Advertisement

الواضح في أصول الفقه 004


الوَاضِح في أصُولِ الفِقه

تأليف
أبي الوَفاء عَلي بن عَقيل بن مُحمَّد بن عَقيل
البَغدادي الحَنبلي (513 ه)

تحقيق
الدكتور عَبد الله بن عَبد المُحسن التركي
وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد

الجزء الرابع

مؤسسة الرسالة
(/)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(4/2)

الوَاضِح في أصُولِ الفِقه
4
(4/3)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

جَميع الحقُوق مَحفوظة للناشِر
الطبعة الأولى
1420 ه - 1999 م

مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع
وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - بنايه المسكن، بيروت - لبنان
تلفاكس: 319039 - 815112
فاكس 603243 ص. ب: 117460

AL- Resalah PUBLISHERS
BEIRUT/LEBNON - Telefax: 815112 - 319039
fax: 603243 - P.O.Box: 117460
Email: Resalah@Cyberia.net.lb
(4/4)

فصول
المُجمَل والمُفسَّر والمُحكَم والمُتشابه

فصل
في المُحكم والمُتَشابه
فالمحكمُ على ظاهر كلامِ صاحِبنا: ما استقلَّ بنفسِه، وكانَ أصلاً [لا] (1) يحتاجُ إلى بيانٍ بغيره، ولِذاَ (2) اتفقت الأمةُ على معناه وحكمِه؛ لاتفاقِهم في علمِه لمَّا كان ظهورُ حكمِه من لفظِه.
والمتشابِهُ: مالم يستقلَّ بنفسِه واحتاجَ إلى البيانِ بغيرِه، ووقعَ الخلافُ فيه، لاشتباهِ المعنى فيه، وغموضِ المقصودِ به.
وذلك في الأُصولِ والفروعِ:
ففي الأصول: المحكم: قولُه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] يعطي بنصِّه وصريحِه نفيَ التشبيهِ عنه سبحانه، {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1]، يُعطي نفيَ التثنيةِ والشركة بنصِّه وصريحِه.
والمتشابهُ من (3) هذا القبيل قولُه: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي}
__________
(1) ليست في الأصل، وانظر تعريف المحكم في "التمهيد" لأبي الخطاب
2/ 276 و"المسودة": (161).
(2) في الأصل: "وإذا".
(3) في الأصل: "في".
(4/5)

[الحجر:29]، {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا} [الأنبياء: 91]، {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75]، {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه:39]، {وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67]، {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [يونس: 3]، {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ} [مريم: 34]، {رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ} [النساء: 171]، فهذا يوهمُ الأعضاءَ والتشبيهَ بظاهِره.
واختلفَ فيه الناسُ الخلافَ المعلوم، فقوم (1) سكتوا عن تفسيرِه، وقومٌ أقدموا على تأويلِه، وقومٌ قالوا بحملِه على ظاهِرِه، ولا ظاهرَ منه إلا ما وُضِعَ له في اللغةِ، وما وضعَ لهُ في اللغةِ معلومٌ، وقومٌ صرَّحوا بالتشبيهِ.
وقيلَ: إنّ أحقَّ ما وقعَ عليه اسمُ المتشابه: الحروفُ المقطعةُ في أوائِل السورِ، وقد اختلفَ الناسُ فيها، فقالَ قومٌ: إن كلَّ حرفٍ هو مأخوذٌ من اسمٍ، كهاءٍ من هادي، وكافٍ من كافي، وصادٍ من صادق، وإلى أمثال ذلك، وقومٌ وقفوا عن تفسيرٍ وتأويلٍ (2).
فأمّا المحكمُ من هذا القبيلِ، فقولُه (3) [تعالى]: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، {فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام: 76]، {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59)} [آل عمران: - 59].
فقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، أزالَ الاشتباهَ من قولِه: "عيني"،
__________
(1) تحرفت في الأصل إلى: "قد".
(2) انظر ما تقدم في الصفحة (169) من الجزء الأول.
(3) في الأصل: "قوله".
(4/6)

و"يَديَّ"، وأنَّها (1) ليست جوارحَ ولا أبعاضاً (2).
وقوله: {أُحِبُّ الْآفِلِينَ}، أزالَ الاشتباهَ من قوله: {وجاءَ ربُك} [الفجر: 22]، {يَوْمَ يَأْتِي} [الأنعام: 158]، {أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ} [البقرة: 210]، {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} [الأنعام: 158]، وأنَّه ليس بالانتقال المشاكلِ لأُفولِ النجومِ.
والذي أزالَ إشكالَ قولِه: {وَرُوحٌ مِنْهُ} [النساء: 171]، {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [الحجر: 29]، {قَوْلَ الْحَقِّ} [مريم:34]، {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص:75]: قوله: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ} [آل عمران: 59] (3).
وأمَّا المحكمُ من الآي في الفروعِ: فما عُلمَ حكمُه من نطقِه، ولم يُرْفع بنسخِه، مثلُ قوله: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2].
والمتشابهُ: ما احتاجَ إلى البيانِ من غيرِه، مثلُ قولِه: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141]، فلا يُعْلَمُ الحقُّ الواجبُ إيتاؤُه إلا من غيرِه.
فالمحكمُ (4) في الأولِ (5): يجبُ اعتقادُه، وهو نفيُ التثنيةِ
__________
(1) في الأصل: "وأنهما".
(2) في الأصل: "أبعاض".
(3) ذكر آيات الصفات ضمن المتشابه مخالف لمنهج أئمة السلف، انظر التعليق رقم (1) في الصفحة (169) من الجزء الأول.
(4) في الأصل: "فالحكم".
(5) أي في الأصول.
(4/7)

والتشبيهِ، والمحكمُ في الثاني، وهو الفروعُ: يجبُ اعتقادُه والعملُ به؛ لمكانِ وضوحِه، والاتفاقِ على حكمِه، فلا وجهَ لتأخيرِ اعتقادِه والعملِ به، إذ لا عائقَ ولا مانعَ.
وحكمُ المتشابه في الأولِ، وهو المتردِّدُ: أن يُرَدَّ إلى المحكَمِ المتَّفقِ عليهِ، فنحَملُ اليدَ والروحَ والاستواءَ والوجهَ والسمعَ والبصرَ، على ما يَنْحَفِظُ به المحكمُ المتفقُ عليه، ولا يَنْحَفِظُ قولُه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} إلا بقدرِ أن يُنفى عن هذه الأسماءِ ما تحتَها من الأعضاءِ والجوارحِ، وما يُشْكِلُ في النفس عند إطلاقِ اللفظِ من صفاتِ الآدميين، لذا (1) لم يُتخلَّصْ منَ اطِّراحم المحكمِ إلا بهذا النَّفْيِ، بقي الإثباتُ، فانقَسم الناسُ فيه:
فمن قائل (2): أُثبتُ تحتَ هذه الأسماءِ شيئاً، لكنِّي لا أُعَيِّنُه، وأقولُ: اللهُ أعلمُ به، وهو مذهبُ أكثرِ السلفِ من الصحابةِ والتابعين رحمةُ اللهِ عليهم، ولا يصح هذا القولُ إلا ممَّن يقولُ: ليس اللفظُ ظاهراً؛ لأنَّ المشتبهَ والظاهرَ اسمانِ ضدانِ؛ لأنَّ الظاهرَ ما ترتجَّح إِلى أحدِ محتمليهِ، وما يقدرُ أحد يقولُ عن السلفِ الصالح: إنَّهم فسرُوا (3) ذلك بما يظهرُ في اللغةِ من معاني هذه الأسماءِ، والَمتشابِهَ: ما اشتبهَ أَمرُهُ، ولهذا قال سبحانه في المتشابه: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران:7]، فمن قال: له ظاهر عندنا، فقد كذَّبَ نَصَ القرآنِ، ونقضَ أصلَه بأصلِه؛ فإنَّ أصلَ هذه الطائفةِ: أنَّ
__________
(1) في الأصل: "فإذا".
(2) في الأصل: "قال".
(3) في الأصل: "إنه فسر".
(4/8)

[الوَقْفَ] (1) في هذهِ الآيةِ على قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 7] وأنَّ العلماءَ لا يعلمونَ، لكنْ يقولون، فإذا عادَ بعد هذا الأصلِ المحفوظِ عنه وعليه يقولُ: أَحْمِلُ هذه الآياتِ والأسماءَ والإضافاتِ على ظاهرها، قلنا لهُ: وأيُّ ظهور؟ وماذا ظهرَ لكَ مع تسميةِ اللهِ [لها] (1) متشابهاتٍ، ومع إفراد نفسِه بعلمِها، وما أفردَ نفسَه بعلمِه كيف تقولُ: له ظاهرٌ عندي أحملُه عليه!؟ فهذا أصلٌ يجبُ أن يعتمدَ على اعتقادِه، فليس غيرُه ما يُعتمدُ عليه، ولا يُلتفتُ إليه، سيما في هذا المذهبِ المنزَّهِ عن الابتداعِ، فإذا ثبتَ بطلانُ قولِ مَن يدَّعي في المتشابِه ظاهراً (2) بنفس قولِه: إنه لا يعلمُ تأويلَه (3) أحدٌ من العلماء، لم يبقَ إلا أن يكونَ أحَدَ رجلين:
إما أن يقولَ: لا أدري، ولا أعلمُ، واللهُ هو المستأثِرُ بعلمِ هذهِ الأسماءِ المضافةِ إليهِ. فهذا رجل أخبرَ بالتقصيرِ عن علمِ ما استأثَرَ اللهُ عنده بعلمِه.
أو يُقدِمَ على التأويلِ بحسبِ ما تقتضيهِ اللغةُ مما ينحرسُ به محكمُ الكتاب، وهي آياتُ نفي التشبيه، وإجماعُ الأُمَّةِ عليهِ، وشهادةُ دلائلِ العقولَ التي أُثبتَ بها الصانعُ إثباتاً دلَّ على أنَّه متى أشبهَ خلقَه، دخل عليه ما يدخلُ عليهم، فأحوجَنا ذلكَ إلى صانعٍ يصنعُه، كما أحوَجنا ذلك في مخلوقاته إليه، لأن المِثلَ ما سدَّ مسدّ (4) مثلِه، وجازَ عليه ما يجوزُ عليه.
__________
(1) ليست في الأصل.
(2) في الأصل:"ظاهر".
(3) في الأصل: "تأويل".
(4) في الأصل: "سد".
(4/9)

ولا قسم ثالث سوى التصريح بالتشبيهِ، ومن صرَّح به، زعقتْ به أدلةُ الشرع والعقلِ، فأخْرَسَتْهُ عن مقالتِه، فافهمْ ذلك، فهو أهمُّ ما صُرِفت العنايةُ إليه، فإنَّه الأصلُ الذي يُبْتَنى عليه ما نحن فيه من أُصولِ الفقهِ (1).
وقال قومٌ: المحكمُ: غيرُ المنسوخ، وهو ما ثبتَ حكمُه، ولم يُغيَّرْ بنسخٍ بعدَه.
والمتشابهُ: المنسوخُ، لأنهُ استفيدَ حكمُه من الناسخ لهُ (2).
__________
(1) اضطرب رأي المصنف رحمه الله في مسألة الصفات، فمرة ينحو منحى السلف في إثبات الصفات، وإجرائها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها، وتارة يخالفهم ويجنح الى التأويل، وقد انتقده في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال في "درء تعارض العقل والنقل" 8/ 60 - 61: ولابن عقيل أنواع من الكلام، فإنه كان من أذكياء العالم، كثير الفكر والنظر في كلام الناس، فتارة يسلك مسلك نفاة الصفات الخبرية، وينكر على من يسميها صفات، ويقول: إنما هي إضافات، موافقة للمعتزلة، كما فعله في كتابه "ذم التشبيه وإثبات التنزيه" وغيره من كتبه، واتبعه على ذلك أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه "كف التشبيه بكف التنزيه"، وفي كتابه "منهاج الوصول"، وتارة يثبت الصفات الخبرية، ويرد على النفاة والمعتزلة بأنواع من الأدلة الواضحات، وتارة يوجب التأويل كما فعله في "الواضح" وغيره، وتارة يحرم التأويل ويذمه وينهى عنه، كما فعله في كتاب "الانتصار لأصحاب الحديث"، فيوجد في كلامه من الكلام الحسن البليغ ما هو معظم مشكور، ومن الكلام المخالف للسنة والحق ما هو مذموم مدحور.
(2) هذا القول منقولٌ عن ابن عباس، وابن مسعود، وقتادة، والضحاك.
انظر "تفسير الطبري" 6/ 174 - 177، و"النكت والعيون" للماوردي.
1/ 304 - 305، و"المحرر الوجيز" لابن عطية 3/ 18، و "زاد المسير" لابن الجوزي 1/ 350 - 351.
(4/10)

وقالْ الجمهورُ من الفقهاءِ: هو المعلومُ حكمُه من صيغتِه ولفظِه.
والمتشابِهُ: هو المُجمَلُ الذي يفتقرُ إلى تفسيرٍ وَتأْويل.
وذكر أبو الحسينِ البصري (1) عن أصحابه: أنَّ المحكمَ مشتركٌ (2):
يحتملُ إحكامَ صيغتِه وإتقانَ لفظِه، وذلك بالفصاحةِ.
والثاني: أنهُ ما لا يحتملُ تأويلين مختلفينِ مشتبهينِ احتمالاً شديداً.
وكأنَّه يرجعُ إلى ما بيَّنا أولاً، وأشارَ إليه صاحبنا رضي الله عنه (3).
__________
(1) هو أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري، شيخُ المعتزلةِ، كان فصيحاً بليغاً، يتوقَّدُ ذكاء، وله اطِّلاعٌ واسعٌ وكبير على أقوال العلماء ومذاهبهم، من مصنفاته: "المعتمد في أصول الفقه" وهو شرح لكتاب "العُمَد" للقاضي عبد الجبار، توفي ببغداد سنة (436) ه. انظر ترجمته: "طبقات المعتزلة" (118)، و"تاريخ بغداد" 3/ 100، و"وفيات الأعيان" 4/ 271، و"ميزان الاعتدال" 3/ 654 - 655، و"شذرات الذهب" 3/ 259، و"سير أعلام النبلاء" 17/ 587 - 588.
(2) يعني: أن المحكم يستعمل على الوجهين المذكورين. وهما في "العدة" 2/ 687.
(3) وهو ما تقدم في الصفحة (5).
(4/11)

فصلٌ
في الدلالةِ على ما ذكرناه
أنَّ اللهَ سبحانَه قال: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} [آل عمران:7]، وأمُّ الشيء: أصلُه، وإنَّما سُمِّيَ المحكمُ أصلاً، لأنهُ -على ما قدمتُ- يُرَدُّ إليه المتشابِهُ، كما يردُّ الفرعُ إلى أصلِه، إن شئتَ فرعَ العلةِ، وإن شئتَ كلَّ شيءٍ تَفَرَّعٍ عن شيءٍ، كالولدِ إلى أبيهِ، والثَمرِ إلى الشجرةِ، وكلَّ شيءٍ صَدر عن أصل حتى المخلوق إلى خالِقه، فكذلك الآياتُ المحكمةُ أصولٌ متفقٌ عَّلَى حُكمها، يُردُّ المُتردِّدُ المختلَفُ فيه لأجل تردُّده إليها، وهذا صورةُ ما قدَّمنا مثالَه:
فإذا قال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، ثم قال: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] فاشتبه، على السامعِ شأنُ السمعِ والبصرِ، هل هوَ بجارحةٍ، أو هو بمعنى العلم بما يسمعُه السامعُ منا، والعلمِ بما يبصرُه الواحدُ منا، أو هو إدرا، بغير جارحةٍ ليس بالعلمِ، لكنَّه زائد على العلمِ، أو هو كونُ الذاتِ سميعةً (1) بنفسِها، لا بمعنى هو علم ولا سمع ولا بصر، فإذا حصلَ الاشتباهُ في ذلك، ثم صدرَ عنهُ ما حصلَ من الاختلاف بين أهلِ العلم، وجبَ على العالِم الراسخِ في العلم، أن يردَّ هذا إلى أوَّلِ الآَيةِ وهو (2) نفي التشبيهِ بقوله سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، فينفيَ من هذه الأمورِ المشتبهةِ ما يَخرجُ عن أوَّلِ الآيةِ -وهو الإحكامُ-،
__________
(1) تحرفت في الأصل إلى: "سمعية".
(2) في الأصل: "وهي".
(4/12)

فإذا نفى التشبيهَ، قال: إنه سميعٌ لا بمثلِ ما نَسْمَعُ من جارجةٍ وجهَةٍ من ذواتِنا وحاسَّة، إذ لو حُمِلَ على ذلك لانتفى قولهُ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، وذلك نفيٌ صريحٌ لا يترددُ، فكيف نزيلهُ بما يتردَّدُ؟، فحملنا المتشابِهَ على المحكمِ، فانتفى التشبيهُ، وبقيَ الأمرُ متردِّداً بعد نفي التشبيهِ بين مذهبين لا بأسَ بهما عند المحققينَ من العلماءِ:
أحدهُما: القولُ بأنَّه سميع بصيرٌ، والإمساكُ عما به يسمعُ، لا تشبيهَ ولا تأويلَ.
والثاني: التأويلُ على أنَّه يدركُ المسموعاتِ، والمبصَراتِ، ولا نزيدُ على ذلك.
وأمَّا التأويلُ الذي لُقِّبَ صاحبُه بالزيغ، فإنَّه الحملُ له على ما يوجبُ الاختلافَ والتناقضَ، أو تأويلُ ما يعودُ على المحكمِ بالنفي؛ من نوعِ تشبيه يعودُ بنقض أوَّلِ الآية، فهذا صاحبُه زائغٌ، وقولُه: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 7] يعني- واللهُ أعلمُ-: لا يعلم كُنْهَ ما تحتَ هذهِ الإضافاتِ، إلا مَن وصفَ نفسَه بها تارةً، وأضافها إليه أخرى، كما قال سبحانه: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ} [الأعراف: 153] ينتظرون معنى ما سمعوا من البعثِ والحسابِ والمجازاةِ، {يوم يأتي تأويلُه} [الأعراف: 153] ينكشف وعدُ اللهِ ووعيدُهُ، بالمعنى الذي أَخْبَرَتْ به الأنبياءُ صلواتُ الله عليهم، {يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ} [الأعراف: 153] يعني: تركوهُ مِن قبلُ: {قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف: 53]، فالتأويلُ المضافُ إلى اللهِ سبحانه: المعاني التي تحتَ هذه الألفاظ، ولا يَعلمُ ذلك إلا اللهُ.
{وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران: 7] الثابتون على صحةِ
(4/13)

المعتقدِ {يَقُولُونَ آمَنَّا} صدَّقنا {بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا}، يعنونَ: المحكمَ الذي نَفى التشبيهَ، وهذا المتشابهَ الذي يوهمُ التشبيهَ، هما جميعاً من عندِ الله، فنحن نؤمِنُ بأنَّه ليسَ بحيث يتناقضُ كلامُه، ولا يكون المتردِّدُ قاضياً على النصِّ غيرِ المتردد، بل هذا من مثل (1) ذاك، واللهُ سبحانه لا تناقضَ في كلامِه، ولا تفاوتَ في خلقِه، فلم يبقَ إلا أنَّ لهذا المتشابه معنى هو العالمُ به، المستأثِرُ بعلمِه، فَحَدُّنا إذا لم نصِلْ إليه، أن نستطرحَ التسليمَ والتصديقَ، وكذلك يجبُ في كلِّ مشتبهٍ من أفعالِه يعطي ما لا يليقُ به، أَنْ يُحملَ على ما يليقُ من إِحْكامِ فعلِهِ الذي لا تفاوتَ فيه.
وكذلكَ في الفروع: إذا جاءتْ آيةٌ (2) مجمعٌ على حكمِها، وآيةٌ مختلف فيها، سُقنا المختلفَ فيه إلى المتفقِ عليه، مثلُ قوله: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45]، فهذا (3) يعطي المساواةَ، فإذا قال: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل 126]، ورأينا أنَّ طلبَ المماثلةِ في الصورةِ يخرجُ عن المساواةِ، بأن تقطعَ يَدُهُ فلا يموتُ، كما ماتَ مَن قَتَلَه بقطعِ يدِه، احتجنا أن نعودَ، فنضربَ عنقَه، فيفضي بنا طلبُ المماثلةِ في صورةِ الفعل إلى الزيادةِ على المثل، والخروجِ على المقاصَّةِ، فحملناهُ على إزهاقِ النفس دون مماثلةِ الصورةِ، ليحرسَ المعنى الذي هو الأصلُ -وهو المساواةُ-، وإذا ثبتَ ذلك، كان هذا أشبهَ ممن حملَ المحكمَ على النَّاسِخ، والمتشابِهَ على المنسوخ، وعلى الحروفِ المقطَّعةِ، ولأنَّ
__________
(1) في الأصل: "عند".
(2) في الأصل: "أنه".
(3) في الأصل: "هذا".
(4/14)

الناسخَ من الكتابِ، والمنسوخَ، والحروفَ لا يُفضي الخلافُ فيها، والتأويلُ لها -وإن أخطأ المتأوِّلُ- إلى تسميةِ خطئِه زيغاً في قلبِه، ولا فساداً في عَقْلِه، وما يدخلُ تحتَه ما يجوزُ على اللهِ وما لا يجوزُ، وما يجبُ له من الوصفِ، يدخلُه الزيغُ والانحرافُ بالخطأ، ويحسنُ فيه التسليمُ والإيمانُ عند الإحجامِ عن التأويلِ خوفَ مساكنةِ التعطيلِ أو التشبيهِ، وكذلك المجمعُ على معناه مع المختلفِ فيه، فإنه متى زال الاجتهادُ عن موافقةِ الإجماعِ، كان زيغاً وضلالاً.
ومنها: أنَّ المتشابِهَ لو كان المرادُ به المنسوخَ، لما وقع على القصصِ، وقد سمَّى اللهُ تَثَنِّي (2) القصص: متشابهاً، فقال: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ} [الزمر: 23]، ومعلومٌ أنَّ القصصَ تشابهتْ وتماثلتْ وتَثَنَّتْ (3).
فإن كانَ إيقاعُ الاسم عليها حقيقةً، عُلِمَ أنَّ المتشابِهَ موضوعٌ لما ذكرناه من التردُّدِ والتماثلِ الموجبِ للاشتباهِ.
وإن كان مستعاراً في القصصِ المُتَثَنِّيةِ، فلا يستعارُ الشيءُ إلا من أصلٍ يقاربُه نوعَ مقاربةٍ، كما يستعارُ للرجلِ السخيِّ والعالِم: بَحْرٌ، وللبليدِ: حمارٌ، فلا مدخلَ للمنسوخِ في هذا النوع، ولا هو من بابه، لأن المنسوخَ هو المرفوعُ المزايل، من قولهم: نسختِ الشمسُ الظَلَّ، والرياح الآثارَ.
فإن قيلَ: بل في المنسوخِ نوعُ اشتباهٍ وقعَ لجماعةٍ من العقلاءِ
__________
(2) أي: تكرارها وإعادتها.
(3) في الأصل: "وثبتت".
(4/15)

وهو البداء (1)، حتى إنَهم نفَوا عن اللهِ سبحانه جوازَ النسخِ، وقالَ الباقون بمصلحةٍ بحسب الزمان، وقال قوم: بحكم من الله، لا بمصلحةٍ، ولا بَدَاءٍ. وكلُّ خلافٍ واشتباهٍ حصلَ في الإضافاتِ الموهمةِ للتشبيهِ من (2) ذكرِ يدٍ وعينٍ ومجيءٍ وإتْيانٍ، حصلَ في آياتِ النسخ مثله.
قيلَ: لا اشتباهَ في نطقِ الناسخِ ولا المنسوخِ؛ لأنهما نصَّان، وإنما حصلَ الاشتباهُ في علةِ ذلك وتَقابُلِ (3) الآراءِ فيهِ دون (4) النطقِ، فإنه لا يحصلُ إلاّ بنصَّين (5) لا يمكن الجمعُ بينهما.
ومنها: أنَّ النسخَ لا يقعُ إلا بنصٍّ لا يمكن معهُ الجمعُ بينه وبين المنسوخ، ولا (6) اشتباهَ فيه، ومتى لم يَرْتقِ إلى رتبةِ النصِّ الذي لا احتمالَ فيه، فلا نَسخَ، والاشْتِباه (7)، إنما يليق بما ذكرنا من المتردِّدِ المحتَمل.

فصلٌ
في شبهةِ المخالفِ لنفي المتشابِه الذي لا يُعلَمُ تأويلُه، ولا يُعلمُ
__________
(1) البداء: هو أن يظهر ويبدو للمرء أمرٌ لم يكن عالماً به. وتقدم تعريفه في 1/ 212.
(2) في الأصل: "في"
(3) في الأصل: "ومقابل".
(4) في الأصل: "دو".
(5) في الأصل: "بنص".
(6) في الأصل: "فلا".
(7) في الأصل: "ولا اشتباه".
(4/16)

المرادُ به.
قولُه تعالى: {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل:89]، وهذا يُعطي: أنَّه يُبَيِّنُ سائرَ ما يدخلُ تحتَ التكليفِ من الأفعالِ، والتُّروكِ (1)، والاعتقاداتِ، فلا يجوزُ أن يكونَ منه ما لا يُعْلَمُ معناهُ وحكمُهُ، لأنه يكونُ فيِ نفسِه غير مبيَّن، فكيف يكون مبيناً (2) لغيرِه؟ وكيفَ يجوزُ أن يكون كلامُ اللهِ غيرَ مفيدٍ!؟
ومنها: أنَّه لو كان في الكتابِ ما لا يعلمُه إلاَّ الله، لكانَ كونُه عند الله لم ينزلْه إلينا [أولى] (3)، فإنَّ ما لا يُعْلَمُ وأما، (3) لم يُنْزَلْ سواء، وكلامُ البارىء يدلُّ على إبطالِ هذا المذهب، وهو أنه قالَ: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4]، وقال: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} [فصلت: 44]، وهل الأعجميُّ الذي نفاه عن كتابِه إلا ما لا يُعْلَمُ؛ وإذا ثبتَ هذا، بطلَ دعوى متشابِهٍ (4) في كتابِ الله لا يعلمُه سوى الله، ومقالةُ من ذهبَ إلى أنَّ العلماءَ يعلمونَ معناهُ وتأويلَه، أقربُ من هذه المقالة، لأنَّه إذا كان لنا علماءُ يعلمونَ معناهُ، وأُخذ عليهم أن لا يكتموه (5)، استفيدَ بيانُه منهم، فتحصلُ الفائدةُ ببيانِهم.
__________
(1) في الأصل: "المتروك".
(2) في الأصل: "مبين".
(3) ليست في الأصل.
(4) هنا محذوف تقديره: "وجود" متشابه.
(5) في الأصل: "يكتمونه".
(4/17)

ومنها: أن ما ذَهَبْتُم إليه يُفضي إلى الإضْرارِ والتضليلِ في تنزيل (1) الآيات، إذ لا حُكْمَ فيها يوجبُ عملاً ولا تركاً، وظاهرُها يوهمُ التشبيهَ، والقرآنُ إنما نزل لبيانِ الأحكامِ، وإيضاحِ ما يهدي إلى الحقِّ من معالمِ الإيمانِ، وإذا لم يَجُزْ ذلك لما ذكرنا، لم يبقَ إلا أنَّ المحكمَ ما ثبتَ حكمُه، والمتشابهَ ما نُسِخَ حكمُه.

فصل
في الأجوبة
أمَّا قولُهم: {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ}، فهو عمومٌ نَخُصه على ما بيَّنَهُ بالتفسير، وليس هذا أوَّلَ عمومٍ خُصَّ، قال سبحانَه: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} [الأحقاف: 25]، وأبانَ بأدلة التخصيص من الكتابِ تارةً، ومن دليل العقل أخرى، أنه أرادَ بعضَ الأشياء، وهو الآيُ المتضمِّن للأحكامِ فعلاً وتركاً، فأمَّا مالا يوجبُ عملاً ولا تركاً، فلا.
وأمَّا قولُكم: مع كونِه داخلاً تَحْتَ التكليف، فلعمري لكن تكليفَنا في المتشابه لا يحتاجُ إلى البيانِ، لأنَّهُ لم يُكَلًّفْنا علمَه ولا العملَ به، لكن كلَّفناَ الإيمانَ به، والتسليمَ لما تحتَه من المعنى، ورد الأمرِ إلى عالمِه، كما كلَّفنا الإيمانَ بالبعثِ ولم يُطْلعنا على وقتِه، والروح خلقَها (2) وكَتَمَناها، حتى قالَ: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85)} [الإسراء: 85]، وكذلك الحروفُ التي في
__________
(1) في الأصل: "تنزال".
(2) في الأصل "خلقه".
(4/18)

أوائلِ السورِ، لا (1) نعلمُ معناها بل تسمعُ سماعاً، ونؤمنُ بأنها منزَّلةٌ من اللهِ سبحانه، وذلك قدرُ تكليفِنا فيها، فنؤمنُ بالتلاوةِ، ونكلُ المعنى إلى المتكلِّم بها.
وأمَّا قولُكم: إنَّ ما لا يُعْلَمُ كما لم يُنْزَلْ، فليس (2) بصحيح، لأن ما لم يُنْزَلْ إلينا لا تكليفَ فيه يَحصُلُ به الثوابُ، وفي هذا تكليفٌ هو الإيمانُ به والتسليمُ للهِ في إنزالِه، وردُّ المتشابِه المتردِّدِ إلى المُحكَمِ المنصوصِ الذي لا احتمالَ فيه ولا تَرَدُّدَ، وهذا نوعُ تكليفٍ بخلافِ ما لم يُنْزَلْ، لكن وِزانُه ممَّا لم ينزلْ، ما أخبرنا بكونه عنده في كتاب مسطورٍ بجميع ما قدَّره في خلقِه وقضاهُ عليهم، فإنَّ لنا فيه نوعَ تكليفٍ، وهو التصديقُ بسبقِ المقاديرِ، وتسطيرِ الاَجال والأرزاقِ، فذاك أمرٌ لم يُنْزَلْ، وقد كَلَّفنا الإيمانَ بهِ حيث أعْلمنا به.
وجميعُ ما أَحْبرنا به من البيان بلسانِ الرُّسلِ، فإنَّما أرادَ به ما كلَّفناه من الأحكام، وكما أنَّه بين الأحكامَ باللسانِ لتُتَّبَعَ ويُعملَ بها، بيَّن ما يجبُ الإيمانُ به جملة من غيرِ تفسيرٍ ولا تفصيلٍ، لنؤمِنَ بها ونسلمَها.
وقولُكم: إنَّ القائلينَ بمشاركةِ العلماءِ في العلمِ به (3) وبتأويله أقربُ، لأنَّ العلماءَ يبيِّنون لغير العلماء، فلا يبقى في الكلامِ خفاءٌ، ولا جهلٌ بمعنى، فالمقالتان جميعاً مُفيدَتان، لأنَّ المُتأوِّلَ يثابُ على استخراجِ التأويلِ على وجهٍ يوافقُ الحكمَ، والمسَلِّمَ بإيمانِه للمعنى لله سبحانه المستأثرِ بعلمِه مثابٌ على ردِّ المتشابِه إلى من صدرَ عنه
__________
(1) في الأصل: "ولا".
(2) في الأصل: "ليس".
(3) في الأصل: "أنه".
(4/19)

المحكمُ، ونفي التشبيهِ الذي أوجَبه نصُّ الكتابِ ودليلُ العقلِ.
وأمَّا كونُه (1) سبحانه لم يجعلْه أعجمياً، عادَ إلى ما فيه [من] (2) أحكام يجبُ العملُ بها، والمتشابِهُ وإن لم يُعْلَمْ معناه، فغيرُ (3) المجملِ الذي ما أخلاهُ من تفسيرٍ، والذي لم يفسره، ولا أقدَرَهم على تأويلِه، لم يكلِّفْ فيه [إلا] (2) الإيمان به جملةً، والتسليمَ للهِ سبحانَه في انفرادِه بعلمِ التأويلِ.
وأما قولُهم: إنَّه إذا لم يُبَيِّنْ معناهُ، أدَّى إلى إيهامِ التشبيهِ، وتعريضِ المكلفينَ للتضليلِ، فليس بصحيحٍ، لأنَّ تقديمه للمحكمِ، كالبيان للمتشابه، وما ذُكِرَ في أدلةِ العقول أيضاً من نفي التشبيه بيانٌ آخَرُ، فلا (4) وجهَ لدخولِ التضليلِ إلاَّ على من أَهملَ النظرَ ولم يُحَقِّقْه، فالمنصوصُ قولُه سبحانَه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، فلا يبقى بعد هذه اللفظة مساغٌ للتشبيه فيما (5) جاءَنا في متشابِه الآيات من قوله: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص:75]، {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}
[طه:39]، ولِمَا ثبت في العقلِ من أن المِثلَ يجوزُ عليه ما يجوزُ على مثلِه، فلا يجوزُ أن يُشْبِهه شيءٌ من خلقِه، لاستحالةِ الحوادثِ عليه سبحانَه، واستحالةِ ما يتطرقُ عليه، فوَكَلَ المشتبهَ من الآياتِ إلى الدلائِل المنصوصةِ والمعقولةِ.
وإذا وردَ في القرآن: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ} [الفجر: 22]
__________
(1) في الأصل: "وآمنا به".
(2) ليست في الأصل.
(3) تحرفت في الأصل إلى: "مفيد".
(4) في الأصل: "لا".
(5) في الأصل: "فما".
(4/20)

{يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [هود: 105]، فأوهم أنَّه يزولُ وينتقلُ، أزالَ هذا التوهُّمَ عن المجيء المضافِ إليه، والإتيانِ الواقعِ عليه: قولُه سبحانه: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75)} [الأنعام: 75]، {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي} الى قوله {فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام: 76]، فأبان عن الأفولِ، وهو الغروبُ بعد الطلوع: أنه يخرجُ عن صفةِ القِدَمِ والإلهية (1)، وقامَ دليلُ العقلِ: أنَّ [من] (2) يتحركُ وينتقلُ، وخارجٌ من حالٍ إلى حال، محدَثٌ.
وأزال الإشكالَ في ذكرِ خلقِ آدم باليدين بقولِه: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59)} [آل عمران: 59]، فجمعَ بين آدمَ وعيسى في كونهما "بِكُنْ"، فقد بانَ مرادُه بذكرِ اليدين، فلا يبقى للتضليلِ بهذا اللفظِ وجهٌ، ولا يضِلُّ على اللهِ مع دلائِل كتابِه، والعقولِ التي مَنَحَها (3) لخلقِه، إلا ضالٌّ عانَدَ أدلَّةَ اللهِ في أمرِه ونهيِه، وتجاهَلَ مع إمكانِ علمِه.
ولئن جازَ أو وَجَبَ (4) أن يُنفَى عن اللهِ سبحانَه ما هذا سبيلُه، من حيثُ أورثَ شبهةً، جاز أن يُنفى عن اللهِ، بل يجبُ أن يُنْفَى عنه من الأفعالِ: إيلامُ الأطفالِ، ومنعُ القَطْرِ مع قدرتِه عليه، وحاجةِ الخلقِ إليه، وإباحةُ ذبحِ الحيوانِ البَهِيم، والاصطيادِ له من أَوْكارِه، ومشارعِ
__________
(1) في الأصل: "الاهية".
(2) ساقطة من الأصل.
(3) في الأصل: "نتجها".
(4) في الأصل: "أوجب".
(4/21)

مياهه (1)، وتفريقِ ما بينه وبينَ المَزْقوقِ (2) من فراخِه، والمُرْضَع من سخالِه، إلى أشباهِ ذلك وأمثالِه من تسليطِ الآلامِ والأمراضِ والأَسقامِ على سائرِ الحيوان، فإنَّ ذلك قد أدَّى إلى التضليلِ طلباً لتبرئةِ اللهِ عن الظلم:
فهذا يقولُ بالتناسخ، لتقعَ الآلامُ جَزاءً لا ابتداءً.
وطائفةٌ جعلت الآلامَ، وجميعَ المضارِّ، والمُضرَّاتِ من الحيوانِ، كالسِّباع والحيَّاتِ، من فاعلٍ شريرٍ، وهي الظلمةُ.
وقومٌ جعلوها (3) من إبليس، فنَفوا التوحيدَ؛ لاختلافِ الأفعال وتضادِّها.
وقومٌ أثبتوا تكليفَ البهيمِ، وجعلوا لكل نوعٍ رسولاً من نوعِه.
وتفرقت الأقاويلُ بأنواعِ الضلالِ والتضليلِ.
ولكن حسُنَ ذلكَ ولم يكن تضليلاً، لمَّا نَصَبَ اللهُ سبحانه من
الدلائِل على حكمتِه، بما ظهر للعامي، وبطَنَ لخواصِّ العلماءِ من
حكمتِه، بإحكامِ صنعته، وإتقانِ خلقِه، كما قال سبحانه: {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)} [الذاريات: 20 - 21]، وقوله: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ
__________
(1) في الأصل: "مياهيه".
(2) هو الطائر الصغير الذي يعتمد على إطعام أُمِّه له، من الفعل زقَّ، والزقُّ: إطعام الطائرِ فرخَهُ. "القاموس": (زق)، وقد وقع في الأصل: "الزواق".
(3) في الأصل: "جعلها".
(4/22)

السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [البقرة: 164]، وعدَّدَ أمثالَ ذلك من اَياتِه، ثم قالَ: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}
[النحل: 12]، و {يَعْلَمُونَ} (1)، و {يَتَفَكَّرُونَ} [الرعد: 3]، فكانَ ما أحكمَ وأتقنَ من أفعالِه، موجِباً لردِّ ما اشتبهَ منها إلى ما ثبتَ من حكمتِه سبحانَه بإتقانِ صنائِعه، فإنهُ يَبتلي، ويمتحنُ بمثلِ خُوارِ العجلِ، وكلامِ الشيطانِ في بطنِ الصنمِ، وإظهارِ الأمورِ الجاريةِ على يدي الدجالِ، وإلقاءِ السحرِ والكهانةِ؛ بتمكينِ هؤلاءِ بما يلقيهِ إليهم الشيطانُ، ويمكِّنُ السحرةَ من الإيهامِ بالسحرِ الذي ألقاهُ إليهم هاروتُ وماروتُ، فهذا المشتبهُ من الأمورِ، أوجبَ تنكُّبَه، وإسقاط حكمِه: ما ظهرَ من الإعجازِ الذي كان حقيقةً لا تَخييلاً، فكانَ ما ظهرَ من السحرِ والكهانةِ كالشبهاتِ المُخيِّلةِ، وما ظهرَ من المعجزاتِ حُجَجاً محقَّقةً، قال سبحانه: {أَلمْ يَرَوْا أنَّه لا يُكَلِّمُهم} [الأعراف: 148]، وقال في عيسى حيثُ ادّعوه ودعوهُ إلها: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ} [المائدة: 75] وهذا إشارة إلى حصولِ قِوامِه بغيرِه، وحاجتِه في البقاءِ إلى قوامٍ، والإله من قامتْ الأشياءُ بقدرتِه.
وقالَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في الأسودِ العَنْسي (2) لما قيلَ له: إنه يتكلمُ بالأمرِ
__________
(1) ليس في كتاب الله آية بهذا السياق، وإنما فيه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [النمل: 52].
(2) هو عَبْهلة بن كعب بن عوف العَنْسي المَذْحجِي، ذو الخمار، أسلم لما أسلمت اليمن، ثم ارتد، فكان أول مرتد في الإسلام، قتله فيروز الديْلَمي في السنة الحادية عشرة للهجرة قبل وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بيوم. "المنتظم" 4/ 18، و"البداية والنهاية" 9/ 429.
(4/23)

من قَبْلِ كونه، فقال: "إنَّ له شيطاناً، وإنه إذا شُكِّكَ شَك"، فمضى إليه فيروزُ الدَّيلمي (1)، فشَكَّكَه فشَك، وقصفَ عنقَه (2).
فالتكليفُ في ذلكَ ردُّ ما أشكلَ إلى ما لا يشكلُ، فما أخلى اللهُ سبحانَه شبهةً من حلٍّ، وقد أزاحَ العللَ في حلِّها، بما آتانا من القدرةِ على التأملِ والنظرِ، فَمَن (3) صَدَقَ الله سبحانه في بذلِ ما آتاهُ من النظرِ في دلائلِ العبرِ، قَمَعَ الشُبَهَ بالحُجَجِ، وكَشَفَ عن عوارِ البدع بواضح السنَن، ورَدَّ المشتبهِ من الألفاظِ إلى المحكَمِ منها، والمَشْتَبهَ منَ الأفعالِ إلى المُتقَنِ منها.
فصارت الأدلةُ التي توجِب حملَ المشتبهِ على المُحكَمِ، كالتفسيرِ للمُجْمَل.
__________
(1) فيروز الدَّيْلَمي أبو الضحاك، اليماني الحِمْيَري، الفارسي الأصل، وفد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم رجع إلى اليمن، وهو الذي قتل الأسود العَنْسِي الكذاب، توفي سنة (53) ه.
"الإصابة" 3/ 210، و"الأعلام" 5/ 371.
(2) الحديث بهذا النصِّ لم نجده فيما بين أيدينا من كتب الحديث والسير، وقصة قتل فيروز الديلمي للأسود العنسي، أوردها البيهقي في كتاب "دلائل النبوة" 5/ 335.
وأخرج البخاري (4379) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ذُكِر لي أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "بينا أنا نائم أريتُ أنه وُضعَ في يدي سواران من ذهب، فَفُظِعْتُهما وكرهتُهما، فأُذنَ لي، فنفختهما فطارا، فأوَّلْتُهما كذابينِ يخرجان" فقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، راويه عن ابن عباس: أحدهما: العنسي الذي قتله فيروز باليمن، والآخر: مسيلمة الكذَّاب.
(3) في الأصل: "في".
(4/24)

فإن قيل: فما الفائدةُ في ذلك؟
قيل: الفائدةُ التي تحصَّلتْ، بالتكاليفِ كلِّها؛ في الأبدان بما يشقُّ من الأعمالِ، وفي الأموالِ بما تبخلُ به النفوسُ، وتَضِنُّ (1) به الطِّباعُ، كما قالَ سبحانه: {وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} [المائدة: 48]، هو ما (2) يَعْقُبُ ذلك من الثوابِ، وهذا أعظمُ التكليفين، لأنَّ أعمالَ القلوبِ أشدُّ من أعمال الأبدانِ، لأنَّها أشرفُ، وعليها مدارُ الأعمالِ.
ومن فوائدِه (3): ظهورُمقاديرِ الرِّجالِ في التأويل [لأَمر] (4) اللهِ، أو التسليمِ لأمرِ الله، ليجازيَ كلاًّ بحسبِ عملِه واجتهادِه.
وما (5) قولُ القائل: ما الفائدةُ في شَوْب (6) كتابِه بالمتشابِه، وقد كان يمكنُ أن يكونَ كلُه محكماً؟ مع تجويزِه واعتقادِه حُسْنَ التكليف، إلا بمثابة من قال: لماذا خَلقَ القُلْفَة، وكَلفَ الخِتانَ، وقد كان في الإمكانِ خلقُ الحشَفةِ مكشوفةً بلا جلدةٍ، أو خلقُ الجلدةِ مقلَّصةً غير مسبلةٍ؟ ولماذا خلقَ الخلقَ وكلَّفهم ما يشُقُّ، وفي الإمكان أن يبدأهم بالتفضلِ بالجنَّةِ، كما [فعل] (4) بآدم ابتداء؟ ولمَّا خلقَ آدَمَ، لماذا كلَّفَه تركَ شجرةٍ حتى أكلَها، فقطعَ نعيمَه بالإهباطِ؟ وهذا أمرٌ يتَسَلْسَلُ، فكلُّ عذرٍ لهذا القائِل بِحُسْنِ التكليفِ، وتأويل
__________
(1) في الأصل: "ونظن".
(2) في الأصل: "وما".
(3) يعني: فوائد وجود المتشابه في آي القرآن.
(4) ليست في الأصل.
(5) في الأصل: "وأما".
(6) الشَّوب: هو الخلط "القاموس": (شوب).
(4/25)

يقيمُه لأمرِ اللهِ، أو تسليمٍ لأمرِ الله إن عجزَ عن التأويلِ، يجبُ أن يستعملَه في إبقاءِ (1) بابِ المتشابِه من الكلام خلال المحكَم، فالنَّاسُ قائلان:
قائلٌ قال بالمصالح، ولا شكَّ أنهُ يجوزُ أن يكونَ في طَيِّ هذا مصلحة.
وقائل يقول بالمشيئةِ المطلقةِ، فيكون ذلكَ بمشيئته المطلقة. فلا وجهَ لإنكارِه على كلا المذهبين، لا سيَّما وهو الذي مكَّنَ الشيطانَ من الإلقاءِ في تلاوةِ الأنبياءِ، فجعلَ ما يلقي الشيطانُ فتنة ضلَّ بها الكفارُ، وتأوَّلها الأبرار، وقال: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ} [الإسراء: 60] , وأراه دخول مكةَ، والتسلُط على أهلِها (2) فصُدَّ عن البيتِ، وصالحَ على ذلك الأمر الذي ظهرتْ فيه استطالةُ المشركين، من محو اسمِه من الرسالةِ في المقاضاةِ (3)، وَرَدِّ من جاءَهُ مؤمناً،
__________
(1) في الأصل: "إلقاء".
(2) يريد بذلك الإشارةَ إلى الرؤيا التي أخبرَ الله تعالى عنها بقوله: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ ..} [الفتح: 27].
(3) ورد هذا في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كتبَ عليّ بن أبي طالب الصلح بينَ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبين المشركين يوم الحديبية، فكتب: هذا ما كاتبَ عليه محما رسول الله، فقالوا: لا تكتبْ رسولَ الله، فلو نعلَمُ أنَّكَ رسولُ اللهِ لم نقاتلك، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لعلي: "امحُهُ" فقال: ما أنا بالذي أمحاه، فمحاهُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بيده. =
(4/26)

فرَدَّ (1) أبا جندل (2)، ورجعَ ذلك العام، حتى قال من قال، وشَكَّ من شكَّ، واحتجَّ من احتجَّ عليه: أليس قد قال: "لتدخلُنَّ"؟ حتى قالَ: "أقُلتُ العامَ؟ والله لتدخلنَّ (3) ".
فهذهِ المقاضاةُ من الامتحانِ والافتتانِ، صَدَرتْ (4) عن اللهِ فعلاً، فكيف يُنْفَى عن كتابِه المتشابهُ الموهمُ للتشبيهِ وغيرِه، ولا يجوزُ عليه؟ وقد بيَّنا جوازَ أمثالِه، لَيُظهرَ اللهُ مَحَلَّ المتأولين، كقولِ أبي
__________
= أخرجه البخاري (2698)، ومسلم (1783)، وأبو داود (1832).
(1) في الأصل: "ورد".
(2) خبرُ ردِّ أبي جندل بن سُهيل بن عمرو إلى المشركين في صلحِ الحديبية، أخرجه ابن إسحاق كما في "سيرة ابن هشام" 2/ 318، والبخاري (2731) و (2732)، وأحمد 4/ 330، وذكره ابن كثير: 3/ 321، ومما جاء فيه: أنه بينما هم يكتبون إذ دخلَ أبو جندل يَرْسُفَ في قيودِه، وقد خرجَ من أسفلِ الكعبة حتى رمى بنفسه بينَ أظهر المسلمين، فقال سهيلٌ: هذا يا محمد أوّلُ ما أُقاضيك عليه أن تردَّه، وكان قد جاء في بنودِ الصلح: أنَّه من أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسلماً بغير إذنِ وليه من قريش، فعلى الرسول أن يردَه، ومن أتى قريشاً ممَّن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لم يردوه عليه.
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنا لم نقضِ الكتابَ بعد"، قال: فوالله إذاً لم أُصالحك على شيء أبداً، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "فأجِزْه لي"، قال: ما أنا بمُجِيزِهِ لك، قال: "بلى فافعل" قال: ما أنا بفاعل، ورُدَّ أبو جندل إلى المشركين.
وعند ابن هشام وابن كثير: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: "يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعلٌ لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً، إنّا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً، وأعطيناهم على ذلك، وأعطونا عهدَ الله، وانَا لا نغدرُ بهم".
(3) انظر المصادر السابقة ففيها خبر الحديبية مفصّلاً.
(4) في الأصل: "صدت".
(4/27)

بكر: أفقال لكم العام؟ لَمَّا شَكُّوا في عمرةِ القضاءِ، وعَصوا عليهِ، لَمَّا أمرَهم بنَحرِ هديِهم (1) وتسليمَ من يُسَلِّمُ لأمرِه إن عجزَ عن التأويلِ لقولِه وفعلِه، فهذا أَمرٌ لا يُنكرُه من دخلَ معنا في حسنِ التكليفِ، ووافَقنا في صُدور (2) هذه الأمورِ المشتبهةِ عن اللهِ سبحانه، فانْسَبَكَ من هذا الكلامِ: أنه إذا جازَ أن تصدرَ عنه الأفعالُ المشتبهةُ التي افتتنَ بها كثيرٌ من الناس، إما اعتماداً على إيجاب التسليم لأمرِه، لأنهُ أهلٌ أن يُسلَّمَ لهُ لِما وَضَحَ من حكمتِه، أوَ اعتماداً على استخراج التأويلِ له بغايةِ الجهدِ ومبلغِ الوسعِ، فلا يبقى [بعد] (3) ذلك ضلالٌ من جهةِ التشابهِ في الأفعالِ والأقوالِ، وإنَّما يُدْهَى المكلفُ من قبل الإغفالِ والإهمالِ لِما يجبُ عليه من الاجتهادِ الذي بَيَّنَّاهُ، ولهذا حسُن العتبُ، ووقعَ التوبيخُ موقعَه، إذ لو لم يكنْ في القوى ما يدفعُ الشبهَ، لما قال سبحانه: {أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ} [الأعراف: 148]، ولما قال: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ}
__________
(1) حدثَ ذلك بعد إبرام الكتاب مع قريش، حيث قام رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لأصحابه: "قوموا فانحروا، ثم احلقوا" فما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاثَ مرات، فلما لم يقم منهم أحد، دخل على أمِّ سلمة، فذكر لها ما لقيَ من النَّاس، فقالت أُمُّ سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج، ثمَّ لا تكلِّم أحداً منهم كلمة حتى تنحرَ بُدنك، وتدعو حالقَك فيحلقك، فخرج فلم يكلِّم أحداً منهم حتى فعل ذلك: نحرَ بدنه، ودعا حالقه، فلما رأوا ذلك، قاموا فنحروا، وجعلَ بعضُهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غمَّاً.
أخرجه ابن إسحاق كما في "سيرة ابن هشام" 8/ 312 والبخاري (2731) و (2732)، وأحمد 4/ 331، وذكره ابن كثير 3/ 322.
(2) في الأصل: "صدر".
(3) ليست في الأصل.
(4/28)

[الصافات: 95]، فهذا غايةُ التوبيخِ للعاقلِ، أتعبدُ ما صنعتَ؟ وإنَّما مقتضى العقل أن تستعبدَ ما صنعتَ.
ولولا هذه الأمورُ الشاقَّةُ في استخراجِ التأويلِ، وتكلُّفِ التسليمِ، لما حصلَ الثوابُ، فتعريضُهم للثواب، وإظهارُ جواهِرهم في إمعانِ النظرِ، واستخراجِ الحقِّ من الباطلِ، وردِّ المتشابِه إلى المحكمِ، من الأعمالِ الشاقَّةِ، على القلوبِ كأعمالِ الأركانِ (1) الشاقّةِ على الأبدانِ (2).
وما كان ذلك قبيحاً ولا منكراً، بل أجمعنا على تجويزِه، كذلك كونُ الاشتباهِ الحاصلِ في الكتابِ صادراً عمَّن صدرَ عنه المحكمُ، ولا فرق.

فصل
في القرآن مجازاتٌ واستعاراتٌ (3)
وبه قالَ أكثرُ الفقهاءِ والأصوليين (4)، خلافاً لبعضِ أهلِ الظاهرِ، وبعضِ الشيعةِ، وبعضِ أصحابنا: ليس في القرآن إلا الحقيقة (5)،
__________
(1) في الأصل: "الأبدان".
(2) في الأصل: "الأركان".
(3) انظر هذا في "العدة" 2/ 695، و"التمهيد" 2/ 265، و"المسوَّدة" (164)، و"شرح مختصر الروضة" 1/ 532، و"شرح الكوكب المنير" 1/ 191، و"البحر المحيط" 2/ 182، و"المستصفى" 1/ 105، و"الفصول في الأصول" 1/ 359، و"الإبهاج" 1/ 176.
(4) في الأصل: "والأصوليون".
(5) وهي رواية عن الإمام أحمد، كما في "العدة" 2/ 697، وانظر ما تقدم =
(4/29)

والحاكي ذلك عن أصحابِنا أبو الحسن التميمي.

فصلٌ
في دلائِلنا على ذلك
في كتابِ اللهِ [ما] (1) يغني عن الدلالةِ عليه، وقد جَمع القرآنُ أقسامَ المجازِ:
فمنها: الزيادةُ التي إذا حُذفت، استقلَّ الكلامُ، كقولهِ تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، فإذا (2) حذفت الكاف، استقل المعنى، وهو أنه يبقى: ليس مثلَه شيءٌ، وإذا كانت بحالِها، اقتضى أن يكونَ له مثل، وليس لمثلِه شبهٌ ولا مثل، ولا بدَّ من حذفِه لحصول المعنى المقصود بالنفي.
ومنها: النقصان، مثل قوله: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ} [البقرة: 93]، وانَّما هو حُبُّ العجل، فحذف الحُبَّ، وذكرَ العجلَ، وذاتُ العجلِ لم تُشربْ في قلوبِهم، ولا يتصور ذلك.
وكذلك قولُه في عيسى: {قَوْلَ الْحَقِّ} [مريم: 34]، {وَكَلِمَتُهُ} [النساء: 171]، والمرادُ به: الكائنُ بكلمةِ اللهِ، يشهد لذلك قولُه تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59)} [آل عمران: 59].
__________
= في الجزء الثاني، الصفحة 386.
(1) ليست في الأصل.
(2) في الأصل: "وإذا".
(4/30)

وقوله: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197]، ومعلومٌ [أنَّ] (1) الحجَّ أفعالٌ مخصوصةٌ، والأشهرُ ظرفُ زمانِه، كما أنَّ الأمكنةَ ظروفُ مكانِه فعبَّرَ عن الظرف بالمظروفِ، وهذا استعار واتساعٌ.
وقوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ} [يوسف: 82]، وإنما المرادُ بهِ: سؤالُ أهلِها، إذ لا يحسنُ إحالةُ السؤالِ على الجمادِ والبهائمِ، ولو سُئِلتْ، فليستْ (2) مِمَّا يجيبُ عن السؤال.

فصلٌ
في أسئِلتهم
وقد تكلَّفوا غايةَ التكلفِ (3)، وتعسَّفوا غايةَ التَّعسُّفِ (4) في بيان أنهُ حقيقةٌ:
فمن ذلك: قولُهم: إنَّ القريةَ هي مجمعُ الناس، مأخوذٌ من قرأتُ الماءَ في الحوضِ، وما قرأَتِ الناقةُ في رَحِمِهاَ سلىً (5) قطّ، وقرأتُ الطعام في فيَّ، وقالوا في المعروفِ بالضيافةِ: مُقري، ويقري؛
__________
(1) ليست في الأصل.
(2) في الأصل: "بليست".
(3) في الأصل: "التكليف".
(4) في الأصل: "التعسيف".
(5) السَّلى: الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد، وتسمَّى للاَدميات المشيمة، "اللسان": (سلا).
(4/31)

لاجتماع الأضيافِ عندَه، وسُمِّيَ القُرآنُ والقِراءةُ بذلك، لكونه مجمعَ كلام، فكذلك حقيقةُ الاجتماع (1)، إنما هو الناسُ دون الجدار، فما أراد إلا مجمعَ الناس وهو في نفسه حقيقةُ القرية، يوضِّح ذلك: قولُه تعالى: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا} [الكهف: 59]، وقوله: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا} [الطلاق: 8]، وهذا يرجعُ إلى المجمع (2) من الناس دونَ الجدرانِ، والعِيرُ اسم للقافلةِ.
قالوا: ولأنَّ الأبنيةَ والحميرَ إذا أرادَ اللهُ نطقَها، أنطقَها، وزمن النبواتِ وقتٌ لخرقِ العاداتِ، ولو سأَلها، لأجابتْه عن حالهم معجزةً له أو كرامةً.
وقوله: {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ} [مريم: 34]، إنَّما أراد (3) بقولِه: {قَوْلَ الْحَقِّ}: اسمَه ونسبتَه إلى أمِّه، وذلك حقيقةُ قول الله، وقد قال صاحبكم أحمد: الله هو الله، يعني الاسم هو المسمى (4).
وقوله: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ} [البقرة:93]، فإنَّه لما نُسف بعد أن بُرِدَ في البحرِ، وشربوا من الماءِ، كان ذلك حقيقةَ ذاتِ العجلِ.
فلا شيءَ ممَّا ذكرتم إلا وهو حقيقةٌ.
فيقال: القريةُ ما جمعتْ واجتمعَ فيها، لا نفسُ المجتَمعِ، ولهذا
__________
(1) في الأصل: "الإجماع".
(2) في الأصل: "المخرج".
(3) في الأصل: "أشار".
(4) انظر"مجموع فتاوى ابن تيمية" 12/ 169 وما بعدها.
(4/32)

سُمِّيَ القُرْءُ والأقراء لزمانِ الحيضِ، أو زمانِ الطُّهرِ، والتصرية والمصرَّاة والصراة اسمٌ لمجمع اللبنِ والماءِ، لا لنفس الماءِ المجتمعِ، ولا اللَّبَنِ المجتمعِ، والقارىء: الجامع للقراَن، وَالمُقري الجامع للأضْياف، فأمّا نفسُ الأَضْيافِ فلا، والقافلةُ لا تسمى عيراً، إن لم تكنْ ذات بهائِمَ مخصوصة، فإنَّ المشاةَ والرجالةَ، لا يُسمَّون عيراً (1)، فلو كان اسماً لمجردِ القافلةِ، لكان يقعُ على الرجالةِ، كما يقعُ على أرْبابِ الدوابِّ، فبطَل ما قالوه.
وقولُهم: لو سأل، لأجابَ الجدارُ، فمثلُ ذلك لا يقعُ بحسبِ الأحْيانِ (2)، ولا يكونُ معتمداً على وقوعِه إلا عند التحدي به، فأمَّا أن يقعَ بالهاجِسِ، وفي عمومِ الأوقاتِ، فلا.
وقولُه: {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} [مريم: 34]، يرجع إلى الاسم؛ فإنهم إذا حملوه على هذا أيضاً كان مجازاً، لأنَّ القولَ الذي هو الاسمُ ليس بمضافٍ إليه ولدٌ (3)، فنقول: {مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ} [مريم: 35]، والاسمُ الذي هو القولُ ليس بابنِ مريمَ، وإنما ابنُ مريمَ نفسُ الجسمِ والروحِ التي تقَعُ عليها الاسمُ الذي ظهرتْ على يديه الآياتُ الجاريةُ التي جعلوهُ لأجلِ ظهورِها إلهاً.
وقولُه: المرادُ به نفسُ ذاتِ العجل لمَّا نَسَفَه موسى، فإذا نُسِفَ، خرج [عن] أن يكون عجلاً أيضاً، بل العجلُ حقيقةً: الصورةُ المخصوصةُ التي خارت، ولأنَّ بُرادةَ الذهبِ لا تصلُ إلى القلوبِ، وغايةُ ما تَصِلُ: إلى الأجوافِ، فَأمّا أن يَسْتَقيها الطبعُ، فيُحِيلُها إلى
__________
(1) في الأصل: "عير".
(2) في الأصل: "الإحسان".
(3) في الأصل: "ولدا".
(4/33)

أن تصلَ إلى القلبِ، فليس كذلك، بل سُحالةُ (1) الذهب إذا حصلت في المعدةِ، رسبت ولم تتحلل؛ بحيث ترتقي إلى غير محلِّها، فضلاً عن أن تصلَ إلى القلبِ.
ولأنَّ قولَ العرب: أُشرِبوا، لا يرجعُ إلى الشرب، إنما يرجعُ إلى الإشراب، وهو الإشباعُ، وذلك يرجعُ إلى الحبِّ لاَ إلى الذواتِ التي هي الأَجسامُ، ولهذا لا يقال: أُشربوا في قلوبِهم الماء، وهو مشروبٌ، فكيف يقالُ في العجلِ؟ على أنَّ إضافَته إلىِ القلبِ، إضافة إلى محلِّ المحبةِ، وقد وردَ الخبرُ بأنهم كانوا يقولون في سُحالتِه إذا تناولوها: هذا أحب إلينا من موسى، ومن إلهِ موسى، لما تأكدتْ فتنةُ العجل في قلوبْهم.
ومن أَدلتِنا: قولُه تعالى: {بلسانٍ عَرَبيٍّ مُبينٍ} [الشعراء: 195]، وإذا ثبت أنَّه عربي، فإن لغةَ العرب مَشتملةٌ على الاستعارةِ والمجازِ، وهي بعضُ طرقِ البيانِ والفصاحةِ، ولو أَخلَّ بذلك، لما تَمَّتْ أقسامُ الكلامِ، ولا تَصرَّحَتْ فصاحتُه على الكمال والتمامِ، ولا بانَ تَميُّزُهُ (2)، وإنما يَبين تعجيزُ القومِ إذا طالَ، وجمعَ بين استعاراتِهم وأمثالهم وحقائِقهم، ولا يَبينُ عوارُ الألفاظِ إلا إذا طالتْ، ولهذا لا يحصلُ التحدي بمثلِ {تَبَّتْ} ولا بالآية والآيتين، ولهذا جعلَ حكمَ إلقليلِ منه غير محترمٍ احترامَ الكثيرِ الطويلِ، فسوَّغ الشَّرْع للجُنبِ والحائِضِ تلاوتَه (3)، كلُّ ذلك لأنَّهُ لا إعجازَ فيه، فإدْا أتى بالمجازِ
__________
(1) السُّحالةُ، بالضم: ما سقط من الذَّهب والفِضَّة إذا بُرِدَ. "القاموس": (سحل).
(2) في الأصل: "تمييزه".
(3) في قراءة الحائض والجنب شيئاً من القرآن روايتان عن الإمام أحمد: =
(4/34)

والحقيقةِ وسائرِ ضروبِ الكلامِ وأقسامِه، ففاقَ كلامَهم الجامعَ المشتملَ على تلك الأقسامِ، بانَ الإعجازُ، وظهرَ التعجيزُ لهم، فهذا يوجبُ أن يكونَ في القرآنِ مجازٌ.
ومنها: ما زعموا أنَّهُ من أجودِ الاستدلالِ عليهم، وهو قولُه: {لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ} [الحج: 40]، وقوله: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} [الكهف: 77]، والصلواتُ في لغةِ العرب: إمَّا الأدعيةُ، أو (1) الأفعال المخصوصةُ، وكلاهما لا يوصفُ بالتهدُّمِ، والجماد لا يتَّصِفُ بالإرادةِ.
فإدْ قيل. كان في لغةِ قوم تسميةُ المصلَّى صلاة، وقد وردَ في التفسير: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} [الجن:18]: [أنها] أعضاءُ السجود (2). والجدار وإنْ (3) لم يكنْ له إرادة، لكنَّه لا يستحيلُ من اللهِ فعل الإرادة فيه من غيرِ إحداثِ بنيةٍ مخصوصةٍ.
فيقال: هذه (4) دعوى على الوضعِ إذ لا يُعلم أنَّ الصلاةَ فى الأصلِ إلا الدعاءُ، وزِيدَ في الشرع، أو نُقِلَ إلى الأفعال المخصوصةِ، فأمَّا الأبنيةُ فلا يُعلمُ ذلكَ من نقلٍ عن العربِ. وإن سُمِّيتْ صلوات، فإنما هو استعارةٌ؛ لأنَّها مواضعُ الصلواتِ.
__________
= إحداهما: لا يجوز، وهو مذهب الشافعي، والثانية: لا يمنع منه، وهو قول أبي حنيفة، لأنه لا يحصل به الإعجاز، ولا يجزىء في الخطبة. "المغني" 1/ 199 - 200.
(1) مي الأصل: "و".
(2) انظر تفسير ابن كثير 4/ 431.
(3) في الأصل: "إن".
(4) في ألاصل: "هذا".
(4/35)

ولو خلقَ اللهُ في الجدارِ إرادةً، لم يكن بها مريداً، كما لو خلق فيه كلاماً، لم يكن به متكلِّماً.

فصلٌ
وأما الدلائل على (1) جوازه شرعاً، فما قدمنا من الآيات.
وأما الدلالة على جوازه عقلاً، [فهي]: أنَّه ليسَ في ذلكَ ما يحيلُ معنى، ولا يوجبُ مناقضةً، ولا اختلافاً، ولا يُخلُّ بمقصودٍ، فلا وجهَ للمنع منه عقلاً.

فصلٌ
في شبهاتِ المخالِفِ (2)
فمنها: قولهم: إنَّ المجاز كذبٌ، لأنَّه قد يقعُ خبراً بخلافِ مخبَره، ويتناولُ الشيءَ على خلافِ ما هو به؛ فيقولُ القائلُ في الرجلِ البليدِ: هذا حمارٌ، والعلم حاصل بسلب الحمارية عنه، وهو النهيق، ويقولُ في السخيِّ: بحرٌ، ويحسنُ سلبُ ذلكَ عنه؛ بأن يقال: ليس ببحرٍ، لكنَّه رجلٌ كريمٌ ذو عطاءٍ جزيلٍ، أو عالم علماً واسعاً (3)، والخبرُ المردودُ (4) على قائله بالسلبِ لِما تضمنه خبره من
__________
(1) في الأصل: "في".
(2) انظر "العدة" 2/ 700، و"التمهيد" 2/ 264، و"المسوَّدة" (165)، و"شرح مختصر الروضة" 2/ 29 - 31.
(3) في الأصل: "وسعياً".
(4) في الأصل: "المورود".
(4/36)

الإثبات، أو إثبات ما سلبه، هو الكذبُ، وما ليسَ بحقيقةٍ، فليسَ بحقٍّ، وما ليسَ بحقٍّ فهو الباطلُ، إذ ليسَ بينهما واسطةٌ.
ومنها: أنْ قالوا: إنَّ المجازَ لم تستعملْه العربُ إلا لأجلِ الحاجةِ والضرورةِ، مثل حاجةِ الشعراءِ إلى المدحِ المبالغِ، لاستخراجِهم جوائزَ الأمراءِ والملوكِ، وتسهيلِ العطاءِ على الممدوحِ، فافتقروا إلى تشبيهِ الكريمِ بالبحرِ، وتلقيبِه بالسحابِ الهاطلِ، والماءِ الفائِضِ، والفرس الجاري، واستعاروا له بوصفِه بالإقدامِ على الحربِ، وثباتِ القلب اسمَ: أسدٍ وشجاعٍ، وفي منع الجار، وثباتِ العزمِ اسمَ: جبلٍ، ولمَّا احتاجوا الذمَّ لانجزاعِ (1) قلبِ مَن لا يمكنهم النكاية فيه بالفعلِ، وكانوا أربابَ ألسنةٍ، استبدلوا الألسنةَ بالأسلحةِ، فأنكَوا بالهجوِ قدحاً في الأعرِاضِ، وفَتّاً في الأعضادِ؛ بتلقيبِ الرجلِ حماراً، وربما يقصدون بذلكَ وصفَه بالبلادةِ والقذارةِ والشَّرَهِ، وبالحُساس (2) صفة له بالخَوَرِ، واحتاجوا إلى استرحامِ القساةِ، واستعطافِ المعرضينَ من الولاةِ، فاستعاروا لأنفسِهم ما يوجبُ رقَّةَ القلوبِ عليهم، بتشبيهِ أولادِهم بالأفرُخ (3) الزُّغْبِ (4)، وأنفسِهم
__________
(1) في الأصل: "لانخداع" والانْجزاعُ: الانقطاع.
(2) كذا في الأصل، والحُساس بالضم: كُسارة الحجارة الصِّغارُ، وسمكٌ صِغار يجَفَّفُ، "اللسان": (حسس).
(3) هو جمع قلة ل (فرخ)، وهو ولد الطائر، وجمع الكثرة: (فراخ).
"القاموس": (فرخ).
(4) الزُّغْبُ: جمع أَزْغب، وهو من الطير: ما نبت زَغَبُهُ، والزَّغَب: هو أول ما ينبت من الرِّيش، وصِغارُه أيضا. انظر "القاموس" و"المصباح المنير": (زغب).
(4/37)

بالزقّاقِ (1)، كقول الشاعر لعمر:
ماذا (2) تقولُ لأفراخٍ بذي مَرَخ ... زغبِ الحواصلِ لا ماءٌ ولاشجرُ
ألقيتَ كاسبَهم في قعرِ مظلِمةٍ ... فاغفِر هداكَ مَليكُ الناسِ يا عمرُ (3)
فهذه حاجاتٌ وضروراتٌ ألجأَت أربابَها إلى الاستعاراتِ، واستعمال المجازاتِ، فصارت بمثابةِ من لم يجد سيفاً لقتالِ عدوِّه، فاشتملَ له بقَدومٍ (4)، ولم يجد سكيناً يبري به القلم، فبراه بمِقْراض، والآلاتُ الموضوعة للأعمالِ (5) كالألفاظِ، واللهُ سبحانَه غنيٌّ عن كل شيءٍ بذاتِه، فلا وجهَ لإضافةِ المجازِ والاتساعِ إلى كلامِه،
__________
(1) في الأصل: "بالزواق". والزقّاق: هي الطيور التي تطعم فراخها بفيها، جمع زاقٍّ، من الفعل: زقَّه، بمعنى: أطعمه بفيه. انظر "اللسان": (زق).
(2) في الأصل: "فإذا".
(3) البيت للحطيئة -جَرْوَل بن أوْسٍ- قاله مخاطباً عمرَ رضي الله عنه، وكان قد حبسه لاستعداءِ الزِّبرقان عليه. انظر "ديوان الحطيئة" (191)، و"الكامل" للمبرد 1/ 84 و 2/ 725، و"الشعر والشعراء" لابن قتيبة 1/ 328، و"معجم البلدان" 5/ 103.
وذو مَرَخ: هو واد بين فدك والوابشية، خضر نضر كثير الشجر. "معجم البلدان": 5/ 103.
وقد ورد عجز البيت الثاني:
فاغفر عليك سلام الله يا عُمَرُ
(4) في الأصل: "بقدم"، والقَدُوم: آلة ينحتُ بها. "اللسان": (قدم).
(5) في الأصل: "للأعمال الموضوعة".
(4/38)

ومنها: أنَّه لو كانَ في كلامِه مجازٌ، لاشتُقَّ له منه اسمُ: متجوِّز، ولمَّا لم يجز ذلك على اللهِ سبحانَه، وجازَ على آحادِ العربِ، عُلِمَ أنَّ اللهَ سبحانَه لم يتكلَّم بالمجازِ، بل بمحضِ الحقيقةِ.
ومنها: أنَّ ما ليسَ بحقيقةٍ، فليسَ بحقٍّ، وكما لا يجوزُ أن يُنفى عن كلامِ اللهِ الحقُّ، فنقولُ: في كلامه ما ليسَ بحقٍّ، لا يحسنُ أن يُنفى عن كلامِه الحقيقةُ، فيقالُ: في كلامِ اللهِ سبحانَه ما ليسَ بحقيقةٍ.

فصلٌ
في جمع أجوبةِ شُبَههم
فأمَّا قولُهم: بأنه يفضي إلى الكذبِ، لأنَه بخلافِ مُخْبَره، فما أبعدَ هذا القولَ! وذلكَ أنَّ الكذبَ مستقبحٌ عند كلِّ ناطقٍ عاقلٍ، والاستعاراتُ عندَهم مستحسنةٌ مستعملةٌ، فأينَ الموضوعُ المستحسَنُ من المُجْتَنبِ المستقبَحِ؟!
وقد أبانَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن نفْي الكذبِ عنه (1)، حيثُ نطق به، وأقرَّ عليه أصحابَه، فالذي نطقَ به أكثرُ من أن يُحصى، غيرَ أنَّنا نذكرُ قولَه للحادي: "رفقاً بهؤلاءِ القواريرِ يا أنجَشَةُ" (2)، يشيرُ إلى النساء حيث
__________
(1) يعني: أن المجاز ليس كذباً.
(2) أخرجه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أحمد 107/ 3 و 117 و 186 و 227 و 254 و 285، والبخاري (6149) و (6161) و (6209) و (6210) و (6211)، ومسلم (2323) (70) (71) (72) (73)، والبيهقي 10/ 200 و 227، وابن حبان (5801) و (5802) و (5803)، والبغوي (3578) و (3579).
(4/39)

بكينَ لحدوه الشجيِّ، وقالَ في استعاراتِ الحرب: "الآنَ حميَ الوطيسُ" (1)، فسمَّى النساءَ قواريرَ لسرعةِ تصدُّعهنَّ وبُعْدِ انجبارِهِنَّ، وسمَّى اسْتعِارَ الحربِ وطيساً، وهو تَنُّور من حديد (2) وقال: "إنَّ في المعاريض لمندوحةً عن الكذب" (3)، وعرَّض - صلى الله عليه وسلم - فقال: "نحن من ماء" (4)، يُوهم أنه من عربٍ مخصوصين بالماءِ، وقال: "ألسنا من ماءٍ مَهِين (5) "، وقال للذي طلبَ منه بعيراً يخرج معه عليه إلى بعض الغزوات، وكان منافقاً (6): "لا أجد إلا
__________
(1) ورد ذلك في حديث طويل في غزوة حنين، رواه العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، وفيه: فنظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على بغلته، كالمتطاول عليها، إلى قتالهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "هذا حينَ حميَ الوطيس".
أخرجه أحمد (1775)، ومسلم (1775)، وابن حبان (7549).
(2) هذا أحدُ معاني كلمة: (الوطيس)، ومن معانيها أيضاً: المعركة؛ لأنَّ الخيلَ تطسها بحوافرها، كذلك تطلق على حُفيرة تحتفر، ويختبز فيها، ويشوى. "اللسان": "وطس".
(3) الصحيح في هذا الخبر أنه موقوف على عمر بن الخطاب، رواه عنه عمران بن الحصين رضي الله عنهما، وقد تقدم تخريجه في 1/ 130.
(4) ورد هذا الخبر في قصة معركة بدر الكبرى، حيث وقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبرفقته أبو بكر رضي الله عنه على شيخ من العرب، وسألهما، ممن أنتما؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نحن من ماء" ثم انصرف عنه.
انظر "سيرة ابن هشام" 2/ 268، و"المغازي" للواقدي 1/ 50، و"تاريخ الطبري" 2/ 436.
(5) رسمت في الأصل: "ضاتهن"، ونظن أن الصواب ما أثبتناه، فيكون ذلك بياناً منه - صلى الله عليه وسلم - للمقصود من قوله: "نحن من ماء"، ولم يرد هذا البيان في مصادر تخريج الخبر، وإن كان ملموحاً من السياق.
(6) لم يرد في المصادر أنه كان منافقاً.
(4/40)

ولد ناقة" يُوهِمُ الفصيلَ، فقال: وما أصنعُ بولدِ ناقةٍ؟ فقالوا له في ذلك، وكانَ عنده من نَعَمِ الجزيةِ والصدقةِ عددٌ، فقال: "أليس الجمال أولادَ النُّوق" (1)، وقال: "لا يدخلُ الجنَّةَ العُجَّز" (2)، وإلى أمثالِ ذلك من المعارِضِ، وقال ذلك توسُّعاً، وقال: "إنِّي لأَمْزَحُ، ولا أقولُ إلا حقاً" (3).
وليسَ من حيثُ نفيُه كان كذباً، ألا ترى أنه يحسُنُ نفيُه، وهو
__________
(1) أخرج أبو داود (4998)، والترمذي (1991) من حديث أنس بن مالك: أن رجلاً استحمل رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "إني حاملُكَ على وَلَدِ النَّاقة" فقال: يا رسولَ الله، ما أصنعُ بولَدِ الناقةِ؟ فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "وهل تلِدُ الإبلُ إلا النوق؟ ". قال الترمذي: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ غريب.
(2) جاء ذلك في الحديث الذي روته عائشة رضي الله عنها، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أتته عجوز من الأنصار، فقالت: يا رسول الله، ادعُ الله أن يدخلني الجنَّة.
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ الجنَة لا تدخلُها عجوز" فذهب النبي- صلى الله عليه وسلم - فصلَّى، ثم رجع إلى عائشة، فقالت عائشة: لقد لقيت من كلمتك مشقة وشدة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إنَّ ذلك كذلك، إنَّ الله إذا أدخلهنَّ الجنَة، حولَهنَّ أبكاراً".
ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" 10/ 419، وقال: رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه مسعدة بن اليسع وهو ضعيف.
(3) ورد من حديث ابن عمر، وأنس رضي الله عنهما: أخرجه من حديث ابن عمر الطبراني في "الكبير" (13443)، وأما حديث أنس، فأخرجه الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" 3/ 378.
ورويَ هذا الحديث عن أبي هريرة بلفظ: قالوا: يا رسولَ الله إنك تداعبنا؟ قال: "إني لا أقولُ إلا حقاً".
أخرجه أحمد 2/ 340 و 360، والبخاري في "الأدب المفرد" (265)، والترمذي (1990)، والبغوي (3602).
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(4/41)

حسنٌ ومُستحسَنٌ (1)؟ والكذبُ لا يقعُ مستحسناً، ولأنَه يقابلُ قولهم: حسنَ نفيُه، فكان كذباً، بإنَّه حسنَ إثباتُه، فلا يكونُ كذباً، والكذبُ لا يحسنُ إثباتُه.
وممَّا يُفسِدُ دعواهم الكذبَ: أنَّهم لا يُسمُّونَ مَنْ أكثرَ الاتساعَ في المجازِ والاستعاراتِ كذَّاباً، ومحالٌ أن لا يشتقَّ للمكرِّرِ لنوع من الأفعالِ (فعالاً)، ولهذا قالوا فيمن يكرِّرُ في كلامه التاء ضرورةً: تمتاماً، أو يكرر الفاءَ: فأفاءَ، ومن كرَّرَ التَّهزِّي، سُمِّيَ: هُزَأَةً، فلمَّا مُدِحَ المكرِّرُ للمجازِ بالفصاحةِ والقدرةِ على المنطقِ لغةً، ولم يُذَمَّ شرعاً، ولا قُدح في عدالتِه، عُلمَ أنَّه ليس بكذبٍ، ومن تكرَر منه الكذبُ، كان فاسقاً، ولا أحدَ استجرأَ على تفسيقِ المستعيرِ المتجوِّزِ في كلامِه، فبطلَ ما ادَّعوه.
وأما قولُهم: هو ضدُّ الحقيقة، فيكونُ ضد الحقِّ، وهو الباطلُ، فليس كذاك، لأنَّ الحق غيرُ الحقيقة: ولهذا لفظُ التثنيةِ والتثليثِ حقيقةٌ في الوضعِ للشَرْكِ، وليس بحقٍّ، ورمي الشيء إصابةٌ، وليس بصوابٍ.
وأما دعواهم: أنَّ المجاز لم تستعملْه العربُ إلا للحاجةِ، فبعيدٌ، لأنَّ القوم حسَّنوا به الكلامَ، وإلا ففي (2) الحقائقِ غنى عن الاستعاراتِ، وذلك أنَّ من وجدَ للرجلِ الذي لا يفهمُ اسمَ: بليدٍ وذاهلٍ، لماذا يقولُ فيه: حمارٌ؟ ومن يمكنه أن يقولَ في الرجل الثابتِ في الحربِ: مِحْراب (3) وقَتَّال، لماذا
__________
(1) في الأصل: "يستحسن".
(2) في الأصل: "في".
(3) المحراب: هو الرجل شديد الحرب.
"اللسان": (حرب).
(4/42)

يَستعيرُ (1) له اسمَ بهيمةٍ، فيقول: أسدٌ وشجاعٌ؟ فلما استعملوه مع وجودِ الحقائقِ، دلَّ على تحسينِ الكلام، ولهذا لم يذمُّوا مستعملَه، بل كان أحذقُهم في ذلك أشعرَهم وأَخطَبَهم، ولو كان للحاجةِ، لكان أكثرُهم استعمالاً له أعجزَهم، لأنَّ ما يُستَعملُ للحاجةِ، دلَّ على شدةِ احتياجِه، ألا ترى أنَّ الإشارةَ لما كانت بدلاً عن الكلامِ لأجلِ لُكْنَةٍ، أو فساد في آلات المنطقِ وأدواتِه، لم تُعَدَ فَضْلاً؟ بل من ساعد منطقَه بيده، لم يعدَّ فاضلاً، لأنَّه لما استعان على تفهيم مكلَّمه ومحْاطَبه بيدِه وليست أداةً لنطقِه، كان ذلك لقصورٍ يجدُه في لفظِه، أو لُكْنَةٍ، أو لسوءِ فهمِ السامعِ، فإذا رأيناهم يعتمدونَ ذلك مع انتفاءِ هذه الموانع والعوارِضِ، عُلِمَ أنَّه في وضعِ كلامهم، وعاداتِ خطابِهم، وصار ذلك أشبهَ شبهاً بما [في] الكتاب في خطوطهم، من تَطويلِ الحروفِ، وسلسلةِ المنظومِ منها بعضه ببعض، فيكونُ ذلكَ طريقةً في الخطِّ، وقدرةً في السطرِ، وهل يكونُ أحسن من قول القائل:
امتلأ الحوضُ وقال: قَطْني ... مَهْلاً رُويداً قد مَلأْتَ بَطني (2)
ويريدُ أنَّه بلغ من الامتلاءِ مبلغاً لو بلغه الحيُّ الناطقُ، لكان قائلاً: حسبي وقطني.
وفي قولِ المجاز والاتساع فضيلة أيضاً، لأنه يدلُّ على اطِّلاع المستعير للبليد: حماراً، وللمحراب: أسداً وشجاعاً، وللسخيِّ: بحراً، وللمرأة: قارورةً، على ضربٍ من المقايسةِ، فإنه يُلحقُ
__________
(1) في الأصل: "استعير".
(2) "اللسان": (قطن)، ومعنى قطني، أي: حسبي.
(4/43)

الشخصَ بما يشاكلُه، والشيءَ بما يقاربُه، والاطِّلاعُ على القياسِ فضيلةٌ للمتكلِّم، فكيفَ يُدَّعى [أنه] ضرورةٌ؟!
ولهذا قالوا: إنَّما يبينُ فضلُ الشاعرِ في التشبيهِ، دونَ المديحِ والغَزل والمراثي، فإنَّ ذلك قد يحرِّكُه إلى التجويد فيه عطاءٌ يوجبُ المدحَ، وحزن يوجبُ التجويدَ في المرثيةِ، وبُغْضٌ يوجبُ الهجاءَ، وعشقٌ يوجبُ الوصفَ، فأمَّا التشبيهُ فَمَحضُ مُوازنة، أصلُها صحةُ اللَّمْحِ، وجَوْدَةُ النظر، لإلحاقِ (1) المِثلِ بالمِثلِ.
وأحسنُ من هذا القول في سهولة الانفعال على الصانع جلَّتْ عظمته: {فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11)} [فصلت: 11] {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} [ق: 30]، {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82].
على أنَّ أصلَ الكلامِ إنَّما وُضِعَ -أعني: حقيقته- لأجلِ حاجةِ المتكلِّمينَ إلى التفاهمِ والتخاطُبِ، فهو بين نداءِ البعيدِ، ومناجاةِ القريبِ، وترخيمٍ لاستعجال الاستدعاءِ، ونُدبة هي في أصلِ الوضعِ تَفَجُّعٌ، وتَوجُّعٌ (2)، واستراحةٌ لإخراجِ الكمَدِ من الصدور؛ بالهاءِ في قولهم: يا سيِّداه، يا أبتاه، يا ابناه، قال الله تعالى: {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} [يوسف: 84] وقال: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ} [يس: 30]، {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ} [الشعراء: 10]، {وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ} [مريم: 52]، وجميعُ الحقائقِ التي تكلَّم
__________
(1) في الأصل: "لا لإلحاق".
(2) في الأصل: "تفجعاً وتوجعاً".
(4/44)

بها العربُ لأجلِ أغراضِهم (1) وحوائِجهم، تكَلَّمَ البارىء بها، حتى إنَّ أشباهَ ما ذكرتُ من الأمثالِ، والمبالغةِ في المدحِ، والوعدِ والوعيدِ، والذم قد اجتمعَ في القرآنِ، فإن شئتَ المدحَ فقوله: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17)} [الذاريات: 17] {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ} [ص: 44]، {وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} [الأنبياء: 73]، {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9]، {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} [الإنسان: 8 - 9] {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} [مريم: 41]، {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75)} [هود: 75].
وأمَّا الذمُّ, فأبلغُه قولُه: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} [القلم: 10 - 13]، {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} [المسد: 1 - 2]، {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} [المسد: 4] أوهذه، استعارةٌ أحسنُ ما تكونُ من تسميةِ التي تُلهبُ الغضبَ، وتثيرُ الفتنَ بين النَاس، لكون ذلك مادةَ النَّارِ، وهذه مادةُ الثوائرِ بين النَّاس، فإذا كان كذلكَ، فقد وُجدَ حقيقةُ ما أتى بمثلِه الشعراءُ في المعنَى، وانْ عَجزوا عن المنطقِ والنَّظمِ، وكانَ ذلكَ لا لحاجةِ المتكلِّمِ إليه، لكنْ إظهارُه وإنزالُه لِحاجةِ المخلوقينَ إليه، لينتهوا عن القبائح بذمِّه ووعيدِه ونهيه، ويَهشُّوا إلى الفضائلِ بمدحِه ووعدِه، ويزدادوا من الخيرِ بشكرِه لهم، وثنائِه عليهم.
__________
(1) في الأصل: "اعتراضهم".
(4/45)

من ذلكَ: أنَّه سمى المعرضينَ (1) عن الحقِّ وداعيتِه: أنعاماً، وشبَّههم بالكلابِ، قال فيهم: {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} [الأعراف: 176] وقوله: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة: 5]، وقال {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ} [البقرة: 74].
وأمَّا قولُهم: كان يجبُ أن يُشتَقَّ له اسمُ: متجوِّز، فلا (2) يصحُّ، لأنَّه لا يسمَّى من الأسماءِ إلا بما سمَّى به نفسَه، ألا ترى [أنه] (3) يتكلَّمُ بالحقيقةِ، ولا يُشتَّقُ له اسمُ: محقِّق، وفاعلٌ للحَبلِ في النِّساءِ، ولا يقال: محبِّل، وفيه معنى العقلِ من الحكمةِ، ولا يقال: عاقلٌ، ويسمَّى: حكيماً، لأنه سمَّى نفسَه حكيماً، وكريماً (4)، والكرمُ هو السخاء، ويقال: كريمٌ، ولا يقال: سخيٌّ.
على أنَّ القولَ بالتجوَّز يُوهِمُ الحذفَ، هذا هو الغالبُ من لغتِهم، ولا (5) يقالُ: متجوِّز إلا لمن جوَّز في لفظه، والبارىء لا يُسمَّى باسمٍ موهمٍ للذَمِّ، تعالى عن ذلك (6).
وأمَّا قولُهم: لو كانَ في كلامِه ما ليس بحقيقةٍ، لكانَ في كلامِه ما ليس بحقً، فليسَ بصحيح، لأنَّ الحقَّ ضدُّ الباطلِ، فإذا قيل: ليسَ
__________
(1) في الأصل: "المعترضين".
(2) في الأصل: "لا".
(3) ليست في الأصل.
(4) في الأصل: "وكريم".
(5) في أنصل: "لا".
(6) انظر "شرح اللمع" 1/ 172
(4/46)

بحقٍّ، أُثبتَ الباطل، وليس الحقيقة من الحق بشيء، ولهذا تكلم النبي - صلى الله عليه وسلم - بغير الحقيقةِ، وما (1) تكلم إلا بالحق، فقال: "أمزح، ولا أقول إلا حقاً" (2)، فلما قال للمرأةِ: "في عين زوجك بياض" (3)، أوهمها بياضاً (4) في السَّوادِ، وهو يريدُ بياضاً حولَ السوادِ، وقال للحادي المعروفِ بأنجَشَة لما حدا، فأبكى زوجاتِه: "يا أنجشةُ، رفقاً بهؤلاءِ القواريرِ" (5)، فاستعارَ للنِّساءِ اسم: قوارير، وما أحسنَ هذه الاستعارةَ!. فإنهنَّ رقيقاتُ القلوبِ، سريعاتُ الانفعال بالوهنِ، قليلاتُ الصبرِ والتماسكِ، كما أنَّ القواريرَ سريعاتُ الانكسارِ، أيسرُ شيءٍ يؤثِّرُ فيهنَّ، كالقواريرِ.

فصلٌ
والدلالةُ على مَنْ منعَ المجازَ من أصحابنا
__________
(1) في الأصل: "أما".
(2) تقدم تخريجه في الصفحة: (41).
(3) عن زيد بن أسلم: أن امرأة يقال لها: أم أيمن، جاءت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إن زوجي يدعوك. قال: "من هو؟ أهو الذي بعينيه بياض؟ " فقالت: أي يا رسول الله!؟ والله ما بعينيه بياض. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بل إن بعينيه بياضاً" فقالت: لا واللهِ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "وهل من أحد إلا وبعينيه بياض؟ " أورده العراقي في "المغني عن حمل الأسفار" 3/ 125، والزبيدي في "الإتحاف" 7/ 500، والقاضي عياض في "الشفا" 2/ 424.
(4) في الأصل: "بياض".
(5) تقدم تخريجه في الصفحة: (39).
(4/47)

أنَّ مذهَبهم قِدَمُ الكلامِ (1)، والبارىء قد أخبرَ بإرسال الأنبياءِ، وأنَّهم قالوا، وفعلوا، ونودوا، وأُوذوا، وقيلَ لهم، وهذا كله لم يكُ بعد، ولا وُجدَ، فلا تَفَصِّي (2) لهم عن المجازِ، وأضافَ (3) إلى ذاتِه بظاهرِ اللفظَ: الحبَّ والغضبَ، والإتيانَ والمجيءَ، وهم بين مذهبين:
إما تأويل يَصْرفُ عن الحقيقةِ، بمعنى: سيقول، كما قال: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ} [الأعراف: 50]، بمعنى: سينادي، وجاءت ملائكةُ الله، وأمرُ الله، وعقابُ الله، وهذا صورةُ المجاز.
أو يكونُ غيرَ معلومٍ لا يعلمُه إلا اللهُ، فلا يمكنُ أنْ تكونَ حقيقةٌ موضوعةٌ لا تكونُ معلومةً، فلم يبقَ إلا المجازُ، ومتى كان حقيقةً، كان الخطابُ والمخاطبون (4) قديمينَ، وذلكَ مُحالٌ (5).

فصل
يَصِحُّ الاحتجاجُ بالمجازِ (6)
لأنَّه موضوع يُعقلُ منه المرادُ به من المقدَّر (7) فيه، والمعبَّرُ به
__________
(1) انظر مجموع "الفتاوى" 12/ 158، 372.
(2) أي: لا خروج ولا خلاص لهم.
(3) في الأصل: "وأضافه".
(4) في الأصل: "المخاطبين".
(5) "العدة" 2/ 695، و"المعتمد" 1/ 11 و"التمهيد" 2/ 265.
(6) انظر هذا الفصل في "العدة" 2/ 701، و"المسودة" (70).
(7) في الأصل: "القدر".
(4/48)

عنه؛ مثالُه: قوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43]، والغائطُ: المطمئنُّ من الأرضِ حقيقةً، لكن لمَّا كانَ المعقولُ منه قضاءَ الحاجةِ، وذَكَرَ الموضِعَ توريةً وكنايةً عن الموضَع، صارَ كأنَّه قال: أو جاءَ أحدٌ منكم من الغائطِ بعدَ حدثِه في الغائِط، أو من حاجةِ الإنسانِ.
وكذلكَ قولُه تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22 - 23]، وقد عُرِف أنَّ عيونَ الوجوهِ هيَ الناظرةُ، صارَ كأنَّه قالَ: عيونٌ يومئذٍ إلى ربِّها ناظرةٌ.
وإذا كان المعقولُ منه ذلكَ، صارَ كأنَّه بالتقديرِ، كالكلامِ الأعجميِّ الموضوعِ للمقصودِ، يكونُ دليلاً للعَجمِ، والإشارةِ لمن يعقِلُها، وليسَ إبدالُ الخارجِ بذكر المكانِ، وإبدالُ العيونِ بالوجوهِ، بأكثرَ من إبدالِ اللغةِ بالإشارةِ المفهومةِ، ويجوزُ الاستدلالُ بالإشارةِ، مثلُ إِشارتِه - صلى الله عليه وسلم - عندَ (1) قولِه: "الشهرُ هكذا وهكذا" (2) بأصابعه: إلى تسعٍ وعشرين.

فصلٌ
قالوا: ولا يقاسُ على المجازِ (3)، فلما قالَ سبحانَه: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82]، لا يقالُ: سلِ الدَّكَّة (4)
__________
(1) في الأصل: "فما أشار به - صلى الله عليه وسلم - مثل".
(2) تقدم تخريجه 1/ 194.
(3) انظر "العدة" 2/ 702، "المسودة" (173).
(4) الدَّكة: بناءٌ يُسَطَّح أعلاه للمقعد. "القاموس": (دك).
(4/49)

والسرير، ويريد به: الجالس على السرير والدَّكَّةِ، كما أرادَ هناكَ ساكنَ القريةِ، وأهلَ العيرِ، و [لا] (1) تقول: بما كسبت أَرجلكم، بدلاً أو قياساً على قوله تعالى: {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30].
وعندي: أَنّهُم إنَّما منعوا ذلكَ، لأَنَّه مستعارٌ من حقيقةٍ، فلو قيسَ عليه، لكانَ استعارةً منه أيضاً، فيتسلسلُ، ولهذه العلَّةِ منعوا من تصغير التصغيرِ، والذي يظهرُ من المجازِ: أنَّه نوعُ قياسٍ منهم، لأنَّه إذا تُتُبَّعَ كل مستعار في لغةِ العرب، علم أنهم إنما قصدوا خلعَ اسم الحقيقةِ على مايشاكلُها نوعَ مشاكلَةٍ، من ذلكَ: لَحْظُهم (2) البلادةَ التي في الحمارِ، والفيضَ الذي في البحارِ، والإقدامَ الذي في السَّبعِ والشّجاع، واستعارةُ اسمِ الحمارِ للبليدِ، والبحرِ للكريمِ أو العالمِ، واسمِ السَّبعِ للرجلِ المحرابِ، وهذا هو عينُ القياسِ، فلم يقيسوا على المقيسِ.

فصلٌ (3)
ويجوز أن يرد اللفظُ الواحدُ، فيتناول موضعَ الحقيقةِ والمجازِ، فيكون حقيقةً من وجهٍ، مجازاً من وجهٍ آخر، نحو قوله: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 22]، هو حقيقة في الوطءِ، بدليلِ أنَّه يُستعملُ في موضعٍ لايجوزُ فيه العَقْدُ، مثل قوله
__________
(1) ليست في الأصل.
(2) في الأصل: "الحظهم".
(3) را جع "العدة" 2/ 703، و"المسودة" (168).
(4/50)

- صلى الله عليه وسلم -: "ملعونٌ ناكحُ البهيمةِ"، "ناكحُ يدِه ملعونٌ" (1) ولا عقدَ، وقولُهم: أَنْكَحْنا الفَرَا، فَسَنَرى (2).
ثم استعمل في العَقدِ، فيحرمُ عليه أن يتزوَّجَ مَن تزوَّجها أبوه، وإن لم يوجد منه الوطء.
ونحو قوله تعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ (3) النِّسَاءَ} [النساء:43]، حقيقةٌ في
__________
(1) ورد الحديث بلفظ: "سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ويقول لهم: ادخلوا النار مع الداخلين: الفاعل والمفعول -يعني اللواط-، والناكح يده، وناكح البهيمة، وناكح المرأة في دبرها، وجامع المرأة وابنتها، والزاني بحليلة جاره، والمؤذي جيرانه حتى يلعنه الناس، إلا أن يتوب".
انظر "تنبيه الغافلين" لأبي الليث السمرقندي، و"الكبائر" للذهبي (59).
وفي إسناد الحديث: علي بن محمد الوراق، وهو مجهول. انظر "الاستقصاء لأدلة تحريم الاستمناء" لأبي الفضل الغماري (44).
(2) مثلٌ يضربُ في التحذير من سوءِ العاقبة، قاله رجلٌ لامرأته حين خطبَ إليه ابنتَه رجلٌ، وأبى أن يزوِّجها له، فرضيت أُمُّها بتزويجه، وغلبت الأب حتى زوجها مُكرهاً، وقال: أنكحنا الفَرا فسنرى، ثم أساء الزوج العشرةَ، فطلقها.
انظر "مجمع الأمثال" للميداني 2/ 335.
(3) "لَامَسْتُم": بغير ألف، هذه قراءة حمزة والكسائي، أضافا الفعل والخطاب للرجال دون النساء.
وقرأ الباقون: "لامَسْتم" بألف، جعلوا الفعل من اثنين، وجعلوه من الجماع، أي: جامعتم، وعلى هذا فالملامسة من اثنين: الرجل يلامس المرأة، والمرأة تلامس الرجل. "حجة القراءات" (205 - 206)، "الكشف عن وجوه =
(4/51)

اللَّمس، إلا أنه يُطلَقُ على الجماعِ مجازاً، فيُحمَلُ عليهما جميعاً، ويُوجبُ الوضوءُ منهما جميعاً، فنقولُ: كلُّ معنيين جاز إرادتهما بلفظٍ يصلح لهما، [فهُما] (1) كالمعنيين المتفقين.
بيانُ ذلكَ: أنَّه لو قال: إذا أحدثتَ فتوضأ، وأرادَ به [الحدث] (1) والبول، صحّ، فهذا الحقيقةُ والمجازُ فيهما، فجازَ اجتماعُهما، ليكونَ اللفظُ متناولاً لهما جميعاً.
يوضِّح هذا: أنَّ قولَه تعالى في الكفارة: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [النساء: 92] يتناولُ الرقبةَ الحقيقيةَ، وغيرَها من أعضاءِ الجملةِ على طريقِ المجازِ.
وكذلكَ قولُهم: اشتريتُ رأساً من الغَنمِ، يتناولُ العضوَ الذي فيه الحواسُّ حقيقةً، وجميعَ الشاةِ مجازاً.
وكذلك قولُهم: "لنا قَمَراها والنجومُ الطوالع" (2)، و"بتنا على الأسودين"، و"عَدلُ العُمَرين" حقيقةٌ في أحدِهما، وهو طالعُ الليلِ دونَ الشمس، مجازٌ في الشَّمسِ، والأسودُ حقيقةٌ في التَّمرِ، مجازٌ في الماء، وَالعُمَرانِ حقيقةٌ في عمرَ بن الخطاب، مجازٌ في أبي بكرٍ رضي الله عنهما.
وقد سُئل أحمدُ عن العُمرين فقالَ: عمرُ بنُ الخطَّاب، وعُمرُ بن
__________
= القراءات السبع" 1/ 391 - 392، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 250.
(1) ليست في الأصل
(2) هو عجز بيت للفرزدق، وصدره: "أخذنا بآفاق السماء عليكم". ديوان الفرزدق 1/ 419.
(4/52)

عبد العزيزِ، فجعلَهما حقيقتينِ (1).

فصلٌ
ليس في القرآنِ غيرُ العربيةِ
ذكره أبو بكرٍ من أصحابنا في كتاب "التفسيرِ"، وبه قالَ جمهورُ الفقهاءِ [و] العلماءِ والمَتكلِّمين (2)، خلافاً لابن عباسٍ وعكرمَةَ (3): أنَّ فيهِ غيرَ (4) العربيةِ، كقولِه سبحانَه: مشكاةٌ (5)،
__________
(1) "العدة" 2/ 705
(2) انظر ما تقدم في الصفحة 412 وما بعدها من الجزء الثاني، و"الرسالة" للشافعي (40)، و"الإحكام" للآمدي 1/ 69، و"البحر المحيط" للزركشي 2/ 175، و"العدة" 3/ 707، و"المسودة" (174)، و"شرح الكوكب المنير" 1/ 192، و"شرح مختصر الروضة" 2/ 32، و"إرشاد الفحول" (32).
(3) عكرمة: هو أبو عبد الله القرشي مولاهم، البربري الأصل. كان مولى لابن عباس، وحدث عنه وعن عائشة، وأبي هريرة، وغيرهم من الصحابة، كان من أهل العلم، ورحلَ في طلبه إلى اليمن ومصر وخراسان، وروى عنه الشعبي، وعطاء، ومجاهد. توفي سنة (105) ه، وقيل غير ذلك.
انظر "طبقات ابن سعد" 5/ 287، و"وفيات الأعيان" 3/ 265، و"ميزان الاعتدال" 3/ 93، و"تهذيب التهذيب" 7/ 263، و"شذرات الذهب" 1/ 130 و "سير أعلام النبلاء" 5/ 12.
(4) في الأصل: "بغير".
(5) روي عن ابن عباس ومجاهد: أن "المشكاة": هي الكوة بلسان =
(4/53)

وقِسطاسٌ (1)، وسِجِّيل (2)، واستبرق (3).

فصل
في أدلتنا
فمنها: قولى تعالى: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} [الزمر: 28]
__________
= الحبشة. "الدر المنثور" 5/ 49. وقال الزجاج، كما في "لسان العرب" 14/ 441: المشكاة من كلام العرب. وبيَّن الشيخ أحمد شاكر أن الكلمة ليست معرَّبة، وأن أصلها عربي، حيث إنها مشتقة من الشكو، وأصلُ الشكو: فتح الشكوة، وإظهار ما فيها، وهي سقاءٌ صغير يجعلُ فيه الماء، وكأنه في الأصلِ استعارة، كقولهم: بثثت له ما في وعائي، ونفضت ما في جرابي، إذا أظهرت ما في قلبك. انظر "المعرَّب" للجواليقي تحقيق الشيخ أحمد شاكر (303).
(1) القسطاس: هو الميزان، قال الشيخ أحمد شاكر: والكلمة عربية بحتة ليس لها علاقة بلغة أخرى، فإنَّ القسط في كلام العرب: النصيب والعدل، واشتق من القسط، القسطاس، وسمي به الميزان، والأصل واحدٌ، والمعنى متصل بعضه ببعض، قال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء: 47].انظر "المعرَّب" (25).
(2) زعم ابن قتيبة: أن السِّجِّيل لفظٌ معرَّب عن الفارسية، والذي يعني: الحجارة والطين، واستدرك الشيخ أحمد شاكر عليه في ذلك، ورجَّح أن تكون اللفظة عربية. انظر "المعرَّب" (181).
(3) هو غليظُ الديباج، ذُكِرَ أنه فارسىٌّ معرب. انظر "المعرَّب" (15) وتعليق الشيخ أحمد شاكر.
(4/54)

{بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ} [الشعراء: 195]، وقولُه: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} [فصلت: 44]، وهذه صفة لجميعِ الكتاب العزيزِ، ونفي للقول بأن فيه أعجمياً وعربياً (1)، وهذا القولُ يتطرقُ عليه إذا كان بعضُه غيرَ عربي.
ولأنَّه تحداهم به سبحانه، والقومُ لا تقدِرونَ على الأعجمي، فلا يتحداهم بما لا قدرةَ لهم عليه، ولا هوَ من صناعتِهم، وإنَّما يتحداهم باللسانِ الذي يقدرون عليه، ثم يعجزونَ عن نظمِه وأسلوبه، ألا ترى أنَّه سِبحانه لمِ يَتَحدَّهُم (2) بالطِّب، كما تحدى قوم عيسى، ولا بما يتوهمونه سحراً، كما تحدَّى قومَ موسى، فكلّ قوم تحداهم بما كان من صناعاتِهم، وأبان عن عَجزِهم عنه، استدلالاً على تأييد نبيِّهم بما يخرقُ عاداتِهم، ولهذا لم تُتَحَدَّ (3) العبرانيةُ والسريانيةُ بالكلامِ العربيِّ (4).
__________
(1) في الأصل: "لله أعجمي وعربي".
(2) في الأصل: "يتحداهم".
(3) في الأصل: "تتحدا".
(4) وفَّق أبو عبيد القاسم بن سلَّام بين ما ذهب إليه جمهور الأصوليين: من أنه ليس في القرآن لفظ غير عربي، وما رويَ عن ابن عباس، وعكرمة: من أن فيه من غير لسان العرب، بأن قال: كلاهما مصيبٌ إن شاء الله تعالى، وذلك: أن هذه الحروف بغير لسان العرب في الأصل، فقال أولئك على الأصل، ثم لفظت به العرب بألسنتها، فعرَّبته، فصار عربيّاً بتعريبها إياه، فهي عربية في هذه الحال، أعجمية الأصل. انظر "المعرَّب" (5)، و"البحر المحيط" للزركشي 2/ 172.
(4/55)

فصلٌ
فيما وجهُوه من الأسئلةِ على ما استدلَلنا به
قالوا: ليسَ الأعجمئ بأكثرَ من أنَّه لا يُعقلُ معناه، وعلى قولكم: قد خاطَبهم بالآي المتشابهِ الذي قد تكرَّر منكم القولُ فيه، وثبتَ من أصلِكم: أنَّه هوَ المنفردُ (1) بعلمِه الذي لا يَعلمُ تأويلَه إلا اللهُ، ولا يُعقلُ المرادُ به، بل هو أشد غموضاً من الأعجميِّ الذي يوجَدُ مَن يفسِّرهُ، ويكشفُ عن معناه.
فيقالُ: الآيُ المتشابِهُ من جملةِ المجازِ والاتَساع، وما تكلمت العربُ به، وهو أنَّه مصروفٌ عن مقتضاهُ في الَلغةِ إلى مايعبَّرُ به عنه استعارةً، على طريقِ التأويلِ، مثل (2) قوله: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39)} [طه: 39] [أي]: على مرأى منِّي ومنظَرٍ.
ومثلُ قوله: {وَكُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] , يريدُ: إلا هو، لقولهم: كرَم اللهُ وَجْهَك، والمراد به: كرَّمَكَ اللهُ.
ومثلُ قولِه: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75]، {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [الحجر: 29]، [أي]: لما خلقتُ أنا، لا بإيلادي من أبٍ وأمٍّ، وأنا توليتُ إيلاجَ الروحِ فيه، التي هي مِلكي، والتكرُّمَ
__________
(1) في الأصل: "المنفرد به".
(2) في الأصل: "ومثل".
(4/56)

بالإضافةِ، فهذا المصروفُ بالتأويلِ دأبُ العربِ ولسانُهم (1).
ونحنُ نقول: إنَّ له عندَ الله معنى، لكن لا يوصَلُ إليه بالتأويلِ، وهذا صرف له عن ظاهرِه في اللغةِ، وكلُّ مصروف (2) له عن ظاهرهِ، إمَّا بتأويلٍ، أو (3) حملٍ له على غيرِه من حقيقةِ اللفظِ فمجاز، وكلُّ مصروف عن ظاهرِه بدلالةٍ، فمجاز أيضاً، والدلالةُ التي صَرَفت عن ظاهرِ هذه الإضافات: هي نفيُ (4) التشبيهِ عنه سبحانَه؛ بقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، وبدلائلِ العقوِلِ التي دلَّت علىِ أنَّه لو أشبَهَ الصُّورَ، وكان ذا أعضاءٍ وأجزاءٍ، لكان جسماً، ولو كان جسماً لم يكن واحداً، لأنَّ الجسمَ ما يتركَّبُ من جواهر، ولو لم يكن واحداً، بل كان مؤلَّفاً، لجازَ عليه ما يجوزُ على الأجسامِ، من التَّجَزُّؤ والانقسامِ، وحَمْلِ جِنس الأعراضِ، فاحتاجَ إلى ما احتاجت إليه الأجسام، فاتفقنا جميَعاً على الصرفِ عن ظاهرِه، وليسَ لنا كلامٌ مصروفٌ (5) عن ظاهرِه، إلا وهو المجازُ، وهو من جملةِ ما تكلَّمت به العربُ، بخلافِ الأعجمي.
وكذلك الحروفُ المقطَّعةُ قد تكلَمت بها العربُ، مثلُ قولِ
__________
(1) هذا التفسير مخالف لما عليه السلف الصالح من إثبات ما أثبته الله لنفسه ورسولُه بغير تكييف ولا تعطيل، ولا تمثيل ولا تأويل.
انظر "العقيدة الواسطية" لشيخ الإسلام بشرح الشيخ زيد الفياض رحمه الله.
(2) في الأصل: "مصرف".
(3) في الأصل: "و".
(4) في الأصل: "نفس".
(5) في الأصل: "مؤلفاً".
(4/57)

شاعرهم:
قلت لها: قفي، فقالت (1): قافْ (2).
فأمَّا العجميةُ فلم يُحفظْ عنها، وإنْ سَلَّمنا على الأشدِّ، وأنَّ فيه ما لا يُعقلُ معناه، لكن للتكليفِ (3) والإيمان، فالمعنى والنطقُ مفهومٌ، لأنَّ المجيءَ معقولٌ، والنزولَ معقولٌ، واليدَ معقولةٌ، فكَلَّفَنا نفيَ الشبهةِ (4) بقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، نفيَ تسميةٍ فارغةٍ من تسميةٍ مملوءة، بتكلُّف التسليم للعالِم بها.

فصلٌ
في جمعِ شبههم
فمنها: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بُعثَ إلى الكافَّة، ولم يقف إرسالُه على العربِ خاصَّةً، فجُمعَ في كتابِه سائرُ اللُّغاتِ، ليقعَ الخطابُ لكلِّ من بُعثَ إليه بلسانِه الذي وضع له.
ومنها: أنَّه قد وَجدْنا في القرآنِ ما ليسَ بالعربيةِ، فلا وجهَ لنفيِه، فمن ذلك: (المشكاةُ)، وهي كلمةٌ هنديةٌ (5)، و (الإستبرق)،
__________
(1) في الأصل: "قال".
(2) تقدم في 2/ 416.
(3) في الأصل: "التكليف".
(4) الشُّبْهة هنا المِثْل، لا الالتباس. "القاموس": (شبه).
(5) قوله: إن لفظ: "المشكاة" هندي، هو ما ذهب إليه بعضُ الأصوليين، وقد تعقبهم العلامة الهندي عبد العلي محمد بن نظام الدين الأنصاري في "شرح مسلم الثبوت" 212/ 1، فقال: ثم كون "المشكاة" هندية غير ظاهر، فإن البراهمة العارفين بأنحاء الهند لا يعرفونه، نعم "المُسكاة" بضمِّ الميم =
(4/58)

و (السجِّيل)، وهما كلمتان بالفارسية، و (طه) وقيل: إنَّها بالنبطية.
وفيه ما لم يفهم أصلاً، وهو (الأبُّ)، حتى إنَّ عمرَ لم يعلَم ما الأبُّ، فقال لمَّا تلاه: هذه الفاكهةُ فأين الأبُّ (1)؛ ثمَّ عاتب (2) نفسَه على (3) البحثِ عنه، إذ ليسَ فيه أمرٌ ولا نهيٌ، ولا حكمٌ من أحكامِ الشرع.

