Advertisement

الواضح في أصول الفقه 003


الوَاضِح في أصُولِ الفِقه

تأليف
أبي الوَفاء عَلي بن عَقيل بن مُحمَّد بن عَقيل
البَغدادي الحَنبلي (513 ه)

تحقيق
الدكتور عَبد الله بن عَبد المُحسن التركي
وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد

الجزء الثالث

مؤسسة الرسالة
(/)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(3/2)

الوَاضِح في أصُولِ الفِقه
3
(3/3)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

جَميع الحقُوق مَحفوظة للناشِر
الطبعة الأولى
1420 ه - 1999 م

مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع
وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - بنايه المسكن، بيروت - لبنان
تلفاكس: 319039 - 815112
فاكس 603243 ص. ب: 117460

AL- Resalah PUBLISHERS
BEIRUT/LEBNON - Telefax: 815112 - 319039
fax: 603243 - P.O.Box: 117460
Email: Resalah@Cyberia.net.lb
(3/4)

فصول
في معنى الشروطِ والصفاتِ التي يتعلق الأمرُ والنهي عليها
فصل
والشرط الذي أشرنا إليه هاهنا في تعليقِ الأمر عليه، هو كُل أمرٍ عُلقَ وجوبُ إيقاع الفعلِ المأمورِ به أو الكفِّ عن المنهى عنه والاجتناب له به، ولَا يجبُ إيقاعُ المأمور به ولا اجتنابُ المنهيّ عنه إلا بحصوله.
وهو تارةً يكونُ شرطاً بالمكانِ، نحو قوله: صل إذا وصَلْتَ الكعبةَ.
أو بالزمانِ [نحو]: صلِّ إذا زالت الشمسُ.
أو الصفات التي ليست بأفعال العباد، كالصحةِ والقدرةِ وكمالِ العقل، فيقول: صل إذا صح جسمُك، أو أفاقَ ذهنُك.
وتارةً يكونُ الشرط والصفةُ من اكتساب العبد، مثل التطهرِ، فيقولُ: صل إذا تطهَّرت. والسترةِ: صل إذا استتَرتَ، وكفِّر إذا حنِثتَ، واعتكف إذا دخلتَ المسجدَ، وطُفْ إذا وَصَلْتَ الكعبةَ. فهذه الشروطُ والصفاتُ سواءً فيما ذكرنا من التعلقِ عليها وحكم الأمرِ المتعلق بها على ما قدمنا لا يختلفُ الحكمُ باختلافِها (1).
__________
(1) انظر ما تقدم في 2/ 572.
(3/5)

فصل
ومن حُكم الشرطِ أنْ يكونَ مستقبلًا لا ماضياً، ولا مقترناً بالخطاب إذا كان بلفظٍ يقتضي الاستقبالَ، نحو قوله: إذا قامَ زيد فأكرمه، وإذاَ دخَلَ عَمْرو فاستقبله، وإذا وإن: حرفانِ للشرط يقتضيان الاستقبالَ، إذ لا معنى لقول القائل: إذا قامَ زيد فاضربه، وكان حال قولِه قائماً، اللهمَّ إلا أن يُريدَ به: إنِ استدامَ القيام فرجعَ إلى قيام في المستقبلِ، دونَ القيامِ الحاصلِ حينَ وجود تعلقِ الشرطِ (1) على القيامِ.

فصل
ومتى علِّق الأمرُ على معنى مستحيل [لم يكن ذلك] (2) أمراً، مثالُه أن يقول: صلّ إذا كان زيد متحركاً ساكناً. وما هو إلا بمثابةِ قولهِ: كُنِ الآن متحركاً ساكناً. فإنه لا يكون أمراً لاستحالته، كذلك المعلق على المحال، لا يكونُ أمراً لاستحالتهِ، فما أحالَ الأمرَ المنجز أحالَ الأمرَ المعلَّقَ.

فصل
ومن سبيلِ الشرط أن يكون معلوماً متميزاً للمكلفِ، وأنْ يكون له إلى العلم بهِ سبيل، لأنَه لا يجوزُ أن يقولَ له: صل إذا اخترعتَ جسماً في السماءِ، وإذا تشاجرتِ الملائكةُ، وإن كان حملُ المرأة ذكراً أو أنثى، وإن كان زيدٌ مستبطناً للإيمانِ أو الكفرِ، وإلى أمثال ذلكَ من
__________
(1) بياض في الأصل، وهذه اللفظة استظهرناها من السياق.
(2) طمس في الأصل، وأثبتنا هذه العبارة وفق ما يقتضيه تمام المعنى المقصود.
(3/6)

الغيوبِ التي لا سبيلَ إلى علمِها، هذا هو الذي تقررَ عليه حكم الشرعَ.

فصل
ويجب أن يقالَ: إن الصفةَ من جملةِ الشروطِ، هو ما يصحُّ حصولة ويصحُّ كونه قائماً بالمكلفِ أو بغيرِه من الأحياء والموات، وما ليس هذه سبيله فليس بصفةٍ، بل الحقيقة من اختراع الأجسام وما جرى مجرى ذلكَ عن الصفةِ التي هي شرط، قد تكونُ صفةً للمكلفِ وتكونُ من كسِبه ومن غيرِ كسبِه، وقد تكونُ صفةً لغيرهِ، هذا هو الفرق بين معنى الصفة التي هي شرطٌ، وبين الشرط الذي لم يبطل بصفة.

فصلَ
في ذلك يفصل به بين الشرطِ العقلي والشرطِ الشرعي.
اعلم -وفقك الله- أن الاتفاق قد حَصَل بين الأصوليين، على أنّ ما هوشرطٌ لحكم وصفةٍ بحكمٍ عقلي، فإنه لايوجد ومثله (1) إلاوهو شرط، وذلكَ نحو وجودِ الجسم الذي هو شرطٌ لوجودِ حسناتهِ كلّها، وهي الأعراضُ المختصة به، كالأَلوانِ والحركاتِ والسكناتِ والأخذِ في الجهات.
وكالحياةِ؛ التي هي شرط لوجودِ العلمِ والقدرةِ وجميعِ صفاتِ الحيّ من الإدراكات.
فأمَّا الشرط للعباداتِ الشرعّيةِ، لا يجبُ كونه مع مثلهِ شرطاً أبداً،
__________
(1) تقدير العبارة: (لا يوجدُّ مع مثله).
(3/7)

وكذلك جميع ما جُعل شرطاً لعبادة من الأمكنةِ والأزمنة كمكان الاعتكافِ وهو المسجدُ، ومناسكُ الحج، وأوقاتً العباداتِ وأوصافً المكلفين، فلذلكَ لم يجب كونً شروطِ العباداتِ ماخوذةً من الشروطِ العقلية. فاعلم ذلكَ واجتنب التعويلَ على أخذِ إيجاب الدوامِ للشروطِ الشرعيةِ، من إيجابِ ذلك في الشروط العقلية.

فصل
في الأمر إذا تكررتْ صيغته، هل يقتضي تكرارَ المستَدعى وهو المأمور به، أم لا يقتضي التكرار؟
لم أجد عن صاحِبنا ولا أصحابهِ فيه شيئاً، ويقتضي مذهبهم التكرارَ من حيث إنه يقتضي بالصيغة الواحدة، فالتكرار أولى (1).
وعندي أنه يقفُ على بيانِ المستدعي، فإن أرادَ به التأكيدَ والتفهيمَ، لم يقتضِ التكرارَ، وإن قصدَ الاستئنافَ اقتضى التكرارَ، وإن أطلق ولم ينوِ شيئاً اقتضى التكرارَ، وأخذتُه من تكرارِ لفظِ المطلِّقِ للطلاقِ. وفيه اختلاف بين العلماء على عدة مذاهب:
__________
(1) وهو ما صرَّح به القاضي أبو يعلى في "العدة"1/ 279، حيث قال: "لأنَ عندنا الأمرُ الأول اقتضى التكرار، والثاني لم يفد غير ما أفاد الأول".
وخالف في ذلك أبو الخطاب حيث صرح بأن تكرار الأمرِ بشيءٍ واحد مثل قوله: صل غداً ركعتين، صلً غداً ركعتين، لا يقتضي تكرار المأمور به. انظر "التمهيد" 1/ 210.
وسببُ مخالفة أبي الخطاب لجمهور الحنابلة في هذه المسألة: أنه يقولُ بأن الأمرَ المطلق لا يقتضي التكرار ابتداءً، فكان قوله هنا ناشئاً عن قوله هناك.
وانظر "المسوَّدة" ص (210).
(3/8)

أحدها: أنه يقتضي التكرارَ. وهو أحدُ الوجهين لأصحاب الشافعي، واختاره شيخنا الإمام أبو إسحاق الفيروز آبادي (1) رضي الله عنه.
والثاني: لايقتضي التكرار، وهو اختيار أبي بكر الصيرفي (2).
وقالت الأشعرية فيما حكاه بعضُ الفقهاء عنهم في ذلك: بالوقف إلى أن ترِدَ دلالة بِمَيْله إلى أحد محتمليه: التكرار أو مرة.
وقال القاضي أبو بكر: إنّه يقتضي تكرر الفعل، وأنه ليس على الوقف، بخلاف الأمر والعموم.
وقال أصحاب أبي حنيفة: إن كان أمرهُ في الثاني بلفظٍ يقتضي تقريرَ الأول مثل أن يذكره بالألف واللام، فيقولُ في الأولِ: صل، ثم يقولُ في الثاني: صَل الصلاةَ، فلا يقتضي التكرار بل تعود الألفُ واللامُ إلى الأول.
وإن كان الأمرُ الثاني تنكيراً من المأمور فيقول: صل صَلاةً، أو صَل. كان مقتضياً لصلاة مستأنفة (3).
__________
(1) انظر رأي أبي اسحاق الفيروز آبادي هذا في "التبصرة" ص (50). وهو رأي جمهور الشافعية، انظر "الإحكام" 2/ 271.
(2) أي أنه حَمله على التأكيدِ ليفيدَ ذات المعنى الأول، ولم يحمله على التأسيس لافادة معنى جديد.
(3) قال الجصَّاص: "تكرار الأمر يوجبُ تكرار الفعل، وإن كان في صورة الأول، ما لم تقم الدلالة على أنَّ المراد بالثاني هو الأول. نحو قول القائل: تصدق بدرهم، ثم يقول له بعد ذلك تصدق بدرهم، فيكون الثاني غير الأول" =
(3/9)

ومن أصحابِ الشافعي من قال بقول الأشعري، وهو الوقف.
والذي يقتضيه ما نصرناه وحكيناه عن أصحابنا التكرار؛ لأن من قال: إن مطلقَ الأمر يقتضي التكرارَ، يقبح أن يتوقفَ عن القولِ في الأمرِ المكررِ بالتكرارِ.
ولا يختلفُ العلماءُ في أنه إذا كانَ الأمرُ الثاني بجنس ثانٍ مثل أن يقول في الأصل: صَل، وفي الثاني: صُمْ، وفي الثالث: تصدقْ، أنه يقتضي امتثال الجميع؛ لأن هذا ليسَ بتكرارٍ، وإنما هذه أوامرُ متتابعة ومتعاقبةٌ، والمخصوصُ باسم التكرارِ هو ما كانَ أمراً بجنسٍ واحد فأما إذا كان أمراً بفعلين غيرين (1) من الجنس لم يكن متكرراً.

فصل
يجمع أدلتناَ على وجوبِ التكرارِ (2)
فمن ذلكَ: أنَ الدلالةَ قد سبقت على أنَ الأمرَ المطلقَ يقتضي تكرارَ المأمورِ بهِ ودوامَه، فإذا بنينا هذا على ذلك الأصلِ كان من طريق الأولى، لأن الأمرَ المكرر آكدُ في اقتضاءِ الدوام من اللفظِ
__________
= فالأصل عندهم إذاً أن تكرار الأمر يوجبُ تكرار الفعل ما لم تقم قرينة تدل على أن المراد بالتكرار التأكيد. انظر "الفصول" 2/ 148.
(1) هكذا وردت في الأصل، ولعل المراد: "متغايرين".
(2) ظاهرٌ من هذا الاحتجاج، أن ابن عقيل يجمع الأدلة التي تؤيد رأي من قال بأنَ تكرار الصيغة يقتضي تكرار الفعل، ولم يذكر الأدلة التي تؤيد رأيه في أنه يفيدُ الوقف.
(3/10)

الواحدِ لأنَّ أقل ما يقتضي التأكيد، وتأكيد ما يقتضي الدوام تأكيد لمقتضاه من الدوام، فصارَ بمثابةِ المقيد بالتكرارِ، وهو أن يقول: أفعل أبداً، أو افعل متَكرراً لمّا تأكد على الاطلاقِ، كان أولى باقتضاءِ التكرارِ الذي اقتضاه الإطلاقُ على أصلنا.
ومن ذلك: [قد عرفنا] (1) أنَّ كل واحد من اللفظين يقتضي إيجابَ فعلٍ عند الانفراد، فإذا اجتمعا وجبَ أن يقتضيا التكرارَ، كما لو كانَ بفعلينِ مختلفين، مثل قوله: صمُ وصلّ.
ومن ذلك: أنَّ المقتضي للفعلِ هو الأمرُ، والثاني كالأوَّل في الإيجابِ، ثم الأول يوجبُ الفعلَ مرّةً، فالثاني يوجبُ الفعلَ أيضاً مرّةً أُخرى.

فصل
ووجهُ ما ذَهَبَ إليه من قالَ بنفيِ التكرارِ: أن أوامر الله سبحانه في القرآنِ قد تكررت، ولم تقتضِ تكرارَ الفعلِ.
قالوا: ولأن اللفظ الثاني يحتملُ الاستئناف ويحتمل التأكيدَ، فلا يوجب فعلًا مستأنفاً بالشكِّ.

فصل
في الجوابِ عما ذكروه: أن الظاهرَ في تلكَ الأوامر الشرعيةِ تركٌ لأدلة.
ولا نسلَّم أن ها هنا شكاً، بل هو ظاهرٌ، ولو كانَ في الثاني شكاً،
__________
(1) في الأصل: "من عربنا"، ولعل المثبت هو الصواب.
(3/11)

لكانَ الأول لا يفيدُ استدعاءَ المأمورِ، لأن اللفظين سواءٌ، فلما أوجبَ الأولُ الفِعْلَ مرةً، كذلك الثاني يغلبُ على الظنِّ أنَّه يوجب ما أوجَبه الأول، والتأكيدُ إنما نذهب إليه ضرورةً، والاستئنافُ هو الظاهر من استئنافِ الأمر.

فصلٌ
وتعلَّقَ من قالَ بالوقفِ من أصحاب الشافعيّ (1) وغيرهم بأن الصيغةَ الثانيةَ تحتملُ التأكيدَ، وتحتمل التكرارً والاستئنافَ، ولا ترجيحَ لواحدٍ منهما على الآخرِ، فلم يجز القولُ بأحَدِهما مع مقابلةِ الآخرِ، فوجب الوقفُ.

فصلٌ
وقال القاضي الإمام أبو بكر (2): إن قال قائل: فهلا وقفتم في تكرار الأمرِ كما وقفتم في لفظِ الأمرِ والعمومِ وسائرِ ما أخبرتم باحتمالهِ. قيل له:
__________
(1) وهو منسوب إلى أبي بكر بن فورك. انظر "إحكام الفصول في أحكام الأصول" للباجي ص (206)، و"البحر المحيط" للزركشي: 2/ 393.
(2) نقل الزركشي في "البحر المحيط": أن كلامَ القاضي أبي بكر الباقلاني في مسألة تكرر لفظ الأمر متردِّد، فتارةَ يميلُ إلى الوقف وهو الصحيح، وتارة يقول: يقتضي إنشاءَ لا متجدداً. وممن حكى الوقفَ عنه أبو الحسين البصري."البحر المحيط"2/ 393 وعلى ذلك فإنَ ابن عقيل قد رجح الرأي الثاني الذي يقتضي التأسيسَ لا التأكيد، على الرغم من أنَّ القول بالوقف هو الذي يتفق مع أصول القاضي أبي بكر.
(3/12)

لأجلِ أن كُلَّ لفظةٍ من تلكَ الألفاظ لفظةٌ واحدةٌ معرَّضةٌ ومحتملةٌ للأمرين، والأمرَ الثاني بالفعلِ قول غيرُ الأمرِ الأولِ منفصلٌ عنه، ولكل واحدٍ منهما موجِبٌ ومتعلّق إذا انفرد، والاجتماعُ لا يخرجُهُ عن ذلك، فافترقَ الأمران.
ففيما ذكره القاضي الأمام أبو بكرٍ -رضي الله عنه- جوابٌ عما ذكره من اختار الوقفَ من هذا الفصل.

فصل
فيما تعلق به أصحابُ أبي حنيفة (1).
قالوا: إذا قال: صلِّ الصلاةَ، وصُمْ الصيامَ، مع تقدم قوله: صلِّ وصُم، زالَ الإشكالُ بكون الألف واللام ترجعُ إلى المعهودِ، ولا معهودَ هنا سوى ما تقدم، فيصير كأنَّه قال: صمُ ذلك الصوم الذي أمرتك به فيكون اقتضاءً بذلكَ وحثاً عليه، واذا قال: صم وصَلِّ كان أمراً بفعل منكر، فاقتضى الاستئناف والابتداءَ، فهو كالأمرِ الأوَّلِ.

فصل
في الاعتراضِ على ما ذكروه
فيقالُ: إنه لا يزولُ الاحتمالُ لوجوه:
أحدُها: أنهم لم يفرِّقوا بينَ أن يكونَ قد صلَّى تلكَ الصلاةَ، وامتثل الأمرَ الأولَ، وبينَ أن يكونَ ما فَعَلَ، فيجبُ أن يفصِّلوا ليَصْفو
__________
(1) انظر: "الفصول في الأصول" للجصَّاص: 2/ 148 - 149، و "تيسير التحرير" 1/ 361 - 362، و"فواتح الرحموت"، (1/ 391 - 392).
(3/13)

لهم ما يدّعونه من نفي الاحتمالِ.
الثاني: أن قولَه: صلاة. يحتملُ مثل الصلاة، كقوله: عرضها السماوات، كعرض السماوات، وأنه يفيدُ أْن يأتي بصلاةٍ كالصلاة الأولى، فلا يصفو عوده إلى الأولى مع هذا الاحتمالِ أيضاً.
الثالث: أنه يحتمل جنسَ الصلاة، فأين زوالُ الاحتمال؟

فصل
في المأمورات التي يتعذر تكرُرها، فيمتنعُ ورودُ الأمر مكرراً إلا على وجه التأكيدِ.
وامتناعُ ذلكَ من وجوه شتى:
فمن ذلك: ما يمتنعُ من طريقِ العقلِ، كالأمرِبقتل شخصٍ، وذبح شاةٍ، فهذا مما لا يمكن تكراره، إذ لا يقتل الحيُّ إلا مرةً واحدةً، ولا تُذبحُ الشاةُ إلا دفعةً، إذ لا نفس تزهق إلا واحدةً.
فإذا قال: اقتل فلانَ المشركَ، واذبح شاتَك. ثم كررَ الأمرَ، لم يكن في التكرارِ إلا تأكيدَ الأمر بفعل المأمورِ به. لاستحالةِ قتلين في شخصٍ ما لم تعد إليه الحياةُ مَرةً أَخرى.
وكذلك كسرُ الإِناء، وإتلافُ سائرِ ما إذا أتلفَ لم يُتصوَّر إعادةُ الإِتلافِ له.
ومن ذلك: ما يمتنعُ من طريقِ الشرعِ، فجعلَ الشرعُ له كالإتلافِ المقدَّم ذكرهُ، وهو الأمرُ بعتق عبده، فإنه يعتقُ بالإعتاق، ولا يتكرر إعتاقه، إذ لا بقاءَ للرقِّ في العبد بعد العتقِ، كما لا بقاءَ للحياةِ في
(3/14)

الحيِّ بعدَ القتلِ، فإذا تكررَ قولهُ: اعتق، كان الثاني تأكيداً، بغير احتمال.
ومن ذلكَ: امتناعُ التكرارِ لكَوْن الأمرِ الأولِ مستغرِقاً عاماً لجميعِ ما تناوله الأمرُ، مثل قوله: اقتل المشركين، وصم الدهرَ، فإنه لا مشركين لنا بعدَ الاستغراقِ ينصرف الأمر إليهم في الثاني بعدَ استغراقِ الأمرِ الأول لهم، ولا لنا دهران فنكرِّرُ صومَهما، فلم يبقَ للفظِ وجهٌ سوى التأكيدِ.
ومن ذلك: أن تكونَ دلالةُ حالي أو عرف متواضع فيما بين الأمرِ والمأمورِ يدل ذلكَ على أنَ المرادَ بالتكرار الواحدُ غيرُ المتكررِ، أو دلالةُ حالٍ تدلُّ أنَ المرادَ بالثاني التأكيدُ، مثل عطشان يأمر باستقائه الماء، ثم تكرر اللفظةُ، فيعقلُ منها الاستعجالُ دونَ التكرارِ.

فصلٌ
واعلم أن التكرارَ في الندب كالتكرارِ في الواجبِ، فما أوجبَ تكرارَ المأمورِ به في الأمر الواجب، كان تكرارهُ في الندب مؤذناً بتكرارِ المندوب، فكونُ المتكررِ فيَ الندب مندوباً، كما أنَ التكرار في الواجبَ واجب. وإنَّما كان كذلكَ لأن التصريحَ بتكرارِ الندبِ يُفيدُ الندبَ إلى التكرارِ، كذلكَ الإِطلاقُ المفيدُ للتكرارِ بالظاهرِ.

فصلٌ
واعلم -وفّقكَ الله- أنه لا يجوزُ أن يقعَ خلافٌ في أن تكرارَ الأمرِ يقتضي استئنافَ فعل إذا كان بعد امتثالِ الأول، مثال ذلك:
(3/15)

إذا قال: اضرب. فضربَ، ثم قال: اضرب. أن الثاني يفيد ضرباً مُستأنفاً، لأن الأمرَ الثاني لا يعودُ إلى الضربِ الأول، لأن الأولَ وقَع، فلا يحتاجُ في وقوعهِ إلى أمرٍ بعدهَ، ولا يصحُّ بعدَ وقوعهِ من جهةِ الأمرِ إلا التصويبُ، والشكرُ على الطاعةِ، وموافقةُ الأمرِ، فأمَّا بعد الامتثالِ، فلم يبقَ احتمالٌ يقعُ لأجله الخلاف.

فصلٌ
واذا كانَ الأمرُ بفعلٍ ممتدٍّ يستوعبُ للعمرِ، كالإيمانِ، كانَ الأمرُ بماضيه مستحيلاً، فإذا وَرَدَ الأمرُ به فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا} [النساء: 136] كان أمراً بمستقبل وهو الاستدامة، وكان تأكيداً، لأنّ الأمر الأول تناول جميع عُمر المكلف فلم يبقَ أن يكونَ الأمر الثاني إلا تأكيداً، وذلك مثل الإيمان، وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا ..} [النساء: 136] بمعنى استديموا.

فصلٌ
في الأمر المطلق، هل يقتضي الفور أو التراخي، أو الوقف؟
اعلم أن شيخنا -رضي الله عنهُ- أخذ من إيجاب صاحبنا الحج على الفور، أن الأمرَ على الفور (1)، وقد أخذ جماعة من الفقهاء مثل هذا الأخذِ.
__________
(1) ذكرَ أبو يعلى في "العدة" 1/ 281، بأن الأمرَ المطلق يقتضي فعلَ المأمور به على الفور عقيب الأمر، واستفاد ذلك من كلام الإمام أحمد رضي الله عنه في أن الحج على الفور.
(3/16)

واعلم أني ذاكر في ذلك فصلًا ينتفعُ به الفقيهُ، وذلكَ أن المحققينَ من أهلِ الأصولِ عابوا أخذَ الأصولِ من الفروعِ، واعتلّوا في ذلكَ بتحقيقٍ واقعٍ يوقعُ ايجابَ القبولِ منهم.
فقالوا: إنَّ الفروعَ يحسنُ أن تبنى عليها الأصول، فلا يحسنُ بناءُ الأصول على الفروع لما قد استقر من أن الفرعَ ما ابتنيَ على غيرهِ، والأصلُ ما ابتني عليه غيرُه.
قالوا: ولأنَّ المسألةَ من مسائل الفروعِ يجبُ فيها الفورُ، لدليلٍ أوجبَ القولَ فيها بالفور، فلا يجوَزُ أن يوجدَ الأمرُ المطلقُ بحكمِ اللغةِ الفورَ من فرعٍ مقيدٍ بقرينةٍ أو دلالةٍ أوَجبت له الفورَ، ولكنني أخذتُ هذا الأصلَ من أن أصلَ مذهبهِ الاحتياطاتُ في أُصولهِ وفروعهِ، ومن الاحتياط؛ التقديُم والفورُ، فمن ذلك قوله: الصلاةُ تجبُ بأوَّلَ الوقت وجوباً مستقراً، وإنَ الزكاةَ تجب عليه بالحولِ، ولا يُعتَبرُ إمكان الأداءِ، ويجبُ الحج على الفورِ، وصومُ يوم الشك تعجيلًا، فنحنُ نستدلُّ بهذهِ المسائلِ الكثيرةِ أنها جاءت مَن أصل له، وهو قولُه بالتعجيل والاحتياطِ والفورِ من ذلك القبيلِ، والفرعُ ان لم يبنَ عليه لكنه يكونُ دليلًا على أصلِ الرجلِ، سيما إذا عُلل بالاحتياطِ، فيصير تعليلُه أصلًا.
فهذا تحقيقُ مذهبنِا، وهو مذهبُ أكثرِ أصحابِ أبي حنيفة (1)،
__________
(1) هذا قول أبي الحسن الكرخي وأبي بكر الجصاص من الحنفية، حيث قالا: بأن الأمر المطلق على الفور لا التراخي.
وخالف في ذلك السرخسي والبزدوي، حيث قال السرخسي: "والذي
(3/17)

ومذهب أبي بكر الصيرفي، والقاضي أبي حامدٍ (1).
وذهب الأكثرون من أصحاب الشافعي (2)، والأقلون من أصحاب أبي حنيفة إلى أنَه على التراخي، وهو مذهبُ المعتزلةِ، واختيارُ القاضي الإمام أبي بكر بن الباقلاني.
وذهب جمهورُ الأشعريةِ إلى أنَه على الوقف.
فهذا جملة ماظهر لنا من الخلاف.
وعن أحمد رواية أنَّه على الترّاخي (3).
__________
= يصحُ عندي من مذهب علمائنا رحمهم الله أنه على التراخي فلا يثبت حكم وجوب الأداء على الفور بمطلق الأمر". وعلى ذلك فإن لأصحاب أبي حنيفة رأيين في اقتضاء الأمر المطلق للفور أو للترَاخي. انظر "الفصول في الأصول" 2/ 103، و" أصول السرخسي" 1/ 26، و" كشف الأسرار"1/ 113.
(1) نقل عنهما ذلك الشيرازي في "التبصرة" ص (52)، وأبو حامد هو أحمد بن بشر بن عامر العامري المروذي أحد علماء الشافعية توفي سنة (362) ه. انظر "طبقات الشافعية" للسبكي 3/ 12.
(2) قاله الشيرازي، والغزالي، والآمدي، وأبي حامد الإسفراييني، وأبي بكر القفال، وغيرهم من الشافعية. انظر "التبصرة" ص (52) و "المستصفى" 2/ 9، و" الإحكام"2/ 242، و"البحر المحيط" 2/ 396، و"مختصر ابن الحاجب" 2/ 83.
(3) ذكر هذه الرواية عن أحمد القاضي أبو يعلى، واستفادها من رواية الأثرم وقد سئلَ عن قضاء رمضان، يفرق؟
فقال: نعم، قال الله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}.
قال أبو يعلى:" فظاهرُ هذا انه لم يحمل الأمر على الفور، لأنه لو حمله على =
(3/18)

فصل
في الدلالةِ على الفورِ
آياتُ الله دلَّت على إيجابِ المسارعةِ.
من ذلك: قوله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148] وقوله: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران: 133]، وامتثالُ الأمرِ من الخيراتِ لما فيه من حصولِ الثوابِ، واغتنامِ الوقت الصالحِ للفعل قبل الفوات.
وقوله تعالى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: 12] , ولو كان على التراخي لما حسن العتبُ.
ومن ذلكَ: عتبُ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - على من دَعاه وهو في الصلاة فلم يُجبه، واحتجاجُه عليه بقوله: "ألم تسمع ... إلى قوله: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال: 24] (1) ". فما فسحَ له في التأخيرِ إلى انقضاءِ
__________
= الفور منع التفريق" اه."العدة"1/ 283. والمذهب عند الحنابلة: هو أن الأمرَ على الفور وفق ما تقتضيه الرواية الأولى عن أحمد.
انظر "التمهيد" 1/ 215، و"المسودة" ص (24 - 26)، و" شرح مختصر الروضة" 2/ 386، و"شرح الكوكب المنير" 3/ 48.
(1) ورد هذا من حديث أبي سعيد بن المعَلَّى، قال: كنت أصلِّي في المسجد، فدعاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلم أجبْهُ، فقلت: يا رسول الله، إنى كنت أُصلِّي.
فقال: "ألم يقل الله: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} [الأنفال: 24] " ثم قال:" ألا أعلمك سورة هي أعظم سورة في القرآن"؟ فقلت: بلى، فقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)} [الفاتحة: 2] هي السبع المثاني، والقرآنُ الذي أوتيتُه".
أخرجه أحمد 4/ 211، والبخاري (4647) و (4703) و (5006)، وأبو داود =
(3/19)

صلاتهِ، وهذا غاية في الفور.
ومن ذلكَ أن النهيَ استدعاءُ التركِ والكف عن أفعال مخصوصةٍ، كما أن الأمرَ استدعاءٌ الفعل لأفعال مخصوصة، ثم النهيُ يقتضي التركَ على الفورِ، كذلكَ الأمر ولا فرق.
ومن ذلكَ: أن الأمرَ بالشيءِ نهى عن ضدّه معنىً، وذلكَ انه لا يتحققُ المأمورُ ذوُ الضدّ الواحدِ إلا بتركِ أضدادِه، كالمأمورِ بالسكونِ، لا يمكنُه ذلكَ إلا بتركِ الحركةِ، أو بالقيامِ، فلا يمكنُه الامتثالُ إلا بالكفِ عن الجلوسِ والاضطجاعِ اللذينَ هما ضدُّ القيام، والنهيُ يقتضي الفورَ، فاقتضى فعلَ ضدِّه الذي لا يصحُّ التركُ إلاَ به على الفورِ.
ومن ذلِك: أن الأمرَ يقتضي ثلاثةَ أشياء:
اعتقاد الوجوب.
والعزم على الفعل.
وفعل المأمور.
ثم إنَّ الاعتقادَ والعزمَ على الفورِ، فكذلك الفعل.
ومن ذلكَ: أنَ الأمرَ يقتضي الفعلَ، لكونِه استدعاءً له، والتراخي تأخير ليس في اللفظِ، وتخيِير بين وقتٍ ووقتٍ ليس في صيغةِ الأمرِ، فلا وجهَ لإثباتِ معنىً لا يتضمنُه اللفظُ ولا يظهرُ فيه.
ومن ذلكَ: أن الوقتَ الأولَ الذي يلي الأمرَ، وقت يحصل فيه
__________
= (1458)، والنسائي 2/ 139، وابن ماجه (3785)، والبيهقي 2/ 368، وابن حبان (777).
(3/20)

الإِجزاءُ، ويقطعُ على انَّه لا مفسدةَ فيه، وأنه يجوزُ النقلُ فيه، ويكونُ ممتثلًا، والثاني والثالثُ من الأوقاتِ تجردَ الفعلُ فيه بين أن يكونَ مفسدةً أو غير مجزىء، أو غيرَ مُوافقٍ لإرادةِ الأمر وعْرضِهِ، ولا يجوزُ أن يطاعَ الأمرُ الموجبُ إلا بفعلٍ متحقق فيه ما قصد به، وذلكَ في الوقتِ الثاني والثالث مقدر.
ومن ذلك: أن الله سبحانه لما خصَّ هذا الوقت بإظهار صيغةِ الأمرِ فيه مع إمكانِ التأخيرِ، دل على انه استدعى الفعلَ عقيبه بلا فصلٍ، إذ لو أرادَ الفصْلَ لأخر الصيغةَ إلى الوقتِ الثاني.

فصل
يجمع الاعتراضاتِ والأسئلةَ على ما ذكرنا
قالوا: أما الآياتُ، فإن المغفرةَ ليس إليها طريق معلومٌ فيُسارَع
إليها، لكنِ الإضمارُ: سارعوا إلى ما يوجبُ لكم المغفرةَ، وذاكَ هو التوبةُ من الذنوب، وتلكَ على الفورِ بإجماع، لأنها النزوع عن الذنوب. وأما قولهَ: {فَاسْتَبِقُوا} [البقرة: 148]، فإنه أمرٌ مقيد بالتعجيلِ، وكلامُنا في أمرٍ مطلقٍ، وقولُه في حق إبليس: {مَا مَنَعَكَ} [الأعراف: 12]، عساه كانَ أمراً مع قرائن تعطي الإيجابَ على الفورِ، وهذا هو الظاهر.
قالوا: وأمَّا النهيُ، فمنه يقتضي التركَ على الدوام، فتناولَ الوقتَ الأول كما تناولَ سائرَ الأوقاتِ، وليس كذلكَ الأمرُ، لأئه لا يقتضي إلا وقتاً واحداً، وليس الأوَّل بأولى من الوقتِ الثاني، فكانت الأوقاتُ كلها سواءً.
(3/21)

قالوا: وقولكم: يقتضي النهيَ عن ضده، فاقتضِى الدوامَ من حيثُ
إنه نهى، باطل بقوله: افعلْ أيَّ وقت (1) شئت، فإنَه يجوز له التاخيرُ،
وإن أدَّى إلى ما ذكره.
ولأنَّه لو كان من حيث اقتضى النهيَ، لكانَ على الدوام، حيث كان النهيُ على الدوامِ، فلمَّا لم يكُ على الدوام، بطلَ أنَ يكونَ العملُ به بحكمِ النهي المطلقِ، لكن إن علَّق عليهَ التحريم بحكمِ النهي، فإنه يقتضي تحريماً بحكم نهى يفوتُ به الفعلُ، وذلكَ لا يقتضي المسارعةَ، لكن يقتضي أن لا يفوتَ به الفعلُ. ومع الايجابِ المجرَّدِ وإن كانَ على التراخي لا يفوتُ به الفعلُ.
قالوا: وأمَّا أخذكم إيجابَ الفورِ من العزم والاعتقادِ، فلا يصحُّ، لأنهما يجبان على الفورِ مع كونِ الفعلِ مؤخراً بصريحِ النطقِ، وهذا يدلّ على أنَ الفورَ فيهما ليس بمأخوذٍ من جهةِ اللفظ، وإنَّما استفيدَ من جهةِ أنَّ التكليفَ لا ينفكُّ عن اعتقادٍ وعزمٍ، إذ لو كانَ منفكاً منهما، لكان جاحداً أو مهملاً.
قالوا: وأمَّا قولُكم: ليسَ في الأمرِ تخيير ولا تأخير، فمن أينَ جاءَ القولُ بالتراخي؟ فإنَّه باطل بقوله: اذبحْ أو اقتلْ، فإنه لا يتعين عليه عين من أعيانِ المقتولينَ، ولا حيوانٌ من حيواناتِ الذبحِ، ويكون مخَّيراً بين الأعيانِ لعدمِ التعيينِ، كذلكَ الإطلاقُ في الأزمانِ، لا يقتضي تعيينَ وقتٍ.
قالوا: وينقلبُ عليكم، فيقالُ: ليسَ في اللفظِ تعيين بالوقتِ
__________
(1) في الأصل: "قرب".
(3/22)

الأوَّلِ، فمن أينَ أخذتُم التعيينَ له من بينِ سائرِ الأوقات؟ والزمانُ ليسَ بمذكورٍ في الفعلِ، وإنما يدخلُ شرطاً من حيثُ استحالةُ وقوعهِ في غير زمانٍ، فيجبُ أن يكونَ تابعاً للفعلِ، والفعلُ مطلقٌ غيرُ معينٍ، فكانَ الزمانُ بحسبه مطلقاً، فلا وجهَ لتعيينه إذا لم يكن لنا تعيين من ناحيةِ اللفظِ.

فصل
في الأجوبةِ عن هذهِ الأسئلةِ
أمَّا دعواهم أنَّ الأمْرَ بالمسارعةِ عاد إلى التوبةِ لأنها هي التي تحصلُ بها المغفرةُ، فغيرُ صحيح، لأنَ الله سبحانه يقول: {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} [الأحقاف: 31] فليس غفرانه مقصوراً على التويةِ، فالطاعاتُ مكفَرةٌ توبةً وغيرَ توبةٍ، قال سبحانه: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114]، قيل في التفسير: الصلوات الخمس يكفرن ما بينهن (1)، والأحاديث في ذلك كثيرة (2).
__________
(1) ورد هذا التفسير لمعنى الحسنات، عن ابن عباس، وعثمان بن عفان، وأبي مالك الأشعري، ومحمد بن كعب القرظي، والضخاك، ومجاهد ومسروق.
انظر "تفسير الطبري" 15/ 509 - 519.
(2) ومن هذه الأحاديث: حديثُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أرأيتم لو أنَ نهراَ بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمسَ مراتِ ما تقولون؟ هل يُبقي من درنه شيئاً"؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيءٌ، قال: ذلك مثلُ الصلوات الخمسِ يمحو الله بهنَّ الخطايا" أخرجه من حديث أبي هريرة:
أحمد 2/ 379، والبخاري (528)، ومسلم (667)، والترمذي (2868)، =
(3/23)

وقوله: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148]، مقيّد، وكلامنا في المطلقِ، فإنه مقيَّد يوجب المسابقةَ والمسارعةَ في كل أمرٍ يرِدُ مطلقاً، كما إذا قال السيدُ لعبيدِه: سابقوا إلى طاعتي إذا أمرُتكم، صارتْ هذه تقدمةً توجبُ المسارعةَ إلى كلِّ أمرٍ يردُ منه في الثاني مطلقاً.
وأمَّا قولهم: النهى يقتضي التركَ على الدوام، فكذلك الأمرُ عندنا، على أنه إنما اقتضى التركَ في كل حال، لأنهَ استدعاء مطلق للتركِ، وهذا موجودٌ في الأمر.
وأمَّا قولُهم: إنَّه يبطل التعلق باقتضاءِ النهى عن الضدّ، بما إذا قال له: افعل أي وقتٍ شئت، فذاكَ لا يقتضي إلا النهيَ عن التركِ في الوقتِ الذي يشاءُ الفعلَ، وأمَّا قولُكم: كان يجبُ أن يقتضيَ الدوامَ، فكذا نقول.
وأمَّا قولهم: إنَّ العزمَ والاعتقادَ يجبُ على الفورِ وإن كان الفعل مُتراخياً، لأنه متى لم يقدم العزمَ والاعتقادَ كان مهملًا. فلا يلزمُ، لأن الاعتقادَ والعزمَ تابعان للفعل، إذ لأجلهِ وجبا، وإنَّما فتعجّلا مع تقييدِ الفعلِ، لأن الأمرَ بهما مطلق فتعجّلا واختص الفعلُ دونهما بالتقييد، ولو قيّدهما الشرعُ لتقيّدا.
وأمَّا قولهم: إنَ تركهما إهمالٌ، فَتَرْكُ الفعلِ مع حصولِ الاعتقادِ والعزمِ تسويفٌ وتمادٍ.
ولأنَّه يبطلُ بما لو قيَد الاعتقادَ والعزمَ، فقال: حُجَّ في سنةِ كذا
__________
= والنسائي 1/ 230 - 231، والبغوي (342)، والبيهقي 1/ 361، وابن حبان (1726).
(3/24)

حِجّة. ولا يعتقدُ وجويَها، ولا يعزمُ على فعلِها إلاحينَ أشهُرِ الحج من تلكَ السنةِ، ولهذا من لم توجد في حقِّه شروطُ الحج لا يلزمه اعتقادٌ ولا عزمٌ لما لم يخاطب بالفعلِ، ولا يكون بالِإخلالِ بهما مهملًا.
وأما قولُهم على قولنا: ليسَ في اللفظِ تخييبرٌ. باطلٌ بالأمر بالذبح، فإنَّه يتخير بين الأعيانِ، ولا تخيير، فإنَه لا عينَ أخص من عين، إذ أغنامُ القطيعِ متساويةٌ، فأمَّا في مسألتِنا، فإن الوقتَ الذي يلي الأمرَ أخص من حيثُ إنه يتضمّنُ إيقاعَ الفعلِ فيه إِجزاءٌ ومصلحة وإرادةٌ بالإِجماعِ، والوقتُ الثاني لا نعلم أنَه صالحٌ، بخلافِ الأعيانِ، ولأنه لا يُخافُ بالعُدولِ عن عينٍ إلى غيرها فواتُ الفعلِ في العين الأخرى، وهنا يُخافُ فوات الفعلِ رأساً، وليس على الاحترام أمارة تُتَوخى وتنتظر.
وأما قولهم: ونقابلِكم بأنَّه ليس في الأمرِ تعيينٌ. فلا يصحُّ، لأن الأمرَ يقتضي إيجادَ الفعلِ، وإيجادُه تَضَمَنَ إيجابَه، والوقتُ الذي يلي الأمرَ مع إزاحةِ عللِ المأمورِ فيه وصلاحيته لفعله وجوداً ووقوعاً موقعَ الإجزاء، وهذا صالحٌ لإِيجاب التعيين، فأمَّا التراخي والتأخير، فلا وجَه له، ولذلكَ لا يحسُن اللومُ على فعلِه في أوَّلِ وقتٍ، ويحسُن العتب والتوبيخُ على تأخيرهِ مع تكاملِ شروطِ الفعلِ.
(3/25)

فصل
في الدلالة على فساد قول أهل الوقف، وذلك من عدّة وجوه: أحدها: الكتاب؛ وهو قوله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: 67] فتمادوا بقولهم: ما هيَ، ما لونُها؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - "شدَّدوا، فشدّد عليهم" (1) فقال الله سبحانه في آخر أمرهم: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71)} [البقرة: 71] وما كان سوى التوقف والاستفسار، وقد ذمَّهم عليه.
فإن قيل: ظاهرُ حالِهم أنهم توقفوا من غير عزم ولا اعتقاد، لأنهم قالوا في الأول: {وَأَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} [البقرة: 67] وفي الأخيرِ قالَ سبحانه: فذبحوها {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} [البقرة: 71] قيل: النقلُ يمنعُ ذلكَ، فإنَه رويَ في التفسير أنَهم بلغوا بثمنها ملءَ جلدِها، ورويَ مسكها ذهباً، روي: لو أنًّ بني إسرائيلَ ذبحوا بقرةً من بقرِهم لأجزأتهم، لكنْ شددوا. ولم يَذكر سوى تعمقِهم في السؤالِ، ولو كانَ
__________
(1) أخرج هذا الحديث مرسلاً عن ابن جريج الطبري في "تفسيره" 2/ 205.
ولفظ الحديث كما أخرجه عن ابن جريج قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إنما أمروا بأدنى بقرة، ولكنهم لما شددوا على أنفسم شدد الله عليهم؛ وايم الله لو أنهم لم يستثنوا لما بُينت لهم آخر الأبد".
قال الشيخ أحمد شاكر: وهو مرسلٌ لا تقوم به حجة.
وذكر ابن كثير في تفسيره ورودَ هذا الحديث عن أبي هريرة مرفوعاً، ثم عقب عليه بقوله: "وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وأحسنُ أحوالهِ أن يكون من كلام أبي هريرة، كما تقدم مثله عن السدي، والله أعلم"، "تفسير ابن كثير"، 1/ 159.
(3/26)

هناك ما هو أوفى من السؤالِ لما علَّق بالتشديدِ على سؤالِهم وتردّدِهم في صفاتِ البقرةِ، لم يحدث سوى التأخيرِ والتوقف، لأنَ المتوقفَ في ذلكَ إنما يتوقفُ لطلب الدليل على جوازِ تأخيرِه وزوالِ المأثم بذلك، وليس يتوقف لطلبَ الدليلِ على سلامةِ تعجيل الفعْل، ويأمن من المأثمِ والعقابِ، والقولُ بانَ تقديم فعلِه حرامٌ، لأنَّ من قاَلَ بالفورِ وبالتراخي جميعاً يقولونَ: إنَّ تقديمَ فعلِه حسنٌ جميلٌ، وإنَّ القائلَ بوجوبِ تقديمه يقول: إنَّه يأثم بالتأخيرِ، والقائلونَ بالتراخي يقولون: إنْ قدمه فقد أدّى الواجب وبرئت ذمتُه، والأحوطُ له في حيازِة المثوبةِ وإبراءِ الذمَّةِ تقديمُه، فإنَّه لا يأمن الفواتَ بمفاجأة الموتِ، وإذا ثبتَ ذلكَ ثبتَ أن مقدم فعلِه ممتثلٌ للمأمورِ به بإجماعِ الأمَّةِ قبلَ القائلين بهذا، فبطَلَ ما قالوه من الوقفِ.
ويوضِّح هذا أنَّه لو وجبَ الوقفُ في ذلكَ، لكانَ المقدِّمُ لفعلهِ عقيبَ الأمرِ، مع اعتقادِ وجوبهِ وبراءةِ ذمتِه مخطئاً مأثوماً، لأنَه لا يعلمُ ذلكَ، بل يجوزُ أن يكونَ المرادُ به التأخير [و] في هذ أيضاً خلاف الِإجماع، فلو احتملَ الأمرُ في أصلِ الوضعِ الفورَ والتراخي لكان هذا الِإجماعُ من الأمةِ على أنَّ تقديمَ فعلهِ ليس بمحظورٍ ولا حرامٍ موجباً لحمله بدليلِ السمعِ على أنَّ سائرَ الأوقاتِ وقتٌ له، من عقيبِ الأمرِ إلى ما بعده.
فإن قالَ قائلٌ: بأن تقديمَ فِعله حرامٌ لموضعِ الاحتمالِ فيه. قيل له: فأنتَ إذاً قائل بأنَه إنما يجبُ أن يفعل لا محالةَ في وقتٍ يكون بعدَ عقيب الأمر.
(3/27)

فإن قال: كذاك أقول.
خالف الإجماعَ الذي وصفناه، وقيل له أيضاً: أفيجوزُ أن يتغير الأمرُ بطولِ عمرِ المكلفِ من بيان وقته، أو لا يجوز ذلك؟
فإن قال: ذلك جائز.
قيل: فهو إذاً حرامٌ على المكلفِ فعلُه في سائرِ الأوقات، لأنَّه عارٍ فيها عن دليل وجوبِ فعله من كل وقتٍ منها، كما أنه عارٍ من ذلك في حال عقيب الأمرِ، وهذا يوجبُ التوقفَ عن فعلِه في كلِّ حالٍ، وأن يكونَ إيقاعهُ فيها حراماً وبمثابةِ إيقاعهِ عقيبَ الأمرِ به، وذلك خلافُ الإجماع وإسقاطٌ للتكليفِ، وجعلُ الأمر محرماً أبداً لإيقاع الفعل، وذلك باطلٌ.
وإن قال: لا يجوزُ أن يؤخر بيانُه في الحالِ التي تلي حالَ عقيبِ الأمرِ، وأنَّه واجبٌ في الذمةِ إلى حين موتِ المكلَفِ، أو واجب إيقاعُه في وقتٍ محدودٍ معين.
قيل له: فما معنى الوقفِ مع البيانِ لحالِ المأمورِ، وأنَه في الذّمةِ أو مؤقّت بوقتٍ محدود؟ والوقفُ لا يسوغُ مع البيانِ.
على أنَّ هذا البيانَ يجبُ أن يكونَ مع الأمر وحين وروده، فيبين به حالَ عقيب الأمرِ وأنَّها حالٌ له أم لا؟ كما يجبُ عندَه أن يتبينَ في الحالِ التي تَلي حالَ عقيب الأمرِ ليُعلمَ حكمُه مِن تعلقه في الذّمة أو توقيتِه، ولا مخرجَ من ذلكَ.
ون قال قائل: يجوزُ تأخيرُ بيانِ ذلكَ أوقاتاً كثيرة.
(3/28)

قيل له: فيجوزُ ذلك الشهورَ والسنين الكثيرة، وإلا فما الفرق؟ وهذا يوجبُ صحةَ الوقفِ فيه أبداً، وتحريمَ الإقدامِ عليه في كل وقتٍ، وذلكَ باطل.
ومما يدُل على فسادِ القولِ بالوقف، ودعواه على أهلِ اللغة في أصل الوضع: علمُنا باتفاقِ أهل اللغةِ على مَدْح المُسارع الى ما يؤمر به، واعتقادُهم فيه امتثالَ المأمورِ به، هذا معلوم من حاَلهم وحكمِ مواضعتهم قبل مجيءِ الشرعِ. وقولهم: فلانٌ ممن يُسارعُ إلى المرسوم، ولا يبطىء، ولا يتراخى فيما يؤمرُ به، ولذلك ذهبَ كثيرٌ من الناسِ الَى القولِ بالفور دونَ التراخي، وإن لم يقصد أهلُ اللغةِ عندنا ما ادّعوه، ولكنهم قصدوا الى زيادة مَدْحِ من سارعَ الى امتثالِ أمرِ الآمرِ وبادرَ إليه، وإن كان له تأخيرُ ذلك.
ومن هذا الوَجْه مَدحَ الله تعالى قوماً بذلك، فقال: {يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61)} [المؤمنون: 61]، فبطل دعوى أهلِ الوقفِ.

فصل
فيما استفدتُه من الأدَلّةِ على القولِ بالفورِ، مضافاً الى ما تقدم ومفرداً عنه.
أنَهم قالوا: إنَّ لفظ الأمرِ اقتضى إيجابَ الفعلِ، وكونهُ واجباً يقتضي إيقاعَ موجَبهِ، فوجب إيقاعُ الفعلِ مع الوجوب، ولم يجُز تأخيره، ولذلكَ اقتضى إيقاعَ موجبيه الأخرين، وهما: الاَعتقادُ والعزمُ على الفور.
(3/29)

فكذلكَ الفعلُ، ينبغي أن يقتضي إيقاعه (1) على الفورِ.
فاعترضَ على هذا بعضُ من لا يرى الفور، فقال: ليس حصولُ الوجوب مؤذِناً بإيجاب الفعلِ حالَ حُصول لفظِ الأمرِ به وحينَ سماعِ لفظه، لأنه مُحالٌ، وَإنما يجبُ في الثاني فإذا انفصلَ أحدُهما عن الآخر، أعني الفعلَ من لفظِ الأمر في حال، جازَ في حالين وثلاث وأكثر.
وأمَّا قولُكم: إن الأمرَ اقتضى تعجيلَ فعلِ الاعتقادِ الذي هو أحدُ موجبيِه، فإنه غَلَطٌ من عدةِ وجوه:
أحدها: أنَنا لم نقل: إن الاعتقادَ وجَبَ تقديمُ فعلهِ لأجل حصول الأمرِ به فقط، ولكنْ لدليل أوجَب ذلك، فإن وُجِدَ في تقديمِ الفعلِ وما يقوم مقامه، وإلا بطلَ الجمعُ بينهما.
والوجة الثاني: هو أنه لو كانَ الأمرُ المقتضي لفعل الاعتقادِ وإيقاعِ الفعلِ، موجباً لتقديمِ فعلِ الأمرين -لِإيجابِه تقديمَ أحَدِهما- لوجَبَ لا محالةَ إيجابُ تقديمِ الفعلِ المؤقت بما يقتضي تأخيرَه لإِيجابِ الأمرِ به تقديمَ اعتقادِ وجوبهِ، فلما اتفقَ على أنه لو قال له: قد أوجبتُ عليك إيقاعَ الصلاةِ في رأسِ الشهر أو الحَوْلِ. لم يَجُز له تقديمُ فعلها عقيبَ الأمرِ. وإن لزِمَه تقديمُ فعل اعتقادِ وجوبها سقطَ ما قلتموه هذا.
على أنَه إذا وجبَ عندهم إيقاعُ الفعلِ عقيبَ الأمرِ، امتنعَ وجودُ
__________
(1) أي الأمر يقتضي إيقاعَ الفعل على الفور.
(3/30)

العزم على أن سيفعل، لأن العزمَ عزم على المستقبلِ، وتوطين للنفسَ على فعلهِ، وذلك لايصح في الواقعِ الموجودِ، فلاوجه لقولهم: يجب تقديم الفعلِ كما يجبُ تقديمُ العزم.
اعترضه من يقولُ بالفورِ، فقال له: فما الدليلُ الموجِبُ لتقديم فعلِ الاعتقادِ على الفورِ؟
قال المعترضُ الذي لا يرى الفور: الدليلُ عليه أمور:
أحدها: الاتفاقُ على وجوب فعلِ الاعتقادِ على التكرارِ في جميع الأوقاتِ التي يُذكر فيها الأمر، وأنَّ الأمرَ بذلكَ ليس بأمرٍ باعتقادٍ وأخذٍ من الجنس واقع في زمنٍ واحد، وإنَّما أمر بالاعتقاداتِ على الدوامِ، واذا كانَ ذلك كذلك، لَزِمَ إيقاعُه على الفورِ وفيما بعده، وفي كلِّ وقتٍ ذُكرَ الأمرُ بالفعلِ ليتمَّ كونُه على التكرارِ، ولما لم يجب الفعلُ المعتقدُ وجوبُه على التكرار، لم يلزم إيقاعُه على الفورِ وما بَعْده، وهذا واضح في الفصلِ بين الأمرين.
اعترض عليه من يقول بالفور فقال (1): ولِمَ لَمْ يجب الفعلُ على التكرارِ كما وجب الاعتقادُ لوجوبِه؟
قال: إنَّما لم يجب لأنَّ الله تعالى لم يوجب ذلكَ، ولو أوجبه للزمَ تكرارهُ.
قال: وقد يمكن أن يقال: إنَّه إنما لم يجب على التكرار، لكونه مُضراً، وقاطعاً للحرث والنسلِ والمصالح، وليس كذلك فعل
__________
(1) مكررة في الأصل.
(3/31)

اعتقادِ الوجوبِ كلما ذُكِرَ الأمرُ، لأنه غيرُ قاطع عن هذه الأمور.
قال: ومما يقتضي الفرقَ بينهما أيضاً؛ أن الاعتقادَ مما يتضمنه العلمُ، لوجوبِ الفعلِ لا محالةَ، والتصديق للمخبر عن وجوبهِ وتركِ الإِصرارِ على معصيته؛ وذلكَ أن الأمرَ لا يستقر وجوبه إلا مع العلمِ بأنه واجب، أو التمكين من العلمِ بذلك، فإذا أمرَ بإيقاع الفعلِ والتقرّب به مُعَجلاً أو مُؤجلًا، فلا بدَّ من إعلامِه واشعارهِ بذلكَ، ومتى علم وجوبه، حصل مُعْتقِداً لذلك، لأن اعتقادَ وجوبهِ ليس بأكثرَ من العلمِ بوجوبهِ، فصارَ إفهامُ الوجوب متضمناً لاعتقادِ الوجوبِ، وهذا الاعتقادُ عُلِمَ من فِعل الناظر المستدَل على وجوب ما أُمرَ به، وليسَ لا يصحُّ له العلمُ بوجوب الفعلِ إلا بعدَ إيقاعهِ فَضلاً عن تقديمه، لأنَّه لو عَلمَ بوجوبه واعتقدً ذلك لصح أن يتركه جملةً، ويعصي إذا علمَ وجوبَ ما وقّت بوقتٍ متأخرٍ وجبَ اعتقاد الوجوبِ معجلاً وتأخير الفعلِ، ومحال كونُه عالماً بوجوب الواجب عليه مع تأخيرِ اعتقادِ وجوبهِ، لأن نفسَ الاعتقادِ لوجوبهِ هو العلمُ بالوَجوبِ، فافترق الأمران.
قال: ولأنَ الله سبحانه إذا أوجبَ فعلاً، فقد أخبره باستقرارِ وجوبهِ عليه، ولزمه عند ذلك اعتقادُ كونهِ واجباً لكي يكونَ بذلك مصدقاً لخبرِ الله تعالى عن إيجابهِ عليه، والا كان مُكذباً الله، وشاكاً في خَبرِه، وذلك مُحرم بإجماع المسلمين، وهو لا يحتاج في تصديقِ الخبر عن إيجابِ الواجبِ إلىَ إيقاعِ فعلِ الواجب، فافترق الأمران.
قال: ولأنه متى علمَ وجوبَ الفعلِ عليه، واعتقدَ ذلك، لم يَخْلُ اعتقاده وجوبَ ذلك، وتصديقَ المخبرِ له عن وجوبه من أن يكونَ عازماً على ما اعتقد وجويَه أو تاركاً هذا العزم، وقد اتفقَ على تحريمِ تركِ
(3/32)

هذا العزم في كلّ وقتٍ، لأنه لا متركَ له مع ذكِر العبادةِ إلا بالعزمِ على تركِ الواجب وكلِّ عصيانٍ، فافترق الأمران.
ومما استدلَّ القائلونَ بالفورِ أنَهم قالوا: إنه لا يخلو الأمرُ المطلقُ عن التوقيتِ من أحد ثلاثة أمور:
إما أن يكون بفعلِ الشيءِ على الدوامِ والتكرارِ.
أو يكونَ أمراً بالفعلِ على البدلِ، فيكون أمراً بفعلٍ غير معين ليوقعَه المكلف أيَّ وقتٍ شاء.
أو أن يكون أمراً بفعل واحد لا على الجمع ولا على البدل.
قالوا: وقد اتفق على أن ذلك لا يصحُ أن يقال فيما يلزمُ على التكرار، وإنَما الخلاف في فعلى واحد أو جملةٍ يصحُ أن تقدمَ ويصح أنْ تؤخر، فسقطَ هذا الوجْهُ، وإن كان أمراً بفعل على البدل غير معين، بل شائعاً في جميعِ الأوقات، فذلك باطلٌ، لأن ما هذه حاله إنَما هو أمر بافعال مخيرٌ فيها، كلُّ واحدٍ منها غيرُ صاحبهِ، يقعُ في أزمانٍ متغايرةٍ، والأمر إنما اقتضى لفظُه تعلقَه بفعل واحدٍ دون أفعالٍ كثيرةٍ يقع على الضَم أو على البدلِ والتخيير، فلا سبيلَ إلى حَمْل الأمرِ على غير موجَبه ومقتضاه، أو أن يكونَ أمراً بفعلٍ واحدٍ معين، فإن كانَ كذلك وجب أن ينظر أيَ الأزمانِ زمانُه الذي يجب أن يقع فيه، فإذا عرفنا أنَ ذلكَ الزمنَ وحده هو وقته وأنَه هو المراد إيقاعه فيه، وجب أن يكون إيقاعه فيه هو المصلحة، وإيقاعهُ في غيره مفسدة غير مراد.
قالوا -أعني هؤلاء القائلين بالفور-: وقد اتفقَ الكُلُّ على أَنَّ الأمرَ
(3/33)

المطلقَ بالفعلِ إذا فُعِل عقيبَ الأمرِ، حَصَل به أداءُ الواجبِ وبراءةُ الذِّمة، وكان فيه المصلحةُ وموافقةُ المرادِ، وإذا ثبتَ ذلكَ من حكمِ الوقتِ الأوّلِ، عُلم أن الوقتَ الثاني وما بَعْده من الأوقاتِ ليس بوقتٍ له، لأن ما يقعُ في الوقتِ الأولِ من أفعالِ العبادِ، لا يصح تقديمُه على وقته، ولا تأخيرُه، ولا إعادته بعدَ عدمهِ، وما يقعُ في غيرِ وقتهِ من جنسهِ، فإنَّه غيرُه، وجبَ لزومُ الفعلِ على الفور.
واعترض عليهم من قال بالتّراخي بأنْ قال: أمَّا دعواكم أنَه لا يجوزُ أن يكونَ أمراً بفعلٍ غيرِ معين، وأنَ ذلك الفعلَ قد خُيرَ المكلفُ بين فعلهِ وفعلِ مثلِه في غير وقته، فإنَه عينُ الخلافِ الواقعِ، فلِمَ قلتم ذلك؟
قال: فإن قالوا: لأنَ أمره بالفعلِ ليسَ في ظاهرهِ أنك مُخَيّرٌ بينه وبين غيره.
قيلَ لهم: ليسَ في ظاهره أنَك مأمورٌ بواحدٍ من الجنس معيّن بوقتٍ مخصوصٍ دونَ مثله، فلا يجب أن تقولوا بذلك.
قال: ويقال لهم أيضاً: ما أنكرتم أنَه متى قيل له: صلّ، أو اضرب. ولم يعَين له وقتاً من وقتٍ، فقد دل بذلكَ على أنَه أمر بفعلٍ من الجنس غير مُعَين، ولم يكن مبيناً عن إيقاعه في وقتٍ مخصوص، ولا أُرِيْدَ من الجنس جزءاً مخصوصاً، وإنَّما ارِيدَ أن يفعل جزءاً من الجنس يقع عليه اسمُ الفعلِ في أيِّ وقتٍ شاء إن علم أنه سيوقع المأمور به، كما أنَه إذا قيل له: اضرب رجلًا، وتصدق على فقير. ولم يخص رجلًا من رَجلٍ، ولا فقيراً من فقير، علم أنَه قصد إلى إيجاب
(3/34)

الفعلِ بغيرِ تعيين أحدٍ بعينه، وإن كُنّا نعلمُ أنَ كُلَّ ضربٍ يُفعل في شخص، فإنَّه غيرُ الضرب المفعولِ في غيرهِ، أو ما من سبيله أن يُفْعَل في غيره، وإن لم يَرد لفظُ التخييرِ بأن يقال له: اضرب من شئتَ، وهذا بيِّنٌ في سقوط ما اعتمدوا عليه.
قال: فأمَّا قولُهم إِنً الِإجماعَ قد حصل على أنَّ تقديمَ فعلهِ مصلحةٌ، وأدَاءَ الواجبِ تبرأ به الذِّمةُ، وأنَّ ذلك دليلٌ على أنَّ ما يقعُ بعدَ ذلكَ ليس بواجبِ ولا مصلحةٍ، فإنَّه قول ظاهرُ البطلانِ، لأنه ليسِ في الِإجماعِ على أنَّ تقديمه مصلحة وأداءٌ للواجب، دليلٌ على أنَّ فعلَ مثلِه وتأخيره ليس بواجبٍ ولا مصلحةٍ، وهذا هو الذي يحتاجون إليه، ولا إجماعَ فيه، فيسقط ما قالوه.
وممَا استدلَّ به القائلونَ بالفور: قالوا: لو كان على التَراخي، لم يَخْلُ من أحدِ أمرين إما أنْ يكونَ له تأخيرُ الفعلِ إلى غايةٍ معلومة.
أو إلى غير غايةٍ.
فإن كان إلى غايةٍ محدودةٍ، فذلكَ يوجبُ توقيته، وأن يكون كالصلاةِ الموسَعِ وقتُها بوقتٍ مصروفٍ، وذلكَ خلافُ القولِ بالتراخي، وأنه لا وقتَ يشار إليه.
فيقال: إن إطلاقَ الأمر يقتضي توقيتَه به، وألا تمكن الزيادةُ عليه والنقصان منه، فبطل القولُ بذلك، وإن كان له تأخيرهُ أبداً إلى أن يموتَ بغيرِ توقيتٍ، فلا وقتَ إلا وله تركُ الفعلِ فيه، وهذا يوجب ضُروباً من المحال:
(3/35)

أحدها: أن يكونَ الفعلُ نفلاً، وخلافُنا في كل أمرٍ واجب، إمّا بصيغته، وإمّا بدليله، وإما بإطلاقه، وما أخرَجَ الواجب عن كونِه واجباً باطلٌ باتفاقٍ، وليس للندبِ صفة يختص بها، إلا أنَ له فعلَه مع الثوابِ عليه، وله تركُه، فإذا كان هذا صفةَ الواجب على التراخى، وجبَ أن يكونَ نفلَاَ، وذلك باطلٌ.
والوجهُ الآخر: أنَ كثيراً ممن قال بالتراخي، يجعلُ المكلفَ بموتهِ قبل إيقاع فعله آثماً حَرِجاً، وذلك باطل، لأنَه تركه عندهم مع أنَ له تركَه، فلم يجبْ تأثيمهُ.
والوجهُ الآخر: أنَه يوجب أن يكونَ اللهُ سبحانهَ قد فرضَ فرضاً معلومَ العين، مخصوصاً في زمنٍ مجهول الآخر، لا نعرفُ غايتَه، وذلكَ بمثابةِ تكليفِ المحالِ وما لا يطاق، وإذا قيل ذلك بَطَل القول بالتراخي، وصحَ أنه على الفور.
فاعترض من قال بالتراخي فقال: جميعُ ما ذكرتموه باطلٌ، سوى قولِكم: إنَّه إن مات الى المكلّف قبل فعله غير آثم، وقولكم: إنه لا يجوز أن يكون التراخي إلى غاية مُحدّدة، فصحيح لأنه لا حد له، ولا نهايةَ يشارُ إليهما، وإنْ ماتَ قبل امتثِاله فهو عندنا غير آثم، ويخطىءُ من قال: إني أتبيّن بموته أنه كان مفَرطاً.
وأمّا قولُكم: إنَه لو كانَ له فعلهُ في كل وقتٍ، وله تركُه إلى أن يموتَ للَحِقَ بالنفلِ، فإنَه باطل؛ لأنَ النفلَ لم يكن نفلًا لأنَه يحل تركهُ، لأن المباحَ له تركهُ، وليسَ بنفلٍ، ولا كانَ أيضاً نفلًا، لأن فعله خيرٌ من تركهِ، مع تحليل تركه، لأن الواجب الموسَّعَ والساقطَ إلى
(3/36)

بدلٍ، فعلُه خيرمن تركه مع تحليل تركه في وقتِ التوسعةِ، وليس بندبِ لو فعل فيه، بل واجبٌ، فلِمَ زعمتم أنَ الندبَ إنما يكونُ ندباً لأجل وصفتم؟
وما أنكرتم أن يكونَ إنَما صارَ ندباً لِما قلتم ولأمرٍ آخر زائدٍ عليه.
قال: وإنْ قال أهلُ الفورِ: وما ذلكَ الأمر الذي لأجله وبانضمامه إلى ما ذكرنا صار ندباً؟
قال: لا يلزمنا ذكره.
قال: ثم يقالُ لهم: ما أنكرتُم أن يكونَ الندبُ إنَما كان نَدْباً، لأنَّ فعلهَ قربةً، خيرٌ من تركه، لا بشرطٍ، ولا على صفةٍ، بل لجوازِ تركهِ على كُلِّ حالٍ، وأن تكون كل قربةٍ فعلها خيرٌ من تركِها مع جوازِ تركِه لشرطٍ مخصوصٍ أنْ يَدُل على خلافهِ حرمَ التركُ، فليس بندبٍ، وهذه صفةُ الواجبِ على التراخي، والواجبِ الموسَعِ وقتهُ، والساقطِ إلى بدلٍ.
وذلك أنه لا يجوز تركُ الواجبِ على التراخي إلابأحدِ شرطين:
إما بأن يقول بفعلِ العَزم على أن سيفعلَه في المستقبل، ولا يحلُّ تركُه وتركُ العزمِ على فعلِ مثلهِ فيما بعد.
أو بأنْ يتركَه بشريطةِ أنْ يفعلَ مثلَه فيما بعد، ولا يحلُّ تركهُ إلا على أنْ يفعلَ في المستقبلِ مثله، وكذلكَ حكمُ الواجب الموسعِ والساقطِ إلى بدلِ؛ إنَما يسوغُ تركهُ على صفةٍ وبشرطٍ يفارقُ فيها تركَ البدلِ، وإذا كانَ كذلك وضُحَ الفرقُ بين الأمرين، وبطل ما قالوه في
(3/37)

حدّ الندب.
قال: فإن قالَ منهم قائل: هذان الشرطانِ باطلان، لا سبيلَ إلى إثباتهما لأجلِ اتفاقِنا جميعاً على أنَّ الأمرَ اقتضاءُ وجوبِ الفعلِ، إمَّا بنفسهِ أو بقرينتهِ، وأنً ما يقتضي وجوبَ فعل معين لا يوجبُ فعلَ عزمٍ على فعلِ مثلهِ بدلَاً منه، ولايوجبُ فعلَ مثلهِ فيما بعد، ولاشيئاً غيره من سائرِ الأجناسِ، وإنَّما وجبَ فعلُه بعينه، وإذا كان هذا مقتضى الأمرِ بالفعل، وكانَ الكلام في مقتضاه، سقطَ ما وضعتم، لأنَّ ما قلتموه يوجبُ التخييرَ بينَ الفعلِ وبينَ مثلهِ فيما بعد، وبينه وبينَ العزمِ على فعلِ مثلهِ فيما بعد، فلا يقتضي التخيير بينَه وبينَ مثلهِ أو بينَ خلافهِ، ولا دلَّ أيضاً على ذلكَ دليل فيصارُ إليه، ولو دل عليه دليلٌ لم يكنْ ذلك من مقتضى الأمرِ وإنما كان من مقتضى الدليل، فليسَ الكلامُ في مقتضى الدليل، وإنَّما هو في مقتضى الأمرِ، فبَطَل ماقلتم.
قال: يقال لهم: إنً ما قلتموه ساقطٌ من وجهين (1):
أحدهما: أنَّ إطلاقَ الأمرِ بالفعلِ لا يقتضي إيقاعَ فعل معيَّن من ذلك الجنسِ المذكور في زمنٍ معيِّن، وإنما يقتضي إيقاعَ فعل واحدٍ من الجنسِ بغير عينه، وغيرِ تعيين الوقتِ، كما أنَّ قول الآمرِ: اضرب رجُلَاَ. لا يقتضي ضرباً معيناً في رَجُلٍ مُعَيّن، وإنما يقتضي فعل جزءٍ من الجنسِ في أيِّ الرجالِ شاءَ المكلّفُ.
__________
(1) بيين ابن عقيل الوجه الأول، ولم يذكر الوجه الثاني!
(3/38)

فليسَ لأحدٍ أنْ يدفعَ هذا بأن يقول: ليس للتخييرِ بين فعلِ أيِّ أجزاءِ الضرب شاء، وفي أيّ الرجالِ شاءَ لفظ، والأمرُ إنما اقتضى أمراً معيناً في رَجُلٍ معيّن، فلا وجهَ للتخيير، لأنَّنا قد بّينا فيما سلف أنَّه إذا لم يعيّن جزءاً من الفعل، ولا وقتاً له، فقد خيّره في أي جزء شاء أنْ يفعله في أيّ وقتٍ شاء بغيروجهٍ، فبطلَ ما قالوه.
قال: وأما قولهم: إنَّ الدليلَ لم يَدُلَّ على أن إثباتَ العزم بدلًا من الفعل، فليس الأمرُ كذلك، بل قد قامَ الدليلُ عليه، وإن كانَ الأمرُ به لا يقتضي إثباتَ بدلٍ منه، وهو أنَه إذا ثبتَ بما قدمناه أن الأمرَ بالفعل لا يقتضي تعجُّله، ولا يوجبُ تأثيمَ المؤخر له، ولا يقتضي أن يكون أمراً بفعلِ جزءٍ من الجنسِ في وقتٍ معين، وجبَ أن يكون أمراً بفعلٍ واحد من الجنسِ بغيرِ عينه، ومتى ثبتَ ذلك وجب تخييرُ المكلّفِ بين الفعلِ في كل وقتٍ، وبين تركهِ وفعلِ مثلهِ فيما بعد، وإذا كان له تركهُ في كل وقت لم يكن بُدّ من أن يكونَ له تركه على خلافِ تركِ النفلَ.

فصلٌ
في الأجوبةِ عمَّا ذكره أهلُ التراخي (1).
أمَّا قولُهم: ليسَ في الصيغةِ ما يقتضي زماناً ولا مكاناً، فكما لا يختص بمكانٍ، لا يختض بزمانٍ.
__________
(1) تُنظر بعض هذه الأجوبة في "العدة" 1/ 283 - 289. و"التمهيد" 2/ 235 - 240.
(3/39)

لا نُسَلم (1)، بل فيها اقتضاء بإيجادِ الفعلِ في الزمانِ الذي يلي الأمرَ بلا فصلٍ، لأنَّ ظاهرَ اللفظِ يعطي الإِيجادَ، ولا تأخيرَ في اللفظِ، ولا مهلةَ ولا تخييرَ، فكأنَ الأمرَ الجزمَ من حيث اقتضى الِإيجابَ النافي للتخييرِ بين الفعلِ والتركِ، اقتضى الِإيجاد عقيبَ الأمرِ بلا تخييرٍ، فلا يبقى إلا الفورُ.
ولأنَّه ليسَ في اللفظِ ذكرُ الاعتقادِ والعزمِ ووقتهما، ومع ذلك
يجبانِ على الفورِ، وهما تابعانِ للفعلِ.
وكذلكَ النهيُ المطلقُ، لا ذكرَ للوقتِ فيه، ومع ذلك يجبُ التركُ على الفورِ.
ولما في الزمانِ الذي يعقب لفظ الأمرِ من الموافقةِ والمصلحةِ والإِجزاءِ ونفي المفسدةِ، ولِإجماعِ أهلِ اللغةِ والأصولِ على أنَه وقت لحصولِ الطاعةِ والامتثالِ بإيقاعِ الفعلِ فيه.
ولا نُسَلِّمُ الأصلَ، فإنَ المكان الذي يكون فيه المكلفُ عقيبَ الأمرِ يختصُ بالفعلِ ما لم يَكُ فيه مانع يمنعُ الشرعُ من الامتثالِ فيه، كالبقعةِ النجسةِ مع كونِ المأمورِ به صلاةً، إلى ما شاكلَ ذلكَ من الأمرِ بالاعتكافِ، وهو في بقعةٍ ليست مسجداً، فيخرج ويفعل وإن كان في بقعةٍ صالحةٍ وجبَ شروعُه في الفعلِ، لكن يختص المكانُ بالفعلِ تبعاً للزمانِ، إذ لا ينفكُّ بخروجه عنه من تراخٍ بزمانٍ، فلذلكَ اختص بمكانِ الأمرِ.
__________
(1) ورد في الهامش ما نصه:"بلغ العرض من أول الكتاب بأصل المصنف ومنه نقل".
(3/40)

وقصةُ عامُ الحديبيةِ مشتركة، فإن عمر كان من أهل اللغةِ، وقد تعجّل الوعد (1)، وطلب ذلك، واعترض بالتأخير والتعذّر.
ولأنَ الوعدَ بالدخولِ يخالفُ الأمر:
فإنَ العِدةَ في نفسِ وضعها تقتضي الاستقبالَ، ومن أراد أن يُعَجِّلَ لا يعِدْ، وإنَما تحصلُ العِداتُ بالأمورِ في غالبِ الأحوالِ لنوعٍ تعذَرَ في الحالِ، أو لمصلحةٍ تقتضي التأخيرَ.
والأمرُ اقتضاءٌ، وبينَ العِدةِ والاقتضاءِ ما يشهد به طبعُ اللفظِ وجوهرُ الكلامَ.
وكذلك لا يحسُنُ الاقتضاءُ بالعِدةِ عقب التلفظِ بها، ويحسنُ الاقتضاءُ بالائتمارِ والامتثالِ عقيب التلفظ به، ولذلكَ لا يحسُنُ أن يسمّى من تأخرت عِدتهُ عن مجلس الوعد مخلِفاً، ويسمي من تأخّر عن امتثالِ الأمرِ مخالفاً وعاصياً في مطَردِ العادِة العربيةِ، إلا فيما كان فيه دلالةُ حال تقتضي التأخيرَ.
وقد شهدَ لذلكَ القرآن في قصة المأمورين بذبح البقرة لما توقفوا بنفس الاستعلامِ عن صفاتِها، ذمَّهم الشرع، فقال صلى الله عليه وسلم "شدَّدوا فشدّدَ عليهم" (2).
__________
(1) حصلَ ذلكَ فىِ الحديبية حيث قال عمر رضي الله عنه لأبي بكر رضي الله عنه وقد صدهم المشركون عام الحديبية: أليس قد وعدنا الله بالدخول فكيف صدونا. وقد تقدمت الإشارة اليه: 2/ 35.
(2) سلف تخريجه في الصفحة: 26.
(3/41)

ولو قال قائل: سنذبحُ بقرةً. لمَا ذُمّ بتأخُرِها، ولأنَا لا نعلمُ المصلحةَ في تعجيلِ الوعد، بل قد يكونُ التأخيرُ هو الأصلحَ، وبالإِجماعِ أن التعجيلَ مصلحة، وما بعده من الأوقاتِ لا يؤمَنُ أن يكونَ مَفْسَدةً.
وأما التعلقُ بالأيمانِ فلا حُجةَ فيه، لأنَ الأيمانَ من قبيل العِدة، وقد تكلمنا عليها على أنها محمولة على العرفِ، فهي مقيدة به أبداً، ولذلكَ تقيدت الرؤوسُ فيها بالمأكول عُرفاً، وكذلكَ اللبسُ والركوبُ وقف على الملبوسِ والمركوبِ عُرْفاً.
فأمَّا الأعيانُ، فلا تتخصَّص على ما قدمنا، والوقتُ الذي يلي الأمرَ يتخصّصُ بما ذكرنا من كونِه صالحاً وغيرَ مفسدةٍ، وإن افتعلَ فيه امتثالٌ وقربةٌ، وليس في بقيةِ الأوقاتِ ما هو [صالح] إلا بتردّد، بخلاف الأعيان، فإنه لا ذبيحةَ تختصُ بمثلِ ذلكَ دونَ ذبيحةٍ أخرى، ولأنه لا عينَ يعدلُ غيره إلى غيرها فيعد متوانياً، أو تاركاً، أو متغافِلًا، بخلافِ الوقت الأوَّلِ، لأنَه تخلى عن الفعل بالتراخي، ولأنَه يجبُ فيه الاعتقادُ والعزمُ، ولا عينَ يتعلّق بها حكمَ سوى التي يذبحها ويعتقُها.
فإن قيل: فتخصيصُ الوقتِ الأولِ بما ذكرتم يعطي أنَ بالقرينةِ الدالّةِ على تخصص الوقت ذهبتم إلى الفور، ونحن لا نمنعُ الفورَ بقرينةٍ، وهذا ترك لنصرةِ المسألةِ، لأنَا نتكلمُ في الأمرِ المطلق.
قيل: تخصصُ الوقتِ الأولِ بهذه الخصائصِ ليسَ بقرينةٍ، لكن شريطة، ولو جاز أن يدعى قرينةً، لكان اعتبارُ الرتبةِ للأمرِ قرينةً، ومعلوم أنَنا وإياكم نقولُ بوجوبِ الأمرِ لا بقرينةٍ، وإنْ اعتبرنا الرتبةَ في
(3/42)

ذلك، والله أعلم.

فصل
اختلفَ العلماءُ في أمرِ الله سبحانهَ بالعبادةِ إذا تعلَّق بوقتٍ موسّع، كالصلاة، فهل يتعلق الوجوب بأوّل الوقت، أو بآخره، أو بالجميع؟
فذهبَ أصحابنا إلى تعلقِ الوجوب بجميع الوقت، من أوّله إلى آخره (1)، وأصحابُ الشافعيّ إلى أن الوجوبَ يتعلّق بالوقت الأول، وأيّ وقتٍ فَعَلَها فيه، من الأولِ والأوسطِ والآخرِ، كان الفعلُ أداءً للواجبِ (2).
وقال أكثر أصحابِ أبي حنيفة: يتعلق الوجوبُ بآخرِ الوقت (3).
__________
(1) هذا ما نص عليه الحنابلة، انظر "العدة" 1/ 310، و"التمهيد"1/ 245، و"المسودة" ص (28 - 29)، و"شرح الكوكب المنير"1/ 369، و"شرح مختصر الروضة"1/ 330 - 333.
(2) أي أن الوجوب يتعلق بأول الوقت وجوباً موسعاً، ففي أي وقتٍ وقع الفعل كان أدًاء لاقضاءً، سواءٌ أكان بأوله أم بأوسطه أم بآخره. وهم في ذلك لا يخالفون الحنابلة من حيث النتيجة والمآل.
انظر"التبَصرة" ص (65)، و"المستصفى" 1/ 69، و"المحصول"2/ 174، و"البحر المحيط"1/ 208 - 209.
(3) بين الجصَاص في "الفصول" 2/ 121 - 122 أن للحنفية في الواجب الموسع رأيين:
الأول: أن الأمرَ إذا وردَ مؤقتاً بوقت له أول وآخر، وأجيزَ له تأخيره إلى آخر الوقت، فقد وجبَ في أول الوقت وجوياً موسعاً، فإذا انتهى إلى آخر الوقت بمقدار ما يؤدى فيه الفرض صار وجوبه مضيقاً. وهو معنى ما ذهب إليه محمد =
(3/43)

وقال أبو الحسنِ الكرخي: يتعلَقُ الوجوبُ بوقتٍ غير معيّن، ويتعين بالفعل، كما قال الفقهاءُ أجمعُ في الأعيان المخير بينها في الكفارات (1).
وقال بعضُ أصحاب أبي حنيفة: إذا فعلَ العبادة في أوّلِ الوقتِ كانت نفلًا يمنع وجوبُهاَ في آخره.
ومنهم من قال: يقع مراعاةً (2).
__________
= ابن شجاع الثلجي.
والثاني: أن الوجوب في مثله يتعلق بآخر الوقت، فإن أول الوقت لم يوجب عليه شيئاً، وما فعله في أول الوقت يكون نفلًا يمنع لزوم الفرض في آخره.
وهو قول أكثر العراقيين.
وانظر "أصول السرخسي" 1/ 31، و"فواتح الرحموت" 1/ 73 - 74.
(1) هذا ما نقله أبو بكر الجصَّاص عن الشيخ أبي الحسن. انظر "الفصول" 2/ 123 - 125.
(2) هذه الأقوال ليست منفصلة عن قول أكثر أصحاب أبي حنيفة، بأن الواجبَ الموسعَ يتعلق بآخر الوقت بل هي لازمة لها، ذلك أن الدين قالوا: بأن الواجبَ الموسَّعَ يتعلقُ بآخرِ الوقت، اختلفوا في حكم الواقع في أوله:
فقال بعضهم: إن ما فعله في أوَّل الوقت نفل يمنع لزوم الفرض في آخره، مثل رجل محدث توضأ قبل مجيءوقت الصلاة فيكون متنفلًا بطهارته، ويمنع ذلك لزوم فرض الطهارة له عند مجيء وقت الفرض.
وقال الآخرون: ما فعلَه في أول الوقت موقوف على ما يظهر من حاله في آخر الوقت، فمن لحق آخره وهو من أهل الخطاب بها، كان ما أداه فرضا، وإن لم يكن من أهل الخطاب بها كان المفعول في أول الوقت نفلًا.
وهذا ما عناه ابن عقيل بقوله: "ومنهم من قال: يقع مراعاة" أي مراعاة ما يكون عليه المكلف بالخطاب في آخر الوقت. =
(3/44)

ووافقنا على المذهب الأول القاضي الإِمام أبو بكر الباقلاني.
وما اختلف أهلُ العلمِ أجمعَ على أنَه لا يأثم بالتأخر عن أوله؛ من قال بالوجوب، ومن لم يقل.
واتفقوا أنها إذا فعلت بعد خروج الوقت كانت قضاءً، وإذا فُعلت في أوَّلهِ كانت أداءً لا سَلَفاً، بل واقعةٌ موقع الواجب، من قال بأن الوجوب يتعلّق بالوقت الأول منهم، ومن قال يتعلق بالوقت الأخير.
اتفقوا على المذهب وأنها تقعُ أداءً في أوَلهِ، قضاءً بعد خروجه.

فصلٌ
في اختلافِ القائلين بأنه واجبٌ في جميع أجزاءِ الوقت، وأنَ له تقديمَه، وله تأخيرهُ، هل له تركُه في أول الوقت إلى وسطِه وآخِره ببدل يقوم مقامَه، أو لا؟ فقال منهم قائلون: إنَه ليس له تركُه في أوّل الوقت وما يليه إلى حين وقت التضييق إلا ببدل يقوم مقامه.
ولأنَه لا شيءَ يصحُ أن يكونَ بدلًا إلا فعل العزم على أدائه في المستقبل، إن بقي بصفة من يلزمه الفعل، وهو شروطُ التكليفِ التي يصحُّ مع وجودِها الخطاب به (1).
__________
= انظر "الفصول في الاصول" 2/ 122، و "أصول السرخسي" 1/ 32
(1) هذا ما ذهب إليه القاضي أبو يعلى حيث بين ثمرة الخلاف بينه وبين من يقول إن الواجب يتعلق بآخر الوقت، فقال:
" ... وليس بخلاف في عبادة، لأنا لا نجيز له تأخيرَ الفعل عن أول الوقت إلى آخره إلا بشرطِ العزم" أي بشرط العزم على فعله، انظر "العدة" 1/ 311.
وهو رأيُ جمهور المتكلمين وفق ما قرره الزركشي في "البحر المحيط" حيث =
(3/45)

وقال آخرون: إنه مراعى إذا فعل في أول الوقت، لا يقال: إنه فرض ولا نفل؛ فإن دخل آخرُ الوقت على المكلّف، وهو بصفة من يلزمه الفعل تبيّنا أن ما كان فعَلهَ في أوّل الوقت فرض واجبٌ.
وإن لم يبق إلى آخر الوقت أو بقي، لكنه لم يكن على صفة من يلزمه الفعل، كان ما وقع منه في أول الوقت نفلًا لا فرضاً.
وقال قومٌ من أهل العراق: إنه نفل إذا فُعل في أوّل الوقت، وإنه نائب عن الفرض إذا بقي المكلّفُ بصفةِ من يلزمه الفعلُ في آخرِ الوقت.

فصل
في جمعِ أدلّتنا وحُججنا، وأدلّةِ من وافقنا في أنَّ الوجوبَ يعمُّ سائرَ أجزاءِ الوقتِ؛ أوَّله، ووسَطه، وآخرهَ.
من ذلكَ قولُه تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} [الإسراء: 78] فالدلوك: وقتٌ علِّقَ عليه الفعلُ بالأمر المطلقِ، وهو الغروبُ، وسيقَ الأمرُ فيه إلى غايةٍ، هي الغَسَقُ، وليس يقتضي امتداد فعلِها تطويلاً لها إلى غسقِ الليلِ، فلم يبق إلا أنه أراد امتداد الوقت لابتداء فعلها في أيّ أجزاء الوقت الذي ابتداؤه الغروب، وآخره الغسق. وهو غيبوبةُ الشفق.
__________
= قال:" وجمهور المتكلمين على أنه لا يجوز تركه إلا ببدل وهو العزم على الفعل في ثاني الحال" "لبحر المحيط"1/ 210.
(3/46)

ومن ذلكَ: أنَ الوقتَ الأول والأوسطَ والأخيرَ أوقاتٌ متساويةُ الأجزاءِ، في أنَّ فعلَ الصلاةِ فيها يسقطُ به الفرضُ، ولا يسقطُ الفرضُ فيها إلا لتساويها في تعلُّقِ الوجوب بها وعليها، فلا يتخصصُ الأخيرُ بالوجوبِ دونَ الأوَّل مع هذا التساَوي.
فإن قيل: قد يتساويانِ في الإِجزاء، ويختص الوجوب بواحدٍ لا سيَّما وقد اختَصَّ الأخيرُ بخصيصةِ الوجوب، وهو مأثم التركِ، وإذا جازَ أن تتساوى أجزاءُ الوقتِ، ويختص أحدُها بلحوقِ المأثمِ في الترك فيه، جازَ أن تتساوى الأجزاءُ ويختصّ بعضهُا بالوجوبِ.
قيلَ: الأخيرُ لم يحصل المأثم بالترك فيه، لكن لمّا تعذّر الفعل بخروجه للترك فيما قبله أيضاً، صار المأثمُ ظاهراً بالترك في جميع الأوقات عند الإِياسِ والتعذّرِ، وقد يظهرُ المأثمُ عنده ولا يكونُ بالتركِ فيه خاصّةٌ، كآحادِ المكلفين في فروضِ الكفايات، ظهر الإِثمُ في تركِ الآخر من القوم، وكانَ المأثمُ بتركِ الكلِّ، لا بتركِ هذا الذي ظهرَ الإِثمُ بتركِه، وكَذلكَ الأعيانُ في كفارةِ التخيير، وما صار هذا إلا كأصلين:
أحدهما (1) أعيانُ التكفيرِ المضمنةُ للتخييرِ بأنها تكفر ويسقط الفرض.
وعندهم أنَ الوجوبَ لا يعم الأعيانَ الثلاثةَ، بل يختصُّ بواحدٍ منها، وإن كانت سواءً في وقوعِها موقعَ الإِجزاءِ وتفريغِ الذمّةِ والتكفيرِ للذنب، والمكلفين في فروضِ الكفاياتِ الفرضُ يسقط عن الكُل
__________
(1) ذكر ابن عقيل أحد الأصلين ولم يذكر الآخر!
(3/47)

بفعلِ كلّ واحدٍ منهم، والوجوبُ لا يعمّ الجميع.
قالوا: ويقالُ لكم في الأوقات هاهنا ما قلتم لمن عمَّ أعيانَ التكفير بالإيجاب، وهو: أنه لو كَان الإيجابُ عمَّ سائرَ الأوقاتِ، لوجَبَ إذا أخَلَّ بالفعلِ فيها أن يأثمَ بتركِ الصلاةِ في الكُلِّ، كما ادعيتم أنَه لو كانَ الوجوبُ يعمُّ الأعيانَ، لأثِمَ بتركِ التكفيرِ بالكُلِّ إذا أخلَّ بالتكفيرِ، وكما يأثم جَميعُ أهلِ القريةِ والمحلّةِ إذا أخلّوا بفروضِ الكفايات.
قيل: تعليقُ الأمرِ على الوقتِ لا يخلو أن يكونَ تعليقَ سببٍ أو شرطٍ:
فإذا وجدَ الوقتُ الأولُ، وهو شرط أو سببٌ، حَصل الوجوبُ، لأنَ الأمرَ هو الموجبُ لكونِ الوقتِ شرطاً أو سبباً، فإذا دخل الوقتُ ثم حصلَ الاتفاقُ على أنَّه يحصلُ بالفعلِ فيه الامتثالُ وما يتلوه من الزمانِ، كذلكَ إلى آخر الوقت، فلا وجهَ لتخصيص وقتٍ من هذه الأوقاتِ.
وكيف يُدَّعى تخصيص وقتٍ مع كونِ النصِّ عمَّ هذه الأوقاتِ، أعني الأولَ والوسطَ والآخرَ، وهل هو إلا كالعمومِ الذي لا يتخصصُ الأمرُ فيه بعينٍ من الأعيانِ.
وأمَّا دعواهم أنَ الأخيرَ يُخَصَصُ بالمأثَم، فلا يلزمُ من وجهين:
أحدهما: أنه لا يمتنعُ أن يقال: إنه لا يتخصصُ المأثمُ عند خروجِ الوقتِ بالتركِ في الوقتِ الآخرِ، بل يعم المأثمُ بالتركِ في الأوقاتِ كُلِّها، لأنَ الله سبحانهَ وسعَ الوقتَ رخصةً، بشرطِ الفعلِ، لأنَّه رخصةٌ
(3/48)

لتسهيلِ الفعلِ على المكلفِ، فإذا قابل ذلكَ بالتركِ، تبيّنا أنه ليس بأهلٍ للرخصةِ.
وما ذلكَ إلا بمثابةِ من أهملَ فِعْلَ الصلاةِ في السفرِ وتركَ الطهارةَ ولم يُصلِّ يومَ الجمعةِ الجمعةَ، ولا الظهرَ، وهو من أهملَ الظهر، ولكنه يصحُ منه فعلُ الجمعةِ، فإنَه إذا فاتت هذه العباداتُ بتركه أثمَ مأثمَ من تركَ الصلاةَ التامةَ والطهارةَ التامةَ، ولا تبقى عليه الرخصةُ، ويعاتب على تركِ ركعتين، إذ كانت الرخصةُ في الفعلِ، فإذا فوَّتَ الفعلَ لم تتحصل الرخصة، وحوسبَ بالأصلِ.
وكذلكَ الرخص في فروضِ الكفاياتِ، فإذا تركَ الكُل أثمَ الكُلُّ مأثم الواجب المتعين، وشوى في المأثمِ بينَ من تركَ تكاسلًا، وبين من تركَ اعتمَاداً على أنَ غيره يفعلُها لا تكاسلًا منه، ولم نقل: يخص بالمأثم من كسِلَ ولم يفعل دون من اعتمدَ على غيره، وظن أن غَيره يقوم بها فلم يفعل.
وإنّما لا يأثمُ بالتركِ في الوقتِ الأولِ والأوسطِ قبل أن يخرجَ الأخير بشرط إن لم يتحصل حَصَل المأثم، وهو أن يكونَ عازِماً على الفعلِ في الوقتِ الثاني، وهو متّسعٌ للفعلِ، والعازمُ لا يكونُ تاركاً في الحقيقةِ، لأنَه فاعلٌ للعزم الممتدِّ الذى هو مقدمةُ الفعلِ، والمقربُ إليه الذى هو الأفعال المسَتقبلةُ، كالنيةِ للأعمال الحاضرة.
ولو عزبَ العزم في الوقت الأول لأثم بالتركِ، لأنه يفضي إلى أن يتلقى أمْرَ الله سبحانه بغيرِ امتثالٍ ولا عزم على الامتثال، مع إزاحةِ العللِ وتكاملِ شروطِ الفعلِ، وذلك غيرُ الإهمال.
(3/49)

وقد قيل: إنَ الِإثم انتفى بالتاخيرِ، لأنَّ في إيجاب التقديمِ نوعَ مشقّة، لأنَّ الوقتَ يدخلُ وأكثرُ الناسِ على أشغالٍ تركُهَا يُفسد الأموالَ ويخاطرُ فيه بالأنفس، وجوازُ التركِ للعذرِ لا يدُلُّ على نفي الوجوب في حق المُعْسِر والدّين المؤجل.
وأما أعيانُ التخييرِ والأشخاصِ في فروضِ الكفايات، فإنَّ الحجّةَ فيها ظاهرة لنا، وهو أنَه لم يتخصصِ الوجوبُ بواحدٍ منها، فليكن هاهنا مثلُه في عدمِ التخصيصِ، وإنّما لم يعم، كما لم يتعين، لأنَّ التعميمَ يزيلُ معنى توسعةِ التخييرِ في التكفيرِ، وتوسعةِ قيام بعضِ الأشخاصِ مقامَ بعضٍ في الكفايةِ بالبعض.
فقلنا: إنَّ الفرض يتعلق بواحدٍ على طريق البدلِ لا بعينهِ، ويكفي فعلُ شخصٍ، أيَ المكلفين كان ممن هوَ أهل للفرض.
وهاهنا إذا علقنا الوجوبَ على جميعِ الأوقاتِ، لم تزل الرخصةُ، لأنَّ الوقتَ الأولَ والثاني والثالثَ ظروف لفعلٍ واحدٍ فى أيِّها فعل أجزأه.
ولا يخلو من فائدةٍ ظاهرةٍ، وهي تعلقُ المأثمِ بالتركِ في الكُلّ، وحصولُ الثواب في الجميعِ؛ الأولُ إن فعل فيه، فسقوطُ الفرضِ والثواب، وفضل التقديمِ، والأخيرُ إن فعلَ فيه، فسقوطُ الفرضِ، وحصولُ الثواب بها، والإِثابةُ بفعلِ العزم عليها من الوقتِ الأولِ إلى حين فعلِها فيَ الوقتِ الآخرِ المتّسعِ لهاَ.
وأعطينا تناولَ النص لمجيعها حقَّه من التعميمِ، والاستغراقِ.
(3/50)

فصل
في الدلالةِ على فسادِ قولِ من قال: بأنه يفعل في الوقتِ نفلاً، لكنَه يسقط الفرض الذي يتعلّق بالوقت الأخير.
أنَّة لو كان نفلاً لوَجَبَ أن تنعقدَ الصلاة بنيّةِ النفلِ، فإنَ كُل صلاةٍ كانت عند الله سبحانه وفي شرعهِ على صفةٍ صحت تحريمتُها بنيةٍ يتضمنها على تلك الصفة، كالفرضِ، وسنّةِ الفرض، والجماعةِ، والجمعةِ، والقصرِ، والإِتمامِ، فلمّا لم يسقط الفرض بنيةِ النفلِ في أوَّلِ الوقتِ، ولا يسقط الفرض في آخره إلا أن ينويَ في أوّلِ الوقت فرضاً، بطلَ أن يكونَ نفلاً.
ويَدُل على فسادِ ذلك: أنَه خوطب بفرض، فإذا أدَى نفلاً، فقد أدَى خلافَ ما أُمرَ به، فهو كما لو خوطبَ بصلاةٍ، فصامَ، أو بحجةٍ فصلّى.
ويدُل على أنّها ليست نفلاً أنَ النصَّ قد وردَ بأن جميعَ أجزاءِ الوقتِ وقت لها، فكيفَ يكونُ نفلاً في أوّلِه. وهو جزء من الموسّع، وليس بأن يكونَ نفلاً في أوّلهِ بأولى من أن يكون نفلاً في آخره، مع تساوي أجزاءِ الوقتِ.
فإن أعادوا ذلكَ السؤالَ وهو تخصيصُ الأخيرِ بالمأثمِ إذا تركَها فيه فقد سبقَ الجوابُ عنه.
ويدل على فسادِ هذا المذهبِ أنَّ من عَلِم أنَّ الصلاةَ في أوّلِ الوقتِ نفل فنواها فرضاً، فإنه لم ينوِ صلاةَ وقتهِ ولا نواها على صفتها،
(3/51)

وليسَ لنا نّية في أصولِ الشرعِ بتحقّقِ الفعل المنوي على خلافِ ما هو به.

فصل
في سؤالهم
فإن قيل: تقديمُ الزكاةِ قبلَ الحولِ، والكفارةِ قبلَ الحِنث، فيهما معنى النفل، وُيجزيانِ بعدَ الِحنث، ومُضي الحول عن الفرض. وأمَّا النّيةُ، فإنَّ من نوى فرضَ وقتٍ من الأوقاتِ، وقد كان أدّاه في أوّلِ الوقتِ، وقع نفلاً بنيةِ الفرضِ.
وعندنا إذا نوى صومَ رمضانَ نافلةً، أو نوى حجّةً نافلةً، وعليه فرضُ الحجِّ، انصرف إلى الفرضِ، فلا تصحُّ دعواكم أنه لا نية تحصل للمنوي على خلافِ صفته.
قيل: أمَّا الزكاةُ، ففرضٌ قُدَمَ على وقته باسمِ السلفِ، لمصلحةٍ رآها المشرعُ، هي حاجةُ الفقراءِ، كتقديمِ الصلاةِ في بابِ الجمعِ لمصلحةِ الجامعين.
كذلك قال صلى الله عليه وسلم في حقّ العباس: "إنا استسلفنا منه زكاة عامين" (1)، ولم يك نافلة.
__________
(1) هذا الحديث بهذا اللفظ من حديث مقسم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثَ عمرَ على الصدقة، فرجع وهو يشكو العباس فقال: انه منعني صدقته.
فقال رسول صلى الله عليه وسلم: "يا عمرُ أما علمت أن عم الرجل صنوُ أبيه؟ إنَّ العباس أسلفنا صدقةَ عامين في عام" أخرجه الدارقطني 2/ 124، وأبو يعلى والبزار،
(3/52)

ولأن سببَ الوجوب تقدّم الإخراج، وهو الغنى بالنصاب، والحولُ شرطٌ هو أجلٌ وُضع رِفقاً بالأغنياءِ، فعجل لطفاً بالفقراء، فما تقدّمت الزكاة على سبب وجوبها، ولا صارت بالتعجيل نفلاً.
وأما الكفارةُ فسبُبها اليمينُ، وقد وُجدت قبل الحِنث. قال الله سبحانه: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ} [المائدة: 89] وما قدمت على الحِنث نفلاً.
وكذلكَ لو نوى بالزكاةِ والكفارةِ نافلةً لما وقع عن الواجب، وأمّا نيةُ رمضانَ والحج، فلأنّهما خارجتان عن حكمِ النّيات في أَصولِ العباداتِ، لانقطاعِ العبادتين.
وأما رمضان، فإنه تعين عندكم لصوم الفرضِ، ولذلكَ لم يشترط له نيةُ التعيينِ. والحج انقطعَ بانعقادِه بمطلق النية ومبهمها، حتى لو قال: إهلالٌ كإهلالِ زيدٍ، وسأله عن نّية إحرامه، كان على ما نوى زيدٌ، وتعين بعد انعقادِ الحجِّ بالإبهام، فأسقط من النية في المحلين، اعتقاد النفل، وانعقد بنيةِ الصومِ والحج.
وفي الصلاةِ تعتبر نيةُ التعيينِ لفرضِ الوقت، ولا تكفي نيةُ مطلق
__________
= وانظر "مجمع الزوائد" 3/ 79.
وورد من حديث علي بن أبي طالب بلفظ. إن العباس سال رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعجيل الصدقة قبل أن تحل، فرخَّصَ له في ذلك. أخرجه الترمذي (687) و (679). وأبو داود (1624) وابن ماجه (1795)، والدارقطني 2/ 123، وأحمد 1/ 104.
(3/53)

الفرضِ، فإذا كانت في الوقتِ نفلاً في نفسِها، لم يكن لعدمِ انعقادِها مع حصول نيةٍ تضاهي حالَها وما هي عليه وجة، فلم يبقَ لعدمِ انعقادِها بنيةِ النفل إلا تَجَزيها فرضاً.

فصل
في الدلالة على فسادِ مذهب من قال بأنه موقوف على آخر الوقت. فإن وافى وهو حيٌّ من أهلِ الوجوبِ، تبينا أنه كان التعبدُ واجباً.
فنقول: إن تعليقِ الوجوب بالشرطِ يفيدُ أنه إذا حصلَ الشرطُ حصلَ الوجوبُ، فإذا تيقنا أن الَشرطَ معدوم لم يوجد، علمنا بذلكَ واستحال أنَّ الِإيجاب للصلاة قد حَصل وثبت مع تجوز شرطه الذي علّق وجوبه (1) على وجوده لم يوجد بعد.
إذ هذا إسقاط لخصيصةِ الشرطِ ووضعه.
ويقال لهم أيضاً: إذا (كانت أجزاءُ) (2) الوقتِ جميعُها منصوصاً على أن للمكلف فعلَ الصلاة فيها لم يجز أن يكون وقوعه في بعضِها واجباً مراعى، لأنه خلافُ النصّ.
__________
(1) في الأصل: "علق على وجوبه".
(2) في الأصل طمسٌ واستظهرنا اللفظ من سياق العبارة.
(3/54)

فصلٌ
فيما تعلقَ به النافون لتعلُّقِ الوجوبِ بالوقت (1).
قالوا: لو كان متعلقاً بالأولِ، لأثمَ بتركهِ فيه، وتأخيرِه عنه بذلك الوقتِ الأخيرِ، لمَّا تحقق تعلّقُ الوجوب به تعلقَ المأثمِ بتركِ فعلِ الصلاةِ فيه، فلما لم يتعلق المأثمُ بتركِ الَصلاةِ فيه، وتأخيرِ فعلها عنه، عُلِمَ أنَه لم يتعلَّق به الوجوبُ.
قالوا: ولأنَّ دعوى تعلّقِ الوجوبِ بالوقتِ الأول، دعوى مجردةٌ، لادلالةَ عليها، ولا حجةَ لقائلها، ويدُل عليه؛ أنَّ جميع أجزاءِ الوقتِ وسطاً، وأخيراً، كالوقتِ الأوّل في كونِ الكُل أوقاتاً وأزمنةً، ولا خصيصةَ في واحدٍ منها إلا الأخير (2)، ويعنون بذلك خصيصةَ المأثمِ بالتركِ فيه.
__________
(1) يقصدُ تعلق الوجوب بالوقت الأول، والأدلة التي ساقها ترشد إلى ذلك، والقول بتعلق الواجب الموسع بالوقت الأول، نسبه أبو الحسين في المعتمد الى بعض الناس، ونسبه آخرون الى بعض الشافعية، والذي قرره محققوا الشافعية أنَّ هذا القول لا يعرف في مذهب الشافعي، إذ الوقت موسع، ولا يعتبر قضاءً أداءُ الواجب الموسع بعد فوات الوقت الأول.
انظر "المعتمد" 1/ 125 و"البحر المحيط" 1/ 213.
(2) أي فله مزية على الوقتِ الأوَل والأوسط كون ترك أداء الواجب في الوقت الأخير، مدعاةٌ إلى ترتب الإثم، إذ إنَ انقضاء الوقت الأخير ينبىءُ عن خروج وقت الواجب الموسّع وهذا ما لا يتحقق في الوقت الأول والأوسط.
(3/55)

فصل
في الأجوبةِ عما تعلقوا به
فمن ذلك: أنا قد بينا علةَ عدم الإِثم من جهةِ أنَّ جوازَ التأخيرِ توسعةً لمكانِ العذرِ والمشقةِ اللاحقَةِ، مع كونِ الصلاةِ فرضاً على الأعيانِ، وأشغال الكُل مختلفةً، فلو لم يوسَّع لهم وقتُ الفعلِ، لشق إن بادروا إلى الفعلِ كافّةً، وأثموا إن أخَّروا.
ولأنَّ العزمَ على الفعلِ كانَ تعبُّداً شاغلًا للوقتِ، ممتداً إلى حينِ الفعلِ، وعزمُ المكلّفِ صالح لرفعِ المأثمِ في باب التروكِ إِذا ندِمَ على الماضي، وعزمُ المكلّف على التركِ في المستَقبل مُسقط مأثمَ الماضي.
وكذلك قضاءُ رمضان، والدّيونِ المؤجلةِ، لا يأثم بتأخيرها مع وجود العزمِ على الفعلِ في ثاني الحال، وكذلك الكفارات.
ولأنا لا نخصص الوجوبَ بالوقتِ الأول، فيلزمُنا ما تعلقوا به من نفي المأثم، بل نقول: الوجوبُ عام في الوقتِ الأوّلِ والأوسطِ والأخيرِ، وأما الدليل على تعلقِ الوجوب بالوقت الأول، فقد سبقَ ويتناوله الأمرُ، ووقع الفعل فيه موقعَ الإجزَاء، وتساوي الأوقات حجّة لنا، حيث عمّمناها بالوجوبِ لتساويها.
والتخصّص بالمأثم فلا نسلمه، بل يعمُّ الأوقات التي عمها بالتركِ، ولو سلّمه من خصَّص المأثم، كان جوابهُ عنه: أنه الوقتُ الذي يضيقُ فيه الأمرُ بالفعلِ، وزالت التوسعةُ، ولم يبقَ للعزم مجالٌ، لأنه لا يزالُ العزم بدلاً عند قومٍ، ومتطرقاً به عند قوم، إِلىَ أن لا يبقى
(3/56)

سوى وقتِ الفعل، فلا يبقى خطابٌ إلا بالفعلِ ونيتهِ المتخصصةِ به، فإذا لم يأتِ بها تحقق المأثمُ على إخلاءِ الوقتِ عن وظيفته، كما كانَ المأثمُ يلحقُ في الوقتِ الأوّلِ والأوسطِ بإخلالِ المكلّفِ بوظيفتهِ من العزمَ.

فصل
فيما تعلق به من قال: إنَّ الوجوبَ يتعلَقُ بوقتٍ من الأوقاتِ غيرِ معين.
قال: لما كانَ المكلفُ مخيّراً في الأوقاتِ كلِّها، صارت الأوقاتُ كالأعيانِ المخيّر بينها في كفاراتِ التخيير.
يقال: فيما قدمنا من الدلالةِ على تعميمِ الوجوب، كفايةٌ عن الجواب، وأمَّا أعيانُ الكفاراتِ، فهي الحجةُ عليهم، لأنَّ الكفارةَ واجبةٌ عليه، وإنْ خيرناه في أعيانِها فيجبُ أن نقول بأنَ الصلاةَ واجبةٌ وإن خيّرناه في أوقاتها.

فصلٌ
يفرد الكلامِ في العزم فإنَه المعتمد في هذه المسألة.
اعلم أنَ قوماً يجعلونه بدلًا عن الفعل في الوقت الأوّل (1)، ويقولون: إنه المانع من حصول المأثم بالتأخير.
__________
(1) رأي جمهور المتكلمين أنه لا يجوز ترك الواجب في الوقت الأول إلا ببدل، وهو العزم على الفعل في ثاني الحال. إنظر "اَلبحر المحيط" 1/ 210.
(3/57)

فيقال لهم: لو كان بدلًا لسدّ مسدّ البدل، كسائرِ أبدالِ الشرعِ، كالماءِ عن التراب، والإطعام عن الصومِ، والصيام عن العتقِ، والصوم عن الدمَ في الِإحرامِ، فلما لم يسُد مسدَ البدَلِ، بل كان في الذَّمةِ بحالهِ، بطل كوُنه بدلًا، فقالوا: إنّما هو بَدَلٌ عن تقديم الفعلِ وتعجيله، لا عن أصلهِ، فإذا عزمَ كانَ عزمهُ بدلًا عن تقديم الفعلِ في كل وقتٍ كان فيه عازماً على الفعلِ في الوقتِ الذي يليه.
فصارَ كان الشرعَ يقول للمكلّف: لكَ تأخيرُ الفعلِ عن الوقتِ بشرطِ أن تكون فيه عازماً لا مُهملًا.
قال لهم المعترض عليهم: فأينَ لنا بدلٌ عن وصفِ فعلِ لا عن أصله، والتقديمُ وصفُ الصلاةِ.
فأجابوا: بأنَّ لنا مثلَ ذلكَ بصحيحِ النقلِ، ولا علينا من منعَ بمذهبِ من لم يعلم ذلك بالنقل، وهو الفديةُ الواجبةُ على الحاملِ والمرضعِ إذا خافتا على الجنين والرضيع، ويجب إطعام مسكين عن كل يوم، والصوم واجبٌ في الذّمّة، فلم تكن الفديةُ بدلًا عن أصل الصوم، لكن عن تأخيره، فكما لم يخلُ الوقتُ الأولُ في باب الصلاةِ عن عزم، لم يخلُ زمانُ رمضانَ عن إطعامٍ هو بَدَلٌ عن الصوَم فيه، لا عن أصلِ الصومِ، وكفاراتُ الِإحرامِ، وسجودُ السّهوِ بدلٌ وَجُبران عن وصفِ الصلاةِ لا عن أصلها.
وكذلكَ من وجبَ عليه عبادةٌ يعجزُ عن أدائها، وعن قضائِها إلى حين الموت، كان عزمه على فعلِها إن صحَ مسقطاً مأثَم الترك، ولا
(3/58)

يسقطُ أصلُ الخطابِ بها حتى إنه لوصح (1) وجبَ قضاؤها.
وكذلك سجودُ السهوّ بدل وجبرٌ، قد يجبُ عن تقديمِ واجب أو تأخيرهِ، لا عن أصلهِ.
قالوا: فإن قيل: أينَ لنا أعمالُ قلوب نابت عن أعمال الأركان؟ وهل العزمُ إلا فعلُ القلب؟!
قيل: وما الذي هوَّن أفعالَ القلوب، وبها تصحُّ الأعمال، وتحبط الأعمال، وتجب الأعمال؟!، فالنياتُ أعمالُ القلوب، وبها تصح العباداتُ، والندمُ أعمالُ القلوب، وَيجُب ما قبله من الأَعمال وتعضدُه العزوم بصحّةِ التوبةِ الماحيةِ لماَ قبلها، واعتقادُ الكفرِ يُحبطُ كل صالح تقدمه من أعمالِ الجوارح والأركانِ، فلِمَ لا جاز أن يقعَ بدلًا عن إيقاع الفعل في زمانٍ دون زمان؟!

فصولٌ
القضاء، والإعادة، والفوات. وهل تجب بأمرٍ ثانٍ، أو بالأمر الأول؟، وهل يسقطُ الخطابُ بفواتِ وقته؟، وهل يسقط بكل عذرٍ، أو تختلف الأعذار في الإسقاط وبقاء الخطاب.
فصل
في معنى الفوات
اعلم أنَ الفواتَ اسمٌ لا يستعمل بالاتفاق إلا في فعل مأمور به،
__________
(1) أي لو تعافى ذاك العاجز عن أداء الفعل، لوجب عليه أداؤه ولا يسقط عنه.
(3/59)

موقّت بوقت، خرجَ وقتهُ ولم يفعلْه المأمورُ، فأمَّا الواجبُ على التّراخي والموسَع وقتُه، إذا تُركَ في وقتِ توسعتِه، فلا يقالُ: فائت.
فتحقق من هذا: أن الفواتَ مضى وقتِ العادةِ المحدودةِ، وهذا حدٌّ يخصُّ باب العبادة، وإن أردتَ العمومَ قلت: خروجُ وقتِ الفعل المأمورِ به، الموقَّت.

فصلٌ
والفائتُ: الفعلُ الخارجُ وقتهُ الذي امِر به فيه.

فصل
والِإعادةُ اسمٌ لمثلِ ما بطلَ وفسدَ من العباداتِ على وجهِ البدلِ عنه، والإِفسادِ لها، إما بسبب من جهته، مثلِ الوطء في الحج، والصومَ، أو الكلامَ أو الحدثِ في الصلاةِ
أو بسبب يطرأ لا من كسب المكلف.
ولا يوصف هذا الفعل الموقع عن المفسدِ قضاءً، لكونه بدلًا مفعولًا في وقت العبادة، لكن الغالبُ عليه اسمُ الإِعادة.

فصلٌ
فأمّا القضاءُ: فاسمٌ لفعلِ مثل ما فات بخروجِ وقتهِ المحدَّدِ به.
فكانَ الفرقُ بين الِإعادةِ والقضاءِ، أنَّ الإِعادةَ فعل مثلِ ما فسدَ لكنه في وقتِ العبادةِ.
والقضاءَ اسمٌ لفعلٍ، هو مثلُ العبادةِ المؤقته التي خرج وقتها.
(3/60)

فصلٌ
والأداءُ: فعلُ كل مفعولٍ موقَتٍ في الوقتِ الذي عُرِفَ به، موسّعاً كان أو مضيّقاً.

فصلٌ
إذا خرج وقت العبادة وفات فعلها، لم يجب قضاؤها إلا بأمرٍ ثانٍ (1).
وبه قال أكثرُ الفقهاءِ والمتكلمين. وأصحاب الشافعي في أحدِ الوجهين (2)، والقاضي أبو بكر والمحققون من الأصوليين، وذهب بعضُ أصحاب الشافعي إلى أنه تجب بالأمر الأول، ولا تسقط بفوات الوقت.
وظاهرُ كلامِ صاحبنِا أنَه يسقطُ الأمرُ بالجنونِ، ولا يسقطُ بالإِغماءِ، والحيضِ والمرضِ (3).
__________
(1) هذا ما اختاره ابن عقيل، من أن العبادة التي فات وقتها تسقط ولا يجب قضاؤها الا بأمر ثان، وهو ما نصره أبو الخطاب في "التمهيد"، ورجحه ابن تيمية في "المسوَّدة".
وخالف في ذلك القاضي أبو يعلى في "العدة" حيث قال:"اذا كان الأمرُ مؤقتا" بوقت ففاتَ الوقت، لم يسقط الأمر بفواته، ويكون عليه فعله بعد الوقت،. وبذلك الأمر الأول".
انظر "العدة" 1/ 293، و"التمهيد" 1/ 205، و"المسؤدة" ص (27).
(2) وهو رأي المحققين من الشافعية وفق ما قرره الآمدي في الإحكام، انظر "التبصرة" ص (64)، و"الإحكام" للآمدي 2/ 64، و"المستصفى"2/ 10.
(3) نقلَ القاضي أبو يعلى في "العدة" (1/ 293)، عن الإمام أحمد ما يومىءُ =
(3/61)

فصل
يجمعُ الأدلّةَ على أنَه لا يجبُ إلا بأمرٍ ثانٍ، سواءٌ كان تركهُ لعذرٍ مانعٍ أو لغير عذرٍ.
فمن ذلك: أنَ الله سبحانَه إذا علق العبادةَ بوقتٍ، فلا تخلو من مصلحةٍ تختص الوقتَ، وخصيصةٍ تعودُ بالنفعِ العاجلِ والأجلِ، أو لمشيئةٍ وإرادةٍ علقها بذلكَ الوقتِ، ونحنُ لا نعلم أنَ غيرَ ذلكَ الوقتِ كالوقتِ في حصولِ المصلحةِ في فعلهِ ونفي المفسدةِ، ولا الإِرادة والمشيئة، فيصيرُ ما بعد الوقتِ في نفي المصلحةِ وتجويزِ المفسدةِ كما قبلَه من الأوقاتِ، ويصيرُ مثالُ ما إذا قيد حكيمُ الطبِّ شربَ الدواءِ بوقتٍ ففاتَ لا نعلمُ أنَ شربَهُ بعَد خروجِ الوقت سادٌّ مسدَّ شربهِ في الوقت في جلبِ (1) مصلحةٍ ولا نفي مفسدة.
وكذلك إذا عُلَق الأمرُ بشرطٍ مثل استقبالِ قبلةٍ، أو طهارةٍ، أو ستارةٍ، ففاتَ الشرطُ وتعذّرَ، لم يجز أن يُقدِمَ على الفعلِ بعد تعذرِ شرطهِ.
وكذلك إذا خُصَّ الفعلُ والعبادةُ بمكان، فتعذرَ المكانُ، لم يقم
__________
= أن الأمر المؤقت بوقت، لا يسقط بفوات وقته ويجب الفعل بالأمر الأول، فقال: "وقد أومأ إليه أحمد رحمه الله في الرجل ينسى الصلاة في الحضر، فيذكرها في السفر: "يصليها أربعاً، تلك وجبت عليه أربعاً" قال أبو يعلى: فأوجبَ القضاء بالأمر الأول، الذي به وجبت عليه في الحضر؛ لأنه قال: تلك وجبت عليه أربعاً، معناه حين المخاطبة. اه.
(1) في الأصل: "باب".
(3/62)

غيرهُ مقامَه لتعذُرِه.
وعلّةُ ذلكَ كُله أنا لا نجوّزأن نُقدمَ على إقامةِ وقتٍ مقامَ الوقتِ الذي نص عليه الشرعُ، لأنَّا لا نأمنُ مواقعةَ المفسدةِ في ديننا ودنيانا.
وما صارَ إبدالُ وقتٍ بوقتٍ مع عدمِ العلمِ بمساواةِ الوقتِ الثاني للوقتِ الأول، إلا كمن أقامَ فعلا في زيدٍ مقامَ فِعْلٍ في عمروٍ، والوقوفَ بمزدلفة بدلًا من الوقوفِ بعرفة، وصومَ غيرِ رمضانَ بدلًا من صومِ رمضان.
ومن ذلك: أنَ الإِيجابَ يتعلَقُ بأعيانٍ وأزمانٍ، ثم إنَ الفرضَ لو تعلَقَ بعينٍ عتقاً في رقبةٍ، أو زكاة وتضحيةً في شاةٍ أو بقرةٍ، لسقطَ الخطابُ بفواتِ العين، ولم يتبدّل بعينٍ أخرى إلا بدلالةٍ، كذلكَ إذا عُينت العبادةُ بالزمانِ ولا فَرْق.
والجامع بينهما: المصلحةُ المتحققةُ، أو المشيئةُ عند من لم يعتبر الأصلحَ، وكلاهما لا يمكنُ تعديتهُ إلا بدلالةٍ تقومُ مقامَ الدلالةِ الأولى في التعيين.
ومن ذلك: أنَ الأصلَ قبلَ الِإيجاب عدمُ إيجاب الفعلِ في الزمان، وأما إذا فاتَ الزّمانُ المعيّن عُدنا إلى الأصلِ، فلَا نعلمُ تعلّقَ الوجوبِ بوقتٍ ثانٍ إلا بدليل.
ومن ذلك: أن الأمرَ استدعاءُ الفعلِ، والنهيَ استدعاءُ التركِ، ثمَّ إنّه لو عين وقتاً بنهي، ثمَّ فاتَ ذلكَ الوقتُ الذي عُيِّنَ التركُ فيه، فإنه لا يقوم مقامهَ وقت للترك، كذلكَ الأمر ولا فرق.
(3/63)

مثالهُ لو قال: اترك البيعَ وقتَ النداءِ من يوم الجمعة، واترك الاصطيادَ إِذا دخلت الحرمَ أو أحرمت. ثم إِنه باعَ وقتَ النداءِ، واصطادَ في الإحرام، ففاتَه التركُ وأراد أن يتركَ البيع بعد خروجِ وقتِ النهي، وكذلكَ أرادَ أن يصطادَ بعد خروجِ وقتِ تحريمِ الاصطياد، لم يكن هذا سادّاً مسدَ التركِ الذي فاتهَ في ذلكَ الوقتِ المخصوصِ، كذلك هاهنا.
ومن ذلك: أن الوقتَ الذي عُلقَ عليه الفعلُ مقصود بالفعل، ولذلك يأثمُ بالتأخرِ عنه، ويحصلُ الِإجزاءُ والثوابُ والائتمارُ بالفعلِ فيه، فمدّعي أن ما بعده من الأوقاتِ مثلُه بعَد فواتهِ في قيامهِ مقامه، فعليه الدليلُ.
ومن ذلك: أن الصيغةَ ليس فيها ذكرُ أبدالٍ للوقتِ بغيره عند الفوات، ولا أمرٍ بالقضاءِ، ولا من ناحيةِ الشرع تُعطي أن للوقتِ بدلًا، ولا أن الإيجابَ باقٍ بعدَ الفواتِ مع كونه عَرفَ الفعلَ بوقتٍ معين، فإيجابُ القضاءِ لا دليلَ عليه، ولا بُد من طلبِ دليل.
ومن ذلك: أن أصولَ الشريعةِ منقسمة إلى فعلٍ يجبُ قضاؤه كالصلوات وصوم رمضان، وفِعل لا يجبُ قضاؤه كالجمعةِ والجهادِ، فليس يمكنُ حملُ هذا الفعلِ الموقتِ على أحدهما دونَ الآخر إلا بدلالة.
فإن قيل: المكانُ لا يعدمُ فيفوت، فكذلكَ لم يجب القضاءُ ولم يجز إيجابُ الفعلِ في غيره، والزمانُ يفوت، فكذلكَ جعلنا غيرَه قائماً مقامه.
(3/64)

قيل: كلامُنا في زمانٍ، وذلك يفوتُ.

