: أنَّ الاسمَ يُعلَّلُ به عندي لِإثباتِ الحكمِ الذي نفيته بنفي الاسم، والدَلالةُ عليه تأتي في مسائلِ الخلافِ إن شاءَ الله.

فصل
ومن هذا القَبيلِ في رد القياس: أن يقولَ المُعترضُ للقائس: إنَّك جَعَلْت الخلافَ علَّةً، والاختلافُ حادثٌ بعد النبى - صلى الله عليه وسلم - والعِلةُ
__________
(1) انظر"التمهيد" 4/ 114.
(2) انظر الصفحة 397 من هذا الجزء.
(2/210)

أمارةٌ شرعيَّةٌ تحتاجُ إلى نَصْب صاحب الشريعةِ، وذلك مثل قَوْلِ أصحاب أبي حنيفة في الكلب: إنَّه حيوَان مُختلف في إباحةِ لَحْمِهِ، فلم يَجَب العَدَدُ في وُلوغه، كالسِّباع (1).
والجوابُ: أَنَ هذا وإن كان حادثاً، فيجوزُ أن يكونَ أمارة، كما كان الإجماعُ حادثاً، وكان دليلًا معلوماً.
فإن قيل: إن الإجماعَ إنما كان دليلًا لأن صاحبَ الشريعةِ - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تجتمع أمتي على ضلالةٍ" (2)، قيل: إنْ عولْتَ على هذا في هذا الأصلِ العظيمِ، لم يَثْبُتْ؛ لأن خَبرَ الواحدِ في الأصلِ طريقٌ مَظْنونٌ، والإجماعُ مقطوعٌ، فكيف يثبتُ أصلٌ مقْطوعٌ بدلالةٍ مَظْنونةٍ؟ ولا سيَّما هذا الخَبَرُ وليس بثابتٍ عند القَوْم، ولو صح لم يكُ فيه على الإِجماعِ فيما نحنُ فيه من الأحكام حُجة؛ لأنه لم يَقُلْ: أمتي لا تجتمعُ عَلى خَطأ، وإنما قال: "على ضَلالةٍ" والخطأ هُنا ليس بضَلالةٍ، لأن خَطاَ المُجتهدين في الأحكامِ ليس بضلالةٍ، بدليلِ أن
__________
(1) انظر "رحمة الأُمة": 33 - 34، و"الدر المختار" 1/ 37، و"فتح القدير" لابن الهمام 1/ 64، و"المغني"1/ 613.
(2) أخرجه ابن ماجه (3590) من حديث أنس، والترمذي (2167) من حديث ابن عمر، وأبو داود (4253) من حديث أبي مالك الأشعري. وقال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوَجهِ، ونقل البوصيري في الزوائد عن العراقي أن طرق هذا الحديث كلها فيها نظر. وأخرجه أحمد 4/ 204 و 205، والبخاري (7352)، ومسلم (1716)، وابن ماجه (2314)، وأبو داود (3574) من حديث عمرو بن العاص.
وأخرجه الترمذي (1326) والنسائي 8/ 224 من حديث أبي هريرة.
(2/211)

الضَّلالةَ إذا ثَبَتَتْ في حق الجماعةِ كانت في حق الواحدِ كذلك.
ومعلومٌ أنَ النبى صلى الله عليه وسلم قال: "إذا اجتهد الحاكمُ فأصابَ، فله أجْران، وإذا اجتهد فأخطأ، فله أجر"، وما فيه أجر لا يُسَمَّى من الجماعة ضلالةً.
فالأشْبَهُ أن يكونَ هذا الحديثُ إنْ صحَّ، راجعاً إلى أنَ أمَّةَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم لا تجتمعُ على عبادةِ غَيْرِ اللهِ، ولا على مُخالفةِ ما جاءَ به رسولُ الله في أصْل، بخلافِ امَّة موسى حيث عَبَدتِ العِجْلَ في حال غيْبتهِ، وعَبَدتْ عُزيراً بَعْدَ وفاته، وأمة عيسى اتَخذَتْهُ وأمَّه إلهيْنِ مع الله سبحانه، وهذه الأمةُ لا تجتمعُ على ما هو كهذه الضَلالاتِ، بل إنْ شَذَت منها طائفة مَرَقَتْ، فإنَما تَمْرُقُ وَحْدَها، والكلُّ عادلون (1) عنها، مبَدعون (1) لها، وغايةُ ما ينتهي إليه مُبْتَدعةُ هذه الأمةِ الابتداعُ في إثباتِ وَصْفٍ من أوصافٍ لا تَليقُ به، أو جَحْدُ وَصْفٍ يَنْبغي أن يُوصَفَ به لنوع من تأويل، أو شُبْهَةٍ بظاهرِ تنزيلٍ، وانْ عوَّلَ على الأمَّةِ، فلايثبت له شيء مما رامَ.
وُيقالُ له أيضاً: فالاختلافُ أيضاً لا يكونُ عِلَّةً إلَأ أن يكونَ على كَوْنِها عِلَّةً دليل شَرْعيٌّ كغَيْرِها من العِلَلِ، ولأنَّ الاختلافَ يتضمَّنُ خِفَّةَ حُكْمِ اللَّحْمِ، وذلك معنىً موجودٌ فيه قَبْلَ الاختلافِ. وكذلك إن جَعلَ الاختلافَ علَّةً لقولهم في المُتَولدِ بين الظباءِ والغَنَم: إنَه مُتَولدٌ من حيوانٍ تجبُ فيه الزكاةُ بالاتفاقِ، فإن اعترضَ عليهَ بأن الاتفاقَ حادِث، كان الجوابُ بما مضى، وأن الاتفاقَ يدذ على تأكُدِ الزكاةِ فيه.
__________
(1) في الأصل: "عادلين، مبدِّعين".
(2/212)

فصل
ومن هذا القبيل، وهو ردُّ القياس: أنَّ يقال على القياسِ: إن العِلَّةَ متأخَرَةٌ عن الحُكمِ فلا تكونُ علةً له، وهذا كما قاسَ أصحابُنا وأصحابُ الشافعيِّ الوضوء على التيممِ في إيجابِ النيَّةِ، فقال أصحابُ أبي حنيفةَ: إنَّ فَرْضَ الوضوء تَقَدَّمَ على فَرْضِ التيمُّمِ فكيف تُوجدُ للمتقدمِ في الفَرْضِ حُكْماً وشَرْطاً من المتأخرِ؟ والعِلةُ لا يجوزُ أن تتأخَّر عن معلولها (1).
والجوابُ: أن العِلَلَ الشرعيةَ دلائلُ وأماراتٌ، ويجوزُ أن تَقَعَ الأماراتُ والدلائلُ متقدمةً على مَدْلولِها ومُتأخرةً عنه ومع شروع الحُكْمِ، حتى جازَ ذلك في الدلائلِ القطعيةِ كالمُعجزاتِ؛ فإن بَعْضَها تأخر عن النبوَّةِ، وبَعْضَها قارَنَ، وكل واحدٍ دلالةٌ على نبوَّتهِ - صلى الله عليه وسلم - المُتأخرُ والمُقارِنُ، وكذلك ما ضمَّن الله سبحانَه المُحدثاتِ من دلائلَ دلت على وُجودهِ سبحانه، وهو الأوَّلُ في الحقيقةِ.
فإذا ضَمَن الله سبحانه في التيممِ المتأخرِ دلالةً تدل على وُجوبِ النيةِ في الوضوء، لم يكُ ذلك. خارِجاً عن أسلوب الأدلةِ، وانما يمتنعُ ذلك في العِلَل العقليةِ؛ لأنه لا يُتَصَوَّرُ تحركُ اَلجسْم بحركةٍ يتأخَّرُ وجودُها عن تحركِهِ، وكذلك لا يكون الجِسْمُ أسوَدَ لسوَادٍ يقومُ به في مُستقبلِ الحال متأخراً عن كَوْنِهِ أسوَدَ.
__________
(1) انظر "التمهيد" للكلوذاني 4/ 111 - 112، و"شرح الكوكب المنير" 4/ 79.
(2/213)

فصل
ومن ذلك أن تكونَ العِلَة التي عللَ بها تضادُّ عِلةَ الشرْع في الحكْم المعَللِ له، وذلك مِثْل أن يعلِّلَ الحنفيُّ جوازَ بَيْعِ الرُّطَبِ بالتَّمرِ بَأنه جِنْسٌ واحدٌ مكيل بيع بَعْضه ببَعْض على وَجْهٍ يتساويان في الكَيْلِ في حالِ العَقْدِ، فوجبَ أن يجوزَ كبَيْعِ التمْرِ بالتمْرِ (1)، فيقول الحنبليُّ أو الشافعيُّ:
هذه عِلةٌ تُضادُّ عِلَّةَ صاحب الشريعةِ - صلى الله عليه وسلم -، حيث قال لمّا سئل عن بَيْعِ الرطَب بالتمْرِ، فقال: "أينقص الرُّطَب إذا يَبسَ؟ " فقيل: نعم، فقال: "فلاَ إذاً" (2)، فهي فاسدة من حيث تضمنتَ اعتبارَ التساوي حالَ العَقْدِ، وإهمالَ ما يتجدد من التفاضلِ بعد العقد.
والجواب للحنفي في مِثْلِ هذا: أن يتكلم على الخَبَر بطَعْن أو تأويلٍ إن أمكَنَه (3).
__________
(1) انظر "التمهيد"4/ 113.
(2) أخرجه مالك في "الموطأ" 2/ 485 من طريق زيد بن عيّاش. وأخرجه من طريق مالك: الشافعي في "الرسالة": 331 - 332. وأبو داود (3359) وابن ماجه (2264) والنسائي 7/ 268 - 269، والترمذي (1225) وقال: هذا حديث حسن صحيحٌ والعملُ على هذا عند أهلِ العِلْمِ. وهو قولُ الشافعِّي وأصحابنا.
وقد أوفىَ الشيخ أحمد محمد شاكر- رحمه الله- على الغاية في الكلام على هذا الحديث في "الرسالة"، فانظر كلامه فإنه جَيد.
(3) انظر "أصول السرخسي" 1/ 367 و"إيثار الإنصاف": 290، وممن نصر هذا الرأي ابن حَزْمٍ في "المُحلِّى" 8/ 461 - 462، وانظر "المغني" لابن قدامة =
(2/214)

فصل
ومن ذلك: الردُّ للقياسِ بأنَّ حُكْمَ الفَرْعِ ضدَّ حُكْمِ الأصْلِ.
مثالُ ذلك: إذا علَّلَ لسقوطِ القَوَدِ في القَتْلِ بالمُثَقَّلِ. فيقول الحنفي: إنَّها آلة تَقْتُلُ، فاستوى صغيرُها وكبيرُها كالمُحَدَّد.
أو علَّل الشافعيُّ في وُجوب، النيةِ في الطهارةِ بأنَّها طهارةٌ فاستوى جامدُها ومائِعُها في النِّيَّةِ كإزالةِ النجاسةِ (1).
فيقول المعترضُ مِن هؤلاءِ على هؤلاءِ ومن الآخرين على أُولئك: إنَّ هذا فاسدٌ، لأنَّه أَخَذَ حُكْمَ الشيء من ضِدِّه، لأنَّ الصغيرَ والكبيرَ في المُحَددِ يَسْتَويان في إيجابِ القَتْلِ، وهم يزيدون في الفَرْعِ تَساوي الخشبةِ الصغيرةِ والكبيرةِ والحجر الكبير والصغير في إسقاطِ القَتْلِ.
ويزيدُ أَصْحابُنا وأَصحابُ الشافعي بالاستواء في إزالةِ النجاسةِ في إسقاطِ النيةِ، وفي الفَرْعِ في إيجابِ النيةِ، فلا يجوزُ قياسُ الشيء على ضِدِّه، لأن مبنى القياس على التسويةِ والتشابهِ ويبعدُ تساوي حُكْمَى المتضادَيْن.
فالجوابُ أن يقول: إنَ حُكْمَي التسويةِ بين الصغيرِ والكبيرِ في الأصلِ والفَرْعِ، وهذا حكمٌ قد تساوى فيه الأصلُ والفَرْعُ، فلا علينا من تضادِّ غَيْرِهِ، فإنه ليس بحُكْم للقياسِ لكنه حُكمٌ شرعيٌّ اخرُ ليس من حُكْمِ العِلةِ في شَيْءٍ. ومِثْلُ هذا لا عِبْرَةَ به في باب الأدلةِ، ألا ترى أنك إذا قُلْتَ: إنَّ عيسى، كموسى في النبوَّةِ بدلالَةِ المعجزةِ،
__________
= 4/ 12، و"شرح معاني الآثار" 4/ 6.
(1) انظر "التمهيد" للكلوذاني 4/ 113 - 114، و"المهذِّب" للشيرازي 2/ 176، و"شرح معاني الآثار" 3/ 186.
(2/215)

ومحمد كَهُما في النبوَّةِ بدلالةِ المعجزةِ، لم يَلْزَم في التساوي في الإعجاز أن لا تتضادَّ نفسُ المعجزةِ أو تتغايَرَ، بل لو كان أحدُهما يُميتُ الأَحياءَ، مِثلَ إصعاقِ السبعين لموسى الذين بُعِثوا من بَعْدِ موتِهم، وإخراجِ يده بَيْضاءَ بَعْدَ عدم بياضِها، وكان الأخَرُ يُحيي الموتى وُيزيلُ بياضَ البَرَصِ، لم يَمْنَع ذَلك التضاد والتباعدُ والتغايرُ من اجتماعِ الكل في دلالةِ الصدقِ والرسالةِ. وكذلك اختلافُ مُعجزِ نبينا بكونه انفلق له القَمَرُ في السماءِ، ومعجز موسى فَلْقُ البحرِ في الأرْضِ، كذلك حُكْمُ علَّةُ المُعَللين ها هُنا: التسويةُ بين الصغيرِ والكبيرِ، والجامد والمائعِ دون ما وراءَ ذلك.

فصل
ومما ردوا به القياسَ: قولُهم: إن هذا قياسٌ لم يُصَرح بحُكمهِ، ومثال ذلك قولُ أصحابنا وأصحاب الشافعيُّ في مسألةِ القَتْلِ بالمُثَقل: إنه آلةٌ تقتلُ غالباً، فأشبَهَتِ المُحددَ (1) 0 أو يقول الحنفيُّ في نَفي النيةِ في الوضوءِ: بأنَها طَهارة بالماءِ أشبهَتْ إزالة النجاسةِ، فيقول المعَترضُ من كلُّ طائفةٍ على مُخالفهِ المُعَفَل بمِثْل هذا: إنّك لم تُصَرحْ بالحُكْم الذي تُثْبتُه عِلتُك، بل قَوْلُك: فأشبَهَ، أجْمَلَ (2) الحُكْمَ إجمالاً، فلا يُعْلَمُ من حُكْمِكَ ما تُريدُهُ، ألا ترى أنك إذا قُلْتَ: زْيدٌ أشْبَهَ عَمْراً، أو يُشْبهُ عَمْراً، لم يُعْلَمْ في ماذا يشْبِههُ. فالجواب أن نَقول: إنما أرَدْت التشبهَ في الحُكْم الذي اختلفنا فيه ودَلَلْتُ عليه، وعنه سُئِلْت، فكان
__________
(1) انظر" التمهيد" 4/ 113.
(2) في الأصل: إجمال.
(2/216)

ذلك بمنزلةِ النًّطْقِ به، والأصلُ فإنَّما هو المُحَددُ. وقولي: فأشْبَهَ، قد بَينْتُ أنه عبارة عن الحُكْمِ الذي دَلَلْتُ عليه، ولو صَرحْتُ به أمْكَنني وجازَ، وصار مما شَبَّهْت به من ذِكْرِ تَشَبُّهِ زيدٍ بعمروٍ قولنا: زَيْدٌ قَتَّالٌ فأشْبَه عَمْراً، أو: زيدٌ قارِىء فأشبَهَ عَمْراً، فإنه لا ينصرفُ التشبيهُ الأ إلى القَتْل أو القراءةِ.
(2/217)

فصول
الممانعة
وهي الاعتراضُ، والسؤال الثاني على القياسِ بَعْدَ الرد له. وحدها: تكذيبُ دَعْوى المُسْتَدِل، إمَّا في المُقَدمةِ، وهي وَصْفُهُ في الفَرْعِ، أو الوصف في الأصلِ، أو فيهما جميعاً، أو في حكم الأصلَ.
فالذي يُبْدَأُ بهِ: مَنْعُ الحكْمِ في الأصلِ، فيجابُ عنه من أوْجُهٍ:
أحدُها: أن يُبَيّنَ أن الروايةَ الصحيحةَ تَسْليمُ الحُكمِ في الأصْلِ، وهذا لا يجوزُ أن يكونَ من طريقِ الدلالةِ على صحةِ الروايةِ، لكن يُبَيّنُ أن المَرْوِي عن صاحبِ المَذْهبِ هو التسليمُ.
ومثالُ ذلك: أنَّ يستدل الشافعيُّ على أن من أحْرَمَ بالحج تطوعاً وعليه فَرْضُهُ أنه يَنْعَقِدُ فَرْضاً، بأنه أحْرَم بالحجِّ وعليه فَرْضُهُ، فوقع عن فَرْضهِ كما لو أحرمَ بالحجِّ مُطْلَقاً (1).
فيقول المخالفُ: لا أُسلمُ الحُكْمَ في الأَصْلِ، فإنَّ الحسنَ بنَ زيادٍ (2) روى عن أبي حنيفةَ أنَّه لا يقع عن فَرْضِهِ.
__________
(1) انظر "التمهيد" 4/ 119.
(2) من أصحابِ أبي حنيفة. انظر ترجمته في "سير أعلام النبلاء" 9/ 543 =
(2/218)

فالجوابُ عنه: أن يبين صحة روايةِ التَسْليمِ، وأنها هي المذهبُ المعوَلُ عليه، لأن أبا الحَسَنِ الكَرْخي (1) ذكرها، ولم يذكر روايةَ الحسنِ بن زيادٍ، لأنه ضَمِنَ أنه لا يذكر إلا الصحيحَ، وليس أبو حنيفةَ ممن يقولُ بقَوْلَيْن، فلا بُدَّ من تقديم إحدى الروايتين عنه على الأخرى، فيجبُ تقديمُ التي عول عليها أبوَ الحسنِ الكَرْخيُّ حيث بينها فيما ضَمِنَ فيه على نَفْسهِ الصحه واثباتَ مَذْهبهِ بها.
الوَجْهُ الثاني من الأجوبةِ: أن يبين الأصلَ في موضع مُسَلم.
وذلك مثل: أن يستدل الشافعي في إثباتِ الترتيب في الطهارةِ بأنها عبادةٌ يُرجع إلى شَطْرِها في حالِ العُذْرِ، فوجب فيها الترتيبُ كالصلاةِ (2).
فيقول المعترضُ: لا أسلمُ وجوبَ الترتيب في الطهارةِ، لأن عندي مَنْ تَرَكَ أرْبَعَ سَجداتٍ من أربعِ ركْعاتٍ، جازَ أن يأتيَ بهِن متوالياتٍ.
فيقول المستدل: إنني جَعَتُ أصْلَ قياسي ترتيبَ الركوعِ على السجودِ وذلك مُسَلَّمٌ.
والثالث: أن يدل على صِح حُكْمِ الأصلِ إذا لم يكن واحد من الطريقَيْن الأولَيْن، وذلك مثل: أن يستدل على وُجوبِ غَسْلِ الاناءِ من
__________
= و"تاريخ بغداد" 7/ 314 و "تاج التراجم" لابن قُطلوبغا: 150.
(1) تقدمت ترجمته في الصفحة: 87.
(2) انظر "التمهيد" 4/ 118.
(2/219)

وُلوغِ الخِنْزِيرِ بأنه حيوانٌ نَجسُ العينِ فوجب غَسْلُ الإناءِ من وُلوغهِ سبعاً كالكلبِ (1).
فيقول المعترض: لا أُسلمُ حُكْمَ الأصلِ. فلِلْمُسْتَدِل أن يدل عليه وينقلَ الكلامَ إليه بقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إذا ولغ الكلبُ في إناءِ أحدِكُم فاغسلوه سبعاً إحداهنَّ بالترابِ" (2).
فإن. قيلَ: هذا انتقالٌ من المسؤولِ عن المسألةِ التي سُئِل عنها، وذلكَ عَجْزٌ عَن نُصْرَةِ ما بدأ بنُصْرته، فهو عَيْنُ الانقطاعِ. قيل: إنه ليس بعَجْزٍ ولا انتقالٍ ولا انقطاع، لأنَ المسؤولَ قد لا يكون له طريقٌ إلى إثباتِ الحكْمِ فيما سأله عنه إلّا من جهةِ هذا الأصلِ فبِهِ حاجة إلى القياسِ عليه.
فإن قيل: فهلا استَسْلَمَهُ منه قَبْلَ استدلالهِ؟ فإنْ سلمه له، وإلا دل عليه وبنى الكلامَ عليه لئلا يحتاج إلى ما قد أوْقَعَ الإشكالَ، هل هو انقطاعٌ واتصالٌ، أو ليس كذلك؟
قيل: لا حاجةَ به إلى ذلك، لأن ذلك تطويل للكلام وعُدول عن السؤالِ إلى مَسْألةٍ أخرى، فإذا ابتدأ بالدَلالةِ على ما سُئَل عنه، ثم دَفَعَتْهُ الحاجةُ إلى الدلالةِ على ما نُوكِرَهُ ومُونِعَهُ دلَّ عليه، ولم يكن
__________
(1) انظر "المهذب" للشيرازي 1/ 48، و"نَيْل الأوطار" 1/ 33، و"المُغني" 1/ 63، و"فتح الباري" 1/ 368.
(2) تقدم تخريجه في الصفحة: 148.
(2/220)

ذلك خُروجاً عن قانونِ الجَدَلِ ولو وَجَبَ ما ذَكَرْتُم لوجبَ إذا سُئِل عن مسألةٍ يقتضي الحالُ استدلالَه فيها بالعُمومِ أو بدليلِ الخطاب فدل بذلك، فناكره السائلُ وقال له: هذا ليس بدليلٍ عندي، أن لاَ يَشْرعَ في الدلالةِ على أن العُمومَ صيغةٌ، وأن دليلَ الخطاب حُجةٌ، بل يقالُ له: هذا انتقالٌ، وهلا بدَأتَ السائلَ لك بالاستفْصَالِ عن تَسْليمه أو مَنْعِهِ لئلّا يحتاجَ إلى هذا المُوهِمِ أنه انتقال؟ بل كان الأمْرُ فيه على ما ذَكَرْنا من المُضيِّ على سَنَنِ ما سُئِل عنه والدلالةِ عليه بما يعتقدهُ دليلاً، فإن مونع فَدَعتْهُ الحاجةُ إلى إقامةِ الدليلِ على صحةِ ما استدل به، فَعلَ ذلك، وكان سُلوكاً لقانونِ الجَدَلِ، كذلك هاهُنا ولا فَرْقَ بينهما، وهذا كلُّه لمعنى أصليٍّ، وهو أنَّ مَنْ كان معه في حُكْم الأصْلِ مِثْلُ هذا الخبرِ المشهوار المُدوَّنِ في الكُتبِ والسُّنَنِ، لا يجوز أن تَضْعُفَ نَفْسُهُ في البناءِ عليه، بحيث يستسلمُ حكْمَهُ مَنْ عَساهُ لم يَسْمَعْهُ أو لم يَعْرِفْ محلَّه من إثْباتِ الحُكْمِ. ويطولُ علينا في الجَدَلِ أن نَبتعد عن إسناداتِ الأحكل أم إلى مِثْل هذه الآثارِ لأجْل شُبَهِ المُخالفين.

فصل
فإن استدل أصحابُنا أو أصحابُ الشافعي في مسألة إِثباتِ الخيارِ في النكاحِ بالعيوب، بأنَ العَيْبَ، معنى يمنعُ أكْثَرَ المقصودِ أو مُعْظَمَ لمقصودِ، فأُثْبِتَ الخَيارُ كالجَب والعُنةِ، فقال المُعْتَرِضُ: لا نُسَلِّمُ أَن الجَب يُثبتُ الخيارَ، وإِنَما المثبتُ للخِيارِ عدم استقرارِ المَهْر (1).
__________
(1) انظر "التمهيد" 4/ 119 - 120. وانظر: "الاختيار في تعليل المختار" 3/ 115 و"رحمة الأمة": 400 و "المغني" 6/ 471.
(2/221)

فالجوابُ: أنَّ هذا ليس مُمانعةَ الحكمِ في الأصْلِ، لأن الحُكمَ حاصلٌ بوجودِ الجَب والعُنةِ في الزوجِ، وكَوْنُ الجَب يتضمن معنىً لأجْلِهِ تَعلق الحكمُ به لا يمنعُ تعليقَ إلحكمِ عليه. وما ذلك إلا مثلُ تعليقِ المسحِ على الخُفين، وتعليقِ الرخَصِ على السفرِ وان كان المعنى في الاثنين ما تضمنا (1) من المشقةِ في الخَلعِ والسفرِ.

فصل
فإن مُونعَ الحكمُ في الاصل، ففَسرَ (2) لفْظهُ بَتفسير مُسَلم لا تتناولهُ ممانعةُ المانعِ، مثلَ أن يستدل الحنفيُّ في أنَ الإجارةَ تبطل بالموتِ: بأنه عقد على مَنفعةٍ فبطلَ بالموتِ كالنكاح. فيقول الشافعيُّ أو الحنبليُّ: لا أسلمُ الحكمَ في الاصلِ؛ فإن النكاحَ لا يبطُل بالموتِ، وإنما ينقضي وينتهي بالموتِ، لأنه معقودٌ إِلى الموتِ، ولذلك استقر بالموتِ جميعُ المهرِ كما يستقر بالدخولِ.
فيقول المستدل: أريدُ بقولي: فبطل بالموت: أنَّه لا يَبْقى بعد الموتِ، وهذا مُسلمٌ. فيقولُ المعترضُ: إن زوالَ الحكمِ بتمام الشيء لا يُسَمى بُطْلاناً في اللغةِ ولا في الشرع، ألا ترى أنه لا يقالُ: بَطلت الإجارةُ إذا انقضت مُدتها، ولا بطلت الكتابةُ إِذا استُوفيتْ نُجومُها (3)، ويقال ذلك إِذا تلِفت العينُ المسَتأجَرةُ قبل انقضاءِ المدةِ، وعَجز المُكاتَبُ قَبْلَ إيفاءِ النجومِ، وكذلك العبادات يقالُ عند تمامِها:
__________
(1) في الاصل: "تضمنها".
(2) في الأصل: "فقس".
(3) النجوم: الوُقوتُ المضروبة. انظر "القاموس": (نجم).
(2/222)

تَمت، وعند انقضائِها: فُرغَ منها، ولا يُقالُ: بَطَلتْ. قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في أَمنِ الفَواتِ: "فَمَنْ وقَفَ مَوْقِفنا هذا من ليْلٍ أو نهارٍ، فقد تمَّ حَجه وقَضى تَفثَه" (1) ولم يقل: بطل حَجه. وقال: "فمَنْ تشهد من صلاتهِ فقد تمت صلاتُه" (2). ولم يقل: بَطلتْ.

فصل
فإنْ قال المُعترضُ: إنَّ حْكَمَ الأصلِ لا يتعدى إلى الفَرع، مِثْلَ قولِ الحنفي (3) في ضَمِّ الذهب الى الوَرِق في الزكاة: انهما مالان زكاتُهما رُبْعُ العُشْرِ، فضُم أحدُهما إلى الآخَرِ، كالصحاحِ والمكَسرة.
فيقول له المخالفُ: إن الحكمَ في الأصلِ هو الضم بالأجزاءِ، وفي الفرع بالقيمةِ، فليس يتعدَّى حُكْمُ الأصلِ الى الفَرْع، فيقول المُستَدل: إِنما ألحقْتَ حُكمَ الفرع بالأصلِ في وجوب الضَم، ولا يلزمني أنَّ تستوي صفةُ الضم، ألاَ تَرى أنا نقيسُ الكفَارة على نيّةِ الزكاةَ، وانتَ تقيسُ الطهارةَ على، الصلاةِ في النيةِ وإن اختلفا.
__________
(1) جزءٌ من حديث أخرجه أبو داود (1950)، والترمذي (891)، والنسائي 5/ 264 من حديث عروة بن مُضَرس الطائي. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وأخرجه من الطريق نفسها: أحمد في "المسند" 4/ 15، وابن ماجه (3016)
(2) أخرجه أبو داود (970)، وانظر "المغني" 1/ 379، و"المحلى" 3/ 278.
(3) في "التمهيد"4/ 122: كقولِ أصحابِنا، يعني الحنابلة.
قلت: وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله. انظر: "الكافي" لابن قدامة 1/ 405، و"المغني" له 3/ 8، و"الروايتين والوجهين" لأَبي يعلى 1/ 241، وانظر "المحلى" 6/ 80/ - 83، و"رحمة الأُمة": 175.
(2/223)

ويمكنُ المعترضُ أن يقولَ: إن الضم الموجودَ في الأصلِ هو نوعٌ غيرُ النوعِ المثبتِ في الفَرع، ويُمكنُ إثبات حُكمِ الأصلِ في الفرعِ، وإنما أثبتَ غَيرَهُ، وتخَالفُ النيةُ لأن الغَرضَ إثباتُ وجودِ القَصدِ إلى العبادةِ، وذلك موجودٌ فيهما.

فصل
فإن اعترضَ معترض على حُكمِ الأَصلِ: بأني لا أعرفُ مَذْهَبَ مَنْ أنصرُهُ فيه، فإنْ أمكنَ المستدلَّ أن يُبَين مذهبَ المخالفِ، وإلا دل عليه، وكذلك إن كان فيه قولان أو وجْهانِ أو روايتان، فإنْ أمكنَ المسؤولَ أن يُبينَ أن أحدَ القولَيْن رجع صاحبُ المذهب عنه، أو يُبينَ أن إحدى الروايتين مرجوعٌ عنها، أو أنها هي روايَةُ الأصلِ أو الصحيحةُ بتَعويلِ مشايخِ المذهب عليها وثِقةِ رُواتها، وكذلك في أحدِ الوجَهين إنْ تعذَّر عليه ذلك، دَل على إثبات الحكم في الأصلِ على ما تقدم (1).

فصل
فأمَّا ممانَعةُ العلَّةِ في الأصلِ، ويُسَميه بعضُهم مُمانعةَ الوصْفِ في الأصلِ، فمِثل أن يستدل أصحابُنا أو أصحابُ الشافعيِّ على وجُوب الموالاةِ في الوُضوء: بأنها عبادة يُبطلُها الحَدَثُ، فكانت الموالاةُ واجبةً فيها كالصلاةِ (2)
فيقولُ المخالفُ: لا أسلمُ أن الصلاةَ يُبطِلُها الحدثُ، وإنما يُبطلُ
__________
(1) انظر "التمهيد" 4/ 121 - 122.
(2) انظر "التمهيد" 4/ 118.
(2/224)

الحدثُ الطهارة، وتبطُل الصلاةُ لعدمِ الطهارةِ.
فيُجيبُ المُسْتدل بأن يُبين بُطلانَ الصلاةِ التي لا طهارةَ فيها بالحدثِ، وهو إذا سبقَه الحدثُ، فإنَ المخالفَ يُبطلُ طهارته ولا يُبْطلُ صلاَته، وهو قولُ الشافعيِّ وروايةٌ عن أحمدَ، فلو تعمد الحدثَ بعد سَبقِ الحدثِ بطلت صلاُته، فقد بان صحَةُ ما ذكرتُ من بُطْلان الصلاةِ بالحدثِ، وبطلت ممانعتُك، على أنه يُمكنُ القولُ ببطلانِها بالحدثِ بواسطة بُطلانِ الطهارةِ، فيقول: أردْتُ بُطْلان الصلاةِ به أنه يُبطِلُ شرطَ الصلاةِ فتبطل. والمبطِلُ على ضَرْبَين: مُبْطلٌ بلا واسطةٍ، ومبطلٌ بواسطةٍ، ألا ترى أن القاتلَ على ضَرْبَيْن: قاتل يباشِرُ النفْسَ بالقَتلِ، وقاتلٌ يمنعُ الشرطَ، فالجارحُ مباشرٌ محل الحياةِ فيُزهِقها، والمانعُ لها بالحَبْسِ شرطَ الحياة، وهو الأكلُ والشرْبُ فيُزهِقُها قاتلًا، كذلك هذان يُبطلان، فمُبطلٌ يباشِرُ الصلاةَ، ومُبطلٌ بواسطةِ إبطالِ شَرْطها.

فصل
ومن ذلك قَولُ أصحاب أَبى حنيفةَ في إِيجاب زكاةِ الفِطرِ عن العَبدِ الكافِر: أنَ كلَّ زكاةٍ وجبت عن العَبدِ المسلم وجبَ إخراجُها عن العبدِ الكافرِ كزكاةِ التجارةِ.
فيقول المُخالِفُ: لا أسلِّمُ انها تجبُ عن العَبدِ، بل تجبُ عَن قيمتهِ (1).
__________
(1) انظر "التمهيد" 4/ 116، و"المحلِّى" 6/ 132، و"نيل الأوطار" 4/ 181 =
(2/225)

فيقول المُسْتدل: أدل على ذلك بأن الذي في مُلكهِ العَبْدَ دون قيمتِه، ولهذا اذا تَلِفَ العبدُ سقطَتْ.
فيقول المُعترضُ: إن العَبْدَ له قيمة توجدُ بوجوده وتُعدَمُ بعدمِهِ وان لم يتعين مُلكهُ عليها؛ ألا ترى أنه يملكُ الدين وُيزكي عنه وإن لم يتعينْ مُلْكُهُ عليه.

فصل
ولنا نوع من الممانعات، وهي إنكارُ السائل أو المعترض في الجُملةِ علةَ الأصْل على مَذهب المُعَلِّلِ، ويوردُها قوم بَلْفظٍ، هو: أنه لا يصح الوصْفُ في الأصلِ على مذهبِك. وكيفَ ما أوردها المعترِضُ فإنها ممانعة من جملةِ ممانعاتِ الوصفِ في الأصل.
ومثال ذلك: قولُ أصحابِ أبي حنيفةَ: إنَّ اللعانَ فُرْقة تختص بالقَولِ، فوجبَ أن لا يتأبدَ تحريُمها، كالطلاقِ (1).
وكذلك قولُ الحنفيِّ أيضاً في المنْع من إضافةِ الطلاقِ إِلى الشعرِ: إنَّه معنى تتعلَّقُ صحتُه بالقولِ، فلم يصح تعليقُه على الشَعر كالبَيعَ.
فيقول الشافعيُّ: عندك أنَّ الطلاقَ لا يختص بالقَوْلِ، فإنَه يَقَعُ بالكنايةِ (2) مع النيةِ، وليست قَوْلاً.
__________
و"رحمة الأمة" 181.
(1) انظر "التمهيد" 4/ 117.
(2) كذا بالنون والياء. قال العسكري في "الصناعتين": 368: في تعريف =
(2/226)

فإن قال المُسْتَدِلُّ: الكنايةُ قائمةٌ مَقامَ القَوْلِ ونائبةٌ عنه، قيل: لا يَمْنَعُ ذلك صحةَ المُمانعةِ، لأنها ليسَتْ بقَوْلٍ وإن نابَتْ عنه؛ ألا تَرى أنه لو قال قائل: إن الطلاقَ مُختص بالصريحِ، فنقول له: ليس كذلك لأنه يَقَعُ بالكنايةِ مع النيةِ، فيقول إن الكنايةَ نائبةٌ عن الصريح فكان مُختصاً بالصريح، لأن ما نابَ عن الصريحِ صريح [و] لم يصح كذلك قَولُهُ: الكِنايةُ نائبةٌ عن القَوْل فكان مُخْتصاً بالقَوْل، لا يكون قولاً صحيحاً.

فصل
وأما إنكارُ العِلةِ وممانعتُها في الأصْلِ، فمِثْل أن يقولَ أصحابُ أبي حنيفة في لِعان الأخْرَسِ: إنه معنى يَفْتَقِرُ إلى لَفْظِ الشهادةِ، فلا يصحُّ من الأخرس، كالشهادةِ بالحقوقِ.
فيقول أصحابُ المشافعيِّ: لا نُسَلمُ أنه يفتقرُ إلى لَفْظِ الشهادةِ.
فيحتاجُ المستدلُّ أن يُبَيِّنَ أن مَذْهَبَ، صاحب المذهب ما ذَكَرَهُ، أو يدل على ذلك (1).

فصل
فأمَّا ممانعةُ العِلةِ وانكارُها فيهما، فمثل قولِ أصحابِ أبي حنيفة
__________
= الكناية: هو أن يكني عن الشيء ويُعرِّض به ولا يُصَرح. وانظر "الكليات" لأبي البقاء4/ 108. ووقع في "التمهيد" 4/ 117: الكتابة بالتاء. ويريد: له وقوع الطلاق على طريقِ الكتابةِ، كأَن يكتبَ خطاباً أو رسالةً، لأَن البيان بالكتاب بمنزلةِ البيان باللسان.
(1) انظر "التمهيد" 4/ 123.
(2/227)

في المتمتّعِ إذا لم يَصُم في الحجِّ: أنَه يسقط الصوم، لأنَّه بَدَل بوَقْتٍ، فوجب أن يسقطَ بفواتِ وقْتِهِ، كالجُمعةِ.
فيقول المعترضُ: لا أسلمُ أن الجُمعةَ بَدَل، ولا أسلمُ في الفَرْع أنَه مؤقَّت. فيحتاج المستدل أن يُبَينَ تَسْليمَهُ من مَذْهَبِهِ، أو يدل عليه (1).

فصل
المطالبةُ بتصحيح العِلةِ، وهو السؤالُ الثالثُ عن القياسِ.
فصل
واذا طولب المستدل المعللُ بتصحيحِ العِلةِ والدلالةِ عليها لَزِمَهُ ذلك، وتكون الدلالةُ عليها نُطْقاً وتَنبيهاً واستنباطاً.
فالنطقُ، كقوله تعالى: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} [الحشر: 7]، {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165]، وكذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ} [المائدة: 91]، ومثل قوله فى - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّما نهيتكم عن ادخار لحومِ الأضاحي لأجْلِ الدافَّةِ، ألا فادًّخروها" (2).
وأما الفحوى، فَمِثْلُ قولِه تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ
__________
(1) "التمهيد" 4/ 124.
(2) تقدم تخريجه في الصحفحة: 52.
(2/228)

يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25]، وفحوى هذا أن الكوافِرَ من الفتياتِ لا يجوزُ نكاحُها، وأنَّ الإيمانَ علةُ الإباحةِ.
وكذلك نَهْيُهُ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ بَيْعِ الكالىء بالكالىءِ (1)، يريدُ بَيْعَ الدَّيْنِ بالدَّيْنِ، يدلُّ على أن نَهْيَهُ لأجْلِ كونه (2) دَيْناً، وكذلك إذا نُقِلَ الحُكْمُ مع سَبَبهِ دل على تَعَلقِهِ به، كقولهم: سها رسول الله فسجد، وزَنا ماعزٌ فَرَجمه رسولُ الله، والظاهرُ أنه سها فسَجَدَ لأجْلِ سَهْوِهِ، وزَنا ماعز فَرَجَمَهُ لأجْلَ زناه.

فصل
وأمَّا الدلالةُ من جهةِ الاستنباط فمِنْ وجوهٍ: أحدُها وجودُ الحكمِ بوجودِها وارتفاعُهُ بارتفاعِها وزوالها، وذلك مثل أن يُعَللَ تحريمُ الخمرِ بأن فيه شِدَّةً مُطْرِبَةً لأنه إذا كانت عصيراً فهو حلال، وإذا حَدَثتْ فيه الشدَّةُ المطربةُ حَرُمَ، فإذا زالت الشدةُ صارَ حلالاً، وليس نسبةُ الحُكْم إلى العلَّة الآ لوجوده عند وجودِها، وزوالهِ عند زوالِها من غير أن يُشاركَها غيرها في الوجودِ والزوالِ، ولا يقنَع بالمشاركِ حتى يكونَ ممَّا يَظْهَرُ من مِثْلِهِ تأثير [في] ذلك الحُكْم وتَعَلُّقٌ به يوشكُ أن يكونَ مُشارِكاً، فنَفْيُ الصلاحيةِ عن الشريكِ كافٍ في نَفْيِ تعلقِ الحُكْمِ به.
__________
(1) أخرجه البيهقي في" السنن الكبر ى" 5/ 290، و"السنن الصغرى" 2/ 247 من حديث ابن عمر، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 57، وصححه على شرط مسلم، وانظر "غريب، الحديث" لأبي عبيد 1/ 23.
(2) وفي الأَصل:"كونها".
(2/229)

وبَعْضُ أهل الجَدَلِ قال: إنْ وُجِدَ مع العِلةِ شريكَ وجَبَ أن لا يُحْكَمٍ بكونِها علةً حتى تَدُل على أن الحُكْمَ وجِدَ لأجْلِ تلك العِلةِ خاصة، وأنه زال لزوالِها خاصةً، وذلك مثل أن يَدعيَ مَنْ مَنَعَ تَعْليلَ الخَمْرِ بأن التحريمَ مَنَعَ الاسمَ، لأن العصيرَ اذا حدثَتْ فيه الشدةُ المُطْرِبَةُ سُمي خَمْراً، فإذا زالت زالَ الاسمُ، فَتَبَين أن التحريمَ يَتْبَعُ الاسمَ، فيحتاجُ الشافعي أو الحنبلي أن يُوضِّحَ أن التحريمَ تَبعَ الشِّدَّةَ دون الاسمِ، وزال بزوالِ الشدةِ دون الاسمِ، ويدلى على ذلك بأنه إذا طُبِخَ زال عنه اسمُ الخَمْرِ، والتحريمُ باقٍ لبقاءِ الشدةِ المُطْرِبَةِ.

فصل
ومن ذلك أن يَبْطُلَ ما سِوى العِلةِ المذكورةِ في الأصْلِ، فتصح العِلةُ المذكورةُ؛ لأن الأصْل إذا كان مُعَللًا فبَطَلتِ العِلَلُ التي يَنْتهي إليها التقسيم سوى واحدةٍ، دل على أن التي لم تبطُلْ هي عِلتُهُ.
مثالُ ذلك: أن يَدعيَ أن العلَّةَ في الأعيانِ المنصوص على تحريمِ التفاضل فيها، وهي البُر والشَعيرُ والتَّمْرُ والمِلْحُ الطعْمُ (1)، فإذا بَطَلَ ما سوى الطُّعْمِ من الكَيْلِ والقُوتِ والطعْمِ والكَيْلِ معاً صح أن العِلةَ للطعْمِ، فإنْ كان خَصْمُهُ يذهبُ إلى أن العِلةَ الكَيْلُ فإذا أبْطَلَ عِلةَ خَصْمِهِ خاصةً ثبتت عِلتُه، وكان في مُوافقةِ خَصْمِهِ له على إبْطالِ ما سوى عِلتَيْهما غِنىً عن التكلفِ لإسقاطِ ما عداهما، لأن تعاطي الدلالةِ على مَوْضعِ الاتفاقِ قَطْع لِلْوَقْتِ وتَضييع للكلامِ.
__________
(1) انظر "رحمة الأمة": 274 و"المغني" لابن قدامة 4/ 5.
(2/230)

فصل
ومن ذلك ما ذكره أصحابُ الشافعيُّ رحمةُ الله عليه وعليهم من شهادةِ الأصولِ، وإنما يكونُ ذلك في العلَّةِ إذا كانت حُكْماً، كقولهم: ما كان رباً في دارِ الاسلام، كان رباً في دارِ الحرْب؛ لأن الأصولَ تَشْهَدُ أن العقودَ بين المسلمين تستوي فيها الأمكنةُ منَ دارِ إسلام أو حَرْبٍ، فدلتْ التسويةُ في عامةِ العقودِ على أن إثباتَ الربا في إحْداهما رباً في الأخرى (1).
وكذلك قولُهم في زكاةِ الخَيْلِ: مالا تجبُ الزكاةُ في ذُكورِهِ إذا انفَرَدَت لا تَجِبُ في إناثهِ؛ لأن الأصولَ التي تجبُ فيها الزكاةُ من سائرِ الحيوانِ يستوي ذكورُها وإناثُها (2)، فاستوى في هذا النوع المختلفِ فيه، فكانت التسويةُ في الأصولِ في هذه المسائل وأَمثالِها هي الدلالةَ التي يَفْزَعُ إليها المستدل إذا طولبَ بتصحيح عِلتهِ أو الدلالةِ عليها، والله أعلمُ.

فصل
فإن طولبَ مُعَللٌ بالدلالةِ على صحةِ العِلةِ، فقال: الدلالةُ على صِحَّتِها ما دلت على صحةِ القياسِ؛ لأن الشرْعَ أوجَبَ انتزاعَ العِلةِ وقد انتزعَها، لم يكن هذا الجوابُ كافياً؛ لأن كوْنَ الأصْلِ واجباً (3) تَعْليله انما يكون اذا كان مما يصح تعليلُهُ، وإذا جاز تَعْليلُه، لم يدل
__________
(1) انظر "المغني"4/ 30، و"المُحلى" 8/ 514.
(2) انظر "نَيْل الأوطارِ" 4/ 136، و" المحلى"5/ 226 - 229.
(3) في الأصل: "واجبٌ بالرفع".
(2/231)

ذلك على صحةِ علتهِ التي انتزَعَها إلا أنْ يبين أنه لا يُمكنُ أن يُعَللَ بغيرِ ذلك، فيكون حينئذٍ دلالةُ التقسيم، وقد ذكرناها.

فصل
فأمَّا اطرادُ العِلةِ في معلولاتِها وجَرْيُها، فقد اختلف الناسُ فيه، فمنهم مَنْ جَعَلَهُ دلالةً على صحتها. ولأصحابِ الشافعيِّ فيه وَجْهان:
فمنْ جعله دليلاً تعلق بأن هذه العلَّةَ لو لم تكُن صحيحةٌ لكان يردها أصل من أصولِ الشريعةِ فلما لم يردَّها شيءٌ، دل ذلك على صِحتِها، وقد دل على ذلك قولهُ تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)} [النساء: 82] فاستدل عليهم لصحتِهِ أنهَ من عند الله بِعدمِ الاختلافِ والمناقضةِ (1).
وذهبَ الأكثرون إلى أنه لا يكونُ دلالةً، لأن كلُّ واضع لِمذْهب يُمكنه أن يَطْرُدَهُ لا تَبَعاً للأدلةِ ولا التأثيرِ، لكن بتركِ كلِّ قَوْلٍ يُخالفُ وضْعَهُ وبطَلب أنَّ لا ينتقضَ وَضْعُه، حقاً كان المذهبُ الذي يضعُهُ أو باطلًا.
وإِذا كان الطرْدُ فِعْلَ القائسِ لأنه إذا استخْرجَ الوصْفَ من الأصْلِ، طَردَهُ في كلُّ موضع وُجِد فيه، لم يَغْلِبْ على الظن إثبات الحُكْمِ في الفَرْع، لأن الذي ينبغي أن يطردَهُ بعد ثُبوتِ كَوْنِهِ عِلَّةً في الأصلِ، فلا يكَون طَرْدُهُ دِلالةً على كَوْنهِ عِلَّةً، بل يكون كونُه علةً
__________
(1) انظر "التمهيد" للكلوذاني 4/ 35 و"الوصول إلى الأصول" لابن برهان 2/ 303.
(2/232)

أوجَبَ الحكمَ في كلُّ محل؛ ألا ترى أن القائسين أجمعوا على أنَّ العلَّةَ في الأعيانِ المنصوصِ عليها في تحريم التفاضلِ واحدةٌ، ثم اختلفوا في تلك العلَّةِ الواحدةِ، وكل واحدٍ منهم ذكر علةً اطردَتْ في الفُروع (1)، فمن قال: الطُّعْمُ. لم يُخْرِجْ مطعوماً عن كَوْنهِ يحرمُ فيه الربا لوجودِ اَلعلةِ فيه لا قَصْداً لطَرْدِها بل هي المُوجبةُ لذلك، حيث اجتهد فلم يُفْضِ به اجتهادُهُ إِلأ إلى أنها علَمُ الحُكْمِ شَرْعاً.
وكذلك مَنْ قال: هي الكَيْلُ، طَرَدها في كلُّ مكيل مطعوماً كان أو غَيْرَهُ.
وكذلك من قال: انها القوتُ. طردها في كلُّ قوتٍ.
ثم اتفقوا جميعاً على واحدةٍ من العِلَلِ، هي الصحيحةُ دون الباقياتِ وإن كان الطرْدُ قد شمل الكل، فلو كان الطرْدُ عندهم دلالةً على الصحة لكانت العِلَلُ كفها عند كلُّ واحدٍ منهم صحيحةً، فلما اتفقوا على أن الطرْدَ في الكل والصحةَ مختصةٌ بواحدةٍ، بَطَلَ أن يكون الطرْدُ بإجماعِهم دلالةً على الصحةِ.

فصل
وقد ذكر بعضُ أهلِ العلمِ أن سلامةَ العِلةِ مما يُوجبُ فسادَها دِلالةٌ على صِحتِها، وذهب إليه بعضُ أصحابِ الشافعيُّ رحمة الله عليه قالوا: لأنها لو لم تكن علةً لم تَسْلَمْ مِنْ وجْهٍ من وجوهِ الفسادِ الذي يُعترضُ به على العِلَلِ، ويكون ذلك كافياً في إثباتها، وهذا لا يكفي؛
__________
(1) انظر "المغني"4/ 5 - 6، و"تفسير القرطبي" 3/ 352 - 353، و"الفروق" للقَرافي 1/ 259 - 261.
(2/233)

فإنَّ تطرُّقَ الفسادِ قد يكونُ لِما قدَّمْنا ذِكرَهُ، وهو وضْعُ المذهب، على أَنّه لا يَقْبلُ على العِلةِ نَقْضاً، فنضع المذهبَ لِصحتِها على وجْهٍ لايقْبل المناقضةَ، وأفعالُ الإنسانِ ووضْعُهُ لا يكونُ ذلك دِلالة على صِحة مَذْهبهِ، ولذلك لو أنَّ مُدعي النبوَّةِ قنعَ في الدلالةِ على أنَّ المُنكرين لنبوَّتهِ لا يجدون ما يُكذّبُه لم يَكفِ ذلك دِلالة على صِدْقِهِ حتى يُقيمَ شاهداً بصدْقِهِ، لأن الخَصْمَ يجوزُ أنَّ يُقَصرَ، والمُكذِّبَ لهذا المُدعي يجوز أنَّ يُقَصرَ عن إيرادِ ما يُفْسِدُ قَوْلَ المتنبّىءِ ودعواهُ وعِلةَ المُعَلل، وكذلك المُدعي لسائر الحُقوقِ لا تكون الدلالةُ على صحةِ دعواه كوَنَ المُدعى عليه لا يجدُ ما يردّ دَعْواه ويكذبها، بل لا يُصَحَحُ دَعْواهُ إلأ حُجة يرتضي بها الشرع لإثباتِ دَعْواه هي غَيْرُ عجزِ المُنكرِ (1). فأمَّا قولُه سبحانه: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)} [النساء: 82] فلا يُشْبهُ ما نحن فيه؛ لأن القرآن لما تضمن الأخبارَ السالفةَ والآنِفَةَ، والغُيوبَ المنتظرةَ والدلائلَ الباهرةَ وزعم القَومُ أنه مِنْ عند النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وأنَّه ظَفِرَ بما فيه من ذلك بالمُدارَسةِ والاطلاع على السِّيَرِ، كان من جواب الله سبحانه لهم وما أبطلَ به دَعواهم أنَّ قالَ: لو كان هذا من مخلَوقٍ لَما خَلا من اختلافٍ، فكان مُضيهُ على سَنَنٍ واحدٍ، وان كلُّ ما أخبرَ به عن الماضي كان كما أخْبَرَ به، وما كان من المُستقبلِ جاءَ كَفَلَقِ الصبْحِ كَوَعْدِه بإحدى الطائفتين يَوْم بَدْرٍ، وبالفتحِ، وبغَلَبةِ الروم، وبموتِ أبي لهب على الشرك، وبإظهارِ دينهِ على الأديانِ كلها لمَ يَنْخَرمْ من ذلك شيءٌ علِمَ أنَّه لا يَقعُ ذلك بحيث لا يتطرَّقُ اليه اختلافٌ إلّا مِمَّن يطلعُ على الغُيوبِ
__________
(1) انظر "التمهيد" 4/ 34
(2/234)

بعِلْم أزلي وإحاطةٍ ربانيةٍ (1).
فإن احتجَّ مُحْتَج بكونِ الطردِ دِلالةً بأنْ قال: إني تَتَبعْت (2) الأصولَ فما وجَدْتُ ما يعترض عليها، فلهذا احتَجَجْتُ بها، وهذا بمنزلةِ المُحتَجِّ بالعمومِ إذا زَعمَ أنه تَتَبعَ الأصولَ فلم يجد ما يُخَصِّصُه، كانَ لهُ الاحتجاج بهِ، فجوابُ هذا المُحتج أنْ يُقالُ لهُ: دَعواكَ لذلكَ لا تُصحِّحُ دليلَكَ؛ لأنكَ تحتاجُ إلى اثبات مَا ادعيتَهُ مِنَ العِلةِ أولًا ثم دَعْواكَ أنكَ تَتبعْتَ الأصولَ، فليس تَتَبعُكَ وعَدمُ وُجْدانِك كافياً، لأنكَ قد لا تَجدُ ما يكونُ موجوداً لِغَيرك؛ إمَّا لقصورِكَ عن الطلبِ وتحقيقه، أَو لِمحبَّةِ المذهبِ وسلامته من المناقضةِ. ويجوزُ أَن لا تَجِدَ في حالٍ وتَجدَ في حالٍ أُخْرى، فلا تَجْعَلْ عدمَ وُجدانِك دليلاً، كما لا تجعلْ عدم وُجْدان ما تكذِّبُ به المتنبّىءَ والمُدعي دليلاً على صحةِ النبوةِ والدعوى، وفارقَ العُمومَ لَأنَّ في اللَّفْظِ ما يُعطي الشمولَ والاستغراق، وإِنَّما ذهبَ قَوْمٌ إلى أَنّه يَسْتَقرِىءُ الأُصولَ لئلا يكونَ فيها ما يُخَصِّصُهُ، وغايةُ ما على المستدلِّ بالعُمومِ أَن لا يعلمَ تَخْصيصَه، وعلى المُعترضِ إثباتُ تَخْصيصِه. وفي مَسأَلتِنا: على المُعلِّلِ أَن يدلَّ على كَوْنِ ما عَلَّل به عِلَّة ودليلاً، والعِلَّةُ لا تكون عِلَّةً إلاّ بدِلالةٍ على صِحتِها، فأينَ العمومُ من مسألتنا والحالُ هذه؟
__________
(1) انظر " التمهيد"4/ 35، و"شرح الكوكب المنير"4/ 400.
(2) في الأصل: "سمعتُ". ولعل الجادةَ ما أثبتناه. ويدل عليه ما بعده من قوله: إنكَ تَتَبعْتَ ... الخ.
(2/235)

فصل
وقد تكون الدلالةُ على صحَّةِ العِلةِ سبباً يُنقَلُ مع الحُكْم، مثْلَ قولِ أصحابنا أو الشافعية: إِن الثيبَ لا تُجَبرُ على النكاحِ لأنهاَ حرةٌ سليمةٌ موطوءةٌ في القُبُل، فلا تُجْبرُ على النكاحِ كالبالغِ، فنطالبُ بالدلالة على صحةِ العِلةِ، فنقول: الدليلُ عليه ما رُوِي أنَّ خَنْساءَ زوجَها أبوها وهي ثَيِّبٌ، فخيَّرها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فدلَّ على أنَّ لِلْوَطءِ تأثيراً في نَفْيِ الإجبارِ (1).

فصول
الاعتراض بعدم (2) التأثير (3). وهو السؤالُ الرابعُ على القياسِ.
وهو: أن يُبَينَ المُعترِضُ به وجُودَ الحُكْمِ مع عَدَمِ العِلةِ، وهو ضَرْبان:
أَحدُهما: عدمُ التأثيرِ في وصَفٍ إذا اسْقِطَ من العِلةِ انتقضت العِلةُ.
والثانى: عدمُ التأثيرِ في وصفٍ إِذا أسْقِطَ من العِلةِ لم تَنْتَقَض
__________
(1) انظر "التمهيد"4/ 128، وانظر: "صحيح البخاري" (6945)، و"سنن الترمذي" (1108)، و"سنن أبي داود" (2101)، و"سنن النسائي" 6/ 86، و"مسند أحمد" 6/ 328، و"الإصابة" 7/ 611.
(2) في الأصل: "بعد".
(3) انظر في هذه المسألة: "التمهيد"4/ 125 و"المسوَّدة": 421 و"شرح مختصر الروضة" 3/ 547، و"شرح إلكوكب" 4/ 264 و"إرشاد الفحول": 382 و"الإبهاج" 3/ 111 و"شرح تنقيح الفصول": 401 و"فواتح الرحموت" 2/ 338.
(2/236)

العِلَّةُ. وقد تبيَّنَ ذلك في الأصلِ أو الفَرْعِ أو فيهما.
وقد اختلفوا: هل يُؤثرُ ذلك؟ فقال قَوْمٌ: جميعُ ذلك قادحٌ في العِلةِ.
وقال قومٌ: لا يشترطُ التأثيرُ في الأصلِ ولا في الفَرْع، بل يكفي أن يكونَ مؤثراً في موضعٍ من الأصول، وهو مذهبُ القاضيَ الإمام أبي الطيبِ (1) -رضي الله عنه.
مِثالُه: قولُ أصحاب الشافعيُّ في المُرتد: يجبُ عليه قضاءُ الصلوات؛ لأنه ترك الصلاة بمعصيةِ، فأَشْبهَ السكرانَ.
فيقول أصحابُنا وأصحابُ أبي حنيفة: لا تأثيرَ لهذا الوَصْفِ في الأصلِ؛ لأنَّ السكران لو لم يكن عاصياً بالسكرِ بأن كان مُكْرهاً على الشرب أو مُتداوياً به عندهم بفتوى مُفْتٍ أفتاه بالتداوي، أو دَفَعَ اللقمةَ المُخنقَة بِجرع تجرعها منه إذ لمِ يَجدْ بُقْربهِ سواه، فأسكَرَتْهُ تلك الجُرَعُ، أَو شربَها جاهلاً بأنها خَمْرٌ فأسْكرتْهُ، فإنه في هذه المسائل كلَّها لم يَعْصِ بالشُّربِ، ويقضي ما ترك من الصلواتِ حالَ السكرِ.
فالجوابُ عن هذا على قَولِ مَنْ رأى التأثيرَ في أصل من الأُصولِ وموضع منها كافٍ أَن يقولَ: للمعصيةِ تأثيرٌ في القَضاءِ، وذلك إذا شَرِبَ دواءً ليزولَ عَقْلهُ فزال، لم يسقط عنه فَرْضُ الصلاةِ ولزِمَهُ القضاءُ.
__________
(1) هو أبو الطيب الطبري، من كبار فقهاء الشافعية، مات سنة (450 ه)، انظر ترجمته في "سير أعلام النبلاء" 17/ 668 و"طبقات الشافعية الكبرى" 5/ 12، وانظر قوله هذا في "لمع الشيرازي": 114.
(2/237)

ولو لم يَقْصدْ ذلك، أو زال عَقْلُهُ بغيرِ فِعلهِ رأساً لم يجب عليه قضاءُ الصلواتِ التي لم يؤدها حالَ زوالِ عَقلِهِ، وكان ذلك لمعنىً يعمُّ كلَّ معصيةٍ؛ وذلك أنَ العَقْلَ شَرْطُ الخِطاب، فإِذا تَسَبَّبَ لِإزالتهِ كان ذلك إِطْفاءً لنورِ الله وتعرضاً لإسقاطِ خطابهِ، فكان أهلًا أن يبقى عليه الخِطابُ تغليظاً؛ إِذْ لم يسقُط الخطابُ عمن زال عَقلُهُ لا بفِعْلهِ إلا تَخْفيفاً من الله ورحمة.
واحتج مَنْ سلك هذا في بيانِ التأثيرِ، بأن التأثير دِلالة على صحةِ العلَّةِ، بحيث ما وُجِدَ دل على كونِها عِلَّةً في هذا الحكمِ وإِنْ لم يؤثَر في هذا المَوضعِ.
والذي يوضحُ ذلك ويشهدُ له: أنَّ العِلةَ يجوزُ أنَّ تكونَ لازمةً في الأصلِ لا يُمكنُ انتزاعُها منه، فلا يكونُ عدمُ تأثيرِها في أصلِ العلَّةِ وفَرعِها مانعاً من كَونِها عِلَّةً. والصحيح عند أكثرِ المُحقَقين: أنَّ العِلَةَ إذا لم تؤثرْ في أصْلِها كانَتْ فاسدةً لأنَه متى لم يكن لها تأثير في الأصلِ، فليست عِلَّةً فيه، ولهذا لا يُمكنُ تعليلهُ بها، فالقائسُ، إِنَما يدعي ثُبوتَ الحُكْمِ في الفَرعِ لوجودِ علةِ الحُكْمِ في الأصلِ جاريةً على الفَرْعِ.
وبيانُ ما ذكرنا أنَه لا يُمكنُ تعليلُ الأصل بها، فنقول فى السكرانِ: إنَّه وجبَ عليه القَضاءُ لأنَّ عَقلَه زال بمعصيةٍ، إذْ لا فَرْقَ فيه بين أن يكونَ بمعصيةٍ أو بغيرِ معصيةٍ، ولا يجوزُ أن يُعللَ الأصلُ بوصْفين يحتاجُ الأصلُ إلى وُجودِ أحِدهما في ثُبوتِ حُكْمهِ.
وإِذا زال عَقْلهُ بغيرمعصيهٍ، وهو أن يكونَ أكْرِهَ على الشربِ، فإِن
(2/238)

القضاءَ يجبُ، ولا بُدَّ أنَّ يكونَ لهذا عِلة ليستْ ما ذكره، وتلك العِلةُ تَشْمَلُ المُكْرَهَ وغَيرَ المُكْرَهِ.
فأمَّا قولهم: إنَ التأثير دليلٌ. فليس بجوابٍ، لأن الاعتراضَ بعدَمِ التأثيرِ نَوْعُ إِفسادٍ للعِلةِ، وليس بمُطالبة بدليلٍ على العِلةِ، ولو كان مطالبَة بالدليلِ لم يكن صحيحاً؛ لأنَه ليس يتعينُ على المُسْتَدل أنَّ يَدلَّ بدليلٍ دون دليلٍ على صحةِ العلَّةِ، ويجوزُ أن يكونَ دليلُه غَيْرَ التأثير، وكان يكفيه أن يقول: على العلَّةِ دليلٌ غيرُه، فلا معنى لهذا السؤالِ، ولأنه لو كان تأثيرُها في موضع من أصولِ كافياً في تعليقِ الحُكْمِ بها، لم يحتج إلى ذِكْرِ الأصول، فإِنَّ ذلك الموضعَ يثبت صحَتها وتعلقَ الحكمِ بها في الفَرْعِ، كما أثْبَتَهُ بذلك في الاصْلِ.
فإِن قيل: في الأصل الحُكْمُ ثابتٌ والفَرْع لم يثبُتْ فيه. قيل: إذا ثَبَتَ وجودُ العِلةِ لهذا الحُكْمِ في هذا الفَرْع ثبت بذلك الحُكْمُ فيه؛ فأمَّا الأصلُ الذي لا يُمكنُ انتزاعُ العلَّةِ منهَ فلا يلزم، لأنا لا نقول: إِن زوالَ العلَّةِ والحُكْمِ شَرْطٌ، وإِنما نقول: إِنَ زوالَ العلَّةِ مع بقاءِ الحكمِ لا لعلةٍ خَلَفَتْها مُفْسِدٌ لكونِها عِلَّةً.
فإن قيل: فكذا نقولُ في المَوضعِ الذي لايؤثر، مثلَ أنَّ يَحْرُمَ وطؤها بالإِحرام والصوْم، فإِذا زال أحدُهما بقي الآخَرُ، فكان التحريمُ باقياً. قيل: إِنَ كان الذَي خَلَفَ هذه العِلةَ بقي الحُكْمُ لبقائهِ يجوز أن يرتفعَ مع بقاءِ هذه العِلَّةِ، كالذي ذكَرْتموه في الصوم والإحرامِ، فلهذه العِلَةِ تأثير يُمكنُ بيانُه، وهو أن تزولَ التي خَلَفَتها ويبَقى التحريمُ متعلقاً بالعِلَّةِ، فإِذا زالت العِلَّةُ زال التحريم، وان كان ما خَلَفَ العِلَةَ
(2/239)

لا يصح أنَّ يزولَ مع وجودِها، فذلك هو العلَّةُ دون ما ذكرتموة، ولأنَّه إذا أمكنَ تعليل الأصلِ بعلَّتَين إحداهما أعمَ من الأخرى كانت العامة هي العِلةَ دون الخاصةِ، ولم يعللْ بهما جميعاً، بل يعلَّلُ بالعامةِ فقط.
فإن قيل: أليس العلَّة المنصوص عليها لا تفسد بعدم التأثيرِ وكذلك المستنبطة؟ قيل: المنصوصُ عليها لا يلزم تأثيرها، ولذَلك لا تسْمَع دعوى المعترض عليها بعدمِ التأثير. فإن قيل: فإِذا دَلَلْتُم على صحةِ العِلةِ بغيرِ النص، وجَبَ أن يقومَ ذلك الدليل مقام النص فى المنع من الاعتراضِ عليها بعدم التأثيرِ. قيل: ليس يلزم ذلك، لأن غيرَ النص لا يزيل الاحتمالَ فيها، وعدمُ التأثيرِ يقدح في دليلِك، فلهذا سمعت دعواه، وهذا بمنزلةِ أنَّ يسقطَ القياس مع النص ويعترضَ به على العمومِ لأنَه محتَمل.
فإِن قيل: إذا ثبتَ كون هذه الأوصافِ علةً في موضع من الأصولِ وجَبَ أن تكونَ عِلة حيث ما وُجِدتْ، لأن الطَرْدَ شَرْطٌ، فثبت كون هذه الأوصافِ علةً في هذا الأصل، وهو ترك الصلاةِ بمعصيةٍ.
قيل: من يقول بتخصيص العِلَّةِ لا يلزمُهَ مدا السؤالُ، لأنه إِذا بأنَ أَنَ العِلةَ غير مؤثرة في هذا الأصلِ كانت العِلة مخْتصَّةً بما اثرَتْ فيه.
وأَما مَنْ قال: إن العِلةَ لا يجوز تَخْصيصها [فقد] أثْبَتَة عِلَّةً في هذا الأصلِ، ولا يكون أصلًا تقاس عِلَّته به، بل هو بمنزلةِ الفَرْعِ المختلفِ فيه؛ لأن تعلقَ هذا الحكمِ بهذهِ العلَّةِ فيه ثبت بأصل آخر وهو الذي بان فيه تأثير العِلةِ، وجرى هذا الأصْلُ مَجْرى الفَرْع الذي رَدَدْتَ إليه، وقد بَينا فيما قَبْلُ أن قياسَ بعضِ الفروع علىَ بعض لا وجْهَ له، لأنَ أحدَهما ليسَ بأولى بأن يكونَ أصلاً للَآخَر.
(2/240)

فصل
في مثالِ عدم التأثيرِ في وصفٍ إِذا أُسْقِطَ من العلَّةِ انتقضت العِلَّةُ فهو أنَّ يقولَ الشافعيُّ أو الحنبليُّ في النيةِ في الوضوء: إنه طهارة عن حَدَثٍ فافتقرت إلى النيةِ كالتيمُّمِ، فيقول الحنفيُّ: لا تأثيرَ لقولِك: طهارة؛ فإِنَ ما ليس بطهارةٍ أيضاً يفتقرُ إلى النيةِ وهو الصومُ والصلاةُ. فيقول المستدلُّ هذا ليس بقياسِ علَّةٍ ولكنه قياسُ دِلالةٍ، والتأثير إِنما به يُطلَب في قياسِ العلَّةِ، لانَ المَعللَ يدعي أنَّ الحُكْمَ ثَبَتَ لهذه العلَّةِ، ولا يُعلمُ ثبوتُ الحُكْم بالعلَّةِ إلا بالتأثيرِ، فأمَّا في قياسِ الدلالةِ فلا يَلْزَمُ، لأنَه لم يَدعِ أنَّ الحُكْمَ ثَبَتَ لهذه العلَّةِ، ولكن يدَّعي أنه دليلٌ على الحُكْمِ؛ ولهذا لزِم التأثيرُ في العِلَلِ العقليةِ.
والثاني: أن يقولَ: هذه العِلًةُ منصوص عليها فلا تحتاجُ الى التأثيرِ، وذلك لأن العلَّةَ لا يلزم بأن يدَلَّ عليها بأكثرَ من دليلٍ، فإذا حصلت الدلالةُ عليها لم يلزمْ أنَّ يستدل عليها بالتأثيرِ أيضاً.
مثالُ ذلك (1): أن يقولَ الحنبليُّ أو الشافعيُّ في رِدةِ المرأةِ: إنَه كُفْر بعد إيمانٍ فأوْجَبَ القَتْلٍ كرِدةِ الرجل، فيقول المخالفُ: لا تأثيرَ لقولك: كُفْر بعد إيمان، فإن كُفرَ الرجلِ لو كان قَبلَ الإيمانِ أوْجَبَ القَتْلَ، فيقول: الكُفْرُ بعد الإيمان منصوص عليه، قال عليه السلام:
__________
(1) انظر "التمهيد" 4/ 129 - 130 و "المغني" 8/ 86 و"نَيْل الأَوطار" 7/ 193 و"شرح معاني الآثار" 3/ 220 و"السنن الصغرى" للبيهقي 3/ 278 و" المحلَّى" 11/ 118.
(2/241)

"لا يحلُّ دَمُ امرىءٍ مسلمٍ إِلاّ بإحدى ثلاثٍ: كُفْرٍ بعد إِيمان " (1)، والتأثيرُ يُتَوَصَّلُ به إِلى معرفةِ علَّةِ الشرعِ بنوعِ استنباطٍ، فإِذا ظفِرنا بنصِّ صاحبِ الشَّرعِ ثبتَ كَوْنُه علَّةً، فاستغنى عن تعريفِ ذلك بالاستنباطِ.
والثالثُ: أَن يُبيِّنَ تأثيرها في موضعٍ من المواضعِ، وذلك مثل أَن يقول الشافعي في لبنِ الميتةِ: إنَّه نَجسٌ (2 [لأنه غير ماءٍ لاقى نجاسةً فينجس] 2) كما لو وَقَع في اللبن نجاسة. فيقول الحنفيُّ: لا تأثيرَ لقولِك غير الماءِ لاقى نجاسةً، لَأنَّ الماءَ نَفْسَهُ يتنجَّسُ أَيضاً بمُلاقاةِ النجاسةِ، وهو القليلُ.
فيقول المستدل: تأثيرُهُ في القُلتَيْن، ويكفي التأثيرُ في موضعٍ واحدٍ؛ فإنه لو اعتُبرَ في كلُّ محل لكان عَكْساً، ولا يُشْتَرطُ العكْسُ في عِلَلِ الشرعِ، وإنَما يُعتبرُ في عِللِ العقلِ.