فصل
في الأجوبةِ عمَّا ذكروه
فأمَّا أنَّه بُعِثَ إلى الكافَّة، فليسَ يُعطي هذا أنَّه قد أعطى الكافَّة حقَهم من الخطابِ؛ لأنَّ البلاع إذا قُصِدَ به تعميمُ الكلِّ، وجَبَ أنْ يستوعِبَ كلَّ أُمَّةٍ (4) بجميع ما شُرِعَ لهم، كما أنَّ العربَ استوعبت بخطابِهم بالأَوامرِ (5) كلَها والنّواهي، والوعدِ والوعيدِ، والأمثالِ والمواعظِ، فأمَّا أن يُبعثَ بالرسولِ إلى الهندِ، فيقول لهم: (مشكاةٌ)، فَمُحالٌ (6) في الأوامرِ والنواهي، وأقسامِ ألفاظِ التكليفِ كلِّها، التي هي المقصورةُ على العربِ، ويُبعثَ إلى الفرس، فلا يُخاطبهم بما يخصُّهم به، إلا أنْ يقولَ لهم: (سجِّيل)، و (إسَتبرق)، ويُبعثَ إلى النبط، فيقولَ لهم: (طه)، هذا من أَهْجنِ المقالاتِ.
__________
= والسين المهملة، بمعنى التبسم، هندي، وليس في القرآن بهذا المعنى.
(1) تقدم في 2/ 381.
(2) في الأصل: "عتب".
(3) في الأصل: "عن".
(4) في الأصل: "لغة".
(5) في الأصل: "الأوامر".
(6) في الأصل: "محال".
(4/59)

على أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بُعِثَ إلى العربِ، وهم أهلُ صناعةِ الكلامِ، وجُعلَ عجزُهُم عن مثلِه حجةً على غيرهم، كما جُعلَ عجزُ السَّحرةِ عمَّا جاءَ به موسى عليه السلام حجةً على غيرِهم من بني إسرائيل.
جوابٌ آخر عن قولهم. إنَّا قد وجدنا ذلك.
وهو أنَّ المحقِّقين من أهلِ اللغةِ قالوا: إنَّ هذه كلمات تواطأت، فسارت، فكانت في العربيةِ كهي (1) في غيرها من اللغات، مثل تَنُّور، بكل لغةٍ تنورٌ، وتواطأ (2) لسان العربِ والفرس في (سجِّيل) و (إستبرق)، والنبطِ والعربِ في (طه)، وأنَّه الرجَلُ، فلا يكون خروجاً عن العربية، بل مساواةً لغيرها، وأما (الأبُّ): فما خَفي على عُمر لأنَّه ليس من العربية، لكنْ لأنَّ من العربيةِ ما يُجهلُ عند قومٍ، ويُعرفُ عندَ غيرِهم، ولهذا رُويَ عن ابن عباس أنه قال: ما كنت أدري ما معنى: {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأنعام: 14]، حتى سمعت امرأةً من العرب تقول: أنا فطرته، فعلمت أنه أراد: منشىءَ (3). وإلاَّ، فالأبُّ في اللغةِ: الحشيشُ (4).
على أنَّ العربيةَ قد وافقت غيرَها في أشياءَ، كقولِ الفُرس: سروال، مكانَ قولِ العرب: سراويل، وتقولُ في السماءِ: أسمان، والكلُّ قالوا: صابون، وتَنُّور، فما اختلف فيها لغتان.
__________
(1) في الأصل: "فهي".
(2) في الأصل: "فواطأ".
(3) تقدم في 2/ 419.
(4) قال الزجاج: الأب: جميع الكلأ الذي تعتلفه الماشية."اللسان": (أب).
(4/60)

فصل
في تفسيرِ القرآنِ بالرأي والاجتهادِ (1)
لا يجوزُ عند أصحابنا، بل لا يجوزُ إلا نقلاً، لقوله (2) تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]، فردَّ البيانَ إليه - صلى الله عليه وسلم -، فلأْ يجوزُ أن يُسمعَ من غيرِه.
ورويَ عن ابنِ عباس، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قالَ: "من قالَ في القرآن، برأيِه، فلْيتبوَّأْ مَقْعدَه منً النَّار" (3).
وروى جندبٌ أيضاً عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -:"من قالَ في القرآنِ برأيِه، فأصاب، فقد أخطأ" (4).
__________
(1) راجع "العدة" 3/ 710، و"التمهيد" 2/ 283، و"المسودة" (174 - 175)، و"شرح الكوكب المنير" 2/ 157.
(2) في الأصل: "كقوله".
(3) أخرجه من حديث ابن عباس: أحمد (2069) و (2429) و (3025) طبعة مؤسسة الرسالة، والترمذي (2951)، والبغوي، (118).
وقد ورد الحديث عند بعضهم بلفظ: "بغير علم" بدل "برأيه"، وإسنادالحديث ضعيف لضعف عبد الأعلى الثعلبي، ومع ذلك فقد حسنه، الترمذي.
(4) أخرجه من حديث جندب: أبو داود (3652)، والترمذي (2952)، والبغوي (121).
قال الترمذي: هذا حديث غريب.
وفي إسناد الحديث: سهل بن أبي حزم، وهو لا يحتج به، ضعفه =
(4/61)

يعني (1): أخطأ بسلوكِه طريقَ الرأي، وإصابتُه تكون موافقةً، وهذا عينُ الخطأ.
وروي عن عائشة قالت: ما كانَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، يفسِّر من القرآنِ إلا آياً بعددٍ، علمهنَّ إياهُ جبريلُ عليه (2) السلام (3).
ورويَ أنَّ سعيدَ بن المسيِّب، سئل عن آيةٍ من القرآن، فقالَ: لا أقولُ في القرآنِ شيئاً (4).
قال صاحبنا أبو بكر، وهو راوي هذه الأحاديث: ولأنَّ التأويلَ خطرٌ، لأنَّه قد يفسِّر برأيه، فيكونُ باطنُ ذلكَ عند الله خلافه، أما رأيتَ الذي تركَ تحتَ رأسِه خيطين فقال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّك لعريض الوساد (5)، إنما هما خيطا الفجر" (6)؟!
__________
= البخاري، وأحمد، وأبو حاتم.
(1) في الأصل: "يعطي".
(2) في الأصل: "عليها".
(3) أخرجه أبو يعلى في "مسنده" (4528)، والبزار (2185)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 6/ 303.
وإسناده ضعيف لجهالة فلان بن محمد بن خالد.
(4) انظر "تفسير الطبري" 1/ 37.
(5) في الأصل: "الوساط".
(6) جاء ذلك في حديث عدي بن حاتم قال: لما نزلت هذه الآية: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} [البقرة: 187]، أخذتُ عقالاً
أبيض، وعقالاً أسود، فوضعتهما تحت وسادتي، فنظرتُ فلم أتبتن، فذكرتُ
ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فضحك، وقال: "إن وسادكَ إذاً لعريض طويلٌ، إنما هو الليل".
أخرجه أبو داود (2349)، والطبراني في "الكبير" 17/ 176، وابن حبان =
(4/62)

فصلٌ
فأمَّا نقلُ التفسيرِ عن الروايةِ فقربة وطاعة، وقد فسر أحمدُ وأَوَّلَ (1) كثيراً من الآي، على مقتضى اللغةِ، من ذلك: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7]، الآية، فقال: بعلمِه، وقال في قولِه: {إِنَّنِي مَعَكُمَا} [طه: 46]: هو جائز في اللغة، يقول الرجل: سأجري عليك رزقاً، أي: أفعلُ بكَ خيراً.
والدليل على جوازِ ذلك، والتقربِ به:
قوله تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص: 29].
ورويَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - دعا لابن عباس، فقال: "اللهمَ فَقهه في الدين، وعلِّمه التأويل" (2)، ولو لم يكن فضيلةً، لما دعا له بها، وقَرَنَهُ إلى الفقه في الدين.
ورويَ أنه لما استعمله عليُّ بن أبي طالب على حجٍّ، خَطبَ (3)
__________
= (3463). وإسناده صحيح.
(1) في الأصل: "تأويل".
(2) أخرجه أحمد 1/ 266 و 314، وابن حبان (7055) بهذا اللفظ من حديث ابن عباس قال: كنتُ في بيت ميمونة بنت الحارث، فوضعتُ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - طهوراً، فقال: "من وضعَ هذا؟ " قالت ميمونة: عبد الله. فقال - صلى الله عليه وسلم -: "اللهمَّ فقهه في الدِّين، وعلمه التأويل".
وأخرجه بلفظ: "اللهمَ فقهه في الدين": أحمد 1/ 327، والبخاري (143)، ومسلم (2477)، وابن حبان (7053).
(3) في الأصل: "فخطب".
(4/63)

خطبةً لو سمِعَها التُّركُ والرُّومُ لأسلموا، قرأ سورة النُّور؟ (1) وفسَّرها (2).
ورويَ عن ابن مسعود، قالْ كان الرَّجلُ منا إذا تعلَّمَ عشرَ آيات، لم يجاورهُنَّ حتى يعلمَ تأويلَهنَّ، ويعملَ بهنَّ (3).
ولأنَّ القرآنَ نزلَ بلغتهم، فوجبَ تفسيرُ ما أُغلق منه على غيرهم بشواهدِ لغتهم، من نثرِهم، وأشعارِهم، وخطبِهم.

فصلٌ
في الرُّجوعِ إلى تفسيرِ أصحابِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -
كلامُ صاحبنا يدلُّ على الرُّجوع إلى تفسيرِهم في عدةِ رواياتٍ عنه، [كما] في إيجابِ مِثْلِ الصُّيودَ على المحرِمين، تفسيراً (4) منهم (5) لقوله تعالى: {ومَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95]، ومثلُ كلامِهم في الكلالَةِ. (6)
__________
(1) في الأصل: "الروم".
(2) مقدمة "تفسير الطبري" 1/ 36.
(3) أحرجه الطبري في مقدَمة "تفسيره" 1/ 35.
(4) في الأصل: "مفسراً".
(5) أشار أبو يعلى إلى ذلك في "العدة" 3/ 721، فقال: روى صالح، عن أبيه- أي: الإمام أحمد- قال: قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95]، فلما حكمَ أصحابُ الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الظبي بشاة، وفي النعامة ببدنة، وفي الضبع بكبش، دلَّ على أنه أراد الشِّبْهَ.
(6) يقصد بكلامهم في الكلالة: أنَّ أكثرَ قول أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنَّ
الكلالةَ: من لا ولدَ له، ولا والد. فاستقر حكمُ الآية على ذلك. انظر"العدة" 3/ 723.
(4/64)

وذلكَ لأنَّهم جَمَعوا بين معرفة اللغةِ، والسَّماعِ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكانوا أعرفَ بالتأويلِ والتنزيلِ، ولذلكَ جعلنا قولَهم حجةً، وهذا أيسرُ من جعلِ قولهم [غيرَ] حجةٍ؛ لأنَّه نوعُ تأويل.
وقالَ في التأويل [عن التابعين: إذا جاءَ الشيءُ عن الرجلِ من التابعين، لا يوجد فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، لا يلزم الأخذ به.
وقال:] (1) يُنْظر ما كانَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أو عن أصحابِه، فإن لم يكن، فعن التابعين. فتحقق في تفسيرِ التابعين روايتان.
قالَ شيخُنا رضيَ الله عنه: يحملُ على إجماعِهم (2).
وهذا التأويلُ منه يسقطُ فائدةَ تخصيصِ أحمدَ بالتابعينَ، لأنَّ الإجماع من علماءِ كلِّ عصيرٍ حجةٌ مرجوعٌ إليها، مقطوعٌ بها.

فصلٌ
يجوزُ أن يرادَ باللفظ الواحدِ معنيانِ مختلفانِ (3)، كالقُرءِ، والشَّفَقِ، واللَّمس، فيراد بالقُرءِ: الحيضُ والطهرُ، ويرادُ بالشفقِ: البياضُ والحمرَةُ، وباللَّمسِ: يرادُ به: اللمسُ باليدِ والجِماعُ، وبه قال الجُبائي.
__________
(1) ما بين معقوفين ليس في الأصل، واستدركناه من "مسائل الإمام أحمد"
برواية أبي داود (276 - 277)، و "العد" 3/ 724؛ لضرورة صحة السياق.
(2) انظر "العدة" 3/ 724.
(3) وإلى هذا ذهب الإمام الشافعي. انظر "البرهان" 1/ 243، و"المستصفى" 2/ 71، و"التبصرة" (184)، و "جمع الجوامع" 1/ 197.
(4/65)

وقال أصحابُ أبي حنيفةَ: لا يجوزُ ذلك (1)، وهو قولُ أبي هاشم.

فصلٌ
في أدلتنا
فمنها: أنَّا أجمعنا على أن المعنيينِ المختلفين (2) يجوز أن يُرادا (3) بلفظين، فنقول: كلُّ معنيين جاز إرادتُهما بلفظين مختلفين، جاز إرادتُهما بلفظ واحد، كالمعنيين المتفقين (4).
مثال ذلك: أن نقول: إذا أحدثتَ فتوضأ، ونريد به: البولَ والغائطَ، أو اغتسلْ، ونريدُ: [من] إنزالِ المنيِّ والتقاءِ الختانين.
ومنها: أنَّ إرادَتَهما باللفظِ الواحد غيرُ مستحيل، بدليل أنَّه لو استحالَ، لما صحَ التصريحُ به، بدليلِ أنَّ العمومَ والخصوصَ لمّا استحالَ إرادتُهما معاً باللفظِ الواحِد، لم يجز أنْ يَرِدَ لفظٌ واحدٌ يرادان به جميعاً، وأجمعنا ها هنا على أنَّه لا يستحيلُ في اللغةِ أن يقول: أُريدُ بقولي: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]: الحيضَ والأطهارَ. وأريدُ بقولي: وقتُ المغرب باقٍ ما لم يغب الشفقُ: الحمرةَ والبياضَ. {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ}
__________
(1) ينظر قول الحنفية هذا في "الفصول في الأصول" 1/ 77، و"أُصول السرخسىِ" 1/ 126، 162، و"تيسير التحرير" 1/ 235.
(2) في الأصل: "مختلفين".
(3) في الأصل "يجوزان فيرادا".
(4) "التبصرة" (185).
(4/66)

[النساء: 43] أريدُ به اللمسَ باليدِ والجماعَ، واللفظُ صالحٌ لهما، إمَّا حقيقةً فيهما أوإما مجازاً، (1).
ولا ينكرُ في اللغةِ الاشتراكُ في الصيغةِ الواحدةِ بين المعاني المختلفة. ومع هذه الجملة، فلا وجهَ للمنعِ منه.

فصلٌ
في شبهِهِم
فمنها: أنَّ الألفاظَ والصيغَ، وضعتْ للبيانِ (2) والإفهامِ، فإذا جُوِّزَ أن يراد بالصيغةِ الواحدة معنيانِ مختلفانِ، كان تضليلاً وتلبيساً يخرجُ (3) عن قصدِ الوضعِ الأول من الإفهامِ والبيانِ إلى ضده (4)، ومثلُ ذلكَ ما جازَ في لغتِهم، بدليلِ أنَّ صيغةَ (افعل) لم يجزْ أن تَرِدَ والمرادُ بها الاستدعاءُ والتهديدُ، فَلمّا (5) وضعت للاستدعاءِ في الأصلِ، لم يجزْ أن يرادَ بها غيرُ ما وُضعتْ له، أو (6) ضده، وهو التهديدُ الموجِبُ للكفِّ والتركِ.
ومنها: أنَّه لو جازَ أن يُراد (7) باللفظ الواحد معنيانِ مختلفان،
__________
(1) ما بين المعقوفتين زيادة يقتضيها السياق.
(2) في الأصل: "للسان".
(3) في الأصل: "فخرج".
(4) في الأصل: "إلى ضده من الإفهام والبيان".
(5) في الأصل: "لما"
(6) في الأصل: "بل".
(7) في الأصل: "يرد".
(4/67)

لجازَ أن يردَ لفظٌ واحدٌ يرادُ به التعظيمُ والتهوينُ، والكرامةُ للشخصِ والإهوانُ به، ولمَّا لم يجزْ ذلكَ، عُلِمَ بطلانُ هذا المذهب.
ومنها: أنَّ طريقَ هذا: استعمالُ القومِ، وما سمعنا منهم إيرادَ لفظٍ واحدٍ المرادُ به معنيان مختلفان (1): أحدُهما حقيقةٌ، والآخرُ مجازٌ (2)، أو أحدُهما صريحٌ، والآخر كنايةٌ، وإذا ثبتَ ذلكَ، لم يجز لنا أنْ نبنيَ مذهباً على خلافِ وَضعِهم، فيكونُ دعوى عليهم، بما (3) لم يثبتْ عنهم (4).

فصلٌ
في جمعِ الأجوبةِ
فمنها: أنَّ كونَ المعنيينِ مرادين بالصيغةِ الواحدةِ لا يكونُ تضليلاً وتلبيساً، بل يكونُ جمعاً بين معنيينِ بصيغةٍ، كما يجمعُ بالدلالةِ الواحدةِ، والأمارةِ الواحدةِ بين مرادينِ مختلفينِ، مثلُ أنْ يُجعلَ طلوعُ الفجرِ دليلاً يُنْبِىءُ عن مدلولينِ مختلفينِ: تحريمِ الأكل، وإيجابِ صلاةِ الفجرِ، أو تَجويز (5) فعلها مع تحريمِ الأكلِ.
وليست الألفاظُ والصِّيغُ إلا وضعَ الحكماءِ، ولو كانَ تضليلاً في اللفظِ الدالِّ على مرادِهم، لكان تضليلاً [في]، (6) الأمارات الدالَّة على
__________
(1) في الأصل: "معنيين مختلفين".
(2) في الأصل: "مجازاً".
(3) في الأصل: "ما".
(4) "التمهيد" 2/ 242.
(5) في الأصل: "نحو من".
(6) زيادة يقتضيها السياق.
(4/68)

مرادِهم.
وأمَّا صيغةُ الأمرِ: فإنَّه إنَّما لم يُرِدْ بها الطَّلبَ والمنعَ والاستدعاءَ والتهديدَ، لأنّه مستحيلٌ اجتماعُ إرادتي الفعلِ والتركِ لأمرٍ واحدٍ في حالٍ واحد، ولهذا لو صرَّحَ بذلكَ لم يحسُنْ، فيقول: أريدُ بقولي اسجُدْ: السجودَ والانتصابَ، وها هنا يحسُن أن يقول: أريد بالقرءِ: الحيضَ والطهرَ، على ما قدَّمنا (1).
على أنَّه يبطلُ على أصلِ المخالِفِ بالماءِ المذكورِ في آيةِ التيممِ (2)، فإنه أريدَ به عندَه (3): الماءُ والنبيذُ، وهو حقيقةٌ في أَحدِهما دونَ الآخرِ، وأمَّا التعظيمُ والتهوينُ، فإنَّما لم يجز أن يُرادا (4) بالصيغة الواحدة؛ لأنَّهما ضدَّان، ولا يصحُّ اجتماعُ إرادتِهما باللَّفظِ الواحد، ولا بلفظين في حقِّ شخصَ واحد في حالةٍ واحدة، ولهذا لو صَرَّح، فقالَ: أبعدوا هذا الشخصَ عن ذلكَ المقامِ، إهانةً له إكراماً، لم يجزْ، ولو قال ها هنا: تطهَّر من اللَّمسِ باليدِ، ومن الجماع، واعْتَدِّي بالأقراء والحيض، وكمِّلي ثلاثاً من كلِّ واحد منهما، جازَ، فبانَ الفرقُ بينهما.
وأما منعُهم ورودَ ذلك في الاستعمالِ، فلا نسلِّمُه، بل قد ورد: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43]، والمرادُ به: اللمسُ باليدِ حقيقةً، والجماعُ استعارةً في إيجابِ التيمُّم عندَ عدمِ الماءِ، وإذا صحَّ ذلكَ
__________
(1) في الصفحة: (66).
(2) يعني قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا ...} [النساء: 43].
(3) أي: عند المخالف، وهم الحنفية. انظر "التبصرة" (185).
(4) في الأصل: "يراد".
(4/69)

في النَّفي (1)، صحَ في الإثباتِ، ولا فرقَ، ألا ترى أنَّه يحسنُ أن يقولَ: نهيتكم عن مسيسِ النساءِ، ويريدُ به: الجماعَ واللمسَ باليدِ، وإن كانا معنيين مختلفين؟

فصل
العمومُ إذا دخلَه التخصيصُ لم يصر مجملاً، ويصح الاحتجاجُ به فيما بقيَ من لفظه (2).
وبه قالَ أصحابُ أبي حنيفةَ، والمعتزلةُ.
وقال عيسى بن أبان: إذا دخله التخصيصُ، صارَ مجملاً، فلا يجوزُ التعلّقُ بظاهرهِ، وحكيَ ذلك عن أبي ثورٍ (3).
وقال أبو الحسن الكرخي. إذا خُصَّ باستثناءٍ أو بكلام متصلٍ، صحَّ التعلُّق بهِ، وإن خُصَّ بدليلٍ منفصل (4)، لم يصحَّ
__________
(1) في الأصل: "المعنى".
(2) تقدَّم بحث هذا الفصل، غيرَ أن ابن عقيل يبحثه هنا بشكل أوسع، من حيث بيانُ الأقوال، وذكر الأدلة.
(3) هو إبراهيم بن خالد الكلبي البغدادي، المعروف بأبي ثور، ويكنى أيضاً بأبي عبد الله، كان إماماً حافظاً مجتهداً، صنف الكتب وفرَع على السنن، وذبَّ عنها. توفي سنة (240) ه.
انظر "وفيات الأعيان" 1/ 26، و"تذكرة الحفاظ" 2/ 512، 513، و"طبقات الشافعية" 2/ 74، 80، و "تهذيب التهذيب" 1/ 118 , 119، و"سير أعلام النبلاء" 12/ 72 - 76.
(4) في الأصل: "ينفصل".
(4/70)

التعلّقُ به (1).
وقال أبو عبدِ الله البصري: إن كان الحكم الذي تناولَه العمومُ (2) يحتاجُ إلى شرائط وأوصافٍ (3) لا ينبىءُ اللفظُ عنها، كقوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} [المائدة: 38] كانَ مجملاً، وجرى في الحاجةِ إلى البيانِ مجرى قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [البقرة: 43]، فلا يحتج به (4) إلا بدليل.

فصل
في جمعِ أدلتِنا
فمنها: أنَّ فاطمةَ بنتَ النبي - صلى الله عليه وسلم - وعليها السلام احتجت على أبي بكرٍ الصَديقِ بقوله [تعالى]: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء: 11] (5) وإن كانت الآيةُ مخصوصةً في القاتلِ والكافرِ والرقيقِ، ولم ينكر احتجاجَها هو، ولا أحدٌ من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (6).
ومنها: أنَّه لو كانَ دخولُ التخصيص على اللفظ يمنعُ الاحتجاجَ
__________
(1) "التبصرة" (187 - 188)، و"المعتمد" 1/ 286، وقوله بنصه في "شرح اللمع" 2/ 148.
(2) في الأصل: "الحكم".
(3) في الأصل: "أوصاف".
(4) في الأصل: "نجزئه".
(5) تقدم في 3/ 318.
(6) "شرح اللمع" 2/ 149.
(4/71)

به، لوجبَ التوقُّفُ في كلِّ لفظٍ يرد من ألفاظِ العموم، لأنه (1) ما من خطاب إلا وقد اعتبرَ في إثباتِ حكمِه صفات في المخاطَبِ، من تكليفٍ، وإيمانٍ وغيرِهما، فيؤدي ذلكَ إلى قولِ أهلِ الوقفِ، وقد اتفقنا وإياكم على بطلانِ قولِهم.
فإن قيل: أليسَ قد توقفتم في العملِ بألفاظِ العمومِ إلى أن تعلموا أن ليس مخصِّص يخصُّها؟
قيل: لا نسلَّم ذلكَ.
ومنها: ما نَخُصُّ به البصريَّ (2)، فنقول: إنَّ المجملَ: ما لا يُعقلُ معناه من لفظِه، والعمومُ معقولٌ ما أريدَ به، لكن قامَ الدليلُ على إخراجِ بعضِ من كان داخلاً تحتَ ما أُريدَ به من الحكمِ، فلا وجهَ لإجمالِ اللفظِ بخروجِ بعض المخاطبينَ أو الداخلين تحتَه، لأنَّ باقي (3) المعقول معقولٌ.

فصل
في شبههِم
فمنها: أنَّ العمومَ إذا دخلَه التخصيصُ، خرجَ عن كونه موجباً حُكمَه، فلم يجز الاحتجاجُ به، كالعلَلِ إذا خُصَّت.
فيقالُ: العلةُ لا تبطلُ بالتخصيصِ عندَهم، فهيَ حُجَّة (4)، وعندنا
__________
(1) في الأصل: "لا".
(2) هذا ردٌ من ابن عقيل على قولى البصري المتقدم في الصفحة السابقة.
(3) في الأصل: "ما في".
(4) في الأصل: "الحجة".
(4/72)

على أحدِ الوجهينِ، وإنْ سلَّمنا على الوجهِ الآخَرِ، فإنما لم يجز في العلَلِ، لأنها إنَّما تظهرُ من جهةِ المستدلِّ، ولا يُعلمُ صحتُها إلا بدليلٍ، ولا شيءَ يدلّ عليه إلا السلامةُ والجريانُ، وليس كذلك العمومُ، فإنَّه يظهرُ من جهةِ صاحبِ الشرعِ، فلا يحتاجُ في صحتِه إلى دليلٍ، فافترقا (1).
ومنها: أن قالوا: إذا دَخَلَه التخصيصُ، صارَ كأنَّه أوردَ لفظَ العموم، ثمَّ قال: أردتُ به بعضَ ما تناوَله، وما هذا سبيلُه لا يحتجُّ به فيما أريدَ به، كما نقولُ في قولِه سبحانه: {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات: 12]، فإنه لا يعلمُ من لفظهِ ما فيه إثم إلا بدليلٍ.
فيقالُ: ليسَ تخصيصُه بمثابةِ قوله: أردتُ به البعضَ، لأنَّ التخصيصَ يُخرجُ من الجملةِ بعضَها، لكنه بعض معلومٌ، بلفظ صريح يَبْقَى (2) به ما بقي منها، مثلُ قولي في المرأة التي قُتِلَت: "ما بالُها قُتِلَت وهي لا تقاتل؟! " (3) بعد أمرِه بقتل المشركين (4)، فأخرجَ المرأةَ، فالجملةُ الباقيةُ بعد إخراجِ النِّساء معلومة، وهي من يقع عليه
__________
(1) "التبصرة": 190.
(2) في الأصل: "بقا".
(3) عن عبد الله بن عمرَ: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى في بعض مغازيه امرأة مقتولة، فأنكر ذلك، ونهى عن قتل النساء والصبيانِ.
أخرجه مالك في "الموطأ" 2/ 447، وأحمد 2/ 34 و 75 - 76 و115، والبخاري (3014) و (3015)، ومسلم (1744)، وأبو داود (2668)، وابن ماجه (2841)، والترمذي 15691)، وابن حبان (135)، والبغوي (2694).
(4) بقوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ...} [التوبة: 5].
(4/73)

اسمُ مشرِكٍ.
فأمَّا قوله: لا تقتلوا لعضَ المشركين، وقوله: {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات: 12]، لا يُدرى به أيُ المشركين، ومَن البعض، ولا يُدرى أيُّ الظنون يتعلق به المأثمُ، فوِزانُه من العمومِ المخصوص، أنْ نقولَ: الظنُّ كلُّه إثمٌ، ثم نُخرِجُ بدلالةٍ ظناً مخصوصاً، فتبقى جميعُ الظنونِ ما عدا المُخْرَجَ يتعلقُ (1) بها الإثم.
فأمَّا شبهةُ البصريَ: فهي أنَّ آيةَ السرقةِ، لا يمكنُ العملُ بها حتى يَنضمَّ إليها شرائط [لا] (2) ينبىء اللفظُ عنها، والحاجةُ إلى بيانِ الشرائطِ التي يتمُّ بها الحكمُ، كالحاجةِ إلى بيانِ الحكم، وقد ثبتَ أنَّ ما يفتقرُ إلى بيانِ حكمِه مجملٌ، كقوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43]، فكذلكَ ما يفتقرُ إلى بيانِ شرائطِ الحكمِ.
فيقال: إنَّ هذا باطلٌ بقوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5]، فإنَّه لا يمكنُ العملُ به، حتى تُبينَ شروطُ استحقاقِ القتلِ للمُشْركِ، من العقلِ، والبلوغِ، والذكورةِ، وبلوغِ الدعوةِ، ثمَّ لا تُجعلُ الحاجةُ إلى بيانِ ذلكَ، كالحاجةِ إلى بيانِ المراد بالمجملِ من اللفظِ، ولا يكونُ قوله: {فَاقْتُلُوا}، مثل قوله: {وَآتُوا حَقَّهُ} [الأنعام: 141].
فإن قيل: تلكَ الآيةُ إنما افْتَقَرَتْ إلى بيانِ من لم يُرَدْ بالَآيةِ مِن الصبيانِ والمجانينِ، فحمِلَت في الباقي على ظاهرِها، وها هنا يُفْتقَرُ إلى بيانِ ما أُريد بالَآيةِ من شروط القطع، ولهذا اشتغلَ الفقهاءُ بذكرِ شرائط القطعِ دون ما يُسقط القطعَ، فافترقا.
__________
(1) في الأصل: "لا يتعلق".
(2) ليست في الأصل، وأثبتناها لضرورة صحة السياق.
(4/74)

قيل: لا فرقَ في الموضِعَينِ، فإنَّ آيةَ السرقةِ، إنما تفتقرُ إلى بيان مَنْ لا يراد، وهو مَنْ سرقَ دونَ النِّصابِ، أو سرقَ مِن غيرِ حرزٍ، أوكانَ والداً أو ولداً، وأما ذكرُ الفقهاءِ شرائط القطع، فلا عبرةَ به، لأنَّهم سلكوا بذلكَ طريقَ الاختصارِ، وإنَّما فعلوا ذلكَ؛ ليعرفَ بذلكَ مَنْ لا يَجبُ عليه القطعُ، وإنَّما الاعتبارُ بما يقتضيه اللفظُ، وما أُخرِجَ منه، ومعلوم أنَّ الظاهرَ يقتضي وجوبَ القطعِ على من سَرَق، والدليلُ دلَّ على إخراج مَنْ ليس بمراد؛ مِن صبيٍّ، ومجنونٍ، وولدٍ ووالدٍ، وغير ذلك، فصارَ ذلكَ بمنزلةِ ما ذكرناه من آية القتلِ، التي تقتضي بظاهرها إيجابَ القتلِ على كلِّ مشرِكٍ، ثم دلَّ الدليل على إخراج مَنْ ليسَ بمرادٍ بها.
وأمَّا قولُه: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43]، فيحتمل أن نقول: إنَّها تتناولُ كلَّ دعاءٍ، إلا ما يُخرِجُه الدليلُ، ويحتمل أن نقولَ: إنها مجملة، فتفتقرُ إلى البيانِ.
فعلى هذا: الفرقُ بينهما: أنَّ المرادَ بالصلاةِ لا يصلحُ له اللفظُ في اللغةِ، ولا يدلُّ عليه، وما يرادُ بالسارق، يصلح له اللفظ ويعقل [منه] (1)، ألا ترى أنَّه إذا أخرجَ من آية السرقة مَن لا يرادُ قطعُه، أمكنَ قطعُ مَنْ أريدَ قطعُهُ بظاهرِ الآيةِ، هاذا أخرجَ من آيةِ الصلاةِ ما ليسَ بمرادٍ، لم يمكنْ أن يحملَ على المرادِ بالآيةِ، فافترقا.
ومما تعلَّقَ به البصريُّ أيضاً: أنَّ القطعَ يحتاجُ إلى أوصافٍ سوى السرقةِ من النِّصاب والحرزِ، وغير ذلكَ، فصارَ بمثابةِ ما لو احتاجَ
__________
(1) زيادة يقتضيها السياق.
(4/75)

إلى فعلٍ غيرِ السَّرقةِ، ولو [افتقر] (1) إلى فعلٍ غيرِ السَّرقةِ في إيجاب القطعِ، لم يمكن التعلقُ بظاهِره، فكذلكَ إذا افتقرَ الى أوصافٍ سوى السرقةِ.
فيقال: هذا باطلٌ بآية القتلِ، فإنَّها تتعلَّقُ بأوصافٍ غيرِ الشَركِ، كالبلوغِ والعقلِ، ثم لا يصيرُ ذلك بمثابةِ ما لو احتاج إلى فعلٍ آخرَ في إيجابِ القتلِ، في إجمالِ الَايةِ، والمنعِ من التعلُّق بها.
ويخالفُ هذا: إذا افتقرَ الحكمُ إلى فعلٍ آخرَ، فإنَّ هناكَ (2) لو خُلِّينا وظاهرَ الآية (3)، لم يمكن تَقْييدُ (4) شيءٍ من الأحكامِ به، فافتقرَ أصلُها إلِى البيانِ، وها هنا (5) لو خُلِّينا والظاهرَ لم نُخْطِىء (6) فيها إلا في ضمِّ (7) ما لم يُردْ إلى ما أُريدَ باللفظ، فعملنا بالظاهرِ في الباقي (8).

فصلٌ
عمومُ اللفظ إذا قُرِنَ به المدح أو الذمُّ، لم يصِرْ مجملاً، ويصحُّ الاحتجاج (9) به
وذلك مثل قولِه سبحانه: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5)} [المؤمنون: 5]، وكقوله: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ
__________
(1) زيادة في "شرح اللمع" 2/ 153.
(2) يعني: في آية السرقة.
(3) في الأصل: "الأمر" والمثبت من "التبصرة": 192.
(4) في الأصل: "يتقيد".
(5) يعني في آية القتل.
(6) في الأصل "نحط".
(7) في الأصل: "ضمن".
(8) "شرح اللمع" 2/ 154.
(9) في الأصل: "الاجتهاد".
(4/76)

وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34)} [التوبة: 34]، خلافاً لبعضِ أصحاب الشافعيِّ (1)، وبعضِ الأصوليين: يصَيرُ مجملاً باقترانِ ذكرِ الذمِّ أو الَمدح (2).

فصل
في أدلتنا
منها: أن صيغةَ العمومِ، قد وُجِدَت، وشملَت الجنسَ الموصوفَ بحفظِ الفروجِ، وكنزِ الذَّهبِ، والامتناع من إخراجِ الزكاةِ منه، وليسَ في ذكرِ الوصفين ما يمنعُ كونَها (3) عامَّةً غيرَ مجملةٍ، لأنَّها تضمنت ذكرَ جماعةٍ وُصِفوا بالبخلِ، وجماعةٍ وُصِفوا بالعِفَّةِ، وجميعاً يفهم مَعناهما (4) من الصيغة واللفظِ، كما لو قال: اقتلوا المشركين. ولا فرقَ بين الأمرِ بقتلِ جماعةٍ موصوفةٍ بالشِّركِ، وبين البشارةِ بالعذابِ لجماعةٍ موصوفةٍ بالبخلِ بالزكاةِ والمنعِ.
__________
(1) وهو قول مرجوح عند الشافعية، والثابتُ المقرر عندهم أنه يصحُ الاحتجاج بعموم اللفظ وإن اقترن بذكر المدح أو الذم.
انظر "التبصرة" (193)، والمحلي والبناني على "جمع الجوامع" 1/ 422، و"المحصول" 3/ 135، و"الإحكام" 2/ 406.
(2) انظر "التمهيد" 2/ 160، و"المسوَّدة" (133)، و"شرح الكوكب المنير" 3/ 254.
(3) أي كون الآية عامَّةَ.
(4) في الأصل:"بمعناهما".
(4/77)

ومنها: أنَّ [اقترانِ] الوعيدِ والذَّمِّ به، لا يجعلُه مجملاً، و (1) لا يمنعُ من الاحتجاجِ به، كاقترانِ إيجابِ القطعِ بعمومِ (2) السُّراقِ، واقترانِ ذكرِ الجَلْدِ والرَجْمِ بعمومِ الزناة (3)، بل إنْ لم يكن ذكرُ العقابِ والثواب والمدحِ والذمِّ مؤكِّداً، لم يكن مُخرِجاً له عن الاستدلالِ، لأنًّ ربْطه بالمدحِ والذمِّ مؤكِّدٌ للحكمِ الموجِب للذمِّ والمدحِ، ولأنَّ العقابَ (4) أبلغ من الذمِّ، ثم إنَّه لو قَرَنَه بإيجاب العقوبةِ، لم يمنع الاحتجاجَ به، فإذا قَرنَه بالذمِّ، كان أولى أَن لَا يمنع.

فصلٌ
في شبهِهم
قالوا: القصدُ بهذهِ الآياتِ المدحُ والذمُّ على الفعل، دونَ ما يتعلقُ به الحكمُ من الشرائِط والأوصافِ، فلا يجوزُ التعلُّقُ بعمومها فيما يستباحُ، وفيما تجبُ فيه الزكاةُ، كما قلنا في قوله عزَّ وجلَّ: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141]، لمَّا كانَ المقصودُ بها: بيانَ إيجابِ حقٍّ في الزرع، لم يجز الاحتجاجُ بعمومه في المقدارِ والجنسِ.
فيقال: لا نُسلِّم أنَّ القصدَ فيها الذمُّ والمدحُ دونَ الحكمِ، بل القصدُ بيانُ تأكيدِ الحكمِ في الإثابةِ على فعلهِ، والذَّمِّ على تركِه، ولو
__________
(1) في الأصل: "أو".
(2) في الأصل: "لعموم ".
(3) في الأصل "الزنا".
(4) في الأصل: "العتاب".
(4/78)

كانَ القصدُ المدحَ والذمَّ خاصةً، لما كان لذكرِ حفظِ الفروِجِ، وكنزِ الذهبِ من غير إيفاءِ الحقوق معنى، ألا ترى أنَّه [لو] قرن بالعموم ذِكر عقوية، أو قرنَ به ذكرَ جزاء أو مثوبةٍ، لم نَقُل: إنَّه قصدَ نفسَ العقوبةِ، بل قصدَ بذكرِ العقوبةِ عمومَ الصرفِ عن القبائح، والإبعاد عن الجرائم، بذكرِ العقوبات الصوارفِ، كذلكَ في الذمِّ وَالمدحِ.
على أنَّه لو كان هذا صحيحاً، وأنَّ ذكرَ [المَدْحِ أو] الذمِّ يمنعُ كونَ الحكم مقصوداً، لجازَ أن يُقلَبَ، ويقال: إنَّ ذكرَ الحكمِ يمنعُ كونَ المدحِ [أو الذَّمِّ] مقصوداً، وهذا باطلٌ، بإجماعنا، فكذلكَ ما قالوه.

فصلٌ
إذا وردَ الأمرُ بالصلاةِ والحجِّ والزكاةِ، بقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43]، {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]، {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97]، فإنَّه قبلَ البيانِ لذلكَ من الشَّرعِ: مجملٌ، وبعدَ البيانِ: مفسَّرٌ، فلا يُرْجَع إلى الدعاءِ والقصدِ والصدقةِ قبل بيانِ المرادِ به.
وقالَ بعضُ الشافعيّهِ: هو عام يتناولُ اللغويَّ والشرعيَّ (1)، فيشملُ كلَّ قصدٍ ودعاءٍ وصدقةٍ، وقال بعضهم: هو مجملٌ (2).
__________
(1) وهو قولُ القاضي أبي بكر الباقلاني، وتابعه في ذلك أبو نصر القشيري "الإحكام" 3/ 23.
(2) وهو ما ذهب إليه أكثر الشافعية، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد رحمه الله.
انظر "التبصرة" (198)، و"المستصفى" 1/ 357 - 358، و"البحر المحيط" 3/ 461، "والعدة" 1/ 143.
(4/79)

فصل
في دلائلنا
فنقول: إنَّ هذه الصيغَ لا تُعرفُ، ولا يُعقلُ معناها من لفظِها؛ لأن المقصودَ يختلفُ، وكذلكَ الأدعيةُ والزكاةُ، والأفعالُ المخصوصةُ التي هي المقصودُ بها، لا تعقلُ من هذهِ الصيغ.

فصل
فيما تعلق به مَن نصرَ العمومَ
[قالوا]: إنَّ الصلاةَ: الدعاءُ، والحجَّ: القصدُ، والزكاةَ: الزيادةُ، فوجبَ أن يحملَ على كلِّ دعاء، وكلِّ قصدٍ، وكل زيادة، إلا ما يخُصه الدَّليلُ، فيكونُ على عمومِه كسائرِ العموماتِ.
فيقالُ: لا نسلِّم، بل الصلاةُ: أفعالٌ مخصوصةٌ، والحجُّ كذلك، والزكاةُ: صدقةٌ مخصوصة من مالٍ مخصوصٍ بشروطٍ مخصوصةٍ، فلا يصحُّ حملُه على العمومِ فيما ليس بمرادٍ به.
على أنَّا وإن علمنا أنَّ الصلاةَ: [الدعاء]، فلا ندري بما ندعو، وإن علمنا أن الحجَّ: القصدُ، فلا ندري كيفَ نقصِد، فهو كالحقِّ، ندري أنَّه شيءٌ يُخرَجُ (1)، لكن لمّا لم نعرفْ جنسَه وقدرَه، كان قولُه: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141]، مجملاً، وإن كانَ
__________
(1) في الأصل: "يخرج الحق" بزيادة لفظة: "الحق"، والظاهر حذفها.
(4/80)

الحقُّ هو اللازمَ الواجبَ في اللغةِ، لكنْ لمَا جُهِل قدرُه ومصرفُه، كانَ مجملاً (1).

فصلٌ
في النفي إذا علِّقَ في (2) الشيء على صفة، كقولِه عليه [الصلاةُ و] السلامُ: "لا صلاةَ إلا بفاتحةِ الكتابِ" (2)، "لا نكاحَ إلا بولي" (3)، "إنما الأعمالُ بالنياتِ، ولكلِّ امرىء ما نوى" (4)، وأمثالِ ذلكَ من الألفاظِ المستعملَةِ في نفي أوإِثْباتٍ، أو رفع و (5) إسقاط، حُمِلَ ذلكَ على نفي الاعتدادِ بالشيءِ بالكليةِ، وعدمِ الإجزاءِ به شرعاً.
__________
(1) "العدة"1/ 143 - 144.
(2) في الأصل: "على".
(2) تقدم تخريجه 2/ 444.
(3) أخرجه من حديث أبي موسى رضي الله عنه: أحمد 4/ 394، والدارمي 2/ 137، وأبو داود (2085)، والترمذي (1101)، والحاكم 2/ 170، وابن حبان (4076) و (4077) و (4078) و (4083) و (4090)، والبيهقي 7/ 108.
وسبق تخريج حديث عائشة بلفظ: "لا نكاح إلا بولي، وشاهدي عدل" 3/ 308.
(4) أخرجه من حديث عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه: أحمد 1/ 25 و 43، والبخاري (1) و (54) و (2529) و (3898) و (5070) و (6689) و (6953)، ومسلم (1907)، وأبو داود (2201)، والترمذي (1647)، والنسائي 1/ 58 - 60 و 6/ 158، والبغوي (1) و (206)، وابن حبان (388) و (389)، والبيهقي 1/ 41.
(5) في الأصل: "أو".
(4/81)

وقال بعضُ أصحابِ الشافعيّ: لا طريقَ إلى شيءٍ من ذلكَ إلا بدليل (1)، وهو قول البصريِّ من أصحابِ أبي حنيفة (2).

فصلٌ
في أدلتِنا
إنَّ هذا اللفظَ موضوعٌ للتأكيدِ في نفي الصفاتِ، ورفعِ الأحكام، ألا ترى أنَّه يقال: ليسَ في البلدِ سلطانٌ، وليسَ للنَّاس ناظرٌ، وليس لهم مدبرٌ ينظرُ في أمورِهم، والمرادُ بذلكَ: نفى الصَفاتِ التي تقعُ بها الكفايةُ، [ومنعُ] الاعتدادِ بالنَظرِ لهم في الأمورِ السياسيةِ؟ وإذا كان ذلكَ مقتضاه، وجَبَ إذا استعملَ في عبادةٍ أو غيرِها أنْ يُحْمَلَ على نفيِ الكفايةِ ومنعِ الاعتدادِ بها.
ومنها: أنَّ النبيَّ صلى اللهُ عليه وسلَّم لا يجوزُ أنْ يقصِدَ بالنفي أصل الفعلِ الموجودِ مشاهدةً وحسَّاً؛ لمشاركتنا له في دركِ
__________
(1) نُسِب هذا القول إلى القاضي أبي بكر الباقلاني، وأنه يقول: بأن النفي المعلَّق على صفة، هو من قبيل المجمل، فلا يحمل على شيءٍ إلا بدليل.
والراجح عند الشافعية: أن هذه الصيغة تحملُ على منع الاعتداد بالشيء في الشرع.
انظر "التبصرة" (203)، و"المستصفى" 1/ 351، و"الإحكام" للآمدي 3/ 21.
(2) أما الحنفية، فإنهم يقولون: بأنَ هذه الصيغة تدكُ على عدم الاعتداد بالمنفيِّ شرعاً.
انظر "أصول السرخسي" 1/ 251.
(4/82)

المحسوساتِ، ولا من طريقِ اللغة، لأنَّ اللغةَ تتبعُ حقائقَ الموجوداتِ من المسمَّياتِ، فلم يبقَ إلا أنَّه قصدَ الأحكامَ والصفاتِ الشرعيةَ التي يترتبُ عليها الإجزاءُ والاعتدادُ.
ومنها: أنَّ قوله: "لا صلاةَ إلا بأمِّ الكتابِ"، متى أثبتنا "مجزئةً"، فقد ثبتت حسَّاً وقطعاً من طريقِ الصورةِ، فإذا أثبتناها صحيحةً مجزئةً أيضاً، لم يبق لنفيه صلى اللهُ عليه وسلَّم حقيقةٌ، وكلُّ قولٍ أبطَلَ ما نفاهُ صاحبُ الشرع، كان باطلاً، كما أنَّ كلَّ قولٍ أبطلَ ما أثبته، كان باطلاً (1).

فصلٌ
في شبهِهم في ذلك
قالوا: النفي في هذه الألفاظِ لا يجوزُ أن يكونَ راجعاً إلى نفي المذكورِ من الصلاةِ والنَكاحِ والأعمالِ، فإنَّ ذلكَ كلَّه موجود حسَّاً وحقيقةً، فلم يبقَ إلا أن يكونَ راجعاً إلى غيرِه، وذلكَ الغيرُ ليس بمتَّحِدٍ، بل له أعيان عدَّة: الصحةُ والإجزاءُ، والفضلُ والكمالُ، وليس حملُه على أحدِهما بأولى من الآخرِ، ولا يجوزُ الحملُ عليهما -يعني الإجزاءَ والفضيلةَ- لأنَّ حملَه على نفي الفضيلةِ والكمالِ، يقتضي صحةَ الفعلِ، لأنَّ الفضلَ فرعٌ على الصحةِ، وحملُهَ على نفي الجوازِ يمنعُ صحةَ الفعلِ.
ولأنَّ الفضيلَة والجوازَ معنيانِ مختلفان، فلا يجوزُ حملُ اللفظِ
__________
(1) "التبصرة" (204).
(4/83)

الواحدِ على معنيينِ مختلفينِ، فوجَبَ التوقفُ مع هذهِ الحالِ حتى يردَ البيانُ، ولا يحملُ عليهما جميعاً، لأنَّه قولٌ بالعمومِ في المضمَراتِ.

فصل
في الجوابِ
وهو أنَّا نقولُ: إنَّ النفيَ راجعٌ إلى نفس العَقدِ والصَّلاةِ الشرعيينِ، فلا صلاةَ شرعيةٌ، ولا نكاحَ شرعيٌ، ولاَ عملَ شرعيٌ إلا بالقراءةِ، والوليِّ، والنيةِ.
فإذا قلنا ذلكَ، فقد قلنا بالنفي حقيقةً، واستغنينا عن القولِ بالعمومِ، بدعوى (1) العمومِ في المضمَرات التي لم يجرِ لها ذكرٌ إذ (2) لم تذكر صحةٌ ولا فضيلةٌ، و [في]، دعوى العمومِ في المضمَراتِ تجاذبٌ وتطويلٌ نحن أَغنياء عنه مع هذا القولِ، فلا نكاحَ شرعيٌّ، ولا صلاةَ شرعيَّهٌ، ولا عملَ شرعيٌّ.
[و] كما صرفنا النفيَ المطلَقَ إلى الأصلِ في قولهم: لا سلطانَ في البلدِ، ولم نصْرِفه إلى صفةٍ في السلطانِ إلا بدلالةٍ، كذلك نَصرِفُ هذا بأصلِ الوضع إلى صلاةٍ معتدٍّ بها شرعاً، ولا نصرِفُه إلى صفَةٍ في الصحةِ، وهي الَفضيلةُ إلا بدلالةٍ.
__________
(1) وقع في الأصل بين قوله: "بالعموم" وقوله: "بدعوى"، زيادة: "وعاد القول بالعموم"، ويغلب على ظننا أنها مقحمة لا تعلق لها بالنص؛ بدليل استقامته دونها.
(2) في الأصل: "إذا".
(4/84)

وإن دخلنا على التزامِ الأشدِّ، وهو ردُّ النفي [إلى] أحكام الصلاةِ والعقدِ والأعمالِ المذكورةِ في الأخبارِ، وإلى صفاتِها دونَ أصولِها، فَهيَ وإنْ لم تكنْ مذكورةً، إلا أنَّها معلومة بظاهرِ اللفظِ، ألا ترى أنَّ قولَ القائلِ: أقَلتُكَ عثرتَكَ، ورفعتُ عنكَ جنايتَكَ، يعقلُ منه: أحكامُ العثرةِ والجنايةِ، وهي المؤاخذةُ بها، والمقابلةُ عليها، دون ذاتِها؟ لأنَّ تلكَ انعدمت عَقيبَ وجودِها، ووجَب عدمُها لانعدامٍ أَعدَمَها (1)، وكذلكَ الأعمالُ كلُّها.
وإذا كانَ هذا معلوماً من جهةِ ظاهرِ اللفظِ، كان بمنزلةِ المنطوفِ به، وليس كل ما عُدِمَ من صيغةِ اللَّفظِ، لم يكن له حكمُ اللَّفظِ إذا كانَ معقولاً، بدليلِ الأَوْلى والتنبيه، فإنَّه ليس بمنطوقٍ به، فإن الضربَ والشتمَ ليس بمنطوقٍ به في النهي عن التأفيف، وجُعِلَ له حكمُ النطقِ، لمَّا كان معقولاً من طريق النطق.
وأمَّا قولُهم: إنَّ حملَه على الجميعِ دعوى عمومٍ في المضمَراتِ، وذلكَ يؤدي إلى التناقضِ، فلا (2) يصحُّ، لأنَّ ذلكَ لو أدَّى إلى التناقضِ، لوجَب إذا أُخرِجَ من الإضمارِ إلى الإظهارِ والنطقِ بهِ، أن لايصحَّ، ومعلومٌ أنَّه لو صَرَّحَ، فقالَ: لا صلاةَ جائزةٌ لا ولا فاضلةٌ إلا بأمِّ الكتاب، ولا نكاحَ صحيح ولا فاضلٌ إلا بوليٍّ، [لم يكن متناقضاً]، ولو كانَ متناقضاً، لانْكشَفَ تناقضه لَمّا تطق به، ألا ترى أنَّ سائرَ المتناقضاتِ، إذا صُرِّحَ بها، انكشفَ تناقضُها؟ مثلُ قولِ القائلِ: قامَ زيدٌ جالساً، وتكلَّم صامتاً، وعاش ميتاً.
__________
(1) رسمت في الأصل: "لا نعدم اعدمها".
(2) في الأصل: "لا".
(4/85)

وأمَّا قولُهم: إنَّهما معنيانِ مختلفانِ، واللَّفظُ الواحدُ لا يرِدُ بهما، لايسلَّمُ، لما بَيّنَا من قبل (1)، بل يجوزُ أن يتناولَ اللفظُ الواحدُ (2) معنيين مختلفين.
وقد تَعلَّق بعضُهم علينا فيها: بأنَّ العربَ لا تعرفُ أحكامَ الأفعالِ، بل صُوَرها، وإنَّما الأحكامُ شرعيةٌ حادثةٌ (3).
فيقالُ: لا يصحُ تجهيلُ القومِ، والدعوى عليهم بذلكَ (4)، وهُمْ يعرفون للأفعالِ (5) أحكاماً؛ من حيثُ المؤاخذةُ في الأفعالِ المذمومةِ، والجناياتِ المسخوطةِ، والاعتدادُ بالأفعالِ المحمودةِ، وإنَّما جاءَ الشرعُ بمؤاخذةٍ من جهةِ الله [سبحانه]، فالجهةُ التي جاءت بها الشريعةُ هي الزيادةُ، لا أصلُ الأحكامِ.
ألا ترى أنَّهم قالوا: أقلناك عثْرتَك، واعتددنا لك بخدمتِك، فإذا قالوا: لا عملَ لزيدٍ، ولا جنايةَ لعمروٍ، أرادوا: لا عملَ معتدٌّ به، ولا جنايةَ يؤاخذُ بها، لمكان عفونا عنها، فما (6) تَجدَّد في الشرع سوى إضافةِ الحكمِ إلى الشرعِ، فالإضافةُ تجدَّدت، لا أصل الحكمِ، فبطل ما ذكروا.
__________
(1) في الصفحة: (65) وما بعدها.
(2) في الأصل: "أحد".
(3) "التبصرة" (206).
(4) في الأصل:"ذلك".
(5) في الأصل:"الأفعال".
(6) في الأصل:"فيما".
(4/86)

فصلٌ
في القول في تأخير البيان
لا يختلفُ العلماءُ: أنَّه لا يجوزُ تأخيرُ البيانِ عن وقتِ الحاجةِ، ولا يختلفونَ أيضاً: أنَّه يجوزُ تقديمُه على الفعلِ، فإنَّه لو أخَّرَ المكلَّفُ الفعلَ إهمالاً وإغفالاً، لم يمنع ذلكَ من تقديمِ البيانِ على الفعلِ (1) المؤخَّر عن وقتِه.
واختلفوا في جوازِ تأخيرهِ عن وقتِ الخطابِ إلى وقتِ الحاجَةِ، فاختلفَ أصحابُنا على وجهينِ (2) حسب اختلافِ كلامِ أحمدَ رضي الله عنه:
فذهبَ ابنُ حامدٍ إلى جوازِ تأخيرِه، وهو ظاهرُ كلامِ أحمد.
وذهبَ أبو بكر عبد العزيز وأبو الحسنِ التميمي إلى المنعِ من تأخيرِ البيانِ، وقالَ أبو الحسن: لا يختلفُ المسطورُ (3) من كلامِ أحمدَ، أنَّه لا يجوزُ تأخيرُ البيانِ، ولم يفصِّل أصحابنا.
وبالأوَّلِ من المذهبين -وهو جوازُ تأخيرِه عن وقتِ النُّطقِ إلى وقتِ الحاجةِ- قال جمهورُ الفقهاءِ: جماعةٌ من أصحاب
__________
(1) في الأصل: "فعل".
(2) انظر الوجهين في مذهب أحمد في: "العدة" 3/ 725، و"التمهيد" 2/ 295 - 291، و"المسوَّدة" (178 - 179)، و"شرح الكوكب المنير" 3/ 453، و"شرح مختصر الروضة" 2/ 688.
(3) في الأصل: "السطور".
(4/87)

الشافعيِّ، [منهم:] ابن سريج وأبو سعيد الإصطخري (1)، وابن أبي هريرة، والطبري، والقفَّال (2).
وقالَ بالمنعِ من التأخيرِ -وهو المذهب الثاني لأصحابه-: المعتزلةُ، وكثيرٌ من أصحاب أبي حنيفة (3)، وكثيرٌ من أهلِ الظاهر؛ منهم ابن داودَ، وصارَ إلىَ هذا من أصحاب الشافعيِّ: أبو إسحاق المروزي، وأبو بكر الصيرفي، ومن قال بقوَلهما. فهؤلاء المختلفون في الجوازِ والمنعِ على الإطلاق.
واختلف بعضُ أصحاب الشافعيِّ في الجوازِ والمنعِ على التفصيل: فقال قومٌ منهم: يجوز تأخيرُ بيانِ العمومِ بالتخصيصِ، ولا يجوزُ تأخيرُ بيانِ المجملِ بالتفسيرِ (4).
__________
(1) هو أبو سعيد الحسن بن أحمد بن يزيد الإصْطَخْريُّ الشافعي، كان إماماً ورعاً زاهداً، ولِّيَ قضاء قُمَّر وهي مدينة قرب أصبهان وولِّيَ حسبة بغداد، له تصانيف كثيرة منها "أدب القضاء" توفيَ (328) ه وله نيف وثمانون سنة.
انظر "تاريخ بغداد" 7/ 268 - 270، و"طبقات الشافعية" 3/ 21 - 39، و "شذرات الذهب" 2/ 312، و"سير أعلام النبلاء" 15/ 250 - 252.
(2) وهو قول عامة أصحاب الشافعي، وهو المعتمدُ في المذهب، وهناك أقوال أخرى سيأتي ذكرها.
انظر "البرهان" 1/ 166، و"المستصفى" 1/ 368، و "التبصرة" (257)، و"الإحكام" للآمدي 3/ 41.
(3) ومذهب الحنفية، كما يبيِّنه الجصَاص: أنه يجوز تأخير بيان المجمل إلى وقت الحاجة، ويمتنع تأخيره فيما يمكن استعمال حكمه.
انظر "الفصول في الأصول" 2/ 46.
(4) انظر "التبصرة" (208)، و"الإحكام" 3/ 32،
(4/88)

وقالَ قومٌ منهم بالعكس: يجوزُ تأخيرُ بيان المجمل، ولا يجوزُ تأخيرُ بيانِ العمومِ (1).
وقالَ قومٌ من المتكلِّمينَ: يجوزُ تأخيرُ بيان الأخبارِ دونَ الأمرِ والنهي.
ومنهم من عكس: فأجازَ تأخيرَ ذلك في الأمرِ والنهي، ولم يِجوِّز تأخيرَ بيانِ الأخبارِ (2).

فصلٌ
في جمعِ أدلةِ السمعِ (3) على جوازِ ذلكَ على الإطلاق
أمَّا من كتابِ الله تعالى: فقوله (4): {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ} [هود: 1] وقوله: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 18 - 19]، فوجه الدلالةِ: أنَّه أتى بحرفِ التراخي والمهلةِ، بعد ذِكرِ الإنزالِ والإحكام، فدلَّ على جوازِ تأخيرِ بيانهِ، وتراخيه عن إنزاله.
فإن قيل: إنَّما أرادَ بالبيانِ ها هنا: إظهارَه وإعلانَه، يوضِّح هذا، وأنَّه لم يردِ البيانَ الذي نتكلمُ فيه: أنَّه قالَ في أوَّلِ الآيةِ: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ}
__________
(1) "الاحكام" 3/ 32.
(2) "التبصرة" (208)، و "التمهيد" 2/ 290.
(3) في الأصل: "للسمع".
(4) في ألاصل: "قوله".
(4/89)

[القيامة: 16 - 17] ولهذا شرطَ ذلكَ في جميع القرآنِ، وذاك إنَّما هو الإعلانُ والإظهارُ، فأمَّا بيانُ المجملِ والمغلق (1)، فذاكَ في بعضِه.
قيل: البيانُ: إخراجُ الشيءِ من حيِّز الخفاءِ إلى حيزِ التجلي والظهورِ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنَّ من البيانِ لسحراً" (2)، ووكل البيان إليه، فقال. {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ} [النحل: 44]، فثبتَ أنَّ البيان ما ذكرنا.
فإنْ قيل: ما الذي (3) يُصحِّحُ أنَّ البيانَ الذي ضَمِنَه، وقالَ: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 19]: [ليس] هو الحفظَ له، والإعلان بالنُّصرةِ الموجبةِ لإظهارهِ، بعد أنْ [كان] يُتْلى في البيوتِ، ووراءَ الجدرانِ خوفاً من قريش؟
قيل: ليسَ بين قولِه: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ} [النحل: 44] وبينَ قولِه: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 19] تنافٍ حتى يُحملَ البيانُ على معنيين، فإنَّ قوله: {لتبيِّنَ} إضافةُ البيانِ إليه تبليغاً وإعلاماً، وقولَه: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} هو إضافةُ الإمدادِ بإلهامِ اللهِ لهُ التأويلاتِ، والإلقاءِ في رُوعهِ معاني التلاواتِ، ألا ترى إلى قوله: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى} [الأعلى: 6]، {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]؟ والحفظُ المضافُ إلى اللهِ سبحانَه إنَّما هو أحدُ أمرين: إمَّا إثباتُ القرآن في قلبهِ، بحيثُ لا يتطرقُ إليه ذهابُه عن قلبهِ بنسيانٍ، ولا ذهولٍ.
__________
(1) في الأصل: "المعلن".
(2) تقدم تخريجه 1/ 185.
(3) في الأصل: "فالذي".
(4/90)

أو حفظُه من التبديلِ والتغييرِ، الذي تطرَّقَ على غيرِه من الكتبِ، كالتوراةِ والإنجيلِ.
ومن ذلكَ: قولُه تعالى: {قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ} [العنكبوت: 31]، فقال إبراهيمُ قولَ من اعتقدَ أنَّ لوطاً وأهلَه مُهلَكين أيضاً: {إِنَّ فِيهَا لُوطًا} [العنكبوت: 32] فقال الملكُ: {قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ} [العنكبوت: 132] وهذا بيان تأخَّرَ عن خطابٍ، فقد بانَ [بُطلانُ] (1) دعواهم إحالتَه.
ومنها أيضاً: قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: 67]، فلما سألوا عن حقيقةِ ما أمرَهم بذبحِه من البقرِ، بيَّنَ ذلكَ بعد الخطاب بياناً كشفَ عن أنَّه أرادَ به البقرةَ الجامعةَ للصفاتِ المذكورةِ، وهذاَ بيان بعد خطابٍ متأخِّرٌ عنه.
ومن ذلك: قوله تعالى في قصة نوح: {فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ} [المؤمنون: 27]، وقولُ نوحٍ لمَّا رأى ولده يغرقُ: {إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ} [هود: 45]، فبيَّن له بقوله: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود: 46]، الذينَ أمرناكَ باستصحابهِم في السفينةِ، {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [هود: 46] فأخَّر بيانَ اشتراطِ العملِ الصالح مع الأهليةِ، عن أمرِه له بأن يَسلُكَ فيها من كلٍّ زوجينِ اثنينِ وأهلَهَ.
فإن قيل: إنَّ اللهَ سبحانَه لا يخلُّ بالبيانِ عن نفس الخطابِ، ولا أخلَّ به، إنَّما يُدْهَى المكلفون في ذلكَ من قِبَلِ إهمالِهم التأملَ
__________
(1) زيادة يقتضيها السياق.
(4/91)

والنظرَ في معاني كلام الله، وما أودَعه من البيانِ، فإن اللهَ سبحانَه لَما قالَ له: {وأهلكَ}، عقَبه بالاستثناءِ فقال: {إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ} [المؤمنون: 27] ثم عقَّب ذلك بأظهرَ منه بياناً، فقال: {وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} [المؤمنون: 27]، وابنُه كان ممَّن كفرَ، وكان ظالماً، فقد أخرَجه من جملةِ الأهلِ بالاستثثاءِ، والنَّهْي عن الخطاب فيه، ولولا ذاكَ، لما قال له: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود: 46،]، وإنما نفى الأهليةَ عنه التي أَمَرَه بأن يسلكَها السفينةَ.
وكذلكَ قال للوط: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ} الى قوله: {إِلَّا امْرَأَتَكَ} [هود: 81] إلى قوله: فما زالَ سبحانَه يستثني ويبيِّنُ لهم، وينسيهم ويُذهلُهم عن الفهمِ محبةُ الأهل، وفرطُ الإشفاقِ، فيؤتَونَ من قِبَلِ نفوسِهم في ذلكَ، لا لأنَّ الكلامَ يفتقرُ إلى بيان يتأخرُ عنه، وبمثلِ هذا ذَهَلَ أهلُ الإلحاد المبطلينَ لمناقضةِ القرآنِ، عن معنى قوله عزَّ وجلَّ لآدمَ عليه السلام: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى} [طه: 118]، وقوله: {فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا} [طه: 121] , {فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا} [الأعراف: 22]، فعَرِيَ مع وعدِه بأنْ لا يَعْرَى فيها، وجهلوا ما طُويَ في الوعدِ من الشرطِ، وهو قوله: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} [البقرة: 35] {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى} [طه: 118] فكانَ المفهومُ من الشرطِ: أن لا يقربَ الشجرةَ، فلا (1) يجوع ولا يعرى، فلمَّا تركَ ما شُرِطَ عليه، سقطَ ما شُرِطَ له. وكلُّ ما أخرجَه البيانُ، وجَبَ عليهم
__________
(1) في الأصل: "لا".
(4/92)

إخراجُه بالتأويلِ فيه، فمن أهمل التأويلَ فيه (1) دُهِيَ (2) من قِبَلِ نفسِه، لا مِن قبل النطق.
قيل: إنَّ اللهَ سبحانَه لم يُعلِّق الحكمَ -وهو تغريقُ ابنِه- إلاَّ على بيانِ أنَّه عملٌ غير صالح، وأنَّه ليسَ من أهلِه الذينَ أرادهم بقوله: {وَأَهْلَكَ} ولو سبقَ البيانُ، لكانَ التوبيخُ على التقدِمةِ، ألا ترى أنَّه سبحانَه وبَّخ آدمَ وحواءَ على مخالفةِ التقدِمة؟ فقال: {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ} [الأعراف: 22] ولم يقل هنا: يا نوحُ، ألمِ أقل: وأهلكَ، إلا من ظلمَ وكفرَ؟ فعُلِمَ أنَّه قد كانَ الاستثناءُ متردِّداَ بين (3) عودِه إلى الكلام الآخرِ والجملةِ الآخِرةِ، وبينَ عودِه إلى: {مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ} [هود: 40]، فبيَّن له بياناً (4) مبتدأ، ولو عوَّل على الأوَّلِ في البيان، لوبَّخه على المراجعة والمعاودةِ، بعد تقدِمَةِ البيانِ، كما وبَّخ آَدمَ وحواء؛ حيثُ قدَّمَ لهما البيانَ، فعمِلا بخلافِه.
ومن ذلكَ: قولُه تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [الأنبياء: 98]، فإنَّها لمَّا نزلتْ نَاقَضَتْهُ اليهودُ بها، وقالَ ابنُ الزِّبَعْرَى: لأخصِمنَّ محمداً، ثمَّ قال: إنَّ الملائكةَ وعيسى قد عُبِدوا، فوقفَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن
__________
(1) في الأصل: "لله سبحانه".
(2) تحرفت في الأصل إلى:"وهي"، وكتبت بعد قوله: "نفسه"، وآثرنا إثباتها هنا؛ لأنه أوفق للسياق.
(3) في الأصل: "عن".
(4) في الأصل: "با ببا".
(4/93)

الجوابِ، إلى أن نزلَ البيانُ بقولهِ: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} (1) [الأنبياء: 101] فهذا بيانٌ تأخَّر عن خطابٍ.
فإن قيل: هذا ليسَ مِمَّا نحنُ فيه بشيءٍ، ولا حجةَ فيه؛ لأنَّ اللهَ سبحانَه قد أدرجَ (2) فيه دفعَ ما تعلَّقوا به، فإنَّه قال: (ما)، و (ما) لما لا يعقلُ، وعيسى والملائكةُ وعُزيرٌ يَعقِلون، ولم يقل: إنكم ومن.
الثاني: أنَّه قد بانَ أنَّهم اعتقدوا المناقضةَ، فقد كانت الحاجةُ داعيةً إلى بيانٍ يُزيل عنهم شبهةَ المناقضةِ، وليسَ حاجةُ المكلَّفين إلى العملِ (3) بالأمر المُجْمَلِ والعامِّ، بأوفى من حاجتهم إلى اعتقادِ اتفاقِ الآي وملاءَمَتِه، وتصديقِ بعضِه لبعضٍ، ونفي المناقضةِ عنه، وقد اتفقنا جميعاً على أنَّ تأَخُّرَ البيانِ عن وقتِ الحاجةِ لا يجوزُ، فلم يبقَ إلا أنَّ اللهَ سبحانَه قد بَيَّنَ في الآيةِ ما مَنعَ إيرادَ هذه الشبهةِ، وليس إلا قوِلهُ: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ} [الأنبياء: 98]، ولم يقل: ومَنْ تَعْبُدون.
قيل: لَوْ كان الأمْرُ كذلك، لاحتجَّ البارىء به، ووبَّخهم على اعتقادِ (4) المناقضةِ فيما لا يُوجبُها، فلمّا عَدَل إلى قول يُوجِبُ التَّخصِيصَ، علم أنَّه لم يعتمدَ على مقتضى (ما)؛ ولأنَّهُ قد قال سبحانه: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} [الشمس: 5]، وأراد به: ومَنْ بَناها.
__________
(1) تقدم تخريجه 3/ 315.
(2) في الأصل: "درج".
(3) في الأصل: "الأعمال".
(4) في الأصل: "اعتماد".
(4/94)

ومن ذلك: أنَّ الله سبحانه أوجب الصَّلواتِ الخمس، ولم يُبَيِّن أوقاتها، ولا أفعالها، حتّى نزلَ جبريلُ عليه السلام، فبيَّن للنَّبي صلى الله عليه وسلم وقتَ كل صلاةٍ، أوَّلَهُ وآخِرَه (1)، وبيّنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم للناس، وقال للسّائل عن الصلوات: "صَلِّ مَعَنَا" (2)، وقال لأصحابه: "صلّوا كما رَأيْتُموني أُصلِّي" (3)، وعلى ذلك أَمَرَ النّاسَ بالحجِّ، وأخذَ النّاسُ عنه (4) المناسك التي بيّنها ووقَّتها، وقال: "خُذوا عَنِّي مناسكَكُم " (5)، ولو لم يَجُزِ التأخيرُ عن وقت الخطاب، لما أَخَّرهُ (6).
ومنها: قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى} [الأنفال: 41]، كان ذلك يُعطي: جميعَ القرابة من بني نوفل وبني عَبْدِ شمس، فلمَّا جاء عثمانُ وجُبَيْرُ بن مُطعِم، وقالا ما قالا مِنْ أنَّه حَرَمَهُم [و] قَرابتُهم سواء، قال النبي
__________
(1) حديث تعليم جبريل عليه السلام الصَّلاة للنبي صلى الله عليه وسلم ورد بصيغ عديدة عن جمع من الصحابة، وأصح رواية له رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنه: أخرجها أحمد 3/ 330، والترمذي (150)، والنسائي 1/ 263.
قال الترمذي: وفي الباب عن أبي هريرة، وبريدة، وأبي موسى، وأبي مسعدة الأنصاري، وأبي سعيد، وعمرو بن حزم، والبراء، وأنس.
وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. ثم قال: وقال محمد -هو البخاري-: أصح شيء في المواقيت حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلَّم.
(2) تقدم تخريجه 1/ 194.
(3) تقدم تخريجه 2/ 440.
(4) في الأصل: "به على".
(5) تقدم تخريجه 1/ 194.
(6) في الأصل: "أخبره".
(4/95)

صلى الله عليه وسلم: "إنَّ بني هاشم وبني المطَّلب لم يفارِقُونا في جاهليةٍ، ولا إسلام" (1)، وأراد به: كونَهم معه في الشِّعْبِ حيثُ هَجَرَتْهُمْ قريشٌ، وهذا بيان منه لعثمانَ وجبيرِ بن مطعم بعد خطابٍ كان يَقتضي عمومَ القرابةِ المتساوية.

فصل
في الأدلة المُستنبطة
فمنها: أن البَيَانَ إنَّما يُرادُ لِصحَّةِ إيقاعِ الفِعْلِ مِن المكلَّفِ، وما كان بهذه المثابةِ لا يجب تَقديمُهُ على وقتِ الحاجةِ، بَلْ يَجوزُ تأخيرُه إلى وَقْتِ الحاجةِ إلى إيقاعِ الفعلِ، وذلك مثل (2) القدرةِ المُصَحِّحَةِ للفعلِ، والآلةِ (3) المستعملةِ فيه، لأنه لا حاجةَ به إليهما قبل وقتِ الحاجةِ، كذلِكَ البيانُ لا يُحْتَاجُ إليه سَلَفاً قبلَ الحاجةِ (4).
فإن قيل: تأخِيرُ القُدْرة والآلةِ لا يُوجِب جَهْلاً، وهذا يوجِبُ جَهْلاً، لأنَّه إذا قيل له: {فاقْتُلُوا المُشرِكينَ} [التوبة: 5] اعتقدَ وجوبَ قتل كُلِّ مُشْرِك، فإذا جاءَ التَّخْصِيصُ بَعْدَ ذلِكَ؛ بإخْرَاجِ أهْل الكِتَابِ إذا أدَّوا الجِزْية، والصِّبْيَانِ، والمَجَانِينِ، بَانَ اعْتِقَادُهُ لإيجَابِ
__________
(1) أخرجه أحمد 4/ 81 و 83 و 85، والبخاري (3140) و (3502)، و (4229)، وأبو داود (2978) و (2980)، والنسائي 7/ 130، وابن ماجه (2881) من حديث جبير بن المطعم بن عدي رضي الله عنه.
(2) في الأصل: "هو".
(3) في الأصل:"الاولة"
(4) "العدة" 3/ 728.
(4/96)

قَتْلِ الجَميعِ جَهْلاً.
وكذلك إذا قالَ: {وآتوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141]، لَعَمَّ (1) الجهلُ بالحق كل امرىء، فَلاَ نَدْرِي مَا الحق؛ فَكَانَت الحَاجَةُ إلى البَيَانِ دَاعيةً لنفْي هذا الجَهْلِ، إذِ الجهلُ قبيحٌ، والتَّعْريضُ بالقَبيحِ قبيحٌ.
فذلِكَ الذي أغْنى عَنْ تَقْدِيم القُدْرَةِ والآلَةِ، وَأحْوَجَ إلى تقديمِ البَيَانِ عَن وَقْتِ الفِعْلِ.
قيل: مَنْ آداهُ اللهُ عَقْلاً صَالحاً للتكليف، وعَرفَ ما قَدِ استقرَّ في لُغَةِ العَرَب مِنَ التَّخْصِيص الدَّاخِلِ على العُمُومِ، والتَّفْسِيرِ الوارِدِ بعْدَ الإجْمَال، لاَ يُبَادِرُ باعْتِقَادِ الجَهْلِ؛ لمُبَادَرَةِ (2) الأمْرِ بالعُمُوم والمُجْمَل، بَلْ يَعْتَقِدُ أنَّهُ عَلَى العُمُومِ مَا لَم يَرِدْ دَليلُ تخصيصٍ، فإن مَنَعْتُمْ من تأخيرِ البيانِ عن الخطابِ إلى وَقْتِ الحَاجَةِ، أو، جَوَّزْتُم مَعَ هذه الحَالِ الجَهْلَ على مَنْ أُزيحَتْ عِلَتُهُ؛ بمعرفةِ اللغة، وصحةِ الخلق، وصحة العقل، فامْنَعُوا مِن تأخيرِ القدرةِ والآلةِ، لتجويزِ جهلِ المكلّفِ؛ بظنِّهِ أنَّه قد كُلِّف ما لا يُطاق، حيث قُدِّمُ الأمرُ له مع إفلاسه حِينَ أُمِرَ من القدرةِ والآلةِ، ولَمَّا لم يُوجبْ ذلكَ اعتقادَ الجهل فيما قَرَّرْنا مِن أنَّه يَعْتَقِدُ العمومَ ما (3) لم تردْ دَلالةُ التخصيصِ، لم (4) يحتج أن يُقال له: افْعَل ما لم تَعجَز، وأوجب عَليكُم ما دُمتم
__________
(1) في الأصل: "تعين".
(2) في الأصل: "مبادرة".
(3) في الأصل: "مما".
(4) في الأصل: "ولم".
(4/97)

أحياءً، لَمَّا كانَ ذلك معلوماً، بدليل أنَّهُ أرادَ (1) ذلِكَ، كذلك لا يحتاج أنْ يقالَ للمكلَّفِ: ما لَمْ أَنْسَخ (2)، لعلمِهِ بالدليل أنّه كذلك.
ولأنَّه قد يردُ الخطابُ باسم حقيقةٍ في شيءٍ، يعتقِدُ المكلَّفُ الحقيقةَ بأصْلِ الوضعِ، فتقومُ دلالةٌ على أنَّه أرادَ المجاز، ولا يقال: إنه عَرَّضَ المكلفَ للتكذيبِ (3)، وكلامَهُ للكذب، لمَّا كانت عادة العرب ذلك.
والمعراجُ -مناماً أو يقظةً (4) - أوحى اللهُ إليه، أو كافَحَهُ (5) مكالمةً بفرضِ خمسينَ صلاةً، ولم يُطلعه على ما ينتهي إليه الأمر، أَتراهُ عَرَضَهُ للجهل حيثُ كان مُرادُهُ خمساً، لِمَا انتهى إليه من النسخ؟
على أنَّا نقابل ما ذكرتَ من حصولِ الجهل بما يُوفي على ذلك من النفع، وهو أنَّ اللهَ سبحانه إذا خاطبَ المكلفَ بإيتاء الحق، تلقَّى أمرَهُ باعتقادِ إيجابِ الحق، ويوطَنُ نفسَه على أداءِ أيَ حقٍّ بيَّنه وفسَّرهُ به، قَلَّ أو كَثُرَ، فحصلَ له في ذلك جزيلُ الثواب بما اعتقدَه
__________
(1) في الأصل: "إذا أراد"، ولا وجه لإثبات "إذا"، فلعلها مقحمة في النص، لذا حذفتها.
(2) هذه الجملة موضعها في الأصل قبل قوله: "لا يحتاج"، وأثبتها هنا دفعاً للبس والغموض في عبارة الأصل.
(3) في الأصل: "التكذيب".
(4) الثابت أن المعراج كان يقظة، وأنه عُرج بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بشخصِه في اليقظة
إلى السماء. "شرح العقيدة الطحاوية" (270) وما بعدها
(5) أي: واجَههُ وكلَّمه دون واسطة.
(4/98)

وأضمرَه، فإذا جاء تفسيرُ ذلك بأنَّه العُشْرُ أو رُبع العُشْرِ، أو مقدارٌ (1) ما، سارع إلى الإيتاءِ بسهولةٍ وطِيبِ نفس، لِمَا كانَ جَوَّزَه من تفسير ذلك بالنصفِ أو الثُّلثين، فحازَ بذلك ثوابَ الإضمارِ الأول، واعتقاد الطَّاعةِ فيما كَثُرَ، وسَهُلَ عليه من التكليفِ في تفسيره بالقَدْر الناقصِ عمَّا كان التزَمَه، وهاتان المصلحتان تغطِّيان على الجهل الذي لا يضرُّ مثلُه في التكليف.
وهل التكليف إلا بين أمرين: تجهيلٍ، وتعريفٍ؟ وكم جهَّل ثم كَشفَ، وجهَّلَ وأدام التجهيلَ، فلم يَكْشِفْ، فمن الآيات ما كشفها، وهي النصوص، ومن الآياتِ ما كتمَ مرادَه منها، وهي المتشابهاتُ التي لا يعلم تأويلها إلا اللهُ، وأكثَرُ أهْلِ العلم باللغة والأصول على ذلك، وجهَّلنا بحقائق (2) أشياء عَلَّمَناها جُملةً، وجهَّلنا بحقائقها تفصيلاً، وكَلَّفَنا (3) اعتقاد تأبيد العملِ، وكَشَفَ عن مراده بالمدةِ حين جاءنا بنسخِ ما كان شرعَ، وكتمنا الآجالَ والأرواحَ، ومتى الساعةُ، وردَّ السؤالَ عن ذلك، فقال سبحانه: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ} [الأعراف: 187] {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85]، {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا} [لقمان: 34] , لَمَّا لم يكن بنا حاجةٌ إلى معرفةِ ذلك، كذلك الجهلُ ها هنا قبل الحاجةِ، جهلٌ بما لا حاجةَ بنا إليه.
__________
(1) في الأصل: "مقداراً".
(2) في الأصل: "لحقائق".
(3) في الأصل: "فكلفنا".
(4/99)

ومنها: أن تُبنى المسألةُ على أصلٍ، وهو (1) أنَّ الأمر يتناول المعدومَ ليُوجَدَ في الثاني، وعَدَمُ المخاطَبِ رأساً أَوْكَدُ من عدَمِ فهمِه للخطاب، وقد دلَّلْنَا على ذلك الأصل، واستوفينا بيان الحججِ فيه (2)، فكان دليلاً على هذا المذهب من طريق الأَوْلى، لأنه إذا ثبت جواز خطابِ المعدوم ليُوجدَه، فأحرى أن يَجُوزَ خطابُ الموجود بما لا يفهمُه في الحال، ليُبَيِّنهَ له في الثاني ويُفْهِمَه، وقد وافَقَنَا في هذا الأصلِ جماعةٌ ممن خالَفنَا في هذه المسألةِ، فهو حجة عليهم.
ونسوق الدلالةَ على الأصلِ في حقِّ مَن خالفنا.
ومنها: أن النسخَ تخصيصُ الأزمانِ، وهو أنَّه بيَّنَ أنَّ المرادَ بالأَمْر وقوعُ المأمورِ به في وقتٍ تقْصُرُ عن الدوامِ، كما أنَّ العمومَ يكشفُ عن أنَّ المرادَ به بعضُ الأعيانِ، دونَ استيعابِ جنس الأعيانِ، ثمَّ إنَّه جاز تأخيرُ بيانِ النسخِ عن وقتِ الخطابِ إلى وَقتَ الحاجةِ في العملِ بالنَّسخ، وهِجْرانُ المنسوخِ بعد اعتقادِ التأبيدِ، وأنَّه مصلحةٌ على الإطلاق، وحَسَنٌ على الدوام، ثم بَانَ بالنسخِ أنَّه ليس بحسنٍ، ولا مصلحةٍ في جميعِ الزمان، كذلك التخصيصُ، ولا فرقَ بَينَهما.
فإن قيل: لا يُسَلَّمُ، بل لا بُدَّ من نوع إشعارٍ، يَشْهَدُ لذلك قولُه تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} [البقرة: 144].
قيل: هذا لا يصح لوجوهٍ:
أَحَدُها: أنَّه بمثل هذا لا يكون إعلاماً بالوقتِ الذي ينقل عنه.
__________
(1) في الأصل: "و".
(2) انظر ما تقدم في 3/ 177 وما بعدها.
(4/100)

والثاني: أنَّ هذا يَحتاجُ إلى نقلٍ، ولا يمكنُكُم الظَّفرُ بآيةٍ تُتلى، ولاسُنَّةٍ تُروى في ذلك، وقوله: {فَلَنُوَلِّيَنَّك} [البقرة: 144] ورَد مع قولِه: {فولِّ وَجْهَك} [البقرة: 144]، ولا يمكنكُم نقلُ تاريخٍ بين الإشعار والأمرِ المقتضي للنسخ.
على أن الإشعارَ بالَّنسخ بيانُ غايةِ الحكم، ودْلكَ لا يُعَدُّ نسخاً، بدليلِ قولِه: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187]، وقوله: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187]، وقوله: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222]، فهذا لما أبان فيه عن الغايةِ والعاقبةِ، لم يُعَد نسخاً، فكان اشتراطُ الإشعارِ إحالةً للنسخِ، وخروجاً عن الإجماع.
ولأنَّ تقديمَ الإشعارِ يُسْقِطُ جمهورَ التعبُّدِ، وذلك أنه لَما كلَّفَهم أن يلقى الواحد من المسلمين عشرةً من المشركين، فقال (1): {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا} [الأنفال: 65]، كان ذلك مع كتم التخفيف بالنسخ إلى لقاء الواحد للاثنين، أثقلَ وأعظَم على النفوس، ثم لما جاءَ التخفيفُ بعد ذلك، كان أشد وقعاً في القلوب مسرةً وابتهاجاً بالرخصةِ، والكتمُ في الأول أَجلب للثوابِ؛ لأنَّه إنَّما يقعُ على قَدْرٍ العَناءِ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة رضي الله عنها: "ثوابُكِ على قدْرِ مشقتك (2) " (3).
فإن قيل: تأخيرُ بيانِ النسخ لا يُفْضِي إلى الإخلالِ بصحةِ الأداءِ
__________
(1) في الأصل: "قال".
(2) كتب فوقها في الأصل: "نصبك".
(3) تقدم تخريجه 1/ 254.
(4/101)

فيما مضى، بخلاف العمومِ والمجملِ، فإنه يُخِلُّ بصحةِ الأداءِ؛ لأنه ليس يُؤَخَّر عن وقت الحاجةِ إلى الأداء.
[قيل:] لا (1) اختلال ولا إخلالَ بالصحةِ، بل يتأدى الفِعلُ بالبيانِ عند الحاجةِ إليه بحسب المراد.
فإن قيل: قد منعَ بعضُ المتأخرينَ النسخَ إلا على وجهٍ، وهو أن يقول: صلوا إلى بيتِ المقدس ما لم أنسخِ القبلةَ، فأمَّا على الإطلاق، فلا يجوزُ عندي، لأنه يؤدي إلى البَداء (2).
قيل: هذا اعتبارُ ما لا يحتاجُ إليه، لأن الدليلَ قد دَلَّ على أنَّ المرادَ بالإطلاق هذا التقييدُ عند كل مَن قال بجواز النسخ، ومثلُهُ العمومُ، التقديرُ فيه: اقتلوا المشركينَ ما لم أَخُصَّ بعضَهم بالمنعِ مِن القتلِ.
على أنه لو صَرَّحَ بقوله: ما لم أنسخ، لم يكن مزيداً على تجويزِ النسخ، لأنه لا يعطي قوله: ما لم أنسخ: أني سأنسخ، ألا ترى إلى قوله: {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء: 15]، لا يعطي: وجوبَ جَعْلِ السبيلِ، بل كان يجوزُ أن يَجْعَلَ لهن السبيلَ، وكان يجوز أن لا يجعلَ؛ فالتقييد (3)
__________
(1) في الأصل: "فلا".
(2) نسب ابن النجار في "شرح الكوكب المنير" 3/ 540 هذا القول إلى جمع من المتكلمين والحنفية، ونسبه أبو يعلى لابن الدقاق. "العدة" 3/ 729.
وانظر تعريف البداء في 3/ 134.
(3) في الأصل: "بالتقييد".
(4/102)

بقوله ذلك وعدمُه سواء، إِذ (1) كان التجويزُ حاصلاً في الحالين جميعاً، وإبهامُ العاقبةِ أصلحُ في التعبُّدِ، وأصلحُ في الابتلاءِ، فإنه لو قيل لإبراهيم الخليل: خذ واحِدَكَ والمُدْيَةَ والحبلَ واذبحْهُ، إلا أن يُنْسَخَ ذبحه إلى ذبح كبشٍ يكون فداءً له، لانحطَّت رتبةُ البلوى عن قَدْرِها، إذا كانت العاقبةُ مبهمةً، وهو إلى الخوف أقرَبُ [منه] إلى الرجاءِ، ولهذا لما هَوَّنَ على يُوسُفَ في الجُبِّ بالوحي إليه: {لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [يوسف: 15]، كانتْ محنتُهُ في تقلبِ أحوالِهِ، أهونَ من محنةِ أبيه يعقوبَ، حيث أُبهمتْ عنه العاقبةُ، ولم يُوحَ إليه في شأنِ يوسفَ بشيءٍ في عاقبة أمرِه ومآلِهِ، يُريحه (2) في الحال، بل تركه على عِظَمِ البَلْوى مع إبهامِ العاقبةِ.
على أنَّ هذا اشتراطُ تقييدٍ في التكليفِ لا يُحْظَى فيه بِنَقْلٍ، ووَضْعُ الشروط بالرأي لا يلتفت إليه.
وما (3) الفرق بين قوله هذا، وبين قوله: أنا أشترِطُ أنْ يَعْلَمَ المكلفُ متى يُنْسَخُ، فلا بُدَّ من تحقيقِ زمانِ التكليفِ، وبيانِ مقدارِه (4)؛ بالإطْلاع له على مقدارِ مدةِ الحكمِ؟
فإن قيل: فالنسخُ يخالفُ تخصيصَ العمومِ، لأنه لو قال: اقتلوا المشركين كلهم قاطبةً أجمعينَ أكتعينَ، حَسُنَ أن يبهم العاقبة فيه إلى أن تردَ دلالةُ التخصيصِ، ولو قال: تمسكوا بالسبت أبداً، صَلوا إلى
__________
(1) في الأصل: "إذا".
(2) في الأصل: "وبماله يروحه".
(3) في الأصل: "وأما".
(4) في الأصل: "مقدارها".
(4/103)

بيت المقدس أبداً سرمداً، لم يجز النسخ، وعاد النسخ بداءً ولهذا تسكع (1) ابن الراوندي (2) لليهود في لفظةِ التأبيدِ، وأخذ منهم قدراً من المال علي ما حكاهُ لنا المشايخُ الأصوليون (3). قال: وإذا كان كذلك، وجب الإشعارُ بالنسخ.
قيل: لا نسلِّم أن التأكيد بذكر التأبيد يؤَثِّرُ منعاً (4) للنَّسخ بل يُبَيَّنُ بالنسخِ بعد ذلك أنه أراد أبداً من الآباد، كما قال للكفار: {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا} [البقرة: 94 - 95] وأخبرَ سبحانه عن تمنيهِمُ الموتَ في النار، وأنهم يقولون: {يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} [الزخرف: 77] أي: لِيُمِتْنا (5)، فبانَ بذلك أنَّه أرادَ بالأبدِ: مُدَّتَهم في الدنيا، ومبلغَ أعمارِهم.
ومنها: أنَّ القولَ بتأخيرِ البيانِ عن الخطابِ إلى حين الحاجةِ، لا يوجبُ مُحَالاً في العقلِ، من إفساد دلالةٍ، أو قلبِ حَقيقيةٍ، أو إخراجِ بعض الأمورِ عما هو به، أو إلحاقِ وصفٍ بالقديم (6) المتعبَّد
__________
(1) التسكع: التمادي في الباطل.
(2) هو أبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندي أو ابن الراوندي.
فيلسوف مجاهر بالإلحاد من سكان بغداد. قال الحافظ ابن حجر: الزنديق الشهير، كان أولاً من متكلمي المعتزلة، ثم تزندق واشتهر بالإلحاد. صنف كتاب "الزمردة" و"الدامغ" وحشاهما بالإلحاد والزندقة والطعن في النبوات والتشكيك في القران، هلك سنة 298 ه: "وفيات الأعيان" 1/ 27، و"البداية والنهاية" 11/ 112، و"سير أعلام النبلاء" 14/ 59، و"لسان الميزان" 1/ 323، و"الأعلام" 1/ 268.
(3) انظر "العدة" 3/ 777 - 779.
(4) غير واضحة في الأصل.
(5) في الأصل: "ليميتنا".
(6) القديم ليس من أسماء الله الحسنى، إنما هو من التسميات التي جرت =
(4/104)

جَلَّ ذكرُه مما لا يجوزُ عليه، أو إفسادِ الخطابِ والتكليفِ، وإذا كان ذلك كذلك، ولم يرِد سمعٌ من جهة الله سبحانه بالمنع من ذلك، لم يكن لإحالته والمنع منه معنى، مع عدم إحالةِ العقل له (1).
فإن أعادوا ما قدموا؛ من أن فيه تجهيلَ المكلفِ، فقد سبق الكلامُ عليه.
ومنها: الدلالة على مَنْ منعَ ذلك في الخبر بقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [يونس: 13] وشُرِحَ: قَرناً (2) بعد قرن، فلو أنَّه سبحانه قال: فاحذروا عقابي إن خالفتم أمري، فإنني عاقبتُ بني إسرائيل، وأطلق. ثم إنَّه بيَّن أنه إنما عاقب من خالف منهم، وعصى أمره سبحانه، وكذلك لو عمَّ بلفظِ الوعيد كل عاصٍ مخالفٍ لأمره، ثم إنه بين أن الوعيد إنما يلحقُ من أصرَّ، ولم يَتُبْ مِن ذنبه، أو توعَّدَ (3) المصرّين، وبين أنَّ قوماً يدخلون الجنَّة بشفاعةِ الشافعين، لم يكن في هذا إحالةٌ في العقلِ، ولا مفسدةٌ، ولا تغييرٌ لقانون الشرع.
فإن قيل: بل فيه أمران من الفساد:
أحدهما: أنَّه تجويزُ الكذبِ، وذلك قبيح، فتجويزُ القبيح على
__________
= على ألسنة المتكلمين والفلاسفة. انظر ما تقدم في 1/ 16 في الحاشية.
(1) في الأصل: "العقل له والسمع"، ولفظة: "السمع" حشو لا داعي له؛ لتقدمها في السياق، لذا حذفتها.
(2) في الأصل: "قرن".
(3) في الأصل: "تواعد".
(4/105)

الحكيمِ (1) قبيح.
والثاني: أنَّه إنَّما وُضِعَ الوعيدُ للصرفِ عن الفساد، وإقامةِ مصالح الدين، وفي انخرام ذلك تفويتٌ للقصدِ، فلم يبق إلا الوعيدُ الجزمُ الحتمُ.
فيقال: أما تجويز الكذبِ، فلا وجهَ له؛ لأنَّ المنعَ لو كان لذَلك، لَمُنعَ من تخصيِصِ العموم في الخبر مقارناً ومتأخراً، لأن الكذبَ لا يختصُّ بما تأخَّر دون ما قارن، ولأنَّ إخلاف (2) الوعيد لا يسمَّى كذباً عند العربِ، ولهذا تَبَجَّحَت بإخلاف (3) الوعيد وإنجاز الوعدِ، فقال شاعرهم:
وإني إذا أَوْعَدْتُهُ أو وَعَدْتُهُ ... لمُخْلِفُ إيعادي ومُنْجِزُ مَوعدي (4)
وأما الصرف عن القبيح، فإنه يحصلُ مع تجويزِ العفوِ، والدليل عليه: أن تجويز وقوع العقوبة كافٍ، ولهذا شَرْعُ العقوباتِ والحدود في الدُّنيا صوارفَ عنَ القبيح والفسادِ، لم يخرجْهَا عن وضعِها، وكونها صارفةً، ما جَوَّزَه من الإسقاط بالشبهات، وما ندبَ إليه من السَّتر، وقبول الرجوعِ بعد الإقرارِ، وغير ذلك، فليس وعيدُ الآخرة في الزجر بأوفى من وعيدِ الدُّنيا، بل عقوباتُ الدنيا نقدٌ وتعجيلٌ، ولم يضعه وضعاً جزماً، ولا (5) بحيث يقعُ لا محالةَ، فكذلكَ وعيدُ
__________
(1) في الأصل: "الحكم".
(2) في الأصل: "اختلاف".
(3) في الاْصل: "باختلاف".
(4) هو لعامر بن الطفيل، وتقدم في 3/ 410.
(5) في الأصل: "بل".
(4/106)

الآخرة.
ومنها: أنَّ ذلك قد وقعَ، بدليل ما بيَّناَ من الآي، [مثلُ] قوله: {إنكم وما تعبدون} [الأنبياء:98]، وأنَّه أمر بني إسرائيلَ بذبح بقرةٍ، وبيَّن بعد ذلك (1)، وأخبرَ بعذاب قوم لوط، وبَيَّنَ نجاةَ لوطٍ وأهلِه، وإلى أمثال ذلك من الآي الواردة في الأخبار، وأخَّرَ بيانَ ما أريدَ بها بعد الخطابِ، تأخيراً للبيانِ عن وقتِ الخطابِ.
ومنها: أن الخبرَ يتضمنُ وجوبَ الاعتقادِ، وهو عملُ القلب، والتصديق لمُخْبَرِه (2)، وهو عملُ القلبِ، فنقول: إذا ثبتَ جوازُ تأخيرِ البيانِ في أعمالِ الأركانِ، وهي التي وجبتْ بالأوامرِ والنَّواهي، كذلك جازَ تأخيرُ البيانِ، فيما أوجبَ أعمالَ القلوبِ من التصديق والاعتقادِ، ولا يجدونَ لذلك فرقاً يعطي تخصيصَ جوازِ ذلك في الأوامرِ والنواهي دون الأخبار.
ومنها: البناءُ على أصلِنا، وهو تجويزُ النسخِ قبلَ وقتِ الفعل المأمورِ به، وأنَّه أرادَ بقولِه: صلوا إذا زالتِ الشمس: إنْ مَكَّنتكم من هذا الأمر، ولم أنسخْهُ، كذلك قوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ}: إن تركتكم وهذا العموم، ولم أخصه، وليس في هذا إحالةٌ من جهةِ العقلِ، ولا استبعادٌ (3) من جهةِ الشرع، مِنْ حيثُ كان لهُ إطلاقُ الأمر المقتضي للدوام قبل (4) ورودِ النسخِ الكاشفِ، غير أنه أرادَ التأقيتَ لا التأبيدَ.
__________
(1) تقدم في الصفحة 91.
(2) في الأصل: "لخبره".
(3) في الأصل: "استعباد".
(4) في الأصل: "بين".
(4/107)

ومما يدلُّ على صحةِ هذا: أننا نجوِّزُ أن يحيلَ بيننا وبين الفعل بعائقِ الموت، والإغماءِ، والجنونِ، فيصير التقديرُ مع هذا التجويز: صلوا عند الزوال إن لم يُعِقْكُمْ عائقٌ، أو يقطعكُم قاطعٌ، فكذلكَ جازَ أن يكونَ فيه تقدير: صلوا ما لم أنسخ.
يوضِّحُ هذا: أنَّ العوائقَ الواقعةَ المُحيلةَ بيْن المكلَّف، وبين إيقاعِ ما أُمِرَ به في الوقتِ الذي أُمِرَ به فيه، إنما تقعُ من جهتهِ سبحانه، فالمرضُ والجنونُ والإغماءُ والموتُ من جهتهِ، كما أن النسخَ من جهتهِ، فإذا كان القولُ المطلق مقدراً بالإيقاعِ ما لم توجدْ إعاقة من جهةِ الآمرِ، كذلك يكونُ معلقاً بأن لا يوجد نسخٌ من جهة الآمر، واذا ثبتَ هذا الأصلُ، كان التقديرُ في العموم الذي تأخر بيانُه وتخصيصه: إن لم أخصَّه، كما يقدَّر هناك: إن لم أنسخه، أو أَعْفُ (1) عنه.

فصل
في جمع شُبههم
فمنها: أن قالوا: إنَّ الخطاب بلفظِ العمومِ، ومرادُ المخاطِب الخصوصُ، وخطابَ الكلِّ بلفظ الكُلِّ، ومرادُه من المخاطبين البعض، والمجمل الذي لا يفيدُ لفظهُ مرادَ المخاطِب، هو خطابٌ (2) بما لا يُعْقَلُ، لأنَّ العربَ لا تعقلُ الخصوصَ من العموم، ولا التفسيرَ من المجملِ، وخطابُ الإنسانِ بما لا يفهمهُ قبيحٌ، فوجَب أن
__________
(1) في الأصل: "العفو".
(2) في الأصل: "فقد خاطبه".
(4/108)

يُنَزَّهَ عنه صاحب الشرع، كما لم يَجبْ عليه أن يخاطبَ العربَ بلغةِ الزَّنْج والنَّبَط.
فيقال: ومن الذي أَعْلَمَكَ أننا نمنعُ ذلك حتى جعلتَهُ أصلاً يُسْتَمَدُّ منه الحكمُ؟ وما المانعُ مِن ذلك؟ أَوَما تَعْلَمُ أنَّ الخطابَ الذي ورد إلى نبينا - صلى الله عليه وسلم -، ورد عربياً؟ وكلّفه البلاغ إلى سائرِ الأمم، فكان ذلك حسناً، وشرطَ تعبيرَه بلغتِهِم ليحصلَ البيانُ لهم في الثاني، وما الذي يمنعُ الخطابَ الصادرَ مِن الحَكيمِ، بأيَّ لغةٍ شاء، بعد أن يشيرَ إلى المخاطَبِ أنَّ الخطابَ له والإشارةَ إليه، حتى بالصوتِ السَّاذَج الممتدِ الذي لا يتَضمَّنُ حروفاً، [و] حتى بالمعجم، ليُفَسرَ ويُتَرجَمَ عنه في ثاني الحال؟
على أنَّ تقبيحكم لذلك لا وجهَ له، لأنَّه توهُّمٌ أنه خاطب بما لا يُفْهَم ليعلم خصوصُه من عمومه، ولعمري إنَّ ذلك بعيدٌ عن عادةِ حكماء المخاطِبين الآمرين الناهين، وليس الأمرُ عندنا كذلك، بل الخطابُ يوجبُ اعتقادَ ما يُبَيِّنُهُ في الثاني، إما جموداً (1) على عمومِه، أو بياناً (2) لخصوصِه، فيعتقدُ المكلفُ تجويزَ خصوصِ العامِّ بالبيانِ الذي يأتي، وتفسيرِ المجملِ، فالعاقلُ على ثقةٍ من خطاب الله سبحانه بما لا يفهمُه أنه سيفهمه في الثاني، بتخصيص العامِّ، وَتفسيرِ المجملِ، أو بأن يَكِلَهُ إلى اجتهاده، فيقول: أَدِّ من الزرع ما شئتَ، أو سَهُلَ عليك، فذاكَ هو الحقُّ الذي يريدُه، فلا قُبْحَ في ذلك إذاً، ومَن الذي يَسْتَقْبِحُ في عرفِ العقلاءِ خطابَ مُلوكِ العجَمِ للعربِ، والعربِ للعجم بشؤونهم الخطاب المديد؟ ومكاتبة العبراني
__________
(1) في الأصل: "جمود".
(2) في الأصل: "عموم".
(4/109)

والسرياني للعربي ثقة بما يشفعُ ذلك من التراجم والتفسير والتعبير؟ وقد عَلِمَ المخالفُ أننا وجمهورَ أهلِ السنة، جوَّزنا خطابَ المعدومِ حَالَ عدمه ليوجدَ، ودلَّلنا عليه، فأولى أن نجوِّزَ خطاباً بما لا يُفْهَمُ معنَاهُ لِيُفْهَمَ، ويُبَيَّنَ في الثاني، ومعلومٌ تفاوتُ ما بين المعدومِ رأساً، وبين الموجودِ العديمِ الفهمِ لإعجامِ الخطاب.
فإن قيلَ: لو كانَ هذا الأَوْلَى صحيحاً، لكانَ خطاب المجنون ليعقلَ ويفيقَ، والصبي ليبلغَ في مستقبل الحالِ جائزاً، لأنَّ عدمَ العقلِ دونَ عدمِ الأصل، فإذا لم يتحصَّلْ بتجويزِ خطابِ المعدوم عندكم خطابُ المجنون والطفل من طريق الأَوْلى، لم يتحصل تجويز خطاب بمجملٍ، وبما لا يُفْهَمُ، لِيُفْهَمَ في الثاني، من تجويز خطاب المعدومِ لِيُوجَدَ، ومعلوِمٌ أن الشرع قد قال: "رفعَ القلمُ عن ثلاث" (1)، وذكرَ المجنون، فعاد تنبيهُ الشرعِ بإبطالِ خطابِ المعدومِ، فكان تنبيهُ الشرعِ مُقَدَّماً على تنبيهِكُم.
قيل: ومَن أعلمَكُم أننا لا نجوَّز توجُّهَ الخطاب إلى مجنونٍ في المعلومِ أنه يفيقُ، وصبيٍّ في المعلومِ أنه سَيَبْلُغُ؟ وإن أردْتُمْ تجويزَ خطابه مع عدم هذا الشرطِ، فذلك باطلٌ.
عدنا إلى إتمام الجواب عن أصلِ الشبهة: وذلك أنَّ أصلَ ما تعلقتم به من تقبيحِ خطابِ المكلَّفِ بما لا يُفْهَمُ منه مُرَادُ المُتكَلِّمِ، إنما هو لتَعَذُرِ طاعته فيما أُمِرَ به، وذلكَ موجود في خطاب العاجز الذي لا يصحُّ منه الفعلُ المأمورُ به مع عدمِ قدرتهِ، وكذلكَ القادرُ العادمُ للآلةِ التي لا غنَاءَ به عنها في فعلِ صناعتِه، ثمَّ لم يقْبُحْ ذلك
__________
(1) تقدم تخريجه 2/ 118.
(4/110)

بما يُؤْتَى في الثاني، ويمدُّ به من القدرةِ والآلةِ وقتَ حاجتِهِ إلى الفعل.
على أنَّ ما نحن فيه من الخطابِ يبعدُ عن خطابِ العربي بالزنجية، وذلكَ أنَّ صيغةَ العمومِ قد عقل منها الاستيعابُ والشمول للأعيانِ المأمور بإيقاع الفعلِ فيها، كقوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5]، وقد عقِلَ من قوله: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141]، فالإيتاءُ (1) معقولٌ، والحقُّ معقولٌ، وأنَّه أمرٌ واجبٌ يوم الحصادِ معقول، لم يبق في الآية شيءٌ مجهولٌ سوى قدر الحقِّ وكميته، ومتى قَبُحَ في العقول والعادات (2) إيقافُ لفظة منها على بيان معناها في مستقبلِ التَّلفظِ بها؟! وأين هذا من لفظٍ زنجي يخاطبُ به عربيٌ لا يَفْهَمُ كلمةً من الزنجية؟!
ولأنَّ خطاب العربي بالزنجية لا يفيدُ فائدةً في الحال رأساً، والخطان بالعمومِ والمجملِ قد أفادَ في الحال تَلَقِّيَ الخطاب باعتقادِ إيجابِ فْعل والتزامِ حقٍّ، إلى أنْ يبيَّن مقدارُ الحقِّ، ومبلغُ الأفعال في تلكَ الأعيانِ.
وجوابٌ آخر:
وهو (3) أنَّ جميعَ ما عوّلوا عليه باطلٌ بإطلاقِ الأمرِ المقتضي عمومَ الأزمانِ، ثم أبانَ النسخ عن إرادةِ الأمر به في بعضِ الأزمان، ولا محيصَ لهم عن هذا بفرقٍ، على أنَّ ما قدموه في ذلكَ قد تكلمنا
__________
(1) في الأصل: "الإيتاء".
(2) في الأصل: "العبادات".
(3) في الأصل: "فهو".
(4/111)

عليه (1).
ومنها: قولهم: إن ما ذهبتم إليه هاهنا يعودُ بقولكم ويفضي به إلى التمذهب مذهبَ أهل الوقف؛ لأنكم قلتم: إذا تأخرَّ بيانُه؛ يجوز أن يكون عاماً، ويجوزُ أن يكون خاصاً، وكيف [لَمَّا] كَرَّرْنَا عليكم أنَّ اعتقادَ كونهِ عاماً من غير بيانِ تخصيصِه اعتقادٌ للجهل، وتعريضٌ من الشارع للمخاطبين باعتقادِ الجهلِ، كَرَّرْتُم القولَ بأنَّه لا يُعْتَقَدُ العمومُ، بل يُعتقدُ تجويزُ ورودِ التخصيصِ، وهذا تصريحٌ منكم (2) بمذهب أهلِ الوقف، وهذا من آكَدِ ما توهمون به خَطَأنا في هذا المذهب.
فيقال: ليس التوقف في هذا توقفاً (3) فيما وُضِعَتِ الصيغةُ له في أصلِ الوضع، وإنما هو توقفُ ترقُبِ مستقبلٍ، وتجويزِ مستأنفٍ من بيان يَكشف عن تخصيصِهِ، كما نَترقبُ (4) ونُجَوِّزُ نسخَ الأمرِ المطلقِ، ولا نقول: إننا نتوقفُ في صيغة الآية المحكمة.
والذي يكشف عن الفرق بيننا وبين أهل الوقف: أننا نحن إذا عدمنا دليلاً يُخَصِّصُ مع مجيء وقتِ التنفيذِ للحكمِ والعملِ باللفظِ، بقينا على القولِ بعمومِ اللفظِ، وأهلُ الوقفِ لا يكتفون في القولِ بعمومِهِ بعدمِ دليلِ التخصيصِ في الثاني، بل لا يحكمونَ بكونه [على] عمومه إلا بدليلٍ مستأنفٍ يدلُّ على أن المرادَ به العمومُ.
__________
(1) انظر ما تقدم في الصفحة 100.
(2) في الأصل: "منكر".
(3) في الأصل: "توقف".
(4) في الأصل: "يترتب".
(4/112)

فقد بان أن قولنا في هذا لا يؤدي إلى مقالةِ أهلِ الوقفِ.
ومنها أن قالوا: إن البيان مع المبينِ بمنزلةِ الجملة الواحدة، ألا ترى أنهما بمجموعهما يدلانِ على المقصودِ بهما؛ ولا خلاف أنه لا يَحْسُنُ تأخيرُ الخبرِ عن المبتدأ؛ بأن نقول: زيدٌ، ونقول بعد زمان: قامَ، كذلكَ لا يحسُن أن يؤخَّرَ البيانُ عن الجملةِ المبيَّنة.
فيقال: إن تأخيرَ الخبرِ عن المبتدأ ليسَ من أقسامِ الكلام، ولا هو مفهومٌ بحال، والمجملُ يفهمُ به ومنه إيجابُ حقٍّ، ويبقى علينا بيان كميته ومقداره، وينكشفُ ذلك بتعليق الأحكام عليه، وهو الإيمانُ والاعتقادُ بأن حقاً قد وجبَ عليه، والعزمُ على إِيتائِه مهما كان من كثيرٍ وقليلٍ، ولا يفيد قول القائل: زيدٌ [ذلك].
ولأنه بالناسخ والمنسوخ أشبهُ منه بالمبتدأ والخبر.
ومنها: قولُهُم: لما لم يجز أن يردَ في كلامهم بعض حروف كلمةٍ لِتُتَمَّمَ (1) تلكَ الكلمةُ في مستقبلِ الحال، كذَلك لا يجوزُ أن تردَ الكلمةُ غير (2) مُبَيَّنَةٍ في الحال لتُبيَّن.
فيقالُ: وما الذي قَرَبَ بينهما؟ فإنَّه لا يحتملُ أَنْ يقال: لَمَّا قَبُحَ هذا قَبُحَ هذا، إلا بَعْدَ دلالةٍ تجمعُ بينهما.
على أنا نحن نعلمُ أنَّ العربَ لم تنطقْ ببعض كلمةٍ لِتُتَمِّمَها في الثاني، وتكلمت بالكلمةِ المفهومةِ بظاهرِها لِتَصْرِفَها عن ظاهرِهَا بما يأتي مِن الدلالة الصارفةِ لها، حتى إنهم لم يُقَبِّحُوا تأخيرَ النسخِ، ولا
__________
(1) في الأصل: "لتمم".
(2) في الأصل: "عن".
(4/113)

يُعْلَمُ منهم ولا عنهم إيرادُ حرفٍ أو حرفين من كلمةٍ لا يُفْهَمُ المقصودُ بها إلا بخمسةِ أحرفٍ.
ومنها أن قالوا: إنَّ البيانَ المتأخِّر عند مَن أجازه، يُخْرجُ بعضَ ما اشتملَ عليه اللفظُ، فجرى (1) مجرى الاستثناء المُخْرِج لبعضِ ما عَمَّهُ الاسمُ وتناولَه، قالوا: فلما أجمع أهل اللغةِ على قبح تأخير الاستثناءِ عن المستثنى منه بأوقاتٍ كبيرةٍ، كذلكَ التخصيصُ، وبيان المبيَّن، وذلكَ أنَّهم استهجنوا قول القائلِ: اضربْ عبيدي، وقولَه بعد حولٍ: إلا نافعاً، أو سوى خالدٍ (2)، أو غير عمرو.
فيقالُ. أما دعواك الإجماع، فلا وجهَ له مع خلافِ ابن عباس -وهو من ساداتهم، وترجمانُ الكتابِ العزيز-، وقولِه بجوازِ الاستثناءِ بعدَ سنةٍ (3).
جواب ثانٍ:
أنَّ الفرق بينهما: أن عادةَ أَهلِ اللغةِ: أن لا يُبْتَدأَ بغير، وسوى، وإلاَّ، ولا يُتحرَّجَ من الابتداء بصيغة الأمر والنهي، فإذا قال: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5] لم يَحْسُنْ أنْ يقال بعد سنة: إلا أهل الكتاب إذا أدوا الجزية، ويَحْسُنُ أن يقولَ: ولا تقتلوا أهلَ الكتابِ إذا أدَّوا الجزية، فإنني لم أُردْهُم بالأمرِ بالقتلِ، أو يقول: اضربْ عبيدي، ويقول بعد أوقات كبيرة: إلا سالماً، فإنه لا يَحْسُنُ، ويَحْسُنُ أن يقولَ: ولا تضربْ سالماً، وان كان اللفظان جميعاً
__________
(1) في الأصل: "جرى".
(2) في الأصل: "خالداً".
(3) تقدم فىِ 3/ 461.
(4/114)

يُخرجان من اللفظ ما لولاه لدخَلَ فيه.
على أن هذا الذي ذكرتموه من (1) القياس والاستعمالاتِ، لا يقاس أحدهما (2) على الآخر، كما لا يقاس التخصيصُ على النسخ، فإن جازَ أن تقيسوا أنتم التخصيصَ على الاستثناءِ، في منعِ تأخيرِ أحدِهما، كما امتنع تأْخِيرُ (3) الآخرِ، جازَ أن نقيسَ نحنُ التخصيصَ على النسخ في جوازِ التأخيرِ، فوقفَ دليلُكم، وترجَّحَ قولُنا نحن؛ لأنَّ (4) النسخَ ودليلَ التخصيصِ جميعاً يبتدأ بهما في اللغةِ، ولا يُبْتَدَأُ عند أهلِ اللغةِ بحروفِ الاستثناءِ.
بيانُ ذلك. أنه يحسُنُ القولُ ابتداءً: وَلِّ وجهكَ شطرَ المسجدِ الحرام، بعدما شرعَ أولاً استقبالَ بيتِ المقدس، وإنْ طالَ [الزمانُ] بينهما، ويَحْسُنُ أن يقولَ: لا تقتلوا أهلَ الَكتابين إذا بذلوا لكم العهدَ، ودفعوا الجزيةَ، بعد قوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5] ويَحْسُنُ أنْ يقولَ: أخرجوا من كل عشرة أقفزة مما تنبته الأرض قفيزاً، بعد أن قال: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141]، وإن طال الزمان بينهما، ولا يحسن أن يبتدىء، فيقول: إلا نافعاً (5)، وغير نافع، وسوى نافع، بعد أن قال: اضربْ عبيدي، بزمان مديد.
ومنها أن قالوا: لو كان للنبي (6) - صلى الله عليه وسلم - تأخيرُ البيانِ مع وجودِ الأمرِ
__________
(1) في الأصل: "عن"
(2) في الأصل: "لأحدهما".
(3) في الأصل: "تأخر".
(4) في الأصل: "بأن".
(5) في الأصل: "نافع".
(6) في الأصل: "النبي".
(4/115)

له ولأمته بالمجمل والعموم، لجاز تأخيرُ البلاغ، ولَمَّا لم يجزْ تأخيرُ البلاغِ، لم يجزْ له تأخيرُ البيانِ؛ لأنَّ كُلَّ واحد منهما إعلامٌ له وإشعارٌ بما شَرعَ اللهُ سبحانه، فإذا لم يُؤَخَرْ أحدَ الإعلامين والإشعارين، كذلك لا يُؤَخِّرُ الآخرَ.
فيقال: ومَن الذي يمنعُ تأخيرَ البلاغِ إذا كانَ بأمرٍ مِن اللهِ، وتشريعٍ منه؛ فليسِ ذلك بمحال، ولا مَنْفِي (1) عنه، بل جائزٌ عليه سبحانه أن يؤخِّرَ البيان عن المجملِ، كما يؤخِّرُ الإقدارَعن المكَلَّفِ على ما كَلَّفَهُ.
على أن تأخيرَ أصلِ البلاغ إخلالٌ بما يفيد، ويقع به عملٌ يقابَلُ المكلفُ على مثلِه بالثواب، ويُحقِّقُ (2) به نوعاً من أسبابِ الإثابةِ والأجرِ، وهو توطينُ النفسَ على امتثالِ المأمورِ به إذا فسَّره، فإذا قال: {وَآتُوا حَقَّهُ} [الأنعَام: 141]، فسمعَ ذلك بعدَ تبليغِ النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتقدَ وجوبَ حقٍّ، ووطَّن نفسَهُ على إخراجه من مالِه مراغمة للنفس، وإن كَثُرَ مقدارهُ، وثَقُلَ على النفسِ إخراجُه، وصار متوقِّعاً لتفسيَرِ المقدارِ، فيَحْصلُ له بالاعتقادِ، وتوطينِ النفس على الأداءِ، -وإنْ بادرَ (3) الانتظارَ لما يردُ من التفسيرِ- من أعمالَ القلبِ ما يوفي على أَعمالِ (4) الأركان كلها، وإذا لم يحصلْ أصلُ البلاغِ، تعطلَ المكلَّفُ عن هذهِ الأمورِ التي مدار التكليف عليها، وهي أعمال القلب، فأين تأخير البلاغ من تأخير البيان؟
على أنَّ الله سبحانَه لو ذكرَ حكماً، لم يجزْ للنبي - صلى الله عليه وسلم - كَتْمُه إذا كان تكليفاً لأمته العملَ به، أو الاعتقادَ له، وإنْ جَازَ أن يتأخَّر
__________
(1) في الأصل: "نفي".
(2) في الأصل: "ويعتنق".
(3) في الأصل: "بدر".
(4) في الأصل: "الأعمال".
(4/116)