فصل
فيما تعلقوا به
فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "من نام عن صلاةٍ أو نسيها، فليُصلّها إذا ذكرها" (1)، فذلك وقتُها، لا وقتَ لها غيره، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم" (2)، ومن فاته الوقتُ الأول لعذرٍ، فهو مستطيعٌ للفعلِ في وقتٍ ثانٍ.
ومن ذلكَ قولَهم: إنَّ أوامرَ الشرعِ كلَّها على إيجابِ قضاءِ ما فات منها، فدلَّ على أنَّ ذلك يقتضي الأمرَ.
ومن ذلكَ قولُهم: إنَّ المأمورَ به هو الفعلُ، فأمَّا الوقتُ، فإنه يُرادُ ظرفاً للإيقاع فيه، فلا وجهَ لسقوطِه بفواتِه، لأنَّ غيرهُ من الأوقاتِ يصلح ظرفاً للفعل.
ومن ذلك قولُهم: إنّه يسمى قضاءً، ولو كانَ ذلك فرضاً مبتدأً لما كانَ لتسميته قضاءً وجهٌ، وما سُمِّيَ قضاءً، إلا أنه أقيمَ مقامَ المتروكِ من المأمورِ به، ولو قيل: إنّه نفسُ المتروكِ ولم يعدم سوى الزمان.
__________
(1) تقدم تخريجه في 2/ 168.
(2) تقدم تخريجه في 2/ 549.
(3/65)

ومن ذلك قولهم: إن العبادةَ الموقَّتةَ حقٌّ لله سبحانه، تعلَّق بوقتٍ كما أنَّ الدَّين المؤجلَ حقٌّ تعلَّق بوقت، ثم مُضيُّ وقت الأجل لا يُسقط الدّينَ المؤجّلَ، كذلك مُضيُّ الوقتِ لا يُسقط الأمرَ المؤقّت.
قالوا: ولأنَّ الأمرَ اقتضى إيجابَ الفعلِ، وفي إسقاطِ القضاءِ تفويت وإسقاطٌ لما أوجبه الأمرُ، وهو الفعل.
قالوا: لو سقطَ الوجوبُ بفواتِ الوقتِ، لسقط المأثمُ، فلما لم يسقط المأثمُ -وهو حكم من أحكام الوجوبِ- لم يسقط الوجوبُ.
قالوا: ولأنَ الأصلَ الوجوب، فمن ادّعى إسقاطه بفواتِ الوقتِ، عليه الدليل.

فصل
يجمع الأجوبةَ عما تعلقوا به
أما الخبر، فإنه حجّة عليهم، لأنَّه لو كان الأمر الأولُ يقتضي إيجابَ القضاءِ لما احتيجَ إلى أمرٍ، وحيثُ تضمّن الأمر حصلَ إيجابُ القضاءِ به، ولا خلافَ أنَّه إذا ورد الأمرُ بالقضاء، وجب القضاء فلا دلاله (1) من الخبر على موضعِ الخلافِ، وموضعُ الخلافِ: هل الأمرُ الأولُ أفادَ إيجابَ القضاءِ؟
__________
(1) في الأصل فلأدلة.
(3/66)

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: " فأتوا منه ما استطعتم"، فهذا مبنى على أنَه قد أمر في الزمانِ الثاني، وما ثبتَ أنَّه أمرٌ إلا في الوقتِ الأول، ولهذا قال: "فأتوا منه"، فاقتضى أن يكونَ المستطاعُ بعضَ الأمر.
وأمَّا قولهم: إنَ أوامر الشرعِ كلَّها مقضيّة بعد فواتها. ليس بصحيحٍ، لأنها منقسمةٌ كالجمعةِ والجهادِ وفروضٍ كثيرةٍ من فروضِ الكفاياتِ لا تُقضى، والصلاةُ والصومُ تقضى، فليس حملُ الأمرِ على ما يقضى بأولى من حمله على ما لايقضى.
ولأنَّ ما وجبَ قضاؤه منها إنما وجبَ بأدلّةٍ أوجبت القضاءَ، ولم نوجبه بنفسِ الأمر الأول، فلا تعلُّق لهم بذلك، مع كونه مقيّداً بوجوب القضاء، وكلامنا في مطلقِ الأمرِ الذي لم يتعقبه إيجابُ القضاء.
وأمّا قولُهم: إنّ الفعلَ هو المأمورُ به، والوقْت ظرف. فالجوابُ عنه أنَّ الفعلَ المأمورَ به في الوقتِ المخصوصِ به، لا أنّ الأمر بفعل مطلق، ألا ترى أن لفظه لا يتناولُ ما بعد الوقت ولا ما قبله ممن ادعى الوجوب في الوقت.
وأما قولُهم: يسمّى قضاءً، فلأنَّه أقيمَ مقامَ المتروك، وليس معنا في اللغة ولا الشرع أنَّ القضاء لا يقعُ إلا بالأمر الذي أُمر به الأداء، ألا تسمع إلى قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ} [الجمعة: 10]، {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} [البقرة: 200]، والمراد بها: إن أقمتموها.
(3/67)

وأمَّا الدّينُ المؤجلُ، فإنَّه يستحق ويستقر بانقضاءِ الأجلِ، فكيفَ يقالُ: إنّه يسقطُ، وهذا وقتُ فعلهِ بهذا الوقتِ، فبينهما تباعدٌ وفرقٌ، وذلكَ لأنَّ الأجلَ وُضع في الذنوبِ رِفقاً لتأخّرِ المطالبةِ، فإذا زالَ الأجلُ وانقضى، حَلّت المطالبةُ، فلا وجهَ لإِسقاطِ الدَّين، وهنا نِيْطت العبادةُ بالزمانِ المخصوص، كما تناطُ بالمكانِ، ثمَّ إنَّ تعليقها بالمكانِ قد يكونُ لمصلحةٍ تختصُّ البقعةَ، ولربما كانت في غيرها مفسدةً، كذلكَ الزمانُ والوقتُ، ولا فرق.
وأمَّا قولُهم: إنَّ الأمرَ يقتضي إيجاب الفعل وفي إسقاطِ القضاءِ إسقاطٌ لما أوجَبه الأمرُ. لا يصحُّ، لأنَّ الأمر اقتضى إيجابَ الفعل في وقتٍ مخصوصٌ لا في جميع الأوقاتِ، ولأنَّه يبطُلُ به إذا علقه على شرطٍ، فإنَه لا يجبُ فعلهُ مع عدم الشرطِ، وإن كان مقتضى الأمرِ الإِيجابَ فلم ينظر إلى الإِيجاب المَشروطِ مجرداً عن الشرط، كذلكَ لا يُنظرُ إلى الأمرِ المؤقّت مجرّدَاً عن الوقت.
وأما قولُهم: لو سقطَ لسقطَ مأثمُ التركِ. غيرُ لازمٍ، لأنَ الإِيجابَ تعلق بالوقتِ، والمأثمَ تعلّقٌ بتحقيقِ التركِ في الوقت، فشرطُ المأثم تحققَ فيحصل، وشرطُ الإيجاب فاتَ فيسقطُ، فهما ضدّان في الحقيقةِ.
وأما استصحابُ الحال، فلا يصحُّ، لأنَّ الأصلَ أنْ لا واجبَ ولا شاغلَ للذّمةِ، فلما جاءَ الأمرُ موقتاً بشرطٍ فمن ادّعاه مع عدم شرط فعليه الدليلُ.
(3/68)

فصلٌ
ووجدتُ لأصحاب أبي حنيفة خلافاً في الأمرِ المطلقِ إذا لم يفعلْهُ المأمورُ به عقيب الأمر، هل يسقط؟
فقال أبو بكر الرازي (1): لا يسقط، ويفعله في الزمان الثاني والثالث، وفي سائرِ عُمُره، بخلاف المؤقت.
وقال غيره من أصحاب أبي حنيفة: يسقط بمُضيّ الوقت الأوّل، كما يسقط بُمضيّ الوقت في المؤقت (2).
وجهُ قول الرازي: أنَّ الأمرَ المطلق لم يُعيِّن له وقتاً، كما أنَ
__________
(1) هو أبو بكر أحمد بن علي الرازي الحنفي المعروف بالجصَّاص، عالم العراق ومفتيها، تفقه بأبي الحسن الكرخي، وكان صاحب حديث ورحلة، وكان مع براعته في العلم ذا زهد وتعبد، عرِضَ عليه القضاء فامتنع. إليه المنتهى في معرفة مذهب أبي حنيفة، من تصانيفه: "الفصول في الأصول" توفي سنة (370) ه وله خمس وستون سنة.
انظر "تاريخ بغداد" 4/ 314 - 315، و"الوافي بالوفيات" 7/ 241، و"شذرات الذهب" 3/ 71، و"الفوائد البنهية" 27 - 28، و"سير أعلام النبلاء" 16/ 340.
(2) الذي قرره السرخسي أن أكثر مشايخ الحنفية، على أنَّ القضاء يجب بالأمرِ الذي به وجب الأداء، ورجح السرخسي هذا الرأي.
ونقل عن العراقيين القول بوجوبِ القضاء بأمرٍ آخر غيرِ الأمر الذي به وجب الأداء. انظر "أصول السرخسي" 1/ 45 - 46، و "ميزان الأصول" 1/ 340 - 343.
(3/69)

المطلقَ في عينٍ من الأعيان، لم يقتض عيناً معيّنة، ثم لو قال: اذبح أو اعتق، كان له أن يذبَح ذبيحةً، فإن كان في ملكه شاة فتلفت غيَّرها، فإنّما مقامها كذلك في الزمانِ، وليس كذلكَ إذا عيّن وقتَ الفعل، فإنه مخصّص، فصار بمثابة ما لو قال: اعتق هذه الرقبة، واذبح هذه البقرة، فماتت سقط الذبحُ والعتقُ.
وكذلكَ في النذرِ للعتقِ والأضحيةِ لا يسقط عن ذمته بموتِ الرقابِ والأنعام التي في ملكه، وتسقطُ بموتِ ما عينه من الرقابِ بالعتقِ، ومن الأنعام بالذبح.
ووجه من قال: يسقطُ بمضي الوقتِ الأول: أن الأمرَ تناولَ الوقتَ الأوَّلَ بالدليلِ الذي أوجبه كونُ الأمرِ على الفورِ، فصارَ بدلالةِ الفورِ كلفظةِ التعيينِ، فكانَ فواتُ الوقتِ الأوّلِ كفواتِ الوقتِ المعيّن.
وأجاب عن هذا مَنْ نصر الأول، وهو مذهب الرازي: بأنَّ الأمرَ وإن كان على الفور، فإنَه ليس لو صرّحَ فقال: صلِّ وعجل، لم يقتضِ ذلكَ أنَ التأخيرَ يسقطُ ولا يخرجُ الوقتَ عن كونه وقتاً للفعل، وإنما التعجيلَ صفة تعودُ إلى الوقتِ من غير تعيين، بدليل أنه إذا قال: "لله عليَّ أنْ أصومَ شهراً معجلاً، لم يسقُطْ بتأخيرٍ لعذرٍ ولا لغيرِ عذرٍ، بل يأثم لكنه يصومُ شهراً بعدَ الشهرِ الذي أخلَّ بصيامه، وبمثله لو قال: لله على أنْ أصومَ هذا اليوم، أو أذبحَ هذه الشاةَ، ففات اليوم، وماتت الشاةُ، لسقطَ الوجوب.
(3/70)

وكذلكَ كُلُّ حقٍ كان حالاّ أو مؤجلاً لم يسقط بالتأخيرِ عن التعجيلِ وعن حلولِ الأجلِ، وكُل حق تَخَصَّصَ بعينٍ، كالجنايةِ المتعلقةِ برقبةِ العبدِ الجاني، والشهر المعين بالإجارة إذا فاتَ لم ينتقل إلى غيرهِ.
واعترض على هذا معترض فقال: إنَّ من قال بالفورِ فقد عيّنَ التعجيلَ بدليلِ التعيين، فإذا اقتضي الوقتُ الأوّل من الأصلح والتخصص بالتعبد بحيثُ يأثمُ في التأخيرِ عنه، فلا وجهَ لبقاءِ الأمرِ بعد فواتِه، ولا كون الأوقاتِ الباقيةِ مثلَه في امتثالِ الأوامِر باداءِ الفعل فيها، والله أعلم.

فصلٌ
الأمر يقتضي كونَ المأمورِ به مُجْزياً
وهو قول جماعةِ الفقهاءِ (1)، وأكثرِ المتكلَمين من الأشعريةِ وغيرِهم (2)، خلافاً لبعض المعتزلة (3) أنَه لا يُعلم ذلكَ بمطلق الأمر، بل لا يُعلم إلا بدلالةٍ تدلُ على كونه مُجزياً.
__________
(1) انظر في ذلك: "العدة" 1/ 300، و "التمهيد" 1/ 316 و"المسودة" ص (27 - 28)، و"شرح مختصر الروضة" للطوفي: 2/ 399.
(2) انظر:"الإحكام" للآمدي: 2/ 256، و" البحر المحيط" 2/ 406.
(3) نقل هذا عن أبي هاشم والقاضي عبد الجبار من المعتزلة. انظر المصادر السابقة. و"المعتمد" لأبي الحسين البصري 1/ 99 - 101.
(3/71)

فصل
يجمع الدلائلَ على كونهِ مجزياً.
إنَّ الأمرَ المطلقَ اقتضى إيجابَ الفعلِ بالأمرِ، وإذا ثبتَ أنَه إنَما لزمَه الفعلُ المأمورُ به بالأمرِ، وأنه لم يشغل ذمّته بعْد فراغِها سوى الأمرِ بالمأمور به خاصّة، فإذا أتى بالمأمور به على حسب ما تناوله الأمرُ، عادت الذمّةُ فارغةً على حكمِ الأصلِ، وعادَ كما كانَ قبل الأمرِ، ولم يبقَ عليه شيء من قِبلِ الأمرِ، وهذا معنى الإِجزاء.
ومن ذلكَ: أنَّه لو نهاه عن فعل شيءٍ فتركه ولم يتعرض له، خرجَ بذلك من عهدةِ النهي، سيما إذا كانَ في وقتٍ معين.
ومن ذلك: أنَّ الإجزاءَ ليس بأكثرَ من الخروجِ عن عُهدةِ الأمرِ، وليس الخروجُ من عهدةِ الأمر إلا الائتمارَ بمقتضى الأمرِ، ولو لم يقتضِ الِإجزاءَ لكانَ أفضى إلى قولٍ فاسدٍ، ومعتقدٍ باطل؛ وهو أنْ يقتضي بزياد؛ على ما اقتضاه الأمرُ، فيقعَ الاقتضاءُ بما ليس فيه، والاقتضاءُ بما ليس فيه اقتضاءٌ بما لم ترجع عليه دلالة، وذلكَ لا يعلمهُ المكلَّفُ، وتكليفُ ما يجهله المكلفُ تكليفُ ما لا يطيقه، وذلك ينفى عن الله نطقاً، قال سبحانه: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} [الطلاق: 7].
ومن ذلك: أنَ عدمَ الإجزاء هو العَنَتُ الذى نفاه الله عن نفسه، فقال سبحانه: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ} [البقرة: 220]، {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} [التوبة: 128]،وهذا يعطي أنَّ العَنَتَ محزيز عليه، وأنَه ما أعنتَ، ومن أثبتَ الائتمارَ لأمرِه ومتابعتَه غير مجزىءٍ، فقد أضافَ إليه
(3/72)

الإِعناتَ.

فصل
في جمع ما تعلَق به من مَنَعَ اقتضاءَ الإجزاءِ
قالوا: إنَّ الأمرَ ليس في صيغته أكثرُ من استدعاءِ المأمور به من الفعلِ وإرادة له، فأمَّا الِإجزاء وسقوطُ الفرض، فلا يدلُّ عليه اللفظُ، فافتقر إلى دليل.
قالوا: إن كثيراً من العباداتِ قد ثبتَ جوازُ الأمرِ بما لا يُعتدُّ به، ولا يحتسبُ للمكلفِ به، بل يوجبُ عليه فعله ثم إعادته، وإذا عُلم ذلكَ من الشرع، لم يجُز أنْ يحصلَ لنا العلمُ، ولا غلبةُ الظن بأنَّ الفعلَ مجزىء إَلا بدلالة.
قالوا: وبيانُ ذلك: أنه سبحانَه أمرَ بالمُضيِّ في الحجِّ بعد إفسادِه بالوطء، وبالإِمساكِ في اليوم الذي أفطرَ فيه يظنُّه من شعبان ثمَّ بان من شهرِ رمضان، وبالصلاَةِ بغيرِ وضوء ولا تيمّم عند عدم الماءِ والتراب، وما ذلكَ إلا لحكم الأمرِ، ويلزمُ القضاءُ في جميعَ ذلكَ لعدمِ الاعتدادِ له بالامتثالِ الأَول، فلذلكَ احتجنا إلى دلالةٍ هي غيرُ الأمرِ لحصولَ الإجزاء.

فصل
الأجوبة عما تعلقوا به
أمَّا قولهم: ليسَ في اللفظِ ذكرُ الإِجزاء، فلعمري لكنّ فيه أنه اقتضاءٌ بما إذا فعله عادَ بفعلهِ إلى الأصل، ويكفي أن لا يكون فيه
(3/73)

الا استدعاءُ الفعلِ، وقد وُجد، وذِكرُ الإجزاءِ لا يُحتاجُ إليه مع كونِ الأصلِ براءةَ ذمّتهِ وخلوَّ ساحته، وما اشتغلت إلا بالمأمور به، وقد فعله، وإذا لم يكن فيه وجوبُ غيرِ الفعلِ كفى، ولم يحتج أن يكونَ فيه ذكرُ الإِجزاء.
وأما العباداتُ المقضية، فإنَّ المُضى في الحج الفاسدِ والصومِ والصلاةِ حصل امتثالُ الأمرِ به بفعلهِ واتمامِه والمضيّ فيه، ولم يجب القضاءُ بذلكَ الأمرِ، وإنّما وجبَ بأمرٍ ثانٍ، ونحنُ لا نمنعُ أن يوجبَ الشرعُ عبادةً مبتدأة بدلالةٍ، ولا إعادةَ عبادةٍ بدلالةٍ، وانما كلامُنا في أمرٍ مطلقٍ لم يتعقبه أمر ثانٍ بإعادةٍ ولا قضاءٍ.
على أن تلك فرّط فيها، ولم يأتِ بها على الوجه المأمور به، فكانَ إيجابُ القضاء لتلافي المأمورِ به والِإتيانِ به على ما كان وأخذ بالمضيّ فيما أفسده احتراماً للزمان، وجعلَ كالعقوبةِ على من أفسدَ، وبعضُ العلماءِ جعل الشروعَ موجباً، والإفسادُ منعَ الإجزاءَ، والشروعُ أوجب المضيَّ، كالنفلِ إذا شَرَعَ فيه عند أبي حنيفة، وعلى ما روي عن صاحبنِا في رواية، وبقيَ وجوبُ الإعادِة بمقتضى الأمر الأول.

فصل
اختلف الناسُ في المريضِ والحائضِ والمسافرِ، هل يلزمُهم الصومُ أو يجبُ ذلكَ حالَ زوالِ أعذارهم غيرَ مستندٍ إلى إيجابِ حال قيامَ أعذارهم؟.
فذهب أصحابُنا وأصحابُ الشافعي إلى أن الوجوب يتعلّق بهم حال قيام أعذارهم، ويجب القضاء عند زوال الأعذار، مستنداً إلى
(3/74)

الوجوب (1).
وفرق صاحبنا (2) بين الجنون والإِغماء، فجعلَ المجنونَ والطفلَ غيرَ مخاطبينَ، وجعلَ المغمى عليه مخاطباً حال الإِغماءِ بالأيجابِ.
وقال أصحابُ أبي حنيفة: لا يجبُ على الحائضِ والمريضِ، ويجبُ على المسافرِ (3).
وقالت الأشاعرةُ: لا يجبُ على الحائضِ والمريضِ والمغمى، ولا يخاطبون حالَ قيامِ العذرِ، وإنما يخاطبون بالقضاءِ إِذا زالت أعذارهم، وأما المسافرون فإنهم مخاطبون بالصوم في أحدِ الشهرين، إمّا شهرُ الأداءِ، أو شهرُ القضاء، وأيهما صاموا سقطَ الفرض، وكان التخييرُ واقعاً بين الشهرين، كالتخييرِ بين أعيانِ التكفيرِ في كفاراتِ التخيير (4).
__________
(1) انظر ذلك في "العدة" 1/ 315، و"التمهيد" 1/ 261، و "شرح الكوكب المنير" 1/ 367، و"المستصفى" 1/ 96، و"الإحكام" 2/ 262، و"البحر المحيط" 1/ 238.
(2) أي الإمام أحمد، وفق رواية الأثرم عنه في سؤاله عن المجنون هل يقضي ما فاته من الصوم؟ انظر "العدة"1/ 315.
(3) انظر "فواتح الرحموت" 1/ 85، و"أصول السرخسي" 1/ 35.
(4) وهو ما اختاره القاضي أبو بكر الباقلاني، ونصره الرازي. انظر "التبصرة" ص (67)، و"المحصول" 2/ 208.
(3/75)

فصل
في ذكرِ ما تعلَق به من قال بالِإيجاب مع قيام الأعذار
من ذلك قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184]، وتقديره بإجماعنا: فافطر، ولو لم يكن الوجوبُ حاصلاً لما كان الِإفطارُ موجباً أو شرطاً، لأنَّ الِإفطارَ في زمانٍ لم يتعلق عليه الإِيجابُ، لا يعتبر لإِيجاب الصومِ في زمان خوطب بالصوم فيه ابتداءً. ألا ترى أنَّ الجنونَ لَما كان يمنعُ الخطابَ لم يُعلَق علَى ما تفوت به الأفعالُ والعباداتُ الِإيجاب في مستقبل الحال.
ثم قوله: {فَعِدًةٌ} تقديره: فليَصُمْ بعدةِ الأيام التي أفطر، وموازنةُ عدّة أيام الصيام بعدةِ أيام الإِفطار دلالةٌ أيضاً منَ الآية ومفهومها على أنَه يستندَ إلى الخَطاب في تلك الأيامِ.
وقوله: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، دلالة على أن اليُسر هو تأخيرُ الأداءِ لأجلِ المرض، ولو كان ابتداءً إيجابٌ، لما ظهرَ اليسرُ في ابتداءِ الإِيجابِ، لأنه نوعُ تكلّفٍ مبتدأ.
ومن ذلك: أنَه لو كانَ الوجوبُ لا يتعلَّقُ بأوقات الأعذارِ، لما وَجَبَ عليه الصومُ إلا إذا عادَ وقتُ مثلهِ من الصيام، كالصَّلاةِ لما لم تخاطب بها الحائضُ، لم تجبْ إلا بعودِ مثلِ وقتهِا.
ومن ذلك: أنَّ ما يأتي به يسمى قضاءً، وهذا يَدُلّ على أنه بَدَلٌ عن الفعلِ في الوقتِ الأول، ويتقدرُ بمقداره ركعات في الصلاة، وأياماً في الصيام، وينوي قضاءً عن صوم رمضان والصلاة المعينةِ التي فاتت باسمِها الخاصّ، وهذا كُله دلالَة على بدلٍ عمّا فاتَ من
(3/76)

العباداتِ، إذ لو لم يكن عوضاً عن تلكَ ولا بدلاً عنها لما تقدَرت بها كالإِيجاباتِ المبتدأة.

فصل
فيما تعلًقَ به الآخرون
قالوا: لو كان واجباً ما جازَ تركُه كالصَّوم فِي حقِّ غيرِ المعذورِ، ولما ثبتَ جوازُ تركهِ دلَّ على أنَّه غيرُ واجب، كصومِ النفل.
قالوا: الحائضُ لا يصح منها فعلُ الصومِ، ولا التوصُّلُ إلى فعلهِ، فلم يجزْ أن تكونَ من أهل الوجوب.

فصل
في جواب ما ذكروه، ما قدمناه في إيجاب الصلاة في أوَّل الوقت.
وأما الثاني: فجوابُه أن المحدِثَ لا يمكنه فعْلُ الصلاةِ قبلَ الطهارةِ، ثم هو من أهلِ وجوبها، فبطل ما قالوه.

فصل
في الأمرِ إذا وردَ بأشياءَ على سبيلِ التخييرِ، مثلِ العتقِ والإطعامِ والكسوةِ في كفارة اليمين، أو الهدي، وإطعام المساكينِ، والصيام في الجزاءِ، فالواجبُ واحد منها لا بعينه، يتعينُ بفعلِ المكلف.
وبهذا قال الفقهاء والأشعرية (1)، خلافاً للمعتزلة في قولهم:
__________
(1) انظر ذلك في"العدة" 1/ 302، و "التمهيد" 1/ 335 و"المسودة" ص (27 - 28)، و"شرح الكوكب المنير" 1/ 379 و"التبصرة" ص (70)، =
(3/77)

الثلاثة كلّها واجبة (1)

فصل
في جمعِ أدلتنا
فمن ذلك: أنَ التخييرَ على ضربين:
أحدهما: من طريق التخصيص.
والثاني من طريق التعميم.
وقد ثبت بإجماعِنا أنَه لو قال لمن في ملكه عبيد: أعتِق واحداً من عبيدِك، أو اقتل واحداً من المشركين. اقتضى ذلكَ إِيجابَ عتق واحدٍ من العبيد، وقتلَ واحدٍ من المشركين لا بعينه، والتخييرُ حاصلٌ في التنكير، كذلك إذا وردَ التخييرُ من طريقِ التخصيص.
يوضحُ هذا أن التوضيح لقوله: أعتق واحداً من عبيدك، واقتل واحداً من المشركين، والمعنى: إِما هذا، وإما هذا، وإما هذا، وهذا هو بعينه قوله: فتحرير، أو إِطعام ... أو كسوة، ولا فرقَ بإجماع العقلاء في ذلك، فإذا كان الواجبُ في التخييرِ بالعموم واحداً لا بعينه، كذلكَ في الخصوصِ، وكُلُّ ما يتعلّق به المخالفُ في هذه المسألةِ من وجوبِ التساوي في الأصلحِ، موجود في الأعيانِ الداخلةِ في عمومِ اللفظ، وتعليقِ الأمرِ بواحدٍ منها.
ومن ذلك: أن التخييرَ قد يحصلُ بين الأشياءِ المختلفةِ في أعيانِها
__________
= و"المستصفى"1/ 67.
(1) انظر "المعتمد"1/ 87.
(3/78)

ومنافعِها، ولم يجب أن يعم التخييرُ النوعَ الواحدَ من الأعيانِ، ولا المقصودَ الواحد، فكذلك إيجابُ تَساويها في الحكُمِ لا وجه له مع جوازِ اختلافها في الجنسِ والنوعِ والمقصد.
وكذلك يجوزُ التخييرُ بين الضدّين، والبعض والكُلّ، كالإمساكِ والإِقدام، والكلام والسكوتِ، والصيام والإفطارِ، والإتمام والقصرِ، والغسلَ والمسح، فما المانع من التخَييرِ بينَ أشياءَ الواجَبُ واحدٌ منها، وليسَ كلها واجباً؟
ومن ذلك. أن خصائصَ الوجوب لا تعم، فإنَّه لو فعلَ الثلاثةَ فأعتقَ وكسا وأطعم، سقطَ الواجبُ بواحَدٍ منها لا بالجميع، ولو تركَ الكُلَّ أثِم بواحدٍ منها لا بترك الجميع، واذا تأخّر عن الفعلِ خوطبَ بفعلٍ واحدٍ لا بالجميع، واذا لم تعمّ خصائصُ الوجوبِ، فلا وجهَ للقولِ بعموم الوجوب، كما أنَّ الواحدَ الذي عُديتْ فيه خصائصُ الوجوب، فلاَ يسقط بفَعلهِ الوجوبُ، ولا يأثم بتركهِ، ولا يُستدعى منه عند تأخيرهِ عنه، لا يكون واجباً، كذلكَ الثلاثةُ العاريةُ عن خصائِص الوجوبِ لا تشتركُ في الوجوب.
ومن ذلك: أن الوجوبَ ينفي التخيير، فلا يصحُّ أن يقول: أوجبتُ عليك صلاتين، وأيهما شئت فصلِّ، كما لا يقول: أوجبتُ عليك صلاةً وإن شئت فلا تصلّها، فلما حَسُن هاهُنا أن يقول: بأي الأنواع شئت فكفر، عُلم أنه ليسَ الواجبُ إلا واحداً.
ومن ذلك: أنَ العربَ لا تعقلُ من قولِ القائل لعبده: أعطِ زيداً درهماً أو ديناراً، وقوله لوكيله: تصدَّق بدرهمٍ أو دينار. أنه أوجبَ
(3/79)

عليهما الاعطاءَ لزيدٍ وعمروٍ، ولا إيجابَ التصدقِ بالدرهم والدينار.
ولا في الخبر أيضاً إذا قال: رأيت زيداً أو عمراً، ولقيتُ خالداً أو بكراً، يعطي تساويهما في وجوبِ اللقاءِ أو وجودهِ.

فصل
في جمع الأسئلةِ على أدلتنا
قالوا: إذا قال: أعتقْ عبداً، فلا تخييرَ ولا ذكر جُمل تقتضي المساواةَ، بل لفظ تنكير، وهاهنا ذكر جملًا لو رتبها، لاقتضى ترتيبُها التساوي في الوجوب، إذ لا يقامُ مقامَ الواجب إلا واجب، ولهذا أجمعنا على أنه لا يجوزُ التخييرُ بين مندوب وواجَب ومباح، بل بينَ مباحٍ كُله، أو واجبٍ كُلّه، أو ندبٍ كُلّه، وما ذاك إلا لأنَّ التخيير يقتضي التساوي بين المخيَّرات.
قالوا: ولأنَّ الضامنَ والمضمونَ عنه يتخيرُ المضمونُ له بينهما في المطالبة، والاستيفاءِ، والوجوبُ يعمهما. فبطل قولك: إنَ التخييرَ بين اثنين ينفي تعميمهما بالإِيجاب، وانما لم يأثم الكُلّ بالترك، لأن الوجوبَ ليس من طريقِ الجمعَ، لكن على طريق البدل، وإنما كان يجبُ الإثمُ عن تركِ الكُل أنْ لو كانت الثلالةُ واجبةً على وجهِ الجمع.

فصل
في جمعِ الأجوبةِ عن الأسئلةُ
أمَّا قولُهم: لا تخييرَ في التكثيرِ، فليسَ كذاك، بل يقتضي التخييرَ، ويظهرُ ذلك بحُسن تفسيره بالتخيير، فيقول: أعتق عبداً، أي
(3/80)

عبيدك شئت، ولو لم يكن في اللفظ تخيير لما حَسُن هذا التفسير، ألا ترى أنَّه إذا قال: أعتق سالماً وغانماً، أيهما شئت لم يحسن، ولو قال: أعتق سالما أو غانماً أيهما شئت حسُن ذلك لما فيه من التخيير، والضامن والمضمون عمّتهما خصيصة الوجوب، وذلك أن أحدَهما التزمَ ثمناً بعقد بيعٍ، أو أجرةً بعقد إجارةٍ، والآخَرَ التزم بعقدِ ضمان، فإذا امتنعا جميعاً من أداءِ الدين أثما مأثم المخل بالواجب عليه، بخلاف مسألتنا، فإنه إذا أخل بالثلاثة لم يأثم إلا بواحدٍ، فبان بأخذ الخصيصة مأخذ الواجب.
وقولهم: إنما لم يأثم بالكُل، لأنه لم يجب الجمعُ، فإنما هو واجبٌ على سبيل البَدَل، فباطل بفروض الكفايات فإنه وجب على سبيل البدل، فأي سابق سبق إلى فعله سقط الفرض عن الباقين، كما أن هاهنا إلى أي الثلاثةِ سبقَ أجزأه ومع ذلكَ إذا تركَ الكل أثم.
على أنَّ قولَك: ليس بواجبٍ على الاجتماعِ بل على سبيلِ البدل.
فهذا هو النّافي لإجراءِ اسمِ واجب على كُل واحدٍ، وهل معنى واجب إلا الاقتضاءُ به على وجهٍ لا يخرجُ عن عهدتهِ الأمرُ إلا بفعلِه؟ فإن قيل: ففروضُ الكفاياتِ حجة عليكم من حيث إنه من فعله من الناس كان مسقطاً لواجب، ثم إذا فعله واحدٌ بقي الباقون غيرَ واجبٍ عليهم، كذلكَ جاز أن تكون الثلاثة هاهنا واجبةٌ قبل الفعل، فإذا فعل واحداً، خرج الباقي عن الوجوب، ولا شيءَ من الأصول يشبه مسألتنا على الوجه الذي ذهبنا إليه، إلا فروضَ الكفايات، فإنها تجبُ على سبيل البدل، أيّ طائفة نهضت بالفعل، سقطَ ذلكَ عن الباقين ونابَ عنهم، وهي فرض على الكُلِّ، والكل موصوفون بالخطابِ بها.
(3/81)

قيلَ: ليسَ فروضُ الكفاياتِ من مسألتنا بشيءٍ، لأنَّه يحسُن أن يقال: يا أهلَ القريةِ؛ صلّوا على موتاكم، ومُروا بالمعروفِ، وانهَوا عن المنكرِ. ولا يقالُ هاهنا: لتخرجْ في الكفارةِ العتقَ والاطعامَ والكسوةَ، إذا تركَ أهلُ القرية ذلكَ أثموا كلُهم، وهنا الإِجماعُ منعقد على أنه لا يأثمُ إلا بواحدٍ.
فإن قيل: كلامُكم يعطي أنكم لا تعقلونَ الوجوبَ مع التخييرِ، وليسَ الأمرُ كذلك، فإنكم قد قلتم: إن الصلاةَ تجبُ بأولِ الوقتِ وجوياً موسّعاً، فلما قيل لكم: ما معنى الوجوب، فالمكلفُ مخير بينَ فعلِ الصلاةِ في الوقتِ الأوّلِ، وبين تركهَا لا إلى بدل؟ قلتم: الوجوبُ الموسعُ معقول، وهو قضاءُ رمضانَ، يتّسعُ وقتُ قضائهِ من رمضانَ إلى مثلِه، فيكونُ ما بين رمضانين وقتاً لفعلِ القضاءِ، وكذلك الدينُ المؤجلُ واجبٌ، وهو مخير بين تعجيلهِ فيقعُ عن الواجب، ويين تأخيره، ولم يخرجه التأخير بين زمانٍ وزمانٍ، عن كونهِ واجباً فيَ الزمان الأول، كذلك لا يخرجُ تخيير هذا المكلفِ بين عينٍ وعينٍ، وفعلٍ وفعلٍ، عن كون الأعيَانِ والأفعالِ واجبةً، وليس التخيير هاهنا بأكثرَ من توسعة ورخصة (1) بين أعيان، كما أنها توسعة ورخصةٌ في الصلاةِ، وقضاءِ صوم رمضان، والديونِ المؤجّلة بين أزمان، وهو مثلُ مسألتنا سواء، فإنه إذا أخل بالفعلِ في جميعِ الأوقات التي خُير فيها، لم يأثم إلا بالتركِ في وقتٍ يتّسع لفعلها، ولا يكونُ آثماً إثمَ من أخلَّ بفعلٍ واجبٍ يملأ تلكَ الأوقاتِ كلَّها.
__________
(1) مكررة في الأصل.
(3/82)

قيل: إنا لم ننفِ الوجوبَ لأجلِ التخيير، لكنْ نفيناه لأجلِ انتفاءِ خصائصَ الوجوب.
من ذلك: أنَها لو كانت كلُّها واجبةً، لوجب إذا فعلَ واحداً أن يبقى وجوب ما لم يفعلْه منها كسائرِ الواجبات، ألا ترى أن الصلواتِ الخمسَ، وصومَ أيامِ رمضانَ لما كانت واجبةً كلُّها، إذا فعل واحداً منها بقيَ الباقي منها على وجوبهِ.
وأمَّا أوقاتُ الصلواتِ، فإن الأول تَعين الوجوبُ به، وأُبيحَ له التأخيرُ، كما أبيح الامتدادُ والإِطالةُ إلى آخرِ الوقتِ، وانما لم يحصل المأثمُ بالتأخيرِ لأنه أتى ببدلٍ عن التقديمِ، وهو العزم على الفعلِ في الثاني، فنابَ منابَ التقديم.
واحتجَّ بعضُهم في النظرِ بأنَّ الثلاثةَ لو لم تكن واجبةً، لما سقطَ بجميعها الفرضُ إذا فعلَها ثلاثة، فأعتق واحداً، وأطعم واحداً، وكسا واحداً، فلما سقطت فروضُ الثلاثةِ بالثلاثةِ، عُلِمَ أن جميعها واجبةٌ، إذ لو كانَ فيها واحدٌ ليسَ بواجبٍ لكانَ في الثلاثةِ واحدٌ لم يسقط الفرض والواجب (1).

فصلٌ
في جمعَ شبههِم
قالوا: إنَ الله سبحانَه سوَّى بينها في الأمرِ، فكُلُّ واحدٍ من الثلاثة
__________
(1) في الأصل: "الجواب" وكتب الناسخ أمامها "كذا في الأصل".
(3/83)

مأمور به في الإجزاء، فكلُّ واحدٍ يحصلُ به الإجزاءُ وبراءةُ الذَمةِ وحصولُ التكفيرِ به، وفي الأصلحِ والمشيئةِ فكُلُّ واحدٍ منها صالحٌ ومرادٌ، فوجبَ تساويها في الإيجابِ، إذ لا مزيّةَ لواحدٍ منها على الآخر. كما لو تناولَها الأمرُ مطلقاً من غيرِ تخيير.
ومن ذلك قولُهم: لو كانَ الواجبُ واحداً، لنصبَ الله عليه دليلاً، وجعل لنا إليه سبيلاً، ولم يبهمه عنا إبهاماً، مع كونِنا لا نعرفُ الأصلحَ لنا، ولا ما فيه فسادُنا، ألا ترى أن سائرَ الواجباتِ وقتها بمواقيتَ وقدَرها بمقادير، وعينها بما امتازت به عن غيرها، ولم يتركْ للمكلفِ، ولا جعلَ إليه إلا مجرَّد الفعل لذلك المعين الموقّتِ المقدّرِ، فلما لم يعين هاهنا، بل ذكرَ الجملَ الثلاثَ، عُلِمَ أن جميعَها واجبةٌ، فأيها فعلَ كانَ مصادفاً للواجبِ الأصلحِ المأمونِ معه الفسادُ.
ومن ذلك قولُهم: لو كانَ الواجبُ واحداً، لكانَ إذا كفر ثلاثةٌ من المكلَّفين بالثلاثةِ، فكفَّر كُل واحد من الثلاثة، بواحدٍ عن الذي كفر به الآخر، أنْ يكونَ المكفَرُ بالواجب واحداً منهم لا بعينه، فلما وقع تكفير كُلّ واحدٍ موقع الوجوب، دل على أنَ الوجوبَ عمَّ الجميعَ، ألا ترى أنَّ القِبلةَ لما كانت واحدةً، والصلاةَ المنسيَّةَ الواحدةَ لما كانت واحدةٌ، لا جرمَ إذا صلَّى ثلاثةٌ إلى ثلاثِ جهاتٍ، أنَّ واحداً منهم صلى إلى القِبلة، واذا صلَّى ثلاثَ صلواتٍ، إذا كانَ بينهنَّ أنها صلاةُ نهارٍ لأجلَ المنسية، أو خمس صلواتٍ إذا لم يدرِ صلاةَ نهارٍ أم ليلٍ، فإنَ الواجبَ منها واحدةٌ، ولا نقولُ الجميع وقعتْ واجبةً.
ومن ذلكَ قولُهم: إن الوجوبَ قد يعم عدداً من المتعبّدين، ثم يسقطُ بفعلِ الواحدِ منهم، كذلكَ جازَ أن يعم عدداً من العباداتِ،
(3/84)

ويسقطُ بفعلِ واحدٍ منها أيّها فعل.
ومن ذلك قولهم: إنَه لو كانَ الواجبُ من المخيرّات واحداً لا بعينه، وأنه إنما تعين بفعلِ المكلفِ ونيتهِ، مع كونِ الله سبحانَه عالماً بما يختاره المكلفُ من الثلاثة وينويه، لكانَ ذلكَ معلوماً لله سبحانه، وهو الواجبُ عندَه، والمرادُ به له سبحانه، وأن يعلم أن غيره ليسَ بواجب، فيكونُ تخييره بين ما علم وجوبه، وبين ما علم أنه ليس بواجب، وما ليس بواجب، فهو النفلُ المتطوعُ به، وفي هذا خروج من إجماع الأمّة، فإن القائلينَ بأنَّ الواجبَ واحدٌ من الثلاثةِ لا يقولون: إنّ الواجبَ واحدٌ معين عندَ الله معلوم، وأنَّ غيرَه ليسَ بواجب.

فصل
يجمعُ الأجوبة عن شبههم
أمَّا تعلًقهم بتسويةِ الثلاثةِ في الأمرِ والإجزاء، فغيرُ موجب للكُلِّ، ولاللتسويةِ بينها في الوجوب، كما لم يوجب التسويةَ بينها في العقاب والمأثمِ عند الترك، ولا أوَجبَ التسويةَ بينها في إسقاطِ ما في الذّمةَ إذا جمع بين الكُلِّ في الفعل، ولأنَّ التخييرَ بلفظِ العموم، يتساوى فيه سائرُ الأعيانِ، فإنَّه لا يقول: أعتقْ عبداً من عبيدِك، واقتَل مشركاً من المشركين. إلا وكل عبدٍ يساوي غيرَه من العبيدِ، وكذلكَ المشركُ المنكرُ، ثم مع ذلك لم يقتضِ ذلك مساواتَهم في الإيجابِ، والمعنى في الأصل وهو المطلقُ، فذاكَ جمعٌ، وهذا تخييرٌ، وفرق بينهما، كما لو قال: اعتقْ عبيدَك، واقتل المشركين. اقتضى إيجابَ الجميعِ، ولو قال: اقتلْ مشركاً، وأعتقْ عبداً، لم يقتضِ إلا إيجابَ
(3/85)

قتلِ واحدٍ من العبيد، وقتل واحدٍ من المشركين.
وأما الجوابُ عن قولهم: لو كانَ الواجبُ واحداً، لنصب الله عليه دليلاً. فلا وجه للمطالبةِ بالدليلِ عليه، مع كونهِ قد جعلَ الاختيارَ من المكلَّفِ هو المعين له بالوجوب، كما إذا جعلَ التخييرَ إليه بلفظِ العموم، فإنَّه لما نكّر العبدَ فىَ العِتقِ، والمشركَ في القتلِ، صارَ العبدُ الذَي يبادره بالعتقِ، والمشركُ الذي يبادره بالقتل، هو الواجبَ عتقه وقتله، كذلك التخييرُ بلفظِ الخصوص.
ولأنَّ هذا باطل بالعقاب على تركه، فإنَّه لم يقم على المتروكِ المستحق به العقاب دليلًا، وَلا جعلَ إليه سبيلًا، ومع هذا فهو واحد، وباقي الثلاثة ليست كذلك، وكونُ المكلَّفِ المختارِ لا يعرفُ الأصلحَ له فيسلكُه ويقصده، ولا المفسدَ فيجتنبه، ولا يجوز أن يرد الاختيارَ إليه، لا يمنعُ أن يكونَ الباري لا يخير إلا إذا علم أنه لا يختار إلا الأصلحَ دونَ المفسد، ولو فصح الباري وصرَّح بذلكَ بأنْ يقول: أيها المكلف كفَر بأيِّ الثلاثة شئت، فمهما اخترتَ التكفيرَ به، فهو المختارُ لنا والمصلحةُ لك. وقد قلنا مثلَ ذلك في جواز ردِّ الاختيارِ والتكليفِ إلى النبي صلى الله عليه وسلم والتشريع، فيقول الباري له: احكم بما شئتَ وما ترى، من غير قياسٍ ولا استنباطٍ، بل ما تراه فهو الحكم عندنا.
ولأنَ طلبَ الأصلح، وخوفَ مواقعةِ الأفسدِ، إنّما يكون فيما هو معيّن، فأمَّا إذا كان المأمورُ به غيرَ معيَّن، فإنه لا يجبُ البيان، لأنَّ الجميع متساوٍ.
وأما قولهم: إذا كفر ثلاثة، كلُّ واحدٍ منهم بغيرِ الذي كفر به
(3/86)

الآخرُ، فاستوعبوا الثلاثةَ أعيان، كانَ الجميعُ واجباً من حيث إنه سقطَ بها الوجوبُ عن ثلاثةٍ، كل واحد منهم قد وجب عليه نوع، فلماسقطَ بالثلاثةِ ثلاثُ كفاراتٍ واجباتٍ. دل على [أنَّ]، الثلاث واجبات، حيثُ سقطَ بها ثلاثة واجباتٍ، فلا يلزمُ، لأن كونَ الثلاثة في حق ثلاثةٍ من المكلفين لا يعتبرُ به الثلاثةُ في حق الواحدِ، فإنه لو أمرَ بلفظِ التنكير فقال: أعتق عبداً، كأعتقَ كُلُّ مُكَفر عبداً، كانَ جميعُ ما أعتقه المكفرون من العبيدِا واجباً، وَبمثله لو أعتقَ واحدٌ جميعَ أولئك العبيد، لم يكن الجميعُ واجباً، بل كانَ الواجبُ منهم واحداً.
وأمَّا تعلّقهم بفروض الكفايات، فهو الحجّةُ لنا، لأنه لما كان الفرضُ على الجميع، أثَمَ بتركه الجميعُ، فلو كانَ هاهنا الواجبُ الجميع، لأثم بتركهِ الجميعُ.
على أن فروضَ الكفاياتِ لو لم تجب على الكافة لاتكلَ بعضُهم على بعض، فلم يُفعل شيءٌ منها، وهاهنا إذا وجب واحدٌ لا يفضي تركُ اثنين إلى ترك الجميع، لأنه إذا نابَ واحدٌ عن آخر في حقِّ المكفِّر الواحِد، لم يخلدْ إلى تركِ الكل، بل غايةُ ما يخلدُ إلى تركِ الواحد والاثنين، وفي فعلِ الأخركفاية.
وأما قولُهم: إنَّ هذا يُفضي إلى أن يكونَ ما يختارُه المكلفُ من الأعيانِ الثلاثةِ هو الواجبَ عندَ الله، وما لم يختره ليس بواجب، وغيرُ الواجب هو النفل، وأحدٌ لا يقولُ إنَ الله خيَّر في هذهِ الأعيانِ الثلاثة بين واجَبٍ ونفل، فهو قولٌ مخالفٌ الإِجماعَ، فلم يبقَ إلا القولُ بأنَ الثلاثة واجبةٌ. فهذا لا يصحُّ من وجوه:
(3/87)

أحدها: أنا وإن قلنا بان الواجبَ تعين بالنيةِ، والفعلِ، إلا أنَه قبل الفعل والنيةِ غيرُ متعين، وليسَ إذا كانَ الله سبحانه عالماً بعين ما يفعلُه المكلفُ ويختاره ويعتقده وينويه، كان ذلكَ موجباً لتعيينه بالوجوبِ، كما أنه يعلمِ مَن الناهضُ من الأمة بفعلِ فروضِ الكفاية، ولا يوجب علمةُ سبحانه بذلك أن التعيين حاصل في حق من علمَ أنه ينهضُ بذلكَ، بل الفروضُ على مَآبها، فلا يتعين سقوطُ الفرضِ على الجميع إلا بفعل الناهض بذلك الفرضِ ونيتهِ واعتقادِه، وكذلكَ من قال له الشرع: أعتقْ عبداً، أو اقتل مشركاً. فإن الله سبحانَه عالم بمن يُصرف إليه العتق من العبيدِ، وُيقتلُ من المشركين، ومع ذلكَ لا يُجعل قبلَ الفعلِ متعيناً.
على أنه لو كانَ علمُ الله سبحانه بعين ما يفعلهُ المكلفُ ويختارهُ يجعلُه واجباً بعينه، لم يُستنكر أنْ يكون غيرُه نائباً منابَه، وسادّاً مسدّه، كما زعمَ بعضُ فقهاءِ أصحابِ أبي حنيفة أنَّ الصلاةَ في أول الوقتِ نفل، تمنعُ بقاءَ الفرض، وتنوب منابه في الوقت الأخير عند تحقق الفرض.
والمسبوكُ من هذه المسألة أن كُل شيء كان من هذا القبيل من التخيير بين آحاد عدد: كالشورى في الستةِ في باب الخلافة (1)،
__________
(1) تقصِدُ بالشورى في الستةِ: ما وردَ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد أن طُعنَ واشتدَ ألمه فقيلَ له: أوصِ يا أمير المؤمنين، استخلف، قال: ما أرى أحداً أحق بهذا الأمرِ من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو عنهم راضٍ، فسمّى علياً، وطلحة، وعثمان، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعداً رضي الله عنهم. =
(3/88)

والأنواع الثلاثة في الكفارة، والأوقاتِ في الصلوات: الأول والأوسطِ والآخرِ، وما بين رمضانين لقضاء ما فات من صوم رمضان، لايحسُنُ أن يقال في ذلك كلّه: إن الوجوبَ عم الجميعَ، ولا إن الواجب واحد بعينه، بل يقال: إن الكُل متساوي الآحاد في صلاحيته لأداءِ الواجب به إن كان فعلًا، أو فيه إن كان وقتاً للفعل وظرفاً، فالخطأ ممن عمَّهَا بالوجوبِ في اللفظِ، وهذا هو الحاصلُ لنَا. والله أعلم.

فصل
ويدخلُ في ذلكَ مالا يتحقق أداءُ الواجب إلا به، كفعلِ صلواتٍ خمسٍ في حقِّ من فاتته صلاة من خمسٍ لَا يعلمُ عينها، والإِمساكِ في جزء من الليل لتحقق صوم جميعِ بياضِ اليوم، وغسلِ جزءٍ من قُصاصِ شعرِ الرأس ليتحقّق على جميع الوجه.

فصل
وممّا يشبهُ ذلكَ ويقاربُه، اشتباهُ الحلالِ بالحرام مما لا يمكن تركُ الحرامِ إلا بتركِه، مثل أخيه ومرضعته بالأجانب، اشَتباهاً لا يمكنُ معه التمييز.
فهذا إن كان في دربٍ أو محلّةٍ أو قريةٍ صغيرةٍ، صارَ نساؤها كلُّهن محرماتِ الاستمتاعِ والنكاحَ في حقّه، لأنَّ كلَّ واحدةٍ منهن يحتملُ أنْ
__________
= أخرجه من حديث عمرو بن ميمون البخاري (3800)، وابن أبي شيبة 14/ 574 - 578، وابن سعد 3/ 340 - 342.
ووجهُ الدلالةِ في هذا: أن عمرَ بن الخطاب لم يقصد أن تعم الخلافة هؤلاء الستة، وانما قصد أن يختاروا واحداً منهم.
(3/89)

تكونَ هي المحرمةَ.
فيقال: الكُلّ محرماتُ: بمعنى لا يباحُ نكاحهنّ ولا المتعةُ بهن بملكِ يمين إن كن مملوكات، وكذلك المسلوخاتُ إحداهن ميتةٌ.

فصلٌ
ومن ذلك اشتباهُ الأواني، يُجعل الكُل محرماً استعمالُه وشربُه إذا لم يمكن التحري، أو أمكن لكنَّ [في]، أحدِها بولاً، أو كان لا تطلق عليها الِإباحةُ قبل التمييز، ويطلق على جملتها التحريمُ عند من لم يرَ التحرّي، ولا يطلق التحريم على جميعها عند من يرى التحري، ومن يرى التحري فيها يقول: إن فيها حراماً وفيها حلالًا يحصل تمييزه بالاجتهاد.

فصلٌ
إذا أمرَ الله سبحانَه بعبادةٍ، وعلقها على وقتٍ يتسع سعةً توفي على فعلها؛ كالصلاةِ تجبُ لدلوكِ الشمس إلى غَسَق الليل، كما قال اللهُ سبحانه (1)، فإنَّ الوجوب يتعلق بجميعِ الوقتِ وجوباً موسّعاً (2).
ومعنى قولنا: وجوباً موسّعاً، هو أنَّ الصلاةَ وجبت بأوَّلِ الوقتِ، وجعل أوله وأوسطَه وآخره وقتاً لأدائها، فلا يأثمُ المكلفُ بتركِها في
__________
(1) في قوله سبحانه: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} [الإسراء: 78].
(2) تقدم بحثُ هذه المسألةِ وبيانُها في الصفحة: 43.
(3/90)

وقتٍ إذا كان عازماً على فعلها، فيما بقي في الوقت متّسعاً لها، فمن أخلّ بالعزم كان آثماً بإهماله أمرَ الله سبحانَه حيث تركَ تلقيّه بتعبدٍ ما لا فعلاً ولا عزماً، وبه قال القاضي أبو بكر الأشعري (1)، وأصحاب الشافعي.
وقال أكثر أصحاب أبي حنيفة: يتعلّقُ بآخرِ الوقتِ الذي لا يتَسعُ إلا لفعلِ العبادةِ.
وقال أبو الحسن الكرخي: يتعلق بوقتٍ غير معين، ويتخير المكلّفُ بين فعلِها في أوَلهِ وأوسطِهِ وآخرهِ، ويتعيّن بالفعل.
وقال بعضُهم؛ أعني أصحابَ أبي حنيفة: إنْ فعلهَا في الوقتِ الأول وقعت نفلاً، يمنعُ وجوبَ الفعل وتقع مراعاة إن بقىَ المكلفُ على تكليفه إلى آخره تبيّنا أنها وقعت واجبةً، و [إن] لم يبق إلى آخره كانت نفلاً.
وقال بعض المتكلمين: إنَه مخيّر بين الأوقاتِ في إيقاعِ الفعل فيها، كما يتخيّر بينَ الأعيان في كفارةٍ للتخييرِ في التكفيرِ بها.

فصلٌ
مجموعُ أدلِتنا على تعلق الوجوب بالوقتِ الأوّلِ والأوسطِ والأخيرِ، وإفسادِ قولِ من خصصّ الوجوبَ بَالوقتِ الأخير، وإفسادِ قولِ من جعلَ الفعلَ في الوقتِ الأولِ نفلاً، ومذهبِ من جعله مراعىً بحالِ المكلف في آخرهِ.
فالدليلُ لصحةِ مذهبنا وأن فعلَ العبادةِ في الوقتِ الأولِ والثاني
__________
(1) يعني: الباقلاني، كما تقدم في الصفحة: 45.
(3/91)

والأخيرِ حصلَ بحكم الأمرِ، لأنَّ الله سبحانه حيث قال: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} [الإسراء: 78]، أجمعنا عَلى أنَّه
لم يُرِدِ امتدادها بالتحريمِ عند الدلوك، والتسليم عند غسقِ الليل، فلم يبقَ إلا أنَه أراد امتداد الوقتِ والساعةِ لفعلِها أيً وقتٍ شاء من هذهِ الأوقاتِ التي أوَّلُها دلوكُ الشمسِ، وآخرها غسق الليل، ومحال إخراجُ وقتٍ منها عن تناولِ الوجوب مع اتجاهِ الأمرِ إليه، وليسَ يتلقى الوجوب إلا من صيغةِ الأمرِ التى تناولت هذا الوقتَ الممتد، ولا سيّما مع تفسيرِ الشرع لذلك، فإن جبريلَ صلى بالنبي صلى الله عليه وسلم في الوقتين، الأول والأخير، وقال له: يا محمد، "الوقت ما بين هذين" (1)، ولا يجوزُ أن يكون المراد بقوله: الوقت ما بين هذين، الوسط الذي لم يصلَ فيه هو وقت الوجوب، فلم يبقَ إلا أنَه أراد تعميم الطرفين والوسطَ بالوجوب، وإيقاعَ الفعلِ الواجب فيها.
ومن ذلك: أنَ المأمورَ المكلف إذا أوقعَ الفعلَ المأمورَ به في الوقتِ الأولِ أو الأوسطِ أو الآخرِ، أسقطَ به الفرضَ، وخرجَ به من عهدةِ الأمر، وما خرحَ به المكلف من عهدةِ الأمرِ فهو الواجب بالأمرِ، والأوقات متساويةٌ في ذلكَ من الأولِ إلى الآخرِ، فَدلَّ على أنْ الوجوب عمَّ الأوقاتِ.
ومن ذلكَ: إفسادُ قول من خص الوجوبَ بآخرِ الوقت، أنَّ تعليقَ
__________
(1) أخرجه من حديث طويل عن جابر:
أحمد 3/ 330 و 351، والترمذي (150)، والنسائي 1/ 363، والدارقطني 1/ 256 و 257، والبيهقي 1/ 268، والحاكم 1/ 195 - 196.
(3/92)

الوجوب بالشرطِ يُفيدُ أنه إذا حصلَ الشرطُ حصلَ الوجوبُ، والشرطُ الوقتُ المذكور، وهو مستمرٌ من دلوك إلىٍ غسق، فإذا لم يتعلق بالأوَلِ خاصةً، فلا وجهَ لتعلقهِ بالآخرِ خاصة، فلم يبقَ إلا تعميمُه بالوجوب، وهو ما ذكرناه.
يوضِّحُ هذا: أنَّ الأمرَ المتعلِّقَ بالأشخاص والأماكنِ إذا وردَ كورودِ نصِّ الكتاب في هذه الصلاةِ، لم يتخصصَ أحدُ الأشخاصِ ولا أحَد الأماكن، كذلكَ الأوقاتُ والأزمانُ، ومثال ذلك وقال: احصدوهم من ثنيّة كداء حتى تلقوهم بالصفا. تعلقَ وجوب القتلِ بكل موجودٍ في هذا المكان من الطرفِ الأولِ، وهو الثنيةُ، إلى الصفا، وهو الآخر. ومثالهُ من الأشخاص؛ اقتلوا لدخول بني فلان إلى أن ينتهيَ آخرُهم، أو ينتهيَ دخولُهم، فإن ذلكَ الأمرَ بالقتل لا ينحصر بمكانٍ ولا شخص مما علق عليه الأمرُ، بل يعم جميعَ ما عُلّقَ عليه الأمرُ، كذلك هاهنا.
ومن ذلك: أنها إذا فُعلت في أوَّلِ الوقتِ لم يحلَّ أن تقعَ واجبةً وجوباً مضيّقاً، أو تقعِ نفلاً، أو تقعَ مراعاةً بحالِ الفاعلِ لها في آخرِ الوقتِ، أو تقعَ واجبةً وجوباً موسّعاً، بمعنى أنَّها لم يتخصص وجوبُها بالوقتِ الذي وقعت فيه. ولا يجوزُ أن تكونَ وقعت في الوقتِ المضيّق، كما قال بعض من خالفنا، لأن علامةَ التضييق حصولُ التأثيمِ بالِإخلالِ، وليسَ الأمرُ كذلك في التركِ لفعلِها في الوقتِ الأول.
ولا يجوزُ أن تكونَ وقعت نفلاً، لأنَّه لو كان كذلك، لجازَ أن تنعقدَ بنية النفلِ، لأنها فيه وصفُها وحكمها، ولمّا لم تنعقد بنيّة
(3/93)

النفلِ، بطَلَ أن تكونَ نفلاً كسائرِ الواجباتِ إذا فُعلت في آخر الوقت، بل كان يجبُ أن تكون بنية النفل أخص منها بنية الفرض، إذ كانت نفلاً عند هذا القائل.
ولا يجوزُ أن تقع مراعاةً، لأن عباداتِ الأبدانِ المقصودةَ لا يجوزُ تقديمها على حال وجوبها من غير عذرِ، فإذا بطلت هذه الأقسامُ، لم يبقَ إلا أنها فعلت في وقت وجوبها الموسع، ولأنَه إذا كان جميعُ أجزاءِ الوقتِ منصوصاً على أن للمكلّفِ فعلَه بها، لم يجز أن يكونَ وقوعُه في بعضهِا واجباً مراعاةً لأنه خلافُ موجبِ النصّ، فبطلَ هذا المذهبُ، وفيما دلّلنا به على تعميمِ الوجوبِ للأوقاتِ كلِّها إفسادٌ لمذهبِ من قال: إن الوجوبَ يتعلّقُ بوقتٍ غير معيّن.

فصل
في جمعِ الأسئلةِ على دلائلِ مسألةٍ في الأمرِ الموسَّع
قالوا: حصولُه في الوقتِ واقعاً موقعَ الامتثالِ، لا يدلُّ على وجوبهِ في ذلك الوقت، بدليلِ تقديمِ الزكاةِ وتعجيلها قبلَ الحول، وتقديم الثانيةِ من المجموعين على وقتها (1).
وأما تعلقكم بتناولِ الأمرِ للأوقاتِ كلّها، ليسَ بدلالةٍ على تساويها في الوجوب كما تساوت في الأمرِ، وانفرد أحدها بحصولِ المأثمِ بالتركِ فيه خَاصةً دونَ سائرِ الأوقات.
وأمّا قولكم: لو كان نفلاً لما أسقطَ فرضاً، ولصح بنية النفلِ، ولما
__________
(1) أي تقديم الثانية من الصلاة المجموعة جمع تقديم على وقتها.
(3/94)

وقع مراعى، فالزكاةُ المقدَّمة المعجّلة، فيها خصيصةُ النفل، حيث لا يأثمُ بتركها، ولا يلزمُ دفْعها، ولا يأمره الِإمامُ بإخراجها، ولا يقاتلُ عليها، فجميعُ خصائصِ الوجوب منتفيةٌ عنها، ثم إنّها تُسقطُ الفرضَ إذا حصل شرطُ الوجوب وهو حؤولُ الحولِ، فقد بان أنها وقعت مراعاةً بحؤولِ الحولِ اوعدمِ حؤوله.

فصلٌ
في جمعِ الأجوبةِ عن هذه الأسئلةِ
أما تقديمُ الزكاةِ وتعجيلُ الصلاةِ، فرخصةٌ حصلت لنوعِ منافع وأعذار ودفعِ مضار، لا بمطلقِ الأمرِ والرخصةُ غيرُ أمرِ الإيجاب، فلما اختلفا في السبب الذي أثار الفعلَ في الوقتِ الأولِ والوقتِ الثاني، فكان أحدُهما رخَصةً، والآخرُ بحكمِ الأمرِ والعزيمة.
وأمّا قولُهم: قد يستويان في الأمرِ، ويختلفان في الوجوب، كما استويا في الأمرِ واختلفا في المأثمِ، فغير لازمٍ، لأنَ الوقتَ الأَولَ لم يتعلقْ به المأثمُ، لأنَ العزمَ على الفعلِ فيما بقي من الوقتِ قامَ بدلًا، وناب عن تعجيل الفعل وتقديمهِ، والوقتُ الأخرُ لم يبقَ له خلف ولا بدلٌ، فلذلكَ حصلَ المأثم متعلقاً عنده، ولو انعدمَ العزمُ في الوقت الأول على الفعلِ في الوقتِ الآخر، لأثمَ من حين عزبَ عزمهُ وفرقٌ بينَ أن يبقى زمان تَلافٍ (1) وفعل، وبينَ انقضائِه.
كما أنَ من وجبت عليه كفارةُ تخيير، وكان له رقبة وكسوةٌ وإطعامٌ،
__________
(1) في الأصل: "تلافى".
(3/95)

فلم يعتق العبدَ حتى مات، فعزمَ على الكسوةِ، فلم يكسُ مسكيناً حتى احترقت أو سُرِقت، فعزمَ على الإطعامِ، فلم يُطعمْ حتى أكله الداجن، فإنه يأثم عند عدم الصنف الأخير، ولا يقالُ: أثم لأنَّ الوجوب اختصّ به، بل أثم لأنه فوّت العبادة، حيث أخّرها حتى فاتت الأعيان.
كذلك إذا فاتت الأوقاتُ كلها، وكذلكَ من أخرَ ما عليه من قضاءِ رمضان، لا يمكنُ إلا إذا أخره حتى لم يبقَ ما بينَ رمضانين زمانٌ يتسعُ لقضاءِ الفائتِ مِن صوم رمضانَ، ثم لا يدلّ ذلكَ على أنَّه لم يجب قضاءُ رمضان إلا فيَ ذلكَ الوقتِ الذي يتقدّر بمقدارِ الفائت. بل الصومُ ثابتٌ في ذمته من حين أفطر، وتقديمُ الزكاةِ قبل الحول، وتعجيلُ الصلاةِ في الجمع لا يكونُ به نفلاً، ولهذا لو نوى التطوّع بالزكاةِ المعجّلةِ لم تبرأ ذمته بها، ولا وقعت موقعَ الفرض، وكذلكَ الصلاةُ المجموعةُ، ولو نوى بالمقدمةِ إلى غيرِ وقتها نفلاً لم تنعقد فرضاً، ولا أسقطت الفرض.

فصلٌ
يجمع شبه المخالفين
فمن ذلك قولهم: لو كانَ الوجوبُ يعمُّ الوقتَ الأول والأوسطَ [و] (1) الأخيرَ لكانت خصيصته شاملة للأوقات الثلاث، وخصيصةُ الوجوب هي مأثمُ الترك، فأمَّا صيغةُ الأمرِ فليست من خصائص الوجوبِ لأنّها تتناولُ المندوبَ والواجبَ.
__________
(1) ليست في الأصل.
(3/96)

ومن ذلك قولُهم: لو كانَ الوجوبُ متعلِّقاً بالوقتِ الأولِ لما جازَ تأخيرهُ إلى الأوسطِ، ولو تعلَّقَ بالأوسطِ لما جاز تأخيرهُ إلى الأخيرِ، لا إلى بدل، فلما جاز تأخيرُه إلى غير بدلٍ، غلمَ أنه ليس بواجبٍ كسائرِ النوافِل، إذ خصيصةُ النافلةِ ما جاز تركُها لا إلى بَدل.
ومن ذلك: قولُ من ذهبَ إلى أنَّ الوجوبَ يتعلَّقُ بواحدٍ من الأوقاتِ غير معيّن، لأنا وجدناه مخيراً بين فعلها في الوقتِ الأول أو الأوسط أو الآخرِ، وهذه خصيصةُ عدم التعيين، كالمخيرِ في واحدٍ من الأعيان المكفرِ بها، فإنَّه لا يقال: إنَ الواجب معين، كذلك الأوقات هاهنا.

فصل
في جمعِ الأجوبةِ عن شبههم
أمَّا قولُهم: إنَّ الأخيرَ من الأوقات اختَص بالمأثم، وهو خصيصةُ الوجوب، فلا يسلَّم، بل هو خصيصة الوجوب المضيّق، فأمَّا الوجوبُ الموسِّع، فليسَ المأثمُ من علاماتهِ ودلائله، والدليلُ عليه:
أنَّ الديونَ المؤجلة وقضاءَ رمضان واجبان، ولا يأثمُ بتأخيرهِما لكونِ وجوبهما موسعاً، فلأنَه إنما يأثم إذا تركَ الواجبَ إلى غير بدل.
وسنبيّن في جوابهم الثاني أنَّ التركَ هاهُنا إلى بدل، هو العزمُ على الفعلِ في الوقتِ الثاني أو الأخير، على أنَّ وقوفَ المأثمِ [على] (1) الوقت الأخير لا يَدُل على اختصاصِ الوجوب به، كما أنَّ فروضَ
__________
(1) ليست في الأصل.
(3/97)

الكفاياتِ لا يحصلُ المأثمُ على التركِ والإعراضِ ما دام في القرية من يُرجى فعلُه لذلكَ الفرض، مثل صلاةِ الجنازِة، فإذا أعرض الكُلُّ، كان بإعراضِ الأخير منهم ظهورُ الإثمِ أو حصولُه، ولم يَدُل ذلكَ على أنَّ الوجوب لم يعمَّ أهلَ القرية، بل اختصّ بآخرهم إعراضاً عن الفرض وتركاً له.
على أن نفيَ المأثم إنما يدُلُّ على نفي الوجوب إذا خلا التركُ عن عذر، فأمَّا الأعذارُ فمنها تُسقط مأثمَ التُّروَك والتأخيراتِ للواجبات، بدليلِ السفر يؤخِّرُ الصومَ، لأجل أنه عذرٌ (1)، وكذلك تأخيرُ الصلاةِ في الجَمع، وتركُ الجمعةِ للأشغال وخوف (2) تلف الأموال.
وهاهنا عذرٌ ظاهر، وهو أنا لو أثمناه بتأخيرِ الصلاةِ عن أول الوقت، وألزمناه فعلَها فيه، فإنَّ مصادفةَ الزوالِ والغروب لأشغالِهم مانعٌ لهم ومعوِّقٌ عليهم ما بهم إليه أشدُّ حاجة، وإن كلفنَاهم مراعاةَ الوقتِ الأوّلِ بتركِ الأشغالِ والتَّرصُّدِ لدخوله لأحْرَجَ وشقَّ، فلما عَلِمَ اللهُ سبحانَه ذلكَ من أحوالهم أسقط المأثم عنهم بالتأخيرِ، كما أسقطه بسائِر الأعذارِ المعيقة، كالسفرِ لأداءِ صوم رمضان وتوسعةِ ما بين رمضانين لقضائه، بخلافِ آخرِ الوقت، فإنَّ فيمَا سبقه من التوسعة غنىً عن رفع المأثمِ بتركها فيه، وفارقَ الواجبُ النفلَ من هذا الوجه، وهو
__________
(1) بدليل قوله سبحانه: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184].
(2) في الأصل: "وجوب".
(3/98)

أنَّه سقطَ المأثمُ لنوع عُذرٍ، والنفلُ يَسقطُ لغيرِ عذرٍ.
وأمّا قولُهم: لو كان واجباً في الوقتِ الأول والأوسطِ، لما جازَ بتركه فيهما وتأخيره عنهما لا إلى بَدَل. فنحن قائلون بموجبه وأنّه ما جازَ لا إلى بدل بل إلى بدل هو العزمُ على الفعل.
فإن قيل: فلو كانَ العزمُ بدلًا لكان يعتبرُ فيه نوعُ تعذرٍ كسائر كالأبدالِ، ولكان يَسقطُ المبدَلُ، لأن البدلَ ما ناب مناب المبدَل، كالأبدالِ في الكفاراتِ والطهاراتِ، ولما لم يَسقط الوجوبُ بالعزم بطل أن يكون بدلًا عن الفعل.
قيل: أمَّا التعذرُ فلا يعتبر لكثيرٍ من الأبدال، بل يُعتبر نوعُ مشقّة، بدليلِ المسحِ على الخفيّن مع القدرةِ على غسلِ الرجلين، والعدولِ عن العتق إلى الكسوةِ، وعن الكسوةِ إلى الإِطعام لا لعُذرٍ، لكنه توسعةٌ، لإِزالةِ مشقةِ التعيينِ للغَسل في الطهارةِ، والعتقَ في الكفارةِ.
وأمَّا كون العزم لا يُسقطُ وُجوبَ الفعل، فليس ببدل عن أصل الفعل، بل هو بدَل عن فضل التقديم وفعله، فإذا كان على الفعل من أولِ الوقتِ إلى أوسطهِ عازماً، ثم فعلَ في الوقتِ الأخير، صار كأنَّه بعزمه بدأ بالصلاة وطوَّلها إلى الوقت الأخيرِ، لأن تحقُّق العزم على الصلاةِ عملٌ بالقلب ممتدٌّ إلى حين فعلها، فصار كتطويلهَا بعد الشروع فيها، وإنَ لم يكن الإِحرامُ بها في الوقت الأوّل مسقطاً الائتمار (1) بها الممتد إلى حين خروج الوقت الأخير في حق من
__________
(1) في الأصل: "لا سيما" وهي تحريف.
(3/99)

طولها.
وعلى أنَّ صوم رمضانَ في السفر، وقضاءه في الحضرِ هو واجبٌ، وإن كان مُخيراً بين فعلِه وتركه لا إلى بَدَلٍ سوى العزمِ على الإتيانِ به في الوقتِ الثاني من وقت الترك.
وأما شبهةُ من جعل الوقت واحداً غيرَ معين، وأنَّه لما تخير بين الفعلِ فيها كان كأعيانِ التكفيرِ في كفارةِ التخيير، فالكفارةُ هي الحجة، لأنَّ التكفيرَ وجب من حين الحِنثِ، وإنما خيّرناه في أعيانِها، فلنقل: إنّ الصلاةَ واجبةٌ بالوقت الأول، وإنما خيَّره في الأوقاتِ لأدائها، فأيّ نوعٍ كفَّر به، فالوجوبُ سابقٌ له.

فصل
إذا أمر الله تعالى نبيّهُ صلى الله عليه وسلم بعبادةٍ، نحو قوله: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} [المزمل: 1]، {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} [الممتحنة: 12] أو فعل فعلاً عُرِفَ انه واجب أو ندبٌ أو مباحٌ فتشركُه أمّته في حكمِ ذلك الأمرِ حتى يدُلَّ الدليلُ على تخصيصه (1).
وكذلك إذا أمر النبيُّ واحداً من أمته بأمرٍ تبعه الباقون من الأمّة في حكم ذلك الأمر، وإن حكم عليه بحدٍ في جريمةٍ أو كفارةٍ، كان
__________
(1) انظر: "العدة" 1/ 318، و "التمهيد" 1/ 277 و"شرح الكوكب المنير" 3/ 218، و"المسودة" من (3231) و"شرح مختصر الروضة" 2/ 411
(3/100)

ذلك عاماً في حق كل من ارتكب تلك الجريمة، كقطعهِ لسارقِ رداء صفوان (1) ونحوه، أشار إليه أحمد في مسألة الحرام في الطعام، إذا قال الرجلُ في طعامه: هو علي حرامٌ. فجعل حكمه حكمَ تحريم النبي صلى الله عليه وسلم العَسَل الذيمما شربه، فقالت عائشة: أجدُ منك رائحة المغافير (2)، وبتحريم النبي صلى الله عليه وسلم مارية القبطية (3).
فقد جعل حكمنا حكمه (4)، وإن كانت تحلةُ اليمينِ نزلت في النبيّ خاصة.
وكذلك قال أحمد: لا يُصلى قبل العيد ولا بعدَها، لأنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يصلّ قبلها ولا بعدَها.
وقالت الأشاعرةُ وبعض الشافعيةِ: ذلك يختص النبيَّ صلى الله عليه وسلم إلى أن تقوم دلالةُ التعميمِ لأمته، وكذلك يختص من خاطبه من أمّته إلى أن تقوم دلالةُ العموم (5)، وإليه ذهب أبو الحسن
__________
(1) سيأتي تخريجه في الصفحة 219.
(2) أخرجه البخاري (5267)، ومسلم (1474) من حديث عائشة رضي لله عنها.
(3) ورد في الحديث عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به حفصة وعائشة حتى حرمها فأنزل الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} [التحريم: 1].
أخرجه النسائي 7/ 71، والحاكم في "المستدرك" 2/ 493، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(4) في قوله سبحانه: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2].
(5) انظر ذلك في "الإحكام" للآمدي 2/ 379 - 386 "التبصرة" للشيرازي =
(3/101)

التميمي من أصحابنا.

فصلٌ
في الدلالة على دخولِ غيرهِ صلى الله عليه وسلم في حكمِ خطابِه هو أنه صلى الله عليه وسلم جُعل مناراً للأحكام، وعَلَماً عليها، وقدوةً يُقتدى به فيها، فصارَ خطابُ الله سبحانه له خطاباً لجميع من دعاه إلى الِإسلام، وكذلك حسن قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1]، ولم يقل: فطلِّقْهن، وهذا يدُلُّ على أنه إذا خاطبه فقد خاطب أمتهُ وجعل خطابُه له نائباً مناب خطابهم.
ومن ذلك قوله: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ} [الأحزاب: 37]، فأخبر أنه إنّما أباحَهُ ذلك ليكونَ مبيحاً لجميع الأمةِ، ولو كان الأمر يخصُّهُ لما انتفى عنهم الحرجُ بنفي الحرجِ عنه، فصارَ كأنَّه يقول: أرخصنا لكَ في تزويجِ أزواجِ أدعيائكَ لنرخِّص لأمتكَ بذلك اقتداءً بك، ونزولاً على ما شُرع لك، فثبت بهذا أنهم مشاركوه في الحكم الذي يُخاطب به.
ومن ذلك: أنَّه كان إذا سُئل عن الحكمِ أجابَ بما يخصُّه، وأحال على نفسه وفعلهِ. فلما سئلَ عن الاغتسال، قال لأمَ سلمة: "أما أنا فأفيض الماء على رأسي" (1). ولما سأله الرجلُ عن القُبلة في
__________
= ص (73)، و"البحر المحيط" للزركشي: 3/ 186 - 191.
(1) الذي ورد في سؤال أُم سلمة للنبي صلى الله عليه وسلم، أنها قالت له صلوات الله وسلامه =
(3/102)

الصوم؛ قال: "أنا أفعل ذلك" (1).
ولما اختلف الصحابة رضوانُ الله عليهم في الإكسال والإنزال، رجعوا إلى عاثشة رضي الله عنها، فأخبرتهم بفعله صلى الله عليه وسلم وأنّه كان يغتسلُ من التقاءِ الختانين (2).
__________
= عليه: إني امرأة أشد ضَفْرَ رأسي، أفاحلهُ لِغُسْلِ الجنابة؟
فقال صلى الله عليه وسلم:" إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء، ثم تفيضي عليك الماء وإذا أنت قد طهرت".
أخرجه: أحمد 6/ 289 و 314 و 315، ومسلم (330)، وأبو داود (251) و (252)، والترمذي (105) والنسائي 1/ 131، وابن ماجه (653)، وابن حبان (1198) والبيهقي 1/ 181، والدارمي 1/ 263.
أمَّا إفاضةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسهِ من الماءِ في الغُسل فقد ثبت بأحاديث أخرى في كيفية غسله عليه الصلاة والسلام منها حديث عائشة رضي الله عنها، وقد جاء فيه " ... ثم يفيض على رأسه ثلاثاً، ثم يُصب عليه الماء".
أخرجه أحمد 6/ 143 و 173 ومسلم (321) (43) والنسائي 1/ 132، وابن حبان (1191).
(1) ورد قريباً من هذا من حديث عُمر بن أبي سلمة أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أيقبل الصائم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سل هذه- أم سلمة-" فأخبرته أن رسول الله يصنع ذلك، فقال: يا رسول الله، قد غفرَ الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال له رسول الله: "والله إني أتقاكم لله وأخشاكم له".
أخرجه مسلم (1108)، وابن حبان (3538) والبيهقي 4/ 234.
(2) ورد ذلك من حديث عائشة أنها سئلت عن الرجل يجامع فلا ينزل الماء، قالت:" فعلتُ ذلكَ أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم، فاغتسلنا منه جميعاً"
أخرجه الشافعي 1/ 36، وابن الجارود (93)، والبيهقي في "السنن" 1/ =
(3/103)

وقولها: قَبَّل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بعض نسائه فصلَّى ولم يتوضأ (1).
وإذا ثبت أنَّه مطلع الأحكام، صار خطابة خطاباً لهم، ولهذا كان يَتَراءى لهم في العبادات، فقالَ للأعرابيّ السائل عن الصلاة: "صلِّ
__________
= 164، وابن حبان (1175).
كما ورد عن عائشة أنها قالت: إذا جاوز الختانُ الختانَ، فقد وجبَ الغُسلُ، فعلتُ أنا ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فاغتسلنا.
أخرجه أحمد 6/ 47 و 112 و 135 و 161، وابن أبي شيبة 1/ 86، والترمذي (108)، وابن ماجه (608)، وابن حبان (1176).
(1) ورد من حديث حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم -: "أنه قبل بعض نسائه ثم خرجَ إلى الصلاة ولم يتوضأ، فقلت: من هي إلا أنت؟ فضحكت"
أخرجه أبو داود (179)، والترمذي (86)، والنسائي 1/ 104، وابن ماجه (502)، وأحمد 6/ 210، والبيهقي 1/ 126، والدارقطني 1/ 139، وقد أعله أبو داود، والترمذي، والنسائي، والبخاري، والدارقطني، والبيهقي، بعلة هي: أن حبيبَ بن ثابت لم يسمع من عروة شيئاً.
واستدرك ابن عبد البر عليهم ذلك مبيناً صحة الحديث وقال:" لا ينكر لقاؤه عروة لروايته عمن هو أكبر منه وأجل وأقدم موتاً" وقال في موضع آخر:" لاشك أنه أدرك عروة". انظر "الاستذكار" 1/ 323 كما بيَّن الحافظ الزيلعي ورود هذا الحديث من طرق أخرى غير طريق حبيب بن ثابت عن عروة، وهذه الطرق يعضدُ بعضها بعضاً فيصح الحديث بها.
انظر "نصب الراية"1/ 73.
(3/104)

معنا" (1)، وطافَ راكباً ليقتديَ النّاس به في المناسك (2).
ومن ذلك: ورودُ تخصيصه صلى الله عليه وسلم في أحكام، مثل قوله تعالى: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} إلى قوله: {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 50]، {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء: 79]، ولو لم يكن خطابُه المطلقُ يقتضي دخولَ أمتهِ ومشاركتهم، لم يكن لبيان تخصيصهِ ببعضِ الأحكام معنى إذا كان كُلّ خطابٍ يتوجّه نحوه حالصاً له، فلما خصَّه ببعضِ الأحكام، عُلم أنَ بقيةَ الأحكامِ المتّجهةِ نحوه عامّةٌ لأمته.
ومن ذلك: أنَّ الصحابةَ رضوان الله عليهم عقَلت ذلك، فقالوا: نهيتَنا عن الوصالِ وواصلت، وأمرتَنا بفسخ الحج وما فسخت.
حتى بيّن الفرق فقال: "لست كأحدكم، إني أظلُّ عند ربي فيطعمني ويسقيني" (3)، "إني قلدت هديي"، وروي: "سقتُ الهدي، فلا أحلُّ
__________
(1) جاء ذلك من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجلٌ فسأله عن وقت الصلاة فقال: "صلّ معنا هذين الوقتين".
وتقدم تخريجه 1/ 194.
(2) عن ابن عباس أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف بالبيتِ على راحلتهِ يستلم الركنَ بمحجن.
أخرجه البخاري (1607)، ومسلم (1272)، وأبو داود (1877)، والنسائي 5/ 233، وابن ماجه (2948)، والبيهقي 5/ 66.
(3) تقدم تخريجه 2/ 26.
(3/105)

حتى أنحرَ" (1)، فلو لم يُعلم أنَّ خطابَ الشرعِ لهم خطاب يدخلُ تحته، لما عابوا عليه ذلك، ولَما أجابهم.

فصل
في الدلالةِ على أن خطابه للواحِد من أمته وصحابته وحكمُه فيه خطابٌ لجميعهم، وحكم للجميع غير مختصٍّ بمن خاطبه وحكمَ فيه
قوله تعالى: {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام: 19]، وقوله: "بُعِثْتُ إلى الأسود والأحمر" (2)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "خطابي للواحد خطابي للجماعة، قولي لامرأة قولي لمئة امرأة" (3). وقال:"حكمي على الواحد حُكمي على الجماعة" (4).
__________
(1) ورد ذلك من حديث حفصةَ أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما شأنُ الناس حلّوا ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: إنّي لبدتُ رأسي وقلدت هديي، فلا أحِلُّ حتى أنحرَ".
تقدم تخريجه في 2/ 26.
(2) ورد في حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أُعطيتُ خمساً لم يعطهن نبيٌّ قبلي: بُعثت إلى الأحمر والأسود .... ".
أخرجه أحمد 5/ 145 و 148، ومسلم (521)، وأبو داود (489)، والحاكم 2/ 424، وقال ابن حجر هذا حديثٌ صحيح.
انظر "موافقة الخُبرِ الخبرَ" 1/ 525.
(3) تقدم تخريجه 2/ 121.
(4) سلف تخريجه 2/ 121.
(3/106)

ومن ذلك تخصيصه لآحاد من أصحابه بالحكم وقصره عليه، كقوله لأبي بردة في التضحية بعناق جذعة: "تجزئك ولا تجزىء أحداً، أو تجزىء عنك ولا تجزىء عن أحدٍ بعدك" (1)، وقوله لأبي بكرة لما دخل الصف راكعاً: "زادَك اللهُ حرصاً ولا تَعدُ" (2)، وقوله للذي زوّجه بما معه من القراَن: "هذا لك وليس لأحدٍ بَعْدك" (3)، وكتخصيصه للزبير بلبس الحرير (4). ولو كان الحكمُ بإطلاقه خاصّاً لمن يخاطبه به، أو يحكم به عليه وفيه، لما كان لتخصيص أشخاصٍ عدّة معنى، مع كونِ كل مخاطب مخصوصاً بما خوطب به.
__________
(1) تقدم تخريجه 2/ 98.
(2) سلف تخريجه 98/ 2.
(3) حديث: "قد زوجتكها بما معكَ من القرآن" وردَ من حديث سهل بن سعد الساعدي، أخرجه مالك 2/ 526، وأحمد 5/ 236، والبخاري (2310) و (5135) و (7417)، ومسلم (1425)، وأبو داود (2111)، والترمذي (1114)، والنسائي 6/ 113، والبيهقي 7/ 144 و 236 و 242 وابن حبان (4093).
(4) ورد ذلك من حديث أنس بن مالك قال: "رخَّصَ النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الرحمن ابن عوف والزبير بن العوام في لبس الخرير، من حكِّةٍ كانت بهما".
أخرجه: أحمد 3/ 255 و 272، والبخاري (2921) و (2922) و (5839)، ومسلم (2076) (25)، وأبو داود (4056)، والنسائي 8/ 202، وابن ماجه (3592)، والبيهقي 268/ 3 و 269، وابن حبان (5430) و (5431).
(3/107)

ومن ذلك: إجماعُ الصحابة على رجوعهم فيما سئلوا عنه وحدَث من الحوادث، إلى قضاياه صلى الله عليه وسلم في أشخاص، وخطابه لأشخاص مخصوصين: مثل رجوعهم في حد الزنا إلى حكمه صلى الله عليه وسلم في ماعز (1). ورجوعهم في الجنين إلى حكمه في قصة حَمل بن مالك (2)، ورجوعهم في
__________
(1) رواه مسلم (1694)، وأبو داود (4431) من حديث أبي سعيد الخدري.
ورواه مسلم (1695)، وأبو داود (4433) من حديث بريدة، ورواه البخاري (5271) ومسلم (6191) وأبو داود (4428)، والترمذي (1428) من حديث أبي هريرة، ورواه البخاري (6824) ومسلم (1693)، وأبو داود (4421) و (4425) و (4426) و (4427) من حديث ابن عباس، ورواه أبو داود (4419) من حديث نعيم بن هزال.
ورواه مسلم (1692) وأبو داود (4422) و (4423) من حديث جابر بن سمرة، ورواه البخاري (5270) ومسلم (1751)، والتر مذي (1429) وأبو داود (4430) من حديث جابر بن عبد الله.
(2) قصةُ حَمَل بن مالك وردت من حديث أبي هريرة: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في امرأتين من هُذيلٍ اقتتلتا، فرمت إحداهما الأُخرى بحجر، فأصاب بطنَها وهي حاملٌ، فقتلت ولدها الذي في بطنها، فاختصموا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقضى أنَ ديّة ما فى بطنها غُرَّةٌ عبدٌ أو أمةٌ، فقال وليُّ المرأة التي غرمت: كيف أغرَمُ يا رسولَ الله من لا شربَ ولا أكل، ولا نَطَق ولا استَهَل، فمثلُ ذلك بَطل. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنَما هذا من إخوان الكُهان".
ووليُ المرأةِ هو حَمَلُ بن مالك بن النابغةِ الهُذَليّ وهو صحابي نزل البصرة.
أخرجه من حديث أبي هريرة.
البخاري (5758)، ومسلم (1681)، وأبو داود (4576)، والنسائي =
(3/108)

المفوضة إلى قصة بَروع بنت واشق (1)، ورجوعهم في المجوس في باب الجزية إلى وضعه صلى الله عليه وسلم الجزية على مجوس هجر (2)، وهذا منهم يدُلُّ على أنّهم علموا وعقلوا أنَّ حكمَه صلى الله عليه وسلم في الواحد حكمٌ في كلّ من تَجدَّدَ له مثلُ ذلكَ الأمرِ الذي حكم فيه، ما لم تقمْ دلالةُ التخصيص.

فصل
في اعتراضاتِهم وأسئلتهم على هذه الأدلّة
فمن ذلك قولهم: إن هذه كُلَّها أخبارُ آحاد مظنونةٌ، لا تصلحُ لِإثباتِ هذا الأَصلِ الذي طريقهُ العلْمُ.
__________
= 8/ 48، والترمذي (1410)، وابن ماجه (2639).
(1) المفوَّضة: هي المرأةُ التي لم يُفرض لها الصَداقَ في العقد، وقد سئلَ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في حكم المتوفى عنها زوجها ولم يفرض لها الصداق في العقد، ولم يدخل بها، فقال: لها الصداق كاملاً، وعليها العدةُ، ولها الميراث، قال معقل بن سنان: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به في بروع بنتِ واشق بمثلِ ذلك أخرجه: أبو داود (2114) و (2115) و (2116)، والنسائي 6/ 121 - 123 والترمذي (1145) وابن ماجه (1891)، وابن حبان (4098) و (4099) و (4100) و (4101)، والحاكم 2/ 180 - 181. ووافقه الذهبي.
(2) حديث وضع الجزية على مجوس هَجَر:
أخرجه البخاري (3156) و (3157)، وأبو داود (3043)، والترمذي (1586) و (1587).
(3/109)

ومن ذلك قولُهم: إنما صاروا إلى العملِ بذلك بدلائلَ قامت وقرائنَ ظهرت أوجبت العمومَ وتعديةَ الأحكام ممن خوطبَ وحُكمَ عليه إلى غيرهِ، لا بنفس الخطاب والحكم.

فصل
في الأجوبةِ عما ذكروه
أما أخبارُ الأحادِ المتلقاةُ بالقبول، فصالحة عندنا لإثباتِ أصول الدياناتِ، ولأنَّ أصولُ الفقهِ لا يطلبُ لها القطعياتُ، ولو كانت كذلك لما سوَّغنا خلافَ المخالفِ، ولفسقنا أو كفرنا من خالفنا، كما قلنا في الأصولِ المتعلقةِ بالله سبحانه وبصفاته وما يجوزُ عليه وما يستحيل عليه، ومايجب له.
ولما كانت أدلةُ ذلك قطعية لم نسوَّغ الخلافَ فيها، وفسقنا المخالفَ لنا أو كفرناه على حسب موضعِ الخلافِ منها.
وأمَّا دعوى الدلائل، فالأصلُ عدمُها، ولو كانت موجودةً لكانت منقولةً، لا سيّما مع كثرةِ العملِ بذلك والبلوى به، والأصلُ عدمُها إلى أن يوضِّحوا الأدلة فيها.

فصل
يجمع شبهَهم في ذلك
فمن ذلك قولُهم: إن خطابَ الواحدِ موضوع في الأصل لذلك المخاطب، كما أن الخبرَ عنه موضوع له، ولما أخبرَ به عنه خاصةً، بدليلِ أنَّ أمرَ السيدِ لعبدٍ من عبيده لا يكونُ أمراً لغير من واجهه
(3/110)

بالأمر، وكذلكَ إذا أخبر عن الواحدِ من عبيدهِ لم يكن خبراً عن غيره، وإذا كان هذا هو أصلً الوضعِ، فتعديتهً إلى غيرهِ تحتاح إلى دليلٍ، ومتى قام دليل على التعدية اتفقنا على القولِ به، لأنه يخرجُ عن خصوصهِ بالدليلِ إلى العموم، كما يخرجُ العمومُ عن عمومهِ بالدليل إلى الخصوص.
والدليل الذي يتعدّى إلى غيرِ المخاطَبِ، هو الدليلُ الذي جعل خطابهَ صلى الله عليه وسلم لأهل عصرِه الموجودين من الأحياءَ العقلاءِ البالغين، خطاباً لمن لم يأتِ من أهلِ الأعصار المستقبلةِ المعدومين، وليس ذلك إلا دليلًا يدلّ على التعديةِ إلى أولئك. كذلك هاهنا.
وانَّما لم ينصرف الخطابُ إلى المعدومين بمطلقِ اللفظِ، لأنه لا يصلحُ للمعدوم بيا أيها الناس، ويا أيها الذين آمنوا، ولا باستدعاءِ الأعمال منهم والتَروكِ، كالصلاةِ والصيام، إذ لا وجودَ لهم، ولا حقيقةَ فضلاً عن أوصاف يصفهم بها من إيمَانٍ وغيره، ولا أعمال لهم يستدعيها، كذلكَ ليس في خطاب الواحدِ صلاح لخطاب الجماعة، فإذا جاءت دلالةٌ فصرفته إلى المعدَوم بان يقول: هذا خَطابي للقرنِ الدين بُعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، وَللذين رأوني، ولمن بَلَغ، ممّن بعد عني وعنهم. حينئذٍ صرفنا ذلكَ إلى من قامت الدلالةُ على صرفِ الأمر إليه وتعديتهِ إلى خطابه.
فهذا من طريق اللغة واللسان، فأمَّا من طريق المعقول: فمن ذلك: أنَّ من المعلومِ أنَّ الأمرَ بالشيء قد يكون مصلحةً
(3/111)

لشخصٍ بعينه، مفسدةً لغيره، لاختلافِ الأشخاصِ في ذلك، فاذا صرفَ الشارعُ الأمرَ إلى شخص بعينه، لم يجز الإقدامُ على تعديته إلى غيره إلا بعد العلمِ بأنه مصلحة للآخر، ولا سبيلَ لنا إلى العلم بمساواةِ المخاطَب لغيره إلا بدلالةٍ تقومُ من جهةِ من صدر الخطابُ عنه سبحانه. وما صارَ ذلك إلا بمثابةِ حكيم من حكماءِ الطب، أمرَ مريضاً بشرب دواءٍ، أو وَصَف له حِميةً عن نوعٍ من الغذاء فإنه لا يجوزُ أن يعدي ذلك الأمرَ، ويعم بذلكَ الدواءِ أو الحميةِ غيرَه إلا بدلالةٍ أو قرينة من جهةِ الحكيم الواصفِ، لتفاوتِ الأمزجةِ في الأشخاص، كذلكَ يجبُ هاهنا أن يمنعَ من التعديةِ إلى غيرِ المخاطب لتفاوتِ ما بين المكلفين من المصالحِ، وقد انكشفَ ذلك بما ظهرَ من مغايرةِ الشرعِ بين النساءِ والرجالِ والأحرارِ والعبيد، والمسافرِ والحاضرِ، والمريض والصحيح في صفاتِ التكاليفِ ومقاديرها، وان اجتمعوا كلُّهم في إرسالِ النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فلا يلزمُ من تساويهم في إرسالهِ إليهم تساويهم في خطابهِ لهم، كما أنهم اجتمعوا في التكليفِ واختلفوا في أحكامِ التكليف.
قالوا: ولاسيَّما ماظهرمن تخصيصِ النبيّ صلى الله عليه وسلم من أُمته وتمييزه عنهم بإيجاب واجبات واباحةِ مباحات، وحظرِ محظورات لم يشاركه فيها أحد مَن أمّته، فكيفَ يجوزُ أن يعدى حكمُ خطابهِ إلى غيرِه من أمته، مع الحالِ المعلومةِ من تخصُّصه، بل لا يجوزُ ذلكَ إلا بدلالةٍ تعم أمته وتوجبُ تعدي حكمه إليهم.
(3/112)

فصل
يجمع الأجوبةَ عن شبههم
أمّا خطابُ الواحدِ ومواجهتُه بالأمرِ من طريقِ اللغةِ، فإنه يختصّ المخاطَب، ولا يقتضي بموجَب اللغةِ تعديتَه الأمرَ إلى غيره، إذ ليسَ في لفظِ الواحِد وخطابهِ ما يصَلحُ لغيرِه، لكنّ خطابَ الشرع تمهد تمهُداً صارَ وِزانُهُ من اللغة ما تمهد فيه العرفُ؛ وهو أنَه جعل مَن أوّل الوحي إليه مناراً ومتبعاً وقدوةً للأمة، فإذا قيل له: افعل كذا، دخلوا تبعاً، وصار في باب اللغةِ كالأمرِ بالركوب والمسيرِ ولقاءِ العدوّ لمن عُقِدَت له الأمارةُ، وجُعل له منصبُ الاقتداءَ به، فإنه اذا قيل له: اركب الى بني فلان، وحارب العدوَّ، وشن الغارةَ على بلاد كذا، كان ذلكَ منصرفاً إليه وإلى جيشه وأتباعه، وكذلكَ في الخبر عنه اذا قيل: ركبَ الأمير، ودخلَ بلدَ كذا، أو فتحَ ثغر كذا أو حصن كَذا. فإن ذلكَ كُله ينصرفُ إلى الأميرِ وجيشهِ وأتباعهِ دون اتحاده وتخصصه بما أُمِرَ به، أو أخبَر عنه.
فأمَّا قولُهم: إن المصالحَ والمفاسدَ قد تكونُ بحسب اختلاف الأشخاص. فذلك ليس بمعتبر، فإنَّ التكليفَ لا يقفُ على الأصلح، ولأنَّ استواءَ الكل فَي التكليف كافٍ في ذلك. وإن جاز أن يختلفوا في الأصلحِ، كاستواءِ الأصلِ والفرع في باب القياسِ لاجتماعهما في أمارةِ الحكم، وليس ما نصبه من الَدلائِل والآياتِ على كونهِ متبوعاً ومناراً للأحكام بأدونَ من أمارةِ شَبهٍ، أو لأدلةٍ تجمعُ بين المسكوتِ عنه، وهو الفرعُ، والمنطوق به، وهو الأصلُ في باب القياس، وإن جاز
(3/113)

أن يكونَ الأصلحُ في الأصلِ المنصوصِ عليه بالحكمِ، والمفسدةُ في تعديةِ الحكم إلى الفرع، فمن تجاسر على الإلحاقِ والتعديةِ بأمارةِ القياسِ لا يَجبُن عن إدخالِ الشخصِ المكلفِ الذي لم يخاطب مع من خاطبَه الشرع في الحكمِ الذي علقه عليه.
وفارقَ خطابَ السيدِ منا لعبيده، فإنَّه لو قال: أكرِم زيداً لأنه أسود، ولا تأكل السُّكرَ لأنه حلو. لم يوجب ذلكَ التعديةَ إلى كل أسود وكُل حلوٍ.
ولو قال صاحب الشريعة ذلك لوجبت التعديةُ إلى كل محلٍ وجدت فيه تلك الصفة. وأما تخصيصُ النبي صلى الله عليه وسلم بأحكامٍ لا يمنع من دخولنا معه في مطلق الأحكام، كما أن بعضَ الأحكام قد تقع تحكماً على غيرِ المعقولِ، وتخرج عن القياس، ولا يمنعُ جوازُ ذلك من عملِنا بالمعقول والقياس ما لم ترد دلالة التخصيص والتحكم.

فصل
إذا أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم أمته بأمرٍ شرعي، دخل هو في ذلك الأمر (1)، وبه قال أصحاب الشافعى في أحدِ الوجهين (2)،
__________
(1) انظر ذلك في "العدة" 1/ 339، و"المسودة" ص (32 - 34)، و"التمهيد" 1/ 269، و"شرح الكوكب المنير" 3/ 222.
(2) وهو ما اختاره الجويني في "البرهان" 1/ 364، والغزالي في "المستصفى" 2/ 88 - 89، والرازي في"المحصول" 2/ 150، بشرط عدم وجودِ قرينة تفيدُ خروجَ المخاطِبِ من عموم خطابه.
(3/114)

خلافاً للوجه الأخر (1)، ولأكثر الفقهاء والمتكلمين (2)، وقد حكى شيخنا الإمام أبو يعلى بن الفراء كلامَ أحمد في عدة مواضعَ بما يعطي دخوله في أمره الشرع.

فصلٌ
يجمع أدلتنا في ذلك
فمنها أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يأمرُ أصحابَه بالأمرِ فإذا تخلَّفَ عنه سألوه: ما بالُكَ لم تفعله؛ ولو لم يعقلوا دخولَه في الأمر لما سألوه.
فمن ذلك ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة، ولم يفسخ، فقالوا له: أمرتنا بالفسخ ولم تفسخ، فلم يقل: وأين أنا منكم، وكيف يلزمني أنا ما أمرتكم به، بل عدل إلى الاعتذار بالأمر الذي يخصه، وهو سوقه للهَدي، فقال: "إني قلدت هدي ولبدت رأسي، فلا أحل حتى أنحر" (3) وروي: " لو
__________
(1) وهو الصحيح من مذهب الشافعي، وعليه أكثر الشافعية، وفق ما قرره الشيرازي في التبصرة ص (73)، والزركشي في "البحر المحبط" 3/ 192 فلا يدخل المخاطِبُ في عموم خطابه إلا بدليل.
(2) ذهب بعضُ الأُصوليين إلى مذهب توفيقي، يجمع بين القولين ومفاده: أنه إذا نظر إلى اللفظ بحسب وضعه اللغوي وعمومى المستغرق فمنه يشمل المخاطِب، واذا نظرَ إلى العرف والاستعمال اللغوي اقتضى خلاف ذلك.
انظر "البحر المحيط" 3/ 193.
(3) تقدم تخريحه 2/ 26.
(3/115)

استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرةً" (1)، وهذا يدُل على أن حكمه وحكمَهم في المشروعِ سواء.
ومن ذلك: أن حقيقةَ الأمرِ الصادرِ من جهتِه في أحكامِ الشرع أنه مخبر لا آمرٌ، ألا تراه كيف تلا: {قُلْ أَعُوذُ} [الفلق: 1]، {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ} [الجن: 1]، {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ} [الكهف: 110]، كما قيل له، والحاكي منا لكلامِ الأمرِ له بحذف: قل؛ لأنَّها أمرٌ بالبلاع، فيتشاغل بالبلاعِ لما أمِرَ به، ويدع كلمةَ الأمرِ وصيغتَه. والنبي صلى الله عليه وسلم أدَى كلمةَ الأمرِ له كما جاءت, ومن كانَ كذلكَ صارَ بالأمرِ الذي جُعل جهةً له آمراً له ولِمن بلغه من أمته، فكانَ تقدير كلِ صيغةٍ تردُ على لسانِه الكريم تشريعاً، والشرعُ شاملٌ له والكل متبع، فصارَ تحقيقُ ذلك أنَّه جهةٌ للأمر، لا آمرٌ حقيقةً، إذ المستدعي غيرَه بلسانِه وقوله. فمن هاهنا كان داخلاً، ومتى تحقق هذا كذا كان الخلافُ زائلًا مرتفعاً لأنه ليس أحد يقول: إنً الأمر يأمرُ نفسَه، وكيف يقول عاقلٌ ذلك، وشريطةُ الأمر أن تصدَر الصيغةُ من أعلى خِطاباً لأدنى، والواحدُ لا يكونُ أعلى من نفسه وأدنى منها، فلم يبقَ إلا ما ذكرنا أنَّه جهة لأمرِ الله ومبلغ عنه، لا آمر حقيقةً.
وأيضاً: فإنَّ الإلقاءَ من الله سبحانه إليه، وفي روعه آكدُ من اجتهادِه واستثارته، ثمً إنه إذا كان مجتهداً أفتى الغيرَ وكانت فتواه لنفسه وعلى نفسِه، قال صلى الله عليه وسلم: "استفت نفسكَ وإن أفتاك
__________
(1) أخرجه من حديث جابر أحمد 3/ 325، والبخاري (1651)، ومسلم (1216) وأبو داو (1784)، والبيهقي 5/ 7، 8، 9.
(3/116)

المفتون" (1)، فما بلّغه الله إليه، ويعلم به غيره أولى في أن يدخل فيه ويكونَ إخباراً لنفسه وإعلاماً لها.

فصلٌ
في جمع شبههِم
فمنها أن الأمرَ استدعاءٌ وطلبٌ من الأعلى للأدنى، وهذا لا يتحققُ في الواحدِ أن يكونَ مستدعياً ومستدعىً فيه باستدعائه، ولا أعلى من نفسه. وأدنى.
ومن ذلك: أنَّ صيغةَ الأمرِ لنفسهِ على طريق الوحدةِ لا تصحُّ، ولا علّة في نفي صحّتها، إلا أنَ حقيقة الأمر لا تتسلط على الأنسانِ إلا من جهةِ غيره، كالمخبر لا يكونُ مخبراً لنفسه، ولا ناهٍ يها، ولا منادٍ بها، كذلكَ لا يكون آمراً لها. وإذا ثبتَ فسادُ ذلك في حق أمرِه لنفسِه على الوحدة، ثبتَ فسادُ القولِ بأنه أمرٌ لها في جملةِ غيرها من المأمورين.

فصلٌ
في الأجوبةِ عنها
أما الأول: فإنَّنا قائلونَ بموجبهِ، وأنَّه ليس بآمرٍ لنفسهِ، إنَّما هو مخبِرٌ بأمرِ الله سبحانَه، وأنَّ ما أخبر به فهو شرعهُ، وهو أوَّلُ داخلٍ في التزام ما شرعه اللة له ولأمته، وقد أوضحنا كونه مخبراً من حيث أنه يؤدي صيغةَ القول له أو الملقى في رُوعه بالوحي إلى قلبه، فيقول:
__________
(1) تقدم تخريجه 1/ 161.
(3/117)

قيل لي: قل كذا، هذا هو الحقيقة، لا أنه مبتدىءٌ باستدعاءٍ أوطلبٍ من جهة نفسه، ولهذا أعاد صيغ الأوامر بقوله: قل، واتل ما أوحي، ولو لم يكن مخبراً لوسعه أن يتلو ولا يحكي قول الملك له: اتلُ، ولا يقول: قل، بل يبتدىء فيقول: (أعوذ بربِّ الناس)، (أعوذ بربّ الفلق)، (إنما أنا بشر) ولا يقل: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ} [الكهف: 110]، وإلى أمثالِ ذلك في كتابِ الله.
وأمَّا إفرادُه لنفسه بالأمرِ، فبالصيغة التي تَرِدُ من قوله: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ} [المائدة: 41] و {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} [الأنفال: 64]، كذاك نقولُ وأنه يحسُنُ وقد كان ذلك، فأمَّا أوامرُه من غير الكتاب، فما هي إلا بطريقِ الكتاب، وهو الوحي إليه، فينطقُ تارةً بقرآن، وتارةً بكلامٍ يُضاف إليه إضافةً لا إضافةَ إنشاء، وكيف يُظن بأن النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بحكمٍ شرعيٍ من قِبَلِ نفسِه، فإذا بَطَلَ هذا، لم يبقَ إلا أنَّه مخبرٌ وحاكٍ، سواء كان ما ينطقُ به قرآناً أو غيره.
فإن قيلَ: فعندكم أنه قد يأمرُ بالحكم من طريقِ الاجتهاد، فإذا قالَ ذلكَ كَان أَمَراً من جهة نفسه، فيجبُ أن لا يدخلَ عندكم فيما يصدرُ عنه منَ اِلأمرِ الذي يقولُه عن اجتهاده.
قيل: اجتهادُه لا يُقَر فيه على خطأ، فمتى اجتهدَ ولم يُرد بالوحي كان إقرارهُ عَلى ما اجتهدَ فيه حُكمُ الله الذي جرى على قلبه ولسانِه صلى الله عليه وسلم، ولأنَّ اختياره مستند إلى المنطوق به، فيأخذُ المسكوت عنه من المنطوق به، ومن تعلّق بمثالِ السيد مع عبيده، وأنَه لا يدخل في أمره لهم معهم، فقد أبعد النجعة، لأنَّ السيد أمرَ بنفسه، والنبي صلى الله عليه وسلم على ما سبق من أدلتنا، يخبر
(3/118)

عن غيره عن أمرٍ بنفس لنفسِه، فلا يلزم المثال ولا يشابه ما نحن فيه بحالٍ، لكنَّ المثال المسند للنبي أن يكون قد أمر بعضَ عبيده على بعضٍ، فإذا قال الآمر: (قيل اركبوا)، دخلَ الآمر في الجملةِ.

فصل
الأمر المطلق يشتملُ على العبيدِ، فلا يحتاج دخولهم فيه إلى قرينةٍ، ولا دليلٍ.
وقد أشار إلى ذلك في عدة مواضع (1)، فأدخلهم في باب الشهادة، والإيلاء، واللعان، وأسند ذلك إلى عموم الآي الوارد في ذلك (2).
__________
(1) أي: وقد أشار أحمد رحمه الله إلى ذلك في عدة مواضع، وانظر إلى هذه المواضع في "العدة" 2/ 348، وراجع المسألة في "التمهيد"1/ 281، و"المسودة" ص (34)، و "شرح الكوكب المنير" 3/ 242.
(2) يقصد عموم الآية الواردة في الشهادة مثل قوله: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282] وقوله: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2]. حيث نقل عن الإمام أحمد القولُ بجواز شهادة المملوك إذا كان عدلًا، أخذاً بعموم الآيات الواردة في الشهادة.
وعموم الآيات الواردة بالإيلاء، بحيث نقل عن الإمام أحمد القول بأنَّ على العبد إيلاءً، وإيلاؤه أربعةُ أشهر، وقال: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} [البقرة: 226]. فلم يفرِّق بين الحرِّ أو العبد.
وعموم الآيات الواردةِ في اللعانِ في قوله سبحانه {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} حيثُ يدخل العبيدُ في الخطابِ، وفق ما نقل عن الإمام أحمد.
(3/119)

وإلى هذا ذهبَ أكثر الناس، وهو قول أبي بكر الباقلاني، وأبي عبد الله الجرجاني الحنفي، وكُل من أنكر العموم من المحققين، وبه قال أصحابُ الشافعيِّ في أحد الوجهين (1).
وقال بعضهم: لا يدخلون في العموم، بل بدلالة تخصْهم.
وحكى أَبو سفيان (2) عن الرازي أنهم لا يدخلون فيما كان من حقوق الآدميين.

فصل
يجمع أدلتَنا على ذلك
فمنها: أنه قد دخلَ في الخطاب، وهو التكليفُ، ومن قال بالعموم وأثبتَه ولم يُدخل العبدَ في عموم الخَطاب، فقد أبعدَ وخلّط، وذلكَ أنَّ العبدَ يدخُل في جملةِ الناس والمؤمنينَ والمكلفين، فإن قال صاحب الشرع: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ}، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}، يا أيها المكلَّفون، دَخَلَ في هذه الجُملِ لوقوعِ الاسمِ عليه على الوحدة، وكلُّ من
__________
(1) وهو الصحيح من مذهب الشافعي، حيث قال أكثر الشافعية إن العبيدَ يدخلون اتباعاً لموجب الصيغة. وهناك وجهان آخران:
أحدهما: أنَّ العبيدَ لا يدخلون الا بدليل لأنهم أتباع الأحرار.
والثاني: إن تضمن الخطابُ تعبداً توجه إليهم، وان تضمن ملكاً أو عقداً أو ولاية لم يدخلوا فيه.
انظر "البرهان" 1/ 356، و"المستصفى" 2/ 77، و "الإحكام" للآمدي 2/ 393، و "البحر المحيط" 3/ 181.
(2) هو محمد بن أحمد السرخسي سترد ترجمته في الصفحة 361.
(3/120)

دخل في اسمِ الواحدِ من الجملةِ، دخلَ في عمومِ الأسماءِ.
وقد ثبت أنه يحْسُن أن يقال له: يا إنسان، يا مؤمن، يا مكلف افعل كذا، أو لا تفعل كذا، وإذا قيلَ لثلاثة أعْبد: يا أيُّها الناس، يا أيها الدين آمنوا، يا هؤلاء المكلّفون. صح أيضاً، فلا وَجْهَ لنفي دخولهم في إطلاقِ قولِ الشرع: يا أيها الذين آمنوا، يا أيها الناس، لأنَ ما استحقوا به الخطاب، وصلحوا له في حالِ الانفرادِ موجود فيهم في حال اجتماعهم مع الأحرار.
ومن ذلك: أنَّ الرِّقَ ليس بمنافٍ للتكليفِ وخطاب الشرع، بل هو بلوى بحقّ ألزمه رقبته، إما امتحاناً أو عقوبةً لأجل الكَفر، وكلاهما لا يمنعُ اتجاهَ خطاب اللهِ سبحانَه إليه، كالمستحق قتلُه بقودٍ، ويدُه بقَطْعٍ في سرقة، وحبسه بدينٍ لآدمي، ومنافعه لعقدِ إجارةٍ عليه، وعقدِ نكاحٍ في حق المرأة، هذا كُلَّه لا يمنع اتجاه الخطاب إليه، كذلك الرّق.
ولذلك صح أن يملكه اثنان، ويتجه نحوه أمرهما ونهيهما، واذا لم يتنافَ ملكُ اثنين وما يوجبه ملكُهما، فأحرى أن لا يتنافى إطلاقُ خطاب اللهِ سبحانَه له وأمر آدميّ مالكٍ له بحكمِ الرّق، لا بحكمِ ملكِ جَواهره وعينِ ذاتِه، مع كونِ الآدمي في تملّكه دخيلًا، ومُلكِ اللهِ هو الأصل سبحانه في ملكِ الأعيانِ والجواهر.

فصل
جامعٌ لشبههم
فمنها: أن منافعَهم التي تحصلُ بها الأعمال، وتمتثل بها الأوامرُ مملوكةٌ عليهم لسادتِهم، فلا يلزمُهم حكم خطابِ خالقِه وخطابِ سيده
(3/121)

الذي ملكه الخالقُ رقِّه وألزمه طاعتَه.
ومن ذلك: أن أكثرَ أوامرِ الشرعِ لا تتجه نحوَه، ولا تلزمه، كالجمعةِ والجهادِ والحجِّ، ولا يصح تبرُّعه ولا إقرارُه بالحقوقِ البدنيةِ ولا الماليةِ ولا له ولا به، ولا يملكُ التصرّفَ في نفسِه، فلا وجهَ لاتجاه الخطاب نحوه.
ومن ذلك: أنه يملك منعَه من التعبُّدِ على وجهِ التطوّع والتنفّل، فلا يتّجه نحوه مطلق الخطاب لأجلِ حقِّ من مَلَك منعَه من التطوع بأمثالِ ما يحصل به خطابُ الشرع للأحرار.

فصل
في جمع الأجوبةِ عن شبههم
إنَ تملُّكَ السادةِ لمنافعِهم لا يمنعُ اتجاهَ مطلقِ أمرِ الله سبحانَه إليهم، كما لم يمنع خاصَّ خطابِه لهم، ولو كانت حقوقُ الموالي وسادة العبيد مانعةً من دخولهم في عموم خطاب الله، لمنعتْ من اتجاهِ أوامرِه الخاصَّةِ إليهم، كآحادِ الأدميين نحو المالكين، لما لم يلزمهم عام أمرهم لأجلِ حقوقِ أموالهم وتملكِ منافِعهم عليهم لم يلزمهم خاصُّ أمرهم لهم، وخطابُهم إيّاهم.
ولأنَّ تمليكَ منافِعهم بلوى من الله، وتكليفٌ منه إياهم طاعةَ سادتِهم في خدمتِهم وصرفِ منافعِهم في امتثالِ أوامرهم، والله سبحانه لا يمنع بعضَ أوامره بعضاً، عقوباتٍ كانت أو عباداتٍ، فإن الرِّق لا
(3/122)

يخلو من أن يكونَ بلوى أو عقوبةً، لأنَّه في الأصلِ أثرُ الكفرِ، وايجابُ الحدودِ والقصاصِ لا يمنعُ من دخولِ من لزمَه ذلك في مطلقِ أوامرِ الله سبحانَه، وان كانت بلوى كانت بمثابةِ الأمراضِ والفقرِ وغيرِ ذلك، وهي غيرُ مانعةٍ من دخولِ الممتَحنِ في عمومِ الخطابِ، وكما لم يمنع كلًّ ذلك اتجاهَ خاصِّ الخطابِ نحوهم.
وأمَّا خروجُهم من بعضِ الأوامرِ كالجمعةِ والجهابِ فما دخلوا فيه من أوامرِ الشرع أكثر، كالصلواتِ والصيام والكفاراتِ والحدودِ، فإنْ تعلقتم بما خرجوا منه، تعلقَ عليكم بمادَخلوا فيه.
على أن الذي خرجوا منه خرجوا بأدلةٍ أوجبت إخراجَهم، وما دخلوا فيه فمطلقُ الأمرِ والخطاب.
ولأنَّ الفقراءَ والزمنى والمرضى والمسافرين أخرجهم العجزُ عن كثيرٍ من العبادات أصلًا تارةً ومقداراً أخرى، ثم دخلوا في مطلق الأمر حيث كان خروجُهم عما خرجوا عنه بعجْزٍ وعذرٍ قامت بإخراجهم لأجله أدلَّة، فكذلك هؤلاء، وأما تملّكُ سيدِه منَعَه من النوافلِ، لا يمنعُ دخولَه في مطلقِ أمرِ الله له بالفرائضِ، كما أنه يمنعُه من سائر النوافل، ولا يمنعُه ذلكَ دخولَه في الأمرِ الخاصّ له بالفرائض، فهو في باب الأوامر الخاصة والفرائض الناجزة كالحر، ولهذا صححنا فرائضه عن حال إباقه ولم تخرجوها في حقَه عن كونِها قربةً، ولم نصحَّح نحن منه النوافلَ رأساً، وأنتم أخرجتموها عن كونها قربة، ما ذلكَ إلا لأنَّه فى الفرائضِ كالحرِّ، وفارقَ بهذا ما أشاروا إليه من أوامرِ الأجانب لأنهم لا مُلكَ لهم ولا حق، والله سبحانه مالكٌ لكلِّ المالكين، فلاَ يمنعُ من ألجاه أمرُه حق أضعفِ المالكين، ومن ملكه أضعف
(3/123)

الملكين، كما لم يمنع اتجاهَ خصوص أمرِه ونهيه، بخلافِ الأجنبي من المخلوقين.

