Advertisement

الوجيز في أصول الفقه الإسلامي



الكتاب: الوجيز في أصول الفقه الإسلامي
المؤلف: الأستاذ الدكتور محمد مصطفى الزحيلي
الناشر: دار الخير للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق - سوريا
الطبعة: الثانية، 1427 ه - 2006 م
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الوجيز في أصول الفقه الإسلامي
«المدخل - المصادر - الحكم الشرعي»

تأليف
الأستاذ الدكتور محمد مصطفى الزحيلي
عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الشارقة

[الجزء الأول]

مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
إدارة الشؤون الإسلامية - دولة قطر
(/)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1/2)

الْوَجِيز فِي أصُول الْفِقْه الإسلامي
«الْمدْخل - المصادر - الحكم الشَّرْعِيّ»
(1/3)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة لدار الْخَيْر
الطّبعَة الثّانِيَة
1427 ه - 2006 م

دَار الْخَيْر
للطباعة والنشر والتوزيع
للمراسلة: دمشق - سوريا - حلبوني - جادة الشَّيْخ تَاج
هَاتِف الْمكتب: 2245822/ 011 - تلفاكس: 2222694/ 011
هَاتِف المكتبة: 2228074/ 011 ص. ب: 13492
E-mail: abualkhair@mail.sy

دَار الْخَيْر
للطباعة والنشر والتوزيع
بيروت - لبنان - فردان - جنوب سيّار الدَّرك - بِنَاء الشَّامي
هَاتِف: 810571/ 01 - تلفاكس: 865697/ 01
ص. ب: 5630/ 113 - الرَّمْز البريدي: 2060/ 1103
(1/4)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مقدمة
الحمد لله الذي نزَّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا، والصلاة والسلام على رسول الله، المبعوث رحمة للعالمين، الذي أدى الأمانة، وبلّغ الرسالة، ونَصَحَ الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وترك أمته على بيضاء نقية، ليلها كنهارها لا يزيغُ عنها إلا هالك.
وبعد:
فقد عشت مع علم أصول الفقه أكثر من أربعين سنة، فدرَسْته في الثانوية الشرعية، وفي كلية الشريعة وكلية الحقوق بجامعة دمشق، وفي جامعة القاهرة وجامعة الأزهر، ثم درّسته أكثر من ربع قرن.
ومارست كتبه في التأليف والتحقيق، ولمست أهميته وفائدته النظرية والعملية، وأحببت أن أكتب فيه كتابًا مبسطًا يغطي مباحثه؛ لأن دراسة علم الأصول تصقل الذهن، وتشحذ العقل، وتفتح الدماغ، وتنير الطريق، وتكوِّن الملكة الفقهية، وترشد الإنسان إلى ينابيع المعرفة، ومصادر الخير، وتضع اليد على الموازين السليمة، والمعايير الدقيقة، والضوابط الحكيمة، لإدراك الأحكام الشرعية، وبيان مدى الالتزام بشرع الله ودينه القويم، ليكون المؤمن على المحجَّةِ البيضاء، ويقف الإنسان لمامة على محاسبة نفسه قبل أن يحاسب.
(1/5)

وإن علم أصول الفقه يشكل المنارة الوضَّاءة بين العلوم الشرعية، ويعتبر مفخرة الأمة في حضارتها وعلومها، وذلك أنه عبارة عن القواعد والمبادئ التي سار عليها الفقهاء في استنباط الأحكام وبيانها للناس، وأنه يكوِّن الضوابط التي يلتزم بها الفقيه، بقصد أن يكون طريقه مستقيمًا واضحًا، لا يعتريه وهن أو انحراف، ولا خبط أو اضطراب.
كما أن هذا العلم هو المصباح الذي ورثته الأجيال، وحمله العلماء على مر العصور، لبيان الأحكام الشرعية في كل جديد، ومعالجة المشاكل التي تطرأ، وغير ذلك من تفسير النصوص، وبيان دلالات الألفاظ، والتوفيق بين الأدلة، وإزالة التعارض وكيفية الترجيح، ومنهج الاجتهاد، ومقوماته، وفق منهج محدد يسير عليه العالم في الاجتهاد والاستنباط (1).
ومما يبهج النفس، ويسعد القلب أنه ظهر في هذه السنوات الثلاثين الأخيرة عدد من أمهات كتب الأصول، التي تعتبر من مصادره الأصلية، ومراجعه المعتمدة، كالبرهان لإمام الحرمين الجُويني، والمحصول لفخر الدين الرازي، والعُدَّة لأبي يَعْلى الفراء الحنبلي، وشرح الكوكب المنير لابن النجار الفتوحي، وشرح تنقيح الأصول للقرافي المالكي، والتبصرة للشيخ أبي إسحاق الشيرازي، والمنخول لحجة الإسلام الغزالي، وشفاء الغليل للشيخ أبي جامد الغزالي أيضًا، والمختصر في أصول الفقه لابن اللحام البعلي، والمغني للخبازي الحنفي، والتمهيد لأبي الخطاب الكلوداباذي .. ، وغيرها كثير (2).
__________
(1) انظر فوائد علم أصول الفقه في الفصل الثاني من الباب التمهيدي.
(2) منها الوصول إلى علم الأصول لابن بَرْهان، والفصول في الأصول للجصاص، وميزان الأصول للسمرقندي، وإحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي، وبيان المختصر للأصفهاني في شرح مختصر ابن الحاجب، وتقريب الأصول إلى علم الأصول لابن جزئ المالكي، وغيرها.
(1/6)

وأعيد طباعة وتصوير بعض الكتب العظيمة في أصول الفقه، كالمعتمد لأبي الحسين البصري المعتزلي، وكشف الأسرار عن أصول البرذوي، وأصول السرخسي، والمستصفى للغزالي، وفوات الرحموت على مسلم الثبوت لابن عبد الشكور، والشرح للأنصاري، وجمع الجوامع لابن السبكي مع شروحه وحواشيه ... ، وغيرها كثير كالشروح على مختصرات ابن الحاجب.
فصارت المكتبة الإسلامية غنية -والحمد لله- بكتب الأصول الأصلية، وصنفت كتب قيمة بأسلوب معاصر، وثوب قشيب في العصر الحاضر، من كبار العلماء، وأساتذة الجامعات، فأصبحت الأمور ميسرة، رجاء أن يكون ذلك مقدمة لعودة الحياة إلى هذا العلم المفيد، عمليًّا، وأن تعود الأمة إلى الاستفادة من تراث السلف الصالح، وذخائر أمتنا المجيدة، ليتجدد العمل بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وتظفر -بعد ذلك- بالعزة والكرامة، وتحرير المقدسات، والنصر على الأعداء في الدنيا، والفوز بالسعادة الأبدية ومرضاة الله تعالى في الآخرة.

طريقة البحث ومنهجه:
التزمت غالبًا بالنقاط التالية:

1 - الطريقة المدرسية التي تعتمد الوضوح والتنظيم والموضوعية والإقناع.
2 - الجمع بين القواعد والمبادئ والضوابط الأصولية، مع بيان مدلولاتها، وبين الأحكام الفقهية والفروع الجزئية، باعتبارها أمثلة تطبيقية للقاعدة وتوضيحًا لها، وللترابط الكامل، والتلازم الدائم بين علم أصول الفقه وعلم الفقه.
3 - تجنب طرح الموضوعات الأصولية الجزئية التي تتفرع عن المبادئ العامة، وهي مسائل فرعية بحثها الأصوليون في كتبهم، وبينوا
(1/7)

آراء العلماء فيها، وأدلتهم، ومناقشة الأدلة، والردَّ عليها، وهي في معظمها نادرة الوقوع، وبعيدة عن الحياة، وقليلة الفائدة، مما يشوِّش ذهن القارئ، ويشتت فكره، ويضعه في متاهات علمية وجدلية، يصعب عليه أن يغوص فيها في المراحل الأولى لدراسة الأصول، ولا يصل فيها إلى شاطئ الأمان والسلامة، وخاصة لمن يدرس هذا العلم لأول مرة، ونترك هذه التفاصيل والجزئيات ريثما تتكون لديه ملكة أصولية، يستعين بها على فهم هذه المباحث.

4 - العرض المبسط لمبادئ أصول الفقه، وبيان الآراء والأقوال المختلفة في المسألة الواحدة، وذكر أصحاب كل رأي، ودليله، مع مناقشة موجزة للأدلة، وما قد يرد عليها من ملاحظات، مع الاقتصار على الآراء المشهورة والمعتمدة، والإعراض عن ذكر الآراء الشاذة والضعيفة.
5 - الاعتماد بشكل مباشر على المراجع الأصلية في الموضوع، والإشارة إلى أهمية بعض المراجع الثانوية في الهامش، واقتباس بعض النصوص أحيانًا، لبيان الدقة العلمية، والصياغة الحكيمة، والأسلوب الناصع لعلماء هذه الأمة وسلفها الصالح الذين بذلوا أقصى طاقاتهم في خدمة هذه الشريعة الغراء، ومن ثمَّ نوجه الأذهان نحو هذه المراجع والمصادر والكتب الأصلية في علم الأصول، ولا يفوتنا أن نستفيد من كتب الأصول الحديثة والمعاصرة.
خطة الكتاب والبحث:
سيأتي الكتاب بمشيئة الله تعالى في جزأين، يتضمن كل جزء ثلاثة محاور أساسية، وهي:
الجزء الأول: في المقدمات لعلم أصول الفقه، ومصادر التشريع الإسلامي، والحكم الشرعي.
الجزء الثاني: في الدلالات وتفسير النصوص، والاجتهاد،
(1/8)

والتعارض والترجيح. وقسمت الجزء الأول إلى باب تمهيدي، وبابين.
أما الباب التمهيدي: فيتناول تعريف علم أصول الفقه، وفائدته، ولمحة تاريخية عنه، وطرق التأليف فيه، وأهم المصادر والمراجع، وأسباب اختلاف الفقهاء، ومقاصد الشريعة.
والباب الأول: نعرض فيه مصادر التشريع الإسلامي المتفق عليها، والمختلف فيها، بشيء من الإيجاز، وخاصة في الأدلة المختلف فيها.
والباب الثاني: في الحكم الشرعي لتعريفه، وتقسيمه إلى حكم تكليفي، وحكم وضعي، وبيان موجز عن الحاكم، والمحكوم عليه وهو المكلف، والمحكوم به وهو الفعل.
وأسأل الله أن يسدد خطانا، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يأخذ بيدنا إلى الصراط المستقيم، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يلهمنا رشدنا، ويجنبنا شر أنفسنا، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يجعل عملنا خالصًا لوجهه الكريم، وأن يكتب لنا هذا العمل في صحائف أعمالنا المقبولة، ندَّخره ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، مع الأمل أن يدعو لنا من يقرؤه وينتفع به دعوة صالحة في ظهر الغيب، تنفعنا في الدنيا، وفي القبر، ويوم الحشر، والحمد لله رب العالمين.
ونقدم -الآن- الجزء الأول للطباعة، ونسأل الله العون على استكمال الجزء الثاني.
الشارقة في 8 رمضان 1422 ه.
الموافق 23/ 11 / 2001 م.
الأستاذ الدكتور محمد الزحيلي
عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الشارقة.
وكيل كلية الشريعة للشؤون العلمية بجامعة دمشق- سابقًا.
(1/9)

الباب التمهيدي المدخل إلى أصول الفقه
قبل أن نبدأ بدراسة موضوعات علم أصول الفقه لا بد لنا من أن نعرفه ونبين فوائده، ونذكر لمحة موجزة عن تطوره وتاريخه، ثم نعرج على المنطلق الأساسي والباعث الحقيقي، بل والثمرة الكاملة التي تنتج عنه، وهي أسباب اختلاف الفقهاء، ثم نعرض المقاصد الأساسية للشريعة الإسلامية (1)، وسوف نخصص كلا من ذلك بفصل.
__________
(1) يقول العلامة ابن الجوزي -رحمه الله- في "صيد الخاطر": "فائدة: اعلم أن شرعنا مضبوط الأصول، ومحروس القواعد، لا خلل فيه ولا دخل، وكذلك كل الشرائع، وإنما الآفة تدخل من المبتدعين في الدين أو الجهال". صيد الخاطر ص: 114 تحقيق الشيخ محمد الغزالي.
(1/11)

الفصل الأول في تعريف علم أصول الفقه وموضوعه
يذكر العلماء تعريفين لعلم أصول الفقه:
أحدهما: ينظر إليه على أنه علم مستقل، وأن هذا الاسم لقب له، وأصبح حقيقة عرفية دون النظر إلى أجزائه المركب منها، مثل عبد الله وركن الدين، إذا جُعل كل منهما علمًا أو لقبًا لإنسان.
وثانيهما: يعرفه على أنه مركب إضافي مكون من ثلاث كلمات، فيعرف كلًّا منها على حده.
ونتناول كل تعريف في مبحث مع شرح التعريف وبيان حدوده وما يدخل فيه، وما يخرج منه، ونخلص من التعريفين إلى بيان موضوع علم أصول الفقه في مبحث ثالث، ونحدد الموضوعات التي سنتناولها في هذا الكتاب.
(1/13)

المبحث الأول في تعريف علم أصول الفقه مركبًا
عرف الكثير من الأصوليين علم أصول الفقه باعتباره مركبًا إضافيًّا، وأنه مؤلف من ثلاث كلمات، وهي: علم، وأصول، وفقه، ولا بد من فهم معنى كل كلمة على حدة لفهم المعنى العام لعلم أصول الفقه، وإدراك مضمونه وحدوده.

أولًا: العلم:
العلم في اللغة: هو المعرفة واليقين والشعور (1).
أما في الاصطلاح فيطلق العلماء لفظ العلم على أحد المعاني الأربعة التالية (2):
1 - العلم: هو إدراك الشيء ومعرفته، وهذا الإدراك أو المعرفة إما أن يكون بدليل قطعي يجزم الشخص به ويطمئن إليه، فيفيد العلم القطعي الذي تثبت به الأحكام الاعتقادية كالإيمان بالله وملائكته وكتبه
__________
(1) القاموس المحيط: 3 ص 153، المصباح المنير: 2 ص 583.
(2) انظر التعريفات: الجرجاني: ص 135، كشف الظنون: 1 ص 4، كشاف اصطلاحات الفنون: 4 ص 1055، شرح الكوكب المنير: 1 ص 63.
(1/15)

ورسله واليوم الآخر؛ لأن العقيدة لا تثبت بالظن، وإما أن يكون الدليل غير مقطوع به. وإنما يدل دلالة راجحة على غيره، فيفيد الظن، والأحكام العملية الفقهية تثبت بالقطعي وتثبت بالظني، فالعلم هنا عملية ذهنية في تصور الأشياء، أو تصور المعلوم.
2 - العلم: هو نفس الأشياء المدركة، فعلم الفقه مثلًا هو مسائل الفقه، أو هو مجموعة الأحكام الشرعية العملية، وعلم الطب هو مجموعة التعليمات والمعارف التي تميز بين الذات الصحيحة والمريضة، وعلم الأصول هو مجموعة القواعد والأبواب التي ترشد إلى استنباط الأحكام العملية من أدلتها التفصيلية.
3 - العلم: هو الملكة والقدرة العقلية التي يكتسبها العالم من دراسة العلم ومسائله، فيقال مثلًا: فلان عنده علم.
4 - العلم: هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع عن دليل، مثل: النار محرقة، والعالم حادث، وذلك إذا وصل البحث إلى المعرفة الكاملة المطابقة للحقيقة والواقع، فإنه يسمى علمًا، وإلا فإنه يكون فرضية أو ظنًّا أو شكًّا أو وهمًا وتخمينًا ورجمًا بالغيب، فالعلم أعلى درجات المعرفة (1).
__________
(1) إن معرفة الأشياء تقع على درجات، فإن كانت المعرفة صحيحة بشكل كامل، وكانت مطابقة للواقع، ولا تحتمل النقيض والعكس فهي "العلم"، وهو أعلى الدرجات، وإن كانت المعرفة أقل درجة، ويرد عليها احتمال النقيض والعكس، لكن يترجح فيها جانب الصدق على الكذب فهي "الظن"، ويتفاوت الظن حتى يقال: غلبة الظن، وإن ترجح جانب الكذب على الصدق، وكانت المطابقة مع الواقع مرجوحة، فهي "الوهم" وهو أدنى درجات المعرفة، وإن تساوى الأمران، ولم يترجح جانب على آخر، وكان احتمال النقيض مساويًا لغيره فهو "الشك".
انظر: مختصر ابن الحاجب: 1 ص 58 وما بعدها، طبعة بولاق، شرح الكوكب المنير: 1 ص 74، الورقات، للجويني: ص 48.
(1/16)

وأقرب المعاني التي تتصل بعلم الأصول هو الأول والثاني، فعلم أصول الفقه هو إدراك الأصول ومعرفتها، أو هو نفس الأصول التي تؤخذ منها الأحكام.

ثانيًا: الأصول:
الأصول: جمع أصل، وهو في اللغة أسفل الشيء، أو ما يبنى عليه غيره، سواء كان الابتناء حسيًّا، كالأساس الذي يشيد عليه البناء، فهو أصل له، أم كان الابتناء عقليًّا، كابتناء الأحكام الجزئية على القواعد الكلية (1).
أما في الاصطلاح: فقد استعمل العلماء كلمة أصل في معان كثيرة أهمها (2):
1 - الأصل: هو ما يقابل الفرع، وذلك في الفقه وأصول الفقه، مثل الخمر والأب، فالخمر أصل والنبيذ فرع له، والأب أصل والولد فرع له.
2 - الأصل: بمعنى الراجح، مثل الحقيقة أصل للمجاز، أي راجحة عليه عند السامع، والقرآن الكريم أصل للقياس أي راجح عليه، والأصل في الكلام الحقيقة دون المجاز.
3 - الأصل: بمعنى المستصحب، مثل: الأصل الطهارة، لمن كان متيقنًا منها، ويشك في الحدث، أي تستصحب الطهارة حتى يثبت
__________
(1) المصباح المنير: 1 ص 21، القاموس المحيط: 1 ص 328.
(2) انظر: المستصفى، للإمام الغزالي: 1 ص 5، فواتح الرحموت: 1 ص 28، التلويح على التوضيح: 1 ص 9 ط صبيح، نهاية السول: 1 ص 18، مباحث الكتاب والسنة، الدكتور فوزي فيض الله: ص 2، مباحث الحكم عند الأصوليين، للأستاذ محمد سلام مدكور: ص 8، أصول الفقه، أَبو النور: 1 ص 5، شرح الكوكب المنير: 1 ص 38.
(1/17)

عكسها، ومثل: الأصل براءة الذمة، ويقال: ما هو أصل القضية، أي الأمر الذي كان في الماضي والسابق لنستصحبه إلى الحاضر.
4 - الأصل: بمعنى القاعدة التي تبنى عليها المسائل، مثل: "بني الإسلام على خمسة أصول"، ويقال: أكل الميتة على خلاف الأصل، أي على خلاف الحالة المستمرة.
5 - الأصل: بمعنى الدليل، وهو ما تعارف عليه الفقهاء وعلماء الأصول، مثل قولهم: أصل هذا الحكم من الكتاب آية كذا، ومن السنة حديث كذا.
وهذا المعنى الأخير هو المقصود من استعمال أصول الفقه، أي أدلة الفقه، وهذه الأدلة إما أن تكون إجمالية وكلية وتدرس في أصول الفقه، وهي مصادر التشريع، كما سنرى، وإما أن تكون الأدلة تفصيلية، ويختص بها علم الفقه والخلاف.

ثالثًا: الفقه:
الفقه لغة: الفهم (1)، وهو إدراك معنى الكلام، ومنه قوله تعالى: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28)} [طه:27 - 28]، وقوله عليه الصلاة والسلام: "مَنْ يُردِ اللهُ به خيرًا يُفقّهه في الدِّين" (2).
وفي الاصطلاح، عرفه أصحاب الشافعي بأنه "العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية" (3)، وهاك شرح هذا التعريف.
__________
(1) المصباح المنير: 1 ص 656، القاموس المحيط: 4 ص 289.
(2) رواه البخاري ومسلم وأحمد والترمذي وابن ماجه.
(3) نهاية السول: 1 ص 23، المستصفى: 1 ص 4، فواتح الرحموت: 1 ص 10، التوضيح على التنقيح: 1 ص 12، ط صبيح، غاية الوصول: ص 5، منهاج الوصول: ص 3، التعريفات: ص 147، شرح الكوكب المنير: 1 ص 41، 63، وعرف الإمام أَبو حنيفة -رحمه الله تعالى- الفقه بأنه: معرفة النفس ما لها =
(1/18)

1 - العلم: هنا هو الإدراك والتصديق والمعرفة، ويدخل فيه سائر العلوم.
2 - الأحكام: جمع حكم، وهو لغةً: القضاء والمنع (1)، وعند الأصوليين هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرًا أو وضعًا، وعرف الفقهاء الحكم بأنه ما ثبت بالخطاب، أو هو أثر الخطاب (2)، كوجوب الصوم؛ فإنه حكم ثبت من الآية الكريمة: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183] ويكون العلم بالأحكام هو التصديق بكيفية تعلق الأحكام بأفعال المكلفين.
ويخرج من التعريف العام بذات الله تعالى وصفاته وأفعاله؛ فإنها تدخل في علم التوحيد والعقيدة، ويخرج العلم بالأدلة الكلية وبالقواعد والضوابط؛ فإنها تدخل في علم الأصول.
3 - الشرعية: أي الأحكام التي تتوقف على الشرع، ويخرج من الفقه العلم بالأحكام العقلية مثل: الواحد نصف الاثنين، والكل أعظم من الجزء، والأحكام اللغوية مثل: الفاعل مرفوع، والباء للتعليل، والأحكام الحسية مثل: النار محرقة، والماء بارد.
4 - العملية: وهي صفة للأحكام، بأن تقتضي عملًا، سواء كان من عمل القلب كوجوب النية، أو من عمل اللسان كالقراءة والكلام، أو من عمل الجوارح كالعبادات والجهاد.
__________
= وما عليها، وهو تعريف عام يشمل العقيدة والأخلاق والعبادات والمعاملات، ولذلك فقد أضاف صدر الشريعة عليه لفظة "عملًا" لقصره على العبادات والمعاملات، انظر: تنقيح الأصول: ص 10، ط صبيح، المدخل لابن بدران: ص 58، وانظر تعريف الفقه في مقدمة "البحر الرائق" لابن نجيم الحنفي.
(1) المصباح المنير: 1 ص 200، القاموس المحيط: 4 ص 98.
(2) سيأتي معنا -إن شاء الله تعالى- شرح تعريف الفقهاء والأصوليين تفصيلًا في الباب الثاني من هذا الكتاب، عند الكلام عن الحكم.
(1/19)

ويخرج من الفقه الأحكام الاعتقادية التي لا تتعلق بكيفية عمل، وإنما قصد منها الاعتقاد فقط، مثل العلم بأن الله واحد، وأنه يُرى في الآخرة، وأن محمدًا رسول الله، وأن البعث حق، والأحكام الأخلاقية كالوفاء والكرم، كما تخرج الأحكام النظرية في علم الأصول كالعلم بأن الإجماع حجة (1).
5 - من أدلتها: جار ومجرور متعلق بصفة العلم، أي العلم الناشئ من الأدلة، فيخرج من الفقه العلم الذي لا يتوقف على دليل كعلم الله تعالى للأحكام، وعلم رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وعلم جبريل، فإنها علوم غير مكتسبة من الأدلة، وكذلك يخرج العلم الحاصل للمقلد في المسائل الفقهية التي يسأل عنها العالم، فإنه يعلم أنها حكم الله بدون معرفتها من دليل (2)، وهذا ما يفرق العالم وطالب العلم الشرعي عن الأمي وغير المختص بالشريعة.
6 - التفصيلية: وهي الأدلة التفصيلية التي تتعلق بمسألة معينة كوجوب الصلاة في قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [يونس: 87]، وتحريم أكل مال اليتيم في قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الأنعام: 152].
وخلاصة ذلك فإن الفقه هو: معرفة الأحكام الشرعية لأفعال المكلفين من تحليل وتحريم، وحظر وإباحة (3).
__________
(1) زاد بعض العلماء هنا على التعريف لفظة: "المكتسب" أي العلم المكتسب والمستنبط والحاصل عن نظر واستدلال من الأدلة، ليخرج العلم غير الاكتسابي كعلم الله تعالى، والعلم بالأحكام الشرعية التي تعرف من الدين بالضرورة كوجوب الحج، فإنه لا يدخل بالفقه، انظر: نهاية السول: 1 ص 26.
(2) نهاية السول: 1 ص 27.
(3) انظر: شرح الكوكب المنير: 1 ص 41.
(1/20)

يقول أستاذنا الدكتور فوزي فيض الله-: الفقه: "هو التصديق بالقضايا الشرعية المتعلقة بكيفية العلم، تصديقًا حاصلًا من الأدلة التفصيلية التي نصبت في الشرع على تلك القضايا" (1).
وإن علم أصول الفقه هو العلم بأدلة الأحكام، ومعرفة وجوه دلالتها عليها من حيث الجملة (2).
ويظهر لنا أن ميدان عالم الأصول: هو الأدلة الكلية كالكتاب والسنة، وغايته: وضع قواعد كلية لمعرفة كيفية استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة بالاجتهاد، كالأمر للوجوب.
أما ميدان الفقه: فهو الأدلة التفصيلية الجزئية الخاصة، وغايته: الوصول إلى الحكم الجزئي لكل فعل من أفعال المكلفين.
__________
(1) مباحث الكتاب والسنة من علم أصول الفقه، محاضرات للسنة الثالثة، له: ص 4.
(2) المستصفى: 1 ص 5.
(1/21)

المبحث الثاني في تعريف أصول الفقه لقبًا
عرف الشافعية أصول الفقه -باعتباره لقبًا- بتعريف يختلف عن تعريف الجمهور، وإليك التعريفين:

أولًا: تعريف الشافعية:
عرف البيضاوي من الشافعية أصول الفقه بأنه "معرفة دلائل الفقه إجمالًا، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد" (1).
1 - المعرفة: هي العلم والتصديق بأدلة الفقه الإجمالية، سواء أكان التصديق على سبيل القطع، أم على سبيل الظن، ومن هذا يظهر السبب
__________
(1) منهاج الوصول، له: ص 3، وانظر نهاية السول: 1 ص 17، غاية الوصول: ص 4، وذهب كثير من علماء الأصول إلى تعريف أصول الفقه بأنه "دلائل الفقه ... " والفرق بينهما أن الأول يعرفه بأنه معرفة الأدلة، بينما يقصره الثاني على نفس الأدلة، وكلا التعريفين صحيحان، لأن اسم أي علم من العلوم، كعلم النحو، أو علم الفقه، أو علم الأصول، يطلق على القواعد التي تدرس فيه، ويطلق على التصديق بهذه القواعد ومعرفتها، كما يطلق على الملكة الناشئة عن مزاولة هذه القواعد، انظر شرح التعريف، في نهاية السول: 1 ص 19، أصول الفقه لغير الحنفية، عدد من العلماء: ص 6 وما بعدها.
(1/23)

في اختيار لفظة المعرفة، دون لفظة العلم، لأن البيضاوي يحصر معنى العلم بالتصديق على سبيل القطع. ويخرج من التعريف علم الله تعالى بالأدلة، لأن علمه تعالى قطعي، وليس ظنيًّا (1).
2 - دلائل: جمع دلالة بمعنى دليل، أو جمع دليل، والدليل في اللغة: المرشد إلى الشيء، والكاشف عن حقيقته (2).
وفي الاصطلاح: هو ما يمكن بالنظر فيه التوصل إلى إدراك حكم شرعي على سبيل العلم أو الظن (3)، مثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]، وقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [يونس: 87]، وقوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة: 190].
فهذه الآيات الكريمة أدلة عند الأصوليين، لأنهم ينظرون إليها بأنها أوامر شرعية، ويتوصلون منها إلى إدراك الأحكام الشرعية بوجوب الوفاء بالعقد، وإقامة الصلاة، والجهاد في سبيل الله.
والصحيح عند جمهور الأصوليين أن الدليل إما أن تكون دلالته على الحكم قطعية بأن ينتج حكمًا قطعيًّا، وإما أن تكون ظنية بأن ينتج حكمًا ظنيًّا، بينما قصر بعض الأصوليين الدليل على ما يتوصل منه إلى إدراك حكم شرعي قطعي، أو ما يتوصل منه إلى إدراك حكم شرعي ظني فهو أمارة (4).
__________
(1) المعرفة أعم من العلم من حيث إنها تشمل اليقين والظن، أما العلم فلا يطلق إلا على اليقين، كما أن المعرفة أخص من العلم لأنها تشمل العلم المستحدث أو بعد انكشاف، أما العلم فيشمل العلم غير المستحدث، وهو علم الله تعالى، فإنه لم يسبقه جهل، ويشمل العلم المستحدث بعد الجهل، وهو علم العباد، انظر: شرح الكوكب المنير: 1 ص 65، أصول الفقه لغير الحنفية: ص 10.
(2) القاموس المحيط: 3 ص 377، المصباح المنير: 1 ص 270.
(3) انظر: شرح الكوكب المنير: 1 ص 52.
(4) نهاية السول: 1 ص 19.
(1/24)

والدليل إما أن يكون مجملًا، كمطلق الأمر والنهي، الذي ينتج حكمًا كليًّا، هو الوجوب والحرمة، ويندرج تحته أدلة جزئية، وإما أن يكون دليلًا جزئيًّا تفصيليًّا يدل على الحكم في مسألة بذاتها، ويندرج تحت دليل كلي، كالأمر بإقامة الصلاة، الذي يدل على وجوبها، وهذه من مباحث الفقه، وتذكر استطرادًا في الأصول (1).
والمراد بمعرفة الأدلة أن يعرف أن الكتاب والسنة والإجماع والقياس أدلة يحتج بها، وأن الأمر مثلًا للوجوب، ولا يقصد حفظ الأدلة.
ويخرج من التعريف معرفة غير الأدلة، كمعرفة أحكام الفقه، وقواعد النحو، ومبادئ البلاغة، وأسباب الخلاف؛ فإنها ليست أدلة.
3 - الفقه: لغةً الفهم، وإصطلاحًا: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، ومر شرحه في المبحث السابق.
وإن إضافة الدلائل للفقه تفيد العموم، لأنه جمع مضاف، فيعم جميع الأدلة سواء كانت متفقًا عليها أو مختلفًا فيها (2).
ويخرج من التعريف دلائل غير الفقه، كالنحو والقانون، فلا تدخل في موضوعنا.
4 - إجمالًا: حال من الدلائل، أي دلائل الفقه الإجمالية الكلية غير المعينة، التي يدخل تحتها جزئيات كثيرة، مثل كون الإجماع حجة، وأن شرع من قبلنا شرع لنا إذا ورد ما يؤيده بشريعتنا، وأن النهي يفيد التحريم.
فلا يدخل في علم أصول الفقه الدليل التفصيلي للأحكام الجزئية في
__________
(1) مباحث الحكم عند الأصوليين: ص 10.
(2) نهاية السول: 1 ص 20، أصول الفقه لغير الحنفية: ص 12.
(1/25)

علم الفقه وعلم الخلاف، مثل قوله عليه الصلاة والسلام: "لا وصية لوارث" (1) فهو دليل على نسخ الوصية للوارث.
5 - كيفية الاستفادة منها: أي معرفة ما يميز الدليل الصحيح من الدليل الباطل، والدليل القوي من الدليل الضعيف (2)، وذلك أن أدلة الفقه التفصيلية ظنية من جهة دلالتها على الأحكام الشرعية، أو من جهة ثبوتها عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو من الجهتين معًا، وقد يتعارض الدليل الظني مع دليل آخر فيحتاج الفقيه إلى معرفة تعارض الأدلة، ومعرفة الأسباب التي يرجح بها بعض الأدلة على بعض، وهذا ما يدرسه الأصولي في باب التعارض والترجيح الذي يعين المجتهد، ويستفيد منه لبيان الدليل الصحيح المثبت للأمر أو النهي.
6 - وحالة المستفيد: أي معرفة صفة المستفيد، وهو المجتهد، وذلك أن استنباط الأحكام من أدلتها، وترجيح الدليل على غيره عند التعارض، لا يتسنى لكل إنسان، ولذا يشترط في المجتهد أن تتوفر فيه صفات وشروط كثيرة حتى يستطيع القيام بهذا العمل الخطير، وهي شروط المجتهد، وقد بحثها الأصوليون في باب شرائط الاجتهاد (3)، وأهمها:
__________
(1) رواه الشافعي وأحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه والبيهقي والدارقطني عن جابر، وهو ما تلقته الأمة بالقبول، وأصبح مشهورًا، انظر تخريج هذا الحديث في هامش الرسالة: ص 141.
(2) ذكر الأسنوي في شرح التعريف أن المراد من هذه الجملة كيفية استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة وهذا معنى لازم للتعريف، وقد رجح العلماء المعنى الأول في الأعلى، وهو المرجحات، لعطفها على الدلائل، والعطف يقتضي المغايرة، انظر: نهاية السول: 1 ص 21، وأصول الفقه لغير الحنفية: ص 12.
(3) ذهب الأسنوي رحمه الله إلى أن المراد من عبارة "حال المستفيد" أنها تشمل المجتهد والمقلد، وأن شرائط الاجتهاد والتقليد تدخل في علم الأصول، والصحيح أنه لا يصح إدخال المقلد في الأصول أصلًا، لأن الاستفادة من الدليل هو استنباط الأحكام ومعرفتها وتمييز الصحيح منها، والمقلد قاصر عن القيام بهذا، فلا يدخل =
(1/26)

العلم بكتاب الله تعالى، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والإجماع والقياس، وإتقان اللغة العربية، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، والحقيقة والمجاز، والمطلق والمقيد، وصحيح السنة وسقيمها، ومتواترها وآحادها، ومسندها ومنقطعها، ومعرفة شروط القياس وطرق العلة وغير ذلك.
ونخلص من هذا التعريف إلى أن علم أصول الفقه هو العلم الذي يكسبنا معرفة مصادر التشريع الإسلامي، ويبين لنا الدليل الصحيح المرشد إلى حكم الله تعالى، وسبب ترجيحه على غيره، وكيفية استخراج الأحكام الشرعية من المصادر، ويرشدنا إلى شرائط الاجتهاد، والطريق الذي يسلكه المجتهد في الاستنباط ضمن الحدود الشرعية.

ثانيًا: تعريف الجمهور:
عرف الحنفية والمالكية والحنابلة أصول الفقه بقولهم: "هو العلم بالقواعد الكلية التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية" (1).

شرح التعريف:
1 - القواعد: جمع قاعدة، وتعني قضية كلية يدخل تحتها جزئيات كثيرة (2)، مثل قاعدة "الأمر للوجوب" فإنها قضية كلية يدخل تحتها عدد
__________
= في التعريف، وإنما يبين علماء الأصول نبذة عن التقليد والمقلد، في أثناء كلامهم عن الاجتهاد والمجتهد للمناظرة على سبيل التبعية والاستطراد، أخذًا بقاعدة "وبضدها تتميز الأشياء" وانظر: نهاية السول: 1 ص 21، أصول الفقه لغير الحنفية: ص 18، أدب القضاء، ابن أبي الدم: ص 27.
(1) فواتح الرحموت: 1 ص 14، التلويح على التوضيح: 1 ص 8، ط صبيح، المدخل إلى مذهب أحمد، ابن بدران ص 58، شرح الكوكب المنير: 1 ص 44.
(2) فواتح الرحموت: 1 ص 14، التعريفات: ص 149، كشاف اصطلاحات الفنون: 5 ص 1176.
(1/27)

لا يحصى من الجزئيات كقوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125]، وقوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة: 190].
2 - يتوصل بها إلى استنباط الأحكام: أي إن المجتهد يصل إلى استخراج الأحكام الشرعية بوساطة هذه القواعد، ويستدل بها على اجتهاده، مثل قاعدة "النهي يفيد التحريم" فإنه يتوصل بها إلى بيان حكم الله تعالى من الآية الكريمة: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة 188] بأنه حرام، لأنه منهي عنه.
3 - الشرعية: أي الأحكام التي تتوقف على الشرع؛ فتخرج الأحكام العقلية واللغوية والحسية وغيرها.
4 - العملية: وهي صفة للأحكام التي تقتضي عملًا وفعلا من أفعال المكلفين، سواء كان من عمل القلب، كوجوب النية فيها، أو من عمل اللسان، أو من عمل الجوارح.
وتخرج الأحكام الاعتقادية والأخلاقية، كما تخرج الأحكام النظرية كما مر سابقًا.
5 - من أدلتها التفصيلية: أي الدليل التفصيلي الجزئي على حادثة معينة، مثل آية {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الاسراء: 32] فإنه دليل جزئي على حكم خاص وهو حكم الزنا.
وخلاصة التعريف أن علم أصول الفقه هو العلم بالقواعد والضوابط الكلية التي يستطيع المجتهد بوساطتها أن يعرف الأحكام الشرعية، ويستخرجها من الآيات والأحاديث وغيرها من مصادر التشريع.
(1/28)

المبحث الثالث في موضوع علم أصول الفقه
لكل علم من العلوم موضوع خاص، وهو عبارة عن مجموعة من المسائل الكلية التي يدور فيها البحث عن الأحوال الذاتية.
ويظهر من التعريفات السابقة لأصول الفقه أن موضوعه يتكون من خمسة أجزاء، وهي (1):
1 - مباحث الأدلة التي توصل إلى الأحكام الشرعية، وهي مصادر التشريع الإسلامي الذي يستقي منها المسلم حكم الله تعالى، وهذه الأدلة قسمان: قسم متفق عليه بين أهل السنة والجماعة، وقسم مختلف فيه يعتمد عليه بعض الأئمة دون بعض.
2 - مباحث التعارض والترجيح.
3 - مباحث الاجتهاد، وشروط المجتهد وصفاته.
4 - مباحث الحكم الشرعي سواء أكان اقتضاء أم تخييرًا أم وضعًا.
__________
(1) المستصفى: 1 ص 7، الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي: 1 ص 9، التلويح على التوضيح: 1 ص 8، ط صبيح، إرشاد الفحول: ص 5، غاية الوصول: ص 5، تسهيل الوصول: ص 11، شرح الكوكب المنير: 1 ص 33.
(1/29)

5 - كيفية اقتباس الأحكام من الأدلة، أي وجوه دلالة الأدلة بالصيغة والنظم، أو بالفحوى والمفهوم، أو بالاقتضاء والضرورة، أو بالمعقول وغير ذلك من مباحث الكتاب والسنة التي سندرسها في الدلالات، أو دلالات الألفاظ.
أما موضوع علم الفقه فهو فعل المكلف من حيث ما يثبت له من أحكام شرعية في عباداته وتصرفاته وأخلاقه، وهل هي واجبة عليه أم مندوبة له أم مباحة أم مكروهة أم محرمة.
فالأصولي يبحث في الدليل الكلي والقواعد الكلية، بينما يبحث الفقيه في الأدلة الجزئية والتطبيق في الفروع (1).
وقد تباينت آراء علماء الأصول في تحديد المسائل الأصلية التي يتناولها موضوع أصول الفقه، واختلفوا على أربعة مذاهب:
المذهب الأول: يرى أن موضوع علم أصول الفقه هو الأدلة التي تثبت الأحكام بها، فالموضوع هو الأدلة، وينتج عن دراسة أدلة التشريع، أو يتفرع عنها الحكم الشرعي .. ، وهو رأي الجمهور.
المذهب الثاني: يرى أن موضوع علم أصول الفقه هو الأحكام التي تثبت بالأدلة، فالموضوع هو الأحكام الشرعية، ولكن معرفة الحكم الشرعي يتوقف على معرفة المصادر أو الأدلة، فتكون دراسة الأدلة مقدمة ووسيلة لدراسة الأحكام، وهو رأي بعض الحنفية.
المذهب الثالث: يرى أن موضوعه هو الأدلة والأحكام معًا، وهو رأي صدر الشريعة وغيره من الحنفية.
المذهب الرابع: يرى أن موضوعه الأدلة والمرجحات وصفات المجتهد، وهو رأي بعض الشافعية.
__________
(1) انظر: شرح الكوكب المنير: 1 ص 36.
(1/30)

ونتج عن الاختلاف السابق اختلافهم في ترتيب المباحث الأصولية، فبعضهم يقدم الحكم الشرعي، ثم يتبعه بالأدلة، وبعضهم يبدأ بالأدلة ثم بالأحكام (1).
والواقع أن مباحث الأصول متفق عليها، ولكن الاختلاف في اعتبار أحد الأبواب أصلًا، والآخر تبعًا، أو أن أحدها جوهر والآخر تقديم له، أو أن بعضها يدرس من الناحية الذاتية، والآخر من الناحية العرضية، وهكذا.
ويستمد هذا العلم مادته من علم اللغة، وعلم الفقه، وعلم الكلام، ويستند إلى المنطق والعقل (2).
__________
(1) انظر تفصيل الآراء في كتاب أصول الفقه لغير الحنفية: ص 22 - 26.
(2) انظر: الوصول إلى علم الأصول 1/ 53.
(1/31)

الفصل الثاني في فائدة علم أصول الفقه
إن علم أصول الفقه من أشرف العلوم، وأعظمها قدرًا، وأكثرها نفعًا، ولا تظهر فائدته إلا بعد بيان الغاية منه.
والغاية من علم أصول الفقه هي الوصول إلى معرفة الأحكام الشرعية (1)، أي أحكام الله تعالى في أفعال العباد، سواء أكانت اعتقادًا بالقلب، أم نطقًا باللسان، أم عملًا بالأعضاء، وسواء أكانت في العقيدة أم العبادات، أم المعاملات، أم الأخلاق، أم العقوبات، وذلك ليلتزم المكلف حدود الله تعالى، ويبتغي مرضاته، ويؤدي واجباته، وينتهي عن المحارم، وباختصار ليكون المكلف في المكان الذي أمره الله به، ويتجنب معاصيه وما نهاه عنه.
وبناء على ذلك فإن علم أصول الفقه ليس غاية في ذاته، وإنما هو
__________
(1) الأحكام: الآمدي: 1 ص 9، مختصر ابن الحاجب: ص 3، تسهيل الوصول: ص 20، المقدمة، ابن خلدون: ص 452، طبع المكتبة التجارية بمصر، الوصول إلى علم الأصول 1/ 52.
(1/33)

طريق ووسيلة إلى معرفة حكم الله تعالى في الوقائع، وإن دراسة القواعد والأدلة، ومعرفة طرق الاستنباط ليست مقصودة بذاتها، وإنما تقصد لما وراءها، ولا يجوز بحال من الأحوال أن يغيب ذلك عن ذهن الطالب والعالم والمجتهد الذين يدرسون الأصول ويدركون فائدته وأهميته ومكانته الرفيعة بين العلوم، وأنه لا يقصد منه الحفظ والتلقي، وإنما يقصد منه أن يكون سلاحًا ماضيًا، ومفتاحًا سديدًا في يد الباحث.
وبعد هذه المقدمة نذكر أهم فوائد علم الأصول:
1 - إن علم الأصول يرسم للمجتهد الطريق القويم الموصل إلى استنباط الأحكام، ويضع أمامه منهجًا واضحًا ومستقيمًا في كيفية الاستنباط، فلا ينحرف يمينًا أو يسارًا، ولا يخبط خبط عشواء، ولا يزل به العقل والهوى عند أخذ الأحكام من الأدلة، فيضع عالم الأصول القواعد الكلية لمعرفة كيفية استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة والنصوص (1).
2 - كان علم الأصول الوسيلة الناجحة لحفظ الدين من التحريف
__________
(1) تظهر هذه الفائدة بشكل جلي في السبب الذي دعا الإمام الشافعي رحمه الله تعالى لوضع وتأليف أول كتاب أصولي وهو الرسالة، فقد كان النزاع على أشده بين أهل الرأي وأهل الحديث، وكان أهل الرأي على جانب عقلي بارع، وتفكير جدلي واسع، ومقدرة على المناظرة والجدل، وكانوا يزدرون أهل الحديث ويطعنون فيهم وينتقصون من قدرهم وقيمتهم، وكان أهل الحديث على علم كبير بالرواية وجمع الآثار والتقيد بالمأثور، ويقدمونه على الفكر والعقل، وكانوا يهاجمون أهل أصحاب الرأي ويعيبون عليهم تقديم الرأي، وبرز التعصب للفريقين، واشتد الخلاف بينهم فجاء الشافعي وكتب الرسالة وبين تنظيم الأحكام ورسم منهج البحث والنظر والجدل، وقعد القواعد، وحدد الأدلة والمصادر، ونظم العلاقة بينها، وبيَّن مكان كل منها ومرتبتها، وعين الضوابط التي يجب السير عليها في الاستنباط، فقرب بين الفريقين، وأذعن له المخالف والموافق، وسوف نرى تفصيل ذلك في الفصل القادم إن شاء الله.
(1/34)

والتضليل، فصان أدلة الشريعة، وحفظ حجج الأحكام، وعرف الناس بمصادر التشريع الأصلية التي يجب الالتزام بها والرجوع إليها، كما بيّن المصادر الفرعية والتبعية التي كانت المجال الرحب لاتساع الشريعة، وتلبية حاجات المجتمع والأمة فيما يعتريها من وقائع وأحداث، وكان علم الأصول العقبة الكأداء في وجه المنحرفين والمضللين والمشعوذين الذين حاولوا الدسّ في الأحكام، وتشويه مقاصد التشريع والمراوغة في التضليل والدعوة (1)، كمن ينفي حجية خبر الآحاد، أو ينكر السنة، أو ينفي حجية الإجماع والقياس، ومن يدعي أنه لا دلالة في ألفاظ القرآن على شيء، ومن يدعي أن في القرآن ألفاظًا مبهمة، ومن يتلاعب بالأحكام، وأن الخمر مثلًا ليست محرمة لعدم النص على التحريم بلفظ يحرم.
وقد بيّن علماء الأصول مصادر التشريع وبينوا دلالات الألفاظ وتفسير النصوص، ونصوا على قوة الأدلة القطعية والظنية، والعلاقة بين النص السابق واللاحق في التخصيص والنسخ، كما بينوا لنا طرق الاجتهاد وشروط المجتهد، فكان علم الأصول سلاحًا ذا حدين يعين المخلصين على معرفة أحكام الله، ويرد كيد الكائدين في نحورهم (2).
__________
(1) أصول الفقه لغير الحنفية: ص 28، الوصول إلى علم الأصول: 1/ 53، التمهيد للإسنوي، مقدمته في فوائد علم أصول الفقه.
(2) إن علم أصول الفقه الذي وضع القواعد والأسس للاجتهاد والاستنباط، وحدد الطريق للباحثين، علم فريد في تاريخ الأمم والشرائع القديمة والحديثة، ويحاول الآن بعض علماء القانون مجاراة هذا العلم، وإيجاد مثيل له، تحت عنوان أصول القانون أو طرق التفسير، مع الفارق الكبير بينها وبين أصول الفقه الإسلامي، يقول الدكتور عبد الرزاق السنهوري والدكتور حشمت أَبو ستيت عن الفقهاء المسلمين: قد امتازوا على الرومان وعلى غير الرومان من الأمم التي تفوقت في القانون بوضع علم أقرب ما يكون لعلم أصول القانون، وهو علم أصول الفقه، بحثوا فيه مصادر الشريعة الإسلامية، وكيفية استنباط الأحكام التفصيلية من هذه المصادر، وهذا =
(1/35)

3 - إن علم الأصول يبين للأمة عامة، ولأتباع المجتهد، ودارسي الفقه خاصة، المنهج الذي سلكه الإمام المجتهد، ويرسم أمامهم معالم الطريق الذي سار عليه في الاستنباط والاجتهاد لتطمئن قلوبهم لعلمه، وتزداد ثقتهم بالحكم الذي وصل إليه، وتستقر نفوسهم إلى مسلك الإمام وأساس الاختلاف، وأن المجتهد يقصد وجه الله تعالى ويبغي مرضاته في عمله، دون أن يدفعه لذلك الهوى الجامح، أو المصلحة الشخصية، أو القصد المادي، أو التطلع إلى منصب أو جاه.
وأتباع كل مذهب -وإن لم يصلوا إلى درجة الاجتهاد، ولم ينزلوا إلى درجة العوام- يرغبون بطبيعة الحال في معرفة أساس الاجتهاد عند الأئمة، وكيف وصلوا إلى استنباطها، ولا يتمكنون من ذلك إلا بدراسة علم أصول الفقه، وإن فعلوا ذلك فقد نفوا عن أنفسهم وصمة التقليد الأعمى للإمام.
والعلماء -إن عرفوا مناط الأحكام وسبل الاجتهاد وأساس التشريع- إن ورد أمامهم رأيان استطاعوا أن يختاروا الرأي الأقرب إلى قواعد المذهب، وإن اعترضتهم جزئية صغيرة استطاعوا تخريجها على أصول المجتهد (1).
4 - إن علم أصول الفقه يكوِّن عند الطالب والدارس والباحث ملكة
__________
= العلم يميز الفقه الإسلامي عن أبي فقه آخر. (أصول القانون لهما: ص 11)، وانظر: مصادر التشريع الإسلامي للدكتور محمد أديب صالح: ص 12 - 14، مباحث الحكم للأستاذ محمد سلام مدكور: ص 38، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي، للدكتور وهبة الزحيلي: ص 5، المدخل إلى علم أصول الفقه، الدواليبي ص 8، 10، ولذلك يدرس علم أصول الفقه في كليات الحقوق والقانون.
(1) أصول الفقه: أَبو زهرة: ص 17، تسهيل الوصول: ص 20، مقاصد الشريعة الإسلامية ص 6.
(1/36)

عقلية وفقهية تصحح تفكيره، وتعبد الطريق أمامه للاجتهاد والاستنباط والإدراك الصحيح والفهم التام للحكم على الأشياء، ليكون في المستقبل القريب من علماء الأمة ورجال الغد، وحملة الرسالة السماوية والأمانة الإلهية في التشريع، ويصبح قادرًا على استنباط الأحكام من الأدلة.
5 - يرسم علم أصول الففه الطريق للعلماء، في كل عصر لمعرفة حكم الله تعالى في المسائل المستجدة، والوقائع الحادثة التي لم يرد فيها دليل شرعي، ولم ينص عليها الأئمة في كتبهم، فيخوض العالم غمار هذه الأحداث فيعرف ما يتفق منها مع حكم الله تعالى، وما يحقق شريعته، ويحفظ مقاصده الأصلية، فيبقى التشريع مسايرًا لتطورات الزمن، ولا شك أن الحاجة ملحة للتشريع الدائم، والاجتهاد المستمر، لأن التشريع نفسه وليد الحاجة، وإذا كان من الترف الفكري والعقلي وجود الفقه الافتراضي، فإنه من الخطأ الفادح، والتقصير الآثم جمود الفقه والتشريع عن مجاراة العصر وبيان كل ما يقع فيه من جديد، لأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، ومن ذلك طفل الأنابيب، وموانع الحمل، والتأمين على الحياة، والتعامل مع المصارف، ونقل الأعضاء، وموت الدماغ، والتجارة الدولية، وحوادث السير، ونظام المرور، والاتصالات الحديثة، والأعمال المصرفية، والمواصلات الدولية، وغيرها كثير.
وإن علم أصول الفقه هو الذي يعرفنا على الأحكام الشرعية في كل حادث وطارئ، فقد قال علماء الأصول: إن لكل واقعة حكمًا لله تعالى، وإن كل مجتهد مأجور، وهذا يبين السبب في غلق باب الاجتهاد الذي أوصده العلماء أمام الجهال والدجالين، وأنصاف المتعلمين، خشية أن يتولوا كرسي الاجتهاد، ويدسُّوا في الدِّين ما ليس فيه، فيَضلوا ويُضلوا، كغلق المدرسة إذا لم يتوفر طلاب أو أساتذة،
(1/37)

وغلق معمل إذا لم يتوفر فيه مهندس أو اختصاصي، أو مواد أولية.
وعلى الرغم من القول بقفل باب الاجتهاد في فترة زمنية، فلم تتوقف دراسة أصول الفقه، ولم يَحرم الاطلاع عليه، ولم يُلغ من حلقات الدرس، بل بقي هذا العلم على مر الأزمان والعصور علمًا شرعيًّا يتبوأ الدرجة العليا في الدراسة والتدريس والتأليف، وما ذلك إلا لأن هذا العلم يؤكد صلاحية هذه الشريعة لكل زمان ومكان، ويظهر مرونة التشريع الإسلامي ومسايرته لمصالح الناس، وإن الشريعة الغراء تلبي حاجات المجتمع كيفما كان.
6 - إن علم أصول الفقه يضبط الفروع الفقهية بأصولها، ويجمع المبادئ المشتركة، ويبين أسباب التباين بينها، ويظهر أساس الاختلاف (1).
مثال ذلك القاعدة الأصولية "الأمر للوجوب"، فإنها تشمل جميع النصوص في القرآن الكريم والسنة الشريفة التي جاءت بصيغة الأمر، فإنها تفيد الوجوب، ما لم يوجد قرينة تصرف الأمر عن الوجوب إلى الندب أو الإباحة، وإن القاعدة الأصولية "لا اجتهاد في مورد النص" قاعدة أساسية تعتبر شعار المجتهد والمتبع والمقلد والباحث والمناظر، فحيثما ورد النص في القرآن والسنة فلا مجال لإعمال الرأي والاجتهاد والاستنباط.
7 - إن علم أصول الفقه هو الدعامة الرئيسية والركيزة الأساسية لدراسة المذاهب المختلفة والمقارنة بينها، وخاصة في عصرنا الحاضر الذي شاع فيه البحث المقارن، وانتشرت الدراسات المقارنة لبيان ما يتفق مع الدليل الراجح، وما يوافق مقاصد الشريعة، ويحقق مصالح
__________
(1) كشف الأسرار: 1 ص 12.
(1/38)

الناس، ويؤكد هذه الأهمية أن القوانين والفتاوى والاجتهادات والدراسات تتجه للأخذ من مختلف المذاهب، باعتبار أن الشريعة الإسلامية بمذاهبها المتعددة مصدر للتشريع وأخذ الأحكام، ولم تعد تقتصر على مذهب معين، بل تبحث في المذاهب، وتطوف بين الأدلة والأحكام لاختيار ما يؤيده الدليل القوي، وما يصلح للأمة (1).
ويأتي علم أصول الفقه في قمة الوسائل التي يستخدمها الباحث في المقارنة فيتعرف على الدليل، ومنهج الاستنباط، ومسلك الاجتهاد، ثم يختار الأحكام التي يرجحها على غيرها، ويكون علم أصول الفقه هو المقياس الذي توزن به الآراء عند الاختلاف (2).
8 - إن علم أصول الفقه يعطي الدليل الجازم لعظمة الثروة الفقهية من جهة، ويؤكد للباحث المجرد، والمطلع الحيادي أن أسباب الاختلاف بين الأئمة هي أسباب موضوعية علمية، وليست أسبابًا شخصية أو عشوائية، وهذا ما نفصله في الفصل الرابع من هذا التمهيد إن شاء الله تعالى.
هذه الفوائد -وغيرها كثير- تثبت أهمية أصول الفقه، وضرورة دراسته وتعلمه، والاطلاع عليه، والتزود بقواعده، والتمرس بأسلوبه، والاهتداء به في معرفة تراث الأمة السابق، واستنباط الأحكام للوقائع
__________
(1) أخذت قوانين الأحوال الشخصية في البلاد العربية من مختلف المذاهب، ولم تقتصر على المذهب الحنفي، كما كان سابقًا، وهي الأحكام الوحيدة التي لا تزال مأخوذة من الشريعة الإسلامية في معظم البلاد الإسلامية.
(2) لقد زالت -والحمد لله- العصبية العمياء للمذهب، وانقرضت المذهبية الضيقة، بين العلماء والطلاب والناس، ومن يلتزم بمذهب معين فإنه يأخذ أحكامه بدون تعصب ولا تزمت، مع الاحترام والتقدير للمذاهب الأخرى، وكانت هذه النزعة المذهبية قد استشرت بين العلماء والعوام ووصلت إلى الحد الذي يتنافى مع العقل والشرع معًا.
(1/39)

في الحاضر، وتوضيح الرؤية لمستقبل المسلمين الذين يأملون في تطبيق شريعة ربهم والرجوع إلى كتابهم وسنة رسولهم بمشيئة الله تعالى (1).
__________
(1) إن الفئة الوحيدة التي لا تستفيد من علم أصول الفقه فئة العوام الذين يكتفون بمعرفة الحكم الشرعي لتطبيقه دون أن يحتاجوا لمعرفة دليله وأساسه ومأخذه، (انظر: أصول الفقه، أَبو النور: 1 ص 3، أصول الفقه، الخضري: ص 20، أصول الفقه، خلاف: ص 13، 19، أصول الفقه البرديسي: ص 35، أصول الفقه الإسلامي، شعبان: ص 14، أصول الفقه لغير الحنفية: ص 29، مباحث الكتاب والسنة، للدكتور فوزي فيض الله: ص 7، أبحاث في علم أصول الفقه، للدكتور أحمد الكردي: ص 7، أصول التشريع الإسلامي، علي حسب الله: ص 7، مقدمة ابن خلدون: ص 456).
(1/40)

الفصل الثالث في لمحة تاريخية عن أصول الفقه نشأة علم أصول الفقه وتطوره
إن الدراسة التاريخية تقتضي أن نسير مع سير التاريخ وأحداثه (1)، فنبدأ بإعطاء صورة عن التشريع في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم في زمن الصحابة والتابعين، ثم عن حالة التشريع في زمن الفتوحات الإسلامية، ودخول الناس من جميع الأجناس والأقوام في الإسلام، وظهور مدرستي الرأي والحديث، ثم قيام المذاهب الفقهية، ثم نبين نشأة أصول الفقه، وأول من أرسى أسسه، ثم عن ظهور علم أصول الفقه بشكل مستقل ومدون على يد الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، ونكمل الصورة عن تطور هذا العلم وطرق التأليف فيه، وأهم الكتب والمراجع التي يستحسن الاعتماد عليها (2).
__________
(1) إن الدراسة التاريخية لأي علم من العلوم ذات فوائد كثيرة، ومنافع جمة، منها أنه يكشف عن حقائق هذا العلم، وينسبها لأصحابها، ويعطي كل ذي حق حقه، ويزيل الشبه والافتراءات، والأوهام التي تلحق به، عن قصد أو غير قصد.
(2) انظر في تاريخ علم الأصول والمؤلفات فيه: الفتح المبين في طبقات الأصوليين، للشيخ عبد الله مصطفى المراغي: 1 ص 5 وما بعدها، مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول للتلمساني المالكي، تقديم الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف: =
(1/41)

التشريع في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
الوحي هو مصدر التشريع في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكان جبريل عليه السلام ينزل بالآية والآيتين، والسورة والسوريتن حسب مقتضيات الحاجة التشريعية للأمة الناشئة، وحسب أصول التدرج في التشريع، وحسب المناسبات التي كانت تقتضي معرفة حكم الله تعالى في القضايا.
وكلما دعت الحاجة إلى تثبيت العقيدة أو تهذيب النفس، أو ترسيخ الأخلاق، أو بدء عبادة، كان الوحي ينزل لسد هذه الحاجات في تربية وتوجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام ومن اتصل بهم.
وكذا كان التشريع ينزل بالتدرج في تحريم المحرمات، وفرض الواجبات، وبناء صرح المجتمع الإسلامي بإقامة العلاقات الإسلامية التي تنظم علاقة المسلم بنفسه، وعلاقة المسلم بأخيه المسلم، وعلاقة الأمة الإسلامية بالأمم الكافرة، وعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها.
وكانت تنزل الواقعة بالمسلمين، أو يعرض السؤال على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأتي الوحي مبينًا الحكم في ذلك.
فالتشريع كان معتمدًا على نصوص القرآن الكريم أو على سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، عن طريق الفتوى، أو القضاء في خصومة، أو الجواب عن سؤال، وكان مصدر التشريع هو القرآن والسنة، وكانت العلاقة بينهما أن السنة مبيِّنة للقرآن الكريم، لقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44].
وكانت مجموعة الأحكام الشرعية في القرآن الكريم والسنة الشريفة هي المادة الرئيسية للفقه في معرفة أحكام الله تعالى، وتشتمل في جوهرها على الأسس العامة، والقواعد والمبادئ الأصولية التي ترسم
__________
= صفحة ج، مرجع العلوم الإسلامية، لنا ص 567.
(1/42)

منهج الله للناس (1).

الاجتهاد في زمن الصحابة:
كان الصحابة في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتلقون الأحكام من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن غابوا عن مجلسه، ولم يعلموا حكمًا شرعيًّا في واقعة، اجتهدوا فيها، وسعوا في استنباط الأحكام لها، وقد دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك في حضوره وغيابه، فقال: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد" (2)، وأقر معاذ على الاجتهاد عند عدم النص، كما سيرد بعد قليل، وكان الصحابة سرعان ما يعرضون اجتهادهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كان صوابًا أقره وباركه ودعا لصاحبه، وإن كان خطأ أنكره وبيَّن بطلانه، ولذلك فإن اجتهاد الصحابة في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرجع إلى القسم الأول، فكأن الحكم صادر عن رسول الله بإقراره أو إبطاله أو إلغائه.
روي عن عبد الله بن عمرو أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لعمرو: "اقض بينهما، فقال: أقضي بينهما"، وأنت حاضر يا رسول الله؟ قال: "نعم، على أنك إن أصبت فلك عشرة أجور، وإن اجتهدت فأخطأت فلك أجر" (3).
__________
(1) مقدمة ابن خلدون: ص 453، أصول الفقه، الخضري: ص 3، المدخل إلى علم أصول الفقه، الدواليبي ص 53، الفتح المبين: 1 ص 16.
(2) رواه أصحاب الكتب الستة والحاكم والشافعي وأحمد عن عمرو بن العاص وأبي هريرة، (انظر: صحيح البخاري بحاشية السندي: 4 ص 268، سنن الترمذي: 3 ص 307، سنن النسائي: 8 ص 197، سنن ابن ماجه: 2 ص 776، المستدرك: 4 ص 88، بدائع المنن: 2 ص 231، التلخيص الحبير: 4 ص 180، سبل السلام: 4 ص 160، تخريج أحاديث البزدوي: ص 230).
(3) رواه الحاكم في المستدرك: 4 ص 88، وانظر أصول الفقه، الخضري: ص 410، تخريج أحاديث البزدوي ص 230، مسند أحمد: 2 ص 187، 4 ص 205، وروى =
(1/43)

ولكن هذه الفترة أعطت الصحابة تجربة حية، وملكة ناصعة، فقد عاصروا نزول القرآن الكريم، وعرفوا حكمة التشريع، واطلعوا على أسرار الشريعة، وعرفوا قسطًا من تفسير القرآن الكريم من رسول الله، وأدركوا أسباب نزول الآيات وورود الأحاديث، وصاحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ورشفوا من نوره، وتدربوا على مواجهة القضايا والمشاكل، وتمرنوا على الاجتهاد والاستنباط، ويضاف إلى ذلك الفطرة السليمة والذهن الصافي، والفكر المستقيم، وفصاحة اللسان الذي نزل القرآن به، كل ذلك كان مؤهلًا لهم لاستلام الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتولي الحكم، وتدبير أمور الدولة، ومواكبة شؤون التشريع والاجتهاد.
فإذا نزلت بهم الوقائع، أو طرأت عليهم الأمور في مجال القضاء والفتيا والاجتهاد والتشريع، رجعوا إلى كتاب الله تعالى، فإن وجدوا فيه الحكم أخذوا به ووقفوا عنده، وإن لم يجدوا لجؤوا إلى السنة، وسألوا من يعرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيئًا، فإن وجدوا ضالتهم في السنة التزموا بها، وإن لم يجدوا بحثوا ونظروا واجتهدوا واستنبطوا حكم الله تعالى، معتمدين على المؤهلات العلمية والشخصية التي توفرت فيهم، فإن اتفقوا على أمر كان إجماعًا، وهو المصدر الثالث من مصادر التشريع الإسلامي (1)، وإن لم يتفقوا بقي في حيز الاجتهاد والاستنباط، وهو المصدر التشريعي الرابع الذي عرف بالقياس (2)، وهذا أحد
__________
= الدارقطني مثل هذه القصة عن عقبة بن عامر (سنن الدارقطني: 4/ 203).
(1) انظر ما رواه الدارمي (1/ 58) عن ميمون بن مهران أنه قال ذلك عن أبي بكر رضي الله عنه.
(2) الإحكام في أصول الأحكام، ابن حزم: 6 ص 768 ومقدمة ابن خلدون: ص 453، أصول التشريع الإسلامي، حسب الله: ص 5، أصول الفقه، البرديسي: ص 8، المدخل إلى علم أصول الفقه: ص 54، 64 وما بعدها، الإنصاف في بيان سبب الاختلاف، الدهلوي: ص 19، حجة الله البالغة: 1 ص 296، الفتح المبين: 1 ص 9، 16.
(1/44)

المبادئ الأساسية في أصول الفقه بتحديد مصادر الاجتهاد وترتيبها.
وكانت الملكة اللغوية والتشريعية عند الصحابة، والذوق الرفيع في تفهم معنى الآيات والأحاديث، والفطرة النقية في ترتيب المصادر، وصفاء الخاطر لمعرفة مقاصد الشريعة، وحدة الذهن في إدراك الأهداف والغايات -كان ذلك مرشدًا لهم في تتبع النصوص واستنباط الأحكام منها، والاجتهاد فيما لم يرد فيه نص (1).
وقد وردت آثار كثيرة تؤكد سلامة الفطرة في الاستنباط، وأنهم كانوا يطبقون القواعد الأصولية بجوهرها، وإن لم ينصوا عليها، ويسيرون على منهج واضح في الاجتهاد والقضاء وبيان الأحكام، كما كانوا ينطقون بالفصحى، ويراعون الإعراب، قبل أن يوضع علم النحو والصرف، ونضرب عدة أمثلة على ذلك:
1 - أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معاذ بن جبل إلى اليمن قاضيًا السنة العاشرة للهجرة، وسأله: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ " قال: أقضي بكتاب الله تعالى، قال: "فإن لم تجد في كتاب الله؟ " قال: فبسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله؟ " قال: أجتهد رأي، ولا آلو، أي أقصر، فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسول الله (2) ".
__________
(1) انظر نصًّا طريفًا ودقيقًا لإمام الحرمين في "غياث الأمم ص 292": ويقول ابن مسعود: اسألوني عن كتاب الله، فما من آية إلا وأنا أعرف متى نزلت، وأين نزلت، وكيف نزلت؟ (انظر البخاري 4/ 1912 تخريج أحاديث البزدوي ص 238).
(2) رواه أَبو داود في سننه: 2 ص 272، وانظر: الإحكام في أصول الأحكام، ابن حزم: 6 ص 766، ورواه الترمذي: 4 ص 556، وروى مثله النسائي: 8 ص 308، وانظر: أدب القضاء، لابن أبي الدم: ص 7، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم - عليًّا قاضيًا إلى اليمن، وأرشده إلى المنهج السديد في القضاء، وأرسل عمر رضي الله عنه شريحًا =
(1/45)

وهذه القصة تظهر السليقة السليمة في ترتيب المصادر عند الرجوع إليها، فيقدم القرآن الكريم، ثم السنة، ثم الاجتهاد، وهذا ما قعّده علم الأصول فيما بعد.
2 - أرسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه رسالة إلى أبي موسى الأشعري، يقول فيها: الفهمَ الفهمَ فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، فاعرف الأشباه والأمثال، وقس الأمور عند ذلك، واعمد إلى أقربها إلى الله وأشبهها بالحق (1).
هذا الكلام يؤكد القاعدة الأصولية السابقة في ترتيب الفهم والاجتهاد، وأنه لا يصح الاجتهاد فيما ورد به الكتاب والسنة، وهو ما أرساه علماء الأصول بقولهم: "لا اجتهاد في مورد النص" ويؤكد آخر الكلام القواعد الأصولية في القياس ومعرفة العلة لقياس أمر على آخر، يشترك معه فيها.
3 - عرضت مسألة شاربِ الخمر على الصحابة لمعرفة عقوبة الشارب، فقضى علي رضي الله عنه بثمانين جلدة، قياسًا على عقوبة القذف، وبيَّن وجهة نظره واجتهاده في هذه العقوبة، وقال: إنه إذا شرب هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة (2).
__________
= قاضيًا إلى بعض الولايات، وقال: بم تقضي؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجمع الناس، وأتحدث إليهم، وأبحث الأمر معهم، ولا آخذ بمفردي برأيي. انظر تاريخ القضاء في الإسلام، لنا ص 64، 111، 157.
(1) انظر سنن الدارقطني: ص 512، أعلام الموقعين 1 ص 19 وما بعدها، وقد شرحها ابن قيم الجوزية شرحًا مطولًا.
(2) رواه الدارقطني ومالك والشافعي (نيل الأوطار: 7 ص 152، الموطأ: ص 526، بدائع المنن: 2 ص 304).
(1/46)

فقد بنى الإمام علي رضي الله عنه اجتهاده على مبدأ أصولي هو سد الذرائع، فاعتبر شرب الخمر وسيلة وذريعة إلى القذف (1) وكل ما أدى إلى الحرام فهو حرام، وأعطاه نفس الحكم الثابت في القرآن الكريم للقاذف: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4].
4 - أراد الصحابة أن يعرفوا عدة الحامل المتوفى عنها زوجها فاختلفوا في ذلك لقوله تعالى في سورة الطلاق: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4)} [الطلاق: 4]، فالنص واضح في بيان عدة الحامل وأنها تنتهي بوضع الحمل، ولو بعد أُسبوع، والنص عام يشمل الحامل المطلقة، والحامل المتوفى عنها زوجها، وهذا يتعارض في ظاهره مع قوله تعالى في سورة البقرة: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234]، فهذه الآية تبين أن عدة المتوفى عنها زوجها سواء أكانت حاملًا أم غير حامل، أربعة أشهر وعشر، فاختلف الصحابة، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إن عدة الحامل المتوفى عنها زوجها أن تضع الحمل، أخذًا بالآية الأولى، واستند رضي الله عنه لتأييد رأيه بقوله: أشهد أن سورة النساء الصغرى (الطلاق)، نزلت بعد سورة النساء الكبرى (البقرة)، أي إن النص المتأخر ينسخ، أو يخصص النص المتقدم، وهو مبدأ أصولي مسلم به، بينه علماء الأصول فيما بعد (2).
__________
(1) مباحث الحكم، مدكور: ص 42، أصول الفقه أَبو زهرة: ص 11، أصول الفقه، البرديسي: ص 7، قارن نيل الأوطار للشوكاني: 7 ص 154.
(2) أخذ جماهير العلماء بمذهب ابن مسعود في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها، وأخذ به قانون الأحوال الشخصية السوري بالمادة 123، وخالف الإمام علي وابن عباس وغيرهما في ذلك، وقال ابن مسعود: من شاء لاعنته، لأُنزلت سورة النساء =
(1/47)

وسار الأمر على هذا المنوال في التابعين الذين نهجوا طريق الصحابة، وتتبعوا خطاهم، وتتلمذوا على أيديهم، واستمر اجتهاد التابعين يغطي حاجات المجتمع الكثيرة المتجددة، وتبلورت فيه بعض المبادئ الأصولية الجديدة، فكان سعيد بن المسيب مثلًا يراعي المصلحة في الاستنباط عند فقد النص، بينما كان إبراهيم النخعي يعتمد على القياس، فيستخرج العلة في المسألة التي ورد فيها نص، ويطبقها على الفروع، وينقل حكم النص إلى حكم الفروع (1)، وكان مجاهد رحمه الله تعالى يعتمد على الرأي، ويطلق عنان العقل في البحث والاجتهاد، وفي تفسير القرآن.

التشريع في زمن الفتوحات:
بدأت الفتوحات خارج الجزيرة العربية في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، واستمرت في اتساعها في عهد عثمان وعلي، ثم في
__________
= القصرى بعد الأربعة أشهر وعشر، (انظر سنن أبي داود: 2 ص 536، مغني المحتاج: 3 ص 388، الرسالة: ص 573، فتح القدير: 3 ص 275، المغني، ابن قدامة: 8 ص 117، شرح قانون الأحوال الشخصية، لأستاذنا المرحوم الدكتور مصطفى السباعي: 1 ص 275، أصول الفقه، أَبو زهرة: ص 11، أصول الفقه، البرديسي: ص 7، سنن ابن ماجه: 1 ص 654).
قال ابن عباس لعثمان: أين تجد الاثنين جماعة في لسان قومك، فالأخوان في لسان قومك ليسا بإخوة (وذلك في حجب الأم من الثلث إلى السدس لوجود أخوين فقط) فقال عثمان رضي الله عنه: "لا أستطيع أن أنقض ما كان قبلي، ومضى في البلدان، وتوارث به الناس" وهو التزام الإجماع السابق، انظر المحلى لابن حزم: 9/ 258، الفرائض والمواريث والوصايا، لنا ص 112.
(1) مباحث الحكم: ص 43، مصادر التشريع الإسلامي: ص 26، أصول الفقه، خلاف: ص 16، أصول الفقه الإسلامي، شعبان: ص 15، المدخل إلى علم أصول الفقه: ص 85 وما بعدها، الإنصاف في بيان سبب الاختلاف، الدهلوي: ص 10 وما بعدها.
(1/48)

عهد معاوية وبني أمية وبني العباس، وسارت شرقًا حتى الصين، وغربًا حتى جنوب فرنسا، وذلك خلال القرنين الأول والثاني من الهجرة.
ودخل الناس في دين الله أفواجًا، ولبى نداءَ الله شعوبُ الأرض في هذه البلاد، وانخرط في سلك الدعوة غير العرب من جميع الأجناس واللغات من كل حدب وصوب، فاختلط العرب بغيرهم، وضعفت اللغة العربية في ربوع الدولة الإسلامية، وتسربت العجمة إلى مجالس العلم والعلماء، ولم ينحصر العلم باللغة العربية، بل لم تبق الفصحى لغة التخاطب والكتابة، وبرز من غير العرب أئمة وعلماء، لا يدخلون تحت الحصر، ولم يعد الاجتهاد ميسورًا وسهلًا كما كان في زمن الصحابة والتابعين، واستجدت قضايا ومشاكل ونظريات وحركة عمرانية، وتفتح العقل على أمور لم يرد عليها نص في القرآن الكريم ولا في السنة، ولم يترك الصحابة والتابعون فيها رأيًا، فاتسع الاجتهاد، وفتح الباب على مصراعيه، وأدلى كل عالم بدلوه، وقام بواجبه في استنباط الأحكام الشرعية لكل جديد، وشرع الناس أيضًا بتدوين الأحكام مع تدوين السنة، وظهرت في هذا العصر أيضًا الفرق المختلفة، كالروافض (1) والخوارج والشيعة والمعتزلة، فأدى ذلك إلى الاختلاف الواسع في الاجتهاد، وتأثر كل فريق من العلماء بما وصل إليه من تراث السلف رواية ودراية، وبرز إلى الوجود أئمة أعلام، يتميزون بالكفاءات العلمية والملكات الفريدة.
وكان من نتيجة ذلك أن تميزت مناهج العلماء والأئمة، واصطبغت الأحكام بالصبغة العلمية بذكر الأدلة والحجج والعلل والأصول العامة،
__________
(1) الروافض هم الذين كانوا مع زيد بن علي بن الحسين بن علي رحمهم الله تعالى، ثم تركوه لما رفض أن يتبرأ من الشيخين، وقال لهم: "كانا وزيري جدي" ثم أصبح هذ اللقب لكل من غلا من الشيعة (الوصول إلى الأصول 1/ 52 هامش).
(1/49)

وانقسم العلماء إلى مدرستين:
الأولى: مدرسة الحديث، ومقرها الحجاز في مكة والمدينة، وتعتمد على الرواية والأثر، وشاع بين أهلها بعض الركود والكسل والعجز عن الجدل والنظر، ووقع بهم الارتباك عند نزول الوقائع الجديدة بهم، وظهر عليهم الضعف في الرد على الخصوم، أو الانتصار لطريقتهم.
والمدرسة الثانية: مدرسة الرأي، ومركزها العراق في الكوفة والبصرة، وتعتمد على الاجتهاد والعقل والفكر والاستنباط، وكانت تفتقر إلى الحديث، وتشدد في التثبت من الرواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لشيوع الزندقة في العراق، وانتشار الوضع في الحديث والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاعتمدوا على النصوص لاستخراج الأحكام، ثم نشطوا في النظر والبحث، ومهروا في القياس، وقدموه في بعض الأحيان على الحديث، وردوا الخبر إذا كان في واقعة تعم بها البلوى.
وبدأ النقاش العلمي بين المدرستين، وعقدت المناظرات، واشتد الجدل على قدم وساق، وطعن كل منهما بالآخر، وعاب طريقته، وتشكك أن فيما وصل إليه من أحكام، وكان كل إمام أو مجتهد أو مناظر يحاول أن يدعم رأيه بالأدلة والبراهين العلمية والعقلية (1).
وشعر العلماء حينئذ بالحاجة الماسة لوجود ضوابط في الاستنباط يعتمدون عليها، ومنهاج للتفكير يبنون عليه، وشروط للاجتهاد والاستدلال، وقواعد لأساليب البيان العربي الذي وردت النصوص به، فجادت قرائح الأئمة والعلماء بمجموعة من ضوابط الاستنباط وشروط
__________
(1) أصول الفقه لغير الحنفية: ص 29، المختارات الفتحية في تاريخ التشريع وأصول الفقه، أحمد أَبو الفتوح: ص 93، مصادر التشريع الإسلامي: ص 30، المدخل إلى علم أصول الفقه: ص 93، وما بعدها، أصول التشريع الإسلامي: ص 5، الملل والنحل: 1/ 206.
(1/50)

الاجتهاد وقواعد البيان والفهم والاستدلال، ومنهاج للتفكير، وهي في مجموعها براعم أصول الفقه.
وصار كل مجتهد يشير إلى دليل الحكم، ووجه الاستدلال به، ويحتج على مخالفه بوجوه من الحجج، فكان الإمام أبو حنيفة، رحمه الله، يصرح باعتماده على الكتاب فالسنة ففتاوى الصحابة إذا أجمعوا، فإن اختلفوا تخير من آرائهم، ولا يخرج عنهم، ولا يأخذ برأي التابعين لأنهم رجال مثله، ويحدد منهجه في القياس والاستحسان، فكان أصحابه ينازعونه بالقياس، فإن قال: أستحسن، لم يلحق به أحد (1)، ثم يقول: علمُنا هذا رأي، فمن جاء بأفضل منه تركناه، وقال الشافعي في عدم وقوع الطلاق في عدة طلاق الخلع، وقال: "حجتي فيه من القرآن والأثر والإجماع" (2).
وكان الإمام مالك يتبع منهجًا أصوليًّا واضحًا باعتماده على الكتاب والسنة، واحتجاجه بعمل أهل المدينة، وتقديمه على خبر الآحاد، وغير ذلك من القواعد والمبادئ التي نظمها علم الأصول ونص عليها (3).
قال الشيخ أبو زهرة: نشأ علم أصول الفقه مع علم الفقه، وإن كان الفقه قد دُوِّن قبله، لأنه حيث يكون الفقه يكون حتمًا منهاج للاستنباط، وحيث كان المنهاج يكون حتمًا لا محالة أصول الفقه (4).
ولكن هذه المبادئ وتلك القواعد كانت متناثرة هنا وهناك، وتختلف من عالم إلى آخر، ومن مدرسة إلى أخرى، ولا ينتظمها
__________
(1) مباحث الحكم: ص 45، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 12، علم أصول الفقه، خلاف: ص 107.
(2) الأم 5/ 123 طبع دار الفكر بدمشق.
(3) أصول الفقه، أبو زهرة: ص 12، حجة الله البالغة: 1 ص 307.
(4) أصول الفقه، أبو زهرة: ص 10.
(1/51)

سلك، ولا يحوطها سور، ولا تشكل علمًا مستقلًا إلى أن جاء الإمام الشافعي فجمع شتاته، ودوَّن قواعده وأحكامه، وصنف أول كتاب في علم أصول الفقه، وهو الرسالة (1).

الشافعي وتدوين أصول الفقه:
الشافعي: هو أبو عبد الله، محمد بن إدريس، الشافعي القرشي، يلتقي نسبه مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عبد مناف باتفاق المؤرخين (2)، ولد
__________
(1) يذكر ابن النديم في الفهرست أن أول من دون علم أصول الفقه في سفر مستقل هو الإمام أبو يوسف صاحب أبي حنيفة، وهذا الكلام ليس له دليل علمي، وإنما أثبتت الأدلة التاريخية والواقعية عكسه، وأن ابن خلدون وغيره أكدوا أن الشافعي هو أول من دون علم أصول الفقه، فإن أراد ابن النديم من كلامه وجود ضوابط ومبادئ ومناهج أصولية في مذهب الإمام أبي حنيفة وفي كلام أبي يوسف، فهذا لا يخالفه فيه أحد، فإن الأئمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم لم ينطلقوا في اجتهادهم من هوى، أما إن أراد التعصب المذهبي فهذا غير مقبول، والواقع أن عبارة ابن النديم لا تدل على المعنى الذي ينقله عنه علماء الأصول، والعبارة لا توحي بأن للصاحبين كتابًا في أصول الفقه، وإنما يعدد -عند ترجمة الإمام أبي يوسف والإمام محمد- الكتب فيقول: ولأبي يوسف من الكتب في الأصول والأمالي: كتاب الصلاة، كتاب الزكاة، كتاب المناسك، الفهرست: ص 203، 204 تصوير مكتبة الخياط، وتدعي الشيعة الأمامية أن أول من دون أصول الفقه هو الإمام محمد الباقر، ولكن لم يصل إلينا شيء من ذلك، ولم يوجد سند تاريخي يؤيد هذا الادعاء، وإن أريد أن الإمام محمد الباقر وابنه الإمام جعفر الصادق أمليا على أصحابهما قواعده، ثم جاء المتأخرون فجمعوا مسائله، فهذا لا نزاع فيه، والله أعلم، (انظر: أصول الفقه، أبو زهرة: ص 14، مباحث الحكم، مدكور: ص 45، أصول الفقه، خلاف: ص 16، أصول الفقه، البرديسي: 9، 11، تاريخ التشريع الإسلامي، الخضري: ص 186)، وانظر: الشافعي، محمد أبو زهرة: ص 328، مفتاح الوصول: صفحة ج، الفتح المبين: 1 ص 89، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أول من جرد الكلام في أصول الفقه من الأئمة الشافعي "مجموع الفتاوى 10/ 88، 19/ 178، 20/ 403.
(2) هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبد الله بن عبد =
(1/52)

بغزة سنة 150 ه، ثم انتقلت به أمه إلى مكة وعمره سنتان، وتوفي في فسطاط مصر، سنة 204 ه، وقد تميزت حياة الإمام الشافعي بعدة أمور جعلته أهلًا لكتابة علم أصول الفقه وتدوينه، وهي:
1 - نشأ الإمام الشافعي في مكة المكرمة، وترعرع بجوار الكعبة المشرفة، وحفظ القرآن الكريم، وهو ابن سبع سنين، وأخذ تفسير القرآن الكريم عن علماء مكة الذين ورثوه عن ترجمان القرآن ومفسره: عبد الله بن عباس رضي الله عنه، عن طريق ابن جريج ومجاهد رحمهما الله، وقد اشتهرت مكة بهذا، وكانت مجمع العلماء من جميع الأقاليم، فأخذ الفقه والعلوم الشرعية عن جلة علمائها، وأذنوا له بالإفتاء، وهو ابن خمس عشرة سنة، قال له مسلم بن خالد الزنجي أحد علماء مكة: أَفْتِ يا أبا عبد الله، فقد -والله- آن لك أن تفتي، وهو ابن خمس عشرة سنة (1).
فجمع في مكة بين حفظ القرآن وتفسيره وعلومه وبين الفقه والأحكام.
2 - رحل الإمام الشافعي إلى المدينة المنورة، وقصد الإمام مالكًا، وأخذ عنه الموطأ مشافهة، بعد أن حفظه في مكة وهو ابن عشر سنين، ولازم الإمام مالكًا حوالي تسع سنوات متقطعة، وكان يتفقه عليه ويدارسه في كل مسألة يُستفتى فيها، ويراجعه فيما يحتاج إلى
__________
= يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، وكان السائب بن عبد الله صحابيًّا، ونسب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو محمد بن عبد الله بن المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي .. (انظر مناقب الشافعي، لأبي بكر البيهقي: 1 ص 76، سيرة ابن هشام: 1 ص 1، الشافعي، للشيخ محمد أبو زهرة: ص 14، الإمام الشافعي، عبد الحليم الجندي: ص 37، مناقب الشافعي، الرازي: ص 3).
(1) مناقب الشافعي، البيهقي: 1 ص 338، مناقب الشافعي، الرازي: ص 8، 9.
(1/53)

المراجعة، واتصل بجميع علماء المدينة، وأخذ عنهم، واستفاد مما عندهم.
فأخذ من المدينة السُّنَّةَ وما يتعلق بها، وما أخرجته من علم، وأتقن علوم الحديث، فدافع عن السنة، وبيَّن مكانتها من القرآن الكريم، وردَّ شبه المنحرين عنها حتى لقب بناصر السنة، أو ناصر الحديث (1).
3 - خرج الإمام الشافعي من مكة إلى البادية، ولزم هذيلًا (2)، يتعلم كلامها، ويأخذ اللغة عنها، وكانت أفصح العرب، فاستفاد منها -مع كونه عربيًّا وقرشيًّا- المعرفة الواسعة باللغة والشعر، حتى أصبح الإمام الشافعي حجة في اللغة، ونقل عن الأصمعي شعر الهذليين كاملًا وشعر الشنفرى (3)، واكتسب الشافعي فصاحة اللسان، وجودة النطق، وأخذ اللغة العربية من ينابيعها، وفهم أسرارها، وأدرك مرامي ألفاظها وعباراتها وأسلوبها، فساعده ذلك على تفهم معاني القرآن والسنة، وأفاده قوة في التعبير، ورصانة في الأسلوب (4).
4 - سافر الإمام الشافعي في سبيل طلب العلم إلى العراق، وأخذ عن
__________
(1) مناقب الشافعي، الرازي: ص 7، 10، الإمام الشافعي، الجندي: ص 91، محاضرات أستاذنا الشيخ جاد الرب في دبلوم الفقه المقارن عن الإمام الشافعي: ص 7، الشافعي، أبو زهرة: ص 143، الرسالة ص 6.
(2) هذيل قبيلة من القبائل العربية التي أعرقت في الشعر، والنسبة لها هُذَلي، وهذيل رجل من مضر.
(3) قال الأصمعي: صححت أشعار هذيل على فتى من قريش يقال له محمد بن إدريس، انظر مناقب الشافعي، البيهقي: 2 ص 44، 47، الإمام الشافعي، الجندي: ص 47، 70، محاضرات جاد الرب: ص 13.
(4) قال الجاحظ: نظرت في كتب هؤلاء النبغة، الذين نبغوا في العلم، فلم أر أحسن تأليفًا من المطلبي، لسانه ينشر الدر، (انظر الإمام الشافعي، الجندي ص 70، مناقب الشافعي: 2 ص 51، مغيث الخلق في بيان الأحق، الجويني: ص 34)، ونقل عنه صاحب القاموس المحيط كلمة "النذارة" بمعنى الإنذار.
(1/54)

الإمام محمد بن الحسن فقه العراقيين (1)، وكان -سابقًا- قد أخذ الحديث والتفسير عن الإمام مالك وعلماء المدينة، فجمع بين علم الحجاز وعلم العراق، وكان فقهه يجمع بين علم أهل الحديث وعلم أهل الرأي، وجمع بين علم العقل وعلم النقل.
وقال ابن حجر رحمه الله: انتهت رياسة الفقه في المدينة إلى مالك بن أنس، فرحل إليه ولازمه وأخذ عنه، وانتهت رئاسة الفقه بالعراق إلى أبي حنيفة فأخذ عن صاحبه محمد بن الحسن حملًا ليس فيه شيء إلا وقد سمعه عليه، فاجتمع علم أهل الرأي وعلم أهل الحديث، فتصرف في ذلك حتى أصَّل الأصول، وقعّد القواعد، وأذعن له الموافق والمخالف، واشتهر أمره، وعلا ذكره، وارتفع قدره حتى صار منه ما صار (2).
وأتاحت له هذه الدراسة أن يقف على فقه أهل الرأي ومناهجهم في الاستدلال والاستنباط، كما كان واقفًا على مناهج أهل الحديث وفقههم، ثم اتخذ مذهبًا مغايرًا لهما، بين الجمع والترجيح، وبين الاجتهاد الشخصي، فأصبح نسيج وحده (3).
5 - وأخيرًا فقد درس الإمام الشافعي علم الجدل والمناظرة والمنطق،
__________
(1) يقول الشافعي: لقد حملت عن محمد بن الحسن وقر بعير، ليس فيه إلا سماعي منه، ويقول أيضًا: ما أحد في الرأي إلا وهو عيال على أهل العراق، ويقول: الناس عيال على أهل العراق في الفقه، (مناقب الشافعي: 1 ص 162 وما بعدها)، وقال عبد الملك بن هشام: الشافعي بصير باللغة، يؤخذ عنه، ولسانه لغة، فاكتبوه، وقالوا: إن لغة الشافعي وحدها يحتج بها، وقال الزعفراني: ما رأيت الشافعي لحن قط (تهذيب التهذيب: 9/ 27).
(2) الشافعي، أبو زهرة: ص 18، وهذا مأخوذ من كلام ابن أبي الجارود المكي (انظر: الرسالة ص 7).
(3) محاضرات جاد الرب: ص 70.
(1/55)

وأصبح مناظرًا من الطراز الأول، فيجادل أهل العراق لإلمامه بالقرآن والسنة وبلاغتهما، ويناظر أهل الحجاز لإدراكه الحِكَم الشرعية والعلل القياسية، ولم يناظر أحدًا إلا وظهر عليه (1)، وكان يستفيد من موسم الحج في أثناء إقامته في مكة وقدومه عليها، ليجتمع مع كبار العلماء المسلمين في العقيدة والحديث والفقه واللغة، فيأخذ منهم، ويأخذون منه، ويجادلهم ويناظرهم، فاجتمع فيه رجاحة العقل، وسعة الاطلاع، وفصاحة اللسان، وقوة البيان، ورصانة الأسلوب، وصدق فيه حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "قَدِّموا قريشًا ولا تَقَدَّموها، وتعلموا منها ولا تعالموها" (2)، ويضاف إلى ذلك التقوى والورع، قال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 282] (3).
قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: الشافعي فيلسوف في أربعة أشياء: في اللغة، واختلاف الناس، والمعاني، والفقه (4).
هذه الصفات والخصائص السابقة التي امتاز بها الإمام الشافعي رحمه الله، مع ما فطره الله تعالى عليه من رصانة العقل، وقوة الحفظ، وجودة الذاكرة، وصفاء القريحة، وشدة الذكاء، جعلته مؤهلًا لكتابة
__________
(1) كان الإمام الشافعي يبتغي من مناظراته الوصول إلى الحق، وكان يقول: ما جادلت أحدًا إلا ورجوت أن يكون الحق معه، ويقول: رجوت أن يأخذ الناس عني هذا العلم على ألَّا ينسب إلي منه شيء .. ، (مناقب الشافعي:1 ص 173 وما بعدها).
وانظر مقدمة ابن خلدون: ص 457 في موضوع علم الجدل والمناظرة.
(2) رواه الطبراني والشافعي والديلمي، وانظر ما ورد في فضل قريش في كتاب (مناقب الشافعي، للبيهقي: 1 ص 16 وما بعدها).
(3) قال الإمام مالك للشافعي عندما جاءه فتى يطلب العلم: "يا فتى إني أرى الله قد ملأ قلبك نورًا فلا تطفئه بظلمة المعصية" ويقول الشافعي رحمه الله:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور ... ونور الله لا يهدى لعاصي
(4) مناقب الشافعي، البيهقي: 2 ص 41، مناقب الشافعي. الرازي: ص 20.
(1/56)

علم الأصول، وتدوين قواعده، ووضع ضوابط الاجتهاد، فأصَّل الأصول، وقعَّد القواعد، ليعصم أهل الاجتهاد والخلاف والمناظرة من الخطأ والانحراف في الاستنباط، ويضع بين أيديهم الموازين لبيان الخطأ من الصواب، فكان بحق أول من وضع علم الأصول (1).
قال أبو ثور رحمه الله: لولا أن الله تعالى منَّ عليَّ بالشافعي للقيت الله تعالى، وأنا ضال، ولما قدم علينا ودخلنا عليه كان يقول: إن الله تعالى قد يذكر العام، ويريد به الخاص، وقد يذكر الخاص، ويريد به العام، وكنا لا نعرف هذه الأشياء، فسألناه عنها ... فعلمنا أن كلامه ليس على نهج كلام غيره (2).
ويقول الإمام أحمد بن حنبل: ما كنت أعرف قبل الشافعي ناسخًا ولا منسوخًا (3).

كتب الإمام الشافعي في الأصول:
صنف الإمام الشافعي عدة كتب في الأصول وهي:
1 - الرسالة: وهي أكبر الكتب وأهمها وأشهرها، وقد كتب الإمام الشافعي رحمه الله فصول الرسالة في مكة المكرمة بعد تجواله في الأقطار، وعندما قدم بغداد في المرة الثانية طلب منه الفقيه الحافظ عبد الرحمن بن المهدي (4) أن يضع كتابًا في معاني القرآن والسنة والناسخ
__________
(1) انظر وصف شخصية الشافعي في كتاب الشيخ محمد أبو زهرة، الشافعي: ص 35، وكتاب مناقب الشافعي، للبيهقي.
(2) محاضرات الشيخ جاد الرب: ص 73، مناقب الشافعي، الرازي: ص 20.
(3) المرجع السابق: ص 1، وانظر مباحث الحكم: ص 46، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 13.
(4) عبد الرحمن بن مهدي، الحافظ الإمام، ولد سنة 135 ه، ومات سنة 198 ه، قال الشافعي: لا أعرف له نظيرًا في الدنيا. (الرسالة: ص 11 هامش).
(1/57)

والمنسوخ وحجية الإجماع، وأجاب الشافعي لذلك، وكتب له الرسالة، ولما استقر في مصر أعادها، وأملاها على الربيع بن سليمان، وجعلها مقدمة لكتابه الأم (1).
واستهل الإمام الشافعي الرسالة بموضوع البيان (ص 21)، فعرفه وبيَّن أنواعه، وهي: بيان القرآن للقرآن، وبيان السنة للقرآن، وبيان الأحكام بالاجتهاد والقياس، وانتقل رحمه الله تعالى إلى مباحث القرآن والسنة (ص 53) فبين أن بعض نصوص القرآن الكريم عام يراد به العموم، وبعضها عام يدخله الخصوص، وبعضها عام من حيث الظاهر وهو يجمع العام والخاص، وبعضها عام من حيث الظاهر والمراد منه الخاص، وبين المشترك والمجمل والمفصل، ثم أسهب الكلام عن أكثر الموضوعات أهمية منذ عصره حتى اليوم، وهو حجية السنة ووجوب اتباعها (ص 73)، وأن ذلك فرض بنصوص القرآن الكريم، وبيَّن مكانة السنة في التشريع، ومراتب السنة بالنسبة للقرآن الكريم ودرجتها بعد القرآن الكريم، وتطرق بشكل خاص إلى حجية خبر الواحد في إثبات الأحكام الشرعية، ثم تكلم رحمه الله عن الناسخ والمنسوخ (ص 106)، ثم استعرض مصادر التشريع (ص 471)، فبيَّن حقيقة الإجماع وحجيته، ووضع الضوابط للقياس، وتعرض لرد الاستحسان (2).
__________
(1) انظر مقدمة الرسالة، تحقيق محمد أحمد شاكر: ص 1، الإمام الشافعي، الجندي: ص 273، أصول الفقه لغير الحنفية: ص 30، مناقب الشافعي، البيهقي: 1 ص 230، 2 ص 244، مناقب الشافعي، الرازي: ص 55، 57، الفتح المبين: 1 ص 127.
وكان الإمام الشافعي رحمه الله يسمي الرسالة "الكتاب" أو "كتابي"، وسميت الرسالة في عصره لأنه أرسلها إلى عبد الرحمن بن مهدي، فغلبت هذه التسمية على الكتاب، انظر: الرسالة ص 12.
(2) تاريخ التشريع الإسلامي، الخضري: ص 186، مناقب الشافعي، الرازي: ص 57 وما بعدها.
(1/58)

كانت الرسالة المحجة للمخالفين، والموئل للمتنازعين، فوحَّدت شملهم، وخففت من أثر الخلاف بينهم، وساروا على نهج الرسالة في أعمالهم.
قال عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله: لما نظرت الرسالة للشافعي أذهلتني، لأنني رأيت كلام رجل فصيح ناصح، فإني لأكثر الدعاء له (1).
وكانت الرسالة أول كتاب أصولي، فلم تشتمل على جميع بحوث الأصول، شأن كل عمل جديد، يكون في الغالب غير منظم ولا مستوفى، وقد وصلت إلينا الرسالة كاملة، وطبعت عدة طبعات (2).
قال ابن خلدون رحمه الله: وكان أول من كتب فيه الشافعي رضي الله عنه، فأملى فيه رسالته المشهورة، تكلم فيها في الأوامر والنواهي، والبيان والخبر والنسخ وحكم العلة المنصوصة من القياس (3).
وقال الرازي رحمه الله: أعلم أن نسبة الشافعي إلى علم الأصول
__________
(1) الرسالة: ص 1.
(2) شرح الرسالة الإمام أبو بكر الصيرفي، محمد بن عبد الله، المتوفى سنة 330 ه، وأبو الوليد النيسابوري، حسان بن محمد، المتوفى سنة 349 ه، والقفال الشاشي الكبير، محمد بن علي بن إسماعيل، المتوفى سنة 365 ه، وأبو بكر الجوزقي، محمد بن عبد الله الشيباني النيسابوري، المتوفى سنة 388 ه، والجويني أبو محمد، عبد الله بن يوسف والد إمام الحرمين، المتوفى سنة 438 ه، وغيرهم، (انظر كشف الظنون: 1 ص 555 وما بعدها).
وقد طبعت الرسالة مع كتاب الأم، وطبعت طبعة مستقلة عدة مرات، وأهم طبعة كانت بتحقيق العلامة المرحوم أحمد شاكر، فقد أخرجها بحلة قشيبة مقرونة بتحقيق الأحاديث والموضوعات الأصولية، فجزاه الله خيرًا، وبعد نفاد هذه الطبعة تطاول شخص آخر اسمه: سيد كيلاني، فاقتبس بعض تحقيقات موجزة من تحقيق أحمد شاكر، ونسبها لنفسه، وطبع الرسالة بشكل ممسوخ تقشعر له الأبدان.
(3) مقدمة ابن خلدون: ص 455.
(1/59)

كنسبة أرسطو إلى علم المنطق، وكنسبة الخليل بن أحمد إلى علم العروض (1).
2 - كتاب جماع العلم: وقد كتبه الشافعي لإثبات حجية خبر الآحاد، ووجوب العمل به، والرد على من أنكره، وقد أفرده لأهميته وشدة الاختلاف فيه (2).
3 - كتاب إبطال الاستحسان: بيَّن فيه الإمام الشافعي معنى الاستحسان، ورد على القائلين به، وأن الواجب اتباع ما شرع الله تعالى، وأن الاستحسان احتكام للعقل والهوى والشهوة، وقال: من استحسن فقد شرَّع (3).
4 - كتاب اختلاف الحديث الذي وضعه للجمع بين الأحاديث التي يبدو عليها التعارض، وهو أول كتاب من نوعه في هذا الموضوع (4).
5 - كتاب أحكام القرآن، وهو في أصول الفقه، وكذا كتاب القياس للشافعي (5).
وقد وضع الإمام الشافعي علم الأصول ليكون ميزانًا وضابطًا لمعرفة الخطأ من الصواب في الاجتهاد، والصحيح من غير الصحيح من الآراء، وأن يكون قانونًا يلتزم به المجتهد عند الاستنباط، ويقيس به الأمور، ويوزن فيه أحكام غيره، وقد طبق الإمام الشافعي -رحمه الله
__________
(1) مناقب الشافعي، له: ص 56.
(2) هذا الكتاب مطبوع مع كتاب الأم، الجزء السابع ص 250، كما أفرده أحمد شاكر بالنشر، ثم حققه الأستاذ محمد أحمد عبد العزيز، ونشرته دار الكتب العلمية، بيروت- 1405 ه / 1984 م.
(3) هذا الكتاب مطبوع أيضًا مع كتاب الأم: ص 267 - 277.
(4) هذا الكتاب مطبوع على هامش الجزء السابع من كتاب الأم.
(5) انظر مقدمة الرسالة: ص 13.
(1/60)

تعالى- هذه القواعد والضوابط والموازين والقوانين في مناقشة آراء الأئمة والفقهاء، فكتب كتابًا في اختلاف الإمام مالك، وكتابًا في اختلاف محمد بن الحسن وأهل الرأي، وكتابًا في الرد على سير الأوزاعي ورد الإمام أبي يوسف عليه (1)، كما التزم الإمام الشافعي في مذهبه بهذه القواعد والضوابط والموازين، وقيد نفسه بها، وسار عليها، فكانت الرسالة هي أصول المذهب الشافعي، وكانت أصولًا نظرية وعملية في أن واحد، ولم تكن دفاعًا أو دليلًا وتسويغًا لفروعه الفقهية (2).
وكانت الرسالة المنارة الباسقة لدعوة العلماء للتأليف والكتابة في أصول الفقه، وكانت حجر الأساس في بناء صرح هذا العلم، فشمر العلماء والأئمة عن ساعد الجد، وحرروا المصنفات، وأكملوا البناء الذي أقام أساسه الإمام الشافعي، وكان لهم فضل نماء هذا العلم وتحرير مسائله، ووافقوه في أكثرها، وخالفوه في بعضها، وزادوا عليه، فزاد الحنفية الاستحسان والعرف، وزاد المالكية إجماع أهل المدينة، وعمل أهل المدينة، والمصالح المرسلة، والذرائع، وكتب الإمام أحمد في ذلك كتاب العلل، وكتاب الناسخ والمنسوخ، وكتاب طاعة الرسول، وكتب كثير من فقهاء المذاهب الأخرى في أصول الفقه، وتناوله العلماء أيضًا بالبحث والتأليف (3).