الإعلامُ والبيانُ بمدةِ ذلك الحكم، متى ينسخ، ومتى يرفع أو يُغَيَّر؛ فقد جازَ تأخير بيانِ الحكمِ بالنسخِ، وإن لم يجز تأخيرُ أصلِ بلاغِ (1) الحكم للأمة.
ومنها: أنَّه لو جازَ تأخيرُ البيان، لم يُؤْمَنْ على النبي - صلى الله عليه وسلم - حصولُ الاخترامِ (2) قبل بيانه، وذلك مما يعطلُ ذلك الحكمَ الشرعي، وما أفضَى إلى تعطيلِ المشروعِ، لم يجز أَن يكون مَشروعاً، لِمَا فيه من تضييع الغَرَض، وخُلُوِّ الأمرِ بذلك الحكم من فائدة، وذلك من العيب الذي لا يجوزُ على الله سبحانه، ولا يحسن بالحكماء من خلقه.
فيقال: هذا تعليقٌ باطلٌ من وجوه:
أحدها: أن هذا ينبني على أصلٍ، وهو (3) أنَّه سبحانه يجوزُ أن ينسخَ العبادةَ المأمورَ بها قبل وقت فعلها، والنسخُ رفعٌ لذلك الحكم، وإعاقةٌ عنه، فلا فرقَ بين الإعاقةِ باخترامِ السفير - صلى الله عليه وسلم - قبل بيان المجمل الذي أنزِلَ، وبين نسخِ المأمورِ به قبل وقتِ فعله المعيقِ عن فعله، وسيأتي الكلام إنْ شاء الله في هذه المسألة في فصول النسخ بما فيه غنى وكفاية، لكن نقدم ها هنا بحسب ما يليق بالكلام، فنقول:
إن الله سبحانه [لو] اخترمَ نبيَّهُ قبلَ البيانِ، علمنا أنه سبحانه لم يُردْ بإنزالِ الأمرِ بالمجملِ إلا ما يَحصلُ من بلاغه لذلك المجملِ،
__________
(1) في الأصل: "ببلاغ".
(2) يقال: اخترمته المنية، أي: مات."القاموس": (خرم).
(3) في الأصل: "و".
(4/117)

فكان تكليفُه - صلى الله عليه وسلم - أن يُبَلِّغَ ما أنزِلَ، وتأخيرُ البيان عنه لا يُنْقِصُه من رتبةِ البلاغِ شيئاً، ولا يُوجِبُ عليه مَعْتبة، ولا إثما، ولا تقصيراً في البلاغ، والأمةُ عملوا بحسب ما بلَّغ، فتلقَّوا ذلك باعتقادِ وجوب حقٍّ، ووطنوا نفوسَهم على الطاعةِ بإخراجِ ما يفسِّرُه به من مقدارِ ذلك الحقِّ، فما عاد ذلك بتقصيرٍ في بلاغه - صلى الله عليه وسلم - ولا إِخلالٍ [في]، طاعةٍ من جهة الأمَّة، إذ لا تفريطَ من الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولا مِنَ الأمَّةِ في ذلك، وتوقُّعُهم بعد ذلك ما يَرد مِن التفسيرِ أو التخصيصِ، نوعُ تعبُّدٍ آخرُ لا يخلو من فائدة ومثوبةٍ، ولهذا روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: "المنتظرُ للصلاة في صلاةٍ" (1)، لأجلِ توقعه الوقتَ الذي يصلي فيه، والتوقعُ نوعُ عملٍ بالقلب، ولهذا قيل لأبي بكر الصديق في صلاة الفجر: كادتْ أن تَطْلُعً الشمسُ، فقال: لو طَلَعَتْ، ما وجدتْنَا غَافلينَ. (2) يعني أنَّ تطويلَهُ بالقراءة شغلٌ ويقظةٌ، وهذا هو القصدُ.
على أنه إن كان الأمرُ بلفظِ عمومٍ، واختُرِمَ - صلى الله عليه وسلم - قبل بيان تخصيصه، وكان لأمته دليل مستنبطٌ من قياسٍ أو استدلالٍ يَدلُّ على تخصيصِ ذلك العمومِ، فما يتعطَّلُ على قولنا؛ لجوازِ التخصيصِ
__________
(1) الحديث ورد بلفظ: "لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة".
أخرجه البخاري (647)، ومسلم (649)، واللفظ له، من حديث أبي هريرة.
(2) أخرجه مالك في "الموطأ" 1/ 82 مختصراً، والبيهقي في "السنن الكبرى" 1/ 379، وعبد الرزاق في "المصنف" (2711) و (2712)، والطحاوي في "شرح معاني الاَثار" 1/ 181 عن أنس رضي الله عنه.
وله طريق أخرى عند الطحاوي 1/ 182 عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي.
(4/118)

بالقياس.
جوابٌ آخر:
وهو أنَّ الله سبحانه قد جعل تكليفَهُ على ضَرْبينِ: مضيَّقٍ، وموسَّعٍ، وجعل الموسَّعَ غيرَ مؤاخذٍ بتَأْخيرِ (1) المكلَّفِ له، كقضاءِ رمضان، فيما بينَ رمضانين، والصلاة ما بين الوقتين، فلو اخترمَ المكلَّف في زمن المُوَسَّعِ (2)، لم يلحقْهُ من جهةِ الله سبحانه لائمةٌ ولا مؤاخذةٌ، فقد نجا من المؤاخذةِ؛ لأجلِ الاخترامِ في وقتٍ كان مُخَيَّراً فيه بين الأداءِ والتأخيرِ، وما خلا من ثوابِ العزمِ على الفعلِ في الوقتِ المُوسَّعِ قبلَ خروجِه، فلا يُنْكَرُ أن يكون حالُ هذا المجملِ والعمومِ، إذا حصلَ الاخترامُ قبلَ بيانِهِما، كحالِ اخترامِ المكلَّفِ في وقتِ العبادة المُوسَّع.
وكان ذلك خارجاً على المذهبين، وصحيحاً على كلا القولين: أربابِ المصالح، والقائلين بالمشيئةِ المطلقةِ من غيرِ إيجاب مصلحةٍ؛ لأنه لما اخْتُرِمَ قَبْلَ البيان، عُلِمَ أن هذا كان هو الأصلحَ، و [على قول] من قال بالمشيئة، عُلِمَ أن هذا كان هو المرادَ، دونَ البيانِ.
ومنها: أنْ قالوا: تجويزُ تأخيرِ البيانِ عن وقتِ الخطاب يفضي إلى أن يأمرَ بشيءٍ، ويكونُ مرادُه عندَ ذلك: الشيء، أو غيره وخلافه (3)، وذلك لا يجوزُ، كما لو أمر بقتل المشركين وهو يرى استبقاءهم، وبالصوم وهو يريدُ الإفطارَ، وبالقيامِ وهو يريدُ القعودَ،
__________
(1) في الأصل: "بتأخر".
(2) في الأصل: "التوسع".
(3) وهو غير جائز، لأنه جمع بين النقيضين. انظر "العدة" 3/ 731.
(4/119)

وذلك غير جائزٍ على الله سبحانه، كذلك لا يجوزُ أن يأمرهم بلفظٍ ظاهرُه العمومُ، وهو يريد به الخصوصَ.
فيقال: [هذا] باطل؛ إذا قالَ به (1) يُفْضِي إلى أن ينطقَ بالعمومِ، ويعدلَ عنه إلى الخصوصِ.
على أن الذي أراد منهم بذلك: اعتقاد طاعته فيما أظهرَ من العموم، وطاعته في العمل بالتخصيص المجوز وُرُوده، كما أنه إذا أمر باستقبال بيت المقدس، وجب تلقي ذلك بالطاعةِ، والانقيادِ إلى ما أظهر، وظاهرُه يعطي التأبيدَ، وإن كان يريدُ بذلك وقتاً مخصوصاً، وكلُّ عذرٍ لهم في تجويزِ النسخ -وهو تخصيصُ زمانٍ-، هو عذرُنا في ورودِ لفظِ العموم، وإنْ تأخَرَ بيانُ تخصيصِ الأعيانِ عن الخطاب به، وفارقَ ما ذكروه من أمرِه بالقيامِ وهو يريدُ القعودَ، وقتلِ المشرَكينَ وهو يريدُ استبقاءَهم، لأنَّ ذلك ليس من أقسامِ الكلام، ولا يستعملُ في موضعٍ ما، فأمَّا العمومُ الذي يردُ عليه الخصوصُ مبيّناً أنه كان هو المراد، فسائغ في لغتهم، مستعملٌ في عادتِهم، فصارَ كأحدِ أقسامِ المجازِ والتوسُّع.
ومنها: أنَّ تأخيرَ البيانِ عن الخطابِ، يوجبُ نسخَ ما يخصُّ منهما (2) بعد وروده على التراخي، ونحن لا ننكرُ النسخَ، وإنما ننكرُ أن يكونَ البيانُ المتأخرُ تخصيصاً.
فيقال: هذا باطلٌ؛ لأن النسخَ إنَّما يصحُّ بعد ثبوتِ الأحكامِ واستقرارها، ولفظُ العموم الواجب تنفيذُه على التراخي لم يستقرَّ بعد كونهِ عموماً إن تُركنا وظاهِرَه، ويجوز ورودُ ما يخصهُ، فبطلَ ما
__________
(1) في الأصل: "قارنه".
(2) في الأصل: "منها".
(4/120)

ذكروه.
ومنها: أن قالوا: لو جازَ تأخيرُ البيانِ يوماً، لجاز تأخيرُه سنةً وأكثرَ، وذلك يُخْرِجُهُ عن كونه متعلِّقاً بالأولِ، فإنه ليس لنا في كلام العرب كلامٌ منعطفٌ على الأول بعد زمانٍ طويلٍ، بل يصيرُ الأول بطول المدة كالمهملِ، لأنه كلامٌ لم يتحققِ العملُ به، بل يقعُ منتظراً به ما بعدَهُ، والمنتظرُ لم تتحصَّلْ فائدتُه.
فيقال: انتظارُ بيانه لا يعطِّل عن تَعبُّدٍ مقصودٍ مثله، وفيه مصلحةٌ معجَّلةٌ، و [هي] اعتقادُ ما تضمَّنهُ، وتوطينُ النفس على العمل بما يُفَسَرُ به مجملُهُ، ويخص به عمومُه، ومثلُ هذا لا يكونُ من جملةِ المهمل، وإذا جازَ أن تقَعَ التعبدُ متفرِّقاً ومتتابعاً، كالإحرامِ يقعُ في شوال، وتقع أفعالُهُ في شهورٍ، وبعضُ أفعاله بعدَ شهورٍ، وبينَ فعل وفِعْلٍ، ونُسُكٍ ونسُكٍ أيامٌ عدةٌ، وصومِ التمتع ثلاثة أيامٍ في الحج، وسبعة إذا رجِع، ويكونُ عزمُه في رجوعه تعبداً (1) إلى حين رجوعه، جاز أن يكون ما بينَ الاعتقادِ والفعلِ الواقع بالبيان المستقبل مدةً موصولة بالفعلِ؛ بما تلاها من الاعتقادِ والعزَمِ وتوطينِ النفسِ، وقد فرَّقَ بينَ المدةِ الطويلة والقصيرةِ قومٌ، وليس بشيءٍ عندنا.
ومنها: أن قالوا: لا يخلو أن يكونَ أرادَ باللفظِ العامِّ اعتقادَنا العمومَ، أو الاعتقادَ والعزمَ، أو التنفيذَ، أو هما جميعاً والتنفيذَ: لا يجوز أن يكون أراد منا الاعتقادَ للعمومِ وهو يريدُ الخصوصَ، لأنَّ هذا يفضي إلى أن يريدَ ضِدَّ ما أراده منا بالخطاب، ولا يجوزُ أن يكونَ أرادَ الاعتقادَ والعزمَ دونَ التنفيذِ، لأنَّ التنفيذَ هوَ المأمورُ به،
__________
(1) في الأصل: "بعيد".
(4/121)

وإذا (1) أريدَ باللفظِ الاعتقادُ والعزمُ غيرُ المذكورين في اللفظِ، فأَوْلى أن يرادَ التنفيذُ المذكورُ في النطقِ، وإذا ثبتَ أنَّه أرادَه بالنطقِ، وجبَ أن يبيِّنَه ليدري [المُخاطَبُ] ماذا يفعلُ وينفِّذُ، وماذا يعتقدُ، وعلى ما يعزمُ، وإلا كانَ جاهلاً معتقداً للجهل، عازماً على غير فعلٍ محقَّقٍ.
فيقال: المرادُ عندنا بلفظِ العموم والإجمال، تلقيهما بالاعتقادِ، وتوطينُ النَّفسِ على التنفيذِ، لما يقعُ به البيانُ في الثاني، فقد كشفنا المذهبَ الذي ذكرتُم في التقسيمِ طلباً له.
وقولُكَ: إنه تعريضٌ للجهلِ، فباطل بالنسخ، لأنَّ الجهل بالكمية لا يؤثِّرُ إلا زيادةَ تكليف، لأنَّه بينَ تنجيزِ مُعْتَقَدٍ، وعزمٍ مُقابلٍ بِهِ اللفظ، وتوطينِ النفس على ما يحصل به البيانُ في كيفية التعبُّد؛ فقد بان أنه قد أراد الاعتقاد لا مَحالَة، وهذا هو الغرضُ من الاستدلال، وإذا سلمناه، اسْتُغْني عن التقسيمِ.
ولكنْ بقيَ الخلافُ في صفةِ الاعتقادِ الذي أرادَه منهم، وأمَرَهُم به؛
هل هو اعتقادُ العمومِ، أو الخصوصِ قطعاً؛ أو الاعتقادُ أن لله سبحانه فيه مراداً (2) لا نعرفه بعينه؟ وأنَّهُ يجوزُ أن يكون العمومَ، إنْ (3) تُرِكْنَا وظاهرَ اللفظِ، ويجوز أن يكونَ الخصوصَ، إدْ أوْرَد علينا بعد الإطلاقِ شيئاً من أدلة التخصيص وقرائنه، فهذا عندنا هو الاعتقادُ الذي لزمَهُم بحقِّ الأمر، وصاحبُ هذا الاستدلال تَوهَّم أن تسليمنا (4) له وجوبَ الاعتقادِ عليهم، يوجبُ أن يكونَ ذلكَ هو
__________
(1) في الأصل: "فإذا".
(2) في الأصل: "مراد".
(3) في الأصل: "وإن".
(4) في الأصل: "إن سلمنا".
(4/122)

اعتقادَ أحدِ الأمرين، وهذا بعيدٌ (1) جداً.
ثم يقال له: إن ما تعلقتَ به يلزمُكَ، ويعودُ عليك في بابِ اعتقادِ المكلَّفِ المخاطبِ في المجملِ والمنسوخِ اللذينِ (2) يتأخَّر عنهما التفسيرُ والنسخُ، وقد كانَ الاعتقادُ ما لم يأتِ به التفسيرُ والنسخُ، من حيثُ إن المخاطَبَ اعتقدَ التأبيدَ.
ويقلَبُ عليكَ في ذلِكَ سؤالك، فيقالُ: لا يخلو أن تقول: إنَّ الذي يقتضيه الأمرُ بالمجمل: الاعتقادُ دونَ الفعل، أو الفعلُ دونَ الاعتقادِ، أو هما جميعاً، وقد استحالَ الأَوَّلانِ (3) عندك، فيجبُ أن يلزمَ بحق الأمرِ: الاعتقادُ والفعلُ جميعاً، فيجبُ استحالةُ تأخيرِ بيانِ المجمل، لئلا يُعْتَقَدَ منه غيرُ المرادِ به، وأن يُمْنَع تأخيرُ بيانِ اللفظِ المبيِّن لأستغراقِ الزمانِ، لئلا يُقدَمَ على اعتقادِ تأبيدِه، وأن النسخ لا يردُ عليه، فيكونَ على اعتقادِ الجهلِ للمراد باللفظ، فإن مرَّ على هذا، تَرَكَ قولَه، وإن قال: الاعتقادُ الواجب بالأمر بالمجمل والأمرِ بالعبادة بلفظِ عمومِ الأزمان، إنما هو ألاعتقادُ لمراد الله سبحانه فيه، لا نعرفُه بعينه وإنما يجبُ علينا أن نعتقدَه بعينه إذا بينَ، وإلاَّ فقبلَ البيانِ يجوزُ أنْ يكونَ المرادُ به غيرَ ما اعتقدناه من المجملِ وعمومِ الأزمانِ في اللفظ الذي قُطعَ بالنسخِ عن التأبيدِ.
قيل: فهذا هو جوابنا بعينه عن تقسيمكم علينا في العموم.
__________
(1) في الأصل: "بعيداً".
(2) في الأصل: "الذي".
(3) في الأصل: "الأمران".
(4/123)

ومنها: ما تعلَّقَ به من أَجازَ (1) تأخيرَ بيان المجمل دون تخصيصِ العمومِ، فقال: إنَّ قوله تعالى: {واَتُوا حَقَّه} [الأنعام: 141] لم يعطنا قدراً نعتقده بعينه، بل مهما ورد به من التفسير من قليلٍ أو كثير، فذاكَ ممَّا ينطبقُ على اللفظ انطباقاً لا يغيِّرُ وصفَه، فإنَّ لفظ الحقِّ لا يعطي قدراً؛ فالمخاطَبُ لايتغيرُ اعتقادُه الأوَّل بالتفسير، لأنه ما كان في صيغة المجمل ما يدعوه ويلجئه إلى قدرٍ مخصوصٍ، فإن اعتقد ذلك، كان ما اعتقده من الجهلِ قد أتِيَ فيه مِن قِبَلِ نفسِه وسوء حسبانِه، الذي لم يوجبه لفظُ الإجمال، والذي يكشفُ هذا: أنَّ المخاطَبَ بالعمومِ يمكنه أن يشرعَ في تنفيذِ المأمورِ مارّاً بالعمل إلى استغراقِ الجنسْ، مثلُ امتثالِه للقتلِ في قوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5]، فلا يَترُكُ مشركاً يصادِفُه إلا أوقعَ فيه القتلَ، بخلافِ المجمل، فإنَّه لا يَعْلَمُ من قولِه: {وَآتُوا حَقَّهُ} مِقداراً فيشرع في تنفيذ الأمرِ به، وجئنا (2) إلى العمومِ، فوجدناه (3) صيغة تُعطي بظاهرِها ومقتضاها الاستغراق عند مَن أثبتَ العمومَ، فإذا جاء البيانُ بأنَّ (4) المرادَ بها الخصوصُ، كان الأوَّل من الاعتقادِ محضَ الجهلِ، فهذا هو الموجِبُ لتفريقنا بين تأخير بيانِ المجمل وتفسيرِه، وبيانِ العموم وتخصيصه، وليس يمكنكم في لفظِ العمومِ أنْ تقولوا به على البعضِ والكلِّ (5)، لأنَّ ذلك يلزمكم به القول بالوقف، وأنتم لا تقولونَ بذلك.
__________
(1) في الاّصل: "أخبار".
(2) في الأصل: "حينآ".
(3) في الأصل: "وجدناه".
(4) في الأصل: "فإن".
(5) في الأصل: "ولكل".
(4/124)

فيقال: إنَّ صيغةَ العمومِ كما تُعطي الاستغراقَ لجميعِ (1) أعيانِ الجنس الذي تناولَه العمومُ، فصيغة الأمرِ تعطي تعميمَ جميع الأزماَنِ، والبقاءَ على التأبيدِ، ثم إنه قد جاز تأخيرُ بيانِ المدةِ بتخصيص الأزمانِ بما يتأخرُ عن اللفظِ من النسح، كذلك التخصيصُ، ولا يَتَحَصَلُ الفرق على ما قررناه من إبطالِ فروقِهم كلِّها، واختلافِ أجوبتهم في ذلك.
على أنه لا فرقَ بين بيانِ المجملِ والعموم، فإنَّ ما يُرادُ به دليلُ التخصيصِ، لا يخرج عندنا ما بقي عن أنَّ يكون عموماً حقيقة صالحاً للابتداء به (2)، وجميعُ ما يُفسرُ به [المجمل] صالحاً لكونه حقاً حقيقة، يبقى علينا أن الظاهرَ: استغراقُ الجنس والطبقةِ في العموم، وليس لنا ظاهرٌ في مقدار الحقِّ، وهذا القدرُ من الفرقِ لا يعطي إلا الاختلافَ في مرتبة الجهل، وإلا فهما متساويانِ في أصلِ الجهل، والقبحُ يعمُّ القليلَ من الجهل والكثير.
وأمَّا قولكم: لا يمكنه الشروعُ وتنفيذ الأمرِ في المجمل، فلا فرقَ، بل يمكنُه الشروعُ في التصدُّقِ بثمرةِ بستانِهِ، والحَب الذي خرجَ من أرضه، مارّاً إلى استغراقه، إلى أن يردَ الدليلُ بمقدار يبينُ له عن بقيَةٍ يخرجُها، أو يقال له: حَسْبُك، فالذي أخرجتَه هو الحقُّ الذي أردناه، وكلُّ مقدار أخرجه، يجوزُ أن يكونَ هو الحقَّ، ويقعُ عليه الاسمُ، كما أنَّ ما شملَ مِن القتل لمشركَيْنِ فصاعداً، يجوز أن يكونَ هو المرادَ بما يأتي من ذلك التخصيصِ، والله أعلم.
__________
(1) في الأصل: "بجمع".
(2) وقع في الأصل بعد قوله: "به": "عموماً حقيقة"، ويغلب على الظن أنها زيادة من الناسخ لا وجه لها، لتقدمها في السياق، لذلك حذفتها.
(4/125)

فصول
أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم -

فصل
في أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - (1)
وهي على أَضْرُبٍ:
فما فعله على غير وجه التعبُّد، كالأكل والشرب، والنوم، وما شاكل ذلك: فهو دالٌّ (2) على الإباحةِ له ولأمته، فيكْون مباحاً لأمته فعل ذلك، إلا أن يردَ دليلُ تخصيصٍ يخصُّه به.
وما فعله على وجهِ التعبدِ: فإنْ فعَلَه بياناً لمجملٍ، أو امتثالاً لأمرٍ، نَظَرْتَ: فما كان من أمرِ الوجوب، وبيانِ المجملِ الواجب، كان ذلك الفعلُ واجباً عليه، وعلى أمته جميعاً.
وما كان أَمْرَ ندبٍ، كان ندباً له ولأمته.
وإن كان الفعلُ ابتداء، فعلى روايتين:
إحداهما (3): أنه دالٌّ على الوجوبِ في حقِّه وحقِّ أمته، إلى أن تقوم دلالةٌ على تخصيصه به، وبهذه الرواية قال أصحاب مالك (4).
__________
(1) "المسودة" (187)، و "العدة" 3/ 734.
(2) في الأصل: "ذاك".
(3) في الأصل: "احدهما".
(4) "شرح تنقيح الفصول" (288).
(4/126)

الثانية: أنه يقتضي الندبَ في حقِّه وحقِّ أمته -وجميعاً منصوصٌ عليهما، وهذه اختيارُ أبي الحسن التميمي -إلا أنْ تقومَ دلالة على الوجوب على أمته، ومشاركتهم له في ذلك، وبهذه الرواية قال أصحابُ أبي حنيفة، فيما حكاه أبو سفيان السَّرَخْسي عنهم (1).
وذهبت المعتزلة (2) والأشعريةُ: إلى أن ذلك على الوقف، ولا يحمل على الوجوب، أو الندب إلا بدليل.
واختلَفَ أصحابُ الشافعيِّ على مذاهبَ ثلاثةٍ: أحَدُها: أنه على الوجوب، والثاني: أنه على الندب، والثالث: على الوقف (3).

فصلٌ
في جمع أدلتنا على الروايةِ الأولى، وأن أفعاله - صلى الله عليه وسلم - على الوجوب، ومشاركة أمته له في ذلك.
فمنها: سمعي: وهي الآيُ الدالة على اتباعه، والتأسِّي به - صلى الله عليه وسلم - من ذلك: قوله تعالى: {وَاتَّبِعُوهُ} [الأعراف: 158] وقوله: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ}
__________
(1) هناك رأيان للحنفية في هذه المسألة:
الأول: الندب.
والثاني: الإباحة، وهو الصحيح عندهم، وبه قال الجصاص وجل الحنفية.
"تيسير التحرير" 3/ 123، و"مسلم الثبوت" 2/ 181.
(2) "المعتمد" 1/ 377 لأبي الحسين البصري.
(3) "التبصرة" (242)، و"الإحكام" للآمدي 1/ 248.
(4/127)

[الأحزاب: 21]، وهذا زجرٌ في طَيِّه (1) أمرٌ؛ لأنه يعطي: [أَنه] إنّما يتأسَّى به من كانَ يؤمنُ بالله واليومِ الآخر، ومن لم يتأسَّ به، فلا يؤمِنُ بالله ولا باليومِ الآخِر، والأمرُ المطلقُ يدل على الوجوبِ بما قدمنا.
فإن قيل: الاتباعُ المأمورُ به هو مشروطٌ بأنْ يعلمَ المكلَّفُ على أيِّ وجه فَعَلَه ليصحَّ الاتباعُ له، وأعمال القُرَبِ والعباداتِ ليست صوراً، بل المعوَّل فيها على المقاصدِ والنياتِ، فإذا كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يصلي، ونحنُ لا نعلمُ هل يتنفلُ أو يفترضُ؟ أو وجدناه يتصدَّقُ، فلم نعلم يكفِّرُ عن حِنْثٍ، أو يزكِّي عن نصابٍ؟ أو وجدناه جالساً في المسجدِ، فلم نعلم أمعتكف هو، أو جالس لشأن له يخصه؟ لم يكن فعلنا كما فعل؛ لأنَّنا إنْ فعلنا ذلك صورةً مع انعدام النية والقصد المعيِّن للفعل بنفلٍ أو فرضٍ، لم نكن متعبِّدين حَسَب تعبُّده، ولا عالمين بحصول شرطِ اتباعه، فلا يكشف ذلك ويُبيِّنُه إلا قولُه - صلى الله عليه وسلم - وإعلامُه، كما نحر بُدْنَهُ يَوم عُمْرة القَضِيّهِ اتباعاً لأمرِ الله (2)؛ حيث أمره أن ينحرها حيثُ حصر، وحيث بلغ، لَمَّا كان الهديُ معكوفاً أن يبلغ مَحِلَّه، ومثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (3)، وقولُه للسائل عن الصلاة: "صلِّ معنا" (4)، وقوله: "خذوا عني مناسككم" (5).
فيقال: إنَّ الاتباعَ في الصورةِ كاف بنية المتابعةِ، فإذا اعتقدَ
__________
(1) في الأصل: "طي".
(2) تقدم في الصفحة:28.
(3) تقدم تخريجه 2/ 174.
(4) تقدم تخريجه 1/ 194.
(5) تقدم تخريجه 1/ 194.
(4/128)

المكلَّفُ بالصلاةِ اتباعَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، واعتقدَ وجوبَ اتباعِه فيها، كفى، إلى أنْ تقومَ دلالة على بيان اعتقادِ شيءٍ آخَرَ، فإن بانَ أنَّه كان يَتَنَفَّلُ، كنا متنفلين، وإنْ كانَ واجباً، فقد أخذنا بالنية القصوى، وهي نيّةُ الإيجابِ، وإنْ كان أمراً يخصُّه، أَشْعَرَنا، كما رويَ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أنَّه قال في إحرامِه: إهلال كإهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم (1)، فأَبْهَم الإهلالَ مبادراً بالاقْتداءِ برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأوقفَ كيفيةَ النُّسكِ على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وكما أنَّا نفعلُ العبادةَ ونحنُ لا نعلَمُ نسخَها على جهةِ الوجوب، فإذا بانَ نسخُها، أو نسخُ شرطٍ من شروطِها، لم يضرَّنا ذلك.
والصحابةُ عَقَلَتْ ذلكَ، فخَلَعَتْ (2) نعالَها حيث خلَع نعلَه، إلى أن كشفَ عن علَّةِ خلعه، فأصابوا في أصلِ الاتباعِ، إذ لم ينكره عليهم، بل سألهم، ثمَّ بيَّن لهم علَّةً انفردَ هو بها (3).
وكذلكَ لَمَّا أَمَرَهم بفسخِ الحجِّ إلى العمرة، قالوا له: ما بالُكَ
__________
(1) أخرجه البخاري (1558)، ومسلم (1250) من حديث أنس رضي الله عنه، قال: قدم علي رضي الله عنه على النبي - صلى الله عليه وسلم - من اليمن، فقال: "بمَ أهللت؟ " فقال: أهللت بإهلال النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "لولا أن معي الهدي، لأحللت".
(2) في الأصل: "فجعلت".
(3) يريد بذلك ما رواه أحمد 3/ 20، وأبو داود (650) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بأصحابه، إذ خلع نعليه، فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم، ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "ما حملكم على إلقاء نعالكم؟ " قالوا: رأيناك ألقيت نعليك، فألقينا نعالنا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن جبريل عليه السلام أتاني, فأخبرني أن فيها قذراً". وإسناده صحيح.
(4/129)

أمرْتَنا بالفسخ ولم تفسخ؟ فلم يُجبهم بأنَّني متميِّزٌ عنكم، ولا داخلٌ معكم، ولا (1) حكمي يخصُّني، ونسكي على وجه لا يلزمُني أنْ يكون على وجه نسكِكم، ولي حكمي ولكم حكمُكُم، بل قال قولاً يعطي عذراً اختصَّ به (2)، وهذا بيانٌ منه - صلى الله عليه وسلم - أنَّ حكمَه حكمُهم لولا معيقٌ أعاقَ، فقال: "لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ، لما سُقْتُ الهَدْي، لكنِّي سقت هديي، ولبدْتُ رأسي، فلا أُحِلُّ حتى أنْحَر" (3).
وقالوا له: نهيْتَنا عن الوِصال وواصلتَ، فقال: "لست كأحدكم، إني أَظَلُّ عندربي يطعمني ويسقيني" (4)، وقال لأمَّ سَلَمة لما سُئلتْ عن قبلةِ الصائم، قال لها: "لِمَ لاَ تَقُولينَ (5) لهُم: إئي أُقَبلُ وأنا صائم؟! " (6).
ولو لم يكن مُتَّبَعاً في أفعالِه، لما كانَ إعلامُهم بذلك جواباً عمّا سألوه، وإنَّما هذا دلالةٌ على أنَّ الأمرَ كان مستقِرّاً على أنَّ أفعاله مُتَّبَعةٌ.
وقال لها لما سألته عن حكم الشَّعْرِ في الاغتسالِ: "أما أنا فيكفيني أنْ أحثوَ على رأسي ثلاث حَثَيات من ماء" (7).
ولما أمَرَ - صلى الله عليه وسلم - بالنحرِ للهدي الذي حُصِرَ عن مَحِلِّه، فتوقفوا،
__________
(1) في الأصل: "بل".
(2) تقدمت الإشارة إليه في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إني سقت الهدي فلا أحل حتى أنحر" انظر 2/ 26.
(3) تقدم تخريجه 2/ 26.
(4) تقدم تخريجه 2/ 26.
(5) في الأصل: "تقولي".
(6) تقدم تخريجه 3/ 103.
(7) تقدم تخريجه 2/ 23.
(4/130)

أشارت عليه أُمُ سلمة بأنْ يخرجَ فيذبحَ، فخرجَ فذبحَ هديه، فاتبعوه في ذلك (1).
ولمَّا سمع تحرُّجَهم من استقبالِ القبلةِ في البنيان بالحاجة، ورويَ (2): أنهم تَحَرَّجُوا من استقبالِ بيت المقدس بالحاجة، قال - صلى الله عليه وسلم -: "أَوَقد فعلوها؟ حَوِّلُوا مَقْعَدتي (3) إلى القبلة" (4)، فجعلَ تحويلَ مقعدته مبالغةً في البيانِ لهم، ولو لم يكن حكْمُهُم حُكْمَه، لما كان في ذلكَ بيانٌ للجوازِ، وهذا كُله يرجعُ إلى أنّه يُتَّبعُ في أفعالِه، كما يُتَّبع في أمره.
وممَّا يَعضُد هذا: أنَّهم لما اختلفوا في الإكْسَال والإنزال، وقال قوم: الماءُ من الماءِ، وقال قوم: إذا التقى الخِتانان، وجب الغسل أنزلَ أو لم يُنزِلْ، وكَثُرَ خِلافُهم في ذلك، أنفذَ عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه إلى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، فسألها فلمَّا أخْبَرَت بأنها كانت تفعلُه ورسولُ الله، وأن التقاءَ الخِتانين بمُجرَّدِه كان يغتسل منه (5)، لم تَزِد على الإخْبارِ بفعْلِه، فأخذَ عمرُ النَّاسَ
__________
(1) أخرجه البخاري (2731)، وأبو داود (2765) من حديث سلمة بن
الاكوع رضي الله عنه. وانظر 3/ 258.
(2) في الأصل: "فروي".
(3) في الأصل: "مقعدي".
(4) أخرجه أحمد 6/ 239، وابن ماجه (324) من حديث عائشة رضي الله عنها. والحديث أعلّه البخاري وأحمد، وصحح البخاري وقفه، وزعم ابن حزم أنه ساقط، لكن قال النووي رحمه الله تعالى: إسناده حسن. هذا وقد فصَّل الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على "المحلى" 1/ 195 - 198 الأقوال في الحديث ورجّح أخيراً: أنه صحيحٌ على شرط مسلم.
(5) أما حديث عائشة رضي الله عنها: فأخرجه أحمد 6/ 161، والترمذي =
(4/131)

بذلك، ونهى زيدَ بنَ ثابت عن الفتوى في ذلك بغير ما خبَّرت به عن رسول الله، فصارَ فعلُه في ذلك كقوله بإجماع الصحابة.
فهذه الرواياتُ صالحة للدلالةِ في المسألةِ، لكنَّني جعلتُها جواباً عمَّا ذكروه، وكاشفةً عمَّا أغفلوه من الآي.
وليسَ لهم أنْ يقولوا: إنها آحاد، وإنّنا نتكلَّم في أصلى لا يحتملُ خبرَ الواحد، لأنَّ هذه أخبار متلقاةٌ بالقبولِ، كَثُرَتْ طُرقهَا، وصحَّ سندها، فهي كالمتواترة.
على أنه لا تُطْلب لأصولِ الفقهِ الأدلةُ القطعيةُ، إذ ليست كأصولِ الدياناتِ (1)؛ بدليلِ أنَّه لا يُفَسَّق المخالفُ فيها ولا يكفَّرُ، ومبناها
__________
= (108)، وابن ماجه (608) من طريق الأوزاعي، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عنها. وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقال الحافظ في "التلخيص" 1/ 134: وصحَّحه أيضاً ابن حبان وابن القطان، وأعلَّه البخاري؛ بأن الأوزاعي أخطأ فيه. ورواه غيره عن عبد الرحمن ابن القاسم مرسلاً، واستدل على ذلك: بأن أبا الزناد قال: سألت القاسم بن محمد: سمعتَ في هذا الباب شيئاً؟ فقال: لا! وأجاب من صحَّحه: بأنه يحتمل أن يكون القاسم كان نسيه، ثم تذكر، فحدث به ابنه، أو كان حدث به ابنه ثم نسي بعده.
أمّا القصة وأصل الخلاف، دون ذكر نص الحديث: فقد أخرجها أحمد
5/ 115 - 116، والترمذي (115)، (111)، وابن ماجه (609) من طريق الزهري، عن سهل بن سعد، عن أبي بن كعب.
(1) هذا على مذهب المتكلِّمين: من أنَّ الأصولَ الاعتقاديةَ تحتاجُ إلى نقل قطعيِّ الثبورت، ومذهبُ أهل الحديثِ: أنّه لا فرفَ بينَ الأصول والفروع، بل =
(4/132)

على لغاتِ العربِ المنقولةِ، والاستدلالاتِ الإقناعيةِ دونَ الدلائلِ القطعيةِ.
ومنها: قولُه تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا} [الأحزاب: 37]، فلو لم يكُن فعلُه (1) تشْريعاً وواجباً اتِّبَاعُه، لَمَا كان تزويجُه بها (2) مزيلاً عنَّا حرجَ التزويج بأزواجِ أدعيائنا.
وهذه آكد آيةٍ في هذا المذهبِ، فكأنَه سبحانه يقولُ فيما يفعله، كيف (3) نفعلُه، فالمباحاتُ لك إباحةٌ لهم، فيعطي ذلكَ: أنَّكَ المتَّبعُ قولاً، وفعلاً: وجوباً، واباحةً، وندباً.
__________
= هذا التقسيم كله من اختراع المعتزلة وغيرهم من المتكلمين، كما قال شيخُ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
هذا وقد بَسط الأدلة على وجوبِ الأخذ بخبر الواحد مطلقاً: الإمامُ الشافعي في "رسالته" في الأصول، وابن القيم في "الصواعق المرسلة".
وذكر الإمام الصنعاني في "إجابة السائل شرح بغية الآمل" (107): أنَّ له رسالة مستقلة في البابِ، أسماها: "الأجوبة الرضية عن المسائل الصعدية"، والله أعلم.
(1) في الأصل: "قوله".
(2) في الأصل: "لها".
(3) في الأصل: "فكيف".
(4/133)

فَصْلٌ
في الاستدلالِ بغيْرِ السَّمْعِ
فمن ذلكَ: أنَّه إذا فعلَ ذلكَ، لم نأمن أنْ يكونَ واجباً، فإذا أخللنا باتباعِه، كانَ وبالاً علينا بإيجاب العقوبةِ، واتباعُه احترازٌ واحتياطٌ، والتَّحرُّزُ من المضارِّ واجبٌ (1)، فكيفَ الَّتحرزُ من عقابِ الله؟ ولذلك وجَبَ فعلُ خمس صلواتٍ على مَن نسيَ صلاةً من يوم، وصومُ ثلاثين (2) يوماً احتياطاً للصوم، وحرَّمنا جميعَ زوجاتِ من طلَّقَ واحدةً منهنَّ وأُنسيها، فالاحتياطُ أصلٌ من أصولِ الشريعة مرعيٌّ عندَ العلماءِ.
فإنْ قيلَ: لسنا ننكرُ الاحتياطَ لما وجبَ لئلا، يُخَلَّ به، فأمَّا الاحتياطُ لما عساه يكونُ واجباً، أو غيرَ واجب، فكلا (3)، وها هنا ما وجبَ شيءٌ، لكنَّنا نجوِّزُ أنْ يكونَ واجباً، والتًجويزُ لا يكونُ موجِباً.
ولأنَّه لا يجوزُ الاحتياطُ باعتقادٍ، بل غاية ما يقعُ الاحتياطُ بالأفعالِ؛ لأنَّ الاعتقاداتِ كيفَ حصلت؛ لإسقاطِ وجوبٍ، أو (4) إثباتِ وجوب، على حدٍّ سواء، فإن اعتقد وجوبَ ما ليسَ بواجب، كفرَ، وإن اعتقدَ نفيَ وجوبِ الواجبِ كفَرَ، فلا يتحقَّقُ التحرز والاحتياطُ في الاعتقادِ، وقد يكونُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَعَلَه نافلةً، فيعتقدُ
__________
(1) في الأصل: "واجبه".
(2) في الأصل: "وصوم أحد وثلاثين"، وهو خطأ.
(3) في الأصل: "فضلا".
(4) في الأصل: "و".
(4/134)

المكلَّفُ وجوبَه، فهذا تغريرٌ بالأديانِ.
فيقال: إن الاحتياطَ واجبٌ بفعلِ ما ليسَ بواجبٍ خوفاً أنْ يكونَ واجباً، ولهذا نتحقَّقُ أنَّ أربعَ صلوات ليست (1) واجبة، ونصليها خوفاً أنْ يكونَ فيها واجب، ولا نَتحقَّقُ أن يومَ الثلاثينَ من رمضان مع حصولِ الغَيْم في ليلتِه، ونوجب صومَه عن رمضان.
ولا يضرُّنا اعتقادُ وجوبِ اتِّباعه - صلى الله عليه وسلم - ان جازَ أنْ يكونَ في ذلكَ الفعلِ متنفلاً، كما لا يضرُّنا فعلُ العبادةِ مع الغيبةِ عن مكانِه - صلى الله عليه وسلم - وما يقاربه واعتقاد بقاءِ وجوبها، وأنَّ الصلاةَ الفائتةَ في الخمس، واليومَ يجوزُ أنْ يكونَ من رمضان، فنفعلُ ونعتقدُ الأكثرَ، ليحصُل التَحَقُّقُ.
كذلكَ إذا فعلناه على أنَّه واجب دخلَ فيه الندبُ، فإذا فعلناه على وجهِ النَّدب، واعتقدناه ندباً، لم يدخل فيه الواجبُ، ولا يحصلُ اعتقادُ الوَجوبِ، فوجبَ أنْ نأتيَ بالأعلى ليتحققَ الأَدْنى، كما وجبَ فعل الأكثر واعتقادُه، ليتحقق ما في طيِّه من الأقلِّ، مع تجويزنا النسخَ المخرِجَ لها عن كونها واجبة، على أنَّه ليس باحتياطٍ مع عدمِ الدليل، وما يصلحُ للإيجابِ، لما نبيِّنه من الدليل الثاني.
ومن ذلكَ: أنَّ أفعاله - صلى الله عليه وسلم - كأقوالِه؛ من أنَّها تقضي على أقواله وكتابِ الله تعالى، وتُؤثِّرُ أثَرَ أقوالِه، وهو تخصيصُ العموم، وتفسيرُ المجمل، وما (2) جرى مجرى الأقوال في هذينِ الحكمين والقضائين، كانَ طريقاً للوجوب، ونصوغُه قياساً، فنقول: ما صلُح لتخصيصِ العمومِ وتفسيرِ المجَمل، دلَّ إطلاقُه على الوجوبِ، كالقولِ.
__________
(1) في الأصل: "ليس".
(2) في الأصل: "واذا".
(4/135)

فإنْ قيل: القولُ ذو صيغةٍ تنبىء عن الوجوبِ، والفعلُ صورة لا تعطي وجوبَ الجوابِ، فضلاً عن الاتِّباع، والقولُ خطابٌ يقتضي الجوابَ، فإذا قال: افعلوا، اقتضى ذلكَ أن يقولوا: سمعنا، وأطعنا، واستجبنا، والفعلُ لا يقتضي جواباً، فكيف يقتضي وجوباً؟ بل هو متردِّدٌ في نفسِه، فلو (1) ترجَّحَ إلى الوجوبِ، تردَّدَ بين الوْجوبِ في حقّه خاصةً، وبينَ وجوبهِ على غيرِه، فبانَ الفرقُ بينهما.
قيلَ: ومع هذه الحالِ قد قضىِ بتفسيرِ المجمل، وقضى على الصيغة العامة بالتخصيص، فإذا كان له رتبةٌ تقضي على الصيغ، لمَ لا يكون له حكمُ الصيغ؟
ومن ذلك: أنَّ النبوَّة رتبة للإبلاغِ والاستتباعِ، وإذا لم توجب اتباعَه فيما يفعلُه من القُرَبِ والعباداتِ، كان إسقاطاً لرتبتِه وحرمتِه، وإهمالاً لاتِّباعه، لا سيَّما وقد كانَ إذا جلَسَ وهم حولَه، لم يجز أنْ يخرجَ أحدٌ عنه إلا بإذنه، حتى ذمَّ الله قوماً من المنافقين يخرجونَ لائذين بالخارجين بإذنه، فقال: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: 63]، فسمَّى جلوسَه وجلوسَهم معه أمراً، وذمّ مفارقتهم له بغير إذن، فإذا قامَ مصلِّياً والجماعةُ جلوس، أو قامَ يطوفُ (2) وهم يتسامرونَ، فلا أحدَ يقومُ معه، فيتَّبِعُه في ذلك النُّسْكِ، كانَ من أكثرِ الإهمال، وأوهنِ الإغفالِ لرتبته - صلى الله عليه وسلم -، حتى إنه لما دعا رجلاً وهو في الصلاة، فلم
__________
(1) في الأصل: "ثم لو".
(2) في الأصل: "نظرت".
(4/136)

يُجبْه عاتبه (1) على ترك جوابه، فلما اعتذر بكونه في الصلاة، قال: "أَما سمعتَ اللهَ عزَّ وجل يقول: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} [الأنفال: 24] " (2) فالوجوبُ بفعلِه أشبهُ من النَّدب، إذ كانَ المندوبُ مخيَّراً بين اتباعِه وتركِه، والايجاب ما حَتَّم الفعل، وضُيقَ على الأمة تركُه، فلا يحتملُ [إِلا] تبجيلَ النبوة، وإعظامَ شأنِها.
وأوردَ بعضُهم في النظرِ على هذهِ الطريقةِ سؤالاً صالحاً، ويصلحُ أن يكونَ من جملةِ ما يحتجونَ به، وذلكَ: أنَّه لو كانَ تركُ الاتِّباعِ له إهمالاً، أو إسقاطاً لحرمةِ النبوةِ، لوجبَ إذا كانَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - تاركاً لتعبُّدٍ لا يُعلم سببه؛ إمَّا (3) لاستراحةٍ، أو لاستطراحٍ، أو قيلولة، أنْ يكونَ التركُ للتعبُّد في حقِّنا حالَ تركه واجباً، والفعلُ للعبادات في تلك الحالِ افْتِئاتاً (4) عليه وتعاطياً، وعساه كان ترْكُه في تلك الحال لِعِلْمِه أنَّ التعبدَ فيها مفسدةٌ، كما كانَ بعضُ الأوقاتِ يُنهى فيه عن التعبداتِ؛ كصومِ العيدينِ، وأيام التشريق، والصلاةِ في الأوقاتِ المذمومة (5)، وإذا لم يكن الاقتداء به في التركِ واجباً، وإن جازَ أنْ يكون تركه في ذلك الوقت واجباً، ولم يكن افتِئَاتاً عَليه، ولا مراغمةً له، ولا إهمالاً لحرمته، ولا وهناً في رتبته، فكذلكَ تركُ اتباعِه في فعلٍ لا يُدركُ على أيِّ وجهٍ فعلَه، لا يكونُ حَطّاً، ولا إهمالاً، ولا طَعْناً في رتبته - صلى الله عليه وسلم -.
__________
(1) في الأصل: "عتبه".
(2) تقدم تخريجه 3/ 19.
(3) في الأصل: "فإما".
(4) في الأصل: "امتناناً".
(5) في الأصل: "المعلومة".
(4/137)

ولأنَّ التركَ بصورتهِ عدمٌ مطلَقٌ ونَفْيٌ لا يدكُ على أن وراءه مكابدةُ نفسٍ في كفٍّ، وبهذا فارقَ القولَ؛ فإنَّه لو صرحَ بالأمرِ بالتركِ، وجب اتِّباعُه، ولو ترك بغيرِ قولٍ، لم يوجِبْ ذلكَ التَرْكُ اتِّباعَه فيه (1).
ولأنَّه قد يكونُ التركُ تعبداً، وإن كان رفاهيةً وراحةً، كقصرِ [الصلاة في] السفر، والرخص التي عاتبهمْ (2) على تركها، وقال: "إن الله يكره أن تتركَ رخصه" (3)، وقال: "من ذا الذي رد على الله رخصته؟ " (4)، وبلغَه أنَّ قوماً صاموا، فقال: "أُولئك
__________
(1) في الأصل: "واتباعه وفيه".
(2) في الأصل: "عتبهم".
(3) الحديثُ ورد بعدة ألفاظ، منها: عن ابن عمر عند أحمد في"المسند" 2/ 108 ولفظه: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته".
وأخرجه ابن حبان في عدة مواضع من "صحيحه" عن أكثر من صحابي منها هذه الرواية (2742).
وعن ابن مسعود عند الطبراني في "الكبير" (10030)، وأبي نعيم 2/ 101 مرفوعاً بلفظ: "إنَّ الله عز جل يحب أن تقبلَ رخصه، كما يحبُ أن تؤتى عزائمه". وروي موقوفاً، وهو أصح.
وعن ابن عباس بلفظ: "إنَّ الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه" عند ابن حبان (354)، والطبراني في "الكبير" (11880)، وأبىِ نعيم 8/ 286، والبزار (990). وإسناده صحيح.
وقال الهيثمي في "المجمع" 3/ 162: ورجال البزار ثقات، وكذلك رجال الطبراني.
(4) لم أجده بهذا اللفظ. لكن ورد عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر: إقصار الناس الصلاة، وانما قال الله جل وعلا: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ =
(4/138)

العصاة" (1)، وقال: "ليسَ من البرِّ الصومُ في السفر" (2)، وهو تركُ تعبد.
فيقال: أمَّا [إن] التركَ هو الأصلُ، وليس يُتعبَّدُ به إلا في نوادرِ أحوالٍ لا على (3) الإطلاق، فلا (4) يُسَلَّم، بل إنْ تَرَكَ في خلال فعل ما يشاكلُ ذلكَ الفعلَ، أو فعلَ فعلاً في مكان، أو مع شخصٍ، وتركَه في مكانٍ آخرَ، ومع شخص آخر، دلَّ على وجوب تجنُّبه، مثل أنْ وقفَ بعرفة، وتجنب عُرَنة، وأجابَ شخصاً دعَاه، ولم يستجب لآخر، وقصرَ الصلاةَ في سفرٍ، ولم يقصرها في سفر، كان ما تَرَكَه واجباً تركهُ، كما أنَّ ما فَعَلَه واجبٌ فعلُه، وإنْ كانَ تركهُ لا مغايرة بينَ مكانين، ولا زمانين، ولا شخصين، فإنَّما لم يدلَّ على الوجوبِ، لأنَّه إن (5) كان التركُ لا لتفرقةٍ بين فعلين، فإنما لم يدلَّ، لأنَّه كان يفضي إلى أنَّ تركَه للقولِ أيضاً يدلُّ على وجوب الترك، فلا يبقى لنا معه باقٍ ولا فعل، فإنْ كانَ قول يتعقَّبُه سكوتَ، فكانَ إذا أمرَ وجبَ، وإذا سكتَ سقطَ، فلا يستقرُّ لنا شرعٌ.
على أنَّه قد اعتَذر عن التركِ ببيانِ علَّةِ الترك، حيث لم يأكل
__________
= كَفَرُوا} [النساء: 101] فقد ذهب ذاك؟ فقال: عجبت منه حتى سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته" رواه مسلم (686)، وأبو داود (1199)، وأحمد 1/ 36.
(1) أخرجه مسلم (1114) (91)، والترمذي (710).
(2) أخرجه البخاري (1949)، ومسلم (1115).
(3) فى الأصل: "وعلى".
(4) في الأصل: "لا".
(5) في الأصل: "لأنه هو وإن".
(4/139)

الضبَّ، ثم قال: "إني أجد نفسي تَعافُه، لأنه لم يَكُن في أرضِ قومي" (1)، واعتذر عن تركِ فسخِ الحج إلى العمرة بسوقه للهدي (2)، وهذا يعطي أنَّ تركَه [لا] يجبُ الاقتداء به، فإنَّه يوهمُ التحريم في المتناوَلاتِ (3)، والإسقاطَ في العباداتِ، أو تحريم الفعل (4) لنا، مع أنَّه قد كانَ ينفر من تعاطي كثرةِ العبادات، ويكره التبتُّلَ، وشدةَ التقشفِ، والترهبنَ، ويذمُّ عليه كلَّ سالكٍ سلكه.
ولأنَّ التركَ يخالفُ الفعل؛ من حيث إنَّه لا يحصلُ به تفسيرُ مجملٍ، ولا تخصيصُ عموم، وإنما هو نفيٌ وعدم، ولأنَّ القائلينَ بالندبِ، لم يجعلوا تركَه للتعبُّدِ مؤذناً بالندب لنا على الترك لما هو عبادة؛ من صلاة، أو ذكر، أو تلاوة، فنكون مندوبين إلى الاستناد والاتكاء ما دام متكئاً، ومضطجعين ما دام مضطجعاً، لا يجوز لنا الاجتهاد حال تركه، بخلاف التعبد منه.
فقد بانَ الفرقُ بين الفعلِ والتركِ في حقِّه - صلى الله عليه وسلم -.
ومن ذلك: أنَّ ما فعلَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حقٌّ وصوابٌ، ومصلحةٌ في الوقت الذي فعله على الوجه الذي فعله، هذا متحقِّق، فلا يؤمَن مع هذه الحال أنْ يكونَ اعتمادُنا إلى تركِه مفسدةً لنا في الدين والدنيا، وهذا هو الظاهرُ، فوجَبَ اتباعه، لنَحْظى بنيلِ الأصلحِ، ونأمَنَ مواقعةَ الأفسدِ.
__________
(1) أخرجه أحمد 4/ 88 - 89، والبخاري (5537)، ومسلم (1945)، وأبو داود (3794) عن عبد الله بن عباس، عن خالد بن الوليد رضي الله عنهما.
(2) تقدم تخريجه 2/ 26.
(3) في الأصل: "المتاولات".
(4) في الأصل: "بفعل".
(4/140)

فإنْ قيل: وكم من مصلحةٍ له تخصُّه - صلى الله عليه وسلم -، [هي] مفسدةٌ لنا، وكم من شيء يكونُ صلاحاً لنا دونه، وقد عُلِمَ ذلك بمخالفةٍ بيننا وبينه في تحريم أَشْيَاءَ عليه، هي مباحة لنا، كالصدقةِ، ونكاح الإماء، و [تحريمِ] أَشياءَ [علينا، هي] مصلحة له، وهي مفسدةٌ لنا، كالتزويجِ بغير حصر بعدد، ومثل أخذِ الماءِ من العطشان (1)، ومنها أشياء وجبت عليه، كالوتر، وقيامِ الليل، ولم تجب علينا، والسواك، إلى ما شاكل ذلك، فلا نَأْمَنُ أن نواقعَ باتباعه مفسدةً لنا، وإنْ كانَ الفعلُ مصلحةً له، فبان من هذا: أنَّه لا يلزم أنَّ ما كانَ في حقِّه مصلحةً، يكونُ مصلحةً فى حق كلِّ مكلَّف.
فيقال: إنَّ من كان قدوةً ومناراً للاتِّباع، لا يقعُ منه فعلٌ تخصُّه مصلحته، فيجوز له الإمساكُ عن بيانِ التخصيص له بذلك، وتخصيصِه لمصلحةٍ فيه، لا سيَّما إذا كانَ في حقِّ غيره مفسدةً، والدليلُ عليه: أنَّ المُتَّبَعَ إذا كانَ أتباعُه معه في طريقٍ وهو محتذٍ مُنتعِل، وهم حفاةٌ، فوَطِىءَ شَوْكَاً ومَدَراً، لا يُؤْذي المُحْتذيَ المُنتعِلَ، ويؤذي الحُفاةَ، لم يجز له المشي والإمساك (2)، فيكون غروراً لمن يتبعه، إذ علم أنَّ المُتَّبعَ له يتأذى لعدم الحِذاءِ، ومكان الحفَاَءِ، وكذلك من شربَ من ماء ينتفعُ هو به، أَو أكل ثَمَرةً (3) يعلم أنَّها توافقُ مزاجَه، وله تبع يعلم أنَّهم يستضرون بذلكَ الماءِ والثمرِ، فإنَّه يقْبُحُ ذلكَ منه، إذا علمَ أنَّهم يَغْترُّونَ (4) بتناولِه، وأنهم قد يَتَّبِعُونَه في ذلك، فكيف إذا عَلِمَ أنهم على الاتِّباع له لا مَحَالَةَ؛ فبان بهذا: أنَّه
__________
(1) انظر "الخصائص الكبرى" للسيوطي 2/ 244 و 245.
(2) أي: الإمساك عن بيان التخصيص له بذلك.
(3) في الأصل: "مرة".
(4) في الأصل: "يعثرون".
(4/141)

لا يجوزُ له التناولُ مع الإمساك، فلا يجوزُ له ها هنا الفعلُ مع مشاهدتِهم له، مع الإمساك عن إعلامِهم بتخصيصِه بالانتفاعِ بذلك، أو عدم الاستضرار.

فصلٌ
في شبهاتِ المخالفين لنفيِ الوجوبِ
وهم ثلاث طوائف: قائلونَ بالوقف، وقائلون بالندبِ، وقائلون بالإباحةِ.
فأمَّا أهلُ الوقفِ: فإنَّهم قالوا: إنَّ صورةَ فعلهِ - صلى الله عليه وسلم - لا تعطي حكماً، لأنَّ صورتَها في الواجبِ والندب والإباحةِ سَواء، ولا يمكنُ صرفُها إلى أحدِ هذه الأحكامِ إلا بدلالةٍ، ألا ترى إلى ما رويَ عنه - صلى الله عليه وسلم - كيفَ وصل الأفعالَ بالأقوال؟ فقال في أفعالِه ومناسكه: "خذوا عني مناسككم" (1)، وصلى، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (2)، وصلى به جبريل، وقال: "الوقت ما بين هذين" (3)، وقال: "إنَّما جُعلَ الإمامُ ليُؤْتمَّ به، فإذا كبَّر فكَبِّروا، وأذا قرأ فأنْصِتُوا، وأذا صَلَّى جالساً، فصَلُّوا جُلُوساً" (4)، ولو كان للفعْل مقتضىً كالقولِ، لما احتاجَ إلى هذا كلِّه، وكفاه الفعلُ.
قيل: وقد وصلَ القولَ بالفعل، حيث قال: "الشهرُ تسع
__________
(1) تقدّم تخريجه 1/ 194.
(2) تقدم تخريجه 2/ 174.
(3) تقدم تخريجه 3/ 92.
(4) أخرجه أحمد (8889)، وأبو داود (604)، وابن ماجه (846)، والنسائي 2/ 142 من حديث أبي هريرة.
(4/142)

وعشرون"، ثم قال: "هكذا وهكذا"، يشير بأصابعه فعلاً (1)، وقال قولاً، وشبَّك بين أصابعه (2)، وبيَّن آيةَ الوضوءِ بفعله (3)، ولم يدلَّ ذلك على أنَّ القولَ ليس بدلالةٍ بنفسه.
وهذا يتحقق بشيء حَقَّقْناه لهم، وهو: أنَّ الإباحة إذن وإطلاقٌ على مذاهب الناس كلِّهِم، سوى من قال: ليس لنا فعلٌ مباحٌ، وهو الكَعْبِيُّ، وقد أجمع أهلُ الإثبات للإباحة: أنَّ ذلكَ لا يحصلُ إلا بإذنٍ سمعي، ولا سمعَ بالإذنِ لنا في فعلِ مثلِ ما فعلَه - صلى الله عليه وسلم -.
وأمَّا الندب: فهو نوعُ استدعاءٍ وحثٍّ من غير حَتْم؛ وهو استدعاء على صفةٍ، والفاعلُ إذا لم يكن [في] فِعْلِه إشارةٌ مفهومة تعطي الاستدعاءَ، كان صورةُ فعلِه هيئةً من هيئاتِهِ، يصحُّ أنْ تكونَ مُسْتَدْعاةَ منه باستدعاءِ غيره، وهو الأعلى الطالبُ منه تلك الهيئة باكتسابه لها، فأمَّا أنْ تقعَ استدعاءً وطلباً لمثلها من غيره، فليسَ ذلكَ وضعاً، ولا عُرفاً، وإنَّما تصيرُ الأفعالُ كالاستدعاءِ، إذا عُلِّقَ الأمرُ الصَّريحُ
__________
(1) تقدم تخريجه 1/ 194.
(2) لعله يريدُ بذلك ما ورد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "كيف بكم وبزمان -أو قال: يوشك أن يأتي زمان- يغربل الناس فيه غربلة، وتبقى حثالة من الناس، قد مرجت عهودهم وأماناتهم، واختلفوا، فصاروا هكذا" وشبك بين أصابعه ...
إسناده صحيح، رواه أحمد 2/ 221، والحاكم 4/ 435. وعن البراء بن عازب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً"، وشبك بين أصابعه. أخرجه البخاري (2446).
(3) تقدَّمت الإشارة إليه في حديث: "هذا وضوئي، ووضوء الأنبياء من قبلي". انظر 2/ 172 - 173.
(4/143)

عليها، فقيل: إذا أنا قمتُ فصلِّ، وإذا قَعَدْتُ فصدِّقْ، أو إذا قمتُ فقُمْ، وإذا قعدْتُ فاقْعُدْ، فأمَّا وجودُ صورة صامتة، فمن أيِّ وجهٍ تكونُ استدعاءً؟!
وأمَّا الوجوبُ، فأبْعَدُ، فيمتنعُ من حيثُ امتنعَ النَّدبُ، لأنَّ في الإيجابِ طلباً واستدعاءً، وزيادةَ -هي الحَتْمُ-، فإذا امتنعَ حصولُ الاستدعَاءِ بمجردِ الندبِ من صورةِ الفعلِ، فأَوْلى أنْ يمتنعَ الاستدعاءُ الحتمُ الواجبُ.
وإذا لم تعطِ الصورةُ حكماً من الفعلِ لغيرِ الفاعلِ - صلى الله عليه وسلم -، جِئْنا إلى حكمِ الفعلِ في حقَه، فوجدناه متردِّداً بين أنْ يكونَ وجِدَ منه امتثالاً لأمرِ ندب، أو لأمر إيجاب، أو فَعَلَهُ ابتداءً من نفسه؛ فلا طريقَ إلى القولِ بأنه أمر لنا، لأجل ما ذكرنا من عدمِ الاستدعاءِ، وترددِ الفعل لو ثبت أنه مُسْتَدْعىً منه - صلى الله عليه وسلم - فضلاً عن أن يكون مُوجِباً، فلم يبقَ إلا الوقفُ.
فيقال: إنَكم لو لحظتم الاستدعاءَ، لوجدتموه في كتاب الله تعالى؛ [كقوله] {وَاتَّبِعُوهُ} [الأعراف: 158]، {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]، {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: 63]، {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا} [النور: 63] الحاصلُ منه: أنكم لا ينبغي أن تخرجوا من مجلسِه وهو جالسٌ إلا بإذنه، فهذا سَمْعٌ (1) يُعطي: وجوبَ اتباعه في أفعالِه وأقوالِه، فإن لم يكن في صورةِ فعلِه استدعاءٌ ولا طلبٌ (2)، كانَ الطلبُ من هذهِ الآي أن نأتيَ بمثلِ ما يأتي به من التعبدات، والاستدعاءُ
__________
(1) في الأصل: "يسمع".
(2) في الأصل: "طلباً".
(4/144)

المطلقُ يقتضي الإيجابَ، فهذا يعطي مرادنَا من الإيجاب.
وأمَّا قولكم: ليسَ في الفعلِ إباحة، فليس كما ذكرتم أيضاً؛ لأنَّه لما قامت الدلالةُ على أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لا يُخَالِفُ عند من قال بعصمته، ولا يقَرُّ على الخطأ عند الكافَّةِ إن بدرتْ منه خطيئةٌ، كان أقل أحوال (1) فعله: الإباحة دون الحظر.
ويجري قوله تعالى: {وَاتَّبِعُوهُ} [الأعراف: 158] مجرى قوله: إذا قام فقوموا، وإذا قعد فاقعدوا، وإذا صلى فصلوا، وإن أحرم فأحرموا، وإن حلَّ فأحلُّوا.
وأمَّا إِتْباعُ (2) فعله بقوله (2)، أمثل،: "خُذُوا عَني" (3)، و"صَلُّوا كما رأيتُموني أُصَلِّي" (4)، فقد يكونُ تأكيداً في البيانِ، كما أكَّدَ القولَ بالفعل، فقال: "الشهرُ تِسع وعِشرونَ"، ثم قال: "الشهرُ هكذا وهكذا" وأشارَ بأصابِعهِ (5)، وقال ما قال، وشَبك بين أصابِعِه (6).
فإن قيل: هذا إنما يكونُ إن كان هو وأُمَّتُه متساويينِ في المصالح، فأمَّا إذا كان له مصالحُ (7) تخصه، لا يكون أحد (8) من أمته مشاركاً له في ذلك، وكان على المخالفة لهم لم يجز أن يكون الأمر
__________
(1) في الأصل: "الاحوال"
(2) في الأصل:"فقوله"
(3) تقدم تخريجه 1/ 194.
(4) تقدم تخريجه 2/ 174.
(5) تقدم تخريجه 1/ 194.
(6) تقدم تخريجه ص (143)
(7) في الأصل:"اصلح"
(8) في الأصل: "أحداً"
(4/145)

له أمراً لهم، ولا الإباحةُ له إباحةً لهم.
فيقالُ: إنَّ التكليفَ عمَّ الجماعةَ، وخُصَّ قومٌ دونَ قومٍ بأشياءَ بدلائلَ خاصَّة، وإلا فالمساواة هي (1) الأصلُ، حيث قال الله تعالى للكل: {وَاتَّبِعُوهُ} [الأعراف: 158]، وقال هو - صلى الله عليه وسلم -: "أمري للواحدِ أمري للجماعة، أَمْري للمَرْأَةِ أَمْري لأَلفِ امْرأَةٍ" (2)، والإيجابُ هو الأصلُ، إلا أن تأتيَ دلالةٌ تصرفُ اللفظَ عن ظاهرِه، والدليلُ عليه: أنه لا يَتَعَبَّدُ من قِبَل نفسه، بل باستدعاءٍ وطلبٍ، والأصلُ مع عَدم العلم بقرينةٍ: الوجوبُ.
وقالَ بعضُ أهلِ العلم: النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في الأُمَّةِ للاتبِّاع له، كالكعبةِ للاستقبالِ لها، فهي (3) للكل إلا من أُخْرِجَ بدلالة اَلعُذْرِ، كذلكَ النبي - صلى الله عليه وسلم - للاتباع في قوله استجابةً، وفي فعلِه (4) اقتداءً، إلا ما خُصَّ به دون أُمَّتَه بدلالةٍ.
فإن قيل: لو كان ما يفعلُه واجباً، لم يخلُ أنْ يكونَ واجباً عليه خاصَّةً، أو واجباً علينَا وعلَيْه، فإن كان واجباً علينا وعليه، وتشاغَلَ بفعله، ولم يُبَلِّغْنا الصيغةَ التي أوْجَبَتْ، فما بَلَّغَ، وحاشاه مع قوله [سبحانه] له: {بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67]، وإن كان هذا الفعلُ هو بلاغه، فقد قصر؛ حيثُ أبدلَ الصيغَ والأقوالَ التي تعطي المعاني
__________
(1) في الأصل: "في".
(2) لا أصل له بهذا اللفظ، وقد تقدمت الإشارة إلى ما يفيد معناه بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "قولي لمائة امرأة، كقولي لامرأة واحدة" انظر 2/ 121.
(3) في الأصل: "وهي".
(4) في الأصل: "قوله".
(4/146)

مكشوفة بألفاظ مفهومةٍ، بصورةِ (1) فعلٍ، لا تُعْطِي سوى المشاهدةِ لها، ولا تُعرِبُ عن شىء مفهوم، ولا معنى معقول، والبارىء قال له: {لِتبيِّنَ للنَّاس ما نُزِّلَ إليهم} [النحل: 144] فأمره ببيانِ الألفاظِ الغامِضَةِ، وماَ فيه نوعُ خفاءٍ بالبيانِ، والمجملةِ (2) بالتفسيرِ، والمختلفِ ظاهرهُ بالجمع، إلى أشباه ذلك، فكيفَ يَحْسُن مع هذا أنْ تنزَّلَ إليه صيغةٌ تقتضي الإيجابَ أو الندبَ أو الإباحةَ، فيَعْدِلَ عن تلكَ الصيغةِ إلى صورةِ فعلٍ لم توضع للإفْهَامِ ولا البَيَانِ؟!
فإذا لم يكن فيها إيجابٌ -وهو ما ادعيتموه-، ولا استدعاءٌ، ولا إطلاقٌ وإباحةٌ، لم يكن لنا سوى الوقفِ إلى أن يأتيَ البيانُ: مَن المُخاطَبُ به، وكيف الخطابُ، لئَلاَّ يُنْسَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إلى ما لاَ يَليقُ به من التَّقصِير في البَيانِ والبَلاع المأمورِ بهما بنص القرآن، وهو قوله: {بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [المائدة: 67]، {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44].
فيقال: لا بيانَ أوضحُ ولا أبينُ من الأمرِ باتِّباعهِ والتأسِّي به، والبيانُ الذي أُمِرَ به، تارة كان بفعلِه، وتارةً بقولِه، ولهذا أشارَ إليه بالبيانِ بالفعلِ، حيث نزَلَ جبريلُ، فصلى به عند البيت، وبَيَّنَ له المواقيت، وتنزل إليه، فبيَّن له المناسكَ، وبيَّن هو لأمتِه كما بُيِّنَ له، فقال للسائل صلى الله عليه وسلم: "صلِّ معنا" (3)، ورفع إناءه، وشرب في مسيره في رمضان حيث بلغ كُرَاعَ الغميم (4)، وطاف على
__________
(1) في الأصل: "مصورة".
(2) في الأصل: "والجملة".
(3) تقدم تخريجه في 1/ 194.
(4) أخرجه مسلم (1114)، والترمذي (710)، والنسائي 4/ 177 من =
(4/147)

البعير مبيناً للطواف (1)، وتوضأ بمحضر من أصحابه (2)، فلما بيَّنَ له الملكُ قولاً تارةً، وفعلاً أخرى، بيَّنَ هو لأُمَّتهِ بالطريقين، تارة قولاً، وتارة فعلاً، وصارَ للأُمَّةِ في سائرِ الأفعال والأقوال، كالإمامِ في الصّلاةِ للمأمومين، إنْ ركعَ ركعوا، وإنْ سجدَ سجدوا، وإن صلَّى قائماً أو قاعداً، صلَّوا خلفَه قياماً وقعوداً، وإن سجَدَ للسهو سجدوا، وإن كانَ سببُ السهو لم يعلموا به، كل ذلكَ لكونِه قدوة، وهم أتباعُه.
ومما تعلَّقَ به بعضُ أهلِ الوقف (3): أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يجوزُ عليه الصغائرُ والخطأ، ودلائلُ ذلك معلومة، والعُتْبَى عليه من القرآن مسموعةٌ، فلا نأمنُ أن نَتَبِعَه في شيءٍ من هذه الأفعالِ، فنكون
__________
= حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
(1) أخرجه مسلم (1273) عن جابر رضي الله عنه، قال: طاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالبيت، في حجة الوداع على راحلته، يستلم الحجر بمحجنه، لأن يراه الناس، وليشرف، وليسألوه، فإنَّ الناس غشوه.
وأخرجه البخاري (1607)، والترمذي (865)، والنسائي 5/ 233 من حديث ابن عباس.
وفي الباب: عن أبي الطفيل، وأم سلمة رضي الله عن الجميع.
(2) الأحاديث في وضوئه - صلى الله عليه وسلم - بمحضر من أصحابه كثيرة رواها جمع من الصحابة، كعثمان، وعلي، وعبد الله بن زيد، وغيرهم رضي الله عنهم.
ومن ذلك: ما أخرجه مسلم (226) عن حمران مولى عثمان، أن عثمان دعا بماء، الحديث ... ثم قال آخره: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ نحو وضوئي هذا.
(3) القائلون بالوقف، هم: الصيرفي، وأكثر المعتزلة، واختاره الرازي.
راجع "المحصول" 3/ 330.
(4/148)

مخطئينَ أو عاصين، ونضمَّ إلى ذلك اعتقادَ الوجوبِ، فيكونَ ذلك أطمَّ وأدْهَى، فلا يُخَلِّصنَا من ذلك الخطرِ إلا الوقفُ إلى أنْ يأتيَ [في]، ذلك دلالة تكشفُ عن حقيقة الحال، ومثل ذلك: استغفاره لأمِّه وعمِّه مع الشرك (1)، فنستغفر نحن للمشركين.
فيقالُ: لا يمتنعُ مع هذه الحالِ أنْ يُكَلِّفَنا اتِّباعَه، وإن كانَ فيه سهوٌ أو خطأ، اسْتُدرِكَ بالرجوعِ عنه، ولسْنَا بأَوْفى منه، ولا يصونُنا البارىء عما لمِ يصنه عنه، فإذا جازَ أن يُؤَخِّرَ عنه البيانَ، ويُمكِّنَ من تلاوتهِ الشيطان، ثم يَنسَخَ ما (2) يلقيه الشيطانُ، ويُبَيِّن (3) له الخطأ، ليرجعَ عمَّا وقعَ منه بالخطأِ والنِّسْيَان، جاز أنْ يكلِّفَ اتِّباعَه على ما كان، ألا ترى أنَّ أقوالَه أيضاً لم تسلم من ذلك، ولا عُصِمَ فيها من زَلَّةٍ وخَطأ؟ فقد (4) صلَّى، فقصر من الركعات، وعاد فأتمَّ، وسجَدَ للسهو (5)، وندم على الفداءِ بعد أن وجب على أصحابه الاتباع في
__________
(1) حديث استغفاره - صلى الله عليه وسلم - لأمه: أخرجه مسلم (976) عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "استأذنت ربي أن أستغفر لأمي، فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها، فأذن لي".
أمَّا حديثُ استغفاره - صلى الله عليه وسلم - لعمه، وفيه: "لأستغفرنَّ لك ما لم أنَّهَ عنك" فأنرْل الله: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة: 113]: فرواه أحمد 5/ 433، والبخاري (1360) و (3884) و (4675) و (4772)، ومسلم (24) (40)، والنسائي 4/ 90.
(2) في الأصل: "بما".
(3) في الأصل: "وبين".
(4) وفي الأصل: "وقد".
(5) تقدم تخريجه في 2/ 551.
(4/149)

ذلك (1)، فلما لم يمنع هذا التجويزُ من (2) اتباعِه في أقواله، لم يمنع اتباعَهُ في أفعالِه، والله أعلم.

فصْلٌ
وأما القائلون بالإباحة فإن أرادوا بها (3): الإذنَ السمعي من الله لنا في اتباعِ مثلِ الأفعالِ التي يفعلها النبي - صلى الله عليه وسلم -، فذلك باطل؛ لأنه لم يرد سمع: بأنني قد أبحتكم، وأطلقتكم في فعلٍ مثلِ فعله - صلى الله عليه وسلم -، وإن أرادوا بقولِهم (4): إنَها على الإباحةِ: أن مثلها ليس بمحظورِ علينا، وأنها تفعلُ على حكمِ العقل، فذلكَ صحيح، إلا أن يَنْقُلَ (5) عن حكمهِ سمعٌ، وقد بيَّنا ذلك.
على أنَّ الإباحة لا تقع إلا موقع الحَظر، وذلكَ في غيرِ العبادات، مثل: الأكلِ والشربِ، والُلبْس، والجماع، فأمَّا التعبدات، فلا تقعُ إلا بالاستدعاءِ؛ لأنها لا تقعُ ريَاءً ولا حَاجةً ولا عادةً، فأوَّلُ مراتبها، وأقلُّ مناصبها: الندبُ والاستحبابُ، دونَ التخليةِ والإطلاقِ، ولا يُبتدأ بها التكليفُ (6) في الشرع، إلا بالاستدعاء والطلب، والاستعباد والامتحان، فأمَّا أنْ تقعَ على سبيل الإطلاق، فلا؛ لَأنها مُقَيّدَةٌ مِنْ
__________
(1) تقدم تخريجه 2/ 26.
(2) في الأصل: "عن".
(3) في الأصل: "أراد به".
(4) في الأصل: "أراد بقوله".
(5) في الأصل: "ينتقل".
(6) يمكن أن تقرأ في الأصل: "المتكلف" أو "التكلف".
(4/150)

دواعي النفوس، ومعدولٌ بالمتعبَّدِ بها عن سَمْتِ العادةِ، وما كانَ بهذهِ الصِّفةِ، لم يَجُزْ أنْ يكونَ فعلُه إباحةً وإطلاقاً، بخلافِ ما تميلُ النفوسُ إليه، وتقومُ به، فإن أوَّلَ وهلاتِ الإنعام به: الإطلاقُ في تناولِه، والمتعةُ بهِ.

فصل
في شُبَه الحاملين لأفعالِه - صلى الله عليه وسلم - على النَّدْبِ، دونَ الإيجابِ
فمن ذلك: قولهم: إنَّ اللهَ سبحانَه جعلَ التأسي بأفعالِ رسولِه حسنةً، فقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]، ولم يقرن (1) ذلكَ بلفظ إيجاب، بأنْ يقولَ: عليكم، ولا بوعيدٍ على تركِ التأسي، فدلَّ (2) تحسينُه له، ومدحُه عليه، على الندبِ؛ لأنَّ المندوبَ (3) هو الذي يُثابُ على فعلِه، ولا يعاقبُ على تركِه.
ومن ذلك: أنَّ الندبَ أدنى المراتب في باب الاستدعاءِ والطلبِ والتقرب، وأدنى طرقِ الاستدعاء للفِعْلِ؛ إذَ لا (4) صيغةَ له، ولا يُصرِّحُ بالطلبِ كما يُصرِّحُ القولُ، فوجبَ أن لا يُرْتَقَى به (5) إلى الإيجابِ -وهو الأعلى- إلا بدلالةٍ؛ لأنّه هو المُتيقَّن، فصارَ كلفظِ
__________
(1) في الأصل: "يفرق".
(2) في الأصل: "فدل على"، والأولى حذف لفظة: "على".
(3) في الأصل: "الندوب".
(4) قوله. "إذ لا"، رسمت في الأصل: "أحلا".
(5) في الأصل: "منه".
(4/151)

الجمع، يحملُ على أدنى مراتبِ الجمع -على خلاف الناس في قدره: إما اثنان، أو ثلاثة-، لأنَّه اليقين.
ومن ذلك: أنَّ المندوباتِ من أفعالِه - صلى الله عليه وسلم - كانت الأكثرَ والأظهرَ من الواجبات، فحُمِلَ فعلُه الذي لا دالَّةَ على وجوبهِ، على عمومِ أفعالهِ وأكثرِها وقوعاً منه، وهو الندبُ.

فصلٌ
في جمعِ الأجوبةِ
أما الآية: فإنَّها دليلٌ لنا، لأنَّها استدعاءٌ منا الاتِّباعَ بلفظٍ مطلق، وقرينةُ الاستحسانِ لا تَحُطُّها عن الإيجاب، لأنَّ كلَّ واجب حسن (1)، ولأنَّه قَرَنها بقوله: {لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} [الأحزاب: 21]، كما قالَ سبحانه: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا} [الكهف: 110] ونصَّ على مراده بهذه الآية بقولهِ في الآية الأخرى: {وَاتَّبِعُوهُ} [الأعراف: 158].
وأمَّا قولُهم: المُتيقَّنُ أدنى مراتبِ الأمر والقُرْبةِ -وهو النّدبُ-، فيقابله: أنَّ الاحتياط القولُ بالإيجابِ الذي يدخلُ في طيِّه الندبُ، والمخاطرةُ حملُه على الأَدْنى، فيفوتُ الإيجابُ، ومَن حمَلَه على النَّدب، جوَّز التركَ لاتِّباعِه في التعبد، وفي ذلكَ خطر وتغريرٌ، ولأنَّ الحملَ له على أعلى مراتب التعبُّد حراسةٌ للتأسي المأمورِ به، وفي التخيير إسقاطٌ للتأسي، ولهذا في باب القول، لم يُحمل على أقلِّ
__________
(1) في الأصل: "حسناً".
(4/152)

مراتب التعبُّدِ والاستدعاءِ، وفارق المقاديرَ (1) بالجمعِ والأمر به؛ لأنَّ مرتبةَ الجمع لا غايةَ لها، فحُمِلَ على ما انْحَرَسَ فيه الجمعُ، ومرتبةُ الأمرِ الإيجابُ الذي يحرسُ التأسي، ولا يُسقطُه.
وأمَّا قولهم: إنَّ الندبَ أكثرُ أفعاله، فَحَمَلْناهُ عليه؛ لأنَّه العامُّ المستدامُ، فالإباحةُ أعمُّ، وكانَ يجبُ أن نحْمِلَه على الإباحةِ، كما قالَ بعضُ الأصوليين.
على أنَّ أقوالَه وأوامره بالندبِ كانت أكثرَ من أوامره بالإيجاب، ولم يُحْمَل مطلقُ أمرِه على الندب، فإن مَنَعوا في القَوْلِ أيضاً، دللنا بما دلَّلْنا به في مسألةِ الوجوب.
ولأنَّ المجاز الذي كثُرَ استعمالُه، عمَّ استعمالُه، ولم يوجِب ذلكَ أن يُحملَ إطلاقُه على غيرِ الحقيقةِ، لأجلِ قِلةِ استعمالِها، وكثرةِ استعمالِ المجاز.

فصل جامع لشُبَه من نفى الوجوب، ممَّن قال منهم بالوقف، والندب، والإباحة
فمنها: أن قالوا: إنَّا لم نجعل صيغةَ الاستدعاء أمراً إلاَّ برُتبةٍ في المُسْتدعِي، بأن يكونَ أعلى، ولم نقنع بمجردِ الصيغةِ في حكمِنا عليها بأنَّها أمر، فوجبَ أن لا تُعطى صورةُ الفعل رتبةَ الإيجابِ إلا بدلالةٍ تدلُّ على الوجهِ الذي خرجَ عليه الفعلُ.
فيقالُ: قد اعتبرنا الرتبةَ في الفاعلِ، وهي النبوةُ الموجبةُ للاقتداءِ
__________
(1) في الأصل: "الأقادير".
(4/153)

والاتَباع، ثم خروجُ الفعلِ على وجهِ التعبد، فإنَّ ما خرجَ لا على وجهِ التعبُّدِ، لم نَقُلْ بوجوبهِ، بل بمُجرَّدِ إباحتِه.
ومنها: أنَّ أفعالَه أكثرها كانت مخفيةً مطويةً عن الأمة، فلا يجوز أن يُجعلَ ما هذا سبيله كالنطقِ الذي لا يجوزُ له كتمُه.
فيقالُ: فما خفيَ منها قد كُشِفَ للتأسي به والاتِّباع له، تارة به، مثل قوله في غسله الذي لا يشاهدُ: "أمَّا أنا فأحْثُو على رأسي ثلاث حَثَيات من ماءٍ" (1)، ومثل قوله لأم سلمة لَمَّا سُئِلَت عن قُبلة الصائم: "هلا أخبرتيهم أنَّني أقبِّلُ وأنا صائمٌ" (2)، و [تارةً بغيرهِ] مثلُ قول عائشة لما اختلفوا في الِإكْسال والإنزال: إذا التَقَى الخِتانانِ، وَجَبَ الغُسْلُ، أنْزَل أو لم يُنزِل، فَعَلْتُه أنا ورسُول الله، فاغْتَسَلْنا (3).
على أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لا يطوي من أفعالِه إلا ما لا يَجعله بمنزلة الأمرِ، فأمَّا ما يستدعي به الاتِّباعَ، فلا بُدَّ أن يُظهرَه، ولا يطوي إلا النوافلَ المحضة، وهذا يعطي: أنَّ ما أظهره الإيجابُ، إذ كانَ لا يخفي إلا النوافلَ، ولهذا قال في التَّرَاويح (4): "ولو خَرَجْتُ الرَّابعَة، خفتُ أن تُفْرَض عليكم" (5).
ومنها: قولهم: لا يخلو قولكم بوجوبِ اتباعِه في أفعالِه أن يكونَ
__________
(1) تقدم تخريجه 2/ 23.
(2) تقدم تخريجه 3/ 103.
(3) تقدم تخريجه 3/ 130.
(4) في الأصل: "التواريخ".
(5) أخرجه من حديث عائشة: البخاري (1129)، ومسلم (761)، وأبو داود (1373)، والنسائي 3/ 202، وابن حبان (2542).
(4/154)

بطريقِ العقل أو السمع، والعقلُ يمنعُ من أن يقْدِمَ الإنسانُ على إيجابِ فعلٍ ما لأجل وقوعِه من غيره، مع ثبوتِ العلمِ باختلافِ (1) أحوال الناس في المصالح والمفاسد في بابِ الأديان، كاختلافِهم في بابِ الأمزجةِ والأبدانِ، وكما أنَّ مزاجَ بعضِهم يقتضي تناولَ الحموضاتِ والمسهِّلاتِ من المآكلِ والمشارب، ومزاجَ آخرين يقتضي تناولَ الحلوِ أو المرِّ، فلا يُجَوِّزُ العقلُ أن ينزَّلَ الإنسانُ في ذلكَ على قالبِ غيرِه، كذلكَ وجدنا أنَّ الشرع خَالَفَ وفاوتَ بين الأشخاصِ بحسبِ اختلافِ أحوالِهم، فما يُسْتَرُ من الحُرَّة يُكْشَفُ مِن الأَمَةِ، وما يكونُ قُرْبةً من المُقيمِ الصحيح، يكونُ ضدُّه هو القُرْبةَ في حقِّ المسافرِ والمريضِ، وعلى هذا الَاختلاف، فهذا يعطِّلُ دليلَ العَقْلِ عن إيجابِ الاتِّباع للغَيْرِ، إلا بدلالةٍ تدُلُّ على الموافقةِ من عندِ من يعلمُ المصالحَ، واَلسمعُ لم (2) يَرِدْ بوجوبِ مثلِ ما فعلَه علينا، وإذا تَعَذَّر دليلُ الإيجابِ، بطلَ القولُ بالوجوب.
فيقال: إنَّ ورودَ هذا من القائلِ بالندبِ، لم يصحَّ، وإن وردَ من القائلِ بالوقفِ، فإنَّه أيضاً لا يصحُّ؛ من حيثُ إنه وإن نفى الندبَ والإيجابَ، فما (3) نفى جوازَ الصلاةِ والصيامِ والطوافِ وغيرِ ذلك مِمَّن رأى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يفعلُ ذلك، وتجويزُ المفسدة كان يجبُ أن يَمنعَ استواءَ المكلفين في حكمٍ واحدٍ -سواء كان ندباً، أو إيجاباً، أو وقفاً-، لِمَا ذكرت من اختلافِ أحوالِهم، كما يُمنعُ الإنسان من اتباعِ غيره، في شربِ دواء، أو أكل غِذاء، مع وجودِ مخالفةِ تأثيرِ
__________
(1) في الأصل: "بالاختلاف".
(2) في الأصل: "فلم".
(3) في الأصل: "فيما".
(4/155)

المزاجين.
ويقالُ (1): لا يجوزُ أن نُقْدِمِ على اتِّبَاعِه في فِعْلٍ يَفْعَلُه، ودَليلُهُ يُعْطي حَظْرَ الاتِّبَاعِ، وَما حَظرَهُ، ألا ترى أنّه اسْتَشْهَدَ بشُرْبِ (2) الأدْوِيَةِ؟ فإننا لا نُجوِّز أن نَشْرَبَ الدواءَ المسهِّل، لِمَا نَراهُ من شرب حكيم في الطِّب مقدَّمٍ في الصناعة (3)، لتجويزِنا أنْ يكونَ ما ينفعُهُ أوَ يتداوى به مَضرَّةً لنا، وداءً لا دواءً، وإذا لم يَجُز اتباعنا له، بطلَت هذه الطريقَةُ.
وأمَّا نحن فإنَّا لم نَقُل بالإيجاب إلا بالسَّمع، وهو الأمرُ باتباعِه والتأسي به، وكونُه جُعِلَ علماً ومناراً يُحتذى في التعبداتِ، ويُتبعُ في الأفعالِ، كما جُعِلَت الكعْبَةُ قِبْلَةً يُتَوجَّهُ إليها في الصلوات.
وما ذكرناه من الاستدلالات النظريةِ فيه كفايةٌ.

فَضلٌ
إذا ثبت أنَّ أفعاله - صلى الله عليه وسلم - دالَّةٌ على الوجوب، فإنَّ ذلك من جهة السمعِ، خلافاً لبعض الأصوليين ممن قال بالوجوبِ: [أنها] إنما تجب بطريق العقل (4).
__________
(1) في الأصل: "فيقال".
(2) في الأصل: "شرب".
(3) في الأصل: "الصناعة يشرب"، ولفظة: "يشرب" مقحمة لا داعي لها، لذا حذفتها.
(4) "العدة": 3/ 749.
(4/156)

فَصْلٌ
يَجْمَعُ دَلائِلَنا
فمنها: أنَّ أحوالَ المكلفين مختلفةٌ غايةَ الاختلاف، ولهذا خالفَ اللهُ سبحانَه بينهم في التكاليفِ بحسب اختلافِ أحوالِهم، فخصَّ العبيدَ والإماءَ بأحكام تخالفُ أحكامَ الأحرارِ، وخصَّ الإناثَ بأحكامٍ تخالفُ أحكامَ الذكورِ، وكذلكَ المسافرينَ والحاضرينَ، والمرضى والأصحَّاء، وأهلَ الباديةِ وأهلَ الأمصارِ، فإذا كانَ كذلك، لم (1) يثبت عندنا بالعقلِ تساوي حالِ النبيِّ وأُمَّتِه من جهةِ العقلِ، فلا وجْهَ لوجوبه بطريقِ العقْلِ من هذا الوجهِ، الذي هو عدمُ العلمِ بالمساواةِ، فكيفَ وقد بان لنا اختلافُ حالِ النبي - صلى الله عليه وسلم - وحالِ أمّتِه في تكاليف كثيرةٍ؟ تخفيفاً عنه تارةً، وتثقيلاً عليه أخرى، وكرامةً له، وابتلاءً، فلا يَتَهدَّى العقلُ إلى أنْ يحكمَ بأنَّ تكليفه لنوع تَعبُّدٍ: أَنه (2) تكليف لنا، فَلَمْ يَبْقَ لنا طريقٌ إلى ذلك إلا من جهه السمعِ الواردِ من جهةِ من يَعْلَمُ المصالحَ العامَّةَ والخاصَّة.
فإن قيل: هذا الاختلافُ موجودٌ بين آحادِ الأُمَّةِ، ثم أمْرُه للواحد كان أمْراً للجماعة.
قيل: بطريق السمع أيضاً، حيث قال: "أَمْري للواحدِ أَمْري للجماعة" (3).
ومنها: أن العقل لا يَتَهَدَّى إلى أصل المصالح العامة، فكيف
__________
(1) في الأصل: "فلم".
(2) في الأصل: "بأنه".
(3) تقدم تخريجه 2/ 121.
(4/157)

يَتَهَدَّى إلى مراتبِ المصالح، والتسويةِ بين الأشخاص؟ إذ ما لا يَتَهَدَّى إلى الأصلِ، لا طريقَ له إلى الكيفيةِ والتفصيل.
ومنها: أنْ تُبنى المسألةُ على أصلٍ، وهو (1) أنَّ العقلَ لا يوجِبُ، ولا يَحْظُر، ولا يبيحُ، فلا وجهَ لإيجابه ها هنا.
وقد مضى في أَوَّلِ الكتاب ما فيه كفايةٌ لإثباتِ مذهبِنا (2).

فصلٌ
في شُبَهِهِم
فمنها: أنَّه إذا تعبَّد به، كانَ ذلك من مصالِحِه، فَيَجِبُ أن يكونَ من مصالِحِنا أيضاً.
ومنها: أنْ قالوا: إنَّ ما فَعَله على وجهِ القربةِ حقّ وصواب، وإنَّ الحقَّ والصوابَ يجبُ اتباعُه.
ومنها: أنَّ في نَفْي (3) إيجاب اتباعه ما يُفضي إلى ترك اتباعِه؛ لأنَّ ما لا يجبُ على الَإنسانِ، مخيَّر بين فعلِه وبين تركِه، وفي تركِ اتباعِه اظهارُ خلافٍ عَلَيْه، وفي ذلكَ إسقاطُ حُرْمَتِه، وإغراءٌ بالتنفيرِ عنه، وتركِ الانقياد له، لأنَّ مَلِكاً، أو متَقَدمَ مِلَّةٍ أو طائفة،
__________
(1) في الأصل: "و".
(2) أي: في مسألة التحسين والتقبيح، وأنَّ الحسَنَ ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع، وقد تقدم بيانها بالتفصيل في المباحث الأولى من الكتاب.
(3) تحرفت في الأصل إلى: "معنى".
(4/158)

[لو] قامَ لدخولِ إنسان، فلم يقوموا لقيامهِ، أو أبعدَ إنساناً وهجَرَهُ، فقاربوه ولم يهجروه، وركِبَ للحرب، فلم يركبوا لركوبهِ، كان إهْوَاناً به، وإسقاطاً لحرمتِه، والعقلُ يأبى ذلكَ، ويوجبُ ما يعظِّمُ حرمتَه، ومتابعتَه، والانقيادَ له.
فهذا مُقْتضَى (1) العقلِ، ويكونُ ما يأتي من أدلة السمعِ مُؤَكِّداً (2) للإيجابِ الحاصلِ بأدلةِ العقولِ التي ذكرناها، لا أنَّه هو المفيدُ لذلك.

فصلٌ
في أجوبتهم
أما الأول، وقولُهم: إذا ثبتَ أنَّه مصلحة له، كان مصلحةً لنا، فدعوى (3) عريضة، ولا يجوزُ أن يظْفَرُوا فيها ببرهان؛ إذ لا دليلَ من جهةِ العقلِ يعطي تساوي شخصين في مصلحةٍ دينية، ولا دنيويةٍ (4)، ولا بدنية، بل الأصلُ في المكلفين الاختلافُ في طباعهم وأمزجتهم وأحوالهم، فكما لا يستحيل امتناعُ تساوي زيد وعمرو في علاجِ مزاج، أو سبب يدعو إلى الاستجابةِ والانقيادِ، كذلكَ لا يستحيلُ ولا يبعدُ انقطاعُ ما بيننا وبينه - صلى الله عليه وسلم - في المصالح الخاصةِ لمعنى يخصُه، وانفرادُه (5) عنا بأصلحَ يكونُ بِعَيْنِه مفسدةً لناَ.
__________
(1) في الأصل: "يقتضي".
(2) في الأصل: "مؤكدة".
(3) في الأصل: "دعوى".
(4) في الأصل: "نبوية".
(5) في الأصل: "منفرد".
(4/159)

ويقالُ أيضاً: قد يكونُ التعبُّدُ له بالفعلِ على جهةِ الوجوب هو المصلحةَ، كما يكونُ التعبدُ له ندباً هو المصلحةَ، وقد يكون من المصلحةِ جعلُ ما هو له ندبٌ علينا فرضاً، وجعلُ ما هو عليه فرضٌ علينا ندباً، وقد تكون المصلحة (1) [جعلَ] ما عليه ندب لنا مباحاً، لا واجباً ولا ندباً، أو علينا مَحْظوراً، كما ذكرنا في اختلافِ التعبدات في حق المكلفين بحسب أحوالهم، وقد عُلِمَ ذلك بكونِ كثيرٍ من الأمورِ عليه مفروضةً، وفي حَقِّنا مندوبةً، وعليه محظورةً، ولنا مباحةً.
وأمَّا الثاني، وقولُهم: إنَّ ما فعله حق وصواب، فيجب أن يكون مُتَّبَعاً فيه، فغيرُ (2) صَحيح ولا لازِمٍ؛ لأنه إنَّما كان حقّاً وصواباً؛ من حيثُ أُمِرَ به سَمْعاً وشرعًاً، وإلا فلا يتهدى العقلُ إلى ذلك، فيجبُ أن لا يكونَ حقَّاً وصواباً في حقنا إلا بدليلٍ سمعي، وهو الطريقُ الذي ثبتَ به كونُه في حقِّهِ حقّاً وصواباً، والتساوي بيننا وبينه غيرُ معلومٍ عقلاً ولا سمعاً، فلا وجه لدعوى كونه في حقِّنا صواباً وحقّاً؛ من حيثُ كان في حَقِّه كذلك.
على أنّا قد اتفقنا أنَّ ما كان حقاً وصواباً في [حق] أحد المُكلَّفينَ، لا يلزم أن يكون حقاً وصواباً في حقِّ المكلَّف الآخر، فصلاةُ الأَمَةِ مكشوفةَ الرَّأْس، وصلاةُ العبدِ يومَ الجُمُعةِ صلاةَ الظُّهرِ، وتركُ الحائضِ للصلَاةِ والصومِ، وصلاةُ المسافر الرُّباعِيَّاتِ من الصلوات المفروضات ركعتين، حقّ كلُّه وصواب، وليسَ ذلك في حقِّ الحُرَّةِ والحرِّ، والطاهرةِ، والمقيمِ حقّاً وصواباً، فلا أفسد من هذه الطريقة،
__________
(1) في الأصل: "مصلحة".
(2) في الأصل: "غير".
(4/160)

وهي أخْذُ حُكْمِ أَحَدِ المكلَّفِينَ من حكمِ الآخر قبل العلم بالدليل بتسويةِ ما بَيْنَهما.
فأمّا قولُهم: إنَّ نفيَ الوجوبِ يُنتج تركَ اتباعِه، وذلكَ يؤدي إلى التنفيرِ عنه، واطِّراحِ حرمته، والإغراءِ بالميل عنه، وتسهيلِ مخالفتهِ، فليسَ بشيء، لأن الذي يُنَفِّرُ عنه مخالفةُ أمره، وتركُ الانقيادِ لما دعا إليه، أو الانخراطُ فيما نهى عنه، فأمَّا تركنا أنْ نَفْعلَ مثل فعلِه، فليس ذلكَ مما يُنَفِّرُ عنه، ولا يَظْهَر لأحدٍ أنَّه إنما فعلَ لنفْعَل، بل العقلاءُ كلهم يعلمون أنَّ الفاعلَ إنما يفعلُ لمعنى يَخُصُّه، كما أنَّه لا يكونُ فعلُنا للتعبدِ حالَ تركهِ استراحةً (1)، وصومُنا حالَ فطرِه، تنفيراً عنه، ولا ميلاً عن اتَباعه، ولأنَّه لو كانَ ذلك مُنفِّراً، لكانَ تركُنا لما خُصَّ به من الفروضِ والمندوباتِ تنفيراً عنه، ولو كان ذلك واجباً من طريقِ العقل، لبقي التنفير عنه، [و] لوَجَبَ أن يُنْفى عَنْه السَّهوُ والخطأ، والنسيانُ والغَفلةُ، والاستهتارُ (2) بالنساءِ، وتزويجُه، وخصومتُه لهنَّ، وتغايرُهن عليه، فإنَّهم نفروا مما دونَه، دونه قالوا: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} [الفرقان: 7]، ومالوا إلى إنزالِ ملَك [لا] يَغْمِسُه البارىء في الطبع الإنساني، بلهجه بالتزويج، وإباحة هبةِ النساءِ نفوسَهن له، وجعلِه (3) له أن يَصْطَفي من المَغْنمِ ما يشاءُ حتى النساءَ، ومعلومٌ أنَّ هذا من أعظمِ ما يُنَفِّر عنه، وإنَّما أفرطت أمَّةُ عيسى فيه حتى قالت: إنه إله، للامتناعِ من هذا الشأنِ، فكانَ ذلكَ تنفيراً (4) عن الإذعانِ بالرسالةِ، ودعوى الربوبيةِ،
__________
(1) في الأصل: "استراحته".
(2) الاستهتار بالشيء: محبته والولوع به.
(3) في الأصل: "جعل".
(4) في الأصل: "تنفير".
(4/161)

وكانَ هذا منفِّراً عن نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم -، وتُهْمةً (1) [له]، بأنَّه مؤثر ومغتنم، وطالب الحظوظ من الدنيا، ومغلوب شهواتِه وطباعِه، هذا كُلُّه تنفيرٌ، وما صَدَفَ البارىء عنه، فَبَطَلَ ما تعلقوا به.
ومن ذلك: إبدالُ الآيةِ بالآية، ونسخُ التعبدِ بعد شرعهِ (2)، والصرفُ من قِبلةٍ إلى قبلةٍ، فإنَّه قد جرَّ ذلكَ قولهم: {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} [البقرة: 142]، وقال سبحانَه: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ} [النحل: 101]، وكانَ يجبُ أن لا يَجْعَلَ في الكتابِ آياتٍ متشابهات، يعطي ظاهرُها التَّشْبيهَ والانفعالَ، وتَغيُّرَ الحالِ عليه، والعلمَ بَعْدَ أن لم يَعلَمْ، ومعلومٌ ما في الكتابِ من هذا القبيلِ، مثل ذكر الغضبِ والرحمةِ، والرِّضا والكراهة، واليدين، والروح، والعينِ والوجهِ والمجيءِ والإتيانِ، والمحبةِ، والمكرِ، وهذه كلهاَ في الحقائقِ أعضاءٌ وإدراكاتٌ وانفعالاتٌ، فإنَّ الرحمةَ: رِقَّةٌ توجبُ ألمَ القلبِ بوقوع المرحوم في المكروه (3). والغضبَ: غليانُ دم القلبِ، واشتطاط حرارتهِ طلباً للانتقامِ، والكراهةَ: غَليَانُه لما يُتَحذَّر أو يُتَقَذَّر أو تأباه الأمزجة والطباع، والمكرَ: إبطان (4) السوء مع إظهارِ ضدِّه، والإتيانَ [و] المجيء في قولِه (5): {وجاءَ ربُّكَ} [الفجر: 22]، {أَو يَأْتِي رَبُّكَ} [الأنعام:158]: هو الانتقالُ والخروجُ من مكانٍ إلى مثلِه،
__________
(1) في الأصل: "وتهمته".
(2) في الأصل: "شروعه".
(3) في الأصل: "المكروه في المرحوم".
(4) في الأصل: "انتطان".
(5) في الأصل: "بقوله".
(4/162)

إلى أمثالِ ذلك، وكم ضلَّ قومٌ بذلك، ونفَرَ قوم عن الاستجابه للشرعِ لأجلهِ، فالدعوى بأنَّ العقولَ تمنعُ ذلكَ باطلة، لأنَّ الشرعَ لا يأتي إلا بمُجَوَّزات (1) العقول.
على أنَّ هذا كُلَّه يلزَمُ من قالَ بنفي الوجوبِ رأساً، ونحنُ نقولُ بوجوبِ اتِّباعهِ، وإنَّما نقولُ: إنه بالسَمع، وكونُ الطريقِ لإيجابهِ السمعَ، لا يَحْصُل به ما ذكره المخالفُ من التنفير، وإهمالِ حرمة السفير - صلى الله عليه وسلم - ولا الإغراءِ بمخالفتِه.

فصلٌ
البيانُ بالفعلِ من جهتهِ - صلى الله عليه وسلم -
هو أنْ يفعلَ بعضَ ما دخلَ تحريمُه في عمومِ لفظِ التحريم، فإذا فعلَه دلَّنا ذلكَ على تخصيصِ العموم، وأنَّ ما فعله لم يدخل تحتَ، صيغةِ العموم، وذلكَ جائزٌ عنْدَنا، وبه قال بعضُ أصحابِ الشافعي.
وذهبَ أبو الحسنِ الكرخي: إلى أنَّه لا يجوزُ تخصيصُ العمومِ، ولا البيانُ بالفعل، ووافقه في ذلكَ بعضُ أصحابِ الشافعي، فلهم في هذا وجهان (2).
__________
(1) في الأصل: "مجوزات".
(2) والذي عليه الأكثرون من الشافعية، وأصحاب الأئمة: جواز تخصيص العام بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -.
انظر "ميزان الأصول" 1/ 472، و"البحر المحيط" 3/ 387، و"التفتازاني على ابن الحاجب" 27/ 2.
(4/163)

فصْلٌ
في أدلتنا
فمنها: قوله تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]، وقوله: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] ولم يفْصل بين القولِ والفعلِ في تخصيصِ العمومِ، وبيانِ المجملِ، وغيرِ ذلك من البيان، فكان ذلك على عمومِه المقتضي لدخولِ قولِه في البيانِ وفعلِه.
ومنها: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لمَا سمعَ أنَّ قوماً تَحرَّجُوا من استقبالِ القبلةِ بفروجهم في البنيان -قيل: قبلتنا، وقيل: قبلة بيت المقدس بعد نسخها-، أمرَ بتحويلِ مَقْعَدَتهِ إلى القبلة، وهذا قصا منه - صلى الله عليه وسلم - إلى بيان تخصيص العموم الذي قاله في التحريم: "لا تَسْتَقْبِلوا القِبْلَةَ، ولا تَسْتَدبروها ببول ولا غائط، لكن شرقوا أو غربوا" (1)، ورويَ: أنَّه نهى عن استقبال القبلةِ بالبول والغائط (2)، فصارَ تحويلُه لمَقْعَدَتِه نحوَ القبلةِ تخصيصاً لذلك العمومِ، وبياناً أنّه لم يدخل تحتَ ذلكَ البنيانُ، ولا ما بعدَ النسخ.
ومنها: أنَّ ما فعله ابتداءً كان تشريعاً، كذلك ما فعله بَعْدَ العُمومِ كان تشريعاً، وإذا كان تشريعاً، صارَ تخصيصاً؛ إذ لا يمكنُ أن يكونْ الاستقبالُ شرعاً، والعمومُ الأولُ باقٍ على عمومهِ؛ من حيث إنَّ استقبالَها ليس بشرع.
__________
(1) أخرجه البخاري (394)، ومسلم (264) من حديث أبي أيوب.
(2) انظر ما تقدم في 3/ 394.
(4/164)

فصل
في شبهِهم
فمنها: أنْ قالوا: إنَّ تخصيصَ العمومِ أحدُ نوعي البيانِ، فلا يجوزُ بفعله، كالنسخ.
ومنها: أن النطقَ العام شملَ الأعيانَ لفظاً ونطقاً، وفعلُه يحتملُ أن يكونَ مخصوصاً به ومخصوصاً له، ويجوزُ أنْ يكونَ هو وغيرُه فيه سواءً، فلا يُتركُ العمومُ المتيقَّنُ بأمرٍ محتملٍ، فأكثرُ ما يعطي فعلُه خروجُه هو من حكم العموم، فأمَّا خروجُنا نحن، فلا. نَتبيَّنُ بذلك أنَهُ مَخْصوصٌ من جملة العمومِ، إذا كان العمومُ يشملُ المكلفين.

فصل
في الأجوبةِ
أمَّا الأول، فيُحتَمَل أن نقول: إنَّ النسخَ بفعلِه جائزٌ، فقد ذهبَ إليه بعضُ العلماءِ، واختاره بعضُ أصحابِ الشافعي.
ولو سلَمنا، فإنَّ النسخَ يخالف التخصيصَ؛ لأنَّه يجوزُ التخصيصُ للكتاب بالقياس والسُّنَّةِ، وإن لم يَجُز النَّسخُ بهما؛ لأن النسخ رفع للحكمَ رأساً، والتخصيص بيان للمرادِ باللفظِ العام.
وأمَّا الثاني، ودعوى احتمالِه، فصحيح، لكن الأظهرُ من المُحْتمَلَينِ مساواتُه لأمَّتِه في ذلك، وأنه لا يفعلُ ذلك بعد نهيه خاصاً إلاَّ ويُبيِّنُ تخصيصَه بذلك، وإلا كانَ تلبيساً، وموقعاً للأُمَّةِ في شك؛ في بقاءِ الأول على عمومهِ، أو تخصيصِه.
(4/165)

فصلٌ
إذا ثبتَ أنَّ الفعلَ يحصلُ به البيانُ، فإذا تعارض القولُ والفعلُ في البيان، فالقولُ أَوْلى من الفعل (1).
ولأصحاب الشافعي وجهان:
أحدهما: مثل قولنا (2).
والثاني: الفعل أَوْلى من القول (3).
وقال بعض الأصوليين: هما سواءٌ في البيان؛ القولُ والفعل (4).

فصل
في أدلتنا
فمنها: أنَّ القولَ يدلُّ على الحكم بنفسه، والفعلَ يدل عليه بواسطةٍ: هو استدلالُنا على أنَّ الفعلَ جائزٌ؛ من جهةِ أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - فعَلَه، وهو لا يفعلُ ما لا يجوزُ، فكانَ ما دل على الحكمِ بنفسهِ أولى ممَّا دلَّ عليه بواسطة.
__________
(1) "المسوَّدة" (126)، و"شرح الكوكب المنير" 3/ 449.
(2) وهو ما عليه جمهورهم، نصَ عليه الشيرازي في "التبصرة" (249)، والر ازي في "المحصول" 3/ 182، والآمدي في "الإحكام" 1/ 276.
(3) ذكره الشيرازي في "التبصرة" (249) دون أن يحدد مَن مِن أصحابِ الشافعي قال به.
(4) "إرشاد الفحول" (173)، و"فواتح الرحموت"2/ 47.
(4/166)

ولأنَّ الفعلَ يُبَيَّنُ بالقول؛ فإنَّه لما حجَّ، قال: "خُذُوا عني" (1)، ولما صلى، قال: "صَلُّوا كما رَأيَتْموُني أُصَلَّي" (2)، فبَيَّنَ الفعلَ بالقولِ، والقولُ لا يحتاج إلى بيانٍ بالفعل.
ومنها: أنَّ القول يتعدى، والفعلُ مختَلَفٌ في كونه يتعدى حكمُه إلى غيره، فمن الناس من قال: لا يُعَدَّى (3) حكمُه إلى غيرِه إلا بدليلٍ، فكانَ ما تعدَّى بالإجماعِ بنفسِه أَوْلى ممَّا في تعدَّيه إلى غيرِه خلافٌ.
وفي هذه الدلائلِ دلالةٌ على من رَجَّح الفِعْلَ، وعلى من سوَّى بين الفعلِ والقول جميعاً.

فصلٌ
في شبههم
فأمَّا من قال: إنَّ البيان بالفعل أبلغُ وآكدُ، وهو مُقدَّمٌ، فإنّه تعلَّقَ بأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للذي سألَه عن مواقيتِ الصلاةِ: "صلِّ معنا" (4)، ورويَ: "اجْعَل صلاتَك مَعَنا"، وصلَّى به جبريلُ عليه السلام، وقال له لَمَّا صَلَّى به في اليومِ الأوّلِ في وقتٍ، وفي الثاني في وقتٍ آخر: يا محمَّدُ، الوقتُ ما بين هذين (5)، وقالَ النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الشهرُ تسعٌ
__________
(1) تقدم تخريجه 1/ 194.
(2) تقدم تخريجه 2/ 174.
(3) في الأصل: "يدعى".
(4) تقدم تخريجه 1/ 194.
(5) تقدم تخريجه 3/ 92.
(4/167)

وعشرون" (1)، ثم أكَّدَ البيانَ بأصابعهِ، فقال: "الشهرُ هكذا وهكذا"، وقال: "أَوَقَدْ فعلوها؟ حَوِّلُوا مَقْعَدَتي إلى القِبْلَةِ" (2).
فهذهِ الرواياتُ دلَّت على بيانِ القولِ بالفعلِ مع وجودِ القولِ، وهذا تقديمٌ وترجيح للفعلِ على القولِ.
ومنها: أن قالوا: كلُّ مُعَلِّمٍ ومُبَيِّنٍ إذا أراد إيصالَ فهمِ ما يقولُ إلى مَن يُعلِّمُه ويُخبِرُه، استعان بإشارتِه بيدِه، وبالخطوطِ والأشكالِ في ذلك، وهذا لمعنى، وهو أنَّ من الهيئات ما لا تتحصل صورتهُ في القلب، بمجردِ النُّطقِ؛ حتى ينضمَّ إليه تصويرُ ذلك بالفعل، وإذا كان هذا هكذا، بانَ أنَّ الفعلَ مُقَدَّمٌ في بابِ البيان.
فيُقال: أمَّا مَا ذكرتَ، فيعطي انَّهما سواء؛ لأنَّكَ اسَتَدلَلْتَ بأنَّه وُجِد البيانُ بالفعلِ، ووجدَ البيانُ بالقولِ، وهذا يوجبُ تجويزَ البيانِ بهما، ونحنُ قائلون به، فأمَّا الترجيحُ، فيحتاجُ إلى شيءٍ آخرَ.
والقولُ الفصلُ عندي في ذلك: أنَّ لنا أفعالاً يَقْصُرُ القول عنها، فالتعبيرُ عنها بالصور أبلغُ منه بالصِّيَغ؛ لأنَّ الصُورَ إلى الصورِ أقرب، ودْلكَ مثلُ قولِ القائلِ: رمى رسولُ الله بمثلِ حصى الخذْفِ، هذا بيان، فإذا أخذ من الأرض حصاةً، ثم خذف بها، فقال: بمثلِ هذه رمى، وكذا رمى، فأبان بقَدِّهَا صورةً، وبرَمْيِه بها صورةً، كانَ أبلغَ.
وكذلكَ بيانُ قوله: "إذا التَقَى الخِتانان، وجَبَ الغُسْل" (3)، فأخَذَ
__________
(1) تقدم تخريجه 1/ 194.
(2) تقدم تخريجه ص (131).
(3) تقدم تخريجه ص (131).
(4/168)

يشكل بيده صورة الالتقاء، وأنه محاذاةُ جلدةِ ختانِه لجلدة خِتانها، كتقابل الفارسين؛ إذ ليس بينهما اجتماع (1)، كان أبلَغَ.
وكذلكَ إذا أرادَ بيان أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - تيمم بضربةٍ واحدة، وجعلَ بطونَ أصابِعه لوجهِه، وبطونَ كَفَّيْهِ ليديه، [كان] التصويرُ أبلغَ من التقريرِ بالقول.
فهذا وأمثالُه مما لا بدَّ للقولِ من إشارةٍ بصورةِ الفعلِ؛ ليحصلَ الفهمُ، حتى إنَّ المبطىءَ الفَهْم يتحصلُ له بالإشَارَةِ ها هنا في أمثال هذه الصُوَر ما لا يتحصلُ له بالعبارةِ.
ولنا أشياءُ لا يتأتى فيها له التصويرُ بالفعلِ، ولا يخرجُ البيانُ عنها إلا صيغةَ قولٍ لا صورةً، وذلك مثلُ أعمالِ القلوبِ، والدواخلِ على النفوسِ من الآلامِ التي تتحصلُ لكلِّ واجدٍ لها، ومن عرضت له، في خاصّةِ نفسِه، دون أن تتعدَّى إلى غيرِه، فإذا أرادَ أن يُعْلِمَ بها غيرَه، صاغ (2) قولاً يُعبِّرُ به عنها، إذ لا يمكنُه إخراجُها بشكلٍ يدركُه العيان.
فإذا ثبت هذا، وأنّ لقَبيلٍ (3) من الأفعالِ هذا التأكيدَ الذي يحصلُ به تأكيدُ بيانِ القول، ولقَبِيلٍ منها هذا التقصيرَ الذي لا يحصلُ به البيان، جئنا إلى ترجيح القول، فقلنا: إنَّ القولَ ينوبُ عن الأمورِ العارضةِ في النفوس، إذ لكل منها اسمٌ موضوعٌ، وعن الصورِ الظاهرةِ أيضاً، فقدَ عملَ القولُ في الأمرين جميعاً، وإن كانَ في أحدِهما أقصرَ، والصورُ من الأفعالِ لا تعمل في البيانِ عن أعمالِ
__________
(1) في الأصل: "اخماع".
(2) في الأصل: "صار".
(3) في الأصل: "القبيل".
(4/169)

القلوب، وعوارض النفوس، وهواجس الصدور، فبان ترجيح القولِ على الفعل، فلكلِّ صورة من الأعمال الظاهرة والباطنة جميعاً صيغة، وليس لكل صورةٍ في النفوس والقلوب صورةٌ.
وأمَّا شبهةُ من سوَّى بينهما، فإنَّه لحظَ بعض الأفعالِ أنَّ لها صوراً يمكنُ إخراجُها إلى الوجودِ أشكالاً، فيدركُها الحِس بإدراك أمثالها التي يُقصدُ بها البيانُ، وبعضُها تقْصُرُ الإنسانُ عن إخراجِ شَكلِ لها أو مِثلٍ، إذ لا مِثلَ لها من خَارجٍ، وهي عوارضُ النفوس، وأعمالُ القلوب، فجَعَلَهُما سواءً.
وقد تضمّن ما لحظناه الجوابَ عما وقع لهذه الطائفة، وأن الغامض والظاهِرَ، وماله شكل وما لا شكلَ له، يمكن التعبيرُ عنه بالقولِ الوجيزِ، والحدودِ الخاصَّةِ الكاشفةِ عن حقيقةِ الشيء، وأمَّا الفعلُ؛ فلا يمكنُ البيانُ به (1) إلا فيما يظهرُ منها، فبانَ الترجيحُ للأقوالِ على الأفعالِ.