فصل
وأَما عدمُ التأثيرِ فيما لا تنتقضُ العلَّةُ بإسقاطِه.
__________
(1) تقدم تخريجه في الصفحة: 8.
(2 - 2) زيادة يقتضيها السياف، وانظر "المهذب" للشيرازي 1/ 11 و"المغني" لابن قدامة 1/ 77 و"تحفة الفقهاء" 1/ 52.
(2/242)

مثالُه: أن يقولَ الشافعيُّ في المتولد من بين أصلين: لا زكاةَ في أحدِهما بحال، فلم تجب فيه الزكاةُ (1) كما لو كانت الأمهاتُ من الظباءِ، وهذا قياسٌ على أَبي حنيفة، ولا يُسَلمُهُ أصحابُنا لهم، فيقول المُخالفُ: لا تأثيرَ لقولك: بحالٍ، فإنك لو اقتصرتَ على قولك: لا زكاةَ في أحدهما لم ينتقض بشيءٍ، فقولُك: بحال، حَشْوٌ في العِلةِ لا تحتاجُ إِليه. فيقولُ الشافعي: هذا ذكرْتُه للتأكيد، وتأكيدُ الألفاظِ لا تعدُّها العربُ حَشواً ولا لَغْواً، ولهذا جاء بها القرآن، قال سبحانه: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر: 30] فأكَد ثم أَكد، ولم يُعَدَّ ذلك لَغْواً.
أو يقول: هذه الزيادةُ ذكرتُها لتأكيدِ الحُكْم، وذلك مثل أن يقولَ الشافعيُّ في القذفِ: إنَه يتعلق به رد الشهادة، لأَنه كبيرة تُوجبُ الحد، فتعلق بها ردالشهادةِ، كالزَنا. فيقول المخالفُ: قولُك: يُوجِبُ الحد حَشْو في العِلةِ لا يُحتاجُ إليه، فيقول: إن تعلقَ الحدِّ بها يدلُّ على تأكدِها، وتأكدُ العِلةِ يُوجبُ تأكدَ الحُكْمِ، وما يُوجبُ تأكيدَ الحكمِ لا يُعَدُ لَغْواً.
أو يقول: إِن هذه الزيادةَ ذكرتُها للبيانِ، وذلك (2) مثل أن يقول الشافعيُّ في التَحرِّي في الأواني: إنه جنْس يدخُله التحرِّي إِذا كان عددُ المُباحِ أَكثر، وإِن لم يكن عددُ المباحِ أَكثَرَ، كالثيابِ.
__________
(1) انظر "التمهيد" 4/ 136.
(2) في الأصل: "ولذلك".
(2/243)

فيقول المخالفُ: لا تأثيرَ لقولِك: إذا كان عددُ المُباح أكثر، فإنَك لو قلتَ: جنس يدخُله التحري لكفاك، فقولُك: إذا كانَ عددُ المُباحِ أكثرَ، حَشْوٌ لا يُحتاجُ إليه، فهو كما لو قال: مطعومٌ مقتاتُ جِنْسٍ فيقول الشافعيُّ: هذا بيان لما تقتضيه العلةُ، وذلك أني لو قُلتُ: جِنْسٌ يدخلُه التحري لكان معناه: إذا كان عددُ المُباحِ أكثرَ، وبيانُ ما يقتضيه الكلامُ لا يُعدُّ حَشْواً، ويُخالفُ ذِكْرُ القوتِ مع الطعْمِ، لأن ذلك ليس ببيانٍ لمعنى العِلَّةِ، ألا تَرى أنَّ بذِكْرِ القوتِ يَخْرجُ (1) ما ليس بقوت، وهذا بيان لِمعنى، ألا ترى أنه لا يخرجُ من العلَّةِ شيءٌ فوِزانُه أن نُضيفَ إلى الطعْمِ ما هو بيان لمعناه بأن نقول: مطعومُ الآدميين في جنس، فيجوز حين كان ذلك معنى المطعوم، لأنَ إطلاقَه إليه ينصرفُ، دون طُعْمِ البهائمِ والجنِّ، وهو النجايل والأتْبانُ والحشائشُ والعظام.
وجوابٌ رابع أن يقولَ: هذه الزيادةُ لتقريب الفَرْع من الأصلِ، وذلك مثل أن يقول الشافعيُّ في جلدِ الكَلْبِ: أنه لا يطَهرُ بالدباغِ (2)، لأنَّ ما بعد الدباغِ حالة حُكمَ فيها بطهارةِ جلْدِ الشاةِ، فوجب أن يُحكمَ فيها بنجاسةِ جِلدِ الكلب، كحالِ الحياةِ.
فيقول الحنفيُّ: لا تأثير لقولِك: يُحكمُ فيها بطهارةِ جِلدِ الشاةِ، فإنك لو قُلْتَ: حالة يحكمُ فيها بنجاسةِ جلدِ الكلبِ كفى، فالزيادةُ عليه حَشْوٌ.
__________
(1) في الأصل: "من ما".
(2) انظر "مختصر المزني": 1، و"نيل الأَوطار" 1/ 62 و"المحلَّى"1/ 123 و"إيثار الإنصاف": 47 - 49.
(2/244)

فيقول الشافعيُّ: هذه الزيادةُ ذكرتُها لتقريب الفرع من الأصل، وان ما بعد الدِّباغ يجري مَجْرى حالِ الحياةِ بدليلِ أنهمَا يستويان في إيجابِ الطهارةِ، وإذا لم تؤثر الحياةُ في طهارةِ جلدِ الكَلْبِ دل على أنَّ الدِّباغَ مثلُه، وتقريبُ الفَرْعِ من الأَصلِ يزيدُ في الظَّنِّ، فلا يُعَدُّ حَشْواً.

فصل
ومن ذلك: إذا كان التأثيرُ على أصلِ المعللِ، نَظَرْت، فإن كان ذلك في الأصل المقيس عليه، يسقط سؤال المُعترِض له، فلا تأثيرَ لهذه العلَّةِ في الأصلِ؛ لأن المُعللَ لا يُسلمُ ذلك.
مثالُ ذلك (1): أَن يُعلِّلَ الشافعيُّ في إنكاحِ الثَيّبِ الصغيرةِ أَنّها حُرَّةٌ سليمةٌ موطوءةٌ في القُبُلِ، فلا يجوزُ إجبارُها، كالكبيرةِ.
فيقول [المعترضُ]: لا تأثير لهذه الأوصافِ في الكبيرةِ، فإنَها لا تُجْبَر وإن لم تكُنْ مَوْطوءةً في القُبُلِ.
فيقول الشافعيُّ: لا أُسلمُ، فإنَ عندي تُجْبَرُ البكرُ الكبيرةُ.
فإن عدل المعترِضُ عن ذلك الى المطالبةِ بالدليل على صحةِ العِلةِ، دل بأن النبى - صلى الله عليه وسلم - جعل للثُيوبةِ تأثيراً فقال: "الثيبُ أحقُ بَنْفسِها، والبكرُ تُستَأذنُ فى نَفْسها" (2) وإن كان في غَيرِ الأصلِ لم يكن ذلك دليلًا عَلى صحةِ العلَّةِ؛ لأَن تأثيرَ العلَّةِ على أصلهِ بمنزلةِ طَرْدِها، لأنه لما جعلها عِلَّةً أجراها في معلولاتها ورَفعَ الحُكْمَ بارتفاعِها، وهذا
__________
(1) انظر "التمهيد" 4/ 128، و"المغني" 6/ 344.
(2) أخرجه مسلم (1421) وأبو داود (2098) والترمذي (1108) والنسائي 6/ 84 من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
(2/245)

مِثْل أن يدعي أن الكَيْلَ عِلة في أعيانِ الرِّبا ثم يُبَيِّن صحتَها بأن الفواكه لا رِبا فيها، لأنها ليست مكيلةً.
فيقول المُعترضُ: لا أسلِّمُ ذلك الحُكْمَ، وإنما ذُهب أنَّه لا ربا في الفواكهِ لأنك جَعلتَ العلَّةَ في المنصوصِ عليها الكَيْلَ، فلا يكونُ ذلك دلالةً على صحةِ كَوْنِ الكَيْلِ عِلَّةً.

فصل
إذا لم يكُن للوصفِ تأثير في الأصلِ، ولا في شيءٍ من الُأصولِ لم يكُن عِلَّةً، وعلى ذلك أَكثَرُ الناسِ وجماعةُ أَصحابِ الشافعيّ، وكل من لم يَجْعَل الطردَ دليلًا على صحتِها.
مثالُ ذلك: ما قاسَ بعضُ الفقهاءِ القائلين باعتبارِ العددِ في أحجارِ الاستجمارِ، أنها عبادة تتعلَّق بالأحجارِ لم تَتَقَدمْها معصيةٌ، فاعتُبرَ فيها العَدَدُ، كَرَمْي الجمارِ، فإن قولَهُ: لم تتقدمْها معصيةٌ لا تأثيرَ له في الأصلِ ولا فيَ الفَرْعِ؛ فإنَّه لا فَرْقَ في الاستجمار (1) بين أَن يتقدمَهُ معصيةٌ أو لا يتقدمَة حتى لو أنه أحدث في مسجدٍ فإنه قد تقدَّمه معصيةٌ، ومع ذلك يُعتبرُ فيه العددُ (2).
وكذلك رَمْيُ الجِمارِ لو تقدمه خذف بالحصى قَلَعَ به عُيونَ الناسِ ثم رمى فإنه قد تقدمه معصيةٌ، ويعتبر فيه التكرار.
فيقول المعللُ: تأثيرُهُ في الرجْمِ للمُحصَن (3)، فإنه لما تقدمَتْهُ
__________
(1) في الأصل: "الاستنجاء".
(2) انظر "التمهيد" 4/ 131، و"المغني" 1/ 127 - 129، و"المحفَى" 1/ 95، و"شرح الكوكب المنير" 4/ 29.
(3) في الأصل: "للتحصن".
(2/246)

معصيةٌ لم يُعْتَبَرْ فيه العَدَدُ، بل لو مات المَرْميُّ بحجرٍ واحدٍ كفى وأجْزَأ في إِقامة الحَدَ.
فيُقال: ليس المُوجبُ لِنَفيِ التقدير تقدُّمَ المعصيةِ ولا علَلهُ أحدٌ بذلك، وكيف يُجْعلُ تَقَدمُ المعصيةِ علًّةً لإسقاطِ التكرارِ، والمعصيةُ أبداً تُوجبُ تأكيدِ التعذيب، فأمَّا أن تكون عِلَّةً لإِسقاطه فلا، وليس يكفي في بيانِ التأثيرِ أنَّ يُعْدَمَ، ولا الحكم في موضع، وإنَما يُعتبرُ أنَّ يزولَ الخكْم لزوالِ العِلَّةِ، وإنَما يُبَين ذلك أن يكونَ زوالُ الحُكْم مَعَلَّلًا بزوالِ تلك العِلَّةِ، مثلَ: أنَّ يزولَ تحريمُ الخمرِ ونجاستُهُ بتخَللهِ وزوالِ شدَّتهِ المُطربةِ فيه، وكذلك أنَّ كان زوال الحُكْمِ بزوالِ بعض أوصافِ العلَّةِ، فإنَّ تلك العِلَةَ مؤثرة.

فصل
فأمَّا الوصفُ إِذا كان يمنع من نَقْضِ العِلةِ فهل يكونُ مانعاً من نَقْضِها كافياً في التأثيرِ؟ قال بعضُ الناسِ من أهلِ الجدلِ وبعضُ أصحابِ الشافعيِّ: يكون تأثيراً.
والذي عليه المُحقِّقون انَّه ليس بصحيحِ؛ لأنَّ النَّقْضَ يَمْنعُ منه اللفظُ، فقد يكون المانعُ من النًقْضِ اللفظ الذي يزيدُهُ المُعَلَلُ في العلَّةِ بوضْعِه مع كَوْنهِ لا تَعَلقَ للحُكْم به، ويسقطُ الوصفُ الذي يتعلق به الحكمُ، وهذا كما لو قال أصحابُ أبي حنيفةَ في إِزالةِ النجاسةِ بالمائعاتِ: إِن اللَّبَنَ مائع طاهر مشروب فجاز إزالة النجاسةِ به كالماءِ.
كان قولهم: مشروب، يمنعُ دخولَ النقض بالدهنِ والمَرَقِ، وإن كانَ وصفاً لا تعلقَ للحكمِ به، وإِنَّما العِلًةُ أنه مَنْفى، لان مشروباً لا تأثيرَ
(2/247)

له لأنَّ المأكولَ والمشروبَ سواء.

فصل
فإن علل بعض القائلين باسقاطِ الزكاةِ عن الحُليِّ بأنه يُعد لاستعمال مُباحٍ فلم تَجِبْ فيه الزكاةُ كالثياب المُعَدَةِ لِلبْسِ أو التي لا يُنْوى بها التجارةُ، فقيل له: لا تأثيرَ لقولكَ: لاستعمالٍ مُباحٍ في الأصلِ، لأنه لو أعد لنفْسِهِ الحريرَ كان مُعَداً لاستعمال محظورٍ ولا تجبُ فيه الزكاةُ (1).
فقال: للإباحةِ تأثير في الأصول، لأن زوالَ العَقلِ إذا كان بأمْرٍ مُباحٍ، كدواءٍ شَرِبَه للتداوي تعلَّق به سقوطُ الفَرْضِ، واذا [كان] بأَمرٍ محظورٍ، مثلَ أن شَربَهُ ليزيلَ عَقْلَهُ لمِ يسقُطْ عنه الفَرضُ، فهذا جواب بعيد؛ لأن تأثيرَ العِلةِ يجبُ أن يكون في حُكْمها، إمَّا في الأصلِ في أصح المَذْهبين الذي نَصَرْناه، أو فيْ بَعْضِ الأصولِ، فأمَّا حُكْمٌ آخرُ وهو سقوطُ فَرضِ الصلاةِ فلا وجْهَ له.

فصل
في الوصفِ إذا جُعل تَخْصيصاً لحكمِ العلَّةِ
مِثْل أن يقولَ المُسْتدل في تَخليلِ الخَمْر: بأنَّه مائع لا يطهرُ بالكَثرةِ، فلا يطهر بصَنْعةِ آدمى، كالخَل النَّجِسِ (2).
__________
(1) انظر "المغني" 3/ 9.
(2) انظر "التمهيد" 4/ 133 و"شرح الكوكب المنير" 4/ 275، و"المغني" 8/ 221 و"إِيثار الِإنصاف": 375.
(2/248)

فقال المُعترضُ: لا تأثيرَ لقولِك: "بصنعةٍ"، في الأصل؛ لأنه لا يطهرُ بصنعِة آدمي ولا بغيرِ ذلك، فقد اختلف الناسُ في ذلك، فقال بعضُ أهل الجدلِ وبعضُ أصحاب الشافعيُّ: إِنَّ هذا ليس بسُؤالٍ صحيحٍ؛ لان التأثيرَ لا يطالبُ به في الحُكْمِ، وإِنما يُطلبُ في العِلةِ.
ومنهم مَنْ يقولُ: إن الحُكْمَ إِنما هو عدمُ الطهارةِ، وتعلُّقُ ذلك بالصنْعَةِ من تمام العلَّةِ، فيجبُ بيانُ تأثيرِه، وهذا أصح؛ لأنَ تَفْصيحَ هذا: أنَ الحُكْمَ إذَا أَدْرِجَ فيه حُكْم حَسُنَ أن يُوردَ عليه ما يُورد على الأوصافِ المُخَلصةِ من الأحكامِ، وما ذلك إلّا بمثابةِ ما سمِعْناه من الخُراسانيين كثيراً، وهو قولُهم في وصْفِ العِلَّةِ: هذا عَيْنُ سؤالي، فأين دليلُك؟ أو: هذا دليلُك، فأين المسْالةُ؟
مِثالُ ذلك: قولُ المُسْتَدل على تحريم النَّبيذ: شَرابٌ فيه شدةٌ مطرِبةٌ فكان مُحرماً كالخَمْرِ (1).
فيقول: إنَّما سألْتُكَ عن هذا الشراب الذي فيه شِدَةٌ مُطْرِبَةٌ، فأتَيْتَ بَنْفسِ ما سَألْتُكَ عن حُكْمِهِ والدلالةَ عليه، فَجَعَلْتَهُ دليلاً.
فالجوابُ أنَّ يقولَ: إِنك ليس من حيثُ أتيتَ بما يَصلُحُ أن يكونَ دلالةً فأدْرجْتَهُ في سؤالِك يمنعني ذلك من تعلقي بالاستدلالِ به، لأنه لو مَنَع ذلك من الاستدلالِ لكان للسائِل أن يَمنعَ المُستدِل الاستدلالَ، فإنه يمكنهُ أن ينطقَ بكل صالح للاستدلالِ به في اثناءِ سؤالهِ، فإِذا منعه ذلك من الاستدلالِ به امتنع عليه الدليلُ وانسدَّ عليه طريقُ التعليلِ، حتى إِذا قال له: هل تحسنُ عقوبةُ المسيء؟ فيقول:
__________
(1) "المغني" 8/ 220، و"المحلّى" 7/ 508.
(2/249)

نعم، فيقول: ولم حَسُنَ ذلك؛ فقال: لأنه مسيء قال: هذا سؤالي، فأَين دليلُك؟ وكل ما أَبطَلَ الاستدلالَ فباطلٌ، ولم يَبقَ إِلاّ أَن التحقيقَ في ذلك: أن كلُّ وصفٍ مُدْرج في حُكْم فيتسلط عليه مايتسلطُ على المُفْرَدِ من الأسئلة غير المُدرجِ في الأحكامِ، وكل ما صلح للاعتلالِ به، والاستدلالِ إذا لم ينطقْ به السائلُ ويُدْرجُه في سؤالِه، صلح للاستدلالِ به وإن أدرجه السائلُ في السؤالِ.

فصل
وإذا كان في العِلَّةِ زيادةُ وصفِ تَطَّردُ العِلَّةُ دونه، مثلَ أَن يُعَلل بصحةِ الجمعةِ من غيرِ إمام بأنها صلاة مفروضة فلم تَفتَقِرْ إلى إذن الأمام، ولو قال: صلاة، فلا تفتقرُ الى إذْنِ الأمام أمكنَ ذلك واطردتَ العلةُ (1).
فمن الناسِ مَنْ يقولُ: هذه الزيادةُ لا تضرُّ، لأنَّها تُنبهُ على أَنَ غَيْرَ الفرائضِ لا تحتاجُ إِلى الِإمامِ، فكأنَّه ذَكَرَ لَفظاً يعمُّها.
وقد قيل: إن الغَرَضَ من هذا الوَصْفِ الزائدِ تَقريبُ الفَرعِ من الأصلِ بكثْرةِ ما يجتمعان فيه من الأوصافِ.
ومنهم مَنْ قال: لا نحتاجُ إلى هذا الوصْفِ الزائدِ ولا ينبغي أن يدخل على العلَّةِ لأنها تَسْتَقلُّ دونهُ وليست ببيانٍ، ولا حاجَةَ بنا إلى التنبيه، واللفظُ يعم دونَه، ولا إلى تَقريب الفَرع من الأصل بزيادةٍ على علةِ الحُكْمِ.
__________
(1) انطر "التمهيد" 4/ 134، و"الكافي" لابن قدامة 1/ 330، و "المغني"
(2/250)

فأمَّا إذا كانت الزيادةُ للبيانِ كقولِنا في الأواني: إنَه جنسٌ يدخلُه التحري إِذا كان المباحُ أكثَرَ، فدخله إذا استويا، فإنا لو قُلْنا: يدخلُه التحري كفى، ولكن هذه الزيادةَ لبيانِ موضعِ دخولِ التحري وليست بزيادةٍ في العلَّة فكانت جائزة، فكذلك إذا كانت الزيادةُ تأكيداً جاز كقَولنا في المتولد بين الظباءِ والغَنَمِ: إِنه متولدٌ من بين جنسين لا زكاةَ في أحدِهما بحال، فإن قَولنا: لا زكاةَ في أحدهما، كافٍ في النَّفي على العموم في جميعِ الأحوالِ، فإِذا قُلْنا: بحال، كان تأكيداً لا يُفيدُ إلأ ما أَفاده اللفظُ، فلم يكن زيادةً في العلَّةِ.
(2/251)

فصول
النَّقض
والنقض (1): وجودُ العِلَّةِ مع عدم الحكمِ على قَوْلِ مَنْ لا يرى تخصيص العِلَّةِ. وإذا كانت مُنتقضة كانت فاسدةً عند مَنْ لا يرى تَخْصيصَها. فأمَّا مَنْ يرى تَخْصيصَها فإنه يجعلها كالعموم الذي خَصه الدليلُ، ويأتي الكلامُ في ذلك مشبعاً إن شاء الله في مسائل الخلافِ (2).

فصل
والعلَّةُ على ضربَينْ:
عِلَّة وُضِعَت للجنس.
وعلَّة وُضِعَتْ لِلْعَيْنِ.
فالموضوعةُ للجنسِ تجري مَجْرى الحَد؛ تَفْسُدُ بأن ينتقضَ طَرْدُها، أو يُحيلَ عَكْسُها، وذلك مِثْلُ أنْ نقولَ: الشركةُ هي المُوجبةُ
__________
(1) انظر "أصول السرخسي" 2/ 233، و" اللمع" للشيرازي: 114، و"شرح الكوكب المنير"4/ 281، و"شرح مختصر الروضة" 3/ 500، و"إرشاد الفحول": 387.
(2) انظر 3/ 265.
(2/252)

للشفْعَةِ، والعَمْدُ المَحْضُ هو المُوجبُ لِلْقَودِ، فمتى تَعَلقَتْ الشُّفْعَةُ بغير الشركةِ، أو لم تَثْبُت مع الشركةِ، بطلَتِ العِلةُ.
وكذلك لو قال قائلٌ: إن المُبيحَ للدَّم الرِّدَّةُ، كان ذلك مُنْتَقَضاً؛ لأن الدمَ يُستباحُ بغيرها.
وأَما إِن كانت العِلَّةُ للأَعيانِ، نَظَرْتَ، فإِن كانت للوجوبِ، فمتى وُجِدت العلَّةُ دون حُكمِها، كانت مُنْتَقَضةً، مِثل أن يقول الحنفيُّ: إِنَّ الوضوءَ طهارةٌ، فلا يفتقرُ إِلى النيةِ كإِزالةِ النجاسةِ، فيُنْقَضُ عليه بالتيمُّمِ؛ لأنه طهارةٌ ويفتقر إِلى النيةِ بإِجماعِنا.
فإِنْ أنكَر المعللُ الحُكْمَ في موضعِ النقْضِ، أو أنكر وجوبَ العلَّةِ فيه إِذا كانت حكْماً، فإِن كان مسؤولاً، لم يكن للناقضِ إِثبات ذلك الحُكْمِ بالدليلِ. وإِن كان معارِضاً، فقد اختلف الناسُ في ذلك: فمن القائسين من أجاز للمسؤولِ نَقْض عِلةِ المعارضِ بأصلهِ، ووجْهُ ذلك: أنَ هذه العِلةَ التي عارَضَه بها المُعترضُ ليست حُجَّةً عند المسؤولِ لانتقاضِها على أصْله، فكان له ردُّها كما لو عارضه بدليلِ الخطابِ وهو لا يقول به، ولانً المسؤولَ قد لا يكون رد هذا القياسَ إلا بنَقْضهِ، فإِذا مُنعَ من ذلك وقف عليه الكلام.
ومنهم مَنْ قال: ليس له نَقْض علَّةُ المُعترض بما يَنْفرِدُ به؛ لأنَ الموضعَ الذي يَنْقُضُ به عليه المعترضُ العِلةَ حُجةٌ للمعترضِ، كما هي حُجة في المسألةِ التي تكلَّما فيها، وذلك مثل أن يستدل الحنفيُّ في أنَ تسميةَ المهْرِ إذا كانت فاسدةً وثبتَ مَهْرُ المَثْلِ، لم يَتَنصَّف
(2/253)

بالطلاقِ؛ بأنَّ عَقْدَ النكاحِ خلا عَنْ تَسْميةٍ صحيحةٍ، فوجب بالطلاقِ قبل الدخولِ المُتْعَةُ، فيُعارضُه الشافعيُّ بأن هذا مَهْرٌ وجَبَ قبلَ الطلاقِ، فوجب أن يتَنصَّفْ بالطلاقِ قَبْلَ الدخول، كما لو سُميَ في العَقْدِ (1).
فيقول الحنفيُّ: ينتقضُ ذلك على أصْلي بالمُفَوضةِ إذا فُرِضَ لها المهرُ قبل الطلاقِ. فيقول المعترضُ: هذه حُجةٌ عليك في ذلك الموضع، كما هي حُجةٌ هاهُنا، ولو جاز لك أن تُبطلَها بذلك الموضعِ، لأمْكنَكَ أن تُبطلَها بالمسألةِ التي تكلمْنا فيها، ولا بُدَّ أن يكون لك دليلٌ يمنعك من استعمالِ هذا القياسِ في هذين الموضعَيْن، فتحتاج أَن تُثْبِتَهُ؛ لتسقطَ عنك المعارَضةُ.
ويُفارقُ القياسُ دليلَ الخطابِ؛ لأن دليلَ الخطاب ليس بحُجةٍ عنده، والقياسُ عنده حُجةٌ، فلا يتركُه إلا بما هو أوْلىَ منه.
فأمَّا إذا قال المستدل: إني لا أعرفُ الروايةَ في المسألةِ التي أَلْزَمه إِياها المعترضُ نَقْضاً، فقد قال بعضُ أصحاب الشافعيُّ: ينبغي أن يقولَ له المعترضُ: ينبغي أن لا تحتج بهذا القياَس، لأنك تعلمُ أنه سليم من النقْضِ.
ويمكنُ المسؤول أن يقولَ: هذا القياسُ حُجةٌ ما لم أعلمْ ما يُفْسدُهُ، كالتمسكِ باستِصْحابِ الحالِ، وبالقياسِ، مالم يُعْلَم هل نزل نصٌ في الحُكْمِ في عصرِ النبى - صلى الله عليه وسلم -، فإنه يجوزُ ما لمْ يَسْمَعْ نُزولَ نَصٍّ، ولايُقالُ: إنه عَمِل بالشكِّ.
__________
(1) انظر "التمهيد"، 4/ 159.
(2/254)

ولقائلٍ أن يُجيبَ عن هذا: بأن استصحابَ الحالِ تمسك واجبٌ بأصلٍ موضوع، وهاهنا لا يثبتُ أنَه قاسَ حتى يعلم سلامتَه من النقضِ.
فإِنْ قال المستدلُّ: انا أَحملُ هذه المسألةَ على مُقْتضى القياسِ، وأثبتُ فيها مِثْلَ حُكْمِ علتي. قيل: هذا إثبات لمذهب صاحبك بالقياسِ، وليس لك هذا، إلاّ أن يُنْقَلَ عنه أنه عللَ هذا الَحُكْمَ بهَذه العِلةِ فيُجْريها (1).

فصل
وإذا نُقِضَتِ العِلةُ، فالجوابُ عنها من وجوه:
أحدُها: أنَّ لا يُسَلَمَ للناقضِ مسألةَ النقْضِ. وذلك مثل أنَّ يقولَ الشافعيُّ في المخالفِ عند هلاكِ السلعةِ: إنَه فَسْخُ بَيْع يصح ردِّ العَيْنِ، فيصحُّ مع رد القيمة، كما لو اشترى ثَوْباً بَعْبدٍ وتقابَضا، ثم هلك العَبْدُ ووجد مُشْتري الثوبِ بالثوْبِ عَيْباً.
فيقول الحنفيُّ: هذا يبطُل بالإقالةِ (2).
فيقول الشافعيُّ: لا أسلمُ الإِقالةَ، فإنها تجوزُ عندي مع هلاكِ السلْعةِ.
والثاني: أن لا يُسَلَمَ وجودَ العِلةِ.
__________
(1) "شرح الكوكب المنير" 4/ 287.
(2) انظر"رحمة الأمةِ": 274، و" ملتقى الأبحر" 2/ 33، وانظر"عون المعبود" 9/ 331، و"سنن ابن ماجه" (2199).
(2/255)

ومثالُ ذلك: قولُ الحنفيُّ في المضمضة: إنها تجبُ في الغُسْلِ لأنها عُضْوٌ يجبُ غَسْلُهُ من النجاسة، فوجب غَسْلُهُ من الجنابةِ كسائر الأعضاءِ.
فيقول الشافعيُّ: هذا يبطلُ بالعَينِ.
فيقول المخالفُ: العَيْنُ عندي لا يجبُ غَسْلُها من النجاسة، فلا يلزمُ النَّقْضُ (1).
الثالث: أن يَدْفَعَ النقْضَ بمعنى اللفْظِ، وذلك شيئان: مقتضى اللفظ، وتَفْسيرُ اللفْظِ.
فأمَّا مُقْتضى اللفْظِ: فهو مِثْلُ أَن يقولَ الشافعيُّ في مَهْر المُسْتكْرَهَةِ على الزنا: ظَلَمها بإتلافِ ما يتقوَّم فلَزمَ الضمان، كما لو أتْلَفَ ما لَها عليها (2).
فيقول الحنفيُّ: هذا ينتقضُ بالحَرْبى إذا وطِئها.
فيقول: قولنا: ظَلَمَها، رجع إلى هذا المستكرِهِ الذي هو من أهلِ الضمانِ، إذْ لا يجوزُ أن يَخْلو قولُنا: ظَلَمها، من فاعل مُعَينٍ تعودُ "هاء" الضميرِ إلِيه، وليس إِلا هذا المُسْتكرِه الذي هو من أهلِ الضمانِ، فصار كأنا قلْنا: هذا الذي هو من أهلِ الضمانِ ظَلمها (3).
__________
(1) انظر "الاختيار لتعليل المختار"1/ 11، و"فتح الباري" 1/ 483.
(2) انظر "المهذب" للشيرازي 2/ 62، و"التنبيه" له: 108، و"المغني" لابن قدامة 5/ 166.
(3) "لتمهيد"4/ 146.
(2/256)

ومثل أن يقولَ الشافعيُّ في ضمانِ المنافعِ بالغَصْب: إِن ما ضُمِنَ بالمُسمَّى في العَقْدِ الصحيحِ، جاز أنَّ يُضْمَنَ بالإتَلافِ بالعُدْوانِ المَحْضِ، كالَأعيانِ.
فيقال: هذا يبطُلُ بالحَرْبى، فإنه يضمَنُ المنافعَ بالمُسَمى في العَقْدِ الصحيح، ولا يَضْمَنُ بالإتلافِ.
فيقول الشافعيُّ: هذا لا يَلْزَمُ، لأنّا لم نَقُل: إن مَنْ ضَمِنَ بالمُسَمى ضَمِنَ بالإتلافِ وإِنما قُلْنا: ما ضُمِن بالمُسمى ضُمنَ بالإتلافِ، وتلك المنافعُ يجوزُ أن تُضمَنَ بالإتْلافِ، وهو إذا أتلفها مسلم أو ذميٌّ، فلا يلزَمُني النقْضُ.
وأمَّا الدَّفْعُ بالتفسير: فهو أَن يحتمل اللفْظُ أَمرَيْن احتمالاً واحداً ففسره بأحدِهما ليدفَعَ النَقْضَ.
وأضافَ أصحابُ أبي حنيفة وأصحابُنا الى ذلك، التسويةَ بين الأصلِ والفَرْع في مسألةِ النقْضِ، ومثالُ ذلك: أن يَقولَ في إيجاب الِإحدادِ على المبتوتةِ: بأنها معتدةٌ بائن، فلزِمَها الِإحدادُ كالمتوفّى عنهَا زَوْجُها (1).
فيُقالُ له: هذا ينتقضُ بالذميةِ.
فيقول: يستوي فيه الأصلُ والفَرْعُ؛ فإن الذميةَ لو كانت متوفىً عنها زوجُها لم يجب عليها الإحدادُ.
__________
(1) "التمهيد" 4/ 168، وانظر"ملتقى الأبحر" 1/ 293، و"رحمة الأمة": 449.
(2/257)

فيقول أصحابُ الشافعيُّ: ليس هذا جواباً صحيحاً، لأنا نَقَضْنا بالمبتوتةِ الذميَّة.
فقالوا: وينتقضُ أيضاً بالذميةِ المتوفى عنها زَوْجُها، فيصير النقْضُ نَقْضَيْن.
ومما دفعوا به أيضاً أن قالوا: هذا موضع استحسان.
مثالهُ: أن يقول في الكلام في الصلاةِ ناسياً: إنَّ ما أبْطَلَ العبادة عَمْدُهُ أبْطلَها سَهْوهُ، كالحَدَثِ.
فيقول المعترضُ: إن النص دل على انتقاضهِ، فيكون آكَدَ للنقْضَ (1).
والثالث من أَجوبتهم: أنَّ قالوا: عندنا تخصيصُ العِلةِ جائز.
فيقال: إنكم دخَلْتُم مَعَنا على مراعاةِ طَرْدِها والاحترازِ من نَقْضِها، ولهذا احتَرَزْتُم من سائر النقوض ولم تَرْجعوا فيها الى جواز التخْصيصِ.

فصل من فُصولِ النقضِ أيضاً
وإذا نَقَضَ المُعترضُ العِلةَ بُحكْم يَتَفقان عليه إلّا أن المُعَللَ يُنكرُ التسميةَ الشرعيةَ، فإن للناقض بيانَ ذلك (2).
__________
(1) انظر"التمهيد"4/ 166، و"شرح الكوكب المنير" 4/ 291، وقد نقل كلام ابن عقيل.
(2) "التمهيد" 41/ 142.
(2/258)

مِثالُه: تعليلُ الحنفيِّ في أنَّ عِوضَ المنافعِ في عَقْدِ الإجارةِ لا يُسْتَحَق بمُطْلقِ العَقْدِ بأن يقولَ: عَقْد على مَنْفعةٍ فأشْبهَ المُضاربةَ (1).
فيقول المُعترضُ: ينتقضُ بالنكاحِ.
فيقول المعللُ: النكاحُ معقود على الحِل والإباحة دون المنافعِ.
فيقول المُعترِضُ: إن العَقْدَ يتناولُ ما يستَوْفيه من المنافعِ، فأمَّا الحِل فَحُكْم شرعيٌ يحصلُ له بالشرْع لا بالعِوَضِ ولا بالعَقْدِ، وأحكامُ الشرعِ لا تحصلُ بالأعواض ولا بمِلْكٍ ولا تَقْبلُ العُقودَ، وكما لا يُقالُ: يُعقدُ على الملكِ في الأَعيان، لكن يُعقدُ عليها فيحصلُ الملكُ، كذلك لا يُقال: يُعقدُ على الحِلِّ، لأن الملكَ والحِل جميعاً حُكْمانِ.
وكذلك اذا قال الشافعيُّ: إنَ عقدَ السلَمِ معاوَضَة مَحْضَة، فلم يُشترطْ لها التأجيلُ، كالبَيْع (2)، فقال السائلُ: ينتقضُ بالكتابةِ، فإن للشافعيِّ أن يقولَ: الكتابة ليست مَحْضَ مُعاوَضةٍ.
فللسائلِ أن يبين ذلك، لأنه بيانُ اسم وليس بإثباتِ حُكْم، والأسماءُ لا ترجعُ إلى المذاهبِ، فلا يكون بيانُه استدلالًا على المسؤولِ، بل بياناً لحُكْمِ الوَضْعِ اللغويِّ.
__________
(1) انظر: "إيثار الِإنصاف": 334، و"المغني" 5/ 267، و"المحلَّى" 8/ 182.
(2) "المهذب للشيرازي" 1/ 297.
(2/259)

فصل منه أيضاً
إذا دفع المُستدل النقْضَ بإطلاقِ الاسمِ في عُرْفِ الاستعمالِ جازَ (1).
ومثاله: أن يقولَ الشافعيُّ في الرَّجْعَةِ بالوَطْءِ: إنه فِعْل من ناطقٍ فلم تحصل به الرجعةُ، أو فِعْلٌ من قادرٍ على النطقِ فلم تحصُل به الرجعةُ، كالضرْبِ (2).
فيقول المُعترضُ: ينتقض بلفظِ الرجعةِ، فإنه فِعْلُ اللسانِ وتحصلُ به الرجْعةُ.
فيقول المستدل: اللفظُ لا يُسمى فِعْلاً في العُرْفِ والوَضْعِ، ولذلك قالوا: أفعال وأقوال، وفي الشرع أيضاً قد عُلِّقَ على كلُّ واحدٍ منهما من الأحكام ما ميزَ أحدَهما من الأَخَرِ حتى منع أن يكونَ إطلاق الفِعْلِ يقعُ على اَلقولِ.
فأمَّا إنْ فَسرَ اللفْظَ بما يدفع النقْضَ، نَظَرْتَ، فإن كان فَسرَهُ بما يقتضيه ظاهِرُ لفْظِهِ اندفع عنه، وإنْ فَسرَهُ بما هو عدول عن ظاهرهِ كأَن خَص اللفْظَ العامَّ أوعَدَل به عن ظاهرهِ من عُرْفِ الاستعمال لم يقبلْ منه ذلك.
مثال الأول: أن يقول في زكاة المتولدِ بين الغَنَمِ وفُحولِ الظباءِ:
__________
(1) "التمهيد" 4/ 143.
(2) "المهذب" 2/ 103، و"مختصر المزني ": 196، وانظر: "المحلَّى" 10/ 251، و"المغني" 7/ 189، و"نَيْل الأوطار" 2/ 256.
(2/260)

إنه متولِّدٌ من أَصلين لا زكاةَ في أَحدِهما، فلم تَجِبْ فيه الزكاةُ، كالمتولِّدِ من بين وحْشَيْن (1).
فإذا نَقَضَ عليه بالمتولِّدِ من بين الساءمة والمعلوفة قال: أردت بقولي: لا زكاة في أحدهما بحال, وذلك يقتضي نفي الزكاة في أحدهما نفياً مطلقاً فكأنني قلت لا تجب بحال ولمعلوفة تجب الزكاة في أعيانها بحال, وهو إذا سامت, ويقرر ذلك بأن النفي المطلق يقتضي بظاهره عموم الأحوال, فسواءٌ نطق به أم لم ينطق, لأن القول "بحال" تأكيد لايخل بفائدة الإطلاق.
ومثالُ الثاني: أنَّ يُعَلِّل الحنفيُّ في المُقِر إذا عطف المُفَسرَ على المُبْهم فيقول: له على مئة ودِرْهَم، أن ذلك يكونُ تَفْسيراً للمئةِ بأنه مُفْسرٌ يثبتُ في الذمةِ عُطِفَ على مُبْهَم فكان تفسيراً له، كقوله: عليَّ مئهٌ وخمسون درهماً (2)، فينقضه المعترِض بما إذا قال: له عليَّ مئةٌ وثوبٌ.
فيقول: أَردتُ بقولي: يثبتُ في الذمَّةِ ثُبوتَه بالإتْلافِ، والثوبُ لا يَثْبُتُ في الذمةِ بالإِتْلافِ. فهذا لا يُقْبَلُ، لأن لَفْظَهُ لا يقتضي ثُبوتاً دون ثُبوتٍ، وقد ثَبَتَت الثيابُ في الذمَّةِ ديَةً في الحُلَلِ (3)، وهو مَذْهبُنا ومذهَبُ جماعةٍ من السلفِ.

فصل
ومنه أيضاً إِذا كان التعليلُ للجوازِ لم يُنْقَض بأعيانِ المسائلِ،
__________
(1) "التمهيد" 4/ 144.
(2) انظر "المغني" 5/ 111.
(3) انظر "المغني" 12/ 7.
(2/261)

وذلك: مثل أَن يقول أَصحابُنا وأَصحابُ الشافعيُّ في الزكاةِ في مالِ الصبيِّ: بأنه حُر مسلم، فجازَ أَن تَجِبَ الزكاةُ في ماله، كالبالغِ (1)، فلا يصح أَن يُنْقَضَ بأموالهِ غير الزكاتيةِ، كالمعلوفةِ وعروض البذْلَة وما دون النصاب، لأن حُكْمَ التعليلِ الجَوازُ، وذلك يقتضي حالةً واحدةً، والمُخالفُ لا يوجبُ الزكاةَ بحال فكان حجة عليه، ولم يلزم المعلِّل الزكاةَ في جمعِ الأحوالِ، ولأن لتلك الأموالِ بأعيانِها حالاً تجبُ الزكاةُ فيها في حقِّ الصبى والبالغِ، وهو إذا عُدِلَ بها إلى السوْم والتجارةِ وانضم إلى ما دون النصابِ ما كملَهُ.
ومن ذلك أيضاً: إِذا علَّل للنوعِ ولم يَنْقُضْ عليه بعين مِثْلِهِ.
ومثالُه: أن يقول في زكاةِ الخيلِ: إنه حيوان تجبُ الزكاةُ في إناثهِ فوجبت في ذكورهِ إذا انفردت، كالِإبلِ (2)، فلا ينقض به بذكورِ الِإبلِ والغنمِ إذا كانت معلوفة أو دونَ النصابِ، لأن التعليل للنوعِ والعلفِ وما دون النصابِ حالٌ من أحوالِ النوع، وفي النوع ما يَثْبُتُ الحُكْمُ فيه، وهو إذا كانت ذكورُ الأَنعام نصاباً سَائمة.
__________
(1) "مختصر المزني": 44، و"بداية المجتهد"2/ 33، و"المهذب" 1/ 140، قال أبو إسحاق الشيرازي: وتجب في مال الصبيِّ والمجنون لمِا رُوي عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:" ابتغوا في أموالِ اليتامى لا تأكُلها الزكاةُ".
وانظر: "نصب الراية" 2/ 331 - 335 - فقد أوفى الحافظ الزيلعي على الغاية في الكلام على هذا الحديث -و"المغني" 2/ 390، و" المحلَّى" 5/ 205، و" التمهيَد" 4/ 148.
(2) انظر "المغني" 2/ 389.
(2/262)

فصل
واختلفوا في دَفْعِ النقضِ بالتسويةِ بين الأصلِ والفَرْعِ، فأجازه قومٌ، ومنَعَ منه قوم. والذي عليه أصحابُ الشافعيُّ والمحققون أنَّه لا يُدْفَعُ، واليه أذهب (1).
وذهبَ أصحابُنا وبعضُ أَصحابِ أَبي حنيفةَ إِلى أنه يَدفَعُ النقْضَ (2).
ومثالُه: تعليلُ مَنْ أَوْجَبَ الِإحدادَ في حق البائنِ بأنها بائنٌ، فوجب عليها الِإحدادُ، كالمتوفى عنها زَوْجُها، فإذا نَقضْتَ عليهم بالذمِّيةِ والصغيرةِ قالوا: يستوي الأصلُ والفَرعُ في ذلكَ، لأن المتوفى عنها الزوجُ إِذا كانت ذميةً أو صغيرةً لم يَجِبْ عليها الإِحدادُ، وغرضُنا بالعلةِ: التسويةُ بين الأصلِ والفَرْعِ.
فيقال: إِنَّ هذا نَقْض للعلَّةِ في الأصلِ والفَرْع، والعلَةُ المنتقضةُ فاسدةٌ؛ لأَن الطردَ شَرْط ومتى عُلل بهذه العلَّةِ في الأَصلِ وهي المتوفَى عنها، وفي الفَرْعِ وهي البائنُ، انتقضت بالذميةِ. وقولهم: الغرض التسويةُ. فإنما يصحُّ إِذا كانت التسويةُ بعلَّه، والمنتقضةُ ليست علَّةً تصلح لجَلْبِ الحُكْمِ، فيتعطل بَنْقضِها عن جَلْبِ الحُكْمِ في الَأصلِ والفَرْعَ.
والتسويةُ في التعطيل لا تنفع في التعليلِ، على أنَ حُكْمَكَ ليس هو التسوية، وإِنَما حُكمك وجوبُ الإِحدا؛ وإِن كان حكمُكَ هو التسويةَ بين المطلَّقةِ والمتوفَّى عنها، احتَجْتَ إلى أَصلٍ تقيسُ عليه العِلَةَ.
__________
(1) نقله صاحب "الكوكب المنير" 4/ 288
(2) في الأصل: البعض.
(2/263)

فصل منه أيضاً
إذا انتقضت علَّةُ المستدل فزاد فيها وصْفاً، فقد انقطعت حُجتُهُ التي بدأ بها، وعجز عن استتمامِ ما بدأ به من نُصْرَةِ الحُكْمِ فيها، وكان ذلك انتقالاً عمّا احتجَّ به (1).
وقال بعضُ أهلِ الجدلِ: لا يُعَد انقطاعاً إذا كان الوَصْفُ معهوداً معروفاً في العلَّةِ، وإنما أَخل به سَهْوٌ أَو سَبَقَ على لسانهِ بَعْضُ أَوصافِها دون بَعْض، وإليه ذهب بعضُ أصحاب الشافعيِّ، واتفقوا في غير المعهودِ أنه يكون انقطاعاً، وعندي أَنَ الأَمرَيْن سواءٌ، إلاّ أَنَ السَّهْو والغَفلةَ وغير ذلك وإن كانت أعذاراً تسقطُ اللاَئمةَ والمَعْتَبَةَ، فإنها لا تُخْرِجُ المعذورَ بها عن العَجْزِ، فإن أكثر الأعذارِ عَجْز، والعَجْزُ انقطاع.
ولو كان السَّهْوُ عُذْراً يمنع من الانقطاع، لكان الجَهْلُ عُذْراً أَيْضاً، ومن أين لنا أنه مع كوْنِ الوصفِ معروفاً لنا أنه معروف عند هذا الذي أخَل به؟

فصل منه أيضاً
وإذا نقض الناقضُ العلَّةَ بحكم منسوخ كان في زمانِ النبى - صلى الله عليه وسلم -، أَو بما خُصَ به النبي - صلى الله عليه وسلم -، مثل أَن يقول: تكلم في صلاته بخِطابِ
__________
(1) انظر "المسوَّدة "431، و" شرح الكوكب المنير" 4/ 290، و"التمهيد" 4/ 146.
(2/264)

الآدميين فوجبَ أن يَبْطُلَ كالعامدِ (1).
فيقال: ينتقضُ بالصلاةِ في صَدْرِ الإسلام.
أو يقول: نكاح عُقِد بغير لَفْظِ الإنكاحِ والتزويجِ فلم يَصِح، أو فكان فاسداً، كما لَوْ عُقِدَ بلفظِ الِإجارةِ. فيُقالُ: هذا يبطُل بنكاحِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
وكذلك لو قال الحنبليُّ أو الشافعي في صَوْم رمضان: صَوْم واجب فلا يصحُّ بِنيةٍ من النهارِ، كصَوْمِ القَضاءِ والنذْرِ وَالكفارةِ.
فيقول الحنفيُّ: هذا ينتقض بصوم عاشوراء، فإن النبى - صلى الله عليه وسلم - أمَرَنا بالإمساكِ في أثناءِ نهارِهِ لما دخل المدَينةَ في أول الأمرِ.
فقد أختلف أهلُ العِلْمِ في ذلك، فمنهم مَن ألزمَ ذلك واحترزَ عن النقْضِ به حيث رآه نَقْضاً، وعلَّل بأنَ العِلَةَ عامة يجب إثبات الحُكْمِ بها في جميعِ ماشَمِلَتْهُ.
ومنهم مَنْ قال: لا تنتقضُ، لأن العلَّةَ وُضِعت لإثبات حُكْم فلا تنتقضُ إلأ بما يُضادها واشتملت عليه، وما نسِخ أو سقط لمْ يَدْخُل في التعليل ولا يَرِد عليه.

فصل
وقد سبق الكلامُ على دَفْعِ النقْضِ بالاستحسانِ، فإنَّه مِن بَعْضِ ما يرى أصحابُ أبي حنيفة الدفْعَ به.
__________
(1) "التمهيد" 4/ 147، و"شرح الكوكب المنير" 4/ 291، و"المغني" 2/ 32.
(2/265)

فصل
القَوْلُ بموجب العِلةِ أَوْ فَى سؤال يرِدُ على العلَّةِ (1) لأَنَّه يُسْقِطُ احتجاجَ المُحتج بها؛ لَأن الحُجةَ إِنَما تقومُ على الخَصْمِ فيما ينكرهُ لا فيما يقولُ به.
والعلَّةُ نوعان: أحدُهما تعليل لإثباتِ مَذْهب المُعَللِ. والثاني: تعليل لإِبطالِ مَذْهبِ مُخالفِهِ.
والَأوَّلُ نوعان:
أحدهما: تعليلٌ: عامٌ إيجاباً كان أو نَفْياً، فلا يمكن القولُ بمُوجبِ ذلك، لأن مسألةَ الخلافِ داخلة في العمومِ، ولا يكون قائلاً به حتى يكون قائلاً بعُمومِه، وذلك مِثل أَن يقولَ الحنبلي أو الشافعيُّ في إيجابِ القيامِ على المُصَلي في السفينةِ: بأنّ القيامَ فَرْض يجبُ على المصلي في غير السفينةَ فوجب على المُصلي في السفينةِ كسائرِ الفروضِ.
فيقولُ المُعترضُ: أقول بموجب العلَّةِ إذا كانت السفينةُ واقِفَةً. لم يكن ذلك صحيحاً، لأنَ العلَّةَ تُثْبتُ ذلك في كلِّ حالٍ، فإذا سلَّمه في حالٍ بَقِيت العِلةُ حُجَّةً في غير تلك الحالِ، وما هو الا بمثابة شافعيٍّ أو حنبليٍّ استدل بقَتلِ المرتدة بقولهِ: "مَنْ بَدل دينَه فاقتلوه" (2).
فيقول الحنفيُّ: أنا قائل بالخبرِ في الرجالِ، فيقال: ليس هذا
قولًا بالعمومِ بل بالخصوصِ، فهو فيما نَفى من الخبرِ حُجة بحالهِ.
__________
(1) انظر: "روضة الناظر" 2/ 1 - 298 و"شرح مختصرها" 3/ 555 و"الِإبهاج" 3/ 131 و"التمهيد" 4/ 186،و"المحلى" 4/ 185.
(2) سبق تخريجه في الصفحة 39 من الجزء الأول.
(2/266)

وكذلك في النَّفْي العام إذا قال في المائعاتِ: إنَّه مائع لا يرفَعُ الحدثَ، فلا يُطَهرُ المحلَّ النَجِسَ، كالدُّهنِ.
فيقول المعترضُ: أقولُ بمُوجبهِ في الخَل النجِس.
لم يكن صحيحاً، لأنَّ العِلَّةَ تقتضي أنْ لا يَطْهُرَ بكل حال، لأن النفيَ على العُمومِ.
والثاني: أن يكونَ التعليلُ للجوازِ مثل أن يقول المُخالِفُ: إن الخَيْلَ حيوان تجوزُ المُسابقةُ عليه، فجاز أَن يتعلق به وجوبُ الزكاةِ كالِإبلِ.
فيقول المُعارِضُ: أقولُ بموجبهِ، لأن زكاةَ التجارةِ تتعلَّق به.
فإن قال المستدلُّ: إنّ الألف واللام يستعملان للعهد، والذي سألْتَ عنه هو زكاةُ السَّوْم، فانصرف الحكْمُ الى ذلك. لم يكن صحيحاً؛ لأن العِلةِ يجب انَ تكون مُسْتَقِلةً بألفاظِها غَيرَ مبنيةٍ على غيرِها؛ لاَنها حُجَّةُ المذهبِ لا تختصُّ السائلَ.
فإن قال: الألِفُ واللام لاستغراقِ الجنسِ إذا لم يكن عَهْد، فاقتضت العلَّةُ ايجابَ أجناسِ الزكاةِ في الخيل، قيل: الذي يَقتضي لامُ الجنسِ واحدٌ منه، ولو اقتضى جميعه لم يصح، لأن جميع أجناس الزكاةِ لا تجبُ في الخيلِ.

فَصل
فإن علل الشافعي في إيجاب القَوَدِ في الطرَفِ بأنه أحدُ نَوْعي القِصاص، فجاز أَن يثبت معجلاً، كالقِصاص في النفس.
(2/267)

فقال المُعتَرِضُ: أقولُ بموجب ذلك إذا قطع يَدَهُ، فجاء آخَرُ فقتله فإنه يجبُ القصاصُ في اليدِ مُعجلاً.
قيل له: لم يَجِبْ مُعَجلاً، وانما تُعجل بقَتْلِهِ.
ويمكن المعترض أن يبين القَوْلَ بموجب العلَّةِ اذا قطع أحدُهما يَدهُ وضَرَب الآخرُ عُنُقَهُ في حالةٍ واحدةٍ، فإن هاهُنا يجبُ القِصاص مُعَجلاً.

فصل
فأمَّا النوعُ الآخرُ، وهو التعليلُ لإبطالِ مذهب المخالفِ، مثل: أن يقولَ الحنفيُّ: إن الحج عبادة فلا تجبُ بِبَذل الَطاعةِ، كالصلاةِ.
فيقول المعتَرضُ: أقولُ بموجب هذه العلَّة، فانها لا تَجبُ عندي ببذْل الطاعةِ، وإنما تَجبُ بالاستطاعةِ لانه لو عَلِمَ أنه إذا امَرَهُ أطاعَ لَزِمَهُ الحج، وإن كانَ لم يَبْذُلْ له الطاعة.
ويمكن المستدل أن يقولَ: إنما سألتني: هل يجبُ الحج ببذْلِ الطاعةِ؟ ولأنه إذا عَلِمَ أنه يُطيعُه إذا أمَرَهُ، فقد عَلِمَ أنه باذِل للطاعةِ.
ويمكن المستدل أن يقولَ: إنما دلَلْتَ في المَوْضعِ الذي بذل فيه الطاعةَ ولم يكن واثِقاً ببَذْلِهِ قَبْلَ ذلك.
ويقولُ أيضاً: إنما صار مُسْتطيعاً ببذْلِ الطاعةِ، فبها تعلق الوجوبُ.
وكذلك إذا استدل الحنبليُّ أو الشافعي في أن الإجارةَ لا تَنْفَسخُ بالمَوْتِ، بأن الموْتَ معنىً يزيل التكليفَ، فلا يُبطل الإجارةَ
(2/268)

كالجنونِ (1).
فيقول الحنفيُّ: أقولُ بموجب الدليلِ وأنها لا تبطُل بالموتِ، وإنما تبطلُ بزوالِ الملْكِ، ولهذاَ عندي إذا باعَها ورضي المستأجرُ بَطَلَتِ الإجارةُ، فيكون السؤالُ وقعَ عن ذلك وأن الموتَ سبب فيه، وأن زوالَ الملْكِ لا يُبْطلُها بدليل عِتْقِ العَبْدِ المستَأجَرِ.

فصل
ولا يجوزُ القَوْلُ بموجبِ العلَّةِ في الأصْل، لأنه لو جاز ذلك لم تَسْلَمْ علًة، لأن التعليلَ وقع لإلحاقِ فَرْعٍ بالأَصْلِ، لأن الأصلَ قد ثبتَ حكْمُهُ لا مِنْ جهةِ القياسِ.

فصل
سؤال على العلَّةِ أفاده الِإمامُ أبو إسحاقَ -رضي الله عنه- وهو: أن العِلةَ لا تستدعي أحكامَها، وذلك أن تكونَ العِلةُ تَجْلِبُ حُكْمَينِ، فيتعلَّق عليها أحدُهما دون الآخَرِ، مثالُهُ: أن يقولَ الحنفيُّ في صَوْم رمضان: لا يَفْتَقِرُ الى تَعْيينِ النيةِ, لأنه مستحقُّ العينِ، فهو كرد الوديعةِ.
فيقول أصحابُنا وأصحابُ الشافعيِّ: استحقاقُ العَيْنِ كما يُوجبُ إِسقاطَ التعينِ يُوجبُ إسقاطَ النيةِ، فلو أسْقَطَ التعينَ لأسْقط النيةَ كما
__________
(1) "المهذب " للشيرازى 1/ 407 و"رحمة الأمة": 345 - 346 و"المغني" 5/ 281.
(2/269)

قال زُفَرُ (1) وكما قُلْنا في الوديعةِ.
فالجوابُ: أَن يُبينَ اختلافَ الحُكْمَيْن، وذلك أَن يقولَ:
النيَّةُ تُراد لِتَحْصيلِ القُربَةِ، والزمانُ يحتملُ القُرْبَةَ وغَيرَ القُرْبَةِ، وهو إمساكٌ لا قُرْبَةَ فيه، بل على سبيلِ الحِمْيَةِ أوالإهمالِ من غيرِ عقيدةٍ، والتعْيينُ يُرادُ للتمييز بَيْنَ أصنافِ القُرَب، ولهذا المعنى لا يكفي في الصلاةِ أن يَنْوي: أصلِّي، حتى يَنْوِي ظهْراً أو عَصْراً، وزمانُ رمضان لا يحتملُ أصنافَ القُرَب، ولهذا المعنى افتقر طَوافُ الزيارةِ إلى النيَّةِ لتحصيلِ القُرْبةِ، ثمَ لا يفتقر إلى التعيينِ، لأنَّه لا يحتملُ الوَقْتُ أصنافَ القُرَبِ.
__________
(1) زفر بن الهذيل بن قيس البصري، من فقهاء الحنفية المجتهدين، توفي سنة (158) ه. "الجواهر المضية" 2/ 207.
(2/270)

فصول
الاعتراضِ بالقَلْبِ (1)
فصل
اختلف أهلُ العِلْمِ في القلب: هل هو سؤالٌ صحيحٌ أم لا؟
فمنهم مَنْ قال: ليس بسُؤال صحيح، فاعتَل لفسادهِ بأنَه فَرْضُ مسألةٍ على المستدلِّ، وإِنما الفَرْضُ إلى المُستَدلِّ.
ومثالُ ذلك: أنَّ يُعَلِّلَ أصحابُ أبي حنيفة مَسْحَ الرأسِ بأنهُ عُضْوٌ من أَعضاءِ الطهارةِ فوجبَ أن لا يُجْزِىءَ منه ما تقَعُ عليه الاسمُ، كسائرِ الأعضاءِ.
فيقول السائلُ: أَقْلِبُ فأَقولُ: فوجب أَن لا يتقدَّرَ بالرُّبْعِ، كسائِر الأعضاءِ.
فالمسؤولُ فَرَضَ الكلامَ في إبطالِ مَذْهَبٍ يُخالفُه حيث قال: لا
__________
(1) انظر في هذا الفصل: "التمهيد" 4/ 202 و"أصول السرخسي" 2/ 238 "المسوَّدة": 445 و"شرح مختصر الروضة" 3/ 519 و"فواتح الرحموت" 2/ 351 و"شرح تنقيح الفصول": 401 و "رشاد الفحول": 383 و"اللمع": 115 و"شرح التلويح على التوضيح" 2/ 94 و"شرح الكوكب"4/ 331.
(2/271)

يجزىء ما يقع عليه الاسمُ، والسائلُ فَرَضَ الكلامَ في إبطالِ تقديرِ المخالف، ويتعذرُ في القَلْب أن يَنْفيَ ما أثْبَتَهُ المُعَللُ، أو يُثْبِتَ ما نفاهُ، لَأن النفْيَ والإثباتَ لَا يتفقان في الأصلِ، وانما يتفق في الأصلِ حكمانِ مختلفان.
وأكثرهم قالوا: إنَه سؤالٌ صحيحٌ.
ولأَصحابِ الشافعي وجْهان، كالمَذْهَبيْن (1).
وقال أبو علي الطبري (2): هو من أَلْطفِ ما يستعملُه المناظِر.
واعتلَّ منْ ذهب إِلى صحتِهِ أَنه احتج عليه بعلّتهِ وأصْلِهِ في حُكْمٍ لا يُمكنهُ أَن يَجمعَ (3) بَيْنَه وبين حُكْمهِ؛ لأَنَّهما اتَفقا على أَن ما زاد على الرُبْعِ ليس بواجبٍ، وبأنَّ ما خالفَ قولَهما فاسدٌ، فإذا نَفى العلَّةَ بالتقديرِ، لم يَبْقَ إِلاّ أنْ يُجريَ ما يقَعُ عليه الاسمُ، فقد صار ما أَثْبَتَهُ بالعِلَّةِ ينفي الحُكْمَ الذي أَثْبتهُ المستدل، وجرى ذلك مَجْرى أَن يَنْفيَهُ صريحاً.
فإنْ قال مَنْ نَصَر القَوْلَ الأوْلَ: إِنَّ حُكْمَ المستدل وحُكْمَ القالبِ يجوزُ أَن يَجْتَمِعا ولا يتنافيا، وذلك أنه يجوزُ أَن يكونَ التقديرُ بالربُعِ، والاقتصارُ على ما تقَعُ عليه الاسمُ فاسِدَيْن، فلا يكون نَفْيُ أَحدِهما إثْباتاً للآخَرِ.
__________
(1) "اللمع": 115 و"التبصرة": 475 كلاهما لأبي إسحاق الشيرازي.
(2) تقدمت ترجمته في الصفحة (60).
(3) في الأصل: "يخرج".
(2/272)

فالجوابُ ما قدمْتُهُ من اتفاقهما على إِفسادِ ما عداهما، فصارا مُتنافيَيْن، فمتى ثَبَتَ فَسادُ أحدِهما ثَبَتَ الآخرُ.

فصل
إذا ثبتَ هذا: فإنَّ القلْبَ معارضةٌ، وإنَّما يتميزُ من بينِ المعارضاتِ لأنه عارضَهَ بعلتهِ في أصلهِ، والمعارضةُ تكون بعله أخرى في أصلهِ.
ويُحكى عن بعضِ أصحاب الشافعيُّ أن ذلك إفسادٌ وليس بمعارضةٍ لأن علتَهُ تعلق عليها حكماَن متضادان (1)، وهذا ليس بصحيح، لأنه إنما يكون كذلك اذا كانا متساوِيين من كلُّ وجهٍ، ولا بُدَّ أنَّ يكون لتعلق أحدِ الحُكْمين بها تَرْجيحٌ على الآخَرِ، أو يتوجه على أحدِهما (2) إِفسادٌ، فيسلم الآخر،. ويجريان مَجْرى العِلتَيْن إذا تعارضا، فيكون الطريق في الجواب عن القَلْب بأنْ يُعتَرضَ عليه بما يُعترضُ به على العلَّةِ المُبْتدأةِ.

فصل
وأمَّا إذا كان الحُكْمُ للتسويةِ، مثْل: أَن يُعللَ أصحاب أبي حنيفةَ طلاقَ المُكْرَهِ بأَنَّه طلاق من مكلَّف صادفَ ملْكَه فوجب أَن تقعَ، كطلاقِ المختارِ.
فيقول أصحابنا وأصحابُ الشافعيُّ: فاستوى حكْمُ إقرارِه وإيقاعِهِ كالمُختارِ (3).
__________
(1) في الأصل: "حكمين متضادَيْن".
(2) في الأصل: "إحداهما".
(3) وانظر: "التمهيد"4/ 208 و"الإبهاج" 3/ 129 و"رحمة الأمة": 417 و"المغني"، 7/ 80 و"المحلى"10/ 202.
(2/273)

فقد اختلف القائلون بصحةِ القلب في هذا القَلْب: هل هو صحيح أَم لا؟ فقال قومٌ: ليس بصَحيح، لأنهِ وُجِدَ في الفَرْعِ استواءُ حُكْمِ الإقرارِوالإيقاع في عَدَم الصحةِ وفى الأصلِ استواء الإيقاعِ والإقرارِ في الصحةِ، فحكمُ الأَصلِ والفَرْع متضادان.
ومنهم مَنْ قال: يصح، والحُكْمُ في الأصلِ والفَرْعِ سواء لأن الحُكْمَ إنما هو التسويةُ بين الإيقاعِ والإقرارِ دون صحتهِ وفسادهِ، وهذا حُكْمٌ صحيحٌ يجوزُ أن يَنُص صاحبُ الشريعةِ عليه، فيقول: الإيقاعُ والإقرارُ يَسْتَويان، فكل موضع دل الدليلُ على أحدِهما صح الأمْرُ، ومتى فَسَدَ أحدُهما، فَسَدَ الآخرُ.
إذا ثبتَ هذا، فإن من الناسِ مَنْ يقول: التصريحُ بالحُكْمُ أوْلى، فكُل مُصَرح بالحُكْمِ يكونُ تعليلُه أولى مِنْ تَعْليلِ مَنْ لايُصَرِّحُ، كما أن النص مقدمٌ على الظاهرِ والعمومِ، وإليه ذهبَ بَعْضُ الشافعيةِ.
وذهب آخرون: إلى أنه لا يُقدمُ ولا يرَجحُ بتصريحِ الحُكْمِ، لأن الحُكْمَ هو التسويةُ على ما قدر، والتسويةُ بين الإقرارِ والإيقاع مصرحٌ به، ولا عِبْرَةَ بعدمِ التصريحِ بالصحة والفسادِ، كما أن وقوعَ الطلاق يُصَرحُ به، ولا يُشبهُ هذا ما ذكروه، لأَن الخاص إذا قضى على العام لا يُبْطُله بل يَبْقى حُجةً فيما لم يتناوَلْهُ الخُصوصُ، وها هُنا متى ثبتَ وقوعُ الطلاقِ، بطَلَ التساوي بين الإقْرارِ والإيقاعِ، ويكون الكلامُ على هذا القَلبِ، كالكلامِ على النوعِ الأولِ.

فصل
وقد يُشَبهُ بالقَلْبِ ويُجْعَلُ كالنوعِ منه جَعْلُ المعلولِ علَّةً والعِلَّةِ
(2/274)

معلولًا، وذلك مِثل ما قال أصحابُنا وأصحابُ الشافعيُّ في ظِهارِ الذمِّيِّ: مَنْ صح طلاقُه، صح ظِهارُهُ، كالمُسْلمِ (1).
فيقول المخالفُ: لا أسلِّمُ هذه العلَّةَ في الأصْلِ، بل صحةُ ظِهارِ المسلم عِلة في صحةِ طلاقهِ، فيكونُ قَلْباً؛ حيث جعل الحُكْمَ في الفَرْعِ علةً لحُكْمِ الأصْلِ.
وقد اختلف الناسُ في الجوابِ عن ذلك: فلأصحابِ الشافعيُّ وجْهان:
فمنهم مَنْ قال: الجوابُ عنه أن ما ذَكَرَهُ المُخالِفُ من العلَّةِ لا يُعارِضُ عِلةَ المستدلِّ. ويجوزُ أنَّ يكون كلُّ واحدٍ من الحُكمين علةً للآخَر، لأن عِلَلَ الشرْع أدلةَ وأماراتٌ على الحكمِ غَيْر موجبات، فتكونُ إِحدى الَأمارتَين دالّةً على حصولِ الأَمارةِ الأُخرى، فيحسن أَن نقولَ: مَنْ صَحَحت ظهاره فاحكُموا بصحَّةِ طلاقهِ، ومَنْ صحَحت طلاقَه، فاحكُموا بصحةِ ظِهارهِ، وإنما يمتنع هذا في العقلياتِ؛ لأنها عِلَل مُوجبات.
وقد وردَ الشرعُ بما يشهدُ لِما قُلْنا في العِلَلِ الشرعيةِ؛ فإنه أمَرَنا بالتسويةِ بين الأولادِ في العطايا والهِباتِ، وبين تسوية ما بين النساءِ في القَسْم، فاذا عَلمْنا أنه قَسَمَ لامرأةٍ وأعطى ولداً عطيةً عَلِمْنا بذلك أَنّه قَسَمَ للأخرى وأعَطى الولدَ الآخَرَ عَطيةً، ويكون وجودُ كلِّ شي من ذلك في حق بعضِ النساءِ وبعضِ الأولادِ دلالةً على وجودِهِ في حقِّ المرأةِ
__________
(1) "التمهيد"4/ 210 وانظر "الكافي" لابن قدامة 3/ 165 و"رحمة الأمة": 425.
(2/275)

الأخرى والولدِ الآخرِ.
ومنهم مَنْ أَجاب بغير هذا، فقال: بأَنَّ هاتَينِ كالعِلَّتَيْن عارضتان، واعتل في ذلك بأن العلةَ تقتضي الحُكْمَ، فلا يجوزُ أن تقتضي ما يقتضيها وتوجبُ ما يُوجبها. فقيل له: هذا حُكْمُ العِلَلِ العقليةِ الموجبة (1)، فأمَّا هذه فإنَّها أمارَة.
فأَجابَ: بأنَّ هذه وإن كانت أمارَةً، فقد جُعلتْ بمنزلةِ المُوجبةِ، ولهذا لم نُجوِّزْ تخصيصَها كما لا تُخَصصُ العقليةُ لأنها بعد جَعْلِها علَّةً وجبَ أن تُعْطى حُكْمَ العِلَلِ، ولو رُوعيَ فيها معنى الأمارةِ دون العلَّةِ لجازَ تَخْصيصُها كما يجوزُ تَخْصيصُ الألفاظ. وبهذا فارقَ ما احتج به الأوَّل من التسويةِ بينه وبين الأولادِ والنساءِ لَأن العِلْمَ بذلك لا من جهةِ العلَّةِ، لكنْ بمحْضِ الأمارةِ، ولهذا يجوزُ أن يُدْفَعَ إليها مَرةً واحدةً، فثبت أنه ليس أحدُهما علةً للآخَرِ؛ اذ لو كان علَّةً لاحتاجَ المعلولُ إلى العلَّةِ وما وُجدَ معه، فما وُجِد عنه ولا لأَجْلِهِ. فإن قيلَ: فمثلُه نقول في مَسْألتنا، إذا لْبتَ صحةُ الظهارٍ من شَخْصٍ ثَبَتَ صحةُ الطلاقِ منه، واذا ثبَتَ صحَةُ الطلاقِ منه ثْبَتَ صحةُ الظهارِ منه.
قال: لا يُمكنُ ذلك، لأن العِلةَ يجبُ أن تكونَ جاريةً في معلولاتِها، واذا وجَبَ كونُ السابقِ منهما علةً وجَبَ كونُه علةً حيث وُجدَ، لأن العِلة وجودُهُ دون سَبْقِهِ، ومنْ قال بهذه الطريقةِ، أجابَ عن هذه المُعارضةِ بأَن علةَ المستدلِّ تتعدَّى وتُفيدُ حُكْماً، وهو ظِهارُ الذميِّ،
__________
(1) لأن الحُكْم لا يثبتُ في العَقْلِ بأَكْثَرَ مِنْ علَّةٍ واحدةٍ. انظر"التمهيد" 4/ 212.
(2/276)

وعلَّةُ السائل لا تتعدى، وهو ممن يقولُ: إن الواقفةَ ليست بعلةِ، ومَنْ قال: هي عِلة، يقول: المُتعديةُ اولى منها.
ومما تترجَّح به علَتُنا أَيضاً: أَنَّ الطلاقَ سابقٌ للظهارِ، لأَنَّه كان موجوداً قَبْلَ الشَّرْعِ، والظهارُ ثَبَتَ حُكْمُهُ في الشَرْعِ (1)، والله أَعلم.

فصل من القَلْبِ أيضاً
واعلم أن القَلْبَ على ثلانةِ أضْرُبٍ.
قَلْب بحُكْمِ مَقْصودٍ. مثالهُ: أن يستدل أصحابُنا وأصحابُ الشافعيُّ في بيع الفضولي وأنه باطل، لأنه عَقْد على مِلْكِ العَيْنِ بغيرِ ولايةٍ ولا نِيابةٍ فلم يَنْعَقِدْ كما ساغ ملْكهُ لِغَيرِهِ أو لِنَفْسهِ اتّفاقاً منه على إذْنِه بأنْ يقولَ: ابْتَعتُ عَبْدَ زيْدٍ هذا بمئةٍ (2).
فيقول الحنفيُّ: أقلِبُ فأقولُ: فلم يَبْطُلْ لِعَدَمِ الإذْنِ كالشراء. فالجوابُ عنه: الجوابُ عن العِلَلِ المبتدأةِ كيف جاء الإفسادُ وعلى أَيِّ وَجْهٍ تأتى، والذي يكثر من الأجوبةِ فيه أن يقولَ: هذه الأوصافُ لا تؤثرُ في حُكْمِ القَلْبِ، فإنّك لو قُلْتَ: عَقْد فلم يَبْطُلْ لِعَدمِ الإذْنِ. لم يَنْتَقِضْ عليك بشيءٍ.
__________
(1) "التمهيد" 4/ 214.
(2) انظر: "رحمة الأمة": 267 والمسائل الفقهية من كتاب "الروايتين والوجهين" لأبي يعلى 1/ 352. و"الكوكب المنير"4/ 332 و"ايثار الإنصاف ": 305 و"شرح مختصر الروضة"3/ 526 و"المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف"11/ 55.
(2/277)

والثاني: أن يقول: هذه الأوصافُ تقتضي إبطالَ العَقْدِ فلا يجوزُ أَن يُعَلَّقَ عليها الصحَّةُ، لأَن العِلَلَ لا يُعَلَّقُ عليها ضِدُ مُقْتضاها.
ومِن أصحاب الشافعيِّ من أجابَ عنه: بأن هذا القَلْبَ فَرْضُ مسألةٍ في غيرِ الموضَعِ الذي نُصِبَ له الدليلُ، وهذا لا يجوزُ.
وهذا جواب فاسد، لأنه إنْ كان فَرْضاً إلّا أن في إثْباته إِبطالَ حُكْمَ المُعَللَ.

فصل
والضرْبُ الثاني: قَلبُ التسويةِ، وقد مضى الكلامُ فيه مُسْتَوْفىً.
والضرْبُ الثالث: جَعْلُ المعلولِ علةً، وقد مضى بيانُه ومثالُه والكلامُ عليه. وإنَما قَصدت بإعادةِ هذه الفصولِ الحَصْرَ.