تدوين الفقه والأصول:
نلاحظ من النظرة التاريخية السابقة أن أحكام الفقه بدأت بالظهور مبكرًا، ونشأ الفقه في حياة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأخذ
__________
(1) هذه الكتب مطبوعة مع كتاب الأم في الجزء السابع.
(2) أصول الفقه، أبو زهرة: ص 16.
(3) أصول الفقه، شعبان: ص 16، الشافعي، أبو زهرة: ص 338.
(1/61)

بالتوسع والتطور والنقل في عصر الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وبدأت أحكامه بالتدوين في نهاية القرن الهجري الأول، ووصل إلى طور النضج والكمال في القرن الثاني عند ظهور الأئمة، بينما تأخر علم الأصول في الظهور إلى القرن الثاني، ووضعت قواعده ومبادئه وتدوينه في نهاية القرن الثاني الهجري، فما هو السبب في سبق الفقه للأصول؟ مع أنه أساس الفقه؟
الجواب أن علم أصول الفقه عبارة عن موازين لضبط الاستنباط ومعرفة الخطأ من الصواب في الاجتهاد، فهو علم الضوابط لمادة الفقه، والضابط يأتي بعد وجود المادة في كل العلوم، فعلم النحو والإعراب الذي وضع أساسه الإمام علي وأبو الأسود الدؤلي، جاء متأخرًا عن النطق بالفصحى، وعلم العروض الذي وضع أصوله الخليل بن أحمد الفراهيدي جاء متأخرًا عن قول الشعر وقرضه موزونًا، وعلم المنطق الذي دونه أرسطو جاء متأخرًا عن الجدل والتفكير والمناظرة التي رافقت نشوء البشرية (1).
والسبب الرئيسي أن الفقه وأحكام الشرع الأولى نزلت مباشرة من السماء، واعتمد على الوحي لتغطية أحكام الناس في زمن البعثة، مع بيان القواعد والأسس والمناهج لما يحتاجه الناس في المستقبل، وفي القرآن والسنة منهج الأصول والاستدلال، ولما استحدثت القضايا والمسائل واحتاج الناس إلى الاجتهاد لتغطية الأحكام احتاج الناس إلى معرفة المنهج والقواعد والضوابط، فجاء علم أصول الفقه.
وقال الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله: الأمر الذي لا شك فيه أن علم الفقه سابق على علم أصول الفقه، فالفقه نشأ بالاستنباط والفتيا
__________
(1) مناقب الشافعي، الرازي: ص 57، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 13، الإنصاف في بيان سبب الاختلاف، الدهلوي: ص 17، 36. =
(1/62)

والاجتهاد، ... ولا غرابة أن يكون الفقه متقدمًا على علم أصول الفقه، لأنه إذا كان علم أصول الفقه موازين لمعرفة الصحيح من الآراء من غير الصحيح فالفقه هو المادة التي توزن، والمادة سابقة على الميزان (1).
قال ابن خلدون رحمه الله: واعلم أن هذا الفن من الفنون المستحدثة في الملة، وكان السلف في غنية عنه، بما أن استفادة المعاني من الألفاظ لا يحتاج إلى أزيد مما عندهم من الملكة اللسانية، وأما القوانين التي يحتاج إليها في استفادة الأحكام خصوصًا، فمنهم أخذ معظمها .. فلما انقرض السلف وذهب الصدر الأول وانقلبت العلوم كلها صناعة احتاج الفقهاء والمجتهدون إلى تحصيل هذه القوانين والقواعد لاستفادة الأحكام من الأدلة، فكتبوها فنًّا قائمًا برأسه سموه: أصول الفقه ... وحين كان الكلام ملكة لأهله لم تكن هذه علومًا ولا قوانين، ولم يكن الفقه حينئذ يحتاج إليها، لأنها جبلة وملكة، فلما فسدت الملكة في لسان العرب قيدها الجهابذة المتجردون لذلك بنقل صحيح، ومقاييس مستنبطة صحيحة، وصارت علومًا يحتاج إليها الفقيه في معرفة أحكام الله (2).

طرق التأليف في الأصول:
إن أسلوب الكتابة في الأصول اختلف بعد الشافعي، فبعض العلماء سار على منهج الإمام الشافعي في الرسالة؛ بتقرير المسائل، والتدليل عليها، وإقامة الحجج، واتخاذ السؤال والجواب أساسًا في البيان على طريقة علماء الكلام، وسميت هذه الطريقة بطريقة المتكلمين، أو بطريقة الشافعية، وهي الطريقة التي اختطها الإمام الشافعي في الرسالة، وكتب بها أكثر الشافعية والمالكية والحنابلة والمعتزلة وعلماء الكلام.
__________
(1) الشافعي، أبو زهرة: ص 328.
(2) مقدمة ابن خلدون: ص 454، 455.
(1/63)

وبعض العلماء سار في كتابة الأصول على طريقة التأليف في الفقه، فسبك قواعد الأصول بأسلوب متتابع ومتسلسل، وسميت هذه الطريقة بطريقة الفقهاء أو طريقة الحنفية، وسار عليها أكثر علماء المذهب الحنفي.
وامتازت كل طريقة ببعض المزايا والخصائص، وشابها بعض العيوب، فجاء المتأخرون وجمعوا بين الطريقتين باتباع مزايا وفوائد كل طريقة، وتجنب عيوبها، وسميت هذه الطريقة بطريقة المتأخرين.
فما هي ميزات كل طريقة، وما هي الكتب التي دونت في كل منها؟

أولًا: طريقة المتكلمين أو الشافعية:
تمتاز طريقة علماء الكلام أو طريقة الشافعية بأنها تحقق قواعد هذا العلم تحقيقًا منطقيًّا نظريًّا، وتقرر القواعد الأصولية وتنقحها، وتثبت ما أيده البرهان العقلي والنقلي، وتنظر إلى الحقائق المجردة، ولم تلتفت هذه الطريقة إلى التوفيق بين القواعد وبين الفروع التي استنبطها الأئمة في الفقه، ولا تعنى بالأحكام الفقهية؛ لأن الأصول علم مستقل عن الفقه، فكانت هذه الطريقة تهتم بتحرير القواعد وتنقيحها.
فما أيده العقل، وقام عليه البرهان، فهو الأصل والقاعدة، سواء أوافق الفروع المذهبية أم خالفها، وسواء أوافق الأصل الذي وصل إليه الإمام أم لا (1)، ولذا نلاحظ مثلًا أن الآمدي اعتبر الإجماع السكوتي حجة، خلافًا لأصل إمامه الشافعي رحمه الله، لأن الدليل والحجة أوصلاه إلى ذلك (2).
__________
(1) يقول إمام الحرمين الجويني رحمه الله تعالى: "على أنَّا في مسالك الأصول لا نلتفت إلى مسائل الفقه، فالفرع يصحح على الأصل، لا على الفرع" البرهان، له: 2/ 1363.
(2) الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي: 1 ص 180، وانظر المسائل التي خالف فيها الجويني إمامه الشافعي في (البرهان 2/ 1442).
(1/64)

ويكثر في هذه الطريقة أسلوب الفنقلة، أي: "فإن قلت ... قلنا" على طريقة علماء الكلام، وتقل فيها الفروع الفقهية، وهي في الواقع أقرب إلى حقيقة وضع المبادئ والقواعد والأصول التي تعتبر أساسًا، لتأتي الفروع، على منوالها، فالأصول حاكمة على الفروع، وهي دعامة الفقه والاستنباط، وهذا الأسلوب أبعدَ الناسَ عن التعصب لفرع فقهي أو حكم مذهبي.
ولكن هذه الطريق تسرف أحيانًا في الأمور النظرية والعقلية التي يستحيل وقوعها عقلًا أو شرعًا، مثل جواز تكليف المعدوم، والحسن والقبح العقليين، كما تتعرض لبعض بحوث العقيدة وعلم الكلام مثل عصمة الأنبياء قبل النبوة، ويقل فيها الربط بين الأصول والفروع (1).

ثانيًا: طريقة الفقهاء أو الحنفية:
وهي طريقة متأثرة بالفروع، وتتجه لخدمتها، وإثبات سلامة الاجتهاد فيها، وتمتاز هذه الطريقة بأخذ القواعد الأصولية من الفروع والأحكام التي وضعها أئمة المذهب الحنفي، ويفترضون أنهم راعَوْا هذه القواعد عند الاجتهاد والاستنباط، فإن وجدوا فرعًا يتعارض مع القاعدة لجؤوا إلى تعديلها بما يتفق مع هذا الفرع، مثل قولهم: "المشترَك لا يَعُمُّ إلا إذا كان بعد النفي فيعُمُّ" ومثل قولهم: "إن دلالة العام قطعية إلا إذا خصص" ويتفرع على ذلك تقديم النص العام على خبر الآحاد عند التعارض؛ لأن خبر الآحاد ظني، والعام قطعي (2).
والهدف من هذه الطريقة تجميع الأحكام الفرعية في قواعد كلية،
__________
(1) مقدمة ابن خلدون: 455، مباحث الكتاب والسنة: ص 10، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 331، أصول الفقه خلاف: ص 17.
(2) إن تفصيل هذه الموضوعات سيأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى.
(1/65)

وضوابط عامة، فيضعون القاعدة الأصولية بما يتفق مع الفروع، ويستمدون الأصول من فقه الإمام وفروع الأصحاب، ويعبر البزدوي عن ذلك في أصوله بقوله: على هذا دلت فروع أصحابنا (1).
والسبب في اللجوء إلى هذه الطريقة أن علماء الحنفية لم يعثروا على كتب في الأصول من وضع أئمتهم، كما عثر علماء الشافعية في "الرسالة"، فبحثوا عن القواعد الأصولية في الفروع الفقهية باعتبار أنها لا بد أن تكون قائمة على أساس.
وهذه الطريقة تكثر فيها الفروع الفقهية، وهي أقرب إلى الفقه، وأليق بالفروع، وأشبه بقواعد الفقه الكلية، وكانت للدفاع عن المذهب الذي ينتمي إليه مؤلف الكتاب، ويجعل من الأصول مقاييس مقررة ومؤكدة له، وليست حاكمة عليه (2).

ثالثًا: طريقة المتأخرين:
وهذه الطريقة تجمع بين الطريقتين السابقتين بما فيهما من مزايا، فتقعد القاعدة، وتقيم الأصل، وتثبته بالأدلة والبراهين، ثم تذكر الفروع والأحكام الفقهية التي تتفرع عن هذا الأصل وتطبقه عليها، كما تشير إلى الفروع التي خالفت الأصل، وتبين سبب المخالفة، وقد سار على هذه الطريقة العلماء من المذاهب الأربعة، كما سنرى في كتبهم.
__________
(1) كشف الأسرار: 1 ص 292.
(2) لئن كان الحنفية أول من سار على هذه الطريقة، فإنها لم تنحصر بهم، فإن بعض العلماء من المذهب المالكي والشافعي والحنبلي قد سلكوا هذه الطريقة في الأصول التي تطبق على الفروع الجزئية في المذهب، مثل القرافي المالكي، والإسنوي الشافعي، ومثل ابن تيمية الحراني، وابن القيم الحنبلي فيما كتباه في الأصول. (انظر مقدمة ابن خلدون: ص 455، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 21، 23، أصول الفقه، خلاف: ص 17).
(1/66)

أهم الكتب في علم أصول الفقه (1):
أولًا: الكتب التي ألفت على طريقة المتكلمين:
كانت الرسالة للإمام الشافعي أول كتاب على هذه الطريقة، ثم ظهرت كتب كثيرة على منوالها، أهمها:
1 - المعتمد، للبصري المعتزلي، أبي الحسين، محمد بن علي الشافعي، المتوفى سنة 436 ه (2).
2 - البرهان، لإمام الحرمين، أبي المعالي، عبد الملك بن عبد الله الجويني النيسابوري الشافعي، المتوفى سنة 478 ه (3).
3 - المستصفى، للغزالي، أبي حامد حجة الإسلام، محمد بن محمد الغزالي الشافعي، المتوفى سنة 505 ه (4).
ويمتاز المستصفى بعبارته الدقيقة، وأسلوبه الرفيع، ليس بالمختصر المخل، ولا بالطويل الممل، يحرر القواعد، ويدلل عليها، ويضرب الأمثلة، وقد كتبه قبل أن تشيع المختصرات (5).
__________
(1) انظر: مفتاح السعادة: 2 ص 183، مفتاح الوصول للتلمساني المالكي، تقديم الشيخ المرحوم عبد الوهاب عبد اللطيف: صفحة ه، الفتح المبين:1 ص 123 وما بعدها، مرجع العلوم الإسلامية: ص 610.
(2) كتاب المعتمد مطبوع في جزأين، نشره المعهد العلمي الفرنسي بدمشق سنة 1384 ه / 1964 م، ثم صور حديثًا في بيروت.
(3) حقق البرهان الدكتور عبد العزيز الديب للحصول على درجة الدكتوراه في أصول الفقه، وطبع على نفقة أمير دولة قطر الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني، عام 1399 ه.
(4) اختصر المستصفى الحسين بن رشيد في كتابه (لباب المحصول مختصر المستصفى) واختصره الإشبيلي (651 ه) وشرحه الفهري (679 ه) وعليه تعاليق للغرناطي (639 ه) واختصره السهروردي الحكيم (انظر: كشف الظنون 2/ 427).
(5) المستصفى مطبوع ومتوفر في الأسواق، وقد طغ منفردًا، كما طبع مع كتاب فواتح الرحموت، ثم صورت هذه الطبعة حديثًا في لبنان تصويرًا جيدًا.
(1/67)

4 - المحصول، للرازي فخر الدين، محمد بن عمر الرازي الشافعي، المتوفى سنة 606 ه. وكتاب المحصول تلخيص وجمع للكتب الثلاثة السابقة (1).
5 - الإحكام في أصول الأحكام، للآمدي، سيف الدين أبي الحسن، علي بن أبي علي محمد الشافعي، المتوفى سنة 631 ه.
والإحكام اختصار وتلخيص للبرهان والمعتمد والمستصفى، وهو كتاب جيد الأسلوب، سهل العبارة، حسن التنظيم والتبويب (2).
__________
(1) اختصر المحصول تاج الدين الأرموي (656 ه) في كتابه: الحاصل، كما اختصر المحصول محمود بن أبي بكر الأرموي (682 ه) في كتاب: التحصيل، واختصر المحصول التبريزي وكان عالمًا أصوليًّا ومعاصرًا للرازي، ثم جاء القاضي عبد الله بن عمر البيضاوي فاختصر الحاصل في كتاب: منهاج الوصول إلى علم الأصول، وهو مشهور ومختصر جدًّا، فجاء عبد الرحيم بن حسن الإسنوي الشافعي (772 ه) فشرح المنهاج شرحًا جيدًا ومنظمًا، وأصبح شرحه مقصد الطلاب والعلماء، واختاره علماء الأزهر للتدريس في كلية الشريعة، "انظر طبقات الشافعية الكبرى: 8/ 81، 371، مرجع العلوم الإسلامية ص: 620)،
والمحصول جزآن كبيران، حقق الجزء الأول منه الدكتور طه جابر العلواني للحصول على درجة الدكتوراه في أصول الفقه، ثم حقق الدكتور طه الجزء الثاني، وقامت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض بطبع الجزأين في ست مجلدات كبيرة عام 1399 ه 1979 م، وحقق مختصر التبريزي والتحصيل والحاصل وطبعت.
(2) اختصر ابن الحاجب المالكي (646 ه) كتاب الاحكام للآمدي في كتابه: منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل، ثم اختصره في مختصر المنتهى، وجاء عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي (756 ه) فشرحه بشرح جيد، والأحكام مطبوع عدة طبعات في مجلدين، ومتوفر في الأسواق.
ويحسن الانتباه إلى كتاب ابن حزم الأندلسي الظاهري (456 ه) وهو بنفس الاسم "الإحكام في أصول الأحكام" وهو ثمانية أجزاء، ومطبوع في مجلدين، وهو كتاب نفيس يجمع بين الأصول والفروع، ويضع فيه أصول المذهب الظاهري.
(1/68)

6 - التقريب والإرشاد في ترتيب طرق الاجتهاد، للباقلاني، القاضي أبي بكر، المتوفى سنة 403 ه، وقد اختصره مؤلفه بعد ذلك، كما اختصره إمام الحرمين الجويني في كتابه "التلخيص".

ثانيًا: الكتب التي ألفت على طريقة الفقهاء:
كتب أكثر علماء الحنفية على هذه الطريقة (1)، وكتب فيها بعض علماء المذاهب الأخرى عدة كتب، أهمها:
1 - كتاب الأصول، للإمام الكرخي، أبي الحسن، عبيد الله بن الحسين، المتوفى سنة 340 ه.
2 - كتاب الأصول للجصاص، أبي بكر، أحمد بن علي الرازي، المعروف بالجصاص، المتوفى سنة 370 ه، حققه الدكتور جاسم عجيل النشمي، وطبع في الكويت.
3 - تأسيس النظر في الخلاف، وتقويم الأدلة في أصول الفقه، للدبوسي، أبي زيد عبيد الله بن عمر القاضي الدبوسي، المتوفى سنة 430 ه، ويعرف كتابه بأصول الدبوسي.
4 - كتاب الأصول، للسرخسي، شمس الأئمة محمد بن أحمد، المتوفى في حدود الخمسمائة، أي سنة 490 ه تقريبًا، وهو صاحب المبسوط في الفقه (2).
5 - كتاب الأصول للبزدوي، فخر الإسلام علي بن محمد، المتوفى سنة 482 ه، وهو أحسن وأفضل كتب الحنفية، وجاء علاء الدين عبد العزيز بن أحمد البخاري، المتوفى سنة 730 ه، وشرحه شرحًا نفيسًا
__________
(1) انظر مقدمة ابن خلدون: ص 456، تاج التراجم في طبقات الحنفية، للقاسم بن قطلوبغا، مرجع العلوم الإسلامية ص: 610 وما بعدها.
(2) أصول السرخسي مطبوع بمصر في جزأين، ومصور في لبنان حديثًا.
(1/69)

في كتابه "كشف الأسرار" وهو عمدة الحنفية في الأصول (1)، وهناك كتاب: "كشف الأسرار في الأصول" للنسفي الحنفي المفسر الأصولي (710 ه).
6 - المنار، للنسفي حافظ الدين عبد الله بن أحمد، المتوفى سنة 710 ه، وشرحه العلماء عدة شروح، أهمها شرح عز الدين عبد اللطيف بن عبد العزيز، الشهير بابن ملك 801 ه، وحاشية "نسمات الأسحار" لمحمد أمين، المعروف بابن عابدين، المتوفى سنة 1252 ه (2).
7 - تنقيح الفصول في علم الأصول، للقرافي، شهاب الدين أبي العباس أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن المالكي، المتوفى سنة 684 ه (3).
8 - التمهيد في تخريج الفروع على الأصول، للإمام الإسنوي، جمال الدين عبد الرحيم الإسنوي الشافعي المتوفى سنة 772 ه، مطبوع
__________
(1) كشف الأسرار الأربعة أجزاء، مطبوع طبعة قديمة سنة 1307 ه في مجلدين كبيرين، وعلى هامشه كتاب الأصول للبزدوي.
(2) شرح المنار لابن ملك مطبوع في جزء واحد، سنة 1306 ه، مع شرح المنار لعبد الرحمن بن أبي بكر العيني، أما كتاب نسمات الأسحار فهو حاشية على شرح "إفاضة الأنوار" على متن أصول المنار للشيخ محمد علاء الدين الحصني الحنفي مفتي دمشق، والحاشية مطبوعة بمصر سنة 1328 ه وعلى الهامش الشرح المذكور، وانظر الدرر الكامنة 2/ 352، الفوائد البهية ص 102، الفتح المبين 2/ 108، الأعلام 4/ 192، مرجع العلوم الإسلامية ص: 626.
(3) ألف القرافي هذا الكتاب على أصول المالكية، وجعله مقدمة لكتابه النفيس: الذخيرة في الفقه المالكي، وقد طبع الجزء الأول من الذخيرة بالأزهر سنة 1961 م، وفي أوله كتاب التنقيح، وقام القرافي نفسه بشرح كتابه وسماه "شرح تنقيح الفصول" وهو مجلد ضخم، طبع في تونس قديمًا، ثم طبع في مصر حديثًا عام 1393 ه 1973 م.
(1/70)

بمكة، ثم حققه الدكتور محمد حسن هيتو، وطبعه.
9 - المسودة، لآل تيمية في أصول الفقه على المذهب الحنبلي، مطبوعة.

ثالثًا: الكتب التي ألفت على طريقة المتأخرين:
وهي الكتب التي تجمع بين طريقة المتكلمين وطريقة الفقهاء، وسار عليها بعض العلماء من المذهب الحنفي والمذهب الشافعي، وأهمها:
1 - بديع النظام، الجامع بين أصول البزدوي والإحكام، للساعاتي، أو ابن الساعاتي، مظفر الدين أحمد بن علي الساعاتي البغدادي الحنفي، المتوفى سنة 694 ه، وعليه شروح كثيرة (1).
2 - تنقيح الأصول، لصدر الشريعة عبيد الله بن مسعود البخاري، المتوفى سنة 747 ه، وهو كتاب مختصر لخصه من كتاب البزدوي والمحصول للرازي، ومختصر ابن الحاجب، ثم شرحه بنفسه بكتاب سماه: التوضيح على التنقيح، وجاء التفتازاني سعد الدين محمود بن عمر الشافعي، المتوفى سنة 792 ه، وكتب حاشية على التوضيح سماها: التلويح" (2).
3 - التحرير، لكمال الدين، محمد بن عبد الواحد، الشهير بابن الهمام الحنفي، المتوفى سنة 861 ه (3).
__________
(1) انظر تاريخ الأدب العربي، بروكلمان: 6/ 357، 360، مرجع العلوم الإسلامية ص: 625.
(2) التوضيح على التنقيح مطبوع بجزأين، وحاشية التلويح مطبوعة في ثلاثة مجلدات، وعلى هامشها التوضيح والتنقيح، وانظر: مرجع العلوم الإسلامية ص: 628.
(3) كتاب التحرير للكمال بن الهمام شرحه تلميذه محمد بن محمد بن أمير الحاج الحلبى المتوفى سنة 879 ه في كتاب اسمه: التقرير والتحبير، مطبوع، كما شرحه =
(1/71)

4 - جمع الجوامع، لابن السبكي، تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي الشافعي، المتوفى سنة 771 ه، جمعه مما يقرب من مئة مصنف، كما يقول في مقدمته (1).
5 - مسلم الثبوت، للعلامة محب الله بن عبد الشكور البهاري الحنفي، المتوفى سنة 1119 ه، وقد شرحه العلامة عبد العلي محمد بن نظام الدين الأنصاري (1180 ه)، شرحًا جيدًا في كتابه فواتح الرحموت (2).

الموافقات للشاطبي:
ولا بد من الإشارة إلى كتاب أصولي انفرد بطريقة خاصة في التأليف، وهو كتاب: الموافقات في أصول الأحكام، لأبي إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي، المعروف بالشاطبي، المتوفى سنة 795 ه، وقد جمع فيه بين مبادئ الأصول وأسرار الشريعة، وحكم التشريع، وامتاز بالكتابة عن الأصول التي بيَّن الشارع عللها واعتبرها أصلًا، والموافقات كتاب سهل العبارة، عظيم الفائدة، لا يستغني عنه طالب العلم، ولا الباحث في الفقه والأصول (3).
__________
= محمد أمين، أمير بادشاه في كتاب اسمه: تيسير التحرير، في أربعة أجزاء، ومطبوع في مجلدين.
(1) شرح جمع الجوامع جلال الدين المحلي المتوفى سنة 864 ه، ثم جاء العلامة حسن العطار وكتب حاشبة على شرح المحلي، اسمها: حاشية العطار على شرح جمع الجوامع، كما كتب البناني حاشية على شرح المحلي، اسمها: حاشية البناني، والحاشيتان مطبوعتان بمصر.
(2) مسلم الثبوت مطبوع في جزأين صغيرين بالمطبعة الحسينية بمصر، أما كتاب فواتح الرحموت فمطبوع على هامش المستصفى بالمطبعة الأميرية بمصر سنة 1322 ه، وصور أخيرًا في لبنان، انظر: الأعلام: 4/ 163، مرجع العلوم الإسلامية ص: 635.
(3) الموافقات مطبوع عدة طبعات، وهو أربعة أجزاء متوسطة الحجم، وله كتاب الاعتصام أيضًا، انظر الأعلام، الزركلي 1 ص 71، مرجع العلوم الإسلامية ص: 631.
(1/72)

كما تحسن الإشارة إلى كتاب "قواعد الأحكام" لسلطان العلماء العز بن عبد السلام (660 ه) الذي سبق الشاطبي في بيان حِكم التشريع وقواعد الأصول، ومقاصد الشريعة، وربطها بالأحكام الفقهية.

رابعًا: الكتب الحديثة في الأصول:
ظهر أخيرًا عدة مؤلفات في الأصول كتبها عدد من العلماء الأجلاء الذين تولوا تدريس مادة أصول الفقه في كليات الشريعة والحقوق والقضاء الشرعي في البلاد العربية، وتمتاز بحسن العرض، وسهولة الأسلوب لتذليل القواعد والمبادئ الأصولية للطلاب المبتدئين لدراسة هذا العلم، ونذكر أهمها:
1 - إرشاد الفحول، للشوكاني، محمد بن علي بن محمد بن عبد الله، المتوفى سنة 1250 ه.
2 - تسهيل الوصول إلى علم الأصول، للقاضي الشيخ محمد عبد الرحمن المحلاوي الحنفي، المتوفى سنة 1920 م.
3 - أصول الفقه، للشيخ محمد الخضري، المتوفى سنة 1927 م، وهو كتاب سهل ومفيد.
4 - أصول الفقه، للأستاذ الشيخ عبد الوهاب خلاف، المتوفى سنة 1955 م، ويمتاز بعبارته الواضحة، وأسلوبه السهل وأمثلته الفقهية والقانونية.
5 - أصول الفقه، لأستاذنا العلامة الشيخ محمد أبو زهرة، الذي توفاه الله تعالى في أثناء كتابة هذه المحاضرات في نيسان 1974 م، تغمده الله برحمته، وأسكنه فسيح جنانه، وعوض المسلمين خيرًا.
6 - أصول الفقه، للأستاذ الشيخ محمد زهير أبو النور، وكيل جامعة الأزهر، ومدرس الأصول في كلية الشريعة والقانون بالأزهر، والكتاب
(1/73)

أربعة أجزاء، وهو عبارة عن تلخيص وتوضيح لكتاب نهاية السول للإسنوي.
7 - أصول الفقه الإسلامي، للشيخ شاكر الحنبلي، مطبوع عام 1948 م بدمشق.
هذه الكتب السبعة اشتملت على جميع مباحث وأبواب علم الأصول، وتتفاوت فيما بينها في الاختصار والشرح، وهناك كتب أخرى حديثة تناولت بعض الجوانب من علم أصول الفقه حسب مناهج الدراسة، أهمها:
8 - أصول الفقه الإسلامي، للأستاذ الشيخ زكي الدين شعبان، رئيس قسم الشريعة الإسلامية في كلية الحقوق بجامعة عين شمس سابقًا، مطبوع سنة 1967 م.
9 - أصول التشريع الإسلامي، للأستاذ علي حسب الله، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة القاهرة، مطبوع سنة 1964 م، الطبعة الثالثة.
10 - أصول الفقه، للأستاذ الشيخ محمد زكريا البرديسي، رئيس قسم الشريعة، بكلية الحقوق بجامعة عين شمس حاليًا، مطبوع سنة 1969 م، الطبعة الثالثة.
11 - مباحث الحكم، للأستاذ محمد سلام مدكور، رئيس قسم الشريعة بكلية الحقوق بجامعة القاهرة، مطبوع سنة 1959 م.
12 - المدخل إلى علم أصول الفقه، للدكتور معروف الدواليبي.
13 - الوسيط في أصول الفقه، للدكتور وهبة الزحيلي.
14 - مصادر التشريع الإسلامي، للدكتور محمد أديب صالح.
15 - مباحث الكتاب والسنة، للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي.
هذه نظرة تاريخية مختصرة عن علم أصول الفقه في نشأته،
(1/74)

ووضعه، وتطوره، وطرق التأليف فيه، وأهم الكتب والمراجع التي يعتمد عليها الطالب والباحث للتزود من بحوث علم أصول الفقه، والاستفادة منه، إن شاء الله تعالى.
(1/75)

الفصل الرابع في أسباب اختلاف الفقهاء
أهمية الموضوع:
ينظر المرء أحيانًا إلى التفرق في الأمة، والخلاف بين أفرادها، والنزاع الناشب في صفوفها، والجدل الذي لا طائل تحته، والتعصب المقيت الذي يحجر على العقول، ويبحث عن السبب فيرى لأول وهلة أن سبب كل ذلك هو اختلاف الأئمة الذي جر هذه الويلات، ويتبادر إلى ذهنه فورًا السؤال عن أسباب اختلاف الفقهاء، ويخيل إليه أن اختلافهم كان نقمة على الأمة، وهذا ما يحاول أن يثيره أعداء الإسلام، وأتباع المستشرقين، وأذناب الاستعمار، وأبواق الغزو الفكري، ويوجهونه إلى ضعاف الإيمان، أو ضعاف النفوس، فيوقعون بينهم الشك والريبة والتردد، ويغرسون في نفوسهم عقدة النقص والعار في تاريخهم وأئمتهم.
وينظر المرء من جهة أخرى إلى هذا التراث الزاخر في الفقه والتشريع، ويطوف بين الأحكام وعللها، ومأخذ كل إمام وحجته، ويضيق أحيانًا مجال البحث على هيئة التشريع في بعض أحكام مذهب
(1/77)

ما، فترى الشفاء القريب في المذهب الآخر، ويجول الإنسان بين المذاهب فيرى الصدر الرحب في الموسوعات الفقهية المقارنة، كالحاوي الكبير للماوردي، والمغني لابن قدامة، وبدائع الصنائع للكاساني، والذخيرة للقرافي، فتمتلئ النفس راحة، وتشعر بالثروة الفقهية العظيمة التي خلفها لنا الأئمة الأجلاء والسلف الصالح، وتقدر الجهد المبذول منهم، وتطمئن سريرتها إلى حسن المقصد، ونزاهة العمل، وتجرد النية لله تعالى، وتدرك تمامًا أن تعدد المذاهب كان نعمة كبرى، وأن اختلاف الأمة رحمة، وأن سبب الاختلاف أمر منطقي وعقلي وفطري، وتلمس في كل جزئية السبب العلمي الموضوعي للاختلاف فيها.
وجهتا النظر السابقتان المتعارضتان تدعواننا لبحث ومعرفة الحقيقة في أسباب الاختلاف.
ونسرع إلى القول: إن أسباب الاختلاف بين الفقهاء لا تدخل في علم أصول الفقه، ولذا نترك تفصيل هذا الموضوع الضروري المهم إلى مجاله الخاص، في مادة الفقه، أو الفقه المقارن، أو تاريخ التشريع والمدخل الفقهي، ونقتصر على بيان مكانة أصول الفقه في أسباب الاختلاف، والأثر المتبادل بين أصول الفقه واختلاف الفقهاء.
وسبق أن عرفنا الغاية والفائدة من أصول الفقه، وعرفنا الظروف التي دعت إلى ظهوره وتدوينه، وبقي علينا أن نعلم وظيفة أصول الفقه في إزالة الاختلاف وتقليله، وأثره في بيان الضوابط والقواعد والموازين لأسباب الاختلاف الصحيح والمقبول.
وقبل أن نبين ذلك نذكر بعض الحقائق الضرورية في الموضوع، ثم نشير باختصار إلى أهم أسباب الاختلاف، وخاصة ما يتعلق منها بأصول الفقه.
(1/78)

أولًا: الحقائق الهامة في اختلاف الفقهاء:
1 - إن الاختلاف في التشريع أمر طبيعي وعادي ولا غبار عليه، ولا يوجد تشريع في الدنيا يخلو من ذلك، سواء أكان التشريع سماويًّا أم وضعيًّا، بل لا يوجد علم من العلوم الإنسانية يخلو منه، فالأدباء مختلفون في الكتابة والنقد، والشعراء مختلفون في قرض الشعر وموازينه، وعلماء القانون مختلفون في تفسيره ومضمونه وشرحه، والمحاكم مختلفة في تطبيق القانون واللوائح على الرغم من اتباعها نظامًا واحدًا، وعلماء التاريخ مختلفون في أحداثه ورواياته، والشخص الواحد يختلف رأيه من حين إلى حين ... وهكذا الأطباء والمهندسون والخبراء يختلفون في تقييم الموضوع الواحد وتشخيصه والنظر إليه، ولا يزول الاختلاف إلا إذا صار الإنسان آلة مصنعة، ولو لم يختلف الفقهاء لكانوا شواذًا عن البشر.
2 - إن الاختلاف بين الفقهاء في الشريعة الإسلامية منحصر في الفروع الفقهية، مع الاتفاق الكامل على الأصول العامة، سواء أكانت في أصول الدين أي في العقيدة وأركان الإسلام، أم في أصول التشريع وهي القرآن الكريم والسنة الشريفة والإجماع والقياس.
فالاتفاق كامل بين الأئمة في عقيدة المسلم التي تقوم على الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، والاتفاق كامل في أركان الإسلام من الشهادة والصلاة والصيام والزكاة والحج، والإجماع على صحة القرآن الكريم ونقله بالتواتر، وأنه كلام الله تعالى، وأنه حجة على المسلمين دون اختلاف على حرف واحد منه، ولا نزاع في حجية السنة، وأنها مبينة لكتاب الله، ومصدر أساسي في التشريع، ولم ينكر ذلك إلا من خرج عن الإسلام وفارق الجماعة، وأما الاختلاف في الإجماع والقياس فهو على نطاق ضيق مع الاتفاق عليهما
(1/79)

بين أهل السنة والجماعة.
وهذا الاتفاق على الأصول العامة هو من فضل الله تعالى على هذه الشريعة التي أنزلها خاتمة الشرائع والرسالات، وتكفل بحفظها إلى أن يرث الأرض ومن عليها، فقال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)} [الحجر: 9].
وأما الاختلاف في الفروع الفقهية، والأحكام التفصيلية فلا يضر بالأمة ولا يؤثر على كيانها وسمعتها ووحدتها، بل هو علامة على خلودها وصلاحها "كما سنرى".
3 - إن الاختلاف في بقية مصادر التشريع اختلاف في الظاهر غالبًا، أو هو اختلاف لفظي أو اصطلاحي، ولا مشاحة في الاصطلاح، وكثيرًا ما تكون النتائج متفقة، وينحصر أثر الاختلاف في جزئيات محددة، فلا خلاف في حقيقة الاستحسان بين الحنفية وبين المالكية والشافعية، ولا خلاف في الواقع بين الحنفية والشافعية وبين المالكية في المصالح المرسلة، لأن الشافعية والحنفية كثيرًا ما يعللون بالمصالح، ويبنون الأحكام عليها، وكذلك الأمر في العرف والعادة والاستصحاب وسد الذرائع وقول الصحابي وشرع من قبلنا (1).
4 - إن الاختلاف بين الأئمة كان السبب في تزويد المكتبة الإسلامية بهذه الثروة الفقهية التي نضاهي العالم بها، ونعتز بوجودها، وأتاحت للتشريع المرونة والحيوية في تلبية حاجات ومتطلبات التقدم والتطور
__________
(1) يقول الزنجاني: ذهب الشافعي إلى أن التمسك بالمصالح المستندة إلى كليّ الشرع، وإن لم تكن مستندة إلى الجزئيات الخاصة المعينة جائز، انظر تخريج الفروع على الأصول، له، ص 169، وانظر مذكرات الفقه المقارن، للمرحوم الشيخ محمد الزفزاف: ص 12 وما بعدها، وانظر تحقيق الموضوع في الفصل الثاني من الباب الأول من هذا الكتاب، عند دراسة هذه المصادر.
(1/80)

والعمران خلال العصور الطويلة في أرجاء المعمورة (1)، كما مرَّ في تدوين أصول الفقه وفوائده.
5 - إن الاختلاف في الفروع -مع الاتفاق على الأصول- هو رحمة بالأمة، وتخفيف عنها، وتوسعة عليها، فإن ضاق بالأمة مذهب استعانت بالآخر، وإن شق عليها الحكم لجأت إلى غيره، قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: ما سرني أن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - لم يختلفوا، لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة (2)، كمسح الرأس، وطلاق الثلاث، وزكاة الزروع والثمار، وأحكام الحج، والاغتسال من الجنابة قبل النوم أو بعده.
6 - إن الاختلاف بين الأئمة يعتمد على أسباب موضوعية وعلمية، وهو أبعد ما يكون عن التشهي والهوى أو الانتصار لذات أو شخص، ولا حاجة للتدليل وإقامة البرهان على ذلك، فتاريخ التشريع وسيرة الأئمة يؤكد ذلك، ومن ينكره أو يتشكك فيه فإنما يجهل تاريخ هذه الأمة، أو يحمل الحقد والضغينة واللؤم والعداوة لعلمائها، الذين كان الإخلاص رائدهم، والتعبد لله هدفهم، ومرضاة الله مبتغاهم، وطلب العلم والوصول إلى الحق أسمى أمانيهم.
7 - لم يقع اختلاف في النصوص القطعية -من ناحية الثبوت والدلالة، فالقرآن الكريم قطعي الثبوت، لأنه نقل إلينا بالتواتر،
__________
(1) انظر: كتاب أدب القضاء، لابن أبي الدم: ص 13، 20 من التقديم، 672.
(2) كشف الخفا: 1 ص 66، وانظر تفصيل ذلك عند الكلام عن حديث "اختلاف أمتي رحمة" وتخريج هذا الحديث، ويقول يحيى بن سعيد: اختلاف أهل العلم توسعة، وما برح المفتون يختلفون .. فلا يعيب هذا على هذا، وانظر المدخل الفقهي العام للأستاذ الزرقا: 1 ص 190 وما بعدها، ردّ المحتار: 1/ 68، الفقيه والمتفقه: 2/ 59، غياث الأمم: 139.
(1/81)

فلا خلاف في ثبوته، وكذلك السنة المتواترة قطعية الثبوت، فلا خلاف في ثبوتها، مثل أفعال الصلاة ومناسك الحج، وكذلك الدلالة القطعية التي لا تحتمل معنى آخر في القرآن أو السنة المتواترة، فلا خلاف فيها، مثل المقادير والحدود، وإنما ينحصر الاختلاف في الدلالة الظنية وفي الثبوت الظني كأخبار الآحاد.
8 - لم يقع الاختلاف في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لأنه كان المرجع الوحيد للتشريع، وكان عليه الصلاة والسلام يعتمد على الوحي، وكان الصحابة إذا اختلفوا في حكم -لم يرد فيه نص- يرجعون إليه لمعرفة الصواب، ومع ذلك فإننا نلاحظ تعدد الأقوال في المسألة الواحدة في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان يقر حكمين مختلفين لبيان إباحة الأمرين واستوائهما، أو لإباحة الأمرين مع تفضيل أحدهما على الآخر، والأمثلة على ذلك كثيرة، منها:
أ - سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أوقات متعددة عن أفضل الأعمال، فتعدد جوابه بحسب الأشخاص والأحوال والظروف المحيطة بالسائل، وقال مرة: "الجهاد في سبيل الله"، وقال: "بر الوالدين"، وقال: "الصلاة في وقتها"، وغير ذلك، وسئل عليه الصلاة والسلام: أي الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف (1) ".
ب - جاء رجلان من الصحابة إلى مسيلمة الكذاب فأمسكهما
__________
(1) رواه الشيخان والنسائي، وسأل أبو ذر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي الأعمال أفضل؟ قال: "الإيمان بالله والجهاد في سبيله"، أخرجه الشيخان، انظر رياض الصالحين: 77 - 78، تيسير الوصول: 1 ص 19، الترغيب والترهيب:1 ص 256، 2 ص 242، 247، 249، 3 ص 314، 315، مجمع الزوائد: 1 ص 55، وروى البخاري ومسلم: "إيمان بالله ورسوله، ثم الجهاد في سبيل الله، ثم حج مبرور" انظر الترغيب والترهيب: 2 ص 162، صحيح مسلم بشرح النووي: 2/ 72، 74.
(1/82)

وهددهما بالقتل، ثم قال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله، قال: فما تقول فيَّ؟ قال: أنت أيضًا، فخلاه، وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله، قال: فما تقول فيَّ؟ قال: إنما أنا أصم، فأعاد عليه ثلاثًا، فأعاد جوابه، فقتله، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "أما الأول: فقد أخذ برخصة الله، وأما الثاني: فقد صدع بالحق، فهنيئًا له (1) ".
ج - عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة، وليس معهما ماء، فتيمما صعيدًا طيبًا فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة، ولم يعد الآخر، فأتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: "أصبت السنة وأجزأتك صلاتك"، وقال للذي توضأ وأعاد: "لك الأجر مرتين (2) ".
د - عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: نادى فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم انصرف عن الأحزاب: "أن لا يصلين أحد الظهر إلا في بني قريظة"، فتخوف الناس فوت الوقت فصلوا دون بني قريظة، وقال آخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإن فاتنا الوقت، قال: فما عنف واحدًا من الفريقين (3).
__________
(1) تلخيص الحبير، وسيأتي الكلام مرة ثانية عن هذا الموضوع في مبحث الرخصة في هذا الكتاب، والأول عبد الله بن وهب، والثاني هو حبيب بن زيد الأنصاري المازني، انظر: الإصابة:1 ص 321، تفسير ابن كثير: 2 ص 588، أسد الغابة: 1/ 443، طبقات ابن سعد: 4/ 316.
(2) رواه أبو داود (2/ 82) والنسائي (1/ 213) والحاكم (1/ 178) والدارمي (1/ 190) والدارقطني، والبيهقي (1/ 231)، وانظر: نيل الأوطار: 1/ 265، سبل السلام 1/ 97، المجموع: 2/ 338.
(3) رواه البخاري ومسلم، وهذا لفظ مسلم 12/ 97، وعند البخاري: "لا يصلين أحد =
(1/83)

وهذا التعدد في الأقوال، وإقرار الرسول - صلى الله عليه وسلم - لاختلاف الصحابة، إن دل على شيء فإنما يدل على مرونة الشريعة وسعتها، والتيسير فيها، ورفع الحرج عن المكلفين في تطبيقها.

ثانيًا: أهم أسباب الاختلاف:
سنكتفي بتعداد أهم أسباب الاختلاف مع ضرب بعض الأمثلة، دون التحقيق فيها أو الإفاضة في شرحها، وتوضيحًا للغرض فقد قسمنا أسباب الاختلاف إلى قسمين من حيث صلتها بعلم الأصول.

القسم الأول:
أسباب الاختلاف التي لا ترجع مباشرة إلى علم أصول الفقه، وكانت سابقة على وجوده، وهي:
1 - الاختلاف في الأمور الجبليَّة، وذلك أن الناس، ومنهم الأئمة والعلماء، قد فطروا على قدرات مختلفة، وطبائع متباينة، وأن تركيب النفس البشرية يختلف من شخص إلى آخر، كما أن القدرات العقلية والملكات الذاتية لا يمكن أن تكون متساوية ومتفقة بين شخصين، ولذلك تختلف وجهات النظر بينهم، وينتج بالتالي اختلاف في الأحكام التي يجتهدون في استنباطها.
يقول الشيخ علي الخفيف: ذلك أن عادات الناس مختلفة، وأعرافهم متعددة، وأعمالهم متنوعة، وآراءهم متعارضة، وأنظارهم متفاوتة، {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: 30]، وإذا اختلفت المقدمات اختلفت النتائج (1). ثم يقول: وجد الخلاف
__________
= العصر"، انظر صحيح مسلم بشرح النووي:12 ص 97، صحيح البخاري مع حاشية السندي: 1 ص 116، حياة الصحابة: 2/ 381.
(1) محاضرات في أسباب اختلاف الفقهاء، له ص 2، وانظر: اقتضاء الصراط المستقيم =
(1/84)

ولا يزال إلى اليوم، ولن يزال قائمًا ما دام الناس هم الناس بطبائعهم وأفكارهم وتقلبهم ومعايشهم وتعليمهم وتربيتهم وبيئتهم وأعرافهم (1).
فالاختلاف واقع في التفكير والعقل والحواس والملكات، وبالتالي فلا بد أن تختلف الآراء والاجتهادات في المسألة الواحدة، وهذا الخلاف لا يحتاج إلى استدلال ولا براهين، ولا ينكره إلا من ينكر الشمس الطالعة، وهذا من دلائل عظمة الله تعالى القائل: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22)} [الروم: 22].
ولكن الذي يستدعي الانتباه فيه أمران:
أ- أن هذا الاختلاف في التكوين اعترفت به الشريعة التي جاءت متفقة مع الفطرة والواقع والعقل، بل اعتبرت الاختلاف في ذلك رحمة بالأمة.
ب- ونتج عن الأمر الأول أن الإسلام قدر قيمة العقل والفكر، وأطلق عنانه من قيود التبعية والتقليد، ومنحه القدرة على رفض الذيلية والخضوع لطبقة معينة تسمى رجال الدين أو رجال السياسة أو ... ولم توجب الشريعة إلزام المسلم برأي معين إلا ما أوجبه الله تعالى.
2 - الاختلاف في اللغة، وذلك أن علماء اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم مختلفون في أمور كثيرة تتعلق بوضع اللفظ الدال على المعنى، وبمعنى الألفاظ ودلالتها، وفي الأسلوب والصيغ وغير ذلك، وظهر عندهم الحقيقة والمجاز، والعام والخاص والمشترك والمترادف وغير ذلك، مما أكسب اللغة اتساعًا، فاختارها الله لرسالته، وظهر فيها
__________
= لابن تيمية ص 35 وما بعدها، الإنصاف فيما بين العلماء من الاختلاف، للحافظ ابن عبد البر (الرسائل المنيرية: 2/ 153 - 194).
(1) المرجع السابق: ص 8.
(1/85)

إعجاز القرآن الكريم، وكان الاختلاف الواقع في اللغة مؤديًا إلى الاختلاف في فهم النص ودلالته، وإلى الاختلاف في استنباط الحكم الشرعي منه، مثل لفظ: النكاح والقرء واليد واللمس والنبيذ وحروف الجر والعطف، وقد وضع علماء الأصول بعض المبادئ اللغوية التي تطبق على فهم النصوص، ودخلت هذه المبادئ في قواعد علم أصول الفقه (1).
3 - اختلاف البيئات والعصور والمصالح، وذلك أن الشريعة جاءت لتحقيق مصالح الناس في الدنيا والآخرة، ولذلك فإن المصالح الثابتة والمقاصد الشرعية الرئيسية لا اختلاف فيها ولا نزاع، وأما الأحكام الجزئية والتفصيلية فقد تحقق المصلحة في مكان دون مكان، وقد تلبي حاجات الناس في زمان دون زمان، فلو كانت الأحكام التفصيلية الفرعية واحدة لأدى ذلك إلى الحرج، وانتفت مصالح الناس، وتوقفت أعمالهم، ولحقهم الضجر الذي يدفعهم إلى التحايل والتهرب من التشريع بشتى الوسائل، فالبيئة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي كانت في الحجاز تختلف تمامًا عنها في العراق أو الشام أو مصر، وما ألفه الناس من عادات وتقاليد وأعراف صحيحة في صدر الإسلام يستغربها المسلم في العصور الأخيرة، وإن بعض الأحكام والشروط التي نص عليها الأئمة في القرون الأولى لتحقيق المساواة والعدالة بين أطراف العقد تعتبر عبئًا عليهم اليوم بدون هدف ولا غاية ولا فائدة.
__________
(1) الفقه المقارن، الزفزاف: ص 41، 56، محاضرات في أسباب اختلاف الفقهاء ص 131، أصول الفقه، خلاف: ص 329، أبحاث في علم أصول الفقه: ص 15، 18، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء: ص 68، الإنصاف في التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف: ص 32 وما بعدها، ص 69 وما بعدها، ص 159، الاعتصام، الشاطبي: 2 ص 165، فقه الكتاب والسنة في القصاص، المرحوم محمود شلتوت: ص 48.
(1/86)

كل هذه الأسباب دعت الأئمة إلى الاختلاف في الأحكام الفرعية حسب البيئات والعصور والمصالح، وكان الإمام الواحد إذا تغيرت هذه الظروف لم يبق شامخ الرأس، متحجر العقل، متغطرس التفكير، بل كان واقعيًا وحساسًا لهذه الأمور فيرعاها ويغير من اجتهاده على مقتضاها، كما حصل مع الإمام الشافعي، وكما حدث مع الصاحبين بعد وفاة الإمام أبي حنيفة، وكما نرى في كثير من الأحكام المختلف فيها بين المتأخرين والمتقدمين في المذهب الواحد، ويقولون: "إنه اختلاف عصر وزمان، وليس اختلاف حجة وبرهان" ووضعوا القاعدة الفقهية: "لا ينكر تغير الأحكام لتغير الأزمان" لتأكيد صلاحية الشريعة في كل زمان ومكان، وأنها خالدة وحجة على المؤمنين بها والحاقدين عليها على حد سواء (1).
4 - الاختلاف في فهم المراد من النص عندما تكون دلالة النصوص ليست قطعية، ويكون المعنى خافيًا، أو محتملًا للتأويل، أو قابلًا للنسخ، وظهر هذا السبب منذ عصر الصحابة الذين اختلفوا في فهم النص القرآني، ثم جاء علماء التفسير وحاولوا بيان معنى الآيات فاختلفوا في ذلك، كالاختلاف في القراءات، والقراءة الشاذة، وألفاظ القرآن المشتركة، والعام الذي يدخله التخصيص، والمطلق الذي يلحقه التقييد، كما اختلف علماء الحديث في فهم المراد من الحديث عند غموض النص، أو احتمال تأويله، أو تعارضه مع نص آخر، كما اختلفوا في المراد من السنة الفعلية ودلالتها على الأحكام، كالاختلاف في حكم طواف القدوم، وحكم الأفعال الجبلية التي صدرت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان الاختلاف في فهم المراد من النص مؤديًا إلى الاختلاف في الأحكام بين الفقهاء (2).
__________
(1) محاضرات في أسباب اختلاف الفقهاء، الخفيف: ص 195 وما بعدها.
(2) الفقه المقارن، الزفزاف؛ ص 10، 11، 15، محاضرات في أسباب اختلاف =
(1/87)

القسم الثاني:
أسباب الاختلاف التي ترجع مباشرة إلى علم أصول الفقه:
1 - الاختلاف في حجية بعض مصادر التشريع، إما من حيث ثبوتها، كالسنة غير المتواترة، وإما من حيث كونها مصدرًا تشريعيًّا عند عدم وجود النص.
فقد اتفق الأئمة على حجية القرآن والسنة، وكاد الأمر أن يكون كذلك في الإجماع والقياس، ثم نشأ الخلاف في حجية بقية مصادر التشريع، وسوف يضع القارئ يده على هذا الاختلاف وحقيقته عند دراسة كل مصدر منها، وكان الاختلاف في حجية المصدر من جهة، ثم في فروعه وقواعده من جهة أخرى، كالاختلاف في أنواع الإجماع، والاختلاف في علة القياس ..... وهكذا (1).
2 - الاختلاف في علوم الحديث الذي ظهر في زمن الصحابة، وتفاقم واشتد في عهد التابعين ومن بعدهم، وتكرس في قواعد ومبادئ في علم الأصول، وقد اتفق المسلمون على أن السنة حجة،
__________
= الفقهاء: ص 103، 147، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية: ص 38، 60، الرسالة: ص 560، مقدمة في أصول التفسير، ابن تيمية، تحقيق الزميل الدكتور عدنان زرزور: 79، المدخل إلى علم أصول الفقه: ص 116 وما بعدها، المختارات الفتحية، أحمد أبو الفتح: ص 77، وانظر تفصيل هذا الموضوع بشكل وافٍ وكامل في رسالة الدكتور محمد أديب صالح، تفسير النصوص: ص 81 وما بعدها، الإنصاف، ابن السيد البطليوسي: ص 211.
(1) انظر: الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف، الدهلوي: ص 15، الفقه المقارن، الزفزاف: ص 12 وما بعدها، الإحكام، الآمدي: 2 ص 93، محاضرات في أسباب الاختلاف، الخفيف: ص 180، المدخل إلى علم أصول الفقه: ص 111، الإنصاف في التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف، ابن السيد البطليوسي: ص 171 وما بعدها.
(1/88)

وأن الحجة فيما ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشكل صحيح، ومع ذلك ظهر الاختلاف في عدة حالات أهمها:
أ - عدم العلم بالحديث من الصحابي أو من غيره، لعدم الإحاطة بالسُّنة، فيقضي العالم بظاهر آية، أو بحديث آخر، أو يجتهد رأيه، فأبو بكر لم يعلم بحديث ميراث الجدة (1)، وعمر لم يبلغه حديث الاستئذان، وحديث إرث المرأة من دية زوجها، وحديث الجزية على المجوس، وعثمان لم تبلغه السُّنَّة في اعتداد المتوفى عنها زوجها في بيت الزوجية، وعليّ لم يعلم بصلاة التوبة (2)، ولا بعدة الحامل المتوفى عنها زوجها، وغير ذلك من الأحاديث التي لم تصل إلى الخلفاء الراشدين بينما علمها غيرهم، وهكذا الأمر في بقية الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
ب - عدم ثبوت الحديث عند الصحابي بعد علمه به لعدم ثقته بالراوي، بينما ثبت عند غيره، وبرز هذا الاختلاف في عهد التابعين ومن بعدهم، لكون أحد رجال السند مجهولًا أو متهمًا أو سيئ الحفظ، أو كان السند منقطعًا أو مضطربًا وغير ذلك من علل الحديث، بينما ثبت الحديث عند آخر صحيحًا متصلًا مقبولًا، وترتب على ذلك اختلاف في الأحكام.
ج- الاعتقاد بضعف الحديث لمعرفة خاصة بأحد رجال السند، فيَرُدُّ حديثه، في حين يخفى الأمر على آخر، فيقبله، أو عرف كل منهما
__________
(1) تذكرة الحفاظ 1/ 2.
(2) عن علي رضي الله عنه قال: حدثني أبو بكر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ما من رجل يذنب ذنبًا ثم يقوم فيتطهر، ثم يصلي ركعتين، ثم يستغفر الله تعالى إلا غفر له" ثم قرأ: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ} .. إلى آخرها، رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن غريب.
(1/89)

سبب الجرح فاعتقد أحدهما أنه علة تؤثر في الراوي، واعتقد الآخر أنه لا يجرحه ولا يؤثر فيه، أو لاختلاف حالة الشخص الواحد من ضبط إلى اضطراب، ومن حفظ إلى نسيان، وهذا معروف في مصطلح الحديث، فالاختلاف في قواعد المصطلح يؤدي إلى الاختلاف في الحكم على الحديث صحة وضعفًا، وقبولًا ورفضًا، وانتقل إلى علم الأصول، فاختلفوا في أنواع الحديث المتواتر والمشهور والآحاد، وحجية كل منها، وخاصة في حديث الآحاد إذا خالف القياس، أو كان فيما تعم به البلوى، كما اختلفوا في أنواع أخرى من الأحاديث كالحديث المرسل، والعمل بالحديث الضعيف.
د - وضع الشروط لقبول خبر الآحاد، وسوف نفصل الاختلاف في حجية خبر الآحاد والاختلاف في شروطه في مبحث السنة إن شاء الله تعالى (1).
ه - نسيان الحديث، لأن السُّنة لم تكن مدوَّنة، وكان الاعتماد فيها على الحفظ، والإنسان قد ينسى، فقد نسي عمر بن الخطاب حديث التيمم من الجنابة عند عدم الماء، فذكَّره به عمار، والأمثلة على ذلك كثيرة، وهذا يؤدي إلى الاختلاف في الحكم، ثم تكرس هذا الخلاف فيما بعد (2).
3 - الاختلاف في القواعد والمبادئ الأصولية، اختلف علماء
__________
(1) المبحث الثاني من الفصل الأول من الباب الأول من هذا الكتاب.
(2) انظر تفصيل هذا الموضوع مع الأمثلة في رفع الملام، ابن تيمية: ص 4 وما بعدها، الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف: ص 16 وما بعدها، الفقه المقارن، الزفزاف: ص 16، محاضرات في أسباب اختلاف الفقهاء ص 24، الفقه المقارن، حسن الخطيب: ص 21، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية، الدكتور مصطفى الخن: ص 42، الأحكام في أصول الأحكام، ابن حزم: 2 ص 238، حجة الله البالغة: 1 ص 313.
(1/90)

الأصول في القواعد والضوابط التي وضعوها في علم الأصول، ونتج عن هذا الاختلاف في القواعد اختلاف بين الفقهاء في الفروع الفقهية، والأحكام التفصيلية (1)، ونذكر بعض الأمثلة:
أ- الاختلاف في القواعد الأصولية في دلالة الألفاظ على الأحكام، فقال الجمهور: إن دلالة اللفظ تكون بالمنطوق والمفهوم، وقال الحنفية: إن دلالة اللفظ تكون إما بالعبارة أو الإشارة أو النص أو الاقتضاء، واختلفوا اختلافًا واسعًا في المفهوم، ونتج عن ذلك اختلاف في الفروع.
ب- الاختلاف في القواعد الأصولية في شمول الألفاظ وعدمها، كالعام والخاص، والمطلق والمقيد، والزيادة على النص، وهذا الاختلاف نشأ عن الاختلاف في اللغة، والاختلاف في معرفة المراد من النص، وترتب عليه الاختلاف بين الفقهاء.
ج- دلالة الأمر والنهي، ودلالة العام القطعية والظنية، مثلًا: هل الأمر يفيد الوجوب أم الإباحة؟ وهل النهي يفيد التحريم أم الكراهة، وهل دلالة العام قطعية أم ظنية ... ؟
د- قواعد التعارض والترجيح، سواء كان التعارض بين نصين في القرآن الكريم، أو بين نصين في الحديث، أو بين آية وحديث، أو كان التعارض بين قاعدتين في الترجيح، وقد اختلف العلماء في هذه القواعد، ونتج عنها اختلاف في الأحكام.
__________
(1) لخص ابن رشد هذه الأسباب فقال: (إن أسباب الاختلاف ستة، أحدها: تردد الألفاظ بين أن يكون اللفظ عامًّا ... ، وثانيًا: الاشتراك .. ، والثالث: اختلاف الأعراب، والرابع: تردد اللفظ بين حمله على الحقيقة أو المجاز .. ، والخامس: عدّه اللفظ مطلقًا .. ، والسادس: التعارض بين القياسات أو الإقرارت ... " بداية المجتهد، له 1/ 6.
(1/91)

ه- الاختلاف في قواعد تخصيص العام، وقواعد تقييد المطلق، وقواعد النسخ، وغير ذلك من المباحث التي تتعلق بالكتاب والسنة مما سيطلع عليه القارئ فيما بعد، فيرى هذه القواعد، وأثر الاختلاف فيها على اختلاف الفقهاء (1).
وأكتفي بهذا العرض الموجز لأضرب مثالين للتطبيق، أحدهما من القرآن، والآخر من السنة، ليكونا صلة الوصل بين هذا الباب التمهيدي وبين الباب الأول في بحث المصدرين الرئيسيين وهما الكتاب والسنة.

الاختلاف في القراءة الشاذة:
القرآن الكريم منقول إلينا بالتواتر، كما سيأتي تفصيله في البحث التالي، أما ما نقل بغير المتواتر فلا يعتبر قرآنًا، ولا تصح به الصلاة، ولا يتعبد بتلاوته، ويعرف بالقراءة الشاذة أو المشهورة، كما ورد في مصحف ابن مسعود في كفارة اليمين: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} [المائدة: 89]، بزيادة لفظ "متتابعات" ومثل قراءة ابن مسعود في آية السرقة "فاقطعوا أيمانهما" بدلًا من {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، وقراءة أبيّ "فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ متتابعات" [البقرة: 184]، بزيادة كلمة "متتابعات".
__________
(1) ألف الأستاذ الفاضل الدكتور مصطفى الخن رسالة دكتوراه في هذا الموضوع بعنوان: "أثر اختلاف القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء" فأبلى فيها بلاء حسنًا، وأجاد فيما كتب، فجزاه الله خير الجزاء، وانظر رفع الملام عن الأئمة الأعلام: ص 25، الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف: ص 8، الفقه المقارن، الزفزاف: ص 44 وما بعدها، محاضرات في أسباب اختلاف الفقهاء، الخفيف: ص 110، تنقيح الفصول، القرافي: ص 127، الفقه المقارن، حسن الخطيب: 17، تفسير النصوص: ص 339 وما بعدها، الميزان الكبرى، للشعراني، الموافقات، الشاطبي: 4 ص 138، الاعتصام، الشاطبي: 2 ص 165، فقه الكتاب والسنة، شلتوت: ص 61، الإسلام عقيدة وشريعة: ص 434.
(1/92)

اختلف العلماء في حجية القراءة الشاذة على قولين:
القول الأول: أن هذه القراءة حجة يجب العمل بها، وهو رأي الإمام أبي حنيفة والإمام أحمد، لأن هذه القراءة لا بد أن تكون مسموعة من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتكون سنة بيانية من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والسنة يجب الاعتماد عليها، وإلا فلا يجوز للصحابي أن ينقلها، ولا يحتمل أن تكون مذهبًا للصحابي، لأن الصحابي نقلها وكتبها في القرآن، ولو كانت مذهبًا له كان عمله افتراء وكذبًا منه، مع أن الصحابة عدول لا يكذبون في القرآن، ولا في الحديث، ولا في غيرهما.
القول الثاني: أن القراءة الشاذة ليست حجة ولا يعتمد عليها، وهي رأي أكثر الشافعية المالكية ورواية عن أحمد، لأنها ليست قرآنًا باتفاق، وأن الصحابي لم يصرح بأنها سنة، فتكون تفسيرًا واجتهادًا من الصحابي، فلا يُلزم الاحتجاج بها.
وترتب على هذا الاختلاف اختلاف الأئمة في أحكام فقهية كثيرة، منها: الاختلاف في وجوب التتابع في صيام الكفارة أو عدم وجوبه.
فذهب الحنفية والحنابلة في ظاهر المذهب إلى اشتراط التتابع في كفارة اليمين، فلو صام متفرقًا لم يصح، واحتجوا بقراءة ابن مسعود: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات" وقالوا: إن هذه القراءة تنزل منزلة الحديث الصحيح، وبما أنها مشهورة عن ابن مسعود فيمكن الزيادة بها على النص.
وقال الشافعية والمالكية -وأحمد في رواية- بعدم اشتراط التتابع في كفارة اليمين، والمكلف حر ومخير بين الصيام المتتابع أو المتفرق، وإن قراءة ابن مسعود ليست حجة، ولا يلزم العمل بها، وتُحمل على معرض البيان منه (1).
__________
(1) أصول السرخسي: 1 ص 281، المستصفى: 1 ص 102، فواتح الرحموت: =
(1/93)

الاختلاف في الحديث المرسل:
اختلف علماء الأصول في حجية الحديث المرسل، ونتج عن ذلك اختلافهم في الأحكام الفقهية التي تؤخذ منه، كما اختلف علماء الحديث وعلماء الأصول في تعريفه.
فعرفه علماء الحديث بأنه: ما يقوله التابعي: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، دون أن يذكر الصحابي الذي نقل عنه، وسمي مرسلًا لأنه أرسل الحديث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دون أن يذكر من سمعه منه (1).
وعرفه علماء الأصول بأن يقول الراوي الذي لم يلق رسول الله، سواء كان تابعيًّا أم غيره: قال رسول الله كذا (2).
والمرسل عند علماء الأصول يشمل المرسل عند علماء الحديث ويشمل غيره، وقد اختلف الأئمة في الاحتجاج بالحديث المرسل عند المحدثين على قولين:
القول الأول: أن الحديث المرسل حجة، وهو قول الحنفية والمالكية ورواية عن أحمد، وأخذ به الآمدي الشافعي، وقد يرجح الحنفية أحيانًا الحديث المرسل على المسند عند التعارض (3)، واحتجوا بأن كثيرًا من صغار الصحابة نقلوا أحاديث كثيرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،
__________
= 2 ص 16، روضة الناظر وجنة المناظر، لموفق الدين عبد الله بن قدامة: ص 34، أصول الفقه، أبو النور: 3 ص 177، أثر اختلاف القواعد الأصولية: ص 388، الوسيط في أصول الفقه: ص 21، أصول الفقه، شعبان: ص 37، أصول الفقه، البرديسي: ص 184، القواعد والفوائد الأصولية، ابن اللحام الحنبلي: ص 155، البرهان: 1/ 666.
(1) أصول الحديث، للدكتور محمد عجاج خطيب: ص 334.
(2) الإحكام، للآمدي: 2 ص 112.
(3) يقولون: من أرسل لك فقد كفاك، ومن أسند لك فقد أحالك.
(1/94)

ولم يسمعوها منه، ولم ينكر عليهم أحد.
ويرد على هذا الدليل أن قياس الحديث المرسل من التابعين ومن بعدهم على مرسل الصحابة قياس مع الفارق؛ لأن مرسل الصحابي مقبول باتفاق العلماء ما عدا الظاهرية لأن الصحابة عدول باتفاق، وأن الصحابي لا يروي إلا عن صحابي.
واحتجوا أيضًا بأن أكثر التابعين كانوا يرسلون الأحاديث عن رسول الله، دون أن ينكر عليهم الصحابة والتابعون، وأن التابعين شهد لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالخيرية.
واحتجوا بأن العدل الضابط الثقة في الحديث لا يرسل الحديث إلا إذا علم، أو غلب على ظنه، أنه صحيح عن رسول الله، فالراوي جازم بنسبة الحديث إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - (1).
القول الثاني: أن الحديث المرسل ليس حجة، إلا إذا تقوى من طريق آخر، وهو رأي الإمام الشافعي، لأن الإمام الشافعي عند جمعه طرق الحديث ظهر له أنه كم من مرسل لا أصل له، وكم من مرسل يخالف الحديث المسند، ولأن العدالة شرط في صحة الخبر، وعندما ترك الراوي تسمية من حدثه به، فيجوز أن يكون المجهول عدلًا، ويحتمل أن يكون ليس بعدل، فلا يقبل خبره حتى يعلم المجهول.
والحديث المرسل يتقوى بأحد الأمور التالية:
1 - أن يؤيده حديث مسند.
__________
(1) الإحكام، الآمدي: 2 ص 113، تيسير التحرير: 3 ص 102، فواتح الرحموت: 2 ص 174، تنقيح الفصول، القرافي: ص 119، روضة الناظر: ص 64، المستصفى: 1 ص 169، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية: ص 396 وما بعدها، الفقه المقارن، الزفزاف: ص 34، أصول الفقه، الخضري: 256.
(1/95)

2 - أن يوافقه حديث مرسل من طريق آخر.
3 - أن يعضده قول صحابي.
4 - أن يتفق مع قول أكثر أهل العلم بأن يفتوا بمعناه.
5 - أن يكون المرسِل من كبار التابعين الذين لا يَروون إلا عن ثقة، أو عند صحة السند، مثل مراسيل سعيد بن المسيب والزهري اللذين تتبع الإمام الشافعي أحاديثهما المرسلة، فوجدها كلها صحيحة ومسندة من طرق أخرى (1).
وترتب على هذا الاختلاف اختلاف الفقهاء في عدة أحكام وردت في الأحاديث المرسلة، فردها الشافعية، وعمل بها الجمهور، إن لم تتعارض مع دليل آخر عندهم، منها:
1 - الاختلاف في الحد الأعلى للتعزير بالضرب.
2 - الاختلاف في تحريم الزواج بسبب الزنا (2).
3 - الاختلاف في انتفاع المرتهن بالرهن.
4 - الاختلاف في نقض الوضوء بالقهقهة في الصلاة (3)، فأمر من ضحك أن يعيد الوضوء والصلاة.
5 - الاختلاف في وجوب قضاء صوم التطوع إذا أفسده بعد الشروع فيه لحديث "اقضيا يومًا مكانه" ..
6 - الاختلاف في نقض الوضوء بلمس المرأة، للحديث المرسل
__________
(1) الرسالة، للإمام الشافعي: ص 462 - 463، المستصفى: 1 ص 169، محاضرات في أسباب اختلاف الفقهاء: ص 97، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية: ص 396، هامش 3، اللمع، للشيرازي: ص 44.
(2) الأم للشافعي 5/ 27 ط دار الفكر.
(3) رواه الدارقطني (1/ 171).
(1/96)

"كان يقبل أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ" (1).
وغير ذلك من الأمثلة الكثيرة التي اختلف فيها الفقهاء بسبب اختلافهم في حجية الحديث المرسل وليس بسبب آخر.

ثالثًا: صلة أسباب الاختلاف بعلم الأصول:
الواقع أن علم الأصول ساهم مساهمة بناءة في القضاء على أسباب الاختلاف الباطلة التي لا تقوم على أساس، ولا تنسجم مع هدف المشرع، أو مقاصد الشريعة، ولا توافق الإيمان بأصول الدين وأركانه، ولذا فقد وفع علم الأصول حدًّا للترهات، وكان سلاحًا في وجه من تسول له نفسه الولوج إلى شريعة الله ليحرف فيها، أو يغير في أصولها، أو يدس فيها ما ليس منها، أو يحاول هدم وبذر الشقاق والخلاف الشخصي فيها (2)، وكان علم أصول الفقه حجر عثرة في وجه الطامعين في الإساءة إلى كتاب الله وسنة نبيه، فكانت قواعد الأصول وضوابطه ميزانًا لسبر الأحكام والآراء والاختلافات، بل كانت مساعدًا للحكم على الرجال والعاملين في هذا المضمار، لتمييز الخبيث من الطيب، والغث من الثمين، {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} [الرعد: 17].
ونضرب مثالًا لذلك أنه ظهر في القرن الثاني بدعة خطيرة، وملة ضالة، أرادت تقويض دعائم الإسلام بهدم أحد ركنيه وهو السنة، فأنكرت حجيتها، وحاولت تغطية مآربها الخبيثة بحجة الاكتفاء بالقرآن الكريم الذي أكمله الله تعالى {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3]، {مَّا مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38]، {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89]، فوضع الإمام الشافعي "الرسالة" وغيرها من كتب
__________
(1) انظر تفصيل هذه المسائل في المراجع السابقة، في الصفحة السابقة.
(2) انظر كتاب الاعتصام، للإمام الشاطبي: 2 ص 166 وما بعدها.
(1/97)

الأصول وأفاض في الكلام عن حجية السنة ومكانتها في التشريع، ورد الشبه والأوهام والأباطيل التي أثارها منكرو السنة، فتأكد هذا الأصل، واتفق المسلمون على حجية السنة، ولم يجرؤ أحد على إنكارها، أو الحياد عنها (1)، وانقرضت تلك الفئة الباغية دون أن تترك أثرًا في التاريخ الذي لم يحفظ لنا اسمها واسم الداعين إليها.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن علم أصول الفقه جعل الاختلاف بين الفقهاء منضبطًا، فنظم هذا الاختلاف وحدد قواعده، وكان حَكَمًا على الفقهاء في اختلافهم، وهو دليل على أن الاختلاف بين الأئمة والفقهاء مبني على اختلافهم في المبادئ والأصول التي قامت عليها أحكام المذاهب، وليس بسبب التعصب الباطل والتقليد الأعمى، وإن كل باب من أبواب الأصول يعطي الدليل على ذلك، سواء في مصادر التشريع، أم في فهم النصوص وتفسيرها في القرآن والسنة، أم في تعارض الأدلة، مما يؤكد صدق النوايا، والإخلاص لله في العمل، والتوجه إلى مرضاته في الاستدلال والاستنباط والاجتهاد.
ونختم الكلام عن أسباب الاختلاف بما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فيقول: "وبعد: فيجب على المسلمين بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين كما نطق به القرآن، خصوصًا العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يهتدى بهم في ظلمات البر والبحر، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، إذ كل أمة قبل مبعث محمد - صلى الله عليه وسلم - فعلماؤها شرارها إلا المسلمين، فإن علماءهم خيارهم، فإنهم خلفاء الرسول في أمته، والمحيون ما مات من سنته، بهم قام الكتاب، وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا" (2).
__________
(1) انظر الرسالة: ص 443، 756.
(2) رفع الملام عن الأئمة الأعلام، له: ص 3.
(1/98)

فالاختلاف في الفروع لا يضر في الأمة، ولا يفرق شملها، ولا يشتت قوتها، وإنما الخطر كل الخطر في الاختلاف في العقيدة وأصول الشريعة، وهذا لم يحصل، والحمد لله، وإذا رأينا تعصبًا مقيتًا، أو شقاقًا مفرقًا، فإن الأئمة بريئون منه براءة الذئب من دم يوسف، وإن السبب يرجع إلى الجهل بالشريعة أولًا، وبسيرة الأئمة وآرائهم ثانيًا، وإلى اليد العاتية الدخيلة التي تريد تمزيق الأمة ثالثًا.
نرجو الله أن يفقهنا في ديننا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما يعلمنا، وأن يلهمنا السداد في القول والعمل.
(1/99)

الفصل الخامس في مقاصد الشريعة
نتناول دراسة مقاصد الشريعة إجمالًا بحسب المخطط التالي:
1 - تعريف المقاصد.
2 - تحديد مقاصد الشريعة بتحقيق مصالح الناس في الدنيا والآخرة.
3 - فائدة دراستها ومعرفتها.
4 - أقسام المصالح بحسب أهميتها وخطورتها وأثرها في الحياة.
5 - وسائل تحقيق المقاصد بالتشريع.
6 - ترتيب الأحكام بحسب المقاصد، ومعرفة الراجح منها عند التعارض.

أولًا: تعريف المقاصد:
المقاصد لغة: جمع مقصد من قصد الشيء، وقصد له وقصد إليه قصدًا من باب ضرب، بمعنى طلبه وأتى إليه واكتنزه وأثبته، والقصد هو طلب الشيء أو إثبات الشيء، أو الاكتناز في الشيء أو العدل فيه (1).
__________
(1) انظر القاموس المحيط: 1 ص 327 ومعجم مقاييس اللغة: 5 ص 95، المصباح المنير 2 ص 691، مختار الصحاح: ص 536، تهذيب الأسماء واللغات: 2 ص 93.
(1/101)

ومقاصد الشريعة في اصطلاح العلماء هي الغايات والأهداف والنتائج والمعاني التي أتت بها الشريعة، وأثبتتها في الأحكام، وسعت إلى تحقيقها وإيجادها والوصول إليها في كل زمان ومكان (1).

ثانيًا: تحديد مقاصد الشريعة:
إن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان على أحسن تقويم، وكرم بني آدم غاية التكريم، وفضلهم على سائر المخلوقات، وسخر لهم ما في الأرض جميعًا وما في السماوات، وجعلهم خلفاءه في الأرض.
وفوق كل ذلك فإن الله تعالى لم يخلق الإنسان عبثًا، ولم يتركه سدى، وإنما أرسل له الرسل والأنبياء، وأنزل عليه الكتب والشرائع، إلى أن ختم الله الرسل والأنبياء بسيدنا محمَّد عليه أفضل الصلاة والسلام، وختم الكتب والشرائع بالقرآن العظيم وشريعة الإِسلام.
وتهدف هذه الشريعة إلى تحقيق السعادة للإنسان في هذه الدنيا لتحقيق خلافة الله في أرضه، فجاءت الشريعة لتحقيق مصالح الإنسان، وهي جلب المنافع له، ودفع المضار عنه، فترشده إلى الخير، وتهديه سواء السبيل، وتدله على البر، وتأخذ بيده إلى الهدي القويم، وتكشف له المصالح الحقيقية، ثم وضعت له الأحكام الشرعية لتكون له هاديًا ودليلًا لتحقيق هذه المقاصد والغايات، وأنزلت عليه الأصول والفروع لإيجاد هذه الأهداف، ثم لحفظها وصيانتها وتأمينها وعدم الاعتداء عليها.
وحدد العلماء مقاصد الشريعة بأنها تحقيق مصالح الناس في الدنيا والآخرة (2)، في العاجل والآجل، ومصالح الناس في الدنيا: هي كل ما
__________
(1) انظر مقاصد الشريعة الإِسلامية: ص 13، الأصول العامة لوحدة الدين الحق: ص 61.
(2) قال العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى: "اعلم أن الله سبحانه لم يشرع حكمًا من أحكامه إلا لمصلحة عاجلة أو آجلة أو عاجلة وآجلة تفضلًا منه على عباده" ثم =
(1/102)

فيه نفعهم وفائدتهم وصلاحهم وسعادتهم وراحتهم، وكل ما يساعدهم على تجنب الأذى والضرر ودفع الفساد، إن عاجلًا أو آجلًا، ومصالح الناس في الآخرة هي الفوز برضاء الله تعالى في الجنة، والنجاة من عذابه وغضبه في النار.
وقد وردت الأحكام الشرعية لجلب المصالح للناس، ودفع المفاسد عنهم، وأن كل حكم شرعي إنما نزل لتأمين أحد المصالح، أو دفع أحد المفاسد، أو لتحقيق الأمرين معًا، وأنه ما من مصلحة في الدنيا والآخرة إلا وقد رعاها المشرع، وأوجد لها الأحكام التي تكفل إيجادها والحفاظ عليها، وإن المشرع الحكيم لم يترك مفسدة في الدنيا والآخرة، في العاجل والآجل، إلا بينها للناس وحذرهم منها، وأرشدهم إلى اجتنابها والبعد عنها (1).
والدليل على ذلك الاستقراء الكامل للنصوص الشرعية من جهة، ولمصالح الناس من جهة ثانية، وأن الله تعالى لا يفعل الأشياء عبثًا في الخلق والإيجاد والتهذيب والتشريع، وأن النصوص الشرعية في العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات المالية والعقوبات وغيرها جاءت معللة بأنها لتحقيق المصالح ودفع ...................................
__________
= يقول: "وليس من آثار اللطف والرحمة واليسر والحكمة أن يكلف عباده المشاق بغير فائدة عاجلة ولا آجلة، لكنه دعاهم إلى ما يقربهم إليه"، شجرة المعارف والأحوال، له: ص 401، وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى: "جاءت هذه الشريعة لتحصيل المصالح وتكميلها، وتقليل المفاسد وتعطيلها" الفتاوى: 20/ 48، 234، السياسة الشرعية، له: ص 47، وقال الشاطبي رحمه الله: "إن الأحكام الشرعية إنما شرعت لجلب المصالح أو درء المفاسد" الموافقات، له 1/ 195.
(1) انظر بيان ذلك بإسهاب وتفصيل في (ضوابط المصلحة في الشريعة الإِسلامية، للدكتور محمَّد سعيد رمضان البوطي: ص 45 وما بعدها، 73) وقال القرافي: "الشرائع مبنية على المصالح" شرح تنقيح الأصول: ص 427.
(1/103)

المفاسد (1).
فالعقيدة بمختلف أصولها وفروعها إنما جاءت لرعاية مصالح الإنسان في هدايته إلى الدِّين الحق، والإيمان الصحيح، مع تكريمه والسمو به عن مزالق الضلال والانحراف، وإنقاذه من العقائد الباطلة والأهواء المختلفة والشهوات الحيوانية، فجاءت أحكام العقيدة لترسيخ الإيمان بالله تعالى واجتناب الطاغوت، ليسمو الإنسان بعقيدته وإيمانه، وينجو من الوقوع في شرك الوثنية، وتأليه المخلوقات من بقر وقرود، وشمس وقمر، ونجوم وشياطين، وغير ذلك.
قال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا} [البقرة: 256] وقال تعالى: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (18)} [الزمر: 17، 18].
وقال تعالى مبينًا الحكمة والفاية من خلق الإنسان: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ
__________
(1) اختلف علماء الأصول في اعتبار الأحكام معللة أم لا، على قولين، فذهب الجمهور إلى أن جميع الأحكام الشرعية معللة بمصالح العباد، ولكن معظمها معلل بعلة ظاهرة، وبعضها معلل بعلة غير ظاهرة، وهي التي يسمونها "الأحكام التعبدية" أي الأحكام التي تعبدنا الله تعالى بها, لتنفيذها وإرضاء الله تعالى بها, ولو لم نعرف لها علة وحكمًا وسببًا، كاوقات الصلاة، وأعداد الركعات، ونصاب الزكاة، وقال بعض العلماء: إن الأحكام الشرعية كلها غير معللة، قال الشيخ تقي الدين بن تيمية: "لأهل السنة في تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه قولان، والأكثرون على التعليل" (منهاج السنة النبوية: 2 ص 239 مط المدني) وانظر تحقيق هذا الموضوع مع مراجعه وأدلته في "شرح الكوكب المنير: 1 ص 312 وما بعدها، الموافقات: 2 ص 3، الأحكام، للآمدي: 2 ص 252، 271، مقاصد الشريعة الإِسلامية: ص 13 و 20، قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام: 2 ص 5، 71، ضوابط المصلحة: ص 73 وما بعدها، ص 88).
(1/104)

أَحْسَنُ عَمَلًا} [هود: 7] وقال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57)} [الذاريات: 56، 57] والعبادة هنا بمعناها العام الشامل لكل عمل قصد به وجه الله تعالى.
وبين تعالى أن الحكمة والغاية والهدف من ابتعاث الرسل هي تحقيق هذه المصلحة الكبرى للإنسان في عبادة الله واجتناب الطاغوت في الدنيا، والفوز برضاء الله في الجنة، وأن لا يبقى للإنسان حجة على الله تعالى بكفره وضلاله وانحرافه، قالِ تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] وقال تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165].
وصرح القرآن الكريم بالحكمة والمصلحة في بعثة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - خاصة فقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)} [الأنبياء: 107] , والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة وصريحة.
وبين تعالى أن الغاية والهدف من إنزال الكتب هي تحقيق مصالح الناس، بتحقيق السعادة لهم في الدنيا، والفوز والنجاة بالآخرة لإخراجهم من الظلمات إلى النور، قال تعالى: {الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1)} [إبراهيم: 1].
وجمع الله تعالى في آية واحدة الحكمة من إرسال الرسل وإنزال الكتب، ليقوم الناس بالقسط والعدل والاستقامة، فقال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الحديد: 25] ثم بين الله تعالى وظيفة القرآن بشكل عام وشامل، فقال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (10)} [الإسراء: 9، 10] وغير
(1/105)

ذلك من بقية فروع العقيدة.
وفي مجال العبادات وردت نصوص كثيرة تبين أن الحكمة والغاية من العبادات إنما هي تحقيق مصلحة الإنسان، وأن الله تعالى غني عن العبادة والطاعة، فلا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية، فقال عَزَّ وَجَلَّ عن الهدف من العبادة عامة: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)} [البقرة: 21] فالقصد من العبادة التزود بالتقوى للإنسان، وهو ما جاء مفصلًا في كل عبادة من العبادات، ففي الصوم قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)} [البقرة: 183] , وفي الحج قال تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (197)} [البقرة: 197] فالحج دورة تدريبية وتربوية للمسلم في التعود على الفضائل والأخلاق الكريمة، والبعد عن الفساد والرذائل، فلا يرفث ولا يفسق ولا يجادل، وإنما يجب عليه التزود بالتقوى في مناسك الحج.
وقال تعالى عن الزكاة: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103] فالزكاة تزكية للمسلم وتطهير له، لتعود الفائدة الخالصة للمزكي.
وقال تعالى عن الصلاة: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 45] وأكد ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدًا" (1). وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي عن الله تعالى: "يا عبادي لو أن أولكم واخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم
__________
(1) رواه الطبراني عن ابن عباس بإسناد ضعيف، ورواه علي بن معبد من حديث الحسن مرسلًا بإسناد صحيح (انظر فيض القدير: 6 ص 221).
(1/106)

وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك في ملكي شيئًا" (1).
وفي المعاملات بيَّن الله تعالى الهدف منها، وأنها لتحقيق مصالح الناس بجلب المنافع لهم ودفع المفاسد والأضرار والمشاق عنهم، وإزالة الفساد والغش وغيره من معاملاتهم، قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} ثم قال تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} إلى قوله تعالى محددًا الهدف والغاية من ذلك: {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا} [البقرة: 282] , وقال تعالى في النهي عن أكل المال بالباطل وأنه ظلم وإثم وطغيان ومفسدة: {ولَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188)} [البقرة: 188].
وبين تعالى الحكمة والهدف والمقصد من تحريم الخمر فقال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)} [المائدة: 91].
وبين عَزَّ وَجَلَّ الحكمة والغاية من مشروعية القصاص وأنها لتأمين الحياة البشرية، وحفظ الأنفس والأرواح فقال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)} [البقرة: 179] , وأكد ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "حَدٌّ يُعمل به في الأرض خيرٌ لأهلِ الأرْض من أن يُمْطَروا أربعين صباحًا" (2).
__________
(1) رواه مسلم والحاكم وابن حبان وأبو عوانة عن أبي ذر مرفوعًا. (انظر الإتحافات السنية في الأحاديث القدسية: ص 41).
(2) رواه النسائي وابن ماجه عن أبي هريرة مرفوعًا. (انظر: سنن النسائي: 8 ص 68، سنن ابن ماجه: 2 ص 848).
(1/107)

وبين تعالى أنه لا يهدف من التكليف الإرهاق، بل الهدف من الأحكامِ رفع الحرج والمشقة عن الناس، فقال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] , وقال تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 6] وقال تعالى: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78].
وهكذا يثبت قطعًا أن الله تعالى شرع الأحكام لمقاصد، وأن هذه المقاصد منها كلية، ومنها جزئية، وأن العلماء بينوا معرفة المقاصد الكلية والجزئية (1).

ثالثًا: الفائدة من معرفة مقاصد الشريعة:
إن معرفة مقاصد الشريعة لها أهمية عظيمة، وفوائد كثيرة بالنسبة للطالب والفقيه والعالم والمجتهد.
أما فائدتها بالنسبة للطالب والباحث فتتحدد بما يلي:
1 - أن يعرف الطالب الإطار العام للشريعة، ويُكوِّن عند التصور الكامل للإسلام، ويحصل عنده الصورة الشاملة لتعاليمه، لتتكون لديه النظرة الكلية الإجمالية لأحكامه وفروعه، وبالتالي يدرك الطالب المكان
__________
(1) انظر الموافقات: 2 ص 289، مقاصد الشريعة الإِسلامية: ص 22، شرح الكوكب المنير: 1 ص 314.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: "إن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها". (الفتاوى الكبرى: 20 ص 48، السياسة الشرعية: ص 47).
وقال الإمام البيضاوي: "لكن نص في القياس على أن الاستقراء قال على أن الله سبحانه وتعالى لا يفعل إلا لحكمة وإن كان على سبيل التفضل" (نهاية السول، شرح منهاج الأصول: 1 ص 150).
وقال العلامة الشاطبي: "لأن الأعمال الشرعية ليست مقصودة لأنفسها، وإنما قصد بها أمور أخر، هي معانيها، وهي المصالح التي شرعت من أجلها".
(الموافقات: 2 ص 283). وانظر: قواعد الأحكام: 1 ص 5 , 10.
(1/108)

الطبيعي لكل مقرر دراسي، ومادة علمية، ويعرف موقعها الحقيقي في ذلك، ومن ثم تتحدد لديه بشكل عام ما يدخل في الشريعة وما يخرج منها، فكل ما يحقق مصالح الناس في العاجل والآجل، في الدنيا والآخرة فهو من الشريعة، ومطلوب من المسلم، وكل ما يؤدي إلى الفساد والضرر، والاضطراب والمشقة فهو ليس من الشريعة، بل هو منهي عنه، وهذا يساعده على وضع اللبنات في أماكنها، ويقيم المواد على قواعدها (1).
2 - إن دراسة مقاصد الشريعة تبين للطالب الأهداف السامية التي ترمي إليها الشريعة في الأحكام، وتوضح للطالب الغايات الجليلة التي جاءت بها الرسل، وأنزلت لها الكتب، فيزداد إيمانًا إلى إيمانه، وقناعة في وجدانه، ومحبة لشريعته، وتمسكًا بدينه، وثباتًا على صراطه المستقيم، فيفتخر بدينه ويعتز بإسلامه، وخاصة إذا قارن ذلك مع بقية التشريعات والأنظمة الوضعية.
3 - إن مقاصد الشريعة تعين الطالب في الدراسة المقارنة على ترجيح القول الذي يحقق مقاصد الشريعة، ويتفق مع أهدافها في جلب المنافع ودفع المفاسد، وخاصة في قضاء المظالم والسياسة الشرعية فيما لا نص فيه.
4 - إن بيان مقاصد الشريعة يبرز للطالب الهدف الذي سيدعو الناس إليه بعد التخرج، وأن دعوته ترمي إلى تحقيق مصالح الناس ودفع
__________
(1) يقول العلامة ابن القيم: "إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وان أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل اللهِ بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله - صلى الله عليه وسلم - أتم دلالة وأصدقها"، (أعلام الموقعين: 3 ص 5 تحقيق الوكيل).
(1/109)

المفاسد عنهم، وأنها ترشد إلى الوسائل والسبل التي تحقق لهم السعادة في الدنيا، والفوز برضوان الله في الآخرة، وأن مهمة الأنبياء والرسل كانت تهدف إلى تحقيق هذه المقاصد، والعلماء ورثة الأنبياء في الدعوة إلى الصلاح والإصلاح، وتسعى للبر والفضيلة، وتحذر من الفساد والإثم والرذيلة والشر، ولذلك كانت وظائف الأنبياء أنبل الأعمال، وأشرف الأمور، وأسمى الغايات، وأقدس المهمات، ومن سار على طريقهم لحق بهم، ونال أجرهم.
أما أهمية معرفة مقاصد الشريعة بالنسبة للعالم والفقيه والمجتهد (1) فتظهر في الفوائد التالية:
1 - الاستنارة بها في معرفة الأحكام الشرعية الكلية والجزئية من أدلتها الأصلية والفرعية المنصوص عليها.
2 - الاستعانة بمقاصد الشريعة في فهم النصوص الشرعية وتفسيرها بشكل صحيح عند تطبيقها على الوقائع.
3 - الاسترشاد بمقاصد الشريعة عند تحديد مدلولات الألفاظ ومعانيها, لتعيين المعنى المقصود منها؛ لأن الألفاظ والعبارات قد تتعدد معانيها، وتختلف مدلولاتها -كما سبق بيانه في أسباب اختلاف الفقهاء- فتأتي المقاصد لتحديد المعنى المقصود منها.
4 - الرجوع إلى مقاصد الشريعة عند فقدان النص على المسائل والوقائع الجديدة، فيرجع المجتهد والفقيه والقاضي إلى مقاصد الشريعة لاستنباط الأحكام بالاجتهاد والقياس والاستحسان والاستصلاح وغيرها
__________
(1) يقول السبكي رحمه الله تعالى: "واعلم أن كمال رتبة الاجتهاد تتوقف على ثلاثة أشياء. .. ، الثالث أن يكون له من الممارسة والتتبع لمقاصد الشريعة ما يكسبه قوة يفهم بها مراد الشرع من ذلك" الإبهاج، له: 1/ 8.
(1/110)

بما يتفق مع روح الدين، ومقاصد الشريعة وأحكامها الأساسية.
5 - إن مقاصد الشريعة تعين المجتهد والقاضي والفقيه على الترجيح عند تعارض الأدلة، الكلية أو الجزئية في الفروع والأحكام، وكثيرًا ما يكون التعارض ظاهريًّا بين الأدلة، ويحتاج الباحث إلى معرفة السبل للتوفيق بينها، أو معرفة الوسائل للترجيح، وإن طرق الترجيح في الفقه وأصول الفقه كثيرة، ومنها الترجيح بمقاصد الشريعة.
وهذه الفوائد تحتم على الباحث والعالم والفقيه والمجتهد أن يضع مقاصد الشريعة نصب عينيه لتضيء له الطريق، وتصحح له المسار، وتعينه على الوصول إلى الحق والعدل، والصواب والسداد.
وقد لمس رجال التشريع هذه الأهمية والفوائد، ولجأت السلطات التشريعية في الدول المعاصرة إلى وضع المذكرات التفسيرية للقانون أو للنظام، لتبين للناس عامة المقصد الخاص لكل مادة، ليتمكن شراح القانون والقضاة والمحامون من حسن فهم القانون، وحسن تطبيقه وتنفيذه بما يتفق مع روح التشريع والقصد الذي وضع من أجله.
كما تطلب معظم الأنظمة في العالم من القضاة أن يحكموا بمبادئ العدالة وبما يتفق مع المبادئ العامة عندما يفقدون النص في النظام على أمر ما.
كما أن فقهاء الشريعة الإِسلامية اتفقوا على أن تصرفات الإِمام (الحاكم) منوطة بالمصلحة، أي إن جميع تصرفات الحكام مرتبطة بتحقيق مصالح الناس، فإن خرجت من المصلحة إلى المفسدة كانت باطلة، ويتعرض أصحابها إلى المسؤولية في الدنيا والآخرة (1).
__________
(1) يقول العلامة الشيخ محمَّد الطاهر بن عاشور: "وليس كل مكلف بحاجة إلى معرفة مقاصد الشريعة؛ لأن معرفة مقاصد الشريعة نوع دقيق من أنواع العلم" ثم يقول: =
(1/111)

رابعًا: تقسيم المقاصد بحسب المصالح:
قلنا: إن مقاصد الشريعة هي تحقيق مصالح الناس، ولكن مصالح الناس ليست على درجة واحدة من حيث الأهمية والخطورة وحاجة الناس إليها، وإنما هي على مستويات مختلفة، ودرجات متعددة، فبعض المصالح ضروري وجوهري يتعلق بوجود الإنسان ومقومات حياته، وبعضها يأتي في الدرجة الثانية ليكون وسيلة مكملة للمصالح الضرورية السابقة، وتساعد الإنسان على الاستفادة الحسنة من جوانب الحياة المختلفة في السلوك والمعاملات وتنظيم العلاقات، وبعض المصالح لا تتوقف عليها الحياة، ولا ترتبط بحاجات الإنسان، وإنما تتطلبها مكارم الأخلاق والذوق الصحيح والعقل السليم، لتأمين الرفاهية للناس، وتحقيق الكماليات لهم (1).
ومن هنا حصر العلماء مصالح الناس وقسموها بحسب أهميتها وخطورتها وأثرها في الحياة وحاجة الناس إليها إلى ثلاثة أقسام، وأن مقاصد الشريعة جاءت لتحقيق هذه المصالح بأقسامها الثلاثة وهي:

1 - المصالح الضرورية:
وهي التي تقوم عليها حياة الناس الدينية والدنيوية، ويتوقف عليها وجودهم في الدنيا ونجاتهم في الآخرة، وإذا فقدت هذه المصالح الضرورية اختل نظام الحياة، وفسدت مصالح الناس، وعمت فيهم الفوضى وتعرض وجودهم للخطر والدمار والضياع والانهيار.
__________
= "وحق العالم فهم المقاصد، والعلماء في ذلك متفاوتون على قدر القرائح والفهوم"، (مقاصد الشريعة الإِسلامية: ص 18).
وانظر: علم أصول الفقه، للمرحوم خلاف: ص 198 ط 8، مقاصد الشريعة الإِسلامية: ص 15 وما بعدها.
(1) انظر: قواعد الأحكام: 1 ص 29 وما بعدها، 42 وما بعدها، 71.
(1/112)

وتنحصر مصالح الناس الضرورية في خمسة أشياء، وهي: الدين والنفس والعقل والعرض أو النسب والمال (1)، وقد جاءت الشريعة الغراء لحفظ هذه المصالح الأساسية، وإن مقاصد الشريعة الأساسية مرتبطة بها، وهي:
1 - حفظ الدين، 2 - حفظ النفس، 3 - حفظ العقل، 4 - حفظ النسل أو العرض أو النسب، 5 - حفظ المال، وقد اتفقت الشرائع السماوية على مراعاة هذه الأصول الأساسية والمصالح الضرورية للناس.
قال حجة الإِسلام الغزالي رحمه الله: "ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعها مصلحة" (2).

2 - المصالح الحاجية:
وهي الأمور التي يحتاجها الناس لتأمين شؤون الحياة بيسر وسهولة، وتدفع عنهم المشقة وتخفف عنهم التكاليف، وتساعدهم على تحمل أعباء الحياة، وإذا فقدت هذه الأمور لا يختل نظام حياتهم، ولا يتهدد وجودهم، ولا ينتابهم الخطر والدمار والفوضى، ولكن يلحقهم الحرج والضيق والمشقة، ولذلك تأتي الأحكام التي تحقق هذه المصالح الحاجية للناس لترفع عنهم الحرج، وتيسر لهم سبل التعامل، وتساعدهم على صيانة مصالحهم الضرورية، وتأديتها، والحفاظ عليها عن طريق "الحاجيات" (3).
__________
(1) انظر المستصفى: 1 ص 286، علم أصول الفقه، خلاف: ص 199 ط 8، الموافقات: 2 ص 4، الأصول العامة: ص 60، 61.
(2) المستصفى: 1 ص 287.
(3) انظر: المستصفى: 1 ص 289.
(1/113)

3 - المصالح التحسينية:
وهي الأمور التي تطلبها المروءة والآداب، ويحتاج إليها الناس لتسيير شؤون الحياة على أحسن وجه وأكمل أسلوب، وأقوم منهج، وإذا فقدت هذه الأمور فلا تختل شؤون الحياة، ولا ينتاب الناس الحرج والمشقة، ولكن يحسون بالخجل، وتتقزز نفوسهم، وتستنكر عقولهم، وتأنف فطرتهم من فقدها.
وهذه الأمور التحسينية ترجع إلى ما تقتضيه الأخلاق والأذواق الرفيعة، وتكمل المصالح الضرورية والمصالح الحاجية على أرفع مستوى وأحسن حال (1).
وجاءت الشريعة الإِسلامية لتأمين هذه المصالح جميعًا، بأن نصت على كل منها، وبينت أهميتها وخطورتها ومكانتها في تحقيق السعادة للإنسان، ثم شرعت الأحكام لتحقيقها، كما سنفصله في الفقرة التالية.

خامسًا: الوسائل الشرعية لتحقيق المقاصد:
يدل الاستقراء والبحث والدراسة والتأمل على أن الشرع الحنيف جاء لتحقيق مصالح الناس الضرورية والحاجية والتحسينية، وأن الأحكام الشرعية كلها إنما شرعت لتحقيق هذه المصالح، وأنه ما من حكم شرعي إلا قصد به تحقيق أحد هذه المصالح أو أكثر، بحيث يكفل التشريع جميع المصالح بأقسامها الثلاثة.
وكان منهج التشريع لرعاية هذه المصالح عن طريقين أساسيين:
أ- الأحكام الشرعية التي تؤمن إيجاد هذه المصالح وتكوينها.
__________
(1) انظر: الموافقات: 2 ص 6، علم أصول الفقه، خلاف: ص 200 ط 8، المستصفى: 1 ص 290.
(1/114)

ب- الأحكام الشرعية لحفظ المصالح وصيانتها ورعايتها ومنع الاعتداء عليها أو الإخلال بها، أو ضمانها والتعويض عنها (1).
ونريد أن نفصل الكلام عن كل قسم مع بيان الأدلة لذلك، وضرب الأمثلة لكل منها بما يؤكد مقاصد الشريعة في حفظ هذه المصالح.