فصلٌ
يجوزُ تعبدُ النبي الثاني بما كان تَعبَّدَ به النبي الأول، ولا يمنع العقلُ ذلكَ على قولِ من جعلَ للعقلِ قضيةَ المَنع والإباحة، وهو أبو الحسنِ التميمي من أصحابنا، ولا في الشرع ما يمنعُ من ذلك، بل فيه ما يدلُّ على جوازِه، خلافاً لِمنْ مَنَعَ من ذلك من الأصوليين.
__________
(1) في الأصل: "له".
(4/170)

فصلٌ
في دلائلنا على تجويزِ ذلكَ
فمنها: أنَّ الله سبحانَهُ بَعَثَ موسى وهارونَ في زمن واحدٍ وعصر واحدٍ، وجَعَلَ جمعَهُما مصلحةً؛ من حيثُ إنَّهُ ذكرَ أنَّهُ شَدَّ عضُدَ موسى واَزرَهُ بهارونَ، وخَلَفَهُ في قومِهِ لمَّا غابَ عنهم، فغيرُ ممتنع أنْ يُجْعلَ النبي الثاني بعدَ الأولِ مُحيياً من شريعتِه ما أماتهُ المبطلون، ومُنبِّهاً على ما أهملَهُ الغافلون، وقد يُؤَثِّرُ التناصرُ والتعاضدُ ما لا يُؤثِّرُه الاتحادُ، ولهذا قَرَنَ اللهُ بين معجزتين، وأيَّد الأُولى بثانيةٍ، والثانيةَ بثالثةٍ، وقال اللهُ تعالى: {إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} [يس: 14]، ولهذا طالَ بقاءُ نوحٍ في قومهِ يدعوهم إليه ألفَ سنةٍ إلا خمسين عاماً، وإطالةُ عمرِ النبيِّ الواحدِ لم يَمنعْ منه عقل ولا شرع، بل شَرَعَ كذلك إِرْدافَ نبيٍّ بنبيٍّ تأييداً لما جاءَ بهِ الأوَّلُ.
فإن قيل: إذا لم يَنْسخِ الثاني شرعَ الأولِ، فما أفاد.
قيل: قد بيَّنَا إفادَتَه من وجهٍ، وهو تجديدُ الإذْكارِ والإنذارِ، ولو جازَ أِن يقال: ما أفادَ الثاني، لجازَ أن يقال: ما أفادَ بقاء الأولِ بعد بلاغهِ عاماً، عاماً ثانياً وثالثاً إلى أنْ تطاولَ الزمانُ، ولا أثَّرَ بِعثَةُ نَبِيَّين في زمانٍ واحدٍ وعصرٍ واحدٍ، ولَمَا أثَّرَ بعثةُ اثنين، ولا إعزاز الواحد باثنين بعدَهُ ثانياً وثالثاً، ولكان (1) المعجزُ الثاني والثالث عَبَثاً، حيث لم يفد الثاني إلا ما أفادَهُ الأولُ؛ من كونِه برهاناً [و] حجَّةً على صدقِ ما (2) ظَهَرَ على يديهِ.
__________
(1) في الأصل: "ولو كان".
(2) في الأصل: "مَنْ".
(4/171)

[فصل في]
شبهةِ المخالِفِ
[قالو]:، إِنَّ مجيءَ الثاني بما جاءَ به الأولُ لا يفيدُ إلا ما أفادَهُ الأولُ، فكان تبَعاً، والتابع لا يكونُ نبيّا، وإنْ جاءَ بغيرِ ما جاءَ بهِ الأولُ، فذاكَ أمرٌ لا يُخالِفُ فيهِ أحدٌ ممّن يقولُ بالشرائعِ والنُّسوخِ.
فيُقال: قد بَيَّنَا الفائدةَ، وهي إحياءُ الشريعةِ الأُولى، وقد تكون المصلحةُ تجديدَ. نبوةٍ مُذكِّرةٍ بالأولى، ومُسْنِدَةٍ لها، كما كانت المصلحةُ في بعثةِ نبيَّين لمحي عصير واحدٍ لاتَمْنَعُ ذلك، وأنَّهُ كانَ، والسِّيرُ تشهدُ بهِ، وكتابُ اللهِ ينطقُ به، والشرعُ لا يأتي بما لا يجوِّزُهُ العقلُ.
على أنَّه باطلٌ بإبقاءِ النبيِّ الواحدِ زماناً طويلاً؛ لأنَّهُ لا يفيدُ بقاؤُهُ في العامِ الثاني إلأَ ما أفادَ في العامِ الأول، وكذلك المعجزةُ بعدَ المعجزةِ، ما تفيدُ إلاَّ التأكيدَ وتناصرَ الأدلةِ عندَ المكلفين، وكذلكَ مجيءُ الرُّسُلِ بعدَ العقلِ، وإنْ جاؤوا بما يوافقُ العقلَ، لا يقالُ: ما أفاد.
ومنها: أنْ قالوا: عندكم أنَّ العقلَ لا يُبيحُ، ولا يحظرُ، ولا يُوجِبُ، فكيفَ خصَّصتُم هذه المسألةَ بتجويزِ ذلك عقلاً؟!
فيُقال: إنما بيَّنا أن ذلك مما لا يُحِيْلُهُ العقلُ، وعندنا في قضايا العقول تجويزاتٌ وإحالاتٌ، فمهما اختلفَ الناسُ في أنَّ العقول هل تُبيحُ، أو تحظرُ، أو توجبُ؛ فإنهم لا يختلفون أنَّ في العقلِ تجوِيزَ جائزات، وإحالةَ محالاَتٍ، وإيجابَ واجباتٍ، فيما يرجعُ إلى الوجودِ دونَ الأحكامِ، من قولِنا: فناءُ الأعراضِ عقيبَ وجودِهَا واجبٌ في العقلِ، وإيجادُ مثلِ الصانعِ محالٌ في العقلِ، وكذلك رَدُّ
(4/172)

الأزمانِ الماضيةِ، فهذا من الأمورِ التي لا خلافَ فيها، بخلافِ قولِنا: واجبٌ، ومحظورٌ، ومباحٌ، في بابِ الأحكامِ الداخلةِ تحتَ التكليفِ.

فصلٌ
إذا ثَبَتَ جوازُ بعثةِ نبى بشريعةِ مَنْ قبلَهُ، فنبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - هل كان مُتَعَبَّداً بشريعةِ مَنْ قبلَه؟
فيه روايتان:
إحداهما: أنَّه متعبَّدٌ بما صحَّ مِنْ شرائع مَنْ قبلَهُ بطريقِ الوحي إليهِ، لا مِنْ جهتِهم، ولا نَقْلِهم، ولا بكتبِهَم المُبَدَّلةِ المغيَّرةِ، نَصَّ عليهِ أحمدُ: في إيجابِ ذبح الكبشِ فداءً عن ولدِ مَنْ نَذَرَ ذبحَ ولدِهِ، واستدلَّ بشريعةِ إبراهيمَ عَليه السلام، واستدلَّ في القولِ بالقرعةِ بقصةِ زكريا، والاقتراعِ في كفالةِ مريم، وذي النونِ حيثُ ساهَمَ، وبما أوحاهُ اللهُ في التوراةِ مِنَ القِصاصِ، وذكرَهُ في كتابهِ عن شريعةِ موسى، واختارَ هذه الروايةَ أبو الحسنِ التميمي، وهي قولُ أصحابِ أبي حنيفة (1)، فيما حكاهُ أبو سفيانَ عن أبي بكير الرازي (2)، وقولُ أصحابِ الشافعيِّ في أحدِ الوجهين عنهم (3).
__________
(1) انظر "أصول السرخسي" 2/ 99، و"التوضيح" 2/ 16، و"كشف الأسرار" 3/ 398.
(2) انظر" الفصول" 3/ 22.
(3) لأصحاب الشافعي في هذه المسألة ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان متعبداً بشريعة من قبله.=
(4/173)

والروايةُ الأخرى: أنَّهُ لم يكنْ متعبَّداً بشيء مِنَ الشرائع، إلا ما أُوحِي إليهِ في شريعتِهِ، وبهذهِ الروايةِ قالت المعتزلة (1)، والأشَعرية (2)، وأصحابُ الشافعى في الوجهِ الآخرِ.
ثم اختلفَ القائلونَ بأنَّهُ متعبَّدٌ بشرعِ مَنْ قبلَهُ: بأيَ شريعةٍ كان متعبَّداً (3)؟
فقالَ بعضُهم: كان متعبداً بشريعةِ إبراهيمَ خاصةً، وإليه ذهبَ أصحابُ الشافعيِّ (4).
وذَهَبَ قومٌ منهم: إلى أنَّهُ متعبَّدٌ بشريعةِ موسى، إلا ما نُسِخَ في شرعِنا.
وقالَ قومٌ منهم: كان متعبداً بشريعةِ عيسى التي تليهِ، وهي أقربُ إليهِ.
وظاهرُ كلامِ صاحِبنا رضي اللهُ عنه: أنَّهُ كان متعبداً بكلِّ ما صحَّ
__________
= الوجه الثاني: أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن متعبداً بشريعة من قبله.
الوجه الثالث: التوقف، وقال بهذا الوجه إمام الحرمين، وابن القشيري، وإلكيا، والآمدي، وغيرهم، وهذا الوجه الثالث قد أغفله المصنف رحمه الله. انظر "البرهان" 1/ 504، و "الإحكام" للآمدي 4/ 376، و "المحصول" 2/ 519، و"البحر المحيط" 6/ 40.
(1) "المعتمد" 2/ 899، و"البرهان" 1/ 553، و"العدة" 3/ 756.
(2) "البرهان" 1/ 504، و" المستصفى"1/ 255، و"الأحكام" للآمدي 4/ 378.
(3) في الأصل: "متعبد".
(4) "البرهان" 1/ 523، 2/ 302, و "شرح اللمع"2/ 250، و "الإبهاج" للسبكي 2/ 302.
(4/174)

أنَّهُ شريعةٌ لنبيٍّ قبلَهُ، ما لم يثبُتْ نسخُهُ.

فصلٌ
في أدلتِنا
فمنها: قولُه تعالى وذَكَرَ الأَنبياءَ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90]، وهذا أمرٌ له - صلى الله عليه وسلم - بالاقتداءِ بهم صلواتُ الله عليهم، والأمرُ على الوجوبِ، والاقتداءُ بهم على العمومِ في جميعِ ما جاؤوا بهِ من الهُدى، إلاَّ ما خصَّهُ الدليلُ الناسخُ.
فإنْ قيلَ: هذا يرجعُ إلى التوحيدِ، والاعتقادِ في اللهِ، وفي صفاتِهِ، وما يجبُ لهُ ويجوزُ عليه، وما يستحيلُ عليهِ ولا يجوزُ في حقِّهِ، والدليلُ على ذلك: أنَّ الفروعَ غيرُ متَّفِقَةِ، والاقتداءَ بهم فيها غيرُ ممكنِ؛ لأنًّ هذا يُحرِّمُ السبتَ، وهذا يُبيحُهُ ويُحرّمُ الأحدَ، وهذا يُحرِّمُ شحماً ويبيحُ غيرَهُ، وهذا يُبيحُ مِنَ الشحومِ ما حرَّمَهُ الآخرُ، وهذا يبيحُ حيواناً، وهذا يحرِّمُهُ، وهذا يحرِّمُ نكاحَ امرأةٍ يُبيحُها الآخرُ، والمتفقُ عليهِ ما ذكرْناهُ.
والثاني: أنَّ الاعتقادَ في الأصول مقطوع بهِ بما قامَتْ بهِ دلالةُ العقلِ وبرهانُهُ، وغيرُهُ مِنْ فروع أديانِهم غيرُ مقطوعٍ بهِ، بل الحكمُ بهِ مِنْ طريقِ غلبةِ الظنِّ.
فيقال: أمَّا التوحيدُ: فأدلتُهُ العقليّهُ لا يدخلُها اتباع ولا اقتداءٌ فيما دلَّتْ عليهِ العقولُ، و [ما في] شَريعَتِنا [مِمَّا] دلَّتْ عليهِ العقولُ في
(4/175)

شرائع مَنْ قبلَنا لا يَتبعُ بعضُنا بعضاً فيهِ، كما لا يقال فيما أُوحِيَ إلى نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - موافقاً (1) ما أوحِيَ إلى مَنْ قبلَهُ: إنَّهُ متبعٌ فيهِ مَنْ سبقَهُ، ولا اعتقدَ ما اعتقدَهُ مِنْ أصلِ الإثباتِ والتوحيدِ، لما وَصَلَهُ مِنْ أن غيرَهُ كان يعتقدُهُ، بل نَظَرَ واعْتبَر، فأفَادَهُ نظرُهُ واستدلالُهُ إلى ما أدَّاهُمِ نظرُهُم، بخلافِ الصلاةِ والصيامِ، فإنَهُ إذا ثبتَ عندَهُ أنَّ شهرَ رمضان اتَّفَقَ على صومِهِ مَنْ تَقدَّمَ مِنَ الأنبياءِ، صامَهُ بطريقِ الاتباعِ لِمَنْ سَبَقَ، وكان وحيُ اللهِ سبحانَهُ بإيجابِ صومِهِ إلى مَنْ سَبَقَ كافياً، وكذلكَ الصلاةُ كانَ يَتحنثُ بحِراءَ، ويعبدُ اللهَ سبحانَه (2) بما ثبتَ عندَهُ انَّهُ تَعبَّدَ بهِ إبراهيم عليهِ السلامُ، فهذا هو الاتباعُ حقيقةً.
على أن اللفظَ عامٌّ، والأمرَ شاملٌ لكلِّ ما يُسمى هُدى، وتوحيدُهُم هُدى، وتعبداتُهم هُدى، فلا وجهَ للتخصيصِ بالإيمانِ خاصةً دونَ أعمالِهِ.
فأمَّا قولُهم: إنَّ الفروعَ قد اختلَفَتْ فيها شرائعُ مَنْ قبلَهُ، فلا يمكنُ الاتباعُ مع الاختلافِ؛ فإنَّ المأخوذَ عليه أن يتبعَ ما اتفقوا عليه، إِنْ ثَبَتَ أنَّ ذلكَ الأمرَ شرعٌ لهم، وإنْ كان منسوخاً اتبعَ المِلَّةَ الآخرةَ الناسخةَ، ولمِ يتبعْ منسوخاً، ولا نتصورُ ما ذكرْتَ أنتَ مِنَ الثالثِ، وهو أنْ يكون مختلَفاً فيهِ غيرَ منسوخٍ؛ لأنَّهُ لا يجوزُ أنْ يأتيَ عيسى بتحريمِ الأحدِ، مع بقاءِ شريعةِ موسى بتحريمِ السبتِ وإباحةِ الأحدِ، بل لمَّا جاءَ عيسى بعدَ موسى (3 فما أَخَذَ به 3) مِنْ شريعةِ موسى من تحريمٍ وإيجابٍ وتحليلٍ، فقد صارا متفقين فيهِ، وما جاءَ
__________
(1) في الأصل: "موافق".
(2) أخرجه البخاري (3)، ومسلم (252).
(3 - 3) في الأصل: "فيما أحدثه".
(4/176)

بهِ مِنْ حلِّ السبتِ والأحدِ بالاحترامِ للأحدِ، صارَ الحكمُ له، وبانَ نسخُ الأولِ، وما لم يأتِهِ فيهِ وحيٌ، فإنَّ عيسى عندنا ومحمداً (1) صلى الله عليهما وسلم بعدَهُ متعبّدانِ (2) بما جاءَ بهِ موسى، إذا لم يأتِهما فيهِ وحيٌ بتحريم ولا تحليلٍ، فلا نتصورُ ما ذكرْتَ، بخلافِ ما ألزَمنا مَنْ لم يَجْعَلْ قولَ الصحابيّ حجةً، حيثُ استدلَلْنَا بقولِهِ - صلى الله عليه وسلم -: "أصحابي كالنجومِ، بأيِّهم اقتَدَيْتُم اهتديتم" (3)، وقولهِ: "اقتدُوا باللذين مَنْ بعدي: أبي بكرٍ، وعمرَ" (4)، فقالوا: كيفَ يمكنُنَا أنْ نتبعَ الصحابةَ ومذاهبُهم مختلفةٌ؟ فإنْ أشرتُم بذلكَ إلى إجماعِهم، وعَقَلْتُم منه ذلكَ، بَطَلَتْ مَزِيَّةُ الصحابةِ، لأنَّ إجماعَ التابعين ومَنْ بعدَهم كذلك، وإنْ أردتُم به وعقلْتُم منه ما اختلفوا فيه، لم يصحَّ لكم أنْ تجمعوا بين مذهبِ أبي بكرٍ وعليٍّ في توريثِ الجَدِّ مع الإخوةِ، فإنَّ أبا بكرٍ يسقِطُهم بهِ، وعليّاً وزيداً يُوَرِّثانِهم (5) معهُ، ويختلفُ عليٌّ وزيدٌ في كيفيةِ إرثِهم معهُ (6)، فهذا السؤالُ هناكَ يردُ صحيحاً، ويكون الكلامُ بحسبِهِ، فأمَّا ها هنا، فلا نتصورُ بقاءَ السبتِ في شريعةِ عيسى
__________
(1) في الأصل: "محمد".
(2) في الأصل: "متعبدين".
(3) تقدم تخريجه في 1/ 280.
(4) أخرجه أحمد 5/ 385 - 402، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" 3/ 256 - 257، والترمذي (3662) و (3663)، والحميدي 1/ 214 - 249 من حديث حذيفة بن اليمان. وقال الترمذي: حديث حسن.
وأخرجه ابن عدي 1/ 75 من حديث أنس.
(5) في الأصل: "يورثهم".
(6) انظر المغني 9/ 68 وما بعدها.
(4/177)

والأحدِ جميعاً، ولو اتفقَا (1)، اتبعَهُما نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم -، كما يتبعُهما فيما اتفقَا فيهِ من صومِ رمضانَ فيما بقيَ في شريعةِ موسى بعدَ مجيءِ عيسى، [لأنه] ما جاءَ عيسى بخلافهِ متعبداً به في شريعتِه (2)، ولا مُحْترِماً.
وأما قولُهم: إنَّ التوحيدَ مقطوعٌ به، فعادَ الاتباعُ إليهِ، وما دونَهُ ليس بمقطوعٍ. فإنَّا لا نجعلُهُ شرعاً لنبينا - صلى الله عليه وسلم - إلا بطريق الوحي، فإذا أعْلَمَه جبريلُ أنَّ ذلكَ مِنْ شريعةِ إبراهيمَ أو موسى، اتبعَهما لكونه (3) شرعاً لهما، واستصحبَ حكمَ الأصلِ وبقاءَ حكمِ الوحي الأولِ، إلى أنْ يأتيَ وحيٌ ثانٍ يخصُّهُ، ينهَاهُ عنِ البقاءِ على حكمِ الأصلِ، فأمَّا بظنٍّ، أو نقل لا يقطَعُ بهِ، فلا يكونُ ذلكَ شرعاً له.
ومنها: قولُه تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا} [المائدة: 44]، وقال: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ..} [المائدة: 45] إلى آخرِ الآيةِ، فقالَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا كَسَرَت الرُّبيِّعُ سِنَّ جاريةٍ: "كتابُ الله القِصاصُ" (4)، وإنما عنى بقولِهِ: "كتابُ اللهِ": التوراةَ، إذْ ليس في كتابِنا ذكرٌ للقصاصِ في السِّنِ إلا ما حكاهُ مِنْ كِتْبَةِ ذلك في التوراةِ، وتَوَعَّدَ (5) اللهُ سبحانَهُ، وذَمَّ على [عَدَمِ] الحكم [بها] فقال: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)} [المائدة: 45]
__________
(1) في الأصل: "اتفق".
(2) في الأصل: "شريعة".
(3) في الأصل: "بكونه".
(4) أخرجه البخاري (4500)، ومسلم (1675).
(5) في الأصل: "وتواعد".
(4/178)

و {الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، و {الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47]، تكررَ ذلكَ عقيبَ قولِهِ: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ}، وهذا يعمُّ كلَّ تاركٍ للحكمِ بما فيها؛ من مُسْلمٍ ويهودي، وغيرِ ذلكَ، وأيَّدَ ذلكَ بقوليِ سبحانَهُ: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 48]، ونهاهُ بعدَ ذلكَ عن اتباعِ أهوائِهم، فقال: {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة: 48]، وإذا لَمْ يَنْهَ إلا عَن اتباعِ أهوائِهم، بقيَ اتباعُ ما أنزل اللهُ إلى أنبيائهم (1).
ومنها: قولُه تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 123]، وهذا تصريحٌ بالأمرِ بالاتباعِ لإبراهيمَ فيما نزلَ إليه.
فإنْ قيل: قولُه: {حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} دلالةٌ واضحةٌ في أنَهُ أرادَ التوحيدَ دونَ فروعِ دينهِ وعباداتِه (2).
فيُقال: الملةُ عبارةٌ عنِ الشريعةِ، وصفتُهُ بكونهِ حنيفاً، ونَفْيُ الشركِ عنهُ لا يقصرُ الاتباعَ ويخصُّهُ، بل الاتباعُ على عمومِهِ، ألا تَرى أنَّ التوحيدَ لا يختصُّ بإبراهيمَ، بل هو اعتقادُ كلِّ نبىٍّ قبلَهُ وبعدَهُ؟ فلَمَّا خَصَّ ملةَ إبراهيمَ، عُلِمَ أنَّهُ أرادَ أحكامَ شريعتِهِ، دونَ التخصيصِ بتوحيدِهِ.
على أنَّا قد بيَّنَّا أنَّ أدلةَ التوحيدِ عقليَّةٌ، لا تحتاجُ ولا تفْتقرُ إلى وحيٍ، بل طريقُها النظرُ والاستدلالُ بدلائلِ العقلِ، ولولا سبقُ أدلةِ العقولِ بأنَّ لنا صانعاً، ولهُ ملائكة، وأنه يجوزُ أَنْ يُرسلَ إلى الآدميين؛ بما يكون سياسةً لهم، وحافظاً مِنْ شرائعِ الأحكامِ،
__________
(1) العدة 3/ 759 - 760.
(2) في الأصل: "وعاداته".
(4/179)

ومذللاً لهم بما أمَرهُم بهِ مِنْ التعبداتِ، لَما علمنا بنزولِ مَلَكٍ ولا وحيٍ حكماً مِنْ الأحكامِ، بلْ كانَ ذلكَ مشوِّشاً لعقولِنا، وورَّثَنَا التعجبَ والدَّهشةَ؛ من مجيءِ حيٍّ يخالفُ خَلْقَنا وَشَكْلَنا بأمير ليس مِنْ عاداتِنا، كما أَدْهشَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم مجيءُ جبريلَ عليه السلامُ، وقراءةُ القرآنِ عليه (1)، لولا فزعُهُ إلى أدلةِ العقولِ، وأَنَّ اللهَ سبحانهُ يجوزُ عليهِ ذلكَ، ويجوزُ أنْ يجعلَ ذلكَ طريقاً إلى سياسةِ العالَمِ.
ومنها: أَنّا نقولَ: إِنَّ اللهَ سبحانَهُ إذا أوحى إلى نبي مِنَ الأنبياءِ بأحكامٍ ثَبَتَتْ (2) شرعاً ومِلَّةً له، ودانَ بها من ثبتَ عندَهُ صدقُهُ، فلا سبيلَ إلى رفعِها ونسخِها وإزالةِ أحكامِها إلا بمثلِ الوحي الذي ثَبَتَتْ بهِ، ومعلومٌ أَنَّ بعثةَ رسولٍ ثانٍ ليسَ بمناقضٍ لها ولا منَافٍ، فوجبَ بقاءُ تلكَ الشريعةِ بطريقها المقطوعِ به، والتَمسكُ بهِا (3)، إلى أَنْ يردَ مِنَ الوحي إلى النبي الثاني ما (4) يضادُّ تلكَ الأحكامَ وينافيها، فيكونُ ذلكَ نسخَاً لها، وما هذا إلا بمثابةِ الآيتين (5) في شريعتِنا، مهما أمكنَ الجمعُ، فلا نسخَ، فإذا لم يمكن الجمعُ بينهما، كان الحكمُ للأخيرةِ، فارتفعَ حكمُ الآيةِ الأولى، حتى إننا لو تركنَا وأخْلَلْنَا بالعباداتِ التي تعبَّدنا اللهُ بها في الشريعةِ الأولى، لحسُنَ مِنَ اللهِ سبحانهُ عتابُنا (6) ولَوْمُنا على ذلكَ، والاحتجاجُ علينا بما جاءَ بهِ
__________
(1) وذلك عند بدء الوحي إليه - صلى الله عليه وسلم -. انظر "فتح الباري" 2/ 22 وما بعدها.
(2) في الأصل: "ثبت".
(3) في الأصل: "به".
(4) في الأصل: "بما".
(5) في الأصل: "الآية"
(6) في الأصل: "عتبنا".
(4/180)

الرسولُ الأولُ، ولم يكن لنا (1) أَنْ نحتجَّ عن تركِ العباداتِ بنفس بعثةِ الرسولِ الثاني، لأنَّهُ مَا لَمْ تأتِ بنسخِ الأولِ ولا ردعِهِ لم تكن نفسُ بِعْثَتِه حُجَّةً في تركِ العملِ بما سَبَقَ.
ومنها: أن اللهَ سبحانَهُ حكىْ لنا في كتابنا أحكاماً مِنَ الكتب الأُولى، ولا يفيد ذكرُهُ لها إلاَّ تَعبُّدَنا بها، فأمَا أَنْ يورِدَها لنُخالفَهَا فلا، أوْ يذكرَها لا لفائدةٍ، فلا يجوزُ أيضاً، لم يبقَ إلا أَنّهُ ذكرَها لنَعْملَ بها، ونَتمسَّكَ بالعملِ بها إلى أَنْ تقومَ دلالةُ النقلِ عنها بالنسخ لها، فأمَّا مع الاحتمالِ، وعدمِ نَصٍّ يُوجبُ النسخَ لها، فيَجبُ (2) أن نكونَ باقينَ على حكم الأصلِ، ونُحرِّرُه قَياساً، فنقولُ: إنَّهُ حَكمٌ ثبتَ بطريقٍ يثبتُ بمثلِهِ، فلا يُرفعُ إلاَّ بنصٍّ ينافيهِ، كالآيتينِ مِنْ كتابِنا، والخَبرينِ المَرْوِيَّينِ عن رسولِنا - صلى الله عليه وسلم -.
ومنها: أَنَّ الشرعَ للنبيِّ الأولِ جاءَ بلفظٍ مطلقٍ، فاقتضى بقاءَهُ على الدوامِ، ما لم يُصَرِّحْ وينصَّ على رفعِهِ، وأنَّ التمسك بهِ مفسدةٌ، والذي يُوضِّحُ هذا: أَن نفسَ بعثةِ الرسولِ الثاني لا يجوزُ أَنْ تكونَ مُغيَّرةً حكمَ الشرع الأولِ، وإنَّما الذي يغيِّرُ الشريعةَ الأولى أو ينسخها، تصريحٌ في الشَريعةِ الثانيةِ بتركِ الأولى.
ومنها: ما صحَّت به الروايةُ مِنْ أنَّهُ كان يتحنَّثُ بحراءَ، وكان يججُّ ويعتمرُ، ويذبحُ، ويكدُّ البهائمَ بالركوبِ، وهذا كله ليسَ طريقُهُ العقلَ، وإنما طريقُهُ الشرعُ، ولم يكنْ قد نزلَ عليهِ وحيٌ، فلم يبقَ إلأَ أنَّه كان ذلكَ منه بحكمِ شرائع مَنْ قبلَهُ، وقد رُوِىَ أنَّهُ كان يسألُ
__________
(1) في الأصل: "الثاني".
(2) في الأصل: "فيوجب".
(4/181)

عن شريعةِ إبراهيمَ، ثم يتعبدُ بها (1)، وكان يتجنبُ الأوثانَ والأزلامَ.
فإنْ قيلَ: ليس هذا من القولِ الصالح لإثْباتِ الأصولِ؛ لأنَّها آحادٌ مظنونةٌ، وطرقُها غيرُ مقطوعةٍ، نعم، ولا كانَ له طريقٌ يثقُ إليهِ، فيصيرُ متعبداً به؛ لأنَّ القومَ كانوا بينَ عابدِ صنمٍ، وبينَ أهلِ كتابٍ مُغير مبدَّل، والوحي لما (2) يَنْزِلْ، لم يبقَ إلا أنه إن صح ذلك منه، فإنَّه كانَ يفعلُ ذلك برأيهِ، وما يغلبُ على ظنِّه صدقُ راويهِ (3) من حيث الأمانةُ لا الديانةُ، فلا يكونُ ذلك تَعبُّداً مُعوَّلاً عليه، ولا معمولاً به عملَ شريعةٍ وتديُّنٍ.
قيل: لا (4) يُطلبُ لأصول الفقهِ القطعياتُ، وقد تكرَّرَ منكم هذا، وليس بصحيح؛ لأنَّ هذه تَنْحطُّ عن أصول الدين، بأنْ لا يُفسَّقَ المخالفُ، ولا يُكفرَ، ولا يُهجَرَ، ولا يُدركُ لها أدلةٌ قطعيةٌ، ولا يُظفرُ بها، ولأنَّ السِّيَرَ كلَها متطابقةٌ على ما ذكرنا، وقد تلقَّتها الأمةُ بالقبولِ، فصارت كالتواتر.
فإن قيل: فلو صَحَتِ الروايةُ فيه، حملناه على أنَّه كان يفعلُه طمعاً في الانتفاع به، لا على تحقيق، و [أنَّه] تَرَكَ الأصنام تنزُّهاً، وكان عقلُه وتدبيرُه يمنعُه من ارتكابِ ذلك، أو استقباحاً له بعقله، فإنَّ العقل يستخبث ذلك ويستقبحهُ، فإن صحَّ فعلُه وتركُه، فلا طريقَ لكم إلى أنَّه فعلَ ذلك متبعاً لشرعِ من قبله، بل يحتملُ ما ذكرنا.
قيل: ليس في قُوَى العقلِ أن تقوم دلالته على فِعْلِ كُلْفةٍ، وتركِ
__________
(1) انظر ما أورده السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 177.
(2) في الأصل "فيما".
(3) في الأصل: "رواية".
(4) في الأصل: "ولا".
(4/182)

لذةٍ، إلا إذا ظهرت به المضرةُ عاجلاً، أو كشفت دلالةٌ عن فسادِ العاقبةِ، ولا دلالةَ على ذلك إلا نَقْلٌ عن الأنبياءِ، أو وحيٌ من السماءِ، والوحيُ لم يكن نزلَ عليه بعد، فلم يبقَ إلا نقلُ إنس إليه، وهذا هو الظاهر؛ لأنّ الإنسانَ في العادةِ لا يفارقُ أهلَه وعشيرتَه ويُسَفِّهُهم (1)، ويَمْتازُ عنهم بواقع، وإنما يفعلُ ذلك في اطِّراد العادةِ بمُنبِّهٍ يُنبِّهُه، ومُذكِّير يُذَكِّرُه.

فصلٌ
في شبهِ المخالفين
فمنها: قوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48]، والشِّرْعةُ: الشريعةُ، والمِنْهاجُ: الطريقُ، فدلَّ ذلك على أنه لا يتبعُ الثاني الأولَ؛ لأنَّ الشريعةَ لا تضافُ إلا إلى مَن يُخَصُّ بها، فأمَّا التابعُ، فلا يكونُ له شرعةٌ خصُّه.
فيقال: ليس تخلو شريعةٌ ثانية من مخالفة لما قبلها بنوع نسخ لبعضِ فروعِها؛ من تحريمِ مباح، أو إباحةِ محظورٍ، أو إسقاطِ واجب، فلأجلِ ذلك الخلافِ خصّها باسم: شرعةٍ، [و] أضافها إلى من شرعت له، كما يقول القائل: لكل فقيهٍ مذهبٌ، وإن اتفقوا في بعض المسائل، واختلفوا في بعضٍ، ولا تمنعُ مشاركتهم في بعض الشريعة من كونِ كل منهم له شريعةٌ، كما أن مشاركتَهم في التوحيدِ لا تمنعُ عندهم انفرادَ كل منهم بشريعةٍ.
__________
(1) في الأصل: "ويسفهم".
(4/183)

ومنها: ما رويَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "بُعِثْتُ إلى الأَحْمرِ والأَصفرِ، وكلُّ نبيٍ بُعِثَ إلى قومِه" (1)، فدل على أنهم لم يكونوا مبعوثين إلا إلى قوم مخصوصين، فإذا لم يستوعبوا أهلَ عصرهم، أولى أن لا يستتبعوا عصرَ غيرهم.
فيقال: إنَّما لم يستوعبوا أهلَ عصرهم، لأنَّه كان يتفقُ في العصر الواحد اثنان وثلاثة، كلُّ واحد منهم بشريعة تخصه، وكلامُنا فيما (2) إذا جاء نبي بعد النبي لا بمعنى يخصُه، ولا بنَسْخِ شريعةِ من قبله، فذاكَ الذي نحنُ فيه، وكذلك نقولُ في نبينا - صلى الله عليه وسلم -: ما جاءَ به ممَّا يخالفُ من تقدَّمه، لا يتبعُ فيه من تقدمه، وما لم يرد فيه شيءٌ يخصُه كان متَبعاً لمن قبله.
جوابٌ آخرُ: وهو أنَّ اللهَ سبحانَه لَمَّا عَلِمَ أنَّ للأُمَّة الدين بعدَه في اتباعِ الشرعِ الأول مصلحةً، أمر باتباعه، ولَمَّا عَلِمَ أنه لا مصلحةَ بعمومِ بِعْثتِه في حالِ حياتِه إلى الجماعةِ، قَصَرَه على بعضِ أهلِ العَصرِ.
على أنَّه يحتمل أنْ نقول: تكون شريعته باقيةً في القومِ الذين بُعثَ إليهم خاصةً، دون النبيِّ الذي بعثَ، ودون غيرِهم (3)، فيكون نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - تابعاً لملَةِ أبيه إبراهيم، لأنّه كان مبعوثاً إلى العرب، والنبيُّ عربيٌّ، وإنّما خصيصةُ نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - أنَّه لم يعاصره نبيٌّ مبعوث إلى قوم،
__________
(1) أخرجه مسلم (521) من رواية جابر بن عبد الله بلفظ: "كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود".
وأخرجه الدارمي 2/ 224 عن أبي ذر.
(2) في الأصل: "فيه".
(3) في الأصل: "غيره".
(4/184)

فإنه قد كان يجتمع في العصر الواحد أنبياءُ عدة، فلما بعث نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم -، لم يبقَ نبيٌّ في عصره، ولا بقيَ نبيٌّ بعده ينسخُ شريعته، فاستوعبت رسالته وشريعتُه سائرَ الأقطارِ، وشاعت في الأرضِ كلِّها، ولَزِمَتْ (1) كلَّ من بلغه دعوتُه، حتى إنَّ الأديانَ التي بقيت كتُبها، وبقايا أهلها، أُمروا باتباعِه، فهذا موضعُ الخصيصةِ، وموسى بقيت شريعتُهُ، لكن بقيت مع شريعتِه شريعةُ عيسى، فهما شريعتان مستعملتانِ إلى أن بُعِثَ نبينا - صلى الله عليه وسلم -، فلما بعث نبينا - صلى الله عليه وسلم -، صار الحكمُ لِمَا جاءَ به من شريعتهِ، ولم يبقَ معه شريعةٌ تُتَّبعُ، فهو وإن اتبعَ شريعتي موسى وعيسى، إلا أنهما أُمِرا -أعني: بقيّهَ من بقيَ منهما- أن يسمعا ما يقولُ لهما، وما يقضي به على نسخ ما كان من شريعتهما، ولو كان مثلَ عيسى، لكان يَبْقى اليهود والنصارى على اتِّباع نبيهما إلا فيما نُسِخَ، وما كانَ الأَمرُ كذا، بل أُخِذَ عليهما جميعاً تركُ التوراةِ والإنجيلِ، والعملِ بحكمهما، ووجبَ عليهما اتباعُ ما جاءَ به، والتعويلُ على ما يخبرُ هو به عن الشريعتين جميعاً، دون ما في كتبهما من التوراةِ والإنجيلِ.
ومنها: ما رويَ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان معه شيء من التوراة ينظر فيه، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لو كان موسى حَيّاً، لَمَا وَسِعَه إلا اتِّباعي" (2)، وروي أنَّه قال له: "أَلم آتِ بها بيضاءَ نَقيَّةً؛ لو أَدْركَني موسى، لَمَا وَسِعَه إلا اتِّباعي"، فوجه الدلالة: أنه أنكرَ النظرَ
__________
(1) في الأصل: "ولزم".
(2) أخرجه أحمد 3/ 470 - 471 من حديث عبد الله بن ثابت الأنصاري، و 3/ 338 من حديث جابر بن عبد الله، وأخرجه البغوي في "شرح السنة" 1/ 270. وانظر "مجمع الزوائد" 1/ 173 - 174.
(4/185)

في التوراةِ، وذكرَ أنَّ المُعَوَّلَ (1) والعملَ على ما جاء به دون شريعةِ موسى، وهذا ينفي ما تقولون: من أنَّه هو المتبعُ لشريعةِ من قبلَهُ، والعاملُ بها، إلا ما خُصَّ به من النسخِ، والزيادات التي زيدت (2) في شريعته؛ لأنه إذا أخبر بأنَّه لو كان حياً، لما وسعه إلا أن يتبعه، كيف يكون تابعاً له بعد موته؟! بل هذا القول تنبيه على أنَّه لا يجوزُ اتباعُهُ لشريعةِ موسى وهو ميتٌ.
فيقال أولاً: أين ما يتكرَّرُ منكم من إنكارِ أخبارِ الآحادِ في مثل هذا الأصل؟! ثم إن القرآن يقضي عليه؛ حيث عدَّدَ مَن ذكر من الأنبياء صلواتُ الله عليهم، ثم قال: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90]، وقوله: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} [النحل: 123] وقوله: {سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا} [الإسراء: 77]، أوقوله:، {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 35]، فهذه الآيُ وأخواتُها، تعطي أنَّه مأمورٌ باتباعِ من سبقه من الأنبياءِ، وقد أخبرَ - صلى الله عليه وسلم - أنَّهُ لقيهُ [موسى] ليلةَ المعراجِ؛ حيثُ نُشِرت له روحُهُ في مثالِ جسدِهِ، وأشارَ عليه بالاستنقاصِ من الخمسين صلاة التي شرعت، حتى عادَ بها إلى خمس صلواتٍ (3)، وأشار عليه بالاستنقاص، فاستحيا النبي - صلى الله عليه وسلم - من المعاودة، ولم يستنكف عن اتباعه، فالقرآنُ وهذا الخبرُ يقضي على خبرِ عمرَ والتوراة.
__________
(1) في الأصل: "المعمول".
(2) في الأصل: "زيد".
(3) وذلك في قصة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة كما أخرج أحمد 4/ 208 و 210، وا لبخا ري (3207)، ومسلم (164)، والترمذي (3343).
(4/186)

على أنَّ الإنكارَ كان لأنَّه نظرَ في هذه التوراةِ بعد دخول التبديل والتغيير عليها، ولا يأمنُ أن يجدَ فيها ما قد وضعوه من إنكارِ ورودِ شريعةٍ بعد شريعةِ موسى، وما أنكروه من أمرِ عيسى، وخوضهم فيه وفي شريعته، وما قد وضعوه في حق نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - مما يدلُّ على أنه متسلط وملك لا أنه نبي، وأَنه (1) مبعوث إلى العرب خاصة لا إلى من أَتبع موسى، وأمثال ذلك من التخاليط.
وقوله: "لو أدركني موسى، لما وسعَه إلا أن يتبعني"، فكلام صحيح؛ لأنه لَمَّا (2) جاء بنسخِ السبت -وهو الذي شرعه موسى-، وتَخليلِ ما حَرَّمَه من الشحوم عليه، وتغييرِ أحكامٍ كثيرة من التوراة، وموسى ميتٌ [فإنه]، لو كانَ حياً، لما جازَ له البقاءُ على حكم التوراة مع نسخِ القرآن لها، فهذا عينُ الاتباع، فما قال إلا الحقَّ والصدقَ الذي نحن قائلون به، ولا ينفي هذا اتباعَه لما شرعَه اللهُ من حكمِ اليومِ، ونَسَخَه (3) في كتابنا، فقد جمعنا بين القرآن وما رويتموه، وأنتم لا يمكنكم الجمع.
ونحن لا نقول: إنَّ نبيَّنا متبعٌ لشريعةِ موسى بما يجدُ في التوراةِ، لكنْ بأمرٍ من الله سبحانه يَنْزِلُ به الوحيُ عليه، وإعلامٍ منه أنَّ هذا كانَ شرعاً لي وديناً لموسى.
ومنها: أن قالوا: قد ثبت بالنقل الصحيح: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يُسألُ عن الأحكامِ، فيتوقفُ عن الجواب، ولو كانَ متَّبعاً لشرع من قبلَه، لأجابَ بحكم تلكَ الشرائعِ، ولم يتوقف انتظاراً للوحي.
__________
(1) في الأصل: "لكن".
(2) في الأصل: "كما".
(3) في الأصل: "وبنسخه".
(4/187)

فيقال: إنَّما توقَّفَ، لأنَّ حكمَ الشرائعِ التي كانت لمن قبلَهُ من الأنبياء صلوات الله عليهم ليس يعلمها ويحكيها إلا من شهد عليهم بالكذبِ والعناد، وتغيير كتُبه، وعنادِهم لرسله، فلم يُعوِّلْ في ذلك إلا على طريق الوحي إليه، فإذا أُخْبِرَ بذلك، اتبعَ، وذلك مثلُ قوله في كتابنا: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ...} [المائدة: 45] الآيات، فلهذا كان توقفُهُ، لأنَّهُ لا يتبع [إلا] ما صح عنده من شرائع من قبله.
ومنها: أنَّ الشرائعَ ما جاءت إلا بمصالح العبادِ، وخُصَّ كُلُّ نبيٍّ بمعنىً بحسب مصلحةِ قومه، وعُلمَ أنَّهمَ يَمَلُّونَ الأمورَ الدائمة، ويميلون إلى الأحدث، وعلم أن لكل عصر حكماً (1) هو أصلح لأهله، وهذا يمنعُ من اتباع نبي لنبيٍّ، لأنَّه قد يكونُ الحكمُ الأَوَّلُ (2) أصلح لهم، والأصلحُ لنا في غير ذلك.
فيقال: نحنُ لا ننكرُ هذا، وكما لا ننكر هذا، أنتم لا تنكرون أنه قد يبقى حكم كان في الشريعة الأولى، فلا ينسخُ بنبأ الشريعةِ (3) الثانيةِ، فيتبيىْ بذلك أنَّهما استويا في ذلك في باب الأصلح، وإنَّما الذي اختلفنا فيه هو ما يردُ به النسخُ، فنحنُ لا نجعلهُ تابعاً إلا في الحكمِ المستبقى، فأمَّا في الحكمِ المرفوعِ بالنسخِ، فلا، وهذا هو الظاهرُ، لأنَّه كان مصلحةً لهم خاصَّةً دوننا، لنسخهِ في شريعتنا؛ ولأنَّ هذا لا يمنع من اتباعنا لهم، كما لم يُمنع التابعون من متابعة الأحكام التي كانت في أيام الصحابة، وإن كانَ الزمانُ مختلفاً،
__________
(1) في الأصل: "حكيماً".
(2) في الأصل: "للأول".
(3) في الأصل: "لشريعة".
(4/188)

والمصالحُ مختلفةً.
فإن قالوا: إنَّما اتبعنا؛ لأنَّ نسخاً لم يَرِدْ بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
قيل: والنسخُ أيضاً لم يرد فيما جعلناه من شرائعهم مُتَبَعاً، فلا فرقَ بينهما.
ومنها: أن قالوا: لو كان شرعُهمِ شرعاً (1) لنا لوجبَ أن تُتَبعَ كتبُهم، ويُستعلمَ عن أحكامِ شرائِعهم، وتُتَفهَّمَ معانيها ممَّن أَسْلمَ منهم للثِّقةِ به، ولا يُنْتظَرَ الوحيُ في حكمٍ، إلا أن يَرِدَ نسخ، فنَتبِعَه، كما لَزِمَنا ذلك في شريعتنا، فلمَّا لم يَلْزَمْنا ذلك، بطلَ دعوى الاتباعِ لشرائعهم.
فيقال: إنَّما يلزمُ من أحكام شرائِعهم [ما ثبتَ] بطريقِ شرعنا، وهو ما أوحيَ إلى نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - ونُقل الينا عنه، ونحن نتبعُ ذلك ونعملُ به، ونتفهمُ معانيه، فأمَّا استعلامُنا لما عندَهم، فلا وجه له؛ لأنَّهم لو ابتدؤونا بالإعلامِ، وقصُّوا علينا قصص أنبيائهم، ما سمعنا منهم، لِمَا ثبت من كذبهم، وفسقهم، وعنادهم لنبينا - صلى الله عليه وسلم -، وأمَّا من آمن منهم، فلا ضبطَ له بما بُدِّل، مما لم يُبدَّل، لا سيَّما بعد ما جرى من بُخْتِ نَصَّرَ، وقتل حفاظ التوراة، فلم (2) يبق منها ما يوثق بحفظه وبسطره.
ومنها: قولهم: إن شرائعهم على غايةِ الاختلافِ، فهذا يُبيحُ عَيْناً، وهذا يحظرها، وهذا يعظمُ زماناً ويحرمه، وهذا يُبيحُه ولا يُحَرِّمُه (3) له، والاتباع فيما هذا سبيله لا يمكن.
__________
(1) في الأصل: "شرع".
(2) في الأصل: "ولم".
(3) في الأصل: "يحترم له".
(4/189)

فيقال: نحن لا نوجبُ إلا اتباعَ ما اتفقوا عليه، دون ما اختلفوا فيه، فإنَّ (1) الله سبحانه حينَ حرَّمَ في شريعة عيسى ما كان مباحاً في شريعةِ موسى، وأباحَ ما كان محرماً، صارَ الأولُ منسوخاً، ولسنا نتَّبعُ منسوخاً، فأمَّا أن يكون عيسى أباحَ ما حرَّمه موسى، ثم إنَّ الحكم في شريعة [موسى] باقٍ، فكلاَّ، فلا (2) خلافَ إلاَّ في منسوخٍ وناسخٍ، والحكمُ عندنا للناسخِ في كل شريعةٍ دونَ المنسوخِ، وعلى هذا فلا يستحيلُ الاتِّباعُ.
ومنها: أن قالوا: إنَّ كل شريعةٍ مضافة إلى نبيِّها، ولو كانت مشتركةً بينه وبين من يأتي بعده، لم يكن أحدُهما أخصَّ بها من الآخر.
فيقال: إنَّما خُصَّ بها من ابتدأ بها، وللابتداءِ (3) حكم ليس للاتباع، كما تخصُّ المذاهبُ بالمبتدىء، فيقال في كل مذهبٍ سبَقَ إلى اَلقول به: مذهبُ فلان، وإن كان من بعده وافقه في مذهبه لدليله لا تقليداً له، كذلك ها هنا يقال: ملةُ عيسى، وملَّةُ موسى؛ لأجل السَّبق، وإن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - الآخر متبعاً لما أوحيَ إليهما به من الأحكام، ويقالُ اليوم: شريعةُ محمد، لأنَّه جاء بنسخِ أشياء من الأحكامِ كانت شرعاً لموسى وعيسى، فإن سمِّيت: شريعةَ موسى وعيسى، فلأجلِ الابتداءِ، وإنْ سمِّيت هذه: شريعةَ محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ فلأجلِ أنها ناسخةٌ لكثيرٍ من أحكام الشريعتين قبلَه.
__________
(1) في الأصل "قال".
(2) في الأصل: "بلا".
(3) في الأصل: "والابتداء".
(4/190)

ويحتملُ أن تكون الإضافة مغلبةً في حق أحد المشتركين (1)؛ لأن الغالبَ من تلك الشريعة إنما جاءَ في شريعةِ ذلك النبي، وأوحى إليه بها، فغلبَت الإضافةُ لغلبةِ الأحكام.
ومنها: أن قالوا: لو كان النبي الثاني يجوز أن يكون مشاركاً للأول، ومتبعاً له، لجاز أن يبعث إليهم (2) نبيين في عصر واحد بشريعةٍ واحدة، فلمَّا لم يجز ذلك، لم يجز اجتماعُ نبيين في عصرين على شريعةٍ واحدة.
فيقال: قد كانَ ذلك، بدليلِ أنَّ إبراهيمَ عاصره أنبياءُ كلهم على شريعةٍ، كلوطٍ وغيره ممّن عاصره، وموسى وهارونَ نبيان بشريعةٍ واحدةٍ.
على أنَّه ليس الأمران سواءً فدلُوا على (3 التسوية بين المتفقين في الشريعة الواحدة في عصرين مختلفين، وبين المتفقين في الشريعة الواحدة في عصر واحد 3)، ولن تجدوا جامعاً يجمعُ، ونحنُ نجد فرقاً، وهو أن الواحد كاف للعصر الواحد، وأما العصر الثاني فقد يكون فَتْرةً، فَيَبْعثُ الله نبيّاً مُنَبِّها (4) على ما فَتَرُوا عنه، وأهملوه في الشريعة الأولى.
على أن هذا باطلٌ بما بقيَ من الشريعة الأولى بعد نسخ ما نسختهُ
__________
(1) في الأصل: "المشركين".
(2) في الأصل: "إليه".
(3 - 3) في الأصل: "على التسوية بين المتعارضين وبين المتفقين في الشريعة الواحدة في عصرين مختلفين".
(4) في الأصل: "منها".
(4/191)

الشريعةُ الثانيةُ، فإنَّهما يتفقانِ فيه، ويشتركان -أعني: الأول والثاني- فيما لم يُنسخ من الشريعةِ الأولى، وإن لم يجز عندكَ بعثُ نبيين في عصرٍ واحدٍ يتفقان في حكمٍ واحدٍ، فقد بانَ بهذه الجملةِ فرقُ ما بينَ العصرِ الواحدِ والعصرين.
ومنها: أن قالوا: فيما ذهبتُم إليه، من اتباعِ من تقدَّمَه من الأنبياء، تنفيرٌ (1) عنه، ورغبةٌ عن اتباعه؛ لأنه إذا كان على شريعةِ موسى أو عيسى، أنس أهلُ ذلك الدين إلى كونه متبعاً لنبيِّهم، وأنَّه واحدٌ منهم، ومن أمة ذلك النبي، فإذا صار مخالفاً له في شيء مما جاء به ذلك النبي؛ بما يزعمُ أنه قد نُسِخَ في شريعته هو، ساغَ لهم أن يقولوا: كانَ تبعاً، فمالت نفسُهُ، وسَمَتْ إلى أن يصيرَ متبوعاً، ونحنُ قد سمعناهُ مقرّاً بالنبوةِ الأولى، وراضياً باتباعها، فنُعوِّل على الأول من قوليه دونَ الثاني، فإنه متهمٌ فِي الثاني؛ من حيثُ إنَّه استدركَ الأمرَ لمحبةِ الرئاسةِ، وأخذته الأَنَفة من الاتباعِ. فلا ينبغي أن يسلكَ به هذا المسلك المفضي إلى هذه المفسدة، لا سيما والقرآنُ ينطق بمراعاة ما تجتمعُ القلوبُ عليه، دون ما تَنْفِرُ عنه، مثل قوله: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48]، وقوله: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} [فصلت: 44].
فيقال: إنَّ هذا مما يزولُ، وينقمعُ قائلُهُ، والمتعلِّقُ به؛ بإقامة الحجج الباهرة؛ من المعجزاتِ الدالَّة على صدقه في نسخِ ما قبله، إذا لم يَتعبَّدْ بشريعة مَن قبلَه، وإذا كان ما ظهر على يديه، يوجبُ
__________
(1) في الأصل: "تنفيراً".
(4/192)

انقيادَ كل عاقل إلى قوله، وتصديقه، فلا فرقَ بين كونه يعد متابعاً (1) لنبي قبله، وبين كونه مبتدئاً بشريعة لم يسبقها اتباعه لأحد قبله.
على أنَّا قد بينا فيما تقدم (2): أنه لم ينف (3) عن الشريعة كلَّ مُنَفِّرٍ، بل أبقى أشياء كثيرة مثلها يُنَفِّر، إذ لم يجب عليه سبحانه ذلك، لِمَا قد جعل في العقول من القوة الدافعةِ لكل شبهةٍ، وفي المعجزاتِ الباهرةِ ما تَحْصلُ به الثقةُ، فلا تبقى بين هذين شبهةٌ، فمن نفرَ بعد ذلك، فإنما أُتي من قبل نفسه، ودُهيَ من جهةِ إهمالِه وإغفالِه، ومن قال: بأنه يفعلُ ما يشاءُ، ولا مُعقّبَ لأمرِهِ، لم يَحْسُنْ به أن يُورِدَ مثلَ هذا الاحتجاجِ الموهِم، بأنَّه إذا فعل ذلك، فقد أخلَّ بواجبٍ.
ومنها: أن قالوا: إنَّ دعوى اتباعِه لشرائعِ من قبله، دعوى بعيدةٌ؛ لأنَّ ذلك لو كان، لساغَ النقلُ فيه؛ لأنَّ العباداتِ والأحكامَ كثيرة، والأسئلةَ في ذلك متوفرة، وذلك لأنَّهُ أمرٌ تعمُّ البلوى به، فلمَّا لم يُنْقَلْ أنَّه سألَ عن دينِ اليهوديةِ مَن أَسْلمَ، فكان ثقةً عنده؛ كعبد الله ابن سَلاَمٍ، وكعب الأَحْبارِ، عُلمَ أنه لا أصل لذلك.
فيقال: وما الذي أحوجه إلى ذلك، مع كون الوحي يمده عند كل عارض يعوضُ، وحكمٍ يُسألُ عنه؟ ولما أمر برجم اليهوديين اللذين زنيا بعد إحصانهماً، وزعمت اليهود أنه لا يجب عليهما إلا التَّحْمِيمُ، قاضاهم (4) - صلى الله عليه وسلم - إلى التوراة، ودخل معهم بيتَ الدراسة، فجعل ابن صوريا يضع يده على آية الرجم، فقال له عبد الله بن
__________
(1) في الأصل: "متابعته".
(2) في الصفحة: 158 وما بعدها.
(3) في الأصل: "ينفر".
(4) في الأصل: "فقاضاهم".
(4/193)

سلام: ارفع يدك، فإذا آية الرجم، فرجمهما (1). وهذا رجوع إلى خبر عبد الله بن سلام في حكم التوراة، وعملٌ بها في حقهما.

فصل
ونبينا - صلى الله عليه وسلم - قبل بعثه، ونزول الوحي عليه، لم يكن على دين قومه، بل كان متديناً بما يصحُّ عندَهُ أنَّهُ من شريعةِ إبراهيم، لا يلوذُ بأصنامهم، ولا يتعرضُ لأزلامِهم (2)، ولا يَسْمُرُ مع سامرِهم، بل كان يَتَحنَّثُ بحراء، قال أحمد: من قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان على دين قومه، فهو قولُ سوءٍ، أليس كان لا يأكل من ذبائحهم على النصب؟
وبذلك قال أصحاب الشافعي (3)، وقال قوم بالوقف (4)، فإنه يجوز أن يكون كذا، ويجوز أن يكون غير متعبد رأساً.
وحكى أبو سفيان السرخسي عن أصحابِ أبي حنيفة: أنه بعد البعثةِ صار شرعُ مَنْ قبلهُ شرعاً له، لا مِن حيثُ كان شرعاً له قبلها (5)، وأمّا قبلَ البعثِ، فإنَّه لم يكن متعبداً بشىء من الشرائعِ (6).
__________
(1) أخرجه البخاري (6841)، ومسلم (1699).
(2) في الأصل: "بأزلامهم".
(3) انظر "شرح المحلي على جمع الجوامع" مع "حاشية البناني" 2/ 352.
(4) ومن هؤلاء: إمام الحرمين، والغزالي، والآمدي. انظر "البرهان" 1/ 509، و"المستصفى" 1/ 246، و"الإحكام" 4/ 376.
(5) في الأصل: "لمن قبله".
(6) "فواتح الرحموت على مسلم الثبوت" 2/ 183.
(4/194)

فصلٌ
والدلالةُ على أنَّهُ كان متعبداً: هو أنُه كان يتجنَّبُ ما عليه [قومه] (1) ويتحنثُ بما (2) كان يعلمُه ويَتعلَّمُه (3) من شريعةِ إبراهيمَ، فإن كان إلهاماً من الله سبحانه، فهو تشريعٌ، وإن كان لما بلغهُ، ورويَ له، فهو أيضاً اتباعٌ لشرعٍ، وإن كان موافقةً منه لِما أنزل الله، فهو عِصمةٌ (4) عن أديانِ الوَثنيين.
وكان يتعبُ الحيوان ويكدُّه بمقتضى الشرائع، لا بمقتضى البراهمة وجُحَّاد النبوات، وأكلَ اللحْمانَ، وذبح الحيوانَ، فالظاهرُ أنه تدينَ بالشرائعِ؛ إذ يبعدُ أن يكون هذا بتَواقعٍ وقعَ له، فإذا كان بإلهام، فهو تشريع ألهمهُ الله به اتباع الشرائعِ.
فإن قيل: وما تنكرُ أن تكون قد أَخْلَلْتَ بطريق لم تُعْنَ به؟ وهو الطريقُ الذي يُسْلَكُ قبلَ الشرائعِ، وهو العملُ بمقتضى العقلِ، فالعقلُ (5) لا يُسَوَّغُ عبادةَ الأصنام، ولا الاستقسامَ بالأزلامِ، ولا السُّكْرَ، ولا شيئاً (6) من مقبحاتِ العقول هذه (7).
فيقال: فالعقلُ لا يؤلمُ الحيوانَ لغيرِ مصلحةٍ له، ولا يُسوِّغُ إتعاب
__________
(1) ليست في الأصل
(2) في الأصل: "ما".
(3) في الأصل: "ويتعلم".
(4) في الأصل: "وعصمه".
(5) في الأصل: "والعقل".
(6) في الأصل: "شيء".
(7) كان موضع "هذه" في الأصل قبل قوله: "مقبحات"، والجادة إثباتها
(4/195)

الأبدانِ بحجٍّ وعمرةٍ، وغير ذلكَ، ولا يتهدَّي إلى مصلحةٍ تَعْقُبُهُ، فيُحَسِّنَهُ، وقد كان يفعلُ ذلك صلى الله عليه وسلم؛ بما صحَّ به النقلُ، واشتهرَ في السيرِ.

شبهةٌ
قالوا. لو كان قبلَ بعثتهِ على دينٍ، لعُرِفَت تلك الشريعةُ بالنقلِ، كما عُرِفَت شريعتُه، ونُقلت بعد البعثةِ.
فيقال: قد نقلنا ما حكيناهُ، وفي ذلك كفاية.
(4/196)

فصول النسخ
فصل
يجوز نسخ الشرائع شرعاً وعقلاً. أشار إليه أحمد وأطلقَ، وبه قالَ جماعةُ أَهلِ العلمِ.
وقالَ أبو مسلمٍ عمرُ بن يحيى الأصفهاني (1): لا يجوز النسخ شرعاً، ويجوز عقلاً.
واختلفت اليهود (2): فلم يجزه (3) قومٌ منهم من طريق السمع، وأجازوه من طريق العقل، ومنهم من قال: لا يجوز سمعاً ولا عقلاً، وقالوا: هو عينُ البَدَاء.
وبالغ قومٌ ممَّن وافقنا في النسخ -وهم طائفة من المعتزلة (4)
__________
(1) المعروف عند الأصوليين: أن الذي يخالف في النسخ من أهل القبلة: هو أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني المعتزلي، كان نحوياً كاتباً بليغاً متكلماً مفسراً، ولد سنة 254 ه، وتوفي سنة 322 ه، وله مصنفات عدة، منها: كتاب في التفسير على مذهب المعتزلة، سماه ب "جامع التأويل لمحكم التنزيل" وقد وقع لاسمه تحريف وتصحيف كثير انظر: "شرح الكوكب المنير" 3/ 535، و"بغية الوعاة" 1/ 59، و"لسان الميزان" 5/ 89، و"طبقات المعتزلة" (299)، و"الفهرست" (196)، و"المسودة" (195).
(2) ولا عبرة بخلافهم، انظر حاشية العطار على جمع الجوامع 2/ 121.
(3) في الأصل: "يجيزه".
(4) انظر "المعتمد" 1/ 407.
(4/197)

والحنفية (1) - في المنع من النسخ للشيءِ قبلَ وقتِ فعله خوفاً مَن البَدَاء، حيث نسخ قبل فعلِ شيءٍ أصلاً، ومنعوا من جواز اخترام المكلف قبل وقت فعل المأمور به، وجعلوا ذلك بداءً.
وذهب قوم من الرافضة -وحكوه عن موسى بن جعفر، وعن علي رضي الله عنه-: أن البداء جائز على الله سبحانه -وهذا غاية التباين في المذاهب-، وزعموا: أنَّ علياً ترك الإخبار بما يكون إلى يوم القيامة، لأجل وجود البداء في كتاب الله، يخاف أن يخبر بشيء، فيَبْدُو لله (2) تعالى فيه، ويحكون عن علي رضي الله عنه، أنه قال: لولا آية في كتاب الله -وهي قوله تعالى: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: 39]، لأنبأتكم بما يكونُ إلى يومِ القيامة (3). ويزعمون: أن هذا الذي أشار إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله، لَمَّا بكى هو وجبريلُ، فقيل لهما: ألم نُؤَمِّنْكما النار؟ ألم نَعِدْكُما (4) الجَنةَ؟ قالا: "بلى، لكن مَن يَأْمَنُ مَكْرَك" (5) يعني: البداء.
وهذا تجاسر عظيم، وتهجم على الله بما لا يليق به سبحانه،
__________
(1) انظر "تيسير التحرير" 3/ 187، و"فواتح الرحموت" 2/ 61 - 62.
(2) في الأصل "فيبدو الله".
(3) ذكره الطبري في "التفسير" 16/ 484، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 67 عن كعب الأحبار.
(4) في الأصل: "نعد لكما".
(5) لم أجده يهذا اللفظ، وذكر الغزالي: قيل: لما ظهر على إبليس ما ظهر، طفق جبريل وميكائيل عليهما السلام يبكيان، فأوحى الله إليهما: ما لكما تبكيان كل هذا البكاء؟ فقالا: يا رب، ما نأمن مكرك؟ فقال الله تعالى: هكذا كونا، لا تأمنا مكري. "الإحياء" 4/ 181، ويبدو أن الحافظ العراقي لم يجد له أصلاً فلم يخرجه
(4/198)

والظاهر عندي: أنهم في ذلك كاذبون (1) على علي، وموسى بن جعفر.
وقيل: إنه كان ممن يقول بذلك: زُرارَةُ بن أَعْينَ (2)، وله شعر فيه مشهور (3):
ولولا البدا سميته غيرَ هايبٍ ... وذِكرُ البدا نعتٌ لمن يتقلبُ
ولولا البدا ما كان فيه تصرفٌ ... وكان كنارٍ دهرُها تتلهبُ
وكان كضوء مشرق بطبيعةٍ ... وبالله عن ذكر الطبائع نرغبُ
وكان المختار (4) يصرح به، ويقول: بدا لي لكم؛ كذا وكذا.
ثم إن بعض القائلين بالبَدَاءِ قَسَّمُوا وفَصلُوا، فقالوا: إنما يجوز البداء عليه سبحانه فيما لم يطلعْ عليه عباده، ولم يُخْبِرْهم بكونه، دون ما أَطْلعَهُم عليه، وأَخْبرَهم بكونه.
__________
(1) في الأصل: "كاذبين".
(2) هو أبو الحسن، زرارة بن أعين الشيباني بالولاء، كان رأس الفرقة الزرارية من غُلاة الشيعة، توفي سنة (150) ه. انظر "لسان الميزان" 2/ 473، و"الأعلام" 3/ 43.
(3) نسبت هذه الأبيات لزرارة بن أعين في "شرح اللمع" للشيرازي 2/ 192، و"الفائق في أصول الفقه" 4/ 16، والإحكام" للآمدي 3/ 110.
(4) هو المختار بن أبي عبيد بن مسعود الثقفي، خرج علي بن عبيد الله بن زياد والي البصرة بعد مقتل الحسين رضي الله عنه، فنفاه إلى الطائف، فانضمَّ إلى عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، ثم توجه إلى الكوفة ودعا لإمامة محمد بن الحنفية، وقال بالبداء وادعى نزول الوحي عليه، فقتله مصعب بن الزبير سنة (67) ه. انظر "الكامل" لابن الأثير 3/ 356.
(4/199)

وبعضُهم أجاز النسخ في (1) العباداتِ، ومنعه في (1) الأخبار، وبعضُهم أجازَ النسخَ فيهما، أعني: العبادات والأخبار.
فينبغي أن يقع الكلام في فصلين: أحدهما: أن النسخ ليس ببداء، وأنه ليس من ضرورة قولنا بالنسخ؛ أن نكون قائلين بالبداء، و (2) أن القائل لذلك مُقَصِّرٌ فى النَّظَر (3)، جاهلٌ بالله سبحانه، وبما يَجوزُ عليه وما لا يَجوزُ.

فصل
فالدلالة على منع القول بالبدَاءِ مع جواز النسخ: هو أن البداء في الحقيقة: هو ما علمه الحيُّ بعد أن لم يكن علمه، من قولهم: بدا لي سور المدينة، قال الله تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (47)} [الزمر: 47]، {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ} [الأنعام: 28].
والدلالةُ قد قامَت على كونِ البارىء سبحانه عالمَ الغيبِ والشهادةِ بنصوصِ الكتابِ وأدلة العقول، فقال جلَّ من قائل: {وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 59] وقال سبحانه: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} [الحديد: 22]، وقال سبحانه: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} [الأنعام: 28]، {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا} [التوبة: 47]
__________
(1) في الأصل: "من".
(2) في الأصل: "أو".
(3) هذا هو الفصل الثاني الذي ذكره المصنف.
(4/200)

{غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3)} [الروم: 2 - 3]، {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} [الفتح: 27]، فلا يجوزُ مع هذه النصوص، أن يقول بالبداءِ مؤمنٌ بكتاب الله العزيز.
فأمَّا من جهةِ العقول: فإنَّ (1) الذي دل على كونه عالماً، أنه سبحانه أتقنَ صنائعه، إتقانَ من قد علم حاجتها إلى ما أعدَّ فيها من الأجزاء والأعضاءِ والمشاعر، التي سدَّ كلٌّ منها مَسَداً (2)؛ لولاهُ لتعطل بمعدمه غرضٌ، واختل باختلاله أَرَبٌ، وهذا دال على دَركِ المستقبلات من الأمور، وأن البداءَ لا يجوزُ إلا على جاهلٍ بعواقبِ الأمورِ، والله سبحانه بريءٌ من ذلك؛ بما دل من نصوص كتابه، وأدلة العقول على أنه العالم بكل ما يصح أن يعلم، فبطل القول بالبداءِ.

فصل
[في] شُبَهِهم
قالوا: قال الله تعالى: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} [الرعد: 39]، وهذا يَدُل على البداء.
قيل: غايةُ ما يدل هذا: على أنه يفعلُ ما يشاءُ من مَحْوٍ وإثباتٍ، وقد قيل في تفسير هذه الآية: يَمْحو الله السيئاتِ بالتوبة والإسلام، ويُثْبِتُ بالإصرارِ، وقيل: يمحو الله ما يشاءُ من الأحكام بالنسخِ، ويُثْبِتُ بالتشريع ما يشاءُ من الأحكام، وقيل: من الشرائع، وهو الأشبه؛ لأنه قال: {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ
__________
(1) في الأصل: "بأن".
(2) في الأصل: "سداً".
(4/201)

أَجَلٍ كِتَابٌ (38)} [الرعد: 38]، ثم قال: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} فكان عائداً إلى نسخ شريعةٍ ماضيةٍ بإثباتِ شريعةٍ مستقبلةٍ، والكلُّ معلومٌ له قبلَ نسخِه ومحوِه وإثباته، بدليل ما ذكرنا.
قالوا: ولأنا وجدنا بأن الفاعلَ للأمر إذا عَكَسَه، والبانيَ إذا نَقَضَ ما بناه وهَدَمَه، والمُعطِيَ إذا استرجع [ما] أعطاه، وسَلَبَه، والآمرَ بالشيءِ إذا نَهَى عنه لا سِيَّما قبلَ وقوعِهِ، أو حال بين المأمور وبينَه بعدَ أن اسْتَدْعاهُ منه، وكانَ الأول منه عن علمٍ بما أَمَرَ به وبما شَرَعَ فيه، فإن الثاني -وهو النَقْضُ والهَدْمُ، والسَّلْبُ والاسترجاعُ، والنهيُ- عن علمٍ منه تَجدَّدَ، وإلا فمحال أن يكونَ العلمُ الأول هو الذي أَوجبَ الثانيَ، فلم يبقَ إلا أنه لعلمٍ تَجدَّدَ بعدَ أَن لم يَكُنْ في الأول، ولو كان في الأول، لما بَنَى ولا أمَرَ، وهذا هو البَداءُ بعينِه.
فيقال: وما تُنكِرُ على من قال: إنَّه علم أن الأمرَ بذلك مصلحةٌ لخلقه، والبناء مصلحةٌ، في ذلك الوقت الذي أمر وبنى (1)؟ وأن المُتجدِّدَ معنىً تَجدَّدَ على المخلوق، وأنَّ البقاءَ على ذلك الأمرِ الأول والحال الأولى مفسدة، فعادَ التغييرُ إلى المخلوقِ دونَ الخالقِ، ولو كانت العوارضُ الحادثةُ تدل على تَجَدُّدِ علمٍ كان سَبقَه عدمُه، لوجب أن نزيدَ على قولكم بالبداءِ غيرَ ذلك من الأوصافِ المتغايرة والمتضادة، مثل: أنَّه إذا خَلَقَ ورزقَ، وحَنَّنَ الآباءَ والأمهاتِ، ثم سلبَ وأعدمَ ذلك بأنواعِ الإعدامِ؛ من موتٍ، أو إعاقةٍ، أو قسوةٍ تجدَّدت من الوالد حتى قتل ولده، والجارح والسبُع حتى أكلَ فرخَه وسخله، أن يقال: قسا بعد أن كان رحيماً، وإذا منع الرزو، أن يقال: بخل بعد أن كان كريماً، وكذلك إذا أجدب بعد
__________
(1) في الأصل: "ربنا".
(4/202)

أن أخصب، أو نسي بعد أن كان ذاكراً، فلَمَّا لم يُخْلَعْ عليه سبحانه بالتغييرات المختلفة والمتضادة المُتجَدِّدةِ على خَلْقِه، صفاتٌ متغايرةٌ ومتضادة، كذلك لا يجوز أن يُخْلَعَ عليه اسم بداء، وأنه تَجدَّدَ له علمٌ بعد أن لم يكن؛ من حيث إنه تَجددَ منه منع ورفعٌ وإزالةٌ، بل يقال: إنَّ التغيراتِ بحسب ما عَلِمَ من مصالح عباده، بتغايرِ الأزمنة والأحوال، وهو غير مُتغيِّرٍ في كونه عالماً ورَحيماً، إلى (1) جميعِ ما يَسْتحِقُّهُ من الصفاتِ.
وهذا تكلفٌ مع كون النصوص مغنيةً عن أدلَّةِ العقولِ، والمخالفُ موافق في التصديق بالكتاب العزيز، وهو مملوءٌ من الآي الدالة على كونه عالماً (2 بما كان، وما يكون، وبما لم يَكُن أن لو كان، كيف يكون 2).

فصل
في (3) الدلالةِ على جواز النسخ عقلاً وشرعاً في الأوامر والنواهي، وسائر الأحكام.
أما العقلُ: فإنَّ الناسَ على قولينِ:
أحدُهما: أنَّه يفعلُ ما يشاء، ويكلِّفُ ما شاءَ، وكيف شاءَ، فعلى هذا: له أن يُدِيمَ ما كَلَّفَ، وله أن يَقْطَعَه، ويُزِيلَه في مستقبل الحال. والقول الثاني: أنه يُكَلِّفُ ويَفْعلُ على سبيل الأَصلح.
__________
(1) في الأصل: "وإلى".
(2 - 2) العبارة مضطربة في الأصل.
(3) في الأصل: "و".
(4/203)

وعلى كلا الأمرين لا يمتنعُ النسخُ والرفعُ؛ إمَّا لما شاءَ، أو لِما عَلِمَ في ذلك من الأصلح للمكلفين، والمصالحُ قد تختلفُ باختلاف الأزمان، كما تختلفُ باختلافِ الأشخاص، فكم من شخصٍ مصلحتُهُ الغنى، فالفقرُ مفسدٌ، وكم من شخص بالعكس، وكم من زمانٍ يصلحُ أهلُهُ بالمداراةِ والمساهلة، وزمانٍ لا يُصْلحُ أهلَه إلا السوطُ والسيفُ، ألا تراه سبحانه كيف قال في زمنِ المداراة: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} [ق: 45]، {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22)} [الغاشية: 22]، {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ} [الرعد: 7]، {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83]؟ فلما جاء زمانٌ الأصلحُ فيه العنفُ، قال: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ...} [التوبة: 5] الآيات.
ومن ذلك: أنَّه إذا جاز أن تأتيَ الشرائعُ بالعباداتِ والمأموراتِ أوزاعاً؛ فتأتيَ بإيجابِ صلاةٍ، ثم يتَرَاخَى الأمرُ في ذلك، فيأتي بعدَ ذلك إِيجابُ صيامٍ، ثم يتراخى الأمرُ، فيأتي إيجابُ زكاةٍ وحجٍّ، إلى أمثال ذلك، وهذا إيجابٌ لتعبدٍ لم يكن واجباً، فهَلا جاز رفعُ ما وجبَ، وهذا صحيحٌ، لأنّ الَزياداتِ بعد المبادىءِ التي كانت كالكفايةِ والاستقلالِ بالمصلحة، صارت غيرَ كافيةٍ، ومن ها هنا جعل قومٌ الزياداتِ نسخاً، فإذا جاز أن يزادَ على الواجبِ الأول، ويُخْرَجَ الأولُ [عن] أن يكون كافياً ومقنعاً، بتجديد أمرٍ ثانٍ، وإيجاب ثانٍ، جازَ أن يُزالَ الأولُ، ويُجَدَّدَ أمرٌ غيرُه بحسبِ الأصلح، هذا بحكمِ الأصلح.
وإن كان بحكمِ المشيئة: فقد يكون مريداً للشيء في حالٍ، ثم إنه يبين بالنسخ منه لم يكن مريداً له في حال أخرى، ويَبْعُدُ الفرقُ بين أنه لم يكن الشيء واجباً بُرْهةً، ثم جعلَه سبحانه واجباً، وبين أن حَكَمَ بوجوبِه بُرْهةً، ثم جعلَه غيرَ واجبٍ.
(4/204)

ومن ذلك: أن الله سبحانه ما زال يَنْقُلُ من حالٍ إلى حالٍ؛ من صغرٍ إلى كِبَرٍ، وصِحَّةٍ إلى سَقْمِ، وغِنىً إلى فقرٍ، وأَمنٍ إلى خوفٍ، وعِلمٍ إلى جهلٍ، كما قال سبحاَنه: {خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً} [الروم: 54] وقوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ} [غافر: 67] إلى قوله: {ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا} [غافر: 67] وكان ذلك جائزاً عليه، ولم يك بداءً، كذلكَ يعتبرُ ما جعلهُ صلاحاً لدينه ودنياه، لا يمتنعُ أن يقعَ فيهِ الاختلافُ، والنفيُ بعد الإثباتِ، والإثباتُ بعد النفي، إمَّا للأصلح للعبدِ، أو لمطلقِ المشيئة.
والذي يوضِّحُ هذا: أنَّ من يصحُّ عليه البداءُ، يحسُنُ إضافتُه إليه في هذا، كما يَحْسنُ إضافتهُ إليه في الأحكام، فيقال: كان فلانٌ يواصلني بالهدية فبدا له، وكان يكرمني فبدا له، كما يقال: أَمَرَ عَبْدَه بالخِدْمةِ -في كذا وكذا من أنواعِ الاستخدام-، ثم بدا له، إذا قطعَ عنه ذلك، أو نقَلَه إلى غيرِه، أو تركه وأهملَه، فإذا كان الله سبحانه يجوزُ عليه هذا النوعُ، فلا يكونُ بَداءً، بلَ يكونُ على ما يَلِيقُ به، إِمَّا لمصالح خَلْقِه بحسبِ أحوالهم المتجددة وأزمانهم، أو بحسب المشيئة، لأنَّ حقيقةَ البَداء لا تَتحقَّقُ في حقِّه، وهو تَبيُّنُ الشيءِ بعدَ الخفاءِ، وظهورُه وتَجَلِّيه بعد تَغَطِّيهِ عليه.
ومن ذلك: أنه إذا جازَ أن تكونَ المصلحةُ في العبادةِ إلى غايةٍ، مثل: الصومِ إلى الليل، والصلاةِ إلى اخر الركعة الرابعةِ، والحجِّ والإحرام المانعِ من اللُّبْس، والتغطيةِ للرَّأْسِ، وتقليمِ الأَظافرِ، وإزالة الشَعَثِ، إلى غاية -هي رميُ الجَمْرةِ في يوم الأضحى-، ثم يزولُ
(4/205)

ذلك، ولا يكون بداءً، فما المانع من الحكمةِ أن تكونَ المصلحةُ في إبقاءِ الحكم وتشريعه إلى غايةٍ، ثم ينسخُ بالنهي عن استمراره واستدامته، فتكونُ غايتُهُ في الزمانِ كغايتهِ في المقدار؟ فيقال للمحرمِ يومَ النحرِ، إذا رمى جمرة العقبةِ في الحج: حَسْبُكَ، عُد إلى إزالةِ الشَّعَثِ، والتَجمُّلِ باللِّباس، وتغطيةِ الرأس، والتَّطيُّبِ، واصْطَدْ، ثم يقال للصائم إذا غَرَبَتِ الَشمسُ: حسبُكَ، كُلْ واشربْ، وطَأْ، وعلى هذا، ولا فصلَ لهم بين الأمرين -أعني: غايةَ العبادةِ نفسها، وقطعَها عن المرور فيها، وبين قطعِ زمانِ فعلها- وحقيقته تَبْيينُ العْاية، وأنه إنما أراد فعلها إلى ذلك الوقت الذي نزل فيه الوحي بالنسخِ.
ومن ذلك: أنه إذا جاز أن يبتدىءَ التكليفَ بالعباداتِ بعد أن مضى زمانٌ لم يُكلِّفْ فيه فعلَ تلك العبادات، لِمَ لا يَجُوزُ (1) أن يُكَلِّفَ عبادةً، ثم يسقطَها عن المكلف؟ وما الفرقُ بين مَنْعِ التكليفِ قبل (2) الابتداءِ به، ورَفْعِ استدامتِه بعدَ أن كَلَّفَ؟ والمنعُ كالرفع، والنفيُ قبل التشريع كالإزالةِ بعدَه، ولَمْ نَقُلْ: بدا له، فكلَّفَ بعدَ أن لم يكلِّف، كذلك لا يقال: بدا له، فأَسْقطَ العِبادةَ بعد أن كَلَّفَ.
ومن ذلك: أننا قد أجمعنا على أنَّه يجوزُ أن يُكلِّفَ الصحيحَ عبادةً وعباداتٍ عدة إلى أن يمرض، فإذا جاء المرضُ، أو عرض السفرُ، أو جاءَت العوائقُ، أسقطَ، أو خَفَّفَ، فبانَ أنه كَلَّفَ حال الصحةِ إلى غايةٍ هي المرضُ، فكشفَت العاقِبةُ عن الإسقاطِ في تلك الحال لِمَا كان وجبَ من العباداتِ قبلَها، وليسَ يظهرُ من ذلك إلا نوعُ مصلحةٍ، وتخفيفٌ بعد تشديد، فكذلك المُغيِّرُ لمصالحَ خَفِيَّةٍ
__________
(1) في الأصل: "جاز".
(2) في الأصل: "مثل".
(4/206)

تَعُودُ إلى أحوالٍ يَعْلمُها الله من الأَشخاص والأَزمانِ، وإن كان هو المُغيِّرَ للأَحوال والأزمانِ، كما هو المُغيِّرُ من الصحةِ إلى المرضِ، وسائرِ الأعذار.

فصلٌ
في الدلالةِ على جوازِه شرعاً، وعلى وقوعه وحصوله نقلاً
فمن ذلك: أن (1) ذلك وَقَعَ، ووُجِدَ في الشرائع: أن الله سبحانه أمر آدم أن يزوج بناته من بنيه، ثم حرَّمَ ذلك في شرائع مَن بعدَه صلواتُ الله عليهم أجمعين، فإن تجاهلَ متجاهلٌ منهم بالمنعِ من ذلك، فقد دلَّ عليه وجودُ التناسلِ، وكثرةُ أولاده، ولم يكن في الأرضِ سواه وسوى أولادِهِ، فالنسلُ لا يخلو من تناكحٍ أو فجورٍ، ولا فجورَ كان، ولو كان، لما حصلَ النسبُ والانتسابُ، ولأُولِدَ الأنبياءُ صلواتُ الله عليهم من فجورٍ، فثبتَ أنَّه ما كان كثرةُ العالَمِ مع عدمِ ما سوى آدم وسوى أولاده، إلا بتزويجِ بنيه ببناته.
ومما يَدُلُّ على كون ذلك واقعاً في الشرائع: أنَّهُ كان أباحَ العملَ يومَ السبتِ، ولم يُحرِّمْه إلا في شريعة موسى.
وأجازَ الخِتانَ بعد الكِبَرِ، وكانَ إبراهيمُ عليه السلام يرى الخِتانَ بعد الكبرِ بما شرعَ الله له ذلكَ، فختنَ نفسَهُ كبيراً، وجاء موسى -على زعمِ اليهودِ-: بأَن يُختنَ الطفلُ يومَ يُولَدُ (2).
__________
(1) في الأصل: "وأن".
(2) في الأصل: "ولد".
(4/207)

وزعموا: أنَّ يعقوبَ جمعَ بين الأختينِ في وقتٍ واحدٍ، وذلك مُحرَّمٌ في شريعةِ موسى.
فهذا نسخٌ واقعٌ، ليس له دافعٌ مِمَّن عرفَ السِّيَرَ، وأَقَرَّ بصحة ما نقلَ عن الأنبياءِ صلواتُ الله عليهم، وما وقعَ لا يمكن جحدُه مذهباً، لكن تكذيباً وجحداً، وذلك يسدّ علينا بابَ المنقولِ في غيرهِ، والمنقولُ لا يردُّ بالآراءِ والمذاهبِ.
ومما يدلُّ في كتابنا على النسخ، وأنه قد وقعَ، [و] يُحْتَجُّ به [على] من خالف في النسخ من أهل الإسلامِ: قوله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} [البقرة: 144] وهذا وعدٌ بالنسخ، {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 144]، وهذا تصريحٌ بالنسخِ (1) ثم أكد ذلكَ بقوله: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا}
[البقرة: 142]، وهذَا إخبارٌ عن اعتراضهم على النسخِ.
وقوله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: 160]، ثم ساق وجوهَ ظلمهم، فقال: {وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ} [النساء: 160 - 161] الآية، وهذا عينُ النسخِ، لأَنه تحريم ما كان مباحاً لهم، إذ لا يجوزُ أن يريدَ به تحريمَ ما كان مُحرَّماً عليهم، إذ لا يقعُ مقابلةً لحادثِ أفعالِهم ما كان سابقاً لأفعالِهم.
فإن قيل: يحتملُ أنهُ حَرَّمَ عليهم بالسمعِ ما كان مباحاً لهم
__________
(1) في الأصل: "الصريح نسخ".
(4/208)

في العقلِ، وذلكَ لا يكون نسخاً، لأنَّ النسخَ رفعُ حكمٍ شرعي لا إِزالةُ (1) ما ثبت بالعقلِ.
قيل: لا إباحةَ، ولا حظرَ في العقلِ، إنَّما ذلكَ للشرعِ، وقد دلَّلْنا على ذلكَ في أصول الدينِ، ولو سلمنا على قول أبي الحسنِ التميمي، فلا يَضُرُّ (2)، لأن الله سبحانه خَصَّهم بذلك، ولو عادَ ذلك إلى إباحةٍ كانت في العقلِ، لما خصَّ الذين هادوا بذلكَ، لأن قضايا العقولِ تعمُّ كل أُمَّةٍ، ولا تختصُّ اليهودَ، ولا أُمَّةَ إلا وقد حُرِّمَ عليها بعضُ ما أباحته العقول.
فإن قيل: ما سَمَّى فاعلَ التحريمِ إلا وأضافه إلى نفسه سبحانه، وإذا كان مما لم يسمَّ فاعله، فلعله أرادَ تحريمَ ما كان أباحهُ لهم أَحْبارُهم وعلماؤُهم.
قيل: لو كانت تلك الطيباتُ مباحة [لا] بإباحةٍ عن الشارع، لما كانت مباحةً، فإنه (3) ليس لأحدٍ أن يضعَ إباحةً ولا تحريماً من تلقاءِ نفسهِ، وإذا كان ما أَحَلَّه علماؤُهم مُحرَّماً عليهم بحكم الشرعِ، لم يقع التحريمُ عقوبةً؛ لأنه سابقٌ قبلَ ذلك، فلا يكونُ مقابلةً لسوءِ أعمالهم التي عدَّدها سبحانه.
فإن قيل: فليس فيه أنهُ أَحَلَّهُ قبلُ، وحَرَّمَهُ فيما بعدُ، بل يجوزُ أن يكون مقارناً لأمتأخراً، فكأنه كان قال: اَبحْتُ لكم شحمَ كذا إلى وقتِ كذا، فإذا جاءَ وقتُ كذا، فقد حَرَّمْتُه عليكم.
__________
(1) في الأصل: "لإزالة".
(2) في الأصل: "يطر".
(3) في الأصل: "وأنه".
(4/209)

قيل: ظاهرُ الكلامِ يعطي أن التحريمَ كان عقيب ظلمهم، ولو كان مقارناً للَّفظِ، كان التحريم سابقاً لظلمهم.
ومن ذلك -أعني: الواقع من النسخ-: أنَّ الله سبحانه فرضَ الوصيةَ للوالدين والأقربين بقوله: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 180]، ثم نسخ الوصيةَ بآيةِ المواريثِ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - عند نزول آيةِ المواريث: "إن الله قد أعطى كُلَّ ذي حقٍّ حَقَّهُ، فلا وصِيَّةَ لوارثٍ" (1)، ونسخَ صوم عاشوراء بصومِ شهرِ رمضان (2)، ونسخ كلَّ حقٍّ كان في المال بالزكاة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس في المال حَقٌّ سوى الزكاةِ" (3).
فإن قيل: ليس هذا بثابت بطريق يصلحُ أن يكون ناسخاً؛ لأنَّ صومَ عاشوراء لم يثبت وجوبُهُ ولا تلك الصدَقاتُ، ولا بين الوصيةِ والميراث تنافٍ، فتكونَ آيةُ المواريث ناسخةً.
قيل: هذا مما تَلَقَّتْهُ الأمةُ بالقبول، وكَثُرَ ناقلهُ، ولسنا نعتبرُ التواترَ، فإن أحمد قد نصَّ على النسخِ بأخبارِ الآحادِ تعويلاً على استدارةِ أهل قباءٍ، وسندلُّ عليه إن شاء الله في موضعهِ (4)، وآيةُ
__________
(1) تقدم تخريجه 1/ 231،
(2) أخرج مالك في "الموطأ" (842)، وأحمد 6/ 30، 50، 162، والبخاري (2002)، ومسلم (1125)، وأبو داود (2442)، والتر مذي (753) عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصومه في الجاهلية، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فُرض رمضان ترك عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه.
(3) تقدم تخريجه في 2/ 16.
(4) انظر الصفحة 258 وما بعدها.
(4/210)

المواريث لا يمكن جَمْعُها وآيةَ الوصيةِ، إذ لا وصيةَ وميراثَ يجتمعانِ عندنا، بل الوصيةُ باطلةٌ.
ومن ذلك: قوله تعالى: {إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} [المجادلة: 12] ونسخ ذلك بقوله: {فأَقِيموُا الصلاة} (1) [المجادلة: 13].
ولم يَتحَقَّقِ المخالفُ على هذه الايات ما نَسْتَحسِنُ إيرادَه.
فأمَّا الدلالةُ على إرادَتِه (2) شرعاً بعد ما دَلَّلْنا على وقوعهِ شرعاً أيضاً: قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ ننْسأها (3) نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106)} [البقرة: 106] وقوله تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [النحل: 101] وهذا تصريح بجوازِ النسخِ عليه سبحانه.
__________
(1) ونص الآية الناسخة: {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (13)} [المجادلة: 13].
(2) في الأصل: "إيراده".
(3) "نَنْسَأْها" بفتح النون الأولى، وسكون الثانية، وفتح السين المهملة، وإسكان الهمزة: هذه قراءة ابن كثير وأبي عمرو، ومعناها: نُؤَخر حكمَها، من التأخير، وتقدير الآية على هذا: ما ننسخ من آية، فنبدل حكمها، أو نؤخر تبديل حكمها، فلا نبطله، نأت بخير منها.
وقرأ الباقون: "أو نُنْسِها" بضم النون الأولى، وسكون الثانية، وكسر السين، ومعناها: نُنْسِكَ نحن يا محمد، من النسيان. "حجة القراءات" لابن زنجلة (109 - 110).
(4/211)

فصل
في جمع شبههم
فمن ذلك: ما حكته اليهودُ عن موسى عليه السلام، أنهُ قال: شريعتي مؤبدةٌ ما دامت السماوات والأرض، وبعضهم يروي أنه قال: الزموا السبتَ أبداً.
فيقال: هذا مفتعلٌ على موسى، ويقال: أول من وضعهُ لهم لتقْطَعوا به الكلامَ معَ من يَروعُه هذا اللفظُ ابنُ الراوندي، وأنه أخذ على ذلك جِعالةً من اليهود بَتسَمُّجه في أمر الدين بما ظهرَ من خِزْيِه (1) في كتبهِ المعروفةِ، كالملقبَ ب "الزمرُّدة" و"الدامغ" (2). والذي يوضحُ هذا الكذبَ: أن أحبارهم وكبارَهم أعرفُ منهم بما في التوراةِ، وهذا ابنُ سلامٍ، وكعبُ الأحبار، ووهبُ بن منبه، أسلموا لما رأوا علاماتِ المبعوثِ في توراتهم [فيه] صلى الله عليه وسلم، وقد عُلمَ ما في التوراةِ المنقول إلى العربي، من ذكرِ الأنبياءِ: أشيعيا، وشمعون، وحبقوق، وغيرهم، ما لا يُغادرُ صفتَهُ، وصفةَ أُمَّتهِ، وصفةَ مكةَ في أيامِ نبوته وبعثته، وذلك مذكورٌ في أعلامِ النبوَّات من كتب الأصول، فأين كانت هذه الكلمة؟ وأين كانوا عن التعلقِ بها؟ فلما لم ينقل احتجاج اليهود الأُوَل بها، عُلمَ أنها مفتعلةٌ مختلقةٌ في أواخرِ الأمر، لَمَّا تجدد للشريعةِ من الأصوليينَ مَن دَحَضَ كلمتَهم، فأعياهم النظرُ والتحقيقُ إلى هذا الكذبِ، طلباً
__________
(1) في الأصل: "خزنه".
(2) انظر ما تقدم في ترجمته في الصفحة 104.
(4/212)

لموازاةِ قوله صلى الله عليه وسلم: "لا نبيَّ بعدي" (1)، وقول الله في كتابنا: {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} (2).
على أنَّ هذهِ الكلمة لو ثبتت، لكانَ لها تأويلٌ ظاهرٌ من وجهينِ:
أحدهما: أنهُ أرادَ بالشريعةِ: التوحيدَ والأصولَ التي تضافُ إلى كلِّ نبيٍّ، وأضافها إليه في وقتهِ، إذ مَن مضى ومَن يأتي ليس بخاصٍّ، فهو أخصُّ بالتوحيد بحكمِ عصرهِ.
ويحتملُ: مُؤَبَّدةً ما لم تُنْسَخْ بصادق مثلي، وليسَ هذا أولَ عمومٍ خُصَّ بدلالةٍ، ولا دلالةَ آكَدُ منَ المعجزاتِ الباهرةِ التي ظهرتْ على يدي محمد صلى الله عليه وسلم، وبقِيَتْ بعدهُ، ولم يُحْكَ فيها اعتراضُ معترضٍ، ولا حدَّثَ ناطقٌ نفسهُ بمقارنةِ سورةٍ منها، وما انكشفَ من الغيوب التي أخبرَ بها، والأمورِ التي وعدَ بكونها.

[فصل]
في شبهات من منع ذلك عقلاً.
[منها:] إن تجويز النسخ يؤدي إلى تجويز البداءِ على الله سبحانه،
__________
(1) ورد هذا في عدة أحاديث، منها: ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي، خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي .... "، أخرجه البخارىِ (3455)، ومسلم (1842) (44).
(2) أي: في قوله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40].
(4/213)

والبداءُ لا يجوزُ عليهِ، ولا يجوزُ إثباتُ ما يؤدي إليهِ، والذي يوضحُ أن النسخَ عينُ (1) البداءِ: هو أن الآمِرَ بالشيءِ، إذا نَزَعَ عنه، وأَمَرَ بضدهِ، أو نَهى عنه، إذا كان حكيماً، لم يُحْمَلْ نهيُه عن الشيءِ بعدَ أمره به (2) إلا لِمَا عَلِمَه في الثاني من حالهِ مِمَّا (3) كان متغطياً عنه حالَ الأمر به، وإن لم يَكُنْ لمعنىً بانَ له كان خافياً عنه كان عابثاً (4)، فهو متردد بين بداءٍ وعبث، وكلاهما لا يجوز على الله سبحانه، فلا وجه لتجويزهِ عقلاً.
فيقال: إن الذي أَدَّى بكم إلى اعتقاد هذا، استشعارُكم أنهُ أرادَ بالأمرِ (5) بما أمرَ بهِ الدوامَ، ثم قطعهُ، فعادَ ذلكَ بالبداءِ، فأمَّا ما نقولهُ نحن فلا يفضي إلى ذلكَ، فإنا نقولُ: إنه أمرَ بما أمرَ به -من استقبال (6) بيتِ المقدس مثلاً- وأرادَ بهِ إلى مدةٍ عَلِمَها، ثم إنه أخفاها عن المكلفينَ اَمتحاناً لهم وابتلاءً، وأبانَ عنها النسخُ، وما ذلكَ إلا بمثابةِ خلقهِ للحيوانِ صغيراً، والابتداءِ بالطائرِ بيضةً، فلما كَبَّرَ الحيوانَ، وأَخرجَ من البيضةِ طاووساً، أو أمرضهُ بعدَ الصحة، أو أفقرهُ بعدَ الغنى، لم يكن ذلكَ بداءً، بلِ نقول وإياك: إنه كانَ من مراده، وبانَ من قصده سبحانه، أن يكون ذلكَ المخلوقُ على تلك الصفةِ بعد (7) زمانٍ معلومٍ، وَوَقَّت نَقْلَهُ من حالهِ الأولى إليها،
__________
(1) في الأصل: "عن".
(2) في الأصل: "ولا".
(3) في الأصل: "ما".
(4) في الأصل: "غايباً".
(5) في الأصل: "الأمر".
(6) في الأصل: "واستقبال".
(7) في الأصل: "إلى"
(4/214)

وكذلك لمَّا لم يُكَلِّفْ، ولم يخاطِب بالعباداتِ، ثم خاطبَ، لم نَقُلْ: إنهُ كانَ غيرَ مخاطِبٍ، وقد خاطبَ، فقد بدا لهُ، لكن يقالُ: إنه لَم يُخاطِب، وكانَ تركُه للخطابِ [إلى] أجلٍ معلومٍ، أظهرهُ الخطابُ في ذلك الوقتِ، فعُلمَ أنَّ تأخيرَهُ بإرادةٍ وعلمٍ، وخطابهُ في الوقت الثاني -بعد أن لم يخاطبْ- بإرادةٍ، لا أنه بحيث كانَ لا يريدُ الخطابَ، فبدا لهُ أمرٌ أوجبَ إرادةَ الخطابِ.
وكذلك إذا أَمرَ المكلفَ أمراً مطلقاً، ثم إنه أَعاقَ بالمرضِ، أو الموتِ، فإنا لا نقول: إن ذلك بداءٌ، بل أراد بأمرهِ له: العملَ به إلى تلكَ الغايةِ التي حصلت فيها الإعاقةُ؛ بما تجددَ وحدثَ.
وكذلكَ تغييرُ أحوالِ الدنيا الكليةِ؛ من جدبٍ إلى خِصبٍ، ومن توليةٍ إلى عزلٍ، ومن غنىً إلى فقرٍ، إلى أمثالِ ذلكَ من التغييراتِ الحادثةِ في العالم جميعه، فإن لم تُجَوِّزْ على الله سبحانه ذلكَ، لئلا يؤدي إلى ما ذكرت، فلا تُضف هذهِ التغييراتِ إليهِ؛ لأنَّ أمثالها إذا صدرَ عن مخلوقٍ من آحادِ الخلقِ ممن يجوزُ عليهِ البداءُ، كان بداءً.
ولأنا قد أجمعنا على أنه لو كشفَ سبحانهُ عن مقدارِ مدةِ العبادةِ، فقالَ. صلوا إلى بيتِ المقدس كذا كذا شهراً، ثم استقبلوا الكعبةَ، فإنه لا يكونُ ذلكَ بداءً، بلَ توقيتاً وتقديراً، فإذا أمرَ بالصلاةِ نحوَ بيتِ المقدسِ، ولم يقدرها بمدةٍ، لكنه أمرَ بالتحولِ إلى الكعبةِ بعدَ مدةٍ معلومةٍ، وهو (1) ممن ثبتَ بالدليلِ العقلي أنه لا يعلمُ شيئاً بعد أن لم يعلمه، وجبَ أن يُحملَ الأمرُ على ما يليقُ به، من أنه أرادَ
__________
(1) أي: ربُّ العالمين الذي يستحيل شرعاً وعقلاً أن يثبت في حقه الجهلُ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
(4/215)

ذلكَ التقديرَ وعَلِمَه، وإنما غطى عنا الغايةَ امتحاناً وابتلاءً، بحسب امتحانِهِ بأنواعِ التكاليفِ، فأمَّا أن نحمله على ما لا يليقُ به، فكلا.
ومنها: أن قالوا: إنَّ الله سبحانه إذا أمرَ بشيءٍ، دلَّ على أنه حَسنٌ ومصلحةٌ، فإذا نهى عن شيءٍ، دلَّ على أنه قبيحٌ ومفسدةٌ، فلو جوَّزْنا النسخَ، لأفضى إلى كونِ الشيءِ جامعاً للنقيضينِ، فيكون حسناً قبيحاً، مصلحةً مفسدةً، ومحالٌ اجتماعُ النقيضين للشيءِ الواحدِ، فما أدى إليهِ، وجبَ أن يكونَ باطلاً.
فيقال: إنَّ الذي نهى عنه بالنسخِ ليسَ هوَ الذي أمرَ بهِ عندنا، بل المأمورُ بهِ هو الذي كانَ متعبداً به إلى الوقتِ الذي ورد فيه النهي، والمنهيُّ عنه هو ما بعدَ الغايةِ التي كشفَ لنا النسخُ أنَّ الأمر كانَ مقدَّراً بها.
على أنَّ الشيءَ الواحدَ لا يكونُ حسناً قبيحاً، مصلحةً مفسدةً في حالٍ واحدةٍ، فأمَّا في وقتينِ وحالينِ، فلا يمتنعُ ذلكَ، كالدواءِ يكون مصلحةً في وقتٍ وحالٍ، ومفسدةً في وقتٍ آخرَ، وما كشف الله سبحانهُ تَوْقيتَه؛ مثل قوله: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2]، {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} [الجمعة: 10]، هذه كلها أمورٌ كانت حسنةً ومصلحةً في الوقتِ الذي قَدَّرَها به، وكانت بعدَ خروجِ الوقتِ غيرَ مصلحةٍ ولا حسنةٍ.
وكذلكَ العمومُ مع تخصيصِه، كانَ الخطابُ بالعمومِ مصلحةً، ثمِ جاءَ الخصوصُ، فكان بياناً للمرادِ به من الأعيانِ المخصوصةِ، وكان البيانُ مصلحةً أيضاً في وقتِه، ولم يكن البيانُ مصلحةً في وقتِ إيرادِ
(4/216)

العمومِ، على قولِ من أجازَ تأخيرَ البيانِ عن وقتِ الخطابِ (1).
ومنها: أن القولَ بالنسخِ يؤدي إلى اعتقادِ الجهلِ، من جهةِ أن المكلَّف يعتقدُ بإطلاقِ الأمرِ التأبيدَ، ولا يعتقدُ التأقيتَ، فإذا جاءت الغايةُ، بانَ ما اعتقده جهلاً، والجهلُ قبيح، فما يؤدي إليهِ قبيحٌ، فوجبَ تنزيهُ الله سبحانه عنه.
فيقال: إِنِ اعتقدَ التأبيدَ، فإنما أُتِيَ من قِبَلِ (2) نفسه، وإلا فالذي ينبغي أن يعتقِدَ: أنَّ ذلكَ التعبدَ إلى حين يُنسخُ؛ لأنَّه إذا رأى تصاريفَ البارىء في العالمِ، واختلافها بحسب الأزمنةِ والأشخاصِ والمصالح، لم يَجُزْ له اعتقادُ التأبيد، بل يعتقدُ أن ذلك ثابت إلا أنْ يُنسخَ ويُرفَعَ.
على أنَّ في طَيِّه منَ التعبدِ ما يُرْبي على الجهلِ الذي تُشيرُ إليهِ، فإنَّه إذا أضمرَ ملازمة التعبدِ على التأبيدِ، فجاءَ النسخُ بعدَ ذلكَ، حصل له ثواب الاعتقاد لاعتناقِ الأمرِ أبداً، ثم حصَلَ لهُ ثوابُ الانتقالِ من الفعلِ إلى التركِ تسليماً لحكمةِ الناسخِ، فإنَّ تغييرَ الأحوالِ من أشقِّ ما يكونُ على النفوسِ.
ولأنَّهُ باطلٌ بالاعتقاداتِ الحاصلةِ لدوامِ الأحوالِ؛ كالصحةِ والغنى، ثم إنَّ الله سبحانه يزيل ذلكَ بالفقرِ والمرضِ.
ومنها: أن قالوا: لو جازَ نْسخُ الأحكامِ، لجازَ نسخُ الاعتقاداتِ في التوحيدِ، وما يجوز على الله، وما لا يجوزُ، وجميعِ مسائلِ الأصولِ، ويكون ذلكَ مصلحةً في وقتٍ، ومفسدةً في وقتٍ، ولَمَّا
__________
(1) انظر ما تقدم في الصفحة 87 وما بعدها.
(2) في الأصل: "قييل".
(4/217)

لم يَجُزْ ذلكَ في الأصول والاعتقاداتِ، كذلكَ في الفروعِ والعباداتِ.
فيقال وما الجامعُ بينهما، حتى إنَّه إذا لم يَجُزْ هذا، لم يَجُزْ هذا؟
ثم يقال: إنَّ ذلكَ عائِدٌ إلى مَنْ لا يجوزُ التغييرُ عليه، ولا خروجُهُ عن حالٍ، أو صفةٍ وُصِفَ بها، إلى ضدَّها أو غيرِها.
ألا ترى أنَّه لا يجوزُ أنْ يقول اللهُ سبحانَهُ: أوجَبْتُ عليكم توحيدي نهاراً، فإذا جاءَ الليلُ أسقطتُ عنكم التوحيدَ، وأَبَحْتكم التثنيةَ والتثليثَ؛ لأنَّ اللهَ سبحانه وجَبَتْ له الوَحْدةُ بدلائلِ العقول، واستحال أن يكونَ له ثانٍ في الإلهيةِ، والشرعُ لا يَرِدُ بتجويزِ ما أحال العقلُ، كما لا يردُ بإحالةِ ما جوَّزَهُ العقلُ.
فأمَّا الصلاةُ إلى جهةٍ، ونَقْلُنا عنها إلى جهةٍ، فجائزٌ أَن يُعَلَّقَ على زمانينِ مختلفينِ، وتكون المصلحةُ في كل وقتٍ، التوجُّهَ إلى الجهةِ التي عُلِّق التوجه عليها.
ومنها: أن قالوا: إذا جوَّزنا عليهِ النسخَ، لم يبقَ لنا طريقٌ نَعرِفُ به التأبيدَ، أي: لو أرادَ التأبيدَ في عبادةٍ أو حكمٍ من الأحكامِ، فيفسدُ علينا بابُ العلم بذلك، وفي ذلك إبطال كونه سبحانَهُ قادراً على إعلامنا بالتأبيدِ لبعضِ ما يريدُ تأبيدَه من الأحكامِ والشرائعِ.
فيقال: بل قَدْ بقي ما يمكنُ إعلامنا بهِ إرادةَ التأبيد، بأنْ يقول: ولسْتُ أنسخُهُ، ولِا أغيِّره، كما أنَّهُ أعلَمنا في حقِّ نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - بأَنَه (1) لا نبيَّ بعدَه، ولا مغيِّرَ لشريعتِهِ، ولا ناسخَ لها، أو يَضْطَرَّنا إلى معرفةِ ذلكَ بوجهٍ من وجوهِ الاضطرارِ.
__________
(1) في الأصل: "وأنه".
(4/218)

ومنها: أنْ قالوا: قد أجمعنا على أنَّ الخبرَ لا يجوزُ نسخه، وما ذلكَ إلا لأنَّ نَسخ الأخبارِ يعودُ بكونها كذباً، كذلكَ وجبَ أن لا يقالَ بنسخِ الأوامر والنواهي، لأنَّهُ يعودُ بكونهِ بداءً.
فيقالُ: أمَّا استطرادُكم بذكرِ البداءِ، فقد مَضى الكلامُ عليه، وفيه ما يغني عن إعادته (1).
وأَمَّا (2) إلزامكم الخبر، فلا يلزمُ؛ لأنَّ الخبرَ إمّا بماضٍ أو مستقبل، فالخبر بالماضي إعلامٌ بما كانَ، والخبرُ عن المستقبل إعلامٌ بما سيكون، وليس يمكن إخراجُ أحدِهما ومعه لفظٌ يرفعهُ إلا ويقعُ محالاً، فنقول: قامَ زيدٌ أمس، لم يقُمْ زيدٌ أمس، وقامَ ولم يقمْ متنافيانِ، والمتنافي لا يجتمعُ للشيءِ الواحدِ، فلمَّا استحال أنْ يجتمع لزيدٍ القيامُ وعدمُ القيام في حالٍ واحدةٍ، لم يصح أن يجتمِعَ ذلكَ في قولٍ صحيح محكم، أو نقول في المستقبلِ: يقومُ زيد غداً، لا يقومُ زيدٌ غداً، فهًذا أيضاً محالٌ.
جئنا إلى مسألتنا، لو قالَ: استقبلوا بيتَ المقدس كذا كذا شهراً (3)، ثمَّ تَحَوَّلُوا عنه إلى الكعبةِ، لم يتنافَ الاستَقبالُ الأولُ والثاني، ولا الأمرُ بهما، ومستحيلٌ للحكمِ الواحدِ، وهو الاستقبالُ نفياً وإثباتاً في زمانٍ واحدٍ لمكلفين مخصوصين، فهما سواءٌ في حالٍ واحدةٍ وفي حالينِ نفياً وإثباتاً.
__________
(1) انظر ما تقدم في الصفحة 199 وما بعدها.
(2) في الأصل: "فأمَّا".
(3) في الأصل: "شهر".
(4/219)

فصل
والنسخُ في القرآن على ثلاثةِ أضرب (1):
نسخُ الرسمِ فقط.
والثاني: نسخُ الحكمِ فقط.
والثالث: نسخُ الرسم والحكم.
فأمَّا نسخُ الرسم دونَ الحكمِ: فاَية الرجمِ، وهي قوله: "ولا ترغبوا عن ابائكم، فإن ذلك كفر بكم (2)، الشيخُ والشيخةُ إذا زنيا، فارجموهما البتة ... والله عزيز حكم " (3)، وكذلك قولُه: "متتابعات" (4)
__________
(1) ارجع في هذا الفصل إلى "العدة" 3/ 780، و"شرح مختصر الروضة" 2/ 273، و"شرح الكوكب المنير" 3/ 553، و"أصول السرخسي" 2/ 78، و"المستصفى" 1/ 123، و"شرح تنقيح الفصول" (308).
(2) صنيع المصنف يوهم أن قوله: "ولا ترغبو عن آبائكم، فإن ذلك كفر بكم" هو بعض آية الرجم، وليس كذلك؛ فإنه لا تعلق له بآية الرجم، وإن كان أيضاً مما كان يقرأ به قبل نسخ تلاوته، كما ورد ذلك ضمن حديث مطول أخرجه البخاري (6830)، وأحمد 1/ 55 - 56 عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.
(3) تقَدم تخريجه 1/ 246.
(4) يشيرُ بذلك إلى قوله سبحانه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: 89].
إذ وردت قراءة شاذة بزيادة: "متتابعات"، وتنسب هذه القراءة الشاذة إلى =
(4/220)

في صومِ كفارةِ اليمينِ، فهذان نطقان نسخا، وبقي حكمهما؛ الرجمُ في حقِّ المُحصَنَيْنِ إذا زنيا، والتتابعُ في صومِ الأيام الثلاثةِ في كفارةِ اليمين (1).
وأما ما نسخ حكمه، وبقي رَسمُه: فمثل (2) قولِه تعالى. {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} [البقرة: 240]، وقوله: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [البقرة: 180]، نُسِخَتِ الأُولى -ألاعتداد بالحوِلِ، ورمي البَعْرةِ في رأسِ الحولِ- إلى أربعة أشهرٍ وعشر (3)، ونُسِخت
__________
= أبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، ذكر ذلك الطبري في "التفسير" 10/ 559، وعبد الرزاق فىِ "المصنف" (16102)، والحاكم في "المستدرك" 2/ 276، والبيهقي في "السنن" 10/ 60.
على أن هذه القراءة رغم التسليم بعدم قرآنيتها، وكونها لم تثبت متواترة، فإنه لم يرد قول بنسخها، فلا وجه إذاً لإيراد ابن عقيل لها ضمن الآيات التي نسخت تلاوة وبقيت حكماً.
قال الإمام الطبري في "تفسيره": أما ما رويَ عن أبي، وابن مسعود من قراءتهما: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات"، فذلك خلاف ما في مصاحفنا، وغير جائز لنا أن نشهد لشيء ليس في مصاحفنا أنه من كتاب الله. "تفسير الطبري" 10/ 562.
(1) القول بوجوب التتابع في صيام الأيام الثلاثة هو قول الحنفية، والراجح عند الحنابلة؛ لكونهم أخذوا بقراءة عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب، وخالفهم في ذلك المالكية والشافعية. "المغني" 11/ 273.
(2) في الأصل: "مثل".
(3) في قوله سبحانه: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234].
(4/221)

الوصية للوالدين والأقربين بآيةِ المواريثِ.
وأمَّا الرسمُ والحكمُ جميعاً: فهو ما رَوَت عائشةُ رضي الله عنها: عشرُ رَضَعاتٍ معدوداتٍ، نسخنَ بخمسٍ معلوماتٍ، وماتَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وهنَّ ممَّا يُتلى في القرآن (1) وليسَ لنا في المصحفِ "عشرُ رضعاتٍ" مسطورةً، ولا الحكمُ الذي هو التحريمُ متعلقاً عليها.
والسورة التي ذكر أنها كانت كسورةِ الأحزاب، وكانَ فيها: "لو أنَّ لابن آدم واديينِ من ذهب، لابتغى إليهما ثالَثاً، ولا يملأ عينَ -ورويَ: جوفَ- ابنِ آدمَ إلا الترابُ، ويتوبُ اللهُ على من تابَ " (2).
ولا نعلمُ أكان فيها حكمٌ، أم كانت قصصاً ومواعظَ وآداباً (3)؛ فهذه جملةٌ لا يُستغنى عن ذكرِها.
وذهبَ قومٌ إلى أنَّه لايجوزُ قِسْمٌ منها، معَ موافقتِهم في جواز النسخ في الجملة، والذي منعوا منه: نسخُ الرسم مع بقاءِ الحكم.