فصل
ويدخل النساء في مطلق الأمر (1).
وبه قال ابن داود.
خلافاً لأكثر أصحاب أبي حنيفة (2) وللأشعرية، ووافقهم القاضي أبو بكر بن الباقلاني.
وأصحابُ الشَّافعيِّ لا يُدخلون إلا بقرينةٍ أو دلالةٍ (3).
__________
(1) هو رأيُ أكثرِ الحنابلة، وخالفَ في ذلك أبو الخطاب فرأى أن الأقوى عنده هو أن المؤنث لا يدخلُ في الجمع الذي ظهرت فيه علامة التذكير، إلا أنَّه نصرَ قولَ الحنابلة في الأدلة.
انظر "العدة" 2/ 351، و"التمهيد" 1/ 290، و "شرح الكوكب المنير" 3/ 334.
(2) مذهبُ الحنفية كما- قرره السرخسي في "الأُصول" 1/ 334 أن جمع المذكر السالم يتناولُ الذكورَ والِإناثَ جميعاً، ولا يتناولُ الِإناثَ المفردات انظر "أصول السرخسي" 1/ 334، وهذا ما يؤكده ابن الهمام في "التحرير" حيث يقول بعد عرضه لأدلة أكثر الأصوليين القائلين بعدم دخول الِإناث في جمع المذكر السالم، ولأدلة الحنابلة القائلين بدخولهن:
"وحينئذ ترجح الحنابلة- أي قولهم- وهو قول الحنفية" انظر "تيسير التحرير" 1/ 334.
(3) هو رأيُ أكثرِ الشافعية وهو الراجح المعتمد عندهم، انظر "المستصفى" =
(3/124)

فصل
في جمع أدلتنا
فمنها: أن عادةَ أهلِ اللغةِ تغليبُ جمعِ التذكير إذا اجتمعَ المذكرُ والمؤنثُ في الخبرِ والأمر، فيقول قائلهُم للنسوة على الانفراد: ادخُلن، وإذا كان معهم ذكور قال: ادخلوا، قال الله سبحانه لآدم وحواء: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا} [البقرة: 38]، وهذا خطاب الذكور.
وتقول العربُ للمرأةِ: قومي، وللثلاث: قُمْن، وللرجلِ والمرأتين: قوموا، وكذلك عادتُهم تغليبُ جمعِ ما يعقلُ إذا كان معه من لا يعقِل، قال الله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ} [النور: 45] حتى إنه إذا وصفَ ما لا يعقلُ بصفةٍ تختصُ من يعقل غُلِّب فيه جمعُ من يعقل، قال الله تعالى: {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4] وهذا جمعُ ما يعقل لما وصفها بالسجود، وهو فِعلُ من يعقل، جمعها جمع من يعقل.
فإذا ثبتَ هذا من عادةِ العرب، وورد في كتاب الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 104] دخلَ فيه المؤنثُ تَغليباً للتذكير، وكذلك في التثنية تقولُ العرب في الرجل والمرأة: قاما، وهذه
__________
= 2/ 79، و"التبصرة" ص (77)، و"الإحكام" للآمدي 2/ 386، و"البحر المحيط" 3/ 178.
(3/125)

صورةٌ تثنيةِ الذكرين، والله أعلم.
ومن ذلك: أنَّ أكثرَ أوامرِ الشرع خطابُ المذكَّر، والإجماعُ منعقدٌ على دخولهنَّ في الخطابِ، وما ذَاكَ إلا اعتماداً على دخولهنّ في خطابِ المذكر تبعاً.
ومن ذلك: أنَّ العربَ دأبها تُغلبُ الأكثرَ على الأقل، ومعلومٌ أننا غلبنا التذكيرَ على التأنيث، وإن كان عددُ الإناث أكثرَ دلَّ على أنَّه الوضع الأصلي.
ومن ذلك: أنَّ الغالبَ أنَّ النساءَ تابعاتٌ للرجال، وقلَّ أن يختص في الخطاب نساء حلةٍ أو قريةٍ أو بلدةٍ في مكاتبةٍ أو مخاطبة، إنما يُسْتَتْبَعْنَ استتباعاً، ويستهجنُ من العربي أن يقول لأهل بلدٍ: أنتم الآمنون، ونساؤكم آمنات، بل إذا قال: أنتم آمنون، تبعَ النساءُ في ذلك، وكذلكَ إذا كان بحضرته رجال ونساء فقال: قوموا، سَمُجَ في اللغة أن يقول: وقمن.
فعادة أهل اللغة في الاستتباع لهن مغنية عن تخصيصهن بالخطاب، فكان مطلقُ خطابِ الشرع كذلك، حتى إنَ في البهيم من الحيوان يسمجُ أن يقولَ الرجلُ: عندي مئةٌ من الخيل، ومئةٌ من الجمال، كما يقول: مئة من الرقيق معَدّات ومُعَدّون، لتبعهم ولتبعهنّ، بل يُطلِقُ الجمعَ الصالح للذكورِ فقط قنوعاً به وتعويلاً عليه.
(3/126)

فصل
في جمع الأسئلة على ذلك
فمنها: أنْ قالوا: تغليبُ العربِ للتذكيرِ في بابِ الجمع لا يمنعُ انصرافَ جمعِ التذكيرِ إلى ما وُضِعَ له، كما أنهم قد غلبوا أسماءَ المجازِ على الحقائقِ في قولهم: راوية، وغائط، فوضعوه لغيرِ ما وُضع له في الأصل، وكذلك الوطءُ، ولم يعطِ ذلكَ أن نصرف إطلاقَ اللفظِ إلا إلى الوضعِ الأول دونَ ما غلّبوه من الوضع الثاني وهو المجاز والاستعارة.
ومن ذلك: قولهم: إفاضةُ التذكيرِ على التانيثِ حالَ الجمع لا ئعطي أنْ يدخلن في الِإطلاقِ، بدليلِ إفاضةِ السوادِ والقمَرية والعدل لأحد المسميَيْن إلى صاحبه في قولهم: بتنا على الأسودين (1)، وعدل العمرين (2)، ولنا قمراها (3)، وإن كان الأسود وعمر والقمر أحدهما والِإطلاق له حكمه.
ومن ذلك: قولهم: إنَّ لهن خطاباً يَخُصهن، وجمعاً ينفردن به في الواحدةِ والاثنتين، وقد تقاصر عليهنَّ التذكيرُ عند اجتماعهن بالذكورِ، فيقابل الاستعمال في اللغة، وبقي أمرُ التكليفِ واشتغالُ الذمةِ به على مقتضى أصلِ أدلةِ العقولِ من البراءة، إلا أن تقومَ دلالةُ الاشتغالِ للذممِ وإيجابِ الحقوقِ والعبادات.
__________
(1) الأسودان هما التمر والماء.
(2) والعمران: أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.
(3) والقمران: هما الشمس والقمر.
(3/127)

فصل في جمع الأجوبة عن الأسئلة
أمَّا إلزامُنا المجازَ المغلَّبَ استعمالُه، فإننا لو سألنا الواحدَ من أهلِ اللغة: ما أردتَ بقولك: وطئت أمتي؟
لقال: جامعتُ وفعلتُ الفعلَ المخصوص.
فإذا قيل له: فيحسُنُ النفيُ بأن تقول: ما وطئتُها، لكن فعلتُ كيْتَ وكيْت؟
لقال: نعم يحسنُ النفيُ بحكمِ الوضعِ الأصلي.
فأمَّا في مسألتنا، إذا قال في امرأةٍ ورجل قاما، وقيل له: ما أردت؟ قال: الرجل والمرأة.
فهل يحسُن أن يقول: ما أردت المرأة، وتبقى التثنية، فيقول: لا، ولا يحسُن أن يقال: قامتا.
فيفاض التأنيثُ على التذكيرِ، فقد صار وضعاً لا استعارةً ولا تجوزاً.
وأمَّا كوُنهن تخصِّصن بوضع حالَ الوحدةِ والتثنيةِ، فقد سقطَ ذلكَ حالَ التثنيةِ إذا كان مع الواحدةِ رجُل، أو كان مع الكثرةِ فيهن قليلٌ من الذكور، فإنه يُغلب التذكيرُ على التأنيث، وإن كان دأبُ العرب تغليبَ الأكثرِ على الأقلِ في كُلِّ شيء.
وأمَّا إفاضةُ اسمِ القمر على الشمس، والسوادِ في التمر على الماءِ الذي ليس بأسود، ولا سوادَ في الماءِ، وفي الأنثى ما يصلح للتذكيرِ
(3/128)

من حيث إنها شخص وحى وإنسان يحسُنُ لذلك أن تفردَ بالتأنيث لمكان ما فيها من الأنوثةِ، وتجمع بالتذكيرِ لما فيها مما هو مذكر من الشخصيةِ والإنسانيةِ والآدمية، فهي بحدتها إنسانٌ وآدمي وشخص عاقلٌ ناطقٌ.

فصل
في جمع شبههم في ذلك
فمنها: ما رُويَ عن أمِّ سلمةَ أنها قالت: يا رسولَ الله إنَّ النساء قلن: ما نرى الله يَذْكُرُ إلا الرجالَ، فأنزل الله: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ...} الآية (1) [الأحزاب: 35].
ومن ذلك: ما رويَ أنَّ النبيَ - صلى الله عليه وسلم - قال: "ويل للذين يمسّون فروجهم ثم يصلّون ولا يتوضؤون"، فقالت عائشة: يا رسول الله، هذا للرجال، فرأيت النساء (2)؟
وهذا يَدُل على أنهنّ لم يدخُلن في عمومِ الصيغة الموضوعة
__________
(1) أخرجه أحمد 6/ 301، والطبراني 23/ 241، والحاكم في" المستدرك" 2/ 416، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأورده ابن جرير في "تفسيره" 22/ 8، والنسائي في "تفسيره" 2/ 169، والسيوطي في "الدر المنثور" 5/ 200، وأخرج الترمذي شاهداً له من حديث أم عمارة (3211)، وقال: هذا حديث حسن غريب.
(2) هذا الحديث بهذا اللفظ أخرجه الدارقطني من حديث عائشة في "السنن" 1/ 147، وفي سنده عبد الرحمن العمري، وهو ضعيف، وقد وردت أحاديث كثيرة بطرق صحيحة في الوضوء من مسِّ الذكر بغير هذا اللفظ.
(3/129)

للتذكير من حيث سؤال أم سلمة وعائشة، ونساءُ العرب أعرفُ بالوضع، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم سيد اللغةِ لم يُنكِر عليها السؤالَ ويقول: إنَّ الصيغةَ موضوعةٌ للجميع، واقرارُه كقوله.
ومن ذلك: قولهم: إنَّ للإناث وحدةً وتثنيةً وجمعاً، ولكل ذلكَ لفظ يخصُّهن، فيقالُ: مؤمنةٌ، ومؤمنتان، ومؤمنات، وللذكورِ اسم يخصُّهم أيضاً في الواحدِ والاثنينِ والثلاثةِ، فيقال: مؤمن في الواحد، وفي الاثنين: مؤمنان، وفي الجمع مؤمنون، فكما لا يدخلُ النساء في تأحيدِ التذكيرِ ولا التثنية، كذلكَ في الجمع، وكما لا يدخلُ المذكرُ في جمع المؤنث، كذلك لا يدخل المؤنث في جمع المذكر.
ولهذا فصَّلَ الباري بينهنّ فقال: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [الأحزاب: 35] إلى جميع ما عدَّد من الأوصاف، ولو كنَ قد دخلن في الجمعِ الأولِ لم يكن للإعادةِ معنى، وصار بمثابةِ جمعِ المؤمنين لا يدخل الكفارُ، وجمعِ الأبرارِ لا يدخل فيه الفجارُ، وكذلك جمعُ الذكورِ لا يدخل فيه الِإناثُ إلا بدلالةٍ.
وحرَّره بعضهم قياساً، فقال: مالا يدخلُ في اسمِ الواحدِ والتثنيةِ لا يدخل في الجمعِ: كاسمِ الذكورِ لا يدخلُ في جمعِ الِإناثِ.

فصل
يجمعُ الأجوبةَ عن شبههم
أمَّا سؤالُ أمِّ سلمة وعائشة، فإنَّما وقَع عن عدمِ تخصيصهن بالذكر من طريق الصريح، ولم تقنع بالعمومِ من غيرِ تخصيصهن بالذكر.
(3/130)

ولأنَنا وإن قلنا: إنهن يدخلن، فإنما يدخلن من جهةِ الظاهرِ، فأمَّا من جهةِ الصريحِ والنصِّ فلا، وقد ورَدَ في بعضِ الخطاب خصوصُهنَّ، مثل قوله تعالى: {لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} [النور: 30] {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور: 31] وعادة العَرب التخصيصُ تارةً، والتعميمُ أخرى.
وأمَّا قولهم: إن للإناثِ اسماً يَخُصّهن في الوحدةِ والتثنيةِ والجمعِ، وكذلك الذكورُ، فلعمري إنه كذاك، لكن العربُ إذا أحَّدت خصت كُل جهةٍ بما يليق بها من التأنيث والتذكيرِ، فأمَّا إذا جمعت فإنها تُغلبُ لفظ التذكيرِ، حتى إنَ عادةَ العربِ تغليبُ اسمِ الأكثرين وإسقاطُ حكمِ النساءِ والنادر والقليلِ، فينسبون من كان أكثرهم بُخلاً إلى البُخل، ومن كان أكثرهم كَرَماً إلى الكرم، ويسقطون حكم الواحد والاثنين والثلاثة في الحلة أو القبيلة.
ومع هذه العادةِ رأيناهم يجمعون الجمع الذي يشتمل على مئة امرأة وثلاثة من الرجال جمعَ الذكور، ويخاطبونهم خطابَ الذكور، فعُلمَ بذلك أنه يُحددُ لهنّ بالاجتماعِ بالذكورِ حالٌ لم يكن لهن حالَ الانفرادِ واسم لم يكن، وغير ممتنع مثل ذلك في تغيرِ الحال بالاجتماعَ.
كما يقال: قامت، في الواحدة، وفي الاثنتين: قامتا، وفي رجُل وامرأةٍ قاما، وفي رجُلٍ وامرأتين: قاموا، ولم يوجد لاجتماعهن بالذكورِ حكمُ الانفرادِ في التثنيةِ والجمعِ، كذلكَ في الخطابِ، وكذلكَ كان
(3/131)

حكمُ الكثرة التغليبَ، فسقط ذلك التغليبُ في حالِ كثرةِ الإِناثِ مع قلةِ الذكور.
وفارق جمعَ المؤمنين والكفار، لأنه ليس في وضعِ اللغةِ تغليبُ أحدهما على الأخرِ إلا مع الكثرةِ الغالبةِ أو السلطنةِ، ونفاذِ الأحكامِ، فيقال: داركفرٍ، ودار إسلامٍ على حسب التسلط في التصرف ونفوذ الأحكام.
وها هنا يغلبُ التذكيرُ مع قلةِ الذكورِ وكثرةِ الإناث، فدلَّ على أنّ الحكمَ للاجتماعِ تغليبُ الذكورِ، فكذلك في باب الخطاب.

فصلٌ
اختلفت الرواية عن أحمد في الكفارِ هل يدخلون في الخطاب العام المطلق بالعبادات، مثل قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} [البقرة: 21] {يَا بَنِي آدَمَ} [الأعراف: 26]، {يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 179] {يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} [ألحشر:2].
فعنه أنَهم يدخلون (1)، نص عليه في اليهودية والنصرانية تلاعنُ المسلمَ تعلقاً منه بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} [النور: 6]، وبه قالَ أكثر المتكلمين من المعتزلة والأشعرية (2).
__________
(1) وهذا ما اعتمده الحنابلة في هذه المسألة حيث رجّحوا في كتب الأصول دخول الكفار في الخطاب العام المطلق.
انظر "العدة" 2/ 358، و"التمهيد" 1/ 289، و"المسودة" ص (46). و"شرح الكوكب المنير" 3/ 243.
(2) انظر "التبصرة" (80)، و"المستصفى" 2/ 78، و"البحر المحيط" 3/ 182، =
(3/132)

والثانية: لا يدخلونَ في مطلقِ الأمرِ بالعباداتِ، وإنَّما يخاطبون بالإِيمانِ والنواهي، قال في يهودي أسْلَمَ في نصفِ الشهر: يصومُ ما بقي، لأنه لم يجب عليه قبل إسلامِه، إنما وجبَ عليه لما أسلمَ، ولم يكن واجباً حالَ كُفرِه.
واختلف أصحابُ أبي حنيفة، فذهب الكرخي والرازي وجماعةُ أصحابه إلى أنهم مخاطبون بالعبادات (1).
وذهب الجرجاني إلى أنهم غير مخاطبين بها، لكنهم مخاطبون بالنواهي والإيمان (2).
واختلف أصحابُ الشافعيّ أيضاً على مذهبين:
أحدهما أنهم مخاطبون، وهو الأشبه وقول الأكثرين (3).
__________
= و"المحصول" 2/ 237.
(1) صرَّحَ بذلك أبو بكر الرازي في "الفصول" 2/ 156، حيث قال:" والكفار مكلَّفون بشرائعِ الإسلام وأحكامه، كما هم مكلفون بالإسلام، وكذلك كان شيخنا أبو الحسن رحمه الله".
وهو قول أهل العراق من الحنفية.
(2) وهناك قول ثالث لبعض مشايخ سمرقند: بأن الكفار غيرُ مخاطبين أصلًا لا بالعبادات ولا بالمحرمات، إلا ما قام دليلٌ شرعي عليه تنصيصاً.
انظر تفصيل المسألة عند الحنفية في "أصول السرخسي" 1/ 173 - 78، و"ميزان الأصول"1/ 308.
(3) وهو الراجحُ والمعتمدُ عند الشافعية، اختاره أبو اسحاق الشيرازي كما في التبصرة ص (80)، والغزالي في "المستصفى" 2/ 78، والرازي في "المحصول"2/ 237 ونقل الزركشي في "البحر المحيط" أنه قول الأكثرين 3/ 182.
(3/133)

والثاني غير مخاطبين إلا بالإيمان، وهو اختيار الشيخ أبي حامد رحمةُ الله عليه.

فصلٌ
في جمعِ الأدلةِ على أنّهم مخاطبونَ من طريقِ الآي من القرآن فمن ذلك: قولُه تعالى: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (7)} [فصلت: 6، 7]، فتواعدهم على الكفرِ وترْكِ الزكاة وجحدِ البعث، ولا يتواعدُ إلا على فعلِ محظورٍ أو تْركِ واجب، فكانَ الظاهرُ مقابلةَ الوعيدِ لجميعِ ما عدَّد من الجرائم.
ومن ذلك: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} [الفرقان: 68 - 69] فظاهرُ هذه الآيةِ مقابلةُ ما ذكره من العقابِ في مقابلةِ ما عدَّده من الذنوب والجرائم. لا سيما مع قوله: {يُضَاعَفْ لَهُ} فذِكرُ المضاعفةِ إنما وقَعَ لمكانِ مضاعفةِ جرائمهم جريمةً بعد جريمةٍ، لأنَّ قولهَ: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} يعودُ إلى الجُمل المتقدّمةِ كُلّها، وما ذِكرُ المضاعفةِ إلا مقابلة.
ومن ذلك: قولُه تعالىِ في أهل الجنة يتساءلون: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46)} [المدثر: 42،43، 44،45، 46]، وهذا يدُلّ على أنّهم يؤاخذونَ بتركِ الإيمانِ وتركِ العباداتِ المذكورةِ.
(3/134)

فصل
في جمعِ الأسئلةِ على الآياتِ
فمن ذلك: المرادُ بقوله: {لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [فصلت: 7] قول لا إله إلا الله، وردَ التفسيرُ بذلك (1).
ويحتمل أن يكونَ الذين لا يعتقدونَ إيتاءَ الزكاةِ ولا يدينون به ولا يلتزمونها، كما قال: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ} [التوبة: 29]، يعني يلزمونها.
ويحتملُ أن يكونَ الويلُ عادَ إلى كفرِهم، ووصفهم بأنّهم لا يؤتونَ الزكاةَ، ولم يحصُل الويلُ لعدمِ إيتائهم الزكاةَ.
وأمَّا قوله: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ} [الفرقان: 68]، إلى قوله: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} [الفرقان: 68] إنما عادَ إلى جميعِ المذكورِ، وهو بمجموعه يوجب ذلك، بدليل أنه قال: {يخلد}، ولا خلودَ إلا على الكفر، فلا يُمكنُ حملُ الوعيدِ على آحادِ هذهِ الأشياء المذكورةِ، إذ ليس فيها ما يوجبُ الخلودَ.
وأمَّا قوله: {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} [المدثر: 43]، فليس هو من قولِ من يُعتدُ بقولهِ، بل هو قولُ الكفارِ ولا اعتبارَ بقولهم، بدليلِ أنهم قالوا: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23]، قال
__________
(1) ورد ذلك التفسير عن ابن عباس، كما في "تفسير الطبري"12/ 92 و"تفسير ابن كثير" 7/ 153.
(3/135)

الله: {انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا} [الأنعام: 24] ومن يكذب يجوز أن يجهل.
ولأنه يحتمل أن يريدوا: لم نَكُ من أهلِ الصلاةِ، كما قال: نُهيتُ عن قتل المصلين، وليس المرادُ به مَن هم في تحريمةِ الصلاة فقط، لكن من يلتزمها وهو أهلٌ لها.
ويحتملُ أن يكونَ هذا قولَ فرقٍ مختلفين، فقومٌ تركوا الصلاةَ، وقومٌ تركَوا إطعامَ المسكين في الزكواتِ والكفاراتِ، وقومٌ كذَّبوا بالبعثِ بعد المماتِ.
يشهد لهذا التأويل: أن الخِلال كلها لا تكادُ تجتمعُ في الكلَ، فإن منهم مَنْ كان يُطعمُ الطعامَ، ويصلُ الأرحامَ تكرماً، ومنهم من يفعل ذلك بعد نسخِ الدين الذي كان عليه تديّناً وتمسكاً؛ كالنصارى واليهود بعد بعثهِ نبياً صلى الله عليه وسلم، وفيهم الرهبانُ الذين لا يخوضونَ مع الخائضين، وفيهم من لا يكذبُ بيوم الدين ممن يثبتُ البعثَ ولكن يكفر بجحد شيءٍ آخر، كجحدِ إيجاب واجب في الشرع، أو حجدِ تحريم محرّم حرمه النصّ، فهذه جملة أسَئلتهم.

فصلٌ
في جمعِ أجوبةِ الأسئلةِ على الآيات الثلاث
أمًا حملُ الزكاةِ على الشهادةِ، فليس بحقيقةٍ، بل الحقيقةُ إخراجُ المالِ المخصوصِ عن المالِ المقدرِ المخصوصِ، على أنَه إذا حُملَ على الشهادةِ، كان إعادةً، فإنَّ الكفرَ بالآخرة كفرٌ، فكانَ يحملُه على تركِ الشهادة، كأنَّه قال:
(3/136)

الذين لا يؤمنون وهم بالأخرة كافرون، وحملُه على عدم اعتقادِ الزكاةِ حمل على الكفرِ أيضاً، ومهما أمْكن حملُ الكلام علىَ حقائقهِ وحَمْل كُلَ جمله منه على معنى غيرِ الأولِ، فلا وجه لحمله على التكرار، ورد الويل إلى الكفرِ خاصةٌ، وإخراج بقيةِ الجرائمِ عن مقابلةٍ خلافُ الظاهرِ، لأنه لو كان غير الكفر من منع إيتاء الزكاةِ ليس بمقابل، لم يكن لذكره معنى.
وأمَّا قولهم: إنَّ الوعيدَ عادَ إلى جمعِ المذكور، ومن جملته الكفرُ، ولهذا أوجبَ الخلودَ، فهذا عينُ ما نريدهُ، لأنَه إذا عادَ إلى الجميعِ، كانت المؤاخذةُ بكُلِّ واحدٍ من الجملةِ المذكورةِ، ولا سيما ذكرهُ للمضاعفةِ في مقابلهِ تَعدُدِ أفعال مضاعفه، فهو أشبهُ من عودهِ إلى الكفرِ، وهو شيءٌ واحد، فيكونُ ذكرُ الخلودِ لأجل الكفر، والمضاعفةُ في مقدارِ العذاب لأجلِ ما ذكره من الذنوب.
وأما قولهم: إنَ قولهم: {لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} إنما هو قولُ الكفارِ، فكلُّ قولٍ حكاهُ الله عنهم ولم ينكره، فهو قولٌ صحيح، ألا تراهم لما قالوا: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} كيف قال: {انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} وقولُهم: يُحتمل لم نكُ من أهل الصلاة، فذاكَ هو الكفرُ، وقد ذكره، فلا وجهَ لتكراره، ولا يُحملُ الكلامُ على ما يقتضي التكرارَ، على أنَّ الحقيقةَ خلافهُ، فإن الكلامَ يقتضي تَرْكَ فعل الصلاةِ لا اعتقاد وجوبها.
وأما قولُهم: يحتمل أن يكون قولَ فِرَقٍ. فلا يمنعُ استدلالَنا،
(3/137)

لأنَهم إن كانوا فرقاً من الكفارِ، فقد أخبرَ أنَّ الكفارَ متواعدونَ على ترك هذه الأمورِ التي هي من الفروع، وإن كانوا فِرقاً بعضُهم من أهلِ الإيمان، فلا يمكن، لأن الله سَبحانه قال: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} [المدثر: 48 - 49] وهذا راجعٌ إلى جميع المذكورين.

فصلٌ
في أدلتنا من طريق النظر
فمنها أنهم مخاطبونَ بمعرفةِ الله وتصديق رُسُله صلوات الله عليهم، وأتهم مَأْثومون على تكذيب الرُسُلِ وجحدِ نبوتهم وقتلهم وقتالهم، وأنهم معذبون على الكفر بالله، وهذا مما أجمعت عليه الأمةُ، فلا خلافَ فيه، وإن كانَ التصديقُ بالرُسلِ لا يصحُّ إلا بعد تقدم معرفةِ الله، ومعرفةِ انفرادِه بالقدرةِ على ما أيدهم به من المعجَزاتِ، وأنَه على صفةٍ هو عليها لا يجوزُ عليه تأييدُ كذاب عليه بالمعجزِ، ومتى لم يتقدم هذا لم يصح تصديقُهم بالرسُلِ عليهم السلام، فقد صارَ خطابُهم بتصديقِ الرسُلِ مشروطاً بتقدم معرفةِ الله، ومعرفةُ الله سبحانه بنا ذكرناه من العرفانِ لا تصح إلا بشريطَةٍ هي تقدُمُ النظر الصحيحِ والاستدلالِ المؤديين إلى معرفته، ولم تمنع عدمَ صحة التصديق بالرسُل إلا بتقدُّمِ الشروطِ المذكورةِ من القولِ بخطابِهم بالتصديقِ لهم، كذلك عدمُ صحةِ العباداتِ منهم إلا بشريطةٍ تتقدم، وهرب الإيمانُ لا يمنعُ صحةُ الخطاب بها، وهذا دليل لمذهبنا، وفي قوته، صلاحهُ لإفسادِ كل شبهةٍ يتعلقوَن بها في هذه المسألة.
(3/138)

ونحررُ قياساً فنقول: مَن تناولَه الخطابُ بالإيمانِ تناولَه الامرُ بالعبادات، كالمسلمِ لو ارتدَّ أُمر بالإيمان، والمسلمُ الذي لم يرتدي الامرُ باستدامةِ الإيمان.
ومن ذلك: أنَهم مع تكليفِ الإيمانِ بالرُّسُلِ عليهم السلام، مخاطبون بالمنهياتِ، وأهلُ الذمةِ منهم يُحدّونَ بالزنا والسرقةِ، ويعزّرون بما يوجب التعزير من الجرائم غير الموجباتِ للحدود.
وتحقيقُ هذا أن يقال: لما نُهوا عن أكبرِ معصيةٍ لله، وهو التكذيبُ بآياتِ الله ورُسلهِ، دَخلوا في النهي عما دونة من المعاصي، كذلك لمّا أمروا بأكبرِ طاعةٍ وهي الإِيمانُ، أُمروا بأركانهِ وتوابعهِ من العباداتِ والطاعاتِ.
ومن ذلك: بأنّه لما كان مُزاحَ العلةِ فما أمرِ به من الإيمان، دخلَ في الخطاب به، وهو مزاحُ العلة في باب العبادات، من حيث؛ كان قادراً على تحصيل مقدماتِها وشروطها، وهذا علّةُ دخوله في الخطاب باصلِ الِإيمان، وقد ساوته العباداتُ في ذلك، فدخلَ في مُطلقِ الخطابِ بها.

فصل
يجمعُ أسئلتَهم على أدلتِنا في المسألةِ
فمنها: أن الخطابَ بالإيمانِ إنّما حصل لأنه من أهلِه، ولهذا لو أتى به لصحَّ منه، فأمَّا الصلاةُ والصيامُ، فإنه لا يصح منه أداء، ولا يجبُ عليه بعد فواتِ وقتهِ قضاءٌ، ومحالٌ تأثيم مكلفٍ على تركِ فعلٍ لو فعلهُ لما صحَّ منه.
(3/139)

ولأنَ المنهيِّ عنه يلائم الكفرَ في كونه معصيةً، فحسُنَ أن ينصرفَ الخطابُ إِليه بتركه كما انصرفَ إِليهِ الخطابُ بتركِ الكفرِ، والطاعاتُ بخلافه.
ولأنَّ النهيَ لما تعلق عليه وتناوله الخطابُ به تعلقت عليه أحكامُه وهي الحدود والعقوباتُ والتعازير، والطاعات لا تتعلقُ عليها أحكامها إذا وجدت منه.
وأما النهيُ فإنه يصحُّ منه ترك مع الكفرِ، والطاعةُ لا تصحُّ منه.
وأما قولكم: إنه مزاحُ العلةِ غيرُ صحيح، لأنَّه لو أزيحت علّته، لصحَّت منه، فأمَّا إذا أُتي بها، فلم تقبل ولم يعتد له بها، فلا تصحُّ دعواكم إزاحةُ العلة في حقه.

فصل
في جمعِ الأجوبةِ عن الأسئلةِ
أمَّا إطلاق القولِ بأنها لا تصحّ منه، لا يسلَّم فإنَ العباداتِ تصحُّ منه مع تقديمِ شروطِها، ولو جاز أن يقال: لا تصحُّ منه مع الكفر، فلا يخاطَبُ بها. لجاز أن يقال: لا يصحُ من غيرِ العلم بحدث إثبات صانع، ولا يصحُ من غيرِ العالمِ بالصانعِ إثباتُ أنَه واحد، فلما خوطبَ باعتقادٍ لا يَصُّح إلا بتقدم اعتقاد مثله، كذلكَ جازَ أن يُخاطب بفعل ما لا يصحُّ فيه إلا بتقدّم اعتقادٍ قبله، أوَلا يرى أيضاً أنه لا تصح من المحدِث صلاة، فلا يخَاطبُ بها، بل يقالُ: تصحُّ منه بأداءِ شروطها، وتقديم مقدَماتِها من الوضوء والاغتسالِ، ولا يقال: لا يصح من النجار عملُ بابٍ ولا دولابٍ، إذ ليس معه آلة ذلك، بل
(3/140)

يقالُ: تصح منه النَّجارةُ بشريطةِ تحصيلِ الآلات. فهذا قولٌ باطلٌ موهِمٌ عندَ من لا يفهم أنَّه سَيىء، واذا كشُفَ بالتحقيق تزيَّف.
على أنه لو جازَ أن يقالَ هذا في العباداتِ، لقيلَ في تصديقِ الرُّسل: إنه لا يخاطبُ به، لأنه لا يصح منه إلا بعدَ تقديمِ النظرِ والاستدلالِ المحصّلين لإثباتِ الصانعِ وأنه واحدٌ منفردٌ بخرقِ العادات، والقدرةِ على ما يظهرُ على أيدي الرسلِ صلوات الله عليهم من المعجزاتِ، وإنَّما لم يقل ذلك، لأنَّهم قادرون على تقديم النظرِ المؤدي إلى صحةِ تصديق الرُسُل، كذلكَ الكافرُ قادرٌ على إزالةَ كفرهِ بصائب فكرِه وصدق الاجتهاد من نفسهِ، فإذا زالَ الكفر صَلح للصلاةِ والصيامِ، كما أنَّ الجُنُب إذا اغتسلَ صَلح لأداءِ الصلاةِ والطوافِ وغير ذلك مما يشترطُ له الاغتسالُ، فقد وجبَ التأثيمُ عليه بتركِ ما هو قادرٌ على التوصُّل إليه.
فإن قيل: هذا كلامٌ باطلٌ يوهِمُ أنه ينطبقُ على ما نحن فيه، وليس الأمرُ كذلك، لأن النظر شَرطُ المعرفةِ، والطهارةَ شرطُ الصلاةِ، وليس الإيمانُ شرطاً للعباداتِ، وانما هو أصل بنفسه، إذا صحَّ أوجبَ إلزامَ توابعه، وعُلَقِه، وما هذا سبيلهُ لا يجبُ على المكلفِ تحصيلُه لأجلِ ما يترتبُ عليه.
فيحسُن أن يقال: يجبُ أن يحصّل الغُسلَ ليصلي، لأنَّ الغسلَ لا يجبُ في نفسِه إلا لغيرِه وهو الصلاةُ والطوافُ والاعتكافُ، والنظرُ لا يُرادُ لنفسِه، بل يُرادُ لتحصيل المعرفةِ، فأمّا الإيمانُ فإنه لا يقال: إنه موضوع ليصَلّيَ ويصومَ، بل هو أصل، وانما يصلّي ويصومُ ليقعَ منه بذلكَ موافقةُ التصديق، فأمَّا أن يُصدقَ ليصليَ ويصومَ، فبعيدٌ ذلكَ
(3/141)

عند المحققين، بل محال (1).
على أنَه ليسَ كلما لم يصح الشىءُ إلا بحصولِه يجب تحصيله، لا سيّما إذا كانَ شرطاً للصحةِ، بدليلِ أنَّه لا يَصح إخراجُ الزكاةِ إلا بتقديمِ ملكِ النّصاب المخصوص، ولا تصح التوبةُ إلا بتقدُّم الذنب، ولا يجبُ تحصيلُ النصابِ ليزكي، ولا مقارفة الذنب ليتوبَ، ولا كلَّما لم يجب الشيءُ إلا بحصولهِ يكون واجباً؛ بدليلَ أن تحصيلَ الزاد والراحلةِ، لا يجبُ الحجُّ إلا بحصولهِ، ولا يجبُ تحَصيلهُ، فلا شرطَ الإيجاب يجبُ، ولا شرطَ الصحةِ يجبُ، فبطلَ قولُكم: إن العباداتِ يجبُ تحَصيلُها بتحصيلِ شرطِها، وهو الإيمانُ الواجب.
فيقال: هذا مشاحّةٌ في عبادةٍ، وإن الإيمانَ واجبٌ، لكنه ليس بشرطٍ ولسنا نضايقكم فنقول: إن الإيمان شرط. بل نقولُ: الإيمانُ واجب مقدور على تحصيلهِ، واذا وجبَ تحصيلُه وجبت العباداتُ، فكانَ وجوبُه مع استطاعةِ تحصيلِه صالحاً لإيجاب ما ترتّب عليه، كالنظرِ والاستدلالِ لما وجبا وكان وجوبُهما طريقاً لمَعرفةِ الله، وجبت معرفةُ الله على من لم يعرفِ الله بطريقِ النظر.
فأمَّا قولكم: إنَ النظرَ لا يُراد لنفسِه، والطهارةَ لا تُرادُ لنفسها، فهما شرطان، والواجبُ إنما هو الصلاةُ والمعرفةُ، وهنا الواجبُ: الِإيمانُ والمعرفةُ، لا النظر، فليس الأمرُ كذلك، بل النظرُ المؤدي إلى المعرفةِ طريقُ وشرط، والعبادةُ لله سبحانَه والطاعةُ هي المقصودةُ. قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)} [الذاريات: 56] فالأمرُ بالطاعاتِ المقصودةِ، شاملٌ كلَّ مكلفٍ، لأن الله سبحانَه أخبرَ أنه لم يخلق الجنَّ والإنسَ إلا لعبادتهِ، ولما لم تصحَّ عبادةُ من
__________
(1) لأن الإيمان اعتقاد جازم وقول وعمل.
(3/142)

لا يُعرفُ، وجبت المعرفةُ ليُطاع، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بنيَ الإسلامُ على خمس" (1)، وساقَ العبادات وقال:" أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة" (2)، وساقَ العباداتِ الخمسَ.
وقد أجمعنا على أنَ معرفةَ الله سبحانه التي لا يتعقبها طاعة في سائرِ ما أَمرَ به، منحبطة الثواب، وعباداتُه التي لا تتقدمها المعرفة منحبطةٌ، كما أنَّ الطهارةَ لغير صلاةٍ غيرُ نافعة، والمعرفة لغيرِ طاعةٍ وعبادةٍ غيرُ نافعة، بل من لا يعرف ولم تحصل له المعرفة غير مؤاخذ بتركِ المعرفةِ إلا لإهمالِه شرطَها، وهو النظرُ والاستدلالُ القادرُ عليهما، فكذلكَ التاركُ للعباداتِ مؤاخذٌ بتركِ تقديمِ مالا تتحصّلُ العبادةُ إلا به، وهو الإيمانُ.
وأمّا قولهم في النهي: إنّه يصحُ منه تركهُ. فإن أرادوا به صورة، فالطاعاتُ كلها تصحُ منه صورة، وإن أرادوا به، يصحُ التركُ على وجهِ مكابدةِ النفسِ لأجلِ الاحترامِ للناهي عنه، فذلك أمرٌ حُكمي يقفُ حصولُه على تقدم الِإيمان والتصديقِ، وإلا فالتركُ للمعاصي مع الكفرِ كتركِ المتطبب لشربِ الخمرِ لمضرةٍ عَلِمها فيه تعودُ إلى مزاجه وكتركِ المتصاون عادة لفعلِ الزنا خوفاً من المعرةِ في قبيلته وحزبِه، والتارك للظلم لرِقّةِ طبعه ورِقةِ قلبِه وما يلحقه من الألم بالاستطالةِ على
__________
(1) تقدم تخريجه 2/ 430.
(2) تقدم تخريجه 1/ 190.
(3/143)

المظلوم، إلى ما شاكل ذلك، فهذا فصل محقَّقٌ أغفله جماعة من مصنفي هَذا النوع من العلم.
وأمَّا قولهم: إن المنهيَ لما صحَّ في حقِه وتعلقت عليه أحكامُه، صحَّ أن يتجه إليه الخطابُ بتركِه، بخلافِ العباداتِ. فليس بصحيح؛ لأنَّ إقامةَ الحدودِ على أهلِ الذمةِ لإقامةِ سياسةِ الملةِ حيثُ التزموا أحكامنا، فأمَّا أن يكون لأن أحكام النهي ثبتت شرعاً فلا، لأن الحدودَ لأهلِ الإسلام كفارات لأهلها، أو بلاء، وهي في حق الكفار محضُ عقوبات، وليس الحدودُ المحضةُ عقوبةً من أحكامِ أهل الإسلام، فما تعلقت الحدودُ بالمنهيات في حقهم على الحث الذي تعلقت في حقنا.
وأمّا كون المحظوراتِ تلائم الكفر، فكان يجبُ لما عفونا عن الكفرِ إقراراً لهم عليه أن نقرَّهم على المنهياتِ تبعاً، فلما زجرناهم عنها بطل أن يكونَ النهيُ عنها والزجرُ لأجل الملاءمةِ.
فبانَ أنَّ ما ذكرتم من الملاءمةِ ضدَ المقتضى.
وتفصيحُ هذا وكشفهُ، أنَّه كما لا يقالُ لمن لا يؤمنُ بالله: صل الله. ويُستهجن هذا من قائلهِ، لا يُقالُ لمن يستجيزُ الكفرَ بالله والشركَ: لا تبع بزيادةٍ فتكونَ مرابياً، ولا تطأ أجنبية فتكونَ زانياً، كما لا يُقالُ لمن انغمسَ في حش وبال: امسحْ رأسَ قضيبك بحجر لتكون مُسْتَنجياء. ولا لمن تشككت فيه النصال، ووطىء على شوكةٍ: انقش الشوكةَ من رِجلك، وإنما يتشاغلُ في الأمورِ بالأكبرِ والأهمّ، فإذا كان كفرُ هذا الكافرِ لم يمنع من صرفِ النهي إليه عن جرائمَ دون الكفرِ مع النهي عن الكفرِ، كذلكَ لا يمتنعُ صرفُ الأمرِ إليه بالعباداتِ التي هي دونَ الإيمانِ مع الأمرِ له بالإيمان.
(3/144)

فصلُ
في جمع شبههم في هذه المسألة
فمنها: أن العباداتِ لا تصحُّ منهم حالَ كفرِهم، وعبروا عن هذا بعبارتين:
إحداهما: أنهم لو كانوا مأمورين بها لصحت منهم، كما صح الِإيمانُ منهم.
والعبارُة الثانية: أنَّ الخطابَ لهم بما لا يصحُّ منهم لا فائدةَ لهم فيه، بل فيه الضررُ عليهم بالعقويةِ على الترك. واذا لم تصحَّ منهم هذه العباداتُ على وجهِ القربةِ، لم يصح الأمرُ لهم بها.
ومن ذلك: أنها لو كانت واجبةً على الكافرِ في حالِ كفرِه، وكان مخاطباً بها مع ما هو عليه من جحده، لوجبَ عليه قضاؤها بعد إسلامهِ، كما إذا تركَ المسلمُ الصلاةَ حالَ حدثهِ أو مرضِه أو سهوة أو فسقهِ وتكاسلهِ، وجب قضاؤها، فلمّا لم يجب القضاءُ بعد زوالِ الكفرِ، علم أنّه لم يكُ مخاطباً بها ولا وجبت عليه حالَ الكفرِ، فصار كالحائض.
ومن ذلك: أن الصلاةَ يقابلُ تاركها بعقوبةٍ في الدنيا وهي الضربُ عند قومِ، وبالقتلِ عند آخرين، وعقوبةٍ في الآخرةِ وهي إدخالُ النارِ، ثم إنَ الَكافرَ لا يتعلّق عليه بتركهِا عقوبةُ الدنيا الواجبة الله سبحانه شرعاً، كذلكَ لا تجبُ عليه عقوبةُ الأخرةِ، والعقوبة على التركِ من خصائص الوجوب، فإذا عُدِمت خصيصةُ الوجوبِ دل على نفي الوجوبِ.
(3/145)

ومن ذلك: أنَ الكافرَ جاحد بالأصلِ الذي يُبتنى عليه فعلُ العباداتِ، فيكف يخاطَبُ بالفرع من يجحدُ الأصلَ؟ وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا، حيث كتب إلى كسرى وقيصر (1): {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا} [آل عمران: 64]، ولم يذكر فروعَ الإيمان، اعتماداً على حصولِ الاستجابة، فإذا حصلت خاطبَ، وتأخيراً للخطاب المبني على غيره فيما يتقدم وهو التصديق. وكذلكَ لما أنفذ معاذاً إلىَ اليمن، قال له: "ادعهم إلى شهادةِ أن لا إله إلا الله، فإنْ أجابوك فأعلمهم أنّ لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" (2)، وإذا كان ترتيبُ الخطابِ هكذا لم يجز تقديمُ الخطابِ على شرطه.

فصلٌ
يجمعُ الأجوبةَ عن شبههم
فأما قولُهم: إنها لا تصحُ منهم. فلا يُسَلَّمُ على الإطلاقِ، بل
__________
(1) كتابةُ الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى كسرى وقيصر، رردت في عدةِ أحاديث، منها: حديث أنس بن مالك: "أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتبَ إلى قيصر وكسرى وأكيدر دُومة يدعوهم إلى الله تعالى". أخرجه: مسلم (2092) (58) و (1774) والترمذي (2716)، والبيهقي 9/ 107، وابن حبان (6553).
كَما وردَ من حديث ابن عباس، كتابُه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل: أخرجه: أحمد 1/ 263، والمخاري (7) و (51) و (2681) و (2941) و (2978) و (3174) و (4551) و (5980)، ومسلم (1773) والترمذي (2717)، وابن حبان (6555).
(2) لم نجده بهذا اللفظ، وانظر "نصب الراية" 2/ 398 و 3/ 380.
(3/146)

يقالُ: هم من أهلِ الصحةِ لتحصيلها بشروطِها، ومن قدرَ على تحصيلِ الشرطِ لا يقال: لا يصحُ منه فعلُ المشروطِ.
على أنَّنا لو سامحنا وأنها لا تصح، بمعنى مالم يقدموا شرطها، فباطلٌ بالمرتدين، فإنهم كفارٌ ولا تصح منهم العبادات على وجهِ القربةِ وهم مخاطبون.
فإن قالوا: أولئكَ التزموا حكمَ الإِسلامِ قبل، وهؤلاء الزموا حكمَ الإِسلامِ، وإلزامُ الشرعِ كإلزامهم.
فإن قيل: فالمرتدُ لما وجبت عليه حال كفرِه، وجبَ عليه قضاؤها بعد إسلامهِ، قيل: إن صحَّ لك هذا الاعتذارُ مع من يسلم وجوبَ القضاء على المرتد، لم يصح لك مع من لا يوجُبه، فتقف صحةُ اعتراضكَ على تسليم خصمك.
على أنَّ القضاءَ إنما سقطَ عن الكافرِ الأصلي لئلا يؤديَ إلي تنفيره، وسنوضِّحُ العذرَ عن إسقاطِ القضاءِ في الكلامِ على الشبهةِ التي أوردتموها في جملةِ الشبه التي جمعناها في الفصل المختص بها إن شاء الله.
وجواب آخر عن أصل هذه الشبهة: وهو أنَّ عدمَ الصحّةِ لا يمنعُ الإيجابِ، كما أنَّ التصديقَ بالرسلِ لا يصحُّ من جاحدٍ بالصانع، ثم إنّهم قد صرفوا الخطابَ بالإيمانِ بالرسلِ إلى الجاحدِ لكونهِ قادراً على تحصيلِ الشرطِ بطريقهِ وهو النظرُ والاستدلالُ، فإذا حصلت المعرفةُ ترتب حجةُ التصديقِ بالرسل، ولم يقف الخطابُ بتصديقهم على حصول المعرفةِ، بل قنع في إيجابها بالقدرةِ على التسبب إلى المعرفةِ
(3/147)

بالمرسلِ، كذلكَ لا يقفُ الخطابُ هاهنا على حصولِ الإيمان، بل يُقنع بالقدرةِ على تحصيلِ الإيمان.
وأما قولُهم: لا فائدةَ في الأمرِ بها مع عدم صحتها. فليس كما ذكروا، لأن التكليفَ في الجملةِ فائدة صح أو لَم يصح، كان أو لم يكن، لأن علمَ المكلفِ أنه إِذا لم يتبع هذا الشرعَ كان معاقباً على تركِ فروعهِ وأصوله كان أدعى له إلى الاستجابةِ، وينتفعُ به إذاً كسببٍ لحصولِ الشرط، وهو الإيمانُ (1).
وأما جوابُنا عن قولهم: لو كانت واجبةً حالَ كفرهِ لوجبَ قضاؤها حالَ إِسلامهِ، فإنَه لا يصح لوجوهٍ:
أحدُها: أنَ القضاءَ لا يجبُ لأجلِ وجوبِ المقضي، ولا يسقطُ لعدم وجوب المقضي، والله سبحانه أن يوجبَ الأداءَ ثم يسقطَ القضاءَ، ويوجبُ القضاءَ لما لم يجب فيه الأداءُ، بل لم يصح فيه الأداءُ، ولهذا يجبُ قضاءُ الصوم على الحائض ولا يجبُ عليها في حالِ الحيضِ صومٌ، والجمعةُ تجب، ثم إِذا تركَها من تجبُ عليه لم يجب قضاؤها، وإنما يجبُ القضاء بأمرٍ مبتدأ، ولم يردْ دليلٌ بوجوب القضاءِ على الكافرِ، وإن علّل ذلكَ فلأجلِ [عدم] التنفير عن الإسلام عفيَ للكافرِ عما سلَفَ من العبادات لأجل أنَ الشيخ الهِمَّ (2) إذا رأى أنه يحتاج أن يقضي صلواتِ عشرات سنين، ويزكّي عن ماله لمِا مضى حتى يفتقر شحَّ وتكاسلَ فغير عن الإسلامِ.
__________
(1) بعدها في الأصل أربع كلمات غير واضحة.
(2) الشيخ الهِمّ: الكبير الفاني. "القاموس المحيط": (هَمَّ).
(3/148)

وأما تعلقهم بأن الكافرَ لا يجبُ عليه بتركِ صلواتٍ عقوبةُ الدنيا وهي القتلُ أو الضربُ، فكذلك الإثمُ، فليسَ بلازم، لأن الله تعالى قد أسقطَ القتل والاسترقاقَ عن كفارِ أهلِ الذمةِ، دارْ لم يُسقط عقوبةَ الآخرةِ عنهم.
على أنَّ الكافرَ جُعلَ كالمجتهدِ في تحصيلِ الإسلام ليؤدي ما يجبُ عليه بالإسلام. والمجتهدُ لا يُعاقبُ في حالِ اجتهادهَ، والدليلُ على أنه جعل كالمجَتهدِ، أنه جائز إقرارُ أهل الكتاب، ومن له شبهة كتاب مع كفرهم وما يعتقدونه من دينهم، ولهذا من لم يُقَرّ على كفرهِ بودر بالعقوبةِ وهم المرتدون، ومن لا يجوزُ إقرارُهم على كفرِهم، ومن أمهِلَ وتُركَ مقراً على الكفرِ من غير إزعاج ولا إزهاقٍ أحرى أن لا يزهقَ ويضربَ لأداءِ الصلاة.
وأمّا قولهم: إنَّ الجاحدَ للأصلِ لا يجوزُ أن يُخاطبَ بالفرع.
ليس بكلامٍ صحيحٍ، لأنَّه إذا ثبتَ أنَّ معرفةَ الله تعالى أصل لتصديق رُسُله وقد خوطبَ بتصديقِ الرُّسُل عليهم السلام ونُهيَ عن تكذيبهم، ثبتَ أنَّ تصديق الرسُلِ وإن كان أصلًا للطاعةِ لهم في الأمرِ بالعباداتِ لا يمنعُ من خطابِهم بالعباداتِ بشريطة تحصيلِ التصديق لهم.
على أن قولك: المعرفة أصلٌ، فإنَ المقصودَ من المعرفةِ طاعةُ المعروفِ وعبادته، فيجوزُ أن لا نمنعَ الخطابَ لهم بالمعرفةِ من خطابهم بالمقصودِ بها، وهو تعظيمُ الله تعالى وامتثالُ أمره، وهو تعالى يقول: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].
على أنَّ المرتدَّ لا يمتنعُ خطابُنا له بالإيمانِ والعودِ إليه ومعالجةِ
(3/149)

شبهِ الكفرِ من خطابهِ بالعباداتِ على قول أصحاب الشافعي ومن وافقهم، والمرتدُّ حالَ ردتهِ غيرُ معتقدٍ ولا ملتزم لِإيمانٍ ولا عبادةٍ أوجبها الشرعُ، ومع ذلكَ ألزمه الشرعُ ذلك.
وأمَّا تقديم النبي - صلى الله عليه وسلم - خطابَ الكفارِ بالإيمان، فإنما كان كذلك ليكونَ تقديمُ معارفِهم بالله مستعملًا وموطئاً لهم على العباداتِ، لأنَّ طاعةَ من لا يعرف لا تتأتى، فما أخرَ الخطاب لأن العباداتِ لم تجب، لكن لم يُكثر عليهم، حتى إِذا عرفوا سَهُلَ عليهم وخف بعرفانِه، تعالت عظمتُه، ومعرفة صحةِ الرسالةِ أثقالُ العبادات، ولأنه عليه السلام لم يذكر المنهيات على قولِ من وافق في خطابهم بها لما ذكرنا، وإن كانت قد دخلت في خطابِهم بالإيمان، والله أعلم.

فصلٌ
إذا أمرَ الله تعالى بعبادةٍ، كان أمرُه بها نطقاً، نهياً عن ضدها من طريق المعنى، وسواءٌ كان لها ضدٌّ واحد أو أضداد (1).
وتفصيل هذا الكلام: أن كل مأمورٍ به من جهةِ آمر، يقتضي النهيَ عن تركِ ذلك المأمورِ به، وكل فعل يضاد المأمور به لا يصح أن يجمع معه كما لا يجمعُ التركُ، فكانَ حكمُ المضادِ للعبادةِ المأمورِ بها حكمَ الترك، فلا بد أن نقول: إِذا لم يكن الآمرُ قد خير بين فعلها وفعلِ ضدِّها، فأمَّا إِن وُجدَ التخيير بين المأمورِ وبين ضدِه صارَ بمثابةِ
__________
(1) انظر هذا الفصل في "العدة"2/ 368، و"التمهيد"1/ 329، و" المسوّدة" ص (49) و"شرح مختصر الروضة" 2/ 380 و "شرح الكوكب المنير" 3/ 51.
(3/150)

التخيير بين فعلهِ وتركه، فيخرجُ بالتخيير عن أن يكون منهياً عنه من طريق المعنى ونهياً.
قاله أكثر أصحاب أبي حنيفةَ، وأصحابِ الشافعيِّ، وأصحاب الأشعري (1)، وزاد بعض الأشعرية، فقال: هو نهي عن ضده من طريق اللفظ (2).
وقال المعتزلة وبعض أصحاب الشافعى (3): ليس بنهي عن ضدِه لا لفظاً ولا معنىً.
وفائدة قولنا: إنه إذا فعلَ الضدّ كان آثماً بفعل الضدّ من جهة الأمرِ، ولا فرقَ بين كونِ الأمر ندباً أو واجباً.
وقد فصَّل بعض المتكلمين، فقال في الأمرِ الواجبِ: يكون نهياً عق ضده، وأما المندوبُ فلا.
__________
(1) أي أن كثر الحنفية والشافعية قالوا: بأن الأمرَ بالشيء نهى عن ضده من طريق المعنى.
انظر ذلك في "الفصول في الأُصول" 3/ 158، و"أصول السرخسي" 1/ 94، و"التبصرة" ص (89)، و "الإحكام" للآمدى 2/ 251، و"المحصول" 2/ 199.
(2) أي أن بعض الأشاعرة قالوا: بأن الأمرَ بالشيء نهى عن ضده من طريق المعنى واللفظ معاً، وهو قول أبي الحسن الأشعري كما في "البحر المحيط" 2/ 417، وهو مبني على قوله: إن الأمرَ لا صيغة له.
(3) من أصحاب الشافعي الدين قالوا بأنَّ الأمر بالشيء ليس نهياً عن ضده لا لفظاً ولا معنى، الجويني كما في "البرهان" 1/ 252، والغزالي في "المستصفى" 1/ 82 وانظر تفصيل المسألة في "البحر المحيط" 2/ 416.
(3/151)

وذهب المحققونَ والأكثرونَ من أهلِ هذه المقالةِ إلى أنَّ النهي يكونُ بحسبِ الأمرِ، فإن كان أمراً موجباً، كان نهياً عن ضدِه جازماً، وإن كان أمرَ ندبٍ، كان النهي عن ضده تنزيهاً وكراهية.

فصل
في جمعِ الأدلةِ على مذهبنا
فمنها من جهة البناءِ على أصلنا، وهو أنَّ الأمرَ على الوجوبِ على الفورِ، فإذا ثبت هذان الأصلان، وقد حرمَ التركُ بإشغال الوقت الذي يلي الأمرَ بما يضادُّ الأمرَ، التفاتٌ عن المأمور إلى غيره، وذلك محظورٌ من حيث كان إخلالاً بالمأمور.
ومن ذلك: أن فعل المأمورِ به لا يمكنُ إلا بتركِ ضده إن كان له ضدٌّ واحدٌ، وبتركِ جميعِ أضداده إن كان له أضدادٌ، وما لا يمكنُ فعلُ الواجبِ إلا به يكونُ واجباً فعلُه، فما لا يمكن فعلُ الواجب إلا بتركِه يجبُ أن يكونَ واجباً تركُه، ولا يجبُ تركُه إلا وهو منهيٌّ عنه.
مثالُ ذلك: أنَّ الطهارةَ والستارةَ والاستقبال شروطٌ شرعيةٌ لا يمكنُ فعلُ الصلاةِ الشرعيةِ إلا بها، فكانت مشاركةً للصلاةَ في الوجوبِ، فكذلك تركُ هذه الأضدادِ لا يمكن فعل العبادة إلا بها، فكان شرطاً واجباً، ووجوبُ التركِ لا يكونُ إلا بنهي، وما وجدَ سوى الأمرِ بالعبادةِ،
(3/152)

فثبت أنَ في طيهِ النهي عن الضد المعوِّق عن فعلها.
ومثاله من مسألتنا، إذا قال لعبدِه: اخرج من الدارِ. فإنَه يعقل منه الأمرُ بفعلِ الخروج، والنهيُ عن المقام، حتى إن السيدَ إذا رأى العبدَ مقيماً فيها حسُن أن يقول: ألم أنهك عن المقام؟! كما يحسُن به أن يقول: ألم آمُرْكَ بالخروج؟
وكذلك إذا قال له: قمْ، فقعدَ، حَسُن أن يوبِّخه ويعاقبه إن شاءَ على تركِ القيامِ فيقول له: ألم اَمُركَ بالقيامِ؟ وإن شاء على ما ارتكبه من النهي عن القعودِ، فيقولُ له: ألم أنهَكَ عن القعود حيث أمرُتك بالقيامِ؟ ولا يحسُن أن يقول: لم أنهه عن القعودِ، إنما أمرتُه بالقيامِ.
ومن ذلك: أنَّ من مذهبِ المعتزلةِ أن الأمرَ يقتضي إرادةَ المأمورِ به وحسنه، فكانَ تركهُ يقتضي ضدَّ الإِرادةِ والحُسنِ، وهو كراهيتُه وقُبحه، وفعلُ الضدِّ تركٌ في الحقيقة، والقبحُ والكراهيةُ تقتضي حظره، وكل محظور فمنهيٌّ عنه.

فصل
في أسئلتهم على ما ذكرنا من أدلتنا
قالوا: هذا باطل بالنوافل، فإنَها حسنةٌ مرادةٌ، ولا يقال: إن ضدَّها قبيحٌ مكروه.
قيل: إنَما أتينا بالطريقةِ لإِفسادِ مذهبكم، ولا يصحُّ أن يكونَ جوابُه المناقضةَ، والله أعلم.
(3/153)

فصلٌ
في جمع شبهِ من قال: إنّه ليسَ بنهيٍ من طريق المعنى، دونَ من قال: إنه نهيٌ من جهةِ اللفظ والقولِ.
فمنها: أنَّ الأمرَ استدعاءُ الفعلِ بقوله: افعل، والنهي استدعاءُ الكف والترك بقوله: لا تفعل، فلا يجوزُ أن يجتمعا، وهما ضدان لصيغةٍ واحدةٍ، كما لا يجتمعُ الضدان في محلٍ واحدٍ، ولا يجتمعُ لجوهر الواحدِ حركةٌ وسكون في حالةٍ، كذلك لا يجتمعُ للصيغةِ الواحدة، استدعاءُ الفعلِ، واستدعاءُ التركِ.
ومن ذلك: أنه لو كانَ الأمرُ بالشيءِ نهياً عن ضدّه، لكانَ الأمرُ بالنوافل نهياً عن تركها.
وللنهي حالتان:
نهيُ حظرٍ.
ونهيُ تنزيهٍ وكراهة.
ولو كانت النافلةُ منهياً عن تركهِا حيث كانت مأموراً بها ندباً، لكانَ النهيُ عنها إن كان حظراً عادَ بوجوبها، لأنَّ المحظورَ تركُه ليس إلا الواجبَ فعله، وفي إجماعنا على نفي وجوب النوافل إبطال لدعوى النهي عن تركها على وجه الحظر.
وإن كانَ الأمرُ بها نهياً عن تركهِا تنزيهاً وكراهةً، فقد أجمعَ الناس على أن فعلها مستحب وتركَها غيرُ مكروهٍ، كما كانَ غيرَ محظورٍ، فبطَل قَولكم: إنَ الأمرَ بالشيء نهى عن ضده.
ومن ذلكَ قولهم: لو كانَ الأمرُ والنهيُ يتضادان، لتضادَّ العلم،
(3/154)

بالجهل، ولو كانَ الأمرُ بالشيء نهياً عن ضدّه، لكانَ العلمُ بالشيءِ جهلاً لضدَه، فلما لم يكن العلم بالشيءِ جهلًا لضده، كذلكَ لا يكونُ الأمرُ بالشيءِ نهياً عن ضده.
ومن ذلك قولُهم: لو كان الأمرُ بالشيء نهياً عن ضده، لكان النهي عنه أمراً بضده، ولما لم يكن النهيُ عن الشيء أمراً بضده، كذلك لا يكون الأمرُ به نهياً عن ضده.
ومن ذلك: ما اعتمدَ عليه المتكلمون منهم، فقالوا: إنَ النهيَ إنما يتناولُ الممكنَ، فأمَّا ما يُضطر الِإنسانُ إليه، فلا يؤمرُ به ولا يُنهى عنه، والأعلى إذا قال للأدنى: قُم، أو قال له: تكلمْ. كان مستدعياً منه القيامَ والكلامَ الذي لا يمكن معه القعودُ والصمتُ، فصار عدمُ وقوعِ القعودِ منه والسكوتِ منفيين ضرورةً بوجودِ ضدّهما، فالضدُّ ينفي ضده، فلا يبقى للنهي عن الضدِّ مساغ، مع كونه ينتفي بحصولِ الضدّ.
وتفصيح هذا وإخراجُه إلى النطقِ به يكشفُ عن صحته أن هذا المستدعي لقيامه لو قال له: قم، ولا تكن حالَ قيامِك جالساً، وانطق، ولا تكن حال نطقك ساكتاً، لعُدَ لاغياً عابثاً، وما كانَ ذلك لغواً إلا لما ذكرنا من أن قيامه ينفي قعوده، وكلامَه ينفي صماتَه، فلا يبقى ما يقع عليه النهي، ولا يدخلُ تحتَ إمكانِ المأمورِ بالضدَّ فعلُ الضدِّ فنهيَ عنه.
ومن ذلكَ: ما تعلّق به أهلُ الكلامِ منهم: لو كانَ الأمرُ بالشيء نهياً عن ضدّه، لكانَ له متعلّقان، أحدُهما مأمورٌ به، والآخر منهيٌ
(3/155)

عنه، ولوجبَ أن يتعلق بشيئين على جهةِ العكس، وهذا باطلٌ لأن كلَّ ماله تعلق من الصفاتِ لا يصحُ أن يتعلق إلا بمتعلقٍ واحدٍ على وجهٍ واحدٍ.

فصل
يجمع الأجوبةَ عن شبههم
فأمَّا قولهم: إنَّ صيغةَ الأمرِ والنهي ضدّان فلا يجتمعان. فلا تضاد بينهما إذا تغاير ما ينصرفان إليه، فإنَه يحسُنُ أن يقول: لا تقعدْ. مكانَ قوله: قم، وبدلًا منه، فإذا قال: قم، فهو آمرٌ بالقيام، ويندرج فيه النهيُ عن القعودِ معنىً، والذي يتضادُ مضادةً يستحيلُ اجتماعُهما في حق الواحد أن يقول: قمْ اقعدْ، أو قمُ اضطجعْ في حال. فذاكَ الذي لا يجوزُ اجتماعُه في الخطاب، كما لا يصحُ اجتماعُ المأمورِ به في المحل الواحد، وكل عاقلٍ من أهل اللغةِ يفهم من قوله: قمْ أنَه قد نهاه عن أن يقعدَ ويضطجع، وعن كل ضد يخرج باعتمادِه عن القيام المأمور به، كما يعقل للنهي عن ترك ما أمر به، ولا فرقَ بين تركِ ماَ أمره به، وبينَ فعل ضده، إذ لا يُتصور تركُ القيام إلا بفعلِ ضدٍّ من أضدادهِ، مثل قعودَ أو اضطجاعٍ، وقد أوضحَ اللهَ تعالى ذلكَ بقوله: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] هذا أمر بالسعي، ثمَ قال: {وَذَرُوا الْبَيْعَ} فيفصح بالنهي عما الاشتغال به، يقطعُ عن السعي، ولو سكتَ عنه لكان في قوةِ اللفظِ ما يُعلمُ به أنه نهيٌ عن كل قاطعٍ عن السعي، وإنما اقتصرَ على النهي عن السعي لأنَه أهمُ أشغالِ الناس وهو الذي ذَكَرَ الله تعالى عن
(3/156)

أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهم انفضوا إليه وتركوه قائماً (1)، فقال: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا} [الجمعة: 11] يعني التجارةَ، لكن اللهو الذي كان يُفعل بين يدي القوافلِ تابعٌ لها ومنبه عليها، وهي المقصودةُ بالتجارةِ، فصرفَ النهي إلى البيع لهذه العلةِ، والمعقولُ من ذلكَ: النهيُ عن كل مشغلٍ عن السعي إلى الجمعةِ. ومما يشهد لاندراج النهي في لفظِ الأمرِ وإن لم يكق مصرَّحاً به وأنه لو صرّح به لما كان من المضادِّ له، قوله تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23] نهى عن التأفيف، ونبه على ما زاد عليه، فكأنه قال: لا تؤذِهما بأقلِّ الأذى. منبهاً على أكثره، وإن لم يوجد في اللفظ ذلكَ فقد وُجِدَ معناه، كذلك النهيُ هاهنا مندرج، وليس بين الأمر بالشيء والنهي عن ضدهِ تضادٌ، بل أكثرُ موافقة، وإنما التضادُ بين الأمرِ المطلقِ والنهيِ المطلقِ، والأمرِ بعينِ شيء، والنهي عن عينِ ذلك الشيء، فبطلَ ما تعلقوا به من الِإحالةِ لاجتماعٍ من جهةِ التضاد بين الصيغتين.
ولأنّه إذا كان تركُ الضدين شرطاً لفعلِ المأمور به، حسُن أن يجعلَ الأمر بالمشروطِ أمراً بالشرطِ من طريقِ المعنى، وإن لم يكن من طريقِ اللفظِ، كمن أمرناه بالصلاةِ التي قد ثبت أنَّ من شرطها تقدمَ
__________
(1) وردَ ذلكَ من حديث جابر بن عبد الله: "بينما نَحنُ نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ أقبلت من الشام عيرٌ تحملُ طعاماً، فالتفتوا إليها حتى ما بقيَ مع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلا اثنا عشر رجَلاً، فنزلت: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا ...} [الجمعة: 11].
أخرجه البخاري (936) و (2058) و (4899)، ومسلم (863)، والترمذي (3311).
(3/157)

الطهارةِ، حسُن أن نقول بأنَ الأمرَ بها أمر بالطهارةِ معنى، كذلكَ حسُن أن نقول: إنّ استدعاءَ الفعلِ ها هنا استدعاء لتركِ ضدّه معنىً، إذ كان ذلكَ شرطاً له.
وأمَّا قولهم: لو كانَ الأمرُ بالشيء نهياً عن ضدّه، لكانَ منهياً عن ضدّ النوافل وهو التركُ لها، أو كل فعل يضادها من الخياطةِ والتجارةِ وغيرِ ذلك، ولو كانَ منهياً عنه لكانَ مكروهاً أو منزَهاً عنه. فلا يلزمُ، لأن النهيَ عن الضدّ بحسب الأمر، وإذا قلنا: المندوبُ مأمور، فإن كلَّ ضدٍ لها يستحبُ تركُه إذا لم يكن واجباً لأجلِ قضاءِ دين أو إنفاقٍ على عيال، كما يجبُ تركُ ما يسقطُ بفعلِه الواجب من أضداده، إلا أن يكون الضدّ واجباً فعلُه مقدَّماً وجوبُه على وجوب المأمورِ به، فعلى هذا إذا أمر بصلاةِ التراويح، كان أمرَ استحباب، اَستحببنا له تركَ كلِّ شُغل عنها، ونهيناه على حدِّ الأمر بها عن كل ضدٍّ لها.
وأمَّا قولُهم: لو كانَ الأمرُ بالشيء نهياً عن ضده، لكانَ العلمُ بالشيء جهلًا بضدّه. لا يصحّ، لأنَّنا نقول: وما الجامعُ بين الأمرِ والعلم؟!
على أنَّ الحق أن يقال: يصحُّ أن يعلمَ الشيءَ وضدَّه في حالةٍ واحدةٍ، ولا يأمرُ بالشيء وضدّه، وذلك لأنَّ العلمَ بالشيء لا ينافي العلمَ بضدّه، والأمرُ بالشيء ينافي الأمرَ بضدّه، فلا يكونُ فاعلًا لشيءٍ إلا بتركِ ضدِّه، ويكونُ عالماً بالشيء، وإن لم يكن جاهلاً بضدّه، ولأنهم وافقوا أنَّ كلّ آمرٍ بشيء ناهٍ عن ضدّه، وليسَ يجبُ أن يكونَ كل عالمٍ بشيءٍ جاهلًا بضده.
(3/158)

وأما قولهم: لما لم يكن النهيُ بالشيء أمراً بضدّه، لا يكونُ الأمرُ بالشيء نهياً عن ضده. فكذلكَ نقول: وإنّه إذا نهاه عن شيءٍ له ضدَّ واحد كالحركةِ، فقد أمرَه بالسكون معنىً، وإن نهاه عما له أضداد، فقد أمره بواحد من تلكَ الأضدادِ، مثل أن ينهاه عن الاضطجاعِ، فيكون آمراً له بالجلوسِ أو القيامِ، وفي الجملة، ما يكون به خارجاً عن الاضطجاعِ أيّ الأضداد كان.
وأمَّا قولهم: يفضي إلى أن يكون للأمر متعلقان، لأن كل ماله تعلُّق من الصفاتِ لا يصحُ أن يتعلّق إلا بمتعلَّقٍ واحد على وجهٍ واحدٍ.
فليسَ بصحيح، لأنَّ صفاتِ القديمِ سبحانه خاصة يصحُّ أن تتعلّق بكل ما يصحُ أن تتعلق به صفاتنا من العلمِ بالعلومِ، تعلق العلم بالمعلوماتِ، وقد بينا ذلكَ في أُصولِ الديانات.
على أنَهم قد ناقضوا هذا بقولهم: إنَ القدرةَ الواحدةَ تكون قدرةً على الشيء ومثله وضده وخلافه. وأوضحنا أنَّ نفسَ الِإرادةِ للشيء كراهيةٌ لضدّه، وأنها تتعلق بشيئين، وتكونُ متعلّقة بأحدِهما على العكس من تعلّقها بالآخر، فبطلَ ما قالوه (1).
__________
(1) ورد هنا في نسخة الأصل ما نصه:
"آخر الأول، يتلوه: الأمرُ بالشيء ليس بنهي عن ضدّه من طريقِ اللفظ.
تممه محمد بن محمود المراتبي، في الثالث من ربيع الثاني سنة ثمانٍ وعشرين وست مئة. وصلى الله على محمدٍ وآله.
يا رب، يا رب، يا رب، يا حي يا قيوم، ياذا الجلال والإكرام، اغفر لي".
(3/159)

فصل (1)
الأمرُ بالشيء ليسَ بِنَهى عن ضدِّه من طريقِ اللفظِ (2) خلافاً للأشعرية (3).
وذكرَ أبو بكر الباقِلاني (4): أنَ ذلكَ في الأمرِ من كلام اللهِ تعالى خاصةً بما قرروه من أصلهم، وأنَ كلام اللهِ شيءٌ واحد، ليسَ بأشياءَ متغايرة، وليس ذلكَ في كلامِ الآدميين؛ لأنه متغايرٌ في النفسِ، كما يتغايرُ عندَ من أثبته صيغاً في النطق.

فصل
في الدلالةِ على ذلك
إن الأمر استدعاءُ الفعل، والنهيَ استدعاءُ الترك، وكما لا يجتمعان في الصيغةِ التي هي حكايةٌ عند المخالف، لا يكونُ المحكيُّ أمراً ناهياً، ولا في محل إلي محل، كالكراهةِ والإرادة، ولأنَ العرب -وهي الأصل في هذا- وضعت الأمرَ استدعاءً للفعل وحثاً عليه، والنهيَ للكف عنه والإبعادِ منه، وإذا فَصَلَتْ بين الأمرينِ لم يُلتفت إلى مخالفِها بما يضعه من مذهب، وصار كالخبرِ بالإثبات مع الإخبارِ بالنفي لمّاَ وضعت له صيغتان تدلُّ على معنيين مختلفين، لم يكن قولها: زيدٌ في الدار, ليس هو قولها: ليس زيدٌ في السوق، لكن نعلمُ ذلك من طريق الاستدلالِ، وأنَ الجسم لا يكونُ في مكانين، فأما من طريق اللفظ، فلا.
__________
(1) من هنا بداية الجزءالثاني من الأصل الخطي.
(2) مقصودُه أن الأمرَ بالشيءِ نهيٌ عن ضده من طريق المعنى لا اللفظ، وهذا مذهبُ الحنابلة كما ذكر ابن تيمية الجذُ في" المسؤَدة" ص 49، وانظر تفصيل المسألة في "شرح مختصر الروضة" 2/ 380، و"التمهيد" 1/ 329، و"العدة"2/ 368.
(3) انظر "البرهان" 1/ 250، و"العدة" 2/ 370.
(4) ذكر قول الباقلاني هذا إمام الحرمين في "البرهان" 1/ 250.
(3/161)

فصل
في شُبههم
فمنها: أنه لا فرقَ بين قولِ القائل: دَنَت الشمسُ من المغربِ، وبين قوله: [21/ 2] بَعُدت من المشرقِ. فكذلك قوله لمن كان من عبيدهِ مقارِباً لزيدٍ: اقترب من عمرو.
(1 ................................................................................ 1)
له دراهم -لفظان: ثمانية وعشرة إلا درهمين- أن هذا غير هذا، كذلك لا يكونُ النطقُ بالأمر بالشيء ليس هو النهيَ عن ضدّه، ولا يقالُ: هو غيره.

فصل
في أجوبة شُبههم
أمَّا دعواه أنهُ لا فرقَ في اللفظِ الأوّل بين البعدِ والقربِ، فلعمري أنه لا فرقَ في المعنى، فأمَّا من طريقِ اللفظ، فبلى، ونحنُ لا نمنعُ أنهما في المعنى سواء، ألا ترى أنَّ زيداً (2) الفقيه الشيخَ العربي، إذا نوديَ بيا زيدُ، أو يا رجُل، أو بيا فَقيهُ، أو بيا شَيخُ، أو بيا عَربي، كان النداءُ في المعنى واحداً وفي الألفاظِ مختلفاً؟ وكلامُنا في النهي من طريقِ اللفظ.
وأمَّا الثمانية، فداخلة في العشرة دخولَ البعضِ في الجملةِ، وليس دخولُ النهي في الأمرِ دخولَ البعض، لأنه ليس في الأمرِ نهي وتحتَ العشرة ثمانية، فإذا أخرجَتْ بالاستثناءِ الدرهمان، بقي ثمانيةٌ لا محالة.
__________
(1 - 1) هنا طمسٌ في الأصل بمقدار سطرين.
(2) في الأصل "زيد"، والصواب ما أثبتناه.
(3/162)

فصل
الفرضُ والواجبُ سواءٌ في أصحِّ الرواياتِ عن أحمد رضي الله عنه (1)، وبها قال أصحابُ الشافعي (2)، وعنه روايةٌ أخرى: أنَّ الفرضَ ما ثبت بدليل مقطوعٍ عليه، والواجبَ غيرُه، وهو ما ثبتَ بخبر واحد، أو قياسٍ.
فالفرضُ على هذه الرواية آكدُ من الواجبِ، وبها قال أبو حنيفة (3).
وعنه (4): أن الفرضَ ما ثبت بقرآنٍ، ولايسمَّى فرضاً ماثبت بسنةِ النبي- صلى الله عليه وسلم -.

فصل
في جمع الأدلة على الرواية الأوَّلة.
فمنها: أنَّ التزايدَ (5 .............................................. 5)
عُلِمَ لنا بمقاديرِ العقوباتِ في واجبٍ دون واجبٍ، وإن وُجِدَ ذلك في شيء منها، كالصلإةِ يقتلُ بتركها، ويُكَفرُ بتركها عند قوم، والصَومِ والزكاةِ والحجّ، فلا يقال: إنَ
__________
(1) انظر تفصيل المسألة في "المسوَّدة" (50 - 51)، و"العدة" 2/ 376، و"شرح الكوكب المنير"
1/ 351، و"تيسير التحرير" 2/ 135.
(2) انظو "المستصفى"1/ 66
(3) "تيسير التحرير" 2/ 135، و"أصول السرخسي" (1/ 110 - 113).
(4) أي رواية أُخرى عن أحمدَ، فحصَلَ بذلكَ أنَه قد رُويَ عن الإمام أحمد ثلاثُ روايات:
الأولى: أنه لا فرقَ بينَ الواجبِ والفرضِ وهو رأيُ جمهورِ الأُصوليين.
الثانية: أن الفرضَ ما ثبتَ بدليلِ قطعي، والواجبَ ما ثبتَ بدليلٍ ظني. وهو في هذا يتفق مع الحنفية.
الثالثةُ: أنَ الفرضَ ما ثبتَ بقرآن. وما لم يثبت بالقرآن لا يُسمى فرضاَ حتى لو كان الدليل عليه قطعياً.
وأصحُّ الرواياتِ عن أحمدَ الروايةُ الأولى، كما سيأتي.
(5 - 5) طمسٌ في الأصل.
(3/163)

الصلاةَ من بينِ الفرائضِ تفضل برتبةٍ تَخْرُجُ بها عن الفرض إلى ما هو أعلى، ولا يخرجُ ما دونها عن الفرضِ، بل تساويها سائرُ العبادات في الفريضة.
ومن ذلك: أنا أجمعنا على أنَ كل فرضٍ واجبٌ، فمن ادعى أن ليس كلُّ واجب فرضاً (1)، يحتاج إلي دليل.
ومن ذلك: أنَ الله سبحانه أطلق اسمَ الفرض على الواجب، فقال: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} [البقرة: 197] وعنى به: أوجَبَ فيهن.
ومن ذلك: ان قوَّة الطريق، وكَوْنَ الدليلِ مقطوعاً لا يؤثر إلا علماً بالمنقول، فأمَّا أن يؤثّر في الوجوبِ فلا، ألا ترى أنَ النوافلَ التي تواتَر الخبرُ بها لا تَصير واجبةً بقوة الطريقِ، بل يكونُ العلم بها قَطعياً، وهي سنة أو نافلة -وغايةُ ما يُستدلّ به على الوجوبِ؛ القرائنُ والدلائلُ على أنه مَحتوم على المكلّف مَأثومٌ معاقب على تركه، ولا يبقى بعْد ذلك إلا مراتبُ الواجباتِ في استحقاقِ الذّم والعقوبةِ على الترك، كما في المنهياتِ، تكون متساويةً في الحظرِ والتحريمِ، ولا يبقى بعد ذلك إلا التفاوتُ في عقوبات (2 ............................................................ 2) منها، مع عدمِ المداومةِ عليها ولم بُعتبر في كونِها كبيرةً أن يكون طريقُ تحريمها قطعياً، بل تَضاعُفُ عقابِها في الدنيا بالجزاء، والآخرةِ بالوعيد، أوهما. فكان يجبُ أن تَخُصَّ الفَريضةَ -إن جعلتهاَ أكبَر من الواجبِ- بزيادةِ ثوابٍ على فعلها، وكثرةِ عقابٍ على تركها دون تأكُّد طريقها.
ومن ذلكَ: أنَ مُدّعي اسم الفرض لمِا ثبتَ بدليلٍ مقطوعٍ، كمدعي اسم النفل لما ثبتَ بدليلٍ مظنونٍ، فيخلع على كل أمرٍ وَرَدَ من جهةِ الشارعِ بخبرِ واحد اسمَ نفلٍ، وهذا صحيحٌ؛ لأنَّ الطريقَ المقطوعَ إذا أورث قوةً في الإيجاب ومَزِيَّةً هي الفريضة،
__________
(1) في الأصل "فرض" والصواب ما أثبتناه.
(2 - 2) طمس في الأصل.
(3/164)

وصَلُح للرفعِ والتعظيمِ، وجَبَ أن يُعطى نقيضُه التدوينَ والتقليلَ في الرتبةِ، فيكونُ كُلُّ أمرٍ ثبتَ بطريقٍ مظنونٍ ودليلٍ غيرِ مقطوعٍ نفلاً محطوطاً عن رتبةِ الإيجابِ، فلما لم يُدوّن الدليلُ المظنونُ رتبةَ المأمورِ فيجعله نَفلاً، لم يَرفع قوة الطريقِ للمأمورِ فيجعله فرضاً، وما جُعِل الدليلُ المقطوع للأمر فرضاً إلا تَشَهِّياً ووضعاً بغير دلالة، و (1 لا إحالة فيه رأساً 1) ودعوى بلا برهان لا ثباتَ لها.
ومن ذلك: أنَ لفظةَ الوجوبِ آكدُ من لفظةِ الفرض؛ لأنها تعطي السقوطَ والوقوعَ، يقال: وَجبت الشمسُ، ووجبت جنوبُ الضحايا والهدايا، ووجبَ الحائطُ.
إذا سَقَط، فإذا قيل: وجبت العبادةُ. فالمرادُ به: وقَع الخطابُ بها على المخاطَب، وسَقط كسقوطِ الجدارِ وثباته.
(2 ............................................................................... 2)
و {مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ} [الأحزاب: 38]، يعني: أحل له.
والفرضُ بمعنى الحَزِّ والأثر، من فُرضةِ النهر (3)، وفُرضةُ القَوسِ: مَحَزُ الوَتر، وأثرُ المشي الذي هو المَحَاج من المشَارعِ (4) المطروقةِ. والفرضُ بمعنى التقديرِ، فَرَضَ القاضي [النفقة: أي قدرها] (5).
وإذا كانت مشتركة، والواجبُّ يُتَّخذُ للإلزامِ والانحتامِ، كان الإيجابُ أحقَ بالتأكيد، فإذا لم يتأكد على الفرضِ بالإجماعِ منا، بقي التساوي، وانعدمت بذلكَ
__________
(1 - 1) هكذا وردت العبارة في الأصل.
(2 - 2) طمس في الأصل، والذي يُفهم من سياقِ الكلامِ أنَ العبارة المطموسة هي تكملةٌ للمقارنةِ بين معنى الفرضِ والواجبِ.
(3) هي ثُلْمته التي منها يُستقى."اللسان": (فرض).
(4) جمع مَشْرَعة، وهي المواضع التي يُنحَدرُ إلى الماء منها. "اللسان": (شرع).
(5) ما بين معقوفتين زيادة يستقيم بها المعنى، وقد ذكر المصنف تعريف الفرض والواجب في الصفحة 29 من الجز الأول.
(3/165)

مزية الفرضِ وتأكدُه على الواجب.
ومن ذلكَ: أن قالوا: إن اختلافَ طُرقِ العبادةِ لا يُعطي تَميزاً واختلافاً، ألا ترى أنَ النوافلَ التي تفعلُ ابتداءً مع المسنوناتِ الراتبةِ التي وردت في السننِ والمسانيد يجمعهما اسمُ النَفل، ولا يمتاز بعضها (1) على بعضٍ بقوَّةِ الطرق واشتهارها، كذلك الواجباتُ، إذا امتازَ منها شيء بقوّة الطريقِ لا يمتاز بالفوة واسمِ الفرض.

فصل
يجمعُ أسئلتَهم على حججِنا
فمنها: أنَ الدعوى لتساويهما لا تُسَلَّم، فإن الواضعَ للغةِ جعلَ الوجوبَ اسماً للسقوطِ، والفرضَ اسما للتأثير، ومن ذلكَ سُمَّيت فرضةُ النهر والقوس: فرضةً لمكانِ الأثر، والتأثيرُ آكد من الوجوب، فيجبُ أن يُعطى الاسم حقَه من التأكيد.
ومن ذلك: قولُهم: إنَّ تَساوي الفرضِ والوجوبِ في العقابِ على التركِ لا يمنع تمييز [الطريق التي ثبت بها الفرض عن الطريق التي ثبت بها الواجب، فثبوت الفَرضِ بطريقٍ مقطوعٍ به، والمكذبُ للطريق] (2) القطعيِ يَكفُر، والمكذبُ [للطريق الظني] (2) يفسق. فهذه ميزة حكمية، تشبه الميزةَ التي تعلقتم بها من مضاعفةِ العقوبةِ في الدنيا، والوعيدِ في الأُخرى.
ومن ذلكَ: أن إلزامكم لنا المنهيّات، وأنها ما تأكَّدت بحكمِ تَأكُد طَريقها، لا نُسلِّمه، فإنَّ أحمد قال في المتُعة: لا أقولُ إنها حرام (3). وقال في الجمعِ بين المملوكتين:
__________
(1) تحرفت في الأصل إلى: "بعض".
(2) هنا طمسٌ في الأصل، وما بين المعقوفتين من اجتهادنا وفهمنا للسياق.
(3) هذه روايةُ أى بكرِ المروذى عن أحمد، لأنَ ابن منصور سالَ أحمدَ عنها فقال: يجتنبها أحب إليَّ. قال- أي أبوبكر المروذي-: فَظاهرُ هذا الكراهةُ، دون التحريم. وهذا فهم له غير صحيح، وغيرُ أبي بكرٍ من الحنابلةِ يمنعُ هذا، ويحكمُ ببطلانِ نكاحِ المتعةِ، وهو القول الصحيح المقرَّرُ عند عامةِ الصحابةِ والفقهاءِ، انظر "المغني" 10/ 46.
(3/166)

لا أقولُ حرام، لكن منهيٌّ عنه. أو قال: يُنهى عنه (1). وقال أبو بكر (2) -من أصحابنا-: إنَّما وقف لوجودِ الخلافِ (3)، وهذا يُعطي انقسامَ المحظورِ عنده إلى حرامٍ، ومَنْهيٍّ ليس بحرامٍ، كانقسامِ الوإجبِ إلى فرضٍ وغيرِ فرض (4).

فصل
يجمعُ الأجوبةَ عن هذه الأسئلةِ
أمَّا التأثيرُ في الفرضِ، فما ثبت أنه يرجعُ إلى المضافِ إلى إيجابِ الشرعِ، وإنما ثبت (5 في فُرضةِ5) القوس وفُرضةِ النهر، وعساه ترجعُ العباداتُ من حيث كونُه منزلاً، أو من حيث كونُه مقدراً، ومن الذي خَصَّ من بين المعاني المشتركة التي ذكرناها التأثيرَ منها بفرضِ العياداتِ دون التنزيل والتقديرِ ليكون الوجوبُ آكدَ منها (6)؟
__________
(1) هذه روايةُ ابن منصور عن أحمدَ، أنَّه سأله عن الجمع بين الأختين المملوكتينِ. أحرام هو؟ قال: لا أقولُ حرامٌ، ولكن نَنهى عنه، والمعتمد عند الحنابلة وفق ما نصَّ عليه أحمد أنَّه لا يجوز الجمعُ بين الأختين المملوكتين في الَوطء، وهو مذهبُ أبي حنيفة ومالك والشافعي. انظر "المغني" 9/ 538.
(2) تقدمت ترجمته في الجزء الثاني.
(3) ولقد تعقَب ابن قدامة أبابكر المروذي في هذه الرواية، فقال: "غير أبي بكرٍ يمنعُ هذا ويقولُ في المسألة روايةً واحدةً في تحريمها، وهذا قولُ عامَّةِ الصحابةِ والفقهاء" "المغني" 10/ 46.
(4) فسر الإمام ابنُ القيم هذهِ الروايات وأمثالها، تما لم يصرح فيه بالتحريم، على أنَ المتقدمين كانوا يتورعون عن إطلاق لفظِ التحريمِ وأطلقوا لفظَ الكراهة، فنفى المتأخرون التحريم عما أطلق عليه الأئمة المتقدمون الكراهة. وهذا غلط من المتأخرين؛ لأنَّ المتقدمين لم يقصدوا المكروه بمعناه الاصطلاحي الحادث، وإنما قصدوا ما استُعملَ فيه في كلامِ اللهِ ورسوله.
انظر "إعلام الموقعين"1/ 39 - 43.
(5 - 5) في الأصل مكرّر
(6) تقصِدُ أنَّ لفظَ الفرض من الألفاظِ المشتركة، التي تتنازعها عدةُ معانٍ، ومن معانيها؛ التنزيلُ والتقديرُ إضافة إلى التأثير وحملُ لفظِ الفرضِ على معنى التأثير دون غيرِه من المعاني الأُخرى المحتَملةِ تحكمٌ من غيرِ دليل.
(3/167)

وأما قولُهم: إنَ تساوي الوجوبِ والفرضِ في حصولِ العقابِ لا يوجبُ تساويهما في الاسمِ، كالندبِ والمستحبِ مع النفلِ، فإنهما استويا في نفي العقابِ بالتركِ. والندبُ والسُنة والمباحُ لا يتساوون، بل للسنة ميزة. (1 ............................................................................. 1) وأما قولهم: إن ثبوت الفرض كونه قطعياً يوجب الميّزة والتأكيدَ؛ لأنه يكفر (2) مُكذبُهُ، فذاكَ ليس بعائد بتأكيد، فإنَ المباحاتِ طُرقها مقطوع بها، ولو كذبَ بطريقها كَفر ولا تَدُلّ على مساواةِ المباحِ للإيجابِ والفرض، حيث تساوت طرقه في حكمِ التكذيبِ بها.
وأما دعواهم القول بموجب تأكيدِ المحظوراتِ بطرقها، وكلام أحمد في المتعة، وقوله بالنهي عنها دونَ التحريم لها، فليس مما نحنُ فيه بشيء؛ لأنه لم يتعلق في ذلكَ بالطريق ولا ميزها بحظرٍ دونَ حظر بل نَفى الحظرَ والتحريمَ، وسوَّى في النهي وليس بَعدَ نفيه للتحريم إلا الكراهةُ والتنزيهُ، فوِزانُه من مسألتنا أن نقول هنا: ليس بواجب، وإنما هو مأمورٌ به، فنشرِّكُ بينَ الفرضِ وغيرِه في الأمر وننفي الوجوبَ الذي هو وِزانُ التحريمِ في المنهيَّات، فبطل القولُ بموجَب ما ذكرنا.

فصل
في ذِكرِ ما تعلَّق به مَنْ نَصَر الروايةَ الأخرى
فمنها: أن كل متدبِّرٍ للمأموراتِ من العباداتِ البدنية والماليّة يجدُ أنَ بعضها آكدُ وجوباً، وبعضَها فَريضة، وبعضَها يدنو عن رُتبةِ الفرضِ. من ذلك أن الإيمانَ
__________
(1 - 1) طمسٌ في الأصل، ويُفهم من سياقِ الكلامِ أنَ السنَة والندبَ وإن كانا قد ساويا المباح في نَفْي العقاب، إلأ أنَ للسنة ميزة على المباحِ، في كونه يثابُ فاعلُ السنَةِ. بخلاف المباح الذي تساوى فيه طرفا الترك والفعل.
(2) تحرفت في الأصل إلى: "يكون".
(3/168)

بالله وصفاتهِ وكُتبهِ ورُسُلِه أعلى وآكدُ وأوجبُ [(1 من جميع الفرائض والعبادات؛ لأن انتفاء الإيمان يفسد تلك العبادات 1)]، ويُحبطها عن أن تُقابل بالثواب، [(1 ولم يقل أحد 1)]، بخلاف ذلك بالإجماعِ، إلا ما شذّ من المذاهبِ، وكذلكَ ما وجبَ بالنذرِ مع ما وجبَ بأصلِ الشرعِ (2 لا تكون 2) رتبةُ الصدقةِ المنذورةِ رتبةَ الزكاةِ المفروضةِ، ولا رتبةُ الوترِ عند من رأى وجوبَها (3) رتبةَ صلاة من الصلواتِ الخمسِ، ولا رتبةُ الأضحية عند من رأى وجوبَها (4) رتبةَ الشاةِ الواجبةِ في أربعينَ سائمة، أو خمس من الإبل السائمةِ، بل يستويانِ في الاسمِ الأعم وهو الوجوبُ، وينفردُ الواجبُ بأصلِ الشرعِ وإجماعِ الأمةِ، أو بتواترِ النقلِ باسم يخصُّه وهو الفرضُ، ومن ذلك ما يقدَرُ في اللغةِ من أنَّ الواجبَ ما سقط ولم يؤثر والفرضَ ما له وقع وتأثيرٌ من فُرضةِ النهر وفُرضةِ القوسِ، وهي المَحَاج المطروقةُ ومحَزُّ الوَتَر وللأثرِ زيادةٌ على الوقوعِ والسقوطِ بغيرِ أثر، فوجبَ أن تُعطى اللفظةُ حقَها إذا اضيفت إلى العباداتِ والمأموراتِ، وأثرُها تأكُّدُ وجوبِها على المكلف، وتأثير في نفسِه واعتقادِه، فهي أمسُّ وأوقع من لفظةِ الوجوبِ، ولهذا يقال: هذا دَينٌ واجب، ولا يقال: فرضٌ. وعلي صلاةٌ واجبةٌ، إذا نَذَر, ولا تقولُ: فريضة. وتقولُ الناذر: أوجبتُ على نفسي، ولا يقولُ: فرضتُّ على
__________
(1 - 1) طمس في الأصل، وما بين معقوفتين قدرناه بحسب المعنى والسياق.
(2 - 2) مكرر في الأصلِ.
(3) يعني أباحنيفهَ -رحمه الله- وحُكيَ هذا عن ابن مسعود وحذيفة والنخعي، وهو ما ذَهب إليه أبو بكرِ المروذي من الحنابلة.
وقول أكثر العلماء: إنها سنة مؤكدة. انظر "المغنى" 2/ 591، "البناية شرح الهداية"2/ 488 "المبدع في شرح المقنع" 2/ 3. "المجموع" 4/ 12.
(4) ممن رأى وجوبَ الأضحية أبوحنيفة ومالك والثوري والأوزاعي والليثُ، لحديث رسول الله
صلى الله عليه وسلم "من كان له سَعة ولم يُضحِّ، فلا يقربنَّ مُصلانا" "سنن ابن ماجه" 2/ 1044.
وأكثر أهل العلم يرونَ الأضحيةَ سنَةَ مؤكدةَ، وبهذا قال الشافعي وأحمد وأبو ثورِ وعطاء وإسحاق، انظر "المغني" 13/ 360، "البناية شرح الهداية" 9/ 107، "المجموع" 8/ 383.
(3/169)

نفسي، ما ذلكَ إلا لتخصيصِ الفرضِ با لميزةِ، والتأكيدِ على كل واجبِ .......... (1)
والجوابُ عنه من وجهين:
أحدُهما (2): أنَ الواجبَ غاية لا تقبلُ الزيادةَ، وهو المأمورُ به على الحتمِ والحزمِ الذي لا يُعفى عن تاركِه، ولا يُتقَضَى (3) عن عهدةِ الأمرِ به إلا بفعلِه، ومتى تركَه المأمورُ به استحقَ العقاب، وهذا يعمُ الفرضَ والواجبَ، فدل على أنهما اسمان لمسمَّى واحد، كصيغة الأمرِ بالإيمانِ وبفروعِه من العباداتِ يَشملهما الأمر ولا يقالُ: إنَ الاستدعاءَ والطلبَ لأحدِهما فوقَ الاستدعاءِ للآخر ثم لو سُلم تأكُد أحدِهما على الآخر، لم يكن تأكيدُ الفرض على الواجبِ بأولى من تأكيدِ الواجبِ على الفَرضِ، وقد بينا أنَ اسمَ الواجب لا يُشاركه غيرُه فيه، والفرضَ مشترك.
فإن قيل: الواجبُ يقع على المندوبِ، بدليلِ قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "غُسلُ الجمعةِ واجبٌ على كُل مُحتلمِ" (4).
قيل: لانُسلم، بل غسلُ الجمعةِ واجبٌ حقيقةَ، ولو سلَمنا فقد يُصرفُ اسمُ الحقائقِ إلى الاستعاراتِ بدلالةِ، ولا يدل على ضعفِ الحقيقةِ فيما وُضعت له لأجْلِ الاستعارةِ، ولان الفرضَ قد يقعُ على ما هو واجب على الكفاية، إذا قامَ به قوم سَقطَ عن الكُل، ويقعُ على التقديرِ وعلى النزولِ، وعلى الوجوبِ، ولفظُ الوجوبِ خاص للأمرِ والمأمورِ المحتومِ، فلا ترجيحَ، فلا يصحُ لك تعيينُ الفرضِ ......... (5). فلا يصح لك الاحتجاج به إلا بعدَ أن تبين أن الفرض
__________
(1) طمسٌ في الأصل.
(2) لم يذكر المؤلف غير هذا الوجه.
(3) أي: يُخرج منها. "اللسان": (فصى).
(4) تقدم تخريجه 2/ 508.
(5) طمس في الأصل، والذي يفهم من سياقِ الكلامِ أنه لا يصح جعل الفرض على معنى التأثير دون غيرِه من المعاني الأخرى المحتملة.
(3/170)

المقصود في العبادات هو المأخوذُ من فُرضةِ القوسِ والنهرِ فأمَّا والفَرضُ قد يقعُ على النزولِ والتقديرِ كوقوعهِ على التأثير فلا وجهَ للتأكيدِ به على اسمِ الواجبِ المتخصص باللزوم، وإيجابِ العقابِ على تركهِ، وهو متخصص بهذا المعنى، غيرُ متردد بينه وبينَ غيره، على أنَ التعويَل على التأثير, لو اتّخد به الفرضُ ولم يشركه فيه تنزيل ولا تقدير لا يصحُّ، ويخرجُ عنه الواجبُ، فإن كُل واجبٍ مؤثر وهو أنه يُجبَرُ على فعلِه، ويعاقبُ على تركهِ، ويشغلُ ذمته في ابتداءِ الخطابِ به، ويلزمُ ذمته القضاءُ له عند فواتِه، ويجبُ اعتقادُه، ويفسُق بتركِه، ويشترطُ في عدالته التزامُه عندَ الخطابِ به، وفعلُه عند دخولِ وقته، فهل في التأثير ما يوفي على هذا؟ فتأثيرُ فُرضةِ القوسِ والنهرِ حَزَة في الجسمِ، وتأثيرُه في التكليفِ حَسْب ما يليقُ به من الآثارِ التي هي الأحكام.
وأمَّا دعواهم الفرقَ بين النذرِ وإلزامِ الشرعِ، فدعوى فارغة، وإلاَّ فالقادرُ يحسنُ أن يقولَ: فرضَ اللهُ فيَ صوم شهرِ رمضان، وفرضتُ النذرَ على نفسي صومَ ذي الحجةِ أو رجبٍ. فلا أحَد يُنكرُ ذلك عليه شرعاً ولا لغةً، والله أعلم.

فصل
يتعلَّقُ على الأول
ويجوزُ أن يقالَ: إنَ بعضَ الواجباتِ أوجبُ من بعض، وإنَ لنا فعلاً أحسن من فعلٍ، وطاعةً أحسن من طاعةٍ .......... (1). إحدى العبادتين أن تركها أشد، وهذا مما لا يمتنعِ منه أحد ممن لم ينسب الحُسْنَ والقبحَ إلا إلى الشرعِ، وسمع آيةً من كتابِ الله، أو سنة عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم تدُلّ على أنَ الصلاةَ أوفى ثواباً من فعلِ الزكاةِ، وأنها أوفى عقاباً في التركِ من تاركِ
__________
(1) طمس فى الأصل.
(3/171)

الصيام، على أنَ الصلاةَ أوجبُ، بمعنى آكد إيجاباً، وكذلك من سمعَ فضلَ صلاةِ الجماعةِ من الشرائطِ والأركانِ، والتأني في ركوعِها وسجودِها، والترتيل لقراءتها، وسمعَ ذمَ المسيءِ لصلاتِه، والناقرِ لسجودِه، والمفرقعِ لأصابعهِ، والمسدلِ لثوبهِ، حَسُن منه أن يقول: إنَ صلاة المتأني أحسنُ. ومن علم فضائلَ الوترِ والحث عليه، وحث الشرعِ على ركعتي الفجر، وقوله صلى الله عليه وسلم: "صَلوهما ولو دَهَمتكم الخَيلُ" (1)، علم أنهما أشد ندباً من صلاةِ الضحى وأحسنُ، فهذا مما يشهد له قولُه صلى الله عليه وسلم لعائشةَ -رضي الله عنها-: "ثَوابُكِ على قَدرِ نَصَبكِ" (2)، وقال لماَ سُئِل عن أفضلِ الصلاةِ، قال: "طول القُنوتِ" (3)، وقوله: "تَفْضلُ صلاةُ الجميعِ على صَلاةِ الفَذِّ بخَمسٍ وعشرينَ درجةً" (4). والله أعلم.
__________
(1) رواه أحمد 2/ 405، وأبوداود (1258) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تدعوهما وإن طردتكم الخيل".
(2) تقدَّم تخريجه في الجزء الأول، الصفحة: 254.
(3) أخرجه أحمد 3/ 302، 314، ومسلم (756)، والترمذي (387)، والنسائي 5/ 58، وابن ماجه (1421).
(4) رواه مالك 1/ 129، وأحمد 2/ 252 و328 و 454 و464 و 475 و 86 و 525، والبخاري (477) و (647) و (648) و (2119)، ومسلم (649)، وأبوداود (559)، وابن ماجه (786) و (787)، (788) والترمذي (216)، والنسائي 2/ 103، وابن حبان (2051) و (2553) من حديث أبي هريرة، وهو عند بعضهم مطولا وروى مالك 1/ 129، وأحمد 2/ 65 و112، والبخاري (645)، و (649)، ومسلم (655)، والترمذي (215)، والنسائي 2/ 103 وابن ماجه (789)، والدارمي 1/ 292 - 293، من حديث ابن عمر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "صلاة الرجل في جماعةِ تفضلُ على صلاةِ الرجلِ وحده بسعٍ وعشرين درجةَ".
(3/172)

فصل
الأمرُ بالعبادةِ لا يتناولُ فعلَها على الوجهِ المكروهِ شرعاً
وكذلك غيرُ العبادة من الشروطِ التي لا يستباحُ العقدُ إلا بعدَ وجودِها، وذلكَ مثلُ الطوافِ بالبيتِ، لا يدخُل تحت قوله: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج:29].
(1 ................................................................ 1)
هذا مذهبُ صاحبنا أحمد، وهو قول أصحاب الشافعي، وإليه ذهب أبو بكر الأشعري (2) واختلفَ أصحابُ أبي حنيفة (3)، فذهب أبو بكرِ الرازي (4) إلى أنه يتناولُ المكروهَ كما يتناولُ غيرَه، واختارَ أبو عبدِ اللهِ الجُرجانيُّ (5) ما ذهب إليه صاحبُنا.

فصل
يجمعُ ما استدلَّ به أصحابُنا ومن وافقهم
فمنها: أنَ الأمرَ استدعاءٌ وطلبٌ، وهو ضربان: واجبٌ، ومندوب مستحبٌ، والكراهةُ: إباءٌ للمكروه، والندبُ: استحبابٌ له، واجتماعُ الاستحبابِ والإباءِ
__________
(1 - 1) طمسٌ في الأصل، ويفهمُ من سياق النص انه لا يدخل في أمرِه تعالى بالطوافِ بالبيت طوافُ المحدِثِ والعُريانِ وغيرِها من الصور المنهيِّ عنها.
(2) هو الباقلاني، تقدمت ترجمته في الصفحة (122) من الجزء الأول.
(3) انظر "أصول السرخسي" 1/ 64.
(4) هو أبوبكر أحمد بن علي الرازي الحنفي، تقدمت ترجمته في الصفحة: 69.
(5) هو محمد بن يحى بن مهدي، أبوعبد الله الفقيه الجُرجاني، من أعلام الحنفية، سكن بغداد وتفقه عليه أبوالحسين القدوري، عدَّه صاحب "الهداية" من أصحاب التخريج، توفي ببغداد سنة (397 ه)، وقيل غير ذلك. "تاريخ بغداد" 3/ 433، و"الفوائد البهية": 202.
(3/173)

كاجتماع المحبّةِ للشيء والكراهةِ له، ولا يدخلُ المكروهُ تحت الإيجاب، ولا الاستحبابِ، نُحرّره قياساً: أنَّ المكروهَ مَنهي عنه، فلا يدخل تحت الأمرِ كالمحظور، وفي تضادّ الأمرِ والنهيِ ما في تَضاد الإيجابِ والحظرِ والإباحةِ، فكما لا يَجتمعُ الحظرُ والإباحةُ ولا الإيجابُ والحظرُ، كذلكَ لا يجتمع الأمرُ والنهيُ.
ومن ذلكَ: أن المكروهَ غيرُ المأمور به، فإذا فعلَ لم يكن داخلاً تحت الأمرِ كما لو أمرَه بصلاة، فأتى بصومٍ، أو بصوم فأتى بصدقةٍ، فإنه لما كان قد أتى بغير المأمور به لم يُجْزِه، كذلكَ المكروهُ، ولا فرق بينهما.
ومن ذلك: أنه لمّا أمر بالطوافِ، وقال: "ألا لا يَطوفنَّ بالبيتِ عُريان" (1)، وقال: "الطوافُ بالبيتِ صلاةٌ" (2) (3 ................................................... 3) فلا يدخل تحت الأمر إذا خلا من شرطيه، بل يكون إطلاقُ الأمرِ منصرِفاً إليه بشرطيه الطهارةِ والستارةِ.
ومن ذلكَ: أن الأمرَ بالطوافِ مع النهي عن التعّري، ومع الأمرِ برفع الحدثِ لا
__________
(1) رواه أحمد 2/ 299، والبخاري (369) و (1622) و (3177) و (س 436) و (4655) و (4656) و (4657)، ومسلم (1347)، وأبوداود (1946)، والنسائي 5/ 234. من حديث أبي هريرة قال: بعثني أبوبكر الصديق -رضي الله عنه- في الحجة التي أمَّره عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبلَ حِجَّةِ الوداع فى رهط يؤذِّن في الناس، ألا لا يحجَّنَّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
(2) دواه أحمد 3/ 414، و 4/ 64، و5/ 377، والنسائي 5/ 222 عن رجل أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنما الطوافُ صلاة فإذا طفتم فاقلوا الكلام".
وأخرجه الدارمي 2/ 44، والحاكم في" المستدرك" 1/ 459، و 2/ 260 و267 من حديث ابن عباس بلفظ: "الطواف بالبيت صلاة، إلأ أنَ الله أحل فيه المنطِق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير".
(3 - 3) طمسٌ في الأصل، والذي يفهم من سياق العبارة، أن الأمر بالطوافِ بالبيتِ مقيد بتحققِ شروطِه؛ والتي منها الطهارةُ والسِّتارة.
(3/174)

يخلو أن يكونَ؛ لأن فعلَه على وجْه الكراهة مفسدةٌ، وفعلَه بالطهارةِ والستارةِ مصلحةٌ، أو لأنَ المشيئةَ أن لا يفعَله إلا كذلك، وأيُّهما كان لم يعْلم دخولُه تحتَ الأمرِ مع الإخلالِ بهما أو بأحدِهما.

فصل
في جمعِ اعتراضاتِهم على أدلّتِنا وهي شبهُهُم
فمنها: ان الحدثَ مكروه، والطوافَ مأمورٌ به، فلا وجهَ لخروجِ الطوافِ عن الأمرِ لخروجِ المكروهِ عنه. والمكروه (1 معنى غير 1) الطواف، فصارَ كامتثالِ الأمر مع ارتكابِ نهي لا يخرجُ فعلُ المكلَّفِ المأمورِ به عن دخوله تحتَ الأمر؛ لأجلِ ارتكابه للنهي.
ومن ذلك: أنَ الأمرَ بالطوافِ لا يتناولُ إلا الكونَ حولَ البيتِ دوراتٍ معلومةً وأشواطاً معدودةً، وذلكَ قد وُجد في لفظ الأمرِ، فأمَّا الطهارةُ، فلم ينتظمها اللفظُ، فلا يخرجُ من الأمرِ ما تناوله لأجلِ عدمِ ما لم يتناوله.

فصل
في الأجوبةِ عما ذكروه من اعتراضاتِهم وتعلقوا به
فمنها أنَا لا نُسلِّم هذا التوزيعَ، وأنَّ الطوافَ مأمورٌ به، والتعرّي منهي عنه
(2 ................................................................ 2)
على صفة، مشروط بطهارةٍ وستارة (2 ................. 2) والمثابة لا تُوزَع فإن السيِّدَ إذا قال لعبده: ادخل على الأميرِ برسالتي مُتجمِّلاً مُكتسياً، والْقَ فلاناً راكباً. فدخل على الأمير عُرياناً أو متشعّثاً، ولقيص فلاناً راجلاً، لا يقالُ: إنه أطاعه، ولا امتثلَ أمرَه
__________
(1 - 1) في الأصل: "معنى عن"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(2 - 2) طمسٌ في الأصل.
(3/175)

وأتى بما أمَره، لا سيَّما وأوامرُ الله منوطةٌ بالمصالحِ، ولعل في الطواف محُدِثاً من الفسادِ ما يُربي (1) على تركِ الطوافِ رأساً.
ولأنه إذا أمره بالطّواف، وأجمعَ المسلمون على اشتراطِ الطهارةِ، والكراهة (2) ما تناولت الطواف إذ لو كان راجعاً إلى غيرِ شرطٍ في الطَّوافِ ولا صفة له (3)، مثل قوله: لا تغصِب مالَ مسلم، وطُفْ بالبيت، ولا تشرب الخمرَ وطُف، فإذا شربَ الخمر وطافَ، كان بِشُربِ الخمرِ عاصياً وبالطوافِ طائعاً، وهذا قد استوفيناهُ في الصلاة في الثوبِ الغصْبِ والبقعةِ الغصبِ لمَّا ألزمونا: من صلَّى ومعه شيء مغصوبٌ لا يمنعُ صحةَ صلاته، وفرَّقنا بأن السُّترة شرطٌ مأمورٌ بها، فإذا اسْتَتَر (4) بالغَصب الذي نُهيَ عن الاستتار به، صار كالعُريان من حيثُ إنه قيلَ له: لا تَستتر بالغَصبِ، وصلِّ مستتراً. فلما استتر بما نهُيَ عن السُترة به، كان بذلك غير مُمتثلٍ، فأخلَّ بالشرطِ، وهذه جملة كافيةٌ في إبطالِ ما تعلّقوا به.
فإن قالوا: كيف تصحُ منكم هذه المسألةُ (5 ....................................... .............................................................................. 5) ونهى آدمَ عن أكلِ الشجرةِ وأراده منه، فما الذي يمنعُ من أمرِه بما يكرهه؟ وما الفرقُ بين ما يكرهُه وبينَ ما لا يُريدُه (6)؟ بل هو يكره الإيمانَ من فرعونَ عندكم.
قيل (7):
__________
(1) أي يزيد.
(2) غير واضحة في الأصل، ولعل ما قدرناه هو الصواب.
(3) هكذا وردت العبارة في الأصل.
(4) تحرفت في الأصل إلى: "استقر".
(5 - 5) طمس في الأصل.
(6) انظر ماتقدم في 2/ 481، و"شرح اللمع" 1/ 152 - 153، وما سيأتي في الصفحة 187.
(7) هكذا في الأصل دون ذكر الجواب.
(3/176)

فصل
والأمرُ يتناول المعدومَ ويتعلَّقُ به
فأوامرُ الشرعِ التي نَطقَ بها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - والتي نزلت في كتابِ اللهِ تعالى، تناولت جميعَ أمَّتِه من لدن بعثتِه - صلى الله عليه وسلم - إلى قيامِ الساعة. قال أحمدُ: لم يزل اللهُ سبحانه يأمرُ بما شاءَ ويحكم. وبذلكَ قال الأشعريُّ (1) ومن تابعه من أصحابِ الشافعيِّ (2)، وذهبت المعتزلةُ ومَن تابعهم من أصحاب أبي حنيفة فيما ذكره الجُرجاني في "أصوله" إلى أنَ الأمرَ لا يتعلقُ بالمعدومِ (3)، وأنَ أوامرَ الشرعِ الواردةَ في عصرِ النبيَّ تَخْتصّ بهم، وأن من بعدهم تناولَه بدليل، ثمَّ إنَّ القائلين بتعلُّقِ الأمرِ با لمعدومِ اختلفوا؛ فقال بعضهم: فمذهبنا أنه أمرُ إلزامٍ وإيجابٍ حقيقة، كأمرِ الموجودين، لكن بشرطِ وجودِ المأمورِ على صفات التكليفِ، وإزاحةِ العلل، وتكاملِ الشروطِ من البلوغِ والعقلِ والسلامةِ التي يصحُّ معها استئنافُ الخطاب أن لو لم يتقدَم الخطابُ، وهو اختيار القاضي أبي بكر الباقلاني.
وقال قوم: إنه ماموو بشرطِ وجودِه، وزوال (4 ....................... .......................................... 4) فلايجوز.
__________
(1) يعني أبا الحسن الأشعري.
(2) انظر رأي أبي الحسن الأشعري ومن تبعه من الشافعية في: "البرهان" 1/ 270، و"المستصفى" 2/ 81، و"المحصول"2/ 255.
(3) انظر هذا في "أصول السرخسي"1/ 66.
(4 - 4) طمسٌ في الأصل، والذي ظهر لنا أن المحذوف هو تتمة عرض الاختلاف في مسألة "تناول الأمر للمعدوم"، وقد تبين أنَّ المذهب في هذه المسألة أنه أمر إلزام وإيجاب على الحقيقة، بشرط وجوده على صفة يصحُّ تكليفه بها. سواء كان في الحال موجوداً يتوجه الخطاب إليه أو لم يكن.
والأقوال الأخرى في المسألة: =
(3/177)

فصل
في جمع الأدلة على جواز ذلك
فمنها: أنَ الصحابةَ رحمة اللهُ عليهم، وجماعةَ التابعين بعدَهم كانوا يحتجون في المسائلِ بألفاظِ النبيَّ في أوامرِه ونواهيه في عصرِه صلى الله عليه وسلم، ويَرجعون في الحوادثِ إلى قضاياه وأحكامِه وبالآي التي نَزلت عليه، وقد ثبتَ بالإجماعِ تقدمُ كلامِ الله بها، ولو كان الأمرُ لأهلِ عصره خاصَّاً لما كان في ذلك حجةٌ على من حَدث بعده؛ لأنه كان معدوماً حين وجودِ الأمرِ ونزوله وتلفظهِ به.
ومن ذلكَ: أنَ الأمرَ إذا عُلق على العاجزِ بشرط إِقْداره، والعادمِ للآلة بشرطِ حصولها، وفي الوقتِ الذي يضيقُ عن الفعل لما يتسعُ من الوقت في ثاني الحال؛ كان أمراً صحيحاً مشروطاً، ولو صرح به الآمر لَحَسُنَ ذلك عند كُلِّ عاقلٍ من أهلِ اللغةِ بأن يقول للنَجار اعمل لهذه الدارِ باباً، ولهذا القَراح (1) دولاباً. والنَجارُ مع الأمرِ له في مكانٍ لا آلةَ معه فيه، فيكون المعقولُ من ذلك: اعمله إذا أحضرتَ الآلة واتّسع الوقت، وكانَت أعضاؤك سليمةً، حتى لو كان مَريضاً أو معطَّل الأعضاءِ التي يقعُ بها العملُ، كان المعقولُ من أمره: إذا صحَت أدواتُك وتمكَنْتَ من الفعلِ، فافعل. وتعذّرُ الفعلِ بالعدم كتعذّرِه بالعجز (2 ......................................... 2 ..............................) يوجب تقدمها على الفعل، بل يصح تقدم الفعل.
__________
=
1 - أن الأمر للمعدوم يكون أمرَ إعلام، إذا كان كيف يكون، وليسَ بأمرِ إيجاب وإلزام.
2 - أنه يتعلق الأمر با لمعدوم، إذا كان هناك مخاطبٌ ببلاغه، فأمَّا إن لم يكن من يتوجه الخطاب إليه، فلا.
انظر "العدة" 2/ 386، و"التمهيد" 1/ 352، و"المسوَّدة": 44.
(1) القَراح: الماء الخالص الذي لا يخالطه ثُفل من سويق ولا غيره. (اللسان) (قرح).
(2 - 2) طمس في الأصل.
(3/178)

ومما يوضِّحُ أنَ الأمرَ إنما هو المتقدِّمُ دون ما عساهم يدَّعونه من تجددِ أمرٍ ثانٍ: أنه يحسنُ بإجماعِ العقلاءِ أن يقولَ لعبدِه والمأمورِ في الجملة عند حضور الآلة وزوالِ العائقِ في الأعضاءِ: إني كنتُ قدَّمتُ إليكَ الأمرَ بكذا، فإن كان قد أخَره مع زوالِ الأعذار وحصولِ الآلات، حَسُن أن يَعتبه ويؤنِّبه على تأخّرِه عن الفعل مع تقديم أمره، ولو كان الأوّلُ ليس بأمرٍ، لم يتجه نحوه عَتْبٌ ولا لومٌ ولا توبيخٌ إلا بعد تجديد أمرٍ ثانٍ.
ومن ذلك: إجماعُ الأمة على جواز وصية الموصي، وهي أمرٌ حقيقةً لمعدومٍ، حتى إنه لو نطقَ بها أو كتَبها وأشهدَ على ذلك الشهودَ، كان ذلك أمراً لازماً لمن يحدثُ من ولده بعدَ الوصية، ومن يولدُ بعد موته، ومن تتجدد له ولاية من الولاة، ومن يكونُ صغيراً فيكبر أو مجنوناً فيعقل، ولا أحدَ يقول: إنها مجاز بل تتعلقُ بالوصي تعلّقَ حقيقة.
ومن ذلكَ: ما يفسدُ به قولُ من اشترط مخاطباً بالأمرِ يكون مبلغاً (1) أنه قد ثبتَ أنَ أمْرَ اللهِ سبحانه من كلامِه، وأن كلامَه قديم، فما دل على قِدَم كلامِه دل على قِدَم أمره؛ لأنه أحدُ أقسام الكلامِ، وقد استوفينا ذلكَ في أصولِ الدين، وكذلك الوصية (2 .................................. 2)

فصل
في جمع أسئلتهم على أدلتنا
منها: أن كل الصحابة أمِروا، الذين لم يكونوا موجودين حالَ أمره ولا في عصرهِ بقرائنَ دلَت على أن أولئك مأمورون، ودلائل تضمنت مشاركةَ المعدومين
__________
(1) تقديرُ الكلام: أنه يفسدُ قولُ من اشترط وجودَ مخاطَبٍ، يتوجه الخطابُ إليه حتى يصحَّ تعلقُ الأمرِ بالمعدومِ.
(2 - 2) طمس في الأصل.
(3/179)

للمخاطَبين المعاصِرين له - صلى الله عليه وسلم -، ولم تُنقلْ تلكَ الدلائلُ والقرائنُ. وأما أمرُ العاجز فإنه ممن يصحُّ خِطابُه ويصرفُ الأمرُ إليه؛ لكونه عاقلاً يَفهمُ الخطاب، نعمْ ولا يخلو بفهمِه وعقلِه من فائدةٍ يَحسُن معها الخطابُ، وهي تلقي الأمرِ باعتقادِ وجوبه، والعزمِ على امتثاله، فهذان سببان للثواب، ويحصلُ ما يَحْسُن لأجله من الآمِرِ (1) الخطابُ، فأمَّا المعدومُ، فلا فائدةَ في خطابهِ، والأمرُ إذا خلا من فائدةٍ عُدَّ هَذياناً ووَسوسةً، فإنه من باب المتضايفات، يقال: آمر ومأمور، وضاربٌ ومَضروبٌ، ونداءٌ ومُنادى، ومحَبوبٌ ومُحبٌّ، فأمَّا آمر ولا مأمورَ له، فلا يعقل.
ومنها: أن قالوا: الوصيَّةُ إعدادُ قولٍ وأمنٍ لخائفٍ من الفَوْتِ بالموت، ولولا ذاك لما حَسُنت الوصيَّة لما ذكرنا، وأنها خطابُ غيرِ مخاطَب، ولهذا حُسنَ تعليقها على الوقتِ الذي يُخرجُ الآمرَ عن صفة الآمرين، وهو الموتُ والعَدَم، واللهُ سبحانه لا يخشى الفوْتَ، ولا يحتاجُ إلى الإعدادِ، فيصير تقديمُ أمرٍ على وجود المأمورين لغواً، واللهُ سبحانه لا يجوزُ عليه ذلك.
ومنها: قولُهم: إنه أمر بشرطِ الوجودِ، فينبغي أن توقفوا تسمية الأمر أمراً على شرطه وهو المأمور من باب المتضايفات (2 ................................ ......................................................................) إليها الاسم إلا بعد وجودِ شرطيها، لاسيِّما المتضايفات، والأمرُ كما لا بُدَّ له من آمرٍ لا بُدّ له من مَأمور.
__________
(1) في الأصل "الأحم"، والذي يظهر أنها محرفة عن "الآمر".
(2 - 2) طمسٌ في الأصل، والذي يفهم من شُبْهتهم، أنه لا يصح تعلُّقُ الأمرِ بمعدومِ، لأن من شرطِ الأمرِ وجودَ المأمورِ ووجودَ الآمر وكما يستحيل وجودُ أمرِ بغير آمرِ كذلكَ يستحيلُ وجود أمرِ بغيرِ مأمور.
(3/180)

فصل
في جمع الأجوبة عن أسئلتهم
أمَّا دعوى القرائنِ والأدلةِ، فلو كان هناك دلالةٌ أو قرينة لنُقلت كما نُقل الأمر ودعوى القرينةِ للأمرِ للمعدوم، كدعوى القرينةِ للأمر للمخاطَب الموجود.
وأما كونُ العاجزِ يصحّ خطابُه، لكن لا يصحّ امتثاله بما يخاطب به، فصحَ خطابُه معلَّقاً على وجود قدرتهِ على ما أُمرَ به، كذلك المعدومُ يتعلق الخطابُ عليه بشرط وجودهِ.
وأمَّا قولُهم: وفي خطابِ العاجز فائدةُ تَلَقيه للخطابِ بعزمٍ واعتقادٍ، والمعدومُ لا فائدةَ في خطابِه. لا يصحُّ؛ لأنه لو كانت فائدةُ الكلامِ تثبت بسماعِ سامع، لكان كلامُ الطفلِ والمبُرْسَم (1) إذا سمعه العقلاءُ أن يكونَ خارجاً عن الهذيان؛ لأجلِ سماعِ من سمعه، ولأنَّ أهلَ الإثبات مجمعونَ على أنه لا متكلّمَ منا بكلامِ إلا واللهُ سبحانه سامعٌ لكلامِه، فقولُهم: أيُّ كلامِ لم يكن له سامعا لا تقعُ إلا هذياناَ. لا يجدون له أصلاً يستشهدون به، وإذا لم يكن لذلك أصل يُردُّ إليه، فصار ذلك مجرّدَ دعوى بغير دليل.
ولأنَ كلامَ القديمِ سبحانه لا يُطلب له الفوائدُ، إذ ثبت بدليلِ السمعِ والعقلِ أنه صِفةُ القديم (2 [غيرُ مُحدث، وأنه سبحانه لم يزل آمراً، ولا حاضرَ مأمور] 2).
وأما قولهم: إن (3 [وجود الفائدة ينقل الكلام] 3) من الهَذيان إلى حَيَّزِ الأحكام؛
__________
(1) هو من أصابته عِلةُ البِرْسام، وهو مرض يصيب الصدر قال الجواليقي: ولعل الأقرب للصواب أن برسام مركبة من "بر" بمعنى الصدر و"ساما" ورم أو مرض. انظر "المعرب": 93، "قصد السبيل فيما في اللغة العربية من الدخيل" 1/ 270.
(2 - 2) طمسٌ في الأصل، وما بين معقوفين مثبت من "العدة" لأبي يعلى 2/ 388.
(3 - 3) طمس في الأصل، وما بين معقوفين مقدر حسب السياق.
(3/181)

لأن الموصي خاف الموت، والإعدادُ حسن من الله في أفعاله، وإن لم يخَف الفوت، كالإعداد منا، وإن خفنا الفوت، ألا تراه سبحانه أعدَّ في سفينةِ نوحٍ عند الطوفان جَماهيرَ (1) الخلقِ من كُلٍّ زوجين اثنين، وما كان ذلكَ لحاجَةٍ، ولا لعدمِ القدرةِ على إنشاءٍ من غير ذكرٍ وأُنثى، وأمَر عزيزَ يوسفَ بإعدادِ الأطعمةِ للسبع الشدادِ من السِّنين، مع قُدرته على الخلق للرزق المبتدأ من غير إعداد، وكان ذلك حَسَناً منه، كما حَسُن منّا مع خوف الفوتِ، كذلك لا يمتنعُ مساواةُ الأمرِ منه للمعدوم للوصية منا للمعدومِ.
وأما قولُهم: كان يجب أن نَقِفَ تسمية الأمرِ أمراً على وجودِ شرطِه، وهو المأمورُ؛ لأنه من باب المتضايفات، فلا يلزمُ، لأنَ الشرطَ ليس هو وجود المأمور لكن الشرطُ للأمرِ أن ينتهيَ إلى مأمورٍ كالنداءِ من البُعد، يكون نداءً للبعيد المنادى بنفسِ وجودِ صيغة النداء، والقصد بها المنادى، وكذلك الإيصاءُ أمرٌ مشروط بالموصَى إليه، وليس يعتبر في الشرطِ وجودُ الموصَى إليه حالَ الإيصاء، ولأنه سُبحانه إله حقيقةً، ولا مَأْلوه، وربٌ ولا مربوبَ، ثم وُجِد المألوهُ والمربوبُ، ولم يمنع ذلك سَبْق الإلهية لوجود المألوه، وسَبْق الربوبية لوجودِ المربوب.