فصل
ومَّما يُذكَرُ في القَلْب وليس بقَلْب، وإِنما هو معارضَة في الحقيقةِ أنَّ يقولَ المستدل في جَوازِ تقديم الكفَّارةِ على الحِنْثِ: إنه كفر بعد الحَلِفِ فأشبهَ إِذا كفر بعد الحِنْثِ.
فيقول المُعارِضُ: إنَّه كفر قَبْلَ الحِنْثِ فأشْبَهَ اذا كفر قَبْلَ اليمين، وهذا عَيْنُ المعارَضةِ، فلا وَجْهَ لاعتقادِهِ قَلْباً (1).
__________
(1) "التمهيد"4/ 214 - 215.
(2/278)

فصول
الاعتراض بفسادِ الاعتبارِ (1)
اعلم أن فسادَ الاعتبارِ يَتَسعُ القَوْلُ فيه وتكْثُرُ أنواعُه، فمن ذلك: أن يقولَ المستدل على أن قَدْرَ الدرهم من النجاسةِ يجبُ إِزالتُه: إِنها نجاسة مَقْدور على إِزالتِها من غَيرِ مَشَقةٍ، فوجب اعتبار إزالِتها لصحَّةِ الصلاةِ، كالزائدِ على قَدْرِ الدرهم.
فيقول المعترض: إِنك اعْتَبرتَ القليلَ بالكثيرِ في التحريمِ، والأصول فَرقَتْ بين القليلِ والكثيرِ، لأنً القليلَ من العملِ لا يفْسِد الصلاةَ والكثيرَ يُفسدُها، وكذلك كلام الناسي وغيرهما، فكان اعتباراً فاسِداً.
فالجواب عن ذلك: إِما عن طريق مَنْ يوجب الدلالةَ على صحةِ العلَّةِ في الأصل، ولا يكْتفى فيها بالطرْدِ ولا بسلامتها على الأصولِ، فلا يلزَمه الجوابُ عن ذلك، لأَن الدلالةَ إذا دلَّتْ على صحَّةِ العلَّةِ في الأصْلِ وكانت موجودةً في الفَرْعِ وجَبَ اجتماعُهما في الحكْمِ، وما
__________
(1) انظر في هذا الفصل: "شرح الكوكب المنير"4/ 236 و"التمهيد" 4/ 191 و"شرح مختصر الروضة"3/ 467 و"رشاد الفحول": 386 و"الإحكام للآمدي" 4/ 76.
(2/279)

ذكره من اختلافِ القليلِ (1) والكثيرِ في الأصولِ، فإِنَّما هو في حُكْمٍ اخر، فلم توجد علَّةُ ذلك الحُكْمِ في القليلِ، فلم يشارِك القليلُ الكثيرَ في حُكْمِهِ، بخلافِ مَسْألتنا.
وأمّا مَنْ يَقنَعُ في صحةِ العلَّةِ بجريانِها وسلامتِها على الأصولِ، فيُجيبُ: بأن الأصولَ ليسَتْ مُتفِقَةً فيما ذكَرْتَهُ، بل منها ما يستوي فيه القليلُ والكثيرُ مِثْل الكلام العمْدِ في الصلاةِ، وتركِ شيءٍ من الوضوء، والزيادةِ في الرِّبا، وما أَشبهَ ذلك. وإذا كان من الأحكامٍ ما يستوي فيه القليلُ والكثيرُ، وفيها ما يختلفُ، كانت الأصولُ متعارِضة، فلا مخالفةَ وكانت علتي سليمةً.
فإنْ قيل: العِلةُ إذا خالفَت بعضَ الأصولِ، كَفى في إفْسادِها وإنْ وافَقَتْ غَيْرَهُ، ألا ترى أن العلَّةَ تُنْقَضُ بمسألةٍ واحدةٍ وإن كانت جاريةً في غيرِ تلك المسألةِ.
فالجوابُ: أن النقْضَ كونُ الوصفِ علةً للحُكْمِ إذا كانت موجودةً فيه، والحكمُ معدومٌ. وفي مسألتِنا اختلفَ القليلُ والكثيرُ في غيرِ الحُكْمِ الذي يُصيبُ العلَّةَ، وإنما يفسدُ اعتباره إذا كان مُخالِفاً لجميع الأصولِ، فإذا كان منها ما يُوافقُ اعتبارَه، لم يُعترضْ بالفسادِ على ما وافَقَ اعتبارَهُ، فلا يُعترضُ على اعتبارِهِ.
فإن قيل: إذا كان فى الأصولِ ما يُخالفُ هذا الاعتبارَ وفيها ما يُوافقُه، وجبَ تقديمُ المُعترضِ، كماْ يقدَم الجَرْحُ في الشهادةِ على التزكيةِ والتعديلَ.
__________
(1) في الأصل: العِلَل.
(2/280)

فالجوابُ: أَن ذلك ليس بجارح، لِما بيَّناهُ مِنْ أنَّه لم يَجْرَحْ فيما وافق هذا التعليل، لأنه ليس في حُكْمِهِ، وإنما الجارحُ بَعْضُهُ، وقد قَدَّمناه، ولأنَ الجارحَ في الشهادةِ إنَّما قَدَّمْنَاهُ لأنه عَلِمَ ما خفيَ على المُزكين، لأن ما يَجْرَحُ أبداً يستسرُّ به في العادةِ، وما يُمْدَحُ به وُيزكَّى يتظاهرُ به الناسُ في العادةِ. وفي مَسْألتِنا هما سَواءٌ وكان ذلك بمثابةِ أن يختلفَ المُتبايعانِ في شَرْطٍ يُفسِدُ العَقْدَ، فأحدُهما يدَّعيه والآخَرُ يُنكرُهُ، فإنا لا نُقَدمُ ما يَجْرَحُ العَقْدَ بل ما يُصَححُة (1).
وفَرْق آخَرُ: وهو أن الشهادةَ لا يُرجحُ فيها بكَثْرةِ العَدَدِ، فإذا تقابَلَ الجَرْحُ والتعديلُ تعذرَ الحُكْمُ بالشهادةِ، والقياسُ يُرجحُ فيه بكَثْرةِ الأصول وِالنظائرِ، فإذا تقابلت الأصولُ بقيَ أصْلُ العِلةِ فرجَحَتْ به.
فإن قيل: فقد افترق الحالُ بين قليلِ النجاسةِ وكثيرِها؛ فإنه عُفِيَ عن يسيرِ الدمَ.
قيل: إنما افترقا للمشقةِ بازالةِ القليلِ من الدم وتعذُّرِ الاحتراز منه، فلا تُوجدُ فيه علتُنا، فأمَّا قَدْرُ الدرهمِ فليس بيسَيرٍ؛ ألا تَرى أنَّ ما زادَ على الدرهمِ يستوي حكْمُهُ وحُكْمُ ما هو أكثرُ منه (2).
وكذلك انْ قال المُعترضُ: اعتَبرْتَ الصغيرَ بالكبيرِ في الزكاةِ، واعتَبَرْتَ الثيبَ الصغيرةَ بالكبيرةِ في الولايةِ، والبكْرَ الكبيرةَ بالصغيرةِ في الإجبارِ، واعتَبَرْتَ حق الله تعالى بحق الآدميَ وكذلك في إيجابِ
__________
(1) "التمهيد"4/ 196.
(2) انظر: "المغني"1/ 248 - 249.
(2/281)

الكفَارةِ والقَتْلِ على الصبيِّ اعتباراً بالدَيَةِ، وكذلك اعتبر الشافعيُّ الحيَّ بالميتِ في [عدم] إِسقاطِ المَضْمَضَةِ والاستنشاقِ في غَسْلِهما.
فالجوابُ عن ذلك ما مضى، وُيزادُ في حقِّ الميتِ بأن يقولَ الشافعيُّ: إِنِّي لم أعتبِرْ الحيَّ بالميِّتِ بل الحيَّ بالحيِّ، لأنَّ الغُسْلَ الموقَعَ في الميت إنّما يجبُ على الحيِّ، ولأن ايجابَ الغُسْلِ في حق الميِّتِ آكَدُ لأنَه لا يجبُ إلأ مُسْتَوْعَباً، وغُسْلُ الحيِّ ينقسُم إلى استيعابٍ واقتصارٍ.
وكذلك: إن قال أصحابُنا وأصحابُ الشافعيُّ لحنفي: اعتَبَرْتَ غَيْرَ النبى بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم في عَقْدِ النكاحِ بلفْظِ الهِبَةِ، لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم مخصوصٌ في النكاحِ بأحكام كثيرةٍ.
فيقول المستدل: إِنَّ ما جازَ للنبى جاز لغيرهِ إلا أن يَثْبتَ تَخْصيصٌ له في حكمٍ بعينه، ويحتاجُ المعترضُ أن يُثْبتَ أنَّه مَخْصوصٌ بذلك، لقولهِ تعالى: {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 50] حتى يصحَّ سؤالُه وتقربَ الدلالةُ من الآيةِ.
وكذلك إِن استدلَّ حنبليٌّ أو شافعيٌّ في أَنَّ النكاحَ الموقوفَ (1) ليس بصحيحٍ، لأنَه عقد لا يملكُ الزوجُ المُكلفُ ايقاعَ الطلاقِ فيه، فكان فاسداً، كنكاحِ المُعْتدةِ.
فيقول المعترضُ: هذا اعتبار فاسدٌ، لأن الطلاقَ من أحكام العقدِ وفروعِه، فلا يجوزُ أَن يُستدلَّ بفسادِ الفَرْعِ على فسادِ الأَصلِ.
__________
(1) النكاح الموقوف، هو عقد نكاح اشتُرطت إجازته من الولي أو أحد الزوجين أو السيد.
(2/282)

فالجوابُ: أنَّ ما طريقُه الدِّلالةُ والأمارةُ يجوزُ فيه مِثْلُ ذلك، وعللُ الشرعِ من هذا القبيلِ، فيجعل عدم حُكْمِهِ دليلاً على فسادهِ، لأنَ العَقْدَ يُعْقَدُ لإفادةِ أحكامِهِ، ولهذا لو شرط إِسقاطَ حُكْم من أحكامهِ، فَسَدَ العَقْدُ.
وكذلك إنْ قال: اعتبرتَ الوضوءَ بالتيمُّمِ في النيةِ، والتيمُّم بَدَلٌ والوضوءُ اصل، فلا يُعتبرُ الأصلُ بالبَدَلِ.
فالجوابُ: نَحْوُ ما مضى.
وكذلك إن قال: إنَّ حُكْمَ الأصلِ أقوى من حُكْمِ الفَرْع في قياسِ أصحابنا وأصحابِ الشافعيُّ موضعَ الاستنجاءِ على سائرِ اَلبَدَنِ في وُجوبِ الَإزالةِ فيه.
فيقولُ المُعترِضُ: النجاسةُ الموجودةُ في سائرِ البَدنِ آكَدُ حكْماً، ولهذا يجب إزالتُها بالماءِ بخلافِ موضعِ الاستنجاءِ.
فالجوابُ: أن العِلةَ الموجبةَ للإزالةِ يشتركُ فيها الأصْلُ والفَرْعُ، فوجبَ اعتبارُهُ به وتأكد الأصلُ في حُكْم آخرَ لا يَمْنَعُ القياسَ، لأن الاصلَ يكونُ اقوى من الفَرْعِ، فإنَه يثبتُ بالنص أو يَقَعُ الإجماعُ على حُكمهِ، ولا يمنعُ ذلك القياسَ عليه (1).
ومِثْلُ هذا أيضاً: قياسُ النبيذِ في التحريمِ على الخَمْرِ، وإنْ كان تحريمُ الخَمْرِ آكَدَ فإنه يوجبُ قليلُه الحد والتفسيقَ ويكفُرُ مُسْتَحله، إلا أن العلَّةَ المُوجبةَ للتحريمِ يشتركان فيها، فكان الفَرْعُ معتبراً به.
__________
(1) انظر"التمهيد"4/ 198.
(2/283)

فإن قيل: فقد اعترض الشافعي فى مناظرتِه محمدَ بن الحسن (1) بمثلِ هذا الاعتراضِ، حيث قال محمدُ بنُ الحسنِ في الزِّنا: إِنه ينشر الحُرْمَةَ واعتبرهُ بالوَطْءِ المُباح، بأنَّ هذا جماع وهذا جماع، فقال الشافعيُّ: هذا جماع حُمِدْت به، وهذا جماعٌ رُجِمْتَ به.
فالجوابُ: أنّ هذا خَرَجَ مَخْرجَ الفَرْقِ بين الجِماعَيْن، لأن الجماعَ إذا حُمِدْتَ به كان له حُرْمَة تقتضي المحْرميَّةَ في حقِّ الموطوءَةِ، والذي يوجبُ الحدَّ لا حُرْمةَ له فلا يتعلَّق به التحريمُ.

فصل
ويحصل فسادُ الاعتبارِ من وَجْهَيْن، بعد انتشارِهِ في الكتابِ بما ذكَرْتُ من الوجوهِ:
احدُهما من جهةِ النص.
والثاني من جهةِ الأصولِ.
فما يُعرفُ بالنصَ، هو أن يَعْتَبِرَ حُكْماً بحُكْمٍ، وقد ورَدَ النصُّ بالتفرقةِ بينهما، كاعتبارِ أصحابِ أبي حنيفة تخليل الخَمْرِ بالدباغ (2).
فيقول الشافعيُّ: النصُّ فرقَ بينهما، لأنَّ النبى - صلى الله عليه وسلم - نَدَبَ إلى الدباغِ في شاةِ مولاة ميمونةَ (3) ونهى أبا طلحة عن التخليلِ لخَمْرِ
__________
(1) محمد بن الحسن أبو عبد الله الشيباني، من كبار أصحاب أبي حنيفة، توفي سنة (187) ه. "الجواهر المضية" 3/ 122.
(2) انظر "إيثار الإنصاف": 375 و"المغني" 12/ 517 و"المحلى" 7/ 516.
(3) يريد قوله - صلى الله عليه وسلم - حين مر بشاةٍ ميتةٍ لمولاة ميمونه: "هلّا أخَذْتُم إهابها،=
(2/284)

الأيتام (1). وما فرقَهُ النص لا يجمعُه الرأيُ والاجتهادُ.
وجوابُ الحنفي عن هذا: أَن يُبَيّنَ صحةَ اعتباره وأن الشرع ورد باعتبارِ أَحدِهما بالآخَرِ؛ فإنه قال: يُحِل الدِّباغُ الجِلْدَ كما يُحل الخَل الخَمْرَ، ويتكلَّم على خبر النهى عن التخليلِ بما يُسْقِطُ الحجةَ منه.
وألحَقَ أَصحابُ أَبي حنيفة بهذا حَمْلَ المُطْلقِ على المُقَيدِ، حيث قِسْنا كفارةَ الظهارةِ على كفارة القَتْلِ في اعتبارِ الإيمانِ، فقالوا: القُرآنُ فرقَ بينهما فلا يجوزُ اعتبار أَحدِهما بالآخَرِ، وهذا غيرُ صحيح، لأن النص ما فرقَ بينهما في اعتبارِ الإيمانِ بل ذكره في أحدِهما وسكت عنه في الآخر (2)، وأبداً يُقاسُ المسكوتُ على المنطوقِ.
وأَمَّا ما يُعرفُ بالأُصولِ، فَمِنْ وجوهٍ: أَحدُها: أَن يَعْتبرَ حُكْماً بحُكْم، وأحدُهُما مبنى على التوسعةِ والآخر على التَّضْييقِ، كاعتبارِ الكفَّارةِ في رمضان بالقضَاءِ، والقطعِ بالضمانِ، فيُقالُ: هذا اعتبارٌ باطلٌ، لأنَّ أَحدَهُما مَبْناهُ على التَّضْييقِ والآخَرَ على التوسعةِ، فلا يُعتبرُ أَحدُهما بالآخَر.
__________
=فد بغتموه، فانتفعتم به". وتقدم تخريجه في الصفحة: 34.
(1) أخرجه أحمد 3/ 119 والدارمي 2/ 159 من حديث انس بن مالك.
(2) يريد أن القرآن اعتبر كون الكفارة رقبةً مؤمنةً في قَتْلِ الخَطأ بقوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] وسكت عن كونِها مؤمنة في كفارةِ الظهار في قوله تعالى: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} [المجادلة: 3]
وانظر في هذه المسألة: "تفسير القرطبي" 5/ 314 و17/ 280 و "المغني" 13/ 517 - 519.
(2/285)

أو يَعتبرَ الابتداءَ بالدوامِ، كاعتبارِ ابتداءِ النكاحِ باستدامته في الإحرامِ، فيُقالُ: الاستدامةُ أقوى والابتداءُ أضْعَفُ، فلا يُعْتَبَرُ أحدُهما بالآخَرِ.
أو يَعتبر الرق بالعِتْقِ، أو العِتْقَ بالبيعِ، وبُنيَ أحدُهما على الضعفِ والآخَرُ على القُوةِ، فلا يجوزُ اعتبارُ أحدِهما بالآخَرِ.
والجوابُ: أنَّ يُبَيِّنَ أنهما في الموضع الذي علل سواءٌ (1).
والثاني: أن يعتبر فرْعاً بأصْلٍ، وهما مختلفان في نظائرِ الحُكْمِ كاعتبارِ الصبى بالكبيرِ في إيجاب الزكاةِ، وهما مختلفانِ في أصولِ الفُروضِ، كالصلاةِ والصيامِ والحج.
وكاعتبارِ المرأةِ بالرجلِ في إيجاب القَتْلِ بالردةِ، وهما مختلفان في القَتْلِ بالكُفْرِ الأصليِّ، وما أشبه ذلكَ.
والجوابُ: أن يُبَينَ أن ما ذُكِرَ أنه نظير للحُكْمِ ليس بنظيرٍ، وإِنَّما نظيرُ الحُكْمِ غيرُهُ، وهما يتفقان فيه (2).
وأضاف اصحابُ ابي حينفة وُجوهاً أُخَرَ، فقالوا: لا يجوزُ اعتبارُ المُتقدم بالمُتَأخِّرِ، كاعتبار أصحابنا وأصحاب الشافعيُّ الوضوءَ بالتَيَممِ في اشتراطِ النَيةِ لان آية التيمُّم نزلت مُتأخرَةً عن آيةِ فَرْض الوضوءِ، ووجَبَتْ فيه النيَّةُ قَبْلَ أَن يُشْرَعَ التيممُ، فلا يجوزُ أَن يُجعَلَ
__________
(1) انظر "المعونة في الجدل": 114.
(2) "المعونة في الجدل": 114 - 115 و"التمهيد"4/ 197.
(2/286)

وجوبُ النيةِ في التيممِ علةً لوجوبِها في الوضوء؛ لأنَه يؤدي إِلى أن تتأخرَ العلَّةُ عن الحكمِ، والأصلُ عن الفَرْع، وهذا لا يجوزُ.
والجوابُ: أَنّا لم نَجْعَل التيمُّمَ عِلَّةً لوجوبِ النيَّهِ في الوضوءِ وإنَّما جعلناه دليلاً، فقُلنا: لمَا أوْجَبَ الله تعالى التيممَ بعد الوضوء وأوجَبَ فيه النية، وهو بَدَلٌ عَنْهُ وقائمٌ مقامَهُ، دلنا ذلك على أن النيةَ واجبةٌ في الوضوءِ، لأنَه الأصْل، إذ البَدَل لا يُفارق [المُبْدَلَ] (1) في باب النيةِ في الأصول، بدليلِ الكفاراتِ إثباتاً والعِدَدِ سَلْباً، وهذا مِنْ طريقِ الدَلالةِ، والدَلالةُ يجوز تأخُّرها عن المَدْلولِ، فَيضمنها الله دلالةً على السابقِ لها في الوجودِ، وهذا كما ضَمَن المحْدَثاتِ دلائلَ دلتْ على محْدِثِها وصانِعها، فدلت المحدثات على القديمِ سبحانه. واستدللنا بالمُعْجزِ المتاخِّرِ على نبؤَةٍ سابقةٍ تثبتُ بمُعْجزٍ قَبْلَ المُعجزِ الثاني والثالثِ.
ومما الحقوه وأضافوه إِلى فسادِ الاعتبارِ: أنَه لا يجوزُ الاستدلالُ بنَفي وقوع الطلاقِ في النكاحِ الموقوفِ على نَفْيِ أصلِ النكاحِ، وقد سَبَقَ الكلامُ عليه.
ومما أضافوه أيضاً أن قالوا: لا يجوز أن يعَلقَ الحكْمَ على معنى مُتَوهمٍ، كاستدلالِ الشافعيِّ في نكاحِ المسلمِ الأمةَ اليهوديةَ: أَن هذا يؤدي إِلى أن يسترق الكافرُ ولَدة منها (2)، فقالوا: الاسترقاقُ معنىً مُتَوهَّمٌ، فلا يجوزُ إبطال العَقْدِ بسَبَبِهِ.
والجوابُ: أنَّ الولدَ مِنْ مقاصدِ النكاحِ، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -:
__________
(1) زيادة يقتضيها السياق، وانظر "المعونة في الجدل": 115.
(2) انظر "المغني" 9/ 554.
(2/287)

"تناكحوا، تكثُروا (1) "فجاز أن يُجعلَ علَّةً للحكم ولأنَّ العلَّةَ كونه مما يؤدي إلى أن يسْتَرق ولدة منها، وهذا معنىً فتَحقق غيرُ فتَوهم، ولأن هذا متفق على استعمالهِ. فأمَّا ما نَحْن فيه فاستعملناه هاهنا وهم استعملوه في السلَمِ في المعدومِ، فقالوا: ربما مات المُسلم إليه ولا نجدُ المُسلم فيه.

فصل في فسادِ الوَضْعِ (2)
وهو: أنَّ يعلقَ على العلَّةِ ضِدُّ ما تقتضيه. وانما يعرف ذلك من وَجْهَيْن:
من جهةِ الرسولِ، ومن جهةِ الأصولِ.
فأمَّا جهة الرسولِ، فَمِثْلُ: قَوْلِ الحنفيُّ في تنجيِسِ سؤرِ السَّبُعِ: لأنَه سَبُع ذو نابٍ، فكان سؤرُهُ نَجِساً، كالخِنزير.
فيقول له الشافعي: كوْنه سَبعاً جُعِلَ في الشرع علةً للطهارةِ؛ والدليلُ عليه ما روي أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - دعِيَ إلى دارِ قَوْم فأجابَ، ودُعي إِلى دارِ قوم فلم يجبْ، فقيل له: دعاكَ فلان فأجَبْت، ودعاك فلانٌ فلم تجِبْ! فقال: "إنَ في دارِ فلانٍ كَلْباً"، فقيل: وفي دارِ فلانٍ هِرة،
__________
(1) رواه عبد الرزاق في مصنفه (10391)، وضعَّفه المُناوي والأَلباني.
انظر: "التيسير بشرح الجامع الصغير" 1/ 456 و"ضعيف الجامع": 365.
(2) انظر في هذا الفصل: "التمهيد" 4/ 199 و"شرح مختصر الروضة"3/ 472 و"شرح الكوكب المنير"4/ 241 و"فواتح الرحموت" 2/ 346 و"المعونة في الجدل": 111.
(2/288)

فقال: "الهرةُ سَبُع (1) ". فجعل كَوْنَ الهِرةِ سَبُعاً علةً في الطهارةِ، فلا يجوز أنَّ يُجْعلَ علةً للنجاسةِ.
والجوابُ أَن يتكلم على الخَبَرِ بما يُسقطه لتسلمَ له العلَّةُ.
وأما ما عُرفَ من جهةِ الأُصولِ، فمِثْلُ: أن يقولَ الحنبليُّ أو الحنفيُّ في قَتْلِ العَمْدِ: إنه معنى يوجبُ القَتْلَ، فلا يُوجبُ الكفارةَ، كالردَّةِ.
فيقول الشافعيُّ: علقْتَ على العلَّةِ ضد مقتضاها (2)، لأن كَوْنَهُ موجباً للقَتْلِ سببٌ للتغليظ، فلا يجوزُ أَن يُجْعَلَ سبباً لأسقاطِ التخيير بالتكفير.
والجواب للشافعيِّ أن يقولَ: إِنه لا يقتضي إلا ما عُلقَ عليه، لأنه إِذا تغلًظ بوجوبِ القَتْلِ وجب أن يُستغنى عن تغليظٍ آخَرَ.
وأجاب بعضُهم عنه: بأن هذا يبطلُ بالأصلِ، وهو الردةُ، فإنها أوجبتِ القَتْلَ، ثم لم تُوجب الكفارةَ.
وهذا ليسس بصحيحٍ؛ لأَن السائلَ لم يقلْ: إِنَّ وجوبَ القَتْلِ علَّةُ لإيجابِ الكفارةِ. وإنما قال: سببٌ للِإيجابِ، وسببُ الِإيجابِ لا يصلُحُ أَن يُعَلقَ عليه الِإسقاطُ. وإِن كان لا يتعلَّقُ به الِإيجابُ كالشاهِد الواحدِ على الِإيجابِ، لا يُحْتَج به في الِإسقاطِ، وإن كان لا يتعلَقُ به الإيجابُ، وكذلك هاهُنا.
__________
(1) تقدم خريجه في الصفحة: 27.
(2) في الأصل: "نقيضاها". وانظر التمهيد 4/ 200.
(2/289)

فَصْلٌ في اعتراضِ العلَّةِ على أصلها
وذلك من وَجْهين:
أحدُهما: أَن تُسْقِطَ أَصْلَها، كعِلَّةِ أَصحابِ أَبي حنيفة في جواز الصلاةِ بلفظ التعظيم: أنّه لفْظ يقصَدُ به التعظيمُ لله سبحانه فأَشْبَهَ لَفْظَ التكبيرِ، فإن الأَصلَ ثبت بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مفتاحُ الصلاة الطهور، وتحريمُها التكبيرُ، وتحليلُها التسليم (1) " وهذا يقتضي تخصيص التحريمِ بلفْظِ التكبيرِ، وهذه العلَّةُ تُبطُل هذا، فأبْطَلَتْ أَصْلَها.
والثاني: أَن تَخُصَّ أَصلَها، كقولهم في الرِّبا: إِنه مكيل جِنْسٍ، فإِنَّ الأصلَ ثبت بقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لا تَبيعوا البُر بالبُر (2) " وهو علَة في القليلِ والكثيرِ، وعلَّتكم تخصُّ الأصْلَ في القليلِ، فلا تصحُ، لأنه لو كان ذلك علةً، لَعَمت جميع الأَصلِ، لأنَّ المطلوبَ علَّةُ الأصل.
والجوابُ: أن يتكلم على الخبرِ في المَوضعَيْن، ويُبَينَ أَن الخبرَ في الأول لا يقتضي الحَصْرَ، والخبر في الثاني لا يتناول القليل، ليبقى القياسُ بحاله.

فصل في الكَسْرِ والاعتراض به على العلَّة (3).
وهو نَقْض المعنى. وهو وجود معنى العلَّةِ ولاحُكْمَ، كما أنَّ النَقْضَ
__________
(1) أخرجه الترمذي (3) وابن ماجه (275) والدارقطني 1/ 360 من حديث على رضي الله عنه.
(2) سبق تخريجه في الصفحة (48) من الجزء الأول.
(3) انظر في هذا الفصل: "المسوَّدة": 429 و"التمهيد" 4/ 168 و"شرح الكوكب"4/ 293 و"الإبهاج" 3/ 125 و"المعونة في الجدل": 107 و"شرح مختصر الروضة" 3/ 510.
(2/290)

وجودُ ألفاظِ العلَّةِ ولا حُكْمَ.
وقد اختلف فيه أهل العلم: فقيل: ليس من الأسئلةِ اللازمةِ.
وقيل: هو لازمٌ.
فمن لم يجعله سؤالًا، لم يلْزَمْ عنده الجواب عنه، لأنه يعتقد أنه ليس بكلامٍ على الدليلِ.
ومن اعتقده سؤالاً ألزمَ الجوابَ عنه.
ومثالهُ: قَوْلُ أَصحابِنا وأَصحابِ الشافعيِّ في بَيع ما لم يَرَهُ: إنه مَبيع مجهولُ الصفةِ عند العاقدِ حال العَقْدِ، فلم يصحَّ بيْعُهُ، كما لو قال: بعتُك عبْداً (1).
فيقول المخالفُ: هذا ينكسرُ به إذا تزوج امرأةً ولم يَرَها، فإنها مجهولة الصفةِ عند العاقدِ حالَ العَقْدِ، ثم يَصحُّ. فمَنْ مَنَعهُ قال: هذا ليس بكلام على دليلي، لأنَك غَيرْتَ الوصْفَ، وإِذا غيرت الوصْفُ لم يكن الذي تكلمت عليه دليلي.
ومن أجاب عنه واعتقده سؤالًا قال: ليس النكاحُ كالبَيْع؛ وأَخَذ يبعد بالمعنى حسب الإِلزامِ بالمعنى، ويوضح في تَبْعيدهِ: أَن النكاحَ لا يُعْقدُ فيه على الصفات، ولذلك لا تُفْرَدُ صفاتُه بالعَقْد ولا يلزمُ اشتراطُها، ولا يثبتُ الخيارُ فيه بالرؤيةِ بخلافِ سائرِ السلع.
فيُجيب الحنفي: بأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حث على تأملِ صفاتِ المنكوحةِ
__________
(1) انظر "المغني" 6/ 299 وما بعدها.
(2/291)

قَبْلَ النكاح، وقال: "تُنكحُ المرأةُ لجمالِها (1) ". وُيقرِّب النكاحَ من البَيْعِ بحيث يَنْدفغَ الفَرْق وَيقْرب النكاحُ من البَيْعِ بالمعنى.
واعتلَّ مَنْ مَنَع كَوْنَه سؤالًا بما نُحَقَقه في مسائلِ الخلافِ إن شاءَ الله، ولكنا نُعَجِّلُ منه طرفاً هاهُنا بأن نقول: الكَسْرُ كلام على بعضِ الدليلِ أو على غيرِهِ، لأَنَّه لا يَقَعُ إلاّ ممَّن يُسْقِطُ من العلَّةِ وصْفاً، أَو يُغَيِّرُ وصْفاً، فالكلامُ على بعْضِ الدليلِ ليس بكلام على الدليلِ، ويكون ما اسقطه أو غَيَّرُه هو الفَرْق بين مسألةِ الإلزام وبين المسألةِ المُستَدَلِّ عليها.
قال: وُيخالفُ نَقْضَ اللَّفْظِ، لأنَه أبْطَلَ العلَّةَ التي ذكرها، ولهذا لم يقبَلْ منه الفَرْقُ، لأنه يكونُ زيادةً على ما ذكره من الدَّليلِ.
ولِمَنْ نَصَرَ صحةَ الكَسْرِ أنَّ يقولَ: انما نُوردُ الكَسْرَ على علًةٍ فيها وصْف ليس بمؤثّرِ في الحُكْمِ ولا يتعلًقُ به المعنى, فلا نكون قد نَقَضْنا من العلَّةِ شَيْئاً، ومتى كانت جميعُ أوصافِ العلَّةِ مؤثرةً فلا كَسْرَ.
فيقول النافي لصحًةِ الكَسْرِ: فإِذا كان في العلَّةِ وصْف غَيْرُ مؤثرٍ وجَبَ إِسقاطُه والطَعْنُ في العلَّةِ لعَدَمِ التأثيرِ، ولا معنى لإِيرادِ الكَسْرِ.
فيقول المُثبتُ للكَسْرِ: عَدَمُ التأثير سؤال لإِفسادِ العلَّةِ، والكَسْرُ طريق أيضاً لإِفسادِ العلَّةِ، فأيَّهما أوْرَدَ، نابَ مَنابَ صاحبهِ.
فيقول النافي للكَسْرِ: هذا غيرُ مستقيمٍ، لأنَّه مُتَرَتِّبٌ على سؤالٍ
__________
(1) أخرجه أحمد فى 2/ 428 والبخاري (5090) وأبو داود (2047) والنسائي 6/ 68 وابن حبان (4036) من حديث أبي هريرة.
(2/292)

قَبْلَهُ تَفْسُدُ به العلَّةُ، وهو بيانُ أن هذا الوَصْفَ لا يتعلقُ به الحُكْمُ، والمعنى مُتعلَق بما سِواه ليتم له إيرادُ الكَسْرِ، وإن ثَبَتَ أنه لا تأثيرَ لوصفٍ من الأوصافِ [فى]، العلَّةِ، فقد فَسَدت العلَّةُ بعدمِ تأثيرِ ذلك الوصْفِ، ولا معنى لإيرادِ الكَسْرِ.
(2/293)

فصول المُعارضة (1)
فصل
إذا عارَضَ المُعترضُ العلَّةَ بُنْطقٍ، نَظَرْتَ، فإِن كان نَصّاً كان مُقَدماً عليها، لأنَّ نَصَّ خَبَر الواحدِ مُقَدَّم على القياسِ، وبيانُ ذلك في أصولِ الفِقْهِ وتراتيبِ الأدلةِ وقد مضى (2).
وإن كان النُّطْقُ ظاهراً أو عموماً، فقد اختلف أهلُ الجَدَلِ فيه، ولأصحاب الشافعيُّ فيه وجْهان: فمنهم مَنْ يقولُ: يُقَدَّمُ النطْقُ، لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ: "بمَ تحكمُ؟ " قال: بكتاب الله، قال: "فإن لم تَجدْ؟ " قال: بسُنَّةِ رسول الله، قال: "فإن لمَ تَجدْ؟ " قال: أجتَهِدُ رأيي، قال: "الحمدُ لله الذي وفَّق رسولَ رسولِ اللهَ لِما يرضاه رسولُ الله" (3). فأخر الرأيَ عن الكتابِ والسنَّةِ.
ومنهم مَنْ قال: يقدم القياسُ، لأنه تناولَ الحُكْمَ بنصهِ وصريحِه وحقيقتِهِ، فكان مقدماً على ما تناوله بظاهرهِ أو عُمومِهِ، كما أنَّ نَص خَبَرِ
__________
(1) انظر "التمهيد"4/ 215 و"شرح الكوكب المنير"4/ 294 و"شرح مختصر الروضة" 3/ 527.
(2) أنظر: ما تقدم في الصفحة (5) وما بعدها.
(3) تقدم تخريجه في الصفحة (5).
(2/294)

الواحدِ يخصُّ عُمومَ القرآنِ وإِنْ كان طريقهُ الظنَّ، وطريقُ القرآنِ العِلْمُ والقَطْعُ، لأَنه تناوله بَنصَه.
إِذا ثبتَ هذا، فإنَّ أَصحابَ أَبي حنيفة يقولون: لا يُبْتَدأُ التخصيصُ
بالقياسِ، فإن كانَ العمومُ مخصوصاً بغيرِهِ، خَصَصْناه به.
مثال ذلك: تعليل أَصحابنا وأَصحابِ الشافعيِّ في مسألةِ امرأةِ الصبي إذا مات وهي حاملٌ: أنها تعتد بالَأشهر دون الحَملِ، لأَنَّ هذا الحَمْلَ مَنْفيّ عنه قَطْعاً ويقيناً، فلم يُعْتَدَّ به، كما لو حَدَثَ بعد مَوْتِهِ.
فقال أَصحابُ أَبي حنيفة: هذا القياسُ يخصُّ عُمومَ القُرآنِ، وهو
قوله تعالى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]
فلا يُصْرَف عن ظاهرِهِ بالقياس.
ووَجْهُ ما ذكرْناه: أَنّه لا فَرْقَ في تَخْصيص العُموم بين ابتداءِ التَخْصيصِ وثانيهِ، لأنَّ للفْظِ المخصوصِ دلالةً فيما لم يُخصّ، كما أن لِلَّفظ في الابتداءِ في الكُلِّ. لا يُخالفُ أَبو حنيفةَ في ذلك وإِنَّما عيسى بن أَبان (1) يقولُ: إِذا خُصَ بطلت دلالتُه، فلا معنى لما ذكروه، وعلى أَنه في هذه الآيةِ قد خُصت في الحَمْلِ الحادثِ بعد الموت.

فصل
وأما إنْ عارضَ بعلةٍ نُظرَتْ: فان كانت من غير أَصلِه، مثل أَن يقولَ الحنبليُّ أَو الشافعي في إزالةِ النجاسةِ: إنَّها طهارة فلا تصحُ بالخَلِّ، كالوضوءِ.
فيعارضه السائل؛ بأنها عين يزول حكمها بالماء، فوجب أن تزول بالخل، حَالطيب على توب المحرم.
__________
(1) هو عيسى بن أبان بن صدقة، أبو موسى القاضي، الفقيه الحنفي، توفي بالبصرة سنة (221). انظر "الجواهر المضية" 2/ 678.
(2/295)

كان على المُسْتدِلِّ أن يتكلم على العلَّةِ التي عارضَه بها بما يتوجه عليها من أَنواعِ الإفْسادِ أَو يُرجحَ عليه، كما لو كان السائلُ هو المستدِل ابتداءً.

فصل
وأما إنْ عارَضَهُ بعِلةٍ من أصلهِ، نُظرَتْ، فإن كانت العلةُ التي عارضه بها واقعةً مِثْلَ أن يُعَللَ أصحابُنا وأصحابُ الشافعيُّ في ظِهارِ الذميِّ بأنه يصح طلاقُه، فصح ظِهارُهُ، كالمُسْلمِ.
فيقول الحنفي: المعنى في المسلمِ أنه يصحُّ منه الكفارةُ.
فيقول المستدل: هذه علةٌ واقفةٌ (1)، والواقفةُ عندك ليست صحيحةً، وعلى أني أقولُ بالعلتَيْنِ، لأن حُكْمَ هذه العلَّةِ التي ذكرتها لا يُنافي حُكْمي.
ومن الناسِ مَنْ قال: لا حاجةَ به إلى تسْليم العلَّةِ له، بل يقولُ: هذه العلةُ التي ذكرْتها لا تُنافي علتى ولا تَمْنَع تَعلقَ الحُكْم بها، لأَنَها تُوجبُ حُكماً مِثْلَ حكمِ علتي.
فإنْ قال: إذا ثبتَ تَعلقُ الحُكْمِ بهذه العلَّةِ، ثبتَ أنَّ حُكْمَ الفَرْع بخلافِ ذلك، لأنه لا يُوجَدُ فيه.
قال له المُسْتَدِلُّ: ليس يَلْزَمُ في العِلةِ أنَّ تنعكسَ، ويجوزُ أنَّ يثبت الحكمُ في عَكْسِها لعلةٍ أخرى، فيكون الحكمُ في الأصلِ ثابتاً
__________
(1) العلَّة الواقفة: هي العلةُ القاصرة. وانظر تمام الكلام عليها في "شرح الكوكب المنير" 4/ 51، و"التبصرة": 452.
(2/296)

بعلتَيْن تُوجدُ إحداهُما في الفَرْع دون الأخرى.
فإن قال السائلُ: فقد أقْرَرْتَ بصحةِ علتي التي عارضْتُ بها، وأنا لا أقر بصحةِ عِلتِك التي ادعَيْتَها، فيلزمك الدليلُ، صار هذا مطالبةً بتصحيحِ العلَّةِ وخَرَجَ عن حُكْمِ المعارضةِ.

فصل
وأما إنِ كانت العلةُ التي عارضَ بها مُتَعدِّية، نظرت، فإن كانت معلولاً بها داخلة في معلولاتِ علَتِهِ، لم تصح المعارَضةُ، لأَنَّها علَّةُ المُعَلِّلِ وزيادةٌ.
وذلك مثل: أَن يُعَللَ أَصحابُنا في إحدى الرواياتِ وأصحابُ الشافعي البُر: بأَنَّه مَطْعومُ جنْسٍ، فيقول المالكيُّ: إنَّه جِنْسٌ فكان القُوتُ داخلا في الطعْمِ، كأنَّه قال: مطعوم (1)، وكذلك قال أصحابُنا في طعامِ الكفارةِ: لا يجوزُ أَن يُعْطى منه مسكينٌ واحدٌ مُديْنِ في يَوْمَيْن؛ لَأنه مسكين استوفى قُوتَ يوْمِهِ من كفارة، فأَشْبَهَ إذا أَعطاه ذلك عن يَوْمَيْن في يَوْمٍ واحدٍ سَلَفاً لحاجتِه من الغَدِ (2). فيقول الحنفيُّ: المعنى في الأصلِ أنَّه استوفى قُوتَ يَوْمِهِ من كفارةٍ.
لم تصِح هذه المعارَضةُ، لأنَّ يَوْمَهُ داخلٌ في علَّةِ المعلِّل من أصحابِنا، وهو اليوم المُنكَرُ، قال أبو عليِّ الطبري من أَصحابِ الشافعي: وكذلك إِذا قيل في حرمان الميراثِ بقَتْلِ الصبيِّ
__________
(1) انظر مقدمات ابن رشد بهامش المدونة 3/ 174.
(2) انظر "المغني" 13/ 513.
(2/297)

لمَوْروثِهِ: إنَّه قاتل فاشْبَهَ البالغَ (1).
فقال أصحابُ أبي حنيفة: المعنى في البالغِ أنه مُتهم بالقَتْلِ؛ لأن المتهم في استعجال الميراثِ بالتسَبب إلى القَتْلِ ولم يَحْصُل منه، مِثْلَ إن عدا على موروثه بحديدةٍ أو أطَعمه سُماً قاتلًا، فتدواى فَسلِمَ منه، هذا مُتهَم في تَعْجيلِ الإرْثِ ولا يُحْرَمُ الإرْثَ. وكذلك لو جَرَحَهُ جراحةً يموت بمِثْلِها، فلا زال يُداويها حتى بَرأ، ثم مات من غَير سرايتِها، فإنَّه مُتَّهَم، ولا يُحْرَمُ الإِرْثَ، فإِذا كانت التهمةُ بالقَتْلِ، فهي داخلة في علةِ مَنْ عللَ بالقَتْلِ خاصةً.
فأَما إن لم تكن معلولاتُها داخلة في معلولاتِ علَتِهِ، مثل أَن يُعَلِّلَ البُر بأنه جِنْسُ مطعومٍ ونَقيسُ عليه الفواكه.
فيقول الحنفي: المعنى في البُر أنه مَكيلُ جِنْسٍ. فيحتاج المستدل أن يتكلم على علَّةُ المُعارِضِ بما يتوجه عليها من إفسادٍ، أو ترجيحِ علته على ما علل به من الكَيْلِ. ويوضِّح أنَّ الطعْمَ وَصْف ذاتيٌّ، والكيل مِقْدار وعَلَم على التساوي، فَيَبْعُدُ أنَّ يكونَ علةً. ومتى عجز عن واحدٍ منها، كان مُنْقَطِعاً بمساواتهِ المُعْترِضَ، وليس يخرجُ من الانقطاعِ إِلا بترجيحٍ لِعلتِهِ.
قال بعضُ الشافعيةِ: ولا يُمكنُ أنَّ نقولَ بالعلتَيْن؛ لأَن الإجماعَ انعقد على أنَّ العلَّةَ في البُر واحدة، وليس كما وقع له، بل قد ذهب
__________
(1) انظر "المغني" 9/ 152.
(2/298)

صاحبُنا -رضي الله عنه- في رِوايةٍ إلى أَنَ العِلَةَ ذاتُ وَصْفَيْن، وهما (1): الطعم والكَيْلُ (2)، فيمكن الحنبلي أن يقولَ بما علل به المعارضُ إذا نَصَرَ هذه الروايةَ؛ لأن ما جعله المخالفون علةً هو عِنْدَ صاحبِنا وَصْف، فالعِلةُ ذاتُ وَصْفَيْن: طُعْمٌ، وكَيْلٌ.

فصل
ولا تحتاجُ علَّةُ الأصلِ إلى أصلٍ تُردُّ إِليه، لأن الأصل ثبت حُكْمُه لا مِن جهةِ القياسِ على غيرِهِ، وإنما ثبت بالنُّطْقِ، والعلَّةُ مُسْتَنْبَطَة منه (3)، فإن كان الأصلُ ثبت حكمُه بالقياسِ على قول مَنْ أجاز القياسَ عليه، فانما يكون القياسُ عليه بغيرِ العلَّةِ التي أُثْبِتَ حُكْمُهُ بها، وتكونُ العلةُ التي ثبت حُكْمُهُ بها جاريةً مَجْرى النُّطْق فيه، لَأنَ القياسَ دليلٌ شرعيٌ، كما أَن النُّطْقَ دليلٌ شرعيٌ، وإِذا قيس عليه بالعلَّةِ التي ثبت الحُكْمُ بها، فلا يكون أصلًا لما قِيسَ عليه، لأن الذي قيسَ عليه مُقاس على الأصْلِ الذي انتُزِعَتْ منه العلةُ، ولا يكونُ أَحدُهما بكَوْنِهِ فَرْعاً أوْلى من الآخَرِ.
وأما الفَرْعُ فلا بُد لعلتِهِ من أصْل، لأن الفَرْعَ ثَبَتَ حُكْمُه بغَيْرِهِ.

فصل
وليس من شَرْطِ علةِ المعارَضةِ في الأصلِ أن تُعْكَسَ في الفَرْعِ،
__________
(1) في الأصل: وهو.
(2) انظر كتاب المسائل الفقهية من "كتاب الروايتين والوجهين" لأبي يعلى الفراء 1/ 316.
(3) "التمهيد"4/ 222.
(2/299)

بل يجوزُ أنَّ تُذْكَرَ عِلةٌ في الأصْلِ ويُذكَرَ في الفرع علَّةُ أخرى (1).
وذكر بعضُهم: أَنه متى لم يعكِسْها في الفَرعِ، لم يحصل الفَرْقُ، لأنَه يمكنه أنَّ يقولَ بعلة الأصل وليس، ما اعتبره هذا القائلُ صحيحاً، لَأنَّ علةَ الَأصْلِ لا بُدَّ أَن يَحْصُلَ بها الفَرْقُ، لأَنها غيْر موجودةٍ في الفَرْعِ، ويكفي عَدَمُ وجودِها في الفَرْع، لأَن يَخْرُجُ بعدَمِ وجودِها أنَّ يكون فَرْعاً، وأَن يكون مُعَلِّلاً بما يَحْصُلُ به العَكْسُ، وهو إذا ذكر علَّة في الفَرْعِ وليست موجودةً في الأصْل فقد خَرَج أنَّ يكون فرْعاً، فصار بذلك فرْقاً صحيحاً. فلا وجْهَ للمطَالبة بالعَكْسِ، وقد حصل الفَرْقَ بما ذكَرْنا مع عَدمِ العَكْسِ. وأما قولُه: أَنَّه يُمكنه القولُ بها في الأصل، فليسٍ بصحيح؛ لأن علةَ الأصلِ التي لم يعكسْها يجوزُ أَن تكون مُنْتَقَضَة على أَصْلِ المعللِ، لأنها تتعدى إلى فُروعٍ لا يقول بها، وإِنما يصح ذلك في العلَّةِ الواقِفةِ، ولأن علَّةُ المُعارِض لا بُدَّ أن تكون مُنعكسة على أصْلِهِ، وإنما في الفَرْع يُعْدَلُ عن ذلكَ، لأن المستدل لا يُسَلَمُ له حصول العكس في الفَرْع، وذلك يكونُ في العلَّةِ إذا كانت حُكْماً أوْ صِفةً شرعيَّةً، مثل أن يُعَللَ أصحابُ أبي حنيفة طهارةَ جِلْدِ الكَلْبِ بالدَباعِ: بأنَّه حيوانٌ يجوزُ الانتفاعُ به حال حياتِه، فطَهُرَ جِلْدُهُ بالدباغ، كالفَهدِ.
فيقول الشافعيُّ: المعنى في الفَهْدِ أنه يجوز بَيْعُهُ حال حياتهِ ولا يُغْسَلُ الإناءُ مِنْ ولوغهِ عَدَداً، ويُقْتنى إعجاباً به واستحساناً له لا لأجْلِ الحاجةِ إليه، وليس كذلك الكلب، لأَنَّه نَجِسُ العَيْنِ لا يجوزُ بَيْعُهُ،
__________
(1) "التمهيد"4/ 223.
(2/300)

وَيقفُ اقتناؤهُ على الحَاجةِ، فهذا العكْسُ كله لا يقولُ به الحنفيُّ ولا يُسَلِّمُهُ (1).

فصل
وإذا عارَضَه في الأصل بعلةٍ مُجْمَع عليها، وذلك مثل: أن يُعَلِّلَ الشافعيُّ في أَن صفةَ الطلاقِ لا تنعقه قَبْلَ النكاحِ: بأَنَّ مَنْ لا تقَعُ طلاقُهُ المباشِرُ لا تنعقد صفتُه بالطلاقِ كالصبيِّ. فيقول الحنفيُّ: المعنى في الأصلِ أنه غيرُ مكلفٍ فلم تنعقد صفتُه بالطلاقِ، والبالغُ مُكلَّفٌ أَضافَ الطلاقَ إِلى مُلْكِهِ، فأَشْبَهَ الزَّوْج.
كان للمستدل أن يقولَ: أنا أقولُ في الأصلِ بالعلًتَيْن. ويتكلَّم على علَّةُ الفَرْع، كما يتكلَّمُ عليها إِذا ابتدأ الاستدلال بها، فيقول: لا تأثيرَ لقولِك: أضافَ الطلاقَ إلى ملْكِهِ في الأصل لأن الزَّوْجَ يَقَعُ طلاقُهُ وإِنْ لمْ يُضِفْهُ إلى ملْكِهِ.
وربما قيل على المعارَضةِ: إِنَّ اختلافَ الصبى والبالغِ في التكليفِ لا يمنعُ استواءَهما مع عَدَم الملْكِ، كما استويا في الطلاقِ المُباشر.
ولربَّما قيل بلَفْظٍ آخر: وهو أنَّ الصبى إن كان غَيْرَ مكلف، فهذا غَيْرُ مالكٍ، وعدَمُ الملْكِ في مَنْعِ التصرفِ كَعَدَمِ التكليف.

فصل
واذا كان القياسُ على أصول عدة، فعارضَ في بَعْضِها، لم يكْفِهِ
__________
(1) انظر "المغني" 6/ 352، 356. و"نَيْل الأوطار" 1/ 62.
(2/301)

ذلك في المعارَضةِ؛ لأَنَّ الحجَّةَ باقيةٌ بما بقي من الأصولِ ولو أصلٌ واحدٌ.
مثالُ ذلك: أن يستدلَّ أصحابُنا في رواية وأصحابُ الشافعيُّ في نجاسةِ شَعْرِ الميتة، بأَنَّه شعر نابتٌ على ذاتٍ نَجِسَةٍ فكان نجساً، كشَعرِ الكَلْبِ.
فيقول الحنفيُّ: المعنى في الكَلْب أنَّ شَعْرَهُ في حالِ حياتهِ نَجِس، فكان نَجِساً بعد مَوْتِهِ. كان للمسَتدل أنَّ يقولَ: هذه معارضةٌ فاسدةٌ، لأنَّها في بَعْضِ الأَصْلِ، وأَنا قِسْتُ على شَعْرِ الكَلْبِ حالَ حياتهِ وبعد مَوْتِهِ، فإِذا عارضني في بَعْضِ أصلي كان التعليلُ باقياً مُسْتَقِلًا بما بقي لي من الأصْلِ.

فصل
إِذ تعارَضَتْ علَّتان ولم يتوجه على إحداهُما إفسادٌ، وهذا إِنَّما يكونُ في قَوْل مَنْ يعتبرُ جَرَيانَ العلَّةِ وسلامتَها على الأصولِ خاصةً في صحَّتِها. فَأمَّا من اعتبر تأثيرَ العلَّةِ والدلالةَ على صحَّتِها فيقل وُجودُ ذلك. فإِذا تعارَضَت العلَّتان لم يكن بُدٌّ من ترجيحِ إِحداهُما على الأخرى، فيُعملُ بالراجحةِ.
فمِما يُرجَّحُ به: أن تكونَ موافقةً لعمومِ كتاب أو سُنةٍ أو قولِ صحابيٍّ، وذلك مِثل أن يُعَللَ مَنْ قال: أنَّ بَدَلَ العبْدِ تَحْملُه العاقلةُ بأَنه يتعلَّقُ بقتلِه القَصَاصُ والكَفارةُ، فحُمِّلت العاقلة بَدَلَه، كالحُر.
ويُعَقَلُ مَنْ قال: إنَها لا تَحْملُه: بأنَّه مالٌ تَجبُ قيمتُه بالِإتْلافِ فلا تحملُه العاقلةُ، كسائرِ الأَموالِ، فرجح مَن قال بهذا قياسُه بأَنه مُوافق
(2/302)

للكتاب، فمن [ذلك] قوْلُه تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164].
ويمكنه أن يُرَجحَ بنوعٍ آخَرَ، وهو أنَ المُتْلفاتِ مُعْظَمها يجبُ على المُتْلفِ، وإِنَّما ثبتَ التحمُّلُ في حق الحُر خاصةً لِما يحصلُ بقَتْلهِ من النائرةِ بين الحيَيْن أو العشيرة فكان إلحاقُ هذا العَبْدِ بسائرِ الأموال أولى.
ويُمكنُ مَنْ ألْحقَهُ بالحُرِّ أن يقولَ رد العَبْدِ إلى الحُر أَولى، لأنَّه يُرَد إِلى شَكْلِهِ وجنْسِه، وذلك مثل قَوْلِ أَصحابِ أَحمدَ والشافعيِّ: إن اللعانَ يَمينٌ؛ لأنَّه ذكر الله تعالى على وَجْهِ تأكيدِ الخَبَرِ، فكان كسائرِ الاَيْمانِ، فكان إِلحاقه بها اوْلى مِنْ إِلحاقهِ بالشهاداتِ.

فصل
ومن ذلك: أن تكونَ إحدى العِلَّتيْن تَخُصُّ أَصلَها الذي انتُزِعَتْ منه، وذلك مِثْلُ علَّةُ أصحابنا في إِحدى الرواياتِ، وعلَّةِ أصحاب أبي حنيفة في البُرِّ أنَّه مَكيلٌ، فإِنها تُخرجُ الذي لا يُكالُ من الرِّباَ على أصلِ أصحاب أبي حنيفة خاصَّةً، فإِنَّ أصحابَنا مع المُوافقةِ لهم في التعليلِ بالكَيْلِ، يخالفونهم في اليَسيرِ.
وعلَّةُ أصحاب الشافعيُّ وأصحابنا في الروايةِ الأخرى: الطُّعْم، وهي تَجْمَعُ الكُلَّ، فلا تَخُص أَصْلَها.

فصل
ومن ذلك: أن يكونَ حكم العلَّةِ موجوداً معها، وحكم الأخرى يوجد قَبْلَها، فتكون المصاحِبَة للحكْمِ أوْلى.
(2/303)

مثالُه: قَوْلُ أصحابنا وأصحاب الشافعيِّ في البائن: لا نَقَقَةَ لها، بأنَّها أَجنبيّة منه، فاَشبَهَتِ المقضيّهَ العِدَّةِ.
وقَوْلُ أصحابِ أبي حنيفة: إِنَّها مُعْتدَّةٌ مِنْ طلاقٍ، فأشبَهَتِ الرجعيَّةَ، والنفقةُ تجبُ للزوجةِ قَبْلَ أن يطلقها طَلْقَةً رجعية، فعلتنا المُصاحبهُ أَولى، لكونها لم يَسْبِقْها حُكْمُها بَلْ صاحبَها.

فصل
ومن ذلك: تَقْديم أصحاب الشافعيِّ تَمْييزَ المستحاضةِ على عادتِها، لأن التمييزَ صفةٌ قائمةٌ فيَ الحالِ، والعادةُ زمانٌ مَضى.

فصل
وذكر أَبو عليٍّ الطبريُّ من أَصحاب الشافعيِّ: أَنَّ العِلَةَ إذا اتفق الفَرْعُ مع الأصل في الاسمِ بالجِنْسَ والمَعْنى كانَتْ أوْلى.
مثالُ ذلك: أن يُعَللَ في رَهْنِ المَشاعِ أو هِبَتِهِ بأنَّه رَهْنٌ، فأشْبَهَ اذا رَهَنَ من اثنين أو وهب من شريكهِ، كذلك اذا علل في المُكاتَب أَنّه لا يجوزُ عِتْقُهُ في الكفَّارةِ بأنَّه مُكاتَبٌ، فلا يُجْزىء في الكفارةِ، كما لو كان قَدْ أدى مِنْ كتابتِهِ نَجْما (1).
وكذلك إذا مات فإنه مات مكاتَباً فأشْبَهَ إذا لم يكن له وَفاءٌ، وإنما كانت هذه أَوْلى، لأنَّ الغَرَضَ تَقْريبُ الأصلِ من الفَرْعِ، فإذا اشتركا في الاسم كان أقْرَبَ، وهذا صحيحٌ فيما يكون للاسمِ فيه تعلق
__________
(1) يقال: نَجَّمْتُ المالَ: إذا أديْتَه نُجوماً. والنجْمُ: الوَقْتُ المضروب. انظر "الصحاح" 5/ 2039.
(2/304)

بالحكم. فأَما إذا لم يكُن فيه تَعَلق بالحُكْمِ، فلا وَجْهَ للترجيحِ به.

فصل
ومما يُرجَّحُ به: أَن تكونَ إِحداهُما مَرْدودةً إِلى أَصْلٍ مُجْمَعٍ عليه، والأخرى إلى أصْلٍ مُخْتَلفٍ فيه، أو تكونَ إحداهما مُفَسرة والأخرى مُجْمَلةً، كقَوْلِ أصحابِنا في الأكْلِ في الصوم: إِنَّه إفطارٌ بغيرِ جماع. وقولِ أصحابِ أبي حنيفة: أفْطَرَ بمَتْبوع جِنسهِ أو أفطر على ما فيَ البابِ من جِنْسِهِ، فإن هذا إجْمالٌ.
وكذلك إذا كانَ مع إحدى العلتين زيادة، كأن تكونَ إحداهُما فيها احتياطٌ للعرض، أو تكون إحداهُما ناقِلةً عن العادةِ والأخرى مُثْبِتَةً على حُكْمِ العادةِ، فالناقلةُ أوْلى؛ لأن معَها إفادةَ حُكْمٍ.
وكذلك إذا كانت إحداهما تُوجِبُ والأخرى تَنْدبُ، فالتي تُوجبُ معها زيادةٌ.
وكذلك إِذا كانت إحداهما حاظِرةً، والأخرى مبيحة. ويُحكى عن بَعْضِ أصحابِ الشافعيِّ أنهما سواءٌ.
وسمعتُ بَعْضَ أَئمة الأُصوليين يقول في ذلك قَوْلاً حَسَناً: وأَنَّ الاحتياط بالإيجاب لا وَجْهَ له، بل يجوزُ أن يَقَعَ في الأفعالِ، والعلَلُ موجبة للأحكام، فلا بُدَّ من اعتقادِ الإيجاب، وقد سوَّت الأصولُ بين اعتقادِ ما ليسَ بواجبٍ واجباً وبين اعتقادِ إسقاطِ الوجوبِ فيما هو واجبٌ، فلا وجْهَ للترجيحِ في الاعتقادِ بينهما.
فأمَّا في الفِعْلِ الأحوط من غيرِ اعتقادٍ، فذاك غَيْرُ ما نَحْنُ فيه
(2/305)

من العِلَلِ الموجبةِ للأحكامِ، وهذا الكلامُ مؤَيدٌ [من] هذا (1) الوجْهِ لأصحاب الشافعيِّ.

فَصلُ
ومن ذلك أنَّ تكونَ إِحدى العلتين تَسْتوي في معلولاتِها، وذلك مِثْلُ: أنَّ يُعَللَ [الشافعي] العِتْق على المالكِ بالوِلادةِ أو التعْصيب، وُيعَلِّلَ أصحابُنا وأصحابُ أبي حَنيفه بأنه ذو رَحِم مَحْرَمٍ في النَسَبَ، وهذا يختص بالنساءِ والولادةِ، والتعْصيبُ يستوي فيه نساءُ الأقارِب ورجالهُم.
ومن ذلك: أن تكونَ إحداهُما متعدِّيةً والأخرى واقِفةً، فالمتعدية أوْلى؛ لأنَها تُفْسِد أحكاماً في فُروعِها.

فصل
ومن ذلك: أن تكون إِحدى العلتين لا نظيرَ لها في الأصولِ وللأخرى نظائرُ، فالتي لها نظيرُ أوْلى، وذلك مِثل ما قالوا في رَدِّ شهادةِ القاذفِ بعد تويتِهِ مع زوالِ فِسْقِهِ بها، وليس في الأصول ما يُوجبُ رد الشهادةِ مع زوالِ ما أوْجبَ ردها، ولا لنا فِسْقٌ يَمْنَعُ فيزولُ، ويبقى ردُ الشهادة بعد زواله.

فصل
واعلم أن المُعارضةَ في الَأصْلِ، هي الفَرْقُ الذي يقصدُ به المُعارِضُ قَطْعَ الأصلِ من الفَرْع. ويَنْقَسم كما ينقسمُ أصل القياسِ:
__________
(1) في الأصل: "لهذا" ولعلَّ الصواب ما أَثبتناه.
(2/306)

فقد يكونُ بقياسِ علَّةٍ، وقد يكونُ بدِلالةٍ، وقد يكونُ بقياسِ شبَهٍ.
فأمَّا الفَرْقُ بقياس العِلَّةِ: فالكلامُ عليه أن يتكلم على علةِ الأصل والفَرْع بكل ما يتكلمَ به على العِلَل المُبْتَدأةٍ. والذي ينبغي أنَّ يُعْنى به أَن يَنْظُرَ إلى علَّةِ الأَصْلِ، فإِن كانت علَّةً اتفقا على صحتها، وقد بينا مثالَ ذلك في قوْلِ أَصحابِنا في الطلاقِ هل تنعقد صفتُه قَبْلَ النكاح معلقا على النكاح؛: مَنْ لا يملكُ الطلاق المباشر لا تنعقدُ صفةُ طلاقِه كالطفل. فيعارضُه الحنفيُّ: بأَنَ الأَصل غيرُ مكلف وهذا مكلفٌ، وقد سَبَقَ الكلامُ عليه باستيفاء (1).
وإِن كانت علَّةُ الأصلِ مُخْتلفاً فيها، مثل أن يقيسَ الشافعيُّ في الربا في الفاكهةِ على البر، فالذي ينبغي أن يُعْنى به، أن يتكلمَ على علَّةُ الأصْلِ بأن يقولَ: لا يجوزُ أن يكون الكَيْلُ علةً، لأن الكَيْلَ يتخلص به من الرِّبا، فلا يجوزُ أنَّ يُجعَلَ علَماً يقتضي تحريمَ الرِّبا، ولأن الكَيْلَ لا يُوجَدُ الحكم بوجودهِ، ولا يُعْدَمُ بعَدَمِهِ، ولأنْ التعليل بالكيْلِ يعودُ على أصْلهِ (2) بالِإبطالِ، وما أَشْبَهَ ذلك.
واما الفَرْقُ بقياسِ الدلالة فضرْبان (3):
أَحدُهما: أَن يفرق بحكْمٍ من أَحكامِ الفرع، وذلك مثل: أَن يقولَ الحنفيُّ في سجودِ التلاوةِ: إنَّه سجود يجوز فِعْلُهِ في الصلاةِ، فكان
__________
(1) انظر ما تقدم في الصفحة (301).
(2) في الأصل: أهلهِ. وصوابُه من "المعونةِ في الجدل": 116.
(3) "المعونة في الجدل": 116 ويبدو أن المصنِّف قد أَخذ هذا الفصل منه.
(2/307)

واجباً، كسجود الصلْبِ وسجودِ السهْوِ، فيقول الحنبلي أو الشافعي: المعنى في سُجودِ الصلب أنه لا يجوزُ فِعْلُهُ على الراحلةِ في غَيْرِ حالِ العُذْرِ، وسجودُ التلاوةِ يجوزُ فِعْلُه على الراحلةِ مع عَدَمِ العُذْرِ، فهو كسُجودِ النفل.
والجوابُ عنه: أن يتكلم على علَّةُ الأصْلِ وعلة الفَرْع بكُل ما يتكَلمُ به على العِلَلِ. والذي يختص به أنَّ يُبَيَنَ علةَ جوازِ فِعْلِهِ على الراحلةِ. وهو أَنه وُجِد سَبَبُهُ على الراحلةِ، وهي القراءةُ. وسجود الصلب لم يوجد سببُه على الراحلة. ولذلك لم يَجُزْ فِعْلُهُ على الراحلةِ.
والثاني: أن (1) يُفرقَ بنظيرٍ من نظائرِ الحُكْمِ، وهو مِثْلُ أن يقولَ الحنبلي أَو الشافعي في الزكاةِ في مالِ الصبي: إنّه حر مُسْلمٌ، فأَشبَهَ البالغَ.
فيقول الحنفيُّ: البالغُ يتعلَقُ الحج بمالهِ فتعلًقتِ الزكاةُ بمالهِ، وهذا لا يتعلق الحجُّ بمالهِ، فلم تتعلق الزكاةُ بمالهِ (2).
والجوابُ: أن يتكلمَ على العِلتَيْن بكُلِّ ما يتكلم به على العِلَل، والذي ينبغي أَن يُعْنى به؛ أَن يبين أَن الزكاةَ ليست بنظيرٍ للحج.
وأما الفَرْقُ بقياس الشبه، فهو مِثْلُ أنَّ يقولَ الشافعي في نفقةِ غير الوالدِ والولد: إنها لا تجبُ؛ لأنَ كلُّ قرابةٍ لا تَجِبُ بها النفقةُ مع
__________
(1) في الأصل: "لأن".
(2) انظر: "إيثار الِإنصِاف":72، و"المغني" 4/ 69، و"المُحلى" 5/ 201 و"رحمة الأمة": 160.
(2/308)

اختلافِ الدينِ، فلا تجبُ؛ بها النفقةُ مع اتفاقِ الدينِ كقَرابةِ ابنِ العمِّ (1).
فيقول المخالفُ (2): المعنى في الأصلِ أنَّ تلك القَرابةِ لا يتعلق بها تحريمُ المناكحةِ، وهذه القرابةُ يتعلَقُ بها تحريمُ المُناكحةِ، فهي كقَرابةِ الولدِ.
والجوابُ: أنَّ يتكلمَ على العلتين بكُل ما يتكلم به على العِلَلِ، والذي يَخْتَص بهذا انْ يُقابلَ الفَرْقَ بَجْمعٍ مِثلهِ، فيقول: إن افترقا في المُناكحةِ فهاهُنا ايْضاً قرابةُ الأب والأخ اجتمعا في تحريمِ أحدِهما على الآخرِ، ورد الشهادةِ، وأحكامَ كثيرةٍ، فيجب أن يجْتَمعا في إسقاط النفقةِ، والله أعلمُ.

فصل
والفَرْقُ سؤالٌ (3) صحيحٌ، خلافاً لبعضِ الخُراسانِيةِ؛ وذلك أَنَّ الفِقهَ هو الجَمْعُ بملاحظةِ المعنى، والفَرْقُ قطع لِما بينَ الأصلِ والفَرْع بأخص منه. وقد يكونُ الجامعُ جَمعَ بالأعم، فيُفَرقُ المُفَرقُ بالمعنىَ الأخَص، وقد يُخطىءُ الجامعُ، فيصيبَ المُفَرقُ، وقد يُصيبُ الجامعُ فيُخطىء المُفَرِّقُ، فلا يُخْرِجُ ذلك الفَرْقَ عن كَوْنهِ سؤالًا، كما لو لم
__________
(1) "كفاية الأخيار"2/ 87 و"حاشية البيجوري" 2/ 190.
(2) انظر "رحمة الأمة": 456.
(3) وهو إبداءُ المُعترضِ معنى يحصلُ به الفَرْقُ بين الأصلِ والفَرْع، حتى لا يُلْحَقَ به في حكْمهِ.
انظر: "شرح الكوكب المنير" 4/ 325 و"شرح تنقيح الفصول": 403 و"المسوَّدة": 441 و"الوصول إلى الأصول"2/ 327.
(2/309)

يَخْرجِ الجَمْعُ عن كونهِ دليلًا وقياساً صحيحاً، وما قرع الناسُ في دَفْعِ الشُّبْهَةِ عن الحُجةِ إِلاّ بإظهارِ الفَرْق، كقولِ النبيِّ في الأَسودِ العَنْسيِّ لما قيل له: إِنه يتكلم بالشيءِ قَبْلَ كونه، فقال:" إنه إِذا شُككَ، شَك (1) "، وقوله: "الهِرُّ سَبُعٌ ليست بنجِس (2) " لما تعلقوا بكونِها في بَيْتِ مَنْ أجابَهُ.

فصول
الكلام على استصحابِ الحال
وهو البقاءُ على حُكْمِ الأصل. وهو أصْلٌ من أصولِ الدينِ، ودليل من أدلةِ الشَّرْعِ (3)، يبْنى عليه عدة مسائلَ.
قال بعضُ أهلِ الأصولِ: والأصلُ فيه قولُه سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [المائدة: 101] وفي هذه الآية تقديم وتأخيرٌ، وتقديرُها: يا أَيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياءَ عفا الله عنها، إن تسألوا عنها تُبْدَ لكم، وإن تُبْدَ لَكُمْ تسؤكُم. أي: إِن تسألوا عنها، تَظْهَرْ لكم بنزولِ القرآنِ، وان تظهر لكم تَسُؤْكُم، ومعنى عفا الله عنها: لم تُذْكَرْ. والعَفْوُ: الترْكُ. عن عطاءٍ
__________
(1) لم نجده.
(2) سبق تخريجه في الصفحة: 27.
(3) خالف أكثر الحنفية في كونه دليلاً من أدلة الشَرع، لأن الاستصحابَ أَمرٌ عامٌ يشْمُلُ كلُّ شِيء، وإذا كثُر عمومُ الشيء، كثُرت مُخصصاتُه، وما كثرت مخَصِّصاتُه، ضعُفتْ دلالته، فلا يكونُ حُجةً.
قال القَرافي في "شرح تنقيح الفصول": 447: والجواب: أَنَّ الظنَّ الضعيف، يجبُ اتباعُه حتى يُوجَدَ معارِضُهُ الراجحُ عليه، كالبراءةِ الَأصلية؛ فإنَ شمولَها يمنع من التمسك بها حتى يُوجَدَ رافِعُهَا.
(2/310)

عن ابن عباس: فما لم يذكر في القرآن، فهو عفا الله عنه. وكان ابنُ عباس يُسْأل عن الشيءِ الذي لم يُحَرَّم فيقول: هو عَفْوٌ. وعن عُبَيْد ابن عُمَيْرٍ يقول: ما أحل الله فهو حلالى، وما حرم فهو حَرام، وما سكَتَ عنه فهو عَفوٌ. وهذا عَيْنُ استصحابِ الحالِ.
ومن السنة: ما روي في سُنَن أبي عبد الرحمن عن أبي سعيد عن النبى - صلى الله عليه وسلم -: [قال] "إذا شك أحدُكُم في صلاته، فَلْيُلْغ الشَك، ولْيَبْنِ على اليَقين (1) " وهذا عينُ استصحابِ الحالِ الذي يُعَوِّلُ عليه المستدلون به في المسائلَ.
وعن عبد الله بن زيدٍ قال: شُكي إِلى النبى - صلى الله عليه وسلم - الرجلُ يُخَيلُ إِليه في صلاته أنه يخرجُ منه شيء، قال: "لا ينصرف حتى يسمعَ صوتاً أو يَجد ريحاً" أخرجه البخاريُّ ومسلم (2).
وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - اليمينَ على مَنْ أنْكرَ لأن معه الأصْلَ (3)، وهو براءةُ ذمَّتِهِ، وقَبِلَ قَوْلَه مع اليمين، لاحتمالِ ما يدعيه المدعي.
ومن المبنيِّ على حُكْمِ الأصلِ: أنَ إنساناً لو وجَدَ ماءً قليلاً في مفازَةٍ وجَوزَ نَجاسَتَهُ بولوغِ كلْبٍ أو سَبُعٍ أو خِنزيرٍ، فإنه يجبُ عليه التطهرُ به، ويجوزُ له شُرْبُهُ مُمْسكاً بحكْم الأصلِ وهو طُهوريتُه وما خُلِقَ عليه، فلا يَعْدِلُ عنه إلَا بدليل يُوجبُ نَجاسَتَه وانتقالَه عن الحاق الأولى.
__________
(1) أخر جه ص سلم (571)، وأبو داود (1024)، النسائي 3/ 27، وأحمد 3/ 72، 83.
(2) أَخرجه البخاري (137) ومسلم (361) وأَبو داود (176) وابن ماجه (513) من حديث عبَّاد بن تميم عن عمِّه.
(3) انظر: "فتح الباري" 5/ 444 و"عارضة الأحوذي" 6/ 86 و"سنن ابن ماجه" (2321).
(2/311)

وكذلك حُكْمُ الثوب والمكانِ والطعامِ مع تجويزِ نجاسةِ ذلك كلَه بالعوارضِ النَّجِسَةِ من أَبوالِ الحيوانِ النجِسَةِ وورود النجاساتِ.
وعلى عكْسِ ذلك: لو عَلِمَ نجاسةَ محَل من ثَوْبٍ أَو ماءٍ أَو بَدَنٍ، ثم جَوز طهارَتَه بعارض طهرهُ من مجيء مطَر أَوْ إِراقةِ ماءٍ، لم تَجُزْ الصلاةُ عليه، تعويلاً على النجاسةِ المعلومةِ، وإِلْغاء لِما جَوَزْناه من المُزيلِ لها، فإِنَّ ذلك شَكٌ، فلا يرتفعُ ما تَيَقَّنَّاهُ بالشكِّ.
وإِذا غابَ عبْدُ إِنسان وخَفِيَ عليه حالهُ، ثم أَهل هلالُ شوَّال، وجَبَ عليه زكاةُ فِطْرِه، لأَنَّ الأَصْلَ بقاءُ حياتِهِ. وكذلك إِذا طالت غَيْبَةُ الحُرِّ وخَفِيَتْ حالُه لا يجوزُ لزَوْجَتِهِ أَن تَتَزَوَّجَ، ولا يجوزُ قسمةُ مالهِ، لأنَ الأَصْلَ بقاءُ حياتِهِ.
وإذا أَوْقَفَ لأَجْلِ الحَمْلِ وصيَّةً أو ميراثاً، فخرج على حالٍ لا نعلم: أَحيٌّ هو أَو مَيِّتٌ؟ فلا إِرْثَ له ولا وصيّهَ، لأنَّ الَأصل عدمُ الحياةِ قَبْلَ العلمِ بولوجِ الروحِ فيه، فالقولُ قَوْلُ مَنْ يدَّعي عَدَمَ الحياةِ.
ولو تسحر وجل وشَك: هل كان طَلَعَ الفَجْرُ وقْتَ سُحورهِ أو لم
(2/312)

يطلُعْ؟ بنى على بقاءِ الليلِ وعَدَمِ طلوع الفَجْرِ؛ لانه الاصْلُ.
ولو أكل، وهو شاك في غُروب الشمسِ، أفْطَرَ، وكان عليه القَضاءُ تمسكاً ببقاءِ النهارِ الذي هو الأصلُ.
ولهذا تعلَّق مَنْ تعلقَ بإفطارِ يومِ الشكّ، وهو أن الأصْل بقاءُ شعبانَ ما لم يتحققْ دخولُ شهر رمضان بدليل، هو طلوعُ الهلال. ولو شك في يوم الثلاثين من رمضانَ فعليه الصومُ بقاءً على حُكْمِ الأصلِ وهو شهُر رمضان، لأن الأصلَ بقاؤه.
وكذلك ما قاله أصحابُنا وأصحابُ الشافعيِّ إذا تيقن الطهارةَ وشك في الحَدَثِ، يُصَلي؛ لأنَّ الأصْل بقاءُ الطهارةِ، ولو تَيَقنَ الحدثَ وشَك في الطهارةِ، بنى على الحَدَثِ؛ لأنه الأصلُ.
وإِذا ادَّعى رجلٌ على رجلٍ دَيْناً، فالأصلُ براءةُ ذمتهِ، ويكونُ القولُ قَوْلَه. وإذا ادعى من ادعيَ عليه أنه قضى ما كانَ عليه وأبْرَأه منه المُسْتَمحِق، كان البناءُ على الاصل، وهو بقاءُ الديْنِ، ولا يَسْقُطُ بدَعوى القضَاء والإبْراءِ من غير بَيِّنَةٍ.
وإذا شك لى: هل صلى أم لا؟ فعليه أنَّ يُصَليَ، لأن الأصْلَ اشتغالُ ذمتِهِ بالصلاةِ، فان فاتَتْه صلاة من خمْس لا يعرِفُ عَيْنَها، لَزِمَهُ قَضاءُ خمسِ صلوات، لأنه كلما صلى واحدةً بقيَ شاكاً في براءةِ ذمته بأداءِ تلك الواحدةِ، لتجويزِ أن تكونَ الفائتةُ غَيرَها.
(2/313)

فَصْل منه أيْضاً
إِنا نَجِدُ مسائلَ معارِضَة للأصولِ فيختلفُ قول العلماءِ فيها: منها:
إذا قطع الرجلُ عُضْواً باطشاً من رَجُلٍ، واختلفا في سلامتهِ وشَلَلِهِ، فالأصلُ سلامةُ العُضْوِ، والأصلُ براءةُ ذِمة الجاني ممَّا زاد على صورة العُضْوِ من البَطْشِ الزائدِ على غرامةِ عَيْنهِ دون بَطشِهِ.
فمن الناس من يجعلُ القول قَوْلَ الجاني، لأَنَّ الأصْلَ براءةُ ذمَّتِه، ومنهم من يجعلُ القولَ قَوْلَ المجنيِّ عليه، لاَنَّ الأضلَ بقاءُ العُضْوِ على سلامته الأَصليةِ وعدَمُ شلَلِهِ وتعطُّلِهِ.
ومن ذلك: إذا ضَرَبَ ملفوفاً في كساءٍ فَقُد بِنِصْفٍ، ثم اختلف الضاربُ له وأولياءُ المضْروبِ في حياتهِ، فقال الجاني: كان ميتاً، وقال الأولياءُ: كان حيّاً، فإِنَ الأصْلَ بقاءُ الحياةِ، والأصل براءةُ الذمة.
ومن ذلك: آنيةُ المجوسِ والنصارى، الأصل فيها الطهارةُ، والغالبُ أنهم يستعملون فيها الخَمْرَ والمَيتَةَ والخِنْزيرَ.