فصلٌ
في الدلالةِ على جوازِ نسخِ الرسمِ مع بقاءِ حكمه
وهي أنَّ الحكمَ قدْ يَثْبتُ (4) لا بقرآن، والقرآنُ قدْ يَثْبتُ خالياً من الأحكامِ (5)، فالأحكامُ الشرعية قد تَثْبُتُ بقولِ النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي لا
__________
(1) تقدم تخريجه 1/ 247.
(2) تتمدم تخريجه 1/ 248.
(3) في الأصل: "وآداب".
(4) في الأصل: "ثبت".
(5) يوضح كلام ابن عقيل واستدلاله على جواز نسخ الرسم مع بقاء الحكم: ما ذكره القاضي أبو يعلى في "العدة" 3/ 782، إذ قال: إن التلاوة لا =
(4/222)

إعجازَ فيه، وذلكَ ما تَضمَّنَتْه هذه السننُ المرويةُ عنه - صلى الله عليه وسلم - في الأحكامِ، والتلاوةُ المجردة عن الأحكام: القصص، وذكرُ السِّيَرِ، وذكرُ الجنةِ والنارِ، وصفة القيامةِ، وإذا كانَ كلُّ واحدٍ من الرسم والحكمِ منفصلاً، وليسَ من ضرورةِ أحدِهما وجودُ الآخر، صارا كالعبادتين والحكمينِ المختلفينِ، يجوزُ نسخُ أحدِهِما منفكَّاً عن نسخِ الآخرِ، فيُنسخُ (1) أحدُهما، ولا يُنسخُ الآخرُ.
فإن قيل: الحكمُ مع التلاوةِ، كالتنبيهِ مع الخطاب، والدليل مع النطق، والعلَّةِ مع المعلولِ، ولا يجوزُ أنْ يُنسخ الَخطابُ، ويبقى دليلُه، ولا التنبيه، ويبقى حكمُهُ وأَوْلاه، ولا العلَّةُ، ويبقى حكمُها، كذلكَ الرسمُ مع حكمِهِ.
فيقال: معنى الدليلِ: هو ما استفدناه من معنى تعليق الحكمِ على أحدِ وصفي الشيء، والتنبيه: ما استفدناه من فحواهُ، ومن المحال أن يثبتَ ذلك عن [غير] نطقٍ، وأمَّا الحكمُ فبخلافِ (2) ذلك، لأنَّه إذا رفعت الآية من المصحف، لم تخرج عن أن تكون مما خوطب [به]، والحكم قد ثبت بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإن لم يكن قرآناً، وقد يردُ في الأخبارِ: "يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي، فليظنَّ بي عبدي
__________
= تفتقر إلى الحكمِ الشرعي، ولا الحكم الشرعي يفتقرُ إلى التلاوةِ، بل يجوزُ أن ينفصلَ كلُّ واحد منهما عن الآخر، لأنَّ الحكمَ قد يثبتُ من غير تلاوةٍ، مثل أفعال النبي، فصارت التلاوة مع حكمها بمنزلةِ عبادتينِ، فلما جازَ نسخُ إحدى العبادتين دونَ الأخرى، كذلك نسخُ التلاوة دون الحكم، ونسخ الحكم دون التلاوة.
(1) في الأصل: "فنسخ".
(2) فىِ الأصل: "بخلاف".
(4/223)

خيراً" (1) "يقول الله: الكبرياءُ ردائي، والعظمةُ إزاري، فمن نازعني فيهما قصمته" (2)، وفي خبرٍ آخر: "يقولُ الله: أنا أغنى الأغنياء عن الشركِ" (3)، والسنن في ذلك كثيرة، لكنَّها ليست قرآناً، ولا يجعلُ لها حكم القرآن، وتتعلقُ عليها أحكامُ الأحاديثِ، كذلك آيةُ الرجمِ إذا نسخ رسمُها، فإنما ترفعُ عن المصحفِ، قال عمر: لولا أن يقول النَّاسُ زاد عمر فيَ كتاب الله، لكتبتُها في حاشيةِ المصحف (4). فدلَّ ذلك على أنَّ معنى نسخ الرسم: رفعه عن أن يكونَ قرآناً، وليس بخروجها عن كونها قرآنا تخرجُ عن كونها صالحةً للحكم، كالسنن كلِّها.
ولأنَّه - صلى الله عليه وسلم - رجم، فاستدمنا الحكمَ بفعله، وفعلهُ صالحٌ للإيجاب،
__________
(1) ورد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنَّ الله جل وعلا يقول: أنا عند ظنِّ عبدىِ بي، إن ظنَّ بي خيراً فله، وإن ظنَّ شراً فله"، أخرجه البخاري (755)، ومسلم (2765) (19)، والترمذي (2388)، وأحمد 2/ 315، وابن حبان (639).
وورد من حديث واثلة بن الأسقع، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلفظ: "أنا عند ظنِّ عبدي بي، فليظنَّ بي ما شاء"، أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (909)، والطبراني في "الكبير" 22/ 210، وأحمد 3/ 490، وابن حبان (633) وإسناده صحيح.
(2) أخرجه من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة: مسلم (2620)، وأبو داود (4090)، وابن ماجه (4174)، والبغوي في "شرح السنة" (3592)، وابن حبان (328) مع اختلاف في اللفظ عند بعضهم.
(3) ورد من حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم (2985)، والطيالسي (2559)، وأحمد 2/ 301، وابن ماجه (4202)، وابن حبان (395).
(4) تقدم تخريجه 1/ 246.
(4/224)

فقد بانَ بذلكَ أنَّ الحكمَ ما بقيَ بعدَ زوالِ مُوجِبِه، لكن بقيَ بدلالةٍ صالحةٍ لابتداءِ الحكمِ بها، ونحنُ لم نضمن في هذه المسألة أنَّ الحكم الذي ما ثبت إلا بالآيةِ بقيَ بعدَها قائماً بنفسه، وإنَّما ضمِنا بقاءَ الحكمِ بعدَ نسخِ الآيةِ، وأنَّه ليسَ من ضرورةِ نسخها نسخُه، لما بيَّنا من أنَّ الله سبحانه يجوز أن يجدِّد علة الحكم.

فصلٌ
وهل يجوزُ أن يَمسَّها المُحدِثُ، ويتلوها الجُنُبُ؟ يحتمل: أن لا يجوزَ وتبقى حرمتُها، كبيتِ المقدس؛ نسخَ كَونُه قبلةً، وحرمتُه باقيةٌ، ويحتملُ: أن لا تبقى حرمتُهاَ المذكورةُ، كما لم تبقَ حرمةُ كَتْبِها في المصحف.
وهي أشبهُ شبهاً بالحِجْر، فإنَّه كان من البيتِ، وهَمَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَرُدَّ قواعدَ البيتِ عليه (1)، كما همَّ أعمر، بكَتْبِ (2) الآيةِ في المصحفِ.
ولن يضرَّ الاحتمال الأول؛ أمّا بكون ما حرَّمه يقتضي الطهارة، فهي باقيةٌ في الحِجْرِ، وأمَّا [نَفي] الحرمة عن الطهارِة، فقد استويا فيه، فبناءُ (3)
__________
(1) ورد هذا من حديث عائشة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها: "يا عائشة لولا أن قومك حديث عهدٍ بجاهليةٍ، لهدمتُ البيتَ حتى أدخل فيه ما أخرجوا منه في الحجر، فإنهم عجزوا عن نفقته، وألصقته بالأرضِ، ووضعتُه على أساس إبراهيم"، أخرجه البخاري (1586)، ومسلم (1333)، والنسائي 5/ 216، وأحمد 6/ 239، وابن حبان (3816).
(2) في الأصل: "كتب".
(3) في الأصل: "بناء".
(4/225)

الحِجرِ لا يُستقبَلُ (1) هواؤُه، ولا يعتدُّ بالصلاةِ إليه، بخلافِ هواءِ (2) الكعبةِ في العلو، إذا صعد على أبي قبيس (3)، وكذلك لو هُدِمَت العمارةُ (4)، جازَ استقبالُ هوائِها بخلافِ الحِجْرِ، وخروجُ الحِجر عن خصيصةِ القبلةِ في الصلاةِ، كخصيصةِ القراءةِ في آيةِ (5) الرجم، لا تنعقدُ بها الصلاةُ على قولِ مَنْ جوَّزَ قراءة اَيةٍ غيرِ الفاتحةِ (6).

فصلٌ
في شبهةِ المخالِفِ: بأنَّ الحكمَ إنَّما يثبتُ بالآيةِ، فإدْا نسِختْ، لم يبقَ حُكمُها بعدَها، كما لم يَتخلفِ (7) المعلولُ بعدَ زوالِ العلةِ، والعلمُ بعدَ زوالِ عالمهِ، والعالمُ عالماً بعدَ زوالِ علمهِ.
فيقالُ: نحنُ قائلونَ بموجبِ هذهِ الدلالةِ، وأنَّ العلَّةَ المُوجبةَ لا يبقى الحكمُ بعدَها، ككونِ الَمتحرِّكِ متحركاً، وكونِ الحيِّ عالمَاً، لا يبقى بعدَ زوالِ الحركةِ والعلمِ.
فأمَّا العلة الشرعية التي هي دلالةٌ على الحكمِ، فقد (8) يبقى الحكمُ
__________
(1) في الأصل: "مستقبل".
(2) في الأصل: "هو".
(3) جبل مشهور شرقي البيت، ومشرف عليه. "معجم البلدان" 1/ 80.
(4) في الأصل: "للعمارة".
(5) ليست فى الأصل.
(6) وهو قول أبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد انظر "المغني"2/ 146.
(7) في الأصل: "يختلف".
(8) في الأصل: "قد".
(4/226)

بعدَ زوالِها؛ لأنَّ المدلولَ ليسَ من شرطهِ بقاءُ دليلِه (1)، وقدْ يخْلُفُ العلةَ الأولى غيرُها، كما يخلفُ الدلالةَ غيرُها.
ويتحقَّقُ من هذهِ الدلالةِ: أنَّهم لا يخالفونَ في المعنى؛ لأنَّهم إنْ قالوا: لا يبقى الحكمُ الذي لا طريقَ لثبوتِهِ بعدَ (2) نسخِها، فصحيحٌ، وإنْ قالوا: إنَّ الرسمَ إذا رُفعَ عن المصحفِ، وقيلَ لنا: لا تضعُوها في المصحفِ، وكونوا على حكمِها، أو قامتْ دلالةٌ تصلحُ لإثباتِ الحكمِ بعدَ رفع رسمِها، لم يثبت الحكمُ، فهذا بعيدٌ من القولِ؛ لأنَّ لله سبحانَهُ إثباتَ الحكمِ بغيرِها من الأدلَّةِ، إذ ليسَ يختصُّ إثباتُ أحكامِ الشرعِ بالقرآنِ.
ولأنَّ الله تعالى قالَ في النبي - صلى الله عليه وسلم -: {أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ} [آل عمران: 144]، فإماتة النبي محوٌ لرسمه، ولا تتعطل الأحكام بموته، كدْلك [مَحْوُ] رسمِ الآيةِ من المصحفِ.
ويصلحُ أنْ يجعلَ من الجوابِ دلالةً في المسألةِ (3).

فصل
فيما ينسخُ الحكمُ إليه (4)
فاعلم أن الحكم قد ينسخ إلى بدل، كنسخ الحول في حقِّ المعتدة عن وفاة زوجها إلى أربعة أشهر وعشرٍ، وهذا نسخ إلى بدلٍ
__________
(1) في الأصل: "مدلوله".
(2) في الأصل: "إلا بعد".
(3) يعني: أن الأجوبة المتقدمة في الرد على القائلين بعدم الجواز، هي نفسها أدلةٌ للقائلين بالجواز. انظر "شرح الكوكب المنير" 3/ 558.
(4) انظر "العدة" 3/ 783، و"المسودة" (198)، و"شرح مختصر الروضة" =
(4/227)

هو أيسر منه وأخف، لكونه نسخَ واجبٍ إلى واجب.
ومثله: نسخُ القبلةِ إلى الكعبة، نسخ واجب إلى واجب أيضاً، لكن الثاني كالأوَّل؛ ليس فيه تخفيفٌ، ولا تخييرٌ، ولا تقليلٌ.
ومن ذلك أيضاً: نَسخُ الصوم المخيَّرِ بين إيقاعِهِ أو الفديةِ في حقِّ الصحيح القادر على الصوم، نسِخَ إلى صوم منحتم لا تخييرَ فيهِ، فهذا نسَخ واجب إلى واجب، لكن الأولُ موسَّع والثاني مضيَّقٌ، وبقيَ عندَنا في حقِّ الحاملِ والمُرضع إيجابُ الفديةِ لا على وجهِ التخييرِ، بَلْ إنْ خافتْ على جنينِها أو ولدِها حالَ الرضاعِ، فلا يحلُّ لَها الصوم، وعليها الفديةُ، وإن لم تخفْ، فلا يحلُّ لها الإفطار.
ولنا نسخُ واجب إلى مباحٍ، فالصدقة المقدَّمة على مناجاةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1)، نُسِخَتْ إلى جوازِ فعلها وجوازِ تركِها (2).
ولنا نسخ واجب إلى ندب وواجب، كالمصابرة في الحرب، الواحد منا للعشرة من المشركين، ونسخ إلى وجوب مصابرة اثنين، وندب إلى ما زادَ على الاثنين (3).
__________
= 2/ 296، و"شرح الكوكب المنير" 3/ 545، و"البرهان" 2/ 1313، و"المستصفى" 1/ 119.
(1) يريد بذلك قوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ...} [المجادلة: 12].
(2) يشير إلى قوله سبحانه: {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المجادلة:12 - 13].
(3) جاء ذلك في قوله تعالى: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 66].
(4/228)

ولنا نَسْخٌ مِنْ حَظْرٍ إلى إباحة، وهو نسخه تحريم الجماعِ والأكلِ بعد النومِ، نسخه (1) بقوله: {أُ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ} [البقرة: 187]، إلى قوله: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ} إلى آخر الآية.
ومثلُ: حظرِه زيارةَ القبور، ثم قال: "فالآن زورُوها، ولا تقولوا هُجْراً" (2).

فصل
ويجوزُ نسخُ الحكمِ إلى مثلِه، وأخفَّ منهُ، وأثقل، وبهِ قالت الجماعةُ (3)، خلافاً لبعض أهلِ الظاهر، حكاه الخَرَزي في مسائله، وأنهم منعُوا نسخَ الأخفِّ إلى الأثقلِ، وذهبَ إليه ابن داود (4).
ولأصحابِ الشافعي وجهان كالمذهبينِ (5)، ووافقنا الأكثرون منهم.
__________
(1) في الأصل: "ونسخه".
(2) تقدم تخريجه 1/ 252 - 253.
(3) صرَّح بذلك القاضي في "العدة" 3/ 785، والسرخسي في "الأصول" 2/ 62، والغزالي في "المستصفى" 1/ 120، والقرافي في "شرح تنقيح الفصول" (308). وانظر: "شرح مختصر الروضة" 2/ 302، و"شرح الكوكب المنير" 3/ 550، و"إرشاد الفحول" (188).
(4) موضع قوله: "وذهب إليه ابن داود" في الأصل، بعد قوله:
"كالمذهبين"، ورأينا إثباته هنا، لأنه أوفق لمقتضى السياق، وأبعد عن الخلط والإبهام، وقد رد قولَ ابن داود هذا، وفنَّدَه ابنُ حزم في "الإحكام" 4/ 466.
(5) والراجح المعتمد عند أكثر الشافعية، كما سيشير المصنف: جواز نسخِ الأخف بالأثقل، وهم بذلك يوافقون ما ذهب إليه جمهور الأصوليين. نصَّ عليه الشيرازي في "التبصرة" (258)، والغزالي في "المستصفى" 1/ 120،=
(4/229)

وذهبَ قومٌ: إلى المنع من ذلكَ عقلاً، وأجازُوه سمعاً، غيرَ أنَّهم زعمُوا أنَّه لم يرِد.
وقال قومٌ: يجوزُ عقلاً، لكن السمع وَرَدَ بالمنعِ منه.

فصلٌ
في أدلتِنا
فمن ذلكَ: أنَّ الله سبحانه أوجبَ الصومَ في ابتداءِ الإسلامِ على الوجهِ الأسهلِ، وهو التخييرُ بينَ التعبدِ بهِ، وبينَ الفديةِ في المالِ، وَحَتَّمَه بصومِ رمضان، فقال: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]، فهذا نسخُ الأسهل بالأثقلِ.
وكذلك كان الحدُّ على الزنى، الحبسَ في البيوتِ، والتعنيفَ، والأذى بالتَّهْجين (1)، ونسخ ذلك بالضربِ بالسياطِ، والتغريب عن الوطنِ في حقَ الأبكار، والرجم بالحجارة في حق الثيبِ، وهذْا نسخٌ للأسهلِ إلى الأكبرِ والأثقل.
وكذلكَ كان الصفحُ والِإغْضاءُ والعفوُ، ثمَّ نُسِخَ ذلك بقتلِ المشركينَ كافةً وقتالِهم، وهو أصعبُ وأشدُّ.
وأمَّا من جهةِ الاستنباط: فإنَّ النسخَ قد يكونُ لأجلِ الأصلح، وكم من أصلح قد يكونُ بتكليف الأثقلِ والأشقِّ، وقد يكونُ بالمشيئة المطلقةِ، وكم يقعُ بها الأثقل، كما يقعُ عنها الأسهلُ.
__________
= والسبكي في "الإبهاج" 2/ 154، وفنَّدوا قول المخالفين.
(1) أي: التعيير والتقبيح في الكلام. "الصحاح": (هجن).
(4/230)

ومن ذلك: أنَّهُ إذا جازَ أنْ يزيدَ في التكليفِ، فيَضُمَّ صوماً إلى صلاة، وحجاً إلى صومٍ، ويبتدىءَ بتكليفِ عبادةٍ بعدَ أنْ لم تكنْ، ومعلومٌ أنَّ الإسقاطَ رأساً، وعدمَ الإيجاب، كانَ بالإضافةِ إلى التكليفِ المبتدأ أسهلَ، والواحدةُ من العباَداتِ أسهلُ من الثنتين والثلاثةِ (1)، وقد جازَ ذلك، فالرفعُ للأسهلِ، وإيجابُ الأصعبِ، لا يزيدُ على إيجابٍ، بعد عدمِ إيجابٍ، وتزايدِ عباداتٍ على ما كان قبل الزيادةِ من العبادَةِ الواحدةِ. وهذهَ طريقةٌ لا انفصالَ عنها.
ومن ذلك: أنَّ الأثقلَ أكثر ثواباً، وكما يجوزُ النَّسخ إلى الأسهل لطفاً بهم في دار الدنيا، وتسهيلاً عليهم، يجوزُ أن ينسخَ إلى الأثقل، ليضاعفَ لهم ثوابَ الآخرةِ، والأغلبُ في التكليفِ (2) مصالحُهم العائدةُ لدار (3) الآخرة وثوابِها، ولهذا يبدأ بتكليفِ الأسهلِ، ويبدأ بالصعبِ.
ومن ذلك: أن الله سبحانه يغيِّر من حالِ المكلَّفِ؛ صحةً إلى مرض، وغنىً إلى فقر، وسعةً إلى ضيق، كما أنه يفْعلُ بعكسِ ذلك، فيوسِّعُ (4) بعد الضيق، ويعافي بعدَ المرض، وإذا جازَ ذلك في بلاويه وامتحاناته، كذلك في باب تعبداته، والكلُّ امتحانٌ يتضمن التكليفَ بالطاعةِ له والتسليمِ، فلا فرقَ بينهما، ولهذا ألزمنا المنكرينَ للنسخِ الجاعلينَ له بداءً تغييرَ أحوال الشخص، من صحةٍ إلى سقم، وشبيبة إلى هرم، ووجودٍ إلى عدم.
__________
(1) في الأصل: "الثانية والثالثة".
(2) في الأصل: "التكلف".
(3) في الأصل: "بدار".
(4) في الأصل: "فوسع".
(4/231)

فصول (1)
في شبهاتِ المخالفِ
فصل
فيما تعلَّقوا به من السمع
قولُه تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28]، فكأنه يقول: إنَّما أردتُ بكم التخفيفَ، لعلمي بأنَّي خلقتكم ضعفاء، وهذا خبر لا يجوزُ أن يقعَ بخلاف مخبَرهِ، وفي نسخِ الأخفِّ إلى الأثقل ما يفضي إلى ذلك، وما يفضي إلى غيرِ الجائز على الله، باطلٌ في نفسهِ.
وقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، ورفعُ الأسهلِ، وتكليفُ الأثقلِ، غايةُ العسرِ الذي نفاه الله عن نفسهِ، فكلُّ مذهبِ أدَّى إلى مخالفةِ خبرِ البارئِ باطلٌ مردودٌ.
وقوله: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157]، وقوله: {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} [البقرة: 286]، والإصر: الثقل، فأخبر أنه يضعُ الإِصرَ الذي حمله الأمُم قبلهم، فكيفَ (2) يزيدُ ما خفف (3) به عنهم في شريعتِهم بما يثقل بِه عليهم؟ وقوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106]، ومعلوم أنَّه لم يرِد {بخيرِ منها} فضيلةَ؛ لأنَّ القرآنَ لا
__________
(1) في الأصل: "فصل".
(2) في الأصل: "وكيف".
(3) في الأصل: "خففت".
(4/232)

يتفاضلُ في نفسهِ، لم يبقَ إلا أنَّهُ أرادَ بالخيرِ: الأخفَّ والأسهلَ.
وقوله في المصابرةِ بعدَ إيجابِها على الواحدِ بعشرةٍ: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا} [الأنفال: 66]، وهذا تصريخ بالنسخِ للأَصعب بالأَخف الأَسْهلِ.

فصلٌ
في جمعِ الأجوبةِ عن هذهِ الآيات الكريمة (1)
أمَّا قولُه: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} [النساء: 28]، فهوَ خبرٌ من اللهِ سبحانَه لا نُحيلُ (2) فيه تَثقِيلَه بابتدائِه بالتكليفِ الشاقُّ، فلا يؤثرُ فيه نسخُه الأسهلَ بالشَّاقِّ الأثقلِ، ولا يعطي أيضاً إخبارُه بإرادتهِ التخفيفَ عنا الفورَ، بل يجوزُ أن يكونَ المرادُ به تخفيفاً عنا أثقالَ الآخرةِ؛ بثوابِ أعمالِنا الثقيلةِ على طباعِنا في الدُّنيا، أو تخفيفاً بالإضافةِ إلى المشاق التي كلَّفها مَن قَبلَنا، وما قبلَ هذا من الآيةِ يشهدُ لما ذكرنا؛ من قوله سبحانه: {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء: 27]، والميلُ العظيمُ إلى مخالفة الشرعِ تخفيف في الحالِ لأثقالِ التكليفِ، لكنَّه لما آلَ إلى العذابِ الدائم، وفوات (3) النَّعيم، قابله بقولِه: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} [النساء: 28]، باثقالِ التكليفِ المفضيةِ بكم إلى المنافعِ الدائمةِ، والعَربُ تُسمَّي الشيءَ بعاقبتِهِ، قال الله تعالى: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} [البقرة: 175]، {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} [القصص: 8]، مع إخبارِهِ عنهم، بقولِه (4): {لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا} [القصص: 9]، وتقول:
__________
(1) انظر هذه الأجوبة في "الإحكام" للآمدي 3/ 139. وما بعدها.
(2) في الأصل: "يحيك".
(3) في الأصل: "وثواب".
(4) في الأصل: "قوله"
(4/233)

لدوا للموتِ وابنو للخرابِ (1)
[وقال تعالى]: {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} [النساء: 10]، فسَمَّتِ (2) الشيءَ بعاقبتِهِ، مضرةً كانت، أو منفعةً.
والذي يوضح [ذلك]: أن هذهِ الآية لا تمنعُ أثقالَ تكاليفهِ المبتدأةِ، وبلاويه في الأموال والأبدانِ، والدواهي الثقيلةَ على الطباعِ، وغيرَ ذلك؛ مما [لا] يسوغُ لمسلم أن يقول: إنه يُخرِجُ قولَه: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} [النساء: 28]، عن الصدق، بل الواجبُ تأويلُ ذلك على ما يوجبُ تخفيفاً لا بد أن يقع، إما الآنَ أو في الثاني، فليس تختص مُناقضَةُ الخبر بنفي التخفيفِ في النسخِ خاصةَ، بل بكلً تثقيلِ، فكل ما تَدفعُ به عن الآيةِ المناقضة، مع تجويزكَ التثقيلَ بتكليفِ مبتدأِ، هو الذي يَدفَعُ المناقضةَ عنها بالنسخِ للأسهلِ بالأثقلِ.
والذي يُجْمعُ به بين ثِقَلِ التكليفِ المبتدأ، وبين خَبرِه بإرادةِ التخفيفِ عنا: هو أن كل مكروهِ عادَ إلى غايةٍ محبوبةِ، حسُنَ أن يُسمى المريدُ لذلكَ المكروهِ مريداَ للمحبوبِ، ولهذا يَحسُنُ أن يقولَ الأبُ الحَدِبُ (3) والطبيبُ الناصحُ، وقد جعلَ إيلامَ الولدِ بالأدبِ، والمنعِ من كلِّ شهوةٍ تُفضي إلى مضرةٍ، وعجَّلَ العلاجَ بالأدويةِ المُرَّةِ، وقيح العروقِ بالحديدِ، وإراقة الدماء، والمنع من الشهواتِ من الأشربةِ والأغذيةِ: إنما أريدُ، أو أَرَدْتُ بكَ التخفيفَ عنكَ والنفعَ لكَ، وتكميلَ اللذةِ، ويُشِيرُ بذلك القول: إلى صلاحِ العاقبةِ، مع كونِه مريداً لعاجلِ المضرة والبغضةِ والألم، فبانَ أنَّه
__________
(1) صدر بيت من الشعر، وعجزه "فكلُّكم يصير إلى تَبابِ" وفي رواية: "إلى ذهاب". وهو منسوب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه. "همع الهوامع" 2/ 32، "أوضح المسالك": 356.
(2) في الأصل: "فسمى".
(3) هو من قولهم: حَدِبَ فلانٌ على فلانِ، يَحْدَبُ حَدَباً، فهو حَدِثٌ.
(4/234)

ليسَ بينَ الخبر في الآية، وبينَ نسخِ الأسهلِ بالأثقلِ، اختلافٌ، ولا تناقضْ.
على أنه قد يصح نسخُ الخبرِ على هذا الوجه، وذلكَ أنه لو قالَ في حالِ: إنَّ الصلاةَ واجبةٌ عليكم، ثم قالَ: بعدَ وقتِ: الصلاةُ ليست واجبةَ، أمكنَ النسخُ بالثاني للأَولِ، ولا يكونُ الخبرُ كذباَ، لأنه أخبرَ في الأولِ؛ بأنها واجبةْ؛ لإيجابه لها، وأخبرَ في الوقتِ الثاني؛ بانها ليست واجبةَ؛ لانه أسقطَها، ويصيرُ الوقتانِ في اختلافِهما بالصلاةِ (1)، كالعبادتينِ المتغايرتينِ، كذلكَ قولُه: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} [النساء: 28] , يجوزُ أن يكونَ المرادُ به إخباراً عن حالِ كانَ مريداً للتخفيفِ فيها، إذ كان الأصلحُ التخفيفَ، ويكونُ في حالةِ أخرى يريد الأثقلَ من التكليفِ؛ لكونه الأصلحَ، واللهُ أعلم.
وأما قوله: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} [البقرة: 185]، فإنه الخبرُ الراجعُ إلى تجويزِ تاخيرِ الصومِ لأجلِ السفرِ والمرضِ، وهو اليسرُ المشارُ إليه، والعُسرُ المنهى عنه تكليفُ الصومِ فيهما، ولا يجوزُ أن يكونَ المرادُ به اليسرَ العاجلَ من طريقِ العمومِ، ولا نفيَ العسرِ العاجلِ على العمومِ، لأن التكاليفَ مختلفةٌ؛ بينَ شاق ثقيلِ، وسهل خفيف، وأحوالُ المُكلفِ في الدنيا مُتردِّدةٌ بين يسرٍ وعسرٍ، فيما يعودُ إلى الرزقِ وأحوالِ الحىَّ؛ بينَ صحةِ ومرضِ، وغنىَ وفقرِ، والتكليفُ المبتدأ الذي يجيزون نسخَه إلى الأسهل، قد كان قبل نسخه مراداً لله بالإجماعِ، فعُلِمَ أنه ليس إرادتُه لليسرِ عامةَ جميعَ أحوالِ المكلفِ، ولا نفيُ إرادتِه للعسرِ عامةَ جميعَ أحوالِ المكلف، فكل دليلِ خُص به ذلك في التكليف المبتدأ، والمنسوخِ بالأخفِّ، هو الذي تخص به إرادتُه لنسخِ الأسهلِ، الأخفِّ إلى الأصعب الأثقل.
__________
(1) في الأصل: "الصلاة".
(4/235)

على أنّا إن حملناهُ على عمومِه، على الوجه الذي ذكرناه في قوله: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} [النساء: 28]، وهو أنه اْرادَ تخفيفاً في العاقبة، وتسهيلاً يَعقُبُ أثقالَ التكاليفِ، كانَ حملاً صحيحاً؛ بدلائلنا التي ذكرناها.
وأمّا قوله: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ} [الأعراف: 157]، فإنَّه سبحانه قد خَفَّفَ من وجهِ كان قد صعبه على الأممِ قبلنا، وسهلَ ما كانَ شديداً، ولأنَّه خبرٌ، قد كان ما خَبَّرَ، وهو وضعُ الإصر عنهم، والثقلِ الذي كان على من قبلهم من الأمم.
وأما قوله: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} [البقرة: 106]، فليس (1) فيهِ تصريحٌ بأثقلَ (2) وأَخَف، لكن الخبرُ قد يكونُ بمعنى: أكثرَ ثواباً، ويحتملُ: أصلحَ، ولهذا يَحسنُ أن يقالَ: الفرضُ خيرٌ لكَ من النفلِ، وإن كان النفلُ أسهلَ، والفرضُ أشق، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة رضي الله عنها: "ثوابُكِ على قدرِ نَصَبِكِ" (3)، وقال الله سبحانه: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} إلى قوله: {إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} [التوبة: 120]، فالخيرُ والفضلُ في أمرِ الدينِ يرجعُ إلى الأكثرِ ثواباً، وفي أمرِ الدنيا يرجعُ إلى الأصلحِ والأنفعِ، وليس يختص الأسهلَ، ولهذا يَحسُنُ بالطبيبِ أن يقولَ للمريضِ: الجوعُ والعطشُ أصلحُ لك، وخير لكَ من الشِّبَعِ والرَّي.
وأمّا قوله: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ} [الأنفال: 66]، فنحنُ قائلونَ بها، وأنه ينسخُ إلى الأسهلِ والأخفِّ، وليسَ فيها منع من النسخِ إلى الأصعبِ والأشقِّ.
__________
(1) في الأصل: "ليس".
(2) في الأصل:"ما ثقل".
(3) تقدم تخريجه 1/ 254.
(4/236)

فصل
فيما تعلقوا به من الاستنباطِ وأدلةِ العقلِ
قالوا: النسخُ إنَّما يقصدُ به الأصلحُ والأنفعُ، والأقربُ إلى حصولِ الطاعةِ من خلقِه والاستجابةِ، وذلكَ إنَّما يحصلُ إذا نقلهم [من الأشَدِّ] إلى الأخفِّ، ومن الأصعبِ إلى الأسهلِ، وأما نقلُه لهم من الأسهلِ إلى الأثقلِ، فإنما يكونُ إضراراً، ثمَّ تنفيراً لهم عن الاستجابةِ، فيعودُ بضدِّ ما وُضعَ له النسخُ؛ لأنهم بالاستجابةِ يستضرونَ بالكُلْفةِ الصعبةِ، وبالمخالفةِ والنفورِ عن ذلك يستضرونَ بالمؤاخذةِ، فلم يكن للنسخِ على هذا الوصفِ وجه (1) في الحكمةِ، ولا مضاهاةٌ للوجه الشرعيَ، ولهذا قالَ تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]، فإذا أَلانَ أخلاقَ النبيِّ؛ لئلا ينفروا عنه، وجبَ أن لا يُثْقِلَ التكليفَ بالنسخِ الأَسْهَلِ إلى الأصعبِ الأشقِّ، وأصلُ النسخِ إنما كانَ؛ لأنَّ المللَ يعتريهم، وأنَّ الأزمانَ تختلفُ في الأصلحِ، فلكلِّ وقتٍ حكمٌ وحالٌ غير الوقتِ الآخر.
فيقالُ: إنَّ المُراعى في النسخِ هو المُراعى في أصلِ التكليفِ، والتكليفُ في وضعهِ على الكُلْفةِ، ومراغمةِ النفس والهوى والشهوةِ، والتركُ هو الأسهلُ، والتخليةُ هي التي النفوسُ إَليها أميلُ، ثمَّ ابتداءُ التكليفِ كان بالإضافةِ إلى الإطلاقِ والتخليةِ أشقَّ وأصعبَ، فإذا جازَ أن ينقلَ من تخليةٍ وإطلاق إلى تقييدٍ، ومن بطالةٍ وراحة إلى عملٍ
__________
(1) في الأصل: "وجهاً".
(4/237)

وتعبٍ، مراعاةً لما يَؤُولُ إليه من نفعِ المجازاةِ، والمقابلةِ بالثوابِ، وهوَ النفعُ الدائمُ، والعيشُ السالمُ، فما المانعُ من نقلهِمِ من تخفيفٍ إلى تثقيلٍ؛ لتحصيلِ زيادةِ ثوابٍ، ونفعٍ آجلٍ، وإن كان تضمَّنَ ثقلاً عاجلاً؟!
على أن هذا باطلٌ بأفعالهِ سبحانه، بالنقلِ من الصحةِ إلى السُّقْمِ، والشبيبةِ إلى الهرمِ، والجدَةِ إلى العدمِ، والغنى إلى الفقرِ، وفقد الحواسِّ المستعانِ بها عَلى مصالح الدينِ والدنيا، ومَدِّ الأَعضاءِ والقوى التي هي أدواتُ مصالح الدِّينِ والدنيا، هذه كلُّها بلاوي، العافيةُ أحبُّ إلى المكلف منها، ومعَ ذلكَ فإنَّ الله ابتلاه بها، وما كان ذلك إلا لمصالحَ جَمَّةٍ، وتحصيلِ الأعواضِ الموفيةِ على الضررِ بها، وحبس النفس عن التَّشَرُدِ (1)، وتذكيراً بالنعمة، وردعا عن ارتكاب المعصيةِ، والمبتلى بها بعدَ الراحة والسلامةِ منها، هو كالمُبْتلَى (2) بالأثقلِ من التكاليفِ بعدَ الأسهلِ منها، ولا عذرَ للمخالفِ في ذلكَ، إلا ما يعلمُ في مطاوي تلك البلاوي من المصالح، كذلك الأثقلُ في بابِ التكاليفِ بعدَ الأَخفِّ، والأسْهَلِ (3).

فصلٌ
ويجوز نسخُ العبادةِ إلى غيرِ بدلٍ (4)، خلافاً لبعض الأصولين: لا
__________
(1) أي الشرود والبُعد عن الله عز وجل.
(2) في الأصل: "المبتلى".
(3) في الأصل: "الأفضل".
(4) هذا رأي جمهور الأصوليين، انظر "العدة" 3/ 783، و"المسودة" =
(4/238)

لايجوزُ إلا إلى بدلٍ.
لنا: أنَّه إنْ كانَ التكليفُ بحسبِ الأصلحِ: فقد يكون الأصلحُ في الإسقاطِ، كما يكونُ في التخفيفِ، وكما يكود [في] إسقاطِ البعضِ، وكما يكونُ في النقلِ إلى بدلٍ هو دونَ الأصلِ، وإن كانَ بحسبِ المشيئةِ: فقد يكونُ الله سبحانه مريداً لرفعِ العبادةِ رأساً، كما يكونُ مريداً لرفعِ البعضِ.
وأيضاً: فإنه حقٌّ للهِ، وكلُّ مستحقٍّ لحقٍّ كان له إسقاطهُ؛ كحقوقِ الآدميين، يملكُ إسقاطَ حقه عن غريمِه، وخدمةِ عبده إلى غيرِ شيءٍ، بل يبطلُه، ويعطله عن الاستخدامِ، وله أن يُسقطَ حقَّه من خدمةٍ إلى غيرها أو بعضها، وإسقاطُ دَينهِ إلى بعضِه، وإسقاطُ كله، والعفوُ عن الحَدِّ إلى ما دونه.

فصل
في الفرقِ بينَ النسخِ والبداءِ
فالبداءُ الذي لا يجوزُ على الله سبحانه، هو العلمُ بالشيء بعد أنْ لم يكن به عالماً، ومنه قول القائل: بدت لي القافلةُ، وبدا لي سورُ المدينةِ: إذا لاح بعد خفائهِ لبُعدٍ عنه، أو حائلٍ حال بينه وبينه من ظلمةٍ، أو جبلٍ، فهذا في حاسةِ النظر.
وفي العلم تقول: بدا لي ألاّ أكرمَ فلاناً؛ لِما بانَ من خَلَّةٍ فيه، أو خُلق أوجبَ لكَ إسقاطَ كرامته، وإنّما لم يجز هذا على الله سبحانه،
__________
= (198)، و"المستصفى" 1/ 119، و"البرهان" 2/ 1313، و"إرشاد الفحول"
(187)، و"شرح تنيقيح الفصول" (187) و"الإحكام" للآمدي 3/ 195.
(4/239)

لِما ثبتَ من وجوبِ كونهِ عالماً بكلّ معلوم، واستحال عليه تجددُ كونهِ عالماً بشيء لم يكن به عالماً.
وأمّا النسخُ: فإبدال الحكمِ بغيرهِ، أو رفعُه إلى غيرِ بدلٍ، أو رفعُه إلى ما هو أحبُّ منه أو مثلُه، أو أثقلُ، لا أنَّه تجددَ له علمٌ به، أو إرادةٌ له لم تكنْ، لكنْ علمَ وأرادَ بشريعةٍ لمدةٍ أخفاها عن المكلفين، بنطق لا تلوحُ منه المدةُ، ثم كشفَ عن علمه وإرادتِه رفعَ ذلكَ الحكمِ بعد مُضي المدةِ، التي كانت المصلحةُ أو المشيئةُ المطلقةُ موجبةً لها فيها، ثم إنه صارت حالُ المكلفِ تقتضي الرفعَ لذلكَ الحكمِ فيما بعدها، فحالُ المكلفِ تغيرت، وعِلمُ الله وإرادتُه لم تتغير.
على أن الأمرَ على مذهبنِا، قد ينفكُّ عن الإرادةِ، لأنَّه لا يقتضي الإرادةَ، وإذا ثبتَ ذلكَ، بطلَ تخليطُ اليهودِ وغيرهم النسخَ بالبداءِ.

فصل
فأمَّا الفرقُ بينَ التخصيص والنسخِ فيما يفترقانِ فيه، والجمعُ بينهما فيما يجتمعانِ فيه: فالتخصيصُ هو الدليلُ الكاشفُ عن أنَّ المرادَ بالصيغةِ المستغرقةِ للجنس لفظاً وظاهراً: بعضَ ذلكَ الجنسِ دونَ جميعِه معنىً وباطناً، وأنهَ لم يُرِد اللافظُ بها الاستغراقَ (1).
__________
(1) مقصود ابن عقيلٍ بهذه العبارة إظهارُ الفرقِ الأساسي بين التخصيصِ والنسخ، والمتمثل: في أن التخصيص بيانُ أن بعض أفراد العام التي شملها العام بلفظه وظاهره، غيرُ مشمولة بالحقيقة والحكم، ويكشفُ الدليل المخصِّص أن الشارع لا يريد من اللفظ العام عمومه الاستغراقي الكلي المستغرق لجميعِ =
(4/240)

ولا فرقَ بينَ أن تكونَ الدلالةُ قريبةً مضافةً أو دلالةً متأخرةً عن الصيغةِ، مثل قولهِ تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5]، فيقتضي ظاهرُها استغراقَهُم بالقتلِ، فإذا جاءتْ دلالةٌ، تقتضي عصمةَ أهلِ الكتابِ منهم، بإعطاءِ الجزيةِ، والتزامِ العهدِ، تبيّنا أنهُ لم يرد الاستغراقَ.
ولا يصحُّ هذا القبيلُ -أعني تخصيصَ العمومِ- في أمرٍ واحدٍ، بمأمورٍ واحدٍ، والنسخُ يكونُ نسخاً لحكم الأمرِ الوحدِ، بمأمورٍ واحدٍ بفعلٍ واحدٍ، ينسخُ بعد فرضهِ، ولا يصحُ دخولُ التخصيصِ فيه.
ومن الفرقِ بينهما: أن التخصيصَ يُخرِجُ من الخطابِ ما لم يُرَدْ به، والنسخُ يرفعُ ما أُريدَ إثباتُ حكمه.
ولا يقعُ النسخُ أبداً إلا متراخياً عن المنسوخ، كما بيناه من قبل، والتخصيصُ قد يصحُّ اتصالُه بالمخصوص، ويصحُّ تراخيه عنه.
__________
= أفراده، وإنما مرادُه عمومَه الأغلبي. فإذا ورد الدليلُ المخصِّص، أخرجَ بعضَ الأفراد من التناول اللفظي العام، وبيّنَ أن الحكمَ العام لم يتناول ابتداءً تلك الأفراد المخصوصة.
أما الدليل الناسخ فإنّه إذا ورد، بيّنَ أنَّ الأفراد التي نُسِخَ حكمها كان قد ثبت لها حكمٌ قديم، وقد تغير بحكمٍ آخر، فإخراجُ الأفرادِ بالنّسخ ليس من عمومِ اللفظِ فحسب، بل من عموم الحكم أيضاً.
وعلى ذلك فإنَّ الدليل المخصِّص إذا ورد كشفَ لنا أن الشارع لم يقصد أن يثبتَ حكم العام لجميع أفراده، أما الدّليل الناسخ فإنه يكشف أن الشارع أراد ثبوت الحكم لجميعِ الأَفراد حقيقةً ومعنى، ثم أراد أن ينسخَ ذلك الحكمَ الأوَّلَ بحكمٍ ثانٍ متأخر.
(4/241)

فإن قيل: إذا اتصلَ بالمخصوص استحال الاستثناءُ، وخرج عن كونه تخصيصاً (1).
ومن الفرق بينهما: أنَّ النسخَ لا يكونُ أبداً إلا بخطابٍ وقولٍ من جهة الشارع، والتخصيص قد يكون بالخطابِ وبدلالة العقل.
ومن الفرقِ بينهما: أن التخصيصَ لا ينفي دلالةَ اللفظِ المخصوصِ على ما بقيَ تحته، إن كان حقيقةً أو مجازاً -على اختلافِ القائلين بالعمومِ في ذلك-، وأما النسخُ فإنه يبطلُ دلالةَ المنسوخِ، حتى لا يمكن مع ورودِ الناسخِ أن يكون دليلاً على ما يدلُّ عليه من ثبوتِ الحكمِ في تلكَ الأزمانِ المستقبَلةِ.
وهذا الفرق موجبٌ أنْ يكونَ الناسخُ رافعاً لما ثبتَ من حكمِ اللفظِ المتقدمِ، والتخصيصُ مبيِّنٌ أنّ الحكمَ ما ثبت في المخصوصِ.
ومما يفترقانِ أيضاً فيه: أنَّ تخصيص العامّ يكونُ بخبرِ الواحدِ والقياسِ، والاستدلالُ غيرُ القياس من طرقِ الاجتهادِ، وإن كانَ تخصيصاً لأصلٍ يوجبُ العلمَ ويقطعُ العُذرَ، والنسخُ لأصلٍ هذا سبيله، لا يكونُ بقياسٍ وخبرِ واحدٍ، بل لا يصحُّ إلا بنَصٍّ.
__________
(1) أورد ابن عقيل هذه الشبهة، ولم يفندها، ويمكن أن يجاب عليها بالقول: إنَّ حقيقة التخصيص أنه قصر اللفظ على بعض مسمياته، وبيان أن بعض مدلول اللفظ العام غير مراد ولا مقصود بالحكم، ومثل هذا البيان الذي يعبر عنه الدليل المخصِّص يمكن أن يقوم به الدليلُ الخاصُّ المتصلُ والدليل الخاص المنفصل على حدٍّ سواء.
ذلك أن العبرة بإمكانية قيام الدليل بالبيان، وإظهاره حقيقة الأفراد الذين توجهت إرادة الشارع إلى تناولهم بالحكم العام، بقطع النظر عن كون الدليل خاصاً متصلاً باللفظ العام، أو خاصاً منفصلاً عن اللفظ العام.
(4/242)

والذي يتفقانِ فيه: أن النسخَ تَبَيَّنَ بهِ مقدارُ زمانِ الحكمِ، وإخراجُه عمّا غلبَ على الظنِّ من تأبيدهِ، والتخصيصُ يبيّنُ مقدارَ الأعيانِ والأحوالِ والصفاتِ وما ينتظمهُ، بلفظِ الشمولِ، فإنَّ المرادَ به بعضُ تلك الأعيان والأحوال.

فصلٌ
فيما يجوز نسخُه من الأخبارِ وما لا يجوزُ
اختلفَ الناسُ في ذلك (1).
__________
(1) كان لِزاماً على ابن عقيل أن يحدِّد موطن الخلاف في هذه المسألة، وأن يميِّزَ بين الأخبارِ التي قد يردُ عليها النسخُ، والأخبارِ التي لا يردُ عليها نسخ، ذلك أن كثيراً من الأصوليين ميّزوا بين نوعينِ من الأخبار:
الأول: ما كان مدلولُه لا يتغيرُ، كصفاتِ الله سبحانه وتعالى وإخبارِه بما كان وما سيكون، وإخباره عن الأنبياء من قبل عليهم السلام، والإخبار عن الساعة وأماراتها، فهذه الأخبار لا يجوز نسخها بإجماع العلماء، وفقَ ما قرّر أبو إسحاق المروزي وابن برهان، وابن مفلح، ولا خلافَ في استحالةِ نسخِ هذه الأخبار؛ لأنَّ نسخَها يفضي إلى الكذب، وهذا لا يجوزُ بل يستحيلُ على الله تعالى، وما أدّى إلى الباطل فهو باطل.
الثاني: أن يكونَ مدلولُ الخبرِ ممّا يصحُ أن يتغير، ويقع على غير الوجه المخبَرِ عنه، كالإخبار عن زيد بأنه مؤمن أوكافر، أو عبدٌ أو فاسق، فهذا الذي حصل الخلافُ في جوازِ نسخِه، أو امتناعه، فأكثر الأصوليين على منع نسخ هذه الأخبارِ كونها تفضي إلى الكذب. وذهب البعضُ إلى جواز نسخِها، ودليلهم في ذلك: أنّه إذا أخبرَ عن زيدٍ أنّه مؤمنٌ جازَ أن يقول بعد ذلك: هو كافرٌ. وكذلك يجوز أن يقول: الصلاةُ على المكلّفِ في المستقبلِ، ثم يقولُ =
(4/243)

فقال أكثرُ الأصوليينَ والفقهاءُ: محال دخولُ النسخِ على الخبرِ، ولا فَرْقَ بين خبرِ الله تعالى، وخبرِ الآدميِّ.
وقال قومٌ: يجوزُ دخولُ النّسخِ على الخبرِ، كما يجوزُ على الأمرِ والنهي والإباحةِ.
واختارَ أبو بكرٍ بن الباقلاّني المنعَ من دخولِ النّسخِ على خبرِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وما يُخبرُ به الرسولُ عنه أيضاً، قال: فأمَّا ما أمَرَنا بالإخبارِ عنه في حال، فيجوزُ أن ينسخَه بأن ينهانا عن الخبرِ عنه. وهذا عندي من قولِ أبي بكر يعطي أنَّ ألنّسخَ إجازة على الحكمِ، لأنَّه إذا أمرَنا بالخبرِ عن شيءٍ، فذاك أمرٌ، والأمرُ بالإخبارِ حكمٌ من الله، فكأنَّه عادَ يقولُ: الخبرُ لا يجوزُ نسخُهُ، والحكمُ يجوزُ نسخه، فلا يكونُ هذا تقسيماً للخبر، لأنَّ الأمرَ بالخبرِ ليسَ بخبير، وللآمرِ أن يَأمرَ بالخبرِ، وله أن ينهى عن الإخبارِ بذلكَ الخبرِ، ولا يكون ذلكَ نسخاً للخبرِ، لكن للأمرِ (1) به، فيصيرُ النهيُ عنه ضرباً (2) من
__________
= بعد مدةٍ، ليسَ على المكلفِ فعلُ الصلاةِ، لأن نسخَ ذلكَ لا يفضي إلى الكذب في الخبرِ، لأنّه يجوزُ أن تتغيرَ صفتهُ من حالٍ إلى حال، كما يجوزُ أن يتغيرَ حكمُ المكلفِ عن العبادةِ من زمانٍ إلى زمان.
وممّن ذهبَ إلى جواز نسخ هذا النوع من الأخبار، القاضي أبو يعلى كما في "العدة" 3/ 827 - 829، والشيخ تقي الدين ابن تيمية كما في "المسودة" (222).
وارجع في هذا الفصل إلى: "أُصول السرخسي" 59/ 2، و"الإحكام" للآمدي 3/ 205، و"شرح تنقيح الفصول" (309)، و"شرح الكوكب المنير" 3/ 543.
(1) فىِ الأصل: "الأمر".
(2) في الأصل: "صرفاً"
(4/244)

الكتمِ لذلكَ المخبَرِ به والطيِّ له، بعدَ الأمرِ بنشرِه، فإخبارُنا عن الأشياءِ بمثابةِ سائرِ أفعالِنا، والخبرُ من الله سبحانه يجبُ حصولُه ووجودُه، فلا يجوزُ رفعُه، لأنَّ خبرَه كلامُه، وكلامُهُ صفةٌ، فعلى هذا الأصلِ لا يجوزُ رفعُ ما أخبرَ به، وما عادَ إلينا بالنّطقِ بالخبرِ، يدخلُ عليه الأمرُ والنهيُ لأنّه فعلٌ لنا، ويحسُنُ تكليفُنا تارةً بأن يومِىءَ له، وتارةً بأن ينهى عنه.
وعندي: أنَّه يجوزُ أن يقعَ الخبرُ من اللهِ سبحانه مطلقاً، ويكشفُ بالبيانِ عن (1) أنَّهُ أرادَ به خبراً على صفةٍ وشرطٍ.
وعلى أصلِنا أنَّه في بابِ الوعيدِ يجوزُ عليه سبحانه العفوُ عمَّا توعَّد (2) عليه، فهذا نوعٌ من الإخبارِ، يجوزُ أنْ يقعَ على ظاهرٍ ويكونُ مشروطاً، مثل قولِه تعالى: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118)} [طه: 118 - 118] فلمَّا عريَ وبدت له سَوْأتُهُ، علمنا أنَّهُ أرادَ بقوله: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118)} [طه: 118 - 118]، [أنه] مشروط بقوله: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} [البقرة: 35] فلكَ ذلكَ معَ تركِ قُربانِها، ومثلُ قوله: {بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67]، ثم أُدميَ وجهُه من قِبلِ الناس، فتبيَّنّا (3) أنه أرادَ بالعصمةِ: منعَ القتلِ أو الغلبةِ منهم الداحضةِ لماَ جئتَ به، القاطعةِ لما شَرعتَ فيه من التوحيد ودحضِ كلمةِ الشركِ، دونَ العصمةِ من الأذيَّهِ رأساً.
__________
(1) في الأصل: "البيان غير".
(2) في الأصل: "تواعد".
(3) في الأصل: "تبينا".
(4/245)

ولمَّا جاء الوعيدُ، بقوله في آية المواريث: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ... وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} (1) [النساء: 13 - 14]، أراد به خالدينَ (2) مدةَ عذابهم، خالدينَ ما لم يعفُ عن الدوامِ بشفاعةِ الشافعِ لهم. فهذه الأخبارُ من الله، يجوزُ أن تقعَ على هذا الوجهِ.
فأمَّا قولُه: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} [الفتح: 27]، {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} [الروم: 3]، {سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ} [المسد: 3]، {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ} [الأنفال: 7] فهذا في الإثباتِ لا بُدَّ من كونِه.
وفي النفي: مثل قولِهِ: {لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف: 40]، {لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [البقرة: 174]، فهذا خبر لا يجوزُ رفعُهُ ولا نسخُهُ؛ لأنَّهُ يُفضي إلى وقوعِ الخبرِ بخلافِ مخبَرهِ، وذلكَ غيرُ جائزٍ على الله سبحانه.
وممّا يجوزُ عليه سبحانَهُ، ولا يمتنعُ: أن يأمرَ نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - بأنْ يقولَ: "صلوا، والصلاةُ واجبةٌ عليكم"، ويقول بعدَ وقتٍ: "الصلاةُ محرمة عليكم" فهذا يجوزُ أن يكونَ بحكمِ الوقتِ الذي أمرَ بها فيهِ، فكأنَّه يقول: "صلوا، فالصلاةُ في هذا الوقت واجبةٌ عليكم"، ويقول في وقتٍ آخر: " [لا] تصلوا (3)، فالصلاةُ محظورةٌ عليكم"، ويكونُ وقتاً من أوقاتِ النهيِ التي تقعُ الصلاةُ فيهِ مفسدةً.
__________
(1) وقع في الأصل خطأ في نص الآية.
(2) في الأصل: "خالدون".
(3) في الأصل: "صلوا" بحذف حرف "لا".
(4/246)

وفي الجملةِ، كلُّ خبرٍ عن مستقبَلٍ يجوزُ أن يقعَ فيه نوعُ احتمالٍ، ويقعَ بحسب الاحتمالِ الخلافُ، فأمَّا الخبرُ عن الماضي فلا احتمالَ فيه، لأنَّ المستقبَلَ ممتدٌّ، يجوزُ أن يقتطعَ للخبرِ منه ما يقع المخبَرُ به بنفيٍ وإثباتٍ، حتي إنَّ الخلافَ قد يقع في لفظِ الأبدِ، وأنَّه أبدٌ من الآبادِ.
فأمَّا الماضي إذا أخبرَ بأنَّهُ كان فيه كذا، فأخبرَ بأنَّه بعثَ فيه أنبياءَ، وجرى فيه سِيَرٌ (1)، فهذا إثباتٌ لا يجوزُ أن يختلَّ، وكذلكَ إذا كانَ إخباراً عن نفيٍ في الماضي، مثل قولِه: ما بعثَ امرأةً نبيةً، ولا أباحَ الظلمَ في شريعةٍ من الشرائع، فهذا لا يمكنُ أن يعتريَهُ نوعُ احتمالٍ يُوجبُ اختلافاً، لأنَّ الماضي جملة تناهت فتناوَلَها الخبرُ بإثباتٍ كانَ فيها لا محالة، أو لم يكمت لا محالةَ.
فأمَّا المستقبَل، فإذا قال: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ} [الفتح: 27] يحسن أن لا يَدخلَ زماناً طويلاً، ثم يدخل (2)، فيكونُ الخبرُ صدقاً، وأما الماضي لا يقال: دخلَ، إلا وقد حصل، ولا يقال: [ما] دخلَ، إلا وقد استوعبَ الماضي كلُهُ نَفْيَ الدخولِ.
وهذا فصلٌ دقيق يحتاجُ إلى تأمُّلٍ كاف (3)، وفيه تقعُ الشكوكُ لغموضِهِ، ولهذا يحسُنُ دخولُ الشروطِ في المستقبَلاتِ، ولا تدخلُ الماضي إثباتاً كان أو نفياً، فلا يمكنُ أن تُقالَ في قولِ القائل: دخَلَ زيدٌ الدارَ، أو ما دخلَ زيدٌ الدار، [لأنه] لا يخلو من دخولِه في الإثباتِ، ولا يوجدُ منه دخولُه في النفي، بل في الخبرِ بإثباتِ
__________
(1) في الأصل: "سيره".
(2) في الأصل: "ويدخل".
(3) في الأصل: "ينافى".
(4/247)

دخولِه، لا بدَّ أن يكونَ حصل دخولُه الدارَ في حالةٍ من أحوالِ الماضي لا محالهَ، وفي الخبرِ بنفي دخولِه يجبُ أن يكونَ الزمانُ الماضي خالياً من دخولِهِ الدارَ لا محَالةَ.
وفي المستقبلِ يقول: ستدخلُ، فيخلو كثيرٌ (1) من الزمانِ من الدخولِ، ويتخصَّص الإثبات بزمانِ الوقوعِ خاصةً، وما يدخُلُ الدارَ ولا يدخل، ويريدُ به زماناً ما، ولو زمانَ خبرِه حالةَ قولِه.

فصل
ولنا: تعبّدٌ لا يصحُّ نسخُه، ويستحيلُ النهيُ عنه، وهو (2) معرفةُ الله سبحانَهُ، فهو (3) أصلُ التعبُّداتِ، وأساسُها الذي عليه تنبني؛ لأنَّ العباداتِ إنما هي شُكرُ المنعِمِ، ولا يتحققُ شُكرُ من لا يُعرَفُ، فلا يصحُّ أن يقالَ: قد أسقطتُ عنكم معرفتي، فلا تعرفوني، وإن صحَّ أن يقولَ: أسقطتُ عنكم شكري على إنعامي بسائرِ العباداتِ، وإنَّما كانَ ذلكَ محالاً، لأنَّ النهيَ لا يتحققُ نهياً إلا بِناهٍ، ولا يتحققُ لَنا نهيُهُ إلا بعد تحقُّقِ معرفته؛ لأن إثباتَ النهي فرعٌ على إثباتِ النّاهي، ولا يصحُّ أن نعرفه ناهياً، ثم إننا لا نعرفُهُ أو نُخِلُّ بعرفانِهِ، فهذا مما لا يتحصَّلُ ولا يتوهمُ حصوله، وهو في الإحالةِ والامتناعِ، مثل قول الله سبحانَهُ لشخص: اخْرُج من ملكي أو من نعمتي، فهذا لا يتحقق تحتَهُ من المعنى إلا إعدامُه، فأمَّا ما دامَ موجوداً، فلا يُتصورُ ذلكَ
__________
(1) في الأصل: "كثيراً".
(2) في الأصل: "وهي".
(3) في الأصل: "فهي".
(4/248)

في حقهِ، إذْ لا مكانَ إلا وهو ملكُهُ، ولا شيء من أجزاءِ الحيِّ وأحوالِهِ وصفاتِهِ إلا وهي نعمتُه.

فصلٌ
ولنا منَ الأفعالِ ما يوصفُ بالإباحةِ، خلافاً لما حُكِي عن الكعبيِّ في قولِه: هذا حكمٌ لا يتحققُ شرعاً، بل ليسَ لنا إلا وجوبٌ وحظرٌ، فأمّا إباحةٌ فلا (1).
فصلٌ
لنا: إجماعُ الأمةِ قبلَهُ، المستندُ إلى نصوصِ الكتاب والسنةِ، وهو إطلاقُ الله تعالى بعد تقييدِه بالحظرِ، مثلُ قوله: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 95]، {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا} [النساء: 43]، {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا} [الجمعة: 9]، {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا} [الجمعة: 10] {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2] قال العلماءُ كلهم: هذا إطلاقٌ وإباحة {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187] إباحةٌ أجمعَ عليها أهلُ العلمِ قبلَهُ.
وأيضاً، فإد الأحكامَ بحسبِ المصالحِ، والإطلاقُ من أحدِ
__________
(1) أنظر مذهب الكعبي في "البرهان" 1/ 294، "المستصفى" 1/ 82، "الإحكام" للآمدي 1/ 124، "المسودة" (65)، "نهاية السول" 1/ 113.
(4/249)

المصالح المسهِّلَةِ، وكما أنَّ الواجبَ يجلب التعبدَ (1) [و] التكليفَ ومَكابدة الطَّبع (2)، والحظرُ كفّ للطباعِ، فالإباحةُ إطلاق وإراحة للطباعِ، وخروج عن ضنكِ التكليفِ إلى فساحِ التخلصِ والإطلاقِ.
فأمَّا شبهتُهُ، فإنَّه قالَ: قد أجمعنا على أن لنا واجباتٍ في الشرع من العباداتِ وغيرِها من الحقوقِ، ومحظوراتٍ يجبُ تجنّبُها، وكلّ ما لا يمكنُ فعلُ الواجبِ إلا به فواجب، وكل ما لا يمكنُ تركُ المنهيِّ إلا بفعله واعتمادهِ فواجب فعلُهُ، وهذه الصنائع والأعمالُ التي يُسمُّونها مباحةً، قاطعة عن المحظوراتِ ومشغلةٌ عنها، فكانتْ واجبةً، كالكفِّ لمّا كانَ منعاً من إيقاعِها كان واجباً، والأعمالُ كلُّها كفّ (3) عن المنهياتِ فكانت واجبةً لا مباحةً، كالمُوصلاتِ إلى فعلِ الواجباتِ كلها، كالسبب إلى طلب ماءِ الطهارةِ، والستارةِ وجهةِ القبلةِ لأجلِ الصلاةِ أفعال واجبةٌ، لكن الواجبُ -وهي الصلاةُ- لا تتحقق إلا بتحصيلها، كذلك التروك للمعاصي لما كانت لا تتحقق إلا بكفٍّ (4) عن الفعلِ، إما باشتغالٍ بفعلِ غيرِها، أو بتعطيل (5) الأعضاءِ عن عملِها، كانَ ذلكَ كلُّه واجباً حيثُ كانَ تركاً لما وجبَ تركُهُ، فلا يبقى لنا شيءٌ مباحٌ.
__________
(1) في الأصل: "التعبد التكليف".
(2) في الأصل: "ومكابد الطمع".
(3) في الأصل: "كفاً".
(4) في الأصل: "لكف".
(5) في الأصل: "بتعطية".
(4/250)

فيقال: إنَّ هذه الشبهة إنما دخلت على هذا الرجلِ من حيثُ ظنَّ أنَّ كل ما أُحيلَ به فعلُ المعصيةِ، ولم يمكن إيقاعها معه، هو تركٌ.
وليس الأمر على ما وقعَ له، وقد وقعَ ما يقاربُ هذا لمن قال: إنَّ الأمرَ بالشيءِ نهيٌ عن ضدهِ، ظناً منه أنَّهُ لم يمكن الفعلُ للشيءِ مع فعل ضدهِ، لأَنَّه (1) يكونُ تاركاً لضدهِ، وليسَ الأمرُ كذلك، بل استحالةُ اجتماع الضدينِ، أعني: عن دخولِ الضدِّ الذي إذا وقعَ، امتنعَ الفعلُ المَأمورُ به، أعني: عن أن يصفه بالنهي، بل صار القعودُ عند الأمرِ بالقيامِ ممتنعَ الحصولِ، فلا يحتاجُ أن يكون منهياً، ولا داخلاً تحتَ الخطاب، كذلك ها هنا إذا قال الله سبحانه: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} [الإسراء: 32] وَجَبَ تَجنُّبُ الزنى، فإذا دخلَ في عملٍ من الأعمالِ، استحال وقوعُ الزنى حالَ عملِهِ الذي لا يُتصوَّرُ معه حصولُ الزنى، فلم يكُ تاركاً في تلكَ الحالِ، وما هو إلا بمثابةِ شغلِه بالفعلِ المحظورِ، كالقتلِ ظلماً يمتنعُ بذلك وقوعُ الزنى، ولم يُجعل القتلُ الظُّلْمُ واجباً، من حيثُ كان به للزنى تاركاً، وفي هذا تمحيقٌ للأحكام، لأنَّهُ يفضي إلى أنْ لا يكونَ لنا معصيةٌ محضةٌ؛ حيث كان يفعل كُلَّ واحدةٍ من المعاصي تاركاً للأخرى وتركُها (2) واجبٌ، فكلُّ فعلِ معصيةٍ ممزوجٌ بين واجبِ -وهو تركُ الأخرى-، ومعصيةٍ -وهو فعلُها-، وذلك لاندراجِ التركِ لمعصيةٍ في فعلِ معصيةٍ أخرى.
ويكون أيضاً بهذا المذهبِ لا نوافلَ لنا؛ لأنَّ النوافلَ مشغلةٌ عن
__________
(1) في الأصل: "أنَّه".
(2) في الأصل "وترك".
(4/251)

الرِّبا، واللواطِ، والزنى، والقتلِ، وهو حال اشتغاله (1) بها تاركٌ لتلكَ المعاصي، وتلك المعاصي تركُها واجبٌ، فلا نافلةَ لنا إذاً، حيث كان فعلُها تركاً للواجب (2) تركُهُ، وفي هذا تعطيلٌ للأحكامِ بعضِها ببعضٍ، وخرقٌ للإجماعِ.
ولأنَّ في الأعمال ما يقعُ معيقاً (3) ومانعاً من المحظوراتِ بصورتِهِ؛ بذهول (4) فاعلِهِ عن قصدٍ ونيةٍ، فلا يكون تاركاً تركاً يكونُ بهِ ممتثلاً، فضلاً [عن] أن يكونَ واجباً، فبطلَ قولُكم: إنه لا فعلَ إلا واجبٌ؛ لكونه لا يتم تركُ المحظورِ إلا به، ومع الذهول وعدمِ القصدِ لا يكونُ طاعةً، فضلاً [عن] أن يكونَ واجباً.
وجوابٌ آخر: أنَّ الأعمال الشاغلةَ لأدواتِ المكلفِ وأبعاضِه، يتعطلُ معها فعلٌ آخرُ من عصيانٍ أو طاعةٍ من طريقِ المنافاةِ، وما تعذَّرَ حصولُه بوجودِ منافيهِ لا يُسمى متروكاً، ولا يتحققُ لفاعلِه التركُ، ومن ها هنا ظنَّ قومٌ: أنَّ الأمرَ بالشيءِ نهيٌ (5) عن ضدِّه، وليس كما ظنوا؛ فإنَّ الإنسانَ إذا قال لعبده: اخْرُجْ من الدارِ، لا يَحسُنُ أنْ يقول له بعدَ هذا: ولا تكنْ فيها إذا خَرَجْتَ، ولا يحسُتُ أنْ يقول له: اجْلِسْ، ولا تكن قائماً إذا جلستَ، وما لم يَحسنِ التصريح به، بل يقبحُ، يُعلمُ به بطلانُ المدعى لكونه [ثابتاً] ضمناً، وإنما قَبُحَ ذلك، لأنَّ الأمرَ بالخروجِ أمرٌ صحيحٌ داخلٌ تحت قدرِ
__________
(1) في الأصل: "اشتغالها".
(2) في الأصل: "ترك الواجب".
(3) في الأصل: "مغنياً".
(4) في الأصل: "ذهول".
(5) في الأصل: "نهياً".
(4/252)

المأمورِ، فأمَّا [عدمُ] الكونِ في الدارِ بعدَ الخروجِ، فحاصلٌ بضرورةِ منافاةِ الحصولِ فيها (1) مع الخروجِ، فلا يكونُ نهياً لحصوله ضرورةً، وإنما النَّهي هو استدعاءُ ما يدخلُ تحتَ القدرةِ، وذلكَ قد حصلَ في الأمرِ بالخروجِ، وصارَ عدمُ كونِه في الدارِ مضطراً إليه، وحاصلاً بالمنافاةِ لا بفعلِهِ؛ ولذلك لا يوصف بالقدرةِ على المخالفةِ مع الطاعةِ، بل لا يوصفُ إلا بالقدرةِ على الخروجِ، فقط، فأمَّا الكون في الدارِ بعدَ الخروجِ، فيندرجُ انتفاؤُهُ في الخروجِ اندراجاً ضروريّاً (2)؛ لمكانِ التضادِ، والامتناعِ في نفسِهِ.
كذلكِ ها هنا إذا فعلَ مباحاً أو نافلةً، امتنع وقوعُ المعصيةِ؛ لمكان أنَّ المحلَّ لا يحتمل فعلين، ولا نقولُ: إنهُ تارك، فلا يوصفُ بكونِهِ تاركاً، فضلاً عن أنْ يُقالَ: إنه ترك واجب؛ لأن الوجوبَ فرعٌ على كونه تركاً، ونحن لا نحققٌ له التركَ، بل هو فاعل لذلك الفعلِ المباحِ أو النفلِ، وانتفاء المعصيةِ فبمضادةِ (3) الفعل لها في المحلِّ، وذاك لا يُسمَّى تركاً، وإنما هو تمانع وتنافٍ، يعودُ إلى امتناع الشيءِ في نفسِهِ، أو عدمِ القدرةِ على فعلِه، وماَ تعوَّقَ حصولُهُ لعدمِ القدرةِ عليه، لا يُخلَعُ على مَن لم يَفعَلْهُ اسمَ تاركٍ.
فمن ها هنا دُهي الكعبيُّ، وأنه لم يَفْصلْ بين التركِ، وتعذُّرِ الفعلِ من طريقِ التنافي، واللهُ أعلمُ.
__________
(1) في الأصل: "منها".
(2) في الأصل: "اندراج ضروري".
(3) في الأصل: "فمضادة".
(4/253)

فصلٌ
لا يشترطُ للنسخِ أنْ يتقدَّمَهُ إشعارُ المكلفِ بوقوعِه.
وقالت المعتزلةُ: لا يجوزُ النسخُ إلاَّ أنْ يقترنَ بالمنسوخِ دلالةٌ أو قرينةٌ تُشعِرُ المكلفَ بالنسخِ في الجملة (1).

فصلٌ
في دلائِلنا على أنه لا يشترط ذلك
من ذلك: أنَّ النسخَ تجديدُ حكمِ، فلا يلزمُ الإشعارُ بهِ، إذْ جازَ (2) إبهامُ العاقبةِ فيه، كسائرِ الأحكامِ المَبتدأةِ.
ومن ذلك: أنه لو وجبَ الإشعارُ بالنسخِ، لوجبَ الإشعارُ بما يتجددُ من زياداتِ العباداتِ، وما الفرقُ بينَ الزيادةِ والنقصانِ، والإثباتِ والنفيِ؟!
ومن ذلك: أنَّ في الإشعارِ تفويتَ تَعَبُّدٍ يوجبُ ثواباً جزيلاً وتكليفاً (3) ثقيلاً، وهو أنَّ المكلفَ يُوطِّنُ نفسَهُ على استدامةِ العبادةِ فإِضمارُه (4) ذلكَ، وعزمُه على استدامتِهِ من غيرِ إشعارٍ، أشدُّ في التعبدِ، وأثقلُ من أن يعلمَ أنَّ لذلك التكليفِ غايةً يُرفعُ فيها إيجابُه
__________
(1) انظر رأي المعتزلة في "المعتمد" 2/ 414، و"المحصول" 3/ 491، و "الإحكام" للآمدي 3/ 134، و "شرح العمد" 2/ 192.
(2) في الأصل: "أو لجاز".
(3) في الأصل: "وتكلفاً".
(4) في الأصل: "ففي إضماره".
(4/254)

عَنْهُ، ويُرَفَّه، ويُخفَّفُ عنه.
فإنْ قيلَ: ففي الإشعارِ عزمٌ على اعتناقِ الأمرِ المتجددِ، والنسخِ الرافعِ، ونفيُ الجهلِ، فيقابلُ تلكَ الفائدةَ فائدتانِ.
قيل: العاقلُ ينوي ويعزمُ على الدوامِ ما لم يَرِدْ نسخٌ، ويُضْمِرُ الانتقالَ إلى الناسخِ إن تجدَّدَ نسخٌ، فيحظى بالفائدتين جميعاً.
ومن ذلك: أنَّهُ لو وجبَ الإشعارُ بالنسخِ، لوجبَ الإشعارُ بما يتجددُ من الأمراضِ التي تُسقطُ بعضَ العباداتِ، أو تسقطُ كيفياتها، أو تُؤخِّرها عن أوقاتها، والجامعُ بي الأعذارِ والنسوخِ: أنَّ كلَّ واحدٍ منهما مسقطٌ ومخففٌ.

[فصل]
شبهةُ المخالفِ
[قالوا:] إنَّهُ إذا كانَ في علِمِ الله سبحانه أنَّه ينسخُ تلك العبادةَ، ولم يشعر المكلفَ، اعتقد الدوامَ والتأبيدَ، وفي ذلك اعتقادُ الجهلِ، والتعريضُ للجهلِ قبيحٌ؛ لأن الجهلَ قبيحٌ.
فيُقال: إنْ جهل فإنما أُتِيَ من قِبل نفسِه؛ لأنَّهُ يجبُ أنْ يعلَم أنَّ لله أنْ يُؤبِّدَ، وله أن ينسخَ، وأنَّ هذه العبادةَ مؤبدةٌ ما لم يَرِدْ نسخٌ، فلا يفضي إلى اعتقادِ الجهلِ، ولأنَّه قد يُعفى عن اعتقادِ الجهلِ في جنبِ ما يحصلُ من التعبُّد، كما أنَّ الله سبحانَهُ قد يقطعُ على المكلف بالأعذارِ، والانقضاءِ للأعمارِ (1) ما اعتقدَ أنَّهُ يدومُ ويتمُّ،
__________
(1) في الأصل: "الأعمار".
(4/255)

وكم أماتَ في أثناءِ صلاةٍ لم يُسلَّم منها، وحَجَّةٍ لم يُتَحلَّلْ منها، ولم يكن ذلك مانعاً من التكليفِ من غيرِ تقدمةِ إشعارٍ به، كذلك ها هنا.

فصلٌ
ويجوزُ أَنْ يرفعَ اللهُ سبحانه التكليفَ رأساً لا بطريقِ النسخِ، مثل إعدامِ العقلِ في حق المجنونِ، فيَسقُطُ الخِطابُ رأساً، هذا مما لا خلافَ فيه.
وأما رفعُ ذلكَ بالنسخِ، فلا يصحُّ، بل يستحيلُ عندَ الجماعةِ، لأن المعرفةَ بالله لا يمكنُ (1) نسخُها نهياً عنها، لأن النسخ مبنيٌّ على إثباتِ ناهٍ تجبُ طاعتُهُ، بالامتناعِ مما نَهى عنْهُ، فإذا قالَ للمكلفِ: لا تعرفني، فقد نهيتُك عن معرفَتِي، فإثباتُه ناهياً يُحيل في حق المنهيِّ عنْ أنْ يَخْرُجَ عن كونِه به عارفاً، فهذا بالنسخ لا يمكنُ (1) ولا يدخلُ تحتَ القدرةِ شاهداً وغائباً.
وأمَّا نسخُ جميعِ العباداتِ ما عدا المعرفة على أصلِ أصحابنا وجماعةِ أصحاب الحديثِ، [فجائزٌ] خلافاً للقدرية في قولِهم: العباداتُ مصالحُ، ولا يجوزُ أن تُرفعَ المصالحُ مع وجوبِها عندَهم.
وهذا يُبنى على أصْلين: إمَّا أنْ يكونَ البارىءُ فاعلاً ما شاءَ على الإطلاقِ، فلا ينبغي وجوبُ تكليفٍ، كما لا يجب عليه إرسال الرسل رأساً عند أصحابنا، وإن فعلَ ذلكَ فعلَه تفضلاً.
وإنْ قلنا بالمصالحِ، فلا يمتنعُ أنْ يكونَ الأصلحُ: أنْ لا يكلفهم؛
__________
(1) في الأصل: "يكن".
(4/256)

لعلمِه أنَّ التكليفَ يفسدُهم، كما فعلَ ذلكَ في الآحادِ، ممنْ (1) أَعْدمَه العقلَ، وسلَبَهُ الرأيَ، أو كما نَسَخَهُ من العباداتِ والعقوباتِ بحسَبِ الأصلحِ، وكما أماتَ بعضَ الآدميين قبلَ بلوغِه، فأعدمهم التكليفَ، وهم أُممٌ لا تُعدُّ ولا تُحصى.

فصلٌ
شبَهُهُمْ
قالوا: إنَّ في الأمورِ الداخلةِ تحتَ التكاليفِ ما هو قبيحٌ لنفسهِ، فلا يحسُنُ إلا النهيُ عنه، ولا يختلفُ باختلافِ الأزمنةِ، ولا يختلفُ باختلافِ الأشخاصِ، مثلُ الكذبِ، وكفرانِ نِعْمة المنعمِ، وعقوقِ الوالدينِ، والجهلِ بالله سبحانه، وإضافةِ ما لا يجوزُ عليه إليه، والظلم والبغي، وهو الإضرارُ المحضُ الذي لا يتعقَّبُهُ ولا يضامُّه نفعٌ يوفي عليه.
وفي التكليف ما هو حسنٌ في نفسهِ لأمرٍ يرجعُ إليه لا إلى غيرِهِ، كالإحسانِ، والعفوِ، وبرِّ الوالدينِ، ومعرفةِ الله -وهيَ الأصل-، وشكرِه على ما أنعمَ به، فهذا حَسَن لا يَحْسُنُ النهيُ عنه، بل يحسنُ الأمرُ بهِ، والحثُّ عليهِ.
فيُقالُ: أمَّا المعرفةُ من جميعِ ما ذكرتَ، فمحال نسخُها بالنهيِ عنها، لما بينا من أنَّه مستحيل، لأنه بالنهي للمكلف يقتضي إثباتَه وعرفانَه، ليُطاعَ فيما نَهى عَنْهُ، إذْ لا طاعةَ ولا قربةَ لمن لا يُعرَفُ.
__________
(1) في الأصل: "فمن".
(4/257)

فأمَّا دعواهم أنَّ الكذبَ، وكفرانَ النعمةِ، وعقوقَ الوالدينِ، والظلمَ، قبيحٌ لا لنهي ناهٍ عنه، [بل] لأنَّ العقل يُحَسِّنُه ويقبِّحُه، فهذا أصلٌ كبيرٌ، أنتم مخالَفون فيه، فإنَّ (1) القبيحَ عندنا ما نهى اللهُ عنه، والحسنَ ما حسَّنَهُ الشرعُ؛ ولهذا أجازَ الكذبَ لنوعِ إصلاحٍ بين الناسِ، وأباحَ قتلَ الآباءِ؛ لأجلِ الكفرِ والمشاقَّةِ، وحقوقُ الأبوةِ موجودةٌ، وأباحَ الغنائمَ، وأخْذَ الأموالِ والأولادِ وقَتْلَ الرجالِ، وأنَّه لا حجرَ على فعلِ الربِّ سبحانه.
وهذا أصلٌ لا تليقُ الإطالةُ فيه ها هنا، وجملتُه أنَّ أفعالَ اللهِ لا تقاسُ على أفعالنا في الشَّاهدِ، بدليلِ أنَهُ كلَّفَ مَنْ [في] المعلوم أنَّه يُخالفُ، فيستوجبُ الخلودَ في النارِ، وخلقَ مَن أي، المعلومِ أنّهُ لا يتصرفُ إلا في المضارِّ والأضرارِ، ومكَّنَ المتسلطينَ، وجَعَلَ إبليسَ من المُنْظَرين، مع ما عُلِمَ أنَّهُ الغاوي للمكلفينَ، إلى أمثالِ ذلكَ مما لا يَحسُنُ من آحادِنا، فانقطع الشاهدُ عنِ الغائبِ، والغائِبُ عن الشاهد.

فصلٌ
في نسخِ القرآنِ بالسنةِ
عنْ أحمدَ روايتانِ (2): إحداهُما: لا يجوزُ نسخُهُ إلا بقرآنٍ، وبها
__________
(1) في الأصل: "وإن".
(2) انظر "العدة" لأبي يعلى 3/ 788، و"التمهيد" 2/ 382، و"المسودة"
(4/258)

قالَ الشافعيُّ، وأكثرُ أصحابِه (1).
وقال أصحابُ أبي حنيفة: يجوزُ بالسنةِ المتواترةِ (2).
وعن مالكٍ، وابنِ سُريجٍ من أصحاب الشافعيِّ مثلُهُ (3).
وأنَّه يجوزُ بالمتواتر منها، وهو مذهبُ المعتزلةِ والأشعريةِ (4).
واختلفَ أهلُ الظاهرِ في ذلك (5)، فذهبَ بعضُهم إلى أنه يجوزُ نسخُ القرآنِ بالمتواترِ والآحادِ، وعن أحمدَ مثلُهُ لأنَّه استدلَّ في النسخِ بالآحادِ بقصةِ أهلِ قباءٍ، فصارَ قائلاً بالنسخِ بالتواترِ من طريق التَّنبيه رواها عنه الفضلُ بنُ زيادٍ، وهي تشبه مذهبه في إثبات الصفاتِ بأخبارِ الآحادِ، وإثباتُ الصفاتِ لله سبحانه أكثر من النسخ.
واختلفَ القائلونَ بذلكَ والمانعونَ منه، هل وُجدَ ذلك؟ فقال قومٌ: لم يوجَدْ ذلكَ، وإليه ذهبَ شيخُنا الإمامُ أبو يَعلى (6) وابنُ
__________
(1) انظر "المحصول" 3/ 347، و"الإحكام" للآمدي 3/ 153، و"شرح الإسنوي" 2/ 183، و"الإبهاج" 2/ 270.
(2) انظر "أصول السرخسي" 2/ 267، و"كشف الأسرار" 3/ 177.
(3) بل المنقول عن مالك وابن سريج، أن نسخَ القرآن بالسنة جائز عقلاً غير واقع سمعاً، أي أنه لم يقع في الشرع ما يدل عليه، رغم إمكان وقوعه عقلاً "الإحكام" للآمدي 3/ 153.
(4) "البرهان" 2/ 1308، "المستصفى" 1/ 134، ابن الحاجب و"شرحه" 2/ 198.
(5) لم ينوه ابن حزم بأن ثمة خلاف بين أهل الظاهر في هذه المسألة، بل قرر أن السنة تنسخ القرآن مطلقاً. انظر "الإحكام" لابن حزم 4/ 477.
(6) صرَّحَ به في "العدة" 3/ 788.
(4/259)

سُريج من أصحابِ الشافعي، وقومٌ من المتكلمين (1).

فصلٌ
في أدلةِ المذهب الأول
فمن ذلك: قولُه تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106] فأخبرَ سبحانَه أنّه لا ينسخُ آية إلا ويأتي بخيرٍ منها أو مثلِها، وليستِ السنةُ مثلَ القرآنِ ولا خيراً منه، فبطل أن يجوزَ النسخُ بها، لأنَه يؤدي إلى محالٍ وهو كونُ خبرِهِ سبحانه بخلافِ مخبَرِهِ، وذلكَ محالٌ على الله سبحانه، فما أدى إليه محالٌ.
فإن قيلَ: أصلُ استدلالِكُم مبنيٌّ على أنَّ المرادَ بالخيرِ: الفضلُ، وليسَ المرادُ به ذلكَ، إنّما المرادُ به: نأتِ بخيرٍ منها لكم، وذلكَ يرجعُ إلى أحدِ أمرينِ في حقِّنا:
إمّا السهولةُ في التكليفِ، فهو خيرٌ عاجلٌ.
أو أكثرُ ثواباً لكونه أثقلَ وأشقَّ، ويكونُ نفعاً في الآجل والعاقبة.
وكلاهُما قد يتحققُ بطريقِ السُّنةِ، وكمْ من سنةٍ تأتي بالأسهلِ، وبالأوفرِ ثواباً.
ويحتملُ: نأتِ بخيرٍ منها لا ناسخاً لها، بلِ يكونُ تكليفاً مبتدأ هو خيرٌ لكم، وإنْ لم يكنْ طريقُهُ القرآنَ الناسخ ولا السنةَ الناسخةَ،
__________
(1) "المعتمد" 1/ 429، "التبصرة" (264)، "الإحكام" للآمدي 3/ 154، "نهاية الوصول" 1/ 367، "شرح اللمع" 2/ 225.
(4/260)

لكن يكونُ تكليفاً هو خيرٌ لنا لا ينافي المنسوخَ، بل كانَ يصحُّ أنْ يجتمعَ معه.
قالوا: هذه التأويلاتُ أنَّ القرآنَ نفسَه ليسَ بعضُه خيراً من بعض، فلا بُدَّ أنْ تصرفوا (1) اللفظَ عن ظاهره إلى ما ذكرْنا منْ خيرٍ يعودُ إلى التكليفِ في نفسِهِ، لا إلى أنْ يؤتى بالحكمِ مضمَّناً له.
وقالوا: النسخُ عائد إلى الحكمِ لا إلى التلاوةِ، فإذا قال: نَنسَخ نأتِ بخيرٍ، رجعَ إلى حكم الآيةِ لا إلى لفظِ الآيةِ، وقد يكونُ حكمُ السنةِ خيراً لنا من حكمِ الآيةِ.

فصلٌ
في الأجوبةِ عن هذهِ الأسئلةِ
أمَّا قولُهم: الخيرُ يرجعُ إلى ما يخصُّنا من سهولةٍ أو ثوابٍ، لا يصحُ؛ لأنَّه لو أرادَ ذلكَ لقالَ: "لكم" فلما حذفَ ذلكَ دلَّ على ما يقتضيه الإطلاقُ، وهو كونُ النسخِ خيراً من جهةِ نفسه وذاتِهِ: ومن جهةِ الانتفاعِ به في العاجلِ والآجل.
على أنَّ ظاهرهُ يقتضي: "نأتِ بآيةٍ خيرٍ منها"، فإنَّ ذلكَ يعودُ إلى الجنس، كما إذا قالَ القائلُ: ما آخذُ منك ديناراً إلا أُعطيك خيراً منه، لا يعقلُ بالإطلاق إلا دينارٌ خيرٌ (2) منه، فينحرسُ الجنس أولاً ثم النفع، فأمّا أنْ يرجعَ ذلكَ إلى ثوبٍ، أو عَرَضٍ غيرِ الدينارِ، فلا.
__________
(1) في الأصل: "تصرفون".
(2) في الأصل: "ديناراً خيراً".
(4/261)

وفي آخرِ الآيةِ ما يشهدُ بأنَّهُ أرادَ به القرآن؛ لأنَّه قال: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 106]، ووصفه لنفسه بالقدرةِ يدلُّ على أن الذي يأتي به هو أمر يرجعُ إليه دونَ غيرِهِ، وكذلكَ قولُهُ: {أَوْ مِثْلِهَا} يشهدُ لما ذكرنا، لأن المماثلةَ يقتضي إطلاقُها من كلٍّ، سيَّما وقد أنَّثها تأنيث الآية، فكأنَّه قالَ: نأتِ بآية خير منها أو آيةٍ مثلها، وأمَّا حملُهم على ثوابِها فإن الثوابَ أيضاً لاَّ يَوازي ثوابَ الآيةِ؛ لأنَّ ثوابَ الآيةِ يحصلُ بتلاوتِها، وليسَ في حِفْظِ السُّنَنِ ولا تلاوتِها ما في حفظِ القرآنِ وتلاوتِه، وتظهرُ الحرمةُ من اعتبارِ الغسلِ من الجنابةِ والحيضِ والمسِّ لما فيهِ مسطورُ الآيات يعتبرُ لذلكَ الطهارةُ من سائرِ الأحداثِ، ولا يعتبرُ للسنن طهارةٌ تلاوةً لها، ولا مسّاً لمكتوبها، ولا إعجازَ في السُّنةِ، وفي القرآنِ إعجازٌ نافعٌ من حيثُ إنّه دلالةٌ على صدقِ مَنْ نَزلَ عليه، والدلالةُ توجب هدايةَ المكلفِ إلى ما يوجب له ثوابَ اللهِ سبحانه، ولا مساواةَ بينَ السنةِ والقرآنِ في ثوابٍ ولا غيرِهِ.
وأما قولُهم: نأتِ بخيرٍ منه، لا ناسخاً بل مبتدأ، لا يصحُّ؛ لأنَّه خرجَ مخرجَ الجزاءِ مجزوماً، وهذا يعطي البدليّةَ والمقابلة، مثلُ قولهم: إن تكرمْني أكرمكَ، وإن أطعتني أُطعكَ، يقتضي أنْ يكون الجزاءُ مقابلةً وبدلاً لا فعلاً مبتدأ.
وأمَّا قولهم: إن القرآن في نفسهِ لا يتخايرُ ويتفاضلُ فعلمَ أنّه لم يردْ به الخيرَ الذي هو فضيلتُه، فليسَ كذلك، فإنَّ توحيدَ الله في سورة الإخلاصِ وما تَضَمَّنَتْهُ (1) من نفيِ التجزؤ والانقسامِ، أفضلُ
__________
(1) في الأصل: "تضمنها".
(4/262)

من {تَبَّتْ} المضمَّنةِ ذمَّ أبي لهبٍ وذم زوجتِهِ، إنْ شئتَ في كونِ المدحِ أفضلَ من القدح، وإنْ شئت في الإعجازِ، فإنَّ تلاوةَ غيرِها من الآياتِ التي تظهرُ منها الفصاحةُ والبيانُ أفضلُ، وليسَ من حيثُ كانَ المتكلمُ واحداً لا يكونُ التفاضلُ لمعنىً يعودُ إلى الكلامِ ثابتاً، كما أنَّ المُرْسِلَ واحدٌ لذي النونِ وإبراهيم، وإبراهيمُ أفضلُ من ذي النونِ.
وأمّا قولُهم: إن النَّسخَ عائدٌ إلى الحكمِ دونَ التلاوةِ، فلا فرقَ عندَهم؛ لأن تواترَ السُّنةِ لو جاءَ بنسخِ رسم آيةٍ وإخراجها من المصحفِ ومنْ أحكامِ القرآنِ والخصيصةِ التي له، من منعِ الجنب والحائضِ من تلاوتِهِ وكلِّ محدِثٍ من مسِّهِ، لنسخوا بها التلاوَةَ.
ومن ذلك: قولُه تعالى: {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي} [يونس: 15] جوابُ قولِهم: {ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ} [يونس: 15] وهذه الآيةُ لا تتحققُ حجةً لمن نصرَ هذا المذهبَ؛ لأنَّ السنّةَ ليستْ من تلقاءِ نفسه، بل هيَ مما يُوحى إليه - صلى الله عليه وسلم -، ومَنْ استدلَّ بهذهِ الآيةِ في هذا المذهبِ كمنِ احتجَّ بقولِه: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} [النجم: 3]، في معنى جوازِ الاجتهادِ عليه.
فيقالُ هناكَ: إنَّ الاجتهادَ ليس بهوىً، إنما هو استدلالٌ صَدَرَ عن نَظَرٍ وبَحْثٍ وفكرٍ، وكذلكَ السنةُ هاهنا الناسخةُ للقرآنِ ما صدرت [إلا] عن وحي، لا من تلقاءِ نفس النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ومن ذلك: ما رَوى الدارقطنيُّ بإسناده في "سننِهِ"، عن جابرِ بن عبد اللهِ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: "كلامي لا ينسخُ كلامَ الله، وكلامُ
(4/263)

الله ينسخُ بعضُهُ بَعْضاً" (1)، وهذا نصٌّ.
فإن قيل: لفظُهُ نصٌّ، لكن طريقه ظنٌّ لا يصلحُ لإثباتِ هذا الأصلِ.
فيقالُ: إلا أنه ليسَ من الأصلِ الذي يُطلب له القَطعُ، لأنّهُ يثبتُ بضربٍ من الاستنباط والاستدلالاتِ القياسية، إذ لا مجال لأدلة العقل أكثرها، إلا ما انبنى (2) ...
ومن ذلك: أنّه قد يأمر سبحانه بالعبادةِ (3)، ثم يحيل بالموتِ أو الجنونِ أو المرض بينه وبين إتمامها، وإن منعوا أبعدوا وخالفوا ما قد وجدنا أمثاله من مأمورين بصيامٍ أو حج أوصلاةٍ ثم يطرأُ على المتلبِّس بها ما قطعَ ومنعَ من إتمامِها، فكذلك المنعُ من طريقِ النسخِ، ولا فرقَ.
ومن ذلك: أنَّهم قد قالوا: إنه سبحانه يجوزُ أن يأمر بالطاعةِ ويشرطَ عليها ثواباً ونعيماً دائماً، ويكونُ ذلك الوعدُ منه سبحانه مشروطاً بأن لا يقع من المكلف ما يحبطُ به ثوابَ تلكَ الطاعةِ،
__________
(1) أخرجه الدارقطني 4/ 145، وابن عدي في "الكامل" 2/ 180 عند ترجمة جبرون بن واقد الإفريقي، ومدار الحديث على جبرون بن واقد، ومحمد بن داود القنطري وهما ضعيفان جداً، قال الذهبي في "ميزان الاعتدال" (1437) في ترجمة جبرون: "متهم، فإنه روى بقلّهّ حياءٍ عن سفيان عن أبي الزبير عن جابر مرفوعاً "كلام الله ينسخ كلامي ... " وهذا الحديث موضوع.
(2) الجملة غير تامة، والأغلبُ أنَّ فيها سقطاً حالَ دون تمام العبارة، وبيان المقصود منها.
(3) محلها طمس فى الأصل.
(4/264)

والإحباط منه سبحانه، فإنه يمكن أنْ يتركَه على الوعد بثواب الطاعة، ويعاقبه على المعصيةِ بحسبها، كما قال أهل السنة، وكلُّ من لم يوجب التخليدَ بالكبائر مع الموافاة بالإيمان، فلم لا يجوزُ أن يأمرَهُ بالطاعة وإيقاعها في وقتٍ معين، بشرط أن لا يَرِدَ منه سبحانه ما ينسخها ويمنعُ من إيقاعها؟.
فإن قيل: لما أمره بالطاعة، نهاه عن فعل المعصية المحبطة، فإذا فعل المعصية صار غير فاعل للطاعة على الوجه المأمور به، بخلاف مسألتنا، فإنه أمر بها أمرأً مطلقاً غير مشروطٍ إلا بالوقتِ، فإذا نسخها قبل الوقت صار هو المعدِم للشرط سبحانه.
قيل: في قوةِ الدليل ما هو جوابٌ عن هذا؛ لأنه ليس الإحباط ضربةَ لازمٍ (1)، فيجوزُ أن لا يحبطَ، وما فعل سبحانه ذلك بل أحبط، والإحباطُ إليه، كما أن النسخ إليه، فلم قلتم في الإحباطِ: مصلحةٌ من جهة أنه يكون رادعاً عن تعقيب الطاعة بالمعصية؟
قيل: في العقوبة عليها من غير إحباطٍ كفايةٌ، كما أن في المؤاخذة على الصغائرِ كفايةً عن الإحباطِ، ولأنَّ النسخَ هاهنا قبل وقت الفعل يكون مصلحةً من الوجه الذي قدمناه.
فإذا ثبت هذا، فقد قدَّروا في قوله: افعلْ كذا فإنّي أُثيبكَ: ما لم تفعلْ ما يحبط ثواب طاعتك، فكذلك نقدر نحن: افعل كذا في وقت كذا، ما لم أنسخ الفعلَ وأرفعْه قبل الوقت.
__________
(1) تقول العرب: ليس هذا بضربةِ لازِمٍ، ولازِبٍ، أي: ما هذا بلازمٍ واجبٍ. "اللسان": (لزب) و (لزم).
(4/265)

فصلٌ
يجمعُ شُبَهَهُم
فمن ذلك قولهم: إنَّ الأمر من الله سبحانه يدلُّ على أنَّه صلاح للمكلَّفِ، وما كانَ صلاحاً لا يجوزُ على الحكيمِ أن ينهاه عنه؛ لأن النهيَ عن الصلاحِ أمرٌ بالفساد.
فيقالُ: هذا يلزمُ منه المنعُ من أجل النسخ، فإنه نسخٌ لأمرٍ بما كانَ في الأصل صلاحاً، وجازَ ذلكَ عليه سبحانه، كذلكَ النسخ له قبل وقت فعله.
على أنه إنما يكون صلاحاً ما دامَ الأمرُ به، فأمّا إذا زالَ الأمرُ علمنا أنّه لا صلاحَ فيه، كما إذا جاء النسخُ بعدَ الأمر المطلق على سائر الأزمانِ، فقطعَ الأفعالَ بالنهيِ عنْ مستقبلِ الأوقاتِ، بانَ أنّه ليسَ بصلاحٍ في تلكَ الأوقات.
وربما صوَّروه بعبارةٍ أخرى، فقالوا: الأمرُ بالفعلِ يدلُّ على حسنه، والنهي عن الحَسَنِ قبيح، ولا يجوز على الحكيم تشريعُ القبيح. فيقال في الجواب عنه نحوُ الأول، وأنّه يبطلُ بأصلِ النسخ، وأنّه إنما يكونُ حسناً ما دام الأمر باقياً.
ومن ذلك أنْ قالوا: لو نهى عن الشيءِ قبل وقت فعله كان بداءً، لأنَّ معناهُ: افعلْ كذا في وقتِ كذا، لا تفعلْ كذا في وقت كذا. ولو قالَ ذلكَ، كانَ عين البداءِ، كذلكَ إذا أتى بما في معناه.
فيقال: إن البداءَ هو ظهورُ الأمرِ بعدَ خفائه، وانكشافُه بعد تَغَطِّيه، من قولهم: بدا لي سورُ المدينةِ، ونورُ الشفق أو فلق الصبح بعد
(4/266)

الخفاء، والله سبحانه عالم بكل كائنٍ قبل كونه [فلا يخفى عليه شيء] فَيَبْدُوَ له، فإذا نهى بعد أن أمر علمنا أنه إنما أَمَرَ على علمٍ بحالِ المكلفِ، وأنَ الصلاحَ له في أمره، وإذا نهاه قبل وقت الفعل، علمنا أنَّ الصلاحَ له في نهيه، أو أنه أرادَ منه ما قابل به أمرَه وتلقاه به من مقدماتِ الفعل، وهو الاعتقادُ والعزمُ والالتزامُ، وتوطينُ النفس على ذلك، ويكفي ذلك تعبداً، كما أنه إذا أطلق الأمر اقتضى بظاهره التأبيد، ثم إذا نسخ بان لنا أنه أرادَ الفعل وإيقاعه في تلك الأوقاتِ خاصة دونَ الأوقاتِ المستقبلةِ التي رفع الفعلَ منها بالنسخِ، ولم يكُ ذلك بداءً.
وفارق هذا إيرادَ لفظِ الأمر والنهي في حالةٍ واحدة؛ لأن ذلك لا يُعقِب فائدةً أصلاً، فإنه لا يتحصل تلقي ذلك إلا بسماعه فقط، وليس كذلك النهي عن الأمر، لأنه يفيدُ تحصيلَ ثواب تلقي الأمر بالاعتقادِ والعزم وتوطينِ النفسِ على الطاعة.
ومن ذلك قولهم: إذا أمر بالفعل في وقت معين ثم نهى عنه، بان أنه لم يرد إيقاعه، فيفضي إلى أن يكون قوله: "افعلْ" ومراده "لاتفعلْ"، وهذا لا يجوزُ، لأنه يفضي إلى أن يريدَ باللفظ ضدَّ مقتضاهُ، فلا يبقى لنا ثقة بقولٍ؛ لأنَّا لا نأمنُ أن يكون المراد بذلك القول ضدَّه، خبراً كان أو أمراً أو وعيداً أو وعداً، بأنْ نقول: "اقتلوا"، والمراد به: "لا تقتلوا"، و"إن فعلتم أُثيبكم"، والمراد به: "لا أُثيبكم".
فيقال: لا يفضي إلى ذلك، بل يكون معناه: افعل في وقت كذا، إلا أن أنهاك عن إيقاعه. كما إذا أطلق الأمر اقتضى إيقاعَه على الأزمانِ كلها، ولا يكون النسخُ مبيِّناً
(4/267)

غير أنه أمرٌ بغيرِ مقتضى اللفظ، لكن (1) كأن تقديره: إلى أن أنهاك، وكذلك إذا أعاقه عنه بموت أو مرض، وهذا يحسن أن يصرحَ به، بخلاف قوله: "اقتل" ومُرادُه: "لا تقتل"، لكن وِزانُه: اقتل وقت كذا إلا أن أنهاك عن القتل.

فصل
في الزيادة في النص هل تكون نسخاً؟
لا تختلفُ المذاهبُ في الزيادة إذا كانت عبادةً منفردةً عن الأولى قائمة بنفسها، مثل صلاةٍ إلى صلاةٍ، وصوم إلى صلاة، وحج إلى زكاة، أنَّها لا تكون نسخاً، والمختلفُ فيه من ذلك زيادة ركعاتٍ إلى ركعات صلاة واحدةٍ، وزيادةُ جَلَداتٍ إلى جلداتِ حدٍّ واحدٍ، كجعلِ الظهرِ أربعاً بعد أن فرضت ركعتين، وحد القذفِ مئةً، بعد أن كان ثمانين، وزيادة صفةٍ في رقبةِ الكفارة باعتبار إيمانها بعدَ إطلاقها من غير اشتراطِ إيمان.
اختلف العلماء: فقال أصحابنا (2) وأصحاب الشافعي (3): لا يكونُ الثاني أيضاً نسخاً.
وقال أصحاب أبي حنيفة (4): يكونُ نسخاً.
__________
(1) في الأصل: "لكان".
(2) انظر "العدة" 3/ 814، و"المسودة" 207، و"روضة الناظر مع نزهة الخاطر" 1/ 208 وما بعدها، و"شرح الكوكب المنير" 4/ 270.
(3) انظر "الإحكام" للآمدي 3/ 155، "المستصفى" 1/ 117، "شرح جمع الجوامع" 2/ 91، و"التبصرة" (276).
(4) انظر "تيسير التحرير" 3/ 218، "فواتح الرحموت" 2/ 91.
(4/268)

ويفيدُ الخلاف أنهم لم يجوزوا إثبات النية في الطهارة، والإيمانِ في الكفارة، والتغريب فى حدِّ البكرِ بقياسٍ ولا خبرِ واحدٍ، وحيث جعلوا الزيادة فيه رافعةً لحكم النص لم يثبتوها بدلالةٍ مظنونةٍ، وذهبَ إليه قومٌ من المتكلمين.
وقالَ بعضُ المتكلمين (1): إن كانت الزيادة شرطاً في المزيد حتى لا يجزىء ما كان مجزئاً إلا بما (2) ذكرنا، فهي نسخ، وإن لم تكن شرطاً في المزيد لم تكن نسخاً.
وبَيَّنَ الفرقَ بينهم وبين أصحاب أبي حنيفة في التغريب مع الجلد، فإنه زيادةٌ لا شرطٌ في الجلد.

فصل
في دلائلنا
فمنها: أن النسخ في لغة العرب هو الرفع والإزالة، ومنه قولهم: نسخت الشمسُ الظلَّ، ونسخت الرياحُ، ونسخ السيلُ الآثارَ، بمعنى رَفَعَتْها وأزَالَتْها، وإذا جئنا إلى مسألتنا وَجَدْنا أن الرقبة المقصودة (3): العبد والأمة، سواءٌ كانت صحيحة أو سقيمة، مَعيبةً (4) أو سليمة، كافرةً أو مسلمةً، فإذْا زِيدَ على الإطلاق باشتراطِ كونها مسلمة، أو زِيد على الركعتين المفروضتين ركعتين، فقد ضمَّ إلى الأول ثانياً، والأول
__________
(1) انظر "الإحكام" للآمدي 3/ 155، "المستصفى" 1/ 117.
(2) في الأصل: "ما".
(3) غير واضحة في الأصل.
(4) محلها طمس في الأصل.
(4/269)

مفروضٌ بحاله، فهو ضد الرفع والإزالة، وما هو إلا بمثابة من طرح في كيس فيه دراهمُ معدودة زيادةً على ما فيه، فإنه لا يقال فيه: ناسخٌ ولا رافعٌ، كذلك هاهنا.
فإن قيل: هناك لا يتحقق رفعُ شيءٍ كان، وهاهنا يصير ما كان كُلاًّ، بعضاً في الحكم، وما كان مُجْزِئاً بنفسه غيرَ مجزىءٍ، فارتفع الحكم الذي كانَ وهو الإجزاءُ.
قيل: لا فرقَ بينهما، فإنَّ الدراهم كانت قليلةً فزالت القلة عنها بما ضمَّ إليها، وكانت العشرة التي في الكيس كلاًّ، فلما ضمَّ إليها عشر أخرى صارت نصفاً لما في الكيس، فهو كما كان فيه عشرةٌ، فَرُفعَ منها خمسة بقيَ النصفُ وقَلَّتْ بعدَ الكثرةِ، فالتغييرُ لا ينعْك عنه ولا يقعُ عليه اسمُ النسخِ، كذلكَ المزيدُ عليه لا يقعُ عليه اسمُ النسخِ مع بقائهِ وضمِّ شيءٍ آخر إليه.
ومنها: أنَّا أجمعنا والمخالفَ على أن الله سبحانه إذا شرع الصلاة ثم شرعَ الصيام، لم تكن زيادةُ الصوم إلى الصلاة نسخاً، وأن كنا نعلم أن تكليفَ الله سبحانه كان كله الصلاةَ، وأنَّ الإيمان يستقلُّ بالشهادتين وبالصلاة، فلما شرع الصومَ صار ما كان كلاًّ بعضاً، وما كان مستقلاًّ به الإيمانُ والتكليفُ غيرَ مستقلٍّ، حتى يؤتى بغيرِهِ وهو الصومُ الذي زيد عليه وضمَّ إليه، فكذلك ضمُّ الركعتين إلى الركعتين، والتغريبِ إلى الجلدِ.
ومنها: أنَّ النسخَ إنما يتحققُ ما لم يمكن الجمعُ بين الحكمين، فاذا لم يمكن الجمع كان الحكمُ المتأخرُ ناسخاً للمتقدم، ووجدنا بأنَّ المزيدَ والمزيد عليه يمكنُ الجمعُ بينهما في اللفظ والحكم جميعاً، فنقول: حدُ البِكْرِ مئةُ جلدةٍ وتغريبُ عامٍ، ولو قال أولاً:
(4/270)

جَلد البكر مئة، ثم قال بعد ذلك: تغريبُ عامٍ، فإنَّ الحكمَ الأولَ والثاني، واللفظَ الأولَ والثاني لا يتنافيان ولا يتضادّان، فلا وجهَ لدعوى النسخ.
ومنها: أنَّ حقيقةَ النسخ أن يتناولَ الناسخُ ما تناوله المنسوخ، وإيجاب الزيادة لا يتناول حكمَ المنسوخ، فلا يجوز أن يكون ناسخاً له.
ومنها: أنَّ الغرض بهذه المسألة إثباتُ الزيادة في حكم القرآن بخبرِ الواحد والقياس، فنقول: إنَّ خبرَ الواحد والقياس دليلان من أدلة الشرع يجوز إثباتُ الحكمِ المبتدأ في الشرع بهما، ويجوز تخصيصُ عمومِ القرآن بهما، فجازت الزيادةُ في حكم النص بهما كأخبار التواتر.
ومنها: أنَّ خبرَ الواحدِ، وإن أوجب ظناً من حيث إنَّ طريقَه غيرُمقطوع به، فإنه قد قضى على دليل العقل المقطوع به، فإنَّ دليل العقل قضى بالبراءة من كل مُشغِلٍ للذِّمة، وسلامة البدن من كل تعبٍ وكلفةٍ، وحقنِ الدماء عن الإراقة، والأبضاع عن البذْلَةِ، ثم يجيءُ خبرُ الواحد فيقضي على الذمة بالشغَل، والأَبدانِ بالإتعاب، والدماء بالإراقة بعد العصمة، والفروجِ بالاستباحة والبِذْلة، وإذا صَلَحَ لمثل هذه القضايا، صلح لتغيير حكم النص بزيادةٍ تنضمُ إليه.
(4/271)

فصل
في شبههم
فمنها أن قالوا: إن تقييدَ الرقبة بالإيمان نسخٌ لحكم إطلاقها؛ من حيث كان الإيمانُ زيادةَ صفةٍ فيها.
فيقال: ليس كذاكَ؛ لأنَّ إطلاقها يقتضي (1 إجزاءها في 1) المؤمنة والكافرة، والصغيرة والكبيرة، والصحيحة والسقيمة، وعلى أيِّ صفه كانت، لأنَّ الرقبة اسم للشخص دون صفاته، فإطلاقها يقتضي إجزاءَ ما يقع عليه الاسم، تَقييدها بالإيمانِ يخصُّ بعضَ الرقاب ويمنع من حكم الإطلاق، فصار ذلك نقصاناً لا محالةَ، يبيِّن ذلك: أنه لو ورد التقييدُ متصلاً بذكر الرقبة، كان باتفاقٍ تخصيصاً؛ لأنَّه لو قال: فتحرير رقبة إلا أن تكون كافرةً، أو: إلاّ أن تكونَ غير مؤمنةٍ، لكان ذلك نقصاناً وتخصيصاً، فكذلك سبيله إذا ورد منفصلاً بعد استقرار حكم الإطلاق، ويحسن أن يُنْفَى عن هذا أصلُ الزيادةِ، ويقال: إنه نقصان في المعنى، وليس مما نحن فيه بسبيلٍ؛ لأنَّ هذا صورةُ التخصيص، والتخصيصُ بيانُ تنقيصٍ وإخراجٍ، فكيف يسمى زيادةً، فضلاً عن أن يُدَّعَى أنه من باب الزيادةِ الناسخةِ.
ومنها أن قالوا: معلوم أن النسخَ ليس بأكثرَ من أن لا يلزمَ في المستقبلِ ما كان لازماً في الماضي، وهذا موجود في مسألتنا: وهي الزيادةُ على تطهير الأعضاء الأربعة بإيجابِ النية، والإيمان في رقبة الكفَّارة، وكذلك إيجاب النفي مع الجَلْد، والتغييرُ في ذلك ظاهرٌ، وهو أن الغسل المجرَّد كان بالأمسِ كافياً، وكذلك عِتقُ الأَمَة والعبد
__________
(1 - 1) طمس في الأصل.
(4/272)

الكافرين كان مُجْزِئاً، والجلدُ المجردُ كان حدّاً مستقلاًّ، فصار بعد الزيادة غير مجزىءٍ ولا كافٍ ولا مستقلٍّ، وكان الأول كلاًّ فصار بعد الزيادة بعضاً، فقد ارتفع الحكمُ الأولُ.
فيقال: إنا لا نُسَلِّمُ أن هذا الذي ادعيتموه هو النسخُ، بل حقيقةُ النسخِ [إزالة حُكمِ المشروع] أولاً وهو الرقبةُ، وتطهيرُ الأعضاءِ الأربعة، والجلدُ المقدَّرُ، وذاك جميعُهُ ثابتٌ بحاله لم يَزُلْ ولا شيءٌ منه، فأمَّا الضمُّ إليه والزيادةُ عليه فلا يكون رفعاً ولا إزالةً، وأما كونه بعضاً بعد أن كان كُلاًّ، فهذا لا يوجبُ كونَهُ نسخاً، فإنَّ كلَّ موضوعٍ كذلك، فلو أنَّ واضعاً وضع زيادةً على ما فيه من أيِّ نوعٍ كانَ، صارَ ما كان فيه كلاًّ بعضاً بالإضافة إلى الزيادة، وما علمنا من لغة العرب تسمية ذلك نسخاً، فإنَّها لما قالتْ: نسخت الريحُ الرمل، لم تضعْ ذلك لحملها رملاً على رمل، ولا نسختِ الشمس الظلَّ لزيادةِ الظل على الظل، وإن كنَّا نعلم أنها قد لحظت أن الأول من الرمل المزيد عليه، صار بعضاً للرمل الذي زادته الريح، وكذلك الظل.
على أن هذا باطلٌ بزيادةِ العبادةِ على ما قبلها من العبادات كصوم بعد صلاةٍ، وزكاة بعد صوم، فإنه قد كانت واجباتُ الإسلام وفروعه تستقلُّ بما كانَ قبلَ الزيادةِ، وصارَ غيرَ مستقل ولا كاف إلا بالزيادةِ والمزيدِ عليه، حتى إنَّه كان يقبل الشهادتين فقط، وصار لا يقبلها حتى ينضمَّ إليها غيرُها، كما قال أبو بكر الصديق لمانعي الزكاة: لا أُفرِّقُ بين ما جمع الله (1)، والله يقول: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}.
__________
(1) وذلك في حديث قتالِ أبي بكر، رضي الله عنه، لأهل الردة، أخرجه أحمد 1/ 11، والبخاري (6924)، (6925) و (7284) و (7285)، ومسلم (20)، وأبو داود (1556)، والترمذي (2607)، النسائي 5/ 14، والبيهقي 4/ 104.
(4/273)

فإن قيل: تلك العبادات تستقلُّ عن الزيادةِ عليها بالصحة، ولا تقفُ صحتُها على فعل العبادة التي زيدت، بخلاف الركعتين التي زِيدتْ على الركعتين الأُوليين، فإنّها كانت قبل الزيادة مجزئةً، وبعد الزيادة صار معلقاً على الانفراد [فلا تعدُّ مجزئة في انفرادها فى أداء الصلاة] المفروضة ولا مبرئة للذمة.
قيل: (1 [إن الإجزاء مُتعلق] 1) بالعبادة التي زيدت، فتحبطُ تلكَ المزيدُ عليها حكماً، وتقع عبادةً صورةً لا مجزئةً ولا مبرئةً لأنه يكفرُ بالتركِ لها.
ويبطلُ هذا بما لو نقص من الحدِّ عشرين جلدة، فإنه لا يكون النقصانُ نسخاً لما بقي، كذلك الزيادة لا تكون نسخاً للأولِ المزيدِ عليه.
ومنها أن قالوا: إنَّ الزيادةَ إذا ثبتتْ صارتْ جزءاً من المزيد عليه أو صفةً له، وحكمُ الجزءِ حكمُ جميعِ الأجزاء وحكمُ الجملة، فيجب أن لا تثبتَ إلا بما ثبتَ به المزيدُ عليه كآياتِ القرآنِ والقراءات، ومكانِ الآي من القرآن لا تثبتُ إلا بما يثبتُ به أصلُ القرآنِ وهو التواترُ، وكذلكَ صفاتُ القديمِ سبحانه لا تثبتُ إلا بدلالةٍ قطعيةٍ يثبتُ بها الموصوفُ سبحانه.
فيقال: لعمري إنه قد صار كالجزء من حيث إنه يجبُ ضمُّه إليه، ولكن لا يجبُ لذلك أنه لا يثبت إلا بالدليل الذي ثبت به المزيدُ عليه، وليس يمتنع مفارقةُ الجزء الكلَّ (2)، ومفارقةُ الصفةِ الموصوفَ له في كون الطريق الذي تثبتُ به الصفة غيرَ الطريق الذي يثبت به الموصوفُ، وثبوتُ الجزء بغير الطريق الذي يثبتُ به الكل، ألا ترى
__________
(1 - 1) في الأصل هنا طمس.
(2) في الأصل: "بالكل".
(4/274)

أنه قد يثبتُ أصلُ العبادة بدليلٍ غيرِ مقطوع كخبرِ واحدٍ وقياس، ويدلُّ على وجوبِ تلك العبادةِ الإجماعُ وهو دليلٌ قطعي؟ وتثبت صفات الصلواتِ والطهاراتِ المقطوعِ بها كسننها وهيئاتها بأدلة مظنونة، وهي أخبارُ آحادٍ، والأصلُ ثَبَتَ بدليلٍ مقطوعِ؟ وقد شَهِدَ لذلك (1ثبوت الوضوء بدليل مقطوع، والدَّلك1) والموالاة في الوضوء، بأدلةٍ مظنونة وهي زياداتٌ في الحقيقة.
ومنها أن قالوا: أجمعنا على أن التقدير بعدد في الأصل تمنع معه الزيادة، فلو فرضَ ركعتين، كان بفرضه الركعتين مانعاً من الإتيان بأربعِ ركعات، فإذا جاء الشرع بالزيادة زال ذلك المنعُ من الزيادة (2)، فكانت الزيادةُ نسخاً لذلك المنع.
وليس النسخُ بأكثرَ مِن رفعِ حكمٍ كان ثابتاً، والمنعُ حكمٌ كان ثابتاً وقد ارتفع بهذه الزيادة.
فيقال: إن هذا لا يصحُّ على أصلك؛ لأن الأمر بالتقدير ليس بنهي ولا منعٍ عن الزيادة، وإنما المنعُ عن الزيادة ثبت بدليل آخر، وإن سلمنا نحن هذا وقلنا به، فإذا زاد على المقدار الأول زيادةً جعلنا ذلك نسخاً للمنع من الزيادة فكانت الزيادةُ ناسخةً للمنع من الزيادة بلا شك، فما أفادَ الخطابُ حكماً في الزيادة، وإنما الذي ننكره أن تكون الزيادةُ ناسخةً للمزيد عليه، وذلك لا سبيلَ إليه.
ومنها أن قالوا: أجمعنا على أن النقصان من المنصوص عليه
__________
(1 - 1) محلها في الأصل مطموس.
(2) في الأصل: "فكانت الزيادة نسخاً زال ذلك المنع من الزيادة، فكانت الزيادة نسخاً لذلك المنع" ولعله تكرار للعبارة.
(4/275)

يوجب النسخَ، فكذلك الزيادةُ، والعلةُ في ذلك أنهما جميعاً تغييرٌ للحكمِ المشروعِ عمّا كان عليه.
فيقال: إنّا قد جعلنا النقصانَ حجةً لنا؛ لأنّه لا يوجبُ نسخَ الباقي من الحدِّ بعد نسخ بعض الجَلْدِ، فيجبُ أن تكونَ الزيادةُ مثلَهُ، وإنما جعلنا النقصانَ نسخاً لَما نقص، لأنّه إسقاطُ حكم ثابتٍ باللفظِ وهاهنا ضمٌّ إلى الحكمِ الثابتِ وزيادةٌ عليه، فلم يكنَ نسخاً.
[والذي] يوضِّحُ ذلك ويكشفُهُ: هو أنه لو أوجبَ الصلاة ثم رفعها لكانَ ذلكَ نسخاً، ولو زاد على الصلاة (1 ركعتين أو زاد الصومَ 1) لم يكن ذلك نسخاً للصلاة.
ومنها أنه لا يَصِحُّ أن يجمع بين الزيادة والمزيد عليه في حكم النص، والخطابُ واحدٌ، ويكشف ذلك إخراجُهُ إلى النطق بأن يقول الشارعُ: إذا غسلتم هذه الأعضاءَ أجزأتكم صلاتُكُم، وإن عَزِبَتْ نيتكم، ثم يقول مع ذلك: وإن لم تنووا الطهارةَ لم تجزئكم صلاتكم، وإذا أعتقتم رقبةً عن كفارةِ الظهارِ كافرةً أجزأتكم، مع قوله (2): ولا يجزِئُكُم إلا مؤمنةٌ. وإذا لم يمكن الجمعُ عُلِمَ أنَّ الزيادةَ الطارئةَ التي منعتْ بقاءَ حكمِ النصِّ الأولِ معها ناسخة، فيقال: الجمعُ بين الأمرينِ ممكنٌ، بأنْ يقولَ: أَعتقوا رقبةً، ثم يقول: وتكونُ الرقبة المُعْتَقَةُ مؤمنةً، فيبقى الأولُ وهو الرقبةُ وينضمُّ إليها اعتبارُ الإيمانِ، وصلوا ركعتين، ثم يقول: وركعتين، واجلدوا البكر الزاني مئة، ثم يقول: وغرِّبوه عاماً، فقد صرَّح بالجمعِ، وحَسُنَ
__________
(1 - 1) محلها في الأصل مطموس.
(2) في الأصل: "قولكم".
(4/276)

ذلك، وصَحَّ في النطقِ والمعقول.
فأمَّا على الوجه الذي ذكرتموه فإنه باطلٌ بزيادةِ صلاةٍ على الشهادتين (1) وصيامٍ على صلاةٍ، وزكاةٍ على صيامٍ وحجٍّ على الجمع، فإنه لا يصحُّ أن يجمعَ بينهما في خطابٍ بأن يقول: إذا صليتم فقد برئتْ ذمتكم، وإذا صليتم ولم تصوموا فما برئت ذمتكم، فهذا في لفظٍ واحدٍ وحالٍ لا يصحُّ، ومع ذلك فليسَ بنسخٍ.