1 - الوسائل الشرعية لحفظ المصالح الضرورية:
وردت أحكام كثيرة جدًّا تدعو لتأمين المصالح الضرورية للناس، وتسعى لإيجادها على أحسن وجه وأفضل طريقة، ثم تكفل حفظها ورعايتها.
فالدين مصلحة ضرورية للناس؛ لأنه ينظم علاقة الإنسان بربه، وعلاقة الإنسان بنفسه، وعلاقة الإنسان بمجتمعه، وقد شرع الإِسلام أحكامًا كثيرة لتنظيم هذه العلاقات كلها، فبين أحكام العقيدة بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقضاء خيره وشره، وشرع أركان الإِسلام الخمس، وهي: الشهادتان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت الحرام، وشرع أنواع العبادات وكيفيتها لتنمية الدين في النفوس، وترسيخه في القلوب، وإيجاده في الحياة والمجتمع، ونشره في أرجاء المعمورة، وأوجب الدعوة إليه لإخراج الناس من الظلمات إلى النور.
ثم شرع الجهاد لحفظه ورعايته وضمانه سليمًا وعدم الاعتداء عليه، ومنع الفتنة في الدين، قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} [البقرة: 193]، وشرع عقوبة المرتد عن دينه، وبيَّن عقوبة المبتدع والمنحرف عن دينه وطالب الأخذ على يد تارك الصلاة ومانع الزكاة،
__________
(1) انظر الموافقات: 2 ص 5، علم أصول الفقه، خلاف: ص 201 ط 8، الأصول العامة: ص 65.
(1/115)

والمفطر في رمضان، والمنكر لما علم من الدين بالضرورة ... وغير ذلك، لإبعاد الناس عن الخبط في العقائد وحفظهم من مفاسد الشرك، وإنقاذهم من وساوس شياطين الإنس والجن، وعدم الوقوع في الضلال والانحراف، وحتى لا يسف العقل في عبادة الأحجار والأصنام، أو الأبقار والقرود والحيوان، أو الشمس والقمر والنجوم، أو تأليه الأشخاص وعبادة البشر، ولينقذ البشرية من طقوس العبادات المزيفة، والترانيم السخيفة، والاعتقادات الباطلة (1).
ويجب أن يعلم المسلم أن مصلحة الدين أساس للمصالح الأخرى، وأن حفظه مقدم على بقية المصالح، بل إن الدين في ذاته حفاظ لجميع مصالح العباد في الدنيا والآخرة (2).
والنفس هي ذات الإنسان، وهي مقصودة بذاتها في الإيجاد والتكوين، وفي الحفظ والرعاية كما سبق بيانه.
وشرع الإِسلام لإيجادها وتكوينها الزواج للتوالد والتناسل لضمان النقاء الإنساني والوجود البشري، واستمرار النوع السليم على أكمل وجه وأفضله وأحسنه، ثم حرم الزنا وبقية أنواع الأنكحة الفاسدة الباطلة.
وشرع الإِسلام لحفظ النفس ورعايتها وعدم الاعتداء عليها وجوب تناول الطعام والشراب واللباس والمسكن، وأوجب القصاص والدية والكفارة (3).
والعقل أسمى شيء في الإنسان، وأبرز ميزة وصفة تميزه عن بقية
__________
(1) انظر المستصفى: 1 ص 287، الموافقات: 2 ص، ضوابط المصلحة: ص 119.
(2) انظر: ضوابط المصلحة: ص 58 وما بعدها.
(3) انظر: علم أصول الفقه، خلاف: ص 201، ط 8، الأصول العامة: ص 130، الموافقات: 2 ص 5، قواعد الأحكام؛ 2 ص 5 والمستصفى: 1 ص 287.
(1/116)

الحيوان، وهو أعظم منحة من رب العالمين للإنسان ليرشده إلى الخير ويبعده عن الشر، ويكون معه مرشدًا ومعينًا.
وإن وجود العقل جزء من إيجاد النفس، وأحكامها أحكامه، ولكن الحفاظ عليه يختلف عنها، ويختص بوسائل خاصة، فشرع الإِسلام أحكامًا للحفاظ على العقل، فدعا إلى الصحة الكاملة للجسم، لتأمين العقل الكامل، فالعقل السليم في الجسم السليم، وحرم الإِسلام الخمر وجميع المسكرات التي تزيل العقل، وتلغي وجوده، وتؤثر عليه، وشرع الإِسلام حد الخمر لمن يتناول هذه المشروبات النجسة الضارة، لأن الحفاظ على العقل مصلحة ضرورية للإنسان، وإلا فقد أعز ما يملك (1).
والعرض فرع من النفس الإنسانية (2)، وهو ما يمدح الإنسان به أو يذم، وهو أحد الصفات الأساسية المعنوية للإنسان، والتي تميزه عن بقية الحيوان، والقصد منه حفظ النسل والنسب بأرقى الوسائل، وأشرف الطرق ويعبر عنه العلماء بحفظ النسب أو النسل، وإن وجود النسب والنسل فرع عن وجود النفس الإنسانية التي شرع الله لوجودها الزواج، ويتأكد وجود النسل والنسب بأحكام الأسرة، وإن الحفاظ على العرض مقصود بذاته من جهة، وهو وسيلة لحفظ النسل والذرية من جهة أخرى، حتى لا تختلط الأنساب، وتضيع الذرية ويتشرد الأطفال.
وقد شرع الإِسلام للحفاظ على العرض ورعايته أحكامًا كثيرة تبدأ من غض النظر وتنتهي بإقامة الحد على الزاني الذي يعتدي ماديًا على العرض، وإقامة حد القذف على القاذف الذي يعتدي أدبيًّا على
__________
(1) انظر: الأصول العامة: ص 136، والمراجع السابقة.
(2) يرى الطاهر بن عاشور رحمه الله أن الضروري هو حفظ النسل من التعطيل، وليس حفظ النسب أو العرض ضروريًّا، بل حاجيًا (مقاصد الشريعة، له: ص 81).
(1/117)

العرض (1).
والمال شقيق الروح كما يقولون، وهو ما يقع عليه الملك ويستبد به المالك عن غيره، وهو الوسيلة التي تساعد الناس على تأمين العيش وتبادل المنافع والاستفادة من جوانب الحياة الكثيرة، وما سخره الله تعالى للإنسان في هذا الكون، ولذلك كان المال مصلحة ضرورية للناس، وإلا صارت حياتهم فوضى وبدائية وهمجية.
وقد شرع الإِسلام لإيجاده وتحصيله السعي في مناكب الأرض والكسب المشروع والمعاملات الشرعية التي تكفل الحصول عليه وتوفيره للمسلم.
وشرع الإِسلام لحفظه وحمايته ومنع الاعتداء عليه أحكامًا كثيرة، فحرم السرقة، وأقام الحد على السارق، وحرم أكل أموال الناس بالباطل، واعتبر العقد عليها باطلًا، ومنع إتلاف أموال الآخرين وشرع الضمان والتعويض على المتلف والمتعدي (2).
وهكذا نلاحظ أن الإِسلام شرع لكل مصلحة ضرورية للناس أحكامًا تكفل إيجادها وتكوينها، وأحكامًا ترعى حفظها وصيانتها, ليؤمن لهم المصالح الضرورية، ويكفل لهم حفظها وبقاءها واستمرارها، ثم أباح الله تعالى المحظورات إذا تعرضت المصالح الضرورية للخطر والتهديد.

2 - الوسائل الشرعية لحفظ المصالح الحاجية:
شرع الله تعالى أحكامًا لا حصر لها لرعاية المصالح الحاجية
__________
(1) انظر الأصول العامة: ص 149، والمراجع السابقة.
(2) انظر الموافقات: 2 ص 5، علم أصول الفقه، خلاف: ص 201، ط 8، الأصول العامة: ص 153، قواعد الأحكام: 2 ص 5.
(1/118)

للناس، فشرع الرخص في العبادات والعقيدة لرفع الحرج والمشقة عن الناس للتخفيف عنهم، فأباح الفطر في رمضان، وشرع قصر الصلاة وجمعها للمسافر والحاج، وأجاز للعاجز صلاة الفرض قاعدًا ومستلقيًا وعلى جنب، وأباح التيمم والمسح على الجبيرة والمسح على الخفين للمعذور، وشرع البيوع والشركات والإجارة لتأمين التعامل الصحيح بين الناس وإرشادهم إلى القواعد السليمة والأسس العادلة في التبادل والأخذ والعطاء، لتأمين حاجيات الناس وجلب النفع لهم ودفع الضرر والظلم والغش عنهم.
وشرع للحفاظ على الحاجيات الضمان في المال، والبطلان والفساد في العقود، ورغب في الرخص، فرخص تعالى في بعض العقود التي لا تنطبق عليها الأسس العامة في العقود، فشرع السلم وهو بيع للمعدوم، وشرع الاستصناع والمزارعة والمساقاة ... لرفع الحرج عن الناس في التعامل، كما شرع الطلاق كدواء لأمراض الزوجية المستعصية، وهو أبغض الحلال إلى الله، وأحل الله الصيد ... ، وفي العقوبات فرض الدية على العاقلة في القتل الخطأ تخفيفًا على القاتل، وأن الحدود تدرأ بالشبهات، ورغب ولي المقتول بالعفو عن القصاص والإحسان إلى الجاني (1).
وقد وردت النصوص الشرعية صريحة واضحة لتأكيد هذه المعاني، وبيان الحِكَم في مشروعية الأحكام التي تحقق المصالح الحاجية للناس، وترفع الحرج عنهم فقال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28] وقال تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة: 6] , وقال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ
__________
(1) انظر الموافقات: 2 ص 5، علم أصول الفقه، خلاف: ص 202 ط 8، قواعد الأحكام 2 ص 8، المستصفى: 1 ص 289.
(1/119)

وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] , وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن مشروعية قصر الصلاة: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" (1).

3 - الوسائل الشرعية لحفظ المصالح التحسينية:
شرع الله تعالى أحكامًا كثيرة لتأمين المصالح التحسينية للناس، وتحقيق مصالحهم فيها، بما تقتضيه المروءة ومكارم الأخلاق في مختلف فروع الشريعة، لتؤدى مصالح الناس على أكمل وجه وأحسنه.
فشرع الله في العبادات أحكامًا لتكون العبادة على أقوم السبل، كالطهارة في الجسم والثوب والمكان، وستر العورة، وأخذ الزينة عند كل مسجد، والتطوع بالصيام والصدقة، والحجاب.
وفي المعاملات حرم الغش والتدليس والاحتكار، وحرم الإسراف والتقتير في الإنفاق، ونهى عن بيع الإنسان على بيع أخيه، ونهى عن بيع النجاسات.
وفي الجهاد حرم قتل النساء والصبيان والرهبان، ومنع قطع الشجر، ونهى عن الغدر والتمثيل بالقتلى، وطلب الإحسان في معاملة الأسرى، وعدم الإكراه في الدين.
وفي العقوبات والقصاص فرض المماثلة والإحسان في القتل وجعل حق الدم لأولياء القتيل، ولكن عن طريق القضاء والسلطان.
ثم أفاض الإِسلام في رعاية الأخلاق العامة، والآداب الراقية، والفضائل السامية (2)، وصرح الرسول الكريم بذلك فقال: "إنما بعثت
__________
(1) رواه الإمام مسلم وأصحاب السنن عن عمر رضي الله عنه مرفوعًا، (انظر فيض القدير: 4 ص 191).
(2) انظر: الموافقات: 2 ص 9، علم أصول الفقه، خلاف: ص 204، ط 8، المستصفى: 1 ص 290.
(1/120)

لأتمم مكارم الأخلاق" (1).

4 - الأحكام المتممة والمكملة لحفظ المصالح:
اقتضت الحكمة الإلهية أن تضع أحكامًا تشريعية إضافية مكملة للأحكام التي شرعت لحفظ نوع من أقسام المصالح، وقد شرعت هذه الأحكام المكملة لتحقيق مقاصد الشريعة على أكمل وجه وأتمه وأحسنه، ولتكون أمانًا احتياطيًا، وسياجًا واقيًا للحفاظ على مصالح الناس، دون أن تتعرض لنقص أو خدش أو خطر.
فشرع الإِسلام الصلاة لحفظ الدين، وشرع للصلاة أحكامًا تكميلية كالأذان لإعلانها، وصلاة الجماعة في المسجد، وخطبة الجمعة والعيدين لتعليم الناس أمور دينهم.
وشرع القصاص لحفظ النفوس، وشرع لإكماله التماثل في النفس والعضو والجروح، وحرم الزنا لحفظ العرض، وشرع لإكماله تحريم الخلوة ومنع النظر إلى الأجنبية، وحرم الإِسلام الخمر لحفظ العقل، وشرع لإكماله تحريم القليل منه ولو لم يسكر؛ لأنه يريد أن يسد منافذ الشيطان بشكل يقيني حاسم، كما طلب الشارع التورع عن الشبهات والمحرمات، وأن لا يحوم المسلم حول الحمى حتى لا يقع فيه، وشرع الإشهاد في المعاملات واشترط الكفاءة في الزواج، وأوجب النفقة الزوجية وطلب حسن المعاشرة لتأمين السعادة الكاملة في الأسرة.
وشرع الإِسلام لتكميل الحاجيات الشروط في العقود، ونهى عن الغرر والجهالة وكل ما يؤدي إلى التخاصم والاختلاف، لتتم مصالح الناس الحاجية دون أن تؤدي إلى الخصومات والخلافات والأحقاد
__________
(1) رواه الإمام مالك وأحمد عن أبي هريرة بلاغًا ومرفوعًا. (انظر الموطأ: ص 564، مسند أحمد: 2 ص 281).
(1/121)

والأضغان بين الأفراد.
وفي التحسينيات بيَّن الشارع شروط الطهارة، والإحسان بالتعامل، والتحلي السامي بمكارم الأخلاق، وأن يترفع المسلم عن المعاملة بالمثل، كما طلب الشارع الإنفاق من الطيب الحلال، وأن يحسن المسلم الأضحية والعقيقة ليقدمها بين يديه يوم القيامة (1).
ونبادر إلى التنبيه إلى أن هذا التقسيم للأحكام بحسب مقاصد الشريعة ومصالح الناس لا يعني أن الأحكام الضرورية فرض وواجب، وأن الأحكام الحاجية مندوبة وسنة، وأن الأحكام التحسينية مباحة، وإنما شرعت الأحكام لتحقيق مصالح الناس الضرورية والحاجية والتحسينية، وفي كل قسم منها فرائض ومندوبات ومباحات.

سادسًا: ترتيب الأحكام الشرعية بحسب المقاصد:
تبين لنا من النظر العقلي والواقع الملموس أن مصالح الناس متدرجة ومرتبة بحسب أهميتها ومكانتها في الحياة الإنسانية، وجاءت الأحكام الشرعية مطابقة لذلك، فجاءت على درجات مختلفة بحسب مصالح الناس، ويأتي ترتيبها بحسب أهميتها، فأهمها الأحكام التي شرعت لتحقيق المصالح الضرورية؛ لأنه يترتب على تركها وضياعها الاختلال في نظام الحياة، ثم تأتي الأحكام التي شرعت لتحقيق المصالح الحاجية؛ لأنه يترتب على عدم الأخذ بها وقوع الناس في الضيق والحرج، والشدة والمشقة والعسر، ثم تأتي الأحكام التي شرعت لتحقيق المصالح التحسينية، وأخيرا تأتي الأحكام المكملة لكل نوع من الأنواع السابقة.
ويظهر من ذلك أيضًا أن الأحكام الحاجية هي كالتتمة والتكملة
__________
(1) انظر الموافقات: 2 ص 6.
(1/122)

والصيانة للمصالح الضرورية وأحكامها، وأن التحسينيات مكملة للحاجيات، فالضروريات هي أصل المصالح كلها، وهي مقصود الشارع الأصلي، فشرع لها الأحكام الأصلية ثم صانها ورعاها وحفظها ببقية الأحكام.
وينتج عن ذلك أنه إذا تعرضت المصالح الضرورية أو إحداها للخلل أدى ذلك إلى اختلال المصالح الحاجية والتحسينية، وإذا اختل حكم حاجي أو تحسيني فإنه يؤثر بطريق غير مباشر على المصالح الضرورية بوجه من الوجوه، وينذرها بالخطر، لذلك تجب المحافظة على المقاصد الحاجية، والمقاصد التحسينية حتى لا تتعرض المصالح الضرورية للخلل، و"في إبطال الأخف جرأة على ما هو آكَدُ منه، ومدخل للإخلال به، فصار الأخف كأنه حِمًى للآكَد، والراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه" (1).
وإذا تعارض حكمان من الأحكام الشرعية، فيقدم الأهم فالأهم، وقد وضع العلماء قواعد للترجيح في ذلك، منها:
1 - تقدم الأحكام المشروعة للمصالح الضرورية على الأحكام المشروعة للمصالح الحاجية والتحسينية، فالصلاة المفروضة لحفظ الدين مقدمة على البيع والشراء، والمعاملات المشروعة لحفظ المصالح الحاجية، ومقدمة على النوافل والذكر وتلاوة القرآن، والمؤمن يترك البيع والشراء في بعض الأوقات لأداء العبادات المفروضة من صلاة وصيام وحج حتى لا تفوت عليه هذه العبادات؛ لأن حفظ الدين
__________
(1) الموافقات: 2 ص 13، وانظر المرجع نفسه: 2 ص 9، 10.
ويقول العز عبد السلام: (طلب الشرع لتحصيل أعلى الطاقات كطلبه لتحصيل أدناها في الحد والحقيقة، كما أن طلبه لدفع أعظم المعاصي كطلبه لدفع أدناها؛ إذ لا تفاوت بين طلب وطلب" (قواعد الأحكام: 1 ص 22)،
(1/123)

ضروري وأهم من ممارسة المعاملات وحفظ الحاجيات، وإذا مرض إنسان فإنه يباح له أن يكشف عورته على الطبيب للمعالجة وأخذ الدواء، ويرخص له أن يفطر في رمضان، ليحافظ على صحته، ولكي لا يعرض نفسه للخطر والهلاك، وليرفع عنها المشقة والحرج، ولأن حفظ النفس أهم من ستر العورة، قال تعالى في آية الصيام:
{وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185].
وأنه لا يصح الأخذ بحكم حاجي أو تحسيني إذا كان في تطبيقه مساس أو تأثير على حكم ضروري، فلا يصح البيع والشراء إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة؛ لأن ذلك يؤدي إلى هدم أمر ضروري، وهو إقامة الدين وتأدية شعائره في الخطبة وصلاة الجمعة.
وإذا تعارض حكم مشروع لتحقيق الحاجيات مع حكم مشروع لتحقيق التحسينات فإنه يقدم الأول، فمن التحسينيات النهي عن بيع المعدوم، والنهي عن الجهالة في البيع، ولكن الشارع أباح ذلك في السلم والاستصناع لرفع الحرج والمشقة عن الناس.
2 - إن المصلحة العامة في كل قسم من أقسام المصالح تقدم على المصلحة الخاصة فيه، فالمصلحة العامة في أحد الضروريات تقدم على المصلحة الخاصة فيه، كما لو تترس الكفار وراء أسرى المسلمين، وكما يجوز الإقدام على القتل والقتال في المعركة للحفاظ على حياض المسلمين والدفاع عن أرواحهم، والمصلحة العامة في الحاجيات تقدم على المصلحة الخاصة في الحاجيات؛ فيحرم الاحتكار؛ لأن فيه ضررًا بمصلحة حاجية عامة، والمصلحة العامة في التحسينات تقدم على المصلحة الخاصة فيها, ولذلك ورد النهي عن التطويل في الصلاة، وأن من أمَّ في الناس فليخفف، والمصلحة العامة مثلًا في الجهاد لحفظ الدين مقدمة قطعًا على المصلحة الخاصة في حفظ النفس والمال،
(1/124)

ولذلك شرع الجهاد في سبيل الله لإقامة الدين والحفاظ عليه، مع ما فيه من تعريض النفس والمال للقتل والهلاك والخطر (1).
والمصلحة العامة في الضروريات كلها تقدم بالأولى على المصلحة الخاصة في الحاجيات والتحسينات، فالجهاد مقدم على المعاملات وإقامة النوافل.
3 - إن الأحكام لرعاية المصالح الضرورية نفسها على درجات، فبعضها أهم من بعض، فيجب مراعاة الأهم فالمهم، فحفظ الدين أهم من حفظ النفس، فشرع الجهاد بالنفس والمال للحفاظ على الدين، وحفظ النفس أهم من حفظ العقل، فهذا تعرضت النفس للهلاك فيرخص بشرب الخمر، وتباح المحظورات عند الضرورة التي تهدد الإنسان بإتلاف نفسه أو عضو منه، مما يطول شرحه وتفصيله (2).
4 - ونختم هذه الفقرة بسرد أهم القواعد الفقهية التي وضعها العلماء لترجيح أحد الأحكام والمصالح على بعض، وهي:
1 - الضرورات تبيح المحظورات.
2 - يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام.
3 - يرتكب أخف الضررين لاتقاء أشدهما.
4 - يختار أهون الشرين.
5 - المشقة تجلب التيسير.
6 - الحرج مرفوع شرعًا.
7 - الحاجات تنزل منزلة الضرورات في إباحة المحظورات.
__________
(1) انظر المستصفى: 1 ص 294 وما بعدها.
(2) انظر ضوابط المصلحة: ص 60.
(1/125)

8 - الضرر يزال شرعًا.
9 - الضرر لا يزال بالضرر.
10 - دفع المضار مقدم على جلب المنافع.
11 - درء المفاسد أولى من جلب المصالح.
ونكتفي بهذا العرض الموجز لمقاصد الشريعة، لنترك التفصيل والشرح للدراسات المعمقة والتخصصية.
(1/126)

الباب الأول في مصادر التشريع الإسلامي
(1/127)

مقدمة
إن الله خلق آدم، وخلقه في أحسن تقويم، واصطفاه على غيره من المخلوقات، وجعله خليفة على الأرض، وسخر له الكون وما فيه من شمس وقمر ونجوم وأنهار وبحار ودواب، وعندما خلق الله الإنسان لم يخلقه عبثًا، ولم يتركه سدى، وإنما أنزل عليه الوحي هدى وإرشادًا، قال الله تعالى: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38)} [البقرة: 38] وأرسل الله لكل قوم أو أمة نبيًّا أو رسولًا، يعلمهم العقيدة ويرسم لهم نظام الحياة، قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إلا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (24)} [فاطر: 24] وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] كل ذلك ليلتزم الإنسان بشريعة الله وهداه، ويتمسك بأحكامه ومبادئه، وهذا يوجب أن يحقق الإنسان خلافة الله ويطبق شريعته، ويعض عليها بالنواجذ، ويحتكم إليها، وإلا اعتبر شاذًّا ومنحرفًا وكافرًا وفاسقًا، قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47)} [المائدة: 47] الكافرون كالظالمون، وكان من صفات المؤمنين الاستسلام لحكم الله تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51)} [النور: 51].
فأحكام الله تعالى وشريعته جاءت لهداية الناس وإرشادهم إلى ما فيه الخير، وهذه الأحكام الشرعية لها أدلة تدل عليها، ومصادر تؤخذ منها،
(1/129)

لتكون مطابقة لإرادة الله تعالى، ومتجنبة حكم الطواغيت والأهواء والشهوات والقوانين الوضعية.

الأدلة والمصادر:
والأدلة: جمع دليل، وهو في اللغة: المرشد إلى الشيء، سواء كان حسيًّا أو معنويًّا، وفي الاصطلاح: هو ما يمكن بالنظر فيه التوصل إلى إدراك حكم شرعي على سبيل العلم أو الظن، كما سبق (1).
فالطرق والوسائل التي نتوصل بها إلى معرفة حكم الله تعالى تسمى: الأدلة الشرعية أو أدلة التشريع، وتسمى أيضًا: أصول الشرع، أو أصول التشريع؛ لأن الأصل لغة: هو ما يبنى عليه غيره، ويستند إليه في تحقيق العلم ويرجع إليه، أو هو الدليل عند الفقهاء وعلماء الأصول كما سبق (2)، كما تسمى هذه الأدلة: مصادر التشريع؛ لأن المصدر ما يتفرع عنه غيره، وتنبع منه الأشياء، فمصدر التشريع هو ما تؤخذ منه الأحكام الشرعية.
وقد رجحنا التسمية الأخيرة لحصرها في الدلالة على المطلوب، فالدليل مشترك بين الدليل الأساسي في الأصول، وبين الدليل الفرعي في الفقه، ويغلب استعماله عند الأصوليين في أدلة الأحكام الفرعية، أو في الأدلة الكلية، كالأمر للوجوب في قواعد الأصول، ولفظ أصول قد
__________
(1) صفحة 28 من هذا الكتاب.
(2) ص 22، وانظر: تيسير الوصول: 3 ص 2، والمستصفى: 1 ص 100، روضة الناظر: ص 33، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 86، كشف الأسرار: 1 ص 19، أصول السرخسي: 1 ص 277، 279، فواتح الرحموت: 2 ص 2، أصول الفقه، خلافك ص 20، أصول الفقه البرديسي: ص 16، تسهيل الوصول: ص 15، أصول الفقه الإِسلامي، شعبان: ص 26، وقد سار معظم المؤلفين في علم الأصول قديمًا وحديثًا على التسمية بالأدلة، أو أدلة الأحكام.
(1/130)

يوهم المعنى المراد في القياس، وقد ينصرف إلى أصول الدِّين في العقيدة وعلم الكلام.
ومصادر التشريع التي يعتمد عليها العلماء لمعرفة أحكام الله تعالى كثيرة بالعد، وقد تصل إلى نيف وعشرين مصدرًا، أهمها: الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستحسان والاستصحاب والمصالح المرسلة ومذهب الصحابي وشرع من قبلنا والعرف وسد الذرائع (1).
ولا بد من التنبيه إلى أن المصدر الحقيقي -في نظر المسلم- هو مصدر سماوي، لا وضعي، وأن مصدر التشريع الوحيد -بإجماع المسلمين- هو الله سبحانه وتعالى، ولا مشرع سواه، {إِنِ الْحُكْمُ إلا لِلَّهِ} [الأنعام: 57] ويتجلى هذا المصدر السماوي بالقرآن الكريم، وبما أشار إليه القرآن الكريم، وإن بقية المصادر متابعة للقرآن الكريم، أو مبينة وكاشفة لحكم الله تعالى، وليست منشئة للحكم، فالمسلم لا يقبل إلا حكم الله تعالى.

تقسيم مصادر التشريع:
تقسم هذه المصادر عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة، فتقسم من حيث أصلها إلى مصادر نقلية كالكتاب والسنة والإجماع والعرف وشرع من قبلنا ومذهب الصحابي، وهي التي لا دخل للمجتهد فيها، وتوجد قبل المجتهد، ومصادر عقلية وهي التي يظهر في تكوينها ووجودها أثر المجتهد، وهي القياس والاستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع، وهذان القسمان متكاملان؛ لأن الاستدلال بالدليل النقلي لا بد فيه من
__________
(1) مختصر ابن الحاجب: ص 48، الأحكام، الآمدي: 1 ص 14، تيسير التحرير: 3 ص 2، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 87، تنقيح الفصول، القرافي: ص 141، مرآة الأصول، منلا خسرو: ص 15، أصول السرخسي: 1 ص 278، أثر الأدلة المختلف فيها: ص 18.
(1/131)

بذل الجهد والتدبر والنظر، والاستدلال بالمعقول لا بد أن يكون معتمدًا على النقل، وإن مصادر الشريعة لا تنافي قضايا العقول (1).
وتنقسم المصادر من حيث استقلالها إلى قسمين، الأول: ما هو أصل مستقل بنفسه في إثبات الأحكام مثل الكتاب والسنة والإجماع والعرف ومذهب الصحابي، والثاني: ما لا يكون أصلًا مستقلًا، ويحتاج إلى أصل فيه، كالقياس والاستحسان وسد الذرائع، وهذا القسم يكون مُظْهِرًا للحكم لا مثبتًا له (2).
وتنقسم المصادر من حيث الاتفاق عليها إلى قسمين، الأول: مصادر متفق عليها بين جماهير أهل السنة والجماعة، وهي أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس (3)، وإن الاستدلال بها مرتب على هذا الشكل، والدليل على ذلك من القرآن والسنة وعمل الصحابة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء:
__________
(1) قال الإمام الشاطبي: الأدلة العقلية غير مستقلة بالدلالة، وإنما تستعمل مركبة على الأدلة السمعية، أو معينة في طريقها، أو محققة لمناطها، أو ما شابه ذلك، لا مستقلة بالدلالة, لأن النظر فيها نظر في أمر شرعي، والعقل ليس بشارع، الموافقات، له: 1 ص 13.
وقال في مكان آخر: إذا تعاضد النقل والعقل على المسائل الشرعية فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون متبوعًا، ويتأخر العقل فيكون تابعًا، فلا يسري العقل في مجال النظر إلا بقدر ما يسرحه النقل، الموافقات: 1 ص 53، وانظر الموافقات: 3 ص 24، أصول الفقه، الخضري: 225، 227، أصول الفقه، شعبان: ص 28، الوسيط في أصول الفقه: ص 208، وقال الماوردي رحمه الله تعالى: "العقل متبوع فيما لا ينفع فيما لا يمنع منه الشرع، والشرع مسموع فيما لا يمنع منه العقل" أدب الدين والدنيا، له، 7 ص 78.
(2) كشف الأسرار: 1 ص 19، تيسير التحرير: 3 ص 3.
(3) لم يُعتبر خلاف الظاهرية والمعتزلة في القياس، ولا خلاف المعتزلة والروافض في الإجماع، ولهذا اعتبرت مصادر متفقًا عليها.
(1/132)

59] , فالآية تدل على أحكام الله في الكتاب والسنة وإجماع أهل الحل والعقد، فإن لم يوجد فيها حكم، واختلف العلماء في المسألة فيقيسونها على النص، لقوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] , ولحديث معاذ بن جبل في القضاء والحكم، واتفاق المسلمين في عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي على الرجوع إلى الكتاب ثم السنة ثم الإجماع ثم القياس (1)، والقسم الثاني مصادر مختلف فيها، وهي الاستحسان والاستصحاب والمصالح المرسلة والعرف وشرع من قبلنا ومذهب الصحابي وسد الذرائع، وتسمى المصادر الأولى: أصلية، والثانية: مصادر تبعية؛ لأنها ترجع إلى الأولى (2).
وهذا التقسيم الأخير هو أهم تقسيم للمصادر، ولهذا نشرع بدراسة هذه المصادر بمشيئة الله، فنعطي فكرة عامة وتعريفًا مختصرًا لها، في الفصلين القادمين.
__________
(1) الأحكام، الآمدي: 1 ص 145، الموافقات: 3 ص 7، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 87، مصادر التشريع الإِسلامي: ص 44.
(2) فواتح الرحموت: 2 ص 3، تيسير التحرير: 3 ص 2، أصول السرخسي: 1 ص 279، شرح الكوكب المنير: 2 ص.
(1/133)

الفصل الأول في المصادر المتفق عليها
اتفق العلماء على اعتبار القرآن الكريم والسنة الشريفة والإجماع والقياس مصادر أصلية لاستنباط الأحكام الشرعية منها، وسوف ندرس هذه المصادر دراسة موجزة في هذا الفصل، فنبين تعريف كل منها وحجيته وأحكامه، وذلك في أربعة مباحث.
(1/135)

المبحث الأول في الكتاب الكريم
وهو القرآن الكريم الذي أنزله الله تعالى على رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد.
والكتاب هو القرآن الكريم؛ لأن الله تعالى استعمل كلا اللفظين بمعنى واحد، فقال تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29)} إلى قوله تعالى: {قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30)} [الأحقاف: 29 - 30] وقال تعالى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1)} [الجن: 1] وهو كلام الله تعالى المكتوب في المصحف ليكون دستور المسلمين الخالد.
والكتاب الكريم أول مصادر التشريع، وأهم هذه المصادر، وهو عمدة الشريعة، وأصل أدلتها، وإن مصادر التشريع جميعها ترجع إليه، إما لأنها راجعة إليه في البيان والتوضيح، وإما لأنها تعتبر حجة ومصدرًا لدلالة القرآن الكريم عليها.
ونتناول دراسة هذه المصادر في ثلاثة مطالب:
(1/137)

المطلب الأول: في تعريف الكتاب، وما يتفرع عن ذلك من بحوث.
المطلب الثاني: في حجية الكتاب، وما يتصل بذلك من إعجاز القرآن الكريم.
المطلب الثالث: في أحكام الكتاب التي وردت فيه.
(1/138)

المطلب الأول في تعريف الكتاب الكريم
الكتاب لغة: يطلق على المكتوب وعلى الكتابة، والفعل كتب بمعنى: حكم وقضى وأوجب، ومنه قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183] , أي: أوجبه، وكتب القاضي بالنفقة: قضى بها وحكم، وقال تعالى: {كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} [المجادلة: 21] , أي: حكم، والقرآن: مصدر بمعنى القراءة (1).
أما تعريف الكتاب في الاصطلاح فلا يحتاج إلى تعريف لأنه معروف للجميع، دون أن يلتبس أمره على إنسان، سواء أكان مسلمًا أم كافرًا، كبيرًا أم صغيرًا، عربيًّا أم عجميًّا، وإنما نص العلماء على تعريفه لبيان ما يكون حجة في استنباط الأحكام، وما يتعبد بتلاوته، وما تجوز به الصلاة، وما يكفر به جاحده، وغير ذلك من العناصر الهامة والخصائص الرئيسية (2).
وأشهر هذه التعريفات عندهم هو:
الكتاب: هو كلام الله تعالى، المنزل على سيدنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، باللفظ
__________
(1) القاموس المحيط: 1 ص 121، المصباح المنير: 2 ص 719.
(2) انظر النبأ العظيم، دراز: ص 9، كشف الأسرار: 1 ص 22.
(1/139)

العربي، المنقول إلينا بالتواتر، المكتوب بالمصاحف، المتعبد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة، المختوم بسورة الناس (1).

شرح التعريف:
1 - كلام الله تعالى: القرآن الكريم كلام الله تعالى، والكلام جنس يشمل كل كلام، ويدخل في ذلك كلام الله المنزل على جميع الرسل، ويشمل كلام الله الأزلي النفسي والمنزل، وإضافته إلى الله تعالى لتمييزه عن كلام من سواه، ويخرج من التعريف كلام المخلوقات من إنس وجن وملائكة، وتخرج السنة النبوية والأحاديث القدسية؛ لأنها من كلام سيدنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - وألفاظه، وإن كانت معانيها من عند الله تعالى.
2 - المنزل على سيدنا محمَّد: أي: كلام الله الذي نزل به جبريل الأمين، ونقله من اللوح المحفوظ، ووقر في قلب محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، وأول ما نزل منه قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)} ومن أول ما نزل أيضًا سورة المدثر وسورة الضحى وسورة الفاتحة، واستمر نزول القرآن الكريم ثلاثًا وعشرين سنة منذ أول البعثة حتى السنة العاشرة
__________
(1) انظر المستصفى: 1 ص 101، فواتح الرحموت: 2 ص 7، شرح الكوكب المنير: 2 ص 7، مختصر ابن الحاجب: ص 48، أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 195، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 87، الأحكام، ابن حزم: 1 ص 85، حاشية العطار على جمع الجوامع: 1 ص 290، التلويح على التوضيح: 1 ص 154، أصول الفقه، شعبان: ص 33، حاشية البناني: 1 ص 223، أصول السرخسي: 1 ص 279، كشف الأسرار: 1 ص 21، نسمات الأسحار، ابن عابدين: ص 8، روضة الناظر: ص 33، شرح المنار: ص 7، مرآة الأصول: ص 16، وعرف الآمدي الكتاب بقوله: هو القرآن الكريم المنزل، الأحكام، له: 1 ص 147. وعرفه الكمال بن الهمام بأنه: اللفظ العربي المنزل للتدبر والتذكر، والمتواتر، تيسير التحرير: 3 ص 3، ونقله عنه الشوكاني في إرشاد الفحول: ص 92، نهاية السول: 1 ص 204.
(1/140)

للهجرة (1)، وكان آخر ما نزل في حجة الوداع قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] , ثم نزل بعدها قوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) ...} سورة النصر، وآخر آية نزلت هي قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281)} [البقرة: 281] وتسمى الآيات والسور التي نزلت بمكة بالمكيَّة، وتسمى الآيات والسور التي نزلت بالمدينة بالمدنيَّة، ولكل منها طابع خاص في النظم والمعنى.
ويخرج من التعريف الكتب السماوية التي أنزلت على الرسل السابقين، من كلام الله تعالى في التوراة المنزل على موسى، وكلام الله تعالى في الإنجيل المنزل على عيسى، وهذا ينطبق عليهما قبل التبديل والتغيير والتحريف.
ويخرج بالمنزل كلام الله النفسي القائم بالذات، وما استأثر الله به في نفسه.
3 - باللفظ العربي: القرآن الكريم عربي النظم والمعنى، نزل بلغة قريش، وليس فيه لغة أجنبية أخرى، والقرآن الكريم نظمه ومعناه من عند الله تعالى، أما الحديث فإن معناه منزل على الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأما لفظه ونظمه فهو من عند محمَّد عليه الصلاة والسلام.
__________
(1) نزل القرآن منجمًا أي مفرقًا حسب المناسبات والحوادث وحاجات الدعوة وتطور المجتمع وسير الزمن، والحِكَم من نزوله منجمًا كثيرة، منها: تثبيت قلب النبي - صلى الله عليه وسلم -، والتدرج في التشريع، والتأكيد على إعجاز القرآن الكريم، وغير ذلك من الحكم الكثيرة التي أشار إليها القرآن الكريم وذكرها العلماء في علوم القرآن وتاريخ التشريع، انظر مصادر التشريع الإِسلامي: ص 57، فصول في أصول التشريع الإِسلامي، جاد المولى سليمان: ص 14، تاريخ التشريع الإِسلامي، السايس والسبكي والبربري: ص 38، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 74، دراسات قرآنية، زرزور: ص 44، 77.
(1/141)

وإذا ظن الإنسان وجود بعض الألفاظ غير العربية في القرآن الكريم فهو إما أن يكون من لهجة عربية غير لهجة قريش، أو من الألفاظ العربية التي اندثر استعمالها ثم أحياها القرآن الكريم، أو أنها لفظ عربي قديم انتقل إلى اللغة الأعجمية ثم نسيه العرب فذكره القرآن، أو أن يكون اللفظ معربًا، ودخل إلى العربية فصار عربيًّا، وإن اشتمل القرآن الكريم على كلمتين أو ثلاث أصلها أعجمي، أو ذكر أسماء الأعلام الأعجمية مما يستعمله العرب في لسانهم، فهذا لا يخرج القرآن عن كونه عربيًّا (1).
والآيات التي تؤكد أن القرآن منزل بالعربية كثيرة، منها قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)} [الشعراء: 192 - 195] وقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2)} [يوسف: 2] وقوله تعالى: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28)} [الزمر: 28] وقوله تعالى في بيان سخف الكفار وتناقضهم في التفكير عندما نسبوا القرآن إلى رجل أعجمي (2) يعلم رسول الله فقال: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103)} [النحل: 103] وأكد القرآن الكريم أنه أرسل محمدًا - صلى الله عليه وسلم - في الأمة العربية في آيات كثيرة، وأن كل نبي يُرسل بلغة قومه ليبين لهم، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ
__________
(1) المستصفى: 1 ص 105 - 106، الرسالة: ص 40 - 42، وما بعدها، التبصرة للشيرازي: ص 180، الإحكام للآمدي 1/ 47، العدة 3/ 707، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 88، الموافقات: 2 ص 45، روضة الناظر: ص 35، قارن إرشاد الفحول: ص 32، وحصول المأمول من علم الأصول، صديق حسن خان: ص 42، وسوف ننقل نص الإمام الشافعي في الرسالة عن لغة القرآن الكريم.
(2) الرجل هو غلام نصاري يقال له سبيعة أو جبر، عبد لبعض بني الحضرمي، ويقال: اسمه بلعام، انظر تفسير ابن كثير: 2 ص 586.
(1/142)

رَسُولٍ إلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4].
وأما المسلم غير العربي فيجب عليه أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده، ليستطيع تحقيق الإيمان, وأداء العبادات، وقراءة القرآن وذكر الله تعالى، كما قال الشافعي في الرسالة (1)، وقد كان فضل القرآن على العرب عظيمًا جدًّا، فوحد لغاتهم وجمع شملهم، وحفظ اللغة من التطور والتغيير والتبديل (2).
ويتفرع عن ذلك أنه لا يصح تغيير لفظ في القرآن الكريم بلفظ مرادف له، وإن كان مطابقًا له في المعنى، كما لا يصح ترجمته، ونقله إلى لغة أخرى؛ لأن القرآن الكريم كلام الله تعالى نزل باللفظ العربي.
4 - المنقول إلينا بالتواتر: التواتر في اللغة: التتابع، وفي الاصطلاح: هو ما رواه جماعة عن جماعة، يؤمن تواطؤهم على الكذب، والتواتر يفيد العلم اليقيني الذي لا يحتمل غيره، والقرآن الكريم وصل إلينا بالتواتر، فكان صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتلقون القرآن الكريم عنه، ويحفظونه بقلوبهم، ويكتبونه على الألواح، وبلغ عدد كتّاب الوحي أربعين صحابيًّا، بينما يسمع بقية الصحابة القرآن، ثم انتقل عن جمهور الصحابة إلى جماهير التابعين الذين حفظوه أيضًا في الصدور والكتب، ونقلوه إلى من بعدهم حتى وصل إلينا كما نزل عن طريق التواتر جيلًا بعد جيل، كتابة ومشافهة في كل عصر بما يؤمن تواطؤهم على الكذب.
ويشترط في التواتر أن يبلغ عدد الرواة حدًّا يحيل العقل تواطؤهم
__________
(1) ص 48.
(2) قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} [الزخرف: 44] قال: "فالقرآن نزل بلسان قريش، وإياهم خاطب، فاحتاج أهل اللغات كلها إلى لسانهم، كل من آمن بذلك، فصاروا عيالًا عليهم" تفسير القرطبي: 16/ 93.
(1/143)

على الكذب، وأن يتوفر هذا العدد في كل طبقة على مر الزمان وتعاقب القرون، واختلف العلماء في العدد الذي يتحقق به التواتر، ولكنهم اتفقوا على الضابط فيه وهو أن تشعر النفس باليقين والطمأنينة فيهم.
وهذا النقل بالتواتر هو من فضل الله على هذه الأمة بحفظ كتابها، لأن حفظ القرآن هو أساس حفظ الشريعة، ومصدر الفقه الإِسلامي الذي توزن به أعمال المسلمين، وأن النقل بالتواتر كتابة وحفظًا جعل القرآن الكريم قطعي السند، فإن ثبوته يقيني لا مجال للشك فيه، ولا يحتمل الخطأ والتغيير، فالقرآن قطعي الثبوت.
واتفق المسلمون جميعًا على أن اللفظ أو القراءة غير المتواترة لا تعتبر قرآنًا، ولو كانت مشهورة، ولا تصح بها الصلاة، ولا يتعبد بتلاوتها، كالقراءة الشاذة والمشهورة؛ لأنه يستحيل في العرف والعادة أن يهمل ذلك، ولا ينقل بالتواتر مع توفر الدوافع على حفظه (1).
5 - المتعبد بتلاوته: هذه خاصيّة مهمة في القرآن الكريم تميزه عن غيره، وتفتح أمام المسلم بابًا من أبواب العبادة، فالقرآن الكريم كلام الله تعالى، ولذا فإن تلاوته وقراءته عبادة، سواء كانت من الحفظ أم من المصحف، قيامًا أم قعودًا، في السفر أم في الحضر، في الليل أم في النهار، وجاءت أحاديث كثيرة تبين ذلك، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها, لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف" (2)،
__________
(1) المستصفى: 1 ص 101، 102، الإحكام، الآمدي: 1 ص 1448، أصول التشريع الإِسلامي: ص 19، مختصر ابن الحاجب: ص 49، تيسير التحرير: 3 ص 6، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 88، القواعد والفوائد الأصولية، ابن اللحام: ص 155، إرشاد الفحول: ص 30.
(2) رواه الترمذي، وقال حسن صحيح، ورواه الحاكم.
(1/144)

وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه" (1)، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران" (2).
ولا تصح الصلاة من المسلم إلا بتلاوة القرآن الكريم، قال تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (3).
أما الأحاديث القدسية والأقوال النبوية فلا يتعبد بتلاوتها, ولا تصح الصلاة فيها؛ لأن ألفاظها من عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما تخرج الآيات المنسوخة اللفظ، سواء بقي حكمها أم لا؛ لأنها لم تبق قرآنًا، ولا يصح التعبد بتلاوتها (4).
6 - المكتوب في المصاحف: المصاحف جمع مصحف، والمصحف مجمع الصحف، فكتاب الله تعالى دونه كُتّاب الوحي في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وجمع ألواحه أبو بكر رضي الله عنه، ثم نسخه عثمان رضي الله عنه في ستة أو سبعة مصاحف، ونشره في الأمصار الإِسلامية، لتوحيد قراءتها، ومنع الاختلاف بين المسلمين في كتابهم، وحصر العلماء كتابة المصحف بالرسم العثماني الذي كتب في عهد عثمان رضي الله عنه، للحفاظ التام والكامل على الشكل والمضمون لكتاب الله تعالى، ولذلك يشترط لصحة القراءة أن تكون موافقة للرسم
__________
(1) رواه مسلم وأحمد.
(2) رواه البخاري ومسلم.
(3) رواه الستة وأحمد.
(4) انظر شرح الكوكب المنير: 2 ص 8.
(1/145)

العثماني، وإلا كانت القراءة شاذة غير مقبولة (1).
ويخرج من الكتاب ما نسخت تلاوته وبقي حكمه، مثل: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله".
7 - المبدوء بسورة الفاتحة والمختوم بسورة الناس: وهذا التحديد لأوله وآخره زيادة في الاحتياط حتى لا يزاد فيه دعاء أو ثناء أو سورة أو غير ذلك، وهذا الترتيب لسور القرآن الكريم وآياته توقيفي عن رسول الله عن جبريل عن رب العزة، ولا يجوز تغييره ولا تبديله (2).
ويتفرع عن التعريف عدة حالات أهمها:

أولًا: ترجمة القرآن ليست قرآنًا:
لأن الكتاب نظمه ومعناه من عند الله تعالى، وأن القرآن اسم للنظم والمعنى، فالنظم هو عبارات القرآن الكريم وألفاظه، والمعنى هو ما تدل عليه العبارة والنظم، أما المعنى فقط فليس بقرآن، ولذلك فإن الترجمة إلى لغة أجنبية مهما كانت دقيقة وكاملة لا تعد قرآنًا، ولا يصح الاستنباط من الترجمة؛ لأن فهم المراد من الآيات لترجمتها يحتمل الخطأ، لوجود الحقيقة والمجاز، والمشترك، والعام، والخاص، والتعبير بألفاظ لغة أخرى عن معاني القرآن يحتمل الخطأ أيضًا، وهذان
__________
(1) قال الغزالي: وقيدناه بالمصحف؛ لأن الصحابة بالغوا في الاحتياط في نقله، المستصفى: 1 ص 101، وانظر: فواتح الرحموت: 2 ص 12، 13، أصول الفقه الإِسلامي، للشيخ شاكر الحنبلي: ص 47، كشف الأسرار: 1 ص 22.
(2) قال الغزالي: فإن قيل: هلا حددتموه بالمعجز؟ قنا: لا؛ لأن كونه معجزًا يدل على صدق الرسول - عليه السلام - لا على كونه كتاب الله لا محالة، إذ يتصور الإعجاز بما ليس بكتاب الله تعالى، ولأن بعض الآية ليس بمعجز، وهو من الكتاب، المستصفى: 1 ص 101، وانظر: كشف الأسرار: 1 ص 22، وإن الكلام في هذا الموضوع طويل وشائق، ولن نتوسع فيه لأنه تابع إلى علوم القرآن الكريم.
(1/146)

الاحتمالان واقعان وملموسان، ولذا فالترجمة لا تكون قطعية في القرآنية، والقرآن بلفظه ومعناه نزل باللغة العربية دون ما عداها (1).
ولكن يصح ترجمة معاني القرآن الكريم، بأن يضع العلماء له تفسيرًا مختصرًا يوضح معناه، ويبين أحكامه، ويقوم بعض العلماء الثقات العدول الذين يتقنون اللغة العربية ويجيدون اللغة الأجنبية بترجمة هذه المعاني، ولا يصح أن يطلق على الترجمة اسم: القرآن، أو: كتاب الله، وإنما يطلق عليها: تفسير، أو: معاني القرآن الكريم، وتأكيدًا لذلك واحتياطًا للأمر يقترح العلماء أن يطبع القرآن الكريم بنصه ولفظه العربي في منتصف الصفحة، ويطبع التفسير باللغة الأجنبية على هامشه، ليشار إلى الأصل باستمرار.
وهذه الترجمة لا تعتبر قرآنًا، ولا يستنبط منها أحكام الله تعالى، ولا يحتج بصيغتها وعبارتها, ولا تثبت لها أحكام القرآن الكريم، ولا تصح بها الصلاة، ولا يتعبد بتلاوتها.
ونقل عن الإِمام أبي حنيفة أنه أجاز قراءة القرآن بالفارسية في الصلاة من غير عذر؛ لأنه لم يجعل النظم ركنًا لازمًا في القرآن، ويسقط لزوم النظم عنده رخصة إسقاط، مع وجوب الاعتقاد بنزول النظم وحرمة كتابة المصحف بالفارسية وحرمة المداومة والاعتياد على القراءة بالفارسية (2).
__________
(1) فواتح الرحموت: 2 ص 8، الرسالة، هامش 2، تحقيق أحمد شاكر: ص 49، أصول الفقه الإِسلامي: ص 46، مصادر التشريع الإِسلامي: ص 65، كشف الأسرار: 1 ص 23، نسمات الأسحار: ص 9، شرح المنار: ص 9، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 85، أصول الفقه، الخضري: ص 230، اقتضاء الصراط المستقيم: ص 203.
(2) كشف الأسرار: 1 ص 23 - 35، التلويح والتوضيح: 1 ص 156، 158، شرح المنار: ص 9، الوسيط في أصول الفقه: ص 214، أصول السرخسي: 1 ص 282، البرهان =
(1/147)

وروي أن الإِمام أبا حنيفة رجع عن هذا الرأي، ووافق الصاحبين في عدم القراءة بالفارسية لغير عذر؛ لأن النظم العربي ركن في القرآن، ولكن الإِمام وصاحبيه أجازوا قراءة القرآن بالفارسية أو بغيرها للعذر عند عدم العلم بالعربية أو عدم انطلاق اللسان بها، ويكون ذلك بمثابة ذكر وتسبيح لله تعالى؛ لأن العاجز سقطت عنه القراءة فيذكر الله تعالى ويسبحه بلغته، بينما ذهب الأئمة الثلاثة إلى أن العاجز عن العربية وقراءة القرآن يصلي ساكتًا بلا قراءة، وتسقط عنه للعجز (1).

ثانيًا: القراءة المشهورة والقراءة الشاذة:
ويتفرع عن اشتراط التواتر في نقل القرآن الكريم أن القراءة غير المتواترة سواء أكانت مشهورة أم كانت شاذة، وخارجة عن نطاق المصحف العثماني والقراءات السبع، فإنها لا تعتبر قرآنًا، ولا يتعبد بتلاوتها, ولا تصح الصلاة بها باتفاق المسلمين (2).
وإنما ذهب بعض العلماء إلى الاحتجاج بالقراءة المشهورة أو الشاذة على أنها سنة ثابتة، وخالفهم الجمهور في ذلك، وسبق بيان الآراء في أسباب الاختلاف.

ثالثًا: هل البسملة من القرآن:
اتفق المسلمون على أن "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" بعض آية من القرآن الكريم في سورة النمل، ثم اختلفوا في كونها آية من أوائل السور على ثلاثة أقوال:
__________
= في علوم القرآن 1/ 288.
(1) فواتح الرحموت: 2 ص 8، تيسير التحرير: 3 ص، التلويح: 1 ص 159، كشف الأسرار: 1 ص 25، شرح المنار: ص 9، أصول السرخسي: 1 ص 281.
(2) فواتح الرحموت: 2 ص 9، مختصر ابن الحاجب: ص 49، 50، تيسير التحرير: 3 ص 9، حصول المأمول: ص 39، حاشية العطار: 1 ص 297.
(1/148)

القول الأول: أن البسملة آية من القرآن الكريم في أول كل سورة أو مع الآية الأولى من كل سورة إلا في سورة التوبة، وهو قول الشافعي.
واستدل على ذلك أن البسملة منزلة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أول كل سورة، لما روى ابن عباس رضي الله عنه قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يعرف ختم سورة وابتداء أخرى حتى ينزل عليه جبريل ببسم الله في أول كل سورة" (1)، وأنها كتبت مع القرآن بأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - , وأن المسلمين أثبتوها في مصحف عثمان بالإجماع، مع تصلب الصحابة في الدِّين، وتشدُّدِهم في حفظ القرآن، ومنع الزيادة أو كتابة أسماء السور والنقط والتعشير (2)، وروت أم سلمة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فعدَّها آية (3)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "فاتحة الكتاب سبع آيات، أولهنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" (4).
القول الثاني: أن البسملة ليست آية في أوائل السور مطلقًا، وهو قول المالكية ومنهم القاضي أبو بكر الباقلاني، واستدلوا بما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين، أي بدون تسمية، واستدلوا
__________
(1) رواه أبو داود والحاكم والبيهقي، انظر: المستدرك 1 ص 551، نيل الأوطار 2/ 234، تلخيص الحبير 1/ 223.
(2) المستصفى: 1 ص 102، الإحكام، الآمدي، 1 ص 151، حاشية العطار على جمع الجوامع: 1 ص 296، مختصر ابن الحاجب: ص 49، حاشية البناني: 1 ص 227، الوسيط في أصول الفقه: ص 219، نيل الأوطار 2/ 222، المجموع 3/ 291.
(3) رواه الدارقطني والحاكم، ومعناه عند أحمد وأبي داود والترمذي (انظر: نيل الأوطار 2/ 230، تلخيص الحبير 1/ 232).
(4) انظر في أحاديث البسملة: الإنصاف فيما بين العلماء من الاختلاف، لابن عبد البر، الرسائل المنيرية 2/ 156.
(1/149)

بعمل أهل المدينة الذين لا يعتبرونها من القرآن الكريم، وعمل أهل المدينة حجة عند المالكية؛ لأنهم أعلم الناس بأحوال الرسول - صلى الله عليه وسلم - وما كان يعمله، وأن البسملة في أوائل السور للفصل بينها فقط (1)، وفي الحديث القدسي "قَسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: الحمد لله ... ".
القول الثالث: أن البسملة آية واحدة من القرآن الكريم، وليست جزءًا من أوائل السور، بل وضعت للفصل بينها والتبرك فيها، وهو قول الحنفية، واستدلوا على كونها آية أنها كتبت في القرآن بأمر رسول الله، وأنها داخلة بين دفتي المصحف ومكتوبة بخط القرآن الكريم، وأن تواترها في أوائل السور لا يستلزم تواترها كآية، وإنما أنزلت للفصل، لحديث ابن عباس السابق، كما ترك قراءتها نصف القراء؛ لأنه ثبت عندهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تركها عند قراءة السور، وقراءة القراء متواترة، ولهذه الاحتمالات والشبه فإن منكرها لا يكفر (2).
قال الشوكاني: والحق أنها آية في كل سورة لوجودها في رسم المصحف، وذلك هو الركن الأعظم في إثبات القرآنية للقرآن، ثم الإجماع على ثبوتها خطأ في المصحف في أوائل السور، ولم يخالف في ذلك من لم يثبت كونها قرآنًا من القراء وغيرهم، وبهذا حصل الركن الثاني وهو النقل مع كونه نقلًا إجماعيًّا بين جميع الطوائف، وأما الركن الثالث وهو موافقتها للوجه الإعرابي والمعنى العربي فذلك ظاهر (3).
__________
(1) المراجع السابقة، شرح الكوكب المنير: 2 ص 124.
(2) فواتح الرحموت: 2 ص 14، تيسير التحرير: 3 ص 7، شرح الكوكب المنير: 2 ص 124، أصول السرخسي: 1 ص 280، التلويح والتوضيح: 1 ص 159، 161، كشف الأسرار: 1 ص 23، والقراءات السبع المنسوبة إلى الأئمة السبعة، وهم نافع وابن كثير، وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي، قراءات متواترة.
(3) إرشاد الفحول، له: ص 31.
(1/150)

المطلب الثاني في حجية الكتاب الكريم
اتفق المسلمون قاطبة على حجية الكتاب الكريم، وأنه يجب العمل بما ورد فيه والرجوع إليه لمعرفة حكم الله تعالى ولا يجوز العدول عنه إلى غيره من مصادر التشريع إلا إذا لم يقف العالم على الحكم في القرآن الكريم، وذلك لأن الكتاب هو كلام الله تعالى الذي جاء بالشريعة السماوية للناس (1)، والدليل على ذلك ما يلي:
1 - الكتاب منقول إلينا بالتواتر، فهو ثابت قطعًا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصادق الأمين الذي نقله عن جبريل عن اللوح المحفوظ، والتواتر يفيد العلم اليقيني القطعي الذي لا يحتمل غيره.
2 - جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم تنطق أن هذا الكتاب من عند الله تعالى، منها قوله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3)} [آل عمران: 2، 3] وقوله تعالى: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [النساء: 113] وقوله تعالى:
__________
(1) الإحكام، ابن حزم: 1 ص 85، 86، فصول في أصول التشريع الإِسلامي، سليمان: ص 10، أصول الفقه الإِسلامي، شعبان: ص 47، أصول الفقه، البرديسي: ص 181.
(1/151)

{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} [النساء: 105] وقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89)} [النحل: 89] وقوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ} [الشورى: 17] , وقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (23)} [الإنسان: 23].
3 - إعجاز القرآن الكريم، وهو الدليل الجازم على كون القرآن الكريم من كلام الله تعالى، أنزله على محمَّد - صلى الله عليه وسلم - ليكون للعالمين بشيرًا ونذيرًا، وقد أعجز البشر على أن يأتوا بمثله.
والقرآن الكريم معجزة الله الخالدة على صدق نبوة محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، وإن الأحكام الواردة فيه أحكام الله تعالى أنزلها هداية للناس وإرشادًا (1).
وهذا يقتضي منا أن نبين معنى الإعجاز وشروطه ووجوهه.

أولًا: معنى الإعجاز:
الإعجاز لغة: نسبة العجز إلى الغير، من عَجَزَ عنه أي: ضعف، والمعجزة هي إعجاز الخصم عن التحدي، والهاء للمبالغة، يقال: أعجز الرجل أخاه إذا أثبت عجزه عن شيء (2).
والإعجاز في القرآن هو قصد إظهار صدق النبي في دعوى الرسالة، بفعل خارق للعادة، وإعجاز القرآن ارتقاؤه في البلاغة إلى حد خارج عن طرق البشر، ولهذا عجزوا عن معارضته عند تحديهم، والإعجاز في الكلام هو أن يؤدى المعنى بطريق هو أبلغ من جميع ما عداه من الطرق (3).
وقد أعطى الله تعالى كل نبي معجزة أو أكثر، للدلالة على صدق
__________
(1) تيسير التحرير: 3 ص 4، مصادر التشريع الإِسلامي: ص 70، الجواب الصحيح: 4 ص 71.
(2) القاموس المحيط: 2 ص 181، المصباح المنير: 2 ص 538.
(3) نهاية السول: 1 ص 204، حاشية العطار: 1 ص 294، إرشاد الفحول: ص 30، التعريفات، الجرجاني: ص 26.
(1/152)

نبوته، وكانت معجزات الأنبياء تتناسب مع أهل زمانهم، ففي عهد موسى - عليه السلام - شاع السحر، وانتشر في بقاع الأرض، فكانت معجزته في العصا واليد، وتحداهم وتغلب عليهم، وفي عصر عيسى - عليه السلام - ترقى الطب فكانت معجزته إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والشفاء من الأمراض المستعصية بإذن الله ومشيئته، فاقروا بنبوته وآمنوا به، وفي الجزيرة العربية سادت البلاغة والفصاحة والبيان والشعر العربي، فكانت معجزة محمَّد عليه الصلاة والسلام القرآن الكريم الذي نزل بلغة العرب وألفاظهم وحروفهم، فعجز أئمتهم عن الإتيان بمثله، فصدقوا به وآمنوا برسالته، وعلموا أن هذا الكلام لا يقوله بشر، بل هو من عند الله تعالى.
وامتازت معجزة محمَّد عليه الصلاة والسلام على المعجزات الأخرى أنها معجزة حية باقية خالدة في كل عصر، ودائمة في كل زمان (1)، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما من نبي من الأنبياء قبلي إلا أعطي من الآيات -المعجزات- ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة" (2).

ثانيًا: شروط الإعجاز:
ويشترط في تحقيق الإعجاز لإثبات العجز للغير أن تتوفر في المعجزة الشروط التالية (3)، وهي:

الشرط الأول التحدي: وهو طلب المباراة والمنازلة والمعارضة:
وقد تحقق هذا الشرط في إعجاز القرآن الكريم، وذلك أن محمَّد بن
__________
(1) أصول الفقه، أبو زهرة: ص 77، مصادر التشريع الإِسلامي: ص 70.
(2) رواه البخاري ومسلم وأحمد.
(3) أصول الفقه، خلاف: ص 25.
(1/153)

عبد الله أخبر الناس أنه رسول الله بعثه الله تعالى إلى الناس بشيرًا ونذيرًا بين يدي عذاب أليم، والدليل الذي يؤكد صدق دعوته هذا القرآن الكريم الذي هو من كلام الله تعالى أوحاه إلى محمَّد معجزة له، وتحدى البشر على أن يأتوا بمثله، واستمر هذا التحدي عدة سنوات، ومر بثلاث مراحل، وهي:
المرحلة الأولى: التحدي بأن يأتوا بكتاب مثل القرآن الكريم في جميع نواحيه، فقال تعالى: {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (49) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)} [القصص: 49، 50] , وزاد القرآن الكريم في التحدي بل في السخرية منهم وتأكيد العجز ولو تساعد الإنس والجن على ذلك فقال تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88)} [الإسراء: 88].
المرحلة الثانية: عندما عجز المشركون عن الإتيان بمثل القرآن الكريم كاملًا، تحداهم وبيَّن عجزهم عن الإتيان بعشر سور مثله، قال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إلا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14)} [هود: 13، 14].
المرحلة الثالثة: ولما عجز الكفار عن الإتيان بعشر سور تحداهم بسورة منه، وطلب المعارضة بذلك، فقال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)} [البقرة: 23، 24] ومع كل ذلك فقد وقفوا حيارى مبهوتين عن الإتيان بمثله أو بعشر سور من مثله أو بسورة من مثله (1).
__________
(1) أصول التشريع الإسلامي: ص 16، الجواب الصحيح: 4 ص 72.
(1/154)

الشرط الثاني: أن يوجد المقتضي الذي يدفع المتحدي إلى المباراة والمنازلة، فهل كان هناك دافع للعرب الكفار لمعارضة القرآن، وأن ينازلوا محمدًا في الإتيان بمثل كتابه؟.
والجواب واضح وظاهر؛ لأن الكفار في الجاهلية كانوا يعبدون الأصنام، ويقدسون الأوثان، ويقلدون الآباء، ويتبعون الأجداد، فجاء رسول الله بدين جديد يبطل دينهم، ويسخر من آلهتهم، ويسفه عقولهم، ويهزأ من أصنامهم، وفرق شملهم بدعوته لله، وأنه رسول الله، وأن القرآن معجزته التي تحداهم بها، فكان الدافع قويًّا وشديدًا إلى التحدي، وكانوا حريصين على تكذيب دعواه، وإبطال نبوته ومعجزته، ودحض حجته، لتبقى لهم الآلهة والأصنام، ويستمروا في تقليد الآباء والأجداد والدفاع عنهم والسير على سننهم ومنوالهم.

الشرط الثالث: أن ينتفي المانع من المباراة والمعارضة والمنازلة، وهذا الشرط متحقق في العرب الذين تحداهم رسول الله، فالقرآن نزل بلغة عربية، ويتألف من أحرف الهجاء التي ينطقون بها، وعباراته عربية، وأسلوبه عربي مبين، ومن جهة أخرى فالعرب وقتئذ في مكة وغيرها هم أهل الفصاحة والبلاغة والبيان، اشتهروا بذلك وتباروا بينهم، وعقدوا الندوات والأسواق للشعراء والخطباء والفصحاء، فهم أرباب الفصاحة وفرسان البلاغة وأمراء البيان، ومن جهة ثالثة فإن أقوالهم مملوءة بالحكم، وأشعارهم ثرية بالمواعظ والإرشاد، وحياتهم تدل على نضج العقل وكثرة التجارب في هذا الميدان، وطلب منهم القرآن الكريم أن يتجمعوا، وأن يُعين بعضهم بعضًا، وأن يستمدوا النصرة من آلهتهم وإنسهم وجنهم، وأن يستعينوا بشهدائهم، وبقي الأمر كذلك على مدى ثلاث وعشرين سنة، وهذا يؤكد إنتفاء المانع من المعارضة في الإتيان بمثل هذا القرآن، مع ما أصابهم من خزي وعار، وما تبع عجزهم من اللجوء إلى الحرب وسفك الدماء، وهذا أشد
(1/155)

عليهم من التحدي بالمعجزة.
فالإعجاز قد تم وتحقق، وأن القرآن الكريم هو كلام الله، ولا يستطيع البشر أن يأتوا بمثل سورة منه، وأنه دليل على صدق نبوة محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، وأنه معجزة من عند الله تعالى، يتقبله المؤمن بصدر رحب، ويرجع إليه لمعرفة حكم الله تعالى، قال الله عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إلا الْمُطَهَّرُونَ (79)} [الواقعة: 77 - 79].

ثالثًا: وجوه إعجاز القرآن الكريم:
بعد أن تبين أن القرآن الكريم معجزة، وأنه أعجز البشر عن المجيء بمثله، فما هي أوجه الإعجاز التي اشتمل عليها؟.
إن القرآن الكريم كلام الله تعالى معجزة في مناحية من نواحيه، وإن العقل البشري في عصر ما قاصر عن حصر أوجه الإعجاز، وإنه معجزة لرسول الله في حياته وبعد مماته إلى أن تقوم الساعة، وإنه برهان أكيد دائم على نبوة محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، ولذلك لا يمكن حصر أوجه الإعجاز فيه، وكلما ازداد النظر والتدبر في كتاب الله تعالى تجلت أنواع جديدة في إعجازه، وكلما تقدم العلم وتطورت وسائله تكشفت أوجه أخرى في الإعجاز، وكلما سار الزمن ظهرت معجزات القرآن الكريم، وتأكد أنه كلام الله تعالى الذي يعلم السر وأخفى، ويطلع على أسرار الكون القديمة والحاضرة والمسقبلة، وأن الزمن مكشوف أمام الله تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)} [الملك: 14].
ومع ذلك حاول العلماء حصر أوجه الإعجاز بما يلي (1):
__________
(1) أصول الفقه، خلاف: ص 28، أصول التشريع الإِسلامي: ص 17، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 78، فصول في أصول التشريع الإسلامي: ص 10، الجواب الصحيح: 1 ص 74، الإنصاف، للباقلاني: ص 62، إعجاز القرآن للباقلاني: =
(1/156)

1 - اتساق ألفاظه وعباراته ومعانيه وأحكامه ونظرياته:
فالقرآن الكريم كتاب كبير، شامل لموضوعات مختلفة في العقيدة والعبادة والأخلاق والتشريع، وتحدث عن الخالق والإنسان والكون والمجتمع، ومع ذلك تجد الاتساق الكامل في اختيار الألفاظ، وتناسق العبارات، وعظمة المعاني وشمول الأحكام، وإتقان النظريات العلمية فيه، دون أن يكون فيه وهن أو ركاكة أو ضعف أو تناقض أو تعارض أو اختلاف، وذلك تحقيقًا لقوله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)} [النساء: 82].
فالأسلوب بليغ في جميع السور والآيات، والألفاظ فصيحة من أوله إلى آخره، والعبارات راقية في كل جانب من جوانبه، مع كثرة آياته التي تزيد عن ستة آلاف وستمائة آية، ومع امتداد الفترة الزمنية التي نزل فيه خلال ثلاث وعشرين سنة، وما ذلك إلا لأنه كلام الله تعالى المنزل على محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم -.
ويلاحظ المتأمل اختلاف أسلوب القرآن الكريم حسب الموضوع الذي يتناوله، فإن كان الموضوع تشريعًا كانت الآيات طويلة، والعبارات واضحة، والأسلوب هادئًا، وإذا كان يتعلق بتثبيت العقيدة، وهدم العقائد الباطلة، ومجادلة الكفار في تفكيرهم، وتذكير الناس بيوم الحساب والعقاب، أو الجنة والنعيم، كان الأسلوب خطابيًّا محركًا للوجدان والمشاعر، مع نبرة خاصة، وعبارات مختصرة، وآيات قصيرة، وذلك أن لكل مقام مقالًا.
2 - انطباق آيات القرآن الكريم على ما يكشفه العلم الصحيح:
القرآن الكريم أنزله الله تعالى كتاب هداية في الإيمان والعقيدة،
__________
= 1/ 151 على هامش الإتقان للسيوطي.
(1/157)

ودستور حياة للناس، وليس من مقاصده أن يتعرض لطبيعة الكون، ويبين النظريات العلمية في تكوين السموات والأرض والإنسان ونظام الوجود، ولكنه أشار عند الاستدلال على وجود الله وعظمة الخالق ووحدانيته إلى بعض المخلوقات في عظمتها ونظامها وكثرة نفعها ووظائفها, ولفت النظر إلى نظريات علمية بعضها في متناول العقل في حياة العرب في الجزيرة كالإبل والشمس والقمر والجبال والإنسان، وبعضها الآخر يكشفها العلم الحديث في كل عصر وزمان، ولا يزال العلم -وسيبقى- يحقق إشارات القرآن الكريم في الكون والإنسان، قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)} [فصلت: 53] وأن العلم الذي يكشف عن حقيقة الكون والنظام يقف مكتوفًا عن إيجاد هذه المخلوقات أو إقامة النظام بينها، وهذا دليل وبرهان على أن هذا الكتاب من عند الله، وأن البشر عاجزون عن الإتيان بمثله، والآيات الكريمة كثيرة في هذا المجال، ويحاول كثير من العلماء في كل زمان جمع هذه الآيات التي كشف عن سرها العلم الحديث، مثل قوله تعالى: {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4)} [القيامة: 4] , التي تشير إلى علم البصمات، وقوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22)} [الحجر: 22] التي تشير إلى علم التكاثر، وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30)} [الأنبياء: 30] وهذا يشير إلى علم الأحياء، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15)} [المؤمنون: 12 - 15] وهذه الآيات تشير إلى تكوين الجنين وأطوار خلقه، وقوله تعالى: {وَفِي
(1/158)

أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)} [الذاريات: 21] , وغير ذلك من الأمثلة التي يحاول بعض العلماء إفرادها في كتب خاصة حسب الاختصاصات والعلوم (1).
3 - إخباره عن وقائع لا يعلمها إلا علام الغيوب:
أخبر القرآن الكريم عن قصص الأمم الخالية، وعن تاريخ الأنبياء والمرسلين، وعما حدث في غابر الأزمان، مما يعجز البشر عن تذكره ومعرفته وخاصة من أُمّي ومن أمة أمِّية، قال تعالى: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49)} [هود: 49].
كما أخبر القرآن الكريم عن وقوع حوادث في المستقبل لا يمكن لإنسان أن يعلمها، وقد وقعت فعلًا، مثل انتصار الروم بعد هزيمتهم، قال تعالى: {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3)} [الروم: 2، 3] ومثل دخول مكة بعد الرجوع عنها، قال تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27)} [الفتح: 27] , ومثل عودة رسول الله إلى مكة بعد هجرته منها، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} [القصص: 85] , ومثل وعد الله تعالى للمؤمنين أن يستخلفهم في الأرض، وقد تم ذلك ودانت الجزيرة العربية لهم في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم امتد الإِسلام وسيطر المسلمون على أرض الفرس والروم، وتحقق وعد الله للمؤمنين، قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
__________
(1) انظر: كتاب: الله يتجلى في عصر العلم، وكتاب: العلم يدعو للإيمان، وكتاب: القرآن الكريم والعلم الحديث، وكتاب: الإِسلام والطب، وكتاب: النحلة تسبح ربها، وكتاب: العسل للدكتور نزار الدقر، وكتاب: إعجاز علم الحياة "بيولوجيا" في القرآن الكريم، للمهندس محمود الخطيب، وغيرها.
(1/159)

لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)} [النور: 55].
كل ذلك يؤكد أن القرآن الكريم من عند الله تعالى الذي يعلم الغيب، وأنه أنزله معجزة لرسوله، وأن هذه النواحي في الإعجاز بما ورد فيه من حقائق علمية، وتوجيهات سامية، وتربية عظيمة، ومقاصد نبيلة، وإخباره بوقائع غيبية قديمًا ومستقبلا، تظهر واضحة للعربي ولغير العربي على حد سواء.
4 - فصاحة ألفاظه وبلاغة عباراته وقوة تأثيره:
إن ألفاظ القرآن الكريم منتقاة من اللغة العربية بما يحقق المعنى المقصود منها، والعبارات بليغة ومطابقة لأعلى مستويات البلاغة، ويعرف ذلك ويتذوقه العالم في اللغة والتشبيهات والأمثال والحجج والمجادلات، وأكد هذا علماء الفصاحة والبلاغة في هذه الأمة، وتكفلوا بإظهاره للناس، وبيانه ومقارنته مع أرقى الأساليب والعبارات التي يفخر بها أصحابها (1).
وتظهر قوة تأثير القرآن الكريم على النفوس والقلوب بما تحدثنا السيرة أن أبا سفيان والأخنس بن شُريْق وأبا جهل كانوا يتسللون ليلًا لاستماع القرآن من الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأن أثر القرآن وبلاغته كان السبب المباشر في إسلام عمر بن الخطاب عندما قرأ سورة طه في بيت أخته، وأن كفار قريش خافوا على أنفسهم وأولادهم ونسائهم من أثر القرآن
__________
(1) انظر: كتاب تفسير الكشاف للإمام الزمخشري، وإعجاز القرآن للقاضي الباقلاني، ودلائل الإعجاز للجرجاني، وإعجاز القرآن للقاضي عياض، وإعجاز القرآن للرافعي، والظاهرة القرآنية للمرحوم مالك بن بني، وأعلام النبوة للماوردي، والإرشاد إلى قواطع الأدلة، للجويني ص 345.
(1/160)

الذي كان يتلوه أبو بكر رضي الله عنه عندما استجار بابن الدُغُنّة، فخيروا أبا بكر بين ترك قراءة القرآن وترك الجوار، فترك جوار ابن الدغنة ورضي بجوار الله (1).
وكان الكفار يخشون من سماع القرآن، ويتواصون بالابتعاد عنه، قال تعالى حكاية عنهم: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26)} [فصلت: 26] وقال تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21)} [الحشر: 21] , وقال تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83)} [المائدة: 83].
ويعبر عن هذا التأثير الوليد بن المغيرة الذي أرسله كفار قريش ليفاوض رسول الله بالمال والسلطان والنساء على ترك الإِسلام، فرده وتلا عليه القرآن الكريم، وعاد الوليد متأثرًا بالقرآن وقال: "إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وما يقول هذا بشر" (2).
ووصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تأثير القرآن الكريم على القلب والنفس، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "هو حبل الله المتين، والنور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن تبعه، لا يُعْوج فيقوم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا تفنى غرائبه، ولا يَخْلق على كثرة الرد" (3).
ويؤكد هذا التأثير العظيم على النفوس أنه ربَّى أمة، ونقلها من
__________
(1) السيرة النبوية، ابن هشام: 1 ص 315، 271، 342.
(2) السيرة النبوية، ابن هشام: 1 ص 270.
(3) رواه الحاكم عن ابن مسعود، وأخرجه الترمذي عن علي مرفوعًا، وسئل ابن مسعود رضي الله عنه عن الصراط المستقيم قال: كتاب الله (المستدرك 2/ 258).
(1/161)

جاهلية جهلاء إلى قيادة الأمم، وحملت مشعل العلم والنور والحضارة والهداية إلى أمم الأرض، وكتب التاريخ والسيرة والتراجم غنية في ذلك (1).
5 - ما تضمنه القرآن الكريم من الأحكام الشرعية التي أقامت شريعة الله في الأرض:
وهي قوام الأنام في الحلال والحرام، وصلاح الأمة في الدنيا والآخرة، وإن هذه الشريعة التي تصلح الفرد والمجتمع، وترقى بهما إلى مدارج السمو النفسي والروحي والعقلي والعلمي والحضاري دليل على معجزة القرآن الكريم، وأنه من عند الله تعالى، وأن البشر لا يستطيعون، ولن يستطيعوا، أن يضعوا شريعة تسامى شريعة الله، وتصلح الأمم والشعوب كما فعل القرآن الكريم (2).
هذه أهم صفات الإعجاز التي وقفت البشرية خاشعة أمامها مع العلم القطعي والمعرفة الكاملة بحياة محمَّد بن عبد الله الذي جاء بالقرآن الكريم، وأنه نشأ يتيمًا فقيرًا في مكة، وتربى بين أظهرهم، ولم يتعلم في مدرسة ولا جامعة، ولا يعرف القراءة والكتابة، ونبه إلى ذلك القرآن الكريم فقال تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إلا الظَّالِمُونَ (49)} [العنكبوت: 48، 49].
وإن الدراسات القرآنية كثيرة لا تحصى، وستبقى العناية بالقرآن الكريم حفظًا ودراسة حتى تقوم الساعة (3)، ونفرد في المطلب القادم أحكام القرآن الكريم التي تخص علم الأصول.
__________
(1) الرسالة: ص 17، وما بعدها، الوسيط في أصول الفقه: ص 227، أصول التشريع الإِسلامي: ص 17، مصادر التشريع الإِسلامي: ص 71.
(2) أصول الفقه، أبو زهرة؛ ص 81.
(3) انظر: مرجع العلوم الإِسلامية، فصل علوم القرآن ص 139 وما بعدها.
(1/162)

المطلب الثالث في أحكام الكتاب الكريم
نذكر في هذا المطلب أنواع الأحكام التي اشتمل عليها كتاب الله تعالى، وطريقة بيان القرآن للأحكام، ومفهوم الكمال في أحكام القرآن، ودلالة الكتاب على الأحكام، وأسلوب القرآن في عرض الأحكام، وفي الخاتمة كيفية الانتفاع بالقرآن الكريم.

أولًا: أنواع الأحكام في الكتاب:
اشتمل القرآن الكريم على جميع الأحكام التي تخص البشرية في الحياة الدنيا والآخرة، ويمكن تصنيف هذه الأحكام بما يلي (1):
1 - الأحكام الاعتقادية، وهي الأحكام التي تتعلق بعقيدة المسلم وإيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وتُدرس هذه الأحكام في مادة العقيدة أو علم الكلام.
ب- الأحكام الأخلاقية، وهي الأحكام الوجدانية التي تتعلق بالفضائل التي يجب على المسلم أن يتحلى بها، وبالسلوك الذي يجب
__________
(1) أصول الفقه، خلاف: ص 33، الوسيط في أصول الفقه: ص 228، فصول في أصول التشريع الإِسلامي، جاد المولى سليمان: ص 8، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 89.
(1/163)

عليه أن يتبعه ويسير عليه، وتدرس هذه الأحكام في علم الأخلاق.
ج - الأحكام العملية، وتنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أحكام العبادات التي تنظم علاقة الإنسان بربه، وتبين ما يجب على المكلف أداؤه، والقيام به تجاه خالقه، وهي أحكام الصلاة والزكاة والصوم والحج والكفارات والنذور والأضاحي والأعمال الأخرى التي تصبح عبادة بالنية.
القسم الثاني: أحكام المعاملات التي تنظم علاقة الناس بعضهم ببعض، سواء أكانوا أفرادًا أم جماعات.
وتنقسم أحكام المعاملات في الاصطلاح الفقهي الحديث إلى سبعة أقسام وهي:
1 - أحكام الأحوال الشخصية: وهي الأحكام التي نص عليها القرآن الكريم لبناء الأسرة، وبيان تكوينها، وتنظيم العلاقة بين أفرادها من الزوجين والأولاد والأقارب.
2 - الأحكام المدنية أو المالية: وهي الأحكام التي تنظم العلاقة المالية بين الناس، كالبيوع وعقود التوثيق والكفالة والرهن وعقود التعاون بين الأفراد كالشركة والقرض والوديعة والإعارة.
3 - الأحكام الجنائية: وهي الأحكام التي نص عليها القرآن الكريم لبيان الأفعال التي حرمها الإِسلام، ووضع لها عقوبة من أجل الحفاظ على حياة الناس وأعراضهم وأموالهم وحقوقهم، وتعرف بالحدود والقصاص والتعازير.
4 - أحكام المرافعات: وهي الأحكام التي تتعلق بنظام القضاء والإثبات لإقامة العدل بين الناس، ودرسها العلماء في باب أدب القضاء.
(1/164)

5 - الأحكام الدستورية: التي تتعلق بنظام الحكم وأصوله، وتبين علاقة الحاكم بالمحكومين، وحقوق الأفراد والجماعات، ودرسها العلماء في الأحكام السلطانية والسِّير.
6 - الأحكام الدولية: وهي التي تتعلق بمعاملة الدولة الإِسلامية لغيرها من الدول في حالتي السلم والحرب، وتنظيم علاقة الدولة بأهل الذمة المستأمنين المقيمين على أرضها، وعرفت قديمًا، ودرسها الفقهاء في باب الجهاد.
7 - الأحكام الاقتصادية والمالية: وهي التي تنظم الموارد والمصارف في الدولة الإِسلامية، وكانت هذه الأحكام مبعثرة في أبواب متفرقة، وقد توجهت العناية والاهتمام بها حديثًا، وظهرت بشكل مستقل في هذا العصر.
هذه مجمل الأحكام التي نص عليها، أو أشار إليها، القرآن الكريم، وهي في مجموعها تهدف إلى هداية الناس إلى ما فيه صلاح حالهم في الدنيا والآخرة، وذلك بإصلاح القلوب والعقول بالعقيدة الصحيحة والأخلاق الفاضلة، وتسعى إلى توجيه النفوس والجوارح إلى الأعمال الصالحة وتقويم السلوك وحسن المعاشرة وتكوين المجتمع الإِسلامي الفاضل.

ثانيًا: بيان الكتاب للأحكام:
القرآن الكريم أساس الشريعة ومصدرها الأول، وقد بين القرآن الكريم أحكامه بإحدى طريقتين (1):
الأولى: البيان التفصيلي لبعض الأحكام، وذلك في نطاق محدود،
__________
(1) أصول الفقه الإِسلامي، شعبان: ص 49، أصول الفقه، الخضري: ص 235، أصول الفقه، أبو زهرة ص 86، الموافقات 3 ص 242.
(1/165)

مثل بحوث العقيدة التي وردت الآيات الكثيرة فيها لتوضيح حقيقة الإيمان بالله وكيفيته والأدلة عليه، ومناقشة العقائد الباطلة والرد عليها، مثل أحكام المواريث التي جاءت مفصلة وشبه تامة في القرآن الكريم، ومثل أحكام الأسرة والحدود والكفارات تقريبًا.
والحكمة من البيان التفصيلي أن هذه الأحكام إما أنها تعبدية أي توقيفية أو سماعية، لا مجال للعقل فيها, ولا يصح فيها الاجتهاد، وإما أنها أحكام معقولة لمصالح ثابتة لا مجال لتغييرها بتغيير الزمن، أو اختلاف البيئات.
الثانية: البيان الإجمالي لبقية الأحكام الشرعية التي ورد النص عليها في القرآن الكريم بشكل إجمالي لا تفصيلي، وبشكل كلي لا جزئي، ونص القرآن الكريم على القواعد العامة فيها والأسس الرئيسية عليها، مثل أحكام العبادات في الصلاة والزكاة والصوم والحج، فهذه العبادات اقتصر القرآن الكريم على طلبها بشكل عام، ولم يبين لنا أركانها وشروطها وكيفية أدائها، وكذلك أحكام المعاملات المدنية والدولية والجنائية والدستورية .. وغير ذلك، وهذا لا يمنع من تعرض القرآن الكريم لبعض الجزئيات والتفاصيل فيها أحيانًا، ونص القرآن الكريم على بيانها عن طريق السنة وأحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى: {بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44)} [النحل: 44] وهذا يؤكد وجوب الرجوع إلى السنة، وأنه لا يصح الوقوف عند مجرد الكتاب.
والحكمة من البيان الإجمالي للأحكام في الكتاب الكريم أن هذه الشريعة جاءت خاتمة الشرائع لترافق البشرية مع تطورها وتقدمها فاقتضى ذلك أن تتصف نصوصها بالمرونة والشمول لتتسع لحاجات الناس، فجاء النص القرآني يشير إلى المبدأ الأساسي الذي يجب
(1/166)

الالتزام به، وترك تفصيله وتطبيقه وكيفية أدائه لعلماء الأمة حسب مقتضيات الزمان والمكان، مثال ذلك الأمر بالشورى في قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159] , ووصف المؤمنين بقوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38] , فالنص عام ومرن، وأما التنفيذ فله أشكال متعددة لا تدخل تحت حصر، فيختار كل فرد وكل جماعة وكل أمة ما يلائمها من وسائل لتطبيق الشورى.
ولكن هذا الموضوع يقودنا إلى سؤال: كيف يتفق ذلك البيان مع صفة الكمال في القرآن الكريم؟

ثالثًا: الكمال في أحكام القرآن الكريم:
قد يبدو للإنسان شيء من التعارض بين هذا البيان الإجمالي العام في القرآن الكريم، وبين عدد من الآيات التي تصف القرآن بالكمال، مثل قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] وقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89)} [النحل: 89] وقوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)} [الأنعام: 38] (1).
ويلاحظ أن بعض الناس تمسكوا بظاهر هذه الآيات في محاولة رد السُّنة وغيرها من مصادر التشريع، وسبقت الإشارة في الرد عليهم؛ وسيأتي مزيد من التفصيل في حجية السنة؛ كما تعرض لهذه المسألة بعض ضعاف الإيمان ودعاة التشكيك في العقيدة بالتنطح والتحدي بضرب بعض الأمثلة والحوادث والوقائع والكونيات والمخترعات التي يطلبون دلالة القرآن الكريم عليها.
__________
(1) انظر قول الشاطبي: إن القرآن فيه بيان كل شيء، الموافقات: 3/ 244.
(1/167)

والجواب عن ذلك أن القرآن الكريم عالج الأمور وبين الأحكام بشكل إجمالي ونص على القواعد العامة، والمبادئ الهامة، ونبه على مقاصد الشريعة وأهدافها، وأحال العاقل إلى التدبر والتأمل عن طريق القياس والاستحسان والاستصلاح، وأرشد إلى السنة بأسلوبه الرائع المعجز؛ لأن القرآن لا يتسع للنص على كل شاردة أو واردة، وإن هذا الأسلوب يعطي التشريع صفة المرونة والشمول، ويتيح المجال لتطبيق الشريعة في كل زمان ومكان، وأنها صالحة للبشرية عامة.
فمثلًا سئل ابن عباس رضي الله عنه عن ميراث الجدة في كتاب الله تعالى، فقال للسائل: في قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] وسئل عالم عن مرض ودواء في كتاب الله فقال: إنه في قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 7].
ونرى أن الكمال في القرآن الكريم يتحقق بالأمور الثلاثة التالية:
1 - النصوص التفصيلية التي جاءت في القرآن الكريم كالمواريث واللعان والعقيدة.
2 - النصوص المجملة التي وردت في القرآن الكريم وتضمنت القواعد العامة والمبادئ الكلية والضوابط الشرعية، وتركت تفصيل ذلك إلى علماء الأمة يضعون التفاصيل التي تحقق أغراض الشريعة وأهدافها العامة، وتتفق مع مصالح الناس وتطور الأزمان واختلاف البيئات.
3 - الإحالة بنص القرآن الكريم إلى المصادر الأخرى التي تعتبر جزءًا من الشريعة، مثل السنة والإجماع والقياس وغير ذلك من المصادر التي أمر بها، أو أشار إليها، القرآن الكريم.
وبذلك يكون القرآن الكريم قد تناول جميع الأحكام ونظم الحقوق
(1/168)

والواجبات إما تفصيلًا وإما إجمالًا وإما بالإحالة إلى غيره، ويكون الكتاب الكريم -بحق- كاملًا ومستوفيًا لجميع الأشياء (1).

رابعًا: دلالة آيات القرآن على الأحكام:
إن آيات القرآن الكريم ثابتة بطريق قطعي؛ لأنها نقلت إلينا بالتواتر الذي يوحي بالجزم أن الآية التي يقرؤها كل مسلم في بقاع الأرض هي نفسها التي تلاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أصحابه، وهي التي نزل بها جبريل من اللوح المحفوظ من غير تبديل ولا تغيير، تحقيقًا لقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)} [الحجر: 9].
أما دلالة النص القرآني على الحكم فليست واحدة، فمنها ما هو قطعي الدلالة، ومنها ما هو ظني الدلالة (2).
فالنص القطعي الدلالة هو ما دل على معنى متعين فهمه منه، ولا يحتمل تأويلًا آخر معه، وذلك مثل النصوص التي وردت فيها أعداد معينة أو أنصبة محددة في المواريث والحدود قال تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11)} [النساء: 11] وقال تعالى:
__________
(1) انظر خصائص التشريع القرآني وهي الإجمال والعموم وقلة التكاليف وعدم الحرج والتدرج في التشريع والواقعية في كتاب (مصادر التشريع الإِسلامي ص 75، تاريخ التشريع الإِسلامي، السبكي والسايس والبربري: ص 49، والموافقات: 3 ص 244).
(2) الوسيط في أصول الفقه: ص 231، أصول الفقه خلاف: ص 37، أصول التشريع الإِسلامي: ص 20، فصول في أصول التشريع: ص 11، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 87، أصول الفقه الإِسلامي، شعبان: ص 48.
(1/169)

{وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12)} [النساء: 12] فإن دلالة النصين قطعية على أن فرض البنتين الثلثان، وفرض البنت الواحدة النصف، وفرض الزوج النصف، وقال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2] فالآية قطعية الدلالة على مقدار حد الزنا، وقال تعالى في كفارة اليمين: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89)} [المائدة: 89] فالعدد قطعي الدلالة، ولا تقبل الكفارة بأقل من ذلك، ولا بأكثر منه، وكل ما بيَّنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو قطعي الدلالة، مثل معنى الصيام، والصلاة، والزكاة، والحج، وقرر العلماء أن المصطلحات الشرعية تقدم على المعاني اللغوية.
أما النص الظني الدلالة فهو ما يدل على عدة معان، أو هو ما يدل على معنى، ولكنه يحتمل معاني أخرى، بأن يحتمل التأويل والصرف عن معنى إلى غيره، مثل لفظ القرء في قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، فلفظ القرء في اللغة لفظ مشترك بين معنيين: الطهر والحيض، والنص القرآني يحتمل أن يراد منه ثلاثة أطهار، كما قال الشافعي وغيره، ويحتمل أن يراد منه ثلاث حيضات، كما قال الإِمام أبو حنيفة ومن معه، وكذلك لفظ اليد في آية
(1/170)

السرقة: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] فاليد لفظ مشترك لليمنى واليسرى، وتحتمل كلًّا منهما، كما يحتمل أن يراد منها الأصابع إلى الرسغ أو إلى المرفق أو إلى الإبط، فجاءت السنة وبينت ذلك.
فهذا النص الذي يدل على عدة معان، أو يحتمل أكثر من معنى، تكون دلالته على المعنى ظنية.

خامسًا: أسلوب القرآن الكريم في عرض الأحكام:
سبق الكلام عن إعجاز القرآن الكريم، وأن من وجوه إعجازه فصاحته وبلاغته، وتقضي البلاغة أن تختلف الأساليب في عرض الأحكام، وأن تتنوع الألفاظ للدلالة على مقصوده، سواء أكان الموضوع في العقيدة أم في أخبار المغيبات أم في قصص الأنبياء أم في آيات الأحكام، ولذلك كثرت الأساليب التي تدل على معنى واحد، حتى لا تمله النفوس، فلم يعبر عن الوجوب مثلًا بلفظ يجب فقط، ولا على التحريم بلفظ حرم، بل يعبر عن الوجوب والتحريم بعدة صيغ وأساليب -كما سنبين ذلك في مباحث الواجب والحرام ..
وبناء على ذلك فعلى المتأمل في كتاب الله تعالى لاستنباط الأحكام الشرعية من القرآن الكريم أن يستعين بمدلولات الألفاظ وما يجري عليها من العرف استعمالها، وما يقترن بها من وعد أو وعيد، ومن مدح أو ذم، ومن ترغيب أو ترهيب.
ويمكن إجمال الأساليب التي تدل على طلب الفعل أو طلب الترك أو التخيير فيه بما يلي (1):
__________
(1) تاريخ التشريع الإِسلامي، السبكي والسايس والبربري: ص 57، أصول الفقه الإِسلامي، شعبان: ص 52، الوسيط في أصول الفقه: 232، أصول الفقه، =
(1/171)

1 - كل فعل عظمه الله تعالى في كتابه الكريم، أو مدحه أو أثنى على فاعله أو أحبه أو أقسم به أو أقسم بفاعله، أو قرب فاعله أو وصفه بالاستقامة أو البركة، فهو مطلوب فعله، ويكون حكمه بين الإيجاب وبين الندب بحسب صيغة طلبه من الشارع وترتب العقوبة على تركه أو عدم ترتبها.
2 - كل فعل طلب الشارع تركه أو ذمه، أو ذم فاعله أو لعنه أو شبه فاعله بالبهائم أو أنه من فعل الشيطان أو أنه يرضي الشيطان، أو يزين له، أو جعله سببًا لعقوبة في الدنيا أو عذاب في الآخرة، أو وصفه بخبث أو رجس أو نجس أو أنه يؤدي إلى الفسق أو يوقع في العداوة والبغضاء، فهو دليل على منع الفعل، ويكون حكمه إما التحريم وإما الكراهة بحسب الصيغة في طلب الترك أو ترتُّب العقوبة على فاعله أو عدم ترتبها.
3 - أما إذا جاء النص يدل على مجرد الجواز والإحلال أو بنفي الحرج أو الجناح أو الإثم على فاعله فيكون حكمه الإباحة، وسيأتي تفصيل ذلك في فصل الحكم التكليفي.
هذه نظرة عامة في أحكام القرآن الكريم من حيث الظاهر والشكل، أما كيفية استنباط الأحكام من القرآن الكريم وكيفية دلالة آيات الكتاب على الأحكام الفقهية في كل مسألة فذلك منوط في مباحث الدلالات، أو في مباحث الكتاب والسنة.

خاتمة: في الانتفاع بالقرآن الكريم:
ونختم كلامنا عن الكتاب بالإشارة إلى بعض الأمور التي يجب
__________
= أبو زهرة: ص 88، وانظر: الإكليل في استنباط التنزيل، للسيوطي، ت عبد القادر، طبع دار الكتب العلمية، بيروت، ط 2 سنة 1405 ه 1985 / م ص 22 - 23.
(1/172)

مراعاتها للانتفاع بكتاب الله تعالى، نمهد الطريق بها إلى مبحث السنة.
1 - إن القرآن الكريم هو أساس الشريعة وأصلها ومعتمدها في العقيدة والعبادة والأخلاق والتشريع، وإنه المرجع الأول في كل ذلك، وإنه المحتكم إليه عند الاختلاف فيها.
وإن القرآن الكريم هو أساس سر بقاء الإِسلام، وهذا يقتضي وجوب العناية به حفظًا وتلاوة وتدبرًا وعلمًا وعملًا، وأنه يجب أن يكون قرين المؤمن في كل وقت، وأن يكون أنيسه في حله وترحاله، وأن يكون محيي نظره في تفكيره، وأن يتدبر آياته، وأن يتعظ بها، وأن يعمل بما فيه، وأن يسعى لنشره وتوزيعه إلى بيت كل مسلم، قال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9)} [الإسراء: 9] ويقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بلغوا عني ولو آية" (1).
2 - يجب معرفة أسباب النزول؛ لأنها تعين على الفهم، وتساعد على بيان المراد من كلام الله تعالى؛ لأن القرآن الكريم نزل منجمًا خلال فترة طويلة، وكان ينزل حسب الوقائع والمناسبات، وإن الجهل بأسباب التنزيل يثير الشُّبه والإشكال في فهم المراد من النصوص العامة المجملة الواردة في القرآن الكريم (2).
3 - أن يعرف المسلم عادات العرب في أقوالها وأفعالها وتقاليدها، لأن القرآن الكريم نزل في مجتمعهم، فأقر الحسن منها، وأبطل القبيح،
__________
(1) هذا طرف من حديث رواه البخاري والترمذي وأحمد والدارمي، (انظر: صحيح البخاري: 2 ص 167، تحفة الأحوذي: 7 ص 431، مسند أحمد: 2 ص 1959، سنن الدارمي: 1 ص 136).
(2) قال الشاطبي: "معرفة أسباب النزول لازمة لمن أراد علم القرآن" الموافقات: 3/ 225.
(1/173)

وخاطبهم بما تدركه عقولهم من المعاني والألفاظ، وحملهم الرسالة، وأمرهم بالتبليغ والدعوة.
ولا يقتصر الباحث على بيان المحاسن والعادات الحميدة بل لا بد من معرفة المفاسد والتقاليد الجاهلية التي كانت سائدة بينهم، لمعرفة معالجة القرآن الكريم لها، سواء في العقيدة أم في الأحكام، وقد تكون هذه الأمور سببًا من أسباب النزول التي تلقي الضوء على النص وفهمه.
4 - وجوب معرفة اللغة العربية ودراستها؛ لأن فهم القرآن الكريم والانتفاع منه والاستدلال به يتوقف على معرفة اللغة، وما يتعلق بها من المعاني والعبارات والصيغ والقواعد التي بحثها الأصوليون، وأصبحت جزءًا من علم أصول الفقه (1).
قال الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى: لأنه لا يعلم من إيضاح جمل الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب، وكثرة وجوهه، وجماع معانيه، وتفرقها، ومن علمه انتفت عنه الشبه التي دخلت على من جهل لسانها (2).
5 - الاعتماد على السنة في فهم كتاب الله، وقد ظهر لنا هذا في أوجه الكمال في القرآن الكريم، وأنه لا يمكن فهم القرآن الكريم وتطبيقه إلا بعد معرفة السنة، وأن العمل بالسنة هو عمل بالكتاب، كما سيأتي، وأن السنة هي بيان للقرآن الكريم (3).
__________
(1) أصول الفقه الإِسلامي، شاكر الحنبلي: ص 48، مصادر التشريع الإِسلامي، ص 60، أصول الفقه، الخضري: ص 231، أصول التشريع الإِسلامي: ص 28، الموافقات: 3 ص 225، 229، 243، منهاج الوصول، البيضاوي: ص 16، الرسالة: ص 42، نهاية السول: 1 ص 204، أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 195، الموافقات: 2 ص 45، 3 ص 226.
(2) الرسالة: ص 50.
(3) الرسالة: ص 31، 32، الموافقات: 3 ص 25.
(1/174)

نصوص من كتب الأصول:
وفي نهاية هذا المبحث عن المصدر الأول، وهو الكتاب الكريم نورد نصين من كتب الأصول القديمة، ليطلع القاري على أسلوبها، ويتمرن على قراءتها، ويستفيد من مضمونها.

النص الأول: من كتاب الرسالة للشافعي، وهو أقدم كتاب وأول كتاب في علم الأصول، ووضعت له عنوانًا، وهو" القرآن واللغة العربية" (1).
والنص الثاني: من كتاب الأحكام للآمدي، ووضعت له عنوانًا وهو "التواتر في نقل القرآن الكريم".

القرآن واللغة العربية
قال الشافعي رحمه الله تعالى (2): ومن جماع علم كتاب الله: العلم بأن جميع كتاب الله إنما نزل بلسان العرب ..
فالواجب على العالمين أن لا يقولوا إلا من حيث علموا.
وقد تكلم في العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه منه لكان الإمساك أولى به، وأقرب من السلامة له، إن شاء الله.
فقال منهم قائل: إن في القرآن عربيًّا وأعجميًّا.
والقرآن يدل على أنه ليس من كتاب الله شيء إلا بلسان العرب.
ووَجَد قائلُ هذا القول من قَبِلَ ذلك منه، تقليدًا له، وتركًا للمسألة
__________
(1) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم: ص 203، 205، 207، وفيه عنوان "اللغة أعظم شعائر الأمم".
(2) الرسالة، له: ص 41.
(1/175)

له عن حجته، ومسألة غيره ممن خالفه.
وبالتقليد أغفل من أغفل منهم، والله يغفر لنا ولهم.
ولعل من قال: إن في القرآن غيرَ لسان العرب، وقبل ذلك منه: ذهب إلى أن من القرآن خاصًّا يجهل بعضه بعضُ العرب.
ولسان العرب أوسع الألسنة مذهبًا، وأكثرها ألفاظًا، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي، ولكنه لا يذهب منه شيء على عامتها، حتى لا يكون موجودًا فيها من يعرفه.
والعلم به عند العرب كالعلم بالسُّنة عند أهل الفقه: لا نعلم رجلًا جمع السنن فلم يذهب منها عليه شيء.
فإذا جُمعَ علمُ عامة أهل العلم بها أتي على السنن, وإذا فُرِّقَ علمُ كل واحد منهم: ذهب عليه الشيء منها، ثم كان ما ذهب عليه منها موجودًا عند غيره.
وهم في العلم طبقات: منهم الجامع لأكثره، وإن ذهب عليه بعضه، ومنهم الجامع لأقل مما جمع غيره.
وليس قليل ما ذهب من السنن على من جمع أكثرها: دليلًا على أن يطلب علمه عند غير طبقته من أهل العلم، بل يطلب عند نظرائه ما ذهب عليه، حتى يؤتى على جميع سنن رسول الله، بأبي هو وأمي، فيتفرد العلماء بجمعها، وهم درجات فيما وعوا منها.
وهكذا لسان العرب عند خاصتها وعامتها: لا يذهب منه شيء عليها, ولا يطلب عند غيرها, ولا يعلمه إلا من قبله عنها, ولا يشركها فيه إلا من اتبعها في تعلمه منها، ومن قبله منها فهو من أهل لسانها.
وإنما صار غيرهم من غير أهله بتركه، فإذا صار إليه صار من أهله.
وعلم أكثر اللسان في أكثر العرب أعم من علم أكثر السنن في العلماء.
(1/176)

فإن قال قائل: فقد نجد من العجم من ينطق بالشيء من لسان العرب؟
فذلك يحتمل ما وصفت من تعلمه منهم، فإن لم يكن ممن تعلمه منهم فلا يوجد من ينطق إلا بالقليل منه، ومن نطق بقليل منه فهو تبع للعرب فيه.
ولا ننكر إذا كان اللفظ قيل تعلمًا أو نُطق به موضوعًا: أن يوافق لسانُ المعجم أو بعضها قليلًا من لسان العرب، كما يتفق القليل من ألسنة المعجم المتباينة في أكثر كلامها، مع تنائي ديارها، واختلاف لسانها، وبعد الأواصر بينها وبين من وافقت بعض لسانه منها.
فإن قال قائل: ما الحجة في أن كتاب الله محض بلسان العرب، لا يخلطه فيه غيره؟
فالحجة فيه كتاب الله، قال الله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم: 4].
فإن قال قائل: فإن الرسل قبل محمَّد كانوا يرسلون إلى قومهم خاصة، وإن محمدًا بعث إلى الناس كافة: فقد يحتمل أن يكون بعث بلسان قومه خاصة، ويكون على الناس كافة أن يتعلموا لسانه وما أطاقوا منه، ويحتمل أن يكون بعث بألسنتهم: فهل من دليل على أنه بعث بلسان قومه خاصة دون ألسنة المعجم؟
فإذا كانت الألسنة مختلفة بما لا يفهمه بعضهم عن بعض: فلا بد أن يكون بعضهم تبعًا لبعض، وأن يكون الفضل في اللسان المتبع على التابع.
وأولى الناس بالفضل في اللسان من لسانه لسان النبي. ولا يجوز -والله أعلم- أن يكون أهل لسانه أتباعًا لأهل لسان غير لسانه في حرف واحد، بل كل لسان تَبَع للسانه، وكل أهلِ دينٍ قبله فعليهم اتّباع دينه.
(1/177)

وقد بين الله ذلك في غير آية من كتابه:
قال الله تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)} [الشعراء: 192 - 195].
وقال: {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا} [الرعد: 37]. وقال: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} [الشورى: 7].
وقال: {حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3)} [الزخرف 1 - 3].
وقال: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28)} [الزمر: 28].
قال الشافعي: فأقام حجته بأن كتابه عربي، في كل آية ذكرناها، ثم أكد ذلك بأن نفى عنه -جل ثناؤه- كل لسان غير لسان العرب، في آيتين من كتابه:
فقال تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103)} [النحل: 103].
وقال: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} [فصلت: 44].
قال الشافعي: وعرفنا نعمه بما خصنا به من مكان فقال: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)} [التوبة: 128].
وقال: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2)} [الجمعة: 2].
وكان مما عرف الله نبيه من إنعامه أن قال: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} [الزخرف: 44] فخص قومه بالذكر معه بكتابه.
وقال: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)} [الشعراء: 214] وقال: {لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} [الشورى: 7] وأم القرى مكة، وهي بلده وبلد
(1/178)

قومه، فجعلهم في كتابه خاصة، وأدخلهم مع المنذرين عامة، وقضى أن يُنذروا بلسانهم العربي: لسان قومه منهم خاصة.
فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده، حتى يشهد به أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، ويتلو به كتاب الله، وينطلق بالذكر فيما افترض عليه من التكبير وأمر به من التسبيح والتشهد وغير ذلك.
وما ازداد من العلم باللسان، الذي جعله الله لسان من ختم به نبوته، وأنزل به آخر كتبه: كان خيرًا له، كما عليه أن يتعلم الصلاة والذكر فيها، ويأتي البيت وما أمر بإيتائه، ويتوجه لما وجه له، ويكون تبعًا فيما افترض عليه وندب إليه، لا متبوعًا.
وإنما بدأت بما وصفت من أن القرآن نزل بلسان العرب دون غيره: لأنه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب، وكثرة وجوهه، وجماع معانيه وتفرقها، ومن علمه انتفت عنه الشبه التي دخلت على من جهل لسانها.