فصل
واعلَمْ أَن الأَصْلَ يُتْرَكُ لدليلٍ شَرْعيٍّ بنُطْقٍ أو استنباط.
فالأَصلُ أَن لا وضوءَ من ملامَسَةِ امرأةٍ ولا مسِّ ذكَرٍ، فأَوْجَبْناه بدليلِ الكتابِ والسُّنَةِ. والأَصْلُ أَن لا وُضوءَ على مَنْ مَسَّ الدبُرَ ولا على المرأةِ إِذا مَست زَوْجَها، فأَوجبناه بالقياس.
وإذا قال الرجلُ لزَوْجَتهِ: إنْ حِضْتِ، فأنْتِ طالق. فقالت: قد حِضْتُ، وكذبَها، فهي تدعي الحَيْضَ ووقوعَ الطلاقِ، والأصلُ
(2/314)

عدمُهُما، إِلا أنه جُعِلَ القَوْلُ قولَها لِتَعدُّرِ إِقامةِ البينةِ وأَنَّ الحَيْضَ هي
أَعلمُ به منه.
وسواءٌ كان الأَصْلُ الثابتُ يثبتُ عَقْلاً كبقاءِ الحياةِ وبراءةِ الذمةِ، أَو يثبتُ شَرْعاً، كبقاءِ طهارةِ الماءِ وطهارةِ المُتَطَهرِ، فهذا من المُتَفقِ عليه، فأَما المختلفُ فيه، فهو استصحابُ حُكمِ الِإجماعِ.

فصل في استصحاب حكمِ الِإجماعِ
فكَقْولِ اَصحابِ الشافعيِّ في المتيمَّم إِذا رأى الماءَ في الصلاةِ: الأَصلُ انعقادُ صلاتهِ وصحتُها بالإِجماعِ. فمَنْ قال: بَطَلَت برؤيةِ الماءِ. يحتاج إِلى دليلٍ.
وكما يقولُ أَهلُ الظاهرِ في الرجلِ إِذا قال لامرأته: أَنْتِ عليَّ حرامٌ. ولا نيَّةَ له: لا حُكْمَ لهذا القَولِ، لأَن الأَصلَ استدامةُ النكاحِ وبقاؤه وصحته وجوازُ الاَستباحةِ فيه إِجْماعاً. فَمَنْ قال: إِن الزوْجةَ تحرمُ بهذا القَولِ، فعليه الدليلُ.
وكما يقول أَصحابُ الشافعيِّ في العَيْنِ المَغصوبةِ إِذا ارتَهَنَها الغاصبُ: لا يَبْرأُ من الضمانِ، لأَنَ الأَصلَ بقاءُ الضمانِ، وأَنَّ هذه العَيْنَ دَخَلَت، في ضَمانِ الغاصبِ بالغَصْبِ إِجْماعاً. فَمَنْ قال: إِنَّه قد بَرِىء بحدوث الرهن عليه الدليلُ.
فهل يصحُّ التعلُقُ بمثْلِ هذا أم لا؟
(2/315)

الصحيحُ عندي أنه لا يصح التعلقُ به، وهو على خلافٍ بين الجَدليين، ولأصحابِ الشافعيِّ كَرَّم الله وجْهَهُ فيهِ قولان:
أحدهما: يصح، وهو قولُ أهْل الظاهرِ.
والثاني: لا يصحُّ. وهوالأصحُّ عند الأئمَّةِ منهم الذين رأيْناهُم واستَفَدْنا مِنْهُم.
وجْهُ المذهبِ الأول: أنَ الإجماعَ انعقد في مسألةٍ على صِفةٍ، والخلافُ وَقَعَ في مسألةٍ على غيرِ تلك الصفةِ.
وذلك أنَ الإجماعَ انعقد على صحةِ الصلاةِ قَبْلَ رؤيةِ الماءِ، والخلافُ حصل في مسألة أخرى وهي صحَةُ الصلاةِ وفسادُها بعد رؤيةِ الماءِ، وانعقادُ الإجماعِ على مسألةٍ لا يكونُ إجماعاً على مسألةٍ أخرى.
فإِن قيل: يَلْزَمُ عليه استصحابُ حالِ العَقْلِ، لأنَّ الأصْلَ بقاءُ الطهارةِ قَبْلَ حدوثِ الشك، فأمَّا مع حدوثِ الشك، فلا.
قيل: لا فَرْقَ بَيْنَهما، لأنَّا لانَتْرُكُ اليقينَ فيهما من غَيْر دليلٍ ناقلٍ، وحدوثُ الشكِّ ليس بدليلٍ، وكذلك رؤيةُ الماءِ المجرَّدةُ.
وقَوْلُهُ: أنْتِ حرام. بمُجَرَّدِهِ ليس بدليلٍ، فأن دلَّ دليل آخَرُ أنَّ رُؤيةَ الماءِ تُفْسدُ الصلاةَ، و "حرام" يقطعُ النكاح، انتقلنا عن الأصْلِ، وإن لم يدل دليل وشَكَكْنا، تَرَكْناهُما على حالةِ الأصْلِ، فأمَّا أن يُجْعَلَ الإِجماع على ما قَبْلَ رؤيةِ الماءِ إجْماعاً على حالةِ رؤيةِ الماءِ بَعْدَها، فلا يتمُّ ذلك. ولو دلَّنا دليل على أنكم إذا شكَكْتُم في الحَدَثِ وجَبَ عليكم الوُضوء، لَتَرَكْنا الأصْلَ للدليلِ.
(2/316)

فَصْلٌ
ومن ذلك: القَوْلُ بأقل ما قِيلَ.
وهو كما نقول: إذا أتْلَفَ رجل ثَوْباً على آخَرَ، فَشهِدَ عليه شاهِدان أنَه يساوي عَشَرَةَ دراهمَ، وشهد آخَرانِ أنَه كان يساوي خَمْسةَ عَشرَ دِرْهماً، فإِنَه، يجِبُ على المُتْلِفِ عند أصحاب الشافعيُّ أقَل الثمَنيْنِ.
وكما نقول: في دِيَةِ اليهوديِّ ثُلُثُ دِيَةِ المسلمِ في روايةٍ (1)، وكذلك أصحابُ الشافعيُّ، فنقول: الأصل براءةُ الذمةِ، والأقَلُّ قد ثبت بالإِجْماعِ، وما زادَ فلا دليلَ عليه، فلا يلزمه إِلّا بأمْرٍ ثابتٍ ودليلٍ صحيح.

فصل من ذلك أيضاً
وهوحكمُ الأشياءِ قَبلَ وُرودِ الشَرْع. وهذا مفروض متوهم، لأنَه لم يَنفك العالمُ مِنْ شَرْع. وهذا بأصولِ الدياناتِ أخصُّ منه بالفِقْهِ وأصولهِ. ولكن ذكرْناه لأن الفقهاء بَنَوْا عليه مسائلَ.
فَعنْ صاحبنا -رضي الله عنه- فيه: إنها على الحَظْرِ، وبه قالت المعتزلةُ البغداديون.
وعَنْهُ رِواية أخرى تقتضي الإِباحةَ، وهو اختيارُ ابي الحسنِ التميمي (2).
__________
(1) انظر "الكافي" 4/ 16 و"التمهيد" 4/ 268.
(2) انظر "التمهيد" 4/ 269 و "المسودة" 485 - 486 ففيها كلامٌ نفيسٌ.
(2/317)

ولأَصحابِنا وأَصحابِ الشافعيِّ فيها ثلاثةُ أَوْجُهٍ:
أَحدُها: أَنّها على الِإباحة وهو قَولُ أَبي العباسِ (1) وأَبي إِسحاق المَرْوَزيِّ (2)، ما لم يعلم الإِنسانُ فيه ضررا لِنَفْسِهِ أَو لغيرِهِ.
والوجْهُ الثاني: وهو قَولُ أَبي علي بن أَبي هُرَيرةَ (3): أَنها على الحَظْرِ (4)، فلا يجوزُ لأَحدٍ أَن يَنْتَفعَ بشيءٍ إِلا ما يدفَعُ به ضَرَراً.
والوجهُ الثالثُ: وهو قَوْلُ أَبي عليٍّ الطبريِّ أنها على الوقف لا يُحكَمُ فيها بحَظرٍ ولا إِباحةٍ، وهو قول أَبي الحسَنِ الأَشعريّ (5) وقال بعضُ أَهلِ العلم: فأيُّ شيءٍ حُكِمَ به من حَظرٍ أَو إِباحةٍ أَو وقفٍ، كلُّه حُكْمٌ قَبْلَ ورودِ الشَّرْعِ، وتَوْجيهُ ذلك يردُ في مسائل الخلافِ إِنْ شاءَ الله (6).
__________
(1) يعني: ابن سُرَيج.
(2) هو إبراهيم بن أحمد المروزي الشافعي، توفي سنة (340).
"تهذيب الأسماء واللغات" 2/ 175.
(3) هو أبوعلي الحسنُ بن الحسن بن أبي هريرة البغدادي القاضي شيخ الشافعية، له مصنفات، منها "شرح مختصر المزني"، ومسائل في الفروع محفوظة، توفي سنة (345) ه. "سير أعلام النبلاء" 15/ 430، و" طبقال الشافعية الكبرى" 3/ 256 - 262.
(4) انظر "التبصرة" ص 532 - 533، و"الإِبهاج" 1/ 142، و"البحر المحيط"
(5) انظر "البحر المحيط" 1/ 156، و "المحصول" 1/ 159.
(6) في الجزء الأخير من الكتاب.
(2/318)

فَصْلٌ
ومن هذا القبيلِ أيضاً: القوْلُ بأنَّ شرعَ من قَبْلَنا شَرْعٌ لنا ما لم يَثبت نَسْخُهُ، وذلك استصحابٌ لحكْمِ الشرائعِ الأولِ، ومجيءُ النسْخِ، كقيام دلالةِ الصرْفِ عن التمسُّكِ بالأصلِ.
وهو على ثلاثة أضرُب:
ما نُهينا عنه: فيُحْكمُ بنسْخِهِ كالتمسكِ بالسَّبْتِ (1)، وأكلِ الخِنْزيرِ، والتقرب بالخَمرِ.
والثاني: ما أمِرْنا بفعلهِ: فهو شَرْع لنا بالخطاب الذي جاءَنا به قال الله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} إِلى قولِهِ: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45].
والثالثُ: ما لم نؤمَرْ به، ولم نُنْهَ عنهُ، ففيه مَذْهبان، ولأصحابِ الشافعيُّ وجْهانِ:
أحدُهما: انَه شرْع لنا ما لم نُنْهَ عنة، لأن الشَريعةَ الأولى شريعة لله سبحانه ثابتة، لا يجوزُ تَرْكها إِلا بصريح نَسخٍ، وبعْثَة رسولنا - صلى الله عليه وسلم - ليس بصريحِ نَسْخ؛ لإِمكانِ الجَمْعِ بين شريعتِهِ وشريعةِ من قبله، فكيفَ وقد وَرَدَ أمْرُ الله سبحانه لنبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - باقتدائِه بهم، فقال سبحانه: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90]، وقال
__________
(1) يريد المصنف ما كان عليه بنو إسرائيل من تعظيم يوم السبت والقيام بأمره، وما ابتلاهم الله عز وجل به من الاحتباس عن العمل والصيد فيه.
(2/319)

سبحانه: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123)} (1) [النحل: 123]

فصل
وقد اختلفَ الناسُ: هل كان مُتَعَبداً بشيءٍ قَبْلَ بَعْثتِهِ؟
فقال قَوْم: كان مُتَعبداً بمِلةِ إبراهيمَ وما وصلَهُ منها وعرَفَهُ، حيثُ كان يتحنثُ في غارِ حِراءٍ، يعني: يَتعبدُ.
ومنهم مَنْ قال: لم يَكْنُ مُتَعبداً بشرعِ غَيْرِه مِنَ الأنبياءِ.
وقال قوم: كان يَعرِفُ بدليلِ العَقْلِ إثباتَ الصانعِ والوَحْدانيةَ، ويَسْتَقِبحُ عِبادةَ الوَثَنِ، كما عَرَفَ ذلك إبراهيمُ قبلَ النبوةِ بما ذكرهُ الله عنه في كتابه في استقراءِ الكواكِب، ولمَّا رَأى زيدَ بنَ عمرِو بنِ نُفَيلٍ يَمتِنعُ مِمّا يُذبَحُ للوثنِ، امْتَنعَ هو (2).
وسنُوضحُ هذا إنْ شاءَ الله في مسائل الخلافِ على الاستيفاءِ.
__________
(1) أغفل المصنف ذكر المذهب الثاني، وهو أن شَرْعَ مَن قبلنا ليس شرعاً لنا، ولم نُتَعَبد به، بل نُهينا عنه.
وفي المسألة مذهب ثالث، وهو الوقف. انظر "نهاية السول" 3/ 49، و"البحر المحيط"6/ 41 و 44.
(2) أخرجه أحمد في "المسند" برقم (1648) طبع مؤسسة الرسالة، من حديث سعيد بن زيد بن عمرو، وفي اسناده ضعف.
وأخرجه أحمد في "المسند" برقم (5369) و (5631) و (6110)، والبخاري (3826) و (5499) من حديث عبد الله بن عمر، لكن ليس فيه قضية امتناعه - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك عن أكل شيء مما ذبح على النصب، وانظر تمام تخريجه في التعليق على "المسند".
(2/320)

فصلٌ
مُحققٌ في استِصْحابِ الحالِ أيضاً
اعلم- وفًقَكَ الله- أنَّ استصحابَ الحالِ هو البقاءُ على حكمٍ اسْتَندَ إِلى دليلِ عَقْلٍ أو حُجَّةِ سَمْع، ومتى لم يَكُنِ الحالُ المعتمدُ رجوعاً إِلى حُجَّةٍ، لم يَصِحَّ التعلقُ بها.
وهذا دليل يَفْزعُ إِليهِ المجتهد عند عدم الأَدِلَّةِ.
وقد ذهبَ قومٌ من الفقهاء الأعاجم إِلى أنه ليس بدليلٍ (1)، وإِنما هو حقيقةُ الجَهْلِ، ورَدّ للسؤالِ على السائلِ، وطلبُ الدليلِ منه، لأنه يقول: الأصلُ كذا، فَمنِ ادَّعى نَقْلَنا عنهُ، فعليهِ الدليلُ، فكان محصولُ الكلامِ: لا أعلمُ ما يَنْقُلُني، فَهَلُمً دليلًا (2) اتبِعُهُ.
وليس هذا بكلام من فَهِمَ التمسُّكَ بأحكام الأدِلَّةِ والبقاءَ عليها، وإِنما الجهلُ ما صورةُ العبارةِ عنه: لا ادري.
فأمَّا مَن قِيلَ لهُ: ما مذهبُكَ في أمَ الولدِ؛ هل تُباعُ؟ فقال: تُباعُ. فقيلَ له: ولم قُلْت،: إِنها تُباعُ؟ فقال: لأنَّ الأصلَ فيها الرِّق وجوازُ البَيْعِ، فإِنا نَتمسكُ بهذا الأصل إِلى أنَّ يقومَ دليلٌ بالمَنْعِ، فإِنَه (3) قد
__________
(1) نقل هذا المذهب عن جمهور الحنفية والمتكلمين كأبي الحسين البصري، انظر "تيسير التحرير" 4/ 177، و"المعتمد" 2/ 325، و"البحر المحيط" 6/ 17.
وفي الاحتجاج باستصحاب الحال مذاهب أخرى، انظرها في "البحر المحيط" 6/ 18 - 20.
(2) في الأصل:"دليل".
(3) في الأصل: "بأنه"
(2/321)

تعلَّقَ بدليل وتمسَّكَ به، ثم قال بعد التمسكِ: فمن ادعى بغير ذلك، فعليهِ الدليلُ.
فما (1) جَهِلَ ولا تعلَّقَ بجهلٍ، وانما تعلَّقَ بحُكْمٍ بدلالةٍ، وقال: لا أنْصرِفُ عنه إلا بدلالةٍ تَصرفُني، فكان كمن قال: أنا مُتمسِّكٌ بهذه الآيةِ، فلا أتركها حتى يَرِدَ ما ينسخُها، لا يقالُ: إِنه جَهِلَ، ولا إِنه ما اسْتَدلَّ، فكان كأهلِ قُباء لَمَّا كانوا مُستقبلينَ قِبلةَ اليهودِ، لو جاءَهم مَن قال لهم: لِمَ استقبلْتم بيتَ المقدسِ في صلاتِكم، ولِمَ لا تَسْتقبِلُونَ (2) الكعبة؟ فقالوا: لأنَّ محمداً رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - اسْتَقبلَها، وقد ثبت عندنا وجوبُ اتباعِهِ بما قامَ على نبوَّتهِ من الإِعجاز، فلا نَعدِلُ عن هذه القبلةِ إلى غيرِها إِلا بأمرِهِ باستقبال غيرِها، ونهيه لنا عن استقبالها.
فإِنه لا يقالُ: هؤلاءِ جُهالٌ ما استدلُّوا، ولا أنهم (3) اخبَروا بالجهلِ عن أنفسِهم، بل يقالُ: أدْنى (4) كلامِهم تَمسُّكٌ بدليلِ الحكمِ الذي اسْتَداموه وتَمَسكُوا به، وإِنما نَطقُوا بالجهل بالدليل الصارفِ لهم عَمَّا تَمسكوا به من الحكمِ الأوَّلِ، فقالوا: ولا نعلمُ ما يصرِفنا عمَّا نحن عليه، فكان كمَنْ قال: هذه الدارُ في يَدي وتصرفي، فلا أسلمها غيرِي إِلا بأنْ تَقُومَ بينةٌ باسْتِحقاقِها، فإنه متمسك بما يُسْتدلُّ بمثلِه في الأملاكِ، وهو اليد والتَّصرف، وقد شَهِدَ لذلك قولنا: هذا الحكمُ شَرْعُ
__________
(1) في "الأصل": "بما".
(2) في الأصل: "تستقبلوا".
(3) في الأصل:"لكنهم".
(4) صورتها في الأصل: "أدل".
(2/322)

إِبراهيمَ وموسى وعيسى، فلا يَزالُ شرعاً لكلِّ مَن سَمِعَهُ، ولازِماً لكلِّ من وصلَهُ، إِلا أنْ يَنطِقَ مُحمدٌ - صلى الله عليه وسلم - بصريحِ نسخِهِ، فينصرفَ عن شريعةِ صادقٍ بقول هو نَسْخٌ مِن صادقٍ.
ومن قال ذلك، لم يُقلْ: إنَه ما اسْتدَلَّ وِإنما تَعلقَ بالجهلِ واستَطعمَ الدليلَ، ولا إنه رَدَّ الدليلَ على السائلِ، بل اسْتدل على الحُكْمِ الذي تمسَّك به، وقال لغيرِه: فإنْ كان عندكَ ما يَنقُلُني عَمّا تمسكت به لصِحةِ دليلِهِ، فهاتِهِ لأصيرَ إِليه إن كان صالحاً لصَرْفي ونَقْلِي عما أنا عليه.
وقد أشارَ الشرعُ إلى ذلك، حيثُ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الشيطانَ ليَأتي أحدَكُم، فينفُخُ بين أليَتَيْهِ، فلا يَنصَرِفَنَ حتى يَسْمَعَ صوتاً، أو يَشَمَ رِيحاً (1) فأمَرَنا بالتمسك بما تَيَقَناهُ من الأصلِ، وأن نُلْغِي حكمَ الشَك إِلى أن تقومَ دَلالةُ الحدثِ، وهي صَوْتهُ وريحُهُ، وهذا بعينهِ هو ما نحن فيه مِنَ التمسك بالحكمِ الذي يَثْبُتُ بدَلالةٍ، إلى أن تَصْرِفَنا عنه دَلالةٌ.
__________
(1) أخرجه أحمد 2/ 414، والدارمي 1/ 183 - 184، ومسلم (362)، وأبو داود (177)، والترمذي (75)، وابن خزيمة (24) من طرق عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، بنحوه.
وأخرجه بنحوه أيضاً أحمد 3/ 12 و37 و 50 و53. وأبو داود (1029)، وابن خزيمة (29)، وابن حبان (2665) و (2666)، والحاكم 1/ 134، من طريق عياض بن هلال، عن أبي سعيد الخدري.
وأخرجه بنحوه أيضاً الحميدي (413)، وأحمد 4/ 40، والبخاري (137)، (177) (2056)، ومسلم (361)، وأبو داود (176)، وابن ماجه (513)، والنسائي في "المجتبى"1/ 98 - 99، وفي "الكبرى" (152)، وابن خزيمة (25) و (1018) من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري.
(2/323)

فصل
يُوضحُ أن المُتمسكَ المُستصحبِ للحالِ مُستدِلُ
فنقولُ: إِنَه إِذا سُئِلَ عن وجوب الكَفَّارةِ بقتلِ العَمدِ، فلا (1) شَك أنَّه إِذا قال: إِنَ الذِّمَمَ خُلِقَتْ بَرِيئةً، ودَلالةُ العقل أوْجبتْ سلامةَ كلُّ ذِفَةٍ وبراءَتَها، فأنا مُتمسِّكٌ بذلك إِلى انْ يَصوِفني عنه دليلْ يُوجبُ شَغْلها. فلا شَك أنه قد استدل، حيثُ أسندَ مذهبه إِلى دَلالةِ العقلَ.

فصل
وأمّا الاحتجاجُ على إسقاطِ الفَرائِض والغَراماتِ والكفّارات وما جَرى هذا المَجْرى مِما يَشْغَلُ الذِّمَمَ ببراءَةِ الذِّمَمِ، والأصلُ أنَّه لا فَرْضَ، فاحتجاجٌ صحيح؛ وذلك أنَّ الناسَ في مُجوزاتِ العقولِ في الأصل على ثلاثةِ مَذْاهِبَ:
منهمِ مَن قال بالحَظْرِ، وهو وجهٌ لأَصحابِنا وعليه عَوَّلَ (2) المُحقِّقون منهم.
ومنهم منَ قال بالِإباحةِ، وهو وجهٌ آخرُ لأَصحابِنا.
ومنهم مَن قال بالوقْفِ. وسنذكرُ الخلافَ فى ذلك فى مسائِلِه مستَوفىً إِن شاء الله (3).
ومعنى الوقفِ: هو اعتقادُ [ما] (4) ذُكِر مِن هذه الأَشياءِ غيرَ محظورةٍ ولا مباحةٍ.
__________
(1) تحرفت في الأصل إلى: "بلا".
(2) فىِ الأصلْ "عولوا".
(3) انظر الصفحة 505 من هذا الجزء.
(4) أضيفت لاستقامة النص.
(2/324)

واستصحابُ الحالِ على هذه المذاهبِ الثلاثةِ صحيحٌ:
فالقائلُ بالإباحةِ يَسْتَصحِبُ ما دَل العقلُ عليه؛ مِن أن هذه الأمورَ غيرُ مفروضةٍ، وأنه لا سبيلَ إلى إيجابها إلا بالسمْعِ، وإلا فبراءةُ الذمة مُستِقرٌّ من ناحيةِ العقلِ.
والقائلُ بالحظر يقولُ: إِنَّ الأموالَ والدِّماءَ والفُروجَ وغيرَ ذلك من هذه الأفعالِ ممنوع محظورٌ، إلا انْ يَنقُلهُ السمعُ وُيغيرَ حُكمهُ.
ومن قال بالوقفِ قال: الأصلُ أنَّ لا فَرْضَ، وان الذمة بَريئةٌ من كلُّ فرض مما سموه عقلياً وسمعيا. فإذا سُئِلَ هذا القائلُ عن وجوب الكَفَّارةِ، أو غُرْمِ قيمةِ مُتْلَفٍ أو صلاةٍ، أو بعضَ العباداتِ، صَح أنَ يقولَ: قد دَل الله سبحانه في الأصلِ على براءةِ الذمة، فلا نَشْغَلُها بوجوب شيءٍ إلا بسَمْعٍ. وهذا عَيْنُ الاستصحاب؛ لأنه تعلق بحالٍ قد دَلَ دليلُ العقلِ عليها، فهو كالرجُّوعِ إِلى التعلُّقِ بالحالِ الذي دَل السمعُ من النًص والظاهرِ عليها.

فصل
في ذِكرِ الطعْنِ في التَعلُّقِ باستصحابِ الوقفِ
فقال قومٌ: إنما يَسُوغُ هذا الاستصحابُ لقائل يقولُ بالحظْر والإِباحةِ، لأن ذلك قولٌ بمذهبٍ وحكمٍ قد ثبَتَ، والقول بالوقفِ ليس برجوعٍ إلى حُكم ثابتٍ.
وما اصابوا في هذا، والدلالةُ على فسادِه: أنَّ القول بالوقفِ هو نفْسُ القولِ ببراءةِ الذِّمَّةِ وزوالِ الفرضِ من ناحيةِ العقل، فقد شارَكَ
(2/325)

في هذا المعنى الذي إليهِ يرجِعُ أصحابُ الإباحةِ وأصحابُ الحظر؛ لأنهم جميعاً يقولون: إن الذمة بريئة، وأهلُ الوقفِ يقولونَ: إِن الذمة بريئة، غير أنهم لا يقولونَ مع ذلك: إن الأفعالَ التي سماها مخالفوهم مجوزات العقولِ محظورة ولا مباحةُ، وليس معنى وصفِ الشيءِ بأنه محظورُ أو مباح براءةَ الذَمةِ منه؛ لِما بينه القومُ في مقالتِهم بأدِلَتهم في باب الإِباحةِ والحظرِ، وإذا ثبتَ هذا، صحَ التَعلقُ ببراءةِ الذَمةِ لكل فريقٍ من هؤلاءِ الثلاثةِ المُختلفينَ في حكمِ الأصلِ: هل هو الحظرُ، أو الِإباحةُ، أو الوقفُ؛ ولا وجهَ للتَّعاطِي لإِخراجِ بعضِهم.

فصل
وكما أن التمسك بالأصلِ في براءَةِ الذمة واجبٌ، صَح أيضاً بإِجماعِ الفقهاءِ التعلقُ بتأبيدِ الفرض في كلُّ وقتٍ، إذا دَلتِ الدلالةُ على وجوب تكررِهِ، إِما من ناحيةِ لفظَهِ على من أثبتَ للعموم صيغةً، أو بدلالةٍ تقَترِنُ به على مذهب أصحاب الوقفِ والخصُوص، إِلا أنَّ ينقلَ عن ذلك دَلالةُ نسخ فيماَ يتعلَّقُ بالأزمانِ، أو دلالةُ تخصيص فيما يتعلَقُ بالأعيانِ، فيجِبُ المصيرُ اليه، وإِلا فالثبوتُ على الحالةِ التي تُوجِبُ عُمومَها في الأعيانِ والأزمانِ واجب تمسكاً واسْتصحاباً، فما كان من الأحوالِ المُستصحبةِ جارياً هذا المجْرى لَزِمَ التعلُّقُ بها، وما لم يَكنْ من هذا في شيءٍ فليس بصحيحٍ.

فصل
وأما ما يتعلَقُ به القائلونَ بالتَمسكِ بالصلاةِ بالتَيممِ والمُضِى فيها
(2/326)

وإن طلعَ الماءُ عليه اعْتِداداً بالِإجماعِ على الشُّروعِ فيها، وتمسكاَ به، وتركَ الاحتفالِ (1) بما تَجددَ مِنَ القُدُرةِ على الماءِ الطَّالعِ، وإهمالَ الخلافِ الواقعِ، وأَمثالُ هذه المسألةِ من الفِقْهيّاتِ، فهذا ليس بتمسكِ صحيحِ ولا نافعِ لمن تَمسكَ به، لأن المعُوَّلَ عليه في هذا ليس بتمسك بأصلِ باقِ (2)، بخلافِ التمسكِ ببراءةِ الذمةِ في مسألةِ كفارةِ قتل العمْدِ، والزيادةِ على ثُلْثِ الديةِ في قتلِ الكتابى خطأً، وإِنما كان التمسُكُ بهذا غير جائزٍ ولا صحيحِ؛ لأَن التمسك ها هنا إنما هو بما كان إِجماعاً، فالحالتانِ قد افْترقَتا؛ إِذ كانت الحالةُ الأُولى حالةَ إجماع، والحالةُ الثانيةُ حالةَ خلافِ، ومُحالٌ بقاءُ حُكم الِإجماع مع طَرَآنِ (3) الخلافِ، وكيف يكونُ ذلك وسُلطانُ الِإجماعِ عدمُ التَّسويغِ؟ وتجددُ الخلافِ موجِب للتَسويغِ، فيُفضي إِلى أَن يكونَ ما اتفُقوا عليه هو نفسَ ما اخْتلفوا فيه، وهذا مُحالٌ، فانقطعَ الِإجماعُ الأَولُ عن الخلافِ الثاني؛ لأَن الأَولَ إِجماعٌ على الدخولِ بالتيممِ مع عَدمِ الماءِ، والخلافُ المُجدد هو المُضِيُّ والاسْتِدامةُ في صلاةٍ بتيممٍ مع وجودِ الماءِ.
__________
(1) رسمت في الأصل: "الاحتفال"، ولعل الجادة ما أثبت. والاحتفال بالشيء أو بالأمر: المبالاة والاهتمام والاعتناء به.
(2) في الأصل: "باقي".
(3) طرأَ يَطرأ: ورد، وحصل فجاة. "اللسان": (طرأ).
(2/327)

يُوضِّح هذا: أنَّ المسألةَ الأولى مسألة إِجماع لا يَسوغ الخلاف فيها، فلو مَنَعَ مانعٌ من الشروع (1) في الصلاة بالتيممِ مع عدمِ الماءِ كان للِإجماعِ (2) خارقاً، وبخرقِهِ الِإجماعَ فاسقاً.
والمسألةُ الثانيةُ مسألةٌ من أَصابَ فيها الحَقَّ بإيجابِ الانتقال -وهو مذهبُنا- (3)، فلهُ أَجْرانِ لاجتهادهِ وإِصابةِ الحَقِّ، ومَنْ أوْجبَ المُضِيَّ فيها (4)، فله أجرٌ لمكانِ اجتهادهِ في طلب الحقِّ، فأين المسألةُ الأُولى من الثانيةِ؟ وكذلك لا نُجِيزُ (5) لعاميٍّ أَنَ يقِّلدَ مَن يَمنعُ الدخولَ بالتيمُّم في المسألةِ الأُولى، ونُجِيزُ للعاميِّ تقليدَ مَن أَوْجبَ المُضِيَّ فيها بعدَ طلوعِ الماءِ، فهذا مما لا خفاءَ به.
فإذا ثبتَ بهذا انَهما مسألتانِ، فإِذا لم يَكنْ بُدٌّ في تصحيح الأولى من دليلِ عقلٍ أو حجة سَمْعٍ أو إِجماعٍ أو غيره، وجبَ أنه لا بُدَّ
__________
(1) في الأصل: الشرع.
(2) في الأصل: "الإجماع".
(3) هو المشهور من مذهب أحمد، وبه قال أبو حنيفة والثوري. انظر "المغني" 1/ 347، و"المحرر" 1/ 22، و"تحفهَ الفقهاء" 2/ 44، و "مختصر الطحاوي" ص 21.
(4) مذهب مالك والشافعي وأبي ثور وداود: أنه يمضي في صلاته، ولا تنتقض طهارته، ولا تبطل صلاته بحضور الماء. انظر "المجموع" 2/ 310 وما بعدهاث و "بداية المجتهد" 1/ 73 و "المحلى" 2/ 126.
(5) تصحفت في "الأصل" إلى: "بجير".
(2/328)

في المسألةِ الثانيةِ من دليلٍ من الأدلةِ التي ذَكْرناها، فعلى مَنْ أوْجبَ الخروجَ من الصلاةِ دليلٌ، وعلى مُوجِب المضِيً فيها دليلٌ، وعلى مَن جَوزَ المُضِيَّ فيها ولم يوجِبْهُ دليل، إنَ ذهبَ إِليه ذاهب، سِيما مع وقوع الخلافِ.
فإِن قيلَ: فسبيلُ ما تَمسَّكْتُم به في براءةِ الذِّممِ سبيلُ ما ذَكَرْتُم؛ لأَن دليلَ العقلِ إنما دَل على براءةِ الذِّمه من الكفّارةِ، وما زادَ على ثُلْثِ الدِّيةِ، ما لم يُوجب القَتْل، حتى لو أَوجبه مُوجِبٌ قبلَ القتلِ لأَثِمِ وحَرجَ (1)، ولمّا تجدَّدَ القتلُ، ساغَ الخِلافُ، وزالَ ما كان من حُكم ذلك الأصلِ.
قيل: الأصلُ هناكَ -وهو براءةُ الذمة- دل عليه دليلُ العقلِ، والخِلافُ المتجدد عليه لا يُزيلُ سُلطانَهُ، وليس في قوى الخلافِ ذلك، فأمّا ما نحن فيه مِن الأصلِ الثابتِ بإجماع المُجتهدينَ، فإنه إِنما تناولَ مسالةً مخصوصة -وهي دخول في الصلاةَ بالتيمُم عند عَدم الماءِ-، فلَما تَجددَ طلوعُ الماءِ صارتْ مسألةً ثانيةً علىَ ما قَدَّمْنا، وساغ فيها الاجتهادُ، فزالَ سلطان الِإجماعِ بما بَينَا من الأحكام في مسألةِ عدم الماءِ، ثُم في الثانيةِ من سوغانِ الاجتهادِ، وجوازِ استِفتاءِ العامِّيِّ لمَنَ شاءَ مِنَ المُختلفين فيه، بعدَ ما كان مُتعيناً عليه اتِّباعُ المحرمِ بالصلاةِ على الصَفَةِ المذكورةِ، والدخولُ فيها من غيرِ تأخير لها عن وقِتها.
فإِن قال المُستصحِبُ للحال: نحن على ما أجمَعُوا عليه مِنَ الدخولِ في الصلاةِ، والتمسك بها إِلى أن ينقُلنا عنها ناسخ.
__________
(1) في المخطوط:"خُرج".
(2/329)

قيل: ما أجْمَعُوا قَط على وجوبِ المُضِى في صَلاةٍ، ولاعلى صِحتها مع طلوع الماء بل هم في ذلك مختلفُون؛ لأن القائلين بوجوب الخروجِ من الصلاة مع القُدْرةِ على التَوَضَي بالماءِ، انما قالوا في الأَصلِ: إن المُضى في الصلاة واجب أو صحيح بشرِيطةِ عدمِ الماء ولم يقولوا: إِنَ المتيمِّم يَمْضِي في صلاتِه وإن وجدَ الماء، فهو إِذا وجَدَ الماءَ على غيرِ الحالِ التي أجْمعُوا عليها، فقد زالَ الإجماعُ، وعند زوالِه يَجِبُ إِقامةُ الحجَّةِ، وقد أوْضَحْنا مِن قبل أن هذا ليس هو موضعَ الإجماعِ الذي ظنُّوه، فلا معنى للتَّعَلقِ به.
فإِن قالوا: لم يَحصُلْ بعدَ الإِجماع إلا حُدوثُ حادثٍ من رُؤْيةِ الماءِ ووجودِهِ، والحوادثُ لا تَقْلِب الأحكَامَ التي تَثبُتُ بالدليلِ.
قيل لهم: تُقابَلون بأن يقالَ لكم: لم يَحصلِ الإجماع قَط على صحَة المُضِيِّ، ولا ايجابه في الصلاة مع وجودِ الماءِ ولا طلوعِهِ، وإنما أَجْمَعَتِ [الأُمَّةُ] (1) على ذلك عند عدمِهِ، فلا إِجماعَ هاهنا يرجع (2) إليه.
على أن قولَكمُ: لا يغير الحادثُ أحكاماً، ليس بصحيح، لأنه قد غير أحكاماً من تسويغ الاجتهادِ بعدَ أن لم يَكنِ الاجتهاد سائغاً، وجوزَ للعاميِّ التقليدَ لمَنْ أوْجَبَ الخروجَ من الصلاة بعد أن لم يكُنْ جائزاً، وزالَ سلطان الِإجماعِ بتَجددِ الخلافِ بعد أَن كان ثابتاً.
ثم يقالُ لهم: الحادثُ إذا اخْتلفَ عند وجودِهِ، هل يقْتضِي قَطعَ
__________
(1) ليست في الأصل، واثباتها أنسب للسياق.
(2) في الأصل: "رجع".
(2/330)

العبادةِ، أم لا؟ فعلى من يُوجِبُ القطعَ دليلٌ، وعلى من يُسقِطُهُ دليل؛ لأن الِإيجابَ في هذا والِإسقاطَ من العباداتِ السَمْعيةِ التي لابد فيها من دليل، اللهم إلا أن يكونَ الدليلُ الموُجِبُ لِصحةِ الصلاةِ دليلًا (1) يُوجِبُ المُضِى في الصلاة وإن وُجِد الماءُ بلفظٍ يَقْتضِي ذلك أو إِجماعٍ عليه، فإِذا لم يَكُنْ هاهنا إِجماع على هذا ولا لفظٌ يَقْتضِيهِ، وإنما أجمعتِ الأمةُ على المُضِي في الصلاةِ مع عدم الماءِ لا مع وجودهِ، وقد اخْتلفتْ عند طلوعِ الماءِ عليه، فوجب إِقامةُ الدليلِ لزوالِ الإِجماعِ ووقوعِ الخلافِ، وهذا ظاهرٌ لا إشكالَ فيه.
فإن قالوا: إِن الإجماعَ على دخولِ الصلاةِ بالتَّيمُّمِ، وصِحَّةِ ما أدى منها مع عدمِ الماءِ على معنى أنه قُرْبة يُثابُ صاحبُها، لم يَقَعْ إِلا عن دليل سَمْعيٍّ، فيجبُ أن يكونَ ذلك الدليلُ في معنى اللَّفظِ الذي يُوجِبُ المُضيَّ في الَصلاة إلى آخرها وإن وُجِدَ الماءُ؛ لأن الأمَةَ لا تُجْمعُ إلا عن دليلٍ، ولا تُجمعُ على تَخْمينٍ ولا تَقْليدٍ ولا واقع، ولا يكونُ الدليلُ في مثلِ هذا إلا سَمْعياًّ، فيجِبُ أن نُقيمهُ مَقامَ اللفظِ المُوجِبِ للمُضِيِّ في الصلاةِ.
قيل لهم: لعَمْرِي إن الأمةَ لما أجمعَتْ على ما ذَكَرْتُم إنما أجمعتْ على دليلٍ، ولكن مِن أين لنا أن ذلك الدليلَ هو لفظ يُوجبُ المُضِيِّ في الصلاة وإن طَلَعَ الماءُ؛ ولعل الدليلَ هو لَفْظٌ، مضمونُهُ: صَل ما لم تَجِدِ الماءَ، أو إلى أن تَجِدَ الماءَ، فإِذا وجدْتَهُ، فاخْرُجْ واسْتَأنفِ الفَرْضَ، ولعلَّهُ قياسٌ صحيحٌ اقتضى المُضِى في الصلاة ما
__________
(1) وقع في الأصل: "دليل".
(2/331)

لم يَجِدِ الماء، ولم يُوجبْهُ مع وجودِه، والقياسُ معنىً ليس بلفظ يُوجِبُ ما ظننْتُموهُ، فمِن أينَ لنَا أنَّ المعنى القِياسِيِّ (1) الذي أداهُم إلى وجوبِ الصلاةِ أو صِحتِها مع عدم الماءِ، يُوجبُهُ مع وجودِ الماءِ؟ والقياسُ طريق من طرقِ الأحكام يَجوزُ عندنا أنَّ تُجْمعَ الأمةُ على الحُكْمِ عنه (2)، وليس يَصِحُّ الجمعُ بين مسألةٍ دَل القياسُ عليها عند المُجمِعينَ على صحته، وبين أخرى مُختلَفٍ فيها، إِلا بوجْه يُوجِبُ رَد المُختلَفِ فيه إِلى المُتَفَقِ عليه، ومتى تَعاطَوْا هذا ورَجعُوا إِليه، تَركوا التَّعلقَ بالإِجماع، وأخذوا في المقاييسِ الدالةِ على صِحَّةِ المُضِيِّ في الصلاة، وَهذا ما أرَدْناهُم عليه.
وقد اعْتَلُّوا لصحةِ مَقالَتِهم التي طَعَنا فيها، ودَللْنا على فسادِها؛ بأن قالوا: إن الشَرْعَ قد قَررَ ذلك؛ حيث قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الشَيطانَ ليَأتِي أحدَكُم، فينفُخُ بين ألْيَتَيْهِ، فلا يَنْصَرِفَن حتى يَسْمعَ صوتاً، أو يَشمَ رِيحاً" (3) فأثبتهُ - صلى الله عليه وسلم - على حُكمِ اليقينِ، وأسْقَطَ حُكمَ الشَك، فكذلك يَجِبُ أنَّ نكونَ على ما أجمعنا عليه، ونُسقِطَ حُكمَ الاختلاف، لأن المجمعَ عليه مُتيقن، والمُخْتلَفَ فيه متوهَّمٌ، فوجَبَ تَرْكُ الشك لليقينِ.
فيقالُ لهم: الجوابُ عن هذا من وجوهٍ:
احدها: أنَّ تَوهمَكم أنَّ الأمَةَ مُجمعَة على صحة المُضي في
__________
(1) في الأصل: "القياس".
(2) انظر "التمهيد" 3/ 288، و"شرح الكوكب المنير" 2/ 261، و"المسودة" ص 328 و330، و"شرح مختصر الروضة" 3/ 121.
(3) تقدم تخريجه قريباً في الصفحة (323).
(2/332)

الصلاةِ مع وجودِ الماءِ، وأن ذلك مُتيَقَّنٌ وهذا مُتوهمٌ، غلط ظاهرٌ، قد كَرَّرْنا دَفْعَكم عنه، فلا معنى لرجوعكُمْ إِليه، وتعلُّقكم به في كلِّ فَصلٍ، وإنما المُجمعَ عليه المُضِيُّ في صلاةٍ لم يَطلع فيه الماءُ، ولا إِجماعَ على المُضِيِّ فيها مع وجودِه، فأين الإِجماعُ، وأْين اليقينُ في هذا؟ وهذا غيرُالوضعِ المُجمعِ عليه.
الوجهُ الثاني من الجواب: أنَا إِنما اسقطْنا حُكمَ الشكِّ في الطهارة بسَمْعٍ، وأوجَبْنا المُضِيَّ على حالة اليقينِ بسَمْعٍ، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سَوَّى بين الحالتين، وأوْجبَ المُضِى على اليقين بالسمع وتركَ الاحْتِفالِ (1) والاعتبارِ بالشك بسمعٍ، ولم يُسقِط حكمه لأنه شكٌّ.
والسمعُ من قولهِ: "فلايَنصَرِفَنَّ حتى يسمعَ صوتاً أويَشَم ريحا"فأوْجبَ إسقاطَ حُكمِ الشك بهذا القولِ ولو لم يَقُلْهُ عليه الصلاة والسلام.
واخْتلَفَ المسلمون عند حدوثِ الشكِّ: فأجاز مجيزون المُضِيَّ في الصلاة، وحَظَرَهُ آخرون، لا حتياجِ (2) حاْظر ذلك إلى دليلٍ، ومُجوِّزِهِ إلى دليل.
وهذا هو الشاهدُ لنا، أن الأمَّةَ اخْتلفَتْ عند طلوع الماءِ على المُتيمِّم، فمنهم المُجِيزُ والمُوجِبُ للمُضِيِّ في الصلاة، ومنهم المُوجِبُ للخروجِ منها، فاحتاجَ كلُّ واحدٍ مِنَ الفريقين إلى دليلٍ، كما احْتِيجَ في إسقاطِ حُكمِ الشكِّ إلى قوله عليه السلام: "فلا
__________
(1) في الأصل: "الإحفال".
(2) في الأصل: "لاحتاج".
(2/333)

يَنْصرِفَنَّ"، الذي لولاه للَزِمَتِ الحجة لمُسقِطِ حكمِ الشك.
ويقالُ لهم أيضاً: نحن مُتيقِّنونَ عند طلوعِ الماءِ بوجُودِ الخلافِ في حُكمِ الصلاةِ، وزوالِ حُكمِ الإجماع، ومُتيَقَنونَ أيضاً أن أحدَ مذاهب المُختلفينَ لا يَصِح بالدعاوى ولا بالخلافِ والشهواتِ، فيَجبُ أن تُتَيَقَّنَ الحاجةُ إلى الدليلِ عند وجودِ الخلافِ، وهذا مثلُ الَذي قُلْتُموهُ، بل هو أوْلى وأصح.
ويقالُ لهم أيضاً: إِن الأمةَ لما اخْتلفتْ في المُضِي في الصلاة عند القُدْرةِ على الماء؛ لوقوع القُدْرةِ على الماء، زالَ ما كُنا عليه من اليقينِ قبلَ القُدْرةِ على الماءِ، لوقوعِ الاختلافِ، وارتفاع الإِجماع، وعدمِ اليقينِ، فجُعِلَ الأمرُ مشكوكاً فيه، فالمُضِيُّ في الصَلاة مشكوك فيه عند رُؤْيةِ الماءِ، كما أن وجوبَ الخروجِ مشكوكٌ فيه عند رؤيةَ الماءِ، فلا معنى لترجيحِ أحدِ القولينِ على الآخرِ بنفسهِ مع هذه التَسْويةِ بينهما في الشَك.
قالوا: ومما يُصحِّحُ قولنا ثُبوتُ (1) القولِ بأقل ما قِيلَ في أرُوشِ الجِنايات وقِيَمِ المُتلَفاتِ، كدِيَةِ اليهوديِّ وما جَرى مَجْراة، وأننا إذا قلنا: إِن قيمةَ المتلفِ ما بين خمسةٍ وعِشْرينَ (2) مثلًا، أخَذْنا بأقلِّ ما قيل، وألْغَيْنا الخِلافَ، وكذلك إذا قال قائلون: إنَّ دِيَةَ اليهودِي دِيَةُ
__________
(1) وقع فى الأصل: "لثبوت"، والذي يقتضيه السياق، وتسقيم به العبارة ما أثبت.
(2) في الأصل: و"عشرون".
(2/334)

مسلم، وقال آخرون: نصفُ دِيَةِ المسلمِ، وجبَ الرجوعُ إلى ما عليه الاتَفاقُ، وهو أقَل ما قيل، وألْغِىَ موضعُ الخلافِ، وكذلك يجبُ الرجوعُ إلى المُضِيِّ في الصلاة؛ لموْضعِ الِإجماعِ، واطراحِ الخلافِ.
قيل لهم: في هذا أمورٌ كثيرةٌ:
أوَّلُها: دخولُكم في هذا على ظَنٍّ منكم أن الأمَةَ قد أجْمعَتْ على المُضِيِّ في الصلاة وإن وُجِدَ الماءُ، كما أجْمَعْنا على اسْتِحقاقِ أقلَ ما قيلَ في دِيَةِ اليهودِيِّ، وهذا تَوَهم قد دُفِعْتُم عنه دَفْعَةً بعد أخرى، وثانيةٍ بعد أُولى، وليس بمثلٍ لِما ذَكَرْتُم.
والثاني: أن التعَّلقَ في هذه المسائلِ بأقلِّ متعلق، بموضعين: أحدُهما صحيح، والأخرُ مُطَّروح، إذا سُلِكَ فيه السننُ الذي ذَكَرْتُم، فالصحيحُ: هو وجوبُ أخذِ أقلِّ ما قيل؛ لانه مُستحَق، والساقطُ: إِيجابُ براءةِ ذِمتِه مما زادَ عليه، فإِنَّا لا نُسقِطُ الزائدَ على قَدْرِ ما أجمعُوا عليه، لوقوعِ الخلافِ فيه، وإِن أوْجَبنا أقَل ما قيل.
وبان باسْتِصحاب (1) هذه الحالِ إذا ذُكرَ على هذا الوجهِ، وجوبُ استصحاب حال أخَرى في مُقابَلتها، وهي أن الجنايةَ لما وقعتْ، أجمعَ المسَلمون على اشتغالِ الذمةِ بجميعِ قِيمتها دون بعضِها، فاذا أجمعوا على أقَل ما قيل أخَذْناهُ، ولم نُسقِطْ ما زادَ عليه مما اخْتُلفَ
__________
(1) في الأصل: "استصحاب".
(2/335)

[فيه] (1)؛ لأن إجماعَهُمْ على الأقلِّ المُسْتَحَق (2)، ليس هو إجماعاً منهم على أنه كلُ المُسْتَحق، وقد تَيَقَّنا اشتغال الذمة بكل المُستحَق، ولا تَصِحُ براءتُها إِلا باداءِ الحقَّ، ولا دليلَ يَدُلُّ على أن ذلك المُؤَدى هو كلُّ الحق، وليس قولُ مَن قال: إن المُستحَق هو ثُلْثُ الديةِ، دليلاً (3) على أنه هو كلُ الحق؛ إذ في الأمةِ مَن يقولُ: إن المُستحَق أكثرُ من ذلك، والذَمَةُ لا تَبْرأ بالخلافِ، وإنما تَبْرأ بالدليلِ القاطعِ، وهذا يُسقِطُ ما قالوه إِسقاطاً ظاهراً.
ولكن يَصِحُ أن يُوجَبَ (4) أقل ما قيل، ويُرجَعَ (5) في إسقاطِ ما زادَ عليه إلى شيءٍ من (6) الاخْتلافِ في اسْتحِقاقِهِ؛ وهو أنْ يقولَ: الأصلُ أنَّ الذِّمَّةَ بريئةٌ، فلا يُوجَبُ اشتغالُها إلا بدليلٍ سَمْعىٍّ، وقد تَصَفَحْنا السمعَ، فَعلمْنا أنه لا دليلَ على اشتغالِ ذِمَّتِه بشيءٍ يَزِيدُ على أقلِّ ما قيل؛ لأنَّهُ لو كان عليه دليلٌ، لوجَبَ أنْ نَعْلَمَهُ عند طَلَبهِ والبحثِ عنه، وأن لا يُخْلِينَا الله مما يَدُلُّنا على ذلك من ظاهرٍ أوَ قياسٍ أو إِجماعٍ أو حُجَّةِ عقلٍ، فإِذا لم يَكُنْ في أَدلةِ العقْلِ والسمعِ ما يُوجِبُ اشتغال ذِمَتِهِ بأكثرَ من القدْرِ المجْمَعِ على استحقاقِهِ، وجَبَ براءةُ
__________
(1) زيادة على الأصل.
(2) في الأصل: "مستحق".
(3) في الأصل: "دليل".
(4) فى الأصل: "يوجد".
(5) في الأصل: "رجع".
(6) في الأصل: "عن".
(2/336)

ذِمتِه، وليس المرادُ بقولنا: إنَّ أقل ما قيل مُجمعٌ على استحقاقِه، أنَّهُ مجمعٌ على أنه كُل المُستحَقِّ، وإِنما المرادُ به: أنه مُستحق به، وما زادَ عليه فيُختلَفُ فيه، فعلى الزائدِ الدليلُ وإلا فالأصلُ براءةُ الذمة.

فصل
واعْلَمْ نفَعَك الله أن هذه الطريقةَ التي ذَكَرْناها في وجوب أخْذِهِ أقل ما قيل، وإلغاءِ ما بعدَهُ إذا لم يَدُل على وجوبِه دليلٌ، طريقةٌ مُعتمدةٌ، وفي إِسقاطِ جميعِ ما يُسألُ عنه من إيجاب صَلواتٍ وزكواتٍ وحُدودٍ وكَفاراتٍ وغيرِ ذلك.
وصورةُ الاستدلالِ بذلك، وتحريرة: أنَّ نقولَ: الدليل على سُقوطِ فَرْضِ ما سَألْتَ عنه: أنه قد صح براءةُ الذمة في الأصلِ، وأن الإِيجابَ فرضٌ مُحددٌ مُتلَقى من جِهةِ السمعِ، وقد فَتَشْنا السمعَ، وبَحَثْنا عن طُرُقِ الأدلَّةِ ومواضعِها ومَأخَذِها، فعَلِمْنا أنه لا دليلَ في السمعِ على إيجابِ ما سألْتَ عنه. وهذا إِنما هو استدلال بوجودِ العِلْمِ بفَقْدِ الدليلِ وعَدَمِهِ، الذي لا يَثْبُث الحكمُ الا بوجودِه، وليس برجوعٍ إلى أنَّا لم نَجِدْ على ذلك دليلاً؛ لأن القولَ بأنَا لم نَجِدْ دليلًا ليس بُمتَضمن لِعلِمنا بعدم الدليلِ، وإنما هو إخبار عن عدمِ وجودِنا له، وقد يكون الدليل موجَوداً وإن لم يَجِدْة الناظرُ، وقولُنا: قد عَلِمْنا أنه لا دليلَ على ما سألتَ، قطع على فقدِ الدليلِ. فاذا سُئِلْنا: من أين علِمْتمِ ذلك؟ أخبَرنا بطريقِ العلم به، وهو أن الدليلَ الشرعى لو كان موجوداً، لوجَبَ علمنا به مع شدة طَلَبنا له وبَحْثِنا عنه، وتوَفرِ دواعِينا على إِصابتهِ، وتَديُنِنا بالانقيادِ له، بلَ يَجِبُ أن يَجِدَه مَنْ لم
(2/337)

تَكمُلْ فيه هذه الخِلالُ عند طَلَبه، فكيف مَنِ اجْتَمَعتْ له، وتوفَرتْ هِمَمُه ودواعيه على إصابتِه؟! فهذَا دليل وثيقٌ في إسقاطِ فرضِ جميعِ ما سألَ عن الأدلةِ على زوالِ فَرْضِه، إذا كان الدليلُ عليه مفقوداً، فمن ظَن أن هذه الطريقةَ هي الرجوعُ إلى أنا لا نعلمُ على ذلك دليلاً، أو أنا لم نَجِدْهُ، فقد أبعدَ وأخطَأ.
وقد يُستدل بمثلِ هذه الطريقةِ بعَيْنِها على إسقاطِ القضايا العقليةِ التي لا دليلَ في العقلِ عليها، ولا ضرورةَ تُلْجِىءُ إلى إثباتِها، وذلك كاستدلالِنا على كذب المُتنبىءِ المُدَعِي للرسالةِ، إذا لم يَظهَرْ على يدِه من الآياتِ ما يَدُل عَلى صدقِه، ولم يكُنْ ما يُخبِرنُا عنه من ثبوتِ رسالته مما يُضْطَرُّ إلى العلمِ به.
ووجه الاستدلالِ على كذبِه: أن نقولَ: لو كان صادقاً، وليس إلى العلمِ بصِدْقِه من جهةِ الاضْطِرارِ سبيلٌ، لوجبَ أن يكونَ على ذلك دليلٌ منصوبٌ، ولا دليلَ عليه إلا الآياتُ الباهرةُ، وإذا عَلِمنا أنه لا آيةَ له، عَلِمْناكذبَهُ.
وكذلك فقد يُستدَل على سقوطِ إثباتِ أوصافٍ وحقائقَ للقديم والمُحْدثِ أكثرَ مما عَلِمْناها؛ بأنها إذا كانت مما لا تُعلَمُ اضْطِرارَاً، ولم يَكُنْ عليها دليل موجود، وجَبَ القَطْعُ على أنه لا أصلَ لها.
وكذلك قد يُستدَل على نفيِ قديمٍ عاجزٍ ومَيْتٍ بمثلِ هذا، في نظائرِ هذه الأمورِ، فيجِبُ أن يُتَنكَبَ في ذلك أجمعَ القولُ بأنا لا نَعلَمُ عليه دليلاً، ولم نَجدْ عليه دليلاً، ونقولَ مكانَ ذلك، وبدلاً منه: قد عُلِمَ أنه لادليلَ عليَه. فنأتي بلفظِ الإثباتِ.
(2/338)

فصل
وقد اخْتلَفَ أهلُ العلمِ في النَّافي: هل عليه فيما نفاه [دليلٌ] (1)، أم لا؟
فقال قوم من المتكلمين والفقهاءِ: إن المُنكرَ النافي لا دليلَ عليه، سواءٌ كان ما أنْكرَهُ ونفاهُ مِنَ القضايا العقلية أو مِنَ القضايا الشَرعيةِ (2).
وقال آخرون من الفقهاءِ والأصوليين: إن النافي لا دليلَ عليه، إذا كان ما نفاهُ من الأحكامِ السمعيةِ دونَ العقليةِ (3).
وقال المُحقَقُونَ من أهلِ النظَرِ من الفقهاءِ والأصوليِّين (4): إن
__________
(1) ليست في الأصل.
(2) حكى هذا القول غير واحد عن داود وأهل الظاهر، وفي كلام ابن حزم في "الإحكام" ما يشير إليه، وان كان هو قد صحح القول بخلافه، وهو منقول أيضاً عن بعض الشافعية.
انظر "البحر المحيط "6/ 32، و" الإحكام " لابن حزم 1/ 75 وما بعدها، و "إرشاد الفحول" ص 245، و، "التبصرة" ص 530، و"إحكام الفصول" ص 619، و "المسودة" ص 494.
(3) حكاه القاضي أبو بكر الباقلاني في "التقريب" وابن فورك. انظر "البحر المحيط" 6/ 32.
(4) هم جمهور الفقهاء والمتكلمين. انظر "أصول السرخسي" 2/ 215 - 216، و"روضة الناظر" مع شرحها "نزهة الخاطر" 1/ 395، و"إحكام الفصول" ص 618، و"المسودة" ص 494، و"إرشاد الفحول" ص 245، و "التبصرة" ص 530، و"الِإحكام" للآمدي 4/ 294، و"الوصول" 2/ 258، و "شرح الكوكب المنير"4/ 525، و"التمهيد"4/ 263، و"شرح مختصر الروضة" 3/ 161، و"البحر المحيط" 6/ 32، و"نهاية السول" 4/ 374، =
(2/339)

النافيَ إذا ادَّعى العِلْمَ بانتفاءِ ما نَفاهُ، لَزِمَهُ إقامةُ الحُجةِ والدليلِ عليه، كما يَلْزَمُ المدَّعى العِلْمَ لإِثباتِ ما أثْبتَهُ الحُجَّةُ والدليلُ، إذا كان الأمرُ المثُبَتُ والمنْفِى المُختلَفُ فيه مما لا يُعلمُ نفيُه وإثباتُه باضْطِرارٍ ودَرْكِ الحواسِّ، فإِنَ ما ثَبَتَ باضْطِرارٍ مِن نفيٍ أو إثباتٍ نَمنَعُ (1) المُطالبةَ بالدليلِ عليه، والتعرُّضَ لإِقامةِ الدليلَّ عليه؛ إِذ كان الدليلُ هو المُرشِدَ إلى المطلوب، وما عُلِمَ باضْطِرارٍ فقد تَحصَّلَ، فمُحالٌ أن يُرشِدَ إلى ما تَحصَلَ، كما أن من المُحَّالِ طَلَبُ ما قد ظُفِر بهِ وتَحصَّلَ.
والدَلالة على ما ذَهَبَ إليه المحُقَقون -وهو ما نَعْتَقِدُهُ-: أن التوحيدَ مما أجْمَعَ المسلمون على وجوب الدَلالةِ عليه حسَبَ ما أجْمعُوا على إِثباتِ الصانعِ، وحقيقةُ (2) التَوحيدِ: نَفْيُ ما زادَ على الواحدِ في قِدَمهِ وصُنعِهِ، وكونُه لا يُشْبِهُ الأشياءَ، [وهو] (3) نفى للمِثْلِ.
والدَلالةُ على ذلك، وقد اسْتدَلَّ الباري عليه بقولِه: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22]، {لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (42)} [الإسراء: 42]، ولأنَّ النَافِي لِمَا نَفاهُ لا يَخْلو من أحدِ أمريْنِ: إمّا أن يدعى العِلمَ بما نَفاهُ، أو لا
__________
= و"المستصفى"1/ 232.
وفي المسألة مذاهب أخرى: انظرها في "البحر المحيط" 6/ 32 - 34.
(1) في الأصل: "نفتح".
(2) تحرفت في الأصل إلى: "ودقيقة".
(3) ليست في المخطوط.
(2/340)

يَدَّعِيَ العِلمَ بانْتِفائِهِ؛ لكنَّهُ يُخبِرُ أنه جاهل بذلك أو شاكٌ فيه.
فإِن كان مِمن يُخبِرُ بجَهلِه وشكِّهِ، فلعَمْري أنَّ الدَّلالةَ لا تَلزَمه كما لا يَلزَمُهُ إِقامةُ الدليلِ على أنه لا يَجِدُ ألَمَ البَردِ والحَر وحلاوةَ العَسَلِ؛ لتجويزِنا داخلًا دخَلَ على مِزاجهِ، فافسَدَ دَرْكَهُ، ولأن أهلَ النَظرِ قاطبةً لا يُوجبُونَ على الجاهلِ والشَاكِّ دليلًا على ما ادَّعى من جهلِه وشَكِّهِ، ولاَ يَسألونَ عن الطريق المُؤَدِّي إليهما، لأنه لا دليلَ عليهما، ولا طريق إلى إثباتِهما، فلا نقولُ للجاهل: لم جَهِلْتَ؟
وللشاكِّ: لم شَكَكْتَ؟ وإنما تكَلمَ الناسُ مع ابي حنيفة في شَكِّه [فى سؤرِ] (1) الحِمارِ لا في عَيْنِ الشك، لكِنْ تكلموا معه في الحُكمِ الذي رَتَبهُ عليه.
قلت: وليس ما نحن فيه من جميع ما ذَكرُوا في شيءٍ، بل إذا جَهِلَ، وأخْبَرَ عن نفسِه بذلك، قلنا له: أيقِظْ عقلَكَ بما تُوقَظُ به العقولُ مِنَ النَّظَر، يَظْهَرْ مِن جوهرِ العقلِ ما يَنْتَفِي به الجهلُ: فالذُّهولُ عن النظَرِ، آفةٌ (2) يُمكِنُ إزالتها، كما أنَّ العارضَ على المِزاجِ من الآفَةِ يُمكِنُ عِلاجُه (3)، فهو إِذا لم يَكُنْ عليه دليل، كان
__________
(1) ليست في الأصل.
والشك في سؤر الحمار معروف من مذهب الإمام أبي حنيفة. انظر "تحفة الفقهاء" 1/ 54 - 55، و"البناية شرح الهداية"1/ 454 - 456.
(2) في الأصل: "أنه".
(3) في الأصل: "بخلافها".
(2/341)

عليه البحثُ الذي هو علاجُ ما عرضَ أو تأصلَ مِنَ الجهلِ.
وإن كان النافي مِمن يَدعي العِلْمَ بصِحةِ ما نَفاهُ، تَطرقَ لنا عليه أنَّ نقولَ: من أين غلبَ نفيُ ما نَفيْتَهُ؟ أباضْطِرارٍ أم باسْتدلالٍ؟ فإن ادَّعى الضرِورةَ وكان ذلك الأمرُ مِمّا نَشْرَكُه فيه، سقطَ الاستدلالُ، وإن لم نشْرَكْهُ فيه مع دَعْواهُ الضرورةَ، كان عندنا أحدَ رجلين:
إمَّا أن يكونَ صادقاً فيما أخْبَرَ لآفَةٍ دَخَلَتْ عليه، كمن تَدخُلُ عليه الأفةُ في الِإثبات لأشكالٍ يراها مُتخيلَةً له، ولا نَشْرَكُهُ فيها لعدمِ ما عَرَضَ له في أمْزِجَتِنا؛ فإن في الأمراض ما يُشَكلُ الأشْخاصَ ولا أشْخاصَ، كذلك في باب النَفْي.
وإنِ ادَّعى أن ذلك عَلِمهُ بطريق الاستدلالِ، طُولِبَ بالدلالةِ بالأدلةِ عليه؛ لأن كلُّ معلوم بالاستدلالِ إنما يُعْلَمُ بدليل، فالدليلُ الذي نَصَبَهُ لنفسهِ في النفيً يجِبُ أن يُقيمَه لنا إذا طالَبْناهُ.
فإِن قيل: أليس المُنكِرُ لما كان نافياً لم تَلْزَمْهُ البينه، والمدعى لما كان مُثبِتاً لَزِمَتْهُ؟
قيل: المُنكرُ أسندَ إلى أصل هي أدلة العقلِ على براءةِ الذمَمِ، على أنه ما أخْلاهُ الشرعُ من بينةٍ هي يَمِينهُ، وإلا فقد كان يَكْفِي قولُه في جواب المُدَعِي وقولُه [فيما] (1) اسْتَحَق عليه: بأنه (2) ما يَسْتَحِقُّ على شيئاً. والله أعلم.
__________
(1) ليست في الأصل.
(2) في الأصل: "فإنه".
(2/342)

فصولٌ تَتضمَّنُ بيانَ الأَسئِلةِ الفاسدةِ لتُجْتنَبَ
فصل
من الأسئلةِ الفاسدةِ أن تقولَ: لو كانت هذه عِلَّةً في كذا وكذا، لكانت في كذَا وكذا، وهذا إنما يكونُ فاسداً عندي، إذا كان الحُكمُ الذي جَعَلَ اسْتِدعاءَهُ من مُقْتَضى العِلةِ ليس من الحُكمِ الذي أوْجَبَهُ بها في شيءٍ، فأمَّا إن كان نظراً وحُكماً يَصلُحُ أن يكونَ حكماً للعِلة، فقد جعلهُ الشيخُ الإمامُ أبو إسحاق (1) سؤالًا حسناً، وهو أن تكونَ العِلةُ لا تستدعي أحكامَها، فأفْسَدَها بذلك.
فمثالُ الصحيحِ: أن يقولَ الحنفيُّ في الزكاةِ في مال الصبِى: غيرُ المكلف، فلا تَجِبُ الزكاةُ في مالِهِ، كمن لم تَبلُغْهُ الدعوة. فقال: إن هذه العِلةَ لم تَستاع (2) عدمَ إيجابِ العُشْرِ في زَرْعِه، وزكاةِ الفِطْرِ
__________
(1) هو أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروز آبادي الشيرازي، شبخ الشافعية، مولده سنة (393) ه، له المصنفات المشتهرة منها: "التنبيه" و"المهذبا في الفقه" و"اللمع" و"شرحه" "الملخص" و "المعونة" في الجدل و"التبصرة" في الأصول، وغيرها. توفي سنة (476) ه. انظر "السير" 18/ 452 - 464، و"طبقات الشافعية" للسبكي 4/ 215 - 256.
(2) في الأصل: "تستدير".
(2/343)

في مالهِ، وهما نَظِيرا زكاةِ رُبْعِ العُشْرِ، ولا تستدعي نفيَ رُبْعِ العُشرِ فهذا سؤالٌ حسنٌ صحيحٌ.
ومثالُ الفاسدِ: أن يُعَلِّل حنبليٌّ أو شافعيٌ في تحريمِ النَّبيذِ: بأن فيه شِدَّةً مُطرِبة، فكان مُحرماً، كالخمرِ. فيقول المُعارِضُ: لو كانت هذه عِلةَ التحريمِ، لكانت عِلَّةً في التفسيقِ.
وكذلك إذا عَلَّلَ في المضمضةِ والاستنشاقِ: بأنهما لا يَجبانِ في الوضوء، فلا يجبان في الجنابةِ. فيقول: لوكان ذلك عِلَّةً للمضَمضةِ، لكان عِلَّةً لِمَا تحتَ اللِّحْيةِ.
وإنما كان كذلك؛ لأن التفسيقَ أَبطَأُ من التَّحريمِ، والتحريمَ أسرعُ من التفسيقِ؛ لأن لنا محرماتٍ لا تُفَسِّقُ، ولأن مسائلَ الاجتهادِ لا يُفسَّقُ بها، وباطنُ اللِّحْيةِ مُستتر بحائل ليس من أصلِ الخِلْقةِ.
فهذا وجهُ فسادِهِ عند مَن يقولُ: بأن العِلَّةَ إذا لم تَستدعِ أحكامَها كانت فاسدةً.
فأمَّا مَن يَرى: أن سؤالَ العِلَة لا تستدعي أحكامَها (1). ليس بسؤال لازم، يَعتل في فسادِ السؤالِ الأولِ والثاني: بأنه لا يَمتنعُ أن تكونَ العِلةُ عِلَّةً في أحدِ الموضعين دون الأخير، فلا يُعترَضُ بذلك.
ومنها (2): أن يقولَ: أَخَذْتُ حكمَ الأسبق من الُمتأَخرِ، كقول أصحابِ أبي حنيفةَ في الاعتراضِ على أصحابنا وأصحابِ الشافعي حيث قاسوا الوضوءَ على التيمم في إيجابِ النية، فقالوا: إن فَرْضَ الماءِ نَزَلَ قبل
__________
(1) في الأصل: "أحكاما".
(2) أي: من الأسئلة الفاسدة.
(2/344)

فرضِ التيمُّمِ، فمتى وَجَدْنا فَرْعاً اخِذَ له الحكم من أصلٍ لم يَسبِقْهُ (1)؟
وفساد هذا السؤالِ: من جهةِ أن الادلة لا ينكر فيها مثل هذإِ، وإن تَضَمَّنَ الأول دَلالةً ويسلبها الثاني، فنَأخذ مِن تضمن المتأخر إيجابَ النِّيَّةِ ايجابها استدلالاً للمقدَّم، ويتبيَّن وجوبُها في الماءِ بما ضَمنَ الله بَدلَها من إِيجابِ النَيَّةِ، وهَو التيمُّم.