[فصل]
شبهةُ الطائفةِ الأخرى القائلةِ: بأنَّ الزيادة إذا غَيَّرَتْ كانتْ نسخاً.
قالوا: إذا كانت الزيادةُ شرطاً كانت مغيرةً لحكمِ المزيدِ عليه، ألاترى أنه إذا زاد في الصلاة ركعتين ثم صلى بعد الزيادةِ الركعتين الأُولَيين (2)، لم يُجْزِئْهُ، وقد كانت قبلَ الزيادةِ مجزئةً، ولا يجوزُ أن يسلِّمَ من ركعتين، وقد كان يجوزُ ذلك، وهذا حقيقةُ النسح.
فيقال: إن المزيدَ عليه باقي كما كان لم يتغيرْ، وما تعلَّقَ بالزيادة من الإجزاءِ وعدمِ الإجزاءِ، والصحةِ وعدمِ الصحةِ، لا يوجبُ النسخَ مع بقاءِ المزيدِ عليهِ، ألا ترى إذا زيد في عددِ الحدِّ فقدْ تغير بهذه
__________
(1) في الأصل: "شهادتين".
(2) في الأصل: "الأول".
(4/277)

الزيادة حكمُهُ، وهو أنَّ ما كان مطهِّراً صار غير مُطَهِّر، وما كان مكفِّراً صار غير مكفّر، ثم لا يوجبُ ذلك نسخَ المزيدِ عليه، وكذلك إذا زيد في عددِ الأقراء والشهور في العدَّةِ صار ما كان مبيحاً غير مبيح، ثم لايُعدُّ ذلك نسخاً، فبطلَ ماتعلَّقُوا به.
على أنَّه باطلٌ بزيادةِ شرط في الصلاةِ منفصلٍ عنها، أو نقصانِ شرطٍ كالطهارة في الصلاة، فإنه سلَّم هذا القائل (1) أنه ليس بنسخٍ للصلاةِ، ومعلومٌ أنه قد صار ما كان مجزئاً غيرَ مجزءٍ، وما كان صحيحاً غيرَ صحيحٍ، فبطلَ ما تعلقُوا به.
الثانية (2): لما كانت الزيادةُ نسخاً لدليلِ الخطاب، كانت ناسخةً للمزيدِ عليه من النص، مثاله: لو قال: حدُّوا الَزاني مئةً.
كان دليلُ ذلك المنعَ من جلده زيادةً على المئة، فإذا جاء نص بإيجاب زيادة على المئة كان ذلك نسخاً لذلك الدليل المانع (3 من جلدهَ ذلك البعض 3) الزائد على الجملة المنصوصِ عليها أولاً، فلا فرق بينهما.
فيقال: إنَّ الزيادةَ منطوقٌ بها منصوصٌ عليها، ودليلُ الخطاب ليسَ بنطقٍ وإنما هو دليل النطق، فقضى النطقُ على دليله، ولأنَّه لَا يمكن الجمعُ بينهما؛ لأنّهِ لو صرَّح فقال: إذا زنى البكرُ الحرُّ فاجلدوه مئةً ولا تزيدوا على مئة جلدة، ثم قال بعد زمانٍ: اجلدوه مئة وخمسينَ، كانَ النطقُ الثاني قاضياً على الأولِ وناسخاً له، فإذا قضى النصُّ والنطقُ على النطقِ لمكانِ تأخُّرِهِ، وعدمِ إمكانِ اجتماعِه معه -
__________
(1) في الأصل: "القليل".
(2) بمعنى الشبهة الثانية، وما سبق بيانه تكون الشبهة الأولى.
(3 - 3) محلها طمس في الأصل.
(4/278)

لأنَّ الأمرَ بالزيادةِ يُزيلُ حكمَ النهي عنها- فأولى أن يقضيَ النطقُ على دليله، بخلافِ ما نحن فيه من النص الأول مع النص الثاني، وإمكانِ الجمعِ بينهما من الوجه الذي بيَّنَّا.

فصلٌ
إذا ثبتَ الحكمُ في عينٍ من الأعيان بعلةٍ وقِيْسَ عليها، ثم نُسِخَ الحكمُ في تلك العينِ التي هي الأصلُ المقيسُ عليها، بطلَ الحكمُ في الفروع التي قيستْ عليها، وصار حكمُ جميعِ تلك الفروع منسوخاً به (1).
وبه قال أصحاب الشافعي في أحد الوجهين عندهم (2).
وقال بعض أصحاب أبي حنيفة (3)، وبعضُ أصحابِ الشافعيِّ (4): لا
__________
(1) انظر "العدة" 3/ 820، و"المسودة" (820)، و"التمهيد" 2/ 393، و"شرح مختصر الروضة" 2/ 337.
(2) وهو ما اختاره الشيرازي في "التبصرة" (275)، والفخر الرازي في "المحصول" 3/ 539، وذكر الزركشي في "البحر المحيط" 4/ 136 أنه رأي الجمهور.
(3) هذا العزو لبعض أصحاب أبي حنيفة فيه نظر، إذ أبان الكمال ابن الهمام في كتاب "التحرير"، والأنصاري في "فواتح الرحموت" عن توهين مثل هذا النقل عن بعض الحنفية.
انظر "التحرير"، ومعه "تيسير التحرير" 3/ 215، "فواتح الرحموت" 2/ 86.
(4) انظر "التبصرة" (275)، "الإحكام" للآمدي 3/ 167، "جمع الجوامع =
(4/279)

يكونُ الحكمُ في الفروع منسوخاً، وبينوا ذلك في مسألتين:
إحداهما: دعواهم أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ بالنبيذ الذي كان مع عبد الله ابن مسعود (1).
فقيل لهم: إنه كان نيئاً، وعندكم لا يجوز (2 أن يُتَوضأ إلا بالمطبوخ2).
فقالوا: إذأ ثبت بالنص جواز الوضوء بالنِّيء بما عَمِلَه - صلى الله عليه وسلم -، وأنه تمرةٌ طيبةٌ وماءٌ طهورٌ، وجبَ جوازُه بالمطبوخ؛ لأن العلة موجود فيه، فلما نُسِخَ جوازُ الوضوء بالنِّيءِ، بقي جَوازُ الوضوء بالمطبوخ.
والمسألة الثانية: النية لصوم رمضان بالنهار؛ استدلوا بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -[أنه] بعث إلى أهل العوالي يوم عاشوراء: "أن من لم يَأكُلْ فليَصُم" (3)؛ فأجاز صومَ عاشوراءَ بنيةٍ مِن النهار، وكانت العلةُ فيه أنه صومٌ واجبٌ مستحقٌ في زمانٍ بعينه، وهذا المعنى موجودٌ في صومِ رمضانَ وغيرِه، فلما نُسِخَ صومُ عاشعوراءَ بقي حكمُه في غيره.
__________
= وشرحه" 2/ 89، "شرح اللمع" 2/ 232.
(1) عن عبد الله ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له ليلة الجن: "عندك طهور؟ " قال: لا، إلا شيء من نبيذ في إدواة. قال: "تمرة طيبة، وماء طهور". فتوضأ منه. تقدم تخريجه 2/ 144.
(2 - 2) محلها مطموس في الأصل.
(3) أخرجه البخاري (2007)، ومسلم (1135).
(4/280)

فصلٌ
في دلائلنا
فمنها: أن الحكمَ في الفرعِ إنما ثبتَ لثبوته في الأصل، فإذا بطل الحكمُ في الأصلِ وجبَ أن يبطلَ في الفرعِ، ألا ترى أن الحكمِ إذا ثبتَ بالنصِّ لمَّا كان ثبوتُه لأجله، إذا نُسِخَ الأصلُ، سقط الحكمُ.
ومنها: أن ما ثبت مانعاً لغيره، وجب أن يزولَ الموجَبُ والمقتضى بزوالِ الموجبِ والمقتضي، كالحكمِ مع علتِهِ إذا زالت العلةُ تبعها في الزوال حَكمُها، وإنما يتخلف الحكمُ أبداً عن علته إذا كان ثبوتُه بعلتين، فزالت إحداهما استقل بالأخرى المتخلفة، كالصومِ والإحرامِ والحيضِ، وكلُّ حكمِ ثبتَ بعلتين كان تخلُّفُه جائزاً، فأمَّا ما اتحد موجِبُهُ فلا بقاءَ لهَ مع زواله، كالحكمِ الثابتِ بالعلةِ الواحدةِ.

فصل
في شُبَهِهِم
فمنها: (1 قالوا: لو أثبتنا النسخ في فروع ذلك 1) الأصل، لكان نسخاً بالقياس (1 وإثباتُ الحكم بالقياس1) يجوز، فأمَّا النسخُ بالقياس فلا يجوز.
__________
(1 - 1) محلها مطموس في الأصل.
(4/281)

وبيانُ أنه يكونُ نسخاً بالقياس، أننا لما رأينا الحكمَ ثبتَ في الفرع بالعلة التي ثبتَ الحكمُ بها في الأصلِ، نسخناه في الفرع حيث نُسِخَ الحكمُ في الأصلِ، إلحاقاً للفرعِ بالأصلِ في النسخ.
فيقال: لسنا قائسين للفرع على الأصل، بل ذلك أمرٌ فرغنا منه في الأول حين أثبتنا الحكمَ لمشاركة الفرعِ الأصلَ في علةِ الحكمِ، فأمَّا لما جاء النسخُ لحكمِ الأصلِ زالَ حكمُ الفرعِ، لإخراجِ العلةِ [عن] أن تكون موجبةً للحكم، فتعطل الحكمُ عن علته، فزال لزوالها، لا قياساً، ولو كان هذا نسخاً بالقياس، لكان زوالُ الحكمِ بزوال علتِهِ نسخاً بغيرِ ناسخٍ، ولما كان ذاك زوالاً لا نسخاً ورفعاً لارتفاعِ الموجِبِ، [و] لا أنه نسخٌ بغيرِ ناسخٍ، كذلك ها هنا لا يكون نسخاً بالقياس.
ومنها أن قالوا: إنَّ الفرعَ لما ثبتَ الحكمُ فيه صار أصلاً، ولهذا يصح أن يقاس عليه عندنا جميعاً، فوجب أن لا يزولَ الحكمُ فيه بزواله في غيره.
فيقال: لا نُسَلِّم أنه صار أصلاً بذلك، وإنما هو تابعٌ لغيره، وفرعٌ لغيره، ثبت الحكمُ فيه لأجلِ ذلك الغيرِ، فإذا سقط حكمُ المتبوع سقطَ حكمُ التابع، حتى لو قيس عليه غيرُه لسقطَ حكمُ الآخرِ الذي هو فرعٌ لفرعِ الأصلِ.
فإن قيل: إذا ثبت الحكمُ في الفرع، لم يلزم زوالُه (1 بزوالِ حكمِ 1) الأصل. وهذا يعودُ بالإفسادِ لجميعِ كلامكم بدليل أن الوالد يَتبَعُه ولدُه الطفلُ في الإسلامِ والكفرِ، فلو زال إسلامُهُ بردةٍ، أو كفرُهُ
__________
(1 - 1) محلها مطموس في الأصل.
(4/282)

بإسلامٍ، لم يَزُلْ ما ثبتَ في حق الولدِ من الكفرِ والإسلامِ.
قيل: حكمُ الولدِ مع الأب غيرُ حكمِ العلةِ؛ بدليل أن الولد مع أبيه [ليس] بمنزلة الحكم مع علته، فيزولُ الأب، ولا يزولُ الحكمُ الحاصلُ في الولد، ويزولُ حكمُ الأب بالإسلامِ عن الكفرِ وبالكفرِ عن الإسلامِ، ولا يزولُ الحكمُ عن الولَد، وليس لنا علةٌ ترتفعُ ويبقى حكمُهامستقلاًّ لا (1) بعلة ولاسبب مختلف، فليس هذا مما نحن فيه بشيء.

فصل
إذا كان الناسخُ مع جبريلَ لم ينزلْ به إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، لم يَثبُتْ لَه حكم، بلْ هو باقٍ على ما كان عليه في السماء قبل إلقائه إلى جبريلَ عليه السلام، ولم أسمعْ فيه خلافاً؛ لأنه لم يثبت له حكمٌ في حق مكلَّف للحكم الذي تضمنه؛ لأن جبريلَ- عليه السلام- وإن كان رسولاً فحكمُهُ مخالف لحكم رسولِ الله، إذ كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - داخلاً في الحكم الذي ينزلُ عليه، ومخاطَباً بالخطاب الذي يتوجه إلى الأمة؛ لأنه واحدٌ منهم، ولهذا قال قوم: إن حكمَ النسخِ الذي تلقاه النبي - صلى الله عليه وسلم - من الله سبحانه ليلة المعراج، وتنقيصَ الصلواتِ من خمسين صلاةٍ إلى خمس صلواتٍ، حكمٌ ثابتٌ، ونسخٌ حقيقةً له حكمُ النُّسوخِ، لأنه تلقاه (2 مُكلَّفٌ بأداءِ الحكمِ هو 2) النبي - صلى الله عليه وسلم - بخلافِ
__________
(1) تكررت في الأصل.
(2 - 2) محلها مطموس في الأصل.
(4/283)

جبريلَ عليه السلام إذ (1 ليس هو الفاعل 1)؛ لأنه كُلِّفَ البلاع لما تَضَمَّنَهُ الحكمُ دون الحكمِ نفسه.
فأمَّا ما ورد من النسخ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ووصلَ إليه ولم يبلغْ أمتَهُ: فظاهرُ كلام أصحابنا أنه ليس بنسخ إلا عند من بلغَهُ وعلمَه (2)، وقد عوَّلَ أحمد في هذا على قصة أهل قُباء، وأنهم لما استداروا لم يؤمروا بالقضاء، فكان اعتدادُ الشرع لهم بالركعاتِ التي صَلَّوها إلى بيت المقدس، ولو نَجَزوا من الصلاةِ، دلالةً على أن حكمَ القبلة كان ثابتاً غيرَ منسوخٍ قبل علمِهم، وبه قال أصحابُ أبي حنيفة (3)، واختلف أصحاب الشافعي على وجهين (4): أحدهما يكون سخاً، والثاني: لا يكون نسخاً.

فصل
في دلائلنا
فمنها: قصةُ أهلِ قُباءٍ، والاعتدادُ لهم بما مَضى، وما كان ذلك إلا لعدمِ البلاع، ألا ترى أنه لما بلغهم النسخُ استداروا.
فإن قيل: أمرُ القبلةِ سهل فلا تُؤخَذُ سائرُ الأحكام منه، ولهذا
__________
(1 - 1) محلها مطموس في الأصل.
(2) انظر "العدة" 3/ 823، و"التمهيد" 2/ 395، و"المسودة" (223).
(3) انظر "فواتح الرحموت" 2/ 89.
(4) ذكر هذا الخلاف الشيرازي في "التبصرة" (282) والآمدى في "الإحكام" 3/ 153.
(4/284)

تسقطُ القبلةُ بالأعذارِ من الخوفِ وشدةِ الحربِ، وتسقطُ بغيرِ عذر في النافلةِ، وغيرُها أمرُه صعبٌ متأكدٌ، فلا يُؤخَذ حُكمُه من حُكْمِهَا.
قيل: سقوطها بالأعذار إلى بدلٍ هو جهةٌ أخرى، حكمٌ من أحكامِ الشرعِ مع عدمِ البلاغِ، ويكفي ذلك، ولسنا قائِسينَ غيرَه عليه، بل آخذين وقائلين، فهل تقول أنت به لخفته؟ فمن قولك لا يَبْقى للفرقِ الذي ذكرتَهُ وجهٌ ينفعُك في المسألةِ.
ومنها: أن أصل الشرع لا يلزم إلا من بلغه (1 الحكم لقوله تعالى: {لِئَلَّا يَكُونَ 1) لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: 165] {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا} [القصص: 59] والعذاب نوعُ مؤاخذةٍ، وإيجابُ التكليفِ وعدمُ الاعتدادِ بالعباداتِ على الوجه المشروعِ أولاً مؤاخذاتٌ أيضاً.
ومنها: أن من لم يبلغه النسخُ لم يعلمْ بالخطابِ، فلا يلزمُهُ حكمُ الخطابِ، كالصبيِّ والمجنونِ والنائمِ، يوضح هذا: أنَّ عدمَ العلمِ لا يقبَلُ (2) التفاضلَ والتزايدَ، فإذا اتفقَ عدمُ العلم لأجلِ عزوبِ السماعِ، وعدمُ العلم للجنونِ، والنوم، في نَفْي العلمَ، وَجَبَ أن يتفقوا في نفي الخطابِ.
ومنها: أن هذا الذي لم يبلغه النسخُ لو فعل العبادةَ على الوجه الذي حصل به الناسخُ، أَثِمَ وحَرِجَ وكان عاصياً، ومحالٌ أن يكون
__________
(1 - 1) محلها في الأصل مطموس.
(2) في الأصل: "يبقل".
(4/285)

مخاطباً بشيءٍ لو فعله كان عاصياً، بيانُ ذلك: أن أهلَ قُباءٍ لو صلَّوا إلى الكعبة قبل أن يأتيهم النسخ كانوا عصاةً وصلاتُهم باطلة، ومحالٌ أن يكون المخاطبُ به إذا فعله المكلفُ كان به عاصياً، وكان الفعلُ باطلاً، وغيرُ المخاطب به -وهو المنسوخُ- إذا فعله كان صحيحاً، وكان الفاعلُ لَهُ مطيعاً مثاباً.

فصل
في شُبَهِهِم
فمنها: أنَّ حكمَ الخطابِ الأولِ ربما (1) تجدَّدَ وإنْ لم يُعْلَم المتجددُ، بدليلِ [أن] الوكيلَ إذا عزلَه الموكِّلُ، فإنه ينعزِلُ، وإنْ لم يعلم الوكيلُ بالعزلِ، ولا تنعقدُ منه العقود التي وُكَلَ فيها، كذلك ها هنا.
والجامعُ بينهما أن كلَّ واحدٍ منهما يتعلق في التصرف بالإذن.
فيقال: إن في مسألةِ الوكيل روايتين:
إحداهما: يصحُ البيعُ من الوكيل بعد عزلِ الموكِّلِ وموتِهِ إذا لم يَعْلَمِ الوكيلُ بذلك، فعلى هذا هو كمسألتنا.
والثانية: لا يصحُّ بيعُة، ويثبتُ حكمُ العزلِ مع عدمِ العلمِ، وعلى هذه الرواية الفرقُ بين حقوقِ الآدميين وحقِّ الله، أنَّ حقَّ اللهِ يتعلقُ عليه الثوابُ والعقابُ، وذلك يقفُ على العلم، ويؤثرُ فيه العذرُ،
__________
(1) في الأصل: "بما".
(4/286)

وحقُّ الآدمي يتعلقُ عليه الغرمُ الذي لا يختلفُ بالعلمِ والجهلِ والخطأ والعمدِ.
على أن قياسَ الأصولِ على الفروعِ، وأخذَ أحكامِها منها، يخالفُ الوضعَ، وإنما يستقى حكمُ الفرعِ من الأصلِ.
ومنها أن قالوا: النسخُ إسقاطُ حقٍّ لا يعتبرُ فيه رضا مَن يسقطُ عنه، فلا يعتبرُ فيه علمُهُ، كالطلاقِ والعتاقِ والإبراء.
وقالوا في النسخ إذا كان إباحةً بعدَ حظرٍ: إباحَة لِمَا حَظَرَ عليه، فلم يقفْ ثبوتُ حكمِهِ على العلمِ، كما لو قال لامرأته: إن خرجتِ بغير إذني فأنت طالقٌ، وأذنَ لها من حيث لا تعلم، ثم خرجَتْ، فإنه يَثْبُتُ حكمُ الإباحةِ، ولا يقعُ الطلاقُ، كذلك ها هنا.
وتصرفوا في هذه الطريقة فقالوا: الإباحةُ تارةً تحصُلُ من جهة الله سبحانه، وتارةً تحصُلُ من جهةِ الآدمي، ثم الإباحةُ من جهةِ الآدمي يَثْبُتُ حكمُها قبلَ العلمِ، وهو إذا قال: أبحتُ ثمرةَ بستاني لكلِّ جائزٍ به وداخلٍ إليه، فكذلك الإباحةُ من جهة الله عز وجل (1 ....... 1) لكم التكليف المتضمن للثواب والعقاب من أقوال الآدميين وأفعالهم التي تقتضي الغرم وعدم الغرم، وهذا أخذٌ باطلٌ، ووضعٌ فاسدٌ، والطلاقُ والعتاقُ إتلافٌ للمتعة (2)، والرِّقِّ ما وضع لإتلافه، وإنما كان إتلافاً لأنه إزالةُ ملكٍ لا إلى مالك، ولا يقتضي خطاباً.
__________
(1 - 1) طمس في الأصل.
(2) في الأصل: "لمكلفه".
(4/287)

والإباحةُ والحظرُ من طريقِ الشرع خطاب، فلا يتحققُ إلا من قائل لسامع قولَه وخطابه وملتزمٍ أمره، ولهذا كان بفِعل ذلك المنسوخ طائعاً، وعلى فعله مثاباً لعدمِ العلمِ، كذلك لا يكَونُ مطالباً بالبدلِ لعدمِ العلمِ، وخطابُ من لا يعلمُ كخطابِ من لا يعقلُ، وعدمُ العقلِ لا يؤثِّر في إسقاط حقوقِ الآدميين، ويؤثِّرُ في إسقاط حق الله سبحانه.
وأمَّا الإذنُ لزوجته [وأنه] لا يتحقق إلا بأنْ تعلمَ ذلك، وإنْ خرجَتْ منِ غير إعلام منه لإذنها، لم تخرج من عهدة الطلاق؛ لأن (1) الإذن من الإعلام، قال الله تعالى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 3] يعني إعلاماً من الله، وأَخْذَ الحكمِ من جة الآدمي للحكم والإذنِ من جهة الله ومن جهة رسوله، فلا يصحُّ لما يتعلقُ على أحكام الشرعِ من المأثمِ، وذلك يؤثرُ فيه عدمُ العلمِ، بخلاف حقوقِ الآدمي التي (2) يستوي حكمُها [مع] اختلافِ الأحوال.

فصل
قال أصحابنا: ولا يجوز نسخٌ بالقياس (3)، ولسنا نريد به الأولى والتنبيهَ، فإن ذلك جارٍ مجرى النص عندنا، فلو نهى عن التأفيفِ من الأبِ والآمِّ بعد أن كان أباحَ ضربَهما، أو نهى عن التضحيةِ بالعوراء
__________
(1) في الأصل: "لا"
(2) في الأصل: "الذي".
(3) انظر "العدة" 3/ 827، و"التمهيد" 2/ 391، و"المسودة" (225)، و"شرح الكوكب المنير" 3/ 571.
(4/288)

بعد أن كان أباحَ التضحيةَ بالعمياءِ، كان ذلك نسخاً على أصلٍ من أصولِ الدين.
ومن (1 ذلك السنة التي ورد الحَضُّ على 1) اتباعها بالقرآنِ وهو قولُه تعالى: (1 {فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ا) وقوله: {وَاتَّبِعُوهُ} [الأعراف: 158] فإذا كانَ كذلك كانت السُّنَّة فرعاً للقرآن فلا يعكِّر الفرعُ على أصله بالإبطال والإسقاط، كما لم تُنْسَخ السنةُ بفرعِها المستنبطِ منها: وهو القياسُ عند المحققين من العلماء.
ومن ذلك [أن القرآن] أقوى وآكدُ من السنة نطقاً وحكماً، أمَّا النطقُ فإنه معجِزٌ، وأما إحكامُ النطقِ فإنَّ (2) كونَه أعجزَ العربَ هو الذي أوجبَ صدقَ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - فيما جاءنا به من الأحكامِ.
ومن أحكامه: ثبوتُ حرمةِ تلاوتِهِ في اعتبارِ الطهارةِ من الجنابةِ والحيضِ، وحرمةٍ مسطورةٍ بأن لا يجوز لمحدِث مسُّه محدثاً أيَ حدثٍ كان.
وفي نفس تلاوته ثوالب، وليس في نفس إيرادِ الأخبارِ خِفية ثواب (3)، وقَدَّمه النبي - صلى الله عليه وسلم - في العمل، فقالَ لمعاذ. "بِمَ تَحكُمُ؟ " فقال. بكتاب الله، قال: "فإن لم تَجدْدا قال: بسُنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (4)، وساق الترتيب، وإذا كانت السنةُ دونَ الكتابِ لم يُنْسَخِ الأقوى
__________
(1 - 1) طمس في الأصل.
(2) في الأصل: "فإنه".
(3) في الأصل: "ثواباً".
(4) تقدم تخريجه 2/ 5.
(4/289)

بالأضعفِ، والأوكدُ بالأخفِّ، ولا الأشرفُ با لأَدْوَن.
فإن قيل: هذه القوةُ لِلَّفظ، ولسنا ننسخُ إلا الحكمَ.
قيل: لا فرق عندكم بين اللفظِ والحكمِ، حتى إنَّ السنةَ لو وردت بأنَّ هذه الآية، قال رسول الله: لا تضعوها في المصحف، لم توضع بعد قوله في المصحف، فلا معنى لفرقٍ لا تقولون به؛ ولأنَّ الآية إذا زال حكمها، تعطلت عن فضلِ التلاوةِ والحُرمةِ والعملِ بها ............ ، صارت كما نسخ من السنة.

(1 فصل
في أدلة 1) من قال بجواز نسخ القرَان بأخبار الآحاد
وهي رواية عن أحمد رضي الله عنه فمن ذلك: قولهم: قد وجدَ ذلك، بدليلِ أن آياتٍ من القرآن قد نسختها أخبارُ آحادٍ.
فمنها: {الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [البقرة: 180]، نسخت بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا وصيةَ لوارثٍ" (2).
وقوله تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء: 15]، نسخ بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً: البكرُ بالبكر: جلدُ مئةٍ،
__________
(1 - 1) طمس في الأصل
(2) تقدم تخريجه 1/ 231.
(4/290)

وتغريبُ عامٍ، والثيبُ بالثيبِ: جلدُ مئةٍ والرجم" (1).
وقوله تعالى: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 191]،
نسخ بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "اقتلوا ابن خَطل، وإن كان متعلِّقاً بأستار الكعبة" (2).
وقوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً} [الأنعام: 145] نُسِخَ بما رويَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، وذي مخلب من الطير (3). وقوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] لما ذكر المحرمات، نسخ بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تُنْكَحُ المرأةُ على عمتها، ولا على خالتها" (4).

فصل
في الأجوبة عن ذلك
أما الوصيةُ، فنسخت بآيةِ المواريثِ.
وأما آيةُ الحبس، فنُسِخَتْ (5) في البكر؛ بقوله {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2] وفي الثيب، باَيةِ
__________
(1) تقدم تخريجه 1/ 132.
(2) رواه البخاري (3044)، ومسلم (1357). وعبد الله بن خطل، كان قد أسلم ثم أرتدَّ، اتخذ قينتين تغنيان بهجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فأهدر النبي - صلى الله عليه وسلم - دمه.
(3) رواه مسلم (1934)، وأحمد 1/ 244 و 203 و 327، والدارمي
2/ 85، والطيالسي (2745)، وابن حبان (5285).
(4) تقدم تخريجه 3/ 379.
(5) في الأصل: "نسخت".
(4/291)

الرجم التي كانت: "الشيخ والشيخة إذا زنيا، فارجموهما البتة، نكالاً من الله".
وأما {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 191]، (1 فنُسِخَت بقوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: 5].
وأما قولُه: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} [الأنعام: 145]، فالمرادُ به: ما هو مستطابٌ عندهم، وليس من الخبائث، فهو عمومٌ دخلَهُ التخصيصُ بالخبرِ، وإذا أمكن البناءُ والجمعُ، لم يصحَّ حملُهُ على النسخ.
وجميعُ الأخبارِ زوائدُ على الآيات، والنسخُ إنما كان بالآيات.
ومن تعلقاتهم من طريق الاستنباط: أنَّ ما جازَ نسخُ السنَّةِ به، جازَ نسخُ القرآنِ به، كالقرآن.
فيقال: ليس إذا جاز أن يسقطَ به مثلُه، جاز أن يسقطَ به ما هو أقوى منه، ألا ترى أن القياسَ يجوزُ أن يعارضَ مثلَهُ، ولا يجوز أن يعارضَ السنةَ، آحاداً كانت، أو تواتراً.
ومن ذلك: أن قالوا: إن النسخَ إسقاط لبعض ما يقتضيه ظاهرُ القرآنِ، فجارْ بالسنةِ، كالتخصيصِ.
فيقال: لا يجوز أن يُؤخَذَ حكمُ النسخِ من التخصيصِ، ألا ترى أن تخصيصَ السنةِ بالقرآن جائزٌ، ونسخَها به لا يجوز، ولأنَّ
__________
(1 - 1) طمس في الأصل.
(4/292)

التخصيصَ (1): بيانُ المرادِ باللفظِ، وغايتُهُ: أنه إسقاطٌ لبعض ما شملَه اللفظُ، والنسخُ: رفع له بالكلية، فلم يَجُزْ بما دونه.
ومن ذلك: أن قالوا: إذا جازَ النسخُ إلى غيرِ بدلٍ، فجوازُه إلى بدلٍ يثبتُ بلفظٍ دونه، أَوْلى.
فيقال: لو كان هذا استدلالاً صحيحاً، لوجب أن يجوز بالقياس، فيقال: إنه إذا جازَ رفعُه إلى غيرِ بدلٍ، فلأَنْ يجوزَ إلى بدلٍ يثبتُ بالقياسِ، أَوْلى.
على أن النسخَ إلى غيرِ بدلٍ لا يؤدي إلى إسقاطِ القرآن (2 بل إلى رفع الحكم إلى 2) غير بدل، فيرفعُ بمثلِ ما به ثبتَ، والنسخُ بخبرِ الواحدِ، وبالسنةِ في الجملةِ، رفعٌ للقرانِ بما هو دونه، وذلك لا يجوزُ.

فصل
فيما تعلق به من أجازَ النسخَ بالمتواترِ منها، وهو الأصحُ.
فمن ذلك: قولهم: إنَّ المتواتر دليل قطعي، وهو الطريقُ الذي ثبتَ به القرآنُ، وإذا كان قطعياً، صارَ بمثابةِ القرآنِ، وصاغوه قياساً، فقالوا: دليلٌ مقطوعٌ بصحتِهِ، فجازَ نسخُ القرآنِ به، كالقرآنِ. يوضح هذا: أن أصلَ إثباتِ القرآنِ عندنا إنما هو بأخبارِ التواترِ، فما (3) جازَ إثباتُ القرآن له، جاز أن ينسخَ به.
__________
(1) في الأصل: "للتخصيص".
(2 - 2) طمس في الأصل.
(3) في الأصل: "مما".
(4/293)

فيقال: يجوزُ أن يستويا في القطع، ولا يَنْسَخُ أحدُهما الآخرَ، كما أن خبر الواحد والقياسَ استويا في أنَّ كلَّ واحدٍ منهما مظنونٌ، ويجوزُ النسخُ بأخبارِ الآحادِ دونَ الأقيسةِ.
ولأنَّ الإجماعَ دليل مقطوع به، ولا يجوزُ النسخُ به.
والمعنى في القرآن مع القرآنِ؛ إنَّما نسخ الآي منْهُ بالآي؛ لتساويهما في التأكيد، وهو الإعجازُ الدال على صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والأحكامُ المتعلقةُ عليه من منعِ الجُنُبِ مِنْ تلاوتهِ، والمُحدِثِ من مسِّه، وعدمُ صحةِ الصلاةِ إلا بشيءٍ منه، فصارَ في الحرمة، والتأكدِ على السنة، كتأكدِ السنةِ على القياسِ، وقولِ آحادِ الصحابة.
وعندي: أنَّ هذه الطريقةَ التي هي لإثباتِ النسخِ بالخبرِ المتواترِ معتمدةٌ، فلا بدَّ من إيضاحها، والكلامِ على كشفِ ما أجابَ به أصحابُنا، ومَن وافقهم فيها.
فنقولُ وبالله التوفيق: إنَّ الذي ثبتَ به القران، إنَّما هو أخبارٌ متواترة (1 .... 1) وليس لنا طريق إلى إثبات (1 ... 1) وليس وراء القطعِ زيادةٌ ولا تقبلُ الزيادة، فليسَ يبقى إلا الإعجازُ، وذلك لا يرجعُ إلى معنى سوى العلم بأنَّه كلامُ اللهِ، ومن حيث إنه دلَّ إعجازهُ على (2) أنه كلامُ اللهِ، دلَّ على صدقِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في جميع ما يخبرُنا به، فإذا ثبتَ ذلك، لم يبقَ لنا طريق قطعى إلى أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ما يَتغيَّرُ الحكمُ، أو يُبْتَدأُ به، إلا سماعُنا في معاصرتهِ، فإذا عدمنا ذلك، لم يبقَ ما يقومُ مقامَ سماعِنا منه إلا خبرُ التواترِ، فإذا ظفرنا به، صار كأنَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: هذه الآيةُ منسوخة، نزل عليَّ الوحيُ بنسخِها، فوجَب
__________
(1 - 1) طمس في الأصل.
(2) في الأصل: "على إعجازه".
(4/294)

قبولُنا منْهُ بدليل إعجازِ القرآن، فما نسخنا القرآنَ إلا بمثله في المعنى الذي ثبتَ به.
وفارقَ الإجماع، فإنه إنما يتحققُ في الوقتِ الذي انقطعَ الوحيُ، ولم يبقَ سوى الاجتهاداتِ، وهو أمرٌ يحتاجُ إلى استنادِه (1) إلى دليل، فإنْ حصلَ الإجماعُ على أنَّ الآيةَ منسوخةٌ بنقلٍ، حُكِمَ بالنسح بدليلِ النقلِ، وإنْ كان العقدُ على أنَّ الآيةَ منسوخةٌ بغيرِ نقل، بل بمجردِ (2) الاجتهاد، فموتُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أوجبَ تقريرَ (3) الأحكامِ النازلةِ من السماء، فلا يبقى للاجتهاد عملٌ، إلا في حوادثَ لا نقلَ فيها، بخلافِ السنة المتواترة؛ فإنَّها تستندُ إلى الوحي الذي طريقُه طريقُ القرآنِ، فهي (4) بمنزلةِ القرآنِ في القوةِ، فلم (5) يبقَ بينهما اختلافٌ إلاَّ في نفسِ الصيغ والنطق، وذلك لا يوجبُ فرقاً فيما يتعلق بقوة الإثبات (6 .... 6) بين كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. (6 ..... 6) الأحكام ونسخها، وبين المتواترِ من الأخبارِ عنْهُ، وإنْ كان بينهما رتبةٌ في الفضلِ، فإن من سمع لفظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفضلُ ممن سمع عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فذاك صحابي، وله فضلُ السماعِ منه، والصحبةِ له، لكن لَمَّا تساويا في القطعِ، ألغينا في الإثباتِ والرفع رتبةَ الفضل، كذلك هاهنا.
ومن ذلك: أنه ليس في رفعِ حكمِ القرآنِ بالسنةِ إحالةٌ، ولا إفسادٌ للتكليف، ولا مناقضةٌ؛ فإنَّه إذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إنَّ الملكَ تَنزلَ إليَّ
__________
(1) في الأصل: "استفاده".
(2) في الأصل: "لمجرد".
(3) في الأصل: "تقدير".
(4) في الأصل: "فهو".
(5) في الأصل: "ولم".
(6 - 6) طمس في الأصل بمقدار أربع كلمات.
(4/295)

آنفاً، فقال: إنَّ الله قد أسقط عنك وعن أمتك حكمَ آيةِ كذا، وجعلَ حكمَها مرفوعاً كأنْ لم يَنْزِلْ عليك، وجبَ التعويلُ على ذلك، والتصديقُ له، بالطريق الذي صدقناه به في جعلِ اللهِ لذلك الكلامِ الذي أعجزَ الفصحاءَ، فكان (1) شاهدَ نفسهِ، فلا نجتاجُ إلى مُخبِرٍ يخبرُنا بأَنه كلامُ الله.
ولقائل [أن] يقول: فالنسخُ قد يقعُ على ما لا إعجازَ فيه، وما لا إعجازَ فيه لا يثبتُ بمعنىً يختصُّهُ، بل يحتاجُ إلى نقلٍ يحصلُ به العلمُ، وإنَّما يصحُ ما ذكرتَه مِنَ الإعجازِ، في السورة المديدة.
وقد أجبتُ في النظر عن هذا: بأنَّ القرآنَ عندي لا يحتاجُ إلى طريقٍ، فلو (2) نَقَله مَنْ نَقَلَه، كان القرآنُ شاهدَ نفسِهِ؛ بأسلوبِه ونمطِهِ الذي لا يختلطُ به سواه، فهو حافظٌ نفسَهُ عن اختلاطِ (3) غيرِهِ بهِ، وشاهدُ نفسِهِ بكونِهِ منقطعاً عن كلِّ (4) كلامٍ، فلا حاجةَ بنا إلى نقلِ آحادٍ أو تواترٍ، فلو وجدناه في صحيفةٍ، لحكمنا بنمطه وأسلوبه بأنَّه قرآنٌ، وأنَّه كلامُ اللهِ، كما أنَّ قلبَ العصا حيَّةً، وإحياءَ الميتِ، وإخراجَ ناقةٍ من صخرة، لايحتاج إلى (5 نقل آحادٍ أو تواتر لتصديق 5) قول من ظهرت على يديه، بل من ظهرت على يديه، صحَّتْ دعواه بالرسالة (6)، وخبرُه بها، وهي شاهدةٌ لنفسها بعجزِ الخلقِ بأنَّها (7 ....... 7) في إنزالِ تلك الآية، وكنا مستصلحين بالرفعِ لها، كما كُنَّا مستصلحين
__________
(1) في الأصل: "كان".
(2) في الأصل: "ولو".
(3) فى الأصل: "اخلاط".
(4) في الأصل: "محل".
(5 - 5) طمست في الأصل.
(6) طمس في الأصل.
(7 - 7) في الأصل بياض بمقدار أربع كلمات.
(4/296)

بإنزالها، فلا فرقَ بينَ أنْ يتلوَ لنا قرآناً يَرْفعُها أو يروي لنا وحياً ليسَ بقرآنٍ يرفعُ حكمَها، أوْ تلاوتها رأساً.
فإن قيل: ولا إحالة في العقل أيضاً برفعِ حكمِ الآي بأخبارِ الآحادِ، ولم يدلَّ نفيُ إحالةِ العقلِ لذلك على جواز النسخ بها، كذلك متواتِرُها.
فيقالُ: يحتمل أن نقولَ: لولا إجماعُ الصحابةِ، لجوَّزْنا، لكن الصحابةُ أَجْمَعَتْ على ردِّ قراءة ابنِ مسعود، وإنْ كانَ الثقةَ العدلَ، وهو يقولُ: سمعتُ من رسول الله كذا، وهم لا يلتفتونَ إلى روايتِهِ، فما رضوا بنقلِ ابن [مسعود] مع جلالته وفضله لإثباتِ كلماتٍ وحروفٍ في كتاب الله، ولم يثبتوا في المصحف إلاّ ما وقع الإجماعُ على نقله، فكان ذلك تنبيهاً على أنهم لا يقبلون روايَتُه في رفعِ القرآنِ ونسخِهِ.
على أنَّ في ذلكَ معنىً يأباهُ العقلُ، وذلكَ أنَّ القرآنَ حكمه ثبتَ بدليلٍ قطعي وطريق قطعي، فكيفَ يُرفعُ القطع بخبرِ الواحدِ، وغايةُ ما يوجبُهُ غلبةُ الظنِّ؟ والعقلُ يأبى ذلك، ولا يأبى رفعَ القطعِ بالقطعِ، لاستوائهما في الغاية، وهي العلمُ الذي لا يقبلُ التزايدَ، لا سيما والتواترُ يوجبُ علماً ضرورياً، فيصيرُ السامعُ لخبرِ التواتر، كالسَّامعِ منَ المخبرِ عَنْهُ (1 أمراً طارئاً ينافي ا) مخبره، وبعد أنْ ينحرسَ الإثباتُ عن الشكِّ والريب، فلا طائلَ في المراتبِ فيما عدا ذلك، ألا ترى أنَّ أصْلَ إثباتِ الشريعةِ جاءَ تارةً بطريقِ المنامِ، وتارةً بالمَلَكِ، وتارةً بالإلقاءِ في رُوعِهِ، وتارةً باجتهادهِ، على قولِ من أثبَتَ جوازَ إثباته الأحكام باجتهاده - صلى الله عليه وسلم - (2)، فلما سَلِمَتِ العصمةُ، تساوى
__________
(1 - 1) طمس في الأصل.
(2) وبه قال أصحاب أبي حنيفة، وبعض الشافعية. انظر"العدة" 5/ 1078 وما بعدها.
(4/297)

الإثباتُ، حتى جُعلَ منامُ عمرَ رضي الله عنْهُ وعبدِ الله بن زيدٍ في الأذانِ مُعوَّلاً (1) عليه (2)، وما سنَحَ لمعاذٍ من تأخيرِ قضاء (3) ما فاتَهُ مع الإمامِ، صارَ سنةً، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "سَنَّ لكم معاذٌ، فاتبعوا سنته" (4)، فإذا كانَ التعويلُ على العصمةِ في الطرق، سقطت مراتبُ الألفاظِ واللافظين، وصارت الثقة (5) والطمأنينةُ إلى الطريقِ هي (6) المعولَ عليها في الإثباتِ والرفعِ، وطريقُ التواترِ طريقٌ مقطوعٌ، فلا وجه لانحطاطِه عن رتبة التلاوةِ في بابِ نسخِ حكمِ التلاوةِ.

فصل
يجوز نسخ السنة بالقرآن
وبه قال المتكلمون، واختاره أبو بكر الباقلاني (7)، وأصحابُ أبي حنيفة (8)، خلافاً لأحد قولي الشافعيِّ (9): لا يجوزُ نسخُ السنةِ بالقرآنِ.
__________
(1) في الأصل: "معمولاً".
(2) رواه أبو داود (499)، والترمذي (189)، وابن ماجه (706)، وأحمد 4/ 43، وابن حبان (1679)، وابن خزيمة (371)، وصححه، وقال الترمذي: حسن صحيح.
(3) طمست في الأصل.
(4) أخرجه أحمد 5/ 246، وعبد الرزاق في "المصنف" (3175)، وأبو داود (506) والبيهقي في "السنن" 2/ 296، من حديث معاذ رضىِ الله عنه.
(5) في الأصل: "المشقة".
(6) في الأصل: "هو".
(7) "المستصفى" 1/ 124، و"المحلي على جمع الجوامع " 2/ 80.
(8) "تيسير التحرير" 3/ 202، و"فواتح الرحموت" 2/ 78.
(9) وهو المشهور من قول الإمام الشافعي. انظر "الرسالة" (57)، =
(4/298)

فصلٌ
في الأدلةِ على جوازهِ
فمنها: أنَّ ذلك قد وُجدَ، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صالحَ أهلَ مكةَ يومَ صدُّوهُ عامَ الحديبيةِ عن البيتِ؛ على أنَّ مَنْ جاءَهُ مسلماً ردَّهُ، وردَّ أبا جندلٍ وجماعةً من الرجال، وجاءَت امرأةٌ، فأنزلَ الله تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} (1) [الممتحنة: 10] وهذا (2 [ممّا ورد في السنة ولم يعلم] 2) إلا من جهتِهِ، فنسِخَ بقرآنٍ، وهو منعُه مِنْ رَدِّ المؤمنة إلى الكفار، (2 وكذلك كانت 2) الصلوات تؤخرُ حالَ الحربِ، فنسخها الله تعالى بقولِهِ: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239].
ومن طريقِ الاستدلالِ بالاستنباطِ: أنَّ السنةَ: ما ثبتَ من حكمِ الله سبحانه بقوله - صلى الله عليه وسلم - وإخبارِه، ومعلوم أنَّهُ لو قالَ شيئاً، فتضمَّنَ قولُه حكماً، ثم عادَ، فقال ما ينسخُهُ في وقتٍ آخر، حَكمنا بنسخِ الأول بقوله الثاني؛ لأنَّهُ وحيُ الله سبحانه، فإذا جاء وحيُ (3) الله سبحانه بنسخِ ذلك الحكمِ، كانَ وحياً على صفةٍ تعطي الزيادة في القوة بالإعجاز، ولا وجهَ لتجويزِ نسخِ ما أُوحيَ إليه بشرعهِ، بقوله (4)، مع
__________
= و"المعتمد" 1/ 423، و"الإحكام" للآمدي 3/ 150 و"الإبهاج" 2/ 270، و"المستصفى" 1/ 134، و"التبصرة" (264).
(1) رواه البخاري (2732) ضمن حديث طويل في صلح الحديبية عن المِسْور بن مَخْرمَةَ ومروان بن الحكم.
(2 - 2) طمس في الأصل.
(3) طمس في الأصل.
(4) زاد في الأصل هنا: "بما أوحي إليه فشرعه بقوله"، ونظنها تكراراً لما سبق.
(4/299)

المنع، مع نسخِ (1) ما قال عن وحيٍ بما قاله الله سبحانه من الوحي.
وفيما قدَّمنا من الأدلةِ على تجويزِ نسخ القرآنِ بالسنةِ تنبيهٌ على تجويز نسخِ السُّنةِ بالقرآنِ؛ لأنَّ نسخَ الآكدِ بالأضعفِ يُعطي تجويزَ الأضعفِ بالآكدِ والأقوى.
وتحقيقُ القولِ في ذلك: أنّا قد علمنا أنَّ الحكمَ المندرج في السنة، حكمٌ شَرَعَهُ اللهُ بوحيه على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - وعلمنا أنَّ ما نزلَ من كلامهِ سبحانه متضمناً (2) حكماً، هو وحيٌ من الله، فإذا جازَ أن يرفعَ حكمَهُ وحيُهُ بقولِ رسولِه المخبرِ عن وحيِه، لم يحسنْ أن نقولَ: لا يجوزُ أنْ يُنْسخَ حُكْمُ الله الأولُ بوحيهِ الثاني بكلامِهِ، مع كونِ الوحيين متساويين، وأحدُهما زادَ فيه كونه وحياً بكلام الله، (3 فكانَ وحيُ الله بكلامه أقوى وآكدَ من 3) وحي اللهِ بغيرِ كلامِه (4) ومنعُ (5) نسخِ (6) وحيه بغيرِ كلامِ الله بوحيهِ، بكلامِه، يَجْعلُ (7) كونَه وحياً أو كلاماً له مقصراً عن الوحي (8) الذي ليسَ بكلامِهِ، ولا وجهَ لذلكَ.
يوضّحُ هذه الطريقةَ: أنَّ كلامَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، المرويَّ قد اختُلِف في
__________
(1) في الأصل: "فنسخ".
(2) في الأصل: "متضمن".
(3 - 3) طمس فى الأصل.
(4) زاد هنا في الأصل: "بوحي ... بغير كلامه"، ونظنه إعادة لما سبق.
(5) في الأصل: "ومع".
(6) طمس في الأصل.
(7) في الأصل: "فنجعل".
(8) في الأصل: "كون الوحي".
(4/300)

جوازِ نقله بالمعنى، وقد يدخلُ الروايةَ بالمعنى نوعُ اختلالٍ، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نَضَّرَ الله امرأً سمعَ مقالتي، فوعاها، فأدَّاها كما سمعها، فربَّ حاملِ فقهٍ غيرُ فقيهٍ، وحاملِ فقهٍ إلى مَن هو أفقهُ منه" (1)، والقراَنُ محفوظُ الألفاظِ، فالحكمُ فيه أشدُّ حفظاً، فإذا جازَ نسخُ السنة بالسنةِ، مع تجويزِ نقلها بالمعنى الذي يجوز عليه الاختلالُ بتغييرِ اللفظِ، فلأن يجوزَ نسخُ السنةِ بالقرآنِ المحروسِ، المحفوظِ المعاني بحفظ ألفاظِهِ، أَوْلى، والله أعلم.

فصلٌ
في شُبَهِهِمْ
فمنها: أنَّ السنةَ مبينةٌ للقرآن، وما وُضعَ للبيانِ لشيءٍ، لا يُنْسَخُ بذلك الشيءِ، والدلالةُ على ذلك: قولُهُ تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44].
ومنها: أنَّ السنةَ ليست من جنس القرآنِ، والشيءُ لا يُنْسَخُ بغيرِ جنسِهِ؛ بدليلِ [أَن] القرآنَ لا تنسخُهُ السنةُ، وربَّما قالوا: لمَّا لم يَجُزْ نسخُ القرانِ بالسنةِ، لم يَجُزْ نسخُ السنةِ بالقرآنِ.
ومنها: أنَّ السُّنةَ مَا عُرِفَتْ إلاَّ بالقرآنِ، فلو بَيَّنَها القرآنُ، صارت أصلاً، ولا يجوزُ أنْ يصيرَ الفرعُ أصلاً.
__________
(1) تقدم تخريجه 1/ 7.
(4/301)

فصل
في الأجوبة
أما الأولُ: فإنَّ البيانَ هو التبليغُ، وكونُهُ مبلغاً لا يمنعُ أنْ يردَ (1 بلاغه بوحي من الله ونطقٍ ليس من 1) القرآن، وتارةً يرد بنطقِ القرآن (1 الذي أوحي إليه، فكلاهما وَحْيُ الله 1)، فوحيُ الله إذا بينه بوحيهِ، لا فرقَ بينَ كونهِ كلامَ الله، أو إلهامَ اللهِ، فكلاهما (2) من عندِهِ، ولهَذا جازَ تخصيصُ السنةِ بالقراَنِ، وهيَ أحدُ البيانينِ.
وأمّا قولُهم: لشىَ منْ جِنْس السنةِ، فلا عبرةَ بالجنس بعدَ تساوي الجهةِ التي صدرَ عنها الأمرانِ: الناسخُ والمنسوخُ، والَمبيَّنُ والبيانُ، فكلاهُما (3) وحيُ الله، إذ لا ينطقُ إلاَّ عَنْ وحي، ولوْ نَطَقَ باجتهادِهِ، لم يَمْتَنعْ أنْ يردَ نطقُ القرآنِ رافعاً [و] ناسخاً لما حكمَ بِهِ باجتهادِهِ.
فعلى كلا الأمرينِ: لا يمتنعُ نسخُ الجِنْسِ بغيرِ الجنسِ، وهما يجريانِ مجرى الجنسِ الواحدِ، لكونِهما من عندِ الله، وإلهامَه وحكمَه المشروعَ بأمرِهِ ووحيهِ، ولهذا جازَ بيانُ كلِّ واحدٍ منهما بالآخرِ في بابِ التخصيصِ.
وأمَّا الأصلُ الذي قاسُوا عليه، وهو نسخُ القرآنِ بالسنةِ، فإنَّا لا نسلِّمُهُ؛ على ما اخترْنَاهُ من نسخِ القرآنِ بالمتواترِ من السنةِ، ومَن سلَّمَهُ لم يُعَلِّلْ بأنَّهُ ليسَ من جنسِهِ، ألاَ تَرَى أنَّ الآحادَ من السُّنَنِ مِنْ
__________
(1 - 1) طمس في الأصل.
(2) في الأصل: "كلاهما".
(3) في الأصل: "وكلاهما".
(4/302)

جنْس المتواترِ منها، ولا (1) ينسخُ آحادُها متواتِرَها، لكن عَلَّلوُا بأنَّ الَقرآنَ أعلى وآكدُ، وأنَّهُ ذو إعجازٍ، ولَهُ حرمة في التلاوةِ؛ في اعتبارِ الغسلِ من الجنابةِ لها، ورفع الحَدَثَيْنِ جميعاً لمسِّ المسطورِ من كتابِ الله، بخلافِ السنة.
وأمّا قولُهم: تصيرُ أصلاً. فلا تصيرُ أصْلاً، كما لا تصيرُ أصلاً بتخصيصِ القرآنِ لها، ولهذا (2 .......... 2) لا تصير أصلاً ببيانِها بالتخصيصِ للقرآنِ (3).

فصلٌ
في جوازِ نسخ [الحكم] قبلَ وقتِ فعلهِ
لا يختلفُ الناسُ في جوازِ نسخِهِ قبلَ فِعْلِهِ؛ لأنَّ المكلف لو تَرَكَهُ توانياً حتى فاتَ وقتُهُ، لم يَمتَنعْ نسخُهُ.
واختلفوا في جوازِ نسخِهِ قبلَ وقتِ فعلِهِ:
فالمذهبُ عندَنا: جوازُ نسخِهِ، هذا ظاهرُ كلامِ صاحِبنا أحمدَ (4) رضيَ الله عنه، وإليه ذهبَ ابنُ حامدٍ، واختارهُ شيخُنا الإمامُ ابنُ الفَراءِ (5) رحمة الله عليه، وبهذا قال أكثرُ أصحابِ الشافعي (6)،
__________
(1) في الأصل: "فلا".
(2 - 2) طمس فىِ الأصل بمقدار خمس كلمات.
(3) طمس في الأصل.
(4) انظر "المسودة" (207)، و"روضة الناظر" مع "جنة المناظر" 1/ 203 وما بعدها.
(5) "العدة" 3/ 809.
(6) انظر "المنخول " للغزالي (297)، و"المستصفى" 1/ 112، و"الإحكام" =
(4/303)

والأشاعرةُ (1).
وذهبَ أبو الحسن التميميُّ: إلى نفي جوازر، وهو مذهبُ الصيرفيِّ من أصحابِ الشافعيِّ (2)، وأكثر المعتزلة (3).
واختلف المجيزونَ لنسخِ الشيءِ قبلَ وقتِ فعلِهِ، هل يجوزُ على الوجهِ الذي أمرَ به، أم على خلافِ ذلكَ الوجهِ؟ على مذهبين.

فصلٌ
في جمعِ أدلتنا
فمنها: إثباتُ وجودِ ذلكَ من جهةِ الله سبحانه، بدليلِ قوله تعالى لإبراهيم: اذبحْ ولدَكَ، ورُوِيَ: واحدكَ، ودلَّ عليه قولُه في القرآن: {يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} [الصافات: 102] إلى قوله: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [الصافات: 103] إلى قوله: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 107]، والفِداءُ بالذبحِ نسخٌ لما كانَ شرعَهُ من الذبح قبل وقتِ الذبحٍ، فقد تضمنَتْ هذهِ الآيةُ تجويزَ ذلكَ على اللهِ سبحانه؛ إذ كان في شريعةٍ من شرائعِهِ، وفي شريعتنا، لأنَّ نبيَّنا - صلى الله عليه وسلم -
__________
للآمدي 3/ 115، "شرح اللمع" للشيرازي 2/ 193.
(1) انظر "العدة" لأبي يعلى 2/ 808، و"البرهان " 2/ 1303، و"الإحكام" للآمدي 3/ 126.
(2) انظر "المنخول" (297)، و"أصول السرخسي" 2/ 63، و"الإبهاج" 2/ 256، و"الإحكام" للآمدقي 3/ 115.
(3) انظر "المعتمد" 1/ 407.
(4/304)

(1 قد أُمِرَ1) باتِّباعِ أبيه إبراهيمَ، والاقتداءِ به، وشرعُ منْ سَبَقَهُ شرعٌ له، ما لمْ يَثْبُتْ نسخُهُ على (1 ما قَدَّمنا 1).

فصل
في أسئلتهم على هذه الآية
(1 الأول: أن ذلك كان مناماً، فلا يثبت به الأمر 1).
والثاني: أنه قال بلفظ المستقبلِ، وليسَ فيه تصريحٌ بالأمرِ من الله، وقول إسحاق أو إسماعيل: افعلْ ما تؤمرُ، ولمْ تقُلْ: ما أُمِرْتَ، لكنْ علقَه على المستقبلِ، فدلَّ ذلكَ على أنَّه لم يكنْ تحققَ الأمرُ، وانما قالَ: افعلْ ما يتحققُ من الأمرِ لكَ في مستقبلِ أمرِكَ.
ومنها: أنَّهُ كان أمرَ بمقدماتِ الذبح مِنْ أَخْذِ المُدْتةِ والحَبْلِ، واخراج ابنه إلى الصحراء، فاستشعر إبَراهيم أنه إنَّما يؤمرُ بذبحه، فكشفَ النسخُ أنه لم يك مأموراً إلا بالقدْرِ الذي أُمِرَ به من الأماراتِ، دون حقيقة الذبح، وليسَ هذا نسخاً، لكنه بيانٌ (2)، والذي أُمِرَ به قد وَقَعَ منهُ، وهو إخراجُهُ على الوجهِ الذي أخرجَهُ، وتلُّهُ للجبين.
ومنها: أنَهُ قد كانَ أُمِرَ بالذبحِ، وقد أوقعَهُ، لكن رويَ أنَّهُ كانَ كُلَّما قطعَ عِرْقاً، عادَ ملتحماً، فلا يكونُ ما جرى من الفداء نسخاً؛ لأنَّ نفسَ المأمورِ بهِ قد وقعَ، ويشهدُ لهذا التأويلِ قولُه: {قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} [الصافات: 105]، فيعطي هذا: أنَّهُ صدَّقَها بالفعلِ وايقاعِه على الوجهِ المأمورِ به، إمَّا الذبحِ، أو أمارات الذبح، ولهذا
__________
(1 - 1) طمس في الأصل.
(2) في الأصل: "بياناً".
(4/305)

قال: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الصافات: 105] فبالنَ (1) موقعُ الإحسانِ.
ومنها: أن قالوا: لم يُرِدْ إلاَّ اختبارَهما، وابتلاءَ سرِّهِما وصبرِهما، فأمَّا نفسُ إيقاعِ الفعلِ، فلا، وإذا أراد ذلكَ، لم يكنْ ناسخاً لما شرعَهُ قبلَ وقتِ فِعْلِهِ (2 لتحقُّقِ الفعلِ 2) المشروعِ من الابتلاءِ في وقتِهِ، وكشفِ (2 اختبارهما عن حقيقة طاعتهما 2).
(2 ومنها: أنه جُعِلَ على أَوْداجِه 2) صفيحةٌ من نحاس، تَمنع من الذبح بعد ذلك، فلم يتَحَقَّقْ أَمرُه به، لا نسْخاً، لكن منعاً (3).

فصلٌ
أمّا قولُهم: منام، فإن منامَ الأنبياءِ فيما يتعلقُ بالأوامرِ والنواهي
وحيٌ مُعوَّلٌ (4) عليْهِ، وكانَ وحيُ نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - شهوراً بالمنامِ، فيأتي كفلقِ
الصبحِ (5)، وقيلَ: إنَّه كانَ ذلكَ ستةَ أَشْهُرٍ؛ ولذلكَ رويَ أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -
__________
(1) في الأصل: "فاين".
(2 - 2) طمس في الأصل.
(3) جاء في الأصل بعد ذلك ما نصه: "والجواب له مضروب عليه في أصل النسخ"، ونظن أن هذه العبارة كانت في هامش الأصل المنقول عنه، فأثبتها ناسخ هذا الأصل في المتن ظناً منه أنها بعضه، والجواب عما أوردوه في الآية يأتي في الفصل التالي.
(4) في الأصل: "معمول".
(5) كما في حديث عائشة الطويل: أول ما بُدىء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح .... أخرجه أحمد 6/ 153، والبخاري (3) و (4953) و (6982)، ومسلم (160).
(4/306)

قال: "الرؤيا الصالحةُ جزءٌ مِنْ ستةٍ وأربعينَ جزءاً من النبوة" (1) فكانت النبوةُ ثلاثاً وعشرينَ سنةً، والستةُ أشهرٍ التي كانَ يرى المنامَ (2 فيها جزء من ثلاثٍ وعشرينَ سنةً، فكانت الستةُ أشهرٍ جزءاً من ستةٍ وأربعين جزءاً من النبوة 2) على ما رُوي، وهذا تأويل استفدْناهُ من رئيسِ الرُّؤساءِ (3) رحمه الله تعالى.
وقد عَمِلَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - برؤيا عبد الله بن زيدٍ وعمرَ بنِ الخطابِ في الأذانِ (4)، فكيفَ برؤيا الأنبياءِ عليهم السلامُ؟ فلا يقالُ: فهو (5) ليسَ بحقيقةٍ، لأنَّهُ ليسَ بخيالٍ، وإنَّما هوَ إلقاء من الملكِ، وإيحاء منَ الله سبحانَهُ إلى قلوبهم، ولهذا رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قالَ: "ما احتلمَ نبيّ قط" (6)، يعني: أنّه لم يَتَشَكَّلْ له الشيطانُ في المنامِ على الوجهِ الذي يتشكلُ لأهلِ الاحتلامِ، ولأنَّهُ لو كانَ خيالاً لا وحياً، لما ساغ لإبراهيم التصميمُ على الفعلِ لأجلِهِ.
وأمَّا قولُهم: ليس بلفظِ الماضي، ولا الحالِ، ولكنْ بلفظِ المستقبل،
__________
(1) أخرجه البخاري (6983)، ومسلم (2264).
(2 - 2) في الأصل: "ستة أشهر، فكان بالستة"، وعبارة الأصل كما ترى غير مستقيمة، وفيها اضطراب شديد، لذا آثرت إصلاحها كما هو مثبت.
(3) هو أبو القاسم علي بن الحسن ابن الشيخ أبي الفرج بن المسلمة، الملقب برئيس الرؤساء، وَزَر للقائم بأمر الله. حدث عنه الخطيب البغدادي.
توفي سنة 450 ه. "سير أعلام النبلاء" 18/ 216.
(4) تقدم تخريجه في الصفحة (298).
(5) في الأصل: "فمن".
(6) أخرجه الطبراني في "الكبير" (11564)، وابن عدي 3/ 93، ومدار الرواية على عبد العزيز بن أبي ثابت، وهو ضعيف، ووقع في "مجمع الزوائد" 1/ 267: عبد الكريم بن أبي ثابت، وهو خطأ.
(4/307)

فإنَّ شاهِدَ الحال دل على أنها رؤيا سابقةٌ، (1 فإنه لو 1) كانَ للمستقبلِ، لما شَرَعَ في حملِ الولدِ، وسوقِهِ، واستصحاب (1 المُدْيةِ والحبلِ، وصرعِه 1)، ويجوزُ أنْ يكونَ قالَهُ بلفظِ المستقبلِ، لتتابع ذلكَ وتكرارِه (2 ........ 2) دوامُ الرخصِ، (2 وكذلك قول إبليس للمَشركين: {إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ} [الأنفال: 48]، يعني: رأيتُ ما لمْ تَرَوْا منَ الملائكةِ الذينَ أرسلَهُمْ الله سبحانه يومَ بدر لنبيه والمؤمنين، ولمْ يرد بهِ المستقبل، وإنْ كانَ بلفظِ المستقبلِ.
وأمَّا قوله: {افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} [فهو] دلالةٌ على أنَّ إبراهيمَ كانَ مأموراً، وقولهُ: {مَا تُؤْمَرُ}، يعني: ما أُمرتَ، وما تؤمرُ حالاً بعدَ حال، ووقتاً بعدَ وقتٍ، أوْ يكونُ افْعَلْ ما تؤمرُ في ثاني الحال من الذبحِ، أو غيرِهِ ممَّا يكونُ قبلَهُ من تعذيبٍ وإيلامٍ.
وأمَّا قولهم: إنَّهُ أمرَهُ بمقدماتِ الذبحِ، فلا يصح لوجوهٍ: أحدُها: أنَّ ذلكَ ليسَ بالحقيقةِ، لأنَّ حقيقةَ الذَّبحِ الشقُّ، قال شاعرُهم (3):
كأنَّ بينَ فكِّها والفكِّ ... فأرةَ مسكٍ ذُبحت في سُكِّ
يعني: شُقَّتْ.
الثاني: أنَّ قرائنَ القول ودلائلَ الحال، تعطي أنَّهُ نفسُ الذبحِ لا
__________
(1 - 1) طمس في الأصل.
(2 - 2) طمس في الأصل.
(3) هو منظور بن مرثد الأسدي، من رجز له. انظر "اللسان" (ذبح)،
وانظر "التفقه في اللغة" لابن أبي اليمان (613).
(4/308)

مقدماتهُ؛ لأنَّهُ قالَ: {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات: 102]، فهذا لا يقالُ إلاَّ على بلاءٍ صعب مُؤْلمِ، ثمَّ إِنَّ الله سبحانه يشهدُ لحالِهِ بأنّه بلاءٌ مبينٌ، بقولِهِ: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ} [الصافات: 106].
ثُمَّ إِنه قالَ: {وفَدَيْناهُ}، ولو كانَ المأمورُ بهِ هوَ المقدماتِ، وقد حصلت، لما كان الذِّبْحُ فداءً؛ لأن الفداءَ ما قامَ مقامَ الشيءِ، فلمَّا سمى ذبحَ الذِّبْح فداءً، عُلِمَ أنَّه كانَ المأمورُ بهِ عينَ الذبح، ثُمَّ أبدلَه الله سبحانه بإيقاَعِهِ في ذلكَ الحيوان، وسمَّاه فداءً؛ كما يَسمَّى المالُ المأخوذُ عن الأسرى فداءً، قال سبحانَهُ: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [محمد: 4].
فإنْ قيلَ: وكيفَ لا (1 يكون أمرأَ بأمارات ومقدمات الذبح من أخذ 1) المدية والحبل (1 وتَلِّهِ للجبين، وأنه أُبهمَ 1) عليه عاقبة ذلكَ، فيعطي شاهد هذه الحال: أنَّ المتعقبَ لذلكَ لا يكونُ في ظاهرِ الحالِ إلا إيقاعاً للذَّبح في ولده، ويَحْسُنُ أَنْ يُسَمَّى مثلُ هذا بلاءً، ويظنهُ إبراهيمُ ذبْخاً، لأمرِهِ بمقدماتِ الذبحِ.
قيل: فعندكم لا يجوزُ تعريضُ المكلَّفِ للجهلِ، والأمرُ بالأماراتِ والمقدماتِ، قدْ (2) أَوْهَمَتْه أنَّها أمْرٌ بالذبح، وهذا خلافُ ما أَصَّلْتُموه من المنعِ منْ تعريضِ المكلفِ للجهل.
على أنَّ أهلَ النقلِ قد أجمعُوا على أنَّ إبراهيمَ كانَ مأموراً بذبح ولدِهِ، فلا وجهَ لخلافِهم (3)، ولأنَّ فيما ذكرنا من ذِكْرِ الفداءِ دلالةً علىَ
__________
(1 - 1) طمس في الأصل.
(2) في الأصل: "فقد".
(3) في الأصل: "لخلافيهم".
(4/309)

على أنَّ المأمورَ بهِ حقيقةُ الذبح لا مقدماتُهُ، وتأكُّدُه بقولِهِ: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ} لا يكونُ إلاَّ في الحَقيقةِ؛ لأنَّ المجازَ لا يُؤَكَّدُ؛ لأنَّ الأمرَ بالمقَدمات بلاءٌ مُوهَم ومُخيَّلٌ فأَمَّا مبين، فلا يكونُ إلا قدْ أُمِرَ بحقيقةِ الذبحِ.
وأمَّا قولُهم: إنَهُ ذبحَ والتحم، فهذا لو كانَ، لما أغفلَ البارىء ذكرَهُ وقد (1) ذكرَ المقدماتِ، وهذا من أعظمِ الآياتِ، وأبهرِ الإعجازِ، فكيفَ يتركُ ذكرهُ، ويذكر تلَّهُ للجبينِ؟ ثمَّ إِنَّهُ مع كونه من أبهرِ الآياتِ في فعلِ الله، فهو من أعظم البلاوي، وأبلغِ الطاعاتِ؛ حيثُ قطعَ أوْدَاجَ ولدِهِ وواحِدِهِ، ألا تَرَى أنًّ في إلقائه في النارِ، ذكرَ سبحانه أقصى ما فَعَلَهُ، فقالَ: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69]، وذكر في قصة يوسف ما نالَهُ من إخوتِهِ؛ (2 من إلقاءٍ له في الجُبِّ 2)، والبيع له بالبخسِ، ومجيءٍ [على] قميصِهِ بالدمِ، وما لحقَهُ من انهمام امرأة العزيز (2 به، ومراودته عن نفسه، فذكر أن صبره على ذلك من 2) فضائل الصابرينَ من الأنبياء (2 فكيف يذكر ابتلاءَهُ بأشد 2) محنةٍ؛ لأنَّهُ لا تكليفَ أشقُّ ولا أوجعُ من أمرِ أبٍ بذبح ولدهِ وواحدة، ثُمَّ إِنه يقعُ منه ذلكَ طاعةً لله، وتسليماً لأمرِهِ، وصبراً عَلى بلائِهِ، ويتفقُ في ذلكَ الذابحُ والمذبوحُ، ثُمَّ يذكرُ مقدماتِ البلاءِ، ويسكتُ عن حقيقةِ البلاءِ، وفيهِ غايةُ التبجيلِ للمُبْتلَى، وإغلاق العروقِ وهي غايةُ الإعجازِ، وبيانِ القدرةِ في حقِّ المُبْتلِي (3) جَلَّتْ عظمتُهُ، هذا بعيدٌ جداً.
ثُمَّ إنَّ الذي يبطل هذه الدعوى، قولُه تعالى: {وفدَيْناهُ بذِبْح}
__________
(1) في الأصل: "و".
(2 - 2) طمس في الأصل.
(3) في الأصل: "المبلي".
(4/310)

[الصافات: 107]، ومعلومٌ أنَّ الفداءَ ما كانَ قائماً مقامَ المفدى فإذا كانَ الذبحُ قد وقَعَ، والحلقُ انقطع حقِّ إسحاق والكبشِ، فهما جميعاً مذبوحانِ، فلِمَ كانَ الكبشُ فداءً؟!.
وأمَّا قولُهُ: {قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} [الصافات: 105]، فإن التصديقَ إنما عادَ إلى أفعالِ القلْبِ من الاعتقادِ وتصميم العزمِ، وتحصيلِ أدواتِ الفعلِ، وتلِّ ولدِه للجبينِ، وإمرارِ المُدْيةِ علىَ الحلقِ، وليسَ إليه في التصديقِ سوى هذا، فسمَّاهُ مصدقاً، لإثباتِهِ لكلِّ (1) فعلٍ ظاهرٍ دل على تصديقهِ، ولما اطَّلَعَ الله سبحانه عليه؛ من باطنِ قصده وعزمه وعقده، ولهذا قال سبحانه فيِ الضحايا: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا} [الحج: 37]، فأسقط حكمَ الذبح، وتفريقِ اللحم، وذكرَ أنَّهُ لا يقبلُ إلا خلوصَ القصدِ، وسلامتَه من الرِّياء، وقولُه تعالى: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الصافات: 105] المرادُ بِهِ: الاعتقاد (2 والإخلاص لله عز وجل 2) وأَمَّا قولهم: (2 أرادَ ابتلاءَ2) صبرهِم (2 واختبارَ سِرِّهم. لا يليق بجلال الله 2) سبحانه، لأنه العالم بأحوال خلقِه، ومقاصدِهم، وسرائرِهم، ومقاديرِ صبرِهم، وإنما يفعلُ فعلَ المختبرِ، فيقعُ عليه الاسمُ مجازاً، كالغضبِ والآسفِ، وكلُّ ذلكَ لصَدْرِ أفعال الغضبانِ والأَسِفِ، لا أنَّ حقيقةَ الغضبِ -وهو غليانُ دمِ القلبِ طلباً للانتقامِ- مما يصحُّ عليهِ، ولو كانَ الامتحانُ حقيقةً في حقِّه، والغضبُ حقيقةً في حقه، والرَّحْمةُ (3) حقيقةً في حقِّهِ، لكانت الحدودُ لهذه الحقائقِ منطبقةْ عليه سبحانَهُ، كانطاقِ حَدِّ العلمِ والقدرةِ والحياةِ والإرادةِ،
__________
(1) في الأصل: "بكل".
(2 - 2) طمس من الأصل.
(3) في الأصل: "الرحم".
(4/311)

فالعلمُ في حقِّهِ وحقِّنا: معرفةُ المعلوم على ما هو به، والقدرةُ: صحةُ الفعل، والإرادةُ والمشيئة: صَدْر الأفَعالِ عن قصدهِ إليها، فلما كانَ الغضبُ هو انفعالٌ يدخلُ على النفس، وانشطاطٌ يهجمُ على الطبعِ، فيغلي لَهُ دمُ القلب، والاختبارُ واَلابتلاءُ: تسليطُ ما يُظهِرُ خوافيَ المُبْتَلَى، وكوامنَ أَسرارِهِ؛ بما يسلطُهُ عليهِ المُبْتلِي، كما يُمتحنُ الذهبُ على النارِ، عُلِمَ أنَّهُ ليسَ بصفةٍ لله، وإنَّما هو (1) أمرٌ يعود إلى فعله دونَ وصفِهِ؛ إذِ الحقائق لا تختلف شاهداً وغائباً، فلمَّا لم ينطبق الحدُّ عليه سبحانه، بطلَ دعوى الامتحان حقيقةً عليه، وهي أنه فعلٌ يصدرُ عنهُ يضاهي فعل الممتحنِ.
وأمَّا قولُهم: إنه جعَلَ على أوداجهِ صفيحةَ (2) حديدٍ أو نحاس تمنعُ من الذبح بعدَ (3 اضجاعِه للذَبح 3)، فغير مستقيمٍ على أصولهم؛ لأنَّهُ لا يأمر بمَا لا يطاقُ، وهذا (3 مما لا يطاق وعندهم لا يحال بين المأمور 3) وبين المأمور به (3 بل لا بد من الإقدار 3) عليه، ولهذا منعُوا من إماته المأمورِ قبل وقت مجيء الفعلِ (3 ومن تعجيزه 3)، ومن إِمراضهِ، وكلِّ مانع يحيلُ بينهُ وبين الفعلِ، ويكونُ عندهُم ذلك إغراءً بالمعاصي إنْ أعلمهُ، وتعريضاً بالجهلِ إنْ لَم يعلمهُ.
وأيضاً فماصحَّتْ بهِ الراويةُ من نسخِ ما فرضهُ الله على نبيهِ - صلى الله عليه وسلم - من خمسين صلاةً، ثم استنقصهُ، فنَقَصَهُ إلى خمس صلواتٍ قبلَ وقتِ الفعلِ لها، وكانَ ذلك منهُ لُطفاً وتسهيلاً، وحُكَمُه في السماءِ حكمُهِ في الأرضِ، وما جاَز أنْ يَشرعهُ في السماءِ، جازَ أنْ يأمرَ بهِ في الأرضِ.
__________
(1) في الأصل: "هي"
(2) في الأصل "صفحة".
(3 - 3) طمس في الأصل.
(4/312)

وقد قال قوم: لا يثبتُ الحكمُ في حقِّنا، ولا النسخُ ما لم يُنزَّل، وهذا إنما يكون، إذا كانَ مع جبريلَ عليه السلام قبل أنْ يتلقاه مأموراً بهِ، فأمَّا معَ تلقي نبينا - صلى الله عليه وسلم - للأمرِ، فإنهُ واصل إلى المكلفِ به (1)، فخطابهُ خطاب لَنا، وخطابنا خطاب لهُ، ودلائلُ الحال وقرينةُ الخطابِ دَلَّتْ على أنَّهُ كانَ إلزاماً لَنا أيضاً؛ لأنهُ روي أنَّ موسى عليه السلام كانَ يقول لهُ: "إنَّ أُمتكَ ضعفاءُ لا يطيقون، فاستنقص الله، ينقِصْكَ" (2)، وهذا يشهد بأنَّ ذلكَ تكليس وصلَ إلى المكلف، فلا يكون حكمه حكمَ النسخِ على يد جبريل؛ لأنَّ جبريلَ رسول غيرُ مكلف، ولا داخلٌ تحت الخطاب.
وهذه الطريقة مبنية على الإسراء، وهو ثابت عندنا يقظةً لا مناماً، وجميعُ ما صَحَّتْ به (3 المسألة هناك تصح به المسألة هنا 3)، فالحُجَّةُ هناك أَوضحُ وأظهر من الحُجَّةِ في هذه المسألةِ.

فصل
في أدلة الاستنباطِ
فمن ذلك: أمره بالفعل المطلق المقتضي بظاهره تكررَهُ بتكررِ (4) الأزمانِ، فما من زمانٍ مستقبلٍ إلا وهو مُسْتَوْعَبٌ مَشْمُولٌ بالأمرِ بالفعلِ المأمورِ به فيه، فلم يُمْنَعْ قطعُ ذلكَ الأمرِ عن أوقاتٍ مستقبلةٍ بنسخِ الأفعال المستقبلة، فكذلك نسخه للأمرِ الواحدِ عن إيقاعه
__________
(1) في الأصل: "له".
(2) تقدم تخريج حديث الإسراء في الصفحة 186.
(3 - 3) طمس في الأصل.
(4) في الأصل: "تكرر".
(4/313)

قبلَ (1) الوقتِ الواحدِ، ولا فصلَ، لأنَّ غايةَ ما يقولون في ذلك: أنه لا يفضي إلى اعتقادِ الجهل إذا كانَ أمراً مطلقاً، وقد وقع الامتثالُ، وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّ المكلفَ اعتقدَ الدوامَ، وما كانَ، أو يقالُ: اعتقدَ دوامَهُ بشرطِ أنْ لاينسخ، فمثله هاهنا يَعْتَقِدُ إيقاعَ الفعل إنْ لم يُنْسَخْ.
ومن ذلك: أنَّ التكليفَ لا يخلو أن يكونَ على سبيلِ الأصلح، كما قال بعضُ الأصوليين، أو على ما قالَ بعضهم: إنَه (2) على وجه اَلمشيئةِ المطلقةِ من غير اشتراطِ الأصلح؛ فإنْ كانَ على المذهبِ الأول، فلا بدعَ أن يكونَ الأصلحُ للمكلفِ اعتقادَ الوجوبِ، واعتناقَهُ، والعزمَ عليهِ، وتوطينَ النفسِ على إيقاعِهِ في الوقتِ الذي نيط به.
وإنْ كانَ على وجه المشيئةِ، فلا حجرَ، فلا وجهَ للمنعِ، بل له أن يشاءَ الأمرَ دونَ المأمورِ (3 به، والأمرُ 3) لتحصيلِ الاعتقادِ والعزمِ دون الفعل، ولا يشرط لأمرهِ ضمُّ (3 شيءٍ إلى أشياء3)، وتعلق شيء بشيء ويبينُ بالنسخِ أنَّ المرادَ مِنه ما أتى به التكليف (3 ولو أن ما أراده 3) كانَ ما شرعَ فيه من مقدمات الذبحِ، ولم يكنْ أرادَ عينَ الذبحِ لضرب (3 عن ذكر الأمر بالذبح 3).

(3 فصل
في النسخ بالقياس
لا يجوز النسخ بالقياس لأن القياس ليس بخطاب 3) على ما قدمنا (4)
__________
(1) طمس في الأصل.
(2) في الأصل: "وأنه".
(3 - 3) طمس في الأصل.
(4) في 1/ 433 وما بعدها، وانظر "العدة" 3/ 827، و"المسودة" (225)، و"التبصرة" (274)، و"المستصفى" 1/ 126، و"فواتح الرحموت" 2/ 84،=
(4/314)

وإنما القياس (1 أن ينص على1) إباحة التفاضلِ بين الأَرز بالأرزِ؛ فإنه لا يُنْسَخُ بالمُستنبَطِ (1 من نَهيِه 1) عن بيع الأجناس، أو نهيه عن بيعِ الطعامِ بالطعامِ متفاضلاً، وما شابه ذلك، خلَافاً لبعضِ أصحاب الشافعيِّ: يجوزُ النسخُ بالقياس، وقال أبو القاسم الأنماطيُّ (2) منهمْ: يَجُوزُ بالقياس الجليِّ.

فصلٌ
في أدلتنا
فمنها: أنَّ القياسَ يستنبطُ من أصلٍ هو السنة، فلا يجوز أن يعودَ الفرعُ المستنبطُ على أصلهِ بالإسقاطِ.
ومنها: أنَّه قياس، فلا ينسخُ به، كالخفيِّ.
ومنها: أنَّ النص يُسقِطُ القياس إذا عارضَهُ، وما أسقط غيرَهُ، لم يجز نسخُهُ (3 به؛ كنصِّ 3) القرآنِ لَمَّا أسقط نصَّ السنةِ، لم يجزْ نسخُه بها.
__________
= و"أصول السرخسي" 2/ 66.
(1 - 1) طمس في الأصل.
(2) هو أبو القاسم عثمان بن سعيد بن بشار الأنماطي، أخذ عن المزني والربيع، وحدث عنهم، تفقه عليه: أبو العباس بن سريج، وأبو سعيد الإصطخري، واشتهرت به كتب الشافعي ببغداد، توفي سنة (288) ه.
انظر "طبقات الشافعية" 2/ 301، و"تاريخ بغداد" 11/ 292، و"شذرات الذهب" 2/ 198.
وانظر رأيه هذا في "شرح اللمع" 2/ 229، و"التبصرة" (274).
(3 - 3) طمس في الأصل.
(4/315)

فصل
في شبهة المخالف
لما جاز التخصيصُ لعمومِ القرآنِ، وصرفُ ظاهرِ القرآن به، جازَ أن يقضي على بيان مدةِ حكمِ النَصِّ، إذ ليس النسخُ بأكثرَ من بيانِ نهايةِ مدةِ حكمِ النصِّ الثابت بالقرآن، وكما جاز أن يقضي على عموم الأعيانِ التي يستغرقها عمومُ القرآن؛ بالبيانِ عن أنَّ المرادَ (1 منها بعضها1)، جاز أن يقضي على عموم الأزمانِ في حكمِ النصِّ، فيبين أنَّ المرادَ به بعضُ ما اقتضاه الإطلاق من الزمان.
فيقال: ليس النسخُ من التخصيص في شيءٍ، ولهذا نخصُّ عمومَ القرآنِ بدليلِ العقلِ، [و] بالإجماعِ، والقياس الخفي، ولا يُنْسَخُ نَصُّ القرآنِ بذلك.
شبهةُ الأنماطيِّ على (1 مذهبه: أنَّ 1) التنبيه يجري مجرى النص، ولهذا ينقضُ به حكم الحاكم، (1 فإذا جازَ النسخُ 1) بالنصِّ، جاز به.
ونحنُ موافقون له في هذا (1 القياس؛ لأن النصَّ لا يُسقط النص إذا عارضه، فجاز النسخ به، وليس كذلك القَياس، فإنه يُسقط القياس إذا عارضه فلم يَجُز نسخه به، بخلاف الأصل 1) المستنبط منه، ومهما (1 كان القياس، لا يُنْسَخُ به1) وإنما يَنسخُ الأصلُ الذي يستنبطُ منه، فيسقط حكمه، مثل أن ينصَّ على تحريمِ التفاضلِ في المطعوماتِ السِّتَّة، فيقاس عليها الأرز، فإذا نُسِخَ تحريم التفاضلِ في المطعوم، سقط قياس الأرز؛ لسقوطِ أصله.
__________
(1 - 1) طمس في الأصل.
(4/316)

فصل
ولا يجوز نسخُ الإجماع، ولا النسخُ به، وما عَرَفْتُ مخالفاً، فأَحكِيَ قولَه.
والدلالةُ على ذلك: أنَّ النسخَ إنَّما هو إِمَّا رفعُ الحكمِ بعد ثبوتِهِ، أو بيانُ مدة الحكمِ، وانتهاء غايتها، وذلكَ لا يكونُ إلا لمن نزل عليه وحيٌ يطلعهُ على انتهاءِ مدةِ الأصلح، أو مدةِ الإرادةِ، وهو النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، والإجماعُ لا يثبت حكمُهُ في عصَرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ إذْ لا حكمَ للاتفاق ولا الاختلافِ مع وجوده - صلى الله عليه وسلم -، ولا وجودَ لنزولِ الوحي (1) في عصرِ الإجماع، وإذا لم يجتمعا، لم يكن أحدهما ناسخاً للآخر ولا (1) منسوخاً به.
فإنْ قيلَ: أليسَ إذا وَرَدَ عمومٌ، خَصَّصْتمُوهُ بالإجماعِ، إذا لم يكن لحملهِ على عمومِهِ وجهٌ عندَ جماعةِ المجتهدين؟ وكذلك خبرُ واحدٍ لا وجهَ له عندهم، يُتْرَكُ بإجماعهم، وليسَ النسخُ إلا التركَ، أو هو والتركُ سواءٌ.
قيل: ليسَ التركُ بالإجماعِ نسخاً للنص بالإجماعِ، وحصولِ اجتهادِ الكلِّ الذي شهدَ الشرعُ له (2 بالعصمة من 2) الضلالة، والسلامةِ من الخطأ، وأنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياء، (2 وأنه لا بدَّ في زَمَن 2) الفَتْرة مِنْ بعثَة نبي يتجدد، وأنَّ هذه الأمة لا نبي بعدَ نبيها - صلى الله عليه وسلم - إلى الخصَوص وكذا (2 ...... 2) تركه بهذا الدليل وأن (2 ...... 2) عَلِمْنا
__________
(1) طمست في الأصل.
(2 - 2) طمس في الأصل.
(4/317)

أنَّه منسوخ بطريقٍ يصلحُ للنسخِ، وهو الوحيُ، لا أنَّنا نسخْناهُ، لكن بيَّنَّاه بالدليل المقطوع عليه.
فإنْ قيلَ: أليسَ إذاكانتِ الصحابةُ على قولين، وأُجْمعَ علي أحدِهما، صارَ إجماعاً يُسْقطُ القولَ الآخرَ، وهذا صورة النسخِ للقولِ الآخر.
قيل: لا نقولُ ذلك، ولا نرضى به مذهباً، بل الخلافُ على حالِهِ؛ وذلكَ لأنَّ اختلافَ الصحابةِ على قولين اختلاف صورة (1 ...... 1) إجماع معنى؛ لأنَّهم اتفقواعلى تسويغِ الاجتهادِ في ذلك الحكمِ، (1 فإذا أَجْمعَ 1) التابعون على أحدِهما، بقي القولُ الآخر مجمعاً على تسويغِهِ من (1 جهة أخرى1)، فلا يقوى إجماعُ التابعين على رفعِ إجماعِ الصحابة.
على أنَّ التحقيق عندي: أنْ يقالَ: لا يجوزُ أن يجمعَ التابعونَ على نفي تسويغٍ سبق أَخذُ الصحابة به، كما لا يجوزُ بعثةُ نبيٍّ يُكذِّبُ مَقالَةَ نبيٍّ قبله، والإجماع في العصمة كالنبوةِ، فمتى طَرَقْنا تجويزَ إجماعٍ بعدَ إجماعٍ يخالفه انسدَّ علينا بابُ العلمِ بصحة الإجماع، وذلكَ محالٌ، وكلُّ (1 قولٍ يفضي إليه 1) محال، فلا ينبغي أن يقالَ: إنه إجماعٌ، ولا يعمل به.
__________
(1 - 1) طمس في الأصل.
(4/318)

فصل
(1 يُنسَخُ الشيءُ 1) بغيرِهِ، وإنْ أمْكَنَ اجتماعُه معه، كنسخ عاشوراء بصومِ رمضانَ، وإنْ كانَ الجمعُ بينَ الإيجابينِ -ممكناً، بلى لا يمتنعُ الجمعُ بين حُكْمينِ وبينَهُما تاريخٌ، إلا كانَ الثاني منهما ناسخاً للأولِ.
(1 قال شيخُنا 1) رضيَ الله عنه في كتابِهِ (2): لا ينسخُ الشيءَ إلاّ بمعارض (1 فإذا ما ورد شرعان لا يتعارضان، فلا ينسخ أحدهما الآخر 1)، (1 وقول من يقول: إن صوم رمضان نسخ صوم عاشوراء، لايَصح لأنه لا تنافي بين صوم رمضان وصوم عاشوراء 1) أصلاً، فإذا قيل: (1 نُسِخ حكمُ كذا بكذا، كان 1) معناه: نُسِخَ إليه، أو أُبدِلَ به، وإلا فالنسخُ حقيقةً هو حكمُ الله بوَحْيه لبيانِ (3) مدة حكمِهِ الأولِ، وأَنَّ هذا وقتُ غايتِهِ وانقطاعِهِ؛ إما لمكاَنِ مصلحةٍ اقْتَضَتْ ذلكَ، أو مجرد مشيئةٍ.

فصل
قال إمامُنا أبو يعلى ابنُ الفراء رحمةُ الله عليه (4): وأذا قالَ الصحابيُّ رضي الله عنه: هذهِ الآيةُ منسوخةٌ، لم نَقْنَعْ بذلك، ولم (5) نَصِرْ الى قوله؛ حتى يُبَيِّنَ ناسخَها، وبماذا نُسِخَتْ؛ وقد أومأ إليه أحمدُ، وأنْ النسخَ راجع (5) إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وعنه روايةٌ أخرى أيضاً:
__________
(1 - 1) طمسى في الأصل وأثبتناه من "العدة".
(2) انظر "العدة" 3/ 835.
(3) في الأصل: "بيان".
(4) انظر "العدة" 3/ 835.
(5) طمست في الأصل.
(4/319)

إلى قولِ الصحابي: (1 إن هذه 1) الآية منسوخة. وبالأُولى قالَ أصحابُ أبي حنيفةَ والشافعيِّ (2).
وجه الأُولى: أنَّ الصحابيَّ قد يجوزُ أنْ يعتقدَ التخصيصَ نسخاً، وما ليسَ بنَسْخٍ نسخاً، وهذا على قولِ مَنْ لا يُجوِّزُ نقلَ الأخبارِ بالمعنى، أبَلغُ في المنعِ، فهو خَبَرُ واحدٍ، وخبرُ الواحدِ لا يجوزُ به نسخُ القرانِ.
ووجه الثانية (1 أن النسخَ لا يقعُ 1) بالمحتملِ، والصحابةُ أعلمُ بذلكَ، فثبتَ أنَّه لا يقولُ: إنه منسوخٌ، (1 إلآ وسَمِعَه 1) مِنْ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - غيرُمحتملٍ.

فصل
(1 في أن العبادة 1) نسخُ بعضِها لا يكونُ نسخاً للباقي.
وبه قال الكرخيُّ، والبصريُّ، وأصحابُ الشافعيِّ، وعنْ بعضِهم: أنَّهُ نسخٌ للباقي (3).
وقالَ بعضُ المتكلمين (4): (1 إن كان 1) ذلكَ نسخَ شرط (5)
__________
(1 - 1) طمس في الأصل.
(2) انظر "العدة" 3/ 835، و"المسودة" (230)، و"شرح الكوكب المنير" 3/ 568، و"نهاية السول" 2/ 193، و"شرح تنقيح الفصول" (321).
(3) انظر "المحصول" 3/ 557، "الإحكام" للآمدي 3/ 178، و"المسودة" (213).
(4) ولعله يشير بهذا لمذهب القاضي عبد الجبار. انظر "المعتمد" 1/ 447، و"الإحكام" للآمدي 3/ 178.
(5) في الأصل: "بشرط".
(4/320)

ينفصلُ عن الجملة، لم يكن ذلك نسخاً، وإنْ كانَ (1 نسخَ بعضِ الجملةِ 1)؛ متصلاً كالقبلةِ، والركوعِ، والسجود في الصلاة، كانَ (1 نسخاً للعبادةِ 1).
والدلالة في هذهِ نحو الدلالةِ في الزيادةِ، وأن (1 .... 1) المزيد عليه على ما (1 ........ 1) ثم نسخ أحدهما، لم يكن نسخاً للثاني (1 ...... 1) بعض واجباتِ الشريعةِ، وقد صارَ كلٌّ واجباً بعد أن كان بعضه.
وأيضاً: لو كانَ التنقيصُ نسخاً لما بقي بعد التنقيصِ، لكانَ المخصوصُ بعضهُ موجباً تخصيصَ ما بقيَ، فلمَّا كانَ الباقي على عمومِهِ فيما بقيَ متناولاً له، كذلكَ في بابِ النسخِ، ولا فرقَ بينهما.
شبهة تضاهي شُبَهَهُم في الزيادةِ: وهي (2) أنَّ النقصانَ غَيَّرَالفريضةَ، فجعلَ ما كان بعْضاً (1 كلاًّ، فصار ما 1) لا يُجْزِىءُ، ولا يُبرِىءُ الذمةَ، يُجزِىءُ ويُبرِىءُ، وهذا حقيقةُ (1 النسخِ.
والجواب 1) عليه: نحوُ ما قدَّمنا، وأنَّ الباقي ما تَغَيَّر عمَّا كانَ عليهِ.
على أنَّهُ (1 يبطُلُ بنقصانِ1) عبادة مِنْ عباداتٍ، وبنَسْخِ شَرط منفصلٍ عَن العبادةِ، على قولِ من سَلَّمَه (1).
__________
(1 - 1) طمس في الأصل.
(2) ليست في الأصل.
(4/321)

فصلٌ
يجوزُ النسخُ بأفعالِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أخذاً من قولِ أحمدَ بتخصيصِ العموماتِ بفعلهِ - صلى الله عليه وسلم -.
وقال (1 أبو الحسن التميمي 1): لا يجوزُ ذلكَ، وبناهُ على أنَّ أفعالَهُ لا تدلُّ على الوجوب (1 وعندي: لا يجوزُ ذلك 1) من غيرِ بناءٍ، لأنَّ أفعالَهُ وإنْ دَلَّتْ على الوجوبِ، فإنها تَدلُّ في الظاهر، والقولُ صريح، والفعلُ دليل وليسَ بصريح (2)، (1 والشيءُ إنما يُنسَخُ 1) بما هُوَ مثلُه، أو ما هو أعلى منه، فأمَّا [أن] ينسخَ بما دونَه، فلا، (1 والله أعلم 1) (3).
__________
(1 - 1 طمس في الأصل، وانظر "المسودة" 228 - 229.
(2) في الأصل: "تصرح".
(3) ورد هنا في الأصل ما نصه: اخر المجلد، والحمد لله وحده، يتلوه في الذي يليه: فصول الأخبار وما فيها من الخلاف، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم.
(4/322)

فصول
الأخبار وما فيها من الخلاف
فصل
الخبر صيغة، ولا نقول: للخبر صيغة؛ على ما قدمت في الأمر (1)، وأنَّ من قالَ: الكلامُ في النفس، حَسُنَ منه أن يقولَ: للخبر صيغة تعبِّر عنه، فأمَّا من قال: الكلامُ هو الصيغ، قال: الأمرُ صيغةَ مخصوصة، والخبرُ صيغةٌ مخصوصةٌ، وهو على ما قدمنا في الحدودِ والعقود في أول الكتاب.
والصيغةُ بمجردها خبرٌ من غير قرينةٍ ولا دلالةٍ، وهي قولُ القائلِ: قامَ زيدٌ، وانطلقَ عمرٌ و، ويقومُ خالد، إلى أمثالِ ذلك.
وقالت المعتزلةُ: لا صيغة له، وإنَّما يدلُّ اللفظُ عليه بقرينةٍ أو دلالةٍ.
وقالت الأشاعرة: الخبرُ نوع من، الكلامِ، قائم في النفس، ويعبَّر
__________
(1) هذا ما اختاره المصنف مخالفاً فيه القاضي أبا يعلى، إذ قال: للخبر صيغة. "العدة" 3/ 840.
ورجح ابن تيمية في "المسودة" (232) ما قاله القاضي، وأن الأجود أن يقال: للخبر صيغة، لا الخبرُ صيغة، ووجه ذلك: أن الأمرَ والخبرَ والعموم هو اللفظ والمعنى جميعاً، وليس هو اللفظ فقط، فتقديره: لهذا الخبرِ مُركَّبٌ يدلُ بنفسه على الخبرِ، بخلاف ما إذا قيل: الأمرُ هو الصيغة فقط، فإنَّ الدليلَ يبقى هو المدلول عليه
(4/323)

عنه بعبارةٍ، هي هذه الصيغةُ، كما قالوا في الأمرِ والنهي.

فصل
في دلائِلنا فيها
فمنها: أنَّ أهلَ اللغةِ، وأربابَ اللسانِ، قَسَّمُوا الكلامَ أقساماً، فقالوا: إنَّه أمرٌ ونهي، وخبرٌ واستخبارٌ، ونداءٌ وتمنٍّ، فالخبر من ذلك: قامَ زيد، وانطلقَ عمرو، وقالوا: إنَّه ما حسُنَ أن يكون جوابه في اللغة. صدَقْتَ، أو كَذَبْتَ.
ومنها: أنَّ أهلَ اللغةِ مع كونِهم أهلَ هذه الصناعة، وحاجتُهم إلى التخاطب بالأخبارِ الحاجةَ الماسَّةَ، وبهم إلى ذلك الضرورة الماسَّة، لا يجوز أن نَظُنَّ بهم أنّهم لم يضعوا للخبرِ صيغةً، لا سيّما وقد سمعناهم يقولون (1): زيدٌ في الدارِ، خبراً، وهل زيدٌ دي الدار؟ سؤالاً واستخباراً، ويا زيدُ، نداءً، ولعلَّ زيداً (2 في الدار، ترجياً، وليت زيداً قائمٌ تمنياً 2) وقم يا زيدُ، أمراً، ولا تدخل، ولا تقعد (2)، نهياً، فلا حاجةَ بنا مع سماعِ هذه الأوضاع منهم إلى الدلالة ومَن يخالفُ في هذا، يجري مجرى المعاند لوضعهم، فلا بُدَّ أن نُشبعَ الكلام.
وكتاب الله سبحانه مملوءٌ بالأَخبار عما كان، وعمَّا يكونُ، مثلُ
__________
(1) في الأصل: "يقول".
(2) طمس في الأصل
(4/324)

قولِه: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} [الفتح: 27]، {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} [الروم: 3]، وخبر الماضي: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} [نوح: 1]، {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ} [الروم: 47]، والصيغ بالأخبار أكثرُ من أن تحصى في كتابِ الله سبحانه، وتَخاطُبِ العربِ بها.

فصلٌ
في شُبَهِهِم
قالوا: هذه الصيغةُ قد تردُ، والمرادُ بها الأمرُ، كقوله: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ} [البقرة: 233] و {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة: 228]، {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97]، وكم أُمٍّ لا ترضع، ومطلقةٍ لا تتربصُ، وزمانٍ يكونُ في الحرمِ مخوفاً غير آمن، وخبرُ الله تعالى لا يكون (1) بخلاف مُخبَرِه، فإذا وردت هذه الصيغة مطلقةً، غيرَ مقيدةٍ بقرينةٍ، ولا دلالةٍ تدلُّ على صرفِها إلى الخبرِ، وجب التوقفُ فيها، وكان أكثرُ ما تعطينا الصلاحيةَ للخبرِ، فأمّا الوضع والاقتضاءُ، فلا، وصارت كسائرِ الألفاظِ المشتركةِ، كقُرْء، وشفق، وجونٍ، ولونٍ.
فيقالُ: هذه الدعوى معكوسةٌ، بل الصيغة موضوعةٌ؛ بدليلِ ما ذكرنا، وتصرفُ بدلالةٍ وقرينةٍ إلى الأمر، فتكونُ لامُ الأمرِ محذوفةً، وتقديرُه: لِتُرضِعْنَ، ولِتَتربَّصنَ، ومن دخلَه، فأمِّنوه، فالوضعُ الأصل، والصرفُ لها من الخبرِ إلى الأمرِ بدلالةٍ وقريية، ويوضَحُ
__________
(1) كتب في الأصل فوقها: "يقع"
(4/325)

ذلك: أنَّ المبادرةَ بهذهِ الصيغةِ لا يفهم منها إلا الخبرُ، ولا يعقلُ الأمرُ إلا بدلالةٍ، ووجهُ القرينةِ في الصيغةِ: أنَّها للمستقبلِ، وكونُها من الأعلى، فأمَّا إذا وردت من (1) مساوٍ أو دونٍ، لم يعقل منها إلا الخبرُ، فاعتبارُ القرينةِ لكونها أمراً، وعدمُ اعتبارِ القرينةِ في كونها خبراً، دلالةٌ على أنَّ وَضْعَها خبرٌ، لا أمرٌ.