فصل
جامع شُبَههم
(2 [منها: أن قالوا: إنه من باب التعَلق والمضاف، والمعدوم] 2) كيف يصح التعلق به أو عليه؟!
ومنها: أنهم بحثوا أن يكونَ الأمرُ إلزاماً أو طلباً واستدعاءً، وكُل ذلك لا يكون صحيحاً في حقِّ المعدومِ، ولا لحنةَ عند أهلِ اللغة أقبحُ من قولِ القائل: ناديتُ
__________
(1) أي جماعات. "اللسان": (جمهر).
(2 - 2) طمسٌ في الأصل، والمثبت مقدر حسب المعنى.
(3/182)

المعدومَ، أو أمرتُه، أو طلبتُ منه، أو استدعيته، أو استدعيتُ منه، كل ذلك؛ لأن الصلةَ لا تقع، والإضافةَ لا تحصلُ إلا بين موجودين.
ومنها: أن قالوا: إننا أجمعنا شرعاً وعقلاً على أن المجنونَ والصغيرَ يصلحان لبعض التعلُّقاتِ، فهما أحسنُ حالاً من المعدومِ، لأنَ الصبيَّ يُضرب ويُؤدَّبُ على المخالفةِ لاتجاهِ الأدبِ نحوه، وتقبلُ الهديةَ، فهذا مَن تَحرّك فيه الفَهمُ ولصقَ به الأدبُ، ويقبلُ قولُه في دخولِ الدار وتَعلُّمِ الصنائع، والمجنونُ يُكَف ويُضرب كما تُضربُ البهيمةُ عن الأفعالِ الذميمة وعن الإيذاء، ثم إنَ أمرَ الشرعِ لا يتجهُ نحوه إلا بشرطِ الإفاقةِ والبلوغِ، بل القلمُ مرفوعٌ عنهما، وجُعلَ الأولياءُ ناظرين في أمرهما، فأولى أن لا يتجهَ الأمرُ بحقِ المعدومِ المنفيِّ الذي لا حقيقة له بشرط أن يوجدَ في الثاني، وهذا تنبيهٌ من الشرعِ على أنَ المعدومَ غيرُ مأمور حيث قطعَ الخطاب وحسمَ مادةَ الأمر بين الشرعِ وبينَ المجنونِ والصغير وهما أحسنُ حالاً من الوجوه التي بيّنا.
ومنها: أنه لو كان المعدومُ مأموراً؛ لصحَّ أدق يكون مذموماً وممدوحاً ومتواعداً
(1 ...................................................................... 1)
من جهة المعدوم لا يصح، فكما لا يصح أن يكون الآمرُ معدوماً ولا المعدومُ آمراً، كذلك لا يصحُّ أن يكونَ المعدومَ مأموراً، ولا المأمورُ معدوماً.
ومنها: ما سنح به الخاطر وهو أن يقولوا: إنَ هذه الصيغةَ موقوفةٌ على مخاطَب، فهي من الأسماءِ المستعملة مجازاً، مثل قولهم: يَهْنِيْكَ الفارسُ، وقوله تعالى: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} [يوسف: 36]، والعرب تسمي الشيءَ بما يؤول إليه وما كان عليه استتباعاً وتفاؤلا وإذا كان كذلك صار قولُه: افعلوا، مجازاَ، يوضح هذا أنَّ من شرط الأمرِ أن يكونَ المستدعى منه أدنى، والدُّنُو صفةٌ، والمعدومُ لا تقبلُ الصفاتِ.
__________
(1 - 1) طمس في الأصل، والذي يفهم من العبارة أنه لو جاز أمر المعدوم بالإيجاب والإلزام،
لجاز ذمُّه ولعنُه وتسميته بأسماء المدحِ والذم. انظر "العدة" 2/ 390.
(3/183)

فصل
يجمعُ الأجوبةَ عن شبههم
أما قولُهم: إنه من بابِ التعلقِ والمضافِ، والمعدومُ لا يُضافُ إليه. فلا يَلزمُ؛ لأنه إنما يتعذّر ذلكَ في الخطابِ له في الحالِ التي هو معدوم فيها، فأمَّا إذا كان للمعدوم حال وجودٍ، ولا سيما في علم القَديمِ سُبحانه أنه سَيوجِدُه ويُكلِّفه، فخطابُه له مشروط بوجودِه، ككاتب الكتاب منا على البُعد من المُكاتَب خطابٌ له بشرطِ وصوله، وكذلكَ النداءُ للبعيد بشرطِ سماعه، والأمرُ من الموصي بشرط موته ووجودِ الوصي، ولا أحدَ من أهل اللغةِ والتحقيق ينكرُ الاشتراطَ للتعليق، وهو بابٌ كبيرٌ يُسمَّى باب الإعداد لما إذا وُجد شرط تعلَّقَ عليه وألصقَ به، ولا أقرب إلى ذلك من الأسماءِ المشتقةِ لله سُبحانه ولخلقه، كقولنا: اله ورَب، وخالق، ورازق، ورحيم.
وإن كانت الأشياء (1) (2 ....................................... 2) بما دَلَّ من قديم (3 [صفاته عندنا وعند] 3) من وافقنا في هذا الأصل، وخالفنا في هذه المسألة وبما دللنا من الأدلة اللازمة لمن خالفنا في ذلك الأصل وفي هذه المسألة من المعتزلة، وإذ وجد أن الاستدعاءَ والطلبَ مصروفٌ إلى غايةٍ يَصحُّ أن ينطبق عليها، فقد صحَ التعلُّقُ ولم يُعدم شرطُ الإضافةِ.
فإن قيل: فهذا القولُ يُعطي المجازَ ونحنُ لا نمنعُ من التسمية أمراً مجازاً، ووجهُ المجازِ ونفيِ الحقيقةِ أنه اسم عَجَّلته قبل وجود شَرطه، وصار ما استشهدتَ به من الأسماءِ قبل المتعلقات المشتقةِ منه هو الحُجةَ في معنى الحقيقة؛ لأنه يقال: خالقٌ ورازقٌ، قبلَ وجودِ الخلقِ، بمعنى أنه سيخلقُ ويرزقُ، ونحن لا نمنعُ إن سمَّاها هنا:
__________
(1) كذا في الأصل، ولعلها: "الأسماء"
(2 - 2) طمس في الأصل.
(3 - 3) طمس في الأصل.
(3/184)

أمراً، بمعنى أنه سيأمرُ، وكل اسمٍ صحَّ نفيُه فهو من أسماء الاستعاره والمجازِ، ولا يحسُن أن يقالَ: ليس بخالقٍ في القدم، ولا يصحُّ بل يستحيلُ؛ لأنَّ معنى الخلق: الفعلُ، والفعلُ لا يكون إلا في الزمان المستقبَل، والقِدمُ هو عدمُ الأولية وثبوتُ الأزلية، فلا تجتمعُ الحقيقتان؛ لأنهما ضدّان، فكذلكَ الأمرُ إذا كان من بابِ المتضايفات، وكان إنما ينطبقُ على ما سيوجدُ، كان مجازاً لا يتحققُ إلا عند وجودِ ما ينطبقُ عليه، وهو المأمورُ المستدعى منه.
فيقال: إنَّ أمرَ مَنْ لا آلةَ له يَعملُ بها، أو العاجزِ الذي توجده القدرة في الثاني وليس بظافرٍ بها أمر حقيقةً، وإن كان متراخياً إلى حينِ تكاملِ شرطِ المأمورِ من تحصيل آلتِه وحُصولِ قدرته؛ لأن العالم (1 ................................ ........................................................................ 1) ليس بعالم إلا بَعْد وجودِ الأحوالِ التي عَلمَ أنها ستكونُ، بل ويقال: عالم بما يكون في الثاني من أحواله. وكذلكَ الموصي المعلَّقُ لوصيّته على موته، وإعطاءِ أولاده على وجودِ أولاده، والموقِفُ مملِّك لمن وَقَفَ عليه وَقْفاً، وإن كان المُمَلّكُ غيرَ موجود، لكنّه لما كان تمليكاً لمن يوجد في الثاني، لم يكن تمليكه مجازاً.
وأما قولُهم: الأمرُ إلزام أو مطالبة أو استدعاء، والمعدومُ لا يُلزمَ، ولا يُستدعى منه، ولا يمتضى. فليس بصحيحٍ؛ لأنَّ الإلزامَ والاقتضاءَ في الحالِ هذا حُكمهُ، فأمَّا إلزامُ من يحدثُ في الثاني واقتِضاؤُهُ واستدعاؤه، أو الاستدعاءُ منه، فإعادة منهم وَتكرار، وَمَدارُ ما صدرَ عنهم بإحالةِ الاتصالِ والتعلُّق بما هو معدومٌ والإضافةِ إليه، وجميعُه إنما يصحُّ لهم فيما هو معدومٌ في الحالِ، ولا وجودَ له في الثاني والاستقبال، فأما ما قد عُلم وجودُه، فلا يستحيلُ ذهابُ الخطابِ إليه، وانصرافُه نحوه عند وجودِه، فلا إحالةَ ولا استبعادَ، ولهذا يقول العاقلُ مِن أهلِ اللغة: هذا وَقْفي على من يَحدثُ
__________
(1 - 1) طمسٌ في الأصل.
(3/185)

من ولدي، وهذهِ وَصيتي إلى من يكونُ من عَقبي، وهذا كتابي إلى أهلي. وهو على المسافةِ البعيدةِ منهم، وهذا الاستبعادُ منكم هو شرحُ مذهبكم. وإلا فالتعليق والإضافَةُ والخطابُ كُل ذلكَ صَحيحٌ عندنا إذا أُحيلَ (1 ................... ............................................ 1) الخطاب بأن يقول: هذا خطابُ الله لي وأمرُه إيَّايَ. ويقولُ المُوصَى له: هذا أمرُ أبي ووصية أبي، ولا يحسنُ نَفيُه، فيقولُ: ليس هذا أمرَه ووصيتَه، ولا أمَرَني ولا وَصَّاني؛ لأنه حين قالَ، لم أكن بحيثُ أفهمُ عنه، ولا يَصح أن يخاطبَني.
وأمَّا دعواهم أنَّ الصغيرَ والمجنونَ لا يتعلّق عليهما أمرٌ ولا نهيٌ، ولا يُكَّلفان حينَ الصغرِ والجنونِ، اعتماداً على زوالِ الجنونِ والصغَرِ، وأنَّ ذلكَ إجماعٌ، فدعوى باطلةٌ؛ لأن كُلَّ من أجازَ أمرَ المعدومِ بشرطِ وجودِه لم يمتنع من أمرِ المجنونِ بشرطِ إفاقته، والصبيِّ بشرطِ بلوغِه، وإنما حملوا رفعَ القلمِ على أحدِ أمرين (2)، إما نفيُ الخطابِ له مواجهةً ومخاطبةً على ما هو عليه، أو على رفع المأثَمِ والمؤاخذةِ (3)، فأمَّا ما ذهبنا إليه فكلا، وما (4) الذي يُنكَرُ من صرفِ الخطاب إلى مَنِ المعلومُ أنه يَعقِلُ ويَبْلُغُ ويَتكاملُ بشروطِ التكليفِ فيه؟
فأمَّا دعواهم أنه لا ينطلق نحوَ المعدوم ذَمٌ ولا مدحٌ، فما أبعدَها من دعوى على أهلِ السُنّة، مع قولهم بقِدَمِ الكلامِ، وإنَ الله سبحانه قد ملأ كتابَه الكريمَ بذمِّ العُصاةِ التاركين لأوامره، المرتكبينَ لنواهيه، وذلك الذمُّ فإنما انصرفَ إلى من عَلمَ أنه إذا وُجدَ وخوطبَ لم يَمْتَثلْ أمرَه، وكذلك مَلأ كتابه بمدحِ (5 [الطائعين، وذلك ينصرف إلى من علم أنه إذا وُجدَ وخُوطب امتثلَ لما جاءه] 5) من أمر الله، وانتهى عما
__________
(1 - 1) طمسٌ في الأصل.
(2) أي على تقدير أحدِ أمرين.
(3) انظر المسألة في "المستصفى"2/ 62، و"المسودة": 45، و"أصول السرخسي" 1/ 248.
(4) في الأصل "أما"، ولعل المثبت هو الصواب.
(5 - 5) طمس في الأصل، وما بين معقوفين مقدرحسب المعنى.
(3/186)

نهى اللهُ عنه، وإنما لم يَلحقه المدحُ والذمُ قَبل وجوده؛ لأنه عُدمَ الشرطُ في تلك الحال، فلا طاعةَ وجدت، فيمدحُ عليها، ولا معصيةَ تحققت، فيُذمّ عليها، لكن جعل ذمه ومدحَه كأمره، معلَّقَين على وجود الطاعةِ والعصيانِ، كما كان أمرُه معلَقاً على الوجودِ مَشروطاً به.
وما ذلكَ إلا بمثابة سائرِ العباداتِ المشروطةِ في حقِّ المكلف، لا يلحقُه الذمُ والمدحُ بتركِها وفِعلِها قبل وجودِ شرطِها إلا على وجهِ التعليقِ إن تركها بعد تكامل شروطِ وجوبِها عليه، وتضايقِ الأمر في حقه.
فأمَّا قولُهم: لما لم يصح أن يكونَ الأمرُ معدوماً، لم يصح أن يكونَ المأمورُ مَعدوماً. غيرُ صحيح؛ لأنَ الآمر إذا سَبق أمره بإيصاءِ وصيّةٍ، وتقدمِ مكاتبةٍ ثمَ ماتَ قبلَ وصولِ كتابهِ وسَماع الموصَى إليه وصيّتَه أو شرطَه في الوقفِ تمليكَ من يأتي من ولدِ ولدهِ وعَقبِه ونَسلِه، كل ذلك يكون بعد وفاته مَعمولاً به بحُكم أمره، ولا يخرج بموته عن كون أمرِه أمراً حقيقة، فيستند الأمرُ إلى حالِ وجودِ الآمر كما يستند الأمرُ من الآمر إلى وجودِ المأمور، وإن أردت أنَ ابتداءَ الأمرِ لا بُد له من آمرٍ فكذلكَ اتصالُ الأمرِ بالمستدعى منه لا بُد له من مأمورٍ فالانتهاءُ في هذا كالابتداءِ في ذلك، ولا ينتهي الأمرُ إلاّ إلى مأمورٍ موجودٍ، لذلكَ لا يفيدُ الأمر إلا من آمرٍ موجود.

فصل
ويجوزُ أن يأمرَ اللهُ سبحانهُ بما يَعلمُ أن المأمورَ لا يفعله.
نصَّ عليه أحمد بقوله: نَهى اللهُ سبحانه آدمَ عن أكلِ الشجرةِ، مع علمِه بأنه سَيأكلُ، وفي أمرِه لإبليسَ بالسجودِ، مع علمِه أنه لا يَسجدُ، وهذا أمر نطقَ به الكتابُ، وحُكي عن المعتزلة أنه لا يجوزُ ذلك (1).
__________
(1) انظر "المعتمد" 1/ 166 - 167، و"العدة" 2/ 395 - 396.
(3/187)

فصل
والدلالةُ على صحةِ قولنا: أنَ اللهَ سبحانه قد أمَرَ الكُفارَ بالإيمان، ولم يختلف في تكليفهم الإيمانَ اثنان، ولا فَضَلَ أحد من الأئمة، فقال: إنَ المعلومَ إيمانُه هو المأمورُ دون من عُلِمَ أنه لا يُؤمن. والقول المخالفُ للإجماع لا يُلتفت إليه، وقد أخبرَ اللهُ سُبحانه أنه أمرَ إبليسَ بالسجود لآدم، فقال: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: 12]، فأثبت أمرَه له بالسجود، ولم يقع منه السجودُ، وقد أجمع المسلمون على أنه عالمٌ بامتناعه قبل وقوعِ الامتناع منه (1).

فصل
فيما حُكي من الشبهة عنهم
وهو أنَ الأمرَ لمن يُعلم أنه لا يُطيع عَبَث، واللهُ سبحانه مُنزهٌ عن العَبثِ في قوله وفعلِه؛ ولأنَ التكليف، والأمرَ، والنهيَ إنما يكون للمصالحِ والمنافعِ، وهو التعريض للثوابِ، واجتنابِ ما يوجبُ العقاب، فأما إذا صرف بحقّ من لا يتحقق في حقِّه ذلك، خرج عن حَيِّز الأمرِ المشروعِ والقانونِ الموضوع على مقتضى الحكمة.

فصل
في الجواب عما ذكروه
وهو أنَّ هذا كلام يردُّه النصُ، ولا عبرة بما استدلوا به مع كونِ الإجماعِ انعقد على خلافِه، ونَصُّ الكتاب قضى بإبطاله، على أنه فاسدٌ في نفسه لو وردَ مع عدم الإجماع والنص، وهو أن الله سُبحانه قد خلق مَن في معلومه أنه لا يَنتفع بخلقه ولا يُطيعه في أمرِه، فلا يَستحق الثواب، بل لا يَسعى إلا فيما يوجبُ عليه العقاب، ولم يكُ في خَلقه عابثاً، كذلك أمرُه له لا يكون به عابثاً.
__________
(1) انظر "المسودة": 54.
(3/188)

فإن قيل: إلا أنه يجوز أن يكونَ في خلقه مصلحة لغيره من المكلفين، ليكونوا أقرب إلى الطاعةِ وأبعدَ عن المعصية.
قيل: فلعل في أمره الذي يعلمُ أنه لا يَمتثله مصالحَ لكثيرٍ من المكلفين، ولا انفصالَ لهم عن ذلك.

فصل
يجوزُ أن يردَ الأمرُ من اللهِ تعالى مُعَلّقاً على اختيار المكلّف، أو يتركَ مُفوَّضاً إلى اختيارِه.
وهذا يُبنى على أصْلٍ، وهو أنَّ المندوب مأمورٌ به مع كونِ المكلف مخيَّراً بين فعلِه وتركِه، خلافاً للمعتزلة في قولهم: لا يجوزُذلك (1).

فصل
في الدلائلِ على مذهبنا
فمنها: أنَّ اللهَ تعالى لا يخلو أن يكونَ أمرُه مقصوراً على الأصلح، أو يكونَ بحسْبِ المشيئةِ المطلقة، فإن كان على الأصلح، فلا يمتنعُ أن يكون عالماً في بعضِ الأوامرِ أن مشيئةَ المكلف تُوافق الأصلح، واختيارَه يوافقُ ما يختاره اللهُ لهُ، أو تكونَ مشيئة مطلقةً بلا تخصيص.
ومنها: أنه إذا جاز أن يُخيِّره بين الإتمامِ والقصرِ، والإفطارِ والصومِ، وبين الكِسوة والإطعامِ والعِتقِ، فلِمَ لا جاز أن يُخيِّر بين الفعلِ والترك؟
ومنها: أنه إذا جاز أن يجعلَ بعضَ الأحكام موكولةً إلى اجتهادنا، وهي الأحكامُ التي لم ينص عليها في كتابه ولا في سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، جاز أن يَكِلَ بعض الأوامر إلى اختيارنا، إذ لا فَرق بين الاختيار والاجتهاد.
__________
(1) "المعتمد" 1/ 166، و"العدة"2/ 396.
(3/189)

ألا تَرى أنه سُبحانه وَكَلَ المِثْليةَ في الصيدِ إلى اجتهادِ حكمين مِنّا، وخيّرنا في بدل ذلك بين المثل من النَّعم أو كفارةٌ طعامُ مساكين، أو عَدْلُ ذلك صياماً (1).

فصل
فيما تعلقوا به من الشُّبهة
قالوا: إن أمرَ الشرع لنا يتعلق بمصالحِنا، وليس في قوَّةِ رأي المكلَفِ أن يقع اختيارُه على تجنُبِ المفسدة، وتوخّي المصلحة، فلهذا لم يكِل اللهُ سبحانَه سياساتِ الخلق إليهم، ولم تقنعْ بآرائهم وعقولهِم في أمرِ دنياهم وأُخراهم، بل أرسلَ الرُسُل، وأنزل الكتبَ، وشرعَ الشرائع، فلا يُؤمَنُ إذا رَدَّ (2) الاختيارَ إلينا أن نختارَ الأفسدَ ونتركَ الأصلحَ، ولذلك لم نُجوِّز على الله سُبحانه أن يردَ أمرَه إلينا في اختيارِنا، فنحنُ في باب التكليف كالسفهاءِ الدين قال الله فيهم: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء: 5]، {لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} [الرحمن: 33]، يعني بحجّة، ونحنُ في بابِ النظرِ للمصالحِ كالسفهاءِ بالإضافةِ إليه، وكما أنه منعَ تفويضَ أمرِ السفهاءِ إليهم، فأحرى أن يمتنع سبحانه من تفويضه للمصالح، ولا طريق لنا إلى معرفتها.
قالوا: وفارقَ ما تعلقتم به من الاجتهادِ؛ لأنه مأخوذٌ من معاني كلامِه سبحانه وكلامِ رسولهِ واستنباطِ معانيه التي أوجبت الأحكامَ، فكان ذلك راجعاً إليه دونَ اختيارنا، ألا ترى أنا نقدم في الأحكام الأدلة بعضَها على بعص؟ فنضع أدلّة الاجتهاد بحسب ما تُعطينا ظواهرُ الألفاظ.
قالوا: وفارقَ التخيير في أعيان المكفر بها؛ لأنَّ اللهَ سبحانه سوّى بين المخيّرات
__________
(1) يشير بذلك إلى العقوبة المترتبة على من قَتل الصيد مُحرماً، وهي العقوبة الواردة في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا ......} [المائدة: 95].
(2) في الأصل: "أراد"، والصواب ما أثبتناه.
(3/190)

في الأصلح، ووازن كلَّ واحدةٍ بصاحبتها، ثم خيَّر كما يُسوّي الطبيب في الدَّواء بينَ ثلاثةِ أدويةٍ، ويُخيِّر العليلَ بينها بعد فراغِه من مُوازنتِها في الأصلح.

فصل
في أجوبة ما تعلقوا به
أما اشتراطُ الأصلحِ، فليس ذلك مَذهبنا، ونحن نُخالفكم فيه، لكنِ الأصلحُ جائزٌ, فأما مَشروطٌ وواجبٌ، فكلا، وذلك مُستوفىَ في فَصل الأصلحِ فيما بقي من فصول الأوامر إن شاء الله.
على أنه يجوزُ أن يعلمَ اللهُ سبحانه أنَّ الأصلحَ ما تقع اختيارُ المكلَّف عليه، كالتخيير في الكفاراتِ، ولو كان الاختيارُ لا يجوزُ أن يصادفَ الأصلَح رأساً، لَما جاز أن يَكِلَ التخيير إليه في شيءٍ من التعبّدات، من كفارةٍ، ولا غيرِها من تخييره بين القصرِ والإتمامِ، والفِطرِ والصيامِ في حقِّ المسافر.
وأما قولُهم: وفارقَ الاجتهاد. فلا فرقَ؛ لأن الاجتهادَ وإن رجع إلى القرآنِ والسنَّةِ ومعاني الألفاظ، إلا أنه استنباطُ المجتهد، وهو عُرضةُ الخطأ؛ ولأنه سبحانه إذا رد الاختيارَ إلى المكلَّف مَهَّدَ المحلَّ على هيئةٍ لا يُصادفُ اختيارُه إلا الأصلحَ، والله أعلم.

فصل
يجوز أن يرِدَ الأمرُ من الله تعالى بالتكليف أمراً ونَهياً على التّأبيد إلى غَير غايةٍ
مثل أن يقول: صوموا أبداً، وصَلُّوا أبداً. ويكون هذا القول تأكيداً عند من يعتقد أن الأمرَ على التكرار؛ لأنه بمطلقِ الأمرِ يقتضي التكرارَ والدوامَ عنده، وهو الذي نصروه (1) أصحابنا.
__________
(1) كذا الأصل بإثبات الواو، وهي لغة بَنى الحارث بن كعب، يُلحقون بالفعل الواوَ للدلالة على الجمع، والأفصح: نصره، بحذف الواو. انظر "شرح الألفية لابن عقيل مع حاشية الخضري": 1/ 161 - 162.
(3/191)

وقالت المعتزلةُ: لا يجوز أن يَرِدَ الأمرُ من الله إلا بأمرٍ مُؤقتٍ مُنقطع، وإنما يحتملُ ذلك إن وردَ على الحثِّ والتمسك بالفعل (1).

فصل
جامعٌ لأدلتنا
فمنها: أنه ليس بأمرٍ بمُحالٍ، ولا يُستبعدُ من الآمرِ ولا المأمور؛ لأنَ الله سبحانه مالكٌ للمأمورِ مُلكَ عينٍ وإنشاءٍ، قادرٌ على الإمدادِ بالبقاء، والإعانةِ على الفعلِ، وإزاحةِ العلةِ فيه بتكميل شروطه، فلا وجهَ للمنعِ منه.
ومنها: أنَّ الناسَ قائلان:
قائلٌ بوقف الأمرِ على الأصلح، وقد يكون الأصلحُ ذكرَ التأبيد والدوام.
وقائل يقول: إنَ الله يتصرف بحكمِ المشيئة المطلقةِ والملكَة، فعلى هذا لا معنى للمنع، إذ لا آمر ولا ناهٍ دته سبحانه عمّا يريد فعلَه وإيجادَه، أو تركَه والإخلالَ به.
ومنها: أنَ العمومَ على ضربين؛ عمومُ أفعالِ في أعيانٍ، وعمومُ أفعالِ في أزمانٍ، ثم إنه يجوزأن يَرِدَ من جهته سُبحانه الأمرُ بإخراجِ جميعِ ما يملكُه من المال، وذبحِ جميع ما لَه من بهيمةِ الأنعام، كذلك لا يمتنعُ أن يجوزَ تكليفُه أن يَستنفدَ أيامَ عُمُرهِ فيما أُمر به من العبادةِ على الدوام.
ومنها: أنَّ التكليفَ على ضربين: أمرٌ، ونهي، ثم إنه يجوزُ أن يُؤيدَ النهيَ فيقول: لا تَشرب الخمرَ أبداً، ولا تَزْنِ ولا تَلُطْ أبداً. كذلك الأمرُ بالطاعةِ يجوزُ أن يأمرَ بها أبداً، ولا فرقَ بينهما؛ لأنهما أحدُ خطابي التكليف.
__________
(1) انظر "المعتمد" 1/ 104، و"العدة"2/ 398.
(3/192)

فصل
في أسئلتهم على حُجتنا
فمنها: أنهم قالوا: لا نُسلِّم أنه ليس بمحال، بل هو محُال من المخلوقِ، لحاجته إلى الراحةِ والنومِ وما يَعتريه من العوارضِ المانعة، كالمرضِ، والفتورِ للإعياءِ والسهر والإغماء، والجنونِ، والنومِ فيستحيلُ الدوامُ مع هذه العوارض.
وفارق عمومَ الأعيان؛ لأنه لا يتعذّر ولا يتعوّق عن إخراج ما يملكه من المال، فإن تَعوَّق اتَّسعَ (1) له فيما يستقبلُ من الزمان إتمامُ الإخراج والذبح. وكذلك ما تعلقتم به من النهي؛ لأنه تركٌ، فلا كلفةَ في الترك؛ لأنه الأصل، ولا يتعذرُ الترك؛ لأنه حالَ الإعذارِ والاشتغالِ بالأعمالِ التي تخصّه، تاركٌ للمنهيات.

فصل
يجمعُ الأجوبةَ عن الأسئلة
أما منعهم الإحالةَ، ودعواهم أن الأبدَ يستغرِقُ العوائقَ والأعذار فلعمري، لكن الأمر لا يستغرق إلا أوقاتَ السلامةِ والمُكْنَةِ والصحةِ والسلامةِ، وإزاحة العللِ المانعة وعدمِ الأعذارِ القاطعة، كما في الأعيان، فإنه إذا أمِرَ بذبح جميع أنْعامه (2) لم يلزمه ذبح ما ندَّ وشَرَدَ وتوحَّش وامتنع، بل يقع الأمرُ على ما يتمكَن من إيقاعِ الفعلِ فيه، كذلك يرجع الأمرُ إلى التأبيدِ والاستغراقِ لكلِّ زمانٍ يَصحُّ أن يَقَعَ الفعلُ فيه، فلا فرق. كما أن النَّهي قد يَتخلَّل (3) زمانَه أعذارٌ تبيحه، كالنَّهي عن الميتة في الاضطرار والنهي عن استقبال بيتِ المقدسِ بالصلاةِ، وشربِ الماءِ النَّجس، والعملِ في الصلاة، وما شَاكَلَ ذلك يُستباحُ بالأعذار
__________
(1) في الأصل:"واتسع "، ولعل الأولى حذف الواو ليستقيم المعنى.
(2) تحرفت في الأصل إلى: "العامة".
(3) طمست في الأصل، وقدِّرت حسب المعنى.
(3/193)

فصل
يجمع شُبَههم (1)
فمنها: أن بَنَوْا ذلك على أصلهم، وأنَ الثوابَ على الطاعاتِ واجبٌ، وهو دائمٌ, ولا يجوزُ أن يكونَ ثوابُهم في خلالِ أعمالم؛ لأنه يصيرُ منقطعاً، وإن أدام عليهم التكليفَ، لم يبْق زمانٌ تقَعُ فيه الثوابُ والمجازاةُ على أعمالهم، فلذلك لم يصح الأمرُ بدوامِ الطاعاتِ، وتأبيدِ العباداتِ.
ومنها: أنَّ الأعمالَ لا بُدَّ من انقِطاعها بالموتِ، ولا بُدَّ من الإثابةِ عليها في غير زمنِ التكليفِ، وإذا كان كذلك؛ صارَ قولُه: افعلوا أبداً، مجازاً، فلا يبقى في قوله: "أبداً" سوى المبالغة دون الحقيقةِ.
ومنها: أنَ التأبيدَ مع تخللِ العوارضِ القاطعةِ لا يتحقَقُ ولا يُمْكِنُ، فلا وجهَ لاتّجاه الأمرِ مع عدمِ الإمكان، كما لا يصحُّ أمرُه بما لا يُتصوَّرُ فعله لاستحالته، أو لعدمِ القدرةِ عليه.

فصل
يجمع الأجوبة عن شُبَههم
أما دعوى استحقاق الثوابِ، فلا نُسلّمها، بل أقلُّ نعمةٍ لله تعالى بفضلٍ منه، ولو قوبل بها سائرُ الأعمال لأوْفَت وأربتْ نعمتُه عليها، وهو المالكُ للأعيان، ولا وجة لاستحقاق الأُجرةِ على المولى بعملٍ عنده، فكيف بمالكِ الأعيان، المنعمِ بالإيجادِ والإخراجِ من العَدم إلى الوجود؟
والذي يوضّحُ أن (2 [الثوابَ ليس بمُسْتَحق؛ أنه لو كان مستحقاً لما استحقَ اللهُ الشكرَ] 2) على نعمِهِ، كما لا يستحقُ القاضي لِدَينه، والمُوفي للحقوق اللازمة له الشكرَ
__________
(1) أورد أبو يعلى تلك الشبَه، والردود عليها في "العدة" 2/ 398 - 400.
(2 - 2) طمس في الأصل، وما بين معقوفين تَبيناه من المعنى ومن "العدة" 2/ 399.
(3/194)

والحمدَ على ذلك، فلما أجمعتِ الأمَةُ على وجوبِ شكره -جَلّت عظمتُه- على قليلِ النعمِ وكثيرهِا، بطلَ دعوى وجوبِ الجزاءِ على الله على أعمالِ خلقه؛ ولأنه سبحانه قد استعبدَ الملائكةَ بالتَّسبيحِ والتَمجيدِ والتَّهليلِ والرسالةِ، من غير أن يتخلَّل أوقاتَهم أعذار قاطعة، وأشغالٌ مانعة، وأغناهم عن الأكلِ والشربِ وسائر ما يلتذُّ به الآدميون، وكانَ ذلك مُجَردَ شكرِه سبحانه على إيجاده وإبقائِهِ لهم.
يوضِّح هذا أنه لو قال سبحانه: افعلوا كذا أبداً، فهو الأصلحُ لكم. كان ذلك أمراً صحيحاً عندَ المخالف، وإن كان يقطعُ عن الإثابةِ ويستوعِبُ الزمانَ بالعبادة؛ ولأنه إذا أبقاهم وعافاهم، ومَتَّعهم بنَسيمِ الهواءِ ورَوَّحهم، وأنالهم في خلال أعمالهِم لذاتٍ دائمةً، حَسُن أن يكون ذلك جزاءً وثواباً على أعمالهم، وليس من شرطه إفرادُ زمانٍ للثواب المحض.
وأما الأعذارُ المعترضةُ، فإنَّ زمانَها خارج عن الأمر، بدلالةٍ وقرينه، وهي الدلائلُ التي أسقطت أكثَر الأعمالِ، وأخَرت بعضها لأجلِ الأعذارِ، كالسَّفَر والمرضِ والخوفِ وما شاكل ذلك.

فصل
لا يصحُّ الأمرُ بالموجود
وحُكي عن بعضِ المتكلمين التجويزُ لذلك (1)، مثالُه أن يقولَ للقائم: قمْ، وللقاعِد: اقعدْ، وللصائمِ: صُمْ.

فصل
جامع (2 [لأدلتنا في نفي صحة الأمر بالموجود] 2)
منها: أن الأمرَ استدعاء واقتضاء، والحاصلُ لا يُستَدعى ولا يمتضى به؛ لأن
__________
(1) انظر "البرهان" 11/ 276.
(2 - 2) طمس في الأصل، وما بين معقوفين مُقدرحسب المعنى.
(3/195)

الموجودَ يُستَغنى بوجوده (1) عن إيجاد، [و] (2) يَستحيل إيجادُ الموجود، كما يستحيل إعدامُ المعدومِ، وهذا يَنبني على أصلٍ قد بانَ بهذا الفصلِ أنَّ أصحابنا ذهبوا إليه، ودانوا به، وهو أنَ الأمرَ بالمستحيلِ لا يَجوزُ، خِلافاً (3) لأبي الحسنِ الأشعري (4).
ومنها: أن المكلَّف إذا أوجد الفعلَ المأمورَ به، سقط فرضُه عنه، فلو كان الأمرُ به جائزاً، لكان ذلك دلالةً على أن الفرضَ لم يَسقط، والمكلفَ لم يمتثل، إذ لا معنى لأمره بما سَبقت به طاعتُه وامتثاله.
ومنها: أن الأفعالَ من المحدِثين مضمنة بالزمان، والآنُ الموجودُ فيه الفعلُ قد استوعبه، فلا بُد للمستدعَى مِن الأفعالِ من زمانٍ تقَعُ فيه، وليس إلا الاستقبال.

فصل
يجمع ماتعلّقوا به من الشُّبَه
فمنها: توهمُهم من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا} [النساء: 136]، فشهد لهم بالإيمان وأمرهم به.
ومنها: أن قالوا: أجمعنا على ذمَ الكافرِ على كُفرِه، وما جازَ ذَمُّه إلا لمعنى، وما ذلك المعنى إلا كُفْرُه، ولو لم يكن منهياً عنه، لما جازَ ذمُّه، والمستقبل مِن كُفره لم يكن، فلم يكن إلا للكفرِ الذي (5) هو عليه، وذلكَ موجودٌ، وقد صحَ النهيُ عنه، وكذلكَ المؤمنُ يجبُ أن يكون مأموراً بالإيمانِ، ولو لم يكن مأموراً بالإيمان لما اتجه الذَّمُ إليه على
__________
(1) تحرفت في الأصل إلى: "بوجوه".
(2) الواو ليست في الأصل، ولا بد منها لاستقامة المعنى.
(3) في الأصل: "خِلاف"، والصواب ما أثبتناه.
(4) ينظر تفصيل قول الأشعري في "البرهان"1/ 102 - 105، و"البحر المحيط" للزركشي 1/ 386.
(5) في الأصل: "والذي"، وبحذف الواو يستقيم المعنى.
(3/196)

تَركِه والخروجِ عنه؛ لأنَ ما ليس بمأمورٍ به لا يُذمُّ على تركِه.

فصل
يجمعُ الأجوبةَ عمّا تعلَّقوا به من الشُّبَهِ
فمنها: أن الآية لا تَعَلّقَ لهم فيها، وإنما الواردُ في [الآية] (1) أنها خطابٌ لكفَّار أهلِ الكتاب، وكأنه يقولُ: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى آمِنوا بمحمدٍ. وقد قيل: إنَّه خطابٌ لمؤمني أُمته، لكن المرادُ به الأمرُ بالاستدامةِ، وتقديرُه: استَديموا إيمانكم، مثل قوله: {اِهْدِنَا السَّراطَ (2) المُسْتقِيم} [الفاتحة: 6]، والمرادُ به: أدِم لنا ما مَنحتنا مِن هدايتك.
وإذا تقررَ أنه امر باستدامةِ (3) الإيمان، فنحنُ لا نَمنع من ذلك؛ لأنه أمرٌ بإيجاد الفعل في المستقبل، وذلك غيرُ موجودٍ في الحال، فتقديره: يا أيها الذين اَمنوا الآن، لا تكفروا في مستقبلِ الحالِ، بل آمنوا في الحال الثانيةِ كما آمنتُم الآن.
وأما تعلقهم بذم الكافر فلأجلِ إصرارِه على الكفر، مع قدورته على الخروجِ منه بفعل ضده، وهو الإيمانُ، فهو كالقاعدِ يُؤمر بالقيام، والقائمِ يؤمرُ بالقعودِ، بخلافِ الإيمان، فإنَّ المؤمنَ لا يصحّ أن يَفعَله إلا في مستقبلِ الحالِ التي هو فيها مؤمن، فهو كالقيامِ لا يصحّ أن يفعلَه القائمُ لاستغنائه بوجودِه عن موجِد، وأما استحقاقُ الذمِّ للكافر؛ فلأجلِ تركه الإيمانَ، ومُقامه على الكفرِ زماناً بعدَ زمانٍ، وهو الإصرارُ، لا لِسوى ذلك (4).
__________
(1) طمست في الأصل، وقدرناها حسب المعنى.
(2) هذه قراءة ابن كثير المكي في رواية القواس: "السراط" بالسين، وقرأها الباقون بالصاد. انظر "حجة القراءات" لأبي زُرعة محمد بن زنجلة: 80.
(3) في الأصل: "بالاستدامة".
(4) انظر "العدة"2/ 400 - 401.
(3/197)

فصل
يجوز تقديمُ الأمرِ على وَقتِ الفعلِ
خلافاً لبعضِ المتكلَمين [القائلين] (1): لا تكونُ صيغةُ الأمر قبلَ وقتِ الفعل أمراً، بل تكونُ إعلاماً (2).

فصل
يجمع أدلّتنا
فمنها: أنه لا يُنكِر أحدٌ من أهلِ اللغة قولَ القائلِ لِعبده: سافِر في غَدٍ، وائتني بالطعام عشيةً. ولا يُنكرُ أن يقولَ: أمرتُ عبْدي بكذا في غدٍ. وقول العبد: أمرني سَيدي أن أفعل ذلك غداً.
فهدْا في الأمرِ في الشاهدِ، وأمرُ الله سبحانه بالمشيء قبلَ وقته ظاهرٌ في كتابه، قال سبحانه: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ} [محمد: 4]، {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5]، {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]، فهذه كلُّها أوامرُ بأفعال مُستقبلة.

فصل
[جامع] (3) لشُبَههم
قالوا: إذا تقدمت صيغةُ الأمرِ على وقتِ الفعل، كانت إشعاراً وإعلاما، ولا يكونُ أمراً، ويكون تقديرُ قولِ القائل: افعل في غدٍ كذا: سآمرمك غداً أن تَفعل كذا.
فيقالُ: الإعلامُ إنما هو صيغةُ إخبارٍ، مثل قوله سبحانه إخباراً عن إبراهيم:
__________
(1) ليست في الأصل، وأثبتت لاستقامة العبارة.
(2) انظر "العدة"2/ 401 - 402.
(3) ليست في الأصل، وأثبتت لاستقامة العبارة.
(3/198)

{إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى} [الصافات: 102]، هذا إشِعارٌ، فأما: افعلْ كذا غداً، فهو صيغةُ الأمرِ، وإذا وُجِدَتْ صيغةُ الأمرِ من الأعلى للأدنى، فلا وجه لِقولنا: إنها إشعار على أنَ الإشعارَ مُنْدرجٌ فيها، وكُلُّ استدعاءٍ بالفعلِ، فهو إشعارٌ لِصاحبه بأنه مُستدعى منه ذلك (1) الفعل.
ومنها: أنَّ تقديمَ الأمرِ قبل وقت الفعل يُعطي الإعلامَ بأنه سَيبقى إلى ذلكَ الوقتِ، فلو قال له في رجب: صُمْ شهرَ رمضان، اندرجَ في أمره علمُه بأنَّ تلكَ المدة مِن عُمره، وإذا عَلِمَ حياتَه من جهةِ الله سُبحانه هذه المدَّة، ففي (2) إعلامِه بالإبقاء هذه المدَّة مفسدتان كبيرتان (3 [أولاهما: الإغراء بارتكاب المعصية، والثانية: تسويف التوبة] 3).

فصل
في الأجوبة عن شُبَههم
فمنها: أنه غيرُ ممتنع أن يقعَ الإعلامُ في طيِّ الأمر كما إذا أمره في وقتِ الفعل بصلاةِ الركعاتِ المتضمنة لأوقات تَتَراخى عن الأمرِ وقتَ الأمر.
ومنها: أنَ دعوى المفسدتين؛ الإغراء والتسويف باطلةٌ (4)، بل فيه مصلحتان بطاعتين يُتَلقى بهما الأمر العزم والاعتقاد، وَيَمْتدانِ إلى حين الفعل، والإغراءُ إن كان حاصلاً بالأمرِ المتقدم، فيجبُ أن لا يخاطَب بعبادةٍ تمتد، كصيامِ شهرين متتابعين في الكفارة؛ ولأنَ صومَ شهرِ رمضان في أصلِ الفريضة، فلما جازَ الأمرُ بعملٍ يطولُ ويقصر بَطَلَ ما عوَّلوا عليه من ذَريعةِ الإغراء بالمعصية، والتسويفِ بالتوبة؛ ولأنَّ
__________
(1) عرفت في الأصل إلى:"دليل".
(2) في الأصل: "وفي"، والفاء أنسب لاستقامة العبارة.
(3 - 3) طمس في الأصل، وما بين معقوفين مقدرحسب المعنى.
(4) في الأصل: (باطلٌ) والجادة ما أثبتناه.
(3/199)

فيما وضعه الله، وشَرَعه مِن الزجرِ عن المعاصي بالحدودِ في الدنيا، والوعيدِ بعذاب الآخرةِ، والترغيبِ في تركها بالثوابِ الدائم، كفايةً (1) عن كتمِ الأجلِ وإبهامِ مُدَّة العمر.
ومنها: أنه لو كان علمُ (2) ما يدفع التَسويف واجباً فِعلُه بالمكلَّف، لوجبَ أن لا يعلَمَ ولا يشعرَ بقبول التَّوبة؛ لان الثِّقةَ بقبولها إغراء بالمعاصي، فإنَ من كان دأبُه قبولَ العُذر وغُفرانَ الجُرْمِ لمكانِ الاعتذار، أغْرى الناسَ بالإساءة إليه.

فصل
ويجوزُ أن يامر اللهُ بعبادةٍ في وَقتٍ مُستقبل، ويُعلِمَ المكلفَ المأمورَ بها بذلك قبلَ مجيءِ الوقتِ.
خلافاً للمعتزلة في قَولهم: لا يجوزُ أن يُعلِمَه بذلكَ قبل مجيء الوقت (3).

فصل
في دَلائلنا
فمنها: أنَ المصلحةَ تكون في إعلامهم ذلك (4 [لكي يتوب المسيء إليه، وإن صحة المشيئة المطلقة] 4) لا يمتنعُ معها ذلك، كما لم يمتنع تعليقها على شروطٍ وإعلامُه بتلك الشروط.
ومنها: ان المطلقَ من الأمر أضعفُ، والمعين (5) بوقتٍ آكَدُ، ولهذا لو أمرَ عبدَه أمراً مُطلقاً، لم يَحسُن لومُه وعِتَابُه على تَركِه في وقتٍ، ولو عَيّنَهُ بوقتٍ حَسُنَ تأديبه
__________
(1) في الأصل: "وكفاية"، والصواب ما أثبتناه.
(2) في الأصل: "على"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(3) انظر "المعتمد" 1/ 166، و"العدة" 2/ 403.
(4 - 4) طمس في الأصل، وما بين معقوفين مقدربحسب المعنى.
(5) تحرفت في الأصل إلى:" المعنى".
(3/200)

على تركِه في ذلك الوقتِ.
فإذا جازَ الأمرُ المطلقُ، فا لمعلق أولى أن يجوز.

فصل
في شُبهةِ المخالف
وهي المتقدمةُ في الفصل الذي قبله (1)، وقد سبق الجوابُ عنها بما فيه كِفاية.

فصل
ذَكَرَ أصحابُنا أنه يجوز أن يقال: إن بعضَ الواجبات أوجبُ من بعضٍ، ونَصَر ذلك شيخُنا الإمامُ أبو يَعلى ابن الفَرّاء (2) رضي الله عنه، وبَناه على ما نَصره من الروايةِ عن أحمدَ كرَّمَ اللهُ وجهه، أنَ الفرضَ أعلى مِن الواجب (3).
وقد نصرتُ أنا: أنَ الفرضَ والواجبَ سَواء.
ومذهبُ شَيخنا رضي الله عنه قال [به] (4) أصحابُ أبي حنيفة حيث وافقونا في رواية. إن الفرضَ آكدُ من الواجب.
وظاهرُ مذهب أصحابِ الشافعي أن الوجوبَ لا يَتفاضل، حيث قالوا: إنَ الفرضَ والواجبَ سواء (5).
__________
(1) يقصد بالفصل المتقدم أنه يجوزتقديم الأمر على وقتِ الفعل، وقد سبق فيه بيانُ شُبهةِ المخالف ودفعها. انظر الصفحة 198 - 199.
(2) تقدمت ترجمته في الصفحة (277) من الجزء الأول.
(3) انظر "العدة" 2/ 404 - 405.
(4) ليست في الأصل ولا بد منها لاستقامة العبارة.
(5) تقدمَ تفصيل المسألة وبيانُ الآراء فيها في الصفحة (163) من هذا الجز.
(3/201)

فصل
والذي لحظتُه من هذه المسألةِ: أن القائلَ بتفاضلِ الوجوب، إنما سلكَ خلافاً في عبارة، وإلا فنفسُ ما أرادَ بقوله: أوجب. يقتضى موافقتنا في المعنى (1)، فإنهم وافقوا في أنَ الواجبَ استدعاءُ الأعلى مِن الأدنى على وجهِ الحتمِ والتضييقِ، ورسموه بأنه ما عوقب على تركِه، وهذا أمر لا يقبل التزايدَ والتفاضلَ، وإلا فما هو إلا بمثابةِ قولنا: سائغ وجائز ولازم، وفي الخبر صادق وكاذبٌ، وفي الصفات: عالم، فإن ذلك كُله لما انتظمه حد واحدٌ، فكان حقيقة واحدةً، لا يقال: أعلمُ، وأصدقُ، وأكذبُ، فكما لا يمكنُ أن تكون معرفةُ المعلوم على ما هو به، والخبرُ بالأمرِ على ما هو به أمراً يتزايدُ، كذلك الاستدعاءُ المضيقُ المحتومُ لا يقبل التزايدَ، وقد صرَّحوا بأنهم لا يريدون بقولهم: أوجبُ. إلا أنَ العِقابَ على تركه أشد، وهذا أمر يرجعُ إلى المقابلةِ، وذلك لا يُعطي تزايدَ الشيءِ في نفسه، بدليلِ أنَ بعضَ المخبرين إذا أخبرَ بقدومِ ولدٍ كان غائباً، واَخر أخبر بمولدِ ولدٍ كان حَمْلاً، وكان العطاءُ والمنحةُ على أحدهما أوفى بحسب بِشْرِ المُخبَرِ بذلك، لم يَجُز أن يقال: إن أحدَهما أخبرُ من الآخر ولا أصدقُ،
__________
(1) بذلك ينتهي المصنف إلى أن من فرَّقَ بين الفَرضِ والواجبِ، ومن ساوى بينهما، متفقون انتهاء على أنَ الأوامرَ الملزمة ليست على درجةٍ واحدة من حيث الثواب، فالاختلاف بين الفريقين مجردُ اختلاف في التسمية، ولا مُشاحَّة في الاصطلاح.
إلأ أنَه يؤخذ على ابن عقيل في ذلك: أنَ أثر الاختلاف بين الفرضِ والواجبِ ليس مقصوراً على زيادةِ ثوابِ الفرضِ على ثوابِ الواجبِ، بل هناك آثار أُخرى ذكرها الحنفية، منها: أنَ المكلف إذا ترك فرضاً كالركوع والسجود في الصلاة بطلت صلاته، ولا يسقط في عمد ولا سهو, ولا تبرأ الذمة إلا بالإعادة. أما إذا تركَ واجبٌ فإنَ عمله صحيح، ولكنه ناقص يحتاج إلى تَتْميم، كاشتراط الطهار في الطوافِ، فإئه واجبٌ لا فرض، فإذا لم تتحقق الطهارةُ أثناءَ الطوافِ، فلا يكون الطوافُ فاسداً، وإنما هو ناقصٌ، وتكملته إما بإعادتِه طاهراً، إذا كان بمكة، أو يَجبر النقصان بالدَّمِ، إذا رَجع إلى أهله.
انظر"أُصول السرخسي" 1/ 111 - 113.
(3/202)

وكذلك العلمُ بالله سبحانه أكثرُ ثواباَ من العلم بأن أبا بكرِ كان الخليفة بعدَ رسولِ الله بطريق استحق به الخلافة، والعقابُ على جحد الصانع أكبرُ مِن العقابِ على جحدِ خلافةِ أبي بكر ولا يقال: إنَ العالِمَ بالصانع أعلمُ من [العالمِ] أن أبا بكر كان الخليفةَ،. وإذا كان القائلون بذلك لم يُفسروا قولهم: أوجب، إلا أن الثوابَ عليه أكثر، حصل الوفاقُ منهم فيما أردنا، وأن الواجبَ حقيقة لا تتزايدُ، والوجوبُ أمر لا يقبل الزيادةَ في نفسه من حيث كونُهُ استدعاء مخصوصاً من شخص مخصوص (1 [بل تتزايد المقابلة] 1)، فلا نُنكرُ أنَ المقابلةَ على الإيمانِ بالله بالثوابِ تتضاعفُ على المقابلةِ على فعلِ الصلاة، وأن المقابلةَ بالعقابِ على تركِ الصلاة لا تَبلغُ مبلغ العقابِ على تركِ الاعتقادِ، فلا طائلَ في الاختلافِ في العباراتِ مع الاتفاقِ في المعنى، وما صار ذلك إلا بمثابةِ من قال: إن زيداً أعلمُ من عمروٍ بالنَّسبِ أو النحوِ ... لا يكونُ (2) إلا مرفوعاَ، والمفْعولَ مَنْصوباً أوفى من علمِ عمروٍ به؟ وأنَ علمَ زيدٍ بالماءِ النجس لا يزيلُ نجساَ ولا حَدثاَ أوفى مِن علمِ عمرو به؟ فقال: لا بَل أُريدُ أن زيداً يَعلمُ من أنساب العربِ ودقيقِ النحوِ وغرائبِ مسائله، ومِن مسائل الفِقه أوفى مما (3) يعلم عمرو, وأنَ الملَك يقابله على علمِه بأوفى جائزةِ من عمرو.
قلنا: قد وافقتَ فيما أردنا، وفيما عليه أجمعنا، فلا نَمنعُ من تفسير قولك: أعلمُ، مِن المجازِ والاستعارةِ بما أردت.
__________
(1 - 1) طمسٌ في الأصل، وما بين معقوفين مقدرحسب المعنى.
(2) العبارة هنا غيرسليمة، ولعل الناسخ أسقط بعضها، ويظهر أن تقديرها كالآتي:"وما صار ذلك إلّا بمثابة من قال: إن زيداً أعلم من عمرو بالنسب أو النحو أو الفقه، فيقال له: أتريد أن علم زيد بأن الفاعل لا يكون إلّا مرفوعاً .. " والله أعلم.
(3) في الأصل: "ما"، والمثبت هو الصواب.
(3/203)

فصل
في إيرادِ ما يجوزُ أن يتعلَّقَ به في ذلك
وهو أن كثرةَ الثوابِ من الله، والمجازاةِ من الآدمي على امتثالِ بعض الأوامر، وشدَّة (1) العقاب على تركه، مما يُستدلّ به على قوة عناية الآمرِ به، وشدة حثّه عليه، وفي حقّ الآدمي يدلُ على توفير دَواعيه إلى إيقاعه، فإذا كان دليلاً على ذلك، وكان الاستدعاءُ بحسب حال المستدعي وشدّةِ إيثاره، دَل ذلك على أن الاستدعاءَآكدُ وأحثُّ من الأشَد ألماً (2 [أوعقوبة على فعله والإتيان به، وخفَّت عقوبت] 2) على تركه له، وهذا معلومٌ فيما بيننا، فيصيرُ من باب قولنا: أحبُّ وأحسنُ وأبغضُ وأقبحُ، ولا خلافَ أنه يَحسُنُ أنْ يقال: ألظلمُ أقبحُ من الرَّبا، حيث كان القَهرُ، والغصْبُ أخذُ مالِ الغيرِ على سخطٍ منه، وإيلام وإيجاع لقلبه، وأخذُ الربا أخذُ ماله باختيارٍ منه، والشركُ بالله تعالى أقبحُ من عقوقِ الوالدين وأفحشُ. ويجوز أن يستدلَّ على ذلك؛ بأنَّ العقابَ على هذا (3) التخليد، والعقابَ على ذلك (4) مُنقطع، والزنى في حقِّ المحصَنِ أعظمُ جريمةً من السرقة، حيثُ كان حدُّ هذا قطعَ جارحةٍ، وعقوبةُ ذاكَ إزهاقَ النفس بأوجعِ فعلٍ وآلةٍ.
هذا جميعهُ لا يُعطي التزايدَ في نفسِ الاستدعاء؛ لأنه إذاً لم يقبَّحْ في الإخلال بواحدٍ منهما، ولا يُعاقَب على الإخلال بكلّ واحدِ منهما، وكان سُبحانه لو رفع العقابَ رأساً والثوابَ لما ارتفع صحة قوله: أوجبتُ وحَتَّمْتُ، وصحَ أن نَقولَ: الاستدعاءُ بنفسه حقيقةٌ معقولةٌ، وكذلك تزايدُ المقابلةِ لا يَدُلّ على قوة الاستدعاءِ.
__________
(1) تحرفت في الأصل إلى: "شد".
(2 - 2) طمسٌ في الأصل، وما بين معقوفين مقدرحسب المعنى.
(3) يقصد الشركَ بالله.
(4) يعني عقوق الوالدين.
(3/204)

وقد تعلّق بَعضهم بأنَ معنى أوجب، أن يكونَ: لا يتم (1) فعلُ أحدِ الواجبين، إلا بأن يتقدمه فرائضُ قبلَه، مثل تقدمِ وجوبِ النظرِ والاستدلالِ على المعرفةِ بالله سبحانه، بخلافِ فروعِ الإيمانِ وفرائضه، وهذا ليس بصحيحٍ؛ لأنَ كونَ أحدِ المأمورين أكبرَ عناءً، وأشقَ تحصيلاً يُعظِمُ وجوبَ غيرِه مع وجوبِه، وذلك لا يرجعُ إلى تعلقه، كما أنَ بعض المعلوماتِ تحتاجُ في حصولِ العلم بها إلى مقدمات يشق تحصيلها، وإذا انتهينا إلى العلمِ من حيث تعلقُه بالمعلومِ على ما هو به، تساوت فيه العلومُ وانطبقَ عليه حد واحد حتى شمل الشاهدَ والغائبَ، وجميعُ ما تعلقوا به في ذلك يرجعُ إلى ما وراءَ الحقيقةِ، وذلك لا يُعطي صحةَ دخولِ لفظة: أفعل، ألا ترى أن من كَذبَ على اللهِ وعلى رسوله كان آكدَ عقاباً، وأكبرَ مأثماً ممن كذبَ على أبيه أو صديقهِ أو عَدُوَّه، ثم لا يقال: إنه أكذب فيما أخبر به من الخبرِ الذي وقع منه على خلافِ مخبَره، وكذلكَ من صدق رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فيما أخبرَ به عنِ الله كان أكثرَ ثواباً ممّن صدق أبا هريرة في حديث غسل اليدين عند القيامِ من نوم الليل قبل غَمسِهما (2). ولا يقالُ: أحدُهما آكد تصديقاً.

فصل
مُفيد في بيانِ أمثالِ هذا الفصل، يَستريح بمعرفته المناظِرُ من كدّ المخالفةِ
والمقاولةِ، استفدناه من مشايخِ عصرِنا الذين لازمنا مجالسَهم.
وهو: أنَ المسألةَ الجاريةَ يجبُ أن يُحقَقَ مرادُ المفتي فيها، فإن وقَع للمجتهد الآخرِ ما وقع للمفتي الأولِ من المعنى؛ استراحا من الجدالِ، وإن خالفَه في اللفظِ
__________
(1) مكررة في الأصل.
(2) في الأصل: "غسلهما" ولعل الصواب ما أثبتناه، والمصنف يعني حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا استيقظ أحدكم في منامه، فلا يغمسَنَ يدَه في إنائه حتى يغسلها، فإنَه لا يدري أينَ باتت يدُه". تقدم تخريجه في 2/ 37.
(3/205)

دون المعنى؛ اجتهدَ في حصولِ الموافقةِ في اللفظ الذي لا يكونُ فيه إبْهام ولا ترددٌ، فأكثرُ ما يجيء الخلافُ بين المتفقين في المعنى من جهة تعلّقِ أحدِهما بلفظٍ متردد وتعلّقِ الآخر بلفظ خاص (1 [غير مشترك يقع به الوهم] 1).
مثال ذلك: أن القائل: أبو ذَر أصدق أصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، والماءُ أطهرُ من الخل، والوترُ أسنُّ من ركعتي الفجر، والجبالُ أسكنُ من الأرض، والثلجُ أروى من الماء، ومُسيلمةُ أكذبُ من جميع العرب، وإلى ما شاكلَ ذلك، فلا يزال الجدالُ بينهما حتى ينتهيَ النظرُ منهما إلى غايةٍ وهو أن تقول: ماذا تريدُ بقولك: أفعل؟ وهل هو مثل قولك: الخل أحمض من غيره؟ فإن قال: نعم، ذاك أريد. قال له: فأصْدَقُ وأطْهَرُ لا يتحقق فيه التزايد؛ لأن الصدقَ، الخبر المطابقُ لمخبَره، فحين زادَ أو نقصَ خرجَ عن أن يكون صدقاً، وكذلك قولُنا: طاهرٌ، والذي ليس فيه منع من الصلاةِ معه، ولا يجب تجنبه، والخل والماءُ لا يتفاضلان، والكذبُ: الخبرُ عن الشيء على خلافِ ما هو عليه، ومسيلمةُ وغيره في ذلك سواء، فتضطره إلى أن يقول: إنما أردنا بأصدَق: أنه أكثر صدقاً، وأكذبَ بمعنى: أكثر كذباً، فيزولَ الخلافُ، فالعاقلُ من أراح نفسَه عن هذا من أول وهلاتِ السؤال والجوابِ، فتقول: ما معنى قولك: أصدقُ، وأطهرُ، وأوجبُ، وأعلمُ؛ فإذا قال (2): ما يعطي التزايد في غير التعلّق، زال الخلافُ، فاهتمَ بذلك تَسْترح (3) من كثيرٍ من الجدالِ مع غير أربابِ التحقيق.

فصل
في الزائد على ما يتناوله المأموربه
كتطويلِ الركوعِ والقراءةِ، هل يكونُ حكمُه حكمَ الأصل؛ أو يكونُ له حكمُ النَفل؟
الذي إختاره شَيخنا رضي الله عنه -وهو الصحيحُ عندي- أن الزيادةَ نافلة،
__________
(1 - 1) طمس في الأصل، وما بين معقوفين مقدرحسب المعنى.
(2) مكررة في الأصل.
(3) في الأصل: "تستريح" والجادة ما أثبتناه.
(3/206)

سواء كان المأمورُ به واجباً أو سنة، وبهذا المذهب قال أصحابُ الشافعي (1)، وأبو عبد الله الجُرجاني (2) من أصحاب أبي حنيفة، وأبو بكر الباقلاني، وذهب أبو الحسنِ الكرخي (3) إلى أنَ جميعه على حكم الأصلِ من الوجوبِ والسنةِ (4).
وقد خرجَ شيخُنا الإمامُ -رضي الله عنه- من كلامِ أحمدَ ما ذكر أنه يعطي مذهبَ أبي الحسن، وأنَ (5) الزيادة كالمزيد، فقال: لأنه استحب للإمام أن ينتظر على المأمومِ في الركوعِ بما لا يَشُقّ على المأمومين. قال شيخنا (6): فلو لم يحكم بأن إطالةَ الركوعِ واجبة، لم يصح إدراكُ المأموم للركعة؛ لأنه يُفضي إلى أن يكونَ المفترضُ تابعاً للمتنفل، وهذا عندي لا يدلّ على هذا المذهب، بل يجوزُ أن يكونَ يُعطي أحدَ أمرين: إما جوازُ ائتمامِ المفترضِ بالمتنفِّلِ، وليس بمستبعد مع حديث معاذ (7)، وهي رواية عنه.
ويحتملُ أن يجريَ مجرى الواجبِ في باب الاتباع خاصة، ولهذا يُسقطُ الاتباع
__________
(1) المستصفى 1/ 73.
(2) تقدمت ترجمته في الصفحة (173) من هذا الجزء.
(3) تقدمت ترجمته في الجزء الثاني الصفحة (87).
(4) انظر "العدة" 2/ 411.
(5) في الأصل: "إلى" ولعل المثبت أنسب لاستقامة العبارة.
(6) في "العدة" 2/ 411.
(7) عن جابر بن عبد الله، قال: كان معاذ بن جبل يُصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرجع إلى قومه، فيؤمهم، أخرجه أحمد: 3/ 299، و358 و369، والبخاري (700) و (701) و (705)، ومسلم (465)، والنسائي: 2/ 97، 102، 172، وأبوداود (600).
ووجه الدلالة في هذا الحديث: جوازُ صلاةِ المفترضِ خلفَ المتنفلِ؛ لأنَ معاذاَ كان يؤدي فرضَه مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ثم يرجعُ إلى قومِه فيؤمهم، فتكون صلاتُه بهم نفلاً له، وفريضةً لهم.
(3/207)

بعضَ الواجب، ويُوجبُ ما ليسَ بواجب، وهو المأمومُ المسافرُ إذا اتَّبع الحاضرَ وجبَ عليه الإتمام، وإن كان فرضُه القصر، والمرأةُ والعبدُ والمسافرُ يصفُون الجمعة بحكمِ المتابعةِ، وليس فرضاً لهم، والمسبوقُ تسقطُ عنه القراءةُ وقيامُ الركعة بحكمِ المتابعة.

فصل
يجمعُ أدلّتنا على ما نصره شيخُنا واخترناه
فمنها: أنَّ الركوعَ الذي يقعُ عليه الاسمُ مُجزىء تبرأ به الذّمة عن عهدةِ الأمرِ، فإذا انحنى معتدلاً، وقال على وجه التأني: سبحانَ ربيَ العظيم، حَسُن أن يقولَ له الفقيهُ الذي يُعلِّمه الصلاة: حَسْبُك، وحَسُن أن يقولَ له: أجزأكَ هذا القدرُ من الركوعِ، فارفع، وحسُنَ منه أن يقول: قد أتيتُ بما وجبَ في، والزائدُ يَحْسُن نفيُ الوجوب عنه.
فنقول: وما يجبُ عليك الزيادةُ على هذا، فقد دلَّ عليه السلبُ والإثباتُ، وإذا كان ذاك القدرُ هو الواجبَ، فماذا بعد الواجبِ إلا النفلُ، إذ لو كان ما زادَ واجباً؛ لكانت الذمّةُ لاتبرأ قبل فعله.
ومنها: أن نُجوَّزَه دليلاً قياساً، فنقول: ما سَقطَ به الفرضُ كان جميعَ الواجب، كما لو انفرد عن زيادةٍ، وبفرضِ الكلامِ في الزيادةِ، فنقولُ: غيرُ معاقَبٍ على تركه، أو غيرُمأثومٍ بتركه، فلا يكون واجباً كسائرِ النوافل.
ومنها: أن خصيصةَ النفلِ موجودة بلا في هذهِ الزيادة، وهي أنَ المكلف مخير بين فعلها وتركِها لا إلى بدل ينوبُ عنها، وكُل ما خُيِّر المكلفُ بين فعلِه وتركِه على الإطلاق، فهو النَفل، والحكمُ بمشاركته للفرض مع تخصصِه وتَميّزهِ بخصيصةِ النفل لاوجهَ له.
ومنها: أنَ الزيادةَ على ضَربين:
(3/208)

زيادةٌ هي تطويل الفعلِ والقولِ وامتدادُه على وجهٍ يجزىء منه البعضُ.
وزيادةٌ هي فعل مثلهِ منفصلة عنه على وجْه التكرار، ثم إن المنفصلة عنه على الخلافِ المعروفِ، (1 فا لمصلي لصلاة الظهر والفجر دفعتين، يكون بالثانية متطوعاً أم بإحداهما 1)؟ فلا يختلف الناس أنهما غير واجبتين جميعاً، فيجب أن يكون الامتداد والزيادة المتصلة في الركوع والقراءة كذلك، ولا فرق بينهما.

فصل
في اعتراضهم على أدلتنا
قالوا: ليس إذا سقطَ الفرضُ ببعضِه دل على أنَ الواجبَ ذلك البعضُ، الدليلُ عليه: أنَ فروضَ الكفايات إذا قامَ بها رجُلٌ من أهلِ المحلةِ أو القريَة، سقطَ الفرضُ عن الباقين، ثم إذا فعلَ الكُل ذلكَ الفرضَ كان كُفُه فرضاً، هذا في الأشخاصِ، وأمَّا في الأفعالِ؛ فالمسافرُ يسقط فرضُه بركعتين، ولو صلاها، فإنه كان الكلّ واجباً.
فيقال: إنَ الفرض يتناولُ أهلَ القرية، ولهذا لو تطابقوا على التَّركِ عمَّهم الإثمُ، وفي مسألتنا لو كان عادته تطويلَ الركوع، فتركَ أصلَ الركوع، أو تطويلَ القراءة، فتركَ أصلها أثمَ مأثمَ التاركِ لما يقع عليه الاسم، ولا يأثم مأثمَ من ترك ركوعاً وجب عليه مطوَّلاً ممتداً.
ولأنه ليس في فرضِ الكفايةِ واحدٌ يُشارُ إليه بالفريضةِ بل الوجوبُ تناول الكُلَّ، وجُعل البعض قائماً مقامَ البعض، وفي مسألتنا: الفرضُ من ذلك معين مقدَّرٌ بما يقعُ عليه اسمُ الركوعِ المطمئنِّ فيه، فذاكَ تخصَّص بالفرضِ، وما زاد تخصَّص بالنفلِ كتخصُّصِّه بخصائصِ النَّفل.
وأما المسافرُ؛ فإنه رُخِّص له في تركِ البعض، فإذا رد الرخصةَ رجع الفرضُ إلى
__________
(1 - 1) ورد في هامش الأصل، دون الإشارة إلى مكانه في المتن، ولعله كما أثبتناه.
(3/209)

أصله، وهو الوجوبُ في أصل الوضع، فلهم أن يقولوا، أعني أصحابَ ابي الحسن الكرخي: إنَّ من أصلنا أنَّ الشروع في العباداتِ يجعلُها واجباً؛ لأنَّ الشروعَ كالنذر، فالزيادةُ عبادةٌ قد شرعَ فيها، تَنقل الكلام إلى ذلكَ الأصلِ.

فصل
يجمع شُبَههم
فمنها: أنَّ الاسم يقع على آخرِ (1) الفعل، كوقوعه على أوَّله أو على الفاتحةِ، وما زاد نُوقِع عليه اسمَ الواجبِ المأمورِ به، وهو الركوعُ والقراءةُ حيث وقعَ على جميعه اسمُ القراءةِ والركوعِ.
ومنها: أنَّ الزيادةَ على المنهى جُعِلَ محظوراً مثلَه، وما زيدَ على الشرطِ جُعِلَ كالشرطِ، والزائدَ على عددِ الجُمَع مِمَّن (2) لا تَجبُ عليه الجمعة اقتصر عليه حكمُ الجمعةِ في حصولِ الإجزاء عن الظّهر وبيانُ الشرط، أنه لو سرقَ النَّباشُ اللَّفائِف غير المعتَبرة وتمَّ بها النصابُ، قُطعَ وجُعل في حُكم المعتبرة، وكذلك الستْرةُ الثانيةُ إذا كانت غَصباً حصلَ الإجزاءُ والاكتفاءُ بواحدة، وأثَّرَت الثانية في الإبطالِ، كما لو كانتا مَغصوبتين (3).
فيقال: ذاك تساوى المأثم، فالإثمُ على جميعه، وها هنا لا مأثمَ على تركهِ جَميعه بل على تركه بعضه، وذاكَ لا يُجبرُ على فعلِ الزائدِ وعلى تركهِ، وهنا يُجبَرُ مَن فعلَه وتركَه. ولأنهم قالوا: يقطعُ بالنصابِ فيما زادَ عليه، ولا يتعلقُ الوجوبُ بالأوقاصِ (4)
__________
(1) في الأصلِ "أجزاء".
(2) في الأصل: "من".
(3) المقصودُ بذلك: أنه إذا كانت إحدى سُترتي المصلي مغصوبة، أثرت في إبطال الصلاة، كما لو
كانتا مغصوبتين.
(4) الأوقاص: جمع وَقص، وهو ما بين فريضتي الزكاة، كالزيادة على الخمسِ من الإبل إلى التسع، وعلى العشرِ إلى أربعَ عشرة. انظر "النها ية في غريب الحديث": 5/ 214.
(3/210)

الزائدةِ على نصابِ الزكاةِ.
ومنها: أنَّ الإنسانَ لو قال لوكيله: تصدّق من مالي. فتصدّقَ بالقليلِ، كان بحكمِ الأمرِ، وإن تصدّقَ بالكثير فكذلك، وما ذاكَ إلا لأنَ الكثيرَ والقليلَ يتساويانِ في وقوعِ اسم الصدقةِ عليهما.

فصل
في الأجوبةِ عن ذلك
أمَّا دعواهم أن آخره كأوَّله، غيرُ صحيح؛ لأن آخرَه امتازَ عن أوله بالحكمِ المخصوصِ، وهو التخييرُ بين فعلهِ وتركهِ، وبسُقوطِ المأثم على تركه، والأولَ اختص بخصيصةِ الواجب من حيثُ العقابُ على تركهِ وانحتامُ فِعلِه، فتميزه بالمعنى يربي (1) على شمولِ الاسمِ ووقوعه عليه.
وأمَّا الوكيلُ، فلا نُسلِّم، بل إذا أطلقَ له الصدقةَ وقعَ على أيسرِ يسير، ولأنه هو المتحققُ من ذلك، وما زادَ يحتاجُ إلى دلالةٍ وتصريحٍ، ولو سُلِّم؛ فإنَ العادةَ فيما بيننا أنه لو أرادَ المقدارَ ذكره، ولو أرادَ البعضَ لَخَصَّصَهُ، فلمَّا لمْ يُقدَّر دلَّ على أنه وَكَلَهُ إلى اختيارِ الوكيلِ، فكانت العادةُ هي الموجبةَ لتعميمِ الصدقةِ، وليس بيننا وبين الله سبحانه عُرف، فكان الواجبُ هو ما يقع عليه الاسمُ دونَ ما لا تَتحقق فيه الشركةُ للواجب.

فصل
إذا ورد الأمرُ بهيئةٍ في فعل، ودل الدليلُ على كون الهيئةِ مسنونةً أو مستحبةً مندوبةً، لا يَخرج المأمور بايقاعِ الهيئةِ فيه عن كونه واجباً.
مثالُه: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للقيط بن صَبِرَة: "وبالِغْ في الاستنشاق إلا أن تكونَ
__________
(1) في الأصل: "يولي"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(3/211)

صائماً" (1)، وقوله صلى الله عليه وسلم في المشي بينَ الصفا والمروة: "اسعَوا، فإن الله كتبَ عليكم السَّعي" (2)، وقوله للخاتِنة: "أشَمِّي ولا تُنهِكي" (3)، فإنَ هاتين الهيئتين مندوبتان، والاستنشاقُ وأصلُ المشي بين الصفا والمروةِ جميعاً واجبان (4)، خلافاً لأصحابِ أبي حنيفة (5)، حكاه الجُرجاني وأنه يكونُ الاستنشاقُ وأصلُ المشي بين الصفا والمروة غيرَ واجبين.

فصل
في ذكر حجتنا على ما ذهبنا إليه
أنَ الأمرَ بالسعيِ والمبالغةِ قد دلا على الأمرِ بأصلِ المشي، وأصلِ الاستنشاق، فلما قامت دلالة الندبِ على نفيِ الوجوبِ للهيئتين، بقيَ الأصل مأموراً به أمراً مطلقاً،
__________
(1) أخرجه الشافعي في "مسنده" 1/ 30، 31، وأحمد 4/ 211، وأبوداود (142)، (143)، (2366)، والترمذي (38)، (788)، والنسائي 1/ 66، 79، وابن حبان (1054) من حديث لقيط بن صبرة.
(2) أخرجه أحمد 6/ 421 - 422 والشافعي 1/ 352، والطبرأني في الكبير 24/ (529) و (576) و (813)، والدارقطني 2/ 255 - 256، والحاكم 4/ 70. من حديث حبيبهَ بنت أبي تجراة.
(3) رواه أبوداود (5271). ومعنى أشفي ولا تُنهكي: أي اقطعي بعضَ النواة ولا تَسْتأصليها.
والنهك هو المبالغة في الضرب والقطع. وقد شبه القطع اليسيرَ بإشمام الرائحة، أي: لا تبالغي في استقصاء الختان."النهاية" 5/ 137.
(4) اختلفت الرواية عن أحمد في السعي، فرويَ عنه أنه ركن لا يتمُّ الحجُّ إلأ به، ورويَ أنه ستة لا يجب بتركه دمٌ.
وقال القاضي أبويعلى: هو واجبٌ وليس بركن، إذأ تركه وجب عليه دم، وهذا ما رجَّحه صاحب "المغني" وهو رأيُ الحنفية.
انظر "المغني" 5/ 239، و"البناية" 3/ 509.
(5) رأيُ الحنفية ان الطوافَ من واجبات الحج، لا من أركانه. وهو قول ابن عباس، وعبد الله بن الزبير وعروة بن الزبير والحسن البصري، وعطاء، ومحمد بن سيرين ومجاهد.
انظر "البناية على الهداية" 3/ 509.
(3/212)

والأمرُ المطلقُ يقتضى الوجوبَ، فصار بمثابةِ لفظِ العموم إذا تَعقَبه لفظ يقتضي إخراجَ بعضِه، بقي الباقي على ظاهرِه في الاستغراقِ لما عدا ما أخرجه الخصوص.

فصل
في شُبَههم
قالوا: المنطوقُ به نفسُ المبالغةِ والسعي، وقد قام الدليلُ على نفيِ وجوبهِ، فغيرُ المنطوقِ به في الأمرِ لا وجهَ لكونه واجباً، وزيادته على رتبةِ المنطوق به.
فيقال: إنَ قولَه في الاستنشاقِ يعطي الأمرَ به، ولم يقمْ على الأمرِ به دلالةٌ تحطُّه عن رتبةِ الإطلاق، كما إذا قال: حُتيه في غسلكِ له (1)، وأوتر في الاستجمارِ (2)، يكون مضمناً للأمرِ بالأصلِ، وليس في الأصلِ ما يحطه عن مرتبتهِ من الإطلاق.

فصل
إذا كنّى اللهُ سبحانه عن العبادةِ ببعض ما فيها من أركانِها وتوابعِها، دل على وجوبِه فيها، وكونِ ذلك الشيء من لوازمها وفروضِها، مثل قوله تعالى: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} [الإسراء: 78] لما كنى عن الصلاة به، دل على وجوبه فيها، وكذلك قوله: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} إلى قوله: {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ} [الفتح: 27]، فكنَى عن الحج بحلقِ الرأس، فدل على وجوبه فيه، والأصل في ذلك أنَ العرب لا تكني عن الشيء إلا بأخص الأشياء به، تقول: عندي كذا وكذا رقبةٌ، وتحتي كذا وكذا فرجٌ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا سَبقَ إلا في خُف أو حافرِ أو نَصْل" (3)، ويقول القائل: لي كذا وكذا
__________
(1) كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "حتية، ثم اقرصيه" وقد تقدم تخريجه في الصفحة (38) من الجزء الأول.
(2) أخرج أحمد 4/ 313، 339، 340، والترمذي (27)، والنَسائي 1/ 41، وابن ماجه (406)، والحاكم 1/ 158، وابن حبان (1436) من حديث سلمة بن قيس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:" إذا توضأت فاستَنْثر وإذا استَجْمرت فأوتر".
(3) أخرجه أحمد 2/ 256، 358، 425، 474، وأبوداود (2574)، والترمذي (1700)،=
(3/213)

وَقفة، ويريدون به حجّةً، لما كان الوقوفُ بفواتهِ فواتَ (1) الحج، ويدركُ بإدراكهِ، هذا دأبهم.

فصل
الأمرُ من جهةِ الله سُبحانه لا يقفُ على مصلحةِ المأمورِ، ويجوزُ أن يأمرَه بما يعلمُ أنه لايعودُ بصلاح حاله.
هذا يَنبني على أصولٍ لنا في أصولِ الدياناتِ، وبهذا قال الفقهاءُ أجمع، خلافاً للمعتزلة ومن وافقهم في تلك الأصولِ في قولهم: لا يأمرُ إلا بما فيه المصلحةُ.
والأمرُ عندهم يقتضي الإرادةَ، ولا يريدُ اللهُ عندهم بعباده إلا ما فيه الأصلحُ لهم ديناً ودُنيا.
والكلامُ في هذا الفَصل يشيرُ إلى تلك الأصولِ، فنذكر فيه بحسب ما يحتمل هذا الكتابُ إن شاء الله.

فصل
يجمع أدلتنا
فمنها: أنه لو تخصص أمرُه بالأصلحِ لما أمر إبليسَ وفرعونَ (2) ومن كانت حالُه حالَهما في التخلفِ عن الطاعةِ واعتمادِ المخالفة، إذ قد كشفت عاقبةُ أمرِه سبحانه لهم عن الوبَالِ واللعنِ والإيعادِ عند (3) التَخلف، والتخليدِ في العذاب عند المؤاخذةِ والمجازاةِ، وقد أبانَ لنا عن الأصلح في بعضِ ما قصد فيه الأصلحَ، فأبانَ عن قَتلِ
__________
= والنسائي 6/ 226، 227، وابن ماجه (2878)، وابن حبان (4690). والسَبق: هو المال المشروط للسابق على سبقه والمراد من النصل: السهم، ومن الخف: الإبل، ومن الحافر: الفرس
(1) في الأصلإ "وفوات" والمثبت هو الجادة.
(2) انظر 2/ 481 التعليق رقم (1).
(3) تحرفت في الأصل إلى: "عن".
(3/214)

الغلامِ في حقِ الخَضِرِ لما أنكره وأكبره موسى عليه السلام، بأنه كان في المعلومِ أنه لو بَلَغَ لكفَر وكَفر أبويه (1)، فقد أعطى ذلك أنه لما أرادَ حِفظَ عاقيته وعاقبةِ أبويه، أمَرَ بالأصلحِ لهم، وهو قتلُه صغيراً، فما كان من هذا فقد كشف النظر عن مرادِه سبحانه منه، وهو الأصلحُ، فأما إبليس حيث طلبَ الإنْظار وخَطَب طولَ الإعمار، أجابه سبحانه فقال: {قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15)} [الأعراف: 15]، فلو كان أمرُه لإصلاحه وصلاحِ عاقبته لما أجابه إلى الإبقاء، وقد كشفت العاقبة أنَ إنظارَه الذي أجابه الحق إليه وَبالٌ عليه وعلى من اتبعه، فلو كان اللهُ سبحانه أرادَ حفظَه عن الفسادِ، وأرادَ به الصلاح، وبغيرِه ممَن علم أنه يغويَه؛ لفَعلَ في حَقَه ما فعلَه في حق طفلِ الخَضِر، فعُلمَ أنه مُطلقُ الأمرِ والمشيئةِ بفعل الأصلح لمن شاءَ، وفي حقَ من شاء، ويأمرُ من لا يُريد صلاحَه بما شاء، فهذا طريق مَهْيَعٌ قد ملأ كتابه الكريم بأمثاله:
قال في حقّ قومٍ: {وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} [التوبة: 46]، وأبان عن عِلّة الكراهة، فقال: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} [التوبة: 47]، فأبان عن علةِ عاقبتهِم [وتثبيطهم] (2) عن الخروج لمصلحةِ جيشِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما أرادَ بجيشه الأصلحَ.
وقال في حق قومٍ: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا} [آل عمران: 178]، وأطال أعمارَ المنافقين على ما كانوا عليه من التخذيلِ للمسلمين، وتَتع عوراتهم، ومكاتبةِ المشركين، وإيقاعِ الأراجيفِ على السَّرايا، وجميع ما أخبر اللهُ عنهم في كتابه في قوله: {وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ} [التوبة: 101]، وقولهم: {لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ}
__________
(1) وذلك في قوله تعالى: {وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا}، سورة الكهف، الآية: 80.
(2) زيادة يستقيم بها المعنى.
(3/215)

[التوبة: 81] وقوله: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ} [الأحزاب: 60] ... الى أمثال ذلك، فَعُلم أنَ الله سُبحانه يَفعلُ الأصلحَ ويَعتمدُه في حقِّ من شاء، فأما أن يُشترط الأصلحُ في أمره، ويقف أمرُه عليه، فمتى ذهبَ إليه ذاهب مَنَعته هذه الآيُ وما شَهدت به أحوال بَعضِ المكلفينَ المأمورينَ من كونِ الأوامِر والنواهيِ والتكاليفِ عادت بوَبالهِم في فسادِ عاقبتهم وفسادِ الأمةِ بهم.
وهذه شَذْرَةٌ كافيةٌ في مثلِ هذا الكتاب، إذ ليس بموضوع في أصول الديانات، لكنّه في أصولِ الفقه.

فصل
فيما تعلقوا به لِمذهبهِم
قالوا: القولُ والفعلُ إذا خَلا من فائدة كان عبثاً، وقد نزَه اللهُ سبحانه نفسَه عن العبثِ وعن الباطل، فقال: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ....} إلى قوله: {إِلَّا بِالْحَقِّ} [الدخان:38 - 39]، وقال: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} [المؤمنون: 115]، {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، فمن تنزه عن فِعلٍ يخلو من نفع به، [قادر] (1) على التنزيه لنفسه عن فعل هو محضُ مَضَرة لا فائدةَ فيه.
والأمرُ أحدُ أقسامِ كلامِه سبحانه، لا يخلو أن يكونَ إما لنفعٍ، أو دفعِ ضررٍ, والله سبحانه مُنزهٌ عن ذلك، لم يبقَ إلا أنه أمرَ العبادَ لنْفعهم ودفعِ الضررِ عنهم، وذلك هو الأصلحُ الذي نشيرُ إليه، وإذا خلا من اجتلابِ النفعِ لهم الموفي على مَشقَّة التكليف، أو دفعِ المضار عنهم تعطلَ عن فائدة، وكلُّ قولٍ تعطّلَ من فائدةٍ كان لغواً، كما أن كُل فعلٍ تعطَّل من فائدةٍ كان عَبثاً، والله سُبحانه منزّه عن العبثِ عقلاً وشرعاً، حيثُ قال سبحانه: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ}
__________
(1) زيادة يستقيم بها المعنى.
(3/216)

[الحجر 85]، وفي لفظٍ آخرَ {لاعبين} [الدخان: 38]، وقال: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} [المؤمنون: 115]، {مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقّ} [الدخان: 39]، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)} [الأنبياء: 107]، وإذا بطلَ أن يكون لمعنىً يعودُ إليه، وبطل أن لا يكون لمعنى رأساً؛ لأنه [سبحانه منزه] (1) عن العَبث، لم يبق إلا أنه لنفعِهم ودفعِ الضررِ عنهم، وذاك هو الأصلحُ الذي نشيرُ إليه.

فصل
في جوابهم عما تعلقوا به من الشبهة
فيقال: نحنُ نخالفكم في هذا الأصل، ولا نطلبُ لأفعالِه وأقوالِه الفوائدَ، بل نقول: إنَ القولَ والفعلَ الصادرين (2) عن الله سبحانه يصدرانِ عن إرداةٍ مطلقةٍ وتصرّفٍ في أعيانِ مُلكه، وقد يصدرُ عنه ما لو صدَر من خلقِه لكان مَذموماً مُسْتَهجناً، ويصدرُ عنه حسناً، كأمرِه لمن يعلمُ أنه لا يُطيع، وخلقِه لمن يعلم [أنه لا يعمل] (3) إلا بالبغي، وإمدادِه بالقوى والأموالِ وطولِ الأعمار وكلِّ شيءٍ يكون به [من] (4) الشَّرِّ أقربَ وعن الخير أبعدَ، ولو صدرَ هذا من الواحدِ منّا بأن أخرجَ عبداً من حَبسٍ كان مانعاً له، أو حل قيداً كان مُعوّقاً له عن الفسادِ مع علمه بأنه لا يَتصرّفُ بعد إطلاقه إلا فيما يعود بفسادِ حاله وأحوال العباد، فإنه يكون جميعُ ما يَتطرّقُ من ذلك العبدِ منسوباً إليه، ويكونُ مذموماً عليه، وهذا موجود في تكليفِ الله مَنْ كَشفَ الغيبُ عن فَسادِه وإفسادِه، وهو بريءٌ من كل لائمةٍ، حاكم غير مَحكوم عليه، على أنه القادرُ على النَفعِ المحض الذي وَعَدَ به أهلَ الجنة، وما فعله مع كونه قادراً عليه من غَير تقديمِ بُغْضِ الدنيا ومِحَنِ التَّكاليف ومَشاقِّها، وكل من قدرَ على
__________
(1) ما بين معقوفين ليس في الأصل، ولابدمنه لاستقامة العبارة.
(2) في الأصل "الصادران" والصواب ما أثبتناه.
(3) ما بين معقوفين ليس في الأصل، ولابدمنه لاستقامة العبارة.
(4) ساقطة من الأصل.
(3/217)

نَفعِ غيرِه منّا بغيرِ تقديمِ مضرةٍ لا تَعودُ إليه بنَفعٍ، ولا دفع ضررٍ، فلم يفعل به ذلك النفعَ إلا بتقديم ضررٍ وتكليفِ مَشاق، فَقد بَخَسَ ذلك الحَيَّ حقَّه، كمن قدرَ على إسقاءِ العطشانِ جُرعةً أو شربةً من الماء، أو المُضْحي (1) بإظلاله بظلِّ جداره، أو المتخبِّط في ظلمةِ الليل بضَوءِ نارِه، فلم يفعل من ذلك كله شيئاً، بل منعه منه مع الغَناءِ والقدرةِ والعلم بصدق الحاجة، فإنه يكون على الغايةِ من استحقاق الذمّ.
والجنَّة عنده سبحانه كتلك الشربة، وذلك الظِلّ، وذلك الضياء، وقد مَنعناها (2)، مع القُدرةِ وأحال بيننا وبَينها بمحنِ الدُّنيا وبَلاوي التَّكليف، وأخطارٍ حجبت أكثرنا عنها.
وفيما قدّمنا من أنَّ اللهَ سُبحانه قد أمرَ أوامرَ كثيرةً على غير وجهِ الأصلح للمأمور كفايةٌ، والله أعلم.

فصل
إذا قال الصحابي: أمَرَ رسولُ الله بكذا، أو نهى رسولُ الله عن كذا. كان حُكمُ هذا القول منه حُكمَ أمرِ النَّبي صلى الله عليه وسلم وقولي: افعلوا كذا، ولا تفعلوا كذا.
وحكى القاضي أبو الحسنِ الخَرَزي (3) أن مذهب داودَ أنه لا يَثبت بذلك حكم أمرِه ونهيه الواجبين، حتى تُنقل إلينا ألفاظُه.
__________
(1) هو من يصيبه حرُّ الشمس، ومنه قوله تعالى: {وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى} أي لا يُؤذيك حرُّ الشمس. "اللسان": (ضحا).
(2) في الأصل: "منعناه"، والمثبت أنسب للسياق.
(3) هو أبوالحسن عبد العزيز بن أحمد الخَرزي -نسبة إلى بيع الخرز- إمام أهل الظاهر في عصره، قدم من شيراز في صحبة الملك عضد الدولة. قال أبو عبد الله الصيمري فيه: ما رأيتُ فقيهاً أَنْظَر منه ومن أبي حامد الإسفراييني. "الأنساب للسمعاني" 5/ 87 - 88، و "شذرات الذهب" 3/ 137.
(3/218)

وحُكي عن ابنِ بيان القصار الداودي أنه قال: ليس هذا مذهبَ داود، بل يَجوز الاحتجاجُ به (1).

فصل
يجمع أدلتنا على ما ذهبنا إليه (2)
فمنها: أنَ أصحابَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ورضوانه عليهم، أعرفُ بألفاظِه ومعاني أقواله، فإذا قالوا: أمرَنا. وهم عارفون بالأمرِ، ونَهانا. وهم عارفون بالنَهي، صارَ ذلك كقولهم: قالَ رسولُ الله: افعلوا كذا، ولا تفعلوا كذا. فاشتراطُنا في حقهم نقلَ ألفاظِه إلينا تَعاطٍ (3) عليهم؛ لأنَ خبر هذا القول منا: اذكروا لنا لفْظَه، عساه لا يكون أمراً ولا نهياً، وقد وقع لكم أنه أمر ونهيٌ. ولا أسمجَ من ذلك ولا أقبحَ.
والذي يوضّحُ هذا الدليلَ: أنهم لما رَووا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه رجمَ ماعزاً لما زنَى (4)، وقَطَع [يَدَ] سارق رِداءِ صَفوان (5)، وسَها فَسجد (6)، كان ذلك منهم كقوله: رجمتُ
__________
(1) ما قرره ابن حزم في كتابه "الإحكام": أنه إذا قال الصحاب: امرنا بكذا، فليسَ هذا إسناداَ، ولا يقطع على أنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ينسبُ إلى أحد قول لم يروَ أنه قاله، ولم يقم برهان على أنه قاله. انظر "الإحكام في أصول الأحكام" 2/ 72.
(2) تحرفت في الأصل إلى: "إليها".
(3) التعاطي: الجراءة على الشيء، وتناول ما لا يحق ولا يجوز تناوله. "اللسان": (عطا).
(4) حديث رجم ماعز تقدم تخريجه في الصفحة (108)
(5) حديث قطع يد سارق رداء صفوان بن أمية، أخرجه الدارمي 2/ 172، والنسائي 8/ 69، والطبراني (7366) و (15978) و (11703)، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: جاء صفوان بن أمية إلى النبي صلى الله عليه وسلم برجلِ سرق رداءه من تحت رأسه وهو نائم، فلم ينكر ذلك الرجل، فامر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُقطع، فقال صفوان: في هذا يقطع؟! قال: "فهلاّ قلتَ هذا قبل أن تاتيني؟! " وأخرجه ابن ماجه (2595)، والطبراني (7338) (7341) من حديث صفوان بن أمية مع اختلاف في اللفظ.
(6) حديث سَهْو رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة وسجوده فيها، أخرجه أحمد 4/ 427، مسلم =
(3/219)

ماعزاً لما زَنى، وقطعتُ يدَ سارقِ رداءِ صفوان، وسجدتُ حين سَهَوت.
ومما يوضِّحُ الدليلَ أيضاً: أنَ أصحابَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قَبِلَ بعضُهم من بعضٍ مثلَ هذا قبولهم لألفاظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسموعةِ منه.
ومن ذلك: أنَ رافعَ بن خَديج روى لابنِ عُمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نَهى عن المُخابَرةِ (1)، فَعمِل بخبره وترك المخابرةَ هو وجميع من كان يعملُ بها بعد أربعين عاماً تعاملوا بها فيها.
ومن ذلكَ أيضاً: ما رواه أبو الدَرداء أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، نهى عن بَيع كان باعه معاويةُ (2)، فتركَه. ولم يطلب ابن عُمَر ولا معاويةُ من رافعٍ ولا ابى الدرداءِ لفظَ النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثقةً بمعرفتهما بأمرِ رسولِ الله ونهيه، فنحنُ أحقُ بقبولِ ذلكَ وتركِ تعاطينا على أصحابِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
__________
= (574)، وأبوداود (1018)، والنسائي 3/ 26، وابن ماجه (1215)، وابن خزيمة (1054)، والبيهقي 2/ 359، وابن حبان (6654) عن عمران بن حُصين: أنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم سَلم في ثلاثِ ركعات من العَصرِ فقال له الخِرباقُ: يا رسولَ الله، أنسيتَ أم قَصُرت الصلاةُ؛ فقال صلى الله عليه وسلم: "أصدق الخِرباقُ؟ " فقالوا: نعم، فقامَ فَصلى ركعة، ثم سجدَ سجدتين، ثم سلم.
وأخرجه أحمد 1/ 379، وابن أبي شَيبة 2/ 25،- والبخاريُّ (401)، ومسلم (572)، وأبوداود (1020)، والبيهقي 2/ 335، والدارقطني 1/ 375، وابن حبان (2662)، عن عبد الله بن مسعود قالْ صلى رسول الله صلاةً، فلما سلم، قيل له: يا رسول الله، أحدَث في الصلاة شيء؟ قال: "لا وما ذاك؟ " قالوا: صليتَ كذا وكذا، قال: فثنى رجله واستقبل القبلةَ، وسجد سجدتين ثم سلم.
(1) أخرج أحمد 3/ 465، ومسلم (1547)، والنسائي 7/ 48، وابن ماجه (2450)، والطبراني (4248) و (4249) و (4250) و (4251) و (4252) و (4253)، أن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا نُخابر ولا نرى بذلك بأساً حتى سمعنا رافع بن خديج يقول: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فتركناه لقوله. والمخابرة: المزارعة.
(2) أخرج النسائي 7/ 279 في البيوع عن عطاء بن يسار أن معاوية باع سقايةً من ذهب أو وَرِقٍ بأكثر من وزنها، فقال أبوالدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذا إلا مِثلاً بمثلٍ.
(3/220)

ومنها: أنَّ الراوي يجبُ تصديقُه فيما يرويه عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فإذا لم نعمل بقوله: أمَرنا بكذا، ونهانا عن كذا. كُنّا تاركين لتصديقه فيما رواه، وذلك غيرُ سائغ بالإجماعِ.
ومنها: أنَّ المعنى الذي اشترطَ له المخالفُ نقل ألفاظِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما هو ليتحققَ أنه أمر حقيقة ونهي حقيقة.
وكما أنَّ معاني الألفاظ قد تختلف باختلاف الصيغ، كذلك تختلف باختلاف دلائلِ الاحوالِ والأسبابِ التي وردت عليها، وكان يجب أن نعتبر نقلَ الأحوالِ والأسباب، لا سيما وبعضُ الناسِ يعتقدُ قَصر الجواب على السببِ والحالِ الذي خرجَ الكلامُ عليه ولأجله، فلمَّا لم نعتبر ذلك لم نعتبر نقلها، واكتفينا بقوله: أمَرَنا ونهانا.

فصل
في توجيه أسئلتهم على أدلّتنا
فمنها: أنَ ألفاظَه صلى الله عليه وسلم قد تخرجُ مَخْرج النَدْب، وبعضُهم يعتقدُه أمراً، وبعضُهم لا يعتقده أمراً، وتخرجُ مخرجَ التنزيه، فينقُله الناقلُ نَهياً على الإطلاقِ. ومن الناسِ من يعتقدُ أنَّ الإباحةَ والإطلاقَ أمرٌ، ومن الناسِ من يعتقدُ أنَّ الأمرَ بعد الحَظْر أمرٌ، وبعضهم يعتقده إطلاقاً وإباحة، فلا يكون طلبُ الألفاظِ منا تعاطياً عليهم، لكنْ استعلاماً منهم لنبين الأمرَ على ما نعتقده نحن بالدليل، دونَ تقليدهم.
ومنها: أنه قد يأمرُ الشخصَ بالأمرِ لمعنى يخصّه، وينهاه لمعنيّ يخصه، فلا يكونُ نهياً عاماً ولا أمراً عاماً.
فيقالُ: إنَّ هذه المذاهبَ حادثة، ولم يكن هذا الاختلافُ في زمن الصحابةِ، فيُحتاج أن ينقلَ أنها كانت في وقتهم ليصحَّ السؤال.
على أنَّ إطلاقَ الأمر لا يُحملُ إلا على الإيجابِ، ولو كان الاختلافُ موجوداً في
(3/221)

وقتهم وعصرهم لوجَب (1) أن يُنْبىء على أي وجهٍ أمرهم؛ لما نعلمه من اختلافِ مذاهبِ الناسِ في الصيغة.

فصل
إذا قال الصحابي: أُمرنا بكذا، أو: من السنَةِ كذا، أو: نُهينا عن كذا. فهو راجع إلى النَبي - صلى الله عليه وسلم - وأمرِه ونَهَيه وسُنّتِه (2).
وإن قال التابعي ذلك، فهو كا لمرسل، فهو حجّة في إحدى الروايتين عن أحمدَ رضي اللهُ عنه.
واختلفَ أصحابُ أبي حنيفة في ذلك:
فحكى أبو سُفيان عن أبي بكر الرازي أنه لا يرجعُ ذلك إلى أمْرِ النَبي ونَهيه، ولا سُنته؛ فلا يحتجُ به، وحكى غيره من أصحابهِ أنه يرجعُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، مثل قولنا.
واختلف أصحابُ الشافعي، وذهبَ أكثرُهم إلى مثل ما حكيناه عن صاحبنا، وأنه يُضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وذهب أبو بكر الصيرفي (3) إلى أنه لا يُضاف إلى سُنّة النبي وأمره ونَهيه (4).

فصل
يجمع أدلّتنا على أنَّه حجّة
فمنها: أنَ الأمرَ والنهيَ والسنةَ، الأصل الذي صدرت عنه إنما هو السفيرُ عن الله تعالى، ومن دونه إنما هو مُبَلغٌ ومُخبرٌ، فإذا أطلقتْ هذه الألفاظُ وجبَ أن
__________
(1) في الأصل "الوجوب"، والمثبت أنسب لسياق العبارة.
(2) انظر "العدة" 3/ 991، و"المسودة": 294.
(3) تقدمت ترجمته في الجزء الأول، الصفحة: 186.
(4) انظر "المسودة": 294.
(3/222)

ترجعَ إليه، وإنما سُنةُ غيره وأمرُ غيره يُعلم بالتقييد والدلالةِ والقَرينةِ، يوضّحُ هذا: ما رُويَ عن أنسٍ أنه قال: إنَ بلالاً أُمر أن يَشْفَعَ الأذان ويُوتر الإقامَة (1).
ولم يقُل أحد (2) ولا سأل: مَن الآمر له؟ لحملهم ذلك (3) على الأمر المعهود المعقول، وهو أمر الشارع دون غيره.
وصار ذلك بمثابةِ ما لو قال بعضُ خَدمِ السلطانِ: أمرَ وتَقدَمَ، أو أمَرنا وتقدَم إلينا، أو نَهانا. فإنه لا ينصرفُ ذلك إلا إلى أمر السلطانِ ونَهيهِ وتقدُمه، دون أتباعِه وحواشِيه وخدمِه، كذلك النَبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابِه يجبُ أن ينصرف الأمرُ إليه دونَهم.
ومنها: أنه لا خلافَ أنه لو قال قائلٌ: أُرخص، أو رُخّص في كذا، لرجعَ ذلك إلى ترخيصِ النَبي صلى الله عليه وسلم، كذلكَ إذا قيل: أُمِرنا، وُنهينا؛ لأن الترخيص والأمرَ والنَهي جميعَ ذلك تشريعٌ.

فصل
في إفراد شُبههم
فمنها: أنَ الأصلَ براءةُ الذمة، فلا تُشغَل بلفظٍ يترددُ بين أمرٍ يوجِب شَغلَها، وبين أمرٍ لا يوجب شَغلَها.
ومنها: أنَ السنةَ، والأمرَ، والنَهيَ قد ينصرفُ إلى غير سنَةِ النبي صلى الله عليه وسلم، فإنَ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "عَليكمْ بسنَتي وسُنّةِ الخلفاءِ الراشدينَ من بعدي" (4)، وقال: "مَن سَنَّ
__________
(1) أخرجه أحمد 3/ 103، والبخاري (605)، ومسلم (378)، والنَسائي 2/ 3، وأبوداود (508)، وابن حبان (1675)، والبيهقي في "السنن" 1/ 413، والدارمي 1/ 271، وابن خزيمة (375).
(2) في الأصل: "لأحد"، والمثبت من "العدة" 3/ 995.
(3) في الأصل: "على ذلك"، ولا داعي لها.
(4) تقدم تخريجه في الجز الأول، صفحة: 280.
(3/223)

سُنّةً حَسَنة كان له أجرُها وأجرُ من يَعملُ بها إلى يومِ القِيامة" (1). وقد رُوي عن عليًّ كَرَّم اللهُ وجهه أنه قال: جَلَدَ رَسولُ الله في الخمرِ أربعينَ، وجَلَدَ أبو بكرِ أربعين، وجلدَ عُمرُ ثمانين، وكُلٌّ سُنَّة (2). فسوّى بين فعلِ النبي وفعْلِهم في تسميته سُنّةَ، فإذا ثبت هذا لم نَعلم إلى ماذا أشارَ الصحابيُّ إلى سنةِ رسول الله أو سُنّةِ الخلفاءِ بَعده؟ فلا وَجه لجعْل ذلك حجّةً مع هذا الترددِ والاشتراكِ.
ومنها: أنَ الصحابي قد يَجتهدُ يستنبطُ الحادثةَ، فيؤديه اجتهادهُ إلى حكم، ويُضيفُ ذلكَ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، تقيسُ (3) على ما سمعَ منه، ويستنبطه مما (4) أخذ عنه، وإذا احتُمل هذا؛ لم يَجُز أن يُجعل سنة مُسْنَدةً، كما لو قال: هذا حُكمُ الله تعالى. لم يَجُز أن يُضافَ إلى القرآن.

فصل
في أجوبتنا عن شُبههم
إنَ الأصلَ براءةُ الذمةِ يتغير بالشَغلِ بالظاهر ولا نَحتاج فيه إلى أكثر من الظاهر الموجبِ لِغلبةِ الظنّ، كخبرِ الواحدِ؛ غايةُ ما يقتضي الظن وينتقلُ به عن الأصلِ، وهو البراءة إلى الشَغْلِ، والظاهرُ ها هُنا أنَ السنّة إذا اطلقت انصرفت إلى سُنةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأمرُ والنهيُ ينصرف إلى أمرِه ونَهْيه من الوجه الذي ذكرنا.
__________
(1) أخرجه أحمد 4/ 357، 358 - 359، ومسلم (1017)، والترمذي (2675)، وابن ماجه (253)، والنسائي 5/ 75 - 77، والطبراني (2375)، والبيهقي 4/ 176.
(2) أخرجه عبد الرزاق (13545)، وأحمد (624) ومسلم (1707)، وأبود اود (4481)، وابن ماجه (2571)، والنسائي في "الكبرى" (5269) (5270).
(3) في الأصل: "لا يقيس"، والمثبت هو الصواب.
(4) حرفها الناسخ في الأصل إلى: "ما".
(3/224)

وأمّا قولهم: إنَ السنةَ لفظٌ يشترك. غير صحيح؛ لأنها في الأصل اسم لما وُضع ليُحتَذى ويُتبع، والاتباعُ في الأصل إنما هو للشارعِ دون أصحابه وأتباعه. وأما ما ورد به الحديث: "عليكم بسُنَتي وسُنةِ الخلفاء"، فتلك سُنة مقيّدة، وكلامُنا في السُنّةِ المطلقةِ، وحكمُ المطلقِ الذي نحنُ فيه يخالفُ حُكم المقيّد، بدليلِ سائرِ الألفاظِ من الأوامر والنواهي.
وأمّا قول علي عليه السلام: وكُل سُنّة. أرادَ به سنةَ النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الزيادةَ على الأربعين تعزير (1)، لأمرِ لمحه عمر أوجبَ التعزير وعلي قال: إنه إذا سَكِرَ هَذى، وإذا هَذَى افترى، فحُدوه حَدَ المفتري (2). وحد المفتري سُنّةُ النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وأمَّا قولهم: إنما أضافه إلى رسولِ اللهِ لأنه مستنبطٌ من لفظِه، فالظاهرُ أنَ السنة ما تُلقِّفَ من لفظِ رسول الله دونَ ما استُنبط، ولهذا قال لمعاذ: "بِمَ تَحكُم"؟ قال: بكتابِ الله، قال: "فإنْ لَم تَجِد"؟ قال: بسُنةِ رسولِ الله، قال: "فإنْ لَم تجِدْ"؟ قال: أجتهدُ رأيي (3). والنَّبي أقرَّه على أنّه إذا لم يَجدْ في سُنتِه اجتهدَ، ولو كان استنباطُه (4) سنةً، لما كانَ قولُه: "فإن لم تجد" يكون جوابه ما هو سُنّة، لم يبقَ إلا أنَ السنّة ما كان ملفوظاً به من الأحكامِ، والمستنبطُ له اسم يخصُّه.

فصل
ويصح أن يقارِنَ الأمرُ الفعلَ حالَ وجودِه ووقوعه من المكلَّف، وليس من شرطِ صحة الأمر تقدُّمه على الفعل، وإذا تقدّم على الفعل، كان أمراً عندنا على الحقيقة
__________
(1) في الأصل: "تعزيراً"، والمثبت هو الصواب.
(2) رواه الدارقطني 3/ 166، والحاكم 4/ 375، والبيهقي 8/ 320.
(3) تقدم تخريجه في الصفحة: (5) من الجزء الثاني.
(4) تحرفت في الأصل إلى: "إسقاطه".
(3/225)

أيضاً، وإن كان في طَيِّه إيذانٌ وإعلامٌ على ما بَينّا في أمر المعدوم (1).
وبهذا قال كافّةُ سَلفِ هذه الأمّة وعامةُ الفقهاءِ.
وذهبت المعتزلةُ بأسرها إلى إحالة مُقارنةِ الأمرِ وجودَ الفعلِ، وأنّه لا بُدّ من تقدُّمِه، ثم اختلفوا فيما يتقدم به هل بوقتٍ أو بأوقاتٍ كثيرة، على مذهبين: فبعضهم جوز تقدُمَه بأوقاتٍ كثيرةٍ، وهم الأكثرون، وبعضهم جَوزَ تقدُمَه بوقتٍ واحدٍ فقط، وبعضهم علق تقديمَه بأوقاتٍ على المصلحةِ، وعلق بعضهم جواز تقديمه بأوقاتٍ أن يكونَ في تلك الأوقاتِ كلها تتكامل شُروط التكليفِ، من العملِ والصحّةِ والسلامةِ (2).

فصل
في جمع أدلتنا على ذلك
فمنها: أنه مقدورٌ عندنا في تلك الحالِ؛ لأنَ الاستطاعة مع الفعل، وكما يصحُّ تناولُ القدرةِ له، فكذلكَ يصحُّ تناولُ الأمرِ له، حتى إنَ بعضَ من قال بقولنا زعمَ أنَ الأمرَ لا يكون حقيقةً إلا إذا قارنَ وجودَ الفعلِ، ومتى تقدم على وجودِه كانَ إيذاناً وإعلاماً، وعندنا يكون بالتقدمِ، إيذاناً وأمراً حقيقةً، فصار المقارنُ أمراً لا شائبةَ فيه، وإذا أردنا كشفَ ذلكَ أخرجناه إلى النطقِ، ومعلوم أنَ الشارعَ في الفعلِ مع شروع الآمرِ في الأمرِ إذا تقدمه الإعلامُ بأنه سيأمره، صحَ ذلك، فليس في وقوعِ الفعلِ المأمورِ به مع الأمر إحالةٌ (3).
__________
(1) انظر ما تقدم في الصفحة (177) من هذا الجزء.
(2) انظر "المسودة": 55.
(3) انظر "المسودة": 56.
(3/226)

فصل
في شُبَه المعتزلة
فمنها: أن الفعل غير مقدور في حال وجوده، ومُحال أمر العبد بما ليس في مقدوره.
وهذا أصل نخالفُهم فيه، وقد استوفاه أصحابُنا ومن وافَقهم في أصلِ الدياناتِ، وأنَ الاستطاعةَ مع الفعلِ، وصحة تكليف ما لا يُطاقُ لعدمِ الاستطاعةِ، ونفي صحته مع الإحالة.
ومنها: انه لو كان مَقدوراً حالَ حدوثه، لكانَ مقدوراً حالَ بقائه، لكونه موجوداً في الحالين؛ أعني حالَ وجودِه وبقائِه.
ومنها: أن مقارنَة الأمرِ للفعلِ في حالِ وقوعهِ تُحيلُ معناه وتُبطلُه؛ لأن فائدته (1) كونُه دلالةً على المأمورِ به، وتمييزه له ليقصِدَ بفعلِه التقربَ، وأن يكون حثاً وترغيباً في الفعل، ومحالٌ ترغيبُ المأمورِ وحثُّه على واقعٍ موجود، وإنما يُرغَبُ فيه قبل إيقاعه ليوقِعَهُ على وجه ما أُمِرَ به، وكذلك مُحالٌ أن يُستدلّ بالأمر على واقعٍ موجودٍ، وإنما يكون دلالةً على أمرٍ يُميزه من غيره من مقدوراتِه ليقصدَ به دون غيرِه، وذلكَ غير مُتأتٍ في الواقعِ الموجودِ.
ومنها أن قالوا: أيُّ فائدةٍ في تعلُّقِ الأمرِ به حالَ وقوعِه؟ وزعموا أنه لا فائدةَ فيه، والأمرُ إذا خلا من فائدةٍ كان لَغواً.
__________
(1) في الأصل: "فائدة"، والمثبت أنسب للسياق.
(3/227)

فصل
في الأجوبة عن شُبَههم
أما الأولُ؛ فلا نُسلمُه؛ لأنَ حالَ وجوده عندنا حالى مقدورة وأما إلزامنا حال بقائه على حالِ حدوثه؛ فباطلٌ؛ لأنَّه حال حدوثه مفعول ومتعلق بفاعلٍ، وحالَ بقائه غيرُ مفعولٍ ولا متعلِّق بفاعلٍ، وكما يصحُ عندنا وعندَهم تعلقُ الإرادةِ بالفاعل في حالِ حدوثه وإن كانَ موجوداً فيها، ولم يصح تعلقُها به حالَ بقائِه، فبطلَ أن يكونَ حالُ الحدوثِ كحالِ البقاء.
وأمَّا دعواهم أن مقارنَته تُحيلُ معناه من حيثُ إنه دلالةٌ، وبكونه موجوداً استغنى عن دلالةٍ.
فيقالُ لهم: إنَ الأمر أمران، وللأمرِ الواحدِ حالتان، يكونُ في إحداهما دلالةً على الفعلِ، وترغيباً فيه، وحثاً عليه، وهي حالةُ تَقدُّمِه على المأمورِ به، وحالةٌ يخرجُ عن ذلك، وهي حالةُ مُقارَنتهِ (1) للمأمور به. وأما إذا كان أمرين، فالمتقدِّمُ منهما دلالةٌ وترغيب، والمقارِنُ للفعلِ خارجٌ عن ذلك، وقد يخرجُ الشيءُ عن كونه دليلاً لتغير حالِ المدلولِ، كما أنَّ الخبرَ بما سيكون خَبرٌ (2) بمستقبل حالِه، وإذا كان؛ خرجَ عن كونه دليلاً على أنه سيكون.
وأما طلبُهم الفائدةَ في مقارنَته حالَ (3) وقوعِه.
فيقالُ: فائدتُه أنها حال يكون فيها مفعولاً ومقدوراً، ويصح فعله، ويصح تركُه على البدلِ من وقوعهِ، وليصيرَ لمصادفته له حَسَناً طاعة حال وقوعِه وقُربةً؛ لأنه لو
__________
(1) حرفها الناسخ في الأصل إلى: "مقارنة".
(2) في الأصل: "خبراً"، والمثبت هو الصواب.
(3) في الأصل: "وحال"، والصواب حذف الواو.
(3/228)

وقع في حالة غير مصادفٍ للأمر لصارَ بمثابةِ وقوعِه مع النسخِ للأمرِ به في خروجهِ عن كونه حَسَناً طاعةً؛ ولأنه إذا كان الأمرُ هو المُؤثِّر في كونه قُربةً حَسَناً، وجبت مفارقته له، كما يجبُ ذلك في الإرادة المؤثِّرة في كونه كذلك؛ لأنَّ ما وُجِدَ قبل الشيء لا يؤثرُ في حكمٍ له في حالِ وجوده، فصحّ ما ذكرناه، واللهُ أعلم.
(3/229)

فصول المناهي
فصل
النهيُ: صيغة، ولا تَقل: للنهي صيغةٌ، كما ذكَر شيخنا (1) وغيرُه ممّن قالَ: للأمرِ صيغةٌ، وقد استوفيتُ ذلكَ في بابِ الأوامرِ، لأنَّ المعتزلةَ والأشاعرةَ قالوا ذلك.
لأنَّ المعتزلةَ تقول: الأمرُ والنهيُّ: الإرادةُ والكراهةُ، فالصيغةُ لهما لا هما.
والأشاعرةُ تقول: الأمرُ والنهيُ معنى واحدٌ قائم في النفس، والصيغةُ لذلك المعنى، وحكايةٌ له ودلالةٌ عليه.
فأمَّا أصحابُنا، فإنني تأملتُ المذهبَ، فإذا به يحكمُ بأنَّ الصيغتين أمرٌ ونَهي، فهذا تحقيقٌ يجبُ أن نعلَمه قبل الشروعِ في المسألة.
والصيغةُ: قولُ الأعلى لمن دونه: لا تَفعلْ. وقالَ شيخُنا (1) رضي اللهُ عنه: والصيغةُ دالّةٌ بنفسها عليه. يَعني على النهي، وهذا أيضاً اتّباعٌ لقولِ المتكلمين، وإلا فليس لنا نهيٌ عن الصيغة تدل الصيغةُ عليه، بل المنهي قول وصيغةٌ، والشيءُ لايدلُّ على نَفسه.
وقالت المعتزلة: ليست الصيغةُ نَهياً، ولا لأجل الصيغة، وإنما يكونُ نهياً بكراهةِ الناهي، كما قالوا: يكون أمراً بإرادةِ الآمر.
وقالت الأشاعرةُ: لا صيغة للنهي بل هو معنىً في النفس (2).
__________
(1) في "العدة" 2/ 425.
(2) هذا ما نُقِلَ عن أي الحسنِ الأشعري، وليس هو مذهب الأشاعرة، بدليل ما صرح به الجويني صاحب "البرهان" بقوله: "والمختار الحقُّ أنَ الصيغَة المطلقة تتضمن جزم الاقتضاء فى الانكفاف عن المنهيِّ عنه" انظر: "البرهان" 1/ 238.
(3/230)

فصل
في جمعِ دلائلِنا على ذلك
فمنها: أنَ البناءَ على أصلِنا، وأنَ الكلامَ هو الحروفُ والأصواتُ الموضوعةُ للتفاهم لما يَسْنَحُ من الأعراضِ والدَواعي الحاصلةِ في النفس، ولهذا قسَّمه أربابُ اللسانِ أقساماً؛ فقالوا: هو أمر ونهيٌ، فالأمرُ: افعلْ، والنهيُ: لا تفعلْ، وهو من الأسماءِ المتعدية، قالوا: كلّمتُ فلاناً، وكلّمني زيدٌ، وناديتُ عمْراً، وأمرتُ خالداً، ووعدتُ بَكراً، وتواعدتُ خالداً. وما في النفس لا يتعدّى، وكذلك الكراهةُ في النفسِ، وهي متعلقةٌ بالفعلِ المكروهِ تعلقَ البعض للمبعوضِ، والنهيُ يتعلق على المنهي تعلُّقَ استدعاءِ التركِ منه للمعنى المكروه أو المنهيِ عنه.
ورأيُنا: أنَ الآفةَ المانعةَ من الكلامِ المفسدةَ له هي الخَرَسُ، وما تعلقت إلا بفسادِ آلات النطقِ، كما لا يُسمّى العمى إلا لفسادِ أداةِ (1) النظر، والطرَش لفسادِ أداةِ (1) السمعِ، فلما قيل في الذي فَسدت أدواتُ نطقه: أخْرَس. دلنا ذلك على أنَّ المتكلمَ هو من صحَت منه الصيغةَ المخصوصةُ، فالكلامُ إذاً هو: الحروفُ والأصواتُ، والنهيُ شيءٌ منه، فكان هو الصيغةَ المخصوصةَ دون المعنى في النَفس والإرادة.
ومنها: أنّا رأينا أهلَ اللغةِ يُسمون الناطقَ بهذه الصيغِ: متكلماً، والكاف لأدواتِ النطق ساكتاً، فالسكوتُ والخرسُ المضادان للكلام، قاما بمُخْتَل (2) الحروف والأصواتِ، فدل ذلك على أنه هو الكلام.
ومنها: أنهم استحسنوا تأديبَ العبدِ المخالفِ قولَ سيّده له: لا تفعل. وسمّوه بذلك: عاصياً ومخالفاً، فمدعي أنَ ذلك كان لمعنىً وراءَ الصيغةِ، يحتاج إلى دليلِ، والموضوعُ للكف والزجرِ عن الفعلِ هو هذه الصيغة من الأعلى للأدنى: لا تَفعل.
__________
(1) تحرفت في الأصل إلى: "ذات".
(2) في الأصل "بمجمل"، ولعل المثبت هو الصواب.
(3/231)

فإحالةُ النهي على غيرها تَوهُّم، وصرفُ استحسانِ تأديبِ العبْد إلى ما وراءها دعوى لا برهانَ عليها.

فصل
فيما تعلقوا به من الشُبَه
فمنها: قولُ المعتزلة: لا فرقَ بين قولِ القائل: لا تَفعلْ كذا. وبين قوله: أكره منكَ أو لكَ أن تفعل كذا.
ومنها: قولُ الأشاعرةِ والمعتزلةِ: إن هذه الصيغةَ مشتركةٌ؛ لأنها قد تردُ للنزاهةِ، والحظرِ، والكف، وللتهديد، وللتخفيف، وإسقاطِ التكليفِ، فلا تُحمل على بعض موضوعاتها إلا بدلالةٍ، وصار كسائِر الألفاظِ المشتركة من اللون، والجَون (1)، والعَين (2)، والقُرْء (3).

فصل
في الأجوبةِ عمَّا تعلقوا به
منها: أنَا لا نُسلّم أنها مشتركةٌ، بل هي موضوعةٌ في أصلِ وضعِها لاستدعاء التركِ والكفّ عن الفعلِ المنهيِّ عنه، وقولُ القائلِ: أكرهُ منكَ ذلكَ. خبر، جوابه: صدقتَ، أو كذبتَ، وجوابُ الأمر عصيتَ، أو أطعتَ، وليس بمشتركٍ بين ما ذكرت، وإنما يُصرفُ إلى غيره بدلالةِ حالٍ أو قرينةٍ كالبحر والشجاعِ، والأسدِ، والحمارِ أسماءٌ موضوعةٌ لحقائقَ مخصوصةٍ، ولا تُصرفُ إلى غيرها من الأشياءِ المستعارَةِ إلا بدلالةٍ، كالعَالِم والسَخِيَّ يُسمَّى بحراً بدلالةٍ، والرجلُ البليدُ لا يُسمى حماراً إلا
__________
(1) لفظ الجَون إذا أُطلِقَ تنازعته عدةُ معانِ، فهو يُطلقُ على الأسودِ المشرَب حُمرةَ، وعلى الأحمرِ الخالص، وعلى الأبيض. "اللسان": (جون).
(2) يُطلقُ لفظ العَين على عدة معان على سبيل الحقيقة؛ منها: حاسة البَصر والرؤية، وينبوع الماء الذي يَنبع من الأرض ويجري، والجاسوس، والشريف في قومه. "اللسان": (عين).
(3) لفظ القرء إذا أطلق تردد بين الطهرِ والحَيض. "اللسان": (قرأ).
(3/232)

بدلالةٍ، والرجلُ المقدِمُ على الحرب بثباتِ قلبٍ يُسمَّى أسداً، كذلكَ صرفُ هذه عن الكف إلى غيره بدلالةٍ. وفارقَ الأسماءَ المشتركةَ، فإنها لم توضع لواحدٍ منها، ولهذا لا يحسُن لومُ العبْدِ وتوبيخُه عند التوقف عن قولِ السيد: أصبغ ثوباً لوناً. إلى أن يُبيّنَ له أيِّ الألوان يصبُغه، ويحسُن لومُ العبد إذا لم يبادر إلى الكف عما نهاه عنه.
ولأنَّ قولَه: أكره، يصلحُ أن يكونَ علةً للنهي، فيقول: لا تَفعل؛ لأني أكره ذلك.
وعلّةُ النهي غَير النهي، ألا ترى أنه يحسُنُ أن يقول: فإني أسْتَضِرُّ بفعلك فلا تفعله، أو يتأذى به فُلان؛ فلأنَ هذه كُلها عللُ النهي لا عينُ النهي.

فصل
مطلق صيغة النهي يقتضي التحريم، وبه قال أصحابُ الشافعي (1).
قالت الأشعريةُ: لا يقتضي التحريمَ، بل نقف حتى ترد دلالة تدل على ذلك.