فصل
ومنها: أنَّ تَعترِضَ على العِلةِ: بأنك اعتبَرْتَ فسادَ الأصلِ بفسادِ الفرعِ. وذلك مثل قولِ أصحابنا وأصحابِ الشافعيُّ في النكاحِ الموقوفِ (2): إنه لا تتعلَّق به الاستبَاحة، فكان باطلاً.
__________
(1) في الأصل: "نسبقه".
(2) العقد الموقوف عموماً: هو العقد الذي فيه تجاوز على حق لغير عاقده، يوجب توقفه على إرادته وإجازته، كعقد الفضولي، أو فيه مانع آخر يمنع نفاذه كالإكراه.
ومنه النكاح الموقوف، ومن صوره: إذا زوج الولي العم الصغيرَ، كان النكاح موقوفاً على إجازته في رواية عن أحمد.
ومنها: أن يعقد الولي نكاح المرأة ويوقفه على إجازتها، ويذكر أنه لم يعلمها بذلك، فهذا متوقف على إجازتها عند المالكية.
ومنها: نكاح الفضولي -وهو من يتصرف لغيره بغير ولاية ولا وكالة- الذي يباشره مع آخر أصيل أو ولي أو وكيل، فإنه يتوقف على الإجازة عند الحنفية.
انظر "المدخل الفقهي العام" للأستاذ مصطفى الزرقاء1/ 577، و"شرح حدود ابن عرفة" لمحمد الأنصاري المشهور بالرصاع، والمسائل الفقهية من كتاب "الروايتين والوجهين" للقاضي أبي يعلى بتحقيق الدكتور عبد الكريم=
(2/345)

فيقولُ: الاستباحةُ حُكمُ العقدِ وتُسْتَفَادُ به، فلا يكونُ نفيُها يُوجبُ نَفْيَ العقدَ.
وهذا اعتراض فاسد، من حيث إن العقدَ يُرادُ لأحكامِه التي تُستفادُ به؛ إذ ليس يرادُ العقدُ لعَيْنهِ، فإذا وُجِدَ ولم تَتعلقْ به أحكامُهُ لا من جهةِ شرطٍ يحتاجُ إِليه، دَل على فسادِه، كما أننا نَعلمُ صِحَةَ العقدِ ونَستدِلًّ عليه بوجودِ أحكامِهِ ومقاصدِهِ.

فصل
ومن ذلك: أن يُفَرقَ بين الأصلِ والفرعِ بما لا يقَدَحُ في العِلةِ.
مثلُ قياسِ أصحابنا وأصحاب الشافعيُّ النبيذَ على الخمرِ في التحريمِ، فيُفرَقُ بينهَما بالتَفسيق.
وقد بَينّا أنه لا يُوجَدُ الفِسْقُ من التحريمِ، ولا يُنفى التحريمُ بنفيِ التَفسيقِ؛ لأنه يجوزُ أن تَجْلِبَ العِلةُ التحريمَ دون التفسيقِ، فلا يكونُ افتراقُهما في التفسيقِ مانعاً من صِحتِها وجَلْبِها للتحريمِ.

فصل
والفرقُ بين المسألتين يَقَعُ على ضربين:
أحدهما: أن يكونَ بياناً للأصولِ المُفْرَدةِ المُلتزَمةِ لا بعلةٍ، فإنه يَكفِيهِ بيانُها وكشفُ معانيها، ولا يَحتاجُ إلى أصل؛ لأن هذا الفَرْقَ هو مُتطوع به؛ إذ كان لا يَلْزَمُه على طريقةِ مَن لا يرى الكَسْرَ سؤالًا صحيحاً، وهذا هو الجوابُ عن الكَسْرِ، وقد ذَكَرْتُ المذهبينِ فيه (1).
__________
= ابن محمد اللاحم 2/ 82، و"حاشية ابن عابدين" 3/ 97.
(1) انظر الصفحة (290) وما بعدها.
(2/346)

والثاني: الفرقُ القادحُ في الجمعِ، فهذا يَحتاجُ إلى أصل يَرجعُ إليه؛ ليَصِحً قَدْحُهُ، ويكونَ الأصلُ شاهداً لصحِة القَدْحِ؛ إذ الفَرْقُ (1) كالجَمْعِ، والجامعُ لا بُدَّ له من الدلالةِ على صحةِ جمعِه، فالفارقُ كذلك، ومَن أحبَّ أن يُسقِطَ عنه كُلْفَةَ الفرقِ، والدلالةِ عليه، ورَدِّهِ إلى أصلِه، طالبَ المُستدِل بصحةِ الجمعِ.
وإنما احتاجَ الفارقُ إلى أصل؛ لأن فرقه دعوى لا بُرهانَ عليها، وليس شيء من الأصولِ إلا وهو مفارقٌ للآخرِ في شيءٍ يقعُ به الافتراقُ صورةً، فلو لم تُعتبرِ الدَلالةُ والرد إلى أصل، لكَثُرَ الفرقُ واتسعَ لقُرْب مُتناولِه، كما أنه لولا احتياجُ الجامع إلى دَلالةٍ، لاتسعَ القياسُ الجاَري (2) من تأثيرٍ وجلْبٍ.
وقد قال بعضُهم: لا يَحتاجُ الفارقُ في فرقِه إلى أصل، واختارهُ بعضُ أصحاب الشافعيِّ، وتعلَّقَ بأن الشافعيَّ رحمةُ الله عليه فَرقَ بين الجُنُب إذا كانَ إماماً ولم يَعْلَمْ به المأمومُ، وبين الكافرِ: بأن الجُنُبَ يكون إماماً بحالٍ، بخلاف الكافرِ.
وهذا لا يَلزَمُ؛ لأن كلامَ الشافعيِّ يَرجعُ إلى أن الجُنُبَ من أهلِ الإِمامةِ، فأشبَهَ المُتطهَرَ، والكافرُ بخلافِ ذلك.
وقد قال الشافعيُّ رحمةُ الله عليه في اعْتِدادِ (3) المبتُوتَةِ: إنها قياسُ المُتوفَى عنها؛ لاجتماعِهما في كونِهما في عِدةٍ لا رَجْعةَ للزَوجِ
__________
(1) في الأصل: "القدح".
(2) في الأصل: "الحالي".
(3) في الأصل: "إحداد".
(2/347)

عليها، وإن اختلفا في أنَ إحداهما فارقَها زوجُها.
واعترضَ المُزَني (1)، فقال: كلُّ ما قِيسَ على أصلٍ فهو يُشبِهُهُ من وجهٍ وُيفارِقُه من وجهٍ آخرَ، ولو لم يَكُنِ القياسُ إلا باستيفاءٍ، بطَلَ، فقالَ أصحابُ الشافعيِّ: الفرقُ الذي ذَكَرَهُ الشافعيُّ يَقْدَحُ في الجمعِ؛ لأنه يَرجِعُ إلى الرجْعةِ؛ فلهذا عارضَ به القياسَ.

فصل
في بيانِ الانقطاعِ
وقد سَبقَ حَدُّهُ وأمثلتُه مُسْتوفىً في جَدَلِ الأُصولِ (2)، ونشيرُ إليه هاهنا:
فانقطاعُ المُستدِلِّ: أن يَعجِزَ عن بيانِ مذهبهِ، أو يَعجِزَ عن بيانِ الدليل بعدَ بيانِ مذهبه، أو يَعجِزَ عن الانفصالِ عَمّا عارضَهُ السائلُ به بعد بيانِ مذهبهِ وإقَامةِ دليلِهِ، وكذلك إن جَحَدَ مذهبَه الذي يُلزِمُه الحُجَّةَ، وكذلك إن جَحَدَ ما ثَبَتَ بالإِجماعِ أو النصِّ، وكذلك إن انْتقَلَ عما سُئِل عنه إلى غيرِهِ.
وفي هذا القَبِيلِ من الانتقالِ ما لا يكوَنُ انقطاعاً، مثلُ: إن سُئِلَ عن رَدِّ اليَمين، فيقولُ: هذا مَبْنِي عندي. على الحكم بالنَكولِ، فأنا
__________
(1) إسماعيل بن يحيى المزني، أبو إبراهيم الشافعي، صاحب الإمام الشافعي، وله مصنفات كثيرة في المذهب، توفي سنة (264) ه. "طبقات الشافعية" للسبكي 2/ 93.
(2) في الصفحة (483) من الجزء الأول
(2/348)

أعتقِدهُ (1)، إذا ثبتَ أنه لا يُحكمُ بالنُّكولِ.
وكذلك إذا سُئِلَ عن قضاءِ صوم التطوعِ (2) على مَن أفْسَدهُ، فيقولُ: هذا يَنْبنِي عندي على أنه لاَ يَلزَمُ إتمامهُ بالشروع، فيدُل عليه.
فإن طالبَهُ السائلُ بالدَلالةِ على ما سَألهُ إيّاه، كان انقطاعاً مِنَ السائلِ دونَ المسؤولِ، لأن الأصولَ بعضُها يُبْنى على بعضٍ، وليس كلُّها لها مِنَ الأدلَّةِ ما يَخُصُّهُّا.
ومنه ما يكونُ انقطاعاً وانتقالاً، وهو: أن يُسألَ عن حُكم، فيَدُل على ما لا يُبْنى عليه، مثالُه: أن يُسألَ عن وجوب الترتيب في الطَّهارةِ، فيقول: نحن نَختلِفُ في الترتيب وفي النِّيةِ، فأدُلَّ على وجوبِ النيه، فإذا وجبَتْ وجبَ الترتيبُ؛ لأن الترتيب لا تَعلقَ له بالنيةِ.
وكذلك إذا اسْتدَلَّ بدليلٍ ثم أوردَ آخرَ، فهو مُنتقِل عن دليلِه الذي ضَمِنَ نُصْرَةَ المسألةِ به، فكان انقطاعاً.

فصل
وانقطاع السائل،: يكونُ بالعَجْزِ عن بيانِ السؤالِ، وبالعجزِ عن المطالبةِ بالدليلِ، وبالعجزِ عما شَرَعَ فيه، وبجحد مذهبِه، أو ما ثبتَ بنصٍّ أو إجماعٍ.
__________
(1) في الأصل: "أعتقد".
(2) في الأصل: "المتطوع".
(2/349)

فصولُ التراجيحِ
فصل
في ترجيحِ الظواهرِ
وذلك يَقعُ من وجَهينِ؛ ترجيحٌ في الإسنادِ، وترجيح يقعُ في المَتْنِ.
فأمَّا الإسنادُ: فيَختَص به أخبارُ الآحادِ؛ إذ ليس تَحتَمِلُ المتواترةُ اختلافاً، فيقعُ فيه ترجيحٌ؛ لأنها انْتهَتْ إلى العلمِ الذي لا يَحتمِلُ التزايُدَ، انما أخبارُ الآحادِ طريقُها الظن، فكلما قَوِيَ طريقُها -وهو الإسنادُ-، كان الأرجحُ إسناداً أقوى في غَلَبَةِ الظن.

فصل
ومما يَحصُلُ به التَّرْجيحُ في الِإسناد.
أن يكونَ أحدُ الرَاوِيَيْنِ (1) كبيراً والآخرُ صغيراً، فتُقدَّمُ روايةُ الأكبر، لأنه أضْبطُ.
والثاني: أن يكونَ أحدُهما أعلمَ، فتُقدمُ روايةُ الأعلمِ؛ لأنه أعلمُ بما يَرْوِي.
والثالثُ: أن يكونَ أحدُهما أقربَ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه أوعى وأعرفُ بإشاراتِ النبى - صلى الله عليه وسلم - ومقاصدِهِ، ويَعلَمُ كيف خرجَ اللفظُ، وماذا
__________
(1) تحرفت في الأصل إلى: "الروايتين".
(2/350)

قَصَدَبه، مثلُ: روايةِ عائشةَ رضي الله عنها في شان أحوالِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في بيتِهِ، واغتسالِهِ وطهاراتِهِ، وصلواتِهِ.
والرابعُ: أن يكونَ أحدُهما مباشراً للقِصَةِ، أو القصةً تَتعلقً به، فيًقدمً، لأنه أعرفُ، مثلُ: قِصةِ حَمَل بن مالكٍ (1) وما شاكلَها من القِصَصِ، وكذلك إذا كانت القِصةُ تتعلقُ به، قُدمَ لأنه أعرفُ.
__________
(1) قصة حمل بن مالك أخرجها أحمد في "مسنده" 1/ 364 و4/ 89 - 80، والدارمي 2/ 196 - 197، وأبو داود (4572)، وابن ماجه (2641)، والنسائي 8/ 21 - 22، وابن حبان (6021)، والدارقطني 3/ 115 - 117 و 117، والبيهقي 8/ 114 من طرق عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن طاووس، عن ابن عباس، عن عمر: أنه نشد قضاء النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجنين، فجاء حمل بن مالك بن النابغة، فقال: كنت بين امرأتين، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح، فقتلتها وجنينها، فقضى النبي - صلى الله عليه وسلم - في جنينها بغُرة عبد، وأن تقتل بها.
وأخرجها عبد الرزاق (18343)، ومن طريقه الطبراني (3482)، والدارقطني 3/ 117، والحاكم 3/ 575 عن سفيان بن عشة، عن عمرو بن دينار، به.
لكن ليس فيه: أنه - صلى الله عليه وسلم - قضى بأن تُقتَل بها القاتلة.
وأخرجها أبو داود (4574)، والنسائي 8/ 51 - 52، وابن حبان (6019)، والطبراني (11767)، والبيهقي 8/ 115 من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس- ولفظه: كانت امرأتان ضَرَّتان، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فماتت المرأة، فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على العاقلةِ الديةَ، فقالت عمتها: إنها قد أسقطت يا رسول الله غلاماً قد نبت شعرهُ، فقال أبو القاتله: إنها كاذبة، إنه والله ما استهل ولا شرب، ولا أكل، فمثله يُطَل. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "سَجْع الجاهلية، غُرة". فقال ابن عباس: اسم إحداهما: مليكة، والأخرى: أم غطيف.
(2/351)

والخامسُ: أن يكونَ أحدُ الخَبرَيْنِ أكثرَ رواةً، فيكونُ أوْلى؛ لأن الأمرَ بين الجماعةِ أحفظُ منه مع الواحدِ، ولأن الشيطانَ من الواحدِ أقربُ، وهو من الاثنين أبعدُ، وكلما زاد في العددِ، زادَ الشيطانُ بُعْداً.
ومِنَ الناسِ مَن قال: لا يُرجحُ بالعَدَدِ، كما لا تُرجحُ الشهادةُ بالعدد، وإليه ذهبَ بعضُ أصحابِ الشافعيِّ (1).
والسادسُ: أن يكونَ أحدُهما أكثرَ صُحْبةً، فيُقدمُ لأنه أعرفُ بما دامَ من السُّنَنِ، وما نُسِخَ وما لم يُنسَخْ، وبدوام صُحبتِه يَعرِفُ معانيَ الألفاظِ، ومخارج الكلام، ودلائلَ الأحوالِ، فلا يَغمُضُ عليه معنىً، ولايَنْستِر عليه مرادُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بالنطقِ.
والسابعُ: أن يكونَ أحدُهما أحسنَ سياقاً للحديث، فيُقدمُ لحُسْنِ عِنايتِه.
والثامن: أن يكونَ أحدُهما مُتأخراً، فيُقدمُ لأنه يَرْوي [آخرَ] (2) الأمرَيْنِ.
والتاسعُ: أن يكونَ أحدُهما لم يَضْطَرِبْ لفظهُ، (3 والآخرُ اضْطَرَبَ، فمن لم يَضْطَرِبْ 3) لفظهُ، يُقدمُ لأنه أضبطُ.
والعاشرُ: أن يكونَ أحدُهما أوْرعَ وأشد احتياطاً في الحديث،
__________
(1) انظر "المعونة في الجدل" ص 274، و" التبصرة" ص 348، و"البحر المحيط " 6/ 150 - 151.
(2) ليست في الأصل، وانظر "المعونة في الجدل" ص 274، و"شرح الكوكب المنير" 644/ 4.
(3 - 3) كرر الناسخ هذه الجملة في الأصل.
(2/352)

فيُقدمُ لأنه أوثقُ.
والحادي عشر: أن يكونَ أحدُهما من رواةِ أهلِ الحَرَمَيْنِ، فيُقدم على غيرِه؛ لأنهم أعرفُ بما دامَ من السنَن، قال زيدُ بن ثابتٍ: إذا وَجَدْتُم أهلَ المدينةِ على شيءٍ، فهو السُّنَّةُ. وأشارَ إلى ذلك الوقتِ.
فأمَّا زمانُنا هذا، فنعوذُ بالله من انتشارِ البِدعِ بالحَرَميْنِ.
والثالي عشر: أن يكونَ أحدُهُما لم تَختلِفْ عنه الروايةُ، والأخرُ اخْتلَفَتْ عنه الروايةُ، وفي ذلك وجْهانِ لأصحابِ الشافعي (1):
أحدُهما: تتعارضُ الروايتانِ (2) وتَسْقُطانِ، وتبقى روايةُ مَن لم تَختلِفْ عنه الروايةُ.
والثاني: يُرجحُ؛ لأن الروايةَ التي لم تَختلِفْ عاضدَتْها الأخرى بما وافقَتْها فيه.

فصل
وأما الترجيحُ في المَتْنِ فَمِن وجوهٍ
أحدها: أن يكونَ أحدُ الخَبَريْنِ موافقاً لدليل آخرَ من أصل أو معقولِ أصلٍ يُقوِّيهِ.
والثاني: أن يكونَ عَمِلَ به الأئِمةُ، فيكونُ أوْلى؛ لأنه آخرُ ما مات عنه من السنَنِ.
وألثالثُ: أن يكونَ أحدُهما نطقاً والأخرُ دليلًا، فالنُّطْقُ أوْلى؛ لأنه
__________
(1) انظر "المعونة في الجدل" ص 275، و"البحر المحيط" 6/ 160 - 161.
(2) أي: عمن اختلفت عنه الرواية.
(2/353)

مُجمَع عليه، ودليلُ النطْقِ مُختلَف فيه.
والرابعُ: أن يكونَ أحدُهما قولًا والآخرُ فعلاً، ففيه ثلاثةُ مذاهبَ:
أحدُها (1): أنهما سواء؛ لأن فعلَه كقوله - صلى الله عليه وسلم - في إفادةِ الأحكامِ.
والثاني:- أن الفعلَ أوْلى؛ لأن الفعلَ لا يَحتمِلُ التأويلَ، ولا فيه مجاز ولا احتمال.
والثالثُ: أن القولَ أوْلى؛ لأن له صيغةً تَتَعدى بلفظِه.
والخامسُ: أن [يكونَ] (2) أحدُهما قُصِدَ به الحكمُ، فيكونُ أوْلى مما لم يُقْصَدْ به الحكمُ؛ لأنه أبلغُ في المقصودِ.
والسادسُ: أن يكونَ أحدُهما أظْهرَ في الدلالةِ على الحكمِ، فيُقدمُ لأنه أقوى.
والسابعُ: أن يكونَ [مع] (2) أحدِهما تفسيرُ الراوي، فيُقدمُ؛ لأن الراويَ أعرفُ بالمرادِ.
والثامنُ: أن يكونَ أحدُهما ورَدَ على غير سببٍ، فهو أوْلى مما وردَ على سببٍ؛ لأن ما وردَ على سببٍ مُختلف في عمومِه، وما لم يَرِد على سببٍ مُجمَع على عمومِه.
والتاسعُ: أن يكونَ أحدُهما ناقلاً، فهو أوْلى؛ لأنه يُفِيدُ حكماً
__________
(1) في الأصل: "أحدهما".
(2) ليست في الأصل.
(2/354)

شرعياً (1)
والعاشرُ: أن يكونَ أحدُهما إثباتاً والأخرُ نَفْياً، فالإثباتُ أوْلى؛ لأن مع المُثبِتِ زيادةَ حكم ليست (2) مع النافي.
والحاديَ عشرَ: أن يكونَ أحدُ الخَبَريْنِ مُتأخراً، فيكونُ أوْلى؛ لأنه أحدَثُ الأمرَيْنِ، وقد قال ابنُ عباس-رضي الله عنه-: كنا نَأخُذُ من أوامرِ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بالأحدَثِ فالأحدَثِ (3).
__________
(1) أي: أن يكون أحد الخبرين ناقلًا عن حكم الأصل والبراءة، والآخر مقرراً ومبقياً لمقتضاهما، فيقدم الناقل، لأنه يفيد حكماً شرعياً ليس موجوداً في الآخر. انظر "منهاج الوصول" مع شرحه "نهاية السول"4/ 501، و"البحر المحيط" 6/ 169، و"شرح الكوكب المنير" 4/ 687، و"التمهيد" 3/ 209.
(2) في الأصل: "ليس".
(3) هو طرف من حديث، وليس في شيء من رواياته: "كنا نأخذ"، وإنما الذي فيها: "كانوا يأخذون"، أو "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذون"، أو"إنما يؤخذ بالآخر فالآخر"، أو ما شاكلها. والصحيح: أنه مدرج من قول الزهري في حديث ابن عباس كما سيتبين ذلك من تخريجه.
وقد أخرجه مالك 1/ 294، والشافعي 1/ 271، وعبد بن حميد (648)، والدارمي 2/ 9، ومسلم (1113)، والطبري في "تهذيب الآثار" 1/ 101 و 101 - 102 و102، والطحاوي في" شرح معاني الآثار"2/ 64، وابن حبان (3003) و (3563) و (3564)، والبيهقي في "السنن" 4/ 245، وفي "الدلائل" 5/ 21، والبغوي في"شرح السنة" (1766) من طرق عن ابن شهاب الزهرفي، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ الكَدِيد، ثم أفطر، وكان =
(2/355)

والثاني عشرَ: أن يكونَ أحدُهما أحوَطَ، فهو أوْلى.
والثالثَ عشرَ: أن يكونَ أحدُهما حاظراً والآخرُ مُبيحاً، ففيه مذهبان، قد قَدمْنا ذكْرَهما:
__________
= صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره. كذا بإدراجه في الحديث من غير فصل.
وأخرجه مسلم (1113)، والبيهقي 4/ 246 من طريق يونس بن يزيد الأيلي، عن ابن شهاب، به. وفي آخره: قال ابن شهاب: فكانوا يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره، ويرونه الناسخ المحكم.
وأخرجه الطيالسي (2718)، والحميدي (514)، وابن أبي شيبة 3/ 15، و 14/ 500، وأحمد 1/ 219، ومسلم (1113)، والنسائي 4/ 189، والطبري في" تهذيب الآثار"1/ 100 - 101، وابن خزيمة (2035)، والبيهقي في" السنن "4/ 246 من طرق عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الفتح، فصام، حتى إذا كان، بالكديد، أفطر، وإنما يؤخذ بالآخر من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزاد بعضهم في آخره: قيل لسفيان: قوله: "إنما يؤخذ بالآخر" من قول الزهري أو قول ابن عباس؟ قال: كذا في الحديث.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (9738)، ومن طريقه أخرجه عبد بن حميد (645)، والبخاري (4276)، ومسلم (1113)، والبيهقي في "السنن" 4/ 240 - 241، وفي "الدلائل" 5/ 21 - 22 عن معمر، عن الزهري، به وسياقه أتم. وفي آخره: قال الزهري: و"نما يؤخذ من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالآخر فالآخر.
قال الحافظ ابن حجر في "موافقة الخبْر الخَبَر"1/ 85: وجَزْم معمر ويونس وابن إسحاق بفصل المرفوع من الموقوف، فقَدمَ على تردُّد سفيان، وعلى إدراج من أدرجه، والله أعلم.
(2/356)

أحدُهما: أنهما سواءٌ.
الثاني: أن الحاظرَ أوْلى وهما وجهان لأصحابِ الشافعيِّ (1)

فصل
في ترجيح المعاني
وذلك من وجوه:
أحدُها: أن يكونَ أصلُ أحدهما منصوصاً عليه، فهو أوْلى، لأنه أقوى.
والثاني: أن يكونَ أصلُ أحدِهما ثبتَ بدليل مقطوع به، فيُقدمُ على ماثبتَ بدليل غيرِمقطوع به.
والثالثُ: أن يكونَ لأحدِهما أصولٌ، فهو أوْلى، لأنها أقوى في النَظَر؛ لكثرةِ شواهدِها.
والرابعُ: أن يكونَ أحدُهما قِيسَ على أصل نُص على القياسِ عليه، فهو أوْلى، لأنه قياسُ الشرْعِ.
والخامسُ: أن يكون أحدُهما مقيساً على جنسِه، فهو أولى، لأنه أقربُ إليه.
والسادسُ: أن تكونَ إحدى العِلتَينِ منصوصاً عليها، فهو أوْلى، لأنها أقوى.
والسابعُ: أن يكونَ وصفُ إحداهما محسوساً، ووصفُ الأخرى
__________
(1) انظر "المعونة في الجدل" ص 277، و"نهاية السول" 4/ 502 - 503.
(2/357)

حُكْمياً، ففيه مذهبان، ولأصحابِ الشافعيِّ فيه وجهان:
أحدُهما: المحسوسُ أوْلى، لأنه أثبتُ، وهو الغايةُ التي يُرَد إليها المعلومُ، والحِس أدَل على الحكمِ.
والثاني: أن الحكميَّ أوْلى، لأن الحكمَ من جنسِ الحُكمِ، والجِنْسُ أدل على جِنْسِه وأقربُ إليه.
والثامنُ: أن يكونَ أحدُهما إثباتاً، والأخرُ نفياً، فالإثباتُ أوْلى، لأنه مُجمَع على جوازِهِ، والنفيُ مُختلَف فيه.
والتاسعُ: أن يكونَ وصف إحداهما اسماً، ووصفُ الأخرى صفةً، فالصفةُ أولى، لأنه مُجمع عليها، والاسمُ مُختلَف فيه.
والعاشرُ: أن تكونَ إحداهما أقل أوصافاً، ففيه مذهبان، قد، قَدمْنا ذِكْرَهما:
أحدُهما: القليلةُ الأوصافِ أوْلى، لأنها أسلمُ.
والثاني: الكثيرةُ الأوصافِ أوْلى، لأنها أقوى في التشبيهِ بالأصلِ.
والحاديَ عشرَ: أن تكونَ إحداهما تَطرِدُ وتَنعكسُ، والأخرى تَطرِدُ ولا تَنعِكسُ، فالتي يَجتمعُ لها الطرْدُ والعكسُ أوْلى.
والثاني عشرَ: أن تكونَ إحداهما تُوجِبُ احتياطاً، فهي أولى، لأنها أسلمُ.
والثالثَ عشرَ: أن تكونَ إحداهما تَوجِبُ الحَظْرَ، والأخرى تُوجِبُ الإِباحةَ، فقد ذكرنا فيما سبقَ مذهبين، ووَجهْناهما.
(2/358)

والرابع عشرَ: أن تكونَ إحداهما ناقلةً، فهي أولى.
والخامسَ عشرَ: أن تكونَ إحداهما تُسقِطُ الحَد، والثانيةُ تَوجِبُ الحد، وتُوجِبُ الجِزْيةَ، والأخرى تُسقِطُها، ففيه مذهبان:
أحدهما: هما سواءٌ.
والثاني: ما يُسقِطُ الحد أوْلى، وُيوجِبُ الجِزية أوْلى.
والسادسَ عشرَ: أن تكونَ إحداهما توافقُ دليلاً آخرَ لأصل أو معقولِ أصل، فهي أوْلى، لأنها أقوى.
تَم جدلُ الفقهاءِ، والله المحمود.
(2/359)

فصول الخطاب
فصل
اعلمْ وفقكَ الله أنه لما كان مبنى أصول الفقه على خطابِ الله سبحانَه وخطاب رسوله، وفحواهما ودليلهما، ولحنِهما ومعناهما المستنبط منهما، وقياس المسكوتِ عنه على المنطوقِ به بما يوجبُه الاستنباطُ من التعليلِ، وجبَ تقديمُ بيانِ الخطابِ واستيفاءِ القولِ فيه، لاشتمالِه على أبواب الأوامر والنواهي والأخبار، وما تفرعَ عليهما من الإيجابِ والندبِ والكراهةِ والحظرِ، والتقييدِ والإطلاقِ والعمومِ والخصوصِ، والناسخ والمنسوخِ، وفحوى الخطاب ودليلهِ ومعناه، فذلك كلهُ فرعٌ لهذا الأصل.

فصل
اعلمْ أنَ الخطابَ من الله سبحانه لمن خاطبه من خلقِه من ثلاثةِ طرق:
سماعٌ منه سبحانه بلا واسطةٍ، كخطابِه لموسى ومحمدٍ صلى الله عليهما وسلم.
وخطابٌ بواسطةِ الملَك؛ كخطابِه لجماعةٍ من الأنبياء صلواتُ الله
عليهم.
وكل ذلك حروفٌ وأصواتٌ تنتظمُ معاني الخطاب، الذي هو استدعاءٌ لفعلٍ أو تركٍ أو إخبارٍ عن ماضٍ أو مستقبلٍ، متلقى من لدنِ الله جلتْ عظمتهُ، أو من الملَكِ على ما نطقَ به الكتابُ العزيزُ.
(2/360)

والثالثُ: ألقيَ إلى قلوبِ الرسلِ، إمّا إلهاماً في اليقظةِ، وإما مناماً.
والثلاثة اجتمعتْ لنبينا - صلى الله عليه وسلم -، قال له كفاحاً وسماعاً منه بلا واسطةٍ: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ} [البقرة: 285] إلى آخر ما وردَ به الحديث (1)، ثم قال: فألهمني أن قلت. ففرق بين قال لي، وألهمني فى حال واحدة.
وقال له بواسطةٍ، هو جبريلُ عليه السلام: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)} [سورة العلق: 1] {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} [المزمل: 1 - 2] {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ} [المدثر: 1 - 2]. وأخبرَ - صلى الله عليه وسلم - فيما صحَت به السنَنُ الصحاحُ عنه: "فقال: لي كذا فقلت كذا"، "حيث انقطعَ جبريلُ عني". وكان كما قالَ سبحانه: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10)} [النجم: 9 - 10].
وقال مما ألقاه في نفسِه وروعِه: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ
__________
(1) روى أبو حيان والقرطبي عن الحسن ومجاهد وابن سيرين وابن عباس -في رواية- أنَ هاتين الآيتين لم ينزل بهما جبريل وسمعهما النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة المعراج بلا واسطة. انظر "البحر المحيط" 2/ 364، و"الجامع لأحكام القراَن" 3/ 425.
وأخرج مسلم في صحيحه (173) عن ابن مسعود قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتُهيَ به إلى سدرة المنتهى ... قال: فأُعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً: أُعطي الصلوات الخمس، وأُعطي خواتيم سورة البقرة، وغُفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئاً المقْحِمات.
(2/361)

لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} [الشعراء: 193]
وقال النبيُ - صلى الله عليه وسلم -: "إن روحَ القدسِ قذفَ في روعي أن لا تخرج نفسٌ من دارِ الدنيا حتى تستوفيَ ما قسمَ اللهُ لها من رزقٍ وأجلٍ، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب" (1).
فكانَ في أولِ الأمرِ يرى المناماتِ، فتأتي كفلقِ الصُبح على ما روى في السننِ الصحاح (2).
فهذه طرقُ الخطابِ من الله سبحانَه لهُ، وقد دلَّ على هذِه الأقسامِ الثلاثة قولُه سبحانَه: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} [الشورى: 51] ولا يجوزُ أن يكونَ الكلامُ من وراءِ حجابٍ وحياً أيضاً؛ لأنهُ يخرجُ أن يكونَ التقسيمُ صحيحاً، ويدلُّ على ذلك قولُه تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء: 163]، وذكر ثلاثةَ عشرَ نبياً كلهم بسياقِ الوحي، فلما انتهى إلى موسى قال: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]، فثبتَ أن تكليمَ موسى بغير واسطةٍ، لتخصيصه بالتكليمِ بعد ذكرِ ثلاثةَ عشرَ نبياً من الرسلِ بالوحي.
__________
(1) أخرجه من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعاً إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، القضاعي في "مسند الشهاب" 3/ 185 (1151)، والحاكم في "المستدرك" 2/ 4، والبغوي في "شرح السنَة" (4112) 14/ 304.
(2) أخرجه أحمد 6/ 232، والبخاري (3) و (3392) و (4953)، و (4955) و (4957) و (6982)، ومسلم (160) و (253) و (254)، وابن حبان في صحيحه (33).
(2/362)

فصل
فأمَّا طرقُ الخطابِ من الرسول - صلى الله عليه وسلم - لنا: فبالنطقِ والإشارةِ المفهومةِ للحاضرينَ، وبالمكاتبةِ للغائبين: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ...} الى قوله {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] والإقرارُ الذي جعلَته الدلالةُ كالقولِ، والإذنِ في القولِ والفعلِ اللذَين يقر عليهما.
وقد جَمع اللهُ سبحانَه فوائدَ الخطابِ في قولِه تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4].
ففائدة منثورِ الخطابُ ومجموعِه: بيانُ ما كلفهم.

فصل
وأوَّل متلقى به الخطابُ، الإصغاءُ، ثم الفهمُ، ثم الاعتقادُ، ثم العزمُ، ثم الفعلُ، أو التركُ، والانتهاءُ إن كان الخطابُ أمراً أو نهياً، والتصديقُ إن كان خبراً، والرجاءُ الزائدُ على التصديقِ بالوعدِ، والخوفُ الزائدُ على التصديقِ بالوعيدِ.
قال الله سبحانه: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ} [الأحقاف: 29]، فالحضورُ للسماع والإنصاتُ للفَهِم، والإنذار تبليغاً لمبدأ الأمر: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ} [المدثر: 1 - 2] والائتمارُ واجبٌ. ولا يوصَلُ إليه إلا بالإصغاء والفهم بعد السمع، وما لا يتوصلُ إلى الواجبِ إلا به فهو واجبٌ.
(2/363)

فصل
وقد اختلفَ الناسُ في أصلِ الخطابِ الموضوعِ للتفاهمِ بينَ الناسِ من أسماءِ الأشياءِ في كلِ لغة (1):
فقال قومٌ: هو مأخوذٌ ومتلقى من جهة التوقيفِ الإلهي: إمَّا الوحي، أو المكالمةُ لمن تولى خطابَه أو إلهامه ذلك لخلقه. وهم أهل الظاهِر، وجماعةٌ من الفقهاءِ، وبعضُ المتكلمينَ.
وقالَ قوم: هو متلقى من جهةِ مواطآتِ أهلِ اللغاتِ وتواضعِهم عليه. وهم جماعةٌ من المعتزلةِ، وغيرهم من المتكلمينَ.
وقال المحققونَ: الكُل طرق للخطاب، فبعضُه بوضعِ الشرع وإلهامِ الله سبحانَه لبعضِ الخلقِ، وبعضُه بالقياسِ المستنبط بقرائِحهم، وإلحاقِ ما لم يوضع له اسمٌ بما وضِعَ لهُ اسمٌ، وإشراكه بِهِ في الاسمِ، لما اجتمعا فيه من نوعِ خصيصةٍ أو صورةٍ، وبعضُها
__________
(1) ارجع في هذه المسألة إلى "العدة" 1/ 190، و"التمهيد" 1/ 72، و"شرح مختصر الروضة" 1/ 471، و "شرح الكوكب المنير" 1/ 285، و"المستصفى" 1/ 318، و "المحصول" 1/ 181، و "البحر المحيط" 2/ 16، و"إرشاد الفحول" ص (12).
(2/364)

بالمواضعةِ، ولعل المواضعةَ توافقُ ما جاءَ من جهةِ التوقيفِ والِإلهام، فيتواطأ الوضعُ الذي أحدثَه الناسُ والوضعُ الإلهامي أو لا يواطِئهُ.
وهذا بابٌ لا يمكن سدُّه ولا جحدُه، لأن كلًا من الطرقِ قد دل عليه دليل من النقلِ.
فدليل التعليمِ لمن علمه قولُه تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31]، وهذا صالح للإلهام أيضاً، فإن تعليمَ الله سبحانه لمن علمه يَقعُ بالإلهامِ تارةً، وبالمكالمةِ تارةً، بدليلِ قولِه سبحانَه: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ} [الأنبياء: 80] وكان تعليم داودَ لصناعةِ الحديدِ في قولِه تعالى: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} [سبأ: 10 - 11].
ودليلُ الوضعِ بالتواضع، استعاراتُ العربِ للأسماءِ المجازيةِ من الحقائقِ الأصليةِ، من طريقِ المشاكلةِ والمقاربةِ بين المستعارِ له والمستعار منهُ، مثلُ تسميتِهم الكريمَ والعالمَ والفرسَ الجوادَ: بحراً، لمكان الفَيض والنيلِ والاتساعِ. وتسميتِهم المقدام: أسداً وشجاعاً، وما ذلك إلا وضع ناقل للأسماءِ الموضوعةِ إلى غير ما وضعتْ له، بنوع من قياسِ المقايسةِ. وهذا منقولٌ عنهم مستفاضٌ في نثرهِم ونظمِهم.

فصلٌ
وذهبتْ طائفةٌ من القائلينَ بأنَ الخطابَ مواضعةٌ، أنَ مواضعتَهم سابقةٌ لخطاب الله سبحانَه لهم، إذ لو لم يسبقْ منهم مواضعةٌ، لما فهموا خطابً الله سبحانَه لهم، لكن لما عهدتْ مواضعتُهم فهموا
(2/365)

خطابَ الله سبحانَه بما قد استقر بينَهم وعندَهم من التفاهم للمعاني بدليلِ الخطابِ،
فالدلالةُ على فسادِ قوِلهم: أنَ الله سبحانه قادر على أن يضطَرهم إلى فهمِ ما يخاطبهُم به ويلهمَهم فهمَ معانيه، وإذا تحققَ ذلك وصحَ، بطلَ القول باشتراطِ سبقِ المواضعةِ منهم لخطابِه سبحانَه لهم.
وآيةُ ذلك: أنه سبحانَه ألهمَ من الهدايةِ إلى أشياءَ، لا يخرجُ بالعلوم الاستدلاليةِ مثلها، من ذلك: إلهامُ الطفلِ تناولَ الثدي ثم التقامَه إَياهُ، لا يرشدهُ أنّ ما فيهِ من اللبنِ ممتنغ عن الجري إلا بنوع جذب ومص، فألهمَه اللهُ سبحانَه الالتقامَ ثم المص، وألهمَ النحلَ عمل المسدساتِ التي يعجزُ عنها كثير من أهلِ الخبرةِ بالهندسةِ، والهامُ البهائم التداوي بالحشائشِ المنتفعِ بها في أوقاتِ الفصولِ التي يختصُ بمعرفِتها بعضُ الناسِ من العلماءِ، وإلهامُها زق أفراخِها زمنَ العجزِ عن النهوضِ، وفطامَها حينَ نهضتها، وإلى أمثالِ ذلك.
وهذا إلقاء من اللهِ سبحانه، فهذا يوضحُ أن إلقاءَ الفهمِ لمعاني الخطاب لا يعزبُ عليه سبحانَه، فلا حاجةَ بنا مع معرفةِ الجملةِ، أن نشترطَ سبقَ المواضعةِ من الخلقِ لخطابهِ لهمْ بما يخاطبُهم بهِ في مصالحِهم، لأنَ الفَهم ليس بأكثرَ من الإلقاءِ إلى قلوبِ المخاطبين وجدانَ المعاني المقصودةِ من الخطاب، وذلك بعينه هو إلهامُ القلوبِ ما فاضَ على الأدواتِ من الصنائعَ والأعمالِ والتروكِ والاجتنابِ، بحسب المصالحِ الحاصلةِ للحيوانِ اَلملهمِ ولنوعهِ.
ثم إنَا ندخلُ عليهم من نفسِ المواضعةِ فنقولُ: أليسَ قوةُ
(2/366)

المواضعةِ من جهةِ الله سبحانَه؟ فإذا كان هو الممد بالقوةِ التي تتحصل بها، وتصدرُعنها المواضعةُ للخطاب الذي يحصلُ به التفاهمُ فيما بينَهم، كان إمدادُه لهم فهوماً لما يخاطَبهُم به، مغنياً عن اشتراطِ سبقِ مواضعتهم للمخاطبةِ.
وفي الجملةِ والتفصيل: أنَّ جميعَ الفهوم التي صدرتْ عنها المصالحُ، هو الذي أمد الخلقَ بها، فكما أنهُ خلقَ الأشياءَ المنتفعَ بها وألهَم الخلقَ الفهومَ للتسبب إليها، وبلوغِ أغراضِهم ومآربهم منها، هو الذي أنزَل الخطابَ وألهمهَم الفهمَ لمعاني الخطابِ.
فكما لا يشترطُ تقدمُ التجارب على إمدادِ الله سبحانه بمعرفةِ المصالح والتوصلِ إلى الأغراضِ، كذلك لايشترطُ تقدمُ التخاطبِ بينهم على ما ورد إليهم عنهُ من الخطابِ.
وما هذا القولُ من هذهِ الطائفةِ، إلا كقولِ من قَال: بأنَه لا سبيلَ لنا إلى العلمِ بالخطاب من الله سبحانه، إذا لم يسبقْ لنا معرفة له، بمثلها نعلمُ الصوتَ الذيَ نسمعهُ عنة، ولارؤية منّا لهُ مقارنة، نعلم أنّهُ هوَ المخاطِبُ، فلا صلةَ إلى العلم بخطابه. ولا جوابُنا عن هذا القولِ إلا كجوابِنا لهُ -لذلكَ القائِل- وهو: أن في قدرةِ اللهِ سبحانَه، أن يقيمَ لنا من الدلاْئلِ على أنَ الخطابَ خطابهُ، بمثلِ ما دلنا بهِ عليه من الأفعالِ التي لا ينبغي للخلقِ فعلُها من الأفعالِ الخارقةِ، كدك الجبلِ، وإصعاقِ موسى، وقلب العصا ثعباناً. فدل ذلك موسى على أن القائلَ له: {أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [القصص: 30] هو الذي صدر عنه تلك الأفعالُ التي لا تنبغي إلا لله. ودل ما جاء
(2/367)

به من الآياتِ لقومهِ على أنه رسولُ الله. فكما لم نعرفْ في القدرةِ إقامةَ الدلالةِ على أنَّ الخطابَ خطابهُ، لم نعرفْ في القدرةِ تفهيمَ السامعينَ لخطابِه، ما وجهه نحوهم من خطابِه، فيوقعُ لهم الفهمُ عقيبَ الخطابِ.
ومما يدل على ذلك: أنَّ الإنسانَ مع كونه خلقا من خلقِ الله، وصنعةً من صنائعِه، قد توصلَ إلى تفهيمِ الحيوانِ البَهيمِ ما يريدهُ منه من الصنائعِ والأعمالِ والاصطيادِ، والسعي والوقوفِ بحروفٍ وأصواتٍ يشيرُ بها فيقفُ إذا أوقفهُ، ويسعى إذا استسعاهُ، ويقدمُ على الصيدِ تارةً إذا أرادَ منهُ الِإقدامَ، ويحجمُ إذا أراده بالِإحجام.
وكذلكَ خطابُهم الأطفال بكَخْ للقذرِ، وماح للحَلوِ، وواوا للمؤلمِ، وداح للمليحِ، ولكل شيء نطق يفهمونَ منه.
وكذلكَ: ما يتواضعُه الخرسُ من الإِشاراتِ من بعضِهم لبعض، ومن الناطقين لهم، كلُّ ذلك يُعْقِبُه الله سبحانَه بإلقاءِ التفهيمِ إليهم وعنهم مع عدمِ سابقِ مواضعةٍ منهم للإِشارةِ، بل الإشارةْ يتبعها الفهمُ، فأولى أنْ يكونَ اللهُ سبحانه يعقبُ خطابَه لمن خاطَبَه بإفهامِه معنى ما خاطبهُ، وهو الخالقُ الصانعُ القادرُ.

فصل
والدلالةُ على إفسادِ قولِ من قالَ: بأنَّ الخطاب والتخاطب والأسماءَ كلها توقيف، وأنه لولا ذلك لما تمتْ لهمْ مواطأةٌ على خطابٍ، ولا تخاطبَ يتخاطبونَ به، هو:
أنَّ الله سبحانه لما خلَقهم أحياءَ ناطقين، كما خلقهم أحياءَ
(2/368)

قادرينَ، وكان في قوةِ خلقِهم وصحةِ قرائِحهم تواضعُ صورٍ اكتسبوها في الأجسامِ، بحسب دواعيهم وعوارضِ حوائِجهم، مثلُ نجارةِ الباب والدولاب، وصناعةِ الَسيفِ والمنشارِ، وفتلِ الحبالِ أسباباً موصلةً إلىَ إصعادِ الَمياهِ من قعورِ الآبارِ، وأشباهِ ذلك، كان في قوةِ ما وضعهُ فيهم من النطقِ، أنْ يصوغوا من الأصواتِ والحروف صيغاً توصلُهم إلى الأغراضِ من التفاهمِ والتخاطب، بما يعرضُ لهم من الدواعي الواقعةِ من بعضِ إلى بعضٍ، واستعانةِ بعضِهم ببعضٍ.
وقد قال العقلاءُ الأولُ: الحاجةُ تفتق الحيلةَ. وهذا كلام حسن، لأنَّ الدواعيَ إلى الأشياءِ تحملُ الحى على التوصلِ، فالجائعُ يدري كيفَ يُحصِّلُ الطعامَ، ولعلَّ الحاجةَ إلى الطعام تفتحُ له أبواباً لتحصيلهِ، ولذلكَ ترى أولادَ المترَفين أبطأ في الشهامَةِ والفراهةِ من أولادِ المرتادين للمعاشِ، لما وطنوا أنفسَهم عليه من الغنى بغيرهمِ عنهم، ولله في خلقِه جواهرُ كامنةٌ أصليةٌ لا تظهرُها إلا حاجتُهم ولا تكشفُها إلا ضرورتُهم.
ولما كان من ضرورةِ الأحياءِ إلى التفاهمِ والتخاطبِ، كما كان من- ضرورتِهم تحصيلُ المآكلِ والمشارب وجميعِ المآربِ، وكان فْي قريحتهم ما يحصلونَ به أغراضَهم من أنوَاعِ حاجاتِهم من غير تقديم تعليمٍ، ولاتفهيمٍ من غيرِهم لهم، كانَ في قوةِ نطقهم ما يلجئهم إلىَ مواضعةِ ما احتاجوا إليه من التخاطب للتفاهِم، إذ كانت حاجةُ بعضِهم إلى بعضٍ، كحاجةِ الحى إلى ماَ يستمدهُ للبقاءِ من تناولِ الشراب والغذاءِ والوطاء والوِقَاءِ والكن (1) ودفعِ الأذى، وغيرِ ذلك من الأوطارِ (2).
__________
(1) الكِن: وقاءُكلِّ شيءٍ وستره.
(2) في الأصل: "عن الأوطان".
(2/369)

حتى إنّهم وضعوا الخطابَ بالمناجاةِ للحاضِر القريب، والمناداة (1).
للحاضِر البعيدِ، والمكاتبةَ للغائِب الذي لا ينتهي إليه الصوتُ في الهواءِ، فلا ينكرُ لهؤلاءِ اكتسابُ تخاطبٍ للتفاهمِ.
ومما يدلُّ على صحةِ ذلك: أننا نجدُ اليومَ من تجدد لصنائعَ محدثةٍ أِنتجتْها القرائحُ، آلاتٍ وأدوات لم تكنْ، ونضع لها أسماءً بالاصطلاحِ، فيُفْهَمُ بذلكِ الوضع، المرادُ من المستدعي لها، كما تَجددَ من الحوادثِ، وتجددت لها أحكام استخرجها متأخرو الفقهاءِ، لم تكنْ في ابتداءِ الإسلام، وما أحدثوا من المباني والصورِ والملاهي وغيرِ ذلك مما حددوا له أَسماءَ بحسب تجدده، وحركوا سواكنَ الطباعِ الأربع باستخراجِ أصواتٍ.
ثم وَضعُ الموسيقى؛ فطريقة لإيقاظ الحزن، وطريقة لإيقاظِ السرورِ، وطريقةٌ للتشجيع والإقدام على الحرب (2)، هذا وأمثالُه مما يوضَحُ ما ذكرناه من القدرةِ والنحَيزة (3).

فصل
يجمع شُبهَ القائلينَ بأن الكل توقيفٌ.
قولُه تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31] فلم يبقَ لنا اسمٌ تقدحُه القريحةُ، ولا تتيحهُ الغريزةُ، ولا يضعهُ المتواضعون.
وقال سبحانه للملائكة: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ} [البقرة: 31] {قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ} [البقرة: 32] فدلَّ على أنَ آدمَ والملائكةَ لا يعلمونَ إلا بالتعليمِ بهاتين الآيتين، فلم يبقَ كلامٌ يضعهُ الأحياءُ من
__________
(1) في الأصل: "المناجاة".
(2) الضرب بالآلات المطربة محرم، لأنها تصد عن ذكر الله، إلا الضرب بالدف في النكاح فهو مباح. انظر "الكافي" لابن قدامة 6/ 199.
(3) النحيزة: الطبيعة.
(2/370)

تلقائِهمِ. وقال سبحانه: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38] {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89].
وقال: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)} [العلق: 3 - 5]، فأضافَ تعليمَ النطقِ والكتابةِ إَليه، فلم يبقَ منطوق به ولا مكتوب يفتعلهُ الإنسان أو يكتسبهُ.
وقد كانت الملائكةُ قبلَ خلقِ آدمَ متفاهمةَ مخاطبةَ بدليلِ قولهِ سبحانه: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا ...} [البقرة: 30]، الآيات. فقد كانوا يفهمون الخطابَ ويخاطبون، ومع ذلك نفوا العلومَ عن نفوسِهم، واستثنوا ما علّمهمْ سبحانَه، فدل بهذِه الآياتِ أن لا شيءَ من الكلامِ بمواضعةٍ، وأنّ جميعهَ تعليم من الله سبحانه.

فصل
يجمعُ الأجوبة عن جميعِ ما ذكروه.
وهو أنّه لا حجةَ في الآيةِ على مقالتنا ولا لمقالتِهم، لأنّا لا ننكرُ أن يكونَ الله سبحانه علمَ آدمَ الأسماءَ، لكنْ من الذي خصَّ التعليمَ بالخطابِ والإسماع له أسماءَ الأشياءِ؟، وما المانعُ من أن يكونَ التعليمُ بالخطاب وبالتفهيمَ والإلهام؛ وجعلُه على صفةِ من يحددُ أسماءَ بالمقايسةِ على ما علمه بالمخاطبةِ، أو يحدث أسماءَ بالمواضعةِ مزيدةً على علمه بالإلهام والمخاطبة. والمدحة لآدمَ بالطريق الذي نقولُه أوفى من المدحةِ والتفضيلِ بما يقولُه المخالفُ.
والآية خرجتْ مخرج التفضيلِ لآدمَ عليهم في العلمِ، فالطريقُ الذي نقولُه استخراجُ آدمَ للأسماءِ استنباطاً من صورِ المسمياتِ وإحداثُ أسماءٍ لما لم يسمَّ بالقياسِ على ما سمي، وإلحاقُ كلُّ اسم بمحلٍ يشاكلُ المحَل المسمى بالتوقيفِ.
(2/371)

وذلك يعطي قوةَ الرأيِ والاجتهادِ والتشبيهِ، وهو أوفى من الحفظِ بالتلقينِ.
ولذلك مدحَ المعقولاتِ فقال: {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43)} [العنكبوت: 43] والفهومَ، فقال: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء: 79] وذَمّ الذي لم يحظَ من الكتابِ إلا بالتلاوةِ فقال: {لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ} [البقرة: 78] يعني، تلاوةً، وقال: {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43)} [العنكبوت: 43]. فالفضيلةُ الكليةُ في علمِ الأشياءِ بطريقِ فهمِ المعنى، والقدرةِ على إلحاقِ ما لم يسم بما سمّي بمعناه المشاكلِ لهُ به، وما هذا في باب الأسماءِ إلا بمثابةِ فقهِ الحديثِ بالِإضافةِ إِلى حفظهِ، فإنَّ الفقيه بمعانيه الذي يُعدّي الأحكامَ بالمعاني، ويفرِّعُ على الأصولِ، أفضلُ من الحافظِ لنطقِ الأحاديثِ.
ومن وجهٍ آخر: وهو أن سؤالَهم كانَ. عن الفسادِ في الأرضِ، عندَ إعلامِهم أنهُ جاعل في الأرض خليفةً، فالحفظُ للأسماءِ نطقاً، ليس بالمنافي لإيقاعِ الفسادِ والمنع منه، لكن الفهمُ للمعاني ووضعُ كلِ مسمى موضعه، هو الدالُّ على فضيلةِ العلمِ المانعِ من جري الفسادِ في الأرض. مع كونِ المستخلفِ عارفاً بمصالحِ أهلِ الأرض. على أن الآيةَ لوَ دلتْ على تعليمِ آدمَ، لم يكُنْ فيها مانعٌ من كونِ أهلِ الأرضِ بعد آدمَ تواضعوا الأسماءَ والتخاطبَ، بما وافقوا بهِ ما علمه آدمُ بقرائِحهم، أو وضعوا لنفوسِهم وضعاً، إمَّا لما كانَ في زمنِ آدمَ، أو لما تجدّدَ بعدَ آدمَ من الأغراضِ، فزادهم الله طريقاً، وجعلَ لهم سبيلًا بحسب ما تجدَّد لهم من الحوادثِ، التي لم تكُنْ في زمن آدمَ كما جدد اللهَ سبحانه لأمةِ مُحَمدٍ - صلى الله عليه وسلم - دفةَ الاجتهادِ، لِإحداث الأقيسة
(2/372)

لما حدثَ، ولم يردْ فيه نطق على ما نطقَ به - صلى الله عليه وسلم -، حتى لوِ رآهُ النبي صلى الله عليه وسلم أو سمعَ به لاستحسنةَ، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم غنياً عنه، بما كان ينزلُ إليهِ من الوحي من اللهِ سبحانَه، فصارتِ الأسماءُ المتجددةُ المتسعةُ باتساع حوائج بنَي آدم، كالأقيسةِ المتسعةِ والعلومِ المتجددةِ بعد موتِ نبينا - صلى الله عليه وسلم - فليسَ هاهنا تمانعُ تقابلِ الَآيةِ في حقِ آدمَ، بقولِه في حقِ نبَينا - صلى الله عليه وسلم -: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89]، ثم إنَّهُ لما حدثتِ الحوادثُ بعدهُ، نهضتْ قرائحُ القائسينَ بإلحاق المسكوتِ بالمنطوقِ، وكان الكمالُ الأولُ غيرَ مانع من استنباطِ الأواخِر، كذلكَ في بابِ الأسماءِ مع ما علِمهُ آدمُ من الأسماءِ.
ولا اختلافَ بين نطقِ الآيةِ وحقيقةِ المذهب الذي ذهبنا إليه بحمدِ الله ومنّه، ولا فيها ما يثبتُ مذهبَ المخالفِ، من نفي ما أثبتناهُ من إحداثِ التخاطبِ واكتسابِ التفاهمِ، بالمواضعةِ المزيدةِ على المتلقاةِ من وضعِ الشرعِ وإفادةِ الوحي.
جواب ثالثٌ: وهو أنة يجوز أن يكونَ قولُه: {الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} راجعاً إلى ما كانَ قد خلقة الله في السماءِ من الملائكةِ والجَنةِ وما فيها وذكرها باسمِ "كلُّ"، لأن المسمياتِ الحاضرةَ التي كان خَلقها سبحانه هي الكلُّ، إذ لم يكنْ من صنائعِ الآدميين وأوانِيهم وآلاتِ إعمالهمِ شىِء حاضر، ووَكلَ تسميةَ ما تجددَ من أسماءِ المسمياتِ إلى أولاد [آدم] عند انفتاحِ أبوابِ قرائِحهم، لاستخراجِ تلكَ الأشياءِ، ثم جعلَ في
(2/373)

قواهم أنْ جدًدوا لها أسماءَ بنطقِهم، كما كان في قواهم التي منحَهم أن جددوا صورَها وأعمالَها الدقيقةَ، والأعمال الدقيقة التي جددتها قرائحهم عند احتياجِهم إليها، كان في قوةِ نطقِهم التي منحهم أن صاغوا لها أسماء، وضَعوها لها وسموها بها، واللهُ أعلم.

فصل: لبيانِ الفرقِ بين تفهيمِ اللهِ سبحانه للخطاب، وبين تفهيمِ المخلوقين بعضِهم بعضاً.
فصل
لبيانِ الفرقِ بين تفهيمِ الله سبحانه للخطابِ، وبين تفهيمِ المخلوقين بعضِهم بعضاً.
اعلمْ وفقكَ الله، أنا لما جعلنا أحدَ طرقِ وضعِ الخطاب المواضعةَ، وجبَ علينا أن نبيِّن كيفَ يبتدا الإنسانُ بالتفهيمِ لصيغ مبتكرةٍ، لم يسبقْ من مخاطبه تفهيمُ معناها، فإَنا لما بينا بالدلالةِ قدرة الله سبحانه على اضطرارِ من خاطبهُ من خلقهِ، إلى فهمِ ماخاطبَه به، وكان ذلك يعزبُ في قدرةِ المخلوقِ، إذ لا قدرةَ له إلا على إنشاءِ الصيغِ التي وضعَها لأمورٍ أرادَها بها ووضَعها لها، فأمَّا إنشاءُ الفهمِ لمن خاطَبه بمعاني مرادِه منها فلا قدرةَ لهُ على ذلك، وجبَ علينا بيانُ الطريقِ الذي يحصلُ به تفهيمُ خطابهِ كما بينا طريقَ قدرتِه على وضعِ صيغِ خطابهِ، ونظمهِ للحروفِ المعبرةِ عن مرادهِ.
فنقولُ وبالله التوفيق: إن الواضعَ لصيغِ الخطاب لا يزالُ يخاطبُ بالاسمِ نطقاً، ويشيرُ إلى المسمى بتلك الصيغةِ إشارَةً، تنبه المخاطبَ أن هذهِ الصيغةَ لهذا المشارِ إليه، ولا يزالُ كذلكَ، إلى أن يستقرَ في نفسِ المخاطب بهذا الخطاب وهذا الاسمِ، أنه اسم لذلك المشارِ إليه، وهذا دأبُ الأباءِ والأمهَاتِ مع الأطفالِ، والمعلمينَ للبهائم الصنائع، والناقلينَ من اللغاتِ إلى غيرِها بالتراجم.
(2/374)

فصل
واعلمْ أنَّ الله سبحانَه، غيرُ محتاج إلى إقامةِ الدلالةِ على كلامِه لمن كلَّمه، بل هو القادرُ على إيقاعَ ذلك في نفس من خاطبهُ، واضطرارهِ إلى ذلك، لكنه إن أقامَ دلالةً من أفعالٍ خارَقةٍ، فإنما يفعلُ ذلك ليثيبَ المستدلينَ باستدلالِهم، كما أنّه كان قادراً على اضطرارِ الخلقِ إلى معرفتِه، من غيرِ استدلالٍ، بافعالِه، ثم إنه جعلَ السبيلَ إلى معرفتِه والطريقَ إلى إثباتِه، ما ذرأ وبرأ، وما ضمَّن مخلوقاتِه من الدلائلِ على حدثِها واحتياجها إلى صانعٍ، ووضعَ فيها من إحكام الصنعةِ ما دل به على حكمتِه وعلمهِ، فكذلك وضعَ الأدلةَ على أنهُ هو الَمتكلمُ لمن كلمهُ مكافحةً، كموسى دكَّ له الجبلَ، وقلبَ عصاهُ ثعباناً، ومحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - أسرى بهِ ليلاً في بعضِ ليلةٍ، وقطع به المسافاتِ البعيدةَ، فهذهِ الدلائلُ إمّا لمجردِ المشيئةِ، أو لإظهارِ جواهرِ الرجالِ بعلوم الاستدلالِ، وإثابتهم على ما يلحقهُم في الاستدلالِ من الكلفِ، كماَ كلفهم سائرَ الأعمالِ مع غنائِه عنها.
وقد دل على قدرتِه علىٍ اضطرارِ الخلقِ كلّهم إلى معرفتِه، أنه قد وضعَ في عقولهم ما عرفوهُ بديهة بأولِ وهلَةٍ، مثلُ العلوم الضروريةِ، وعرَّفهم بعضَ الأشياءِ بأدنى فكرةٍ، وعرفهم بعضَها بالاستدلاَلِ الغامض، والبحثِ الدقيقِ، والوسائط البعيدةِ المسافةِ، فلا يعتاصُ عليه فعلُ ما فعلُه بوسيطِه أن يفعلَه مبادأةً بغيرِ تلكَ الوسيطةِ.

فصل
واعلمْ أنَ أمرِ اللهِ سبحانه ونَهيه لمن أمرهُ ونهاهُ حقيقةٌ، وكلامه لمن كلمهُ حقيقة، وأنَ المأمورَ والمنهيَ محدثٌ، ولا يقف كونُه أمراً، على وجودِ المأمورِ والمنهي، لما أجمعَ عليه أهلُ اللغةِ والعقلاءُ في الشاهِد، أن الموصيَ آمرٌ وناهٍ بوصيتِه، لما كان مضيفاً للكلامِ إلى
(2/375)

من يوصيهِ، فالله سبحانهَ أحق بهذِه الحقيقةِ، لأن الموصي يجوزُ أن تحولَ بينَ وصيتهِ والموصى لهُ العوائقُ، وتقطعَ عنها القواطُع، واللهُ سبحانه العالمُ بكونِ ما يُكَوَّنُهُ، وخلقِ ما يخلقهُ، فيتناولُه أمرهُ ونهيهُ، ولو تَعَذرَ ذلك في الشاهدِ، ولم يتحققْ في حق أحدٍ من المخلوقين، أن يكون آمراً ناهياً مكلماً، إلا بوجودِ من يأمرهُ ويخاطبهُ، لما جازَ أن يقفَ كلامُ الله وأمرهُ سبحانَه ونهيهُ، على وجودِ من يكلمهُ ويأمُره وينهاهُ، كما أن أسماءَ المخلوقينَ، لا تتحققُ إلا بايجادِ الأفعالِ، واللهُ سبحانَه سمى نفسه بأسماءٍ مشتقةٍ من أفعال مستقبلةٍ، وأسماؤهُ لم تفارقْه ولا تزايلُه، فهو سبحانه الإِلهُ ولا مألوهَ، والربُّ ولا مربوبَ، ولا أحدَ من المسلمينَ استجازَ أن يقولَ في تشميةِ الباري إلهاً ورباً: إنهُ مجازٌ، أو إنه لم يكنْ رباً قبلَ الخلقِ ولا إلهاً. فثبتَ أنهُ آمرٌ ناهٍ، مخبرٌ متواعدٌ لم يزلْ، كما أنه لم يزلْ متكلماً، ومن طلبَ لأمرِه وجودَ المأمورِ ولنهيهِ وجودَ المنهي، وادّعى أنهُ متى كان آمراً ولأ مأمورَ، لم يكُ مفيداً، وإنَّما يكون مفيداً إذا تعلقَ بالمأمورِ المنهي، فإنما تطلبُ الفائدةُ من حيثُ جعلَ كلامهَ فعلاً، ولا يتحققُ هذا إلا من قائلٍ بحدثِ الكلام وخلقهِ، فأمَّا من لم يَطلبْ لكونهِ متكلماً فائدةً، كذلك يلزمهُ أن لا يطَلبَ لكونه آمراً ناهياً فائدة.
فإن قال:- لسنا نطلبُ لكونهِ متكلماً متعلقاً، ءوإنما نطلُب لكونِه متكلّماً مخاطباً.
قيلَ لهُ: فهلْ أثبتَه متكلماً لا آمراً ولا ناهياً ولامثْبتاً لهُ بكونهِ متكلماً أقسامَ الكلامِ؛ فإن قال: نعم، فقد خرجَ عن حد المثبتينَ للكلامِ، وليسَ ذاك
(2/376)

مذهَبهُ، ولا مذهبَ أحد من أهلِ اللغةِ، ولا مذهبَ أحدِ من العقلاءِ على اختلافِ لغاتِهم.
وإن قالَ: بلْ أثبتهُ متكلماً بأقسامِ الكلامِ.
قيلَ: ففي أقسامِ الكلامِ ما لا بدّ لهُ من متعلقٍ، وهو الأمرُ يفتقرُ إلى مأمورٍ، والنهى يفتقرُ إلى منهي، ومع ذلكَ لم تجعلْه آمراً بعد أن لم يكن آمراً، كذلك كونُه مخاطباً ومتكلماً، ولا فرقَ.

فصل
ولا يجوزُ على كلامِ الله الاختلافُ ولا المناقضةُ، ويجوزُ منهُ وعليهِ المجازُ والاشتباهُ.
ولا بُدٌّ أن يوضح معنى كلِّ واحدٍ من هذين المنفيين والجائزين، فالاختلافُ والمناقضةُ تدخُل على الألفاظِ والمعاني، فدخولُها في الألفاظ، مثلُ قوله: زيدٌ حيٌ لا حيٌ، وعمروٌ عالمٌ لا عالمٌ.
والمناقضةُ في المعنى: فلانٌ حيٌ ميتٌ، أو عالمٌ جاهلٌ. وهذا القبيلُ قد نفاهُ الله سبحانه عن كلامهِ بقوله: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)} [النساء: 82].
ونفاهُ دليلُ العقلِ عنه، لما وجبَ لذاتِه سبحانَه وصفاتِه من الكمالِ وعدمِ النقائصِ، والكلامُ من صفاتِه، وقد نفى سبحانه التفاوتَ عن أفعالِه بقولِه: {مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ} [الملك: 3]، فكانَ ذلك تنبيهاً على نفيِ النقائِص عن صفاتِه.
وأما المتشابهُ: فما تردَّد بين معنيين، أو معانٍ عدةٍ مختلفةٍ في وضعِ اللغةِ، ودخلَ ذلك على أحكامِه، وبين أفعالَه وصفاتِه.
(2/377)

واختلفَ الناسُ في أعيانِ المتشابهِ، وفي المرادِ بهِ في اصلِ الخطاب بهِ وفي عين المرادِ منهُ، وهل كله معلوم أو بعضُه معلوم؟
واختلفوا أيضاً في إطلاقِ المجاز على كلامِه سبحانه، وفي عين المجازِ.
مثالُ أصلِ المتشابه: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، {إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البقرة: 237] {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة: 178] {أو لمستُم- أو لامستم- النساءَ} [النساء: 43] (1).
فالقروءُ تترددُ بين الحيضِ والطهرِ، والعفوُ يترددُ بينَ البذلِ والإسقاطِ، واللمسُ والملامسةُ مردد بينَ اللمسِ باليدِ أو الجماعِ، ويصرفُ إلى أحدِهما بدلالةٍ توجبُ أنهُ أولى بصرفِه إليه، بما قد ذكرناهُ في حجاجَ الفقهاءِ وجدلهم.
وأعيانهُ هو ما صرفَ إليه بدلالةٍ، فيصيرُ ما تصرفُ إليهِ الدلالةُ من القروءِ والعفوِ واللمس، هو المرادَ باللفظِ، ويزولُ الاشتباه بقيام الدلالةِ.
فهذا تشابهٌ في الكلامِ، لكن في قبيلِ الأحكامِ.
__________
(1) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر: {أَوْ لَامَسْتُمُ} بألف في [النساء: 43] و [المائدة: 6].
وقرأ حمزة والكسائي: {لمستم} بغير ألف.
انظر "الحجة للقرأء السبعة" لأبي عليّ الفارسي: 3/ 165. و"حجة القراءات" لابن زنجلة ص (205).
(2/378)

فأمَّا المتشابهُ في باب الأفعالِ والصفاتِ (1)، فمثلُ قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} [فصلت: 11] {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54]، {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ} [يس: 30]، {فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا} [الكهف: 80]، {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} [الزخرف: 55]، وقوله في حق آدم: {فَوَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [الحجر: 29]، وفي- حقِّ موسى: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39)} [طه: 39]، وقولهُ في حقِّ عيسى: {قَوْلَ الْحَقِّ} [مريم: 34]، {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا} [الأنبياء: 91]، {رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ} [النساء: 171].
ويدخلُ في هذا القبيلِ من المتشابهِ، الحروفُ المقطعةُ في أوائل السورِ (2).
فقد اختلفَ الناسُ في هذا، فقومٌ سلكوا فيهِ وبهِ مسلكَ المترددِ في بابِ الأحكامِ، مثلُ القروءِ والعفوِ واللمس، فصرفوهُ بدلائلَ من كتابِ الله ودلائلِ العقولِ، إلى أنَّها إضافات يصرفُها اَلدليلُ هي أحقُّ بالأفعالِ، فقالوا: لأنَّ الاستواءَ الى السماءِ بنفس الذاتِ هو الذهابُ نحوها، وهو في الحقيقةِ عينُ التحركِ إلى فوقِ السماَء صعوداً، والاستواءُ على العرشِ هو التمكُّن والاستقرارُ الذي يكونُ للجسمِ على الجسمِ، كاستواءِ نوحٍ على سفينته، والراكب على دابتِه، وبالنصَ النافي للتشبيهِ ينتفي ذلك عنهُ، وهو قولُه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، وبدليلِ العقلِ الذي نفى كونَه جسماً، وهو الوحدانيةُ في الذاتِ والجسم المؤلف بدليلِ إدخالِ أهلِ اللغةِ عليه لفظة: أفعلْ، وهي أجسمْ، وليسَ ذلك إلا لتزايدِ التأليفِ بزيادةِ الجواهرِ.
وبالدليلِ الذي نفى عنه الخروجَ من حالي إلى حالٍ، وهو التغيرُ
__________
(1) انظر الحاشية رقم (1) في الصفحة (169) من الجزء الأول.
(2) انظر الحاشية رقم (2) في الصفحة (169) من الجزء الأول.
(2/379)

الذي لا يجوزُ على القديمِ بحالٍ، وهو الذي ذكرهُ اللهُ عن خليلهِ إبراهيم ورضيهُ له دليلاً على حدَثِ النجوم، حيثُ استدل بالُأفولِ بعد الطلوع، فأشعرَ ذلك عن الله سبحانه أنهُ لا بهذه الأوصافِ حيثُ قال: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [الأنعام: 79] بعد أن قال في حق المغيراتِ: {لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام: 76]، فدل على أنهُ إنما صرفَ الصناعةَ والإلهيةَ إلى مَن ليسَ على هذهِ الحالِ، وهو التغيرُ والزوالُ.
فلمّا عدلوا عن حقيقةِ الاستواءِ في الأجسامِ، انقسموا فيما صرفوهُ إليه فقال قومٌ: يعنى قصدَ إلى السماءِ وهي دُخانٌ، يعني بخارَ الماءِ، وقولُه: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54]: استولى على الملك.
وقال قومٌ بعد صرفهِ عن الوجهِ الأولِ: لا ندري ما معناهُ في حقِ. الله تعظيماً لأمرِ الله وشأنهِ عن التأويلِ، خوفاً من مزلةِ قدمٍ، كما نزهوُه عن التشبيهِ، ولهم في ذلك أئمة من السلفِ كأبي بكرٍ الصديقِ وعمرَ بن الخطاب، هذا يقول عندَ سؤالهِ عن الكلالةِ: أي سماءٍ تظلني وأي أرض تقلُّنيَ إذا قلتُ في كتابِ الله برأي (1)، وتأويلُ الكلالةِ غايتهُ
__________
(1) يظهرُ أن ابن عقيل قد دمجَ بينَ أثرين وردا عن أبي بكر رضي الله عنه، من غيرِ مراعاةٍ للموضع الذي ورد فيه الأثر، ذلك أن قولَه: "أيُّ سماءٍ تظلني، وأي أرض تُقلني" لم يرد في تفسيرِه لمعنى الكلالة، بل الذي وردَ في الكلالةِ منسوباً إلى أبي بكر يفيدُ مشروعيه التفسير بالرأي، وذلك ما حدَّث به الشَّعبي قال: سئل أبو بكر رضي الله عنه عن الكلالة، فقال: إني سأقولُ فيها برأيي، فإن يكُ صواباً فمن الله، وإن يك خطأ، فمني ومن الشيطان، أراه ما خلا الولدَ والوالدَ. فلما استُخلفَ عمرُ رضي الله عنه، قال: إني لأستحي الله، أن أرد شيثأ قاله أبو بكر. =
(2/380)

خطأ من وارثٍ إلى غير وارثٍ.
وعمرُ يقولُ: هذه الفاكهةُ، فما الأب؛ ثم يستغفرُ الله ويقولُ: ماذا عليكَ يا ابنَ الخطاب؟ (1).
فالتحرّجُ عن التأويلِ مذهب، والإقدام على نفي التشبيهِ كلُّ المذهبِ، وأما قولُه: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ} [يس: 30]، فراجعٌ إلى حسرتهم على أنفسِهم، يُصدقُه قولُه: {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} [الزمر: 56] يعني في حقِّ الله. {فَخَشِينَا} [الكهف: 80] يرجع إلى الخضرِ، وأنهُ لما اطلعَ على ما يكونُ منه، خشيَ أن يبلغَ فيكفرَ ويُكفِّرَ أبويه.
وقولُه: {آسَفُونَا} [الزخرف: 55] يرجعُ إلى موسى، بدليلِ قولهِ: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا} [الأعراف: 150] وهو النهايةُ في الغضبِ، وأبداً يضيفُ الباري إضافةً، ظاهرُها أنها إليه بنونِ العظمةِ وغيرِها، ويريدُ به الإِضافةَ إلى خلقهِ، كقوله: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ} [البقرة: 245]، والمرادُ بهِ فقراءُ عبادِ الله.
وقولُه: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ} [الأحزاب: 57] والمرادُ به أنبياءُ الله وأولياءُ اللهِ، وهذا لغةُ العرب ودأبُهم في حذفِ المضافِ، وإقامةِ
__________
= أخرجه عبد الرزاق 10/ 354 (19191)، والدارمي 2/ 264، وابن جرير (8745) و (8746) و (8747)، والبيهقي 6/ 223 و 224.
وأما قوله: "أي سماءٍ تُظلني وأي أرض تقلني" فذكره ابن عبد البر منسوباً إلى أبي بكر رضي الله عنه، كما ذكره منسوباً إلى علي رضي الله عنه. انظر "جامع بيان العلم وفضله"2/ 64.
(1) أخرجه الطبري في التفسير 30/ 38، والحاكم في المستدرك 2/ 514.
(2/381)

المضافِ إليهِ مقامهُ.
وقولهُ: {وَرُوحٌ مِنْهُ} [النساء: 171] روحُ ملك، وإضافةُ تجميلٍ وتقريبٍ كقو لِه في الكعبةِ: {بَيْتِيَ} [البقرة: 125]، وتسميته روحَ آدم: {رُوحِي} [الحجر: 29]، لا أن البَيت مسكنهُ، ولا الروُح صفتهُ، لكن خلقهُ، وبجَّلَهما بالإضافةِ إليه، وكفى بذلك تعظيماً وتشريفاً.
وأما قولُه: {لِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39)} [طه: 39]: على مرأى منّي بدليلِ قولِه: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46)} [طه: 46].
والحروفُ المقطعةُ؛ فقد فسرَها قومٌ بالاشتقاقِ، كالكافِ من كافي، والهاء من هادي (1).
وقال قومٌ: لا يعلمُ تأويلُها إلا الله (2)، كما قالتْ جماعةٌ من أهلِ السُّنةِ في التشابهِ بينَ الأفعال والإضافاتِ.
وليس في آياتِ الأَحكامِ اشتباهٌ يُعْجِمُ على العلماءِ بحيثُ يمنع الحكمَ والعملَ، إذ ليسَ المقصودُ بآياتِ الأحكامِ إلا الأعمال. وأما آياتُ الاعتقادِ، فإنه يجوزُ أن يكونَ أحدُ أقسامِ التكليفِ فيها التسليمَ للهِ، ورَدَّ معناها إليه، وهو الأشبهُ بقولِه: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 7] أنه سَلْبٌ للعلماءِ الراسخين عِلْمَ تأويلِ المتشابه، لأنَه قال: {يَقُولُونَ آمَنَّا} [آل عمران: 7] ولم يعْطِفْ إيمانَهم بالواوِ، ولو كانوا علموا، لعطفوا إيمانَهم على علمِهم بواوِ العطف، وقوله: {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7]، توطئةٌ للقلوب على تسليم المتشابهِ لمن جاءَ من عندِه المحكمُ. وإنّما يتجاذَبُ المختلَفون من أهلِ الاجتهادِ المعانِي بحسب ما حظي كلٌ منهم مِن الفهمِ، فهذا يحملُ الآيةَ على ما أرادهُ اللهُ منها بالحجةِ،
__________
(1) انظر "الإتقان" للسيوطي 2/ 24 - 27.
(2) انظر "البرهان" للزركشي 1/ 173، و"الإتقان" 2/ 24 والصفحة 169 من الجزء الأول.
(2/382)

وهذا يصْرِفُهُ إلى غيرِ الحق بالشُّبهةِ، وللمصيب أجرُ الاجتهادِ وأجرُ الإصابةِ، وللمخطِىءِ أجرُ الاجتهادِ، ولا مأثَمَ علَيه في الخطأ، وهذا فرضُ المجتهدين في المتشابهِ في آي الأحْكامِ.
(2/383)

فصل
في تقديمِ ذكرِ الحقيقةِ قبلَ المجازِ
واعلمْ أنَّ قولَ القائلِ: حقيقة، ينصرفُ إلى حد الشيءِ، نقول: ما حقيقةُ العالَمِ، وما حَد العالَمِ، وما حقيقةُ الجسمِ، وما حَد الجسمِ؛ فتبْدل الحقيقة بالحد، ويتحدُ الجوابُ عنهما بذكرِ خَصِيْصَةِ المسؤولِ عنهُ.
فأمَّا الحقيقةُ في الكلامِ: فهي عبارة عن قول اسْتُعْمِلَ فيما وُضِعَ له في الأصلَ.
وأما المجازُ: فهو استعمالُ الكلامِ أو القولِ في غيرِ ما وضعِ لة.
وتنفصلُ حقيقةُ الشيء التي هي حده عن حقيقةِ القولِ، بأن حقيقةَ الشيءِ لا نقيضَ لها ولامجازَ فيها، وحقيقةُ القولِ لها نقيضٌ من المجازِ، وهو مشتق من المجاوزةِ به إلى غيرهِ، من قولك: جزْتُ النَهْرَ والساقِيةَ. إذا تجاوزتَه، فهذا معنى الحقيقةِ والمجازِ.