فصلٌ
يقع العلم بأخبارِ التواتر مع اختلاف الناس في العدد المعتبر، وبه قالت الكافَّةُ.
وحُكِيَ عن السُّمَنِيّهِ (2)، وقيل: البَراهِمَة (3) أيضأ: أنه (4 لا يقعُ 4) العلمُ بالأخبار، بل بالمشاهدات والحواسِّ خاصَّةً.
(4 فيقالُ: إننا 4) نجد نفوسَنا ساكنةً، وقلوبَنا عالمةً بما نسمعُ من
__________
(1) في الأصل: "في".
(2) في الأصل: "السمنينة"، والسمنية: فرقة ضالّة، من معتقداتها: القول بتناسخ الأرواح، وإنكار البعث بعد الموت، وتزعم: أنه لا معلوم إلا ما أُدرك بالحواس الخمس.
انظر "الفرق بين الفرق" (270 - 271).
(3) البراهمة: فرقة تنتسب إلى رجل يقال له: براهم، تنفي النبوات، وتنكر وجود الرسالات، تفرقوا أصنافاً، فمنهم أصحاب البددة، ومنهم أصحاب الفكرة، ومنهم أصحاب التناسخ.
انظر "الملل والنحل" 2/ 250 - 252.
(4 - 4) طمس في الأصل
(4/326)

الأخبارِ عن البلاد النائيةِ، والقرونِ الخاليةِ، والأممِ السالفةِ، كسكونها إلى العلمِ بما تدركُه بالحواسِّ من المحسوساتِ، ومن أنكرَ ذلك، سلكنا معه ما سلكناه مع أصحاب سوفسطا (1)؛ حيث أنكروا حقائق الأشياء، ودركَ الحواسِّ، وليسَ يسلكُ مع أولئك طريقُ المناظرة، لكن يسلكُ معهم مسلك العلاجِ والمداواةِ، وإنَّما تنقطعُ المناظرةُ معهم؛ لأنَّ غايةَ أدواتِ النظرِ: القولُ المفضي إلى جعلِ الغائبِ كالشاهدِ، وحملِ المعلومِ على المحسوس، وسياقةِ الأمرِ إلى أن تحصلَ الثقةُ بالإثباتِ أو النفي بدلالةِ العقلِ؛ بطريقِ النظرِ والتأملِ والاستدلالِ، فإذا كانوا للطرقِ منكرين، تعذَّرَ الوصولُ إلى الغايةِ المطلوبةِ، فليس إلا إخراجهم إلى الإثباتِ لما أنكروه، من تسليطِ المؤلمات عليهم، فإذا أذعنوا بدركِ الآلامِ، افتضحوا في جحدهم، وبان إهمالُهم وتجنِّيهم؛ إذ لو كانَ المحسوسُ باطلاً، والحسُّ منعدماً، لماظهرَ منهم ما يظهرُ منّا، فإذا فعلَ بمحضرٍ منهم ما يُضحكُ فضحكوا (2) بتحركِ عضلِهم، وما يُحزنُ، فبكوا، وما يُطربُ، فتحركوا، وما يغضبُ من القولِ، فغضبوا، وما يُدهشُ مِن الأخبارِ، فدهشوا، وما يسرُّ مِن الإحسانِ، فاستبشروا، كذبَتْ أقوالَهم بالجَحْدِ أحوالُهم؛ بقَبُولِ (3) كلِّ مُدرَكٍ محسوسٍ، وظهورِ الحال التي تقتضيه.
وقد تحيَّل الفقهاء بمثل (4) ذلك في باب مَن جُنيَ عليه بلطمةٍ أو ضربةٍ، فادَّعى أنَّه ذهبَ بصرُه أو سمعُه أو عقلُه، بأن أظهرَ العمى
__________
(1) يعني: السوفسطائية، انظر ما تقدم في 1/ 202.
(2) في الأصلَ: "لضحكوا".
(3) في الأصل: "بقول".
(4) في الأصل: "لمثل".
(4/327)

والطرشَ والخبلَ، فاغتفلوه بالكلامِ المضحكِ والمحزنِ والمغضِبِ، فإذا ظهرَ منه ما يَظهرُ من السامعِ، واغتفلوا المدعي للعمى بما يفزعُ، أو يُعجبُ من الصُّوَرِ، وتغييرِ الأشكالِ، والإيماءِ إليه بما يوجب البعدَ أو العَدْوَ بالتخويفِ، فإن ظهرَ منه ما يدلُّ على الرؤيةِ، حكموا بكذبهِ فيما ادعاه من فقدِ الحاسَّةِ، وكذلكِ في بابِ العقلِ يمتحنُ بالعقلياتِ، فيغتفلُ (1) بذكر الأخبار التي لا يقبلها العقلُ، والخيالاتِ التي يأباها، فإن أنكرَ، عُلِمَ كذبُه، فكذلك في مسألتنا مَن سُلِّطَ عليه الأخبارُ من طريقِ التواطؤ على ذلك؛ بأنَّ السلطان قد يقدمُ ويقتلُه، وأنَّ أباه غرقَ، أو دارَه احترقت، أو أنَّ بضاعَته تلفت، فإن ظهرَ منه من الشحوب والتغيّرِ فزعاً أو حزناً، أو أخبر بما يغضبه، فغصْب، كَذَّبَتْ حَالُه دعواه، وبانَ أنَّه يجدُ الثقة بالأخبارِ حقيقةً، ويجحدُ ذلكَ مذهباً، وكم بلغ بالناس العنادُ إلى إفسادِ الاعتقادِ، وتَجَرُّدٍ من الإحساس في حقِّ بعضِ الأَشخاصِ؛ لعصبيةٍ أو محبةٍ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "حبُّك للشيء يعمي ويصم" (2)، فغلبةُ المحبةِ تغشي البصرَ والبصيرةَ، فكذلكَ الأهواءُ في المذاهب تفسد المداركَ، فإذا سُلِطَ عليها الامتحانُ، بانَ كذبُ ذلكَ التَّعمُّلِ، والطبعُ أغلبُ.
وأيضاً: فإنَّا نجدُ نفوسَنا ينشأُ فيها العلمُ أولاً فأولاً إلى أن تستحكم
__________
(1) في الأصل: "معتفل".
(2) آخرجه أبو داود (5130) من حديث أبي الدرداء، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بلفظ: "حبك الشيء يعمي ويصم"، وسكت أبو داود عليه.
وإسناد الحدي ضعيف. انظر "الأسرار المرفوعة" (187)، و"المقاصد الحسنة" (181).
(4/328)

الثقةُ، فإذا أخبرنا المخبر بعد المخبر، تناشأَ عندنا أمرٌ ينتهي إلى الثقةِ، وسكونِ النفسِ، كما أنَّ العلومَ الاستدلاليةَ نَنْتَهي إليها؛ بمقدمةٍ بعد مقدمةٍ، والترقي في النَّظَرِ درجةٍ بعد درجةٍ إلى أن ننتهيَ إلى سكونِ النفس والثقةِ، كما يحصلُ الحفظُ بتكرارِ المحفوظ على النفس، ولا يزال يعلقُ بالقلبِ أولاً فأوّلاً (1)، إلى أن يترصعَ (2) في القلب، ويتشكلَ، فيصيرَ بالتكرارِ بمثابةِ (3 الخَتم، وهو 3) الرَّسم والفص المنقَوش على المطبوع فيه من طين أو شمع، وبمثابةِ الحلي (4) المصوغِ بتكريرِ الصائغِ عليه إلى أن يتمكن (3 مِنْ صَقْلِهِ 3). وهذه أمور كلها معلومات لمن أَنصف، وكذلك حدوثُ السكرِ عندَ تكرُّرِ الشربِ، فمن كابرَ ذلك، خانَ نفسَه، واتهمها.
وأيضاً: فإنَّ العددَ الكبيرَ كأهلِ بغداد وسمرقندَ، لا يجوزُ أن يتفقوا على محبة الكذب، كما لا يجوز أن يتفقوا على الميلِ إلى الحموضةِ أو الحلاوةِ، لاختلافِ أمزجتهم، كذلك ها هنا لا يتفقون على محبة الكذب؛ لاختلافِ مروءاتِهم ودياناتِهم، وإذا استحال ذلك، ثم اتفقوا على نقلِ خبرٍ على وجهٍ واحدٍ، قطعنا على صدقهم.
فإن قيلَ: فلا نأخذكم إلا من دليلكم، فنقولُ: بهذا استحالَ العلمُ بخبرِ التواترِ، لأنَّ الجمَّ الغفيرَ والعددَ الكثيرَ لا يتفقون (5) على أمرٍ واحدٍ؛ لاختلافِ آرائهم وأمزجتهم، وإذا كان كذلك، كان محالاً
__________
(1) في الأصل: "فأول".
(2) أي: يترسخ ويلزق. "اللسان"، و"القاموس": (رصع).
(3 - 3) طمس في الأصل.
(4) في الأصل: "المحل".
(5) في الأصل: "يتفق".
(4/329)

اتفاقُهم على الصدقِ أيضاً، لأنَّ الطباعَ لا تتحدُ في فضلٍ ولا نقصٍ مع كثرةِ آرابِها، ألا ترى أنَّه كما يستحيلُ اتفاقُ أهلِ بغدادَ على محبةِ الكذبِ ومحبةِ الخلِّ، يستحيلُ اتفاقُهم على محبةِ الصدقِ ومحبةِ العسل، فالاتفاقُ مستحيلٌ في الخيرِ والشر، بل ربما كانَ الشرُّ أغلبَ، والخيرُ أندرَ وأقلَّ، فإذا لم يجز اتفاقهم على الشرِّ مع كثرةِ مُؤْثِريه وأهلِه، فلأَن لا يجتمعوا على الصدقِ، أَوْلى.
قيل: لسنا نقولُ: إنَّ اتفاقَهم على الصدقِ لأنَّه خير، وعدمَ اتفاقهم على الكذبِ لأنَّه شرٌّ، لكنْ لأن الصدقَ هو نقل ما جَرَى، ولا شيءَ أحبُّ إلى نفوس الناس وميلهم؛ من إشاعة الخبر والحديث بما رأوا وسمعوا، ولهذاَ قيلَ:
وسرُّ الثلاثةِ غير الخفي (1).
وكتمُ السرِّ ثقيلٌ على نفوس النَّاس، فهم مُغْرَمون بنقلِ ما شاهدوا إطرافاً لمن لم يَسْمَعْ، وإخباَراً لمن لم يُخبَرْ، فأمَّا الكتمُ فقلَّ من تقْدِرُ عليه، فهم يحبون نقلَ الخبرِ؛ لا من حيث هو صدقٌ، لكن من حيث هو جارٍ ومسموعٌ؛ يحملُ إلى جانب لم يسمع، وهائل من النظر، وأحسن منه في (2 المُحَسَّنِ المُجَمَّل 2)، ومع النفس دواعٍ تدعو إلى الإعلام، ومنعة مانع تمنع من الإسرار والكتم.
__________
(1) عجز بيت من الشعر للصلتان العبدي، وصدره: (وسرُّكَ ما كان عند امرىءٍ)، وهو مع أبيات أخرى له في "خزانة الأدب" 2/ 182 - 183، و"الحيوان للجاحظ" 3/ 477 - 478، ونسبها الجاحظ للصلتان السعدي.
(2 - 2) هكذا في الأصل.
(4/330)

فصلٌ
في شُبَهِهِم
فمنها: أن قالوا: كلُّ جملةٍ إنما هي مجموعُ آحادِها، وليسَ جملةُ العددِ الدين نقلوا الخبرَ المتواترَ إلا مجموعَ آحاد نقلوا الخبرَ، وقد ثبتَ أن كلَّ واحدٍ من الجماعةِ يجوزُ على خبرِه الكذبُ، كما يجوزُ عليه الصدقُ، فلا وجهَ لتغيُّرِ حالِهم باجتماعِهم، لأنَّ جملَتهم ليس بأكثرَ من آحادِهم، فتجويزُ الكذبِ على الجماعةِ على ما كانَ، إلى أن تقومَ دلالة تعطينا خروجَ الجملةِ إلى القطع بقولهم وصدقِهم، بعدما كانَ خبرُ كلِّ واحد منهم متردداً بين الصِّدقِ والكذب، وهذا دليلٌ قد رضيه المتكلمونَ لإثباتِ حدث العالم، وقالوا: كلُّ حركةٍ من حركاتِ الفلكِ محدثة متجدِّدة، بعد أن لم تكن، فإذا ثبتَ لكلِّ أجزائه الحدوثُ، فليس جملتُه بأكثرَ من آحادِه، فوجبَ أن تكون جملتُه محدثةً بعد أن لم تكن، فثبتَ بهذِه الجملةِ انتفاءُ العلمِ عن خبرِ التواترِ؛ بانتفاءِ العلمِ عن كلِّ واحدٍ من المخبرين.
فيقال: إن هذه قضية كاذبةٌ، ولسنا نرضاها في هذه المسألةِ، ولا في دلالة الحدث، وإنَّما المعوَّلُ على غيرِها هناك، ووجهُ فسادِها، ونفيُ الرضا بها: أنَّ الجملَ أبداً في المحسوسات والمعلوماتِ لها من الحكم ما ليس لآحادها، ويَتَجدَّدُ للاجتماعِ ما ليس للانفرادِ، بدليلِ نعيمِ أهلِ الجنَّة؛ فإنَّ كلَّ حالةٍ من أحوالِهم ذو أولٍ وآخرٍ ونهاية، والنعيمُ لا غايةَ له ولا انقطاع، وكلُّ طابق من طوابيق الدارِ لا تملأ صحنها، وجملةُ الطوابيقِ تملأ صحنَها، والأشياءُ الثقيلة كالسَّاحَةِ والعِدْلِ الثقيلين، قد لا ينهض بهما الواحدُ والاثنانِ، فإذا تكاثرَ عليهما الرجالُ، ارتفعت من الأرضِ، وانتقلت من مكانٍ إلى
(4/331)

مكانٍ، وكذلكَ إذا أخبر الواحدُ حصلَ بعضُ الثقةِ إلى قولِه، وكلما تكاثرَ عددُ المخبرين، تزايدت حتى يحصلَ اليقينُ الذي لا يؤثَرُ فيه تشكيكُ مُشكِّكٍ، وهذا نجده من نفوسِنا، في أنَّ لنا بلداً يعرفُ بمكة، وأنَّ فيه بيتاً يعرف بالكعبة، حتى إنَّ المؤمنَ بأخبار الله والكافر متساويان (1) في العلم بذلكَ، لأجلِ تواترِ الأخبارِ بالعلم (2) الذي لا يدخلُ عليه ارتياب.
على أنَّ الواحدَ من الجماعةِ قد يكونُ له داعٍ يدعوه إلىِ الكذبِ في خبرهِ، ولكن لا تتفق دواعي العددِ الكثيرِ والجَمِّ العْفيرِ على حصول الداعي إلى الكذبِ، بل يستحيلُ ذلكَ على الأمَّة الكثيرة، فقد بانَ مفارقة (3) الآحادِ للجماعةِ من هذه الوجوه كلها.
ومنها أن قالوا: القولُ بالعلمِ بأخبارِ التواترِ يفضي إلى محالٍ، وما أفضى إلى محالٍ محالٌ، وذلكَ أنَّ العددَ الذي يحصلُ بخبرِهم العلمُ الضروريُّ عندكم، إذا أخبرَ عددٌ مثلُهم بما يضادُّ خبرَهم، مثل أنْ يخبرَ هؤلاء بموتِ زيدٍ أمس، ويخبرُ الآخرون بحياتِه في الوقتِ الذي أخبرَ أولئك بموته، فيفَضي ذلك إلى أنَّ يَجْتمعَ (4) لنا العلمانِ بالضدينِ جميعاً: موت زيدٍ، وحياته، وذلكَ محالٌ، فالمذهبُ المؤدِّي إليهِ باطلٌ.
فيقالُ: هذا الفرضُ محالٌ، لا يجوزُ أن تُخبِرَ جماعةٌ لا يجوزُ
__________
(1) في الأصل: "متساويين".
(2) في الأصل: "العلم".
(3) في الأصل: "مفارق".
(4) في الأصل: "يجمع".
(4/332)

على مثلهم التواطؤ على الكذبِ على خبرٍ، ويجتمعَ مثلُهم على الإخبارِ بضِدِّه.
ومنها: أن قالوا: لو كانَ العلمُ يحصلُ بنقلِ الجماعةِ الكثيرةِ، لوجبَ حصول العلمِ لنا بما نقلته اليهود عن موسى، والنصارى عن مسيحها، وأهل الرفضِ عن أئمتِهم؛ من العجائبِ التي يقصدونَ بها إفسادَ مِلَّتِنا، وتكذيبَ كتابِنا ورسولِنا - صلى الله عليه وسلم -، والطعنَ في أصحابِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، قالوا: يوضِّحُ هذا: أنَّ المعنى الذي تمسكتم به، هو أنَّ الدواعي لا تتفقُ على اختلاقِ الكذبِ، وهذا موجود في كل ملَّة.
فيقال: إنَّ النقل الذي يوجبُ العلمَ عندنا، مشروطٌ باستواءِ الطرفين (1)، فأمَّا أن يسمعَ الواحدُ، أو يرويَ، أو يشهدَ الحال، ثم يحدِّثَ به أعداداً من الرجالِ، ويحدثَ أولئك الأعدادُ الأفرادُ لأقوامٍ، فتكثُرُ (2) الرواةُ والمخبرون، لكنْ هذا العددُ الكثيرُ نقلوا عن أعداد وأفراد، فلا يكون محصلاً للعلم عندنا، ألا ترى أن سخاء حاتم، وفصاحة سحبان وائل وقس بن ساعدة، وفهاهة باقل، وشجاعة علي والمقداد، لما نقلت تواتراً متساوي الطرفين، لم يختلف في ذلك اثنان، ولم يقع فيه شك لمرتاب، ومن شكَّ فيهِ فكأنَّما شكَّ في المحسوساتِ، ولأنَّ يهودَ ما اتفقوا على ذلكَ، بدليل أن رؤساءهم وعلماءهم آمنوا برسول الله، ولو كانوا نقلوا عن نبيهم شيئاً، لما
__________
(1) أني: أن يستوي العدد في طرفي الخبر ووسطه، فتكون رواية الجمع الذين لا يجوز تواطؤهم على الكذب متحققة في كل حلقات السند، ومثل هذا غير متحقق في خبر اليهود والنصارى، كونهم يروون عن كتب وأعداد يسيرة.
انظر "التمهيد" 3/ 19، و"العدة" 3/ 843، و" المسودة" (292).
(2) في الأصل: "مكثر".
(4/333)

رجعوا عنه، ولو رجعوا إلى نبينا غير مذعنين بل منافقين، لما حصلت الثقةُ بقولِهم الأول، كما لم تحصل الثقة بقولهم في الثاني.
ومنها: أنَّه قد جازَ اجتماعُ الجماعةِ الكثيرةِ على الخطأ من طريقِ الاجتهاد والرأي، كالفلاسفة و [أهل] الطب، فهلا جوزتم اجتماع جماعةٍ على الكذبِ في النقلِ، وما الفرقُ بين الاجتهادِ والنقل (1)؟! ولهذا جعلتم الإجماعَ حجةً مقطوعاً بها في الرأي، كما جعلتم التواترَ حجة مقطوعاً بها في الخبرِ.
فيقال: أمَّا الاجتهادُ، فأدلته خَفِيّهٌ، فالاجتهاد في الحقائقِ بالاستدلال العقلي، ففي أدلته غموضٌ، ولهذا تعترضه الشكوكُ، وكم شاكٍّ وواقف في ذلك، وكم راجع عن رأيه ومذهبِه بعد أن حَقَّقَ القولَ فيه.
وأمَّا ما طريقُه الخبرُ عن المُشاهَدة ودركِ الحواسِّ، فلا شكَّ يعتري، ولا شبهة تعرض، فإذا اتفقت الجماعةُ المأمونُ عليهم الاتفافَ على الكذبِ والاختلاقِ، فلا شكَّ عند السامعِ فيما أَخْبَرُوا بِه، كما لا يتطرقُ الشك عليهم فيما رأوه.
ومنها: أنْ قالوا: لو كانَ خبرُ التواتر يحصلُ به العلمُ، لما اختلفَ اثنان في نبوةِ نبيِّنا عليه الصلاة والسلام، لأنَّ نقلَ ذلك بأخبارٍ متواترة، فلما وقعَ الخلافُ، فجحدَ أهلُ الأدياد نُبؤَتَه، وجحدتها الفلاسفة و [أهل] الطب وأهلُ الطبعِ، عُلِمَ أنَّه ليس بطريقٍ للعلمِ، ألا ترى أنَّ ما أُدرِكَ ببَدائِه العقولِ وأدلَّتِها (2)، لم يختلف النَاسُ فيه لَمَّا كان علماً ضرورياً.
فيقال: إنَّ النبوةَ حكمٌ، وليست معنىً يشاهَدُ، لأنَّها رتبةٌ دينيةٌ،
__________
(1) في الأصل: "القول".
(2) في الأصل: "أولها".
(4/334)

والنبوةُ لا تنقل، إنما تنقل السِّيَرُ، فيتصفحُ المنقولُ إليه منها ما يَدُلُه على النبوة، كما أنَّ شجاعةَ عليٍّ لا تنقلُ، ولا سخاءَ حاتم، ولا فهاهة باقل، ولا فصاحةَ سحبان وائل، لكنْ تنقلُ إلينا أفعالُهم وأقوالُهم، فنستدلُّ بذلكَ على ما وراءها من. إثباتِ شجاعةٍ وفصاحةٍ وسخاوةٍ، والنُّبوَّة تنقل إلينا أعلامُها، فنعلمُ بذلكَ نبوةَ من ظهرت تلك الأعلامُ على يدِه، وقد نقل من طريق التواتر: أنَّ المبعوثَ بتهامة ظهرَ على يده أشياءُ في الجملةِ، أدهشت العقلاءَ حتى قالوا (1): سحرٌ، وما يقول القائلُ: سحرٌ، إلا لما يدهشه، وجاءَ بهذا الكلامِ الذي تَحَدَّى به العربَ، فعجزوا عنه، فكانَ عنادُهم لما جاءَ به استنطقهم بالتكذيب، ودعوى السحر والاختلاف، واحتجاجهم معلوم منقول، وهو مجرد الجحد بما لا يوجبُه، مثل قولهم: {لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} [الأنعام: 8] {لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ} [هود: 12] , {يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} [الفرقان: 7]، والمنقولُ بالتواترِ قد عُلِمَ، كما عُلِمت شجاعةُ عليٍّ، فالطاعنُ على عليٍّ لم يدفع ما ثبتَ بالتواترِ؛ من أيامهِ المشهودة، ومبارزاتهِ المعلومة، لكن قالَ فيه: إنه ما طلب الحق، فكذلك قالَ في رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لم يأتِ بالحقِّ، لا أنهم أنكروا ما ظهر على يديهِ من الأمورِ الخارقةِ.
على أنَّ الردَّ لِمَا جاءَ به، والخلافَ فيه، لا يوجبُ نفيَ العلمِ، بدليلِ أنَّ لنا من جحدَ دركَ المحسوساتِ، وهم أصحاب سوفسطا، ولنا من أنكرَ ما عدا الضرورات، ولنا من أنكرَ العلمَ بغيرِ الأخبارِ، وهم مفسدو النظرِ والاستدلال، وزعم أن لا ثقة بنظر، وجعل العلةَ في نفي ذلكَ وقوعَ الخلافِ فيه، وتسلُّطَ الشكِّ عليه، ورجوعَ أهلِ
__________
(1) في الأصل: "قال".
(4/335)

النظرِ عن مذهبٍ كانوا زماناً عليه إلى مذهبِ عادوا إليه، ولم يدلَّ ذلك عندنا وعندكم على إخراجِ النظرِ من كونَه طريقاً للعلم.
وجوابٌ آخر: وهو أنَّ النبوَّةَ لا تثبتُ ضرورةً؛ لأنَّها إنما تثبتُ بالاستدلالِ، فمن نقلَ نبوته إنَّما نقل ما قاله عن اجتهادٍ، وليست بأكثرَ من الإلهية، والصانعُ ما ثبتَ إلا بدليل صُنْعِه، وما صدر عنه، ولم يؤدِّ بنا ذلك إلى العلمِ به ضرورةً، فنبوة أنبيائه لا تثبتُ ضرورةً.
ومنها: أنْ قالوا: إنَّ الكذبَ ممكن في حَقِّ كل واحد من الجماعةِ المخبرين، فلا وجه لاستحالتِه على جماعتِهم، كما أنَّ الصِّدقَ لَمَّا كان ممكناً في حَق كُلِّ واحدٍ، لم يستحل وقوعُه من جماعة كثيرة العدد، وإذا كانَ كذلكَ، وانتفت الاستحالةُ، ثبتَ التجويزُ، لأنَّ الاستحالة ليست إلا حكمَ العقل بنفي التجويزِ، وقد حكمَ العقلُ بتجويزِ الكذبِ، فلا وجهَ للعلم بصدقِهم من طريقِ الضرورةِ.
فيقال: التجويزُ على كلِّ واحدٍ لا يعطي التجويزَ على الجماعةِ لما قدمنا، وأنَ اجتماعَ الكل على إتيان الكذبِ في الخبرِ، محالٌ مع اختلافِ الطباعِ، وذلكَ أنَّه لا تكادُ تجتمعُ إرادةُ جماعةِ أهلِ بلدٍ كبيرٍ ومصرٍ جامعٍ على إتيانِ الكذبِ، وإن كانوا مجتمعين على القدرةِ، إذ ليسَ كلُّ مقدورٍ عليه تتساعدُ دواعي الخلقِ الكثيرِعليه، فإنَّ كلَّ أحدٍ يقدرُ على القتل وأذية الحيوان، لكن لا يتفقونَ على القسوةِ، بل يختلفونَ في الرِّقَّةِ والقسوةِ.

فصلٌ
والعلمُ الواقعُ بالخبرِ المتواترِ ضروري (1)، وبه قال أكثر الفقهاء
__________
(1) انظر "العدة" 3/ 847، و"التمهيد" 3/ 22، و"المسودة" (234)، =
(4/336)

والأصوليين، خلافاً للبلخي من المعتزلةِ، والدقاق من أصحابِ الشافعي (1)،

فصل
في حجتنا
إِنَّنا نعلمُ من نفوسِنا الثقةَ والسكونَ إلى أخبارِ النَّاس بالبلادِ النائيةِ، والسِّيَرِ بالقرون الخالية، حتى إنّنا لا نَشُكُّ في ذلك بَتشكيك، حتى إنَّ من لم يشهد مكةَ، ولا غيرَها من البلادِ، يتحقَّقُ وجودَها، ويخاطرُ بنفسِه سَفَراً إليها، وينفقُ أموالَه في طلبتِها؛ ثقةً بأخبار من شاهدها، وسافرَ إليها.
ومنها: أنَّه لو كانَ العلمُ الحاصل بخبرِ التواترِ بطريقِ الاستدلالِ، لما وقعَ للصبيانِ الذينَ لم يَبْلغوا مبلغَ النظرِ والاستدلالِ، فلمَّا وقعَ للصبيانِ العلمُ، عُلِمَ أنَّه ضروريٌ، لأنّهم من أهلِ العلمِ الضروري.
ومنها: أنَّ الخلافَ لا يقعُ في العلمِ الحاصلِ بالتواترِ، كما لا يقعُ بالمحسوساتِ، ولو كان استدلاليّاً لما خلا من مخالفٍ فيه، ومناظرٍ عليه، فلمَّا اتفقَ العقلاءُ عليه بغيرِ اختلافٍ، دل على أنَّه ضروريّ.

فصل
في شبه المخالف
فمنها: أنَّ العلم الواقعَ بخبرِ التواترِ؛ لو كانَ ضرورياً، لما اختلفَ
__________
= و"شرح مختصر الروضة" 2/ 79.
(1) انظر "التبصرة" (293)، و"الإحكام" للآمدي 2/ 27، و"المحصول" 4/ 230.
(4/337)

العقلاءُ فيه، ألا ترى أنَّ الواقعَ من العلمِ بدركِ الحواسِّ، لَما كان ضرورياً، لم يختلف فيه أهلُ المذاهبِ، وكذلك المعلومُ بأوائل العقولِ، مثل العلمِ بأنَّ الواحدَ أقلُّ من الاثنين، وأنَّ الجسمَ لا يكون في حالةٍ في مكانين، وأنَّ الجَمَلَ لا يَلجُ في سَمِّ الخِياطِ، فلما وقعَ الخلافُ في هذا العلم بينَ العقلاءِ، عُلِم أنَّه ليس من العلومِ الضرورية التي لا تحتمل الخلاف.
فيقالُ: إنَّ حصولَ الخلافِ لا يجعلُه [غير] حجةٍ، انَّما الحجةُ الأدلةُ، فإنَّ الخلافَ قد يقع عناداً وعصبيةً وتقليداً، ولهذا دخلَ الخلافُ في دركِ الحواسِّ؛ بحدوثِ شكوكِ سوفسطا أو تشكيكهِ، فخَيَّلَ عقول جماعة، وكثر أتباعُه في مقالته، وكم من خيالٍ أحدثه أهلُ الأهواءِ والبدعِ، ونوظروا، فصارَ في المسائل غيرِ المحتملةِ للخلافِ خلافاً.
ومنها: أن قالوا: وجدنا الإنسانَ يسمعُ الخبرَ من الواحدِ والاثنين، فلا يحصلُ له العلمُ إلى أن يتكاثرَ عددُ المخبرين، فيعلمُ حينئذٍ بتناصر أقوالهِم صحةَ خبرِهم، وصدقَ أقوالهم، وهذا عينُ الاستدلالِ، كاستدلال المستدل على القبلةِ بأمارتين فثلاثٍ.
فيقال: ليس سياقةُ الدلالة إلى أن يحصلَ العلمُ، يخرجهُ عن كونه ضرورياً، كالمقدماتِ التي تكونُ سابقةً للعلمِ في العلومِ الهندسيةِ في إِقليدس (1)، وإخراجها بالأشكال عن الأشكال، مثل قولنِا: إنَّ الخطوط الخارجةَ عن مركزِ الدائرةِ على استقامةٍ إلى الدائرةِ متساويةٌ، فإنَّ العلمَ بذلكَ ضروريٌّ وإن كان بسياقةٍ.
__________
(1) هو رياضي يوناني مشهور بالهندسة، كان قبل الميلاد بثلاث مئة عام، صنف في الهندسة كتابه المشهور المعروف "بأصول إقليدس" أو "كتاب إقليدس". "دائرة معارف البستاني" 4/ 91.
(4/338)

وكذلك الإنسانُ ينظرُ الشيءَ من بعيدٍ كالجملِ يراه صغيراً، ولا يزال يقرب منه أو يُصَمَّمُ التأمُّلَ فيه، حتى يعلمه جملاً، ولا يكونُ ذلكَ النظرُ علماً استدلالياً.
ومنها: أن قالوا: العلمُ لا يقعُ بأخبارِ الجماعةِ المعتبرين في التواترِ، إلا أن يكونوا على صفاتٍ تصحبهم، يُستدلُ بها على صدقِهِم، فصارَ كالعلمِ بحدث العالَمِ، وإثباتِ الصانعِ، لما احتاج (1) إلى تأملِ صفاتِ العالَمِ؛ من حركاته وسكناتِه، واجتماعاتهِ وتفرقاتهِ، وخروجهِ من هيئة إلى هيئةٍ، كان استدلاليّاً، كذلك ها هنا.
فيقال: إن الأخبارَ وإن اعتبر فيها صفاتُ [المخبرين]، إلا أنَّ العلم بصدقهم لا يفتقر إلى اعتبار الصفاتِ، ألا ترى أنه قد يقعُ العلمُ لمن لا ينظرُ في الصفاتِ، ويخالفُ العلمَ الواقعَ عن النظر في العالم؛ فإنهَّ لا يقع إلا بعد النظر في المعاني، وهي الأعراضُ، والاستدلالِ بها، وفي الأخبار يقع من غير نظرٍ واعتبارٍ.
على أنَّ العلومَ الهندسيةَ لا بدَّ لها من مقدمات وسياقات جارية مجرى الصفاتِ ها هنا، ولا تدلُ على أن تلك علومٌ استدلاليةٌ، بل ضرورية، وكذلك دركُ الحواسِّ؛ لا بدَّ من اعتبارِ صحةٍ، وزوالِ موانعَ معترضةٍ لتحقُّقِ دَركِها، وإذا لم تكن الحواسُّ والمدارك على صفاتٍ مخصوصةٍ، لم تحصل الثقة في إدراكها، ولا يدلُّ ذلك على أنَّ الحاصلَ عن إدراكها ليس بضروري.
ومنها: أن قالوا: إنَّ الخبر الواقعَ من جهةِ الله سبحانَه وجهةِ رسولِه - صلى الله عليه وسلم -، لا يحصلُ به العلمُ إلا استدلالياً لا ضرورياً، فإحْبارُ مَن
__________
(1) في الأصل: "احتاجت".
(4/339)

دون الرسولِ المعصوم - صلى الله عليه وسلم -، أَوْلى أنْ لا يحصلَ به العلمُ الضروري.
فيقالُ: إن أصلَ المعرفةِ باللهِ سبحانَه [ثبت] بالاستدلالِ عليه بصنائعِه ومخلوقاتِه، فخبرُه سبحانه مبنيّ على المعرفةِ به، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - معروفُ النبوةِ والصدقِ بالاستدلالِ، فخبرهُ بما يخبر به معلومٌ بالاستدلالِ، فأمَّا المخبرون (1) من الآدميين، فمعروفون (2) ضرورةً، مخبرون عما أدركوه بحواسهم ضرورة، وهم عددٌ لا يجوزُ عليهم التواطؤ والكذبُ، فكانَ العلمُ بخبرِهم على هذا الوجهِ ضرورة، وإذا لم يتحقق منه دليلٌ، فالأَوْلى الذي ادَّعَوْه لا وجهَ له.

فصلٌ
خبرُ التواترِ لا يُولِّدُ العلمَ، ولا خبرُ الواحدِ يولِّدُ الظنَّ (3).
هذا هو المذهبُ في كلِّ شيءٍ كانَ عقيبَ شيءٍ؛ على سبيل الندور، أو على وجهِ الاستمرارِ، فلا نظر، ولا خبر، ولا غير ذلك، وهذا أصلٌ مستقصى في أصولِ الدياناتِ، خلافاً (4) لأهلِ الطبعِ والمعتزلةِ.
والعلومُ الواقعةُ عقيبَ النظرِ، والاستدلالِ، وسماعِ الأخبارِ من المخبرين، بفعلِ الله تعالى، ذلك عندها (5)؛ بمثابة إجرائِه العادةَ بإزهاقِ النفوسِ عقيبَ إيقاعِ الجراحاتِ المُوْحيةِ، وخلقِ الولدِ عقيبَ
__________
(1) في الأصل ة "المخبرين".
(2) في الأصل: "معروفون".
(3) انظر "العدة" 3/ 850، و"المسودة" (235)، و"شرح الكوكب المنير" 2/ 328.
(4) في الأصل: "خلاف".
(5) في الأصل "عندنا".
(4/340)

الجماعِ، والعافيةِ عقيبَ تناولِ الدواءِ، خلافاً لبعضِ المتكلمين في قولهم: إنَّ الخبرَ يُوَلِّدُ العلمَ.

فصلٌ
في أدلتنا على إبطال مذهبهم في ذلك
فمنها: لتقرير إبطالِ أصل القولِ به؛ ليعمَّ هذه المسألة وغيرَها: أن نقولَ: لا يخلو أنْ يكونَ المتولدُ غيرَ منسوبٍ إلى فاعلٍ، بل منسوبٌ إلى ما يتولدُ عنه من الفعلِ الذي سبقَه، كالاعتمادِ في السهم والحجر، ولا يجوزُ ذلكَ؛ لأنَّه لو كانَ لنا حادثٌ لا عن فاعلٍ، لاستغنت كلُّ الحوادث، وجازَ وجودها من غير فاعل ومحدث، وأمَّا أن تكون من فعل الفاعل الذي صدر عنه الاعتمادُ في السهمِ والحجرِ، فكانَ يجبُ أن يدخلَ تحت قدرتهِ إيقافُه عن مرورِه في المسافةِ، وقطعِ تلك الأبعاد، فلمَّا لم يقدر على إيقافِه، دلَّ على أنَّه خارجٌ عن مقدورِه، فلا وجه لنسبته إليه، وأَمَّا أن يكون ماراً بنفسه لا لمعنى، فكانَ يجبُ أن يوجدَ خروجُه ابتداءً من غيرِ معنى، وذلك القولُ بحادثٍ من غيرِ محدِثٍ، وأَمَّا أن يكونَ واجب المرور، فكانَ يجبُ أن لا يقفَ عند غايةٍ ما لم يمنعه مانعٌ كهبوطِ الحجرِ نحو المركزِ، مهما وجد أبعاداً خاليةً استدام الهبوط، فإذا بطلت هذه الأقسامُ، لم يبقَ إلا أنه بفعلِ الله سبحانه.
فإن قيل: يجوزُ أن يكونَ صدْرُه عن معنى، وتَجدُّدُ ما يَتجددُ من ذهابهِ في الجهةِ لا لمعنى، كما أنَّ الصوتَ يحدثُ بصَكَّةِ الجسم وفعلِ فاعلِ الصَّكَّةِ، وفناء الصوت لا بمعنى ولا معنى.
قيل: ذلكَ واجبٌ، ولهذا لا يصحُّ إبقاؤُه ولا إدامتُه، ومرورُ
(4/341)

الحجرِ والسهمِ ليسَ بواجبٍ، ولذلكَ يجوزُ في المقدورِ إيقافُه، ولا يستحيلُ، بخلافِ فناءِ الصوتِ.
ومنها: ما خصَّ المسألة: أنَّ العلمَ لو كانَ متولداً عن الخبرِ، لم يخلُ أن يكونَ تَولَّدَ عن خبر المخبر الأخير، أو عن خبر الجميع؛ فإن قالوا: بخبرِ الآخِرِ وعنه، فهو واحدٌ، فإن (1) كان ابتداءً لم يولد ولم يتولد وإن كان أخيراً، لأنه واحد أولاً كان أو أخيراً، وإن [كان] العلم تَولَّدَ عن المخبرين كُلِّهم الدين يعتبرون لحصول التواتر، لم يصحَّ هذا على أصلهم؛ لأن (2) المسببَ الواحدَ لا يقعُ بسببينِ؛ فضلاً عن أسباب كثيرةٍ، والمقدورَ الواحدَ لا يقعُ عن قادرينِ اثنينِ؛ فضلاً عن قادرينَ كثيرين (3)، وهذا أصلٌ لهم معلومٌ.
وإذا بطَلَ تولُّده عن خبرِ الواحدِ؛ لأنَّه بإجماعٍ لا يوجبُ العلمَ، وبطلَ بخبرِ الجماعةِ؛ لإبطالهم الفعلَ عن قادرين، والمُسبَّبَ عن سببينِ، لم يبق إلا أن يكون حدث بنفسِه، ولا أحدَ يقولُ ذلك، أو حدث بفعلِ الله سبحانه، وهو قولُنا.
ومنها: أنَّه قد استقرَّ عند القائلين بالتولُدِ: أنّ ما لا جملةَ له لا يصحُ أنْ يولدَ إلا في محلِّه، وليسَ للخبرِ جهةٌ تماس محلَّ العلم، ولا ما هو مماسّ له، وإنَّما الاعتمادُ والحركاتُ لما كان لها جهاتٌ ولدت في غير محلِّها، ولا تولدُ فى غير محلها دون مماسَّةِ فاعلها لمحل مسِّها، أو لما هو مماسٌّ له.
__________
(1) في الأصل: "وان".
(2) في الأصل: "لا".
(3) في الأصل: "كثيرة".
(4/342)

فإن قيل: هذا لا يصحُّ لوجهين:
أحدهما: أنَّ الكلام في الجملةِ يولدُ إذا كان خطاباً لمخاطب، ما يولد له السحر من الإرعاب الموجب للوجل، والتهجين الموجب للخجل، فيولد للرجل (1) صفرة؛ لفورانِ الحرارةِ عند الخوفِ، ويورثُ حمرة اللونِ عند الخجلِ [والغضب]؛ لانتشارِ الحرارة، وثوران الدم لمقاواةِ المهاجم، ومدافعتِه عن النفس، فهذانِ أثرانِ ولدهما القولُ.
فيقال: هذه غفلةٌ منكم في إلزامنا جزئيات التولد، مع إنكارنا أصلَ القولِ بالتولدِ.
قالوا: فمن وجه آخر: وهو أنْ يكونَ المولِّدُ للعلمِ في قلبِ المخبَرِ، النظرَ في صحةِ الخبرِ المتواتر، وذلكَ ناشىءٌ من المحل، أعني: النظرَ، ومولدٌ في المحل، وهو العلم.
قيل: هذا باطلٌ لما قدمنا، وأَنَّ العلمَ الواقعَ بهذه الأخبارِ ليسَ يقعُ عن نظير، وأَنه لو وقع عن نظرٍ قليلٍ أو كثير، لوجب وجوده في الحس؛ لَأن قليله وكثيره كقليلِ اللذة والألمِ وكثيرهما، وهذا ممَّا لا نجده في الحس، فبطل ما ادعوه.
فإن قيل: [لو كانَ] العلمُ بخبرِ الأخبارِ مبتدأً من الله تعالى، لكانَ يَصحُّ أن يوقعه من غيرِ سماعِ خبرٍ أصلاً ورأساً.
قيل: يجوزُ ذلكَ في المقدورِ، إلا أنَّه لم تجرِ به عادة.
ويقالُ أيضاً: ولو كانَ العلمُ بما أدركته الحواسُّ مبتدأ من فعلهِ،
__________
(1) في الأصل: "الرجل".
(4/343)

وكذلك العلمُ بأنَّ الاثنين أكثرُ من الواحدِ، وأنَّ الضدينِ لا يجتمعانِ في المحل، لصحَّ منه تعالى أنْ لا يفعلَ العلمَ في العاقلِ بما أدركه، وبكلِّ ما يعلمُ ببديهةِ العقلِ، فإن مروا على ذلك، مررنا لهم على ما ألزموا، وإن أَبَوْهُ، نقضوا قولهم، وأبطلوا إلزامَهم.
ومنها: ما تعلق به بعضُ أصحابِنا، وجماعة من الفقهاء، وغيرُه أصلحُ منه وأنفعُ، لكنني أذكرُهُ لئلاَّ يُعوَّل عليه، قالوا: إذا كانَ كلُّ واحد من المخبرين لا يُوَلِّدُ خبرُه علماً، والآخِرُ على الوَحْدة لا يولدُ خبرُه علماً، عُلِمَ أنَّ العلمَ حادثٌ بفعلِ الله سبحانه.
ولهم أن يقولوا: إنَّ كلَّ وصفٍ من أوصافِ الدلالةِ القياسيةِ لا ينتجُ ويؤثر حكمَ القياس في الأصلِ ولا في الفرع، وبمجموعِها (1) أَثَّرَتْ، وكذلكَ آحادُ الشهودِ في البيِّناتِ لا يقال: إنَّ الأخيرَ لم يوجب الظنَّ وحده، ولا كل واحد أوجبه، فثبت أنَّه إنما حدث ظنُّ الحاكمِ، لا صادراً عن الخبر الأخير، لكن لبناء قول الآخِرِ على الأول، كما انبنى تأثيرُ الوصفِ الأخير على تأثيراتِ الأُوَل من الأوصافِ، وكذلك قُفْزَانُ الحنطة في الغرق الحادث في السفينة عند حصول القَفيز الأخيرِ فيها، وكذلك السكرُ من الأقداحِ عند حصول القدح الأخير، وكذلك العصيُّ المتكررةُ ضرباً لمن يموت بمثلِ تلك الضربات، تساعدت الآلام بعضها ببعض، وانبنى الألمُ الحادثُ بالضربةِ الأخيرة على آلامِ الضربات المتقدِّمةِ، فلا وجهَ لقطعِ الخبرِ الأخير عمَا تقدَّمه، وهذا في جميعِ المحسوساتِ والمعلوماتِ والمؤَثِّراتِ للأححَام، حتى إنَّ التغيرَ الحادثَ في الماءِ من نبذة بعد نبذةٍ من زعفران، والقطرةَ من الماءِ على الحجر، إذا دامت، أثَّرت،
__________
(1) في الأصل: "ومجموعها".
(4/344)

ودَوَّمَت في الحجر، لا بالأخيرةِ على الانفرادِ، ولا بالأولى، لكن بتتالي ذلك، ودوامِه وبناءٍ بعضه على بعضه، والمللَ الحادثَ من الكلمةِ بعد الكلمةِ، والسَّأَمَ، إنما يحدث باتصالِ الكلامِ والمخالطةِ، يقالُ: أكثرَ كلامَه، فسئمناه، وأطالَ القعودَ عندنا، فمللناه، وعلى هذا.

فصل
في جمع شُبَهِهِم
فمنها: أنْ قالوا: لو كانَ العلمُ واقعاً بفعلِ الله سبحانَه على مقتضى العادةِ، لكانَ تارةً يحصل بإخبارِ جماعةٍ بمثلهم يحصل التواتر، وتارةً يخبرُ مثلُ ذلكَ العدد بالخبرِ، فلا يحصلُ العلم، كما أنَّ حصولَ الولدِ عند اجتماعِ الزوجينِ، لمَّا كان بفعل الله سبحانه على اطِّرادِ العادةِ، كان تارةً يحصلُ، وتارةً يعزبُ.
فيقال: إنَّ كونَ العلمِ واقعاً لا محالة، ليسَ مما يدلُّ على أنَّه متولدٌ، بل فعل الله تعالى قد يقعُ على وجهٍ لا يقعُ على غير ذلك الوجهِ لا محالة، ولأنَّ الله سبحانه قد أجرى العادةَ بأن يحصلَ العلمُ الضروريُّ عندَ هذا الخبرِ المخصوصِ، فدعوى التولُدِ لا وجهَ لها (1)، وإنَّما يصح هذا، إن لو استمرَّ أنَّ كلَّ شيءٍ حدثَ عقيبَ شيءٍ لا محالة، كان متولداَ بسببه، وليس الأمرُ عندنا كذلك، بل كل حادثٍ فالله يحدثه، حتى إنَّ المعلولَ يكونُ عند العلةِ وعقيبَها، وليست هي الموجبةَ، عقليةً كانت، أو شرعيةً، فالتحرك كانَ عند الحركةِ، لا أنَّ
__________
(1) في اللأصل: "له".
(4/345)

الحركةَ أوجبَتْه، ولا أحدثته، وعلى هذا.
فإن قيل: فأصلكم يمنعُ هذا، لأنكم عللتم كونَ القديم عالماً بالعلمِ، وكونه قادراً بالقدرة، وعلى هذا، ومعلومٌ أنَّ كونَه عالمآ واجبٌ له، فعلَّلتم الواجبَ، فكيف أَخْلَيْتُم العلة من تأثير المعلول، ثم تستدلون بعد قولِكم هذا على أنَّ كونَ العالمِ عالماً معلولُ العلمِ (1)، وكونَ القادرِ قادراً معلولُ القدرةِ؟! ومثلُ هذا ما فعلتموه في سدِّ باب الاستدلالِ على كونِ الصنعةِ مفتقرةً إلى صانعٍ، فإنَكم مع قولكم: لَا خالقَ، ولا فاعلَ في الشاهدِ، لم يبقَ لكم دليلٌ من الشاهدِ على الغائبِ، وإذا بطلَ هذا من أصلِكم، لم يبقَ إلا أنَكم مضطرون إلى أنَّ كل كائنٍ يكونُ عقيبَ كونِ كائنٍ لا محالة، فعنه صدرَ، وهو مُوجبُه ومُسبِّبُه، وقد رأينا أنَّ العلمَ حصلَ عقيبَ خبرِ هؤلاءِ المخبرين المخَصوصين لا محالة، حتى إنّه لا يجوزُ أن يحصلَ عقيبَ خبرِ جماعةٍ، ولا يحصلُ عقيبَ خبرِ جماعةٍ مثلها، فثبتَ ما قلناه.
قيل: أغنانا عن القولِ بالعلةِ والتولُدِ، ما ثبتَ من وجودِ صانع يكفي وجودُه لإحداثِ كلِّ حادثٍ، وكما أنَّه أجرى العادة في إدراك المحسوساتِ بنوع اتصالٍ وانطباعٍ، أو اتصالٍ شاعَ بالمحسوس ضرورة، ولا يجو أن يختلفَ وجودُه، أجرىِّ العادةَ بأنَّ العددَ الكثيَرَ المخبرين عن دركِ حواسِّهم لا يتطرقُ عليهم كذبٌ، فحصلَ العلمُ عقيبَ خبرِهم، كما حصلَ لنا العلمُ بدركِ حواسِّنا، وأغنانا (2) عن القولِ بالتولد.
وأمَّا دعواكم علينا أنَّه يَسُدُّ علينا بابَ إثباتِ الصانعِ، فليسَ كذاك،
__________
(1) في الأصل: "العلة".
(2) غير واضحة في الأصل.
(4/346)

لأَننا لا بدَّ لنا من إضافةِ الحوادثِ إلى محدِثٍ؛ لينقطعَ التسلسلُ، وإلا فمتى قلنا: إنَّ كل حادثٍ يقفُ وجودُه على حادثٍ قبلَه، لم (1) نَنْتَهِ إلى غاية، ومتى وقفَ وجودُ الحادثِ على تَقدُّمِ حوادثَ قبلَه لا غايةَ لها، لم يوجد.
على أنَّه يلزمُكم، وينقلبُ عليكم ما ذكرتموه؛ من حيثُ إنكم مع قولِكم بالتولُّدِ، لا بدَّ للمتولدِ عنه من مؤثّرٍ لذلك المتولدِ عنه، [و] من مؤثرٍ ينبني عليه التولدُ، فلمَّا لم يكن هذا القولُ منكم سداً لبابِ إثبات الصانع، كذلك لا يكون اشتراطُنا (2) للفاعل الواحدِ سادّاً لبابِ إثباتِ الصانعِ، لأنَّا جمعنا مستند الحوادثِ إلى غايةٍ، هي الفاعل الأول جلَّت عظمتُه.

فصلٌ
لا يجوزُ على الجماعِة الذينَ يحصلُ بهم التواترُ التواطؤُ على كتمِ ما يحتاجُ إلى نقلِه ومعرفتِه (3).
وبه قال العلماءُ، خلافاً للرافِضةِ: يجوزُ ذلكَ لغرض يتفقونَ عليه، كما اتفقت الصحابةُ على كتمِ النَّص على عليٍّ رضي الله عنه بالإمامةِ، على ما زعموا، وقولِ النبي - صلى الله عليه وسلم -: "هذا أخي، ووصيي،
__________
(1) في الأصل: "ثم".
(2) في الأصل: "اشراطنا".
(3) انظر "العدة" 3/ 852، و"المسودة" (235)، و"شرح مختصر الروضة" 2/ 94، و"شرح الكوكب المنير" 2/ 338.
(4/347)

والخليفةُ من بعدي" (1).

فصل
في الدلالةِ على فسادِ مقالتهم
بأنَّ (2) إحالةَ ذلكَ؛ لِمَا ركزَ الله سبحانه في طباعِ الآدميين؛ من توفيرِ الدواعي على نقلِ ما علموا، وكشفِ ما انفردوا بإدراكه، إلى من لم يدركه، ومَن لَحَظَ الطباعَ أولاً من نفسه، ثمَّ مِن غيرِه، عَلِمَ أن الكتمَ ثقيلٌ على النفوسِ، صعبٌ على الطباعِ؛ حتى كأنَ قائلاً يقول من داخل: أَشِعْ (3)، واكشف، وأعلن ما رأيت وسمعت (4)، قال الله تعالى: {قيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ} [يس: 26]، وهي الغاية في النعيم، التفت إلى ورائه، فقال: {قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ} [يس: 26]، حبّاً لإشاعةِ ما وصلَ إليه؛ إما لمفاخرةٍ، أو ترغيب غيرِه في سلوكِ ما سلكه من الصبرِ على البلاء في إيمانه، أو لأيِّ علةٍ كانت، حتى قال العقلاء: أَثقل على القلبِ من السرِّ، حتى على نفوسهم لا يكتمون، وقولهم: وسرُّ الثلاثة غيرُ الخفي، وما اجتمع قوم على شيء ألذَّ من الحديث، حتى قالَ قائلُهم:
ولقد سئمتُ مآربي ... فكأنَّ أكثرَها خبيثُ
إلا الحديث فإنه ... مثل اسمه أبداً حديث
__________
(1) خبر موضعوع، لا يصح عن النبي فى. انظر "الأسرار المردوعة" (443)، و"اللالىء المصنوعة في الأحاديث الموضعوعة" 1/ 359.
(2) في الأصل: "بان".
(3) في الأصل: "امسع".
(4) طمس في الأصل.
(4/348)

واجتماعُ العرب على السَّمَرِ، وقالوا: لم يبقَ من لذاتِ الدنيا أطيبَ من المحادثةِ والمسامرةِ على التلاع الخُضرِ في الليالي القُمْرِ.
وإذا كانت الطباعُ على هذا، بَعُدَ اجتماعُ القليل من العددِ على الكتم، واستحالَ اتفاق العددِ الكثيرِ على ذلك، وصاروا في الاستحالةِ كاتفاقِهم على الكذبِ، وهذا التقريرُ في الأخبارِ في الجملةِ التي لا يتعلقُ عليها الأغراض، فأمَّا ما يُحتاجُ إلى نقلِه، وفي نقلِه صلاحٌ، والدواعي إليه داعيةٌ، فاتفاقهم على كتمِه اتفاقٌ على قبيحٍ، ويستحي أنْ يجتمعَ العددُ الكثيرُ والجمُّ الغفيرُ على القبيحِ، مثلُ دخولِ عطشان أو جائعٍ إلى جامعِ المنصور، يطلبُ شربةً من ماء أو رغيفاً، فتَتَّفِقُ جماعةُ المزدحمين فيه على منعِهما من مطلوبِهما مع وجودِ ذلك، والقدرةِ عليه، أو على الإخبار بحادثٍ حدثَ بالخطيبِ على المنبرِ، ولم يكن حدثَ ذلك، أو إخبارهم بفتنةٍ وقعت، ولم يكُ ذلك على ما قالوا، بل تتفقُ تلكَ الجماعةُ على اختلاق الكذب، أو يقع ذلك -أعني: الحادثة بالخطيب، أو الفتنة- وتكتمها تلَك الجماعة، فلا ينفصل أحد من الجامعِ، فيتحدث بها، إنَّ استحالةَ الأمرين جميعاً على حدٍّ سواء، كذلك ها هنا.
والأصلُ في إحالةِ ذلك: أنَّ الطباعِ في الوضع مختلفةٌ، والدواعي متفاوتة جداً، كتفاوتِ الأمزجة في الميلِ إلَى الطعومِ المختلفه، فلا يجوزُ أن يتفقَ ذلكَ الجمعُ على محبةِ الحموضةِ، ولا محبةِ الحلاوةِ، كذلك لا يتفقونَ على محبةِ كتمِ الحادثِ، ولا اختلاقِ ما لم يحدث.
وأيضاً: لو جازَ اتفاقُ الصحابةِ على كتم نصِّ الخلافةِ على عليٍّ، لما أَمنَّا أن يكونوا كتموا في حكمِ الله سبحانه، فلا تبقى لنا ثقةٌ
(4/349)

بنقلِهم لشيءٍ من الأحكام، وهذا يسُدُّ علينا بابَ الثقةِ لما رووا من الأخبارِ المتضمنةِ الأحكام، وفي هذه المقالةِ أكثرُ الفسادِ.
فإن قيل: أليسَ قد اتفقت الصحابةُ على تركِ نقلِ شرائعِ الأنبياءِ، وإن كانَ الكذبُ غيرَ جائزٍ على جميعِهم، فبانَ بهذا فرق ما بينَ الكتم والكذبِ.
قيل: هذا عينُ الكذب، وإلا فمن الذي نقل إلينا سِيرَ الأنبياءِ إلا أصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما سمعوه منه؟! فأمَّا نقلُهم عن غيره، فإنهم لم يثقوا إلى يهودٍ ونصارى، وقد علموا منهم الكذبَ والتبديلَ والتغييرَ لكتبِ الله القديمةِ، ومَنْ أسلمَ منهم، فقد نقلوا عنه ما أخبرَ به، وهل كتبُ السيرِ المدوَّنةِ عندنا إلا من نقلِهم؟ [و] لأنَّه لا داعي يدعوهم إلى ذلك، إذ لا غرضَ لهم في نقلِ مِلَّةٍ يبنون الأحكام عليها، إلا إذا ثبتَ ذلك بقول نبيّنا - صلى الله عليه وسلم -.

فصل
في شُبَهِهم
فمنها: أن قالوا: إنَّ كلامَ المسيح في المهدِ كانَ من أعجبِ حادثٍ حدثَ في الأرضِ، ثم إنَّ النصاَرى أكثرُ أُمَّةٍ على وجهِ الأرضِ، حتى إنَّ الإسلامَ مع اتساعِه وانتشاره لا يساوي رقعتهم، ومع ذلك لم ينقلوا ذلك الحادث، ونقلوا إحياءه الميت الذي أحياه، وإبراء الأكمهِ والأبرصِ، فبانَ أنَّه ليسَ النقلُ أمرأً يُنفَكُّ عنه، بل تارةً يُكتَم، وتارةً يُنقَل، وتارةً يُهمَل فلا يُنقَلُ، وتارةً يُعنَى به، فيُنقَل.
(4/350)

فيقال: إنَّ العلةَ في ذلك ظاهرةٌ، وهو أنَّ كلامَه في المهدِ كان وهو غير مُتَبعٍ، ولا ظهرَ أمرُه برسالةٍ، فما عُنِيَ بذلك أحدٌ، وإحياءُ الميتِ، وإبراء الأكمهِ والأبرصِ، كان وقتَ الإرسالِ، والاستدلالِ به، وتطلع النَاس إلى ذلك تطلعَ المتأملين، وأبداً ينقلُ الناسُ ما ظهرَ واشتهرَ، ومَا اشتدت الدواعي إلى نقله، والخلافةُ كالنبوة، فلو كانَ من النبي - صلى الله عليه وسلم - نصٌّ يوم غدير خُم (1)، مع توفيرِ دواعي الناس، لا
__________
(1) خُم: واد بين مكة والمدينة عند الجحفة، به غدير، عنده خطب النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "من كنت مولاه، فعليٌّ مولاه، اللهم والِ من والاه، وعاد من
عاداه".
وهو. حديث صحيح، أخرجه من حديث زيد بن أرقم: أحمد 1/ 118 و 4/ 370 و 372 و 389 و 5/ 370، والترمذي (3713)، وصححه ابن حبان (2205)، والحاكم 3/ 109، ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: حسن صحيح.
ومن حديث البراء بن عازب: أخرجه أحمد 4/ 281، وابن ماجه (116).
وأخرجه من حديث سعد: أحمد 1/ 182، وابن ماجه (121)، وابن أبي عاصم (1376).
وفي الباب: عن علي، وأبي أيوب الأنصاري، وابن عباس، رضي الله عنهم أجمعين.
وليس في هذا الحديث نص على خلافة علي رضي الله عنه، وكلُّ ما فيه الترغيب في موالاة علي ونصرته، وهذا لا يقتضي وجوب تنصيبه خليفة على المسلمين بعد رسول الله.
وإذا احتجت الرافضة بهذا الحديث، فلأهل السنة أن يحتجوا بأحاديث أخرى ترشد بمجموعها إلى أحقية أبي بكر وعمررضي الله عنهما من بعده بهذا الموقع، ومن ذلك: "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر، وعمر" وقد تقدم تخريجه.
ومنها: عن عائشة، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ادعي لي عبد الرحمن بن أبي
بكر، لأكتبَ لأبي بكر كتاباً لا يختلف عليه" ثم قال: "معاذ الله أن يختلف =
(4/351)

سيما أهل البيت وشيعتهم، لما صَحَّ كتمُ ذلكَ من أعدائهِ، فكيف من أوليائه؟ وأبداً كل أمرٍ ظهرَ، وتوفرَ فيه الغرضُ، لم يصحَّ كتمهُ، وتوفرَ نقلُه، وبمثل هذا تأكدت حجةُ أبي حنيفة رحمة الله عليه في أنَّ ما تَعُمُّ البلوى به، لا يقبَلُ فيه الواحدُ (1).
فإن قيل: فما أنكرتم أنَّه إنما صحَّ الكتمُ لأمرين مختلفين؛ أمَّا أولياءُ أهلِ البيتِ، فإنَّهم كتموا ذلكَ تَقِيّهً، وأمّاَ الأعداءُ، فكتموا ذلك معاندةً وتعصباً، فاتفقوا في الكتمِ، واختلفوا في علةِ الكتم، وإذا صحَ في حقِّ جماعةٍ طيُّ الحادثِ بمثل هذا التعليلِ، صحَّ في كلِّ جماعةٍ.
قيل: ما عنيتم القولَ فيه باطلٌ، فلا تَختِلونا لِنَجوزَ عليه، فإنه أبعدُ في الإحالة، فإنَّ هؤلاء القومَ ممَّن وصفهم الله بكل فضيلة ومكرمةٍ ومدحةٍ، وأنهم أشداءُ على الكفارِ، رحماءُ بينهم (2)، وأَنَّهم خير
__________
= المؤمنون في أبي بكر"، أخرجه مسلم (2387)، وأحمد 6/ 47 و 106 و 144، والبغوي (1411)، والبيهقي في "دلائل النبوة" 6/ 343.
وعند البخاري (5666) و (7217) بلفظ: "هممتُ -أو: أردتُ- أن أرسلَ إلى أبي بكر وابنه، فأعهد؛ أن يقول القائلون، أو يتمنى المتمنُّون، ثم قلت: يأبى الله، ويدفع المؤمنون -أو: يدفع الله، ويأبى المؤمنون-".
وبناءً على هذه الأحاديث وغيرها من النصوص الأخرى، ذهب الحسن البصري، وجماعة من أهل الحديث: إلى أن خلافة أبي بكر رضي الله عنه ثبتت بالنصر والأخبار، وذهبت جماعة من أهل الحديث، والمعتزلة، والأشعرية: إلى أنها ثبتت بالاختيار.
انظر "شرح العقيدة الطحاوية" 2/ 698
(1) سيأتي هذا المبحث في الفصول القادمة، وبيان موقف الأصوليين من خبرِ الواحد إذا كان ممَّا تعمُ به البلوى انظر الصفحة 389.
(2) يريد بذلك قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى =
(4/352)

أُمةٍ (1)، وأَنّهم رُكَّع سُجَّد، يبتغون فضلَ الله [و] رضوانه، وأَنهّم يأمرونَ بالمعروفِ، وينهونَ عن المنكرِ، والقرآنُ مقطوع به، فكيف نَتْرُكُ شهادةَ المعصومِ لهم بالعدالةِ، ونَرجعُ إلى أفكِ المُسمَّيْنَ بالشيعة، وأَن القوم كتموا نصَّ رسول الله على ابنِ عم رسوله، مع أن الله جعلَ المودة لهم مُكافأةَ الرسالةِ، وأَجْرَ الرسول (2) - صلى الله عليه وسلم -، وإذا جاز اجتماعهم على ذلك، عدمنا الثقة بالجميع فيما نقلوه، ولم نأمن أن يكونَ هناك فرض زائد كتموه، وقد كان يومَ السقيفة (3) نوعُ مقاولة من الأنصارِ والمهاجرين، فتَعلَّقَ هؤلاء بأنَّهم أهلُ الدارِ والإيواءِ والنصرةِ، وتَعلَّقَ هؤلاء بأنهم أهلُ الهجرة، وتعلقَ هؤلاءِ بأن أبا بكرٍ قَدَّمَه في الصلاةِ، والصلاةُ عمادُ الدين، وتعقَ المهاجرونَ بتقديمِ ذكرِهم في القرآنِ، وبوصيةِ رسولِ الله لهم بالأنصار، فكل ذكرَ حجته، فلم يَنْتصِرْ ناصر، ولا عثرَ عاثرٌ بنصِّ رسولِ الله يومِ غدير خُمٍّ، فيُقِيمَ الحجةَ، فإن جاءت الغلبةُ بالعنادِ والكثرةِ، كان ذلكَ من أكبرِ الطعنِ على المتغلبِ، فظهرَ عنادُه، وبانَ ظلمُه، فهذا طعن يعمُّ الكل على قولِ المخالفِ، فالصحابةُ (4) بكتمهم وعنادِهم، والقرابةُ بإهمالِهم تقريرَ (5) الحجة، وبيانَ ظلمهم، وأَنَّ
__________
= الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29].
(1) يشير إلى قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110].
(2) وذلك في قوله تعالى: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى: 23].
(3) انظر ما وقع في سقيفة بني ساعدة في "السيرة النبوية" لابن هشام 4/ 306 وما بعدها.
(4) في الأصل: "والصحابة".
(5) في الأصل: "تقرر".
(4/353)

رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - مدحَهم المدحَ المُفرِطَ، حتى جعلهم كالنجوم (1)، وما
أبعدَ هذا عن العقولِ السليمةِ، والمذاهبِ المنصفة.
ومنها: أن قالوا: قد تمَّ في نقلِ الأمورِ الظاهرةِ؛ كالإهلالِ بالحج، مع اشتهارِه، فهذا روى أنَّه أهلَّ بالقرانِ بينَ الحجِّ والعمرة، وهذا روى أنَّه أهلَّ بالإفرادِ، وهذا روى أنَّه جمعَ بين الجلدِ والرجمِ في حقِّ الثَّيِّبِ، ورويَ أنّه لم يجلد مع الرجمِ، واختلفوا في ألفاظِ الأذانِ بينَ تشفيعٍ وترجيعٍ، وبينَ عدمِ الترجيعِ، وتشفيع الإقامةِ، بل الإيتار لها، وبقي تشفيع الأذان، وهو أمرٌ ظاهر يفعل خمس دفعات في كل يومٍ، فبطلَ إحالتكم للإجماعِ على الكتمِ، وإيجابُكم (2) للنقل.
فيقال: إنَّ ذلكَ يمكنُ الجمعُ بين الرواياتِ فيه؛ بأن يكون لَمَّا عَلَّمَ المناسكَ، عَلَّمَ كلاًّ منهم ما أرادَ الإهلالَ به، والأذانُ اختلف؛ لأنَّ أذانَ بلال يخالفُ أذان أبي محذورة (3)، فما نقلَ إلا ما سمعَ منهم، وكانَ أبو محذورةَ نقلَ ذلكَ عن رسولِ الله، حيث كَرَّرَ عليه لفظ الشهادتينِ ليحببهما (4) إليه، ويمرنه عليهما، والجلدُ والرجمُ ماجتمع فيه إلا إثباتٌ ونفي، والنفيُ ملغى، والإثباتُ
__________
(1) وذلك بقوله: "أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم"، تقدم تخريجه 1/ 280.
(2) في الأصل: "اجابكم".
(3) هو أبو مَحْذورةَ الجُمَحِيُّ المكيُّ الصحابي المؤذن، اسمه: أوس، وقيل: سمرة، وقيل: سلمة، وقيل: سلمان بن معير، وقيل: عمير بن لوذان، توفي بمكة سنة (59) ه.
انظر "الإصابة" 7/ 365.
(4) في الأصل: "ليحببها".
(4/354)

مُعوَّل (1) عليه، ويشهد له ما فعلَه علي رضي الله عنه؛ حيث جلدَ شُراحةَ يومَ الخميسِ، ورجمَها يوم الجمعة، وقال: جلدتُها بكتابِ الله، ورجمتها بسنة رسول الله (2).

فصل
ليسَ في التواترِ عدد محصورٌ، بل المعتبرُ العددُ الكثيرُ الذي لا يجوز اتفاق مثلهم على إتيان الكذب، ولا المواطأة عليه، أو [أن يكونوا]، أهل زهادةٍ وتدينٍ وورعٍ على ما قال أصحابنا (3)؛ فإنَّهم اعتبروا الكثرة، أو الصلاحَ والورعَ، ولم يحصروا ذلك بعددٍ.
وقال الجبائي: يعتبر عدد يزيدُ على شهودِ الزنى.
وقال بعضهم: اثنا عشر، بعدد النُّقباءِ.
وقال بعض الأصوليين: يعتبر أن يكون العددُ سبعين، بعدد المختارين من قوم موسى.
وقال بعضهم: ثلاث مئة ونيف، بعدد أهل بدر (4).
__________
(1) في الأصل: "معمول".
(2) تقدم تخريجه 2/ 160.
(3) انظر "العدة" 3/ 855، و،"التمهيد" 3/ 31، و"المسودة" (235)، و"شرع مختصر الروضة" 2/ 87.
(4) انظر "الإحكام" للآمدي 2/ 39، و"التبصرة" (295).
(4/355)

فصل
في أدلتنا
فمنها: أنَّ التواترَ: ما وقعَ العلمُ الضروريُّ بخبره، وهذا لا يختصُ بعدد مخصوص، إذ ليسَ من قالَ: بأنَّه يحصلُ بأربعةٍ، بأَوْلى من قولِ من قال: يحصلُ باثني عشر، ولا مَنْ قال: باثني عشر، بأَوْلى ممن قال: بسبعين، وعلى هذا، وإنَّما يحصلُ ذلكَ بما يحيلُ العقلُ عليه الكذبَ والتواطؤَ، وذلكَ لا يكونُ إلا في العددِ الكثير والجمِّ الغفير، فأمَّا في عددٍ محصورٍ، فليسَ لأحدِهما على الآخر ميزةٌ إلا بغلبةِ الظن، فأمّا أن ينتهيَ إلى العلمِ، فلا.
ومنها: أنه لو كانَ الاعتبارُ بعددٍ مخصوصٍ، لوجبَ اعتبارُ صفاتٍ محْصوصةٍ، كالإسلام، والعدالةِ، على ما أجمعنا عليه في الشهادةِ، فلما لم نعتبر لذلك أوصافاً مخصوصةً، لم نعتبر له أعداداً مخصوصة، وهذا صحيح؛ لأنَّ العددَ إنما يرادُ لتناصرِ الأقوالِ التي يبعدُ معها الكذبُ، ويقربُ من غلبةِ الظن لصدقِ الخبر، وكما أنَّ ذلكَ يقوى بتزايدِ العددِ، فكذلك (1) يقوى بحصولِ الصفاتِ التي يبعدُ معها الكذبُ، وتُقرِّبُ إلى الصدق.
ومنها: أنَّه ليسَ عددٌ من الأعدادِ التي اعتبر بها، إلا وما زادَ عليه يقوي ما في النفس؛ فالأربعةُ فصاعداً بالإضافةِ إلى الاثني (2) عشر، والاثنا عشر بالإضافةِ إلى السبعين، [والسبعون] بالإضافة إلى الثلاثِ
__________
(1) في الأصل: "وكذلك".
(2) في الأصل: "الاثنا".
(4/356)

مئةٍ ونيف، يَقْوي بالأكثر ما حصلَ في النفس بخبر العدد الأقل، وما قَبِلَ التزايدَ، فهو الظنُّ، إذ ليس وراءَ اَلقطع، ولا سيما العلمِ الضروريِّ، غايةٌ.

فصلٌ
في شبههم
قالوا: إنَّ الله سبحانه اختارَ عددَ شهودِ الزنى أربعةَّ، واختارَ من النقباء اثني (1) عشر، واختارَ موسى لسماعِ كلامِ الله [سبعين من قومِه] ليُخْبِروا بسماعِ الكلام من لم يسمع، وهذا كلُّه يدلُ على حصولِ العلم به.
فيقال لكل من تَعلَّقَ بعددٍ من الأعدادِ: إِنَّ اعتبار غيرِه -إمّا فوقَه، أو دونه- يُخرِجُ ما يَعقُبُه (2) عن أن يكون علماً ضرورياً؛ لأنَّ الضروريَّ لا يقبلُ التزايدَ.
ولأنه لا دليل معكم على أَن العدد اعتبرَ لتحصيلِ العلمِ، ولا للتمبيز بين العلم وعدمه، بل تَعبَّدَ وتَحَكَّمَ بالعددِ، والأصلُ المعتبرُ فيه غلبةُ الظنِّ، لا العلمِ.
ولأنَ الله سبحانه لم يعتبر العدد إلا تحكماً، إذ ليسَ أحدُ العددين بأولى من الآخرِ في تحصيلِ العلم.
ولأنَّه اعتبرَ مع العددِ العدالةَ، ولو كان يحصلُ بقولهم العلمُ، ما اعتُبِرَتِ الصفاتُ، كالعددِ الذي لا يجوز عليهم التواطؤُ على الكذبِ،
__________
(1) في الأصل: "اثنا".
(2) في الأصل: "تتعقبه".
(4/357)

لَمَّا (1) أوجبَ العلم، لم يُعتَبر مع العددِ صفةٌ.
ولأنه يَدْخُلُ برجوعهم الشَّكُّ، وتزولُ غلبة الظن، وما ثبتَ من العلم الضروري لا يتطرقُ عليه الشك والشبهةُ، وهنا لو رجعَ واحد من العدد، لأورثَ شبهة، ولو قابلهم عددٌ مثلهم مخبرون بضِدِّ ما أخبروا به، لوقفَ الدَّسْتُ (2)، والعلوم الضرورية لا يتطرق الشَك على طرقها المحسوساتِ، وما ثبتَ بأوائلِ العقول في ذلك الخبر الذي أخبروا به، والشهادة التي شهدوا بها، ولم يجب استيفاء العقوبة.

فصلٌ
ولا يعتبر إسلام المخبرين في أخبار التواتر، بناءً على ما قررنا؛ من أن الإحالة للتواطؤ، إنما هي إحالةُ اتفاقِ العددِ الكثيرِ على إتيانِ الكذب، خلافاً لبعض أصحاب الشافعي: يعتبر إسلام المخبرين إن طالَ الزمانُ؛ بحيث يمضي ما حصل التواطؤُ في مثلِه، والمراسلة من بعضهم إلى بعضٍ، وإن لم يَطُلْ ذلك، صحَّ مع كفرهم، ولم يُعتَبْر إسلامُهم (3).
__________
(1) في الأصل: "لم".
(2) الدست: فارسي، ويجيء في العربية لمعانٍ، هي: لباس، ووسادة، وحيلة، ودست الشطرنج، وهو المقصود هنا، إذ يقال للمغلوب: تمَّ عليه الدس، وللرابح: ثم له الدست، وإذا توقف اللعب وامتع: وقف الدست.
"قصد السبيل فيما في اللغة العربية من الدخيل": 26 - 27.
(3) والراجح عند جمهورهم: عدم اعتبار الإسلام لقبول الخبر المتواتر، ويقع العلم بتواتر الكفار.
وعندهم قول ثالث: أنه لا يقع العلم بتواتر الكفار، من غير تفصيل.
انظر "المستصفى" 1/ 140، و"التبصرة" (297)، و"الإحكام" للآمدي 2/ 43.
(4/358)

فصلٌ
في حجتنا
وهي أنَّ إحالةَ اجتماعِ الكفارِ على إتيانِ الكذبِ، مع كثرةِ الأعدادِ، واختلافِ الأمزجةِ والطباعِ، فصارَ كإحالةِ اجتماعِهم على حبِّ الحموضةِ أو الحلاوةِ في ساعةٍ واحدةٍ، أو يومٍ واحد، وهذا أمرٌ لا، يختلف باختلاف الأديانِ، كما لا يختلفُ باختلافِ السنِّ بعدَ التساوي في البلوغِ، والعقلِ الذي يصحُّ معه توخي الصدقِ.
وأيضاً: فإنَّ العددَ المعتبرَ، لو جازَ أن يَقبلَ اعتبارَ زيادةِ صفةِ نفي الإسلامِ أو العدالةِ، لجازَ أن يَقبلَ الزيادةَ في العددِ؛ بحيث يقوى بزيادة (1) مئةٍ أخرى (2).

فصلٌ
في شبههم
الكفرُ عرضةُ الكذبِ، والتحريفِ في القول، والإسلام مناطُ الصدقِ، والتحقيقِ في القولِ، ولهذه العلة اختص المسلمونَ بالقطعِ بإجماعهم، كذلكَ وجبَ أن يختص العلمُ القطعي بتواترِ أخبارِهم،
__________
(1) في الأصل: "زياد".
(2) ورد بعدها في الأصل: "لحسنه، وتجنب الكذب لقبحه"، ولم يتبين لنا وجه ارتباط هذه الجملة بالكلام السابق، وقد فصل الناسخ بينهما، فلعل في الأصل الذي نقل عنه الناسخ سقطاً.
(4/359)

والآحادُ عرضةُ تجويزِ الكذبِ.
فيقال: إنَّما تقوى بالصفةِ الآحادُ؛ ليغلبَ على الظنِّ صدقُ المخبرين، فأمَّا عددُ التواترِ؛ فإنَّ الإحالةَ للتواطؤ كافية عن اعتبارِ الصفاتِ الزائدةِ على المعتبرِ من العقلِ، وسلامةِ الحواسِّ التي يحال بالإدراك عليها، وقد وطن لمثل هذا جماعة من الفقهاء المالكيةِ والحنابلةِ في شهادة الصبيان في الجراح، فلم يعتبروا البلوغ، إذا جاؤوا مجتمعين قبلَ أن يمضيَ زمان يتهمون فيه بالتعليم لهم أو التواطؤ، فللاجتماع، وعدم تجويزِ التواطؤ، عمل وتأثير يغني عن اعتبارِ صفاتِ المخبرين؛ لبُعْدِ التُّهْمةِ في ذلك.
على أنَّا نجدُ من نفوسِنا العلم بإخبار العددِ الكثيرِ وإن كانوا كفاراً؛ بحيث لا يورثُنا كفرُهم شكاً في خبرِهم، مع توفيرِ عددِهم، واستحالةِ تواطئهم على الكذب.
وأما الإجماع، فإنما صار حجة معصومةً بالشرع، والشرعُ خصَّ ذلكَ بقوم مخصوصين بالإسلام، والاجتهادِ، والعدالةِ، مع البلوغ والعقل، وليس كذلك الأخبارُ، فإنها توجب العلمَ من طريقِ العادةِ، وما طريقهُ العادةُ، لا يختلفُ فيه المسلمونَ والكفارُ.
ومنها: أن قالوا: لو كانَ العلمُ يقع بتواترهم، لوجب أن يقعَ العلمُ بكلِ ما يخبرون به، ومعلوم أنَّه لا عددَ أكثرُ من عددِ النصارى من بين سائرِ الملل، وقد أخبروا بقتلِ المسيح وصلبهِ عليه السلام، ومع ذلك لم يثبت العلمُ بخبرِهم، وما ذلك إلَا لعدمِ إسلامهم.
فيقال: إنما لم يقع هناك العلمُ؛ لأنَّ شرائط التواتر فيه غيرُ متكاملة، وهو استواءُ طرفي العددِ ووسطِه، [و] الذي نقلته النصارى
(4/360)

الآن مع كثرتِهم، يَستنِدُ إلى نقلِ آحاد يسيرةٍ لا يقعُ العلمُ بخبرٍ هم، وكلامُنا في عددٍ كثيرٍ لا يتواطؤ أمثالُهم على كذب، يخبرون عن دركِ إحساسِهم، ولا يزالُ ينقلُه أمثالُهم إلى أن يصلَ إلينا على ذلك الوجهِ، لا يختلُّ الطرفان، ولا الوسطُ.
ومنها: أنَّ الإسلام والعدالة صفتان تحصلُ بهما الثقةُ إلى الخبرِ، فكانَ مشروطاً في المُخْبِرِ كصحَّةِ (1) العقلِ والحاسَّةِ.
فيقال: المخبرُ إنما يرقى عن إدراكه لما يخبرُ به؛ إما من طريق نفس إدراكه، وهم الأعداد الأُوَل المذكورون، أو عن غيرهم، وهم الطبقةُ الثانية، بإدراكِ ما سمعوه منهم، فإذا لم تكن حاسةٌ، انعدمَ الطريقُ، فصارَ خبره عن غيرِ حاسَّةٍ، ولا عقلٍ، يعني كالمخبرِ عن ميتٍ، أو جمادٍ، بأنه قال كذا، أو فعل كذا.
فأمَّا الكافرُ، فله دركٌ وحاسَّةٌ وعقل، فإذا كثُرَ العددُ المفرط الذي لا يحصرُه بلدٌ ولا عددٌ، استحالَ حبُّ جماعتِهم للكذبِ، سواء كانوا معتقدين لدينٍ، أو لم يكونوا معتقدين، فإنَّ (2) الأمزجةَ والطباعَ لا تتفقُ على الكذبِ، مع التديُّنِ، وعدمِه.

فصل
يجوز ورود التعبد بخبر الواحد من طريق العقل (3)، خلافاً لبعض
__________
(1) في الأصل: "صحة".
(2) في الأصل: "وإن".
(3) ذكر ذلك القاضي في "العدة" 3/ 857، والكلوذاني في "التمهيد" =
(4/361)

المتكلمين -وأظنه: الجبائي؛ على ما رأيته في بعض الكتب الكلامية-، قال: لا يجوزُ ذلك عقلاً (1).

فصل
يجمع أدلتنا
فمنها: أنَّ التعبداتِ تتضمنُ ترغيباً في الثواب، وترهيباً من العقاب، وعلى هذا مبنى التكليف، وقد ثبت تجويزُ الرجوعِ في التخويفِ من طريقٍ، والترهيبِ من سفرٍ، إلى خبرِ الواحد المخبر بما يخوفه من سبعٍ، أو قاطعِ طريقٍ، وكذلكَ تجويزُ العملِ بخبرهِ ترغيباً في سفير لنفعٍ آَخْبرَ به؛ من ربحٍ في تجارةٍ، ودركٍ لمطلبٍ، فكذلك خبره عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بما يعودُ بدفعِ مضرةٍ، أو درك منفعة، ولا
__________
= 3/ 35، والشيرازي فى "التبصرة" (301)، والآمدي في "الإحكام" 2/ 68، والغزالي في "المستصفى" 1/ 141.
(1) الصحيح في مذهب الجبائي: أنه يفصِّل في خبر الواحد، فإن كان ممَّا انفرد به العدل الواحد، لم يقبله، وإن كان المخبر اثنين، أو يزيد، قبل الخبر، ومما يرشد إلى ذلك: ما سيأتي بالفصل القادم؛ من أن الجبائي لا يقبل في الشرعيات أقل من اثنين، ومفهوم ذلك أنه يقبل اثنين، أو يزيد، ولذا كانت عبارة الجويني في تقرير رأي الجبائي: وذهب الجبائي: إلى أن خبرَ الواحد لا يقبل، بل لا بد من العدد، وأقله اثنان. "البرهان" 1/ 607.
فهذا كله يدل على أن الجبائي لا يطلق القول في منع جواز التعبد بخبر الواحد.
على أن ابن السبكي نقل هذا القول عن جمهور الرافضة، ومن تابعهم من أهل الظاهر؛ كالقاساني، وغيره. انظر "الإبهاج" 2/ 300.
(4/362)

عاقلَ ينكر التوقف عن الشروع في السفرِ، لما يخبره الواحدُ عن مضرةٍ تلحقهُ، ولا ينكر الإقدامَ على السفرِ؛ لإخبارِ الواحدِ له بمنفعةٍ يدركها.
فإن قيل: أمَّا الخبرُ من جهةِ الواحد في بيانِ الأمور الدنيوية، لا يُشبهُه الخبرُ بالتعبداتِ، ولهذا لا يقفُ وجوبُ العملِ والتحرز في الأمَورِ على العدلِ، بل الفساق إذا أخبرونا بسبعٍ أو قاطعِ طريقٍ، وجبَ في العرفِ التحرزُ والتوقفُ عن سلوكِ الطريقِ، ولا نبني حكماً شرعياً على خبرِ فاسقٍ.
(1 قيل: لا نُسَلِّمُ، بل الفاسقُ إذا حَذَّرَ من سَبُعٍ، أو قاطعِ طريقٍ، قَدْ نَقصِدُ إليه 1) ...
ومنها: أنَّ الاتفاقَ حاصلٌ بأنَّ الشرعَ لا يأتي إلا بمجوَّزاتِ العقولِ، فأمَّا موانعُها، وما لا تجيزهُ، فلا.
وقد وردَ الشرعُ بالعملِ بقولِ الشاهدِ والشاهدينِ والأربعةِ على حسب الأحكام، والعملِ في الأحكامِ بقولِ المفتي، وإن جازَ عليهم السهو والخطأ، ولم يقبح ذلكَ في العقل، وإن كان قول المفتي يستند إلى استنباطٍ أو دليلٍ، قد يخطىءُ فيه أو يصيبُ، فالرجوعُ إلى قولٍ وخبر يسنده إلى سماعِه عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أَوْلى أن يُعملَ به.
__________
(1 - 1) هذا الجواب أثبتناه من هامش الأصل، وإن لم يحل الناسخ إليه بتخريجة كما هو معتاد.
(4/363)

فصلٌ
في شبههم
فمنها: أن قالوا: إنَّ التكاليفَ مبنيةٌ على المصالح، ولا يعلمُ المصالحَ إلا الله سبحانه ورسولُه - صلى الله عليه وسلم - وإذا كان الناقلُ للخبرِ غيرُ العالم بالمصالح واحداً، مع تطرقِ السهوِ عليه في نقلِه وخبرِه، لم تحصل لنا الثقة بحصول الأصلحِ الذي بُنيَ التكليفُ عليه.
فيقال: الأصلُ في التكليفِ مشيئةُ الله سبحانه، ولا يتخصصُّ التكليفُ بمصلحةِ المكلف، هذا أصلٌ قد فرغنا منه في أصول الدياناتِ؛ بما بانَ من كونِ التكليفِ في حقِّ كثيير من المكلفين سبباً للوبال.
على أنَّا إن تكلمنا على الاسترسال في النظرِ، فإنَّ تَحَرِّي ما يوجبُ غلبةَ الظنِّ في حصول الأصلح، هو المُعوَّل (1) عليه، وهو خبرُ الواحدِ العدل الذي رضيَ به الشرع في إشغال الذمم التي أوجبَ خلوَّها دليلُ العقلِ، وإراقةِ الدماءِ، وانتزاع الأموال من أرباب الأيدي، والتصرفات، وإباحةِ الأبضاعِ المغصوبةِ المحرمةِ، كلُّ ذلكَ بشهادةِ الاثنين، وفتوى الواحدِ مع العدالةِ، وإن كان مبنى إيجاب (2) الحقوق، وشغلِ الذمم، وإباحةِ الحيوانِ، على المصالح ونفي المفاسد، وقد وجبَ على الحكامِ العملُ بذلك في الأحكامِ، وكذلك العوامُّ جاز لهم العمل بفتيا الواحدِ في جميعِ هذه الأحكام، وإن جازَ
__________
(1) في الأصل: "المعمول".
(2) في الأصل: "احاب".
(4/364)

أن يكونَ باطنُ الشهادة كذبَ الشاهدِ، وباطنُ الفتيا خطأ المفتي.
جوابٌ آخر: لو كانَ هذا طريقاً في المنعِ [لكان طريقاً في المنع] من العملِ بالاجتهاد؛ لأنَّ أدلة الاجتهادِ ظواهرُ غيرُ قطعيةٍ، كالقياسِ والاستنباطِ والعمومِ، وكما أنَّ خبرَ الواحدِ يجوزُ عليه الكذب، [و] المجتهدُ المستندُ اجتهادُه إلى هذهِ الطرق يجوزُ عليه الخطأ، فإذا لم يكن طريقاً لمنعِ العمل بالاجتهادِ، لا يكونُ طريقاً لمنع العمل بأخبارِ الآحاد.
ومنها: أن قالوا: لو جازَ العملُ بخبرِ الواحدِ، وإن لم يقع به العلمُ، لجازَ العملُ بخبرِ الفاسقِ والصبي؛ إذ ليسَ في خبرِهما إلا عدمُ وقوعِ العلم.
فيقال: لو وردَ الشرعُ بالعملِ بالخبرِ الصادرِ عنهما، لقبلناه، ولهذا لما جَوَّزَ قبولَ خبرِ الصبي في الهدية، والإذن في دخول الدارِ، قبلناه، لكنَّه نهانا عن الرجوعِ إلى قولِهما، وجاءنا بقبولِ قولِ الواحدِ العدلِ، فقبلنا ما جَوَّزَ لنا قبولَه، ورددنا ما منَعنا قبولَه، وهو في بابِ الشهادةِ والفتوى، فلا فتوى لفاسقٍ ولا صبى، ولا شهادةَ، بخلافِ الواحد العدل.
على أنَّ الثقة في العادة لا تحصلُ بخبرِ من عرفناه بارتكابِ الكذبِ في القولِ، والتحري في الفعلِ، وتحصلُ لنا فيمن عرفنا منه التحري في القولِ والعملِ، فهذا معنى يرجعُ إلى ما نجده من نفوسِنا، ولهذا لم نقبل شهادةَ الفاسقِ، وقبلنا شهادةَ العدلِ.
ومنها: أن قالوا: لمَّا لم نقبل خبرَ الواحدِ في الرسالةِ والنبوةِ حتى اعتبرت المعجزةُ، كذلك لا نقبل ما جاءت به النبوةُ من التكاليفِ
(4/365)

التي جاءت النبوة لأجلها (1).
فيقال: إنَّ طريقَ أصلِ إثباتِ النبوةِ على القطعِ، ولا قطعَ في خبرِ الواحدِ من غيرِ برهانٍ وإعجازٍ، فأمَّا أعيانُ التكاليفِ وجزئياتُ الأحكامِ، فإنَّ طريقَها الظنُّ، بدليلِ أنَّه لما ثَبَتتِ النبوةُ قطعاً، جاءت النبوةُ بالتعبد بقبولِ خبرِ الواحدِ في باب الشهاداتِ والفتاوى عن الآحاد، مع كونِ أقوالِهم مبنيةً على الثَقةِ بحسنِ الظنِّ، من غير يقينٍ، ولا قطع.

فصلٌ
يجب العملُ بخبرِ الواحدِ الذي يَجُوزُ قبولُ خبرِه شرعاً وعقلاً.
نصَّ عليه صاحبُنا (2)، وبهذا قالَ جمهورُ الفقهاءِ والأصوليين.
وذهب قومٌ من أصحاب الشافعي: إلى أنه يجوز من جهة الشرع خاصة (3).
__________
(1) في الأصل: "لأجلنا".
(2) انظر هذه النصوص الواردة عن الإمام أحمد، والتي تفيد وجوب العمل بخبرِ الواحد في "العدة" 3/ 859، وارجع في هذه المسألة إلى "التمهيد" 3/ 35، و "المسودة" (238).
(3) لم يذهب أيٌّ من أصحاب الشافعي إلى أن العمل بخبر الواحد جائزٌ شرعاً -وفق ما توهم ظاهر العبارة-، بل الجميع متفق على وجوبه شرعاً، وإنما الخلاف في وجوبه عقلاً، فجمهور الشافعية على أن العمل بخبر الواحد واجب شرعاً، جائز عقلاً.
وذهب القفال، وابن سريج: إلى أنه واجب شرعاً وعقلاً.
انظر "التبصرة" (303)، و"الإحكام" 2/ 75، و"المستصفى" 1/ 148.
(4/366)

وذهب بعضهم: إلى وجوب العمل به، كقولنا، عقلاً وشرعاً، على ما قدمنا.
وذهب (1) القاساني (2): إلى أنَّه لا يجوزُ العمل به من طريق الشرع، ووافقه (3) على المنع من العمل به ابن داود، إلا أنه قال: وقد كان يجوز وجوب العمل به عقلاً، لولا منع الشرع (4).
وذهب الجبائي: إلى أنه لا يقبَلُ في الشرعيات أَقلُّ من اثنين.

فصلٌ
في جمع أدلتنا
فمنها: قولهُ تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)} [التوبة: 122]، فوجهُ الدلالةِ من الآيةِ: أنَّه
__________
(1) في الأصل: "وقال".
(2) هو أبو بكر محمد بن إسحاق القاساني، أخذ عن داود الظاهري، وخالفه في مسائل.
وقاسان: بلدة على ثلاثين فرسخاً من أصبهان، وأهلها روافض مجاورون لقم.
انظر "تبصير المنتبه بتحرير المشتبه" للحافظ 3/ 1147.
(3) في الأصل: "ووافقهم".
(4) وهذا قول خاصّ بابن داود، ولا يعبر عن موقف الظاهرية من خبر الواحد، يؤكد ذلك: ما نقله ابن حزم في "الإحكام" 1/ 108 عن داود الظاهري؛ من وجوب العمل بخبر الواحد، بل كونه مفيداً للعلم أيضاً، ونصر هذا، ودافع عنه، وأنكر على المخالف.
(4/367)

أوجبَ أن يتخلف عن النفورِ إلى الجهادِ قومٌ، كما أوجبَ أنْ ينفرَ إلى الجهادِ قومٌ، وعلّل في ذلك: أن تكونَ الطائفةُ المتخلفةُ عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، تحفظُ ما يقولُ، وتعي ما يردُ به الوحيُ من الناسخِ، وما يشرعُ، وتُنذِرُ به من تخلفَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بشغله بالجهادِ، وغيبتِه عنه، ولو لم يجب على الغائبِ التعويلُ على بلاغ الحاضرِ، لما كان للأمرِ بالإنذارِ معنى، فدلَّ على وجوبِ الأخذِ بقولهم، وإن كانوا طائفةً يسيرةً، لا يبلغونَ إلى حدِّ التواترِ.

فصلٌ
في الأسئلة على هذه الآية
قالوا: وجوب الإنذارِ لا يدلُّ على وجوبِ العملِ بقول المنذرِ، بدليل الشاهدِ الواحدِ، والشاهدين اللذين ظاهرُهما العدالةُ، لكن الحاكمُ لا يعلمُ عدالةَ باطنِهما، فإنَّ الله تعالى أَوْجبَ بلاغَها، ونهى عن كَتْمِها، فقال: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: 283] ومع ذلك لا يلزمُ العملُ بقولِ الواحد، ولا يقولِ من ظاهرهُ العدالةُ فيما يعتبرُ فيه البحثُ.

فصلٌ
إذا كان غرضُ الإبلاع العملَ والإنذارَ، فلا يجوزُ أن يَعْرى إيجابُ السماع من النبي - صلى الله عليه وسلم - عن غرضه، ولهذا لو صرح، فقال: {ولِيُنْذِرُوا قومَهم} [التوبة: 122]، فلم (1) يَعملِ القومُ بإنذارِهم، لما حسنَ هذا، وكان كلاماً خارجاً عن الفائدةِ والإحكامِ.
__________
(1) في الأصل: "فلا".
(4/368)

وأمَّا الشاهدُ الواحدُ، فيجبُ عليه الإبلاع، لأنَّه يمكنُ بناءُ اليمينِ عليه فيما يقبلُ الشاهدَ واليمينَ، وإتمامُ العددِ مكانِ النصِّ عدى عدد مخصوصٍ، وها هنا لم نَعتبِرْ عدداً، فننتظرَه، ولا توقفَ الإنذارُ عليه، فيُعلَّقَ وجوبُ العملِ به، لأنَّ الأصلَ ما ذكرنا، وأنَّ كلَّ من وجبَ عليه الإعلامُ لشخصٍ (1)، وجبَ على الشخص الذي أُعلِمَ العملُ بقوله، كالأذان لما وجبَ، وجبَ إجابته بالعملِ به صلاةً، وإفطاراً في المغربِ، أو إمساكاً في الفجر، وكذلك الفتوى، وكذلكَ تبليغُ النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته؛ حيث قيل له: {بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67]، فإنه حيثُ وجبَ عليه ذلك، وجبَ على المُبلَّغينَ من الأُمَّةِ العملُ به.
فإن قيل: الحذرُ لا يعطي العملَ بخبرهم إلا على وجهٍ؛ وهو أنْ ينظرَ في التبليغِ والإنذارِ، ويعمل بما يقتضيه الدليلُ، فأمَّا أن يوجبَ قبولَ خبرِه، فلا.
قيل: الحذرُ المُعَلَّقُ على إنذارِهم، يقتضي أنَّه حذَّرَ من مخالفةِ إنذارهم، وتركِ العملِ به، فأمَّا أن ينضمَّ إلى إنذارهم دليل، فلا وجه له، ولا يعطي ظاهرُ الآيةِ ذلك، ومن لم يعمل بخبرِ المنذِر فما (2) حَذِرَ، فالآية تقتضي الحذرَ بمجردِ الإنذارِ، ولو كان ذلك واقفاً على دليلٍ، لم يكن عملاً بالإنذار، بل كانَ العمل بذلك الدليل.
فإن قيل: لا حجةَ في الآيةِ؛ لأنَّ الطائفةَ قد تقعُ على ما يحصلُ به العددُ الذي يحصلُ بخبرِهم العلم: الأربعةُ، والاثنا عشر،
__________
(1) في الأصل: "بشخص".
(2) في الأصل: "فيما".
(4/369)

والسبعون (1) والثلاثُ مئةٍ وبضع، وإذا لم يتخصص بعددٍ، لم يكن في الآيةِ حجةٌ.
قيل: قد تقعُ الطائفةُ على أقل قليل، وهو الواحدُ، بدليل قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9] إلى قوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات: 10]، وقال محمد بن كعب في قوله: {إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ} [التوبة: 66]: كان رجلاً واحداً (2)، وقيل في قوله: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2)} [النور: 2]، قيل: أقلها واحدٌ.
على أنَّنا أجمعنا على أن سماع العلمِ فرضٌ على الكفاية، وأنه لو تخلفَ عند النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من يسمع منه، ولو واحداً (3)، سقطَ عن كافَّةِ أصحابِه رضوان الله عليهم، ومَن سَقَطَ بحضورِه الفرضُ عن الكل، هو الذي وجب الحذرُ بإنذارِه.
فإن قيل: إنَّما المرادُ بالإنذارِ الفتيا من العلماءِ، وذلك يجب قبوله على العوام، فنحن قائلون بما جاءت فيه، ويشهد لذلك: ما في نطق الآية من قولِه: {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا} [التوبة: 122] , ولم يقل: لينقلوا، أو: ليسمعوا، فيخب (4 فالمقصود: علمُ 4) أحكام الشريعة.
قيل: كل مسموع من (4 النبي - صلى الله عليه وسلم - 4) يسمى فقهاً، لا سيما في حق الصحابة مع فقههم لكلامه، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "يحملُ هذا العلم من
__________
(1) في الأصل: "والسبعين".
(2) انظر "تفسير الطبري" 14/ 336 تحقيق أحمد شاكر.
(3) في الأصل: "واحد".
(4 - 4) طمس في الأصل.
(4/370)

كل خل عدولُه" (1) فكانت الأخبارُ علماً، وقال: "رحم الله -وروي: نَضَّرَ الله- امرأً سمعَ مقالتي، فوعاها، فأدَّاها كما سمعها، فربَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقه منه" (2) فكان قوله المحمول فقهاً، ولأنَّ في الفتيا من الحجةِ مثل (3 ما في قول واحدٍ 3)، يقول قولاً غير معصوم من الخطأ، كما أن القائل غير معصوم من السهوِ والغلطِ أو الكذب، فإذا (3 أخطأ أحدهما في 3) التحذير، كان الآخر مثله، (3 وحكَمه حكمه، كما في 3) قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ} [الحجرات: 6]، وتقييده يمنعُ أن يكونَ العدلُ (3 مراداً، فيبطل 3) تقييد القرآن بالفسق، ويخرج عن الفائدة إذ لم نخص التَّبيُّن بالفاسق، ويكون العدل عندها كالفاسق في إيجاب التَّبيُّن. وهذه الآية ينبني الاستدلال بها على دليلِ الخطاب في نقلِ المستفيض الذي لا يعتريه شك، فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُنفِذُ آحاداً من أصحابه في النواحي والبلاد حاملين الكتب رسلاً، مثل كتابه إلى قيصر: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} [آل عمران: 64] الآيات, وأمَّر أبا بكر الصديق أميراً على الحاج، وعمرَ ساعياً على الصدقة، وعلياً قاضياً على اليمن، وعَتَّابَ بنَ أَسيدٍ، ومعاذ بن جبل، وكَلَّفَ كلَّ أهلِ ناحيةٍ طاعةَ من أَنفْذَ به إليهم، والعملَ بما بعثهم به، وندبهم له، وطاعتَهم في ذلك، وهم آحاد.
فإن قيل: يجوزُ أن يكونَ بعَثَهم إلى قومٍ في أحكامٍ علموها قبل بَعْثِه هؤلاء الآحادَ؛ بالتواترِ السابقِ لبَعْثِهم، كما أنهم علموا وجوبَ
__________
(1) رواه الخطيب في "شرف أصحاب الحديث" (14) و (52) و (55) و (56)، وذكره التبريزي في "مشكاة المصابيح" (248).
(2) تقدم تخريجه 1/ 7.
(3 - 3) طمس في الأصل.
(4/371)

العملِ بخبر الواحد قبل بَعْثِه الرسلَ على قولكم.
قيل: لو كانَ نُقِلَ إليهم نقلاً متواتراً، لكان قد نُقِلَ إلينا، وعرفناه، كما علمنا جميعَ ما حصلَ به نقلُ التواتر.
وأمَّا وجوبُ العمل بخبرِ الواحد، فإنَّهم كانوا علموه بما شاعَ من بعثهِ الرُّسلَ إلى كلِّ جهةٍ.
فإن قيل: فقد كانَ يبعثُ بآحادِ الرسلِ يدعو إلى الإيمانِ، وإن لم يكن ذلك معلوماً من جهةِ الرُسلِ، فكذلكَ بعثَ برسلِه بالأحكامِ، وإن لم يكن ذلك معلوماً من جهةِ الرُّسلِ.
قيل: الإيمانُ معلومٌ عقلاً، ولكن وجوبُه الذي بَعَثَ به رسلَه لأجلِه، لم يُعلَمْ إلا من جهةِ رسلِه، وعند المخالفِ يُعلَمُ ذلكَ بالعقلِ، ولكن بَعَثَ من يُنبِّهُهُم على إعمالِ الفكرِ والنظرِ في الدليل.
ومنها: إجماعُ الصحابةِ رضي الله عنهم على عملِهم بخبرِ الواحد، ومن ذلك: عملُ أبي بكر الصديق بخبر المغيرةِ ومحمد بن مَسْلَمةَ في ميراثِ الجدة، وأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أطعمها السدسَ، فجعلَ لها السدس (1).
__________
(1) ورد ذلك من حديث قَبِيصةَ بن ذُؤَيبٍ، قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر رضي الله عنه تسأله ميراثها، قال: فقال: ما لَكِ في كتابِ الله شي، ءٌ وما لَكِ في سَنَة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيءٌ بلا، فارجعي حتى أسال الناس. فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة: حضرتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أعطاها السدسَ. فقال أبو بكر رضي الله عنه: هل معك غيرك؛ فقام محمد بن مسلمة، فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة، فانفذه لها أبو بكر.
أخرجه مالك في "الموطأ" 2/ 513، وأبو داود (2894)، والترمذي (2101)، وابن ماجه (2724)، وابن حبان (1224)، وصححه، والحاكم =
(4/372)

ومن ذلك: عملُ عمرَ رضي الله عنه بخبرِ عبد الرحمن بن عوف في أخذِ الجزية من المجوس، وقوله: "سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهلِ الكتاب" (1).
وعملَ بخبرِ حَمَلِ بن مالك في الجنين، وقال: لولا هذا لقضيتُ بغيرِه (2). ورويَ أنَّه قال: كِدْنا أن نقضيَ فيه برأينا (3).
__________
= 4/ 338، ووافقه الذهبي.
وقال الحافظ في "تلخيص الحبير" 3/ 82: وإسناده صحيح لثقة رجاله، إلا أن صورته مرسل، فإن قَبِيصةَ لا يصح له سماعٌ من الصدِّيقِ، ولا يمكن شهوده القصة.
(1) هذا اللفظ أخرجه مالك 1/ 278، وقال ابن حجر: هذا حديث غريب، وسنده منقطع أو معضل. "موافقة الخبر" 2/ 179.
قلت: وورد في الصحيح عملُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بخبر عبد الرحمن بن عوف: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ الجزية من مجوس هجر. من غير قوله: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب".
أخرجه البخاري (3156)، وأبو داود (3043)، والترمذي (1587).
(2) في الأصل: "بغير".
(3) أخرجه أبو داود (4572) من طريق ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع طاووساً، عن ابن عباس، عن عمر: أنه سأل عن قضية النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، فقام حمل بن مالك بن النابغة، فقال: كنت بين امرأتين، فضربت إحداهما الأخرى بمِسْطَحٍ، فقتلتها وجنينها، فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بغُزَةٍ، وأن تقتل. وإسناده صحيح.
وأخرجه أيضاً (4573) من طريق سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاووس، قال: قام عمر رضي الله عنه على المنبر، فذكر معناه. ولم يذكر: "وأن تقتل"، بل زاد: "بغُرَّةٍ: عبدٍ، أو أَمَيةٍ"، قال: فقال عمر: الله أكبر، لو لم أسمع بهذا، لقضينا بغير هذا. وهذا منقطع، طاووس لم يسمع من عمر.
(4/373)

وعمل بحديث الضحاك بن سفيان في توريث المرأة من دية زوجها (1).
ومن ذلك: عملُ عليٍّ وعثمانَ بخبر فُرَيعةَ بنت مالك في سكنى المتوفى عنها زوجها (2).
__________
(1) روى سعيد بن المسيب، قال: كان عمر بن الخطاب يقول: الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئاً، حتى قال له الضحاك بن سفيان: كتب إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أن أُوَرِّثَ امرأةَ أَشْيمَ الضِّبابِيِّ من دية زوجها. فرجع عمر.
أخرجه أبو داود (2927)، والترمذي (2110)، وابن ماجه (2642)، والطبراني في "الكبير" 8/ 360. ورجاله ثقات، إلا أن في سماع سعيدٍ من عمرَ خلافاً، وله شاهد يتقوى به من حديث المغيرة بن شعبة عند الدارقطني 4/ 76.
(2) نص الحديث: أن الفريعةَ بنت مالك بن سنان جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسأله أن ترجعَ إلى أهلها في بني خُدْرةَ، فإن زوجها خرج في طلب أعبدٍ له أَبَقُوا، حتى إذا كان بطرف القَدُومِ لحقهم، فقتلوه، فَسَأَلتْ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أن ترجعَ إلى أهلها، فقال لها - صلى الله عليه وسلم -: "نعم" قالت: فخرجتُ حتى إذا كنت في الحجرة أو المسجد، دعاني، أو أَمَرَ بي فدُعِيتُ له، فقال: "كيف قلتِ؟ " فَرَدَدْتُ عليه القصة التي ذكرتُ من شأن زوجي، قالت: فقال: "امكثي في بيتك حتى يَبلغَ الكتابُ أجَلَه" قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً، قالت: فلما كان عثمان بن عفان، أرسلَ إلي، فسألني عن ذلك، فأخبرته، فاتبعه، وقضى به.
أخرجه أبو داود (2300)، والترمذي (1204)، وابن ماجه (2031)، والنسائي 6/ 199، وصححه ابن حبان (1332)، والحاكم 2/ 208، ووافقه الذهبي. مع اختلاف في اللفظ عند بعضهم.
(4/374)

ومن ذلك: عملُ ابنِ عمرَ بحديثِ رافعِ بن خَدِيجٍ في الانتهاءِ عن المخابرةِ (1).
ومن ذلك: عملُ ابن عباس بخبرِ أبي سعيد الخُدْريِّ في الرِّبا في النَّقْدِ، بعد أن كان لا يحكمُ بالرِّبا إِلا في النَّسِيئَةِ (2).
ومن ذلك: عملُ زيد بن ثابت بخبر امرأةٍ من الأنصار: أن الحائض تَنْفِرُ بلا وداعٍ (3).
ومن ذلك؛ ما رويَ عن أنس بن مالك: كنت أسقي أبا عبيدة وأبا طلحة وأبيَّ بن كعب شراباً من فَضِيخٍ، إذ أتانا آت، فقال: إنَّ الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنسِ إلى هذه الجرارِ، فاكسرها، قال: فقمت إلى مِهْراسٍ لنا، فضرَبْتُها (4) بأَسْفلِهَ حتى
__________
(1) تقدم تخريجه 3/ 220.
(2) خبر أبي سعيد الخدري تقدم تخريجه، ورجوع ابن عباس عن قوله: لا ربا إلا بالنسيئة. أخرجه البيهقي 5/ 281 - 282.
(3) قول زيد: بلزوم الحائض طواف الوداع، وإن طافت الإفاضة: أخرجه البخاري (1758) و (1759): أن أهلَ المدينة سألوا ابن عباس رضي الله عنهما عن امرأة طافت، ثم حاضت، قال لهم: تنفرُ، قالوا: نأخذ بقولك، وندع قول زيد! قال: إذا قدمتم المدينة، فسلوا. فقدموا المدينة، فسألوا، فكان فيمن سألوا أثمَ سُلَيْمٍ، فذكرت حديث صفية: "أحابستنا هي".
ورجوع زيد عن قوله هذا: أخرجه مسلم (1328) (381) من حديث طاووس، قال: كنت مع ابن عباس، إذ قال زيدُ بن ثابت: تفتي أن تَصْدُرَ الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت؛ فقال له ابن عباس: إما لا، فسل فلانة الأنصارية، هل أمرها بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: فرجع زيد بن ثابت إلى ابن عباس يضحك وهو يقول: ما أراك إلا قد صدقت.
(4) في الأصل: "فضربها".
(4/375)

تكسَّرَتْ (1).
ومن ذلك: ما ظهر واشتهر من عمل أهل قباء في التحول من القبلة بخبر الواحد، فالتفتوا بخبره إلى الكعبة (2).
ومن ذلك: ما روي عن ابن عباس، أنه بلغه عن رجل، أنه قال: إنَّ موسى صاحب الخَضِرِ ليس بموسى بني إسرائيل، فقال ابن عباس: كذبَ عدوُّ الله، أخبرني أبيُّ بن كعب، قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم ذكرَ موسى والخَضِرَ بشيءٍ يدلُّ على أنَّ موسى بني إسرائيل صاحب الخَضِرِ (3)،، فعمل بخبر أبى إلى حدٍّ كَذَّبَ الرجلَ، وسمَّاه عدوَّ الله، تعويلاً على خبر الواحد.
وعملوا كلهم بخبر أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أن الأئمة من قريش (4)، وبحديث عائشة في التقاءِ الخِتانَيْنِ، ووجوبِ الغسل من
__________
(1) أخرجه من حديث أنس: أحمد 3/ 183 و 189 - 190، والبخاري (5583) و (5622)، ومسلم (1980) (5) و (6)، والنسائي 8/ 287، وابن حبان (5352)، والبيهقي 8/ 295، والفضيخ: أن يفضخ البسر، ويصب عليه الماء، ويتركه حتى يغلي، أما المهراس: فهو حجرٌ منقور.
(2) تقدم تخريجه 2/ 441.
(3) ورد ذلك من حديث سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: إن نوفاً البكاليَّ يزعم أن موسى عليه السلام صاحب بني إسرائيل، ليس هو موسى صاحب الخضر عليه السلام، فقال: كذب عدو الله .... الحديث.
أخرجه البخاري (3401)، ومسلم (2380)، وابن حبان (6220)، وقوله: كذب عدو الله، هو على وجه الإغلاط، مبالغة في إنكار قوله؛ لمخالفته قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
(4) قال الحافظ ابن حجر في "موافقة الخبر الخبر" 1/ 480: ليس هذا =
(4/376)

غير إِنزالٍ (1).

فصل
في الأسئلةِ على قضايا الصحابة بخبرِ الواحدِ
فمنهاْ قولهمْ هذه أخبارُ آحاد، فكيف يُحتَجُّ بأخبار الاَحاد، والخلافُ في أخبار الآحاد؟!
فيقال: هي تواتر من طريقِ المعنى، وليس إذا كانت آحادُ الجملةِ آحاداً، والجملة تواتراً، تعطى الجملةُ أحكامَ الآحادِ، كشجاعةِ عليٍّ، وسخاءِ حاتمٍ، وفصاحةِ قُسٍّ، وفهاهةِ باقِلٍ، هذه أمورٌ تواترت، وإن كانت آحادُها آحاداً في النقلِ.
وعلى أنَّه يبعدُ أن تكون هذه الأخبار مع كثرتِها خطأً أو كذباً (2).
__________
=اللفظ موجوداً في كتب الحديث عن أبي بكر رضي الله عنه، وإنما في الصحيحين وغيرهما في قصة السقيفة: قولُ أبي بكر: إن العربَ لا تَعْرِفُ هذا الأمرَ إلا لهذا الحي من قريش.
وقد ذكره البخاري من قول أبي بكر (6830)، أما مسلم فقد ذكره مختصراً، وليس فيه محل الشاهد.
وحديث: "الأئمة من قريش" صحيح بمعناه، إذ أخرج البخاري (7140)، ومسلم (1820) من حديث ابن عمر: "لا يزال هذا الأمرُ في قريش ما بقيَ في الناسِ اثنان".
وأخرج البخاري (7139) من حديث معاوية: "لا يزالُ هذا الأمرُ في قريش، لا يعاديهم أحدٌ إلا كَبَّه الله على وجهِه، ما أَقامُوا الدِّينَ".
(1) تقدم تخريجه ص (131).
(2) في الأصل: "كذب".
(4/377)

ومنها: أن قالوا: تلكَ آحاد استندت إلى دلالةٍ قطعيةٍ، وهي إجماعُ الصحابةِ، فإنَّهم لم ينكروا خبراً منها، فصار إمساكهم عن النكير إجماعاً على قبولها، وهذه الأخبار لا حجةَ معها.
فيقال: لو كانَ عندهم من ذلك ما عند الراوي، لما أشكلت عليهم الأحكامُ التي تضمنتها الأخبارُ، فلما كانوا قبل الروايةِ واقفين في الأحكامِ، عُلِمَ أنَّهم لم يعلموا ذلك، ولا علموا (1) إلا بها.
ومنها: أن قالوا: إن تعلقتم بقبولِ من قبلها، قابلناكم بردِّ من رَدَّها، وليس أحدُهما بأَوْلى من الآخرِ، وبطل دعوى الإجماع منكم، والدلالةُ على ما ادعينا من الردِّ المرويِّ عنهم لأخبارِ الآحَادِ: ما رويَ أنَّ أبا بكرٍ لم يقبل خبرَ المغيرةِ في ميراث الجدةِ حتى انضمَّ إليه خبرُ محمد بن مسلمة.
وعمر رَدَّ حديثَ أبي موسى في الاستئذانِ، وهو أنَّ أبا موسى استأذن على عمرَ ثلاثاً، فلم يؤذن له، فانصرفَ، فبعثَ إليه عمرُ: لِمَ انصرفتَ؛ فقال: سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا استأذنَ أحدُكم على صاحبهِ ثلاثاً، فلم يؤذن له، فلينصرف" فقال: من يشهدُ لك؟
فمضى أبو موسى إلى الأنصارِ، فقالوا: نبعثُ معك بأصغرنا أبي سعيد الخدري. فلم يقبل قولَه حتى روى معه أبو سعيد الخدري (2).
__________
(1) في الأصل: "عملوا".
(2) أخرجه مالك 2/ 963 - 964، والبخاري (2062) و (6245) و (7353)، ومسلم (2153)، وأبو داود (5180) و (5181) و (5182)، والتر مذي (2690).
(4/378)

وعليُّ بن أبي طالب رَدَّ حديث ابن سنان في المفوِّضةِ (1)، وكان لا يقبلُ خبرَ الواحدِ حتى يستحلفه إلا أبا بكر؛ فإنَّه كانَ يقبلُ خبرَه بغيرِ يمين (2).
فيقال: قبولُهم -على ما بيناه- دليلٌ على وجوبِ العملِ بها،
__________
(1) في الأصل: "الموصوفة"، وحديث معقل بن سنان تقدم تخريجه 3/ 109 في قصة بَرْوَعَ بنت واشِقٍ؛ حيث مات زوجها، ولم يسمِّ لها صداقاً، فروى معقل: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى لبَرْوعَ بمهر مثلها، وعليها العدة.
وفي "مصنف عبد الرزاق" (10894 ه): أن علياً كان يجعل لها الميراث، وعليها العدة، ولا يجعل لها صداقاً، وأخبر بقول معقل، فقال: لا تصدق الأعراب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وفي "سنن سعيد بن منصور" (927) من طريق هشيم، عن أبي إسحاق الكوفي -وهو ضعيف جداً-، عن مزيدة بن جابر -وليس بشيء-، أن علياً رضي الله عنه، قال: لا يقبل قول أعرابي من أشجع على كتاب الله عز وجل.
وانظر تعليق ابن التركماني على هذا الأثر في "الجوهر النقي" 7/ 247.
(2) ورد ما يشير إلى ذلك في قول علي رضي الله عنه: إني كنت رجلاً إذا سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثاً، نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني، وإذا حدثني أحد من أصحابه، استحلفته، فإذا حلف لي، صدقته، قال: وحدثني أبو بكر، وصدق أبو بكر رضي الله عنه، أنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ما من عبد يذنب ذنباً، فيحسن الطهور، ثم يقوم فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله إلا غفر له" ثم قرأ هذه الآية {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ...} [آل عمران: 135].
أخرجه أبو داود (1521)، والترمذي (406) و (3009)، وابن ماجه (1395)، وصححه ابن حبان (245)، والطيالسي (1) و (2).
(4/379)

وردُّهم لا يدلُّ على عدم العملِ بها (1)، بل يجوزُ أن يكونَ لشبهةٍ تعرضُ في خبرِ الواحد، أَو معنىً وعِلَّةٍ ظهرت، فأوجبت الردَّ لذلك الخبرِ، ألا ترى أنَّ خبرَ التواترِ قد أجمعنا على العملِ به، وإن كنا نردُّ التواترَ لِعلَّةٍ؛ مثلِ تواترِ خبرِ النصارى أنَّ المسيحَ صُلِبَ.
والذي يوضِّحُ أنَّ الردَّ إنما حصلَ لعِلَّةٍ: هو قولُ عمرَ في خبرِ الاستئذانِ لأبي موسى: فقلتُ ذلكَ لكي لا تجترىءَ على رسول الله.
وقالَ علي في حديثِ ابن سنان (2): أعرابيٌّ بوَّال على قدميه. أي: لا يعرف الأحكام.
وأيضاً من طريق الاستدلالِ بالاستنباط: أنَّ العقل يوجبُ الاحتياطَ من المضار، وخبرُ الواحدِ العدلِ الثقةِ الذي لم يُجرَّب (3) عليه الكذبُ، يترجحُ صدقُه على كذبه، وإن كان الكذبُ جائزاً عليه، وإذا تَرجحَ صدقُه فيما يخبرُ به عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، غلَبَ على الظنِّ اقتحامُ الإثمِ وحصولُ الضررِ بمخالفتِه، وهذا أمر يقتضيه العقلُ، وقد عضدَ ذلكَ ما اتفق العقلاءُ عليه من المتدينين وغيرِهم، أنَّ الرجوعَ إلى قولِ الواحدِ في التَّحَرُّزِ من المَضارِّ من عزائمِ العقلاءِ ومقتضى رأيهم، كإخبار الثقةِ بسَبُعٍ في طريقٍ يريدُ سلوكَه، أو الإخبارِ عن رياحٍ مهلكةٍ في بحرٍ يريدُ ركوبَه، كلُّ ذلكَ يوجبُ العقلُ التحرزَ منه عملاً بخبرِ الواحدِ.
ومن ذلك: أنَّه إخبار عن حكمٍ شرعي، فجازَ قبولُ خبرِ الواحدِ فيه؛ كالاستفتاءِ في الحوادثِ لآحاد المجتهدين.
__________
(1) في الأصل: "به".
(2) في الأصل: "أبي يسار".
(3) في الأصل: "بحرف"
(4/380)

وأيضاً: لو لم يجب العملُ بخبرِ الواحدِ، لوجبَ أن يكونَ ما بيَّنَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في عصرِه يختصُّ بمن سمع من لفظِه ونطقِه، ولا يلزمُ غيرَه اعتقادُه والعملُ به، لأنَّه لا يتحققُ نقلُ جميع ما بَيَّنَه وبَلَّغَه عن الله نقلاً متواتراً، وهذا يقطعُ عنا أكثرَ الشريعةِ، ومعظمَ أحكامِها، وهذا من أكبرِ المفاسدِ.
فإن قيل: هذا يوجبُ قبولَ خبرِ الفاسِق؛ لئلا يفضيَ إلى فواتِ العملِ بأحكام النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذلكَ خبر الكافرِ، لئلا يفضيَ إلى انقطاعِ ذلكَ عنَّا برد خبرِه إلى المفاسدِ العظيمةِ، فلما لم يجز قبولُ خبرِ الكافرِ والفاسقِ لحرصِنا على العملِ بأحكامِ الشريعةِ التي سُمعت من النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - طلباً لشرطِ العملِ، وهو حصولُ الثقةِ والعلمِ، فكذلكَ لا يلزمُ العملُ بخبرِ الواحدِ؛ لعدمِ العلمِ بخبرهِ، وتجويز الكذبِ عليه.
قيل: الفاسقُ يغلبُ على الظن كذبُه، لأنَّ تُهْمتَه ظاهرةٌ في ارتكاب محظور دِينِه، ومن ارتكبَ محظورَ دينِه فعلاً وقولاً، لم يُوثَقْ منه إلى خبر، لأنَّه قولٌ من جملةِ أقوالِه، فلا يتخلص لنا صدقه من كذبهِ، وليس من حيثُ رددنا قولَ المتهمِ نردُّ قولَ المغلبِ صدقُه، الموثوقِ إلى قوله؛ لسلامةِ أفعاله، ولذلكَ قبلنا قولَ المفتي والشاهدين مع كوننا لا نعلمُ إصابةَ المفتي، ولا صدقَ الشاهدين، لكنَّنا ظننا الصدقَ والإصابةَ، ولم يوجب ذلك علينا قبولَ قولِ المفتي والشاهدِ، إذا كانا فاسقين.
(4/381)

فصل
في شبههم
فمنها: أن قالوا: قولُه تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36]، وقوله تعالى: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 169]، وذَمَّ اتباعَ الظن، فقال: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} [الأنعام: 116]، وقال: {وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم: 28]، وخبرُ الواحد ليس بموجبٍ للعلم، فقد دخلَ العملُ به تحت النهيِ، ويوجبُ الظنَّ، فقد دخلَ تحت ذَمِّ المتبعين للظنِّ.
فيقال: إنَّ الطريقَ إلى العملِ بخبرِ الواحدِ مَعْلومٌ، فَعَمَلُنا بهِ عملٌ بالعلمِ، وإن كانَ هو في نفسِه مُوجباً للظن، ولأنَّ الآيةَ مشتركةُ الدلالةِ؛ لأنَّه لو كانَ العملُ بخبرِ الواحدِ، عملاً بما لا علمَ له به، (1 ويدخل تحت النهي، كان الأخذ بالشهادة والفتيا داخل تحت النهي؛ لانه خبر واحدٍ 1) ولأنه محمولٌ على الظنِّ الذي لا يستندُ إلى دليلٍ يوجبُ العملَ.
جوابٌ آخر: وهو أنَّ الدليلَ قد دلَّ على أنَّ العملَ بخبرِ الواحدِ خارجٌ مخصوصٌ عن عمومِ الآيةِ، بدليلِ وجوب قبولِ قولِ الشاهدِ والمفتي، وإن كانَ قولُ الشاهدِ مجوّزاً عليه الكَذبُ، وقولُ المفتي مُجوَّزاً عليه الخطأ.
ومنها: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يرجع إلى قولِ الواحدِ، حيث رَد خبرَ ذي اليدينِ؛ حيث قالَ له: أَقَصُرَتِ الصلاةُ، أم نَسِيتَ؟ وعدلَ إلى الاستزادةِ على خبرِه، فسألَ أبا بكر وعمرَ وغيرَهما مِمَّن كان في الصفِّ عن صدقِه، فقال: "أحقٌّ ما يقولُ ذو اليدين؟ " فلما خَبَّراه
__________
(1 - 1) ليست في الأصل، ولا بد منها لاستقامة المعنى.
(4/382)

بذلك، تَمَّمَ وسجدَ سجدتي السهو (1).
فيقال: إنَّه لا حجةَ في الخبرِ؛ لأنَّه قد يكونُ غيرَ واثقٍ بقول ذي اليدين لمعنى يخصُّه، ويجوزُ أن يكونَ قدَّمَ ما كانَ يجدُ في نفسِه من الإتمامِ على خبرِه، وإخبارُ الأنسانِ عن فعلِ نفسِه يحتاجُ إلى زيادةٍ على إخبارِه عن غيره، وعساه ذكرَ بعد ذلكَ عند قول أبي بكر وعمر، لا أنه أوقفَ العملَ على قولِهما، وعساه احتاطَ في ذلك.
على أنَّ قول أبي بكرٍ وعمرَ لا يُخرٍ جُ العملَ عن كونِه عملاً بخبرِ (2) الواحدِ، ولا يخرجُ به خبرهما وخبرُ ذي اليدين عن كونهِ خبرَ واحد، إذ ليسَ ذلك بتواترٍ.
ومنها: أن قالوا: لو وجبَ العملُ بخبرِ الواحدِ من غيرِ دليل، لوجبَ قبول خبرِ من يَدَّعي النبوةَ من غير دليل.
فيقال: نعارضكم بمثلِه، فنقول: لو جازَ رد خبرِ الواحدِ من غيرِ دليل، لجازَ ردُّ قول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من غيرِ دليلٍ، ولأنَّه إذا جازَ أن نقبلَ قول المفتي والشاهدِ من غيرِ حجةٍ، وإن لم نقبل دعوى النبوةِ من غير حجة، جازَ أن نقبلَ خبرَ الواحد، وإن لم نقبل دعوى النبوةِ من غير حجةٍ.
وعلى أنَّ خبرَ الواحدِ لا يقبلُ إلا بدليلٍ، وهو ما دلَّلنا به على العملِ به من الكتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ، وفارقَ دعوى النبوة؛ فإن هناك لم تعلم نبوته إلا من جهةٍ، وهو ما يوجب القطعَ والعلمَ، ولم يقم دليل على صحته، فلم تثبت، وهاهنا الشرعُ قد ثبتَ قبلَه، وعلم
__________
(1) تقدم تخريجه 2/ 550.
(2) في الأصل: "عن خبر".
(4/383)

من جهتِه قبولُه، فوجبَ المصيرُ إليه.
ومنها: قولهم: لو جازَ قبولُ خبرِ الواحد في فروعِ الدينِ، لجاز قبولُه في أصولِ الدين؛ كالنبواتِ، وإثباتِ الصفاتِ.
فيقال: إنَّ أصولَ الدين لها أدلة قطعية تغني عن قبولِ الأدلةِ الظنيّهِ، ولذلكَ لا يجوزُ التقليدُ فيها بالرجوع إلى قولِ المفتي، وصار الأصل لسائرِ العقلاءِ كالقِبلةِ لمن شاهدها، وهذه الفروعُ كالقبلةِ (1) لمن غاب عنها، يرجعُ إلى الاستدلالِ إن كانَ من أهلِ العلم بدلائلها، أو إلى تقليدِ الرجالِ العارفين بها.
ومنها: أن قالوا: الأصلُ براءةُ الذِّمَمِ من الحقوقِ، والعباداتِ، وتحمُّلِ المشاقِّ، وذلكَ ثابتٌ بدليلِ العقلِ القطعي، فلا يجوزُ إزالةُ اليقينِ والقطعِ بخبرِ الواحد المتردد بينَ الصدق والكذب، فيكونُ ذلك إزالةَ اليقينِ بالشك.
فيقال له: ما أزلنا اليقينَ إلا بيقينٍ (2) مثلِه، وهو دليلُ العملِ بخبرِ الواحد؛ لأنَّه الإجماعُ وأدلةُ العقلِ التي ذكرناها، وإن كانَ ما يتضمنه غيرَ مُتيقَّنٍ، ولأنَّ هذا باطل بالشهادةِ والفتيا؛ فإنهما ظنٌّ، ومع ذلكَ شغلت بهما الذِّمَمُ، وأُرِيقَت (3) بهما الدماءُ، ولأنَّ خبرَ الواحدِ ليس بشك، لأن الشك ما ترددَ بينَ أمرينِ: الصدقِ والكذبِ سواءً، وليسَ كذلكَ خبرُ العدلِ، فإنَّه يترجَّحُ إلى الصدقِ، كما يترجحُ قولُ الشاهدِ والمفتي.
__________
(1) في الأصل: "القبلة".
(2) في الأصل: "يقين".
(3) في الأصل: "وأريق".
(4/384)

على أنَّ الأصلَ لِم يبقَ على القطعِ مع ورودِ خبرِ الواحدِ، وإن كانَ باقياً على ما كان بعدَ ورودِ الخبرِ، لفسَّقْنا المخالفَ أو كَفَّرْناه، كما نُفسِّقُه ونكفِّرُه بالقولِ بإيجابِ حقٍّ لمجرد الشك والحدس.
ومنها: أن قالوا: إيجابُ العملِ بخبرِ الواحدِ يفضي إلى تركِ العملِ بخبرِ الواحدِ، ويفضي إلى التوقفِ عن العملِ بظواهرِ القرآنِ وعموماتِه، لأنَّه ما من عمل يُرْوَى له، فيُعمَلُ به، إلا وهو يجوز أن يكونَ هناك خبرٌ يقضي عليه؛ بأن يكون أَوْلى منه، أو يَتعلَّقُ بظاهر آيةٍ، إلا ويجوزُ أن يكونَ هناك خبرٌ يصرفه عن ذلك الظاهرِ، ولا يتعلقُ بعمومٍ، إلا ويجوزُ أن يكونَ هناك خبرٌ يختص به ذلك العموم، فيقفُ العملُ بالآي والأخبارِ، وذلك باطلٌ، فكل ما يفضي إلى ذلك، يجب أن يكونَ بَاطلاً.
فيقال: إن الحكمَ ببعضِ الأدلةِ، والعملَ به، لا يقفُ على ما عساه يكونُ قاضياً عليه، أو ما هو أَوْلى منه، وإن جَوَّزْنا ظهورَ ذلك؛ بدليلِ أنَّ لنا ناسخاً.، وأدلةً تستنبط، توجبُ تخصيصَ الظواهرِ، ومعلومٌ أنَّ الآيَ والأخبارَ المسموعة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَعْمَلُ بها مَن كان بعيداً عن المدينةِ، مع تجويزِ النسخِ لذلك المعمولِ به، ولا يمنعُ ذلك وجوبَ العملِ به، وتركَ التوقفِ الذي أشرتَ إليه.
على أنَّه لو كانَ تجويزُ ما هو أَوْلى منه من الأدلةِ يمنعُ العملَ بما يقعُ منها إلى المجتهدِ، لوجب أن لا يجوز للحاكم أن يحكمَ بشهادةٍ، ولا للعامي أن يعمل بفتوى مجتهد؛ لجوازِ أن يكون هناك ما هو أَوْلى منه، أو ما يقضي عليه من بيِّنَةٍ طاعنة في الشاهدِ، أو قاضيةٍ على ما شهدَ به، وكانَ يجبُ أن يكونَ هذا مانعاً من العملِ
(4/385)

بأدلةِ الاجتهادِ المستنبطةِ، لجوازِ أن يكونَ هناك دليلٌ هو أَوْلى منه، فيؤدي ذلك إلى إبطالِه، فلمَّا لم يجز ما قالوه في إبطالِ أدلَّةِ الاجتهادِ، لم يجز أن يكون مبطلاً للأخبارِ.
ومنها: أن قالوا: لما لم يجز للعالِمِ أن يُقَلِّدَ العالِمَ، لم يجب العملُ بخبرِ الواحدِ.
فيقال: إنَّما لم يجز أن يقِّدَ العالِمُ العالِمَ؛ لأنَّه معه مثلُ الآلةِ التي معه، وليسَ كذلكَ الراوي مع المرويِّ له، فإنَّه ليسَ مع المرويِ له مثلُ ما مع الراوي، فلذا وجبَ العملُ بما رواه حتى لا تتعطلَ أحكامُ الشريعة.
ومنها: أن قالوا: طريقُ هذا: السمعُ، وقد طلبنا، فلم نجد.
فيقال: قد أوجدناك بما روينا في ذلك، على أنك قد يجوزُ عليك الفتورُ والتقصيرُ في الطَّلَبِ، ولو صدقتَ الطلبَ، لوَجَدْتَ.