فصل
في دلالة مذهبنا
قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استَطَعتُم، وإذا نَهيتكم فانتهوا" (2)، وروى ابن عمر قال: كُنّا نُخابِر أربعينَ عاماً لا نرى به بأساً -ورُوي: لا نرى بذلك بأساً- حتى أخبرنا رافع بن خديج أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ذلكَ، فتركناها (3). والظاهرُ
__________
(1) وهو المقرَّر عند الأئمةِ الأربعة، فاذا أطلقت صيغةُ النهيِ فهي للتحريم، انظر "الرسالة" ص (217)، (343)، "البرهان": 1/ 283 "المسوَّدة" ص (80)، "التمهيد"1/ 362، "كشف الأسرار"1/ 256 "شرح تنقيح الفصول" ص 168.
(2) تقدم تخريجه في 2/ 549
(3) تقدم تخريجه في الصفحة (220) من هذا الجزء.
(3/233)

أنْ لا قرينةَ ولا دلالةَ؛ لأن الأصلَ النفيُ إلى أن يقومَ دليلُ الإثبات على قرينةٍ كانت أو دلالة.
ومنها: أنَّ الوقوفَ توقّع، والصيغةَ اقتضاءٌ وطلبٌ بالكفّ، والأعلى إذا اقتضى الأدنى بالكفّ، اقتضى استدعاؤه طاعتَه لا محالة، واشتراط الرتبة عندهم لإيجابِ الطاعةِ، إذ لا معنى لاشتراطها (1) إلا ليكون استدعاءً مطاعاً.
ومنها: ما أجمعَ عليه أهلُ اللغةِ: أن السيّد إذا نَهى عبدَه عن فعلٍ فارتكبه، حَسُن تأديبُه وعقوبتُه، ولولا وجوبُ التركِ وتحريمُ المخالفةِ للنهي ما حسنُت عقوبتُه، ألا ترى أن السَّؤالَ والرغبةَ لماّ لم يوجبا على المسؤولِ الإجابةَ، لم يحسُن ذمُّه على منعِ الإجابة.

فصل
في ذكر شُبهتهم
قالوا: هذه الصيغةُ مُترددة محتملة الكراهةَ والتنزيهَ، وتحتملُ الحَظرَ والتحريمَ، فلا تُرجحُ إلى أحدِ محتمليها إلا بدلالةٍ، فوجب التوقفُ إلى حينِ قيامِ دلالةِ الترجيحِ، كالألوان المشتركة، مثل: لون، وجَون، وشَفَق (2)، فيقال: بل هي موضوعة للتركِ الجزمِ الواجبِ، ولهذا اعتبر لها في كونها نهياً أن تصدر عن المطاعِ، وليس ذلك بإجماعنا قرينة، لكنّه شريطةٌ، وإنما يحطّ عن رتبةِ التحريمِ إلى التنزيه بدلالة، فهي كألفاظِ الحقائق، كبَحر وشُجاع، وحمار لا يخرج عن الماءِ الكثيرِ الواقف، والحيَّة، والنَهاق إلى العالِمِ، والسَّخيَّ، والبليدِ، والمِقْدامِ إلا بدلالة، وفارق الأسماءَ المشتركة؛ لأنها ليست في أحد المعاني أظهر ولهذا لا يحسُن ضربُ العبد ولومُه على توقفِه
__________
(1) في الاصل: "لاشتراكها"، ولعل المثبت هو الصواب.
(2) يطلق الشفق على الحُمرة التي ترى بعد مغيب الشمس، وعلى البياض الباقي في الأفق الغري "اللسان": (شفق).
(3/234)

لاستعلامِه أيُ لونٍ وجَوِن وشَفق؟ ويحسُن تأديبه على التخلفِ عن التركِ، مع استدعائه من الأعلى للأدنى.

فصل
والنهيُ يقتضى النَهي والمبادرةَ إلى التركِ لِما نُهي عنه، والكف عنه عقيب، وجودِ الصيغة وعلمِ المنهي بها، كما ذكرنا في الأمر ويقتضي الاستدامةَ ما لم تقمْ دلالةٌ.
قال أبو بكر الأشعري (1): لا يقتضي بمطلقهِ فوراً ولا تكراراً، كما قال في الأمر (2).

فصل
يجمع أدلّتنا
وفيما قدّمنا من الدلائلِ في الأمرِ كفايةٌ، لكن نَخُصُّ النَّهيَ بما يليقُ به:
فمنها: أن الكف المستدعى إذا تراخى عن صيغة النهي تراخياً يخرُج عن المبادرةِ بالتركِ، كان المتعقبُ للنهي استدامةَ الفعل المستدعى تركه، ومن قيل له: لا تفعلْ، فاستدام ما نُهي عنه مع إمكانِ الخروجِ منه، والكف عنه سُمَّي: عاصياً، كما أنه إذا بادر بالتركِ سُمّي: طائعاً.
ومنها: أنَ الوقتَ الذي يلي النَّهي قد اتفق فيه اجتماعُ الطاعةِ والمصلحةِ، ومتابعةُ أمرِ الآمر، ولو أراد التأخيرَ للترك، لأخّر الاستدعاء، فلا وَجْه للتراخي مع تكاملِ شروط التكليف.
ومنها: أنَ استدعاءَ التركِ يجب أن لا يُهْمَل، بل يجبُ أن يقابلَ باعتقاد وجوبِ
__________
(1) يعني الباقلاني، وتقدمت ترجمته في الصفحة (124) من الجز الأول.
(2) وهذا الرأي هو ما رجَّحه الفخر الرازي في "المحصول" 2/ 282، وما ساقه ابن عقيل من الأدلة كافٍ في بيان مرجوحية هذا الرأي، وانظر تفصيل المسألة في "العدة" 2/ 428، و"التمهيد"1/ 363، و"البحر المحيط" 2/ 240.
(3/235)

التركِ والعزم عليه، فلا يقتضى تأخيرَ المقصودِ بالعزمِ والاعتقادِ، والذي يوضحُ هذا أنه يحسُن من المستدعي للتركِ أن يقتضي بالتعجيلِ، ويلومَ على التأخيرِ مع إزاحةِ العللِ، واجتماعِ شروطِ التكليف فيما كلفه من الكف، ويُعاقِبَ على التخلفِ عنه ما لم تَقم دلالةُ التخييرِ بين التقديمِ والتأخير.
ومنها: أنَ الصيغة استدعاء للترك، وليس معها قرينة تدُلّ على التوسعةِ والفُسْحَة في التراخي، فهي بكونها استدعاء جازمة على المكلف بتركِ ما نهى عنه، ودوامه.
ومنها: أنَ النهي، كمنعِ الحالف نفسَه باليمين، ولو حلفَ أن لا يفعلَ، لم يختلف العلماءُ أنّه متى لم يتعقب الكَف والامتناعُ يمينَه حَنِثَ وكان مخالفاً بفعله قولَه، واليمينُ على الترك منع لنفسه بالقَسم، فإذا كان منعُه لنفسه يُوجبُ الفورَ والتكرارَ، ومن خالف حَنِثَ، فأمرُ الله سبحانه له بالكفِّ أولى أن يقتضى البِدارَ والفور.
ومنها: أنَّ النَهيَ مما لا يثبتُ في الذمّة ويكون نَسيئةً (1)، فلا وجه للتأخير؛ إذ لا يكون تاركاً مع عدم التزامِ التركِ وقطع استدامته، وإلا فلا يُسمى تاركاً ولا مُطيعاً، ولا يمتنعُ أن لا يكونَ المنعُ من الجميع، لكن يكونُ الأصلُ تركَ أحدهما، ومتى تركَ أحدَهما لم يكن فعلُ الآخر مفسدة، كالجمعِ بين الأختين، يقالُ له: إما أن تتزوج هذه أو هذه. والفسادُ بالجمع، وتَزوجُ إحداهما (2) وتركُ الأخرى ليس بمفسدةٍ.

فصل
في شُبههم
قالوا: ليس لزمانِ الترك في الصيغة ذكر ولا للتكرارِ والدوامِ ذكر وإنما نتلقى الأحكامَ الشرعية من الصِّيغ، وإذا لم يكن في الصيغِ ذلك أوقفنا القولَ بوجوبِ الفورِ
__________
(1) في الأصل: "نسبة"، والمقصود هو التأخير فلعل المثبت هو الصواب.
(2) في الأصل: "أحدهما"، وهو خطأ.
(3/236)

والدوامِ على دلالةٍ زائدةٍ على الصيغةِ.
فيقالُ: قد بينا أنَ الاستدعاءَ للتركِ يقتضى الاستجابةَ دونَ الإهمال، كما استدعت الاعتقادَ والعزمَ، وكما أنه إذا ترك تَلَقيها بعزمٍ واعتقاد، كان مهمِلاً، كذلك إذا تلقّاها بدوامِ الفعلِ الذي أُمِرَ بالكف عنه، حَسُنَ (1) أن يُخْلَعَ عليه اسم عاصٍ، حَسَبَ ما يُسمّى بالبدارِ طائعاً، ويكون تاركاً للاستجابة مع إزاحةِ العلة من غير إذنٍ في التركِ، ولا توسعةٍ في اللفظ، وإطلاقُ الاستدعاءِ للعبدِ المُزاحِ العلّةِ تقتضي الجزمَ في الأمرِ، والمهلةُ لا تَجيءُ إلا بنوعِ توسعةٍ تقترنُ باللفظ، أو دلالةٍ تَتبعُ أو تشفعُ اللفظَ، ولهذا لم يُخيَّر الحالفُ على تركِ الشيء بين تَعجيلِ تركهِ أو تأخيرِه، ولا بين استدامتِه أو قطعِه وتركِه.

فصل
إذا نهى عن شيئينِ أو أشياءَ بلفظِ التخييرِ، مثل قوله: لا يكلِّمْ زيداً أو عمْراَ، ولا تأكلْ رُطباَ أو تَمراً، لا تعاشرْ فاسِقاً أو خليعاً. فَظاهرُ كلام صاحبنا رضي الله عنه أنه على التَخيير، وهو قولُ أصحابِ الشافعي.
وفائدتُه عندنا: أنه يجب ترك أحدِهما لا بعينه، ويجوزُ فعلُ أحدِهما، ولا يجوزُ الجمعُ بين فعلهما.
وقالت المعتزلةُ: يقتضى المنعَ منهما ومن كُل واحدٍ منهما إذا أمكن الجمعُ، (2 مثل اعتباره ذكرنا 2)، فأمَّا إن كانا ضدَّين، كحركةٍ وسكونٍ، وصومٍ وإفطارٍ، فلا، إذ لا اجتماعَ لهما، وفي إحالتهما ما يمنع دخولَ النهي عنهما على المكلف حسب قولهم في المخيرات في باب الأمر أن جميعَها مأمورٌ بها وواجبة، وهو اختيارُ أبي عبد الله الجُرجاني من أصحابِ أبي حنيفة، غير أنّهم أوجبوا هناكَ تركَ الجميع، ولم
__________
(1) في الأصل: "وحسن" وحذفت الواو لتستقيم العبارة.
(2 - 2) كذا العبارة في الأصل.
(3/237)

يوجبوا هناك فعلَ الجميع (1).
ولا يمتنع أن لا يكون المنعُ من الجميع، لكن يكون الأصلح ترك أحدهما، ومتى تُرِكَ أحدُهما لم يكن فعلُ الآخر مَفسدةً، كالجمع بين الأُختين، يقال له: إما أن تتزوجَ هذه أو هذه. والفسادُ بالجمعِ والتزويج لإحداهما وترك الأخرى ليس بمفسدة.

فصل
في أدلّتنا
فمنها: أنَ حرفَ (أو) يدخلُ في الخبر فَيعطي الشك، مثل قول القائل: رأيتُ زيداً أو عَمْراً. ويدخل في الأمرِ فيعطي التخيير، مثل قوله: أكرِم خالداً أو بَكراً.
والنهيُ والأمرُ في المعنى سواءٌ، من حيث إنَ كُل واحدٍ منهما طلبٌ واستدعاء، إلا أن الأمرَ طلبُ الفعلِ، والنهيَ طلبُ الترك، فالمستدعَى يختلف، فإذا لم يقتضِ الأمرُ بحرفِ التَخيير الجمعَ بين فعلِ الأمرين، كذلكَ النهيُ بلفظِ التخييرِ لا يقتضي الجمعَ بين ترك المخيرين جميعاً.
ومنها: أنَّ قوله: لا تَصَّدَّق من مالي بدرهمٍ أو دينارٍ، ولا تركبْ من ظهري فَرساً أو حماراً. يحسُن تفسيرُه بالنهي عن التَّصدّق بهما وبكلِّ واحدٍ منهما، ويحسُن أن نفسرَه بالنهي عن التصدُّق بواحدٍ منهما لا بعينه، ويصحُّ بأن نقول: تصدق بأيهما شئتَ، واترك الصدقةَ بأيهما شئت، واركب أيَّهما شئت، واترك ركوبَ أيهما شئت.
وإذا كانا محتَملين، فالأخذُ بالأقل والأدنى بيقين لا يرتقى إلى الأكثرِ والأعلى إلا بدلالةٍ.
__________
(1) انظر "المعتمد" 1/ 169.
(3/238)

فصل
في شُبَههم
فمنها: أن حَرْف (أو) إذا وردَ في النَّهي لم يقْتضِ التخيير بل الجمعَ، بدليل قوله تعالى: {وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} [الإنسان: 24]، وجبَ [عَدمُ] (1) طاعةِ الآثمِ والكفورِ معاً، ولم يكن معناه: لا تُطع آثماَ وَحده إن شئت، أو كفوراً وحده إن شئت.
ومنها: أن قالوا: ما كان مَنهياً عنه مع غيره، كان منهياً عنه مع إفراده، كسائرِ المحظورات.
ومنها: أنه لا ينهى عن شَيئين على سبيلِ التخيير إلا وهما في معلومهِ متساويان في القُبح، ولا يجوز بالحكيم أن يُخير بين قَبيحين، كما لا يجوزُ أن يُخير بين حَسَنٍ وقبيح، ويَتَخرَّج من هذه الطريقة أنهما إذا تساويا في القُبح، وكان واجب الترك لقبحه، ساواه الآخرُ في وجوبِ التركِ لقُبحه، وكذلك إذا كانَ تركُ أحدهما مصلحةً، وفعلُه مفسدة، وجب أن يكونَ الآخرُ مثله في كونِ تركه مصلحةَ وفعلهِ مفسدةَ، وفارقَ المخيرين في الأمر لأنَ غايةَ ما يوجبُ التخيير تَساويهما في الحُسْنِ، وليس يجب فعلُ كلَّ حَسَن، وكذلك وجبَ فعلُ أحدهما دونَ أن يجب فعلهُما.
ومنها: أنَ الله سبحانه وضعَ الأوامر على ضربين؛ أحدُهما: إذا فعله البعض نابَ عن الكل، وهي فريضةُ الكفايات، ولم يَضع نهياَ عن شيءٍ يجعل بتركِ واحدٍ مع إصرارِ الباقين مُسْقِطاً (2) لمأثمِ الارتكابِ لذلك النهي في حق الباقين، وما ذاكَ إلا لأنَ التساوي لا القبحِ يوجب هجرانَ الكُل، والتساوي في الحُسْن لا يوجب فعلَ الكُلّ.
__________
(1) زيادة لا بد منها لاستقامة العبارة.
(2) تحرفت في الأصل إلى: "مسلطاً".
(3/239)

ومنها أن قالوا: في المنعِ منهما احتياطٌ حتى لا يُواقَع المحظور والاشتباهُ أبداً يوجبُ الاحتياطَ بالفعل الزائد، والتركِ الزائد، لئلا يواقَع الحظر وذلك بمثابة اشتباهِ أُخته أو بنته بالأجانب، أو المسلوخةِ الميتة بالذكِيّة (1)، أو اشتبهت الصلاةُ المنسيَّةُ بغيرها، فإنَ ذلك يوجبُ تركَ الجميع، وفعلَ الجميع للاحتياطِ، كذلك ها هنا.
ومنها قولهم: وجدنا أهلَ اللغة يريدون بذلك النَهيَ عنهما، فإذا قالوا: لا تُطع زيداً أو عمراً. فا لمراد به: لا تُطعهما.

فصل
يجمع الأجوبةَ لنا عن شُبههم
فأما الآيةُ، فلا حجّةَ فيها؛ لأنَ الدلالةَ قامت على أنَ طاعةَ الآثمِ والكفورِ جميعاً محظوران محرَّمان، فإن طاعةَ الآثمِ إذا اطلقت إنما ظاهرُها في إثمه، والكفورِ في كفرِه، كقولِ القائل: لا تطع الظالم. والمرادُ به: في ظلمِه، إذ قد انعقد الإجماعُ على وجوبِ طاعةِ الآثم والكفورِ إذا أمر بالبرّ والإيمانِ لا الإثمِ والكُفْر فإن الفاسقَ يجوزُ أن يأمرَ بالمعروفِ وينهى عن المنكر وتجب طاعتُه.
وكلامُنا في التخيير بين منهيين، لم تقم الدلالةُ على النهيِ عنهما جميعاً لعلةٍ توجب الجمعَ بينهما، فخرجت الآيةُ عما نحنُ فيه مختلفون.
وأمَّا قولُهم: ما كان منهيّاً عنه مع غيرِه، ووجَب تركُه مع ذلك الغيرِ وجب تَركُه بانفراده. فباطل؛ لأنه يجوزُ أن يخُصَّ اللهُ سبحانه الحظر بالجمعِ دون التفرقةِ، ولهذا حرمَ الجمعَ بين الأختين، وبين المرأةِ وخالتها، ولا يحرمُ الإفرادُ لأحداهُما بالعقد، وكذلك الجمعُ بين الدفعة الرابعةِ وما قبلها في الوضوءِ إساءة وظُلم على ما جاء في الحديث (2)،
__________
(1) أي: الذبيحة المذكاة.
(2) رواه أحمد 2/ 180، والنسائي 1/ 88، وابن ماجه (422)، والبيهقي 1/ 79، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (عبد الله بن عمرو بن العاص) قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم =
(3/240)

ولو فرق ذلك بتجديد مستأنَف أتى به بعدَ الوضوءِ الأول كان رابعةَ في المعنى، لكن لما لم يَجمع جاز؛ ولأنه إذا جمع بينهما أبطل حُكمَ التخيير وإذا أفردَ أحدَهما بالفعلِ، والآخرَ بالترك، كان عاملاً بالتخيير.
وأمَّا تعلُّقهم (1) بتساويهما في القُبح، وكُلُّ قبيحٍ يجبُ تركُه، وتعلقُهم (1) بالمصلحةِ والمفسدةِ فغيرُ صحيح؛ لأنه قد قدَّمنا أنه لا قبيحَ إلا ما قبحه الشرعُ، ولا حَسَنَ إلا ما حسنه الشرعُ، وإذا خَيَّر الباري بين تركِ أحدِهما أو الآخرِ على البدلِ علمنا أنه إنما خَيّره لعلمِه بأنه لا تتركُ إلا ما قبحَ عنده وفي معلومِه، ولا يفعلُ إلا الحسنَ عنده وفي معلومِه، كما قلنا في الأمر وأنّه لا يختارُ إلا فعلَ الأصلحِ عند الله والواجبِ، فبِتخييره علمنا أنه إنما خيّره لعلمه بأنه لا يختار إلا الواجبَ عنده والأصلحَ الذي لا فساد فيه، وهذا مساهلة في النظر وإلا فالأصل الذي نعتمده أن الأمرَ والنهيَ لا يختصّ الأصلحَ، وقد دلَّلنا على ذلك بما فيه كفايةٌ.
وأما تعلقُهم في تركِ الجميع بالاحتياطِ، فباطلٌ بالتخيير بين شيئين في الأوامر فإنه لا يجبُ فعلُ المخيرين جميعاً احتياطِ، كذلك لا يجبُ تركُ المخيرين في النهي احتياطاً، ولأنَ الاحتياطَ إنما يقعُ في الأفعال، ولسنا نمنعُ التاركَ للمخيرين جميعاً، إنما نمنعُ من التمذهبِ بذلكَ والاعتقادِ له، والاعتقادُ في الاحتياطِ لا يصحُ؛ لأنَ اعتقادَنا ليس بمحظورِ بمنزلةِ اعتقادِ ما ليس بواجبٍ واجباً، وكاعتقاد ما هو محظورٌ مباحاً.
وأمَّا قولُهم: قد يكون في الأمرِ ذلك بدليلِ فرضِ الكفاية، فلا مثله في النهي؟ ففرضُ الكفاية هو الحجّةُ؛ لأنه نهى أهلَ القريةِ كلهم عن إهمالِ أمر الميِّت في تجهيزه والصلاة عليه، فاذا خرجَ أحدُهم عن حكمِ النهي سقطَ المأثمُ عن الكُل، ثم
__________
= يسأله عن الوضوء فأراه ثلاثاً ثلاثاً، قال: "هذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم".
(1) في الأصل: "تعلقها"، والمثبت أنسب للمعنى.
(3/241)

إنه لا يُمنعُ الإفصاحُ بمثل هذا، وهو أن يقولَ الطبيبُ: لا تأكلْ سَمكاً أو لبناً، معناه: اترك لي في حميتك أكلَ أحدِهما، ولا أكلّفكَ تركَهما معاً، بل يكفيك هجرانُ أحدهما، بَلى لا أُسوغ لك جمعَهما. وكذلكَ في بابِ الصغائر مع الكبائر؛ الكُل قبيحٌ ومكروه، وبهجرانِ الكبائرِ تُمحقُ الصغائرُ بالتكفيرِ، ولو فَعَلَ الجميعَ لم يَنْحَبِطْ واحدٌ منهما، وكان مأثمُهما حاصلاً.
وفي باب الطبائعِ والطبِّ؛ يقولُ الطبيبُ: لا تأكل سَمَكاً ولبناً، فلا يُعطي ذلك تحريمَ كُلِّ واحدٍ على الانفراد، ويحرمه الطبيبُ مع الاجتماعِ لما يجدُ من المفسدة باجتماعهما.
وأمَّا دعواهم أنَ أهل اللغة يُريدون الجميع من الأمرين، فدعوى لا برهانَ عليها، وإن اعتمدوا ذلكَ في موضعٍ، فبدلالةٍ تدلُّ من حالٍ أو قرينةٍ.

فصل
إطلاق النهي يقتضي فساد المنهي عنه
وبهذا قال الجمهورُ من أصحابِ مالكٍ والشافعيِّ وأبي حَنيفة، منهم الكَرخيُّ (1)، وعيسى بن أبان (2)، وجميعُ أهلِ الظاهر، وقوم من المتكلمين، كما أن الأمر به يدل على صحته وإجزائه، وذهب أبو بكر القفال (3) -من أصحاب الشافعي- إلى أنه لا يقتضي الفساد، وهو مذهبُ المعتزلةِ وأكثرِ المتكلمين من الأشاعرةِ (4) وغيرِهم، ثم
__________
(1) يعني أبا الحسن الكرخي، تقدمت ترجمته في الصفحة (87) من الجزء الثاني.
(2) عيسى بن أبان بن صَدَقة، تقدمت ترجمته 2/ 295.
(3) تقدمت ترجمته في الصفحة (44) من الجزء الثاني.
(4) انظر "البرهان" 1/ 238، و"المستصفى" 2/ 24.
(3/242)

اختلفوا في فساده من أي جهة، فقال بعضهم: من جهة اللغةِ واللسانِ. وقال بعضهم: من جهة الشرعِ دون موجَبِ اللغة.

فصل
يجمعُ أدلّتنا من جهةِ السنّة على أنه يقتضي الفساد
فمنها: ما روت عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "مَنْ عَمِلَ عَملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَد"، وفي لفظٍ: "من أحدثَ في أمرِنا ما ليسَ منه فهو رد"، وروي: "من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو ردّ" (1)، والردُّ غير المقبول ولا الصحيح.
ومنها: أنَ الصحابةَ رضي الله عنهم استدلوا على فسادِ العقود بالنهي عنها، فمن ذلك: ما روي أن ابن عمر احتجَ في فسادِ نكاح المشركات بقوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة: 221] واحتجاجُهم في فسادِ عقود الرَّبا بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تَبيعوا الذهبَ بالذهبِ، ولا الوَرِقَ بالوَرِق، ولا البُرَّ بالبُرَّ، ولا الشعيرَ بالشعيرِ، ولا التَمرَ بالتمرِ، ولا الملحَ بالملحِ، إلا سواءً بسواء، عيناً بعينٍ، يَداً بيدٍ" (2)، فتعلقوا في فساد العقودِ بظواهرِ الألفاظِ في النهي.

فصل
في أسئلتهم على هذه السنن
فمنها: قولُهم: هذه أخبارُآحادٍ مظنونةٌ، لا يجوزُ أن تُثبَتَ بها الأصولُ المقطوعةُ، كما لا تُثْبَتُ بها أصولُ الدياناتِ.
ومنها: أنَ ألفاظَها لا تعطي ما تريده، ولو لم تكن آحاداً، بل لو كانت تواتراً ما أفادت الإفسادَ؛ لأنه يُحتمل أن يكون أراد بقوله: "فهو "رَدٌّ": ليس بمقبولٍ؛ لأنَ الرّدَّ
__________
(1) تقدم تخريجه في الصفحة (162) من الجز الأول.
(2) تقدم تخريجه في الصفحة (58) من الجز الثاني.
(3/243)

ضدُّ القبول، ونحن نقول: إنَ العملَ على الوجْه المنهيَّ لا ثوابَ فيه، لكنه صحيح بمعنى أنه ليس بعاطلٍ ولا باطلٍ، بلى إن كانت عبادةً سقطَ بها الفرضُ، ولا ثوابَ، وإن كان عقداً صحَ من حيث المِلكُ ونقلُ العوضِ والمُعوّضِ إلى المتعاوضين، لكن عليه مأثم ارتكاب النهي، فهذا معنى الرد، فأما الإفساد، فلا وجه له، ولا يعطيه لفظُ الردّ.
ومنها: أنه يُحتملُ: من عمل العملَ الذي ليس عليه أمرُ الشرع، فالفاعلُ لذلك رد، وهو أقربُ إلى حرف هو، وكأنه قال: فالعامل رد بمعنى مردود، والعربُ تُسمّي الفاعلَ بالفعل، وأنشدونا:
تَرعى إذا غَفَلت حتى إذا ادَّكَرت ... فإنما هي إقْبالٌ وإدبارُ (1)
يعني: فهي مُقبلةٌ مدبرة، ويريد به الغزالة التي اصطيدَ خِشْفُها، ترعى عند نيسانها إياه، فإذا ادّكرته صارت مُقبلةً لطلبه ومُدبرة تذكراً له.
ومنها: أنَ قولَه: "من أدخل في ديينا ما ليس فيه -أو منه- فهو ردٌّ" لا يعود إلى أصلِ العمل، ولا أصلِ الدين، لكن إن أدخل في الصلاةِ التفاتاً، أو في الوضوء كدفعةٍ رابعة، أو في الحصى زيادةً على السبعين، فذلك الزائد رد، وكذا نقول، فأمَّا أصلُ الصلاة، وأصلُ الطهارة، ورمي الجمار فلا يعطي اللفظُ أن يكون رداً. ومنها: أنَ ذهابَ الصحابة إلى الإبطال بقرائنَ اقترنت بالفاظِ النهي لا بمجرّد النهىّ, وذلك محتمل، فنحمله عليه بدلائلنا التي نذكرها.

فصل
في الأجوبةِ عن أسئلتهم
فأمَّا قولُهم: إنه من أخبارِ الآحاد المتلقّاةِ بالقبول، ومثلُ ذلك يصلح لإثبات أصول الديانات عندنا، فكيف بأصول يُسوَّغ فيها الاجتهاد؟
__________
(1) البيت للخنساء، وقد تقدم في الصفحة (205) من الجزء الأول.
(3/244)

على أنَّ هذه الأصول-أعني أصول الفقه- ليست في رتبةٍ يطلب لها القَطْعياتُ من الأخبارِ والدلائلِ؛ لأنها مسائلُ اجتهادٍ، والذي يكشفُ عن انحطاطِ رتبةِ أصلِ الفقه عن رتبةِ أصولِ الديانات، أنَ المخالِفَ لنا فيها لا نكفِّره ولا يُكَفرنا، ولا نُفَسِّقُهُ ولا يُفَسِّقُنا، ولا نبَدِّعُه ولا يُبَدَّعنا، لكن نُخَطِّئه، وانحطاط رتبتهِ على هذا الوجه يحطُّه عن رتبةِ الدلالةِ [في] (1) الثبوت، كالبيِّناتِ؛ يُعتبرُ للعقوباتِ والدماء ما لا يُعتبر للأموالِ، فتَنْحَط بيّنةُ المال إلى شاهدٍ وامرأتين، وشاهدٍ ويمين، من ظاهر العدالة، ولا يُكتفى في الزِّنى إلا بأربعةٍ من الشهودِ الذكورِ المبحوثِ عن عدالةِ باطنهم.
وأما قولُهم: الرَّدُ ضدُ القبول. فقد رضينا بهِ؛ لأنَّ الصحيح من العباداتِ لا يكونُ إلا مقبولاً، ولا يكونُ مردوداً إلا ويكونُ باطلاً، وإنما يلزمُ ذلك من يقول: إنَ الصلاة في الدار المغصوبةِ والسُّترةِ المغصوبةِ صحيحةٌ غيرُ مقبولة. وعندنا لا يُعتد بعبادةٍ يعتريها أو يعتري شرائِطها نَهيُ الشرع.
على أنَّ الردَّ قد يقعُ على الإبطالِ، يقالُ في النظر رددتُ عليه كلامَه، وهذه بينة
مَردودةٌ، وكتابُ الرد على أهل البدع، يَعني به (2) إبطالَ مذاهبهم.
وأما قولُهم: الذي ليس من ديننا هو ما أُدخِلَ على العبادةِ من الأفعالِ المنهيّ عنها، كالالتفاتِ في الصلاةِ، والسُترةِ بالغصْبِ، وهما جميعاَ ليسا من ديننا- ليس بصحيح؛ لأنَّ الصلاة في الثوبِ المغصوبِ، والدارِ الغصبِ، ومع الالتفات ليس من ديننا، وبيعٌ بشرطٍ فاسدٍ ليس من ديننا، كما أن الشرطَ والاستتار بالغصب، والالتفاتَ في الصلاةِ ليس من ديننا.
وأمَّا قولُهم في الحكم بإفساد العقودِ إنْ قرائنُ اقترنت. لا يَصح؛ لأنه لو كانت هناك قرائنُ عن الألفاظِ لما قَنعَ المحتج بإيرادِ الألفاظ مجردةً عنها؛ لأنَّ عادةَ المحتجِّ
__________
(1) ليست في الأصل.
(2) تحرفت في الأصل إلى: "يعتريه".
(3/245)

أن يَستقصي في إقامة الدلالةِ، ويذكرَ كُل معنىً تقوم له به الحجةُ، ولكانوا ينقلونه للحفظِ على العصرِ الثاني والثالثِ؛ لئلا يُفضيَ إلى تضييعِ الشرعِ.

فصل
في جمعِ أدلّتنا من طريقِ النظرِ بعد الأثر
فمنها: أنَ الأمرَ بالعبادةِ على طريقِ الإيجابِ شَغْلُ الذمّةِ بعبادةٍ لا على وجهٍ منهيًّ عنه، فإذا أتى بها على الوجهِ المنهيَّ عنه لم يَحصُل فراغُ ذمته منها؛ لأنه أتى بغيرها، فصار بمثابةِ من أُمر بالصلاةِ فأتى بالصوم، وكما أنَ الصلاةَ غيرُ الصوم فالعبادة (1) على الوجه المنهيَّ غيرُ العبادة على غير الوجهِ المنهيّ.
ومنها: أنَ الحكمَ بصحةِ العبادة وإجزائها طريقهُ أمرُ الشرع، والإتيان بها على وجهِ النهي لم يَتناوله الأمر فلا يحكم له بالصحَةِ والإجزاء؛ لأنَّ الصحّة والإجزاءَ حكمان شرعيان، فلا يحصلان بفعلٍ واحدٍ إلا على وجهِ الأمرِ الشرعيّ.
وربما عبرنا عنه بعبارةٍ أُخرى، وهو أنَّ المنهيَّ عنه لا يكون مفروضاً ولا مندوباً ولا مباحاً، فلا وجَه لوقوعه صحيحاً؛ لأنَّ الصحة لا تخلو من أحد هذه الأحكام الثلاثة.
ومنها: أنَ الأمرَ يفيْدُ صحّةَ المأمورِ وجوازَه، فيجبُ أن يكونَ النهيُ يفيدُ حظرَ المنهيَّ وفسادَه؛ لأنَّ الحظرَ والفسادَ ضدُّ الصحةِ والجواز فإذا أوجبَ الأمرُ معنى، أوجب ضدُ الأمر -وهو النهيُ- ضد ذلك المعنى.

فصل
في أسئلتهم على أدلتنا
فمنها: أن قالوا: إنَ دعواكم أن ما منع من دخولِ الإيجابِ والإجزاء والإباحةِ تحتَ الفعلِ المنهيَّ عنه مع الصحةِ دعوى لا برهانَ عليها، وما أنكرتم على من قال:
__________
(1) في الأصل: "العبادة"، والصواب ما أثبتناه.
(3/246)

إن الصحّة حُكم مفرد عن هذه الأحكامِ، وقد شهدَ لانفراده صحةُ الصلاةِ في الدارِ المغصوبةِ، والسترةِ المغصوبةِ، والتوضىء بماءِ مغصوب، والاستنجاءِ بحجرِ مغصوب، والذَّبحِ بسكّينِ مغصوبة، وصحّةُ الطلاق ونفوذُه مع النهي عنه حالَ الحيض، والطُّهرِ المُجامَعِ فيه (1). هذا كُله تحصلُ الصحةُ فيه مع وجودِ النهي وعدمِ الإيجابِ والإباحةِ وقد ساوى المنهيَّ عنه المأمورَ به في الأصول، ولم يتحصّل نقيضُه في باب النهي.
ومنها: أن قالوا: إنَ الصحةَ حكم شرعي، والإيجابَ والندبَ والإباحةَ أحكام شرعيةٌ، وليس من حيث تساوت في كونِ جميعها أحكاماَ للشرع يجب تساويها في انتفاءِ بعضِها بانتفاء بعضٍ، بدليلِ أنَ الصلاةَ مع السترة الغصْبِ وفي البقعةِ الغصبِ ليست المأمور بها من طريق الإيجابِ ولا الإباحةِ، ولم تَنتف الصحةُ لانتفاءِ الإيجاب لها على وجه النهي، وانتفاءِ الإباحة لها على تلك الصفة المنهيَّ عنها.

فصل
في أجوبة أسئلتهم
فمنها: أنَّ دَعوانا صحيحةٌ؛ لأنَّ الله سُبحانه قال للمكلَف: صَلِّ الظهرَ مُستَتراً، متمكِّناَ على الأرض، ولا تجعل سُترتكَ مغصوبةَ، ولاتَستتر بالغَصبِ، ولا تُصلِّ في
__________
(1) لحديث نافع أن ابن عمر حدثه أنَه طلق امرأته تطليقةَ وهي حائض، فاستفتى عمرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن عبد الله طلق امرأته وهي حائض، فقال: "مُرْ عبدَالله، فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر من حيضتها هذه، فإذا حاضت أخرى، فطهرت، فمن شاء فليطلقها قبل أن يجامعها، وإن شاء فليُمسكها".
أخرجه أحمد 2/ 43، 51، 54، 79، 124، 130، والبخاري (4908)، (5251)، (5258)، (5332)، (5333)، ومسلم (1471)، وأ بوداود (2180)، (2184)، وابن ماجه (2019)،والزمذي (1175)، (1176)، والنسائي 6/ 137 - 138، 141،142، 212 - 213 وابن حبان 10/ 77، مع زيادة في اللفظ عند بعضهم.
(3/247)

مكانٍ مَغْصوبٍ، صار كأنه قال له: صَلِّ في سُترةٍ مخصوصة بالحِل والإباحةِ، وْبقعةٍ مباحة، فإذا تركَ هذين الشرطين في أمره سبحانه، وارتكب الأمرين المنهيَّ عنهما، غيرَ فاعل للصلاةِ مستتراً، ولا معتمداً على بقعةٍ مُعَلقاً، ومَن صلى بهذه الصفة لم تصح صلاته.
وإنما استشهدنا بنفسِ الغصبِ لتحقق المذهب به منا (1)، ويُوضح منعنا لما ادَّعَوه من الصحة وانفصالِ النَهي عن الاعتداد، وإنما ينفصل النهي عن الفعل في النَهي عن المعلق بالفعل المأمور به، كقوله: صل ولا تغصب أموالَ الناسِ. فلا جَرمَ لو صلَّى صلاةً تمت في شروطها لم تمتنع صحتُها بارتكابِ الغَصْب، فأما إذا كان النهيُ راجعاً إلى شرطِ العبادةِ، والشرطُ داخلاً تحت الأمرِ بها حيثُ كانت مأموراً بها بشرائِطها، فإذا تحقق النهيُ في شرطٍ أوجَبَ اختلالُ ذلكَ الشرطِ أن (2) لا يَحصلَ امتثالُ المأمورِ بالسترِ بما نُهيَ عنه من السَتر فيصير عادماً للستر ومن أعدمَ شرطاً من الشروط الداخلةِ تحت الأمرِ بالعبادةِ، فما أتى بالعبادةِ بشروطِها، فامتنعت الصحةُ لهذا المعنى، فقد عاد استشهادُهم إلزاماً، فكان آكدَ من إيرادِه على وجه المنع، والله أعلم.

فصل
يجمعُ شبَههم في النهي، وأنه لايقتضي فسادَ المنهيِّ عنه
فمنها: أن قالوا: لو كان النهيُ علّةً للفساد لما جاز أن ينفردَ عنه معلوله؛ لأن العللَ أبداً تستتبع أحكامَها، فلما ثبت في الشرعِ نواهي لا تُوجبُ الفساد، وتجتمعُ معها الصحّةُ، بطلَ أن يكونَ النهيُ موجباً للفساد. ومما يشهدُ لهذه الدعوى وأنَ لنا
__________
(1) انظر حكم الصلاة في الموضع المغصوب في مذهب الإمام أحمد في "المغني"، 2/ 477، و"المبدع" 1/ 394.
(2) تحرفت في الأصل إلى: "إذ".
(3/248)

نهياَ لا يتبعهُ الفسادُ؛ الطلاقُ حالَ الحيضِ -مَنهيٌ عنه، وهو صحيحٌ، واقعٌ، نافذٌ، مزيلٌ للملك عن الأبْضاع، تترتب عليه الأحكامُ من انقضاء العِدَدِ، وإباحةِ المطَّلقةِ للأزواجِ-، والبيعُ عند النداءِ إلى الجمعةِ، والذَّبحُ بالسَّكين المغصوبةِ، والوضوءُ بالماءِ المغصوبِ.
ومنها: أنه لو كان النهيُ يقتضى الفسادَ لكان إذا تناول ما ليس بفاسدِ أن يكون مجازاً، فلما كان حقيقةَ، وإن لم يوجب الفسادَ، عُلمَ أنه لم يسلب مقتضاه، وهو الفسادُ، بل انعدم الزائدُ على مقتضاه الذي يَثبُتُ بالدليلِ، وينتفي بانتفاء الدليل.
ومنها: أنَ القولَ بالفسادِ يوجب إعادةَ الفعل، وليس في اللفظ ما يقتضي الإعادةَ، وإنما يعطي وجوبَ الفعلِ فقط، فمدّعي وجوبِ الإعادةِ يحتاجُ إلى دلالة من غيرِ اللفظ.
ومنها: أنَ الفسادَ صفةٌ زائدة على الحظرِ والتحريمِ، والذي اقتضاه اللفظُ استدعاءَ التركِ والكف، فمدّعي زيادةِ هذا الوصفِ يحتاج إلى أمرِ يزيد على اللفظِ، وهي دلالة تُوجبُ الفسادَ.

فصل
في الأجوبةِ عن شُبههم
أما قولُهم: لو كان مُقتضاه الفسادَ لما انفصلَ عنه، كالمعلولِ مع علتِه.
لا يلزمُ؛ لأنه إنما يَنفصل عنه بدلالةٍ، وانفصالُه عنه بدلالةِ لا يمنعُ كونَه من مقتضاه، كالتحريمِ، فإنه قد ينفصلُ عن النهيِ بدلالةِ، ولا يدُلّ على أنه ليس من مقتضاه، (1 كما نَجدُ نَهياَ، ولا يوجب تَحريماً 1)، كما نجد نَهياً ولا يوجبُ فساداً، فما يلزمُنَا في انفصالِ الفسادِ عنه يَلزمكم في انفصالِ التحريمِ عنه، ويبقى بعد خروجِ الفسادِ بالدليلِ كالعمومِ المخصوص بالدليل.
__________
(1 - 1) مُكرَّر في الأصل.
(3/249)

وأما استشهادُهم بالبَيْعِ وقتَ النداءِ، وغيرِ ذلك من المسائلِ، فلا نُسلمه، بل جميعُ ذلك يقتضي الفَساد.
وأمَّا قولُهم: وَجَبَ إذا انفصلَ عنه الفسادُ أن يبقى مجازاً.
ليس بلازم، فإنه لم ينتقل عن جميع موجَبه، وإنما انتقل عن بعض موجَبه، فصار كالعموم الذي إذا خرج بعضه بقي حقيقةً فيما بقي.
فإن قيل: فما تقولُ إذا قامت الدلالةُ على نقلِه عن التحريم؛ قيل: يبقى نهياً حقيقةً على التنزيه، كما نقول: إذا قامت دلالةُ الأمرِ على أنَّ الأمر ليس على الوجوب بقي أمراً.
وأما قولُهم: ليس في الصيغةِ ما يوجب القضاءَ، فالإتيانُ به على وجه النهي أعدمه شرطاً، فلم تبرأ الذمةُ عن الفعلِ، فكان على وجوبه.
فالإعادة من ها هنا استفيدت لا من نفسِ الصيغةِ؛ لأنه لمّاَ أتى به على وجهِ النَهي، جعلناه كأنه لم يأتِ به ولا خرجَ عن عهدتِه.
وأما قولُهم: إنَ الفسادَ صفة زائدة على النهي.
فالصحّةُ من مقتضى متابعةِ الشرع ولا متابعةَ مع النهي، فلم يبقَ إلا عدمُ الصحة، وليس بين الصحةِ والفسادِ واسطةٌ، فاذا أوجبَ الدليلُ عدمَ الصحّة، وجب الفسادُ لا محالةَ، وليست أمراً زائداً على النَهي؛ لأن النهيَ منعٌ، وما أمرَ اللهُ به فلم يأمرُ به على وجهِ النهي، فالمفعولُ غيرُ مأمور، فلم يعتد به كفعل آخر غير المأمورِ به.

فصل
والنهيُ إذا كان في غيرِ العبادة، ولا لمعنى في عَينِ المنهي عنه، بل في غيره، كالصلاةِ في الثوبِ المغصوبِ والدارِ الغصْب، والبيعِ وقتَ النداءِ، منعَ الصحة، كما لو كان النهيُ لمعنى فيه.
وبهذا قال جماعة من المعتزلةِ، خلافاً لأكثر الفقهاءِ والأشعرية في قولهم: الصلاةُ
(3/250)

صَحيحة (1)، والبيع صحيح (2)،

فصل
في دلائلنا
فمنها: ما تقدّم من قول النبيّ صلى الله عليه وسلم:" مَن عَمِلَ عَمَلاَ ليس عليه أمْرُنا فهو ردّ" (3)، فكيف بعملٍ عليه نهيه (4)؟ ولا خلاف بيننا أنه منهي عن الصلاةِ في البقعةِ والثوبِ الغصبِ، وظاهرُ الخبرِ يقتضى أن يكون ردّاً، والردُّ ضدّ القبول، وما اعتد به لا يكون ردّاً ولا مردوداً، فَعُلم أنه لا يُعتدُ بها، فإن أعادوا تلك الأسئلةَ، فعليها تلك الأجوبة.
ومنها: أنَ الله سبحانه لما أمَر بالصلاةِ، أمرَ بها مشروطةَ بالسترة والتمكينِ والاستقرارِ على بُقعةٍ، ونهى عن الاستتارِ بالغَصبِ والاستقرارَ على الغصبِ، فإذا لابسَ النهيَ في الشرطين كان عديمَ الستارة والبقعةِ حكما وكأنه صلّى عرياناَ مُعلَّقاً، ونحرِّره فنقول: إن السُّترةَ من شروطها الشرعيةُ، والاستتارُ بالمغصوب يخلُّ بالشرط المعتبر وقد أجمعت الأمةُ على أن الإخلالِ بالشرطِ المعتبرِ شرعاً يُخل بصحةِ العبادة، فصار ككشفِ العورةِ مع القدرةِ على السُّترةِ.
ومنها: أن الصلاةَ عبادةٌ وقربة، فإذا صلّى واستتَر على وجهٍ منهي عنه، فلا قربةَ؛ لأجلِ أنه عاصٍ بالاستتارِ بالغصبِ، وإذا خرجت الصلاةُ عن القُربةِ خرجت عن الواجبِ عليه المخاطبِ به [و] (5) إنما خوطب بصلاةٍ يَستتر فيها بالحلالِ، وإذا لم
__________
(1) فهم يقولون بصحتها ولكن مع الإثم، فيسقط الفرض بالصلاة في الأرض المغصوبة أو الثوب المغصوب، ولكنه يكون عاصياً بمقامه فيها، أو لبسه له، انظر "المجموع" 3/ 164، و"العدة" 2/ 441، و"البرهان" 1/ 283 - 295 و"المحصول" 2/ 291.
(2) ولكن مع الحرمة والإثم، انظر "المجموع" 4/ 500.
(3) تقدم تخريجه في الصفحة (162) من الجز الأول.
(4) هكذا العبارة في الأصل.
(5) ليست في الأصل.
(3/251)

يكن قد أتى بما وجبَ عليه، كانت الصلاةُ في ذمته بقاءٌ على حكم الأصل.
ومنها: أن الأصلَ المستقرَّ فيما بين العلماءِ أجمع، أنَ النهي لا يقفُ على معنى يخصُّ العين، سواء كان في المعاملاتِ أو العباداتِ، بل وجدناهم حكموا بإبطالِ بيع الخنزيرِ والميتةِ والدمِ لمعنى في الذات (1)، وحكموا بإبطال بَيعْ الصّيْدِ في حق المحرِم وفي الحرمِ (2)، والمنعُ يرجع إلى ذات المحرِمِ والبقعةِ لا إلى عين الصّيْد، وحكموا بإبطالِ الصّومِ والحجِّ بالردّةِ، وإن كان النهيُ عن الردّةِ لا يختصّ الصومَ والحجَّ، بل الردّةُ منهيٌ عنها قبل الإحرامِ، وقبل التلبّسِ بالصيامِ، وبعْدَ الخروجِ منهما، وصارت الردّةُ في إبطالهما بمثابةِ ما يخصّهما من المبطلاتِ، كالوطءِ في الحجِ، والأكلِ في الصومِ، وهذا يدُلُّ على أنَّ السُّترةَ النَّجسةَ التي لا يُنهى عنها إلا لأجلِ الصّلاةِ، والسترةَ المغصوبةَ التي ينهى عنها في الصلاةِ وخارجَ الصلاة، سواءفي المنع مِن الاعتدادِ بالصلاة.
ومنها: أنَّ أهلَ اللغةِ أجمعوا على أن القائلَ لعبْده: امضِ برسالتي إلى فلان، وقف في خدمتي وقتَ كذا، ولا تلبسْ من الثيابِ إلا ما كسوتُك به، ولا تركب إلا الدابّة التي خَصصتكَ بها حين مُضِيِّكَ في رسالتي إلى فلان. أنه أمره أمرأ على صفةٍ مشروطٍ بشرطٍ، وأنه لو مضى في الرسالةِ على غير الدابّة، وخدمَة في غير ما كساه به لم يكن ممتثلاً أمرَه، بل مخالفاً، وأنه بمثابةِ من وقف في خدمتِه عُرياناً، ومضى في رسالتِه ما شياً، فكذلكَ ها هنا -حيث قالَ له الشرعُ: صلِّ مستتراً، ولا تَستتر
__________
(1) لحديث جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم فتح مكة:"إنَ الله ورسوله حرما بيع الخنازير وبيعَ الميتة وبيع الأصنام". أخرجه أحمد 3/ 326، والبخاري (2236) و (4633)، ومسلم (1581)، وأبوداود (3486)، وابن ماجه (2167)، والترمذي (1297)، والنسائي 7/ 309 - 310، وابن حبان (4937).
(2) ذلك أنهم اعتبروا صيد المحرِم في حكم الميتة لا يجوز أكله. انظر "المغني" 5/ 139، و"كشاف القناع" 2/ 502 - 514 و" البناية شرح الهداية" 7/ 723، و"القوانين الفقهية" ص (137).
(3/252)

بالغصبِ، ومتمكِّناً من الأرض، ولا تَعتَمدْ على بقعةٍ مغصوبةٍ -لايكون لأمر الله ممتثلاً، فبقيت الصلاةُ المأمورُ بها على ما كانت مُشغِلةً لذمته، غيرَ خارج من عُهدتها.

فصل
في أسئلتهم
فمنها: أن الصلاةَ تكبير وقراءة وركوع وسجود بنية القربةِ إلى الله سبحانه، والاستقرارُ والسترُ بالغصبِ وعلى الغصب ليس بقربةٍ، والأصلُ الأذكارُ والأفعالُ، فلِمَ أبطلتم ما وقَع قربةً وهو الأقصدُ والآكدُ بما لم يقع على وجهِ القربةِ، وما مثلكم إلا مثلُ قائلٍ بإحباطِ أعمالِ القُرَبِ والطاعاتِ بإعمالِ المعاصي والمخالفاتِ، وذلك مذهبُ المعتزلةِ، وليس بمذهبٍ لكم.
ومنها أن قالوا: النهيُ عن الاستتارِ بالغصبِ والكونِ في الدارِ الغصبِ نَهي لا يختصُّ الصلاة، ولهذا ينهى عنها قبلَ الدخولِ في الصلاةِ، وبعد التحللِ من الصلاة، فصار غصبُ السترةِ والبقعةِ كغصبِ ثوبٍ يجعلُه في كُمِّه ويصلي معه، ودارٍ يغصبها فيودِعُها أهلَه ورحلَه ويصلي في غيرها، لا يمنعُ صحةَ الصلاةِ والاعتدادَ بها، كذلكَ في مسألتنا.

فصل
في الأجوبة عما قالوه
أما إقرارهم بأنَّ الاستقرارَ والاستتارَ غير (1) قُربة بل (2) مَعصية، فكافٍ في إبطالِ العبادة. إذ الله سبحانه أوجبَ أن تكونَ الصلاةُ كلُّها بشروطِها وأركانِها قربةً إليه، فإذا كان بعضُها قربةً، وبعضُها معصيةً، فهم المطالبون بالدلالةِ على صحةِ الصلاةِ،
__________
(1) تحرفت في الأصل إلى: "عن".
(2) تحرفت في الأصل إلى: "بين".
(3/253)

وإجزائها، والاعتدادِ بها؛ لأن المخاطبَ بجُملةٍ كلُّها يجب أن تقَع قُربةً (1)، وإذا أتى ببعضها لم يكُ مطيعاً ولا ممتثلاً ولا محصِّلاً لِما كُلِّفَه. فكذلكَ إذا تقرب ببعضها لم يكُ متقرِّباً بما كُلِّفه، لا سيما وليس ينفصلُ بعضُ الصلاةِ عن بعضٍ في الصحةِ والفسادِ، بخلافِ الطاعةِ المفردة عن الطاعة الأخرى، كالصومِ مع الصلاةِ، لا تبطل إحداهما ببطلانِ الأخرى، وبخلافِ المعصية المنفردةِ لا تَبطل بها العبادةُ؛ لأنَّ العبادةَ كملَت بشروطها، فأمَّا إذا كانت المعصيةُ في أبعاضِها، لم تكمل، وصار كالتركِ لعبادةٍ لا تُبطل ما فعله المكلَّف من عبادة أخرى، ولو تركَ بعض أركان العبادةِ لم تفسد بما بقي منها، لارتباطِ بعض أفعالها وأركانِها بعضه ببعض.
وأما تعويلهم على أنَّ النَهي لا يختص الصلاةَ، فباطلٌ بكشف العورةِ لا يختص النهيُ عنه الصلاةَ، بل كشفُها بمحضرٍ من الناسِ يُبطلها، وإن كان لو كشفها خارجَ الصلاةِ كان عاصياً، وكذلكَ الوطءُ في حق المعتدّةِ والصائمةِ، لا يختصّ الإحرام (2)، ولو أحرمت كان الوطءُ مبطلاً لإحرامِها على معنى قولكم: لا يختصّ الصلاةَ. أنه يعُمّ خارجَ الصلاة وداخلها، ولا يمتنع أن يكون عاصياً به خارجَ الصلاة، مُبطلاً للصلاةِ بفعله داخل الصلاة، كما أن السجودَ للشيطانِ أو الصنمِ محظورٌ خارجَ الصلاةِ، مبطلٌ لها إذا فعلَه أو نواه في الصلاة.

فصل
في جمع شُبَههم
فمنها: أنَهم زعموا أنَ الصلاةَ جنس ومعنى غيرُ الغَصْب؛ لأنَّ الصلاةَ حركاتُ المصلّي وسكناتُه وأذكارُه، والغصب متناولٌ لأجزاءِ الدار وذاتِها وأبعاضِها، فأين الصلاةُ من الغصب؟
__________
(1) بعدها في الأصل: "ومقرباً"، ولا تستقيم العبارة بها.
(2) هكذا في الأصل. ولعل الصواب: "المحرمة"
(3/254)

ومنها: أن الإنسانَ لا بُد له من مُستقَرٍ يستقرُّعليه، سواء مَلكه أو ملكَ غيرَه، فصاربمثابةِ الفضاءِ حالَ قيامه، لما لم يكن بُدٌ من فضاء يقوم فيه وتنتشرُ قامتُه فيه، لا جَرَم لا فرقَ بين انتشار قامتِه في هواءِ ملكِه، أو هواءِ ملك غيره.
ومنها ما تعاطاه بعضُهم، وقال: إنَّ الكونَ في الدارِ على وجْهِ التعدّي والغصبِ، والصلاةَ طاعة في نفس وقُربة، وهي منفصلة من الغصبِ، والدليلُ على انفصالِه عنها أنه قد يفعل الكونَ في الدار من لم يكن مُصلّياً.
ومنها ما احتج به فيَ الشيخُ الإمامُ أبو سَعد المتولِّي (1) -رحمه الله- بمجلس قاضي القضاة الدامغاني (2) -رضي الله عنه- بمجلس النظر بدارٍ بنَهرِ القَلاَّئين (3)، فقال: أجمعنا على أنَّ العبدَ الآبقَ عن سيده غاصبٌ لنفسه، وهو يُصلّي بجملته وأجزائه، وأجمعنا على صحةِ صلاتِه مع كونه مصلياً بذاتِه وأركانِه المغصوبةِ، فصلاةُ غير العبدِ الآبقِ، الحر المالكِ لنفسه وأجزائه وأعمالِه إذا صلى في بقعةٍ مغصوبةٍ، أوْلى أن تصحّ صلاتُه.
__________
(1) هو أبوسعد عبد الرحمن بن مأمون بن علي النيسابوري المتولّي، أحد الأئمة الشافعية الرفعاء، له عدة مصنفات منها "مختصر في الفرائض"، و"كتاب في الخلاف"، و"مصنف في أُصول الدين" توفي سنة (478 ه)، "طبقات السبكي" 5/ 106، "طبقات الإسنوي" 1/ 305 - 306، "سير أعلام النبلاء" 18/ 585.
(2) هو أبوعبد الله، محمدُ بن علي بن محمد بن حسن بن عبد الوهاب بن حسويه الدامغاني الحنفي، ولدَ بدامغان سنة (398 ه) سكنَ بغداد ودرسَ بها فقه أبي حنيفة، وتولى قضاءَ القضاة وانتهت إليه الرئاسة في مذهب العراقيين، توفي سنة (478 ه). "تاريخ بغداد" 3/ 109، "الفوائد البهية" 182 - 183، "سير أعلام النبلاء"18/ 485.
(3) جمع قَلاء، للذي يقلي السمك، وهي محلةٌ كبيرةٌ ببغداد في شرقي الكرخ، نُسب إليها عدد من العلماء من بينهم أبوالبركات عبد الله بن المبارك الأنماطي النَّهري توفي سنة (538 ه)، انظر "مُعْجَم البلدان" 5/ 322 - 323.
(3/255)

فصل
في الأجوبة عن شُبَههم
أمَّا الأولى: ودعواهم أنَ الغصبَ يتناولُ الدارَ عَينها وأجزاءها. فإنها دعوى بعيدةٌ؛ لأن المالكَ من الآدميين لا يملكُ عينَ شيء عند الفقهاءِ أجمعَ، وإنما يملكُ التصرّف بالتقلبِ فيها، والإكوانِ، وإيقاعِ الآثارِ في سطحها وأعماقها، فأما الأجزاءُ والأعيانُ، فاللهُ سبحانَه المنفردُ بها، حتى إنَ المعتزلةَ منهم قالوا: بأنَّ الأعيانَ لا يملكها مالكٌ، لا القديمُ ولا غيرُه، حيث جعلوا الملكَ: القدرةَ، والقدرةُ لا تتسلّط على الموجوداتِ، حتى إنَ الحيوان يختصّ ملكُ الآدميِ فيه بأفعالٍ مخصوصةٍ وآثار مخصوصة، وهي ما لا يضر بالحيوان إضراراً بَيناً، ولا يملكون تحميلَه ما لا يطيق، ولا ضربَه لغيرِ حاجة، ولا إخصاءه، ولا تَبْتيكَ آذانه، ولا كيَّه، والله مالك ذلك فيه، فالقدْر الذي يملكه المالك يتسلط عليه الغاصب، وهل يَنتهي ملكُ المالكِ للدارِ في صلاته فيها إلى أدنى من الكونِ بحركاتِه وسكناتِه، وركوعهِ في هوائها، وسجوده على أرضِها، فالقدْر الذي ينتهي تسلّط المالكِ وتصرّفُه ينتهي إليه تصرفُ الغاصبِ، والصلاة بأكوانٍ مخصوصةٍ وبحركاتٍ مخصوصة في قرارِ الدارِ وهوائها، فأينَ انفصالُ الغصبِ عن الصلاة؟
ولأنَّ الغاصبَ بحركاتِه وسَكناتِه ومضيه في الجهاتِ حالَ صلاتِه مستمتع بالدارِ كاستمتاعِ مالكها، ثم إنه بذلك مانع صاحبَها من الانتفاعِ بمثلِ انتفاعِ الغاصبِ، فلا يمكنه الصلاةُ في المكانِ الذي يُصلي فيه الغاصبُ، ولا إشغالُه بوضع عدل ولا شيءٍ يملأ تلك البقعةَ من الدار فقد بان بأنه غاصب بالصلاةِ مكانَ الصلاة وهواءها بكلِ كونِ يفعله وجهةٍ يملؤها بذاتِه وأعضائِه وحركاتِه وسكناته.
والذي يوضحُ ذلكَ ما قال الفقهاء: إن من كان له شجرة، فخرجت أغصانها، وبَسَقت إلى هواء دار جاره، أو غَرقت عروقُها إلى بئرِ جارِه، كان باستدامة ذلك
(3/256)

عاصياً ومتعدّياً، ووجبَ رفعُ ذلك عن هواء جاره وأعماقِ داره، كما يجب رفعُ الأمتعة التي يضعها في الهواءِ والقرار.
وأمَّا قولُهم: إن المصلي لا بُدّ له من بقعةٍ في صلاته؛ وغير صلاته؛ لأنه جسم لا بُدّ له من مكان يكون فيه ويعتمد عليه، فلا يختصُّ ذلكَ بصَلاتِه. فإنه كلامٌ ركيكٌ، لأنه كما لا يختضُ الكونُ بالصلاةِ فيها، بل يكونُ فيها ولا صلاة، فإنه لا يصلي فيها ولا بحصولِ الكونِ فيها، وكونُه فيها في صلاة ليس يغيرُ لكونه في غير صلاة، كما أنَ كونَه فيها قاعداً لا يكونُ غيرَ كونه فيها قائماً، وكونُه فيها على كلا الحالين من حيث كونه شاغلاً للمكان لا يختلفُ ولا يتغايرُ، وإنما انضمّ إلى كونه نيّةُ الصلاةِ، فلا يخرجُ عن كونه غاصباً بالكونِ في صلاةٍ كان أو في غيرِها، ولو كان الكونُ في الدارِ غير مصلٍ، مع كونه مصلياً خلا من ضدّين لما صحَ أن يجتَمع كونُه في الدار مصلياً؛ لأنَّ ذلك يوجبُ اجتماعَ الأضدادِ.
وأما شبهةُ المتولّي -رحمه الله- فكان جوابي عنها بالمجلسِ الذي أوردها فيه: أنَ الآبقَ عبْدٌ في غير أوقاتِ الصلوات، فأمَّا أوقاتُ الصلوات، فإنه لا حقَ للسيد فيها على العبد؛ لأنه لا يملكُ فيها استخدامَه بشيء من الخدمة، ولا تعويقَه، ولا يكونُ في ذلكَ الوقتِ غاصِباً لنفسِه، ولا آبقاً عن سيّده، فصارت صلاةُ الآبق في أوقاتِ الفرائضِ المقتطعةِ من ملكِ السيّد وحقه بمثابة بيتٍ يخضُ الغاصبَ ملكُه في الدارِ المغصوبة، إذا صلّى فيه كانت صلاتُه صحيحةً بخروجِه عن الغصب. والذي تَحقق غَصبُه لنفسه فيها من الصلواتِ تكون عندنا باطلةً، وهي النافلةُ، والعبدُ بين شريكين إذا تَهايَأهُ سَيّداه، لم يكن في شُغلِه بخدمةِ أحدِهما عاصياً، فيكف بمالك العينِ معه مالكُ الرِّق إذا كان في طاعته لم يكن عاصياً.
(3/257)

فصول
القول في فحوى الخطاب ودليله
فصل
في فحوى الخطاب
وهو التنبيه والأولى، وذلك مثل قوله: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الاسراء: 23] {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ ......} [آل عمران: 75].
فهذا مما لا خلاف فيه بين جمهورِ أهلِ العلم إلا ما شذَّ عن بعضِ أهلِ الظاهر.
حكاه أبو القاسم الخَزري (1) عن داود، وحُكِيَ عن قوم أنه مستفادٌ من اللفظِ.
والصحيحُ عندنا: أنه مستفادٌ من فحوى اللفظ.
وقال أصحاب الشافعي: إنه قياس واضحٌ، وقيل: قياسٌ جلي (2).
فالدلالةُ على العملِ به وأنه دليلٌ معمولٌ به؛ أن النهيَ عن الأعلى حاصلٌ بذكرِ النهي عن الأدنى، وأن الأمانةَ على الأعلى دلالة على الأمانةِ على الأدنى، وأن نفيَ الأمانةِ على الأدنى دلالة على نفيِ الأمانة [على] (3) الأعلى، وقد قالَ به واحتجَّ من لا
__________
(1) هو عيَّاش بن الحسنِ بن عياش أبوالقاسمم القاضي، المعروف بابن الخَزَري- نسبة إلى الخَزَر وهم صنفٌ من الترك -سمع القاضي المحاملي، وابنَ مخلد، وابنَ الأنبار كان من الذين وقَّعوا محضر الطعن في نَسبِ العُبيديين سنة (402 ه). انظر "تاريخ بغداد" 12/ 279، "الإكمال" 2/ 201، "المنتظم" 7/ 256 "توضيح المشتبه" 2/ 322.
(2) انظر "المحصول" 5/ 121، و"البحر المحيط" 4/ 7.
(3) ليست في الأصل.
(3/258)

يقول بالمعنى، وهم أهلُ الظاهر.
ومثاله من السنة: نهيُ النبي صلى الله عليه وسلم عن التَّضحية بالعوراء (1)، تنبيهاً على النهي عن التضحية بالعَمياء، فهذا مثاله في الأمرِ والنهي، ومن التنبيه في باب الإخبار، قوله تعالى: {وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} [النساء: 77]، {وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا}} [الأنبياء: 47]، {وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [النساء: 124]، فذكر القليلَ تَنبيهاً على الكثيرِ، نافياً للظلم عن نفسِه سبحانه.

فصل
في الدلالةِ على الاحتجاجِ به
فمن ذلكَ: أن هذا ظاهر من لغةِ العربِ، وأنَّ العبد المنهي عن إعطاءِ زيد حبة، لا يحسنُ أن يَستفهِم سيّدَه الناهي له؛ فهل أُعطيه قيراطاً لما في القيراط من الحبَّات؟
وكذلكَ إذا قال: لا تَقل لأبيكَ أُفٍّ، لا يحسُنُ أن يقول: فهل تَفسح لي في ضربِه أو انتهارِه؟ لِما في الضربِ والانتهارِ من الأذية المتضاعفةِ على أذيّة التبرّمِ والضجَرِ؟ ومن جَحدَ ذلك سفَّهَ أهل اللغة، وأسقط حُكمَ الخطابِ.
ومنها: أنَ المنعَ من التأفيفِ لأجلِ الأذى بالتضجُّر بهما، لا لأجل مجرَّد اللفظةِ، والمفهومُ من التضجّر الأذى، وفي شتمِ الأبوينِ وسبهما ما يزيدُ على التضجُّر والتبرُّم، فكان منهياً عنه.
ومنها: أن هذا مما يتساوى في فهمِه النساءُ والسوقةُ، ولا يقف على المتميزين من
__________
(1) ثبتَ ذلك بحديث البراءِ بن عازب، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أربعٌ لا يُضحَّى بهنَ: العوراءُ البيّن عَوَرها، والمريضةُ البين مرضُها، والعرجاءُ البين ظَلَعُها، والعَجْفاءُ التي لا تُنْقي".
والظلَع: العرجُ، والعجفاءُ: الهزيلةُ، والتي لا تُنقى: هي التي لا نِقْي لعظامها -وهو المخ- من الضعف والهزال. أخرجه الترمذي (1497)، والنسائي 7/ 215 - 216، والبيهقي 9/ 274، والحاكم 4/ 223، وابن حبان (5919) و (5921)، (5922).
(3/259)

أهلِ اللغة، ولا أربابِ الاستنباطِ، فإذا قال قائل: لا تَقْذِ (1) عينَ بعير زيدٍ، ولا تمكن القَرْنَاءَ من غَنمك من نَطح الجماء (2) من غنمه. عُلم مبادرةَ [من] (3) هذا اللفظِ أنه قصدَ حسم مواد الأذايا بذكره أدناها، ألا ترى أنه لا يحسنُ بعد ذلك أن يقول: واقلع عَينيه، أو اضرب عنقَه، أو اذبح مواشيه، بل يكون في ذلك على غايةِ المناقضةِ في وصيّته.
ومنها: أنَّ هذا موضوعٌ عند أهلِ اللغةِ، كوضع الأسماءِ للمسمَّيات (4) حتى إن الواحدَ منهم إذا أرادَ النهيَ أو رَفْعَ المنةِ رَفَعَ قَذاةَ (5) من الأرضِ أو مَدرةً (6)، فقال: لا تَظلم زيداً بمثلِ هذه، ولا تتلبس من مال فلانٍ بهذه. فيسبق إلى فهمِ كُل سامعٍ أنه أراد نهيَه عَمّا (7) زاد عليها ورفع المنّة بما زاد عليها، فهذا وضعُ القومِ ولُغتهم.
فإن قيل: إنما نفهم ذلك فيما بيننا بالمعهودات من الأحوالِ والقرائِن، فأما في حقِّ الله سُبحانه، فلا عهدَ بيننا وبينه، بل قد يكون ناهياً عن الأقل قُبحاً إلى الأشدَ الأكثر مثل قوله: ولا تُعطِش ناقَتك ولا بقرتَك، ولا تَنْتِف ريشةَ دجاجتِك، ولاتخرم أذنَ بعيرك، واختِنْ وَلدَك، واذبَح ناقَتك تَقرُّباً إليّ، أغفِر لك بأوَّل قطرةِ تَقطر من دَمِها.
فما يُؤمِنَّا نحن أن نأخذَ النهي عن الأعلى بالنهي عن الأدنى بعد هذا؟ بل الجمودُ على حكمِ الأصلِ إلى أن تردَ دلالةٌ أولى وأحرى.
__________
(1) القذى: ما يقع في العين فيؤذيها. "اللسان": (قذى).
(2) الجماء: هي التي لا قرن لها.
(3) ليست في الأصل.
(4) تحرفت في الأصل إلى: "المسمات".
(5) القَذاة: هي ما يقع في العين والماء والشراب، من تراب أو تبنٍ أو غير ذلك. "اللسان": (قذى).
(6) المدَرَة: هي قطعة الطين. "اللسان": (مَدر).
(7) في الأصل: "فما".
(3/260)

فيقال: الأصلُ في اللغةِ ذلك، وفي المعقولِ فإذا ورد إباحة بما هو أشدّ الأذايا.
كان تَحكُّماً معقولاً، فَنحنُ نعملُ بظاهرِ اللفظ إلى أن تَرِدَ دلالة تُخرجُ عنه بتحكمٍ شرعي.
ومنها: أنَّ القصدَ من الكلامِ التفاهمُ وإيصالُ ما في نفسِ المتكلم إلى مخاطِبه ومكالمِه، فاذا عوَّل على مجرد اللفظ دون دلائلِ الأحوالِ والمقاصدِ المطويّة في الأقوال (1)، وهل يخفى [على] (2) عاقل من أهل اللغة إذا قيل له: لا تعبس في وجْهِ فلان. أنه قصد بذلكَ صيانتَه عن أذيَّته بما فوق التعبيسِ من هُجْرِ الكلامِ وخشنِ الفعالِ، وما يزيدُ على أذيَّة التعبيس.
ومنها: أنَّ قائلاً لو قال لأمير سريَّة: إذا ملكتَ البلدَ، فلا تُطْفىء فيه سراجَ، بقّالٍ، ولا تَسلبهم حَبْلاً ولا عقالاً، وقد نبّه النبي صلى الله عليه وسلم بمثلِ ذلك، فقال في اللُّقَطةِ: "احفَظ عِفاصَها ووِكاءَها" (3)، وقال في الغنائم: "أدّوا الخَيْطَ والمِخْيَطَ، من سرق عصا فعليه ردّها" (4)، عَقَلَ منه ما يزيدُ على إطفاءِ السراجِ وغَصب العقالِ، وبما في
__________
(1) لم يرد جواب إذا، والمعنى مفهوم من السياق.
(2) ليست في الأصل.
(3) أخرجه أحمد 116/ 4 وه / 193، ومسلم (1722)، وابن ماجه (2507)، وأبوداود (706)، والترمذي (1373)، والطبراني (5237)، والبيهقي 6/ 192 و 193، وابن حبان (4895) من حديث زيد بن خالد الجهني قال: سئل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة، فقال:"عرِّفها سنَة، فإن لم تعرف، فاعرف عِفاصها، ووِكاءها، ثمَّ كلها، فإن جاء صاحبها، فأدَّها إليه".
والعِفاص: الوعاء الذي تكون فيه النفقة، من جلد أو خرقة أو غير ذلك.
والوِكاء: هو الخيط الذي يشدُ به الكيس أو الصرة.
"النهاية في غريب الحديث" 3/ 263، و5/ 222.
(4) أخرجه أحمد 2/ 184، ومالك في"الموطأ" 2/ 458، وأبوداود (2694)، وابن ماجه (2850)، وابن حبان (4855) من حديث عبادة بن الصامت، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" أدو الخِياط والمِخيَط، فمنَ الغُلولَ عاو ونار وشنار على أهله يوم القيامة". =
(3/261)

الصرّة الملتقطةِ من الدنانيرِ والدراهمِ وراءَ الوكاءِ والعِفاصِ، وأداءِ الثيابِ والرحالِ من الغنائم، ورد الأجذاعِ والأخشابِ المغصوبةِ، حتى لو قالَ الآمرُ بذلك بعد هذا: ولا تَحفَظ ما وراء الوِكاءِ والعفاصِ، ولاتُطفىء سراج بقالٍ وانْهَبْ ما في دُكّانه من الأمتعةِ والمالِ. عُدَ مُناقضاً في كلامه، واستُهجنَ ذلك منه، وما ذاك إلا لأنَّ المفهومَ من كلامه الفَحوى الذي أوضحناه، وإنما قصدَ بهذا أهلُ اللُّغة الاستقصاءَ، ألا ترى أنه إذا قال: ما أنفقتُ من مالِ فلانٍ ألفَ دينار لم يمنع ذلك أن يكونَ قد أنفقَ ما دونها، وإذا قال: ما أنفقتُ من ماله حبّةً. أعطانا ذلك وأفادنا أنه لم يُنفق ما فَوقها.

فصل
في الدلالةِ على من زعَم أنَ الحكمَ فيه مستفاد من طريق اللفظ: أنه ملفوظ بالنهي عن الأذِية الزائدةِ على التبرّمِ بالتأفيفِ.
فنقولُ: إنَ الملفوظَ به إنما هو النهي عن التأفيفِ، فهذا منصوصٌ، والمفهومُ من اللفظِ نفيُ الأذى الزائدِ على أذيةِ التأفيفِ، وهذا نوعُ استدلالٍ، والمنصوصُ الملفوظُ لا يحتاجُ إلى استدلالِ، ولولا ما سبقَ من علمِ القصْدِ من طريقِ العُرفِ نفيَ الأذايا لما عُقِلَ منه إلا النهيُ عن نَفسِ الحَرْفَين (1)، وهي الملفوظُ بها، وإنما دلالةُ العرف أرشدت إلى النهي عما زادَ عليها، ولربما قاربَ القياسَ، ولهذا ذهب الشافعي رضي الله عنه إلى أنه قياسى جلي، وقيل: قياسى واضحى، فإنه يلمحُ ما في التأفيفِ من التضجر، وينظر إلى ما في السبّ والانتهارِ من زيادةِ الأذى بهما، فيجعلُ التأفيفَ أصلاً تُردُّ إليه كل أذيةٍ مساويةٍ له، فيكون قياساً، وكُل أذيّة تَزيد عليه تكون تنبيهاً، وذلك أوضحُ الأقيسة.
__________
= أما الزيادة التي ذكرها المصنف: "ومَن سرق عصا فليردها" فلم نقف عليها في كتب السنة التي بين أيدينا.
(1) يعني كلمة: أُف.
(3/262)

فصل
والدلالةُ على أنه ليس بقياسٍ: أنَّ القياسَ والمعنى: أخذُ الحكمِ للفرعِ من أصلٍ وجدت فيه علّةُ الحكم، كتحريمِ النبيذِ لاجتماعِه والخمر (1) في الشدّةِ المطرِبةِ، فأما الأولى فإنه إثباتُ حكمٍ لبعضٍ، والبعضُ من جملة الكُل، كإفاضة الحكمِ على الأكثرِ لوجودِه في الأقلِ ليس بمعنى، بل مفهومُ الخطابِ ذاكَ في الكُل والبعضِ، وما شملَه حكمٌ من طريق النطقِ لم يكن قياساً كالعموم.

فصل
في شُبهةِ من لم يجعل الدلالةَ إلا نفسَ اللفظِ دون ما زادَ عليه
قالوا: المسموعُ الذي قرعَ سمعَ المكلَّف هو النهيُ عن التأفيفِ، وما عداه ليس بمسموعٍ من الشرعِ، فبقينا فيه على حكمِ الأصلِ، وهو الإباحةُ، وبقي المنعُ كسائر الألفاظِ.
وأما شبهةُ من جعلَ ذلك دلالةً من طريقِ اللفظِ دون فحواه، أن قال: إذا قال: لا تظلم أحداً بحبةٍ من مالهِ ولا تؤذه (2) بالتَّقْطيبِ في وجهه. فإنه قد نهاه عن الظلمِ بالدينار لأنَّ في الدينارِ ستين حبّةً، وفي الأذيَّة بالسبِّ أضعافَ الأذيَّةِ بالتقطيبِ، فصارَ بمثابةِ قولِ القائلِ في قَسَمه: واللهِ لا أكلتُ لفلان لُقمة، ولا رويتُ من مائه بشربةٍ أو بجُرعةٍ. فإنه يكونُ حالفاً على الامتناعِ من أكلِ الرغيفِ وشربِ الماءِ الكثيرِ؛ لأنَّ في ذلك الماءِ الكثيرِ أضعافَ الجرعة، فهي جُرعٌ كثيرةٌ، فتدخل الجرعةُ في الماءِ الكثيرِ واللقمةُ في الرغيفِ.
وأما شبهةُ من قال: إنه قياس. أنَّ النهيَ عن التأفيفِ احتاجَ المجتهدَ إلى
__________
(1) في الأصل: "للخمر".
(2) في الأصل "تؤذيه".
(3/263)

استخراجِ ما كان النهيُ عنه لأجله، فوجدَه الأذى بالتضجّر ولَحَظَ ما في الشتمِ والسب من الأذى والضربِ، فوجده أكثَر فعلم أنَ تعليقَ الحكمِ عليه بعلةِ الأذى من طريق الأولى، وهذا هو القياسُ.

فصل
في الجوابِ عن شُبههم
أمَّا قولُهم: إنَ الشتمَ ليس بملفوظٍ به، وليس الملفوظُ به سوى التأفيفِ، فبقي ما عداه من السبِّ والشتمِ على مقتضى الأصلِ، فإنه ليس سوى التأفيفِ، لكن لأجل ما يلحقُ به من التأذي والتألّمِ بالتبرمِ والتضجّر وذلك يعمُ بالمعقولِ كُلَّ أذى يلحقهما من جهته، وهذا عادةُ القومِ ولسانُهم، يقولُ الرجلُ منهم إذا أراد رفعَ السنَة عنه: والله لا شربتُ لك الماءَ من عَطشٍ. فيُعقل من ذلك أنه منَع نفسه من الانتفاعِ بما له، وجعلَ شربَ الماء حَسماً لمادةِ السنِنِ, حيث منعَ نفسَه بما لايُلحِقُ فيه كبيرَ منَةٍ.
وأما قولُ من جعلَه تبعاً من طريقِ اللفظِ، وأنه إذا منعَ من الظلمِ بحبةٍ كان مَنعاً من القيراط لِما فيه من الحبات، فهذا قد يردُ فيما لا يتحققُ فيه المنهيُ عنه، مثل النهي عن التأفيف، وهو قولٌ، فلا يدخلُ فيه الفعلُ؛ وهو الضربُ، وإنما يدخلُ فيه أذيّة الضربِ، وليس للأذية ذكر، لكن للمعنى من اللفظ، فالدينارُ والقيراطُ، وإن كان فيهما عدةُ حبات، إلا أن له اسماً يخصه يخرجُ به عن اسمِ الحبّةِ، دخلت من طريقِ غير اللفظِ، فيقول القائل: لم آخذ حبةً لكن ديناراً، وما سلّمتُ على زيدٍ، لكن سلمتُ على أهل القرية، وإنْ كان فيهم زيد، فللتخصيص حُكم غير التعميم والشمول.
فأما الجوابُ عن شُبهةِ من قال بأنه قياس، وقولهم: إن المعنى الملحوظَ المفهومَ من التأفيفِ هو الأذى، بما في طَيِّه من التبرُمِ والتضخرِ-فلما (1) رأى أنَ في الانتهارِ
__________
(1) في الأصل إلى: "فكما".
(3/264)

والسبِّ والضربِ من الأذى والإضرارِ ما يُوفي على التَّضجرِ، أثبتَ الحكمَ في المسكوتِ عنه بما عقَله من علّةِ المنطوقِ به، وهذا هو القياسُ بعينهِ -فليس بلازمٍ؛ لأنَّ هذا لغة وليس بقياسٍ؛ لأنَّ العرب إذا أرادت تركَ التطويلِ والمبالغةَ في الاختصارِ نبَّهت، فأتت بالتنبيهِ على ما زاد عليه، فإذا أرادت إزالةَ المنَّة قالت له: لا تَشرب له الماءَ من عطشٍ. فاكتفت بذلك عن ذكرِ أسباب المننِ، وإذا أرادت وصفَ إنسانٍ بالخَوَرِ والجُبنِ قالت: فُلان تُبكيه اللَّحظةُ (1) وتفزِعه اللفْظَة، ولهذا يوصل بقولها فضلاً عما زاد عليه. والذي يكشفُ ذلك أنَّ المعنى والقياس يحسنُ فيه الاستفهامُ ولا يحسنُ في الأولى الاستفهامُ، فإذا قال السيدُ لعبدِه: لا تَشرب لزيدٍ ماءً من عطشٍ.
فقال العبدُ: فآكُل من طعامِه؟ وأقبلُ عطاياه وهِباتِه؟ وإذا قال له: لا تَقُلْ لأبيكَ الكبيرِ الذي خَلفه الكِبرُ عندك: "أُفٍّ"، فقالَ الولدُ: هل أشتمه أو أضربه؟ لم يحسن ذلك، كما لو قالَ: لا تؤذِه بنوعٍ من أنواعِ الأذايا. وبمثله لو قال: لا تَبعِ الحِنطَةَ بالحنطةِ متفاضلاً، حَسُن أن يقولَ: فهل أبيعُ الشعيرَ بالشعيرِ متفاضلاً؟
فإن قيل: هذا القَدرُ لا يُعطي إلا أن التَنْبيهَ أوضَحُ وأكشفُ معنى، وهو عندنا قياسٌ جَليّ، فله رتبةٌ على القياسِ الخَفي.
قيل: هذا إقراو بأنه يسبقُ إلى الأفهامِ، ودعوى أنه قياس تسمية، وإلا فالقياسُ لا يُفهمُ إلا بأدنى فكرةٍ، وهذا يُعلمُ منه ما ذكرناه بأوَّلِ وهلةٍ وأسرعِ بادرة.
فمن قيل: لو كانَ مُستفاداً من اللفظِ؛ لكفاني يمينُ المنكرِ إذا ادعي عليه دينارٌ أن يقول: لا يَستحق علي حبةً. ولما احتاجَ أن يقولَ: لا يَستحق عينَ ما ادَعاه ولا شيئاً منه. عُلم أنَ ذكرَ الحبةِ ليس يستفادُ به الإنكارُ والنفيُ لفظاً، إذ لو كانَ كذلك؛ لكانَ قولُه: لا يَستحق عَليَّ حبَّةً. قائماً مقام قوله: لا يَستحق علي ما ادّعاه ولا شيئاً منه.
قيل: لم يكن هذا، لأنه ليس بمستفادٍ من طريقِ فحوى اللفظِ لا المعنى؛ لكن
__________
(1) لحظ إليه: نظر بمؤخرة عينيه من أيِّ جانب كان، يميناً أو شمالا "اللسان": (الحظ).
(3/265)

لأنه ليس بنص ولا يُكتَفى في دَفعِ الدعوى إلا بالنصِّ دون الظاهرِ، ولهذا لا يقبل في يمينِ المدَّعي: فواللهِ إني لصادق فيما ادَّعيته عليه. ولا يكفي في يمينِ المنُكِر ووالله إنه لكاذبٌ فيما ادّعاه عليَّ. كُل ذلك طلباً للنص الصريحِ دون الظاهر.

فصل
للخطاب دليلٌ هو حجّةٌ شرعيةٌ ودلالةٌ صالحةٌ لإثباتِ الحكمِ (1) وهو ضَربٌ من ضروبه، غير أنَ الأصلَ تعليقٌ على شرطٍ، وتعليقٌ على غايةٍ، وتعليقٌ على اسم، والكُل عندنا حجّةٌ معمولٌ به.
وعلته من البابِ: أنَّ الشيءَ إذا كان له وصفان فُعلِّق الحكمُ على أحدِ وصفيه مثل النَّعَم؛ منها سائمةٌ وعاملةٌ، فنقول: في سائمة البقرِ زكاة، فيجمع هذا القولُ نصاً ودليلاً، فالنصُّ: وجوبُ الزكاةِ في السائمةِ، والدليلُ: سقوطُ الزكاةِ في المعلوفةِ والعاملةِ، فهذا صورةُ المسألةِ في هذا الضربِ الذي هو تعليقُ الحكمِ على الوصفِ، وبهذا قال صاحبنا رضي الله عنه في عدةِ مواضع، فهذا أشدُّ الناسِ قولا به، وكذلك الشافعيُّ رحمة الله عليه، والأكثرون من أصحابِه، إلا ابنَ سُرَيج (2) والقَفّال (2)، فإنهما قالا: ليس بحجةٍ. وكذلك القاضي أبو حامد (3) منهم، وهو مذهب أبي الحسن
__________
(1) ويسمَّى مفهومَ المخالفة، وهو أن يثبت الحكمُ في المسكوتِ، على خلاف ما ثبتَ في المنطوقِ. انظر "العدة" 2/ 448. و"البرهان"1/ 449، و"المستصفى" 2/ 191، و"التمهيد": 2/ 189، و"شرح مختصر الروضة" 2/ 723، و"شرح الكوكب المنير" 3/ 489.
(2) تقدمت ترجمته في الصفحة (44) من الجزء الثاني.
(3) هو أبوحامد أحمد بن بشر بن عامر المَرْوَرُّذِي، شيخُ الشافعية أخذَ الفقه عن أبي إسحاق المروزي، تولى قضاء البصرة، وعنه أخذ فقهاؤها توفي سنة (362 ه). انظر "طبقات السبكي" 3/ 12، "طبقات الفقهاء" للشيرازي: 114، "سير أعلام النبلاء" 16/ 166.
(3/266)

الأشعري، وأبي بكر الباقلاني وأكثرِ المعتزلة، وإلى ذلك ذهب أبو الحسن التميمي (1) من أصحابنا، وهو مذهب مالك وكثير من أصحابه، وقول داود أيضاً، وأما أصحابُ أبي حنيفة فقالوا: ليس بحجةٍ (2)، ثم اختلفوا إذا عُلق الحكمُ بشروطٍ، فقال الجُرجاني: لا يدلُّ على أنَ ما عداه بخلافِه. وقال غيرُه: يدل على أنَ ما عداه بخلافِه. وقال قومٌ منهم: إن عُلِّق على غايةٍ دل على أن ما بعدَ الغاية بخلافِ ما قبلَها، نحو قوله: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187]، وقوله: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222]، وقداختلف أصحابُ الشافعي في تعليقه على الاسم، هل يدُلّ على أنَ ما عداه بخلافه؟ على مذهبين (3).

فصل
في جمع دلائلنا
فمنها: أنَّ هذا هو الموضوعُ المستفيضُ المعروفُ من لغة العربِ، وقد رواه أبو عُبَيد (4) والشافعي. فأما أبو عبيد؛ فانه ذكر ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ليُّ الواجدِ يُحل
__________
(1) تقدمت ترجمته في الصفحة (26) من الجز الأول.
(2) انظر "تيسير التحرير" 1/ 99، "أصول السرخسي"1/ 255.
(3) والراجح المعتمد عند الشافعية أنَه لا مفهوم لفَقب، وممَّن قال بمفهوم الفَقب من الشافعية أبوبكر الدقاق، وتبعه في ذلك بعض الشافعية، انظر"البرهان" 1/ 453، "البحر المحيط" 4/ 24، "حاشية العطار على جمع الجوامع" 1/ 333.
(4) أبوعُبيد القاسم بن سَلآَم بن عبد الله، أخذ العلمَ عن شريك بن عبد الله وسفيان بن عيينه، وله تصانيف في اللغةِ والحديثِ والقراءات والفقه؛ منها "الغريب المصنف" في علم اللسان، "والناسخ والمنسوخ" و "الأموال" وكتاب "فضائل القرآن" توفي بمكة سنة (224 ه) انظر "تاريخ بغداد" 12/ 453 - 416، "وفيات الأعيان" 4/ 60 - 63 "شذرات الذهب" 2/ 54، 55 "سير أعلام النبلاء" 10/ 490.
(3/267)

عِرضَه وعُقوبَتَه" (1)، والواجِد هو الغني، وليه: مَطْلُهُ، وهو بعينه في معنى قوله عليه الصلاة والسلام: "مَطْلُ الغَني ظُلم" (2)، قال أبو عبيد: أراد أن مَنْ ليس بواجدٍ لا يَحلُّ ذلك منه. وقال غيره: وعرضُه يَحِل بالمطالبة، وعقوبتُه بالحَبْس، ومَطل غير الغنيَّ ليس بظلم.
وقال أيضاً في قوله عليه الصلاة والسلام: "لأنْ يمتلىء جوفُ أحدِكم قَيحاً خيرٌ له من أن يَمتلىءَ شِعراً" (3)؛ وقد قيلَ له: إنما أرادَ بهِ الهجاءَ من الشعرِ وسب الناس أو ما هُجيَ بهِ الرسولُ صلى الله عليه وسلم. فقال: لو كانَ ذلك هو المرادَ، لكان لا معنى لتعليقِ ذلك بالكثرةِ، وتعليق التحذيرِ منه والنهيِ عنه بامتلاءِ الجوف منه؛ لأنَّ قليلَ الهجاءِ ككثيره، يعني بذلكَ أن ما دون ملءِ الجوفِ لا يتعلّق الذّمُ به (4)، فقد فهم أبو عبيد من تعليقِ الذَم عليه بامتلاءِ الجوف أن ما دون ذلك بخلافِه، وأنَّ قليلَ الهجاءِ وكثيرَه
__________
(1) أخرجه أحمد 4/ 222، 388، 389، وأبوداود (3628)، وابن ماجه (2427)، والنسائي 7/ 316 - 317، وابن حبان (5089)، والطبراني (7249)، والحاكم 4/ 102، والبيهقي 6/ 51، من حديث عمرو بن الشريد بن سويد الثقفي، عن أبيه. واللَّي: هو المطل.
والواجد: هو الغني.
(2) أخرجه أحمد 2/ 260، 463، والبخاري (2287) و (2288) و (2400)، ومسلم (1564)، وأبوداود (3345)، وابن ماجه (2403)، والترمذي (1308)، وابن حبان (5053) و (5090)، والبيهقي 6/ 70. من حديث أبي هريرة، أنَ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - قال:" مطل الغني ظلم، وإذا أُتْبعَ أحدُكُم على مليءٍ، فليتبع".
(3) أخرجه أحمد 2/ 288، 355، 391، 480، والبخاري (6155)، ومسلم (2257)، وأبوداود (5009)، وابن ماجه (3759)، والترمذي (2851)، وابن حبان (5777) و (5779) من حديث اْبي هريرة، بلفظ: "لأن يمتلىء جوفُ أحدكم قيحاً حتى يَريَه خيرٌ من أن يمتلىء شعراً".
وقوله: يريَه هو من الوَرْي، وهو داء يفسد الجوف.
(4) انظر (غريب الحديث) لأبي عبيد 1/ 36 - 37.
(3/268)

غيرُ مراد بهِ، وقول أبي عبيد حجّةٌ في باب اللغة.
ومنها: أنَّ النبيَ صلى الله عليه وسلم عَقلَ من القرآن ذلك، حيثُ نزلَ قولُ الله تعالى: {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [التوبة: 80]، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"والله لأزيدنَ على السبعين" (1)، فعقَل أنَ ما زاد على السبعينَ بخلافها.
ومنها: قولُ ابنِ عباس في امتناعِه من حجبِ الام إلى السدسِ، وأنَ ما دون الثلاثِ وأقل الجمعِ لا يحجبُ الأم (2)، فعقَلَ أن ما دونَ أقل الجمعِ بخلافِ حكمهِ في الحجبِ به، وخالفَ الصحابةَ في توريثِ الأخت مع البنتِ (3)، واحتجَّ بقوله تعالى: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} [النساء: 176] وهذا استدلالٌ بدليلِ الخطابِ؛ لأنه أخذ من قوله: {لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ} أنه إذا كان له، فليسَ للأختِ النصفُ الذي فُرضَ لها، والبنتُ ولد فلم تكن الأخت معها وارثةً، وهذا دليلُ النطق، وقد أخذ به (4)، وقال أيضاً: لا ربا إلا في النسيئةِ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:
__________
(1) أخرجه أحمد 1/ 16، والبخاري (1366) و (4671)، والترمذي (3097)، والنسائي 4/ 67 - 68، وابن حبان (3176) بلفظ: "لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها".
وورد بلفظ: "لأزيدن على السبعين" رواه الطبري 14/ 395 وعبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 284.
وورد بلفظ: "سازيده على السبعين"، أخرجه البخاري (4670) و (4672).
(2) أخرج هذا الأثر عن ابن عباس: الطبري في التفسير 8/ 40، والبيهقي 6/ 227، والحاكم في المستدرك 4/ 335.
(3) أخرجه عبد الرزاق 10/ 255، والبيهقي 6/ 233.
(4) وهذا بخلاف ما قرره جمهور الفقهاء من أن الأختَ مع البنتِ تكون عصبة، لحديث عبد الله ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قضى في ابنة، وابنة ابن، وأخت قال: "لابنة النصف، ولابنة الابن السدس، وما بقي فللأخت".
أخرجه أحمد 1/ 389، 428، 440، 463 - 464، والبخاري (6736) و (6742)، أبوداود (2890)، وابن ماجه (2721)، والترمذي (2093).
(3/269)

"إنما الربا في النسيئة" (1)، فأجازَ البيع نقداً ولم يجعل في النقدِ رباً لكونه دليلَ النص على النسيئة، وهو من فصحاء الصحابةِ وترجمانُ القرآن.
ومنها: قولُ الأنصار لا غُسلَ بالتقاء الختانين من غير إنزال، واعتمدوا في ذلك قولَ النبي صلى الله عليه وسلم: "الماءُ من الماء" (2) ومعلومٌ أن هذا نص فى غيرِ موضع الخلاف؛ لأن إيجابَ الغسل لأجلِ إنزالِ الماء لم يخالفهم فيه أحد، لكن دليلُ هذا النص: ولا ماءَ من غير ماء، معناه: ولاغُسلَ بالماءِ على من لم ينزل الماءَ، فبه عملِوا، وعليه عوَّلوا.
ومنهم من قالَ بوجوبِ الغسلِ مع الإكسالِ من غيرِ إنزالٍ، وأجابَ بأنَّ خبر: "الماءُ من الماءِ" منسوخٌ (3)، ومعلومٌ أنهم لم يريدوا نسخَ المنصوصِ؛ لأنَّ "الماء من الماء" متفقٌ على بقاءِ حكمِه، لكن أرادوا بالمنسوخِ دليلَه، فقد بأن أنَّ هذا اتفاقٌ منهم على القولِ بدليلِ الخطابِ، إذ لو لم يقولوا به أغناهم عن ذلكَ كلهِ قولُهم: نحن قائلون بأنَّ الماءَ من الماءِ، ويبقى من التقاءِ الختانين من غيرِ إنزالٍ على مُقتضى
__________
(1) ورد هذا الحديث بألفاظ مختلفة، فأخرجه بلفظ: "لا ربا إلاّ في النسيئة"، البخاري (2178) و (2179)، والنسائي 7/ 281.
وأخرجه بلفظ: "الربا في النسيئة" مسلم (1596)، والبيهقي 5/ 280.
ورواه بلفظ: "إنما الربا في النسيئة" ابن ماجه (2257)، والنسائي 7/ 281.
والذي ثبت عن ابن عباس رجوعه عن الإفتاء بجواز ربا الفضل، حيث قال: (كنت أفتي بذلك حتى حدثني أبوسعيد الخدري، وابن عمر أنَ النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عنه، فأنا أنهاكم عنه".
رواه البيهقي 5/ 281.
(2) تقدم في الصفحة 36 من الجزء الثاني.
(3) جاء ذلك في حديث أبى بن كعب أنه قال: "إنما كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام ثم نهي عنها" أخرجه أحمد 5/ 115 و116، وعبد الرزاق (951) وابن أبي شيبة 1/ 89، وأبوداود (215)، والترمذي (110)، وابن حبان (1173)، والبيهقي 1/ 165.
(3/270)

الأصل، وهو براءةُ الذمّة من إيجابِ الغسلِ.
ومنها: قولُ يَعلى بن مُنْيَةَ لعُمر بن الخطاب رضي الله عنه: كيف نَقْصُر وقد أمِنَا؛ وقول عمر: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسالتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "صَدقةٌ تصدق اللهُ بها عليكم، فاقبلوا صَدَقته" (1) فعقلا من قوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ} [النساء: 101]، جوازَ قصر الصلاة عند الخوف، وعقلا من دليله وجوبَ إتمامها عند الأمنِ، بخلافِ حكمِ ما تَناوله الشرط.
ومنها: ان النبي صلى الله عليه وسلم امتُدح بقوله: "أُوتيتُ جَوامع الكَلِم، واختُصِرت لي الحِكمة اخْتِصاراً" (2)، فإذا قال: (في سَائمة الغَنَم الزَّكَاة)، وكانت السائمةُ والمعلوفةُ والعواملُ عنده سواء، كان هذا تطويلاً للكلام لغير فائدة.
ومنها: أن نقولَ: معلومٌ أنه لو قال: (في الغنمِ الزكاةُ)، كان الحكمُ هو إيجابَ الزكاةِ عاماً في جميعِ الغنمِ، فإذا قال: (في سائمةِ الغنم)، صارَ مخرجاً بهذا القولِ ما لولاه لكان داخلاً في الحكم، فصار كالتخصيصِ والاستثناءِ.
فنقول: نيطَ باللفظِ ما لو اختزل عمَّ، فاقتضى نَفياً وإثباتاً كالمستثنى مع المستثنى منه، والعمومِ مع التخصيصِ، والغاية على من يسلمها ويقولُ: إنَ تعليقَ الحكم بالغاية (3) يدُل على مخالفةِ ما بعدها لما قبلها في نفي الحكمِ عنه، وتعليقِ الحكمِ على الشَرطِ على من يسلِّمه منهم على ما حكيناه عن بعضِهم، ويكشفُ هذا بأنّ
__________
(1) تقدم تخريجه في الجزء الثاني الصفحة (26).
(2) أخرجه الدارقطني 4/ 144 - 145 من حديث ابن عباس بلفظ: "أعطيت جوامع الكلم، واختصر لي الحديث اختصاراً" والصحيح الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "بعثت بجوامع الكلم" أخرجه البخاري (2977) و (6998) و (7013) و (7273)، ومسلم (523) وأحمد 2/ 250 و 264، والترمذي (1553)، والنسائي 6/ 3 - 4.
(3) في الأصل: "الغاية" بدون الباء.
(3/271)

قائلاً لو قال: أعطِ بني تَميم، أو وصَّيت لبني تميم كذا وكذا من مالي. ثم نسق الكلامَ بأن قال: المشايخ. ثم نسق الكلام بأن قال: الشُجعانِ القُراءِ. فإنه لو سكت على الأول لعم العطاءُ والإمضاءُ بما وصَّى به جَميعهم، فلما نسق الكلامَ الأول بصفةٍ بعد صفةٍ خرجَ منهم من ليس بشيخٍ شُجاعٍ قارىءٍ، وبقيَ منهم من اجتمعَ فيه الخصالُ الثلاثُ، كالخصوصِ والاستئناءِ.
ومنها: أنه لو قال: يُحرمُ من الرضاعِ خمسُ رضعاتٍ، وطهورُ إناءِ أحدِكم إذا ولغَ الكلبُ فيه أن يَغسلَه سَبعاً. وكانَ ما دون الخمسِ يُحرمُ، وما دون السبعِ يُطَهر خرج أن تكون الخمسُ محرمةً، والسبعُ مُطهرة لإناء إذا صورنا أن الستة تُطهر والأربع تُحرم، جاءت السابعةُ إلى محل طاهرٍ فلم تعمل في تطهيره، وجاءت الرضعةُ الخامسةُ إلى مَحل محرَمٍ، فلم تؤثر فيه تحريما ولا يجوزُ أن يسقط حكمُ دليلِ النطقِ إذا كان مُسقِطاً للمنطوقِ به.
ومنها: أنَ العربَ إذا قالت للعبدِ: اشتر لي عبداً أسودَ، وإذا قامَ زيدٌ فاضربه. كان ذلكَ نَهياً للعبدِ عن شراءِ الأبيضِ، وضربِ زيدٍ حالَ قعودِه قبل قيامِه، ولا يعرفُ في لُغتِها أن تُقَيدَ الشراء بالأسود، والأبيضُ والأسودُ عندها سواء ولا تُقَيِّد الضَّرب بالقيامِ، والقُعودُ والقِيامُ عندها سواء؟! فعلى هذا؛ إذا قال اللهُ سبحانه: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95]، {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} [النساء: 93]، كان تقييدُه بالعمدِ مقيداً للحكم بالتقييدِ ونافياً له عما عُدِمَ فيه التقييدُ، وهو صفةُ العَمْدِ، وقوله في المطلقات: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 6]، فاقتضى ذلك أن البوائنَ الحواملَ لا نفقةَ عليهن، وعلى هذا لغةُ العربِ لا نَعرفُ سوى ذلك.
ومنها: لنفي الحكم عما عدا المشروط قوله تعالى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ
(3/272)

بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6]، فلا يكون لذكرِ الفِسق فائدةٌ إذا لم نعمل بدليلِ اللفظِ، وأنه إذا جاء عدل بنبأ عَملنا به، ولم نتوقف على العملِ بخبر وشَهادتِه، والعربُ على ذلك؛ فإن القائلَ منهم إذا قال لعبدِه: إذا جاءني زيدٌ مُعتذِراً؛ فأكرمه، وإذا جاء عمرو زائراً، فاخْدُمه. كانَ ذلكَ مُوجِباً بصريحِ الشرطِ إكرامَ زيدٍ إذا جاء معتذراً، وخدمة عمروٍ إذا جاء زائراً، ومُسقِطاً عنه الإكرام والخدمةَ مع عدمِ الشرطين اللذين ذكرهما.
ومنها: في الدلالةِ على أنَ ما بعدَ الغايةِ مخالف لما قبلها؛ لأنها نهايةُ الحكمِ والسببُ الذي يُنتهى إليه، فلو كان [ما] (1) بعدَ الغاية كما قبلها؛ لخرجت عن أن تكون غاية، ولهذا لا يحسُن أن يقولَ لعبدهِ: اضرب المذنبَ من عبيدي حتى يتوب.
وهو يريدُ: واضربه بعدَ أن يتوب. ولهذا لا يحسُنُ أن يصَرِّحَ فيقول: واضربه بعد التوبةِ؛ لأنه يخرجُ ذكرُ الغاية في البيان (2) أن يكون مفيداً، ويصح أيضاً أن يقولَ القائلُ لغيره: لا أعطيك شيئاً من مالي حتى تتوبَ، وإذا تبتَ فلا اعطيك شيئاً حتى تَخرجَ عن حيز ما يَتخاطب به الناسُ إلى الَّلغوِ والعَبث.

فصل
فيماوجَّهوه من الأسئلةِ على جميع أدلّتنا
فمنها: أنَّ دعواكم أن ذلك لغةُ العرب، فليس يثبت بما ذكرتموه عن أبي عُبيدٍ والشافعي؛ لأنهما لم يرويا ذلك عن العَرب، بل، قالاه برأيهما وظنهما، وقد يظنان ذلكَ وتكون اللغةُ بخلافِ ما ظنَاه من العربِ ومن النبي صلى الله عليه وسلم، إذ ليسا معصومَين، ولو رَوياه فليس في وُسعهما روايته عن جميع العرب، بل عمَّن وقع لهما، ولو كان لغةً موضوعةً لاتنقل إلينا تواتراً لا يحصُلُ معه خلاف، فكلامهما يَدُل على أنهما قالاه
__________
(1) زيادة يستقيم بها المعنى.
(2) في الأصل: "البين"،.
(3/273)

اجتهاداً؛ لأنهما قالا: لو كان العادمُ كالواجدِ، لم يكن لتقييده بالواجدِ معنىً. قالوا: على أنَّ ما ذكرناه يقابلُه ما رُويَ عن الأخفش (1) أنه قالَ: قولُ القائلِ: ما جاءني غير زَيد. لا يدُل على مجيء زيد، بل يَدُلّ على نفي مجيء غيره، دونَ إثبات مجيئه.
فيقال: أبو عبيد ذكرَ ذلك في كتب اللغةِ، ولم يذكره في كتب الأحكامِ، وليسَ في اللغةِ اجتهادٌ، إنما هي نقل، وقولُ الأخفشِ لا يقابِلُ قولَ أبي عُبيد؛ لأنَّ الأخفشَ نحويٌ، ولم يكن من المبرزين في اللغة، وأبو عُبيد إمامٌ في اللغة، وله "غريبُ المصنف" وغيرُه من كتب اللغة.
ومنها: أن قالوا: الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لأزيدنّ على السبعين (2) "، فإنه من أخبارِ الآحادِ التي لا يثبتُ بمثلها هذا الأصلُ؛ ولأنه يبعد من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ودِقةِ فهمِه أن يسمعَ اللهَ سبحانه يبعدُه ويُؤيسه من المغفرة للمنافقين بقوله: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [التوبة: 80]، ثم يقول: {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [التوبة: 80]، ويقصد أنَّ التكثير من الاستغفار لا يَنفع ولا يُسمع، فيلج ويُلحُ حتى يقول: لأزيدنّ، هذا يخرج مجرى العنادِ الذي لا يليق به ديناً ولاخُلقاً.
على أنه لو زاد لكانت زيادتُه استصلاحاً للمنافقين الأحياءِ بالاجتهاد في الشفاعةِ من أقاربهم، ويجوزُ أن يقصدَ الاستصلاح بنوعٍ من الإلحاحِ في السؤال لا لأجل أنه عَقَل من ذلك النطقَ، إذ الزيادةُ على السبعين قد تنفعُ وتستجابُ.
قالوا: وقد قال عمر رضي الله عنه: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو علمتُ إذا زدتُ على
__________
(1) هو سعيد بن مسعدة المجاشعي البلخي، أبوالحسن الأخفش الأوسط، النحوي اللغوي، أخذ العربية عن سيبويه، وصنف كتاب "الاشتقاق" و"معاني الشعر" وغيرهما، توفي سنة (215 ه). "سير أعلام النبلاء" 10/ 256، "إنباه الرواة" 2/ 36.
(2) تقدم في الصفحة 269.
(3/274)

السبعينَ أن يَغفِرَ اللهُ لهم لزدتُ" (1) فبطل أن يكون تعلق بالدليلِ، وإنما علق ذلك بوجودِ طريق يعلم به أن الزيادةَ على السبعينَ تنفعهم، فيقال: إن هذا ذكره يحيى بن سلام في تفسيرِه المعروف عن قتادة قال: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد خَيرَني ربي" فوالله لأزيدهم على السبعين، وفي لفظٍ آخر: "ولأستغفرن لهم" (1)، فأنزل الله عز وجل في سورة المنافقين: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [المنافقون: 6]، وكونُه من أخبارِ الاَحادِ لا يمنعُ ثبوتَ الأصلِ به؛ لأنه ينحطُّ عن الأصولِ القطعيةِ إلى كونه من مسائلِ الاجتهاد.
وأما قولُهم: إنه لا يُظن بالنبي ذلك. فهذا رد للأخبار بالاستدلال، ولا يجوزُ ذلك؛ لأنَّ السُنَنَ تأتي بالعجائب، وهي من أكبر الدلائل لإثبات الأحكامِ.
والمحققونَ من العلماءِ يمنعون رد الأخبارِ بالاستدلال كما روى أصحابُ أبي حنيفة خبرَ القَهقهةِ، وأنَ ضريراً دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقع في زُبيةٍ (2)، فضحكَ قومٌ في الصلاة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لما سلم: "مَنْ ضَحكَ قَرقَرةً فليُعد الوضوءَ والصلاةَ" (3).
فقيل لهم: هذا الخبرُ بعيدٌ عن الصحة؛ لأنَّ أصحابَ رسول الله موصوفون بالرأفةِ والرحمةِ والعدالةِ، فيكف يضحكون في مسجدِ الرسولِ في الصلاةِ معه من أعمى يوجبُ سقوطُه الرحمةَ والرقةَ دون الضحك؟!
فقال المحققون: الخبر مرويٌ، فلا يُردُّ بالاستدلالِ، واستدلوا في ذلك بأنَّ بيِّنةً لو شهدت على رجلٍ صالحٍ معروفٍ بالخيرِ بعيدٍ من الشَّر بأنه أتلفَ مالَ إنسان أو غصَبه، لم يَجُزْ أن تُرَّد شهادتُهم بالاستبعاد لها، لمكان صلاحِ المشهودِ عليه وديانته،
__________
(1) تقدم تخريجه في الصفحة 269.
(2) الزبية: هي الحفرة. "النهاية" لابن الأثير 2/ 295.
(3) تقدم تخريجه في الجزء الثاني، الصفحة: 103.
(3/275)

وكذلك لما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13)} [النجم:13] النبيُ صلى الله عليه وسلم رأى ربّه بعين رأسه مرّتين (1)، فقالت عائشةُ: لقد قَف (2) شعري مما قال ابن عباس، والله تعالى يقول: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} (3) [الأنعام: 103]، فردّت خبرَ ابن عباس بالاستدلال، فلم يعوِّل أهلُ التحقيقِ على ردها ذلك، لأنه سمع ما لم تَسمع، وروى ما لم تعلم، فوجب قبولُ روايته دون الاستدلالِ عليه، على أنَ الغُفران لهم ليس بمحالٍ في العقلِ، بل يجوزُ ذلك، ولو أراد الله أن يَغفِرَ لهم بشفاعتِه وبغيرِ شفاعتِه لفَعَل، كما قبل شفاعَته في تأخير العذابِ عنهم مع كفرهم، وأزال عنهم ما كان من عذاب الأممِ قبلهم، وكما قَبل شفاعتَه بالإذن في زيارةِ أمّه، ومنعه من الاستغفار لها (4)، وقوله: "لأزيدنّ"، ليس على طريق العِناد والإلحاح، لكن لما جوز أن تكون الزيادةُ مقبولةً، أقدم عليها طمَعاً في إجابته.
والذي يوضِّح أن اللفظ لم يقصد به الإياس: أنه أنزل بعد ذلك في سورة
__________
(1) الذي صحَ عن ابن عباس أنه قال: "قد رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه". أخرجه ابن خزيمة في "التوحيد" ص (200)، والترمذي (3280)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص (442)، (443)، والطبراني في "الكبير" (10727)، وابن حبان (57).
وصحَّ عنه أنه قال: "رآه بفؤاده" أخرجه مسلم (176)، والترمذي (3275)، و (3276)، و (3277).
(2) في الأصل: "وقف". ويقال: قَف شعره، إذا قام فزعاً."اللسان": (قف).
(3) أخرجه أحمد 6/ 49،50، والبخاري (4612) و (4855) و (7380)، ومسلم (177)، والترمذي (3278) وابن حبان (60).
(4) ولقد جمع الإمام ابن حجر بين قول ابن عباس وبين قول عائشة رضي الله عنهما بأن يُحملَ إثباتُ ابن عباس على رؤية القلب، ويحُمل نفي عائشة على رؤية البصر انظر "الفتح" 8/ 608.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "استأذنت ربي أن أستغفر لأمَّي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي". أخرجه مسلم (976)، وأبوداود (3234)، وابن ماجه (1572)، والترمذي (1054)، والنسائي 4/ 90.
(3/276)

المنافقين قوله: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [المنافقون: 6]، فدلّ على أن الإياس لم يتقدّم، وأن السبعين أبقت مكاناً للرجاء، فلما سلك الشفاعة بمقتضى الرجاءِ أنزلَ ما أوجب الإياس، رافعاَ لحكم الأوّل.
ومنها: أن قالوا: أما الصحابةُ رضوان الله عليهم لم يرجعوا إلى دليلِ الخطابِ، لكن أخذوا في إيجاب الغسل، وإرثِ الأختِ مع عدم البنت، والمنعِ من بيعِ النسيئة، وقصرِ الصلاة، وكان عملهم في ذلك بالخطاب، ثم إنهم عوَّلوا فيما ليس فيه نطقٌ بدليلٍ غير دليل الخطاب، وهو استصحابُ حالِ الأصلِ وأن لا غُسلَ ولا وارثَ ولا ربا ولا قصرَ إلا بدليلٍ يوجبُ ذلك، وهذا أحدُ الأدلة، لكنه دليلٌ يفزع إليه المجتهد عند عدم الأدلّة.
فيقالُ: إنَ القومَ ما تعلقوا في ذلكَ إلا بالنطق فيما نُصَّ فيه على الحكمِ، وبدليلِ خطابِه، ولا أحدٌ منهم عوَّل على استصحابِ حكم البراءة، ألا ترى أن يَعلى بن مُنْيةَ قال لعمر فما بالُنا نَقصرُ وقد أمنّا، والله تعالى يقول: {إِنْ خِفْتُمْ} [النساء: 101]، فذكرَ الأمنَ والخوفَ، فالخوفُ تعلُّقٌ بالشرط، والأمنُ تعلق بدليلِ النطقِ لعدمِ القصدِ. وقالوا في قوله: "الماءُ مِنَ الماء" (1) رخصةٌ ونسخ، وإنَما أرادوا دليلَ خطابِه؛ لأنَّ النطقَ [ليس] (2) بمنسوخ باجماعِ، ولو أرادوا البقاءَ على الأصلِ لما ذكروه بالنسخ؛ لأنَّ النسخَ ضدُّ البقاء؛ لأنَّ البقاءَ على حكمِ الأصلِ تمسُّك بثابت، والنسخُ رفعٌ، فدل على أن التعلق كان منهم بدليل الخطابِ دون استصحابِ الحالِ؛ لأنه لم يُذكر منهم الأصلُ ولاعُوَّل عليه.
ومنها: أن قالوا: هذا قولُ آحادِ منهم، ويجوزُ أن يكونَ قالوه باجتهادِهم، فلا يكون حجةَ على من خالفهم، ولأنَ تعلُّق ابن عباس بنفيِ الربا في النقدِ كان بأمرٍ
__________
(1) تقدم تخريجه في 2/ 36.
(2) زيادة يقتضيها السياق.
(3/277)

يخرجُ (1) عن دليل الخطاب (2)؛ لأنَّ اللفظَ المرويَ على وجهين يقتضيان النفيَ والإثباتَ، لأنه قال: إنما. وإنما للحصر، والحصرُ إثبات ونفي، كقوله: {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [سورة النساء: 171]، "إنما الولاءُ لمن أعتق" (3)، {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ} [الأنعام: 36]،وفي لفظ آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "الا ربا إلا في النَّسيئة" (4) فيكون تعلقُ ابنِ عباس بهذا دون دليل الخطاب.
فيقال: إن المحَتجَّ والمحَتجَّ عليهم جَمٌّ غفير وخلق كبير، وجرى بينهم في ذلك ما لو كان أمراً خارجاً عن اللغةِ لردّه السامعُ، ولما تعلَّق به المستدلُّ، وهم في اللغة مشتركون، وهي نقل لا مدخلَ للاجتهاد فيها. وإنما الاجتهاد في الأحكامِ، ولم نتعلّق نحنُ بمذاهبهم لكن باحتجاجهم.
وأمَّا (إنما) فهي للإثباتِ، والنفيُ مأخوذٌ من قبل الدليلِ لا الصيغةِ، والروايةُ التي تتضمّنُ الاستثناءَ.
وقوله: "لا ربا إلا في النسيئة" غيرُ معروفٍ في أصل، ولعل الراوي ظنَّ، أو حمل (إنما) على ذلك، فرواه بالمعنى (5).
ومنها: أن قالوا: إنَّ قوله: اشترِ لي عبداً أسود، واضرب زيداً إذا أذنب. أن المعقولَ من ذلك إيقافُ الفعل على الشرط، وهو السوادُ في العبد، والذنبُ للضرب، فأمَّا نفيه، فإنه لم يكن للمخالفةِ بين السوادِ والبياضِ، والذنبِ والتوبةِ من جهة اللفظ، غير أنَّ شراءَ العبدِ الأبيضِ، وضربَ المذنبِ بعد التوبةِ بقيَ على حكمِ
__________
(1) مكررة في الأصل.
(2) انظر ماتقدم في الصفحة: 115.
(3) أخرجه أحمد 6/ 42، 175، والبخاري (1493) و (5284)، و (6717) و (6751)، والنسائي 5/ 107 - 108.
(4) تقدم تخريجه في الصفحة: 270.
(5) انظر ما تقدم في الصفحة 270 من بيان اختلاف روايات حديث ابن عباس.
(3/278)

الأصلِ، وأنه لا يجوزُ الشراءُ مع عدمِ الإذنِ، ولا الضربُ مع عدمِ الأمرِ بهِ، وإن حَسُنَ العتبُ؛ فإنما حَسُنَ على الضربِ بغيرِ أمرٍ، وشراء الأبيضِ بغيرِ إذنٍ، لا لأنه خالفَ مقتضى اللفظِ ودليلَه.
فيقال: إنَ كونَ الأصل صالحاً للتمسّك به والتعويلِ عليه لا يمنع كونَ دليلِ النطقِ عاملاً غير معطَل، كما أنَ فحوى الخطاب عاملٌ في منعِ الضربِ والشتمِ للوالدين في قوله: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الاسراء: 23]، وإن كان الأصلُ في إيجابِ شكر الوالدِ وكلِّ منعمٍ كافياً وصالحاً، ولم يُعطِّل فحوى خطابه في منع التأفيف.
وكذلكَ نصُّ الشرع على الأعيانِ في تحريمِ التفاضلِ، يصلُح قصرُ الحكمِ عليها دون التعليل، كما قال أهل الظاهر (1)، لكنَّا لم نعطلها على استنباطِ التعليل حتى عَدَّينا الحكمَ إلى أمثالهِا، وكُل مشاركٍ لها فيما يلوحُ لنا أنه علّية حُكم، كما يحسنُ أن يعاتبَ العبدَ إذا اشترى الأبيضَ، وإذا ضربَ بعد التوبة، ويَجعل علّية عَتبه عَدم إذنه له.
يحسنُ أيضاً أن يقول له: لو كانَ الأبيضُ عندي والأسودُ سواءً، لما خصصتُ الأمرَ بالأسودِ، ولولا أني أكره شراءَ الأبيضِ، لما قيدتُ أمري بشراء الأسودِ، ولو كان التائبُ عندي كالمذنبِ، لما قيدتُ الضربَ بالذنب، والتعلُّقُ باستصحابِ الأصلِ تعطيل لدليلِ النطق مع إمكانِ إعماله.
كما أنَّ حرف (إلا) في بابِ الاستثناءِ قد يجيء بمعنى الواو العاطفةِ، وإذا أطلق لا يخرجُ عن إعمالِه في إخراجِ بعضِ الجملةِ المستثنى منها، وكذلكَ العمومُ قد يجيءُ بمعنى الخصوص، ويُحملُ على عمومِه باطلاقِه. كذلك دليلُ الخطابِ، وهو ظاهر من لغتهم، فلا يُعدل عنه إلى البقاءِ على حكمِ الأصل.
ومنها: أن قالوا: المستثنى والمستثنى منه يشتملُ على لفظين، إثبات، وهو قوله: عشرة، ونفي، وهو قوله: إلا درهمان. وكذلك التخصيصُ، قوله: اقتلوا المشركين،
__________
(1) انظر" الإحكام" لابن حزم 7/ 185.
(3/279)

وهذا لفظُ إثباتِ الحكمِ، وهو القتلُ، وقوله: لا تقتلوا أهل الكتابِ، لفظُ تخصيص، وكلاهما قد جمعَ النفيَ والإثباتَ.
فأمَّا في مسألتنا؛ فأنه لم يوجد منه إلا قوله: "في سائمةِ الغنمِ الزكاةُ" (1)، ولم يتعرض لنفي الزكاةِ عن المعلوفةِ ولا العاملةِ، فأين هذا من التخصيص والاستثناءِ؟ فيقال: لا فرقَ بين التخصيص بهذا الإثبات، وبين التخصيصِ بالفاظِ النفيِ، وذلك أنه إذا قال: اقتل المشركين. عمَّ كل مشرك، فاذا قال: وتجنب قتلَ أهلِ الكتابِ، وكُف عمن له شبهةُ الكتابِ. فمنه يخرج من العمومِ من يقيد بوصفِ الكتابِ وشبهةِ الكتابِ، بصريحِ النهيِ عن قتلهم القاضي على عمومِ أهلِ الشرك.
وفي مسألتنا إذا قال: الزكاةُ في الغنم والبقر. عم الكُل، فاذا قال: السائمة، خرجت المعلوفة، وإذا قال: وصيتُ بثلثي لبني تميم، عمَّ جميعَهم بالوصية بثلثِه، فإذا قال عقيب ذلك: المشايخِ القُرّاء الشجعانِ تَمحقَ (2) بكل وصف ذكره ذلك العمومٍ، حتى بقي أوصياؤه (3) هم الجامعون للشيخوخةِ والشجاعةِ والقراءةِ، فكلما زادَ وصفا، أخرجَ قوماَ منهم، حتى صار كأنه قال: إلا الأميينَ الجبناءَ الشبابَ. فهما في المعنى سواء، وإن اختلفا في الصيغةِ، فحرفُ إلا للإخراج، وتقييدُه بالوصفِ أو الشَّرط أو الغاية للإخراجِ المندرجِ في الإثباتِ.
وليس من حيثُ لم يأتِ بحرفِ الإخراج، لا يعمل التقييدُ بالصفاتِ والشروطِ والغايات عملَ لفظِ الإخراج، كما أنَ فحوى الخطاب إنما هي عن التأفيفِ، ولم يتعرض للضربِ والشتم نطقاً، لكنه عُقِلَ من نهيه عن الأدنى نهيُهُ عن الأعلى، كذلك يُعقل من تقييدهِ بالشَوم في باب الزكاة، وتقييد السيدِ من العربِ إذا أمر عبده
__________
(1) تقدم تخريجه في الجزء الأول، الصفحة: 37.
(2) اى: بطل وذهب
(3) تحرفت في الأصل إلى: "صبيانه".
(3/280)

بشراء الخبزِ بالسميذِ، والتمر بالجيدِ، واللحم بالطري، نفيُ الزكاة عن العواملِ والمعلوفة، ونهيُ العبدِ عن شراء الخبزِ الخُشار (1)، والتمرِ الرديء، واللحمِ البائت.
وكذلك نهيُه عن قَضاء القاضي وهو غضبان ليس فيه ذكرُ الجوعِ والعطشِ والحزنِ والهم، ولا في الأعيان المنهيَّ عن التفاضل فيها ذكرُ الأرز والذُّرَةِ والعَدَسِ، لكن لما عُقِلَ منه الحكمُ مع شغلِ القلبِ المانعِ من إعطاءِ الحكمِ حقه من الاجتهادِ، والطُعمُ في الأعيانِ أو القوت أو المكيل عُدَّيَ الحكمُ إلى ما شاركَ المنطوقَ في المعنى المعقولِ، وكذلكَ العاقلُ المكلفُ لا يقيد التَمر بالجودةِ، والخبزَ بالنقاءِ، واللحمَ بالطراوة إلا وله رغبةٌ في تلكَ الأوصافِ، ورغبةٌ عن أضدادها، وكراهةٌ لما خالفها.
ومنها: أن قالوا: المستثنى والمستثنى منه جملةٌ واحدةٌ، كالابتداءِ والخبرِ بقولهم: عشرةٌ إلا درهمان. أحدُ اسمي الثمانية، فهو كقولهِ: زيْدٌ قائمٌ، وعمروٌ منطلقٌ. فأما في مسألتِنا، فمن قوله: "في سائمة الغنمِ زكاةٌ" (2)، ليس هو مع تقدير وليس في العواملِ زكاةٌ جملةً، ولا ثَبتَ ذلك في اللغةِ، فيقالُ: بل دليلُ النطقِ مع النطقِ كالجملة، فلما قال: {اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ} [الشعراء: 63]، كان من فحوى اللفظ: فضربه، فانفلق، وكذلك قولُه: اشترِ تمراً جيداً، وخبزاً سميذاً، (3 كان ذلك مع تقدير نهيه 3) عن الرديء كالجملة الواحدة، فالنطقُ مع دليلهِ كالابتداءِ مع خبره، والتنبيهِ مع المنبَّه عليه، ولا فرق بينهما عندنا.