فصلٌ
في أنواعِ المجازِ وأعيانهِ
وهو منقسمٌ إلى: زيادةٍ، إذا حُذفتْ ظَهرتْ مِن الكلامِ حقيقتة،
(2/384)

كقولِه سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، الكافُ زائدة، والمرادُ بهِ ليسَ مثلَه شيء، وإذا انحذفتِ الكافُ ظهرت الحقيقةُ.
وإلى نُقْصَانٍ، وذلك مثلُ قولِه: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82]، ومعناه: سلْ أَهْلَ، فحذفَ أهلَها، المراد سؤالهم، وأقامَ القريةَ وكذلك قولُه تعالى: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ} [البقرة: 93]، وحَذَفَ حُبَّ العِجْلِ، ولو ذكرَ حُبَّ العجلِ لكان هو الحقيقةَ.
وإلى استعارةٍ بضربِ من القياسِ؛ كقولِهم في، الرجلِ البَليدِ: حمارٌ، لنوع مُشابهةٍ في اَلبَلادَةِ، وفي الكريمِ والعالِمِ: بحرٌ، لضربٍ من المُشاكَلةِ في الفَيْضِ.
ومنه تسميتُهم الشيءَ بما يَؤولُ إليه، واستبقاءُ اسمِ الشيءِ لما كانَ عليه، كقولِهم في المَولودِ: يَهْنيْكَ الفارسُ، تفاؤلًا بأن يكونَ فارساً، وقد قالَ سبحانه: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} [يوسف: 36]، ويريدُ به ما يصيرُ خَمراً وإِنما يَعصُر عصيراً، وقولُه: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30)} [الزمر: 30]، والمرادُ به ستموتُ وَيمُوتونَ.
ومن أقسامهِ أيضاً: تسميةُ الشيءِ بضدِّهِ تفاؤلًا، مثل قولهم في الطَريقِ المَخُوفِ: مَفَازَةً، وفي اللَّسيعِ واللَّديغِ: سليم.
(2/385)

فصل (1)
وقد نص أحمدُ -رضي الله عنهُ- على كَوْنِ بعضِ القُرآنِ مَجازاً، فقال في قولِه: {إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15)} [الشعراء: 15]: هذا في مجازِ اللُغَةِ، فقد أعطى هذا القولُ منه تأويلَ ما أضافه إلى نفسِهِ سبحانه من كونه مع خلقِه، وأَنّه بعلمهِ لا بذاتِه، وقال أيضاً في قوله: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7]: بعلمه، وهذا يُعطي التأويلَ والمجازَ.
وقد تعاطى قومٌ من الرَّافِضَةِ وأَهلِ الظَّاهرِ تنزيهَ القرآنِ من المجازِ، وزعموا أَنَ جميعهَ حقيقةٌ، وأَن الذينَ ذهبوا إلى القولِ بالمجازِ ضاقتْ عليهم طُرُقُ الحقيقةِ، وخفِيتْ عليهم الحقائقُ لجَهْلِهِم بها، وأَخذوا في بيانِ كلِّ آيةٍ وأنها حقيقةٌ مع عدمِ حذفِ التقديرِ، وعدمِ حذفِ الزيادة والنُّقصانِ، وأَخذوا في إعطاءِ كلِّ آيةٍ حقيقتَها، وذهبَ إليه بعضُ أَصحابنا، فقالوا: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} لا تحتاجُ أَنْ تُحْمَلَ على أهلِها، بل القريةُ في الأَصلِ هو المجمعُ مِن الناسِ، لأَنَّ الِإقراءَ، والاقتراءَ والقروءَ والقراءةَ والقرآنَ كلُّ ذلك اسمٌ للجمع، تقولُ العرب: مَا قَرَأتِ النَاقَةُ سَلاً قطُّ، يريدون مَا جمعتْ في رحمها جنيناً قط، وقَرَأتُ الماءَ في الحَوضِ، يريدُ به جمعته، و {فَإذَا قَرَأْنَاهُ} [القيامة: 18] جَمَعْناهُ، فإذا ثبتَ هذا كانت القريةُ مَجْمَعَ النَّاسِ، والسؤالُ لجماعةِ النَّاسِ سؤال لحقيقةٍ هي القريةُ، فأَمَّا أَنْ يكونَ المرادُ بالقريةِ الجدارَ، ويُحملُ السؤالُ على أهلِ ذلك الجدارِ، فلا.
وقولُه: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ وهو أَنَ العجلَ حَرقَهُ ونَسَفَهُ موسى في اليمِّ نَسْفَاً، فكان عُبادُهُ يأخذونَ سُحَالَة (2) العجلِ مع الماءِ
__________
(1) انظر "العدة" 3/ 695، و"التمهيد" لأبي الخطاب 1/ 80.
(2) ما سقط من الذهبِ والفضةِ إذا بُرِدَ، انظر "لسان العرب": (سَحَل).
(2/386)

فيشربُونها، ويقولون: إنَ هذا أحبُ إلينا من موسى وإلههِ، كذا وردَ في التفسير (1).
وقولُه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] فالمرادُ بالمثلِ هاهنا هو مثلُ قولهِ: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ} [محمد: 15]، وسَاقَ ذكرَها، وكأنَّ ما ذكرهُ منها هو نعتُها، كأنَّه يقولُ: ليس كنعتهِ وصِفتهِ شيءٌ.
وقولُهْ {لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ} [الحج: 40]، ليسَ المرادُ به مواضعَ الصلواتِ، لكنَّ الهياكلَ التي يُصلون فيها تُسمى صلوات، فهي اسم مشتركٌ بين الفِعلِ والمسجدِ، واعتلّوا لهذه المَقالةِ بأَن المجازَ لا يَسلكُهُ أهلُ اللُغةِ إلا ضرورةً وحاجةً منهم إلى الاستعارةِ والحذفِ والزيادة، والباري ليس بمحتاجٍ.
قالوا: ولو تَكلَّم بالمجازِ، لجازَ أَنْ يُسمَّى مُتَجوِّزَاً، وقد أجمعنا على أَئه لا يجوزُ تسميتُه بذلك، فدلَّ علي أنه لا يجوزُ عليه التكلم بالمجازِ.
قالوا: ولأَنَّه لما لم يَجُزْ أَن يتكلم بغيرِ الحقِ، بل كان كلامهُ كلهُ حقاً، وجَبَ أَنْ لا يتكلمَ بالمجازِ ويكونَ كلامه كلهُ حقيقةً، ولا فرقَ عند العقلاءِ بَيْنَ قولِ القائل: ليس هذا الكلامُ حقاً. وبينَ قوله: ليس هذا الكلامُ حقيقةً. فيقولُ العالِمُ من أهلِ اللغةِ، في استثباتِ الكلامِ الذي يَسمَعهُ من غيرهِ: أحقاً تقولُ؟ كما يقولُ: أحقيقةً تقول؟.

فصل
يتضمنُ الدلالةَ على ما ذكرنا، وهو ردٌّ لجميعِ ما ذكروا، وكلام عليه
__________
(1) "تفسير القرطبي" 2/ 32، "تفسير ابن كثير" 1/ 126.
(2/387)

لا يجدون عنه محيصاً، وايرادُه على وجهٍ لا يمكنُ التعرضُ بسؤال ولا إلزام ولا مقابلةٍ تنفعهُم.
فنقولُ: لو أنَكم تكلمتمْ على كلُّ آيةٍ ذكرهَا الموافِقُون لَنا، حتى تبقى معنا آيةٌ واحدةٌ تعطي المجازَ، لا نطلب مقالتَكم، لأنَ مقالتكم تتضمن النفيَ، فأدنى إثباتٍ يبطل نفيكُم، وقد قالَ تعالى: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} [الكهف: 77] فهل تتحقق للجدارِ إرادةٌ؟ فِمنْ قولِكم: لا، لم يبقَ إِلا أنَّ تقديرَه: فوجدَا فيهاجدارَاً مائِلًا كأنه المرِيْدُ من الحيوانِ للانقضاضِ.
وقوله: {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ} [مريم: 34] ,
وعيسى ليس بقولٍ حقيقة، بل هو شخصٌ لحمٌ ودمٌ وأعصابٌ وعروقٌ، وكلام الحقِّ إما حروفٌ وأصواتٌ، كما قال بعضُ المثبتين، وبعضُهم يقول: صفةٌ في النَفسِ، وبعضُهم يقول: أصواتٌ محْدَثَةٌ، ولا أحدَ قال: إنَ كلمةَ اللهِ لحمٌ ودمٌ وعظامٌ.
وقوله لمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - وهو حيٌّ ناطقٌ: {إِنَّكَ مَيِّتٌ} وأصحابُه أحياءٌ {وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر:30] وإِنَّما أرادَ به: ستموتُ. وقال سبحانَه: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} [القصص: 8] والذي أَخبر به عنهم حال التِقاطِهِ أنْ قالوا: {عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا} [القصص: 9] لكنَّ اللامَ هاهنا كانت لامَ عاقبةٍ كقولِ العرب (1): ولِلْمَوتِ ما تَلِدُ الوالِدَه.
__________
(1) هو من أبيات أوردها ابن الأعرابي في (نوادره) لنهيك بن الحارثِ المازني، من مازن فزارة، وتمام البيت: =
(2/388)

وقالوا:
له مَلَكٌ يُنادِي كُل يَوْمٍ ... لِدُوا لِلمَوْتِ وابنُوا لِلخَرابِ (2)
ومعلومٌ أَنَّ المُرادَ به العاقبةُ، لا أَنّهم يلدونَ للموتِ ويبنونَ للخَراب، لكنهم لَما ولَدُوا مَنْ يَموتُ وبَنوا ما يَخْرُبُ، سُمُوا بذلك في الحال لتحققهِ في مُستقبلِ الحالِ.
فلو سَلِمَ لكم ما ادعَيْتم في تلك الآيات، ثَبَتَ لنا ما نُريدُ من إِثباتِ المجَار بهذه الآياتِ، وانعدمَ مذهبُكم، لأَنَ وجودَ ذلك في كتاب الله سبحانَه، ولَو في آيةٍ واحدةٍ، يبطلُ به مذهبكم لأنكم تدّعونَ النفيَ على الإطلاقِ.
على أنَا لا نتركُ ما ذكرتُموه على الآياتِ بل نُبطلُه بعونِ الله:
فأمَّا قولُكم: القريةُ مجمعُ النَاسِ وجمعُهم. فإن كانَ هذا هو الأصلَ فنُحاجُّكم بقولهِ: {حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا} [الكهف: 77]، فتراه أراد به: حتى إِذا أتَيَا جمعاً مَن النَاسِ استطعما أهلَ ذلك الجَمْعِ، وهل للجمعِ أهل؟ وذِكْرُ الأهْلِ مرتين يدلُّ على أنَّ المرادَ بالقريةِ البُنْيَانُ الذي يسكُنهُ الجَمْعُ، لذلك قال: أهلَها.
وأمَّا قولُهم: وأشرِبوا في قلوبِهم عينَ العجلِ وبُرادتهِ، فَهَبْ أنَّ البُرادَةَ تبِعتِ الماءَ فشرِبُوه، أوَصَلَ العِجلُ إلى قلوبِهم عجلاً أم تكونُ
__________
= فإن يكن القتل أفناهمُ ... فللموتِ ما تلدُ الوالده
ونَسبه المفضَّل بن سلمة (في كتاب الفاخر)، لشُتَيم بن خويلد الفزاري.
انظر "خزانة الأدب" 9/ 533.
(2) تستشهد به كتبُ الترغيب والترهيب، دون أن تنسبه لقائل معيَّن.
(2/389)

برداة ذهبٍ كان عجلأَ، فتفرقتْ صورتُه عجلاً؟
فإنْ قالوا: نعم. تجاهلُوا.
وإِنْ قالوا: لا. قيل: فقد صارَ تقديرهُ، وأُشْرِبُوا في قلوبهم أجزاءَ ذهبٍ كان عجلاً، وهل وصلتْ بُرادتهُ إلى حبّاتِ قلوبِهم؟، وهل تصلُ سُحالةُ الحُلي إلى القلوبِ مباشرةً أو استحالةً، مع كونِ الذهبِ لا يستحيلُ كاستحالةِ الطعامِ, فيصلُ إِلى القلوبِ وصولَ المستحيلاتِ مِن الأغذيةِ، بل يَرْسبُ في المعدةِ، وهل يقالُ في عينِ الشيء: مثلُه إِلا مجازاً؟!
وقولكم: المرادُ بمثلهِ هو. فهذا عينُ المجازِ، إِنْ قُدِّرَ في قولِه سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْله شَيْءٌ} ولأَنَّه لَيْسَ المِثْلُ من المِثْلِ بشيءٍ، لأن المِثلَ الشَّبَهُ، والشَّبهُ غيرُ، والمِثْلُ النَّعْتُ، وقولُه: {مثَلُ الجَنَّةِ} ليس مِن بابِ، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيْءٌ}، فهذا قدرُ مَا سَمِعْتهُ منهم في المناظرةِ.
وأَمَّا تعلقهم بأَن المجازَ مِن ضَرورةِ اللَّفظِ، والباري سبحانه لا تتَطَرَّقُ عليهِ الضرورةُ، فهذا كلامٌ ضعيفٌ جداً، ولأن العربَ تتعمدهُ لتحسنَ كلامَها وتزينَ به حقائقَ الكلامِ، وتَعُده من القُدرةِ على النطقِ، ويَعُدونَ المقتصر على الحقائقِ مِن غيرِ توسعٍ، ضيِّقَ العبارةِ قصيرَ اللسانِ، والقرآنُ نزلَ بلغتهِم فجاءَ بطريقتهم.
ولأَنَّ الموضوعاتِ في الأصلِ كلها منا حاجاتٌ أو ضروراتٌ، وليستْ مِن الله سبحانه كذلك، فِمن ذلك الكلامُ نفسهُ على قولِ مَن أَثْبَتَه حرفاً وصوتاً (1)،
__________
(1) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" 12/ 244: "إن الله تعالى يتكلم بصوت كما جاءت به الأحاديث الصحاح، وليس ذلك كأصوات العباد، فإن الله ليس كمثله شيء، فكما لا يشبه علمه وقدرته وحياته علمَ المخلوق وقدرتَه وحياتَه، فكذلك لا يشبه كلامه كلام المخلوف ولا معانيه تشبه معانيه، ولا حروفه تشبه حروفه، ولا صوت الرب يشبه صوت العبد".
(2/390)

والخِطابُ عند مَن جعلَ الكلامَ في النَّفسِ (1) ما وقَعَ ولا استُعملَ في حق المخلوقين إلا ضرورةً وحاجة لفهمِ ما في نفوسِهم، وتفهيمِ المُخَاطَبِ بأَغراضِهم، حتى لو أَمْكنَهم إيصالُ الأغراضِ بغير خِطابٍ لأوصلوا، ولذلك إذا تعذرَ الخطابُ عليهم عَدَلوا إلى المكاتبةِ بالخطِ، ثم إِنّ الله سُبحانَه خاطبَ، ولم يكُ خطابهُ على وجهِ الحاجةِ، فهذا على أصلِ قولهم في المجازِ: إِنَّه حاجةٌ مِنَّا وضرورةٌ.
وأمَّا قولُهم: إِنَّ الحقيقةَ حقٌ أو كالحق، والمجازُ ضِد الحقيقةِ أو نقيضها، واللهُ سبحانَه لا يتكلمُ بغيرِ الحقيقةِ. ليس بكلامٍ صحيِح، لأَنَّ الحق مِن الكلامِ صدقهُ وموافقتهُ للعدلِ والجائز، وأَنْ لا يكون باطلاً.
والحقيقةُ هي الموضوعُ، فيما وُضِعَ له في الأَصلِ وإِنْ كان باطلاً، ألا ترى أَن قول القائلِ مقالة النَّصارى، وكل باطلٍ قالَه مُبْطِل، هو حقيقةٌ فيما وُضِعَ له مِن الباطلِ، وليس بحقٍ، فالكاذبُ والكافرُ غيرُ محِقين فيما قالاه، بل مبطلان، لكن ليس قولُهما إلا الموضوعَ في أصلِ اللغةِ للباطلِ، ولذلك لا تَعُدُّ العربُ من قال في البليدِ: حمارٌ، وفي اللسيعِ: سليمٌ. كذَّاباً، ولا يقال لمن قال في الكريمِ: رأيتُ بحراً: كذبتَ، ويقالُ لمن قال: ليس زيدٌ في الدارِ وهو فيها: كذبتَ، وإِن كان نفيُ كونه في الدارِ، ليس بأكبرَ من تسميتِه بالماءِ الكثيرِ الغامرِ، وذلكَ ليس هو في الحقيقةِ، وما الحقُّ والحقيقةُ إلا كالتزويرِ والاستعارةِ، ومعلومٌ أن المُزَوِّرَ على خطِ غيره، والمتشبِّهَ به في أخذِ مالا يستحقهُ مذمومٌ، والمستعيرُ للأسماءِ واللُغاتِ ليسَ بمذمومٍ، ما هذا إلا لأَنّ هذا لغةٌ تستعملُ، وليس هذا مستعملاً.
__________
(1) المتفلسفة يزعمون أن كلام الله ليس له وجود إلا في نفوس الأنبياء، تفيض عليهم المعاني من العقل الفعال، فيصير في نفوسهم حروفاً وهو زعمٌ باطل. انظر "مجموع الفتاوى" 2/ 244.
(2/391)

وكذلك الرَّامي، إذا أصابَ بِنْتَه أو أَباهُ، لم يكن مُصيباً في موافقةِ الحقِّ بل مخطِئاً غايةَ الخطأ، مرتكباً أكبرَ الحرامِ، وهو مصيبٌ في باب الرمايةِ وبحكمِ الرُّماةِ، فكذلكَ الكذبُ. وتركُ الحقِ كتركِ مقتضَى الشرع في رمي الأب، والتوسعِ الذي هو موضوعُ صناعةِ الكلامِ، كالِإصَابةِ في الرمي، فبانَ تباعدُ ما بينهما.

فصل
واعلمْ أنَّ كلُّ مجازٍ فلا بُدَّ لهُ من حقيقةٍ، لأنَّ قولَنا: مجازٌ، مثلُ قولِنا: استعارةٌ، ولا بُدَّ للاستعارةِ من مستعارٍ منه، ولا بدّ للمغيرِ من مغيرٍ عليهِ ومُغَير عنهُ، كما لابدَّ للمقيسِ من مقيس عليه، ولابد للمشبهِ من مشبهٍ بهِ.
فلو لم يكنْ لنا بحر هو الحقيقةُ، وهو الماءُ الغامرُ الكثيرُ، لمَا كانَ لنا ما يُسمى بحراً بنوعِ عِلْمٍ أوجُودٍ أو سرعةٍ في سعي، ولو لم يكنْ لنا حيوانٌ هو أسد له اسمُ الأسدِ حقيقةً، لمَا أمكننا أن نتَجوَّزَ في الرجلِ المِقْدَامِ في الحربِ باسمِ أسدٍ.

فصل
فأمَّا الحقيقةُ فلا تفتقرُ إلى مجازٍ، بل لنا حقائقُ مستقلةٌ لايستفادُ منها ولايتجوزُ فيها، وهي ضربان من الأسماءِ:
وهي الأسماءُ العامةُ التي لا عمومَ فوقَها بل هي أعمُ العموم، مثلَ قولنا: معلومٌ ومجهولٌ، مظنونٌ ومسهوٌّ عنهُ، ومشكوكٌ فيهِ ومدلولٌ عليه، ومُخبَر عنهُ ومذكورٌ، فهو أوْقَعُ على المعدوم والموجودِ والقديم والمُحْدَثِ، فليسَ شيءٌ إلا ويَصِحُّ كونهُ معلوماً ومنَكوراً مخْبَراً، حتى
(2/392)

ما ليس بشيءٍ وهو المعدومُ، فلا يبقى شيء يقعُ عليه هذا الاسمُ استعارةً ومجازاً، وِإنَما يُتجوز بما تحتهُ مِن الأسماءِ، التي ليستْ أعمَّ العمومِ لوقوعِها على بعض المُسمياتِ، فيُستعارُ بمسمى آخرَ.
والضربُ الآخرُ من الأسماءِ: أسماءُ الأعلامِ نحو قولِنا: زيدٌ وعمرو، لأنه اسم موضوع للفرقِ بين الأشخاصِ، لا للفرقِ في الصفاتِ، وإفادة معنى في المسمَّى، حتى إذا أجْريَ على من ليستْ له تلك الصفاتِ قيل: مجاز، نحو قولنا: ضاربٌ وظالمٌ، إذا أُجْرِيَ على من لا ضَرْبَ له ولا ظُلْمَ قيل: إنه مجازٌ، ولا يكون كذباً، وإذا قلنا في زيد: إنه عَمْرٌو كان كذباً، ولم يكن مجازاً، لأنا أوقعنا التسمية على محلٍّ لم تُوقعْ عليهِ بحالٍ، ولا فيهِ ما يُستعارُ إذ لم يُوضعْ لمعنى فيُستعارُ لهُ بوجودِ ذلك المعنى، بخلافِ البلادةِ في الحمارِ المستعارةِ للرجلِ البليدِ، فيحصلُ إيقاعُ اسم زيدٍ على عمروٍ، واسمِ عمروٍ على زيدٍ كذباً، وإشكالًا يزيلُ المقصود الذي وُضِعَ له، وهو الفرقُ.
قالوا: وقد يجوزُ في موضعٍ أن يُتجوزَ بالاسمِ العلمِ، ويستعارَ بما عُرِفَ بهِ صاحبهُ من خصيصةٍ يَشْتَهِرُ فيها، ويصيرُ بها كالحيوانِ الموضوعِ له الاسمُ لمعناه وخصيصتِه، وهذا كقولِنا: سيبويه (1)، صار
__________
(1) هو أبو بشر، عمرو بن عثمان بن قُنبر الفارسي ثم البصري، الملقب بسيبويه، إمامُ النحو وحجةُ العرب، وأولُ من بسط علمَ النحو، لزمَ الخليلَ ابن أحمد، وحضرَ مجلسَ أبي زيدٍ الأنصاري، وصنفَ كتابه المسمّى "كتاب سيبويه" في النحو، توفي سنة (180) ه، وقيل غير ذلك.
وانظر ترجمته: "طبقات النحويين" 66 - 74، و"تاريخ بغداد" 12/ 195، و "نفح الطيب" 2/ 387، و"سير أعلام النبلاء" 8/ 311 - 312.
(2/393)

مشهوراً في النحوِ، وعلي صار مشهوراً في الإِقدامِ والضربِ والطعنِ والثباتِ في الحربِ، وسَحْبَانُ (1) المشهورُ في الفصاحةِ، وباقلٌ (2) المشهورُ بالفَهاهة (3)، وحاتمٌ المشهورُ بالسخاوةِ، وأبو حنيفه (4) بالفقهِ، وجالينوس (5) بالطب.
__________
(1) هو سَحبانُ بن زُفَر بن إياس الوائلي، من باهلةَ، خطيبٌ يضربُ به المثلُ في البيانِ، يقال: أخطبُ من سحبان، وأفصح من سحبان.
انظر: "تهذيب تاريخ دمشق" 6/ 67، و"خزانة الأدب" 10/ 371 "الأعلام" 3/ 79.
(2) هو باقلُ الِإيادي، انظر الصفحة (139).
(3) الفَهاهة: العِي والحمق. "اللسان": "فهه".
(4) هو أبو حنيفة، النعمانُ بن ثابت بن زوطى التيمي الكوفي، فقيهُ الملةِ وإمامُ العراق، وأحدُ الأَئمةِ الأَربعة عند أهل السنّة، روى عن عطاء بن أبي رباح، وعن الشعبي، ونافع مولى ابن عمر، وتفقّه على حماد بن سليمان، والأخبار كثيرة في فقهه، وورعه، توفي سنة (150) ه وله سبعون سنة.
انظر ترجمته: "تاريخ بغداد" 13/ 323، "وفيات الأعيان" 10/ 419 - 423، و"تهذيب الكمال" 1417،1414، و"تهذيب التهذيب" 10/ 449 - 452، و "سير أعلام النبلاء" 6/ 390 - 403.
(5) طبيبٌ يوناني، ليسَ يدانيه أحدٌ في صناعةِ الطِّب، صنَف في ذلك كتباً كثيرة، كشفَ فيها عن مكنون هذه الصناعة، ولم يجىء بعده من الأطباءِ إلا من هو دونه، كانت مدة حياته سبعاً وثمانين سنة. انظر "عيون الأنباء في طبقات الأطباء" لابن أبي أصيبعة 1/ 108.
(2/394)

فصارَ الناسُ يستعيرونَ للنحوي المُجَودِ اسمَ سيبويه، فيقولونَ، هذا سيبويهُ زمانِه، وللشجاع: هذا عليٌ، وللجوادِ: هذا حاتمُ طَيىءٍ، وللعيّي: هذا باقلٌ، وللفقيهِ: هذا أبو حنيفةَ زمانه، وللطبيبِ: هذا جالينوسُ زمانِه، كما استعاروا أسماءَ الحيوانات لخصائِصها ومعانيها لِمَنْ وُجِدَ في حقِّه ما يُدانيها من أوصافِها وخصائصها، وهذا الضربُ كاَنَّه قياسٌ على الوضعِ اللغوي بالمعنى الذي سَلكه أهلُ اللغةِ.

فصلٌ
في الفرقِ بينَ الحقيقةِ والمجاز
اعلم أن طريقَ العلمِ بذلك عدةُ أمورٍ:
أحدُها: أنَّ الحقيقةَ من الكلام جارٍ في جميع ما وُضِعَ لإفادتهِ نحوُ قولكِ: ضاربٌ وعالمٌ وقادرٌ، الوَاقعُ على كلُّ من لْه ضربٌ وعِلمٌ وقُدْرَةٌ.
وكذلك قولُك: إنسانٌ وفرسٌ. المفيدُ للصورةِ المخصوصةِ، تابعٌ أبداً لها أينما وُجِدَتْ مِن غيرِ تخصيص، وإلاَ بطلت دلالةُ الكلامِ وانتقضتْ المواضعةُ.
فأمَّا المجازُ فمقصورٌ على موضعهِ لا يقاسُ، فلا يقالُ: سل البساطَ والسريرَ، قياساً على قولِهم: سل الربْعَ القريةَ والعيرَ.
والثاني: أنْ يكونَ ما جرى عليه الاسمُ حقيقةً يُسْتَحَق منه الاشتقاق، فإذا امتنعَ الاشتقاق منه عُلِم أنه مجازٌ، نحو تسميةِ الفعلِ والحالِ والشأنِ أمراً على وجهِ المجازِ، والأمرُ على الحقيقةِ بالشيءِ
(2/395)

إنَّما هو نقيضُ النهي عنهُ، وهو اقتضاءُ الفعلِ بالقولِ من الأعلى للأدنى، وُيشْتَقُّ منه اسمُ أمرٍ، ولا يُشتقُ من القيام والقعودِ اسمُ أمرٍ، ولا مِن شيء من الأفعال، فوجبَ أن يكونَ تسمية الحال والشأنِ أمراً واقعاً عليه مجازاً، واتساعاً لا حقيقةً، ومنهُ قولُه تعالى: {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} [هود: 97] وقوله: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا} [هود: 40] وكيف أمَرُ فلانٍ؟ يعنونَ حاله.
والثالثُ: افتراقُهما في الجمعِ، فيقالُ لجمع الأمرِ الذي هو الشأنُ والحالُ: أمورٌ، ويُقال في جمع الأمرِ الذي نقيضُ النهي: أوامرُ، فيقال في الحال أو الشأنِ: كيفَ أُمُور فلان؟ ولا يقال: كيف أوامرهُ؟ فيقال: صالحةٌ. ويقال في أمرِ الاقتضاءِ: كيف أوامرهُ؟ فيقال: سديدةٌ حازمةٌ.
والرابعُ: أن يكونَ ما جرى عليهِ الاسمُ حقيقةً، يتعلقُ بغيرِه وما يجري مجرى العزْلَةِ، كالعلمِ والقدرةِ، والأمرِ الذي لكلِّ شيء منه تَعلُّقٌ بمعلومٍ ومقدور ومأمورٍ به، وذلك اتفاق، فإذا سمَّى ما لا تعلقَ له، بأنَّه علمٌ وقدرةٌ وأمرٌ كان ذلك مجازاً، ومنهُ قولُهم في الأمرِ العجيبِ الخارقِ للعاده، كالمطرِ والجرادِ والرياحِ العاصفةِ والزلازل: هذا مِن [أمرِ] اللهِ وعلمِ اللهِ وقدرةِ الله، وإنَما يعنونَ به معلومَهُ ومقدورَه ومأمورَه وفعلَه.
(2/396)

فصلٌ
في القول في إثبات الأسماء بالقياس
اختلفَ الفقهاءُ والأصوليون في ذلك:
فذهب أصحابُنا إلى جوازِه (1)، وهو ظاهر مذهبِ أحمدَ حيثُ جعل النَّبِّاشَ سَارقاً، والنبيذَ خمراً، وجعل اللِّواطَ زنىً، وسمَّى اللائطَ زانياً.
قيلَ لأحمدَ: كلُّ نبيذ غَيَّرَ العقلَ فهو خمرٌ؟ قال: نعم. وبهذا قالَ أكثُر أصحابِ الشافعي (2).
وقالَ أصحابُ أبي حنيفة وكثيرٌ من المتكلمينَ وبعضُ أصحابِ الشافعي: لا يجوزُ إثباتُها قياساً، وهو مذهبُ القاضي أبي بكر الباقلاني وجماعةٍ من المتأخرين (3).
__________
(1) انظر ذلك في "العدة" 4/ 136، و"التمهيد" 3/ 454، و"المسودة" ص (394)، و"شرح مختصر الروضة" 1/ 476 و"شرح الكوكب المنير" 1/ 223.
(2) ممن قال بذلك من أصحاب الشافعي: أبو إسحاق الشيرازي، وابن سريج، وابن أبي هريرة، والإسفراييني والرازي.
انظر "التبصرة" ص (444)،"المحصول" 5/ 311 - 312، و"البحر المحيط" 5/ 130.
(3) وهو اختيارُ الجويني، والغزالي، والآمدي، وابن الحاجب، انظر "البرهان" 1/ 172، و"المستصفى" 1/ 331. و"الإحكام" 1/ 87. وانظر قولَ الحنفيةِ في منع إثبات الأسماء بالقياس: "أُصول السرخسي" 1/ 156، و"مسلم الثبوت" 1/ 185.
(2/397)

فهذا مِن طريقِ الجملةِ، ولا يُسْتَغنى عن ذكرِ تفاصيل الأسماءِ قبل إيرادِ الحجاجِ في إثبات ما يثبتُ منها قياساً. فنقولُ وبالله التوفيق.
الأسماءُ على ضربن:
فضرب منها: أسماءُ أعلامٍ مَحْضة، وألقابٌ وضعتْ للفرقِ بيْنَ الذواتِ والأشخاصِ، دونَ إفادةِ المعاني والصفاتِ، وهي مثلُ قولكَ:
زيدٌ وعَمْرٌو. وكلُ اسمٍ لا يُفيدُ معنى ولا صفةً في المسمى، فهذا الضربُ مما أجمعوا على أنَه لا يَدْخُلُه القياسُ، فلو وضَعُوا زيداً لرجلٍ طويلٍ، وعمراً لرجلٍ قصيرٍ، لم يَجُزْ أن نُسمِّيَ رجلًا آخرطويلًا بزيدٍ لطوله، لأنَّ الاسمَ لم يُوضَعْ على ذلك زيد لطولِه، ولا لصفةٍ فيه أصلاً، وكذلك لا نقيسُ رجلًا قصيراً على عمروٍ القصير فنسميه عمراً.
الضربُ الآخر: مفيدٌ للفرقِ في هذه الصفة، نحو قولِنا: قَاتِلٌ وضارِبٌ وعَالِمٌ وقَادِرٌ وخَلُّ خَمْرٍ، وما أشبهَ ذلكَ مما وُضِع لإفادةِ معنى في الموصوفِ، وهذا الضربُ الذي وَقَعَ النزاعُ فيه، فإن من نوعهِ ما قيس منه النبيذُ على الخمرِ، واللائطُ على الزاني، والنَباشُ على السارقِ، فالحُجَّةُ لمن جوزَ القياسَ في هذا النَّوع من الأسماءِ أن قال:
إنَا وجدنا العربَ وأربابَ اللسانِ، وضَعُوا وضْعَيْنِ دالين على القياس:
(2/398)

أحدُهما: قولُهم: الخمرُ ما خَامَرَ العقلَ، قالَ ذلك عمرُ -رضي الله عنه- (1)، وعن ابن عباس: كلُّ مخمَّرٍ خَمْر (2). ولَحظُوا أشكالًا وصوراً وَضَعَت العرب لأمثالِها أسماء فوضَعُوا لها تلكَ الأسماءَ كالصَّهالِ مِن الحيوانِ، سَموهُ فرساً، والنّهاق سموة حماراً، والنعاب سموه غُراباً، وليس شيءٌ من هذهِ الحيواناتِ كانت في وقتِهم، لكن أمثالُها، فَسَاغَ لِمنْ بعدهم أن سموا ما كان في وقِتهم مِن الحيواناتِ بالأسماءِ التي سمى مَن قبلَهم به أمثالَها، وهذا عينُ القياسِ، وليس مع نُفاةِ القياسِ نقل عن أهلِ اللغةِ انهم وضَعُوا ذلك لما يتسلسل من أنواعِها، ويتناسلُ قبيلًا بعدَ قبيلٍ.
الوضْعُ الثاني: أنَّهم استعاروا للآدمي أسماءً دَلتْ على لَحظْهم المعاني فيها، فقالوا للبليدِ: حمارٌ، وللمقدام: أسدٌ شجاعٌ، وللكريمِ: بحرٌ، وكذلك العالِمُ، وإنَما استعارواَ هذه الأسماءَ من موضوعاتِها لغير ما وُضِعتْ له، التفاتاً منهم إلى المعنى الذي لحَظُوُه، والوصفِ الذي وجدوا مثلَه في الآدمي، من بَلَادَةِ الحمارِ، وإقدامِ
__________
(1) ورد ذلك من حديث ابن عمر، قال: سمعت عمرَ على هذا المنبر يقول: أيها الناس، إنما نزل تحريمُ الخمرِ وهي من خمسةٍ: من العنب، والتمر، والعسلِ، والحنطةِ، والشعير، وما خامرَ العقلَ فهو خمرٌ.
أخرجه: البخاري (5581) و (5588)، ومسلم (3032) (32) (33)، وأبو داود (3669)، والترمذي (1874)، والنسائي 8/ 295، والدارقطني 4/ 248 و 252، وابن حبان (5353).
(2) أخرجه أبو داود (3680) والبيهقي 8/ 288، من حديث ابن عباس مرفوعاً الى النيي - صلى الله عليه وسلم -، وقد سكت عنه أبو داود.
(2/399)

الأسدِ، وفيضِ البحر، وهل هذا إلا عين القياس؟!
وهذا بعينهِ هو الذي يَلْحظ الفقهاء من المعاني في المنطوقِ التي عَدَّوا به أحكامَها إلى المسكوتِ، وهي الطُّعْم في الحِنطةِ الذي وجدوه في الأرُزَ والذُّرَةِ، فعدّوا به تحريمَ التفاضلِ إليهما، فقد بَانَ بهذه الطريقةِ أنَّهم عَدَوا أسماءَ الحقائقِ من الحيواناتِ الماضيةِ، إلى الحيواناتِ الحادثةِ بالخصيصة، واستعاروا أيضاً بعضَ الأسماء لبعض المسَمَياتِ بالخَصيصة.
فإن قيلَ مقابل هذا الوضْعِ: بأنهم وضعوا على خِلافِ المُقَايَسةِ، وملاحظة المعنى بخلافِ عللِ الأحكام الشرعية: إنَّ اجتماعَ السوادِ والبياضِ في الحيوانِ، سمَّوا به الغرابَ أَبقعاً، والفرسَ أبلَقاً، والآدمي أبرَصَاً، وسمَّوا الفرسَ الأبيض أشْهبَ، والأسودَ من الخيلِ أدْهَمَ، ولم يوقِعوا على كلِّ حيٍ لونه أسود هذا الاسم، فَبانَ أنَ الوضعَ على خلافِ ما ظننتم.
قِيل: هذا النوعُ مِن الوضْعِ لا يَمْنَع القياسَ، فإِنَ الشريعةَ أيضاً قد غايرت الأحكامَ بَيْنَ المتَشاكِلَيْنِ، كما غايرت بين دم الحيْضِ والاسْتِحاضَةِ، وبَيْنَ المنيِّ والمذيِّ, وهما ينحلان عن الشهوة واللذة بالقبلة والملامسة, وفرقت بين مَيتةِ المسمكِ والجرادِ، وبين مَيتةِ الطائرِ والسارحِ، ولم يمنعْ هذا التحكم من قياسِنا، المسكوت على المنطوق الذي لم يتحكمْ فيه بالفرقِ بيْنَ المتشاكلَين، ولا الجمع بين المختلفَيْن.
فإن قيلَ: ففيما وضَعَتِ اللُّغة للنبيذِ من الاسمِ غنىً عن طلبِ
(2/400)

اسم آخرَ بالقياس على الخمرِ، يُوازيه من الأحكام الشرعيةِ؛ أنْ نضعَ حكماً للمسكوتِ عنه، فلا نَطْلُبُ له حكماً من اَلمنطوق به.
قيل: وَضَعَتْ له اسْماً من النَّبْذِ كما وضعوا للخمرِ أسماءَ من العصيرِ؛ فقالوا: عصيرُ العنب، ولم يمنعْ ذلك من وَضْعِهِم لها اسماً لتغطيةِ العقلِ، كذلك لا يمنعُ القائسينَ من وضعهم للنبيذِ، اسمَ خمر لتغطيته بشدتهِ العقلَ، على تسميتهِ بما اشتق لهُ من النبيذِ.
فإن قيلَ: الوضعُ الذي تَعَلقْتُم به مِن تسميةِ الحيواناتِ ليس بوضعِ قياس، لكن ذلك وُضِعَ لكلِ نوع، فلا يبقى من النوعِ ما يحتاجُ ويفتقرُ إلى القياسِ، وما قولُهم للصّهال: هذا فرسٌ، إلا كقولِ النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث أشارَ إلى الذهبةِ والحريرةِ، فقالَ: "هذان حرام على ذكورِ أُمَّتي حِلٌ لأناثها" (1)، ومعلومٌ أنَّ عينَ تلكَ الذهبةِ والحريرة من
__________
(1) ورد هذا من حديث علي بن ابي طالب، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أخذ حريراً، فجعله في يمينه، وذهباً، فجعله في شماله، ثم رفع يده وقال: "هذان حرامٌ على ذكورِ أمتى".
أخرجه أحمد 1/ 96 و 115. وأبو داود (4057) والنسائي 8/ 160، والبيهقي 2/ 435، وابن أبى شيبة 8/ 351، وابن حبان (5434) من حديث علي رضي الله عنه.
وفي الباب عن عبد الله بن عمرو عند الطيالسي (2253)، وابن ماجه (3597). وعن عبد الله بن عباس عند البزار (3006)، والطبراني (10889) وعن أبي موسى عند أحمد 4/ 394، 407 والطيالسي (506)، والترمذي (1720)، والنسائي 8/ 161، والبيهقي 3/ 275.
(2/401)

النوعِ، ليس بمحرَّمٍ بالقياسِ عند أهلِ الشرعِ، فكذلك يجبُ أنْ لا نجعل إشارةَ أهلِ اللُّغة إلى أعيانِ هذه المُسَمَّياتِ بأسمائِها، التي وضعوها لها، اسمَ تخصيص لها، حتى يحتاجَ مَنْ بَعْدَهُمْ إلى وضْعِ أسمائها لأمثالها قياساً، بل الإشارة منهم إذنٌ منهم وتنصيصٌ على الوضع لأسمِائها.
قيل: هذه دَعوى وتشبيهٌ بمجردِها، وإلا فأينَ النقلُ عنهم، المُقتضي للوضعِ أنْ يكونَ للنوع كلِه؟ وليس إشارةُ النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الذهبةِ والحريرةِ من هذا بشيء، لأنَّ القرينةَ دَلّتْ على أنه أرادَ النوْعَ، إذ ليس في الحريرة ما يَعُم ذكورَ أمتِهِ وإناثِها، ولا في الذهبةِ، فَضِيقُ المُشَار إليهما عن الحُكمِ، قرينةٌ دَلتْ على أنَّ المنهيَّ عنه متسعٌ لكلِ ذكورِ أُمتِه، والإباحةُ لكل إناثِها، ولا يتسعُ كذلك، إلا النَوعُ كله دُوْنَ الذهبةِ والحريرةِ، اللتين أشارَ إليهما بالحُكْمَيْنِ: الإِباحَةِ لقبيل الإناثِ، والتحم يمِ لقبيلِ الذكورِ.
ومما اسْتدَل به مَنْ جَوزَ إثباتَها بالقياسِ؛ أنَّ أهلَ العربيةِ -وهم النحاةُ- جعلوا كلَّ فاعل مرفوعاً، وكل مفعولٍ به منصوباً، ولم يستندوا إلى نقلٍ عن العرب، أنَّها نطقت بذلك، لكن عَرَفُوا ذلك بالقياسِ والاستدلالِ، وذلك أنهم لما رأوهم استمروا على الرفع لكلِ فاعلٍ، والنصب لكلِّ مفعولٍ، جعلوا ذلك عِلَّةً، فقالوا: إنما رفعوا الفاعلَ لكونهِ فاعلاً، ونصبوا المفعولَ لكونهِ مفعولاً، فحمَلوا عليه كلَّ فاعلٍ ومفعولٍ، وإن لم يكْن مما نطقت به العربُ من اللغات المحْدَثَة، وكذلك فَعَلُوا في جميعِ وجوهِ الِإعرابِ من جرِّ المُضافِ [إليه]، والنَصبِ بالحال، والتمييز وما شاكَلَ ذلك.
(2/402)

فصلٌ
في ذكرِ ما تَعَلَّقَ به المانعونَ من إثباتِ الأسماءِ بالقياسِ
إن جَمِيْعَ المُسَمياتِ قد وُضعَ لها أسماءُ أعيانها، وذواتها وأعراضِها، وأحكامِها، إمَّا بوَضعِ الشرع، كما قال سبحانه: {وعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31]، أو بوضعِ أهلِ اللغةِ، وما أعقبوا شيئاً حتى أفرَدُوا للمفرداتِ أسامي، وللمُرَكباتِ أسامي، فقالوا في المفرادتِ: حلوٌ، وحامضٌ، وفرسٌ، وحمارٌ، وذئبٌ، وضَبُعٌ، وذكرٌ وأنثى، وأسودُ، وأبيضُ.
وقالوا للمركّباتِ بَيْنَ الحُمُوْضَةِ والحلاوة: مُرٌّ، وللمتولَدِ من بَيْنِ الحمارِ والفرسِ: بَغْلٌ، وللمتولدِ من بين الذئب والضَّبُعِ: سمعٌ.
وقالوا للمجتمع فيه صورةُ الأنوثةِ والذكورةِ: خنثى، وللمركبِ بين الأسودِ والأبيضِ من الكحلِ: أغْبَر.
ومَنْ قال: إنها موضوعةٌ بالطريقين للتعليمِ والوَضْعِ، فقد جَمَعَ بَيْنَ القولينِ، واذا استُوعبَت الأشياءُ بالأسماءِ وَضْعاً سمعياً، غَنِينَا عن القياس، إذ لم يبق شيءٌ يحتاجُ إلى اسمٍ، وما ذلك إلا بمثابةِ ما شَمِلَتْهُ أحكامُ الشرعِ السمعيَّة بنصوصِ الكتابِ والسنةِ، فإنه لا يبقى فيه للقياسِ مَسَاغ.
ومن ذلك قولُهم؛ إن الوَاضِعِيْنَ للأسماءِ، لم يضعوها على القياسِ، وذلك أنَهم خالفوا بَيْنَ المُتَشَاكِلَيْنَ في الصُّورةِ، فوضعُوا لهما اسمينِ مختلفينِ.
(2/403)

ومن ذلك أن قالوا: إنَّ القياسَ إنما يُعْلَمُ بأن يَأذنُوا فيه، أو يضعوه على المعنى، فإذا لمُ ينقلْ عنهم إذنٌ، ولا وضع على المعنى، بل على مخالفةِ المعنى، بطل تجويزُ إثباتِ الأسماءِ بالقياسِ، كما أن صاحبَ الشريعة إذا أخْرَجَ الحُكْمَ مَخْرجَ التعليلِ، أو أذِنَ في القياسِ سَاغَ القياسُ، ومع إخراج الحُكْمِ على غيرِ المعنى، وعدم إذنه، لا يجوزُ القياسُ لإِثباتِ الأحكام.
ومن ذلك أن قالوا: لو جازَ أثباتُ الأسماءِ المشتقةِ بالقياسِ، لجازَ إثباتُ أسماءِ الألقابِ بالقياسِ، ولَمَّا لم يَجُزْ إثباتُ تلكَ قياساً، كذلك هذه.
ومِن ذلك ما عَيَّنُوه في الأسماءِ التي قَصَدَها أصحابُنا بقياسِ الأسماءِ، مثلُ تسميةِ النبيذِ خمراً، والنَّبَّاشِ سارقاً، واللائطِ زانياً، فقالوا: رأيناهم سَموا بعضَ ما حَدَثَتْ فيه الحموضةُ خَلاً، وإْنْ كان مادتُهما واحدةً، كماءِ الحِصْرِمِ مع خل الزبيب والعِنب، فلا يُستدل من تسميتهِم المُشْتَد من عصيرِ العنب خمراً، عَلى تسمَيةِ المُشْتَد من نقيعِ أو طبيخِ التمرِ المُشْتَدِّ خمراً، لأنه يكونُ خروجاً عن وضعهم.
ومن ذلك أنْ قالوا: لا يخلو أن يكونوا وضعوا الأسماءَ لأفادةِ المعنى، فما وضعوهُ إن كانوا قد وضعوا للبعضِ ذلك الاسمَ، فيجبُ أن لا نُجريَ ذلك الاسمَ على غيرهِ، لأنَهم وضعوُه للإفادةِ، والفرقُ إفادة لصفتِه في ذاتِه خاصةً، وللفرقِ بينه وبين غيرِهِ، أو يكونوا إنما أجروهُ إجْرأءً على كلِّ محل قامَ به ذلك الوصفُ، فيكون ذلك وصفاً مُطَّرداً لا يدخلُ عليه نقص بإجرائِه على كلُّ ما فيه تلك الصفةِ، فيكون ذلك منهم كالتوقيف، ولنا على إلحاقِ الاسم بكل ما فيه ذلك الوصفُ، فلايبقى للقياسِ
(2/404)

مساغ مع النصَ منهم، وما جرى مجري النصِ، فهذا جملةُ ما وجدناهُ عنهم.

فصل
في جَمْع الآًجوبةِ عن مُتعلقات المانِعينَ من إثباتِ الأسماءِ قياساً، وهي خمسة (1).
فالأولُ: دعواهم أنَ في الوَضْعِ السمعي شَرعاً ووضْعاً، ما يُغْنِي عن القياسِ، كالنُّصوصِ من الأحكامِ، وليس بصحيحٍ من وجْهَيْن:
أحدهُما: أنه ليس في الآيةِ أنه علمَ آدمَ بطريقِ السَمع خاصةً، بل بطريقِ السمعِ وطريقِ الاجتهادِ، ينطبقُ عليهِ اسمُ التعليم؛ لانَّهُ هو المُلْهِمُ لسلوكِ القياس باستخراج المعاني المُشتق منها الأسامي، ولا يَمْنَعُ إضافةُ التعليم إليه، أن يكونَ بعضُها مَوْكُولاً إلئ علماءِ أولادِه القائسينَ، كما قالَ سبحانه: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء: 79] وإنما كان إيقاعاً على استخراجِ المعنى، وكما قالَ سبحانه في حَقِّ نبينا - صلى الله عليه وسلم -: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] وقالَ في القرآنِ {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] وكانَ بعضُ ذلك سَمْعاً، وبعضُه قياساً أخْرجَه الاجتهادُ في وقتِه، وبعضُه خرَجَ بالقياس بعدَ وفاتِه - صلى الله عليه وسلم -، فكان التمامُ والتِّبْيَانُ، راجعاً إلى ما ضَمنَه مِن المعانيَ التي خُزجَتْ باستنباطِ علماء أمتِه، وإن كانت الإضافةُ إليه والِإنزالُ عليه، كذلك إضافةُ التَّعليمِ إلى آدمَ لا يَمْنَع أن يكونَ ذلك له سمعاً وقياساً، ولِذُرِّيتِه قياساً.
على اننا لو سامحنا في أنَّ الأسماءَ عَمَّتْ سَمْعَاً ووضعَاً، لم يمنعْ
__________
(1) في الأصل: "ستة"، والمثبت هو الصواب؛ لأن المانعين تعلقوا بخمسة أمور، وسيورد المصنف عليها خمسة أجوبة.
(2/405)

ذلك من أنْ يَشْفَعَ الاسمَ السمعِيَّ الوضعي اسمٌ قياساً، لأنَ الشيءَ الواحدَ قد تَسَمَى باسمين، كما أنَّ الاسمَ المُشْتَرَكَ يقعُ على مُسَمَّييْنِ وأكثر، فإن الأسماءَ لا تتنافى، فإذا وضعوا للنبيذِ، وهو نقيعُ التَّمرِ والزبيبِ والذرةِ والشعيرِ، اسماً من النَّبْذِ، ووجدناهم سَمَّوا عصيرَ العِنَبِ المُشتدِّ اسمَ خَمْرٍ، لتغطيةِ العَقْلِ مضافاً إلى ما سَمَّوهُ به من العصيرِ لأجلِ العصرِ، حَسُنَ بنا أَن نُعْطِي النبيذ بالقياس على عصيرِ العنبِ المُشتدِّ اسمَ الخمرِ، لما فيهِ من تخميرهِ للعقلِ وتغطيتهِ لهُ، وفارقَ الأحكام، فإِنَّه لا يجوزُ أن يَثْبُتَ للعينِ الواحدةِ حُكمان مُتَضادَّانِ: حُكْمٌ هو التحريم، بكون الوعيد (1)، فيثبت له بالقياس إيجاب الحد، وهو حكم يُعْطي ما أعطاهُ الأولُ، من الصرْفِ عنهُ والمنعِ.
ولأن اللغةَ قد تأتي باسمين ضدّينِ ومتنافيين للذاتِ الواحدةِ، من طريقْ التوقيف، كقولِهم: لسيعٌ وسليمٌ، ومهلكةٌ ومفازةٌ، هذا في المجازِ والحقيقةِ، فأمَّا في الحقيقة ...... (2).
ولا يأتي توقيفُ الشَرعِ في شيءٍ واحدٍ لحكمينِ مختلفينِ، فافترقا.
والثاني: قولُهم: وضعوا الأسماءَ وضعاً يخالفُ القياسَ، مثلُ تسميِتهم المُتَشَاكِلَيْن في الصورةِ باسمَيْنِ مخْتلفينِ، فغير مُسَلمٍ لهم الوَضْعُ، بدليلِ ما قَدَّمنا من استعارتِهم. للاسمِ بالخصيصةِ والمعنى، ونقلهِم الاسمَ من موضوعٍ إلى مثلهِ، وهذا وضع على القياسِ، وما ورَدَ مما ذكروه، غيرُ مانعٍ لنا من أَنْ نَسْلُكَ مسلَك القياس فيما وجَدْنا
__________
(1) كذا العبارة في الأصل، ولم يتضح معناها.
(2) في الأصل طمسٌ بمقدار سطر، وأشار له الناسخ بقوله: كذا في الأصل.
(2/406)

مِن التشاكلِ في المعنى، كما لم يمنعْنا مثل ذلك من وضع الشرْعَ، مِن أنْ نقيسَ مهما وجدنا للقياسِ مَسَاغَاً.
وهذا المَسْلَكُ مسلكُ أهلِ الظَّاهِرِ من منْعِ القياس، حيثُ قالوا: إنا رأينا الشرعَ خالفَ بَيْنَ الأحكام في المتساوياتِ، كَميتةِ السمكِ والجرادِ، وميتةِ الأنعام والطيورِ كلَّهَا، فالموتُ سواءٌ بين الجميعِ، وجَعَلَ حُكْمَ السمكِ وَالجرادِ الإباحةَ، وحُكْمَ سائرِ الميتةِ الحَظْرَ.
فكذلك خالف بين حكم الكبدِ والطِّحالِ، وسائرِ الدماء، فأباحَ وطَهرَ الكبدَ والطحالَ، وحَرمَ ونَجسَ سائرَ الدماء وعند بعض الفقهاءِ القائسينَ جعل بعضَ الدم طاهراً، وهو دمُ السمكِ، ومأكولًا إلحاقاً بالكبدِ، وسائر دماءِ الحيوَانِ نجسة، وحَرمَ قتلَ الصيودِ في الحَرَم وجعلَ إراقةَ دَمِ بهيمةِ الأنعامِ قُرْبةً إلى الله سبحانه في الحَرَمِ.
ولم يمنعْنا ذلك من القياس، كما مَنَعَ أهل الظاهرِ، بل جرينا عليهِ في سائرِ المُتشاكلاتِ في العللِ، فجعلنا حكمَ المتشاكلين واحداً،
كذلك لا يَمْنَعنا وصفهُمِ للفرسِ الجامعِ بَيْنَ السوادِ والبياضِ أبلق، والغُراب أبْقعَ، من أن نضَعَ للمُسكِرِ من النبيذِ خمراً، كالمُسْكِرِ من عصيرِ العَنب، وكان هذا لمعنى؛ وذلك أن للشرعِ وواضعِ الأسماءِ التحكمً، ولا يمنعُنا جوازُ تَحكُّمهِ من أن نَعْملَ بمقتضى العقولِ فيما لم يَتحكمْ فيه.
والثالثُ. قولُهم: لو جازَ إِثباتُ المشتقةِ [به] جازَ إثباتُ الألقابِ به، لا يَلْزَمُ؛ لأن الألقابَ لا تتضمنُ المعاني، فليس فيها شيءٌ يُلْحَقُ به غيرُها بها، فلو سَمَّينَا مَن ليس اسمهُ زيدٌ بزيدٍ، لأجلِ تَسْميَتهِم ذلك
(2/407)

الرجل بزيدٍ، لكنا مُلحِقيْنَ لهُ به في الاسمِ لا لمعنى ولا لخصيصةٍ، وليس هذا طريقَ القياس، إذ كان حيٌّ (1) مثله قد سُمِّي بعمرو، فليس بأنْ نُسميه عمراً أو بكراً، بأولى من تسميتنا له بزيدٍ، بخلافِ ما نحنُ فيه مِن النبيذِ المُشتدِّ، لأننا إذا ألحقناهُ بالعصيرِ المُشتدِّ، كان لمعنى هو أخصّ بهِ مِن غيرهِ، فلذلك لم يُسَمَ بهِ الخَلُّ والمُريُّ (2) إذ لا شِدةَ فيها، فَوِزَانُه من مسألتنا، أن يكونوا وضَعُوا زيداً لزيادةٍ في جسمِه أو عِلْمِهِ، فكان يَلزمُنا أن نُسَمِّي كلُّ من شاركهُ في تلك الخَصِيْصةِ بزيدٍ، وصارت أسماءُ الألقاب لما لم يَظْهرْ فيه معانٍ مِن أوضاعِ الشَّرع، التي لا يظهرُ فيها تعليل بل نتِبعُ بمجردِ التوقيفِ، لا يمنعُنا منعُ القياسِ عليها من القياسِ على ماظهَرَ لها المعاني.
الرابعُ: تَعلقُهم بأَنَّهم لم يُسمُّوا كلَّ حامضٍ حدَثَ من الكرمِ خلاً، كماءِ الحِصْرمِ، ونقيعِ الزبيبِ، فهو من نَمَطِ الثاني. وقد مضى جوابهُ، وإِنَّما غَيروُا العبارةَ، فذاك ذكروهُ لمخالفةِ الاسمينِ بَيْنَ المتَشَاكِلَيْنِ، وهذا تحته، وفي ضمنِه، لأنَهم ذكروا حامضيْن اتَّفقا في الحُموضةِ فسمَّوا أحدَهما خلا، وسموا الآخرَ بغيرِ الخلِّ.
الخامسُ: ممّا تعلقوا به أخلُّوا فيهِ بقسمٍ؛ لأنّهم قالوا: إمَّا أنَّ يكونَ وضعوه للمسمَّى الذي وضعوه له بعينهِ، فليس لنا أن نتعدَّاهُ، أو
__________
(1) في الأصل: "حبر".
(2) اُلمرّي: إدام يؤتدم به، يُتخذ من الخمر التي طرح فيها السمك والملح وتوضع في الشمس، فتتغير عن طعم الخمر، وتصير حلالاً، وكان أبو الدرداء رضي الله عنه وجماعة يقولون بحله. انظر "فتح الباري" 9/ 617 - 618.
(2/408)

قصدُوا وَضْعَاً مُطَّرِدَاً، فقد طردوهُ وأوْجَبُوا طردَه، فصار ذلك كالنَّصِّ منهم، وليس يمتنعُ أن يكونَ وضعُهم للاسمِ في النّباشِ لأجلِ نبشهِ، فاشتقوا مِن نبشِه، وسكتوا عن سرقتهِ، تعويلاً على أن الاسمَ العامَّ، يُلْحَقُ به؛ لما وجِدَ فيه مِن المعنى الذي سُمِّيَ به سارقٌ أحياناً سارقاً، ولا يكونُ ذلكَ مِنهم، كالنصِّ المانعِ من إلحاقِه باسمِ السارقِ قياساً.
وقولُهم: إِنَّهم لم يأذنوا، فإذا استقْرَينا وَضْعَهم، فوجدناهم وضعوهُ على المعنى واستمروا عليهِ، فلا حاجةَ بنا إلى إذنهِم، كما لا نَحتاجُ في القياسِ الشرعي لِإثباتِ الأحكامِ إلى إذنِ المُشَرِّعِ، مع كوننا نَجِدُ الحُكْمَ مَوضوعاً على المَعنى.
(2/409)

فصلٌ
في معنى قولِهم: الأسماءُ العُرفية
اعلمْ وفقكَ الله، أنَ معنى ذلك هو غلبةُ استعمالِ القومِ له في بعض ماوُضِعَ له أو ما جرى عليه مجازاً لا حقيقةً.
مثالُه: أن الرؤوسَ اسم لكلِّ ما علا على حيٍّ أو غيرهِ، ثم إن العُرْفَ قد يَغْلِبُ استعمالَهم له في رؤوسِ الأنعام، واستعمالَ اسم الجاريةِ في الحَدَثَةِ من الآدميات والإماءِ، وإنْ كانَ واقعاً على السفينةِ أيضاً، وكذلكَ اسمُ سِرَاجٍ ووتدٍ تقَعُ على كلِ مستضاءٍ به، وكل ماسِكٍ، كالشمسِ والجبلِ، والعرفُ صرَفَ ذلك إلى سُرُجِ الآدَميِّيْن وأوتادِهم.
وكذلك تسميتُهم بالفقيهِ مَنْ عَلِمَ الأحكامَ الشرعيةَ خاصةً، ومُعَلمٍ مَنْ عَلَّمَ الخط خاصةً، وانْ كان كلُّ مَنْ تفقهَ عِلماً فقيهاً بحُكْم الاشتقاقِ، وكل من عَلَّمَ صناعةً غير الخطِّ أيضاً مُعَلماً، لكن غَلَبَ الاستعمالُ في البعضِ، فكانَ ذلك الاسم العُرْفيِّ، ولا يجوزُ أن يكونَ الاسمُ العرفيُّ هو ما ابْتُدِىءَ بوضعِه، لأنه يُوجبُ أن تكونَ جميعُ الأسماءِ عُرْفِيَّةً، حيث كانت كلها قد سبَقَ لها ابتداءُ وضْعٍ وتجَدُّدٍ وحُدُوثٍ، ما خلا الأسماءَ في كلامِ الله سبحانه، ولا يجوزُ أن يكونَ
(2/410)

معنى ذلك الأسماءَ التي وضعهَا غيرُ أهلِ اللُّغةِ من العلماءِ لضروب المُسَمَياتِ المعلوماتِ، وأهلُ الصنائع لأدَوَاتِهم التي قَد حَتْها قرائِحهُمَ لأعمالِهم، وما جدَّده أهلُ الحِرَفِ والمِهَنِ، لأن ما يَضَعُونَه من ذلك بمثابةِ ما يضعُه أهلُ اللغةِ من الأسماءِ، فما بال هذا الوضحِ لحوائج هؤلاءِ وأغراضِهم، سُمَّيتْ عُرفيةً، وما وَضَعَه أهلُ اللغةِ لأغراضِهم لم تُسَم عُرفيةً؟ وللجَميعِ عُرف، ووضع بحَسبهِ وحسب داوعيهِ وأغراضهِ، وهَلَأ انقلبَ فكان ذلك عُرفياً وهذا لغوياً، أو كانَ الجميعُ عرفياً؟!
ولا يجوزُ أنْ يكونَ معنى العُرفِ أنه المنقولُ من غيرهِ، فذاك هو المجازُ، وهو باسمِ المجَازِ أحقُّ وأخصُّ منهُ باسمِ العُرف.
فإن قيل: فما الدَّاعي للعرب إلى أنْ جاءت إلى أسماءٍ وُضِعَت في لُغتهم للعموم، جعلوها بكثرةِ الاستعمالِ للخصُوصِ، والعاقلُ لا يُغَيرُ وضْعاً أصَلياً لغيرِ ضرورةٍ ولا حاجةٍ ولا داعِ معقولٍ، فأوجدوا ذلك المعنى؟.
قيل: إمَّا أن الوجودَ أغنانا عن تَكَلفِ ذِكْرِ الدواعي، والقومُ قد استعملوا على ما نقلنا عنهم، وغَلبُوا الاسمَ للبعضِ مما شَمِلَه الاسمُ الكلى العام، وإنْ تكلفنا ذلك، فقد يجوزُ أن يكونوا استهجنوا قولَهم: وَطْئاً وجِمَاعاً، واسمَ ذلك الفعلٍ، فقالوا في الجماعِ: مَسيساً، وإن كان اسماً عاماً لكلِ تلاقي بَشرَتيْنِ، وقد أشارَ ابنُ عَبَّاس إلى ذلك حيثُ قال: إنَّ الله حَيِيٌّ كريمٌ يَكْنِي، ومما كَنَى أن كنى عن الجِماع باللمْسِ (1). وتنكَّبوا عن ذِكرِ الحَدَثِ إلى المكانِ، فقالوا: الغائِط
__________
(1) أخرجه عبد الرزاق (504)، والطبري (9581) والبيهقي 1/ 125.
(2/411)

والعَذرة، أو اقتطعوا الأهمَّ والأقربَ إلى استعمالِهم من الأبْعَدِ، كاقتطاعِهم السراجَ والوتدَ إلى موضوعِهم فيما بينهم، دون ما وضَعَه الله سُبحانه من الشَمس والجبالِ. وخَف عليهم قولهم: دابة، وهو الأعمُّ فكان أسهلَ من القَولِ فيه: فرسٌ جوادٌ وطِرْف (1).