التواتر في نقل القرآن الكريم
قال الآمدي رحمه الله تعالى (1):
اتفقوا على أن ما نقل إلينا من القرآن نقلًا متواترًا، وعلمنا أنه من القرآن، أنه حجة، واختلفوا فيما نقل إلينا منه آحادًا، كمصحف ابن مسعود وغيره، أنه هل يكون حجة أم لا؟ فنفاه الشافعي، وأثبته أبو حنيفة، وبنى عليه وجوب التتابع في صوم اليمين بما نقله ابن مسعود في مصحفه من قوله: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات".
__________
(1) الإحكام في أصول الأحكام، له: ص 148.
(1/179)

والمختار إنما هو مذهب الشافعي، وحجته أن النبي عليه الصلاة والسلام كان مكلفًا بإلقاء ما أنزل عليه من القرآن على طائفة تقوم الحجة القاطعة بقولهم، ومن تقوم الحجة القاطعة بقولهم لا يتصور عليهم التوافق على عدم نقل ما سمعوه منه، فالراوي له إذا كان واحدًا، إن ذكره على أنه قرآن فهو خطأ، وإن لم يذكره على أنه قرآن، فقد تردد بين أن يكون خبرًا عن النبي عليه الصلاة والسلام، وبين أن يكون ذلك مذهبًا له، فلا يكون حجة، وهذا بخلاف خبر الواحد عن النبي - عليه السلام -، وعلى هذا منع من وجوب التتابع في صوم اليمين على أحد قوليه.
فإن قيل: قولكم: إن النبي - عليه السلام - كان يجب عليه إلقاء القرآن إلى عدد تقوم الحجة القاطعة بقولهم، لا نسلم ذلك، وكيف يمكن دعواه مع أن حفاظ القرآن في زمانه، - عليه السلام -، لم يبلغوا عدد التواتر لقلتهم، وإن جمعه إنما كان بطريق تلقي آحاد آياته من الآحاد، ولذلك اختلفت مصاحف الصحابة. ولو كان قد ألقاه إلى جماعة تقوم الحجة بقولهم، لما كان كذلك، ولهذا أيضًا اختلفوا في البسملة أنها من القرآن، وأنكر ابن مسعود كون الفاتحة والمعوذتين من القرآن.
سلمنا من وجوب ذلك عن النبي - عليه السلام -، وأنه سمعه منه جمع تقوم الحجة بقولهم، ولكن إنما يمتنع السكوت على نقله عن الكل لعصمتهم عن الخطأ، ولا يمتنع ذلك بالنسبة إلى بعضهم، وإذا كان ابن مسعود من جملتهم، وقد روى ما رواه، فلم يقع الاتفاق من الكل على الخطأ بالسكوت، وعند ذلك فيتعين حمل روايته لذلك في مصحفه على أنه من القرآن؛ لأن الظاهر من حاله الصدق، ولم يوجد ما يعارضه، غايته أنه غير مجمع على العمل به لعدم تواتره، وإن لم يصرح بكونه قرآنًا، أمكن أن يكون من القرآن وأمكن أن لا يكون، لكونه خبرًا عن
(1/180)

النبي - عليه السلام -، وأمكن أن يكون، لكونه مذهبًا له كما ذكرتموه، وهو حجة بتقدير كونه قرآنًا، وبتقدير كونه خبرًا عن النبي - عليه السلام -، وهما احتمالان، وإنهما لا يكون حجة بتقدير كونه مذهبًا له، وهو احتمال واحد، ولا يخفى أن وقوع احتمال من احتمالين، أغلب من وقوع احتمال واحد بعينه.
سلمنا أنه ليس بقرآن، وأنه متردد بين الخبر وبين كونه مذهبًا له، إلا أن احتمال كونه خبرًا راحج؛ لأن روايته له موهم بالاحتجاج به، ولو كان مذهبًا له لصرح به، نفيًا للتلبيس عن السامع المعتقد كونه حجة، مع الاختلاف في مذهب الصحابي هل هو حجة أم لا؟.
والجواب: أما وجوب إلقائه على عدد تقوم الحجة بقولهم: فذلك مما لم يخالف فيه أحد من المسلمين؛ لأن القرآن هو المعجزة الدالة على صدقه - عليه السلام - قطعًا، ومع عدم بلوغه إلى من لم يشاهده بخبر التواتر، لا يكون حجة قاطعة بالنسبة إليه، فلا يكون حجة عليه في تصديق النبي - عليه السلام - ولا يلزم من عدم بلوغ حفاظ القرآن في زمن النبي - عليه السلام -، عدد التواتر أن يكون الحفاظ لآحاد آياته كذلك، وأما التوقف في جمع آيات القرآن على أخبار الآحاد، فلم يكن في كونها قرآنًا، بل في تقديمها وتأخيرها بالنسبة إلى غيرها، وفي طولها وقصرها.
وأما ما اختلفت به المصاحف، فما كان من الآحاد فليس من القرآن، وما كان متواترًا، فهو منه، وأما الاختلاف في التسمية إنما كان في وضعها في أول كل سورة، لا في كونها من القرآن.
وأما إنكار ابن مسعود، فلم يكن لإنزال هذه السور على النبي، عليه السلام، بل لإجرائها مجرى القرآن في حكمه.
قولهم: إذا رواه ابن مسعود لم يتفق الكل على الخطأ، قلنا: وإن
(1/181)

كان كذلك، إلا أن سكوت من سكت، وإن لم يكن ممتنعًا، إلا أنه حرام لوجوب نقله عليه. وعند ذلك فلو قلنا: إن ما نقله ابن مسعود قرآن، لزم ارتكاب من عداه من الصحابة للحرام بالسكوت، ولو قلنا: إنه ليس بقرآن، لم يلزم منه ذلك، لا بالنسبة للراوي ولا بالنسبة إلى من عداه من الساكتين، وبتقدير ارتكاب ابن مسعود للحرام، مع كونه واحدًا أولى من ارتكاب الجماعة له، وعلى هذا، فقد بطل قولهم بظهور صدقه فيما نقله من غير معارض، وتعين نقله بين الخبر والمذهب.
قولهم: حمله على الخبر راجح، لا نسلم ذلك.
قولهم: لو كان مذهبًا لصرح به، نفيًا للتلبيس، قلنا: أجمع المسلمون على أن كل خبر لم يصرح بكونه خبرًا عن النبي - عليه السلام - ليس بحجة، وما نحن فيه كذلك، ولا يخفى أن العمل على المذهب، مع أنه مختلف في الاحتجاج به، أولى من حمله على الخبر الذي ما صرح فيه بالخبرية، مع أنه ليس بحجة بالاتفاق، وكيف وفيه موافقة النفي الأصلي، وبراءة الذمة من التتابع، بخلاف مقابله، فكان أولى.
(1/182)

المبحث الثاني في السنة الشريفة
لقد اختار الله سبحانه محمد بن عبد الله لتبليغ رسالته للناس، واصطفاه لهذه المهمة، وأنزل عليه القرآن الكريم هدى ورحمة للعالمين، ليطبقه وينفذ أحكامه، ويرشد الناس إلى الدين الحق، والشريعة الغراء، بالتربية والتوجيه، فكانت أقواله وأفعاله مصدرًا تشريعيًّا كاملًا.
وتعتبر السنة مصدرًا ثانيًا بعد القرآن الكريم، ولكنها تشتمل على كثرة الفروع، وزيادة التفصيل، ودقة التنظيم التشريعي؛ لأنها جاءت شارحة للقرآن الكريم، ومفصلة لقواعده الكلية التي جاءت في محكم آياته (1)، ولذا يتحتم علينا الاعتماد عليها، والاهتداء بنورها، والاستعانة بها على فهم كتاب الله تعالى، وسوف نرى تفصيل ذلك في مطلب مكانة السنة، بعد أن نتناول تعريف السنة وحجيتها وأنواعها وثبوتها.
__________
(1) السنة ومكانتها في التشريع، لأستاذنا المرحوم الدكتور مصطفى السباعي: ص 6.
(1/183)

المطلب الأول في تعريف السنة
تعريف السنة لغة: هي الطريقة والعادة، حسنة كانت أم سيئة (1)، ومنه قوله تعالى: {سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (77)} [الإسراء: 77] ومنه قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من سنَّ في الإِسلام سُنّة حسنة فله أجرُها وأجرُ من عَمِل بها من بعده من غير أن يَنْقُصَ من أجورهم شيء، ومن سَنَّ في الإِسلام سُنة سيئة كان عليه وزرُها ووزرُ من عَمِلَ بها من بعده من غير أن يَنْقص من أوزارهم شيء" (2)، ومن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لتتَبِعُنَّ سنَنَ من كانَ قبلكم شِبرًا بشِبرٍ وذِراعًا بذراع" (3).
تعريف السنة اصطلاحًا: عرف علماء الأصول السنة بأنها: "ما نقل عن رسول - صلى الله عليه وسلم - من قول أو فعل أو تقرير" (4).
فالسنة إما أن تكون قولية أو فعلية أو تقريرية.
__________
(1) القاموس المحيط: 4 ص 236.
(2) رواه مسلم عن جرير، ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه.
(3) رواه الشيخان عن أبي سعيد الخدري.
(4) إرشاد الفحول: ص 33.
(1/185)

أولًا: السنة القولية: هي الأحاديث التي نطق بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جميع المناسبات والأغراض، وقد سمعها الصحابة رضوان الله عليهم، ونقلوها عنه، وهي تشكل السواد الأعظم من السنة، مثل حديث: "إنما الأعمال بالنيات" (1)، وحديث: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" (2)
ثانيًا: السنة الفعلية: وهي الأفعال والتصرفات التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوم بها في دائرة العمل والتشريع، ونقلها الصحابة رضوان الله عليهم لنا بالوصف الدقيق في مختلف شؤون حياته، سواء أكان الوصف والنقل بطلب النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل قوله: "صَلُّوا كما رأيتموني أصلي"، وقوله: "خُذُوا عني مناسككم" (3)، أم بدون طلبه كوصف الصحابة له بما كان يفعله في الحرب، والقضاء بشاهد ويمين، والمعاملة في الدِّيْن، والشراء والبيع، وغير ذلك، ويعبرون عنه بقولهم: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل كذا، أو يعمل كذا، أو فعل كذا، وعمل كذا" (4).
ثالثًا: السنة التقريرية: هي ما أقره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما صدر عن الصحابة من أقوال وأفعال، بسكوته وعدم إنكاره، أو بموافقته وإظهار استحسانه ورضاه، فيكون إقراره وموافقته على القول أو الفعل كأنه صادر عنه، مثل إقراره لمن تيمم من الصحابة للصلاة لعدم وجود الماء ثم وجده بعد الصلاة، ولم يعد صلاته، وإقراره لعليٍّ في بعض أقضيته، وإقراره لمن أكل لحم حمار الوحش والضَّب، واستحسانه لقول معاذ في كيفية القضاء
__________
(1) رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
(2) رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي ومالك وأحمد.
(3) وصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر، وقال: "أيها الناس، إنما صنعت هكذا كيما تروني، فتأتموا بي" رواه البخاري (1/ 148) ومسلم (5/ 34) والنسائي (2/ 60) وابن ماجه (1/ 454)، وانظر: المهذب 1/ 329 ط محققة.
(4) المستصفى: 1 ص 131.
(1/186)

بكتاب الله ثم بسنة رسوله ثم بالاجتهاد، وإقراره لصلاة العصر في غزوة بني قريظة، وإقراره لقول القائف في نسب أسامة بن زيد، ويدخل في ذلك قول الصحابي: "كنا نفعل كذا في عهد رسول الله" (1)، وإقراره الأذان الذي رآه عبد الله بن زيد، والعلة في ذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يسكت على باطل، فإن صدر أمامه قول أو فعل وسكت عنه فهذا يدل على قبوله شرعًا.

تعريفات فرعية:
بعد هذا التعريف وشرحه. نذكر بعض الاصطلاحات المتصلة بالسنة ونبين الصلة بينها:
1 - عرف علماء الحديث السنة بأنها "ما أثر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قول أو فعل أو تقرير أو صفة" فأضافوا كلمة "صفة" لإدخال الصفات الخَلقية والخُلقية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السنة (2).
2 - تطلق السنة عند الأصوليين أيضًا ويراد منها ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه، مثل سنة الصبح ركعتان، وهي بهذا الإطلاق ترادف المندوب، وتقابل الواجب والحرام والمكروه والمباح (3)، ويكون بين هذا المعنى والتعريف السابق عموم وخصوص من وجه، فيشتركان في بعض الأمور، ويختص كل منهما بجانب.
3 - يدخل في السنة إشارة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكتابته، وكذا تركه لأمر من الأمور، وغير ذلك مما توسع فيه علماء الأصول (4).
__________
(1) إرشاد الفحول: ص 41، شرح الكوكب المنير: 2 ص 166.
(2) السنة ومكانتها في التشريع: ص 60، أصول الحديث للزميل الفاضل الدكتور محمَّد عجاج الخطيب: ص 19.
(3) إرشاد الفحول: ص 33، الأحكام، الآمدي: 1 ص 165، أصول الفقه، أبو النور: 3 ص 108، الحدود في الأصول، الباجي: ص 57.
(4) إرشاد الفحول: ص 42، شرح الكوكب المنير: 2 ص 161، 163، 165، كإشارته =
(1/187)

4 - السنة والحديث: السنة هي قول أو فعل أو تقرير، أما الحديث فهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فقط، عند الجمهور، فتكون السنة أعم من الحديث، لأن كل حديث سنة ولا عكس، فيكون بينهما عموم وخصوص مطلق، وفي قول آخر: إن الحديث ما نقل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما نقل عن الصحابة، أما السنة فهي ما نقل عن الرسول فقط، فيكون الحديث هنا أعم من السنة (1).
5 - وقد تطلق السنة على ما يقابل البدعة، فالسنة هي الطريقة التي أقرها الشرع، والبدعة ما ينافي ذلك مما ينكره الشرع (2).
6 - عرف بعض علماء الأصول السنة فقال: هي ما نقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قول أو فعل أو تقرير غير القرآن (3)، فأضاف لفظ "غير القرآن" ليتحرز في تعريف السنة عن القرآن الكريم، فإنه نقل عن لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وخالف جمهور الأصوليين في هذه الإضافة؛ لأن رسول الله لم يكن إلا مبلغًا لكلام الله عن جبريل إلى الأمة، وليس القرآن صادرًا عنه كالسنة.

ما يدخل في السنة وما لا يدخل:
قلنا في تعريف السنة: إنها ما نقل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قول أو فعل أو تقرير، والسؤال الآن: هل كل أقواله وأفعاله وتقريراته تعتبر سنة يجب العمل بها أم لا؟
__________
= - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر رضي الله عنه ليبقى إمامًا في الصلاة، رواه البخاري ومسلم، وكتابة فريضة الزكاة.
(1) إرشاد الفحول: ص 33، المدخل لابن بدران: ص 89، تسهيل الوصول: ص 139، الموافقات: 4 ص 4.
(2) إرشاد الفحول: ص 33، المدخل لابن بدران: ص 89، تسهيل الوصول ص 139.
(3) تسهيل الوصول: ص 139.
(1/188)

والجواب بالنفي طبعًا, ولذلك بيّن علماء الأصول الأقوال والأفعال والتقريرات التي صدرت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا تعتبر تشريعًا لغيره من الأمة؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنسان كسائر الناس اختاره الله للرسالة، ولم تخرجه النبوة عن الصفة البشرية، والضابط في ذلك هو: أن ما صدر عن رسول الله بوصفه رسول الله وكان مقصودًا به التشريع فهو حجة، وما صدر عنه بصفته البشرية فليس بسنة ولا حجة، وهي:
1 - ما صدر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأقوال والأفعال والتقريرات قبل البعثة؛ لأنه لا تشريع فيها.
2 - ما صدر عن رسول الله بمقتضى طبيعته الإنسانية من قيام وقعود ومشي ونوم وأكل وشرب وغير ذلك من الأفعال فلا تعتبر تشريعًا؛ لأن هذه الأعمال صدرت عنه بصفته الإنسانية وليس بصفته التشريعية، ويطلق عليها العلماء الأفعال الجبلية (1)، إلا إذا قام الدليل على أن المقصود من فعله الاقتداء فتكون تشريعًا بهذا الدليل، وليس بمجرد صدوره عنه (2)، كالأكل باليد اليمنى الذي ورد في حديث ابن أم سلمة "يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك" (3).
3 - ما صدر عن رسول الله بمقتضى الخبرة البشرية التي استقاها من
__________
(1) ذهب الجمهور إلى الحكم على هذه الأفعال بأنها للإباحة، ونقل الباقلاني والغزالي عن قوم بأنها للندب، وكان عبد الله بن عمر أكثر الصحابة تأسيًا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان يتبع هذه الأفعال ليقوم بها ويقتدي فيها، وقد بحث علماء الأصول بحثًا مستفيضًا في أنواع الأفعال التي تصدر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما يعتبر منها تشريعًا وما لا يعتبر كذلك، وحكم كل نوع منها، انظر الإحكام، الآمدي: 1 ص 159، نهاية السول: 2 ص 240، إرشاد الفحول: ص 35، أصول الفقه، للخضري: ص 261، شرح الكوكب المنير: 2 ص 178.
(2) إرشاد الفحول: ص 35، الإحكام، الآمدي: 1 ص 159.
(3) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن عمر بن أبي سلمة.
(1/189)

تجاربه الخاصة في الحياة، كالتجارة والزراعة وقيادة الجيش ووصف الدواء وغيره، فهذا لا يعتبر حجة ولا تشريعًا، وكان هذا المعنى واضحًا في ذهن الصحابة، فيسألون رسول الله عن مثل هذه الأمور، وهل هي من عند الله أم من الخبرة، قال الحباب بن المنذر في غزوة بدر: أهذا منزل أنزلكه الله، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال الحباب: ليس هذا بمنزل، وأشار بإنزال الجند في مكان آخر قريب من الماء ليقطع على العدو الشرب (1)، وعندما مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أهل المدينة وهم يؤبرون النخل أشار عليهم بالترك فتركوا، فلم تحمل الأشجار فشَكَوْا إليه، فقال لهم: "أبروا، أنتم أعلم بأمور دنياكم" (2).

4 - الخصوصيات: وهي الأمور التي قالها أو فعلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقام الدليل على أنها خاصة به أو بأحد الصحابة، وليست تشريعًا لغيره، كزواجه بأكثر من أربع زوجات، واكتفائه في إثبات الدعوى بشهادة خُزَيمة وحده في مجال إثبات الواقعة، أما الحكم فهو تشريع، وإباحة الوصال في الصيام للرسول دون غيره، واختصاصه بوجوب التهجد في الليل وصلاة الضحى والوتر، والتخيير لنسائه، ودخوله مكة بغير إحرام (3).
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "افترض الله عَزَّ وَجَلَّ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشياء خففها عن خلقه ليزيده بها إن شاء الله قربة إليه وكرامة، وأباح له أشياء حظرها على خلقه زيادة في كرامته، وتبيين فضيلته، مع
__________
(1) سيرة ابن هشام، 2 ص 620.
(2) رواه مسلم عن طلحة وعائشة، جامع الأصول: 10 ص 354.
(3) إرشاد الفحول: ص 35، الإحكام، الآمدي: 1 ص 159، أصول الفقه، الخضري: ص 262، أصول الفقه، خلاف: ص 47، ط 7، شرح الكوكب المنير: 2 ص 178.
(1/190)

ما لا يحصى من كرامته له" (1)
__________
(1) الأم: 5/ 150 ط دار الفكر.
(1/191)

المطلب الثاني في حجية السنة
اتفق العلماء على أن السنة الصحيحة الثابتة التي صدرت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقصد التشريع والاقتداء حجة على المسلمين، ومصدر تشريعي لهم متى ثبتت بسند صحيح إما بطريق القطع، أو غلبة الظن، واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة واضحة بينة لا تدخل تحت الحصر، وصار عندهم يقين جازم بأنه لا فرق بين حكم ثبت بالكتاب وحكم ثبت بالسنة، وهذه الأدلة من القرآن الكريم وإجماع الصحابة والمعقول، وأهمها ثبوت العصمة للنبي - صلى الله عليه وسلم - (1).

أولًا: القرآن الكريم:
استدل العلماء على حجية السنة بنصوص القرآن الكريم، وذلك من عدة وجوه، أهمها ما يلي:
1 - أحال القرآن الكريم إلى السنة بعبارة صريحة، حيث طلب الله تعالى من رسوله أن يبين للناس ما أنزل إليهم من أحكام القرآن، فقال عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44].
__________
(1) انظر شرح الكوكب المنير: 2 ص 167.
(1/193)

فأصبح بيان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حجة بتكليف الله تعالى وتفويض منه.
2 - أمر الله تعالى بطاعة رسوله، والطاعة تفيد الالتزام بأمر المطاع وتنفيذ طلباته (1)، قال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56)} [النور: 56].
3 - ربط الله تعالى محبته باتباع رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فقال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31].
قال الآمدي: ومحبة الله واجبة، والآية دلت على أن متابعة النبي - عليه السلام - لازمة لمحبة الله الواجبة (2).
4 - قرن الله تعالى طاعته بطاعة رسوله في آيات كثيرة، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] وقال عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20)} [الأنفال: 20] وقال تعالي: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} [آل عمران: 32] وجعل طاعة الرسول طاعة له، فقال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80].
فهذه الآيات الكريمة تدل دلالة قاطعة على أن الله تعالى يوجب اتباع رسوله فيما شرعه، وأن الالتزام بطاعة الرسول كالالتزام بطاعة الله، وأن تنفيذ أقوال الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأوامره كتنفيذ أقوال الله تعالى وأوامره والانتهاء عما نهى عنه (3).
5 - أمر الله تعالى برد الحكم إلى الله والرسول عند التنازع والاختلاف، فقال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء: 59] , وهذا دليل على وجوب الرجوع إلى حكم الله
__________
(1) الرسالة، للإمام الشافعي: ص 33.
(2) الإحكام في أصول الأحكام، له: ص 162.
(3) الإحكام، ابن حزم: 1 ص 87.
(1/194)

تعالي الوارد في القرآن الكريم، وإلى حكم الله تعالى الثابت بالسنة الشريفة (1).
6 - وصف القرآن الكريم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصفات المشرع، فقال تعالى: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157]، وهذه الآية صريحة الدلالة في أن أوامره ونواهيه شرع للمسلم، بل وصفه الله تعالى بالعصمة في التشريع، فقال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى (4)} [النجم: 3، 4].
7 - نبه القرآن الكريم إلى مكانة الرسول - صلى الله عليه وسلم - التشريعية، وحذر من مخالفة أمره، وهدد بالفتنة والعذاب لمن يخالف أمره، قال تعالى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63)} [النور: 63] وهذا يدل على وجوب اتباعه والاقتداء به والالتزام بما يصدر عنه (2).
8 - أمر القرآن الكريم الأمة بالأخذ بما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والنهي عما نهاهم عنه، فقال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].
9 - نص القرآن الكريم أن الله تعالى أعطى نبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - الكتاب والحكمة في آيات كثيرة (3)، فقال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ
__________
(1) الرسالة: ص 79، الإحكام، ابن حزم الأندلسي: 1 ص 87 , 88.
(2) الإحكام، الآمدي: 1 ص 162.
(3) انظر تفصيل ذلك في الرسالة: ص 76، للإمام الشافعي رحمه الله تعالى الذي بين مكانة السنة وحجيتها، وفند شبه المنحرفين والمتشككين فيها بأسلوب رائع لم يسبق إليه حتى سمي بناصر السنة.
(1/195)

وَالْحِكْمَةَ} [آل عمران: 164] وقال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [الجمعة: 2].
قال العلماء: الحكمة هي السنة (1)، مما يدل على أن الله تعالى أوحاها إليه، وأنزلها عليه.
10 - نص القرآن الكريم على وجوب الرضا بقضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأن حكمه ملزم للمسلمين في أمورهم الخاصة، دون خيار لهم، فقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36].
11 - نفى القرآن الكريم الإيمان عمن يرفض المثول لقضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو يسخط عليه ولا يستسلم له أو لا يقبله، فقال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)} [النساء: 65] ووصم الله تعالى من يصد ويعرض عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه منافق (2)، فقال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61)} [النساء: 61].
12 - بيّن القرآن الكريم أن من صفات الرسل عامة وجوب طاعتهم من الأمة التي أرسلوا إليها، فقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء: 64] ونص على ذلك في شأن كل رسول خاصة فقال تعالى: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108)} [الشعراء: 107، 108].
13 - خاطب القرآن الكريم الأمة واعظًا ومرشدًا بأنه جعل لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة وقدوة لمن يبتغي تطبيق شرعه، ويطمع في رضوان
__________
(1) الرسالة: ص 32، 78، جماع العلم، للإمام الشافعي: 7 ص 250.
(2) الإحكام، ابن حزم: 1 ص 91.
(1/196)

الله، فقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} [الأحزاب: 21].
هذه النصوص القرآنية -وغيرها كثير- برهان ودليل قاطع على حجية السنة واعتبارها مصدرًا من مصادر التشريع الإِسلامي، وأن أحكام السنة تشريع إلهي واجب الاتباع (1).

ثانيًا: إجماع الصحابة:
أجمع صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حياته وبعد وفاته على وجوب اتباع سنته والعمل بها والالتزام بما ورد فيها من أحكام، وتنفيذ ما فيها من أوامر، والانتهاء عما فيها من نواهٍ، فكانوا لا يفرقون بين الأحكام المنزلة في القرآن الكريم، وبين الأحكام الصادرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولذلك قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: "إن لم أجد في كتاب الله قضيت بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" والأمثلة كثيرة بعد وفاته، وذلك أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا وابن عباس وابن مسعود وغيرهم من الصحابة كانوا إذا أعوزهم أمر، أو نزل بهم حادث، أو تعرضوا لقضاء، بحثوا عن الحكم في القرآن الكريم، فإن لم يجدوا فيه، بحثوا عن ذلك في السنة، وسأل بعضهم بعضًا عمن يحفظ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك شيئًا، وقد تعددت الأحوال، ولم يستنكر واحد منهم ذلك، وسار على هذا المنوال التابعون، ومن بعدهم حتى يومنا هذا (2).
فدل عمل الصحابة وإجماعهم على أن السنة حجة كاملة ومصدر
__________
(1) أصول الفقه، خلاف: ص 39، وقد توسعنا بالاستدلال بنصوص القرآن الكريم ليكون بين يدي الطالب والداعية مجموعة من المعاني الواضحة القاطعة للرد على الشبهة التي يثيرها بعض الملحدين والحاقدين في دعوى ترك السنة والاكتفاء بالقرآن الكريم والاحتكام إليه فقط.
(2) إرشاد الفحول: ص 36.
(1/197)

تشريعي واجب الاتباع متى صح نقلها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

ثالثًا: المعقول:
وذلك من عدة وجوه:
1 - إن القرآن الكريم فرض على الناس فرائض مجملة، وشرع لهم أحكامًا عامة، وأخبرهم عن واجبات كثيرة، ولم يبين القرآن الكريم تفصيل هذه الفرائض والأحكام والواجبات، ويستحيل عقلًا استنباط ذلك وكيفيته إذا أراد المكلف المخاطب بالقرآن الكريم أن يؤدي هذه الفرائض، وينفذ تلك الأحكام بنفسه، ويرضي ربه في قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}، {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ}، {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ}، {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}، {وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ}، {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}، فجاء الرسول الكريم فبين هذا الإجمال بالسنة القولية والعملية، لما منحه الله تعالى من سلطة البيان، بقوله تعالى: {بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44)} [النحل: 44].
2 - كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترجمة عملية للقرآن الكريم، وكانت أعماله وأفعاله صورة حية للأحكام الواردة في كتاب الله تعالى، وكانت أوصافه وأخلاقه تنفيذًا واقعيًّا لأوامر الله تعالى، وقد سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خُلُق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: "كان خُلُقُه القرآن"، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتمثل كلام ربه، ويلتزم رضاه، ويسير على الصراط المستقيم، بل كان أول من ينفذ أحكامه، وخير من يطبق كتابه، فكانت سنته وسيرته تطبيقًا عمليًّا لأحكام القرآن الكريم، وبيانًا واقعيًّا للناس (1).
فلا جرم أن تكون أقواله وأفعاله وكل ما يصدر عنه موافقًا لحكم الله
__________
(1) فقه السيرة، الغزالي: ص 36.
(1/198)

تعالى، وأن تكون بالنسبة للمسلمين مصدرًا رئيسيًّا لمعرفة الأحكام الشرعية نصًّا واجتهادًا واستنباطًا واستدلالًا.
3 - إن وظيفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يبلغ للناس كتاب الله تعالى، وأن يبينه لهم، فبلغ القرآن الكريم بنصه وحرفه، ونقله عن جبريل إلى المسلمين، أما البيان فهو بالأقوال والأفعال التي صدرت عن رسول الله، وقد ثبتت عصمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الأمرين معًا، وتكفل الله تعالى أن يحفظ الذكر، والقرآن الكريم لا يحفظ إلا بحفظ بيانه، وهو السنة (1).
فدل ذلك على أن السنة بأقسامها الثلاثة السابقة واجبة الاتباع متى صح صدورها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنها حكم شرعي واجب التنفيذ، ومصدر تشريعي للأمة في استنباط الأحكام (2).
قال حجة الإِسلام الغزالي رحمه الله تعالى: "وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حجة لدلالة المعجزة على صدقه، ولأمر الله تعالى إيانا باتباعه، ولأنه لا ينطق عن الهوى" (3).
وإن القرآن الكريم والشريعة جاءتنا عن طريق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو المبلغ عن ربه، وهو المبين لكتاب الله تعالى، فكان لزامًا علينا اتباع أوامره ونواهيه.
حجية السنة من السنة: وبعد أن ثبتت حجية السنة بنصوص القرآن الكريم وإجماع الصحابة والمعقول نورد بعض الأدلة من السنة
__________
(1) أبحاث في علم أصول الفقه: ص 40.
(2) قال إسحاق بن راهويه: من بلغه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خبر يقر بصحته ثم رده بغير تقية فهو كافر، وأيد ابن حزم قول إسحاق في الكفر، انظر الإحكام، ابن حزم: 1 ص 89.
(3) المستصفى: 1 ص 129.
(1/199)

للاستئناس على حجيتها والاعتماد عليها (1)، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكد هذ الحجية بأقواله وأحاديثه، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "تركت فيكم أمرين، لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب الله وسنتي" (2)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ألا إني أُوتيتُ القرآنَ ومثلَه معه" (3)، وهذا المثل هو السنة (4)، وعندما بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معاذ بن جبل إلى اليمن قال له: "كيف تقضي إن عَرَضَ لك قضاء؟ " قال: أقضي بكتاب الله، قال: "فإن لم يكن في كتاب الله؟ " قال: فبسنةِ رسول الله، قال: "فإن لم يكن في سنة رسول الله؟ "، قال: أجتهدُ رأيي ولا آلو, فضربَ رسول الله على صدره، وقال: "الحمدُ لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله، لما يُرضي الله ورسولَه (5) ".

إنكار السنة:
عندما ضاق الكفار بالإِسلام، ونفد صبرهم عن تحمله، وخلت عقولهم وأيديهم من معارضة القرآن الكريم، والطعن به، لجؤوا إلى الهدم عن طريق السنة، وسلطوا شكوكهم على الحديث، ووجهوا سهامهم على حجيته، وتعرضت السنة للإنكار في القرن الثاني الهجري من بعض الفرق الضالة المارقة من الدِّين، احتجوا بشبه واهية ضعيفة،
__________
(1) الأدلة الآتية للاستئناس وليست لإقامة الحجة؛ لأنه لا يصح أن نحتج على الشيء بنفسه، فنقول: السنة حجة لما ثبت في السنة.
(2) رواه الحاكم في المستدرك.
(3) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد عن المقداد بن معديكرب، وانظر معالم السنن, للخطابي: 7 ص 7، سنن أبي داود: 2/ 505، مسند أحمد: 4/ 331.
(4) روى الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: "وكان الوحي ينزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويحضره جبريل بالسنة التي تفسر ذلك" تفسير القرطبي: 1/ 39.
(5) رواه أبو داود (2/ 272)، وأحمد (5/ 242)، والترمذي (4/ 556)، والدارمي (1/ 65، ط البغا).
(1/200)

وحاولوا الاعتماد على بعض الآيات القرآنية لتأويلها حسب هواهم، وتحميلها ما لم تحتمل، مثل قوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38] وقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] وقالوا: لا حاجة للسنة لأن القرآن بيَّن كل شي، ولم يفرط في أمر من الأمور، وبالتالي فالسنة ليست مصدرًا تشريعيًّا للأحكام (1)، وأضافوا إلى حجتهم الحديث الذي ينكر استقلال السنة بالتشريع، وأن ما ورد فيها يجب عرضه على كتاب الله، فإن لم يوجد في القرآن فيجب رده، ونسبوا الحديث إلى ثوبان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافق كتاب الله فأنا قلته، وإن خالف فلم أقله".
ويرد على هذه الفئة بما يلي:
1 - إن الآيات الكريمة! السابقة في حجية السنة ترد مزاعمهم وتبطل حججهم، وتفند أدلتهم، وهي نصوص صريحة واضحة في اعتبار السنة مصدرًا تشريعيًّا في الأحكام.
2 - إن الآيتين الكريمتين اللتين استندوا إليهما لا تدلان على هذا الفهم، وإن القرآن الكريم تبيان لكل شيء بما ورد فيه من أحكام، وبما أشار إليه من مصادر، وما تضمنه من قواعد عامة وأحكام مجملة بينتها السنة.
__________
(1) كتاب جماع العلم للإمام الشافعي، مطبوع مع الأم: 7 ص 250، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 90، الوسيط في أصول الفقه الإِسلامي: ص 248، الموافقات: 4 ص 11، أصول السرخسي: 1 ص 283، ومما قاله الشاطبي رحمه الله تعالى: "إن الاقتصار على الكتاب رأي قوم لا خلاق لهم، خارجين عن السنة، إذ عولوا على ما بنيت عليه من أن الكتاب فيه بيان كل شيء، فاطرحوا أحكام السنة، فأداهم ذلك إلى الانخلاع عن الجماعة، وتأويل القرآن على غير ما أنزله الله".
(1/201)

3 - أما حديث ثوبان فهو موضوع، وضعته الزنادقة، كما قال يحيى بن معين، وقال الشافعي: ما رواه أحد عمن يثبت حديثه في شيء صغير ولا كبير، وهذا الحديث نفسه إذا عرض على كتاب الله فإنه يخالفه (1) في قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] وقوله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] , وقوله تعالي: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
4 - يقول: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يُوشك أن يقعد الرجل متكئًا، يحدِّث بحديث من حديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرّم رسولُ الله مثل ما حرَّم الله (2).
5 - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتُم مما علمني يومي هذا ... " الحديث (3).
ولا تزال السنة تتعرض لهجمات الملحدين والمستشرقين والمارقين من الدِّين الذين يسعون لهدم الإِسلام عن طريق هدم السنة متنًا وسندًا، ولكن الله تعالى سخر الأئمة والعلماء والمخلصين لرد كيد الكائدين، وتزييف دعواهم، وصيانة السنة من كل دخيل، وبقيت السنة خالصة من كل شائبة، نقية من كل تحريف (4)، تحقيقًا لقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا
__________
(1) إرشاد الفحول: ص 33، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 90.
(2) رواه أبو داود والترمذي وأحمد والحاكم عن المقداد بن معد يكرب.
(3) رواه مسلم 17/ 197.
(4) انظر كتاب: السنة ومكانتها في التشريع، للدكتور المرحوم مصطفى السباعي، والسنة قبل التدوين، للزميل الدكتور محمَّد عجاج الخطيب.
وسأل ضمام بن ثعلبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة والزكاة والصوم والحج، وكان يقول: الله أمرك بهذا؟ فيقول: "نعم" رواه البخاري ومسلم والبيهقي (4/ 325)، وانظر المجموع للنووي 7/ 75.
(1/202)

الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].
ويلحق بهذا المطلب فرعان: الأول: تقسيم السنة من حيث السند لبيان حجية كل قسم، والثاني: حجية خبر الآحاد.
(1/203)

الفرع الأول في تقسيم السنة من حيث السند، وحجية كل قسم
إن السنة حجة على الصحابة الذين سمعوها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أما بالنسبة لمن بعدهم، فلا تعتبر كذلك إلا إذا ثبتت صحتها بالطريق المقبول، وهو ما يعرف عند علماء الحديث بالسند (1) الذي اهتم به جهابذة العلماء، وأولوه الرعاية التامة، والدقة المتناهية، فمحَّصوا فيه الصحيح من السقيم، والثابت من الدخيل.
وانقسم العلماء في تقسيم الأحاديث الصحيحة من حيث السند إلى فريقين:
الفريق الأول: وهم الذين قسموا السنة من حيث السند إلى قسمين: متواتر وآحاد، وهم علماء الحديث وجمهور علماء الأصول (2).
الفريق الثاني: وهم الذين قسموا السنة إلى ثلاثة أقسام، وهي المتواتر والمشهور والآحاد، وهم علماء الحنفية، فزادوا الحديث المشهور.
__________
(1) مصادر التشريع الإِسلامي، الدكتور محمَّد أديب صالح: ص 95.
(2) الإحكام، الآمدي: 2 ص 14، الإحكام، ابن حزم: 1 ص 94.
(1/205)

ونتناول تعريف كل قسم وشروطه باختصار لنبين حكمه وحجيته في ثبوت الأحكام.

أولًا: الحديث المتواتر:
التواتر لغة: التتابع، ومنه تواتر القوم إذا جاء الواحد بعد الواحد بفترة بينهما، والمتواتر المتتابع (1).
وفي الاصطلاح: هو ما رواه جمع عن جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب (2)، أي: ينقله عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عدد كبير من الصحابة، ثم ينقله عنهم عدد من التابعين (3)، وهكذا حتى يصل إلى العلماء الذين قاموا بتدوين السنة وتسجيلها في القرنين الثاني والثالث الهجريين.
ويكثر هذا القسم في السنة الفعلية، ويقل في السنة القولية، وأفرده العلماء بالجمع والتصنيف مثل كتاب: "الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة" لجلال الدين السيوطي، ومثال ذلك حديث: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (4)، والأحاديث في كيفية أداء الصلاة والصوم والحج والأذان؛ مما نقله جماهير الصحابة عن رسول الله إلى من بعدهم.
__________
(1) القاموس المحيط: 2 ص 152، المصباح المنير: 2 ص 890.
(2) يعرف بعض العلماء الخبر المتواتر بأنه خبر جماعة يفيد بنفسه العلم بمخبره، انظر إرشاد الفحول: ص 46، الإحكام، الآمدي: 2 ص 14، كشف الأسرار: 2 ص 680، أصول الفقه، أبو النور: 3 ص 123.
(3) اختلف العلماء في العدد المطلوب في التواتر فحدده بعضهم بثلاثة أو بعشرة، وحدده آخرون بالمئات، وقال الشوكاني وغيره: ولا يعتد بعدد معين، بل ضابطه حصول العلم الضروري، انظر: إرشاد الفحول: ص 47، الإحكام، الآمدي: 2 ص 25، المستصفى: 1 ص 134، 139، كشف الأسرار، البزدوي: 2 ص 281.
(4) رواه أصحاب الكتب السبعة وغيرها من كتب الحديث.
(1/206)

والسنة المتواترة حجة كاملة باتفاق العلماء، وينطبق عليها ما قلناه تمامًا في حجية السنة، وتفيد العلم اليقيني القطعي في صحتها وثبوتها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متى توافرت شروط التواتر، ويكفر جاحد الحديث المتواتر، والاحتجاج به في قوة الاحتجاج بالقرآن الكريم، وهما بمرتبة واحدة في الثبوت، ولذا فإن الحديث المتواتر يخصص العام في القرآن الكريم، ويقيد المطلق، ويبين المشترك، وينسخ القرآن الكريم عند الجمهور (1)، وغير ذلك كما سنرى فيما بعد (2).

ثانيًا: الحديث المشهور: وهو ما رواه عن رسول الله صحابي أو اثنان أو جمع لم يبلغ حد التواتر، ثم رواه عن هؤلاء جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب، ورواه عنهم جمع مثله، أي: إن الحديث المشهور كان آحاديًّا في الطبقة الأولى من رواته، ثم تواتر في الطبقة الثانية والثالثة (3).
مثاله: ما رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إنما الأعمال بالنيات .. الحديث" (4) ثم رواه عن عمر عدد كبير من الصحابة والتابعين الذين يبلغون حد التواتر، ومثله ما رواه أبو بكر أو علي أو ابن مسعود أو غيرهم من الصحابة، ثم اشتهر بعد ذلك، ولا عبرة لاشتهاره بعد القرن الثاني والقرن الثالث؛ لأن تدوين السنة قد اكتمل، واشتهرت جميع الأحاديث وأخبار الآحاد.
__________
(1) انظر كشف الأسرار: 2 ص 282. نهاية السول: 2 ص 262، المستصفى: 1 ص 132، الإحكام، الآمدي: 2 ص 15، اللمع، للشيرازي: ص 42، الإحكام، ابن حزم: 1 ص 95، إرشاد الفحول: ص 47، أصول الفقه، أبو النور: 3 ص 129، 130، الوسيط في أصول الفقه الإِسلامي، للدكتور وهبة الزحيلي: ص 243.
(2) المطلب الثالث في مكانة السنة: ص 217.
(3) إرشاد الفحول: ص 49، كشف الأسرار: 2 ص 688.
(4) رواه البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب الكتب المعتمدة.
(1/207)

والفرق بين الحديث المشهور والحديث المتواتر في عدد الطبقة الأولى من الرواة، فهو في المتواتر جمع من جموع التواتر، وفي المشهور واحد أو اثنان أو جمع لم يبلغ حد التواتر.
ويترتب على هذا الفرق اختلاف بين الفقهاء وعلماء الأصول في الأحكام، فالجمهور يعتبر الحديث المشهور في حكم حديث الآحاد، ويأخذ أحكامه، أما الحنفية فيرون الحديث المشهور له مرتبة مستقلة بين الحديث المتواتر وخبر الآحاد، وأنه يشترك مع المتواتر في تخصيص عام القرآن، والزيادة عليه، وأنه يقيد مطلقه، ويفيد الطمأنينة والظن القريب من اليقين، ويفسق جاحده ولا يكفر؛ لأنه مقطوع بوروده عن الصحابي، ولا يقطع بوروده عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1)، وهذا القسم غير مجموع بمفرده، وغير متفق على عدده.

ثالثًا: حديث الآحاد: وهو ما رواه عن رسول الله شخص أو اثنان أو عدد لم يبلغ حد التواتر، ثم رواه عن هؤلاء مثلهم وهكذا حتى وصل الحديث إلى عصر التدوين فاشتهر، ويمثل هذا القسم الغالبية العظمى من السنة، ويسمى خبر الآحاد.
وخبر الآحاد يفيد غالبية الظن من حيث وروده عن رسول الله متى توافرت فيه شروط الراوي التي وضعها علماء الحديث كالثقة والعدالة والضبط، وغير ذلك، ولكنه يجب العمل به مع الشك في ثبوته، وهو ما سنفرده بالبحث.
__________
(1) ذهب أبو بكر الجصاص الحنفي إلى أن المشهور كالمتواتر تمامًا، وذهب عيسى بن أبان إلى أنه يوجب علم طمأنينة لا علم يقين، وهو ما اختاره متأخرو الحنفية، انظر كشف الأسرار: 2 ص 288، وذهب عيسى بن أبان إلى اشتراط عدم مخالفته للقياس، وتابعه بقية الحنفية، وهو خلاف ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة، انظر: أصول الفقه الإِسلامي، شعبان: ص 7.
(1/208)

الفرع الثاني في حجية خبر الآحاد
هذه الأقسام الثلاثة من السنة المتواترة والمشهورة والآحاد حجة يجب العمل بها واتباع ما ورد فيها, ولكن لا يؤخذ بحديث الآحاد في الاعتقاد؛ لأن الأمور الاعتقادية تبنى على الجزم واليقين، ولا تبنى على الظن، ولو كان راجحًا؛ لأن الظن في الاعتقاد لا يغني عن الحق شيئًا (1).
واتفق العلماء على الاحتجاج بخبر الواحد، ولكنهم اختلفوا في طريق إثبات خبر الواحد، فاشترط بعضهم شروطًا معينة للاحتجاج بخبر الآحاد، بينما اشترط آخرون شروطًا غيرها، وسنعرض لدراسة هذا الموضوع فنبين أدلة الاحتجاج بخبر الواحد، ثم نذكر شروط قبوله (2)،
__________
(1) أصول الفقه، أبو زهرة: ص 103، أصول السرخسي: 1 ص 333.
(2) يبحث علماء الأصول في وجوب العمل بخبر الواحد من ناحية جواز التعبد به عقلًا، ومن ناحية وجوب العمل به شرعًا، وأنه يفيد العلم أم غلبة الظن، والأكثرون على أن التعبد به جائز عقلًا وواجب شرعًا وأنه يفيد غلبة الظن. (انظر المستصفى: 1 ص 146، نهاية السول: 2 ص 281، أصول الفقه، أبو النور: 3 ص 135، كشف الأسرار: 2 ص 290)، وقال القاشاني والرافضة وابن داود: لا يجب العمل به، (انظر إرشاد الفحول: ص 48)، وقال ابن حزم: إنه يوجب =
(1/209)

وقد أفردناه بالبحث نظرًا لأهميته.

أدلة الاحتجاج بخبر الواحد (1):
استدل العلماء على وجوب العلم بخبر الآحاد بالقرآن والسنة والإجماع والقياس والمعقول.

أولًا: القرآن الكريم: ونقتصر على آيتين:
1 - قال الله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)} [التوبة: 122].
فالفرقة ثلاثة، والطائفة واحد أو اثنان، والترجي من الله تعالى يعتبر طلبًا لازمًا، فالآية أوجبت الحذر وعدم الإقدام على ما يوجب العقاب بقول الطائفة المتعلمة، وهي واحد أو اثنان، مما يدل على أن خبر الواحد يجب قبوله (2).
2 - قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6]، فالآية أمرت بالتثبت من خبر الواحد إذا كان فاسقًا؛ لأن العلة في عدم قبول خبر الفاسق هي فسقه، لتعليق الحكم فيها بالفسق، أما خبر الواحد العدل فيجب قبوله والعمل به (3).
__________
= العلم والعمل معًا، (الإحكام في أصول الأحكام، له: 1 ص 107)، وانظر أصول السرخسي: 1 ص 321، شرح الكوكب المنير: 2 ص 352.
(1) أنكر جماعة من الزنادقة وبعض شذاذ الخوارج حجية السنة أصلًا، وأنكر جماعة لم يذكر الإمام الشافعي اسمهم حجية خبر الواحد، انظر كتاب: جماع العلم للشافعي، مطبوع مع الأم: 7 ص 252.
(2) أصول الفقه، أبو النور: 3 ص 139، الوسيط في أصول الفقه الإِسلامي: ص 259، أصول السرخسي: 1 ص 322، إرشاد الفحول: ص 49، كشف الأسرار: 2 ص 692، المستصفى: 1 ص 152، الإحكام، الآمدي: 2 ص 51، الإحكام، ابن حزم: 1 ص 98، نهاية السول: 2 ص 284.
(3) إرشاد الفحول، المرجع السابق، منهاج الوصول: ص 67، الإحكام، الآمدي: =
(1/210)

ثانيًا: السنة: ويستدل من السنة على حجية خبر الواحد وصحة الاعتماد عليه بأدلة كثيرة منها:
1 - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نَضّر الله عبدًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها، فرب حاملِ فقهٍ غيرِ فقيه، وربَّ حاملِ فقه إلى من هو أفقه منه ... الحديث" (1). فالرسول - صلى الله عليه وسلم - حبَّبَ ودعا إلى الاستماع إلى أقواله وحفظها ووعيها وأدائها من كل المسلمين، سواء كانوا أفرادًا أم جماعات، ولذا فإن نَقَلَ الحديث واحد أو اثنان أو ثلاثة فيجب قبول الخبر والعمل به (2).
2 - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بلِّغوا عني ولو آية" (3)، فالحديث يأمر المخاطب بالتبليغ لإرشاد الناس ونصحهم إلى الخير، ولو كان خبر الواحد لا يجدي لكان الحديث عبثًا، والرسول منزه عن العبث.
3 - إن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث في وقت أحد اثني عشر رسولًا إلى اثني عشر ملكًا يبلغون رسالته، ويدعونهم إلى الإِسلام، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرسل الكتب إلى الولاة المسلمين بوساطة أحد الصحابة، وهذا يدل على أن الخبر الذي ينقله هذا المبعوث يجب قبوله والعمل به، وإلا لما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
4 - كان الصحابة ينقلون الأحكام الشرعية بأخبار الآحاد ويبلغونها إلى أهلهم وذويهم وإخوانهم، وقد أقرهم رسول الله على ذلك، فهذا من السنة التقريرية على قبول خبر الواحد، ووجوب العمل به.
__________
= 2 ص 53، الإحكام، ابن حزم: 1 ص 100، نهاية السول: 2 ص 290، كشف الأسرار، المرجع السابق.
(1) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد والبيهقي عن جبير وابن مسعود.
(2) الرسالة: ص 401، وقارن الغزالي في المستصفى: 1 ص 152.
(3) هذا جزء من حديث رواه البخاري والترمذي وأحمد عن ابن عمر.
(1/211)

ومثل ذلك حالة تحويل القبلة في مسجد قُباء بخبر أحد الصحابة، ومثل تحريم الخمر الذي نقله أحد الصحابة إلى بعض المسلمين الذين كانوا يتناولونه فامتنعوا عنه، وأراقوا الخمر، وكسروا الدنان (1).

ثالثًا: الإجماع: أجمع الصحابة على العمل بخبر الواحد الذي يرويه واحد أو اثنان، والأمثلة على ذلك كثيرة لا تحصى، فقد عمل أبو بكر بخبر المغيرة بن شعبة في إعطاء الجدة السدس في الميراث، وعمل عمر بخبر عبد الرحمن بن عوف في أخذ الجزية من المجوس، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "سُنُّوا بهم سنةَ أهل الكتاب"، وعمل عثمان بخبر فُرَيْعة بنت مالك في اعتداد المتوفى عنها زوجها في بيت الزوجية، وعمل علي وابن عباس وغيرهما في وقائع مختلفة وأزمان متباينة دون أن ينكر عليهم أحد من الصحابة ذلك، فكان هذا إجماعًا على وجوب العمل بخبر الواحد (2).
رابعًا: القياس: قاس العلماء خبر الآحاد في الحديث على خبر الآحاد في القضاء، فالقاضي يحكم بناء على شهادة الرجلين أو الرجل والمرأتين بنص القرآن والسنة، وكذلك العالم يقبل خبر الآحاد في الحديث (3)، وقاس الغزالي قبول خبر الواحد على قبول قول المفتي في
__________
(1) الرسالة: ص 407 وما بعدها، 415، 418، إرشاد الفحول: ص 49، المستصفى: 2 ص 151، الإحكام، الآمدي: 2 ص 51، 56، الإحكام، ابن حزم: 1 ص 98، كشف الأسرار: 2 ص 692.
(2) نهاية السول: 2 ص 291، كشف الأسرار: 2 ص 694، 695، الإحكام، الآمدي: 2 ص 57، الإحكام، ابن حزم: 1 ص 102، المستصفى: 1 ص 148، إرشاد الفحول: ص 49، أصول الفقه لغير الحنفية: ص 144، أصول الفقه، أبو النور: 3 ص 134.
(3) الرسالة: ص 240، منهاج الوصول: ص 67، نهاية السول: 2 ص 282، 290، كشف الأسرار: 2 ص 695، أصول السرخسي: 1 ص 331.
(1/212)

الحكم بالأولى (1)، وقال الإِمام الشافعي رحمه الله: وإنا لنطلب في المُحَدِّث أكثر مما نطلب في الشاهد (2).

خامسًا: المعقول: وذلك أن خبر الآحاد يحتمل الصدق والكذب، ولكن اشتراط العدالة والضبط والعقل والثقة وغيرها من الشروط ترجح جانب الصدق على جانب الكذب، ومثل ذلك ما يجري بين الناس من قبول أخبار الآحاد في أمور الفتوى والتزكية والخبرة سواء في ذلك الأمور الدينية والأمور الدنيوية (3).
وإن أكثر السنة وردت إلينا آحادًا، فلو لم نعمل بها، ونحتج بما ورد فيها , لضاع قسم كبير من الشريعة، ووقع الناس في حرج، ولو لم يكن خبر الآحاد مقبولًا لوجب على الصحابة أن يلزموا رسول الله، ويعطلوا أعمالهم، وهذا لم يحدث قطعًا.

شروط العمل بخبر الواحد:
إن اتفاق جماهير العلماء على قبول خبر الواحد ووجوب العمل به لم يمنعهم من اشتراط بعض الشروط التي تبعث في أنفسهم الطمأنينة والراحة في صحة الخبر والاطلاع على السند الذي وصلهم، وإني أعتبر ذلك مفخرة لهم في الوعي والبحث عن الدِّين الحق، خشية أن يتسرب الغث أو الأوهام أو الأساطير والأكاذيب إلى دين الله.
وهذه الشروط قسمان: شروط عامة متفق عليها في الراوي، كالإِسلام والبلوغ والعقل والضبط والعدالة (4)، وشروط مختلف عليها،
__________
(1) المستصفى: 1 ص 152.
(2) جماع العلم على هامش الأم: 7 ص 253.
(3) الإحكام، الآمدي: 2 ص 48، 50، كشف الأسرار: 2 ص 69.
(4) إرشاد الفحول: ص 50، اللمع: ص 43، المستصفى: 1 ص 155، وانظر تفصيل شروط العمل بخبر الواحد في الإحكام، الآمدي: 2 ص 64، أصول السرخسي: =
(1/213)

فبعضها اشترطها الصحابة، وبعضها الآخر اشترطها كل إمام من الأئمة، وهذا هو البيان.

أولًا: آراء الصحابة رضي الله عنهم: كان أبو بكر وعمر أحيانًا لا يقبلان الحديث إلا بشهادة اثنين على سماعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان علي يستحلف الراوي بأنه سمع الحديث من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وهذه الطريقة لم تكن مطردة بإطلاق، فقد ثبت أن أبا بكر وعمر وعليًّا وغيرهم كانوا يقبلون أحاديث الآحاد بدون هذه الشروط (1).
وكان الصحابة أحيانًا يرفضون قبول حديث أو العمل به، لما يرونه من نسخ الحديث أو معارضته لحديث آخر أو لعدم الثقة بالراوي أو لظروف خارجة تحيط به، ولم يتسرب إلى أنفسهم مطلقًا شك أو ريب في حجية السنة وخبر الآحاد (2).

ثانيًا: مذهب الحنفية: اشترط الحنفية لقبول خبر الآحاد والعمل به ثلاثة شروط وهي:
1 - أن لا يعمل الراوي بخلاف ما يرويه، كما في حديث أبي هريرة في ولوغ الكلب من الإناء، وغسله سبع مرات، إحداهن بالتراب الطاهر، وكان أبو هريرة يكتفي بالغسل ثلاثًا، وحديث عائشة: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، ثلاثًا"، بينما تولت السيدة عائشة عقد نكاح قريبتها.
2 - أن لا يكون موضوع الحديث مما تكثر به البلوى، إلا إذا اشتهر
__________
= 1 ص 345، شرح الكوكب المنير: 2 ص 345 وما بعدها.
(1) انظر تفصيل هذا الموضوع في كتاب: السنة ومكانتها في التشريع: ص 81.
(2) إرشاد الفحول: ص 49، المستصفى: 1 ص 153، الإحكام، الآمدي: 2 ص 60، الموافقات: 3 ص 9، أصول السرخسي: 1 ص 333.
(1/214)

وتلقته الأمة بالقبول، مثل حديث: "من مس ذكره فليتوضأ"، قالوا: إنه خبر آحاد، والصحيح أنه مشهور، ولم ينقله عن الرسول إلا راوٍ واحد مع حاجة المسلمين إلى معرفة نواقض الوضوء (1)، ومثله حديث رفع اليدين عند الركوع، وحديث الجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
3 - أن لا يكون الحديث مخالفًا للقياس والأصول الشرعية إذا كان الراوي غير فقيه (2)، مثل حديث المُصَراة بردها وصاعًا من تمر، وعللوا هذا الشرط بانتشار نقل الحديث بالمعنى، وعدوا من غير الفقهاء أبا هريرة وأنسًا وسلمان وبلالًا.

ثالثًا: مذهب المالكية: اشترط المالكية للعمل بخبر الآحاد أن لا يكون مخالفًا لعمل أهل المدينة, لأن عمل أهل المدينة يعتبر كالحديث المتواتر، والحديث المتواتر يقدم على خبر الآحاد (3)، فلم يعملوا بحديث: "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا" لمخالفة عمل أهل المدينة له، ومثل حديث السلام على اليمين في الصلاة ثم السلام على اليسار، بينما عمل أهل المدينة بالسلام على اليمين فقط، وهو قول الإِمام مالك.
رابعًا: مذهب الشافعية: اشترط الإِمام الشافعي الشروط العامة لقبول الحديث وحددها في الراوي بأربعة، وهي:
__________
(1) نقل الشيخ الخضري أن هذا الحديث رواه 17 صحابيًّا، أصول الفقه، له: ص 259.
(2) تيسير التحرير: 3 ص 112، منهاج الوصول: ص 69، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 104، وانظر رد ابن حزم على هذه الشروط في الإحكام، له: 1 ص 104، والإحكام، الآمدي: 2 ص 84، الوسيط في أصول الفقه الإِسلامي: ص 25، أصول الفقه الإِسلامي، شعبان: ص 69.
(3) أصول الفقه، أبو زهرة: ص 104، أعلام الموقعين: 2 ص 423، أصول الفقه الإِسلامي، شعبان: ص 68، شرح الكوكب المنير: 2 ص 367.
(1/215)

1 - أن يكون ثقة في دينه معروفًا بالصدق في حديثه.
2 - أن يكون عاقلًا لما يحدث، فاهمًا له.
3 - أن يكون ضابطًا لما يرويه.
4 - أن يكون الخبر غير مخالف لحديث أهل العلم بالحديث.
وهذه الشروط تتعلق بصحة السند واتصاله، ولذلك لم يعمل بالحديث المرسل إلا بشروط (1).

خامسًا: مذهب الحنابلة: يشترط الإِمام أحمد صحة السند لقبول خبر الآحاد والعمل به، كالشافعية، ولكن الفرق بينهما في بعض الجزئيات، مثل قبول الحنابلة للحديث المرسل، خلافًا للشافعية لأن الإِمام أحمد لا يشترط اتصال السند، ومثل تقديم الحديث الضعيف على القياس (2).
__________
(1) المستصفى: 1 ص 155، اللمع: ص 43، شرح الكوكب المنير: 2 ص 578.
(2) الوسيط في أصول الفقه الإِسلامي: ص 263، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 43، أعلام الموقعين: 1 ص 31، شرح الكوكب المنير: 2 ص 576.
(1/216)

المطلب الثالث في مكانة السنة
نبحث في هذا الفصل عن منزلة السنة في التشريع، ودرجة السنة بين مصادر التشريع، ومراتب السنة بالنسبة إلى القرآن الكريم.

أولًا: منزلة السنة في التشريع:
تبين من الدراسة السابقة أن السنة حجة كاملة في ثبوت الأحكام، وأنها مصدر تشريعي مستقل، وأن الأحكام التي تثبت في السنة لا تقل منزلة عن الأحكام في القرآن الكريم، فكلا الأمرين من عند الله تعالى، وكل حكم في السنة يعتبر حكمًا من عند الله تعالى، وأحكام الله تعالى متساوية، لا تفاوت بينها, ولا تمييز لأحدها عن الآخر، فالمسلم مكلف بكل حكم يثبت في السنة بنفس قوة تكليفه بالأحكام الواردة في القرآن الكريم، وأنه يثاب على الفعل، ويعاقب على الترك.
ونلمس هذا الفهم في حياة الصحابة رضوان الله عليهم في أثناء نزول الوحي من السماء وتلقي أحكام الله تعالى، فلم يفرقوا بين حكم نزل بالوحي وحكم صدر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بل لم يرد عن صحابي واحد سؤال عن مصدر الحكم الشرعي هل هو قرآن أم سنة؟ تصديقًا لوصف الله تعالى لهم بقوله: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51)} [النور: 51].
(1/217)

ولذا فالمسلم المؤمن هو من يطبق الأحكام الشرعية كلها سواء وردت في الكتاب الكريم أو جاءت في السنة، بشرط واحد وهو أن تكون السنة صحيحة ثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومتى ثبتت لديه السنة فليس له عذر قطعًا في تركها أو الابتعاد عنها أو تأويلها بدون مسوغ.
ولا أظن أن هذا الكلام يحتاج إلى دليل، ويكفي أن نذكر بأن السنة ليست من الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلا باللفظ، أما المعنى فهو من عند الله تعالى، لقوله عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى (4)} [النجم: 3، 4] ولقوله تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ} [البقرة: 231] والحكمة هي السنة كما فسرها العلماء، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ألا إني أوتيت الكتابَ ومثلَه معه" (1) وهو السنة، وقد ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يُسأل عن أشياء كثيرة فكان يتوقف حتى ينزل عليه الوحي إما لفظًا ومعنى وهو القرآن، وإما معنى ويعبر رسول الله عنه، مثل قضية الظهار واللعان وصفات الله تعالى والإذن بالهجرة والقتال وصلح الحديبية (2).
والفرق بين السنة والقرآن أن القرآن معجز، ويتعبد بتلاوته، أما السنة فليست كذلك.
قال المحلاوي: واعلم أن من يعتد بعلمه من العلماء قد اتفق على أن السنة مستقلة بتشريع الأحكام، وأنها كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام (3).
__________
(1) سبق تخريج هذا الحديث في مطلب حجية السنة.
(2) تسهيل الوصول: ص 140، الإحكام، ابن حزم: 1 ص 87، قال عليه الصلاة والسلام: "قد أخبرت بدار هجرتكم، وهي يثرب، فمن أراد الخروج فليخرج إليها" وقال أيضًا: "إن الله قد أذن لي بالخروج"، الكفاية للخطيب ص 40 ط مصر.
(3) تسهيل الوصول، له: ص 139.
(1/218)

وقال ابن حزم: فصح أن كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كله في الدين وحي من عند الله عَزَّ وَجَلَّ، لا شك في ذلك (1).

ثانيًا: درجة السنة بين مصادر التشريع:
اتفق العلماء على أن السنة مصدر تشريعي مستقل، ولكنها تأتي في الدرجة الثانية بعد القرآن الكريم، فالعالم أو المجتهد يرجع أولًا إلى كتاب الله تعالى لمعرفة حكمه في الواقعة، فإن لم يجد فيه مبتغاه رجع إلى السنة ليستخرج الحكم الشرعي ويستنبطه منها.
والأدلة على ذلك من السنة وعمل الصحابة والمعقول (2).
1 - السنة: والدليل هو حديث معاذ بن جبل عندما أرسله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن، وسأله: "كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟ " فقال: أقضي بكتاب الله تعالى، قال: "فإن لم تجد في كتاب الله؟ " قال: فبسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "فإن لم تجد؟ " قال أجتهد رأيي ولا آلو. فسُرَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأيده على هذا الترتيب للسنة بعد القرآن الكريم، وأقره عليه بقوله: "الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضي الله ورسوله" (3).
2 - عمل الصحابة: فقد ثبت عن أبي بكر وعمر وابن عباس وغيرهم
__________
(1) الإحكام في أصول الأحكام، له: 1 ص 109، مجموع الفتاوى لابن تيمية 17/ 11، وقال أيضًا: "السعادة والهدى في متابعة الرسول، وإن الضلال والشقاء في مخالفته، وإن كل خير في الوجود فمنشؤه من جهة الرسول، وإن كل شر في العالم فسببه مخالفة الرسول أو الجهل بما جاء به" مجموع الفتاوى: 19/ 76 - 81، 93 - 105.
(2) انظر بيان ذلك تفصيلًا مع مزيد من الأدلة والأمثلة في (الموافقات 4/ 5 وما بعدها).
(3) سبق تخريج هذا الحديث في المطلب الثاني.
(1/219)

ما يجزم بأنهم كانوا يرجعون في القضاء والأحداث والفتاوى إلى كتاب الله، فإن لم يجدوا في كتاب الله تعالى بحثوا في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال ابن مسعود: من عرض له منكم قضاء فليقض بما في كتاب الله، فإن جاءه ما ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيه - صلى الله عليه وسلم - (1).
3 - المعقول: وذلك من وجوه:
أ- القرآن الكريم قطعي الثبوت جملة وتفصيلا، أما السنة فهي قطعية الثبوت جملة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أما في التفصيل فمنها ما هو قطعي الثبوت كالحديث المتواتر، وهو قليل، ومنها ما هو ظني الثبوت كالحديث المشهور وحديث الآحاد، وهما أغلب السنة، والقطعي يقدم على الظني عقلًا بالاتفاق، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالقرآن الكريم معجزة بلفظه ومعناه، وأنه من كلام الله تعالى، أما السنة فهي كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكلام الخالق مقدم على كلام المخلوق قطعًا.
ب- جاءت السنة لتبين القرآن الكريم بالتأكيد والتقرير، أو بالتفسير والشرح، أو بالنسخ والزيادة، كما سنرى بعد قليل، فيكون القرآن أصلًا، والسنة تبعًا له، ويترتب على ذلك أن يكون القرآن في الدرجة الأولى، والسنة في الدرجة الثانية، قال الآمدي: والبيان تابع للمبيَّن (2).
ج- القرآن الكريم محدد ومحصور، أما السنة فهي واسعة وغير محصورة، فكان الرجوع إلى القرآن أسهل منالًا، وأقرب مقصدًا،
__________
(1) أصول الفقه، الخضري: ص 267، وهو ما رواه الدارمي عن عمر ومعاذ وابن مسعود. (انظر سنن الدارمي: 1 ص 60، الملل والنحل للشهرستاني: 1/ 198، الفقيه والمتفقه: 2/ 219).
(2) الإحكام في أصول الأحكام، له: 1 ص 160، وانظر: أصول الفقه، الخضري: ص 267.
(1/220)

فيقضي العقل أن نرجع إليه أولًا، ثم إلى السنة ثانيًا (1).
د- القرآن الكريم أصل التشريع ومصدره الأول، فإن وجد فيه حكم أخذه المسلم فورًا، وإن لم ينص على الواقعة رجع إلى السنة، فإن ظفر بالحكم فيها طبقه (2).

ثالثًا: مراتب السنة بالنسبة إلى القرآن الكريم:
قال الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى: "فلم أعلم من أهل العلم مخالفًا في أن سنن النبي من ثلاثة وجوه .. أحدها: ما أنزل الله عز وجل فيه نص كتاب، فبين رسول الله مثل ما نص الكتاب، والثاني: ما أنزل الله فيه جملة كتاب، فبين عن الله معنى ما أراد .. والثالث: ما سن رسول الله فيما ليس فيه نص كتاب" (3).
ويظهر من كلام الشافعي أن السنة بالنسبة إلى القرآن ثلاث مراتب، ويزاد عليها مرتبة أخرى أنها تكون دالة على النسخ (4)، فالمراتب أربعة، وهي:
1 - المرتبة الأولى: أن تكون السنة مقررة ومؤكدة حكمًا جاء في القرآن الكريم، فيكون الحكم قد ورد في مصدرين، ودل عليه دليلان: القرآن والسنة، وهذا القسم كثير في السنة، منها الأمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والأمر بالجهاد، وفضل الشهيد، وبر الوالدين، وصلة الأقارب، والنهي عن الشرك بالله، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وأكل مال الآخرين.
__________
(1) أبحاث في أصول الفقه: ص 42.
(2) أصول الفقه، خلاف: ص 41.
(3) الرسالة، له: ص 91 - 92.
(4) الرسالة: ص 106.
(1/221)

2 - المرتبة الثانية: أن تكون السنة مُبينة حكمًا ورد في القرآن الكريم (1)، وهذا البيان على ثلاثة أنواع:
أ- أن تكون السنة مفسرة لحكم جاء في القرآن مجملًا، مثل قوله تعالى: {أقيموا الصلاة}، {وآتوا الزكاة}، {كتب عليكم الصيام}، {ولله على الناس حج البيت} ولم يبين القرآن الكريم كيفية إقامة الصلاة، ولا مقدار الزكاة، ولا مفهوم الصوم، ولا مناسك الحج، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: "صَلُّوا كما رأيتموني أصلي"، وحج: وقال: "خذوا عني مناسككم" وبين وقت الصيام من الفجر إلى غروب الشمس، وأنه امتناع عن الطعام والشراب والجماع، وغير ذلك من أحكام المعاملات والقضاء والجهاد.
ب- أن تكون السنة مقيدة لحكم جاء في القرآن مطلقًا، مثل قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} فاليد مطلقة، ولم توضح الآية الحد المطلوب في القطع، فجاءت السنة وبينت أن القطع من رسغ اليد اليمنى.
ج- أن تكون السنة مخصصة لحكم عام في القرآن الكريم (2)، مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها" (3)، مع قوله تعالى في الآية التي عدَّدت المحرمات من النساء في النكاح: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ} .. الآية ثم قال تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} فلفظ "ما" من ألفاظ العموم، فيفهم من الآية جواز النكاح من غير ما ذكرت الآية، ثم جاءت السنة وخصصت هذا العموم بأنه ما عدا العمة والخالة.
__________
(1) جماع العلم مع كتاب الأم: 7 ص 251.
(2) الرسالة: ص 58.
(3) رواه مسلم والنسائي وأبو داود وابن ماجه بروايات مختلفة.
(1/222)

3 - المرتبة الثالثة: أن تكون السنة منشئة لحكم جديد لم يتعرض له القرآن الكريم (1)، مثل قضائه - صلى الله عليه وسلم - بالشاهد واليمين، وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها، والتحريم من الرضاع لكل ما يحرم من النسب، بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" (2) بينما اقتصرت الآية على تحريم الجمع بين الأختين من النسب، وتحريم الأمهات والأخوات فقط من الرضاع, ومثل رجم الزاني المحصن، وتحريم لبس الذهب والحرير على الرجال، وتحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير (3).
قال الإِمام الشوكاني: اعلم أنه قد اتفق من يعتد به من أهل العلم على أن السنة المطهرة مستقلة بتشريع الأحكام، وأنها كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام، وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه"، أي: أوتيت القرآن ومثله من السنة التي لم ينطق بها القرآن (4).
4 - المرتبة الرابعة: أن تكون السنة ناسخة للقرآن الكريم، وهذه المرتبة اختلف فيها العلماء على قولين:
القول الأول: أن السنة لا تنسخ القرآن، والقرآن لا ينسخ السنة،
__________
(1) نقل الإمام الشافعي قولًا مخالفًا يمنع استقلال السنة، وهو أنه "لم يسن سنة قط إلا ولها أصل في الكتاب" الرسالة: ص 192، وانظر الموافقات: 4 ص 11، وقد تبنى بعض المعاصرين هذا القول كالشيخ محمَّد الخضري فقال: "ولا تجد في السنة أمرًا إلا والقرآن قد دل عليه دلالة إجمالية أو تفصيلية؛ لأن الله جعل القرآن تبيانًا لكل شيء، فيلزم من ذلك أن السنة حاصلة فيه في الجملة"، أصول الفقه، له: ص 268، 270، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 107.
(2) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، وابن ماجه وأحمد.
(3) الرسالة: ص 92 وما بعدها، جماع العلم 5 ح الأم: 7 ص 251.
(4) إرشاد الفحول، له: ص 33.
(1/223)

وإنما تكون السنة دليلًا على ناسخ القرآن ومنسوخه، وهو مذهب الشافعي، واستدل بقوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106] فإن الفاعل في لفظ "نأت" يرجع إلى الله تعالى، فالناسخ هو كلام الله تعالى في القرآن، وإن الناسخ يكون خيرًا من المنسوخ أو مثله، والسنة ليست خيرًا من القرآن الكريم، وليست مثل كلام الله، لكن السنة تكون دليلًا على نسخ الحكم (1).
القول الثاني: أن السنة تنسخ حكمًا ورد في القرآن الكريم، وهو قول الجمهور والبيضاوي والإسنوي والغزالي والجويني من الشافعية.
واستدلوا على ذلك بوقوع النسخ فعلًا، مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا وصية لوارث" (2) فإنها نسخت الوصية للوالدين في الآية الكريمة: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180)} [البقرة: 180] فالحديث نسخ الآية (3)، والأمثلة على ذلك كثيرة في باب النسخ كما سيأتي في الجزء الثاني إن شاء الله تعالى.
وبعد بيان مراتب السنة بالنسبة إلى القرآن الكريم يتأكد لنا أن السنة
__________
(1) الرسالة: ص 137، 142، 222، أصول الفقه، أبو النور: 3 ص 72، 74، مختصر ابن الحاجب: ص 168. منهاج الوصول: ص 59، تسهيل الوصول: ص 131، الوسيط في أصول الفقه الإِسلامي: ص 254.
(2) رواه الشافعي وأحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه والبيهقي والدارقطني عن جابر، وهو مما تلقته الأمة بالقبول وأصبح مشهورًا، انظر تخريج هذا الحديث في هامش الرسالة: ص 141، للشيخ أحمد شاكر.
(3) انظر تفصيل ذلك في إرشاد الفحول: ص 191، المستصفى: 1 ص 124، الإحكام، ابن حزم: 4 ص 477، منهاج الوصول، للبيضاوي: ص 59، تفسير البيضاوي: ص 22، 23، مغيث الخلق للجويني: ص 30، 32. نهاية السول: 2 ص 216، أصول السرخسي: 2 ص 67 وما بعدها.
(1/224)

تكمل القرآن الكريم في البيان والتشريع، وأنه لا يمكن أن يقع بينهما اختلاف أو تعارض، وأن ما يتبادرا منه إلى الذهن أحيانًا فهو توهم ظاهري أو دس وتشكيك (1)، وهذاء، يدفعنا إلى زيادة الحرص على السنة الشريفة، والتطلع إليها، دراسة وبحثا وحفظا، لتتوضح أمامنا معالم الطريق، ونسلك الصراط المستقيم، ونرضي رب العالمين، القائل في كتابه: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].
وفي الختام فإن مباحث الكتاب والسنة كثيرة، وإن المرء لا يحيط علمه بها، وإن المباحث اللغوية والدلالات اللفظية للقرآن والسنة، وما يتعلق بهما في الاستدلال والاستتباط مجاله في مبحث الدلالات، وإن هذه المباحث مشتركة بين القرآن, الكريم والسنة القولية، وتنفرد السنة من جهة أفعاله - صلى الله عليه وسلم - وما يتعلق بها من عصمة الأنبياء ودلالة الأفعال وتعارض الأقوال مع الأفعال، وغير ذلك مما أسهب علماء الأصول في عرضه وبيانه (2)، فجزاهم الله عنا خير الجزاء، ومنحنا القوة والقدرة على الاستفادة مما كتبوه، وتطبيقه في هذه الحياة.
وبعد أن درسنا مبحثي الكتاب والسنة، بشيء من التفصيل فإننا نتناول بقية المصادر إجمالًا، فنعرِّف كلا منها، ونشرح التعريف، ونبين الصورة والمثال، ونذكر الحجة وبعض الشروط، ونشير إلى آراء الأئمة في المصادر المختلف فيها وأهم أدلتهم.
والفائدة من هذه الدراسة الإجمالية -مع أنها استباق للزمن في
__________
(1) الرسالة: ص 216.
(2) انظر إرشاد الفحول: ص 35، منهاج الوصول: ص 61، الإحكام في أصول الإحكام، الآمدي: 1 ص 156، 174، ج 2 ص 3، نهاية السول، الإسنوي: 2 ص 237، 250، أصول الفقه، أبو النور: 3 ص 108، أصول السرخسي: 2 ص 86، شرح الكوكب المنير: 2 ص 287 وما بعدها.
(1/225)

الدراسة التفصيلية- أن القاري يدرس ذلك في أبواب الفقه والحديث والأحوال الشخصية والأصول، وتعتمد دراسته في مشروعية الأحكام على الإجماع أو القياس أو الاستحسان أو العرف أو عمل الصحابة ... فلا بد أن يكون لديه تصور صحيح لها, ليطمئن قلبه إلى الأحكام ومشروعيتها، ونترك التفاصيل لوقتها المناسب. ولا يمكن للقارئ أن يحتج مثلًا بالإجماع بأنواعه، أو بالعرف أو بالاستصلاح، وهو جاهل بها، أو يفاجأ بعدم حجية بعضها مثلًا.
(1/226)

المبحث الثالث في الإجماع
تعريف الإجماع:
الإجماع لغة: له معنيان: أحدهما: العزم على الأمر والقطع به، ومنه قوله تعالى: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ} [يونس: 71] أي: اعزموا عليه، والثاني: هو الاتفاق، من قولهم: أجمع القوم على كذا أي: اتفقوا (1).
وفي الاصطلاح: اختلف علماء الأصول في تعريف الإجماع بناء على اختلافهم في بعض شروطه، ونختار تعريف الكمال بن الهمام وهو: "اتفاق مجتهدي عصر من أمة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - على أمر شرعي" (2).
__________
(1) المصباح المنير: 1 ص 150، القاموس المحيط: 3 ص 15.
(2) تيسير التحرير: 3 ص 224، زاد بعضهم في التعريف لفظ "بعد عصر النبي" لأنه
لا إجماع مع وجود المشرع، والرسول - صلى الله عليه وسلم - هو وحده المرجع في التشريع، وقال
آخرون: "على أمر من الأمور" ليشمل الإجماع على الأمر الشرعي كحل البيع، والإجماع على الأمر العقلي كحدوث العالم، والأمر اللغوي، كالفاء للتعقيب، والأمر الدنيوي كالحروب والعمران، وعبر آخرون بلفظ "أهل الحل والعقد" بدلًا من المجتهدين، انظر التعريفات: ص 5، الإحكام، الآمدي: 1 ص 180، إرشاد الفحول: ص 71، حاشية العطار على جمع الجوامع: 2 ص 210. كشف الأسرار: 3 ص 946، المستصفى: 1 ص 173، مختصر ابن الحاجب: ص 55، المنهاج =
(1/227)

شرح التعريف:
1 - الاتفاق: هو الاشتراك، وهذا يعم الأقوال والأفعال والسكوت والتقرير.
2 - مجتهدي: وهم العلماء وأهل الحل والعقد الذين توفرت فيهم شروط الاجتهاد في الأحكام الشرعية، ويخرج من التعريف العوام وأهل التقليد ومن لم يبلغ درجة الاجتهاد الشرعي، فلا عبرة لموافقتهم ولا لمخالفتهم، ولا عبرة لاتفاق غير المجتهدين.
3 - عصر: وهو الزمن، أي اتفاق المجتهدين الموجودين في عصر واحد، فلا يشترط اتفاق المجتهدين في جميع العصور؛ لأنه مستحيل، وإضافة العصر إلى المجتهدين يدل على الاستغراق، فيشترط اتفاق جميع المجتهدين في عصر من العصور، ويخرج من التعريف اتفاق بعض المجتهدين، فلا يعدُّ إجماعًا.
4 - من أمة محمَّد - صلى الله عليه وسلم -: وهذا تقييد للإجماع في أمة محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، وهو خاصية لها، وتكريم لشأنها, لما ورد في القرآن الكريم من جعلها أمة وسطًا، ويخرج إجماع الأمم الأخرى، كاتفاق علماء النصارى أو اليهود على أمر، فلا يعتبر إجماعًا شرعيًّا، ولا يقبل، ولا يحتج به.
5 - على أمر شرعي: وهو الأمر الذي لا يدرك لولا خطاب الشارع، سواء كان قولًا أو فعلًا، أو اعتقادًا، أو تقريرًا، والإجماع حجة في جميع الأحكام الشرعية من عبادات ومعاملات، وعقوبات وأحوال شخصية، وغير ذلك من الحلال والحرام (1).
__________
= للبيضاوي: ص 73، أصول الفقه، أبو النور: 2 ص 178، الحدود في الأصول، الباجي: ص 63، شرح الكوكب الكبير: 2 ص 211، 213.
(1) كما يكون الإجماع في الأحكام الشرعية يكون في تأويل نص أو تفسيره أو تعليل =
(1/228)

ويؤخذ من التعريف أنه إذا وقعت حادثة، وأراد المسلمون أن يعرفوا الحكم الشرعي فيها، فتعرض على جميع المجتهدين المسلمين وقت حدوثها، فإن اتفقوا على حكم معين فيها، كان اتفاقهم إجماعًا، ويكون هذا الإجماع هو الدليل على أن هذا الحكم هو الحكم الشرعي في الواقعة. وهذا ما فعله أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، عند نزول الوقائع الجديدة في المسلمين، وكان عمر رضي الله عنه يحرص على الاحتفاظ بالصحابة والمجتهدين في المدينة المنورة مركز الخلافة الإِسلامية.
ومثال الإجماع الاتفاق على خلافة أبي بكر، وتوريث الجدات السدس، وحجب ابن الابن من الإرث بالابن (1)، والإجماع لا بد له من دليل كآية أو حديث ظاهر الدلالة، أو محل الاجتهاد، وعند الإجماع يصبح الأمر حكمًا قطعيًّا لا مجال لاحتمال غيره (2).

حجية الإجماع:
اتفق المسلمون على كون الإجماع حجة شرعية، ومصدرًا من مصادر التشريع الإِسلامي في بيان الأحكام الشرعية، وأنه لا تجوز مخالفته (3)، واستدلوا على ذلك بالقرآن الكريم والسنة والمعقول.
__________
= حكم النص وبيان الوصف المناط به، وقصره بعضهم على الأحكام العملية فقط، انظر: اللمع، للشيرازي: ص 51، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 189.
(1) أصول الفقه، خلاف: ص 54، أصول الفقه، الخضري: ص 300.
(2) يطلق الإجماع على ما علم من الدين بالضرورة، وهذا متفق عليه، وصرح به الشافعي رحمه الله تعالى، (الرسالة، له: ص 534)، ويطلق على اتفاق جميع الأمة، وهو محل البحث، باتفاق أهل الحل والعقد، ويطلق على اتفاق علماء مذهب فقهي، أو اتفاق المذاهب الأربعة، أو على لم ما يرد فيه خلاف، وهذه الثلاثة خارج البحث.
(3) خالف في حجية الإجماع فئة قليلة من المسلمين، كالخوارج والشيعة والنظام من =
(1/229)

أولًا: نصوص القرآن الكريم:
استدل العلماء على حجية الإجماع بآيات كثيرة نقتصر منها على ما يلي:
1 - قال الله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115)} [النساء: 115].
فالآية الكريمة تحرم مخالفة الطريق التي سلكها المؤمنون؛ لأنها توعدت المخالف بالتخلي عنه في الدنيا، والعذاب بالآخرة، وجمعت الآية بين مخالفة المؤمنين ومخالفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الوعيد، مما يدل على أنهما بمرتبة واحدة، فكما يجب على المسلم اتباع الرسول وعدم مخالفته، وكذلك يجب عليه متابعة سبيل المؤمنين واتفاقهم في الأحكام، وعدم مخالفتهم فيها (1).
2 - قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143].
فالآية تزكي هذه الآمة وتمن عليها بأنها وسط بين الأمم لتشهد عليهم؛ لأن الله عدَّلها، فتجب عصمتها عن الخطأ قولًا وفعلًا، والوسط هو العدل الذي يعتبر قوله حجة، كما جعل الله الرسول حجة في قبول قوله على المسلمين (2).
__________
= المعتزلة، وأنكروا حجيته في الأحكام، ولا عبرة لإنكارهم لخروجهم عن إجماع المسلمين السابق لهم، ولضعف أدلتهم، وسوء معتقدهم أحيانًا، ولذا يعتبر الإجماع من الأدلة المتفق عليها بين العلماء، انظر: أصول الفقه، أبو النور: 3 ص 190، الإحكام، الآمدي: 1 ص 181. شرح الكوكب المنير: 2 ص 213.
(1) الإحكام، الآمدي: 1 ص 183، حاشية العطار: 3 ص 231، إرشاد الفحول: ص 74، كشف الأسرار: 3 ص 973، أصول الفقه، أبو النور: 3 ص 184، أصول السرخسي: 1 ص 296، شرح الكوكب المنير: 2 ص 21.
(2) الإحكام، الآمدي: 1 ص 192، نهاية السول: 2 ص 347، إرشاد الفحول: ص 76، =
(1/230)

3 - قال الله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 110].
فالآية وصفت المسلمين بأنهم خير الأمم؛ لأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فإذا أمرت الأمة كلها -الممثلة بعلمائها- بشيء فيكون معروفًا بنص الآية، وإذا نهت عن شيء كان منكرًا، وبالتالي فإن أمرهم ونهيهم حجة على المسلمين، ويكون إجماعهم على أمر مصدرًا من مصادر التشريع؛ لأن الآية وصفتهم بصفة المشرع في الأمر والنهي (1).
وهناك آيات كثيرة كقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، وقوله تعالي: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] وأولو الأمر الديني هم المجتهدون والعلماء وأهل الفتيا، وقوله تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى: 10] وقوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59].
والواقع أن هذه الآيات الكريمة لا تدل دلالة صريحة على حجية الإجماع، وناقش العلماء ما يرد على الاحتجاج فيها، وأن أظهرها دلالة هي الآية الأولى، ولذا قال الغزالي رحمه الله: "فهذه كلها ظواهر، ولا تنص على الغرض، بل لا تدل دلالة الظواهر، والأقوى هو التمسك بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تجمع أمتي على الخطأ" (2).

ثانيًا: السنة:
وهي أقرب الطرق في إثبات حجية الإجماع، وذلك أنه وردت عدة
__________
= منهاج الوصول: ص 73، كشف الأسرار: 3 ص 97، أصول الفقه، أبو النور: 3 ص 189، أصول السرخسي: 1 ص 297.
(1) الإحكام، الآمدي: 1 ص 195، إسناد الفحول: ص 77، كشف الأسرار: 3 ص 976، أصول السرخسي: 1 ص 296، شرح الكوكب المنير: 2 ص 217.
(2) المستصفى: 1 ص 185.
(1/231)

أحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تدل على عصمة الأمة عن الخطأ والضلالة، وأن المعنى المشترك بين هذه الأحاديث بلغ حد التواتر، من ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لن تجمع أمتي على الضلالة"، "أمتي لا تجتمع على الخطأ"، "أمتي لا تجتمع على الضلالة"، "ولم يكن الله بالذي يجمع أمتي على الضلالة، وسألت الله أن لا يجمع أمتي على الضلالة فأعطانيه".
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن" (1)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ألا من سَرّه بَحْبَحَة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الفذ، وهو من الاثنين أبعد"، وقوله: "يد الله مع الجماعة"، وقوله: "عليكم بالسواد الأعظم"، وقوله: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم خلاف من خالفهم، ومن خرج عن الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإِسلام من عنقه، ومن فارق الجماعة ومات فميتته جاهلية، عليكم بالسواد الأعظم" (2).
فالأحاديث تدل على قصد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بتعظيم هذه الأمة وعصمتها من الخطأ، وأن الله تعالى لا يجمع هذه الأمة على الخطأ والضلالة، وأن ما اتفقوا عليه فهو حجة شرعية يجب على المسلمين الأخذ به، والالتزام بأحكامه، وأن الإجماع مصدر من مصادر التشريع الإسلامي (3).
__________
(1) حديث موقوف على ابن مسعود، رواه أحمد (1/ 379)، وانظر: مجمع الزوائد 1/ 178، كشف الخفا 2/ 263، الأشباه والنظائر للسيوطي: ص 89.
(2) انظر تحقيق هذه الأحاديث في هامش الرسالة، للشيخ أحمد شاكر: ص 474، وكشف الخفا: 2 ص 488، المستدرك: 4/ 506 , 507، جامع الترمذي: 4/ 416، السنة، لابن أبي عاصم: ص 39 - 40.
(3) المستصفى: 1 ص 175، منهاج الوصول: ص 73، أصول الفقه، أبو النور: 3 ص 190، أصول السرخسي: 1 ص 229، شرح الكوكب المنير: 2 ص 218.
(1/232)

ثالثًا: المعقول:
وهو أن أهل الحل والعقد من مجتهدي الأمة كثيرون، وإذا اتفقوا على الحكم في قضية ما، وجزموا بها جزمًا قاطعًا، فالعادة تحيل هذا الحكم القاطع الجازم لو لم يستندوا إلى سند قوي قاطع، وإلا تنبه إلى الخطأ في القطع أحدهم، فاتفاق جميع المجتهدين مع اختلاف أنظارهم وبيئاتهم وتوافر الأسباب لاختلافهم دليل على أن وحدة الحق والصواب هي التي جمعتهم على الحكم (1).

ركن الإجماع وشروطه:
ركن الإجماع هو الاتفاق على الحكم من جميع المجتهدين مع اختلاف أجناسهم وطوائفهم وبلادهم، وهذا الاتفاق إما أن يكون صريحًا بالقول أو بالفعل، وهو الإجماع الصريح الحقيقي المتفق عليه، وهو المراد عند إطلاق العلماء لفظ الإجماع، وإما أن يصدر بعض المجتهدين حكمًا ويسكت الآخرون عليه دون إقرار ولا إنكار، وهو الإجماع السكوتي، وهذا مختلف فيه، فقال الشافعية والظاهرية بعدم حجيته، وقال الحنفية والمالكية وأحمد: إنه حجة؛ وهاتان مرتبتان للإجماع، وله مراتب أخرى في كتب الأصول (2).
__________
(1) الإحكام، الآمدي: 1 ص 202، المستصفى: 1 ص 179، أصول الفقه، خلاف: ص 51، وأكد البزدوي التعليل بالعقل بأن انقطاع الوحي مع كثرة الحوادث والوعد بثبات الشريعة وحفظها يقتضي العقل أن يكون إجماعهم حجة. (كشف الأسرار: 3 ص 976).
(2) اختلف الفقهاء والأصوليون في الركن فبعضهم اقتصره على الماهية، وبعضهم أضاف إليه ما تحتاج إليه الماهية من أطراف وغيرها، فتختلف الأركان بناء على ذلك، وانظر: مراتب الإجماع في: كتاب أصول الفقه، أبو زهرة: ص 198، شرح الكوكب المنير 2/ 212، 254.
(1/233)

أما شروط الإجماع فكثيرة، بعضها متفق عليه، وبعضها مختلف فيه، وأهمها:
1 - أن لا يعارضه نص من القرآن أو السنة أو إجماع سابق؛ لأن النص يأتي في المرتبة الأولى، والإجماع في المرتبة الثانية، وأن الإجماع السابق قطعي فلا يصح الإجماع على خلافه، ولأن الإجماع لا بد أن يستند على أصل شرعي من كتاب أو سنة (1).
2 - أن يكون الإجماع مستندًا إلى دليل شرعي، وِإن لم يصلنا الدليل؛ لأن المجتهد مقيد في اجتهاده في الحدود الشرعية، وأكد ابن حزم أنه لا إجماع إلا بناء على نص (2).
3 - أن يوجد عدد من المجتهدين في عصر واحد، يؤمن تواطؤهم على الكذب.
4 - أن يكون الاتفاق من جميع المجتهدين.
5 - أن يكون الإجماع على أمر شرعي عند الجمهور، وقال آخرون: يصح على كل أمر.
6 - أن ينقرض العصر ويموت جميع المجتهدين حتى لا يرجع أحدهم عن رأيه، وهو شرط مختلف فيه (3).
7 - أن ينتفي سبق الخلاف في المسألة عند أبي حنيفة خلافًا
__________
(1) الرسالة: ص 599.
(2) الإحكام، ابن حزم: 4 ص 495، إرشاد الفحول: ص 79، أصول السرخسي: 1 ص 301، تسهيل الوصول: ص 175، اللمع: ص 51، تيسير التحرير: ص 254، المستصفى: 2 ص 244، مصادر التشريع الإِسلامي: ص 154، أصول الفقه، أبو النور: ص 214، شرح الكوكب المنير: 2 ص 259.
(3) انظر تفصيل ذلك مع بيان آراء العلماء والأئمة وأدلتهم في (شرح الكوكب المنير: 2 ص 246 وما بعدها).
(1/234)

للجمهور (1).

حكم الإجماع ومرتبته وأنواعه:
اتفق أكثر المسلمين على أن الإجماع حجة شرعية يجب العمل بها على كل مسلم، وأنه يفيد القطع في إثبات الأحكام، ولا مجال لمخالفته ولا لنسخه.
ويأتي الإجماع في المرتبة الثالثة بعد القرآن والسنة، كما بينه الشافعي رحمه الله (2).
قال ابن مسعود رضي الله عنه: إذا سئل أحدكم فلينظر في كتاب الله، فإن لم يجده ففي سنة رسول الله، فإن لم يجد فلينظر فيما اجتمع عليه المسلمون. وإلا فليجتهد (3).
أما الإجماع السكوتي فقد اختلف العلماء في حجيته، فذهب أكثر الحنفية والإمام مالك والإمام أحمد إلى اعتباره حجة قطعية، كالإجماع الصريح، لعموم الأدلة التي لم تفرق بين إجماع صريح وإجماع سكوتي، وذهب الكرخي من الحنفية، والآمدي من الشافعية إلى اعتباره حجة ظنية؛ لأن السكوت يحتمل الموافقة، ويحتمل غيرها، فهو ظني الدلالة على الحكم، ولا يمنع الاجتهاد في الواقعة والإجماع عليها بخلافه (4).
__________
(1) تيسير التحرير: 3 ص 232، شرح الكوكب المنير: 2 ص 272 - 273.
(2) الرسالة: ص 599.
(3) كشف الخفا: 2 ص 488، المستصفى، الغزالي: 2 ص 244، أصول السرخسي: 1 ص 295.
(4) المستصفى: 1 ص 189، أصول الفقه، أبو النور: 3 ص 208، إرشاد الفحول: ص 84، أصول الفقه الإِسلامي، شعبان: ص 96، شرح الكوكب المنير: 2 ص 212، 254.
(1/235)

وقال الشافعي وأكثر أصحابه والظاهرية: إنه ليس بحجة أصلًا (1). وهناك أنواع فرعية للإجماع مختلف فيها أيضًا أهمها:
1 - إجماع أهل المدينة المنورة، فقال مالك: يعتبر حجة تشريعية، خلافًا للجمهور (2)، كما سنفصله في عمل أهل المدينة.
2 - إجماع الأكثرية لا يعتبر حجة مع مخالفة الأقل، وقال جماعة منهم الطبري، والجوهري التميمي، والرازي الحنفي، وابن حمدان، والغزالي والجويني والسرخسي: هو حجة، خلافًا للجمهور (3).
3 - ذهب الظاهرية إلى قصر الإجماع على الصحابة فقط، ولا إجماع بعدهم (4).
4 - إجماع العترة، وإجماع الخلفاء الراشدين، وإجماع الشيخين أبي بكر وعمر (5).
__________
(1) الرسالة: ص 599.
(2) المستصفى: 1 ص 187، أصول الفقه، أبو النور: 3 ص 193، إرشاد الفحول: ص 82، أصول السرخسي: 1 ص 314، شرح الكوكب المنير: 2 ص 237.
(3) المستصفى: 1 ص 186، شرح الكوكب المنير: 2 ص 243، نوادر الفقهاء: ص 9، 13.
(4) المستصفى: 1 ص 189، الإحكام، ابن حزم: 4 ص 508، أصول السرخسي: 1 ص 313.
(5) تيسير التحرير: 3 ص 242، حاشية العطار: 2 ص 213، أصول السرخسي: 1 ص 314، شرح الكوكب المنير: 2 ص 239، 241، وانظر إطلاقات الإجماع في كتب الفقه في (أصول الفقه الإِسلامي، شعبان: ص 105).
(1/236)

المبحث الرابع في القياس
وهذا هو الدليل الرابع من الأدلة الشرعية التي اتفق جماهير المسلمين على الأخذ بها، واعتبروه مصدرًا رئيسيًّا من مصادر التشريع الإِسلامي، وهو ذو أهمية خاصة؛ لأن النصوص متناهية والوقائع غير متناهية، ولا يمكن أن يحيط المتناهي بغير المتناهي، فتظهر ضرورة القياس الحتمية في التشريع، وقد سد هذا المصدر بابًا كبيرًا في بيان الأحكام، وتمت صلاحية الشريعة به لخلودها وصلاحها لكل زمان ومكان، وأن هذه النصوص المحكمة والقواعد العامة والأصول الثابتة دلت على الأخذ بالقياس، وأنه دليل على حكم الله تعالى.

تعريف القياس:
القياس في اللغة: التقدير، مثل قست الثوب بالذراع أي: عرفت مقداره، وقستِ القُذَّة بالقُذَّة أي: سويت بينهما في المقدار، والقياس من قاس يقيس وقاس يقوس، ويتعدى بالباء وبعلى، فيقال: قاسه على الشيء، وقاسه بالشيء (1)، ويكثر في الأصول تعديه بعلى.
__________
(1) المصباح المنير: 2 ص 713، 716، القاموس المحيط: 2 ص 244، والقذة: ريش السهم.
(1/237)

أما القياس في الاصطلاح فعرفه ابن الحاجب بأنه "مساواة فرع لأصل في علة حكمه" (1).

شرح التعريف:
1 - مساواة: جنس، يشمل كل مساواة، مثل مساواة فرع لأصل، أو فرع لفرع، أو مساواة زيد لعمرو.
2 - فرع: وهو المحل الذي لم ينص أو يجمع على حكمه.
3 - أصل: وهو المحل الذي ورد فيه نص، أو أجمع المجتهدون على حكم فيه، ويخرج مساواة الفرع لفرع آخر، ومساواة زيد لعمرو.
4 - علة: وهي الوصف الجامع المشترك أو الشبه المشترك بين الأصل والفرع والذي يتعلق الحكم به.
5 - حكمه: وهو حكم الأصل الشرعي المتعلق بفعل المكلف بطلب الفعل أو طلب الترك أو التخيير فيه.
والخلاصة أن الفرع ساوى الأصل في نفس العلة فينقل حكم الأصل الثابت إلى الفرع، والعلة قد تكون في الفرع أقوى منها في الأصل، مثل قياس ضرب الوالدين على التأفف فيكون القياس بالأولى، وقد تكون مساوية لها كقياس إحراق مال اليتيم على أكله وهو القياس المساوي، وقد تكون أضعف في الفرع كقياس الموز على البر بجامع الطعمية وهو القياس الأدون (2).
ومثال القياس أن يقيس المجتهد النبيذ، وهو فرع، على الخمر، وهو أصل لاشتراكهما في علة الإسكار، وينقل حكم الخمر وهو
__________
(1) مختصر ابن الحاجب: ص 147، وانظر: إرشاد الفحول: ص 198، حاشية العطار على جمع الجوامع: 2 ص 240.
(2) حاشية العطار: 2 ص 265، المستصفى: 2 ص 228، تيسير التحرير: 3 ص 264.
(1/238)

الحرمة إلى النبيذ، فيكون النبيذ حرامًا. وقياس المالكية الذرة على البر لكونه مقتاتًا مدخرًا، وحكم البر أنه مال ربويٌّ، فتكون الذرة كذلك مالًا برويًّا، ومثل قياس قبول خبر الآحاد على قبول الشهادة بجامع العدالة المتوفرة في كل منهما.

أركان القياس وشروطه (1):
أركان القياس -كما وردت في التعريف- أربعة، وهي: أصل، وفرع، وحكم الأصل، والعلة.
1 - الأصل: وهو محل الحكم المُشَبَّه به، ويشترط فيه أن يكون شرعيًّا وغير منسوخ، وألا يكون فرعًا من أصل آخر.
2 - الفرع: وهو الواقعة أو الحادثة التي نريد معرفة حكمها، ويشترط في الفرع أن يساوي الأصل في العلة، وأن يساوي حكمه حكم الأصل، وألا يكون حكمه متقدمًا على حكم الأصل.
3 - حكم الأصل: وهو الحكم الشرعي، ويشترط فيه أن يكون ثابتًا بنص أو بإجماع، وألا يكون ثابتًا بالقياس، وأن لا يكون دليله شاملًا لحكم الفرع، وبشرط أن يكون الحكم معقول المعنى لمعرفة علته، وأن لا يكون الحكم معدولًا به عن سنن القياس، وهو ما لا يعقل معناه كأعداد الركعات ومقادير الزكاة والكفارات، وما استثني من قاعدة مقررة، كشهادة خزيمة بن ثابت، فإنه خاص به.
4 - العلة: وهي الوصف الجامع بين الأصل والفرع، ويشترط فيها
__________
(1) انظر مختصر ابن الحاجب: ص 177، إرشاد الفحول: ص 204 وما بعدها، حاشية العطار: 2 ص 253 وما بعدها، المستصفى: 2 ص 325، تيسير التحرير: 3 ص 275، محاضرات أصول الفقه لطلاب السنة الثانية في دبلوم الفقه المقارن بالأزهر: ص 18.
(1/239)

أن تكون وصفًا ظاهرًا منضبطًا معرِّفًا للحكم بحيث يدور الحكم معها، وأن تكون مطَّرِدة. وغير ذلك من الشروط الكثيرة والبحوث المتعلقة بمسالك العلة.