فصل
جامعٌ لِشُبَههم
فمنها: أنه لو كان للخطابِ والنطقِ دليلٌ في الشرعِ لما جاز أن ينخرم، فيوجدُ دليل الله سبحانه عارياَ من مدلوله، فلما تعطَل خطابُ كثيرٍ من خطابِ الشرع عن
__________
(1) في الأصل الخشكار ولعل المثبت هو الصواب، والخشار الرديء من كل شيء. "اللسان" (خشر).
(2) تقدم تخريجه في الجز الأول، الصفحة: 37.
(3 - 3) في الأصل: "كان مع ذلك كان مع تقدير نهيه"، ولعل المثبت هو الصواب.
(3/281)

مدلول ما ادعيتموه دليلاً، بطلَ كونُه دليلاً على (1) الحكم، ومعلوم أنَ من تتبعَ آيات الكتابِ العزيزِ وجَدَ كثيراً من ذلك معطلاً عن الحكم، مثل قوله تعالى: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} [النور: 33]، وقوله: {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130]، {وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا} [النساء: 6]، فهذه النواهي كلُها منعت ما يتناوله النطقُ، ولم ينتفِ الحكمُ بانتفائها، فلا يجوز قتلُ الأولادِ لا لخشية الإملاقِ، ولا أكلُ الربا اليسير ولا أكلُ مال اليتيم لا على وجه الإسرافِ، فبطل الاعتمادُ على دليلِ النطق، إذ لوكان دليلاً على أحكامِ الشرعِ لما وُجِدَ متعطلاً عن مدلوله.
فيقالُ: إنه إنما خرجَ الدليلُ ها هنا عن إيجابِ حكمهِ لما قامَ من الأدلةِ (2) على تعطيلهِ، فصارَ النهيُ عن إكراهِ الإماءِ على الزنى، والإذنُ لهُن في الزنى، وإهمالُ أمرهنَّ، وتركُ نَهيهنَّ عن الزنى سواء في التحريمِ، لمكان الإجماعِ كالمنطوق. وليسَ إذا خرج دليلُ الخطابِ عن العملِ به، وتعطَّل عن مدلوله بدلائلَ أخرجته عن ذلكَ يُمنعُ من كونه دليلاً مع عدمِ قيام الأدلّةِ على إخراجهِ عن كونه دليلاً، كما أنَّ العمومَ والظاهرَ معمول بهما ما لم تقم دلالة تصرفُ العمومَ إلى الخصوصِ، والظاهرَ إلى غير الظاهرِ، فإذا قامت الدلالةُ خرجَ عمَّا وُضِعَ له، ودلَّ عليه، فكان حكمُه مع الإطلاقِ العملَ به والمصيرَ إليه.
ومنها: قولُهم: لو كان تقييدُه بالصفةِ والشرطِ يقتضى المغايرةَ، وأنَ قوله: "في سائمة الغنمِ زكاةٌ"، بمعنى: وليس في معلوفها زكاة، لما حَسُنَ أن يجمع بينهما أعني: بين ما أوجَبه الدليلُ وبين ما أوجبه النطقُ، كما لم يحسُن الجمعُ بين ما أوجَبهُ النطقُ في
__________
(1) في الأصل: "دليلاً أنه على" ولا تستقيم العبارة بها.
(2) تحرفت في الأصل إلى: "لا دلالة"
(3/282)

الفحوى وبين ما نبه عليه، وهو أن يقولَ: لا تقل لهما أف، واشتمهما، واضربهما، ولما حسُن ها هنا أن يقول: في سائمة الغنم ومعلوفتها زكاة، وفي سائمةِ البقرِ وعواملِها زكاة، دل على أنَ إثباتَ الزكاةِ في السائمةِ ما اقتضت نفيَها عن العوامِل والمعلوفةِ، ولا المخالفةَ بين حكمِها.
فيقالُ: إنَ دليلَ الخطابِ يدُل على المخالفةِ من طريقِ الظاهرِ لا الصريحِ، كالعمومِ يدلّ على الاستغراق، والأمرُ المطلق يَدُلّ على الندبِ عندهم أو الوجوبِ، على اختلافٍ بينهم من طريق الظاهر ولو قام الدليلُ على تخصيص العموم وكونِ الأمر على خلافِ ما وُضِعَ له واقتضاهُ في الظاهر لَصَح وجاز كذلك ها هنا. على أنه يبطل بتعليقِ الحكمِ على الغايةِ عند من سلَّمَها، فإنَّه يحسُن أن يقولَ: ثم أتمّوا الصيامَ إلى الليل إلى الفجر ثم لم يدل ذلكَ على أنَ الغايةَ إذا أُطلقت لا تقتضي أنَ ما قبلها مخالفٌ لما بعدها.
ومنها: قولهم: إنَ إثباتكم الحكمَ بدليلِ الخطابِ لا يخلو أن يكونَ بالعقل، ولا مجالَ له في هذا؛ لأنه وضع واصطلاح من جهةِ العربِ، والأوضاعُ والاصطلاحيةُ لا مجالَ للعقلِ فيها، كالنقودِ المصطلَحِ على التعاملِ بها، فكذلك الخطابُ بالأقوالِ المصطلحِ على التخاطبِ بها، أو يكونَ إثباتكم له بالنقل، فالنقلُ تواتر وآحاد، ولو كان تواتراً (1) لعلمناه كما علمتم؛ لأنه يوجبُ العلمِ الضروري الذي لا يقعُ فيه الخلافُ ولا يسوغُ، كاصطلاحِ القومِ المنقولِ إلينا من طريقِ التواترِ من سائرِ الصيغِ الموضوعةِ للتخاطبِ استدعاءً للأفعالِ ونهياً عنها، وألفاظِ الذم والمدحِ والخبرِ والنداءِ والتراخي وسائِر موضوعاتهم، ولما (2) وقَع الخلافُ في هذا؛ عُلمَ أنه ليس بمتواترِ ولا معلومِ.
__________
(1) في الأصل: "تواتر".
(2) في الأصل: "كما"، والمثبت أنسب لاستقامة المعنى.
(3/283)

ولئن كان من طريقٍ الآحادِ؛ فليس ذلك صالحاً لإثباتِ الأصولِ، لكونِ الآحاد توجبُ الظنَّ، فلا تثبتُ بها إلا الأحكامُ في مسائلِ الفروعِ خاصةً.
فيقالُ: بل أثبتناه بما رويناه عن ساداتِ الصحابةِ وأهل اللغة، وليس بتواترِ قطعي، ولا هذه الأصولُ قطعيةٌ، بل هي مسائلُ اجتهادية يسوغُ فيها الخلافُ، ولذلك لم يُفَسق المخالفُ فيها، ولا يُكَفر، وإنما يُخَطَّأ كما يُخَطأ في الفروعِ. على أنه يقلَبُ عليكم، فيقالُ في جميع هذهِ المسائل: كيف ذهبتم إليها وليس طريقُها العقل ولا نقْلُها تواتر؟ إذ لو كان تواتراً لما وقعَ الخلافُ، فكل جوابٍ لكم، وكُلُّ مخالف لنا فيها هو جوابُنا، وليس إلا ظواهرُ الاستعمالِ بالنقلِ الذي ظاهرُه الصحةُ والسلامةُ، وجماعةُ العُلماء يقبلونَ في أصولِ اللغةِ روايةَ الواحدِ، كالأصمعي (1)، والخليل (2)، وأبي زيد (3)، وأبي عبيدة (4) وأمثالِهم، ولا يُستقصى في النقلِ إلى الحدّ الموجبِ للقطع.
ومنها: أن قالوا: لو كان تعليقُ الحكمِ على الصفةِ موجباً لنفيه عما عداها، لوجَب أن لا يحسُنَ الاستفهامُ، فلما حَسُنَ استفهامُ من قيل له: إذا قتلت الصيدَ عمداً فعليكَ الجزاءُ، وإذا كانت لك غنمٌ سائمة فعليك الزكاةُ في الأربعينَ منها، ولا تَقْتل
__________
(1) هو عبد الملك بن قريب بن عبد الملك، أبوسعيد البصري الأصمعي، اللغوي الإخباري، صنف "غريب القراَن"، و"الأمثال" و"المقصور والممدود" وغيرها، توفي سنة 216 ه.
"سيرأعلام النبلاء" 10/ 175، "بغية الوعاة"2/ 112.
(2) تقدمت ترجمته في الجزء الأول، الصفحة: 270.
(3) هو أبوزيد سعيد بن أوس بن ثابت بن بشير كان حجة في اللغة، حتى قال فيه بعض العلماء:
إنه يحفظ ثلثي اللغة. مات سنة (215 ه). "تاريخ بغداد" 9/ 77. "سير أعلام النبلاء" 9/ 494.
(4) هو أبوعبيدة مَعْمَر بن المثُئى البصري النحوي، كان من بحور العلم في العربية، صنَف ما يقارب مائتى مصنف، منها:" مجاز القراَن" و" غريب الحديث" و" مقتل عثمان" ولد سنة (110 ه) وتوفي سنة (209 ه). "إنباه الرواة" 3/ 276، و"سير أعلام النبلاء" 9/ 445.
(3/284)

ولدَكَ خشيةَ إملاقٍ. بأن يقول: بأن قتلته خطأً؟ وإنْ كانت أغنامي معلوفةً؟ وإن قتلتُ ولدي مَلَلاً للأولادِ لا خوفَ الإملاق؟ علمَ أنه ليس التعليقُ للحكمِ على الصفةِ غيرَ موجبٍ نفيَه عما ليس فيه تلك الصفة، فإنَّ الموضوعاتِ لا يحسُن فيها الاستفهامُ، ألا ترى أن الفحوى لا يحسنُ فيه ذلك لما كان موضوعاً، فلو قيل له: لا تَقُلْ لأبيكَ أف. فقال: أفأضربه وأشْتمه؟ أو قِيلَ له: لا تاخذ من مالِ فلان ذَرَّةً.
فقال: فهل آخذُ مالَه كُلَّه؟ لم يُعدَّ (1) هذا مُستفهِماً بلغة العرب ولا عارفاً بها، فيقال له: حسن الاستفهام إنما لكونه طلباً للأوضحِ والأجلى، حتى إنهم ما استقبحوا استفهامَ من قال: دخلَ السلطانُ البلد، هل دخل بنفسِه أم عسكره؟ واستفهامَ من قال: رأيتُ السَبُعَ في هذا الطريقِ، أرأيتَ الأسدَ نفسَه أم أثَره؟ كلُّ ذلك لدخولِ المجاز والاستعارةِ، وإن كانَ الأصلُ الحقيقةَ، وها هنا قد يدخلُ التقييدُ بأحدِ وصفيِ الشيءِ ليدلَّ على المخالفةِ، ويجوزُ أن يكونَ قد خصَّ أحدَ وصفيهِ بالحكمِ للشرفِ والفضيلةِ لحُسنِ الاستفهامِ ليزولَ هذا الاحتمالُ ويخالفَ نفسَ النطق الذي هو قوله: "في سائمةِ الغنمِ زكاةٌ" (2)، إذ لا تردَّد ولا احتمالَ فيه.
ولسنا نقولُ: إنَ دليلَ الخطاب في رتبةِ النصوصِ والأوضاعِ الجليّة. وليس رتبةُ دليلِ الخطابِ بأدنى من معنى الخطابِ؛ لأنَّ جمهور العلماء يسقطونه بمعنى الخطاب إلا ما شذَّ من المذاهب.
ثم معنى الخطابِ يحسُنُ معه الاستفهامُ، فماذا قال: لا تشرب الخمر؛ لأنه يوقع العداوةَ والبغضاءَ، ولا تَبع الحنطةَ بالحنطة متفاضلاً؛ فإنه طعامٌ. حَسُنَ أن يقولَ: فهل أشربُ النبيذَ؟ وأبيعُ الأرزَّ بالأرز متفاضلاً؟ اولا ينكر أحد استفهامه ذلك، ولا يدلّ ذلكَ على أنَّ المعنى ليس بمعَوَّل عليه ولا يحتجُ به.
__________
(1) مكررة في الأصل.
(2) تقدم في الجزء الأول، الصفحة: 37.
(3/285)

ومنها: أنه لو كان تعليقُ الحكمِ على ذي صفةٍ يَدُلُّ على نَفي الحكمِ عن غير الموصوفِ بها؛ لوجبَ أن يكونَ الخبرُ عنه يدُلُّ على نفي الخبرِ عن غير الموصوفِ بها، حتى لو قال القائل: قامَ السودُ، أو: رَعَت السائمةُ في العُشبِ، ودخل زيدٌ العالمُ، يُوجب نفي القيام عن البيضِ ونفي الرعيِ عن العواملِ، وعدمَ دخولِ غيرِ العالمِ من الأزيادِ، وكذلك الإشارةُ إلى شخص بحكم من الأحكامِ كان يجبُ أن تقتضيىَ الإشارةُ إليه نفيَ الحكمِ عن كل شخصٍ لم تقع الإشارةُ إليه بذلك الحكمِ.
ألا ترى أنَّ الاستثناءَ والتخصيصَ لما تعلَّق عليه الحكمُ في الأمرِ والنهيِ تعلق عليه في الخبرِ، فلا فرق بين قولِ القائلِ: اقتل (1) المشركين، ولا تقتل أهلَ الكتاب.
وبين قوله: قتَلَ المشركين ولم يقتل أهلَ الكتاب. ولابين قوله: ادفع إلى زيدٍ عَشرة إلا درهمين. وبين قولي: دفعت إلى زيد عشرة إلا درهمين.
فيقال: كذلكَ نقول في الخبرِ، وفي الاسمِ العلمِ كالاستثناءِ والتخصيصِ سواء، فهذا هو المذهبُ، وكذلكَ إذا أشار إلى الحكمِ إما تزكيةً وإما تضحيةً إلى ماشيةٍ بعينها أو حيوانٍ بعينه دلَّ على نفي التزكية والتضحية عن غيره.
على أنَّا لو وسعنا الكلامَ بالتسليم، لكان التمييز (2) واضحاً بين الخبرِ عنه وتعليق الحكمِ عليه، وذلكَ أن المخبِرَ ليس من شرطِ إخبارِه أن يكونَ محيطاً بعلمِ من قام ومن لم يقم، ومن زكَّا، ومَن لم يُزك، ومن دخلَ الدارَ، ومن لم يدخل، بل يجوزُ أن يكونَ عالماً بما أخبرَ به فقط، فكذلكَ إذا قال: زَيدٌ قام. لم يُحكم عليه بأنه يتضمّن كلامُه أن عَمْراً لم يقم. و: دخلَ العالمُ. أن الجاهلَ لم يدخل، فأمَّا إذا قالَ: اشترِ لي خبزاً سَميذاً، أو لحما طرياً، ورُطَباُ جنياً وهو يعلمُ أن الخُشْكارَ من الخبزِ، والبائتَ من اللحم والرطب يُباعُ ويُبتاعُ، علمنا أنه تنكَّبَ ذكرَ ذلكَ على بصيرة لكراهتِه له، فصارَ النفيُ
__________
(1) في الأصل: "اقتلوا".
(2) في الأصل: "الخبر" ولعل المثبت أولى.
(3/286)

مدرجاً في الإثبات.
وعلى أنَ اللغة عندكم لا تثبتُ قياساً، وهذا قياس منكم لدليل النطقِ في الأمرِ والنهي على دليلِ النطق في بابِ الإخبار.
ورأيتُ من استبعدَ ممانعةَ الخبرِ في بعضِ مجالسِ النَظر، فقلت له: كثير من الأمورِ في النفوسِ يَتَغطى بفورةِ النَظرِ والعَصبية (1) لا يُظهِرُه إلا جِنْسُه، وأنا أعلمُ الآن أنَّ قائلاً لو قال: أصحابُ الشافعي فقهاءُ، أو: فلان إمامٌ فى الفقهِ. وفي الحاضرين أصحابُ أبي حنيفة وغيرُهم، وغير المشارِ إليه بالإمامة في الفقه، عَظمُ ذلك عليهم وعندهم، كأنه قال: وليس غيرهمُ كَهُم في الفقه. ما ذاكَ إلا لأنَّ النفوس قد شعرت بأنَ الأسماءَ والإشاراتِ والصفاتِ في الأخبارِ والأحكامِ إذا نيط بها مَدحٌ أو تعظيمٌ أوخبرٌ يتضمن فَضيلةً كان مقتضياً للمخالفة.
ومنها: أن قالوا: إنَ الأسماءَ والصفاتِ إنما وضعت لتمييز المسمَّيات، والخبرُ بأنَّ زيداً قامَ أو أن زيداً عالمٌ، وضعَ للإعلامِ بقيامهِ وقضلِه، فأمَّا أن يكونَ وُضع لنفي الفَضلِ والقيام عن غيرِه فلا، ومُنكِرُ هذا مكابرٌ للغة وأهلِها.
فيقالُ: المنعُ لهذا أمر ظاهرٌ لا يمكنُ جحدُه، وذلكَ أنَ الصحابة- رضي الله عنهم- والفقهاءَ بعدَهم عَقَلوا ذلك فيمن خاصمَ رجلاً فقال: ما أنا بزانٍ، ولا أمي -بحمْدِ الله- زانيةٌ. فقومٌ قالوا: رجلٌ مدحَ نفسَه وأمَّه، ومنهم من قال: هو قاذفٌ لمخاصمهِ (2). وهو
__________
(1) مكررة في الأصل.
(2) وممَا وردَ في ذلك، أنَ رجلين استثا في عهدِ عمرَ -رضي الله عنه- فقال أحدُهما: ما أُمي بزانية، وما أبى بزانٍ، فشاورَ عمرُ القومَ، فقالوا: مدحَ أباه وأُمه، فقال: لقد كان لهما من المدحِ غيرُ هذا، فضربَه، أخرجه ابن ابى شيبة 9/ 538، وعبد الرزاق 7/ 425، والبيهقي 8/ 252، و"الموطأ"2/ 829، 830، والدارقطني 3/ 209.
(3/287)

مذهبُنا ومذهبُ مالكٍ (1)، وما ذاكَ إلا لأنهم عقَلوا من إضافتِه نفيَ الزنى وإثباتَ العفةِ لنفسِه وأمَّه إثباتَ الزنى في حقِّ مخاصِمه وحق أمه، فكيف يُدعى أنه علِى خلافِ اللغةِ، وأن قائلَه مكابرٌ؟
وهَب أنها وُضِعت للتمييز فلِمَ منعتُم أن يختضَ بذلكَ دونَ غيرِه؟ فليس ذلك مانعاً من أن يندرجَ فيها غيرُ التمييز من المخالفةِ بينها وبين غيرِها في الحكمِ الذي عُزيَ إليها وعُلِّقَ عليها.
ومنها: أن قالوا: لو كان للخطابِ دليلٌ لكانَ مستنبَطاً من اللفظِ، إذ ليس في نفسِ اللفظِ ولا عينِ النطقِ، وما كان مستنبطاً من النُطقِ لم يجز تخصيصه كالعللِ، وقد أجمعنا على تخصيصه، فكم من حكم عُلقَ على أحدِ وصفي الشيءِ، ولم يقتضِ نفيَ ذلكَ الحكمِ عما انتفى عنه ذلك الوصفُ، وبينوا ذلكَ في مواضعَ، كقوله: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} [النور: 33] {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ} [الأنعام: 151] {خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} [الإسراء: 31].
فيقالُ: ليسَ بمستنبطٍ، وإنما هو معلومٌ من اللفظِ والتقييدِ، وليس كل ما لم يكن مَنطوقاً بهِ يكون مستنبطاً، ألا ترى أنَ الفحوى عندنا وعندَ أصحابِ ابى حنيفة ليس بمستنبط، ولا هو منطوق به، وكذلك المقدرات مثل قوله: {اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ} [الشعراء: 63]، تقديره: فضربَه، فانفلق، وكُل مقدر ليس بمنطوقٍ به،
__________
(1) ورد عن الإمام أحمد روايتان في الحد في التعريض بالقذف: الرواية الأولى عن حنبل: لا حد عليه، وبه قال عطاء، وعمرو بن دينار وقتادة، والثوري، والشافعي، وأبوثور وأصحاب الرأي.
الرواية الثانية: أنَ عليه الحد، وبه قال مالك.
والذي رجحه ابن قدامة في "المغني": أنه إذا لم يكن ذلك في حال الخصومة، ولا وجدت قرينة تصرف إلى القذف؛ فلا شكَّ أنه لا يكون قذفاً.
وقد ذكر أن الإمام أحمدَ رجع عن وجوبِ الحدِّ في التعريض، انظر"المغني" 12/ 393.
(3/288)

وأجري مجرى المنطوق، ولم يكن مستنبطاً.
ومنها: أن قالوا: لو كان تعليقُه على صفةٍ تدلُّ على نفيه عما لم تثبت فيه تلك الصفةُ، لما وضعت له عبارةٌ تخصه، فلما حَسُنَ أن يقول: في السائمة زكاة، وليس في المعلوفة زكاة. دل على أن العبارةَ التي تَخصه هي المقيّدةُ دونَ المنطوقِ.
فيقال (1): ولِمَ إذا كان له وضع من جهةِ الصريحِ لا يكونُ له وضع دون الصراحةِ والنص، ونحن نعلمُ أنه قد وضعَ للنهي عن الضربِ والشتمِ عبارةٌ تخصه، ولم يُمْنَع ذلك بثبوتِ فحوى الخطاب، بل في الآية نفسها. {وَلَا تَنْهَرْهُمَا} [الاسراء: 23] وقد دخل في النهي عن التأفيفِ، ثم صُرحَ به مقيداً ما أفاده النهي، قال سبحانه: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا} [الإسراء: 23]، والانتهارُ مستفاد من طريق الأوْلَى بالنهي عن التأفيفِ لو لم ينه عنه بلفظ يَخُصّه، ثم إنه نَهى عنه بلفظٍ يخصّه، فقال: {وَلَا تَنْهَرْهُمَا}، كذلكَ ها هنا لا يمتنع أن يكونَ مثلَه.
ومنها: أن قالوا: الصفاتُ وُضِعت للتمييز بين الأنواعِ، كما وُضعَت الأسماءُ للتمييزِ بين الأجناسِ والأشخاصِ، ثم تعليقُ الحكم على الاسمِ لا يقتضى نفيَه عمَّا عداه، وكذلك تعليقُه على الصفةِ.
فيقال: إنَا لا نُسلم الأسماءَ، بل حُكمُها وحكمُ الصفاتِ سواء، وهو مذهبُنا ومذهب أبي بكر الدقاق (2) -من أصحابِ الشافعي-.
وإن سلَّمنا توسعةَ النظر فالفرق بينهما من وجوه:
أحدُها: هو أنَ الجمعَ بين الأجناسِ المختلفةِ في الحكمِ الواحدِ دأبُ العربِ، فيقولُ القائلُ منهم: اشترِ لي لحماً وتمراً وخبزاً، ولا يراها تقيِّد الاسمَ بصفةٍ، والموصوفُ
__________
(1) في الأصل: "قال".
(2) تقدمت ترجمته في الجزء الأول الصفحة: 188.
(3/289)

بتلك الصفةِ وضدُّها عندها واحد، فإنها لا تقول: اشتر لي تمراَ بَرْنياً. والبَرنى والمعقليُّ عندها سواء، ولاتقول: اشترلي لحماً مشوياً. والمشوي والنيء عندها سواء.
على أنَ تعلق الحكمِ على بعضِ الأسماء لا يمنعُ تعليقَه بغيرها من الأسماءِ، ألا ترى أنه إذا أوجب الزكاة في الغنمِ، ثم أوجبها في البقرِ، لم يمنع تعلقها بالبقرِ تعلُّقَها بالغنمَ، وتعليقُ الحكمِ على أحدِ وصفي الشيءِ يمنعُ تعليقَه بضد ذلكَ الوصفِ، ألا ترى أنه إذا علَّق الزكاةَ على سائمةِ الغنمِ ثم أوجبها في المعلوفةِ، يخرج أن يكونَ الوجوبُ متعلَّقاً بالسائمةِ، وبقيت الزكاةُ معلَّقةً على الاسمِ وحده؛ ولأنَ تعليقَ الحكمِ بالاسم لا يقتضى تخصيص اسمٍ عامٍ، والتخصيصُ لا يكونُ إلا بما يقتضي المخالفَةَ، كالاستثناءِ والغايةِ، ولأنَ الاسمَ لا يجوزُ أن يكونَ علّةَ في الحكمِ، فتعلق الحكمِ عليه لا يقتضي المخالفةَ، والصفةُ يجوز أن تكونَ علةَ الحكمِ، فتعليق الحكمِ عليها (1) يَقتضي المخالفةَ.
ومنها: أن قالوا: لو كانَ تعليقُ الحكمِ على أحدِ وصفيِ الشيءِ ينفيه عما عُدِمَ فيه ذلكَ الوصفُ، لكانَ إذا قال: في سائمةِ الغنمِ زكاةٌ، كما يوجِبُ نفيَها عن المعلوفةِ يوجبُ نفيَها عن سائمةِ البقرِ والإبلِ؛ لأنَّ المعنى الذي يوجبُ نفيَ الزكاةِ عن العواملِ والمعلوفةِ هو تقييدُه بالسومِ، وكان يجبُ لما (2) قيِّدَ بالغنم أن يوجِبَ نفيَ الزكاةِ عن غيرها من البقرِ والإبلِ.
فيقال: إنّا على ما نصرنا من أن الاسمَ كالصفةِ كذلكَ نقولُ لو لم يَرد نُطقٌ يخصُّ الإبلَ والبقرَ لإيجابِ الزكاة، وإنما ورودُ النطقِ لإيجابِ الزكاةِ في سائرِ الأنعامِ منَع من العملِ بدليلِ خطابِه في أصولها، ونفي دليل الخطاب في وصفها، وقد أشارَ إليه صاحبُنا أحمد رضي الله عنه لما سُئل عن حديث بَهزِ بن حكيم عن أبيه عن جدّه عن
__________
(1) في الأصل: "عليه".
(2) في الأصل: "كما".
(3/290)

النبي صلى الله عليه وسلم: "في كُل إبلٍ سائمةٍ" (1)، هل يدخل فيه أنه لا تكون إلا في السائمةِ، ولا تدخلُ فيه العواملُ؟ فقال: أجل، لا تكونُ في العوامل، لا تكون إلا في السائمةِ. فعمَّ بسقوطِ الزكاةِ في غيرِ السائمةِ من كُلِّ نوع (2).
ومنها: أن قالوا: لو كان للخطابِ دليل لجازَ أن يبطلَ حكمُ الخطابِ، ويبقى حكمُ الدليلِ، كما بطلَ حكمُ الدليلِ وبقي حكم الخطاب، وذلكَ مثل قولهِ صلى الله عليه وسلم:"أيّما امرأةٍ نكَحت نَفْسَها بغيرِ إذْنِ وَليها، فَنِكاحُها باطلٌ" (3)، دليلُه: أنها إذا نكحت نفسَها بإذنه، فنكاحُها صحيح، وكذلكَ قولُه: "لا تُحرَّمُ الرضعةُ والرضعتانِ، ولا الإملاجَةُ ولا الإمْلاجتان" (4)، دليلُه: أنَ الثالثَة تُحرم، وعندكم لا يصحُ نكاحُها بنفسِها عن إذن وليّها (5)، ولا يحرم من الرضاعِ
__________
(1) حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده -معاوية بن حيدة القشيري- قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "في كل سائمة إبل في كل أربعين بنتُ لبَونٍ" أخرجه أحمد 5/ 2و4، وأبوداود (1575)، والنسائي 5/ 25، والحاكم 1/ 397 - 398.
(2) انظر قول أحمد -رضي الله عنه- في "المغني"4/ 12، و"المبدع في شرح المقنع "2/ 311، و"حاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع" 3/ 189 - 190.
(3) تقدم تخريجه في الجزء الثاني، الصفحة: 147.
(4) عن عائشة رضي الله عنها أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تحرِّم المصة والمصتان"، أخرجه أحمد 6/ 95 - 96، ومسلم (1450)، وأبوداود (2063)، والنسائي 6/ 101، وابن ماجه (1941)، والدارقطني 4/ 172، وابن حبان (4228).
وعن أُمِّ الفضل أنَ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تحرم الرضعة أو الرضعتانِ، أو المصةُ أو المصتان" أخرجه مسلم (1451)، والنسائي 6/ 100 - 101، وابن ماجه (1940)، وابن حبان (4229). ولفظه عند النسائي وابن حبان: "لا تحرَّم الإملاجة ولا الإملاجتان".
(5) انظر "المغني"9/ 345 - 346 و"المبدع شرح المقنع" 28/ 7 - 29 ووجه المنع من الأخذِ بدليلِ الخطابِ في قوله صلى الله عليه وسلم:"أيما امرأةٍ نكحت بغيرِ إذنِ وليها فنكاحُها باطلٌ"؛ لعبارة الخطاب في قوله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلأ بولي"، وعبارة الخطاب مقدَمة على دليل الخطاب عند التعارض.
(3/291)

الثلاثُ (1)، فبطلَ دليلُ الخطابِ، وعملتم بالنطقِ فيهما، حيث بطلتم النكاحَ بغيرِ إذنِ الولي، ولم تُحرَّموا بالرضعةِ والرضعتين.
فيقالُ: إنما نأخذ بدليلِ الخطابِ مع عدمِ النصّ، وإسقاط حكمِ الدليل الأضعف بوجودِ الأقوى لا لخروجِ الأضعفِ عن الاستدلالِ به مع عدم الأقوى، وهذا حكمُ تراتيبِ الأدلةِ، وذلك كالعمل بالقياس مع عدمِ السنةِ، واطّراحه مع وجودها، بخلاف ما يوجبُه القياسُ. وفي مسألتنا لولا حديثُ عائشةَ رضي الله عنها في الخمسِ رضعات (2)، لحرمنا بالثلاثِ، ولنا في الثلاثِ رواية أنها تحرَّم، فلا يبطلُ الدليلُ رأساً، كما لم يبطل النطق، لكننا تكلمنا على الأسَد، ولنا رواية في تزويجِ المرأةِ نفسها (3)، على أنَ أكثر ما في هذا انقطاع النطقِ عن الدليل، والدليلِ عن النطقِ.
ومنها: أن قالوا: ليس في كلامِ العربِ كلمة تدلّ على شيئين متضادين، وعندكم أن هذا اللفظَ يَدُلُّ على إثبات الحكمِ ونفيه، وهذا خلاف اللغة.
__________
(1) انظر "المغني" 11/ 309 - 312 و" المبدع " 8/ 166 وقد ورد عن الإمام أحمد ثلاثُ روايات في عدد الرضعات المحرمات:
الرواية الأولى: أنَ الذي يتعلق به التحريم خمسُ رضعات فصاعداً، وهذا الرأي هو المعتمد في المذهب.
الرواية الثانية: أنَ قليلَ الرَضاعةِ وكثيره يُحرم.
الرواية الثالثة: لا يثبتُ التحريمُ إلا بثلاثِ رضعات.
(2) حديث عائشة: قالت:"نزل القرآن بعشرِ رضَعات معلوماتِ يحرِمن، ثمَ نُسِخن بخمسِ رَضعات معلوماتِ، فتوفي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهنَ فيما يقرأ من القرآن". أخرجه الدارمي 2/ 157، ومسلم (1452)، وأبوداود (2562)، والترمذي 3/ 446، والنسائي 6/ 100، وابن حبان (4221) و (4222)، والبيهقي 7/ 454.
وقول عائشة:"فتوفي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن"، أردت به قرب عهد النسخِ من وفاةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم. وانظر ما تقدم في الجز الأول، الصفحة: 247.
(3) وهي روايةٌ مرجوحة غير معتمدة في المذهب. انظر "المغني" 9/ 345 - 346، و"المبدع شرح المقنع" 7/ 28 - 29.
(3/292)

فيقال: يبطلُ بالأمرِ بالشيء، فإنه يُعقل منه النهيُ عن ضِده، ويبطل بلفظ الغاية يثبتُ الحكم إليها ينفيه (1) عما عداها.
وفيما ذكرناه كفاية، والدلائلُ تأتي بالعجائب، فلا وجه لإنكارِ الشيء المتحد إذا قامت عليه دلالة، ولو لم يكن فى لغة العرب سواه.

فصل
في الدلالة على أن تعليق الحكمِ على الاسم يدلُّ على أنَّ ما عداه بخلافه (2)
أنَ الاسمَ وضِعَ للتمييز بين المسمَّيات، كما وضعتا الصفةُ لتمييز الموصوفِ بصفتهِ عن الموصوفات، فاذا قال: ادفع ديناراً إلى زيد، واشترِ لي شاةً بدينار كان في حصولِ التمييز بمثابةِ قوله: اشترِ لي خبزاً سَميذاً، ورطَباً جنياً، وادفع إلى زيد ديناراً جيداً.
ثم إن تعليقَ الحكمِ على الصفةِ يدل على نفيه عما تنتفي عنه تلكَ الصفة، كذلكَ إلاسمُ، ولا فرقَ بينهما.
فان قيل: الصفةُ يجوز أن تكونَ علةً للحكم، والاسمُ لا يجوزُ أن يكونَ علةً للحكمِ.
قيل: لا نُسلّم؛ لأنَّ أحمدَ نصَّ على التعليلِ بالأسماء في أحكامٍ عدةٍ، مثل الماء والتراب في الطهارة (3)، لأنَّ عللَ الشرعِ أماراتٌ على الأحكام غيرُ موجباتٍ، ولا بدْعَ
__________
(1) في الأصل: "نفيه".
(2) تسمَّى هذه المسألة بمفهوم الاسم، أو مفهوم اللقب، وهو حجة عندَ الإمام أحمد وأصحابه، وخالفَ في ذلك جمهور الأصوليين.
انظر "المعتمد" 1/ 148، و"البرهان" 1/ 453 - 454 و"الإحكام" 3/ 137، و" شرح تنقيح الفصول" ص. 27، و"العدة" 2/ 475 - 477، و"شرح الكوكب المنير" 3/ 509 - 511، و"التمهيد" 2/ 202 - 210.
(3) انظر "العدة" 2/ 465 و 475
(3/293)

أن يكون الاسم أمارة.
فإن قيلَ: يجوزُ أن يكونَ الاسمُ وغيرُه منوطاً بهما حكمٌ واحدٌ كقوله: اشتر خبزاً وتمراً، وأكرم زيداً وعَمْراً. فإذا قال: أكرِم زيْداً، وسكت، لم يدُل ذلك على نفي كرامةِ عمروٍ، فأمَّا إذا قال: اشترِ خبزاً سميذاً، عُقِلَ من ذلك أنه ليس الخُشار عنده كالسميذ مع تقييده بالصفةِ المذكورةِ.
قيل: يحسُنُ أن يقولَ: اشترِ سَميذاً أو خُشاراً، كما يقول: أكرم زيداَ أو عَمراً، وإذا قال: أكرم زيدأ وسكتَ عن عمروٍ، دل على أنه ليسَ عمرو عنده كزيدٍ، كما أنه إذا قالَ: اشترِ خبزاً سميذاً وسَكت عن الخُشارِ، لم يكن ويقيدُم (1) بالسميذِ، والخُشارُ عنده والسميذُ سواءٌ.

فصل
ذكر أصحابُنا عن أحمدَ رضي الله عنه أنه جعلَ الفِعْلَ دليلاً (2)، وأخذوه من قوله في رواية حنبل: لا يُصلَّى على القبر بعد شهر على ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم على قَبرِ أم سَعد (3)، فجعل صلاته على قَبر أم سعدٍ بعدَ شهرٍ دليلاً على المنعِ من الصلاةِ على القبرِ بعد شهر، وليسَ في الخبرِ ما يدلُّ على ذلك (4)؛ لأننا لا علمَ لنا، ماذا كان يَفْعلُ لو علمَ بموتها أوصادفَ قبرَها بعد الشهر، بخلافِ ما لو قال: صلوا على القبرِ شهراً، فإنه يُعقلُ منه المغايرةُ بين ما بينَ ذلكَ، وبين ما يزيدُ عليه من المدّةِ، فأمَّا فعلُه لذلكَ
__________
(1) في الأصل: "تَقييده"،.
(2) انظر "العدة" 2/ 478.
(3) أخرجه الترمذي (1038)، والبيهقي 4/ 48 من حديث سعيد بن المسيّب مرسلاً: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على أُمَّ سعد بعدَ موتِها بشهر". قال البيهقي: هو مرسلٌ صحيح. وأخرجه البَيهقي من حديث ابن عباس موصولاً أنه قيلَ للرسول صلى الله عليه وسلم: لو صَليْتَ على أُم سعد، فصلى عليها وقد أتى لها شهر وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم غائباً. "السنن الكبرى" 4/ 48 - 49.
(4) انظر "المسودة": 353.
(3/294)

فلا يدلُّ، وعساه لوصادفَ القبرَ بعدَ شهرين أيضاً لصلَّى، ومن الذي أعلَمنا أنه كان لا يصلِّي؟ وأيُّ دلالةٍ في الفعلِ على نفي الفعل لو زادَ على الشهرِ؟ وإنما كان يعطي هذا نفيَ الصلاةِ بعد الشهرِ أن تقومَ دلالَة على النهي عن الصلاةِ على القبر, ثم يصلي بعد شهرٍ ويتركُ الصلاةَ على كلِّ قبر عُثرَ عليه بعد مضيِّ زيادةٍ على الشهر, فتجوزُ الصلاةُ على القبرِ بعدَ الشهرِ, ويبقى ما زادَ على الشهرِ على مقتضى الأصلِ من النهي والتركِ، والأفعالُ إذا تكررت على نمطٍ واحدٍ صارَ لها بالدوامِ والعادةِ حكمُ الصيغةِ، مثلُ نقدِ البلد، وتركِ الأكل من الصيدِ، إذ لا يصيرُ الفعل وصفاً إلا بالدوامِ، فأما الصيغةُ، فإنها وضِعت على ما وردت بهِ وضعاً مستقراً، فما تُلُقِّيَت إلا من وَضعٍ استقرَّ وثبتَ.
فوِزانُه: دوامُ فعله صلى الله عليه وسلم على النمطِ الذي ذكرنا، ومن الذي تقدِر أن يقولَ على النبي صلى الله عليه وسلم أنه [لو] (1) اشعِرَ بموتِ مقبورٍ بعد شهرين ما كان يصلي عليه، حيثُ صلى على ميِّتٍ أُشعرَ به بعد شهرٍ.
والدلالةُ على ذلكَ وأنَّ الأفعالَ لا دليلَ لها: أن إنساناً لو رأيناه يأخذ خُبزاً سميذاً، ورُطَباً جنياً، ويبتاعُ عَبداً أسودَ، لم يُستدل بذلكَ على أنه لا يأكلُ الخُشارَ ولا الرطبَ البائتَ، ولا يبتاعُ العبدَ الأبيضَ؛ لأنا نُجوَّز أن يكونَ أكَلَ ذلكَ حين ذاكَ؛ لأنه لم يجد سواه، واشترى الأسودَ للمصادفةِ أو الحاجةِ، فأما إذا قال لوكيله: اشترِ لي خبزاً سميذاً، ورُطَباً جنياً، وعَبداً أسود؛ دل ذلك على أن غيرَ الموصوفاتِ بتلك الصفاتِ ليست عنده مساويةً لما قيَّده بالصفات.
ويحتملُ أن تكون دلالةً لأصحابنا ما وقعَ لي؛ وهو أنَّ الصلاةَ في أصل الوضح قبلَ الدفنِ، فإذا دُفن يحتاجُ إلى دليلٍ، فلما صلّى النبي صلى الله عليه وسلم قيل: بقي ما بعدَ ذلكَ على مقتضى الأصلِ، لكن لا يكونُ هذا عَملاً بدليلِ الخطابِ، بل باستصحابِ الحالِ.
__________
(1) زيادة يقتضها السياق.
(3/295)

فصل
وإنَّما كان يوجدُ من الفعلِ دليل إذا استَمَر من النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاةُ على كُل قبرٍ كان دَفْنه منذ شهر, فاذا أُشْعِرَ بميت دُفِنَ منذ مدةِ تزيد على الشهرِ لم يصل، فيقالُ ذلك لِما استمر من تركِ الصلاةِ على كل قبر دُفِنَ صاحبه من مدةِ تزيدُ على الشهر ومن صلاتِه على كُل من دُفِنَ منذ شهر فيكونُ ذلكَ استدلالاً صحيحاً.

فصل
ويمكنُ أن يكونَ الفعل تنبيهاً (1)، وقد أشارَ اللهُ سبحانَه في قوله: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: 75] فنبّه بأداء قنطارِ على أداء دينار (2)، وبعدمِ أداءِ الدينارِ على الخيانةِ أو الجحدِ للقنطارِ وهذا فعل، وهو أمثل، (3) أن يرى النبي - صلى الله عليه وسلم - يتجنبُ البصقةَ في المسجدِ، فيخرجُ البصاق إلى خارجِ المسجدِ ويعودُ، أو يبصقُ في طرفِ ثوبِه، فيكونُ تنبيهاً على المنعِ من البولِ في المسجدِ، أو يَراه يَتوقى البصقَ نحوَ القبلةِ، فيكونُ في ذلك تنبية على التوقّي لاستقبالِ القبلةِ بالبولِ والغائطِ، كقوله: "لا تبصقوا في المسجدِ ولا إلى القبلةِ" (4)، فإنه يكونُ تنبيهاً على النهي عن البولِ في المسجدِ وإلى القبلةِ.
__________
(1) في الأصل: "تنبيه".
(2) في الأصل: "فنبه بأداء دينار على أداء قنطار" والمثبت من "المسودة": 348، وهو المناسب لسياق الآية.
(3) زيادة يتم بها المعنى.
(4) لم يرد بهذا اللفظ، وإنما أخرج عبد الرزاق (1692)، وأحمد 3/ 176 و273 و278 و291، والبخاري (412) و (413) و (1214)، ومسلم (551)، وابن حبان (2267): من حديث أنس بن مالك أن نبيَّ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا كان أحدكم في صلاتِه، فلا يتفل عن يمينه، ولا بين يديه، فإنّه يناجي ربه، ولكن عن يساره أو تحت قدَمِه".
وأخرج عبدُ الرزاق (1681)، وأحمد 3/ 58، 88، 93، والبخاري (458) و (409) و (410) و (411)، ومسلم (548)، وابن ماجه (761)، والنَسائي 2/ 51 - 52، وابن حبان (2268)، من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالْ "لا يتنخَمَنَّ أحدكم في القبلةِ، ولا عن يمينِه، وليبصق عن يسارِه أو تحت رجله اليسرى".
(3/296)

فصل
في حرف (إنما) هل يقتضي نفياً وإثباتاً؟
مثل قوله: "إنَما الولاءُ لمن أعتق" (1)، قال شيخُنا رضي الله عنه في كتابِ "العُدة": يقتضيى إثباتَ (2) الولاءِ للمعتق، ودليلُه يعطي أن لا ولاءَ لمن لم يُعتق، وقال كثير من المتكلمين: لا يقتضي يسوى إثبات الحكمِ دون نفيه عما عداه. وقال الجُرجاني: يعطي ذلكَ من طريقِ اللفظِ، فيكون حرف (إنما) أفاد الأمرين جميعاً: إثباتَ الولاءِ للمعتقِ ونفيه عن غيره، ووافقه على ذلك القاضي أبو حامد (3) -من أصحاب الشافعي- مع نفيه لدليلِ الخطابِ (4).
وجْه قول أصحابنا: أنه أضافه إلى جهةٍ، فلا يقتضي النفيَ عن غيرها لفظاً، كما قال: الولاءُ لمن أعتَقَ، أو قال: إنَ الولاءَ لمن أعتَق. فإنه يقتضي إثباتَ الولاءِ للمعتقِ، فلا وجهَ لنفيه عن غيرِه من جهةِ النُطقِ، لكن بدليلِ النطقِ عندَ من أثبته، أو دليلٍ آخر عند من لم يرَ للنطق دليلاً.
فمن قيل: (إنما) للحصر بدليل قوله تعالى: {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [النساء: 171] فأفادت إثباتَ الإلهية له سبحانه، نفيها عن غيره.
قيل: من طريقِ النُطقِ لم تُفِد، لكن بدلالةِ التوحيدِ، كقوله: اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ، فلا نُسلم أنَ اللفظَ أفادَ نفيَ الإلهيةِ عن غيره، بل دليلهُ هو دليلُ العقلِ، هو العامل.
يُعارِض هذا قوله تعالى: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ} [الرعد: 7] ومعلوم أنه اقتضى إثبات الإنذار له صلى الله عليه وسلم، ولم يُفد نفي الإنذار عن غيره، فتقابلا، وكان ما ذكرنا من الدليل مُعَوّلاً عليه، إذ ليسَ في حرف (إنما) ما يعطي النفي، بل ما أفادت إلا الإثبات.
__________
(1) تقدم تخريجه في الصفحة (278) من هذا الجزء.
(2) في الأصل: "نفي"، والمثبت من "العدة" 2/ 478 - 479.
(3) تقدمت ترجمته في الصفحة (18) من هذا الجزء.
(4) انظر "البحر المحيط" 2/ 325.
(3/297)

فصل
الواو لا تقتضي الترتيب على قول أصحابنا (1).
يشهدُ لذلكَ من قولهم فيمن قال لامرأتِه التي لم يَدخل بها: أنتِ طالقٌ وطالقٌ، يقعُ بها طلقتان. ولو قال: أنتِ طالقٌ فطالقٌ، أو: ثمَ طالقٌ، وقعت واحدةً، حيثُ كانت الفاءُ مرتَبةً معقِّبةً، وهو قولُ أصحابِ أبي حنيفةَ ومالكٍ، واختلفَ أصحابُ الشافعيِّ على مذهبين (2)؛ فقال بعضُهم مثلَ قولنا وقولِ أصحاب أبي حنيفة ومالك، وقال بعضُهم: تَقتضي الترتيب. [وهو قول] (3) ثعلب (4)، وأبي عمر الزاهد (5) غلام ثعلب.
__________
(1) وهو قول جمهور اللغوبين والنحوبين والأصوليين، انظر "العدة" 1/ 194، و"التمهيد" 1/ 100، و"شرح الكوكب المنير" 1/ 229، و"القواعد والفوائد الأصولية" ص 130 - 137 و"مغني اللبيب" 2/ 354، وانظر ما تقدم في الصفحة (114) من الجزء الأول.
(2) المشهور عندَ الشافعية أنها تقتضي الترتيبَ، وهو قولُ بعض الكوفيين، منهم ثعلبُ، والفراء، وأبو عمر الزاهد، ومن البصريين؛ قطرب وعيسى بن عيسى الربعي، انظر "مغني اللبيب" 2/ 354، و"التمهيد في تخريج الفروع على الأصول" للإسنوي ص 208، و"البرهان" 1/ 181، و"البحر المحيط" للزركشي: 2/ 253.
(3) زيادة يستقيم بها المعنى.
(4) تقدمت ترجمته في الجزء الأول، الصفحة: 164.
(5) هو أبوعمر محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم البغدادي، المعروف بالبارودي الزاهد غلام ثعلب، صحب أبا العباس ثعلب فعرِفَ به، ونسِبَ إليه، كان أحد أئمة اللغة المشاهير المكثرين، صنف كتاب "فائت الفصيح"، و"شرح الفصيح"، و"تفسير أسماء الشعراء". توفي سنة (345 ه). انظر "تاريخ بغداد" 2/ 356 - 359، و"وفيات الأعيان" 4/ 329 - 333، و"سير أعلام النبلاء" 15/ 508 - 513.
(3/298)

فصل
في دلائلنا
فمنها: ماروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول: ما شاء الله وشئت، فقال: "أسِيَّانِ أنتما؟! قل: ما شاءَ اللهُ ثم شئتَ" (1)، فلو كانت الواو مرتَّبة، كما أن (ثم) مرتَّبةً؛ لكان قد نقله من حرفٍ إلى مثلِه، فلم يبقَ للنقلِ وجْه، إلا أنَه نقلَه من جمعٍ إلى ترتيبٍ وتقديمٍ لاسمِ الله تعالى رتبةَ المقدم وتأخير المؤخَر بحرفٍ يحصُرُ الترتيب.
ومنها: أنها لو كانت تقتضي الترتيب، لجاز أن تجعل في جواب الشرط كما جعلت الفاء، فإذا قال: إن دخل زيا الدار فأعطِه درهماً، أبدله بقوله: وأعطِه درهماً، فلما لم تدخُل مَدْخَلها، بطلَ أن تكونَ للترتيب.
ومنها: أنَ اللهَ سبحانه أدخلَ الواوَ فيما لا يحتمل الترتيب، فقال: {وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ} [الأعراف: 161] وقال: {ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ} {البقرة: 58}، ولو اقتضت الترتيب لما أخّر ما قدَّمَه في أحدِ حرفيه، كما لا يجوزُ أن يقالَ: قلنا ادخلوا البابَ ثم قولوا حطة، ثم ادخلوا، وكقول الشاعِر:
__________
(1) أخرج أحمد 5/ 384، وأبوداود (4980) من حديث حذيفةَ عنِ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تقولوا: ماشاءَ الله وشاءَ فلان، ولكن قولوا: ماشاء الله، ثم شاء فلان".
وأخرجَ النسائي من حديث قُتيلة الجُهَنية أنَ يهودياً أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنكم تُنَدِّدون وإنكم تشركون وتقولون: ما شاء الله وشئتَ، وتقولون: والكعبةِ، فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أرادوا أن يحلِفُوا أن يقولوا: ورب الكعبة، ويقولون: ما شاء الله ثم شئتَ. "سنن النسائي" 7/ 16.
وأخرج ابن ماجه من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا حلف أحدكم فلا يقل: ما شاء الله وشئتَ، ولكن ليقل: ما شاء الله ثم شئتَ". "سنن ابن ماجه": (2117).
(3/299)

ومَنهلٍ فيه الغُرابُ مَيْتُ ... كأنه من الأجونِ زَيْتُ
سَقَيتُ منه القومَ واستقيتُ (1)
ومعلومٌ أنه استقى ثم سقا.
ومنها: أن الواوَ لو اقتضت الترتيبَ لما حَسُن أستعمالُها فيما لا يحتملُ الترتيبَ، وأجمعنا على جوازِ قولِ القائلِ من أهلِ اللغةِ: اشترك زيد وعَمرو ولا يحسنُ أن يقول: اشترك زيدٌ ثم عمرو ورأيت زيداً وعمراً معاً، ولا يحسن أن يقول: رأيتُ زيداً ثم عمراً معاً، ولو كانت تقتضي الترتيبَ، لكان أيضاً كاذباً في خبره، حيث أخَّر في خبرِه المقدمَ في رؤيته.
ومنها: أنَ الواوَ تدخلُ في الاسمينِ المختلفين مثل زيدٍ وعمروٍ، بدلاً من التثنية في الاسمينِ المتفقين، مثل الزَيدينِ، حيث لم تمكن التثنيةُ مع الاختلافِ، وأمكنت مع الاتفاقِ، ثم إنَّ التثنية في المتفقينِ لا تقتضي ترتيباً، كذلكَ الواوُ في المختلفين، ويشهدُ لتساويهما أنه لم يمكن التثنية في زيدٍ وعمروٍ فابدلهما بقوله: رأيتُ زيداً وعمراً رأيتهما، وبقوله: معاً، فعلمت أن التثنيةَ والعطفَ في الاسمينِ المتفقينِ والمختلفينِ ما
__________
(1) قال أبوعبيد البكري في "سمط اللآلي في شرح أمالي القالي": هذه الأشطار قد نسبها قوم إلى العجَّاج، ونسبها آخرون إلى أبي محمد الفَقْعسي، وكذلك قال يعقوب إنها للحذلمي، والأشطار بتمامها:
ومنهلٍ فيه الغرابُ ميْتُ ... كأنَه مِنَ الأجونِ زيتُ
سقيتُ منه القومَ واستقيتُ ... وليلة ذات ندى سريتُ
ولم يلتني عن سراها ليتُ ... ولم تصرني كِنَةٌ وبيتُ
وجمةٍ تسألني أعطيتُ ... وسائلٍ عن خَبَري لويتُ
فقلت لا أدري ولا دريتُ
والمنهل: هو الماء، والأجون: جمع آجن: وهو الماء المتغير الطعم واللون. انظر "سمط اللآلي" 1/ 201، "الأمالي" 2/ 244، "لسان العرب" 9/ 271.
(3/300)

اختلفا إلا في عدم الإمكانِ، فلم يمكن التثنيةُ في المختلفين، فأبدلوا التثنيةَ بالواوِ الجامعةِ، وأكدوها بقولهما: معاً, إو بقولهما: رأيتُهما.

فصل
في أسئلتهم
فمنها: أنَ النبي صلى الله عليه وسلم إنما نقلَه من الواوِ إلى (ثمَّ) (1)، وليسَ حرفُ (ثمَّ) كالواو؛ لأنَّ (ثم) تعطي المُهلةَ والتراخي، وليس ذلكَ للواو فما نقله من جمعٍ إلى ترتيب، ولا من ترتيب إلى مثله، [بل نقله] (2) من ترتيبٍ مطلقٍ إلى ترتيبٍ بنوعِ تراخٍ ومُهلةٍ.
ومنها: أنَّ قولَه: معاً، أخرجت الواوَ عن ترتيبها بعدَ أن كانت قبل القرينةِ تقتضي الترتيبَ بظاهرِها.

فصل
في الجواب عن السؤالين
أمَّا الخبرُ؛ فإنه قال فيه: "أسيّانِ أنتما"؟، ومعَ الرُّتبةِ لا يكونُ قولُه يعطي أنهما سيانِ؛ لأنَّ من رتَّب رتبة ما، فما سوَّى، حتى لو قال: ماشاءَ الله فشئت، لم يكن جاعلاً لاسمِ اللهِ واسمهِ سيين لما قرن به من حرفِ الرتبةِ والتقديمِ، فلما قال: "أسيانِ أنتما"؟ عُلِمَ أنه لم يأتِ بحرفٍ يعطي نوعَ ترتيبٍ وتقديمٍ.
وأمَّا قولُه: إنَّ (معاً) قرينةٌ، فلِمَ لم تُخرج هذه القرينةُ حرفَ (ثمَّ) عن ظاهرِه؟ ويحسُنُ ضمها إليه، فيقولُ: رأيتُ زيداً ثم عمراً معاً. فيعطي الجمعَ، ويحسُنُ القولُ، فلما لم يحسُنْ في حرفِ (ثمَ) ولا عَمِلَ فيه إلا إفسادَ الكلامِ، وحَسُنَ في الواو عُلِمَ أنه كشفَ بقوله: (معاً) عما تضمنته اللفظةُ من الجمعِ.
__________
(1) يعني في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "قل ماشاء الله ثم شئت".
(2) ما بين حاصرتين زيادة يستقيم بها المعنى.
(3/301)

وممَّا سألوه على بقيَّة طُرُقِنا في المسألةِ أن قالوا: يجوزُ أن لا يُجعلَ جواباً للشرطِ، ويقتضي الترتيبَ (1كحرفِ (ثمَّ) لا يحسنُ جواباً للشرط ويقتضي الترتيب 1)، إنما لم يجعل الجواب جواباً للشرط.
ومنها: أنَ استعمالها في عدةِ مواضعَ للجمع لا للترتيب (2) لا يمنع من كونِها موضوعةً للترتيب كحرفِ (ثمَّ)، قد ورد لا بمعنى الترتيب، قال الله سبحانه: {فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ} [يونس: 46]، والمرادُ به: واللهُ شهيد، إذ شهادةُ الله لا يتقدمُها شيء، فتَترتب عليه. وقالَ الشاعرُ:
كَهزِّ الرُدَينيَّ تَحتَ العجاجِ ... جَرى في الأنابيبِ ثم اضطَرب (3)
ومعلومٌ أنَّ الاضطرابَ لا يتأخر عن الاهتزازِ، ولا يترتبُ عليه، وإنَّما أراد به: واضطرب.

فصل
في الجواب عنهما
فالجواب عن الأوَّلِ منهما: أنَّ (ثمَّ) إنما لم يحسُن أن تقَع جواباً للشرطِ؛ لأنها تقتضي المهلةَ والتراخي، ومن حكمِ الجزاءِ أن لا يتأخرَ عن الشرطِ، كما لا يتأخرُ عن
__________
(1 - 1) مكرر في الأصل.
(2) في الأصل: "لا للجمع للترتيب"، ولعل المثبت هو الصواب.
(3) البيتُ من قصيدةِ طويلةٍ لأبي دُؤاد الإيادي، وصفَ فيها فرسَه، ومطلعها:
وقد أَغتدي في بياضِ الصَّباح ... وأعجاز ليلٍ مولي الذَنَبْ
بطِرْف يُنازعني رأسُهُ ... سَلوف المقادة محض النسبْ
طواه القنيص وتَعْدَاؤه ... وإرشاش عِطفَيْه حتى شسبْ
كهَز الرُّدَيني بينَ الأكف ... جرى في الأنابيب ثم اضطربْ
وقوله: كهز الرُّديني، أي: اهتز في القياد، وقوله: جرى في الأنابيب أي: جري اهتزازه في أنابيبه. "شرح أبيات مغني اللبيب"، عبد القادر البغدادي: 3/ 54.
(3/302)

النداءِ، فإذا تأخرَ وتراخى صارَ كامِلاً مبتدأً لا جواباً، كذلكَ يخرجُ أن يكونَ مع التراخي والمهلةِ جزاءٌ. فأما الواو فلا تقتضي المهلةَ، فإذا قال: ضربني وضربتُه.
يحسُنُ أن يقولَ: عقيب ضربه، كما يحسنُ أن يقولَ في الفاءِ، ولا يحسُنُ أن يقولَ في (ثمَ) ذلكَ، فإذا كانت (1) مفارقةً ل (ثمَّ) في المهلةِ والتراخي المُخرِجِ للجزاءِ عن مقتضاه، ثم لم تقم مقام الفاءِ، ولا كانت بدلاً عنها، عُلِمَ أنها لا تقتضي الترتيبَ.
وأمَّا الجوابُ عن الثاني منهما، فغيرُ لازم؛ لأنَّنا لا نمنعُ أن تستعملَ استعارة ومجازاً، لكن الأصل الحقيقةُ، فلا يجوز أن يرد الاستعمال للحقائقِ لأجلِ ورودِ ذلك مجازاً واستعارةً، ما هذا إلا بمثابةِ من استدل بقوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا}
[الحج:28]، وذلك دليل على أنه لا يؤكلُ جميعُ الهدي والأضحيةِ، فيقول له قائلٌ: أليسَ قد قال اللهُ تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} [الحج: 30]، و {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور: 30]، وليس المرادُ به البعض، فإنا لا نترك حقيقةَ حرفِ التبعيض فيما استدللنا بهِ لأجلِ المجازِ الواردِ في ذلك، بل نَحتاجُ إلى دليلٍ يدلُّ على أنَ ما ذكرناه مجازٌ واستعارةٌ.

فصل
في شُبههم في مسألةِ "الواو"
فمنها: ما روى عديُّ بنُ حاتمٍ أنَ رجلاً خطبَ عندَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقال: من يُطعِ اللهَ ورسولَه فقد رَشد، ومن يَعصهما فقد غَوى. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"بئسَ الخَطيبُ أنتَ، قل: ومَن يعصِ اللهَ ورسولَه فَقد غوى" (2). فلو كانت الواوُ التي نقلَه إليها للجمعِ؛ لكان قد نقلَهُ من جمعٍ إلى مثلِه، وذلكَ لا يليقُ بمنصبه.
ومنها: ما روي عنه صلى الله عليه وسلم انه بدأ بسَعيه بين الصَّفا والمروة، وقال: "نبدأ بما بَدأ اللهُ
__________
(1) يعني الواو.
(2) تقدم تخريجه في 2/ 25.
(3/303)

به " (1)، وأراد بذلك قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ} [البقرة: 158]، وهذا نص منه على أنها للترتيب، فإن الذي يناسبه من الفعلِ ترتيب، فبدأ فعلاً بما بدأ الله به قولا ومنها: ما رُويَ أن عبدَ بني الحَسْحَاس (2) أنشد عُمرَ رضي الله عنه:
عُميرةَ وَدِّع إن تَجهزتَ غادياً ... كَفى الشيبُ والإسلامُ للمرءِ ناهياً (3)
فقال له عمر لو قدمتَ الإسلام على الشيب لأجزتك. فدل على أن الواوَ رتَّبت الشيبَ على الإسلامِ.
ومنها: ما رُويَ أنَ رجلاً قال لابن عباس: كيف تقدِّمُ العمرةَ على الحج وقد قدم اللهُ الحج على العمرة؟ فقال ابنُ عباس: كما قُدمَ الدينُ على الوصية، وقد قدم اللهُ الوصيه على الدين (4)، يعني بذلك قوله: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ}
__________
(1) أخرجه مالك 1/ 372، ومسلم (1218)، وأبوداود (1905)، وابن ماجه (3074)، والترمذي (862)، والنسائي 5/ 239. من حديث جابر.
(2) هو سُحَيم عبدُ بني الحَسْحاس، من الشعراء المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، كان أسودَ أعجميا أنشد عمر رضي الله عنه من شعره، وقُتل في خلافة عثمان رضي الله عنه، انظر "الأغاني" 22/ 326، "الاصابة" 3/ 250 - 252، "خزانة الأدب" 2/ 102 - 106.
(3) ورد هذا البيت في مطلع قصيدة لسُحيم. انظر "ديوانه" صفحة: 16، وأورده ابن حجر في "الاصابة" 3/ 251:
وَدع سُليمى إن تجهزت غادياً ... كفى الشيبُ والإسلامُ للمرءِ ناهياً.
(4) ورد هذا الاثر من غير احتجاج عبد الله بن عباس بقوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 11]، في مسند أحمد (2360) ط مؤسسة الرسالة عن كريب مولى ابن عباس قال: قلت لابن عباس: يا أبا العباس، أرأيت قولك: ما حج رجل لم يَسق الهديَ معه ثم طاف بالبيت، إلا حَل بعمرة، وما طاف بها حافي قد ساق معه الهديَ، إلا اجتمعت له عمرة وحجة، والناسُ لا يقولون هذا. فقال: ويحك، إن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - خرجَ ومن معه من أصحابه لا يذكرون إلا الحج، فأمر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من لم يكن معه الهدي، أن يطوف بالبيتِ ويحل بعمره، فخعلَ الرجلُ منهم يقول: يا رسول الله، إنما هو الحجُ، فيقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنه ليس بالحج، ولكنْها عُمرةٌ".
(3/304)

[النساء: 12]، وهذا كلُهُ يدل على أنهم فهموا من التقديمِ في اللفظِ التقديمَ في الحكمِ.
ومنها: أنَ المهاجرين احتجوا على الأنصارِ في بابِ الخلافةِ من جملة ما احتجوا به أن الله بدأ بنا فقال: {وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} (1) [التوبة: 117]، والعرب تبدأ بالأهمِّ فالأهمِّ، ولهذا قَدَّم الفقراء في أصنافِ الزكاةِ (2)، لكونِهم أمسَّ حاجةً من غيرِهم من الأصنافِ.
ومنها: أنَ كل فطنٍ من أهلِ اللغةِ يعلمُ أنَ رجلاً لو كاتب غيرَه بكتابٍ، وذكر فيه أنه قد أنفذه على يدي رسولين، وبدأ بذكرِ أحدِهما في الكتابِ، عَلمَ المكتوبُ إليه وسبقَ إلى فهم كل عالمٍ باللغةِ أنَ أكرمَهما عليه وعندَه من بدأ بذكره، وإن كان اسمُ الثاني معطوفاً على الأول بالواو.
ومنها: أنَ المعنى نَتيجةُ اللفظِ، واللفظُ في أحدِهما سابق، فكان المعنى سابقاً.

فصل
في الأجوبة عنها
أما الأولى: فإنَّ إنكارَ النبي صلى الله عليه وسلم على الخطيبِ الجمعَ بينَ اللهِ ورسوله على وجه التثنية، فهي أبلغُ من الجمعِ بالواو وإن كانت الواوُ شريكتَها في الجمعِ، ولهذا قالَ سبحانه: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} [التوبة: 62]، ولم يقل: يرضوهما، وطلبَ
__________
(1) لم نقف فيما بين أيدينا من كتبِ السنة والسيرة التي روت خبر سقيفة بني ساعدة، على استدلال المهاجرين على الأنصار بهذه الآية. وانظر خبر السقيفة عند أحمد (390) ط مؤسسة الرسالة، والبخاري (3668)، وابن حبان (414)، وسيرة ابن هشام 4/ 306 - 312.
(2) في قوله تعالى في سورة التوبة، الآية (60): {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ....} الآيه.
(3/305)

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما ذكره الله في كتابه، وهاء الكناية في التثنية والجمع أبلغُ من الجمعِ با لواوِ.
وأمَّا قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نبدأ بما بدأ اللهُ به".
فلا خلافَ ان اللهَ بدأ بالصفا قولاً، ولكن عطفَ عليه بالواوِ الجامعةِ لا بحرفٍ مرتِّب، ومن عادةِ العربِ أن تبدأ نطقاً بالأهم، فلا يتحقق الترتيبُ إلا بحرفِ التراخي أو التعقيبِ الذي لا يصحُ أن ينطبقَ عليه الجمعُ، وها هنا يحسنُ أن ينطبقَ عليهما قولُ القائلِ: معاً، فدلَّ على أنها عاطفة جامعة لا مرتِّبةٌ.
وأما قول عُمر لشاعرِه: لو قدَّمت الإسلامَ؛ لأجزتك.
إنما طلب منه تقديمه لفظاً؛ لأنَّ الأهمَّ يجبُ أن يُبدأ به لفظاً، وإن كان مجموعاً بما بعده.
قال شيخُنا الإمام أبو القاسم الأسدي (1): على هذا؛ ليس في قولِ عمرَ ما يعطي أنه قدم الشيبَ، بل يعطي أنه لم يقدِّم الإسلام، وبينهما واسطة، وهو أنَه جَمَع، ومن جمع بين الإسلامِ والشيبِ، فما قدّم الإسلامَ، فأوقف جائزتَه على تقديمهِ الإسلامَ.
وأما قولُ ابنِ عباس: كما قدّم الدَّينَ على الوصية.
فالمراد به: لدلالةٍ دلتني على تقديمِ العمرةِ فعلاً على الحجِّ، كما دلَّت [على] (2) تقديم الدَّين فعلاً على الوصية، ولعل الدليلَ قوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} [البقرة: 196]، وكان يتمتع، فيقدمُها بهذه الدلالةِ كما قدم الدين على
__________
(1) هو عبد الواحد بن علي بن عمر العكبري، أبوالقاسم الأسدي، من الشيوخ الذين أخذ عنهم ابن عقيل النحو والأدب، وكانت له معرفة باللغة والنسب وأيام العرب، توفي سنة (450 ه).، "تاريخ بغداد" 11/ 17،"المنتظم" 8/ 236.
(2) ليست في الأصل.
(3/306)

الوصيَّةِ بالإجماعِ، ودليلُ الإجماعِ أنَّ الدَّين حق هو مرتَهنٌ به، والوصيَّة تبرُّعٌ.
وأما احتجاجُ المهاجرين على الأنصار بتقديمِ ذكرِهم في كتابِ الله حيثُ قال: {وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} [التوبة: 117].
فلعمري إنها مَزيّة وحجّة في البداية بذكرهم، لكن ما أراد به الترتيبَ، بدليل أنه قد رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال يوم بُنيان المسجد وهو يحمل اللّبن:
"لاعيشَ إلاعيشُ الآخرة ... فاغفر للأنصارِ والمهاجرة" (1)
ولو عُقِلَ منها الترتيب، لما خالفَ ترتيب القرآن.
وأما قولُهم: إنه يسبقُ إلى فهم كل سامعٍ تبجيلُ من يسبق بذكر اسمه أولاً.
فلعمري إنه أرادَ وقصدَ تعظيمَ شأن البادىء بذكره، فهو كما قالوا، غيرَ أنه لا يعطي الترتيبَ، بدليلِ أنه لو قال: قد أنفذتُ بصاحبيِّ زيد وعمرو. وعمرو مقدّم عليه أو قبلَه، جازَ ولم يعد مناقضاً، ولو قال: بعثتُ إليكَ بزيدِ فعمرو ثمَ عمراً قبلَه.
عُدّ مناقضاً.
وأما قولهم: إن [المعنى] (2) نتيجة الَّلفظ، فالمعنى الذي هو نتيجةُ الَّلفظِ: فعلُ واحدٍ بعدَ واحدٍ، وهذا هوَ الترتيبُ.
فيقالُ: المعنى مفارقٌ اللفظَ؛ فإنه إذا قَدَم ذِكرَ أحدِهما، وعَطفَ عليه الآخَر ثم قال: مَعاً. صحَّ القولُ وجاز وإن لم يكن ذلكَ مُتحقِّقاً في المعنى، بحيث تقعُ الفعلانِ معاً.
__________
(1) أخرجه بهذا اللفظ ابن سعد في "الطبقات" 1/ 239 - 240، وأخرجه البخاري (9306)، وعبد الرزاق (9743) بلفظ:
"اللهم إن الأجر أجر الآخرة ... فارحم الأنصاروالمهاجرة"
(2) زيادة يقتضيها السياق.
(3/307)

فصل
في الباء
وهي عند أصحابنا للإلصاق (1)، فإذا قلتَ: مررتُ بزيدٍ، وكتبتُ بالقلم، ومسحتُ برأسي [فإن الباء تُلصق المرور بزيدٍ، والكتابةَ بالقلم، والمسحَ بالرأس] (2).
ولا تدخل للتبعيضِ، ولذلكَ يقولُ القائلُ: استعنتُ بالله، وتزوَّجت بامرأةٍ. ولا يُراد به
البعضُ. وكذلكَ قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا نكاحَ إلا بوليٍّ وشهودٍ" (3). وقال أصحابُ
الشافعي في أحدِ الوجهين: إذا دخَلَت على فعلٍ متعدٍّ يتعدّى بغيرِ الباءِ إقتضت التبعيضَ (4)، وذلك مثلُ قوله: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6].
__________
(1) الباءُ في أصل وضعها تفيدُ الإلصاق، إلا أنها قد ترد لمعنى آخر بقرينة؛ فمن معانيها: التعدية: كقوله تعالى: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} [البقرة: 17].
الاستعانة: كقوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 45].
السببية: نحو قوله تعالى: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ} [العنكبوت: 40].
المصاحبة: نحو قوله تعالى: {قد جاءكم الرسولُ بالحق} [النساء: 170]، أي مع الحق.
انظر "القواعد والفوائد الأصولية": 140 - 143، "التمهيد" لأبي الخطاب 1/ 112، "العدة" 1/ 200، "الكتاب" لسيبويه 4/ 217.
(2) ما بين الحاصرتين ليس في الأصل، واستدركناه من "العدة" 1/ 200 - 201.
(3) أخرجه الدارقطني 3/ 220، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
وأخرجه بلفظ: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل"، البيهقي في "السنن" 7/ 124، وابن حبان (4075)، وابن حزم في "المحلى" 9/ 465 من حديث عائشة رضي الله عنها.
وأخرجه الدارقطني 3/ 221 - 222 من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وفي الباب من حديث جابر وأبي هريرة رضي الله عنهما.
(4) هذا الوجهُ هو ما نصره واختاره الرازي في "المحصول"، والبيضاوي في "المنهاج" جاء في المحصول: "الباءُ إذا دخلت على فعل يتعدى بنفسه كقوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} تقتضي التبعيض، وأجمعنا على أنها إذا دخلت على فعل لا يتعدى بنفسه كقولك: كتبتُ بالقلم، ومررت بزيد، فمنها لا تقتضي إلا مجردَ الإلصاق، "المحصول" 1/ 379. وانظر "البرهان" للجويني 1/ 180، و"البحر المحيط" 2/ 267.
(3/308)

فصل
في دلائلنا
فمنها: أن الباءَ موضوعة لإلصاقِ الفعلِ بالمفعولِ به، يدل على ذلكَ قولُهم: مررتُ بزيدٍ، وكتبتُ بالقلمِ، وطفتُ بالبيتِ، فتفيدُ الباءُ إلصاقَ الفعلِ بالمفعولِ به.
ومنها: أنَ الباءَ لو كانت فيما لا يتعدى بها من الأفعالِ تقتضي التبعيضَ لما حسُنَ عطفُ العمومِ عليها، ومعلومٌ أنَكَ تقولُ: مسحتُ برأسه كُلِّه. ويحسنُ أنك تقول: امسحوا برؤوسكم كُلّها وجميعِها. ولا يحسنُ أن تقولَ: امسح ببعض رأسك كُلِّه وجميعِه.
ومنها: أنه لا يحسنُ دخولُ الاستثناءِ على ما دخلت عليه الباءُ الموجبةُ المتعدِّيةُ، مثل قوله: امسحوا برؤوسكم إلا ثُلثها. ولو كانَ يقتضى البعضَ المهملَ، لما جاز أن يدخلَ عليه الاستثناءُ المقدر؛ لأن الاستثناءَ إنما يخرجُ ما لولاه لكانَ داخلاً، وإذا قال: امسحوا برؤوسكم. وكان كقوله: امسحوا ببعضِ رؤوسكم. فلا نعلمُ دخولَ بعضٍ يُستثنى منه الثلثُ، إذ لا نعلم مقدارَ البعضِ المستثنى منه،

فصل
في شُبههم
فمنها: أن قالوا: إن أهلَ اللسانِ فرقوا بين قولِ القائل: أخذتُ ثوبَ فلانٍ وركابَه، وبين قوله (1): أخذتُ بثوبِه وركابِه. فيحملون الأولَ الخالي من الباءِ على أخذِ الجميعِ، والثاني المقيدَ بالباءِ على الأخذِ بالبعضِ، ويقولونَ: مسحتُ برأسِ اليتيمِ، ومسحتُ يدي بالمنديلِ. فلا يُعقلُ إلا البعضُ.
__________
(1) في الإصل: "قولهم".
(3/309)

فصل
في الجواب عنها
إنَ المرادَ بقوله: أخذتُ بثوبِه وركابِه. أي: علِقتُ بهما، والتعلُّقُ بدلالةِ الحالِ في أنَّ الإنسانَ لا يتعلَقُ بجميعِ القميصِ ولا بجميعِ الركابِ، ولا يمسحُ برأسِ اليتيم إلا للرحمةِ والحنوِّ والإشفاقِ، دون التعميم بِدلائلَ وقرائنَ منعت التعميمَ، فأمَّا أن تكونَ الباءُ أفادت باطلاقِها التبعيضَ، فلا؛ ألا ترى أنه يقولُ: وقفتُ بعرفة، وبالدارِ، وبالربعِ. ولا يحسُنُ أن يقولَ: وقفتُ عرفةَ، ووقفتُ الدار كما لا يحسُنُ أن يقولَ: وقفتُ زيداً. بل: وقفتُ بزيدٍ. ويكونُ المراد بإطلاقِ اللفظِ إلصاقَ الوقوفِ بالدارِ, وعرفةَ، كذلكَ قولُه: مسحتُ برأسي. يعطي الإلصاقَ.
ومن أحوالِ الواوِ (1): أن تقع بدلاَ من الباءِ، والباقي القسمُ، فتقولُ: والله. بدلاً من قولك: بالله.
ومن أحوالها (2): وقوعها موقعَ رُب، قال الشاعر:
ومَهْمَهٍ مُغْبرَّة أرجاؤهُ (3)
مكان قوله: رُبَّ مهمهٍ.
ومن أحوالها: أن تقعَ موقعَ أو، قال الله تعالى: {أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [فاطر:1]، {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3]، والمراد به: أو ثلاث أو رُباع، فهذه أحوالُ الواوِ.
__________
(1) تقدم الكلام على "الواو" في الصفحة: 298، وما أورده المصنف هنا تتمة لما سبق.
(2) تحرفت في الأصل إلى: "حوالها".
(3) البيتُ لرؤبة بن العجاج، وتمامه: "كانَ لونَ أرضهِ سماؤه". وهو في "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة: 197، و"شرح شواهد المغني" للسيوطي 1/ 971، بهذا اللفظ، وورد في ديوان رؤية: 3، وفي "اللسان": (عمى) بلفظ:
وبلدٍ عاميةٍ أعماؤه ... كان لون أرضه سماؤه
(3/310)

فصل
في حروف شتى
فمنها: (الفاءُ)، وهي للترتيبِ على وجه التعقيبِ؛ لأنها تقعُ للجزاء والجزاءُ لا يقعُ إلا متأخراً عن الشرط.
قال سيبويه (1): إذا قال: رأيتُ زيداً فعمراً، يجب أن تكون رؤيته لعمروٍ عقيبَ رؤيته لزيدٍ (2).
ومنها: (ثم)، وهو حرف للفصلِ والترتيبِ على وجْهِ التراخي والمهلةِ (3)، فكأنها تزيدُ على الفاءِ بنوعِ مهلةِ وتَراخٍ، وقد جعل أصحابُنا الدلالةَ على أنَ إمساكَ المُظاهرِ لزوجتِه لا يكون عَوْداً فيما نطق به لمَن (4) ظاهرَها: قولَه تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} [المجادلة: 3]، فاقتضى ذلك المهلةَ والتراخي، وذلكَ في العزمِ على الوطء، أشبه بإمساكها زوجَة؛ لأن الإمساك يتعقبُ، والعزمَ يتراخى.
ومنها: حرفُ (أو)، وهو إذا دخلَ على الخبرِ اقتضى الشك، مثل قولِ القائِل: رأيت زيداَ مقبلاً، أو عمراً. فيكونُ ذلكَ دليلاَ على شكه في الرؤية لأحدِهما على التعيين والتحقيقِ.
وإذا دخلت على الأمرِ والاستدعاء [اقتضت] (5) الإباحةَ والإطلاقَ والتخييرَ, فإذا قالَ: كُلْ لحماً أو تمراً، أو اشترِ لي خُبزاً أو لحماً إو ادخُل الدارَ أو المسجد. كان
__________
(1) "الكتاب" 3/ 43.
(2) انظر ما تقدم في الصفحة (78) من الجزء الأول.
(3) خلافاً لأبي عاصم العبادي من الشافعية، ولبعض النحاة، انظر "مغني اللبيب": 158، و"جمع الجوامع مع شرحه" 1/ 345.
(4) في الأصل: "من".
(5) ساقطة من الأصل.
(3/311)

ذلكَ تخييراً للمفعولِ (1) بين المذكورين. وإذا دخلت على النهي، فقد ذكرنا أنَّ المذهبَ أنَها للنهي عنهما، وذكرنا الدلالةَ بعد ذكرِ الخلاف، وتكلمنا على شبهةِ المخالفِ بما أغنى عن الإعادة ها هنا (2).
__________
(1) في الأصل: "للعقول".
(2) انظر ما تقدم في الصفحة (237) من هذا الجزء.
(3/312)

[العموم] (1)
فصل
العمومُ: صيغةٌ تدل بمجردها على أنَ مرادَ النطقِ بها: شمولُ الجنسِ والطبقةِ مما ادخلَ عليه صيغة من تلكَ الصيَغ (2).
وإنما تنكبتُ ما سلكه الفقهاء من قولهم: للعمومِ. لما قدمتُ في الأمر والنهي (3)، وأنَ من قالَ بأنَ الكلامَ هو عينُ الحروفِ المؤلفةِ، لا يحسنُ به أن يقولَ: للعمومِ صيغةٌ؛ لأنَّ الصيغةَ هي للعمومِ، فكأنه تقول: العمومُ عموم. وإنما يحسُنُ ذلكَ ممن قالَ: الكلامُ قائم في النفسَ (4)، فالصيغةُ له لا هُو.
وقد شرحت في بدءِ كتابي هذا تقاسيمَ ألفاظِه وصِيغِهِ (5)، وإنما الكلامُ ها هنا في أصلِه دونَ تفاصيله، هذا مذهبُنا، نص عليه صاحبُنا، وبهِ قالَ الفقهاءُ؛ أبو حنيفةَ، ومالك، والشافعيُّ، وداودُ.
وقالت الأشاعرةُ: ليس للعمومِ صيغة، وما يرد من ألفاظِ الجموعِ لا يحملُ على
__________
(1) زيادة ليست في الأصل.
(2) وهو مذهب جمهور الفقهاء والأصوليين، حيث قالوا بأنَ للعموم صيغةٌ تخصُّه، ويعرف هذا المذهب بمذهب أرباب العموم. انظر تفصيل المسألة في"العدة" 2/ 485، و"التمهيد" 2/ 6، و"شرح الكوكب المنير" 3/ 108، و"شرح مختصر الروضة" 2/ 465، و"البرهان" 1/ 321، و" تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم" ص (105)، و"البحر المحيط" للزركشي 3/ 17، و"الفصول في الأصول" للجصَّاص 1/ 99، و"الإحكام في أصول الأحكام" لابن حزم: 1/ 338.
(3) انظر ما تقدم في باب الأمر في الصفحة (450) من الجز الثاني، وفي باب النهي في الصفحة (230) من هذا الجزء.
(4) وهو قول الأشاعرة.
(5) انظر الصفحة (91) من الجز الأول.
(3/313)

عمومٍ ولا خصوصٍ إلا بدلالةٍ تدلُّ على ذلكَ (1).
وقال بعضُ الأصوليين: إن ورد ذلكَ في الخبرِ؛ فلا صيغةَ له، وإن كانَ في الأمرِ والنهي؛ فله صيغة تحملُ على الجنسِ (2).
وقال بعضُ المتكلمين: تحملُ ألفاظُ الجمعِ على أقل الجمعِ، ويُتَوقفُ في الزيادةِ
على ذلكَ إلى أن يقومَ الدليلُ عليه. وهو قول أبي هاشم (3)، وابنِ (4) شُجاعٍ الثلجي (5).

فصل
في دلائلنا من الكتاب على إثبات أنَّ (6) الصيغة دالّةٌ بمجردها على الاستغراق
فمنها: قوله تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ} [هود: 45]، تمسّكاً بقوله تعالى: {فَاسْلُكْ فِيهَا} [المؤمنون: 27]، وقوله: {قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ} [هود: 40]، فأجابه الباري سبحانَه عن ذلكَ جوابَ تخصيصٍ لا جوابَ نكيرٍ عليه ما تعلّق بهِ من العمومِ، فقال: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [هود: 46]، فدلَّ على [أن] (7) اللفظةَ عموم، ولولا دليلٌ أخرجَ ابنه من أهلِه؛ لكانَ داخلاً تحتَ اللفظِ.
ومنها: أنه لما نزلَ قولُه تعالي: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 98]،
__________
(1) "الإحكام" للآمدي 2/ 200، و"البحر المحيط" 3/ 22.
(2) "الإحكام" للآمدي 2/ 201، و"إرشاد الفحول": 116.
(3) هو عبد السلام بن محمد الجبائي، من رؤوس المعتزلة، توفي ببغداد سنة (321) ه. "تاريخ بغداد" 11/ 55.
(4) تحرفت في الأصل إلى: "أبي".
(5) هو أبوعبد الله محمد بن شجاع الثلجي، تقدمت ترجمته في الجزء الثاني، الصفحة: 109.
(6) وردت (أن) في الأصل بعد (من)، ولا يستقيم المعنى بذلك، والصواب ما أثبتناه.
(7) زيادة يستقيم بها المعنى.
(3/314)

قال ابن الزِّبعرى (1): لأخصمَنَّ محمداً. فجاء إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالَ: قد عُبِدت الملائكةُ، وعُبدَ المسيحُ، أفيدخلون النارَ (2)؟! فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101)} [الأنبياء: 101]، فاحتجَّ بعمومِ اللفظِ، ولم يُنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - تعلُّقَه بذلك، وأنزلَ اللهُ سبحانه جوابَ ذلكَ مما دل على تخصيم، لا منكراً لتعلُّقِه، فعُلِمَ أنَ العمومَ مقتضى هذه الصيغةِ.
ثم إنَّ عبد الله بن الزِّبَعرى هَداه اللهُ إلى الإسلامِ، واعتذرَ إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بقصيدةٍ، قالَ فيها:
أيامَ تأمُرني بأغْوى خُطَةِ ... سَهْم وتَأمُرني بها مَخْزومُ
فاليومَ آمنَ بالنبيِّ محمدِ ... قَلبي ومُخطىء هذه مَحرومُ
فَاغفِرْ-فِدى لكَ والديَّ كلاهُما- ... ذَنبي فإنَّك راحِمٌ مَرحومُ (3)
ومنها: قولُه تعالى في قصةِ إبراهيمَ: {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ
__________
(1) هو عبد الله بن الزّبعرى بن قيس بن عدي، أبوسعد القرشي الشاعر كانَ من أشدِّ الناسِ عداوة للرسول - صلى الله عليه وسلم - في الجاهلية. أسلمَ بعد الفتحِ، وحسن إسلامه، واعتذر إلى رسول الله وقبل عُذْرَهُ. انظر ترجمته في: "الاستيعاب" 3/ 901، و"الإصابة" 2/ 355 - 303. و"أسد الغابة" 3/ 239 - 240، و"طبقات فحول الشعراء"1/ 233 ومابعدها.
(2) أخرج الطبراني في "الكبير" (12739) من حديث ابن عباس: لما نزلت: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} قال عبد الله بن الزِّبعرى: أنا أخصم لكم محمداً، فقال: يا محمد، أليسَ فيما أنزلَ اللهُ عليك: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ}؟ قال: "نعم"، قال: فهذه النَصارى تعبد عيسى، وهذه اليهود تعبد عزيراً، وهذه بنو تميم تعبد الملائكة فهؤلا في النار؟! فأنزل الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} وذكره القرطبي في التفسير 11/ 343، والسيوطي في "الدر المنثور" 5/ 679.
(3) الأبيات في "سيرة ابن هشام" 4/ 62، و"الاستيعاب" 3/ 953 - 904، و"الإصابة" 2/ 300، والأول والثالث في "طبقات فحول الشعراء"1/ 243.
(3/315)

بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} [العنكبوت: 31 - 32] ففهِم إبراهيمُ من قولهم: أهل هذه القرية. إهلاكَهم على العمومِ، حيث ذكر لوطاً، وأجابت الملائكةُ بالتخصيص، واستثنوا أقرانه من جملةِ المهلكين، واستَثنوا امرأتَه من جملةِ الناجين، فهذه الآياتُ كلُها قد بانَ بها أنَّ. العمومَ ثابت بهذهِ الصيغِ، وأنها صيغٌ موضوعةٌ بمجرّدها.

فصل
فيما وجَّهوه من الاعترأض على هذه الآيات
فمنها: قولُهم: إنَ هذه الصيغَ صالحة للعمومِ متهيئةٌ له، فإذا قام الدليلُ على مرادِه منها ثبتَ العمومُ، وبالصلاح يحسُن ما وُجه عليها من الاعتراض، ومنها: أن قالوا: بَعد دلائلَ قامت بان المراد بها العموم، لا بمجردها؛ لأن الألفاظَ المسموعةَ يقارنها حالَ السماعِ لها والتلقِّي لصيَغِها دلائلُ أحوالٍ، وشواهدُ تدلُّ على مراد اللافظ بها، وقصدِ منها، وترِدُ إلينا ساذجةً خاليةً من تلك الدلائلِ والشواهدِ، وهذا أمرٌ يعلمه كلُّ أحدٍ من ألفاظِ اللافظِين.
فيقالُ: لو كانَ ذلك لأجلِ صلاحِها للعمومِ؛ لكان ما وجّهوه سؤالاً واستفهاماً.
فأمَّا قول عبد الله بن الزبعرى: لأخْصمنَّ مُحمداً. فليس هذا حداً لصلاحيةٍ، بل كان غاية ما يقول: لأسألنَّ محمداً، فمن كانَ مرادُه كذا، قلتُ: كذا. فلما أقدمَ على ذلك إقدامَ الخصومةِ، وتقريرَ المناقَضةِ، عُلم أنه ما تعلق عليه إلا بمقتضى اللفظِ، دون الصلاحية فقط.
وأما نوحٌ؛ فإنه اقتضى وجعلَ ذلك وعداً (1)، ولا ويقدِمُ نبيٌ كريمٌ على الاقتضاءِ
__________
(1) أي فهم من قوله تعالى: {قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ} [هود: 40]، الوعد بنجاة جميع أهله، لعموم الصيغة.
(3/316)

بصلاحيةِ مجردة، بل بمقتضى ووضع.
وإبراهيمُ قال: {إِنَّ فِيهَا لُوطًا} [العنكبوت: 32]، ولم يقل: أيَهلِكُ لوطٌ في جملةِ أهلِها؟! والباري سمَّاه بذلك مجادلاً لا سائلاً، فقال سبحانه: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74)} [هود: 74]، والمجادِلُ هو المحتج دونَ المستعلِمِ.
وأمَّا دَعواهم مقارنةَ دلائلِ أحوالٍ وشواهدَ؛ فذلكَ توهم لا يتحققُ إلا بدلالةٍ، وما هذا القولُ إلا كدعوى (1) خصوصِ وَردَ ولم (2) يُنْقَل، ودعوى صارت لظاهرِ لفطٍ مَنقولٍ من غَيرِ نَقَلةٍ، ونسخِ نص من غير نَقلِ ناسخِه، فنحنُ متمسّكون بمطلق اللفظِ إلى أن تقومَ دلالةٌ بما ادّعاه الخصم.

فصل
في دلائلنا من إجماعِ الصحابةِ على ذلك قولاً (3) وعملاً
فمنها: احتجاجُ عمرَ على أبى بكرٍ في قتاله ما نعي الزكاةِ: كيف تُقاتِلهم وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أُمرتُ أنْ أُقاتِلَ الناسَ حتى تقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا منّي دِماءَهم وأموالهم" (4)؟، فلم ينكِرْ عليه احتجاجَه بذلك، بل عَدَل إلى
__________
(1) في الأصل: "الدعوى".
(2) في الأصل: "لم" بدون الواو
(3) مكررة في الأصل.
(4) أخرج أحمد 2/ 423، 528، والبخاري (1399)، و (6924) و (7284)، ومسلم (20)، وأبوداود (1556) والترمذي (2610)، والنسائي 5/ 14 و6/ 5 و7/ 77، 78، وابن حبان (216)؛ من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: لما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان أبو بكر رضي الله عنه بعده، وكَفَر من كَفر من العرب، قال عمر يا أبابكر كيف تُقاتل الناسَ، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أُمرت أن أقاتل الناسَ حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، عصَمَ مني ماله ونفسه إلأ بحقِه، وحسابُه على الله"؟ قال أبوبكر رضي الله عنه: والله لأقاتلنَّ =
(3/317)

التعلُّق بالاستثناء" وهو قوله: "إلا بحقّها"، والصحابةُ متوفّرونَ، وبتلك القصة مهتمونَ، ولا أحدَ أنكرَ ذلك التعلُّقَ بالعمومِ، ولا أنكرَ جوابَ أبي بكر عنه بالتخصيص.
ومنها: احتجاجُ فاطمةَ بنتِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وسلامُه عليها بعمومِ آية المواريثِ: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11] على أبي بكر الصدّيق لما مَنعها ميراثَها من أبيها، فلم يُنكر احتجاجَها بالآية، بل عَدلَ إلى ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم من دليلِ التخصيص، وقوله: "نحنُ مَعاشِرَ الأنبياء لا نُورَث، ما تَركنا صَدَقة" (1).
ومنها: لما اختلفَ علي وعثمانُ في الجمعِ بينَ الأختين (2)، فقال عثمانُ: يجوزُ، واحتجَّ بعمومِ قوله: {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [المؤمنون: 6]، وقال
__________
= من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإنَّ الزكاة من حَقِّ المالِ، ووالله لو منعوني عَناقاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فوالله ما هو إلاّ أن رأيتُ أنَ الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، عرفتُ أنَّه الحق.
وحديث: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى .. " تقدم تخريجه في 1/ 190.
(1) رواه من حديث أبي بكر رضي الله عنه: أحمد 1/ 4 و6 و9 و10، والبخاري (3093) و (3712) و (4036) و (4241) و (6726)، ومسلم (1759)، وأبود اود (2963)، النسائي 7/ 132.
ورواه من حديث عائشة رضي الله عنها أحمد 6/ 145 و 262، والبخاري (6727)، ومسلم (1758)، ومالك في "الموطأ" 2/ 993.
ورواه من حديث أبي هريرة مالك في "الموطأ" 2/ 993، والبخاري (6729)، ومسلم (1760)، بلفظ: "لا يَقتسم ورثتي دنانير, ما تركتُ بعد نفقةِ نسائي ومُؤنةِ عُمَّالي، فهو صدقة".
(2) المقصود بالأختين هنا، الأختان المملوكتان، قال ابن عباس رضي الله عنهما: أحلّتهما آية، وحرَّمتْهما آية. ومقصوده: أحلتهما اَية: {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ}، وحرَّمتهما =
(3/318)

علي: لا يجوز واحتجّ بعموم قوله: {أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} (1) [النساء: 23]، ومنها: ما احتجَّ به من كان يُبيح شُربَ الخمر ممن لم يعرف النسخَ، بقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} (2) [المائدة: 93] ولم ينكر سائرُ الصحابةِ ذلكَ، وإنما بينوا لقائل هذا أنه منسوخ (3).
وروي عن عثمان (4) أنه لما سمع قولَ الشاعر
ألا كُلُّ شَيءٍ ماخَلا اللهَ باطِلُ ... وكُلُّ نَعيمٍ لامَحالةَ زائلُ (5)
__________
= آية: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ}. "سنن البيهقي" 7/ 164، و"سنن سعيد بن منصور" 1/ 396، 397.
وانظر تفصيل المسألة وأقوال الصحابة والفقهاء فيها في "المغني" 9/ 537 - 538.
(1) أخرجه مالك في "الموطأ" 2/ 587، والدارقطني 3/ 281، والبيهقي 7/ 163، وابن أبي شيبة 4/ 169، 170.
(2) تأوَّل هذه الآية، وحملها على عمومها، وفهمَ منها إباحة جميعِ المطعومات، قدامةُ بن مظعون، عاملُ عمرَ بن الخطابِ، على البحرين، حيث استدل بهذه الآية على منع إقامة حدِّ شرب الخمر عليه، ورد عمر -رضي الله عنه- اجتهاده هذا، وقال له: أخطأتَ التأويل، إنّك إذا اتقيت، اجتنبتَ ما حرَّم الله عليك. انظر"مصنف عبد الرزاق" (17576) و"سنن البيهقي" 8/ 316.
وذكر الدارقطني 3/ 166، القصة عن رجل من المهاجرين لم يُسمه.
(3) تابع ابن عقيل شيخه أبا يعلى في القول بأن الآية منسوخة، كما في "العدة" 2/ 495. وفي ذلك نظر فالآية نزلت بعد آية تحريم الخمر ومعرفة سبب نزولها يوضح عدم النسخ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: لما نزل تحريم الخمر قالوا: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربونها؟ فنزلت: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا}. أخرجه أحمد 1/ 234، والترمذي (3052)، والطبراني (11730)، والحاكم 4/ 143، والبيهقي في "شعب الإيمان" (5617).
(4) هو عثمان بن مظعون الصحابي رضي الله عنه.
(5) البيت للبيد بن ربيعة العامري، وهو في "ديوانه": 256، وفي "الشعر والشعراء"1/ 297.
(3/319)

فقال: كذبتَ، نعيمُ أهلِ الجنَةِ لا يزولُ (1). وهذا كُلُه أخذٌ بالعموم وتجويز للقول به.

فصل
فيما وجّهوه من السؤال على هذه الدلائل
فمنها: أن قالوا: هذه أخبارُ آحادٍ، لا يثبتُ بمثلِها هذا الأصلُ.
ومنها: أنه يَحتملُ أنَّ كلَّ صيغةٍ من هذهِ الصِّيغِ دلَّت عليها دلالةٌ، أو قارنتها قرينةٌ دلَّت على إرادةِ العمومِ بها والاستغراقِ.
فيقال: هي وإن كانت آحاداً في آحاد القضايا، إلا أنها تواترٌ في أصلِ استعمالهم العموماتِ، واحتجاجهِم بها، فصارَ ذلك كشجاعةِ عليٍّ، وسخاءِ حاتِم، وفصاحةِ قُسٍّ، وما ورد في جُزئياتِ سِيَرهم وآحادِ أخبارِهم آحاد، وأصلُ ذلك فيهم تواترٌ.
على أنَّ هذه الأحاديثَ متلقاةٌ بالقبولِ، فهي في حكمِ التواتر ولأنَ ما نحنُ فيه ليس بأصلٍ قطعيٍّ حتى تُطلبَ له أدلةٌ قطعيةٌ، بخلافِ أصولِ الدياناتِ، ولهذا يسوغُ فيه الخلافُ، ولم نُفَسق مخالفنا فيها.
وأمَّا دعوى القرائنِ، فلو كانت لنُقلت، كما نُقِلَ أصلُ الصيغِ والألفاظِ، ولا يجوزُ الإخلالُ بالقرائِن مع كونِ الألفاظِ تتغيرُ بها أحكامُها (2).

فصل
في دلائلِنا من غير الآي والأخبارِ
فمن ذلكَ: ان أهلَ اللغةِ قد ثبت كونُهم حُكماءَ علماءَ، ودل على ذلكَ ما نُقلَ عنهم وَظهرَ منهم من الأوضاعِ الحكيمةِ (3)، ومعلومٌ أنَّ العمومَ المستغرِقَ لجميعِ
__________
(1) "السيرة النبوية" لابن هشام 2/ 9، "الإصابة" 2/ 457.
(2) انظر"العدة" 2/ 496 - 497.
(3) في الأصل: "الحكية".
(3/320)

الجنسِ قد عُلِمَ وعُرِفَ، وبهم حاجةٌ إلى أن يضعوا له صيغةً، كما وضعوا لجميعِ المسمَيات من الأسماءِ، وكما وضعوا للخبرِ، والاستخباير، والتمني، والترخي، والنداءِ، وجميعِ ما احتاجوا إليه، وضعوا له لفظاً يُنبىءُ عنه ويدل عليه، ومعلومٌ شدةُ حاجتِهم إلى التعبيرِ عن الجموعِ والأعدادِ في أمرِ دينهم ودنياهم، فكيفَ يُنسبونَ إلى الغفلةِ عن الوضعِ للعمومِ صيغة تخصُّه؛ ولا لفظ أحق بذلكَ من الألفاظِ التي حصرناها، والضيغ التي سطَرناها في صدرِ كتابِنا هذا (1). فثبتَ أنها هي الموضوعةُ للعمومِ، المقتضيةُ للاستغراقِ والشمولِ.

فصل
في الأسئلة محلى هذه الطريقةِ
فمنها: أنَ هذا إثباتُ لغةٍ باستدلالٍ، وليس للغةِ طريقٌ سوى النقلِ، ولا نقلَ يعطي ما ذكرتم. وفي طريقتكم هذه سَوْرَة (2) على العرب، وإيجابٌ عليهم أن يضعوا، وما وضعوا، وليسَ ذلكَ بواجبٍ عليهم، ولاهم معصومون (3) في الوضعِ، بحيثُ لا يخلون بما ينبغي منه.
ومنها: أنهم قد وضعوا ألفاظاً كثيرةً صالحةً له، وتأكيداتٍ تنبىءُ عنه، ودلائلَ أحوالٍ تدُلُّ علي الألفاظِ الصالحة بأنَّ المرادَ بها العمومُ. وفي ذلكَ غنىً عن الوضعِ المقتضي للعمومِ.
ومنها: أنَّهم قد أغفلوا أشياء، فلا نَأمنُ أن يكونَ هذا من جملةِ ما أعْفلوه. فمن ذلكَ؛ أنهم وضعوا للفعل الماضي: ضربَ، وللمستقبلِ: يضربُ وسيضربُ، ولم يضعوا
__________
(1) انظر ما تقدم في 1/ 35.
(2) في الأصل: "مسورة"، ولم يتضح معناها، ولعل المثبت هو الصواب، والسورة: السطوة، يقال: سورة السلطان: سطوته واعتداؤه."اللسان": (سور).
(3) في الأصل: "معصومين".
(3/321)

للحالِ اسماً يعبَّر به عنها.
وكذلكَ الطعومُ والأرايح (1)، لم يضعوا لكُلِّ طعمٍ ولا لكلِّ ريح اسماً.

فصل
في الأجوبةِ على الأسئلةِ
فمنها: أن يقالَ: ليس إثبات لغةٍ إلا بالنقلِ، لكنا دللنا على ان المنقولَ من ألفاظِ (2) العموم هو الموضوعُ؛ ولأنَّ القرائنَ ودلائلَ الأحوالِ (3) إنما تكونُ فيما بيننا، فأمَّا اللهُ سبحانَه؛ فلا دلائلَ أحوالٍ ولا قرائنَ بينَنَا وبينَه تدل على العمومِ من اللفظ الصالحِ له.
ومنها: أنَ دعواهم: ما وُضِعَ من التأكيداتِ الدالةِ على العمومِ، فالتأكيداتُ من أدلّ الدلائل (4) لنا على أنَ المؤكد موضوع يقتضى [العموم] (5)، لأنَّ التأكيدَ إنما يحكي (6) المؤَكد، فأما أن يجددَ التأكيدُ اقتضاءً لم يكن في اللفظ، فلا.
فقوله تعالى: {فَسجدَ الملائِكَةُ}، لو لم يُعطِ العمومَ، لما كان في قوله: {كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر 30] ما يعطي (7)، وإن كان الأوّل غير مُقتضٍ، فالثاني مثلُه، لم يبقَ
__________
(1) في "اللسان": (روح): وجمع الريح أرواح، وأراويح جمع الجمع، وقد حكيت: أرياح وأرايح، وكلاهما شاذ.
(2) في الأصل: "الألفاظ".
(3) في الأصل: "الأقوال".
(4) في الأصل: "الدليل".
(5) زيادة يستقيم بها السياق.
(6) هكذا في الأصل، وفي "التمهيد" لأبي الخطاب 2/ 14: "لأن التأكيد لا يدل إلاّ على ما دل عليه المؤكَد".
(7) انظر "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 194، و7/ 158.
(3/322)

إلا أنَّ الوضع حاصلٌ في الجميعِ، وإنما أُكدَ الأولُ بالثاني، والثاني بالثالثِ، وليس شيءٌ من قرينةِ تقترن بالصيغ التي نقول: إنها موضوعة، إلا وفي الصيغة ما يغني عنها.
ومنها: أنَ دعواهم أنَهم أغفلوا أشياءَ، فليس كذاكَ، بل دقَقوا في النوع الذي ظنَ المخالفُ أنَهم أغفلوه، حتى قالوا: حامض وحُلو ولما تركَبَ بينهما: مُزٌ. فوضعوا لما تركَبَ بين حلاوةِ وحموضةِ اسماَ، لكن قنعوا في بعض الأرايحِ والطُّعومِ بالإضافةِ، والإضافةُ كافية، فإنَ الله سبحانَه سمَّى نفسَه بأسماءَ مشتقةِ من أفعالِه؛ كخالقٍ ورازقٍ، ومن صفاتِه؛ كعالمٍ وقادرٍ، ومن أسمائِه ما هي إضافة كقولهِ: {ذُو الْعَرْشِ} (1) و {الطَوْلِ} (2)، وفي بعض الكتبِ: أنا اللهُ ذو بَكَة (3)، فالإضافاتُ مسميات، فقالوا للجنسِ: حلوَّ، فشملوا به طعم العسلِ والرطبِ، وقالوا: رائحة ذكيَّةٌ. فعموا بها ريحَ العودِ والكافورِ، ثم خَصصوا الرائحةَ بمحلها، والطعمَ بمحله،
__________
(1) وذلك في قوله تعالى: {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ}، سورة غافز الآية 15، وفي قوله تعالى: {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ}، سورة البروج، الآية 15.
(2) وذلك في قوله تعالى: {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ} ,سورة غافر, الآية3.
(3) أخرج عبد الرزاق في "المصنف" (9219)، عن الزهري: (بلغني أنهم وجدوا في مقام إبراهيم ثلاثة صفوح، في كل صفح منها كتاب، في الصفح الأول: أنا الله ذو بكة، صنعتها يوم صنعت الشمس والقمر، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء، وباركت لأهلها في اللحم واللبن، ومكتوب في الصفح الثاني: أنا الله ذو بكة، خلقت الرحم، وشققتُ لها من اسمي، من وصلها وصلته، ومن قطعها بَتَتُّهُ. وفي الصفح الثالث: أنا الله، خلقت الخير والشر، فطوبى لمن كان الخير على يده، وويل لمن كان الشر على يده".
وأخرج نحوه عن مجاهد (9220) و (9221).
وهو في "المطالب العالية" 1/ 335، و" جامع الأحاديث القدسية"1/ 373، و"أخبار مكة" للأزرقي 1/ 78، و "البداية والنهاية" 2/ 327.
(3/323)

فقالوا: حلاوةُ العسلِ، وحلاوةُ الرطبِ، وريحُ الكافورِ، وريحُ المسكِ. فما أغفلوا ولا أهملوا.
وعندكم أنَّهم لم يضعوا صيغةً للعمومِ، بل صارَ للعموم ما قرنوا به قرينةً، أو دلَّت عليه دلالةُ حالٍ، والعمومُ أصلٌ من الأصولِ، والأسماءُ المفردةُ دونَه، فلا يُظَن بهم أنهم وضعوا للجزئيِّ وأغفلوا الكُلي، وفي اسمِ الجنسِ من المطعومِ ما أغفلوه، بل وضعوا له اسم إضافةٍ إلى محله، وهو أحدُ أقسام الأوضاعِ والأسماءِ الدالة على المسمّياتِ، ولأنَ الأرايحَ كثُرت واختلفت، فجازَ أن يعتمدوا فيها على الإضافةِ إلى محلها، والعموم أصل، فلا حاجة بهم إلى إغفالِه، ثم إنَّ ها هنا صيغٌ تشهدُ بأنها موضوعةٌ للعمومِ، فلا نعطلُها ونحوجُها إلى قرائنَ ودلائلِ أحوال.

فصل
ومن الدلائل المشاهَدة لمذهبِنا: أنّا وجدنا أهل اللغة قد وضعوا للواحدِ لفظاً يخصُّه، وللاثنينِ لفظاً يخصُّهما؛ وهي التثنيةُ، وللجمع لفظاً يخصُّه، فقالوا: رجلٌ، ورجلانِ، ورجالٌ. كما وضعوا للأعيان المختلفةِ في الصّورِ ألفاظاً تخصّها، فقالوا: أتانٌ، وفرسٌ، وحمارٌ، وما وضعوا هذه الأسماءَ الخاصةَ إلا للفرقِ والتمييز بين المسمَّيات، فلو كانَ لفظُ الجْمعِ محتملاً للاثنين، لما كان للوضع معنىً.
ومن وجهٍ آخر وهو أنَّهم لما لم يُغفلوا اسمَ التوحيدِ والتثنية والجمعِ، فلا يجوزُ أن يُغفلوا اسماَ يضعونه للشمولِ والعمومِ الجامعِ للجنسِ الذي تحتَه العدد (1) المخصوص.
قالوا: ليسَ في لفظِ الواحدِ والاثنينِ، والفرس والحمارِ ما يخلطُ التأحيدَ بالتثنية، ولا النَّهاقَ بالصَهَّال، وفي الجمعِ نوعُ شركةٍ ظاهرةٍ، وهو (2) أنه يقعُ على الأقل والأكثرِ
__________
(1) فى الأصل: "للعدد".
(2) مكررة في الأصل.
(3/324)

إلى غيرِ غايةٍ، فإنَّ قولَنا: رجالٌ. يقعُ على ألفٍ، لو فُسِّرَ بها، كما يقعُ على ثلاثةٍ، فجاءت الشركةُ في الجمعِ، فصاركسائر الأسماءِ المشتَركةِ.
فيقال: لنا مُتَيقَّنٌ أقل؛ وهو الثلاثة، فلا توقُعَ للشَّركةِ إلا في محلِّ الاشتباهِ، وهو ما زادَ على الثلاثةِ، كما يعطي الحمارُ والشجاعُ حقيقتَه عند الإطلاقِ، فيتركُ المجازُ والاتساعُ لما تقومُ عليه الدلالةُ لنقلِه عما وُضِعَ له.

فصل
ومن دلائلنا: أنَّا أجمعنا وإياهم على أنَ الاستئناءَ حُبسَ دخولُه عل هذهِ الصيغِ الموضوعةِ عندنا للعموم، فقالت العربُ: جاء بنو تميمٍ إلا زيداً (1)، ومن دخل داري فأكرِمْهُ إلا المجرمَ، وأعطِ فقراءَ بني تميم إلا الجبناءَ، واذبَحْ إبلي إلا العجافَ. وهذا يدُلّ على أنَّ الصيغَة موضوعةٌ للعمومِ؛ لأن الاستثناء إنما يُخرجُ ما لولاه لدخلَ تحتَ اللفظِ.
يوضِّحُ ذلكَ في الأعدادِ قولُهم: لهم عليَّ عشرةُ دراهمَ إلا درهماً (2). فيكونُ بالالستثناءِ إقرارٌ بتسعةٍ، ولولاه لدخلَ العاشر فإذا بانَ بدخولِ الاستئناءِ أنَّه لولاهُ لكانَ داخلاً شاملاً؛ عُلمَ بذلكَ أنه مع عدمِ الاستثناءِ موضوعٌ للشمولِ والعمومِ.
والذي يكشفُ عن هذا: أنَّ الاستثناءَ لم يحسُن من غيرِ الجنسِ لما لم يكن داخلاً تحتَ عمومِ اللفظِ، فاستقبحَ أن تقولَ: رأيتُ الناسَ إلا حماراً. فلمّا حسُنَ أن يخرجَ بالاستثناءِ كل اسمٍ من الجنسِ المذكورِ في الصِّيغة؛ عُلِمَ أنَّ الصيغةَ شملت، وأنَّ الجنسَ بآحادِه دخلَ، فَحَسُنَ الاستثناءُ لمكانِ اقتضاءِ دخوله (3).
__________
(1) في الأصل: "زيد".
(2) في الأصل: "درهم".
(3) انظر "التمهيد" لأبي الخطاب 2/ 20 - 22.
(3/325)

فصل
فيما وجَّهوهُ على هذهِ الدلالةِ
فقالوا: ولِمَ قَصرتم الاستثناءَ على ذلكَ؟ وما أنكرتم أن يكونَ تسلط للاستثناءِ على هذهِ الجملةِ، لصلاحيتها للعمومِ دون اقتضائها، ونحنُ لا نمنعُ أنها بالإطلاقِ صالحةٌ، وإنما نمنعُ أن تكونَ تقتضي العمومَ وليس فيما ذكرتم من الاستثناءِ ما يَدُلُّ على أكثرَ من الصلاحية.
فيقالُ: هذا غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ الاستثناءَ لا يُخرجُ إلا ما اقتضاه اللفظُ؛ لأنه مأخوذٌ من قولهم: ثنيتُ عِنانَ فَرسي. إذا صَرفه. وقيل: إنه مأخوذ من تثنية خبرٍ بعد خَبر، فإنَّ قولَه سبحانه: {لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ} [العنكبوت: 32]، خبرٌ بنجاةِ لوطٍ، [وقوله:] (1) {إلا امرأتَه} خبر بإهلاكها، وأيُّهما كان اقتضى دخولَ المستثنى في (2) اللَّفظ حتى يصرفه عنه في قولِ بعضِهم، فيثني الخبرَ بعد الخبرِ في قولِ البعضِ. ولأنَّه لو كان حَسُنَ الاستثناءُ، لجواز أن يكونَ داخلاً في اللفظ، لوجَب أن يصحَّ من النكراتِ، كما يصحُّ من المعارِف المقتضيَة للجنسِ، فلما لم يحسُن ذلكَ في النكراتِ، بَطلَ ما ذكروه (3).

فصل
في دلالةٍ لنا أيضاً
هي (4): أنَه لو قال لرجل: من عندَك؛ حسُنَ أن يجيبَ بكل واحد من جنسِ العقلاءِ، حتى لو استوعبَ الجميعَ لكان ذلكَ جواباً، ولو لم يكن اللفظُ عامَّاًشاملاً لجميعِ الجنسِ،
__________
(1) زيادة يستقيم بها السياق.
(2) في الأصل: "من"، والمثبت أنسب لسياق العبارة.
(3) انظر "العدة" 2/ 500.
(4) في الأصل: "هو".
(3/326)

لما صار مُجيباً بكلِّ واحدٍ من الجنسِ؛ لجوازِ أن يكونَ المسؤولُ عنه غيرَ الذي أجابَ به.
ألا ترى أنَه لو أجابَه بواحدٍ من جنسِ البهائمِ لما كان مجيباً له، لمّا لم يك داخلاً تحت السؤال بحرف (مَن).
قالوا: إنما حَسُن ذلك؛ لأنَّ اللفظَ يَصلُحُ لكلِّ واحدٍ منهم (1) لا لأنَّ اللفظَ شاملٌ لهم من طريقِ الاقتضاءِ.
قيلَ: اللفظُ يصلحُ لما أجابَ به ولغيرِه، فيجبُ أن لا يصح الجوابُ حتى نعلَم مرادَ السائلِ.
يدلُّ عليه: أنه لو قالَ: من دخلَ الدارَ فله درهمٌ، أو من ردَّ عبدي الآبقَ فله درهمٌ. يستحقّ كل من وجدَ ذلكَ منه العطاءَ، فدلَّ على أنَ اللفظَ يقتضي الكل.
ومن أدلتِنا: أنَ للعمومِ تأكيداً، وللخصوص تأكيداً، وقد اتفقنا على أنَّ تأكيدَهما يختلفُ في أصل الوضعِ، لا بقصدِ ولا إرادةٍ، لاختلافهِما، فكذلكَ يجبُ أن يكونَ أصلُ المؤكَدهين اللذين أحدُهما عام، والآخرُ خاصّ مختلفَينِ في أصل الوضعِ، لا بالقصدِ إلى ذلكَ، ولا بالإرادة له، وقد ثبتَ أنَّ في حق التأكيدِ أن يكونَ كقول المؤكَّد ومطابقاً لمعناه، ومتى لم يكن كذلكَ خرج عن كونه تأكيداً.
والذي يوضحُ ذلكَ من المثالِ: أنَّ القائلَ لو قالَ: ضربتُ زيداً كلهم أجمعينَ أكْتَعين (2)، أو أكرمتُ عَمْراً أجمعَين كلَّهم سائرهم. لم يكن قولاً صحيحاً في اللغةِ، و [كان] (3) خارجاً عن قانونِها، ولا يجوزُ أن يقولَ: ضربتُ القومَ أو الرجالَ نفسَه أو عَينه. وإنما القولُ الجائرُ في ذلكَ، المسموعِ من أهلِ اللغةِ: ضربتُ زَيداً نفسَه،
__________
(1) في الأصل: "منكم".
(2) أكتعين: ردف لأجمعين، ولا تأتي إلا على إثرها، تقول: رأيت القوم أجمعين أكتعين، ورأيت
المال جمعاً كتعاً، واشتريت هذه الدار جمعاء كتعاء."اللسان": (كتع).
(3) في الأصل:"ولا"، والمثبت هو المناسب لاستقامة العبارة.
(3/327)

وضربتُ القومَ كلهم أجمعينَ، أو سائرَهم أكتَعينَ.
وإذا كان كذلك: ثبتَ أنَّ للعمومِ لفظاً يخصُّه، وللخصوصِ لفظاً يخصُّه، كما أنَّ للواحدِ لفظاً يخصُّه، وللاثنينِ لفظاً يخصهما، وللثلاثة لفظاً يخصّها، فصارَ العمومُ والخصوصُ في الوضعِ كالأعدادِ من الآحادِ والتثنياتِ والجموعِ، لكل قدرِ منها لفظٌ يخصُّه (1).

فصل
فيما وجّهوه من الأسئلةِ على هذهِ الأدلة
فمنها: المنعُ من القاعدةِ (2)، وأنه قد يؤكَد لا بما اقتضاه المؤكَّد.
من ذلك: قول القائل من العرب: كلُّ رجلِ ضَربني ضربتُه، وسائرُ من أكرمني أكرمتُه. ولفظة سائرُ وكلُّ للجميعِ، وقوله: أكرمتُه، وضربتُه. إنما رجع إلى الواحد، ولا جَمع فيه أصلاً، فقد قوبلَ الجمعُ والعمومُ بالواحدِ، وأكِّدَ بما لا جَمْع فيه.
قال اللهُ سبحانَه تصديقاً لهذا في اللغةِ، ودليلاً على أنّه أصل فيها: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ} [الإسراء: 13]، {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38)} [المدثر: 38] , {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185] وكُلّ صالح للعمومِ عندنا، وموضوعٌ عندكم، وقد أُكِّد برجل، ونفس وإنسانٍ، وليس فيه جمعٌ رأساً، بل هو لفظٌ للواحدِ.
ومنها: أن قالوا: نُقِلت الدلالةُ على عكسِ ما أردتم، وأنها لما حَسُنَ أن يُعطفَ عليها أجمعين وأكتعين، عُلم أن كُل وسائرَ لا يعطي ولا يقتضي الشمولَ والعمومَ، إذ
__________
(1) انظر "العدة"2/ 497، و"التمهيد" لأبي الخطاب 2/ 17 - 20.
(2) يعني أن التأكيد لا يكون إلاّ بما يكون به المؤكَّد وما يقتضيه.
(3/328)

لو كانت تقتضي ذلكَ لما احتيجَ إلى ثانٍ (1) منها، وثالثٍ؛ لأنَّ كل صيغةٍ من هذهِ لا تُفيد إلا ما أفادت الأولى, فهو كقولِ القائلِ: رأيتُ ثلاثةَ أنفسٍ وواحداً، أو واحداً وواحداً وواحداً. لمّا كانت الثلاثةُ موضوعةً لا جَرمَ لم يحسُن أن تؤكَّد بما ذكرنا من عطفِ الآحادِ عليها، وكذلكَ لو قال القائلُ: أعطه عشرةَ دراهم؛ تسعةً [ودرهماً، أو] (2) ثمانيةً ودرهمين. لم يكن ذلك مفيداً؛ لاستغنائنا بكونِ الأوَّلِ موضوعاً لهذا العددِ المخصوصِ.
ومنها: أن قالوا: استشهادكم بالتأكيدِ وألفاظِه غفلةٌ منكم؛ لأنَّ الخلافَ في كُلِّ لفظٍ أوردتموه مؤكَّداً كان او مؤكِّداً، فلا يقتضى شيء من ذلكَ الشمولَ والعمومَ، بل هوصالحٌ، فَلمكانِ (3) الصلاحية التي فيه عُطف عليه مايَصلحُ له، فأمَّا الاقتضاءُ فإنما هو مجرَّد دعوى وزيادة على الصلاحية، ولا دلالةَ (4) لكم عليها، وإنما أرادَ عطفَ شيءٍ على شيءٍ ليبلغَ بذلك إلى غايةٍ، هي العلمُ بأن قصدَه الاستغراقُ، فيقولُ: أكرِم كُلَّ العلماءِ، فقيرَهم وِغنيَّهم شيخَهم وشأبَّهم، قاصيَهم ودانيَهم، حتى ينتهيَ إلى الغاية، فيعلمَ المقولُ له أنَّ قصدَ المتكلَّم: عمومَهم وشمولَهم بالإكرامِ.