فصل (2)
واعلم أَنّه ليس في القرآنِ ما ليس بلغةِ العربِ، وإِنَّما أَشْكلَ على قوم بلغاتٍ مُواطِئَةٍ لما عدا العربيةِ، وليس تخلو لغة من مواطأةِ لغةٍ في كلمات وأسماءٍ شاذةٍ، فأمَّا انْ تكونَ مستعملةً من لغةِ غيرِ العرب، فبخلافِه قال جماعةُ الفقهاءِ والأصوليينَ، وذكَرَهُ أبو بكرٍ من أصحابِنا.
ورُويَ عن ابن عباسٍ وعكرمةَ، أنَّ فيه بغيرِ العربيةِ نحو، طه والمشكَاةِ وقِسْطاس (3).
والدَلالةُ على ما ذهبنا إليه: ما استدلَّ به العلماءُ من آي الكتاب، إلا أَنَّ آكَدَها قولُه تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} [فصلت: 44] فنفى انْ يكونَ أعجمياً، وقَطَعَ اعتراضَهم بتنوعِهِ بين أعجميٍ وعربي. ولا ينتفي الاعتراضُ وفيه أعجميٌ.
وقولهُ: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ} [الدخان: 58]، {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ
__________
(1) هو الكريم من الخيل، والجمعُ طُروف وأطراف، "القاموس المحيط": (طرف).
(2) سيتناول المصنف هذا الموضوعَ أيضاً في الصفحة 46 من الجزء الرابع، مظهراً أدلته وشبهات المخالفين، فارجع إليه.
(3) انظر "شرح الكوكب المنير" 1/ 194.
(2/412)

مُبِينٍ (195)} [الشعراء: 195].
ولأنَّه تحدَّاهم بِه، فقالَ لهم: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة: 23]، فلو كان فيه أعجميٌ لما قَطَعَ حُجتَهم في كذبِهم؛ لأَنَّه يكون تحدياً لهم بما ليس من صناعتِهم.
ولَأنَ القومَ كانوا اتَهموه بأَنَه يَتَلَقَّفُ ذلك من يسار (1)، وكان أعجمياً حتى نفى ذلك عنه بقولِه: {لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103)} [النحل: 103]، فلو كانت فيه ألفاظٌ أعجميةٌ، أو بغير العربيةِ، لكان تقويةً لتهمتِهم لهُ، وقد نفَى عنهُ الاختلاطَ بالعجُمةِ؛ ليصرفَ عنه قولهم: لقالوا: {أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} كمانفى عنه الكِتابةَ، وقال سبحانه: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48)} [العنكبوت: 48] ولا ريبَةَ أقوى من تخَلْطِهِ بغيرِ العربيةِ، مع تُهْمَتِهم له بأَنه تَلَقَّفَه ممَّن ليس بعربيٍ، وكان تعريضاً لتهمةٍ أخرى، وهو أَنّهم كانوا يجعلونَ ما فيه من العجميةِ، سبيلاً إلى جحدِ كثيرٍ من كلماتٍ عربيةٍ، ويقولون: ليس بعربي، وإِنَّما هو كلامٌ مُخْتَلطٌ، منقول، وأنتَ تَزْعُمُ أنه بِلُغَتِنَا، فَدعواكَ لا تطابقهُ، ومَنْ نفى عنه الشُّبهةَ لا يُعَرضهُ للشُبهةِ.
__________
(1) وهو غلم نصراني من أهل عين التمر، كان يقرأ كتباً له بلسانه، فزعمَ كفارُ قريش أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - تعلَّمَ منه، ومن غُلامٍ آخر اسمه جَبر، فأنزل اللهُ سبحانه ما يُبطل دعواهم، وبكشفُ أباطيلهم: {لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} انظر "تفسير الطبري" 8/ 178، و"أسباب النزول" للنيسابوري ص (190)
(2/413)

فإنْ قيلَ: إِنَما نفَى عن القرآنِ العجميةَ وغيرَ العربيةِ، على الوَجْهِ الذي يُشكِلُ به الكلامُ وَيعمى عن الفهمِ لمعانيهِ، فأمّا الكلماتُ المنثورُة بَيْنَ الكلام المديدِ، فلا تُؤثرُ ولا يكونُ له حكمٌ، وكذلك أجمعنا على انً التحَدي لا يقعُ بالأيةِ والكلمةِ والكلماتِ، وانَما يقعُ بالسورةِ التي يَبِيْنُ فيها عُوارُ العجزِ من القدرةِ، والفرقُ بيْنَ القادرِ والعاجزِ.
قيلَ: هذا إِنَّما يكونُ صحيحاً، أنْ لو كانت العربُ قادرةً على نظمِ العربي إلى العَجميِ، والنَظْمُ فرعٌ على فهمِ المنظوم والنطقِ به، ولو لم يكنْ منهم تهمةٌ بأنَّ الذي عَلمَه أعجمى، فأمَّا إذا كَانوا هم لا يُحسنونَ ذلك، قَل أو كَثُرَ وكان هو مُتَّهماً عندهم، بأنه تَلَقَّفَه مِن المعروفِ بيسار مولىً مِن موالي العَجَمِ، فإِنَّه لا ينبغي أن يَفْتَحَ لهم باباً بإدخالِ كلماتٍ قَلتْ أو كَثُرَتْ، ألا تراهُ لم يَعْلَمْ مِن الخطِ، ولا معرفةَ كَتْبِ اسمِهِ، ولا فَهْمِ اسمِه، حتى إنَّه سألَ علياً عنه يومَ عُمرةِ القضاءِ حتى محاهُ متابعةً لشرطِهم (1)، ومن يَحْسِمُ مادةَ التهمةِ بَدْءاً في
__________
(1) ورد هذا من حديث البراء في صلح الحديبية، وفيه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لعليّ: "اكتب الشرط بيننا: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"، فقال المشركونَ: لو علمنا أنكَ رسولُ الله بايعناك، ولكنِ اكتب محمدَ بنَ عبدِ الله، فقال رسوُل الله: "أمْحُهُ واكتب: محمدَ بنَ عبدِ الله"، فقال عليّ: لا أمحوهُ، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أمحه، واكتبْ محمدَ بنَ عبدِ الله" فقالَ عليّ: لا أمحوه. فقال رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أرني مكانه حتى أمحوَه" فمحاه وكتبَ محمدُ أبن عبد الله .... أخرجه من حديث البراء:
أحمد 4/ 289 و 291، والبخاري (2698) ومسلم (1783) وأبو داود (1832) وابن حبان (4869).
(2/414)

باب الخطِّ، لا يفتحُها في بابِ اللفظِ، ولأنه يكونُ إعناتاً لهم أيضاً، إذ لَيس عندهم فَهْمٌ لغيرِ العربيةِ قليلٌ ولا كثيرٌ يعم، والكلمةُ من غيرِ اللغةِ تَحرِمُ النظمَ، وتعجِز عنه، فإدخالة على لغتهِم ما يعجزهم خروجٌ عن تعجيزهم في صناعِتهم، كمَنْ تحدى بَنَّاءً ببناءٍ يتضمن نجارة، ومُتَرسلاً برسالةٍ ضمنها المُتَرَسِّلُ بأبيات من شعرٍ، أو تحدى خطاطاً يَخُط الحروفَ العربيةَ بأنْ يَخُطَّ في خلالِها كلماتٍ وأسطراً بالسريانيةِ أو العبريةِ، فإنه يكون مُعْنِتاً، كذلك ها هنا.
فإن قيلَ: فقد جاءهم بحروفٍ تشابهُ العجْمةَ بإعجامِها، ولم يكُ ذلك قَدْحاً في بيانهِ، ولا إعناتاً لهم في إِعجامهِ، وهي المقطعةُ في أوائلِ السُّورِ، فكذلك كلماتٌ منثورةٌ في خلالِ السُّورِ، لا يكون مُؤدياً إلى ما ذكرت من الإِعناتِ.
قيل: هذا لا يلْزمُ لوجهين:
أحدُهما: أنَه لغةُ القوم، وقد جاء هذا في كلامِهم وأشعارِهم فقال قائلُهم:
يناشِدُني حاميم والرمْحُ شَاجِرٌ ... فهلاّ تلا حاميمَ قبلَ التقَدُّم (1)
__________
(1) البيتُ من قصيدة مؤلفةٍ من أربعةِ أبيات، قيلت في حق محمدِ بن طلحة بن عبيد الله القرشي، المعروف بالسَّجاد، لكثرة عبادته حين قتل في معركةِ صفين، وهي:
وأشعثَ قوامٍ بآيات ربهِ ... كثيرِ التُّقى فيما ترى العينُ مسلِمِ
شككتُ له بالرمحِ جنبَ قميصهِ ... فخر صريعاً لليدينِ وللفمِ
على غير ذَنْبٍ غيرَ أنْ ليسَ تابعاً ... علياً ومن لا يتبعِ الحق يظلم
يذكرني "حاميمَ"والرمحُ شاجرٌ ... فهلاّ تلا حاميمَ قبلَ التقدمِ =
(2/415)

وقال الآخرُ: قُلْتُ لها قِفي فَقَالتْ قافْ (1)
أي: وقَفْتُ. فَقَطْعُ حرفٍ من الكلمةِ يُنْبِىءُ عن الكلمةِ لغة القوم، كذلك إذا أتى بكافٍ عن كافي، وهاء من هادي لا يكون خروجاً عن لغتِهم. وقالَ الآخر:
لما رَأيْتُ أمْرهَا في حُطِّي ... وأزْمَعَتْ في لدَدي وَلَطَي
أخَذْتُ مِنْها بقُروُن شُمْطِ (2).
__________
= وقد تنازعَ الأبياتَ عددٌ من الشعراء، منهم كعبُ بن حُدير النقدي، وفق ما قاله الجواليقي في أدب الكاتب (361)، وقيل: للمكعبر الضبي، وقيل: إنَه لشريح بن أوفى العبسي، وقيل: إنه لعصام بن المقشعر العبسي، وذكر ابن شَبه: أنه للأشعث بن قيسٍ الكندي.
انظر: "شرح أبيات المغني" (4/ 289، 290) و"الكشاف" للزمخشري (1/ 13)
(1) هو أولُ رجز للوليدِ بن عقبة بن أبي معيط، وتتمته:
قلت لها قفي فقالت قاف ... لاتحسبينا قد نسينا الإيجاف
والنشوات من معتق صاف ... وعزفَ قيناتٍ علينا عزاف
انظر: "شافيه ابن الحاجب" (4/ 271)، و"تفسير الطبري" 1/ 212 و"الأغاني (5/ 131).
(2) أوردها الطبري في تفسيره (1/ 209 - 210)، ونسبها لبعضِ الرجاز من بني أسد وهي:
لما رأيتُ أمرها في حطي ... وفتكت في كذب ولط
أخذت منها بقرون شمطِ ... فلم يزل صوبي بها ومعطي
حتى علا الرأسَ دمٌ يغطي
ولطَّ الحق: أي جحدَه ومنعه وخاصمَ فأحمى الخصومة. والقرون: جمع قرن، وهي الضفيرة، وشمط، جمعُ أشمط: وهو الذي اشتعل رأسُه شيباً. =
(2/416)

يعني بحُطِّي: أبا جاد (1)، لأَن هذا حرفٌ منها.
على أنَّ بعض السَّلفِ، كابنِ عباس وعكرمةَ، ذهبوا إلى أنَّ لكل حرفٍ دلالةً على ما اشْتُقَ منه مثلُ: كافٍ مِن كافي، وصادٍ من صادق، وهاءٍ من هادي، وق من قادر وحاءٍ من رحيم ورحمان، فما خلا ذلك مِن معنى لغوي، وما خرجتْ هذهِ الحروفُ عن لغتهم، واللهُ أعلم.

فصلٌ
جامع لِشُبَهِهِم
فمنها دعوى وجود ذلك، كالمشكاة، قيل: لفظةٌ هنديةٌ، واستبرق وسجيل بالفارسيةِ، وطه: يا رجلُ بالنَّبَطِيةِ، وقِسطاس: كلمةٌ روميةٌ، والأب: كلمةٌ لا يعرفها العرب، ولذلك رُوي عن عمرَ أنَّهُ لما تلاها قالَ: هذهِ الفاكهةُ، فما الأب (2)؟.
وبَعدُوا أن يكونَ إستبرقَ من لغةِ العربِ، لأنَّه على وزنِ استفعل، وليس للعربِ اسمٌ على وزنِ ذلك، ولا يُعْرَفُ أيضاً اشتقاقُه من أي شيءٍ هو.
قالوا: ولأنَّ النبيَ - صلى الله عليه وسلم - ليس بمخصوص بالرسالةِ إلى أهلِ لسانٍ
__________
= صوبي، من صابَ يصوبُ صوباً: إذا انحدر من علوّ إلى سفل.
والمعط: المد والجذبُ، وعنى بذلك إصعادهَ بها وهو يجذبُ ضفائرها، وذلك في انحداره بها وصعوده. انظر تعليق الشيخ أحمد شاكر في حاشية تفسير الطبري 1/ 210
(1) يعني أحرف الهجاء المنظومه في: أبجد هوّز حُطي ....
(2) انظر ما تقدم في الصفحة (381).
(2/417)

واحدٍ، بل بُعِثَ إلى الكُل، فلا يُنْكَرُ أن يكونَ الكتابُ الذي جاء به جامعاً للغةِ الكُلِّ، ليكونَ خطاباً للكل وتعجيزاً للكل.
قالوا: ولأنَ النبىِء - صلى الله عليه وسلم - لم يَدعِ أنَّه كلامُه، بل هو كلامُ من أحاط عِلماً باللغاتِ كلَّها، وهو المُنْطِقُ بسائِر اللُّغاتِ، فنظمهُ للغاتٍ عدةٍ، لا يُنْكَرُ في حقَه، وهو مما يَبْعُدُ عن أن يكونَ مِن عنده مع كونهِ لم يُخَالِطْ من أهلِ اللغاتِ إلا العربَ، فالغرابةُ في الألفاظِ، كالغرابةِ في ذكرِ النَّبيين، وقد ضُمَّنَ الكتابُ من النبيين ما لم تعرِفْه العربُ، فإذا ضُمِّنَ من الألفاظِ ما لاتعرِفهُ، دَل على أنه من عندِ من اطلعَ على اللغاتِ كلِّها، كما دَل على أنه من جهةِ العَالمِ بالسير جميعِها، فهذا مؤكدٌ للإعجازِ من هذا الوجهِ، ومُبْعد للتهمةِ عنهُ أنْ يكونَ من عندهِ.
فهذا جملةُ ما عرفنا من شُبَهِهِم.

فصل
يَجْمَعُ الأجْوِبَةَ على مَا ذَكَرُوا
أمَّا الأولْ: فدعواهم وجودَ كلماتٍ من غيرِ العربيةِ، فليس كما ظنوا، بل هي كلماتٌ وافَقَتْها الفُرْسُ والنَّبطُ والرومُ فيها، وكم من كلماتٍ اتفقت فيها اللغاتُ، فلا تُنْسَبُ إلى لغةٍ دون لغة.
من ذلك قولُهم: سِروالٌ مكانَ سَراويل، والفُرْسُ تُسَمِّي السّما، السماءَ لا غير، وقيل: السور اسم تتفقُ فيه اللغاتُ، ويقولونَ بالفارسيةِ: جِراخ مكان سِراج، وكذلك صابون صابونٌ في كلُّ لغةٍ، ويجوزُ أن تكونَ العَربُ سبقتْ إلى ذلك وتَبعَهم الأعاجمُ والهندُ، ولهذا تقولُ العربُ: باذنجان، ويقول الأعاجمُ: بانكان، كأنَه اسم مُغَيَّرٌ عن صيغتهِ
(2/418)

إلى صيغةٍ تُفارِقُها.
على أن في لغةِ العرب من السَّعَةِ ما يكونُ بعضُها بالإضافة إلى بعضٍ كالعُجمةِ لغرابَتها، ولَذلك غُبيَ عليهم الأبُّ، فلمْ يَدْرِ عمرُ ما هو، وقال ابنُ عباس: ما كنتُ أدري ما معنى {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأنعام: 14]، حتى سمعتُ امرأةً مِن العربِ تقول: أنا فطرتُه، أي ابتدأتُه، فعَلِمْتُ أنّه أرادَ مُنْشِىءَ السمواتِ والأرض أو مبتدىء السمواتِ والأرض (1).
وأما تبعيدهُم الإِستبرقَ عن لغةِ العرب، لكونهِ لا يُعْرفُ اشتقاقهُ، ولكونهِ على وزنِ استفعل، مثل استفرغَ، واَستنفذَ، واستخبرَ، واستبرد، واستنفرَ، واستغفر، واستعلن، فلا يلْزمُ، فإِنَهُ ليس يَلْزَمُ الاشتقاقُ في الأسماءِ؛ وقد أنكرَ المطالبةَ به جماعة من أهلِ العلمِ، وكذلك فيهم مَنْ أنكرَ الاعتبارَ بالأوزانِ، وقالوا: يجوزُ أن يكونَ فيها ما ليس بمشتقٍ من شيءٍ، ولا موزونٍ بشيءٍ، ولا على وزنِ غيرِه، فمدّعي نَفْيَ جوازِ ذلك لا يجدُ عليه دليلاً.
وبرهانُ ذلك: أَنّه لو كان كلُّ اسمٍ مشتقاً من شيءٍ غيرهِ لتسلسل، وما يتسلسلُ لا يتحصلُ، كما استحالَ ذلك في الحركاتِ التي ادَّعَتْ المُلْحِدَةُ العدميون، أَنّهُ لا حركةَ إِلاَّ مثلُها حركةٌ، ولا صورةَ إلا مثلها صورة،
__________
(1) الذي وردَ عن ابن عباس في ذلك أنه قال:
"لم أكن أعلمُ فاطرَ السماوات والأرض، حتى اختصمَ أعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، يُريدُ استحدثت حفرها".
أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" 2/ 258 وعلَّقه في "الأسماء والصفات" ص (27)، والطبري (13111).
(2/419)

فكذلك يقالُ هاهنا، إذ لو كان لا اسمَ إِلأَ مشتقٌ، فالمشتقُ منهُ مِمَّ يُشْتَقّ؟ على أنَّكم إن أنكرتم استبرق، لأنُّه على وزنٍ استفعل واستعجل، فقد سُمعَ مِن لُغَتِهم ما يُزِيْلُ تَعَجبَكم وينفي استغرابَكم، فقالوا: يثرب وهو اسمٌ لبلادٍ {يَا أَهْلَ يَثْرِبَ} [الأحزاب: 13]، وهو على وزْنِ يَضْرِبْ، وفلانٌ اليَشْكُرِيُ مِنْ يَشْكر، ولعلها قبيلةٌ أو بلدٌ. وقالوا: رجلٌ عَدْلٌ. والعدلُ فِعْلُه، ومن ذلك قولهم: أفكل، وهو اسمُ فعلٍ من الأمراض (1)، وقيل: هو رِعْدَةُ الحمَّى، وقيل: هو نفسُ الحمَّى، قال يزيدُ بن حُجيّةَ حين انصرافِه من عسكرِ علي عليه السلام إلى معاويةَ -رضي الله عنه-:
وقالُوا عليٌّ لَيْسَ يقْتُلُ مُسْلِماً ... فمَن ذا الذي يَسْحي الرقابَ (2) ويقْتُلُ
وقَالوا الهُدَى هذا فإن نكرَ الهُدَى ... فشَفَتْ يَمِيْني واعْتَرىَ الجِسمَ أَفْكَلُ (3)
__________
(1) جاء في "لسان العرب": الأفكل: على وزت أفعل: الرِّعدة، ولا يبنى منه فعل.
(2) فى الأصل: "يشجي الرقاد" والمثبت من مختصر تاريخ دمشق 27/ 332.
(3) يزيدُ بن حُجية صاحب هذه الأبيات، هو يزيدُ بن حجية التيمي، من بني تيم بن ثعلبة بن بكر وإئل، فارق علياً رضي الله عنه، والتحقَ بمعاوية رضي الله عنه، وكان علي قد استعمله على الرّي، فكسرَ الخوارج واحتجنَ المالَ لنفسه، فحبسَه عليّ رضي الله عنه، وجعلَ سعداَ مولاه، فقرَّب يزيدُ ركائبه، وسعدٌ نائم، فالتحقَ بمعاوية رضي الله عنه وقال هذه الأبيات. =
(2/420)

يقولُ: اعْتَراهُ الحُمَى، فسقَطَ ما تعلقوا به.
وأما قولُهم: بُعِثَ إلى الكُل فكان كتابُه جامعاً لخطاب الكلِّ، ولغةِ آلكُل، ومُعْجِزاً للكُلِّ. فليس بلازمٍ، لأنه لو رُوْعِيَ هَذا، لكانَ مِن الواجبِ أنْ يجمعَ التركيةَ والزنجيةَ والسنديةَ والهنديةَ.
على أنَّ الخِطابَ إذا اعتبرَ للبيانِ، لم يقنعْ الرومُ بكلمةٍ، والفرسُ بكلمةٍ، والنَبَطِيةُ بحرفين، يكونُ كلُّ خطابهِ لهم: يا رجلُ، وانَّما كانَ يجب أنْ يَمُد الكلامَ ويُطَوَّلَه جامعَاً للدعاءِ لهم، والإِنذارِ، وبيانِ الأحكامِ بلُغةِ كلِّ فريقٍ، ولا يخصَّ العربَ بالكلام الجامعِ، ويُفردُ كلُّ طائفةٍ من غيرِهم بالكَلمِةِ، التي لا يَحْصُلُ بها بيانُ التكليفِ لهم، فلا فائدةَ في هذا.
وأمَّا الإِعجازُ؛ فليس فيهِ من كلامِهم ما يقتضي التعجيزَ، فإنَّ غايةَ ما فيه عند المُخَالِفِ الكَلِمَةُ والكلماتُ، وذلك مما لا يُتَحدّى بمثله، إذْ لا يتضمنُ فصاحةً ولا تُحُديَت العربُ بمثلهِ، إنَّما تُحُدِّيَتْ بالسورَةِ، حتى قال بعض النَاسِ بالسُّوَرِ الطوالِ دُوْنَ القِصَارِ.
ولأن تعجيزَ العرب كفى عن تعجيزِ غيرهم، فاذا عَجزُوا وهم أهلُ الصِّناعةِ كان غيرُهم مِمَّنْ لَيْسُوا من أهل اللسانِ أعجزَ، كما قُلنا في السَّحرةِ في حق موسى، والطَّبِّ في حق عيسى، لما عَجزُوا، وكانَ
__________
= ومنها أيضاً:
خادعتُ سعداً وارتمتْ بي ركائبي ... إِلى الشام واخترتُ الذي هو أفضل
وغادرت سعداً نائماً في عباءة ... سعد غَلام مستهام مُضَلَّلُ
"شرح نهج البلاغة" 4/ 84. و"مختصر تاريخ دمشق" 27/ 332.
(2/421)

عجزهم دليلًا على عجزِ جماعتهم.
وأما قولهم: إِنه لم يَدَّعِ أنه كلام، ولكن ادّعى أنَّه كلام الله سبحانه، وأنهُ إذا تعددَت منه اللغات، كان أدل على أنه كلامُ الله الذى يُحيْطُ خَبراً بجميعِ اللغَاتِ، وهو المنشىءُ لجميعِها. فلا يلْزَمُ، لأنهُ لو كانَ القصدُ ذلك، لم يقتصرْ على الكلمةِ بعدَ الكلمةِ، وإِنما كان يُطِيْل الكلامَ مِن كلِّ نوعٍ على وجهٍ يكونُ إعجازاً لأهلِ تلك اللُّغَةِ.

فصل
في الأسماءِ المسمَّى بها الأحكامُ والعباداتُ هل فيها شيءٌ منقولٌ من اللغَةِ؟
وذلك مثلُ: وُضوء وصلاةٍ وحجٍ ونكاحٍ.
وقد اختلفَ فيها أهل العِلمِ من الفقهاءِ والأصولينَ: فذهبتْ طائفةٌ إلى أنها لم تنْقَلْ عَمَّا وُضِعتْ عليه مِن اللّغةِ وهم الأشاعرةُ (1)، وهو يَحْكي بعضَ أصولِنا في قولنا: بأن الزنا ينشرُ تحريمَ المُصاهرةِ، ومُستَندُنا قولُه تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} [النساء: 22] وأخذَ صاحبُنا بها دُوْنَ حَمْلِها على العقْدِ (2).
وقولُه: إنً اللمس راجعٌ إلى اللَّمْسِ باليدِ، وهو أحدُ الوَجْهيَنْ لأصحابِ الشَافِعي.
__________
(1) وهو ما نُقِلَ عن القاضي أبي بكرٍ الباقلاّني انظر "العدة" 1/ 189.
(2) أي حملَها على الوطءِ دونَ العقد، وعلى ذلك يكون الزّنى موجباً تحريمَ المصاهرةِ، لتحقّقِ الوطء فيه انظر "المغني" 9/ 339 وما بعدها.
(2/422)

وذَهَبَ قوم إلى أنَّ فيها ما نُقِلَ عن اللُّغَةِ إلى وضْعٍ شَرْعي، وهم المعتزلةُ والخوارجُ وجمهورُ أصحابِ الشافِعي (1).
ويُخرَّجُ مِن كلام صاحبنا وأصحابِه مثلهُ، مثلُ قَوْلِهم في الصلاةِ: إنّها إيمان بقولِه سبحاَنه: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] يعني: صلاتكم إلى بيتِ المَقْدِس، وجعلُوها إيماناً يحصلُ الإِسلامُ من الكافرِ بفعلِها، ويَخْرُجُ المُسلِمُ من الإِيْمَانِ بتركِها، وجعلوا الأعمالَ كُلها مِن جملةِ الإيمانِ، وجعلُوا أفعالَ الحَجِّ وجملتَه مع إحرامِه حَجَّاً، مع عِلْمِنا بأن أصلَ الإِيمانِ في اللغةِ هو نفسُ التصديق، والحجُّ هو القصدُ، والصلاةُ مجردُ الدعاءِ، وهذا من صاحِبنا وأصحابهِ يُعطي جواز نقلِ الأسماءِ والقول به (2)، وعليه حَمَلُوا قولَه سبحانه: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197].
__________
(1) هذا ما قرره جمهورُ الشافعية، حيث صرّحوا بأن الأسماء الشرعية منقولةٌ من اللغةِ إلى معانٍ وأحكام شرعية.
انظر "التبصرة" ص (195)، و "البرهان" 11/ 177 و"المستصفى" 1/ 326.
(2) وخالفَ في ذلكَ القاضي أبو يعلى، حيث بيّن أن الأسامي الشرعية، واُن ثبتَ وجودُها، فهي غيرُ منقولةٍ عن الوضع اللغوي، بل المعاني اللغويةُ باقيةٌ وزيدَت شروطٌ، عليها، وقال: "فهو في الشَريعةِ كما كان في اللغة، وضُمَّت إليه شروطٌ شرعيةٌ، ولا نقولُ بأنها منقولةٌ من اللغة إلى معاني أحكام الشريعة" "العدة" 1/ 190 وذهب أبو الخطاب. وابنُ قدامة، والطوفي، وغيرهم إلى أن الأسماءَ الشرعيةَ منقولة من معانيها اللغوية، إلى معانٍ جديدةٍ، وهذا ما اختاره ابن عقيل كما هو ظاهر.
انظر "التمهيد" 1/ 88 - 89، و"نزهة الخاطر العاطر شرح روضة الناظر" 2/ 10 - 11، و"شرح مختصر الروضة" 1/ 490 - 495.
(2/423)

وتحت هذا الاختلافِ للأصوليين مذاهبُ مبْتَدَعةٌ تتفرعُ عنْ قَوْلِهم بالنقلِ، فإِنَهم لَمَّا قالوا: بأن الِإيمانَ اسم لأعمال وتَرْكُ أفعالا وأقوالٍ، أوجبَ أصْلُهم سَلْبَ اسمِ االِإيمانِ عَن تاركِ الأعمالِ، ومُرْتَكِب المَناهي، فَسَلَبَتْهُ المعتزلةُ اسمَ الإِيمانِ، ولم تدْخِلْة فى الكُفْرِ، بل جعلتْه على منزلةٍ بَيْنَ منزلتين، مع بقائهِ على الأصلِ اللُّغوي، وهو التصديقُ، وسَلَبَتْهُ الخوارج اسمَ الإيمانِ وأكسبتْهُ اسمَ الكفْرِ، وحُكِيَ عن الحَسنِ (1) أنَّه سَمَّى الفُسَّاقَ باسمِ النَفاقِ، قال أحمدُ فيه: كان يُعَظم الذنوبَ، وقال في الخوارجِ؛ وقد سُئلَ عنهم: هَلْ هُم كُفَار؟ فقالَ: مارقةٌ، اتِّباعاً منهُ للحديثِ المرفوع: "يَمْرقُون من الدينِ كمروقِ السهمِ من الرمية" (2)، وعلى عليه السلاَمُ لما سُئِلَ عنهم نفى عنهم الكفرَ والنَفاقَ، واختبطتْ هذهِ المذاهب التي أثْبَتَتْ النقلَ غايةَ الاختباطِ، فبعضهم جعلَ نَفْلَ الطاعاتِ وفرضَها، من
__________
(1) هو أبو سعيد الحسنُ بن أبي الحسن يسار البصري، مولى زيدِ بن ثابت، سيّد أهلِ زمان علماً وعملاً، ومن كبار التابعين، حيث أدرك عثمان وطلحة وروى عن المغيرةِ بن شعبة، وسمرة بن جندب، وابن عباس، وأنس بن مالك وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم، وخرَّج له الجماعة. توفي بالبصرة سنة (110) ه.
انظر ترجمته في:
"طبقات ابن سعد" 7/ 156، "طبقات الفقهاء" للشيرازي ص (87)، و"تهذيب التهذيب" 2/ 263، "تذكرة الحفاظ"1/ 66، "وسير أعلام النبلاء" 4/ 564.
(2) قطعةٌ من حديث على بن أبي طالب الذي أخرجه أحمد 1/ 81 و 113 و131، والبخاري (3611) و (5057) ومسلم (1066)، وأبو داود (4767)، =
(2/424)

الإيمانِ، كأبي الهذيلِ العلافِ (1). وبعضُهم أجرى هذا الاسمَ على فرائِضه دونَ نوافِلِه، وقسموا الإيمانَ أقساماً، فكفروا مَنْ تَرَكَ المعرفةَ والتصديقَ، وفَسقُوا مَنْ تركَ فرائضَ الأفعالِ وارتكبَ نواهِيهَا، ولم يكفِّروه، ولم يُكفروا ولم يُفَسقوا مَنْ ترك نوافلَ الطاعاتِ، وجعلوا أعمالَ الفرائض غيرَ مُحْبطةٍ للمعاصي الموجبةِ للفسقِ، وشَرَطُوا في كونِ أعمالِ الطَّاعاتِ إيمَاناً أن يكون تاركاً للكبائرِ، فإن ارتكبَ كبيرةً حَبطَتْ طاعاتُه، وخَرَجَتْ أن تكونَ مُوجِبةً لإِيمانِ الفاعِل لها.
وذَهَبَ أصحابُنا نحنُ، إلى أنَّه لا شيءَ من الطاعاتِ يُكَفرُ بمجرَّدِ تَرْكِهِ مع اعتقادِ وجوبِه سوى الصلاةِ.
وبعضُ المتأخرينَ في مُصَانَعته في مسائلِ النَّظَرِ، ومجالسِ الجَدَلِ، يُجري المذهبَ على الكُلِّ، وليس بصحيح عن صاحبِ المَقَالةِ، بل الصحيحُ تخصيصُه الصلاةَ. للتسميةِ الشرْعِيَّةِ، ولخصائصَ خَصَّها بها من السنَنِ الواردةِ فيها، وجعلوا جميعَ المعاصي غيرَ مُحْبِطَةٍ لشيءٍ من الطاعَاتِ، واستثنوا مِنْ ذلك ما كان مِنَ المعاصي في نفس شَرْطٍ، كالستْرةِ بالثوبِ المَغْصُوبِ، واستقرارِ القَدَمِ على البُقْعَةِ
__________
= والنسائي 7/ 119، وابن حبان (6739).
(1) هو محمد بن الهذيل البصري العلاف، رأس المعتزلة، أخذ الاعتزال عن عثمان بن خالدٍ الطويل تلميذ واصل بن عطاء، له تصانيف كثيرة، وأقوال غريبة منكرة، توفي سنة (227) ه، وقيل غير ذلك.
انظر: "تاريخ بغداد" 6/ 20 - 23، و"طبقات المعتزلة" 44 - 49، و"وفيات الأعيان"4/ 265 - 267، و"شذرات الذهب"2/ 85، و"سير أعلام النبلاء" 10/ 542 - 543.
(2/425)

المُغْضُوبةِ في الصَلاةِ، وهو أحدُ المذهبين لأحمدَ، وإنما كشَفْتُ ماتفضي إليه مقالةُ القائلِ بالنقْلِ، تحذيراً من سرعةِ الاتباع للمقالاتِ، من غيرِ تَبيين ما في تفاصيلِها من الأخطاءِ، ولزومِ ما عَسَاهُ يُفسِدُ أُصولاً، فإنّ كثيراً من المُتَفَقهَةِ يُسارِعون إلى ذلك، لعدمِ المعرفةِ بما في مَطاوي ذلك.

فصل
في جَمْع الدلائِلِ على أَن فيها منقولاً من اللغة إلى معانٍ وأحكامٍ أَن الإيمان (1) في اللغةِ مجردُ التصديقِ بدليلِ قوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} [يوسف: 17] وقوله: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ} [البقرة: 285]، و {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة: 177]، يعني صدق بهما، {قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما آمَنَ بالقُرْآنِ مَنْ اسْتَحَل مَحَارِمَه" (2)، ومعلومٌ أنَّه صارَ في الشَرع اسماً لا تقَعُ إطلاقُه ولا يفهَمُ منهُ إلا اجتماعَ التصديقِ والأعمالِ التي هي فروعهُ ودلائلُه وتروكهُ، ولاْ يقالُ في الصدق إلا مُقَيداً، ولا يُسمى تاركُ جميعِ الفروضِ، ومرتكبُ سائرِ الفجورِ مؤمناً، إلا بأنْ نُقَيدَ أنَّهُ مؤمنٌ الله، أو يُتْبَع ذلك بأنه فاسقٌ، فإنَّ الإطلاقَ اسمُ مدْحَة، وقد نَطَقَ القرآنُ بذلك حين قال سبحانه:
__________
(1) والراجح في تعريف الإيمان عند أئمة السلف: أنه تصديق بالجَنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، فهو اعتقاد وقول وعمل. انظر "شرح العقيدة الطحاوية": 459 وما بعدها.
(2) أخرجه الترمذي (2918)، والطبراني في الكبير (7295)، 8/ 36، وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" 1/ 177، وقال فيه الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بالقوي.
(2/426)

{قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14] , وقال سبحانه: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143]
وعَنَى: صلاتَكم إلى بيتِ المقدسِ، وكان أصحابُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولون: قوموا بنا نُؤْمِنْ ساعةً (1). يعنون: الصلاةَ وأفعالَ الخير، والسُّنَن في ذلك ظاهرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الإِيمانُ بضْغ وسَبْعُونَ خَصلَةً، أعلاها قولُ: لا إله إلا الله، وأدناها إماطةُ الأذَى عن الطريق" (2).
والصلاةُ اسم للدعاءِ المُجَردِ، ومعلوم انها إذا أطْلِقَتْ لم تَقَعْ على دعاءٍ في الشرعِ، لكنها تقعُ على تحريمةٍ، وأفعالٍ تتلوا التحريمَة حتى يُقالَ: إنَّه في الصلاةِ بنفسِ التكبيرةِ المُرتبةِ على شروطِها التى لا دعاءَ فيها، حتى إن للأخرسِ صلاةً ولا دعاءَ في صلاتِه، ولأن الزكاةَ في أصلِ اللغةِ هي الزيادةُ، تقولُ العربُ: زَكَا المالُ يزكو إذا نَما وزادَ، وهي في الشرع: تنقيص وتَخْسيرٌ في المالِ، لأنها إخراجُ بعضهِ على وجهٍ، بقصدِ طاَعةِ اللهِ، بإغناءِ الفقيرِ ومواساتهِ، فهذا منقولٌ إلى الضدَّ لا محالةَ، وما وُجدَ فلا يجوزُ جَحْدُه، وهذا كلُّه قد وُجِدَتْ تسمِيتُه في أشياءَ ليست الَأشياءُ التي وُضِعَتْ لها الأسماءُ اللغوية، ومِمَّا يدلُّ على ذلكَ أن الله سبحانه قد حَدَدَ لنا عباداتٍ لم تكنْ لأهلِ
__________
(1) أوردَ هذا الأثرَ عن معاذ بن جبل البخاري (1/ 45)، وابن أبي شيبة، في كتاب الإيمان. (105) ووردَ عن عبدِ الله بنِ رواحة، عند ابن أبي شيبة في كتاب الإيمان (106).
(2) أخرجه من حديث أبي هريرة أحمد 2/ 379 و 414 و 445، ومسلم (35) (58)، وأبو داود (4676)، وابن ماجه 57، والترمذي (2614)، والنسائي 8/ 110، وابن حبان (166) و (191).
(2/427)

اللغةِ، ولا عَرفُوها فيضعونَ لها اسماً، فاحتيجَ إلى وَضْعِ أسماء شرعية لهذهِ الأشياءِ المُحْدَثَةِ، كما أنَّ أهلَ الصنائعِ قد حَددُوا أدواتٍ وآلاتٍ لم تكن وحددوا لها أسماءَ، كذلك هاهنا في العباداتِ المُحْدَثَةِ يجبُ أن يُحْدثَ لها أسماء.

فصلٌ
يجمعُ أسئِلَتَهم على هذهِ الأدِلةِ
قالوا: الإيمانُ غيرُ منقول بل هو التصديقُ على ما كانَ.، وإنما المرادُ بقوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] فإنهُ لم يُرِدْ به صلاتَكم، وما الذي أحوجنا إلى ذلك، وإنما أراد بظاهرِ الآيةِ: ومَا كانَ الله لُيضيعَ تصديقَكُم بالصلاةِ إلى بيتِ المقدسِ.
على أنَّه قد قال: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ} [الإسراء: 78]، وأرادَ بهِ صلاةَ الفجرِ، فسمَّى الصلاة قُرآناً؛ لأن فيها قرآناً، ولا يقالُ: إن القرآنَ اسمٌ نُقِلَتْ إليه الصلاةُ، كذلك تسميتُه الصلاةَ إيماناً لا يُعطي أنه نقَلَ إليها اسمَ الإيمان، وإنما سمَّاها إيماناً، لكونِها من شواهدِ الإيمانِ.
وقولُكم رُويَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الإيمانُ بضْعٌ وسبعونَ جُزءاً أعلاه قولُ: لا إله إلأَ الله، وأدناهُ إماطةُ الأذى عن الطريقِ"، فإنَما هو خبرُ واحد، ونحنُ في أصلٍ عظيمٍ لا يجوزُ الخلافُ فيه، ولا العملُ بخبرِ واحدٍ.
ولو ثبتَ أنَّه قولُ النبي عليه الصلاة والسلام، وكان طريقُه تواتراً خارجاً عن
(2/428)

الآحادِ لما كان حجةً؛ لأنَ قولَه: "الإيمانُ بضغ وسبعونَ جُزءاً أعْلاهُ قولُ: لا إلهَ إلا الله " نحنُ مُجْمعُونَ على خلافِ الظاهر، لأنَ الإيمانَ عندنا هو التصديقُ بالقلب، وأَنً جميعَ ما ذُكِرَ من القولِ والأفعالِ شواهدُ لو تجرًدت عن اعتقاَدٍ لكانت مُنْحَبِطَةً، وعندكم أنَّ الاعتقادَ إِنْ لم يكنْ ايماناً، وإِنَما هو بعضُ ايمانٍ، فإنهُ أعلى الشُعَبِ، فلم يبقَ إلا أنه ذكَرَ الخِلالَ المعدودةَ من الأفعالِ باسمِ الِإيمان، لأنها شواهدُ على الإيمانِ، كما سُمِّيَ النبى صلى الله عليه وسلم باسم ما بعثَ به: {ذِكْرًا (10) رَسُولًا يَتْلُو} [الطلاق:10 - 11]، وسُمَّيَ عيسى: {قَوْلَ الْحَقِّ} [مريم: 34]، وهذا وأمثالُه تجوُّزٌ واتساع في الكلامِ.
والذي يُوضِّحُ هذا: نقيضُ الإيمانِ، وهو الكفْرُ، فإِنَهُ الاعتقادُ، وجميعُ الأفعالِ من سجودٍ للصَّنمِ والصليب ولزوم السَّبتِ، أو الأحدِ، على ذلك دلائلٌ وشواهدٌ، وليست منَ الكُفر (1)، ولأنَ الكفرَ ما أعدم الاعتقادَ، فلمّا زالَ الإيمانُ عُلمَ أنّه ليس هو إلاّ التصديق.
وأمَّاقولُكم: إنً لنا عِباداتٍ تتجددُ، فلا بُدَّ لها من أسماءٍ؛ سِيَّما ونبينُا صلى الله عليه وسلم بُعثَ إلى الكافَةِ مَن في زمانِه، وكل عصرٍ بعده، إلى يومِ القيامةِ. فليس بلازمٍ؛ لأنه لم يتجددْ في الشرعِ شيء لم يكنْ له في اللغةِ اسم موضوع، وإلا فبَيِّنوا، ما الذي تجدد من المسميات، كعبادةٍ لم يكنْ لها اسمٌ، أو عقد لم يكنْ له اسمٌ؟ ولن يجدوا إلى ذلك سبيلاً.
قالوا: ولأنَّ منْ يُسلِّمُ لكم أن اسمَ الصلاةِ جرى على الأركانِ والأفعالِ، بل لم يَجُزْ عندنا إلا على الدعاءِ فقط، وما خَلَتْ مِن دعاءٍ،
__________
(1) بل هي من الكفر.
(2/429)

ولو ما تضمنته الفاتحةُ، وهي ركن لا بُدَّ منها، والتشهُّدُ الأخيرُ ركن، وما خلا من دعاءٍ واجبٍ أو ركنٍ، وأمًا الأدعيةُ المسنونةُ والمندوبةُ فكثيرة، ويكفي أن يكونَ فيها دعاء، فتُسمّى به لا لأجلِ الأفعالِ، وما ذلك إلا بمثابةِ الصوم الذي سُميَ به الإِمساكُ عن الأكلِ والشرب والجماع لا لأجلِ النَيةِ، وَالحجُ سُميَ بالقصدِ، ولا ينفكُ الحجُّ من قَصدٍ، لأنه عِدَةُ مناسكَ في أمكنةٍ مختلفةٍ، لا بُدَّ من المضيِّ اليها، والقصدِ نحوها، إذا كان في غيرِها، فَالآفاقي تقْصِدُ مِن دُويرةِ أهلهِ إلى ميقاتِه، ثُمَّ مِن الميقاتِ إلى موقفِ عرفةَ، ثم مِن عرفةَ إلى المزدلفةِ، ثم إلى منى، ثم الى الكعبةِ، ثم السعي بَيْنَ الصفا والمروةِ، ثم العَوْد الى منى، للبيتوتةِ والرمي، وهذه كُلها قُصودٌ، ويندرجُ في إثباتِها الأذكارُ والتروك والتجنباتُ التي وَقَعَ عليه لأجلِها إحراماً، والاعتكافُ ملازمةُ مكانٍ مخصوصٍ بنيةٍ، والايمانُ اعتقاد وتصديق، يستتبعُ أعلاماً ودلائلَ عليه تظهرُ على الأركانِ، ولذلك قال: "بُنِيَ الِإسلامُ على خمسٍ" (1) وذَكَرَ الأقوالَ والأفعالَ، ولو كانت مِن ذاتِ الإِيمانِ لم تكنْ مَبْنيةً عليهِ؛ لأنَّ الشيءَ لايُبْنَى على نفسِه.
قالوا: ولو سلَّمنا لكم أن الأعمالَ نفسَها تُسمى صلاةً، لم تكنْ لكم فيه حجةٌ، لأنها لا تخرجُ عن وضعِ اللغةِ، وذلك أن هذه الأفعالَ متبعٌ بها فعلَ الإمامِ ومُقْتَفٍ بها على أثرهِ، والتالي للسابقِ يُسمى في
__________
(1) أخرجه من حديث عبد الله بن عمر:
البخاري (8)، ومسلم (16)، وأحمد 2/ 26 و 93 و 120 و 143، والحميدي (703)، والترمذي (2609)، والنسائي 8/ 107 وابن حبان (158) و (1446).
(2/430)

اللغةِ المُصلَّي، من حيثُ إنه تالٍ، وذلك يُسمى في السبقِ أوَّلًا ومُصلياً، والزكاةُ الزيادةُ، وقد نَطَقَ القرآنُ بالمضاعفةِ لثوابِها، فما أوقَعَ عليها اسمَ الزكاةِ، إلا بفاعلِ الوضْعِ الذي هو الزيادةُ، وسَقَطَ حكم النقصانِ من المالِ في الحالِ، نظراً إلى الزيادةِ في المالِ، والوضوءُ مأخوذٌ مِن الوَضَاءَةِ، وأصلُه في اللغةِ ما أزالَ الدرَنَ والوَسَخَ، والطهارةُ النزاهةُ، وهذا هو الحقيقةُ مِن الطهارتين: الوضوءُ وإزالةُ النجاسةِ، فأين النقلُ والحالُ هذه؟!
فهذا في باب العباداتِ، وأمَّا العقودُ، فإن النكاحَ: الجمعُ والضمُّ، والعقدُ: جمعٌ بَيْنَ قولين، وجمعٌ بين شَمْلَيْن وثمرتين، ولا يخلو ذلك العقدُ من اجتماعِ أشخاص، وبعد العقدِ يُفضي إلى اجتماعِ أشخاص، والسَّلَمُ استسلامٌ، والضربُ مصارفةٌ، فلا حاجةَ إلى القولِ بالنقلَ.

فصلٌ
يجمعُ الأجوبةَ عن الأسئلةِ على طُرقِنا في نقلِ الأسماءِ.
اما دعواهم أن الإيمانَ مجردُ التصديقِ، وانكارُهم أنَه منقولٌ، فلا تَصِح، لأن الوضعَ الأصلي ينبغي أنْ يكونَ حقيقةً لغةً وشرعاً، فإذا كان الوضعُ اللغوي مُعْتدَّا بهِ وضعاً، فالتسميةُ الشرعيةُ لا يجوزُ أن تَقعَ على أشياءَ أَغْياراً لما وَقَعتْ التسميةُ اللغويةُ عليه، أو مزيدةً إلا نقلاً، ألا ترى أن الاستعارةَ والمجازَ لم تكُنْ بوضعِهم لها على ما استعاروه لها من الأسماءِ، مبقاةً بل مستعارةً، فكذلك الوضعُ الشرعيُ يجبُ أنْ لا يكونَ مُبقىً على ما أريدَ به في اللغةِ، مع قولِ الشرعِ: إنهُ الأفعالُ
(2/431)

المخصوصةُ والأقوالُ، ولا تكونُ الصلاةُ هي الدعاءَ، مع تسميةِ صاحبِ الشريعةِ للأفعالِ صلاةً.
وقولُهم: ما الذي أحوجَنا إلى حَمْلِ الإيمانِ على الصلاةِ؟ فلأنَّ القومَ أظهروا التأسفَ على من ماتَ من أقاربِهم قبلَ النسْخِ، وقد كان صلى إلى بيتِ المقدسِ (1)، وما كان الموتى تركوا الإيمانَ والتصديقَ حتى يتأسَّفوا عليهِ، فترجعَ التسليةُ بنفي الإضاعةِ اليه، بل يندموا على نفي الصلاةِ، فعاد قولُه سبحانه: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] إليها دون التصديقِ.
وقولُهم: إن خبرَ شُعب الإيمانِ خبرُ واحدٍ، ونحنُ في أصل عظيم لا يثبتُ بمثلهِ. لا يَصِح، لأَنَّ الأمةَ تلقته بالقَبولِ، فصار كخبرٍ متواترٍ، وأصولُ الفقهِ ليس يُطلبُ لها قواطعُ الأدلةِ، ولا حكمُها حكمُ أصولِ الدينِ، ولذلك لا يفسقُ ولا يكفرُ مخالفُنا فيها، ولأنَّ خبرَ الواحدِ من الأصولِ الذي صَلَح للقضاءِ على أصلٍ ثَبَتَ بدليلِ العقلِ، وهو براءةُ الذِّمَمِ من الحقوقِ، فجاءت البيناتُ وهي آحادٌ، وأخبارُ الديانات (2)
__________
(1) ورد ذلك من حديث ابن عباس، قال: لما وُجّهَ النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة، قالوا: كيفَ بمن ماتَ من إخواننا وهم يصلّون نحوَ بيتِ المقدس؟ فأنزلَ الله جلَّ وعلا: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143].
أخرجه أحمد 1/ 295 و 304 و 347، والترمذي (2964)، وأبو داود (4680)، وابنُ حبان (1717). وله شاهد يتقوى به، من حديث البراء، قال: مات على القبلة قبل أن تُحوَّل رجالٌ قتلوا، فلم ندرِ ما نقول فيهم، فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} أخرجه البُخارى (40) والطيالسي (722).
(2) كذ في الأصل، ولعلها: "الديات".
(2/432)

الآحادُ، فشغلت الذِّمَمَ، وأزالت ما كان ثبتَ من فراغِها وخلوَّها بدلائل العقولَ.
وأما حملُهم لها على أنَّها شواهد ودلائل على التصديقِ، ودعواهم أن الإجماعَ منا ومنهم حاصل على أن الإيمان وراء ذلك، هو أمرٌ في القلب، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سألَه جبريلُ عليه السلام عن الإسلامِ فسرة بالشهادتين، وعَجبَتِ الصحابةُ مِن سؤالهِ وتصديقهِ، فقال: "ذاك جبريلُ أتاكم يُعَلِّمكُم أمرَ دينكُم" (1)، وما خَرَجَ مَخْرَجَ البيانِ لا يكونُ على سبيلِ التوسعِ والمجازِ والاستعارةِ، وصَدقَ ذلك القرآنُ، حيثُ فسرَ الإيمانَ بقولِه: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2)} [المؤمنون: 1 - 2]، وسَاق أفعالَهم مِن الطاعَاتِ، وتَجنبهم للمعاصي الموبقاتِ، وقال: "الحَج عَرَفَة" (2)، وأرادَ به الوقوفَ، وليس الوقوفُ هو القصد، وقالَ:" الحَجُّ العَجُّ والثَّج" (3) ففسره بالفعلِ والقولِ، وقال:
__________
(1) قطعةٌ من حديثٍ طويلٍ لعمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه، أخرجه مسلم (8)، وأبو داو (4695)، والترمذي (2610) والنسائي 8/ 97، وابن ماجه (63)، والطيالسي ص 24، وابن حبان (168) و (173)، والبغوي في "شرح السنة" (2).
(2) ورد هذا من حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "الحج عرفات، فمن أردك عرفة ليلة جَمعٍ قبل أن يطلع الفجر، فقد أدرك، .... ".
أخرجه، أحمد 4/ 309 - 310، وأبو داو (1949)، والترمذي (889) و (890)، والنسائي 5/ 264 - 265، وابن ماجه (3015)، وابن خزيمة (2822)، وابن حبان (3892)، والبغوي (2001)، والبيهقي 5/ 116.
(3) أخرجه من حديث أيي بكر الصديق رضي الله عنه، الترمذي (827)، ومن =
(2/433)

"مِفْتاحُ الصَلاةِ الطهُورُ، وتحريمُها التكبيرُ، وتحليلُها التَسليمُ (1) وقال: {ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} [الإسراء: 110] وإنما رَجَعَ ذلك إلى القراءةِ، والأصلُ في كلامِه - صلى الله عليه وسلم - الحقيقةُ، فمُدَّعِي المجاز عليه الدليلُ.
وأمّا دعواهم أنَّ الكُفر هو الاعتقادُ، فكذلك ينبغي أنْ يكونَ الإيمانُ هو الاعتقادُ، فهذا دفعُ وضعِ الشريعةِ لاسم الإيمانِ بالقياس على الكفرِ. ولأنه ليس إذا لم يتخلَّفِ الإيمانُ بتخلفِ الَأفعالِ، يَدُلُّ على أنَ الأعمالَ ليست من جملةِ الإيمانُ، ألا ترى أنّ الأعمالَ في الصلاةِ والحجِ، والإمساكَ في الصوم، لا تتخلَّفُ العبادةُ بتخلفِه مع زوالِ النيةِ، ولا يَدُل على أن العباداتِ مجردُ نِيةٍ.
وأما جَحْدُهم عباداتٍ تتجددُ، وسؤالُهم عنها، فلا شكَ أنّ العربَ لم تكُ تعرفُ كيفياتُ هذه التعبدات، كمناسكِ الحجِ المخْتلفة، وأركانِ الصلاة، والكفاراتِ المختلفة باختلافِ أسبابِها، ولا الحدودَ المختلفة باختلافِ الجرائمِ، ثُمَ إنّ الشرعَ أوجَبها، وتَعبدنا بها، فلا بُدَّ مِن أنْ يَضَعَ لها أسماء نعرفها بها، فسمّى كُلاً منها باسم: إمَّا موضوع لغيرها، أو جَدّدَ لها اسماً.
__________
= حديث ابن عمر رضي الله عنهما ابن ماجه (2896) والبغوي في "شرح السنة" (1847).
والعجُّ: رفع الصوت بالتلبية، والثجُّ: إراقة دم الحيوان في الحج.
(1) تقدم تخريجه في الصفحة 290.
(2/434)

وأما تعويلهم على أنَّ الصلاةَ ما خَلَتْ من دعاءٍ والحج من قصدٍ والزكاةَ من مضاعفةِ أجرٍ، والصَّومَ من إمساكٍ، فهذا نظر إلى مالا يستَحِق به الاسمُ شرعاً إلا بانضمام شيء، فلو أتى بالدعاءِ، وتركَ ركناً من الأفعالِ، وأمسَكَ عن كُلِّ مبَاحٍ ومحظورٍ، وقَصَدَ كل مَنْسَكٍ، وأقامَ بكلِّ مكانٍ محترمٍ لكنْ بغير نيةٍ، وغيرِ ستارةٍ وطهارةٍ للصلاةِ، وإلى غيرِ القبلة، لم يَقَعْ الاسم الشًرعي مع وقوع الاسمِ اللغوي في وَضْعِ القَوْم، ومحال أنْ يَكونَ الوَضْع اللغوي مبْقى، وهو ينفى في الشرع، لمكانَ اختلالِ ما اعتبرة الشرع، فما صار الاسم اللغوي بعد وضعَ الشرع ما وضعَ واعتباره لما اعتبرَ من الشروطِ، إلا بمثابةِ المجازِ الذي يحْسُنُ نفيهُ، حتى إنَّه يقالُ للمُمْسكِ من غير نِيَّة: ليس بصائمٍ، وللحاجِّ مع الوطءِ متعمداً: ليس بحاج، لكنه مُفسدٌ للحج، ونقيسه على هذا في صلاةِ المحْدِثِ، فعلِمَ بأن الوَضْعَ منقولً إلى معنى آخر.
ألا ترى أن الوَضْعَ اللغويَ الذي لم ينْقلْ، إذا تشعبَ معناة، لم تَقَع التسميةُ عليهِ إلا مجازاً، كالرُّمح إذا قُلعَ سنانُه قيلَ: قناةٌ، والمائدة إذا رُفعَ الطعام عنها قِيل: خِوان، فصَارَ الحجُّ والصلاة إذا رُفع عنهما بعض أنساكِهما وشرائطِهما، في رفعِ الاسمِ عنهما شرعا بعدما سُمِّيتْ، كالأسماءِ الموضوعةِ لغةً لأشياءَ مخصوصه، لا تقع عليها إذا اختلَّت تسمياتها، مع حراسةِ ما وضِعَتْ لأجلهِ في اللغةِ، وهو القصد في الحج، والدعاءُ في الصلاةِ، والإِمساك في الصومِ.
وأمَّا تعويلهم على أنها سميَتْ صلاة للاتباع، وأن المأمومَ تالٍ ومُتابع، فهذا إنْ وُجِدَ في المأمومِ، يجب أَن يفْقَدَ في الإمامِ
(2/435)

والمنفردِ، كما يفقدُ في كلُّ مبتدىٍء في الرمي والسباقِ وغير ذلك، مما يقالُ فيه: أولُ، ومُصَلِّي، ودعواهُم بقاء الوُضوءِ من حيثُ الوَضَاءةُ، فالغاسلُ أعضاء وُضُوئِهِ بماءِ الوردِ، وَضِيءٌ ومُتَوَضِّىءٌ لغةً، فلِمَ نُفِيَ عَنْهُ الاسمُ شرعاً؟ للإخلالِ بنيةٍ عند قومٍ، وطهورٍ مخصوص عند قوم، وأبدلَ عِند العَدَم بماءٍ يُلَوثُ ولا يَغْسلُ دَرَنَاً، وأجِيزَ بماءِ اُلمدَودِ والآسنِ، ولم يَقًعْ عليهَ الاسمُ، مع حصولِ المعنى اللغوي بالمياهِ المستخرجةِ من الأشجارِ.
وأما تعلقهم في العُقودٍ بالاشتقاقِ، فإن العربَ تُوقعُ الاسمَ على من استسلمَ وأسلفَ، وإنْ لم يدفعْ جميعَ ثمنِ السلفِ في مجلس العقدِ، والنَّكاح يُعقَدُ بَيْنَ مشرقيٍّ ومغْربيه ولا جَمْعَ، وإن اجتمعا حقيقة ومشاهدةً من غير إيجابٍ وقبول واقع عليه التسمية في اللغة، وانتَفَتْ عنه تسميةُ النَّكاحِ في الشرعِ، فأين البقاءُ على الوضعِ اللغوي والحالُ هذا؟.

فصل
يجمعُ ما تعلقوا به من شُبَهِهِم بدعوى ما يحكمُ على أدلتِنا.
فمن ذلك قولُه سبحانه: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ} [مريم: 97] {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم: 4] وقوله: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)} [الشعراء: 195] {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} [الزمر: 28]، وهذا يعني أنَّ القراَنَ جميعهُ عربيٌ، سِيَّما على قول مَنْ يجعلُ للعموم صيغةً، وأنْتُم مِن جُملةِ القائلينَ بالعموم، فاقتضى أنَه ليس في القرآنِ غَيرُ العربي، وجميعُ مادَللتم على نًفيَ اْلنَبَطيةِ والفارسيةِ عنه،
(2/436)

ينبغي أن تستدلوا بهِ على نفيِ نقلِ شيءٍ منهُ عن العربيةِ، إلى ما ليس منها ولا من وَضْعِها، وأجمعت الأمةُ قاطبةً على أن الله لم يَبْعَث محمداً صلى الله عليه وسلم إلا باللغةِ العربيةِ، ولا أنْزَلَ كتابَه إلا بالعربيةِ، فدعوى نقلِه عنها، أو نقلِ بعضِه أمر يحتاجِ إلى دلالةٍ صالحةٍ للنسخِ، لأنَ النقلَ مِن لغةٍ إلى لغةٍ، أكثرُ من النَقْلِ من قِبْلَةٍ إلى قِبْلةٍ، ومن سجودٍ إلى ركوع، وما شاكَلَ ذلك من هيئاتِ التعَّبداتِ.
ولو كان قد نقلَه الله من لُغتِهم إلى غيرِها، لبينهُ النبى - صلى الله عليه وسلم - بياناً شافياً، ولو بينهُ كذلك، لنُقِلَ إلينا نقلًا متواتراً، كما نُقِلَ كلُّ ناسخٍ لمنسوخ، وكل ما نُقِلَ إليهِ من الأفعال، كما نُقلَ مَسحُ الخُفينِ بعد إيجاب غَسلِ الرجلين، والجمعةُ رَكعتانِ في وقتِ الظهرِ التي هي أربعُ، وكما نُقِل قصرُ الصلاةِ في السَّفرِ بعد تمامِها في الحضِر، بل الهمة بكلامِ الله، وبيانُ نقلهِ عن وضعِ اللغةِ العربيةِ، من عباداتٍ وأحكامٍ وعقودٍ، أشدُ وأكَثرُ منَ الهمَّةِ بنقلِ همه في فعل أو مقدارِ فعل متعبدٍ به، فهذه دعوى عظيمة تحتاجُ إلى نقل يكشفُها، ودليل يوازيها ويصلحُ لها، وإذا لم نجدْ، فالتمسكُ بما أخبَرَ الله سبحانَه من كونِ كتابهِ عربياً، ولسانِ نبيه عربياً، واجبٌ لا يجوزُ الميلُ عنهُ والتسهيلُ فيه، أولا تراهم كيف شحوا بأن يغيروا التابوتَ من التاءِ إلى الهاءِ، ونافسوا في ذلك من لغةِ هُذيلٍ إلى لغةِ قُريش، فَمُذْ ظهرت فنقلتْ عنهُ المُشاحةُ في تغييرِ حرفٍ من لغةٍ عربية إلى لغةٍ عربية أيضاً، تمسكاً بلغةِ قريش، حيث كانَ النبى منهم، يعلمون أنَ في القرآن منقولًا عن أصل اللغةِ العربية إلى وضع آخرَ، ولا يكشفوَنه ويتلونه كشفاً ونقلًا يليقُ به! فلما كان النَبى - صلى الله عليه وسلم -، وهو المُخاطبُ بإيجاب البيانِ
(2/437)

بيَّنَ هذا بياناً شافياً، ولا الصحابةُ الذين لم يُسامحوا في كتاب اللهِ تعالى بحرفٍ، نقلوا ذلك نقلاً متواتراً، يَقْطَعُ العُذْرَ ويُوجبُ العِلْمً، ولا ظَهرَ عنهم إجماع يقطعُ به، عُلِمَ أن هذا توهم من قائلهَ ومخاطرةُ من معتقده.
قالوا: ولأنَه لو جازَ أن يخاطبهم بالصلاةِ، وهي في لغتهم الدعاءُ، وهو لا يريدُ الدعاءَ، والزكاةِ، وهي في لغتهم الزيادةُ، وهو لا يريدُ إلا التنقيصَ والتشعيثَ، وخاطبهم بالحجِّ، وهو لا يريدُ القصدَ، بل الوقوفَ والرميَ والطوافَ والسعيَ، لجازَ أن يخاطبهم بالقتلِ، وهو يريد منهم قطعَ اليدِ أو الجلدِ، ويخاطبهُم بالصومِ، وهو يريدُ منهم الأكلَ والشربَ، وأن يقولَ: اقتلوا المشركينِ، وهو يريدُ المؤمنينَ، فلما لم يَجُزْ هذا لم يَجُزْ أن يُدعى أنهُ أمرهم بما ليسَ في لغتهم، بل هذا أحسنُ لأن جميعَ ما غيرت إليهِ من الأسماءِ لغة لهم، لأنَ قَطْعَ اليدِ الذي نُقِلَ القتلُ إليهِ، والأكلَ والشربَ الذي أرادَ به الصومَ على ما بينا، كلَّه لغتهُم، والذي جعلتم النقلَ إليه ليس بلغةٍ رأساً، فإذا لم يَجُزْ فيما ذكرنا، ففيما ذكرتُم أولى أنْ لا يجوزَ، لأنَّه ليس مِن لغةِ القومِ رأساً.
وقد تكلفَ قومٌ منهم بأنْ نقلوا الوضعَ الأصلي، واستشهدوا عليه بقولِ العرِب، فقالوا: إنَّ الصلاةَ الدعاءُ بدليل كتاب الله، وكلام العربِ في نثرِهم ونظمِهم.
فمن كتاب الله سبحانه قولُه: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة: 103]، وقوله: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ} [التوبة: 99] ومنه سُمَيتْ الصلاةُ على الميت صلاةً؛ لأنها دعاءٌ
(2/438)

له، وإن لم تَجمعْ رُكُوعاً ولا سجوداً ولا تَشهداً.
وقال الأعشى يصفُ خَمَّاراً وخَمراً:
لَها حَارِس لا يَبْرَحُ الدَّهْرَ بَيْتَها ... وإن ذُبِحَتْ صَلَّى عَليها وزَمْزَمَا (1)
أي: دعا لها بالبركةِ خيفةَ فنائِها.
وقولُ الآخر:
وقابلَها الرِّيحُ في دَنِّها ... وصلى على دَنِّها وارتسمْ (2)
يريد: دعا لها.
وقولُ الآخر:
تَقُولُ بِنْتي وقَدْ أزمَعتُ مُرْتحلاً ... يارَب جَنِّبْ أبي الأوصَابَ والوَجَعَا
عليكِ مثل الذي صلَّيت فاغتمضي ... جفناَ فإنَّ لجنبِ المرءِ مُضطَجعا (3)
__________
(1) انظر ديوان الأعشى الكبيرص (343) طبع مؤسسة الرسالة.
(2) البيت للأعشى والدَّن: هو الراقود العظيم، لا يقعدُ إلا أن يحفرَ له.
انظر: "لسان العرب" صلا و"القاموس المحيط" باب "النون" فصل "الدال".
(3) البيتان الأعشى، وقد ورد في ديوانه: "وقد قرَّبت مرتحلاً" بدلاً من: "وقد أزمعت مرتحلا".
"فاغتمضي نوماً" بدلاً من "جفنا"، انظر ديوانه ص (151).
(2/439)

فصلُ
يجمعُ الأجوبةَ عن ذلك إن شاء الله
أمَّا تعلقهم بالآياتِ المُضمنةِ بأنَ الخطابَ عربيٌ والقرآن بلغتِهم، فليس فيه حُجةٌ لمنع نقل أسماء منه، كما لم تمنعْ زياداتٌ لا يمكن إنكارُها، جَعْلَ الاسمِ الذين كان خاصَّا لغيرِها أو لبعضِ ما فيها شاملاً لها، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "الحج عَرَفَةَ" (1)، "الحجُّ العجُّ والثج" (1)، ولما سُئلَ عن الصَّلاةِ قال:"صَل معنا" (2)، وقالَ: "صَلوا كما رَأَيْتموني أصلي" (3)، ووصفَ الصلاةَ بالأفعالِ، وفعلَها على هذه الهيئاتِ والأركانِ، وحكمَ على من تَرَك ركناً منها بالِإبطالِ والِإحباطِ، ورفعَ عنها الاسمَ بتركِ شرطٍ من شرائِطها، وفعلَ أفعالاً مخصوصةً، وقال: "هذا الوُضوءُ الذي لا يقبلُ الله الصلاةَ إلاّ بهِ"وكررَ وقال:"هذا وُضوئي ووضوءُ الأنبياءِ من قبلي" (4)، ووقف بعرفة وقال: "مَنْ شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى يدفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً ونهاراً فقدتم حجه وقضى تفثه" (5) وأمر بالنداءِ إِلى الصلاةِ
__________
(1) تقدم تخريجه في الصفحة 433.
(2) تقدم تخريجه 1/ 194.
(3) ورَدَ هذا في حديثِ مالك بن الحويرث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرجه البخاري (631) و (6008) و (7246) وابن خزيمة (397) وابن خزيمة (397) وابن حبان (1658) والبيهقي 3/ 120 والبغوي (432).
(4) تقدم تخريجه في الصفحة 172.
(5) لقدم تخريجه في الصفحة 223.
(2/440)

خمسَ دفعاتِ في النهارِ والليلِ، فلمْ يفعل إلا هذه الأفعالَ المَخصوصةَ، وفي هذا جواب عن مطالبتهم بالنقلِ، وجواب عن تكلفهِم نقلَ اللغةِ بالآي والأشعارِ، لأنَّ ذلك يدلُّ على الوضعِ اللغوي، ولم ننكرهُ، وكيف نُنكِرُ الوضع ونحنُ ندَّعي النقلَ، وهل النقلُ إلا فرعٌ للوضعِ.
وأمَّا إنكارُهم تغييرَ الوضعِ، فذلك دأْبُ القومِ في مجازاتِهم واستعاراتِهم، نقلُ اسمٍ إلى مسمّى غيرِ ما وُضِعَ له الاسمُ، فما جاءَهم إلا بما هو عادتهم في مواضعتِهم، ولا يُشبه ما ذكروه من خطابِه بالقتلِ يريدُ الجلدَ، وبالصومِ يريدُ الأكلَ، لانه لم يَسْبِقْ منه وضْع قبلَ خطابه، وهنا سبقَ منه الأمرُ بالصلاةِ، ولم يؤخر بيانَ ما أمرَ به منها حتى صار البيانُ وضعاً منه، فَوِزانه أن ينقلَ أسماء ممّا ذكرت، فلا يمنعُ من أن ينتقلَ المرادُ من الوضعِ الأول إلى الوضعِ الثاني، وطلبُ التواترِ وكشفُ النقلِ فلا يلزمُ أكثرَ ممَّا نقلنا، لأنَّ حجتَهُ عليه السلام كانت ظاهرةً ولم ينقل نَسْخُها (1)، والأذان كذلك، وقنعَ في نقلِ القِبلةِ بالواحدِ ينادي أهلَ قباء: ألا إنَّ القِبلةَ قد حُوِّلت (2)، وقنعَ في تبليغِ الشَّرع
__________
(1) في الأصل: "فحسبها".
(2) رود هذا من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: بينما الناس بقباءَ، في صلاة الصبح إذ جاءهم آت، فقال لهم: إن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قد أُنزلَ عليه الليلة قراَن، وقد أُمِرَ أن يستقبلَ الكعبةَ فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى ألشام، فاستداروا إلى الكعبة. =
(2/441)

والأمرِ بالإسلام بالواحدِ والاثنين يحملون خطابه وكتابَه، وفيه الدعايةُ إلى الِإسلام، وَإنما لم يَنطبقْ النقلُ على البيانِ بحسب اشتهارِه، لأن الناقلينَ قليلٌ، وكان أكثرُ القوم لا ينقلون، ولهم في الَنقلِ مذاهبُ: فقومٌ لا يَرَوْنَ النقلَ بالمعنى والَلب، فلم تكنْ عادَتهم.
وقوم إذا نُقِلَ إليهم شددوا، حتى إن بعضَهم كان يحلفُ على ما ينقلُ وَيرْوي، فلذلك لم يقعْ اشتهارُ النقل، كاشتهارِ بيانِه - صلى الله عليه وسلم -، وشاهدُ ذلك بيانُ الحج منه على رؤوسِ الأشهادِ، والأذانِ عدةَ دفعاتٍ في الليلِ والنهارِ، وضعفَ النَّقلُ حتى اختلفَ العلماءُ فيه هذا الاختلافَ، ولو طلبنا من النقلِ ما يُوازي المنقولَ في الطهورِ، لوجَب أنْ لا نَقْبَلَ خبرَ الآحادِ في العباداتِ، لاشتهارِها وتكررِها منه - صلى الله عليه وسلم -.

فصل
جامع في المجازاتِ التي سمتها الفقهاءُ المقدرات
يحتاجُ إلى معرفتها، لأنها واردة في الأوامرِ والنواهي، وجميعِ خطابِ الشرعِ من الكتابِ والسنةِ، وهي لائقةٌ بهذا البابِ، وهو بابُ الخطاب.
وهي التعبيرُ عن الأفعالِ بالأعيانِ والأجسام التي يقع فيها، وهي محالٌّ لها، إمَّا إيقاعاً فيها بالأمر، أو تجنباً لها بالَنهي، وذلك مثلُ: قولهِ
__________
= أخرجه مالك في "الموطأ"1/ 195، وأحمد 2/ 26 و 105، والبخاري (7251)، ومسلم (526)، والترمذي (341)، والنسائي 2/ 61، والبيهقي 2/ 26، 105، والبغوي (445)، وابن حبان (1715).
(2/442)

سبحانه: {حُرمتْ عليكُمْ أمهاتُكم} [النساء: 23]. وساقَ ذِكْرَ المحرماتِ، والمرادُ به: حُرم عليكم أفعال وأقوال؛ كالنكاح والجماعِ والاستمتاعِ، وقوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المائدة: 3]، والمراد به: إمساكُكُم إيَّاها، وتناولُكم منها أكْلًا واستعمالًا، فعادَ النَّهيُ إلى أفعالِنا فيها، ومقصودِنا إلى التناولِ لها والانتفاعِ بها، الذي يَدْخُلُ تحتَ مقدورِنا، إذْ لم تكنْ هي بأعيانِها داخلةً تحتَ مقدورِنا، فتحرمُ ذواتُها علينا.
ومِن ذلك قولُه: "رُفعَ عنْ أمتي الخطأ والنسيان" (1)، والمرادُ به بعُرْفِ اللغةِ: رَفعُ حُكْمِ الفِعْلِ العَمْدِ ومأثمهُ، ويتجوَّز الفقهاءُ فيقولون: رُفعَ مأثَمُ الخطأ، وإنَّما هو رَفْعُ مأثم الفعلِ والذم عليه والعقاب، وقامَ الدليلُ على أنه لا يرتفعُ الغُرْمُ والضَمانُ الثابت بالعمدِ، ولا يجوَزُ أنَّ يكونَ رفعُ عين الخطأ، إذْ عينُ الفعلِ عمداً وخطأً لا يختلفُ في الوجودِ والفناءِ، لانهما عرضان لهما حكمُ سائر الأعراضِ.
__________
(1) أخرجه بهذا اللفظ أبو نعيم في "تاريخ أصبهان" (1/ 251 - 252) من حديث أبي بكرة، وقال فيه الحافظ ابن حجر: هذا حديث غريب. انظر "موافقة الخُبر الخبَر" 1/ 509.
وأخرجه من حديث ابن عباس بلفظ: "إنَّ الله تجاوز عن أُمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
ابن ماجه (2045)، والحاكم 2/ 198، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" 3/ 95، والطبراني في "الصغير" 10/ 270، والدارقطني 4/ 170 - 171، والبيهقي 7/ 356، وابن حبان (7219). وعند بعضهم بلفظ: "إن الله وضع" وإسناده صحيح على شرط البخاري، وقال فيه الحافظ ابن حجر: "هذا حديث حسن". انظر "موافقة الخُبرِ الخبر"1/ 510، وفي الباب عن أبي ذر عند ابن ماجه (2043).
(2/443)

فصل
مما ألحقه قوم بهذا القبيلِ، وأبى قوم من الأصوليينَ أنْ يكونَ منه مثلُ قولِه - صلى الله عليه وسلم - "لا صلاةَ إلا بطَهور" (1) و" إلا بفاتحةِ الكتاب" (2) و"لا صيامَ لِمنْ لم يبيِّت الصيامَ من الليلِ" (3)، "ولا وضؤَ لمنْ لم
__________
(1) أخرجه من حديث ابن عمر مسلم (224)، وابن ماجه (272) بلفظ: "لا يقبل- الله صلاةً بغيرطهور، ولا صدقة من غلول".
ورواه من حديث أبي بكرة: ابن ماجه (274).
ومن حديث أنس: ابن ماجه (273).
ورواه من حديث أسامة بن عمير الهذلي، والد أبي المليح أبو داود (59)، والنسائي 1/ 87 - 88، وابن ماجه (271).
(2) ورد من حديث عبادة بن الصامت، أخرجه.
أحمد 5/ 316، 321، 322، والبخاري (756)، ومسلم (394)، وأبو داود (822)، (823)، (824)، وابن ماجه (837)، والترمذي (311)، والنسائي 2/ 137، 138. وابن حبان (1782)، و (1786)، و (1792)، و (1793)، و (1848).
(3) روأه أحمد 6/ 287، والطحاوي في "شرح معاني ألاثار" 1/ 325، والنسائي 4/ 196 و 197، وابن ماجه (1700)، والترمذي (730)، والدارمي 2/ 6 - 7، والبيهقي 4/ 202، وأبو داود (2454)، وابن خزيمة (1933). من طريق ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن حفصة رضي الله عنها، وإسناده صحيح.
إلا أن الأئمة أختلفوا فى رفعه ووقفه، وأكثرهم على وقفه.
انظر "تلخيص الحبير" 2/ 188، و"نصب الراية" 2/ 433 - 434.
(2/444)

يذكْر اسمَ اللهِ عليه" (1) و"لا صلاةَ لجارِ المسجدِ إلا في المسجدِ" (2) وأمثالُ ذلك، فتضمن اللفظُ نفيَ عينهِ عما تضمن في المحرمات تحريمَ أعيانِها، وفي عفوِ الخطأ والنسيانِ عفو عن أعيانِها، ثم إنَ المرادَ به نفيُ أحكامِ أعيانِها، فمن هذا الوجهِ ألحقه أقوام بالفصلِ الأولَ.
وقال بعضُ الأصوليين: هذا موضوعٌ عند أهلِ الجاهليةِ (3) ومفهوم لهم قبلَ الرسالةِ إليهم والشريعةِ، لِإزالةِ النفعِ بالعينِ، من ذلك قولهُم: لا كلامَ إلا ما أفادَ ونفعَ، ولا عملَ إلا ما أجدى، ولا عشيرةَ إلا ما عصمتْ ومنعتْ، فيكون المعقولُ من قولي: "لا صلاةَ" و"لا صيامَ" معتدٌ بهما منتفع بثوابِهما مجدٍ ومجزٍ، إلا ما كانَ بتلك الصفاتِ، فعُقلَ من ذلك أنه لا تقعُ تلكَ الأعمالُ شرعيةً إلا بالشروطِ والحدودِ المذكورة التي صيرها بنفيها منفيةً.
فهذا هو الأصلُ، وإنْ جازَ أنْ تصرفنا عنه دلالة، فيحملُ النفيُ
__________
(1) ورد من حديث أبي هريرة: "لا صلاة لمن لا وضوءَ له، ولا وضؤَ لمن لم يذكر اسمَ الله عليه".
أخرجه: أحمد 2/ 418، وأبو داود (101)، وابن ماجه (399) والبغوي (209).
(2) أخرجه الدارقطني (1/ 420)، والحاكم (1/ 246)، والبيهقي (3/ 57) من حديث أبي هريرة.
والحديث فيه سليمان بن داود اليمامي، قال ابن معين: ليسَ بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن حبان: متروك، ورواه ابن عدي من حديث أبي هريرة، وضعفه. انظر: "التعليق المغني " 1/ 420.
(3) ليست في الأصل.
(2/445)

على نفي الفضلِ، كقولِ العرب: لا رجلَ في هذا البلدِ. إذا كانت حالُه مختلةً في السياسةِ، وفيه عالمٌ من الرجالِ. لكنْ قرينة من دلالةِ الحال دلتْ علي نفي رجلةِ السياسةِ، لا رجلة الذكوريَّةِ، وذلك كقولهِم: لا سيفَ إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا عليٌ، ولا طعامَ إلا البر واللحمُ.
فيكونُ في الشرعياتِ: "لا صلاةَ لجارِ المسجدِ إلا في المسجدِ" من هذا القبيلِ، إذا قامَ بذلك دليل يصرفُنا عن حملهِ على نفي الإجزاءِ إلى نفي الفضلِ، وقد أحالَ القاضي أبو بكر العمومَ في ذلك، فقال: لا يَصح أن يحملَ على نفي الإِجزاءِ والفضيلةِ، وذكر أنَ في ذلك إحالةً وتناقضاً، لأنَ النفيَ لكونِها مجزيةً ومعتداً بها، ينفي كونَها شرعيةً، والنفي لكونِها كاملةً فاضلةً، يوجبُ كونَها شرعيةً معتداً بها، ومحالٌ أنْ يُرادَ باللفظِ الواحدِ عمومُ أمرين متناقضين، أو أمورٌ متنافية، وإنما يحملُ على نفيِ الِإجزاء أو نفيِ الفضلِ، على طريق البَدَلِ كقولهِ تعالى: {وَإذَا حَلَلْتُم فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2] يصلحُ أنَ يُحملَ على الإيجابِ من اللهِ سبحانه للاصطيادِ تارةً، وعلى الندْب تارةً، أو على الإِباحةِ على طريقِ البدلِ، فلا يَصِحُ أن يُحملَ علىَ العموم، لما بيْنَ الإيجابِ والندبِ والإِباحةِ مِن التضادِ والتنافي في محتملاتِها.