حجية القياس:
ذهب الجمهور إلى اعتبار القياس حجة ومصدرًا شرعيًّا، وأصلًا من أصول الشريعة (1)، واستدلوا على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة
__________
(1) اتفق علماء الأصول على حجية القياس في الأمور الدنيوية، واتفقوا على حجية القياس الذي صدر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، واتفقوا على نفي القياس في التوحيد، ووقع الخلاف في القياس الشرعي في الأحكام، فأنكر ابن حزم والشيعة غير الزيدية والنظام القياس، ورفضوا الاحتجاج به، وشنع ابن حزم على الأئمة لقبولهم القياس، واحتج بقوله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)} [النساء: 82] ويقول: والمجتهدون يختلفون في حكم القياس وفي نتائجه، فهو من عند غير الله.
ويرد عليه أن الاختلاف المنفي في القرآن هو التناقض في المعنى والبلاغة والإعجاز، أما الاختلاف في الأحكام فهو مقبول إجماعًا، لوقوع الاختلاف بين الصحابة في التيمم، وإعادة الصلاة، وفي صلاة العصر في غزوة بني قريظة، وأقرهم عليه رسول الله، ولذا قالوا: "اختلاف العلماء رحمة" واحتج ابن حزم أيضًا بقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] فالقرآن فيه بيان لكل الأحكام، ولو ثبتت الأحكام بالقياس لكان ذلك معارضا للقرآن في بيان الأحكام، ويُردُّ عليه أن القرآن تبيان لكل شيء إجمالًا، وتأتي السنة والإجماع والقياس بيانًا وتفصيلًا وتوضيحا، واستدل من السنة بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لم يزل أمر بني إسرائيل مستقيمًا حتى قاسوا ما لم يكن على ما كان، فضَلُّوا وأضَلُّوا" فالرسول اعتبر القياس ضلالًا وإضلالًا، والرد عليه أن هذا ليس بحديث، وإنما هو قول لعروة كما رواه الدارمي وأبو عوانة، ولو كان حديثًا فهو ضعيف لأن في سنده قيس بن الربيع، وقد جرحه علماء الحديث، وأن المعنى أنهم قاسوا بدون علة مشتركة بدليل قوله: إما لم يكن على ما كان" وهو الحكم بالتشهي، وهذا ممنوع قطعًا، انظر: المستصفى: 2 ص 235، 246، 256، أعلام الموقعين: 2 ص 34، إرشاد الفحول: ص 199، حاشية العطار: 2 ص 241، الإحكام، ابن حزم: =
(1/240)

والإجماع والمعقول.

أولًا: نصوص الكتاب الكريم:
قال الله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (2)} [الحشر: 2].
الاعتبار هو القياس، والآية أمرت بالاعتبار، والأمر يفيد الوجوب، فيكون القياس واجبًا على المجتهد، وإذا كان القياس واجبًا على المجتهد فيجب عليه أن يلتزم بالحكم الذي وصل إليه اجتهاده، وأنه هو حكم الله تعالى في اعتقاده (1)، قال الشوكاني: الاعتبار مشتق من العبور، والقياس عبور من حكم الأصل إلى حكم الفرع، فكان داخلًا تحت الأمر (2).

ثانيًا: السنة:
1 - ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: "كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟ " قال: بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد في كتاب الله؟ " قال فبسنة رسول الله، قال: "فإن لم تجد؟ " قال: أجتهد رأيي ولا آلو، والاجتهاد هو القياس، وفي رواية قال: أقيس الأمر بالأمر، فما كان أقرب إلى الحق عملت به، فقال - صلى الله عليه وسلم -: أصبت" (3).
فالرسول - صلى الله عليه وسلم - أقر معاذًا على طريقة القضاء، فيكون الاجتهاد
__________
= 7 ص 975، أصول السرخسي: 2 ص 124، قال المحلي: "الذي نذهب إليه أنه ليس بحجة" مبادئ الوصول إلى علم الأصول، له: ص 214، وهذا تناقض مع قولهم بأن العقل مصدر؛ لأن القياس إعمال للعقل في المتشابهات.
(1) إرشاد الفحول: ص 200، حاشية العطار على جمع الجوامع: 2 ص 250، أصول السرخسي: 2 ص 125.
(2) إرشاد الفحول، المرجع السابق.
(3) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم، وقال الشوكاني: وقد قيل: إنه مما تلقته الأمة بالقبول.
(1/241)

والقياس ثابتًا بالسنة التقريرية.
2 - قاس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمور كثيرة تزيد عن مائة مرة ليعلم الأمة ذلك ويرشدها إلى الطريق في بيان الأحكام التي لم يرد فيها نص بقياسها على الأحكام التي وردت فيها النصوص، وهذا من السنة الفعلية التي تعتبر حجة على المسلمين لأن يأتسوا بها، ويقتدوا بصاحبها.
- منها أن عمر سأل عن القُبلة هل تفطر الصائم؟ فقال: "أرأيتَ إن تمضمضت، أكنت تفطر؟ " قال: لا، قال عليه الصلاة والسلام: "فمَه (1)؟ "، أي: فما الفرق؟ وهنا قاس القُبلة على المضمضة في عدم الإفطار، والعلة المشتركة بينهما أن كلًّا منهما مقدمة للإفطار.
- ومنها أن امرأة من جهينة سألت الرسول - صلى الله عليه وسلم - على نذر أمها بالحج، وماتت قبل الوفاء، وقالت: أفأحج عنها؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: "نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين، أفكنت قاضِيَتِه؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء"، وقد تكررت هذه القصة مع امرأة من خثعم بالحج عن والدها، وعن رجل من خثعم بالحج عن والده، وهي أحاديث صحيحة رواها البخاري ومسلم وأصحاب السنن وأحمد والبيهقي والدراقطني (2).
فالحديث شبه الحج بالدين، وقاسه عليه في وجوب الوفاء بجامع أن كلًّا منهما دين ثابت في الذمة، وأحدهما حق للعباد والآخر حق الله.
- ومنها ما رواه أبو هريرة أن رجلًا من فزارة أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
__________
(1) رواه أبو داود، سنن أبي داود: 1 ص 556، والبيهقي والحاكم وأحمد (المجموع 6/ 363)، وانظر معالم السنن للخطابي 3/ 263 على هامش مختصر سنن أبي داود.
(2) انظر نيل الأوطار: 4/ 320، صحيح مسلم (8/ 23، 25، 9/ 97) صحيح البخاري (2/ 656)، سنن الدارقطني (2/ 260).
(1/242)

فقال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "هل لك من إبل؟ " قال: نعم، قال: "فما ألوانها؟ " قال: حُمر، قال: "فهل فيها من أَوْرق؟ " قال: إن فيها لوُرْقًا، قال: "فأنّى أتاها ذلك؟ " قال: عسى أن يكون نزعه عرق، قال: "وهذا عسى أن يكون نزعه عرق (1) ".

ثالثًا: الإجماع:
ثبت عن صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهم اجتهدوا رأيهم، وقاسوا الأمور على أمثالها، وتكرر ذلك وشاع ولم ينكر عليهم أحد، فكان إجماعًا منهم على حجية القياس (2)، قال ابن عقيل الحنبلي: وقد بلغ التواتر المعنوي عن الصحابة باستعماله وهو قطعي (3).
مثاله أن أبا بكر قاس في الكلالة الوالد على الولد في قوله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} [النساء: 176] فقال أبو بكر لما سئل عن الكلالة، أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، الكلالة ما عدا الوالد والولد.
وقال عمر في رسالته المشهورة لأبي موسى الأشعري: "اعرف الأشباه والنظائر، وقس الأمور برأيك" (4).
__________
(1) أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي، والأورق: الأسمر، جمع وُرْق: الذي لونه لون الرماد، وانظر كتاب أقيسة النبي - صلى الله عليه وسلم -، لابن الحنبلي، طبع دار الكتب الحديثة بالقاهرة، 1393 ه/ 1973 م.
(2) حاشية العطار على جمع الجوامع: 2 ص 249، المستصفى: 2 ص 242، وفيه أمثلة كثيرة، أصول السرخسي: 2 ص 118.
(3) إرشاد الفحول: ص 203.
(4) انظر رسالة عمر مع شرحها الوافي في أعلام الموقعين: 1 ص 90، 140.
(1/243)

رابعًا: المعقول:
إن الحوادث لا تنتهي، والنصوص محصورة، فلا بدَّ من القياس.

حكم القياس ومرتبته:
أما حكم القياس فإنه يفيد الظن وليس القطع؛ لأنه بذل الجهد من المجتهد، والمجتهد قد يصيب وقد يخطئ، وإن الحكم الثابت بالقياس هو حكم شرعي ديني؛ لأنه مأمور به بالآية السابقة، وهو طريق لمعرفة الأحكام الشرعية، ومصدر من مصادر التشريع يجب العمل به (1).
فيأتي القياس في المرتبة الرابعة بعد القرآن والسنة والإجماع، قال الإِمام الشافعي رحمه الله: يحكم بالكتاب والسنة المجتمع عليهما الذي لا اختلاف فيها، فنقول لهذا: حكمنا في الظاهر والباطن، ويُحكم بالسنة قد رويت من طريق الأفراد لا يجتمع الناس عليها فنقول: حكمنا بالحق في الظاهر؛ لأنه قد يمكن الغلط فيمن روى الحديث، ونحكم بالإجماع ثم بالقياس، وهذا أضعف من هذا, ولكنها منزلة ضرورة (2) ".
__________
(1) حاشية العطار: 2 ص 379، اللمع: 56.
(2) الرسالة، الشافعي: ص 599.
(1/244)

الفصل الثاني في المصادر المختلف فيها
إن المصادر المختلف فيها كثيرة، وهي في جملتها ترجع إلى المصادر السابقة المتفق عليها، وسوف نلقي الضوء على هذه المصادر بشكل سريع ومقتضب، ونخصص كلًّا منها في مبحث.
(1/245)

المبحث الأول في الاستحسان
تعريف الاستحسان:
الاستحسان لغة: عدُّ الشيء واعتقاده حسنًا (1)، وفي اصطلاح الحنفية القائلين به هو: عدول المجتهد عن مقتضى قياس جلي إلى مقتضى قياس خفي، أو عن حكم كلي إلى حكم استثنائي، لدليل انقدح في عقله رجح هذا العدول (2).
ويظهر من التعريف أن الاستحسان نوعان:
الأول: ترجيح أحد القياسين على الآخر، ويسمي البزدوي القياس المرجوح بأنه ما ضعف أثره، أي: دليله (3).
والنوع الثاني: استثناء حكم من القاعدة لمصلحة؛ لأن استمرار
__________
(1) القاموس المحيط: 4 ص 214.
(2) أصول الفقه، خلاف: ص 89، كشف الأسرار: 4 ص 1123، المستصفى: 1 ص 283، والقياس الجلي هو ما يكون دليله ظاهرًا، أو دليله قويًّا، والقياس الخفي هو الذي خفيت علته لدقتها وبعدها عن الذهن.
(3) كشف الأسرار، للبخاري، على أصول البزدوي: 4 ص 1123، أصول مذهب أحمد: ص 501، أثر الأدلة المختلف فيها: ص 122، أصول الفقه، للخضري: ص 367.
(1/247)

القاعدة، وتطبيقها على بعض الفروع، فيه فساد وحرج.
صورته: أن تقع حادثة ليس فيها حكم، ولها وجهتان مختلفتان، الأولى ظاهرة توجب حكمًا ظاهرًا للمجتهد، والأخرى خفية توجب حكمًا دقيقًا، لا يصل إليه المجتهد إلا بعد النظر والتدقيق، فيرجح المجتهد الحكم الخفي، لدليل خاص، على الحكم الظاهر الجلي، ويسمى عمله هذا استحسانًا، وكذا إذا ترجح بنفس المجتهد دليل يوجب استثناء جزئية معينة من حكم كلي أو قاعدة عامة، فيكون هذا استحسانًا.
مثال الأول: التحالف: الأصل أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر، ويطبق هذا الأصل على كل قياس، فتكون اليمين على المدعى عليه، وليس على المدعي يمين وإنما عليه البينة، ولكن فقهاء الحنفية قالوا: إذا اختلف البائع والمشتري في مقدار الثمن قبل القبض، فادعى البائع أنه ألفان، وادعى المشتري أنه ألف، فيتحالفان استحسانًا وهو الراجح (1).
والسبب في ترجيح الاستحسان هنا على القياس أن البائع مدَّعٍ من حيث الظاهر للألفين، ولكنه يعتبر منكرًا لحق المشتري في تسليم المبيع، والمشتري ينكر الزيادة ظاهرًا، ويدعي حق تسليم المبيع ضمنًا، فصار كل منها مدعيًا ومنكرًا في آن واحد، فيتحالفان (2).
مثال الثاني: ضمان الأجير المشترك (3)، فالأصل أن الأمين لا يضمن
__________
(1) التحالف: هو أن يقسم كل من البائع والمشتري يمينًا على دعواه.
(2) فتح القدير: 6 ص 184، تبيين الحقائق: 4 ص 305، كشف الأسرار: 4 ص 1131، وانظر تفصيل هذا المثال ومقارنة المذاهب وآراء العلماء في رسالتنا: وسائل الإثبات: 2 ص 684.
(3) وهو قول المالكية والصاحبين من الحنفية، وقال الشافعي في الأظهر: لا يضمن =
(1/248)

إلا بالتعدي أو التقصير في الحفظ، ويقاس عليه الأجير أو العامل الذي يُستأجر للعمل في البيت أو المعمل، ولكن استثنوا الأجير المشترك وهو العامل المشترك الذي يعمل للجميع في آن واحد، مثل مصلح السيارة والأحذية وتجليد الكتب، وقالوا: إنه يضمن استحسانًا، إلا إذا كان الهلاك بقوة قاهرة، وسبب الاستحسان هو الحاجة والضرورة في تأمين أموال الناس خشية أن يُهمل المحافظة عليها أو يضيعها ويتلفها بدون مبالاة (1).

حجية الاستحسان:
اختلف الأئمة في حجية الاستحسان واعتباره مصدرًا من مصادر التشريع على قولين:
القول الأول: أنه حجة شرعية ومصدر من مصادر التشريع، ذهب إلى ذلك الحنفية، وينسب إلى الحنابلة، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [الزمر: 55] وقوله تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر: 18] فالآيتان تبينان أن المؤمن يتبع الأحسن، أي: يتبع ما يستحسنه، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن" أي: ما يستحسنه المسلمون فهو حسن ومقبول عند الله تعالى" (2).
القول الثاني: أن الاستحسان ليس حجة شرعية ولا مصدرًا ولا دليلًا
__________
= الأجير المشترك (المهذب 3/ 561 ط محققة).
(1) انظر أمثلة كثيرة في: كشف الأسرار: 4 ص 1126، والتوضيح على التنقيح: 3 ص 4، علم أصول الفقه، خلاف: ص 91.
(2) المستصفى 1 ص 276، المدخل إلى مذهب أحمد ص 136، أصول السرخسي 2 ص 204، التوضيح 2 ص 2، المسودة ص 453، الإحكام، الآمدي 4 ص 136، 139، وسبق تخريج الحديث في الإجماع.
(1/249)

من أدلة الشرع، وأن استنباط الأحكام بالاستحسان هوى وتلذذ وتعسف، وأنه من استحسن فقد شرع من عند نفسه (1)، وعرفه الغزالي فقال: هو ما يستحسنه المجتهد بعقله (2)، وهو مذهب الشافعية والمالكية (3)، وضرب الشافعي مثلًا لذلك كمن يتجه في الصلاة إلى جهة يستحسن أنها الكعبة، بغير دليل.
يقول الشافعي رحمه الله: فإن القول بما استحسن شيء يحدثه لا على مثال سابق (4)، أي من الكتاب والسنة، واستدل الشافعي على ذلك بأن الاستحسان إن كان مع وجود نص فهو معارض للنص، وإن لم يكن نص في المسألة فهو تعطيل للقياس، وكذا الأمرين غير جائز، فالحكم الشرعي يكون بنص أو إجماع أو اجتهاد، والاجتهاد هو القياس، وإذا تعطل القياس جاز لأهل العقول أن يشرعوا من عندهم بما تستحسنه عقولهم، قال الشافعي: ولم يجعل الله لأحد بعد رسول الله أن يقول إلا من جهة علم مضى قبله، وجهة العلم بعده الكتاب والسنة والإجماع والآثار وما وصفت من القياس عليها (5)، وأن إجماع الأمة أنه
__________
(1) اشتهرت هذه العبارة عن الإمام الشافعي وكررها الناس عنه، ولم تثبت في كتبه، لكن قال في "الأم": "من قال بالاستحسان فقد قال قولًا عظيمًا ووضع نفسه في رأيه واستحسانه على غير كتاب ولا سنة فوضعها في أن يتبع رأيه" (العطار على جمع الجوامع 2/ 365).
(2) المستصفى: 1 ص 274.
(3) الرسالة: ص 25، 505، 517، جمع الجوامع: 2 ص 394، الحدود في الأصول، الباجي: ص 65، تنقيح الفصول: ص 148، الإحكام، لابن حزم: 2 ص 757، أثر الأدلة المختلف فيها: ص 130، بينما نقل الإِمام مالك أنه قال: "تسعة أعشار العلم الاستحسان، الموافقات: 4/ 137.
(4) الرسالة: ص 25.
(5) الرسالة: ص 508، الأم: 7 ص 271، المستصفى: 1 ص 275، جمع الجوامع: 2 ص 395، وقد كتب الإمام الشافعي كتابًا سماه إبطال الاستحسان مع كتابه الأم.
(1/250)

ليس للعالم أن يحكم بهواه وشهوته من غير نظر في دلالة الأدلة، وأن الله تعالى خاطب نبيه فقال: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة: 49].
والواقع أن الحنفية نظروا إلى الاستحسان من وجهة نظر معينة تختلف عن وجهة نظر الشافعية، وأن اختلافهم في تحديد معناه أدى إلى اختلافهم في حجيته، وأن الشافعية والمالكية، لا ينكرون وجهة نظر الحنفية في مراعاة القياس القوي وتقديمه عند تحقق المصلحة، ويؤيدون ترجيح قياس على قياس لعلة أو سبب، وكذلك الحنفية يوافقون الشافعية في إنكار الاستحسان الموسوم بالتشهي وإعمال العقل والتحكّم والهوى في الأحكام الشرعية، ولو نظر كل طرف في المعنى الذي حدده الآخر لوافقه عليه، فالاختلاف بينهم هو اختلاف لفظي كما يقول علماء الأصول، وأنهم متفقون على استعمال لفظه وحقيقته في الأحكام العملية في مسائل كثيرة (1)، من ذلك استحسان المصلحة، والاستصناع للمصلحة، وأقر المالكية الاستصلاح، وهو مصلحة (2).
__________
(1) يطلق الحنفية قاعدة الاستحسان السابقة على النصوص الشرعية في الكتاب والسنة وعلى الإجماع فإذا ورد حكم شرعي خاص مستثنى من القاعدة العامة أو الأصل فإنهم يسمونه استحسان النص، أي استحسان المشرع، وإذا أجمع المسلمون على حكم خاص، يخالف قاعدة عامة، سموا الاجماع استحسانًا، والحقيقة أن هذا الإطلاق توسع في الاستحسان، وأنه محاولة لزيادة الاستدلال على حجية الاستحسان وأنه وارد في النصوص والإجماع، ولكن لا يصح أن يطلق عليه هذا الاصطلاح، لأنه اصطلاح متأخر، له مدلول خاص، علمًا بأن استحسان النص أو الإجماع أو الضرورة متفق عليه، وإنما الخلاف في استحسان الرأي أي في القياس الخفي فقط، انظر: كشف الأسرار: 4 ص 125، تسهيل الوصول: ص 234، المدخل الفقهي العام: 1 ص 57، الإحكام، الآمدي: 4 ص 136، التلويح: 3 ص 2، أصول السرخسي: 2 ص 202.
(2) قال الشيرازي بعد تحرير الخلاف: "فيسقط الخلاف في المسألة" اللمع ص 334 ط =
(1/251)

حكم الاستحسان ومرتبته بين الأدلة:
بالرغم من أن الاستحسان مختلف فيه، ومع ذلك فإنه يأتي في المرتبة الرابعة عند الحنفية القائلين به، وأنه يقدم على القياس، فإذا تعارض الاستحسان مع القياس يقدم الاستحسان، لأن الاستحسان نوع راجح من أنواع القياس الذي يقدم على قياس آخر، قال البزدوي: وإنما الاستحسان عندنا أحد القياسين (1)، وقال ابن بدران: وحاصل هذا يرجع إلى تخصيص الدليل بدليل أقوى منه في نظر المجتهد (2).
ولذلك يذكر الحنفية في كتبهم باستمرار العبارة التالية "أن الحكم استحسانًا كذا، وقياسًا كذا" ويفهم منها ترجيح الاستحسان على القياس باتفاق علمائهم.
والاستحسان دليل ظني في دلالته على الأحكام كالقياس، والظن مقبول في الأحكام.
__________
= محققة، وانظر: حاشية السعد على العضد 2/ 289، المستصفى 1/ 139، المحلي على جمع الجوامع 2/ 353.
(1) كشف الأسرار: 4 ص 1123، 1126.
(2) المدخل إلى مذهب أحمد، له: ص 136، وانظر: المدخل الفقهي العام 1/ 88.
(1/252)

المبحث الثاني في المصالح المرسلة أو الاستصلاح
تعريف المصالح المرسلة:
المصلحة لغة: هي المنفعة، والمرسلة: أي المطلقة، والمصلحة المرسلة في الاصطلاح: هي المصلحة التي لم ينص الشارع على حكم لتحقيقها، ولم يدل دليل شرعي على اعتبارها أو إلغائها (1).
مثالها المصلحة التي شرع لأجلها عمر رضي اللَّه عنه اتخاذ السجون وتدوين الدواوين للجند، وهي مصلحة لم يرد فيها دليل شرعي بالتأييد والاعتبار أو بالإلغاء والإبطال.

أنواع المصالح:
ومن هنا يظهر لنا أن المصالح ثلاثة أنواع (2):
1 - المصالح المعتبرة: وهي المصالح التي جاءت الأحكام الشرعية لتحقيقها ومراعاتها من أجل المحافظة على مقصود الشرع في جلب المصالح أو دفع المفاسد والمضار (3)، مثل المصلحة في حفظ النفس
__________
(1) علم أصول الفقه، خلاف: ص 94، ضوابط المصلحة: ص 329.
(2) المستصفى: 1 ص 284.
(3) المستصفى: 1 ص 286.
(1/253)

والمال والعرض التي شرع اللَّه لحفظها القصاص وحد السرقة وحد القذف.
2 - المصالح الملغاة: وهي المصالح التي وردت الأحكام بإلغائها وعدم مراعاتها، لأنها مصالح من سط الظاهر وتخفي وراءها أضرارًا ومفاسد ومخاطر دينية واجتماعية، مثل الربا، فإن فيه مصلحة ظاهرية آنية للمقرض بالفائدة وللمستقرض بالاستفادة من المال، ومثل قتل المريض اليائس من الشفاء، وذبح الأضاحي على الأصنام لإطعام الفقراء، وشرب المسكرات للنشوة، أو المخدرات للتأمل الخيالي والهرب من الواقع، ففي كل منها مصلحة ولكنها تنطوي على الشر والفساد، وتخفي في طياتها الضرر والخراب، فنص الشارع على إلغاء المصلحة فيها وعدم اعتبارها.
وهذان القسمان متفق عليهما بين جميع المسلمين، لأن الشريعة جاءت لتحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة، ولرعاية أحوالهم ومنافعهم، فشرعت كل ما يحقق مصلحتهم، وحرمت كل ما يضرهم ويوقع الإيذاء بهم (1).
3 - المصالح المرسلة: وهي المصالح التي لم ينص الشارع على اعتبارها ولا على إلغائها، وهذه المصالح هي مجال الاختلاف بين العلماء، علمًا أنهم متفقون على تحقيق المصالح والتعليل بها، وبناء الأحكام عليها في جميع المذاهب، ولكن الاختلاف في اعتبارها دليلًا شرعيًّا مستقلًا، وهل هي مصدر من مصادر التشريع أم لا؟
__________
(1) الموافقات، للشاطبي: 2 ص 3، المستصفى: 1 ص 286، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 136، أثر الأدلة المختلف فيها: ص 32، ضوابط المصلحة: ص 330.
(1/254)

حجية المصالح المرسلة:
اختلف الأئمة في حجية المصالح المرسلة واعتبارها دليلًا شرعيًّا ومصدرًا مستقلًا على قولين:
القول الأول: المصالح المرسلة ليست دليلًا مستقلًا، وهو مذهب الشافعية والحنفية (1)، واحتجوا لقولهم بأن الشريعة راعت مصالح الناس بالنص والإجماع والقياس، فكل مصلحة لها شاهد من هذه الأدلة، وأن المصلحة التي لا يشهد لها دليل شرعي ليست في الحقيقة مصلحة، وإنما هي وهم، كما أن بناء الأحكام على مجرد المصلحة فيه فتح لباب التشريع أمام أصحاب الأهواء وحكام السوء والفساد بأن يشرعوا ما يحقق أغراضهم وأهواءهم بحجة المصلحة، ولذا فإن حفظ مقاصد الشرع تعرف بالكتاب والسنة والإجماع والقياس، وكل مصلحة لا ترجع لواحد مما سبق فهي باطلة (2).
القول الثاني المصالح المرسلة دليل شرعي مستقل ومصدر من مصادر التشريع التي يرجع إليها المجتهد، وحجة تبنى عليها الأحكام دون أن تتوقف على دليل شرعي آخر، وهو مذهب المالكية والحنابلة (3).
__________
(1) أنكر الحنفية الاحتجاج بالمصلحة المرسلة كدليل مستقل، ولكنهم أدخلوها في القسم الثاني من الاستحسان، وهو استثناء حكم من قاعدة للضرورة، وهي المصلحة، انظر المدخل الفقهي، لأستاذنا العلامة الشيخ مصطفى الزرقا: 1 ص 76، أثر الأدلة المختلف فيها: ص 54، ضوابط المصلحة: ص 370، 380.
(2) المستصفى، الغزالي: 1 ص 310، تيسير التحرير: 4 ص 171، إرشاد الفحول: ص 242، الإحكام، الآمدي: 4 ص 140، ضوابط المصلحة: ص 367.
(3) إرشاد الفحول: ص 242، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 138، تنقيح الفصول، القرافي: 142، أثر الأدلة المختلف فيها: ص 41 وما بعدها.
(1/255)

واستدلوا على ذلك بأن مصالح العباد كثيرة جدًّا، وأنها تتجدد مع تجدد الحوادث وتطور الزمان، والشرع إنما جاء لتحقيق المصالح الحقيقية في الدنيا والآخرة، وذلك بجلب المصالح لهم ودفع المفاسد عنهم، فلا بد من إقراراها، وإلا تعطلت مصالح الناس، ووقفت الأحكام عن مواكبة التطور والتغيير، وهذا يخالف مقاصد الشريعة.
كما استدلوا على ذلك بأعمال الصحابة الذين شرعوا أحكامًا كثيرة لتحقيق مصالح العباد المتجددة مع عدم وجود دليل شرعي عليها، مثل جمع المصحف في عهد أبي بكر رضي اللَّه عنه وعهد عثمان، واستخلاف عمر، ووضع الخراج وتدوين الدواوين واتخاذ السجون (1)، وهي مصالح عامة، ولا دليل من الشارع على إقرارها، ولا إلغائها.

شروط الاحتجاج بالمصالح المرسلة:
واشترط أصحاب القول الثاني في المصلحة المرسلة التي يصح بناء الأحكام عليها ثلاثة شروط، وهي:
1 - أن تكون مصلحة حقيقية بحيث تحقق النفع للناس أو تدفع الضرر عنهم، ولا عبرة للمصالح الظاهرية أو الوهمية.
2 - أن تكون مصلحة عامة لمجموع الأمة، أو للأكثرية الغالبة، ولا عبرة للمصالح الشخصية والفردية، أو التي تخدم طائفة معينة قليلة في المجتمع، لأنها في الغالب تكون ضارة بالمجموع، ولأن التشريع لا يكون من أجل الأفراد، وإنما يكون لتحقيق المصالح العامة.
3 - أن لا تعارض الأحكام المبنية على المصلحة حكمًا شرعيًّا ثابتًا بالنص أو الإجماع، فإن معارضته تدل على أن هذه المصلحة ملغاة من قبل المشرع لما يترتب عليها من مفاسد، فيكون إبطالها من المشرع
__________
(1) تيسير التحرير: 3 ص 171.
(1/256)

أبعد نظرًا وأسد قيلًا، مثاله أن بعض علماء الأندلس (1) أفتى حاكمها أن يصوم شهرين متتابعين كفارة إفطاره في رمضان بالجماع، بحجة أنه لو أمره بإعتاق رقبة لكان سهلًا عليه ذلك، ويستحقر إعتاق الرقبة مقابل قضاء شهوته، فرأى أن المصلحة لانزجاره عنه بالصوم شهرين، وهذه المصلحة باطلة، لأنها تخالف النص الوارد في الحديث الذي أمر بإعتاق رقبة أولًا، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين (2).
وإن دواعي الاستصلاح هي:
1 - جلب المصالح، 2 - درء المفاسد، 3 - سد الذرائع، 4 - تغير الزمان.
والخلاصة أن الخلاف لفظي بين العلماء في حجية المصلحة، وأن الخلاف في المصلحة المرسلة التي تؤدي إلى حفظ مقاصد الشرع هل تعتبر قياسًا على المصالح الواردة في الكتاب والسنة والإجماع، أم هي مصدر شرعي مستقل تسمى مصلحة مرسلة؟ قال الغزالي: وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع فلا وجه للخلاف في اتباعها، بل يجب القطع بكونها حجة (3).
وقال الشيرازي رحمه اللَّه تعالى: "لأن في الرهن بالأرش مصلحة للراهن في حفظ ماله ... ، ويجوز للمصلحة ما لا يجوز لغيرها" (4).
__________
(1) وهو يحيى بن يحيى الليثي تلميذ الإمام مالك، مع عبد الرحمن بن الحكم، انظر: علم أصول الفقه، خلاف ص 97، مختصر البعلي ص 162، المستصفى 1/ 285، الاعتصام 3/ 97، غياث الأمم ص 166.
(2) المستصفى: 1 ص 285.
(3) المستصفى: 1 ص 311، وانظر ضوابط المصلحة: ص 407.
(4) المهذب 3/ 207، ط محققة، وانظر: شفاء الغليل ص 184.
(1/257)

المبحث [الثالث] (*) في الاستصحاب
تعريف الاستصحاب:
الاستصحاب في اللغة: الملازمة، واستصحاب الحال هو التمسك بما كان ثابتًا، كأنك جعلت الحالة مصاحبة غير مفارقة، واستصحبه دعاه إلى الصحبة ولازمه (1).
أما في الاصطلاح فعرفه الشوكاني بقوله: هو: ما ثبت في الزمن الماضي فالأصل بقاؤه في الزمن المستقبل حتى يثبت ما يغيره (2).
فيقال: الحكم الفلاني قد كان فيما مضى، فيثبت في الزمن الثاني كذلك لفقدان ما يغيره، كاستصحاب الوضوء، واستصحاب البكارة، واستصحاب الوجود والعدم (3).
مثاله: المفقود يعتبر حيًّا لاستصحاب حاله عند فقده في الماضي
__________
(1) المصباح المنير: 1 ص 454، القاموس المحيط: 1 ص 91.
(2) إرشاد الفحول: ص 237.
(3) جمع الجوامع: 2 ص 391، مختصر ابن الحاجب: ص 217، حاشية العطار: 2 ص 387، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 133، أصول الفقه الإسلامي، شعبان: ص 209، أصول الفقه، الخضري: ص 391.

(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: في المطبوع (الثاني)
(1/259)

عندما كان موجودًا، فيعتبر حيًّا في الوقت الحاضر، وتثبت له الحقوق من الميراث وغيره، ويمنع ورثته من توزيع أمواله، وتبقى زوجته على عصمته، ولا تعتد ولا تتزوج من غيره.
ومثل استصحاب الملك الآن لمن تثبت ملكيته لعقار مثلًا في الماضي، فتبقى له الملكية في الحاضر ما لم يثبت الناقل لها، وكذلك براءة الذمة فالأصل أن تبقى بريئة حتى يثبت العكس، وإن شغلت الذمة بالتزام ما، فتبقى مشغولة به إلى الوقت الحاضر ما لم يثبت الوفاء أو الإبراء.
ومثال استصحاب نفي الحكم الشرعي عدم وجوب صوم شهر شوال وغيره من الشهور سوى رمضان (1).

حجية الاستصحاب (2):
اختلف الأئمة في اعتبار الاستصحاب حجة ودليلًا شرعيًّا ومصدرًا من مصادر التشريع على عدة أقوال، أهمها اثنان:
القول الأول: أنه حجة عند عدم الدليل سواء في حالتي الإثبات والنفي، وبه قالت المالكية والحنابلة وأكثر الشافعية والظاهرية (3).
واستدلوا على ذلك من الشرع بأن جميع الأحكام الشرعية تعتبر ثابتة في محلها من الإيجاب والإباحة والتحريم بحسب الدليل حتى يقوم
__________
(1) أصول الفقه، أبو زهرة: ص 283، مفتاح الوصول: ص 127، تسهيل الوصول: ص 237.
(2) اتفق العلماء على حجية الاستصحاب في الأمور الحسية لجريان العادة بها من الله تعالى، والاختلاف في الأحكام الشرعية، لأن الله تعالى لم يجر العادة فيها كذلك (انظر إرشاد الفحول: ص 237، 238، تيسير التحرير: 4 ص 172).
(3) إرشاد الفحول: ص 237، مختصر ابن الحاجب: ص 170، مفتاح الوصول: ص 127، تسهيل الوصول: 237، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 133.
(1/260)

دليل على التغيير، وأن ظن البقاء أغلب من ظن التغير، والظن حجة متبعة في الأحكام الشرعية، كالخمر تبفى حرامًا حتى يثبت تغيرها إلى خل مثلًا، ودم الإنسان مصون حتى يثبت موجب الهدر والقصاص (1)، والعقل يؤيد ذلك، فالإنسان يحكم على الأمور بعقله في الحاضر بناء على معرفته السابقة ما لم يثبت العكس، فالبداهة العقلية تؤيد الاستصحاب (2).
القول الثاني: الاستصحاب ليس حجة شرعية، ولا يصح لاعتماد الأحكام عليه، وهو مذهب الحنفية (3)، لأن إثبات الدليل والحجة للحكم الشرعي في الزمن الأول يحتاج إلى دليل، وكذلك في الزمن الحاضر يحتاج إلى دليل لاحتمال وجوده أو عدمه، وقال أكثر محققي الحنفية: إن الاستصحاب يصلح دليلًا للدفع والرفع أي لإبقاء ما كان على ما كان، ولا يصلح لإثبات أمر لم يكن، مثل استصحاب حياة المفقود إلى الزمن الحاضر، فهو حجة لدفع الموت ونفيه عنه، ومنع ورثته من اقتسام أمواله، ولكن لا يصلح حجة لإثبات ما لم يكن، فلا يثبت له إرث من مورثه الذي يتوفى في هذه الأثناء (4).

أنواع الاستصحاب:
يتنوع الاستصحاب بحسب الحالة الأولى السابقة إلى ثلاثة أنواع:
__________
(1) الإحكام، الآمدي: 4 ص 112.
(2) تيسير التحرير: 4 ص 177، حاشية العطار: 2 ص 387، الإحكام، الآمدي: 4 ص 111، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 284.
(3) تيسير التحرير: 4 ص 177، الإحكام، الآمدي: 4 ص 111، أصول السرخسي: 2 ص 223.
(4) تيسير التحرير، المرجع السابق، تسهيل الوصول: ص 238، أصول السرخسي: 2 ص 140، 225، الأشباه والنظائر، ابن نجيم: ص 73، أثر الأدلة المختلف فيها: ص 188 وما بعدها.
(1/261)

1 - استصحاب الحكم الأصلي للأشياء، وهو الإباحة عند عدم الدليل، فالأصل في الأشياء الإباحة، ما لم يرد دليل يخالفه، فإن لم يجد المجتهد حكمًا في الشيء، وكان فيه منفعة، حكم بإباحته بناء على الأصل في أن الله خلق الأرض وما فيها للإنسان.
وهذا النوع متفق على العمل به بين العلماء، وإن خالف بعضهم في تسميته استصحابًا، ويدخله بعضهم في الإباحة.
2 - استصحاب العدم الأصلي، أو البراءة الأصلية، كالحكم ببراءة الذمة من التكاليف الشرعية وحقوق الناس حتى يوجد دليل شغلها.
وهذا النوع لم يخالف أحد من أهل العلم به.
3 - استصحاب ما دل الشرع على ثبوته لوجود سببه حتى يقوم الدليل على زواله، كثبوت الملك لشخص من البيع والإرث فيبقى ملكه قائمًا حتى يقوم الدليل على انتفائه ونقله، ومثل ثبوت الحل بين الزوجين عند العقد فتبقى الزوجية قائمة إلى أن تحصل الفرقة، ومثل شغل الذمة بدين أو ضمان فتبقى الذمة مشغولة حتى يقوم الدليل على البراءة (1).
وقد استنبط الفقهاء عدة مبادئ فقهية وقواعد كلية من الاستصحاب منها:
1 - الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت ما يغيره.
2 - إن كل شيء لم يقم الدليل المعين على حكمه فهو على الإباحة الأصلية.
3 - اليقين لا يزول بالشك (2).
__________
(1) أصول الفقه الإسلامي، شعبان: ص 210، أثر الأدلة المختلف فيها: ص 187.
(2) المرجع السابق: ص 214، وانظر تفصيل القواعد الفقهية في كتابي: النظريات الفقهية، وكتابي: القواعد الفقهية في المذهب الحنفي والشافعي ص 121، 92.
(1/262)

حكم الاستصحاب ومرتبته:
الاستصحاب دليل ظني في إثبات الأحكام، وإنه مصدر احتياطي يثبت الحكم به عند عدم وجود دليل في الكتاب والسنة والإجماع والقياس (1)، قال الخوارزمي: "وهو آخر مدار الفتوى، فإن المفتي إذا سئل عن حادثة يطلب حكمها في الكتاب ثم في السنة ثم في الإجماع ثم في القياس، فإن لم يجد فيأخذ حكمها من استصحاب الحال في النفي والإثبات، فإن كان التردد في زواله فالأصل بقاؤه، وإن كان التردد في ثبوته فالأصل عدم ثبوته (2) ".
واعتبره ابن بدران من الأصول المتفق عليها وهي: الكتاب والسنة والإجماع والاستصحاب، مع ذكره خلاف الحنفية فيه (3).
وقال البعلي: "الاستصحاب ذكره المحققون إجماعًا" (4).
وإن المبدأ العام في الاستصحاب مسلم به بين الأئمة، ولكن الاختلاف في التطبيق والفروع، أو في اعتباره دليلًا مستقلًا (5).
وهذا المصدر يلعب دورًا كبيرًا في بناء القواعد الفقهية عليه من جهة، وفي الاعتماد عليه في نظام العقوبات ونظام المعاملات من جهة أخرى.
ملاحظة: ولا بد أن نلاحظ بعد ذكر الأدلة السابقة، وهي: الاستحسان والاستصلاح والاستصحاب، أن كل واحد من الأئمة أخذ
__________
(1) إرشاد الفحول: ص 238.
(2) إرشاد الفحول: ص 237، أصول الفقه الإسلامي، شعبان: 213.
(3) المدخل إلى مذهب أحمد: ص 134، وانظر مختصر البعلي: ص 61.
(4) مختصر في أصول الفقه، له: ص 60.
(5) أصول الفقه، أبو زهرة: ص 285 - 290.
(1/263)

بواحد منها أو أكثر، ورفض الباقي، والسبب في ذلك كما يقول الشربيني: "واعلم أن الأمة أجمعوا على أنه ثمَّ دليل شرعي غير ما تقدم، واختلفوا في تشخيصه، فقال قوم: هو الاستصحاب، وقوم: الاستحسان، وقوم: المصالح المرسلة (1)، وذلك لاعتماد الأحكام التي لم يرد لها حكم في الأدلة المتفق عليها على مصدر تشريعي صحيح.

قواعد الفقه المتعلقة بالاستصحاب:
1 - اليقين لا يزول بالشك.
2 - الأصل بقاء ما كان على ما كان.
3 - الأصل براءة الذمة.
4 - الأصل في الصفات العارضة العدم.
5 - ما ثبت بزمان يحكم ببقائه ما لم يوجد دليل على خلافه.
6 - الأصل في الأشياء الإباحة.
7 - الأصل في الأبضاع التحريم.
8 - الأصل في الكلام الحقيقة.
9 - الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته.
10 - الظاهر يصلح حجة للدفع لا للاستحقاق، وكل ضابط يعبر فيه عن "الأصل كذا" (2).
__________
(1) تقرير الشربيني على جمع الجوامع: 2 ص 383.
(2) انظر شرح هذه القواعد وأمثلتها في كتابي: القواعد الفقهية في المذهب الحنفي والشافعي، عند عرض كل قاعدة.
(1/264)

المبحث الرابع في العرف
تعريف العرف:
العرف لغة: المعرفة والمعروف، وهو الخير والرفق والإحسان، والمعروف ضد المنكر أيضًا (1).
وفي الاصطلاح: العرف: مرادف للعادة، وعرفه الشيخ أبو سنة نقلًا عن "مستصفى النسفي" بقوله: العادة والعرف ما استقر في النفوس من جهة العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول (2).
والعادة مأخوذة من المعاودة، فهي بتكرارها ومعاودتها مرة بعد أخرى صارت معروفة مستقرة في النفوس والعقول، متلقاة بالقبول من غير علاقة ولا قرينة حتى صارت حقيقة عرفية (3)، وفسر ذلك الشيخ أبو سنة فقال: يعني الأمر الذي اطمأنت إليه النفوس وعرفته، وتحقق في قرارتها، وألفته مستندًا في ذلك إلى استحسان العقل، ولم ينكره
__________
(1) المصباح المنير: 1 ص 553، القاموس المحيط: 3 ص 173.
(2) انظر بحثًا شاملًا ومستفيضًا لحجية العرف في كتاب: العرف والعادة، للشيخ أحمد أبو سنة: ص 8، 27.
(3) رسائل ابن عابدين: 2 ص 114، ط محمد هاشم الكتبي 1325 ه.
(1/265)

أصحاب الذوق السليم في الجماعة، وإنما يحصل استقرار الشيء في النفوس وقبول الطباع له بالاستعمال الشائع المتكرر الصادر عن الميل والرغبة (1).
والعرف مصدر للأحكام مجازًا وليس حقيقة، لأنه يرجع إليه عند التطبيق وفهم النص.

أنواع العرف:
العرف نوعان: قولي وعملي، وكل منهما قد يكون عامًّا وقد يكون خاصًّا.
1 - العرف العملي: وهو التعارف بين الناس على أمر عملي معين كأكل لحم الضان في بلد، أو لحم البقر أو لحم الجاموس في بلد آخر، والعرف العملي في بيع التعاطي، والعرف في تقسيم المهر إلى معجل ومؤجل.
2 - العرف القولي: وهو التعارف بين الناس على إطلاق لفظ على معنى معين بحيث لا يتبادر إلى الذهن عند سماعه غيره (2)، كالعرف بإطلاق لفظ اللحم على الحيوان وعدم إطلاقه على السمك والطير.
3 - العرف العام: هو الذي يتفق عليه الناس في كل البلاد أو معظمها، كالتعارف على بيع الاستصناع.
4 - العرف الخاص: هو العادة التي تكون لفرد أو طائفة معينة أو بلد معين، كعادة شخص في أكله وتصرفاته، وتعارف التجار على تسجيل
__________
(1) العرف والعادة: الشيخ أحمد أبو سنة: ص 8، أثر الأدلة المختلف فيها: ص 242، وقال الزرقا: هو عادة جمهور قوم في قول أو فعل.
(2) تنقيح الفصول إلى علم الأصول في مقدمة الذخيرة للقرافي: ص 143، أثر الأدلة فيها: ص 246.
(1/266)

المبيعات في دفتر خاص، وتعارف منطقة على تسجيل الأثاث للزوجة أو للزوج.

حجية العرف:
يتفق الأئمة عمليًّا على اعتبار العرف الصحيح حجة ودليلًا شرعيًّا (1)، ولكنهم يختلفون في اعتباره مصدرًا مستقلًا قائمًا بذاته على قولين:
القول الأول: العرف حجة ودليل شرعي مستقل، وهو مذهب الحنفية والمالكية وابن القيم من الحنابلة، واحتجوا بالكتاب والسنة والمعقول.
أما الكتاب فقوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)} [الأعراف: 199]، فالأمر بالعرف في الآية يدل على وجوب الرجوع إلى عادات الناس، وما جرى تعاملهم به، وهذا يدل على اعتبار العادات في الشرع بنص الآية.
أما السنة فقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند اللَّه حسن" (2) يدل الحديث أن الأمر المتعارف عليه تعارفًا حسنًا بين المسلمين يعتبر من الأمور الحسنة التي يقرها اللَّه تعالى، وما أقره الله تعالى فهو حق وحجة ودليل، ولذا يعتبر الحنفية أن الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي، وأن المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا.
أما المعقول: فنلاحظ أن العرف له سلطان كبير على النفس، ويتمتع بالاحترام العظيم في القبول، وهو طبيعة ثانية للناس، يرضون به بسهولة، ويحقق مصالحهم ومنافعهم، والشريعة جاءت لتحقيق
__________
(1) العرف والعادة، أبو سنة: ص 23، تنقيح الفصول: ص 144.
(2) حديث موقوف على ابن مسعود رواه أحمد، وسبق تخريجه ص؟؟؟.
(1/267)

المصالح، فيكون العرف الصحيح مصدرًا ودليلًا وأصلًا من أصول الاستنباط.
القول الثاني: أن العرف ليس حجة ودليلًا شرعيًّا إلا إذا أرشد الشارع إلى اعتباره، وهو مذهب الشافعية، واحتجوا بأن العادة لا تعتبر إلا إذا جرى الشرع على قبولها، وأن العرف دليل ظاهر يرجع إلى الأدلة الصحيحة (1).
ونلاحظ أن جميع العلماء يحتجون بالعرف ويرجعون إلى عادات الناس في بناء الأحكام عليها وتفسير النصوص والوقائع على ضوئها (2)، ووضع الفقهاء عدة قواعد تعتمد على العرف والعادة، وإنما اختلفوا في شروط العرف، وفي درجته التشريعية بين المصادر.
ويشترط للعمل بالعرف شرطان:
1 - أن يكون عامًّا شاملًا مستفيضًا بين الناس، فلا يكون عادة شخص بعينه، أو عادة جماعة قليلة.
2 - أن لا يعارضه نص أو إجماع، وإلا كان عرفًا باطلًا لا قيمة له، وهو العرف الفاسد، كتعارف الناس ارتكاب المحرمات من الربا وشرب الخمر واختلاط النساء مع الرجال، وكشف العورة، ولبس الحرير والذهب للرجال وغير ذلك مما ورد فيه نص بالتحريم، فلا قيمة لهذا العرف، ولا اعتبار له، فهو عرف فاسد مردود، واتباع للهوى وإبطال للنصوص، وهو غير مقبول قطعًا (3).
__________
(1) حاشية العطار على جمع الجوامع: 2 ص 395، العرف والعادة: ص 32، أثر الأدلة المختلف فيها: ص 250، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 134، ابن حنبل، أبو زهرة: ص 331، 361، روضة الناظر: ص 33، 82.
(2) المدخل الفقهي العام: 1 ص 112.
(3) العرف والعادة، أبو سنة: ص 61.
(1/268)

مرتبة العرف بين مصادر التشريع:
العرف الصحيح يعتبر دليلًا شرعيًّا وحجة للأحكام عند فقد النص والإجماع، وقد يقدم على القياس، فيعدل المجتهد بسببه عن القياس إلى الاستحسان كما هو عند الحنفية، مثل تعارف الناس على عقد الاستصناع، كما أن العرف يخصص العام (1)، فمن حلف أن لا يأكل لحمًا فأكل سمكًا فلا يحنث، مع أن لفظ اللحم عام يشمل الحيوان والطير والسمك وورد القرآن الكريم به فقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} [النحل: 14].
وإن الأحكام المبنية على العرف تتغير بتغير الأعراف، وهو المراد من القاعدة الفقهية القائلة "لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان".
قال النووي رحمه اللَّه تعالى: "فهل تجري العادة المطردة مجرى الإباحة؟ فيه وجهان: أصحهما تجري" وقال: "فإن جهلت العادة فوجهان، وأصحهما يحل لاطراد العادة المستمرة بذلك" (2).
وقال السيوطي رحمه اللَّه تعالى: "اعلم أن اعتبار العادة والعرف رجع إليه في الفقه في مسائل لا تعد كثرة، فمن ذلك ... " (3).
__________
(1) أصول الفقه، أبو زهرة: ص 262، تيسير التحرير: 3 ص 317.
(2) المجموع: 9/ 150، 153.
(3) الأشباه والنظائر، له: ص 90، وانظر المبسوط للسرخسي: 12/ 45، البدائع للكاساني: 6/ 220 ط قديمة.
(1/269)

المبحث الخامس في قول الصحابي
الصحابي: كل من رأى رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم - وهو مؤمن به (1)، والصحابة هم الذين لازموا رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - منذ البعثة حتى الوفاة بقدر ما تسمح لهم ظروفهم، وقد اطلعوا على مقاصد الشريعة ورأوا أسباب النزول، وشاهدوا التطبيق الصحيح للقرآن الكريم الذي تجسد في سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وتمتعوا بنور المصطفى، وتلقوا منه الحكمة، ومن مجموع هذا تكوَّن عند أكثرهم ثروة علمية وملكة فقهية، تصدوا بعد وفاة رسول اللَّه للتدريس والإفتاء والقضاء والحكم والاجتهاد فيما يسوغ الاجتهاد فيه، ووصلوا إلى آراء اجتهادية نقلها عنهم التابعون ودوَّنها العلماء.

حجية قول الصحابي:
بحث الأئمة في حجية آراء الصحابة الاجتهادية في اعتبارها ملزمة لمن بعدهم، أم لا، وهل تقدم على القياس، أم لا؟
فاتفق العلماء على أن قول الصحابي الذي لا يدرك بالاجتهاد
__________
(1) انظر آراء العلماء في تعريف الصحابي في كتاب تسهيل الوصول: ص 167، منهج النقد في علوم الحديث، الدكتور نور الدين العتر: ص 106.
(1/271)

والعقل بأنه حجة على المسلمين، لأن قول الصحابي في مثل هذه الأحوال يستند إلى دليل شرعي، ولا يمكن أن يقوله تشهيًا وعبثًا، مثل قول السيدة عائشة رضي اللَّه عنها في فساد بيع النقود قبل نقد الثمن، وأنه يحبط العمل الصالح والجهاد، فهذا لا يدرك بالعقل، ومثل قول عمر وعلي وابن مسعود رضي اللَّه عنهم بتقدير أقل مدة الحيض بثلاثة أيام، وهو ما أخذ به الحنفية.
وكذلك اتفق العلماء على قبول قول الصحابي الذي أبداه ولم يخالفه فيه أحد من الصحابة ويكون حجة على المسلمين، لأن اتفاقهم دليل على وقوفهم على مستند شرعي صحيح.
واتفقوا على أن قول الصحابي في الاجتهاد ليس حجة على غيره من الصحابة المجتهدين (1).
ولكن اختلف الأئمة عند تعدد أقوال الصحابة واختلاف اجتهاداتهم، هل هي حجة على التابعين ومن بعدهم أم لا؟ فيه قولان:
القول الأول: وهو قول الإمام أبي حنيفة والإمام مالك، فقالا بوجوب الالتزام بأحد أقوال الصحابة بدون تعيين، واختيار المناسب منها مع عدم الخروج عن مجموع آرائهم، وأن قول الصحابي يقدم على القياس (2)، واستدلوا على ذلك بأن اختلاف الصحابة في المسألة على
__________
(1) تيسير التحرير: 3 ص 133، كشف الأسرار: 3 ص 938، جمع الجوامع: 2 ص 396، الإحكام، الآمدي: 4 ص 130، تنقيح الفصول: ص 142، أصول السرخسي: 2 ص 109، أثر الأدلة المختلف فيها: ص 338، الروضة للنووي: 11/ 147.
(2) تيسير التحرير، المرجع السابق، كشف الأسرار: 3 ص 937، التوضيح والتلويح: 2 ص 277، أصول السرخسي: 1 ص 318، 2 ص 105، وانظر أصول الفقه الإسلامي، شعبان: ص 204، أبو حنيفة للشيخ محمد أبو زهرة: ص 308.
(1/272)

قولين إجماع منهم على عدم القول الثالث، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: "أصْحابي كالنُّجوم بأيِّهم اقتدَيْتم اهتدَيْتُم" (1)، وغيره من الأحاديث، وأن اللَّه تعالى مدح وأثنى على التابعين باتباعهم الصحابة فقال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة: 100]، وأن الظاهر من حال الصحابة أن قولهم مستند إلى سماع، وإن لم يكن سماع فرأيهم أقوى من رأي غيرهم (2).
القول الثاني: وهو قول الإمام الشافعي والإمام أحمد، فقالا بعدم اعتبار قول الصحابي حجة، فيجوز اتباعه، ويجوز مخالفته، وأن العمل والاتباع يعتمد على الأدلة التي احتج بها الصحابة بالفتوى والاجتهاد والقضاء، وليس بأقوالهم (3).
واستدلوا على ذلك بأن الصحابي ليس مشرعًا، وليس معصومًا، وكما جاز للصحابي أن يخالف صحابيًّا آخر -باتفاق العلماء- جاز للتابعين وبقية المسلمين مخالفته أيضًا، وأن التابعين خالفوا الصحابة في أقوالهم واجتهاداتهم، ولم ينكر عليهم الصحابة، وأن الصحابي مجتهد كغيره من المجتهدين، ويحرم على المجتهد تقليد مجتهد آخر (4).
وقال النووي الشافعي رحمه اللَّه تعالى: "فاختار الغزالي في المستصفى أنه ليس بحجة، والصحيح الذي عليه جماهير الأصحاب أنه
__________
(1) رواه البيهقي وأسنده الديلمي عن ابن عباس بلفظ آخر، كشف الخفا: 2 ص 146.
(2) تسهيل الوصول: ص 168، والمستصفى: 2 ص 262، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 135، الإحكام، الآمدي: 4 ص 131.
(3) المستصفى: 2 ص 268، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 135، الإحكام، الآمدي: 4 ص 130، أثر الأدلة المختلف فيها: ص 340.
(4) تيسير التحرير: 3 ص 135، جمع الجوامع وحاشية العطار: 2 ص 396، المستصفى: 2 ص 261، الإحكام، الآمدي: 4 ص 133، أثر الأدلة المختلف فيها: ص 342.
(1/273)

حجة" (1).
ونقل ابن القيم رحمه اللَّه تعالى قول الشافعي رحمه اللَّه تعالى عن الصحابة: "رأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا" (2).
__________
(1) الروضة، له: 11/ 148.
(2) أعلام الموقعين: لابن القيم: 2/ 186.
(1/274)

المبحث السادس في شرع من قبلنا
المشرع الحقيقي هو اللَّه تعالى الذي أرسل الرسل وأنزل الكتب هداية ونورًا للعالمين، وإن وحدة الأديان في العقائد أمر مسلم به ومتفق عليه، وإن اختلفت الشرائع التي أنزلها رب العزة لتنظيم حياة الناس ورعاية مصالحهم في الدنيا والآخرة.
فهل الأحكام التشريعية الثابتة في تشريع الأمم السابقة تعتبر شرعًا وحجة وأصلًا للتشريع والاستنباط في شريعتنا؟
اتفق العلماء على حالتين، واختلفوا في حالة.
الحالة الأولى: اتفق العلماء على أن الأحكام الشرعية التي نص عليها القرآن أو السنة حكاية عن الأمم السابقة، وأقرها اللَّه تعالى علينا: اتفقوا على أنها أحكام شرعية واجبة الاتباع بالنسبة للمسلمين، مثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 183].
الحالة الثانية: اتفق العلماء على أن الأحكام الشرعية التي ورد فيها نص في القرآن الكريم أو في السنة حكاية عن تشريع الأمم السابقة مع نسخها وإلغائها في شريعتنا: اتفقوا على أنها ليست أحكامًا شرعية، ولا تعتبر دليلًا ولا حجة ولا شرعًا لنا، مثل قتل النفس للتوبة وقطع
(1/275)

الثوب النجس للطهارة عند بني إسرائيل.
الحالة الثالثة: إذا قصَّ القرآن الكريم حكمًا أو ثبت في السنة، ولم يرد في القرآن الكريم أو السنة ما يدل على إقراره أو إلغائه مثل قوله تعالي: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنّ} [المائدة: 45].
فهذه الحالة اختلف العلماء في اعتبارها حجة ومصدرًا تشريعيًّا على قولين:
القول الأول: أنها حجة علينا وتشريع لنا يجب اتباعه وتطبيقه، وذهب إلى ذلك الحنفية والحنابلة وبعض المالكية وبعض الشافعية (1).
واحتجوا بقوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90]، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - رجع إلى التوراة في رجم اليهودي، وأن شرع من قبلنا شرع لنبي سابق، وأن وروده في مصادر شريعتنا دون أن يرد له ناسخ قرينة على أنه شرع لنا وأنه إقرار علينا، وأن الأصل هو وحدة الشرائع السماوية، وأن عقيدتنا تأمرنا باتباع الرسل السابقين والاهتداء بهم، وأن القصاص بالنفس ثابت عندنا بالاتفاق مع أن الآية تتكلم عن بني إسرائيل.
ويتفرع عن ذلك أن الإمام أبا حنيفة قال بالقصاص بين الرجل والمرأة لإطلاق الآية {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} وأن الإمام محمدًا احتج لصحة المهايأة والقسمة بقوله تعالى: {وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ} [القمر: 28]، وقوله تعالى: {لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155)} [الشعراء: 155]، والآيتان
__________
(1) التوضيح على التنقيح: 2 ص 276، كشف الأسرار: 3 ص 932، تيسير التحرير: 3 ص 131، تسهيل الوصول: ص 166، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 134، إرشاد الفحول: ص 239، أصول السرخسي: 2 ص 99 وما بعدها، أثر الأدلة المختلف فيها: ص 534، العضد: 2/ 286، شرح الكوكب المنيرة 4/ 412.
(1/276)

في قوم صالح (1).
ولكن يشترط أن يثبت ورود الشرع السابق في الكتاب أو السنة الصحيحة، ولا يصح الرجوع إلى كتب الشرائع السابقة للقطع بإدخال التحريف والتبديل فيها، وهذا يؤكد أن شرع من قبلنا ليس مصدرًا مستقلًا، وإنما يرجع إلى الكتاب والسنة ولو لم يرد إقرار صريح له (2).
القول الثاني: أن شرع من قبلنا الوارد في شريعتنا دون إقرار ليس شرعًا لنا، ولا حجة علينا، وهو قول الشافعي، لأن الشرائع السابقة خاصة بقومهم، لقوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48]، وأن الإسلام نسخ الشرائع السابقة ما لم يرد إقرار لها في شريعتنا، وأن حديث معاذ السابق لم يذكر شرع من قبلنا عند تعداد مصادر الاستنباط في التشريع (3).
__________
(1) الإحكام، الآمدي: 4 ص 125، كشف الأسرار: 3 ص 936، أصول السرخسي: 2 ص 103.
(2) تيسير التحرير: 3 ص 132، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 135، كشف الأسرار: 3 ص 936.
(3) الإحكام، الآمدي: 4 ص 123، تيسير التحرير: 3 ص 132، تسهيل الوصول: ص 166، تقوير الشربيني على جمع الجوامع: 2 ص 394، المستصفى: 2 ص 251، 255، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 294، اقتضاء الصراط المستقيم: ص 170، أثر الأدلة المختلف فيها: ص 535، 537، المجموع للنووي: 9/ 25.
(1/277)

المبحث السابع في سد الذرائع
تعريف الذريعة:
الذريعة: لغة: الوسيلة (1)، وفي الاصطلاح: عرفها ابن بدران فقال: هي ما ظاهره مباح ويتوصل به إلى محرم (2).
فالطريق إلى الحرام حرام، مثل النظر إلى عورة المرأة، فإنه وسيلة إلى الزنا، وكلاهما حرام، وما لا يؤدى الواجب إلا به فهو واجب، فالجمعة واجبة ولا تتم إلا بترك البيع وقت الأذان، فترك البيع واجب، والسؤال: ما هو حكم الطريق الموصل إلى محرم؟ هل نعتبره منفصلًا عن النتيجة؟ أم نحرم الذريعة الموصلة إلى حرام لسد باب الحرام؟ ويكون دليل التحريم هو سد الذرائع؟

حجية سد الذرائع:
اختلف الأئمة في الاحتجاج بمبدأ سد الذرائع على قولين، فقال المالكية والحنابلة بقبول الاحتجاج به والرجوع إليه واعتباره مصدرًا من
__________
(1) المصباح المنير: 1 ص 282، القاموس المحيط: 3 ص 23.
(2) المدخل إلى مذهب أحمد، له: ص 138.
(1/279)

مصادر التشريع (1)، واحتجوا بأنه وردت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة تعتمد على الذرائع وتعطيها حكم نتائجها فتحرم بعض الأشياء، وتكون حرمتها ليست مقصودة بذاتها، وإنما منعت لأنها تؤدي إلى الحرام، سواء أكان ذلك عن قصد أم عن غير قصد (2)، مثاله أن القرآن الكريم منع لسب الأوثان والأصنام وما يعبد من دون اللَّه لأنه ذريعة إلى سب اللَّه تعالى، فقال عزَّ وجلَّ: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108]، ومن - صلى الله عليه وسلم - قبول الهدية من المدين حتى لا تكون بابًا إلى الربا، ومنع الوصية للوارث حتى لا تكون ذريعة إلى تفضيل وارث على آخر احتيالًا على نظام الإرث، وغير ذلك من الأمثلة التي تستند إلى سد الذرائع، وأن الاعتماد عليه يرجع إلى إبطال الحيل في الشريعة، وأنها لا تصح (3).
قال القرافي رحمه اللَّه تعالى: "ومعنى ذلك حسم مادة وسائل الفساد، دفعًا له، فمتى كان الفعل السالم من المفسدة وسيلة إلى المفسدة منعنا ذلك الفعل وهو مذهب مالك رحمه اللَّه تعالى"، وقال: "واعلم أن الوسيلة كما يجب سدها يجب فتحها ويكره ويندب ويباح، فإن الذريعة هي الوسيلة، فكما أن وسيلة المحرم محرمة فوسيلة الواجب واجبة، كالسعي للجمعة (4) ".
وخالف الإمام أبو حنيفة والإمام الشافعي الاحتجاج بسد الذرائع،
__________
(1) المرجع السابق، تنقيح الفصول: ص 145، الحدود في الأصول، الباجي، تحقيق الدكتور نزيه حماد: ص 68، الفروق: 3 ص 266، أثر الأدلة المختلف فيها: ص 573.
(2) المدخل الفقهي العام: 1 ص 171، وانظر قاعدة "ما يسد من الذرائع وما لا يسد" الفروق، القرافي: 3/ 366.
(3) أصول الفقه، أبو زهرة: ص 277.
(4) تنقيح الفصول، له: 144، 145.
(1/280)

ولم يصرحوا بالأخذ به، وبنوا الأحكام التي وافقوا فيها المالكية والحنابلة على أدلة أخرى كالتحريم للذريعة والوسيلة بحد ذاتها، وليس باعتبارها موصلة إلى أمر آخر، أي اعتبر الحرمة في الواقعة لذاتها وليس لأنها سبب لأمر آخر، فمن حبس شخصًا ومنعه من الطعام والشراب فهو قاتل له، وينفذ عليه القصاص، ويكون عمله محرمًا لذاته وليس من باب سد الذرائع (1).
هذه هي أهم مصادر التشريع الإسلامي الأصلية والتبعية أو المتفق عليها والمختلف فيها، عرضناها عرضًا موجزًا مختصرًا لإلقاء الضوء عليها وتوضيح مفهومها ورأي العلماء في الاحتجاج بها.

أدلة أخرى:
وهناك أدلة فرعية كثيرة مختلف فيها بين الأئمة، يعتمدون عليها، ويبنون الأحكام الشرعية بالاستناد إليها، ونظرًا لضيق الوقت وقلة الرجوع إليها فإننا نقتصر على ذكرها وتعدادها مثل الاحتجاج بانتفاء الحكم لانتفاء الدليل عند الشافعية، والاحتجاج بأقل ما قيل الذي ينسب إلى الشافعية أيضًا، والإلهام، والأخذ بالأخف، والبراءة الأصلية، والعصمة، والاستقراء ... ، وغيرها مما ذكر علماء الأصول في كتبهم (2).
__________
(1) حاشية العطار على جمع الجوامع: 2 ص 399، وانظر مناقشة ابن حزم الظاهري لرد أدلة سد الذرائع في (الإحكام في أصول الأحكام، له: 2 ص 745).
(2) حاشية العطار على جمع الجوامع: 2 ص 384، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 139، الإحكام، الآمدي: 4 ص 104، المستصفى: 1 ص 216، تسهيل الوصول: ص 239، شرح الكوكب المنير: 1 ص 329، 2 ص 5 وما بعدها، شرح تنقيح الفصول: ص 445، المسودة: ص 490، الإحكام لابن حزم: 2/ 630، الروضة ص 155، ط محققة، المحصول: 6/ 208، المستصفى: 1/ 216، اللمع: ص 69، ط الحلبي، نهاية السول: 3/ 161.
(1/281)

الباب الثاني في الأحكام الشرعية
مقدمة:
إذا قلنا: هناك بيع، فهذا يعني وجود بائع ومشتر ومبيع وثمن وصيغة، وكذا إذا أطلق الأصوليون اصطلاح الأحكام الشرعية تعلق به أولًا: الحاكم، وهو الذي أصدر الحكم، وثانيًا: المحكوم عليه، وهو المكلف الذي يتعلق الحكم به، وثالثًا: المحكوم فيه، وهو فعل المكلف الذي يكون الحكم وصفًا له ويعبر عنه أيضًا بالمحكوم به، ورابعًا: الحكم الذي صدر من الحاكم على المحكوم عليه ليبين صفة فعل المكلف.
فالحكم الشرعي يتناول أربعة أشياء وهي: الحكم والحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه.
وسوف نتناول كلًّا منها في فصل إن شاء اللَّه تعالى.
(1/283)

الفصل الأول في الحكم
تعريف الحكم لغة:
هو القضاء والمنع، يقال حكمت عليه بكذا إذا منعته من خلافه، وحكمت بين الناس قضيت بينهم وفصلت (1).

إطلاقات الحكم:
يطلق لفظ الحكم ويراد منه أحد المعاني التالية:
الأول: إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه، مثل إثبات طلوع القمر، ونفي الظلمة للشمس.
الثاني: الحكم خطاب اللَّه تعالى، مثل: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ} فهو حكم اللَّه، أي هو النص الصادر عن الشارع وهو استعمال الأصواليين (2).
__________
(1) ومنه حكَّمت الرجل بالتشديد فوَّضت إليه الحكم، وتحكَّم في كذا فعل ما رآه، وأَحْكَمْتُ الشيء أتقنته، ومنه الحكمة لأنها تمنع صاحبها من أخلاق الأراذل والفساد، (انظر المصباح المنير: 1 ص 200، القاموس المحيط: 4 ص 98).
(2) حقيقة الحكم إما أن تكون لغوية بمعني، القضاء، وإما أن تكون أصولية وهي خطاب اللَّه تعالى، وإما أن تكون فقهية، وهي أثر الخطاب، وإما أن تكون عرفية، وهي =
(1/285)

الثالث: الحكم هو أثر خطاب اللَّه تعالى، مثل الوجوب المأخوذ من قوله تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ}، وهو استعمال الفقهاء، والفرق بين علماء الأصول وبين الفقهاء أن قوله تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ} هو الحكم عند الأصوليين، أما الفقهاء فيقولون: إن الحكم هو الوجوب، ودليله قوله تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ} فالفقهاء يفرقون بين الحكم والدليل، أما علماء الأصول فيقولون: هما شيء واحد.
الرابع: الحكم هو القرار الصادر عن القضاة، وهو استعمال قضائي.

أقسام الحكم:
يقسم الحكم عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة، فيقسم الحكم بحسب مصدره إلى قسمين:
الأول: الحكم الشرعي: وهو ما يؤخذ من الشرع بأن يدل الدليل عليه، أو يتوقف على دليل شرعي، كحرمة الربا، ووجوب الصلاة، والحكم الشرعي نوعان: حكم عملي وهو الذي يبين كيفية عمل المكلف، ويبحث في الفقه والأصول، وحكم اعتقادي وهو الذي يبين مباحث الاعتقاد.
الثاني: الحكم غير الشرعي: وهو الذي لا يؤخذ من الشرع، ويشمل الأحكام العقلية، مثل الواحد نصف الاثنين، والكل أعظم من الجزء، والأحكام الحسية مثل الشمس مشرقة، والأحكام العرفية مثل
__________
= إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه، والسبب في اختلاف الاصطلاحين عند علماء الأصول والفقهاء أنه يتعلق بحسب ما لاحظه كل منهم، فالأصوليون نظروا للحكم من ناحية مصدره، وهو اللَّه تعالى، والحكم صفة له، والفقهاء نظروا للحكم من ناحية متعلَّقه، وهي أفعال المكلفين، انظر أصول الفقه، البرديسي: ص 47، مباحث الحكم، مدكور: ص 13.
(1/286)

التواتر يفيد العلم (1).
ويهمنا من هذه الأقسام الحكم الشرعي العملي، كما ينحصر بحثنا في إطلاق الحكم عند الأصوليين، وهذا ينقلنا لتعريف الحكم في الاصطلاح الأصولي.

تعريف الحكم اصطلاحًا:
عرف جمهور علماء الأصول الحكم بأنه: خطاب اللَّه تعالى المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرًا أو وضعًا (2).

شرح التعريف:
1 - خطاب: الخطاب كالمخاطبة مصدر خاطب، وهو توجيه الكلام المفيد إلى السامع، وهذا المصدر لا يتعلق به أمر ولا نهي، فنقل المعنى إلى المجاز وهو الكلام الموجه نفسه، فأطلقوا المصدر "خطاب" وأرادوا فيه اسم المفعول وهو الكلام المخاطَب به، قال الآمدي: الخطاب هو اللفظ المتواضع عليه، المقصود به إفهام من هو متهيئ للفهم (3)، والمراد من خطاب اللَّه تعالى هو الكلام الأزلي النفسي للخالق، ويخرج الكلام اللفظي المتصف بالحركات والصوت فهو حادث (4).
2 - اللَّه: الخطاب جنس يشمل جميع أنواع الكلام الموجه، وإضافته إلى لفظ الجلالة قيد أول، فيخرج من التعريف خطاب الملائكة وخطاب الناس وخطاب الجن وخطاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الأقوال والأفعال
__________
(1) أصول الفقه لغير الحنفية: ص 71.
(2) إرشاد الفحول: ص 6، تسهيل الوصول: ص 246، منهاج الوصول: ص 4، مختصر ابن الحاجب: ص 33، الحدود في الأصول، الباجي: ص 72.
(3) الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي: 1 ص 90.
(4) فواتح الرحموت: 1 ص 57، تيسير التحرير: 2 ص 130، نهاية السول: 1 ص 39.
(1/287)

الجبلية التي لا تدخل في السنة وسبق الكلام عنها.
والتعريف يشمل خطاب اللَّه تعالى الصريح في القرآن الكريم، ويشمل كل ما أشارت إليه الآيات الكريمة من المصادر الأخرى، كالسنة والإجماع وغيرها.
وفهم بعض الأصوليين أن خطاب اللَّه محصور في القرآن الكريم، فقال: إن التعريف غير جامع، لعدم دخول السنة والإجماع والقياس فيه، فعرف الحكم بقوله: "هو خطاب الشارع" (1).
ورُدَّ الجمهور عليهم بأن القرآن الكريم أشار إلى هذه الأدلة فتكون داخلة في التعريف بلفظ "خطاب اللَّه" وأن هذه المصادر ليست مشرعة بذاتها، وإنما هي أمارات معرِّفة لحكم اللَّه، ووسائل كاشفة عنه وموصلة إلى خطاب اللَّه تعالى (2).
وخطاب اللَّه تعالى يشمل كلامه الموجه في أمور العقيدة والأخلاق والعبادات والمعاملات ... ، ويشمل كلامه تعالى المتعلق بذاته وصفاته .. ، وكلام اللَّه تعالى المتعلق بالخلق والإيجاد، والمتعلق بذات المكلفين.
3 - المتعلق: اسم فاعل من التعلق، وهو الارتباط، فالحكم هو كلام اللَّه تعالى المرتبط بأفعال المكلفين في بيان المراد منها بإيجاب أو ندب أو تحريم، وهو تعلق معنوي قديم، لأن كلام اللَّه تعالى نفسي قديم، ولكن ظهوره للمكلف بالألفاظ والحركات حادث ومتوقف على البعثة ووجود المكلف، فالحادث هو أن يصير المكلف مشغول الذمة
__________
(1) الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي: 1 ص 91.
(2) أصول الفقه لغير الحنفية: ص 73، فواتح الرحموت: 1 ص 56، تيسير التحرير: 2 ص 133، حاشية البناني على جمع الجوامع: 1 ص 48.
(1/288)

بوجوب الفعل أو تحريمه مثلًا (1).
4 - أفعال: جمع فعل، ومعناه العرفي ما يقابل القول والاعتقاد والنية، أما معناه هنا في التعريف فهو كل ما يصدر عن المكلف وتتعلق به قدرته من قول أو فعل أو اعتقاد أو تقرير، مثل الضرب باليد، والمشي بالرجل، والكلام باللسان، والنية والاعتقاد بالقلب.
ولفظ "أفعال" قيد ثان يخرج الخطاب الذي يتعلق بغير الأفعال، كالخطاب المتعلق بذات اللَّه تعالى وصفاته، مثل قوله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255]، وما يتعلق بذات المكلفين، كقوله تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (55)} [طه: 55]، وما يتعلق بأعيان الجمادات، كقوله تعالى: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً} [الكهف: 47]، فهذه الأمور الثلاثة ليست أحكامًا مع أنها خطاب اللَّه تعالى وكلامه في القرآن الكريم.
5 - المكلفين: جمع مكلف، وهو الإنسان البالغ العاقل الذي بلغته الدعوة، وإن طرأ عليه عارض بنفي كالإكراه والنسيان، ولفظ المكلفين جمع والمراد منه المفرد، وهو من إطلاق العام وإرادة الخاص أي المكلف الواحد، ويكثر استعماله في اللغة، مثل قولهم: فلان يركب الخيل ويلبس البرود ويخدمه العبيد، أي جنس الخيل والبرود والعبيد، مع أنه يركب فرسًا واحدًا ويلبس بردًا واحدًا وقد يخدمه عبد واحد، ويؤكد ذلك القاعدة الأصولية القائلة "مقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحادًا"، مثل قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23].
ويدخل في التعريف الأحكام الخاصة بمكلف واحد، مثل
__________
(1) حاشية البناني، المرجع السابق، أصول الفقه لغير الحنفية: ص 74، أصول الفقه، البرديسي: ص 44.
(1/289)

خصوصيات الرسول - صلى الله عليه وسلم - وخصوصية أحد الصحابة كخزيمة وأبي بردة (1).
واختار بعض الأصوليين في التعريف "فعل المكلف" بالمفرد، ليتناول الخصوصيات، لأن الجمع لا يشمل الأحكام الخاصة (2)، ويُردَّ عليهم بما سبق، وأنه لا فرق بين الجمع المحلى بلام الاستغراق والمفرد المحلى بها في العموم (3).
ويخرج من التعريف الإنسان غير المكلف كالصبي والمجنون، مع أن الشريعة الغراء ذكرت أحكامًا كثيرة تتعلق بالصغار والمجانين، مثل إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وطلب الإذن في الدخول، وهذا ما دفع بعض علماء الأصول لاستبدال لفظ المكلفين بلفظ العباد، ليشمل الصغار والمجانين، فقال: "هو خطاب اللَّه تعالى المتعلق بأفعال العباد" (4).
ولكن جماهير العلماء ردوا هذا البدل، لأن الأحكام المتعلقة بالصغار والمجانين لا ينطبق عليها خواص الحكم الشرعي، وإنما شرعت لهم من أجل التعويد والتربية، وأن المخاطب بالحكم هو الولي والوصي والقيم، فاللَّه سبحانه وتعالى خاطب الأب ليعود ولده على الصلاة، وأن يربيه على الاستئذان في الدخول، وأن يطهر ماله بالزكاة، وأن ثبوت الثواب من اللَّه تعالى على صلاة الصبي هو فضل من
__________
(1) اختصاص أبي بردة بإجزاء العناق في الأضحية، وهي أنثى المعز من وقت ولادتها إلى أن تستكمل ستة أشهر، أو التي لم تبلغ سنة، وسبق بيان اختصاص خزيمة بالشهادة، والإشارة إلى خصوصيات الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
(2) جمع الجوامع مع حاشية العطار: 1 ص 67، وحاشية البناني: 1 ص 48، فواتح الرحموت: 1 ص 54.
(3) تيسير التحرير: 2 ص 133.
(4) تيسير التحرير: 2 ص 132، تسهيل الوصول: ص 247، فواتح الرحموت: 1 ص 56.
(1/290)

اللَّه تعالى ومنَّه وكرم، لأن الثواب ليس من لوازم التكليف بل من فضله تعالى (1).
6 - اقتضاء: الاقتضاء هو الطلب، والطلب إما أن يكون طلب فعل أو طلب ترك، وكل منهما إما أن يكون طلبه جازمًا أو غير جازم، فأنواع الطلب أربعة، وهي:
الأول: طلب الفعل بشكل جازم وهو الإيجاب.
الثاني: طلب الفعل بشكل غير جازم وهو الندب.
الثالث: طلب الترك بشكل جازم وهو التحريم.
الرابع: طلب الترك بشكل غير جازم وهو الكراهة.
فالاقتضاء يشمل خطاب اللَّه تعالى المبين للإيجاب والندب والتحريم والكراهة (2).
7 - أو تخييرًا: وهو تخيير المكلف بالخطاب بين الفعل والترك، دون ترجيح لأحد الجانبين على الآخر، ويسمى إباحة، وحرف "أو" ليس للتشكيك بل للتنويع (3).
ويخرج من التعريف خطاب اللَّه تعالى المتعلق بأفعال المكلفين للعبرة والعظة والاعتبار والإعلام، مثل قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}، فتعلق الخطاب بفعل المكلف ليس للاقتضاء أو التخيير أو الوضع، بل للعبرة (4).
8 - أو وضعًا: الوضع هو الجَعْل، وهو خطاب اللَّه تعالى المتعلق
__________
(1) جمع الجوامع مع حاشية العطار: 1 ص 72، تيسير التحرير: 2 ص 133.
(2) فواتح الرحموت: 1 ص 57، والمراجع السابقة.
(3) فواتح الرحموت: 1 ص 54.
(4) أصول الفقه، البرديسي: ص 42.
(1/291)

بجعل الشيء سببًا لفعل المكلف أو شرطًا أو مانعًا أو صحيحًا أو فاسدًا أو رخصة أو عزيمة، وسوف نرى تعريف كل منها مع الأمثلة في فرع مستقل.
وخلاصة تعريف الحكم أنه كلام اللَّه تعالى الذي ارتبط بتصرفات المكلف في بيان حالها من الإيجاب والندب والتحريم والكراهة والإباحة، وما يتعلق بها من أسباب وموانع وشروط وصحة وفساد وعزيمة ورخصة.
واعترض بعض الأصوليين على التعريف لجمعه بين الاقتضاء والتخيير وبين الوضع، وأن الوضع ليس حكمًا من جهة، أو يدخل تحت الاقتضاء من جهة أخرى (1).
ولكن جماهير العلماء جمعوا بينهما في التعريف، وأن الحكم يشمل الأمرين، قال الكمال بن الهمام: والأوجه دخول الوضع في الجنس، وهو الخطاب المتعلق بفعل المكلف (2).

لفظ الوجوب والحرمة والواجب والحرام:
يعبر بعض الأصوليين عن معاني الحكم الاقتضائي بالوجوب والحرمة، وهذا خطأ، لأن الخطاب يصدق على الإيجاب والتحريم، أما الوجوب والحرمة فإنهما من أثر الخطاب، ولكن شاع واشتهر بين الأصوليين أن الإيجاب والوجوب أو التحريم والحرمة شيء واحد بالذات والحقيقة، وأنهما مختلفان في الاعتبار، فالذات واحدة وهي الخطاب الإلهي، ولكن إن اعتبرناه في جانب اللَّه تعالى كان إيجابًا
__________
(1) فواتح الرحموت: 1 ص 54، تيسير التحرير: 2 ص 130، تسهيل الوصول: ص 248، نهاية السول: 1 ص 49، حاشية البناني على جمع الجوامع: 1 ص 52، التوضيح: 1 ص 54.
(2) تيسير التحرير: 2 ص 130.
(1/292)

وتحريمًا، وإن اعتبرناه في جانب المكلف كان وجوبًا وحرمة، فلا ضَيْرَ من استعمال اللفظين، أما الندب والكراهة والإباحة فاللفظ واحد في الحالين.
وهذه الأحكام الخمسة الإيجاب والتحريم والندب والكراهة والإباحة إذا تعلقت بالأفعال أطلق عليها لفظ الواجب والمحرم والمندوب والمكروه والمباح، ويوصف الفعل بها.
وباختصار فالإيجاب هم نفس خطاب الشارع، والوجوب هو الأثر المترتب على ذلك الخطاب، والواجب هو وصف لفعل المكلف الذي طلبه الشارع، مثل ذلك التحريم والحرمة والحرام، وأما الندب الإباحة والكراهة فلها صيغتان فقط ندب ومندوب، وإباحة ومباح، وكراهة ومكروه (1)، ومتعلقات الأحكام هي: الواجب، والمندوب، والمحرم أو الحرام، والمكروه، والمباح، لأن الخطاب يتعلق بالفعل فيجعله واجبًا أو ...

أنواع الحكم الشرعي في أصول الفقه:
قسم جمهور علماء الأصول الحكم الشرعي إلى نوعين:

النوع الأول: الحكم التكليفي:
وهو خطاب اللَّه تعالى المتعلق بفعل المكلف اقتضاء أو تخييرًا، ويشمل الأحكام الخمسة، وهي الإيجاب والندب والإباحة والكراهة والتحريم (2).
__________
(1) فواتح الرحموت: 1 ص 58، أصول الفقه لغير الحنفية: ص 83، تيسير التحرير: 2 ص 134، مباحث الحكم، مدكور: ص 63، التوضيح والتلويح: 1 ص 55، شرح الكوكب المنير: 1 ص 333.
(2) حاشية البناني على جمع الجوامع: 1 ص 79، المستصفى: 1 ص 65، تيسير التحرير: 2 ص 129.
(1/293)

مثل قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 110]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282]، وقوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} [الأعراف: 31]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101]، وقوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ} [الإسراء: 33].
ونضرب مثالًا يجمع بين طلب الفعل وطلب الترك على سبيل الجزم في قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 5]. كما اجتمع طلب الفعل وطلب الترك بدون جزم في قوله تعالى: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} [الأعراف: 31].

النوع الثاني: الحكم الوضعي:
وهو خطاب اللَّه تعالى الذي اقتضى جعل أمر علامة لحكم تكليفي وجعله مرتبطًا به بكونه سببًا له، مثل قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ}، فالدلوك سبب لإيجاب الصلاة، أو شرطًا له مثل قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}، فرؤية الهلال شرط للصيام، أو مانعًا له كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس للقاتل ميراث" (1)، فالقتل يمنع الإرث، والأبوة تمنع القصاص مع الابن أو صحة أو فسادًا أو عزيمة أو رخصة.

رأي الآمدي:
قسم الآمدي الحكم إلى ثلاثة أنواع وهي:
1 - الحكم الاقتضائي: وهو ما فيه طلب فعل أو طلب ترك.
2 - الحكم التخييري: وهو تخيير المكلف بين الفعل والترك حسب رغبته.
__________
(1) رواه ابن ماجه والنسائي، قال ابن عبد البر: وإسناده صحيح بالاتفاق، وله شواهد كثيرة.
(1/294)

3 - الحكم الوضعي: وهو الخطاب الذي وضعه الشارع سببًا لحكم تكليفي أو مانعًا أو شرطًا أو صحة أو فسادًا أو رخصة أو عزيمة، فأخرج الإباحة من الحكم التكليفي، لأن التكليف يستلزم وجود كلفة ومشقة من المكلف، والمباح لا كلفة فيه، فلا يعتبر فرعًا له (1).
بينما أدخل الجمهور الحكم التخييري وهو الإباحة بالحكم التكليفي تغليبًا للأحكام الأربعة عليه، أو لأن أغلب الأحكام المباحة جاءت بصيغة الطلب، أو بالنظر إلى وجوب الاعتقاد بالمباح لا بالنظر إلى الفعل المتعلق به الحكم، أو لأن الاشتغال بالمباح يستلزم ترك الحرام، وترك الحرام واجب فكان المباح مطلوبًا (2)، أو لأن المباح مباح بالجزء ولكن تعتريه الأحكام الأربعة السابقة بالنسبة إلى الكل، كما سنرى تفصيل ذلك في فرع المباح، ويكون الحكم نوعين، وهما حكم تكليفي وحكم وضعي، ولكل منهما صفات وخصائص وميزات تختلف عن الآخر كما يظهر من الموازنة بينهما.

موازنة بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي:
1 - الحكم التكليفي فيه طلب الفعل أو طلب الترك أو التخيير بين الفعل والترك، أما الحكم الوضعي فليس فيه طلب أو تخيير، وإنما يفيد الارتباط بين أمرين ليكون أحدهما سببًا للآخر أو مانعًا أو شرطًا (3).
2 - الحكم التكليفي مقصود بذاته في الخطاب، ليقوم المكلف
__________
(1) الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي: 1 ص 91.
(2) إرشاد الفحول: ص 6، مباحث الحكم، مدكور: ص 60، تيسير التحرير: 2 ص 192.
(3) أصول الفقه، خلاف: ص 116، تسهيل الوصول: ص 248، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص 42، أصول الفقه، البرديسي: ص 51، أصول الفقه الإسلامي، شعبان: ص 224، شرح الكوكب المنير: 1 ص 434.
(1/295)

بالفعل أو الترك أو التخيير، أما الحكم الوضعي فلا يقصد من المكلف مباشرة، وإنما وضعه المشرع ليرتب عليه الأحكام التكليفية، مثل ملك النصاب سبب للزكاة، وحولان الحول شرط لها، والقتل مانع من الميراث (1).
3 - إن الحكم التكليفي يتعلق بالمكلف وهو البالغ العاقل الذي يتوجه إليه الخطاب، ويقع عليه التكليف، أما الحكم الوضعي فإنه يتعلق بالإنسان سواء أكان مكلفًا أم لا، كالصبي والمجنون، فقال الفقهاء بصحة بيع الصبي عند الحنفية، وأنه يضمن ما يتلفه إذا كان سببًا بالاتفاق (2)، وقد يكون الحكم متعلقًا بفعل المكلف كالطهارة للصلاة، وقد لا يتعلق بفعل المكلف، وإنما يتعلق بما ارتبط به فعل المكلف كالدلوك، وقد يتعلق بغير الإنسان.
4 - الحكم التكليفي يكون في مقدور المكلف فعله أو تركه، لأن التكليف لا يصح أن يكون فيه حرج ومشقة، أو مما يستحيل على المكلف القيام به، مثل صيغ العقود والتصرفات والجرائم (3)، فإذا باشر
__________
(1) الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص 42، مباحث الحكم: ص 61.
(2) الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص 42، أصول الفقه الإسلامي، البرديسي: ص 52، شرح الكوكب المنير: 1 ص 436، الفروق: 1/ 161.
(3) ذهب فريق من العلماء إلى عدم اشتراط القدرة للتكليف، وبالتالي فإنه يجوز التكليف بالمحال، سواء كان محالًا لذاته بان يكون ممتنعًا عادة وعقلًا كالجمع بين البياض والسواد، أو محالًا لغيره بأن يكون ممتنعًا عادة كالمشي من المريض العاجز والطيران من الإنسان، أو ممتنعًا عقلًا لا عادة، كالإيمان ممن علم اللَّه أنه لا يؤمن، (انظر حاشية العطار على جمع الجوامع: 1 ص 269، حاشية البناني على جمع الجوامع: 1 ص 206) وخالف الحنفية والمعتزلة وبعض الشافعية وقالوا القدرة شرط التكليف، وأنه لا يصح التكليف بالمستحيل لأنه تكليف بما لا يطاق ولقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا}، (انظر تيسير التحرير: 2 ص 137 وما بعدها).
(1/296)

المكلف عقدًا أو تصرفًا ترتب عليه حكمه، أما الحكم الوضعي فقد يكون في مقدور المكلف مثل صيغة العقد وإحضار الشاهدين في النكاح، وقد يكون ليس في مقدور المكلف مثل دلوك الشمس وحولان الحول وبلوغ الحُلُم (1).
وبعد هذا البيان الموجز للحكم وأقسامه، نتناول كل قسم في مبحث خاص لنعرفه ونبين ما يندرج تحته من أحكام.
__________
(1) أصول الفقه، خلاف: ص 116، المراجع السابقة، أصول الفقه، البرديسي: ص 51، أصول الفقه الإسلامي، شعبان: ص 224، شرح الكوكب المنير: 1 ص 436.
(1/297)

المبحث الأول في الحكم التكليفي
تعريفه:
هو خطاب اللَّه تعالى المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرًا، وسبق شرح هذا التعريف، وما يدخل فيه وما يخرج منه مع الأمثلة، واختلف العلماء في تقسيم الحكم التكليفي إلى فريقين، الجمهور والحنفية.

أقسام الحكم التكليفي عند الجمهور:
قسم جمهور الأصوليين الحكم التكليفي إلى خمسة أقسام، وهي:
الأول: الإيجاب: وهو ما طلب الشارع فعله طلبًا جازمًا، أو هو طلب الفعل مع المنع من الترك لترتب العقاب على التارك، ويكون أثره الوجوب، والفعل المطلوب هو الواجب، والفرض والواجب بمعنى واحد عند الجمهور.
الثاني: الندب: هو ما طلب الشارع فعله طلبًا غير جازم، أو هو طلب الفعل مع عدم المنع من الترك لعدم الإشعار بالعقاب، وأثره الندب، والمطلوب فعله هو المندوب.
الثالث: الإباحة: وهو التخيير بين الفعل والترك، وأثره الإباحة
(1/299)

والفعل المخير بين فعله وتركه هو المباح.
الرابع: الكراهة: وهو ما طلب الشارع تركه طلبًا غير جازم، أو هو طلب الترك مع عدم المنع من الفعل، وأثره الكراهة، والمطلوب الكف عن فعله هو المكروه.
الخامس: التحريم: وهو ما طلب الشارع تركه طلبًا جازمًا، أو هو طلب الترك مع المنع عن الفعل، لترتب العقاب على الفاعل، وأثره الحرمة، والمطلوب تركه والكف عن فعله هو الحرام (1).

تقسيم الحكم التكليفي عند الحنفية:
قسم الحنفية الحكم التكليفي إلى سبعة أقسام (2)، وهي:
1 - الافتراض: وهو ما طلب الشارع فعله طلبًا جازمًا بدليل قطعي الثبوت والدلالة، كالصلاة والزكاة والجهاد، وحكمه وجوب فعله، وأن منكره كافر، وتاركه بلا عذر فاسق.
2 - الإيجاب: وهو ما طلب الشارع فعله طلبًا جازمًا بدليل ظني الثبوت أو ظني الدلالة، مثل صدقة الفطر والأضحية وقراءة الفاتحة وصلاة الوتر ومسح ربع الرأس، وحكمه وجوب إقامته كالفرض، ولكنه
__________
(1) إرشاد الفحول: ص 6، المستصفى: 1 ص 65، منهاج الوصول: ص 5، الإحكام، الآمدي: 1 ص 91، نهاية السول: 1 ص 50، حاشية العطار: 1 ص 112، أصول الفقه، خلاف: ص 118، أصول الفقه لغير الحنفية: ص 85، التبصرة، للشيرازي: ص 94.
(2) وهو قول عند أحمد، وقول الباقلاني، انظر: مسلم الثبوت مع فواتح الرحموت: 1 ص 58، تيسير التحرير: 1 ص 375، 2 ص 135، تسهيل الوصول: ص 248، التلويح على التوضيح: 2 ص 75، مباحث الحكم: ص 65، أصول السرخسي: 1 ص 110، وما بعدها، القواعد والفوائد الأصولية: ص 63، أحكام القرآن، للجصاص: 2 ص 85.
(1/300)

لا يكفر جاحده، ويفسق تاركه إذا تركه استخفافًا.
3 - الندب: وهو ما طلب الشارع فعله طلبًا غير جازم، كالجمهور.
4 - الإباحة: وهي التخيير بين الفعل والترك.
5 - الكراهة التنزيهية: وهي ما طلب الشارع تركها طلبًا غير جازم، كالمكروه عند الجمهور، مثل لطم الوجه بالماء في الوضوء، وصوم يوم الجمعة فقط.
6 - الكراهة التحريمية: وهي ما طلب الشارع تركه طلبًا جازمًا ولكن بدليل ظني الثبوت أو ظني الدلالة، ويشترك مع الحرام باستحقاق العقاب للفاعل، مثل البيع وقت صلاة الجمعة، والبيع على بيع الأول، وأنكر الإمام محمد هذا القسم، وألحقه مع الحرام، وقال: كل مكروه حرام، بينما اعتبره الشيخان أبو حنيفة وأبو يوسف قسمًا مستقلًا، وقالا: إنه إلى الحرام أقرب، وإذا أطلق المكروه عند الحنفية فهو المكروه تحريمًا (1).
7 - التحريم: وهو ما طلب الشارع تركه طلبًا جازمًا بدليل قطعي الثبوت قطعي الدلالة، مثل قتل النفس والزنا.

ثمرة الاختلاف في التقسيم:
وتظهر ثمرة الاختلاف بين الحنفية والجمهور في عدة حالات، أهمها:
1 - قال الحنفية: إذا أنكر المكلف فرضًا أو حرامًا فهو كافر ولو كان متأولًا، لأن الفرض والحرام ثبتا بدليل قطعي الدلالة ولا مجال فيه للتأويل، أما إذا أنكر واجبًا فلا يكفر، مع لزوم العمل للفرض والواجب (2).
__________
(1) لسان الحكام: ص 242.
(2) تيسير التحرير: 2 ص 135، مباحث الحكم: ص 66.
(1/301)

وقال الجمهور: الفرض والواجب مترادفان، ويدلان على تعبير واحد، وهما سيان في حالة الإنكار ولزوم العمل، ومن أنكر الفرض أو الواجب فهو كافر (1).
2 - إذا ترك المكلف الفرض بطل عمله، عند الحنفية، كما لو ترك المصلي الركوع أو السجود، ولا تبرأ ذمته إلا بالإعادة، أما إذا ترك الواجب فإن عمله صحيح ولكنه ناقص، وعليه الإعادة، فإن لم يعد برئت ذمته مع الإثم (2)، مثل ترك قراءة الفاتحة في الصلاة، وعند الجمهور يبطل العمل سواء ترك المكلف فرضًا أو واجبًا.
3 - إن المكروه تحريمًا يعاقب فاعله، ولا يكفر منكره، أما المكروه تنزيهًا فإن فاعله لا يستحق عتابًا ولا ذنبًا ولا إثمًا، لكنه فعل غير الأولى (3)، وقال الجمهور: المكروه نوع واحد، وفاعله لا يستحق عقابًا لكنه يعاتب، وإن المكروه تحريمًا يدخل في الحرام.

الترجيح:
قبل اختيار أحد القولين نبين الأمور التالية:
1 - إن الجمهور يقسمون المندوب والمكروه إلى درجات كما سنرى ذلك في كل فرع، ويدخلون في المندوب السنة المؤكدة والسنة غير المؤكدة، وفي المكروه خلاف الأولى، دون أن يعتبروا هذه الدرجات أقسامًا جديدة للحكم مع ترتيب بعض الأحكام المختلفة لكل درجة (4).
__________
(1) جمع الجوامع مع حاشية العطار: 1 ص 124، الإحكام، الآمدي: 1 ص 92، حاشية البناني: 1 ص 88، أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 55، نهاية السول: 1 ص 58.
(2) مباحث الحكم، مدكور: ص 66.
(3) المرجع السابق.
(4) أصول الفقه لغير الحنفية: ص 86.
(1/302)

2 - إن التفريق بين الفرض والواجب يترتب عليه نتائج غريبة، فقراءة الفاتحة في الصلاة مثلًا تعتبر فرضًا بالنسبة إلى رسول اللَّه وإلى الصحابي الذي سمع الحديث منه، فإن تركها بطلت صلاته، بينما تعتبر قراءة الفاتحة واجبًا بالنسبة إلى بقية الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولا تبطل الصلاة بتركها لثبوتها بخبر الآحاد (1).
3 - إن الأحكام الشرعية الثابتة بدليل قطعي الدلالة والثبوت قليلة ومحصورة، وأغلب الآيات الكريمة والأحاديث المتواترة ليست قطعية الدلالة، وإنما تحتمل التأويل، وإن معظم السنة وردت إلينا بطريق الآحاد، وهذا يقلل من وجود الفرض بمعناه الخاص عند الحنفية.
4 - كثيرًا ما يستعمل الحنفية لفظ الافتراض ويريدون به الإيجاب، أو يستعملون لفظ الإيجاب ويريدون به الافتراض (2).
5 - إن الفرق بين لفظي الفرض والواجب في اللغة لا يؤثر ولا يرجح، لأننا بصدد التفريق بين المعاني الاصطلاحية، وليس بين المعاني اللغوية، وإن القرآن الكريم استعمل أحدهما بمعنى الآخر، فقال تعالى: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} [البقرة: 197]، أي: أوجب (3).
6 - إن الجمهور يقولون: إن ترك ما ثبت بدليل قطعي يوجب الكفر، وترك ما ثبت بدليل ظني لا يوجبه (4).
__________
(1) أصول الفقه، الخضري: ص 35.
(2) فواتح الرحموت: 1 ص 58، تسهيل الوصول: ص 248، أعلام الموقعين: 1/ 41، 43، زاد المعاد: 4/ 11، ط قديمة، الموافقات: 1/ 13، وكثيرًا ما يطلق الفقهاء لفظ الكراهة ويريدون الحرام.
(3) نهاية السول: 1 ص 58، الإحكام، الآمدي: 1 ص 93، قارن أبحاث في علم أصول الفقه: ص 93.
(4) أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 55.
(1/303)

7 - إن الاختلاف بين الجمهور والحنفية لفظي واصطلاحي، ولا مشاحة في الاصطلاح، قال الآمدي: وبالجملة فالمسألة لفظية (1)، وقال المحلي: وهو أي الخلاف لفظي، أي عائد إلى اللفظ والتسمية (2)، وجاء في شرح العضد: "والنزاع لفظي"، وقال الشيخ أبو النور زهير: وبذلك يكون غير الحنفية قد رتبوا على القطع والظن ما رتبه الحنفية على كل منهما، فلا خلاف بينهم في المعنى (3).
لهذه الأسباب فإننا نختار تقسيم الجمهور ونسير عليه في هذا الكتاب، ونتكلم عن كل قسم من أقسام الحكم التكليفي في فرع مستقل، ونبين في كل قسم ما ينطوي تحته من أحكام ودرجات.
والكلام عن الحكم التكليفي يدور على متعَلَّق الحكم وهو فعل المكلف، فإن تعلق الحكم بالإيجاب فالفعل واجب، وإن تعلق بالندب فهو مندوب، وإن تعلق بالإباحة فهو مباح، وإن تعلق بالكراهة فهو مكروه، وإن تعلق بالتحريم فهو محرم (4)، وهذا ما نفصله في المطالب الخمسة القادمة.
__________
(1) الإحكام، له: 1 ص 94.
(2) حاشية العطار على شرح المحلي: 1 ص 124، حاشية البناني: 1 ص 88.
(3) أصول الفقه، له: 1 ص 55.
(4) أصول الفقه لغير الحنفية: ص 93، أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 51، نهاية السول: 1 ص 55.
(1/304)

المطلب الأول في الواجب
تعريف الواجب:
الواجب لغة: من وَجَبَ بمعنى ثبت أو سقط أو رجف، يقال: وجب البيع والحق: ثبت ولزم، ووجب الحائط سقط، ووجب القلب رجف (1).
وفي الاصطلاح: عرفه علماء الأصول تعريفات كثيرة، نختار منها تعريفين، الأول: من حيث طلب الفعل وعدم الترك، والثاني: من حيث الثواب والعقاب.

التعريف الأول:
الواجب: هو ما طلب الشارع فعله من المكلف طلبًا حتمًا (2).
1 - ما: بمعنى الذي، وهي صفة الفعل، لأن الإيجاب إذا تعلق بفعل المكلف فيكون الفعل واجبًا، والفعل يشمل الأحكام الخمسة.
__________
(1) المصباح المنير: 2 ص 891، القاموس المحيط: 1 ص 136.
(2) يعرف كثير من الأصوليين الواجب بأنه طلب الفعل مع المنع من الترك، (انظر نهاية السول: 1 ص 52، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 59، حاشية البناني: 1 ص 80، أصول الفقه، خلاف: 118).
(1/305)

2 - طلب الشارع فعله: أي القيام به وأداءه، فيدخل في التعريفات الواجب والمندوب، لأن الشارع طلب فعلهما، ويخرج من التعريف المباح، لأن الشارع لم يطلب فعله ولا تركه، ويخرج المكروه والمحرم؛ لأن الشارع لم يطلب فعلهما بل طلب تركهما.
3 - طلبًا حتمًا: أي طلبًا لازمًا جازمًا من المكلف؛ بحيث لا يسوغ تركه، ويخرج المندوب؛ لأن الشارع طلبه بدون حتم، والطلب اللازم يكون بصيغة تدل عليه، كما سنرى بعد قليل.
فالواجب هو الفعل الذي طلب الشارع القيام به طلبًا جازمًا من المكلف (1).