فصل
في الأجوبةِ لنا عن أسئلتهم
فأمَّا الأوّلُ: ومنعهُم أنَّ التأكيدَ لا يكونُ إلا بما يكون كالمؤكِّد، وما يقتضيه. فغيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ الأمرَ في ذلك أظهرُ وأشهر فإنَّ القائلَ من أهلِ اللغةِ يقولُ: دخلَ السلطانُ نفسه. وإن كان اسمُ السلطانِ لا يقعُ على غيرِه، ولا وُضعَ إلا للمسلطِ
__________
(1) في الأصل: "ثالث".
(2) زيادة يستقيم بها السياق.
(3) في الأصل: "فلما كان".
(4) في الأصل: "دالة".
(3/329)

بالحقِّ، لكن أكَّد الحقيقةَ بالحقيقةِ، لما قد يُستعانُ في ذلكَ من المجازِ، وأنَّه قد يقالُ: دخلَ السلطانُ البلدَ. وإن كانَ الداخلُ إليه عسكرُه أو رَحلُه وثَقَلُه (1)، وكذلكَ قولُهم: قد سكنَ زيدٌ الدارَ الفلانيةَ. ويُراد به نفسه، ويحسُنُ أن يقالَ: سكنها بنفسِه.
دفعاَ لتوهُّمِ الاستعارةِ في ذلكَ، وأن يكونَ سكنها بمعنى أنه نَقل إليها رحله وأهلَه، وإن لم ينتقل بنفسِه، فهذا الأمرُ لا يجحدُه إلا مُكابرٌ أو جاهلٌ باللغةِ.
وأمَّا قولُهم: كُل مَن أكرمني أكرَمْتُه. ولم يقل: أكرمتهم؛ لأنَّ كُلّ ها هنا دخلت بمعنى: أيّ النَاسِ أكرمني أكرمتُه. والوحدةُ ها هنا أبلغُ من الجمعِ؛ لأنَّ قوله: كُل مَن لفظةُ كُلّ معطوفٌ عليها (مَن)، ومعطوفٌ عليها: كل نفسٍ، وكل إنسانٍ، فعاد التأحيدُ إلى التأحيدِ، ولا يحسُنُ: كل نفسٍ بما كسبوا، وكُلّ نفسٍ ذائقون الموت، وإن جاز فالتأحيدُ أحسنُ مساغاً، كقوله: {رَهِينَةٌ} و {ذَائِقَةُ}، وأكرمتُه إلى لفظِ الواحدِ؛ لأنَه أبلغُ؛ لأنَّ إكرامَ الواحدِ من الكُل مع دخولِ الكُل على الآحاد يعطي إكرامَ (2) الكُل والآحادِ، وأن تكونَ كلُّ النفوسِ وآحادها رهينةً وذائقةً للموت، فصار المعنى: أيُ النفوسِ كَسَبت؛ فهي رهينة بكسبها، وأيُ الرجال أكرمني أكرمته.
وأمَّا قولهم: إنَ التأكيدَ يعطي ضدَّ ما أردتم، وإنه لو اقتضى اللفظُ الأولُ العمومَ لما احتيج إلى الثاني، ولما حَسُن عطفُه. فغلطٌ؛ لأنَّ التأكيدَ إنما دخلَ لنفي التوسع، والمجازِ، ولَّما كان أهلُ اللغةِ قد يتوسّعونَ بالمجارِ فيقولون في حق المعظَيم: جاءني كلُّ بني تميم. والمرادُ: أكثرُهم، والمجازُ لا يؤكَّد، أدخُلوا التأكيدَ لدفعِ التجوز والتوسع، فقالوا: أجمعينَ، أكتعينَ، أبْصعين، حتى لا يبقى توهُّمٌ للمجازِ والتوسُعِ، مثلُ قولهم: حمارٌ نهَاق ذو أربع. يُزيلونَ بالتأكيدِ توهُّمَ الرجلِ البليدِ.
والذي يدُلُّ على أنَ التأكيدَ يعطي ما ذكرنا: أنه لا يحسنُ أن نقولَ: رأيتُ زيداً
__________
(1) الثقل: متاع المسافر وحشمه."اللسان": (ثقل).
(2) في الاصل:"أكرم"، والمثبت أنسب للسياق.
(3/330)

غيره. ولا يقالُ: إلا نفسَه وعينَه؛ لأنَّ النفسَ والعينَ هى حقيقةُ زيدٍ.
ولانُسَلِّمُ قولهَم: لا يحسن تأكيدُ الاعدادِ. بل اذا قالَ ما يؤكدُ الأعدادَ حَسُنَ قال الله تعالى. {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة: 196]، {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [الأعراف: 142]، فقد بان تجويز التأكيد فى الاعداد؛ التفصيل بالجملة، فكذلكَ يحسُنُ أن تُؤكد الجملة بالتفصيل، فإذا حسن أن يقال: عشرةٌ وثلاثون: أربعون، وثلاثةٌ وسبعةٌ: عشرةٌ. عطفاً وتأكيداً، كذلك يحسُنُ ان يقال: عشرةٌ، ثمَّ يقال: ثمانيةٌ واثنان. قياساً كانَ -فنحن نقول به، وأنَّ اللغة تثبتُ قياساً، وسنذكره في موضعه إن شاءَ الله (1) - أو استقراءً.
وأمَّا قولهم: إنَ العطف للجمل المتساوية، وإنَّ المتساويةَ كلها مختلفٌ فيها، غيرُ مقتضيةٍ (2)، وإنما قصدوا بذلك بيان قصدهم وأنَّه الشمولُ، فصار بذلك الاستقصاءِ (3) مفيداً لاْ بنفس الصيغة. فغيرصحيح؛ لأنَّه اذا كان كل لفظ وصيغة من هذهِ الألفاظِ والصيغ لاتفيدُ الشمولَ، لم يكن اجتماعها مفيداً، فصيغةُ كُل، وجميع، وسائر وأجمعين، وأكتعين، كلُّ واحدةٍ منها لا تفيد عندكم، ولا تقتضي العموم، فكيف يجلبُ اجتماعها علماً المعلوم؟ وهل هذا إلا بمثابة من قال: رأيتُ معظمَ بني تميم، أكثرَ بنى تميم، أظهر بنى تميم؟ لم يعط ذلك تكرارُ الجميع، بل البعضَ، لكن الأكثرَ فقط فما أظهر التكرارُ تعميماً، حيث لم يكن فى الصيغة الأولى والثانيةِ والثالثةِ تعميم، فكيف يدعى العلم بالعموم بتكرار: كل؛ وسائر, وجميع؟ وكلُّ صيغةٍ منه على حدِّها لا تعطى ذلك ولا تقتضيه.
__________
(1) سبق وذكر المصنف ذلك فى الجزء الاولى:364و397
(2) يعني أنها غيى مقتضية للعموم.
(3) في الأصل: "بالاستقصاء".
(3/331)

فصل
فيما استدل به بعضُ من وافَقنا، وأخرجه مخرجَ الاستبعادِ لمذهبِ الخصمِ، وليسَ بالمعتمد، لكن في ذكرِه فائدةٌ ليتحرَّز من الاعتمادِ عليه.
فمن ذلك: قولُهم: إذا كان الباري قد كلَّفنا أمراً وحُكماً يشملُ الجنسَ ويستغرقُ الطبقةَ، ولم يكن قد وَضعَ للعمومِ صيغةً ترد في كتابه ولا على لسانِ رسوله - صلى الله عليه وسلم -، والباري ليس بعاجزٍ عن أن يضعَ لذلك صيغةً نعقلُ بها ذلك، فلا وجهَ لذلك، فلم يبق إلا أنه قد وَضعَ لذلكَ صيغةً تقتضيه، كما كلَّف أحكاماً تعمُّ الجنسَ وتستغرق الطبقةَ (1).
ومن ذلكَ: ما قالوا: أليسَ جبريلُ سمِعَ ألفاظاً صالحةً للعموم، ونزلَ بها على الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -، فبماذا علِمَ؟
وجوابُ القومِ عن هذا سهلُ المتناوَل؛ لأنهم يقولون: إنَ مثلَ هذا لا يمنعُ كونَ الصيغِ صالحةً غيرَ مقتضية، وإنَّ الاعتماد في حصول العموم بها ما يتبعها من قرائنِ الألفاظِ، ورمزِ اللِّحاظِ، ودَلائلِ الأحوالِ، وشواهدِ الأقوالِ التي تجعلُ الألفاظَ كالنصوصِ بارتفاعِ الاحتمالِ، ولو جازَ أن يكونَ هذا رافعاً للاحتمال، جالباً للاقتضاء في هذه الألفاظِ؛ لكانت الصيغُ المشتركةُ، كالقرءِ والشَّفقِ، لا يجوزُ أن تردَ ويجعلَ نفي تجويزِ ورودِها هذه الدلالة.
فيقالُ: إذا كانت الصيغةُ مُترددة (2) بينَ الأحكامِ، أو الأعيانِ، أو الأوقاتِ المختلِفةِ بل المتضادَّةِ، فكيفَ يكون ترجيحُ بعض (3) محتملاتِها؟ فلمَّا جازَ ورودُها، وكانَ الاعتمادُ في ترجيحها إلى بعضِ محتملاتها على القرائنِ لها ودلائلِ الأحوال
__________
(1) انظر "الإحكام" للآمدي 2/ 206.
(2) في الأصل: "المتردد".
(3) في الأصل: "بعضها".
(3/332)

المرجِّحة لأحدِ محتملاتها، كذلكَ هذه الصيَّغُ. وأكثرُ من هذا المتشابهُ الذي أوهمَ التشبيهَ، وبعضُه الاختلافَ والمناقضَة، وأحالَ سبحانه في ذلكَ على عِلمِ المتأوَّلين أو تسليمِ المُحكِمين (1).
وأمَّا ما يَسمعه جبريلُ من الوحي، فإنَّ اللهَ سبحانَه يضعُ في نفسِه (2) ما يعملُ عملَ القرائنِ في حقنا ودلائلِ الأحوالِ.
فالمعتمِدُ على مثلِ هذهِ الطرقِ سريعُ الانقطاعِ؛ لأنَه كالمعوِّلِ في دليلِه على استعظامِ خَصْمِه طريقاً يوضِّحه ليحصلَ فهمُ العمومِ والشمولِ، فإذا أوضَح طريقاً صالحاً لتفهيمهِ ذلكَ، انقطعَ الكلامُ وصارَ كقائلٍ يقولُ لغيرِه: من أينَ علمتَ كذا؟ فإذا قالَ له: من طريقِ كذا. وذكرَ جهةً صالحةً لحصولِ العلمِ، سقَطَ الكلامُ.
فينبغي للعاقلِ أن يتوقّى مثلَ هذه الطرقِ، فإنَ مصرعها وَخيم، وانقطاعَ المعتمدِ عليها سريعٌ.
وكما ينبغي للمصنف أن يُرشدَ إلى الأدلةِ النافعةِ، ينبغي أن يُحذرَ من هذه الطرقِ المضرَّة، ليقعَ بتصنيفه تمامُ النَفع إن شاءَ الله.
__________
(1) يعني قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7]
(2) أي: في نفس النبي فى - صلى الله عليه وسلم -.
(3/333)

فصل
يجمع أدلّة المخالف في هذا الفصل (1)
فمنها قولُهم: لو كانَ للعمومِ صيغةٌ موضوعةٌ تَقتضيه، لم يخلُ أن تكون ثابتةً بدليلِ العقلِ أو النقلِ، والعقلُ؛ فلا مجالَ له في إثباتِ اللغاتِ، والنقل؛ فلا يخلو من آحادٍ، ولا تَصلحُ لإثباتِ هذا الأصلِ؛ لأنها توجبُ الظنَّ، وهذه الأصولُ طريقُها القطعُ، أو يكون النقلُ تواتَر؛ فيجبُ أن يشيعَ خبرُه ويستبينَ أمرُه، حتى يكونَ العلمُ القطعيُّ به حاصلاً، والاتفاق عليه واقعاً، فلمَّا بطلت (2) دعوى وضعِ صيغةٍ للعمومِ، إذ لم يبقَ لها طريقٌ تثبتُ به، فيقالُ: هذا ينقلبُ عليكم في إثباتِكم الاشتراكَ في هذهِ الصيغِ والألفاظِ بين الخصوصِ والعموم.
قلنا: لا تجدون (3) عنه انفكاكاً؛ لأنه لا يخلو ثبوتُ الاشتراكِ فيها عنْدكم أن يكون عقلاً، ولا مدخلَ لأدلةِ العقلِ فيما هذا سبيلُه من الوضعِ، أو نقلاً، فلا يخلو أن يكونَ تواتراً قطعياً فكانَ يجبُ أن نشتركَ وإياكم في علمِه، ويشيعَ خبرهُ شياعَ جميع ما نُقِلَ تواتراً، وإن كان آحاداً، فالآحادُ لا يثبت بها ما طريقهُ العلمُ.
على أننا أثبتناه بنقلٍ يجري مجرى التواتر، وهو ما ذكرناه من النقلِ الذي رضيتم إثباتَه للصلاحية، وتَنكَّبتم منه الوضعَ والاقتضاءَ، وعَقَلنا نحنُ منه الوضعَ والاقتضاءَ بما أغْنانا ذِكره عن (4) الإعادة (5).
__________
(1) تنظر هذه الأدلة في "التمهيد" لأبي الخطاب 2/ 26 - 44، و"شرح الكوكب المنير" 3/ 109 - 112، و"شرح مختصر الروضة" 2/ 483 - 484، و"الفصول في الأصول" للجصَّاص 1/ 99، و"المستصفى" 2/ 34، 36، 45 - 48.
(2) في الأصل: "بطل".
(3) محرفت في الأصل إلى: "تحذرون".
(4) في الأصل: "من".
(5) انظر ما تقدم في الصفحة 320 وما بعدها.
(3/334)

وقد تكرَرَ طلبُكم في هذا التواترِ الذي يزيلُ الشك ويقطعُ الخلافَ، وليس هذا من أصول الدينِ بشيءٍ، إذ لو كان (1) مما لا يثبتُ إلا بالأدلةِ القطعية، لما سوَّغ الفقهاءُ لإجماعهم الخلافَ فيه، كما لم يسوغوه في أصول الديانات، ولكفّروا مخالفَهم أو فسَّقوه، كما اعتمدوا في أصولِ الديانات.

فصل
في شبههم
فمنها: أن قالوا: إنَ هذه الألفاظَ والصيغَ تردُ والمرادُ بها الكُلّ، وتردُ والمرادُ بها البعضُ، فإذا جاءت مطلَقة بغيرِ دلالةٍ ترجحها، ولا قرينةٍ تقرنها إلى أحدِ الأمرين، بقيت على التردُّدِ؛ فلا تقتضي أمراً معيَّناً؛ فوجبَ الوقفُ، فإنَّ حَمْلَها على أحدِ محمليها بغير دلالةٍ حَزْرٌ وتَخْمين. وبمثلِ هذا لا تثبت الأحكامُ، ولا تُشغلُ الذِّمَم، وما صارت إلا بمثابة الأسماءِ المشتركَة، مثل: جَون، ولَون، وقرء، وعَين، وشَفق، لا يحملُ على أحدِ محتملاته: البياضِ أو الحمرةِ، أو الطهر أو الدَّمِ، إلا بدلالةٍ، ولا مذهبَ في ذلكَ قبل ورودِ الدلالةِ أو مُصاحَبةِ القرينةِ إلا الوقفُ، كذلك ها هنا.
فيقال: ليسَ إذا حصلَ الاستعمالُ فيهما يمنعُ من كونِ الإطلاق ينصرف إلى أحدِهما، لكونه حقيقةً فيه دونَ الآخرِ، كالبحرِ، والحمارِ، والجوادِ والشُّجاعِ، فيستعملُ في غيرِ الماءِ الكثيرِ والرجلِ العالمِ أو الكريمِ، والحمارِ في النَّهَّاق والرجلِ البليدِ، والشجاع في الحيَّة والرجل المقُدِم على الحرب، وصيغُ (2) العمومِ تُستعملُ في البعضِ مجازاً، بدليلٍ، وتنصرفُ إلى الأصولِ الموضوعةِ لها والاستغراقِ والشمولِ.
والجوابُ عن المشتركِ: أنه لم يوضع لأحدِ تلكَ الأشياءِ بعينه، والكل، والجميعُ،
__________
(1) في الأصل: "كانت".
(2) في الأصل: "صيغ".
(3/335)

وسائرُ، وأنَّى (1) موضوع للاشتمال والاستغراق، ولهذا لو قال له: اذبَح كلَّ غَنمي.
حسُنَ شروعُه في الذَّبح ماراً في استئصالها بالذبحِ، إلا أن تقومَ دلالةُ النَّهي، ولا يَحْسُن لمن قيل له: اصبغ ثوبي لوناً. أن يشرعَ في صبغهِ أسودَ إلى أن يُنْهى، فهل يقفُ حتى يُبَيِّن له أيَّ الألوانِ أراد؟!
قال بعضُ الأئمةِ في النظر هذا الجوابُ غيرُ صحيح؛ لأنَّ المجازَ إنما يُستعملُ فيما يقربُ من الحقيقةِ بنعوعٍ من صفاتِ الحقيقةِ يقرب إليها، كالبلادةِ في الحمار والفيضِ في الكريمِ، والعالمِ يقرِّبه من البحرِ, وعلى ذلك في جميع الاستعارات.
فأمَّا استعارةُ الضدِّ والتجوُّزِ به، فلا؛ ألا ترى أنهم لا يستعيرون للبخيلِ بحراً؛ لأنه إلى جانبِ الجمودِ، واليُبسِ، وهي ضد الرطوبة والفَيضِ والذَّوبِ، ولا يستعملُ الحمارُ للفَطِن الذكيَّ؛ لأنه على ضدَّ البليدِ.
قال: ومن وجْهٍ آخر: وهو أنه لا يصحُّ على مذهبِ من يقولُ: إنَ المخصوصَ من العمومِ يَبقى ما بقي منه حقيقةً، ولا يكونُ مجازاً، فلا ينطبقُ الجوابُ على ما أشارَ إليه من أسماءِ الحقائقِ إذا انتقلت إلى المجاز بدلالةٍ.
فيقال: إنَّ دعواكَ أنَّ العرب لا تستعملُ الاستعارةَ في الضدِّ لا تصحُ، فإنها قد سمت الضريرَ: بَصيراً (2)، واللسيعَ: سليماً (3)، والمَخوفَ من الطرقِ: مفازةً، وهذا
__________
(1) في الأصل:"أن"، ولعل المثبت هو الصواب، فأنى: صيغة من صيغ العموم، وهي تفيد عموم الأحوال. انظر "العقد المنظوم في الخصوص والعموم" للقرافي، تحقيق أحمد الختم عبد الله. صفحة:311.
(2) وورد هذا الاستعمال في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "اذهبوا بنا إلى بني واقف نعود ذلك البصير" وكان محجوب البصر أخرجه البزار (1920)، والطبراني في "الكبير" (1534)، والبيهقي في "السنن" 10/ 200، والطحاوي "شرح مشكل الآثار" (4356).
ولقد بيَّن الطحاوي سبب تسمية الأعمى بالبصير فقال: إن الأعمى قد يقال له: بصير، لبصره بقلبِه ما يبصر به، وإن كان محجوب البصر. "شرح مشكل الأثار" 11/ 146.
(3) وشاهد ذلك ما ورد في حديث أبي سعيد الخدري قال: "كنّا في مسير لنا، فنزلنا فجاءت جاريةٌ=
(3/336)

استعمالُ الاسمِ في ضدِّ ما وضعَ له.
وإن قال قائلٌ: إنَّ الباقي من العمومِ حقيقةٌ، فلا نلزمه؛ لأنَّ الصيغةَ موضوعةٌ للاستغراقِ في أصلِ الوضعِ، وما تحتَ الاستغراق في كُلِّ لفظٍ شاملٍ لاثنين فصاعداً من الجنسِ، فهي عمومٌ في ذلكَ القدر؛ لأنها لم تُصرف إلى غيرِ ما وُضعت له؛ لأنَّ الشمولَ للكلِّ، والشمول للجملة التي تحت الكُلّ ليست غيراً ولا خلافاً، بخلافِ صيغةِ الحمار, إذا أريد بها: الرجلُ البليدُ، فإنها موضوعةٌ للنَّهَّاقِ في الأصلِ، والبليدُ غيرُ النَّهَّاقِ.

فصل
ومن شبهاتِهم: أنَّ استعمالَ هذه الصيغِ في البعضِ أكثرُ من استعمالِها في الكُّلِّ.
يقول القائلُ: جمعَ الأميرُ التجارَ, وحشر الصنَّاعَ، وغسلتُ ثيابي، وأسرجتُ دوابِّى، وتصدقتُ بمالي أو بدراهمي، وصرمتُ نَخلي، وجاءني بنو تميم. وكلُّ ذلكَ مستعملٌ في البعضِ، وقلَّ أن يستعملَ في الكُلِّ، ومُحالٌ أن يكونَ اللفظُ للكُلِّ وموضوعاً للاستغراق، ثم يكون استعماله في المجازِ أكثر كالحمارِ والبحرِ والأسَدِ والشجاعِ، لما كانت حقائقَ أصليةً كان استعمالُها فيما وضعت له أكثرَ من استعمالها فيما استعيرت له.
فيقال في (1) جوابهم: إنَّ كثرةَ الاستعمالِ لا تدلُّ على الحقيقة، وقِلَتَه لا تدل على المجاز بدليلِ أنَّ (2) الاستعمال لاسمِ الغائطِ، والعَذِرَةِ، والراويةِ، والشُّجاعِ، ثم
__________
= فقالت: إنَّ سيد الحيِّ سليمٌ, وإنّ نفرنا غُيَّب، فهل منكم من راق .. " الحديث، أخرجه البخاري (5007)، ومسلم (2251).
وسليم هنا بمعنى: لسيع، وسمي سليماً؛ لأنه مُسْلَمٌ لما به، أو أُسْلِمَ لما به. "لسان العرب": (سلم).
(1) في الأصل: "من".
(2) هكذا في الأصل، ولعل حذفها أولى لاستقامة العبارة.
(3/337)

الغائط والعذرة تُستعملان في الخارج من الإنسان، والراوية تستعمل في المزادة، أو الحيوانِ الحامل لها، والشُّجاع في الرجل المقدامِ، وإن كان ذلك موضوعاً لغيره؛ فالغائطُ للمطمئنِ من الأرضِ، والعَذرةُ لفِناءِ البيت، والشجاع للحيّة المخصوص (1).
وكثرة الاستعمال أمر تَجددَ، فلا يُخرجُ الوضعَ عن أصله، كما يكثرُ استعمالُ الفلوسِ في بعضِ البلادِ، والأخْبار والإبرِ يسم والأقْطان، ولا تَخرجُ الدراهمُ والدنانيرُ عن كونِها أثمانَ الأشياءِ. ويُكثر أهل البوادي أكلَ الهَبيدِ (2) والعِلْهِزِ (3)، وإن كان الطعامُ إذا اطلقَ ينصرفُ إلى غيرِ ذلكَ من الأطعمةِ الموضوعةِ في الأصلِ للطّعمِ.

فصل
ومن شُبَههم: قولهم: أجمعَ (4) القائلونَ بالعموم، والذاكرونَ له على حُسنِ الاستفهام عن مُراد اللافظِ بهذهِ الصيغِ والألفاظِ: ما الذي أردتَ بقولك: اصرِمِ النخلَ، واذبح الغنَم، وأكرِم من زارنا، واضرِبْ من عَصانا، وتصدَّق (5) بدراهِمنا؟ وهل أردتَ العمومَ واستغراقَ كُلِّ النخيلِ، وذبحَ جميعِ الشياهِ حتى لا يبقى منها واحدة؟ أم أردتَ البعضَ أو الأكثرَ؟ ولو كان ذلك موضوعاً للاستغراقِ لما حسُنَ الاستفهامُ.
__________
(1) هكذا في الأصل.
(2) الهبيد: هو الحنظل أو حَبّه، كانت العرب تتخذ منه طعاماً عند الضرورة، تأخذ حب الحنظل وهو يابس، وتجعله في موضع وتصب عليه الماء وتدلكه، ثم تصب عنه الماء، وتفعل ذلك أياماً حتى تذهب مرارته ثم يدقُّ ويُطبخ. "اللسان": (هبد).
(3) العِلْهِز: وبّرٌ يُخلط بدماء الحَلَم، كانت العرب في الجاهلية تأكله في الجدب."اللسان": (علهز).
(4) في الأصل: "الجميع" والمثبت أنسب للسياق.
(5) تحرفت في الأصل إلى:"صدق".
(3/338)

ألا ترى أن صيغ الأسماء للأجناس لما كانت موضوعة لأعيانٍ مخصوصة لم يحسُن فيها الاستفهامُ، فلو قالَ: اذبح غَنَمي، واصرِم نَخلي، وتصدَّق بدارهمي. فقال: فهل تريدُ بالغنم الإبلَ، وبالنخيل الكرومَ، وبالدراهمِ الزعفرانَ؟ لماّ كانَ موضوعاً لتلكَ الأعيانه لم يحسُن الاستفهامُ فيه.
فيقالُ في جوابِهم عن ذلكَ: إن جوازَ الاستفهامِ لايقف على غيرِ الموضوعِ، بل يحسُنُ أيضاً في الموضوعِ حقيقةً (1)، لينفيَ باستفهامِه ما يعتري اللفظَ من التجوّز والاتساعِ والاستعارةِ، ألا تراه لو قال: دخلَ السلطانُ البلدَ. حسُنَ أن يقولَ: نفسُه أم عسكَرُه؟ وإذا قال: رأيتهُ (2) مُقبلاً. حَسُن أن يقول: عَيْنه أو موكبَه؟ وإذا قالَ: ناطحتُ جبلاً، ولقيتُ بحراً، ورأيتُ حماراً. حَسُن أن يُستعلمَ: أمتَجوِّزٌ هو أم مُحِّق؟ فيقالُ: خاصمتَ رجلاً عظيماً, ولقيتَ رجلاَ كريماً, ورأيتَ رجلاً بليداً، أم نطحَك جَبَلٌ من حَجر, ولقيتَ ماءً غزيراً، ورأيتَ حيواناً نَهّاقاً؟
وإذا كان الاستفهامُ موضوعاً لزوال الالتباسِ، والإلباسُ حاصلٌ من حيثُ دَخَلَ الكلامَ التوسُّعُ والمجاز؛ لم يبقَ في الاستفهام دِلالةٌ على أنَ العمومَ لا صيغةَ له من حيثُ حَسُن فيه ودخلَ عليه؛ ولأنَ العمومَ صيغةٌ موضوعةٌ، لكنها ظاهرٌ, والاستفهام لطلبِ النصّ الذي هو الغاية التي لا تحتمل.

فصل
ومن شبههم أيضاً: أن قالوا: لو كان اللفظُ موضوعاً للاستغراقِ حقيقةً، لكان استعمالُه في البعض مجازاً، كما أنه لما كان استعمال لفظِة (حمار) حقيقةً في الحيوانِ النَّهَّاق، كان استعمالُها في الرجلِ البليدِ مجازاً، فلما كانت في الاستغراقِ حقيقةً، وفي البعض حقيقةً، عُلِمَ أنها إلى الاشتراكِ أقربُ منها إلى الوضعِ للعمومِ والشمولِ.
__________
(1) في الأصل: "الحقيقة"، والمثبت من "العدة"2/ 507.
(2) في الأصل "رأيت".
(3/339)

فيقالُ لهم: إنما لم يصِر مجازاً؛ لأنَهُ غيرُ مستعمَلٍ في غير، بل ما بقي منه صالحٌ للشمولِ لما بقي من العددِ، وذلكَ لا يُسمى مجازاً، كما إذا قال: له علي عشرةٌ كان حقيقةً في هذا العددِ المخصوصِ، فإذا قال: إلا درهمين. كان حقيقةً في الثمانية، ولا يقال: إنه مجازٌ في العشرةِ، وإنما المجاز ما استُعملَ في غيرِه، استعمالِ الحمارِ في الرجلِ البليدِ، إذ لم يكن هو ولا بعضه (1).

فصل
ومن شُبههم فيها: أن قالوا: لو كانَ اللفظُ للعمومِ لما جازَ أن يردَ، والمراد به [البعض لا] (2) العموم، كما في أسماءِ الأجناسِ والأنواعِ والأعيانِ، فلما وردَ هذا اللفظُ والمرادُ به البعضُ، بطَلَ أن يكونَ موضوعاً للكُلّ.
ألا ترى أن العلَّةَ لما كانت مقتضية للحكم لم يجُز أن تردَ في غيرِه (3) مُقتضية له بحالٍ.
فيقالُ: نقولُ بموجب دليلكَ، وأنه لا يردُ للبعضِ بمطلقه، وإنما يردُ للبعضِ بقرينةٍ أو دلالةٍ، وليس ذلكَ مانعاً من الوضع كأسماءِ الأجناسِ التي عوَّلتَ عليها في الاستشهادِ، فإنَ الدلالةَ تصرفُها إلى غيرِما وُضِعت له.

فصل
ومن شمبههم فيها: أن قالوا: لو كان اللفظُ موضوعاً للكل، ثمَ وردَ ما يدُل على أنّه اريدَ به البعضُ، لكان كذباً، كما إذا قال: عشرة. ثم بان أنه رأى خمسة عَشر فإنه يكون كذباً كذلك ها هنا، فلما لم يكن تبيانُ التخصيص كذباً، دل على أنه ليس
__________
(1) انظر "العدة" 2/ 208، و"التمهيد" لأبي الخطاب 2/ 35 - 36.
(2) في الأصل: "إلا"، والمثبت هو المناسب لصحة المعنى.
(3) في الأصل: "غير" ولا يستقيم بها المعنى.
(3/340)

بموضوع للاستغراق.

فصل
في الأجوبة عن هذا
فمنها: أنه يبطل به إذا قال: اقتل عشرةَ أنفسٍ. ثم خصَّ بعضَهم، فإنَّ اللفظَ يتناول العشرةَ، ثم تَخصيصه لم يوجب الكذبَ.
على أنَّ كلامَ صاحبِ المتبرعِ يُجمَعُ بعضُه إلى بعضٍ، كالجملةِ الواحدةِ، فيصيرُ كالاستثناءِ مع المستثنى منه، فإنه لو قال: له علي عشرة إلا درهمين (1)، لم يكن كذباً، كذلك ها هنا.
والذي يوضح هذا: أن كلامَ صاحبِ الشرعِ يُبنى بعضُه على بعض كالمجموع (2)، فإنه يُطلق الأمرُ في الشرعِ إطلاقاً، ثم يردُ بعد ذلك النسخُ، فلا يُعدُّ بداءً (3)، وإن كان في غيرِ ألفاظِ صاحبِ الشرع يُعد بَداءً، فكذلكَ لا يُعَدّ التخصيص فيه كذباً.

فصل
ومن شُبههم: أن قالوا: لو كانَ اللفظ موضوعاً للاستغراقِ، لما جازَ تخصيصُ الكتاب بأخبارِ الآحادِ والقياس، فإنه لا يجوز إسقاطُ حكم القُراَنِ المقطوع بخبر واحد وقياسٍ مظنونٍ، كالنسخِ.
فيقال: ليس التخصيصُ إسقاطَ اللفظِ كُلّه، وإنما تخرجُ به بعضُ الأحكامِ ويبقى بعضها، ويتبين به أنَّ هذا الذي كان المرادَ به، فلا يكونُ إسقاطاً لحكمِ الكتابِ، بل بياناً للمراد بالكتابِ، فهو كصرفِ ظاهرِ اللفظِ، كالأمرِ والإيجابِ
__________
(1) في الأصل: "درهمان"، وهوخطأ.
(2) في الأصل: "كالجموع".
(3) البداء لغةً: الظهور، واصطلاحاً: ظهور الرأي بعد أن لم يكن. "التعريفات": 43.
(3/341)

يُصرفُ إلى الندبِ بخبرِ الواحدِ والقياسِ، بخلافِ النسخِ الذي هو رفعٌ وإسقاطٌ (1).

فصل
ومن شُبههم فيها: أن قالوا: حملُ هذهِ الصيغِ على العمومِ يوجبُ التضادَّ؛ لأنه يعطي الخصوصَ كما يعطي العُمومَ، والكُل والبعضُ، والعمومُ والخصوصُ، متضادان، وليس في اللغةِ ذلك.
فيقال: الصيغةُ التي تفيدُ العمومَ ليست هي الصيغةَ المفيدة للخصوص، لأنَّ التي تعطي العمومَ هي الصيغةُ المجرَّدة المطلقةُ، والصيغةُ التي تفيدُ الخصوصَ هي المقيَّدةُ بقرينةٍ، أو الموجبة للبعضِ بدلالةً (2).

فصل
والدلالةُ على فسادِ مذهبِ من حمل صيغة العموم على أدنى الجمعِ (3)، ما تَقدَّم من الآي، والأخبار واحتجاجِ الصحابةِ بعضهِم على بعضٍ بالآيِ والأخبار (4)، ولا أحدَ منهم تعلَّق بأقلِّ الجمعِ ولا ذكرَه.
ومنها: أنه يحسُن أن يُستثنى من هذه الصَّيَغِ والألفاظِ الثلاثةُ والأكثر, ومحالٌ أن تكونَ الصيغةُ موضوعةً لثلاثةٍ، ويُستثنى جميعُها وأكثر منها.
وفي علمِنا أنَه يحسن أن يقولَ: أحضر بني تميم، واقتل المشركين إلا ثلاثةً، فلانٌ وفلانٌ وفلانٌ. وكذلكَ لو قال: إلا عشرةً. ولو كانت الصيغةُ بإطلاقِها تقتضي الثلاثةَ، لما جازَ استثناءُ الثلاثةِ، كما لو قال: اقتل ثلاثةً من المشركينَ إلا ثلاثةً.
__________
(1) انظر "العدة" 2/ 509، و"التمهيد" لأبي الخطاب 2/ 39.
(2) انظر "العدة" 2/ 508.
(3) ينسب هذا الرأي إلى أبي هاشم الجبّائي، ومحمد بن شجاع الثلجي كما ذكر المصنف في الصفحة:314.
(4) انظر ما تقدم في الصفحة 314 وما بعدها.
(3/342)

ومنها: أن للجمع لفظاً هو أخصُّ من صيغِ العمومِ، فلو أريدَ به أو وُضِعَ له، لأتى بذلك اللفظِ. فالخاصُّ: اقتل جماعةً من المشركينَ، واقتل مشركين، واقتل ثلاثةً.
فأمَّا: اقتلوا المشركين. فهذا هو صيغةُ الكل والاستغراقِ.
ومنها: أنَه لو كان الواجبُ حملَ العمومِ على الأقل لحُمِلَ على الواحِد، فإنه كما يرد والمراد به الثلاثة، قد يردُ والمرادُ به الواحدُ، قال الله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} [آل عمران: 173] والمرادُ به واحد (1)، وقال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا}. إلى قوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات: 9 - 10] فأفضى الكلامُ إلى أنَّ الطائفة تقع على الواحدِ، إذ جعل الطائفتين اثنين. ونون الجميعِ تقعُ على العظيمِ، قال اللهُ تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، وهو الواحدُ حقيقةً، فكانَ يجب على كُل من اعتمدَ على أقلِّ ما يُستعملُ في لفظِ الجمعِ أن يعتمدَ على الواحدِ، فإنه أقل من الثلاثةِ، وقد كتب عُمرُ إلى سعدٍ: إني قد أنفذتُ إليكَ بألفي رجل (2)، وإنما أنفذَ إليه القعقاعَ وألفَ فارسٍ، فسمَّي القعقاعَ ألفاً، وهو واحد.
ومنها: أنَ لفظَ الجمعِ يُفارقُ لفظَ العموم من وجهين:
أحدهما: أن صيغةَ العمومِ آيتها الألفُ واللاّم، وإذا كان له مع وكيله دراهمُ، فقال له: تصدَّق بدراهم. اقتضى ذلك الثلاثةَ فما زاد، وإذا قال: بالدراهمِ، رجع إلى
__________
(1) مقصوده بذلك: أن لفظ "الناس" الأول الوارد في الآية أريد به نُعيم بن مسعود الأشجعي
رضي الله عنه وهو واحد. وهذا تفسير مجاهد وعكرمة. انظر: "زاد المسير في علم التفسير"1/ 504
(2) لم أقف عليه في الكتب التي ترجمت للقعقاع، والوارد أن عمر رضي الله عنه كتب إلى سعد بن أبي وقاص:" إني أمددتك بألفي رجل: عمرو بن معد يكرب وطُليحة بن خويلد" انظر "الإصابة"، 3/ 20.
(3/343)

المعهود كُلِّه، أو الجنس، وقوله: دراهم. لفظُ تنكيرٍ.
والوجهُ الثاني: أنَه لا يحسُنُ دخولُ الاستثناءِ على قولنا: دراهم. ولا على [ما] (1) جمعه تنكير ويدخلُ على لفظِ العموم، وهذا يَدُلّ على الفرق بين اللَّفظتين.

فصل
في جمع شُبَههم
فمنها: أن قالوا: الثلاثةُ متحقِّقٌ فيها الجمعُ والشمولُ، فحملنا إطلاقَ اللفظ على المتحقق من الجمعِ، ولم نَرتقِ إلى ما زادَ على المتحقِّق؛ لأنه مشكوكٌ فيه، فلا بُدَّ من دلالةٍ توجبُ لنا الارتقاءَ إليه، والحملَ عليه.
فيقالُ: هذا يوجبُ حملَه على الواحدِ؛ لأنه أقلُّ ما وردَ فيه لفظُ الجمعِ (2) من الوجْه الذي قدَّمنا، على أن الثلاثةَ لا تُستعملُ في الكُل والجميعِ إلا بدلالةِ وقرينة، ولهذا لا يُعقلُ من قولِ القائلِ: اقتُلْ المشركين، وأكرِم المسلمين. ثلاثة من هؤلاء، ولا من هؤلاء إلا بدلالة تَحملُه بأقلّ بادرة على الثلاثة، [وإلا كان ذلك] (3) حطّاً على اللغةِ.
ودعوى الشك في الزيادةِ بعيدٌ، لأنها أصلُ الوضع، فكيف نسلِّم لكم أن اليقينَ الثلاثة، وأن الزيادة مشكوكٌ فيها؟ بل عليكم الدلالةُ على دعواكم الشكَّ، ولن تجدوا لذلك دليلاً، فإنَّ الانحطاطَ إلى الثلاثةِ عن الاستغراقِ عندنا، هو الذي يحتاجُ إلى دليلِ. ولأنه لو جازَ أن يقتَصر على الثلاثةِ في العموماتِ والصيغِ للكلِّ والجميعِ؛ لجازَ أن يقتصر على الثلاثةِ في الأعدادِ وأسماءِ الجموعِ، كالعشراتِ والمئين.
__________
(1) زيادة يقتضيها السياق.
(2) في الأصل: "الجميع".
(3) زيادة يقتضيها السياق.
(3/344)

ولأنَ الاستثناءَ قد يدخلُ عليها فيردَّها إلى الثلاثةِ والواحدِ، لمّا لم يلزم ذلك في ألفاظ العموم.
ومنها: أنَه لو كان لفظُ الجمعِ يقتضي العمومَ، لكان من قال: له عليَّ دراهم. غير مقبول منه تفسيرُ إقراره بالثلاثةِ؛ لأنه فسَّره بغيرِ الموضوعِ، كما لو أقرَّ بعبدٍ أو أمةٍ، وفسَّره بشاةٍ أو بَعيرٍ.
فيقالُ: إنَّ قولَه: عليَّ دراهم. نكرة، ومثل هذا عندنا لا تقتضي الجنس، لكن يقتضي إذا تَعرف بالألفِ واللام، غيرَ أنَا لا نَحملُ ذلكَ على الجنسِ في الإقرار، لدليلٍ دلَّ عليه، وهو أنّا نعرِفُ من طريقِ العُرفِ والعادةِ أنَه لا يلزمُ ذِمَّةَ الإنسان لمُعامِلهِ جنسُ الدراهم، لا في قَرضٍ، ولا بيع، ولا بَدلِ مُتلَفٍ، ودلالةُ العُرف تَخُصُّ أبداً، وتمنع من حمله على أصلِ الوضع، كما تقصر الدراهمَ على [البعض] (1)، ولا يقبل تفسيرُ إطلاقِه بدراهمَ غيرِ نقدِ البلدِ.
فوِزانُه من مَسألتِنا: أن يردَ لفظُ العمومِ ويردَ معه أو بعدَه دلالةٌ تقتضي الخصوصَ، فيُقضى بالخصوصِ عليه.

فصل
في الكلامِ على من فرَّق بين الأوامرِ والأخبارِ، فأثبتَه (2) في الأمرِ دون الخبرِ (3).
فمن الدلالةِ عليهم: أنَّ فيما ذكرنا أخباراً تعلَّق السلفُ بعمومِها وأوامر؛ من ذلك: قوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 98]،
__________
(1) زيادة يتم بها المعنى.
(2) يعني العموم
(3) يُنسبُ هذا الرأي إلى أبي الحسن الكرخي من الحنفية.
انظر "الفصول في الأصول"1/ 101، و"البحر المحيط" 3/ 22، و"إرشاد الفحول" ص 116.
ولقد ضعَّف الإمام الجصِّاص هذه النسبة إلى أبي الحسن الكرخي، فقال: ومذهب أصحابنا: القول بالعموم في الأخبار والأوامر جميعاً، وكذلك كان شيخنا أبو الحسن (الكرخي) يحكيه من مذهب أصحابنا جميعاً.
(3/345)

واحتجاج عبد الله بن الزِّبَعرى على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بها، وجوابُ اللهِ تعالى بالتخصيصِ
من غيرِ إنكارٍ للاحتجاجِ من طريقِ اللغةِ (1).
ومنها: أنَّ ما تحتَ اللفظِ العامِّ لا عبرةَ به، وإنَما العملُ للصيغِ؛ فقولُ القائِل: قامَ الناسُ. وقولُه: ليقم الناسُ. وقولُه: أقامَ الناسُ؛ وقوله: لم يقم الناسُ. كلُّه عمومٌ من طريقِ الصيغةِ. قال اللهُ سبحانَه: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر 30]، وقال: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} [البقرة: 34]، فالصيغةُ واحدةٌ, فإذا اقتضت العموم في أحدِهما اقتضت الشمولَ والاستغراقَ في الآخرِ، ألا ترى أنه يحسُنُ الاستثناءُ في كُلِّ واحدٍ منهما بألفاظِ (2) الشمول. والاستثناءُ لا يُخرجُ إلا ما كانَ لولاهُ داخلاً، والمؤكِّد لا يؤكِّد إلا بما يضاهي المؤكَّد به، نقول: سَجَدَ الملائكةُ كلُهم، ودخلَ الناسُ جميعهم، وجاءني زيدٌ نفسه. وإذا حسُنَ إخراجُ كلِّ واحدٍ من الجمعِ بالاستثناءِ، دلَّ على أنه دخلَ في لفظِ الجمعِ، وإذا حسُنَ تأكيدٌ بألفاظِ الشمولِ، دلَّ على أنه يقتضي الشمولَ.
ومنها: أن كُل صيغةٍ اقتضت معنى أفادت ذلك المعنى في الخبرِ والأمرِ والنهي وغيرِها من المعاني.
فالحروفُ المثبِتة والنافِية كحرفِ (ما) و (ليسَ) و (لا)، إذا دخلت على الأمرِ والنهي والخبرِ، أفادت معناها الذي وُضِعت له، نقول: ما زيد في الدارِ، وليس زيدٌ في الدارِ، ولا دخلَ زيدٌ الدار وفي النهي: ما ينبغي لك يا زيدُ أن تدخلَ الدارَ، ولا تدخل يا زيدٌ الدار. فكذلكَ صيغةُ العموم: دخل القومُ الدار، وأدخِلِ القومَ الدارَ، وقامَ الناسُ، وأقمِ الناسَ. وعلى هذا في كُلّ شيء دخلَ
__________
(1) انظر ما تقدم في الصفحة: 314 وما بعدها.
(2) في الأصل: "بالألفاظ".
(3/346)

عليه حرفٌ من حروفِ العمومِ (1).

فصل
في شُبَههم
فمنها: أن قالوا: إنَّما قلنا به في الأمر لأنَّ الأمرَ تكليف، فلو لم يُعرف به الأمر أدّى إلى تكليفٍ بلفظٍ غيرِ معقول، وذلك تكليفُ ما لا يُطاق، وليس كذلكَ الخبرُ، فإنه وعد أو وَعيد أو قَصَصٌ، وذلكَ لا يلزم به تكليف، ولا يقتضى إيجابَ شيء.
فيقالُ: وكيفَ لا يدخلُ تحته تكليفٌ، وهو قِوامُ التكليفِ، فإنَّ الخبرَ عليه تَنبني الاعتقاداتُ، والوعدُ والوعيدُ من أكبرِ مَصالحِ التكليفِ، فإنَّهما الحاديانِ للمكلَّفين إلى الطاعةِ والانْقيادِ، ولو عُدِما لم تَنْقَدِ النفوسُ إلى ما كُلفت، ومحالى أن يخلوَ الخبرُ من فائدةٍ من فوائِد التكليفِ، وإن اختلفت الفوائدُ لم يوجب ذلكَ تركَ العملِ بالعمومِ؛ كاختلافِ الأوامرِ أنفسها بين نَدبٍ هو أدنى، وإيجابٍ هو أعلى، وأقصى مراتبنا في اقتضاءِ العمومِ لها ودخوله عليها، ولسنا نطلبُ للوضع عائدةَ الفائدةِ، فإنَّ العربَ تضعُ الألفاظَ والصّيَغ لما قلَّ وجلَّ من أغراضها، كذلكَ الشريعةُ؛ لأنها جاءت بعادة القومِ.

ومنها: أنَّ الخبرَ لا يدخله نسخ ولا تخصيصٌ، والأمرَ يدخله النسخُ والتخصيصُ جميعاً، فجازَ أن يدخلَه العمومُ الذي عليه يرِدُ التخصيصُ.
فيقالُ: هذا يُدلُّ على تأكُّدِ الخبرِ، فإنه متأكدُ الثبوتِ، لا يتسلَّط عليه رفعٌ ولا تخصيص، ولأنَّه إنما لم يدخله نسخٌ؛ لأنَّ نسخَ الخبرِ عما (2) كان، هو محض الكذبِ غيرُ الجائزِ على حكيمٍ فضلاً عن الخالقِ سبحانه.
ونسخُ الخبرِ عما يكون في المستقبل أيضاً كذب، فإنَّ حقيقةَ نسخِ الخبرِ أنَّه إذا
__________
(1) انظر "العدة" 2/ 512.
(2) في الأصل: "بما".
(3/347)

قال: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 105]، أن يقول: لم يك لي نَبي يُعرف بنوح، أوكان نوحٌ، لكن لم يُكذِّبه قومُه.
والمستقبل مثل قوله: {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} [الروم: 3]، {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [الفتح: 27]، فنسخُ ذلكَ أن يقولَ: لن يَغلبوا، ولن تدخلوا. وهذا عينُ الكذبِ الذي لا يجوزُ على اللهِ سبحانَه، ولا على رسُلهِ، ولا يحسُنُ بعقلاءِ خلقِه.
فأمَّا التخصيصُ فيجوز من ذلك (1) قوله: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الأنبياء: 98]، وقوله بعد ذلك: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101]، وأما قوله: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ} [الحجر 30]، فأغرقنا جميعَ أهلِ الأرضِ، فأهلكنا جميعَ أهل قريةِ لوطٍ. فلا فرقَ بينَ ذلكَ وبين قولِه: {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] انفِروا في سبيل الله كافة. في دخولِ التخصيص.

ومنها: أنَ الأخبارَ يجوزُ أنْ تردَ با لمجهولِ والمجملِ، مثل قوله: {وكَمْ أهْلكنا قَبلهم مِن قَرنٍ} [مريم: 74]، {وقروناً بينَ ذلك كثيراً} [الفرقان: 38]، ولا يُبينُه أبداً، ولا يجوزُ أن يقولَ في الأمر {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141]، {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [البقرة: 43]، ولا دلالةَ قبيلَ الأمرِ أو معه أو بعدَه تُبيِّنُ مرادَه بذلكَ، بل لا بُدَّ من بيانٍ، فأينَ الخبرُ من الأمرِ؟
فيقالُ: أكثرُ ما يتلوّحُ من هذا الفرقِ أنَّ في الأخبارِ ما لا حاجةَ بنا إلى معرفة كيفيةِ المخبَرِ به ولا مقدارِه ودوام الإجمالِ فيه، وهذا لا يمنعُ من وضعِ صيغةٍ لعمومِه، كما لم يمنع من جوازِ ورودِ دلالةٍ على بيانِه وتفسيرِ مُجمَلهِ، والكشفِ عن مقدارِ المُخَبرِ به.
__________
(1) في الأصل: "بذلك"،
(3/348)

فصل
ويجوزُ الأخذُ بالعمومِ في المضمرَاتِ (1).
مثاله: قولُه تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء23]، {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3]، {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96] فالمضمرُ فيها أفعالُنا، إذ الأعيانُ أنفسُها لا توصَفُ بحظرٍ ولا إباحةٍ؛ لأن الحظرَ والإباحةَ منع وإطلاق، والأعيانُ الموجودةُ لا يصحُ المنعُ والإطلاقُ فيها عَيْنها، بل يتسلَّطُ على أفعالنا فيها؛ فأفعالُنا إذاً هي المضمَرة، وأما العمومُ المعمولُ به فيها، فهو المنعُ منها: أكلاً، وبيعاً، وشُرباً، وادِّخاراً، واقتناءً، وكذلكَ الأمهاتُ: نكاحاً، وبَيعاً، وشراءً، واستمتاعاً، واستخداماً، والصيدُ: اصطياداً، وبيعاً، وشراءً، وحَبساً، وإمساكاً، وأذيَّة له من نتفِ ريشٍ أو شَعرٍ، أو كَسر بيضٍ، أو إزعاجٍ من وَكْرٍ إلى أمثالِ ذلكَ.
ومثاله من السُّنَن: "هذانِ حرامٌ على ذكورِ أُمّتي، حِل لإناثها (2) ". مشيراً إلى الذهبةِ والحريرةِ، فالمضمَر أفعالنا فيهما، والعمومُ: سائرُ أفعالِنا إلا ما خصَّه الدليلُ في جميعِ ما ذكرنا من الكتابِ والسنَةِ.
وقال أكثرُ أصحابِ أبي حنيفة، وأصحاب الشافعي: لا يُعتبر العمومُ في ذلكَ (3).
__________
(1) هذا لا حال عدم ورود الدليل على تعيين أحد المضمرات، أما في حال ورود الدليل فالمتفق عليه عند الأصوليين أن المضمَرَ يُحملُ على ما عيّنه الدليل. وسيأتي خلاف الأُصوليين في حال عدم ورود الدليل المعين. وانظر "العدة" 2/ 513 - 516، و"الإحكام" للآمدي 2/ 249.
(2) تقدم تخريجه في 2/ 401.
(3) للأُصوليين في مسألةِ عمومِ المضمَراتِ رأيان:
الرأي الأول: أنَه يؤخذ بالعمومِ في المضمرات، وهذا رأي الحنابلةِ وبعص الشافعية.
الرأي الثاني: أنه لا يجوز الحملُ على الجميعِ؛ لأن الضرورة هي المقتضية للإضمار, وهي =
(3/349)

0فصل
في أدلتنا
فمنها: أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: "رفع عن أُمتي الخطأُ والنسيانُ" (1)، لا يمكنُ رَفعُه بعدَ وقوعِه، وإنما أرادَ به: ما يتعلّق على الفعلِ من الجُناح، إذا كان عمداً، يُرفع عن، المكلَّف إذا وقَع منه ذلكَ الفعلُ خطأً. فصارَ بهذا التقدير الذي أوجَبَتْه أدلةُ العقلُ منصرفأ إلى مأثم الفعلِ وتَبعاتِه عن كُلّ فعل وقَع خطاً من فاعلِه.
ومنها: أنَّ المُضْمَرَ الواجبَ إثباتُه بحكمِ دليلِ العقلِ، كالمنطوقِ به، وإذا كان ثبوتُه بدليلِ العقلِ، وجبَ حملُ تحريمِ الأفعالِ المضمَرةِ المتُصورِ وقوعُها في الأعيانِ على الإطلاقِ.
__________
= مندفعةٌ بإضمارِ واحدِ منها. وهذا رأيُ أكثرِ الحنفية، وهو ما اختاره الغزالي والفخر الرازي، وأبو إسحاق الشيرازي وابن الحاجب.
انظر هذه المسألة وما تلاها من اختلافات، وأدلة، وبيان، وتفنيد لآراء المخالفين: "أصول السرخسي"1/ 248، و"التبصرة في أصول الفقه" لأبي إسحاق الشيرازي": 201 - 202، و"المستصفى" 2/ 62 - 64، و"المحصول" 2/ 382 - 383، و"العُدة" 2/ 513 - 518، و"التمهيد" لأبي الخطاب 2/ 230، و"شرح الكوكب المنير" 3/ 197 - 202.
(1) أخرج الطحاوي في"شرح معاني الآثار"، والطبراني في "الصغير" 1/ 270 والدارقطني 4/ 170 - 171، والبيهقي 7/ 356، وابن ماجه (2045)، والحاكم في" المستدرك" 2/ 198 وابن حبان (7219) من حديث ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "إن الله تجاوَز عن أُمتي الخطأ، والنِّسيان، وما استكرهوا عليه".
أما لفظة: "رفع عن أمتي" فأخرج قريباً منها ابنُ عدي في "الكامل"2/ 573 عن أبي بكرة مرفوعاً بلفظ: "كع اللهُ عن هذه الأمة ثلاثاً، الخطا والنسيان والأمر الذي يكرهون عليه". =
(3/350)

فصل
شُبَهُهُم: قالوا (1): معنى قولنا: عمومٌ؛ أنه بخطابٍ موضوعٍ لشمولِ الجنسِ واستغراقِه، وهذا لا يدخلُ في المعاني والمضمَرات إذا كان المضمَرُ والمعنى ليس بلفظ.
فيقالُ: إنَّ المضمَر الواجبَ إثباتُه، كاللفظِ، وهل يُرادُ من العمومِ إلا استغراقُ ما يتناولُه؟ فلا فرق بين أن يكونَ ما تحته معاني تُنْبىء عنها الألفاظُ والصيَغ، أو نفسُ الصيَغِ والألفاظِ، فهو كقائلٍ ومخاطِبٍ في النفسِ يقول: لا حُكمَ من أحكامِ العمدِ يتعلَّق على الخطأ المعفوِّ عنكم المرفوع.
ومنها: أنَّ دليلَ الإضمارِ ألجأنا وأحوَجنا إلى أن نُضمِر الفعلَ، إذ لا يجوزُ أن يقَع الحظر على نفسِ العينِ، فالواجبُ أن يُستعملَ الإضمارُ فيما بنا حاجةٌ إليه، والفعلُ الواحدُ يقضي حقَّ الدليلِ، ويَسُد مَسَدّ الفعلِ المصرَّح به، فلو قال: حُرِّمت عليكم أمهاتكم نكاحاً، والميتةُ أكلاً، والصيْدُ حَبْساً، كفى، ولم يحتج إلى إضمار فَما يَسُدُّ مسدَّ الإظهارِ يكفي، فالعمومُ لا يُحتَاجُ إليه.
فيقال: لعمري إنَ الحاجةَ داعية إلى الفعلِ في الجملة، لكن مَن الذي أوجَب اتفاقَ لفظِ التحريمِ على فعلٍ واحدٍ مع كونِ التحريمِ صالحاً لشمولِ كُل فعلٍ يصلُحُ أن يُضمرَ؛ والإضمارُ كما أوجبَ فعلاً، صلُح لكل فعل، فاللفظُ بالتحريمِ يعمُ كلَّ صالحٍ من الأفعالِ أن تقَع في تلك الأعيانِ، والصلاحية كافية، كما لو اشتبهت الأعيانُ المحظورةُ والمباحةُ، فإنَّا نقطعُ على أنَّ المحظورَ البعضُ، ولمّاَ صَلُحَ أن يكونَ كلُّ واحدٍ منها للتحريمِ؛ عمَّ الحظرُ جميعَها، فأعطينا الإضمارَ حقَه من اعتبارِ الفعلِ،
__________
= ولقد أشار ابن الوزير في كتاب "العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم" 1/ 196، إلى أن طريق لفظ: "لرفع"، طريق ضعيف.
(1) في الأصل: "قال".
(3/351)

والحظرَ حقَه من شموله لكلِّ فعلٍ.
ومنها: أن قالوا: لو صحَ دعوى العمومِ في المضمراتِ؛ لصح أن يدخلَ
التخصيصُ على المضمرات، كا لمُظْهَراتِ (1) لمَا دخلها العمومُ دخلها التخصيصُ. فيقالُ: كذلكَ نقولُ، وإنه على عمومِه في كُلِّ مضمَر يصحُّ إضمارُه إلا أن تردَ دلالةٌ تخصُ بعضَ الأفعالِ بالإباحةِ.

فصل
ولا يكون قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23]، و {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] مجازاً غيرَ دالى على تحريمِ أفعالي في الأعيانِ (2)، خلافاً لما حُكيَ عن أبي عبد الله البصري (3)، المفَقب بالجُعَل، وقوله: هذا مجازٌ لا يدل على تحريمِ الأفعالِ.
__________
(1) يقصد بالمظْهَرات: اللفظ الظاهرُ، وهي في مقابل المُضْمَراتِ، وهي الألفاظ غيرُ الظاهرة.
(2) مرادُ ابن عقيل في هذه المسألة: أن لفظ التحريم إذا تعلَق بما لا يصحُّ تحريمه، فإنَه يكون عموماً في الأفعالِ في العين المحرَّمة، نحوَ قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} و {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ}. انظر "العدة" 2/ 518 - 519، و"المسودة": 94.
(3) هو أبوعبد الله الحسين بن عليَّ البَصري، المعتزلي معتقداً، الحنفيّ مذهباً، كان مقدماً في الفقه والكلام، وانتهت إليه رئاسةُ أصحابه في عصره. توفي سنة (369 ه).
انظر "تاريخ بغداد" 8/ 73 - 74، و"شذرات الذهب" 3/ 68، و"سير أعلام النبلاء"
(3/352)

فصل
في الدلالةِ لنا على أنَّ المعقولَ في لغةِ العربِ من التحريمِ المنعُ
والمنعُ إنما يَتَجه (1) إلى ما عليه تسلُّط، ولا نوعَ تسلُّطٍ على الأعيانِ إلا بالأفعالِ، فلما قال: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً} [المائدة: 26]، عُقِلَ أنهم ممنوعون منها، ولا منعَ يعود [إلا] (2) إلى دخولهِم إليها وسكناهم فيها، وكذلكَ قوله في حق موسى: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ} [القصص: 12] عاد إلى المنعِ من الارتضاعِ من ثدي غيرِ أمِّه من النساءِ الأجنبياتِ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الشرابِ: "هو حرام عليَّ" (3) فأنزلَ الله عر وجل: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم: 1]، وإنما عنى به: شُربَه حرامٌ عليَّ، والعربُ تقول في البِكر: بنتُ محرمة، بمعنى لم تُفْرَع (4).
قالوا: لا يجوزُ أن تكونَ الأفعالُ حُرمَتْ لأعيانِها، وكونِها أفعالاً، لكن بمعاني في الذواتِ التي أُضيفَ التحريمُ إليها، فالأم لمكانِ حرمتهِا، ولتربيتها، وكونِها السببَ في الإنجابِ، والكُلّ الذي الولُد جزءٌ منها، صينَت عن البذلةِ بالمتعةِ، ولهذا أعتقت ساعةَ تملُّكِها عند قومٍ (5)، ووقتَ إزالةِ الملكِ عنها عندَ أهلِ الظاهرِ (6)، صيانةً عن
__________
(1) تحرفت في الأصل إلى: "نتيجة".
(2) زيادة يقتضيها السياق.
(3) أخرج ابن جرير 14/ 158، والبخاري (4912) (5267)، ومسلم (1474)، وابن كثير 8/ 187 - 188 طبعة الشعب، عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب عسلاً عند زينب بنتِ جحش ويمكثُ عندها فواطأت أنا وحفصة أنَّ أيّتنا دخلَ عليها فلتقل له: أكلت مغافير؟!، إني اْجدُ منك ريح مغافير قال:" لا ولكني كنت أشرب عسلاً عند زينب فلن أعود له، وقد حلفتُ لا تخبري بذلك أحداً"، فنزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ..} [التحريم: 1].
(4) أي لم تفتض بكارتها، تقول العرب: افترع البِكر بمعنى افتضها، والفُرعةُ: دمها.
(5) وهو قول عامة الفقهاء، انظر "المغني" 9/ 223.
(6) قال ابن قدامة في" المغني" 9/ 224: ولم يُعتق داود وأهل الظاهر أحداً حتى يعتقه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:" لا يجزي ولدٌ والده شيئاً، إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه، فيعتقه".
(3/353)

دوامِ الملكِ الموجِبِ للبذلةِ والاستخدامِ.
قالوا: وكذلكَ الميتةُ لاستحالةٍ وفسادٍ، بكونِ الدَّمِ لم يخرج عنها (1).

فصل
في الاسمِ المفردِ إذا دخلَ عليه الألفُ واللامُ
مثل: الإنسان، والدِرهمِ، والدينارِ، والكافرِ، والزاني، والسارقِ، فهو واقعٌ على جنسِ ما دخل عليه واستغراقه، هذا مذهبنا (2)، وبه قال أبو عبد الله الجُرجاني (3)، وحكاه عن أصحابِه، واختلفَ أصحابُ الشافعي (4)، فمنهم من قال بمذهبنا، ومنهم من قال: المرادُ به المعهودُ (5)، وهو مذهب الجبائي من المعتزلة.
__________
(1) انظر "العدة" 2/ 518 - 519، "المسودة": 94.
(2) انظر: "العدة" 2/ 519 - 520، و"التمهيد" 2/ 53 - 58، و"شرح الكوكب المنير" 3/ 133 - 136.
(3) تقدمت ترجمته في الصفحة (173) من هذا الجزء.
(4) مذهبُ الإمامِ الشافعي أن الاسمَ المفردَ إذا دخل عليه الألفُ واللامُ أفادَ العمومَ، والذي أرشدَ إلى ذلك بيانُه في كتابه "الرسالة" ص (223): أن قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}، هو من الآيات التي نزلت عامة، ثم ورَد من السنةِ ما يخصَّصُها، فسن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن "لا قطْع في ثمرٍ ولا كَثرَ" والكثَر هو جمار النخل، وهو شحمه الذي في وسط النخلة.
فدل هذا البيانُ من الإمام الشافعي على أنَه يرى أن صيغة "السارق" تُفيد العموم ما لم يرد دليلٌ يخصَّصها ويقصرها على بعض أفرادها.
(5) لأصحاب الإمام الشافعي عدةُ آراء، نذكرها بإيجاز:
الرأي الأول: أن اللفظَ المفرد المعرف بالألفِ واللام لا يفيدُ العمومَ ولا الاستغراقَ. هذا رأي الرازي كما قرره في "المحصول".
الرأي الثاني: أنَّه إن تجرد اللفظُ المفردُ عن عهدٍ، فهو للاستغراقِ، وإن خرج اللفظ ولم يُدرَ أنَّه خرج تعريفاً لمنكرٍ سابق، أو إشعاراً بجنس -أي الاستغراق- فيحملُ على الإجمال، ولا يتحدد المقصودُ إلا بقرينةٍ. وهذا رأي إمام الحرمين. =
(3/354)

فصل
في أدلتنا على أنهما يدخلان للجنس
فمنها: أن الله سبحانه ما أدخلَ الألفَ واللامَ على الاسمِ المفردِ إلا وأراد به الجنسَ؛ من ذلك قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى} [العلق: 6]، {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر 2]، {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28]، {حَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72]، {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} [النور 2]، ثم عطف عليه ما دلّ على أن المرادَ به الجنسُ، وهو قوله: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} [العصر 3]، والذين اسم جماعة، والجماعةُ لا تُستثنى من واحدٍ، فدل ذلكَ على أنَه أراد بالإنسانِ: الجنسَ، فكذلك صحَ أن يستثني منه جماعةً.
ومنها: أنَ الجمعَ مثل: رجال، وناس، وكل، أسماء مُنكَرة، إذا دخلَ عليها الألفُ واللامُ اقتضت الجنسَ، كذلكَ الاسمُ الواحد، وهذا صحيحٌ؛ لأنَّ الأعدادَ المخصوصةَ إذا جاءت بلفظِ النكرةِ لم تقتضِ الجنسَ من ذلكَ المعدود، ودخولُ الألفِ واللامِ يجعلها من قبيلِ الشمولِ والعمومِ لاستغراقِ الجنسِ، كذلكَ الواحدُ المفردُ، والجامعُ بينَهما: أنَ كُل واحدِ منهما صيغة لا تقتضي الجنسَ إذا لم يدخل عليها
__________
= الرأي الثالث: التفصيل: فإن اللفظَ المفردَ ينقسِمُ إلى ما يتميز فيه لفظ الواحد عن الجنس بالهاء؛ كالتمرة والتمر فإنْ عَري عن الهاء؛ فهو للاستغراق. فقوله: "لا تبيعوا البُرَّ بالبُرِّ ولا التمر بالتمر" يعمُّ كل بُرٍّ وتمرٍ.
وما لا يتميز بالهاءِ ينقسمُ إلى ما يَتَشخص ويتعدد؛ كالدينارِ والرجل، حتى يقال: دينارٌ واحدٌ، ورجلٌ واحدٌ، وإلى ما لا يتشخصُ واحدٌ منه كالذهب، إذ لا يقالُ: ذهبْ واحدٌ. فهذا لاستغراقِ الجنسِ، أمَّا الدينارُ والرجلُ فيشبِهُ أن يكونَ للواحدِ، والألف واللام للتعريف لا للاستغراق، ويحتملُ أن يكون دليلاً على الاستغراق. وهذا رأي الإمام الغزالي كما في "المستصفى". انظر في بيان تلك الآراء: "البرهان"1/ 339 - 343 و"المستصفى" 2/ 53 - 54 و"المحصول" 2/ 367 - 370، و"البحر المحيط" 3/ 97 - 99.
(3/355)

الألفُ واللامُ، أعني صيغةَ الواحدِ المفردِ، والجمعِ المنكَّر ثم إنَّ الألفَ والَّلامَ إذا دخلت على الجماعةِ المنكَّرةِ جعلتها المرادَ بها الجنسُ، كذلك الواحدُ.
ومنها: أنَّ الواحد المنكَّر مثل قولنا: إنسان، ورجل، وسارق، وَزانٍ، وبَر, وفاجر, لا يجوزُ دخولُ الاستثناءِ عليه، فإذا دخَل عليه الألفُ واللأَم؛ حسُنَ دخولُ الاستثناءِ، مثل قوله: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ} [المعارج: 19 - 22]، والمصلّون جماعةٌ استثناهم من قوله: {الْإِنْسَانَ} فَعُلمَ أنه أراد به جنسَ الناسِ، إذ لو كان واحداً؛ لما صحَّ أن يستثني منه جماعةً، إذ ليس الواحدُ جماعةً، وليسَ إلا نفسه.
ومنها: أنَّها لو اقتضت العهدَ لما حسُنَ الابتداءُ بها، ومعلومٌ أنَه يحسُنُ أن يبتدىءَ الإنسانُ بقوله: رأيتُ الناسَ، ولقيتُ العربَ. وكما يحسنُ ذلك يحسُنُ أن يقولَ: رأيتُ الإنسانَ غدّاراً، وغادرتُ الكافرَ كذاباً. ولو كانت للعهدِ لما حسُنت ابتداءً، ألا ترى أنك تقول: دخلتُ السوق فرأيتُ رجلاً، ثم عدتُ فرأيتُ الرجل. فيعودُ إلى الرجلِ المعهودِ بالذكر أولاً؟ وأردت أن تبتدىء فتقولَ: دخلتُ للسوقِ، ورأيتُ الرجل.
وتُريد العهدَ، لم يصح ذلك، ولم يكن ذلك لغة.

فصل
أي، (1) شُبههم
فمنها: توهُّمُ أنَ الألفَ والَّلام لا تدخلانِ إلا للعهدِ، قال الله تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} [المزمل: 15 - 16] والمرادُ به: المذكورُ أولاً، وقال تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 5 - 6]، قال ابن عباس: لن يغلب عسرٌ يُسْرَين (2). فلو لم يكن العُسرُ بالألفِ واللام، جعل الثاني
__________
(1) زيادة يقتضيها السياق.
(2) أخرجه الطبري في "التفسير" 30/ 151، والحاكم 2/ 582، وأورده السيوطي في "الدر المنثور"=
(3/356)

الأول، لما كان عسراً واحداً
فيقالُ: إنَ صلاحيتها للعهدِ لا نُنكره، لكن إذا تقدمها نكرةٌ، وكلامُنا إذا جاء الاسمُ المفردُ بالألفِ واللام مبتدأ، فأمَّا إذا جاء بعد نكرة، كان بحسَبِ النكرةِ المتقدِّمةِ عليه عائداً إليها للعهدِ والتعريف لمن تقدّم، وهو الواحدُ المنكَّر، فأما في مسألتِنا، فليس ها هنا معرفةٌ يَرجعُ إليها سوى الجنسِ، فأطبقناه عليه (1).
ومنها: أن قالوا: إنَّ الألفَ والَّلامَ لا تقتضي -أو لا تفيدُ- إلا تعريفَ النكرةِ، فإذا كان الاسمُ المنكَّرُ واحداً ولا يقتضي أكثرَ من واحدٍ، وجبَ أن يكونَ تعريفُه بالألفِ والَّلام لا يقتضي إلا واحداً من الجنسِ، فلا وجْه لاستغراقِه واستيعابِه.
فيقالُ: هذا باطلٌ به، إذا دخلت على اسمِ الجمعِ اقتضت الجنسَ، لا تعريفَ ذلكَ الجمعِ فقط، على أنَه يقتضي تعريفَ النكرةِ إذا تقدمته نكرةٌ، فأمَّا إذا لم تتقدمه اقتضت تعريفَ الجنسِ، وها هنا لم تتقدمه نكرةٌ، فوجبَ أن يكون تعريفاً للجنس.

فصل
في أسماءِ الجموعِ إذا لم يدخلها ألف ولام
مثلُ قولِنا: مسلمينَ، ومشركينَ، وقائلينَ، ومُجَربينَ، فإنها لا تكون محمولةً على العمومِ، وتحمل على أقلِّ الجمعِ.
واختلفَ أصحابُ الشافعيِّ على وجهينِ:
__________
= 6/ 364 عن الحسن مرفوعاً: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً مسروراً فرحاً وهو يضحك، ويقول: "لن يغلب عسر يسرين، لن يغلب عسر يسرين، فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا".
ورواه مالك في "الموطأ"1/ 379، وابن ابى شيبة 13/ 37، موقوفاً على عمر رضي الله عنه.
(1) انظر "العدة" 2/ 521 - 522.
(3/357)

أحدُهما: مثلُ قولنا، وأنَها لا تُحملُ على العمومِ (1).
والثاني من الوجهينِ: أنها (2) تُحملُ على العمومِ واستغراقِ الجنسِ، وإليه ذهب الجُبَّائي من المعتزلةِ.
وعن أحمدَ مثلُ الأوَّلِ من المذهبينِ، وعنه: مثل الثاني أيضاً (3).
__________
(1) وهو الراجح الذي عليه عامَّة أصحاب الشافعي، قال الزركشي: وأصحهما، وعليه عامة أصحابنا، أنه ليس بعام؛ لأنَّ أهل اللغة سموه نكرة، ولو تناول جميع الجنس لم يكن نكرةً.
انظر "البحر المحيط" 3/ 133، و" التبصرة في أصول الفقه" لأبي إسحاق الشيرازي: 118.
(2) تحرفت في الأصل إلى: "أحدهما".
(3) بين القاضي أبويعلى الفراء، كيفية استفادة المذهبين عن أحمد رضي الله عنه: أما المذهب الأول: فقد استفيد من رواية أبي طالب عن أحمد أنَه سُئلَ إذا قال الرجلُ: ما أحل الله فيَ حرام. يعني به الطلاق؟ أجاب: أنه يكون ثلاثاً، وإذا قال: أعني به طلاقاً، فهذه واحدة؛ لأنَّ (طلاقاً) غير (الطلاق).
قال أبويعلى: فقد فرق بين دخولِ الألف واللام على الطلاق في أنه يقتصي الجنس. وبين حذفها في أنه لا يقتصي الجنس.
وأمَّا المذهب الثاني: فقد استُفيد من رواية صالح، وقد سأله عن لبس الحرير فقال: لا إنّما هو للإناث، يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: "هذان حرامان على ذكور أُمتي".
قال أبو يعلى: فقد حملَ قوله: "ذكور أمتي" على العموم في الصغيرة والكبيرة، وإن كان جمعاً ليس فيه الألف واللام. انظر "العدة" 2/ 524.
ويؤخذ على إلاستدلال للمذهب الثاني لأحمد: أنَّ العموم ليس مستفاداً. من لفظ: ذكور وحده وإنما هو مستفاد من إضافته إلى لفظ: أمتي، والجمعُ إذا أضيف إلى معرفة أفاد العموم.
ومنه قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} حيث إن لفظ: أولاد جمع مضافٌ إلى ضمير الجمع، فاقتضى استغراق جميع الأولاد.
(3/358)

فصل
في أدلتنا (1)
فمنها: أنَ أهلَ اللغةِ سموا هذا نكرةً، ولو كان للجنسِ، لما سمَّوه نكرةً؛ لأنَّ الجنسَ معرفةٌ؛ لأنَه معروف كُلّه غيرُ منكَرٍ عندَهم، ولا يختلطُ بغيرِه، بل هو مستوعَب مُنقطع عن غير الجنس.
ومنها: أنه نكرةٌ في الإثبات، فلم يقتضِ العمومَ، كالاسمِ المفردِ.
ومنها: أنَه يصحُ تأكيدُه ب (ما)، فتقول: رأيتُ رجالاً ما، ولو كان يقتضي الجنس لما حسن تأكيده بما؛ لأنَّ قولَ القائلِ: عندي دراهمُ، وجاءني رجالٌ ما، يريدُ به التقليل، والتقليلُ ينافي الاستغرافَ، ولهذا قال سبحانه: {لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} [ص: 24]، فصرح بالقلّةِ في حرف (ما)، ألا ترى أنه إذا دخلَ الألفُ والَّلامُ عليه لم يحسُن دخول (ما)، فلا يقال: الرجالُ ما.
شبهةُ أهلِ العمومِ أن قالوا: لو لم يَقْتضِ الجنسَ لما حسُنَ الاستثناءُ لكلِّ واحدٍ من الجنسِ، فلما حسُنَ استثناءُ كلِّ واحدٍ منه عُلمَ دخولُه فيه وبحَسبِه، إذ لا يخرجُ بالاستثناءِ إلا ما دخلَ في اللفظِ.
فيقال: لا نسلِّم، بل لا يجوزُ الاستثناءُ من ألفاظِ الجموعِ إذا تجردت عن الألفِ واللامِ، فلا نقولُ: رجالاً إلا زيداً وعَمْراً.
على أنَا لو سلمنا توسعةَ الكلامِ؛ فإنَ الاستثناءَ يُخرجُ البعضَ من الكُلِّ، ويخرجُ البعضَ من البعضِ، ومهما كانَ الجمعُ محتمِلاً لإخراجِ بعضِه، صحَ الاستثناءُ منه بحسَبِه، ولا يعطي هذا استِغْراقَ الجنسِ.
__________
(1) انظر في ذلك "العُدة" 2/ 524 - 525، و"التمهيد"2/ 50 - 52، و"المسودة" ص 106، و"شرح الكوكب المنير" 3/ 142 - 144.
(3/359)

فصل
إذا وردت صيغةُ العمومِ الدالةُ بمجرّدها على استغراقِ الجنسِ واستيعابِ الطبقةِ، فهل يجبُ أن يقفَ الاعتقادُ لها والعملُ بها على البحثِ عن دليل التخصيصِ، أم يجب بأولِ بادرةٍ؟
على روايتين عن أحمدَ رضي الله عنه:
إحداهما: يجبُ اعتقادُها والعملُ بها في الحالِ.
والثانيةُ: لا يجبُ ذلكَ إلا بعد البحثِ والطلبِ وعدمِ الدلالةِ المخصِّصة (1).
ولأصحابِ الشافعي وجهان كالروايتينِ (2).
واختلفَ أصحابُ أبي حنيفةَ، فقال أبو عبد الله الجُرجاني: إن سمعَ الصيغةَ من رسولِ الله وجبَ الاعتقادُ والعملُ من غير توقف، وإن كان سماعُها من غيره لزمَه
__________
(1) اختار الرواية الأولى عن أحمد، والقاضية بوجوبِ العمل بها في الحال: أبوبكر الخلال، وأبو يعلى، والحلواني، وابن قدامة، والطوفي.
واختار الروايةَ الثانية عنه والقاضية بوقف العمل به إلى حين ثبوت عدم ورود المخصص: أبوالخطاب الكلوذاني.
انظر "العدة " 2/ 525 - 532، و"التمهيد"2/ 65 - 70 و"المسودة" ص (109)، و"روضة الناظر" ص (126) و"شرح مختصر الروضة"2/ 542 - 547.
(2) رأيُ عامة أصحاب الشافعي التوقف في العمل بالدليل العام حتى ينظر في الأدلة؛ فمن دل الدليل على تخصيصه خُص به، وإن لم يجد دليلاً يدل على التخصيص اعتقد عمومه، وعمل بموجبه. وهذا قول ابن سريج، وأبو إسحاق المروزي، وأبوسعيد الإصطخري، وأبوعلي بن خيران، وأبوبكر القفال، والغزالي.
وذهب القاضي أبو بكر الصيرفي، إلى وجوب اعتقاد العموم في الحال عند سماعه والعمل بموجبه.
انظر "البرهان في أصول الفقه" 1/ 406 - 408 و"المستصفى"2/ 157 - 162 و"التبصرة في أصول الفقه" ص (119 - 121) و"البحر المحيط" 3/ 36 - 49.
(3/360)

التثبتُ وطلبُ دلالةِ التخصيصِ، فإن فقدَها حملَ اللفظَ على مقتضاه من العمومِ، وذكر أبو سفيان (1) وجوب اعتقادِ عمومِه من غير توقفِ ولا طلبِ دلالةِ تخصيصِ.

فصل
يجمعُ أدلّتنا (2)
فمن ذلك: أن الصيغةَ تقتضي بوصفِها العمومَ، كما أن اللفظ المقتضي للحكمِ على الدوامِ إذا وردَ فسمعَه من أهلِ الآفاقِ في عصرِ النبي عليه الصلاة والسلام، كمعاذِ باليمنِ، وعتَّاب (3) بمكة، وغيرهما من الصحابةِ، مع تجويزِ ورودِ ناسخٍ ينسخُ ذلكَ الحكمَ، فإنه لا يجوزُ التوقفُ ليُطلبَ ناسخٌ عساهُ يكونُ قد وردَ، فضلاً عن أن يجب، كذلك لا يجبُ طلبُ دلالةِ التخصيص.
وكما أنَ الناسخَ يتأخّر فالتخصيصُ يجوزُ أن يتأخر فاذا لم يجب بطلبِ أحدِهما، كذلكَ الآخر.
ومنها: أنَ الصيغةَ موضوعةٌ للعمومِ، والتخصيص متوهَم ومُجَوّز فلا يجوزُ تأخيرُ الاعتقادِ لعمومِه والعملِ به، لتوهّم ما يخصُّه، كما أنَّ أسماءَ الحقائقِ إذا وردت يجبُ اعتقادُ ما يوجبُه الوضعُ والعملُ به، ولا يجبُ التوقفُ لطلبِ دلالةٍ صارفةٍ له عن ظاهرِه وحقيقتِه إلى مجازِه واستعارته.
__________
(1) هو محمد بن أحمد أبي سهل السرخسي، من كبار أئمة الحنفية، صنف "المبسوط"و"الأصول"، وشرح كتب محمد بن الحسن، توفي سنة (483 ه). انظر "الجواهر المضية" 2/ 28، "الفوائد البهية":158.
(2) ظاهر من الأدلة التي يسوقها ابن عقيل أنه يرجّح الرواية الأولى عن الإمام أحمد.
(3) هو عتاب بن أَسيد بن أبي العيص بن أُمية بن عبد شمس الأموي، أسلم يوم الفتح، واستعمله النبيُّ صلى الله عليه وسلم على مكة لما سار إلى حنين، وأقرّه أبو بكر على مكة.
انظر "الإصابة" 4/ 429.
(3/361)

فصل
في سؤالهم على الدليلين
قالوا: إنَ الصيغةَ تقتضي ما ذكرت، لكن مع التجرّد من مخصِّص، وذلكَ لم يتحقق ما لم يبحث عن الدليلِ المخصِّص، وما ذلكَ إلا بمثابةِ الشهادةِ إذا قامت على حق من الحقوقِ لا يتلقاها الحاكمُ بالعلمِ والعمل بها، حتى تقومَ الدلالةُ على سلامتِها بالبحثِ الدالِّ على السلامةِ، مما يقدحُ فيها، وهي التزكيةُ لها، فلا يَقنعُ بأصلِ العدالةِ التي هي كأصلِ الوضعِ ها هنا.
وأمَّا النسخُ، فإنه أمرٌ يردُ متراخياً فيما بعدَ المنسوخِ، وذلكَ لا يجبُ انتظارُه وتوقُّعه، ولأنَّ انتظارَ الناسخِ يُعطِّلُ الأمرَ الأولَ عن العملِ به؛ لأنَّ رفعَه إنَّما يكونُ بعد العملِ به، ولو كان مثلَ العملِ به لما ثبتَ للفظِ الأوَّلِ فائدةٌ؛ لأنَّهُ يخلو جميعُ الزمانِ السابقِ للناسخِ من عملٍ بذلك (1) المنسوخِ، وليس كذلك انتظارُ الدليلِ المخصِّص؛ لأنَّه أيُ وقتٍ كان، قصد العمل باللفظِ الذي أريدَ به الخصوصُ، كما نقولُ في البينةِ إذا ثبتت عدالتُها في الحالِ، لا يتركُ العملُ بها، والاعتقادُ لما شهدت به، فإنا لا نَسْتأني (2) بها استقبالَ حالها وتوقّعها، عساه يحدثُ فيها من فعلٍ أو قولٍ خارج يقدَحُ في عدالتها أو يرفعُ العدالةَ عنها.
فيقال: إنَّ القاعدةَ في سؤالِكم غيرُ صحيحةٍ؛ لأنَّ تجويزَ وجودِ دلالةٍ تصرفُ عن العمومِ إلى الخصوصِ لو أوجبَ التوقفَ لطلبِها والبحثِ عنها؛ لأوجبَ تجويزَ صرفِ لفظِ الأمر عن ظاهرِه -وهو الوجوبُ- إلى الندبِ، توقيفاً عن العملِ به، واعتقاداً لإيجابِ البحثِ عن دلالةٍ تدلُّ على صرفِه، ولماَ لم يجب ذلكَ في الأمرِ
__________
(1) تحرفت في الأصل إلى: "فذلك".
(2) من التَّواني، أي: لا ننتظر ونتأخر في الحكم بموجَب الشهادة، إلى حين ظهور سلامتها من القادح أو الجارح.
(3/362)

المطلقِ؛ لم يوجب التوقفُ في العمومِ المطلقِ.
وقولُكَ: لا يكونُ مجرّداً إلا بعدَ البحثِ. يَبْطُلُ بالأمرِ والنهي، فإنه يكونُ مجرّداً
قبلَ البحثِ عن دليلِ الصرفِ له عن ظاهرِه.
وفارقَ التَنبيه، فإن خبرَ الواحدِ ها هُنا لا يوجبُ البحثَ ولا التوقُف في الراوي إلى أن تقومَ الدلالةُ على عدالةِ باطنه، ونقبلُ فيه الواحدَ، ولا يُعتبرُ العددُ، بخلافِ الشهادةِ.
وأما قولكم: إنَ دلالةَ التخصيصِ تكونُ معه بخلافِ النسخِ، فلا يُسلَم، بل عندنا: أنَ البيانَ يجوزُ أن يتأخرَ عن وقتِ الخطابِ، فهو كالنسخِ، ولأنَ النسخَ الذي يكونُ بعدَه قد يخفى عن البعيدِ عن مدينةِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم، فلا يعلمُ أنَزَلَ به وحيٌ أمْ لا؟ ومع ذلكَ لا يجبُ الانتظار، وإن كان ذلك لا يفوِّتُ أصلَ العملِ عن ورودِ النَّسخِ، ومع هذا التجويزِ لا يجبُ التوقفُ عليه.
فإن قيلَ: ليس العمومُ من أسماءِ الحقائقِ بشي؛ لأنَّ تلكَ إذا عُدِلَ عنها إلى غيرِها كانت استعارةً ومجازاً، فأمَّا العمومُ فإنَه إذا صُرِفَ إلى الخصوصِ، ودخلَه التخصيصُ، لم يكن مجازاً.
قيل: قد استويا في العدولِ عن الظاهرِ الأصليّ في الوضعِ، وإن افترقا في كونِ أحدهما بقيَ حقيقةً (1)؛ لأنَّ ما بقيَ ليس غيراً ولا مخالِفاً؛ لأنَه يصلحُ للعمومِ ابتداءً وما صلُحَ للابتداءِ كان أصلحَ للبقاءِ؛ لأنَّ البقاءَ والدوامَ آكَدُ (2).
__________
(1) أي بقي على حقيقته ولم يصبح مجازاً، وسيرد تفصيل المسألة في الصفحة: 365 وما بعدها.
(2) انظر ذكر الاعتراضات في "العدة" 2/ 528 وما بعدها، و"التمهيد" لأبي الخطاب 2/ 68 وما عدها.
(3/363)

فصل
في إيضاحِ شُبَههم
فمنها: أن قالوا: إنَ اقتضاءَ العمومِ، أو إن المقتضي للعمومِ: إنما هي هذه الصيغ إذا تجردت عن قرينةٍ تصرفُها. ولا طريقَ إلى العلمِ بتجرُدها عن القرينةِ إلا البحثُ الكاشفُ لأحدِ أمرين: إما القرينةُ الصارفة لها عن الوضعِ الأوَل، أو تجرّدها عن قرينةٍ، فصار كالبينة التي لا تُعلمُ صلاحيتُها لإثباتِ الحقوقِ إلا بالبحثِ عن باطِنها لتتضحَ براءتُها من أسبابِ الريبةِ.
فيقالُ: إنَ الأصلَ عدمُ القرينةِ؛ ولأنه يلزمُ عليه الأعداد وأسماءُ الحقائق، فإنهما جميعاً يُصرفان (1) عن ظاهرهما بالقرائنِ، ولا يعتبرُ العملُ بهما بعَدم البحث.
ومنها: أن قالوا: إنَ سامعاً إذا سمع قولَه سبحانه: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62]، فلا يخلو أن يعتقد عمومَه بالبادرةِ حتى إنه يعتقدُ خلقَ الكلامِ والعلمِ والإرادةِ، أو يتوقفَ لينظرَ ما يجوزُ أن يدخلَ تحتَ العمومِ وما لا يجوز فيخرِجه بدلالةِ التخصيصِ، ولا يجوزُ الأوَل بإجماعِنا، فلم يبقَ إلا الثاني.
فيقالُ: إنَّ لأدلةِ العقولِ فيما يتعلَقُ الله سبحانَه وصفاتِه الواجبةِ له سابقةً لسماعِ كل سمعٍ يردُ من الرسولِ صلى الله عليه وسلم، كما كانت سابقةً لإرسالِ الرسولِ في تجويزِ الإرسالِ عليه، فلما جوَّزت الإرسالَ سمعنا ذلك لا جَرمَ منه، ولو لم تسبق أدلةُ العقولِ بتجويزِ (2) الرسالةِ عليه سبحانَه والسفارةِ عنه لما سمعناه، وتلكَ أدلةٌ ظاهرةٌ لا تحتاجُ إلى تجديدِ نَظَرٍ وبحثٍ بعد ورودِ صيغةِ العمومِ.
__________
(1) في الأصل: "يقرنان".
(2) في الأصل: "بتجوز".
(3/364)

فصل
في الكلامِ مع أصحابِ أبي حنيفة في الفرقِ بين سماعِ ذلكَ من الرسولِ صلى الله عليه وسلم وسماعِه من غيره.
إنَّ الصيغةَ الموضوعَة في اللغةِ لا تختلفُ باختلافِ الناطقين بها، بدليلِ أسماءِ الجموعِ والحقائقِ الموضوعةِ من أسماءِ الأجناسِ، والأنواعِ، والأشخاصِ، فنقولُ: صيغةٌ موضوعةٌ، فلا يجبُ التوقفُ عن اعتقادِ موجَبها والعملِ به، كما لو سُمِعت من الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

شبهةُ القائلِ بالفرقِ: ان الرسولَ صلى الله عليه وسلم لا يؤخرُ بيانَ التخصيصِ، إذا كانت الصيغةُ مخصصةً، إما ببيانِ ذلكَ بدلالةٍ، أو قرينةٍ تُذكرُ، فإنَّه لا يجوزُ عليه تأخيرُ اليَبانِ، بخلافِ آحادِ أمَّتِه من المبلِّغينَ عنه والرواةِ، فإنَه لا يجبُ عليهم ذلكَ.
فيقالُ: إنَ تأخيرَ البيانِ عن وقتِ الخطابِ جائز عندنا، وسيأتي الكلامُ في ذلكَ إن شاء الله على أنَ المبلِّغَ عن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينبغي له أن يؤديَ الصيغةَ إلا على ما سمعها، ولا يُحدِث فيها شيئاً؛ لأنَّه يكون تلبيساً، فإذا كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لا يجوزُ له أن يُعزَيَ الصيغةَ عن بيانِ تخصيصٍ إن كان فيها، فالمبلغُ أيضاً عنه لا ينبغي له أن يبلِّغَها متجرِّدةً عن القرينةِ التي سمعها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فلا فرقَ بينَهما إذاً.

فصل
في العمومِ إذا خُصّ، هل يبقى على حقيقتِه أو يكونُ مجازاً؟
فإنه حقيقةٌ فيما بقي، ولا يصير مجازاً بتَخصيصهِ، هذا مذهبنا (1)؛ لأنَّ أحمدَ رضي الله عنه أخذَ بعموماتٍ قد خُصَّت في عدةِ مواضعَ، وبه قال أصحابُ الشافعيِّ (2)،
__________
(1) انظر "العدة" 2/ 533، و"التمهيد" لأبي الخطاب 2/ 138و"المسودة": 116، و"شرح
الكوكب المنير" 3/ 160.
(2) هو رأيُ كثير من أصحاب الشافعي، كأبي حامد الإسفراييني، وابن السمعاني، وابن السبكي=
(3/365)

خلافاً للمعتزلةِ في قولهم: يصير مجازاً فيما بقي على الإطلاق، سواءٌ خُصِّ بلفظٍ صاحَبَه، واقترنَ به لفظٌ، [أم] (1) تأخَّر عنه.
واختلف أصحابُ أبي حنيفة (2)، فحكى أبو عبد الله الجُرجاني عن عيسى بنِ أبان أنَّه يصيرُ مجازاً يمنع من التعلقِ بظاهرِه، سواء قارنته دلالةُ التخصيصِ، أو انفصلت عنه.
وحُكي عن أبي الحسن الكرخي أنَّه كان يقول: يصيرُ مجازاً إذا كان التخصيصُ منفصلاً عنه، ولا يصيرُ مجازاً إذا كان متصلاً به.
وٍ حُكي عن أبي بكر الرازي أنَّه يكون مجازاً، إلا أن يكونَ الباقي جمعاً، فيبقى حقيقةً.
وقالت الأشعريةُ: يكونُ مجازاً، وإنَّما يصحُّ ذلكَ عندهم إذا ثبت أنَّه عمومٌ بدلالةٍ، ثم خُصَّ بدلالةٍ، إذ لا عمومَ عندهم على الإطلاقِ.
__________
= ووالده، وخالف في ذلك آخرون من أصحاب الشافعي، كالغزالي والآمدي، وقالوا: إنَّ العام بعد تخصيصه يصير مجازاً.
انظر "البرهان"1/ 411 - 412، و"التبصرة" ص (122)، و"المستصفى" 2/ 54 - 56 و"جمع الجوامع" 2/ 37، و"الإحكام" للآمدي 2/ 330، و"البحر المحيط" 3/ 259 - 263.
(1) زيادة يقتضيها السياق.
(2) ورأي عامةِ أصحاب أبي حنيفة: أن العام بعد تخصيصه يبقى حقيقة، سواءٌ كان دليل التخصيص متصلاً به غير مستقل بذاته، أم كان منفصلاً عنه مستقلاً بذاته.
وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: إنه يكون مجازاً في الباقى سواء كان دليل الخصوص متصلاً به أم منفصلاً عنه. وهذا رأي عيسى بن أبان.
وفصَّل البعض؛ فإن كان دليل التخصيص متصلاً غير مستقل بنفسه يبقى حقيقة في الباقي، وإن كان منفصلاً يصير مجازاً. وهذا رأي أبي الحسن الكرخي. انظر "أصول السرخسي" 1/ 144. و"ميزان الأُصول" 1/ 420 - 423.
(3/366)

فصل
في جمع الأدلة لنا
فمنها: أنَّ فاطمةَ رضوانُ الله عليها احتجت على الصِّديقِ رضوانُ اللهِ عليه بقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ..} [النساء: 11] الآية، ومعلومٌ أنَ التخصيص قد دخلَ عليها، بإخراجِ الكافرِ من الأولادِ، والقاتلِ، ولم يُنكر عليها هوَ ولا أحد 21/ 97، من الصحابةِ الاحتجاجَ بذلكَ، بل عدَلَ إلى روايةِ حديثٍ عن أبيها صلوات الله عليهما، وهو قوله: "نحنُ معاشر الأنبياء لانُورَث، ماتركناه فهو صدقةٌ" (1).
ومنها: أنَ هذه الصيغةَ لو وردت على نَفيٍ بعدَ التخصيصِ من الجماعةِ التي انتهى التخصيصُ إليهم؛ لكانت حقيقةَ في العمومِ، فوجَبَ أن تكونَ دلالةٌ من اللفظِ قائمةً بعد التخصيصِ، كماكانت قبل التخصيصِ.
ومنها: أنَ الأصل في الاستعمالِ (2) الحقيقة، وقد وجدنا الاستثناءَ والشرطَ والغايةَ في الاستعمالِ أكثرَ من أن يُعَد ويُحصى، فدلَّ على أنَ ذلك حقيقةٌ.
ومنها: أنَ فوائدَ اللفظِ تختلفُ بما يدخلُ عليها من الزيادةِ والنقصانِ، مثالُه: أنَكَ تقولُ: زيدٌ في الدار فيكونُ خبراً، ثم تزيدُ فيه ألفَ الاستفهامِ، فتقول: أزيدٌ في الدارِ؟ فيكون استفهاماً واستخباراً، فلو قلنا: إنَ ما اتصلَ باللفظِ من الشرطِ والاستثناءِ، يجعلُ الكلامَ مجازاً فيما بقي، لوجوبِ أن يكونَ قولُه: أزيدٌ في الدارِ؟ مجازاً في الاستفهامِ؛ لأنه لو سقطَ منه الألفُ، لصار خبراً محضاً، وفي دعوى هذا وركوبه إسقاطُ فوائدِ الألفاظِ.
__________
(1) تقدم تخريجه في الصفحة 318 من هذا الجزء.
(2) في الأصل: "استعمال".
(3/367)

ومنها: أنَ الكلامَ إنما يكونُ مجازاً إذا عُرف له حقيقة، كالحمارِ حقيقةً: الحيوانُ النَّهَّاقُ، وإذا استُعمل في الآدمي البليدِ، كان مجازاً؛ لأنَه استعملَ في غيرِ ما وُضعَ له، والعمومُ مع الاستثناءِ ما استعملَ في غيرِ هذا الموضعِ على سبيلِ الحقيقةِ، فلا يجوزُ أن يُجعلَ مجازاً في هذا الموضعِ (1).
ومنها؛ أنَ دلالةَ التخصيصِ بمنزلةِ الاستثناء المتصلِ بالجملةِ من جهةِ أن كُلَّ واحدِ منهما يُخرجُ من الجملةِ ما لولاهُ لدَخَلَ فيها، فإذا كان الاستثناءُ غيرَ مانعٍ من بقاءِ اللفظِ فيما بقي، وصارت الجملةُ مع الاستثناءِ عبارةً عما عدا المخصوصَ بالاستثناءِ، كذلك ها هنا.
فإن قيل: [إنما كان كذلك في] (2) الاسثتناء مع المستثنى منه؛ لمكان الاتصالِ كالجملةِ الواحدةِ، فيصير عبارةً عن الباقي؛ لأن للتسعة اسمين: [تسعة، و] (3) عشرةٌ إلا واحداً، وأيّهما عُبَّر به كان حقيقةً، كما ان في الجمع والتثنية لا فرق بين قوله: ثلاثة، أو: اثنان وواحد (4). في أنَّ العبارتين تفيدان معنى واحداً، وكذلكَ دلالةُ التخصيصِ المتصلةِ.
فأمّا المنفصلُ من التخصيصِ عن صيغةِ العمومِ، فإنَّه لا يكونُ جملةً ولا كالجملةِ الواحدةِ، وإنَّما كانت جملة هي حقيقة في عددِ أو في استغراق جنسٍ، فبدِّلت بالدَّلالةِ عما وُضعت له.
قيل: كذلكَ التخصيصُ المنفصلُ أيضاً يصيرُ مع الجملةِ الأولى، كالمتصلِ، ولا
__________
(1) انظر "التبصرة" للشيرازي: 123.
(2) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق، وهي بنصها في "العدة" 2/ 542.
(3) زيادة يقتضيها السياق.
(4) مكررة في الأصل.
(3/368)

فرقَ بينهما؛ لأنها ملحقةٌ بها وقاضيةٌ عليها، ولو كانت كالجملةِ الأخرى لكانت نسخاً، ولمّا لم يكن نسخاً، ثبت أنَها كالاستثناءِ من حيثُ إنها أبانت عن المرادِ بالصيغة الأولى (1).

فصل
في شُبَههم
فمنها: أن الصيغة موضوعةٌ للاستغراقِ والشمولِ لجميعِ الجنسِ، فإذا جاءت دلالةُ التخصيص صارت مصروفةً عمّا وُضعت [له] (2)، وإذا ثبَتَ بهذهِ الجملةِ أنه معدول به عما وُضِعَ له، صارَ مجازاً، وصار بمثابةِ اسم الأسدِ إذا استعملَ في الرجلِ المقدام على الحربِ، والحمارِ إذا استعملَ في الرجلِ البليدِ، فإنَه يكون مجازاً، كذلك ها هُنا، ولو كان ما صرفته الأدلةُ المنفصلةُ عن موضوعِه ومقتضى إطلاقِه بعد صرفِه حقيقةً فيما صُرفَ إليه للدلالة أو القرينة، لصار كل مجازٍ حقيقة فيما اقتضته القرينة، ولسقط المجازُ من كلامِ العرب جملة، ولصار القولُ في الإنسانِ البليدِ والرجلِ الشديدِ: إنه ثورٌ وحمار وأسد حقيقةً مع القرائنِ الدالةِ، مع أنَ القصدَ به غيرُ ما وُضع له في الأصلِ.
ولما بَطلَ ذلكَ وثبتَ المجازُ من الكلامِ، بَطلَ ما ادعوه.
فيقالُ: هذا باطل بما إذا قيَّده بالشرطِ أو الغاية، أو خصَّه بالاستثناءِ على قولِ من سلم ذلكَ، فمنَه موضوع للجنسِ، وقد استُعملَ مع الاستثناءِ في غيرِ ما وضع له، ثم لم يصر مجازاً.
على أنَه لما صُرِفَ بقي على جملةٍ صالحةٍ، كونها عموماً، فهي كالعددِ الذي إذا
__________
(1) انظر "العدة" 2/ 542 - 543.
(2) زيادة يقتضيها السياق.
(3/369)

زالَ بعضُه بقي الباقي حقيقةً في الجمعِ، بخلافِ الأسماءِ التي قاسوا عليها.
فإن قيلَ: هو مع الاستثناءِ موضوعٌ للخصوصِ لا للعمومِ، فما استعمل إلا فيما وُضعَ له.
قيل: وكذا نقولُ في مسألتنا: لفظ العمومِ مع دلالةِ التخصيصِ موضوعٌ للخصوصِ، لا للعمومِ، فما استعملَ إلا فيما وضِعَ له.
ويخالف هذا ما ذكروه من استعمالِ الأسدِ في الرجلِ الشجاعِ، والحمار في الرجلِ البليدِ، فإنَّ الأسدَ لم يوضع للشجاعِ، ولا الحمارَ للرجلِ البليدِ في اللغة، فإذا استعملَ في ذلك حكمنا أنَّه مجازٌ، وليس كذلك لفظُ العمومِ، فإنه متناوِلٌ لكل واحدٍ من الجنس ما أخرجه الدليلُ وما بقي تحتَه، وواقعٌ عليهما، فإذا استعملَ في الخصوصِ، فقد استُعملَ فيما يقتضيه اللفظُ.
يَدُل عليه: أن القرينةَ فيما ذكروه تُبق ما أريدَ باللفظِ، والقرينة فيما اختلفنا فيه تبين ما لا يرادُ باللفظِ، فبقي الباقي على مقتضى اللفظ (1).

فصل
في الدلالةِ على من فرَّق بينَ المتصلِ والمنفصل
لأنَّ المتصل (2) معنى يقتضي تخصيصَ العمومِ، فلم يَصِو مجازاً في الباقي، دليلُه ألشرطُ والاستثناءُ، وأيضاً فإنَ اللفظَ اقتضى استغراقَ الجنسِ أجمعَ، فإذا دلَّ الدليل على أن بعضَ (3) الجنسِ غيرُ مرادٍ، بقيَ الباقي على مقتضى اللفظ، فوجبَ أن يكونَ حقيقةً فيه.
__________
(1) انظر "العدة"2/ 543 - 544، و"التبصرة": 124.
(2) في الأصل: "المنفصل"، والمثبت من "العدة"2/ 539، و"التبصرة". 124.
(3) تكررت في الأصل.
(3/370)

فصل
في الدلالةِ على أنَّه يجوزُ تخصيصُ العمومِ إلى أن يبقى واحدٌ (1)، فلا يتخصصُّ جوازُه بأن يبقى أقلُّ الجمعِ وهو الثلاثةُ، وبه قال أكثر أصحاب الشافعي (2)، خلافاً لأبي بكر الرازي (3) فيما حكاه الجُرجاني عنه، وأبو بكر القَفّال. يجوزُ تخصيصُ الجمعِ إذا كان الباقي جمعاً حقيقةً، ولا يجوزُ النقصانُ منه إلا لما يجوزُ النسخُ به (4).
فالدلالةُ على ما ذكرناه: أنَ ما جاز تخصيصهُ إلى الثلاثةِ جاز تخصيصهُ إلى الواحدِ، كمنْ، وما، فإنَّه لو قال: من دخلَ الدارَ؟ أو: من في الدار؟ أو: ما في الدار؟ حسُن جوابه بالواحد من الجنس، كما يحسُن جوابُه بالثلاثةِ، أو بقولِ لفط من ألفاظِ العمومِ، فصارَ تخصيصهُ إلى أن يبقى دونَ الثلاثِ، كمن، وما.
__________
(1) هذا هو المنصوص عن الإمام أحمد وأصحابه.
انظر هذه المسألة وما تبعها من أقوال وأدلة في "العدة" 2/ 544 - 547 و"التمهيد" لأبي الخطاب 2/ 131 - 135، و"المسودة": 116.
(2) هذا ما ذكره الشيرازي في "التبصرة": 125،حيث قال:"يجوز تخصيص أسماء الجموع إلى أن يبقى واحد، في قول أكثر أصحابنا" ونقل الزركشي عن الجويني أنه قال في "التلخيص": إن هذا القول هو قول معظم أصحاب الشافعي. انظر: "البحر المحيط" 3/ 257 - 258 و "المحصول" 3/ 12 - 14.
(3) رأي أبي بكر الرازي -وفق ما ينقل عنه- أنه يمنع أن ينقص العام بعد التخصيص عن أقل الجمع، وهو ما رجحه مجد الدين ابن تيمية في "المسوَّدة": 117، وانظر "الإحكام" للآمدي 2/ 412، و"البحر المحيط" 3/ 255.
(4) يرى أبوبكر القفال: أن العام إن كان ظاهراً مفرداً "كمن" و"الألف واللام" نحو اقتل من في الدار واقطع السارق، جاز التخصيص إلى أقل المراتب، وهو واحد، وإن ورد العام بلفظِ الجمعِ جاز إلى أقل الجمع. انظر "الإبهاج شرح المنهاج" 2/ 125، "البحر المحيط" 3/ 256 و"التبصرة":125.
(3/371)

وأيضاً: ما جازَ تخصيصُ العمومِ به إلى الثلاثِ جازَ التخصيصُ به إلى الواحدِ،
كالاستثناءِ.
وأيضاً: فإنَ القرينةَ المنفصلةَ كالقرينةِ المتصلةِ؛ لأنَّ كلامَ صاحبِ الشريعةِ وإنْ تفرّق، فإنه يجبُ ضمُ بعضِه إلى بعضٍ، وبناءُ بعضِه على بعضٍ، فإذا كانَ كذلك، وكان المتصلُ صحيحاً ما (1) بقي من اللفظِ شيءٌ، كذلكَ التخصيصُ.

فصل
في شُبههم
قالوا: إن اللفظَ موضوعٌ للجمعِ، فإذا لم يبقَ ما يقعُ عليه اسمُ الجمعِ، صارَ مستعملاً في غيرِ ما وُضع له، فاحتاج إلى دليلٍ يجوزُ به النسخُ.
فيقالُ: إنَا لا نُسلِّم أنه لا يجوز استعمالُ لفظِ الجمع فيما دونَ الثلاثِ، ولهذا قال الله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} [آل عمران: 173]، وأراد به نُعيماً (2)، وقال: {أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} [النور: 26] وأراد به عائشةَ وحدَها (3)، وعلى أنَّ هذا يبطلُ به إذا خصَّه بالاستثناءِ، فإنَّه يجوزُ، وإن كان اللفظُ يستعملُ فيما دونَه.
فإن قيل: أليسَ من مذهبِكم أنَّه لا يجوز استثناء الأكثر؟ فكيف أجزتم رفع الكُلّ إلا واحداً ها هُنا.
قيلَ: ليس التخصيصُ من الاستثناءِ بشيءٍ، بدليلِ أنَّه (4) لايلحق بالمستثنى منه إلا مع اتصالِ الكلامِ، وفي التخصيصِ يلحقُ الخصوصُ بالعمومِ مع الانفصالِ.
__________
(1) في الأصل: "مهما"، والمثبت من "العدة"2/ 546.
(2) يعني نُعيمَ بن مسعود رضي الله عنه، وقد سبق استدلال المصنف بالآية في الصفحة: 343.
(3) انظر "تفسير الطبري"10/ 108، و"تفسير ابن كثير" 6/ 34.
(4) في الأصل: "أن".
(3/372)

على أنَّ هذا السؤالَ لا نقولُ به، بل عندَك يجوزُ استثناء الأكثرِ, ومن جنسِه مايرفعُ الأصلَ وهو النسخُ؛ لأنَه تخصيصُ الزمانِ، كما أنَّ هذا تخصيصُ أعيانٍ.
فإن قيلَ: قد حدَّ الناسُ العمومَ بماشملَ اثنينِ فصاعداً، ولأنكم (1) إذا أبقيتموه على واحد لم يبقَ فيه للعمومِ مَساغٌ؛ لأنَّه لا يبقى ما يمكنُ معه التخصيصُ، وكل ما لا يدخلُه التخصيصُ فليس بعمومٍ.
قيلَ: باطلٌ بالاستثناءِ.

فصل
يجوزُ تخصيصُ العمومِ بدلالةِ العقلِ، وبه قالَ أكثرُ العلماءِ (2)
وحكى بعض الأصوليين أنَّه زعم قوم أنه لا يجوز ذلك (3).
__________
(1) في الأصل: "أو لأنكم"، والمثبت أنسب للسياق.
(2) "العدة" 2/ 547، و"التمهيد" 2/ 101، و"شرح الكوكب المنير" 3/ 279، و"الإحكام" للآمدي "2/ 459، و"المستصفى"2/ 99، و"البحر المحيط" 3/ 355، و"الفصول في الأصول" للجصَّاص 1/ 146، و"ميزان الأصول" 1/ 467.
(3) نسب الآمدي هذا الرأيَ لطائفةِ شاذةِ من المتكلمين "الإحكام" 2/ 459.
وقد ورد عن الإمام الشافعي بعض العبارات التي توهم إنكاره التخصيص بالعقل، من ذلك ما قاله في قوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر 62] أنه عام لا خصوصَ فيه.
"الرسالة": 54 رغم أنَه لا تدخل تحت ذلك صفاتُ اللهِ سبحانه.
والخلاف كما ينصُّ الجويني، وابن القشيري، وإلكيا الطبري، وغيرهم من الأصوليين، خلاف لفظي، ذلك أن الجميعَ متفق على جواز دلالة النقل على خروج شيء عن حكم العموم، والاختلافُ في تسميةِ ذلكَ تخصيص، فالجمهور يسمونه تخصيصاً على اعتبار أنَّ اللفظ وفق أصل وضعه يصلح لشمول غير المعقول، والمخالفون يرونَ أن اللفظَ ابتداءَ لا يتناول غير المعقول؛ لأنَّه غير موضوع له. فغدا الخلاف خلافاً لفظياً، والنتيجة واحدة.
انظر "البرهان" 1/ 409، و"المستصفى" 2/ 100، و"البحر المحيط" 3/ 357.
(3/373)

فصل
في أدلّتنا
فمنها: أنَّ القائلين بالعموم، وهم الذي يُتصوّر معهم الخلاف، قد علموا أن قوله تعالى: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر 62]، ظاهره في اللغة العموم، وليس في اللغة مايخصّ، وكذلك قوله: {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ} [المائدة: 120]، {إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54)} [فصلت: 54]، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، {ومَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ: 28]، إنَما دلّت العقولُ على أنَه لا تدخلُ تحتَ ذلك صفاتُ اللهِ سبحانَه، ولا يدخلُ تحتَ الرحمةِ في إرسالِه - صلى الله عليه وسلم - أبو لهبٍ وأبو جهلٍ، وإنَّما كان رحمةً لمن صدقه وآمنَ به.
ومنها: أنَه إذا جازَ صرفُ الكلامِ عن ظاهرِه إلى غيرِ الظاهرِ، مثلُ صرفِه عن الحقيقةِ إلى المجازِ بدلالةِ العقلِ، جازَ تخصيصُ العمومِ بدلالةِ العقلِ، مثلُ قوله: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ} [البقرة: 93]، ومثل قوله: {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ} [مريم: 34]، والعِجلُ لا يدخلُ القلوبَ بذاتِه، لكنْ تقديرُه: حُبُّ العجلِ، والآدميُّ لا يكونُ قولاً الله سبحانَه، إنَّما يكونُ بكلمةِ اللهِ، أو يكونُ قائلاً قولَ اللهِ، وكلمةَ الحقِ، فلا فرقَ بينَ الظاهرِ والعمومِ، ولا بينَ الخصوصِ والمجازِ.
ومنها: أنَّ دلالةَ العقلِ دلالةٌ تؤدي إلى العلمِ، فجازَ التخصيصُ بها، كالكتابِ والسنةِ والإجماعِ.

فصل
يجمع شُبهات المخالف
فمنها: أنْ قالوا: إنَ دلالةَ العقلِ سابقةٌ للألفاظِ والصيغ المقتضية للعمومِ، ومحالٌ أن تتقدّمَ دلالةُ التخصيصِ على اللفظِ المخصوصِ، كما أنَه يستحيلُ أن تتقدَّمَ
(3/374)

صيغةُ التأكيدِ على اللفظِ المؤكَّد، وتقديمُ الناسخِ (1) على المنسوخِ؛ لأنَّ رفعَ الشيءِ قبلَ وجودِه محالٌ.
ومنها: أنْ قالوا: لو جازَ تخصيصُ العمومِ بدليلِ العقلِ، لجاز النسخُ بدليلِ العقلِ.
ومنها: أنَّه قد ثبتَ أنَ الاستثناءَ كالتخصيصِ من حيثُ إنَ كل واحدٍ منهما يُخرجُ من اللفظِ الجامعِ الشاملِ مالولاه لدخلَ فيه، ثمَّ أجمعنا على أنَ الاستثناءَ لا يجوزُ تقدُّمُه على المستثنى منه، كذلكَ يجبُ أن لا يجوزَ تقدُمُ الخصوصِ على المخصوصِ منه (2).

فصل
في الأجوبةِ لنا عن شُبَههم
أمَّا الأوَّلُ، وقولُهم: دلالةُ العقلِ سابقةٌ. لا يُسلَّم، بل في هذا تفصيلٌ؛ فإنْ كانَ العامُّ كلاماً لله سبحانَه، فإنَّه السابقُ بقِدَمِه وأزليته للعقل (3) ودليلِه، فلا يصحُّ ما ادَّعوه على الإطلاقِ، فبطلت دعواهم في كلامِ الله.
فأمَّا كلامُ غيرِه؛ فإنَّا لا نقولُ: إنَ دليلَ العقلِ خصوص قبلَ وجودِه؛ لأنَّ قولنا خصوصٌ، من باب المتضايفاتِ (4)، فإذا لم يوجد عمومٌ، فلا خصوصَ، فنحنُ لا نسمَّي دلالةَ العقلِ تخصيصاً للعبارةِ قبل حُصولها ووجودِها، وإنَّما نصفه بأنَّه تخصيصٌ بعدَ وجودِ العبارةِ، وهذا حكمُ الدلائلِ، وأنَّها تارةً تتقدَمُ فتدل على ما يكونُ في الثاني، وتارةً تتأخّرُ فتدلّ على أمرٍ كان.
__________
(1) في الأصل: "وتقديم النسخ والناسخ".
(2) اتظر "العدة" 2/ 55، و"التمهيد" لأبي الخطاب 2/ 104.
(3) في الأصل:"العقل"، وكلام المصنف هنا ليس على الإطلاق، فقد أجمع أئمة السلف على أن الله تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، وأن نوع الكلام قديم، وإن لم يكن الصوت المعني قديماً. انظر "شرح العقيدة الطحاوية": 174.
(4) تقدم تعريف التضايف في الصفحة 352 من الجزء الأول.
(3/375)

ألا ترى أنَّ الدليلَ قد دل على أنَّ الله سبحانَه يثيبُ المؤمنين بالجنةِ، وأنَه يعاقبُ الكافرَ بالنارِ, وإن كان مدلولُ هذا الدليلِ وهو عينُ الإثابةِ والعقابِ، متأخّراً، كذلكَ دلالةُ التخصيصِ في العقلِ سابقةٌ لمدلولِ العمومِ.
ولأنَّه ثبت بدلائل العقولِ أنَّ اللهَ سبحانَه خالقٌ، وأن صفاتِه قديمة غيرُ مخلوقةٍ، وأنَّه واحدٌ ليس بذي أعضاءَ ولا جوارحَ، فإذا وردت صيغُ: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر 62]، {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرحمن: 27]، {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64]، اقتضت دلالةُ العقلِ السابقةُ (1) صرفَ العمومِ إلى الخصوصِ، وصرفَ ظاهرِ هذه الأسماءِ عن الأعضاء (2)؛ ولأنَ الدلائلَ باقية إلى ما بعدَ نزولِ هذه الآياتِ، فلا معنى لتخصيصِها بالتقدُمِ على ما خصصه.
وأمَّا تعلقهم بالمنعِ من التخصيصِ به لامتناعِ النَّسخ به، فليسَ التخصيصُ من النسخ في شيءٍ؛ لأنَّ النّسخَ رفعٌ لما ليسَ بأصلَح، أو ما فيه مفسدةٌ وليسَ في العقل ما يقتضى الأصلَح والأفسَد؛ لأنَّ الحظرَ والإباحةَ والإيجابَ ليسَ من قضاياه، فأمَّا الإحالةُ والتجويز, فإنَّها من قضاياه التي لا خلافَ فيها، فهو يقضيى بتجويزِ جائزات كونها، وإحالةِ الممتنعات، وإيجاب واجبات وجودها، فأما الأحكامُ فلا.
والتخصيصُ تدخل عليه قضاياه (3)، فإنَّه مما يقضي أنَّ الصفاتِ المخصوصةَ تجبُ لله سبحانَه، فلا تدخلُ تحتَ مقدورٍ, ولا يجوزُ زوالها كما وجبَ وجودُها، فإذا قال: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر 62]، أرشدَ العقلُ إلى أنَّه لا يدخلُ تحتَ هذا العمومِ ما وجبت له من الصفاتِ، وإذا قال: فولِّ وجهَك شطرَ بيتِ المقدسِ. لم يكن في قضاياه تقديرُه مدةَ الاستقبالِ، ونقلُ الاستقبالِ إلى الكعبةِ، ولأنَ النسخَ
__________
(1) في الأصل: "السابقة على"، وبحذف (على) يستقيم المعنى.
(2) أي: لا نُشَبِّهها باعضاء المخلوقين، ولكن نُثبتها بما يليق بجلال الله وعظمته سبحانه. انظر "شرح العقيدة الطحاوية": 264 - 266
(3) أي تدخلُ على التخصيصِ قضايا العقلِ، من جوازِ الوجود، ووجوبِه، وامتناعه.
(3/376)

بالقياسِ وخبرِ الواحدِ يجوز وذلكَ لأنَه بيانُ المرادِ باللفظِ، والنسخُ بيانُ غايةِ الحكمِ، وذلكَ لا يعلمُه إلا من يحيطُ علماً بالمصالحِ ومن له المشيئةُ النافذةُ، ولأنَّ العقلَ يجوز بقاءَ الحكمِ الذي شَرعَه اللهُ، إذ قد أجمع (1) أربابُ العقولِ من أهلِ الشرائعِ أنَّه لا يجوزُ أن يردَ الشرعُ بغير مُجوَّزاتِ العقولِ، فإذا جوَّزَ ذلك وعُلم أن الواضعَ له الحكيمُ الأزليُّ الذي لا يَصدرُ عنه ما يقضي عليه العقلُ، بل يقضي به العقلُ، فلا سبيلَ إلى نسخِ ذلك الحكمِ بالعقلِ.
فأمَّا إذا قال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ} [النساء: 1] حسُنَ أن يشعر العقلُ بتخصيص هذا الأمرِ العامِّ بإخراجِ من لا يَسوغُ في العقلِ خطابُه من الأطفالِ والمجانين.
وقد أجابَ بعضُ الناسِ: بأنَ معنى النسخ ليس بأكثرَ من رفعِ الحكمِ الحكمَ، أو مثلَ الحكمِ المشروعِ في مُستقبل الزمان لمصلحةٍ تجدَّدت، وهذا ينهضُ بهِ دليلُ العقلِ في سقوطِ خطابِ اللهِ المستمرِ في كلِّ زمانٍ بما يتجددُ من عجزِ المكلَفِ عن النهوضِ بالتكليفِ بذلكَ الحكمِ المشروعِ، فقد نهضَ بالنسخِ على هذا الوجهِ، وإنَّما منعَ الاسم (2)؛ لأنَّهم خصّوا اسمَ النسخِ بما حَصلَ بلفظِ الشارعِ، حتى إنَ ما رفعه الإجماعُ لا يُعدُّ نسخاً، وإلا فالمعنى قد حصَلَ.
وأمَّا تعلقهم بالاستثناءِ وأنَّه لما لم يَجُزْ تقدمُه على المستثنى منه، كذلك التخصيصُ. فلا يصحُّ؛ لأنه لو ابتدأ بقوله: إلا زيداً، لم يُعدَّ متكلِّماً بلغةِ العربِ، وإن قالَ بعد ذلكَ: رأيتُ الناسَ. ولو قال: إنَّما يقعُ خطابي بالتكاليفِ للعقلاءِ البالغين، ثمَّ قالَ: يا أيها الناسُ اتقوا ربكم، اعبدوا ربكم. صحَّ، وانطبقَ الأوَّلُ على الثاني بالتخصيصِ، فصارَكأنه قال: يا أيها الناس العقلاءُ اتقوا ربكم (3).
__________
(1) في الأصل: "اجتمع".
(2) أي: منعَ تسمية طروءِ العجز على النهوض بالتكاليف: نسخاً.
(3) انظر "العدة" 2/ 549 - 550، و"التمهيد" 2/ 103 - 105.
(3/377)

فصل
يجوزُ تخصيصُ القرآنِ بأخبارِ الآحادِ، سواءً كانَ العمومُ قد دخله التخصيصُ أو لم يدخله، نص عليه أحمدُ (1)، وبه قالَ أصحابُ الشافعيِّ (2).
وقالَ بعضُ المتكلِّمين: لا يجوزُ (3).
وقال عيسى بنُ أبان: ما خُصَّ بدليلٍ جازَ بخبرِ الواحدِ، وإن لم يدخله التخصيصُ فلا يجوزُتخصيصُه ابتداءً بخبرِ الواحدِ (4).
واختلفَ القائلونَ بجوازِه، فقال فريقٌ: يجوز أن يرِد، لكن لم يرد. وقال قومٌ: قد وردَ. ونحنُ منهم.