فصل
ويجبُ أنْ يُعلمَ أنَه ليس كلُّ شرعي مجزئاً، كالصلاةِ التي دخلها بظن الطهارةِ، وبانَ أنه كان غيرَ مُتطهرٍ، وكالحِجةِ بعد الإفسادِ، يمضي فيها مُضياً شرعياً بمعنى مأموربه، ولايقعُ الإِجزاءُ في الموضعين، بل يجبُ قضاءُ الصلاةِ والحج.
(2/446)

فصل
ويجوزُ أن يُراد بالكلمةِ الواحدةِ معنيانِ مختلفان (1)، ومعانٍ مختلفة، وبه قالَ الفقهاءُ والأصوليون مِن أهلِ السُّنَةِ.
خلافاً لابنِ الجبائي، وفرقةٍ وافقته من أصحابِ أبي حنيفةَ في قولِهم: لا يجوزُ ذلك إلا أن تتكررَ اللفظةُ أو تَرِدَ في وقتين مختلفينِ، يُرادُ بها في أحدِ اللفظين، أو في أحدِ الوقتين معنى وفي الآخرِ خلافهُ.
ومثالُ ذلك فيما يُفيدُ معنىً واحداً، كلونٍ يفيدُ تغييرَ هيئةِ الجسم، وإنْ اختلفتِ الألوانُ بين سوادٍ وحُمرةٍ، وما يُفيدُ معانيَ مختلفةَ المنافعِ والمقاصدِ، كجاريةٍ تقعُ على السفينةِ، والحدثةِ من النساءِ، وعينٍ تفيدُ الذهبَ، وعينَ الماءِ، والعينَ المبصرةَ، وبيضةٍ تفيدُ بيضَ الطائر، والخُوذةَ، ونكاح يفيدُ الجماعَ والعقدَ، والقروءِ تُفيدُ الحيض [والطهر] (2)، والشفقِ يُفيدُ الحُمرةَ والبياضَ.
والدلالةُ على صحةِ جوازِه، أنَّ كلُّ عاقل يعلمُ أنَّ قولَ القائلِ: لاتنكِحْ ما نَكَحَ أبوكَ، يصحُّ أنْ يُقصدَ به، لاتعقدْ على ما عقدَ عليه أبوك ولا تطأ منْ وطأ أبوكَ، وإذا نهى عن مَسَاسِ النساءِ، حَسُنَ أن يُقْصَدَ به الوطءُ واللمسُ باليدِ، فإنَّ ذلكَ ليس بمُستقبحٍ في النُطقِ، ولا مُستحيلٍ في العقلِ، فمن ادَّعى امتناعَ ذلك فقد ارتكبَ ما يدفعهُ الوجودُ.
__________
(1) في الأصل معنيين مختلفين، والصواب هو ما أثبتناء.
(2) زيادة يقتضيها السياق.
(2/447)

ويقالُ لهُ أيضاً: لِمَ أنكرتَ القصدَ إلى ذلك؟ فإن قالَ: يتعذرُ القصدُ باللفظةِ الواحدةِ إلى معنيين مختلفين، قيل: فقد دَللنا على جوازِه، فانتفاءُ التعذُّرِ ينفي الاستحالةَ.
وإن قال: لأنه لما لم يجُزْ أن يُرادَ بالقولِ "افْعل" الإباحةُ والحظرُ والزجرُ والإيجابُ والندبُ، كذلك هاهنا.
قيلَ له: إنما استحالَ ذلك لأجلِ تضادِّ كلِّ أمرين من هذا القبيل، وعَلِمْنا باستحالةِ القصد إليهما.

فصل
في جميع ما تعلقَ به المُخالفُ
فمن ذلك أنْ قالَ: لو جازَ أنْ يُرادَ باللفظةِ الواحدةِ معنيان مختلفان، لجازَ أن يُريدَ بقوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5]، المشركين والمؤمنين، وبقولهِ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} [البقرة: 21] الناسَ والبهائمَ، قال: ولأنَّه لو جازَ ذلك، لجازَ أن يُرادَ بالكلمةِ الواحدِة التي لها حقيقة ولها مجازٌ، حقيقتُها ومجازُها، ولما لم يَجُزْ ذلك، كذلك فيما ذكرتُم من الألفاظِ.
قالَ: ونحنُ نسألكُم عن حقيقةِ هذهِ الدعوى وتفصيلها، فنقولُ: هل يَجِبُ حملُ الكلمةِ الواحدةِ التي يصح أن يُرادَ بها معنى واحد، ويَصِحُّ أن يُرادَ بها معنيانِ على أحدِهما، أو عليهما بظاهِرها وإطلاقِها أم بدليلٍ يقترنُ بها؟
قالَ: وهل يريدُ المتكلمُ بالكلمةِ الواحدةِ، المعنيين إذا أرادهما
(2/448)

بإرادةٍ واحدةٍ أو بإرادتين؟

فصلٌ
في جميعِ الأجوبةِ
فأمَّا الأولُ: فإنما لم يَصِح، لأنه إنما يصح أنْ يُرادَ مِن اللفظِ ما يصح أنْ يجريَ عليه من المعنى في حقيقةٍ أو مجازٍ إذا لم تكنْ متضادَّةً، واسمُ الناسِ لا يجري على البهائمِ في حقيقةٍ ولا مجازٍ، وكذلك اسمُ المشركينَ لا يقعُ على المسلمين في حقيقةٍ ولا مجازٍ، ولو وَقَعَ على ذلك لصح أنْ يُرادَ.
وأمَّا الثاني: فغيرُ مستحيلٍ، وكذلك صلحَ حَمْلُ قولِه تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} [النساء: 22] على العَقْدِ والوطءِ، وكان مجازاً في أحدِهما، اللَّهُم إلا أنْ يريدَ قَصرَ اللفظِ على حقيقتهِ وتعدِّيهِ إلى مجازهِ، فإن ذلك متضادٌّ لا يصحُّ القصدُ إليه.
وأما سؤالهُم الأول: فالجوابُ عنه أنَه بدليلٍ يقترنُ بها، وإنَما اعتبرنا دليلًا، لمكانِ التردُّدِ والاحتمالِ، وذلك سبيلُ كلُّ مُحتمل مُترددٍ لا يُصرفُ إلى أحدِ مُحَّتَمَلَيْهِ إلَا بدليلٍ.
وأما سؤالهم الثاني في الإرادةِ: فإنْ كان المتكلمُ بها هو الله سبحانه فإنَه يريدُه، ويريدُ جميعَ مُراداتِه بإرادةٍ واحدةٍ، كما يعلمُ سائرَ المعلوماتِ بعلمٍ واحدٍ، وإنْ كانَ المُتكلِّمُ باللفظةِ المرادِ بها المعنيَانِ محدثاً فإنَهُ يريدُهما جميعاً بإرادتينِ غير متضادين، وإنَما وَجَبَ ذلك فيه، لصحةِ إرادتهِ لأحدِهما وكراهتِه للآخرِ، فلو كانَ يريدُهما بإرادةٍ واحدةٍ، لاستحالَ أنْ يريدَ أحدَهما دون الآخر.
(2/449)

فصول الكلام في الأوامر
فصل
في حقيقةِ الأمرِ
وهو الصيغةُ الموضوعةُ لاقتضاءِ الأعلى للأدنى بالطاعةِ ممَّا استدعاهُ منه، وعينُها: افعل كذا أو قُلْ كذا (1).
وقال أبو الحسن الأشعري: هُو قِسمٌ من أقسام الكلام، وهو المعنى القائمُ في النفسِ الذي هو في حقِّ القديمِ واحَدٌ، أمرٌ ونهيٌ وخبرٌ، إلى غيرِ ذلك، وهو في حقِّ المُحدَثِ معانٍ مختلفةٌ، والأمرُ الذي هو قسمٌ منه: ما قولُ القائلِ: افعلْ. عبارة عنه في حقِّ القديم والمُحدث، وحَده عنده المقتضى به الفعل من المأمورِ.
وقيل: ما كانَ الممتثِلُ له مُطيعاً والمؤتمِرُ له مُطيعاً، وخاصيةُ الفعلِ عنده أنَّه اقتضاءُ الطاعة والانقياد بالفعل.
قالوا: وإنْ قيلَ: طلبُ الفعلِ على غيرِ وجهِ المسألةِ، وكان ذلك صحيحاً، ليفرقوا بينَ الرَّغبةِ والسؤالِ، وبينَ الأمرِ.
__________
(1) ينظر في هذا الفصل في "العدة" 1/ 157، و"التمهيد" 1/ 66، و 124 و"شرح مختصر الروضة" 2/ 348، وشرح الكوكب المنير" 3/ 10.
(2/450)

والدلالةُ على هذا، هو الدليلُ على إثباتِ الكلامِ حروفاً وأصواتاً.
ونَخُصُّ هذا الفصل بما يحتملُه الكتابُ مِن الدلالةِ، فنقول: بأن العربَ قسمتِ الكلامَ أقساماً، فقالوا: اسم وفعلٌ وحرفٌ، ووَسَمُوه بسماتٍ لا يحتمِلُها إلا النطقُ، دون ما قامَ في النفسِ.
فقالوا: الاسمُ ما دخلَه الألفُ واللامُ، وما كان عبارةً عن شخصٍ، وما حَسُن فيه التصغيرُ، وما حَسُن فيه التَّثْنيةُ، وما إخبِرَ بهِ أو عَنهُ.
وهذا كلُه لا ينطبق إلا على النُّطقِ، ولما جاؤوا إلى ما تَحْتَ هذه الثلاثة الأنحاء قالوا: أمرٌ ونهيٌ وخبر واستخبارٌ ونداء وتمن، ثم قالوا: فالأمرُ: قول الأعلى للأدنى: افعلْ، والنهيُ: قولُه له: لا تفعلْ، والخبرُ: زيد في الدارِ، والاستخبارُ: أزيدٌ في الدارِ؟ والتمني: ليتَ وليتني، والنداءُ: يا زيدُ أقبلْ، وصرفوا مِن هذا الكلامِ أنواعَ التصريفِ، وقالوا في الترخيمِ: يا فُلْ مِن فلان، ويا صاحِ من يا صاحبي، فحذفوا في الترخيمِ حرفاً أو حرفين أو حُروفاً من آخرِ الاسم. وقالوا في النُّدبةِ: يا سَيِّداه يا أبتَاه، فزادوا حرفَ الهاءِ، فطلبوا بالأولِ التعجلَ، وبالثاني التفجعَ، لأنَ حرفَ الهاءِ يخرجُ من الصدرِ وهو محلُ الحزنِ والكمدِ.
وقالوا: لعلً للترجّي، وما أحسنَ زيداً للتعجب، وليتَ للتمني، وهذا كلُه مبنيٌّ من حروفٍ وأصواتٍ، ولأنً العربَ لا تصفُ بالعاهةِ في محلٍّ إلا وصحةُ ذلك المحلِ يُضَادُّ العاهةَ، كقولهم: أعمى لِمَنْ كانت العاهةُ في محلِ بصرهِ، وأطروش لِمَنْ كانت العاهةُ في محلِّ سمعهِ، وقد قالوا: أخرسُ لمن كانت العاهةُ في محلِّ نطقهِ، والخَرَسُ ضد
(2/451)

الكلام، كما أن العَمى ضد صحةِ البصرِ، فثبتَ أنَّ الكلامَ ما كان في محَلِّ الخَرَس، وهو النطقُ.
ولأنَّ الإجماعَ منهم حاصلٌ على أنَّ للكلام صفاتِ مدح وصفاتِ ذمٍ، فالمدحُ كقولهِم: فصاحةٌ وبيانٌ، وفي المَتكلمِ، فصيح ومبين وناطقٌ وخطيبٌ ومِصقَعٌ، والاختلالُ فيه والذمُّ، اللكنَةُ والفَهَاهَةُ والعِيّ، والمتكلمُ، عييٌ وألْكنُ، والكُلُّ إنما يرجعُ إلى الحروفِ والأصواتِ وإلى مَنْ جَوَّدَ في النُّطقِ وقَصر فيه، دون أن يُعادَ إلى النفس أو إلى ما فيها.
وقسموا ما في النفسِ إلى هاجس وخاطر، وفكرٍ، وأَجْروا اسمَ الأمرِ على النطقِ والاستدعاءِ بالقولِ خاصةً، فقالَ دريدُ بن الصِّمَّة (1):
أمَرْتُكُم أمْرِي بمُنْعَرجِ اللِّوى ... فلم تَسْتَبْيِنوا الرشْدَ إلا ضُحَى الغَدِ
فقلتُ لهم ظُنوا بَألْفَيْ مدجَّج ... سَرَاتهم في الفارسيِّ المُرَدَّدِ (2)
__________
(1) هو دُريد بن الصِّمة بن جشم بن معاويةَ بن بكر، يكنى أبا قُرَة، وهو من الشجعان المشهورين،. وذوي الرأي في الجاهلية شهِدَ حنين وقتِلَ فيها.
انظر: "الشعر والشعراء" لابن قتيبة 2/ 750.
(2) وقد رود البيت الثاني في الأصمعيات بصيغة:
علانية: ظنوا بألفي مدجحٍ ... سراتهم في الفارسيِّ المسرد
وورد في "خزانة الأدب":
فقلت لهم ظنوا بألفي مدجّحٍ ... سراتهم في الفارسيِّ المسرد
انظر: "الأصمعيات" ص (107)، و"خزانة كالأدب" 11/ 279 وعلى كلا الأمرين، فهو "الفارسى المسرد" لا "المردد"كما جاء في الأصل.
والفارسى: هو الدرعُ الذي يصنعُ بفارس.
والمسرد: المحكم النسج، وقيل: هو الدقيق الثقب.
(2/452)

وقولُ عمرو بن العاص لمعاويةَ رحمة الله عليهما:
أمرتُكَ أمراً حازماً فعصيتني ... وكان من التوفيق قتلُ ابنِ هاشم (1)
وقول الحُبَاب بن المنذر ليزيدَ بنِ المهلب:
أمرتُكَ أمراً حَازِماً فعصيتَني ... فأصبحتَ مَسْلوبَ الامارِة نادما (2)
والمعصيةُ لا تُقَابَلُ، ولاتصحُ إلا في الأمرِ الذي هو النطقُ، وليس يجوزُ أن يكونَ هذا التوسعُ والمجازُ، ويكونُ الحقيقة قولهم: (إنَّ الكلامَ من الفؤاد) هو الحقيقةُ، كما أن جميعَ الصنائع لاتجذب إلى محالِّها من الأجسامِ صوراً وأبنيةً ونجارةً، إلا بعد أن تُشَكَّل في النفسِ صورُها ومقاديرها، وكم تضاف الأفعالُ إلى آلات ومَحَال، والحقيقةُ في ذلك لغيرِها، فمن ذلك إضافتُهم القتلَ إلى القلمِ، كإضافتِه إلى السيفِ، وقولُهم: قَتَلَ فلانٌ فلاناً بقلمِه، والمرادُ به: تسببَ بالقلمِ والسعيِ عليه، والحقيقةُ للسيفِ، ويُقال للساعي: قتلَه بلسانهِ، وجارحةُ القتلِ يدُ المباشرِ دونَ لسانِ الساعي، فليس قولُهم: إن
__________
(1) انظر "الكامل" للمبرد: 1/ 345.
وابن هاشم هذا، كان قد خرجَ على معاويةَ رضي الله عنه، فأمسكه، فأشار عليه عمرو بن العاص رضي الله عنه بقتله، ولكن معاوية أطلقه، فخرجَ عليه مرة أخرى، ولم يفلح معه العفو، فقال عمرو هذا البيت.
(2) هذا البيت لحصين بن المنذر، لا للحباب بن المنذر كما ورد في الأصل، وبعده:
فما أنا بالباكي عليك صبابة ... وما أنا بالداعي لترجعَ سالما
وقد قاله حصين ليزيدِ بن المهلَّب بعد عزله من الولاية.
انظر "وفيات الأعيان" 6/ 290.
(2/453)

الكلامَ من الفؤادِ إلا من هذا القبيل.
ويَشهدُ لذلك قولُه سبحانه في الأمرِ خاصةً: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82)} [يس: 82] فأخبرَ أن أمرهُ حرفان، وقال: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50] ولم يتقدمْ مِن القولِ إلا اسجدوا، فدَل على أنَه هو الأمر وقال لابليس: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: 12]، وقال لآدم: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 35] وقال سبحانه: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} [البقرة: 35] فلما أكلَ قالَ له: {أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ} [الأعراف: 22] ومقام الأمرِ صيغةُ قوله: {لَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} [البقرة: 35].

فصل
في جمعَ ما تعلقوا به
قالوا: إذا ثَبَتَ أن الكلامَ معنى قائم في النفسِ، وهذهِ الحروفُ والأصواتُ عبارة عنه، دَخَلَ الأمر في الجملة، لأنه ضربٌ من الكلامِ وقِسْم من أقسامِه، والذي يثبتُ به ذلك قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ} [المجادلة: 8] وقولُه سبحانه: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1)} [المنافقون: 1]
والكذب لا ينطبقُ إلا على الخبرِ، ولو أطبِقَ على القولِ الذي هو الشهادة، لكان تكذيباً لكلمةِ التوحيدِ، ولا يجوز ذلك، لم يبقَ إلا أنه عادَ إلى ما في أنفسِهم من الخبرِ. وقال الشاعرُ:
(2/454)

إن الكلامَ مِنَ الفُؤادِ وإنَّما ... جُعِلَ اللِّسانُ على الفُؤادِ دَليلا (1)
والعربُ تقولُ: في نفسي كلامٌ.

فصلْ
في جمعِ الأجوبةِ عَمَّا ذكروه
أمَّا الآيةُ الأولى، فإن فيها ما يقابلُها، وهو قولُه: {لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ} [المجادلة: 8]، يعني بما ننطقُ به، فليس بأنْ يكونَ أَحدُهما الأصلَ، بأولى مِن أنْ يكونَ الآخرُ، هذا أدنى أحوالِ الجوابِ فيقفُ استدلالُهم منها، وأعلاهُ أن تكونَ الحقيقةُ هو الثاني، لأنَّه الذي ينصرفُ الإطلاقُ إليه، فإنهُ إذا قالَ القائلُ: قلتُ، وقالَ زيد، وقلتُ قولاً، وقيلَ لي. لا يعقلُ منه إلا النَّطقُ، وإذا عزى إلى النفسِ كان اتساعاً، لتشبيهِ ما يهجسُ في النفسِ، لأن الهاجِسَ في النفسِ كالناطِقِ، والذي يُوَضحُ صحةَ ما تعلقنا به من التأويل، قولُه تعالى: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [آل عمران: 167] {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} [آل عمران: 154] فأثبتَ أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، وعند هذا القائل أنَّه لا ينطقُ اللسانُ إلا بعبارةٍ عما في النفسِ.
وأمَّا الآيةُ الأخرى، فإن التكذيبَ عادَ إلى قولِهم الذي أخْبروا به
__________
(1) يُنسبُ هذا البيت للأخطل، كما في "شرح شذور الذهب" ص (27)، وليس في ديوانه، وأورده الجاحظُ في "البيانِ والتبيين" (1/ 318)، غير منسوبٍ مع بيتٍ آخر هو:
لايعجبنك من خطيب قولهُ ... حتى يكونَ مع البيان أصيلاً
(2/455)

عن معتقدِهم، فكذَّبهم في دعواهم أنَّهم يُصَدِّقونه فيما جاءَ به، لأنَّ معنى قولِهم: نشهدُ، أي نعلمُ ونتحققُ إنَّكَ لرسولُ الله، فكذَّبَهم الله في قولِهم، لا في اعتقادِهم، لأنَّ قولَهم لما تضمنَ الإخبارَ عمَّا في نفوسِهم من التصديقِ كذبَهم الله في ذلك.
وأمَّا قولُ الشاعرِ: إنَّ الكلامَ مِن الفؤادِ، فصِدْقٌ، وإنَّه لا يتكلمُ مُتَكَلِّمٌ إلا بعدَ أن يُصَوِّرَ في نفسِه شيئاً يتكلمُ عنه، وانما كان حجةً أنْ لو قالَ: إن الكلامَ في الفؤادِ، ولم يقُلْ، ولو قالَ لكانَ مجازاً، مثل قولِ قائلهم: في نفسي بناءُ دارٍ، ونجارةُ بابٍ، وإدارةُ دولابٍ، وإنما يريدُ به في نفسي أن أبنيَ داراً، كذلك يكونُ قولُه: في نفسي كلامٌ، وإنَّ الكلامَ من الفؤادِ، تقديرُه: في نفسي أنّ أتكَلمَ، وهي القصودُ والعزومُ، وتصديرُ ما يُرادُ أن يظهرَ مِنَ الأعراضِ النَّفْسانية بالكلامِ، وقد أضافوا النُّطقَ إلى العينِ، فقال شاعرُهم:
تُخبرُني العَيْنَان مَا القلبُ كاتمٌ ... ولا خيرَ في الشَّحناءِ والنَّظَرِ الشَّزْرِ (1)
وقالَ الآخرُ:
فقالتْ له العينانِ: سمعاً وطَاعَةً (2).
ويقولونَ: في وجهِ فلانٍ كلامٌ. أي في وجههِ أمارةٌ أنَّه سيتكلمُ.
ومِن ذلك إضافتُهُم القتل إلى القَلَم، فقولُ القائل: ما قتلتُ فلاناً إلا بقلمٍ، حيثُ كانَ الكتابُ عاملاً ومُهيئاً لأسباب أوجبتِ القتلَ،
__________
(1) البيت لأبي جندب الهذلي، انظر "شرح أشعار الهذليين" 1/ 367.
(2) البيت في "اللسان": (قول) دون نسبة، وتمامه: "وحدّرتا كالدرِّ لما يُثقب".
(2/456)

وإذا رجعَ إلى الحقيقةِ كان القاتلُ السيفَ لا القلم، كذلك إضافةُ الكلام إلى الفؤادِ مع إضافتهِ إلى اللَّسان، فاللسانُ: هو الآلةُ في الحقيقةَ وما قبلَه من القلب مجازٌ، وما بعده من إشارةٍ ورمزٍ بالعينِ مجازٌ، والحقيقة اللسانُ، بدليَلِ ما قدمنا من الدلائلِ.

فصلٌ
واعلم أن الصيغةَ التي حَصَلَ الاتفاق من القائلينَ بأن الأمرَ صيغةٌ على كونِها أمَراً، هي لفظةُ: افعلْ، إذا صَدَرَتْ مِمَّن تَلْزَمُ طاعتهُ، وهو المعبَّرُ به عن الأعلى، وذلك هو قولُ السيد لعبدِه أو السُّلطانِ لآحادِ رعيتهِ: ادخلْ واخرج وقمْ.
وتوهَّم قومٌ أنَّ الرتبةَ قرينة، وقال المحققون: إنها لم تُسم أمراً إلا لوجودِها من الأعلى للأدنى، فليست الرتبةُ قرينةً، لكنها شرطٌ، لكونِ الصيغة أمراً، كما لا يكونُ تسميةُ قولِ الممهدِّدِ: افعلْ ما شئتَ، تهديداً بقرينةٍ.
والفرقُ بينَ القرينةِ وبين نفيِها، أن ما كانَ موضوعاً لشيءٍ، فصارَ بما انضمً إليهِ لغيرِ ذلك الموضوع، فهو الذي استحقَّ الاسمَ بقرينةٍ، مثلُ صيغةِ الاستدعاءِ من الأعلى للأدنى إذا لم نَقُلْ إنها للوجوب، فقارنَها تهديدٌ أو وعيدٌ علىٍ التركِ، صارت أمراً موجباً بعد أن لم تكن موجبةً، وما لا يكونُ قرينةً، مثلُ لفظةِ: افعلْ، إذا صَدَرَتْ عن الدونِ للأعلى قيلَ: سؤالٌ ورغبةٌ، واذا وُجِدتْ من النَّاهي الزَّاجرِ عن الفِعلِ قيلِ: تهديدٌ، ولا يقال: إن الصيغةَ خَرجَتَ عن الأمرِ بقرينةٍ دونَ رتبةِ القائل عن الأمرِ إلى السؤالِ والرغبة، ولا خرجتْ عن الأمرِ بالوعيدِ إلى التَهديدِ، بل هي موضوعةٌ في كلُّ محل حقيقة لمَا وُضِعَتْ لهُ، فهي من الدّونِ حقيقةُ سؤال، ومن المُتَوَعدِ حقيقةُ تهديدٍ، ومن
(2/457)

الأعلى للأدنى أمرٌ، وهذا مسموعُنا من أئمةِ الأصولِ واللغةِ وأهلِ العربية المُعْتَدِّ بأقوالِهم، ومفهومنا مِن الكتب المُعَوَّلِ عليها، فلا نُصْغي إلى قولِ من يقولُ: إنَّ الصيغةَ مشتركةٌ. فهذا افتئاتٌ على اللغةِ وخطأ.
ولقد بالغ بعضُ مشايخنا، فقال: مَنْ زَعَمَ أن قولَ القائِل: افعلْ، صيغةٌ متردِّدةٌ بيْن الأمرِ، والتَّهديدِ، والإيجابِ، والندب، والرغبةِ، والسؤالِ، بمثابةِ مَنْ قال: إن قولَ القائل: يا عفيفُ بنَ العفيفةِ، يا كريمُ بن الكريمِ، موضوعٌ للشتمِ والمدحِ، من حيثُ أنَّ نفسَ الصيغةِ تَرِدُ في التعريضِ للشتمِ.
فهذا فصل يكفي مؤنةً كثيرةً مِن توهماتِ المتفقهةِ، وُيزيلُ شُبُهَاتٍ قد تَخَمرَتْ عندهم.
وهذا الذي ذكرهُ هذا الشيخُ دافعٌ للشُّبهةِ، لأن غايةَ ما يُوهمهم أن الصيغةَ مشتركة، إن الحروفَ واحدةٌ، وبنيةُ افعلْ بنيةٌ واحدةٌ، وإذا سُمِعَتْ مِن وراءِ حجاب لم يُعقلْ ما المُرادُ بها، وهل القائلُ لها مهدِد أو آمرٌ أو نادبٌ أوسائل؟
فيُقالُ: إذا رَجَعْتَ إلى أصلِ الوَضْعِ في قولِ القائل: افعلْ، فإنكَ تَعْقِلُ المرادَ به مِن لفظهِ، وأنَّه مُستدعٍ للفعل مثلُ سماعِك قولَ القائلِ: يا عفيفُ ويا كريمُ، فإنهُ موضوعٌ للمدحِ، واستعمالُ مثلِ الصيغة في محلٍّ آخرَ، لا يُقالُ إنَها تلك اخرِجَتْ إلى ضِدَّها، بل تلك موضوعة في حالِ الخصومةِ للذم، وفي حالِ الواعدِ للتهديدِ والزجرِ، فأمَّا أنْ تكونَ اللفظةُ الواحدة أمراً وزجراً، فمعاذَ الله.
(2/458)

فصل
وصيغةُ الأمرِ الصريحةُ: أمرتُكَ أن تفعلَ كَذا، أو افعلْ فقد أمرتُك.
وأمَّا الصريحةُ في الإِيجاب بإجماع النَّاس، قولُ الأعلى للأدني: أوجبتُ عليكَ، أو افعلْ فقدَ أوجبتُ عليكَ أَن تفعلَ.
وأصْرَحُ صيغةٍ في النَّدب، افعلْ فقد ندبتُك، أو ندبتُك إلى كذا وكذا، أو أستحبُ لكَ أنْ تفعَلَ كذا. فهذهِ ألفاط لا يقعُ الخِلافُ فيها لأنَّها صريحة فيما وُضِعَتْ لهُ.

فصل
فأمَّا إذا وَرَدَتْ هذهِ صيغةُ افعلْ مِن جهةِ المُمَاثِل، لا مِن أعلى فتكَونُ أمراً، ولا من أدنى فتكون سؤالاً، فإلى أيِّهما تُمَيَّلُ إنْ مُيِّلَتْ؟
وهل لها اسم يخصُها إن لم تُمَيَّلْ؟ قالَ بعض أهلِ العلمِ مِن أصحاب الأشعري: تكونُ أمراً.
وقال بعضُ مَن رأينا مِن الأصوليين على مذهب المعتزلةِ: الطلب والاقتضاء والاستدعاءُ أعمُ مِن قولِنا: أمرٌ وسؤالٌ، فإذا عَدِمَتَا الرُّتبةَ وتساويا فيها، فزعنا إلى الاسمِ الأعم فقلنا: إنَّ قولَ المماثل لمماثلهِ: افعل، طلبٌ واقتضاءٌ، فلا يتخصَّصُ بالسؤالِ ولا بالأمرِ، وهذا قالة اجتهاداً، وهو قولٌ حسنٌ.
وسمعتُ بعضَ مَن يتكلم في أصولِ الفقه يقول: إنَ نفسَ الاقتضاءِ مِن المماثِل، يجعل أدونَهما، السائلَ. فقيلَ لهُ: لو كان هذا صحيحاً، لكانت رتبة السيَّدِ تنحطُّ باستدعائهِ مِن عبدِه، فيصير مساوياً،
(2/459)

ويخرجُ بدنوِ رُتْبَتهِ عن كونه آمراً.
واعتد القائلُ الأولُ من أصحابِ الأشعري في أنه أمرٌ، بقولِه تعالى إخباراً عن فرعونَ أنه قالَ لخاصتهِ: {يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35)} [الشعراء: 35] وبقول الشاعر:
أمرتُكَ أمراً جازماً فعصيتني.
وعمرو ليس بأعلى من معاوية الذي قال له: أمرتك، وبقول الشاعر:
أمرتك أمراً جازماً فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإمارة نادما
فسمَّي نفسَه: اَمراً، وليس يخلو مِن أنْ يكون دُوناً أو مُمَاثِلاً.
واعتلَّ القائلُ الثاني، بأنَّ الكل أجمعوا على [عدم وجودها] في نفس الآمرِ المخلوقِ، لأن إرادتَه مُحْدثة فيه، وفي حق الخالق سبحانه لا بُد من تقدم إرادةِ مُحْدثةٍ غيرِ محلٍ.
والتحقيقُ مِن مذهبِ أصحابِنا: أنَّ الصيغةَ بمجرَّدِها إذا صَدَرَتْ عن الرَبِّ سبحانه -من لَدُنْهُ سبحانَه- أو بواسطةٍ، فهي أمرٌ، وإذا صَدَرَتْ عن المُحدثِ فكان على صفةِ التحصيلِ للنُّطقِ، ومن أهل التَعويلِ على كلامِه، فهي أمرٌ ولا تُعتبر سوى ذلك.
فهذهِ تصفيةُ المذاهبِ عن أكدارِ الحكاياتِ وتطويلِ العباراتِ وإغماضِها، مِمَّنْ قصَدَ تضليلَ المبتدىء، أو تعظيمَ هذا الشَّأنِ في نفسِه، أو عَزُبتْ عنه العبارات السَّهلةُ المأخذِ الواضحةُ المتلقى، والله الموفقُ لصوابِ القولِ وإصابةِ الحقِّ بالمُعْتقدِ.
(2/460)

فصل
والدلالةُ على أنه ليس الأمرُ إرادةً (1)، ولا يفتقرُ إلى صدورهِ عن إرادةٍ، خِلافاً لأهلِ الاعتزالِ، إذ قد قدمْنَا الدلالةَ على أنهُ ليس بمعنى في النَفسِ، خلافاً للأشاعرةِ (2)، قولُه سبحانه إخباراً عن إبراهيمَ: {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} [الصافات: 102]، وهذا يدُلُّ على أن المَنَامَ تضمن أمراً لإبراهيمَ بذبحِ إسحاقَ أو إسماعيلَ (3)، والمنامُ وحْيٌ في حق الأنبياءِ،
__________
(1) مقصوده: الدلالةُ على أنه يكون أمراً لصيغته لا لإرادة الأمر، وقد ذكر هذه الأدلة أيضاً أبو يعلى في "العدة" 1/ 216 - 222 والكلوذاني في "التمهيد" 1/ 134 - 137.
(2) أي خلافاً للأشاعرة الذين قالوا ليسَ للأمرِ صيغةٌ في اللغة، وإنما صيغةُ "افعل" معنى قائمٌ في الذات، مشتركة بين الأمرِ وغيره، يحمل على أحدهما بقبرينة.
انظر"البرهان"1/ 212، و"المستصفى"1/ 413، و" المحصول" 2/ 19.
(3) اختلف في الذبيح من كان؟ إسماعِل، أو اسحاق عليهما السلام فرويَ عن ابن عباس، وابن عمر وعبد الله بن سلام وأبي هريرة رضوان الله عليهم، أنَّ الذبيحَ كان إسماعيلَ عليه السلام.
كما ذهب الى ذلك من التابعين سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والشعبي ويوسف بن مهران، وأبو الطفيل.
ورويَ عن ابن مسعود والعباس بن عبد المطلب وعليٍّ وضي الله عنهم، أنَّ الذبيحَ كان إسحاق وهو ما رجحه ابن جرير في تفسيره 12/ 86.
والذي قطع به ابن كثير، وحشدَ كثيراً من النصوص والآثار لتأييده، أن الذبيح كان إسماعيل عليه الصلاة والسلام. "تفسير ابن كثير" 7/ 27 - 30.
وانظر هذا الاختلاف أيضاً في "الدر المنثور" للسيوطي 7/ 105 - 107.
(2/461)

ولذلك صمَّمَ على العلمِ به، وإزهاقُ النفس لا يقدِمُ عليه نبيٌ إلا بوحيٍ، وقد بأنَ بالنَّسخِ أنَّهُ لم يُرِدِ الذبحَ، فهذا أمرٌ لم يصدرْ عن إرادةٍ (1).

فصل
يجمعُ الأسئلةَ على هذهِ الآيةِ، وهي عُمْدَة لأهلِ السنَةِ في هذهِ المسألةِ وفي أصولَ الدياناتِ: فمنها قولُهم: إنها لا تُعطي صيغةَ الأمرِ مِن قولِ إبراهيمَ، ولا ولدِه، لأنَ قولَ إبراهيمَ: {إِنِّي أَرَى}، ولم يقلْ: رأيتُ أنِّي أذبحُك.
ولم يقلْ: أمِرتُ أنْ أذبحَك، وقولُ الذبيحِ: {افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ}، ولم يَقُلْ: ما أُمرتَ، و {تُؤْمَرُ} لفظُ الاستقبالِ.
ومنها: أنهُ لو كانَ قد أمِرَ، لكان الأمرُ بمقدماتِ الذبح، من أخْذِ المُدْيَةِ، والتَلِّ للجبين، وأُبهِمَتْ عاقبةُ ذلك عليه، فكان بلاءً مبيناً، حيثُ شهِدَتْ الأمَارات المأمورُ بها بأنْ سيكون الأمرُ بالذبحِ بعد الأمرِ بالمقدّماتِ.
ومنها أن قالوا: قد رُوِي أنَّهُ فَعَلَ الذبحَ، لكنْ كانَ إبراهيمُ كُلما قَطَعَ جُزءاً أو عِرقاً التَحَمَ بأمرِ اللهِ، وُيوضِّح هذا أنَه سُمِّيَ الولدُ ذبيحاً، وحقيقةُ الذبيحِ مَنْ حَلَّ الذبحُ فيه، كما أن حقيقةَ اسم قتيل، مَن حَل القتلُ فيه.
قالوا: ويُوضِّحُ هذا قولُه سبحانه: {وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} [الصافات: 104 - 105}، ولا يكونُ مُصَدِّقاً إلا بإيقاعِ الذبحِ.
__________
(1) أمر إبراهيم بذبح ابنه صدر عن إرادة ابتلاءٍ لإبراهيم وابنِه عليهما السلام.
انظر "تفسير القرطبي" 15/ 102.
(2/462)

فصل
في جَمْعِ الأجوبةِ عَن الأسئلةِ على هذهِ الآيةِ
أما قولُهم: إنَها لا تعطي صيغةَ الأمر، فإنَ قولَه: {أَنِّي أَذْبَحُكَ} ذَكرَهُ بلفظِ المستقبلِ، لأنً الفعلَ مستقبل الأمرِ، ولَو لم يكنْ قد قدم على ذِكْرِ الذَبحِ أمْر اللهِ لة بالذبحِ، لَما قالَ الابنُ: {افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ}، فإنَ رؤيةَ الفعلِ لا تعطي الأمرَ. وقولُه: {مَا تُؤْمَرُ}، ولم يقلْ: ما أمِرْتَ، قد يَجيء الماضي، قال الله سُبحانه: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا} [الفرقان: 41] والمراد به، اتخذوكَ هُزواً، وقالَ الشاعر (1):
وإذَا تكون كريهةٌ أُدْعى لها ... وإذَا يُحاس الحَيْسُ يُدعى جُندَب
والمرادُ به: إذا كانت كريهة [دُعيت]، وإذا حاسَ الحيسُ دُعيَ جُندَبُ.
ويجوزُ أن يكونَ ذَكَرَهُ بلفظِ المستقبلِ بمعنى: افعلْ بما يُستدامُ من الأمرِ، فإن استدامَ ما أمِرتَ بهِ، فافعَلْ، كأنه قولُ مُترجّ من لطفِ الله أنه لا يُسْتَدام الأمر، فعَطَفَ على الدوامِ بالذِّكْرِ، وجَعَلَة شرطاً
__________
(1) اختلف في قائل هذا البيت، فقيلَ: هُني بن أحمر الكناني، وقيلَ: لزرافة الباهلي، وقيل: لصخرة بن ضمرة النهشلي.
انظر: "ذيل الأمالي" (3/ 85)، و"حماسة البحتري" (ص 109) و"شرح أبياتِ مغني اللبيب" (7/ 257). و "خزانة الأدب" (2/ 38).
والحيسُ: هو التمر يخلطُ بسمنٍ وأقطٍ، فيعجن شديداً، ثم يندر منه نواه.
وأصل الحيس، هو الخلط.
(2/463)

للفعلِ، فقطعَ الله دوامَ الأمرِ بالنسخ، كما وَقَعَ لهُ من الرجاء.
وأمَّا قولُهم: إنَّه أمرَ بالمقدِّمات، فلو أمِرَ بذلك لما كان تعجلَ لابنِه الترويعَ بمجرَّدِ الظنِّ بذكْر الذَّبح، لأنَه ليس من طِباعِ الآباءِ أنْ يُرَوعُوا الأبناءَ بمجردِ الظنون، ولا يُنَفرُهُ أيضاً بذكر عاقبةٍ لا يعلم حقيقتَها عن أمرٍ إذا انفردَ كانَ أسهلَ، ولا غَرَضَ في ذلك، لأنَّه إذا بُلي بالأصعب أوجبَ الحالُ التسهيلَ، فأمَّا أنْ يُبلى بالأسهلِ فيواجهُه بالأصعب، فلَيس هذا حكمَ العادةِ ولا الشرع، ولهذا نَدَبَتْ الشرائعُ إلى التسَهيلِ وتركِ التنفيرِ، ولأن الله سبحانه سَماهُ بلاءً مبيناً، وتأكيدُ البلاءِ يدلُّ على تأكيدِ المأمورِ به، فلو كانَ بالأمارةِ ما كان بلاءً، فإذا قالَ: المبين، دلَّ على أنه تعيَّنَ الذبحُ، لا بمقدماتٍ وأماراتٍ.
وقولُهم: كتَمَ وأبهمَ العاقبةَ. فلو كان كذلك لما صَعُبَ الأمرُ بكشفِها لابنهِ، لأنه إذا كانَ الله سبحانه ما كَشَفَها لُطْفاً بإبراهيمَ، كيف يُتَصورُ أنْ يَكْشِفَها إبراهيمُ بمجرَّدِ الظن تصعيباً على إسماعيل.
وأمَّا قولُهم: إنهُ رُويَ أنه ذُبِحَ والتحمَ، فما أبعدَه!! مع كونِ الله سبحانَه أخبرَ بالفداءِ، وهل يكونُ الفداءُ إلا ما قامَ مقامَ المكروهِ دافعاً لهُ، ومانعاً منه؟ فإذا كانَ إسماعيلُ أو إسحاقُ قد ذُبِحَ، والكبشُ ذُبِحَ أيضاً، فلِمَ اختُصَّ الكبشُ بأنْ يكونَ فداءً؟
قالوا: كان فداءً عن تَعَقب الذَبح موته، فجُعِلَ الكبشُ ذبيحاً تعقَبَ ذبحَه الموتُ، وإسماعيلُ ذُبِحَ ذبحاً لم يتعقبْه الموتُ.
قيل: معظمُ البلاءِ ذوقُ الحديدِ، ومعالجة الآلام، فإذا وقعَ، فلا فِداءَ، بل هي مساواةٌ، ولو ذُبِحَ الكبش ثم أحياهُ، لمَا خَرَجَ عن أنْ
(2/464)

يكونَ فِداءً، حيثُ لم يَقعِ الذبحُ بولدِ إبراهيمَ، وحيثُ وقَعَ فلا فداءَ.
وأما قولُه سبحانه: {قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} [الصافات: 105] وتسميةُ ولده ذبيحاً، فلأن التصديقَ ليس يقفُ على الفعلِ، بل المُسارعةُ بالطاعةِ مع الاعتقادِ، والعزمُ: تصديق، ولهذا لا يقفُ اسمُ الإيمانِ على امتثالِ الأوامِر الشَرعيةِ، بل يَسبقُ أفعالَ العباداتِ اسمُ الإيمانِ بمجرَّدِ الالتزام.
وأمَّا تسميتُهُ ذبيحاً، لأنه أُمِرَ بذبحِه وأطاعَ، وبَذَلَ نفسَه للذبحِ. قالَ سبحانه: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} [التوبة: 29] يعني: يبذلونها، فسمَّي البذلَ إعطاءً، كذلكَ سمَّى بَاذِلَ النَّفسِ للذبحِ ذبيحاً، وكما سمَّى عيسى قولًا (1)، وهو توسُّعٌ في موضعِ ثناءٍ ومدحةِ.
على أنَّ الاجتماعَ بيننا وبينهم على أنَ الاسمَ لا يكونُ حقيقةً إلا حالَ الذَّبح، وما دامَ الذبحُ، ولا وقعَتْ التًسميةُ عليه إلا بعد الذَّبحِ، والتَسميةُ لِماَ كانَ من الذبحِ مجاز، كما أن الاسمَ للأمرِ بالذبحِ مجازٌ، فلا فرقَ بيننا في القولِ بالمجازِ هاهنا.
ولأنَّ الآيةَ تَضَمَّنتْ بيانَ مِدْحَةِ إبراهيمَ في تصميمه وعزمهِ، وإسماعيلَ في تسليمهِ وصبرِه، وحقيقةُ الذَّبحِ تتضمنُ بيانَ الإِعجازِ والقدرةِ وكمالَ المدحةِ، فكيف تكتمُ مثلُ هذهِ الفضائلِ العظيمة، والمعجزاتِ الباهرةِ، ويُذكرُ التَلُّ للجبينِ، وهو لا يُنسبُ إلى حقيقةِ
__________
(1) يشير إلى قوله تعالى: {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34)} [مريم: 34].
(2/465)

الذَّبح، وما يتضمنُه من عِظمِ الصَّبْرِ، وما زالَ الله سبحانَه يقص فضائلَ الأنبياءِ صلواتُ اللهِ عليهم على الاستيفاءِ، تعظيماً لشأنِهم وتخجيلاً لِمَن قصرَ عن حالِهم، كبني إسرائيلَ شدَّدوا في أمرِ اللهِ لهم بذبحِ بقرةٍ ذلك التشديدَ، وهذا الكريمُ أسرَعَ إلى طاعةِ اللهِ في هذا الخَطْب الجسيمَ.

فصل
في الاستدلالات
قال المحققون مِن الفقهاءِ: أجمعنا أنَّ القائلَ: أُريدُ أنْ تقومَ أو تدخلَ الدَّارَ، يحسنُ في جوابه: صدقتَ أو كذبتَ، وقولُه: قُمْ وادخلْ الدارَ، يكونُ جوابهُ: أطعتُ أو عَصيتُ، ومعلوم أنَّهُ لا يُستدلُ على طبعِ الكلمةِ وجوهرها وخَصيصَتها إلا بمتعلقاتها وأجوبتِها، ومعلوم أنَ الأمرَ ما أطيعَ أو عُصِيَ، والخبرَ ما صُدقَ أو كُذِّبَ، فلما كانَ التصريحُ بذكرِ الِإرادةِ، يُعطي الِإخبارَ بدليلِ الجواب الليِّقِ بالِإخبارِ، والاستدعاءُ من غيرِ ذكرِ الإرادة يُعطي الأمرَ, بدليلِ الجوابِ بالائتمارِ، عُلِمَ أنَّ الأمرَ ليس بإرادةٍ، ولا من (1) ضرورته صدرورُه عن إرادةٍ.
ومما استدلوا به أنْ قالوا: لو كانَ الأمرُ هوَ الإرادةَ للمأمورِ به، أو يقتضي الإرادةَ، لمَا حَسُنَ أنْ يقولَ الماكر: أمرتُكَ ولم أرِدْ، ويقولَ القائلُ: أردتُ ولم آمُر، كما لا يحسُن أنْ يقولَ: أمرتُ ولم آمرْ، ولا أردتُ ولم أرِدْ، لما كانا نقيضين.
__________
(1) في الأصل. "ما".
(2/466)

ومما استدلوا به: أن الأمرَ لو كانَ هو الإرادةَ، أو كانَ لا يصدرُ إلا عن إرادةٍ، لما عَلِمَ الَآمر آمراً، إلا مَن عَلِمه مُريداً، فلما رأينا العربَ تُسمي المُستدعي الفعلَ مِن العبدِ، آمراً، وإن لم تعلمْه مُريداً، عُلِمَ أنَهُ لا يقتضي الإِرادةَ، ولا هو أرادةٌ.
واستدل بعضُهم لهذا المذهبِ أيضاً، بأن جميعَ ما يصدُرُ من الحيِّ مِن الأفعالِ، من قيامٍ وقعودٍ، وركوعٍ وسجودٍ، وأكلٍ وشربٍ، لا يكونُ فعلًا لإِرادةِ الفاعلِ، والكلامُ عند المعتزلةِ فِعلُ المتكلمِ، فإذا لم يكن القيامُ قياماً، والمشيُ مشياً؛ لإِرادةِ القائم والماشي، كذلك يجبُ أنْ يكونَ الكلامُ. فإنْ مانعُوا هذا أحدثوا لغةً لا تعرفُها العربُ ولا أهلُ العُرفِ على اختلافِ لغاتِهم.

فصل
في جمعِ الأسئلةِ على هذهِ الأدلةِ التي وجدتُها في الكتب، وسمعتُها في النَّظرِ: قالوا: إن جوابَ: "أريدُ مِنكَ" جوابُ: افعلْ، فأمَّا إذا لم يَقُلْ: مِنكَ، لكنه قالَ: أريدُ، ولم يقلْ: مِنكَ، فهو إخبارٌ عن إرادةٍ لا معنى.
فوِزَانُه أن يقولَ: يقومُ لي، أو يدخلُ لأجلي قائمٌ أو داخلٌ، ولا بقولُ: لتقمْ أنتَ، ولا لتدخلْ أنتَ، فإنَّه إذا لم يُسَم القائمَ والداخلَ، ولا عيَّنه، فلا يَحْسُنُ أنْ يقولَ واحدٌ: السَّمْعُ والطاعةُ، أو: العصيانُ والمخالفةُ.
قالُوا: وأمَّا قولُ الماكِر: أمَرْتُ وَلم أرِدْ، فإنَّما معناهُ: ماكَرْتُ ولَمْ
(2/467)

آمُرْ، وأتيتُ بلفظِ الأمرِ ويصيغتهِ، وما كان استدعائي صادقاً، فالماكرُ بالصيغةِ، خارج عن الآمرِ إلى الماكرِ كخروجهِ بها عَنْ الأمرِ إلى التهديدِ، وصيغةُ الأمرِ في حقِّ الماكرِ، كصيغتِها في حق المستهزىءِ والساخِر.
قالوا: وأما قولُكم: يجبُ أن لا يعلمه آمراً إلا مَن عَلِمَه مُريداً، فهو كذلك من طريقِ الاستدلالِ، فكلُ من علمه آمراً علمَ أنه مُريدٌ، حيثُ كانَ حكماءُ العرب الواضعينَ لهذهِ الصيغةِ، إنما وضعوها ترجُماناً عن دواعي تعرضُ، وَإراداتٍ تحدُثُ، فصاغوا صيغةً تدلُ السامعَ المستدعى منه على إرادتِهم لما استدعوه.
قالوا: وأمَّا هيئاتُ الإنسانِ وأفعالُه التي يُحدثُها، مِن قيامٍ ومشيٍ وحركةٍ، فإنَّما لم تَدل على إرادةِ مَن قامَتْ به تلكَ الصفاتُ، وصدرت عنهُ تلكَ الأفعالُ، لأنها صُورٌ تستقلُ بنفوسِها وبالفاعلِ لها، سواء فَعلَها ساهياً أو ذاهلًا، فهي فعل، فأمَّا صيغةُ الأمرِ فإنها حقيقةُ استدعاءٍ لفعلٍ، من جهةِ منَ استُدعِيتْ منه، ولا يتحققُ استدعاء من غيرِ مُريدٍ لما استدعاه.

فصل
في أجوبةِ الأسئلةِ.
أما فرقهم بين أريدُ، وأريدُ منكَ، لا وجهَ له، لأنه لو كانت الإرادةُ أمراً، لما كان قولهُ: أريدُ خبراً، كما لا يكونُ ما يوازيها ويساويها خبراً، والذي يساويها أمرآ، ويوازنُ: أردتُ وأمرتُ.
ولو قال: أردتُ الماءَ، كان جوابُه من حيث اللغة: صدقتَ أو
(2/468)

كذبتَ، ولو قال: أمرتُ بالماءِ، لم يكنْ جوابهُ: صدقتَ أو كذبتَ.
وأما المكرُ، فلا يكونُ مستحيلًا، ولا خارجاً عن الأمرِ، لأنه لم ينعدمْ سوى العلمِ بعاقبةِ الأمرِ، هل تحصُلُ من المأمورِ استجابةً، أو لا تحصلُ؟ والآمرُ ممتحن لحالهِ بأمرِه إيَّاه، ولو عُدمَ الأمرُ لأجلِ الجهالةِ بالائتمارِ، لوجبَ أنْ يكونَ من شرطِ الأمرِ علم الآمرِ بطاعةِ المأمورِ، ولا أحدٌ شرطَ ذلك.
وأما قولُهم: أنَّ أفعالَ الإنسان وهيئاته تقعُ صورةً، ويصح وجودها مع الذهول، وهذا الأمرُ يحتاجُ إلى استدعاءٍ ولا بُدٌّ من داعٍ وإرادةٍ، فليسَ بكلامٍ صحيح، لأن كلُّ واحدٍ، من صورةِ الفعل، وصيغة اللفظ، لا بُدَّ له من إرادةٍ للفظِ والهيئة، إذ ما يقعُ بغير إرادةٍ له تخصُّه يكَون عبثاً، ومن حيثُ كونُها صيغةً، وكونُ القيام حالةً، وصورةً لا يحتاجُ إلى إرادةٍ، بل قد يبقى من السَّاهين والذَّاهلين.

فصل
في جَمْعِ شُبَه المُخالفين فيها
قالوا: ترِدُ هذه الصيغةُ للإيجابِ، وتردُ للنَّدب، وتردُ للتحدّي وللتعجيز، وتردُ للتهديد، وتردُ للتكوين، فلا يفصْلُ الأمرُ بها عما ليس بأمرٍ الأ بالإرادةِ، فعلِمنا أنَّ الإرادةَ شرط في كون هذه الصيغة أمراً، وصارت كالأسماءِ المشتركة.
قالوا: ولأله لا فرقَ عند حكماءِ العرب بَيْنَ قولِ القائل لعبدِه: افعلْ. وبَيْنَ قولِه: أريدُ أنْ تفعلَ.
(2/469)

قالوا: ولأنَّه لو بَلَغَ اعتبارُ الرُّتبةِ في الحدِّ، فقالوا: استدعاءُ الأعلى، وذكروا المُستدعى منه بالأدنى، ومتى كان القولُ من المُماثل أمراً، سقَطَتْ الرتبةُ، وصار ذِكْرُ الرتبة في الحد حشواً، والحدُّ لا يحتملُ الحشوَ.
وإذا بطَلَ هذا لم يَبْقَ إلا أنْ يُقْتَصَرَ في حقِّ المماثل على الاسم الأعمِّ، فيُقالُ: اقتضى وطَلَبَ.
قال قائل: وإذا تأملتَ القرآنَ وجَدْتَ تَنَكبَ الأمرِ في كلِّ محلٍّ تَدَنَّتْ فيه الرُّتبةُ، مثلُ قولِه عن بلقيسَ: {قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32)} [النمل: 32]، وتنكَّبَ تأمرون، وتَنَكَّبَ مُروني، فقالت: "أفتوني"، و"تشهدون"، لما كانتْ هي الملكةَ، وقالوا: {والأَمْرُ إِليْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تأْمُرِيْنَ} [النمل: 33].
وقال: {يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا} [يوسف: 46] وقال في حق الشَّيطان: {إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ ...} [إبراهيم: 22] إلى قوله: {إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} [إبراهيم: 22]، قيل له: فقد قال سبحانه عن إبليس، {وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} [النساء: 119]، وسؤى بَيْنَ الأنبياءِ والأمَمِ في لفظةِ الأمرِ، فقال: أتامرُونَي أنْ كفرَ بالله وأشركَ به ما ليس لي به علمٌ (1).
قال: قد يَرد ذلك مجازاً، وإلا فالحقيقةُ ما ذكرْنَا، لأنَّه لا خِلافَ
__________
(1) هذا ما ورد في الأصل، وليس في القرآن الكريم آيةٌ بهذا اللفظ، وإنما هي {تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} [غافر: 42]، ولعل المصَّنف قصد قوله تعالى: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (64)} [الزمر: 64].
(2/470)

بيْنَ أئِمةِ (1) أهلَ اللُّغة وغيرِهم، أنَّه لا يجوزُ أنَّ يقَع على الدَّاعي لله سبحانه بقوله: اغفرْ لي، وهَبْ لي، ولا تَخْذُلْنِي، أنَّه آمر الله، ولا ناهٍ له، وليس ذلك إلا لدُنُو رُتبةِ الدَّاعي، وعُلُوِّ رُتبةِ الله سبحانَه على جميع خلقِه، والنُّصرةُ لإسقاطِ الرُّتبةِ في الصيغة هدمٌ للحدِّ الذي أجمعوا عليه، أعني أهلَ الصنعةِ القائلينَ بأنَّ امرَ الأمرِ، صيغةٌ تتضمنُ استدعاءَ الفعل بالقول من الأعلى للأدنى، وكفى بذلك دَليلاً على مَن لم يَعتبر الرُّتبةَ، ولا أحدَ جَوَّزَ للابن والعبد أنْ يقولا: أمرْتُ أبي وسيّدي، بل سألناهُما ورَغِبْنا إليهما، ولا استحسنوا في اللغةِ قولَ السَّيد والأب: سألتُ عبدي وابني، بل أمرتُهما.
وأما قولُ فِرعونَ (2): فإِنَهم بالحكمةِ والرَّأي والحاجةِ منه إليهم، جعلهم بهذه الخصيصة أَعلى، والعلو يختلفُ، وكذلك عمرو (3) لَمَّا كان أَعلى بِبَيانِ (4) الرَّأي، سُمِّيَ طلبُه فيه أمراً، فالعلو فنونٌ، وليس كله السلطنة.
__________
(1) في الأصل: (الأُمة).
(2) يقصدُ قول فرعون: {يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (110)} [الأعراف: 110].
(3) يريدُ قول عمرو بن العاص المتقدم لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما:
أمرتك أمراً جازماً فعصيتني ... وكانَ من الوفيق قتل ابن هاشم
(4) في الأصل: "بأن".
(2/471)

فصل
في تحقيق الأمرِ على قَولِ مَن يقول: إن الكتابةَ كلام حقيقةً.
اعلمْ أنَّ الظاهرَ مِن مَذْهب صاحبنا وأصحابِه أن الكتابةَ كالتلاوة في أصول الدين، وأنَها كالكلاَم في الفروع، فمنْ ذلك قولُهم: إنَ كاتبَ الطلاق كالمَتَلَفظِ به، وإنه لا يفتقرُ إلى النِّيَّه، بل كتابةُ الصريح كالنطقِ بالصريحِ، فلا يتحققُ منهم حد الأمرِ بأنه استدعاءُ الفعل بالقولِ، لأن الكَتْبَ ليس بقول، وإنما هو تعبير عن القولِ ودلالةَ عليه.
وقالوا في تحديدِ الكلامِ: هو الحروفُ والأصواتُ المَسْموعةُ، وليس هذا في الكتابةِ، إنما هي حروفٌ مسطورةٌ، فهو في الصُّحُفِ والمصاحفِ حروفٌ بغير أصواتٍ، وهي في الصدورِ لا حروفَ ولا أصواتَ، إذ ليس بمسموع ولا مَرْئي، وإنما هو ثبات في القلب، وهو المُسَمَّى بالحفظِ، وهو دَوامُ الذِّكْرِ له، وليس يُمكنُ أَنْ يقالَ: اَستدعاءٌ بالمفهوم، لأن الحد يجبُ انْ يُملى فيه بالأخصِّ، ولأن قولنَا بالمفهوم باطلٌ، لأنَّ الإشارةَ استدعاء بالمفهوم، وليست أمراً، ولا من أقسام الكلام، ولا قَسم أحد الكتابةَ والإشَارةَ مِن أقسام الكلام، وإنماَ استثناها اللهُ سبحانه في حق زكريا لأنَها تُعَبِّر عن اَلكلام (1)، فهي شبيهةٌ به في المُرادِ بها، فتحققَ مِن هذا أنَّ الأمرَ حقيقة لاَ ينطلقُ الأ إلى الحرفِ والصوت، وهي صيغة: افعلْ، دُونَ كَتْبها المُعَبر به عنها،
__________
(1) يشيرُ بذلك الى قول الله تعالى لنبيه زكريا عليه السلام: {قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا} [آل عمران: 41].
(2/472)

ودون الإشارة المفهومةِ النائبةِ مَنَابَها.
وإنْ سميت خَبَراً وأَمْراً، فمجازاً، مثل قولهم: تُخَبرني العينانُ مَا القلبُ كاتُم، وفي وجْهِ فُلانٍ كلام، وقولُهم: في نفسِه كلام.

فصل
والأمرُ ليس بإرادةٍ، ولا من شرطِ كونِ الصيغةِ أمْراً صُدورها عن إرادةِ المعنى المأمورِ به.
وقد اختلفَ أهلُ الاعتزالِ:
فقال بعضُهم: لا يكونُ أمراً إلا بإرادةٍ.
وقال بعضُهم: بثلاثِ إرادات: إرادة لإحداثِ الصيغةِ، والثانية: إرادة للمأمورِ به، والثالثة: إرادة كونهِ أمراً لِمَنْ هو آمِرٌ له، فقد اجتمعَ أهلُ الاعتزالِ والأشاعرة على أن هذه الصيغةَ لا بُدَّ لها من مُسْتَنَدٍ، فقال هؤلاء: مُستَنَدُها معنى في النَفْس هو الأمر، والصيغةُ عبارةٌ عنه ودلالة عليه، وقال هؤلاء: لا بُدَّ من إرادةَ الآمْرِ أمراً، إلا لحُسْنِ المأمورِ به، ولا النهي إلا لقُبحِ المنهي (عنه) (1).

فصلٌ
في الأَجوبةِ
والجوابُ: أن حُسْنَ مَا أَمَرَ الله به سبحانَه، وقُبْحَ مَا نَهى عنه إنَّما عُلِمَ بدلالةٍ هى الإجماعُ، ومَا استند إليه الِإجماعُ.
فأمّا أَنْ يكونَ لأجْلِ كونهِ أمراً أو نَهياً فلا، ولو جازَ أَنْ يقال: إن
__________
(1) هكذا الأصل، وربما كان هناك سقط أو تحريف، ولعل صواب العبارة: "ولا يكون الأمر أمراً إلا لحسن المأمور به ... " وهذا على قول الأشاعرة.
(2/473)

حُسْنَ المُستدعى المأمورِ به، وقُبْحَ المَنْهيِّ عنه كان كذلك لأجلِ الأمرِ والنَّهي، لكان القُبْحُ والحسنُ لأمرٍ يعودُ إلى الفعلِ والتَّركِ، وإِنْ صَدَرَ عن العقلاءِ، ولَمَّا كانَ القبحُ والحسنُ وراءَ الفعلِ، كذلك هما وراءَ الأمر والنَّهي، وتعلقُهم بالحكمةِ وبالِإضافةِ إلى الله تعلُقٌ بالقرينةِ الدَّالةِ على الحُسْنِ، وإلاَّ فمطلقُ الأَمرِ لا يقتضي إلاّ الاستدعاءَ مِن طريقٍ، وأدلةُ الشَرعِ دَلَّتْ على حُسنِ أمرِ الله سبحانه، وقُبْحِ بعضِ ما نَهى [عنه].
وأَمَّا قُبحُ المنهي عنه، فلا يجبُ، فإِنَّه قد نَهى الشَرعُ عن أشياءَ الأَولى تركُها، لا لقُبحِها، كالنهي عن القِران بَيْنَ التمرتين (1)، [وكَسَتْرِ البيت] (2) بالخِرقة، والجلوس في طريق المارَّة (3)، والشُّربِ من ثُلْمةِ الِإنَاءِ (4)،
__________
(1) يشيرُ بذلك إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي رواه عنه ابن عمر أنَّ النبى صلى
الله عليه وسلم قال: "من أكل مع قوم من تمر فلا يقرن".
أخرجه أحمد 2/ 44 و 46، والبخاري (2489) و (5446) ومسلم (2045)، والترمذي (1814) وأبو داود (3834) وابن حبان (5231) و (5232). مع اختلاف في اللفظ عند بعضهم.
(2) في الأصل: "كتبين الثيب" ولعل المثبت هو الصواب، وانظر "الإنصاف مع الشرح الكبير" 21/ 332.
(3) في الأصل: "في المنارة"، ولعل المثبت هو الصواب.
(4) وردَ ذلك من حديث أبي سعيد الخدري، قال: نهى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن اختناث الأسقية: أن يشرب من أفواهها.
أخر جه البخاري (5625) و (5626)، ومسلم (2023) وأبو داود (3720)، والترمذي (1890).
وفي رواية: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الشرب من ثُلْمَةِ القدح، وأن ينفخ في الشراب.
أخرجه أحمد 3/ 80، وأبو داود (3722)، وابن حبان (5315).
(2/474)

والأكلِ في المُنْخُل (1)، وغيرِ ذلك، وليس ذلك قَبيحاً.
فأَمَّا المقبحاتُ من المنْهيَّاتِ، فلأدلةٍ شرعية إنْ كانت منهيَّات الشرعِ، أو لأدلةٍ عُرفيةٍ إنْ كانت من حيثُ اللغةُ, فأمَّا بمجرَّدِ صيغةِ النَّهي فلا، وهذا خلطٌ منهم للكلامِ باللغةِ، كخلطِهم الأمرَ باقتضاءِ الِإرادةِ وإلا فأيْنَ التَّحسينُ والتَّقبيحُ من الصِّيغَ اللغوية؟

فصَل
في ذِكرِ مَن تَجِبُ طاعتُه
اعلمْ أَنَّ الواجبَ: هو الأمرُ اللآَزمُ الحتمُ، الذى سقَطَ على المُكلَّفِ سقوطاً لا يمكنهُ الخروجُ عنه، إلاّ ويُكْسِبهُ ذلك الذَّمَّ واسمَ العصيانِ.
مأخوذٌ من قولهم: وجَبَ الحائطُ، ووَجبتِ الشَّمسُ، أيمما سقطا، {وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} [الحج: 36] [أي: سقطت]. والذين تجبُ طاعتهُ هو اللهُ سبحانه، وَمن أَوجَبَ طاعتهُ مِنْ رُسُلِه صلواتُ الله عليهم، والأئمةِ وخلفاءِ الأئمةِ، والوالدين، وسادةِ العبيد الذين مَلكهم رِقَهم، وأَوجَبَ عليهم بحُكْمِ الشَرعِ طاعتَهم، فأمَّا مَنْ عدا ذلك مِن مُسَلطٍ بنفسه ومُستعْلٍ بوضعهِ الاستعلاءَ لا بحُكْمِ الشَّرعِ، فليس بواجبِ الطاعةِ، وإِنْ حَسنتْ متابعتهُ لاستعلائهِ والانقيادِ له، فذلك مصانعةٌ له، حراسةٌ للنَّفسِ بحكْمِ الشَرعِ أيضاً، أَلا ترى أنه لمَّا جاءَ الشَرعُ بالنَّهي عن طاعةِ الوالديْن، حَسنَ عصيانُهما، فقال سبحانَه: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا} [لقمان: 15]، وهذا
__________
(1) المنخل: ما يُنخَل به الشعير والقمح، وهو غير منهى عنه، وإنما ورد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ير منخلاً وأن الصحابة لم يكونوا ينخلون الشعير. انظر البخاري (5410) و (5413).
(2/475)

الفصل ينبني على أن الحَسَنَ ما حَسنَه الشرعُ، والقَبيحَ ما قَبحَة الشَّرعُ، خِلافاً للقَدَرِية.

فصل
في الدلائِل على ذلك
وهو أن المخلوقين في الخَلْقِ والجنْسِ والبُنْيَةِ الحيوانيةِ المُحتاجةِ إلى القوام مِنَ الأغذيةِ سواء، وكذلكَ في تَسَلطِ المَضَارِّ عليهم، ولا فَضْل لبعضِهم على بعض يقتضي طاعةَ بعضِهم أمرَ بعض، وانَما رَتَبَهم الشرع مرأتبَ، فجعلَ مِنهم أنبياءَ، ورُسُلاً، وأئمةً، وخلفاءَ، ووالديْنَ، ومالِكينَ، وفَضلَ هؤلاءِ على مَنْ دُونَهم مِن المُرسَلِ إليهم، كالرَّعَايا والأولادِ والعبيدِ، وجَعَلَ لهم تَعَلُّقَ الرُّتبةِ الشرعيةِ الأمر الواجب، والطاعة اللازمة في مقابلتهِ، ولولا ذلك لم يكُ لأحدٍ على أحد طاعة، لان ما عدا هذه الرتَب التي عَظمها اللهُ سبحانه، وجَعلها سبباً لإيجابِ الطاعةِ، إِنما هي أوضَاع لا لحَقٍ، ولا فَضْلٍ علِمْنَاهُ سَبَباً للإيجابِ.

فصل
يجمعُ شبهَهُم
قالوا: إنَ أهلَ اللُّغةِ قد حَكموا لِما وَضَعوهُ آمِراً برُتْبةٍ، وقابلُوه بطاعةٍ أو عصيانٍ، فسمَّوا الممتثل مطيعاً، والممتنعَ عاصياً، ولو كان الَامرُ لا يُشترط له الإرادةُ، لكان البهيمةُ إذا وجِدَ منه رَوْمُ (1) العلفِ
__________
(1) الرومُ: الطلب "لسان العرب" و"القاموس المحيط": (رَوْمُ).
(2/476)

والماءِ أنْ يكونَ آمراً، ولَوجَب أنْ يكونَ المستهزىء والهاذِي المُبَرْسَمُ (1) القاثلُ لعبيده: افعلوا واصنعوا، آمراً، ولَمَا لم يُسَم آمِراً، وما عُدِمَ سِوى ما أمرَ به؛ عُلِمَ أن الأمرَ مشروط بالإرادة.
قالوا: ولان النهي لا يكونُ نهياً إلا بكراهةِ الناهي، والكراهةُ ضِد الإِرادةِ، فوجبَ أنَّ لا يكونَ الأمرُ إلا بإرادةٍ.
قالوا: لا يخلوا أنْ تكونَ الصيغةُ أمراً لمجردِ كونِها ووجودِها، أو لقرينةٍ معها، ولا يجوزُ أنْ تكونَ بمجردِها، لأنها توجدُ مِن المُبَرْسَمِ إلمَصْروع والنائم والطفل، وليست امراً، ولا يجوزُ أنَّ تكونَ لوجودِ قرينةٍ معهاَ في الجُملةِ، لأنَ مِن القرائِن ما يخرجُ به عن كونهِ أمراً، وهو التهديدُ والتعجيزُ، مثلُ قوله: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت: 40]، {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} [يونس: 38]، {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50)} [الإسراء: 50]، لم يبقَ إلأ أنْ يكونَ لقرينةٍ تَصْلُحُ لجعلِها أمْراً، وليس إلا الِإرادةَ.
وإن قلتم: إِنها إِنما تعتبرُ أنْ تَرِدَ مِن عاقل، فذلك يُعْرَضُ ويحْرَسُ بالإِرادةِ، لأنَّه ليس يُرادُ العقلُ، ولا يُشترطُ إلا ليرِدَ الأمرُ عن إرادةِ الآمرِ.
قالوا: ولأنها متى لم تصدرْ عن إرادةٍ، قيل فيمَنْ صَدَرَتْ عنه: إنه ساهٍ أو ذاهل أو هازل أو ماكر، ولا يُسمَى آمراً، كالفعل إذا صَدَرَ مِن غيرِ مُريدٍ لِمَا فَعَلَه كان عَبَثاً، وكان مَن صَدَ