التعريف الثاني:
الواجب هو ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه (2).
1 - ما يثاب فاعله: "ما" اسم موصول بمعنى الذي وهي صفة الفعل الواجب، والثواب من اللَّه تعالى للعبد على تنفيذ أوامره والتزام أحكامه، وتطبيق شريعته، فاعله: أي فاعل الواجب، ويدخل في
__________
(1) سبق الكلام على تعريف الحنفية للواجب بأنه ما طلب الشارع فعله طلبًا جازمًا بدليل ظني، فإن كان بدليل قطعي فهو الفرض، انظر التلويح على التوضيح: 3 ص 75.
(2) اقتصر بعض الأصوليين في تعريف الواجب على القسم الثاني من التعريف وهو ما يوجب العقاب فقط، فعرفه البيضاوي بأنه الذي يذم شرعًا تاركه قصدًا مطلقًا، فقوله قصدًا ليدخل فيه الواجب الموسع، وقوله مطلقًا ليدخل فيه الواجب الكفائي والمخير، ونقل الآمدي تعريفه بأنه ما يستحق تاركه العقاب على تركه، (انظر منهاج الوصول: ص 5، الإحكام، الآمدي: 1 ص 91، الحدود في الأصول: ص 53، إرشاد الفحول: ص 6، مختصر ابن الحاجب: ص 34، تسهيل الوصول: ص 249، نهاية السول: 1 ص 52، المستصفى: 1 ص 65، فواتح الرحموت: 1 ص 61).
(1/306)

التعريف الواجب والمندوب، فإن الفاعل يستحق الثواب عليهما، ويخرج المباح والمكروه لأن فاعلهما لا يستحق ثوابًا، ويخرج المحرم لأن فاعله يستحق عقوبة لا ثوابًا.
2 - ويعاقب تاركه: العقوبة من اللَّه تعالى على المكلف لمخالفة أمره، وارتكاب محارمه، وعصيان شريعته، فالمكلف الذي يترك الواجب الثابت بخطاب اللَّه تعالى يستحق العقاب الذي يثبت عن طريق الشرع فقط، وهذا احتراز عن الحرام، فإن تاركه لا يعاقب بل يثاب تاركه ويعاقب فاعله، وقلنا: ما يستحق تاركه العقاب، بمعنى أنه لو عاقبه اللَّه تعالى لكان مستحقًا له، لاحتمال أن يعفو اللَّه عنه كرمًا منه وفضلًا (1).
والتعريف الأول يتفق مع التعريفات السابقة للإيجاب والندب والكراهة والإباحة والتحريم من حيث الحقيقة والماهية، والتعريف الثاني من حيث العوارض والصفات التي تميزه عن غيره، وتظهر به حقيقته.
وحكم الواجب -كما سبق بيانه- أنه يجب القيام به، ويكفر منكره إذا ثبت بدليل شرعي، وأن فاعله يستحق الثواب وتاركه يستحق العقاب (2).

الأساليب التي تفيد الوجوب:
يثبت الواجب بخطاب اللَّه تعالى بالاتفاق، ولكن الشارع الكريم استعمل عدة أساليب، يدل كل منها على الطلب الحتمي الذي يفيد
__________
(1) الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي: 1 ص 90، نهاية السول: 1 ص 55، 56.
(2) يقول الإمام الشاطبي: وإذا كان واجبًا بالجزء، فهو كذلك بالكل من باب أولى، (الموافقات، له: 1 ص 80) أي من ترك الظهر يستحق العقاب، ومن ترك كل صلاة فيستحق العقاب بالأولى.
(1/307)

الإيجاب (1)، وذلك لبيان إعجاز القرآن باختلاف الصيغ، حتى لا يكثر تكرار اللفظ الواحد عدة مرات، لأن النفوس تسأم التكرار، والأساليب التي تدل على الواجب بعضها حقيقة، وبعضها مجاز، وأهمها هي:
1 - فعل الأمر، مثل قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة 110]، وقوله تعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} [النساء: 24].
2 - المصدر النائب عن الفعل، مثل قوله تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ} [محمد: 4]، فلفظ ضرب مصدر ناب عن فعل الضرب.
3 - الفعل المضارع المقترن بلام الأمر، مثل قوله تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} [الطلاق: 7].
4 - اسم الفعل، مثل مَهْ وعليكم، مثل قوله تعالى: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} [المائدة: 105]، أي الزموا أنفسكم، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَهْ، عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن اللَّه لا يمل حتى تملوا" (2).
5 - التصريح بلفظ الأمر، مثل قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} [النحل: 90]، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58].
6 - أساليب اللغة العربية الأخرى التي تستعمل للدلالة على الطلب الجازم مجازًا، مثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183]، وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97].
__________
(1) مباحث الحكم، مدكور: ص 68، أصول الفقه، خلاف: 119، منهج التربية، محمد قطب: ص 235، المسودة في أصول الفقه: ص 42، المعتمد: 1 ص 385، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية: ص 294، الإمام في أدلة الأحكام، للعز بن عبد السلام: ص 87 وما بعدها.
(2) رواه الطبراني عن عمران بن حصين.
(1/308)

7 - ترتيب العقوبة من اللَّه على تارك الفعل، أو التهديد بها أو الوعيد الشديد على تاركه، سواء كانت العقوبة في الدنيا أو في الآخرة، أو في الدنيا والآخرة، مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من وجدَ سَعَةً ولم يضح فلا يقرب مسجدنا" (1)، فهذا الوعيد لا يكون إلا بترك الواجب، فالأضحية واجبة عند البعض كالحنفية.
8 - التصريح بلفظ وجب ويجب، وفرض، مثل قوله - صلى الله عليه وسلم - عن رمضان: "إن اللَّه فرض عليكم صيامه".
فالإيجاب إما أن يكون بفعل الأمر أو طلب الأمر، وإما أن يكون بصيغة الطلب التي تدل على التحتيم، وإما أن يكون بالعقوبة أو بالتهديد بها على التارك، ويكون فعل المكلف في هذه الحالات واجبًا عليه.

أقسام الواجب:
ينقسم الواجب أربعة تقسيمات باعتبارات مختلفة، فينقسم باعتبار الوقت إلى واجب مؤقت وواجب مطلق، وينقسم باعتبار المقدار المطلوب إلى واجب محدد وواجب غير محدد، وينقسم باعتبار المكلف إلى واجب عيني وواجب كفائي، وينقسم باعتبار الفعل المأمور به إلى واجب معين وواجب مخير، وقد ينقسم القسم الواحد إلى عدة أنواع، وإليك التفصيل:

التقسيم الأول باعتبار الوقت:
ينقسم الواجب من جهة وقت أدائه إلى قسمين واجب مؤقت وواجب مطلق عن التوقيت.
__________
(1) رواه الحاكم مرفوعًا عن أبي هريرة وصححه.
(1/309)

أولًا: الواجب المؤقت:
هو ما طلب الشارع فعله من المكلف طلبًا حتمًا في وقت معين، كالصلاة وصوم رمضان والحج.
فالوقت جزء من الواجب، ولا يلتزم المكلف بالواجب إلا بعد دخول الوقت، ولا يصح أداؤه غالبًا إلا في وقته المحدد له، بدون تقديم ولا تأخير، فإن قدمه عن الوقت فإنه باطل، وإن أخره عن وقته بدون عذر أثم، ولذا قال العلماء: الواجب في الصلاة واجبان، وللمؤدي أجران، واجب الأداء وواجب الوقت، لقوله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103)} [النساء: 103]، وكذا الصيام فمن صام في رمضان فله أجران أجر الصيام وأجر فضيلة الشهر المبارك، ومن فعل الواجب في غير وقته فقد قام بأحد الواجبين وترك الواجب الآخر، وله أجر في الأول ويستحق الإثم على ترك الثاني إذا كان بغير عذر (1).

ثانيًا: الواجب المطلق عن الوقت:
وهو ما طلب الشارع فعله من المكلف طلبًا حتمًا مطلقًا عن الوقت، مثل الكفارة الواجبة والنذور المطلقة، فمن حلف يمينًا وحنث، أو نذر ولم يقيد نذره بوقت، فليس لفعله وقت معين، فإن شاء كفَّر عن يمينه وأدى نذره فورًا، وإن شاء أخره إلى الوقت الذي يريده، وكذا الحج في العمر عند الشافعية، وقضاء رمضان عند الحنفية (2).
__________
(1) تيسير التحرير: 1 ص 188، التلويح على التوضيح: 2 ص 188، الموافقات: 1 ص 93، أصول الفقه، خلاف: ص 121، قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام: 1 ص 237، 241.
(2) نهاية السول: 1 ص 84، تيسير التحرير: 1 ص 187، التلويح: 2 ص 188، مباحث الحكم: ص 70، ودفع الزكاة عند الحنفية والشافعية واجب على الفور، وفي قول =
(1/310)

ويطلق الفقهاء على الواجب المطلق اصطلاح واجب على التراخي، فيجوز للمكلف أن يفعله في أي وقت شاء دون أن يترتب عليه إثم في التأخير، ولا يسمى فعله أداء ولا قضاء (1).
والفائدة من هذا التقسيم أن الأول يثبت في الذمة، فإذا انقضى الوقت ولم يقم المكلف به ثبت في ذمته، وصارت الذمة مشغولة به حتى يقضى، أما الثاني فلا يثبت في الذمة، لأنه لم يمض وقته لأنه غير مؤقت.
ويتفرع عن هذا التقسيم كلام طويل عن الواجب المؤقت، ونذكر ناحيتين فقط، الأولى: من ناحية اتساع الوقت له، والثانية: من ناحية أدائه في وقته أو خارجه.

تقسيم الواجب المؤقت:
ينقسم الواجب المؤقت باعتبارين مختلفين: أ- باعتبار ارتباطه بالوقت. ب- باعتبار فعله والإتيان به.

الأول: ارتباط الواجب المؤقت بالوقت:
ينقسم الواجب المؤقت بحسب ارتباطه بالوقت إلى ثلاثة أنواع: واجب مضيق، وواجب موسع، وواجب ذي شبهين (2).
__________
= على التراخي، والحج واجب على التراخي عند الشافعية والثوري والأوزاعي ومحمد بن الحسن، وواجب على الفور عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومالك وأحمد وبعض الشافعية، انظر المستصفى 1 ص 95، المغني: 2 ص 515، حاشية ابن عابدين: 2 ص 271، مجلة الأزهر: ص 1119، عدد يناير 1985 م، أدب القضاء، ابن أبي الدم: ص 199، المهذب: 1/ 140.
(1) نهاية السول، المرجع السابق، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص 48، أصول الفقه، خلاف: ص 121.
(2) أضاف البيضاوي قسمًا رابعًا للواجب المؤقت وهو الواجب الذي يقل وقته عن =
(1/311)

أولًا: الواجب المؤقت بوقت مضيق:
هو الواجب المؤقت الذي يستغرق فعله جميع الوقت المحدد له، والوقت معيار له، فلا يسع واجبًا آخر معه من جنسه، مثل الصيام في شهر رمضان، فالصيام يستغرق جميع الشهو، ولا يستطيع المكلف أن يصوم في شهر رمضان تطوعًا أو نذرًا أو قضاء، لأن الوقت بقدر الواجب فلا يزيد عنه ولا ينقص (1)، ووقته سبب لوجوبه، لقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185].

الواجب المؤقت بوقت موسع:
وهو الواجب المؤقت الذي يتسع وقته لأدائه ولأداء غيره من جنسه، فالوقت أوسع من الواجب، مثل الصلوات الواجبة المؤقتة بأوقات معينة، فإن وقت كل منها يتسع لأداء الفرض وأداء غيره من الصلوات الأخرى، ويستطيع المكلف أن يصلي في وقت الظهر فرض الظهر وسننه ونوافله وما يرغب من التطوع، وأن يقضي فرضًا آخر عليه (2).
__________
= فعله، وهذا لا يجوز التكليف به عند من لا يجوز التكليف بالمحال إلا أن يكون بغرض القضاء فيجوز، كوجوب الظهر مثلًا على من زال عذره قبل آخر الوقت بمقدار تكبيرة مثلًا، (انظر نهاية السول: 1 ص 112، أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 104، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 60، القواعد والفوائد الأصولية: ص 61، أصول السرخسي: 1 ص 30، التوضيح: 2 ص 188، إرشاد الفحول: ص 6).
(1) يطلق الحنفية على الواجب المضيق اسم المعيار، لأن الواجب يقدر بمقدار الوقت، انظر تيسير التحرير: 2 ص 207، نهاية السول: 1 ص 112، المستصفى: 1 ص 69، فواتح الرحموت: 1 ص 69، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 60.
(2) يطلق الحنفية على الواجب الموسع اسم الظرف أي الوعاء، لأن الظرف يضم أجزاء الموضوع سواء امتلأ أم لا، انظر التوضيح: 2 ص 189، تيسير التحرير: 1 ص 188، المستصفى: 1 ص 69، فواتح الرحموت: 1 ص 69، أصول الفقه، خلاف: ص 120.
(1/312)

واتفق العلماء في الواجب الموسع على أن وقته سبب لوجوبه، فوقت دلوك الشمس سبب لوجوب الظهر، ولا تجب الصلاة قبل دخول وقته، لقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78)} [الإسراء: 78].
وذهب جمهور الأصوليين إلى أن جميع وقت الظهر وقت لأدائه، والمكلف مخير في الأداء في أي جزء منه، وأن الشارع وسعه على المكلف، خلافًا للحنفية الذين يرون أن الوقت هو الجزء المتصل بالأداء لعدم إمكان جعل الوقت كله سببًا للأداء، وعدم إمكان تعيين جزء خاص منه، فربط الواجب بوقت الأداء، فإن لم يؤده المكلف انحصر الواجب في الجزء الأخير من الوقت (1).
والواجب الموسع ينقلب إلى واجب مضيق إذا غلب على ظن المكلف العجز عن أداء الواجب طوال وقته، كمن ظن الموت بالإعدام بعد فترة من دخول الوقت، وأنه لن يعيش إلى آخر الوقت الموسع، فيصبح الموسع مضيقًا عليه ويجب أداؤه فورًا، ومثل إذا اعتادت المرأة أن ترى الحيض بعد دخول الوقت بفترة تستطيع فيها الصلاة فيجب عليها الأداء فورًا، وإن أخرت فهي آثمة.
فإن لم يصلِّ المكلف في مثل هذه الحالة ولم يُعدَمْ، أو لم يأت الحيض، ثم أدى الواجب، فاختلف العلماء فيه، فقال أكثرهم: يعتبر
__________
(1) مختصر ابن الحاجب: ص 37، تيسير التحرير: 1 ص 189، فواتح الرحموت: 1/ 73، أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 105، الإحكام، الآمدي: 1 ص 98، التوضيح: 2 ص 205، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 60، التبصرة للشيرازي: ص 60، لكن يرى أكثر الجمهور أن الواجب تعلق بأول الوقت، ويجب على المكلف أداؤه فورًا، أو العزم عليه خلال الوقت، انظر: شرح الكوكب المنير: 1/ 369، 371، وقارن ما قاله السيوطي في الأشباه والنظائر: ص 13.
(1/313)

فعله أداء لبيان خطأ ظنه (1)، وقال بعضهم وهو الباقلاني والفراء والحسين: يعتبر فعله قضاء، لأن الوقت صار مضيقًا، فإن أخر فهو قضاء، لكنهم اتفقوا على أنه آثم في التأخير؛ لغلبة الظن بضيق الوقت (2).

ثالثًا: الواجب المؤقت ذو الشبهين:
وهو الواجب الذي لا يسع غيره من جنسه، ولكن لا يستغرق فعله كل الوقت المحدد له، مثل الحج، فإن أشهر الحج تسع فريضة الحج، ولا تسع حجًّا آخر في نفس العام، ولكن أعمال الحج لا تستغرق جميع أشهر الحج، فيمكن أداء أعمال الحج عدة مرات وقت الحج، ولكن لا يحسبها الشارع إلا حجًّا واحدًا، فيمكن الوقوف في عرفة عدة مرات في يوم عرفة، ويمكن للحاج أن يطوف أكثر من مرة، وأن يسعى مرارًا، وأن يرمي الجمار، وغير ذلك من أعمال الحج، فالوقت يسع الواجب وزيادة من جهة، ولا يسع غيره من جنسه من جهة أخرى، ولذا سمي ذا الشبهين (3).
ويرى بعض العلماء أن الحج واجب غير مؤقت فهو واجب مطلق، لأنه يجب على المكلف على التراخي طوال العمر، ولكن إذا أراد المكلف أداءه في سنة معينة فهو محدد بأشهر معينة، ومن هنا فالحج واجب ذو شبهين، فهو يشبه الواجب المقيد من جهة، ويشبه الواجب المطلق من جهة أخرى (4).
__________
(1) الأشباه والنظائر، السيوطي: ص 157، ط الحلبي.
(2) مختصر ابن الحاجب: ص 38، نهاية السول: 1 ص 87، فواتح الرحموت: 1 ص 86، الإحكام، الآمدي: 1 ص 102، القواعد والفوائد الأصولية: ص 82.
(3) تيسير التحرير: 2 ص 120، فواتح الرحموت: 1 ص 72، أصول السرخسي: 1 ص 42، التلويح على التوضيح: 2 ص 216، أصول الفقه، خلاف: ص 121.
(4) التلويح على التوضيح: 2 ص 216.
(1/314)

فائدة تقسيم الواجب المؤقت إلى مضيق وموسع وذي شبهين:
وينتج عن هذا التقسيم عدة نتائج، أهمها حكم تعيين النية في العبادات، واعتبار الوقت سببًا أو شرطًا في الواجب المؤقت والموسع، ونقتصر على مسألة النية.
اتفق العلماء على أن المكلف يجب أن يعين الواجب الموسع بالنية حين أدائه، وإذا لم يعينه فلا يسقط عنه الواجب الموسع، لأن الوقت يسعه ويسع غيره من جنسه فلا يقع الأداء عن الواجب إلا بالنية كمن صلى أربع ركعات في وقت الظهر، ولم يعين فريضة الظهر، فتقع نفلًا، ولا تبرأ ذمته من الواجب، وإن نوى فريضة الظهر صح أداؤه، وإن نوى تطوعًا وقعت تطوعًا (1).
أما الواجب المضيق فقد اتفق جمهور العلماء على صحة أدائه بالنية مطلقًا سواء عين أم لم يعين، كمن نوى مطلق الصوم في شهر رمضان فيصح صومه ويقع عن رمضان، وأن مجرد النية تنصرف إلى الواجب، لأن الوقت محدد له ولا يسع غيره (2).
ولكن العلماء اختلفوا في حالة النية المخالفة كمن نوى التطوع أو النذر في رمضان، فقال الحنفية يقع الصوم عن رمضان بالنية المباينة، ولا عبرة لتعيينه المخالف، لأن وقت الواجب المضيق متعين له، ولا يسع غيره من جنسه، فينصرف الفعل إليه عند الإطلاق، وأن النية المخالفة باطلة، لأنها تخالف تعيين الشارع، فيقع الفعل أيضًا عن
__________
(1) المراجع السابقة، أصول السرخسي: 1 ص 36، أصول الفقه، خلاف: ص 121.
(2) وقال أكثر الشافعية بوجوب تعيين النية في رمضان خلافًا لأبي عبد اللَّه الحليمي الشافعي الذي قال: يصح صوم رمضان بنية مطلقة، قال النووي: "هذا الوجه شاذ مردود". انظر المجموع: 6 ص 328، مغني المحتاج: 1 ص 424، فواتح الرحموت: 1 ص 71.
(1/315)

الواجب المضيق، وبعبارة مختصرة قال الحنفية: الواجب المضيق يختلف عن الواجب الموسع (1).
وقال جمهور العلماء: لا تصح النية المخالفة، ولا يقع الصوم عن رمضان (2)، لأن المكلف قصد صيام النفل، وصرح بهذه النية، وجاهر بعدم رغبته في صوم رمضان، فإن صحت النية فتقع عن النفل، وإن بطلت وقع الفعل بدون نية فلا قيمة له، لأن النية شرط أساسي في العبادات (3)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (4)، وأن الفعل إن كان عن رمضان مع نية غيره فيكون الصوم جبرًا على المكلف، وهذا ينافي صحة الأداء (5).
ورجح المحققون في المذهب الحنفي رأي الجمهور، وأن الحق معهم للحديث السابق (6).
أما الواجب المؤقت ذو الشبهين فإنه يقع صحيحًا بمطلق النية كالواجب المضيق، كمن نوى الحج مطلقًا ولم يبين أنه الفريضة أم النفل فإنه يقع عن الواجب، لأن الغالب أن يبدأ الإنسان بما يجب
__________
(1) تيسير التحرير: 2 ص 207، فواتح الرحموت: 1 ص 69، أصول السرخسي: 1 ص 36، التوضيح: 1 ص 209، أصول الفقه، خلاف: ص 121، أبحاث في علم أصول الفقه: ص 98.
(2) قال الشافعية: لا يصح صومه عن رمضان، ولا يصح عما نواه (المهذب 2/ 632، ط محققة، المجموع: 6/ 333).
(3) وهذا قول الشافعية، فقالوا: يتعين رمضان لصوم رمضان، فلا يصح فيه غيره، فلو نوى .. كفارة أو نذرًا أو تطوعًا أو أطلق الصوم لم تصح نيته، ولا يصح صومه عما نواه، ولا عن رمضان، انظر المجموع للنووي: 6 ص 288، 333، 334، المهذب: 2/ 632، ط محققة.
(4) رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن ومالك عن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه.
(5) تيسير التحرير 2 ص 207، أصول السرخسي: 1 ص 38.
(6) فواتح الرحموت: 1 ص 69، تيسير التحرير: 2 ص 208، الموافقات: 1 ص 91.
(1/316)

عليه (1)، وإن نوى التطوع وقصد خلاف الواجب فإن فعله يقع تطوعًا حسب نيته عند الحنفية كالواجب الموسع، وقال الشافعية: ينصرف إلى الفرض (2)، حتى قال النووي رحمه اللَّه تعالى: "لو تكلف غير المستطيع الحج وقع عن فرض الإسلام، ولو نوى غيره وقع عنه" (3).

الثاني: أداء الواجب المؤقت:
قلنا: إن الواجب المؤقت هو ما طلب الشارع فعله من المكلف طلبًا حتمًا في وقت معين، وإن الوقت فيه واجب، ويتفرع عن هذا أن المكلف إن قام بالواجب في وقته المحدد له والمعين من قبل الشارع كان فعله أداء، وإن قام به بعد خروج الوقت كان فعله قضاء، وإن أداه في وقته غير كامل، ثم أعاده مرة ثانية في نفس الوقت كان فعله إعادة، وهذا تقسيم للواجب المؤقت باعتبار فعله والإتيان به، فما هو الأداء والقضاء والإعادة (4)؟.

أولًا: الأداء:
عرف ابن الحاجب الأداء بأنه: فعل الواجب في وقته المقدَّر له شرعًا أولًا (5).
__________
(1) انظر: المجموع، للنووي: 7 ص 129، 303، مغني المحتاج: 1 ص 476.
(2) تيسير التحرير: 2 ص 211، فواتح الرحموت: 1 ص 72، أصول السرخسي: 1 ص 43، 44، مغني المحتاج: 1 ص 477، 478، المهذب: 1/ 199، 200.
(3) المجموع: 7/ 18، 19، انظر: الأشباه والنظائر، للسيوطي: ص 150.
(4) أضاف الشافعية قسمًا رابعًا هو التعجيل، وذلك في بعض الحالات التي أجاز الشارع فيها أداء الواجب قبل دخول وقته مثل إخراج زكاة الفطر قبل انتهاء رمضان، ودفع الزكاة قبل حولان الحول، ويسمى فعل الواجب تعجيلًا (انظر نهاية السول: 1 ص 84، التلويح: 2 ص 191، قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام: 1 ص 241، الأشباه والنظائر، للسيوطي: ص 395).
(5) مختصر ابن الحاجب: ص 35، وانظر: نهاية السول: 1 ص 84، فواتح الرحموت: =
(1/317)

1 - فعل الواجب: هو تنفيذ الواجب وإيقاعه، ويدخل فيه جميع الواجبات سواء أكانت مؤقتة أم لا، ويخرج منه المباح والمندوب، لأنها ليست واجبة.
وذهب بعض الأصوليين إلى استبدال هذا اللفظ بآخر، وهو فعل العبادات أو فعل المأمورات، ليشمل الأداءُ الواجبَ المؤقت وغيرَ المؤقت، أو الواجب والمندوب (1).
2 - في وقته: قيد أول يخرج الواجب المطلق الذي ليس له وقت كالنذور والعمرة والكفارات، فإن فعلها يعتبر أداء في جميع الأوقات، أو لا يوصف بأداء ولا قضاء.
3 - المقدَّر له شرعًا: قيد ثانٍ، أي الوقت المحدد للواجب من الشارع الحكيم، أما إذا حدَّدَ وقتها غيرُ الشارع فلا يعتبر، كما إذا حدد الإمام وقتًا للزكاة، فلا ينطبق هذا التعريف عليه، ويسمى فعل المكلف أداء سواء دفع الزكاة في الوقت أم خارجه (2).
4 - أولًا: أي لأول مرة، بأن يؤدي الواجب أداء صحيحًا لأول مرة، فإن أداه مرة ثانية فيعتبر إعادة، وإن فعله ناقصًا، فلا يعتبر ولا تبرأ ذمته منه، ويجب إعادته، هذا إذا كان لفظ "أولًا" حالًا من "فعل الواجب"،
__________
= 1 ص 85، حاشية البناني: 1 ص 108، التلويح: 2 ص 74، أصول الفقه، خلاف: ص 120. كشف الأسرار: 1 ص 134.
(1) التعريفات السابقة لأداء الواجب، وهو ما يتعلق بموضوع البحث، أما تعريف الأداء بشكل عام فهو تسليم عين الثابت بالأمر، وهذا يشمل الواجب والمندوب، فإن القيام بالفعل كما طلبه الشارع يعتبر أداء، ويقابله القضاء وهو تسليم مثل الثابت بالأمر، (انظر التلويح: 2 ص 75، أصول السرخسي: 1 ص 44، أبحاث في علم أصول الفقه: ص 105).
(2) تيسير التحرير: 2 ص 198.
(1/318)

أما إن كان حالًا من الوقت فيكون الأداء في الوقت المحدد له أولًا أي في الوقت الأول، ويخرج الأداء في الوقت الثاني المقدر له شرعًا، مثل قضاء شهر رمضان في نفس العام، فهذا وقت ثان لرمضان عن الشافعية والمالكية (1).
ويُكتفى بوقوع أول الواجب في الوقت المحدد مثل تكبيرة الإحرام عند الحنفية، أو الركعة الأولى من الصلاة عند الشافعية (2).

ثانيًا: الإعادة:
وهو فعل الواجب في وقته المحدد له شرعًا ثانيًا، بعد سبق الأداء، وعرفه ابن الحاجب بأنه "ما فعل في وقت الأداء ثانيًا لخلل، وقيل لعذر" (3).
وفائدة الإعادة أن المكلف أدى الواجب ناقصًا عن الوجه المطلوب شرعًا، فإذا أراد جبر هذا النقص فيؤدي الواجب مرة ثانية مستكملًا نقصه، ومستفيدًا من الأجر والثواب في الزيادة، وتقع الإعادة لعذر ولغير عذر، لتحصيل فضيلة مطلقًا زيادة في الثواب، كالجماعة في الصلاة بعد الأداء منفردًا، أو في جماعة ثانية.
__________
(1) نهاية السول: 1 ص 84.
(2) تيسير التحرير: 2 ص 198، فواتح الرحموت: 1 ص 85، حاشية البناني: 1 ص 108.
(3) مختصر ابن الحاجب، ص 35، وعرفها الكمال بأنه فعل مثل الواجب في الوقت لخلل غير الفساد، تيسير التحرير: 2 ص 199، وانظر فواتح الرحموت: 1 ص 85، حاشية البناني على جمع الجوامع: 1 ص 117، التلويح: 2 ص 74.
وعرفها الشيخ زكريا الأنصاري بقوله: "هي فعل العبادة في وقتها ثانيًا مطلقًا" غاية الوصول: ص 18، أما إذا كان الأداء الأول فاسدًا فلا يعتبر، وهو غير موجود شرعًا، ولا يسمى الفعل الثاني إعادة إلا في اللغة والعرف.
(1/319)

والإعادة ليست مرتبطة بالواجب المؤقت، فإن بعض الواجبات المؤقتة لا يمكن فيها الإعادة كالواجب المؤقت المضيق، فلا يجري فيه تعجيل ولا إعادة، لأن وقته لا يتسع إلا للأداء، فإن فات الوقت فهو قضاء، كما أن الإعادة قد تتحقق في الواجب المطلق عن الوقت، كمن صام نذرًا مطلقًا أو صام للكفارة، وارتكب فيه محرمًا، أو أطعم عشرة مساكين في الكفارة وشك في إشباعهم، فأراد الإعادة للاحتياط فيكون فعله إعادة لتدارك الخلل في أداء الواجب المطلق (1)، كما يرى بعض العلماء صحة إعادة المندوب.

ثالثًا: القضاء:
عرفه ابن الحاجب بقوله: هو فعل الواجب بعد وقت الأداء استدراكًا لما سبق له وجوب مطلقًا (2).
فمتى مضى الوقت المحدد للواجب فقد ثبت في الذمة، ويجب على المكلف قضاؤه، سواء أخره عمدًا أم سهوًا، وسواء أكان متمكنًا من فعله كالمسافر والمريض اللذين يفطران في رمضان، أم غير متمكن شرعًا كالحائض في رمضان، أم غير متمكن عقلًا كالنائم عن الصلاة (3)، ويدخل في القضاء من مات فحج عنه وليه فإنه يكون قضاء، لأن الحج واجب في العمر، وقد فات العمر (4).
__________
(1) مباحث الحكم، مدكور: ص 77.
(2) مختصر ابن الحاجب: ص 35، وانظر: نهاية السول: 1 ص 85، تيسير التحرير: 2 ص 199، فواتح الرحموت: 1 ص 85، حاشية البناني: 1 ص 110، الإحكام، الآمدي: 1 ص 103، التلويح: 2 ص 74، كشف الأسرار: 1 ص 134، أصول السرخسي: 1 ص 44، التبصرة: ص 67.
(3) المراجع السابقة، وعرفه النووي فقال: "هو فعل العبادة بعد وقتها المحدد" المجموع: 6/ 118.
(4) نهاية السول: 1 ص 85، وانظر أنواع القضاء في أصول السرخسي: 1 ص 49.
(1/320)

اتفق الفقهاء على وجوب قضاء الواجبات التي، يؤدها المكلف في وقتها المحدد لها شرعًا، كالصلاة والصيام، سواء أكان عدم الأداء لعذر أم لغير عذر، ثم اختلفوا في دليل قضاء الواجب، فذهب جمهور الأصوليين إلى أن القضاء يثبت بدليل جديد غير دليل الواجب لأن الواجب المؤقت -كما سبق- واجبان، واجب الفعل وواجب الوقت، وطلب فعله يشمل الأمرين أي أداء الواجب في الوقت المحدد، فإذا فات الوقت فلا بد من دليل جديد للإيجاب، لأن الدليل الأول لا يتضمن القضاء، بينما ذهب الحنفية والحنابلة إلى وجوب القضاء بالدليل الذي أوجب الأداء لشغل الذمة به، وأنه لا تبرأ الذمة إلا بالأداء أو القضاء، فشملها الدليل، وتقييده بالوقت للمصلحة في الثواب والأجر في شرف الوقت (1).
ونختم الكلام عن تقسيم الواجب باعتبار الوقت، وأنواع الواجب المؤقت، لننتقل إلى التقسيم الثاني.

التقسيم الثاني للواجب باعتبار المقدار:
ينقسم الواجب من حيث تقديره بمقدار معين أو عدم تقديره من الشارع إلى قسمين: واجب محدد وواجب غير محدد، وذلك أن الواجب إما أن يكون مقدرًا من الشارع بحد معين وهو الواجب المحدد، وإما أن يكون غير مقدر من الشارع وهو الواجب غير المحدد.

أولًا: الواجب المحدد:
وهو الواجب الذي حدد الشارع له مقدارًا معينًا، مثل الزكاة
__________
(1) تيسير التحرير: 2 ص 200، فواتح الرحموت: 1 ص 88، التلويح: 2 ص 79، أصول السرخسي: 1 ص 44، التبصرة: 64.
(1/321)

والصلاة والحدود والكفارات، فقد بيَّن الشارع مقدار الزكاة في كل نوع، وذكر عدد الصلوات وركعاتها، ونص على مقدار الكفارة في اليمين والظهار، وغير ذلك مما حدده الشارع الحكيم، فلا يجوز تغييره (1).

ثانيًا: الواجب غير المحدد:
وهو الواجب الذي لم يحدد الشارع مقداره بل طلبه من المكلف بغير تحديد (2)، وترك ذلك لأهل الذكر من العلماء وأهل الحل والعقد من هذه الأمة، مثل مقدار التعزير على الجرائم التي نهى الشارع عنها، ولم يحدد مقدار العقوبة لها، لأن القصد تحقيق العدالة، وهذا يختلف بحسب الأشخاص والأزمان والأماكن والظروف، مثل مقدار النفقة الواجبة للزوجة والأقارب، ومثل الإنفاق في سبيل اللَّه وإطعام الجائع والدفع بالتي هي أحسن، والدعوة في سبيل اللَّه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن المقصود فيها سد الحاجة وتحقيق الهدف منها، وهذا يختلف أيضًا باختلاف الأشخاص والأحوال والأماكن.
ويترتب على هذا التقسيم أن الواجب المحدد يثبت دينًا في الذمة، ويجب أداؤه في وقته، أو قضلؤه بعد وقته، أما الواجب غير المحدد فلا يثبت دينًا في الذمة إلا بعد تعيينه من المكلف أو من السلطة المنوط بها التعيين.
ومثال ذلك النفقة الواجبة للزوجة والأقارب، قال الحنفية: إنها واجب غير محدد، وبالتالي فلا تشغل الذمة بها إلا بعد تعيينها من القضاء أو بالتراضي، ولا يحق للزوجة أو القريب أن يطالب بها عن
__________
(1) الموافقات: 1 ص 97، أصول الفقه، خلاف: ص 123، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص 58.
(2) الموافقات: 1 ص 97، مباحث الحكم: ص 81.
(1/322)

الفترة التي سبقت القضاء أو التراضي.
وقال الجمهور: إنها واجب محدد بحال الزوج والقريب يسرًا وعسرًا، وبما يكفي لسد الحاجة، ولذا فإنها تثبت في الذمة، وتصح المطالبة بها قبل القضاء أو التراضي، لأن القضاء أظهر مقدارها فقط (1).
والحكمة من هذا التقسيم أنه يعطي نموذجًا من النماذج التي تدل على صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، وأن المشرع الحكيم حدد بعض الواجبات نظرًا لأهميتها، لأنها أمور جوهرية في الحياة لا يصح التنازع فيها ولا الاختلاف عليها، لأنها تمس كيان الأمة في دينها ودنياها، أو لأن العقل البشري يعجز عن بيان المقدار المجدي فيها كعدد الصلوات ومقدار الزكاة والحدود، بينما ترك الشارع الحكيم تحديد بعض الواجبات الأخرى، وخول أهل الذكر بها، ليكون مقدارها متناسبًا مع الظروف والناس والأحوال التي تحيط بصاحبها، ولجريان التطور والتجدد واختلاف البيئات والنفوس (2).

التقسيم [الثالث] (*) باعتبار المكلف:
ينقسم الواجب من جهة المكلف بأدائه إلى قسمين: واجب عيني وواجب كفائي.
__________
(1) أصول الفقه، أبو زهرة: ص 34، أصول الفقه، خلاف: ص 125، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص 59.
(2) أبحاث في علم أصول الفقه: ص 113، أصول الفقه، الخضري: ص 47، المدخل للفقه الإسلامي، للمؤلف: ص 28، ويجب التنبيه إلى خطأ يقع فيه كثيرون بالنقل عن الشافعية الذين يفرقون في النفقات، فهم يقولون: إن نفقة الزوجة فقط تثبت في الذمة، أما نفقة الأقارب فلا تثبت إلا بحكم القاضي، انظر: المهذب: 4/ 632، ط محققة.

(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: في المطبوع (الثاني)
(1/323)

أولًا: الواجب العيني:
وهو ما طلب الشارع فعله من كل فرد من أفراد المكلفين (1)، وسمي واجبًا عينيًا لأن خطاب الشارع يتوجه إلى كل مكلف بعينه، ولا تبرأ ذمة المكلف منه إلا بأدائه بنفسه، ولا يجزئه قيام مكلف آخر به، فلا بد من أدائه من جميع المكلفين كالصلاة والزكاة والحج والوفاء واجتناب الخمر والميسر.
وحكمه أن كل مكلف ملتزم به، وأن ذمته مشغولة به حتى يؤديه بنفسه، فإن قام به فله الأجر والثواب، وإن تركه فهو آثم وعليه العقاب (2).
ويقصد الشارع من هذا الواجب أمرين: القيام بالواجب من جهة، والتزام كل فرد بعينه به من جهة أخرى (3).

ثانيًا: الواجب الكفائي:
وهو ما طلب الشارع فعله من مجموع المكلفين، لا من كل فرد بعينه، فإن قام به بعض المكلفين فقد تأدى الواجب وسقط الإثم عن الباقين، وسمي واجبًا كفائيًا لأن قيام بعض المكلفين به يكفي للوصول إلى مقصد الشارع، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورد السلام،
__________
(1) نهاية السول: 1 ص 117، أصول الفقه، خلاف: ص 122، ويقول الإسنوي: إن
فرض العين قد يتناول واحدًا معينًا كالضحى والتهجد وغيرها من خصائص النبي
- صلى الله عليه وسلم -، وانظر الموافقات: 1 ص 100.
(2) أصول الفقه، خلاف: ص 122.
(3) وقد يكون الواجب العيني مطلوبًا من فرد واحد بعينه، وذلك في حالات انقلاب الواجب الكفائي إلى واجب عيني، كطبيب واحد في بلد، وسباح واحد أمام الغريق، وعالم واحد يصلح للقضاء وتتوفر فيه شروطه، فكل مهم يجب عليه بعينه القيام بالعمل، وهذا واجب عيني عليه.
(1/324)

والجهاد واكتساب أنواع العلوم المختلفة وأنواع الصنائع وصلاة الجنازة ... وغيرها (1).
وحكمه أنه يتعلق بكل المكلفين عند الجمهور، فالقادر عليه يقوم بنفسه به، وغير القادر يحث غيره على القيام به، لأن الخطاب موجه لكل مكلف، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" (2)، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123)} [التوبة: 123]، وإذا قام به بعضهم فقد برئت ذمة الجميع، وإن لم يؤده أحد أثم الجميع، لأن القادر لم يؤده، وغير القادر لم يحث عليه (3)، وهذا القسم يعطي صورة من صور التضامن في المجتمع المسلم.
وفي قول بعض الأصوليين: إن الواجب الكفائي يتعلق ببعض المكلفين، وهو بعض مبهم أو معلوم عند اللَّه تعالى، ولا نعلمه، أو هو متعلق بالمشاهد لمقتضى الواجب، بدليل أن الواجب يسقط عن الكل بفعل البعض، ولو كان واجبًا على الكل لم يسقط، إلا بفعلهم، وردَّ عليهم الجمهور بأنه لا تلازم بين وجوب الفعل وبين سقوطه، لأن المقصود وجود الفعل في الواقع، وقد وجد، فلم تبق علة الوجوب (4).
ويقصد الشارع من الواجب الكفائي القيام به فقط دون اعتبار للقائم به، ويتحقق مقصد المشرع متى قام به بعض المكلفين بدون تعيين،
__________
(1) مختصر ابن الحاجب: ص 35، نهاية السول: 1 ص 119، تيسير التحرير: 2 ص 213، الموافقات: 1 ص 100، فواتح الرحموت: 1 ص 63، الإحكام، الآمدي: 1 ص 94، الفروق، القرافي: 1 ص 116.
(2) رواه ابن ماجه وابن عبد البر عن أنس.
(3) المراجع السابقة في الهامش قبل السابق، الموافقات: 1 ص 112، الفروق: 1/ 116.
(4) فواتح الرحموت: 1 ص 64، أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 177.
(1/325)

فالمقصود من الواجب الكفائي وجود الفعل، وليس تكليف الأفراد به.
فإذا وجدت هذه الواجبات الكفائية في الأمة فقد تحققت المصلحة المقصودة من تشريعها (1)، قال الإسنوي: لأن فعل البعض كان في تحصيل المقصود منه والخروج من عهدته (2).
والواجب الكفائي إذا انحصر بشخص واحد صار واجبًا عينيًا ويجب عليه القيام به، مثل وجود عالم واحد للفتوى، وشاهد واحد في القضية، وطبيب واحد في البلدة، وسباح واحد أمام الغريق، ففي هذه الأمثلة تعين الواجب على كل منهم، وصار الواجب الكفائي واجبًا عينيًا عليهم (3).
كما ينقلب الواجب الكفائي من جهة أخرى إلى واجب عيني على كل مسلم في بعض الحالات، كالجهاد في سبيل اللَّه، فهو واجب كفائي ولكن إذا تعرضت بلاد المسلمين للغزو أو الاعتداء، فيصبح الجهاد واجبًا عينيًا على كل مكلف قادر يستطيع حمل السلاح وحماية الوطن والذود عن حياضه، وإقامة حكم اللَّه وشرعه في الأرض.

التقسيم الرابع باعتبار الفعل المأمور به:
ينقسم الواجب من حيث نوع الفعل المطلوب القيام به إلى قسمين:
واجب معين وواجب مخير.

أولًا: الواجب المعين:
وهو ما طلب الشارع فعله حتمًا بعينه، أي: إن الفعل مطلوب
__________
(1) تيسير التحرير: 2 ص 113، أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 115، الفروق: 1 ص 116.
(2) نهاية السول: 1 ص 118.
(3) أصول الفقه، خلاف: ص 123، وانظر تفصيل حكم تحمل الشهادة وأدائها وانتقاله إلى واجب عيني في رسالتنا وسائل الإثبات: 1 ص 108 - 109.
(1/326)

بعينه، كالصلاة والصيام وثمن المبيع ورد المغصوب (1).
وحكمه وجوب أداء هذا الفعل بعينه، وإن ذمة المكلف لا تبرأ إلا بأدائه، وإن الأمر متعلق بعين الواجب المعين.

ثانيًا: الواجب المخير:
وهو ما طلب الشارع فعله حتمًا من أمور معينة، كأحد خصال الكفارة وحكم الأسرى (2)، قال تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} [المائدة: 89]، فاللَّه سبحانه وتعالى خير الحالف بين الإطعام أو الكساء أو تحرير الرقبة، ومثل قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [محمد: 4]، فالآية خيرت الإمام بين المن على الأسرى أو أخذ الفداء منهم وأضافت السنة: القتل والاسترقاق.
وحكم الواجب المخيّر أن المكلف بالخيار في أن يخصص واحدًا من الأمور المخير فيها بالفعل، وتبرأ ذمته من الواجب بأداء أي واحد.
وقال جمهور العلماء: إن الواجب المخير منصب على إحدى هذه المأمورات للقطع بصحة القول "أوجبت أحد هذه الأمور" فإن هذا القول لا يوجب جهالة مانعة من الامتثال لحصول التعيين بالفعل، وقال المعتزلة: إن الواجب يتعلق بجميع المأمورات المخير بينها، وفي قول
__________
(1) نهاية السول: 1 ص 56، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 59، أصول الفقه، خلاف: 125، أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 91، مباحث الحكم: ص 83، الفروق: 3 ص 16، التبصرة: ص 70.
(2) فواتح الرحموت: 1 ص 66، المستصفى: 1 ص 67، الإحكام، لابن حزم: 1 ص 319، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 60، ويسمى هذا الواجب بالواجب المبهم عند كثير من الأصوليين.
(1/327)

عندهم: إن الواجب يتعلق بواحد معين عند اللَّه تعالى (1).
والواجب المخير نوعان، نوع يجوز الجمع فيه بين الأمور المخير بينها، كخصال الكفارة، ونوع لا يجوز الجمع بين الأمور المخير بينها، مثل إذا تقدم إلى الخلافة عدة أشخاص فيجب على الأمة اختيار واحد منهم ليكون خليفة، ولا يجوز الجمع بينهم (2)، قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما" (3).
وقد يتضيق الواجب المخير من عدة أفعال إلى فعلين مثلًا، أو يتعين بفعل واحد، فالحالف مثلًا مخير في كفارة اليمين بثلاثة أشياء، والآن مخير بين أمرين فقط، وهو الإطعام والكساء، بعد إلغاء نظام الرق عالميًّا، وكذلك فإن تخيير الحاكم في الأسرى تضيق بعد معاهدة جنيف في معاملة الأسرى بمنع القتل ومنع الاسترقاق.

مقدمة الواجب:
ونختم الكلام على الواجب بمسألة أصولية هامة يطلق عليها الأصوليون اصطلاح مقدمة الواجب، أو يعبرون عنها بعبارة "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، وقبل بيان هذه المسألة نقدم تمهيدًا لها في بيان أقسامها.

أقسام مقدمة الواجب:
المقدمة إما أن تكون مقدمة وجوب وهي التي يتعلق بها التكليف بالواجب، أي شغل الذمة به، كدخول الوقت بالنسبة للصلاة، فهو
__________
(1) مختصر ابن الحاجب، ص 36، نهاية السول: 1 ص 97، تيسير التحرير: 2 ص 212 فواتح الرحموت: 1 ص 66، الإحكام، الآمدي: 1 ص 94، المستصفى: 1 ص 68، التبصرة: ص 70.
(2) تسهيل الوصول: ص 259، نهاية السول: 1 ص 96، فواتح الرحموت: 1 ص 66.
(3) رواه مسلم في كتاب الإمارة 12 ص 242.
(1/328)

مقدمة لوجوب الواجب في ذمة المكلف، وكالاستطاعة لوجوب الحج، وحولان الحول لوجوب الزكاة.
وإما أن تكون مقدمة وجود وهي التي يتوقف عليها وجود الواجب بشكل صحيح، أي صحة تفريغ الذمة من الواجب، إما من جهة الشرع، كالوضوء بالنسبة للصلاة، فلا توجد الصلاة الصحيحة إلا بوجود الوضوء، والعدد بالنسبة لصلاة الجمعة، وإما من جهة العقل، كالسير وقطع المسافة للحج (1).
كما تكون المقدمة إما سببًا للواجب، كالبلوغ ودخول الوقت للصلاة والصوم، والصيغة للعتق الواجب بنذر أو كفارة، والاعتداء والقتل للضمان والقصاص، وإما أن تكون شرطًا للواجب كالعقل للتكليف بالواجب، والقدرة للحج، والطهارة للصلاة (2).

ثانيًا: حكم مقدمة الواجب:
اتفق العلماء على أن مقدمة الوجوب ليست واجبة على المكلف لأنها ليست في مقدوره، مثل دخول الوقت والاستطاعة وحولان الحول (3).
أما مقدمة الوجود فهي نوعان، نوع لا يقدر المكلف على فعله
__________
(1) أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 18 وما بعدها، نهاية السول: 1 ص 127، مباحث الحكم، مدكور: 89، المستصفى: 1 ص 71، البرهان، للجويني: 1 ص 257.
(2) السبب هو الذي يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم، والشرط هو الذي يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، وسوف ندرس كلًّا منهما بالتفصيل في الفصل الثاني من هذا الباب، وانظر الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي: 1 ص 103، نهاية السول: 1 ص 123، تيسير التحرير: 2 ص 115.
(3) مباحث الحكم: ص 90، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 61، أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 119، المستصفى: 1 ص 71.
(1/329)

فلا يجب عليه، كحضور العدد في صلاة الجمعة، ونوع يقدر المكلف على فعله، مثل صيام جزء من الليل حتى يكون صوم النهار الواجب صحيحًا، ومثل غسل جزء من الرأس، حتى يكون غسل الوجه الواجب في الوضوء صحيحًا، فهذا النوع واجب باتفاق العلماء (1)، وهو المقصود من مقدمة الواجب، وقاعدة "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".
لكنهم اختلفوا في دليل الإيجاب، هل هو نفس دليل الواجب الأصلي، أم هو بدليل جديد؟ أي هل إيجاب الواجب يدل على إيجاب مقدمته أم لا يدل عليها، ولا بد من إيجاب جديد (2)، اختلفوا على عدة مذاهب نذكر اثنين منها:
الأول: مذهب الجمهور وهو أن دليل الواجب يدل على وجوب المقدمة، سواء أكانت سببًا أم شرطًا، لأن التكليف بالواجب بدون التكليف بمقدمته يؤدي إلى التكليف بالمحال، وهو ممنوع، وأن السعي إلى تحصيل أسباب الواجب واجب، وأن السعي في تحصيل أسباب الحرام حرام، باتفاق، فكان دليل الواجب دليلًا للمقدمة.
الثاني: وهو عكس الأول، وهو أن مقدمة الواجب لا تجب بإيجاب الواجب، وإنما تحتاج إلى إيجاب جديد، لأنه لو وجبت المقدمة بدليل الواجب الأول لوجب التصريح بها، مع أن المقدمة لا يصرح بها، أو لكانت واردة في ذهن المخاطب مع أنه كثيرًا ما يغفل عنها، فإثبات
__________
(1) أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 120، المستصفى: 1 ص 71، فواتح الرحموت: 1 ص 95، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 61، مختصر ابن الحاجب: ص 38، تيسير التحرير: 2 ص 216.
(2) يعبر عن ذلك أمير بادشاه بقوله: أي ما يتوقف عليه الواجب وجوبه بسبب وجوب ذلك الواجب، تيسير التحرير، له: 2 ص 216.
(1/330)

إيجاب المقدمة لشيء لا يقتضيه الخطاب فيكون باطلًا (1).
وهناك آراء أخرى تفرق بين السبب والشرط، وبين الشرط الشرعي والشرط العقلي وغيره، وذلك أن عدم المشروط عند عدم الشرط إن كان منشؤه الشرع فهو شرط شرعي، كالطهارة بالنسبة للصلاة، وإن كان منشؤه العقل فهو شرط عقلي، مثل ترك ضد من أضداد المأمور به، كالأكل بالنسبة للصلاة، وإن كان منشؤه العادة فهو شرط عادي، كنصب السلم بالنسبة لصعود السطح، وغسل جزء من الرأس بالنسبة لغسل الوجه، فإن غسل الوجه لا ينفك عادة عن غسل جزء من الرأس (2).
وتفصيل هذا الموضوع دقيق ولا طائل تحته، ولذا نكتفي بهذا الجزء منه، قال الآمدي: وبالجملة فالمسألة وعرة، والطرق ضيقة فليقنع بمثل هذا في المضيق (3).
فائدة: يقول القرافي رحمه اللَّه تعالى: "الوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما هو متوسط متوسطة" (4).
__________
(1) مباحث الحكم: ص 91، المستصفى: 1 ص 72، فواتح الرحموت: 1 ص 95، الإحكام، الآمدي: 1 ص 104، مختصر ابن الحاجب: 1 ص 39، نهاية السول: 1 ص 120.
(2) أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 118.
(3) الإحكام، له: 1 ص 14.
(4) شرح تنقيح الفصول: ص 449.
(1/331)

المطلب الثاني في المندوب
تعريف المندوب:
المندوب أصله المندوب إليه، وحذف الجار والمجرور تخفيفًا وتسهيلًا، والمندوب في اللغة: المدعو إليه والمستحب، والندب: الدعاء إلى أمر مهم (1)، ومنه قول الشاعر:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا
وفي الاصطلاح: نذكر تعريفين له -كما فعلنا في الواجب- أحدهما: يتعلق بالماهية في دليل الحكم، والثاني: يتعلق في أثر الخطاب بالمدح والذم أو بالثواب والعقاب.

التعريف الأول:
المندوب: هو ما طلب الشارع فعله طلبًا غير جازم (2).
__________
(1) المصباح المنير: 2 ص 819، القاموس المحيط: 1 ص 131.
(2) عرف بعض الأصوليين المندوب بأنه الذي يكون فعله راجحًا في نظر الشارع، أي راجحًا على تركه، أو راجحًا طلبه بدون جزم، (انظر: إرشاد الفحول: ص 6، نهاية السول: 1 ص 40، حاشية البناني على جمع الجوامع: 1 ص 80، 89، أصول الفقه، الخضري: ص 51).
(1/333)

1 - ما: اسم موصول بمعنى الذي، صفة فعل المكلف، لأن المندوب هو الفعل الذي تعلق به الندب، والندب حكم شرعي يتعلق بأفعال المكلفين، ولفظ "ما" يشمل كل فعل يتعلق به أحد الأحكام الخمسة، ويخرج فعل غير المكلف كفعل اللَّه تعالى، فلا يوصف بالندب والإيجاب.
2 - طلب الشارع فعله: وذلك بخطاب اللَّه الاقتضائي، ويدخل في التعريف الواجب والمندوب، ويخرج المباح والمكروه والمحرم؛ لأن الشرع لم يطلب فعلها، وتخرج الأحكام الوضعية أيضًا.
3 - طلبًا غير جازم: يخرج الواجب بأنواعه، لأن الشارع طلبه طلبًا جازمًا، والطلب غير الجازم إما أن يكون صريحًا أو غير صريح، كما سنرى قريبًا.
فالمندوب هو فعل المكلف الذي طلبه الشارع طلبًا غير جازم ولا حتمي.

التعريف الثاني:
عرف البيضاوي المندوب فقال: "هو ما يحمد فاعله ولايذم تاركه" (1).
1 - ما يحمد: ما اسم موصول صفة لفعل المكلف -كما سبق- الحمد لغة: الثناء بالجميل على فعل الجميل، والمراد به هنا الثواب من اللَّه تعالى، ويخرج من التعريف المباح، لأنه لا حمد فيه على الفعل،
__________
(1) أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 57، منهاج الوصول: ص 5، نهاية السول: 1 ص 58، إرشاد الفحول: ص 6، المستصفى: 1 ص 66. كشف الأسرار: 2 ص 623، الإحكام، الآمدي: 1 ص 111، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 52، التلويح: 3 ص 78، الحدود في الأصول، الباجي: ص 55.
(1/334)

ولا حمد فيه على الترك.
2 - فاعله: قيد أول يخرج المكروه والحرام، فإنه يحمد تاركهما، وحمد الفاعل يدخل فيه الواجب والمندوب.
3 - ولا يذم تاركه: يخرج الواجب بأنواعه، لأن تارك الواجب مذموم، أما تارك المندوب فلا يذم ولا يعاقب، لأن الشارع تركه بدون جزم.
وأضاف بعض العلماء لفظ "مطلقًا" على التعريف، أي لا يذم تاركه مطلقًا في جميع حالات الترك، لإخراج الواجب المخير، لأن المخاطب لا يذم على تركه في الجملة إذا فعل واحدًا من المأمورات، ولإخراج الواجب الموسع، لأن المكلف لا يذم على تركه في أول الوقت، فالذم في الواجب المخير بترك جميع المأمورات، والذم في الواجب الموسع بتركه حتى فوات الوقت (1)، ويخرج المباح لأنه لا يذم تاركه.
وذهب كثير من الأصوليين إلى اختيار الجمع بين التعريفين في المندوب، فعرفه الآمدي بقوله: "هو المطلوب فعله شرعًا من غير ذم على تركه مطلقًا" (2).

حكم المندوب:
ويظهر حكم المندوب من التعريف الثاني، وهو أن فاعله يستحق الثواب والأجر من اللَّه تعالى، وتاركه لا يستحق العقاب.
ويطلق العلماء على المندوب أسماء أخرى، كالسنة والنافلة
__________
(1) المستصفى: 1 ص 66، كشف الأسرار: 2 ص 623، الإحكام، الآمدي: 1 ص 111، نهاية السول: 1 ص 59.
(2) الإحكام، له: 1 ص 111.
(1/335)

والمرغب فيه والمستحب والإحسان، قال ابن السبكي: والمندوب والمستحب والتطوع والسنة مترادفة (1)، وخص بعض العلماء لفظ السنة بما واظب عليه رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - كالوتر، والمستحب بما لم يواظب عليه، والتطوع باختيار بعض الأفعال اقتداء برسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - كاللبس والأوراد (2).

الأساليب التي تفيد الندب:
الأساليب التي تدل على الندب كثيرة، وأهمها هي:
1 - التعبير الصريح بلفظ يندب أو يسن، مثل قوله - صلى الله عليه وسلم - في رمضان: "سننت لكم قيامه" (3).
2 - الطلب غير الجازم، وذلك بأسلوب الأمر السابق المقترن بقرينة لفظية تصرف الأمر عن الوجوب إلى الندب، وقد تكون القرينة قاعدة شرعية عامة، مثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} فلفظ {اكتبوه} أمر يقتضي الوجوب، وصرف من الوجوب إلى الندب بقرينة لاحقة في الآية بقوله تعالى: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} [البقرة: 283]، فكتابة الدَّيْن مندوب، لأن الدائن إن وثق بمدينه فلا حاجة لكتابة الدين عليه، ومثل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور: 33]، فلفظ كاتبوهم أمر بمكاتبة العبد ليصبح حرًّا فيما بعد، ولكن هذا
__________
(1) حاشية البناني على جمع الجوامع: 1 ص 89.
(2) منهاج الوصول: ص 5، إرشاد الفحول: ص 6، حاشة البناني: 1 ص 89، 90، كشف الأسرار: 1 ص 622، نهاية السول: 1 ص 59، ألمدخل إلى مذهب أحمد: ص 62، المجموع للنووي: 3/ 496.
(3) رواه النسائي وابن ماجه، انظر سنن النسائي: 4 ص 158، ط مصطفى محمد، سنن ابن ماجه: 1 ص 421.
(1/336)

الأمر يفيد الندب للنص على القرينة بعده {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} فعلق الكتابة على علم المالك بأن الكتابة خير للعبد، ولوجود قرينة أخرى وهي قاعدة عامة في الشريعة أن المالك له حرية التصرف في ملكه، وأول الآية نصت على ثبوت الملك له {مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} مما يدل على أن الأمر مصروف من الإيجاب إلى الندب (1).
3 - عدم ترتيب العقوبة على ترك الفعل، مع طلبه من الشارع، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن اللَّه يحب أن تؤتى رخصه كما يجب أن تؤتى عزائمه" (2)، فالحديث لم يرتب عقوبة على ترك الرخصة.
4 - مواظبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الفعل في معظم الأحيان، وتركه في حالة أو في بعض الأحيان، ليدل على عدم العقاب على الترك، كالسنن المؤكدة قبل صلاة الفرض أو بعدها.
5 - الأساليب العربية الأخرى التي تدل على عدم الإلزام وعدم التحتيم (3)، مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل" (4) ومثل قوله: "إن اللَّه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده" (5)، وقوله: "إن اللَّه جميل يحب الجمال" (6).
فهذه الأحاديث تدل على طلب الفعل، ولكن بدون إلزام ولا تحتيم، وبدون ترتيب العقوبة على التارك، وإنما اقتصر الطلب على التحبيب وبيان الفضل والترغيب في الفعل.
__________
(1) مباحث الحكم، مدكور: ص 93، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص 77.
(2) رواه أحمد والبيهقي والطبراني.
(3) مباحث الحكم: ص 93، وانظر: المعتمد: 1 ص 386.
(4) رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة عن سمرة.
(5) رواه الترمذي والحاكم عن عبد اللَّه بن عمرو.
(6) رواه مسلم والترمذي والحاكم عن ابن مسعود رضي اللَّه عنه.
(1/337)

هل المندوب مأمور به:
بما أن الندب يستفاد من صيغة الأمر المصحوب بقرينة صارفة عن الإيجاب إلى الندب، فيتفرع عن ذلك مسألة هامة، وهي هل المندوب مأمور به أم لا؟
اتفق العلماء على كون المندوب مأمورًا به، ثم اختلفوا في طبيعة هذا الأمر على قولين:
القول الأول: أن المندوب مأمور به حقيقة، وهو رأي الجمهور من الشافعية والحنابلة وقول عند المالكية والمحققين من الحنفية (1)، واستدلوا على ذلك بما يلي:
1 - إن فعل المندوب يسمى طاعة، والطاعة تكون من امتثال أمر اللَّه تعالى لعباده، فكان المندوب مأمورًا به.
واعترض ابن عبد الشكور على الدليل فقال: الطاعة تكون في الأمر وتكون في الندب، فلا يكون الندب مأمورًا به (2).
2 - إن الأمر ينقسم لغة إلى قسمين أمر إيجاب وأمر ندب، وكما أن الواجب مأمور به، فكذلك يكون المندوب مأمورًا به.
واعترض على الاستدلال بأن الأمر ينقسم عند أهل اللغة إلى أمر تهديد وأمر إباحة أيضًا، والتهديد والإباحة ليس مأمورًا بهما باتفاق، فيكون الندب كذلك ليس مأمورًا به حقيقة (3).
__________
(1) المستصفى: 1 ص 75، فواتح الرحموت: 1 ص 111، الإحكام، الآمدي: 1 ص 112 تيسير التحرير: 2 ص 222 وما بعدها، المسودة في أصول الفقه: ص 11 وما بعدها 15، أصول السرخسي: 1 ص 14، البرهان، للجويني: 1 ص 249.
(2) البرهان: 1 ص 249، فواتح الرحموت: 1 ص 112.
(3) فواتح الرحموت: 1 ص 112.
(1/338)

3 - المندوب مطلوب كالواجب، ولكن الواجب مطلوب مع ذم تاركه، والمندوب مطلوب من الشارع مع عدم ذم تاركه، والطلب أمر من الشارع، فالمندوب مأمور به.
القول الثاني: أن المندوب ليس مأمورًا به حقيقة، وإنما هو مأمور به مجازًا، وهو رأي بعض الحنفية، كالكرخي والرازي، وأخذت به كتب الحنفية، واستدلوا على ذلك بما يلي:
1 - لو كان المندوب مأمورًا به حقيقة لكان تركه معصية، والمعصية معاقب عليها لمخالفة الأمر، مع أن العلماء اتفقوا على أن ترك المندوب لا يكون معصية، وأن التارك لا يعاقب فاعله، ولا يذم -كما سبق في حكمه- فكان المندوب مأمورًا به مجازًا فقط (1).
ويعترض الغزالي عليهم بأن الندب اقتضاء لا تخيير فيه، لأن التخيير عبارة عن تسوية بين أمرين، فإذا رجح جهة الفعل بربط الثواب به ارتفعت التسوية والتخيير، واللَّه تعالى يقتضي من عباده ما فيه صلاحهم، ويقتضي بالندب لنيل الثواب، وأما القول بأن تاركه لا يسمى عاصيًا فسببه أن العصيان اسم ذم مختص بمخالفة أمر الإيجاب، وقد أسقط الذم عن المندوب، ويسمى تاركه مخالفًا وغير ممتثل، كما يسمى فاعله موافقًا ومطيعًا (2).
2 - قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (3)، فالسواك مندوب، ولم يأمر به الرسول عليه الصلاة والسلام، ولو أمر به لكان واجبًا.
__________
(1) فواتح الرحموت: 1 ص 111، تيسير التحرير: 2 ص 224، مباحث الحكم: ص 94، أصول السرخسي: 1 ص 14 وما بعدها.
(2) المستصفى: 1 ص 76، الإحكام، الآمدي: 1 ص 113.
(3) رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن وأحمد ومالك.
(1/339)

واعترض عليه بأن الأمر في الحديث محمول على أمر الإيجاب للجمع بين الأدلة، أي: إن الحديث لم يأمر أمر الإيجاب، وهذا الحديث استدل به ابن بدران للدلالة على أن المندوب مأمور به حقيقة (1).
3 - الأمر حقيقة في لفظ "افعل"، وهذا اللفظ حقيقة في الإيجاب فقط، فالأمر حقيقة في الإيجاب، ولا يكون حقيقة في الندب (2).
وأرى أن هذا الخلاف لفظي لا طائل تحته، ولا تترتب عليه حقائق عملية في الأحكام بين الجمهور والحنفية، وإنما ذكرناه كنموذج عن البحوث النظرية الكثيرة التي بحثها علماء الأصول، وأطالوا الحديث عنها من الناحية النظرية والفكرية والجدلية.

أقسام المندوب:
يقسم العلماء المندوب إلى ثلاثة أقسام:

أولًا: السنة المؤكدة:
وهي ما يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، ولكنه يستحق اللوم والعتاب، فالفعل مندوب على وجه التأكيد، ويشمل السنن المكتوبة قبل الفرائض أو بعدها، كركعتي الصبح وسنة الظهر وسنة المغرب وسنة العشاء، ومثل المضمضة والاستنشاق في الوضوء.
والضابط لهذا القسم أنه ما واظب عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يتركه إلا نادرًا ليبين جواز الترك، وأنه ليس واجبًا، ويسمى سنة الهدى (3).
__________
(1) المدخل إلى مذهب أحمد: ص 62.
(2) فواتح الرحموت: 1 ص 111، تيسير التحرير: 2 ص 223.
(3) التوضيح على التنقيح: 3 ص 76، أصول الفقه، الخضري: ص 51، مباحث الحكم، مدكور: ص 95، أصول الفقه الإسلامي، زكي الدين شعبان: ص 238.
(1/340)

وحكم السن المؤكدة أن صاحبها يستحق الثواب والأجر من اللَّه تعالى، وأن تاركها لا يعاقب، ولكنه يعاتب ويلام، لأن تركها معاندة لسنة رسول اللَّه، وأن ما يتعلق من هذا القسم بالشعائر الدينية كالأذان والجماعة إذا اتفق أهل بلد على تركه وجب قتالهم لاستهانتهم بالسنة (1).

ثانيًا: السنة غير المؤكدة:
وهي ما يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، ولا يستحق اللوم والعتاب، فالفعل مندوب بدون تأكيد، كالصدقة غير المكتوبة، وصلاة الضحى، وسنة العصر قبل الفرض، وصيام الاثنين والخميس من كل أسبوع.
والضابط لهذا القسم أنه ما لم يواظب عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما كان يفعله النبي في بعض الأحيان، ويسمى هذا القسم مستحبًا، كما يسمى نافلة (2).
وحكم السنة غير المؤكدة أن فاعلها يستحق الثواب، وتاركها لا يستحق اللوم والعتاب أو العقاب (3).

ثالثًا: السنة الزائدة:
وهي ما يثاب فاعلها إن نوى بها متابعة رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - والتأسي به، ولا شيء على تاركها مطلقًا، وهي أفعال الرسول عليه الصلاة السلام الجبلية التي يفعلها بحكم صفته البشرية مما لا يتعلق بالأحكام الشرعية كالنوم والمشي ولبس البياض من الثياب والاختضاب بالحناء، فهذا
__________
(1) أصول الفقه، أبو زهرة: ص 38، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص 79، أصول الفقه الإسلامي، شعبان: 238.
(2) مباحث الحكم: ص 95، أصول الفقه، الخضري: ص 52.
(3) أصول الفقه، شعبان: ص 238، أصول الفقه، البرديسي: ص 75.
(1/341)

القسم لا يعتبر من ابحكم التكليفي إلا بنية متابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - التي تدل على شدة التعلق والاقتداء به (1).
والفرق بين السنة غير المؤكدة والسنة الزائدة أن الأولى يستحق صاحبها الثواب بمجرد نية الفعل، والثانية لا يستحق صاحبها الثواب بمجرد نية الفعل، ولا بد من نية الاقتداء والتأسي.

هل المندوب حكم تكليفي:
اختلف علماء الأصول أيضًا في حقيقة الندب وماهيته، وهل يعتبر من الحكم التكليفي أم لا يعتبر؟ على قولين:
القول الأول: أن الندب حكم تكليفي، وهو رأي أبي إسحاق الإسفراييني (2) من الشافعية، وأبي بكر الباقلاني من المالكية، وابن عقيل وابن قدامة والطوفي وابن قاضي الجبل من الحنابلة، لأن الشارع طلبه من المكلف، فهو من خطاب اللَّه تعالى الاقتضائي، فكان المندوب حكمًا تكليفيًّا، ولا يخلو المندوب من الكلفة والمشقة، فهو سبب للثواب، ويسمى فعله طاعة، فالفعل بقصد الثواب فيه طاعة (3).
القول الثاني: أن المندوب ليس بحكم تكليفي، وهو رأي جمهور العلماء (4)، واستدلوا على ذلك بأن التكليف ما فيه كلفة ومشقة،
__________
(1) التوضيح: 3 ص 76، أصول الفقه، محمد زكريا البرديسي: ص 70.
(2) هو إبراهيم بن محمد بن مهران، الأستاذ الأصولي الفقيه المتكلم، درس أصول الفقه على القاضي أبي الطيب الطبري، وأخذ عنه شيوخ نيسابور الكلام والأصول، وله تعليقة في أصول الفقه، توفي سنة 417 ه، (انظر: طبقات الفقهاء: ص 126، طبقات الشافعية الكبرى: 4 ص 256، البداية والنهاية: 12 ص 24).
(3) الإحكام، الآمدي: 1 ص 113، والوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص 79، جمع الجوامع وحاشية البناني عليه: 1 ص 171، شرح الكوكب المنير: 1 ص 405، روضة الناظر: ص 6، مختصر الطوفي: ص 11، المسودة: ص 35.
(4) فواتح الرحموت: 1 ص 112، الإحكام، الآمدي: 1 ص 113، تيسير التحرير: =
(1/342)

والمندوب ليس فيه كلفة ولا مشقة، لأن المكلف يستطيع تركه، بدون عقاب ولا حرمة، فكأن المندوب ليس بتكليف كالمباح.
وقد اعتبر بعض العلماء كلام أبي إسحاق في أن المندوب والمباح من الحكم التكليفي شاذًّا وظاهر الفساد، وأنه لا يليق بشأنه ومكانته، وأوَّلوا كلامه بأنه يريد وجوب اعتقاد الندبية، وهو حكم تكليفي، كما جعلوا المباح تكليفًا، لأن اعتقاد إباحته واجب، وهذا أمر متفق عليه (1).
وأرى أن الخلاف لفظي واصطلاحي، ولا أثر له، لأن كل فريق نظر للأمر من جانب يختلف عن نظر الفريق الثاني.

حكم الشروع في المندوب:
سبق في التعريف أن المندوب ما يستحق فاعله الثواب، وتاركه لا يستحق العقاب، أي: إن المسلم مخير بين الفعل لكسب الثواب، وبين الترك وعدم الأجر، أو إن المكلف إن أراد الثواب والأجر فعل المندوب، وإلا تركه بدون عقاب، أما إذا شرع بالمندوب فهل يبقى له الخيار في استكمال الفعل أو تركه، وإن تركه فلا شيء عليه، أم يجبر على الاستمرار؟ وبتعبير آخر، هل يبقى المندوب بعد الشروع به على حاله السابقة قبل الشروع أم ينقلب إلى واجب؟
اختلف علماء الأصول في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن المندوب يبقى على حاله بعد الشروع فيه، ولا يجب إتمامه، وإن تركه الفاعل فلا إثم عليه ولا يجب عليه قضاؤه، وهو مذهب الشافعية (2).
__________
= 2 ص 224، والمراجع السابقة.
(1) المراجع السابقة، مباحث الحكم: ص 95.
(2) هذا في الصوم والصلاة، أما الحج والعمرة فيجب إتمامهما بعد الشروع فيهما نفلًا =
(1/343)

القول الثاني: أن المندوب ينقلب إلى واجب، ويصبح لازمًا بالشروع، وأن المكلف إذا شرع بالمندوب وجب عليه إكماله، لكن يجوز تركه استثناء بلا إثم للنص عليه، وإن تركه وجب عليه قضاؤه، وهو مذهب الحنفية (1).
وفصل الإمام مالك وأبو ثور فقال: يلزم الإتمام، فإن خرج بلا عذر لزمه القضاء، وإن خرج بعذر فلا قضاء، وهو ما نقله النووي في المجموع (2).

الأدلة:
استدل الحنفية على رأيهم بالأدلة التالية:
1 - قال اللَّه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33)} [محمد: 33]، فالمندوب بعد الشروع به صار عملًا يستحق صاحبه الثواب، فإن تركه فقد أبطل عمله وثوابه، والقرآن الكريم ينهى عن إبطال العمل، فكان إتمامه واجبًا (3).
2 - قياس الشروع في المندوب على النذر بطريق الأولى، وذلك أن النذر التزام قولي، والناذر قبل النذر مخير بين الالتزام وعدمه، وبعد الكلام أصبح النذر واجبًا، وكذا المندوب، فالمكلف قبل الشروع مخير بين الفعل وعدمه، وبعد الشروع ينقلب إلى واجب بالأولى، لأن الفعل
__________
= باتفاق للتشابه مع الفرض في النية والكفارة، (انظر: حاشية البناني على جمع الجوامع: 1 ص 90، 93، كشف الأسرار: 2 ص 634، أصول السرخسي: 1 ص 116، المستصفى: 1 ص 229، المجموع: 7 ص 382، 8 ص 258).
(1) تقريرات الشربيني على جمع الجوامع: 1 ص 90، كشف الأسرار: 2 ص 633، التلويح على التوضيح: 3 ص 79، أصول السرخسي: 1 ص 115.
(2) المجموع: 6 ص 455.
(3) أصول السرخسي: 1 ص 115.
(1/344)

أقوى من القول (1).
ويعترض على الاستدلال بأنه قياس مع الفارق، لأن الناذر التزم الوجوب قولًا، وألزم نفسه به لولايته عليها، وأما الشروع فليس بالتزام يل هو أداء بعض المندوب بنية النفل، وليس بنية الوجوب أو الالتزام به (2).
3 - إن الشروع بالمندوب يجعله حقًّا للَّه، وحقوق اللَّه تعالى يجب صيانتها والحفاظ عليها، وطريق صيانة المندوب هو بإلزام المكلف بالباقي أو بقضائه بعد ذلك احتياطًا في العبادات (3).
واستدل الشافعية على رأيهم بما يلي:
1 - إن المندوب يجوز للمكلف أن يتركه في البدء، فكذلك بعد الشروع به يجوز له تركه، والمكلف مخير بين الاستمرار في الفعل وبين تركه، فالمندوب لا يتغير بالشروع، لأن حقيقة الشيء لا تتغير بالشروع، وأن المندوب يبقى بعد الشروع مندوبًا بدليل أنه يتأدى بنية النفل، وأن إتمام المندوب لا يعتبر إسقاطًا لواجب بل هو أداء لنفل (4).
2 - قياس الصلاة والصيام على الصدقة، وذلك أن الانسان إذا أخرج عشرة دراهم للتصدق بها، فتصدق بدرهم فقط، فهو في الخيار في الباقي، ولا يجب عليه التصدق بالعشرة، وكذا الصلاة والصوم نفلًا، إذا شرع بهما المكلف فلا ينقلب الباقي إلى واجب (5).
3 - قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: "الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام
__________
(1) كشف الأسرار: 2 ص 634، أصول السرخسي: 1 ص 116.
(2) انظر تفصيل هذا الاعتراض والأمثلة عليه في كشف الأسرار: 2 ص 632.
(3) كشف الأسرار: 2 ص 633، التلويح: 3 ص 79، أصول السرخسي: 1 ص 115.
(4) حاشية البناني: 1 ص 92، كشف الأسرار: 2 ص 632، التلويح: 3 ص 79.
(5) كشف الأسرار: 2 ص 632.
(1/345)

وإن شاء أفطر" (1)، وهو نص صريح في حكم المندوب بعد الشروع به، وأن إتمامه عائد إلى المكلف إن شاء استمر، وإن شاء ترك ولا شيء عليه.
ويظهر من الأدلة ترجيح قول الشافعية لقوة استدلالهم في الحديث الشريف، وأنه نص صريح واضح في موضوع النزاع، وأن هذا الحديث خاص في المسألة، ويرد استدلال الحنفية بالآية {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33]، لأنها عامة وتنصرف للأعمال الواجبة جمعًا بين الأدلة، ويتأكد بقاء حكم المندوب على حاله بسبب ورود الحديث، فقد جاء فيه عن أم هانئ رضي اللَّه عنها أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها، فدعا بشراب فشرب، ثم ناولها فشربت، فقالت: يا رسول اللَّه، أما إني كنت صائمة، فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: "الصائم المتطوع أمين نفسه"، وفي رواية: "أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر".
وروى أبو داود والترمذي حديثًا آخر وفيه: "ثم ناوله أم هانئ فشربت منه، فقالت: يا رسول اللَّه، لقد أفطرت وكنت صائمة، فقال لها: أكنت تقضين شيئًا؟ فقالت: لا، قال: "فلا يضرك إن كان تطوعًا" (2).

ملحق:
ونتبع الكلام عن المندوب بمسألتين هامتين نبه عليهما الإمام الشاطبي، وتبعه في ذلك كل من تعرض للكلام عن المندوب.
__________
(1) رواه أبو داود والترمذي وأحمد والحاكم عن أم هانئ، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، انظر: سنن أبي داود: 1 ص 572، سنن الترمذي: 3 ص 81، كشف الخفا: 2 ص 26، الفتح الكبير: 2 ص 200، مسند أحمد: 6/ 341.
(2) سنن أبي داود: 1 ص 572، سنن الترمذي: 3 ص 81.
(1/346)

أولًا: المندوب خادم الواجب:
قال الشاطبي: المندوب إذا اعتبرته اعتبارًا أعم من الاعتبار المتقدم وجدته خادمًا للواجب، لأنه إما مقدمة له أو تكميل له، أو تذكار به، سواء كان من جنس الواجب أو لا، فالذي من جنسه كنوافل الصلوات مع فرائضها، ونوافل الصيام والصدقة والحج، والذي من غير جنسه كطهارة الخبث في الجسد والثوب والمصلى (1)، والسواك وأخذ الزينة وغير ذلك مع الصلاة، وكتعجيل الإفطار وتأخير السحور وكف اللسان عما لا يعني مع الصيام، فإن كان ذلك فهو لاحق بقسم الواجب بالكل، وقلما يشذ عنه مندوب يكون مندوبًا بالكل والجزء (2).
وهذا كلام حق، يُذكِّر بأساس مشروعية المندوب والسنن، وأنها خادمة للواجب، وأن السنة تجبر النقص الذي يقع في الواجبات كالخشوع في الصلاة والتدبر في القراءة فيها، والشرود عند الوقوف بين يدي اللَّه، وما تقع عليه العين في الصوم، وما ينطق به اللسان في نهار رمضان، وغير ذلك، بالإضافة إلى زيادة الأجر والثواب في المندوب، وأنه يذكر بالواجبات للاستعداد لها نفسيًّا وروحيًّا.

ثانيًا: المندوب واجب بالكل:
قال الشاطبي: إذا كان الفعل مندوبًا بالجزء كان واجبًا بالكل، كالأذان في المساجد والجوامع أو غيرها، وصلاة الجماعة وصلاة العيدين وصدقة التطوع والنكاح والوتر والفجر والعمرة وسائر النوافل الرواتب، فإنها مندوب إليها بالجزء، ولو فرض تركها جملة لجرح
__________
(1) هذه الأحكام على مذهب الإمام مالك الذي يجعل الطهارة في الصلاة مندوبًا وسنة، وقال الأئمة الثلاثة: ومالك في قول ثان: إنها شرط صحة الصلاة.
(2) الموافقات، له: 1 ص 92.
(1/347)

التارك لها، ثم يبين ذلك فيقول:
يستحق أهل المصر القتال إذا تركوه (الأذان) .. وقد توعد الرسول - عليه السلام - من داوم على ترك الجماعة منهم أن يحرق عليهم بيوتهم ... والنكاح لا يخفى ما فيه مما هو مقصود للشارع من تكثير النسل وبقاء النوع الإنساني، وما أشبه ذلك، فالترك لها جملة، مؤثر في أوضاع الدين إذا كان دائمًا، أما إذا كان في بعض الأوقات فلا تأثير له، فلا محظور في الترك (1).
وهذا كلام صحيح لا غبار عليه، ولا يخالفه أحد من العلماء، ويبين حكمة إخرى من حكم مشروعية المندوب، وأنه يتعلق بأمور هامة في الواجبات الدينية والمصالح الدنيوية التي أجمع العلماء على اعتبارها من المقاصد العامة في الشريعة، وجاءت الأحكام الشرعية لتحقيقها سواء كانت واجبة أم مندوبة، جزى اللَّه الإمام الشاطبي خيرًا، ووفقنا اللَّه لتطبيق شرعه كاملًا، والعمل فيما يحبه ويرضاه.
__________
(1) الموافقات، له: 1 ص 79.
(1/348)

المطلب الثالث في الحرام
تعريف الحرام:
الحرام لغة: الممتنع فعله، من حرم من بابي قرب وتعب، وسُمِع: أحرمته بمعنى حرمته، والممنوع يسمى حرامًا تسمية بالمصدر (1).
وفي الاصطلاح نذكر تعريفين له، أحدهما: بالحد وبيان الماهية، والثاني: بالرسم وبيان الصفات.

التعريف الأول:
الحرام هو ما طلب الشارع تركه على وجه الحتم والإلزام (2).
1 - ما: اسم موصول، صفة لفعل المكلف.
2 - طلب الشارع تركه: أي: الابتعاد عنه وعدم القيام به، ويدخل فيه الحرام والمكروه؛ لأن الشارع طلب تركهما، ويخرج من التعريف
__________
(1) المصباح المنير: 1 ص 180، القاموس المحيط: 4 ص 94، والأصل فيه: حرمته تحريمًا فهو محرم، أي: الفعل محرم.
(2) المستصفى: 1 ص 76، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 59، حاشية البناني على جمع الجوامع: 1 ص 80، نهاية السول: 1 ص 61.
(1/349)

المباح والمندوب والواجب لعدم طلب تركها من الشارع.
3 - على وجه الحتم والإلزام: فيخرج المكروه، ويبقى الحرام.
ويُعرف طلب الكف الحتمي بالصيغة التي تدل عليه عن طريق الأساليب الكثيرة المفيدة للتحريم (1).

التعريف الثاني:
عرف البيضاوي الحرام بالصفة فقال: هو ما يذم شرعًا فاعله (2).
1 - ما: اسم موصول صفة لفعل المكلف، ويشمل كل أفعال المكلفين التي يتعلق بها الواجب والمندوب والمحرم والمكروه والمباح، ويخرج من التعريف ما ليس بفعل المكلف.
2 - يذم شرعًا فاعله: قيدٌ في التعريف، فيخرج الواجب؛ لأن الذم فيه على الترك، ويخرج المندوب والمكروه والمباح؛ لأنه لا ذم فيه أصلًا، لا على الفعل ولا على الترك، ويبقى المحرم فقط، والذم لا يكون إلا من الشرع، وفعل الحرام يشمل كل ما يصدر عن المكلف من قول محرم كالغيبة والقذف، أو فعل كالسرقة والقتل، أو من عمل القلب كالحقد والحسد، والذم هو اللوم والاستنقاص الذي يصل إلى درجة العقاب (3).
وأضاف بعض العلماء على هذا التعريف قولهم: "ويمدح تاركه"
__________
(1) المحرم: هو طلب الترك الجازم سواء أكان طلب الترك ثابتًا بطريق القطع أم بطريق الظن، خلافًا للحنفية الذين يفرقون بين الحرام والمكروه تحريمًا، وأن الحرام هو ما طلب الشارع تركه بدليل قطعي، وأن المكروه تحريمًا هو ما طلب الشارع تركه حتمًا بدليل ظني، كما فرقوا بين الفرض والواجب في طلب الفعل بناء على قوة الدليل، وقد سبق الكلام عن هذا الموضوع في أقسام الحكم التكليفي.
(2) منهاج الوصول، له: ص 5.
(3) أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 50.
(1/350)

للمقابلة مع تعريف الواجب (1).
ويرادف المحرمَ المحظورُ والمعصية والذنب والممنوع والقبيح والسيئة والفاحشة والإثم والمزجور عنه والمتوعَّد عليه (2).

الأساليب التي تفيد التحريم:
الأساليب التي تفيد التحريم في الكتاب الكريم والسنة الشريفة كثيرة (3)، أهمها:
1 - أن يرد الخطاب صريحًا بلفظ التحريم، وما يشتق منه، مثل قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23]، وقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275]، وقوله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96]، وقوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} [الأنعام: 145]، ومثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "كلُّ المسلم على المسلم حرام: دمُه وماله وعرضه" (4).
2 - صيغة النهي، لأن النهي يفيد التحريم (5)، مثل قوله تعالى:
__________
(1) إرشاد الفحول: ص 6، تسهيل الوصول: ص 250، المستصفى: ص 66، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 63، نهاية السول: 1 ص 61، الإحكام، الآمدي: 1 ص 106.
(2) أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 51، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 63، إرشاد الفحول: ص 6، نهاية السول: 1 ص 61، الإحكام، الآمدي: 1 ص 106.
(3) أصول الفقه، البرديسي: ص 72، مباحث الحكم: ص 98، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص 82، أصول الفقه، شعبان: ص 239، أصول الفقه، الخضري: ص 52، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 41، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية: ص 328.
(4) رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه.
(5) النهي يفيد التحريم عند جمهور العلماء إلا إذا رافقته قرينة تصرفه إلى الكراهة أو =
(1/351)

{وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ} [الأنعام: 151]، وقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الأنعام: 152]، ومن ذلك ما ورد بلفظ النهي مثل قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ} [النحل: 90]، وهذا القسم أكثر الأساليب استعمالًا للدلالة على التحريم.
3 - طلب اجتناب الفعل، مثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)} [المائدة: 90]، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "اجتنبوا السبع الموبقات" (1).
وهذا أمر يفيد وجوب الترك من حيث اللفظ، ويفيد تحريم الفعل من حيث المعنى.
4 - استعمال لفظ "لا يحل"، مثل قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا} [النساء: 19]، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه" (2).
5 - ترتيب العقوبة على الفعلِ سواء كانت في الدنيا أم في الآخرة أم فيهما، مثل قوله تعالى {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4)} [النور: 4]، فالقذف
__________
= الإباحة، وقال بعض العلماء: النهي في الأصل يدل على الكراهة إلا لقرينة، وفي قول: إنه مشترك بينهما، وسوف يدرس هذا الموضوع بالتفصيل في الجزء الثاني إن شاء اللَّه تعالى، وانظر: الأم للشافعي: 5/ 153، ط دار الفكر.
(1) رواه البخاري ومسلم والنسائي، وهي: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات.
(2) رواه أبو داود.
(1/352)

حرام لترتب عقوبة الجلد عليه، وقوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا} [النساء: 93]، فالقتل حرام لتوعد فاعله بالنار.
وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [النور: 19]، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من بدل دينه فاقتلوه" (1)، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)} [النساء: 10]، فأكل مال اليتيم حرام لتشبيهه بأكل النار وتهديده بالعذاب يوم القيامة.
6 - كل لفظ يدل على إنكار الفعل بصيغة مشددة، مثل غضب اللَّه، حرب اللَّه، لعن اللَّه، والتحذير من الفعل، مثل: "إياكم والجلوس على الطرقات" (2)، وكذا وصف الفاعل بالنفاق أو الكفر أو الفسق، مثل قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] .. {الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45] ... {الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47] ومثل نفي الإيمان عنه، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "والله لا يؤمن -ثلاثًا- الذي لا يأمن جاره بوائقه" (3).

حكم الحرام:
من التعريف السابق وبيان الأساليب التي تفيد التحريم يظهر أن حكم الحرام وجوب الترك على المكلف، فإن فعله فإنه يستحق العقاب والذم من اللَّه تعالى، وأن اللَّه تعالى وصف المؤمنين بأنهم الذين يجتنبون ما حرم اللَّه عليهم {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلا اللَّمَمَ} [النجم: 32]، وأن هذه المحرمات ليست إلا فواحش ومنكرات ومضار
__________
(1) رواه البخاري وأحمد وأصحاب السنن الأربعة عن ابن عباس.
(2) هذا طرف من حديث رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود عن أبي سعيد.
(3) رواه البخاري وأحمد عن أبي شريح.
(1/353)

ومفاسد تضر بالفرد والمجتمع، فحرم اللَّه تعالى فعلها، وطلب من المكلفين تركها لتحقيق السعادة لهم في الدنيا والآخرة.

أقسام الحرام:
سبق الكلام أن التشريع جاء لتحقيق العدالة الإلهية ورعاية مصالح البشر في الدنيا والآخرة، فما أوجب اللَّه حكمًا إلا بسبب فوائده ومنافعه الراجحة في تحقيق المصالح، وما حرم أمرًا إلا لرجحان ضرره الحقيقي وثبوت فساده، قال البيضاوي: ما نهي عنه شرعًا فقبيح، وإلا فحسن كالواجب والمندوب والمباح (1).
والمفسدة إما أن تكون راجعة إلى ذات الفعل ويسمى حرامًا لذاته، وإما أن تكون المفسدة راجعة لأمر يتعلق بالمحرم، ويسمى حرامًا لغيره (2).

أولًا: المحرم لذاته:
وهو ما حرمه الشارع ابتداء وأصالة، مثل أكل الميتة والدم والخنزير ولعب الميسر وشرب الخمر والزنا وقتل النفس وأكل أموال الناس بالباطل وزواج المحارم.
ويكون المحرم لذاته غير مشروع أصلًا، لأن منشأ الحرمة فيه عين المحل أو ذات الفعل، وأنه يشتمل على مفسدة ومضرة راجعة إلى الذات.
ويترتب على ذلك أن التعاقد على الحرام باطل، ولا يترتب عليه أثر
__________
(1) منهاج الوصول، له: ص 5.
(2) يرى الحنابلة أن الحرام قسم واحد سواء كان التحريم لذات المحرم أم لأمر عارض له، أو وصف خارج عنه، (انظر: المستصفى: 1 ص 79، المسودة في أصول الفقه: ص 83).
(1/354)

شرعي، والحرام لا يصلح سببًا شرعيًّا، لعدم صلاحية المحل لظهور الحكم الشرعي فيه، فزواج المحارم باطل، والدخول في الزنا باطل، وبيع الميتة باطل، والباطل لا يترتب عليه حكم (1).

ثانيًا: المحرم لغيره:
وهو ما كان مشروعًا في أصله، ولكن اقترن به أمر آخر بسبب مفسدة وضرر للناس، فحرمه الشارع لهذا السبب، مثل الصلاة في ثوب مغصوب، والبيع وقت النداء لصلاة الجمعة، وصوم يوم العيد، وزواج المحلِّل، والصلاة بدون طهارة، فإن الصلاة في الأول مشروعة وواجبة على المكلف، ولكن لما اقترن بها المنكر، وهو الانتفاع بالثوب المغصوب، أصبحت محرَّمة بسببه، والبيع مشروع ومباح، ولكن لما اقترن به منكر وهو الانشغال عن صلاة الجمعة صار محرمًا، ومثله الصوم يوم العيد، وزواج المحلِّل، وصوم الوصال، والغش في البيع.
وينظر العلماء إلى المحرم لغيره من جهتين، فمن جهة أصله فهو مشروع لعدم وجود المفسدة والمضرة فيه، ومن جهة ما اقترن به فهو حرام لما يترتب عليه من مفسدة ومضرة وهو أمر خارجي عن المحل أو الفعل، ولذا فقد اختلفت آراء الأئمة في حكم كل مسألة من المسائل السابقة، وانقسموا في تكييف المحرم لغيره إلى قسمين كل منهما يرجح أحد الجانبين على الآخر، وظهر قولان:
القول الأول: أن التعاقد على المحرم لغيره يكون فاسدًا لا باطلًا، وهو رأي الحنفية، الذين يفرقون بين البطلان والفساد، وأن الفساد مرتبة بين البطلان والصحة، وأن العقد الفاسد منعقد ولكنه غير
__________
(1) أصول الفقه، خلاف: ص 128، مباحث الحكم، مدكور: ص 101، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 43.
(1/355)

صحيح، وأنه يجب فسخه، فإن نفذ ترتبت آثاره عليه، ويكون المال خبيثًا.
القول الثاني: أن العقد على المحرم لغيره باطل كالعقد على المحرم لذاته، وأنه لا فرق بين الفساد والبطلان، وهما مرتبة واحدة، وهو رأي جمهور الأئمة، قال الآمدي: مذهب الشافعي أن المحرم بوصفه مضاد لوجوب أصله (1)، أي: إن التحريم للوصف كالتحريم للأصل تمامًا.
ونتيجة للاختلاف السابق اختلفت الأنظار في حكم كل مسألة محرمة لغيرها، ففرق الحنفية بين الصفة الجوهرية التي يتعلق بها التحريم لغيره ويكون العقد فاسدًا كالربا، وبين الصفة العارضة التي يتعلق بها التحريم لغيره، ويكون حكمها الكراهة فقط، أي: التحريمية، كالبيع وقت أذان الجمعة (2).
وفرق الشافعية بين المحرم لغيره لوصف فيه كالصلاة بدون طهارة وحكمها البطلان، وبين التحريم لأمر خارج عن المحل، وحكمه الصحة مثل الطلاق في زمن الحيض، فهو صحيح لصرف التحريم إلى أمر خارج عن الطلاق وهو ما يفضي إليه من تطويل العدة، وكذا الصلاة في الأوقات والأماكن المنهي عنها (3).
وهذا الاختلاف يرجع إلى مقتضى النهي، وهو ما سنبينه إن شاء اللَّه في مبحثي الأمر والنهي.
وينتج عن تقسيم الحرام إلى حرام لذاته وحرام لغيره، بالإضافة إلى الاختلاف في الفساد والبطلان ينتج أمر آخر، وهو جواز استباحة المحرم في بعض الحالات، فالمحرم لذاته يباح بهدف الحفاظ على الضروريات وهي حفظ الدين والمال والنفس والعقل والعرض، فيباح
__________
(1) الإحكام، له: 1 ص 110، وانظر المدخل للفقه الإسلامي، للمؤلف: ص 5.
(2) أبحاث في علم أصول الفقه: ص 138، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 43.
(3) الإحكام، الآمدي: 1 ص 110، المستصفى: 1 ص 80، المسودة: ص 83.
(1/356)

الخمر للحفاظ على الحياة عند التهلكة، ويرخص بالكفر ظاهرًا للحفاظ على النفس عند الإكراه بالقتل، أما المحرم لغيره فإنه يباح من أجل الحفاظ على الضروريات السابقة، ومن أجل الحفاظ على الحاجيات، وهي التي يؤدي تركها إلى مشقة بالغة على المكلف؛ مثل كشف العورة، فتباح للحفاظ على الحياة أحيانًا، وتباح للطبيب من أجل الاستشفاء من الأمراض، وتخفيف الألم عن المريض (1).

المحرم المعيَّن والمخيَّر:
ينقسم الواجب باعتبار المطلوب فعله إلى واجب معين كالصلاة وواجب مخير كأحد خصال الكفارة، وكذلك المحرم ينقسم إلى قسمين، محرم معين، وهو جميع المحرمات تقريبًا التي نهى عنها الشارع، ورتب على فاعلها العقوبة، كتحريم قتل النفس وعقوق الوالدين والعبودية لغير اللَّه، ومحرم مخير وهو أن يحرم الشارع أحد الأمرين فقط، فإذا فعل أحدهما أصبح الآخر محرمًا، وأن المكلف له أن يفعل عدة أشياء إلا واحدًا منها (2)، وهذا القسم محصور وقليل جدًّا، وله عدة أمثلة:
1 - أن يقول رجل لزوجاته: إحداكن طالق، فتحرم واحدة منهن، فإذا عاشر الزوج ثلاثًا فالرابعة محرمة، كما يجوز أن يعين إحداهن للطلاق أيضًا (3).
__________
(1) أبحاث في علم أصول الفقه، ص 138، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 43.
(2) خالف المعتزلة في هذا التقسيم، وأنكروا وجود المحرم المخير في الشرع (انظر مختصر ابن الحاجب: ص 39، الإحكام، الآمدي: 1 ص 106، القواعد والفوائد الأصولية: ص 96، التبصرة: ص 104).
(3) تسهيل الوصول: ص 263، تيسير التحرير: 2 ص 218، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 63.
(1/357)

2 - النهي عن الجمع بين الأختين في وقت واحد، فالشريعة أجازت الزواج بكل منهما، لكن إذا تزوج إحدى الأختين حرمت عليه الأخرى، ما لم يطلق الأولى أو تموت، وكذلك الجمع بين المرأة وخالتها والمرأة وعمتها (1).
3 - نص القرآن الكريم والسنة الشريفة على التخيير في التحريم بين الأم وبنتها، فكل منهما يجوز الزواج منها، ولكن إذا تزوج من إحداهما حرمت عليه الأخرى، وهذا خير مثال للحرام المخير (2).
4 - كان العرب يعددون الزوجات بدون حد، وجاء الإسلام وبعضهم عنده عشر زوجات، فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - لبعض أصحابه: "أمسك أربعًا وطلق سائرهن" (3)، فتعدد الزوجات زيادة على الأربع زوجات حرام، ولكن لم يعين الشارع المحرمة منهن، وترك الخيار للزوج (4).

الوجوب والحرمة وضدهما (5):
هذه المسألة تتعلق بالواجب والحرام معًا، وقبل الخوض فيها نبين معنى الضد والنقيض من جهة، ونذكر اتفاق العلماء في بعض حالاتها
__________
(1) أصول الفقه، الخضري: ص 53، مختصر ابن الحاجب: ص 39، فواتح الرحموت: 1 ص 110، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 63، الإحكام، الآمدي: 1 ص 106، المسودة في أصول الفقه: ص 81.
(2) أبحاث في علم أصول الفقه: ص 139.
(3) رواه أبو داود وأحمد والشافعي بلفظ: اختر، ثم طلَّق الأربع زمن عمر، نهج البلاغة: 12/ 69.
(4) مباحث الحكم: ص 102، الأم: 5/ 53، ط دار الفكر.
(5) ذكر كثير من العلماء أن هذه المسألة تشمل المندوب والمكروه، وأن المندوب يتضمن كراهة ضده، والمكروه يتضمن استحباب ضده، (انظر: فواتح الرحموت: 1 ص 97، التلويح على التوضيح: 2 ص 239).
(1/358)

من جهة أخرى، ثم نحرر محل النزاع ونبين الآراء في ضد الواجب وضد الحرام.

أولًا: تعريف الضد والنقيض:
الضد يغاير النقيض، والنقيضان هما الأمران اللذان أحدهما وجودي، أي تحقُّق ووقوع ووجود، والآخر عدمي، فلا يجتمعان ولا يرتفعان، مثل الوجود وعدم الوجود، والقعود وعدم القعود، أما الضدان فهما الأمران الوجوديان اللذان لا يجتمعان، وقد يرتفعان، مثل البياض والسواد؛ فإنهما لا يجتمعان في شيء واحد في وقت واحد، ولكن قد يرتفعان ويأتي بدلهما لون الصفرة أو الحمرة.
وبما أن الضد مغاير للنقيض فالواجب له ضد أو أكثر، وله نقيض واحد، فضد الواجب هو الأمر الوجودي المنافي له الذي لا يمكن تحقق الواجب معه، ونقيضه هو تركه وعدم فعله.
والمثال يوضح ذلك، الصلاة واجبة، وضد الصلاة هو الأكل أو الشرب أو النوم، لأنها أمور منافية لها، ولا توجد الصلاة معها، أما نقيض الصلاة فهو تركها وعدم الإتيان بها (1).

ثانيًا: حكم نقيض الواجب والحرام:
اتفق العلماء على أن نقيض الواجب منهي عنه وحرام، لأن الأمر بالشيء يدل على طلب الشيء من جهة، ومنع تركه من جهة أخرى، والمنع من الترك هو النهي عن الترك أو هو الحرام، ويأخذ نقيض الواجب حكم مقدمة الواجب، لأنه لا يتم الواجب إلا بتركه، فهو واجب.
فالترك نقيض الطلب فيكون الترك منهيًا عنه، ومن هنا عرف بعض
__________
(1) أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 132.
(1/359)

الأصوليين الواجب بأنه طلب الفعل مع المنع من الترك، ويظهر أن الترك، وهو المنع من النقيض، جزء من الواجب، والطلب الدال على الكل يدل على الجزء (1)، فالتربص بالعدة واجب لقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 822]، ونقيضه وهو عدم التربص والزواج من آخر، حرام، واجتمع الأمر بالشيء والنهي عن نقيضه في آية واحدة، فقال تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ} [البقرة: 222].
وكذلك فإن نقيض الحرام واجب، فالزنا حرام، وتركه واجب، وشرب الخمر حرام، وتركه واجب، وكتمان المرأة ما يتعلق بعدتها حرام؛ لقوله تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: 228]، وإظهاره واجب.