فصل
يقبل خبرُ الواحدِ، وإن انفرد الواحد بروايته (1).
وقال أبو علي الجبائي: لا يقبل حتى ينضمَّ إليه آخرُ، فَيرْوِيَه اثنان عن اثنينِ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وقال بعض المتكلمين: لا يُقبَلُ حتى يَرْوِيَه أربعةٌ (2).
__________
(1) انظر "التمهيد" 3/ 75، و"شرح مختصر الروضة" 2/ 133.
(2) ذكر ذلك الشيرازي في "التبصرة" (312)، ولم ينسبه إلى أحد،=
(4/386)

فصل
في أدلتنا على ذلك
فمنها: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] فيعطي أنه إذا جاءنا عدلٌ، لا يجبُ علينا أن نتثبتَ، بل نعملُ بقوله، ونحكمُ بخبرِه.
ومنها: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبعثُ بعاملٍ واحد، وحاكمٍ واحدٍ إلى البلدِ، وذلك يعطي وجوبَ العملِ عنه بخبرهِ - صلى الله عليه وسلم - فيما بَعَثَه به، فبعثَ علياً إلى اليمن، وعَتَّابَ بن أَسِيدٍ إلى مكة، ومصعبَ بن عُمَيرٍ إلى المدينة.
ومنها: أنَّ الصحابةَ رجعت في التقاءِ الختانين إلى خبرِ عائشة رضي الله عنها وحدَها، ورجعَ كلُّ خليفةٍ في قَضيَّتِه إلى خبرِ واحد، وقد سبقَ ذلك في الفصلِ الذي قبل هذا.
ومنها: أنَّه إخبارٌ عن حكمٍ شرعي، فلم يُعتَبرْ فيه العددُ، كالفتوى (1).
ومنها: أئَّه لما لم نَعتبِرْ فيه صفةَ الشخصِ -أعني: الحُرِّيّهَ، والدُّكُوريّهَ-، فأَوْلى أن لا نعتبرَ انضمامَ شخصٍ إلى شخص، لأنَّ الصفةَ في الشخصِ أيسرُ من اعتبارِ مثلِه إليه، ونصرفُ مَّنَ هذه الطريقةِ طريقةً أخرى، فنقول: العددُ معنى لا يعتبرُ في الفتوى، فلا
__________
= واكتفى بالقول: وقال بعض الناس: لا يقبل أقل من أربعة.
(1) في الأصل: "كالقرى".
(4/387)

يشترطُ في الخبر، كالذكوريةِ، والحريةِ.
ومنها: أنَّ اعتبارَ اثنين عن اثنين إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قد لا يَتَّفِقُ، فيفضي اعتبارُ ذلك إلى تعطيلِ كثيرٍ من السنن.

فصل
في شبههم
فمنها: أنَّ أبا بكر الصديقَ رضي الله عنه لم يعمل بخبرِ المغيرةِ في ميراث الجدة، حتى روى ذلك معه محمدُ بن مَسْلمَةَ، وعمر رضي الله عنه لم يعمل بخبر أبي موسى في الاستئذانِ، حتى شهدَ معه أبو سعيدٍ الخُدْريُّ، واستندَ فعلُهما إلى ما فَعَلَه النبيِ - صلى الله عليه وسلم - في توقفِه عن خبرِ ذي اليدين في الصلاة، وطلبَ مع خبرِه خبَرَ غيره، فأشارَ إلى أبي بكر وعمر، فلما صَدَّقاه، بنى على قولهم، وتَمَّمَ، وسجدَ السهو.
فيقال: قد سبقَ الجوابُ عن ذلك في الفصلِ الذي قبله.
ومنها: أن قالوا: ما اعتبرَ فيه العدالةُ، اعتبرَ فيه العددُ، كالشهادةِ.
فيقال: هذا باطلٌ بالفتوى؛ تعتبرُ فيها العدالةُ، ولا يعتبر فيها العدد.
على أن الشهاداتِ أُكُّدَت على الأخبار، بدليل أنه اعتبرَ فيها الذكوريةُ والحريةُ عندك، واخْتَلفَتْ (1) باختلافِ الحقوقِ، فلم يقبل في القصاصِ والحدودِ إلا الذكوريةُ المحضة، واعتبر في الأموالِ
__________
(1) في الأصل: "واختلف".
(4/388)

النساءُ مع الرجال، واعتبر في حدِّ الزنى من بين سائرِ الحدودِ أربعةٌ من الشهودِ، والأخبارُ لم تختلف، بل قُبِلَ في الكلِّ منها ما اعتبر به، وقُبِلَ فيها العنعنةُ (1)، ومِن وراءِ حجابٍ.

فصل
خبرُ الواحدِ فيما تَعُمُّ به البلوى مقبولٌ (2)
وذلك مثل خبر أبي هريرة في غسلِ اليدين عند القيامِ من نومِ الليل (3)، وخبره في رفع اليدين في الركوع (4)، وما شاكل ذلك، وبه
__________
(1) وهي قول الراوي في إسناده: عن فلان عن فلان، دون التصريح بقوله: حدثنا. "الموقظة": 44.
(2) انظر "العدة" 3/ 78، و"التمهيد" 3/ 16/، و"المسودة" (239).
(3) تقدم تخريجه 2/ 37.
(4) يشير بذلك إلى حديث أبي هريرة رضي الله عنه: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه حذو منكبيه حين يكبر يفتتح الصلاة، وحين يركع.
أخرجه أحمد (6163)، وابن ماجه (860)، والبخاري في "رفع اليدين" (57)، وأبو داود (738)، والدارقطني في "السنن" 1/ 265 - 296، وابن خزيمة (694).
ورفعُ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - يديه عند الركوع رواه غير واحد من الصحابة، منهم: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، ووائل بن حجر، ومالك بن الحويرث، وأنس بن مالك رضي الله عنه.
انظر تفصيل ذلك في "جلاء العينين بتخريج روايات البخاري في جزء رفع اليدين" لبديع الدين السندي
وعلى ذلك فإن رفعَ اليدين في الركوع لم ينفرد به أبو هريرة من الصحابة.
(4/389)

قال أصحاب الشافعي (1).
وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يقبلُ في ذلك خبر الواحد (2).

فصلٌ
في دلائلنا
فمنها: عموم قوله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122]، وهذا غايةٌ في الإنذارِ فيما تعمُّ البلوى به وما تخصُّ.
ومنها: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6]، فخصَّ التثبتَ والتبينَ بالفاسقِ، فدلَّ على أنَّ العدل لا يُتَثَبَّتُ من خبرِه، ولا يعتبرُ فيه ذلك، وهذا الدليلُ على أصلِنا، وهو دليلُ الخطاب، وهو يَعُمُّ كُلَّ حكمٍ نَقَلَه العدلُ.
ومنها: إجماعُ الصحابةِ على العملِ بخبرِ الواحد فيما تعمِ البلوى به، فمن ذلك: ما روي عن ابن عمر: كنا نُخابِرُ أربعين عاماً لا نرى به بأساً، حتى أتانا رافعُ بن خَدِيجٍ، فأخبرنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المخابرة، فانتهينا (3).
ولما اختلفوا في الإكسالِ والإنزال، فقالَ زيدٌ وجماعةٌ من
__________
(1) ذكره الغزالي في "المستصفى" 1/ 171، والشيرازي في "التبصرة"
(314)، والآمدي في "الإحكام" 2/ 160.
(2) ذكره السرخسي في "أصوله" 1/ 368، وأمير بادشاه في "تيسير التحرير" 3/ 112.
(3) تقدم تخريجه 3/ 220.
(4/390)

الأنصار: لا غسلَ على مَنْ لم يُنزِلْ، بل الماءُ من الماءِ، وقالَ غيرهم: إذا التقى الخِتانانِ، وجبَ الغسل، فأرسلَ الجماعة إلى عائشة رضي الله عنها، فسألوها، فقالت: إذا التقى الخِتانان، وجب الغسلُ، أنزلَ أو لم يُنزِلْ، فعلتهُ أنا ورسول الله، فاغتسلنا (1)، فصاروا إلى قولها وخبرها، وتَوَعَّدَ عمر زيد بن ثابت على الفتوى بغير ذلك، وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متوفرون، فلا أحدَ أسقطَ العملَ بخبرها.
ولما جاءت الجدة إلى أبي بكر، فقال لها: لا أجدُ في كتاب الله لك شيئاً، فقال المغيرة: إن النبي أطعمها السدسَ، وتابعه محمد ابن مَسْلمةَ، فعملَ به أبو بكر، وصار إجماعاً (2).
ومنها من طريقِ النظر: أنَّا رأينا أنَّ العملَ بالقياس في الأحكامِ التي تعمُّ بها البلوى جائزٌ، والقياسُ فرع لخبر الوَاحد، والخبرُ أصلٌ، فإذا جازَ إثباتُ هذه الأحكامِ بما تَفرَّعَ عن خبرِ الواحد، فأولى أن يثبتَ به، وهو الأصلُ.
ومنها: أنَّ خبرَ الواحدِ ثَبَتَ وجوبُ العملِ به بدليلٍ مقطوع عليه، فهو كآي القرآن، فإذا ثبت ما تعمُّ به البلوى بالآي، كذلكَ أخبارُ الآحاد، إذ كانَ طريقهُما جميعاً قطعياً.

فصلٌ
في شبههم
قالوا: ما تَعُمُّ بلوى الأُمَّةِ به يَكثُرُ سؤالُهم عنه، وأذا كثرَ السؤالُ
__________
(1) تقدم تخريجه ص (131).
(2) تقدم تخريجه 2/ 117.
(4/391)

عنه، كثرَ جوابُ النبي - صلى الله عليه وسلم - وإذا كثرَ جوابُه عنه، كثرَ نقلُ الناقلين لجوابه عنه صلى الله عليه وسلم، هذا دَأْبُ الناس وعاداتُهم، فإذا نقلَ ذلك الواحدُ والاثنان، قويت التهمةُ لهم، ولم يجز التعويلُ على خبرِهم، وبهذه الطريقةِ رددنا روايةَ الرَّافَضَةِ خبرَ (1) النصَ على عليٍّ رضي الله عنه يوم غَدِيرِ خُمٍّ، وقلنا: لو كانَ هذا صحيحاً، لنقلَه الخاص والعامُّ، واستفاضَ بينَ أصحاب رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، ولَمَّا روى ذلك آحادٌ من شيعتِه، عُلِمَ أنه مُفتعَلٌ مُخَتلَقٌ.
وكذلكَ لم نقبل روايةَ الآحادِ عن فتنةٍ جرت بالجامعِ يومَ الجمعةِ أو العيدِ، ولا سُقوطِ الخطيبِ عن منبرهِ لحادثٍ حدثَ به، كلُّ ذلكَ لِمَا اطَّرَدَتْ به العادةُ من كونِ النقلِ بحسب المنقولِ في الظهور، وهذا يرجع إلى سرٍّ في الطباعِ، ودفينٍ في أَصل الخلقِ والأوضاعِ؛ وهو أنَّ الدواعيَ متوفرةٌ على حُبِّ البلاغ لما حدثَ، والإخبارِ بما تَجدَّدَ، وقلَّ ما يتمكنُ أحدٌ من كتم شيءٍ سمعَه، وطَيِّ أمرٍ علمه، حتى كأنه يلقي عن نفسِه ثقلاً، ويسقط عبئاً، بل عساه يتزيد في الحديثِ، ويصلُ به ما ليس منه، لإيثاره الحديث، حتى قال الشاعر:
ولقد سئمت مآربي ... فكأنَّ أكثرها خبيث
إلا الحديث فإنه ... مثل اسمه أبداً حديث
وإذا ثبتَ هذا، لم يجز أن نسمع أخبار الآحاد فيما بنيَ على الشياعِ، والتكرارِ، والانتشارِ بين المخبرين، مع اتفاقِ الكل في توفير الدواعي، ومحبة البلاع، لا سيما في النقلِ عن صاحبِ الشرعِ، وفيه الثواب والأجر في الآخرة، وكثيرُ الفخرِ في الدنيا.
__________
(1) في الأصل: "حين".
(4/392)

فيقال: إنَّ النقلَ لأخبارِ الدياناتِ كانت الصحابة تختلف فيه مذاهبُهم، فمنهم من كانَ يتورعُ عن النقلِ طلباً لحفظِ الصيغةِ، ولا يرى الروايةَ بالمعنى، وبعضهم من كان لا يتشاغلُ بذلك رأساً، فيُقصَدُ ويُطلَبُ منه الحديثُ، فلا يُحدِّثُ، ولذلك لما حجَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في الجمِّ الغفيرِ، والعددِ الكثيرِ، فكانت مناسكُ الحج مشهورةً بين الجميعِ، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "خذوا عني" (1)، وما نقلَ المناسكَ عنه إلا آحادٌ.
وفارقَ الخبرَ بالنصِّ على الإمامِ، فإنَّ ذلكَ أمرٌ واجبٌ على كل أحدٍ عِلْمُه، والقطعُ به، والأحكام لا يجبُ العلمُ بها والقطع، وإنما طريقها غلبةُ الظن، ولذلكَ تثبتُ بالقياس، وإلحاقِ النَّظيرِ بالنظيرِ (2)، والأخذِ بالشَّبَهِ، فيجوزُ أن ينفردَ البعضُ بعلمِه، ويكون فرضُ الباقين الاجتهادَ.
وفارقَ نقلَ الحادثةِ بالجامعِ والخطيبِ، لأنَّ ذلك تحثُّ على نَقْلِه دواعي (3) الطباع، وذلك مما يعم الناس، وبذلك (4) يشهدُ خلقُ رواةِ الحديث، وفيها الآحاد والأفراد، وخلقُ أرباب الشعوذةِ وغرائبِ الأعمال والأسمار يملأُ الرِّحابَ والعِراصَ، وكذلكَ خلقُ القُصَّاصِ، فهذا أمر معلوم بالغرائز والجِبِلاَّتِ.
ومنها: أنَّ قبول خبرِ الواحدِ في مثلِ هذا الحكمِ يفضي إلى التوقفِ في أحكام الكتاب، لجوازِ أن تكون نُسِخَت، ولم ينقل نسخها.
__________
(1) تقدم تخريجه.
(2) في الأصل: "النظر بالنظر".
(3) في الأصل: "ودواعي".
(4) في الأصل: "ولذلك".
(4/393)

فيقال: إنَّ إثباتَ الأحكام تقْصرُ عن النسخ؛ لأنَّ النسخَ رفع لحكم قد ثبتَ واستقر (1)، فلا يرفع بأخبار الآحاد، ولهذا ثبتَ الحكمُ المبتدأُ بالقياسِ، ولم يُرفَعْ حكمٌ ثبتَ واستقر، ولم يُنسَخْ، بالقياس.
ومنها: أنْ قالوا: إن القران لَمَّاَ كان مما تَعُمُّ [به] البلوى، لم يثبت بخبر الواحد، كذلك هذه الأحكام التي تعم بها البلوى.
فيقال: القرآن لا يثبت إلا بطريقٍ قطعي، لأنَّ إثباتَ القرآنِ طريقُه العلمُ لا الظن، وهذه الأحكامُ وإن عَمَّتْ (2) بها البلوى إلا أنَّ طريقَها الظنُّ، ولهذا تثبتُ بالقياس الذي هو فرعٌ لخبرِ الواحدِ، ولهذا ردَّت الصحابةُ قراءةَ ابن مسعود، ولم تردَّ في الأحكامِ التي تعمُّ بها البلوى خبرَه، ولا خبرَ من هو دونه، وهذا إنَّما نسلمه في الآيةِ والاثنتين، فأمَّا السورةُ، فنقبلُ فيها خبر الواحد، لأنها مما لا يمكن اختلاقُها، فكالنَ نفسُ إعجازِها دلالةً على كونِها من كتابِ الله سبحانه.

فصل
يقبل خبر الواحد إثبات الحدود (3)، وبه قال أصحاب الشافعي.
واختلف أصحاب أبي حنيفة:
__________
(1) طمس في الأصل.
(2) في الأصل: "عم".
(3) ذكره القاضي في "العدة" 3/ 886، والكلوذاني في "التمهيد" 3/ 91، والطوفي في "شرح مختصر الروضة" 2/ 236.
(4/394)

فحكى أبو سفيان، عن أبي يوسف: أنه يقبل، وهو اختيار أبي بكر الرازي.
وحكي عن الكرخي: أنَّه لا يثبت به حدّ، ولا ما يَسقُطُ بالشبهةِ (1).

فصل
في دلائلنا
فمنها: أنَّه حكم يستوفى بغلبة الظن، ولا يعتبر في إثباتِه القطعُ، فثبت بخبرِ الواحد؛ كالأحكامِ الشرعيةِ كلِّها، والدلالةُ على ثبوتِ استيفائه بالظن: قبول قول الشاهدين. يُوضِّحُ هذه الطريقةَ: أنَّ بابَ الشهادةِ آكدُ من باب الأخبارِ، فإنَّ أخبارَ الدياناتِ يقبلُ فيها قولُ العبدِ والمرأةِ، والعنعَنةُ، ولا يقبلُ ذلك في بابِ الشهادةِ، ثم إنَّ هذا الحدَّ مستوفى بالشهادة، مع كونها آحاداً، وكونها موجبة للظن دون القطع، فأَوْلى أن يجب بخبر الواحد، مع توسع طريقه، وسهولة بابه.
ولأنَّ طريقَ خبرِ الواحدِ مقطوعٌ به، لأنَّ طريقَه الإجماعُ والقرآنُ، كما أن طريق الشهادةِ كذلك، فإذا ثبتَ استيفاءُ الحد بالشهادةِ، ثبتَ
__________
(1) قرر ذلك السرخسي في "الأصول"، فقال: وأما ما يندرىء بالشبهات، فقد روي عن أبي يوسف رحمه الله في "الأمالي": أن خبر الواحد فيه حجة، وهو اختيار الجصاص رحمه الله، وكان الكرخي رحمه الله يقول: خبر الواحد فيه لا يكون حجة. انظر "أصول السرخسي" 1/ 333 - 334، وارجع أيضاً إلى "تيسير التحرير" 3/ 88، و"فواتح الرحموت" 2/ 136.
(4/395)

وجوبُه بخبر الواحد.

فصل
في شبه المخالف
قالوا: الحدودُ موضوعةٌ في الأصلِ على أنَّ الشبهةَ تُسقِطُ الحدودَ، وتمنع إثباتها، وخبرُ الواحدِ لا يوجبُ العلمَ، وما ليس بعلمٍ، فهو شبهةٌ؛ لأنَّه يتردد بينَ الصحة والبطلان.
فيقال: ليس كل ما لم يوجب العلمَ يكونُ شبهةً، بل يوجب الظن، والظنُّ يترجح [فيه] أحدُ المُجوَّزَيْنِ، وإنَّما الشبهة ما اشتبه الأمرُ فيه من غير ترجيحٍ إلى الإثباتِ، والدليلُ على ذلكَ: إثباتُه بشهادةِ (1) الشاهدين، وهي غيرُ موجبةٍ للعلم، وإنما أوجبت الظن، فكذلكَ خبرُ الواحدِ، ولا فرقَ بينهما.

فصل
خبر الواحد مقدمٌ على القياس (2)
ومعنى هذا: أنه يعمل به، وإن خالف القياس (3).
__________
(1) في الأصل: "شهادة".
(2) انظر "العدة" 3/ 888، و"التمهيد" 3/ 94، و"المسودة" (239)، و"شرح مختصر الروضة" 2/ 237.
(3) أي: أنه يعمل بخبر الواحد إذا تعارض مع القياس كفاحاً، وكانت المصادمة من كل وجه، كأن يكون أحدهما مثبتاً لما نفاه الآخر، أما إذا كان =
(4/396)

وبهذا قال أصحاب الشافعي (1).
وقال أصحاب مالك: يقدم القياس عليه (2).
وقال أصحاب أبي حنيفة: إذا كان مخالفاً لقياس الأصول، لم يقبل (3).
__________
= التعارض من وجه دون وجه، كأن يكون خبر الواحد عاماً والقياسُ خاصَّاً، فإنَّ القياسَ مقدَّم على خبرِ الواحد، وفق ما تقدم بيانه في تخصيصِ العام بالقياس.
(1) انظر "التبصرة" (316)، و"الإحكام" 2/ 169.
(2) ذكره القرافي في "تنقيح الفصول" (387).
(3) ليس هذا على إطلاقه عند الحنفية، فهم يفرقون بين خبر الواحد الذي يرويه العدل الضابط المعروفُ بالفقه والرأي والاجتهاد، وبين الخبر الذي يرويه المعروف بالعدالةِ وحسنِ الضبط والحفظ، ولكنه قليل الفقه، فإن كان الخبرُ من النوع الأول؛ كان يكون الراوي أحدَ الخلفاء الراشدين، أو العبادلة، أو زيد ابن ثابت، أو معاذ بن جبل، وغيرهم من المشهورين بالفقه من الصحابة رضي الله عنهم، فإن خبرهم حجة، ويبتنى عليه وجوبُ العملِ، سواء أكان الخبر موافقاً للقياس، أم مخالفاً، فإن كان موافقاً للقياس، تأيد به، وإن كان مخالفاً للقياس، يترك القياس، ويعمل بالخبر.
وإن كان الخبر من النوع الثاني، فما وافق القياس من رواية الثقة غير الفقيه، فهو معمول به، وما خالف القياس؛ فإن تلقته الأمة بالقبول، فهو معمول به، وإلا فالقياسُ الصحيح شرعاً مقدم على روايته.
انظر ذلك في "الفصول في الأصول" للجصاص 3/ 127 - 142، و"أصول السرخسي" 1/ 338 - 341.
(4/397)

فصل
في أدلتنا من جهة السنن
ما روي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ حين بعث به إلى اليمن: "بم تحكم؟ " قال: بكتابِ الله، قال: "فإن لم تجد؟ " قال: بسنَةِ رسولِ الله، قال: "فإن لم تجد؟ " قال: أجتهدُ رأيي، ولا آلو، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -:"الحمدُ لله الذي وَفَّقَ رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسول الله" (1)، فَرتَّبَ العملَ بالقياس على السُّنَةِ، فدل على تقديمِها على القياسِ، والسنةُ تعمُ الآحادَ وَالتواترَ.
ورويَ أنَّ عمر بن الخطاب ترك القياس في الجنين؛ لحديثِ حَمَلِ ابن مالك بن النابغة، وقال: لولا هذا لقضينا بغيره (2).
ورويَ أنه كان تقْسِمُ ديةَ الأصابعِ على قدرِ منافعها (3)، (4 وترَكَ ذلك لخبرِ الواحد الذي رُوِيَ له 4) عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -:"في كلِّ إصبعٍ مما هنالك عشرٌ من الإبلِ" (5)، ولم ينكر عليه أحدٌ من الصحابة.
__________
(1) تقدم تخريجه 2/ 5.
(2) تقدم تخريجه 2/ 351.
(3) ومن ذلك: ما روي عنه رضي الله عنه: أنه قضى في الإبهام والتي تليها نصف الكف، وفي الوسطى بعشر فرائض، والتي تليها بتسع فرائض، وفي الخنصر بست فرائض. أخرجه ابن أبي شيبة 9/ 194، وعبد الرزاق (17698)، والبيهقي 8/ 93.
(4 - 4) غير واضح في الأصل.
(5) قصة رجوع عمر بن الخطاب عن قضائه: أخرجها عبد الرزاق في =
(4/398)

وأيضاً من جهةِ المعنى والاستنباطِ: أنَّ القياسَ يدلُ على قصدِ صاحبِ الشرعِ من طريقِ الظن، والخبرُ يدلُّ على قصدِه من طريقِ الصريح، فكان الرجوعُ إلى الصريح أولى؛ يوضِّحُ هذا: أنَّه حثَّ على تبليغِ الأحكامِ مع علمِه بأنَّ الآراءَ كثيرةٌ، وأتى بالتحكماتِ الخارجةِ عن الرأي، ولم يأتِ بقولٍ مخالفٍ لقولٍ سبقَ له (1)، إلا أن يكون ناسخاً ورافعاً.
ومنها: أنَّ الاجتهادَ في الخبر يقل خطرُه؛ لأنَّه لا يحتاج إلا إلى الاجتهادِ في عدالةِ الراوي فقط، وفي القياسِ يحتاجُ إلى الاجتهادِ في
__________
= "مصنفه" (17698)، والبيهقي في "سننه الكبرى" 8/ 93 عن سعيد بن المسيب، قال: قضى عمر رضي الله عنه في الأصابع؛ في الإبهام بثلاثة عشر، وفي التي تليها باثني عشر، وفي الوسطى بعشرة، وفي التي تليها بتسع، وفي الخنصر بست، حتى وُجِدَ كتابٌ عند آل عمرو بن حزم، يذكرون أنه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ وفيما هنالك من الأصابع عشر عشر. قال سعيد: فصارت الأصابع إلى عشر عشر.
وأما خبر التسوية بين الأصابع في الدية، فثابت من حديث ابن عباس: أخرجه أحمد (2621) و (2624) و (3150) و (3220)، والبخاري (6895)، وأبو داود (4558) و (4559) و (4560) و (4561)، وابن ماجه (2652)، والترمذي (1391) و (1392)، والنسائي 8/ 56 و 56 - 57 و 57.
ومن حديث أبي موسى الأشعري أيضاً: أخرجه أحمد 4/ 397 و 403 و 413 و 498، وأبو داود (4556) و (4557)، وابن ماجه (2654)، والنسائي 8/ 56.
ومن حديث عبد الله بن عمرو أيضاً: أخرجه أحمد (6681) و (6772) و (7013)، وأبو داود (4562) و (4563)، و (4564)، وابن ماجه (2653)، والنسائي 8/ 57.
(1) في الأصل: "به".
(4/399)

عِلَّةِ الأصلِ، ثمَّ في إلحاقِ الفرع به، ومن الناس من يمنعُ إلحاقَ الفرع بالأصلِ إلا بدليلٍ آخر، فكان المصيرُ إلى مَا قلَّ فيه الخطرُ، وقلَّ الاجتهادُ فيه والنظرُ، أَوْلى، لأنَّه أسلم من الغرر.
ومنها: أنه لو سُمعَ القياسُ والنصُّ المخالفُ (1) له من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لقدِّمَ النَصُّ فيما تناولَه على القياس، فلأنْ يُقدَّمَ على قياس لم يُسمع من رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أَوْلى.
ومنها: أنَّ حكمَ الحاكمِ يُنقضُ إذا خالفَ النصَ، ولا ينقض إذا خالف القياسَ، وهذا دليل على أَنّه أقوى، فلا يجوزُ أن نتركَ الأقوى للأضعفِ.
ومنها: أنَّ الخبرَ قد ينتهي إلى العلمِ إذا كثرَ راوتُه، والقياسُ لا ينتهي إلى العلمِ، ولا يتجاوزُ الظنَّ، وإن كثرت من الأصولِ شواهدُه، وهذا أيضاً يدلُّ على قوةِ الخبرِ، وضعفِ القياس.

فصل
في شبهاتهم
فمنها: أن قالوا: إنَّ خبرَ الواحدِ يدخلُ عليه الفسادُ، والمنعُ من العملٍ به؛ من وجوه أربعة: أحدها: أن يكون فيِ خبرِه كاذباَّ، وأن يكون فاسقاً، لا كاذباً، وأن يكونَ خطأً، أو يكون في اعتقاده كافراً، وغايةُ ما يدخلُ على القائسِ: أن يكونَ في اجتهادهِ مخطئاً، وما قلَّت وجوهُ الفساد فيه، وكثرت وجوهُ الإصابةِ، وحصولِ السلامةِ، كان هو المرجحَ على ما كثرت وجوهُ الخطأ والفساد فيه وعليه.
__________
(1) في الأصل: "للتخالف".
(4/400)

فيقال: جميعُ ما ذكرتَ يَتسلَّطُ على القياس المستنبط؛ لأنَّ الخبرَ أصلُ القياس، وإذا كانَ أصلُه تتسلطُ عليه هذه الوجوهُ من الفساد، ويزيدُ عليهَ الخطأُ في الاجتهاد، لم يبق للقياس ميزة على الخبر؛ إذ كان فرعاً له.
ولأنَّ الترجيحَ إنَّما يحصلُ بوجوهِ الإثباتِ؛ ككثرةِ الأشباه بالأصول على ما هو أقلُّ شبهاً بها، وكذلك الخبرُ بكثرةِ الرواةِ على ما قل رواتُه، ولا يُرَجَّحُ خبرُ المغفلِ على خبرِ الفاسقِ، ولا ما وُجدَ فيه سببٌ من أسباب الفساد على ما وجدَ فيه سببانِ من أسباب الفسَاد.
ولأنه كان يجبُ [أن يكونَ] خبرُ الواحدِ أَوْلى من القياس، لاجتماعِ أربعةِ الأَوْجهِ (1) من الفساد، والخامسِ؛ وهو الخطأ المُتطرِّقُ على الاجتهاد.
ومنها: أن قالوا: إن الخبرَ طريقُه اللفظُ المتطرق عليه المجازُ والإجمالُ والاحتمالُ، ولا يتطرقُ على المعنى المستنبط شيءٌ من ذلك.
فيقال: هذا موجودٌ في آي الكتابِ، والسُّنَةِ المتواترة، ولا يوجبُ ذلك تقديمَ القياسِ عليهما.
ولأنَّ الخبرَ يستندُ إلى قولِ المعصومِ، والاجتهادَ يستندُ إلى رأي غير المعصوم، ولأنَّه يستندُ إلى الخبر وهذه حالُه، فإِن ضَعُفَ الخبرُ لِمَا ذكرتَ من تَطرُّقِ هذه الوجوه، كانَ المستندُ إليه -وهو القياسُ- أضعفَ.
__________
(1) في الأصل: "الأربعة أوجه".
(4/401)

ومنها: أن قالوا: إنَّ الإجماعَ قد يقع على موجبِ القياس، وخبرُ الواحد لا يتأتى أن يجمعوا على موجبه، بل يخرج ذَلك إلى المتواتر، ولا يخرجُ الإجماعُ على موجبِ القياسِ عن كونه قياساً.
فيقال: إنَّ الإجماعَ إنَّما يحصلُ على الحكمِ الذي أوجبَه القياسُ، كما يحصلُ على الحكمِ الذي أوجبَه خبرُ الواحدِ، وأمَّا الإجماعُ على القياس، فلا يحصلُ، فإن حصَلَ، كان قياسَ الإجماعِ، كما يصير الخبرُ المجمعُ عليه أنَّه مرويّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيصيرُ قياساً معصوماً، وهذا خبرَ تواترٍ قطعاً.
ومنها: أنَّ القياسَ يحصلُ من جهةِ رأيه واجتهاده، والإنسانُ لا يُكذِّبُ نفسَه، والخبرَ من جهة غيرِه، ولا ثقةَ إلى قولِ الغيرِ توازي ثقتَه بنفسِه، ونفسُه بمثابةِ ما سمعه من النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مَعَ ما يسمعُه عنه غيرُه.
فيقال: باطلٌ بخبرِ التواترِ المخالفِ للرأي، وقياسِ الأصول.
ولأنَّه وإن كان بفعلِه واجتهادِه، إلا أن طريقَه غامضٌ، فقد يصدرُ عن رأيهِ ما يخالفُ الأولَ، فيبطلُ الأولُ، ولا يعملُ في حادثةٍ أخرى، والروايةُ تقضي للمُتأخِّرِ على المتقدِّمِ.

فصل
وأمَّا ما يختصُّ أصحابَ أبي حنيفةَ، فيقال لهم: ما الذي تريدونَ بمخالفة الأصول؟
فإن قالوا: معنى الأصولِ، فهو كقولِ أصحاب مالك، وقد بيّنا
(4/402)

فسادَه.
وأيضأ: فإنَّهم ناقضوا في هذا، فإنَّهم لا يزالون يتركونَ القياسَ بخبرِ الواحدِ، ويسمونَه موضع الاستحسان، فمن ذلك: قولُهم: من أكلَ ناسياً، بطلَ صومُه، إلا أنا تركناه لخبر أبي هريرة (1). وقالوا: القياسُ أنَّه لا يجوزُ التوضؤ بنبيذِ التمر، ولكن تركناه لخبرِ عبد الله ابن مسعود (2)، وأمثالُ ذلك على أصلهم كثيرٌ.
وإن أرادوا بالأصول (3): الكتابَ والسنةَ والإجماعَ، فكذلكَ نقول، إلا أنَّهم يقولون ذلك في مواضع لا كتابَ فيها ولا سُنَّةَ ولا إجماعَ، وهي (4) في خبرِ المُصرَّاةِ والتفليسِ والقرعةِ، فلا وجهَ لما قالوه.
وأيضاً: فإن خبرَ الواحدَ أصلٌ بنفسِه، وأصلٌ لغيره -وهي المعاني المستنبطة-، فلو جازَ أن يتركَ لأجلِ الأصلِ، لجازَ أن تتركَ الأصولُ له.

فصل
خبرُ الواحدِ لا يوجبُ العلمَ؛ لا الضروريَّ، ولا المكتسبَ، على الصحيح من الروايتين عن صاحبنا (5).
__________
(1) تقدم تخريجه 2/ 114.
(2) تقدم تخريجه 2/ 144.
(3) في الأصل: "بالقول".
(4) في الأصل: "هو".
(5) نص على ذلك القاضي في "العدة" 3/ 898، وابن تيمية في "المسودة" (240).
(4/403)

وعنه: ما ظاهره حصولُ العلم بخبرِ الثقةِ (1)، وتأوَّله شيخنا الإمام ابن الفراء رضي الله عنه (2).
وعنه: التوقفُ في الفرقِ بين العلمِ والعمل، فقال: -وقد حُكِيَ له عمن يقول: العملُ به واجب، ولا يوجب العلم-: لا أدري ما هذا؟
وقال بعضُ أهل الظاهر: يوجب العلم.
وقال بعضُ أصحاب الحديث: فيها ما يوجب العلم كحديثٍ يرويه مالك، عن نافع، عن ابن عمر، وما أشْبَهه.
وقال النظام (3): خبرُ الواحد إذا قارنته أمارة يوجبُ العلمَ، وقيل
__________
(1) ومن ذلك: ما نقله أبو بكر المروزي، قال: قلت لأبي عبد الله: هاهنا إنسان يقول: إن الخبر يوجب عملاً، ولا يوجب علماً، فعابه، وقال: ما أدري ما هذا؟
أي: أنَّه سوَّى بين العلمِ والعملِ، وجعلهما من لوازم خبرِ الواحد.
ومنها: ما قاله -في رواية حنبل- في أحاديث الرؤية: نؤمنُ بها، ونعلم أنَّها حق. فقطع بإفادتها العلم، لا العملَ فقط.
انظر "العدة" 3/ 898 - 900.
(2) تأوَّل القاضي كلامَ الإمام أحمدَ: على أن مقصوده بالعلم: العلم الاستدلالي، لا العلم الضروري، كأَن تتلقى الأمة الخبر بالقبول، فيدل على أنه حق؛ لأن الأُمَّة لا تجتمع على الخطأ، وبيَّن القاضي أبو يعلى أن الاستدلالَ يفيدُ العلم من عدة وجوه، وكلامُ الإمامِ أحمد محمولٌ على أحدِ هذه الوجوه. انظر "العدة" 3/ 900.
(3) هو أبو إسحاق إبراهيم بن سيَّار بن هانىء، المعروف بالنظام، شيخ المعتزلة، له آراء شاذة، وأقوال باطلة في مسألة القدرة، اتهم بأنه على =
(4/404)

عنه: إنَّه يوجبُ العلمَ الضروري عند مقارنةِ الأمارةِ له (1).

فصل
في جمعِ أدلتنا
فمنها: أنَّ الاعتقاداتِ بحسب أدلتِها، والتأثيراتِ في النفوسِ والقلوبِ بحسب المُؤثِّرِ، ولا نجدُ في خبرِ الواحدِ، وإن بلغَ الغايةَ، إلا ترجيحَ (2) صدقِه على كذبه، مع تجويزِ الكذب عليه، ولا يتأثر في النفس من تغليب أحدِ المجوَّزين إلا الظنُّ، فأمَّا القطعُ والعلمُ، فلا وجهَ، لأنَّ ذَلكَ لا يحصلُ في النفسِ؛ إلا أن ينتفيَ التجويزُ للكذب عن المخبر الواحد.
ومنها: أن لو كان خبره يوجبُ العلم، لما روعِيَ (3) فيه الصفاتُ؛ من الإسلام، والعدالة، كما قلنا في أخبار التواتر؛ لَمَّا أَوْجَبَتِ العلمَ، لم تُعتبَرْ صفات المخبرين؛ سوى العقلِ.
ومنها: أنَّه لو وجبَ العلمُ، لَمَا قَبِلَ الزيادةَ والترجيحَ في نفسِ المُخبَرِ، فلما كان خبرُ الواحد يُؤثَر في النفس معنى، وكلما انضمَّ خبرٌ آخرُ إليه، وزادَ عددُ المخبرين، قَوِيَ الأثرُ في النفسِ، عُلِمَ أنَّ
__________
= دين البراهمة المنكرين للنبوة، توفي سنة بضع وعشرين ومئتين.
انظر ترجمته في "تاريخ بغداد" 6/ 97 - 98، و"الملل والنحل" 1/ 53 و 59، و"الوافي بالوفيات" 6/ 14 - 19، و"الفرق بين الفرق" (113) و (136).
(1) نقله عنه أبو الحسين البصري في "المعتمد" 2/ 566.
(2) في الأصل: "بترجيح".
(3) في الأصل: "روي".
(4/405)

الأولَ ظنٌّ، إذ لا تقبلُ القطعُ زيادةً، بدليل العلم الحادث عن المخبرين الذين لا يجوزُ عليهم التواطؤ أو الكذب، لَما بلغ طبقةَ العلمِ، لم تقبلِ التزايدَ، وكذلك العلم الثابت بأدلةِ العقولِ لا يحتملُ الزيادة.
ومنها: أنَّ خبرَ الواحدِ لو أوجبَ العلمَ، لَمَا كان مما يَختَلُّ بخبرِ آخر بضدِّ ما أخبرَ به المخبر الأول، أو بخلافه، فلمَّا وجدنا أنَّ الواحدَ الثقةَ إذا أخبرَ بالخبرِ، فروى لنا ثقة آخرُ بخلافِ ما رواه الأَوَّلُ، زالَ ما كُنا نجدُه في نفوسِنا من خبرِ الأَوَّلِ، عُلِمَ أنَّ الأولَ لم يكن علماً.
ومنها: أنَّه لو كانَ خبرُه يوجبُ العلمَ، لأوجبَ التَّبرُؤَ بينَ العلماءِ، والتفسيقَ للمخالفِ والتضليلَ، كأخبارِ التواترِ وأَدِلَّةِ العقول؛ لَمَّا أوجبتِ العلومَ، لا جَرَمَ أوجبت التبرؤَ مِمَّن خالفَ فيما أوجبه، وتضليلَه.
ومنها: أنَّه لو كانَ خبر الواحدِ يوجبُ العلمَ، لكانَ المُخبِرُ بالنبوة يكفي خبرُه بمجردِه في تصديقه، ولا يحتاجُ إلى الإعجازِ، وإقامةِ الدلالةِ على صدقِه، فلمَّا لم يُصدقْ بمجرد خبره، عُلِمَ أنه لا يُوجِبُ العلمَ إلا ما قام على صِدْقِه من المُعجِزِ.
وكذلك الشهادةُ عند الحاكم، لو أوجبَت العلمَ، لما افتقرت إلى العدالة والتزكية.
ومنها: أنَّه لو أوجبَ العلمَ، لكانَ يعارضُ خبرَ التواتر، كما يتعارض الخبران؛ إذا كان كلُّ واحدٍ منهما خبرَ واحد، فلمَّا لم يُؤثَرْ خبرُ الواحد مع خبر التواتر، بل ألغيناه، وأسقطناه، عُلِمَ بطلانُ
(4/406)

دعوى المخالف في كونه موجباً للعلم.
ومنها: أنَّ خبرَ الواحدِ يصحُّ التشكيكُ فيه بخبرٍ آخرَ؛ بخلاف ما أخبرَ به، أو برجوعه عمَّا رواه، ولو كانَ موجباً للعلمِ، لما وقعَ الشكُّ بمثله، ولما كان الشكُّ واقعاً في خبرِ الأول بخبرِ الثاني، وفي خبر الثاني بخبر الأول، علم أنَّه كان ظنّاً، فلمَّا قابله ما يوجبُ ظناً، تَجدَّدَ الشكُّ عند تقابلِ خبريهما.
ومنها: أنَّه لو كان موجباً للعلم، لوجبَ إذا قابله خبرُ تواتر أن يتعارضا، فلما قُدِّمَ خبر التواتر، عُلِمَ أنَّه غيرُ موجبٍ لما يوجبُه الخبر الموجب للعلم.
ومنها: أنَّ التأثير في قلب السامع مبنيّ على أمورٍ تحصل في قلبِ المخبر، وهي صفات مخصوصة، فإذا كان المخبر معصوماً من الكذب، أثّرَ في قلبِ السامعِ نفي تجويزِ الكذبِ، فصار بخبره قاطعاً، فأمَّا الواحدُ المُجوَّزُ عليه السهوُ والغلطُ والتحيلُ والكذبُ، فلا وجهَ لحصولِ علمِ السامعِ بصدقِه فيما أخبر به، وأكثرُ ما يتحصَّلُ ترجيحُ صدقِه لنوع ترجح في صفاتِه، من كونه عدلاً، مأمونَ القولِ (1) والفعل.
ومنها أن يقال: إن تأثيرَ العلمِ في القلبِ إنما يَقَعُ (2) بطريقٍ يصلحُ، كما أنَّ الظنَ لا يحصل إلا بطريقه، والشكَّ بطريقه، فإن الأصلَ الجهل، فإذا لاحَ للقلبِ أمرانِ متكافئان في الإثباتِ والنفي، أَوْرَثا شَكّاً وتَردُّداً متكافئاً، وإذا تَرجَّحَ أحدُهما بما يترجحُ به
__________
(1) في الأصل: "للقول".
(2) في الأصل: "يقطع".
(4/407)

أحدهُما، أوجبَ في النفس أمراً يقال له: الظنُّ، وهو ترجيحٌ في النفسِ لأحدِ المُجوَّزينِ، وإذا كانَ الدليلُ غيرَ متردِّدٍ، ولا محتملٍ في نفسِه، أوجب في النفس دركاً ووجداناً للشيءِ على ما هو به من غيرِ تَردُّدٍ، فسُمِّيَ عِلماً.
جئنا إلى الواحدِ إذا أخبر، وهو كما يجوزُ عليه الصدقُ يجوزُ عليه الكذبُ؛ بأن لا يترجحَ أحدُ الأمرين بعدالةٍ، فيورثُ خبرُه شكاً، فإذا ترجح بنوع تماثُلٍ (1)، عرف به في القول والفعل، ترجحَ صدقُه في نفوسِنا، فأمَّا القطعُ، فقد بقيَ له رتبةٌ، وهي العصمةُ، فإذا عَجَّلْناها بالعدالة، ظلمنا؛ لإعطاء الدلالةِ أكثرَ ممَّا تستحقه، وكما لا يجوز أن تُحَطَّ رتبةُ العصمةِ إلى إيجاب الظنِّ في خبرِ المعصومِ، لا يجوزُ أن تُعْلَى رتبةُ العدالةِ، فتوجب خبرِ العدلِ صِفَةَ المعصومِ؛ لإيجابِ العلمِ بخبرهِ.

فصل
يجمع أسئلة المخالفين على أدلتنا المذكورة
[منها]: أن قالوا: إنَّ خبرَ الواحدِ إذا تأيدَ بالعدالةِ فيه، تأَثرَ (2) في أنفسِنا العلمُ بخبرِه، وذلت يحصلُ بأحدِ طريقين:
إما هجومٌ على النفس من غيرِ استدلالٍ، بل ثقةٌ تحصلُ في النفس.
__________
(1) في الأصل: "بما شك".
(2) في الأصل: "تأثير".
(4/408)

أو باستدلال على ذلك؛ بما جمعَ من الصفاتِ المبعدةِ عنه الكذبَ، فلا يبقى إلاَّ تصديقُه فيما أخبر به، فيحدثُ في النفسِ علمٌ بما أخبرنا به، فما حصلَ التأثيرُ في النفسِ إلا بحسب المُؤثرِ.
وأمَّا قولكم: إنَّه يعرضُ الشك بعدُ بخبرِه فيما أخبرنا به، فذلكَ لا يمنعُ حصولَ العلم، فإن العلمَ الاستدلاليَّ تتطرَّقُ عليه الشُّبَهُ، ولا تخرجه عن كونه علماً، وترجيحُ خبرِ التواترِ عليه أيضاً، لا يخرجُه عن كونه علماً استدلالياً، فإن رتبة العلمِ الاستدلالي دون الضروري، وخبرُ التواترِ يوجبُ علماً ضرورياً، وما ذلكَ إلا بمثابةِ الخبرِ القطعي العيانِ، والعلمِ الصادر (1) عن النظرِ والاستدلالِ بالإضافة إلى العلم الضروري الحاصل ببدائِه العقولِ، والكلُّ علمٌ، وكما يترجحُ الخبرُ بكثرةِ الرواة على الخبر الذي يرويه الثقاتُ لكن دونَ عدد المخبرين في الخبر الآخرِ؛ فإنَهما جميعاً يوجبان الظنَّ، ولا يدلُّ تقديمُ الأكثرِ رواة على الأقل على أنَّ (2) الأقلَّ رواةَ لا يوجبُ الظنَّ، بل استويا في الظن، وقدِّمَ الأرجحُ، كذلك ترجيحُ المتواتر على خبرِ الواحدِ، لا يمنعُ تساويهما في العلم.

فصل
في أجوبتنا عن أسئلتهم
أمَّا دعواهم أنَّ العدالة في المُخبِرِ توجبُ هجومَ العلم للقلبِ، والثقةَ للنفس، فغيرُ صحيح، لأن العدالةَ ليست بأكثرَ من تَعمُّلٍ لطريقةٍ الطبعُ غالبٌ لها، وعادةُ النَاسِ التجملُ بإظهارِ المحاسن،
__________
(1) في الأصل: "الصادق".
(2) في الأصل: "لأن".
(4/409)

وسَترِ القبائح، ولهذا تكشفُ الخبرةُ والعبرةُ من الناس، ما لا تكشفُه المعرفةُ بالظَاهرِ، وإلى هذا أشارَ -صلى الله عليه وسلم - بقوله: "اخْبُرْ، تَقْلِه" (1)، وقوله: "لو تكاشفتم، ما تدافنتم" (2)، وقوله سبحانه: {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101]، وقول النبي للأنصار، إذا رجعوا من السرايا: "لا تدخلوا على بيوتكم إلى أن تصبحوا (3) " (4)، أو كما قال، وتحت ستر التَّجمُّلِ الدواهي، ولولا سترُ الله الشاملُ،
__________
(1) أي: اختبر الشخص، تبغضه، لما يظهر لك من بواطن أسراره. رواه الطبراني في "الكبير"، وفي "مسند الشاميين" (1493)، وأبو يعلى، ومن طريقه ابن عدي، وعنه ابن الجوزي في "العلل المتناهية"، ورواه أبو الشيخ في "الأمثال" (117)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (636)، وأبو نعيم في "الحلية" 5/ 145، من حديث أبي الدرداء مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.
قال السخاوي في "المقاصد" (38): وكلها -أي طرق الحديث عن أبي الدرداء- ضعيفة، فابن مريم، وبقية ضعيفان.
(2) لم أقف على هذا الحديث، ولم أجده فيما بين أيدينا من مصادر حديثية، فالله أعلم.
(3) في الأصل: "تصبحون".
(4) ورد هذا المعنى من عدة أحاديث، منها: حديث طويل لجابر، وفيه: قفلنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - من غزوة ... فلما ذهبنا لندخل، قال: "أمهلوا حتى تدخلوا ليلأ- أي: عشاء-؛ لكي تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة"، وفي رواية: "إذا قدم أحدكم ليلاً، فلا يأتينَ أهله طروقاً" أي: ليلاً، أخرجه البخاري (5079)، و (5244)، ومسلم (715) (181) و (182)، وأبو داود (2776)، و (2778).
وورد من حديث عبد الله بن عمر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نزل العقيق، فنهى عن طروق النساء الليلة التي يأتي فيها، فعصاه فتيان، فكلاهما رأى ما يكره.
أخرجه أحمد (5814)، والبزار (1485).
وفي الباب عن ابن عباس.
(4/410)

لما حسنت ثقةٌ بأحدٍ، وقد قال عمر رضي الله عنه: الثِّقة بكلِّ أحدٍ عجزٌ، وكلامُ الناس في ذلك أكثر من أن يُسطَّرَ، فغايةُ (1) ما يقعُ في النَّفس مع حُسنِ الظاهر، ويمِرُّ في القلب من خبرِ المخبرِ العدلِ: حسنُ الظنِّ به، وأنه صادق، فأمَّا القطعُ والعلم، فلا وجه له، لا سيما مع قولِ النبي - صلى الله عليه وسلم -:"سيكثر الكذب عليَّ" (2)، وقوله: "نضَّر الله امرأً سمعَ مقالتي، فوعاها، فأداها كما سمعها، فربَّ حامل فقه إلى من هو أفقهُ منه" (3)، وهذا يعطي التَّجوُّزَ في تغييرِ المعنى، مع تجويزِ التزيد في اللفظ.
وأمَّا إلزامكم العلمَ الاستدلالي، وأنَّه قد يعترضه الشَّكُّ والشبهةُ، ولم يخرج [عن] أن يكون علماً، فلا نُسَلِّمُ أن ما صَدَقَتْ مقدماتُه، وصَحَّتْ نتائجه من أدلة العقول، ولم يَمِلْ صاحبه إلى ضربٍ من التقليدِ، ولا أخل (4) بشروطِ (5) النظر، بل صدق نفسه الاجتهاد بطرقِه، فإنَّه يهجمُ به ذلك على إصابة الحق المطلوبِ لا محالة، وإنَّما يؤتى الإنسان فيه من قِبَلِ نفسِه، ويُدْهى من إهمالِ بعضِ شروطِه، فأمَّا الخبرُ، فإنه إذا خَبرَ عدالةَ الراوي، وجاءَ مثلُه في العدالةِ بخبرٍ ينافي ذلك الخبرَ، فإنَّه لا يترجحُ أحدُهما على الآخرِ، فيورثُ ذلكَ شكاً، مع تمام شروطِ الدليلِ، فلو كان الدليلُ يورث
__________
(1) في الأصل: "بغاية".
(2) لم يرد الحديث بهذا اللفظ، قال البيروتي في "أسنى المطالب" (120): لم يعلم أنه حديث. وذكره الصنعاني في "الموضوعات" (24)، على أنه يغني عنه ما تقدم تخريجه من قوله: "ويفشو الكذب"، وسيأتي ص (433).
(3) تقدم تخريجه 1/ 7.
(4) في الأصل: "أهل".
(5) في الأصل: "شروط".
(4/411)

علماً، لأمكنَ تحصيلُه به لا محالةَ؛ كدليلِ العقل.
وأمّا قولُك: إنَّ إسقاطَ أحدِهما بالآخرِ، لا يمنعُ تساويهما في العلمِ، فغيرُ (1) صحيح؛ لأنّ العلمَ حقيقةً لا يقبلُ التزايدَ، ولا الترجيحَ، وإنما غايةُ اختلافِ العلمِ أن يكونَ أحدُهما أسرعَ حصولاً، وهو الحاصلُ ببدائه العقولِ من غيرِ احتياجٍ إلى وسائل ومقدِّماتٍ، كالعلمِ باستحالةِ مستحيلاتٍ، وإيجاب واجبات بأول نظر، مثل استحالةِ كونِ الجسمِ الواحدِ في مكانين في حالةٍ، واجتماع الضدين في حال واحدٍ، وإِيقاع في الماضي، وإلى أمثالِ ذلك، والعَلمُ الآخرُ أَبْطأَ حصولاً، كالعلمِ بتساوي الخطوطِ الخارجةِ من مركزِ (2) الدائرةِ على استقامةٍ إلى محيطِ الدائرةِ، وكون المساوي للمساوي مساوياً، وإلى أمثالِ ذلك من الجمل الحِسابيَّةِ، والأشكال الهندسية، الخارجة من العلم إلى الحسِّ.
وأمَّا ترجيحُ أحد الخبرين بكثرةِ الرواةِ، فلأنَّ الظنَّ تقبلهُ الغلبةُ، فيقالُ: ظنّ، وغلبةُ ظنٍّ، فأمَّا العلمُ، فهو الغايةُ التي لا تقبلُ الزيادةَ.

فصل
يجمع شبهاتهم
فمنها: قوله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}
__________
(1) في الأصل: "غير".
(2) في الأصل: "كبر".
(4/412)

[الإسراء: 36]، فنهانا عن اتباعِ غيرِ العلمِ، وقد أجمعنا على جوازِ اتباع خبر الواحدِ في أحكام الشرعِ، ومحالٌ أن نُجمعَ على ما نكون في اتباعه مخالفين للنص في اتباعِ ما ليس لنا به علم، فلم يبقَ إلا [أَنَّ] الإجماعَ بالعملِ بخبرِ الواحدِ، دلالةٌ على أنَّه موجبٌ للعلم.
وذمَّ سبحانَه على اتباع الظن، فقال: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} [الأنعام: 116]، {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [يونس: 36]، فذمَّ أربابَ الظنونِ في الأحكام والأعمالِ الشرعية، فدل على أنَّ أخبارَ الآحادِ توجبُ علوماً لا ظنونا، لأنَّ من المحالِ أن يذمَّ على اتباع شيءٍ، [ولا] يذمَّ على اتباعِه، لم يبقَ إلا أنَّه أمرَ باتباع أخبارِ الآحادِ؛ لكونها موجبةً للعلم، وذمَّ على اتباع الظنِّ، ولم يَحكم بكونها موجبةً للظن.
ومنها: ما يخصُّ أصحابَ الحديثِ: أن قالوا: إنَّ عليّا كرَّم الله وجهه قال: ما حدثني أحدىٌ إلا استحلفتُه، إلا أبا بكر الصديق، وصدقَ أبو بكر (1). فقطع بصدقه، وهو واحدٌ.
قالوا: ولأنَّ هذه الأحاديثَ، مع تلقي أصحابِ الحديثِ لها بالقبولِ، مع انتقادِهم الرجالَ، وتَحرُّجِهم في صفاتِ الرواةِ، والجرحِ لمن وجدوا فيه مطعناً، وكثرةِ الرواةِ، ولا يجوزُ أن تكونَ كذباً، فوجبَ كوتُها (2) حقاً تُوجِبُ علماً، لا ظناً.
ومنها: أنَّه لو كانَ خبرُ الواحدِ لا يوجبُ العلمَ، لم يوجب، وإن كَثُرَ العددُ إلى حَيِّزِ التواترِ؛ لأنَّه يجوزُ على الثاني ما يجوزُ على
__________
(1) تقدم تخريجه ص (378).
(2) فى الأصل: "كونه".
(4/413)

الأَوَّلِ، وفي جميعِ العدد كذلك، ألا ترى أنَّ الفساقَ والصبيانَ لَمَّا لم يحصل العلمُ بالواحدِ [منهم]، لم يحصل بالكثرةِ منهم، ألاترى أنَّه لو لم يكن خبرُ الواحدِ موجباً للعلمِ، لمَّا أباح قتلَ النفس بإقرارِ الواحد على نفسه، وشهادة اثنين عليه بالقتل، وبأخبارِ الآَحادِ إيجابَ (1) الحدود، فلما قُبلَ الآحادُ في الأقارير والدماءِ والفروجِ، عُلمَ أنَّها موجبةٌ للعلم، حيث قضت على أدلَّةِ العقولِ الموجبةِ لبراءةِ الذِّمم.
ومنها: ما تعلَّقَ به النظَّامُ: في أنَّ خبرَه مع الأمارةِ يوجب العلمَ، ولا يوجبُه بمُجرَّدِه، فقال: إنَّ الإنسانَ إذا أخبرَ عن نفسِه؛ بأنَّه قتلَ من يكافئه ظلماً عمداً محضاً بآلةٍ يقتلُ مثلها غالباً، كان خبرُه مع هذه الأمارةِ المعلومةِ موجباً للعلمِ، والأمارةُ: أنَّ كل حيٍّ يحبُّ الحياةَ، ويكرهُ القتلَ، بل الموتَ في الجملةِ، فإذا قال: قتلتُ، كان آكدَ من قولِه على غيره: قتلَ فلانٌ فلاناً؛ لأنَّ محبةَ النفس، وحبَّ الحياةِ، وكراهةَ الآلامِ، تمنع أن يكونَ قولُه على نفسه كذَباً، فأوجب ذلك العلمَ بصدقِهِ فيما أخبرَ به عن نفسِه.
قال: ولأنَّ الأمارةَ باللَّوْثِ (2) تُؤثِّرُ في النفس أثراً بحِدَتِها (3)، فإذا انضمَّ إليها الخبرُ، لم يبقَ في النفسِ شك فيمَا دلَّت عليه الأمارة،
__________
(1) في الأصل: "بإيجاب".
(2) اللَّوْث: هو الحكمُ بالقرينة التي توجب غلبةَ الظن، الكافية لتوجيه تهمة إلى شخص ما؛ بأنه قاتل، كأن يكون بين المدعى عليه والقتيلِ عداوةٌ سابقة، أو أن تتفرق جماعة عن قتيل.
انظر أحكام اللوث وموجباته في "المغني" 10/ 3 - 7، و"المبدع" 9/ 133، و"حاشية الدسوقي على الشرح الكبير" 4/ 241.
(3) في الأصل: "يحدثها".
(4/414)

بيانُه: أنا إذا رأينا مقتولاً في سِكَّةٍ من السكك، ورأينا رجلاً بيده سكينٌ عليها أثرُ الدم، والرجلُ هاربٌ من السِّكة، فإنَّ ذلكَ يؤثِّر عندنا، وفي نفوسِنا أَنَّ العاديَ الهاربَ على ذلكَ الوجهِ هو القاتلُ لهذا، ثمَّ إذا انبنى عليه قولٌ، صارَ القولُ مع ذلك اللَّوْثِ مُحقِّقاً في نفوسنا أنَّه القاتل، حتى إن الشريعة [جعلت] للأولياء أن يقسِمُوا على القتلِ، وأنَّ هذا قاتلُهُ، وأنهم لا يعلمون له قاتلاً غيره (1)، وقومٌ جعلوا عداوةَ من ظهرت عداوتُه له كالأثر عند من رأى اللَّوثَ أثراً، وقد أشار الله تعالى إلى ذلكَ؛ حيث قال: {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ} [يوسف: 26]؛ لأَنه أمار على أنَّه كان مقبلاً على المراودةِ، {وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ} [يوسف: 27] ولأنَّا لا نشكُّ في خبرِ من أخبرنا بموتِ رجلٍ قد كُنَّا عَرَفْنا مرضَه، وقد خرجَ أهلُه مخرقي الثياب، وقد جيءَ بجنازةٍ وُضِعَت على بابهِ، بعد أن سمعنا الصراخَ من دارِه، لا سيَّما إذا كانَ المخبر أباه، أو ابنَه، ومَن لا يُتَّهَمُ بالإرجاف عليه بالموتِ، حتى إنَّا لا نجدُ في أنفسِنا تردُّداً بعد هذا، وإذا كانَ كذلك، عُلِمَ بأنَّ الخبرَ على هذه الصفةِ يوجبُ العلمَ، ومن جحدَ ذلك، كابرَ أو سفسط.
وكذلكَ إذا كانَ في جوارِ الإنسان امرأةٌ حامل، فسمعَ الطلقَ من وراءِ جدارهِ، وضَجَّةَ النساءِ حولَ تلك الحامل، ثمَّ سمعَ صراخَ الطفل واستهلالَه، وخرجَ نسوةٌ يقُلْنَ: ولدت فلانة ابناً، أو أخبرت القابلةُ
__________
(1) وهو المعروفُ بالقسامةِ، وصورتُها: أن يحلفَ أولياء القتيل خمسين يميناً؛ أنَّ قتيلهم ماتَ من ضربِ المتهم المدعى عليه، وقد ثبتت مشروعيتها فى السنة. انظر البخاري (6818)، ومسلم (1669)، وأبا داود (4520)، والترمذي (1422)، والنسائي 8/ 12.
(4/415)

بذلك، فإنَّنا لا نجدُ في نفوسِنا شكاً ولا ارتياباً بصحةِ الخبرِ، وصدقِ المخبرِ بذلك، ومن جحدَ ذلكَ، خرجَ من حَيِّزِ المناظرةِ إلى المكابرة.

فصلٌ
في الأجوبة عن شبههم
أما التعلقُ بالآياتِ، والمنعِ من قفوه ما ليسَ له به علمٌ، وذمِّ من اتبعَ الظنَّ، فالجوابُ عنه: أنه أرادَ: فيما طريقُه العلمُ، كالاعتقاداتِ الأصوليةِ، وما يتعلَّقُ بالله سبحانه، وما يجبُ له، وينفَى عنه، صرفاً للآية عن ظاهرها -وهو العمومُ- إلى ما يعتبرُ فيه العلمُ، بدلائلنا التي ذكرناها.
على أنَّ من دلَّ على إيجابِ قبولِ خبر الواحدِ، وإن أوجبَ ظنّاً، فقد قفا ماله به علمٌ، ونحنُ نقطعُ ونعلمُ بوجوبِ قبولِ خبرِ الواحدِ، والعملِ به، فهو وإن أوجبَ ظناً، إلا أنَّ إيجابَ العملِ به أُوجبَ قطعاً.
والدليلُ على صحةِ تأويلنا، وتخصيصِ الآيةِ على ما ذكرنا: هو إجماعُنا على اقتفاءِ خبرِ المفتي بما صدرَ عن اجتهادِه، وعملُ الحكامِ بالبيناتِ عمل بما لا يقطعونَ به، لكن لما استندت البَيِّنةُ إلى دليلٍ قاطع، عملنا بها، وهو قوله سبحانه: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} [البقرة: 282]، {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2]، كذلك هاهنا، قال: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ} [التوبة: 122].
(4/416)

وأمَّا ذمُّه العاملينَ بالظنونِ، فإنَّه عادَ إلى مَن عَوَّلوا على الظنون فيما طريقُه العلومُ والقطعُ، وهو إثباتُ الأصولِ، والآيةُ تشهدُ بذلك، لأنها وردت في معتقداتِ القومِ، من دون أعمالِهم.
وأمَّا قولُ علي رضي الله عنه في استحلافِه مع الخبر، وتصديق أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فذاك من (1) الأحكامِ الفروعية، وليسَ يعتبرُ فيها القطعُ، بل الظنّ، وجعلَ رتبة أبي بكر مع خبره موازية لحلفِ غيرِه مع خبرِه، فأغناه ذلك عن تقويةِ ما في نفسِه بحلفِه، وقويَ مجردُ قولِه عنده وعندنا؛ لأن الغالبَ صدقُه على الظن، فحسنَ أن يقالَ: إنَه مصدَّق في خبره، وليس كل مصدَّقٍ في خبرِه مقطوعاً على صدقِه.
وأمَّا مبالغة أصحابِ الحديثِ، فلا تعطي القطعَ بأخبارِ من روَوا عنه، وتحرزوا في الروايةِ عنه، بدليلِ أنَّا نرجِّحُ بكثرةِ الرواةِ، وروايةُ صاحبِ القصةِ كحَمَل بن مالك في قصةِ الجنين، رجحناه على روايةِ غيره؛ لأنَّ القصةَ كانت متعلقة به، ونُرجِّحُ في أسرارِ أخبار رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأحوالِه [غير] البَيِّنةِ حديثَ عائشةَ وأمثالِها من أَزواجه، على روايةِ أنسٍ وابن عمرَ وابنِ عباس.
على أَنَّ رواياتهم نقطعُ بأن فيها صدقاً (2)، ولا نعلمُ عينَهُ، ولا يجوزُ أن يكونَ كل ما رووه وأخبروا (3) فيه كذباً، وقطعنا على أنَّ في أخبارِهم صدقاً لا يعطي العلمَ بأعيانِ الأخبارِ، هذا كما نقطعُ في بابِ الفتوى من جهة المفتين المجتهدينَ المختلفينَ في الأحكامِ، أنَّ
__________
(1) في الأصل:"بان".
(2) في الأصل: "صدق".
(3) فى الأصل:" وتحبروا".
(4/417)

الحقَّ والقطعَ في أحدِ أقوالهم، وأنَّ الحقَّ لا يخرجُ عن مقالاتِهم، لكن لا يعلمُ ذلك عيناً، واجتهادُهم في الرأي كاجتهادِ أصحابِ الحديثِ في الروايةِ، ولا نقطعُ على صحةِ مقالةِ واحد من المفتين، لأجلِ قطعِنا على أنَّ الحقَّ لا يخرجُ عن رأيهم، كذلكَ لا نقطعُ على خبرِ واحدٍ من الرواةِ بعينه، لأجلِ قطعِنا على أنَّ الحقَّ والصدق لا يخرجُ عن روايتهم.
وأمَّا قولُهم: إنَّه لو لم يوجب العلمَ، لما أوجبَ إذا كثر الرواةُ، وانتهوا إلى حدِّ التواترِ، فغلطٌ، لأنَّ إعطاءَ آحادِ الجُملَةِ ما (1) يجبُ للجملَةِ، يردُّه الحسُ والعقلُ، فإنَّ للتعاضدِ والتناصرِ ما ليس للانفرادِ في بابِ المحسوساتِ، [و] اعتمادُ الجماعةِ يعطي ما لا يعطيه آحادُهم دفعاً ورفعاً للأشياءِ الثقيلة، وتأثيراتُ الأقوالِ المتناصرةِ في النفسِ معلومة، بحيث لا نجدُ قبل تناصِرها في نفوسِنا ما نجدُه بعد تناصِرها وتعاضدِها، بل يجد الإنسانُ في نفسه من التأثير باستثباتِ الخبرِ من الواحدِ، ما لا يجدُ من قولِه مرَّةً من غيرِ استثباتٍ، ولذلكَ يَفْزَعُ العقلاءُ إلى قولِهم لمن أخبرهم بدخولِ الأميرِ البلدَ، وبقدوم القافلةِ على طريق الاستثبات: حقاً تقول؛ فإذا قال: نعم، وجدوا في نفوسهم ما لم يجدوه قبل استثباته، فكيفَ بأقوالٍ بعدَ أقوالٍ، وأخبارٍ بعد أخبارٍ؟! وما زالَ العقلاءُ يطلبون تناصرَ الأدلة؛ ليرتقوا بها إلى القطعِ، فإذا انتهوا إلى القطعِ، سكنوا، وحصلت الثقةُ منهم المغنيةُ عن الاستزادةِ، مثل قوله سبحانه: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 259]، {قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260]، {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً} [آل عمران: 41].
__________
(1) في الأصل: "بما".
(4/418)

ولأنَّ العددَ الكثيرَ يبعدُ عنهم التواطؤ على الكذبِ، وإذا صارَ عددَ التواترِ، استحالَ؛ كاستحالةِ اجتماعِ أهلِ بغدادَ على حب الحامضِ في حالةٍ واحدةٍ.
ولأنَّه ما زالَ يَتجدَّدُ بقولِ الجماعةِ ما لا يوجدُ بقولِ الواحدِ؛ بدليلِ قولِ الشاهدِ الواحدِ، والمرأةِ الواحدةِ مِع الرجلِ الواحد، وقد عَلَّلَ البارىء بقوله: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} [البقرة: 282]، وهذا يعطي أنَّ الوَحْدةَ يقوى فيها تجويزُ الكذب، والكثرةَ يبعدُ معها الكذبُ، وكذلكَ يبعدُ السَّهْوُ والغلطُ عن الكثرَةِ؛ لتعاضدِهم على المذاكرةِ بالأمرِ المخبَرِ به، فإن نسيَ أحدُهم، ذكره الباقون، وإن نسيَ جماعة منهم، ذكرهم الواحدُ، ولذلكَ صار الإجماعُ قطعياً، وإن كانَ الواحدُ من المجتهدين مُجوَّزاً عليه الخطأ، فيتجدد للإجماعِ أمرٌ لم يكن لآحادِ المجتهدين، وهو القطعُ بصحةِ ما أَفْتَوا به في الحادثة.
وأمَّا قولهم: لو لم يوجب العلمَ، لما أباح قتلَ النفس بإقرارِ الواحدِ، وشهادة الاثنين، فدعوى لا برهانَ عليها؛ إذ قد أباَح القتل باجتهادِ الواحدِ والاثنينِ، إذا لم يكن لنا سواهما من أهل الاجتهاد، نعم، وأباحَ القتلَ مع وجودِ الخلاف، ولم يجعل أحد من الفقهاء اجتماعَهم على إيجابِ القتل أو إباحتهِ شرطاً، بل أجمعوا على أنَّ القتلَ في مسائلِ الاجتهادِ المختلف فيها جائز (1)، فهذا يقتلُ بالقتلِ بالمُثقَّلِ مع خلافِ غيرِه له، وهذا يقتلُ المسلمَ بالكافرِ مع خلافِ
__________
(1) في الأصل: "جائزاً".
(4/419)

غيرِه له، وهذا يقتلُ الأبَ بابنه ذبحاً مع خلافِ غيرِه له، فلم يوقفوا القتلَ على القطعِ.
وأما ما تعلَّقَ به النظَّام، بخبرِ الواحدِ مع الأمارةِ، فلا نُسلِّمُ أنه يقعُ بها العلمُ، بل هذه عينُ الدعوى، وشرحُ المذهب.
وكيف يُعتقَدُ ذلكَ، ونحنُ نعلمُ أنَّ مثلَ تلكَ الأمارةِ تقعُ تزويراً؟ وكم فعلَ النَّاسُ مثلَ ذلك، لأغراضٍ بلغوها، مثل وضعِ الدمِ على قميصِ يوسفَ، ووَضْعِ يوسفَ بضاعتهم في رحالِهم، ووضعِه الصُّواع في رحلِ أخيه، وكانوا أحبارَ العالم، وأولادَ الأنبياء، فكيف بأهلِ عصرِنا على ما نعرفه منهم؟ وكم من لَوْثٍ كانَ موضوعاً على غيرِ الجاني، وكم من غشيةٍ حسبَها أهلُ المريضِ موتاً، وكانت إغماءً وضعفاً، قال الله سبحانه في حق سليمان: {نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا} [النمل: 41] {قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً} [النمل: 44]، وإذا كان حكمُ الأَماراتِ على هذا الوضعِ، فلا ثقةَ إلى أمارةٍ على حدتها، ولا خبرٍ واحدٍ على حدتِه، فإذا اجتمعا، فلا قطعَ، بل غايةُ ما يوجبُ ذلك تَرجُّحَ أحدِ المُجوَّزين، وهو الذي نشيرُ إليه من الظنِّ، وكم رأينا مَن فعلَ ذلك وسمعنا، لدفعِ ضررٍ، أو اختلاف يقعِ، وكم استعارَ النساءُ أولاداً، وأظهروا الطلقَ، وانتفاخَ البطنِ، ثمَّ بان أنَّ الولدَ كان مُزوَّراً، فمتى سلمَ لكَ حصولُ العلم، مع اتجاه هذه الأفعالِ، وسلوكِ هذه المسالك؟! وإنّي لأَسْتكثِرُ الظنَّ فيه، فضلاً عن العلمِ؛ لما نعرفُه من أَدْغالِ الناسِ.
(4/420)

مسألة
المراسيل حجةٌ، ويجب العمل بها (1)
وصورةُ الإرسال: أن يقولَ مَنْ لم يَلْقَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -: قال رسول الله، مثل أن يرويَ التابعيُّ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
وكذلك إذا قال: أخبرني الثقةُ، أو أخبرني رجلٌ عدل، عن فلان، في إحدى الروايتين عن أحمد، نَصَّ عليه.
وقال: ربما كان المنقطعُ أَقْوى.
وقال: مرسلاتُ سعيد بن المسيب أصحُّ المرسلاتِ، وليس في المرسلاتِ أضعفُ من الحسنِ، وعطاء بن أبي رباح (2)، ومرسلات إبراهيم (3) لا بأس بها.
__________
(1) انظر "العدة" 3/ 907، و"المسودة" (250)، و"التمهيد" 3/ 131، و"شرح مختصر الروضة" 2/ 228.
(2) هو أبو محمد عطاءُ بن أبي رباح القرشي بالولاء، نشأ بمكة، وانتهت إليه فتوى أهلها، كان ثقة فقيهاً عالماً كثير الحديث، حدثَ عن: عائشة وأُمِّ سلمة، وأمِّ هانيء، وابن عباس، وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم، قال يحيى بن سعيد القطان: مرسلات مجاهد احب إلينا من مرسلات عطاء بكثير، كان عطاء يأخذ من كل ضرب.
انظر "ميزان الاعتدال" 3/ 7، و"تهذيب التهذيب" 7/ 179، و"طبقات ابن سعد" 5/ 467.
(3) هو أبو عمران إبراهيمُ بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي اليماني ثُمَّ الكوفي، كانَ من التابعين، وأدرك أمَّ المؤمنين عائشة وهو صبيٌّ، ولم يثبت له =
(4/421)

وبهذا المذهب قال الكرخي من أصحابِ أبي حنيفة (1)، ومالك (2)، والمعتزلة (3).
وفيه روايةٌ أخرى: ليس بحجةٍ إلا مراسيلَ الصحابةِ (4)، وبها قال الشافعي (5).
__________
= منها سماع، وروايتُه عنها، وعن غيرها من الصحابة، غيرُ متصلة عند أهلِ الصنعة، كان بصيراً بعلم ابن مسعود، واسع الرواية، فقيه النفس، كبير الشأن، مات بالكوفة سنة (96 ه). انظر ترجمته في "طبقات ابن سعد" 6/ 270، و"تهذيب التهذيب" 1/ 177، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 52.
(1) عبارةُ الكرخيِّ لم تفرِّق بين المراسيل، فأطلق القولَ بقبول الخبر المرسَلِ بقطع النظر عن الراوي، صحابياً كان، أو تابعياً، أو غيرَ تابعي، وهو ما أشارَ إليه الجصاص بقوله: ولم أرَ أبا الحسن يفرِّق بين المراسيلِ من سائر أهلِ الأعصار "الفصول" 3/ 146.
غير أنَّ الصحيحَ والمقبول عند الحنفية: أن مرسَلَ من كان من القرونِ الثلاثةِ حجةٌ، ما لم تعرف منه الرواية مطلقاً عمَن ليسَ بعدل ثقة، ومرسَلُ من كان بعدهم، لا يكون حجةً إلا ممَّن اشتهر بأنه لا يروي إلا عمَّن هو عدل ثقة، لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - شهِدَ للقرون الثلاثة بالصدق والخيرية، فكانت عدالتهم ثابتةً بتلك الشهادةِ، ما لم يتبين خلاف ذلك.
انظر "الفصول " 3/ 145 - 157، و"أصول السرخسي" 1/ 363، و"فواتح الرحموت" 2/ 174، و"تيسير التحرير" 3/ 12.
(2) انظر "تنقيح الفصول" (379).
(3) انظر "المعتمد" 2/ 143.
(4) أي: رواية أخرى عن الإمام أحمد، والروايةُ المقبولهُ والمعتمدة هي الرواية الأولى، والمتضمنة قبولَ الخبرِ المرسلِ، حتى لو كانَ المرسِل غيرَ صحابي.
(5) الصحيحُ في مذهبِ الشافعي: أنَّ الراوي المُرسِلَ إن كان من كبارِ =
(4/422)

فصلٌ
في الأدلة على جواز الاحتجاجِ به
فمنها: أنَّ التابعينَ رحمة الله عليهم، كان من عادتهم إرسالُ الأخبارِ، من ذلك: ما رويَ عن الأعمش (1)، أنَّه قال: قلتُ لإبراهيمَ: إذا حدَّثْتَني، فأَسنِدْ، فقال: إذا قلتُ لك: حدثني فلانٌ عن عبد الله، فهو الذي حدثني، وإذا قلتُ لك: قال (2) عبد الله، فقد حدثني جماعةٌ عنه، ورويَ ذلك: عن الحسنِ، وسعيد بن المسيب، والشَّعبي (3).
__________
= التابعين، ولم يرسِل إلا عن عذر، فأسنده غيرُه أو أرسلَه، وشيوخُهما مختلفون، أو عضدَ الخبرَ المرسلَ عملُ صحابي، أو عملُ أهلِ العصرِ، قُبِلَ المرسل، وإلا فلا.
انظر "الرسالة" (461)، و"التبصرة" (325 - 326).
(1) هو أبو محمد سليمانُ بن مهران الأسدي، الكاهلي بالولاء، المعروفُ بالأعمش، من مشاهيرِ العلماء، روى عن: أنسِ بن مالك، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، وغيرهم من كبار التابعين، وعنه روى: ابن إسحاق، وأبو حنيفة، والأوزاعي، وغيرهم من العلماء، وأقوال العلماء في الثناء عليه كثيرة وعديدة.
انظر "طبقات ابن سعد" 6/ 342، و"تاريخ بغداد" 9/ 3، و"وفيات الأعيان" 2/ 400 - 402، و"سير أعلام النبلاء" 6/ 226 - 239.
(2) في الأصل: "حدثني " والتصحيح من "العدة" 3/ 910.
(3) هو عامِرُ بن شَراحِيلَ بن عبد بن ذي كِبار، أبو عمرو الشَّعبي، سمع من عِدَّةٍ من كبراءِ الصحابة، وحَدَّثَ عن: سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وأبي موسى الأشعري، وابنِ عمر، وغيرِهم من الصحابة رضوان الله =
(4/423)

وإذا كان هذا معروفاً من عادتهم، فلو كانَ عندهم أنَّها غيرُ مقبولةٍ، كانوا قد ضَيَّعُوا سُننَ رَسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا الفعلِ، وذلك لا يجوزُ، فلا يظنُ بهم اعتمادٌ، مع شهادةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم بالخير والعدالة.
ومنها: أنَّ إرسال الراوي مثبتٌ لعدالةِ من رَوَى عنه، من وجهين: أحدهما: أنَّه لا يجوزُ أن يكونَ فاسقاً، ويكتمَ اسمَه، ويُدرِجَه إدراجاً، فيكون غِشَّاً لمن يُحدِّثُه بذلكَ الحديث عن رسولِ الله.
والثاني: أنَّه إذا روى عن غيرِ ثقةٍ، كانَ قد قطعَ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بغيرِ طريقِ القطعِ، فلم يبقَ إلا أنّه تعديل لمن روى عنه، وإذا كان تعديلاً له، وجبَ قبولُ خبرِه، وقد جعلَ أحمدُ روايةَ العدلِ عن غيرِه تعديلاً، فقال في كتاب "العلل" للأثرم: إذا روى عبد الرحمن (1)
__________
= عليهم، وعنه روى: حمَّاد، ومكحول الشامي، وعطاءُ بن السائب، وابن أبي ليلى، وأبو حنيفة، وغيرهم، كان من أعلام عصره، حتى قال: ما سمعت منذ عشرين سنة رجلاَ يحدَث بحديث إلا أنا أعلم به منه، فلقد نسيتُ من العلم ما لو حفظه رجل، لكان به عالماً. ثوفي سنة (104) ه، وقد بلغ ثنتين وثمانين سنه.
انظر "طبقات ابن سعد" 6/ 246، و"وفيات الأعيان" 3/ 12، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 295، و"تهذيب التهذيب" 5/ 65.
(1) يريدُ الإمامَ الناقدَ عبد الرحمن بن مهدي بن حسَّان البصري اللؤلؤي، سمعَ من: حمادِ بن سلمة، والسفيانين، ومالك، وحدَّث عنه: ابن المبارك، وأحمدُ، وإسحاق، وأقوالُ العلماءِ في الثناءِ عليه، وبيان فضله ومقامه، وعلو رتبته في العلم، عديدة وكثيرة، قال فيه ابن المديني: كان أعلم الناس، وقال محمد المقدَّمي: ما رأيت أحداً أتقنَ لما سمع، ولما لم يسمع، من =
(4/424)

عن رجلٍ، فروايتُه حجة. وقال أيضاً في رواية أبي زرعةَ الدمشقي (1): مالكُ بن أنسٍ إذا روى عن رجلٍ لا يعرفُ، فهو حجةٌ (2).
ومنها: أنَّ الظاهرَ من المُسنِدِ بحديثه، أنه يقصد أن يخرجَ من عهدةِ الرواية يذكرِ الرجال، فإذا أرسلَ، وقال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد تيقن صحةَ الطريقِ، وسلامتَه بصدقِ الرواةِ عنده؛ ولهذا قالَ الحسنُ لما أرسلَ، حديثاً، فسئل عنه، فقال: حدثني به سبعون بدريّاً، فدلَّ على أنَّ الإرسالَ إن لم يقوَ على الإسناد، فلا ينحطُّ عنه.
ومنها: أنَّه ي يقبَلُ منه الخبر مسنداً، فقُبِلَ مرسلاً، كالصحابيِّ، وكسعيدِ بن المسيب.
__________
= عبد الرحمن بن مهدي. توفي بالبصرة سنة (198) ه.
انظر ترجمته في "طبقات ابن سعد" 7/ 297، و"شذرات الذهب" 1/ 355، و"التاريخ الكبير" 5/ 254، و"سير أعلام النبلاء" 9/ 192.
(1) هو أبو زُرعة عبد الرحمن بن عمرو بن صفوان النَّصري الدمشقي، محدِّث الشام في زمانِه، كانَ ثقةً حافظاً، تقدَّم على أقرانه، وتميز على نظرائه، لمعرفته وعلوِّ سنده، روى عن خلقٍ كثيير بالشام والعراق والحجاز، منهم: سليمانُ بن حرب، وأبو بكر الحميدي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين.
توفي بدمشق سنة (281) ه.
انظر "الجرح والتعديل" 5/ 267، و"تهذيب التهذيب" 6/ 236 - 237، و"سير أعلام النبلاء" 13/ 311.
(2) انظر "العدة" 3/ 912.
(4/425)

فصلٌ
في جمع أسئلتهم على أدلتنا
فمنها: أنَّ الحالَ في تركِ إسنادِه متردِّدةٌ محتملة، فيجوزُ أن يكونَ لنسيانٍ منه عينَ الراوي، فلا يذكرُه لأجلِ النسيانِ، ويجوزُ أن يكونَ ممن يأنفُ أن يرويَ عنه، ويحتمل أن يقنع بظاهر عدالتِه عنده، ولا يكون مرضياً، ولو كانَ عدلاً عنده لم يكف، لأنه (1) يجوزُ أن يكونَ ليس بعدلٍ عند مَنْ يَعْرِفُه، إذا سمَّاه وذكره.
ومع هذهِ الاحتمالاتِ لا يجوزُ أن يقطَعَ على العدالةِ، ويُرَجَّحَ جانِبُها، وعدالتُه عندَه لا تكفي في وجوبِ العملِ بخبرِه حتى يُنظرَ في حالِه.
قالوا: ولأنَّه لو كانَ هذا كافياً في إرسالِ الخبرِ، لكانَ كافياً في بابِ الشهادةِ على الشهادةِ، ونَقْنعُ بعدالةِ شهودِ الفرعِ، ونقول: إنه لا يشهدُ العدلُ إلا على العدلِ، ولا يُسنِدُ شهادته إلا إلى مثله، ولما بطلَ هذا في الشهادة، بطل في الأخبار.

فصل
في الأجوبةِ عن أسئلتهم
فمنها: أمَّا النسيانُ بعدَ المعرفةِ بعدالةِ الراويِ، فلا يضرُّ، لأنَّ
__________
(1) في الأصل: "لا".
(4/426)

نسيانَه لا يمنعُ من اجتماعِ صفاتِ العدالةِ فيه حين روى له الحديث.
على أنَّ جميعَ ما تعلقَ [به] من الاحتمالات باطلٌ برواية الصحابيِّ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وبقولِ الحاكمِ: ثبتَ عندي بشهادةِ رجلين ساغَ لي سماعُ قولهما، فإنَّه لا يسأل عن عينهما مع الاحتمالات التي ذكرتَها، وكذلكَ لا يُشَكُّ أنَّ الشافعي نصَّ على قبولِ مراسيلِ سعيد، ويبعدُ ما يقولُه أصحابُه عنه، وأنَّه تتبعها، فوجدَها مسانيدَ؛ لأنَّه لما وجدها مسانيدَ، كان ينبغي أن يُزِيلَ عنها اسمَ المراسيلِ؛ فإنَّ في ذلك تلبيساً (1).
وأما الشهادةُ على الشهادةِ، فإنَّما لم يكتفَ فيها بالإرسالِ، فبابُ الشهادةِ على الاحتياطِ، وبابُ الأخبارِ على السهولة؛ لقبولِ العنعنة، والمناولة، والإجازة، وعدمِ العدد، وإفراد الأنوثة من وراءِ الحجاب، وظاهرِ العدالةِ من غير بحثٍ عن باطنِ المحدِّث، وسيأتي الجواب عن ذلك في احتجاجهم، إن شاء الله.

فصل
في شبههم
فمنها: ما احتجَّ به الشافعيُّ رضي الله عنه، وهو أنَّ الخبرَ كالشهادِة في اعتبارِ العدالةِ في كلِّ واحدٍ منهما، وقد ثبتَ أنَّ الإرسالَ في الشهادةِ يمنعُ قبولَها وصحتها، فكذلك الخبرُ.
ومنها: أنَّ من شرطِ صحةِ خبرِ الراوي المعرفةَ بعدالتِه، والمُرسَلُ
__________
(1) في الأصل: "تلبيس".
(4/427)

لا تعرفُ عدالةُ الراوي له، فوجبَ أن لا يقبَلَ، لعدمِ الشرط.
ومنها: أن قالوا: الجهالةُ بعينِ الراوي آكد من الجهالةِ بصفتِهِ؛ لأن من جُهِلَت عينُه، فقد جُهِلَت صفتُهُ، ثم قد ثبت أنَّه لو كانَ معروفَ العينِ مجهولَ الصفةِ، مثل أن يقول: أخبرني فلان، ولا أعرف ثقته، فإنه لا يقبَلُ، فجهالةُ الأصلِ -وهي العينُ-، أَوْلى أن تَمْنَع قبولَه.
ومنها: أن قالوا: الخبرُ خبران: تواتر، وآحاد، ثم لو قال: أخبرني مَنْ لا أحصيهم عدداَّ، أو قال: أخبرني مَنْ بمثلِه يثبتُ التواترُ، بكذا، لم يقبَلْ قولُه في التواتر، ولم يثبت له حكمُ التواتر، كذلك الآحاد، ولا فرق بينهما.

فصل
في أجوبتهم
فأمَّا دليلُ الشافعيِّ واعتبارُه الخبرَ بالشهادة، فغيرُ صحيح؛ لأنَّهما وإن استويا في اعتبارِ العدالة، إلا أنَّ للشهادة تأكيداً (1) في بابِ الأحكامِ والشروطِ، ألا ترى أنَّها لا تقبلُ من وراءِ الحجابِ، ولا من العبيدِ والنساءِ على الانفرادِ، ولا من شهودِ فرعٍ مع وجودِ شهودِ الأصل، والخبر يُقبل من وراءِ الحجاب، ومن العبيد والنساء على الانفراد، ومن راوٍ يروي مع حضور المرويِّ عنه، وإذا تباعدتِ الشهادةُ عن الأخبارِ هذا البعدَ، وفارقتها هذه المفارقة، فلا ينكرُ أن
__________
(1) في الأصل: "تأكيد".
(4/428)

يقبلَ الخبرُ مع الإرسال، وإن لم تُقْبلِ الشهادةُ مع الإرسال.
على أنَّ الشهادةَ إنَّما اعتبرت تسميتهم؛ لأَن الشهادة على الشهادة يعتبر لها الاستدعاءُ، وهو أن يقولَ شاهدا (1) الأصلِ لشاهدي الفرع: اشهدا على شهادتنا، فافتقرت إلى تسمية الأصل، ولأنَّ مِن الفقهاءِ مَنْ يوجبُ عليه الضمانَ، فلا بدَّ من تسميته، ليُعرفَ، فيُسندَ إليه الضمانُ.
فإن قيل: أَفليسَ (2) قد استويا في اعتبارِ العدالة؟
قيل: فقد بيَّنا أنَّ الرواية من العدلِ تعديلٌ.
وأمَّا قولُهم: إنَّ المعرفة بعدالةِ الراوي شرطٌ، ومع الإرسالِ لا تعرفُ عدالته، فلا (3) يصحُ؛ لأنَّ الظاهرَ أنَّ العدلَ لا يروي إلا عن عدلٍ، وتكفي العدالةُ في الظاهرِ في بابِ الأخبارِ، لأنَّ روايةَ العدلِ عن الشخصِ تعديلٌ، وإذا لم يسمِّه، كان ذلك من أكبرِ الثقةِ به، لأنَّه إذا قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد قطع الشهادةَ على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا يُقدمُ العدلُ الثقةُ على هذا القولِ إلا عن ثقةٍ بعدالةِ الراوي.
فإن قيل: قد تكرَّر منكم هذا التعويلُ (4) على أن الروايةَ عن الشخص تعديلٌ، وليس كذلك، ولهذا قال ابن سيرين: لا تأخذوا بمراسيل الحسن، وأبي العالية (5)، فإنهما لا يباليان عمن أخذا
__________
(1) في الأصل: "شاهد".
(2) في الأصل: "فاليس".
(3) في الأصل: "لا".
(4) في الأصل "التعديل".
(5) هو رفيعُ بن مهران، أبو العالية الرياحي البصري، أسلمَ في خلافةِ أبي=
(4/429)

الحديث.
قيل: هذا قولٌ يعطي البحث، أو الطعن، فأمَّا البحثُ، فلا يَلْزَمُهما، لأَنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قنع في قبولِ قولِ الأعرابي في رؤيةِ الهلال بمُجرَّدِ الإسلام (1)، والشهادةُ برؤيةِ الهلالِ بمثابةِ روايةِ الأحاديث، لأنَّ كلَّ واحد منهما خبرٌ بأمرٍ من أمورِ الديانات، ويلزمُ المُخْبِرَ والمُخبَرَ، فيشتركان فيه.
وأَمَّا الطعن، فلا يقبل من ابن سيرين في الحسنِ وأبي العالية، ولا يظن فيه أنّه قصدَ بذلك روايتَهما عن الفُسَّاقِ والكذابين، إنماقصد أنَّهما لا يفتشان ويبحثان، والبحثُ لا يلزمُ، ويكفي ظاهرُ العدالةِ، ومذاهبُ أصحابِ الحديثِ في ذلك مختلفةٌ، فلا ينبني الطعنُ (2) بقولٍ
__________
= بكر الصديق، وسمعَ من: عمرَ، وعلي، وأبي ذر، وابن مسعود، وغيرِهم من الصحابةِ رضوان الله عليهم أجمعين، تصدر لإفادة العلم، وبَعُدَ صيته، واشتهر بعلمه بقراءة القرآن. توفي سنة (93) ه، وقيل غير ذلك.
انظر "طبقات ابن سعد" 7/ 112، و"تاريخ البخاري" 3/ 326، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 207، و"تهذيب التهذيب" 3/ 246 - 247.
(1) وردَ ذلك في حديثِ ابن عباس رضي الله عنه، قال: جاءَ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أعرابيٌّ، فقال: أبصرتُ الهلالَ الليلة، فقال: "تَشهدُ أنْ لا إله إلا الله، وأن محمداً عبدُه ورسولُه " قال: نعم، قال: "قُمْ يا فلان، فأذِّن في النَّاسِ، فليصوموا غداً".
أخرجه أبو داود (2340)، والنسائي 4/ 132، والترمذي (691)، وابن خزيمة (1924)، وابن الجارود (380)، والحاكم 1/ 424، وابن حبان (3446).
(2) في الأصل: "الظن".
(4/430)

مُتردِّدٍ لا يَتَّضحُ (1)، ولا يكشف عما يوجب الردَّ، بل الطعن المطلق لا نقبلُه، فكيفَ بقولٍ لا يلوح منه الطعن؟!
وأمَّا قولُهم: جهالةُ عينِه آكدُ من جهالةِ صفتِه، فلا نُسَلِّمُ أنَّ هاهنا جهالةَ صفةٍ، والإسلامُ كافٍ مع عدمِ العلمِ بالفسقِ، وهذا موجودٌ فيمن روى عنه المُحدِّثُ العدلُ.
ولأنَّ الحاكمَ إذا قالَ: ثبت عندي بشهادةِ (2) رجلين ساغَ لي سماعُ شهادتِهما، لم يَحْتَجْ إلى ذكرِ اسمهما، ولا تعريفهما، والشهادةُ يعتبر فيها ما لا يعتبرُ في الخبر، فالخبرُ أَوْلى.
وأما تعلقُهم: بأنَّه لا يصير الخبرُ بقوله متواتراً، فلا يلزم؛ لأنَّ التواترَ يُشترطُ فيه استواءُ طرفيه ووسطِه بالعددِ الذي لا يجوزُ على مثلِهم التواطؤُ والكذب، وقولُ الواحدِ لا يحصلُ به القطع، فلا يحصلُ به إثباتُ خبير يوجب القطع، فهو كخبرِ الواحدِ العدلِ عن المعصومين الجاري مجرى التواتر، وذلك يوجب النظرَ اعتباراً.

فصلٌ
إذا ثبتَ أنَّ المرسلَ حجةٌ، فلا فرق بين مرسل أهل عصرنا ومن تقدم، وهذا ظاهرُ كلام أحمد (3).
__________
(1) في الأصل: "صح".
(2) في الأصل: "شهادة".
(3) انظر "العدة" 3/ 917، و"المسودة" (251)، و"التمهيد" 3/ 143 - 144.
(4/431)

وحكيَ عن عيسى بن أبان: أنَّه قال: من أرسلَ من أهلٍ عصرنا حديثاً، فإن كانَ من الأئمةِ الذين حَمَلَ عنهم أهلُ العلمِ، كان مُرسَلُه مقبولاً، كما نقبل مسنده، ومن حملَ عنه الناسُ المسندَ دونَ المرسلِ، كان مرسَلُه موقوفاً (1).
وقال أبو سفيان: مذهبُ أصحابنا أن مراسيلَ الصحابةِ، والتابعين، وتابعي التابعين، مقبولة (2).
يشير إلى الذين شهد لهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهم ثلاثة القرون (3).
وحكيَ عن الكرخي، ووافقه الجرجاني: في قبول مرسلِ أهلِ سائرِ الأعصار (4).
وذكر الشيخُ الإمام أبو إسحاق رضي الله عنه: أن مراسيلَ غيرِ الصحابةِ ليست حجة (5).
ودليلُ (6) تقييده بالصحابةِ يدلُ على أن غيرهم لا تقبلُ مراسيله.
__________
(1) انظر هذا القول لابن أبان في "الفصول" للجصَّاص 3/ 146.
(2) على انَّه يقبل -في الصحيح عند الحنفية- مُرسَلُ من كان بعد القرون الثلاثة، إذا كان ممن اشتهروا بالرواية عن العدول الثقات. قرَّرَ ذلك الجصّاص في "الفصول" 3/ 146، والسرخسي في "أصوله" 1/ 363.
(3) في الأصل: "الثلاثة قرون".
(4) تقدم التعليقُ على قولِ الكرخي في الفصول المتقدمةِ آنفاً.
(5) نصَّ عليه الأمامُ أبو إسحاق الشيرازي في "التبصرة" (326)، وقد أشرت فيما تقدم إلى تحقيق مذهب الشافعي.
(6) في الأصل: "فدليل".
(4/432)

فصلٌ
في أدلتنا
فمنها: أنَّ الراوي إذا كان ثقة عدلاً، وكان لا يروي بظاهرِ الحال، فلا يَختلِفُ حالُ عدالتِه، ولا حكمُ إرساله بعصر دونَ عصر، كما لا تختلفُ المسانيدُ والشهاداتُ بعصر دونَ عصر، ولا تختلفُ الشهادةُ على الشَّهادةِ (1) باختلافِ أهل الأعصار.
ومنها: أنَّ العدالةَ لم يُجْعَلْ لها مراتبُ في الشرع؛ بحيث يختلفُ حكمُ الأورعِ والأزهدِ على غيره في اختلافِ الحكمَ، والدليل عليه: في باب الفتيا، والحكم، والشهادةِ، وروايةِ المسانيد، وليسَ في الإرسال إلا الثقةُ بعدالةِ المروي عنه لثقةِ الراوي، فالثقاتُ لا يختلفون باختلافِ الأزمانِ والأعصارِ، كما لم يختلفوا بالمراتبِ في الزهادةِ والورعِ في العصرِ الواحد.

فصلٌ
في شبهةِ المخالف
إِنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عدَّلَ القرآن الذي كانَ فيه، وقرنين بعد عصره، فقال: "خيرُكم القَرْنُ الذي بُعِثْتُ فيهم، ثم الذين يَلُونَهم، ثم الذين يلونهم، ثم يَفْشُو الكذبُ" (2).
__________
(1) في الأصل: "الشهاد".
(2) ورد هذا من حديثِ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -, =
(4/433)

ومَنْ قصَرَه على الصحابةِ، قال: إنَّ أصحاب رسول الله مقطوعٌ بعدالتهم، فإنْ كانَ إطلاقُ الواحدِ منهم: قالَ رسول الله، بسماعه منه، فبَخٍ بَخْ؛ لأنَّه عدلٌ مقطوعٌ بعدالتِه، روى عن صاحب الشرع المعصوم في خبره، وإن كان بينه وبين النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - صحابيٌّ آخر، فالصحابةُ كهم مقطوعٌ بعدالتهم، وليسَ كذلك في غيرهم، فإنهم لا يقطعُ على عدالتهم.

فصلٌ
في الأجوبةِ عمَّا ذكروه
فأمَّا قولُهم: إنَّ القرونَ الثلاثة مشهودٌ لهم بالخيرِ، والصحابةُ رضوان الله عليهم شُهِدَ بعدالتِهم، فهذا ممَّا يوجبُ الثقة البالغة، وليس طريقُ الأخبار ممَّا يطلبُ فيه الأقصى، بل ظاهرُ العدالةِ كافيةٌ في الأخبارِ، بدليلِ المسندِ؛ فإنَّه لا يحتاجُ إلى أن يُسندَ إلى مقطوعٍ بعدالته، فالذي ذكرتموه في القرنِ الأوَّل والاَخرين يصلُحُ للترجيح، فأمَّا التخصيصُ، وسلبُ غيرهم أصلَ الإرسالِ، فلا، ولسنا نمنع أَن تكونَ مراسيلُ أولئك أَوْلى ومُقدَّمةً على مراسيلِ القرنِ الرابع، فأمّا أن يمْنعَ تخصيصُ أولئك بالعدالةِ المقطوعةِ مِن إرسالِ مَنْ دونهم، فلا.
__________
= أنه قال: "خيرُ الناس قَرْني، ثمَّ الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذبُ حتى يشهدَ الرَجلُ ولا يستشهدُ، ويحلفَ الرجل ولا يستحلف".
أخرجه الترمذي (2303)، وابن ماجه (2363).
وورد من حديث ابن مسعود رضي الله عنه ما يؤكد هذا الحديث، وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "خيرُ أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيءُ قومٌ، تسبقُ شهادةُ أحدِهم يمينَه، ويمينُه شهادَته".
أخرجه مسلم (2533) (210)، وأحمد 1/ 434.
(4/434)

على أنَّه لم يخلُ عصرٌ من الأعصارِ ممَّن ليسَ بعدلٍ، لكن حُمِلَ الأمرُ على الظاهرِ، وهاهنا حاصلٌ، وهذا صحيح، لأنَّ ما ذكرتم لم يوجب تخصيصَ أولئك بالشهادةِ دونَ من بعدهم، ولا من الشهادةِ على الشهادة، ولا من الروايةِ على وجهِ الإسنادِ، لا الإرسال.

فصل
في كلام أحمدَ في المراسيل، وترجيحِ بعضِها على بعض (1).
قال في رواية أبي الحارث: مُرسَلاتُ سعيد بن المسيِّب كلُّها صِحاحٌ، لا نرى أَصَح من مرسلاته، فأمَّا مرسلاتُ الحسنِ وعطاء، [فليست] بذاك، هي أضعفُ المرسلاتِ، فإنّهما كانا يأخذانِ من كلٍّ.
وقال في روايةِ الفضل بن زياد: مرسلات عطاء، ففيها (2) شيء، وأمَّا مرسلاتُ ابن سيرين، فما أحسنَ مخرجه أيضاً، ومرسلاتُ سعيدِ بن المسيب أصحُّ المرسلات، ومرسلاتُ إبراهيمَ النخعي، فلا بأس بها، وليس في المرسلاتِ أضعفُ من مرسلاتِ الحسنِ وعطاءِ ابنِ أبي رباح، كأنهما كانا يأخذان من كلٍّ.
وسأله مُهنا عن مرسلات سعيد بن جبير، [فقال]: هي أقرب، وهي أَحبُّ إِليَّ من مرسلات عطاء.
وسئل عن مرسلات سعيد بن جبير أحبُّ إليك، أو مرسلات
__________
(1) انظر "العدة" 3/ 920 - 924.
(2) في الأصل: "ففيه".
(4/435)

مجاهد؟ قال: مرسلاتُ سعيد بن جبير أحبُّ إليَّ.
وسئل مرسلاتُ مجاهدٍ أحبُّ إليك، أو مرسلات عطاء؟ فقال: مرسلاتُ مجاهدٍ، لأنَّ عطاء روى عمن هو دونه، ومجاهدٌ لم يروِ عمَّن هو دونه.
وقال وقد سئل: مرسلاتُ طاووس أحبُّ إليك، أو مرسلاتُ أبي إسحاق (1)؟ قال: مرسلاتُ طاووس.
وسئل عن مرسلات إسماعيلَ بن أبي خالد (2) أحبُّ إليكَ، أومرسلاتُ عمرو بن دينار؟ فقال: إسماعيلُ بن أبي خالد لا يبالي عمَّن حدَّثَ؛ عن أشعث بن سَوَّار (3)، وعن مُجالدٍ،
__________
(1) هو أبو إسحاق عمرو بن عبد الله بن ذي يحمد السبيعي، ولدَ لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وروى عن جمع من الصحابة، منهم: معاوية، وعدي ابن حاتم، وابن عباس، وغيرهم، وحدَّث عنه: الزهري، وقتادة، والأعمش، وآخرون، وهو ثقة حجة بلا نزاع. مات سنة (107) أو (108) ه.
انظر "طبقات ابن سعد" 6/ 313 و315، و"تذكرة الحفاظ" 1/ 114، و"ميزان الاعتدال" 3/ 270، و"تهذيب التهذيب" 8/ 63.
(2) هو أبو عبد الله إسماعيل بن أبي خالد البجلي، الأحمسي بالولاءِ، كان محدّث الكوفة في زمانِه مع الأعمش، حدَث عن: عبد الله بن أبي أوفى، وأبي جحيفة السُّوائي، وطارق بن شهاب، وعنه حدَثَ: الحكمُ بن عتيبةَ، ومالك بن مِغْوَل، وشعبةُ، وسفيانُ، وغيرُهم، يُعد من صغار التابعين الحفاظ، توفي سنة (146) ه.
انظر "طبقات ابن سعد" 6/ 240، و"تذكرة الحفاظ" 1/ 53 - 154، و"سير أعلام النبلاء" 6/ 176، و"شذرات الذهب" 1/ 216.
(3) هو أشعث بن سَوَّار الكندي الكوفي، التوابيتي، الثقفي ولاء، حدَثَ عن: الشَّعبي، وعكرمة، والحسن، وابن سيرين، وعنه حدَثَ: شعبة، ويزيد=
(4/436)

وعمرُو (1) بن دينار لا يروي إلا عن ثقة، مرسلاتُ عمرٍ وأحبُّ إليَّ.
وسئلَ: أيُّما أحب إليك إبراهيمُ عن علي، أو مجاهدٌ عن علي؟ قال: إبراهيم عن عليٍّ؛ لأنَّ هذا كانَ مقيماً، وكان مجاهدٌ إنما تقْدَمُ في الأحيان إلى الكوفة.
وسئل عن مرسلات النخعي، قال: ما أصلحها ليسَ به بأسٌ، أصلحُ من مرسلاتِ الحسن.
وسأله مهنا: لم كرهت مرسلات الأعمش؛ قال: لأنَّ الأعمش لا يبالي عمن حدث.
وسئل عن مرسلاتِ الأعمش، وسليمان التَيْمِي ويحيى بن أبي كثير (2)، قال: مرسلاتُ يحيى بن أبي كثير أحبُّ إليَّ.
وقال في مرسلات يحيى بن أبي كثير: لا تعجبُني، لأنَّه روى عن رجال ضعاف.
__________
= ابن هارون، وغيرهم، وهو من الضعفاء الذين روى لهم مسلم متابعة، ضعَّفه أحمد وابن معين والدارقطني، توفي سنة (136) ه.
انظر "طبقات ابن سعد" 6/ 249، و"ميزان الاعتدال" 1/ 263 - 265، و"المغني في الضعفاء" 1/ 47، و"تهذيب التهذيب" 1/ 352 - 354.
(1) في الأصل: "وعن عمرو".
(2) يحيى بن أبي كثير اليمامي الطائي مولاهم، من صغارِ التابعين، حافظٌ مشهور، كثير الأرسال والتدليس، روى عن جماعة من الصحابة، منهم: جابر، وأنس، وأبو أُمامة، وقيل: لم يصح له سماع من صحابي، توفي سنة (129) وقيل (132) ه.
انظر "تهذيب التهذيب" 11/ 268، و"تعريف أهل التقديس" (77)، و"ميزان الاعتدال" 4/ 402، و"الضعفاء الكبير" للعقيلي 4/ 433.
(4/437)

وقال في رواية أبي الحارث: مرسلاتُ ابن سيرين صحاح، حسنةُ المخرج.
وسأله مهنا عن مرسلاتِ سفيان (1)، قال: كان سفيانُ لا يبالي عمَّن روى.
وسأله عن مرسلاتِ مالك، قال: هي أحبُّ إليَّ.
__________
(1) هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، إمامُ الحفَّاظِ في زمانِه، ولدَ سنة (97) ه، روى عن: والدهِ سعيد بن مسروق، وبهز ابن حكم، وجعفر الصادق، وغيرِهم كثير، وعنه روى خلقٌ كثير، منهم: الأعمش، وابن جريج، وأبو داودَ الطيالسي، وغيرُهم، قال فيه شعبةُ، وابن عيينة، ويحيى بن معين: سفيان الثوري أميرُ المؤمنين في الحديث.
انظر ترجمته في "طبقات ابن سعد" 1/ 376 - 374، و"تاريخ بغداد" 9/ 151 - 174، و"سير أعلام النبلاء" 7/ 229 - 279، و"تهذيب التهذيب"
(4/438)