فصل
في جمع الأدلة لنا
فمنها: ما رُويَ عن الصحابةِ مما يَدُلُّ على مثلِ مذهبنا: أنَّهم خصّوا قوله:
__________
(1) "العدة"2/ 550، و"المسودة": 119، و"التمهيد" لأبي الخطاب 2/ 105، و"شرح الكوكب المنير" 3/ 359.
(2) "البرهان" 1/ 427، و"المستصفى" 2/ 114، و"الإحكام" للآمدي 2/ 472، و"المحصول" 3/ 85، و" البحر المحيط "3/ 364.
(3) انظر نسبة هذا الرأي لطائفة من المتكلمين، في "العدة"2/ 550، و"التمهيد" 2/ 105
و"البحر المحيط" 3/ 365.
وقد ذكر الجوينيُ هذا الرأيَ في "البرهان"1/ 426 دون أن ينسبه لأحد.
(4) وهو ما ذهب إليه أكثر أصحاب أبي حنيفة، فهم ينصّون على أنَّه لا يجوز تخصيصُ عموم الكتاب الذي لم يثبت خصوصه، بخبر الواحد ولا بالقياس؛ لأنَهما ظنيان، فلا يجوزُ تخصيص القطعي؛ وهو عموم القرآن بهما.
انظر"الفصول في الأصول"1/ 155 - 156، و"أُصول السرخسي"1/ 142، و"ميزان الأُصول" 1/ 473،"وكشف الأسرار" 1/ 164.
(3/378)

{وأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] بحديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تُنكَح المرأةُ على عمّتها ولا على خالتها" (1).
ومن ذلك: تخصيصهم قوله تعالى في آية المواريث: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11]، بما رُويَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يرثُ القاتل" (2)، وقوله: "لا يرثُ الكافرُ من المسلمِ، ولا المسلمُ من الكافر" (3)، وخَصّوا آيةَ المواريثِ حيثُ احتجّت بها فاطمةُ بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "نحنُ معاشرَ الأنبياءِ لا نورث" (4).
فإن قيلَ: فقد رُوي أن عمر بن الخطاب [ردَّ] (5) حديثَ فاطمة بنت قيس، حيث لما روت عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه لم يجعل لها سُكنى ولا نفقةً، قال: "لا ندعُ كتابَ ربِّنا وسنّةَ
__________
(1) أخرجه عبد الرزاق (10753) و (10754) و (10755)، وأحمد 2/ 432 و 474 و489 و508 و516، والبخاري (5115)، ومسلم (1408)، وأبوداود (2066)، وابن ماجه (1929)، والترمذي (1125)، والنسائي 6/ 97 و98، وابن حبان (4068)، والبيهقي 5/ 345 و 7/ 165.
(2) أخرجه من حديث أبي هريرة بلفظ: "القاتلُ لا يرث"، الترمذي (2109)، وابن ماجه (2645) و (2735)، والدارقطني 4/ 96.
وأخرج أبوداود (4564) الحديث الطويل في الديات ساقه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وفيه: "وليس للقاتل شيءٌ، وإن لم يكن له وارث، فوارثه أقرب الناس إليه، ولا يرث القاتل شيئاً".
وأخرج مالك 2/ 867، والبيهقي 6/ 219، من حديث عمر بن الخطاب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ليس للقاتل شيء".
(3) أخرجه من حديث أسامةَ بن زيد مالك في "الموطأ" 2/ 519، وعبد الرزاق (9852)، وأحمد 5/ 200 و 208 و 209، والشافعي 2/ 190، والبخاري (6764)، ومسلم (1614) وأبوداود (2909)، والترمذي (2107)، والنسائي في "السنن الكبرى" (6370)، وابن حبان (6033)، والبيهقي 6/ 217 و 218.
(4) تقدَّم تخريجه في الصفحة 318 من هذا الجزء.
(5) زيادة يقتضيها السياق، وهي في "العدة" 2/ 552.
(3/379)

نبيِّنا لقولِ امرأةٍ" (1). وهذا أشارَ به إلى قولي تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} [الطلاق: 6].
قيل: إنَّ عمرَ رضي الله عنه لم يمتنع من قبولِ ذلك لأجلِ أنه خبرُ واحدٍ عارضَ القراَن، لكن اعتقد خطأ فاطمةَ لمعارضةِ غيره، لما يَدُلُّ عليه أنَّه رُويَ: "لقول امرأةٍ لعلها نَسيت"، أو شبهة عَرَضت له، ويدُلُّ عليه أنَه قال: "لا ندري أصدقتْ أم كذبت". وهذا يدلُّ على أنّه ردَّ ذلك لأمرٍ يخصُّها، ونحن إنما نقتضي بالتخصيصِ بخبر واحدٍ سكنت إليه نفسُ المجتهدِ، وغَلبَ على ظنه صدقُه، فأمَّا مثلُ هذه الحالِ فلا.
وقد أجابَ صاحبُنا أحمدُ رضي الله عنه بأن قال: كان ذلك منه على سبيلِ الاحتياطِ، وإلا فقد كانَ يقبلُ من غير واحدٍ قولَه وحده (2). على أنَ هذا الخبرَ مُطَّرحُ الظاهر لأن آيةَ السُكنى مخصوصةٌ في حقِّ الصغيرةِ، فإنه لا سُكنى لها وخبرُ الواحدِ عند أصحابِ أبي حنيفةَ إذا دخَله التخصيصُ يُخصُ بخبرِ الواحدِ (3).
فإن قيلَ: فإن تعلّقتم بأنَ الصحابَة عملتْ بذلك، فقد أُحدثَ النسخُ لما ثبت قِبلةً في الشرعِ بخبرِ الواحدِ، قال لهم: ألا إنّ القِبلَةَ حُولت نحو الكعبةِ، فاستداروا (4).
__________
(1) أخرجه عبد الرزاق (12027)، وأحمد 6/ 412، ومسلم (1480) وابن أبي شيبة 5/ 146، وأبوداود (2288)، والدارقطني 4/ 23 و 24 و27، وابن حبان (4250)، والطبراني في "الكبير" 24/ 934، والبيهقي 7/ 475.
(2) انظر "العدة" 2/ 554.
(3) هكذا وردت العبارة في الأصل، وهي في"العدة" 2/ 554 كما يلي: "وخبر الواحد يخص به الظاهر المخصوص عند أبي حنيفة".
(4) أخرجه البخاري (399) و (7252)، ومسلم (525)، وابن ماجه (1010)، والترمذي (340) و (2962)، والنسائي 2/ 60، والدارقطني 1/ 273، وابن حبان (1716)، والبيهقي 2/ 2، من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه.
(3/380)

فكان يجب أن تَتْبعوهم في ذلكَ وتقولوا: إنَّ النسخَ بخبرِ الواحد جائزٌ.
قيل: بهذا نقول، وقد نصَّ أحمدُ على هذا في روايةِ الفضل بن زياد (1)، وأبي الحارث (2) عنه في خبر الواحد: إذا كان إسناده صحيحاً وجبَ العملُ به، ثم قال: "أليس قِصَّةُ القبلةِ حين حُوِّلت، أتاهم الخبرُ وهم في الصلاة، فَتحوّلوا نحوَ الكعبةِ، وخبر الخمر، فأراقوها (3)، ولم ينتظروا التواتر" (4)، فهذا مذهبُه في النسخِ،، فرجع سؤالهم عليهم.

فصل
ومن أدلتنا من طريقِ النَّظر أنَّ الخبرَ الخاصَّ يتناولُ الحكمَ بصريحهِ، والعامَّ من الكتابِ يتناولُ الحكمَ بظاهرِه، والصريحُ يقضي على الظاهِر كا لآيتين والخبرين، ونحرِّرُه طريقةً قياسية، فنقولُ: دليلانِ خاصٌّ وعامٌّ، فقضيَ بالخاصِّ على العام،
__________
(1) الفضل بن زياد القطان، أبوالعباس البغدادي، من كبار أصحاب الإمام أحمد، انظر "طبقات الحنابلة" 1/ 251.
(2) أحمد بن محمد الصائغ، كان الإمام أحمد يجلة ويكرمه، روى عن الإمام مسائل كثيرة. انظر "طبقات الحنابلة" 1/ 74.
(3) ورد ذلك من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنتُ أسقي أبا عبيدة وأبا طلحة وأُبي ابن كعب من فَضِيخِ زَهوٍ وتَمر، فجاءهم آتٍ، فقال: إن الخمر قد حرمت، فقال أبوطلحة: قُم يا أنسُ فأهرِقْها، فأهرقتُها.
أخرجه البخاري (5582) و (5583) و (5622) و (7253)، ومسلم (1980)، والنسائي 8/ 287، وابن حبان (5352)، و (5362) و (5363) و (5364)، والبيهقي 8/ 286 و290.
والفَضِيخ: هو شرابٌ يتخذ من البُسر، إذا شُدِخَ ونُبِذ.
والزَّهو: هو البُسْرُ الذين يَحمرُّ أو يصفَرُّ قبل أن يترطَّب.
(4) انظر "العدة"2/ 554 - 555، و"التمهيد" لأبي الخطاب 2/ 109.
(3/381)

كالآيتين والخبرين.
ومنها: أنَ خبرَ الواحدِ دليلٌ من أدلةِ الشرعِ يجبُ العملُ به، فوجبَ أن يقضيَ خاصّهُ على عامَّ الكتابِ كالمتواتر.
فإن قيلَ: المتواترُ مقطوعٌ بطريقهِ، كما أنَّ القرآن مقطوعٌ بطريقهِ، فلما استويا في القطعِ وزادَ الخاصُّ بتناولِ الحكمِ بصريحهِ قدَّمناه على العمومِ، وقضينا به، فأمَّا خبر الواحدِ فإنَّه لا يعطي إلا الظنَّ، ولا يُقضى بالظنِّ على القطعِ.
قيل: خبرُ الواحدِ ظنٌ، وبراءةُ الذممِ بدليل العقلِ قطعٌ، وحكمنا بإشغالِ الذِّممِ وتعليقِ التكاليفِ والمشاق على البدنِ بخبرِ الواحدِ المظنونِ.
وكذلكَ لو شهدَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لرجلٍ بأنَّ هذا العبدَ له، فقال: هذا العبدُ مِلكٌ لهذا، ثمَّ إنه ادَّعى تملُّكَه (1) آخرُ من جهةِ المشهودِ له بها (2) ببيع أو هِبةٍ، وقامَ بذلكَ بيِّنةٌ حُكمَ له بها، وإن كُنّا نَعلمُ أن الشهادةَ بنقلِها عن الأولِ قضاءٌ بظنٍّ على قطعِ.
ومنها: أنَّ ما ذهبنا إليه جمعٌ بين الدليلينِ، وما ذهبوا إليه إسقاطٌ لأحدِهما، والجمعُ بين دليلينِ من أدلّةِ الشرعِ أولى من الأخذِ بأحدِهما وإسقاطِ الآخر وتعطيله.
ومنها: أن العمومَ عُرضةُ التخصيصِ ومحتمِلٌ له، والخصوصُ من خبرِ الواحدِ غير محتمِل، فلا يعترضُه إلا النسخُ، فكان غيرُ المحتمِل قاضياً على المحتَمِل (3).

فصل
يجمع شبهاتهم
فمنها: أنَّ العمومَ في كتابِ الله مقطوعٌ به، وخبرَ الواحدِ مظنونٌ غيرُ مقطوعٍ به،
__________
(1) في الأصل: "تملكها".
(2) أي بالملكية.
(3) انظر هذه الأدلة في "العدة" 2/ 555 - 556، و"التمهيد" 2/ 110.
(3/382)

فلا يجوزُ أن يقدَّمَ المظنونُ على المقطوعِ، كما لا يُقضى بخبرِ الواحدِ على الإجماعِ.
ومنها: أنَ التخصيصَ لكتابِ الله إسقاطُ ما تضمَّنه القرآنُ، أو إسقاطُ بعضِ ما يقتضيه القرآنُ بخبرِ الواحدِ، فلم يجز، كنسخِ القرآنِ بخبرِ الواحدِ.
ومنها: أنَّ الترجيحَ للأدلَّةِ بابٌ مُجمَعٌ عليهِ عند أهلِ النظر، وخبر الواحدِ ضعيف، والقرآن قويّ، فلا يجوزُ تقديمُ الضعيفِ على القويِّ، كما لا يقدَّمُ القياسُ على الخبرِ (1).

فصل
في جمع الأجوبة عنها
فالأوَّلُ: أنَّا لا نُسقطُ المقطوعَ بالمظنونِ؛ لأنَّ المقطوعَ به في كتابِ الله إنما هو أصلُ الكلامِ وإثباتُه، فطريقهُ القَطعُ، ولسنا نُسقطُ ذاك، وإنما نقضي على عمومِه وتناوله للأعيانِ التي أخرجها خصوصُ الخبر وتلكَ الأعيانُ ما دخلت تحت العمومِ إلا من طريقِ الظاهرِ وغلَبةِ الظن، ولذلكَ سُوِّغَ الاجتهادُ ممن أسقطَ العمومَ ونفى أن تكونَ له صيغة، ولذلكَ لم يفسق ولم يكفر، بل خُطّىءَ، فرجّحنا الصريحَ على ذلكَ الظاهرِ المظنونِ، كما تُصرف صيغُ الأوامرِ التي في كتابِ الله عن الإيجاب إلى الندبِ والاستحبابِ، والنواهي عن التحريمِ والإفسادِ إلى التنزيهِ والكراهةِ بأدلةِ مظنونةِ.
على أنَّه باطلٌ بما قدّمنا من الحكمِ بخبرِ الواحدِ على براءةِ الذِّمم بأدلَّةِ العقولِ المقطوعِ بها، وكما يقضى بنقلِ الملكِ عن المالكِ الذي شَهِدَ بملكِه الصادقُ بشهادةِ شاهدين صدقُهما غيرُ مقطوعِ به.
وأمَّا إلزامُ النسخِ، فقد منعناه بما نصَّ عليه أحمدُ واستدلَّ بخبرِ القبلةِ والخمرِ ولم يكلنا (2) على طريقِ توسعةِ النظر وسلَّمناه نظراً، فإنَّ النسخَ إسقاطٌ لموجَبِ اللفظ،
__________
(1) انظر "العدة" 2/ 557، و"التبصرة" 134 - 135.
(2) هكذا وردت في الأصل.
(3/383)

فلم يجز إلا بمثلِه أو أقوى منه، والتخصيص بيانُ ما أريدَ باللفظِ، فجازَ بما دونَه، كصرفِ الأمرِ والنهي عن ظاهرِه وحقيقةِ الكلامِ إلى مجازِه.
وأمَّا قولُه: إنَّ العمومَ أقوى، والتعلق بوجوبِ تراجيحِ الأدلةِ، فإنَ ذلكَ للمقابلةِ والإسقاطِ، فأمَّا الجمعُ الذي سلكناه، فيجوزُ أن يُجمعَ بين الأقوى والأضعفِ، كما يستدلُّ بالآيةِ والخبرِ والقياسِ في المسألةِ الواحدةِ؛ ولأنَّه يَبْطلُ بما ذكرنا من خبرِ الواحدِ مع دليلِ العقلِ في براءةِ الذممِ والبينةِ مع تقدُمِ شهادةِ المعصومِ بالملكِ.

فصل
في الكلامِ على من أجازه في المخصوص، ومنعَ من التخصيصِ به لما لم يدخله التخصيصُ.
وفيما قدَّمناه من الدلائلِ ما يكونُ دلالةً على مَنْ فَرَّقَ بينَ المخصوصِ وغيرِه، ولأنَّ العمومَ الذي لم يُخصَّ متعرّضٌ للتخصيصِ، وخصوصُ الخبرِ صريحٌ في تناولِ الحكمِ، والعمومُ الذي خُصَّ والذي لم يُخَصَّ تساويا في تناولهما الحكمَ بالظاهرِ من اللفظِ، والخصوصُ يتناولُ الحكمَ بصريحهِ.
وأيضاً: فإنَ العمومَ الذي لم يُخَصَّ، كالظاهرِ من الأوامرِ والنواهي التي لم تُصرف عن ظاهرِها، ولم يدل الدليلُ على صرفِها، ثم إنَه إذا وردَ دليل يصرفها صرفناها به مع كونها لم تُصرح (1) بصرفٍ، كذلكَ العمومُ، والجمعُ بينهما واضحٌ، وهو أنَ كل واحد منهما ظاهرٌ.
وأيضاً فإن التخصيصَ لم يخرج عمومَ القراَنِ عن رتبته في أنَه ثابتٌ بدليلِ مقطوعٍ وهو النقلُ المتواترُ، ورتبته في كونِه قراَناً، وفي كونه مقدَماً على السنَة، فإذا جازَ دخول التخصيصِ عليه بخبرِ الواحدِ مع هذه الرتبةِ، جازَ دخولُ التخصيصِ عليه بخَبرِ
__________
(1) تحرفت في الأصل إلى: "تقترع".
(3/384)

الواحد قبل تخصيصه لتساويهما في تقدُمهما على الآحادِ برتبةِ القطعِ في طريقهما، ورتبةِ الحُرمةِ في نطقهِما وتقدمهما على السنة.

فصل
في شُبهة المخالف (1)
قال عيسى بنُ أبان: إذا دخَله التخصيصُ صارَ مجازاً، فَقُبِلَ وأثر خبرُ الواحدِ في تخصيصهِ، كما قُبِلَ في بيانِ المجمَلِ، وإذا لم يدخلْهُ التخصيصُ بقيَ على حقيقته فلم يجز تخصيصُه بخبرِ الواحدِ.
فيقالُ: لا نُسلّمُ أنَّه صارَ مجازاً، فلا نبني خلافاً على خلافٍ، فأمَّا المجملُ، فإنَّه لا يعقلُ معناهُ من لفظِه، ولا المرادُ به بنفسِه، والعمومُ قبلَ التخصيصِ وبعدَه مفهومُ المعنى، معقولٌ منه المرادُ، وامتثالُه ممكنٌ، واللفظُ متناوِل لما يبقى بعدَ تخصيصِه، فكانَ حكمُه حكمَ ما لم يُخصَّ.
شبهةٌ ثانيةٌ: الباقي على عمومِه من غيرِ اتفاقٍ على خصوصِه مقطوعٌ على ما تضمنه من المسمّيات؛ لأنَّ صاحبَ الشريعة لو خصَّصَه لذكرَه معه، ولو ذكرهُ لنُقلَ، فلما لم يُنقلْ بقيَ على القطعِ بتناوله كلَّ مسمىً دخل تحتَه.
فيقال: لا نسلِّمُ أنه تناولَ الأسماءَ قطعاً، بل ظاهراً متردّداً، لكنَّه إلى الاستغراقِ أقربُ، ومنه أظهرُ, وهو مهيأٌ لورودِ التخصيصِ عليه، بدليلِ أنَ قرآناً مثله يخصُّه، وتخصيصُه بالقرآنِ بيانٌ لا نسخٌ، ولو كان قطعاً لكان ما يرد من القرآنِ نسخاً، والخصوصُ الواردُ بخبرِ الواحدِ لفظٌ صريح في الحكمِ، والأخذُ به جمعٌ بين الدليلينِ،
__________
(1) وهي الأدلةُ التي يستند إليها الحنفية في منعهم تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، يُرجع إليها مفصَّلة في "الفصول في الأُصول" للجصَّاص 1/ 155 - 163 و"أصول السرخسي" 1/ 142 - 143، و"كشف الأصار"1/ 163 - 166.
(3/385)

وحفظٌ لهما عن الإسقاطِ، وفي إسقاطِ خبرِ الواحد الخاصَّ إسقاطٌ لأحدِ الدليلينِ، والأخذُ بهما (1) أولي.

فصل
يجوز تخصيصُ العمومِ بالقياسِ
أومأ إليه صاحبُنا أحمدُ بنُ حنبل في عدَّةِ مواضعَ، منها لعانُ البائنِ بالثلاثِ، قالوا له: اللهُ يقول: {يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} [النور 4]، وهذه ليست زوجةَ، فقالَ: المريضُ الفارُّ من الميراثِ يورَثُ منه، وهذا فارٌ من الولدِ (2).
واختلف أصحابُنا على وجهين: بعضُهم أجازَه، وبعضُهم منعَ منه (3)، ومن منعَ منهم ذكرَ أنَّ كلامَ أحمدَ يعطي في روايةِ المنعِ، وهو قولُه: كلامُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أو قال: السنة- لا تُرَدُ بالقياسِ.
وعندي: أنه ليسَ في هذا من كلامِ أحمدَ ما يمنعُ التخصيصَ، لأنَّ التخصيصَ ليس بِرَدٍ، لكنَّه بيانٌ، وإنَّما أراد: لا تُرَدُّ الرواياتُ بالآراءِ.
ولأصحابِ الشافعي أيضاَ في جوازِ التخصيصِ بالقياسِ الخفيِّ وجهان (4).
__________
(1) تحرفت في الأصل إلى: "بها".
(2) انظر هذه الرواية عن الإمام أحمد في" العدة" 2/ 559 - 565، و"المسودة": 120.
(3) من الذين أجازوا التخصيصَ بالقياس من أصحاب أحمد، أبوبكر عبد العزيز غلام الخلال، وأبو يعلى الفراء، وأبوالخطاب الكلوذاني، والحلواني. وهو ما رجحه ابن عقيل.
ومن الذين منعوا التخصيصَ بالقياسِ من أصحاب أحمد، أبو إسحاقَ بن شاقلا، وأبوالحسن الخرزي. انظر "العدة" 2/ 562، و"المسوَّدة": 119 - 120، و"التمهيد" 2/ 121.
(4) الشافعية متفقون على جواز التخصيص بالقياس القطعي، ومحلٌ النزاعِ جوازه بالقياسِ الخفيِّ، وهم في هذا على رأيين:
الرأي الأول: جواز التخصيص بالقياسِ الخفيِّ، وممن قال بذلك: أبو إسحاق الشيرازي، كما في "التبصرة": 137، وهو مذهب الإمام الشافعيِّ. =
(3/386)

وقال أصحابُ أبي حنيفة: إن كان قد دخله التخصيصُ بإجماعٍ؛ جازَ تخصيصُه بالقياسِ، وإن لم يكن دخله التخصيص؛ لم يجز تخصيصه به (1).

فصل
في جَزمِ أدلّتنا (2)
فمنها: أنَّه دليلٌ شرعيٌّ نافٍ بعضَ ما دخلَ تحتَ العمومِ بصريحِه، فوجبَ أن يُخصَّ به، كالنطقِ الخاصِّ.
ومنها: أنَّ العللَ الشرعيةَ معاني الألفاظِ الشرعيةِ، والمعاني المودَعةُ في النطق تكشفُ عن مرادِ الشارعِ، فإذا كانَ النطقُ الخاصُ يُخصُ به النطقُ العامُ، فكذلكَ المعنى الذي تضمَّنه النطقُ إذا كان مصرِّحاً بالحكمِ.
ومنها: أنَّ العملَ بمخصوصِ القياسِ جمعٌ بينَ الدليلينِ، وهو أنَا نعملُ بعمومِ اللفظِ فيما لم يتناوله القياسُ، وبمعناه الخاصِّ في الحكمِ الذي تناوله، فهو أولى من إسقاطِ ما لاحَ من معنى النطقِ رأساً، والتمسُّك بظاهرِ لفظِ العمومِ.
ومنها: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لو قالَ: إذا زالت الشمسُ فصلوا أربَع ركعات، وإذا أهَلّ شهرُ رمضانَ فصوموا، وما أخبركم به عنّي أبو هريرةَ فهو قَولي وشَرعي. ثم إنَّ أبا هريرَة أخبرنا أن المسافر يصلي الظهرَ ركعتينِ، ويفطرُ شهرَ رمضانَ، فإنَّ ما سمعناه
__________
= الرأي الثاني: منع التخصيص بالقياس الخفي، وهو المنقول عن ابن سريج، وأبي حامد الإسفراييني، والآمدي، انظر "المستصفى" 2/ 123، و"الإحكام" للآمدي 2/ 491، و"البحر المحيط" 3/ 372.
(1) انظر "الفصول في الأُصول" 1/ 211، و"أُصول السرخسي" 1/ 142، "وميزان الأصول" 1/ 470.
(2) انظر هذه الأدلة وما تبعها من استدراكات وتعقيبات في "العدة"2/ 564 - 569 و"التمهيد" لأبي الخطاب 2/ 122 - 130، و"شرح مختصر الروضة" 2/ 572 - 575.
(3/387)

منه قطعٌ، وما أخبرنا به أبو هريرة ظنٌ، ويجوز التعويلُ عليهِ في إخراجِ ركعتين من صلاةِ الظهرِ، وتأخيرِ صومه رمضانَ عن وقتِه، فأكثرُ ما في العمومِ أنه قطعيُّ الطريقِ، وأكثرُ ما في القياسِ أنَه يوجِبُ الظنَّ، فلا نمنعُ من أن نُخرجَ به بعضَ ما شملَه العمومُ.
ومنها: أنَ العمومَ عُرضةُ التخصيصِ والاحتمالِ، والقياسُ حجةٌ لأنه غيرُ محتَملٍ في المعنى المستنبطِ له، وأبداً يقضى بغيرِ المحتَملِ على المحتَملِ كالتفسيرِ مع الإجمال.
وأمَّا الدلالةُ على من أجازَ ذلكَ بالقياسِ الجلي خاصةً من أصحاب الشافعيِّ: أنَ القياسَ الخفيَّ دليلٌ، فكانَ حكمُه حكمَ الجليِّ من جنسِه في تخصيصِ العمومِ، كخبرِ الواحدِ لما كانَ دليلاً، كان حُكمُه حكمَ الجليِّ من جنسِه، وهو المتواترُ الذي ينجلي الحكمُ به.
وأيضاً: فإنَّ الخصوصَ إنما قُدِّمَ على العمومِ؛ لأنه تناولَ الحكمَ بصريحه، وهذا موجودٌ في القياسِ مع العمومِ المبتدأ بالتخصيصِ، وفي العمومِ الذي دخَلَه التخصيصُ.

فصل
يجمع شُبههم فيها
فمنها: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَه قال لمعاذ: "بِمَ تحكم"؟ قال: بكتابِ اللهِ، قال: "فإنْ لم تَجد"؟ قال: بسنَةِ رسولِ الله، قال: "فإن لم تجد"؟ قال: أجتهدُ رأيي ولا آلو (1).
فأقرَّه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على ذلكَ، وحمِدَ اللهَ على توفيقِه.
فوجْهُ الدلالةِ: أنَّه قدَّمَ السُنَّةَ بأسرِها على قبيلِ الرأي.
فيقالُ: إنَّ ما عارضه القياسُ منَ العمومِ ليسَ بسنةٍ، كما أنَ ما عارضه خصوصُ
__________
(1) تقدم تخريجه 2/ 5.
(3/388)

السنَّةِ من عمومِ القرآنِ ليس بقرآنٍ، ووجبَ القضاءُ بخاصِّ السنَّة.
والذي يوضِّحُ هذا: أنه رتَّبَ القياس على السنَّة، كما رتَبَ السنةَ على كتاب الله، ثم إنَّ السنَة الخاصَّةَ لا تؤخَّر عن عمومِ كتابِ الله، بل تُقدِّمُ عليه، فكذلكَ لا يلزم تقديمُ عمومِ السنَّةِ على خصوصِ القياسِ (1).
ومنها: أنَّه إسقاطٌ لما تناولَه نطقُ القرآنِ، فلا يجوزُ بالقياسِ كالنّسخِ، وربما قالوا: أحدُ نوعي التخصيصِ، فلا يجوزُ بالقياسِ، كتخصيصِ الأزمانِ.
فيقالُ: ليس إذا لم يجز النَّسخُ لم يجز التخصيصُ، بدليلِ أنَ نسخَ القرآنِ بخبرِ الواحدِ لا يجوز ويجوزُ التخصيصُ به؛ ولأنَّ النَّسخَ: إسقاطُ موجَبِ اللفظِ، والتخصيص: بيانٌ للفظِ، والتخصيص جمع بينه وبينَ غيرِه، فافترقا.
ومنها: أنَ القياسَ فرعٌ للكتابِ، فلا يجوزُ أن يخُصَّ الفرعُ أصلَه، كما لا يُسقِطُ الفرعُ أصلَه.
فيقالُ: إنَا لا نَخُصُّ الأصلَ بفرعِه، وإنَّما نخصُّ غيرَ (2) أصله؛ لأنَّ القياسَ متى استنبطَ من أصلٍ فيكونُ مماثلاً له في حكمِه، فلا يخصُّ به، وإنما يخصُّ أصلاً آخرَ يُضادُّه وينافيه.
ومنها: أنَّ هذا القياسَ مما يقدَّمُ عليه القياسُ الجليُّ، وكلُّ ما قدِّم عليه القياسُ الجليُّ لم يَجُزْ تخصيصُ العمومُ به، كاستصحابِ الحال.
فيقالُ: إنَّما لم يُخصَ العمومُ باستصحابِ الحالِ؛ لأنَّ ذلك تمسُّكٌ وبقاءٌ على حكمِ الأصلِ، وليسَ كذلكَ القياسُ، فإنَّه دليلٌ في نفسِه (3)، وتقديمُ الجليِّ عليه لا
__________
(1) انظر "التبصرة": 139 - 140.
(2) في الأصل: "عن" ولا يستقيم بها السياق، والمثبت من "العدة" 2/ 568.
(3) أي أن الاستصحاب ليس دليلاً مستقلاً كالقياس؛ لأن الاستصحابَ هو بقاءٌ على حكمِ الأصل حتى ينقل عنه بدليل. انظر "التمهيد" 2/ 129.
(3/389)

يمنعُ كونَه دليلاً يخصُّ بَيانه العمومَ، كما أنَّ الخبرَ يقدَّم عليه ما هو آكدُ منه، وهو المتواتِر, ولا يمنعُ من تخصيص العمومِ به.
ومنها: أنَّ القياسَ من شرطِ صحتِه أن يجريَ على الأصولِ، فلا يردُّه أصلٌ، والعمومُ من جملةِ الأصولِ، وهو ينافيه، فلا يصبح مع منافاةِ أصلٍ من أصولِ الشرعِ له.
فيقال: لا نُسلِّم، أنَّ ما خصَّصه القياسُ كان مراداً بالعمومِ حتى يكونَ معارِضاً له أو مضاداً له، بل يتبين بالقياسِ أنَه لم يكن مراداً ولا داخلاً تحتَه.
ومنها: أنَّ العمومَ مقطوعٌ به، والقياسَ مظنونٌ، فلا يجوزُ أن يمضى بالمظنونِ على المقطوعِ.
فيقالُ: إن المقطوعَ به (1) كونُه من كتابِ اللهِ، وذلكَ لا نرفعُه بالقياسِ، وتناولُ ما
تحتَ العمومِ من الأعيانِ مظنونٌ، فما رفعنا بالمظنونِ، إلا المظنونَ، وزادَ القياسُ بأنه
تناولَ الحكم بصريحهِ. على أنَّ قولَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لو قال: اقتلوا الزناةَ، واقطعوا السُّرَّاقَ،
واقبلوا خبر أبي هريرة عني. فقال أبو هريرة: لا تقتلوا البكرَ من الزُّناةِ، ولا الابنَ إذا سرق من مالِ أبيه. قبلنا قولَه المظنونَ، وأخرجنا بعضَ من دخلَ في نطق الرسولِ المقطوعِ به، ولأنَّ براءةَ الذِّممِ بأدلةِ العقولِ مقطوعٌ بها، ثمَ لو جاءَ خبرُ واحدٍ يَشْغلُ الذِّممَ لقبلناه، وكذلك القياسُ.
ومنها لأصحابِ ابى حنيفة: أنَّ التخصيصَ للنطقِ قبل دخولِ التخصيصِ عليه إسقاطُ دلالةِ اللفظ، فلم يجز بالقياسِ، كالنسخِ، ولا تلزمُ الزيادةُ في التخصيصِ؛ لأنَّها ليست بإسقاطٍ؛ لأنَّ الدلالة قد سقطت بغيره.
__________
(1) في الأصل: "عليه".
(3/390)

فيقالُ: لا يمتنعُ أن لا يجوزَ النَّسخُ ويجوزُ التخصيصُ، ألا ترى أنَّ نسخَ الكتابِ بخبرِ الواحدِ لا يجوز ويجوزُ التخصيصُ؛ لأنَّ النسْخَ إسقاطٌ، وهذا جَمْعٌ بينه وبين غيرِه، فافترقا.

فصل
يجوز تخصيص عام السُنّة بخصوص القرآن (1)
أومأ إليه أحمد رضي الله عنه، فإنه نسخ قضيته بينه وبين قريش في ردِّ المسلمات إذا أتَيْنه، فمنع ردَهنَ بقولِه تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} [الممتحنة: 10]، فأثبت أحمدُ نسخَ القضيةِ بالقراَنِ (2)، والنَسخُ آكدُ من التخصيصِ، وبهذا قالَ جماعةٌ [من] (3) الفقهاءِ والمتكلِّمين.
وخرَّج ابن حامد (4): أنَّه لا يجوز من إيماء أحمدَ رضي الله عنه، فإنَّه قال: السنَّة مفسِّرةٌ للقرآنِ ومُبيِّنَةٌ له (5). وذهبَ إلى ذلكَ بعضُ المتكلِّمين.
__________
(1) انظر هذه المسألة في "العدة" 2/ 569، و"التمهيد" لأبي الخطاب 2/ 113،و"المسودة": 122، و"شرح الكوكب المنير" 3/ 359.
(2) انظر"العدة" 2/ 569، و"التمهيد" 2/ 113.
(3) ليست في الأصل.
(4) هو أبوعبد الله، الحسنُ بن حامد بن علي بن مروان، البغدادي الوراق، شيخ الحنابلة في زمانه، له عدة مصنفات منها كتاب "الجامع" في الاختلاف و"شرح الخرقي" و"شرح أُصول الدين" توفي سنة (403 ه). انظر ترجمته في "تاريخ بغداد" 7/ 303، و"طبقات الحنابلة" 2/ 171 - 177 و "سير أعلام النبلاء" 17/ 203.
(5) انظر "العدة" 2/ 570، و"المسودة": 122.
(3/391)

وحكى شيخنا في "العُدّة" (1): أنَّ بالثاني من المذهبينِ قال أصحابُ الشافعي.
وذكر أصحابُ الشافعيِّ أنَّ المذهبَ عندهم جوازُ التخصيصِ دونَ المنعِ (2)، ولم يحكوه مذهباً لأحدٍ من أصحابهم.

فصل
في الدلالة على مذهبنا
قولُه تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89]، وهذا يعمُّ بيانَ قولِ الرَّسولِ، وبيانَ كل مُشكِلٍ ومُجْملٍ، إلا ما خصَّه الدليلُ من المتشابه الذي انفردَ بعلمِه، وكلَّفَ الإيمانَ به من غيرِ بيانِ معناه.
ومنها: أنَّ القرآنَ مقطوعٌ به، والسنَّةَ غيرُ مقطوعٍ بها، فإذا جازَ بيانُ القرآنِ بالسنّةِ، فلأنْ يجوزَ بيانُ السنَّةِ- وهي الأضعفُ- بالأقوى أوْلى، ألا ترى أن من جوَّز نسخَ القرآن بالسنَّة كان قائلاً بنسخِ السنّةِ بالقرآنِ من طريق الأولى.
وأيضاً: فإنَّ السنَّةَ وحيُ اللهِ إلى قلبِه - صلى الله عليه وسلم -، والقرآنَ كلامُ الله، ولا يمتنعُ أنْ يقضى بخصوصِ كلامِه على عمومِ كلامِ رسوله الصادرِ عن إلهامه، فهما غيرُ مختلِفَين في المعنى.
__________
(1) 2/ 570.
(2) نص على ذلك الآمدي في"الإحكام" 2/ 470 حيث قال:
"يجوز تخصيصُ عموم السنَّة بخصوص القرآن عندنا، وعند أكثر الفقهاء والمتكلمين".
وكذلك قال الزركشي في "البحر المحيط" 3/ 379: "يجوز تخصيص خبر الواحد بالقرآن".
فظهر بذلك عدم دقة ما ذكره الإمام أبويعلى في "العدة" من أن الشافعية، لا يقولون بتخصيص عموم السنة بخصوص القرآن.
(3/392)

فصل
في شُبَههم (1)
فمنها: قولُه تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]، فجعلَ النبيَّ مبيِّناً لما ينزله من كتابِه، وبيانُه هو سنته.
ومنها: أنَا لو جعلنا السنَة مخصوصةَ بالآية، جعلنا السنَّة أصلاً ومتبوعاً، والقرآنَ تابعاً، وهذا حَطٌّ له عن رُتييه.

فصل
في أجوبتنا عن ذلك
أمَّا الآيةُ: فلا حجَّة فيها؛ لأنَّا قائلون بأنَّه يجوزُ بيانُ ما يحتاجُ إلى بيانٍ من السنَّةِ بالقرآنِ (2)، وليسَ فيها نفيٌ لما أثبتَته آيتنا من أنَّ القرآنَ تبيان لكل شيءِ، وقد يعتمدُ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - فيما يقولُه من الكلامِ على بيانِ القرآنِ السابقِ لسنّتِه، كما يبينُ ما أشكلَ من القرآنِ بقوله.
وأمَّا قولُهم: فيه حطٌ لمرتبةِ القرآنِ. فبعيد جداً؛ لأن الأقوى قد يقضي على الأدنى، كأخبارِ التواترِ يجوزُ أنْ تُبين بها أخبارُ الآحادِ، ولا تنحط رتبتُها عن العلمِ ولا تصيرُ تابعةً لأخبارِ الآحادِ الموجبةِ للظنِّ، ودليلُ العقل يخصُ أدلَّةَ الكتابِ والأخبارَ، ولا يدل على أنَّ أدِلةَ العقلِ منحطةٌ بذلكَ عن كونِها هي الأصلُ في إثباتِ الصانعِ والنُّبوَّات، ولأنَّ الذي ينطقُ به النبي - صلى الله عليه وسلم - من العمومِ عن وحي إلى قلبِه - صلى الله عليه وسلم - ثمَّ ينزل عليه القرآنُ كاشفاً لتخصيصِ الوحي الأوَّلِ (3).
__________
(1) انظر الشبه التي يحتج بها المخالفون في: "التبصرة": 136، و"الإحكام" للآمدي 2/ 470 - 471، و"البحر المحيط" 3/ 379، و"العدة" 2/ 571 - 572، و"التمهيد" لأبي الخطاب 2/ 114 - 115.
(2) في الأصل:" من القرآن "، والمثبت أنسب لاستقامة السياق.
(3) انظر" الإحكام " للآمدي 2/ 321.
(3/393)

فصل
يجوزُ تخصيصُ العمومِ بأفعالِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم
أشارَ إليه أحمدُ في مواضعَ (1)، وبه قالَ أصحاب الشافعي (2)، وأصحابُ أبى حنيفةَ سوى الكرخي (3)، وذلكَ مثلُ نهَيه صلى الله عليه وسلم عن استقبالِ القبلةِ بالبولِ والغائطِ، واستدبارِها (4)، وأنَّه بعد ذلك روى جابرٌ أنَّه جلسَ مستقبلَ القبلةِ فوقَ سطحٍ
__________
(1) انظر المواضع التي أشار الإمام أحمد من خلالها إلى جواز التخصيص بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم في "العدة" 2/ 573 - 574، و"التمهيد" 2/ 116. وراجع مسألة تخصيص العموم بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم في "المسوَّدة" 125، و"شرح الكوكب المنير" 3/ 371.
(2) انظر "المستصفى" 2/ 106، و"الإحكام" للآمدي 2/ 480 و "البحر المحيط" 3/ 387.
(3) رأي الكرخي راجع إلى كونه يرى أنَّ فعلَ الرسول صلى الله عليه وسلم خاصٌّ به، لا يتناول غيره من أفراد الأُمة إلا بدليل اَخر. وهذا على خلاف رأي الحنفية الدين يرون في فعله صلى الله عليه وسلم، دليلاً قائماً بنفسه، يشمل أفراد الأمة ولا يختص به صلى الله عليه وسلم، إلا بدليلٍ مخصص.
انظر"الفصول في الأصول" للجصَّاص 3/ 215، و"تيسرِ التحرير" 3/ 120، 121، و"ميزان الأصول" 1/ 472 و2/ 673.
(4) عن أبي أيوب الأنصاري، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "إذا أتى أحَدُكُم الغائط، فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها بغائط ولا بول، ولكن شرِّقوا أو غربوا".
أخرجه مالك 1/ 193، والشافعي1/ 25، وأحمد 5/ 414 و 415 و 416 و 417 و421، والبخاري (144) و (394)، ومسلم (264)، وأبوداود (9) وابن ما جه (318)، والنسائي 1/ 21 و22 و23 الترمذي (8)، والبيهقي 1/ 91، وابن حبان (1416)، والبغوي (174).
مع اختلاف في اللفظ عند بعضهم.
(3/394)

على لَبِنَتين (1)، فكانَ فعلُه عندنا كأنَّه قولٌ منه: ويجوزُ ذلكَ في البُنيان (2).

فصل
في دلائلنا
فمنها: أنَّه قد ثبتَ بما قدَمنا أنَّه مخاطبٌ كخطابِنا، وأنَّه معنا في التكليفِ على سواءٍ، إلا ما خصَّه به الدليلُ عنَّا من إيجابٍ، أو حظرٍ أو إباحةٍ، فإذا ثبتَ ذلكَ، وقال قولاً عامّاً، ثم إنه فعل فعلاً دخلَ تحت قولي ونَهيه، وهو ممَّن لا يخالفُ أمر الله، ثبتَ أنَّه فعلَه بأمرِ اللهِ ووَحيه، فصارَ بذلكَ فعلُه كقول.
ومنها: أنَّ فعلَه - صلى الله عليه وسلم - مما يجبُ الاقتداءُ بهِ في الشرعيّاتِ، فخصَّ به العمومُ، كقوله، وقد دلَّلنا على ذلكَ في بابِ الأوامرِ (3).

[فصل (4)]
شبهةُ المخالفِ: أنَّ الفعلَ يقعُ محتَملاً بأن يكونَ مخصوصاً به (5)، وأن يكون مشروعاً لنا، فلا نقضي بالمحتَمل على العمومِ المتناولِ للحكمِ بصيغته.
__________
(1) عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نستقبل القبلة، أو نستدبرها بفروجنا إذا أهرقنا الماء، قال: ثم رأيته قبلَ موته بعام يبول مستقبل القبلة.
أخرجه أحمد 3/ 360، وأبوداود (13)، وابن ماجه (325)، والترمذي (9)، والدارقطني 1/ 58 - 59، وابن حبان (1421)، والطحاوي" شرح معا ني الآثار" 4/ 234، والحاكم 1/ 154، والبيهقي 1/ 92.
(2) هذا وجه الجمع بين الخبر الوارد في النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول، وبين حديث جابر الذي يفيد جواز ذلك، فيحمل النهيُ عن الاستقبال أو الاستدبار في الصحارى والعراء دون الكُنفِ والأماكنِ المستورة.
(3) انظر ماتقدم في 102.
(4) ليست في الأصل.
(5) أي مخصوصاً بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ومقصوراً عليه.
(3/395)

فيقالُ: إنَّ فعلَه لو أرادَ ابتداء، الظاهرُ عندنا جميعاً منه أنَّه تشريعٌ لا يخصّه، بل هو تشريعٌ لنا، وإذا كان كذلك، فالعامُّ يتناولُ الفعلَ بظاهرِه، وهذا فعلُه - صلى الله عليه وسلم - موضوعٌ للتشريعِ إلا ان يخصَّه الدليلُ، ولذلكَ جعلناه كذلكَ حال الابتداءِ من غيرِ تقدُّمِ عمومٍ.

فصل
ويجوزُ التخصيصُ بالإجماع (1)؛ لأنَّ الإجماعَ حجةٌ مقطوعٌ بها، فإذا جازَ التخصيصُ با لمظنوناتِ من الأدلةِ، كخبرِ الواحدِ والقياسِ، فلأنْ يجوزَ بالدليلِ القطعيِّ أولى.
فإن قيل: قد أجزتم النّسخَ بخبرِ الواحدِ ولم تُجيزوه بالإجماعِ مع الحالِ المذكورةِ من كونه قطعياً، وخبرِ الواحد ظنياً.
قيلَ: الإجماعُ والنَّسخُ لا يلتقيانِ؛ لأنَّ النسخَ إنما يكونُ مع حياةِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -، ولا يصحُّ الإجماعُ، ولا يكون حجّةً إلا بعد موتِ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وانقطاعِ الوحي، والإجماعُ والعمومُ يجتمعانِ في عصرٍ واحدٍ، وإذا جازَ أن يبيِّنَ القياسُ مرادَ الشارع باللفظِ العام، فاجتماع القائِسين أحرى أن يجوزَ بيانُهم لمرادِه بالعمومِ، وإذا كانَ الإجماعُ مبيِّناً، فقد بيّن النسخ أيضاً كما يبين التخصيص، فإذا تلونا آيةً، وروينا حديثاً، ورأينا الإجماع منعقداً على ضدّ حكمه، تَبينّا بذلكَ أنه منسوخ حسبَ ما تبينّا بالإجماع في
__________
(1) هذا رأي جمهور الأصوليين من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، والمخصِّص عند التدقيق والتحقيق إنَّما هو دليل الإجماع، لا أن الإجماع نفسه مخصِّص، لأن الإجماع لا بُدَّ له من دليل يستند إليه.
انظر "العدة" 2/ 578، "التمهيد" 2/ 117 - 118، و"شرح الكوكب المنير" 3/ 369، و"المسودة": 126، و"المستصفى" 2/ 102، و"الإحكام" للآمدي 2/ 477 - 478، و"البحر المحيط" للزركشي 3/ 363، و"ميزان الأُصول" للسمرقندي الحنفي 1/ 473، و"العقد المنظوم في الخصوص والعموم" للقرافي: 801 - 802.
(3/396)

العموم الذي اتفقوا على إسقاطِ عمومِه، أنَّه مخصوص، فلا فرقَ بينهما من هذا الوجه (1).

فصل
ويجوزُ التخصيصُ بدليلِ الخطابِ؛ وهو مفهومُه، وفحوى الخطاب؛ وهو تنبيهه (2)؛ لأنه دليل من أدلة الشرع، ويعقل منه ما وراءه (3).
صورة ذلك أن يقول: في الأنعام صدقةٌ، أو في الأنعام الزكاةُ. فيكونُ ذلكَ عامَّاً في جميعِ الأنعامِ، الإبلِ والبقرِ والغنمِ، سائمتِها ومعلوفتِها، فإذا قالَ بعدَ ذلكَ: في سائمةِ الغنم الصدقةُ. دلَّ ذلكَ على أنَّه لا صدقةَ في معلوفتها، واختصَّ بالسائمةِ.
والدلالةُ على ذلكَ: أنَّ مفهومَ الخطابِ بيْنَ أن تكونَ دلالتُه من اللفظِ، كما قال قوم، أو قياساً جليّاً، كما قال آخرون (4)، والأمرانِ جميعاً مقدَّمان على العمومِ، وقاضيان عليه بما قدَّمنا من الدلالةِ على التخصيصِ بالقياسِ وخبر الواحدِ.

فصل

يجوزُ تخصيصُ العمومِ بقولِ الصحابي إذا لم يظهر خلافُه، وكذلكَ تفسيرُه الآية المحتملة والخبر المحتمل على الروايةِ التي يُجعل قولُه فيهما مقدَّماً على القياسِ، نصَّ
__________
(1) انظر "العدة" 2/ 578.
(2) انظر هذا الفصل في "العدة"2/ 578 - 579، و"التمهيد" 2/ 118 و"المسودة": 127، و"شرح الكوكب المنير" 3/ 366، و"المستصفى" 2/ 105، و"الإحكام" للآمدي 2/ 478، و"البحر المحيط" 3/ 385.
(3) في الأصل: "رواه".
(4) ينبني على الاختلافِ في كونِ دلالةِ المفهومِ بمنزلة اللفظ، أو بمنزلة القياس، ثمرة تتمثل في حال تعارض دلالة المفهوم مع لفظ آية أو خبر فمن قال: بأنها بمنزلةِ دلالةِ اللفظِ؛ كان الحكم كما لو تعارض خبران أوآيتان، ومن قال: إنها بمنزلة القياس؛ كان المقدَم هو الخبر انظر" البحر المحيط" 3/ 385.
(3/397)

عليه أحمدُ (1)، وأنه يخصُّ بقولِ الصحابةِ إن لم تكن سنةٌ، فإذا (2) اختلفت الصحابةُ على قولينِ أخذنا بأشْبهِ القولين بكتابِ اللهِ تعالي، وبهذا قال أصحابُ أبي حنيفة (3)، واختلفَ أصحابُ الشافعي على القولِ القديمِ الذي يجعلونَ [فيه] (4) قولَ الصحابي حجّةً، فمنهم من خصَّ به ومنهم من لم يخُصَّ به (5).

فصل
دليلنا: أنَّ قولَ الصحابي أقوى من القياسِ، بدليلِ أنه يترك له القياسُ، فيجبُ أن يُخصَّ به الظاهر كخبرِ الواحدِ.
وأيضاً، فإنَّ القياسَ الذيُ تركُ لأجلِه يُخصُ به العمومُ، فبأن يخصّ بخبر الواحد أولى وأحرى.
__________
(1) انظر هذه المسألة في "العدة"2/ 579، و"التمهيد" 2/ 119، و"المسودة" 127، و "شرح الكوكب المنير" 3/ 375.
(2) تحرفت في الأصل إلي: "قال".
(3) ذلك أن جمهورَ أصحابِ أبي حنيفة يرون أن قول الصحابيِّ حجةٌ، وخالف الكرخي وأبوزيد إذا كان قول الصحابي ممّا يدرك بالاجتهاد والقياس. انظر"أُصول السرخسي" 2/ 105 - 113، و"الفصول في الأصول" للجصَّاص 361/ 3 - 366، و"ميزان الأصول" 2/ 697 - 703.
(4) زيادة يستقيم بها السياق.
(5) للإمام الشافعي في حجية قول الصحابي قولان، جديد وقَديم: القول الجديد: إنه ليس بحجة، فلا يخصُّ به العموم.
والقول القديم: إنه حجة، فيخصُّ به؛ لأنه على هذا القول يكون قول الصحابي مقدَّماً على القياس، فإذا جاز التخصيصُ بالقياس، فلأن يجوزَ بقول الصحابي من بابِ أولى.
والراجح المعتمد عند الشافعية هو القولُ الجديد، فلا يجوزُ تخصيص العموم بقول الصحابي. انظر"المستصفى" 2/ 113، و"التبصرة": 149، و"الإحكام" للآمدي 2/ 485 - 486، و"البحر المحيط" 3/ 398 - 404.
(3/398)

فصل
في شُبَههم
فمنها: أنَّ الصحابيَّ يتركُ مذهبَه وقولَ نفسِه للعمومِ، ألا ترى أنَّ ابن عمر كان يخابرُ أربعينَ عامَاً لا يرى به بأساً، [قال] (1): حتى أتانا رافعُ بنُ خَديج، فأخبر أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المخابرة، فتركناها بقولِ رافعٍ (2).
فيقال: إنَه تركَ قولَه بالنصِّ، ولأنَّ مخابرتَهم لم تكن عن اجتهادٍ، لكنْ عملوا بالأصلِ، وأنَّه الإباحةُ، وأخذُ المال بالتراضىِ إلا ما نهاهم الشرعُ عنه (3)، فلما جاءهم خبرُ الواحدِ كان ناقلاً عن حكمِ الأصلِ.
ومنها: أنَّ الخبرَ حجةٌ، فلا يُخصُ بفتوى مُفتٍ، كفتوى غيرِ الصحابةِ من الفقهاءِ.
فيقالُ: إنَّ آحادَ الفقهاءِ ليس قولُهم حجةً بخلافِ الصحابةِ.
فإنْ قيلَ: فما تقولون في تفسيرِ التابعيَّ، وقولِه، هل يخصُ به العمومُ؟
قيلَ: لا يُخصُ به، ولا يفسَّرُ به؛ لأنه ليسَ بحجةٍ؛ لأنَّ أحمدَ قَصَرَ التخصيصَ على قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابِه، وعنه: جوازُ ذلكَ.
وروي عنه: يَأخذُ بما جاء عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم وعن أصحابِه، وهو مع التابعين مخَيَّرٌ.
فقد (4) حَطَّ رُتْبةَ التابعينَ عن رتبةِ الصحابةِ؛ لأنَّهم لم يَشهدوا التنزيلَ، ولا عاينوا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وقد قالَ: لا يكاد يَجيءُ شيءٌ عن التابعينَ إلا يوجد عن أصحابِ النبيِّ- صلى الله عليه وسلم - (5).
__________
(1) زيادة يستقيم بها السياق.
(2) تقدم تخريجه في الصفحة: 220 من هذا الجزء.
(3) تحرفت في الأصل إلى: "علية".
(4) تحرفت في الأصل إلى: "فقط".
(5) انظر "العدة"2/ 582 - 583.
(3/399)

فصل
ويجبُ الأخذُ بتفسيرِ الراوي للَّفظِ المرويِّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والعملُ به إذا كان مفتقِراً إلى التفسيرِ (1)، مثل قولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "المتُبايعانِ بالخيارِ ما لم يَتفرّقا" (2) يتردّدُ بينَ الافتراق بالأقوالِ أو الأبدانِ، فكان ابنُ عمر يقومُ من مجلسِ العقدِ، فكان قيامه تفسيراً للافتراقِ، وأنَّه بالأبدانِ دونَ الأقوالِ، ومثل قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الشهرُ تِسعٌ وعشرون، فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمّ عليكم، فاقدروا له" (3)، فكانَ ابنُ عمرَ إذا كان في السماءِ غيمٌ أو قَتَرٌ في ليلةِ الثلاثينَ أصبحَ صائماً (4). فكأنَّه فسر ذلك بالضيقِ، فَضَيَّقَ شعبانَ لشهرِ رمضانَ توسعةً للصومِ، وتفسيرُ عمرَرضي الله عنه لقولِ النبي- صلى الله عليه وسلم -: "الذهبُ بالوَرِق رِباً إلا هاءَ وهاء، والشعيرُ بالشعير رباً إلا هاء وهاء، والبُرُّ بالبُرَّ رباً إلا هاء وهاء" (5)، فإنَّ المرادَ بهاء وهاء: التَقابُض في مجلسِ العقدِ (6)، والدليلُ على تفسيرِهِ بذلكَ ما رواهُ مالكُ بن أوس بن الحَدَثان، أنَّه قال: التمستُ صَرفاً بمئةِ دينارٍ, فدعاني طَلحةُ بنُ عبيد الله، فَتراوضنا (7) حتى اصطَرف منّي وأخذَ الذهبَ يقلِّبها في يدِه، ثمَّ قالَ: حتى يأتيَ خازني من الغابةِ. وعمرُ بن الخطاب يسمعُ، فقال: واللهِ لا تفارقه حتى تأخذَ منه. وروي أنَّه قال لطلحةَ: لا
__________
(1) انظر هذا الفصل في "العُدة" 2/ 583، و"المسوَّدة": 128.
(2) تقدم تخريجه 2/ 44.
(3) تقدم تخريجه 1/ 194.
(4) أخرجه أحمد 2/ 5، 13، وأبود اود (2223).
(5) أخرجه دون ذكر سبب الإيراد: أبوداود (3348)، والدارمي 2/ 258، والنسائي 7/ 273.
وسيأتي تخريجه مع سبب الإيراد بعد قليل.
(6) انظر "النهاية في غريب الحديث" 5/ 237.
(7) من المراوضة، وهي: المجاذبة في البيع والشراء. "النهاية في غريب الحديث" 2/ 276.
(3/400)

تفارقْه حتى تعطيَه وَرِقَه، أو تردَّ عليه ذهبَه (1).
وبهذا قالَ بعضُ أصحابِ الشافعيِّ (2).
وحكى أبو سفيان عن الكرخيَّ من أصحابِ أبي حنيفةَ أنَّه كان يقولُ: يجبُ العمل بظاهرِ الآيةِ والخبرِ, ولا يرجع إلى تفسيرِ الصحابي (3).

فصل
في دليلنا
إنَّ اللفظَ المفتقر إلى البيان؛ الصحابةُ- رضي الله عنهم- أعرفُ بمعناه؛ لأنَّهم عربٌ، ثمَّ انضمَّ إلى معرفتِهم بلغةِ العربِ، مشاهدتُهم لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وإدراكُهم إلى مخارجِ كلامِه، ودلائلِ أحواله (4)، والأسبابِ التي وردَ الكلامُ عليها وفيها، فصارت تفاسيرُهم مع معرفتِهم بأقوالِه صلى الله عليه وسلم كالبيّنَة المترجمةِ للكلامِ الذي لا يَفهمه الحاكمُ، وكالمقوِّمين المُعتَبَرين (5) بالأسواقِ فيما يقعُ الخلافُ في قيمتِه عند الغرامةِ الواجبةِ على المتلِفِ للمقوَّماتِ من الأموالِ.

شبهةُ المخالفِ: بأنَّ الآيةَ والخبرَ يجبُ العملُ بظاهرِهما؛ لكونِهما حجتين من حُججِ الشرعِ، وقولُ الصحابيِّ؛ إنَّما هو اجتهاد وليسَ بحجةٍ، فلا يمضى بغيرِ حجةٍ على حجةٍ.
__________
(1) أخرجه مع الحديث المتقدم: مالك في "الموطأ"2/ 636 - 637،وعبد الرزاق (14541)، وأحمد 1/ 24 و 35 و 45، والبخاري (2134) و (2174) ومسلم (1586)، والترمذي (1243)، وابن ماجه (2259) و (2260) والبغوي في" شرح السنة" (2057)، وابن حبان (5013)، والبيهقي 5/ 283 و 284.
(2) انظر"الإحكام" للآمدي 2/ 115.
(3) انظر"العدة"2/ 588، و"المسودة": 129، و"تيسير التحرير": 2/ 162.
(4) في الأصل: "أحوال"، ولا يستقيم بها السياق.
(5) في الأصل: "المعترفين".
(3/401)

والجواب: أنا لا نسلِّم، بل هو حجةٌ في إحدى الروايتين، ولو سلَّمنا أنَّه ليس بحجةٍ في الشرعِ لم يخرج عن كونِه حجةً في (1) اللغةِ، ونحن نقنع بقول أبي زيدٍ (2)، والأصمعيِّ، وثعلب، والمبرَد (3)، وشعرِ زهير (4)، وأمثالِ ذلك لمكان المعرفةِ، ونشغل الذمّةَ بالقيمةِ بقولِ المقوِّمين من أهلِ الخبرةِ بالسوقِ، ونُسقِطُ هيئاتِ الصلاةِ، ونُؤخِّرُ الصومَ بقولِ مُتطببينَ بأنَّ هذا المرضَ يزيدُ في الصومِ، وإلى أمثالِ ذلكَ، والله أعلم.

فصل
فإن تركَ الراوي لفظَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وعملَ بخلافِه متأوِّلاً لم يكن تركُه للظاهرِ معمولاً به، ويُعملُ بالظاهر (5).
فإنْ صرفه بدليل، وعلمنا أنه دليلٌ لا شبهة، صرفناه بذلكَ الدليلِ، لا لكونه قولَ الراوي، مثل نهيِ النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا طَيْبة عن أكلِ أجرةِ الحجامةِ، وأمره أن يعلفَه
__________
(1) في الأصل: "من"، والمثبت أنسب للسياق.
(2) هو أبو زيد الأنصاري، المتقدمة ترجمته في الصفحة 284 من هذا الجزء.
(3) هو محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الأزدي البصري، إمامٌ من أئمة النحو والأدب، له تصانيف كثيرة منها كتاب "الكامل" توفي سنة (286 ه). انظر "تاريخ بغداد" 3/ 380 - 387، و"إنباه الرواة" 3/ 241 - 253، و"سير أعلام النبلاء" 13/ 576 - 577.
(4) هو زُهير بن أبي سُلْمَى ربيعة بن رياح المزني، من شعراء الجاهلية وحُكمائهم، ولدَ في "مزينة" ونشأ في أُسرة أدبِ وشعر فكان أبوه شاعراً وخاله شاعراً وأخته سلمى شاعرة، وكذلك ابنه كعب صاحب "بانت سعاد". انظر "الشعر والشعراء" 1/ 137، و"الأعلام" 3/ 52.
(5) أي بظاهر لفظ النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه هي الرواية الراجحة عند الحنابلة. انظر "العدة" 2/ 589، و"المسودة": 129.
(3/402)

ناضِحَه، ويُطعمَه رقيقه (1)، وحملَ ابنُ عباسٍ ذلكَ على غيرِ التحريمِ، وقال: لو كان حراماً، لم يُعطِه (2)، وهو قولُ أصحابِ الشافعيِّ (3).
وفيه روايةٌ أخرى: لا يجبُ العملُ به إذا خالَفه الراوي، مثل ما روي عن عائشةَ أنها زوَّجت بناتِ أخيها (4)، مع روايتها عن النبي- صلى الله عليه وسلم -: "أيّما امرأةٍ نكحت نفسَها بغيرِ
__________
(1) في الحديث عن ابن مُحَيّصَة: أن أباه استأذنَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في خراج الحجَّام، فأبى أن يأذن له، فلم يزل به حتى قال: "أطعِمْه رقيقَكَ، وأعْلِفْهُ ناضِحَكَ". أخرجه مالك 2/ 974، وأحمد 5/ 435، 436، والشافعي 2/ 166، وأبود اود (3422)، والترمذي (1277)، والبغوي (2034)، والطحاوي في "شرح معاني الاثار" 4/ 132، والبيهقي 9/ 337، وابن حبان (5154).
أمَّا ما ورد في شأنِ أبي طَيبة؛ فالثابت فيه: "احتجَم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، حَجَمه أبوطيبة،
فأمر له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بصاعِ من تمر وأمر أهله أن يُخففوا عنه من خراجه".
أخرجه مالك في "الموطأ" 2/ 984، والبخاري (2102) و (2210)، وأبوداود (3424)، والطحاوي 4/ 131، والبيهقي 9/ 337، والبغوي (2035).
ووجه الجمع بين خبر ابن مُحَيَّصَة وخبر أبي طيبة: أن النهيَ عن كسبِ الحجَّام إذا كان على شرطٍ معلوم، بأن يقول: أُخرج منكَ من الدَّم كذا. فلعدم قدرته على إيجاد هذا الشرط، لم يأذن الرسول صلى الله عليه وسلم في كسب الحجَّام، فإذا عُدِمَ هذا الشرط جاز كسبُه، ولذلك أجازه الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي طيبة، وجازاه على فعله. انظر "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان" 11/ 557.
ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "أعلفه ناضحك": أي اجعله علفاً لناقتك. والناضح: هي الناقة التي يسقى عليها الماء.
(2) أخرجه عن ابن عباس بهذا اللفظ أحمد 1/ 316 و 324 و333 و 365، والبخاري (2103)، و (2279)، ومسلم (1202)، وأبود اود (3423) والبيهقي 9/ 338.
(3) انظر "العدة"2/ 590، و"الإحكام" للآمدي 2/ 115.
(4) أخرج مالك 2/ 555. أنَّ عائشة زوجَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، زوجت حفصة بنت عبد الرحمن، المنذرَ بن الزبير, وعبد الرحمن غائبٌ بالشام، فلما قدم عبد الرحمن قال: ومثلي يُصنعُ هذا به؟ ومثلي يفتات عليه؟ فكلمت عائشة المنذر بن الزبير فقال الزبير فمن ذلكَ بيد عبد الرحمن، فقال عبد الرحمن: ما كنتُ لأرُدَّ أمراً قضتِه.
(3/403)

إذنِ وليِّها، فنكاحها باطل" (1) الخبر المعروف.
وحكى أبو سفيان عن أبي بكر الرازي أنه قال: هذا على وجهين (2):
أحدهما: أن يكونَ الخبرُ محتمِلاً للتأويلِ، فلا يُلتفتُ إلى عملِ الصحابيِّ، كحديثِ ابن عمرَ في التفرُّقِ بين خبرِ المتبايعين وخيارهما (3)، وحمله ذلك على التفرّق بالأبدان (4)، فلا يعمل على تأويله.
والثاني أن يكون الخبرُ غيرَ محتمِلٍ للتأويل، فعمله بخلافِه يكونُ دليلاً على أنَّه عَرفَ نسخه، او عقلَ من دلالةِ الحالِ مرادَ النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه للندبِ دونَ الإيجابِ، وكان يحكي ذلكَ عن الكرخي، وحكى غيرُه عن الكرخيَّ أنَّ الأخذَ بما رواه أَوْلى مما عمل به من غيررتفصيلٍ (5).

فصل
في دلالة الرواية الأولى
إنَّ كلامَ صاحبِ الشرع واجبٌ اتباعُه، وقولَ الراوي وعملَه قد يقعُ لشبهة أو اجتهادٍ يخطىءُ فيه، وقد يكون لدلالةٍ، فلا يجوزُ تركُ الحجّةِ لما يَحتمل هذه الاحتمالات.
وهذه الروايةُ التي تقولُ: إنَّ الصحابي كسائر المجتهدين، وليسَ قولُه حُجّةً، وأيضاً فإنَّ أبا حنيفةَ قال: ليسَ بيعُ الأمةِ المزوجةِ طلاقاً لها، واحتجّ هو وغيرُه بما رويَ عن ابنِ عباس أنَّ عائشةَ اشترت بَريرة، فأعتقتها، فخيرَّها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - (6)، ولو
__________
(1) تقدم تخريجه في 2/ 147.
(2) انظر قول أبي بكر الرازي هذا في "الفصول في الأصول" 3/ 175.
(3) تقدم تخريجه 2/ 44.
(4) التفرق يكون بالقول ويكون بالبدن، وابن عمر رضي الله عنه حمل الحديث على التفرق بالأبدان، ولذلك قال نافع: كان ابن عمر إذا أعجبه شيءٌ , فارق صاحبه لكي يجبَ له.
أخرجه البخاري (2107)، ومسلم (1531)، والترمذي (1245)، والنسائي 7/ 250، والبيهقي 5/ 269، وابن حبان (4912).
(5) انظر "العدة" 2/ 591، و"أصول السرخسي"2/ 6، و"المسودة": 129.
(6) عن ابن عباس قال: اشترت عائشة بريرة من الأنصار لتعتقها، واشترطوا عليها أن تجعلَ لهم=
(3/404)

كانَ بيعُها طلاقاً لما خيَّرها، وخالفَ ابنُ عباسٍ هذا الخبر وهو راويه، وكان يقولُ: بيعُ الأمةِ طلاقُها (1)، ولم يكن ذلك موجباً ترك الخبر.
ووجهُ المذهبِ الآخر أنَّ الصحابيَّ لا يخالفُ الخبرَ ولا يعاندُه، فإذا عملَ بخلافِه، أو أفتى بخلافِه استدللنا على نسخِ الخبر, وأنَّه إنَّما خالفه وتركَه عن توقيفٍ عرفَه من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتصاريفِ أحوالِه الدالّةِ على إسقاطِ حكمِ الخبرِ (2).
جوابُ من نصرَ الأوَّلَ: أنَّ وجوهَ الاحتمالِ لغير ما ذكرتَ كثير، فلمَ قصرتَه على النَسخِ؟ ودلالة الحال مع احتمالِ النسيانِ أو التأويلِ بنوعِ شبهةٍ تجلَّت عنده بالدليلِ مع كونه مجتهداً يُقَرُّ على الخطأ، وليس بمعصومٍ، فلا وجهَ لتقليدِه، وتركِ ظاهرِ الخبرِ مع احتمالِ هذه الوجوه.
الثاني مما تعلَّقوا به: أنَّ الصحابيَّ أعرفُ بقولِ النبي - صلى الله عليه وسلم - لسماعِ الوحي ومشاهدةِ الأحوالِ، وتصاريفِ النبي عليه الصلاة والسلامُ، فكان قولُه قاضياً على ظاهرِ الأخبار.
فيقالُ: قد وفيناه حقَه من هذه الميزةِ فيما يحتملُ من الألفاظِ، فأمَّا ما لا يحتملُ ولا يفتقرُ إلى التفسيرِ والبيانِ فلا؛ لأنَه مجرّدُ خلافٍ منه للخبرِ، ولأنَّه لو عرفَ أمراً؛ لوجبَ عليه نقلُ ذلكَ الأمرِ لنَعرِفه كما عرفَه.
على أنَا قد بيَّنا وجوهَ الاحتمالِ التي لا يستحيلُ حصولُها في حقّه، فلا وجهَ لإبطالِها والاقتصارِ على ما ذكرت.
__________
= ولاءها، فشرطت ذلك، فلما جاء نبيُّ الله - صلى الله عليه وسلم -، أخبرته بذلك، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الولاء لمن أعتق" ثم صعدَ المنبر فقال: "ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله" وكان لبريرة زوج، فخيَّرها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شاءت أن تمكث مع زوجها، وإن شاءت فارقته، ففارقته.
تقدمت الإشارة إليه في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الولاء لمن أعتق" انظر الصفحة 278 من هذا الجزء.
(1) أورده ابن حجر في "فتح الباري" 9/ 404.
(2) انظر "العدة"2/ 592، و"الإحكام" للآمدي 2/ 15، و"المسودة": 129.
(3/405)

فصل
لا يجوزُ تخصيصُ اللفظ العام بعادةِ المكلَّفين (1)
مثلُ ورودِ تحريمِ البيعِ مطلقاً، وعادتُهم جاريةٌ بنوعٍ منه، كقوله العامِّ: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء: 29] وقد جرت عادتُهم بأكلِ نوعٍ منه، فإنه لا يُعدلُ عن عمومِ اللفظِ بإخراجِ ما جرت به عادتهم، وما رأيتُ في ذلكَ، خلافاَّ فأحكيه (2)، ولكنَ الأصوليين سطّروا ذلك في كتبهم.
لنا محلى صحةِ ذلك، وإبطالِ ما عساه يذهبُ إليه بعضُ من لا يعرفُ وضعَ
__________
(1) وضَّح الإمام ابن تيمية- رحمه الله- في "المسودة" الحالة التي لا يجوز فيها تخصيص العموم بعادة المكلفين فقال:" وهذا فيه تفصيل: فإن العادات في الفعل مثل أن يكونَ عادةُ الناس شربَ بعضِ الدِّماءِ، ثم تُحرمُ الدِّماءُ بكلام يعمُّها، فهذا الذي لا يجوزُ تخصيصُ العموم به.
وأمَّا إن كانت العادَةُ في استعمال العمومِ، مثل أن يُحرمَ أكلُ الدوابِّ، والدوابُّ في اللغة اسم لكلِّ مادَابَّ، ويكونُ عادةُ الناسِ تخصيصَ الدوالب بالخيل مثلاً، فإنَّا نحملُ الدوابَّ على الخيل".
انظر"المسودة": 123، فيتضح من هذا: أنَّ العادة الفعلية هي التي لا تُخصص العموم، أمَّا العادة القولية فهي تخصِّصه، ولمزيد بيان لهذه المسألة، انظر "العدة" 2/ 593، و"التمهيد" 2/ 158، و"شرح الكوكب المنير" 3/ 387.
(2) صورة المسألة: أن يكونَ النبي صلى الله عليه وسلم أوجبَ شيئاً أو أخبر به بلفظ عام، ثمَّ رأينا العادة جاريةً بترك بعضها أو بفعل بعضها، فهل تؤثر تلك العادة في تخصيصِ العام؟ فصَّل العلماء في ذلك:
فإن عُلِمَ جريان العادة في زمن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، مع عدم منعه عنها، فيخصّ، والمخصِّص في الحقيقة تقريره عليه الصلاة والسلام.
وإن عُلِمَ عدمُ جريانها، بأن كانت عادةَ طارئة، فإنَّها لا تُخصِّص العموم، إلا أن يُجمَع على فعلها فيكون دليلُ التخصيصِ الإجماعَ لا العادة.
انظر في ذلك "المحصول" 3/ 131 - 132، و"الإحكام" للآمدي 3/ 486، و"البحر المحيط" 3/ 391 - 397. و"العقد المنظوم" للقرافي: 876 - 885.
(3/406)

الخصوص: أنَّ العموم نطقُ الشارعِ، ونطقُه لا يُخَصُّ إلا بنطقِه أو ما يستخرجُ من نُطقِه، كالفحوى، ودليلِ الخطابِ، ومعنى الخطابِ، فأمَّا العادةُ؛ فليست إلا وضعَ الشهواتِ أو الاختياراتِ أو الحاجاتِ التي لا يجوزُ أن تكونَ شرعاً، فكيف تَخُصُّ شَرعاً؟!
وأيضاً: فإنَّ الشريعةَ جاءت بتغيير العوائِد وحسمِ موادِّها، فلا يجوزُ أن يكونَ ما وردت الشريعة قاضيةً عليه، قاضياً عليها، ومُزيلاً لعمومها؛ ولأنَّ الشرع إمَّا لمصلحةٍ أو تحكُّمٌ بالمشيئةِ، والعاداتُ قد تقع بالمفاسدِ، ومخالفةً للمصالح؛ لأنها واقعة ممّن لا مَعرفةَ له بالمصالحِ، وتحكُّمُ الشرعِ إذا وردَ إنما يردُ على ألسنةِ الرسُل، فلا وجْه لقضاءِ العادةِ على عمومِ لفظِ الشارعِ ونطقِه، ولأنَّه لو خُصّصَ العمومُ بالعوائدِ؛ لما عُمِلَ بعمومٍ قط؛ لأنَّ العاداتِ قد تتجددُ أبداً، والخصوصُ بيانٌ، فيفضي إلى خلوِّ نطقِ الشرعِ عن بيانٍ.
شبهةٌ: إذا جاز أن يُخصَّ الاسم بالعرفِ، جازَ أن يُخصَّ العمومُ الشاملُ بالعرفِ.
قالوا: ونقول: ما خُصَّ به الاسمُ خُصَّ به العمومُ، كالنطقِ والقياسِ، ولأنَّ إطلاقَ الثمنِ في البيع يختصّ بنقدِ البلدِ، وهو عُرفٌ، وقد أجمعنا على حَمْلِ اسم الدابة على حيوانٍ مخصوصٍ، وإن كان واقعاً على ما يَدبُّ.
فيقال: إنَّ عرفَ الاستعمالِ في الاسمِ مقارنٌ للفظ، فيصيرُ ذلك لغةً جاريةً، فإنَّ اللغةَ أصلها استعمالٌ، بخلافِ وضعِ الشرعِ، فإنَّه ليس بمبنيٍّ على الاستعمالِ، وإنَّما هو وضعٌ وتحكُم، أو تحكم الحِكمةِ والمصلحةِ للمكلَّفين.
وممَّا يوضحُ الفرقَ بين اللُّغة والشرعِ: أنَّ العاداتِ التي يحتاجُ النَّاسُ إليها لم تتحكمْ على الوضعِ الشرعيِّ، وذلكَ مثلُ عادة الديالِم والركابية والباتاواة (1) أكثرُ
__________
(1) هكذا وردت في الأصل.
(3/407)

استعمالاً من الخِفافِ والقفّازينِ، والنِّقاب والبُرْقُع عادةً للنساء، ولم يحكم بها على الإلحاقِ بالحوائلِ التي أجازَ الشرعُ المسحَ عليها، إلى أمثالِ ذلك من الحاجات والعادات.
فإن قيل: أليس صاحبُكم تركَ الركعتين بعد أذان المغرب، وقبل الإقامة (1)، مع الرواية الصحيحةِ عنده أنَّ الصحابة كانت تبتدرها عند سواري المسجد (2)؟ وقال أيضاً في رواية مُهنا (3) عنه في رواية بهْز بن حكيم عن أبيه عن يَعلى بن حكيم عن سليمان بن أبي عبد الله، قال: أدركتُ أبناء المهاجرين والأنصار يَعتمّون، ولا يَجعلونها تحت الحَنَك: هو معروفٌ، ولكنَّ النَّاسَ -على هذا أهل الشام خاصةً- لا يعتمِون إلا تَحت الحَنَك (4). فظاهر هذا أنه اطَّرحَ الحديث بعادة أهل الشام.
فيقالُ: ليس فيما فعله وقاله قضاءٌ على لفظِ الشرعِ، بل قال في الركعتين: رأيتُ الناسَ ينكرونها. وذلك لجهلِ العامّة، فما تركها إلا في المسجدِ، وإخفاءُ السنن لأجلِ المضرّةِ والتُّهمِ يجوز لدفعِ مَضرّةٍ، لا قضاء بها على الشرعِ، وقضاء بعُرفٍ على عُرفٍ، وقابَلَ عُرفاً بعُرفٍ، وما قَضى بعرفٍ على نُطقٍ.
__________
(1) انظر "المغني" 2/ 546 - 547.
(2) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان المؤذنُ إذا أذن قامَ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يبتدرون السواري حتى يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم كذلك. يعني الركعتين قبل المغرب.
أخرجه أحمد 3/ 280، والبخاري (625)، والدارمي (1441)، والنسائي في "الكبرى" (1646)، وابن خزيمة (1288).
(3) هو مهنّا بن يحيى الشامي، أبو عبد الله السلمي، من أكثر أصحاب الإمام أحمد ملازمةً له، حيث لازمه ثلاثاً وأربعين سنة، روى عنه خلالها الكثير من المسائل. انظر "طبقات الحنابلة" 1/ 345.
(4) أورد هذا الرواية أبويعلى في "العدة" 2/ 594 - 595.
(3/408)

فصل
ويَدخلُ التخصيصُ على الأخبار كدخوله على الأوامرِ والنواهي (1)، نحو قوله: رأيتُ المشركينَ، أشارَ إليه أحمدُ في عدّةِ مواضع من كتاب الله تعالى (2)، خلافاً لأحد الوجهين لأصحابِ الشافعي (3) وبعضِ الأصوليين، وجعلوا التخصيص ممنوعاً في بابِ الأخبارِ كامتناعِ النَّسخِ.
فصل
في الحجّةِ لمذهبنا
إنَّ العمومَ في الخبرِ محتمل يتردَّدُ، كاحتمالِه في الأمرِ والنَّهي، فيقول القائل: قال الله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5]، وبانَ بالتخصيصِ أنَّه أراد البعضَ، وقال: {تُدمِّر كُلَّ شيءٍ بأمْرِ ربَّها} [الأحقاف: 25]، {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 23]، و {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 102]، وأرادَ به البعضَ، وما زالت العربُ تقول: جاءني النَّاسُ كلُهم، ورأيتُ النَّاسَ أجمعينَ قد تختموا، كما تقول: ائْتِني بالنَّاسِ كلهم؛ وتُريدُ به البعضَ، وإذا اتفَقا في الاحتمالِ اتفَقا في التخصيصِ الصارفِ للَّفظِ الكُلِّي إلى ما احتمله من الجزئي، وأنَ المرادَ به بعضُ العمومِ أمراً وخبراً.
__________
(1) انظر "العدة"2/ 595، و"المسودة": 130.
(2) انظر "التبصرة": 143.
(3) الذي يؤخذ من مصادر الشافعية الأَّصولية: أن التخصيص يرِدُ على الأخبار كما يرِدُ على الأوامر والنواهي، يرشدُ إلى ذلك الأمثلة التي ساقوها في معرضِ بيانهم للتخصيص بالدليل العقلي، حيث ذكروا منها قوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}، متناول بعموم لفظه لغةً كلَّ شيءٍ، مع أن ذاته وصفاته أشياءُ حقيقية وليس خالقاً لها. فخرجت ذاته وصفاته بدلالة ضرورة العقل عن عموم اللفظ. اه. ومعلوم أن قوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} من قبيل الأخبار لا من قبيل الأوامر. انظر "الإحكام" للآمدي 2/ 459 - 465، و"البحر المحيط" 3/ 355 - 360.
(3/409)

شبهةٌ: هذا أحدُ التخصيصين، فلم يدخل على الأخبارِ، كتخصيصِ الأزمانِ، وذلكَ أنَّ تخصيصَ الأزمان و [الأعيان] (1) جميعاً يكشفان عن المرادِ، فهذا يخرجُ بعضَ الزمانِ بعد أن كان ظاهرُه الشمولَ والاسَتغراقَ، فإذا لم يَجُز أحدهما لم يَجُز الآخرُ.
فيقال: بل يجوزُ نسخُ الخبرِ -وهو الوعيد- يجوزُنسخه بالعفوِ، وقد تبجَّحت به العربُ، فقالوا: وإنِّي إذا أوْعَدْتُه أو وَعَدْتُهُ ... لَمُخْلِفُ إيعادي ومُنْجِزُ مَوْعدي (2) إنَّ النسخَ رفعٌ للحكمِ وإزالةٌ لجميعِ مقتضى اللَّفظِ، فرفعُه يكشفُ عن الخبرِ أنَّه كان كذباً، وذلكَ لا يجوزُ على الشرعِ، ولا يحسُن من أحدٍ من المتكلمينَ بالخبر, ويكشفُ ذلكَ أنَّه لما قال لإبراهيمَ: اذبح واحِدَك أو ولَدَك -على الخلافِ في النقل- حَسُنَ أن ينسخَ ذَبْحه إلى ذبح الذِّبح (3)، ولو قال: ذبحَ إبراهيمُ إسماعيلَ أو إسحاقَ، لم يَجُزْ أن يَنْسَخ ذلك بدليلٍ يوضِّح أنَّه لم يذبحه، حتى إنَّ النسخَ يكون بالخلافِ، فقال قومٌ: هو البداء على الإطلاقِ، ومنعوا جوازَه على الله سبحانَه، وقومٌ منعوا منه قبلَ وقت الفعلِ، وظنوه بَدَاءً، وما استقْبَحَ أحد تخصيصَ العموم، فلا تساوي بينهما (4).

فصل
إذا وردَ الخطابُ من صاحبِ الشرعِ بناءً على سؤالِ سائل، نظرتَ: فإن لم يكن مستقلاً بنفسِه بحيث لو قُطِعَ عن السؤالِ وأُفرد عنه لم يكن مفهوماً، مثل قوله لأبي بُردة بن نِيار لما سأله عن ذبحِ أضحيته قبلَ الصلاة، وأنَّه لا يجد إلا عناقاً جذعةً:
__________
(1) زيادة يقتضيها السياق.
(2) البيت لعامر بن الطفيل، والوعد عادةً يستعملُ في الخير، والإيعاد يستعمل في الشر، تقول: وعدتُه خيراً وأوعدته شرّاً. انظر "اللسان": (وعد).
(3) وذلك بقوله تعالى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ}، [الصافات: 107].
(4) انظر "العدة"2/ 595 - 596، و"التبصرة": 143، و"المسودة": 130.
(3/410)

"تُجزئكَ، ولا تجزىءُ أحداً بعدَكَ" (1)، وقوله لأبي بكرة حيث دخل الصف راكعاً:
"زادَكَ اللهُ حِرصاً ولا تَعُد" (2).
فهذا جوابٌ خاص على السؤال الخاص، وأما إذا كان جوابُه - صلى الله عليه وسلم - عامَّاً، وسؤال السائل خاصاً، فلا يُحكم بخصوص الجواب المستقلِّ العامِّ، لأجل خصوص السؤال (3)، مثل سؤالهم له عن وضوئهِ من بئر بُضاعة، فقال: "الماءُ طَهور" (4)، وسؤالهم عن كونهم في البحر على أرماثٍ (5) لهم، وليس معهم من الماء العذب ما يشربونه، وقولهم: أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال: "هو الطهور ماؤه، الحِلُّ ميتته" (6)، ومثل سؤالهم عن عَبدٍ وُجِدَ به عَيبٌ، وكان استُغِلَّ، فقال: "الخراجُ بالضمان" (7)، فكان ذلك عامَّا في كل من له خراجُ شيء. فعليه ضمانُه دون خصوص العبد المبيعِ المَعيبِ، فهذا يكون على عمومه في حقِّ الناس كُلّهم، ومثل قول القائل: إنّ أُمي ارتدّت،
__________
(1) تقدم تخريجه 2/ 98.
(2) تقدم تخريجه 2/ 98.
(3) انظر "العدة"2/ 596، و"التمهيد" لأبي الخطاب 2/ 161، و"المسودة": 130و" شرح الكوكب المنير" 3/ 176 - 177.
(4) تقدم تخريجه 1/ 39.
(5) الأرماث: جمع رَمَث: خشبٌ يُضم بعضه إلى بعض، ثم يُركب عليه في البحر "اللسان":
(رمث)
(6) أخرجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، مالك في"الموطأ"1/ 22، والشافعي 1/ 19، وأحمد 2/ 237 و261، وأبوداود (83)، والترمذي (69)، والنسائي 1/ 150 و176، و 7/ 207، وابن ماجه (386) و (3246)، والدارمي 1/ 86، وابن حبان (1243)، والبغوي (281)، والحاكم 1/ 140.
وفي الباب عن جابر أخرجه أحمد 3/ 373، وابن ماجه (388)، والدارقطني 1/ 34، وابن خزيمة (112)، والحاكم 1/ 143، وابن حبان (1244).
(7) أخرجه من حديث عائشة رضي الله عنها أحمد 6/ 80 و116، وأبوداود (3510)، والدارقطني 3/ 53، والحاكم 2/ 14 - 15 و15، والبغوي (2118)، وابن حبان (2927).
(3/411)

فيقول: اقتُلوا مَن بدَل دينه، أو: "مَنْ بَدَل دينَه فاقتُلوه" (1)، فنأخذ بعموم اللَّفظ دون خصوص السبب، وبه قال الفقهاء، خِلافاً لمالك، والمزني -من أصحاب الشافعي-، وأبي ثور، وأبي بكر القَفّال، والدَّقاق في قولهم: يقصر على السبب الخاص، ويخصّ به عموم الجواب (2).

فصل
يجمع أدلتنا
فمنها: أنَّ الحكمَ إنَّما يُتلقى من لفظ صاحبِ الشريعةِ دونَ نطق السائِلِ، فإذا كان لفظُه عامّاً، وسؤالُ السائلِ خاصَّاً، علمنا أنه مبتدىءٌ بالتشريعِ العام، تاركٌ لتخصيصِ السائِل، فالسائلُ إذا قال له: إنَّ زوجتي ارتدَّت، فقال هو - صلى الله عليه وسلم -: "من بدَّلَ دينَه" فعليه القتلُ، أو: "فاقتلوه" (1)، علمنا أنَّه أرادَ تشريعَ قتلِ المرتدينَ أجمعَ، بوحيٍ عامٍّ نزلَ عليه، وكان المثيرُ له سؤالَ السائلِ.
ومثلُ هذا من الكلامِ الجاري فيما بيننا: أنَّ قائلاً لو قالَ لغيرِه: هل أنجزَكَ الأميرُ ما وعدَكَ؟ فقال: إنَّ الأمير منجزٌ وعدَه، محققٌ لخبرِه بإنجازِه، لا يُخلفُ وعداً، ولا يَنكُثُ عقداً. عَلمَ كُلُّ سامعٍ كلامَه أنَّه لو أرادَ جوابَ سائلِه فقط، لقال: نعم أنجزَني. فلما أطالَ؛ عُلِمَ؛ أنَّه قصدَ وصْفَ الأميرِ بإنجازِه عِداتِه هذه وغيرَها، وأنَّ ذلكَ دأبُه وخُلُقُه وعادتُه، وهذا أعمُّ من السببِ والسؤالِ.
والذي يوضِّحُ هذا: أنَّه لو كانَ كلامُه مقصوراً على سؤالِه؛ لما كانَ مجيباً له، ألا
__________
(1) تقدَّم تخريجه 1/ 39.
(2) سبقت الإشارة إلى هذه المسألة، وبيان أنَّ المعتمدَ عند كثير من أئمة الشافعية: أنَّ اللفظ العام المستقل بنفسه، الواردَ على سببٍ خاصٍّ من سؤال أو واقعة، يجبُ حمله على عمومه. انظر ما تقدم في 2/ 17.
(3/412)

ترى أنَّ السائلَ في المناظرةِ والمجادلةِ إذا قال: ما تقول في نبيذ التَّمر المشتَدِّ؟ فقال: عندي كُلُّ نبيذٍ من تمرٍ وزبيبٍ وحنطةٍ وذُرةٍ وشَعيرٍ حرامٌ، وعلى الذي يسكرُ منه الحدّ. لم يكن مجيباً عندَ أهلِ الجدل، وقالوا: لا يكونُ الجوابُ صحيحاً حتى يكونَ مطابقاً للسؤالِ، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُسألُ عن ماء البحر فيجيب عنه وعن ميتَتِه. ويقول ابتداءً: "لا جَلَبَ ولا جَنَبَ ولا شِغار" (1)، ويقول: "البِئْرُ جُبارٌ، والمعدِنُ جُبارٌ، وفي الرِّكازِ الخُمسُ" (2). فيقرنُ بالحكمِ ما لا يشاكله، وهذا يدلُّ على أنَّه ليس ينتظمه نظماً إنما يقولُ ما يقالُ له، فإذا أُنزلَ الوحيُ بالأمرِ، قاله بحسب ما أوحيَ إليه، فإذا
__________
(1) تقدم تخريجه 1/ 51.
(2) أخرجه مالك في "الموطأ" 1/ 249، وأحمد 2/ 239 و 254 و 274 و 285 و319، وعبد الرزاق (18373)، والبخاري (6912) و (6913)، ومسلم (1715)، والدارمي 1/ 393، و2/ 196، وأبود اود (3085)، وابن ما جه (2673)، والترمذي (642) و (1377)، والنسائي 5/ 45، وابن خزيمة (2326)، والدارقطني 3/ 151، وابن حبان (6005) و (6006) و (6007) من حديث أبي هريرة، بلفظ: "العجماء جُرحها جُبار، والبئرُ جُبار والمعدن جُبار، وفي الركاز الخمس".
والعَجْماء: هي البهيمة، والجُبار هو الهَدْرُ، وإنَّما جُعل جُرحُ العجماءِ هدراً إذا كانت مُنفلتة ليس لها قائد، ولا سائقٌ، ولا راكبٌ، فإن كان معها واحدٌ من هؤلاء الثلاثة، فهو ضامن؛ لأنَّ الجناية حينئذ ليست للعجماء، إنما هي جناية صاحبها الذي أوطأها النّاسَ.
وقوله:"البئرُ جُبار": هي البئر يَستأجرُ عليها صاحبُها رَجُلاً يحفر في ملكه، فتنهارُ على الحافر، فليس على صاحبها ضمانٌ. وقيل: هي البئر العاديةُ القديمةُ التي لا يعلم لها حافرٌ ولا مالكٌ، تكون في البوادي، فيقع فيها الإنسان أو الدابة، فذلك هدر.
وأما قوله: "والمعدن جُبار": فإنها المعادنُ التي يستخرج منها الذهب والفضة، فيجيء قوم يحفرونها بشيءٍ مسمىً لهم، فربما انهار المعدنُ عليهم فقتلهم، فيقول: دماؤهم هدر؛ لأنهم عملوا بأجرة.
وقوله:" في الرِّكاز الخمس" فهو دفين الجاهلية إذا وجدَ؛ فيكون فيه الخمس لبيت المال، والباقي لواجده.
(3/413)

قصرنا قولَه العامَّ على سؤالِ السائلِ الخاصِّ، عطَّلنا وحيَ اللهِ؛ لأجلِ تخصيصِ السائلِ لغرضِه الخاصِّ، وذلك لا يجوزُ.
فإن قيل: فلو قالَ لهم لمَّا سألوه: توضؤوا به، بَدلاً من قوله: "هو الطهورُ ماؤه"، كان مقصوراً عليهم، أو قالَ لهم: نعم، ولم يزد على هذا، وقفَ على وضوئهم به.
قيل: كذا يقتضي المذهبُ، إذ لا عمومَ في اللفظ إلا أنْ تقومَ دلالةٌ، فيدلَّ (1)، بل يكونُ مقصوراً عليهم، وعلى من حاله كحالهم التي ذكروها.
ومنها: أنَّا أجمعنا على أنَّ السؤالَ إذا كان عامَّاً، وجوابُ النبي - صلى الله عليه وسلم - أو غيرُه خاصاً، قُضيَ بخصوص الجواب.
مثالُه: أن يقول السائل: يا رسولَ الله، أنقتل من لقينا من المشركين؟ فيقول: اقتلوا غير المجاهدين، أو اقتلوا من لا ذِمَّة له، أو يقولَ: أنعتق كل رقبةٍ في الكفارةِ؟ فيقول: أعتِقوا السليمةَ المسلِمةَ من الرقابِ. فإنَّا نقضي بخصوصِ الجوابِ على عمومِ السؤالِ، تلقياً للحكمِ من لفظِ الشارع دونَ السائلِ، فكما يُطرحُ عموم سؤالِه لخصوصِ جوابِ الشارعِ، كذلكَ يجب أن يُطرحَ خصوصُ جوابِ السائلِ لعمومِ خطابِ الشارعِ، ولا نجدُ (2) لذلك فرقاً.
ومنها: ما أجمعَ عليه الفقهاءُ: أنَّ الزوجَ إذا شكت إليه زوجتُه ضَرَّةً لها، فأجابها بأنْ قال: كلُّ زوجاتي طوالق. قُضيَ بوقوعِ الطلاقِ على الشاكية والمشكوِّ منها وغيرهِما، ممن لم يَجْرِ لها ذكرٌ في لفظِ الشاكيةِ، تعويلاً على عمومِ إيقاعِه وشمولِ لفظه دونَ خصوصِ سؤالها (3).
يوضِّحُ هذا: أنَّ الزوجَة الشاكيةَ كالمرأةِ السائلةِ، والزوجُ في تملّكِه إيقاعَ الطلاقِ
__________
(1) أي: فيدل اللفظُ على العموم حينئذٍ.
(2) في الأصل: "ولا يجدوا".
(3) انظر تفصيل المسألة في "المغني" 10/ 403 - 404.
(3/414)

وإزالةَ السببِ المشكوِّ منه بتصرفِه في الزوجاتِ، كصاحبِ الشرعِ في تصرُّفِه في الأحكامِ، ثم عوَّلنا على عمومِ جوابِ الزوجِ، ولم نقضِ عليه بخصوصِ سؤالِ المرأةِ الزوجةِ، كذلكَ يجبُ أن نعوِّل على عمومِ قولِ الشارعِ دونَ خصوصِ سؤالِ السائلِ.
ومنها: أنَّ الجوابَ إذا كانَ صالحاً لخطابِ سائرِ المكلفين لم يقصر على السائلِ اعتباراً بعمومِ لفظِ الشارعِ الشاملِ لجميعِ المكلفين المخاطبين، كذلكَ في بابِ عمومِ الحكمِ وشموله يجبُ أن لا يقتصرَ على سؤالِ السائل، وما الفرق بين الشخصِ السائل الخاصِّ [وغيره] (1) إلا أنَّ المصالح تختلف باختلاف الزمان، وكذلكَ خُصَّت الأمكنةُ بالمناسكِ، والأسفارُ بالرخصِ، فلا فرقَ بينهما، فلما لم نقصر الجوابَ العامَّ على السؤال الخاص، كذلكَ لا نقصر الجوابَ العامَّ على السبب (2) الخاصِّ، وذلكَ مثلُ آيةِ اللِّعانِ، نزلت في هلالِ بن أُمية (3)، وآيةُ حد القَذفِ نزلت في عائشةَ (4)، واعتبر بعموم (5) صيغتها دونَ خصوصِ القصةِ والشخصِ الذي نزل فيه.
ومنها: أنَّ السؤالَ قد يقعُ في زمانٍ مخصوص ومكانٍ مخصوصٍ، ولا يُعتبر بهما، وإن كانت المصالحُ تختلف بهما، لكنَّا عوَّلنا على عمومِ الصيغةِ وشمولها دونَ خصوصِ الوقتِ والمكان، كذلكَ يجبُ أن نُراعيَ عمومَها دون خصوصِ السؤالِ.
فإن قيل: المكانُ والزمانُ لا يصلحان وصفين لِعِلَّة (6) الحكم، بخلاف ما انتظم سؤال السائلِ من الألفاظِ.
قيل: السفر في البحر وصفُ الماءِ، وكما (7) يجوز أن يكون وصفاً بعضُ الأزمانِ،
__________
(1) زيادة يقتضيها السياق.
(2) في الأصل: "السؤال"، ولا تستقيم بها العبارة.
(3) تقدم تخريج حديث اللعان في 2/ 32.
(4) تقدم تخريج حديث الافك فى 2/ 31.
(5) في الأصل: "بالعموم".
(6) تحرفت في الأصل إلى: "فعلة".
(7) في الأصل: "كما".
(3/415)

يصلح أن يكون [وصفاً بعض الأعيان] (1)، وكيف لا يكون كذلك؟، والنسخ يا حُسْنُهُ عند من علَّله (2).
ومنها: أن العامّ إنما يُقضى عليه بما يخالفه وينافيه، فأمَّا ما يطابقه ويماثله ويُضاهيه؛ فلا، ومعلومٌ أنه لا تَنافي بين السببِ الذي وقع السؤال عنه، وبين عموم الجواب، فإنَّه سُئِلَ عن الوضوءِ بماءِ مخصوصٍ، فأجاب بجنسِ جعلَ الماءَ طهوراً، الذي ماءُ البحرِ منه وبعضٌ له، ولهذا لا يقتضى بالنَسخِ (3) مع إمكانِ الجمعِ، فكيف يقضى بالتخصيصِ للعموم بلفظِ يُطابقه ويُلائمه؟
ومنها: أنَّا أجمعنا على أنَّ عمومَ لفظِ صاحبِ الشريعةِ حجّةٌ، وأنَ قولَ السائلِ ليس بحجةِ، فلا يجوزُ أن يقضى على قولِ هو حجة بقول مسترشِدٍ وليس بحجة.
ومنها: أنَّ لفظَ الشارعِ مستقلٌ بنفسه، وغيرُ محتاجِ، ولا يفتقر إلى السؤال، ولهذا لو ابتدأ فقال: الماءُ طَهورٌ، الخراجُ بالضِّمانِ، ماء البحرِ طهورٌ وميْتته حلالٌ. كان ذلكَ شرعاً مستقِلاً، والسؤالُ لو انفردَ لما تعلَّقَ به حكمٌ، فكان الاعتبارُ باللفظِ الذي به يتعلَّقُ الحكمُ دون مَا لا يتعلَقُ الحكمُ به إذا انفرد.

فصل
يجمع شُبَههم
فمنها: أنْ قالوا: السؤالُ مع الجوابِ كالجملةِ الواحدةِ، بدليلِ أمرين:
أحدُهما: أنَّه هو المقتضي للجواب.
والثاني: أنَّه متى كان الجوابُ مُبْهماً أُحيلَ ببَيانه على السؤالِ، ألا ترى أنَّ ابتداءَ قول القائلِ بنَعمْ لا يُفيد، فإذا قالَ: أزيدٌ في الدارِ؟ فقالَ المجيبُ: نَعمْ، صارَ المقتضي
__________
(1) ما بين حاصرتين زيادة من أجل استقامة العبارة.
(2) هكذا وردت العبارة في الأصل.
(3) في الأصل: "با لمسح"، ولعل المثبت هو الصواب.
(3/416)

لنعمْ قولُه: أزيدٌ في الدار؟ قال الله تعالى: {فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ} [الأعراف: 144]، {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172] وإذا ثبت أنَّها جملةٌ واحدةٌ؛ وجبَ أن يجعل الجوابُ مقدَّراً بالسؤالِ، وصارَ كالمبتدأ والخبر: قامَ زيدٌ، أو: زيدٌ قامَ. والاستثناءِ مع المستثنى: قامَ النإسُ إلا زيداً.
فيقالُ: لا نُسلِّمُ أنهما كالجملةِ الواحدةِ، بل هما جملتانِ مفترقتانِ، وأمَّا كونُ الجوابِ بمقتضى السؤال، فلا يُسلَّمُ أيضاً، وكيفَ يكون مقتضاه، وذلكَ خاصٌ، وهذا عامٌّ، فأين الخاصُّ من العامِّ؟ ولربما كانَ الجوابُ يتضمنُ حكمين وثلاثةً، ويكونُ السؤالُ عن حكمٍ واحدٍ على ما بينّا من ذكرِ مَيْتةِ البحرِ، وما سألوه إلا عن مائِهِ، وكما نطقَ به القرآنُ عن موسى- عليه السلام-، لما قيل له: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} [طه: 17]، كان جوابه: {هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} [طه: 18] وكان الجوابُ الذي يخصُّ السؤال: عَصا، بلا إضافة، فهذا شائعٌ في لغة القومِ.
وكونُه قد يُحَالُ منهم الجواب على بيان السؤال (1)، فباطلٌ بالكتابِ مع السُّنةِ، فإنَّه يجوزُ أن يحالَ أحدُهما على الآخرِ في البيانِ وهما مختلفانِ.
على أنَّ خلافَنا في الجوابِ المستقلِّ بنفسِه غير مفتقِرٍ في البيان إلى السؤالِ، وذلك ليس مع السؤال جملةً واحدة.
ثمَّ هذا يبطل بما ذكرنا من سؤالِ الزوجةِ زوجَها وشكواها الخاصِّ إذا أجابها عنه بطلاقٍ عامٍّ.
فإن قيل: لنا في الزوجةِ من الحجّة عليكَ مثل مالَكَ، فإنَّها لو سألَتْه الطلاق، فقال لها: أنت خَليَّة. فإنَّ قوله: أنت خليَّة. إذا كان مُبتدأ؛ لا يقعُ به طلاقٌ، ولو أجابها به عن سؤالها، كان طلاقاً، وما حصل كونُه طلاقاً إلا بناءً على سؤالها.
__________
(1) في الأصل: "الجواب"، والمثبت هو الصواب.
(3/417)

قيل: "خَليةٌ" لفظٌ صالحٌ متردد بين خليِّةٍ من زوجٍ، ومن الخيرِ، فإذا سألَتْه، كان الظاهرُ أنَّه قصدَ جوابها، فصارَ ما دلَّ على نيته وقَصدِه [قائماً] (1) مقامَ قصده، ودلائلُ الأحوالِ أبداً تترجَّحُ إلى أحد محتملي اللفظِ (2).
ومثلُه من ألفاظِ صاحبِ الشريعةِ إذا قال له الرجلُ: أريدُ طلاقَ زوجتي لكونِها متبرِّجةً. فقال: خَلِّها. صُرِفَ إلى التخليةِ بالطلاقِ، دونَ التخلية من حَبسِه وحَجرِه.
ومنها: أنَّه جوابٌ خَرَجَ على سؤالٍ خاصٍّ، فكانَ مقصوراً عليه، كما لو لم يستقلَّ إلا بالسببِ.
فيقال: المعنى هناك: أنَّ اللفظ لم يتناول غير ما سئلَ عنه، فهو كقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"تُجزئكَ ولا تُجزىءُ أحداً بعدَكَ" (3) لمَّا لم يصلح الخطابُ لغيرِه وُقِفَ عليه، وليسَ كذلكَ ها هنا، فإنَّ اللفظَ العامَّ موضوعٌ للشمولِ، فهو كلفظِ المجيبِ إذا تناولَ عدداً مخصوصاً كالعشرةِ، والسائلُ واحدٌ، فلو قالَ له واحدٌ من عشرة حاضرين: يا رسولَ اللهِ، أتوضأ بماءِ البحر؟ فقال: توضؤوا بمائِهِ، فإنَّه يُعملُ بجوابِه الشاملِ للعشرةِ، دون خصوصِ السائلِ.
ومنها: أنْ قالوا: لمّاَ وردَ الخطابُ على السببِ، دلَّ على أنَّه بيانٌ لِحكمةٍ خاصَّةٍ، إذ لو كانَ بياناً لغيرِه لبينه قبلَ السؤالِ؛ لما وجبَ عليه من بيانِ الأحكامِ.
فيقالُ: يجوزُ أن يكونَ عند سؤال السائل نزلَ الوحيُ له وللأمّة، بل الظاهرُ ذلكَ، وإنَّما لم يَبتدىء، لأنَّ اللهَ سبحانه أثَارَ السببَ، وهو الحاجةُ إلى السؤالِ حتى يبين الحكم العام للأمة، كما قيضَ العباس لقوله: يا رسولَ الله إلا الإذخرَ، فقال: "إلا
__________
(1) زيادة يستقيم بها السياق.
(2) هكذا فى الأصل، ولعل صوابها: "ودلائل الأحوال أبداً ترجح أحد محتملي اللفظ".
(3) تقدم تخريجه 2/ 98.
(3/418)

الإذْخر" (1) بأسرعِ جوابٍ، وما كانَ ذلك منه، بل قيلَ له، فقالَ، وإنما سبقَ العباسُ إلى الاستثناءِ، والله قد أعد الرخصةَ جواباً، كما رويَ عن عمرَ في الثلاثِ التي وافق اللهَ فيها، ولهذا قال: وافقتُ ربي في ثلاث (2)، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "سَنَّ لكم مُعاذُ" (3)، والمرادُ به: أنَّ الله قيَّضه لفعل ذلك، وقد سبق بتشريع ذلكَ، لا أنَّ معاذاً شرعه أعني تأخير قضاء ما سَبَق به من الركعات بعد أن كانوا يَبتدؤون بأداءِ ما فات -ألا
__________
(1) ورد ذلك في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن هذا البلدَ حرامٌ، حرَّمه اللهُ إلى يوم القيامة، لا يُنفر صَيده، ولا يُعضَدُ شَوكُه، ولا تُلْتمَطُ لُقطته إلا من عرَّفها، ولا يُختلى خلاؤه"، فقال العباس: إلأ الإذخر, فإنه لبيوتهم. فقال: "إلا الإذخر".
أخرجه مطوَّلاً ومختصراً: أحمد 1/ 315 - 316 و348، وعبد الرزاق (9713)، والبخاري (1349) و (1833) و (1834) و (2433) و (3189)، وأبود اود (2017)، ومسلم (1353)، والنسائي 5/ 203 - 204، وابن حبان (3720)، والبيهقي 6/ 199.
(2) بين هذه الثلاث الحديث الذي رواه أنس، قال: قال عمرُ بن الخطاب: وافقت ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فأنزلَ الله: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}، [البقرة: 125]، وقلت: يَدخل عليك البَر والفاجر فلو حجبتَ أمهات المؤمنين.
فأُنزلت آيهْ الحجاب، وبلغني شيء من مُعاملة أُمهات المؤمنين، فقلت: لتكفُّنَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ليبدِ لنَّه الله أزواجاً خيراً منكنَّ، حتى انتهيت إلى إحدى أمهات المؤمنين، فقالت: يا عمرُ, أما في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يَعظ نساءه حتى تعِظَهنَّ أنت!، فكففتُ، فأنزل الله: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ} [التحريم: 5].
أخرجه أحمد 1/ 23 - 24 و 24 و36 - 37، والبخاري (402) و (4483) و (4790) و (4916)، والترمذي (2959) و (2960)، وابن ماجه (1009)، وابن حبان (6896).
(3) أخرج أحمد 5/ 233 و 246، وأبوداود (506) و (507)، وابن خزيمة (381)، (382) و (383)، وعبد الرزاق 2/ 229 عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاء الرجل وقد فاته من الصلاة شيء أشار إليه الناس، فصلى ما فاته، ثم دخل في الصلاة، حتى جاء يوماً معاذ بن جبل، فأشاروا إليه فدخل، ولم ينظر ما قالوا، فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "سنَّ لكم معاذ".
(3/419)

تراه كيف بين حكماً لم يُسأل عنه؟ وكجوابه بميتةِ البحرِ وما سُئل عنها، ولأنَه لو كان بياناً للجواب خاصَّةً لخصَّه به كما خصَ أبا بُردَة وأبا بَكْرة (1)، ولأنه باطل بنزوله على حادثةٍ، كالَلِّعان في العَجْلاني (2)، وآياتِ القذف لقصة عائشة (3)، وغير ذلك من أمثالِها نزلت لأجلِ حوادث ولا تختصّ بل تعمُّ، كذلكَ السؤالُ.
ومنها: أن قالوا: إن السبب هو الذي أثار الحكم فتعلَّقَ به، كالعلَّةِ، والعلّةُ لا تؤثر إلا بمعلولها خاصَةً، كذلكَ الجوابُ الذي أثارَ السبَب.
قيل: العلةُ مقتضية للحكمِ، ولهذا لا يدخلُ عليها ما لا يؤثرُ ولا يقتضي، ولو زيدتْ وصفاً كان حشواً، ولا يجوزُ أن تكونَ العلةُ أعمَ من حكمِها، فلو قالَ فيما يَستقلُّ: بطاهرٍ مائعٍ. لم يَجُز ولو قال فيما يستقل: بطاهرٍ جامدٍ. كان حشواً. وفي مسألتنا يُسألُ عن الماءِ، فيجيبُ عن الميتةِ مع الماءِ وعن أحكام كثيرةٍ (4).
ومنها: أن تعديهُ من السببِ الذي وردَ عليه لا يؤمَنُ أنْ يكونَ مفسدةً، والظاهرُ بأنَّه لمّا خرجَ على السببِ الخاَصِّ أنَّه كان مصلحةً على ما وردَ عليه من السببِ الخاصِّ. (5)

فيقالُ: إنَّ المصالحَ قد تكونُ منوطةً بالأشخاصِ والأزمانِ والأمكنةِ، والواحدِ دونَ العددِ الزائِد، ومع ذلكَ لم يقصره المخالفُ على الشحْصِ السائِل، ولا الوقت
__________
(1) انظر ماتقدم في الصفحة 411 من هذا الجزء.
(2) هو عويمر بن أبيض الأنصاري العجلاني، أحد من نزلت فيهم آية اللعان كما في البخاري (5259)، ومسلم (1492) (1)، و"الموطأ"2/ 566، و"مسند أحمد"5/ 336.
والمصنف رحمه الله ينسب قصة اللعان هنا للعجلاني، مع أنه نسبها في الصفحة (415) لهلال بن أمية، وقد نسبت القصة لكليهما، انظر "تفسير القرطبي" 12/ 183، و"تفسير ابن كثير" 3/ 265.
(3) تقدم تخريج حديث الإفك في 2/ 31.
(4) انظر "العدة" 2/ 613، و"التمهيد" لأبي الخطاب 2/ 166.
(5) انظر "العدة" 2/ 613، و"التمهيد" 2/ 167.
(3/420)

الذي حصَلَ السؤالُ فيه، ولا قصرَه على المكانِ، ولا خصَّهُ بالواحدِ إذا كان جوابُ الشارعِ تضمَّنَ الخطاب لعشرةٍ، على أنَّه لو كانَ المصلحةُ ذلكَ لما جاز للشارعِ أن يتنكَبَ الخاصَّ من القول، ويعدِلَ إلى العامِّ.
ومنها: أنْ قالوا: لو كانَ الجوابُ عن سؤال (هل) ب (نعم) أو (لا)، أو عن (ليس) ب (بلى) كان مقصوراً على السؤال، فلما قال الباري سبحانه: {فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ} [الأعراف: 44] وقال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172] كان تقديره: نعم، وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، بلى أنتَ ربنا.
فيقال: إنَّما يكونُ ذلكَ في الجوابِ الناقصِ، وكلامُنا في الجوابِ التَّام العام الصالحِ للابتداءِ وإلاستقبالِ، ولسنا نُنكرُ تعلُّقَ الجوابِ بالسؤالِ إذا لم يكن مستقلاً، وقوله: نعمْ. لا يستقلُّ، وبلى أيضاً لا يستقِل، ولهذا لو ابتدأ به لم يُعقل منه معنى حتى يُسألَ عمَّا كان من السؤالِ. وها هنا الكلامُ مُستقِلٌ، ولهذا لم يقصَر عليه.
ومنها: أن قالوا: قد اتفقَ أصحابُكم وأصحابُ مالك على أنَّ الأيْمانَ محمولةٌ على مخارجِها، مقصورةٌ على ما هيَّجها وأثارها، فاذا قال: واللهِ لا فَعلتُ كذا، ولا قَبلتُ منك كذا. وكان (1) المهيِّجُ ليمينه والسببُ فيها: المنَّةَ، لم يُحملْ إلا على ما يزيل المنَّةَ، وامتنع من القبول لأجلها، واليمينُ حكمٌ شرعيٌ بُنيَ على لفظٍ وترتَبَ عليه، كذلكَ يجبُ أن يقصر جوابُ صاحبِ الشريعةِ على السببِ الذي أثارَه، ومتى لم يكن كذا كان مناقضةً في المذهبِ، إذ لا فرق بينهما.
فيقالُ: إنَّ الأيمانَ حجةٌ لنا من وجهٍ؛ وهو أنَّه إذا حلف: لا لبسَ من غزلِ زوجتهِ، وكانَ السببُ في يمينِه منَتها عليه، واستزادتَها له على ما يجبُ لها؛ لأجل ما ذكرَته من غزلها، فإنَّنا لا نَقصر ذلك على الغزل، حتى إنه لا يقف حِنثُه على لُبسِه من غزلها، بل يحنثُ بقبولِ كل شيءٍ من جهتها؛ من مالٍ وعملٍ تحصل بمثله المنَّةُ،
__________
(1) في الأصل: "كان".
(3/421)

فلو ركِبَ دابَّتها، أو استخدم عبدَها وأمتَها، فإنَّه يحنثُ، فقد تعدت اليمينُ السببَ المحلوفَ عليه.
على أنَّ الأيمانَ تُحْالف وضعَ الشرعِ؛ لأنَّها تتخصص بالعرف، ولهذا لو حلفَ: لا أكلتُ الرؤوسَ. حُمِلَ على رؤوسِ الأنعامِ، و: لا دخلتُ سوقَ الطعامِ.
تخصَّص حِنثُه بدخولِ سوقِ الحِنطةِ دونَ دار البِطِّيخ وسوقِ الخبازين، وإن كان الخبزُ أقربَ إلى الطُّعمِ والأكلِ، فإنَّ الطعامَ طُعمةُ الإنسانِ، والحنطةُ أبعدُ من الطُّعمِ (1).
ومنها: قولُهم: لو لم يكن الجواب مقصوراً على السبب؛ لجاز إخراجُ السَببِ عن تناول حكمِ الخطابِ له، كما لو نَطقَ باللفظِ العامِّ ابتداءً، فإنه لو ابتدأ العمومُ جاز تخصيصُه فيما عدا السببَ الذي وردَ عليه سؤالُ السائلِ في مسألتِنا، فلمَّا كانَ السببُ لا بُدَّ داخلاً، عُلِمَ أنَّه قد تخصَّص به تخصُّصاً خرجَ به عن حكمِ العمومِ المبتدأ.
بيانُه: أن يقول ابتداءً: "الماءُ طَهوو لا ينجسُه شيءٌ" (2)، ويخصُّ به ماءَ بئرِ بُضاعة بأنَّه ليسَ بطَهورٍ، فلَّما جاءَ سؤالُ القوم عن بئر بُضاعة، فقالَ: "الماءُ طهور"، لم يَجز بعدَ خروجِ سؤالِهم عنها أنْ يخرجَ ماؤها عن الطُّهوريةِ المذكورةِ.
فيقال: إنَّما لم يجز إخراجُه عن الجوابِ بعدَ السؤالِ؛ لأنَّ الجوابَ وإن كانَ لفظُه عامَّاً، إلا أنَّه لا بُد أن يكون جواباً عن السؤالِ، فأوَّلُ ما يُراعى في اللَّفظِ الواردِ عقيبَ السؤال أن يكون جواباً، ثم يُعطى العمومُ حقَه، كما أعطيَ السؤالُ حقَّه، ألا ترى أنَّه لا يحسُنُ أن يقولوا له حالهَم التي ذكروها في البَحرِ، ثم يُتبعوه: أفنتوضأ بماء البحر؛ فيكونُ جوابه: هو الحلُّ ميتته. لأنه ابتدأ إفادةً بالشرعِ إباحة ميتةِ البحر،
__________
(1) انظر هذه الشبهة والرد عليها في "العدة" 2/ 613.
(2) تقدم تخريجه 1/ 39.
(3/422)

ويكون مُعطلاً للبيان عما سألوه عنه مع حاجتهم إليه، وذلكَ لا يجوزُ، فكما لا يجوز تركُ ما سألوا عنه ابتداءً، والإتيانُ بحكمٍ آخرَ غيرِ ما سألوا عنه، كذلكَ لا يحسُن أن يأتَي بلفظِ عمومٍ ثم يخصُه على غيرِ ما سألوه عنه، فلذلكَ افترقَ الحالُ بينَ العمومِ المبتدأ، والعمومِ الخارجِ على سبيلِ الجوابِ عن حكمٍ خاص (1)، وأنَّ العمومَ المبتدأ لا يجبُ فيه قضاءُ حق آخرَ، وهذا يجبُ فيه أن يُراعى مراعاةَ حكمِ الجوابِ وإعطاء العمومِ الزائدِ عليه حقَّه. ألا ترى أنَّ الناس يعدُّون (2) ذلك عبثاً شائعاً، فيقول قائلهم: سألته عن أبيه، فقال: خالي شُعيبٌ، إذ كان توريةً عن الجوابِ، ولو قال: أبي زيدٌ، وخالي شعيب، لم يستنكرْ أن يجيبَه عمَّا سأل، ويفيده تعريفَ خالِه بعد تعريفِ أبيه المسؤولِ عنه.
على أنَّ الإجماعَ يغني عن الاعتذارِ، ففيه الكفايةُ، ولا خلافَ بين الأمَّةِ أنَّ ما خرجَ السؤالُ عليه لا يجوز تخصيصُه، ودليل الإجماعِ: ما (3) ذكرناه، والله أعلم.
ومما يصلح أن يكَونَ دلالةَ الإجماعِ: أنَّ الخطابَ الخارجَ ابتداء لكلِّ مكلَّفٍ، فالسائلُ من جملةِ المكلَّفين، وله خصيصةُ استحقاقِ الجوابِ عما سألَ عنه؛ لكونه محتاجاً إلى العلم بذلك، فإنَّ (4) رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لا يجوزُ له تركُ ما يجبُ من البيانِ، والعدولُ إلى بيانِ حكمٍ لم تقع الحاجةُ إليه، ولو تسلَّطَ عليه الإخراجُ عن عمومِ اللفظِ وتناوله له كانَ نسخاً، فأمَّا تخصيصاً فلا.
ومن أعظمِ الفوائِدِ: أنَّه لو لم يردِ السببُ والسؤالُ اللذان خَرجَ اللفظُ عليهما، بل نقل مجرَّدُ اللفظِ؛ لكانَ لأهلِ الاجتهادِ إخراجُ ذلكَ بدليلٍ، فلماَّ خرجَ مخرجَ السؤال؛ امتنعَ ذلك؛ لأنَّه صارَ جوابه نصَّاً ومن أخرجَ السببَ عن حكمِ اللفظِ كان
__________
(1) في الأصل: "الخاص".
(2) في الأصل: "يعيبون".
(3) في الأصل: "بما"، والمثبت أنسب للسياق.
(4) تحرفت في الأصل إلى: "قال".
(3/423)

نسخاً، فقد تخصَّصَ السببُ بهذه الخصيصةِ، وتخصُصُه يمنعُ من كونِ اللفظِ الذي حصل جواباً عاماً، إذ لو كان له حكمُ العموم لما اختص بعضُه بحكمٍ يخرج به عن جميعِ ما شمِلَه، وما هذا مما يوجبُ قصورَ الجوابِ عليه، كالسائلِ نفسه، والوقت، والمكان، فإنَّ الحكمَ لا بُدَّ أن يتناولَ الشخص السائلَ، ثم إنَّه لا يجوزُ إخراجُه عنه، ولم يدلَّ ذلكَ على قصورِه عليه، فبطلَ أن يكونَ كلُّ ما وجبَ دخولُه وجبَ الاقتصارُ عليه.
ومنها: أن قالوا: لو لم يكن قصرُ العام على السببِ والسؤالِ الخاصَّين واجباً، لما وجبَ تأخيرُ الحكمِ إلى حينِ حدوثِ السببِ، ولَماَ كان لتأخيرِ الحكمِ معنى، فلما وجَبَ تأخيرُ الحكمِ إلى حينِ حدوثِ السبب؛ عُلِمَ أنَّه مقصورٌ عليه.
فيقال: ولم قلتم: إنَّه لم يؤخره إلا لأجلِ قصورِه عليه؟ فلا سبيلَ إلى جوابهم عن ذلك.
على أنَّ من مذهبنا: أنَّ اللهَ سبحانَه لا يؤخِّرُ تعبداً، ولا يقدمه لعلةٍ من العللِ على ما قرَّره أئمتنا في أصولِ الدياناتِ (1)، مما لا يليقُ هذا الكتاب بذكرِه.
على أنكم ما تنكرونَ أن تكونَ الفائدةُ في ذلكَ سبقَ العلمِ بأن التعبُّدَ عند تجددِ السؤالِ، وحدوثِ السّببِ الخاصِّ هو الأصلحُ في التكليفِ، وأنَّه لو قدم التعبّد عليهما، [أو] (2) أورده بعد ورودهِما، أو أورده ابتداءً، لم تقع الطاعةُ من أحدٍ من المكلفين، ولكانَ ذلكَ تنفيراً (3) وفساداً، وقد أشار اللهُ سبحانَه إلى ذلك فقال: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} [الفرقان: 32] قال الله سبحانه:
__________
(1) فعند الجمهور لا يجب على الله سبحانه وتعالى رعاية المصالح وإنما يدرك العقل ذلك منه على سبيل الجواز. انظر تفحيل المسألة في "المسودة": 63، و"شرح مختصر الروضة" للطوفي 1/ 409، و"الإحكام" لابن حزم 2/ 1126.
(2) زيادة يقتضيها السياق.
(3) في الأصل: "تفسيراً"، ولعل المثبت أنسب لاستقامة معنى العبارة.
(3/424)

{كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33)} [الفرقان: 32 - 33] ومثل هذا لا ينكرُ أحد اتفاقَ مثلِه في المعلومِ، وإذا كانَ كذلكَ سقطَ ما قالوه من قصرِ الفائدةِ التي طلبوها على العلّةِ التي ذكروها.
فإن قيلَ: الباري قد عَلمَ أنَّهم سيَسألون، فلمَ لم يقدِّم الحكم فيغنيهم عن السؤال، فيكون أبلغَ؟! لأنَّ الإغناءَ بالعطاءِ قبل السؤال افضلُ من العطاءِ بعدَ السؤالِ في بابِ المالِ، كذلكَ في بابِ العلم.
قيلَ: إنَّ أفعال الحكيمِ تارةً ابتداءً ومناداةً ليغنيَ عن السؤالِ، وتارةً جواباَ ليبين محلَّ الجوابِ، والعطاءُ بتقدُّمِ الحاجةِ، وفي ذوقِ العَدَمِ والحاجةِ ما ليسَ للإغناءِ قبلَ الحاجةِ، ولا يعرفُ محلُّ الإرشادِ إلا بعدَ الضلالِ، ولا محلُّ شيء يوجدُ إلا بعد قَصدِهِ، فهو كإجابةِ دعوةٍ لشخصٍ، ثم تَعمُّ (1) إجابتُها مثل: أن سألَ سلامةَ زرعِه مِن الجفافِ، فأغاثَ اللهُ بمطرٍ عام، أو سألَ عافيةَ ولدِه من طاعونٍ، فأزال الله الطاعونَ عن ولده رأساً، فإنه لمَّا (2) عمَّ السمعَ (3) ودفعَ الضررَ لم يكن خاصَّاً له، وما خرجَ من ميزةِ التخصصِ بأن كان سبباً للإجابةِ.
ويقالُ لهم أيضاً: ما أنتم في هذه الدعوى إلا بمثابةِ من قال: إنَه ما (4) اخرَ الحكمَ في جلدِ الزاني ورَجْمِه، وقطعِ السارقِ، وحكمِ اللعانِ، والظهارِ إلى حين وقوع تلكَ الأفعالِ والأقوالِ من أقوامٍ وأشخاصٍ معيَّنين في تلكَ الأوقات المخصوصةِ إلا لتعلقِه بتلكَ الأفعال من أولئكَ الأشخاصِ في تلك الأوقاتِ، وإلا فقد كانَ يمكنُ الابتداءُ بإنزالها من قبلِ حدوثِ تلكَ الأسبابِ، ولمّاَ لم يدل ذلكَ على تخصُّصِ
__________
(1) في الأصل: "تقع" والمثبت أنسب لسياق العبارة.
(2) في الأصل: "لم" ولا يستقيم بها السياق.
(3) هكذا في الأصل، ولعل كلمة "السلامة" أنسب لاستقامة المعنى.
(4) في الأصل: "لما" ولا تستقيم بها العبارة.
(3/425)

الأشخاصِ والأوقاتِ، كذلكَ لا يدُلُّ على تخصُّصِ الحكمِ بالأسبابِ والأسئلةِ الحادثةِ المخصوصةِ مع كونِ الألفاظِ عامةً شاملةً وصالحةً للابتداءِ، وقيامِها بنفسها.
فإن قالوا: كذلكَ نقولُ. فارقوا الأمَّةَ وخرجوا من الإجماعِ، وإنْ سلموه؛ أبطلَ جميعَ ما ذكروه.
ومنها: قولهم: قد اتفقنا على التخصيصِ لكلِّ لفظٍ عام يَصدرُ عن اللافظِ به بما يقصدُه من