ثالثًا: حكم ضد الواجب وضد الحرام:
اتفق العلماء على أن الواجب إذا كان له ضد واحد فهو حرام، مثل الإيمان وضده الكفر، فإيجاب الإيمان يقتضي حرمة الكفر (2).
واختلف العلماء في الخطاب الذي يتعلق بالإيجاب إذا كان له عدة أضداد، هل يدل على حرمة الضد بطريق الالتزام أم لا؟ وصورته هو فعل قم، له مفهومان أحدهما: طلب القيام، والآخر: ترك القعود، فهل طلب القيام هو بعينه طلب ترك القعود، أم لا؟ اختلفوا على عدة أقوال، أهمها اثنان:
القول الأول: أن الخطاب بالإيجاب يدل على حرمة الضد بطريق الالتزام (3)، وأن الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده، وأن النهي عن
__________
(1) منهاج الوصول، البيضاوي: ص 11، أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 133.
(2) أبحاث في علم أصول الفقه: 143، أصول السرخسي: 1 ص 94.
(3) إن دلالة اللفظ على المعنى إما أن تكون بطريق المطابقة أو بطريق التضمن أو =
(1/360)

الشيء أمر بأحد أضداده، وهو رأي جمهور الأشاعرة وبعض المعتزلة (1).
واستدلوا على ذلك بأن الإيجاب هو طلب الفعل مع المنع من الترك، فالمنع من الترك جزء من الإيجاب، وهو منهي عنه بطريق التضمن، ويكون الضد منهيًا عنه بطريق الالتزام، لأن الامتناع عن الضد من لوازم وجوب الفعل، وأن الاشتغال بالضد من لوازم الكف عن الفعل (2).
القول الثاني: أن الخطاب الدال على الوجوب لا يدل على حرمة الضد، لا بطريق التضمن ولا بطريق الالتزام، وهو رأي جمهور المعتزلة وبعض الشافعية (3).
واستدلوا على ذلك بأنه لو كان الخطاب الطالب للفعل طلبًا جازمًا يدل على حرمة الضد لكان الآمر متعقلًا للضد ومتصوِّرًا له حتى يحكم بحرمته، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولكن لا يتصور تعقل الضد ومعرفته، وكثيرًا ما يأمر الآمر بالشيء وهو غافل عن الضد الذي
__________
= بطريق الالتزام، أما دلالة المطابقة فهي دلالة اللفظ على جميع معناه، كدلالة إنسان على الحيوان الناطق، وأما دلالة التضمّن فهي دلالة اللفظ على جزء معناه، كدلالة الإنسان مطلقًا، وأما دلالة الالتزام فهي دلالة اللفظ على المعنى اللازم لمعناه، ولا يدل على المعنى الموضوع له لغة، مثل دلالة الإنسان على قابلية العلم أو قابلية النطق، ودلالة المطابقة دلالة لفظية، أما دلالة التضمن والالتزام فدلالتهما عقلية أي: إن اللفظ لا يفيد المعنى إلا بوساطة العقل، انظر نهاية السول: 1 ص 225، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص 64، حاشية الباجوري على متن السلم في فن المنطق: ص 39، روضة الناظر: ص 8.
(1) فواتح الرحموت: 1 ص 97، أصول السرخسي: 1 ص 94.
(2) أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 133، المستصفى: 1 ص 81، فواتح الرحموت: 1 ص 97، أصول السرخسي: 1 ص 94، 270، المسودة: ص 81.
(3) المستصفى: 1 ص 81، فواتح الرحموت: 1 ص 97، المسودة: ص 82.
(1/361)

يفوته، ولذا فلا يكون أمره نهيًا عن الضد بأي نوع من أنواع الدلالة.
ويعترض على الدليل بأن الآمر هنا هو اللَّه تعالى، واللَّه عالم بكل شيء ولا تخفى عليه خافية، ولا يغفل عن الضد، فبطل الدليل، وأن اتفاق العلماء على أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولو كان الآمر غافلًا عنه، وكذا هنا فإن الوجوب لا يتم إلا بترك ضده، فكان الضد واجبًا (1).
والخلاصة الهامة في هذا الموضوع أن ترك الفعل يتحقق بالاشتغال بأي ضد من الأضداد، مثل السرقة والخمر والربا تتحقق بأي ضد كالأكل والشرب والصلاة وقيام الليل والوضوء، أما حصول الفعل المطلوب حتمًا، وهو الواجب، فإنه يتوقف على ترك جميع الأضداد المنافية له، مثال ذلك أن ترك الصلاة يتحقق عند الاشتغال بالأكل أو بالشرب أو بالنوم، ولكن أداء الصلاة يتوقف على ترك جميع الأمور التي تتنافى مع الصلاة، ولذا قال العلماء: إن إيجاب الشيء يقتضي حرمة جميع الأضداد المنافية له، وإن النهي عن الشيء يقتضي وجوب الاشتغال بأي ضد من الأضداد، ولا يقتضي وجوب جميع الأضداد (2).
ويضع صدر الشريعة ضابطًا ومعيارًا لذلك فيقول: والصحيح أن ضد الأمر إن فوَّت المقصود بالأمر، يحرم، وإن فوَّت ضد النهي المقصود بالنهي يجب (3).
__________
(1) المستصفى: 1 ص 82، أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 143، نهاية السول: 1 ص 135.
(2) أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 134، المسودة في أصول الفقه: ص 81، أصول السرخسي: 1 ص 96، التبصرة: ص 89، الفوائد، ابن القيم: ص 226، ط دار البيان.
(3) التنقيح، له 2 ص 238.
(1/362)

الوجوب والحرمة في أمر واحد:
ونختم الكلام عن الحرام بمسألة أخرى يشترك فيها الحرام مع الواجب، وهي هل يجتمع الإيجاب والتحريم في أمر واحد؟ وبتعبير آخر هل يكون الفعل واجبًا وحرامًا معًا؟
إن الواجب والحرام ضدان، والضدان لا يجتمعان في الأمر الواحد باتفاق العقلاء، ولكن اختلفوا في المقصود من الواحد الذي يعتبر محلًا للواجب والحرام، ويتعلق به الإيجاب والتحريم (1)، ويتفرع الكلام حسب الحالات الأربع التالية:

الحالة الأولى:
إذا كان الفعل واحدًا بالجنس فيجوز أن يتعلق به الواجب والحرام، أو ينقسم إلى واجب وحرام، وتكون القسمة بحسب الأوصاف والإضافات، كالسجود للَّه تعالى، والسجود للصنم، فالسجود الأول واجب والسجود الثاني حرام، ولا تناقض بينهما في تعلق الإيجاب والتحريم في السجود، بقوله تعالى {لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ} [فصلت: 37]، فلا يلزم من تحريم أحد السجودين تحريم الآخر، ولا من وجوب الثاني وجوب الأول، للتغاير بالشخصية بين السجود للَّه والسجود للصنم (2).
__________
(1) مختصر ابن الحاجب: ص 39، المستصفى: 1 ص 76، الإحكام، الآمدي: 1 ص 107.
(2) خالف المعتزلة في هذه الحالة وقالوا: إن السجود نوع واحد مأمور به، والساجد للصنم عاص لأنه يقصد تعظيم الصنم وليس بنفس السجود: (انظر المستصفى: 1 ص 76، فواتح الرحموت: 1 ص 104، البرهان، للجويني: ص 304، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 63، الإحكام، الآمدي: 1 ص 107، المسودة: ص 84، أصول الفقه، الخضري: ص 54). =
(1/363)

الحالة الثانية:
إذا كان الواحد متعلقًا بشخص واحد، وليس له إلا جهة واحدة فلا يجوز وجوب الفعل وحرمته في آن واحد، لأنه مستحيل، لأن الطلب يتضمن جواز الفعل، وهو يناقض طلب الترك، فيكون تكليفًا بالمحال، ومعنى هذا أن الفعل يجوز تركه ولا يجوز تركه في آن واحد، كوجوب الصلاة على زيد المكلف الصحيح، وحرمة الصلاة عليه في وقت واحد (1).

الحالة الثالثة:
إذا تعددت الجهة التي يتعلق بها الخطاب، وكانت الجهتان متلازميتن فلا يجتمع الفعل وطلب الترك، لأن الجهتين المتلازمتين ترجعان إلى جهة واحدة، كصوم يوم النحر نذرًا، ففيه مطلق الصوم، والصوم في ذلك اليوم، والمطلق في ضمن المقيد، ومثل الصلاة في الوقت المكروه مكروهة فلا يثاب عليها، وبالتالي فالصوم باطل، والصلاة باطلة عند بعض العلماء، وقال الحنفية: الصلاة والصوم فاسدان، لأن التحريم ورد لأمر عارض، بينما الصلاة والصوم مشروعان بأصلهما، فالصلاة والصوم منعقدان عندهم مع الفساد، وقال بعض الشافعية بصحة الصلاة والصوم لصرف النهي فيهما عن الصلاة والصوم إلى أمر خارج منهما (2).
__________
(1) تسهيل الوصول: ص 265، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص 72، تيسير التحرير: 2 ص 219.
(2) تسهيل الوصول: ص 265، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص 76، الإحكام، الآمدي: 1 ص 111.
(1/364)

الحالة الرابعة:
إذا تعددت الجهة، وكانت الجهتان غير متلازمتين كالصلاة في الأرض المغصوبة، فهنا اختلف العلماء في اجتماع الوجوب والحرمة في هذا الفعل على قولين:
القول الأول: جواز تعلق الطلب مع تعلق النهي في فعل المكلف، ويصح التكليف به، وهو رأي الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية وأحمد في قول، لأن النهي لأمر خارج عن ذات الفعل فلا يقتضي الفساد، فالصلاة والغصب جهتان منفكتان ولا تلازم بينهما، لإمكان وجود أحدهما دون الآخر، ولتغاير الفعل المحكوم عليه باعتبار اختلاف الجهتين من الغصب والصلاة، فتكون الصلاة في الأرض المغصوبة واجبة بالنظر إلى جهة الصلاة، ومحرمة بالنظر إلى جهة الغصب، ويقيسون ذلك على الأمر لشخص بالخياطة وعدم السفر، فإذا خاط وسافر فهو مطيع في الخياطة عاص في السفر قطعًا، ولأن التغاير بين الشيئين إما أن يكون بتعدد النوع تارة كالإنسان والفرس، وإما بتعدد الشخص تارة كزيد وعمرو، وإما أن يكون باختلاف الصفات في الموضوع الواحد كهذا المثال (1).
واحتجوا أيضًا بإجماع السلف على عدم أمر الظالمين عند التوبة بقضاء الصلوات المؤداة في الدور المغصوبة، وعدم نهي الظالمين عن الصلاة في الأراضي المغصوبة (2).
__________
(1) تسهيل الوصول: ص 266، المستصفى: 1 ص 76، فواتح الرحموت: 1 ص 105، 106، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 63، الإحكام الآمدي: ص 107، مختصر ابن الحاجب: ص 39، أصول الفقه، الخضري: ص 55، الفروق: 2 ص 85، البرهان، للجويني: 1 ص 284.
(2) المستصفى: 1 ص 77، فواتح الرحموت: 1 ص 109، تيسير التحرير: 1 ص 220، =
(1/365)

القول الثاني: عدم تعلق الطلب والنهي في أمر واحد ولو تعددت جهته، وهو مذهب الإمام أحمد وأكثر المتكلمين والظاهرية (1).
وقالوا: إن الصلاة لا تصح في الأرض المغصوبة، ولا يسقط الواجب عندها، لأن الصلاة استمرار ومكث في الأرض المغصوبة، وهذا منهي عنه، والمنهي عنه يستحيل أن يكون واجبًا، وإن إقامة الصلاة في المكان المغصوب ليست الإقامة المأمور بها في الصلاة، وإن الفعل الصادر من المكلف واحد، فلا يكون مثابًا عليه ومعاقبًا عليه في آن واحد (2).
__________
= مختصر ابن الحاجب: ص 39، البرهان: 1 ص 288.
(1) قال الباقلاني والرازي في قول ثالث: إن الصلاة في الأرض المغصوبة تسقط عن المكلف، ولكن أداءها واجب بدليل الإجماع السابق، (انظر: المراجع السابقة، البرهان، للجويني: 1 ص 287).
(2) انظر الرد على هذا القول وأدلته في تسهيل الوصول: ص 267، المستصفى: 1 ص 77، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 63، الإحكام، الآمدي: 1 ص 107، المسودة: ص 83، مختصر ابن الحاجب: ص 39، أصول الفقه، الخضري: ص 53.
(1/366)

المطلب الرابع في المكروه
تعريف المكروه:
المكروه لغة: القبيح، من كره الأمر مثل قبح، وزنًا ومعنى، وهو ضد المحبوب، والكريهة الحرب، أو الشدة في الحرب (1).
وفي الاصطلاح نذكر تعريفين له، الأول: يتعلق بالذات والماهية، والثاني: يتعلق بالرسم والصفة.

التعريف الأول:
المكروه هو ما طلب الشارع تركه طلبًا غير جازم (2).
والتعريف واضح بعد ما سبق بيانه في شرح تعريف الحرام، فالمكروه هو الفعل الذي طلب الشارع تركه وعدم القيام به، وكان هذا الطلب بدون حتم ولا إلزام، مما يدل على كراهة الفعل، ورغبة المشرع في الابتعاد عنه.
__________
(1) المصباح المنير: 2 ص 729، القاموس المحيط: 4 ص 291.
(2) نهاية السول: 1 ص 52.
(1/367)

التعريف الثاني:
عرف الإسنوي المكروه فقال: "هو ما يمدح تاركه ولا يذم فاعله" (1).
فالمكروه هو ما يستحق تاركه المدح والثناء والأجر والثواب من اللَّه تعالى، أما فاعله فلا يستحق العقاب والذم، وقد يستحق اللوم والعتاب، ومثال المكروه أكل لحم الخيل، وشرب لبنها عند الحنفية، وترك السنن المؤكدة، والصلاة في الأوقات المكروهة، وغير ذلك مما سنذكره خلال البحث.
والمكروه يقابل المندوب، ولذا يطلق على ترك المندوب، ويطلق على ترك كل مصلحة راجحة، وقد يطلق المكروه على الحرام، مثل قولهم: يكره التوضؤ بآنية الذهب والفضة، أي: يحرم، وقد يطلق على ترك الأولى (2).

الأساليب التي تدل على الكراهة:
1 - اللفظ الصريح بالكراهة، وما أشبهها من الألفاظ التي تصرح بعدم الاستحسان، مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن اللَّه كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال" (3)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أبغض الحلال إلى اللَّه الطلاق" (4).
__________
(1) نهاية السول: 1 ص 61، وانظر: إرشاد الفحول: ص 6، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 63، أصول الفقه، الخضري: ص 53.
(2) المدخل إلى مذهب أحمد: ص 63، مختصر ابن الحاجب: ص 41، أعلام الموقعين: 1 ص 41، وكان الإمام مالك يعبر كثيرًا عن الحرام بالمكروه ورعًا وخوفًا واحتياطًا.
(3) رواه البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة.
(4) رواه أبو داود وابن ماجه، وأخرجه الحاكم وصححه، ورواه البيهقي.
(1/368)

2 - أن ينهى الشارع عنه نهيًا مقترنًا بما يدل على صرفه إلى الكراهة، مثل قوله تعالى في كراهة السؤال عن المباح خشية أن يحرم على المؤمنين: {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101]، والقرينة التي صرفت النهي عن التحريم إلى الكراهة هي قوله تعالى: {وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا} [المائدة: 101].
3 - أن يطلب الشارع اجتنابه وتركه مع القرينة التي تدل على الكراهة دون التحريم، مثل قوله تعالى في كراهة البيع وقت النداء لصلاة الجمعة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9] قال الحنفية: القرينة على صرف الطلب من التحريم إلى الكراهة أن البيع مشروع ومباح في أصله، وإنما كره لأنه يشغل عن الصلاة.
ونلاحظ أن الأساليب التي تفيد التحريم والكراهة واحدة تقريبًا وتشترك فيما بينها، فإن طلب الشارع الكف عن أمر، أو جاء النهي عامًّا، أو طلب الاجتناب مطلقًا، كان الفعل حرامًا، وإن وجدت القرينة التي تصرفه عن الحرمة كان مكروهًا، ومن القرائن اللفظية والنصية ترتيب العقوبة على الفعل أو عدم ترتيبها (1).

حكم المكروه:
إن الفعل المكروه يشتمل على بعض المفاسد، ولذا ترجح طلب تركه على طلب فعله، ولكنه لم يصل إلى درجة الحرام، وإن فاعله لا يستحق العذاب والعقاب في الدنيا والآخرة، وقد يستحق اللوم والعتاب على فعله، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فمن رغب عن سنتي فليس
__________
(1) أصول الفقه، خلاف: ص 129، مباحث الحكم: ص 150، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص 85، أصول الفقه الإسلامي، شعبان: ص 241، أصول الفقه، البرديسي: ص 77.
(1/369)

مني" (1)، وتارك المكروه يمدح ويثاب إذا نوى به التقرب إلى اللَّه تعالى.
ويتفرع عن بحث المكروه عدة أحكام هي:
1 - اختلف العلماء في المكروه، هل هو منهيٌّ عنه أم لا؟ كما اختلفوا في المندوب هل هو مأمور به أم لا؟ والجمهور على المكروه منهي عنه حقيقة، خلافًا للحنفية، كما أن المندوب مأمور به، والأدلة واحدة، والخلاف واحد، وقد سبق الكلام عنه في المندوب (2).
2 - اختلف العلماء في المكروه هل يعتبر حكمًا تكليفيًّا أم لا؟ ذهب الجمهور إلى أنه ليس تكليفًا، لأن تركه ليس إلزامًا، ولا كلفة فيه، وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني: إنه تكليف، والأدلة نفسها التي سبقت في المندوب (3).
وخلاصة القول: إن المكروه مع المحرم كالمندوب مع الواجب.
3 - إن الحنفية يقسمون المكروه إلى قسمين، مكروه تحريمي ومكروه تنزيهي، والمكروه التحريمي هو ما طلب الشارع تركه طلبًا جازمًا بدليل ظني مثل لبس الحرير والذهب على الرجال الثابت بحديث رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: "هذان حرام على رجال أمتي حلٌّ لإناثهم" (4)، والبيع على بيع الآخر، والخطبة على خطبة غيره، وحكمه أنه إلى الحرام أقرب، وهو قسم من الحرام عند الإمام أبي حنيفة والإمام أبي يوسف، وإن أطلق عليه لفظ المكروه، ويأخذ أحكام الحرام تقريبًا من تحريم
__________
(1) رواه البخاري ومسلم من حديث طويل.
(2) تيسير التحرير: 2 ص 225، الإحكام، الآمدي: 1 ص 114، مختصر ابن الحاجب: ص 41.
(3) المراجع السابقة، الموافقات: 1 ص 97.
(4) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد عن علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه.
(1/370)

الفعل وطلب الترك واستحقاق العقاب على الفعل، ولكن لا يكفر جاحده.
والمكروه التنزيهي هو ما طلب الشارع تركه طلبًا غير جازم، وحكمه مثل حكم المكروه المذكور عند الجمهور سابقًا، وأن فاعله يخالف الأولى في المكروه، مثل الوضوء من سؤر سباع الطير، وأكل لحوم الخيل (1).
4 - قسم بعض الشافعية المكروه إلى قسمين، بحسب الدليل في النهي، فإن كان النهي غير الجازم مخصوصًا بأمر معين فهو مكروه، مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" (2)، ومثل النهي عن الصلاة في أعطان الإبل، فإنها خلقت للشياطين (3)، وإن كان النهي غير الجازم غير مخصوص بأمر معين فيكون فعله خلاف الأولى، كالنهي عن ترك المندوبات وإفطار المسافر في رمضان (4).
__________
(1) الإحكام، ابن حزم: 3 ص 321، التوضيح: 3 ص 80، مصادر التشريع الإسلامي، صالح: ص 549، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 44، أصول الفقه، خلاف: ص 131، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص 87، أصول الفقه، البرديسي: ص 77.
(2) رواه البخاري ومسلم وأحمد وأصحاب السنن.
(3) رواه ابن ماجه، وأعطان الإبل: المبارك التي تنام فيها، أو تجتمع للشرب فيها.
(4) حاشية البناني على جمع الجوامع: 1 ص 80، حاشية العطار على جمع الجوامع: 1 ص 113.
(1/371)

المطلب الخامس في المباح
تعريف المباح:
المباح لغة: المأذون والمعلن، من باح الشيء ظهر، وأباحه أظهره، والإباحة بمعنى الإظهار وبمعنى الإطلاق والإذن، وأباح لك ماله: أذن في الأخذ والترك، وجعله مطلق الطرفين، وأباح الشيء أحله لك (1).
وفي الاصطلاح نذكر تعريفين للمباح -كما أسلفنا في غيره- صع البيان أن المعنى الاصطلاحي لا يخرج عن المعنى اللغوي.

التعريف الأول:
المباح هو ما خير الشارع المكلف بين فعله وتركه (2).
فالشارع لم يطلب فعل المباح ولم يطلب تركه واجتنابه، فهو مستوي الطرفين، ويعترض على هذا التعريف بأنه غير مانع، فيدخل فيه
__________
(1) المصباح المنير: 1 ص 91، القاموس المحيط: 1 ص 216.
(2) نهاية السول: 1 ص 52 وحاشية البناني على جمع الجوامع: 1 ص 83.
(1/373)

الواجب المخير، فإن كل خصلة منه يخير المرء بين فعلها وتركها، ويدخل فيه الواجب الموسع، لأن المكلف مخير بين الصلاة في أول الوقت أو في تركها (1).
ويرد على هذا الاعتراض بأن الواجب الموسع أو المخير مطلوب من الشارع، وبعد طلبه خير المكلف في أجزائه أو في وقته، أما المباح فليس مطلوبًا أصلًا.

التعريف الثاني:
عرف الشوكاني المباح بأنه ما لا يمدح على فعله ولا على تركه (2).
فالشارع الكريم قصد تخيير المكلف في الفعل والترك، فما فعله المكلف فهو قصد الشارع، وذلك لتساوي المفاسد والمصالح في المباح، أو لتساوي النفع والضرر فيه، أو لأن الطبيعة البشرية والفطرة الإنسانية والعقل السليم الذي خلقه اللَّه تعالى يتجه نحوه، كإباحة الأكل والشرب وأنواع اللباس والمشي في الطرقات والتمتع بالهواء والوقوف في الشمس، ولذا فإن فاعله لا يستحق المدح وتاركه لا يستحق المدح.
وجمع الغزالي وغيره بين التعريفين السابقين فقالوا: المباح ما ورد الإذن من اللَّه تعالى بفعله وتركه، غير مقرون بذم فاعله ومدحه، ولا بذم تاركه ومدحه (3).
ويرادف المباح الحلال والجائز والمطلق (4).
__________
(1) الإباحة عند الأصوليين والفقهاء، مدكور: ص 32، أصول الفقه، خلاف: ص 130، أصول الفقه، الخضري: ص 57.
(2) إرشاد الفحول: ص 6، وانظر: كتاب الحدود في الأصول، الباجي: ص 55.
(3) المستصفى، له: 1 ص 66، وانظر: المدخل إلى مذهب أحمد: ص 64، الإحكام، الآمدي: 1 ص 115، نهاية السول: 1 ص 61، أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 58.
(4) إرشاد الفحول: ص 6.
(1/374)

الأساليب التي تفيد الإباحة (1):
1 - النص الصريح على إباحة الفعل أو التخيير فيه، مثل: افعلوا إن شئتم، أو اتركوا إن شئتم، كقوله - صلى الله عليه وسلم - في الصوم في السفر: "إن شئت فصم وإن شئت فأفطر".
2 - النص على عدم الإثم على الفعل أو ما في معناه، كعدم الجناح ونفي الحرج، قال تعالى في إباحة الخلع على مال بين زوجين: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229]، وقال تعالى في إباحة التعريض بالخطبة للمتوفى عنها زوجها في أثناء العدة: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} [البقرة: 235]، وقال تعالى في إباحة ترك الجهاد على الأعمى وإباحة الأكل من بيت المرء وبيت أبيه وأمه: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ} [النور: 61].
3 - الأمر بالفعل مع القرينة الدالة على أن الأمر للإباحة وليس للوجوب أو الندب، مثل قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} [الأعراف: 31]. وقوله تعالى {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} [الجمعة: 10].
4 - الأمر بالفعل بعد حظره، فإنه يفيد الإباحة، مثل قوله تعالى في إباحة الصيد بعد التحلل من الحج: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2]، وكان محرمًا في أثناء الحج بقوله تعالى: {غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 1]، ومثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا
__________
(1) انظر: المستصفى: 1 ص 75، تيسير التحرير: 1 ص 225، الموافقات: 1 ص 87 وما بعدها، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 45، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص 89، مصادر التشريع الإسلامي، صالح: ص 549، أصول الفقه، خلاف: ص 130، الإباحة، مدكور: ص 65.
(1/375)

فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة" (1).
وهذا الأسلوب الرابع يرجع إلى ما قبله، وأن الأمر بالفعل بعد حظره قرينة على صرف الأمر للإباحة.
5 - النص على حل الفعل، مثل قوله تعالى في إباحة الطعام وغيره من الطيبات وإباحة طعام أهل الكتاب: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 5]، ومثل قوله تعالى في إباحة الزواج من غير المحارم: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} [النساء: 24]، وقال تعالى في إباحة معاشرة الزوجة في ليالي رمضان: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187].
6 - الإباحة الأصلية للفعل عند عدم الأمر به أو النهي عنه، لأن المقرر في الشريعة الغراء أن الأصل في الأشياء الإباحة، فإن لم يرد نص شرعي في مسألة ما فيكون حكمها الإباحة لاستصحاب الأصل فيها (2).
7 - الاستثناء من أشياء محرمة، كقوله تعالى: (حرمت عليكم ... إلا ...}.

حكم المباح:
يظهر حكم المباح من تعريفه، أن فاعله أو تاركه لا يستحق العقوبة ولا الذم ولا العتاب، ولا يستحق الثواب والأجر والمدح، وأن الشارع لم يطلب فعله ولم يطلب اجتنابه (3)، والأدلة على ذلك ما يلي:
__________
(1) رواه ابن ماجه والحاكم عن أنس.
(2) المدخل إلى مذهب أحمد: ص 64، المستصفى: 1 ص 75، الإحكام: ابن حزم: 6 ص 870، وقارن ما قاله ابن حزم في هذا الموضوع في الإحكام، له: 3 ص 332، وانظر تفصيل هذا الموضوع بإسهاب في كتاب الإباحة، مدكور: ص 484 وما بعدها.
(3) الموافقات: 1 ص 36 وما بعدها، الإحكام، ابن حزم: 3 ص 321، أصول الفقه، =
(1/376)

1 - إن حقيقة المباح عند الشارع هو التخيير في الفعل والترك من غير مدح ولا ذم، وعند تحقق الاستواء بين الطرفين والتخيير فيهما فلا يتعلق الثواب والأجر أو الذم والعقاب على الفعل أو الترك.
2 - إن فاعل المباح لا يعتبر مطيعًا، لأن الطاعة لا تكون إلا على طلب، كما أن تاركه لا يكون مطيعًا، لأن الشارع لم يطلب تركه، وإذا افترضنا أن فاعله مطيع وله الأجر، فيجب أن يكون تاركه مطيعًا وله الأجر، وهذا غير صحيح ولا معقول.
3 - إن النذر بترك المباح لا يلزم الوفاء به، لأن فعل المباح ليس طاعة، وكذا تركه.
4 - إن المباح قسم خامس في الحكم التكليفي يختص بالتخيير من الشارع، والمساواة بين الطلب والترك، وعدم تعلق الطاعة به، فلو تعلقت به طاعة كان مطلوبًا، ودخل في الواجب أو المندوب، وخرج عن كونه قسمًا خامسًا، وهو مخالف للإجماع.
ويتعلق بحكم المباح أمران:
الأول: أن المباحات إذا قَصَدَ بها المكلف وجه اللَّه تعالى، وابتغى مرضاته، وأنه يقوم بها بقصد الطاعة فإنها تنقلب إلى طاعة وعبادة، كالأكل للتقوي على الطاعة والعبادة والعلم والجهاد، ومثل التمتع بأشعة الشمس بقصد تنشيط الجسم ليصبح قويًّا صحيحًا يحبه اللَّه ورسوله: "المؤمن القوي خير وأحب إلى اللَّه من المؤمن الضعيف وفي كل خير" (1).
وهذا الموضوع ميزة من ميزات وخصائص الإسلام في توسيع معنى
__________
= الخضري: ص 57، الإباحة، مدكور: 285.
(1) رواه مسلم وابن ماجه وأحمد عن أبي هريرة.
(1/377)

العبادة، وأن كل أمر قصد به المكلف وجه اللَّه تعالى أصبح عبادة يستحق به صاحبه الأجر والثواب.
الثاني: أن المباح خادم للواجب والمندوب، وأن المباح مباح بالجزء مطلوب الفعل أو مطلوب الترك بالكل (1)، وهذا ما انفرد به الشاطبي، وسوف نعرضه بالتفصيل في نهاية البحث.

هل المباح مأمور بطلبه أو باجتنابه؟:
قبل الجواب عن هذا السؤال نبين أن المباح حكم شرعي بإجماع علماء الأصول، وخالف بعض المعتزلة وقالوا: إن المباح ليس حكمًا شرعيًّا، لأن المباح ما لا حرج في فعله وتركه، وهذا ثابت قبل النص عليه في الشرع، فيبقى مستمرًا لاستصحاب الحال، ولا علاقة للحكم التكليفي به، والواقع أن المباح كحكم شرعي هو خطاب اللَّه تعالى المتعلق بتخيير المكلف بين الفعل والترك، وهذا ثابت بالخطاب الذي تثبت به الأحكام الشرعية الأخرى (2)، ولئن كان المباح حكمًا شرعيًّا، فإنه ليس حكمًا تكليفيًّا، لأن التكليف ما فيه كلفة ومشقة، والتخيير ليس فيه كلفة ومشقة، وإنما دخل في الحكم التكليفي من جهة التغليب، ويدخل في الواجب من جهة الاعتقاد بإباحته (3).
أما من جهة الأمر بالمباح فيكاد العلماء يتفقون على أن المباح غير مأمور به، وأن الشارع خير المكلف فيه، فلم يأمر المكلف بفعله ولم يطلب منه الترك (4).
__________
(1) الموافقات: 1 ص 78، 85.
(2) المستصفى: 1 ص 75، الإحكام، الآمدي: 1 ص 115، مباحث الحكم: ص 107.
(3) الإحكام، الآمدي: 1 ص 117، مباحث الحكم: ص 109، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 64.
(4) المستصفى: 1 ص 75، تيسير التحرير: 2 ص 226، الإحكام، الآمدي: 1 ص 115، =
(1/378)

وخالف في ذلك الكعبي من كبار المعتزلة، وقال: إن المباح مأمور به، ونفى وجود المباح في الأحكام الشرعية، وأن الأحكام الشرعية إما أن تكون مطلوبة الفعل أو مطلوبة الترك، واستدل على ذلك بأن القيام بأحد المباحات يشغل المكلف عن الحرام، ويكون عمل المباح تركًا للحرام، وترك الحرام واجب، فالمباح واجب، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فالاشتغال بالأكل أو بالصيد يمنع الإنسان ويبعده عن السرقة وشرب الخمر وقذف المحصنات والغيبة والنميمة.
وقال الكعبي أيضًا: إن الأحكام الشرعية تتعلق بالنفع والضرر للأفعال، فإن كانت نافعة، أو كان نفعها أكثر من ضررها فهي مطلوبة الفعل، وإن كانت ضارة، أو كان ضررها أكثر من نفعها، فهي مطلوبة الترك، وإنه لا يوجد فعل يتساوى فيه النفع والضرر في آن واحد، أو يتساوى فيه الوجود والعدم، فالأكل فيه منفعة ومطلوب فعله لتغذية الجسم، والنوم مطلوب لصحة الإنسان، واللهو مطلوب بمقدار ما ينتفع الذهن به (1).
وناقش الجمهور أدلة الكعبي وردوا شبهته بأن ترك الحرام والكف عنه أمر نفسي وإرادي ولا يتحقق بالاشتغال بالمباح، وأن المرء يمارس المباحات دون أن يخطر بباله ترك الحرام (2).
__________
= الموافقات: 1 ص 73، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 64، مختصر ابن الحاجب: ص 41.
(1) المراجع السابقة: أصول الفقه، الخضري: 58، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 47، البرهان، الجويني: 1 ص 294.
(2) أصول الفقه، الخضري: ص 59، مباحث الحكم: ص 108، الإباحة: ص 289، وما بعدها.
تيسير التحرير: 2 ص 226، مباحث الحكم: ص 109.
(1/379)

كما ينتج عن قول الكعبي نتائج خطيرة لا يقرها الشرع، وذلك أن ترك الحرام قد يكون بالمباح أو بالمندوب أو بغيرهما فلم يتعين المباح لترك الحرام، وأن ترك الحرام قد يكون بحرام مثله، فهل يكون الحرام الثاني واجبًا حسب قاعدة الكعبي؟ لأنه ينشغل به الفاعل عن الحرام الأول، وأن الصلاة إذا شغلت عن واجب آخر أصبحت حرامًا؟ وهذا غير صحيح باتفاق.
وأجمع العلماء على تقسيم الفعل إلى خمسة أقسام، وأن المباح هو القسم الخامس، فإن نفاه الكعبي فيكون مخالفًا للإجماع، وهذا باطل (1).
ولو اقتصر الكعبي على أن بعض المباح قد يكون واجبًا لكان صحيحًا، وذلك إذا اتجه المرء إلى حرام، ولم يستطع تركه إلا بالاشتغال بمباح، فيكون المباح هنا واجبًا، لأنه وسيلة إلى واجب وهو ترك الحرام (2).
والمباح قد يؤدي إلى مصلحة محققة أو مفسدة ومضرة فيتغير وصفه من المباح إلى غيره كالمندوب والمكروه إذا أدى إلى عكسه فيتغير حكمه (3).
وخلاصة القول: إن المباح حكم شرعي، وإنه حكم غير تكليفي، وإن المباح غير مأمور به شرعًا.

أقسام المباح:
ينقسم المباح من حيث تعلقه بالنفع والضرر إلى ثلاثة أقسام:
__________
(1) تيسير التحرير: 2 ص 227.
(2) مباحث الحكم: ص 109.
(3) انظر تفصيل ذلك في الإباحة، مدكور: ص 372 وما بعدها.
(1/380)

1 - قسم لا ضرر على المكلف في فعله وتركه، كالأكل والشرب واللباس والصيد وصبغ الثياب والتنزه في الهواء الطلق وغير ذلك مما سبق شرحه.
2 - وقسم لا ضرر على المكلف في فعله مع فساده وثبوت ضرره وتحريم أصله، وهو ما أباح الشارع فعله من المحرمات للضرورة أو للإكراه، وما أباح الشارع تركه من الواجبات في حالات خاصة، أو لا ضرر على المكلف بتركه مع وجوب أصله كالإفطار للحامل المرضع والمسافر، وترك القيام في الصلاة للعاجز، وسوف ندرس هذا القسم في الرخصة والعزيمة (1)، وما أباح الشارع فعله بعد تحريمه لسبب طارئ مثل دم المرتد يباح، ولا ضرر على إراقته، وقد كان دمه حرامًا فلما ارتد زالت حرمة دمه، بل ينقلب إلى وجوب قتله على الحاكم، وكذلك أخذ جزء من مهر المرأة فإنه حرام لقوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20)} [النساء: 20]، أما إذا استمر الشقاق بين الزوجين فيباح للرجل أن يأخذ من مال زوجته ما تفتدي به نفسها في الخلع كما سبق، لقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229].
3 - قسم ثبت فساده وضرره، ولكن اللَّه تعالى عفا عن صاحبه، فصار فعله مباحًا، فلا يذم على تركه ولا يثاب على فعله، ويعرف عند الفقهاء بمرتبة العفو.
والأمثلة على ذلك كثيرة، كارتكاب المحرمات قبل الإسلام، مثل الزواج من المحارم، والزواج من زوجة الآباء، والجمع بين الأختين،
__________
(1) انظر تفصيل ذلك في كتاب: الإباحة، مدكور ص 372 وما بعدها.
(1/381)

ثم جاء الشرع السماوي فحرم هذه الأفعال، ونص على العفو عنها، فقال تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (22)} [النساء: 22]، وأكد هذا العفو رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "الإسلام يَجُبُّ ما قبله" (1)، ومثله ما كان شائعًا في أول الإسلام ولم يحرم، واستمر المسلمون على فعله، ثم نص الشرع على تحريمه، كالخمر وتعدد الزوجات فوق الأربع وبعض بيوع الجاهلية وغيرها مما حرمته الشريعة، فكانت قبل التحريم مباحة لا يعاقب فاعلها.
وهذا القسم يعتبر من المباح تبعًا لا أصالة.
واعتبر بعض الفقهاء هذا القسم مرتبة مستقلة عن الأحكام الخمسة، وأنها مرتبة بين الحلال والحرام، لأن المباح هو ما تساوى طرفاه في النفع والضرر، وهذا القسم ثبت ضرره أكثر من نفعه قطعًا لتحريم الشارع له، ولكن اللَّه تعالى عفا عنه، ولم يعذب صاحبه كشارب الخمر مثلًا، واستدل الفقهاء على قولهم بما ورد من النصوص التي تدل على هذه المرتبة المستقلة مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن اللَّه فرض فرائض فلا تضيعوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وعفا عن أشياء رحمة بكم، لا عن نسيان، فلا تبحثوا عنها" (2)، ومثل قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} [التوبة: 43]، وقوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} [المائدة: 95]، وما ثبت من العفو عن الخطأ والنسيان والاستكراه، وأن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - كان يكره كثرة السؤال فيما لم ينزل فيه حكم بناء على البراءة الأصلية، والأمثلة كثيرة على الأمور المعفو عنها، كالرخص أيضًا، والترجيح بين الدليلين عند
__________
(1) رواه ابن سعد عن الزبير وجبير بن مطعم.
(2) رواه الحاكم عن أبي ثعلبة. والبيهقي (10/ 12).
(1/382)

التعارض وعدم إمكان الجمع، وما سكت الشارع عنه (1).
ويمكن أن تدخل هذه الأمور تحت حكم المباح الذي لا يؤاخذ اللَّه سبحانه وتعالى فاعله، ويعفو عنه، لما ورد فيها من العفو وعدم المؤاخذة، وأن الفاعل لا يثاب ولا يعاقب على الفعل، وإن كان ضرره أكثر من نفعه، ولكن قد تحيط به ظروف وقرائن وحالات تجعل الضرر متساويًا مع النفع، أو تجعل النفع أكثر من الضرر كأكل لحم الميتة في المَخْمَصَة وشرب الخمر عند خوف الهلاك.

المباح من حيث الجزء والكل:
ونختم الكلام عن المباح بمسألة لطيفة ذكرها الشاطبي في المباح، وسبق له مثلها في المندوب، وأن المندوب خادم للواجب، وأن المندوب واجب بالكل، وقد قسم الشاطبي المباح بحسب الكلية والجزئية إلى أربعة أقسام (2)، وهي:
أولًا: المباح بالجزء المطلوب بالكل من جهة الوجوب، كالتمتع بالطيبات من المأكل والمشرب والمركب والملبس، فإن هذه الأمور مباحة بالجزء، ويكون المكلف بالخيار في فعلها أو تركها في بعض الأوقات أو الأحوال، أو إذا قام بها غيره من الناس، أما من حيث الجملة فإن الأكل والشرب يجب فعلهما، وإن ترك المكلف الأكل والشرب بشكل كلي حتى أصابه الهلاك والموت أو المرض فهو آثم، ويكون تركه حرامًا، فيجب عليه الأكل والشرب، ومثله البيع والشراء ووطء الزوجات وممارسة وسائل الاكتساب.
__________
(1) انظر بحثًا مستفيضًا وطريفًا مع الأدلة والبراهين والأمثلة في الموافقات، للشاطبي: 1 ص 100 وما بعدها.
(2) الموافقات، له: 1 ص 78، 86، وانظر: مباحث الحكم: ص 113، أصول الفقه، أبو زهرة: 46.
(1/383)

ثانيًا: المباح بالجزء المطلوب بالكل على جهة الندب، كالتمتع بالأكل والشرب بما فوق الحاجة، فهذه الأشياء مباحة بالجزء، ويخير المكلف بين فعلها وتركها في بعض الأحوال أو الأزمان، لكنها مندوبة بالكل بحيث لو تركها المكلف لكان تركه مكروهًا لمخالفة طلب الشارع لها طلبًا غير جازم، مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ألا إذا أوسع اللَّه عليكم فأوسعوا على أنفسكم، إن اللَّه يحب أن يرى نعمته على عبده" (1)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن اللَّه جميل يحب الجمال" (2)، وقوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الأعراف: 32].
ثالثًا: المباح بالجزء المحرم بالكل، كالمباحات التي تقدح المداومة عليها في العدالة، كالتمتع باللذائذ، والمجازفة في الكلام، واعتياد الحلف، وشتم الأولاد، فإنها مباحة في الأصل، ولكن الإكثار منها والاعتياد عليها يصبح حرامًا، ومثله الأكل فوق الشبع مما يؤدي إلى التخمة والمرض.
رابعًا: المباح بالجزء المكروه بالكل، كالتنزه في البساتين وسماع تغريد الحمام واللعب به والغناء المباح، فإنها مباحة بالجزء في أصلها إذا فعلها المكلف مرة أو مرتين في يوم ما، ولكن الاستمرار عليها وقضاء الأوقات فيها وجعلها عادة للمرء يترتب عليها بعض الضرر بمخالفة محاسن العادات، فتصبح مكروهة.
قال الشاطبي: إن المباح بحسب الكلية والجزئية يتجاذبها الأحكام
__________
(1) رواه الترمذي وحسنه والبيهقي وأحمد.
(2) رواه مسلم والترمذي والإمام أحمد وأبو يعلى.
انظر: بحثًا مستفيضًا وطريفًا مع الأدلة والبراهين والأمثلة في الموافقات للشاطبي 1 ص 100 وما بعدها.
(1/384)

البواقي، فالمباح يكون مباحًا بالجزء مطلوبًا بالكل على جهة الندب أو الوجوب، ومباحًا بالجزء منهيًا عنه بالكل على جهة الكراهة أو المنع (1) ... ويتابع الشاطبي كلامه ويقول: ونخلص أن كل مباح ليس بمباح بإطلاق، وإنما هو مباح بالجزء خاصة، وأما بالكل فهو إما مطلوب الفعل أو مطلوب الترك، فإن قيل: أفلا يكون هذا التقرير نقضًا لما تقدم من أن المباح هو التساوي بين الطرفين؟ فالجواب أن لا، لأن ذلك الذي تقدم من حيث النظر إليه في نفسه من غير اعتبار أمر خارج، وهذا النظر باعتباره بالأمور الخارجة، فإذا نظرت إليه في نفسه فهو الذي سمي هنا المباح بالجزء، وإذا نظرت إليه بحسب الأمور الخارجة فهو المسمى بالمطلوب بالكل (2).

خاتمه الحكم التكليفي:
وإلى هنا ننتهي من الحكم التكليفي وأنه يقسم عند الجمهور إلى خمسة أقسام وهي: الواجب والمندوب والمباح والحرام والمكروه، وزاد الحنفية قسمين: وهما: الفرض، والمكروه تحريمًا، فصار المجموع عندهم سبعة أقسام.
وهذه الأحكام التكليفية تتعلق بأفعال المكلف، فقد يكون الفعل واجبًا كالصلاة، وقد يكون مندوبًا كالنوافل، وقد يكون مباحًا كالبيع والأكل، وقد يكون مكروهًا مثل كثرة الكلام، وقد يكون محرمًا كالسرقة والقتل.
وقد تتعلق هذه الأحكام بفعل واحد، وتعتريه الأحكام الخمسة كلها أو بعضها بحسب الظروف والأحوال التي تحيط به، كالزواج يكون
__________
(1) الموافقات، له: 1 ص 78، وانظر: رسالة المسترشدين: ص 33 هامش.
(2) الموافقات، له: ص 86.
(1/385)

واجبًا على المكلف إذا استطاع تكاليف الزواج وتأكد من نفسه الوقوع في الحرام، إذا لم يتزوج، ويكون مندوبًا في الأحوال العادية مع القدرة على الباءة، ويكون محرمًا إذا تأكد من نفسه ظلم زوجته وعدم قيامه بحقوقها، ويكون مكروهًا إذا خاف ذلك، ويكون مباحًا إذا تساوت المحاسن والمفاسد (1)، ومثل الزواج كثير من أفعال المكلفين التي تعتريها الأحكام الخمسة أو بعضها بحسب القرائن المحيطة بها، كما أن الأحكام تختلف من حيث الجزئية والكلية، وسبق بيان ذلك في المندوب والمباح، قال الشاطبي: إن الأفعال كلها تختلف أحكامها بالكلية والجزئية عن غير اتفاق، ولمدع أن يدعي اتفاق أحكامها، وإن اختلفت بالكلية والجزئية (2).
وبعد الانتهاء من الكلام عن الحكم التكليفي ننتقل للقسم الثاني من الحكم الشرعي، وهو الحكم الوضعي.
__________
(1) أصول الفقه، خلاف: ص 132، مصادر التشريع الإسلامي: ص 550، الوسيط في أصول الفقه: ص 88.
(2) الموافقات: ص 82 وما بعدها، وانظر فيها أمثلة تفصيلية لكل قسم وإنه يختلف أيضًا حسب الأشخاص.
(1/386)

المبحث الثاني في الحكم الوضعي
سبق تعريف الحكم بأنه خطاب اللَّه المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرًا أو وضعًا، وأن الحكم ينقسم عند الجمهور إلى قسمين: الحكم التكليفي والحكم الوضعي، وقد انتهينا من الكلام عن الحكم التكليفي، ونشرع الآن في القسم الثاني وهو الحكم الوضعي.

تعريف الحكم الوضعي:
الوضع في اللغة: الإسقاط والترك والافتراء والولادة وغير ذلك، من وضع عنه دينه أسقطه، ووضعت الشيء بين يديه تركته هناك، ووضع الرجل الحديث افتراه وكذبه، ووضعت الحامل ولدها أي ولدته (1).
والحكم الوضعي في الاصطلاح: هو خطاب اللَّه تعالى المتعلق بجعل الشيء سببًا لفعل المكلف، أو شرطًا له، أو مانعًا، أو صحيحًا، أو فاسدًا، أو رخصة، أو عزيمة، فالوضع جعل الشيء مرتبطًا بشيء آخر.
__________
(1) المصباح المنير: 2 ص 913، القاموس المحيط: 3 ص 94.
(1/387)

فالحكم الوضعي هو الوصف المتعلق بالحكم التكليفي، وهذا الوصف إما أن يكون سببًا أو مانعًا أو شرطًا أو صحيحًا أو فاسدًا أو رخصة أو عزيمة (1).
ويطلق الحكم الوضعي على الوصف بالسببية والشرطية والمانعية والصحة والفساد والرخصة والعزيمة، وهذا الوصف إما أن يسبق الحكم التكليفي كالأنواع الثلاثة الأولى، وإما أن يكون لاحقًا وأثرًا للحكم التكليفي كالنوعين الأخيرين، وعلى كلا الحالين فالحكم الوضعي علامة للحكم التكليفي ومرتبط به، فاللَّه سبحانه كلف الناس بأحكام، ولكنه ربط هذا التكليف بأمور أخرى.

الحكمة من خطاب الوضع:
وتتجلى الحكمة من وجود الحكم الوضعي مع مبدأ صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، وذلك أنه يتعذر معرفة حكم اللَّه تعالى في كل الأحوال، كما تتعذر معرفة حكم اللَّه تعالى في كل الوقائع والمسائل بعد انقطاع الوحي، فاقتضت حكمة اللَّه تعالى أن يعرف الناس على أحكامه بربطها بأمور محسوسة تقتضي معرفة الأحكام الشرعية، كربط الحكم بالعلة، وربط الحكم بالسبب، وذلك حتى لا تتعطل الوقائع عن الأحكام (2).
ومن جهة ثانية فلا يشترط للحكم الوضعي التكليف والعلم
__________
(1) نهاية السول، الإسنوي: 1 ص 71، مناهج العقول، شرح منهاج الوصول، البدخشي: 1 ص 68، حاشية البناني على جمع الجوامع: 1 ص 85، الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي: 1 ص 91، تسهيل الوصول: ص 255، أصول الفقه، خلاف: ص 132، المسودة في أصول الفقه: ص 80.
(2) انظر: شرح الكوكب المنير: 1 ص 434، مختصر الطوفي: ص 30، روضة الناظر: ص 30، المستصفى: 1 ص 93، أصول السرخسي: 2 ص 302.
(1/388)

والقدرة، فلا يشترط فيمن يتعلق به الحكم الوضعي أن يكون مكلفًا، كما لا يشترط فيه العلم به، والقدرة عليه، إلا في حالتين:
الأولى: سبب العقوبة كالقصاص والحدود، فيشترط لترتب العقوبة أن يكون الفاعل مكلفًا وعالمًا وقادرًا على الفعل، فلا تجب العقوبة على المخطئ والمكره والمجنون والصغير.
والثانية: نقل الملك: كالبيع والهبة والوصية، فيشترط فيها العلم والقدرة، والحكمة من ذلك أن الشرع رتب العقوبة ونقل الملك بحسب قانون العدل بين الناس والرفق بهم وعدم تكليفهم بالمشاق أو بما لا يطاق (1).

أقسام الحكم الوضعي:
ينقسم الحكم الوضعي بحسب طبيعة ارتباط الحكم التكليفي به إلى خمسة أقسام، وهي: السبب، والشرط، والمانع، والصحيح ويقابله الفاسد أو الباطل، والعزيمة ويقابلها الرخصة.
وذلك أن الشيء يقتضي أن يكون سببًا لشيء آخر، أو شرطًا له، أو مانعًا، أو مسوغًا لرخصة بدل العزيمة، أو صحيحًا، أو غير صحيح، فكل منها حكم ثبت بخطاب الوضع.
واتفق العلماء على اعتبار السبب والشرط والمانع من أقسام الحكم الوضعي، واختلفوا في الصحة والفساد أو البطلان والرخصة والعزيمة.
ونخصص كل قسم في مطلب خاص، فنبين تعريفه وحكمه واختلاف العلماء فيه إن وجد، وما يتعلق به من بحوث.
__________
(1) انظر شرح الكوكب المنير: 1 ص 437 وما بعدها، التمهيد للإسنوي: ص 25، حاشية البناني على جمع الجوامع: 1 ص 85، الفروق: 1 ص 161، 163، شرح تنقيح الفصول: ص 79، 80، مختصر الطوفي: ص 80.
(1/389)

المطلب الأول في السبب
تعريف السبب:
السبب في اللغة: عبارة عما يمكن التوصل به إلى مقصود ما، ومنه سمي الطريق سببًا، وسمي الحبل سببًا (1).
وفي الاصطلاح: عرفه الآمدي بأنه: الوصف الظاهر المنضبط الذي دل الدليل السمعي على كونه معرفًا لحكم شرعي (2).
فالوصف هو المعنى، والظاهر هو المعلوم ضد الخفي، والمنضبط هو المحدد بأن لا يختلف باختلاف الأشخاص أو الأحوال، بخلاف الحكمة وهي الباعث على شرع الأحكام لمصلحة العباد، من جلب نفع أو دفع ضرر، والدليل السمعي هو ما كان في الكتاب والسنة، وكونه معرفًا لحكم شرعي أي علامة على الحكم الشرعي من غير تأثير فيه.
فالسبب هو المعنى الظاهر المعلوم المحدد الذي ثبت بالكتاب والسنة أنه علامة على وجود الحكم، أو هو ما ارتبط به غيره وجودًا وعدمًا.
__________
(1) قال الجوهري: "السبب: الحبل، وكل شيء يتوصل به إلى أمر آخر"، (الصحاح: 1 ص 145)، وانظر: المصباح المنير: 1 ص 356، القاموس المحيط: 1 ص 81.
(2) الإحكام، له: 1 ص 181، وانظر: أصول السرخسي: 2 ص 301.
(1/391)

وحقيقة السبب أن الشارع جعل وجوده علامة على وجود مسببه وهو الحكم، وجعل تخلفه وانتفاءه علامة على تخلف وانتفاء ذلك الحكم، أي: إن الشارع ربط وجود المسبب بوجود السبب، وعدمه بعدمه، ويلزم من وجود السبب وجود المسبب، ومن عدم السبب عدم المسبب (1).
مثاله: جعل الزنا سببًا لوجوب الحد، لأن الزنا لا يوجب الحد بذاته، وإنما بجعل الشارع له، وزوال الشمس سبب في وجوب الظهر، وغروب الشمس سبب في وجوب المغرب، وطلوع الفجر سبب في وجوب الصبح.
ويعرف السبب بإضافة الحكم إليه كحد الزنا، فالحد حكم شرعي أضيف إلى الزنا، فعرفنا أن الزنا هو السبب، مثل صلاة المغرب، فالصلاة حكم شرعي أضيف إلى المغرب، فعرفنا أن الغروب هو السبب (2).
ويبدو من التعريف السابق أن السبب لا يكون سببًا إلا بجعل الشارع له سببًا، لأنه سبب لحكم تكليفي، والتكليف من اللَّه تعالى الذي يكلف المرء بالحكم، ويضع السبب الذي يرتبط به الحكم، وهذه الأسباب ليست مؤثرة بذاتها في وجود الأحكام، بل هي علامة وأمارة لظهورها ووجودها ومعرفة لها عند جمهور العلماء، فالسبب وسيلة وصلة، كالحبل في إخراج الماء من البئر (3)، ولذا عرف الإمام الغزالي السبب
__________
(1) التلويح على التوضيح: 3 ص 102، إرشاد الفحول: ص 6، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 67، مصادر التشريع الإسلامي، صالح: 551، مباحث الحكم: ص 135.
(2) هذا هو السبب الظاهر عند المتأخرين، ويرى المتقدمون أن السبب للعبادات مثلًا ليس الوقت وغيره وإنما نعم اللَّه الكثيرة علينا هي سبب العبادة.
(3) قال بعض العلماء وهم المعتزلة: إن السبب مؤثر في الأحكام بذاته، بواسطة قوة =
(1/392)

فقال: هو ما يحصل الشيء عنده لا به (1)، ويقول الشاطبي رحمه اللَّه: إن السبب غير فاعل بنفسه، وإنما وقع المسبب عنده لا به (2)، قال تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96)} [الصافات: 96]، وقال تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)} [الزمر: 62]، وقال تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: 30]، وقال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)} [الشمس: 7 - 8].

أنواع السبب:
ينقسم السبب عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة، أهمها:

أولًا: أنواع السبب من حيث موضوعه:
ينقسم السبب باعتبار موضوعه إلى قسمين:

1 - السبب الوقتي: وهو ما لا يعرف له حكمة باعثة في تعريفه للحكم، كالزوال سبب وقتي لوجوب الظهر (3)، لقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78]، فإن الوقت سبب محض وعلامة على وجوب الصلاة، ورؤية هلال رمضان سبب وقتي لوجوب الصيام، لقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185].
2 - السبب المعنوي: وهو ما يعرف له حكمة باعثة في تعريفه للحكم الشرعي، كالإسكار سبب معنوي لتحريم الخمر، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كل
__________
= أودعها اللَّه فيه، وقال بعض العلماء: إن الأسباب تؤثر في الأحكام لا بذاتها، بل بجعل اللَّه تعالى، انظر: المدخل إلى مذهب أحمد: ص 67، الموافقات: 1 ص 129، إرشاد الفحول: ص 6، الإحكام، الآمدي: 1 ص 116، حاشية البناني على جمع الجوامع: 1 ص 95، المستصفى: 1 ص 93، نهاية السول: 1 ص 73، أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 67، شرح الكوكب المنير: 1 ص 446.
(1) المستصفى، له: 1 ص 94.
(2) الموافقات، له: 1 ص 129.
(3) انظر: شرح الكوكب المنير: 1 ص 450.
(1/393)

مسكر حرام" (1)، وملك النصاب سبب معنوي لوجوب الزكاة، وكذا السرقة والزنا وقطع الطريق والقتل أسباب للعقوبات (2).
وتظهر فائدة التقسيم في جواز القياس في القسم الثاني، وعدم جوازه في القسم الأول.

ثانيًا: أنواع السبب باعتبار علاقته بالمكلف:
ينقسم السبب باعتبار قدرة المكلف على القيام به، وعدم قدرته إلى قسمين:
1 - السبب الذي هو من فعل المكلف ومقدور له: كالبيع، فهو سبب لملك المبيع والثمن، والقتل العمد سبب لوجوب القصاص، وعقد الزواج سبب لإباحة الاستمتاع بين الزوجين، وعقد الإجارة سبب لحل الانتفاع بالعين، وهذا النوع ينقسم إلى ثلاثة أقسام، هي:
أ- سبب مأمور به شرعًا: ويجب على المكلف فعله، أو يندب له القيام به، كالنكاح، فهو سبب للتوارث، ومأمور به.
ب- سبب منهي عنه: كالسرقة سبب للحد، والسرقة منهي عنها.
ج- سبب مأذون به ومباح فعله للمكلف، كجعل الذبح سببًا لحل الحيوان المذبوح، والذبح مباح (3).
والسبب الذي يكون من فعل المكلف ويكون قادرًا عليه له صفتان، صفة التكليف، لأنه مقدور عليه ومطلوب من الشارع فعله لجلب
__________
(1) رواه مسلم وأحمد وأصحاب السنن.
(2) فواتح الرحموت: 1 ص 61، مناهج العقول، البدخشي: 1 ص 68، مختصر ابن الحاجب: ص 42، تسهيل الوصول: 255، إرشاد الفحول: ص 7، شرح الكوكب المنير: 1 ص 450.
(3) أصول الفقه، أبو زهرة: ص 54، أبحاث في علم أصول الفقه: ص 159.
(1/394)

المنافع ودفع المضار، ويدخل في الحكم التكليفي، وصفة الوضع، لأن الشارع رتب عليه أحكامًا أخرى، ويدخل في الحكم الوضعي، كالنكاح سبب للتوارث وحل الاستمتاع من جهة، ومندوب إليه من جهة أخرى، وذبح الحيوان سبب لحل الانتفاع، وهو مباح، والقتل سبب للقصاص، وهو حرام، والزنا سبب للحد، وهو حرام (1).
2 - السبب الذي ليس من فعل المكلف، ولا يقدر عليه، كالزوال فهو سبب لوجوب صلاة الظهر، والقرابة سبب للإرث والولاية، والموت سبب لنقل ملكية التركة إلى الوارث (2)، وهذه الأسباب ليست من فعل المكلف، ولا يقدر عليها.
وهذا النوع قد يكون سببًا لحكم تكليفي كالزوال، وقد يكون سببًا لحكم وضعي كالموت، فهو سبب لنقل الملك إلى الورثة.
وإن الشارع الذي وضع السبب قصد منه المسبب، لأن الأسباب ليست مقصودة لذاتها، وإنما شرعت لما ينشأ عنها من مسببات، ولأن الأحكام الشرعية إنما شرعت لجلب المصالح أو درء المفاسد، فتصبح الأحكام كذلك أسبابًا لهذه النتائج وهذه المسببات.

ثالثًا: أنواع السبب باعتبار المشروعية:
ينقسم السبب باعتبار المشروعية وعدمها إلى نوعين:

1 - السبب المشروع: وهو كل ما أدى إلى مصلحة في نظر الشارع، وإن اقترن به أو تضمن مفسدة بحسب الظاهر، كالجهاد سبب لنشر الدعوة وحماية العقيدة وتبليغ الرسالة، وإن أدى إلى مفسدة كإتلاف
__________
(1) أصول الفقه، أبو زهرة: ص 54، أصول الفقه، الخضري: ص 61، أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 67.
(2) المراجع السابقة.
(1/395)

المال وتعريض الأنفس للقتل.
وإذا ظهر أحيانًا، أو نتج عن السبب المشروع بعض المفاسد فإنها ليست ناشئة عن السبب المشروع، وإنما تنتج عن أمر آخر مرافق له (1).

2 - السبب غير المشروع: وهو ما يؤدي إلى المفسدة في نظر الشارع، وإن اقترن به أو تضمن مصلحة بحسب الظاهر، كالنكاح الفاسد والتبني، فإنها أسباب غير مشروعة لأنها تؤدي إلى مفاسد كثيرة تضر بالفرد والمجتمع، وإن لم تظهر فورًا فإن العاقل المتبصر يدرك خطرها في المستقبل.
وإن ما يظهر للمرء أحيانًا من مصالح، أو ما ينتج من منافع عن السبب الفاسد، فلا يكون من ذات السبب الممنوع، وإنما هو من أمر آخر (2).
يقول الشاطبي: والمقصود أن الأسباب المشروعة لا تكون أسبابًا للمفاسد، والأسباب الممنوعة لا تكون أسبابًا للمصالح، إذ لا يصح ذلك بحال (3).

رابعًا: أنواع السبب باعتبار تأثيره في الحكم:
ينقسم السبب باعتبار تأثيره في الحكم وعدمه إلى نوعين:
1 - السبب المؤثر في الحكم (4)، ويسمى علة، وهو ما يكون بينه وبين الحكم مناسبة يدركها العقل، وحكمة باعثة لتشريعه، كالإسكار فهو سبب مؤثر في الحكم، وهو علة التحريم، والسفر سبب لجواز
__________
(1) انظر: أمثلة توضح هذه الأمور في الموافقات: 1 ص 161 وما بعدها.
(2) الموافقات: 1 ص 160، 163، مصادر التشريع الإسلامي: ص 553.
(3) الموافقات، له: 1 ص 163.
(4) السبب المؤثر لا بذاته في الحكم، وإنما بجعل اللَّه تعالى له علامة.
(1/396)

الإفطار، وهو علة الإفطار في رمضان، والعلة هي الوصف المنضبط الذي جعل مناطًا لحكم يناسبه.
2 - السبب غير المؤثر في الحكم: وهو الذي لا يكون بينه وبين الحكم مناسبة، ولا يستلزم وجود مناسبة وحكمة بينه وبين الحكم، مثل الوقت سبب لوجوب الصلاة (1)، وهذا يتطلب منا بيان الصلة بين العلة والسبب.

العلاقة بين العلة والسبب:
العلة أو السبب أمارة على وجود الحكم، كالإسكار في الخمر أمارة على التحريم، والسفر في رمضان أمارة على جواز الإفطار، ولذا قال بعض علماء الأصول: إنهما بمعنى واحد، وقال آخرون: إنهما متغايران، وخصوا العلة بالأمارة المؤثرة التي تظهر فيها المناسبة بينها وبين الحكم، وخصوا السبب بالأمارة غير المؤثرة في الحكم.
وقال أكثر العلماء: إن السبب أعم من العلة مطلقًا، فكل علة سبب ولا عكس، وإن السبب يشمل الأسباب التي في المعاملات والعقوبات، ويشمل العلة التي تدرس في القياس، والفرق بينهما أن الصفة التي يرتبط بها الحكم إن كانت لا يدرك تأثيرها في الحكم بالعقل، ولا تكون من صنع المكلف، كالوقت للصلاة المكتوبة، فتسمى باسم السبب، أما إذا أدرك العقل تأثير الوصف بالحكم فيسمى علة ويسمى سببًا أيضًا، فالسبب يشمل القسمين، وهو أعم من العلة كما قدمنا (2).
__________
(1) الإحكام، الآمدي: 1 ص 118، التوضيح والتلويح: 2 ص 102، أصول الفقه، الخضري: ص 60، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 56.
(2) المستصفى: 1 ص 94، تسهيل الوصول: ص 256، الموافقات: 1 ص 179، أصول السرخسي: 2 ص 302، 311، الحدود في الأصول، الباجي: ص 72.
(1/397)

خامسًا: أنواع السبب باعتبار نوع المسبب:
ينقسم السبب باعتبار نوع المسبب الذي يدل عليه واختلاف أثره عليه إلى قسمين.
1 - السبب لحكم تكليفي، كالوقت الذي جعله الشارع سببًا لإيجاب الصلاة في قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78]، وظهور الهلال سبب لإيجاب الصوم في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "صوموا لرؤيته" (1).
2 - سبب لإثبات ملك أو حل أو إزالة الملك والحل، كالبيع سبب لإثبات الملك، والعتق سبب لإزالة الملك، وعقد الزواج سبب لحل المتعة بين الزوجين، والطلاق سبب لإزالة حل المتعة، وهكذا (2).

سادسًا: أنواع السبب باعتبار مصدر العلاقة بينه وبين المسبب:
ينقسم السبب باعتبار مصدر الرابطة والعلاقة بينه وبين المسبب إلى ثلاثة أنواع:
1 - السبب الشرعي: وهو السبب الذي تكون العلاقة والرابطة بينه وبين المسبب ناتجة عن حكم شرعي، كالوقت بالنسبة لوجوب الصلاة، فإنه سبب له بحكم الشرع.
2 - السبب العقلي: وهو السبب الذي تكون العلاقة والرابطة بينه وبين المسبب ناتجة عن حكم العقل، ولم تثبت عن طريق شرعي، كالنظر بالنسبة للعلم، فإنه سبب لاكتساب العلم، وهذا يعرفه العقل، ووجود النقيض سبب في انعدام نقيضه، فالعقل يدرك ذلك.
3 - السبب العادي: وهو السبب الذي تكون العلاقة والرابطة بينه
__________
(1) هذا جزء من حديث رواه البخاري ومسلم والنسائي وأحمد والبيهقي.
(2) الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص 99.
(1/398)

وبين المسبب ناتجة عن حكم العادة والعرف، مثل حز الرقبة بالنسبة للقتل أو الذبح، والسفر للحج (1).
وهذا التقسيم لإخراج السبب العقلي والعادي من الحكم الوضعي، وأنه يقتصر على السبب الشرعي.

حكم السبب:
تبين أن حقيقة السبب هي أنه يلزم من وجود السبب وجود المسبب، ومن عدمه عدم الحكم، فإذا وجد السبب سواء قام به المكلف وكان من فعله، أو كان من غير فعله، وتوافرت الشروط الموضوعة للسبب والمسبب، وانتفت موانع الحكم، ترتب على السبب مسببه حتمًا، سواء أكان المسبب حكمًا تكليفيًّا، أو كان إثبات ملك أو حل أو إزالتهما، وسواء أقصد المكلف ترتب المسبب على فعله أم لم يُرِد، وسواء قصد إلى المسبب أم لم يقصد، لأن ترتب المسبب على السبب من وضع الشارع ولا دخل للمكلف به، ولا عبرة بقصده، ولأن السبب لا يؤثر بنفسه في المسبب، كما سبق عند جمهور العلماء، بل يترتب المسبب على السبب، ولو قصد المكلف مثلًا عدم ترتبه عليه، والأمثلة توضح ذلك، فمن اشترى سلعة ثبت له الملك والانتفاع، ومن سافر في رمضان أبيح له الفطر سواء أقصد ذلك أم لم يقصد، والموت والقرابة سببان للميراث ولو لم يرض الوارث أو المتوفى ذلك، وتدخل التركة في ملك الوارث جبرًا عنه، ولا يحق له أن يرفض التركة أو أن يمتنع عن قبول الميراث، ومن تزوج وجب عليه المهر ونفقة الزوجة، ولو تزوجها على أن لا مهر عليه ولا نفقة، وهكذا (2).
__________
(1) أبحاث في علم أصول الفقه: ص 123، وانظر تقسيم السرخسي للسبب إلى سبب مجازي وسبب محض، وسبب فيه شبهة العلة، وسبب هو بمعنى العلة، أصول السرخسي: 2 ص 304.
(2) أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 6، أصول الفقه، خلاف: ص 134، الموافقات: =
(1/399)

ويعرِّج الشاطبي رحمه اللَّه تعالى في حكم السبب لبيان صلته بالعقيدة وسلوك المسلم في الحياة، ويعرض بحثًا جميلًا وطويلًا نقتبس منه ما يلي:
إن الفاعل للسبب عالمًا بأن السبب ليس إليه إذا وكله إلى فاعله وصرف نظره عنه كان أقرب إلى الإخلاص والتفويض والتوكل على اللَّه تعالى والصبر على الدخول في الأسباب المأمور بها، والخروج عن الأسباب المحظورة، والشكر، وغير ذلك .. (1). ثم يقول: إن تارك النظر في المسبب أعلى مرتبة، وأزكى عملًا، إذا كان عاملًا في العبادات، وأوفر أجرًا في العادات، لأنه عامل على إسقاط حظه، بخلاف من كان ملتفتًا إلى المسببات؛ فإنه عامل على الالتفات إلى الحظوظ، لأن نتائج الأعمال راجعة إلى العباد مع أنها خلق للَّه ... (2).
وينتقل الإمام الشاطبي ليبين النتائج المترتبة على السبب في المعاملات والعقوبات مع بيان العدالة الإلهية فيها، فيقول: إن اللَّه عز وجل جعل المسببات في العادة تجري على وِزان الأسباب في الاستقامة والاعوجاج، فإذا كان السبب تامًّا، والتسبب على ما ينبغي، كان المسبب كذلك، وبالضد، ومن هنا إذا وقع الخلل في المسبب نظر الفقهاء إلى التسبب، هل كان على تمامه أم لا؟ (3).
والمثال على ذلك الضرب المفضي إلى الموت أو القطع، فإنه سبب للقصاص، فإن كان كاملًا كان الجزاء قصاصًا بالنفس، وإن كان ناقصًا كان الجزاء قصاصًا فيما دون النفس، أو دية أو حكومة عدل أو أرش.
__________
= 1 ص 126، 143.
(1) الموافقات، له: 1 ص 147.
(2) الموافقات: 1 ص 153.
(3) الموافقات: 1 ص 157.
(1/400)

وإن سبب السبب ينزل منزلة السبب، كالإعتاق في الكفارة، فإنها سبب لبراءة الذمة، والإعتاق يتوقف على اللفظ والصيغة، فالصيغة سبب الإعتاق، والإعتاق سبب لبراءة الذمة، فيكون سبب السبب كالسبب، لأن الحكم يتوقف عليه (1).
__________
(1) شرح الكوكب المنير: 1 ص 461.
(1/401)

المطلب الثاني في الشرط
تعريف الشرط:
الشرط لغة بفتحتين: العلامة، والجمع أشراط، والشرط بفتحة وسكون جمع شروط، قال الفيروزاباذي: الشرط: إلزام الشيء والتزامه في البيع ونحوه (1).
وفي الاصطلاح: هو ما يتوقف وجود الحكم وجودًا شرعيًّا على وجوده، ويكون خارجًا عن حقيقته، ويلزم من عدمه عدم الحكم (2).
فالشرط وصف يتوقف عليه وجود الحكم، وحقيقته أن عدمه يستلزم عدم الحكم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، ولا يتحقق الحكم بشكل شرعي إلا بوجود الشرط الذي وضعه الشارع له، كالوضوء شرط للصلاة، فلا توجد الصلاة بشكل شرعي إلا إذا وجد الوضوء، والوضوء
__________
(1) القاموس المحيط: 2 ص 368، المصباح المنير: 1 ص 421.
(2) الإحكام، الآمدي: 1 ص 121، مصادر التشريع الإسلامي: ص 553، أصول الفقه، خلاف: ص 134، أصول السرخسي: 2 ص 303، الحدود في الأصول، الباجي: ص 60، شرح الكوكب المنير: 1 ص 452.
(1/403)

ليس جزءًا في الصلاة، وإذا عدم الوضوء عدمت الصلاة، ولكن إذا وجد الوضوء فلا يلزم منه وجود الصلاة، ومثل الحول شرط في وجوب الزكاة، فإذا عدم الحول لزم عدم وجوب الزكاة، ومثل حضور الشاهدين في عقد الزواج، فالشهادة شرط في الزواج، ولا يصح الزواج إلا بالشهادة، والشهادة ليست جزءًا في الزواج، وإذا فقدت الشهادة فسد الزواج، ولكن لا يلزم من وجود الشاهدين وجود الزواج، ومثل القدرة على التسليم شرط في صحة البيع، والإحصان شرط في سببية الزنا للرجم (1).

وشرح التعريف وبيان حقيقته يقودنا لبيان العلاقة بين الركن والشرط، وبين الشرط والسبب.
العلاقة بين الركن والشرط:
الركن هو ما يتوقف عليه وجود الحكم، وبكون جزءًا في ماهيته، أما الشرط فهو ما يتوقف عليه وجود الحكم، ويكون خارجًا عن حقيقته وماهيته، ويظهر من هذا أن الركن والشرط يتفقان بأن كلًّا منهما يتوقف عليه وجود الحكم، وإذا نقص الركن أو الشرط بطل أو فسد الحكم.
ويختلفان بأن الركن جزء من الماهية، والشرط ليس جزءًا من الماهية، والمثال يوضح ذلك.
الركوع ركن يتوقف عليه وجود الصلاة، وهو جزء منها، وكذا السجود والقراءة والقيام، والصيغة في العقد ركن، وإذا اختل الركن بطلت الصلاة أو العقد.
والوضوء شرط يتوقف عليه وجود الصلاة، ولكنه خارج عن
__________
(1) إرشاد الفحول: ص 7، تسهيل الوصول: ص 256، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 68، مختصر ابن الحاجب: ص 43، الإحكام، الآمدي: 1 ص 178.
(1/404)

الصلاة، لأنه يسبقها، وكذا طهارة الثوب والمكان والجسد، ومثله الشهود في عقد الزواج شرط فيه وخارج عن الزواج، وإذا فقد الشرط فقدت الصلاة وعقد الزواج.
وإذا حصل خلل في الركن كان الخلل في نفس التصرف أو العقد، ولا يتحقق وجود المسبب والماهية، وكان حكمه البطلان باتفاق العلماء، أما إذا حصل خلل في شرط من الشروط كان الخلل في وصف خارج عن الحقيقة وتكون الحقيقة والماهية موجودة، ولكن لا يترتب عليها أثرها الشرعي لانتفاء الشرط فيها، وحكمها البطلان عند جمهور العلماء كالركن، خلافًا للحنفية الذين وصفوها بالفساد الذي يترتب عليه بعض الآثار.
ولكن الحنفية يفرقون في أثر الفساد بين العبادات والمعاملات، فالعبادات الفاسدة لا أثر لها عندهم، ولا تسقط عن المكلف، ولا تبرأ منها الذمة، كالباطلة، ويتفقون بذلك مع الجمهور فيها، أما المعاملات الفاسدة فإنها يترتب عليها بعض الآثار عندهم، بخلاف المعاملات الباطلة فإنه لا يترتب عليها أثر شرعي (1).

العلاقة بين السبب والشرط:
إن الشروط الشرعية تكمل السبب، وتجعل أثره يترتب عليه، وهو المسبب، وإذا وجد السبب ولم يتوفر الشرط فلا يوجد المسبب، فالسبب يلزم منه وجود المسبب عند تحقق الشرط وانتفاء المانع، وإذا لم يتحقق الشرط فلا أثر له، مثل القتل سبب لإيجاب القصاص، إذا تحقق شرطه وهو العمد والعدوان، وعقد الزواج سبب لحل الاستمتاع
__________
(1) الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص 152، أصول الفقه، خلاف: 135، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 58، أصول الفقه، الخضري: ص 66، المدخل الفقهي العام: 1 ص 287.
(1/405)

عند تحقق الشرط وهو حضور الشاهدين، والنصاب سبب لوجوب الزكاة عند تحقق الشرط، وهو حولان الحول، وهكذا فإنه لو صح وقوع المشروط بدون شرطه لم يكن شرطًا فيه، وقد فرض كذلك أنه شرط.
ويتفرع عن هذا الأصل خلاف فقهي بين المذاهب، وهو هل يوجد الحكم بوجود سببه مع عدم الشرط أو تأخره، أم لا؟، وذلك أن الحكم يتوقف على وجود السبب وتحقق الشرط، فإن وجد السبب فقط فهل يصح أن يقع الحكم بدون الشرط أم لا يصح؟
ذهب بعض الفقهاء إلى مراعاة السبب ووقوع المسبب عليه دون توقفه على الشرط، وذهب آخرون إلى توقف الحكم على تحقق الشرط، مراعاة لأثر الشرط، وإن اختفاء الشرط مانع للسبب من تأثيره في وجود المسبب، وتطبيق القواعد يرجح القول الثاني، والقول الأول يعتمد على النصوص في الحديث، فجعلوا ذلك استثناء من القاعدة العامة، والأمثلة الفقهية توضح ذلك، مثل الاختلاف في جواز تعجيل الزكاة عند الحنفية والشافعية، فالنصاب سبب في وجوب الزكاة، والحول شرط له، فعلى القول الأول يجوز تعجيل الزكاة قبل تحقق الشرط، وعلى القول الثاني لا يجوز تعجيل الزكاة إلا بعد حولان الحول على النصاب، ومثل تعجيل الكفارة قبل الحنث عند الشافعية، كمن حلف يمينًا على إثم مثلًا، فاليمين سبب الكفارة، والحنث شرطها، فعلى القول الأول يجوز تقديم الكفارة ثم الحنث في اليمين، واستدلوا بما رواه مسلم عن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "واللَّه، إن شاء اللَّه، لا أحلف على يمين ثم أرى خيرًا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير" (1)، وعلى القول الثاني لا يجوز، ومثل العفو عن القاتل
__________
(1) رواه مسلم وغيره عن أبي موسى الأشعري في كتاب الأيمان.
(1/406)

من القتيل، لأن الضرب المؤدي إلى الموت سبب في القصاص أو الدية، والزهوق شرط، ويجوز العفو من القتيل قبل زهوق روحه باتفاق، وتفصيل الأدلة والآراء في كتب الفقه (1).
ويتفق الشرط والسبب في حالة العدم، فإذا عدم السبب عدم المسبب، وإذا عدم الشرط عدم المشروط، ويختلفان في حالة الوجود، فإذا وجد الشرط فلا يلزم منه وجود الحكم، كالوضوء لا يلزم من وجوده وجوب إقامة الصلاة، ولا يلزم من وجود الشاهدين وجود النكاح، أما السبب فيلزم من وجوده وجود الحكم، فإذا وجد الوقت وجبت الصلاة ووجب الصيام (2).

أنواع الشرط:
ينقسم الشرط عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة، وهي:

أولًا: تقسيم الشرط باعتبار ارتباطه بالسبب أو المسبب:
ينقسم الشرط باعتبار ارتباطه بالسبب أو المسبب إلى نوعين:
1 - الشرط المكمل للسبب: وهو الذي يكمل السبب حتى ينتج أثره في الحكم، وهو المسبب، مثل حولان الحول في وجوب الزكاة في النصاب، فالنصاب سبب لوجوب الزكاة، ولا يتحقق وجود النصاب الدال على الغنى إلا بشرط حولان الحول، فالحول شرط مكمل للنصاب، والعمد والعدوان شرطان في القتل الموجب للقصاص، فالقتل سبب، والقصاص مسبب، ولا يرتبط السبب والمسبب إلا إذا تحقق شرطا العمد والعدوان، والقدرة على تسليم المبيع شرط
__________
(1) الموافقات: 1 ص 182، 189، شرح الكوكب المنير: 1 ص 442.
(2) المراجع السابقة قبل هامشين، وانظر: المدخل إلى مذهب أحمد: ص 65، إرشاد الفحول: ص 7، الموافقات: 1 ص 178.
(1/407)

لصحة البيع الذي هو سبب ثبوت الملك، والإحصان شرط في سببية الزنا للرجم، وهكذا، وعدم هذه الشروط يفيد عدم الأسباب.
2 - الشرط المكمل للمسبب: وهو الذي يكمل المسبب وهو الحكم، فالطهارة وستر العورة شرطان يكملان الصلاة، لأن عدم الشرط يستلزم عدم الحكم (1).

ثانيًا: تقسيم الشرط باعتبار جهة اشتراطه:
ينقسم الشرط من حيث جهة اشتراطه إلى قسمين:
1 - الشرط الشرعي: وهو ما اشترطه الشارع للأحكام والتصرفات، مثل الشروط التي وردت في العبادات والمعاملات وإقامة الحدود.
2 - الشرط الجَعْلي: وهو ما اشترطه المكلف، كما لو اشترطت المرأة تقديم معجل المهر كله، وكما لو اشترط المشتري نقل المبيع أو استلامه في مكان معين (2).
ولا بد أن يكون الشرط الجعلي موافقًا لحكم الشرع، ومتفقًا مع مقتضى العقد أو التصرف، فإن كان منافيًا له بطل التصرف، كما لو اشترطت المرأة في عقد الزواج عدم المعاشرة، أو اشترط البائع تقييد ملكية المشتري، ولذا تتفاوت درجات الشرط الجعلي.
فإما أن يكون مكملًا لحكمة الشرع ومتفقًا مع مقتضى العقد، ومحققًا للغاية منه كاشتراط الكفالة أو الرهن في الدَّيْن المؤجل، وهذا
__________
(1) الإحكام، الآمدي: 1 ص 120، 121، فواتح الرحموت: 1 ص 61، شرح الكوكب المنير: 1 ص 454، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 68، وانظر تقسيم السرخسي للشرط في: أصول السرخسي: 2 ص 320.
(2) أصول الفقه، خلاف: ص 136، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 59، الموافقات: 1 ص 191.
(1/408)

القسم متفق على صحته.
وإما أن يكون الشرط الجعلي مخالفًا لمقتضى العقد ومتعارضًا معه، وغير ملائم لمقصود المشروط فيه ولا مكمل لحكمته، كأن يشترط الزوج عدم الإنفاق على زوجته، أو أن يشترط البائع عدم انتفاع المشتري بالعين، وهذا القسم متفق على بطلانه وإلغائه.
وإما أن يكون شرطًا زائدًا على مقتضى العقد، وهو الذي يقترن فيزيد من التزامات أحد الطرفين، أو يقوي هذه الالتزامات، وحكم هذا النوع مختلف فيه بين المذاهب اختلافًا واسعًا، فقد أجاز هذا الاشتراط وتوسع به المذهب الحنبلي والمالكي، وضيق فيه المذهب الحنفي والشافعي (1).

ثالثًا: تقسيم الشرط باعتبار إدراك الرابطة مع المشروط:
ينقسم الشرط من جهة إدراك الرابطة والعلاقة بينه وبين المشروط إلى أربعة أنواع (2):
1 - الشرط الشرعي: وهو الشرط الذي تكون العلاقة فيه بين الشرط والمشروط ناتجة عن حكم الشرع، كالوضوء للصلاة.
2 - الشرط العقلي: وهو الشرط الذي تكون العلاقة فيه بين الشرط والمشروط ناتجة عن حكم العقل، مثل ترك ضد الواجب لحصوله، كترك الأكل شرط لصحة الصلاة، ومثل اشتراط الحياة لي، فإذا انتفت الحياة انتفى العلم، ولا يلزم من وجود الحياة وجود العلم، ومثل
__________
(1) انظر أنواع الشروط الفقهية وما يتعلق فيها وآراء المذاهب في: أصول الفقه، الخضري: ص 69، المدخل الفقهي العام، الأستاذ مصطفى الزرقا: 1 ص 481 وما بعدها، الموافقات: 1 ص 187، الفقه الإسلامي في أسلوبه الجديد، الدكتور وهبة الزحيلي: 1 ص 154.
(2) المدخل إلى مذهب أحمد: ص 68، الموافقات: 1 ص 18.
(1/409)

الفهم في التكليف.
3 - الشرط العادي: وهو ما تكون العلاقة بينه وبين مشروطه ناتجة عن حكم العادة والعرف، كغسل جزء من الرأس لإتمام غسل الوجه، ومثل الغذاء للحيوان أي لحياته، وملاصقة النار للجسم في الإحراق، ومقابلة الرائي للمرئي، وتوسط الجسم الشفاف في الإبصار (1).
4 - الشرط اللغوي: وذلك في صيغ التعليق، مثل: إنها طالق إن خرجت من البيت، وهذا النوع له حكم السبب (2).

هل يصح التكليف بالحكم مع فقدان شرطه؟
يبحث علماء الأصول هذه المسألة، ويعبرون عنها بأهم مثال لها، وهو "هل الكافر مخاطب بفروع الشريعة"؟
وصورتها أن الشارع اعتبر الإيمان شرطًا لصحة الصلاة وغيرها من العبادات، فهل يصح التكليف بالصلاة وإيجابها على الإنسان الكافر مع عدم حصول الشرط، وهو الإيمان؟
اتفق العلماء على أن الكفار مخاطبون بالإيمان إجماعًا، وأنهم مخاطبون بالمعاملات، وأنها تطبق عليهم ما داموا قائمين على أرض الدولة الإسلامية، واختلف الفقهاء في تطبيق العقوبات الشرعية عليهم، كما اختلفوا في تكليفهم بالعبادات، وهو موضوع بحثنا، على قولين:
__________
(1) وهناك تقسيمات مختلفة للشرط بحثها الفقهاء في كتبهم وخاصة في عقد البيع، كالشرط المعلق والمقيد والمضاف، وشرط الانعقاد والصحة والنفاذ واللزوم، والشرط الراجع إلى خطاب التكليف، والشرط الراجع إلى خطاب الوضع، وغير ذلك، انظر المراجع السابقة في الهامش قبل السابق، والموافقات: 1 ص 185، نظرية الشروط المقترنة بالعقد، الشيخ زكي الدين شعبان.
(2) انظر: شرح الكوكب المنير: 2 ص 455، شرح تنقيح الفصول: ص 85، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 68، مختصر الطوفي: ص 32.
(1/410)

القول الأول: يصح التكليف مع عدم حصول الشرط، والكافر مكلف بالصلاة مع عدم الإيمان، وذلك لأن الكفر مانع من إقامة الصلاة، ولكنه لا يعتبر مانعًا من التكليف، فالكافر يتمكن من إزالة المانع وهو الكفر، ويستطيع الدخول في الإيمان ثم يقيم الصلاة، وهو رأي الجمهور من الشافعية والمالكية والحنابلة وأكثر العراقيين من الحنفية، واستدلوا على ذلك بما يلي:
1 - القياس على الجنب والمحدث، فإنهما مأموران بالصلاة، ومكلفان فيها، بالرغم من وجود المانع من الصلاة، وهو الجنابة والحدث، وذلك لأنهما يتمكنان من إزالة المانع ثم القيام بالصلاة.
فوجود الجنابة والحدث لا يمنع التكليف بالصلاة، وكذلك الكفر أو عدم تحقق شرط الإيمان لا يمنع تكليف الكافر بالعبادات، فالعقيدة الباطلة منعته من الإيمان ويستطيع أن يزيلها ثم يصلي (1).
2 - وردت عدة آيات تؤكد عقوبة الكافر على ترك الصلاة والزكاة وبقية فروع الشريعة، قال تعالى حكاية عن الكفار يوم القيامة: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47)} [المدثر: 42 - 47]، فأخبرنا اللَّه تعالى أن من سبب دخول الكفار الجحيم أنهم تركوا الصلاة، فهذا يدل على أنهم مخاطبون بالصلاة ومكلفون بها، ولو لم يكلفوا بها لما سئلوا عنها، وأن القرآن الكريم جمع بين ترك الصلاة
__________
(1) تسهيل الوصول: ص 257، تيسير التحرير: 2 ص 148، وما بعدها، فواتح الرحموت: 1 ص 128، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص 153، القواعد والفوائد الأصولية: ص 49، الأشباه والنظائر، للسيوطي: ص 253، والأشباه والنظائر لابن نجيم: ص 325، شرح الكوكب المير: 1 ص 501 وما بعدها، إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك، للونشريسي: ص 283.
(1/411)

وهو عبادة وبين إنكار يوم القيامة، وهو عقيدة، وقال تعالى أيضًا مخبرًا عن المشركين: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (7)} [فصلت: 6 - 7]، فوصفهم بالشرك وترك الزكاة وعدم الإيمان بالآخرة، فكان جزاؤهم العذاب الأليم في جهنم، وهذا يدل على أنهم مكلفون ومخاطبون بالزكاة وبالإيمان معًا، ومحاسبون على الاثنين أيضًا، ومثل قوله تعالى: {يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ (16)} [الزمر: 16]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [البقرة: 21]، وقوله تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ} [النحل: 88]، أي فوق عذاب الكفر (1).
القول الثاني: لا يصح التكليف قبل حصول الشرط الشرعي، وإن الإيمان شرط في التكليف، والكافر غير مكلف بالعبادات، وهو رأي الرازي والإسفراييني من الشافعية، والسرخسي وجمهور الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد.
واحتجوا بأن الشارع يشترط الإيمان للعبادة، وهذا يقتضي النهي عن الصلاة بدون إيمان، وأن الصلاة بدونه غير صحيحة، وبالتالي فلا يمكن الامتثال حال الكفر لوجود المانع (2)، واستدلوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الإسلام يجبُّ ما قبله" (3)، وأن الكافر لا يطالب بإعادة وقضاء الصلاة بعد إسلامه.
ويَرُدَّ عليهم ابن عبد الشكور بأن العاقل يستبعد أن يدَّعي المنافاة
__________
(1) شرح الكوكب المنير: 1 ص 502.
(2) المراجع السابقة، وسترد هذه المسألة في فصل المحكوم فيه، وفي المسألة قول ثالث، وهو أنهم مخاطبون بالنواهي دون الأوامر، وهناك أقوال أخرى في المسألة، (انظر: شرح الكوكب المنير: 1 ص 504).
(3) رواه مسلم وأحمد، عن عمرو بن العاص.
(1/412)

بين التكليف وفقدان الشرط، لأنه يلزم على هذا القول أن يكون المحدث والجنب غير مكلفين شرعًا بالصلاة لوجود المانع من أدائها، وأن عدم الإحرام في الحج مانع من أداء الحج، ولكنه لا يمنع تكليف المسلم المستطيع بالحج ... وهكذا (1).
ويرى الإمام الشاطبي أن الإيمان ليس شرطًا للعبادة والتكليف بالصلاة مثلًا، بل هو العمدة في التكليف، لأن معنى العبادة هو التوجه إلى المعبود بالخضوع والتعظيم بالقلب والجوارح، وهذا فرع الإيمان، فكيف يكون أصل الشيء وقاعدته شرطًا فيه؟ وإذا توسعنا في معنى الشرط فيكون الإيمان شرطًا عقليًّا، وليس شرطًا شرعيًّا، أو هو شرط في المكلف وليس في التكليف (2).
والنتيجة التي تترتب على قول الجمهور بأنهم مخاطبون بفروع الشريعة كثرة عقابهم في الآخرة، وليس المطالبة منهم بفعل الفروع في الدنيا، ولا قضاء ما فات منها (3).
قال النووي رحمه اللَّه: "اتفق أصحابنا على أن الكافر الأصلي لا تجب عليه الصلاة والصوم والحج وغيرها من فروع الإسلام، والصحيح في كتب الأصول: أنه مخاطب بالفروع كما هو مخاطب بأصل الإيمان .. " ثم قال: "وليس هذا مخالفًا لما تقدم، لأن المراد هناك غير المراد هنا، فالمراد هناك أنهم لا يطالبون بها في الدنيا مع كفرهم، وإذا أسلم أحدهم لم يلزمه قضاء الماضي، ولم يتعرضوا
__________
(1) فواتح الرحموت، له: 1 ص 129.
(2) الموافقات، له: 1 ص 181.
(3) شرح الكوكب المنير: 1 ص 503، كشف الأسرار: 4 ص 243، نهاية السول: 1 ص 197، شرح تنقيح الفصول: ص 165، فواتح الرحموت: 1 ص 126، القواعد والفوائد الأصولية: ص 50، إرشاد الفحول: ص 10، روضة الناظر: ص 28.
(1/413)

لعقاب الآخرة، ومرادهم في كتب الأصول: أنهم يعذبون عليها في الآخرة زيادة على عذاب الكفر، فيعذبون عليها وعلى الكفر جميعًا، لا على الكفر وحده، ولم يتعرضوا للمطالبة في الدنيا، فذكروا في الأصول حكم طرف، وفي الفروع حكم الطرف الآخر" (1).
__________
(1) المجموع شرح المهذب: 3 ص 5، 5/ 349، وانظر: كشف الأسرار 4/ 243.
(1/414)

المطلب الثالث في المانع
تعريف المانع:
المانع لغة: الحائل بين شيئين، وهو اسم فاعل من منع، والامتناع هو الكف عن الشيء (1).
والمانع في الاصطلاح: هو وصف ظاهر منضبط يستلزم وجوده عدم الحكم أو عدم السبب (2).
فالمانع معنى معلوم محدد يمنع وجود الحكم، أو يمنع تحقق السبب، وذلك أنه إذا وجد السبب الشرعي، وتحقق شرطه، فلا يترتب المسبب عليه إلا إذا انتفى المانع، لأن المانع يمنع ترتب الحكم على السبب.
وحقيقته أنه يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم (3).
__________
(1) المصباح المنير: 2 ص 798، القاموس المحيط: 3 ص 86.
(2) انظر: تسهيل الوصول: ص 258، إرشاد الفحول: ص 7، جمع الجوامع مع حاشية البناني عليه: 1 ص 98، الموافقات: 1 ص 179.
(3) المدخل إلى مذهب أحمد: ص 65، 69، شرح الكوكب المنير: 1 ص 456.
(1/415)

مثاله: اختلاف الدين والقتل في الميراث، فإذا وجدت الزوجية أو القرابة، وهما سببان للإرث، فلا يتم الميراث إلا إذا انتفى المانع، وهو اختلاف الدِّين أو القتل، والأبوة مانع من القصاص، فإذا وجد القتل وهو سبب للقصاص، وتحقق الشرط وهو العمد والعدوان، فلا ينفذ القصاص إلا إذا انتفى المانع، فإن وجد فلا قصاص.

العلاقة بين السبب والشرط والمانع:
من التعريف والشرح تظهر العلاقة بين السبب والشرط من جهة وبين المانع من جهة أخرى، فالمانع يوجد مع وجود السبب وتوفر الشرط، ويمنع ترتب المسبب على سببه، فالشارع أخبرنا بوجوب الأحكام عند وجود السبب والشرط وانتفاء المانع، وعدم وجوب الأحكام أو عدم وجودها عند انتفاء السبب والشرط أو وجود المانع.
فالمانع عكس الشرط، لأنه يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم، والشرط يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، والمانع عكس السبب أيضًا، لأنه يلزم من وجود السبب وجود المسبب، ومن عدمه عدمه، أما المانع فيلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم.
وقد يلتبس الشرط مع عدم المانع، لأن كلًّا منهما يتوقف عليه وجود الحكم، ولذلك اعتبر بعض العلماء من شروط الصلاة: ترك المناهي من الكلام والطعام وغيرهما، ولكن الإمام النووي رحمه اللَّه حقق ذلك، وقال: إنها ليست شروطًا للصلاة، وإنما سميت بذلك مجازًا، وإنما هي مبطلات، لأن الشرط وصف وجودي، وعدم المانع وصف عدمي (1).
__________
(1) المجموع شرح المهذب: 3 ص 493، وانظر: شرح الكوكب المنير: 1 ص 461، الفروق: 1/ 111. =
(1/416)

أنواع المانع:
ينقسم المانع عدة أقسام باعتبارات مختلفة.

أولًا: أنواع المانع باعتبار تأثيره على الحكم والسبب:
ينقسم المانع في الأصول من حيث تأثيره على الحكم والسبب إلى نوعين:
1 - مانع للحكم لحكمة تقتضي نقيض الحكم، كالأبوة في القصاص، فإنها منعت القصاص مع وجود السبب وهو القتل، وتحقق الشرط وهو العمد والعدوان، ولكن وجد مانع الأبوة فيمنع القصاص، والحكمة أن الأب سبب وجود الابن، وهذا يقتضي ألّا يصير الابن سببًا لإعدام الأب (1)، ومثل ذلك القتل يمنع الإرث.
وهذا النوع ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
أ- المانع الذي لا يجتمع مع الحكم التكليفي، وهو الذي يزيل العقل كالنوم أو الجنون أو الإغماء، فإنها تمنع الخطاب التكليفي، وتكون مانعة للحكم.
ب- المانع الذي يجتمع مع أهلية التكليف، لكن المانع يرفع التكليف مع إمكان اجتماعه، كالحيض والنفاس والجنابة مانعة للصلاة ودخول المسجد، كما أن الحيض والنفاس مانعان للصيام.
ب- المانع الذي يرفع اللزوم في التكليف، ويحوله من طلب حتمي
__________
(1) انظر تعقيب الشوكاني على هذا المثال، واعتراضه عليه، وأن سبب إعدام الأب هو جريمة قتله، وليس الابن، (إرشاد الفحول: ص 7)، ويأتي المنع من جهة مكانة الوالد في الإسلام، ووجوب بره في جميع الحالات، لذلك قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: "لا يقاد والد بولده" رواه الترمذي وأحمد عن عمر رضي اللَّه عنه (الفتح الكبير 3/ 367).
(1/417)

إلى التخيير، كالمرض المانع من فريضة الجمعة، وإن صلى صحت صلاته، والأنوثة المانعة من صلاة الجمعة، وإن صلت صحت صلاتها (1).
2 - المانع للسبب لحكمة تخل بحكمة السبب، كالدَّيْن في الزكاة، فهو مانع أبطل سبب وجوب الزكاة، وهو ملك النصاب، لأن مال المدين أصبح كأنه ليس ملكه، لوجود حق الدائنين، ولأن دفع الدين وإبراء الذمة أولى من مساعدة الفقراء والمساكين (2)، وهذا عند الحنفية والجمهور، خلافًا للشافعية في الجديد.
يقول الآمدي: والمانع منقسم إلى مانع الحكم ومانع السبب، أما مانع الحكم فهو كل وصف وجودي ظاهر منضبط مستلزم لحكمة مقتضاها بقاء نقيض حكم المسبب، مع بقاء السبب كالأبوة في باب القصاص مع القتل العمد والعدوان، وأما مانع السبب فهو كل وصف يخل وجوده بحكمة السبب يقينًا، كالدَّيْن في باب الزكاة مع ملك النصاب (3).

ثانيًا: أنواع المانع باعتبار مصدره:
إن المانع إما أن يكون سماويًّا كالجنون والعته والنوم، وإما أن يكون مكتسبًا، كالسكر فإنه مانع للتكليف، والقتل فإنه مانع من الإرث.
__________
(1) أصول الفقه، أبو زهرة: ص 61، الموافقات: 1 ص 193، شرح الكوكب المنير: 1 ص 457.
(2) مختصر ابن الحاجب: ص 42، تسهيل الوصول: ص 258، الإحكام، الآمدي: 1 ص 120، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 69، تقريرات الشربيني على جمع الجوامع: 1 ص 97، فواتح الرحموت: 1 ص 61، مصادر التشريع الإسلامي: ص 556، أصول الفقه، خلاف: ص 138، أصول الفقه، الخضري: ص 69، شرح الكوكب المنير: 1 ص 458.
(3) الإحكام، له: 1 ص 121.
(1/418)

ثالثًا: أنواع المانع باعتبار تأثيره في الحكم:
ينقسم المانع باعتبار تأثيره في الحكم إلى ثلاثة أنواع:
1 - ما يمنع ابتداء الحكم واستمراره، كالرضاع، يمنع ابتداء النكاح، ويمنع استمراره إذا طرأ عليه.
2 - ما يمنع ابتداء الحكم فقط، كالعدة تمنع ابتداء النكاح، ولا تبطل استمراره إذا طرأت في أثناء الزواج، كالزوجة التي وطئت غصبًا، أو بشبهة من غير زوجها، فعليها عدة تسمى استبراءً، ولا يبطل زواجها.
3 - ما اختلف فيه، كالإحرام يمنع ابتداء الصيد، واختلف الفقهاء في أثره إذا طرأ في أثناء الإحرام، هل تجب إزالة اليد عنه أم لا؟ ومثل وجود الماء يمنع ابتداء التيمم، فإن طرأ في أثناء الصلاة، فهل يبطلها فيه قولان واختلاف (1)؟.

رابعًا: أنواع المانع عند الحنفية:
قسم الحنفية المانع إلى خمسة أنواع وهي:
1 - ما يمنع انعقاد السبب، مثل انتفاء المحلية في البيع، فإنه مانع له كبيع الحر.
2 - ما يمنع تمام السبب في حق غير العاقد، كبيع الفضولي، فالسبب وهو البيع قد تم في حق العاقد، ولا يستطيع إبطاله، ولم يتم العقد في حق المالك لعدم ولاية العاقد عليه، فهو بالخيار بين إجازته أو إبطاله.
3 - ما يمنع ابتداء الحكم، كخيار الشرط للبائع، فالعقد منعقد في حقهما، ولكن الخيار منع ملكية المبيع للمشتري.
4 - ما يمنع تمام الحكم، كخيار الرؤية، فالملك ثبت بالعقد، ولكن
__________
(1) شرح الكوكب المنير: 1 ص 463 وما بعدها، الفروق: 1/ 110.
(1/419)

لا يتم إلا بعد الرؤية، ويحق لصاحب الخيار أن يفسخ العقد بإرادته.
5 - ما يمنع لزوم الحكم، كخيار العيب، فالملك ثابت وتام، وللمشتري ولاية التصرف في المبيع، ولكن العيب مانع من لزوم العقد، فالعقد غير لازم، وللمشتري طلب فسخ العقد (1).
__________
(1) أصول الفقه، الخضري: ص 70.
(1/420)

المطلب الرابع في الصحيح وغير الصحيح
تعريف الصحيح:
الصحة لغة: حالة طبيعية في البدن تجري أفعاله معها على المجرى الطبيعي، واستعيرت للمعاني، وصح القول إذا طابق الواقع (1).
والحكم الصحيح في الاصطلاح الأصولي: هو ترتب ثمرته المطلوبة منه شرعًا عليه، فإذا حصل السبب، وتوفر الشرط، وانتفى المانع، ترتبت الآثار الشرعية على الفعل، كما إذا أدى المكلف فعلًا من الأفعال، مستكملًا أركانه وشروطه ترتب الأثر الذي وضعه الشارع عليه، كسقوط الواجب وإبراء الذمة في العبادات، وترتب المسبب على السبب، وإقامة المشروط على الشرط، وتحقق الآثار في المعاملات والعقود.
وغير الصحيح: هو الذي لا يترتب على فعله الآثار الشرعية، فإن كان واجبًا فلا يسقط عنه، ولا تبرأ ذمته، وإن كان سببًا فلا يترتب حكمه، وإن كان شرطًا فلا يوجد المشروط (2).
__________
(1) المصباح المنير: 1 ص 454، القاموس المحيط: 1 ص 233.
(2) أصول الفقه، خلاف: ص 145، أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 69، نهاية السول: =
(1/421)

ومثال ذلك: الصلاة الصحيحة، وهي التي استوفت أركانها وشروطها، وتسقط عن المكلف وتبرأ ذمته، ويكسب بها الأجر والثواب، وإلا فهي غير صحيحة، ويجب إعادتها، وعقد البيع الصحيح هو ما استكمل أركانه وشروطه وترتبت عليه آثاره من نقل الملكية، وإلا فهو غير صحيح، ولا تنتقل الملكية به، والوضوء الصحيح هو ما يصح به أداء الصلاة، وإلا فهو غير صحيح، ويجب إعادته.
وعرف البيضاوي الصحة: بأنها استتباع الغاية (1)، أي طلب الفعل بأن تتبعه غايته، والغاية هي الأثر المقصود من الفعل، واتفق العلماء على أن الغاية من المعاملات هي الانتفاع بكل من العوضين، انتفاعًا مباحًا لا حرمة فيه، واختلفوا في الغاية من العبادات، فقال علماء الأصول: هي موافقة الفعل أمر الشارع، ولو ظنًّا، وقال الفقهاء: إن غاية العبادة هي سقوط القضاء، أي براءة الذمة أمام اللَّه تعالى، فلا يحاسب عليه (2).
وبناء على هذا المعنى للصحة وعدم الصحة ينقسم الحكم باعتبار اجتماع الأركان والشروط المعتبرة في الفعل وعدم اجتماعها فيه، أو بحسب تحقق الغاية منه، وترتيبها عليه، أو عدم تحققها، إلى حكم صحيح، وحكم غير صحيح، وهو الفاسد والباطل.

هل الصحة الفساد والبطلان من الحكم الوضعي؟
انقسم العلماء في وصف الصحة والفساد والبطلان، وهل تدخل في الحكم الوضعي أم في الحكم التكليفي؟ على أربعة أقوال:
__________
= 1 ص 47، وما بعدها، تيسير التحرير: 2 ص 234، المستصفى: 1 ص 95، المدخل للفقه الإسلامي، للمؤلف: ص 65.
(1) نهاية السول: 1 ص 72، وانظر: جمع الجوامع وحاشية البناني: 1 ص 99.
(2) شرح الكوكب المنير: 1 ص 467.
(1/422)

1 - قال ابن الحاجب: إن الصحة والبطلان أو الحكم بهما أمر عقلي، فالفعل إما أن يكون مسقطًا للقضاء، أو يكون موافقًا أمر الشارع، فالفعل الصحيح بحكم العقل، وإما أن لا يسقط القضاء، أو لا يوافق أمر الشرع فهو باطل وفاسد بحكم العقل (1).
2 - وقال بعض العلماء: إن الصحة أو الفساد صفة للفعل وليس للحكم، وتدخل في المحكوم فيه، وليس في الحكم، وإنها أوصاف ترد على الأحكام الشرعية سواء كانت تكليفية أو كانت وضعية (2).
3 - قال جماعة: الصحة والفساد من الحكم التكليفي، فالصحيح هو المباح، والباطل والفاسد هو المحرم (3).
4 - وقال أكثر العلماء: إنهما من خطاب الوضع، بمعنى أنه حكم بتعلق شيء بشيء تعلقًا زائدًا على التعلق الذي لا بد منه في كل حكم، فالشارع حكم بتعلق الصحة بهذا الفعل، وحكم بتعلق الفساد أو البطلان بذلك (4).
والراجح أن الصحة والفساد من خطاب الوضع، وأن الصحة والفساد في المعاملات من أحكام الوضع باتفاق، لأن المعاملات لا تستتبع ثمراتها المطلوبة إلا بتوقيف من الشارع، وأن ترتب المقصود من العقد يدل على أنه صحيح، وعدم ترتبه عليه يدل على الفساد، فالصحة موافقة الفعل لأمر الشارع على وجه، والفساد عدم موافقة الفعل لأمر الشارع.
وينحصر الخلاف في الصحة والفساد المتعلقين بالعبادات لاختلاف
__________
(1) مختصر ابن الحاجب: ص 43، وانظر: شرح الكوكب المنير: 1 ص 464.
(2) أصول الفقه، أبو زهرة: ص 62، التلويح على التوضيح: 3 ص 73.
(3) شرح الكوكب المنير: 1 ص 464.
(4) تسهيل الوصول: ص 259، فواتح الرحموت: 1 ص 120، مختصر ابن الحاجب: ص 43، التلويح: 3 ص 73، شرح الكوكب المنير: 1 ص 464.
(1/423)

الغاية منها كما سبق، يقول الكمال بن الهمام: إن ترتب الأمر على الفعل حكم وضعي، ويعني معرفة كون العبادة مسقطة للقضاء أم لا (1).

الصحة وعدم الصحة في العبادات:
اتفق العلماء على أن العبادات الصحيحة هي التي استوفت أركانها وشروطها، وترتبت عليها الآثار الشرعية من براءة الذمة بالأداء.
وأن العبادات غير الصحيحة هي التي فقدت ركنًا أو شرطًا أو أكثر، ويترتب عليها عدم براءة الذمة، ولا فرق فيها بين الفساد والبطلان، باتفاق (2).

الصحة وعدم الصحة في المعاملات:
اتفق العلماء أيضًا على أن العقود الصحيحة هي التي أقرها الشارع ورتب عليها آثارها، بعد أن تستكمل أركانها وتستوفي شروطها، وأن العقد غير الصحيح هو الذي لم يستوف أركانه وشروطه، ولكنهم اختلفوا في وصف العقد غير الصحيح وتقسيمه على قولين:
القول الأول: أن العقد غير الصحيح قسم واحد، وهو الفاسد أو الباطل، ولا فرق بين الفساد والبطلان في المعاملات كالعبادات، سواء كان الخلل في الركن أو في الشرط والوصف، والفساد والبطلان مترادفان، وهو قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة (3).
__________
(1) تيسير التحرير: 2 ص 234، وانظر: أصول الفقه، البرديسي: ص 86، الإحكام، الآمدي: 1 ص 91.
(2) المدخل إلى مذهب أحمد: ص 69، الإحكام، الآمدي: 1 ص 121، جمع الجوامع وحاشية البناني: 1 ص 100، المدخل الفقهي العام: 1 ص 687، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 62، المستصفى: 1 ص 94، فواتح الرحموت: 1 ص 121، شرح الكوكب المنير: 1 ص 468.
(3) أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 73، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 69، جمع =
(1/424)

القول الثاني: العقد غير الصحيح قسمان، فاسد وباطل، فإن حدث خلل في الركن فهو باطل، ولا يترتب عليه أثر، وإن حدث الخلل في الشرط أو الوصف فيكون العقد قد انعقد بأركانه وترتبت عليه بعض الآثار، ولكنه فاسد، وهو قول الحنفية.
ويكون البطلان والفساد عند الحنفية متغايرين، فالباطل هو الذي لم يشرع بأصله ولا بوصفه كالبيع من الصبي الصغير والمجنون فهو باطل، لأنه اختل ركن من أركانه وهو الصيغة والأهلية فيكون باطلًا ولا تترتب عليه آثاره الشرعية، والفاسد هو ما شرع بأصله لا بوصفه، كبيع الدراهم بالدراهم مع التفاضل وهو الربا، والبيع بثمن مجهول، والزواج بغير شهود، فكل منها فاسد لوجود الخلل الذي يرجع إلى شرط من الشروط أو لورود النهي عن صفة فيه (1).

تعريف الباطل والفاسد:
الباطل لغة: من بطل الشيء إذا فسد وسقط حكمه، ويتعدى بالهمزة فيقال: أبطله، وبطل: ذهب ضياعًا وخسرانًا (2).
وعرف الأستاذ الزرقا الباطل في الاصطلاح بأنه: تجرد التصرف الشرعي عن اعتباره وآثاره في نظر الشرع (3).
وهذا المعنى متفق عليه بين العلماء.
والفاسد لغة: تغير الشيء عن الحال السليمة، والمفسدة ضد
__________
= الجوامع وحاشية البناني: 1 ص 101، أصول الفقه، البرديسي: ص 111، المسودة: ص 80، شرح الكوكب المنير: 1 ص 468، 473.
(1) المراجع السابقة، التلويح: 3 ص 73، وسوف يرد تفصيل هذا الموضوع في المدخل للفقه الإسلامي، للمؤلف.
(2) المصباح المنير: 1 ص 72، القاموس المحيط: 3 ص 335.
(3) المدخل الفقهي العام: 1 ص 651.
(1/425)

المصلحة، ويتعدى بالهمزة والتضعيف (1).
أما في الاصطلاح فقد اختلف العلماء في معنى الفساد على قولين، كما سبق في اختلافهم في غير الصحيح، فقال جمهور العلماء: إن الفساد بمعنى البطلان، وقال الحنفية: الفساد يغاير البطلان، والفاسد قسيم للباطل، فالحكم إما أن يكون صحيحًا أو غير صحيح، وغير الصحيح إما أن يكون باطلًا، وإما أن يكون فاسدًا، وعرفوا الفساد بأنه مرتبة بين الصحة والبطلان، يختل فيها العقد في بعض نواحيه الفرعية، وأنه مشروع بأصله لا بوصفه كبيع مال الربا، أما الباطل فهو ما ليس مشروعًا بأصله ووصفه، فالعقد إما أن يكون صحيحًا أو فاسدًا أو باطلًا (2).

أساس الاختلاف في الفساد والبطلان:
يرجع الاختلاف في الحكم غير الصحيح وتقسيمه إلى فاسد وباطل، وظهور مرتبة الفساد والبطلان عند الحنفية خلافًا للجمهور، لسببين رئيسيين:
الأول: مقتضى النهي: فقال الجمهور: النهي يقتضي البطلان والفساد، سواء ورد على ذات الأمر وحقيقته أو ورد علي وصف فيه، كما سبق الكلام عنه في أنواع الحرام، وسيرد مزيد تفصيل لذلك في
__________
(1) القاموس المحيط: 2 ص 323، المصباح المنير: 1 ص 646.
(2) القواعد والفوائد الأصولية ص 110، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 69، الإحكام، الآمدي: 1 ص 122، جمع الجوامع على حاشية البناني: 1 ص 105، نهاية السول، الإسنوي: 1 ص 75، المستصفى: 1 ص 95، تيسير التحرير: 2 ص 236، فواتح الرحموت: 1 ص 122، وانظر تفصيل أحكام البطلان والفساد والآثار التي تترتب على كل منهما في: المدخل الفقهي العام: 1 ص 649 وما بعدها.
(1/426)

بحث الأمر والنهي إن شاء اللَّه تعالى (1)، وقال الحنفية: إذا ورد نهي الشارع على ذات الشيء وحقيقته فهو باطل، وإن ورد النهي على وصف في الشيء مع مشروعية الأصل فالنهي يفيد الفساد، ولذا عرفوا الفاسد بأنه مشروع بأصله لا بوصفه، فالربا بيع مع زيادة ومنفعة لأحد العاقدين، والبيع مشروع، والنهي ورد على الوصف الزائد، فكان البيع مع الربا فاسدًا لا باطلًا.
الثاني: الفرق بين الركن والشرط: سبق الكلام عن الفرق بين الركن والشرط، وأن الركن والشرط يتوقف عليهما الشيء، ولكن الركن داخل في الماهية، والشرط خارج عن الماهية، فإذا اختل الركن فالعقد باطل باتفاق العلماء، وإن اختل الشرط فقال الجمهور: العقد باطل وفاسد بمعنى واحد، وقال الحنفية: العقد فاسد لكون الخلل في وصف خارج عن الشيء (2).
__________
(1) انظر: مباحث الكتاب والسنة، الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي: ص 67.
(2) الوسيط في أصول الفقه: ص 102، تيسير التحرير: 2 ص 236، المدخل الفقهي العام: 1 ص 681، أصول البيوع الممنوعة، عبد السميع إمام: ص 144، وانظر: المدخل للفقه الإسلامي، للمؤلف: ص 68 وما بعدها، مباحث الكتاب والسنة، البوطي: 67، 87.
(1/427)

المطلب الخامس في العزيمة والرخصة
هذا هو القسم الخامس للحكم الوضعي الذي اختلف العلماء في اعتباره داخلًا في الحكم الوضعي أو غير داخل على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الرخصة والعزيمة من أقسام الفعل المحكوم فيه، وهو رأي بعض العلماء كابن الحاجب والرازي، وقالوا: إن الفعل الذي يجوز للمكلف الإتيان به إما أن يكون عزيمة أو رخصة (1).
القول الثاني: أن الرخصة والعزيمة من أقسام الحكم التكليفي، وهو رأي بعض العلماء، كصدر الشريعة وابن السبكي والإسنوي وابن عبد الشكور، ونظروا إلى الرخصة والعزيمة كصفة للأحكام التكليفية، فالواجب أو المندوب أو المكروه أو الحرام أو المباح إما أن يكون عزيمة ومطلوبًا، وإما أن يكون رخصة ومخيرًا فيه، ولذا كانت العزيمة والرخصة تابعة للحكم التكليفي (2).
__________
(1) مختصر ابن الحاجب: ص 43، مباحث الحكم: ص 120، شرح الكوكب المنير: 1 ص 482.
(2) كشف الأسرار: 2 ص 618، جمع الجوامع مع حاشية البناني: 1 ص 119، منهاج الوصول: ص 7، فواتح الرحموت: 1 ص 116، القواعد والفوائد الأصولية: ص 114، شرح الكوكب المنير: 1 ص 482.
(1/429)

القول الثالث: أن الرخصة والعزيمة من أقسام الحكم الوضعي، وهو رأي الغزالي والآمدي والشاطبي وصاحب شرح مسلم الثبوت، وذلك أن الأصل في جميع الأحكام أن تكون عزيمة، ولا تنتقل من العزيمة إلى الرخصة إلا لسبب، وهو الضرورة في إباحة المحظور، أو طروء العذر كسبب للتخفيف بترك الواجب، أو دفع الحرج عن الناس كسبب صحيح في بعض عقود المعاملات بينهم، فارتبطت العزيمة بفقدان السبب الشرعي المبيح، وارتبطت الرخصة بوجود السبب المبيح لها فالرخصة في الحقيقة عبارة عن وضع الشارع وصفًا من الأوصاف سببًا في التخفيف، والعزيمة عبارة عن اعتبار مجاري العادات سببًا للجري على الأحكام الأصلية، فكانت الرخصة من أقسام الحكم الوضعي، وهذا القول أخذ به كثير من العلماء، ورأينا ترجيحه والسير على منواله (1).

أولًا: العزيمة
تعريف العزيمة:
العزم لغة: هو القصد المؤكد، قال تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران: 159]، وقال تعالى: {فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه: 115] أي حزمًا وتصميمًا. وعزم على الشيء جد واجتهد في أمره، وعزم على الشيء عقد ضميره على فعله، وعزائم اللَّه فرائضه (2).
وفي الاصطلاح: هي ما شرعه اللَّه لعامة عباده من الأحكام ابتداء (3).
__________
(1) الإحكام، الآمدي: 1 ص 91، فواتح الرحموت: 1 ص 116، الموافقات: 1 ص 122، المستصفى: 1 ص 98، تسهيل الوصول: ص 255، شرح الكوكب المنير: 1 ص 482، الوسيط في أصول الفقه: ص 105.
(2) المصباح المنير: 2 ص 558، القاموس المحيط: 4 ص 149.
(3) الإحكام، الآمدي: 1 ص 122، جمع الجوامع وحاشية البناني: 1 ص 124، كشف =
(1/430)

"ما شرعه اللَّه": أي الأحكام التي شرعها اللَّه تعالى، ولفظ "عامة عباده" قيد يخرج الأحكام الخاصة ببعض المكلفين، وأن العزيمة عامة لجميع العباد ولجميع الأحوال، وتخرج الخصوصية، ولفظ "ابتداء" أي لم تسبق في شريعتنا بأحكام أخرى، وأن العباد مكلفون بها من أول الأمر.
وعرف البيضاوي العزيمة بأنها "الحكم الثابت لا على خلاف الدليل القائم لعذر"، وهذا التعريف للمقابلة مع تعريف الرخصة الآتي بعد قليل، فكل حكم لم يخالف الدليل أصلًا كالأكل والشرب، أو خالف الدليل ولكن ليس بسبب العذر بل بسبب الاختبار مثلًا كالتكاليف، أو خالف الدليل لمانع كإفطار الحائض وترك الصلاة، فهذه كلها عزائم.
ومن التعريفين السابقين نجد أنه لا واسطة بين العزيمة والرخصة، فكل حكم ثبت بالشرع فهو عزيمة، إلا إذا ورد ما يخالفه لعذر فهو رخصة، وسميت الأحكام الأصلية عزيمة لأنها مشروعة ابتداء حقًّا لصاحب الشرع الذي يستحق الطاعة وتنفيذ الأوامر (1).
وذهب بعض الأصوليين في تعريف العزيمة إلى أنها "الحكم الثابت الذي خولف لعذر"، فالعزيمة تقابل الرخصة، وأن الحكم لا يسمى عزيمة إلا إذا ثبت الترخيص فيه لعذر، وتكون الأحكام ثلاثة أقسام: الرخصة والعزيمة عند وجود العذر، والحكم الأصلي الذي لم يتطرأ
__________
= الأسرار: 2 ص 618، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 71، تيسير التحرير: 2 ص 228، أصول الفقه، خلاف: ص 138، أصول الفقه لغير الحنفية: ص 91، أصول السرخسي: 1 ص 117، مباحث الحكم: ص 115، أصول الفقه، الخضري: ص 71، تسهيل الوصول: ص 250، شرح الكوكب المنير: 1 ص 476.
(1) كشف الأسرار: 2 ص 618، فواتح الرحموت: 1 ص 116، تيسير التحرير: 2 ص 229.
(1/431)

إليه هذا الترخيص ولم يحطه عذر، فهو حكم لا يوصف بأنه رخصة ولا عزيمة، وإنما هو حكم شرعي أصلي (1).
ويرجح القول الأول في تقسيم الأحكام إلى قسمين: رخصة وعزيمة، وأن جميع الأحكام الشرعية التكليفية تعتبر عزائم للَّه تعالى، ويكلف العبد بتنفيذها والالتزام بها وتطبيقها، وبذل الجهد والمشقة في المحافظة عليها، واستحقاق الأجر والثواب من اللَّه على فعل الواجبات والمندوبات، واستحقاق الذم والعقاب على فعل المحرمات، فإن طرأ عذر رفع الإثم والحرج والذم والعقاب عن فاعل المحرم، وصار الحكم رخصة له من اللَّه تعالى، ولذا تنسب العزائم إلى اللَّه تعالى، فيقال: عزائم اللَّه تعالى، ويراد بها فرائضه التي أوجبها، وحدوده التي أقامها (2).
والعزيمة تشمل الأحكام الخمسة التكليفية عند الجمهور، فكل حكم منها هو عزيمة، لأنها من الأحكام التي شرعت ابتداء في الشريعة من غير نظر إلى الأعذار، وتبقى عزيمة ما لم يرد دليل مخالف لها لعذر، سواء كان الحكم الإيجاب أو الندب أو الإباحة أو الكراهة أو التحريم.
وذهب بعض الأصوليين إلى قصر العزيمة على الواجب والمندوب والمباح والمكروه، وقصرها آخرون على الواجب والمندوب، وخصها بعضهم بالواجب والحرام فقط (3).
__________
(1) أصول الفقه لغير الحنفية: ص 91.
(2) التلويح على التوضيح: 3 ص 82، مباحث الحكم: ص 115.
(3) تسهيل الوصول: ص 251، نهاية السول: 1 ص 91، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 71، كشف الأسرار: 2 ص 620 وما بعدها، أصول الفقه لغير الحنفية: ص 91، شرح الكوكب المنير: 1 ص 476.
(1/432)

أنواع العزيمة:
يدخل في العزيمة الأنواع الأربعة التالية:
1 - ما شرع ابتداء من أول الأمر لصالح المكلفين عامة، كالعبادات والمعاملات والجنايات وجميع الأحكام التي شرعها اللَّه تعالى لعباده لتحقيق المصالح في الدنيا والآخرة، وهذا النوع هو الغالب في الأحكام.
2 - ما شرع من الأحكام لسبب طارئ اقتضى مشروعيته، كحرمة سب الأنداد والأوثان التي تعبد من دون اللَّه، بسبب ما ينشأ عنها من سب المشركين للَّه سبحانه وتعالى، فحرم اللَّه تعالى سب الأوثان والطواغيت لأنه ذريعة إلى سب اللَّه تعالى، قال تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ} [الأنعام: 108]، ومثله منع استعمال لفظ "راعنا" لما يلتبس به من طعن وغمز ولمز من اليهود إلى رسول اللَّه، فقال تعالى: {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ} [النساء: 46]، مع أن الأصل في معنى الكلمة الرعاية، ولكن اليهود والمنافقين كانوا يقصدون منها الرعونة لسب النبي - صلى الله عليه وسلم -، أخزاهم اللَّه ولعنهم (1).
3 - ما شرع من أحكام ناسخة لأحكام سابقة، ويصبح المنسوخ كأن لم يكن، والحكم الناسخ هو العزيمة، وهو الحكم الأصلي الذي يعتبر أنه شرع ابتداء لجميع المكلفين، مثل قوله تعالى في نسخ الاتجاه إلى بيت المقدس، وتحويل الصلاة إلى الكعبة، قال تعالى: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 144]، ومثل قوله - صلى الله عليه وسلم -:
__________
(1) تفسير ابن كثير: 1 ص 507.
(1/433)

"كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة" (1).
4 - الأمر المستثنى من أمر عام محكوم فيه، مثل قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 24]، فالآية الكريمة حرمت المحصنات بلفظ عام، ثم استثنت منه النساء اللاتي يملكهن الإنسان بالرق، ومثل ذلك ما سبق بيانه في المباح من قوله تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ}] البقرة: 229]، فقد حرم اللَّه تعالى على الزوج أن يأخذ شيئًا مما دفعه إلى زوجته، ثم استثنت الآية الكريمة حال عدم الوفاق وعدم تحقيق أغراض الزواج وانتفاء موضوعه، واحتمال انتهاك حرمات اللَّه فيه، فأباح أخذ المال من الزوجة في سبيل إطلاق، يدها وفسخ عقد الزواج بينهما، وهو الخلع، فيكون عزيمة (2).

ثانيًا: الرخصة
تعريف الرخصة:
الرخصة في اللغة: التيسير والتسهيل، أو اليسر والسهولة، والرخص ضدّ الغلاء، وفلان يترخص في الأمر إذا لم يستقص، ويتعدى بالهمزة والتضعيف (3).
وفي الاصطلاح عرفها البيضاوي بأنها: "الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر" (4).
__________
(1) رواه ابن ماجه عن ابن مسعود، ورواه مسلم عن بريدة، والحاكم عن أنس.
(2) مباحث الحكم: ص 116.
(3) المصباح المنير: 1 ص 304، القاموس المحيط: 2 ص 304.
(4) نهاية السول: 1 ص 87، وانظر: المستصفى: 1 ص 98، تيسير التحرير: 2 ص 228، مختصر ابن الحاجب: ص 43، تسهيل الوصول: ص 251، كشف الأسرار: =
(1/434)

1 - الحكم: أي الشرعي، وهو جنس يشمل الرخصة والعزيمة.
2 - الثابت على خلاف الدليل: قيد أول، والثابت إشارة إلى أن الرخصة لا تكون إلا بدليل مع وجود العذر، والدليل هو الدليل الشرعي الصحيح، الذي سبق شرحه في أول الكتاب، سواء أكان هذا الدليل يفيد الإيجاب كصيام رمضان، أو التحريم كتحريم الميتة، أم الندب كترك الجماعة، أم الكراهة أم الإباحة، أي الدليل الذي يثبت به الحكم الأصلي، وهو العزيمة التي سبق بيانها، وتأتي الرخصة على خلاف هذه الأدلة، فيجوز الإفطار في رمضان للمسافر رخصة، ويجوز أكل الميتة للمضطر رخصة، ويجوز ترك الجماعة لمرض رخصة.
وهذه العبارة احتزاز عن الحكم الخاص الذي لا يخالف دليلًا شرعيًّا، لعدم ورود دليل أصلًا، كحل المنافع المباحة من أكل وشرب ولبس مما لم يرد على منعها دليل، فإباحتها لا تكون رخصة، وإنما تبقى مباحة بحسب الأصل، ويحترز أيضًا عن دليل المنع المنسوخ أو المرجوح، فالحكم الثابت على خلافهما لا يعتبر رخصة بل هو عزيمة (1).
3 - لعذر: قيد ثان، لإخراج ما يستباح لغير عذر، وهذا العذر أعم من الضرورة أو المشقة أو الحاجة، فيشمل الضرورة كأكل الميتة في
__________
= 2 ص 670، الإحكام، الآمدي: 1 ص 122، التلويح: 3 ص 82، أصول الفقه لغير الحنفية: ص 87، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 71، الموافقات: 1 ص 205، أصول السرخسي: 1 ص 117، شرح الكوكب المنير: 1 ص 478، الأشباه والنظائر، السيوطي: ص 76، 82.
(1) مثال الحكم المخالف لدليل منسوخ جواز فرار مسلم واحد إذا التقى بأكثر من كافرين اثنين، وحرمة قتل النفس توبة، وحرمة إحراق الغنائم، ومثال الدليل المرجوح النص العام الذي يخالفه دليل خاص، مثل عدم قتل المستأمن مع قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} [التوبة: 36] فهذه الأحكام ليست رخصة بل عزيمة.
(1/435)

المخمصة، والمشقة كالإفطار في رمضان للمسافر، والحاجة كالسلم (1).
ولفظ العذر احتزاز أيضًا عن التكاليف الشرعية، فالأصل عدم التكليف، فإذا ورد التكليف فلا يعتبر ذلك رخصة؛ لأنه ثبت للابتلاء والاختبار، وليس لعذر، واحتراز أيضًا عن وجوب ترك الحائض للصلاة، وغيرهما من الأحكام التي تثبت لمانع وليس لعذر (2)، والفرق بينهما أن العذر يجتمع مع المشروع كالسفر والمرض مع الصوم، أما المانع فلا يجتمع معه، بل يمنع وجوده أصلًا، كما سبق في تعريف المانع (3).
وهذه الرخصة التي تثبت على خلاف الدليل لعذر تشمل الأحكام الشرعية الأربعة، وهي: الإيجاب والندب والكراهة والإباحة، وبتعبير آخر تشمل أفعال المكلف التي تتعلق بها الأحكام (4)، ونضرب مثالًا لكل منها:
1 - الواجب: مثل أكل الميتة للمضطر، فهو واجب عند جمهور الفقهاء (5).
__________
(1) قارن ما جاء في مباحث الحكم: ص 117، فإنه يرى أن السلم والقراض والمساقاة ليست رخصة لأنها شرعت لعذر غير شاق، والرخصة تختص بالشاق، وتسمى رخصة مجازًا.
(2) حاشية البناني على جمع الجوامع: 1 ص 124.
(3) عرف بعض الحنفية الرخصة بأنها ما تغيَّر من عسر إلى يسر لعذر، وهذا تعريف عام يشمل الرخصة الحقيقية والمجازية، فالناسخ لعذر رخصة عندهم، وهذا توسع في الرخصة، انظر تسهيل الوصول: ص 251، أصول الفقه لغير الحنفية: ص 88.
(4) جمع الجوامع وحاشية البناني: 1 ص 121، التوضيح: 3 ص 82، تيسير التحرير: 2 ص 229، نهاية السول: 1 ص 90، المستصفى: 1 ص 99، المجموع: 4 ص 222، وقارن الموافقات: 1 ص 209، شرح الكوكب المنير: 1 ص 479.
(5) قال الفقهاء: قد يكون تناول الميتة واجبًا في بعض الأحيان، وهو ما إذا خاف على نفسه ولم يجد غيرها، وقد يكون مندوبًا، وقد يكون مباحًا، بحسب الأحوال، =
(1/436)

2 - المندوب: مثل القصر للمسافر عند الجمهور خلافًا للحنفية، فإنهم يعتبرون القصر عزيمة وليس رخصة.
3 - المباح: مثل رؤية الطبيب لعورة المرأة أو الرجل، فالنظر في الأصل محرم، ولكنه أبيح لرفع الحرج عن الناس، ومثل الإجارة والمساقاة والسلم، فإنها رخصة مجازية، لأنها عدول عن القياس لعذر، وهو الحاجة إليها، ومثل الجمع بين الصلاتين في غير مزدلفة وعرفة؛ فإنه رخصة عند الجمهور، خلافًا للحنفية الذين يمنعون الجمع إلا في مزدلفة وعرفة (1).
4 - المكروه: مثل النطق بكلمة الكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان، فالنطق بالكفر حرام، وعند الإكراه يجوز النطق بها، مع الكراهة، وإن صبر فأولى كما سنرى، ومثل قصر الصلاة لأقل من ثلاث مراحل عند الشافعية، ومثل الإفطار في رمضان، فإنه خلاف الأولى، لقوله تعالى: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 184].
ولا يخطر على البال أن يرخص اللَّه تعالى في أمر وتكون الرخصة حرامًا، فإن اللَّه تعالى لا يشرع الحرام (2)، ولأن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن اللَّه يحب أن تُؤتى رُخَصُه، كما يحب أن تؤتى عزائمه" (3)، وقال لعمار: "إن عادوا فَعُدْ" (4).
__________
= انظر: تفسير ابن كثير: 2 ص 14، المجموع: 4/ 222، الأشباه للسيوطي: ص 82.
(1) مباحث الحكم: ص 123، نهاية السول: 1 ص 90، شرح الكوكب المنير: 1 ص 480.
(2) كشف الأسرار: 2 ص 619.
(3) رواه أحمد والبيهقي وابن حبان عن ابن عمر، وفي لفظ لأحمد: "من لم يقبل رخصة اللَّه كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة،، تفسير ابن كثير: 2 ص 14، مسند أحمد: 2 ص 71، 108، ورواه البزار بإسناد حسن، والطبراني وابن حبان وصححه (الترغيب والترهيب 2/ 135).
(4) رواه البيهقي وغيره.
(1/437)

إطلاقات الرخصة:
أطلق الأصوليون الرخصة مجازًا بثلاثة إطلاقات بالإضافة إلى معناها الحقيقي، وهي:
1 - ما استثني من أصل كلي يقتضي المنع مطلقًا دون توقف على عذر، وهو ما يقال له إنه مشروع على خلاف القياس، كالسلم والإجارة والقرض والمساقاة والاستصناع، فالقياس يمنع ويحرم هذه العقود، وشرعت استحسانًا، ويطلق عليها العلماء أنها رخصة، لما تتضمن في مشروعيتها من تسهيل وترخيص وتيسير ورفع للحرج عن الناس (1)، ولما جاء في الحديث: "نهى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الإنسان ما ليس عنده، ورخص في السلم" (2).
2 - نسخ الأحكام التكليفية الغليظة التي شدد اللَّه بها على الأمم السابقة، كالقتل لصحة التوبة، والصلاة في مكان العبادة فقط، ودفع ربع المال زكاة، وقطع الثوب إذا أصابته نجاسة، وغير ذلك مما نسخ في شريعتنا (3)، ودل على النسخ قوله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} [البقرة: 286]، وقوله تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157].
3 - الأحكام التي جاءت توسعة على العباد، كالتمتع بالمباحات، والاستفادة من الملذات، وأكل الطيبات، فإنها رخصة مجازًا، لما يظهر
__________
(1) الموافقات: 1 ص 206.
(2) قال القرطبي في شرح مسلم: إنه عثر عليه بهذا اللفظ، ويظهر أنه حديث مركب من حديثين (فتح القدير 5/ 324).
(3) أصول الفقه، الخضري: ص 72، أصول الفقه، خلاف: ص 139، مباحث الحكم: ص 119، الموافقات: 1 ص 207، أصول السرخسي: 1 ص 120.
(1/438)

فيها من معارضة قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ (56)} [الذاريات: 56]، وقوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ} [طه: 132].
فهذه الأنواع تسمى رخصة تجاوزًا أو تسامحًا، ولا تدخل في معنى الرخصة الذي اصطلح عليه علماء الأصول، وتضاف إلى النوعين اللذين نص عليهما علماء الحنفية، وقالوا: إنهما رخصة مجازًا، كما سنرى في الفقرة التالية، فجميع هذه الحالات لا تكون رخصة حقيقية (1).

أنواع الرخصة:
الرخصة مبنية على أعذار العباد، ولما كانت أعذارهم مختلفة فلذلك اختلفت الرخص وتنوعت إلى أربعة أنواع، الأول والثاني متفق عليهما، والثالث والرابع نص عليهما الحنفية واعتبروهما رخصة مجازًا (2)، وهذه الأنواع هي:
1 - الرخصة في فعل المحظورات، وهي التي تجعل الفعل في حكم المباح، فتسقط المؤاخذة عنه، مع بقاء حكم الحرام فيه، مثل الترخص بكلمة الكفر عند الإكراه على النفس بالقتل أو على قطع عضو من الجسد، والامتناع عن النطق بكلمة الكفر عزيمة، فإن صبر حتى قتل كان مأجورًا، وإن نطق بها فلا يؤاخذ لوجود الإكراه مع ثبوت الإيمان والتصديق بالقلب، ومثله الترخيص للإفطار في رمضان للإكراه، والترخيص بإتلاف مال غيره، ومن اضطره الجوع الشديد والظمأ الشديد
__________
(1) المراجع السابقة، الإحكام، الآمدي: 1 ص 123.
(2) تسهيل الوصول: ص 252، كشف الأسرار: 2 ص 635، أصول السرخسي: 1 ص 118، جمع الجوامع والبناني: 1 ص 122، التلويح: 3 ص 82، تيسير التحرير: 2 ص 228، 232، وقارن رأي الخضري في كتاب أصول الفقه: ص 74، فإنه يرى أن هذا التقسيم خطأ.
(1/439)

إلى أكل الميتة أو شرب الخمر فيباح له أكلها وشربها.
وحكم هذا النوع -ما عدا الكفر مع الإكراه- ترجيح الأخذ بالرخصة على العزيمة لقوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173]، وقوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119]، ولأن في الرخصة حفظًا للنفس ولاستيفاء حق اللَّه فيها، ولو أصر على العزيمة وامتنع عن شرب الخمر وأكل الميتة عند الاضطرار والإكراه حتى مات بسببهما أثم بإلقاء نفسه إلى التهلكة (1).
أما الإكراه على الكفر فالأخذ بالعزيمة أولى وأفضل لبقاء المحرم والحرمة، ولو تحمل المكره الإكراه، وامتنع عن الرخصة، وقتل، كان شهيدًا، لأنه بذل نفسه لإقامة حق اللَّه تعالى.
والدليل على ذلك أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من الصحابة، فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ قال: رسول اللَّه، قال: فما تقول فيَّ؟ قال: أنت أيضًا، فخلاه، وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ قال: رسول اللَّه، قال: فما تقول فيَّ؟ قال: إنما أنا أصم، فأعاد عليه ثلاثًا، فأعاد جوابه، فقتله، فبلغ ذلك رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فقال: "أما الأول: فقد أخذ برخصة اللَّه، وأما الثاني: فقد صدع بالحق، فهنيئًا له"، وحصل مثل ذلك مع عمار وخبيب بن عدي وقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في خبيب: "هو أفضل الشهداء، وهو رفيقي في الجنة (2) ".
2 - الرخصة في ترك الواجباب: وهي الرخصة التي تجعل الفعل في حكم المباح مع قيام السبب الموجب لحكمه، ولكن الحكم متراخٍ عن
__________
(1) تيسير التحرير: 2 ص 232، وقال الإمام أحمد في قول: إن العزيمة أفضل في الميتة، ويخير بين القتل وشرب الخمر، انظر المدخل إلى مذهب أحمد: ص 71، 72.
(2) انظر تسهيل الوصول: ص 252، فواتح الرحموت: 1 ص 116، كشف الأسرار: 2 ص 635، الإصابة: 2 ص 102، سيرة ابن هشام: 2 ص 172.
(1/440)

السبب حتى يزول العذر، فهذا العذر اتصل بالسبب، ومنعه من العمل (1)، مثل إفطار المسافر والمريض في رمضان، فهذا رخصة مع قيام السبب وهو شهود الشهر الثابت، وتراخي الحكم، وهو وجوب الصوم وحرمة الإفطار في أيام أخر، وبما أن السبب قائم فيجوز لهما الصوم، وبما أنه يجب الصوم عليهما على التراخي إلى أيام أخر، فلا يجب عليهما الفدية إذا ماتا قبل وجوب الأيام الأخر.
وحكم هذا النوع جواز الإفطار في رمضان، لقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184]، ولكن الأخذ بالعزيمة أولى إذا لم يضعفه الصوم، فالصوم في السفر والمرض أفضل من الإفطار، لقوله تعالى في نفس الآية: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 184] إلا إذا أضره الصوم وأضعفه، أو منعه عن أمر أهم كالجهاد، فيكون الإفطار أفضل، وإن خاف الهلاك يجب الإفطار (2).
3 - نسخ الأحكام في الشرائع السابقة: وهي الأحكام التي سقطت عنا، ولم تشرع في حقنا، وكانت في الشرائع السابقة، كاشتراط قتل النفس وقطع الأعضاء في التوبة، وقص موضع النجاسة في الثوب، ودفع ربع المال في الزكاة، وغير ذلك مما خففه اللَّه عنا، ولم يشرع علينا، وجاءت مقابله أحكام ميسرة وسهلة، وهذا النوع رخصة مجازية، لأن الأصل لم يرد في شريعتنا أصلًا، ولا يجوز القيام به ولا العمل بموجبه قطعًا.
__________
(1) كشف الأسرار: 2 ص 638.
(2) تذكر كتب الحنفية أن الشافعية تقول بأن العمل في إفطار المسافر أولى، (انظر التلويح: 3 ص 85، أصول السرخسي: 1 ص 119)، وهذا غير صحيح، فالثابت عند الشافعية أن الصوم أفضل، لثبوت ذلك بصريح النص، (انظر نهاية السول، الإسنوي: 1 ص 90، المستصفى: 1 ص 99).
(1/441)

4 - ما سقط عن العباد بإخراج سببه بأن يكون موجبًا للحكم في محل الرخصة، مع كون الساقط مشروعًا في وقت آخر كالقصر في السفر فهو رخصة مجازًا عند الحنفية، ولا تصح العزيمة عندهم (1).
فالنوعان الأول والثاني رخصة حقيقية لثبوت العزيمة المقابلة لها، والعمل فيها، وتسمى عند الحنفية رخصة ترفيه، وقال الحنفية بالنوع الثالث والرابع وأنهما مجازيان للرخصة، ووافقهم الإمام الغزالي على ذلك، ويطلق عليهما اصطلاح رخصة إسقاط، فالترخيص أسقط حكم العزيمة، وصار الحكم الشرعي هو الرخصة (2).

خاتمة: هل الأفضل الأخذ بالرخصة أم بالعزيمة؟
اختلف العلماء في ترجيح الأخذ بالرخصة أم بالعزيمة، وكان اختلافهم غالبًا في كل جزئية على حدة (3)، وجاء الشاطبي وتناول هذا الموضوع بشكل عام، ووازن بين الرخصة والعزيمة، وذكر الأدلة التي ترجح الأخذ بالعزيمة، ثم أتبعها بالأدلة التي ترجح الأخذ بالرخصة، ونستعرض أهمها:

أولًا: أدلة ترجيح العزيمة:
1 - العزيمة هي الأصل الثابت المتفق عليه المقطوع به، أما
__________
(1) ذكرت الشافعية في قول أن حكم قصر الصلاة في السفر كالأفطار في رمضان، وأن الإتمام أفضل من القصر، والمشهور عندهم أن القصر أفضل من الإتمام، إذا بلغ ثلاث مراحل، والأدلة متوفرة في الفقه المقارن، انظر التوضيح: 3 ص 86، المستصفى: 1 ص 98، تسهيل الوصول: ص 252، مغني المحتاج: 1 ص 271، 437.
(2) تسهيل الوصول: ص 252، التوضيح: 3 ص 86، المستصفى: 1 ص 98، أصول الفقه، خلاف: ص 141، أصول السرخسي: 1 ص 117 وما بعدها.
(3) المدخل إلى مذهب أحمد: ص 72، أصول الفقه، الخضري: ص 76، مباحث الحكم: ص 127.
(1/442)

الرخصة، وإن كان مقطوعًا بها، لكن سبب الترخيص ظني، وهو المشقة، لأنها ليست منضبطة، وتتفاوت حسب الأشخاص والأحوال.
2 - العزيمة راجعة إلى أصل كلي في التكليف لجميع المسلمين، وهو أصل عام مطلق على جميع المكلفين، أما الرخصة فإنها ترجع إلى حالة جزئية حسب بعض المكلفين المعذورين، أو بحسب بعض الأحوال والأوقات فالرخصة عارض طارئ على العزيمة، ومن المقرر عند تعارض الأمر الكلي مع الأمر الجزئي، ترجيح الكلي، لأنه يحقق ويقتضي مصلحة عامة.
3 - الأمر بالمحافظة على التكاليف وتحمل المشاق فيها، وإنْ فُتِح مقابلها باب الرخصة أحيانًا، قال تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23]، فوصفهم بالصدق مع حصول الزلزال الشديد والمشقة بالمؤمنين، وقال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (10)} [الزمر: 10]، وقال تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186)} [آل عمران: 186]، وقال تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 35].
4 - الأخذ بالرخصة قد يصبح ذريعة إلى انحلال العزائم في التعبد، أما الأخذ بالعزيمة فإنه يعوِّد على الثبات في التعبد، والأخذ بالحزم في الأمور، وإن اعتاد الشخص على الرخص صارت كل عزيمة شاقة عليه وحرجة، فيحاول التهرب منها، والخروج من مقتضاها.
5 - إن الأصل في التشريع هو التكليف، والتكليف فيه كلفة ومشقة على العبد، واقتضت حكمة اللَّه تعالى أن تكون الكلفة حسب طاقة الإنسان وقدرته، وحسب مجرى العادات، فإن ظهرت شدة المشقة والتكليف على بعض الأفراد أو في بعض الحالات فلا تخرج العزيمة
(1/443)

عن قصد الشارع، ولا تؤثر في مقتضى العزيمة، فالأصل البقاء على العزيمة، ولا يخرج عنها إلا لسبب قوي (1).

ثانيًا: أدلة ترجيح الأخذ بالرخصة:
1 - الرخصة ثابتة قطعًا بالشرع كالعزيمة، فإن وجدت المظنة وجد الحكم، لأن الشارع اعتبر الظن في ترتيب الأحكام، وأنه يجري مجرى القطع، فإنْ ظن المشقة الكبيرة والمرض في الصوم فيرخص له الإفطار.
2 - أن أصل الرخصة وإن كان جزئيًّا فلا يؤثر عليها، لأنها تعتبر كالأمر المستثنى من العزيمة، أو هي من باب تخصيص العام أو تقييد المطلق، والخاص يقدم على العام، والمقيد يقدم على المطلق (2).
3 - الأدلة على رفع الحرج عن الأمة بلغت درجة القطع، وأن الشارع يقصد السهولة واليسر للمكلف، مما يدل على أن الرخصة أرجح من التمسك بالعزيمة، قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، وقال تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة: 6]، وقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: "إن اللَّه يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه" (3)، ولم يُخَيَّر رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وقال تعالى {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، وقال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28)} [النساء: 28].
4 - أن مقصود الشارع من الرخصة الرفق والتخفيف عن المكلف، فمن أخذ بها فيكون موافقًا لقصد الشارع، وقد نددت الآيات الكريمة
__________
(1) الموافقات: 1 ص 224، وانظر: أصول الفقه، الخضري: 77.
(2) الموافقات: 1 ص 232.
(3) رواه أحمد والبيهقي والطبراني، والبزار بإسناد حسن وابن حبان في صحيحه (الترغيب والترهيب 2/ 135).
(1/444)

بالتشدد والتكلف في أمور الدِّين، قال تعالى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86)} [ص: 86]، وقال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "هلك المتنطعون" (1)، ونهى عن التبتل في العبادة وقال: "من رغب عن سنتي فليس مني"، وقال عليه الصلاة والسلام: "إن هذه صدقة تصدق اللَّه بها عليكم فاقبلوا صدقته" (2).
5 - إن ترك الترخص مع وجود السبب قد يؤدي إلى الانقطاع عن العمل والسآمة والملل، وهذا لا يجوز شرعًا، وحذر منه رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فقال: "خذوا من العمل ما تطيقون، فإن اللَّه لن يمل حتى تملوا" (3)، ونهى عبدَ اللَّه بن عمرو عن صوم الوصال، وقال عبدُ اللَّه بن عمرو بن العاص حين كبر: "يا ليتني قبلت رخصة رسول اللَّه" وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ليس من البر الصيام في السفر" (4)، وغير ذلك من الآيات والأحاديث.

الترجيح:
لم يرجح الشاطبي رحمه اللَّه جانبًا على آخر (5)، والواقع أن الموضوع يرجع إلى تقدير المشقة والحرج الذي يحصل للمكلف، وإلى اجتهاده الشخصي وطاقته الخاصة وإيمانه وورعه وتقواه.
قال الشيخ الخضري رحمه اللَّه: إن كل مكلف فقيه نفسه في الأخذ بها، ما لم يجد فيها حدًّا شرعيًّا فيقف عنده، وبيان ذلك أن سبب الرخصة المشقة، والمشقة تختلف بحسب قوة العزائم وضعفها وبحسب
__________
(1) رواه مسلم وأبو داود وأحمد عن ابن مسعود.
(2) رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن عن عمر.
(3) رواه البخاري ومسلم عن عائشة.
(4) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وأحمد.
(5) الموافقات: 1 ص 235.
(1/445)

الأفعال، وليس كل الناس في المشاق وتحملها على حد سواء، وإذا كان كذلك فليس للمشقات المعتبرة في التخفيف ضابط مخصوص، ولا حد محدود يَطَّردُ في جميع الناس، ولذلك أقام الشارع في جملة منها المظنة مقام الحكمة، فاعتبر السفر لأنه أقرب مظان المشقة، وترك جملة منها إلى الاجتهاد كالمرض (1).
أما تتبع الرخص عند الأئمة المجتهدين بقصد التشهي والتخفيف والتهرب من التكليف فغير جائز، قال ابن حزم: وطبقة أخرى وهم قوم بلغت بهم رقة الدِّين وقلة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءهم في قول كل قائل، فهم يأخذون ما كان رخصة من قول كل عالم مقلدين له، غير طالبين ما أوجبه النص عن اللَّه تعالى وعن رسوله - صلى الله عليه وسلم - (2).
وأخيرًا فإن الفعل الواحد قد يشتمل على الوصف بالرخصة من جهة وبالعزيمة من جهة أخرى، ويتعلق بفعل المكلف حقان: حق اللَّه وحق العبد، فالتيمم مثلًا رخصة بحق العبد للتيسير عند عدم إمكان استعمال الماء، وهو عزيمة بحق اللَّه تعالى، فلا بد من الإتيان به (3).
إلى هنا ننتهي من الكلام عن الحكم الشرعي، وعن قسميه التكليفي والوضعي، وننتقل إلى الفصل الثاني، وهو الحاكم.
__________
(1) أصول الفقه، له: ص 75.
(2) الإحكام، له: 5 ص 645، وانظر: فتح العلي المالك للشيخ عليش 1/ 71.
(3) المدخل إلى مذهب أحمد: ص 72.
(1/446)

الفصل الثاني في الحاكم
من هو الحاكم:
يطلق لفظ الحاكم على معنيين:
المعنى الأول: أن الحاكم هو واضع الأحكام ومثبتها ومنشئها ومصدرها.
المعنى الثاني: أن الحاكم هو الذي يدرك الأحكام ويظهرها ويعرفها ويكشف عنها (1).
وبناء على ذلك فالحاكم بالمعنى الأول هو اللَّه تبارك وتعالى، الخالق البارئ المصور، المشرع للأحكام، المنشئ لها، وهو المصدر الوحيد للأحكام الشرعية لجميع المكلفين، فلا شرع في الإسلام إلا من اللَّه تعالى، سواء أكانت الأحكام تكليفية أم وضعية، ولا حكم إلا ما حكم به، هذا باتفاق المسلمين قاطبة، لم يخالف بذلك أحد منهم يؤمن باللَّه ربّا، وبمحمد نبيًّا، وبالقرآن دستورًا، وبالإسلام دينًا.
فمصدر الأحكام كلها حقيقة هو اللَّه عزَّ وجلَّ، سواء أظهر هذا
__________
(1) أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 147، أصول الفقه لغير الحنفية: ص 62.
(1/447)

الحكم بالنص الذي أوحى به إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -، أم فيما يتوصل إليه المجتهد بالقياس والدلائل والأمارات التي شرعها اللَّه لاستنباط أحكامه، وليست السنة والإجماع والقياس وبقية المصادر إلا مبيِّنة وكاشفة عن حكم اللَّه تعالى، ولا تعتبر حجة ولا دليلًا إلا لثبوت حجيتها من قبل اللَّه تعالى، فهي سبل ومناهج لمعرفة حكم اللَّه الواحد الأحد (1).
فاللَّه هو المشرع للأحكام، وهو الموجب لها باتفاق، ولذا وضع علماء الأصول القاعدة المشهورة "لا حكم إلا للَّه" (2)، واتفقوا على تعريف الحكم -كما سبق- بأنه خطاب اللَّه تعالى المتعلق بأفعال المكلفين، فالحاكم هو اللَّه تعالى الذي يصدر عنه الخطاب، وترجع إليه الأحكام.
واستدل العلماء على ذلك بأدلة كثيرة أهمها:
قال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إلا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57)} [الأنعام: 57]، فالآية الكريمة حصرت الحاكمية باللَّه تعالى، واستعمل القرآن الكريم أداة الحصر لتأكيد هذا المعنى.
قال تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة: 49]، فالآية الكريمة بيَّنت أن الحكم الواجب على المؤمنين هو ما أنزله اللَّه تعالى، وليس ما تميل إليه الأهواء والنفوس والعقول البشرية.
3 - قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)} [المائدة: 44]، وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)} [المائدة: 45]، وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ
__________
(1) أصول الفقه، خلاف: ص 108.
(2) الإحكام، الآمدي: 1 ص 76، فواتح الرحموت: 1 ص 25، تيسير التحرير: 2 ص 150، إرشاد الفحول: ص 7، نهاية السول: 1 ص 145، حاشية العطار على جمع الجوامع: 1 ص 78.
(1/448)

فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47)} [المائدة: 47]، فالآيات الثلاث نددت بالحكم بغير ما أنزل اللَّه تعالى، واعتبرت ذلك كفرًا أو ظلمًا أو فسوقًا.
4 - بين القرآن وجوب الرجوع إلى أحكام اللَّه تعالى في القرآن والسنة عند التنازع وعلق الإيمان عليه، فقال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء: 59].
5 - نفى القرآن الكريم الإيمان عن الناس حتى يحتكموا إلى أحكام الله تعالى، ويرضوا بذلك وتستسلم نفوسهم لها، فقال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)} [النساء: 65].
أما المعنى الثاني للحاكم وهو الذي يدرك الأحكام ويظهرها ويعرفها ويكشف عنها فميز العلماء بين حالتين:
الحالة الأولى: بعد البعثة وبلوغ الدعوة: اتفق العلماء على أن الذي يدرك الأحكام الشرعية ويظهرها هو التشريع السماوي المنزل، والحاكم هو الشرع الذي جاء به الرسول، فما أحله اللَّه فهو حلال، وما حرمه اللَّه فهو حرام، وما أمر به الشرع فهو حسن وفيه مصلحة، وما نهى عنه الشرع فهو قبيح وفيه مفسدة، وهكذا، وإن ما ورد بالشرع يلتزم به المسلم، ولا يخرج عنه قيد أنملة، ويسلم بكل ما جاء فيه دون اعتراض، ومن أنكر آية في كتاب اللَّه تعالى أو حكمًا ثبت قطعًا عن اللَّه تعالى فقد خرج عن الإسلام، وكفر باللَّه، والعياذ باللَّه (1).
الحالة الثانية: قبل البعثة، اختلف علماء المسلمين في تحديد الحاكم بالمعنى الثاني قبل البعثة، واختلفوا على دور العقل في ذلك على قولين (2).
__________
(1) إرشاد الفحول: ص 7.
(2) منهاج الوصول: ص 12، فواتح الرحموت: 1 ص 25، حاشية العطار: 1 ص 79، =
(1/449)

القول الأول: عدم وجود ما يكشف عن حكم اللَّه، وعدم وجود حكم شرعي قبل البعثة، وأن العقل لا يدرك الأحكام بنفسه بدون واسطة الرسل والكتب السماوية، فالحاكم هو اللَّه تعالى، والكاشف هو الشرع، ولم يرد شرع، وهو قول أهل السنة والجماعة.
القول الثاني: أن الحاكم حقيقة هو اللَّه تعالى، ولكن العقل يدرك أحكام اللَّه تعالى ويكشف عنها ويعرفها ويظهرها، قبل ورود الشرع، وهو قول المعتزلة، كما أن العقل يعرف أحكام اللَّه تعالى بعد البعثة فيما لم يرد فيه نص (1).

أساس الاختلاف والنتائج المترتبة عليه:
ويرجع الاختلاف السابق إلى الاختلاف في مسألة الحسن والقبح العقليين، وما يشتمل عليه الفعل من مصلحة ومفسدة، وينتج عن هذا الاختلاف عدة نتائج، أهمها اثنتان:
1 - هل يجب على الإنسان العاقل أن يدرك حسن الأفعال وقبحها، وأن يفعل الحسن ويمتنع عن القبيح؟ وبالتالي فهو محاسب على فعل القبيح، ومثاب على فعل الحسن، وهل يجب على الإنسان أن يشكر اللَّه تعالى بموجب عقله بسبب النعم التي حباه بها من الخلق والرزق والصحة وغيرها أم لا يجب؟
__________
= أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 147.
(1) يطلق كثير من علماء الأصول عبارة أن الحاكم عندنا هو اللَّه تعالى، وعند المعتزلة هو العقل، وهذا الإطلاق فيه تجاوز وتسامح وعدم دقة، لأنه لم يقل أحد من المسلمين: إن الحاكم هو العقل، وإنما قال المعتزلة: إن العقل يعرف الأحكام ويدركها قبل نزول الشرع، ولذا نبه بعض العلماء عليه، (انظر فواتح الرحموت: 1 ص 25، تيسير التحرير: 2 ص 151، نهاية السول: 1 ص 146، جمع الجوامع وحاشية العطار: 1 ص 79، شرح الكوكب المنير: 1 ص 303).
(1/450)

2 - هل يجب على اللَّه تعالى عند إنزال الشرائع أن يحكم بحسن الفعل الذي أدرك العقل حسنه، وأن يحكم بقبح الفعل الذي أدرك العقل قبحه؟

وقبل بين الاختلاف والجواب عن هذه الأسئلة نبين معنى الحسن والقبح، ثم نذكر المذاهب المختلفة في الموضوع.
معنى الحسن والقبح:
يطلق الحسن والقبح على أربعة إطلاقات، هي:
1 - يطلق الحسن على كل أمر يلائم الطبع، مثل حسن الحلو وحسن إنقاذ الغرقى، ويطلق القبح على كل أمر ينفر الطبع منه، مثل قبح المر، وقبح أخذ المال ظلمًا.
2 - يطلق الحسن على صفة الكمال، مثل حسن العلم وحسن الكرم، ويطلق القبح على صفة النقص، مثل قبح الجهل وقبح البخل.
وهذان الإطلاقان معنيان عقليان، يحكم بهما العقل بالاتفاق بين أهل السنة والمعتزلة (1).
3 - يطلق الحسن على ما يباح للإنسان فعله مع العلم به والقدرة عليه، بمعنى نفي الحرج عنه، والقبيح ما يقابله مما لا يباح له فعله، وهذا المعنى غير ذاتي باتفاق، ولا يدركه العقل، لاختلافه باختلاف الأحوال.
__________
(1) قال العز بن عبد السلام: "ومعظم مصالح الدنيا ومفاسدها معروف بالعقل، وذلك معظم الشرائع، إذ لا يخفى على عاقل قبل ورود الشرع أن تحصيل المصالح المحضة، ودرء المفاسد المحضة عن نفس الإنسان وعن غيره" قواعد الأحكام، له: 1/ 5، ثم قال: "وأما مصالح الدارين وأسبابها فلا تعرف إلا بالشرع" المرجع السابق: 1/ 10.
(1/451)

4 - يطلق الحسن على ترتب المدح في الدنيا والثواب في الآخرة، مثل حسن الطاعة، ويطلق القبح على ترتب الذم في الدنيا والعقاب في الآخرة مثل قبح المعصية (1)، وهذا المعنى مختلف فيه على قولين:
القول الأول: أن الحسن والقبح بهذا المعنى شرعيان، فلا يؤخذان إلا من الشرع، ولا يدركان إلا به، وأن الأشياء ليس لها حسن ذاتي، ولا قبح ذاتي، ولكن الأمور كلها إضافية.
القول الثاني: أن الحسن والقبح عقليان، فإن العقل يدرك ذلك بدون توقف على الشرع، وأن الحسن صفة ذاتية لبعض الأشياء، وأن القبح صفة ذاتية لبعضها الآخر، ويوجد بعض الأشياء تتردد بين النفع والضر والخير والشر (2).

مذاهب العلماء في دور العقل قبل البعثة:
اختلف علماء المسلمين في موضوع النزاع في معنى الحاكم الكاشف المظهر، ودور العقل في إظهار الأحكام، وأساس الاختلاف في الحسن والقبح والنتائج المترتبة عليه على ثلاثة مذاهب.

أولًا: مذهب الأشاعرة (3):
__________
(1) فواتح الرحموت: 1 ص 25، المستصفى: 1 ص 56، تسهيل الوصول: ص 271، إرشاد الفحول: ص 7، حاشية العطار على جمع الجوامع: 1 ص 80، مختصر ابن الحاجب: ص 29، الإحكام، الآمدي: 1 ص 76، نهاية السول: 1 ص 145، أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 148، شرح الكوكب المنير: 1 ص 305، مجموع الفتاوى: 11/ 346 وما بعدها، الوصول إلى علم الأصول: 1/ 56.
(2) مختصر ابن الحاجب: ص 30، أصول الفقه، الخضري: ص 21، المستصفى: 1 ص 56، نهاية السول: 1 ص 145، حاشية العطار: 1 ص 83، تيسير التحرير: 2 ص 150، فواتح الرحموت: 1 ص 25.
(3) وهم أتباع أبي الحسن الأشعري المتوفى سنة 324 ه، ومن وافقه كأكثر الشافعية.
(1/452)

وهو أن العقل لا يعرف حكم اللَّه تعالى في أفعال المكلفين إلا بواسطة رسله وكتبه، لأن العقول تختلف اختلافًا ظاهرًا في الحكم على الأفعال، فبعض العقول تستحسن فعلًا معينًا، بينما تستقبحه بعض العقول، وأن عقل الشخص الواحد يختلف في الفعل الواحد، فيراه حسنًا في وقت، ويراه قبيحًا في وقت آخر، ولأنه قد يغلب الهوى والتشهي على العقل، فيكون التحسين والتقبيح واهيًا وضعيفًا وقائمًا على الهوى.
وأساس هذا المذهب أن الحسن والقبح للأفعال شرعيان، وأن الحسن من أفعال العباد هو ما رآه الشارع حسنًا فأباحه وطلب فعله كالإيمان والصوم والصلاة وغيرها، وأن القبيح من أفعال الناس هو ما رآه الشارع قبيحًا وطلب تركه، مثل الكفر والزنا وشرب الخمر وغيرها، وليس الحسن ما رآه العقل حسنًا، ولا القبيح ما رآه العقل قبيحًا، أي: إن مقياس الحسن والقبح هو الشرع لا العقل.
واستدلوا على ذلك بأن الحسن والقبح ليسا ذاتيين في الفعل، لأنهما غير مطردين، فكل فعل اتفق الناس على حسنه كالصدق، نجد له جزئيات يقبح فيها إذا ترتب على الصدق مثلًا هلاك جزء عظيم من الأمة، أو قتل بريء على يد جبار ظالم، وكل فعل اتفق الناس على قبحه نجد له جزئيات يحسن فيها، فالوصف غير ذاتي، لأن ما بالذات لا يتخلف (1).
وينتج عن مذهب الأشاعرة ما يلي:
__________
(1) مختصر ابن الحاجب: ص 29، الإحكام، الآمدي: 1 ص 78، أصول الفقه، خلاف: ص 109، أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 150، تيسير التحرير: 2 ص 150، الوسيط في أصول الفقه: ص 121، الإحكام، لابن حزم: 1 ص 47، شرح الكوكب المنير: 1 ص 304، الإرشاد، الجويني: ص 259.
(1/453)

1 - أن أهل الفترة الذين عاشوا بعد موت رسول وقبل مبعث رسول، ومن عاش في عزلة تامة فلم تبلغه دعوة النبي، فلا يكلف من اللَّه تعالى بفعل شيء ولا بترك شيء، ولا يثاب على فعل الحسن، ولا يعاقب على كفر، ولا يجب عليه الإيمان والشكر للمنعم، ولا يحرم عليه غيره، لأن الثناء والشكر والتكليف واجب بالشرع لا بالعقل، فلا يأثم الإنسان إلا إذا بلغته دعوة نبي، فالواجب ما أوجبه اللَّه تعالى ومنح الثواب عليه، والحرام ما حرمه اللَّه تعالى، وتوعد بالعقاب على فاعله، وأما قبل البعثة فلا يحرم كفر ولا يجب إيمان، والعبرة لأوامر الشارع الحكيم، وأنه لا طريق إلى معرفة الأحكام إلا بالشرع.
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15)} [الإسراء: 15]، فقد نفى القرآن الكريم الحساب والمؤاخذة والعذاب قبل بعثة الرسل الذين تنزل عليهم الأحكام الشرعية، واستغنى عن ذكر الثواب بذكر مقابله من العذاب.
واستدلوا بقوله تعالى: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165)} [النساء: 165]، فالآية تدل على أن المسؤولية والحساب على الناس يكون بعد إرسال الرسل وبيان الأحكام وإقامة الحجة عليهم، ومفهوم المخالفة إمكان الاحتجاج قبل البعثة، وأن العلة في إرسال الرسل هي قطع الحجة للناس على اللَّه بعد الإرسال (1)، فعلى هذا فأهل الفترة متروكون لمشيئة اللَّه، إن شاء عذبهم، وإن شاء عفا عنهم.
__________
(1) نهاية السول: 1 ص 147، حاشية العطار على جمع الجوامع: 1 ص 87، منهاج الوصول: ص 12، مختصر ابن الحاجب: ص 32، الإحكام، الآمدي: 1 ص 83، تسهيل الوصول: ص 273، فواتح الرحموت: 1 ص 47، إرشاد الفحول: ص 7، أصول الفقه لغير الحنفية: ص 66، أصول الفقه، الخضري: ص 26.
(1/454)

2 - لا يجب على اللَّه تعالى أن يحكم بحسن ما رآه العقل حسنًا، وأن يطلب فعله من الناس، ويوجبه عليهم، ولا يجب عليه أن يحكم بقبح ما رآه العقل قبيحًا، وأن يطلب من الناس تركه، لأن إرادة اللَّه مطلقة، وهو خالق الحسن والقبيح، فله أن يشرع ما شاء على من شاء، من غير منفعة أصلًا، ولكن ثبت بالاستقراء أن اللَّه تعالى شرع أحكامه لتحقيق مصالح العباد تفضلًا منه وإحسانًا، فإن مراعاة النفع والضرر والمصلحة والمفسدة هي تفضل وكرم من اللَّه سبحانه وتعالى، وإذا لم تظهر لنا المنفعة والمصلحة فيكون الوجوب الشرعي لفائدة في الآخرة قطعًا (1).

ثانيًا: مذهب المعتزلة (2):
يرى المعتزلة أن العقل نفسه يعرف حكم اللَّه تعالى في أفعال المكلفين قبل البعثة، بدون واسطة الرسل والأنبياء والكتب، لأن كل فعل من أفعال العباد فيه من الصفات، وله من الآثار ما يجعله نافعًا أو ضارًّا، فالفعل حسن بذاته أو قبيح بذاته، وإن العقل بناء على صفات الفعل وآثاره يستطيع أن يحكم بأنه حسن أو قبيح.
واستدلوا على ذلك بأن بعض الأفعال والأقوال لا يسع العاقل إلا أن يفعلها، ويحكم بمدح فاعلها، فهي حسنة بذاتها كالصدق والإيمان، وأن بعض الأفعال والأقوال لا يسيغ العقل فعلها، لما تجلب من المضار واستنكار الناس وذمهم، كالكذب والضرر والكفر، فلا تحتاج لإقامة الدليل عليها، فالعلم بحسنها أو قبحها ضروري، فالعدل حسن
__________
(1) الإحكام، الآمدي: 1 ص 89، أصول الفقه، الخضري: 25، 27، نهاية السول: 1 ص 153، الإرشاد للجويني: ص 268.
(2) المعتزلة أتباع واصل بن عطاء المتوفى سنة 131 ه، وعمرو بن عبيد المتوفى سنة 144 ه، ووافقهم على مذهبهم الخوارج والشيعة الإمامية والزيدية والبراهمة والكرامية وغيرهم من الفرق التي تختلف مع أهل السنة والجماعة.
(1/455)

ولو كان ضارًّا، والظلم قبيح ولو كان نافعًا، في نظر العاقل سواء كان متدينًا أو غير متدين، وأن الرسول في الآية {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] هو العقل.
وأساس هذا المذهب أن الحسن والقبح أمران عقليان، وليسا شرعيين، وأن الحسن من الأفعال: ما رآه العقل حسنًا لما فيه من نفع، والقبيح من الأفعال ما رآه العقل قبيحًا لما فيه من ضرر، لأن العقل إذا لم يعلم حسن الأفعال وقبحها قبل الشرع، لاستحال عليه أن يعلم ذلك بعد الشرع، وكان مكلفًا بما لا يستطيع وهو محال (1).
وينتج عن هذا المذهب ما يلي:
1 - أن من لم تبلغهم دعوة الرسل والشرائع مكلفون من اللَّه تعالى بفعل ما يهديهم عقلهم إلى حسنه، ويثابون من اللَّه تعالى على فعله، وأنهم مكلفون بترك ما يهديهم عقلهم إلى قبحه، ويعاقبون من اللَّه تعالى على فعله، لأن العاقل يقر بأن كل فعل فيه خواص وله آثار تجعله حسنًا أو قبيحًا، فيمكن إدراك تلك الأحكام قبل أن ترد الشرائع فيها، وهل ينكر عاقل أن الشكر على النعمة والصدق والوفاء والأمانة والإيمان كلها حسنة وأن ضدها قبيح، وبالتالي فيجب شكر المنعم عليها والثناء له؟ ويكون الشكر اعتقادًا بالقلب أو تحدثًا باللسان أو سلوكًا بالخضوع والاستسلام، ومن ترك الشكر والثناء فهو آثم (2).
ونلاحظ أن استدلال المعتزلة يعتمد على إطلاق الحسن بمعنى
__________
(1) الإحكام، الآمدي: 1 ص 77، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 68، أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 150، 152، فواتح الرحموت: 1 ص 26، أصول الفقه، خلاف: ص 110، الوسيط في أصول الفقه: ص 122.
(2) المراجع السابقة، تسهيل الوصول: ص 273، أصول الفقه، البرديسي: ص 161، فواتح الرحموت: 1 ص 47.
(1/456)

الكمال، وهذا أمر متفق عليه مع الأشاعرة، ولكن الخلاف في إطلاق الحسن بمعنى ترتب المدح والثواب عليه.
2 - أن حكم اللَّه تعالى على الأفعال يكون بحسب ما تدركه العقول من النفع أو الضرر، فيطلب اللَّه تعالى من المكلفين فعل ما فيه النفع بحسب ما يدركه العقل، ويطلب ترك ما فيه ضررهم حسب ما يدركه العقل، ولا يمكن أن يأمر بأمر قبيح ذاتيًّا، ولا ينهى عن شيء حسن ذاتيًّا، لاعتقاد المعتزلة وجوب مراعاة المصالح والمفاسد، وأن الشرائع مؤكدة لحكم العقل فيما يعلمه.
ومبدأ المعتزلة أن ما رآه العقل حسنًا فهو حسن، ومطلوب شرعًا فعله، ويثاب من اللَّه فاعله، وما رآه العقل قبيحًا فهو قبيح، ومطلوب شرعًا تركه، ويعاقب من اللَّه فاعله، فالشرع تابع للعقل، ويقولون: إن الشرع مؤكد وكاشف لحكم العقل فيما أدركه من حسن الأشياء وقبحها.
واستدلوا على ذلك بأن اللَّه تعالى ما شرع حكمًا إلا بناء على ما فيه من نفع أو دفع ضرر، وأن الأحكام الشرعية جاءت لتحقيق مصالح الناس، فكل ما طلب الشارع فعله فقد طلبه لما فيه من نفع ولما يحقق من مصلحة، وكل ما نهى الشارع عنه فقد حرمه، لما فيه من ضرر ولما يترتب على فعله من مفسدة (1).
وعلى الرغم من فساد مذهب المعتزلة في بناء الأحكام على الحسن والقبح العقليين، أو بحسب المصالح والمفاسد أو المنافع والمضار، فقد يقال: إن أساس هذا المذهب هو المسوغ لتشريع الأحكام الوضعية
__________
(1) تسهيل الوصول: ص 271، فواتح الرحموت: 1 ص 26، 27، المستصفى: 1 ص 61، إرشاد الفحول: ص 7.
(1/457)

قديمًا وحديثًا في القوانين التي تخلت عن شرع اللَّه وحكمه، وتركت الأحكام الإلهية، ووضعت لنفسها أحكامًا تعتمد على العقل، وتستند على المصالح والمفاسد، وتتنكب صراط اللَّه المستقيم، وطريقه القويم، نسأل اللَّه تعالى أن يردنا إلى ديننا ردًّا جميلًا، وأن يهدي المسلمين للعمل بشريعته، إنه نعم المولى ونعم النصير.

ثالثًا: مذهب الماتريدية (1):
وهذا مذهب وسط بين المذهبين السابقين، ويرى -كالمعتزلة- أن أفعال المكلفين فيها خواص ولها آثار تقتضي حسنها أو قبحها، فالأشياء لها حسن ذاتي وقبح ذاتي، وأن العقل بناء على هذه الآثار والخواص يحكم بأن هذا الفعل حسن، وأن هذا الفعل قبيح، وما رآه العقل السليم حسنًا فهو حسن، وما رآه العقل السليم قبيحًا فهو قبيح، وأن اللَّه تعالى لا يأمر بما هو قبيح في ذاته، ولا ينهى عما هو حسن لذاته (2).
ومبدأ الماتريدية أن الحسن والقبح عقليان لا شرعيان، لأن أمهات الفضائل يدرك العقل حسنها، لما فيها من نفع، وأمهات الرذائل يدرك العقل قبحها، لما فيها من ضرر، ولو لم يرد بها شرع، واستدلوا أيضًا أن الحسن والقبح لو كانا شرعيين، ولا يعرفان إلا بالشرع لكانت الصلاة والزنا مثلًا متساويين قبل بعثة الرسل، فجعل أحدهما واجبًا والآخر حرامًا ليس أولى من العكس (3).
__________
(1) الماتريدية: أتباع أبي منصور الماتريدي، المتوفى سنة 333 ه، وأكثرهم من الحنفية، وهو رأي بعض الحنابلة كأبي الخطاب وابن تيمية وابن القيم، (انظر: شرح الكوكب المنير: 1 ص 303، 304).
(2) فواتح الرحموت: 1 ص 26، 29، 30، تيسير التحرير: 2 ص 152، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 69.
(3) فواتح الرحموت: 1 ص 29.
(1/458)

ولكنهم قالوا: إن هذا الحسن والقبح العقليين لا يقتضي طلب الحسن أو ترك القبيح في الدنيا، ولا يقتضي الثواب أو العقاب في الآخرة، لأن الثواب والعقاب على الأفعال من وضع الشارع، ومتوقف على الشرع والرسل (1).
وينتج عن هذا المذهب ما يلي:
1 - إن أهل الفترة ومن لم تبلغه الدعوة لا يطالب بفعل الحسن ولا يطالب بترك القبيح، ولا ثواب لفعل الحسن، ولا عقاب على تركه، كما لا ذم على فعل القبيح، ولا ثواب على تركه، فالثواب والعقاب لا يكون بمجرد العقل، لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15)} [الإسراء: 15]، ولذلك اشترط الحنفية في تعلق التكليف أن تبلغ الدعوة المكلف، وأن إدراك الحسن والقبح للأفعال لا يقدر عليه كل الأفراد، ولا يعقل أن يعاقب إنسان على ترك فعل لم يدرك حسنه، ولم يرشده إليه داع موثوق (2).
وهذا مما يتفق فيه الماتريدية مع الأشاعرة، وأن الثواب والعقاب والمدح والذم أمور شرعية، وتتوقف على البعثة وبلوغ الدعوة.
واستثنى الماتريدية أمرًا واحدًا وهو وجوب الإيمان والاعتقاد بوحدانية اللَّه تعالى، وأن أهل الفترة إذا لم يعتقدوا ذلك بموجب عقولهم فإنهم يعذبون ويحاسبون على شركهم وكفرهم، لأن الإيمان حسن لنفسه حسنًا لا يقبل السقوط بحال من الأحوال، وهذا رأي أكثر الحنفية بوجوب الإيمان وتحريم الكفر على كل عاقل، سواء بلغته
__________
(1) وهو رأي ابن تيمية القائل: "الحسن القبح ثابتان، الإيجاب والتحريم بالخطاب، التعذيب متوقف على الإرسال"، (انظر: شرح الكوكب المنير: 1 ص 302).
(2) فواتح الرحموت: 1 ص 25، تيسير التحرير: 2 ص 162، 165، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 69.
(1/459)

الدعوة أم لا، لأن العقل يستقل في إدراك بعض أحكام اللَّه تعالى، وأهمها الإيمان به، وروي عن أبي حنيفة رحمه اللَّه أنه قال: لا عذر لأحد في الجهل بخالقه، لما يرى من دلائل وحدانيته (1).
2 - إن الحكم العقلي بحسن الفعل أو قبحه لا يلزم منه أن تكون أحكام اللَّه تعالى في أفعال المكلفين حسب ما تدركه العقول فيها من حسن أو قبح، لأن الفعل قد يخطئ وحكم اللَّه لا يخطئ، ولأن بعض الأفعال قد تشتبه فيها العقول، ولذا فلا تلازم بين أحكام اللَّه تعالى وما تدركه العقول، وبالتالي فلا يعرف حكم اللَّه تعالى إلا بواسطة الرسل والكتب السماوية (2).

ثمرة الاختلاف:
1 - يظهر مما سبق أن جميع المسلمين متفقون على أن الحسن ما حسنه الشرع، وأن القبيح ما قبحه الشرع بعد البعثة ونزول الكتاب، فلا يترتب على الاختلاف السابق أثر بالنسبة للمكلفين الذين بلغتهم الدعوة، سواء آمنوا بها أم كفروا، فكل فعل أمر به الشارع فهو حسن ومطلوب فعله ويثاب فاعله، وكل فعل نهى عنه الشارع فهو قبيح، ومطلوب تركه ويعاقب فاعله، وإن الدراسة السابقة في موضوع الحاكم والاختلاف في الحسن والقبح دراسة تاريخية نظرية لا جدوى منها ولا طائل تحتها، ولا تترتب عليها الأحكام الشرعية إلا في الأمور التالية الأخرى.
__________
(1) فواتح الرحموت: 1 ص 28، 48، تيسير التحرير: 2 ص 151، ونقل ابن عبد الشكور قول بعض الحنفية الآخر وهو أن الكافر الذي لم تبلغه الدعوة غير مكلف بالإيمان، ولا يؤاخذ في الآخرة بخلاف المعتزلة والإمامية.
(2) فواتح الرحموت: 1 ص 25، تيسير التحرير: 1 ص 153، وقارن ما نقله الشيخ محمد أبو زهرة عن الحنفية في كتاب أصول الفقه: ص 69.
(1/460)

2 - يظهر أثر الاختلاف وثمرته بالنسبة لمن لم تبلغهم شرائع الرسل في زماننا مثلًا، أو قبل البعثة الذين يطلق عليهم اسم أهل الفترة، فقال الأشاعرة: إنهم ناجون، ولا يثابون على فعل ولا يعاقبون على غيره، وأن أمرهم راجع إلى اللَّه تعالى، وقال المعتزلة: إنهم مكلفون ومحاسبون إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، وقال الماتريدية: إنهم مكلفون بالإيمان باللَّه تعالى فقط، ولا يحاسبون ولا يعاقبون على غيره.
3 - تظهر ثمرة الاختلاف أيضًا في مكانة العقل بين مصادر التشريع، وهل يعتبر العقل مصدرًا من المصادر التشريعية التي يرجع إليها المجتهد إذا لم يجد نصًّا في كتاب أو سنة؟
قال أهل السنة والجماعة من الأشاعرة والماتريدية: إن العقل ليس مصدرًا ولا دليلًا ولا حجة، وإنما تنحصر المصادر في الأمور التي سبق ذكرها وهي القرآن والسنة ثم الاجتهاد والاستدلال والاستنباط بالقياس والاستحسان والاستصلاح والاستصحاب وغير ذلك، وإن العقل يعمل فيها حيث أباح الشارع له العمل بناء على هذه المصادر.
وقال الشيعة الإمامية الجعفرية، الذين يلتزمون بمذهب المعتزلة في العقائد: إن العقل دليل ثالث بعد القرآن والسنة، ولكن بإذن من الشارع جعل له الحق بالأخذ بما يشير إليه، فإن لم يجد المجتهد نصًّا رجع إلى العقل، فما رآه العقل حسنًا فهو عند اللَّه حسن، وهو حكم اللَّه تعالى، ويجب على المكلف فعله، وما رآه العقل قبيحًا فهو عند اللَّه قبيح ويجب على المكلف تركه (1).
__________
(1) أصول الفقه: ص 66، 70، وقد كتب الزميل الدكتور رشدي عرسان المدرس في جامعة بغداد رسالة دكتوراة في كلية الشريعة بالأزهر عن "العقل كمصدر تشريعي عند الشيعة الجعفرية" وناقشها فيآب 1971 م، وساعدت جامعة بغداد على طبعها، وجاءت في 490 صفحة.
(1/461)

الفصل الثالث في المحكوم فيه (1)
تعريف المحكوم فيه:
هو فعل المكلف الذي تعلق به خطاب الشارع (2).
وذلك أن كل حكم من أحكام الشارع يتعلق بفعل من أفعال المكلفين سواء كان الحكم اقتضاء أو تخييرًا أو وضعًا، وقد سبق تعريف الحكم بأنه خطاب اللَّه المتعلق بأفعال المكلفين، فالخطاب له محل، وهذا المحل هو فعل المكلف.
وهذا الفعل إما أن يكون واجبًا أو مندوبًا أو مكروهًا أو حرامًا أو مباحًا، وإما أن يكون سببًا أو مانعًا أو شرطًا (3).
__________
(1) يعبر بعض العلماء عن المحكوم فيه بالمحكوم به، وذلك لأن فعل المكلف يوصف بأنه مأمور به أو منهي عنه، والتعبير في المحكوم فيه أقرب وأولى كما يقول الكمال بن الهمام، لأن الشارع لم يحكم به على المكلف، بل جعل الفعل محكومًا فيه بالوجوب أو بالمنع، (انظر تيسير التحرير: 2 ص 184).
(2) التلويح على التوضيح: 3 ص 129، نهاية السول: 1 ص 181، أصول الفقه، خلاف: ص 145.
(3) الوسيط في الفقه الإسلامي: ص 140، أصول الفقه، البرديسي: ص 115.
(1/463)

مثل قوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ} [المائدة: 35]، فالإيجاب في الآية تعلق بفعل من أفعال المكلفين، وهو الجهاد فكان واجبًا.
ومثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282]، فالندب في الآية تعلق بفعل من أفعال المكلفين، وهو كتابة الدَّين فجعلته مندوبًا.
ومثل قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ} [الأنعام: 151]، فالتحريم في الآية تعلق بفعل من أفعال المكلفين هو القتل فجعلته حرامًا.
ومثل قوله تعالى: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267]، فالكراهة المأخوذة من الآية تعلقت بفعل من أفعال المكلفين هو إتفاق المال الخبيث فجعلته مكروهًا.
ومثل قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} [بالجمعة: 10]، فالإباحة في الآية تعلقت بفعل من أفعال المكلفين هو الانتشار في الأرض فجعلته مباحًا.
ومثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: 178]، فالقتل الوارد في الآية، الصادر من فعل الشخص، سبب في القصاص، ومثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يرث القاتل" (1)، فالقتل الوارد في الحديث، الصادر من فعل المكلف، مانع له من الميراث.
ومثل قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6]، فالوضوء الوارد في الآية فعل من أفعال المكلفين وهو شرط للصلاة.
وإن كان الحكم الوضعي ليس من فعل المكلف، فهو يتعلق بفعله
__________
(1) رواه أبو داود ومالك وأحمد وغيرهما بلفظ "ليس للقاتل ميراث".
(1/464)

مثل قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78]، فالدلوك سبب، وهذا السبب يتعلق بفعل المكلف، وهو وجوب الصلاة عليه.
وكذلك فإن الصحة أو الفساد أو البطلان وصف لأفعال المكلفين، وكذا العزيمة والرخصة وصف لأفعال المكلف.

الحكم تكليف بفعل:
ويدل التعريف على أن الحكم لا يتعلق إلا بفعل من أفعال المكلفين، ولذلك وضع علماء الأصول قاعدتهم: "لا تكليف إلا بفعل".
فالحكم التكليفي لا يتعلق إلا بفعل المكلف، بأن يقوم المكلف بأداء فعل من الأفعال، فإن كان الحكم طلب فعل بالإيجاب أو الندب فقد تعلق الحكم بفعل الواجب على سبيل الحتم باتفاق، كالجهاد والصلاة، أو تعلق بفعل مندوب بدون حتم كتوثيق الدين وأداء السنن.
وإن كان الحكم طلب ترك بالتحريم أو الكراهة فيتعلق الحكم أيضًا بفعل عند الجمهور، وهو كف النفس عن فعل المحرم في القتل والزنا، لأن النهي عن الشيء أمر بضده، أو كف النفس عن فعل المكروه في السؤال وكثرة الحلف باللَّه (1)، ولذلك قال الجمهور: إن ترك الحرام لا يترتب عليه ثواب إلا عند الكف والامتناع عنه حالة التعرض له.
أما الحكم الوضعي فإن كان مقدورًا للمكلف وكان من فعله، كالوضوء للصلاة، فإنه يتعلق بفعل المكلف مباشرة كما سبق، وإن لم
__________
(1) مختصر ابن الحاجب: ص 45، الإحكام، الآمدي: 1 ص 136، المستصفى: 1 ص 90، تسهيل الوصول: ص 285، 287، أصول الفقه، الخضري: ص 91، حاشية العطار: 1 ص 281، حاشية البناني: 1 ص 213، فواتح الرحموت: 1 ص 132، تيسير التحرير: 2 ص 135، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 59، القواعد والفوائد الأصولية: ص 62، شرح الكوكب المنير: 1 ص 490، 491.
(1/465)

يكن من فعله كالدلوك فإنه يتعلق بحكم تكليفي، والحكم التكليفي يتعلق بفعل المكلف، بأن يكون سببًا لحكم تكليفي، أو شرطًا أو مانعًا أو صحيحًا أو رخصة، فالحكم الوضعي متعلق بالحكم التكليفي، والحكم التكليفي متعلق بفعل المكلف، فيكون الحكم الوضعي متعلقًا بفعل المكلف بطريق غير مباشر، وذلك بواسطة الحكم التكليفي.
والنتيجة أن الحكم الشرعي، سواء كان تكليفيًّا أو وضعيًّا، متعلق بفعل المكلف، لأن الفعل هو مناط الثواب والعقاب، والمدح والذم، وقد سبق في تعريف الحكم أن المقصود بالفعل هنا كل ما يصدر عن المكلف وتتعلق إرادته وقدرته به من قول أو فعل أو اعتقاد أو تقرير (1).

شروط المحكوم فيه:
يشترط علماء الأصول بالفعل المحكوم فيه لصحة التكليف به أربعة شروط، وهي:
أولًا - أن يكون الفعل معلومًا للمكلف علمًا تامًّا حتى يتجه قصده للقيام به ويستطيع فعله، فالمكلف لا يطالب بالصلاة والزكاة والحج والجهاد والإنفاق وترك الخمر والزنا والسرقة وفحش القول إلا بعد أن يعلم حكم اللَّه فيها بالإيجاب أو التحريم، أما قبل العلم فلا يتعلق الخطاب بفعله، ولا يطالب بالفعل أو بالترك، ولا يستحق الثواب ولا العقاب (2).
وإنَّ علم المكلف بالفعل لا يكفي، بل لا بد أن يكون العلم تامًّا به،
__________
(1) انظر: تعريف الحكم اصطلاحًا وشرحه في هذا الكتاب.
(2) مباحث الحكم: ص 198، المستصفى: 1 ص 86، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص 140، أصول الفقه، خلاف: ص 147، القواعد والفوائد الأصولية: ص 57 - 58، شرح الكوكب المنير: 1 ص 490.
(1/466)

فيعلم أركان الفعل وشروطه وكيفية القيام به، وعلى هذا فإن النص المجمل في القرآن الكريم لا يكفي في تكليف المكلف به إلا بعد بيانه من رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، فقوله تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ} أمر بفعل الصلاة على المكلف، ومع ذلك لا يكلف بالصلاة، لأنه لم يعرف أركانها وشروطها وكيفية أدائها، فجاء رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وبيَّن كل ذلك وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وهكذا بقية التكاليف بالصوم والزكاة والحج والجهاد والدعوة والبيع والربا، وكل فعل تعلق به خطاب مجمل من الشارع لا يصح التكليف به إلا بعد بيانه في القرآن الكريم بنص آخر أو بالسنة المبينة، كما سبق في مبحث السنة.
ثانيًا - أن يعلم المكلف مصدر التكليف بالفعل، بأنه من اللَّه تعالى، لكي يكون التنفيذ طاعة وامتثالًا لأمر اللَّه تعالى، ولكي يتجه قصد المكلف لموافقة طلب اللَّه تعالى في التزام أحكامه بما يجب فيه قصد الطاعة والتقرب، ولهذا السبب لا يقبل المسلم حكمًا إلا إذا عرف دليله الشرعي، فيبدأ الفقهاء في كل بحث بذكر الدليل الشرعي أو الأصل الشرعي، لإقامة الحجة على المكلفين بتنفيذ الفعل والتقيد به (1).
والمراد بعلم المكلف بالفعل وبمصدر التكليف إمكان علمه به، بأن تتوفر فيه القدرة والعقل والتمكن من العلم إذا قصده واتجه إليه، بأن يكون بالغًا عاقلًا قادرًا على معرفة الأحكام بنفسه أو بسؤال أهل العلم عنها عند قيامه في دار الإسلام التي يتوفر فيها العلم والعلماء، وعندئذ يتحقق الشرط بالعلم بما كلف به، فيتعلق التكليف به، ويجب عليه تنفيذه والالتزام بآثاره، فإن قصر فلا يقبل منه الاعتذار بجهلها، ولهذا
__________
(1) أصول الفقه، خلاف: ص 148، الوسيط في أصول الفقه: ص 140، مباحث الحكم: ص 198، أصول الفقه، الخضري: ص 82، المستصفى: 1 ص 86، شرح الكوكب المنير: 1 ص 491.
(1/467)

قال الفقهاء: "لا يقبل في دار الإسلام عذر الجهل بالحكم الشرعي".
ولا يشترط علمه بالحكم فعلًا، لأنه لو اشترط ذلك لما استقام التكليف، ولفتح باب الاعتذار بجهل الأحكام، وادعى كل شخص عدم علمه به.
أما إذا لم يتوفر العقل والقدرة على العلم كالصبي والمجنون ومن أسلم حديثًا ودخل دار الإسلام، فلا يكون مأمورًا، لأنه لا يتمكن من النظر والبحث والعلم بالحكم (1).
ثالثًا - أن يكون الفعل المكلف به ممكنًا، بأن يكون في قدرة المكلف أن يفعله أو أن يتركه.
ويتفرع عن هذا الشرط ثلاثة أمور، وهي:
1 - أنه لا يصح شرعًا التكليف بالمستحيل، سواء كان مستحيلًا لذاته أو مستحيلًا لغيره.
والمستحيل لذاته هو ما لا يتصور العقل وجوده، كالجمع بين الضدين، كأن يكون الفعل واجبًا ومحرمًا في نفس الوقت على شخص واحد، والجمع بين النقيضين كالنوم واليقظة، فلا يصح التكليف بالمستحيل لذاته عند الجمهور، لأن المستحيل لذاته لا يمكن تصوره، والحكم على الشيء فرع عن تصوره، وطلب الفعل والتكليف فيه فرع عن تصور وقوعه، والمستحيل لا يمكن تصوره (2).
__________
(1) المراجع السابقة، أصول الفقه، البرديسي: ص 117، وانظر شرط المحكوم عليه في المبحث الآتي.
(2) تسهيل الوصول: ص 247، مختصر ابن الحاجب: ص 43، إرشاد الفحول: ص 9، نهاية السول: 1 ص 185، حاشية البناني: 1 ص 206، فواتح الرحموت: 1 ص 123، المستصفى: 1 ص 186، أصول الفقه، خلاف: ص 149، أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 178، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 303، مباحث الحكم: =
(1/468)

أما المستحيل لغيره، وهو ما يتصور العقل وجوده، ولكن لم تجر العادة بوقوعه، كالمشي من المريض المقعد، والطيران من الإنسان بدون أداة، والمشي على الماء، وهكذا، فلا يصح التكليف بالمستحيل لغيره عند الجمهور أيضًا، وهو قول الماتريدية ومعهم أبو حامد الإسفراييني والغزالي وابن دقيق العيد من الشافعية.
والدليل على عدم صحة التكليف بالمستحيل قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، وقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا مَا آتَاهَا} [الطلاق: 7]، ولأن التكليف بالمستحيل الذي لا سبيل إلى فعله عبث، والمشرع الحكيم منزه عن العبث (1).
وذهب جمهور الأشاعرة إلى جواز التكليف بالمستحيل لذاته والمستحيل لغيره (2)، لوقوعه في الشرع في تكليف العاصي بالإيمان مع استحالة إيمانه لعلم اللَّه تعالى بعدم إيمانه، وتكليف أبي جهل بالإيمان وتصديق الرسول، ومن جملة ما جاء به الرسول أن أبا جهل لا يُصدِّقه، واحتجوا بسؤال رفع التكليف في قوله تعالى: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: 286]، على جواز التكليف بالمستحيل لغيره، لأن سؤال رفعه يدل على جواز وقوعه، ولأن التكليف بالمستحيل يفيد في اختبار المكلفين بالأخذ في الأسباب والمقدمات التي كلفوا بها لاكتساب الأجر والثواب، وإن لم يترتب عليها حكم ولا ثمرة (3).
__________
= ص 190، الوسيط في أصول الفقه: ص 141، أصول الفقه، الخضري: ص 83، الموافقات: 2 ص 76، شرح الكوكب المنير: 1 ص 484، 485، شرح تنقيح الفصول: ص 143.
(1) المراجع السابقة.
(2) انظر الإرشاد للجويني ص: 226.
(3) المراجع السابقة، حاشية العطار: 1 ص 269، الإحكام، الآمدي: 1 ص 124، منهاج الوصول: ص 15، وانظر صفحة 232 هامش 4 من هذا الكتاب، شرح =
(1/469)

وهذا الاختلاف نظري في الجواز وعدمه، لا يترتب عليه أثر عملي، لاتفاق العلماء على عدم وقوعه في الأحكام التشريعية، وأن الواقع العملي أن الشارع لم يكلف المكلف إلا بما هو في مقدوره أن يفعله، لقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا}، قال الشوكاني: على أن الخلاف في مجرد الجواز لا يترتب عليه فائدة أصلًا (1).
2 - لا يصح شرعًا تكليف المكلف بأن يفعل غيره فعلًا أو يكف غيره عن فعل، لأن هذا التكليف ليس ممكنًا، ولا يدخل في مقدوره (2)، فلا يكلف شخص بأن يجاهد أخوه، أو أن يصلي أبوه، أو أن يكف صديقه عن الفواحش، ولذا فلا يسأل الإنسان عن فعل غيره، ولا يعاقب مكانه، لقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38)} [المدثر: 38]، وقوله تعالى: {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164]، فالإنسان مسؤول عن نفسه فقط، ولا يكون مسؤولًا عن غيره نهائيًّا إلا بما أنيط به بنفسه من رعاية وتربية ونصح ووعظ وإرشاد للزوجة والأولاد والطلاب والناس من حوله.
وكل ما يكلف به الإنسان تجاه غيره هو أن يقدم له النصيحة، وأن يأمره بالمعروف، وينهاه عن المنكر، وهذا في مقدوره، وكل مسلم مسؤول عنه، لقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" (3).
__________
= الكوكب المنير: 1 ص 485 وما بعدها، شرح تنقيح الفصول: ص 143.
(1) إرشاد الفحول: ص 9، وانظر الموافقات: 2 ص 76، شرح الكوكب المنير: 1 ص 489.
(2) الإحكام، الآمدي: 1 ص 124، المستصفى: 1 ص 86.
(3) رواه مسلم وأصحاب السنن وأحمد.
(1/470)

ويتفرع عن هذا الموضوع النيابة عن الغير، فيجوز النيابة عن الغير في المعاملات باتفاق، ولا تقبل النيابة في الإيمان وأصول العقيدة باتفاق، أما في التكاليف البدنية ففيه تفصيل، فالصلاة لا تصح فيها النيابة باتفاق، لأنها وجبت ابتلاء وامتحانًا من اللَّه تعالى لاستسلام النفس إلى خالقها، وكسر النفس الأمارة بالسوء، وأما الصوم فقال بعض الشافعية وأحمد بجواز النيابة فيه لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" (1)، وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي بعدم جواز النيابة في الصوم لقول ابن عباس: "لا يصلِّ أحد عن أحد ولا يصم أحد عن أحد"، وبما قالته السيدة عائشة: "لا تصوموا عن موتاكم، وأطعموا عنهم"، أما الحج فقال الجمهور بجواز النيابة عنه، وقال الإمام مالك بعدم جوازه (2).
3 - لا يصح شرعًا التكليف بالأمور الفطرية التي لا كسب للإنسان فيها ولا اختيار، وهي أمور وجدانية وجبلية تستولي على النفس من حيث لا تشعر، ولا قدرة للإنسان على جلبها ولا على دفعها، كالانفعال عند الغضب، والحمرة عند الخجل، والخوف عند الظلام، والحزن والفزع والطول والقصر والسواد والبياض، والشهية عند رؤية الطعام والشراب، والحب والكره، وغير ذلك من الغرائز التي خلقها اللَّه تعالى في الإنسان، ولا تخضع لإرادة المكلف، وبالتالي فهي خارجة عن قدرته وإمكانيته، فلا يكلف بها، لأنها تكليف بما لا يطاق (3).
__________
(1) رواه البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد، صحيح البخاري: 2/ 690، صحيح مسلم 8/ 23.
(2) انظر الإحكام، الآمدي: 1 ص 137، مباحث الحكم: ص 193، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 310. ورجح النووي قول أحمد لصحة الحديث فيه (مسند أحمد 5/ 349، المجموع: 6/ 425، 428).
(3) الموافقات: 2 ص 79، 81، أصول الفقه، خلاف: ص 150، الوسيط في الفقه: =
(1/471)

وكل نص يدل ظاهره على التكليف بأحد هذه الأمور فلا يقصد منه ظاهره، ويكون التكليف فيه واردًا على سببه أو نتيجته وثمرته (1)، مثل قوله تعالى: {وَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102)} [آل عمران: 102]، فالظاهر أن الآية تنهى الإنسان عن الموت إلا وهو مسلم، والموت ليس بيد الإنسان، فتصرف الآية عن ظاهرها، ويكون التكليف في الآية حقيقة هو الأمر بالدخول في الإسلام، واتخاذ الأسباب والطرق التي تُثبت الإيمان، وتقوي العقيدة، ليبقى الإنسان مسلمًا حتى الموت.
ومثل قوله تعالى {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} [الحديد: 23]، فالآية تنهى عن الحزن عند المصيبة، وتنهى عن الفرح للرزق، والحزن والفرح أمران نفسيان جبليان ذاتيان لا يقدر عليهما المكلف، فيكون التكليف بالتخفيف من شدة الحزن، وعدم البطر والزهو بالرزق والنعمة، ومثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تغضب" (2)، فالظاهر التكليف بالكف عن الغضب، وهو أمر طبيعي عند وجود سببه، والحقيقة أن التكليف بالامتناع عن الدخول في أسباب الغضب، وعما يعقب الغضب من الانتقام والخروج عن الحالة الطبيعية للإنسان العادي (3)، ومثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم هذا قَسْمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" (4)، وهو ميل القلب والمحبة لبعض نسائه أكثر
__________
= ص 146.
(1) يقول الشاطبي: "إذا ظهر من الشارع في بادئ الرأي القصد إلى التكليف بما لا يدخل تحت قدرة المكلف فذلك راجع في التحقيق إلى سوابقه أو لواحقه أو قرائنه". (الموافقات: 2 ص 76).
(2) رواه البخاري والترمذي وأحمد والحاكم عن أبي هريرة.
(3) انظر تفصيل ذلك في الموافقات: 2 ص 79، 94، 96، أصول الفقه، شعبان: ص 263، أصول الفقه، خلاف: ص 150، الوسيط في أصول الفقه: ص 146.
(4) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه.
(1/472)

من بعض، ومثل قوله - صلى الله عليه وسلم - عندما مات ابنه إبراهيم وذرفت دموعه - صلى الله عليه وسلم -، فقال له عبد الرحمن بن عوف: أتبكي يا رسول اللَّه، وقد نَهَيْتَ عن البكاء؟ فقال: "إنما نهيتُ عن النياحة، وأن يندب الميت بما ليس فيه، وإنما هذه رحمة، ومن لا يرحم لا يُرحم، ثم قال: إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنَّا عليك يا إبراهيم لمحزونون (1) "، والمطلوب شرعًا أن يخفف الإنسان من هذه الأمور الفطرية، وأن يهذبها وأن يوجهها نحو الفضيلة والخير، مثل حب المال، وحب البقاء، والطمع ... وغير ذلك من الغرائز والعواطف والميول التي تنزع بالإنسان نحو الشر والرذيلة وما يسيء إليه.
رابعًا -حصول الشرط الشرعي، وهو الذي لا يصح عمل المكلف إلا به، كالطهارة بالنسبة للصلاة، والإيمان بالنسبة للعبادات.
واختلف العلماء في صحة تكليف الإنسان بفعل قبل حصول الشرط، ويتجلى هذا الشرط في مسألة أصولية مشهورة، وهي تكليف الكفار بفروع الشريعة بعد الاتفاق على تكليفهم بالإيمان وأصول الدين، وإنَّ تركهم له يوجب تخليدهم في النار، لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6)} [البينة: 6]، وفيما وراء ذلك قال الجمهور بعدم اشتراط الشرط الشرعي للتكليف، وأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، لأن آيات التكليف عامة تخاطب الناس جميعًا، فيدخل فيها المؤمن والكافر، وأن الآيات التي تتحدث عن عقاب الآخرة تصرح بمسؤولية الكافر وعقوبته على ترك الصلاة والزكاة مثلًا، وأن العقل لا يمنع ذلك.
وقال أكثر الحنفية: يشترط حصول الشرط الشرعي أولًا لصحة
__________
(1) رواه ابن سعد.
(1/473)

التكليف، فإن فقد الشرط فلا يكلف العبد بها، وإن الكفار غير مكلفين بفروع الشريعة (1).
والأدلة من النصوص وغيرها ترجح قول الجمهور، ولذا قال الشوكاني: والحق ما ذهب إليه الجمهور (2).
وقد سبق بيان ذلك في مطلب الشرط، فلا حاجة لتكراره، ومن أراد التفصيل في الأدلة والمزيد في البيان فليرجع إلى كتب الأصول المعتمدة (3).

المشقة في التكليف بالأفعال:
ويتفرع عن الشرط الثالث، بأن يكون الفعل ممكنًا ومقدورًا للمكلف، مسألةُ المشقة في التكليف، فإن كل عمل يقوم به الإنسان لا يخلو من مشقة، ولو في طعامه وشرابه، ولذا تقسم المشقة إلى نوعين:
__________
(1) وهناك قول ثالث يفصل في الموضوع، فيقول: الكفار مخاطبون ومكلفون بالنواهي دون الأوامر، وسبق بيان ذلك في مطلب الشرط.
(2) إرشاد الفحول: ص 10، ويترتب على قول الجمهور أحكام كثيرة في الحياة الدنيا مثل تنفيذ طلاق الكافر وظهاره وإلزامه بالكفارات وتطبيق الأحكام المترتبة عليه حال ردته، (انظر الوسيط في أصول الفقه: ص 158، التمهيد للإسنوي: ص 28) وقارن أصول الفقه، الخضري: ص 94.
(3) مختصر ابن الحاجب: ص 45، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 58، منهاج الوصول: ص 16، الإحكام، الآمدي: 1 ص 133، أصول الفقه، أبو النور: 1 ص 184، المستصفى: 1 ص 91، فواتح الرحموت: 1 ص 128، حاشية العطار على جمع الجوامع: 1 ص 274، وحاشية البناني: 1 ص 211، نهاية السول: 1 ص 194، تيسير التحرير: 2 ص 148، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 309، وانظر: مطلب الشرط من هذا الكتاب، وانظر: إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك، الونشريسي ص 283.
(1/474)

أولًا: المشقة المعتادة:
وهي المشقة التي جرت عادة الناس على احتمالها والاستمرار عليها، وتدخل في حدود طاقة المكلف.
وهذا النوع مشروع وموجود في التكاليف الشرعية، واشتراط الإمكان والقدرة في التكليف لا يستلزم انتفاء المشقة على المكلف، وأن نفس التكليف فيه زيادة على ما جرت به العادات قبل التكليف، وأنه لا منافاة بين كون الفعل مقدورًا وكونه شاقًّا، وأن التكاليف الشرعية لا تخلو من مشقة، لأن التكليف نفسه هو الإلزام بما فيه كلفة ومشقة، وكل تكليف فيه مشقة محتملة، لترويض النفس على المباحات وإبعادها عن المحرمات، وذلك فيه مشقة، قال - صلى الله عليه وسلم -: "حُفَّتِ الجنةُ بالمكاره، وحُفَّتِ النار بالشهوات" (1)، فالوضوء والصلاة والحج فيها مشقات على المكلف، ولكنه يتحملها ولا يلحقه ضرر إذا داوم عليها (2).
وهذه المشقة الموجودة في التكاليف ليست مقصودة من الشارع، وإنما القصد منها تحقيق المصالح المترتبة عليها، ودرء المفاسد المتوقعة منها، للحفاظ على مقاصد الشريعة الضرورية والحاجية والتحسينية (3)، فيلزم المكلف أن يتحمل هذه المشقة لتحقيق هذه المصالح، كما يتحمل المريض الدواء المر من أجل الشفاء، فالمقصود
__________
(1) رواه مسلم والترمذي وأحمد.
(2) الموافقات: 2 ص 85، 87، مباحث الحكم: ص 195، أصول الفقه، شعبان: ص 265، أصول الفقه، خلاف: ص 151، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص 147، شرح الكوكب المنير: 1 ص 483، قواعد الأحكام: 2/ 9، الأشباه للسيوطي: ص 80.
(3) الموافقات: 2 ص 4.
(1/475)

في الصوم مثلًا تهذيب النفس وتربية الروح، وتعويد المرء على الصبر، وليس المقصود إيلام النفس بالجوع والعطش (1).
ويجب على المكلف أن يتحرى مقاصد الشريعة في التكليف، وأن لا يقصد مجرد المشقات التي فيها، ومن فعل ذلك ظانًّا زيادة الأجر والتقرب فقد أخطأ، ولا أجر له، ولكن له أن يقصد العمل الذي يعظم أجره وتعظم مشقته (2).

ثانيًا: المشقة غير المعتادة:
وهي المشقة الخارجة عن معتاد الناس، ولا يمكن أن يداوموا على تحملها، وأن المداومة على هذه المشقة يرهق المكلف ويقطعه عن التكليف، ويناله الضرر والأذى في النفس والمال، وهذا يتنافى مع مقاصد الشريعة (3).
وهذا النوع لم يرد في التكاليف الشرعية إلا استثناء (4)، وإذا حصلت مثل هذه المشقة، لعارض ما، فقد شرع سبحانه وتعالى الرخصة ورغب
__________
(1) أصول الفقه، الخضري: ص 85.
(2) الموافقات: 2 ص 91.
(3) أصول الفقه، خلاف: ص 153، مباحث الحكم: ص 197، أصول الفقه، أبو زهرة: ص 305، الموافقات: 2 ص 84.
(4) ورد التكليف بأمور شاقة استثناء في أحوال خاصة لمقاصد معينة وبشروط معينة، وذلك لجواز التكليف فيها لا على وجه الدوام والاستمرار من جهة، أو فيها دوام واستمرار ولكن ليست فرض عين على جميع المكلفين، إنما هي فرض كفاية على من يجاهد نفسه ويتحمل هذه المش